Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الانفطار 82:1 – البروج 85:22

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الانفطار 82:1
  2. الانفطار 82:2
  3. الانفطار 82:3
  4. الانفطار 82:4
  5. الانفطار 82:5
  6. الانفطار 82:6
  7. الانفطار 82:7
  8. الانفطار 82:8
  9. الانفطار 82:9
  10. الانفطار 82:10
  11. الانفطار 82:11
  12. الانفطار 82:12
  13. الانفطار 82:13
  14. الانفطار 82:14
  15. الانفطار 82:15
  16. الانفطار 82:16
  17. الانفطار 82:17
  18. الانفطار 82:18
  19. الانفطار 82:19
  20. المطففين 83:1
  21. المطففين 83:2
  22. المطففين 83:3
  23. المطففين 83:4
  24. المطففين 83:5
  25. المطففين 83:6
  26. المطففين 83:7
  27. المطففين 83:8
  28. المطففين 83:9
  29. المطففين 83:10
  30. المطففين 83:11
  31. المطففين 83:12
  32. المطففين 83:13
  33. المطففين 83:14
  34. المطففين 83:15
  35. المطففين 83:16
  36. المطففين 83:17
  37. المطففين 83:18
  38. المطففين 83:19
  39. المطففين 83:20
  40. المطففين 83:21
  41. المطففين 83:22
  42. المطففين 83:23
  43. المطففين 83:24
  44. المطففين 83:25
  45. المطففين 83:26
  46. المطففين 83:27
  47. المطففين 83:28
  48. المطففين 83:29
  49. المطففين 83:30
  50. المطففين 83:31
  51. المطففين 83:32
  52. المطففين 83:33
  53. المطففين 83:34
  54. المطففين 83:35
  55. المطففين 83:36
  56. الانشقاق 84:1
  57. الانشقاق 84:2
  58. الانشقاق 84:3
  59. الانشقاق 84:4
  60. الانشقاق 84:5
  61. الانشقاق 84:6
  62. الانشقاق 84:7
  63. الانشقاق 84:8
  64. الانشقاق 84:9
  65. الانشقاق 84:10
  66. الانشقاق 84:11
  67. الانشقاق 84:12
  68. الانشقاق 84:13
  69. الانشقاق 84:14
  70. الانشقاق 84:15
  71. الانشقاق 84:16
  72. الانشقاق 84:17
  73. الانشقاق 84:18
  74. الانشقاق 84:19
  75. الانشقاق 84:20
  76. الانشقاق 84:21
  77. الانشقاق 84:22
  78. الانشقاق 84:23
  79. الانشقاق 84:24
  80. الانشقاق 84:25
  81. البروج 85:1
  82. البروج 85:2
  83. البروج 85:3
  84. البروج 85:4
  85. البروج 85:5
  86. البروج 85:6
  87. البروج 85:7
  88. البروج 85:8
  89. البروج 85:9
  90. البروج 85:10
  91. البروج 85:11
  92. البروج 85:12
  93. البروج 85:13
  94. البروج 85:14
  95. البروج 85:15
  96. البروج 85:16
  97. البروج 85:17
  98. البروج 85:18
  99. البروج 85:19
  100. البروج 85:20
  101. البروج 85:21
  102. البروج 85:22

الانفطار 82:1

(p-٦٠٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَةَ عَشَرَ. (p-٦٠٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ كَما في آيَةِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أيْ: تَساقَطَتْ. والِانْتِثارُ اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الكَواكِبِ؛ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها. وهي مُصَرِّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ. ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أيْ: فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، لِزَوالِ الحاجِزِ بِزَلْزَلَةِ الأرْضِ وارْتِجافِها. ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] أيْ: بُحِثَتْ وأُخْرِجَ مَوْتاها. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أُزِيلَ التُّرابُ الَّتِي مُلِئَتْ بِهِ وكانَ حَتّى عَلى مَوْتاها، فانْفَتَحَتْ وخَرَجَ مَن دُفِنَ فِيها. وهَذا مَعْنى البَعْثَرَةِ، وحَقِيقَتُها تَبْدِيدُ التُّرابِ أوْ نَحْوُهُ، وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ، فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازَمَهُ مَعًا، كَما هُنا. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في سُورَةِ العادِياتِ. والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّهُ أُسْنِدَ هُنا لِلْقُبُورِ فَكانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وثَمَّ لِما فِيها، فَكانَتْ مَجازًا عَمّا ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ ويُسَمّى نَحْتًا. وأصْلُهُ: (بُعِثَ)، و(أُثِيرَ) أيْ: حُرِّكَ وأُخْرِجَ، ولَهُ نَظائِرُ كَبَسْمَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ، أيْ: قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، (p-٦٠٨٥)وأدامَ اللَّهُ عِزَّهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والزِّيادَةُ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَما فَصَّلَهُ في (المُزْهِرِ) نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: تَرَكَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوِ المَعْنى: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ طَيِّبٍ لَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ، "وما أخَّرَتْ": أيْ: قَصَّرَتْ فِيهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وِجْدانُ الجَزاءِ عَلَيْهِما، وتَحَقُّقُ مِصْداقِ الوَعْدِ عَلَيْهِما.

الانفطار 82:2

(p-٦٠٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَةَ عَشَرَ. (p-٦٠٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ كَما في آيَةِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أيْ: تَساقَطَتْ. والِانْتِثارُ اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الكَواكِبِ؛ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها. وهي مُصَرِّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ. ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أيْ: فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، لِزَوالِ الحاجِزِ بِزَلْزَلَةِ الأرْضِ وارْتِجافِها. ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] أيْ: بُحِثَتْ وأُخْرِجَ مَوْتاها. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أُزِيلَ التُّرابُ الَّتِي مُلِئَتْ بِهِ وكانَ حَتّى عَلى مَوْتاها، فانْفَتَحَتْ وخَرَجَ مَن دُفِنَ فِيها. وهَذا مَعْنى البَعْثَرَةِ، وحَقِيقَتُها تَبْدِيدُ التُّرابِ أوْ نَحْوُهُ، وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ، فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازَمَهُ مَعًا، كَما هُنا. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في سُورَةِ العادِياتِ. والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّهُ أُسْنِدَ هُنا لِلْقُبُورِ فَكانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وثَمَّ لِما فِيها، فَكانَتْ مَجازًا عَمّا ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ ويُسَمّى نَحْتًا. وأصْلُهُ: (بُعِثَ)، و(أُثِيرَ) أيْ: حُرِّكَ وأُخْرِجَ، ولَهُ نَظائِرُ كَبَسْمَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ، أيْ: قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، (p-٦٠٨٥)وأدامَ اللَّهُ عِزَّهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والزِّيادَةُ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَما فَصَّلَهُ في (المُزْهِرِ) نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: تَرَكَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوِ المَعْنى: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ طَيِّبٍ لَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ، "وما أخَّرَتْ": أيْ: قَصَّرَتْ فِيهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وِجْدانُ الجَزاءِ عَلَيْهِما، وتَحَقُّقُ مِصْداقِ الوَعْدِ عَلَيْهِما.

الانفطار 82:3

(p-٦٠٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَةَ عَشَرَ. (p-٦٠٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ كَما في آيَةِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أيْ: تَساقَطَتْ. والِانْتِثارُ اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الكَواكِبِ؛ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها. وهي مُصَرِّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ. ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أيْ: فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، لِزَوالِ الحاجِزِ بِزَلْزَلَةِ الأرْضِ وارْتِجافِها. ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] أيْ: بُحِثَتْ وأُخْرِجَ مَوْتاها. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أُزِيلَ التُّرابُ الَّتِي مُلِئَتْ بِهِ وكانَ حَتّى عَلى مَوْتاها، فانْفَتَحَتْ وخَرَجَ مَن دُفِنَ فِيها. وهَذا مَعْنى البَعْثَرَةِ، وحَقِيقَتُها تَبْدِيدُ التُّرابِ أوْ نَحْوُهُ، وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ، فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازَمَهُ مَعًا، كَما هُنا. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في سُورَةِ العادِياتِ. والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّهُ أُسْنِدَ هُنا لِلْقُبُورِ فَكانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وثَمَّ لِما فِيها، فَكانَتْ مَجازًا عَمّا ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ ويُسَمّى نَحْتًا. وأصْلُهُ: (بُعِثَ)، و(أُثِيرَ) أيْ: حُرِّكَ وأُخْرِجَ، ولَهُ نَظائِرُ كَبَسْمَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ، أيْ: قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، (p-٦٠٨٥)وأدامَ اللَّهُ عِزَّهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والزِّيادَةُ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَما فَصَّلَهُ في (المُزْهِرِ) نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: تَرَكَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوِ المَعْنى: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ طَيِّبٍ لَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ، "وما أخَّرَتْ": أيْ: قَصَّرَتْ فِيهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وِجْدانُ الجَزاءِ عَلَيْهِما، وتَحَقُّقُ مِصْداقِ الوَعْدِ عَلَيْهِما.

الانفطار 82:4

(p-٦٠٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَةَ عَشَرَ. (p-٦٠٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ كَما في آيَةِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أيْ: تَساقَطَتْ. والِانْتِثارُ اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الكَواكِبِ؛ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها. وهي مُصَرِّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ. ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أيْ: فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، لِزَوالِ الحاجِزِ بِزَلْزَلَةِ الأرْضِ وارْتِجافِها. ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] أيْ: بُحِثَتْ وأُخْرِجَ مَوْتاها. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أُزِيلَ التُّرابُ الَّتِي مُلِئَتْ بِهِ وكانَ حَتّى عَلى مَوْتاها، فانْفَتَحَتْ وخَرَجَ مَن دُفِنَ فِيها. وهَذا مَعْنى البَعْثَرَةِ، وحَقِيقَتُها تَبْدِيدُ التُّرابِ أوْ نَحْوُهُ، وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ، فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازَمَهُ مَعًا، كَما هُنا. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في سُورَةِ العادِياتِ. والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّهُ أُسْنِدَ هُنا لِلْقُبُورِ فَكانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وثَمَّ لِما فِيها، فَكانَتْ مَجازًا عَمّا ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ ويُسَمّى نَحْتًا. وأصْلُهُ: (بُعِثَ)، و(أُثِيرَ) أيْ: حُرِّكَ وأُخْرِجَ، ولَهُ نَظائِرُ كَبَسْمَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ، أيْ: قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، (p-٦٠٨٥)وأدامَ اللَّهُ عِزَّهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والزِّيادَةُ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَما فَصَّلَهُ في (المُزْهِرِ) نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: تَرَكَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوِ المَعْنى: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ طَيِّبٍ لَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ، "وما أخَّرَتْ": أيْ: قَصَّرَتْ فِيهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وِجْدانُ الجَزاءِ عَلَيْهِما، وتَحَقُّقُ مِصْداقِ الوَعْدِ عَلَيْهِما.

الانفطار 82:5

(p-٦٠٨٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْفِطارِ وهِيَ مَكِّيَّةٌ. وآيُها تِسْعَةَ عَشَرَ. (p-٦٠٨٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ أيِ: انْشَقَّتْ كَما في آيَةِ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢] أيْ: تَساقَطَتْ. والِانْتِثارُ اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الكَواكِبِ؛ حَيْثُ شُبِّهَتْ بِجَواهِرَ قُطِعَ سِلْكُها. وهي مُصَرِّحَةٌ أوْ مُكَنِّيَةٌ. ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٣] أيْ: فُتِحَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، لِزَوالِ الحاجِزِ بِزَلْزَلَةِ الأرْضِ وارْتِجافِها. ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤] أيْ: بُحِثَتْ وأُخْرِجَ مَوْتاها. قالَ الشِّهابُ: يَعْنِي أُزِيلَ التُّرابُ الَّتِي مُلِئَتْ بِهِ وكانَ حَتّى عَلى مَوْتاها، فانْفَتَحَتْ وخَرَجَ مَن دُفِنَ فِيها. وهَذا مَعْنى البَعْثَرَةِ، وحَقِيقَتُها تَبْدِيدُ التُّرابِ أوْ نَحْوُهُ، وهو إنَّما يَكُونُ لِإخْراجِ شَيْءٍ تَحْتَهُ، فَقَدْ يُذْكَرُ ويُرادُ مَعْناهُ ولازَمَهُ مَعًا، كَما هُنا. وقَدْ يُتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ البَعْثِ والإخْراجِ كَما في سُورَةِ العادِياتِ. والفارِقُ بَيْنَهُما أنَّهُ أُسْنِدَ هُنا لِلْقُبُورِ فَكانَ عَلى حَقِيقَتِهِ. وثَمَّ لِما فِيها، فَكانَتْ مَجازًا عَمّا ذُكِرَ. ثُمَّ قالَ: وذَهَبَ بَعْضُ الأئِمَّةِ كالزَّمَخْشَرِيِّ والسُّهَيْلِيِّ إلى أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ اخْتِصارًا، ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في لُغَةِ العَرَبِ ويُسَمّى نَحْتًا. وأصْلُهُ: (بُعِثَ)، و(أُثِيرَ) أيْ: حُرِّكَ وأُخْرِجَ، ولَهُ نَظائِرُ كَبَسْمَلَ وحَوْقَلَ ودَمْعَزَ، أيْ: قالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، (p-٦٠٨٥)وأدامَ اللَّهُ عِزَّهُ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْناهُ النَّبْشَ والإخْراجَ مَعًا. ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ الرّاءَ لَيْسَتْ مِن أحْرُفِ الزِّيادَةِ، كَما تَوَهَّمَهُ أبُو حَيّانَ، فَإنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ التَّرْكِيبِ والنَّحْتِ مِن كَلِمَتَيْنِ، والزِّيادَةُ عَلى بَعْضِ الحُرُوفِ الأُصُولِ مِن كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، كَما فَصَّلَهُ في (المُزْهِرِ) نَقْلًا عَنْ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن عَمَلٍ صالِحٍ أوْ سَيِّئٍ ﴿وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] أيْ: تَرَكَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أوِ المَعْنى: ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ طَيِّبٍ لَمْ تُقَصِّرْ فِيهِ، "وما أخَّرَتْ": أيْ: قَصَّرَتْ فِيهِ. والمُرادُ بِالعِلْمِ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وِجْدانُ الجَزاءِ عَلَيْهِما، وتَحَقُّقُ مِصْداقِ الوَعْدِ عَلَيْهِما.

الانفطار 82:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ والِانْحِرافِ عَنْ فِطْرَتِهِ؛ وذُكِرَ "الكَرِيمِ" لِلْمُبالَغَةِ في المَنعِ عَنْ الِاغْتِرارِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى العَظِيمِ الجَلِيلِ الكامِلِ في نُعُوتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَجَدِيرٌ بِأنْ يُرْهَبَ عِقابُهُ ويُخْشى انْتِقامُهُ وعَذابُهُ، لا سِيَّما ولَهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ما يَزِيدُ في الرَّهْبَةِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ سَوِيًّا مُتَساوِيَ الأعْضاءِ والقُوَّةِ. وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى سَواءٍ؛ فَتَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُقْتَضاها بِإعْطائِها ما تَتِمُّ بِهِ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ، مُعْتَدِلَ القامَةِ، لا كالبَهائِمِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ، أوْ بِمَعْنى صَرَفَكَ عَنْ خِلْقَةِ غَيْرِكَ إلى خِلْقَةٍ حَسَنَةٍ، مِزْتَ بِها عَلى سائِرِ الحَيَوانِ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] أيْ: في أيِّ صُورَةٍ شاءَها رَكَّبَكَ عَلَيْها. يَعْنِي أنَّهُ رَكَّبَكَ في صُورَةٍ هي أبْدَعُ الصُّوَرِ وأعْجَبُها. فَـ "أيِّ" اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، و"ما" زائِدَةٌ (p-٦٠٨٦)وجُمْلَةُ "شاءَ" صِفَةُ "صُورَةٍ" والقَصْدُ أنَّ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وسَوّاهُ وعَدَلَهُ بِقُدْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ، حَتّى أحْكَمَ صُورَتَهُ في ذَلِكَ التَّرْكِيبِ، لَجَدِيرٌ بِأنْ يُتَّقى بَأْسُهُ ويُحْذَرَ بَطْشُهُ ويُرْهَبَ أشَدَّ تَرْهِيبٍ. تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي) في بَحْثِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صَرِيحًا في تَرْتِيبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ، عَلى الأسْبابِ ما تَتِمَّتُهُ: فَلْيَحْذَرْ مُغالَطَةَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأسْبابِ، وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ فَإنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ أنَّ المَعْصِيَةَ والغَفْلَةَ مِنَ الأسْبابِ المُضِرَّةِ لَهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، ولا بُدَّ. ولَكِنْ تُغالِطُهُ نَفْسُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ المُغْتَرِّينَ مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ. قالَ: كاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فَيَقُولُ: كَرَّمَهُ. وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ. وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغُرُورُ، وهو الشَّيْطانُ ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ؛ وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ "الكَرِيمِ" وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ ولا إهْمالَ لِحَقِّهِ؛ ووَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ (الغُرُورَ) في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ. انْتَهى. وفِي مِثْلِ هَذا الغُرُورِ يَجِبُ -كَما قالَ الغَزالِيُّ- عَلى العَبْدِ أنْ يَسْتَعْمِلَ الخَوْفَ، فَيُخَوِّفُ نَفْسَهُ بِغَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عِقابِهِ، ويَقُولُ: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ، شَدِيدُ العِقابِ. و: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ كَرِيمٌ، خَلَّدَ الكُفّارَ في النّارِ أبَدَ الآبادِ. مَعَ أنَّهُ لَمْ يَضُرَّهُ كُفْرُهُمْ، بَلْ سَلَّطَ العَذابَ والمِحَنَ والأمْراضَ والعِلَلَ والفَقْرَ والجُوعَ عَلى جُمْلَةٍ مِن عِبادِهِ في الدُّنْيا، وهو قادِرٌ عَلى إزالَتِها، فَمَن هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ -وقَدْ خَوَّفَنِي عِقابُهُ- فَكَيْفَ لا أخافُهُ؟ وكَيْفَ أغْتَرُّ بِهِ؟ فالخَوْفُ والرَّجاءُ قائِدانِ وسائِقانِ يَبْعَثانِ النّاسَ عَلى العَمَلِ، فَما لا يَبْعَثُ عَلى العَمَلِ فَهو تَمَنُّنٌ وغُرُورٌ، (p-٦٠٨٧)ورَجاءُ كافَّةِ الخَلْقِ هو سَبَبُ فُتُورِهِمْ، وسَبَبُ إقْبالِهِمْ عَلى الدُّنْيا، وسَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإهْمالِهِمُ السَّعْيَ لِلْآخِرَةِ، فَذَلِكَ غُرُورٌ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الغُرُورَ سَيَغْلِبُ عَلى قُلُوبِ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في الإعْصارِ الأوَّلِ يُواظِبُونَ عَلى العِباداتِ، و﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهم طُولَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في طاعَةِ اللَّهِ، يُبالِغُونَ في التَّقْوى والحَذَرِ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، ويَبْكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الخَلَواتِ، وأمّا الآنَ فَتَرى الخَلْقَ آمِنِينَ مَسْرُورِينَ مُطْمَئِنِّينَ غَيْرَ خائِفِينَ، مَعَ إكْبابِهِمْ عَلى المَعاصِي وانْهِماكِهِمْ في الدُّنْيا وإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، زاعِمِينَ أنَّهم واثِقُونَ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، راجُونَ لِعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، كَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَرَفُوا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ما لَمْ يَعْرِفْهُ الأنْبِياءُ والصَّحابَةُ والسَّلَفُ الصّالِحُونَ، فَإنْ كانَ هَذا الأمْرُ يُدْرَكُ بِالمُنى، ويُنالُ بِالهُوَيْنا، فَعَلى ماذا كانَ بُكاءُ أُولَئِكَ وخَوْفُهم وحُزْنُهُمْ؟! ثُمَّ قالَ: والقُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ تَحْذِيرٌ وتَخْوِيفٌ، ولا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مُتَفَكِّرٌ إلّا ويَطُولُ حُزْنُهُ ويَعْظُمُ خَوْفُهُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِما فِيهِ. وتَرى النّاسَ يَهْذُونَهُ هَذًّا: يُخْرِجُونَ الحُرُوفَ مِن مَخارِجِها ويَتَناظَرُونَ عَلى خَفْضِها ورَفْعِها ونَصْبِها، وكَأنَّهم يَقْرَؤُونَ شِعْرًا مِن أشْعارِ العَرَبِ، لا يُهِمُّهم الِالتِفاتُ إلى مَعانِيهِ، والعَمَلُ بِما فِيهِ، وهَلْ في العالَمِ غُرُورٌ يَزِيدُ عَلى هَذا؟ انْتَهى.

الانفطار 82:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ والِانْحِرافِ عَنْ فِطْرَتِهِ؛ وذُكِرَ "الكَرِيمِ" لِلْمُبالَغَةِ في المَنعِ عَنْ الِاغْتِرارِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى العَظِيمِ الجَلِيلِ الكامِلِ في نُعُوتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَجَدِيرٌ بِأنْ يُرْهَبَ عِقابُهُ ويُخْشى انْتِقامُهُ وعَذابُهُ، لا سِيَّما ولَهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ما يَزِيدُ في الرَّهْبَةِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ سَوِيًّا مُتَساوِيَ الأعْضاءِ والقُوَّةِ. وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى سَواءٍ؛ فَتَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُقْتَضاها بِإعْطائِها ما تَتِمُّ بِهِ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ، مُعْتَدِلَ القامَةِ، لا كالبَهائِمِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ، أوْ بِمَعْنى صَرَفَكَ عَنْ خِلْقَةِ غَيْرِكَ إلى خِلْقَةٍ حَسَنَةٍ، مِزْتَ بِها عَلى سائِرِ الحَيَوانِ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] أيْ: في أيِّ صُورَةٍ شاءَها رَكَّبَكَ عَلَيْها. يَعْنِي أنَّهُ رَكَّبَكَ في صُورَةٍ هي أبْدَعُ الصُّوَرِ وأعْجَبُها. فَـ "أيِّ" اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، و"ما" زائِدَةٌ (p-٦٠٨٦)وجُمْلَةُ "شاءَ" صِفَةُ "صُورَةٍ" والقَصْدُ أنَّ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وسَوّاهُ وعَدَلَهُ بِقُدْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ، حَتّى أحْكَمَ صُورَتَهُ في ذَلِكَ التَّرْكِيبِ، لَجَدِيرٌ بِأنْ يُتَّقى بَأْسُهُ ويُحْذَرَ بَطْشُهُ ويُرْهَبَ أشَدَّ تَرْهِيبٍ. تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي) في بَحْثِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صَرِيحًا في تَرْتِيبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ، عَلى الأسْبابِ ما تَتِمَّتُهُ: فَلْيَحْذَرْ مُغالَطَةَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأسْبابِ، وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ فَإنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ أنَّ المَعْصِيَةَ والغَفْلَةَ مِنَ الأسْبابِ المُضِرَّةِ لَهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، ولا بُدَّ. ولَكِنْ تُغالِطُهُ نَفْسُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ المُغْتَرِّينَ مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ. قالَ: كاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فَيَقُولُ: كَرَّمَهُ. وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ. وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغُرُورُ، وهو الشَّيْطانُ ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ؛ وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ "الكَرِيمِ" وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ ولا إهْمالَ لِحَقِّهِ؛ ووَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ (الغُرُورَ) في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ. انْتَهى. وفِي مِثْلِ هَذا الغُرُورِ يَجِبُ -كَما قالَ الغَزالِيُّ- عَلى العَبْدِ أنْ يَسْتَعْمِلَ الخَوْفَ، فَيُخَوِّفُ نَفْسَهُ بِغَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عِقابِهِ، ويَقُولُ: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ، شَدِيدُ العِقابِ. و: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ كَرِيمٌ، خَلَّدَ الكُفّارَ في النّارِ أبَدَ الآبادِ. مَعَ أنَّهُ لَمْ يَضُرَّهُ كُفْرُهُمْ، بَلْ سَلَّطَ العَذابَ والمِحَنَ والأمْراضَ والعِلَلَ والفَقْرَ والجُوعَ عَلى جُمْلَةٍ مِن عِبادِهِ في الدُّنْيا، وهو قادِرٌ عَلى إزالَتِها، فَمَن هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ -وقَدْ خَوَّفَنِي عِقابُهُ- فَكَيْفَ لا أخافُهُ؟ وكَيْفَ أغْتَرُّ بِهِ؟ فالخَوْفُ والرَّجاءُ قائِدانِ وسائِقانِ يَبْعَثانِ النّاسَ عَلى العَمَلِ، فَما لا يَبْعَثُ عَلى العَمَلِ فَهو تَمَنُّنٌ وغُرُورٌ، (p-٦٠٨٧)ورَجاءُ كافَّةِ الخَلْقِ هو سَبَبُ فُتُورِهِمْ، وسَبَبُ إقْبالِهِمْ عَلى الدُّنْيا، وسَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإهْمالِهِمُ السَّعْيَ لِلْآخِرَةِ، فَذَلِكَ غُرُورٌ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الغُرُورَ سَيَغْلِبُ عَلى قُلُوبِ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في الإعْصارِ الأوَّلِ يُواظِبُونَ عَلى العِباداتِ، و﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهم طُولَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في طاعَةِ اللَّهِ، يُبالِغُونَ في التَّقْوى والحَذَرِ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، ويَبْكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الخَلَواتِ، وأمّا الآنَ فَتَرى الخَلْقَ آمِنِينَ مَسْرُورِينَ مُطْمَئِنِّينَ غَيْرَ خائِفِينَ، مَعَ إكْبابِهِمْ عَلى المَعاصِي وانْهِماكِهِمْ في الدُّنْيا وإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، زاعِمِينَ أنَّهم واثِقُونَ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، راجُونَ لِعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، كَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَرَفُوا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ما لَمْ يَعْرِفْهُ الأنْبِياءُ والصَّحابَةُ والسَّلَفُ الصّالِحُونَ، فَإنْ كانَ هَذا الأمْرُ يُدْرَكُ بِالمُنى، ويُنالُ بِالهُوَيْنا، فَعَلى ماذا كانَ بُكاءُ أُولَئِكَ وخَوْفُهم وحُزْنُهُمْ؟! ثُمَّ قالَ: والقُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ تَحْذِيرٌ وتَخْوِيفٌ، ولا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مُتَفَكِّرٌ إلّا ويَطُولُ حُزْنُهُ ويَعْظُمُ خَوْفُهُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِما فِيهِ. وتَرى النّاسَ يَهْذُونَهُ هَذًّا: يُخْرِجُونَ الحُرُوفَ مِن مَخارِجِها ويَتَناظَرُونَ عَلى خَفْضِها ورَفْعِها ونَصْبِها، وكَأنَّهم يَقْرَؤُونَ شِعْرًا مِن أشْعارِ العَرَبِ، لا يُهِمُّهم الِالتِفاتُ إلى مَعانِيهِ، والعَمَلُ بِما فِيهِ، وهَلْ في العالَمِ غُرُورٌ يَزِيدُ عَلى هَذا؟ انْتَهى.

الانفطار 82:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٨ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ خَدَعَكَ وجَرَّأكَ عَلى عِصْيانِهِ والِانْحِرافِ عَنْ فِطْرَتِهِ؛ وذُكِرَ "الكَرِيمِ" لِلْمُبالَغَةِ في المَنعِ عَنْ الِاغْتِرارِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى العَظِيمِ الجَلِيلِ الكامِلِ في نُعُوتِهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَجَدِيرٌ بِأنْ يُرْهَبَ عِقابُهُ ويُخْشى انْتِقامُهُ وعَذابُهُ، لا سِيَّما ولَهُ مِنَ النِّعَمِ العَظِيمَةِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ما يَزِيدُ في الرَّهْبَةِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ سَوِيًّا مُتَساوِيَ الأعْضاءِ والقُوَّةِ. وأصْلُ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى سَواءٍ؛ فَتَكُونُ عَلى وفْقِ الحِكْمَةِ ومُقْتَضاها بِإعْطائِها ما تَتِمُّ بِهِ ﴿فَعَدَلَكَ﴾ [الإنفطار: ٧] أيْ: جَعَلَكَ مُعْتَدِلًا مُتَناسِبَ الخَلْقِ، مُعْتَدِلَ القامَةِ، لا كالبَهائِمِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ وهو بِمَعْنى المُشَدَّدِ، أوْ بِمَعْنى صَرَفَكَ عَنْ خِلْقَةِ غَيْرِكَ إلى خِلْقَةٍ حَسَنَةٍ، مِزْتَ بِها عَلى سائِرِ الحَيَوانِ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الإنفطار: ٨] أيْ: في أيِّ صُورَةٍ شاءَها رَكَّبَكَ عَلَيْها. يَعْنِي أنَّهُ رَكَّبَكَ في صُورَةٍ هي أبْدَعُ الصُّوَرِ وأعْجَبُها. فَـ "أيِّ" اسْتِفْهامِيَّةٌ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "رَكَّبَكَ"، و"ما" زائِدَةٌ (p-٦٠٨٦)وجُمْلَةُ "شاءَ" صِفَةُ "صُورَةٍ" والقَصْدُ أنَّ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ البَدِيعَ وسَوّاهُ وعَدَلَهُ بِقُدْرَتِهِ وتَقْدِيرِهِ، حَتّى أحْكَمَ صُورَتَهُ في ذَلِكَ التَّرْكِيبِ، لَجَدِيرٌ بِأنْ يُتَّقى بَأْسُهُ ويُحْذَرَ بَطْشُهُ ويُرْهَبَ أشَدَّ تَرْهِيبٍ. تَنْبِيهٌ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (الجَوابِ الكافِي) في بَحْثِ كَوْنِ القُرْآنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ صَرِيحًا في تَرْتِيبِ الجَزاءِ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، والأحْكامِ الكَوْنِيَّةِ، عَلى الأسْبابِ ما تَتِمَّتُهُ: فَلْيَحْذَرْ مُغالَطَةَ نَفْسِهِ عَلى هَذِهِ الأسْبابِ، وهَذا مِن أهَمِّ الأُمُورِ فَإنَّ العَبْدَ يَعْرِفُ أنَّ المَعْصِيَةَ والغَفْلَةَ مِنَ الأسْبابِ المُضِرَّةِ لَهُ في دُنْياهُ وآخِرَتِهِ، ولا بُدَّ. ولَكِنْ تُغالِطُهُ نَفْسُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ مِن أنْواعِ المُغْتَرِّينَ مَن يَغْتَرُّ بِفَهْمٍ فاسِدٍ فَهِمَهُ هو وأضْرابُهُ مِن نُصُوصِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ فاتَّكَلُوا عَلَيْهِ. قالَ: كاغْتِرارِ بَعْضِ الجُهّالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ فَيَقُولُ: كَرَّمَهُ. وقَدْ يَقُولُ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ لَقَّنَ المُغْتَرَّ حُجَّتَهُ. وهَذا جَهْلٌ قَبِيحٌ، وإنَّما غَرَّهُ بِرَبِّهِ الغُرُورُ، وهو الشَّيْطانُ ونَفْسُهُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ وجَهْلُهُ وهَواهُ؛ وأتى سُبْحانَهُ بِلَفْظِ "الكَرِيمِ" وهو السَّيِّدُ العَظِيمُ المُطاعُ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ ولا إهْمالَ لِحَقِّهِ؛ ووَضَعَ هَذا المُغْتَرُّ (الغُرُورَ) في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، واغْتَرَّ بِمَن لا يَنْبَغِي الِاغْتِرارُ بِهِ. انْتَهى. وفِي مِثْلِ هَذا الغُرُورِ يَجِبُ -كَما قالَ الغَزالِيُّ- عَلى العَبْدِ أنْ يَسْتَعْمِلَ الخَوْفَ، فَيُخَوِّفُ نَفْسَهُ بِغَضَبِ اللَّهِ وعَظِيمِ عِقابِهِ، ويَقُولُ: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ غافِرُ الذَّنْبِ وقابِلُ التَّوْبِ، شَدِيدُ العِقابِ. و: إنَّهُ مَعَ أنَّهُ كَرِيمٌ، خَلَّدَ الكُفّارَ في النّارِ أبَدَ الآبادِ. مَعَ أنَّهُ لَمْ يَضُرَّهُ كُفْرُهُمْ، بَلْ سَلَّطَ العَذابَ والمِحَنَ والأمْراضَ والعِلَلَ والفَقْرَ والجُوعَ عَلى جُمْلَةٍ مِن عِبادِهِ في الدُّنْيا، وهو قادِرٌ عَلى إزالَتِها، فَمَن هَذِهِ سُنَّتُهُ في عِبادِهِ -وقَدْ خَوَّفَنِي عِقابُهُ- فَكَيْفَ لا أخافُهُ؟ وكَيْفَ أغْتَرُّ بِهِ؟ فالخَوْفُ والرَّجاءُ قائِدانِ وسائِقانِ يَبْعَثانِ النّاسَ عَلى العَمَلِ، فَما لا يَبْعَثُ عَلى العَمَلِ فَهو تَمَنُّنٌ وغُرُورٌ، (p-٦٠٨٧)ورَجاءُ كافَّةِ الخَلْقِ هو سَبَبُ فُتُورِهِمْ، وسَبَبُ إقْبالِهِمْ عَلى الدُّنْيا، وسَبَبُ إعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، وإهْمالِهِمُ السَّعْيَ لِلْآخِرَةِ، فَذَلِكَ غُرُورٌ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ الغُرُورَ سَيَغْلِبُ عَلى قُلُوبِ آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَدْ كانَ ذَلِكَ، فَقَدْ كانَ النّاسُ في الإعْصارِ الأوَّلِ يُواظِبُونَ عَلى العِباداتِ، و﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] يَخافُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وهم طُولَ اللَّيْلِ والنَّهارِ في طاعَةِ اللَّهِ، يُبالِغُونَ في التَّقْوى والحَذَرِ مِنَ الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، ويَبْكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في الخَلَواتِ، وأمّا الآنَ فَتَرى الخَلْقَ آمِنِينَ مَسْرُورِينَ مُطْمَئِنِّينَ غَيْرَ خائِفِينَ، مَعَ إكْبابِهِمْ عَلى المَعاصِي وانْهِماكِهِمْ في الدُّنْيا وإعْراضِهِمْ عَنِ اللَّهِ تَعالى، زاعِمِينَ أنَّهم واثِقُونَ بِكَرَمِ اللَّهِ تَعالى وفَضْلِهِ، راجُونَ لِعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ، كَأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهم عَرَفُوا مِن فَضْلِهِ وكَرَمِهِ ما لَمْ يَعْرِفْهُ الأنْبِياءُ والصَّحابَةُ والسَّلَفُ الصّالِحُونَ، فَإنْ كانَ هَذا الأمْرُ يُدْرَكُ بِالمُنى، ويُنالُ بِالهُوَيْنا، فَعَلى ماذا كانَ بُكاءُ أُولَئِكَ وخَوْفُهم وحُزْنُهُمْ؟! ثُمَّ قالَ: والقُرْآنُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ تَحْذِيرٌ وتَخْوِيفٌ، ولا يَتَفَكَّرُ فِيهِ مُتَفَكِّرٌ إلّا ويَطُولُ حُزْنُهُ ويَعْظُمُ خَوْفُهُ، وإنْ كانَ مُؤْمِنًا بِما فِيهِ. وتَرى النّاسَ يَهْذُونَهُ هَذًّا: يُخْرِجُونَ الحُرُوفَ مِن مَخارِجِها ويَتَناظَرُونَ عَلى خَفْضِها ورَفْعِها ونَصْبِها، وكَأنَّهم يَقْرَؤُونَ شِعْرًا مِن أشْعارِ العَرَبِ، لا يُهِمُّهم الِالتِفاتُ إلى مَعانِيهِ، والعَمَلُ بِما فِيهِ، وهَلْ في العالَمِ غُرُورٌ يَزِيدُ عَلى هَذا؟ انْتَهى.

الانفطار 82:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قالَ الإمامُ: أيْ: لا شَيْءَ يَغُرُّكَ ويَخْدَعُكَ، بَلْ إنَّ (p-٦٠٨٨)سِعَةَ عَطاءِ رَبِّكَ وحِكْمَتَهُ في كَرَمِهِ، تَدُلُّكَ وتُوحِي إلى نَفْسِكَ أنَّكَ مَبْعُوثٌ في يَوْمٍ آخَرَ لِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنَّما الَّذِي يَقَعُ مِنكَ أيُّها الإنْسانُ هو العِنادُ والتَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، أيِ: الجَزاءِ، أيْ: الِانْصِرافُ عَمْدًا وعِنادًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشُّعُورُ الأوَّلُ، وعَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي تُقِيمُهُ الرُّسُلُ، والحُجَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِها الأنْبِياءُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا مِن أعْمالِكَ إلّا حَفِظَهُ وأحْصاهُ عَلَيْكَ حَتّى يُوَفِّيَكَ جَزاءَهُ كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] أيْ: رُقَباءَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ويُحْصُونَها عَلَيْكم ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] أيْ: يَكْتُبُونَ ما تَقُولُونَ. ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] أيْ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: يُحْصُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَلا يَغْفُلُونَ ولا يَنْسَوْنَ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهُمْ، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ، خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخْرُجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خالَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا. فَكَذا ها هُنا. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الحَفَظَةَ الكِرامَ وعَمَلَهُمْ، مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ اكْتِناهُهُ؛ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ، كَما ورَدَ مَعَ تَفْوِيضِ كُنْهِهِ إلى بارِئِهِ تَعالى. ومِنَ الفُضُولِ في العِلْمِ التَّوَسُّعُ فِيما لا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وتَسْوِيدُ وُجُوهِ الصُّحُفِ بِها. وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقُ.

الانفطار 82:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قالَ الإمامُ: أيْ: لا شَيْءَ يَغُرُّكَ ويَخْدَعُكَ، بَلْ إنَّ (p-٦٠٨٨)سِعَةَ عَطاءِ رَبِّكَ وحِكْمَتَهُ في كَرَمِهِ، تَدُلُّكَ وتُوحِي إلى نَفْسِكَ أنَّكَ مَبْعُوثٌ في يَوْمٍ آخَرَ لِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنَّما الَّذِي يَقَعُ مِنكَ أيُّها الإنْسانُ هو العِنادُ والتَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، أيِ: الجَزاءِ، أيْ: الِانْصِرافُ عَمْدًا وعِنادًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشُّعُورُ الأوَّلُ، وعَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي تُقِيمُهُ الرُّسُلُ، والحُجَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِها الأنْبِياءُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا مِن أعْمالِكَ إلّا حَفِظَهُ وأحْصاهُ عَلَيْكَ حَتّى يُوَفِّيَكَ جَزاءَهُ كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] أيْ: رُقَباءَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ويُحْصُونَها عَلَيْكم ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] أيْ: يَكْتُبُونَ ما تَقُولُونَ. ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] أيْ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: يُحْصُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَلا يَغْفُلُونَ ولا يَنْسَوْنَ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهُمْ، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ، خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخْرُجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خالَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا. فَكَذا ها هُنا. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الحَفَظَةَ الكِرامَ وعَمَلَهُمْ، مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ اكْتِناهُهُ؛ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ، كَما ورَدَ مَعَ تَفْوِيضِ كُنْهِهِ إلى بارِئِهِ تَعالى. ومِنَ الفُضُولِ في العِلْمِ التَّوَسُّعُ فِيما لا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وتَسْوِيدُ وُجُوهِ الصُّحُفِ بِها. وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقُ.

الانفطار 82:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قالَ الإمامُ: أيْ: لا شَيْءَ يَغُرُّكَ ويَخْدَعُكَ، بَلْ إنَّ (p-٦٠٨٨)سِعَةَ عَطاءِ رَبِّكَ وحِكْمَتَهُ في كَرَمِهِ، تَدُلُّكَ وتُوحِي إلى نَفْسِكَ أنَّكَ مَبْعُوثٌ في يَوْمٍ آخَرَ لِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنَّما الَّذِي يَقَعُ مِنكَ أيُّها الإنْسانُ هو العِنادُ والتَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، أيِ: الجَزاءِ، أيْ: الِانْصِرافُ عَمْدًا وعِنادًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشُّعُورُ الأوَّلُ، وعَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي تُقِيمُهُ الرُّسُلُ، والحُجَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِها الأنْبِياءُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا مِن أعْمالِكَ إلّا حَفِظَهُ وأحْصاهُ عَلَيْكَ حَتّى يُوَفِّيَكَ جَزاءَهُ كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] أيْ: رُقَباءَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ويُحْصُونَها عَلَيْكم ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] أيْ: يَكْتُبُونَ ما تَقُولُونَ. ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] أيْ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: يُحْصُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَلا يَغْفُلُونَ ولا يَنْسَوْنَ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهُمْ، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ، خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخْرُجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خالَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا. فَكَذا ها هُنا. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الحَفَظَةَ الكِرامَ وعَمَلَهُمْ، مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ اكْتِناهُهُ؛ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ، كَما ورَدَ مَعَ تَفْوِيضِ كُنْهِهِ إلى بارِئِهِ تَعالى. ومِنَ الفُضُولِ في العِلْمِ التَّوَسُّعُ فِيما لا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وتَسْوِيدُ وُجُوهِ الصُّحُفِ بِها. وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقُ.

الانفطار 82:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٩ - ١٢ ] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] ﴿كَلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ قالَ الإمامُ: أيْ: لا شَيْءَ يَغُرُّكَ ويَخْدَعُكَ، بَلْ إنَّ (p-٦٠٨٨)سِعَةَ عَطاءِ رَبِّكَ وحِكْمَتَهُ في كَرَمِهِ، تَدُلُّكَ وتُوحِي إلى نَفْسِكَ أنَّكَ مَبْعُوثٌ في يَوْمٍ آخَرَ لِثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وإنَّما الَّذِي يَقَعُ مِنكَ أيُّها الإنْسانُ هو العِنادُ والتَّكْذِيبُ بِالدِّينِ، أيِ: الجَزاءِ، أيْ: الِانْصِرافُ عَمْدًا وعِنادًا عَمّا يَدْعُو إلَيْهِ الشُّعُورُ الأوَّلُ، وعَنِ الدَّلِيلِ الَّذِي تُقِيمُهُ الرُّسُلُ، والحُجَّةُ الَّتِي يَأْتِي بِها الأنْبِياءُ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا مِن أعْمالِكَ إلّا حَفِظَهُ وأحْصاهُ عَلَيْكَ حَتّى يُوَفِّيَكَ جَزاءَهُ كَما قالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] أيْ: رُقَباءَ يَحْفَظُونَ أعْمالَكم ويُحْصُونَها عَلَيْكم ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] أيْ: يَكْتُبُونَ ما تَقُولُونَ. ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] أيْ: مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، أيْ: يُحْصُونَهُ عَلَيْكُمْ، فَلا يَغْفُلُونَ ولا يَنْسَوْنَ. قالَ الرّازِيُّ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أجْرى أُمُورَهُ مَعَ عِبادِهِ عَلى ما يَتَعامَلُونَ بِهِ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في تَقْرِيرِ المَعْنى عِنْدَهُمْ، ولَمّا كانَ الأبْلَغُ عِنْدَهم في المُحاسَبَةِ إخْراجَ كِتابٍ بِشُهُودٍ، خُوطِبُوا بِمِثْلِ هَذا فِيما يُحاسَبُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَخْرُجُ لَهم كُتُبٌ مَنشُورَةٌ، ويَحْضُرُ هُناكَ مَلائِكَةٌ يَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ، كَما يَشْهَدُ عُدُولُ السُّلْطانِ عَلى مَن يَعْصِيهِ ويُخالِفُ أمْرَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أعْطاكَ المَلِكُ كَذا وكَذا، وفَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا، ثُمَّ قَدْ خالَفْتَهُ وفَعَلْتَ كَذا وكَذا. فَكَذا ها هُنا. واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ. انْتَهى. ولا يَخْفى أنَّ الحَفَظَةَ الكِرامَ وعَمَلَهُمْ، مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يُمْكِنُ اكْتِناهُهُ؛ فَيَجِبُ الإيمانُ بِهِ، كَما ورَدَ مَعَ تَفْوِيضِ كُنْهِهِ إلى بارِئِهِ تَعالى. ومِنَ الفُضُولِ في العِلْمِ التَّوَسُّعُ فِيما لا يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ وتَسْوِيدُ وُجُوهِ الصُّحُفِ بِها. وبِاللَّهِ سُبْحانَهُ التَّوْفِيقُ.

الانفطار 82:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

الانفطار 82:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٣ - ١٩ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] (p-٦٠٨٩)﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: إنَّ الَّذِينَ بَرُّوا بِأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ، واجْتِنابِ مَعاصِيهِ، لَفي نَعِيمِ الجِنانِ يَنْعَمُونَ فِيها. والأبْرارُ جَمْعُ (بَرٍّ) بِفَتْحِ الباءِ وهو المُتَّصِفُ بِالبِرِّ (بِكَسْرِها)، أيِ: الطّاعَةِ. قالَ الأصْفَهانِيُّ: وقَدِ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٤] أيِ: الَّذِينَ فَجَرُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، أيِ: انْشَقُّوا عَنْهُ وخالَفُوهُ، وهم مَن لَمْ تُوجَدْ فِيهِمْ نُعُوتُ الأبْرارِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ قَبْلُ. ﴿يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٥] أيْ: يَوْمَ يُدانُ العِبادُ بِالأعْمالِ، فَيُجازَوْنَ بِها، ﴿وما هم عَنْها بِغائِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١٦] أيْ: بِخارِجِينَ، لِأنَّهم مُخَلَّدُونَ في صِلِيِّها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٧] ﴿ثُمَّ ما أدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الإنفطار: ١٨] تَفْخِيمٌ لِأمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ بِهِ؟ أيْ: أنْتَ لا تَدْرِيهِ مَعَ أنَّهُ مِن أوْجَبِ ما تُهِمُّ دِرايَتُهُ والبَحْثُ عَنْهُ. (p-٦٠٩٠)والخِطابُ لِلْإنْسانِ المُتَقَدِّمِ أوَّلَ السُّورَةِ. ثُمَّ فَسَّرَ تَعالى بَعْضَ شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ كَشْفِ هَمٍّ، ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] أيْ: أمْرُ المُلْكِ الظّاهِرِ ونُفُوذِ القَضاءِ القاهِرِ، يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِاضْمِحْلالِ المَمالِكِ وذَهابِ الرِّياساتِ. قالَ الرّازِيُّ: وهو وعِيدٌ عَظِيمٌ، مِن حَيْثُ إنَّهُ عَرَّفَهم أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْهم إلّا البِرُّ والطّاعَةُ يَوْمَئِذٍ، دُونَ سائِرِ ما كانَ قَدْ يُغْنِي عَنْهم في الدُّنْيا مِن مالٍ ووَلَدٍ وأعْوانٍ وشُفَعاءَ.

المطففين 83:1

(p-٦٠٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِأدْنى حُقُوقِ الخَلْقِ، اسْتَحَقَّ أعْظَمَ ويْلٍ مِنَ الحَقِّ. فَكَيْفَ مَن أخَلَّ بِأعْظَمِ حُقُوقِ الحَقِّ، مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ؟ وهي مَكِّيَّةٌ عَلى الأظْهَرِ. فَإنَّ سِياقَها يُؤَيِّدُ أنَّها كَأخَواتِها اللّائِي نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لا سِيَّما خاتِمَتَها، فَإنَّها صِفاتُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ. وحَمْلُها عَلى المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ بَعِيدٌ، إذْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمُ الحالُ ذَلِكَ. وأمّا ما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ -كَما في ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ-» فَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَعْنى الإنْزالِ، في إطْلاقِ السَّلَفِ، لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى أنَّ كَذا سَبَبُ النُّزُولِ. بَلْ إنَّ كَذا مِمّا نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ. كَأنَّ أهْلَ المَدِينَةِ تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ إنْزالُهُ في مَكَّةَ. وقِيلَ لَهُمْ: أنْزَلَ اللَّهُ حَظْرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ والوَعِيدَ فِيهِ. فَأقْلَعُوا. وهَذا ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أُنْسٌ بِعِلْمِ الآثارِ ومَلَكَةٌ فِيهِ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا قِصَّةَ التَّطْفِيفِ. وقَوْلٌ آخَرُ: إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ مِنهُ آياتٌ مُسْتَثْناةٌ- مَنشَؤُهُ الحَيْرَةُ في المُطابَقَةِ بَيْنَ ظاهِرِ ما يَتَبادَرُ مِنَ المَأْثُورِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِن خِلافِهِ. وبِالوُقُوفِ عَلى عُرْفِ السَّلَفِ يَزُولُ الإشْكالُ ويَتَّضِحُ الحالُ. (p-٦٠٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيْ: هَلاكٌ لَهم. قالَ الأصْفَهانِيُّ: ومَن قالَ: "ويْلٌ" وادٍ في جَهَنَّمَ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّ (ويْلًا) في اللُّغَةِ هو مَوْضُوعٌ لِهَذا، وإنَّما أرادَ: مَن قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُطَفِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أيْ: إذا أخَذُوا الكَيْلَ مِنَ النّاسِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وزائِدًا عَلى إيهامِ أنَّ بِذَلِكَ تَمامَ الكَيْلِ، وإذا فَعَلُوا ذَلِكَ في الكَيْلِ الَّذِي هو أجَلُّ مِقْدارًا، فَفي الوَزْنِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وإيثارُ (عَلى) عَلى (مِن) لِلْإشارَةِ إلى ما فِيهِ عَمَلُهم مِنَ المُنْكَرِ مِن الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ، شَأْنُ المُتَغَلِّبِ المُتَحامِلِ المُتَسَلِّطِ الَّذِي لا يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وذِمَّتِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لِلنّاسِ أوْ وزَنُوا لَهُمْ، يَنْقُصُونَهم حَقَّهُمُ الواجِبَ لَهُمْ، وهو الوَفاءُ والتَّمامُ، فَفِيهِما حَذْفٌ وإيصالٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ أنْ يَقُولُوا: وزَنْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُكَ طَعامَكَ، بِمَعْنى وزَنْتُ لَكَ وكِلْتُ لَكَ. تَنْبِيهٌ: فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ ذَمُّ التَّطْفِيفِ والخِيانَةِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، أيْ: لِأنَّهُ مِنَ المُنْكَرِ (p-٦٠٩٣)فَهُوَ مِنَ المَحْظُوراتِ أشَدُّ الحَظْرِ، لِما فِيهِ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ في الأخْذِ والدَّفْعِ، ولَوْ في القَلِيلِ؛ لِأنَّ مَن دَنُؤَتْ نَفْسُهُ إلى القَلِيلِ دَلَّ عَلى فَسادِ طَوِيَّتِهِ وخُبْثِ مَلَكَتِهِ، وأنَّهُ لا يُقْعِدُهُ عَنِ التَّوَثُّبِ إلى الكَثِيرِ إلّا عَجْزٌ أوْ رِقابَةٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ التَّطْفِيفِ مِنَ الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، وهو القَلِيلُ النَّزْرُ. والمُطَفِّفُ: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِ الحَقِّ عَمّا لَهُ مِنَ الوَفاءِ والتَّمامِ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَكُونُونَ سَواءً في حِسْبَةٍ أوْ عَدَدٍ: هم سَواءٌ كَطَفِّ الصّاعِ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَقُرْبِ المُمْتَلِئِ مِنهُ ناقِصٍ عَنِ المَلْءِ. وقَدْ أمَرَ تَعالى بِالوَفاءِ في الكَيْلِ والمِيزانِ. فَقالَ تَعالى في عِدَّةِ آياتٍ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَصَّ تَعالى عَلَيْنا أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ودَمَّرَهم عَلى ما كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في المِيزانِ والمِكْيالِ.

المطففين 83:2

(p-٦٠٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِأدْنى حُقُوقِ الخَلْقِ، اسْتَحَقَّ أعْظَمَ ويْلٍ مِنَ الحَقِّ. فَكَيْفَ مَن أخَلَّ بِأعْظَمِ حُقُوقِ الحَقِّ، مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ؟ وهي مَكِّيَّةٌ عَلى الأظْهَرِ. فَإنَّ سِياقَها يُؤَيِّدُ أنَّها كَأخَواتِها اللّائِي نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لا سِيَّما خاتِمَتَها، فَإنَّها صِفاتُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ. وحَمْلُها عَلى المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ بَعِيدٌ، إذْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمُ الحالُ ذَلِكَ. وأمّا ما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ -كَما في ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ-» فَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَعْنى الإنْزالِ، في إطْلاقِ السَّلَفِ، لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى أنَّ كَذا سَبَبُ النُّزُولِ. بَلْ إنَّ كَذا مِمّا نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ. كَأنَّ أهْلَ المَدِينَةِ تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ إنْزالُهُ في مَكَّةَ. وقِيلَ لَهُمْ: أنْزَلَ اللَّهُ حَظْرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ والوَعِيدَ فِيهِ. فَأقْلَعُوا. وهَذا ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أُنْسٌ بِعِلْمِ الآثارِ ومَلَكَةٌ فِيهِ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا قِصَّةَ التَّطْفِيفِ. وقَوْلٌ آخَرُ: إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ مِنهُ آياتٌ مُسْتَثْناةٌ- مَنشَؤُهُ الحَيْرَةُ في المُطابَقَةِ بَيْنَ ظاهِرِ ما يَتَبادَرُ مِنَ المَأْثُورِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِن خِلافِهِ. وبِالوُقُوفِ عَلى عُرْفِ السَّلَفِ يَزُولُ الإشْكالُ ويَتَّضِحُ الحالُ. (p-٦٠٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيْ: هَلاكٌ لَهم. قالَ الأصْفَهانِيُّ: ومَن قالَ: "ويْلٌ" وادٍ في جَهَنَّمَ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّ (ويْلًا) في اللُّغَةِ هو مَوْضُوعٌ لِهَذا، وإنَّما أرادَ: مَن قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُطَفِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أيْ: إذا أخَذُوا الكَيْلَ مِنَ النّاسِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وزائِدًا عَلى إيهامِ أنَّ بِذَلِكَ تَمامَ الكَيْلِ، وإذا فَعَلُوا ذَلِكَ في الكَيْلِ الَّذِي هو أجَلُّ مِقْدارًا، فَفي الوَزْنِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وإيثارُ (عَلى) عَلى (مِن) لِلْإشارَةِ إلى ما فِيهِ عَمَلُهم مِنَ المُنْكَرِ مِن الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ، شَأْنُ المُتَغَلِّبِ المُتَحامِلِ المُتَسَلِّطِ الَّذِي لا يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وذِمَّتِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لِلنّاسِ أوْ وزَنُوا لَهُمْ، يَنْقُصُونَهم حَقَّهُمُ الواجِبَ لَهُمْ، وهو الوَفاءُ والتَّمامُ، فَفِيهِما حَذْفٌ وإيصالٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ أنْ يَقُولُوا: وزَنْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُكَ طَعامَكَ، بِمَعْنى وزَنْتُ لَكَ وكِلْتُ لَكَ. تَنْبِيهٌ: فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ ذَمُّ التَّطْفِيفِ والخِيانَةِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، أيْ: لِأنَّهُ مِنَ المُنْكَرِ (p-٦٠٩٣)فَهُوَ مِنَ المَحْظُوراتِ أشَدُّ الحَظْرِ، لِما فِيهِ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ في الأخْذِ والدَّفْعِ، ولَوْ في القَلِيلِ؛ لِأنَّ مَن دَنُؤَتْ نَفْسُهُ إلى القَلِيلِ دَلَّ عَلى فَسادِ طَوِيَّتِهِ وخُبْثِ مَلَكَتِهِ، وأنَّهُ لا يُقْعِدُهُ عَنِ التَّوَثُّبِ إلى الكَثِيرِ إلّا عَجْزٌ أوْ رِقابَةٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ التَّطْفِيفِ مِنَ الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، وهو القَلِيلُ النَّزْرُ. والمُطَفِّفُ: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِ الحَقِّ عَمّا لَهُ مِنَ الوَفاءِ والتَّمامِ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَكُونُونَ سَواءً في حِسْبَةٍ أوْ عَدَدٍ: هم سَواءٌ كَطَفِّ الصّاعِ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَقُرْبِ المُمْتَلِئِ مِنهُ ناقِصٍ عَنِ المَلْءِ. وقَدْ أمَرَ تَعالى بِالوَفاءِ في الكَيْلِ والمِيزانِ. فَقالَ تَعالى في عِدَّةِ آياتٍ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَصَّ تَعالى عَلَيْنا أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ودَمَّرَهم عَلى ما كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في المِيزانِ والمِكْيالِ.

المطففين 83:3

(p-٦٠٩١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ المُطَفِّفِينَ قالَ المَهايِمِيُّ: سُمِّيَتْ بِهِ دَلالَةً عَلى أنَّ مَن أخَلَّ بِأدْنى حُقُوقِ الخَلْقِ، اسْتَحَقَّ أعْظَمَ ويْلٍ مِنَ الحَقِّ. فَكَيْفَ مَن أخَلَّ بِأعْظَمِ حُقُوقِ الحَقِّ، مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِآياتِهِ ورُسُلِهِ؟ وهي مَكِّيَّةٌ عَلى الأظْهَرِ. فَإنَّ سِياقَها يُؤَيِّدُ أنَّها كَأخَواتِها اللّائِي نَزَلْنَ بِمَكَّةَ، لا سِيَّما خاتِمَتَها، فَإنَّها صِفاتُ المُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ كانُوا بِمَكَّةَ. وحَمْلُها عَلى المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ بَعِيدٌ، إذْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمُ الحالُ ذَلِكَ. وأمّا ما رَواهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ -كَما في ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ-» فَقَدْ ذَكَرْنا مِرارًا أنَّ مَعْنى الإنْزالِ، في إطْلاقِ السَّلَفِ، لا يَكُونُ مَقْصُورًا عَلى أنَّ كَذا سَبَبُ النُّزُولِ. بَلْ إنَّ كَذا مِمّا نَزَلَ فِيهِ ذَلِكَ. كَأنَّ أهْلَ المَدِينَةِ تُلِيَ عَلَيْهِمْ ما سَبَقَ إنْزالُهُ في مَكَّةَ. وقِيلَ لَهُمْ: أنْزَلَ اللَّهُ حَظْرَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ والوَعِيدَ فِيهِ. فَأقْلَعُوا. وهَذا ظاهِرٌ لِمَن لَهُ أُنْسٌ بِعِلْمِ الآثارِ ومَلَكَةٌ فِيهِ. ومِنهُ يُعْلَمُ أنَّ قَوْلَ بَعْضِهِمْ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ إلّا قِصَّةَ التَّطْفِيفِ. وقَوْلٌ آخَرُ: إنَّ كُلَّ نَوْعٍ مِنَ المَكِّيِّ والمَدَنِيِّ مِنهُ آياتٌ مُسْتَثْناةٌ- مَنشَؤُهُ الحَيْرَةُ في المُطابَقَةِ بَيْنَ ظاهِرِ ما يَتَبادَرُ مِنَ المَأْثُورِ في سَبَبِ النُّزُولِ، وبَيْنَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِن خِلافِهِ. وبِالوُقُوفِ عَلى عُرْفِ السَّلَفِ يَزُولُ الإشْكالُ ويَتَّضِحُ الحالُ. (p-٦٠٩٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ أيْ: هَلاكٌ لَهم. قالَ الأصْفَهانِيُّ: ومَن قالَ: "ويْلٌ" وادٍ في جَهَنَّمَ فَإنَّهُ لَمْ يَرِدْ أنَّ (ويْلًا) في اللُّغَةِ هو مَوْضُوعٌ لِهَذا، وإنَّما أرادَ: مَن قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ فِيهِ، فَقَدِ اسْتَحَقَّ مَقَرًّا مِنَ النّارِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُطَفِّفِينَ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] أيْ: إذا أخَذُوا الكَيْلَ مِنَ النّاسِ يَأْخُذُونَهُ وافِيًا وزائِدًا عَلى إيهامِ أنَّ بِذَلِكَ تَمامَ الكَيْلِ، وإذا فَعَلُوا ذَلِكَ في الكَيْلِ الَّذِي هو أجَلُّ مِقْدارًا، فَفي الوَزْنِ بِطَرِيقِ الأوْلى. وإيثارُ (عَلى) عَلى (مِن) لِلْإشارَةِ إلى ما فِيهِ عَمَلُهم مِنَ المُنْكَرِ مِن الِاسْتِعْلاءِ والقَهْرِ، شَأْنُ المُتَغَلِّبِ المُتَحامِلِ المُتَسَلِّطِ الَّذِي لا يَسْتَبْرِئُ لِدِينِهِ وذِمَّتِهِ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] أيْ: كالُوا لِلنّاسِ أوْ وزَنُوا لَهُمْ، يَنْقُصُونَهم حَقَّهُمُ الواجِبَ لَهُمْ، وهو الوَفاءُ والتَّمامُ، فَفِيهِما حَذْفٌ وإيصالٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مِن لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ أنْ يَقُولُوا: وزَنْتُكَ حَقَّكَ، وكِلْتُكَ طَعامَكَ، بِمَعْنى وزَنْتُ لَكَ وكِلْتُ لَكَ. تَنْبِيهٌ: فِي (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ ذَمُّ التَّطْفِيفِ والخِيانَةِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، أيْ: لِأنَّهُ مِنَ المُنْكَرِ (p-٦٠٩٣)فَهُوَ مِنَ المَحْظُوراتِ أشَدُّ الحَظْرِ، لِما فِيهِ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ في الأخْذِ والدَّفْعِ، ولَوْ في القَلِيلِ؛ لِأنَّ مَن دَنُؤَتْ نَفْسُهُ إلى القَلِيلِ دَلَّ عَلى فَسادِ طَوِيَّتِهِ وخُبْثِ مَلَكَتِهِ، وأنَّهُ لا يُقْعِدُهُ عَنِ التَّوَثُّبِ إلى الكَثِيرِ إلّا عَجْزٌ أوْ رِقابَةٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وأصْلُ التَّطْفِيفِ مِنَ الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، وهو القَلِيلُ النَّزْرُ. والمُطَفِّفُ: المُقَلِّلُ حَقَّ صاحِبِ الحَقِّ عَمّا لَهُ مِنَ الوَفاءِ والتَّمامِ في كَيْلٍ أوْ وزْنٍ. ومِنهُ قِيلَ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَكُونُونَ سَواءً في حِسْبَةٍ أوْ عَدَدٍ: هم سَواءٌ كَطَفِّ الصّاعِ، يَعْنِي بِذَلِكَ كَقُرْبِ المُمْتَلِئِ مِنهُ ناقِصٍ عَنِ المَلْءِ. وقَدْ أمَرَ تَعالى بِالوَفاءِ في الكَيْلِ والمِيزانِ. فَقالَ تَعالى في عِدَّةِ آياتٍ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ [الإسراء: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَصَّ تَعالى عَلَيْنا أنَّهُ أهْلَكَ قَوْمَ شُعَيْبٍ ودَمَّرَهم عَلى ما كانُوا يَبْخَسُونَ النّاسَ في المِيزانِ والمِكْيالِ.

المطففين 83:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٦ ] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] أيْ: عَظِيمِ الهَوْلِ جَلِيلِ الخَطْبِ كَثِيرِ الفَزَعِ، مَن خَسِرَ فِيهِ أُدْخِلَ نارًا حامِيَةً. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِأمْرِهِ وقَضائِهِ فِيهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ في مَوْقِفٍ يُغْشى المُجْرِمَ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ ما يَوَدُّ الِافْتِداءُ بِكُلِّ مُسْتَطاعٍ. وفي تَأثُّرِ الوَيْلِ لِمُطَفِّفِينَ بِما ذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ (p-٦٠٩٤)مُبالَغاتٍ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ -كَما لَخَّصَهُ الشِّهابُ- أنَّ في ذِكْرِ الظَّنِّ مِنَ التَّجْهِيلِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيدِ، تَحْقِيرًا، ووَصْفُ يَوْمِ قِيامِهِمْ بِالعَظَمَةِ وإبْدالُ "يَوْمَ يَقُومُ" مِنهُ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ما اسْتَحْقَرُوهُ. والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ لا تُهْمِلَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وعُنْوانُ (رَبِّ العالَمِينَ) لِلْمالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ قَوِيٌّ، ولا يَتْرُكُ حَقَّ مَظْلُومٍ ضَعِيفٍ. وفي تَعْظِيمِ أمْرِ التَّطْفِيفِ إيماءً إلى العَدْلِ ومِيزانِهِ، وأنَّ مَن لا يُهْمِلُ مِثْلَ هَذا كَيْفَ يُهْمِلُ تَعْطِيلَ قانُونِ عَدْلِهِ في عِبادِهِ؟ وناهِيكَ بِأنَّهُ وصَفَهم بِصِفاتِ الكَفَرَةِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَقامَ، فَفِيهِ ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ الأوْهامُ.

المطففين 83:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٦ ] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] أيْ: عَظِيمِ الهَوْلِ جَلِيلِ الخَطْبِ كَثِيرِ الفَزَعِ، مَن خَسِرَ فِيهِ أُدْخِلَ نارًا حامِيَةً. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِأمْرِهِ وقَضائِهِ فِيهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ في مَوْقِفٍ يُغْشى المُجْرِمَ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ ما يَوَدُّ الِافْتِداءُ بِكُلِّ مُسْتَطاعٍ. وفي تَأثُّرِ الوَيْلِ لِمُطَفِّفِينَ بِما ذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ (p-٦٠٩٤)مُبالَغاتٍ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ -كَما لَخَّصَهُ الشِّهابُ- أنَّ في ذِكْرِ الظَّنِّ مِنَ التَّجْهِيلِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيدِ، تَحْقِيرًا، ووَصْفُ يَوْمِ قِيامِهِمْ بِالعَظَمَةِ وإبْدالُ "يَوْمَ يَقُومُ" مِنهُ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ما اسْتَحْقَرُوهُ. والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ لا تُهْمِلَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وعُنْوانُ (رَبِّ العالَمِينَ) لِلْمالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ قَوِيٌّ، ولا يَتْرُكُ حَقَّ مَظْلُومٍ ضَعِيفٍ. وفي تَعْظِيمِ أمْرِ التَّطْفِيفِ إيماءً إلى العَدْلِ ومِيزانِهِ، وأنَّ مَن لا يُهْمِلُ مِثْلَ هَذا كَيْفَ يُهْمِلُ تَعْطِيلَ قانُونِ عَدْلِهِ في عِبادِهِ؟ وناهِيكَ بِأنَّهُ وصَفَهم بِصِفاتِ الكَفَرَةِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَقامَ، فَفِيهِ ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ الأوْهامُ.

المطففين 83:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٦ ] ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] ثُمَّ قالَ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ. ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٥] أيْ: عَظِيمِ الهَوْلِ جَلِيلِ الخَطْبِ كَثِيرِ الفَزَعِ، مَن خَسِرَ فِيهِ أُدْخِلَ نارًا حامِيَةً. ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ [المطففين: ٦] أيْ: لِأمْرِهِ وقَضائِهِ فِيهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَ في مَوْقِفٍ يُغْشى المُجْرِمَ فِيهِ مِنَ الهَوْلِ ما يَوَدُّ الِافْتِداءُ بِكُلِّ مُسْتَطاعٍ. وفي تَأثُّرِ الوَيْلِ لِمُطَفِّفِينَ بِما ذَكَرَ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ (p-٦٠٩٤)مُبالَغاتٍ في المَنعِ عَنِ التَّطْفِيفِ وتَعْظِيمِ إثْمِهِ، ووَجْهُ ذَلِكَ -كَما لَخَّصَهُ الشِّهابُ- أنَّ في ذِكْرِ الظَّنِّ مِنَ التَّجْهِيلِ مَعَ اسْمِ الإشارَةِ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيدِ، تَحْقِيرًا، ووَصْفُ يَوْمِ قِيامِهِمْ بِالعَظَمَةِ وإبْدالُ "يَوْمَ يَقُومُ" مِنهُ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اسْتِعْظامِ ما اسْتَحْقَرُوهُ. والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنْ لا تُهْمِلَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. وعُنْوانُ (رَبِّ العالَمِينَ) لِلْمالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ قَوِيٌّ، ولا يَتْرُكُ حَقَّ مَظْلُومٍ ضَعِيفٍ. وفي تَعْظِيمِ أمْرِ التَّطْفِيفِ إيماءً إلى العَدْلِ ومِيزانِهِ، وأنَّ مَن لا يُهْمِلُ مِثْلَ هَذا كَيْفَ يُهْمِلُ تَعْطِيلَ قانُونِ عَدْلِهِ في عِبادِهِ؟ وناهِيكَ بِأنَّهُ وصَفَهم بِصِفاتِ الكَفَرَةِ. فَتَأمَّلْ هَذا المَقامَ، فَفِيهِ ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ الأوْهامُ.

المطففين 83:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

المطففين 83:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

المطففين 83:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

المطففين 83:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

المطففين 83:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٧ - ١١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] "كَلّا" رَدْعٌ عَنِ التَّطْفِيفِ الَّذِي يَقْتَرِفُونَهُ لِغَفْلَتِهِمْ عَنْ يَوْمِ الحِسابِ وضَعْفِ اعْتِقادِهِمْ بِهِ، ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ﴾ أيْ: ما كُتِبَ فِيهِ مِن عَمَلِهِمُ السَّيِّئِ وأُحْصِيَ عَلَيْهِمْ. وإيثارُ المَظْهَرِ لِلْإشْعارِ بِوَصْفٍ لَهم ثانٍ، وهو الفُجُورُ، بِخُرُوجِهِمْ عَنْ حَدِّ العَدالَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها الشَّرْعُ والعَقْلُ ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: مَسْطُورٌ بَيِّنُ الكِتابَةِ. أوْ مُعَلَّمٌ بِرَقْمٍ يُنْبِئُ عَنْ قُبْحِهِ. سُمِّيَ سِجِّينًا -فِعِّيلًا مِنَ السِّجْنِ وهو الحَبْسُ والتَّضْيِيقُ- لِأنَّهُ سَبَبُ الحَبْسِ والتَّضْيِيقِ في جَهَنَّمَ، فَهو بِمَعْنى (فاعِلٌ) في الأصْلِ؛ أوْ لِأنَّهُ مَطْرُوحٌ في أسْفَلِ (p-٦٠٩٥)مَكانٍ مُظْلِمٍ، فَهو بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، كَأنَّهُ مَسْجُونٌ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو اسْمُ مَكانٍ، فَيُقَدَّرُ مُضافٌ فِيهِ أوْ فِيما بَعْدَهُ، والتَّقْدِيرُ: ما كِتابُ سِجِّينٍ أوْ مَحَلُّ كِتابٍ مَرْقُومٍ؟ فَحُذِفَ المُضافُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ المَكانِ والكِتابِ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: السَّجِّينُ اسْمٌ لِجَهَنَّمَ بِإزاءِ عِلِّيِّينَ. وزِيدَ لَفْظُهُ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ مَعْناهُ. وقِيلَ: هو اسْمٌ لِلْأرْضِ السّابِعَةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ قِيلَ: إنَّ كُلَّ شَيْءٍ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: "وما أدْراكَ" فَسَّرَهُ، وكُلُّ ما ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ: وما يُدْرِيكَ تَرْكُهُ مُبْهَمًا، وفي هَذا المَوْضِعِ ذُكِرَ: "وما أدْراكَ" وكَذا في قَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ثُمَّ فَسَّرَ الكِتابَ، لا السِّجِّينُ والعِلِّيُّونَ. وفي هَذِهِ الطَّبَقَةِ مَوْضِعُها الكُتُبُ الَّتِي يَتْبَعُ هَذا الكِتابَ، لا هَذا. انْتَهى. وقالَ القاشانِيُّ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ في مَرْتَبَةٍ مِنَ الوُجُودِ مَسْجُونٌ أهْلُها في حُبُوسٍ ضَيِّقَةٍ مُظْلِمَةٍ أذِلّاءَ أخِسّاءَ في أسْفَلِ مَراتِبِ الطَّبِيعَةِ ودَرَكاتِها، وهو دِيوانُ أعْمالِ أهْلِ الشَّرِّ؛ ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩] أيْ: ذَلِكَ المَحَلُّ المَكْتُوبُ فِيهِ أعْمالُهم كِتابٌ مَرْقُومٌ بِرُقُومِ هَيْئاتِ رَذائِلِهِمْ وشُرُورِهِمْ، ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين: ١٠] ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين: ١١] أيْ: بِيَوْمِ الحِسابِ والمُجازاةِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُطَفِّفِينَ مِمَّنْ يَتَناوَلُهم هَذا الوَصْفُ؛ لِأنَّ إصْرارَهم عَلى التَّعَدِّي والِاجْتِرامِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الظَّنِّ بِالبَعْثِ، كَما قالَ تَعالى:

المطففين 83:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٣ ] ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُجاوِزٍ طَوْرَ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ بِتَجاوُزِهِ حَدَّ العَدالَةِ إلى الإفْراطِ في أفْعالِهِ بِالبَغْيِ والعُدْوانِ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مُبالِغٍ في ارْتِكابِ أفانِينِ الإثْمِ وأنْواعِ المَعاصِي. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] أيْ: ما سَطَّرُوهُ مِنَ الأحادِيثِ والأخْبارِ، يُرِيدُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ رَبّانِيٍّ، ولا تَنْزِيلٍ إلَهِيٍّ، مَعَ نُصُوعِ بَيانِهِ وشَواهِدِ بُرْهانِهِ. (p-٦٠٩٦)

المطففين 83:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٣ ] ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلا كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ أيْ: مُجاوِزٍ طَوْرَ الفِطْرَةِ الإنْسانِيَّةِ بِتَجاوُزِهِ حَدَّ العَدالَةِ إلى الإفْراطِ في أفْعالِهِ بِالبَغْيِ والعُدْوانِ ﴿أثِيمٍ﴾ أيْ: مُبالِغٍ في ارْتِكابِ أفانِينِ الإثْمِ وأنْواعِ المَعاصِي. ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [المطففين: ١٣] أيْ: ما سَطَّرُوهُ مِنَ الأحادِيثِ والأخْبارِ، يُرِيدُ أنَّهُ لَيْسَ بِوَحْيٍ رَبّانِيٍّ، ولا تَنْزِيلٍ إلَهِيٍّ، مَعَ نُصُوعِ بَيانِهِ وشَواهِدِ بُرْهانِهِ. (p-٦٠٩٦)

المطففين 83:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٤ ] ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿كَلا﴾ أيْ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآياتُ بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ، بَلْ هي الحَقُّ المُبِينُ والشِّفاءُ لِما في الصُّدُورِ ﴿بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: غَطّى عَلى مَدارِكِهِمْ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الآثامِ حَتّى كَدَّرَ جَوْهَرَها وصارَ صَدَأً عَلَيْها بِالرُّسُوخِ فِيها. و(الرَّيْنُ) أصْلٌ مَعْناهُ الصَّدَأُ والوَسَخُ القارُّ، شُبِّهَ بِهِ حُبُّ المَعاصِي الرّاسِخُ في النَّفْسِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَحْصُلُ مِن تَكْرارِ الفِعْلِ مَلَكَةٌ راسِخَةٌ لا تَقْبَلُ الزَّوالَ، وصِفَةٌ لِلنَّفْسِ قارَّةٌ فِيها؛ فَبِكَثْرَةِ المَعاصِي يُرَسَّخُ حُبُّها في القَلْبِ بِحَيْثُ لا يَزُولُ، كالصَّدَأِ الَّذِي لا يَزُولُ بِسُهُولَةٍ. قالَ في (الأساسِ): الرّانُ ما غَطّى القَلْبَ ورَكِبَهُ مِنَ القَسْوَةِ لِلذَّنْبِ بَعْدَ الذَّنْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: (رانَ عَلَيْهِ الشَّرابُ والنُّعاسُ)، و: (رانَ بِهِ)، إذا غَلَبَ عَلى عَقْلِهِ، و: (رِينَ بِفُلانٍ)، ونَظِيرُهُ الغَيْنُ.

المطففين 83:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٥ ] ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ . ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنِ الكَسْبِ الرّائِنِ عَلى قُلُوبِهِمْ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا) ﴿إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: فَلا يَرَوْنَهُ ولا يَرَوْنَ شَيْئًا مِن كَرامَتِهِ يَصِلُ إلَيْهِمْ، فَهم مَحْجُوبُونَ عَنْ رُؤْيَتِهِ وعَنْ كَرامَتِهِ. وتَخْصِيصُ الحَجْبِ بِهَؤُلاءِ يَقْتَضِي أنَّ غَيْرَهم غَيْرُ مَحْجُوبٍ فَيَراهُ اللَّهُ تَعالى ويَرى كَرامَتَهُ. قالَ الشِّهابُ: لَمّا كانَ الحِجابُ هو السّاتِرَ مِن سِتارَةِ بَزٍّ وغَيْرِها، اسْتُعِيرَ تارَةً لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ المَحْجُوبَ لا يَرى ما حُجِبَ، وتارَةً لِلْإهانَةِ؛ لِأنَّ الحَقِيرَ يُحْجَبُ ويُمْنَعُ مِنَ الدُّخُولِ عَلى الرُّؤَساءِ؛ لِذا قالَتِ العَرَبُ: النّاسُ ما بَيْنَ مَرْحُوبٍ ومَحْجُوبٍ، أيْ: مُعَظَّمٍ ومُهانٍ. وهو بِمَعانِيهِ مُحالٌ أنْ يَتَّصِفَ اللَّهُ بِهِ، فَلا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ تَعالى، كَما صَرَّحُوا بِهِ، وإنَّما يُوصَفُ بِهِ الخَلْقُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ. فَإذا أُجْرِيَ عَلى اسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، فَهو وصْفٌ سَبَبِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ. بَلِ التَّشْبِيهُ لِلْخَلْقِ. (p-٦٠٩٧)

المطففين 83:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ١٧ ] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ أيْ: مُحْتَرِقُونَ بِها. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى سِرِّ تَرادُفِ هَذِهِ الجُمَلِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمّا صارَ كالصَّدَأِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالرُّسُوخِ فِيها، كَدَّرَ جَوْهَرَها وغَيَّرَها عَنْ طِباعِها، فَعِنْدَها تَحَقَّقَ الحِجابُ وانْغَلَقَ بابُ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] لِامْتِناعِ قَبُولِ قُلُوبِهِمْ لِلنُّورِ، وامْتِناعِ عَوْدِها إلى الصَّفاءِ الأوَّلِ الفِطْرِيِّ، كالماءِ الكِبْرِيتِيِّ مَثَلًا؛ إذْ لَوْ رَوَّقَ أوْ صَعَّدَ لَما رَجَعَ إلى الطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُبَرَّدَةِ، لِاسْتِحالَةِ جَوْهَرِها، بِخِلافِ الماءِ المُسَخَّنِ الَّذِي اسْتَحالَتْ كَيْفِيَّتُهُ دُونَ طَبِيعَتِهِ ولِهَذا اسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في العَذابِ. وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ انْتَهى. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (بَدائِعِ الفَوائِدِ) في هَذِهِ الآيَةِ ما مِثالُهُ: جَمَعَ لَهم سُبْحانَهُ بَيْنَ العَذابَيْنِ عَذابِ الحِجابِ وعَذابِ النّارِ، فَألَمُ الحِجابِ يَفْعَلُ في قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ نَظِيرَ ما تَفْعَلُهُ النّارُ في أجْسامِهِمْ، كَحالِ مَن حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَبِّ الأشْياءِ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأخَذَ بِأشَدِّ العَذابِ، فَإنَّ أخَصَّ عَذابِ الرُّوحِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْبُوبٍ لا غِنى لَها عَنْهُ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ إنْ حَصَلَ لَها -مَعَ تَوارِي المَحْبُوبِ عَنْها وطُولِ احْتِجابِهِ- بُغْضُهُ لَها ومَقْتُهُ وطَرْدُهُ وغَضَبُهُ الشَّدِيدُ عَلَيْها؟ فَأيُّ نِسْبَةٍ لِألَمِ البَدَنِ إلى هَذا الألَمِ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ إلّا مَن بَلِيَ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ؟ فَلَوْ تَوَهَّمَتِ النُّفُوسُ ما في احْتِجابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْها يَوْمَ لِقائِهِ مِنَ الألَمِ والحَسْرَةِ، لَما تَعَرَّضَتْ لِأسْبابِ ذَلِكَ الِاحْتِجابِ. وأنْتَ تَرى المُحِبِّينَ في الدُّنْيا لِصُورَةِ، مُنْتَهى حُسْنِها إلى ما يُعْلَمُ، كَيْفَ يَضِجُّونَ مِن ألَمِ احْتِجابِ مَحْبُوبِهِمْ عَنْهم وإعْراضِهِ وهَجْرِهِ؟ ويَرى أحَدُهم كالمَوْتِ أوْ أشَدَّ مِنهُ مِن بَيْنِ ساعَةٍ، كَما قالَ: ؎وكُنْتُ أرى كالمَوْتِ مِن بَيْنِ لَيْلَةٍ فَكَيْفَ بَبَيْنٍ كانَ مِيعادَهُ الحَشْرُ (p-٦٠٩٨)وإنَّما يَتَبَيَّنُ الحالُ في هَذا بِمَعْرِفَةِ ما خُلِقَتْ لَهُ الرُّوحُ وما هُيِّئَتْ لَهُ وما فُطِرَتْ عَلَيْهِ، وما لا سَعادَةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا حَياةَ إلّا بِإدْراكِهِ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الأعْضاءِ لِغايَةٍ ومَنفَعَةٍ، فَكَمالُهُ ولَذَّتُهُ في أنْ يَحْصُلَ فِيهِ ما خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ العَيْنَ لِلْإبْصارِ، والأُذُنَ لِلسَّمْعِ، والأنْفَ لِلشَّمِّ، واللِّسانَ لِلنُّطْقِ، واليَدَ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلَ لِلْمَشْيِ، والرُّوحَ لِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والِابْتِهاجِ بِقُرْبِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، وجَعَلَ هَذا كَمالَها وغايَتَها، فَإذا تَعَطَّلَتْ مِن ذَلِكَ كانَتْ أسْوَأ حالًا مِنَ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ واليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي تَعَطَّلَتْ عَمّا خُلِقَتْ لَهُ، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ. بَلْ لا نِسْبَةَ لِألَمِ هَذِهِ الرُّوحِ إلى ألَمِ تِلْكَ الأعْضاءِ المُعَطَّلَةِ البَتَّةَ، بَلْ ألَمُها أشَدُّ الألَمِ، وهو مِن جِنْسِ ألَمِها إذا فَقَدَتْ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْها وأعَزَّهُ عَلَيْها، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، وشاهَدَتْ غَيْرَها قَدْ ظَفِرَ بِوَصْلِهِ وفازَ بِقُرْبِهِ ورِضاهُ. والرُّوحُ لا حَياةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا سُرُورَ ولا لَذَّةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَها وإلَهَها ومُرادَها، الَّذِي لا تَقَرُّ عَيْنُها إلّا بِقُرْبِهِ والأُنْسِ بِهِ والعُكُوفِ بِكُلِّيَّتِها عَلى مَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ، فَهَذا غايَةُ كَمالِها وأعْظَمُ نَعِيمِها وجَنَّتُها العاجِلَةُ في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمَ لِقائِهِ كانَ أعْظَمُ نَعِيمِها رَفْعَ الحِجابِ (p-٦٠٩٩)الَّذِي كانَ يَحْجُبُها في الدُّنْيا عَنْ رُؤْيَةِ وجْهِهِ وسَماعِ كَلامِهِ، وفي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: ««فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ»» . ثُمَّ قالَ: وكَما جَمَعَ سُبْحانَهُ لِأعْدائِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ العَذابَيْنِ، وهُما ألَمُ الحِجابِ وألَمُ العَذابِ، جَمَعَ لِمُحِبِّيهِ بَيْنَ نَوْعَيِ النَّعِيمِ: نَعِيمِ القُرْبِ والنَّظَرِ، ونَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ، والنِّكاحِ والتَّمَتُّعِ بِما في الجَنَّةِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] الآياتِ. ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] أيْ: في الدُّنْيا. قالَ الإمامُ: تَبْكِيتًا لَهم وزِيادَةً في التَّنْكِيلِ بِهِمْ، فَإنَّ أشَدَّ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، إذا أصابَهُ مَكْرُوهٌ أنْ يَذْكُرَ وهو يَتَألَّمُ لَهُ: بِأنَّ وسائِلَ النَّجاةِ مِن مُصابِهِ كانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأهْمَلَها، وأسْبابَ التَّقَصِّي عَنْهُ كانَتْ في مُكْنَتِهِ فَأغْفَلَها.

المطففين 83:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ١٧ ] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ أيْ: مُحْتَرِقُونَ بِها. وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى سِرِّ تَرادُفِ هَذِهِ الجُمَلِ الكَرِيمَةِ، بِأنَّ ما اكْتَسَبُوهُ مِنَ الذُّنُوبِ لَمّا صارَ كالصَّدَأِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِالرُّسُوخِ فِيها، كَدَّرَ جَوْهَرَها وغَيَّرَها عَنْ طِباعِها، فَعِنْدَها تَحَقَّقَ الحِجابُ وانْغَلَقَ بابُ المَغْفِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿كَلا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] لِامْتِناعِ قَبُولِ قُلُوبِهِمْ لِلنُّورِ، وامْتِناعِ عَوْدِها إلى الصَّفاءِ الأوَّلِ الفِطْرِيِّ، كالماءِ الكِبْرِيتِيِّ مَثَلًا؛ إذْ لَوْ رَوَّقَ أوْ صَعَّدَ لَما رَجَعَ إلى الطَّبِيعَةِ المائِيَّةِ المُبَرَّدَةِ، لِاسْتِحالَةِ جَوْهَرِها، بِخِلافِ الماءِ المُسَخَّنِ الَّذِي اسْتَحالَتْ كَيْفِيَّتُهُ دُونَ طَبِيعَتِهِ ولِهَذا اسْتَحَقُّوا الخُلُودَ في العَذابِ. وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إنَّهم لَصالُو الجَحِيمِ﴾ انْتَهى. قالَ ابْنُ القَيِّمِ في (بَدائِعِ الفَوائِدِ) في هَذِهِ الآيَةِ ما مِثالُهُ: جَمَعَ لَهم سُبْحانَهُ بَيْنَ العَذابَيْنِ عَذابِ الحِجابِ وعَذابِ النّارِ، فَألَمُ الحِجابِ يَفْعَلُ في قُلُوبِهِمْ وأرْواحِهِمْ نَظِيرَ ما تَفْعَلُهُ النّارُ في أجْسامِهِمْ، كَحالِ مَن حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَبِّ الأشْياءِ إلَيْهِ في الدُّنْيا، وأخَذَ بِأشَدِّ العَذابِ، فَإنَّ أخَصَّ عَذابِ الرُّوحِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِمَحْبُوبٍ لا غِنى لَها عَنْهُ، وهي مَمْنُوعَةٌ مِنَ الوُصُولِ إلَيْهِ، فَكَيْفَ إنْ حَصَلَ لَها -مَعَ تَوارِي المَحْبُوبِ عَنْها وطُولِ احْتِجابِهِ- بُغْضُهُ لَها ومَقْتُهُ وطَرْدُهُ وغَضَبُهُ الشَّدِيدُ عَلَيْها؟ فَأيُّ نِسْبَةٍ لِألَمِ البَدَنِ إلى هَذا الألَمِ الَّذِي لا يَتَصَوَّرُهُ إلّا مَن بَلِيَ بِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ؟ فَلَوْ تَوَهَّمَتِ النُّفُوسُ ما في احْتِجابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْها يَوْمَ لِقائِهِ مِنَ الألَمِ والحَسْرَةِ، لَما تَعَرَّضَتْ لِأسْبابِ ذَلِكَ الِاحْتِجابِ. وأنْتَ تَرى المُحِبِّينَ في الدُّنْيا لِصُورَةِ، مُنْتَهى حُسْنِها إلى ما يُعْلَمُ، كَيْفَ يَضِجُّونَ مِن ألَمِ احْتِجابِ مَحْبُوبِهِمْ عَنْهم وإعْراضِهِ وهَجْرِهِ؟ ويَرى أحَدُهم كالمَوْتِ أوْ أشَدَّ مِنهُ مِن بَيْنِ ساعَةٍ، كَما قالَ: ؎وكُنْتُ أرى كالمَوْتِ مِن بَيْنِ لَيْلَةٍ فَكَيْفَ بَبَيْنٍ كانَ مِيعادَهُ الحَشْرُ (p-٦٠٩٨)وإنَّما يَتَبَيَّنُ الحالُ في هَذا بِمَعْرِفَةِ ما خُلِقَتْ لَهُ الرُّوحُ وما هُيِّئَتْ لَهُ وما فُطِرَتْ عَلَيْهِ، وما لا سَعادَةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا حَياةَ إلّا بِإدْراكِهِ. فاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ كُلَّ عُضْوٍ مِنَ الأعْضاءِ لِغايَةٍ ومَنفَعَةٍ، فَكَمالُهُ ولَذَّتُهُ في أنْ يَحْصُلَ فِيهِ ما خُلِقَ لَهُ، فَخَلَقَ العَيْنَ لِلْإبْصارِ، والأُذُنَ لِلسَّمْعِ، والأنْفَ لِلشَّمِّ، واللِّسانَ لِلنُّطْقِ، واليَدَ لِلْبَطْشِ، والرِّجْلَ لِلْمَشْيِ، والرُّوحَ لِمَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ والِابْتِهاجِ بِقُرْبِهِ والتَّنَعُّمِ بِذِكْرِهِ، وجَعَلَ هَذا كَمالَها وغايَتَها، فَإذا تَعَطَّلَتْ مِن ذَلِكَ كانَتْ أسْوَأ حالًا مِنَ العَيْنِ والأُذُنِ واللِّسانِ واليَدِ والرِّجْلِ الَّتِي تَعَطَّلَتْ عَمّا خُلِقَتْ لَهُ، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ. بَلْ لا نِسْبَةَ لِألَمِ هَذِهِ الرُّوحِ إلى ألَمِ تِلْكَ الأعْضاءِ المُعَطَّلَةِ البَتَّةَ، بَلْ ألَمُها أشَدُّ الألَمِ، وهو مِن جِنْسِ ألَمِها إذا فَقَدَتْ أحَبَّ الأشْياءِ إلَيْها وأعَزَّهُ عَلَيْها، وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ، وشاهَدَتْ غَيْرَها قَدْ ظَفِرَ بِوَصْلِهِ وفازَ بِقُرْبِهِ ورِضاهُ. والرُّوحُ لا حَياةَ لَها ولا نَعِيمَ ولا سُرُورَ ولا لَذَّةَ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَها وإلَهَها ومُرادَها، الَّذِي لا تَقَرُّ عَيْنُها إلّا بِقُرْبِهِ والأُنْسِ بِهِ والعُكُوفِ بِكُلِّيَّتِها عَلى مَحَبَّتِهِ والشَّوْقِ إلى لِقائِهِ، فَهَذا غايَةُ كَمالِها وأعْظَمُ نَعِيمِها وجَنَّتُها العاجِلَةُ في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمَ لِقائِهِ كانَ أعْظَمُ نَعِيمِها رَفْعَ الحِجابِ (p-٦٠٩٩)الَّذِي كانَ يَحْجُبُها في الدُّنْيا عَنْ رُؤْيَةِ وجْهِهِ وسَماعِ كَلامِهِ، وفي حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: ««فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِهِ»» . ثُمَّ قالَ: وكَما جَمَعَ سُبْحانَهُ لِأعْدائِهِ بَيْنَ هَذَيْنِ العَذابَيْنِ، وهُما ألَمُ الحِجابِ وألَمُ العَذابِ، جَمَعَ لِمُحِبِّيهِ بَيْنَ نَوْعَيِ النَّعِيمِ: نَعِيمِ القُرْبِ والنَّظَرِ، ونَعِيمِ الأكْلِ والشُّرْبِ، والنِّكاحِ والتَّمَتُّعِ بِما في الجَنَّةِ، في قَوْلِهِ: ﴿ولَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١] الآياتِ. ﴿ثُمَّ يُقالُ هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٧] أيْ: في الدُّنْيا. قالَ الإمامُ: تَبْكِيتًا لَهم وزِيادَةً في التَّنْكِيلِ بِهِمْ، فَإنَّ أشَدَّ شَيْءٍ عَلى الإنْسانِ، إذا أصابَهُ مَكْرُوهٌ أنْ يَذْكُرَ وهو يَتَألَّمُ لَهُ: بِأنَّ وسائِلَ النَّجاةِ مِن مُصابِهِ كانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأهْمَلَها، وأسْبابَ التَّقَصِّي عَنْهُ كانَتْ في مُكْنَتِهِ فَأغْفَلَها.

المطففين 83:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨ - ٢١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا)، ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما كُتِبَ مِن صُوَرِ أعْمالِ السُّعَداءِ وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ النُّورانِيَّةِ ومَلَكاتِهِمُ الفاضِلَةِ في عِلِّيِّينَ، وهو مُقابِلٌ لِلسَّجِّينِ، في عُلُوِّهِ وارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ، وكَوْنُهُ دِيوانَ أعْمالِ أهْلِ الخَيْرِ. كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] أيْ: مَحَلٌّ شَرِيفٌ (p-٦١٠٠)رُقِّمَ بِصُوَرِ أعْمالِهِمْ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أيْ: يَحْضُرُهُ المُقَرَّبُونَ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ، كَما في آيَةِ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والمُقَرَّبُونَ هُمُ الأبْرارُ: أعادَ ذِكْرَهم بِوَصْفٍ ثانٍ؛ تَنْوِيهًا بِهِمْ وتَعْدِيدًا لِصِفاتِهِمْ. أوْ هُمُ المَلائِكَةُ إجْلالًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

المطففين 83:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨ - ٢١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا)، ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما كُتِبَ مِن صُوَرِ أعْمالِ السُّعَداءِ وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ النُّورانِيَّةِ ومَلَكاتِهِمُ الفاضِلَةِ في عِلِّيِّينَ، وهو مُقابِلٌ لِلسَّجِّينِ، في عُلُوِّهِ وارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ، وكَوْنُهُ دِيوانَ أعْمالِ أهْلِ الخَيْرِ. كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] أيْ: مَحَلٌّ شَرِيفٌ (p-٦١٠٠)رُقِّمَ بِصُوَرِ أعْمالِهِمْ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أيْ: يَحْضُرُهُ المُقَرَّبُونَ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ، كَما في آيَةِ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والمُقَرَّبُونَ هُمُ الأبْرارُ: أعادَ ذِكْرَهم بِوَصْفٍ ثانٍ؛ تَنْوِيهًا بِهِمْ وتَعْدِيدًا لِصِفاتِهِمْ. أوْ هُمُ المَلائِكَةُ إجْلالًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

المطففين 83:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨ - ٢١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا)، ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما كُتِبَ مِن صُوَرِ أعْمالِ السُّعَداءِ وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ النُّورانِيَّةِ ومَلَكاتِهِمُ الفاضِلَةِ في عِلِّيِّينَ، وهو مُقابِلٌ لِلسَّجِّينِ، في عُلُوِّهِ وارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ، وكَوْنُهُ دِيوانَ أعْمالِ أهْلِ الخَيْرِ. كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] أيْ: مَحَلٌّ شَرِيفٌ (p-٦١٠٠)رُقِّمَ بِصُوَرِ أعْمالِهِمْ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أيْ: يَحْضُرُهُ المُقَرَّبُونَ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ، كَما في آيَةِ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والمُقَرَّبُونَ هُمُ الأبْرارُ: أعادَ ذِكْرَهم بِوَصْفٍ ثانٍ؛ تَنْوِيهًا بِهِمْ وتَعْدِيدًا لِصِفاتِهِمْ. أوْ هُمُ المَلائِكَةُ إجْلالًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

المطففين 83:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٨ - ٢١ ] ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] ﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، أوْ بِمَعْنى (حَقًّا)، ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي عِلِّيِّينَ﴾ قالَ القاشانِيُّ: أيْ: ما كُتِبَ مِن صُوَرِ أعْمالِ السُّعَداءِ وهَيْئاتِ نُفُوسِهِمُ النُّورانِيَّةِ ومَلَكاتِهِمُ الفاضِلَةِ في عِلِّيِّينَ، وهو مُقابِلٌ لِلسَّجِّينِ، في عُلُوِّهِ وارْتِفاعِ دَرَجَتِهِ، وكَوْنُهُ دِيوانَ أعْمالِ أهْلِ الخَيْرِ. كَما قالَ: ﴿وما أدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين: ١٩] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٢٠] أيْ: مَحَلٌّ شَرِيفٌ (p-٦١٠٠)رُقِّمَ بِصُوَرِ أعْمالِهِمْ: ﴿يَشْهَدُهُ المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢١] أيْ: يَحْضُرُهُ المُقَرَّبُونَ مِن حَضْرَةِ ذِي الجَلالِ، كَما في آيَةِ ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] والمُقَرَّبُونَ هُمُ الأبْرارُ: أعادَ ذِكْرَهم بِوَصْفٍ ثانٍ؛ تَنْوِيهًا بِهِمْ وتَعْدِيدًا لِصِفاتِهِمْ. أوْ هُمُ المَلائِكَةُ إجْلالًا لَهم وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ.

المطففين 83:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ: ؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المطففين 83:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ: ؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المطففين 83:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ: ؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المطففين 83:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ: ؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المطففين 83:26

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٦ ] ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] ولَمّا عَظَّمَ تَعالى كِتابَهم تَأثُّرَهُ بِتَعْظِيمِ مَنزِلَتِهِمْ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ دائِمٍ، وذَلِكَ نَعِيمُهم في الجِنانِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٣] أيْ: عَلى الأسِرَّةِ والمُتَّكَآتِ يَنْظُرُونَ إلى ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ وأفانِينِ النَّعِيمِ. ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤] أيْ: بَهْجَتَهُ ورَوْنَقَهُ، كَما يُرى عَلى وُجُوهِ المُتَرَفِّهِينَ ماؤُهُ وحُسْنُهُ. ﴿يُسْقَوْنَ مِن رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَمْرٍ، إلّا أنَّهُ خُصَّ بِالخالِصِ الَّذِي لا غِشَّ فِيهِ، كَما قالَ حَسّانُ: ؎يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ (p-٦١٠١)ومِنهُ قَوْلُهُمْ: مِسْكٌ رَحِيقٌ لا غِشَّ فِيهِ، وحَسَبٌ رَحِيقٌ لا شَوْبَ فِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥] أيْ: خَتَمَ عَلى أوانِيهِ تَكْرِيمًا لَهُ لِصِيانَتِهِ عَنْ أنْ تَمَسَّهُ الأيْدِي عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ مِن خَتْمِ ما يُكْرَمُ ويُصانُ. ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦] قالَ القَفّالُ: أيِ: الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رَأْسُ قارُورَةِ ذَلِكَ الرَّحِيقِ هو المِسْكُ، كالطِّينِ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ رُؤُوسُ القَوارِيرِ فَكَأنَّ ذَلِكَ المِسْكَ رَطْبٌ يَنْطَبِعُ فِيهِ الخاتَمُ. وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ واللُّغَوِيِّينَ: المَخْتُومُ الَّذِي لَهُ خِتامٌ، أيْ: عاقِبَةٌ، وقَدْ فُسِّرَتْ بِالمِسْكِ، أيْ: مَن شَرِبَهُ كانَ خَتْمُ شُرْبِهِ عَلى رِيحِ المِسْكِ. والقَصْدُ لَذَّةُ المَقْطَعِ بِذَكاءِ الرّائِحَةِ وأرْجِها، عَلى خِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا الخَبِيثَةِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ ﴿وفِي ذَلِكَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيِ: النَّعِيمِ المُنَوَّهِ بِهِ وما تَلاهُ ﴿فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦] أيْ: فَلْيَرْغَبِ الرّاغِبُونَ بِالِاسْتِباقِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: التَّنافُسُ أنْ يُنَفِّسَ الرَّجُلُ عَلى الرَّجُلِ بِالشَّيْءِ يَكُونُ لَهُ، ويَتَمَنّى أنْ يَكُونَ لَهُ دُونَهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ، وهو الَّذِي تَحْرِصُ عَلَيْهِ نُفُوسُ النّاسِ وتَطْلُبُهُ وتَشْتَهِيهِ، وكَأنَّ مَعْناهُ في ذَلِكَ: فَلْيَجِدَّ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ، فَلْيَسْتَبِقُوا في طَلَبِهِ ولْتَحْرِصْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم. وقالَ الرّازِيُّ: إنَّ مُبالَغَتَهُ تَعالى في التَّرْغِيبِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّنافُسَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ في مِثْلِ ذَلِكَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الدّائِمِ، لا في النَّعِيمِ الَّذِي هو مُكَدَّرٌ سَرِيعُ الفَناءِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

المطففين 83:27

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٢٨ ] ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿خِتامُهُ﴾ [المطففين: ٢٦] صِفَةٌ أُخْرى لِـ: ﴿رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ مِن ماءٍ تَسْنِيمٍ. والتَّسْنِيمُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَنَمَهُ بِمَعْنى (p-٦١٠٢)رَفَعَهُ، ومِنهُ السَّنامُ. سُمِّيَ الماءُ بِهِ لِارْتِفاعِهِ وانْصِبابِهِ مِن عُلُوٍّ. وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] أيْ: يَشْرَبُونَ بِها الرَّحِيقَ، والكَلامُ في الباءِ، كَما في آيَةِ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] مِن كَوْنِها زائِدَةً، أوْ بِمَعْنى: (مِن)، أوْ صِلَةُ الِامْتِزاجِ، أوْ الِالتِذاذِ.

المطففين 83:28

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٧ - ٢٨ ] ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] ﴿ومِزاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿خِتامُهُ﴾ [المطففين: ٢٦] صِفَةٌ أُخْرى لِـ: ﴿رَحِيقٍ﴾ [المطففين: ٢٥] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَفاسَتِهِ، أيْ: ما يُمْزَجُ بِهِ ذَلِكَ الرَّحِيقُ مِن ماءٍ تَسْنِيمٍ. والتَّسْنِيمُ في الأصْلِ مَصْدَرُ سَنَمَهُ بِمَعْنى (p-٦١٠٢)رَفَعَهُ، ومِنهُ السَّنامُ. سُمِّيَ الماءُ بِهِ لِارْتِفاعِهِ وانْصِبابِهِ مِن عُلُوٍّ. وقَدْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها المُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ٢٨] أيْ: يَشْرَبُونَ بِها الرَّحِيقَ، والكَلامُ في الباءِ، كَما في آيَةِ ﴿يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] مِن كَوْنِها زائِدَةً، أوْ بِمَعْنى: (مِن)، أوْ صِلَةُ الِامْتِزاجِ، أوْ الِالتِذاذِ.

المطففين 83:29

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٩ - ٣١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيِ: اسْتِهْزاءً بِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَبْذِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم. قالَ الإمامُ: الَّذِينَ أجْرَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ الأئِمَّةُ الَّذِينَ شُرِيَتْ نُفُوسُهم في الشَّرِّ، وصُمَّتْ آذانُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ: هَؤُلاءِ كانُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَ رَحِمَ اللَّهُ هَذا العالَمَ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ كِبارُ القَوْمِ وعُرَفاؤُهم عَلى رَأْيِ الدَّهْماءِ وفي ضَلالِ العامَّةِ، وكانَتْ دَعْوَةُ الحَقِّ خافِتَةً لا يَرْتَفِعُ بِها إلّا صَوْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ يَهْمِسُ بِها بَعْضُ مَن يَلِيهِ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ لَمْ تَطْمِسْ أهْواؤُهم سَبِيلَ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ فَيُسِرُّ بِها إلى مَن يَرْجُوهُ، ولا يَسْتَطِيعُ الجَهْرَ بِها لِمَن يَخافُهُ. ومِن شَأْنِ القَوِيِّ المُسْتَعِزِّ بِالقُدْرَةِ والكَثْرَةِ أنْ يَضْحَكَ مِمَّنْ يُخالِفُهُ في المَنزَعِ ويَدْعُوهُ إلى غَيْرِ ما يَعْرِفُهُ، وهو أضْعَفُ مِنهُ قُوَّةً وأقَلُّ عَدَدًا، كَذَلِكَ كانَ شَأْنُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، وهَكَذا يَكُونُ شَأْنُ أمْثالِهِمْ في كُلِّ زَمانٍ مَتى عَمَّتِ البِدَعُ، وتَفَرَّقَتِ الشِّيَعُ وخَفِيَ طَرِيقُ الحَقِّ بَيْنَ طُرُقِ الباطِلِ، وجُهِلَ مَعْنى الدِّينِ، وأُزْهِقَتْ رُوحُهُ مِن عِباراتِهِ وأسالِيبِهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا ظَواهِرُ (p-٦١٠٣)لا تَطابِقُها البَواطِنُ، وحَرَكاتُ أرْكانٍ لا تُشايِعُها السَّرائِرُ، وتَحَكَّمَتِ الشَّهَواتُ فَلَمْ تَبْقَ رَغْبَةٌ تَحْدُو بِالنّاسِ إلى العَمَلِ، إلّا ما تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ والزِّينَةِ والرِّياشِ والمَناصِبِ والألْقابِ، وتَشَبَّثَتِ الهِمَمُ بِالمَجْدِ الكاذِبِ، وأحَبَّ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، وذَهَبَ النّاقِصُ يَسْتَكْمِلُ ما نَقَصَ مِنهُ بِتَنْقِيصِ الكامِلِ، واسْتَوى في ذَلِكَ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والأمِيرُ والمَأْمُورُ، والجاهِلُ والمُلَقَّبُ بِلَقَبِ العالِمِ. إذا صارَ النّاسُ إلى هَذِهِ الحالِ، ضَعُفَ صَوْتُ الحَقِّ وازْدَرى السّامِعُونَ مِنهم بِالدّاعِي إلَيْهِ، وانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ نَصُّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. انْتَهى. ﴿وإذا مَرُّوا﴾ [المطففين: ٣٠] أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. والغَمْزُ: الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ، والضَّحِكِ مِنهُمْ، والتَّغامُزِ عَلَيْهِمْ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِالسُّخْرِيَةِ وحِكايَةِ ما يَعِيبُونَ بِهِ أهْلَ الإيمانِ، أوْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا.

المطففين 83:30

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٩ - ٣١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيِ: اسْتِهْزاءً بِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَبْذِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم. قالَ الإمامُ: الَّذِينَ أجْرَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ الأئِمَّةُ الَّذِينَ شُرِيَتْ نُفُوسُهم في الشَّرِّ، وصُمَّتْ آذانُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ: هَؤُلاءِ كانُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَ رَحِمَ اللَّهُ هَذا العالَمَ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ كِبارُ القَوْمِ وعُرَفاؤُهم عَلى رَأْيِ الدَّهْماءِ وفي ضَلالِ العامَّةِ، وكانَتْ دَعْوَةُ الحَقِّ خافِتَةً لا يَرْتَفِعُ بِها إلّا صَوْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ يَهْمِسُ بِها بَعْضُ مَن يَلِيهِ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ لَمْ تَطْمِسْ أهْواؤُهم سَبِيلَ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ فَيُسِرُّ بِها إلى مَن يَرْجُوهُ، ولا يَسْتَطِيعُ الجَهْرَ بِها لِمَن يَخافُهُ. ومِن شَأْنِ القَوِيِّ المُسْتَعِزِّ بِالقُدْرَةِ والكَثْرَةِ أنْ يَضْحَكَ مِمَّنْ يُخالِفُهُ في المَنزَعِ ويَدْعُوهُ إلى غَيْرِ ما يَعْرِفُهُ، وهو أضْعَفُ مِنهُ قُوَّةً وأقَلُّ عَدَدًا، كَذَلِكَ كانَ شَأْنُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، وهَكَذا يَكُونُ شَأْنُ أمْثالِهِمْ في كُلِّ زَمانٍ مَتى عَمَّتِ البِدَعُ، وتَفَرَّقَتِ الشِّيَعُ وخَفِيَ طَرِيقُ الحَقِّ بَيْنَ طُرُقِ الباطِلِ، وجُهِلَ مَعْنى الدِّينِ، وأُزْهِقَتْ رُوحُهُ مِن عِباراتِهِ وأسالِيبِهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا ظَواهِرُ (p-٦١٠٣)لا تَطابِقُها البَواطِنُ، وحَرَكاتُ أرْكانٍ لا تُشايِعُها السَّرائِرُ، وتَحَكَّمَتِ الشَّهَواتُ فَلَمْ تَبْقَ رَغْبَةٌ تَحْدُو بِالنّاسِ إلى العَمَلِ، إلّا ما تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ والزِّينَةِ والرِّياشِ والمَناصِبِ والألْقابِ، وتَشَبَّثَتِ الهِمَمُ بِالمَجْدِ الكاذِبِ، وأحَبَّ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، وذَهَبَ النّاقِصُ يَسْتَكْمِلُ ما نَقَصَ مِنهُ بِتَنْقِيصِ الكامِلِ، واسْتَوى في ذَلِكَ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والأمِيرُ والمَأْمُورُ، والجاهِلُ والمُلَقَّبُ بِلَقَبِ العالِمِ. إذا صارَ النّاسُ إلى هَذِهِ الحالِ، ضَعُفَ صَوْتُ الحَقِّ وازْدَرى السّامِعُونَ مِنهم بِالدّاعِي إلَيْهِ، وانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ نَصُّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. انْتَهى. ﴿وإذا مَرُّوا﴾ [المطففين: ٣٠] أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. والغَمْزُ: الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ، والضَّحِكِ مِنهُمْ، والتَّغامُزِ عَلَيْهِمْ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِالسُّخْرِيَةِ وحِكايَةِ ما يَعِيبُونَ بِهِ أهْلَ الإيمانِ، أوْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا.

المطففين 83:31

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٩ - ٣١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ يَعْنِي كُفّارَ قُرَيْشٍ ﴿كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ أيِ: اسْتِهْزاءً بِهِمْ لِإيمانِهِمْ بِاللَّهِ وحْدَهُ وبِما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ونَبْذِهِمْ ما ألْفَوْا عَلَيْهِ آباءَهم. قالَ الإمامُ: الَّذِينَ أجْرَمُوا هُمُ المُعْتَدُونَ الأئِمَّةُ الَّذِينَ شُرِيَتْ نُفُوسُهم في الشَّرِّ، وصُمَّتْ آذانُهم عَنْ سَماعِ دَعْوَةِ الحَقِّ: هَؤُلاءِ كانُوا يَضْحَكُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ ذَلِكَ لِأنَّهُ حِينَ رَحِمَ اللَّهُ هَذا العالَمَ بِبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ كِبارُ القَوْمِ وعُرَفاؤُهم عَلى رَأْيِ الدَّهْماءِ وفي ضَلالِ العامَّةِ، وكانَتْ دَعْوَةُ الحَقِّ خافِتَةً لا يَرْتَفِعُ بِها إلّا صَوْتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ يَهْمِسُ بِها بَعْضُ مَن يَلِيهِ، ويُجِيبُ دَعْوَتَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ الَّذِينَ لَمْ تَطْمِسْ أهْواؤُهم سَبِيلَ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ فَيُسِرُّ بِها إلى مَن يَرْجُوهُ، ولا يَسْتَطِيعُ الجَهْرَ بِها لِمَن يَخافُهُ. ومِن شَأْنِ القَوِيِّ المُسْتَعِزِّ بِالقُدْرَةِ والكَثْرَةِ أنْ يَضْحَكَ مِمَّنْ يُخالِفُهُ في المَنزَعِ ويَدْعُوهُ إلى غَيْرِ ما يَعْرِفُهُ، وهو أضْعَفُ مِنهُ قُوَّةً وأقَلُّ عَدَدًا، كَذَلِكَ كانَ شَأْنُ جَماعَةٍ مِن قُرَيْشٍ، كَأبِي جَهْلٍ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، والعاصِ بْنِ وائِلٍ وأشْياعِهِمْ، وهَكَذا يَكُونُ شَأْنُ أمْثالِهِمْ في كُلِّ زَمانٍ مَتى عَمَّتِ البِدَعُ، وتَفَرَّقَتِ الشِّيَعُ وخَفِيَ طَرِيقُ الحَقِّ بَيْنَ طُرُقِ الباطِلِ، وجُهِلَ مَعْنى الدِّينِ، وأُزْهِقَتْ رُوحُهُ مِن عِباراتِهِ وأسالِيبِهِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا ظَواهِرُ (p-٦١٠٣)لا تَطابِقُها البَواطِنُ، وحَرَكاتُ أرْكانٍ لا تُشايِعُها السَّرائِرُ، وتَحَكَّمَتِ الشَّهَواتُ فَلَمْ تَبْقَ رَغْبَةٌ تَحْدُو بِالنّاسِ إلى العَمَلِ، إلّا ما تَعَلَّقَ بِالطَّعامِ والشَّرابِ والزِّينَةِ والرِّياشِ والمَناصِبِ والألْقابِ، وتَشَبَّثَتِ الهِمَمُ بِالمَجْدِ الكاذِبِ، وأحَبَّ كُلُّ واحِدٍ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ، وذَهَبَ النّاقِصُ يَسْتَكْمِلُ ما نَقَصَ مِنهُ بِتَنْقِيصِ الكامِلِ، واسْتَوى في ذَلِكَ الكَبِيرُ والصَّغِيرُ، والأمِيرُ والمَأْمُورُ، والجاهِلُ والمُلَقَّبُ بِلَقَبِ العالِمِ. إذا صارَ النّاسُ إلى هَذِهِ الحالِ، ضَعُفَ صَوْتُ الحَقِّ وازْدَرى السّامِعُونَ مِنهم بِالدّاعِي إلَيْهِ، وانْطَبَقَ عَلَيْهِمْ نَصُّ الآيَةِ الكَرِيمَةِ. انْتَهى. ﴿وإذا مَرُّوا﴾ [المطففين: ٣٠] أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا ﴿بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ [المطففين: ٣٠] أيْ: يَغْمِزُ بَعْضُهم بَعْضًا اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً. والغَمْزُ: الإشارَةُ بِالجَفْنِ والحاجِبِ. قالَ السُّيُوطِيُّ: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ السُّخْرِيَةِ بِالمُؤْمِنِينَ، والضَّحِكِ مِنهُمْ، والتَّغامُزِ عَلَيْهِمْ ﴿وإذا انْقَلَبُوا﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ مِن مَجالِسِهِمْ ﴿إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] أيْ: مُتَلَذِّذِينَ بِالسُّخْرِيَةِ وحِكايَةِ ما يَعِيبُونَ بِهِ أهْلَ الإيمانِ، أوْ بِما هم فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والطُّغْيانِ والتَّنَعُّمِ بِالدُّنْيا.

المطففين 83:32

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

المطففين 83:33

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

المطففين 83:34

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

المطففين 83:35

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

المطففين 83:36

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٣٢- ٣٦ ] ﴿وإذا رَأوْهم قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ ﴿وما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] ﴿وإذا رَأوْهُمْ﴾ أيْ: رَأوُا المُؤْمِنِينَ ﴿قالُوا إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ أيْ: لِتَرْكِهِمْ ما عَلَيْهِ العامَّةُ، والِاعْتِصامِ بِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُرْسِلُوا﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: هَؤُلاءِ المُجْرِمُونَ القائِلُونَ ما ذُكِرَ (p-٦١٠٤)﴿عَلَيْهِمْ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: عَلى المُسْلِمِينَ ﴿حافِظِينَ﴾ [المطففين: ٣٣] أيْ: لِأعْمالِهِمْ. جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن: واوِ "قالُوا" أيْ: قالُوا ذَلِكَ، والحالُ أنَّهم ما أُرْسِلُوا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مُوَكَّلِينَ بِهِمْ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أحْوالَهُمْ، ويُهَيْمِنُونَ عَلى أعْمالِهِمْ، ويَشْهَدُونَ بِرُشْدِهِمْ وضَلالِهِمْ. وهَذا تَهَكُّمٌ بِهِمْ وإشْعارٌ بِأنَّ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ القَوْلِ، مِن وظائِفِ مَن أُرْسِلَ مِن جِهَتِهِ تَعالى. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ قَوْلِ المُجْرِمِينَ، كَأنَّهم قالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ لَضالُّونَ وما أُرْسِلُوا عَلَيْنا حافِظِينَ. إنْكارًا لِصَدِّهِمْ عَنِ الشِّرْكِ ودُعائِهِمْ إلى الإسْلامِ، وإنَّما قِيلَ: "عَلَيْهِمْ" نَقْلًا لَهُ بِالمَعْنى كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ)، لا بِالعِبارَةِ، كَما في قَوْلِكَ: (حَلَفَ لَأفْعَلَنَّ)، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٣٤] تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ جَزاءُ سُخْرِيَتِهِمْ في الدُّنْيا، و(اليَوْمَ): يَوْمُ الدِّينِ والجَزاءِ. وضَحِكُهم مِنَ الكُفّارِ ضَحِكُ السُّرُورِ بِما نَزَلَ بِعَدُوِّهِ مِنَ الهَوانِ والصِّغارِ، بَعْدَ العِزَّةِ والكِبْرِ. ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٣٥] إلى ما أُوتُوا مِنَ النَّعِيمِ، وما حَلَّ بِالمُجْرِمِينَ مِن عَذابِ الجَحِيمِ. ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٣٦] أيْ: جُوزُوا ثَوابَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا. والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (يَنْظُرُونَ) في مَحَلِّ نَصْبٍ بَعْدَ إسْقاطِ الجارِّ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ كَأنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، تَعْظِيمًا لَهم وتَكْرِيمًا وزِيادَةً في مَسَرَّتِهِمْ، أيْ: هَلْ رَأيْتُمْ كَيْفَ جازى اللَّهُ الكافِرِينَ بِأعْمالِهِمْ، أيْ: أنَّهُ فَعَلَ. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ. وثَوَّبَهُ وأثابَهُ بِمَعْنى جازاهُ، وهو مِن (ثابَ)، بِمَعْنى رَجَعَ. فالثَّوابُ ما يَرْجِعُ عَلى العَبْدِ في مُقابَلَةِ عَمَلِهِ، ويُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿إنَّهُ كانَ فَرِيقٌ مِن عِبادِي يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩] ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا حَتّى أنْسَوْكم ذِكْرِي وكُنْتُمْ مِنهم تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٠] ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١١١]

الانشقاق 84:1

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقاقِ وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ. رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها». ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ». وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» (p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى. ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

الانشقاق 84:2

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقاقِ وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ. رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها». ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ». وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» (p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى. ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

الانشقاق 84:3

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقاقِ وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ. رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها». ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ». وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» (p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى. ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

الانشقاق 84:4

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقاقِ وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ. رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها». ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ». وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» (p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى. ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

الانشقاق 84:5

(p-٦١٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الِانْشِقاقِ وتُسَمّى سُورَةَ (إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ). وهي مَكِّيَّةٌ. وهي خَمْسٌ وعِشْرُونَ آيَةً. قِيلَ تَرْتِيبُ هَذِهِ السُّوَرِ الثَّلاثِ ظاهِرٌ. لِأنَّ في (انْفَطَرَتْ) تَعْرِيفَ الحَفَظَةِ الكاتِبِينَ وفي (المُطَفِّفِينَ) مَقَرُّ كُتُبِهِمْ. وفي هَذِهِ عَرْضُها لِلْقِيامَةِ. رَوى الإمامُ مالِكٌ عَنْ أبِي سَلَمَةَ «أنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَرَأ بِهِمْ: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ فِيها. فَلَمّا انْصَرَفَ أخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَجَدَ فِيها». ورَواهُ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وأخْرَجَ البُخارِيُّ «عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أبِي هُرَيْرَةَ العَتَمَةَ. فَقَرَأ ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ فَسَجَدَ. فَقُلْتُ: ما هَذِهِ؟ قالَ: سَجَدْتُ بِها خَلْفَ أبِي القاسِمِ ﷺ، فَلا أزالُ أسْجُدُ فِيها حَتّى ألْقاهُ». وفِي رِوايَةٍ لِلنَّسائِيِّ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]» (p-٦١٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٥ ] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ وتَقَطَّعَتْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٢] أيْ: سَمِعَتْ لَهُ في تَصَدُّعِها وتَشَقُّقِها، وهو مَجازٌ عَنْ الِانْقِيادِ والطّاعَةِ. والمَعْنى أنَّها انْقادَتْ لِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ حِينَ أرادَ انْشِقاقَها، انْقِيادَ المُطَوِّعِ الَّذِي يَسْتَمِعُ لِلْآمِرِ ويُذْعِنُ لَهُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ تَقُولُ: (أُذِنَ لَكَ في هَذا إذْنًا)، بِمَعْنى اسْتُمِعَ لَكَ. ومِنهُ الخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:««ما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ ما أذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ»» . يَعْنِي ما اسْتَمَعَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كاسْتِماعِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎صُمٌّ إذا سَمِعُوا خَيْرًا ذُكِرْتُ بِهِ وإنْ ذُكِرْتُ بِسُوءٍ عِنْدَهم أذِنُوا (p-٦١٠٧)ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: "وحُقَّتْ" أيْ: حَقَّ لَها ووَجَبَ أنْ تَنْقادَ لِأمْرِ القادِرِ ولا تَمْتَنِعَ، وهي حَقِيقَةٌ بِالِانْقِيادِ لِأنَّها مَخْلُوقَةٌ لَهُ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ. قالَ المُعْرِبُ: الأصْلُ حَقَّ اللَّهُ طاعَتَها، ولَمّا كانَ الإسْنادُ في الآيَةِ إلى السَّماءِ نَفْسِها، والتَّقْدِيرُ: وحَقَّتْ هِيَ، كانَ أصْلُ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ في الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ، أيْ: وحَقَّ سَماعُها وطاعَتُها، فَحُذِفَ المُضافُ، ثُمَّ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِهِ، ثُمَّ اسْتَتَرَ فِيهِ. ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] أيْ: بُسِطَتْ وجُعِلَتْ مُسْتَوِيَةً، وذَلِكَ بِنَسْفِ جِبالِها وآكامِها كَما قالَ: ﴿قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦] ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ [طه: ١٠٧] ولِذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُدَّتْ مَدَّ الأدِيمِ العُكاظِيِّ؛ لِأنَّ الأدِيمَ إذا مُدَّ زالَ كُلُّ انْثِناءٍ فِيهِ واسْتَوى. ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: ما في جَوْفِها مِنَ الكُنُوزِ والأمْواتِ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] أيْ: وخَلَّتْ غايَةَ الخُلُوِّ، حَتّى لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ في باطِنِها، كَأنَّها تَكَلَّفَتْ أقْصى جُهْدِها في الخُلُوِّ. ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها وحُقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٥] أيِ: انْقادَتْ لَهُ في التَّخْلِيَةِ، وحَقَّ لَها ذَلِكَ؛ وإعادَةُ الآيَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ تَحْتَ سُلْطانِ الجَلالِ الإلَهِيِّ وقَهْرِهِ ومَشِيئَتِهِ. وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ بِالإبْهامِ، أيْ: كانَ ما كانَ مِمّا لا يَفِي بِهِ البَيانُ، أوْ لاقى الإنْسانُ كَدْحَهُ، كَما قالَ:

الانشقاق 84:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٩ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: (p-٦١٠٨)إنَّكَ عامِلٌ إلى رَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ بِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. المَعْنى: فَلْيَكُنْ عَمَلُكَ مِمّا يُنْجِيكَ مِن سُخْطِهِ، ويُوجِبُ لَكَ رِضاهُ، ولا يَكُنْ مِمّا يُسْخِطُهُ عَلَيْكَ فَتَهْلَكَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنَّكَ ساعٍ مُجْتَهِدٌ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِالمَوْتِ، أيْ: تَسِيرُ مَعَ أنْفاسِكَ سَرِيعًا، كَما قِيلَ: أنْفاسُكَ خُطاكَ إلى أجَلِكَ، أوْ مُجْتَهِدٌ مُجِدٌّ في العَمَلِ: خَيْرًا أوْ شَرًّا، ذاهِبٌ إلى رَبِّكَ فَمُلاقِيهِ ضَرُورَةً. قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلرَّبِّ وإمّا لِلْكَدْحِ. وأصْلُ الكَدْحِ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: (كَدَحَ جِلْدُهُ)، إذا خَدَشَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلْجِدِّ في العَمَلِ ولِلتَّعَبِ، بِجامِعِ التَّأْثِيرِ في ظاهِرِ البَشَرَةِ. ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] وهم مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا واتَّصَفَ بِما وُصِفَ بِهِ الأبْرارُ، في غَيْرِ ما آيَةٍ. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَنْظُرَ في أعْمالِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ سَيِّئُها ويُجازى عَلى حُسْنِها. وقالَ القاشانِيُّ: بِأنْ تُمْحى سَيِّئاتُهُ ويُعْفى عَنْهُ ويُثابَ بِحَسَناتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِبَقاءِ فِطْرَتِهِ عَلى صَفائِها ونُورِيَّتِها الأصْلِيَّةِ. ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: زَوْجَتِهِ وأقارِبِهِ، أوْ قَوْمِهِ مَن يُجانِسُهُ ويُقارِنُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴿مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: بِنَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ بِصُحْبَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ، وبِما أُوتِيَ مِن حُظُوظِهِ.

الانشقاق 84:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٩ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: (p-٦١٠٨)إنَّكَ عامِلٌ إلى رَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ بِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. المَعْنى: فَلْيَكُنْ عَمَلُكَ مِمّا يُنْجِيكَ مِن سُخْطِهِ، ويُوجِبُ لَكَ رِضاهُ، ولا يَكُنْ مِمّا يُسْخِطُهُ عَلَيْكَ فَتَهْلَكَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنَّكَ ساعٍ مُجْتَهِدٌ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِالمَوْتِ، أيْ: تَسِيرُ مَعَ أنْفاسِكَ سَرِيعًا، كَما قِيلَ: أنْفاسُكَ خُطاكَ إلى أجَلِكَ، أوْ مُجْتَهِدٌ مُجِدٌّ في العَمَلِ: خَيْرًا أوْ شَرًّا، ذاهِبٌ إلى رَبِّكَ فَمُلاقِيهِ ضَرُورَةً. قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلرَّبِّ وإمّا لِلْكَدْحِ. وأصْلُ الكَدْحِ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: (كَدَحَ جِلْدُهُ)، إذا خَدَشَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلْجِدِّ في العَمَلِ ولِلتَّعَبِ، بِجامِعِ التَّأْثِيرِ في ظاهِرِ البَشَرَةِ. ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] وهم مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا واتَّصَفَ بِما وُصِفَ بِهِ الأبْرارُ، في غَيْرِ ما آيَةٍ. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَنْظُرَ في أعْمالِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ سَيِّئُها ويُجازى عَلى حُسْنِها. وقالَ القاشانِيُّ: بِأنْ تُمْحى سَيِّئاتُهُ ويُعْفى عَنْهُ ويُثابَ بِحَسَناتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِبَقاءِ فِطْرَتِهِ عَلى صَفائِها ونُورِيَّتِها الأصْلِيَّةِ. ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: زَوْجَتِهِ وأقارِبِهِ، أوْ قَوْمِهِ مَن يُجانِسُهُ ويُقارِنُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴿مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: بِنَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ بِصُحْبَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ، وبِما أُوتِيَ مِن حُظُوظِهِ.

الانشقاق 84:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٩ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: (p-٦١٠٨)إنَّكَ عامِلٌ إلى رَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ بِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. المَعْنى: فَلْيَكُنْ عَمَلُكَ مِمّا يُنْجِيكَ مِن سُخْطِهِ، ويُوجِبُ لَكَ رِضاهُ، ولا يَكُنْ مِمّا يُسْخِطُهُ عَلَيْكَ فَتَهْلَكَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنَّكَ ساعٍ مُجْتَهِدٌ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِالمَوْتِ، أيْ: تَسِيرُ مَعَ أنْفاسِكَ سَرِيعًا، كَما قِيلَ: أنْفاسُكَ خُطاكَ إلى أجَلِكَ، أوْ مُجْتَهِدٌ مُجِدٌّ في العَمَلِ: خَيْرًا أوْ شَرًّا، ذاهِبٌ إلى رَبِّكَ فَمُلاقِيهِ ضَرُورَةً. قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلرَّبِّ وإمّا لِلْكَدْحِ. وأصْلُ الكَدْحِ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: (كَدَحَ جِلْدُهُ)، إذا خَدَشَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلْجِدِّ في العَمَلِ ولِلتَّعَبِ، بِجامِعِ التَّأْثِيرِ في ظاهِرِ البَشَرَةِ. ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] وهم مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا واتَّصَفَ بِما وُصِفَ بِهِ الأبْرارُ، في غَيْرِ ما آيَةٍ. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَنْظُرَ في أعْمالِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ سَيِّئُها ويُجازى عَلى حُسْنِها. وقالَ القاشانِيُّ: بِأنْ تُمْحى سَيِّئاتُهُ ويُعْفى عَنْهُ ويُثابَ بِحَسَناتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِبَقاءِ فِطْرَتِهِ عَلى صَفائِها ونُورِيَّتِها الأصْلِيَّةِ. ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: زَوْجَتِهِ وأقارِبِهِ، أوْ قَوْمِهِ مَن يُجانِسُهُ ويُقارِنُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴿مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: بِنَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ بِصُحْبَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ، وبِما أُوتِيَ مِن حُظُوظِهِ.

الانشقاق 84:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ٩ ] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: (p-٦١٠٨)إنَّكَ عامِلٌ إلى رَبِّكَ عَمَلًا فَمُلاقِيهِ بِهِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا. المَعْنى: فَلْيَكُنْ عَمَلُكَ مِمّا يُنْجِيكَ مِن سُخْطِهِ، ويُوجِبُ لَكَ رِضاهُ، ولا يَكُنْ مِمّا يُسْخِطُهُ عَلَيْكَ فَتَهْلَكَ. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: إنَّكَ ساعٍ مُجْتَهِدٌ في الذَّهابِ إلَيْهِ بِالمَوْتِ، أيْ: تَسِيرُ مَعَ أنْفاسِكَ سَرِيعًا، كَما قِيلَ: أنْفاسُكَ خُطاكَ إلى أجَلِكَ، أوْ مُجْتَهِدٌ مُجِدٌّ في العَمَلِ: خَيْرًا أوْ شَرًّا، ذاهِبٌ إلى رَبِّكَ فَمُلاقِيهِ ضَرُورَةً. قالَ: والضَّمِيرُ إمّا لِلرَّبِّ وإمّا لِلْكَدْحِ. وأصْلُ الكَدْحِ جُهْدُ النَّفْسِ في العَمَلِ والكَدُّ فِيهِ، حَتّى يُؤَثِّرَ فِيها، مِن: (كَدَحَ جِلْدُهُ)، إذا خَدَشَهُ، فاسْتُعِيرَ لِلْجِدِّ في العَمَلِ ولِلتَّعَبِ، بِجامِعِ التَّأْثِيرِ في ظاهِرِ البَشَرَةِ. ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] وهم مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا واتَّصَفَ بِما وُصِفَ بِهِ الأبْرارُ، في غَيْرِ ما آيَةٍ. ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: بِأنْ يَنْظُرَ في أعْمالِهِ فَيُغْفَرُ لَهُ سَيِّئُها ويُجازى عَلى حُسْنِها. وقالَ القاشانِيُّ: بِأنْ تُمْحى سَيِّئاتُهُ ويُعْفى عَنْهُ ويُثابَ بِحَسَناتِهِ دُفْعَةً واحِدَةً، لِبَقاءِ فِطْرَتِهِ عَلى صَفائِها ونُورِيَّتِها الأصْلِيَّةِ. ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: زَوْجَتِهِ وأقارِبِهِ، أوْ قَوْمِهِ مَن يُجانِسُهُ ويُقارِنُهُ مِن أصْحابِ اليَمِينِ ﴿مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] أيْ: بِنَجاتِهِ مِنَ العَذابِ، أوْ بِصُحْبَتِهِمْ ومُرافَقَتِهِمْ، وبِما أُوتِيَ مِن حُظُوظِهِ.

الانشقاق 84:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ - ١٥ ] ﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] ﴿بَلى إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] (p-٦١٠٩)﴿وأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ: أُعْطِيَ كِتابَ عَمَلِهِ بِشِمالِهِ مِن وراءِ ظَهْرِهِ، وهو عَلى هَيْئَةِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِ، أمامَ المَلِكِ المُنْصَرِفِ بِهِ عَنْ ذاكَ المَقامِ إلى دارِ الهَوانِ ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠] ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ [الإنشقاق: ١١] أيْ: يُنادِي بِالهَلاكِ وهو أنْ يَقُولَ: واثُبُوراهُ! واوَيْلاهُ! وهو مِن قَوْلِهِمْ دَعا فُلانٌ لَهْفَهُ، إذا قالَ: والَهْفاهُ. ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٢] أيْ: يَدْخُلُ نارًا يَحْتَرِقُ بِها. ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ١٣] أيْ: مُنَعَّمًا مُسْتَرِيحًا مِنَ التَّفَكُّرِ في الحَقِّ والدُّعاءِ إلَيْهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ لا يَهُمُّهُ إلّا أجْوَفاهُ، بَطَرًا بِالنِّعَمِ، ناسِيًا لِمَوْلاهُ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ [الإنشقاق: ١٤] أيْ: لَنْ يَرْجِعَ إلى رَبِّهِ، أوْ إلى الحَياةِ بِالبَعْثِ لِاعْتِقادِهِ أنَّهُ يَحْيى ويَمُوتُ ولا يُهْلِكُهُ إلّا الدَّهْرُ؛ فَلَمْ يَكُ يَرْجُو ثَوابًا ولا يَخْشى عِقابًا ولا يُبالِي ما رَكِبَ مِنَ المَآثِمِ، عَلى خِلافِ ما قِيلَ عَنِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠] "بَلى" أيْ: لَيَحُورَنَّ ولَيَرْجِعَنَّ إلى رَبِّهِ حَيًّا كَما كانَ قَبْلَ مَماتِهِ ﴿إنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيرًا﴾ [الإنشقاق: ١٥] أيْ: بِما أسْلَفَ في أيّامِهِ الخالِيَةِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ.

الانشقاق 84:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٦ - ٢١ ] ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] (p-٦١١٠)﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ وهي الحُمْرَةُ في الأُفُقِ مِن ناحِيَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، ﴿واللَّيْلِ وما وسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٧] أيْ: جُمِعَ وضُمَّ مِمّا سَكَنَ وهَدَأ فِيهِ مِن ذِي رُوحٍ كانَ يَطِيرُ أوْ يَدِبُّ نَهارًا، كَذا قالَ ابْنُ جَرِيرٍ، والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى الأشْياءِ كُلِّها، لِاشْتِمالِ اللَّيْلِ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ تَعالى أقْسَمَ بِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ كَما قالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] ﴿والقَمَرِ إذا اتَّسَقَ﴾ [الإنشقاق: ١٨] أيِ: اجْتَمَعَ وتَمَّ نُورُهُ وصارَ كامِلًا. ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الإنشقاق: ١٩] أيْ: حالًا بَعْدَ حالٍ، والمَعْنِيُّ بِالحالِ الأُولى البَعْثُ لِلْجَزاءِ عَلى الأعْمالِ، وبِالثّانِيَةِ الحَياةُ الأُولى. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى مُطابَقَةِ كُلِّ واحِدَةٍ لِأُخْتِها؛ فَإنَّ الحَياةَ الثّانِيَةَ تُماثِلُ الأُولى وتُطابِقُها مِن حَيْثُ الحِسُّ والإدْراكُ والألَمُ واللَّذَّةُ، وإنْ خَفِيَ اكْتِناهُها. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ "طَبَقًا" جَمْعُ طَبَقَةٍ وهي المَرْتَبَةُ، أيْ: لَتَرْكَبُنَّ مَراتِبَ شَدِيدَةً مُجاوِزَةً عَنْ مَراتِبَ وطَبَقاتٍ، وأطْوارًا مُرَتَّبَةً بِالمَوْتِ وما بَعْدَهُ مِن مَوْطِنِ البَعْثِ والنُّشُورِ. قالَ الشِّهابُ: الطَّبَقُ مَعْناهُ ما طابَقَ غَيْرَهُ مُطْلَقًا في الأصْلِ، ثُمَّ إنَّهُ خُصَّ بِما ذُكِرَ، وهو الحالُ المُطابِقَةُ أوْ مَراتِبُ الشِّدَّةِ المُتَعاقِبَةُ. و"عَنْ" لِلْمُجاوَزَةِ أوْ بِمَعْنى: (بَعْدَ). والبُعْدِيَّةُ والمُجاوَزَةُ مُتَقارِبانِ لَكِنَّهُ ظاهِرٌ في الثّانِي ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] أيْ: بِهَذا الحَدِيثِ، وقَدْ أقامَ لَهُمُ الحُجَّةَ عَلى التَّوْحِيدِ والبَعْثِ. ﴿وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢١] أيْ: لا يَخْضَعُونَ ولا يَسْتَكِينُونَ ولا يَنْقادُونَ. قالَ في (الإكْلِيلِ): وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ سَجْدَةِ التِّلاوَةِ.

الانشقاق 84:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٥ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] (p-٦١١١)﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وتَنْزِيلِهِ المُبَيِّنِ لِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، مَعَ تَحْقِيقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، والإضْرابِ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ -كَما قالَ الإمامُ- لا تَظُنَّ أنَّ قَرْعَ القُرْآنِ لَمْ يَكْسِرْ أغْلاقَ قُلُوبِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ أعْماقَ ضَمائِرِهِمْ، بَلى قَدْ بَلَغَ وأقْنَعَ فِيما بَلَغَ، ولَكِنَّ العِنادَ هو الَّذِي يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّهم عَنِ الإذْعانِ، فَلَيْسَ مَنشَأُ التَّكْذِيبِ قُصُورَ الدَّلِيلِ، وإنَّما هو تَقْصِيرُ المُسْتَدِلِّ وإعْراضُهُ عَنْ هِدايَتِهِ، فالإضْرابُ يَرْمِي إلى مَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أيْ: بِما يُسِرُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، وإنْ أخْفَوْهُ عِنادًا. أوْ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ البَغْيِ والمَكْرِ، فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] أيْ: جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإعْراضِهِمْ وبَغْيِهِمْ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن آمَنَ مَن أسْلَمَ مِنهم فَآمَنُوا بِاعْتِبارِ ما مَضى أوْ بِمَعْنى: يُؤْمِنُونَ، وكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا أظْهَرَ لِمَجِيءِ "لَهم أجْرٌ" بِغَيْرِ فاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الانشقاق 84:23

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٥ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] (p-٦١١١)﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وتَنْزِيلِهِ المُبَيِّنِ لِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، مَعَ تَحْقِيقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، والإضْرابِ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ -كَما قالَ الإمامُ- لا تَظُنَّ أنَّ قَرْعَ القُرْآنِ لَمْ يَكْسِرْ أغْلاقَ قُلُوبِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ أعْماقَ ضَمائِرِهِمْ، بَلى قَدْ بَلَغَ وأقْنَعَ فِيما بَلَغَ، ولَكِنَّ العِنادَ هو الَّذِي يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّهم عَنِ الإذْعانِ، فَلَيْسَ مَنشَأُ التَّكْذِيبِ قُصُورَ الدَّلِيلِ، وإنَّما هو تَقْصِيرُ المُسْتَدِلِّ وإعْراضُهُ عَنْ هِدايَتِهِ، فالإضْرابُ يَرْمِي إلى مَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أيْ: بِما يُسِرُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، وإنْ أخْفَوْهُ عِنادًا. أوْ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ البَغْيِ والمَكْرِ، فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] أيْ: جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإعْراضِهِمْ وبَغْيِهِمْ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن آمَنَ مَن أسْلَمَ مِنهم فَآمَنُوا بِاعْتِبارِ ما مَضى أوْ بِمَعْنى: يُؤْمِنُونَ، وكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا أظْهَرَ لِمَجِيءِ "لَهم أجْرٌ" بِغَيْرِ فاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الانشقاق 84:24

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٥ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] (p-٦١١١)﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وتَنْزِيلِهِ المُبَيِّنِ لِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، مَعَ تَحْقِيقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، والإضْرابِ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ -كَما قالَ الإمامُ- لا تَظُنَّ أنَّ قَرْعَ القُرْآنِ لَمْ يَكْسِرْ أغْلاقَ قُلُوبِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ أعْماقَ ضَمائِرِهِمْ، بَلى قَدْ بَلَغَ وأقْنَعَ فِيما بَلَغَ، ولَكِنَّ العِنادَ هو الَّذِي يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّهم عَنِ الإذْعانِ، فَلَيْسَ مَنشَأُ التَّكْذِيبِ قُصُورَ الدَّلِيلِ، وإنَّما هو تَقْصِيرُ المُسْتَدِلِّ وإعْراضُهُ عَنْ هِدايَتِهِ، فالإضْرابُ يَرْمِي إلى مَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أيْ: بِما يُسِرُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، وإنْ أخْفَوْهُ عِنادًا. أوْ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ البَغْيِ والمَكْرِ، فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] أيْ: جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإعْراضِهِمْ وبَغْيِهِمْ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن آمَنَ مَن أسْلَمَ مِنهم فَآمَنُوا بِاعْتِبارِ ما مَضى أوْ بِمَعْنى: يُؤْمِنُونَ، وكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا أظْهَرَ لِمَجِيءِ "لَهم أجْرٌ" بِغَيْرِ فاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الانشقاق 84:25

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٢٢ - ٢٥ ] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] (p-٦١١١)﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِآياتِ اللَّهِ وتَنْزِيلِهِ المُبَيِّنِ لِما ذُكِرَ مِن أحْوالِ القِيامَةِ وأهْوالِها، مَعَ تَحْقِيقِ مُوجِباتِ تَصْدِيقِهِ، والإضْرابِ عَنْ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ -كَما قالَ الإمامُ- لا تَظُنَّ أنَّ قَرْعَ القُرْآنِ لَمْ يَكْسِرْ أغْلاقَ قُلُوبِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغْ صَوْتُهُ أعْماقَ ضَمائِرِهِمْ، بَلى قَدْ بَلَغَ وأقْنَعَ فِيما بَلَغَ، ولَكِنَّ العِنادَ هو الَّذِي يَمْنَعُهم عَنِ الإيمانِ ويَصُدُّهم عَنِ الإذْعانِ، فَلَيْسَ مَنشَأُ التَّكْذِيبِ قُصُورَ الدَّلِيلِ، وإنَّما هو تَقْصِيرُ المُسْتَدِلِّ وإعْراضُهُ عَنْ هِدايَتِهِ، فالإضْرابُ يَرْمِي إلى مَحْذُوفٍ مِنَ القَوْلِ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٣] أيْ: بِما يُسِرُّونَ في صُدُورِهِمْ مِن حَقِّيَّةِ التَّنْزِيلِ، وإنْ أخْفَوْهُ عِنادًا. أوْ بِما يُضْمِرُونَ مِنَ البَغْيِ والمَكْرِ، فَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ. ولِذا قالَ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤] أيْ: جَزاءً عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإعْراضِهِمْ وبَغْيِهِمْ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أوْ مُتَّصِلٌ، عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن آمَنَ مَن أسْلَمَ مِنهم فَآمَنُوا بِاعْتِبارِ ما مَضى أوْ بِمَعْنى: يُؤْمِنُونَ، وكَوْنُهُ مُنْقَطِعًا أظْهَرَ لِمَجِيءِ "لَهم أجْرٌ" بِغَيْرِ فاءٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:1

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:2

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:3

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:4

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:5

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:6

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:7

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:8

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:9

(p-٦١١٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ البُرُوجِ مَكِّيَّةٌ. وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ. رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِشاءِ الآخِرَةِ بِالسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ والسَّماءِ والطّارِقِ». (p-٦١١٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٩ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] ﴿وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ والنُّجُومِ، شُبِّهَتْ بِالبُرُوجِ -وهِيَ القُصُورُ- لِعُلُوِّها. أوِ البُرُوجُ مَنازِلُ عالِيَةٌ في السَّماءِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وهو اثْنا عَشَرَ بُرْجًا، فَمَسِيرُ القَمَرِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها يَوْمانِ وثُلُثٌ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ مَنزِلًا، ثُمَّ يَسْتَتِرُ لَيْلَتَيْنِ. ومَسِيرُ الشَّمْسِ في كُلِّ بُرْجٍ مِنها شَهْرٌ. وأصْلُ مَعْنى البُرُوجِ -كَما قالَهُ الشِّهابُ- الأمْرُ الظّاهِرُ مِنَ التَّبَرُّجِ، ثُمَّ صارَ حَقِيقَةً في العُرْفِ لِلْقُصُورِ العالِيَةِ؛ لِأنَّها ظاهِرَةٌ لِلنّاظِرِينَ. ويُقالُ لِما ارْتَفَعَ مِن سُورِ المَدِينَةِ: بُرْجٌ أيْضًا. (p-٦١١٤)فَشَبَّهَ -عَلى هَذا- الفَلَكَ بِسُورِ المَدِينَةِ وأثْبَتَ لَهُ البُرُوجَ ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] أيِ: الَّذِي وُعِدَ فِيهِ العِبادُ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿وشاهِدٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ ما لَهُ حِسٌّ يَشْهَدُ بِهِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] وهو كُلُّ مُحَسٍّ يُشْهَدُ بِالحِسِّ. فَيَدْخُلُ فِيهِ العَوالِمُ المَشْهُودَةُ كُلُّها. وتَخْصِيصُ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ بَعْضًا مِمّا يَتَناوَلُهُ لَفْظُهُما، لَعَلَّهُ لِأنَّهُ الأهَمُّ، أوِ الأوْلى أوِ الأعْرَفُ والأظْهَرُ، لِقَرِينَةٍ عِنْدَهُ، وإلّا فاللَّفْظُ عَلى عُمُومِهِ، حَتّى يَقُومَ بُرْهانٌ عَلى تَخْصِيصِهِ. ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] أيْ: قَتَلَهُمُ اللَّهُ وأهْلَكَهم وانْتَقَمَ مِنهم. عَلى أنَّ الجُمْلَةَ خَبَرِيَّةٌ هي جَوابُ القَسَمِ. أوْ دَلِيلُ جَوابِهِ أنْ كانَتْ دُعائِيَّةً، والتَّقْدِيرُ: لَتُبْلَوُنَّ كَما ابْتُلِيَ مَن قَبْلَكُمْ، ولَيَنْتَقِمَنَّ مِمَّنْ فَتَنَكم كَما انْتَقَمَ مِنَ الَّذِينَ ألْقَوُا المُؤْمِنِينَ في الأُخْدُودِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وذَلِكَ أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ في تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذى أهْلِ مَكَّةَ، وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وإلْحاقِ أنْواعِ الأذى وصَبْرِهِمْ وثَباتِهِمْ، حَتّى يَأْنَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ كُفّارَهم عِنْدَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذِّبِينَ المُحْرِقِينَ بِالنّارِ، مَلْعُونُونَ أحِقّاءُ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ: قُتِلَتْ قُرَيْشٌ، كَما قِيلَ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤] والأُخْدُودُ: الحُفْرَةُ في الأرْضِ مُسْتَطِيلَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارِ ذاتِ الوَقُودِ﴾ [البروج: ٥] بَدَلٌ مِنَ (الأُخْدُودِ)، و(الوَقُودُ) بِالفَتْحِ الحَطَبُ الجَزْلُ المُوقَدُ بِهِ، وأمّا الوُقُودُ بِالضَّمِّ فَهو الإيقادُ. ﴿إذْ هم عَلَيْها﴾ [البروج: ٦] أيْ: عَلى حافّاتِ أُخْدُودِها ﴿قُعُودٌ﴾ [البروج: ٦] أيْ: قاعِدُونَ يَتَشَفَّوْنَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. ﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج: ٧] أيْ: حُضُورٌ يُشاهِدُونَ احْتِراقَ الأجْسادِ الحَيَّةِ، وما تَفْعَلُ بِها النِّيرانُ. ولا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ. ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] أيْ: وما أنْكَرُوا مِنهُمْ، ولا كانَ لَهم ذَنْبٌ، إلّا الإيمانُ بِاللَّهِ وحْدَهُ. قالَ الرّاغِبُ: نَقَمْتُ مِنَ الشَّيْءِ ونَقَمْتُهُ إذا أنْكَرْتَهُ، إمّا بِاللِّسانِ وإمّا بِالعُقُوبَةِ. ومِنهُ الِانْتِقامُ ﴿العَزِيزِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: الغالِبِ أعْداءَهُ بِالقَهْرِ والِانْتِقامِ ﴿الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨] أيِ: المَحْمُودِ عَلى إنْعامِهِ (p-٦١١٥)وإحْسانِهِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] أيْ: عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أفاعِيلِ هَؤُلاءِ الفَجَرَةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ وغَيْرِهِمْ، شاهِدٌ شُهُودًا لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، وهو مُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وفي تَوْصِيفِهِ تَعالى بِما ذَكَرَ مِنَ النُّعُوتِ الحُسْنى إشْعارٌ بِمَناطِ إيمانِهِمْ؛ فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى قاهِرًا ومُنْعِمًا، لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ الباهِرُ وهو عَلِيمٌ بِأفْعالِ عَبِيدِهِ، مِمّا يُوجِبُ أنْ يَخْشاهُ مَن عَرَفَ المَصائِرَ. وفي الآيَةِ نَوْعٌ مِنَ البَدِيعِ يُسَمّى تَأْكِيدَ المَدْحِ بِما يُشْبِهُ الذَّمَّ، وهو مَعْرُوفٌ في كُتُبِ المَعانِي. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في أصْحابِ الأُخْدُودِ قالَ: هم ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَدُّوا أُخْدُودًا في الأرْضِ، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيها نارًا، ثُمَّ أقامُوا عَلى ذَلِكَ الأُخْدُودِ رِجالًا ونِساءً، فَعُرِضُوا عَلَيْها. وهَكَذا قالَ الضَّحّاكُ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُخِذُوا رِجالًا ونِساءً فَخَدُّوا لَهم أُخْدُودًا، ثُمَّ أوْقَدُوا فِيهِ النِّيرانَ، فَأقامُوا المُؤْمِنِينَ عَلَيْها. فَقالُوا: تَكْفُرُونَ أوْ نَقْذِفُكم في النّارِ؟ وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ الأُخْدُودُ شُقُوقًا بِنَجْرانَ، كانُوا يُعَذِّبُونَ فِيها النّاسَ -وتَفْصِيلُ النَّبَأِ- عَلى ما في كِتابِ (الكَنْزِ الثَّمِينِ)- أنَّ دَعْوَةَ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ الأُولى العَرِيَّةُ عَنْ شَوائِبِ الإلْحادِ، لَمّا دَخَلَتْ بِلادَ اليَمَنِ وآمَنَ كَثِيرٌ مِن أهْلِها، كانَ في مُقَدِّمَةِ تِلْكَ البِلادِ بَلْدَةُ نَجْرانَ، وكانَ أقامَ عَلَيْها مَلِكُ الحَبَشَةِ أمِيرًا مِن قِبَلِهِ نَصْرانِيًّا مِثْلَهُ، وكانَ بِها راهِبٌ كَبِيرٌ لَهُ الكَلِمَةُ النّافِذَةُ والأمْرُ المُطاعُ، ثُمَّ إنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ كانُوا في تِلْكَ البِلادِ تَآمَرُوا عَلى طَرْحِ نَيِّرِ السُّلْطَةِ المَسِيحِيَّةِ مِنَ اليَمَنِ، والإيقاعِ بِمَن تَنَصَّرَ؛ بُغْضًا في المَسِيحِيَّةِ وكَراهَةً لِسُلْطانٍ مَسِيحِيٍّ يَمْلِكُهُمْ، فَأقامُوا رَجُلًا يَهُودِيًّا مِنهم عِنْدَ مَوْتِ ذَلِكَ السُّلْطانِ أوْ قَتْلِهِ، فَأشْهَرَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ نَفْسَهُ مَلِكًا عَلى بِلادِ سَبَأٍ، وجاءَ لِمُحارَبَةِ مَدِينَةِ نَجْرانَ، واسْتَوْلى عَلَيْها بِالتَّغَلُّبِ والقُوَّةِ (p-٦١١٦)والخِيانَةِ، ولَمّا دَخَلَها قَتَلَ عَدَدًا عَظِيمًا مِن سُكّانِها رِجالًا ونِساءً. كانَتْ عِدَّتُهم -فِيما يُقالُ- ثَلاثُمِائَةٍ وأرْبَعِينَ شَهِيدًا، وأتى بِذاكَ الرّاهِبُ مَحْمُولًا يَحُفُّ بِهِ الجُنُودُ، وكانَ هَرَمًا لا يَقْوى عَلى المَشْيِ، فَسُئِلَ عَنْ عَقِيدَتِهِ فَأقَرَّ بِالإيمانِ بِاللَّهِ تَعالى وبِما جاءَ بِهِ رَسُولُهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَأمَرَ بِسَفْكِ دَمِهِ فَقُتِلَ، وكَذَلِكَ بَقِيَّةُ الشُّهَداءِ اعْتَرَفُوا بِما اعْتَرَفَ بِهِ دُونَ جُبْنٍ ولا تَهَيُّبٍ، بَلْ بِشَجاعَةٍ وصَبْرٍ عَلى ما يُشاهِدُونَهُ مِن أفانِينِ العَذابِ وأخادِيدِ النِّيرانِ، ثُمَّ ألْقَتِ امْرَأةٌ بِنَفْسِها في النّارِ وتَبِعَها طِفْلٌ لَها في الخامِسَةِ مِن عُمْرِهِ. وكُلُّ هَؤُلاءِ الشُّهَداءِ أظْهَرُوا مِنَ السُّرُورِ بِالتَّألُّمِ مِن أجْلِهِ تَعالى والفَرَحِ بِالشَّهادَةِ، ما أضْحَوْا مِثالًا وعِبْرَةً لِكُلِّ مَفْتُونٍ مِن أجْلِ إيمانِهِ ومُدافَعَتِهِ عَنْ يَقِينِهِ، سَواءٌ افْتُتِنَ بِمالِهِ أوْ نَفْسِهِ أوْ بِسَلْبِ حَقٍّ لَهُ. لا جَرَمَ أنَّ مَن تَلا ما ورَدَ في الوَعْدِ الصّادِقِ لِكُلِّ مَفْتُونٍ في الدِّينِ، اسْتَبْشَرَ بِما أُعِدَّ لِلْمُخْلِصِينَ الصّابِرِينَ. وتُسَمّى هَذِهِ القِصَّةُ عِنْدَ النَّصارى شَهادَةَ الحَبْرِ أراثا ورُفْقَتِهِ. ويُؤَرِّخُونَها بِعامِ: (٥٢٤) مِنَ التّارِيخِ المَسِيحِيِّ، وقَدْ عَلِمْتُ أنَّ في كَلامِ مُجاهِدٍ ومَن قَبْلَهُ إشارَةً إلَيْها. واللَّهُ أعْلَمُ.

البروج 85:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٠ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: بَلَوْهم بِالأذى لِيَرْجِعُوا عَنْ إيمانِهِمْ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والمُرادُ بِهِمْ إمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ خاصَّةً، وبِالمَفْتُونِينَ المَطْرُوحِينَ في الأُخْدُودِ، وإمّا الَّذِينَ بَلَوْهم في ذَلِكَ بِالأذِيَّةِ والتَّعْذِيبِ عَلى الإطْلاقِ وهم داخِلُونَ في جُمْلَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِمْ وفِتْنَتِهِمْ ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ ولَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيْ: عَذابانِ مُنَوَّعانِ عَلى الكُفْرِ وعَلى الفِتْنَةِ، أوْ هُما واحِدٌ، أوْ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ؛ لِأنَّ عَذابَ جَهَنَّمَ بِالزَّمْهَرِيرِ والإحْراقِ وغَيْرِهِما. والأظْهَرُ أنَّهُما واحِدٌ وأنَّهُ مِن عَطْفِ التَّفْسِيرِ والتَّوْضِيحِ. (p-٦١١٧)

البروج 85:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١١ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِن هَؤُلاءِ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: في نَشْأتِهِمُ الأُخْرى ﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ذَلِكَ الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ أيِ: التّامُّ الَّذِي لا فَوْزَ مِثْلُهُ.

البروج 85:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ. ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ. ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

البروج 85:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ. ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ. ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

البروج 85:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ. ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ. ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

البروج 85:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ. ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ. ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

البروج 85:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ١٦ ] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿وهُوَ الغَفُورُ الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] ﴿ذُو العَرْشِ المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ، وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ. وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والِانْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] أيْ: يُبْدِئُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ. قالَ الإمامُ: وهو في كُلِّ يَوْمٍ (p-٦١١٨)يُبْدِئُ خَلْقًا مِن نَباتٍ وحَيَوانٍ وغَيْرِهِما، ثُمَّ إذا هَلَكَ أعادَ اللَّهُ خَلْقَهُ مَرَّةً أُخْرى، ثُمَّ هو يُعِيدُ النّاسَ في اليَوْمِ الآخِرِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي يَعْلَمُهُ. ﴿وهُوَ الغَفُورُ﴾ [البروج: ١٤] أيْ: لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ ﴿الوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤] أيِ: المُحِبُّ لِمَن أطاعَهُ وأخْلَصَ لَهُ. ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: المُلْكِ والسُّلْطانِ أوِ السَّماءِ، ﴿المَجِيدُ﴾ [البروج: ١٥] أيِ: العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ صِفَةً لِلْعَرْشِ. ومَجْدُهُ: عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ. ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦] أيْ: لا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا فَعَلَهُ، فَلا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُرادِهِ شَيْءٌ، فَمَتى أرادَ إهْلاكَ الجاحِدِينَ ونَصْرَ المُخْلِصِينَ فَعَلَ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ولِذا تَأثُّرُهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

البروج 85:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.

البروج 85:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.

البروج 85:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.

البروج 85:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.

البروج 85:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.

البروج 85:22

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٧ - ٢٢ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَجَنَّدُوا عَلى الرُّسُلِ بِأذاهم. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: قَدْ أتاكَ ذَلِكَ وعَلِمْتَهُ، فاصْبِرْ لِأذى قَوْمِكَ وإيّاكَ لِما نالُوكَ بِهِ مِن مَكْرُوهٍ، كَما صَبَرَ الَّذِينَ تَجَنَّدَ هَؤُلاءِ الجُنُودُ عَلَيْهِمْ مِن رُسُلِي، ولا يُثْنِيَنَّكَ عَنْ تَبْلِيغِهِمْ رِسالَتِي كَما لَمْ يُثْنِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى هَؤُلاءِ؛ فَإنَّ عاقِبَةَ مَن لَمْ يَصْدُقْكَ ويُؤْمِن بِكَ مِنهم إلى عَطَبٍ وهَلاكٍ، كالَّذِي كانَ مِن هَؤُلاءِ الجُنُودِ، فالجُمْلَةُ -كَما قالَ أبُو السُّعُودِ- اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى (p-٦١١٩)بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ العُتاةِ وكَوْنُهُ (فَعّالًا لِما يُرِيدُ) مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ [البروج: ١٨] بَدَلٌ مِنَ "الجُنُودِ" لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ، واكْتَفى بِذِكْرِهِ عَنْهم لِأنَّهم أتْباعُهُ. والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] أيْ: لِلْحَقِّ والوَحْيِ، مَعَ وُضُوحِ آياتِهِ وظُهُورِ بَيِّناتِهِ؛ عِنادًا وبَغْيًا. والإضْرابُ انْتِقالِيٌّ لِلْأشَدِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ حالُ فِرْعَوْنَ وثَمُودَ بِأعْجَبِ مِن حالِ قَوْمِكَ، فَإنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِهِمْ، لَمْ يَنْزَجِرُوا، وفي جَعْلِهِمْ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩] إشارَةٌ إلى تَمَكُّنِهِ مِن أنْفُسِهِمْ، وأنَّهُ لِشِدَّتِهِ أحاطَ بِهِمْ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِمَظْرُوفِهِ أوِ البَحْرِ بِالغَرِيقِ فِيهِ، مَعَ ما في تَنْكِيرِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ. ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] أيْ: مُحْصٍ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وهو مُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِها. فاللَّفْظُ كِنايَةٌ عَمّا ذَكَرَ. أوِ المُرادُ وصْفُ اقْتِدارِهِ عَلَيْهِمْ وأنَّهم في قَبْضَتِهِ وحَوْزَتِهِ، كالمُحاطِ إذا أُحِيطَ بِهِ مِن ورائِهِ، فَسَدَّ عَلَيْهِ مَسْلَكَهُ فَلا يَجِدُ مَهْرَبًا. فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ. قالَ الشِّهابُ: وفِيهِ تَعْرِيضٌ تَوْبِيخِيٌّ لَهم بِأنَّهم نَبَذُوا اللَّهَ وراءَ ظُهُورِهِمْ، وأقْبَلُوا عَلى الهَوى والشَّهَواتِ بِوُجُوهِ انْهِماكِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] أيْ: سامٍ شَرِيفٌ لا يُماثَلُ في أُسْلُوبِهِ وهِدايَتِهِ. ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢] قُرِئَ بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِـ "قُرْآنٌ"، والجَرِّ صِفَةُ اللَّوْحِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والمَعْنى عَلى الأُولى مَحْفُوظٌ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ في لَوْحٍ، وعَلى الثّانِيَةِ مَحْفُوظٌ مِنَ الزِّيادَةِ فِيهِ والنُّقْصانِ مِنهُ، عَمّا أثْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ. و"بَلْ" إضْرابٌ عَنْ شِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ وعَدَمِ كَفِّهِمْ عَنْهُ، إلى وصْفِ القُرْآنِ بِما ذُكِرَ، لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ لا رَيْبَ فِيهِ ولا يَضُرُّهُ تَكْذِيبُ هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهُ تَعالى تَوَلّى حِفْظَهُ وظُهُورَهُ أبَدَ الآبِدِينَ.