Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الطارق 86:1 – الغاشية 88:26
المحتويات
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
الطارق 86:1
(p-٦١٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ أبِي حَبْلٍ العُدْوانِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا، حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ. فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ والسَّماءِ والطّارِقِ حَتّى خَتَمَها: قالَ فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ وأنا مُشْرِكٌ. ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ. قالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفُ فَقالُوا: ماذا سَمِعْتَ مِن هَذا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ. فَقالَ مَن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ: نَحْنُ أعْلَمُ بِصاحِبِنا. لَوْ كُنّا نَعْلَمُ ما يَقُولُ حَقًّا لاتَّبَعْناهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ. قالَ: «صَلّى مُعاذٌ المَغْرِبَ فَقَرَأ البَقَرَةَ أوِ النِّساءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ ما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأ بِالسَّماءِ والطّارِقِ والشَّمْسِ وضُحاها ونَحْوَ هَذا؟»
(p-٦١٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١- ٤ ] ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أيِ: المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويَنْفُذُ فِيهِ، فَيُبَصَّرُ بِنُورِهِ ويُهْتَدى بِهِ. وسُمِّيَ طارِقًا لِأنَّهُ يَطْرُقُ لَيْلًا أيْ: يَبْدُو فِيهِ.
قالَ الشِّهابُ: الطّارِقُ مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها.
والتَّعْرِيفُ في "النَّجْمِ" لِلْجِنْسِ. وأصْلُ مَعْنى (الثُّقْبِ) الخَرْقُ؛ فالثّاقِبُ الخارِقُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ ثَقَبَ الظَّلامَ أوِ الفَلَكَ. وفي إبْهامِهِ ثُمَّ تَفْسِيرِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِهِ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أيْ: مُهَيْمِنٌ عَلَيْها رَقِيبٌ، وهو اللَّهُ تَعالى، كَما في آيَةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، (p-٦١٢٢)وقَدْ قُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ، فَـ: (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ و"كُلُّ نَفْسٍ" مُبْتَدَأٌ و"عَلَيْها حافِظٌ" خَبَرُهُ. و(ما) صِلَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقُرِئَ: (لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها بِمَعْنى (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةِ، و"إنْ" نافِيَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ ورَقِيبٌ و"كُلُّ" عَلى هَذا مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ "نَفْسٍ" حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أخْتارُ غَيْرَها في ذَلِكَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الكَلامُ المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أنْكَرَ التَّشْدِيدَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ، غَيْرَ أنَّ الفَرّاءَ كانَ يَرى أنَّها لُغَةٌ في هُذَيْلٍ، يَجْعَلُونَ (إلّا) مَعَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ لَمّا، فَإنْ كانَ صَحِيحًا ما ذَكَرَ الفَرّاءُ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ الِاخْتِيارُ مَعَ ذَلِكَ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ الأعْرَفُ إلى الأنْكَرِ. انْتَهى.
وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ ثُبُوتَها، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةٌ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشامٍ لَها في "المُغْنِي" فَراجِعْهُ.
[ انْظُرْ تَفْسِيرَ الآياتِ السّابِقَةِ ]
الطارق 86:2
(p-٦١٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ أبِي حَبْلٍ العُدْوانِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا، حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ. فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ والسَّماءِ والطّارِقِ حَتّى خَتَمَها: قالَ فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ وأنا مُشْرِكٌ. ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ. قالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفُ فَقالُوا: ماذا سَمِعْتَ مِن هَذا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ. فَقالَ مَن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ: نَحْنُ أعْلَمُ بِصاحِبِنا. لَوْ كُنّا نَعْلَمُ ما يَقُولُ حَقًّا لاتَّبَعْناهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ. قالَ: «صَلّى مُعاذٌ المَغْرِبَ فَقَرَأ البَقَرَةَ أوِ النِّساءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ ما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأ بِالسَّماءِ والطّارِقِ والشَّمْسِ وضُحاها ونَحْوَ هَذا؟»
(p-٦١٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١- ٤ ] ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أيِ: المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويَنْفُذُ فِيهِ، فَيُبَصَّرُ بِنُورِهِ ويُهْتَدى بِهِ. وسُمِّيَ طارِقًا لِأنَّهُ يَطْرُقُ لَيْلًا أيْ: يَبْدُو فِيهِ.
قالَ الشِّهابُ: الطّارِقُ مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها.
والتَّعْرِيفُ في "النَّجْمِ" لِلْجِنْسِ. وأصْلُ مَعْنى (الثُّقْبِ) الخَرْقُ؛ فالثّاقِبُ الخارِقُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ ثَقَبَ الظَّلامَ أوِ الفَلَكَ. وفي إبْهامِهِ ثُمَّ تَفْسِيرِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِهِ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أيْ: مُهَيْمِنٌ عَلَيْها رَقِيبٌ، وهو اللَّهُ تَعالى، كَما في آيَةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، (p-٦١٢٢)وقَدْ قُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ، فَـ: (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ و"كُلُّ نَفْسٍ" مُبْتَدَأٌ و"عَلَيْها حافِظٌ" خَبَرُهُ. و(ما) صِلَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقُرِئَ: (لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها بِمَعْنى (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةِ، و"إنْ" نافِيَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ ورَقِيبٌ و"كُلُّ" عَلى هَذا مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ "نَفْسٍ" حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أخْتارُ غَيْرَها في ذَلِكَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الكَلامُ المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أنْكَرَ التَّشْدِيدَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ، غَيْرَ أنَّ الفَرّاءَ كانَ يَرى أنَّها لُغَةٌ في هُذَيْلٍ، يَجْعَلُونَ (إلّا) مَعَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ لَمّا، فَإنْ كانَ صَحِيحًا ما ذَكَرَ الفَرّاءُ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ الِاخْتِيارُ مَعَ ذَلِكَ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ الأعْرَفُ إلى الأنْكَرِ. انْتَهى.
وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ ثُبُوتَها، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةٌ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشامٍ لَها في "المُغْنِي" فَراجِعْهُ.
[ انْظُرْ تَفْسِيرَ الآياتِ السّابِقَةِ ]
الطارق 86:3
(p-٦١٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ أبِي حَبْلٍ العُدْوانِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا، حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ. فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ والسَّماءِ والطّارِقِ حَتّى خَتَمَها: قالَ فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ وأنا مُشْرِكٌ. ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ. قالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفُ فَقالُوا: ماذا سَمِعْتَ مِن هَذا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ. فَقالَ مَن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ: نَحْنُ أعْلَمُ بِصاحِبِنا. لَوْ كُنّا نَعْلَمُ ما يَقُولُ حَقًّا لاتَّبَعْناهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ. قالَ: «صَلّى مُعاذٌ المَغْرِبَ فَقَرَأ البَقَرَةَ أوِ النِّساءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ ما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأ بِالسَّماءِ والطّارِقِ والشَّمْسِ وضُحاها ونَحْوَ هَذا؟»
(p-٦١٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١- ٤ ] ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أيِ: المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويَنْفُذُ فِيهِ، فَيُبَصَّرُ بِنُورِهِ ويُهْتَدى بِهِ. وسُمِّيَ طارِقًا لِأنَّهُ يَطْرُقُ لَيْلًا أيْ: يَبْدُو فِيهِ.
قالَ الشِّهابُ: الطّارِقُ مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها.
والتَّعْرِيفُ في "النَّجْمِ" لِلْجِنْسِ. وأصْلُ مَعْنى (الثُّقْبِ) الخَرْقُ؛ فالثّاقِبُ الخارِقُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ ثَقَبَ الظَّلامَ أوِ الفَلَكَ. وفي إبْهامِهِ ثُمَّ تَفْسِيرِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِهِ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أيْ: مُهَيْمِنٌ عَلَيْها رَقِيبٌ، وهو اللَّهُ تَعالى، كَما في آيَةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، (p-٦١٢٢)وقَدْ قُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ، فَـ: (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ و"كُلُّ نَفْسٍ" مُبْتَدَأٌ و"عَلَيْها حافِظٌ" خَبَرُهُ. و(ما) صِلَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقُرِئَ: (لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها بِمَعْنى (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةِ، و"إنْ" نافِيَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ ورَقِيبٌ و"كُلُّ" عَلى هَذا مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ "نَفْسٍ" حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أخْتارُ غَيْرَها في ذَلِكَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الكَلامُ المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أنْكَرَ التَّشْدِيدَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ، غَيْرَ أنَّ الفَرّاءَ كانَ يَرى أنَّها لُغَةٌ في هُذَيْلٍ، يَجْعَلُونَ (إلّا) مَعَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ لَمّا، فَإنْ كانَ صَحِيحًا ما ذَكَرَ الفَرّاءُ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ الِاخْتِيارُ مَعَ ذَلِكَ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ الأعْرَفُ إلى الأنْكَرِ. انْتَهى.
وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ ثُبُوتَها، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةٌ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشامٍ لَها في "المُغْنِي" فَراجِعْهُ.
[ انْظُرْ تَفْسِيرَ الآياتِ السّابِقَةِ ]
الطارق 86:4
(p-٦١٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطّارِقِ
وهِيَ مَكِّيَّةٌ وآيُها سَبْعَ عَشْرَةَ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ: «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خالِدِ بْنِ أبِي حَبْلٍ العُدْوانِيِّ عَنْ أبِيهِ أنَّهُ أبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَشْرِقِ ثَقِيفٍ وهو قائِمٌ عَلى قَوْسٍ أوْ عَصا، حِينَ أتاهم يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ. فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ والسَّماءِ والطّارِقِ حَتّى خَتَمَها: قالَ فَوَعَيْتُها في الجاهِلِيَّةِ وأنا مُشْرِكٌ. ثُمَّ قَرَأْتُها في الإسْلامِ. قالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفُ فَقالُوا: ماذا سَمِعْتَ مِن هَذا الرَّجُلِ؟ فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ. فَقالَ مَن مَعَهم مِن قُرَيْشٍ: نَحْنُ أعْلَمُ بِصاحِبِنا. لَوْ كُنّا نَعْلَمُ ما يَقُولُ حَقًّا لاتَّبَعْناهُ».
ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ جابِرٍ. قالَ: «صَلّى مُعاذٌ المَغْرِبَ فَقَرَأ البَقَرَةَ أوِ النِّساءَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أفَتّانٌ أنْتَ يا مُعاذُ ؟ ما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَقْرَأ بِالسَّماءِ والطّارِقِ والشَّمْسِ وضُحاها ونَحْوَ هَذا؟»
(p-٦١٢١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١- ٤ ] ﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]
﴿والسَّماءِ والطّارِقِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما الطّارِقُ﴾ [الطارق: ٢] ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق: ٣] أيِ: المُضِيءُ كَأنَّهُ يَثْقُبُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ ويَنْفُذُ فِيهِ، فَيُبَصَّرُ بِنُورِهِ ويُهْتَدى بِهِ. وسُمِّيَ طارِقًا لِأنَّهُ يَطْرُقُ لَيْلًا أيْ: يَبْدُو فِيهِ.
قالَ الشِّهابُ: الطّارِقُ مِنَ (الطَّرْقِ)، وأصْلُ مَعْناهُ الضَّرْبُ بِوَقْعٍ وشِدَّةٍ يُسْمَعُ لَها صَوْتٌ، ومِنهُ المِطْرَقَةُ والطَّرِيقُ؛ لِأنَّ السّابِلَةَ تَطْرُقُها، ثُمَّ صارَ في عُرْفِ اللُّغَةِ اسْمًا لِسالِكِ الطَّرِيقِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ يَطْرُقُها بِقَدَمِهِ، واشْتُهِرَ فِيهِ حَتّى صارَ حَقِيقَةً. وتَسْمِيَةُ الآتِي لَيْلًا (طارِقًا)؛ لِأنَّهُ في الأكْثَرِ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَطْرُقُها.
والتَّعْرِيفُ في "النَّجْمِ" لِلْجِنْسِ. وأصْلُ مَعْنى (الثُّقْبِ) الخَرْقُ؛ فالثّاقِبُ الخارِقُ، ثُمَّ صارَ بِمَعْنى المُضِيءِ، لِتَصَوُّرِ أنَّهُ ثَقَبَ الظَّلامَ أوِ الفَلَكَ. وفي إبْهامِهِ ثُمَّ تَفْسِيرِهِ تَفْخِيمٌ لِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِهِ.
﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أيْ: مُهَيْمِنٌ عَلَيْها رَقِيبٌ، وهو اللَّهُ تَعالى، كَما في آيَةِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢] فَيُحْصِي عَلَيْها ما تَكْسِبُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، (p-٦١٢٢)وقَدْ قُرِئَ: (لَما) بِالتَّخْفِيفِ، فَـ: (إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ و"كُلُّ نَفْسٍ" مُبْتَدَأٌ و"عَلَيْها حافِظٌ" خَبَرُهُ. و(ما) صِلَةٌ واللّامُ هي الفارِقَةُ. وقُرِئَ: (لَمّا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّها بِمَعْنى (إلّا) الِاسْتِثْنائِيَّةِ، و"إنْ" نافِيَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما كُلُّ نَفْسٍ كائِنَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا في حالِ أنْ يَكُونَ عَلَيْها حافِظٌ ورَقِيبٌ و"كُلُّ" عَلى هَذا مُؤَكِّدَةٌ؛ لِأنَّ "نَفْسٍ" حِينَئِذٍ نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والقِراءَةُ الَّتِي لا أخْتارُ غَيْرَها في ذَلِكَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الكَلامُ المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، وقَدْ أنْكَرَ التَّشْدِيدَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ المَعْرِفَةِ بِكَلامِ العَرَبِ، غَيْرَ أنَّ الفَرّاءَ كانَ يَرى أنَّها لُغَةٌ في هُذَيْلٍ، يَجْعَلُونَ (إلّا) مَعَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ لَمّا، فَإنْ كانَ صَحِيحًا ما ذَكَرَ الفَرّاءُ فالقِراءَةُ بِها جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ الِاخْتِيارُ مَعَ ذَلِكَ قِراءَةَ التَّخْفِيفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُتْرَكَ الأعْرَفُ إلى الأنْكَرِ. انْتَهى.
وقَدْ صَحَّحَ غَيْرُ واحِدٍ ثُبُوتَها، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةٌ، واسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشامٍ لَها في "المُغْنِي" فَراجِعْهُ.
[ انْظُرْ تَفْسِيرَ الآياتِ السّابِقَةِ ]
الطارق 86:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٥ - ١٠ ] ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] ﴿إنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] ﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] ﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]
(p-٦١٢٣)﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] جَوابٌ لِمُقَدَّرٍ. والفاءُ فَصِيحَةٌ أيْ: إنِ ارْتابَ مُرْتابٌ في كُلِّ نَفْسٍ مِنَ الأنْفُسِ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَلْيَنْظُرْ إلَخْ.
قالَ الإمامُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ﴾ بِمَنزِلَةِ الدَّلِيلِ عَلى الدَّعْوى المُقْسَمِ عَلَيْها، زِيادَةٌ في التَّأْكِيدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الماءَ الدّافِقَ مِنَ المائِعِ الَّذِي لا تَصْوِيرَ فِيهِ ولا تَقْدِيرَ لِلْآلاتِ الَّتِي يَظْهَرُ فِيها عَمَلُ الحَياةِ كالأعْضاءِ ونَحْوِها، ثُمَّ إنَّ هَذا السّائِلَ يَنْشَأُ خَلْقًا كامِلًا كالإنْسانِ مَمْلُوءًا بِالحَياةِ والعَقْلِ والإدْراكِ، قادِرًا عَلى القِيامِ بِخِلافَتِهِ في الأرْضِ؛ فَهَذا التَّصْوِيرُ والتَّقْدِيرُ وإنْشاءُ الأعْضاءِ والآلاتِ البَدَنِيَّةِ، وإيداعُ كُلِّ عُضْوٍ مِنَ القُوَّةِ ما بِهِ يَتَمَكَّنُ مِن تَأْدِيَةِ عَمَلِهِ في البَدَنِ، ثُمَّ مَنحِ قُوَّةِ الإدْراكِ والعَقْلِ، كُلُّ هَذا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِدُونِ حافِظٍ يُراقِبُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُدَبِّرُهُ، وهو اللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مِن قَبِيلِ التَّفْرِيعِ عَلى ما ثَبَتَ في القَضِيَّةِ الأُولى، كَأنَّهُ يَقُولُ: فَإذا عَرَفْتَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ عَلَيْها رَقِيبٌ، فَمِنَ الواجِبِ عَلى الإنْسانِ أنْ لا يُهْمِلَ نَفْسَهُ، وأنْ يَتَفَكَّرَ في خَلْقِهِ، وكَيْفَ كانَ ابْتِداءُ نَشْئِهِ لِيَصِلَ بِذَلِكَ إلى أنَّ الَّذِي أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ؛ فَيَأْخُذُ نَفْسَهُ بِصالِحِ الأعْمالِ والأخْلاقِ، ويَعْدِلُ بِها عَنْ سُبُلِ الشَّرِّ؛ فَإنَّ عَيْنَ الرَّقِيبِ لا تَغْفُلُ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ. انْتَهى.
و﴿دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] مِنَ الدَّفْقِ، وهو صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى مَدْفُوقٍ، وإنَّ اسْمَ الفاعِلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. كَما أنَّ المَفْعُولَ يَكُونُ بِمَعْنى الفاعِلِ كَ: ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥]
والصَّحِيحُ أنَّهُ بِمَعْنى النِّسْبَةِ كَ: لابِنٍ وتامِرٍ، أيْ: ذِي دَفْقٍ، وهو صادِقٌ عَلى الفاعِلِ والمَفْعُولِ. أوْ هو مَجازٌ في الإسْنادِ، فَأسْنَدَ إلى الماءِ ما لِصاحِبِهِ مُبالَغَةً. أوْ هو اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ أوْ مُصَرِّحَةٌ بِجَعْلِهِ دافِقًا؛ لِأنَّهُ لِتَتابُعِ قَطَراتِهِ كَأنَّهُ يَدْفُقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، أيْ: يَدْفَعُهُ. أوْ دافِقٌ بِمَعْنى مُنْصَبٍّ مِن غَيْرِ تَأْوِيلٍ، كَما نُقِلَ عَنِ اللَّيْثِ، أقْوالٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] أيْ: مِن بَيْنِ صُلْبِ الرَّجُلِ ونَحْرِ المَرْأةِ.
(p-٦١٢٤)قالَ الإمامُ: الصُّلْبُ هو كُلُّ عَظْمٍ مِنَ الظَّهْرِ فِيهِ فِقارٌ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ في كَلامِ العامَّةِ بِسِلْسِلَةِ الظَّهْرِ. وقَدْ يُطْلَقُ بِمَعْنى الظَّهْرِ نَفْسِهِ إطْلاقًا لِاسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ. و"التَّرائِبِ" مَوْضِعُ القِلادَةِ مِنَ الصَّدْرِ، وكَنّى بِالصُّلْبِ عَنِ الرَّجُلِ وبِالتَّرائِبِ عَنِ المَرْأةِ، أيْ: أنَّ ذَلِكَ الماءَ الدّافِقَ إنَّما يَكُونُ مادَّةً لِخَلْقِ الإنْسانِ إذا خَرَجَ مِن بَيْنِ الرَّجُلِ والمَرْأةِ ووَقَعَ في المَحَلِّ الَّذِي جَرَتْ عادَةُ اللَّهِ أنْ يَخْلُقَهُ فِيهِ، وهو رَحِمُ المَرْأةِ؛ فَقَوْلُهُ: "يَخْرُجُ" إلَخْ وصْفٌ لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ لِبَيانِ أنَّ الإنْسانَ إنَّما خُلِقَ مِنَ الماءِ الدّافِقِ المُسْتَوْفِي شَرائِطَ صِحَّةِ الخَلْقِ مِنهُ.
وقالَ بَعْضُ عُلَماءِ الطِّبِّ: التَّرائِبُ جَمْعُ تَرِيبَةٍ وهي عِظامُ الصَّدْرِ في الذَّكَرِ والأُنْثى، ويَغْلِبُ اسْتِعْمالُها في مَوْضِعِ القِلادَةِ مِنَ الأُنْثى، ومِنها قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎تَرائِبُها مَصْقُولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ
قالَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المَنِيَّ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ وهو الدَّمُ، يَخْرُجُ مِن شَيْءٍ مُمْتَدٍّ بَيْنَ الصُّلْبِ -أيْ: فَقَراتِ الظَّهْرِ في الرَّجُلِ- والتَّرائِبُ أيْ: عِظامُ صَدْرِهِ، وذَلِكَ الشَّيْءُ المُمْتَدُّ بَيْنَهُما هو الأبْهَرُ (الأوُرْطِيُّ)، وهو أكْبَرُ شِرْيانٍ في الجِسْمِ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ خَلْفَ التَّرائِبِ ويَمْتَدُّ إلى آخِرِ الصُّلْبِ تَقْرِيبًا، ومِنهُ تَخْرُجُ عِدَّةُ شَرايِينَ عَظِيمَةٌ، ومِنها شِرْيانانِ طَوِيلانِ يَخْرُجانِ مِنهُ (p-٦١٢٥)بَعْدَ شِرْيانَيِ الكُلْيَتَيْنِ، ويَنْزِلانِ إلى أسْفَلِ البَطْنِ حَتّى يَصِلا إلى الخُصْيَتَيْنِ، أوِ الشِّرْيانَيْنِ المَنَوِيَّيْنِ فَلِذا قالَ تَعالى عَنِ المَنِيِّ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِن مَكانٍ بَيْنَهُما وهو الأوُرْطِيُّ أوِ الأبْهَرُ. وهَذِهِ الآيَةُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ تُعْتَبَرُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ وهَذا القَوْلُ أوْجَهُ وأدَقُّ مِنَ التَّفْسِيرِ الأوَّلِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ٨] أيِ: الحافِظُ سُبْحانَهُ، المُتَقَدِّمُ في قَوْلِهِ: ﴿لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] أوِ الخالِقُ المَفْهُومُ مِن خُلِقَ ﴿عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: ٨] أيْ: رَجْعِ الإنْسانِ وإعادَتِهِ في النَّشْأةِ الثّانِيَةِ لَقادِرٌ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِ في النَّشْأةِ الأُولى.
﴿يَوْمَ تُبْلى السَّرائِرُ﴾ [الطارق: ٩] أيْ: تَظْهَرُ وتَعْرِفُ خَفِيّاتِ الضَّمائِرِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: السَّرائِرُ ما أُسِرَّ في القُلُوبِ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ وغَيْرِها، وما أُخْفِيَ مِنَ الأعْمالِ. وبَلاؤُها تَعَرُّفُها وتَصَفُّحُها، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ ما طابَ مِنها وما خَبُثَ.
﴿فَما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠] أيْ: مِن قُوَّةٍ يَمْتَنِعُ مِن عَذابِ اللَّهِ وألِيمِ نَكالِهِ. ولا ناصِرَ يَنْصُرُهُ فَيَسْتَنْقِذُهُ مِمَّنْ نالَهُ بِمَكْرُوهٍ، يَعْنِي أنَّهُ فَقَدَ ما كانَ يَعْهَدُهُ في الدُّنْيا إذْ يَرْجِعُ إلى قُوَّةٍ بِنَفْسِهِ أوْ بِعَشِيرَتِهِ، يَمْتَنِعُ مِنهم مِمَّنْ أرادَهُ بِسُوءٍ. وناصِرٌ حَلِيفٌ يَنْصُرُهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ. ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا انْتِظارُ الجَزاءِ عَلى ما قَدَّمَ.
الطارق 86:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الطارق 86:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١١ - ١٧ ] ﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ ﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] ﴿إنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] (p-٦١٢٦)﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧]
﴿والسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ أيِ: المَطَرِ؛ يُسَمّى رَجْعًا لِأنَّهُ تَعالى يُرْجِعُهُ وقْتًا فَوَقْتًا إلى العِبادِ، ولَوْلاهُ لَهَلَكُوا وهَلَكَتْ مَواشِيهِمْ.
﴿والأرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق: ١٢] أيِ: النَّباتِ؛ لِأنَّهُ يَصْدَعُ الأرْضَ، أيْ: يَشُقُّها، أيْ: الِانْشِقاقُ بِالنَّباتِ، فَهو عَلَمٌ أوْ مَصْدَرٌ.
﴿إنَّهُ﴾ [الطارق: ١٣] أيِ: القُرْآنَ الكَرِيمَ ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣] أيْ: حَقٌّ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ﴿وما هو بِالهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٤] أيْ: بِالكَلامِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الفِطْرَةِ ولا مَعْنًى في القَلْبِ، بَلْ هو جِدُّ الجِدِّ.
﴿إنَّهُمْ﴾ [الطارق: ١٥] أيِ: المُكَذِّبِينَ بِهِ، الجاحِدِينَ لِحَقِّهِ ﴿يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] أيْ: يَمْكُرُونَ مَكْرًا لِإبْطالِ أمْرِ اللَّهِ وإطْفاءِ نُورِهِ.
﴿وأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمْكُرُ مَكْرًا. ومَكْرُهُ جَلَّ ثَناؤُهُ بِهِمْ إمْلاؤُهُ إيّاهم عَلى مَعْصِيَتِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِهِ. يَعْنِي أنَّ الكَيْدَ هُنا اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، بِتَشْبِيهِ إمْهالِ اللَّهِ لَهم لِيَسْتَدْرِجَهم بِالكَيْدِ، وبِهَذا يَظْهَرُ تَفْرِيعُ أمْرِهِ بِإمْهالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: لا تَسْتَعْجِلْ عِقابَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] بِمَعْنى: (مَهِّلْهُمْ)، فَهو بَدَلٌ مِنهُ لِلتَّأْكِيدِ. أوْ تَكْرِيرٌ بِلَفْظٍ آخَرَ لِلتَّأْكِيدِ. وقَوْلُهُ: ﴿رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] أيْ: قَلِيلًا.
قالَ الإمامُ: وفي ذَلِكَ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم بِأنَّ ما يُصِيبُهم قَرِيبٌ، سَواءٌ كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا أوْ فِيما بَعْدَ المَوْتِ. ثُمَّ فِيهِ الوَعْدُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَلْ لِكُلِّ داعٍ إلى الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ، أنَّهُ سَيَبْلُغُ مِنَ النَّجاحِ ما يَسْتَحِقُّهُ عَمَلُهُ، وأنَّ المُناوِئِينَ لَهُ هُمُ الخاسِرُونَ.
الأعلى 87:1
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
الأعلى 87:2
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
الأعلى 87:3
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
الأعلى 87:4
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
الأعلى 87:5
(p-٦١٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْلى
مَكِّيَّةٌ وآيُها تِسْعَ عَشْرَةَ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والدَّلِيلُ عَلى أنَّها مَكِّيَّةٌ ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «أوَّلُ مَن قَدِمَ عَلَيْنا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلا يُقْرِئانِنا القُرْآنَ. ثُمَّ جاءَ عَمّارٌ وبِلالٌ وسَعْدٌ.
ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في عِشْرِينَ. ثُمَّ جاءَ النَّبِيُّ ﷺ. فَما رَأيْتُ أهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهم بِهِ. حَتّى رَأيْتُ الوَلائِدَ والصِّبْيانَ يَقُولُونَ هَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ جاءَ. فَما جاءَ حَتّى قَرَأْتُ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ في سُوَرٍ مِثْلِها».
وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾» تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أحْمَدُ.
وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى».
وعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في العِيدَيْنِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ. ورُبَّما اجْتَمَعا في يَوْمٍ واحِدٍ فَقَرَأهُما». رَواهُ مُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ.
وعَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في الوِتْرِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، وقُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ وقُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ والمُعَوِّذَتَيْنِ».
(p-٦١٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] ﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] ﴿فَجَعَلَهُ غُثاءً أحْوى﴾ [الأعلى: ٥]
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ أيْ: نَزِّهْ رَبَّكَ عَمّا يَصِفُهُ بِهِ المُشْرِكُونَ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ ونَحْوِهِما، كَقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] فالِاسْمُ صِلَةٌ. وسِرُّ إيرادِهِ أنَّ المُنَوَّهَ بِهِ إذا كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، كَثِيرًا ما تُضافُ ألْفاظُ التَّفْخِيمِ إلى اسْمِهِ، فَيُقالُ: سَبِّحِ اسْمَهُ ومَجِّدْ ذِكْرَهُ، كَما يُقالُ: سَلامٌ عَلى المَجْلِسِ العالِي. هَذا ما ذَكَرُوهُ. وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ الحَقَّ تَعالى إنَّما يُعْرَفُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، لِاسْتِحالَةِ اكْتِناهِ ذاتِهِ العَلِيَّةِ، فَأُقْحِمَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ. ومِمّا يُؤَيِّدُهُ ما ذُكِرَ مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنِ الصَّحابَةِ أنَّهم ««كانُوا إذا قَرَؤُوا ذَلِكَ قالُوا: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى»»، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ.
وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ المُرادَ تَنْزِيهُ اسْمِ اللَّهِ وتَقْدِيسُهُ أنْ يُسَمّى بِهِ شَيْءٌ سِواهُ، كَما كانَ يَفْعَلُ المُشْرِكُونَ مِن تَسْمِيَتِهِمْ آلِهَتَهُمْ، بَعْضَها اللّاتِ وبَعْضَها العُزّى، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ؛ فالإسْنادُ عَلى ظاهِرِهِ، وهَذا ما اعْتَمَدَهُ الإمامُ ابْنُ حَزْمٍ في (الفَصْلِ) حَيْثُ رَدَّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ (p-٦١٢٩)فِي أنَّ الِاسْمَ عُيِّنَ المُسَمّى، ذَهابًا إلى أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ أنْ يَأْمُرَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِأنْ يُسَبَّحَ غَيْرُهُ. فَقالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ فَهو عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّ التَّسْبِيحَ في اللُّغَةِ الَّتِي بِها نَزَلَ القُرْآنُ وبِها خاطَبَنا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هو تَنْزِيهُ الشَّيْءِ عَنِ السُّوءِ، وبِلا شَكٍّ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَنا أنْ نُنَزِّهَ اسْمَهُ الَّذِي هو كَلِمَةٌ مَجْمُوعَةٌ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، عَنْ كُلِّ سُوءٍ حَيْثُ كانَ مِن كِتابٍ أوْ مَنطُوقًا بِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ ومَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٩٦] مَعْنًى واحِدٌ، وهو أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ تَعالى بِاسْمِهِ. ولا سَبِيلَ إلى تَسْبِيحِهِ تَعالى ولا إلى دُعائِهِ ولا إلى ذِكْرِهِ إلّا بِتَوَسُّطِ اسْمِهِ؛ فَكِلا الوَجْهَيْنِ صَحِيحٌ. وتَسْبِيحُ اللَّهِ تَعالى وتَسْبِيحُ اسْمِهِ كُلُّ ذَلِكَ واجِبٌ بِالنَّصِّ. ولا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الحاقة: ٥٢] وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]
والحَمْدُ بِلا شَكٍّ هو غَيْرُ اللَّهِ، وهو تَعالى يُسَبَّحُ بِحَمْدِهِ كَما يُسَبَّحُ بِاسْمِهِ، ولا فَرْقَ؛ فَبَطَلَ تَعَلُّقُهم بِهَذِهِ الآيَةِ. انْتَهى كَلامُهُ.
وقَدْ يُقالُ: فَرْقٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، فَإنَّ الباءَ في "بِحَمْدِ رَبِّكَ" لِلْمُلابَسَةِ، ولا كَذَلِكَ هي في "بِاسْمِ رَبِّكَ" ومَعَ اتِّساعِ اللَّفْظِ الكَرِيمِ لِلْأوْجُهِ كُلِّها، فالأظْهَرُ هو الأوَّلُ لِما أيَّدَهُ مِنَ الأخْبارِ ولِآيَةِ "فَسَبِّحْهُ" وآيَةِ "سُبْحانَ رَبِّكَ" واللَّهُ أعْلَمُ.
و"الأعْلى" هو الأرْفَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، قُدْرَةً ومُلْكًا وسُلْطانًا. واسْتَدَلَّ السَّلَفُ بِظاهِرِهِ في إثْباتِ العُلُوِّ بِلا تَكْيِيفٍ. والمَسْألَةُ مَعْرُوفَةٌ.
﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ [الأعلى: ٢] قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَسَوّى خَلْقَهُ تَسْوِيَةً، ولَمْ يَأْتِ بِهِ مُتَفاوِتًا غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، ولَكِنْ عَلى إحْكامٍ واتِّساقٍ، ودَلالَةٍ عَلى أنَّهُ صادِرٌ عَنْ عالِمٍ، وأنَّهُ (p-٦١٣٠)صَنْعَةُ حَكِيمٍ.
﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] أيْ: قَدَّرَ لِكُلِّ حَيَوانٍ ما يُصْلِحُهُ، فَهَداهُ إلَيْهِ وعَرَّفَهُ وجْهَ الِانْتِفاعِ بِهِ.
﴿والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى﴾ [الأعلى: ٤] أيْ: أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ مَرْعى الأنْعامِ مِن صُنُوفِ النَّباتِ.
﴿فَجَعَلَهُ﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: بَعْدَ خُضْرَتِهِ ونَضْرَتِهِ ﴿غُثاءً﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: جافًّا يابِسًا تَطِيرُ بِهِ الرِّيحُ ﴿أحْوى﴾ [الأعلى: ٥] أيْ: أسْوَدَ، صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ: "غُثاءً"؛ لِأنَّ النَّباتَ إذا يَبِسَ تَغَيَّرَ إلى (الحُوَّةِ)، وهي السَّوادُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وكانَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِكَلامِ لُغَةِ العَرَبِ يَرى أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وأنَّ مَعْنى الكَلامِ: والَّذِي أخْرَجَ المَرْعى أحَوى، أيْ: أخْضَرُ إلى السَّوادِ فَجَعَلَهُ غُثاءً بَعْدَ ذَلِكَ. وهَذا القَوْلُ وإنْ كانَ غَيْرَ مَدْفُوعٍ، أنْ يَكُونَ ما اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ مِنَ النَّباتِ، قَدْ تُسَمِّيهِ العَرَبُ أسْوَدَ، غَيْرُ صَوابٍ عِنْدِي بِخِلافِ تَأْوِيلِ أهْلِ التَّأْوِيلِ في أنَّ الحَرْفَ إنَّما يَحْتالُ لِمَعْناهُ المَخْرَجَ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ وجْهٌ مَفْهُومٌ إلّا بِتَقْدِيمِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ أوْ تَأْخِيرِهِ، فَأمّا ولَهُ في مَوْضِعِهِ وجْهٌ صَحِيحٌ، فَلا وجْهَ لِطَلَبِ الِاحْتِيالِ لِمَعْناهُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ. انْتَهى. والقَوْلُ المَذْكُورُ هو لِلْفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ.
الأعلى 87:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:9
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ١٣ ] ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] ﴿فَذَكِّرْ إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] (p-٦١٣١)﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣]
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ أيْ: سَنَجْعَلُكَ قارِئًا، بِأنْ نُلْهِمَكَ القِراءَةَ فَلا تَنْسى ما تَقْرَؤُهُ، والمَعْنى: نَجْعَلُكَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ فَلا تَنْساهُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَشَّرَهُ اللَّهُ بِإعْطاءِ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، وهي أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ ما يَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وهو أُمِّيٌّ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، فَيَحْفَظُهُ ولا يَنْساهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى المُعْجِزَةِ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: إنَّهُ كانَ رَجُلًا أُمِّيًّا، فَحِفْظُهُ لِهَذا الكِتابِ المُطَوَّلِ عَنْ غَيْرِ دِراسَةٍ ولا تَكْرارٍ ولا كَتَبَةٍ، خارِقٌ لِلْعادَةِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
وثانِيهُما: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ. فَهَذا إخْبارٌ عَنْ أمْرٍ عَجِيبٍ غَرِيبٍ مُخالِفٍ لِلْعادَةِ سَيَقَعُ في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ وقَعَ، فَكانَ هَذا إخْبارًا عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا.
الثّانِي: قِيلَ: (لا تَنْسى) نَهْيٌ، والألِفُ لِلْإطْلاقِ في الفاصِلَةِ وهو جائِزٌ مِثْلَ "السَّبِيلا"، والمَعْنى لا تَغْفَلْ قِراءَتَهُ وتَكْرِيرَهُ فَتَنْساهُ. فالنَّهْيُ عَنْهُ مَجازٌ عَنْ تَرْكِ أسْبابِهِ الِاخْتِيارِيَّةِ.
قالَ الرّازِيُّ: والقَوْلُ المَشْهُورُ أنَّ هَذا خَبَرٌ، والمَعْنى: سَنُقْرِئُكَ إلى أنْ تَصِيرَ بِحَيْثُ لا تَنْسى وتَأْمَنُ النِّسْيانَ، كَقَوْلِكَ: سَأكْسُوكَ فَلا تَعْرى، أيْ: فَتَأْمَنُ العُرْيَ، قالَ: واحْتَجَّ أصْحابُ هَذا القَوْلِ عَلى ضَعْفِ القَوْلِ الأوَّلِ بِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ لا يَتِمُّ إلّا عِنْدَ التِزامِ مَجازاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ:
مِنها: أنَّ النِّسْيانَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ تَعالى فَلا يَصِحُّ وُرُودُ الأمْرِ والنَّهْيِ بِهِ، فَلا بُدَّ وأنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى المُواظَبَةِ عَلى الأشْياءِ الَّتِي تُنافِي النِّسْيانَ مِثْلَ الدِّراسَةِ وكَثْرَةِ التَّذَكُّرِ، وكُلُّ ذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ ظاهِرِ اللَّفْظِ.
(p-٦١٣٢)ومِنها: أنْ نَجْعَلَ الألِفَ مَزِيدَةً لِلْفاصِلَةِ، وهو أيْضًا خِلافُ الأصْلِ.
ومِنها: أنّا إذا جَعَلْناهُ خَبَرًا كانَ مَعْنى الآيَةِ بِشارَةَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنِّي أجْعَلُكَ بِحَيْثُ لا تَنْساهُ. وإذا جَعَلْناهُ نَهْيًا كانَ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِأنْ يُواظِبَ عَلى الأسْبابِ المانِعَةِ مِنَ النِّسْيانِ وهي الدِّراسَةُ والقِراءَةُ. وهَذا لَيْسَ في البِشارَةِ وتَعْظِيمِ حالِهِ مِثْلَ الأوَّلِ. ولِأنَّهُ عَلى خِلافِ قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] انْتَهى.
الثّالِثُ: قالَ البُرْهانُ الشّافِعِيُّ في كِتابِ (تَفْضِيلُ السَّلَفِ عَلى الخَلَفِ): إنَّ بَعْضَهم ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] وتَحْقِيقُ مَعْنى النَّسْخِ هُنا في غايَةِ الإشْكالِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْجَلْ﴾ [طه: ١١٤] نَهْيٌ عَنِ العَجَلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ لَيْسَ بِأمْرٍ بِها لِيَكُونَ ناسِخًا لِلنَّهْيِ عَنْها، بَلْ هو خَبَرٌ عَنْ بَقاءِ الحِفْظِ بَعْدَ إقْرائِهِ.
وفَحْواهُ مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى الخِطابِ الآخَرِ؛ لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: إنّا نُحَفِّظُكَ تَحْفِيظًا لا تَخافُ مَعَهُ النِّسْيانَ؛ فَلا حاجَةَ لَكَ إلى أنْ تَعْجَلَ بِالقُرْآنِ وتُحَرِّكَ بِهِ لِسانَكَ. ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ نَسْخًا، لُغَةً لا حَقِيقَةً، عَلى مَعْنى تَبَدُّلِ الحالِ عَنْهُ، فَإنَّهُ ظَهَرَ لَهُ الأمْنُ عَنِ النِّسْيانِ بَعْدَ خَوْفِهِ أنْ يَنْساهُ لِما كانَ يُحَرِّكُ بِهِ لِسانَهُ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى: ٧] اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ، أيْ: لا تَنْسى مِمّا تَقْرَؤُهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ تَنْساهُ، مِمّا تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ البَشَرِيَّةُ أحْيانًا.
قالَ الزَّجّاجُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَنْسى فَإنَّهُ يَنْسى، ثُمَّ يَتَذَكَّرُ بَعْدَ ذَلِكَ ولا يَنْسى نِسْيانًا كُلِّيًّا دائِمًا؛ وذَلِكَ لِأنَّ ما بِالجِبِلَّةِ لا يَتَغَيَّرُ، وإلّا لَكانَ الإنْسانُ عالَمًا آخَرَ.
وقَدْ رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««رَحِمَ اللَّهُ فُلانًا، لَقَدْ أذْكَرَنِي كَذا وكَذا آيَةً، كُنْتُ أسْقَطْتُهُنَّ» . ويُرْوى: «أُنْسِيتُهُنَّ»» .
(p-٦١٣٣)وقالَ ﷺ: ««إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم أنْسى كَما تَنْسَوْنَ، فَإذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي»» . رَواهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَجازِيٌّ بِمَعْنى القِلَّةِ المُرادِ بِها النَّفْيُ، وذَلِكَ أنَّ المُخْرَجَ في الِاسْتِثْناءِ أقَلُّ مِنَ الباقِي؛ ولِأنَّ: (ما شاءَ اللَّهُ)، في العُرْفِ يُسْتَعْمَلُ لِلْمَجْهُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا أمْرًا نادِرًا لا يُعْلَمُ؛ فَإذا دَلَّ مِثْلُهُ عَلى القِلَّةِ عُرْفًا، والقِلَّةُ قَدْ يُرادُ بِها النَّفْيُ في نَحْوِ: (قَلَّ مَن يَقُولُ كَذا مَجازًا)، أُرِيدَ بِالِاسْتِثْناءِ هُنا ذَلِكَ. وهَذا ما أشارَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: أوْ قالَ: (إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، والغَرَضُ نَفْيُ النِّسْيانِ رَأْسًا، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: (أنْتَ سَهْمِي فِيما أمْلِكُ إلّا فِيما شاءَ اللَّهُ)، ولا يَقْصِدُ اسْتِثْناءَ شَيْءٍ، وهو مِنِ اسْتِعْمالِ القِلَّةِ في مَعْنى النَّفْيِ.
وقالَ الفَرّاءُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إنَّهُ تَعالى ما شاءَ أنْ يُنْسِيَ مُحَمَّدًا ﷺ شَيْئًا، إلّا المَقْصُودَ مِن ذِكْرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ بَيانُ أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ أنْ يَصِيرَ ناسِيًا لَقَدَرَ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿ولَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ثُمَّ إنّا نَقْطَعُ بِأنَّهُ تَعالى ما شاءَ ذَلِكَ. وبِالجُمْلَةِ فَفائِدَةُ هَذا الِاسْتِثْناءِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعَرِّفُهُ قُدْرَةَ رَبِّهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّ عَدَمَ النِّسْيانِ مِن فَضْلِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن قُوَّتِهِ. انْتَهى.
﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وما يَخْفى﴾ [الأعلى: ٧] أيْ: ما يَجْهَرُ بِهِ عِبادُهُ وما يُخْفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ. وهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ مُبَيِّنٌ لِحِكْمَتِهِ، وهو سَبْقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحاجَةِ البَشَرِ إلى إقْرائِهِ الوَحْيَ وإخْراجِهِمْ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ هَذا المُقْرَأ المُوحى بِهِ لِلْعَمَلِ، لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ وعُسْرٌ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ونُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ [الأعلى: ٨] أيْ: نُوَفِّقُكَ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، أيِ: الشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ، الَّتِي هي أيْسَرُ (p-٦١٣٤)الشَّرائِعِ وأوْفَقُها بِحاجَةِ البَشَرِ مَدى الدَّهْرِ.
﴿فَذَكِّرْ﴾ [الأعلى: ٩] أيْ: عِبادَ اللَّهِ عَظَمَتَهُ، وعِظْهم وحَذِّرْهم عُقُوبَتَهُ ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى: ٩] أيِ: المَوْعِظَةُ، و(إنَّ) إمّا بِمَعْنى (إذْ)، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] أوْ بِمَعْنى (قَدْ)، عَلى ما قالَهُ ابْنُ خالَوَيْهِ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقِيلَ: (إنْ) شَرْطِيَّةٌ، والمَعْنى ذَمُّ المُذَكَّرِينَ واسْتِبْعادُ تَأْثِيرِ الذِّكْرى فِيهِمْ، تَسْجِيلًا بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْواعِظِ: (عِظِ المَكّاسِينَ إنْ سَمِعُوا مِنكَ)، قاصِدًا بِهَذا الشَّرْطِ اسْتِبْعادَ ذَلِكَ، وأنَّهُ لَنْ يَكُونَ.
﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَقْبَلُ التَّذْكِرَةَ ويَنْتَفِعُ بِها ﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] أيْ: يَخافُ العِقابَ عَلى الجُحُودِ والعِنادِ، بَعْدَ ظُهُورِ الدَّلِيلِ.
﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] ﴿الَّذِي يَصْلى النّارَ الكُبْرى﴾ [الأعلى: ١٢] أيِ: العُظْمى ألَمًا وعَذابًا.
﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [الأعلى: ١٣] أيْ: لا يَهْلَكُ فَيَسْتَرِيحُ، ولا يَحْيى حَياةً تَنْفَعُهُ. قِيلَ: إنَّ العَرَبَ كانَتْ إذا وصَفَتِ الرَّجُلَ بِوُقُوعٍ في شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ قالُوا: (لا هو حَيٌّ ولا مَيِّتٌ)، فَجاءَ عَلى مَأْلُوفِهِمْ في كَلامِهِمْ. و"ثُمَّ" هُنا لِلتَّفاوُتِ الرُّتْبِيِّ، إشارَةً إلى أنَّ خُلُودَهُ أفْظَعُ مِن دُخُولِهِ النّارَ وصِلِيِّهِ.
الأعلى 87:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الأعلى 87:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الأعلى 87:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الأعلى 87:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الأعلى 87:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الأعلى 87:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٤ - ١٩ ] ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ ﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أيْ: فازَ وظَفِرَ مَن تَطَهَّرَ مِن دَنَسِ الشِّرْكِ والمَعاصِي، وعَمِلَ (p-٦١٣٥)بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
﴿وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى: ١٥] أيْ: تَذَكَّرَ جَلالَ رَبِّهِ وعَظَمَتَهُ، فَخَشَعَ وأشْفَقَ وقامَ بِما لَهُ وعَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢] وجُوِّزَ أنْ يُحْمَلَ "تَزَكّى" عَلى إيتاءِ الزَّكاةِ، و(صَلّى) عَلى إقامَةِ الصَّلاةِ كَآيَةِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لِما عُهِدَ في كَلامِهِ تَعالى مِنَ الجَمْعِ بَيْنَهُما في عِدَّةِ آياتٍ، لِأنَّهُما مَبْدَأُ كُلِّ خَيْرٍ وعُنْوانُ السَّعادَةِ. لَكِنْ قِيلَ عَلَيْهِ، بِأنَّ المَعْهُودَ في التَّنْزِيلِ الكَرِيمِ تَقْدِيمُ الصَّلاةِ. وأُجِيبَ بِفِعْلٍ مَأْخُوذٍ مِنها، "فَلا" كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] والأوَّلُ أظْهَرُ، لِأنَّهُ أشْمَلُ وأعَمُّ. وهو أكْثَرُ فائِدَةً.
﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦] قالَ أبُو السُّعُودِ: إضْرابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ إثْرَ بَيانِ ما يُؤَدِّي إلى الفَلاحِ: لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بَلْ تُؤْثِرُونَ اللَّذّاتِ العاجِلَةَ الفانِيَةَ فَتَسْعَوْنَ لِتَحْصِيلِها. والخِطابُ إمّا لِلْكَفَرَةِ، فالمُرادُ بِإيثارِ الحَياةِ الدُّنْيا هو الرِّضا والِاطْمِئْنانُ بِها، والإعْراضُ عَنِ الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها﴾ [يونس: ٧] الآيَةَ، أوْ لِلْكُلِّ، فالمُرادُ بِإيثارِها ما هو أهَمُّ مِمّا ذُكِرَ، وما لا يَخْلُو عَنْهُ الإنْسانُ غالِبًا مِن تَرْجِيحِ جانِبِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في السَّعْيِ وتَرْتِيبِ المَبادِئِ. والِالتِفاتُ عَلى الأوَّلِ لِشَدِيدِ التَّوْبِيخِ، وعَلى الثّانِي كَذَلِكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ، وتَشْدِيدِ العِتابِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ. وقُرِئَ: "يُؤْثِرُونَ" بِالياءِ.
﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [الأعلى: ١٧] أيْ: أفْضَلُ، لِخُلُوصِها عَمّا يُكَدِّرُ. وأدْوَمُ لِعَدَمِ انْصِرامِ نَعِيمِها. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْثِرُونَ" مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّوْبِيخِ والعِتابِ ﴿إنَّ هَذا﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى﴾ أوْ ما في السُّورَةِ كُلِّها، ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ [الأعلى: ١٨] أيْ: ثابِتٌ فِيها مَعْناهُ.
﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٩] بَدَلٌ مِنَ "الصُّحُفِ الأُولى"، وفي إبْهامِها ووَصْفِها بِالقِدَمِ، ثُمَّ بَيانِها وتَفْسِيرِها، مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها، ما لا يَخْفى.
الغاشية 88:1
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:2
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:3
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:4
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:5
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:6
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:7
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:8
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:9
(p-٦١٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الغاشِيَةِ
مَكِّيَّةٌ. وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقْرَأُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى والغاشِيَةَ) في صَلاةِ العِيدِ ويَوْمِ الجُمُعَةِ».
ورَوى الإمامُ مالِكٌ «أنَّ الضَّحّاكَ بْنَ قَيْسٍ سَألَ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ: بِما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الجُمُعَةِ مَعَ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ» (رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ وغَيْرُهُما).
(p-٦١٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٩ ] ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] ﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩]
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيْ: خَبَرُها وقِصَّتُها، وهي القِيامَةُ.
وأصْلُ الغاشِيَةِ الدّاهِيَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعَجُّبِ مِمّا في حَيِّزِهِ، مَعَ تَقْرِيرِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] أيْ: ذَلِيلَةٌ. وهي وُجُوهُ أهْلِ الكُفْرِ بِالحَقِّ والجُحُودِ لَهُ. والمُرادُ بِالوُجُوهِ الذَّواتُ.
﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] قالَ القاشانِيُّ: أيْ: تَعْمَلُ دائِبًا أعْمالًا صَعْبَةً تَتْعَبُ فِيها، كالهُوِيِّ في دَرَكاتِ النّارِ، والِارْتِقاءِ في عَقَباتِها، وحَمْلِ مَشاقِّ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ المُتْعَبَةِ المُثْقَلَةِ مِن آثارِ أعْمالِها. أوْ عامِلَةٌ مِنِ اسْتِعْمالِ الزَّبانِيَةِ إيّاها في أعْمالٍ شاقَّةٍ فادِحَةٍ مِن جِنْسِ أعْمالِها الَّتِي ضَرِيَتْ بِها في الدُّنْيا، وأتْعابُها فِيها مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لَهم مِنها إلّا التَّعَبَ والعَذابَ. (p-٦١٣٨)وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] إشارَةٌ إلى عَمَلِهِمْ في الدُّنْيا، أيْ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ. فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ حابِطَةِ أعْمالِها. أوْ جُعِلَتْ أعْمالُها هَباءً مَنثُورًا كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، ويُؤَيِّدُهُ مُقابَلَةُ هَذِهِ الآيَةِ، لِقَوْلِهِ في أهْلِ الجَنَّةِ ﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] وذَلِكَ السَّعْيُ هو الَّذِي كانَ في الدُّنْيا. واللَّهُ أعْلَمُ.
﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤] أيْ: تَدْخُلُ نارًا مُتَناهِيَةً في الحَرارَةِ. قالَ القاشانِيُّ: أيْ: مُؤْذِيَةٌ مُؤْلِمَةٌ بِحَسَبِ ما تُزاوِلُها في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ.
﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: ٥] أيْ: بَلَغَتْ غايَتَها في شِدَّةِ الحَرِّ.
﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] وهو مِن جِنْسِ الشَّوْكِ، تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ قاتِلٌ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الضَّرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ نَبْتٌ يُقالُ لَهُ: الشَّبْرَقُ، وتُسَمِّيهِ أهْلُ الحِجازِ الضَّرِيعَ، إذا يَبِسَ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وآيَةِ: ﴿ولا طَعامٌ إلا مِن غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] لِأنَّ العَذابَ ألْوانٌ، والمُعَذَّبُونَ طَبَقاتٌ فَمِنهم أكَلَةُ الزَّقُّومِ، ومِنهم أكَلَةُ الغِسْلِينَ، ومِنهم أكَلَةُ الضَّرِيعِ، وقِيلَ: الضَّرِيعُ مَجازٌ أوْ كِنايَةٌ، أُرِيدَ بِهِ طَعامٌ مَكْرُوهٌ حَتّى لِلْإبِلِ الَّتِي تَلْتَذُّ بِرَعْيِ الشَّوْكِ، فَلا يُنافِي كَوْنَهُ زَقُّومًا أوْ غِسْلِينًا.
﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يُخَصِّبُ البَدَنَ ﴿ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧] أيْ: لا يَسْكُنُ داعِيَةُ النَّفْسِ ولا نَهَمُها مِن أجْلِهِ.
﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ [الغاشية: ٨] أيْ: ذاتُ حُسْنٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النُّعُومَةِ، كِنايَةٌ عَنْ حُسْنِ المَنظَرِ. أوْ ناعِمَةٌ بِمَعْنى مُتَنَعِّمَةٍ، عَلى أنَّهُ مِنَ النَّعِيمِ.
﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ [الغاشية: ٩] أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا وجِدِّها في طَرِيقِ البِرِّ واكْتِسابِ الفَضائِلِ، شاكِرَةٌ لا تَنْدَمُ ولا تَتَحَسَّرُ.
(p-٦١٣٩)
الغاشية 88:10
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:11
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:12
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:13
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:14
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:15
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:16
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٠ - ١٦ ] ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] ﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] ﴿وأكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] ﴿ونَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]
﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ: مُرْتَفِعَةِ المَحَلِّ. أوْ رَفِيعَةِ القَدْرِ، مِن عُلُوِّ المَكانَةِ.
﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١] أيْ: لَغْوًا، أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ، أوْ نَفْسًا تَلْغُو؛ لِأنَّ كَلامَهُمُ الحِكْمَةُ والعُلُومُ والتَّسْبِيحُ والتَّحْمِيدُ.
﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] أيْ: لا انْقِطاعَ لَها.
﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] أيْ: مُرْتَفِعَةٌ لِيَرَوْا إذا جَلَسُوا عَلَيْها جَمِيعَ ما خُوِّلُوهُ مِنَ النَّعِيمِ والمُلْكِ.
﴿وأكْوابٌ﴾ [الغاشية: ١٤] جَمْعُ كُوبٍ، وهو إناءٌ لا أُذُنَ لَهُ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٤] أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ لا يَعُوزُهم تَفَقُّدُها.
﴿ونَمارِقُ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: وسائِدُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] أيْ: فَوْقَ الأسِرَّةِ أوْ في جَوانِبِ المَساكِنِ لِلِاسْتِنادِ إلَيْها.
﴿وزَرابِيُّ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: بُسُطٌ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦] أيْ: مَفْرُوشَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى:
الغاشية 88:17
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]
(p-٦١٤٠)﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْدِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ "الإبِلِ" أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ، ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ، إلى أنَّها كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، في عِظَمِ جُثَّتِها وشِدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئَتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، حَتّى إنَّ إظْماءَها لَتَبْلُغُ العَشْرَ فَصاعِدًا واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ، ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ الإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، ويَقْتادُها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
﴿وإلى السَّماءِ﴾ [الغاشية: ١٨] الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] أيْ: رُفِعَتْ كَواكِبُها رَفْعًا سَحِيقَ المَدى، وأمْسَكَ كُلٌّ مِنها في مَدارِهِ إمْساكًا لا يَخْتَلُّ سَيْرُهُ ولا يَفْسُدُ نِظامُهُ.
﴿وإلى الجِبالِ﴾ [الغاشية: ١٩] أيِ: الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] أيْ: أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةً لا تَبْرَحُ مَكانَها، حِفْظًا لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدانِ.
﴿وإلى الأرْضِ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيِ: الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيْ: بُسِطَتْ ومُهِّدَتْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أفَلا يَنْظُرُونَ إلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدارَهُ عَلى البَعْثِ، فَيَسْمَعُوا إنْذارَ الرَّسُولِ ﷺ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ.
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ السَّكاكِيُّ في (المِفْتاحِ) في بَحْثِ الجامِعِ الخَيالِيِّ، أنَّ جَمْعَهُ عَلى مَجْرى الإلْفِ والعادَةِ (p-٦١٤١)بِحَسَبِ ما تَنْعَقِدُ الأسْبابُ في اسْتِيداعِ الصُّوَرِ خِزانَةَ الخَيالِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ مِنَ التَّيَقُّظِ وأنَّهُ مِن أهْلِ المَدَرِ، أنّى يُسْتَحْلى كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ أهْلِ الوَبَرِ، حَيْثُ يُبَصِّرُهُمُ الدَّلائِلَ ناسِقًا ذَلِكَ النَّسَقِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ؛ لِبُعْدِ البَعِيرِ عَنْ خَيالِهِ في مَقامِ النَّظَرِ، ثُمَّ لِبُعْدِهِ في خَيالِهِ عَنِ السَّماءِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ عَنْ رَفْعِها، وكَذا البَواقِي. لَكِنْ إذا وفّاهُ حَقَّهُ بِتَيَقُّظِهِ لِما عَلَيْهِ تَقَلُّبُهم في حاجاتِهِمْ، جاءَ الِاسْتِحْلاءُ؛ وذَلِكَ إذا نَظَرَ أنَّ أهْلَ الوَبَرِ، إذا كانَ مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَلْبَسُهم مِنَ المَواشِي، كانَتْ عِنايَتُهم مَصْرُوفَةً لا مَحالَةَ إلى أكْثَرِها نَفْعًا وهي الإبِلُ، ثُمَّ إذا كانَ انْتِفاعُهم بِها لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِأنْ تَرْعى وتَشْرَبَ، كانَ جُلُّ مَرْمى غَرَضِهِمْ نُزُولَ المَطَرِ، وأهَمُّ مَسارِحِ النَّظَرِ عِنْدَهُمُ السَّماءُ، ثُمَّ إذا كانُوا مُضْطَرِّينَ إلى مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وإلى حِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، ولا مَأْوى ولا حِصْنَ إلّا الجِبالُ.
؎لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلِيلُ
فَما ظَنُّكَ بِالتِفاتِ خاطِرِهِمْ إلَيْها؟ ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ طُولُ مُكْثِهِمْ في مَنزِلٍ -ومَن لِأصْحابِ مَواشٍ بِذاكَ- كانَ عَقْدُ الهِمَّةِ عِنْدَهم بِالتَّنَقُّلِ مِن أرْضٍ إلى سِواها مِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَعِنْدَ نَظَرِهِ هَذا، أيُرى البَدَوِيُّ إذا أخَذَ يُفَتِّشُ عَمّا في خِزانَةِ الصُّوَرِ لَهُ، لا يَجِدُ صُورَةَ الإبِلِ حاضِرَةً هُناكَ أوْ لا يَجِدُ صُورَةَ السَّماءِ لَها مُقارَنَةً، أوْ تَعُوزُهُ صُورَةُ الجِبالِ بَعْدَهُما، أوْ لا تَنُصُّ إلَيْهِ صُورَةُ الأرْضِ تَلِيها بَعْدَهُنَّ؟ لا، وإنَّما الحَضَرِيُّ، حَيْثُ لَمْ تَتَآخَذْ عِنْدَهُ تِلْكَ الأُمُورُ، وما جَمَعَ خَيالُهُ تِلْكَ الصُّوَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وإذا تَلا الآيَةَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ظَنَّ النَّسَقَ بِجَهْلِهِ مَعِيبًا لِلْعَيْبِ فِيهِ. انْتَهى.
(p-٦١٤٢)
الغاشية 88:18
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]
(p-٦١٤٠)﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْدِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ "الإبِلِ" أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ، ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ، إلى أنَّها كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، في عِظَمِ جُثَّتِها وشِدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئَتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، حَتّى إنَّ إظْماءَها لَتَبْلُغُ العَشْرَ فَصاعِدًا واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ، ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ الإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، ويَقْتادُها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
﴿وإلى السَّماءِ﴾ [الغاشية: ١٨] الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] أيْ: رُفِعَتْ كَواكِبُها رَفْعًا سَحِيقَ المَدى، وأمْسَكَ كُلٌّ مِنها في مَدارِهِ إمْساكًا لا يَخْتَلُّ سَيْرُهُ ولا يَفْسُدُ نِظامُهُ.
﴿وإلى الجِبالِ﴾ [الغاشية: ١٩] أيِ: الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] أيْ: أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةً لا تَبْرَحُ مَكانَها، حِفْظًا لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدانِ.
﴿وإلى الأرْضِ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيِ: الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيْ: بُسِطَتْ ومُهِّدَتْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أفَلا يَنْظُرُونَ إلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدارَهُ عَلى البَعْثِ، فَيَسْمَعُوا إنْذارَ الرَّسُولِ ﷺ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ.
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ السَّكاكِيُّ في (المِفْتاحِ) في بَحْثِ الجامِعِ الخَيالِيِّ، أنَّ جَمْعَهُ عَلى مَجْرى الإلْفِ والعادَةِ (p-٦١٤١)بِحَسَبِ ما تَنْعَقِدُ الأسْبابُ في اسْتِيداعِ الصُّوَرِ خِزانَةَ الخَيالِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ مِنَ التَّيَقُّظِ وأنَّهُ مِن أهْلِ المَدَرِ، أنّى يُسْتَحْلى كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ أهْلِ الوَبَرِ، حَيْثُ يُبَصِّرُهُمُ الدَّلائِلَ ناسِقًا ذَلِكَ النَّسَقِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ؛ لِبُعْدِ البَعِيرِ عَنْ خَيالِهِ في مَقامِ النَّظَرِ، ثُمَّ لِبُعْدِهِ في خَيالِهِ عَنِ السَّماءِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ عَنْ رَفْعِها، وكَذا البَواقِي. لَكِنْ إذا وفّاهُ حَقَّهُ بِتَيَقُّظِهِ لِما عَلَيْهِ تَقَلُّبُهم في حاجاتِهِمْ، جاءَ الِاسْتِحْلاءُ؛ وذَلِكَ إذا نَظَرَ أنَّ أهْلَ الوَبَرِ، إذا كانَ مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَلْبَسُهم مِنَ المَواشِي، كانَتْ عِنايَتُهم مَصْرُوفَةً لا مَحالَةَ إلى أكْثَرِها نَفْعًا وهي الإبِلُ، ثُمَّ إذا كانَ انْتِفاعُهم بِها لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِأنْ تَرْعى وتَشْرَبَ، كانَ جُلُّ مَرْمى غَرَضِهِمْ نُزُولَ المَطَرِ، وأهَمُّ مَسارِحِ النَّظَرِ عِنْدَهُمُ السَّماءُ، ثُمَّ إذا كانُوا مُضْطَرِّينَ إلى مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وإلى حِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، ولا مَأْوى ولا حِصْنَ إلّا الجِبالُ.
؎لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلِيلُ
فَما ظَنُّكَ بِالتِفاتِ خاطِرِهِمْ إلَيْها؟ ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ طُولُ مُكْثِهِمْ في مَنزِلٍ -ومَن لِأصْحابِ مَواشٍ بِذاكَ- كانَ عَقْدُ الهِمَّةِ عِنْدَهم بِالتَّنَقُّلِ مِن أرْضٍ إلى سِواها مِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَعِنْدَ نَظَرِهِ هَذا، أيُرى البَدَوِيُّ إذا أخَذَ يُفَتِّشُ عَمّا في خِزانَةِ الصُّوَرِ لَهُ، لا يَجِدُ صُورَةَ الإبِلِ حاضِرَةً هُناكَ أوْ لا يَجِدُ صُورَةَ السَّماءِ لَها مُقارَنَةً، أوْ تَعُوزُهُ صُورَةُ الجِبالِ بَعْدَهُما، أوْ لا تَنُصُّ إلَيْهِ صُورَةُ الأرْضِ تَلِيها بَعْدَهُنَّ؟ لا، وإنَّما الحَضَرِيُّ، حَيْثُ لَمْ تَتَآخَذْ عِنْدَهُ تِلْكَ الأُمُورُ، وما جَمَعَ خَيالُهُ تِلْكَ الصُّوَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وإذا تَلا الآيَةَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ظَنَّ النَّسَقَ بِجَهْلِهِ مَعِيبًا لِلْعَيْبِ فِيهِ. انْتَهى.
(p-٦١٤٢)
الغاشية 88:19
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]
(p-٦١٤٠)﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْدِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ "الإبِلِ" أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ، ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ، إلى أنَّها كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، في عِظَمِ جُثَّتِها وشِدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئَتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، حَتّى إنَّ إظْماءَها لَتَبْلُغُ العَشْرَ فَصاعِدًا واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ، ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ الإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، ويَقْتادُها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
﴿وإلى السَّماءِ﴾ [الغاشية: ١٨] الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] أيْ: رُفِعَتْ كَواكِبُها رَفْعًا سَحِيقَ المَدى، وأمْسَكَ كُلٌّ مِنها في مَدارِهِ إمْساكًا لا يَخْتَلُّ سَيْرُهُ ولا يَفْسُدُ نِظامُهُ.
﴿وإلى الجِبالِ﴾ [الغاشية: ١٩] أيِ: الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] أيْ: أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةً لا تَبْرَحُ مَكانَها، حِفْظًا لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدانِ.
﴿وإلى الأرْضِ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيِ: الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيْ: بُسِطَتْ ومُهِّدَتْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أفَلا يَنْظُرُونَ إلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدارَهُ عَلى البَعْثِ، فَيَسْمَعُوا إنْذارَ الرَّسُولِ ﷺ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ.
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ السَّكاكِيُّ في (المِفْتاحِ) في بَحْثِ الجامِعِ الخَيالِيِّ، أنَّ جَمْعَهُ عَلى مَجْرى الإلْفِ والعادَةِ (p-٦١٤١)بِحَسَبِ ما تَنْعَقِدُ الأسْبابُ في اسْتِيداعِ الصُّوَرِ خِزانَةَ الخَيالِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ مِنَ التَّيَقُّظِ وأنَّهُ مِن أهْلِ المَدَرِ، أنّى يُسْتَحْلى كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ أهْلِ الوَبَرِ، حَيْثُ يُبَصِّرُهُمُ الدَّلائِلَ ناسِقًا ذَلِكَ النَّسَقِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ؛ لِبُعْدِ البَعِيرِ عَنْ خَيالِهِ في مَقامِ النَّظَرِ، ثُمَّ لِبُعْدِهِ في خَيالِهِ عَنِ السَّماءِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ عَنْ رَفْعِها، وكَذا البَواقِي. لَكِنْ إذا وفّاهُ حَقَّهُ بِتَيَقُّظِهِ لِما عَلَيْهِ تَقَلُّبُهم في حاجاتِهِمْ، جاءَ الِاسْتِحْلاءُ؛ وذَلِكَ إذا نَظَرَ أنَّ أهْلَ الوَبَرِ، إذا كانَ مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَلْبَسُهم مِنَ المَواشِي، كانَتْ عِنايَتُهم مَصْرُوفَةً لا مَحالَةَ إلى أكْثَرِها نَفْعًا وهي الإبِلُ، ثُمَّ إذا كانَ انْتِفاعُهم بِها لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِأنْ تَرْعى وتَشْرَبَ، كانَ جُلُّ مَرْمى غَرَضِهِمْ نُزُولَ المَطَرِ، وأهَمُّ مَسارِحِ النَّظَرِ عِنْدَهُمُ السَّماءُ، ثُمَّ إذا كانُوا مُضْطَرِّينَ إلى مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وإلى حِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، ولا مَأْوى ولا حِصْنَ إلّا الجِبالُ.
؎لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلِيلُ
فَما ظَنُّكَ بِالتِفاتِ خاطِرِهِمْ إلَيْها؟ ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ طُولُ مُكْثِهِمْ في مَنزِلٍ -ومَن لِأصْحابِ مَواشٍ بِذاكَ- كانَ عَقْدُ الهِمَّةِ عِنْدَهم بِالتَّنَقُّلِ مِن أرْضٍ إلى سِواها مِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَعِنْدَ نَظَرِهِ هَذا، أيُرى البَدَوِيُّ إذا أخَذَ يُفَتِّشُ عَمّا في خِزانَةِ الصُّوَرِ لَهُ، لا يَجِدُ صُورَةَ الإبِلِ حاضِرَةً هُناكَ أوْ لا يَجِدُ صُورَةَ السَّماءِ لَها مُقارَنَةً، أوْ تَعُوزُهُ صُورَةُ الجِبالِ بَعْدَهُما، أوْ لا تَنُصُّ إلَيْهِ صُورَةُ الأرْضِ تَلِيها بَعْدَهُنَّ؟ لا، وإنَّما الحَضَرِيُّ، حَيْثُ لَمْ تَتَآخَذْ عِنْدَهُ تِلْكَ الأُمُورُ، وما جَمَعَ خَيالُهُ تِلْكَ الصُّوَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وإذا تَلا الآيَةَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ظَنَّ النَّسَقَ بِجَهْلِهِ مَعِيبًا لِلْعَيْبِ فِيهِ. انْتَهى.
(p-٦١٤٢)
الغاشية 88:20
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٧ - ٢٠ ] ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ ﴿وإلى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] ﴿وإلى الجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] ﴿وإلى الأرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]
(p-٦١٤٠)﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْدِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ، بِالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها، مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ. والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ "الإبِلِ" أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ، ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ، إلى أنَّها كَيْفَ خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ، في عِظَمِ جُثَّتِها وشِدَّةِ قُوَّتِها وعَجِيبِ هَيْئَتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ، حَتّى إنَّ إظْماءَها لَتَبْلُغُ العَشْرَ فَصاعِدًا واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ، ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ الإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ، حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ، ويَقْتادُها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.
﴿وإلى السَّماءِ﴾ [الغاشية: ١٨] الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية: ١٨] أيْ: رُفِعَتْ كَواكِبُها رَفْعًا سَحِيقَ المَدى، وأمْسَكَ كُلٌّ مِنها في مَدارِهِ إمْساكًا لا يَخْتَلُّ سَيْرُهُ ولا يَفْسُدُ نِظامُهُ.
﴿وإلى الجِبالِ﴾ [الغاشية: ١٩] أيِ: الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية: ١٩] أيْ: أُقِيمَتْ مُنْتَصِبَةً لا تَبْرَحُ مَكانَها، حِفْظًا لِلْأرْضِ مِنَ المَيْدانِ.
﴿وإلى الأرْضِ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيِ: الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠] أيْ: بُسِطَتْ ومُهِّدَتْ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أفَلا يَنْظُرُونَ إلى هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ عَلى قُدْرَةِ الخالِقِ، حَتّى لا يُنْكِرُوا اقْتِدارَهُ عَلى البَعْثِ، فَيَسْمَعُوا إنْذارَ الرَّسُولِ ﷺ ويُؤْمِنُوا بِهِ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ.
لَطِيفَةٌ:
ذَكَرَ السَّكاكِيُّ في (المِفْتاحِ) في بَحْثِ الجامِعِ الخَيالِيِّ، أنَّ جَمْعَهُ عَلى مَجْرى الإلْفِ والعادَةِ (p-٦١٤١)بِحَسَبِ ما تَنْعَقِدُ الأسْبابُ في اسْتِيداعِ الصُّوَرِ خِزانَةَ الخَيالِ، وأنَّهُ إذا لَمْ يُوَفِّهِ حَقَّهُ مِنَ التَّيَقُّظِ وأنَّهُ مِن أهْلِ المَدَرِ، أنّى يُسْتَحْلى كَلامُ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ أهْلِ الوَبَرِ، حَيْثُ يُبَصِّرُهُمُ الدَّلائِلَ ناسِقًا ذَلِكَ النَّسَقِ ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ الآياتِ؛ لِبُعْدِ البَعِيرِ عَنْ خَيالِهِ في مَقامِ النَّظَرِ، ثُمَّ لِبُعْدِهِ في خَيالِهِ عَنِ السَّماءِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ عَنْ رَفْعِها، وكَذا البَواقِي. لَكِنْ إذا وفّاهُ حَقَّهُ بِتَيَقُّظِهِ لِما عَلَيْهِ تَقَلُّبُهم في حاجاتِهِمْ، جاءَ الِاسْتِحْلاءُ؛ وذَلِكَ إذا نَظَرَ أنَّ أهْلَ الوَبَرِ، إذا كانَ مَطْعَمُهم ومَشْرَبُهم ومَلْبَسُهم مِنَ المَواشِي، كانَتْ عِنايَتُهم مَصْرُوفَةً لا مَحالَةَ إلى أكْثَرِها نَفْعًا وهي الإبِلُ، ثُمَّ إذا كانَ انْتِفاعُهم بِها لا يَتَحَصَّلُ إلّا بِأنْ تَرْعى وتَشْرَبَ، كانَ جُلُّ مَرْمى غَرَضِهِمْ نُزُولَ المَطَرِ، وأهَمُّ مَسارِحِ النَّظَرِ عِنْدَهُمُ السَّماءُ، ثُمَّ إذا كانُوا مُضْطَرِّينَ إلى مَأْوًى يُؤْوِيهِمْ وإلى حِصْنٍ يَتَحَصَّنُونَ فِيهِ، ولا مَأْوى ولا حِصْنَ إلّا الجِبالُ.
؎لَنا جَبَلٌ يَحْتَلُّهُ مَن نُجِيرُهُ مَنِيعٌ يَرُدُّ الطَّرْفَ وهو كَلِيلُ
فَما ظَنُّكَ بِالتِفاتِ خاطِرِهِمْ إلَيْها؟ ثُمَّ إذا تَعَذَّرَ طُولُ مُكْثِهِمْ في مَنزِلٍ -ومَن لِأصْحابِ مَواشٍ بِذاكَ- كانَ عَقْدُ الهِمَّةِ عِنْدَهم بِالتَّنَقُّلِ مِن أرْضٍ إلى سِواها مِن عَزْمِ الأُمُورِ، فَعِنْدَ نَظَرِهِ هَذا، أيُرى البَدَوِيُّ إذا أخَذَ يُفَتِّشُ عَمّا في خِزانَةِ الصُّوَرِ لَهُ، لا يَجِدُ صُورَةَ الإبِلِ حاضِرَةً هُناكَ أوْ لا يَجِدُ صُورَةَ السَّماءِ لَها مُقارَنَةً، أوْ تَعُوزُهُ صُورَةُ الجِبالِ بَعْدَهُما، أوْ لا تَنُصُّ إلَيْهِ صُورَةُ الأرْضِ تَلِيها بَعْدَهُنَّ؟ لا، وإنَّما الحَضَرِيُّ، حَيْثُ لَمْ تَتَآخَذْ عِنْدَهُ تِلْكَ الأُمُورُ، وما جَمَعَ خَيالُهُ تِلْكَ الصُّوَرَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ وإذا تَلا الآيَةَ قَبْلَ أنْ يَقِفَ عَلى ما ذَكَرْتُ، ظَنَّ النَّسَقَ بِجَهْلِهِ مَعِيبًا لِلْعَيْبِ فِيهِ. انْتَهى.
(p-٦١٤٢)
الغاشية 88:21
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
الغاشية 88:22
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
الغاشية 88:23
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
الغاشية 88:24
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
الغاشية 88:25
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.
الغاشية 88:26
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٢١ - ٢٦ ] ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦]
﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: مَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِ بِآياتِهِ تَعالى الَّتِي تَسُوقُ إلى الإيمانِ بِخالِقِها الفِطْرَةُ ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ: مُبَلِّغٌ ما نُسِيَ مِن أمْرِهِ تَعالى:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] أيْ: بِمُتَسَلِّطٍ تَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ. وقُرِئَ بِالصّادِ عَلى إبْدالِها مِنَ السِّينِ.
﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ [الغاشية: ٢٣] ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ [الغاشية: ٢٤] وهو عَذابُ جَهَنَّمَ. والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى وكَفَرَ، فَإنَّ لِلَّهِ الوِلايَةَ والقَهْرَ، فَهو يُعَذِّبُهُ العَذابَ الأكْبَرَ عَلى جَحْدِهِ الحَقَّ.
﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥] أيْ: رُجُوعَهم ومَعادَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ. وجَمَعَ الضَّمِيرَ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ، بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ قَبْلُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] أيْ: فَنُجازِيهِمْ بِالعَذابِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ القَهْرَ والغَلَبَةَ لَهُ تَعالى وحْدَهُ.