Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — العلق 96:1 – الزلزلة 99:8
المحتويات
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
- القدر 97:1
- القدر 97:2
- القدر 97:3
- القدر 97:4
- القدر 97:5
- البينة 98:1
- البينة 98:2
- البينة 98:3
- البينة 98:4
- البينة 98:5
- البينة 98:6
- البينة 98:7
- البينة 98:8
- الزلزلة 99:1
- الزلزلة 99:2
- الزلزلة 99:3
- الزلزلة 99:4
- الزلزلة 99:5
- الزلزلة 99:6
- الزلزلة 99:7
- الزلزلة 99:8
العلق 96:1
(p-٦٢٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
سُورَةُ العَلَقِ. وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وصَدْرُها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، كَما صَحَّتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ. وأمّا أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً فَهي الفاتِحَةُ. ويُرْوى في الأوائِلِ غَيْرُها، ولا مُنافاةَ. لِأنَّ الأوَّلِيَّةَ حَقِيقِيَّةٌ ونِسْبِيَّةٌ.
رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ في النَّوْمِ. فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ. فَكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي ذَواتَ العَدَدِ. ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ. فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ (اقْرَأْ) قالَ: ما أنا بِقارِئٍ. قالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]
فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ».
(p-٦٢٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيِ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى، أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ ﷺ مِنهُ تَعالى. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالاتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وقالَ الإمامُ: تَرى مِن سِياقِ الرِّوايَةِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ المُتَبادِرَ مِن مَعْنى الآيَةِ الأُولى: كُنْ قارِئًا بِاسْمِ اللَّهِ مِن قَبِيلِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا؛ ولِذَلِكَ كَرَّرَ القَوْلَ مِرارًا: ««ما أنا بِقارِئٍ»» . وبَعْدَ ذَلِكَ جاءَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَكُونَ قارِئًا وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٦٢٠٧)كاتِبًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ وإنْ كانَ لا يَكْتُبُهُ. ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّبَّ بِالَّذِي خَلَقَ، أيِ: الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، قادِرٌ أنْ يُوجِدَ فِيكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَكَ تَعَلُّمُها؛ لِأنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ. فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: كُنْ قارِئًا بِقُدْرَتِي وبِإرادَتِي. وإنَّما عَبَّرَ بِالِاسْمِ، لِأنَّهُ كَما سَبَقَ في (سُورَةِ سَبِّحْ)، دالٌّ عَلى ما تُعْرَفُ بِهِ الذّاتُ، وخَلْقُ القِراءَةِ يَلْفِتُكَ إلى الذّاتِ وصِفاتِها جَمِيعًا، لِأنَّ القِراءَةَ عِلْمٌ في نَفْسٍ حَيَّةٍ؛ فَهي تَخُطُّ بِبالِكَ مِنَ اللَّهِ وُجُودَهُ وعِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الأمْرَ عَلى التَّكْلِيفِ وقُلْنا: إنَّ المَعْنى أنَّكَ مَأْمُورٌ إذا قَرَأْتَ أنْ تَقْرَأ بِاسْمِ اللَّهِ -وهُوَ خِلافُ المُتَبادِرِ- فَيَكُونُ مَعْنى ذَلِكَ: إذا قَرَأْتَ فاقْرَأْ دائِمًا عَلى أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ عَمَلًا تُنَفِّذُهُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنَّهُ قَرَأ وجَعَلَ قِراءَتَهُ لِلَّهِ لا لِأحَدٍ سِواهُ ولَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ، فَهو قارِئٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وإنَّما طُلِبَتِ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسانِ لِتَكُونَ مُنَبِّهَةً لِلضَّمِيرِ في بِدايَةِ كُلِّ عَمَلٍ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ويُلاحَظُ أنَّهُ يَعْمَلُ لِاسْمِهِ لا لِاسْمِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] أيْ: دَمٍ جامِدٍ، وهي حالَةُ الجَنِينِ في الأيّامِ الأُولى لِخَلْقِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُها وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ. وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ وإنَّما قالَ: ﴿عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] دُونَ (عَلَقَةٍ) كَما في الآيَةِ الأُخْرى، لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ.
فَهُوَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فَلِذا جَمَعَ ما خَلَقَ مِنهُ لِيُطابِقَهُ. وخَصَّ العَلَقَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التّارّاتِ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ القَدْرِ، مِنَ المُضْغَةِ، مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِما تَقَدَّمَهُ، ومَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ إنْسانًا، وهو الحَيُّ النّاطِقُ الَّذِي يَسُودُ بِعِلْمِهِ عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ، ويُسَخِّرُها لِخِدْمَتِهِ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الإنْسانِ الكامِلِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ قارِئًا، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعَلُّمُ القِراءَةِ. وجاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها، لِيَزِيدَ المَعْنى تَأْكِيدًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لِمَن كَرَّرَ القَوْلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقارِئٍ: أيْقِنْ أنَّكَ قَدْ (p-٦٢٠٨)صِرْتَ قارِئًا بِإذْنِ رَبِّكَ الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ، وما القِراءَةُ إلّا واحِدَةٌ مِنها. والَّذِي أنْشَأ الإنْسانَ خَلْقًا كامِلًا مِن دَمٍ جامِدٍ لا شَكْلَ فِيهِ ولا صُورَةَ. وإنَّما القِراءَةُ صِفَةٌ عارِضَةٌ عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ الكامِلِ، فَهي أوْلى بِسُهُولَةِ الإيجادِ، ولَمّا كانَتِ القِراءَةُ مِنَ المَلَكاتِ الَّتِي لا تَكْسَبُها النَّفْسُ إلّا بِالتَّكْرارِ، والتَّعَوُّدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في النّاسِ، نابَ تَكْرارُ الأمْرِ الإلَهِيِّ عَنْ تَكْرارِ المَقْرُوءِ، في تَصْيِيرِها مَلَكَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلِهَذا كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] وجُمْلَةُ "ورَبُّكَ" إلَخِ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن كُلِّ مَن يُرْتَجى مِنهُ الإعْطاءُ، فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يَفِيضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، نِعْمَةَ القِراءَةِ مِن بَحْرِ كَرَمِهِ. ثُمَّ أرادَ أنْ يَزِيدَهُ اطْمِئْنانًا بِهَذِهِ المَوْهِبَةِ الجَدِيدَةِ، فَوَصَفَ مانِحَها بِأنَّهُ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أيْ: أفْهَمَ النّاسَ بِواسِطَةِ القَلَمِ كَما أفْهَمَهم بِواسِطَةِ اللِّسانِ. والقَلَمُ آلَةٌ جامِدَةٌ لا حَياةَ فِيها، ولا مِن شَأْنِها في ذاتِها الإفْهامُ؛ فالَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمادِ المَيِّتِ الصّامِتِ آلَةً لِلْفَهْمِ والبَيانِ، ألا يَجْعَلُ مِنكَ قارِئًا مُبَيِّنًا وتالِيًا مُعَلِّمًا وأنْتَ إنْسانٌ كامِلٌ؟ ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الشُّبْهَةَ مِن نَفْسِهِ، ويَبْعُدَ عَنْهُ اسْتِغْرابُ أنْ يَقْرَأ ولَمْ يَكُنْ قارِئًا، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] أيْ: أنَّ الَّذِي صَدَرَ أمْرُهُ بِأنْ تَكُونَ قارِئًا، وأوْجَدَ فِيكَ مَلَكَةَ القِراءَةَ والتِّلاوَةَ، وسَيُبَلِّغُكَ فِيها مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ سِواكَ، هو الَّذِي عَلَّمَ الإنْسانَ جَمِيعَ ما هو مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العِلْمِ، وكانَ في بَدْءِ خَلْقِهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِن هَذا المُعَلِّمِ الَّذِي ابْتَدَأ العِلْمَ لِلْإنْسانِ ولَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِالمَرَّةِ، أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وعِنْدَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلُومِ سِواها ونَفْسُكَ مُسْتَعِدَّةٌ بِها لِقَبُولِ غَيْرِها؟ انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ) في مَباحِثِ عَجائِبِ الإنْسانِ وما خَلَقَهُ مِنَ الحُكْمِ: ثُمَّ تَأمَّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ بِالبَيانَيْنِ: البَيانِ النُّطْقِيِّ والبَيانِ الخَطِّيِّ، وقَدِ اعْتَدَّ بِهِما سُبْحانَهُ في جُمْلَةِ ما اعْتَدَّ بِهِ مِن نِعْمَةٍ عَلى العَبْدِ، فَقالَ في أوَّلِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] (p-٦٢٠٩)﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ في هَذِهِ الكَلِماتِ مَراتِبَ الخَلْقِ كُلَّها، وكَيْفَ تَضَمَّنَتْ مَراتِبَ الوُجُوداتِ الأرْبَعَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأوْضَحِهِ وأحْسَنِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا عُمُومَ الخَلْقِ وهو إعْطاءُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا خُصُوصَ خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. والآيَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ، ومِن شُهُودِهِ عَمّا فِيهِ مَحْضُ تَعْدادِ النِّعَمِ. وذَكَرَ مادَّةَ خَلْقِهِ هاهُنا مِنَ العَلَقَةِ. وفي سائِرِ المَواضِعِ يَذْكُرُ ما هو سابِقٌ عَلَيْها. أمّا مادَّةُ الأصْلِ وهو التُّرابُ والطِّينُ أوِ الصَّلْصالُ الَّذِي كالفَخّارِ، أوْ مادَّةُ الفَرْعِ وهو الماءُ المَهِينُ، وذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أوَّلَ مَبادِئِ تَعَلُّقِ التَّخْلِيقِ وهو العَلَقَةُ؛ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَها نُطْفَةٌ فَأوَّلُ انْتِقالِها إنَّما هو إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ؛ إذْ بِهِ تَخْلُدُ العُلُومُ وتَثْبُتُ الحُقُوقُ وتُعْلَمُ الوَصايا وتُحْفَظُ الشَّهاداتُ ويُضْبَطُ حِسابُ المُعامَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ، وبِهِ تُقَيَّدُ أخْبارُ الماضِينَ لِلْباقِينَ اللّاحِقِينَ، ولَوْلا الكِتابَةُ لانْقَطَعَتْ أخْبارُ بَعْضِ الأزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ، ودَرَسَتِ السُّنَنُ وتَخَبَّطَتِ الأحْكامُ، ولَمْ يَعْرِفِ الخَلَفُ مَذاهِبَ السَّلَفِ، وكانَ مُعْظَمُ الخَلَلِ الدّاخِلِ عَلى النّاسِ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، إنَّما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُمَحْوِرُ صُوَرَ العِلْمِ مِن قُلُوبِهِمْ؛ فَجَعَلَ لَهُمُ الكِتابَ وِعاءً حافِظًا لِلْعِلْمِ مِنَ الضَّياعِ، كالأوْعِيَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْتِعَةَ مِنَ الذَّهابِ والبُطْلانِ؛ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْلِيمِ القَلَمِ بَعْدَ القُرْآنِ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، والتَّعْلِيمُ بِهِ -وإنْ كانَ مِمّا يَخْلُصُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِالفِطْنَةِ والحِيلَةِ- فَإنَّ الَّذِي بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ وأوْصَلَهُ إلَيْهِ عَطِيَّةٌ وهَبَها اللَّهُ مِنهُ، وفَضْلٌ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ وفَضْلِهِ. فَهو الَّذِي عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وإنْ كانَ هو المُتَعَلِّمَ فَفِعْلُهُ فِعْلٌ مُطاوِعٍ لِتَعْلِيمِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَإنَّهُ عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ كَما أنَّهُ عَلَّمَهُ الكَلامَ فَتَكَلَّمَ، هَذا ومَن أعْطاهُ الذِّهْنَ الَّذِي يَعِي بِهِ، واللِّسانَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بِهِ، والبَنانَ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ، ومَن هَيَّأ ذِهْنَهُ لِقَبُولِ هَذا التَّعَلُّمِ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، ومَنِ الَّذِي أنْطَقَ لِسانَهُ وحَرَّكَ بَنانَهُ، ومَنِ الَّذِي دَعَّمَ البَنانَ بِالكَفِّ، ودَعَّمَ الكَفَّ بِالسّاعِدِ؛ فَكَمْ لِلَّهِ مِن آيَةٍ نَحْنُ غافِلُونَ عَنْها في التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ؛ فَقِفْ وقْفَةً في حالِ (p-٦٢١٠)الكِتابَةِ وتَأمَّلْ حالَكَ وقَدْ أمْسَكْتَ القَلَمَ وهو جَمادٌ، ووَضَعْتَهُ عَلى القِرْطاسِ وهو جَمادٌ، فَتَوَلَّدَ مِن بَيْنِهِما أنْواعُ الحِكَمِ وأصْنافُ العُلُومِ وفُنُونُ المُراسَلاتِ والخُطَبِ والنَّظْمِ والنَّثْرِ، وجَواباتُ المَسائِلِ. فَمَنِ الَّذِي أجْرى فَلَكَ المَعانِي عَلى قَلْبِكَ، ورَسَمَها في ذِهْنِكَ، ثُمَّ أجْرى العِباراتِ الدّالَّةَ عَلَيْها عَلى لِسانِكَ، ثُمَّ حَرَّكَ بِها بَنانَكَ حَتّى صارَتْ نَقْشًا عَجِيبًا، مَعْناهُ أعْجَبُ مِن صُورَتِهِ، فَتَقْضِي بِهِ مَآرِبَكَ وتَبْلُغُ بِهِ حاجَةً في صَدْرِكَ، وتُرْسِلُهُ إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ والجِهاتِ المُتَباعِدَةِ، فَيَقُومُ مَقامَكَ، ويُتَرْجِمُ عَنْكَ، ويَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِكَ ويَقُومُ مَقامَ رَسُولِكَ، ويُجْدِي عَلَيْكَ ما لا يُجْدِي مَن تُرْسِلُهُ، سِوى مَن عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ؟ والتَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ: مَرْتَبَةَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ والوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الرَّسْمِيِّ، فَقَدْ دَلَّ التَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لِهَذِهِ المَراتِبِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: "خَلَقَ" عَلى أنَّهُ يُعْطِي الوُجُودَ العَيْنِيَّ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ -مَعَ اخْتِصارِها ووَجازَتِها وفَصاحَتِها- عَلى أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ بِأسْرِها مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وتَعْلِيمًا. وذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ها هُنا اسْمَ "الأكْرَمِ" الَّذِي هو فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ وكُلُّ كَمالٍ، فَلَهُ كُلُّ كَمالٍ وصْفًا، ومِنهُ كُلُّ خَيْرٍ فِعْلًا. فَهو "الأكْرَمُ" في ذاتِهِ وأوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهَذا الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأ مِن كَرَمِهِ وبِرِّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن حاجَةٍ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
الثّانِي: قالَ الإمامُ: لا يُوجَدُ بَيانٌ أبْرَعُ ولا دَلِيلٌ أقْطَعُ عَلى فَضْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِنِ افْتِتاحِ اللَّهِ كِتابَهُ وابْتِدائِهِ الوَحْيَ بِهَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ المُسْلِمُونَ بِهَذا الهُدى، ولَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّظَرُ فِيهِ إلى النُّهُوضِ إلى تَمْزِيقِ تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي حَجَبَتْ عَنْ أبْصارِهِمْ نُورَ العِلْمِ، وكَسْرِ تِلْكَ الأبْوابِ الَّتِي غَلَّقَها عَلَيْهِمْ رُؤَساؤُهم وحَبَسُوهم بِها في ظُلُماتٍ مِنَ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَسْتَرْشِدُوا بِفاتِحَةِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ولَمْ يَسْتَضِيئُوا بِهَذا الضِّياءِ السّاطِعِ، فَلا أرْشَدَهُمُ اللَّهُ أبَدًا.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] إشارَةٌ (p-٦٢١١)إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ عَلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
العلق 96:2
(p-٦٢٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
سُورَةُ العَلَقِ. وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وصَدْرُها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، كَما صَحَّتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ. وأمّا أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً فَهي الفاتِحَةُ. ويُرْوى في الأوائِلِ غَيْرُها، ولا مُنافاةَ. لِأنَّ الأوَّلِيَّةَ حَقِيقِيَّةٌ ونِسْبِيَّةٌ.
رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ في النَّوْمِ. فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ. فَكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي ذَواتَ العَدَدِ. ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ. فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ (اقْرَأْ) قالَ: ما أنا بِقارِئٍ. قالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]
فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ».
(p-٦٢٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيِ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى، أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ ﷺ مِنهُ تَعالى. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالاتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وقالَ الإمامُ: تَرى مِن سِياقِ الرِّوايَةِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ المُتَبادِرَ مِن مَعْنى الآيَةِ الأُولى: كُنْ قارِئًا بِاسْمِ اللَّهِ مِن قَبِيلِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا؛ ولِذَلِكَ كَرَّرَ القَوْلَ مِرارًا: ««ما أنا بِقارِئٍ»» . وبَعْدَ ذَلِكَ جاءَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَكُونَ قارِئًا وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٦٢٠٧)كاتِبًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ وإنْ كانَ لا يَكْتُبُهُ. ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّبَّ بِالَّذِي خَلَقَ، أيِ: الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، قادِرٌ أنْ يُوجِدَ فِيكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَكَ تَعَلُّمُها؛ لِأنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ. فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: كُنْ قارِئًا بِقُدْرَتِي وبِإرادَتِي. وإنَّما عَبَّرَ بِالِاسْمِ، لِأنَّهُ كَما سَبَقَ في (سُورَةِ سَبِّحْ)، دالٌّ عَلى ما تُعْرَفُ بِهِ الذّاتُ، وخَلْقُ القِراءَةِ يَلْفِتُكَ إلى الذّاتِ وصِفاتِها جَمِيعًا، لِأنَّ القِراءَةَ عِلْمٌ في نَفْسٍ حَيَّةٍ؛ فَهي تَخُطُّ بِبالِكَ مِنَ اللَّهِ وُجُودَهُ وعِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الأمْرَ عَلى التَّكْلِيفِ وقُلْنا: إنَّ المَعْنى أنَّكَ مَأْمُورٌ إذا قَرَأْتَ أنْ تَقْرَأ بِاسْمِ اللَّهِ -وهُوَ خِلافُ المُتَبادِرِ- فَيَكُونُ مَعْنى ذَلِكَ: إذا قَرَأْتَ فاقْرَأْ دائِمًا عَلى أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ عَمَلًا تُنَفِّذُهُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنَّهُ قَرَأ وجَعَلَ قِراءَتَهُ لِلَّهِ لا لِأحَدٍ سِواهُ ولَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ، فَهو قارِئٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وإنَّما طُلِبَتِ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسانِ لِتَكُونَ مُنَبِّهَةً لِلضَّمِيرِ في بِدايَةِ كُلِّ عَمَلٍ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ويُلاحَظُ أنَّهُ يَعْمَلُ لِاسْمِهِ لا لِاسْمِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] أيْ: دَمٍ جامِدٍ، وهي حالَةُ الجَنِينِ في الأيّامِ الأُولى لِخَلْقِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُها وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ. وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ وإنَّما قالَ: ﴿عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] دُونَ (عَلَقَةٍ) كَما في الآيَةِ الأُخْرى، لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ.
فَهُوَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فَلِذا جَمَعَ ما خَلَقَ مِنهُ لِيُطابِقَهُ. وخَصَّ العَلَقَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التّارّاتِ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ القَدْرِ، مِنَ المُضْغَةِ، مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِما تَقَدَّمَهُ، ومَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ إنْسانًا، وهو الحَيُّ النّاطِقُ الَّذِي يَسُودُ بِعِلْمِهِ عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ، ويُسَخِّرُها لِخِدْمَتِهِ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الإنْسانِ الكامِلِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ قارِئًا، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعَلُّمُ القِراءَةِ. وجاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها، لِيَزِيدَ المَعْنى تَأْكِيدًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لِمَن كَرَّرَ القَوْلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقارِئٍ: أيْقِنْ أنَّكَ قَدْ (p-٦٢٠٨)صِرْتَ قارِئًا بِإذْنِ رَبِّكَ الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ، وما القِراءَةُ إلّا واحِدَةٌ مِنها. والَّذِي أنْشَأ الإنْسانَ خَلْقًا كامِلًا مِن دَمٍ جامِدٍ لا شَكْلَ فِيهِ ولا صُورَةَ. وإنَّما القِراءَةُ صِفَةٌ عارِضَةٌ عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ الكامِلِ، فَهي أوْلى بِسُهُولَةِ الإيجادِ، ولَمّا كانَتِ القِراءَةُ مِنَ المَلَكاتِ الَّتِي لا تَكْسَبُها النَّفْسُ إلّا بِالتَّكْرارِ، والتَّعَوُّدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في النّاسِ، نابَ تَكْرارُ الأمْرِ الإلَهِيِّ عَنْ تَكْرارِ المَقْرُوءِ، في تَصْيِيرِها مَلَكَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلِهَذا كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] وجُمْلَةُ "ورَبُّكَ" إلَخِ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن كُلِّ مَن يُرْتَجى مِنهُ الإعْطاءُ، فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يَفِيضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، نِعْمَةَ القِراءَةِ مِن بَحْرِ كَرَمِهِ. ثُمَّ أرادَ أنْ يَزِيدَهُ اطْمِئْنانًا بِهَذِهِ المَوْهِبَةِ الجَدِيدَةِ، فَوَصَفَ مانِحَها بِأنَّهُ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أيْ: أفْهَمَ النّاسَ بِواسِطَةِ القَلَمِ كَما أفْهَمَهم بِواسِطَةِ اللِّسانِ. والقَلَمُ آلَةٌ جامِدَةٌ لا حَياةَ فِيها، ولا مِن شَأْنِها في ذاتِها الإفْهامُ؛ فالَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمادِ المَيِّتِ الصّامِتِ آلَةً لِلْفَهْمِ والبَيانِ، ألا يَجْعَلُ مِنكَ قارِئًا مُبَيِّنًا وتالِيًا مُعَلِّمًا وأنْتَ إنْسانٌ كامِلٌ؟ ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الشُّبْهَةَ مِن نَفْسِهِ، ويَبْعُدَ عَنْهُ اسْتِغْرابُ أنْ يَقْرَأ ولَمْ يَكُنْ قارِئًا، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] أيْ: أنَّ الَّذِي صَدَرَ أمْرُهُ بِأنْ تَكُونَ قارِئًا، وأوْجَدَ فِيكَ مَلَكَةَ القِراءَةَ والتِّلاوَةَ، وسَيُبَلِّغُكَ فِيها مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ سِواكَ، هو الَّذِي عَلَّمَ الإنْسانَ جَمِيعَ ما هو مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العِلْمِ، وكانَ في بَدْءِ خَلْقِهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِن هَذا المُعَلِّمِ الَّذِي ابْتَدَأ العِلْمَ لِلْإنْسانِ ولَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِالمَرَّةِ، أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وعِنْدَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلُومِ سِواها ونَفْسُكَ مُسْتَعِدَّةٌ بِها لِقَبُولِ غَيْرِها؟ انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ) في مَباحِثِ عَجائِبِ الإنْسانِ وما خَلَقَهُ مِنَ الحُكْمِ: ثُمَّ تَأمَّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ بِالبَيانَيْنِ: البَيانِ النُّطْقِيِّ والبَيانِ الخَطِّيِّ، وقَدِ اعْتَدَّ بِهِما سُبْحانَهُ في جُمْلَةِ ما اعْتَدَّ بِهِ مِن نِعْمَةٍ عَلى العَبْدِ، فَقالَ في أوَّلِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] (p-٦٢٠٩)﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ في هَذِهِ الكَلِماتِ مَراتِبَ الخَلْقِ كُلَّها، وكَيْفَ تَضَمَّنَتْ مَراتِبَ الوُجُوداتِ الأرْبَعَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأوْضَحِهِ وأحْسَنِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا عُمُومَ الخَلْقِ وهو إعْطاءُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا خُصُوصَ خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. والآيَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ، ومِن شُهُودِهِ عَمّا فِيهِ مَحْضُ تَعْدادِ النِّعَمِ. وذَكَرَ مادَّةَ خَلْقِهِ هاهُنا مِنَ العَلَقَةِ. وفي سائِرِ المَواضِعِ يَذْكُرُ ما هو سابِقٌ عَلَيْها. أمّا مادَّةُ الأصْلِ وهو التُّرابُ والطِّينُ أوِ الصَّلْصالُ الَّذِي كالفَخّارِ، أوْ مادَّةُ الفَرْعِ وهو الماءُ المَهِينُ، وذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أوَّلَ مَبادِئِ تَعَلُّقِ التَّخْلِيقِ وهو العَلَقَةُ؛ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَها نُطْفَةٌ فَأوَّلُ انْتِقالِها إنَّما هو إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ؛ إذْ بِهِ تَخْلُدُ العُلُومُ وتَثْبُتُ الحُقُوقُ وتُعْلَمُ الوَصايا وتُحْفَظُ الشَّهاداتُ ويُضْبَطُ حِسابُ المُعامَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ، وبِهِ تُقَيَّدُ أخْبارُ الماضِينَ لِلْباقِينَ اللّاحِقِينَ، ولَوْلا الكِتابَةُ لانْقَطَعَتْ أخْبارُ بَعْضِ الأزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ، ودَرَسَتِ السُّنَنُ وتَخَبَّطَتِ الأحْكامُ، ولَمْ يَعْرِفِ الخَلَفُ مَذاهِبَ السَّلَفِ، وكانَ مُعْظَمُ الخَلَلِ الدّاخِلِ عَلى النّاسِ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، إنَّما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُمَحْوِرُ صُوَرَ العِلْمِ مِن قُلُوبِهِمْ؛ فَجَعَلَ لَهُمُ الكِتابَ وِعاءً حافِظًا لِلْعِلْمِ مِنَ الضَّياعِ، كالأوْعِيَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْتِعَةَ مِنَ الذَّهابِ والبُطْلانِ؛ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْلِيمِ القَلَمِ بَعْدَ القُرْآنِ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، والتَّعْلِيمُ بِهِ -وإنْ كانَ مِمّا يَخْلُصُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِالفِطْنَةِ والحِيلَةِ- فَإنَّ الَّذِي بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ وأوْصَلَهُ إلَيْهِ عَطِيَّةٌ وهَبَها اللَّهُ مِنهُ، وفَضْلٌ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ وفَضْلِهِ. فَهو الَّذِي عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وإنْ كانَ هو المُتَعَلِّمَ فَفِعْلُهُ فِعْلٌ مُطاوِعٍ لِتَعْلِيمِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَإنَّهُ عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ كَما أنَّهُ عَلَّمَهُ الكَلامَ فَتَكَلَّمَ، هَذا ومَن أعْطاهُ الذِّهْنَ الَّذِي يَعِي بِهِ، واللِّسانَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بِهِ، والبَنانَ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ، ومَن هَيَّأ ذِهْنَهُ لِقَبُولِ هَذا التَّعَلُّمِ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، ومَنِ الَّذِي أنْطَقَ لِسانَهُ وحَرَّكَ بَنانَهُ، ومَنِ الَّذِي دَعَّمَ البَنانَ بِالكَفِّ، ودَعَّمَ الكَفَّ بِالسّاعِدِ؛ فَكَمْ لِلَّهِ مِن آيَةٍ نَحْنُ غافِلُونَ عَنْها في التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ؛ فَقِفْ وقْفَةً في حالِ (p-٦٢١٠)الكِتابَةِ وتَأمَّلْ حالَكَ وقَدْ أمْسَكْتَ القَلَمَ وهو جَمادٌ، ووَضَعْتَهُ عَلى القِرْطاسِ وهو جَمادٌ، فَتَوَلَّدَ مِن بَيْنِهِما أنْواعُ الحِكَمِ وأصْنافُ العُلُومِ وفُنُونُ المُراسَلاتِ والخُطَبِ والنَّظْمِ والنَّثْرِ، وجَواباتُ المَسائِلِ. فَمَنِ الَّذِي أجْرى فَلَكَ المَعانِي عَلى قَلْبِكَ، ورَسَمَها في ذِهْنِكَ، ثُمَّ أجْرى العِباراتِ الدّالَّةَ عَلَيْها عَلى لِسانِكَ، ثُمَّ حَرَّكَ بِها بَنانَكَ حَتّى صارَتْ نَقْشًا عَجِيبًا، مَعْناهُ أعْجَبُ مِن صُورَتِهِ، فَتَقْضِي بِهِ مَآرِبَكَ وتَبْلُغُ بِهِ حاجَةً في صَدْرِكَ، وتُرْسِلُهُ إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ والجِهاتِ المُتَباعِدَةِ، فَيَقُومُ مَقامَكَ، ويُتَرْجِمُ عَنْكَ، ويَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِكَ ويَقُومُ مَقامَ رَسُولِكَ، ويُجْدِي عَلَيْكَ ما لا يُجْدِي مَن تُرْسِلُهُ، سِوى مَن عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ؟ والتَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ: مَرْتَبَةَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ والوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الرَّسْمِيِّ، فَقَدْ دَلَّ التَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لِهَذِهِ المَراتِبِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: "خَلَقَ" عَلى أنَّهُ يُعْطِي الوُجُودَ العَيْنِيَّ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ -مَعَ اخْتِصارِها ووَجازَتِها وفَصاحَتِها- عَلى أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ بِأسْرِها مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وتَعْلِيمًا. وذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ها هُنا اسْمَ "الأكْرَمِ" الَّذِي هو فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ وكُلُّ كَمالٍ، فَلَهُ كُلُّ كَمالٍ وصْفًا، ومِنهُ كُلُّ خَيْرٍ فِعْلًا. فَهو "الأكْرَمُ" في ذاتِهِ وأوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهَذا الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأ مِن كَرَمِهِ وبِرِّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن حاجَةٍ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
الثّانِي: قالَ الإمامُ: لا يُوجَدُ بَيانٌ أبْرَعُ ولا دَلِيلٌ أقْطَعُ عَلى فَضْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِنِ افْتِتاحِ اللَّهِ كِتابَهُ وابْتِدائِهِ الوَحْيَ بِهَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ المُسْلِمُونَ بِهَذا الهُدى، ولَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّظَرُ فِيهِ إلى النُّهُوضِ إلى تَمْزِيقِ تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي حَجَبَتْ عَنْ أبْصارِهِمْ نُورَ العِلْمِ، وكَسْرِ تِلْكَ الأبْوابِ الَّتِي غَلَّقَها عَلَيْهِمْ رُؤَساؤُهم وحَبَسُوهم بِها في ظُلُماتٍ مِنَ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَسْتَرْشِدُوا بِفاتِحَةِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ولَمْ يَسْتَضِيئُوا بِهَذا الضِّياءِ السّاطِعِ، فَلا أرْشَدَهُمُ اللَّهُ أبَدًا.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] إشارَةٌ (p-٦٢١١)إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ عَلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
العلق 96:3
(p-٦٢٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
سُورَةُ العَلَقِ. وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وصَدْرُها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، كَما صَحَّتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ. وأمّا أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً فَهي الفاتِحَةُ. ويُرْوى في الأوائِلِ غَيْرُها، ولا مُنافاةَ. لِأنَّ الأوَّلِيَّةَ حَقِيقِيَّةٌ ونِسْبِيَّةٌ.
رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ في النَّوْمِ. فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ. فَكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي ذَواتَ العَدَدِ. ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ. فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ (اقْرَأْ) قالَ: ما أنا بِقارِئٍ. قالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]
فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ».
(p-٦٢٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيِ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى، أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ ﷺ مِنهُ تَعالى. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالاتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وقالَ الإمامُ: تَرى مِن سِياقِ الرِّوايَةِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ المُتَبادِرَ مِن مَعْنى الآيَةِ الأُولى: كُنْ قارِئًا بِاسْمِ اللَّهِ مِن قَبِيلِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا؛ ولِذَلِكَ كَرَّرَ القَوْلَ مِرارًا: ««ما أنا بِقارِئٍ»» . وبَعْدَ ذَلِكَ جاءَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَكُونَ قارِئًا وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٦٢٠٧)كاتِبًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ وإنْ كانَ لا يَكْتُبُهُ. ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّبَّ بِالَّذِي خَلَقَ، أيِ: الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، قادِرٌ أنْ يُوجِدَ فِيكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَكَ تَعَلُّمُها؛ لِأنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ. فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: كُنْ قارِئًا بِقُدْرَتِي وبِإرادَتِي. وإنَّما عَبَّرَ بِالِاسْمِ، لِأنَّهُ كَما سَبَقَ في (سُورَةِ سَبِّحْ)، دالٌّ عَلى ما تُعْرَفُ بِهِ الذّاتُ، وخَلْقُ القِراءَةِ يَلْفِتُكَ إلى الذّاتِ وصِفاتِها جَمِيعًا، لِأنَّ القِراءَةَ عِلْمٌ في نَفْسٍ حَيَّةٍ؛ فَهي تَخُطُّ بِبالِكَ مِنَ اللَّهِ وُجُودَهُ وعِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الأمْرَ عَلى التَّكْلِيفِ وقُلْنا: إنَّ المَعْنى أنَّكَ مَأْمُورٌ إذا قَرَأْتَ أنْ تَقْرَأ بِاسْمِ اللَّهِ -وهُوَ خِلافُ المُتَبادِرِ- فَيَكُونُ مَعْنى ذَلِكَ: إذا قَرَأْتَ فاقْرَأْ دائِمًا عَلى أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ عَمَلًا تُنَفِّذُهُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنَّهُ قَرَأ وجَعَلَ قِراءَتَهُ لِلَّهِ لا لِأحَدٍ سِواهُ ولَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ، فَهو قارِئٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وإنَّما طُلِبَتِ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسانِ لِتَكُونَ مُنَبِّهَةً لِلضَّمِيرِ في بِدايَةِ كُلِّ عَمَلٍ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ويُلاحَظُ أنَّهُ يَعْمَلُ لِاسْمِهِ لا لِاسْمِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] أيْ: دَمٍ جامِدٍ، وهي حالَةُ الجَنِينِ في الأيّامِ الأُولى لِخَلْقِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُها وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ. وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ وإنَّما قالَ: ﴿عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] دُونَ (عَلَقَةٍ) كَما في الآيَةِ الأُخْرى، لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ.
فَهُوَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فَلِذا جَمَعَ ما خَلَقَ مِنهُ لِيُطابِقَهُ. وخَصَّ العَلَقَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التّارّاتِ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ القَدْرِ، مِنَ المُضْغَةِ، مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِما تَقَدَّمَهُ، ومَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ إنْسانًا، وهو الحَيُّ النّاطِقُ الَّذِي يَسُودُ بِعِلْمِهِ عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ، ويُسَخِّرُها لِخِدْمَتِهِ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الإنْسانِ الكامِلِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ قارِئًا، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعَلُّمُ القِراءَةِ. وجاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها، لِيَزِيدَ المَعْنى تَأْكِيدًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لِمَن كَرَّرَ القَوْلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقارِئٍ: أيْقِنْ أنَّكَ قَدْ (p-٦٢٠٨)صِرْتَ قارِئًا بِإذْنِ رَبِّكَ الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ، وما القِراءَةُ إلّا واحِدَةٌ مِنها. والَّذِي أنْشَأ الإنْسانَ خَلْقًا كامِلًا مِن دَمٍ جامِدٍ لا شَكْلَ فِيهِ ولا صُورَةَ. وإنَّما القِراءَةُ صِفَةٌ عارِضَةٌ عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ الكامِلِ، فَهي أوْلى بِسُهُولَةِ الإيجادِ، ولَمّا كانَتِ القِراءَةُ مِنَ المَلَكاتِ الَّتِي لا تَكْسَبُها النَّفْسُ إلّا بِالتَّكْرارِ، والتَّعَوُّدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في النّاسِ، نابَ تَكْرارُ الأمْرِ الإلَهِيِّ عَنْ تَكْرارِ المَقْرُوءِ، في تَصْيِيرِها مَلَكَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلِهَذا كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] وجُمْلَةُ "ورَبُّكَ" إلَخِ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن كُلِّ مَن يُرْتَجى مِنهُ الإعْطاءُ، فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يَفِيضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، نِعْمَةَ القِراءَةِ مِن بَحْرِ كَرَمِهِ. ثُمَّ أرادَ أنْ يَزِيدَهُ اطْمِئْنانًا بِهَذِهِ المَوْهِبَةِ الجَدِيدَةِ، فَوَصَفَ مانِحَها بِأنَّهُ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أيْ: أفْهَمَ النّاسَ بِواسِطَةِ القَلَمِ كَما أفْهَمَهم بِواسِطَةِ اللِّسانِ. والقَلَمُ آلَةٌ جامِدَةٌ لا حَياةَ فِيها، ولا مِن شَأْنِها في ذاتِها الإفْهامُ؛ فالَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمادِ المَيِّتِ الصّامِتِ آلَةً لِلْفَهْمِ والبَيانِ، ألا يَجْعَلُ مِنكَ قارِئًا مُبَيِّنًا وتالِيًا مُعَلِّمًا وأنْتَ إنْسانٌ كامِلٌ؟ ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الشُّبْهَةَ مِن نَفْسِهِ، ويَبْعُدَ عَنْهُ اسْتِغْرابُ أنْ يَقْرَأ ولَمْ يَكُنْ قارِئًا، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] أيْ: أنَّ الَّذِي صَدَرَ أمْرُهُ بِأنْ تَكُونَ قارِئًا، وأوْجَدَ فِيكَ مَلَكَةَ القِراءَةَ والتِّلاوَةَ، وسَيُبَلِّغُكَ فِيها مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ سِواكَ، هو الَّذِي عَلَّمَ الإنْسانَ جَمِيعَ ما هو مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العِلْمِ، وكانَ في بَدْءِ خَلْقِهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِن هَذا المُعَلِّمِ الَّذِي ابْتَدَأ العِلْمَ لِلْإنْسانِ ولَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِالمَرَّةِ، أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وعِنْدَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلُومِ سِواها ونَفْسُكَ مُسْتَعِدَّةٌ بِها لِقَبُولِ غَيْرِها؟ انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ) في مَباحِثِ عَجائِبِ الإنْسانِ وما خَلَقَهُ مِنَ الحُكْمِ: ثُمَّ تَأمَّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ بِالبَيانَيْنِ: البَيانِ النُّطْقِيِّ والبَيانِ الخَطِّيِّ، وقَدِ اعْتَدَّ بِهِما سُبْحانَهُ في جُمْلَةِ ما اعْتَدَّ بِهِ مِن نِعْمَةٍ عَلى العَبْدِ، فَقالَ في أوَّلِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] (p-٦٢٠٩)﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ في هَذِهِ الكَلِماتِ مَراتِبَ الخَلْقِ كُلَّها، وكَيْفَ تَضَمَّنَتْ مَراتِبَ الوُجُوداتِ الأرْبَعَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأوْضَحِهِ وأحْسَنِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا عُمُومَ الخَلْقِ وهو إعْطاءُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا خُصُوصَ خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. والآيَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ، ومِن شُهُودِهِ عَمّا فِيهِ مَحْضُ تَعْدادِ النِّعَمِ. وذَكَرَ مادَّةَ خَلْقِهِ هاهُنا مِنَ العَلَقَةِ. وفي سائِرِ المَواضِعِ يَذْكُرُ ما هو سابِقٌ عَلَيْها. أمّا مادَّةُ الأصْلِ وهو التُّرابُ والطِّينُ أوِ الصَّلْصالُ الَّذِي كالفَخّارِ، أوْ مادَّةُ الفَرْعِ وهو الماءُ المَهِينُ، وذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أوَّلَ مَبادِئِ تَعَلُّقِ التَّخْلِيقِ وهو العَلَقَةُ؛ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَها نُطْفَةٌ فَأوَّلُ انْتِقالِها إنَّما هو إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ؛ إذْ بِهِ تَخْلُدُ العُلُومُ وتَثْبُتُ الحُقُوقُ وتُعْلَمُ الوَصايا وتُحْفَظُ الشَّهاداتُ ويُضْبَطُ حِسابُ المُعامَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ، وبِهِ تُقَيَّدُ أخْبارُ الماضِينَ لِلْباقِينَ اللّاحِقِينَ، ولَوْلا الكِتابَةُ لانْقَطَعَتْ أخْبارُ بَعْضِ الأزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ، ودَرَسَتِ السُّنَنُ وتَخَبَّطَتِ الأحْكامُ، ولَمْ يَعْرِفِ الخَلَفُ مَذاهِبَ السَّلَفِ، وكانَ مُعْظَمُ الخَلَلِ الدّاخِلِ عَلى النّاسِ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، إنَّما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُمَحْوِرُ صُوَرَ العِلْمِ مِن قُلُوبِهِمْ؛ فَجَعَلَ لَهُمُ الكِتابَ وِعاءً حافِظًا لِلْعِلْمِ مِنَ الضَّياعِ، كالأوْعِيَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْتِعَةَ مِنَ الذَّهابِ والبُطْلانِ؛ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْلِيمِ القَلَمِ بَعْدَ القُرْآنِ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، والتَّعْلِيمُ بِهِ -وإنْ كانَ مِمّا يَخْلُصُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِالفِطْنَةِ والحِيلَةِ- فَإنَّ الَّذِي بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ وأوْصَلَهُ إلَيْهِ عَطِيَّةٌ وهَبَها اللَّهُ مِنهُ، وفَضْلٌ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ وفَضْلِهِ. فَهو الَّذِي عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وإنْ كانَ هو المُتَعَلِّمَ فَفِعْلُهُ فِعْلٌ مُطاوِعٍ لِتَعْلِيمِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَإنَّهُ عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ كَما أنَّهُ عَلَّمَهُ الكَلامَ فَتَكَلَّمَ، هَذا ومَن أعْطاهُ الذِّهْنَ الَّذِي يَعِي بِهِ، واللِّسانَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بِهِ، والبَنانَ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ، ومَن هَيَّأ ذِهْنَهُ لِقَبُولِ هَذا التَّعَلُّمِ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، ومَنِ الَّذِي أنْطَقَ لِسانَهُ وحَرَّكَ بَنانَهُ، ومَنِ الَّذِي دَعَّمَ البَنانَ بِالكَفِّ، ودَعَّمَ الكَفَّ بِالسّاعِدِ؛ فَكَمْ لِلَّهِ مِن آيَةٍ نَحْنُ غافِلُونَ عَنْها في التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ؛ فَقِفْ وقْفَةً في حالِ (p-٦٢١٠)الكِتابَةِ وتَأمَّلْ حالَكَ وقَدْ أمْسَكْتَ القَلَمَ وهو جَمادٌ، ووَضَعْتَهُ عَلى القِرْطاسِ وهو جَمادٌ، فَتَوَلَّدَ مِن بَيْنِهِما أنْواعُ الحِكَمِ وأصْنافُ العُلُومِ وفُنُونُ المُراسَلاتِ والخُطَبِ والنَّظْمِ والنَّثْرِ، وجَواباتُ المَسائِلِ. فَمَنِ الَّذِي أجْرى فَلَكَ المَعانِي عَلى قَلْبِكَ، ورَسَمَها في ذِهْنِكَ، ثُمَّ أجْرى العِباراتِ الدّالَّةَ عَلَيْها عَلى لِسانِكَ، ثُمَّ حَرَّكَ بِها بَنانَكَ حَتّى صارَتْ نَقْشًا عَجِيبًا، مَعْناهُ أعْجَبُ مِن صُورَتِهِ، فَتَقْضِي بِهِ مَآرِبَكَ وتَبْلُغُ بِهِ حاجَةً في صَدْرِكَ، وتُرْسِلُهُ إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ والجِهاتِ المُتَباعِدَةِ، فَيَقُومُ مَقامَكَ، ويُتَرْجِمُ عَنْكَ، ويَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِكَ ويَقُومُ مَقامَ رَسُولِكَ، ويُجْدِي عَلَيْكَ ما لا يُجْدِي مَن تُرْسِلُهُ، سِوى مَن عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ؟ والتَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ: مَرْتَبَةَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ والوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الرَّسْمِيِّ، فَقَدْ دَلَّ التَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لِهَذِهِ المَراتِبِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: "خَلَقَ" عَلى أنَّهُ يُعْطِي الوُجُودَ العَيْنِيَّ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ -مَعَ اخْتِصارِها ووَجازَتِها وفَصاحَتِها- عَلى أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ بِأسْرِها مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وتَعْلِيمًا. وذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ها هُنا اسْمَ "الأكْرَمِ" الَّذِي هو فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ وكُلُّ كَمالٍ، فَلَهُ كُلُّ كَمالٍ وصْفًا، ومِنهُ كُلُّ خَيْرٍ فِعْلًا. فَهو "الأكْرَمُ" في ذاتِهِ وأوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهَذا الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأ مِن كَرَمِهِ وبِرِّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن حاجَةٍ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
الثّانِي: قالَ الإمامُ: لا يُوجَدُ بَيانٌ أبْرَعُ ولا دَلِيلٌ أقْطَعُ عَلى فَضْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِنِ افْتِتاحِ اللَّهِ كِتابَهُ وابْتِدائِهِ الوَحْيَ بِهَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ المُسْلِمُونَ بِهَذا الهُدى، ولَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّظَرُ فِيهِ إلى النُّهُوضِ إلى تَمْزِيقِ تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي حَجَبَتْ عَنْ أبْصارِهِمْ نُورَ العِلْمِ، وكَسْرِ تِلْكَ الأبْوابِ الَّتِي غَلَّقَها عَلَيْهِمْ رُؤَساؤُهم وحَبَسُوهم بِها في ظُلُماتٍ مِنَ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَسْتَرْشِدُوا بِفاتِحَةِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ولَمْ يَسْتَضِيئُوا بِهَذا الضِّياءِ السّاطِعِ، فَلا أرْشَدَهُمُ اللَّهُ أبَدًا.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] إشارَةٌ (p-٦٢١١)إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ عَلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
العلق 96:4
(p-٦٢٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
سُورَةُ العَلَقِ. وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وصَدْرُها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، كَما صَحَّتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ. وأمّا أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً فَهي الفاتِحَةُ. ويُرْوى في الأوائِلِ غَيْرُها، ولا مُنافاةَ. لِأنَّ الأوَّلِيَّةَ حَقِيقِيَّةٌ ونِسْبِيَّةٌ.
رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ في النَّوْمِ. فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ. فَكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي ذَواتَ العَدَدِ. ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ. فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ (اقْرَأْ) قالَ: ما أنا بِقارِئٍ. قالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]
فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ».
(p-٦٢٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيِ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى، أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ ﷺ مِنهُ تَعالى. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالاتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وقالَ الإمامُ: تَرى مِن سِياقِ الرِّوايَةِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ المُتَبادِرَ مِن مَعْنى الآيَةِ الأُولى: كُنْ قارِئًا بِاسْمِ اللَّهِ مِن قَبِيلِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا؛ ولِذَلِكَ كَرَّرَ القَوْلَ مِرارًا: ««ما أنا بِقارِئٍ»» . وبَعْدَ ذَلِكَ جاءَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَكُونَ قارِئًا وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٦٢٠٧)كاتِبًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ وإنْ كانَ لا يَكْتُبُهُ. ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّبَّ بِالَّذِي خَلَقَ، أيِ: الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، قادِرٌ أنْ يُوجِدَ فِيكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَكَ تَعَلُّمُها؛ لِأنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ. فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: كُنْ قارِئًا بِقُدْرَتِي وبِإرادَتِي. وإنَّما عَبَّرَ بِالِاسْمِ، لِأنَّهُ كَما سَبَقَ في (سُورَةِ سَبِّحْ)، دالٌّ عَلى ما تُعْرَفُ بِهِ الذّاتُ، وخَلْقُ القِراءَةِ يَلْفِتُكَ إلى الذّاتِ وصِفاتِها جَمِيعًا، لِأنَّ القِراءَةَ عِلْمٌ في نَفْسٍ حَيَّةٍ؛ فَهي تَخُطُّ بِبالِكَ مِنَ اللَّهِ وُجُودَهُ وعِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الأمْرَ عَلى التَّكْلِيفِ وقُلْنا: إنَّ المَعْنى أنَّكَ مَأْمُورٌ إذا قَرَأْتَ أنْ تَقْرَأ بِاسْمِ اللَّهِ -وهُوَ خِلافُ المُتَبادِرِ- فَيَكُونُ مَعْنى ذَلِكَ: إذا قَرَأْتَ فاقْرَأْ دائِمًا عَلى أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ عَمَلًا تُنَفِّذُهُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنَّهُ قَرَأ وجَعَلَ قِراءَتَهُ لِلَّهِ لا لِأحَدٍ سِواهُ ولَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ، فَهو قارِئٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وإنَّما طُلِبَتِ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسانِ لِتَكُونَ مُنَبِّهَةً لِلضَّمِيرِ في بِدايَةِ كُلِّ عَمَلٍ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ويُلاحَظُ أنَّهُ يَعْمَلُ لِاسْمِهِ لا لِاسْمِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] أيْ: دَمٍ جامِدٍ، وهي حالَةُ الجَنِينِ في الأيّامِ الأُولى لِخَلْقِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُها وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ. وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ وإنَّما قالَ: ﴿عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] دُونَ (عَلَقَةٍ) كَما في الآيَةِ الأُخْرى، لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ.
فَهُوَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فَلِذا جَمَعَ ما خَلَقَ مِنهُ لِيُطابِقَهُ. وخَصَّ العَلَقَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التّارّاتِ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ القَدْرِ، مِنَ المُضْغَةِ، مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِما تَقَدَّمَهُ، ومَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ إنْسانًا، وهو الحَيُّ النّاطِقُ الَّذِي يَسُودُ بِعِلْمِهِ عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ، ويُسَخِّرُها لِخِدْمَتِهِ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الإنْسانِ الكامِلِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ قارِئًا، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعَلُّمُ القِراءَةِ. وجاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها، لِيَزِيدَ المَعْنى تَأْكِيدًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لِمَن كَرَّرَ القَوْلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقارِئٍ: أيْقِنْ أنَّكَ قَدْ (p-٦٢٠٨)صِرْتَ قارِئًا بِإذْنِ رَبِّكَ الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ، وما القِراءَةُ إلّا واحِدَةٌ مِنها. والَّذِي أنْشَأ الإنْسانَ خَلْقًا كامِلًا مِن دَمٍ جامِدٍ لا شَكْلَ فِيهِ ولا صُورَةَ. وإنَّما القِراءَةُ صِفَةٌ عارِضَةٌ عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ الكامِلِ، فَهي أوْلى بِسُهُولَةِ الإيجادِ، ولَمّا كانَتِ القِراءَةُ مِنَ المَلَكاتِ الَّتِي لا تَكْسَبُها النَّفْسُ إلّا بِالتَّكْرارِ، والتَّعَوُّدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في النّاسِ، نابَ تَكْرارُ الأمْرِ الإلَهِيِّ عَنْ تَكْرارِ المَقْرُوءِ، في تَصْيِيرِها مَلَكَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلِهَذا كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] وجُمْلَةُ "ورَبُّكَ" إلَخِ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن كُلِّ مَن يُرْتَجى مِنهُ الإعْطاءُ، فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يَفِيضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، نِعْمَةَ القِراءَةِ مِن بَحْرِ كَرَمِهِ. ثُمَّ أرادَ أنْ يَزِيدَهُ اطْمِئْنانًا بِهَذِهِ المَوْهِبَةِ الجَدِيدَةِ، فَوَصَفَ مانِحَها بِأنَّهُ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أيْ: أفْهَمَ النّاسَ بِواسِطَةِ القَلَمِ كَما أفْهَمَهم بِواسِطَةِ اللِّسانِ. والقَلَمُ آلَةٌ جامِدَةٌ لا حَياةَ فِيها، ولا مِن شَأْنِها في ذاتِها الإفْهامُ؛ فالَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمادِ المَيِّتِ الصّامِتِ آلَةً لِلْفَهْمِ والبَيانِ، ألا يَجْعَلُ مِنكَ قارِئًا مُبَيِّنًا وتالِيًا مُعَلِّمًا وأنْتَ إنْسانٌ كامِلٌ؟ ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الشُّبْهَةَ مِن نَفْسِهِ، ويَبْعُدَ عَنْهُ اسْتِغْرابُ أنْ يَقْرَأ ولَمْ يَكُنْ قارِئًا، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] أيْ: أنَّ الَّذِي صَدَرَ أمْرُهُ بِأنْ تَكُونَ قارِئًا، وأوْجَدَ فِيكَ مَلَكَةَ القِراءَةَ والتِّلاوَةَ، وسَيُبَلِّغُكَ فِيها مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ سِواكَ، هو الَّذِي عَلَّمَ الإنْسانَ جَمِيعَ ما هو مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العِلْمِ، وكانَ في بَدْءِ خَلْقِهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِن هَذا المُعَلِّمِ الَّذِي ابْتَدَأ العِلْمَ لِلْإنْسانِ ولَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِالمَرَّةِ، أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وعِنْدَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلُومِ سِواها ونَفْسُكَ مُسْتَعِدَّةٌ بِها لِقَبُولِ غَيْرِها؟ انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ) في مَباحِثِ عَجائِبِ الإنْسانِ وما خَلَقَهُ مِنَ الحُكْمِ: ثُمَّ تَأمَّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ بِالبَيانَيْنِ: البَيانِ النُّطْقِيِّ والبَيانِ الخَطِّيِّ، وقَدِ اعْتَدَّ بِهِما سُبْحانَهُ في جُمْلَةِ ما اعْتَدَّ بِهِ مِن نِعْمَةٍ عَلى العَبْدِ، فَقالَ في أوَّلِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] (p-٦٢٠٩)﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ في هَذِهِ الكَلِماتِ مَراتِبَ الخَلْقِ كُلَّها، وكَيْفَ تَضَمَّنَتْ مَراتِبَ الوُجُوداتِ الأرْبَعَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأوْضَحِهِ وأحْسَنِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا عُمُومَ الخَلْقِ وهو إعْطاءُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا خُصُوصَ خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. والآيَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ، ومِن شُهُودِهِ عَمّا فِيهِ مَحْضُ تَعْدادِ النِّعَمِ. وذَكَرَ مادَّةَ خَلْقِهِ هاهُنا مِنَ العَلَقَةِ. وفي سائِرِ المَواضِعِ يَذْكُرُ ما هو سابِقٌ عَلَيْها. أمّا مادَّةُ الأصْلِ وهو التُّرابُ والطِّينُ أوِ الصَّلْصالُ الَّذِي كالفَخّارِ، أوْ مادَّةُ الفَرْعِ وهو الماءُ المَهِينُ، وذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أوَّلَ مَبادِئِ تَعَلُّقِ التَّخْلِيقِ وهو العَلَقَةُ؛ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَها نُطْفَةٌ فَأوَّلُ انْتِقالِها إنَّما هو إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ؛ إذْ بِهِ تَخْلُدُ العُلُومُ وتَثْبُتُ الحُقُوقُ وتُعْلَمُ الوَصايا وتُحْفَظُ الشَّهاداتُ ويُضْبَطُ حِسابُ المُعامَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ، وبِهِ تُقَيَّدُ أخْبارُ الماضِينَ لِلْباقِينَ اللّاحِقِينَ، ولَوْلا الكِتابَةُ لانْقَطَعَتْ أخْبارُ بَعْضِ الأزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ، ودَرَسَتِ السُّنَنُ وتَخَبَّطَتِ الأحْكامُ، ولَمْ يَعْرِفِ الخَلَفُ مَذاهِبَ السَّلَفِ، وكانَ مُعْظَمُ الخَلَلِ الدّاخِلِ عَلى النّاسِ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، إنَّما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُمَحْوِرُ صُوَرَ العِلْمِ مِن قُلُوبِهِمْ؛ فَجَعَلَ لَهُمُ الكِتابَ وِعاءً حافِظًا لِلْعِلْمِ مِنَ الضَّياعِ، كالأوْعِيَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْتِعَةَ مِنَ الذَّهابِ والبُطْلانِ؛ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْلِيمِ القَلَمِ بَعْدَ القُرْآنِ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، والتَّعْلِيمُ بِهِ -وإنْ كانَ مِمّا يَخْلُصُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِالفِطْنَةِ والحِيلَةِ- فَإنَّ الَّذِي بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ وأوْصَلَهُ إلَيْهِ عَطِيَّةٌ وهَبَها اللَّهُ مِنهُ، وفَضْلٌ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ وفَضْلِهِ. فَهو الَّذِي عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وإنْ كانَ هو المُتَعَلِّمَ فَفِعْلُهُ فِعْلٌ مُطاوِعٍ لِتَعْلِيمِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَإنَّهُ عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ كَما أنَّهُ عَلَّمَهُ الكَلامَ فَتَكَلَّمَ، هَذا ومَن أعْطاهُ الذِّهْنَ الَّذِي يَعِي بِهِ، واللِّسانَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بِهِ، والبَنانَ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ، ومَن هَيَّأ ذِهْنَهُ لِقَبُولِ هَذا التَّعَلُّمِ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، ومَنِ الَّذِي أنْطَقَ لِسانَهُ وحَرَّكَ بَنانَهُ، ومَنِ الَّذِي دَعَّمَ البَنانَ بِالكَفِّ، ودَعَّمَ الكَفَّ بِالسّاعِدِ؛ فَكَمْ لِلَّهِ مِن آيَةٍ نَحْنُ غافِلُونَ عَنْها في التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ؛ فَقِفْ وقْفَةً في حالِ (p-٦٢١٠)الكِتابَةِ وتَأمَّلْ حالَكَ وقَدْ أمْسَكْتَ القَلَمَ وهو جَمادٌ، ووَضَعْتَهُ عَلى القِرْطاسِ وهو جَمادٌ، فَتَوَلَّدَ مِن بَيْنِهِما أنْواعُ الحِكَمِ وأصْنافُ العُلُومِ وفُنُونُ المُراسَلاتِ والخُطَبِ والنَّظْمِ والنَّثْرِ، وجَواباتُ المَسائِلِ. فَمَنِ الَّذِي أجْرى فَلَكَ المَعانِي عَلى قَلْبِكَ، ورَسَمَها في ذِهْنِكَ، ثُمَّ أجْرى العِباراتِ الدّالَّةَ عَلَيْها عَلى لِسانِكَ، ثُمَّ حَرَّكَ بِها بَنانَكَ حَتّى صارَتْ نَقْشًا عَجِيبًا، مَعْناهُ أعْجَبُ مِن صُورَتِهِ، فَتَقْضِي بِهِ مَآرِبَكَ وتَبْلُغُ بِهِ حاجَةً في صَدْرِكَ، وتُرْسِلُهُ إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ والجِهاتِ المُتَباعِدَةِ، فَيَقُومُ مَقامَكَ، ويُتَرْجِمُ عَنْكَ، ويَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِكَ ويَقُومُ مَقامَ رَسُولِكَ، ويُجْدِي عَلَيْكَ ما لا يُجْدِي مَن تُرْسِلُهُ، سِوى مَن عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ؟ والتَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ: مَرْتَبَةَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ والوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الرَّسْمِيِّ، فَقَدْ دَلَّ التَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لِهَذِهِ المَراتِبِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: "خَلَقَ" عَلى أنَّهُ يُعْطِي الوُجُودَ العَيْنِيَّ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ -مَعَ اخْتِصارِها ووَجازَتِها وفَصاحَتِها- عَلى أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ بِأسْرِها مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وتَعْلِيمًا. وذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ها هُنا اسْمَ "الأكْرَمِ" الَّذِي هو فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ وكُلُّ كَمالٍ، فَلَهُ كُلُّ كَمالٍ وصْفًا، ومِنهُ كُلُّ خَيْرٍ فِعْلًا. فَهو "الأكْرَمُ" في ذاتِهِ وأوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهَذا الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأ مِن كَرَمِهِ وبِرِّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن حاجَةٍ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
الثّانِي: قالَ الإمامُ: لا يُوجَدُ بَيانٌ أبْرَعُ ولا دَلِيلٌ أقْطَعُ عَلى فَضْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِنِ افْتِتاحِ اللَّهِ كِتابَهُ وابْتِدائِهِ الوَحْيَ بِهَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ المُسْلِمُونَ بِهَذا الهُدى، ولَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّظَرُ فِيهِ إلى النُّهُوضِ إلى تَمْزِيقِ تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي حَجَبَتْ عَنْ أبْصارِهِمْ نُورَ العِلْمِ، وكَسْرِ تِلْكَ الأبْوابِ الَّتِي غَلَّقَها عَلَيْهِمْ رُؤَساؤُهم وحَبَسُوهم بِها في ظُلُماتٍ مِنَ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَسْتَرْشِدُوا بِفاتِحَةِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ولَمْ يَسْتَضِيئُوا بِهَذا الضِّياءِ السّاطِعِ، فَلا أرْشَدَهُمُ اللَّهُ أبَدًا.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] إشارَةٌ (p-٦٢١١)إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ عَلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
العلق 96:5
(p-٦٢٠٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
سُورَةُ العَلَقِ. وهي مَكِّيَّةٌ بِالإجْماعِ. وصَدْرُها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ، كَما صَحَّتْ بِذَلِكَ الأخْبارُ. وأمّا أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً فَهي الفاتِحَةُ. ويُرْوى في الأوائِلِ غَيْرُها، ولا مُنافاةَ. لِأنَّ الأوَّلِيَّةَ حَقِيقِيَّةٌ ونِسْبِيَّةٌ.
رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصّالِحَةُ في النَّوْمِ. فَكانَ لا يَرى رُؤْيا إلّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ. فَكانَ يَخْلُو بِغارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِي ذَواتَ العَدَدِ. ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ. ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِها، حَتّى جاءَهُ الحَقُّ وهو في غارِ حِراءَ. فَجاءَهُ المَلَكُ فَقالَ (اقْرَأْ) قالَ: ما أنا بِقارِئٍ. قالَ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّانِيَةَ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ (اقْرَأْ) فَقُلْتُ: ما أنا بِقارِئٍ. فَأخَذَنِي فَغَطَّنِي الثّالِثَةَ ثُمَّ أرْسَلَنِي فَقالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣]
فَرَجَعَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ».
(p-٦٢٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ أيِ: اقْرَأْ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ مُلْتَبِسًا بِاسْمِهِ تَعالى، أيْ: مُبْتَدِئًا بِهِ لِتَتَحَقَّقَ مُقارَنَتُهُ لِجَمِيعِ أجْزاءِ المَقْرُوءِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ، والتَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ اللّائِقِ شَيْئًا فَشَيْئًا مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْإشْعارِ بِتَبْلِيغِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ، بِإنْزالِ الوَحْيِ المُتَواتِرِ.
ووَصْفُ الرَّبِّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ لِتَذْكِيرِ أوَّلِ النَّعْماءِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ ﷺ مِنهُ تَعالى. والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِ الإنْسانِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ، وما يَتْبَعُها مِنَ الكَمالاتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ، مِن مادَّةٍ لَمْ تَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ فَضْلًا عَنْ سائِرِ الكَمالاتِ، قادِرٌ عَلى تَعْلِيمِ القِراءَةِ لِلْحَيِّ العالِمِ المُتَكَلِّمِ، أيِ: الَّذِي أنْشَأ الخَلْقَ واسْتَأْثَرَ بِهِ أوْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ.
وقالَ الإمامُ: تَرى مِن سِياقِ الرِّوايَةِ الَّتِي قَدَّمْناها أنَّ المُتَبادِرَ مِن مَعْنى الآيَةِ الأُولى: كُنْ قارِئًا بِاسْمِ اللَّهِ مِن قَبِيلِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ. فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ قارِئًا ولا كاتِبًا؛ ولِذَلِكَ كَرَّرَ القَوْلَ مِرارًا: ««ما أنا بِقارِئٍ»» . وبَعْدَ ذَلِكَ جاءَ الأمْرُ الإلَهِيُّ بِأنْ يَكُونَ قارِئًا وإنْ لَمْ يَكُنْ (p-٦٢٠٧)كاتِبًا، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابٌ يَقْرَؤُهُ وإنْ كانَ لا يَكْتُبُهُ. ولِذَلِكَ وصَفَ الرَّبَّ بِالَّذِي خَلَقَ، أيِ: الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ، قادِرٌ أنْ يُوجِدَ فِيكَ القِراءَةَ وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَكَ تَعَلُّمُها؛ لِأنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي ما الكِتابُ. فَكَأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: كُنْ قارِئًا بِقُدْرَتِي وبِإرادَتِي. وإنَّما عَبَّرَ بِالِاسْمِ، لِأنَّهُ كَما سَبَقَ في (سُورَةِ سَبِّحْ)، دالٌّ عَلى ما تُعْرَفُ بِهِ الذّاتُ، وخَلْقُ القِراءَةِ يَلْفِتُكَ إلى الذّاتِ وصِفاتِها جَمِيعًا، لِأنَّ القِراءَةَ عِلْمٌ في نَفْسٍ حَيَّةٍ؛ فَهي تَخُطُّ بِبالِكَ مِنَ اللَّهِ وُجُودَهُ وعِلْمَهُ وقُدْرَتَهُ وإرادَتَهُ.
أمّا إذا حَمَلْنا الأمْرَ عَلى التَّكْلِيفِ وقُلْنا: إنَّ المَعْنى أنَّكَ مَأْمُورٌ إذا قَرَأْتَ أنْ تَقْرَأ بِاسْمِ اللَّهِ -وهُوَ خِلافُ المُتَبادِرِ- فَيَكُونُ مَعْنى ذَلِكَ: إذا قَرَأْتَ فاقْرَأْ دائِمًا عَلى أنْ تَكُونَ قِراءَتُكَ عَمَلًا تُنَفِّذُهُ لِلَّهِ لا لِغَيْرِهِ، فَلَوْ فُرِضَ أنَّهُ قَرَأ وجَعَلَ قِراءَتَهُ لِلَّهِ لا لِأحَدٍ سِواهُ ولَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ، فَهو قارِئٌ بِاسْمِ اللَّهِ، وإنَّما طُلِبَتِ التَّسْمِيَةُ بِاللِّسانِ لِتَكُونَ مُنَبِّهَةً لِلضَّمِيرِ في بِدايَةِ كُلِّ عَمَلٍ، إلى أنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ في ذَلِكَ العَمَلِ. ويُلاحَظُ أنَّهُ يَعْمَلُ لِاسْمِهِ لا لِاسْمِ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ. انْتَهى. وهو جَيِّدٌ.
﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] أيْ: دَمٍ جامِدٍ، وهي حالَةُ الجَنِينِ في الأيّامِ الأُولى لِخَلْقِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِ الإنْسانِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ، لِاسْتِقْلالِهِ بِبَدائِعِ الصُّنْعِ والتَّدْبِيرِ وتَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ إذْ هو أشْرَفُها وإلَيْهِ التَّنْزِيلُ. وهو المَأْمُورُ بِالقِراءَةِ وإنَّما قالَ: ﴿عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] دُونَ (عَلَقَةٍ) كَما في الآيَةِ الأُخْرى، لِرِعايَةِ الفَواصِلِ، ولِأنَّ الإنْسانَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ.
فَهُوَ في مَعْنى الجَمْعِ؛ فَلِذا جَمَعَ ما خَلَقَ مِنهُ لِيُطابِقَهُ. وخَصَّ العَلَقَ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ التّارّاتِ، لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَمالِ القَدْرِ، مِنَ المُضْغَةِ، مَعَ اسْتِلْزامِهِ لِما تَقَدَّمَهُ، ومَعَ رِعايَةِ الفَواصِلِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن كانَ قادِرًا عَلى أنْ يَخْلُقَ مِنَ الدَّمِ الجامِدِ إنْسانًا، وهو الحَيُّ النّاطِقُ الَّذِي يَسُودُ بِعِلْمِهِ عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ، ويُسَخِّرُها لِخِدْمَتِهِ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ مِنَ الإنْسانِ الكامِلِ مِثْلَ النَّبِيِّ ﷺ قارِئًا، وإنْ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ تَعَلُّمُ القِراءَةِ. وجاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها، لِيَزِيدَ المَعْنى تَأْكِيدًا، كَأنَّهُ يَقُولُ لِمَن كَرَّرَ القَوْلَ أنَّهُ لَيْسَ بِقارِئٍ: أيْقِنْ أنَّكَ قَدْ (p-٦٢٠٨)صِرْتَ قارِئًا بِإذْنِ رَبِّكَ الَّذِي أوْجَدَ الكائِناتِ، وما القِراءَةُ إلّا واحِدَةٌ مِنها. والَّذِي أنْشَأ الإنْسانَ خَلْقًا كامِلًا مِن دَمٍ جامِدٍ لا شَكْلَ فِيهِ ولا صُورَةَ. وإنَّما القِراءَةُ صِفَةٌ عارِضَةٌ عَلى ذَلِكَ الإنْسانِ الكامِلِ، فَهي أوْلى بِسُهُولَةِ الإيجادِ، ولَمّا كانَتِ القِراءَةُ مِنَ المَلَكاتِ الَّتِي لا تَكْسَبُها النَّفْسُ إلّا بِالتَّكْرارِ، والتَّعَوُّدِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في النّاسِ، نابَ تَكْرارُ الأمْرِ الإلَهِيِّ عَنْ تَكْرارِ المَقْرُوءِ، في تَصْيِيرِها مَلَكَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ فَلِهَذا كَرَّرَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] وجُمْلَةُ "ورَبُّكَ" إلَخِ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن كُلِّ مَن يُرْتَجى مِنهُ الإعْطاءُ، فَيَسِيرٌ عَلَيْهِ أنْ يَفِيضَ عَلَيْكَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، نِعْمَةَ القِراءَةِ مِن بَحْرِ كَرَمِهِ. ثُمَّ أرادَ أنْ يَزِيدَهُ اطْمِئْنانًا بِهَذِهِ المَوْهِبَةِ الجَدِيدَةِ، فَوَصَفَ مانِحَها بِأنَّهُ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] أيْ: أفْهَمَ النّاسَ بِواسِطَةِ القَلَمِ كَما أفْهَمَهم بِواسِطَةِ اللِّسانِ. والقَلَمُ آلَةٌ جامِدَةٌ لا حَياةَ فِيها، ولا مِن شَأْنِها في ذاتِها الإفْهامُ؛ فالَّذِي جَعَلَ مِنَ الجَمادِ المَيِّتِ الصّامِتِ آلَةً لِلْفَهْمِ والبَيانِ، ألا يَجْعَلُ مِنكَ قارِئًا مُبَيِّنًا وتالِيًا مُعَلِّمًا وأنْتَ إنْسانٌ كامِلٌ؟ ثُمَّ أرادَ أنْ يَقْطَعَ الشُّبْهَةَ مِن نَفْسِهِ، ويَبْعُدَ عَنْهُ اسْتِغْرابُ أنْ يَقْرَأ ولَمْ يَكُنْ قارِئًا، فَقالَ: ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] أيْ: أنَّ الَّذِي صَدَرَ أمْرُهُ بِأنْ تَكُونَ قارِئًا، وأوْجَدَ فِيكَ مَلَكَةَ القِراءَةَ والتِّلاوَةَ، وسَيُبَلِّغُكَ فِيها مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ سِواكَ، هو الَّذِي عَلَّمَ الإنْسانَ جَمِيعَ ما هو مُتَمَتِّعٌ بِهِ مِنَ العِلْمِ، وكانَ في بَدْءِ خَلْقِهِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَهَلْ يُسْتَغْرَبُ مِن هَذا المُعَلِّمِ الَّذِي ابْتَدَأ العِلْمَ لِلْإنْسانِ ولَمْ يَكُنْ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ بِالمَرَّةِ، أنْ يُعَلِّمَكَ القِراءَةَ وعِنْدَكَ كَثِيرٌ مِنَ العُلُومِ سِواها ونَفْسُكَ مُسْتَعِدَّةٌ بِها لِقَبُولِ غَيْرِها؟ انْتَهى.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قالَ الإمامُ ابْنُ القَيِّمِ في (مِفْتاحِ دارِ السَّعادَةِ) في مَباحِثِ عَجائِبِ الإنْسانِ وما خَلَقَهُ مِنَ الحُكْمِ: ثُمَّ تَأمَّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلى الإنْسانِ بِالبَيانَيْنِ: البَيانِ النُّطْقِيِّ والبَيانِ الخَطِّيِّ، وقَدِ اعْتَدَّ بِهِما سُبْحانَهُ في جُمْلَةِ ما اعْتَدَّ بِهِ مِن نِعْمَةٍ عَلى العَبْدِ، فَقالَ في أوَّلِ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] (p-٦٢٠٩)﴿اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ﴾ [العلق: ٣] ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] ﴿عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] فَتَأمَّلْ كَيْفَ جَمَعَ في هَذِهِ الكَلِماتِ مَراتِبَ الخَلْقِ كُلَّها، وكَيْفَ تَضَمَّنَتْ مَراتِبَ الوُجُوداتِ الأرْبَعَةِ بِأوْجَزِ لَفْظٍ وأوْضَحِهِ وأحْسَنِهِ، فَذَكَرَ أوَّلًا عُمُومَ الخَلْقِ وهو إعْطاءُ الوُجُودِ الخارِجِيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ ثانِيًا خُصُوصَ خَلْقِ الإنْسانِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ. والآيَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ، ومِن شُهُودِهِ عَمّا فِيهِ مَحْضُ تَعْدادِ النِّعَمِ. وذَكَرَ مادَّةَ خَلْقِهِ هاهُنا مِنَ العَلَقَةِ. وفي سائِرِ المَواضِعِ يَذْكُرُ ما هو سابِقٌ عَلَيْها. أمّا مادَّةُ الأصْلِ وهو التُّرابُ والطِّينُ أوِ الصَّلْصالُ الَّذِي كالفَخّارِ، أوْ مادَّةُ الفَرْعِ وهو الماءُ المَهِينُ، وذَكَرَ في هَذا المَوْضِعِ أوَّلَ مَبادِئِ تَعَلُّقِ التَّخْلِيقِ وهو العَلَقَةُ؛ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَها نُطْفَةٌ فَأوَّلُ انْتِقالِها إنَّما هو إلى العَلَقَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ ثالِثًا التَّعْلِيمَ بِالقَلَمِ الَّذِي هو مِن أعْظَمِ نِعَمِهِ عَلى عِبادِهِ؛ إذْ بِهِ تَخْلُدُ العُلُومُ وتَثْبُتُ الحُقُوقُ وتُعْلَمُ الوَصايا وتُحْفَظُ الشَّهاداتُ ويُضْبَطُ حِسابُ المُعامَلاتِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ، وبِهِ تُقَيَّدُ أخْبارُ الماضِينَ لِلْباقِينَ اللّاحِقِينَ، ولَوْلا الكِتابَةُ لانْقَطَعَتْ أخْبارُ بَعْضِ الأزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ، ودَرَسَتِ السُّنَنُ وتَخَبَّطَتِ الأحْكامُ، ولَمْ يَعْرِفِ الخَلَفُ مَذاهِبَ السَّلَفِ، وكانَ مُعْظَمُ الخَلَلِ الدّاخِلِ عَلى النّاسِ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، إنَّما يَعْتَرِيهِمْ مِنَ النِّسْيانِ الَّذِي يُمَحْوِرُ صُوَرَ العِلْمِ مِن قُلُوبِهِمْ؛ فَجَعَلَ لَهُمُ الكِتابَ وِعاءً حافِظًا لِلْعِلْمِ مِنَ الضَّياعِ، كالأوْعِيَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الأمْتِعَةَ مِنَ الذَّهابِ والبُطْلانِ؛ فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِتَعْلِيمِ القَلَمِ بَعْدَ القُرْآنِ مِن أجَلِّ النِّعَمِ، والتَّعْلِيمُ بِهِ -وإنْ كانَ مِمّا يَخْلُصُ إلَيْهِ الإنْسانُ بِالفِطْنَةِ والحِيلَةِ- فَإنَّ الَّذِي بَلَغَ بِهِ ذَلِكَ وأوْصَلَهُ إلَيْهِ عَطِيَّةٌ وهَبَها اللَّهُ مِنهُ، وفَضْلٌ أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، وزِيادَةٌ في خَلْقِهِ وفَضْلِهِ. فَهو الَّذِي عَلَّمَهُ الكِتابَةَ، وإنْ كانَ هو المُتَعَلِّمَ فَفِعْلُهُ فِعْلٌ مُطاوِعٍ لِتَعْلِيمِ الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ، فَإنَّهُ عَلَّمَهُ فَتَعَلَّمَ كَما أنَّهُ عَلَّمَهُ الكَلامَ فَتَكَلَّمَ، هَذا ومَن أعْطاهُ الذِّهْنَ الَّذِي يَعِي بِهِ، واللِّسانَ الَّذِي يُتَرْجِمُ بِهِ، والبَنانَ الَّذِي يَخُطُّ بِهِ، ومَن هَيَّأ ذِهْنَهُ لِقَبُولِ هَذا التَّعَلُّمِ دُونَ سائِرِ الحَيَواناتِ، ومَنِ الَّذِي أنْطَقَ لِسانَهُ وحَرَّكَ بَنانَهُ، ومَنِ الَّذِي دَعَّمَ البَنانَ بِالكَفِّ، ودَعَّمَ الكَفَّ بِالسّاعِدِ؛ فَكَمْ لِلَّهِ مِن آيَةٍ نَحْنُ غافِلُونَ عَنْها في التَّعْلِيمِ بِالقَلَمِ؛ فَقِفْ وقْفَةً في حالِ (p-٦٢١٠)الكِتابَةِ وتَأمَّلْ حالَكَ وقَدْ أمْسَكْتَ القَلَمَ وهو جَمادٌ، ووَضَعْتَهُ عَلى القِرْطاسِ وهو جَمادٌ، فَتَوَلَّدَ مِن بَيْنِهِما أنْواعُ الحِكَمِ وأصْنافُ العُلُومِ وفُنُونُ المُراسَلاتِ والخُطَبِ والنَّظْمِ والنَّثْرِ، وجَواباتُ المَسائِلِ. فَمَنِ الَّذِي أجْرى فَلَكَ المَعانِي عَلى قَلْبِكَ، ورَسَمَها في ذِهْنِكَ، ثُمَّ أجْرى العِباراتِ الدّالَّةَ عَلَيْها عَلى لِسانِكَ، ثُمَّ حَرَّكَ بِها بَنانَكَ حَتّى صارَتْ نَقْشًا عَجِيبًا، مَعْناهُ أعْجَبُ مِن صُورَتِهِ، فَتَقْضِي بِهِ مَآرِبَكَ وتَبْلُغُ بِهِ حاجَةً في صَدْرِكَ، وتُرْسِلُهُ إلى الأقْطارِ النّائِيَةِ والجِهاتِ المُتَباعِدَةِ، فَيَقُومُ مَقامَكَ، ويُتَرْجِمُ عَنْكَ، ويَتَكَلَّمُ عَلى لِسانِكَ ويَقُومُ مَقامَ رَسُولِكَ، ويُجْدِي عَلَيْكَ ما لا يُجْدِي مَن تُرْسِلُهُ، سِوى مَن عَلَّمَ بِالقَلَمِ عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ؟ والتَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ يَسْتَلْزِمُ المَراتِبَ الثَّلاثَةَ: مَرْتَبَةَ الوُجُودِ الذِّهْنِيِّ والوُجُودِ اللَّفْظِيِّ والوُجُودِ الرَّسْمِيِّ، فَقَدْ دَلَّ التَّعْلِيمُ بِالقَلَمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لِهَذِهِ المَراتِبِ.
ودَلَّ قَوْلُهُ: "خَلَقَ" عَلى أنَّهُ يُعْطِي الوُجُودَ العَيْنِيَّ. فَدَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ -مَعَ اخْتِصارِها ووَجازَتِها وفَصاحَتِها- عَلى أنَّ مَراتِبَ الوُجُودِ بِأسْرِها مُسْنَدَةٌ إلَيْهِ تَعالى خَلْقًا وتَعْلِيمًا. وذَكَرَ مِن صِفاتِهِ ها هُنا اسْمَ "الأكْرَمِ" الَّذِي هو فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ وكُلُّ كَمالٍ، فَلَهُ كُلُّ كَمالٍ وصْفًا، ومِنهُ كُلُّ خَيْرٍ فِعْلًا. فَهو "الأكْرَمُ" في ذاتِهِ وأوْصافِهِ وأفْعالِهِ، وهَذا الخَلْقُ والتَّعْلِيمُ إنَّما نَشَأ مِن كَرَمِهِ وبِرِّهِ وإحْسانِهِ، لا مِن حاجَةٍ دَعَتْهُ إلى ذَلِكَ، وهو الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
الثّانِي: قالَ الإمامُ: لا يُوجَدُ بَيانٌ أبْرَعُ ولا دَلِيلٌ أقْطَعُ عَلى فَضْلِ القِراءَةِ والكِتابَةِ والعِلْمِ بِجَمِيعِ أنْواعِهِ مِنِ افْتِتاحِ اللَّهِ كِتابَهُ وابْتِدائِهِ الوَحْيَ بِهَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. فَإنْ لَمْ يَهْتَدِ المُسْلِمُونَ بِهَذا الهُدى، ولَمْ يُنَبِّهْهُمُ النَّظَرُ فِيهِ إلى النُّهُوضِ إلى تَمْزِيقِ تِلْكَ الحُجُبِ الَّتِي حَجَبَتْ عَنْ أبْصارِهِمْ نُورَ العِلْمِ، وكَسْرِ تِلْكَ الأبْوابِ الَّتِي غَلَّقَها عَلَيْهِمْ رُؤَساؤُهم وحَبَسُوهم بِها في ظُلُماتٍ مِنَ الجَهْلِ، وإنْ لَمْ يَسْتَرْشِدُوا بِفاتِحَةِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ، ولَمْ يَسْتَضِيئُوا بِهَذا الضِّياءِ السّاطِعِ، فَلا أرْشَدَهُمُ اللَّهُ أبَدًا.
الثّالِثُ: قالَ الرّازِيُّ: في قَوْلِهِ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] إشارَةٌ (p-٦٢١١)إلى الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ والعِلْمِ والرَّحْمَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ﴾ [العلق: ٤] إشارَةٌ إلى الأحْكامِ المَكْتُوبَةِ الَّتِي لا سَبِيلَ عَلى مَعْرِفَتِها إلّا بِالسَّمْعِ، فالأوَّلُ كَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. والثّانِي إلى النُّبُوَّةِ. وقَدَّمَ الأوَّلَ عَلى الثّانِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ الرُّبُوبِيَّةِ غَنِيَّةٌ عَنِ النُّبُوَّةِ، وأمّا النُّبُوَّةُ فَإنَّها مُحْتاجَةٌ إلى مَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:
العلق 96:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨ ] ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨]
﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] أيْ: حَقًّا أنَّ الإنْسانَ لَيَتَجاوَزُ حَدَّهُ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ، أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنَتْ. فَـ "كَلّا" بِمَعْنى (حَقًّا) لِعَدَمِ ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّدْعُ ظاهِرًا، لِتَأخُّرِ نُزُولِ هَذا عَمّا قَبْلَهُ -عَلى ما تَقَدَّمَ في المَأْثُورِ- أوْ هو رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يَذَّكَّرْ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. فَإنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ إلى هَذا المَقْطَعِ يَدُلُّ عَلى عَظِيمٍ مُنْتَهٍ تَعالى عَلى الإنْسانِ فَإذا قِيلَ: "كَلّا" يَكُونُ رَدْعًا لِلْإنْسانِ، يُنْعِمُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِتَسْوِيَةِ خَلْقِهِ وتَعْلِيمِهِ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وإنْعامُهُ بِما لا كُفْءَ لَهُ، ثُمَّ يَكْفُرُ بِرَبِّهِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ويَطْغى عَلَيْهِ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
قالَ الكَرْخِيُّ، ومَذْهَبُ أبِي حَيّانَ أنَّ (كَلّا) بِمَعْنى (ألا) الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وصَوَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) بَعْدَها كَما بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ. وفي (الكَواشِي): يَجُوزُ في (كَلّا) أنْ تَكُونَ تَنْبِيهًا، فَيَقِفُ عَلى ما قَبْلَها. ورَدْعًا، فَيَقِفُ عَلَيْها.
(p-٦٢١٢)تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ في بابِ التَّمَوُّلِ المَحْمُودِ، قَرَّرَها الحُكَماءُ المُصْلِحُونَ، وهو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ. قالُوا: لِأنَّ إفْراطَ الثَّرْوَةِ مَهْلَكَةٌ لِلْأخْلاقِ الحَمِيدَةِ في الإنْسانِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: التَّحَوُّلُ لِأجْلِ الحاجاتِ وبِقَدْرِها، مَحْمُودٌ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ، وإلّا كانَ حِرْصُ التَّمَوُّلِ مِن أقْبَحِ الخِصالِ: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ إحْرازُ المالِ بِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ حَلالٍ، أيْ: إحْرازُهُ مِن بَذْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالمُعارَضَةِ أوْ في مُقابِلِ عَمَلٍ.
والشَّرْطُ الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ في التَّمَوُّلِ تَضْيِيقٌ عَلى حاجاتِ الغَيْرِ، كاحْتِكارِ الضَّرُورِيّاتِ، أوْ مُزاحَمَةِ الصُّنّاعِ والعُمّالِ الضُّعَفاءِ، أوِ التَّغَلُّبِ عَلى المُباحاتِ، مِثْلَ امْتِلاكِ الأراضِي الَّتِي جَعَلَها خالِقُها مَمْرَحًا لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ. وهي أُمُّهم تُرْضِعُهم لَبَنَ جِهازاتِها وتُغَذِّيهِمْ بِثَمَراتِها وتُؤْوِيهِمْ في حِضْنِ أجْزائِها.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: لِجَوازِ التَّمَوُّلِ هو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ، وإلّا فَسَدَتِ الأخْلاقُ. ولِذَلِكَ حَرَّمَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها، والحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ والأخْلاقِيَّةُ والعُمْرانِيَّةُ أكْلَ الرِّبا؛ وذَلِكَ لِقَصْدِ حِفْظِ التَّساوِي والتَّقارُبِ بَيْنَ النّاسِ في القُوَّةِ المالِيَّةِ؛ لِأنَّ الرِّبا كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ مادِّيٍّ، فَفِيهِ مَعْنى الغَضَبِ، وبِدُونِ عَمَلٍ، فَفِيهِ الأُلْفَةُ عَلى البِطالَةِ المُفْسِدَةِ لِلْأخْلاقِ، وبِدُونِ تَعَرُّضٍ لِخَسائِرَ طَبِيعِيَّةٍ كالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ والأمْلاكِ. دَعْ أنَّ بِالرِّبا تَرْبُو الثَّرَواتُ، فَيَخْتَلُّ التَّساوِي بَيْنَ النّاسِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] أيِ: المَرْجِعُ في الآخِرَةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطّاغِينَ. والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، و"الرُّجْعى" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ، أيْ: أنَّ إلى مالِكِ أمْرِكَ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَسَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ طُغْيانِكَ. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والتَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ بِحالِهِ.
العلق 96:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨ ] ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨]
﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] أيْ: حَقًّا أنَّ الإنْسانَ لَيَتَجاوَزُ حَدَّهُ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ، أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنَتْ. فَـ "كَلّا" بِمَعْنى (حَقًّا) لِعَدَمِ ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّدْعُ ظاهِرًا، لِتَأخُّرِ نُزُولِ هَذا عَمّا قَبْلَهُ -عَلى ما تَقَدَّمَ في المَأْثُورِ- أوْ هو رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يَذَّكَّرْ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. فَإنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ إلى هَذا المَقْطَعِ يَدُلُّ عَلى عَظِيمٍ مُنْتَهٍ تَعالى عَلى الإنْسانِ فَإذا قِيلَ: "كَلّا" يَكُونُ رَدْعًا لِلْإنْسانِ، يُنْعِمُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِتَسْوِيَةِ خَلْقِهِ وتَعْلِيمِهِ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وإنْعامُهُ بِما لا كُفْءَ لَهُ، ثُمَّ يَكْفُرُ بِرَبِّهِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ويَطْغى عَلَيْهِ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
قالَ الكَرْخِيُّ، ومَذْهَبُ أبِي حَيّانَ أنَّ (كَلّا) بِمَعْنى (ألا) الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وصَوَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) بَعْدَها كَما بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ. وفي (الكَواشِي): يَجُوزُ في (كَلّا) أنْ تَكُونَ تَنْبِيهًا، فَيَقِفُ عَلى ما قَبْلَها. ورَدْعًا، فَيَقِفُ عَلَيْها.
(p-٦٢١٢)تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ في بابِ التَّمَوُّلِ المَحْمُودِ، قَرَّرَها الحُكَماءُ المُصْلِحُونَ، وهو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ. قالُوا: لِأنَّ إفْراطَ الثَّرْوَةِ مَهْلَكَةٌ لِلْأخْلاقِ الحَمِيدَةِ في الإنْسانِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: التَّحَوُّلُ لِأجْلِ الحاجاتِ وبِقَدْرِها، مَحْمُودٌ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ، وإلّا كانَ حِرْصُ التَّمَوُّلِ مِن أقْبَحِ الخِصالِ: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ إحْرازُ المالِ بِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ حَلالٍ، أيْ: إحْرازُهُ مِن بَذْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالمُعارَضَةِ أوْ في مُقابِلِ عَمَلٍ.
والشَّرْطُ الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ في التَّمَوُّلِ تَضْيِيقٌ عَلى حاجاتِ الغَيْرِ، كاحْتِكارِ الضَّرُورِيّاتِ، أوْ مُزاحَمَةِ الصُّنّاعِ والعُمّالِ الضُّعَفاءِ، أوِ التَّغَلُّبِ عَلى المُباحاتِ، مِثْلَ امْتِلاكِ الأراضِي الَّتِي جَعَلَها خالِقُها مَمْرَحًا لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ. وهي أُمُّهم تُرْضِعُهم لَبَنَ جِهازاتِها وتُغَذِّيهِمْ بِثَمَراتِها وتُؤْوِيهِمْ في حِضْنِ أجْزائِها.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: لِجَوازِ التَّمَوُّلِ هو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ، وإلّا فَسَدَتِ الأخْلاقُ. ولِذَلِكَ حَرَّمَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها، والحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ والأخْلاقِيَّةُ والعُمْرانِيَّةُ أكْلَ الرِّبا؛ وذَلِكَ لِقَصْدِ حِفْظِ التَّساوِي والتَّقارُبِ بَيْنَ النّاسِ في القُوَّةِ المالِيَّةِ؛ لِأنَّ الرِّبا كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ مادِّيٍّ، فَفِيهِ مَعْنى الغَضَبِ، وبِدُونِ عَمَلٍ، فَفِيهِ الأُلْفَةُ عَلى البِطالَةِ المُفْسِدَةِ لِلْأخْلاقِ، وبِدُونِ تَعَرُّضٍ لِخَسائِرَ طَبِيعِيَّةٍ كالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ والأمْلاكِ. دَعْ أنَّ بِالرِّبا تَرْبُو الثَّرَواتُ، فَيَخْتَلُّ التَّساوِي بَيْنَ النّاسِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] أيِ: المَرْجِعُ في الآخِرَةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطّاغِينَ. والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، و"الرُّجْعى" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ، أيْ: أنَّ إلى مالِكِ أمْرِكَ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَسَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ طُغْيانِكَ. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والتَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ بِحالِهِ.
العلق 96:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ - ٨ ] ﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨]
﴿كَلا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ [العلق: ٧] أيْ: حَقًّا أنَّ الإنْسانَ لَيَتَجاوَزُ حَدَّهُ ويَسْتَكْبِرُ عَلى رَبِّهِ، أنْ رَأى نَفْسَهُ اسْتَغْنَتْ. فَـ "كَلّا" بِمَعْنى (حَقًّا) لِعَدَمِ ما يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الرَّدْعُ ظاهِرًا، لِتَأخُّرِ نُزُولِ هَذا عَمّا قَبْلَهُ -عَلى ما تَقَدَّمَ في المَأْثُورِ- أوْ هو رَدْعٌ لِمَن كَفَرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ بِطُغْيانِهِ وإنْ لَمْ يَذَّكَّرْ، لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ. فَإنَّ مُفْتَتَحَ السُّورَةِ إلى هَذا المَقْطَعِ يَدُلُّ عَلى عَظِيمٍ مُنْتَهٍ تَعالى عَلى الإنْسانِ فَإذا قِيلَ: "كَلّا" يَكُونُ رَدْعًا لِلْإنْسانِ، يُنْعِمُ عَلَيْهِ رَبُّهُ بِتَسْوِيَةِ خَلْقِهِ وتَعْلِيمِهِ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، وإنْعامُهُ بِما لا كُفْءَ لَهُ، ثُمَّ يَكْفُرُ بِرَبِّهِ الَّذِي فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ ويَطْغى عَلَيْهِ أنْ رَآهُ اسْتَغْنى.
قالَ الكَرْخِيُّ، ومَذْهَبُ أبِي حَيّانَ أنَّ (كَلّا) بِمَعْنى (ألا) الِاسْتِفْتاحِيَّةِ، وصَوَّبَهُ ابْنُ هِشامٍ بِكَسْرِ هَمْزَةِ (إنَّ) بَعْدَها كَما بَعْدَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ. وفي (الكَواشِي): يَجُوزُ في (كَلّا) أنْ تَكُونَ تَنْبِيهًا، فَيَقِفُ عَلى ما قَبْلَها. ورَدْعًا، فَيَقِفُ عَلَيْها.
(p-٦٢١٢)تَنْبِيهٌ:
دَلَّتِ الآيَةُ عَلى قاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ في بابِ التَّمَوُّلِ المَحْمُودِ، قَرَّرَها الحُكَماءُ المُصْلِحُونَ، وهو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ. قالُوا: لِأنَّ إفْراطَ الثَّرْوَةِ مَهْلَكَةٌ لِلْأخْلاقِ الحَمِيدَةِ في الإنْسانِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ.
قالَ بَعْضُ الحُكَماءِ: التَّحَوُّلُ لِأجْلِ الحاجاتِ وبِقَدْرِها، مَحْمُودٌ بِثَلاثَةِ شُرُوطٍ، وإلّا كانَ حِرْصُ التَّمَوُّلِ مِن أقْبَحِ الخِصالِ: الشَّرْطُ الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ إحْرازُ المالِ بِوَجْهٍ مَشْرُوعٍ حَلالٍ، أيْ: إحْرازُهُ مِن بَذْلِ الطَّبِيعَةِ أوْ بِالمُعارَضَةِ أوْ في مُقابِلِ عَمَلٍ.
والشَّرْطُ الثّانِي: أنْ لا يَكُونَ في التَّمَوُّلِ تَضْيِيقٌ عَلى حاجاتِ الغَيْرِ، كاحْتِكارِ الضَّرُورِيّاتِ، أوْ مُزاحَمَةِ الصُّنّاعِ والعُمّالِ الضُّعَفاءِ، أوِ التَّغَلُّبِ عَلى المُباحاتِ، مِثْلَ امْتِلاكِ الأراضِي الَّتِي جَعَلَها خالِقُها مَمْرَحًا لِكافَّةِ مَخْلُوقاتِهِ. وهي أُمُّهم تُرْضِعُهم لَبَنَ جِهازاتِها وتُغَذِّيهِمْ بِثَمَراتِها وتُؤْوِيهِمْ في حِضْنِ أجْزائِها.
الشَّرْطُ الثّالِثُ: لِجَوازِ التَّمَوُّلِ هو أنْ لا يَتَجاوَزَ المالُ قَدْرَ الحاجَةِ بِكَثِيرٍ، وإلّا فَسَدَتِ الأخْلاقُ. ولِذَلِكَ حَرَّمَتِ الشَّرائِعُ السَّماوِيَّةُ كُلُّها، والحِكْمَةُ السِّياسِيَّةُ والأخْلاقِيَّةُ والعُمْرانِيَّةُ أكْلَ الرِّبا؛ وذَلِكَ لِقَصْدِ حِفْظِ التَّساوِي والتَّقارُبِ بَيْنَ النّاسِ في القُوَّةِ المالِيَّةِ؛ لِأنَّ الرِّبا كَسْبٌ بِدُونِ مُقابِلٍ مادِّيٍّ، فَفِيهِ مَعْنى الغَضَبِ، وبِدُونِ عَمَلٍ، فَفِيهِ الأُلْفَةُ عَلى البِطالَةِ المُفْسِدَةِ لِلْأخْلاقِ، وبِدُونِ تَعَرُّضٍ لِخَسائِرَ طَبِيعِيَّةٍ كالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ والأمْلاكِ. دَعْ أنَّ بِالرِّبا تَرْبُو الثَّرَواتُ، فَيَخْتَلُّ التَّساوِي بَيْنَ النّاسِ، كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أواخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ [العلق: ٨] أيِ: المَرْجِعُ في الآخِرَةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: تَهْدِيدٌ لِلطّاغِي وتَحْذِيرٌ لَهُ مِن عاقِبَةِ الطّاغِينَ. والِالتِفاتُ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، و"الرُّجْعى" مَصْدَرٌ بِمَعْنى الرُّجُوعِ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِقَصْرِهِ عَلَيْهِ، أيْ: أنَّ إلى مالِكِ أمْرِكَ رُجُوعَ الكُلِّ بِالمَوْتِ والبَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَسَتَرى حِينَئِذٍ عاقِبَةَ طُغْيانِكَ. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، والتَّهْدِيدُ والتَّحْذِيرُ بِحالِهِ.
العلق 96:9
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:10
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:11
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:12
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:13
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:14
(p-٦٢١٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٩ - ١٤ ] ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤]
﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] أيْ: يَمْنَعُهُ عَنِ الصَّلاةِ. وعَبَّرَ بِالنَّهْيِ إشارَةً إلى عَدَمِ اقْتِدارِهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَخْتَلِفِ المُفَسِّرُونَ في أنَّ النّاهِيَ أبُو جَهْلٍ والعَبْدُ المُصَلِّي النَّبِيُّ ﷺ. كَما رُوِيَ في الصَّحِيحَيْنِ، ولَفْظُ البُخارِيِّ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ أبُو جَهْلٍ: لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: «لَوْ فَعَلَهُ لَأخَذَتْهُ المَلائِكَةُ»»
وفِي الآيَةِ تَقْبِيحٌ وتَشْنِيعٌ لِحالِ ذاكَ الكافِرِ، وتَعْجِيبٌ مِنها وإيذانٌ بِأنَّها مِنَ الشَّناعَةِ والغَرابَةِ بِحَيْثُ يَجِبُ أنْ يَراها كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ ويَقْضِي مِنها العَجَبُ. ولَفْظُ (العَبْدِ) وتَنْكِيرُهُ، لِتَفْخِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، واسْتِعْظامُ النَّهْيِ وتَأْكِيدُ التَّعَجُّبِ مِنهُ. وقِيلَ: إنَّهُ مِن إرْخاءِ العِنانِ في الكَلامِ المُنْصِفِ، إذْ قالَ: "يَنْهى" ولَمْ يَقُلْ: (يُؤْذِي)، و: "عَبْدًا" دُونَ: (نَبِيًّا)، والرُّؤْيَةُ هاهُنا بَصَرِيَّةٌ، وفِيما بَعْدَها قَلْبِيَّةٌ. مَعْناهُ: أخْبَرَنِي. فَإنَّ الرُّؤْيَةَ لَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإخْبارِ عَنِ المَرْئِيِّ، أجْرى الِاسْتِفْهامَ عَنْها مَجْرى الِاسْتِخْبارِ عَنْ مُتَعَلِّقِها. قالَهُ أبُو السُّعُودِ.
(p-٦٢١٤)وقالَ الإمامُ: كَلِمَةُ (أرَأيْتَ) صارَتْ تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى (أخْبَرَنِي)، عَلى أنَّها لا يُقْصَدُ بِها في مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ الِاسْتِخْبارُ الحَقِيقِيُّ، ولَكِنْ يُقْصَدُ بِها إنْكارُ المُسْتَخْبَرِ عَنْها وتَقْبِيحُها. فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ما أسْخَفَ عَقْلَ هَذا الَّذِي يَطْغى بِهِ الكِبْرُ فَيَنْهى عَبْدًا مِن عَبِيدِ اللَّهِ عَنْ صَلاتِهِ، خُصُوصًا وهو في حالَةِ أدائِها.
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] أيْ: أرَأيْتَ إنْ كانَ ذَلِكَ النّاهِي عَلى طَرِيقَةٍ سَدِيدَةٍ فِيما يَنْهى عَنْهُ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، أوْ كانَ آمِرًا بِالمَعْرُوفِ والتَّقْوى فِيما يَأْمُرُ بِهِ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، كَما يَعْتَقِدُ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ، أيْ: ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى. وعَلَيْهِ فالضَّمائِرُ كُلُّها لِـ: "الَّذِي يَنْهى" وجُوِّزَ عَوْدُ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في "كانَ" لِلْعَبْدِ المُصَلِّي. وكَذا في "أمَرَ" أيْ: أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا يُصَلِّي؟ والمَنهِيُّ عَلى الهُدى آمَرُ بِالتَّقْوى. والنَّهْيُ مُكَذِّبٌ مُتَوَلٍّ، فَما أعْجَبَ مِن هَذا! وذَهَبَ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ، في تَأْوِيلِ الآيَةِ إلى مَعْنًى آخَرَ، وعِبارَتُهُ: أمّا قَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ [العلق: ١١] ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ [العلق: ١٢] فَمَعْناهُ أخْبَرَنِي عَنْ حالِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ الطّاغِي عَلى الهُدى وعَلى صِراطِ الحَقِّ، أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى مَكانُ نَهْيِهِ عَنِ الصَّلاةِ، أفَما كانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهُ وأفْضَلَ؟
وقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] أيْ: نَبِّئْنِي عَنْ حالِهِ إنْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ، وتَوَلّى أيْ: أعْرَضَ عَنِ العَمَلِ الطَّيِّبِ، أفَلا يَخْشى أنْ تَحِلَّ بِهِ قارِعَةٌ ويُصِيبَهُ مِن عَذابِ اللَّهِ ما لا قِبَلَ لَهُ بِاحْتِمالِهِ؟ فَجَوابُ كُلٍّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَحْذُوفٌ كَما رَأيْتَ في تَفْسِيرِ المَعْنى وهو مِنَ الإيجازِ المَحْمُودِ، بَعْدَ ما دَلَّ عَلى المَحْذُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أيْ: أجَهِلَ أنَّ اللَّهَ يَطَّلِعُ عَلى أمْرِهِ؟ فَإنْ كانَ تَقِيًّا عَلى الهُدى أحْسَنَ جَزاءَهُ، وإنْ كَذَّبَ وتَوَلّى لَمْ يُفْلِتْ مِن عُقُوبَتِهِ، ثُمَّ إنَّ ما يُطِيلُ بِهِ المُفَسِّرُونَ في المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ "أرَأيْتَ" الأُولى ومَفْعُولَيْها في الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ، فَهو مِمّا لا مَعْنى لَهُ؟ لِأنَّ القُرْآنَ قُدْوَةٌ في التَّعْبِيرِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَها بِمَفْعُولٍ واحِدٍ وبِلا مَفْعُولٍ أصْلًا بِمَعْنى (أخْبَرَنِي). والجُمْلَةُ المُسْتَخْبَرُ عَنْ مَضْمُونِها، تَسُدُّ مَسَدَّ المَفاعِيلِ. انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ.
العلق 96:15
(p-٦٢١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٩ ] ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنْ هَذا الطُّغْيانِ، وعَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لِنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا مَثَلٌ في القَهْرِ والإذْلالِ والتَّعْذِيبِ والنَّكالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] بَدَلٌ مِنَ (النّاصِيَةِ)، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُولى لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها ناصِيَةُ النّاهِي والثّانِيَةُ لِتُوصَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِلَّةِ السَّفْعِ وشُمُولِهِ لِكُلِّ مَن وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهُما لِصاحِبِها، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولِأنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يَكْذِبُ. وكَذا حالُ الخَطَأِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] و: (وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ)، والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، كَما يُسْنَدُ إلى الجُزْئِيِّ في قَوْلِهِ: (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، والقاتِلُ أحَدُهم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (البَحْرِ): كُتِبَتْ نُونُ "لَنَسْفَعًا" بِالألِفِ بِاعْتِبارِ المُوَقَّفِ عَلَيْها بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ السَّمِينُ: الوَقْفُ عَلى هَذِهِ النُّونِ بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وتُكْتَبُ هُنا ألِفًا اتِّباعًا لِلْوَقْفِ (p-٦٢١٦)لِأنَّ قاعِدَةَ الرَّسْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ.
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أيْ: أهْلَ مَجْلِسِهِ، لِيَمْنَعَ المُصَلِّينَ ويُؤْذِيَ أهْلَ الحَقِّ الصّادِقِينَ، اتِّكالًا عَلى قُوَّتِهِمْ وغَفْلَةً عَنْ قَهْرِ الحَقِّ وسُخْطِهِ. والجُمْلَةُ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ. والنّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ، أيْ: يَجْتَمِعُونَ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أيْ: زَبانِيَةَ العَذابِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَيُهْلِكُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَرِدُونَهُ في النّارِ في الآخِرَةِ وهو صاغِرٌ. ولَمْ يُرْسَمْ "سَنَدْعُ" بِالواوِ في المَصاحِفِ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ "فَلْيَدْعُ" وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿كَلا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِلنّاهِي بَعْدَ رَدْعٍ، وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: لا تُطِعْ ذاكَ الطّاغِيَ إذا نَهاكَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: صَلِّ لِرَبِّكَ وتَقَرَّبْ مِنهُ بِالعِبادَةِ وتَحَبَّبْ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، عَلى ما صَحَّ في الأخْبارِ، قالَ الإمامُ: ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في الآياتِ إشارَةٌ إلَيْهِ، ولَكِنَّها عامَّةٌ في كُلِّ وقْتٍ وزَمَنٍ كَما تَرى. والخِطابُ فِيها مُوَجَّهٌ إلى مَن يُخاطَبُ لا إلى شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): إنَّما شَدَّدَ الأمْرَ -أمْرَ الوَعِيدِ- في حَقِّ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حَيْثُ طَرَحَ سِلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ ﷺ وهو يُصَلِّي -لِأنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في مُطْلَقِ الأذِيَّةِ حالَ صَلاتِهِ لَكِنْ زادَ أبُو جَهْلٍ بِالتَّهْدِيدِ وبِدَعْوَةِ أهْلِ طاعَتِهِ، وبِوَطْءِ العُنُقِ الشَّرِيفِ. وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما اقْتَضى تَعْجِيلَ (p-٦٢١٧)العُقُوبَةِ لَهُ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ. وقَدْ عُوقِبَ عَقِبَهُ بِدُعائِهِ ﷺ وعَلى مَن شارَكَهُ في فِعْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، كَأبِي جَهْلٍ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ذِكْرُ الصَّلاةِ في الصُّورَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ صَلاةٌ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَعْرُوفَةُ.
الرّابِعُ: قالَ في (اللُّبابِ): سَجْدَةُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَ قِراءَتِها. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]»» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
العلق 96:16
(p-٦٢١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٩ ] ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنْ هَذا الطُّغْيانِ، وعَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لِنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا مَثَلٌ في القَهْرِ والإذْلالِ والتَّعْذِيبِ والنَّكالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] بَدَلٌ مِنَ (النّاصِيَةِ)، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُولى لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها ناصِيَةُ النّاهِي والثّانِيَةُ لِتُوصَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِلَّةِ السَّفْعِ وشُمُولِهِ لِكُلِّ مَن وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهُما لِصاحِبِها، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولِأنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يَكْذِبُ. وكَذا حالُ الخَطَأِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] و: (وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ)، والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، كَما يُسْنَدُ إلى الجُزْئِيِّ في قَوْلِهِ: (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، والقاتِلُ أحَدُهم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (البَحْرِ): كُتِبَتْ نُونُ "لَنَسْفَعًا" بِالألِفِ بِاعْتِبارِ المُوَقَّفِ عَلَيْها بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ السَّمِينُ: الوَقْفُ عَلى هَذِهِ النُّونِ بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وتُكْتَبُ هُنا ألِفًا اتِّباعًا لِلْوَقْفِ (p-٦٢١٦)لِأنَّ قاعِدَةَ الرَّسْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ.
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أيْ: أهْلَ مَجْلِسِهِ، لِيَمْنَعَ المُصَلِّينَ ويُؤْذِيَ أهْلَ الحَقِّ الصّادِقِينَ، اتِّكالًا عَلى قُوَّتِهِمْ وغَفْلَةً عَنْ قَهْرِ الحَقِّ وسُخْطِهِ. والجُمْلَةُ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ. والنّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ، أيْ: يَجْتَمِعُونَ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أيْ: زَبانِيَةَ العَذابِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَيُهْلِكُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَرِدُونَهُ في النّارِ في الآخِرَةِ وهو صاغِرٌ. ولَمْ يُرْسَمْ "سَنَدْعُ" بِالواوِ في المَصاحِفِ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ "فَلْيَدْعُ" وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿كَلا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِلنّاهِي بَعْدَ رَدْعٍ، وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: لا تُطِعْ ذاكَ الطّاغِيَ إذا نَهاكَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: صَلِّ لِرَبِّكَ وتَقَرَّبْ مِنهُ بِالعِبادَةِ وتَحَبَّبْ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، عَلى ما صَحَّ في الأخْبارِ، قالَ الإمامُ: ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في الآياتِ إشارَةٌ إلَيْهِ، ولَكِنَّها عامَّةٌ في كُلِّ وقْتٍ وزَمَنٍ كَما تَرى. والخِطابُ فِيها مُوَجَّهٌ إلى مَن يُخاطَبُ لا إلى شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): إنَّما شَدَّدَ الأمْرَ -أمْرَ الوَعِيدِ- في حَقِّ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حَيْثُ طَرَحَ سِلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ ﷺ وهو يُصَلِّي -لِأنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في مُطْلَقِ الأذِيَّةِ حالَ صَلاتِهِ لَكِنْ زادَ أبُو جَهْلٍ بِالتَّهْدِيدِ وبِدَعْوَةِ أهْلِ طاعَتِهِ، وبِوَطْءِ العُنُقِ الشَّرِيفِ. وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما اقْتَضى تَعْجِيلَ (p-٦٢١٧)العُقُوبَةِ لَهُ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ. وقَدْ عُوقِبَ عَقِبَهُ بِدُعائِهِ ﷺ وعَلى مَن شارَكَهُ في فِعْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، كَأبِي جَهْلٍ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ذِكْرُ الصَّلاةِ في الصُّورَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ صَلاةٌ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَعْرُوفَةُ.
الرّابِعُ: قالَ في (اللُّبابِ): سَجْدَةُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَ قِراءَتِها. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]»» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
العلق 96:17
(p-٦٢١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٩ ] ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنْ هَذا الطُّغْيانِ، وعَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لِنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا مَثَلٌ في القَهْرِ والإذْلالِ والتَّعْذِيبِ والنَّكالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] بَدَلٌ مِنَ (النّاصِيَةِ)، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُولى لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها ناصِيَةُ النّاهِي والثّانِيَةُ لِتُوصَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِلَّةِ السَّفْعِ وشُمُولِهِ لِكُلِّ مَن وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهُما لِصاحِبِها، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولِأنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يَكْذِبُ. وكَذا حالُ الخَطَأِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] و: (وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ)، والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، كَما يُسْنَدُ إلى الجُزْئِيِّ في قَوْلِهِ: (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، والقاتِلُ أحَدُهم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (البَحْرِ): كُتِبَتْ نُونُ "لَنَسْفَعًا" بِالألِفِ بِاعْتِبارِ المُوَقَّفِ عَلَيْها بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ السَّمِينُ: الوَقْفُ عَلى هَذِهِ النُّونِ بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وتُكْتَبُ هُنا ألِفًا اتِّباعًا لِلْوَقْفِ (p-٦٢١٦)لِأنَّ قاعِدَةَ الرَّسْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ.
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أيْ: أهْلَ مَجْلِسِهِ، لِيَمْنَعَ المُصَلِّينَ ويُؤْذِيَ أهْلَ الحَقِّ الصّادِقِينَ، اتِّكالًا عَلى قُوَّتِهِمْ وغَفْلَةً عَنْ قَهْرِ الحَقِّ وسُخْطِهِ. والجُمْلَةُ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ. والنّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ، أيْ: يَجْتَمِعُونَ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أيْ: زَبانِيَةَ العَذابِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَيُهْلِكُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَرِدُونَهُ في النّارِ في الآخِرَةِ وهو صاغِرٌ. ولَمْ يُرْسَمْ "سَنَدْعُ" بِالواوِ في المَصاحِفِ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ "فَلْيَدْعُ" وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿كَلا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِلنّاهِي بَعْدَ رَدْعٍ، وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: لا تُطِعْ ذاكَ الطّاغِيَ إذا نَهاكَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: صَلِّ لِرَبِّكَ وتَقَرَّبْ مِنهُ بِالعِبادَةِ وتَحَبَّبْ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، عَلى ما صَحَّ في الأخْبارِ، قالَ الإمامُ: ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في الآياتِ إشارَةٌ إلَيْهِ، ولَكِنَّها عامَّةٌ في كُلِّ وقْتٍ وزَمَنٍ كَما تَرى. والخِطابُ فِيها مُوَجَّهٌ إلى مَن يُخاطَبُ لا إلى شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): إنَّما شَدَّدَ الأمْرَ -أمْرَ الوَعِيدِ- في حَقِّ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حَيْثُ طَرَحَ سِلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ ﷺ وهو يُصَلِّي -لِأنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في مُطْلَقِ الأذِيَّةِ حالَ صَلاتِهِ لَكِنْ زادَ أبُو جَهْلٍ بِالتَّهْدِيدِ وبِدَعْوَةِ أهْلِ طاعَتِهِ، وبِوَطْءِ العُنُقِ الشَّرِيفِ. وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما اقْتَضى تَعْجِيلَ (p-٦٢١٧)العُقُوبَةِ لَهُ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ. وقَدْ عُوقِبَ عَقِبَهُ بِدُعائِهِ ﷺ وعَلى مَن شارَكَهُ في فِعْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، كَأبِي جَهْلٍ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ذِكْرُ الصَّلاةِ في الصُّورَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ صَلاةٌ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَعْرُوفَةُ.
الرّابِعُ: قالَ في (اللُّبابِ): سَجْدَةُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَ قِراءَتِها. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]»» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
العلق 96:18
(p-٦٢١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٩ ] ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنْ هَذا الطُّغْيانِ، وعَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لِنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا مَثَلٌ في القَهْرِ والإذْلالِ والتَّعْذِيبِ والنَّكالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] بَدَلٌ مِنَ (النّاصِيَةِ)، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُولى لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها ناصِيَةُ النّاهِي والثّانِيَةُ لِتُوصَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِلَّةِ السَّفْعِ وشُمُولِهِ لِكُلِّ مَن وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهُما لِصاحِبِها، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولِأنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يَكْذِبُ. وكَذا حالُ الخَطَأِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] و: (وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ)، والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، كَما يُسْنَدُ إلى الجُزْئِيِّ في قَوْلِهِ: (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، والقاتِلُ أحَدُهم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (البَحْرِ): كُتِبَتْ نُونُ "لَنَسْفَعًا" بِالألِفِ بِاعْتِبارِ المُوَقَّفِ عَلَيْها بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ السَّمِينُ: الوَقْفُ عَلى هَذِهِ النُّونِ بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وتُكْتَبُ هُنا ألِفًا اتِّباعًا لِلْوَقْفِ (p-٦٢١٦)لِأنَّ قاعِدَةَ الرَّسْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ.
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أيْ: أهْلَ مَجْلِسِهِ، لِيَمْنَعَ المُصَلِّينَ ويُؤْذِيَ أهْلَ الحَقِّ الصّادِقِينَ، اتِّكالًا عَلى قُوَّتِهِمْ وغَفْلَةً عَنْ قَهْرِ الحَقِّ وسُخْطِهِ. والجُمْلَةُ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ. والنّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ، أيْ: يَجْتَمِعُونَ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أيْ: زَبانِيَةَ العَذابِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَيُهْلِكُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَرِدُونَهُ في النّارِ في الآخِرَةِ وهو صاغِرٌ. ولَمْ يُرْسَمْ "سَنَدْعُ" بِالواوِ في المَصاحِفِ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ "فَلْيَدْعُ" وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿كَلا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِلنّاهِي بَعْدَ رَدْعٍ، وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: لا تُطِعْ ذاكَ الطّاغِيَ إذا نَهاكَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: صَلِّ لِرَبِّكَ وتَقَرَّبْ مِنهُ بِالعِبادَةِ وتَحَبَّبْ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، عَلى ما صَحَّ في الأخْبارِ، قالَ الإمامُ: ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في الآياتِ إشارَةٌ إلَيْهِ، ولَكِنَّها عامَّةٌ في كُلِّ وقْتٍ وزَمَنٍ كَما تَرى. والخِطابُ فِيها مُوَجَّهٌ إلى مَن يُخاطَبُ لا إلى شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): إنَّما شَدَّدَ الأمْرَ -أمْرَ الوَعِيدِ- في حَقِّ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حَيْثُ طَرَحَ سِلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ ﷺ وهو يُصَلِّي -لِأنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في مُطْلَقِ الأذِيَّةِ حالَ صَلاتِهِ لَكِنْ زادَ أبُو جَهْلٍ بِالتَّهْدِيدِ وبِدَعْوَةِ أهْلِ طاعَتِهِ، وبِوَطْءِ العُنُقِ الشَّرِيفِ. وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما اقْتَضى تَعْجِيلَ (p-٦٢١٧)العُقُوبَةِ لَهُ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ. وقَدْ عُوقِبَ عَقِبَهُ بِدُعائِهِ ﷺ وعَلى مَن شارَكَهُ في فِعْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، كَأبِي جَهْلٍ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ذِكْرُ الصَّلاةِ في الصُّورَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ صَلاةٌ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَعْرُوفَةُ.
الرّابِعُ: قالَ في (اللُّبابِ): سَجْدَةُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَ قِراءَتِها. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]»» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
العلق 96:19
(p-٦٢١٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١٥ - ١٩ ] ﴿كَلا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿كَلا لا تُطِعْهُ واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ عَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنْ هَذا الطُّغْيانِ، وعَنِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ، وعَنِ التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي ﴿لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ: لِنَأْخُذَنَّ بِناصِيَتِهِ، ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها إلى النّارِ. والسَّفْعُ: القَبْضُ عَلى الشَّيْءِ وجَذْبُهُ بِشِدَّةٍ. والأخْذُ بِالنّاصِيَةِ هُنا مَثَلٌ في القَهْرِ والإذْلالِ والتَّعْذِيبِ والنَّكالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ [العلق: ١٦] بَدَلٌ مِنَ (النّاصِيَةِ)، ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إحْدى الجُمْلَتَيْنِ، لِأنَّ ذِكْرَ الأُولى لِلتَّنْصِيصِ عَلى أنَّها ناصِيَةُ النّاهِي والثّانِيَةُ لِتُوصَفَ بِما يَدُلُّ عَلى عِلَّةِ السَّفْعِ وشُمُولِهِ لِكُلِّ مَن وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ. ووَصْفُها بِالكَذِبِ والخَطَأِ، وهُما لِصاحِبِها، عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى وصْفِهِ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ولِأنَّهُ لِشِدَّةِ كَذِبِهِ كانَ كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِ يَكْذِبُ. وكَذا حالُ الخَطَأِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ٦٢] و: (وجْهُها يَصِفُ الجَمالَ)، والتَّجَوُّزُ بِإسْنادِ ما لِلْكُلِّ إلى الجُزْءِ، كَما يُسْنَدُ إلى الجُزْئِيِّ في قَوْلِهِ: (بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا قَتِيلًا)، والقاتِلُ أحَدُهم.
لَطِيفَةٌ:
قالَ في (البَحْرِ): كُتِبَتْ نُونُ "لَنَسْفَعًا" بِالألِفِ بِاعْتِبارِ المُوَقَّفِ عَلَيْها بِإبْدالِها ألِفًا. وقالَ السَّمِينُ: الوَقْفُ عَلى هَذِهِ النُّونِ بِالألِفِ تَشْبِيهًا لَها بِالتَّنْوِينِ، وتُكْتَبُ هُنا ألِفًا اتِّباعًا لِلْوَقْفِ (p-٦٢١٦)لِأنَّ قاعِدَةَ الرَّسْمِ مَبْنِيَّةٌ عَلى حالِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ.
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] أيْ: أهْلَ مَجْلِسِهِ، لِيَمْنَعَ المُصَلِّينَ ويُؤْذِيَ أهْلَ الحَقِّ الصّادِقِينَ، اتِّكالًا عَلى قُوَّتِهِمْ وغَفْلَةً عَنْ قَهْرِ الحَقِّ وسُخْطِهِ. والجُمْلَةُ إمّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى مَن حَلَّ فِيهِ. والنّادِي المَجْلِسُ الَّذِي يَنْتَدِي فِيهِ القَوْمُ، أيْ: يَجْتَمِعُونَ.
﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] أيْ: زَبانِيَةَ العَذابِ مِن جُنُودِهِ تَعالى فَيُهْلِكُونَهُ في الدُّنْيا، أوْ يَرِدُونَهُ في النّارِ في الآخِرَةِ وهو صاغِرٌ. ولَمْ يُرْسَمْ "سَنَدْعُ" بِالواوِ في المَصاحِفِ بِاتِّباعِ الرَّسْمِ لِلَّفْظِ، أوْ لِمُشاكَلَةِ قَوْلِهِ "فَلْيَدْعُ" وقِيلَ: إنَّهُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ نَظَرٌ.
﴿كَلا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِلنّاهِي بَعْدَ رَدْعٍ، وزَجْرٌ إثْرَ زَجْرٍ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: لا تُطِعْ ذاكَ الطّاغِيَ إذا نَهاكَ عَنْ عِبادَةِ رَبِّكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيِ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عِصْيانِهِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ [القلم: ٨] ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] أيْ: صَلِّ لِرَبِّكَ وتَقَرَّبْ مِنهُ بِالعِبادَةِ وتَحَبَّبْ إلَيْهِ بِالطّاعَةِ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ. فَأكْثِرُوا مِنَ الدُّعاءِ»» .
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، عَلى ما صَحَّ في الأخْبارِ، قالَ الإمامُ: ولا مانِعَ مِن أنْ يَكُونَ في الآياتِ إشارَةٌ إلَيْهِ، ولَكِنَّها عامَّةٌ في كُلِّ وقْتٍ وزَمَنٍ كَما تَرى. والخِطابُ فِيها مُوَجَّهٌ إلى مَن يُخاطَبُ لا إلى شَخْصِ النَّبِيِّ ﷺ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِي: قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في (فَتْحِ البارِي): إنَّما شَدَّدَ الأمْرَ -أمْرَ الوَعِيدِ- في حَقِّ أبِي جَهْلٍ ولَمْ يَقَعْ مِثْلُ ذَلِكَ لِعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، حَيْثُ طَرَحَ سِلى الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ ﷺ وهو يُصَلِّي -لِأنَّهُما وإنِ اشْتَرَكا في مُطْلَقِ الأذِيَّةِ حالَ صَلاتِهِ لَكِنْ زادَ أبُو جَهْلٍ بِالتَّهْدِيدِ وبِدَعْوَةِ أهْلِ طاعَتِهِ، وبِوَطْءِ العُنُقِ الشَّرِيفِ. وفي ذَلِكَ مِنَ المُبالَغَةِ ما اقْتَضى تَعْجِيلَ (p-٦٢١٧)العُقُوبَةِ لَهُ، لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ. وقَدْ عُوقِبَ عَقِبَهُ بِدُعائِهِ ﷺ وعَلى مَن شارَكَهُ في فِعْلِهِ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، كَأبِي جَهْلٍ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ذِكْرُ الصَّلاةِ في الصُّورَةِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَقِيَّتَها نَزَلَ بَعْدَ فَرْضِ الصَّلاةِ، فَقَدْ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ صَلاةٌ قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلَواتُ الخَمْسُ المَعْرُوفَةُ.
الرّابِعُ: قالَ في (اللُّبابِ): سَجْدَةُ هَذِهِ السُّورَةِ مِن عَزائِمِ سُجُودِ التِّلاوَةِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. فَيُسَنُّ لِلْقارِئِ والمُسْتَمِعِ أنْ يَسْجُدَ عِنْدَ قِراءَتِها. يَدُلُّ عَلَيْهِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ««سَجَدْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] و﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]»» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ.
القدر 97:1
(p-٦٢١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ: أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى قَلْبِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِمَعْنى ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقَدْ وُصِفَتْ بِالمُبارَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] وكانَتْ في رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
قالَ الإمامُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إمّا بِمَعْنى لَيْلَةِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ فِيها تَقْدِيرَ دِينِهِ وتَحْدِيدَ الخُطَّةِ لِنَبِيِّهِ في دَعْوَةِ النّاسِ إلى ما يُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ بِمَعْنى العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ لَهُ قَدْرٌ)، أيْ: لَهُ شَرَفٌ وعَظَمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلى فِيها مَنزِلَةَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِالرِّسالَةِ، وقَدْ جاءَ بِما فِيهِ الإشارَةُ، بَلِ التَّصْرِيحُ، بِأنَّها لَيْلَةٌ جَلِيلَةٌ؛ بِجَلالَةِ ما وقَعَ فِيها مِن إنْزالِ القُرْآنِ. فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] أيْ: وما الَّذِي يُعْلِمُكَ مَبْلَغَ شَأْنِها ونَباهَةَ أمْرِها.
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فَكَرَّرَ ذِكْرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أتى بِالِاسْتِفْهامِ الدّالِّ (p-٦٢٢٠)عَلى أنَّ شَرَفَها لَيْسَ مِمّا تَسْهُلُ إحاطَةُ العِلْمِ بِهِ، ثُمَّ قالَ: (إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الأُمَمِ آلافٌ مِنَ الشُّهُورِ وهم يَخْتَبِطُونَ في ظُلُماتِ الضَّلالِ؛ فَلَيْلَةٌ يَسْطَعُ فِيها نُورُ الهُدى خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مِن شُهُورِهِمُ الأُولى. ولَكَ أنْ تَقِفَ في التَّفْضِيلِ عِنْدَ النَّصِّ، وتُفَوِّضُ الأمْرَ، في تَحْدِيدِ ما فُضِّلَتْ عَلَيْهِ اللَّيْلَةُ بِألْفِ شَهْرٍ، إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ سَبَبَ ذَلِكَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، ولَكَ أنْ تُجْرِيَ الكَلامُ عَلى عادَتِهِمْ في التَّخاطُبِ. وذَلِكَ في الكِتابِ كَثِيرٌ، ومِنهُ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ في هَذِهِ السُّوَرِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَإنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الخِطابِ، وإلّا فالعَلِيمُ الخَبِيرُ لا يَقَعُ مِنهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْ شَيْءٍ. فَيَكُونُ التَّحْدِيدُ بِالألِفِ لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، وإنَّ أقَلَّ عَدَدٍ تَفْضُلُهُ هو ألْفُ شَهْرٍ. ثُمَّ إنَّ دَرَجاتِ فَضْلِها عَلى هَذا العَدَدِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ. فَإذا قُلْتَ: إخْفاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِن إظْهارِها، لَمْ تُعَيِّنْ دَرَجَةَ الأفْضَلِيَّةِ، وهي دَرَجاتٌ فَوْقَ دَرَجاتٍ وقَدْ جاءَ في الكِتابِ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، هي واقِعَةُ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ أمَدَّ المُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِثَلاثَةِ آلافٍ، أوْ بِخَمْسَةِ آلافٍ، كَما تَراهُ في الأنْفالِ وآلِ عِمْرانَ؛ فالعَدَدُ هُناكَ لا مَفْهُومَ لَهُ، كَما هو ظاهِرٌ. فَهي لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيانِ بَعْضِ مَزاياها فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] يُخْبِرُ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أوَّلَ عَهْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشُهُودِ المَلائِكَةِ كانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَنَزَّلَتْ مِن عالَمِها الرُّوحانِيِّ الَّذِي لا يَحُدُّهُ حَدٌّ ولا يُحِيطُ بِهِ مِقْدارٌ، حَتّى تَمَثَّلَتْ لِبَصَرِهِ ﷺ، والرُّوحُ هو الَّذِي يَتَمَثَّلُ لَهُ مُبَلِّغًا لِلْوَحْيِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ في القُرْآنِ بِجِبْرِيلَ. وإنَّما تَظْهَرُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] أيْ: إنَّما تَتَجَلّى المَلائِكَةُ عَلى النَّفْسِ الكامِلَةِ، بَعْدَ أنْ هَيَّأها اللَّهُ لِقَبُولِ تَجَلِّيها. ولَيْسَتْ تَتَجَلّى المَلائِكَةُ لِجَمِيعِ النُّفُوسِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. واخْتِصاصُهُ هو إذْنُهُ ومَشِيئَتُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذا الإذْنَ مَبْدَؤُهُ الأوامِرُ والأحْكامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجَلِّي المَلائِكَةَ عَلى النُّفُوسِ، لِإيحاءِ ما يُرِيدُهُ مِنها. ولِهَذا قالَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المَلائِكَةَ والرُّوحَ لِرُسُلِهِ عِنْدَ كُلِّ أمْرٍ يُرِيدُ إبْلاغَهُ إلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ مُبْتَدِئًا مِنَ الأمْرِ عَلى هَذا المَعْنى. (p-٦٢٢١)والأمْرُ ها هُنا هو الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] فالكَلامُ في الرِّسالَةِ والأوامِرِ والأحْكامِ، لا في شَيْءٍ سِواها؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (مِن) ها هُنا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ لِما قُلْنا. وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ المَعْنى ماضٍ، لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ القُرْآنِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِاسْتِحْضارِ الماضِي لِعَظَمَتِهِ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ المُضارِعَ بَعْدَ الماضِي يَزِيدُ الأمْرَ تَصْوِيرًا.
والثّانِي: لِأنَّ مَبْدَأ النُّزُولِ كانَ فِيها، ولَكِنْ بَقِيَّةَ الكِتابِ وما فِيهِ مِن تَفْصِيلِ الأوامِرِ والأحْكامِ كانَ فِيما بَعْدُ، فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ابْتَدَأ فِيها يَسْتَمِرُّ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ حَتّى يُكْمِلَ الدِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أيْ: أنَّها كانَتْ لَيْلَةً سالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى. والإخْبارُ عَنْها بِالسَّلامِ نَفْسِهِ -وهُوَ الأمْنُ والسَّلامَةُ- لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَمْ يَشُبْها كَدَرٌ، بَلْ فَرَّجَ اللَّهُ فِيها عَنْ نَبِيِّهِ كُلَّ كُرْبَةٍ وفَتَحَ لَهُ فِيها سُبُلَ الهِدايَةِ، فَأنالَهُ بِذَلِكَ ما كانَ يَتَطَلَّعُ إلَيْها الأيّامَ والشُّهُورَ الطِّوالَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتَدَأ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ كانَتْ في رَمَضانَ لِآيَةِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا إجْماعَ في تَعْيِينِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّها «رُفِعَتْ»» أيْ: رُفِعَ العِلْمُ بِتَعْيِينِها. وفي رِوايَةٍ فِيهِ: ««نَسِيتُها أوْ أُنْسِيتُها»»، مِن قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولِذا رَغَّبَ في قِيامِ رَمَضانَ كُلَّهُ رَجاءَ مُوافَقَتِها في لَيْلَةٍ مِنهُ. نَعَمِ الأقْوى رِوايَةً أنَّها في ««العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ»» لِما كانَ مِنِ اهْتِمامِهِ ﷺ بِالِاعْتِكافِ فِيهِ وإحْياءِ لَيْلِهِ وإيقاظِ أهْلِهِ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ. (p-٦٢٢٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وحُجَّتُهم حَدِيثُ واثِلَةَ: «أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ». وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ السَّلَفِ فِيها –صَحابَةً ومَن بَعْدَهُمْ- حَتّى أنافَتْ عَلى أرْبَعِينَ قَوْلًا.
قالَ الإمامُ: ثُمَّ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ في شَهْرِ رَمَضانَ، ولا نُعَيِّنُها مِن بَيْنِ لَيالِيهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّواياتُ اخْتِلافًا عَظِيمًا، وكِتابُ اللَّهِ لَمْ يُعَيِّنْها، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن ذِكْرِها، إنَّما قُصِدَ بِهِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى إحْيائِها بِالعِبادَةِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم بِهَذا الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَأ اللَّهُ إفاضَتَهُ فِيهِمْ، في أثْنائِها. ولَهم أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِيها أفْرادًا وجَماعاتٍ، فَمَن رَجَحَ عِنْدَهُ خَبَرٌ في لَيْلَةٍ أحْياها، ومَن أرادَ أنْ يُوافِقَها عَلى التَّحْقِيقِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ بِالفَراغِ إلَيْهِ بِالعِباداتِ في الشَّهْرِ كُلِّهِ. وهَذا هو السِّرُّ في عَدَمِ تَعْيِينِها. وتُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّها تَجْعَلُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِنُزُولِ القُرْآنِ، لِيَذْكُرَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَهي لَيْلَةُ عِبادَةٍ وخُشُوعٍ، وتَذَكُّرٍ لِنِعْمَةِ الحَقِّ والدِّينِ. فَلا تَكُونُ لَيْلَةَ زَهْوٍ ولَهْوٍ تُتَّخَذُ فِيها مَساجِدُ اللَّهِ مَضامِيرَ لِلرِّياءِ، يَتَسابَقُ إلَيْها المُنافِقُونَ ويُحَدِّثُ أنْفُسَهم بِالبُعْدِ عَنْها المُخْلِصُونَ، كَما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَإنَّ كُلَّ ما حَفِظُوهُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ هو أنْ تَكُونَ لَهم فِيها ساعَةُ سَمَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيها بِما لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ، ويَسْمَعُونَ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَنْظُرُونَ فِيهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِمَعانِيهِ، بَلْ إنْ أصْغَوْا إلَيْهِ فَإنَّما يُصْغُونَ لِنَغَمَةِ تالِيهِ، ثُمَّ يَسْمَعُونَ مِنَ الأقْوالِ ما لَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ، ولَمْ يُحْمَدْ في الآخِرِينَ ولا الأوَّلِينَ أثَرُهُ، ولَهم خَيالاتٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ الأطْفالِ، فَضْلًا عَنِ الرّاشِدِينَ مِنَ الرِّجالِ. انْتَهى.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إخْفاءُ لَيْلَةِ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى كَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَظْهَرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ ما لا يَظْهَرُ في سائِرِ السَّنَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا، لَمْ يُخْفَ عَلى كُلِّ مَن قامَ لَيالِيَ السَّنَةِ، فَضْلًا عَنْ لَيالِي رَمَضانَ.
الثّانِي: حَكى الحافِظُ ابْنُ جَحَرٍ في (فَتْحِ البارِي) قَوْلًا عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خاصَّةٌ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ وقَعَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ ما صَحَّ أنَّها «رُفِعَتْ» وقَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ؛ ولِذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِهِ. وعِنْدِي أنْ لا تَنافِيَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ هو لَيْلَةُ نُزُولِ (p-٦٢٢٣)القُرْآنِ وما كانَ فِيها مِنَ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهِ، وبِالثّانِي أنَّ ما يُوافِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن رَمَضانَ كُلَّ عامٍ، هي لَيْلَةٌ فِيها مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِها، بِفَضْلٍ اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ غَيْرِها. وهَذا هو السِّرُّ في قِيامِ رَمَضانَ والتِماسِها في العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ. أعْنِي إحْياءَ ما ماثَلَها مِنَ اللَّيالِي تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا وشُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ، فالقائِمُ في لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ، أوْ في رَمَضانَ، مُصادِفٌ البَتَّةَ لِما ماثَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّها مِنهُ قَطْعًا. وقَدْ بايَنَ الإسْلامُ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الأوْقاتِ بِتَشْرِيعِ اتِّخاذِها مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ ما ابْتَدَعَهُ رُؤَساءُ الأدْيانِ الأُخَرِ في تِذْكاراتِهِمْ وجَعَلَها أعْيادًا، تُصْرَفُ ساعاتُها لِلْبِطالَةِ والزِّينَةِ واللَّهْوِ، مِمّا يُنافِي حِكْمَةَ ذِكْراها؛ فَتَأمَّلِ الفَرْقَ واحْمَدِ اللَّهَ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ما يَقُولُهُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وأنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُفْرَقُ فِيها هي الأرْزاقُ والأعْمارُ، وكَذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهو مِنَ الجَراءَةِ عَلى الكَلامِ في الغَيْبِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ، ولَيْسَ مِنَ الجائِزِ لَنا أنْ نَعْتَقِدَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، ومِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ؛ لِاضْطِرابِ الرِّواياتِ، وضَعْفِ أغْلَبِها، وكَذِبِ الكَثِيرِ مِنها. ومِثْلُها لا يَصِحُّ الأخْذُ بِهِ في بابِ العَقائِدِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في بَيْتِ العِزَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في عَقائِدِ الدِّينِ، لِعَدَمِ تَواتُرِ خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ لَنا الأخْذُ بِالظَّنِّ في عَقِيدَةِ مِثْلِ هَذِهِ، وإلّا كُنّا مِنَ الَّذِينَ "إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ" نَعُوذُ بِاللَّهِ. وقَدْ وقَعَ المُسْلِمُونَ في هَذِهِ المُصِيبَةِ، مُصِيبَةِ الخَلْطِ بَيْنَ ما يَصِحُّ الِاعْتِقادُ بِهِ مِن غَيْبِ اللَّهِ ويُعَدُّ مِن عَقائِدِ الدِّينِ، وبَيْنَ ما يُظَنُّ بِهِ لِلْعَمَلِ عَلى فَضِيلَةٍ مِنَ الفَضائِلِ، فاحْذَرْ أنْ تَقَعَ فِيها مِثْلَهُمُ، انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
القدر 97:2
(p-٦٢١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ: أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى قَلْبِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِمَعْنى ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقَدْ وُصِفَتْ بِالمُبارَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] وكانَتْ في رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
قالَ الإمامُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إمّا بِمَعْنى لَيْلَةِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ فِيها تَقْدِيرَ دِينِهِ وتَحْدِيدَ الخُطَّةِ لِنَبِيِّهِ في دَعْوَةِ النّاسِ إلى ما يُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ بِمَعْنى العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ لَهُ قَدْرٌ)، أيْ: لَهُ شَرَفٌ وعَظَمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلى فِيها مَنزِلَةَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِالرِّسالَةِ، وقَدْ جاءَ بِما فِيهِ الإشارَةُ، بَلِ التَّصْرِيحُ، بِأنَّها لَيْلَةٌ جَلِيلَةٌ؛ بِجَلالَةِ ما وقَعَ فِيها مِن إنْزالِ القُرْآنِ. فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] أيْ: وما الَّذِي يُعْلِمُكَ مَبْلَغَ شَأْنِها ونَباهَةَ أمْرِها.
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فَكَرَّرَ ذِكْرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أتى بِالِاسْتِفْهامِ الدّالِّ (p-٦٢٢٠)عَلى أنَّ شَرَفَها لَيْسَ مِمّا تَسْهُلُ إحاطَةُ العِلْمِ بِهِ، ثُمَّ قالَ: (إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الأُمَمِ آلافٌ مِنَ الشُّهُورِ وهم يَخْتَبِطُونَ في ظُلُماتِ الضَّلالِ؛ فَلَيْلَةٌ يَسْطَعُ فِيها نُورُ الهُدى خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مِن شُهُورِهِمُ الأُولى. ولَكَ أنْ تَقِفَ في التَّفْضِيلِ عِنْدَ النَّصِّ، وتُفَوِّضُ الأمْرَ، في تَحْدِيدِ ما فُضِّلَتْ عَلَيْهِ اللَّيْلَةُ بِألْفِ شَهْرٍ، إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ سَبَبَ ذَلِكَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، ولَكَ أنْ تُجْرِيَ الكَلامُ عَلى عادَتِهِمْ في التَّخاطُبِ. وذَلِكَ في الكِتابِ كَثِيرٌ، ومِنهُ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ في هَذِهِ السُّوَرِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَإنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الخِطابِ، وإلّا فالعَلِيمُ الخَبِيرُ لا يَقَعُ مِنهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْ شَيْءٍ. فَيَكُونُ التَّحْدِيدُ بِالألِفِ لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، وإنَّ أقَلَّ عَدَدٍ تَفْضُلُهُ هو ألْفُ شَهْرٍ. ثُمَّ إنَّ دَرَجاتِ فَضْلِها عَلى هَذا العَدَدِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ. فَإذا قُلْتَ: إخْفاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِن إظْهارِها، لَمْ تُعَيِّنْ دَرَجَةَ الأفْضَلِيَّةِ، وهي دَرَجاتٌ فَوْقَ دَرَجاتٍ وقَدْ جاءَ في الكِتابِ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، هي واقِعَةُ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ أمَدَّ المُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِثَلاثَةِ آلافٍ، أوْ بِخَمْسَةِ آلافٍ، كَما تَراهُ في الأنْفالِ وآلِ عِمْرانَ؛ فالعَدَدُ هُناكَ لا مَفْهُومَ لَهُ، كَما هو ظاهِرٌ. فَهي لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيانِ بَعْضِ مَزاياها فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] يُخْبِرُ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أوَّلَ عَهْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشُهُودِ المَلائِكَةِ كانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَنَزَّلَتْ مِن عالَمِها الرُّوحانِيِّ الَّذِي لا يَحُدُّهُ حَدٌّ ولا يُحِيطُ بِهِ مِقْدارٌ، حَتّى تَمَثَّلَتْ لِبَصَرِهِ ﷺ، والرُّوحُ هو الَّذِي يَتَمَثَّلُ لَهُ مُبَلِّغًا لِلْوَحْيِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ في القُرْآنِ بِجِبْرِيلَ. وإنَّما تَظْهَرُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] أيْ: إنَّما تَتَجَلّى المَلائِكَةُ عَلى النَّفْسِ الكامِلَةِ، بَعْدَ أنْ هَيَّأها اللَّهُ لِقَبُولِ تَجَلِّيها. ولَيْسَتْ تَتَجَلّى المَلائِكَةُ لِجَمِيعِ النُّفُوسِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. واخْتِصاصُهُ هو إذْنُهُ ومَشِيئَتُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذا الإذْنَ مَبْدَؤُهُ الأوامِرُ والأحْكامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجَلِّي المَلائِكَةَ عَلى النُّفُوسِ، لِإيحاءِ ما يُرِيدُهُ مِنها. ولِهَذا قالَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المَلائِكَةَ والرُّوحَ لِرُسُلِهِ عِنْدَ كُلِّ أمْرٍ يُرِيدُ إبْلاغَهُ إلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ مُبْتَدِئًا مِنَ الأمْرِ عَلى هَذا المَعْنى. (p-٦٢٢١)والأمْرُ ها هُنا هو الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] فالكَلامُ في الرِّسالَةِ والأوامِرِ والأحْكامِ، لا في شَيْءٍ سِواها؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (مِن) ها هُنا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ لِما قُلْنا. وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ المَعْنى ماضٍ، لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ القُرْآنِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِاسْتِحْضارِ الماضِي لِعَظَمَتِهِ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ المُضارِعَ بَعْدَ الماضِي يَزِيدُ الأمْرَ تَصْوِيرًا.
والثّانِي: لِأنَّ مَبْدَأ النُّزُولِ كانَ فِيها، ولَكِنْ بَقِيَّةَ الكِتابِ وما فِيهِ مِن تَفْصِيلِ الأوامِرِ والأحْكامِ كانَ فِيما بَعْدُ، فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ابْتَدَأ فِيها يَسْتَمِرُّ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ حَتّى يُكْمِلَ الدِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أيْ: أنَّها كانَتْ لَيْلَةً سالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى. والإخْبارُ عَنْها بِالسَّلامِ نَفْسِهِ -وهُوَ الأمْنُ والسَّلامَةُ- لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَمْ يَشُبْها كَدَرٌ، بَلْ فَرَّجَ اللَّهُ فِيها عَنْ نَبِيِّهِ كُلَّ كُرْبَةٍ وفَتَحَ لَهُ فِيها سُبُلَ الهِدايَةِ، فَأنالَهُ بِذَلِكَ ما كانَ يَتَطَلَّعُ إلَيْها الأيّامَ والشُّهُورَ الطِّوالَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتَدَأ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ كانَتْ في رَمَضانَ لِآيَةِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا إجْماعَ في تَعْيِينِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّها «رُفِعَتْ»» أيْ: رُفِعَ العِلْمُ بِتَعْيِينِها. وفي رِوايَةٍ فِيهِ: ««نَسِيتُها أوْ أُنْسِيتُها»»، مِن قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولِذا رَغَّبَ في قِيامِ رَمَضانَ كُلَّهُ رَجاءَ مُوافَقَتِها في لَيْلَةٍ مِنهُ. نَعَمِ الأقْوى رِوايَةً أنَّها في ««العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ»» لِما كانَ مِنِ اهْتِمامِهِ ﷺ بِالِاعْتِكافِ فِيهِ وإحْياءِ لَيْلِهِ وإيقاظِ أهْلِهِ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ. (p-٦٢٢٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وحُجَّتُهم حَدِيثُ واثِلَةَ: «أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ». وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ السَّلَفِ فِيها –صَحابَةً ومَن بَعْدَهُمْ- حَتّى أنافَتْ عَلى أرْبَعِينَ قَوْلًا.
قالَ الإمامُ: ثُمَّ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ في شَهْرِ رَمَضانَ، ولا نُعَيِّنُها مِن بَيْنِ لَيالِيهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّواياتُ اخْتِلافًا عَظِيمًا، وكِتابُ اللَّهِ لَمْ يُعَيِّنْها، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن ذِكْرِها، إنَّما قُصِدَ بِهِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى إحْيائِها بِالعِبادَةِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم بِهَذا الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَأ اللَّهُ إفاضَتَهُ فِيهِمْ، في أثْنائِها. ولَهم أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِيها أفْرادًا وجَماعاتٍ، فَمَن رَجَحَ عِنْدَهُ خَبَرٌ في لَيْلَةٍ أحْياها، ومَن أرادَ أنْ يُوافِقَها عَلى التَّحْقِيقِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ بِالفَراغِ إلَيْهِ بِالعِباداتِ في الشَّهْرِ كُلِّهِ. وهَذا هو السِّرُّ في عَدَمِ تَعْيِينِها. وتُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّها تَجْعَلُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِنُزُولِ القُرْآنِ، لِيَذْكُرَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَهي لَيْلَةُ عِبادَةٍ وخُشُوعٍ، وتَذَكُّرٍ لِنِعْمَةِ الحَقِّ والدِّينِ. فَلا تَكُونُ لَيْلَةَ زَهْوٍ ولَهْوٍ تُتَّخَذُ فِيها مَساجِدُ اللَّهِ مَضامِيرَ لِلرِّياءِ، يَتَسابَقُ إلَيْها المُنافِقُونَ ويُحَدِّثُ أنْفُسَهم بِالبُعْدِ عَنْها المُخْلِصُونَ، كَما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَإنَّ كُلَّ ما حَفِظُوهُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ هو أنْ تَكُونَ لَهم فِيها ساعَةُ سَمَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيها بِما لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ، ويَسْمَعُونَ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَنْظُرُونَ فِيهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِمَعانِيهِ، بَلْ إنْ أصْغَوْا إلَيْهِ فَإنَّما يُصْغُونَ لِنَغَمَةِ تالِيهِ، ثُمَّ يَسْمَعُونَ مِنَ الأقْوالِ ما لَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ، ولَمْ يُحْمَدْ في الآخِرِينَ ولا الأوَّلِينَ أثَرُهُ، ولَهم خَيالاتٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ الأطْفالِ، فَضْلًا عَنِ الرّاشِدِينَ مِنَ الرِّجالِ. انْتَهى.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إخْفاءُ لَيْلَةِ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى كَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَظْهَرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ ما لا يَظْهَرُ في سائِرِ السَّنَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا، لَمْ يُخْفَ عَلى كُلِّ مَن قامَ لَيالِيَ السَّنَةِ، فَضْلًا عَنْ لَيالِي رَمَضانَ.
الثّانِي: حَكى الحافِظُ ابْنُ جَحَرٍ في (فَتْحِ البارِي) قَوْلًا عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خاصَّةٌ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ وقَعَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ ما صَحَّ أنَّها «رُفِعَتْ» وقَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ؛ ولِذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِهِ. وعِنْدِي أنْ لا تَنافِيَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ هو لَيْلَةُ نُزُولِ (p-٦٢٢٣)القُرْآنِ وما كانَ فِيها مِنَ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهِ، وبِالثّانِي أنَّ ما يُوافِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن رَمَضانَ كُلَّ عامٍ، هي لَيْلَةٌ فِيها مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِها، بِفَضْلٍ اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ غَيْرِها. وهَذا هو السِّرُّ في قِيامِ رَمَضانَ والتِماسِها في العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ. أعْنِي إحْياءَ ما ماثَلَها مِنَ اللَّيالِي تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا وشُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ، فالقائِمُ في لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ، أوْ في رَمَضانَ، مُصادِفٌ البَتَّةَ لِما ماثَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّها مِنهُ قَطْعًا. وقَدْ بايَنَ الإسْلامُ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الأوْقاتِ بِتَشْرِيعِ اتِّخاذِها مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ ما ابْتَدَعَهُ رُؤَساءُ الأدْيانِ الأُخَرِ في تِذْكاراتِهِمْ وجَعَلَها أعْيادًا، تُصْرَفُ ساعاتُها لِلْبِطالَةِ والزِّينَةِ واللَّهْوِ، مِمّا يُنافِي حِكْمَةَ ذِكْراها؛ فَتَأمَّلِ الفَرْقَ واحْمَدِ اللَّهَ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ما يَقُولُهُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وأنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُفْرَقُ فِيها هي الأرْزاقُ والأعْمارُ، وكَذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهو مِنَ الجَراءَةِ عَلى الكَلامِ في الغَيْبِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ، ولَيْسَ مِنَ الجائِزِ لَنا أنْ نَعْتَقِدَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، ومِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ؛ لِاضْطِرابِ الرِّواياتِ، وضَعْفِ أغْلَبِها، وكَذِبِ الكَثِيرِ مِنها. ومِثْلُها لا يَصِحُّ الأخْذُ بِهِ في بابِ العَقائِدِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في بَيْتِ العِزَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في عَقائِدِ الدِّينِ، لِعَدَمِ تَواتُرِ خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ لَنا الأخْذُ بِالظَّنِّ في عَقِيدَةِ مِثْلِ هَذِهِ، وإلّا كُنّا مِنَ الَّذِينَ "إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ" نَعُوذُ بِاللَّهِ. وقَدْ وقَعَ المُسْلِمُونَ في هَذِهِ المُصِيبَةِ، مُصِيبَةِ الخَلْطِ بَيْنَ ما يَصِحُّ الِاعْتِقادُ بِهِ مِن غَيْبِ اللَّهِ ويُعَدُّ مِن عَقائِدِ الدِّينِ، وبَيْنَ ما يُظَنُّ بِهِ لِلْعَمَلِ عَلى فَضِيلَةٍ مِنَ الفَضائِلِ، فاحْذَرْ أنْ تَقَعَ فِيها مِثْلَهُمُ، انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
القدر 97:3
(p-٦٢١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ: أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى قَلْبِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِمَعْنى ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقَدْ وُصِفَتْ بِالمُبارَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] وكانَتْ في رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
قالَ الإمامُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إمّا بِمَعْنى لَيْلَةِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ فِيها تَقْدِيرَ دِينِهِ وتَحْدِيدَ الخُطَّةِ لِنَبِيِّهِ في دَعْوَةِ النّاسِ إلى ما يُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ بِمَعْنى العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ لَهُ قَدْرٌ)، أيْ: لَهُ شَرَفٌ وعَظَمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلى فِيها مَنزِلَةَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِالرِّسالَةِ، وقَدْ جاءَ بِما فِيهِ الإشارَةُ، بَلِ التَّصْرِيحُ، بِأنَّها لَيْلَةٌ جَلِيلَةٌ؛ بِجَلالَةِ ما وقَعَ فِيها مِن إنْزالِ القُرْآنِ. فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] أيْ: وما الَّذِي يُعْلِمُكَ مَبْلَغَ شَأْنِها ونَباهَةَ أمْرِها.
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فَكَرَّرَ ذِكْرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أتى بِالِاسْتِفْهامِ الدّالِّ (p-٦٢٢٠)عَلى أنَّ شَرَفَها لَيْسَ مِمّا تَسْهُلُ إحاطَةُ العِلْمِ بِهِ، ثُمَّ قالَ: (إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الأُمَمِ آلافٌ مِنَ الشُّهُورِ وهم يَخْتَبِطُونَ في ظُلُماتِ الضَّلالِ؛ فَلَيْلَةٌ يَسْطَعُ فِيها نُورُ الهُدى خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مِن شُهُورِهِمُ الأُولى. ولَكَ أنْ تَقِفَ في التَّفْضِيلِ عِنْدَ النَّصِّ، وتُفَوِّضُ الأمْرَ، في تَحْدِيدِ ما فُضِّلَتْ عَلَيْهِ اللَّيْلَةُ بِألْفِ شَهْرٍ، إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ سَبَبَ ذَلِكَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، ولَكَ أنْ تُجْرِيَ الكَلامُ عَلى عادَتِهِمْ في التَّخاطُبِ. وذَلِكَ في الكِتابِ كَثِيرٌ، ومِنهُ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ في هَذِهِ السُّوَرِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَإنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الخِطابِ، وإلّا فالعَلِيمُ الخَبِيرُ لا يَقَعُ مِنهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْ شَيْءٍ. فَيَكُونُ التَّحْدِيدُ بِالألِفِ لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، وإنَّ أقَلَّ عَدَدٍ تَفْضُلُهُ هو ألْفُ شَهْرٍ. ثُمَّ إنَّ دَرَجاتِ فَضْلِها عَلى هَذا العَدَدِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ. فَإذا قُلْتَ: إخْفاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِن إظْهارِها، لَمْ تُعَيِّنْ دَرَجَةَ الأفْضَلِيَّةِ، وهي دَرَجاتٌ فَوْقَ دَرَجاتٍ وقَدْ جاءَ في الكِتابِ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، هي واقِعَةُ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ أمَدَّ المُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِثَلاثَةِ آلافٍ، أوْ بِخَمْسَةِ آلافٍ، كَما تَراهُ في الأنْفالِ وآلِ عِمْرانَ؛ فالعَدَدُ هُناكَ لا مَفْهُومَ لَهُ، كَما هو ظاهِرٌ. فَهي لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيانِ بَعْضِ مَزاياها فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] يُخْبِرُ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أوَّلَ عَهْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشُهُودِ المَلائِكَةِ كانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَنَزَّلَتْ مِن عالَمِها الرُّوحانِيِّ الَّذِي لا يَحُدُّهُ حَدٌّ ولا يُحِيطُ بِهِ مِقْدارٌ، حَتّى تَمَثَّلَتْ لِبَصَرِهِ ﷺ، والرُّوحُ هو الَّذِي يَتَمَثَّلُ لَهُ مُبَلِّغًا لِلْوَحْيِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ في القُرْآنِ بِجِبْرِيلَ. وإنَّما تَظْهَرُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] أيْ: إنَّما تَتَجَلّى المَلائِكَةُ عَلى النَّفْسِ الكامِلَةِ، بَعْدَ أنْ هَيَّأها اللَّهُ لِقَبُولِ تَجَلِّيها. ولَيْسَتْ تَتَجَلّى المَلائِكَةُ لِجَمِيعِ النُّفُوسِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. واخْتِصاصُهُ هو إذْنُهُ ومَشِيئَتُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذا الإذْنَ مَبْدَؤُهُ الأوامِرُ والأحْكامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجَلِّي المَلائِكَةَ عَلى النُّفُوسِ، لِإيحاءِ ما يُرِيدُهُ مِنها. ولِهَذا قالَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المَلائِكَةَ والرُّوحَ لِرُسُلِهِ عِنْدَ كُلِّ أمْرٍ يُرِيدُ إبْلاغَهُ إلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ مُبْتَدِئًا مِنَ الأمْرِ عَلى هَذا المَعْنى. (p-٦٢٢١)والأمْرُ ها هُنا هو الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] فالكَلامُ في الرِّسالَةِ والأوامِرِ والأحْكامِ، لا في شَيْءٍ سِواها؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (مِن) ها هُنا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ لِما قُلْنا. وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ المَعْنى ماضٍ، لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ القُرْآنِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِاسْتِحْضارِ الماضِي لِعَظَمَتِهِ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ المُضارِعَ بَعْدَ الماضِي يَزِيدُ الأمْرَ تَصْوِيرًا.
والثّانِي: لِأنَّ مَبْدَأ النُّزُولِ كانَ فِيها، ولَكِنْ بَقِيَّةَ الكِتابِ وما فِيهِ مِن تَفْصِيلِ الأوامِرِ والأحْكامِ كانَ فِيما بَعْدُ، فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ابْتَدَأ فِيها يَسْتَمِرُّ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ حَتّى يُكْمِلَ الدِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أيْ: أنَّها كانَتْ لَيْلَةً سالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى. والإخْبارُ عَنْها بِالسَّلامِ نَفْسِهِ -وهُوَ الأمْنُ والسَّلامَةُ- لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَمْ يَشُبْها كَدَرٌ، بَلْ فَرَّجَ اللَّهُ فِيها عَنْ نَبِيِّهِ كُلَّ كُرْبَةٍ وفَتَحَ لَهُ فِيها سُبُلَ الهِدايَةِ، فَأنالَهُ بِذَلِكَ ما كانَ يَتَطَلَّعُ إلَيْها الأيّامَ والشُّهُورَ الطِّوالَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتَدَأ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ كانَتْ في رَمَضانَ لِآيَةِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا إجْماعَ في تَعْيِينِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّها «رُفِعَتْ»» أيْ: رُفِعَ العِلْمُ بِتَعْيِينِها. وفي رِوايَةٍ فِيهِ: ««نَسِيتُها أوْ أُنْسِيتُها»»، مِن قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولِذا رَغَّبَ في قِيامِ رَمَضانَ كُلَّهُ رَجاءَ مُوافَقَتِها في لَيْلَةٍ مِنهُ. نَعَمِ الأقْوى رِوايَةً أنَّها في ««العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ»» لِما كانَ مِنِ اهْتِمامِهِ ﷺ بِالِاعْتِكافِ فِيهِ وإحْياءِ لَيْلِهِ وإيقاظِ أهْلِهِ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ. (p-٦٢٢٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وحُجَّتُهم حَدِيثُ واثِلَةَ: «أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ». وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ السَّلَفِ فِيها –صَحابَةً ومَن بَعْدَهُمْ- حَتّى أنافَتْ عَلى أرْبَعِينَ قَوْلًا.
قالَ الإمامُ: ثُمَّ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ في شَهْرِ رَمَضانَ، ولا نُعَيِّنُها مِن بَيْنِ لَيالِيهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّواياتُ اخْتِلافًا عَظِيمًا، وكِتابُ اللَّهِ لَمْ يُعَيِّنْها، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن ذِكْرِها، إنَّما قُصِدَ بِهِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى إحْيائِها بِالعِبادَةِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم بِهَذا الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَأ اللَّهُ إفاضَتَهُ فِيهِمْ، في أثْنائِها. ولَهم أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِيها أفْرادًا وجَماعاتٍ، فَمَن رَجَحَ عِنْدَهُ خَبَرٌ في لَيْلَةٍ أحْياها، ومَن أرادَ أنْ يُوافِقَها عَلى التَّحْقِيقِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ بِالفَراغِ إلَيْهِ بِالعِباداتِ في الشَّهْرِ كُلِّهِ. وهَذا هو السِّرُّ في عَدَمِ تَعْيِينِها. وتُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّها تَجْعَلُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِنُزُولِ القُرْآنِ، لِيَذْكُرَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَهي لَيْلَةُ عِبادَةٍ وخُشُوعٍ، وتَذَكُّرٍ لِنِعْمَةِ الحَقِّ والدِّينِ. فَلا تَكُونُ لَيْلَةَ زَهْوٍ ولَهْوٍ تُتَّخَذُ فِيها مَساجِدُ اللَّهِ مَضامِيرَ لِلرِّياءِ، يَتَسابَقُ إلَيْها المُنافِقُونَ ويُحَدِّثُ أنْفُسَهم بِالبُعْدِ عَنْها المُخْلِصُونَ، كَما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَإنَّ كُلَّ ما حَفِظُوهُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ هو أنْ تَكُونَ لَهم فِيها ساعَةُ سَمَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيها بِما لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ، ويَسْمَعُونَ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَنْظُرُونَ فِيهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِمَعانِيهِ، بَلْ إنْ أصْغَوْا إلَيْهِ فَإنَّما يُصْغُونَ لِنَغَمَةِ تالِيهِ، ثُمَّ يَسْمَعُونَ مِنَ الأقْوالِ ما لَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ، ولَمْ يُحْمَدْ في الآخِرِينَ ولا الأوَّلِينَ أثَرُهُ، ولَهم خَيالاتٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ الأطْفالِ، فَضْلًا عَنِ الرّاشِدِينَ مِنَ الرِّجالِ. انْتَهى.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إخْفاءُ لَيْلَةِ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى كَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَظْهَرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ ما لا يَظْهَرُ في سائِرِ السَّنَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا، لَمْ يُخْفَ عَلى كُلِّ مَن قامَ لَيالِيَ السَّنَةِ، فَضْلًا عَنْ لَيالِي رَمَضانَ.
الثّانِي: حَكى الحافِظُ ابْنُ جَحَرٍ في (فَتْحِ البارِي) قَوْلًا عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خاصَّةٌ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ وقَعَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ ما صَحَّ أنَّها «رُفِعَتْ» وقَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ؛ ولِذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِهِ. وعِنْدِي أنْ لا تَنافِيَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ هو لَيْلَةُ نُزُولِ (p-٦٢٢٣)القُرْآنِ وما كانَ فِيها مِنَ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهِ، وبِالثّانِي أنَّ ما يُوافِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن رَمَضانَ كُلَّ عامٍ، هي لَيْلَةٌ فِيها مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِها، بِفَضْلٍ اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ غَيْرِها. وهَذا هو السِّرُّ في قِيامِ رَمَضانَ والتِماسِها في العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ. أعْنِي إحْياءَ ما ماثَلَها مِنَ اللَّيالِي تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا وشُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ، فالقائِمُ في لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ، أوْ في رَمَضانَ، مُصادِفٌ البَتَّةَ لِما ماثَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّها مِنهُ قَطْعًا. وقَدْ بايَنَ الإسْلامُ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الأوْقاتِ بِتَشْرِيعِ اتِّخاذِها مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ ما ابْتَدَعَهُ رُؤَساءُ الأدْيانِ الأُخَرِ في تِذْكاراتِهِمْ وجَعَلَها أعْيادًا، تُصْرَفُ ساعاتُها لِلْبِطالَةِ والزِّينَةِ واللَّهْوِ، مِمّا يُنافِي حِكْمَةَ ذِكْراها؛ فَتَأمَّلِ الفَرْقَ واحْمَدِ اللَّهَ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ما يَقُولُهُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وأنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُفْرَقُ فِيها هي الأرْزاقُ والأعْمارُ، وكَذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهو مِنَ الجَراءَةِ عَلى الكَلامِ في الغَيْبِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ، ولَيْسَ مِنَ الجائِزِ لَنا أنْ نَعْتَقِدَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، ومِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ؛ لِاضْطِرابِ الرِّواياتِ، وضَعْفِ أغْلَبِها، وكَذِبِ الكَثِيرِ مِنها. ومِثْلُها لا يَصِحُّ الأخْذُ بِهِ في بابِ العَقائِدِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في بَيْتِ العِزَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في عَقائِدِ الدِّينِ، لِعَدَمِ تَواتُرِ خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ لَنا الأخْذُ بِالظَّنِّ في عَقِيدَةِ مِثْلِ هَذِهِ، وإلّا كُنّا مِنَ الَّذِينَ "إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ" نَعُوذُ بِاللَّهِ. وقَدْ وقَعَ المُسْلِمُونَ في هَذِهِ المُصِيبَةِ، مُصِيبَةِ الخَلْطِ بَيْنَ ما يَصِحُّ الِاعْتِقادُ بِهِ مِن غَيْبِ اللَّهِ ويُعَدُّ مِن عَقائِدِ الدِّينِ، وبَيْنَ ما يُظَنُّ بِهِ لِلْعَمَلِ عَلى فَضِيلَةٍ مِنَ الفَضائِلِ، فاحْذَرْ أنْ تَقَعَ فِيها مِثْلَهُمُ، انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
القدر 97:4
(p-٦٢١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ: أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى قَلْبِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِمَعْنى ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقَدْ وُصِفَتْ بِالمُبارَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] وكانَتْ في رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
قالَ الإمامُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إمّا بِمَعْنى لَيْلَةِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ فِيها تَقْدِيرَ دِينِهِ وتَحْدِيدَ الخُطَّةِ لِنَبِيِّهِ في دَعْوَةِ النّاسِ إلى ما يُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ بِمَعْنى العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ لَهُ قَدْرٌ)، أيْ: لَهُ شَرَفٌ وعَظَمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلى فِيها مَنزِلَةَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِالرِّسالَةِ، وقَدْ جاءَ بِما فِيهِ الإشارَةُ، بَلِ التَّصْرِيحُ، بِأنَّها لَيْلَةٌ جَلِيلَةٌ؛ بِجَلالَةِ ما وقَعَ فِيها مِن إنْزالِ القُرْآنِ. فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] أيْ: وما الَّذِي يُعْلِمُكَ مَبْلَغَ شَأْنِها ونَباهَةَ أمْرِها.
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فَكَرَّرَ ذِكْرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أتى بِالِاسْتِفْهامِ الدّالِّ (p-٦٢٢٠)عَلى أنَّ شَرَفَها لَيْسَ مِمّا تَسْهُلُ إحاطَةُ العِلْمِ بِهِ، ثُمَّ قالَ: (إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الأُمَمِ آلافٌ مِنَ الشُّهُورِ وهم يَخْتَبِطُونَ في ظُلُماتِ الضَّلالِ؛ فَلَيْلَةٌ يَسْطَعُ فِيها نُورُ الهُدى خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مِن شُهُورِهِمُ الأُولى. ولَكَ أنْ تَقِفَ في التَّفْضِيلِ عِنْدَ النَّصِّ، وتُفَوِّضُ الأمْرَ، في تَحْدِيدِ ما فُضِّلَتْ عَلَيْهِ اللَّيْلَةُ بِألْفِ شَهْرٍ، إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ سَبَبَ ذَلِكَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، ولَكَ أنْ تُجْرِيَ الكَلامُ عَلى عادَتِهِمْ في التَّخاطُبِ. وذَلِكَ في الكِتابِ كَثِيرٌ، ومِنهُ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ في هَذِهِ السُّوَرِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَإنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الخِطابِ، وإلّا فالعَلِيمُ الخَبِيرُ لا يَقَعُ مِنهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْ شَيْءٍ. فَيَكُونُ التَّحْدِيدُ بِالألِفِ لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، وإنَّ أقَلَّ عَدَدٍ تَفْضُلُهُ هو ألْفُ شَهْرٍ. ثُمَّ إنَّ دَرَجاتِ فَضْلِها عَلى هَذا العَدَدِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ. فَإذا قُلْتَ: إخْفاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِن إظْهارِها، لَمْ تُعَيِّنْ دَرَجَةَ الأفْضَلِيَّةِ، وهي دَرَجاتٌ فَوْقَ دَرَجاتٍ وقَدْ جاءَ في الكِتابِ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، هي واقِعَةُ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ أمَدَّ المُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِثَلاثَةِ آلافٍ، أوْ بِخَمْسَةِ آلافٍ، كَما تَراهُ في الأنْفالِ وآلِ عِمْرانَ؛ فالعَدَدُ هُناكَ لا مَفْهُومَ لَهُ، كَما هو ظاهِرٌ. فَهي لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيانِ بَعْضِ مَزاياها فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] يُخْبِرُ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أوَّلَ عَهْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشُهُودِ المَلائِكَةِ كانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَنَزَّلَتْ مِن عالَمِها الرُّوحانِيِّ الَّذِي لا يَحُدُّهُ حَدٌّ ولا يُحِيطُ بِهِ مِقْدارٌ، حَتّى تَمَثَّلَتْ لِبَصَرِهِ ﷺ، والرُّوحُ هو الَّذِي يَتَمَثَّلُ لَهُ مُبَلِّغًا لِلْوَحْيِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ في القُرْآنِ بِجِبْرِيلَ. وإنَّما تَظْهَرُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] أيْ: إنَّما تَتَجَلّى المَلائِكَةُ عَلى النَّفْسِ الكامِلَةِ، بَعْدَ أنْ هَيَّأها اللَّهُ لِقَبُولِ تَجَلِّيها. ولَيْسَتْ تَتَجَلّى المَلائِكَةُ لِجَمِيعِ النُّفُوسِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. واخْتِصاصُهُ هو إذْنُهُ ومَشِيئَتُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذا الإذْنَ مَبْدَؤُهُ الأوامِرُ والأحْكامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجَلِّي المَلائِكَةَ عَلى النُّفُوسِ، لِإيحاءِ ما يُرِيدُهُ مِنها. ولِهَذا قالَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المَلائِكَةَ والرُّوحَ لِرُسُلِهِ عِنْدَ كُلِّ أمْرٍ يُرِيدُ إبْلاغَهُ إلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ مُبْتَدِئًا مِنَ الأمْرِ عَلى هَذا المَعْنى. (p-٦٢٢١)والأمْرُ ها هُنا هو الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] فالكَلامُ في الرِّسالَةِ والأوامِرِ والأحْكامِ، لا في شَيْءٍ سِواها؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (مِن) ها هُنا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ لِما قُلْنا. وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ المَعْنى ماضٍ، لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ القُرْآنِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِاسْتِحْضارِ الماضِي لِعَظَمَتِهِ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ المُضارِعَ بَعْدَ الماضِي يَزِيدُ الأمْرَ تَصْوِيرًا.
والثّانِي: لِأنَّ مَبْدَأ النُّزُولِ كانَ فِيها، ولَكِنْ بَقِيَّةَ الكِتابِ وما فِيهِ مِن تَفْصِيلِ الأوامِرِ والأحْكامِ كانَ فِيما بَعْدُ، فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ابْتَدَأ فِيها يَسْتَمِرُّ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ حَتّى يُكْمِلَ الدِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أيْ: أنَّها كانَتْ لَيْلَةً سالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى. والإخْبارُ عَنْها بِالسَّلامِ نَفْسِهِ -وهُوَ الأمْنُ والسَّلامَةُ- لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَمْ يَشُبْها كَدَرٌ، بَلْ فَرَّجَ اللَّهُ فِيها عَنْ نَبِيِّهِ كُلَّ كُرْبَةٍ وفَتَحَ لَهُ فِيها سُبُلَ الهِدايَةِ، فَأنالَهُ بِذَلِكَ ما كانَ يَتَطَلَّعُ إلَيْها الأيّامَ والشُّهُورَ الطِّوالَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتَدَأ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ كانَتْ في رَمَضانَ لِآيَةِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا إجْماعَ في تَعْيِينِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّها «رُفِعَتْ»» أيْ: رُفِعَ العِلْمُ بِتَعْيِينِها. وفي رِوايَةٍ فِيهِ: ««نَسِيتُها أوْ أُنْسِيتُها»»، مِن قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولِذا رَغَّبَ في قِيامِ رَمَضانَ كُلَّهُ رَجاءَ مُوافَقَتِها في لَيْلَةٍ مِنهُ. نَعَمِ الأقْوى رِوايَةً أنَّها في ««العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ»» لِما كانَ مِنِ اهْتِمامِهِ ﷺ بِالِاعْتِكافِ فِيهِ وإحْياءِ لَيْلِهِ وإيقاظِ أهْلِهِ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ. (p-٦٢٢٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وحُجَّتُهم حَدِيثُ واثِلَةَ: «أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ». وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ السَّلَفِ فِيها –صَحابَةً ومَن بَعْدَهُمْ- حَتّى أنافَتْ عَلى أرْبَعِينَ قَوْلًا.
قالَ الإمامُ: ثُمَّ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ في شَهْرِ رَمَضانَ، ولا نُعَيِّنُها مِن بَيْنِ لَيالِيهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّواياتُ اخْتِلافًا عَظِيمًا، وكِتابُ اللَّهِ لَمْ يُعَيِّنْها، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن ذِكْرِها، إنَّما قُصِدَ بِهِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى إحْيائِها بِالعِبادَةِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم بِهَذا الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَأ اللَّهُ إفاضَتَهُ فِيهِمْ، في أثْنائِها. ولَهم أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِيها أفْرادًا وجَماعاتٍ، فَمَن رَجَحَ عِنْدَهُ خَبَرٌ في لَيْلَةٍ أحْياها، ومَن أرادَ أنْ يُوافِقَها عَلى التَّحْقِيقِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ بِالفَراغِ إلَيْهِ بِالعِباداتِ في الشَّهْرِ كُلِّهِ. وهَذا هو السِّرُّ في عَدَمِ تَعْيِينِها. وتُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّها تَجْعَلُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِنُزُولِ القُرْآنِ، لِيَذْكُرَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَهي لَيْلَةُ عِبادَةٍ وخُشُوعٍ، وتَذَكُّرٍ لِنِعْمَةِ الحَقِّ والدِّينِ. فَلا تَكُونُ لَيْلَةَ زَهْوٍ ولَهْوٍ تُتَّخَذُ فِيها مَساجِدُ اللَّهِ مَضامِيرَ لِلرِّياءِ، يَتَسابَقُ إلَيْها المُنافِقُونَ ويُحَدِّثُ أنْفُسَهم بِالبُعْدِ عَنْها المُخْلِصُونَ، كَما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَإنَّ كُلَّ ما حَفِظُوهُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ هو أنْ تَكُونَ لَهم فِيها ساعَةُ سَمَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيها بِما لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ، ويَسْمَعُونَ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَنْظُرُونَ فِيهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِمَعانِيهِ، بَلْ إنْ أصْغَوْا إلَيْهِ فَإنَّما يُصْغُونَ لِنَغَمَةِ تالِيهِ، ثُمَّ يَسْمَعُونَ مِنَ الأقْوالِ ما لَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ، ولَمْ يُحْمَدْ في الآخِرِينَ ولا الأوَّلِينَ أثَرُهُ، ولَهم خَيالاتٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ الأطْفالِ، فَضْلًا عَنِ الرّاشِدِينَ مِنَ الرِّجالِ. انْتَهى.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إخْفاءُ لَيْلَةِ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى كَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَظْهَرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ ما لا يَظْهَرُ في سائِرِ السَّنَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا، لَمْ يُخْفَ عَلى كُلِّ مَن قامَ لَيالِيَ السَّنَةِ، فَضْلًا عَنْ لَيالِي رَمَضانَ.
الثّانِي: حَكى الحافِظُ ابْنُ جَحَرٍ في (فَتْحِ البارِي) قَوْلًا عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خاصَّةٌ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ وقَعَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ ما صَحَّ أنَّها «رُفِعَتْ» وقَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ؛ ولِذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِهِ. وعِنْدِي أنْ لا تَنافِيَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ هو لَيْلَةُ نُزُولِ (p-٦٢٢٣)القُرْآنِ وما كانَ فِيها مِنَ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهِ، وبِالثّانِي أنَّ ما يُوافِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن رَمَضانَ كُلَّ عامٍ، هي لَيْلَةٌ فِيها مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِها، بِفَضْلٍ اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ غَيْرِها. وهَذا هو السِّرُّ في قِيامِ رَمَضانَ والتِماسِها في العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ. أعْنِي إحْياءَ ما ماثَلَها مِنَ اللَّيالِي تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا وشُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ، فالقائِمُ في لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ، أوْ في رَمَضانَ، مُصادِفٌ البَتَّةَ لِما ماثَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّها مِنهُ قَطْعًا. وقَدْ بايَنَ الإسْلامُ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الأوْقاتِ بِتَشْرِيعِ اتِّخاذِها مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ ما ابْتَدَعَهُ رُؤَساءُ الأدْيانِ الأُخَرِ في تِذْكاراتِهِمْ وجَعَلَها أعْيادًا، تُصْرَفُ ساعاتُها لِلْبِطالَةِ والزِّينَةِ واللَّهْوِ، مِمّا يُنافِي حِكْمَةَ ذِكْراها؛ فَتَأمَّلِ الفَرْقَ واحْمَدِ اللَّهَ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ما يَقُولُهُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وأنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُفْرَقُ فِيها هي الأرْزاقُ والأعْمارُ، وكَذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهو مِنَ الجَراءَةِ عَلى الكَلامِ في الغَيْبِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ، ولَيْسَ مِنَ الجائِزِ لَنا أنْ نَعْتَقِدَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، ومِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ؛ لِاضْطِرابِ الرِّواياتِ، وضَعْفِ أغْلَبِها، وكَذِبِ الكَثِيرِ مِنها. ومِثْلُها لا يَصِحُّ الأخْذُ بِهِ في بابِ العَقائِدِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في بَيْتِ العِزَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في عَقائِدِ الدِّينِ، لِعَدَمِ تَواتُرِ خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ لَنا الأخْذُ بِالظَّنِّ في عَقِيدَةِ مِثْلِ هَذِهِ، وإلّا كُنّا مِنَ الَّذِينَ "إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ" نَعُوذُ بِاللَّهِ. وقَدْ وقَعَ المُسْلِمُونَ في هَذِهِ المُصِيبَةِ، مُصِيبَةِ الخَلْطِ بَيْنَ ما يَصِحُّ الِاعْتِقادُ بِهِ مِن غَيْبِ اللَّهِ ويُعَدُّ مِن عَقائِدِ الدِّينِ، وبَيْنَ ما يُظَنُّ بِهِ لِلْعَمَلِ عَلى فَضِيلَةٍ مِنَ الفَضائِلِ، فاحْذَرْ أنْ تَقَعَ فِيها مِثْلَهُمُ، انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
القدر 97:5
(p-٦٢١٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ القَدْرِ
قالَ السُّيُوطِيُّ: فِيها قَوْلانِ، والأكْثَرُ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وآيُها خَمْسٌ.
(p-٦٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٥ ] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]
﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيْ: أنْزَلْنا القُرْآنَ عَلى قَلْبِ خاتَمِ النَّبِيِّينَ، بِمَعْنى ابْتَدَأْنا إنْزالَهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ. وقَدْ وُصِفَتْ بِالمُبارَكَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: ٣] وكانَتْ في رَمَضانَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾ [البقرة: ١٨٥]
قالَ الإمامُ: سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ، إمّا بِمَعْنى لَيْلَةِ التَّقْدِيرِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَدَأ فِيها تَقْدِيرَ دِينِهِ وتَحْدِيدَ الخُطَّةِ لِنَبِيِّهِ في دَعْوَةِ النّاسِ إلى ما يُنْقِذُهم مِمّا كانُوا فِيهِ، أوْ بِمَعْنى العَظَمَةِ والشَّرَفِ، مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ لَهُ قَدْرٌ)، أيْ: لَهُ شَرَفٌ وعَظَمَةٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أعْلى فِيها مَنزِلَةَ نَبِيِّهِ وشَرَّفَهُ وعَظَّمَهُ بِالرِّسالَةِ، وقَدْ جاءَ بِما فِيهِ الإشارَةُ، بَلِ التَّصْرِيحُ، بِأنَّها لَيْلَةٌ جَلِيلَةٌ؛ بِجَلالَةِ ما وقَعَ فِيها مِن إنْزالِ القُرْآنِ. فَقالَ: ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] أيْ: وما الَّذِي يُعْلِمُكَ مَبْلَغَ شَأْنِها ونَباهَةَ أمْرِها.
﴿لَيْلَةُ القَدْرِ خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] فَكَرَّرَ ذِكْرَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أتى بِالِاسْتِفْهامِ الدّالِّ (p-٦٢٢٠)عَلى أنَّ شَرَفَها لَيْسَ مِمّا تَسْهُلُ إحاطَةُ العِلْمِ بِهِ، ثُمَّ قالَ: (إنَّها خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ) لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلى الأُمَمِ آلافٌ مِنَ الشُّهُورِ وهم يَخْتَبِطُونَ في ظُلُماتِ الضَّلالِ؛ فَلَيْلَةٌ يَسْطَعُ فِيها نُورُ الهُدى خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ مِن شُهُورِهِمُ الأُولى. ولَكَ أنْ تَقِفَ في التَّفْضِيلِ عِنْدَ النَّصِّ، وتُفَوِّضُ الأمْرَ، في تَحْدِيدِ ما فُضِّلَتْ عَلَيْهِ اللَّيْلَةُ بِألْفِ شَهْرٍ، إلى اللَّهِ تَعالى؛ فَهو الَّذِي يَعْلَمُ سَبَبَ ذَلِكَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، ولَكَ أنْ تُجْرِيَ الكَلامُ عَلى عادَتِهِمْ في التَّخاطُبِ. وذَلِكَ في الكِتابِ كَثِيرٌ، ومِنهُ الِاسْتِفْهامُ الواقِعُ في هَذِهِ السُّوَرِ ﴿وما أدْراكَ ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ [القدر: ٢] فَإنَّهُ جارٍ عَلى عادَتِهِمْ في الخِطابِ، وإلّا فالعَلِيمُ الخَبِيرُ لا يَقَعُ مِنهُ أنْ يَسْتَفْهِمَ عَنْ شَيْءٍ. فَيَكُونُ التَّحْدِيدُ بِالألِفِ لا مَفْهُومَ لَهُ، بَلِ الغَرَضُ مِنهُ التَّكْثِيرُ، وإنَّ أقَلَّ عَدَدٍ تَفْضُلُهُ هو ألْفُ شَهْرٍ. ثُمَّ إنَّ دَرَجاتِ فَضْلِها عَلى هَذا العَدَدِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ. فَإذا قُلْتَ: إخْفاءُ الصَّدَقَةِ خَيْرٌ مِن إظْهارِها، لَمْ تُعَيِّنْ دَرَجَةَ الأفْضَلِيَّةِ، وهي دَرَجاتٌ فَوْقَ دَرَجاتٍ وقَدْ جاءَ في الكِتابِ في واقِعَةٍ واحِدَةٍ، هي واقِعَةُ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ أمَدَّ المُؤْمِنِينَ بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، أوْ بِثَلاثَةِ آلافٍ، أوْ بِخَمْسَةِ آلافٍ، كَما تَراهُ في الأنْفالِ وآلِ عِمْرانَ؛ فالعَدَدُ هُناكَ لا مَفْهُومَ لَهُ، كَما هو ظاهِرٌ. فَهي لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدَّهْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ لِبَيانِ بَعْضِ مَزاياها فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤] يُخْبِرُ جَلَّ شَأْنُهُ أنَّ أوَّلَ عَهْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِشُهُودِ المَلائِكَةِ كانَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، تَنَزَّلَتْ مِن عالَمِها الرُّوحانِيِّ الَّذِي لا يَحُدُّهُ حَدٌّ ولا يُحِيطُ بِهِ مِقْدارٌ، حَتّى تَمَثَّلَتْ لِبَصَرِهِ ﷺ، والرُّوحُ هو الَّذِي يَتَمَثَّلُ لَهُ مُبَلِّغًا لِلْوَحْيِ، وهو الَّذِي سُمِّيَ في القُرْآنِ بِجِبْرِيلَ. وإنَّما تَظْهَرُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [القدر: ٤] أيْ: إنَّما تَتَجَلّى المَلائِكَةُ عَلى النَّفْسِ الكامِلَةِ، بَعْدَ أنْ هَيَّأها اللَّهُ لِقَبُولِ تَجَلِّيها. ولَيْسَتْ تَتَجَلّى المَلائِكَةُ لِجَمِيعِ النُّفُوسِ كَما هو مَعْلُومٌ، فَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ مَن يَشاءُ. واخْتِصاصُهُ هو إذْنُهُ ومَشِيئَتُهُ. ثُمَّ إنَّ هَذا الإذْنَ مَبْدَؤُهُ الأوامِرُ والأحْكامُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُجَلِّي المَلائِكَةَ عَلى النُّفُوسِ، لِإيحاءِ ما يُرِيدُهُ مِنها. ولِهَذا قالَ: ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ [القدر: ٤] أيْ: أنَّ اللَّهَ يُظْهِرُ المَلائِكَةَ والرُّوحَ لِرُسُلِهِ عِنْدَ كُلِّ أمْرٍ يُرِيدُ إبْلاغَهُ إلى عِبادِهِ، فَيَكُونُ الإذْنُ مُبْتَدِئًا مِنَ الأمْرِ عَلى هَذا المَعْنى. (p-٦٢٢١)والأمْرُ ها هُنا هو الأمْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا إنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان: ٥] فالكَلامُ في الرِّسالَةِ والأوامِرِ والأحْكامِ، لا في شَيْءٍ سِواها؛ ولِهَذا قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ (مِن) ها هُنا بِمَعْنى الباءِ، أيْ: بِكُلِّ أمْرٍ. ولا حاجَةَ إلَيْهِ لِما قُلْنا. وإنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنَـزَّلُ المَلائِكَةُ﴾ [القدر: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] مَعَ أنَّ المَعْنى ماضٍ، لِأنَّ الحَدِيثَ عَنْ مَبْدَأِ نُزُولِ القُرْآنِ لِوَجْهَيْنِ:
الأوَّلُ: لِاسْتِحْضارِ الماضِي لِعَظَمَتِهِ عَلى نَحْوِ ما في قَوْلِهِ: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] فَإنَّ المُضارِعَ بَعْدَ الماضِي يَزِيدُ الأمْرَ تَصْوِيرًا.
والثّانِي: لِأنَّ مَبْدَأ النُّزُولِ كانَ فِيها، ولَكِنْ بَقِيَّةَ الكِتابِ وما فِيهِ مِن تَفْصِيلِ الأوامِرِ والأحْكامِ كانَ فِيما بَعْدُ، فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ ما ابْتَدَأ فِيها يَسْتَمِرُّ في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ حَتّى يُكْمِلَ الدِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلامٌ هي حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] أيْ: أنَّها كانَتْ لَيْلَةً سالِمَةً مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى. والإخْبارُ عَنْها بِالسَّلامِ نَفْسِهِ -وهُوَ الأمْنُ والسَّلامَةُ- لِلْمُبالَغَةِ في أنَّهُ لَمْ يَشُبْها كَدَرٌ، بَلْ فَرَّجَ اللَّهُ فِيها عَنْ نَبِيِّهِ كُلَّ كُرْبَةٍ وفَتَحَ لَهُ فِيها سُبُلَ الهِدايَةِ، فَأنالَهُ بِذَلِكَ ما كانَ يَتَطَلَّعُ إلَيْها الأيّامَ والشُّهُورَ الطِّوالَ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: قَدَّمْنا أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ الَّتِي ابْتَدَأ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ كانَتْ في رَمَضانَ لِآيَةِ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولا إجْماعَ في تَعْيِينِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَلْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّها «رُفِعَتْ»» أيْ: رُفِعَ العِلْمُ بِتَعْيِينِها. وفي رِوايَةٍ فِيهِ: ««نَسِيتُها أوْ أُنْسِيتُها»»، مِن قَوْلِهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولِذا رَغَّبَ في قِيامِ رَمَضانَ كُلَّهُ رَجاءَ مُوافَقَتِها في لَيْلَةٍ مِنهُ. نَعَمِ الأقْوى رِوايَةً أنَّها في ««العَشْرِ الأخِيرِ مِن رَمَضانَ»» لِما كانَ مِنِ اهْتِمامِهِ ﷺ بِالِاعْتِكافِ فِيهِ وإحْياءِ لَيْلِهِ وإيقاظِ أهْلِهِ. وقَدْ ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ والحَسَنُ وقَتادَةُ إلى أنَّها لَيْلَةُ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ. (p-٦٢٢٢)قالَ ابْنُ حَجَرٍ: وحُجَّتُهم حَدِيثُ واثِلَةَ: «أنَّ القُرْآنَ نَزَلَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ». وقَدِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُ السَّلَفِ فِيها –صَحابَةً ومَن بَعْدَهُمْ- حَتّى أنافَتْ عَلى أرْبَعِينَ قَوْلًا.
قالَ الإمامُ: ثُمَّ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ مُتَضافِرَةٌ عَلى أنَّهُ في شَهْرِ رَمَضانَ، ولا نُعَيِّنُها مِن بَيْنِ لَيالِيهِ. فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فِيها الرِّواياتُ اخْتِلافًا عَظِيمًا، وكِتابُ اللَّهِ لَمْ يُعَيِّنْها، وما ورَدَ في الأحادِيثِ مِن ذِكْرِها، إنَّما قُصِدَ بِهِ حَثُّ المُؤْمِنِينَ عَلى إحْيائِها بِالعِبادَةِ؛ شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى ما هَداهم بِهَذا الدِّينِ الَّذِي ابْتَدَأ اللَّهُ إفاضَتَهُ فِيهِمْ، في أثْنائِها. ولَهم أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ فِيها أفْرادًا وجَماعاتٍ، فَمَن رَجَحَ عِنْدَهُ خَبَرٌ في لَيْلَةٍ أحْياها، ومَن أرادَ أنْ يُوافِقَها عَلى التَّحْقِيقِ، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ اللَّهَ بِالفَراغِ إلَيْهِ بِالعِباداتِ في الشَّهْرِ كُلِّهِ. وهَذا هو السِّرُّ في عَدَمِ تَعْيِينِها. وتُشِيرُ إلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ فَإنَّها تَجْعَلُ الشَّهْرَ كُلَّهُ ظَرْفًا لِنُزُولِ القُرْآنِ، لِيَذْكُرَ المُؤْمِنُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ فَهي لَيْلَةُ عِبادَةٍ وخُشُوعٍ، وتَذَكُّرٍ لِنِعْمَةِ الحَقِّ والدِّينِ. فَلا تَكُونُ لَيْلَةَ زَهْوٍ ولَهْوٍ تُتَّخَذُ فِيها مَساجِدُ اللَّهِ مَضامِيرَ لِلرِّياءِ، يَتَسابَقُ إلَيْها المُنافِقُونَ ويُحَدِّثُ أنْفُسَهم بِالبُعْدِ عَنْها المُخْلِصُونَ، كَما جَرى عَلَيْهِ عَمَلُ المُسْلِمِينَ في هَذِهِ الأيّامِ، فَإنَّ كُلَّ ما حَفِظُوهُ مِن لَيْلَةِ القَدْرِ هو أنْ تَكُونَ لَهم فِيها ساعَةُ سَمَرٍ يَتَحَدَّثُونَ فِيها بِما لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ، ويَسْمَعُونَ شَيْئًا مِن كِتابِ اللَّهِ لا يَنْظُرُونَ فِيهِ ولا يَعْتَبِرُونَ بِمَعانِيهِ، بَلْ إنْ أصْغَوْا إلَيْهِ فَإنَّما يُصْغُونَ لِنَغَمَةِ تالِيهِ، ثُمَّ يَسْمَعُونَ مِنَ الأقْوالِ ما لَمْ يَصِحَّ خَبَرُهُ، ولَمْ يُحْمَدْ في الآخِرِينَ ولا الأوَّلِينَ أثَرُهُ، ولَهم خَيالاتٌ في لَيْلَةِ القَدْرِ لا تَلِيقُ بِعُقُولِ الأطْفالِ، فَضْلًا عَنِ الرّاشِدِينَ مِنَ الرِّجالِ. انْتَهى.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: إخْفاءُ لَيْلَةِ القَدْرِ دَلِيلٌ عَلى كَذِبِ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَظْهَرُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِلْعُيُونِ ما لا يَظْهَرُ في سائِرِ السَّنَةِ؛ إذْ لَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا، لَمْ يُخْفَ عَلى كُلِّ مَن قامَ لَيالِيَ السَّنَةِ، فَضْلًا عَنْ لَيالِي رَمَضانَ.
الثّانِي: حَكى الحافِظُ ابْنُ جَحَرٍ في (فَتْحِ البارِي) قَوْلًا عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ، أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ خاصَّةٌ بِسَنَةٍ واحِدَةٍ وقَعَتْ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهُ ما صَحَّ أنَّها «رُفِعَتْ» وقَدْ قَدَّمْنا مَعْناهُ؛ ولِذا ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى خِلافِهِ. وعِنْدِي أنْ لا تَنافِيَ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ هو لَيْلَةُ نُزُولِ (p-٦٢٢٣)القُرْآنِ وما كانَ فِيها مِنَ التَّجَلِّي الخاصِّ الَّتِي انْفَرَدَتْ بِهِ، وبِالثّانِي أنَّ ما يُوافِقُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن رَمَضانَ كُلَّ عامٍ، هي لَيْلَةٌ فِيها مَزِيَّةٌ عَلى غَيْرِها، بِفَضْلٍ اخْتَصَّتْ بِهِ دُونَ غَيْرِها. وهَذا هو السِّرُّ في قِيامِ رَمَضانَ والتِماسِها في العَشْرِ الأواخِرِ مِنهُ. أعْنِي إحْياءَ ما ماثَلَها مِنَ اللَّيالِي تَبَرُّكًا وتَيَمُّنًا وشُكْرًا لِلَّهِ تَعالى عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ والهِدايَةِ، فالقائِمُ في لَيالِي العَشْرِ الأخِيرِ، أوْ في رَمَضانَ، مُصادِفٌ البَتَّةَ لِما ماثَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّها مِنهُ قَطْعًا. وقَدْ بايَنَ الإسْلامُ في تَفْضِيلِ بَعْضِ الأوْقاتِ بِتَشْرِيعِ اتِّخاذِها مَوْسِمًا لِلْعِبادَةِ ما ابْتَدَعَهُ رُؤَساءُ الأدْيانِ الأُخَرِ في تِذْكاراتِهِمْ وجَعَلَها أعْيادًا، تُصْرَفُ ساعاتُها لِلْبِطالَةِ والزِّينَةِ واللَّهْوِ، مِمّا يُنافِي حِكْمَةَ ذِكْراها؛ فَتَأمَّلِ الفَرْقَ واحْمَدِ اللَّهَ عَلى اتِّباعِ الحَقِّ.
الثّالِثُ: قالَ الإمامُ: ما يَقُولُهُ الكَثِيرُ مِنَ النّاسِ مِن أنَّ اللَّيْلَةَ المُبارَكَةَ الَّتِي يُفْرَقُ فِيها كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ هي لَيْلَةُ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ، وأنَّ الأُمُورَ الَّتِي تُفْرَقُ فِيها هي الأرْزاقُ والأعْمارُ، وكَذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، فَهو مِنَ الجَراءَةِ عَلى الكَلامِ في الغَيْبِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ قاطِعَةٍ، ولَيْسَ مِنَ الجائِزِ لَنا أنْ نَعْتَقِدَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ما لَمْ يَرِدْ بِهِ خَبَرٌ مُتَواتِرٌ عَنِ المَعْصُومِ ﷺ، ومِثْلُ ذَلِكَ لَمْ يَرِدْ؛ لِاضْطِرابِ الرِّواياتِ، وضَعْفِ أغْلَبِها، وكَذِبِ الكَثِيرِ مِنها. ومِثْلُها لا يَصِحُّ الأخْذُ بِهِ في بابِ العَقائِدِ. ومِثْلُ ذَلِكَ يُقالُ في بَيْتِ العِزَّةِ، ونُزُولِ القُرْآنِ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَدْخُلَ في عَقائِدِ الدِّينِ، لِعَدَمِ تَواتُرِ خَبَرِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا يَجُوزُ لَنا الأخْذُ بِالظَّنِّ في عَقِيدَةِ مِثْلِ هَذِهِ، وإلّا كُنّا مِنَ الَّذِينَ "إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ" نَعُوذُ بِاللَّهِ. وقَدْ وقَعَ المُسْلِمُونَ في هَذِهِ المُصِيبَةِ، مُصِيبَةِ الخَلْطِ بَيْنَ ما يَصِحُّ الِاعْتِقادُ بِهِ مِن غَيْبِ اللَّهِ ويُعَدُّ مِن عَقائِدِ الدِّينِ، وبَيْنَ ما يُظَنُّ بِهِ لِلْعَمَلِ عَلى فَضِيلَةٍ مِنَ الفَضائِلِ، فاحْذَرْ أنْ تَقَعَ فِيها مِثْلَهُمُ، انْتَهى كَلامُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
البينة 98:1
(p-٦٢٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَيِّنَةِ
ويُقالُ سُورَةُ القَيِّمَةِ. وسُورَةُ المُنْفَكِّينَ. وسُورَةُ البَرِيَّةِ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى الأصَحِّ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عنُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَبَكى». ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وفِي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ. قالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَبَكى أُبَيٌّ».
(p-٦٢٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا نُبُوَّةَ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِعِنادِهِمْ بَعْدَ ما تَبَيَّنُوا الحَقَّ مِنها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ عَرَفُوهُ وسَمِعُوا أدِلَّتَهُ وشاهَدُوا آياتِهِ، لَمْ يَكُونُوا هم ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وثَنِيِّ العَرَبِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَنْ غَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالحَقِّ، ووُقُوفِهِمْ عِنْدَما قَلَّدُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيِ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُثْبَتَةُ لِلْمُدَّعِي، وهي هُنا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَجِيئُهُ هو الَّذِي أحْدَثَ هَذِهِ الرَّجَّةَ فِيما رَسَخَ مِن عَقائِدِهِمْ وتَمَكَّنَ مِن عَوائِدِهِمْ، حَتّى أخَذُوا يَحْتَجُّونَ لِعِنادِهِمْ ومُناكَرَتِهِمْ، بِأنَّهُ كانَ شَيْئًا مَعْرُوفًا لَهُمْ، يَصِلُونَ إلَيْهِ بِما كانَ لَدَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ يُتَّبَعَ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ أجْمَلُ وأبْدَعُ، ومُتابَعَةُ الآباءِ فِيهِ أشْهى إلى النُّفُوسِ وأمْتَعَ. تِلْكَ البَيِّنَةُ الَّتِي تُعَرِّفُهم وجْهَ الحَقِّ هِيَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢] أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] وهي صُحُفُ القُرْآنِ المُطَهَّرَةُ مِنَ الخَلْطِ وحَشْوِ المُدِلِّينَ، فَلِهَذا تَنْبَعِثُ مِنها أشِعَّةُ الحَقِّ حَتّى يَعْرِفَهُ طالِبُوهُ ومُنْكِرُوهُ مَعًا.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها. واسْتِقامَةُ الكُتُبِ اشْتِمالُها عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى باطِلٍ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن (p-٦٢٢٦)حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] والكُتُبُ الَّتِي في صُحُفِ القُرْآنِ ومَصاحِفِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ هي ما صَحَّ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كَمُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما، مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ عَنْهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنها إلّا بِما هو قَوِيٌّ سَلِيمٌ. وقَدْ تَرَكَ حِكايَةَ ما لَبَّسَ في المُلَبِّسُونَ إلّا أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ بُطْلانِهِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجِدِ الجاحِدُونَ لِرِسالَتِهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- مِن أهْلِ الكِتابِ سَبِيلًا إلى إنْكارِ الحَقِّ، وإنَّما فَضَّلُوا عَلَيْهِ سِواهُ أنَّ هي سُوَرُ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِن سُوَرِهِ كِتابٌ قَوِيمٌ؛ فَصَحَّفَ القُرْآنَ أوْ صَحائِفَهُ وأوْراقَ مُصْحَفِهِ تَحْتَوِي عَلى سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ هي كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. ولَمّا كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وقَدِ انْفَكُّوا عَنْ ذَلِكَ الظَّلامِ المُطْبِقِ، وبَدا لَهم مِنَ الحَقِّ ما عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَما بالُهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جاءَهُمْ؟ أجابَ الحَقُّ تَعالى بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ والحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ وجْهُهُ، بِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى أنْبِيائِهِمْ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْتَرْشِدُوا بِكُتُبِهِمْ في مَعْرِفَةِ سَبِيلِهِ حَتّى لا يَنْحَرِفُوا عَنْهُ، فَإذا عَرَضَ لِأحَدِهِمْ شُبْهَةٌ رَجَعَ في كَشْفِها إلى العارِفِ بِمَعانِي الكُتُبِ، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْرِصُوا عَلى تَعَلُّمِ مَعانِيها وفَهْمِ أسالِيبِها ويُحافِظُوا عَلَيْها حَتّى لا يُضَلِّلَهم فِيها مُضَلِّلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ البَيِّنَةَ لَمْ تُفِدْهم شَيْئًا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّأْوِيلِ وتَفَرَّقُوا في المَذاهِبِ، حَتّى صارَ أهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يُبْطِلُ ما عِنْدَ أهْلِ المَذْهَبِ الآخَرِ. وكانَ ذَلِكَ بَغْيًا مِنهُمْ، واسْتِمْرَرًا في المُرادِ وإصْرارًا عَلى ما قادَ إلَيْهِ الهَوى. وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى:
البينة 98:2
(p-٦٢٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَيِّنَةِ
ويُقالُ سُورَةُ القَيِّمَةِ. وسُورَةُ المُنْفَكِّينَ. وسُورَةُ البَرِيَّةِ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى الأصَحِّ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عنُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَبَكى». ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وفِي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ. قالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَبَكى أُبَيٌّ».
(p-٦٢٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا نُبُوَّةَ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِعِنادِهِمْ بَعْدَ ما تَبَيَّنُوا الحَقَّ مِنها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ عَرَفُوهُ وسَمِعُوا أدِلَّتَهُ وشاهَدُوا آياتِهِ، لَمْ يَكُونُوا هم ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وثَنِيِّ العَرَبِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَنْ غَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالحَقِّ، ووُقُوفِهِمْ عِنْدَما قَلَّدُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيِ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُثْبَتَةُ لِلْمُدَّعِي، وهي هُنا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَجِيئُهُ هو الَّذِي أحْدَثَ هَذِهِ الرَّجَّةَ فِيما رَسَخَ مِن عَقائِدِهِمْ وتَمَكَّنَ مِن عَوائِدِهِمْ، حَتّى أخَذُوا يَحْتَجُّونَ لِعِنادِهِمْ ومُناكَرَتِهِمْ، بِأنَّهُ كانَ شَيْئًا مَعْرُوفًا لَهُمْ، يَصِلُونَ إلَيْهِ بِما كانَ لَدَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ يُتَّبَعَ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ أجْمَلُ وأبْدَعُ، ومُتابَعَةُ الآباءِ فِيهِ أشْهى إلى النُّفُوسِ وأمْتَعَ. تِلْكَ البَيِّنَةُ الَّتِي تُعَرِّفُهم وجْهَ الحَقِّ هِيَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢] أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] وهي صُحُفُ القُرْآنِ المُطَهَّرَةُ مِنَ الخَلْطِ وحَشْوِ المُدِلِّينَ، فَلِهَذا تَنْبَعِثُ مِنها أشِعَّةُ الحَقِّ حَتّى يَعْرِفَهُ طالِبُوهُ ومُنْكِرُوهُ مَعًا.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها. واسْتِقامَةُ الكُتُبِ اشْتِمالُها عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى باطِلٍ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن (p-٦٢٢٦)حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] والكُتُبُ الَّتِي في صُحُفِ القُرْآنِ ومَصاحِفِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ هي ما صَحَّ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كَمُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما، مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ عَنْهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنها إلّا بِما هو قَوِيٌّ سَلِيمٌ. وقَدْ تَرَكَ حِكايَةَ ما لَبَّسَ في المُلَبِّسُونَ إلّا أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ بُطْلانِهِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجِدِ الجاحِدُونَ لِرِسالَتِهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- مِن أهْلِ الكِتابِ سَبِيلًا إلى إنْكارِ الحَقِّ، وإنَّما فَضَّلُوا عَلَيْهِ سِواهُ أنَّ هي سُوَرُ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِن سُوَرِهِ كِتابٌ قَوِيمٌ؛ فَصَحَّفَ القُرْآنَ أوْ صَحائِفَهُ وأوْراقَ مُصْحَفِهِ تَحْتَوِي عَلى سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ هي كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. ولَمّا كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وقَدِ انْفَكُّوا عَنْ ذَلِكَ الظَّلامِ المُطْبِقِ، وبَدا لَهم مِنَ الحَقِّ ما عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَما بالُهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جاءَهُمْ؟ أجابَ الحَقُّ تَعالى بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ والحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ وجْهُهُ، بِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى أنْبِيائِهِمْ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْتَرْشِدُوا بِكُتُبِهِمْ في مَعْرِفَةِ سَبِيلِهِ حَتّى لا يَنْحَرِفُوا عَنْهُ، فَإذا عَرَضَ لِأحَدِهِمْ شُبْهَةٌ رَجَعَ في كَشْفِها إلى العارِفِ بِمَعانِي الكُتُبِ، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْرِصُوا عَلى تَعَلُّمِ مَعانِيها وفَهْمِ أسالِيبِها ويُحافِظُوا عَلَيْها حَتّى لا يُضَلِّلَهم فِيها مُضَلِّلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ البَيِّنَةَ لَمْ تُفِدْهم شَيْئًا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّأْوِيلِ وتَفَرَّقُوا في المَذاهِبِ، حَتّى صارَ أهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يُبْطِلُ ما عِنْدَ أهْلِ المَذْهَبِ الآخَرِ. وكانَ ذَلِكَ بَغْيًا مِنهُمْ، واسْتِمْرَرًا في المُرادِ وإصْرارًا عَلى ما قادَ إلَيْهِ الهَوى. وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى:
البينة 98:3
(p-٦٢٢٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ البَيِّنَةِ
ويُقالُ سُورَةُ القَيِّمَةِ. وسُورَةُ المُنْفَكِّينَ. وسُورَةُ البَرِيَّةِ. وعَدَدُ آياتِها ثَمانٍ وهي مَدَنِيَّةٌ عَلى الأصَحِّ.
رَوى الإمامُ أحْمَدُ عنُ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: وسَمّانِي لَكَ، قالَ: نَعَمْ. فَبَكى». ورَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
وفِي رِوايَةِ الإمامِ أحْمَدَ عَنْ أبِي حَبَّةَ البَدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ جِبْرِيلُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تُقْرِئَها أُبَيًّا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُبَيٍّ: إنَّ جِبْرِيلَ أمَرَنِي أنْ أُقْرِئَكَ هَذِهِ السُّورَةَ. قالَ أُبَيٌّ: وقَدْ ذُكِرْتُ ثَمَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَبَكى أُبَيٌّ».
(p-٦٢٢٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٣ ] ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣]
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: جَحَدُوا نُبُوَّةَ النَّبِيِّ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِعِنادِهِمْ بَعْدَ ما تَبَيَّنُوا الحَقَّ مِنها ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ: اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ عَرَفُوهُ وسَمِعُوا أدِلَّتَهُ وشاهَدُوا آياتِهِ، لَمْ يَكُونُوا هم ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ: وثَنِيِّ العَرَبِ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ: عَنْ غَفْلَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِالحَقِّ، ووُقُوفِهِمْ عِنْدَما قَلَّدُوا فِيهِ آباءَهُمْ، ولا يَعْرِفُونَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيِ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُثْبَتَةُ لِلْمُدَّعِي، وهي هُنا النَّبِيُّ ﷺ، فَمَجِيئُهُ هو الَّذِي أحْدَثَ هَذِهِ الرَّجَّةَ فِيما رَسَخَ مِن عَقائِدِهِمْ وتَمَكَّنَ مِن عَوائِدِهِمْ، حَتّى أخَذُوا يَحْتَجُّونَ لِعِنادِهِمْ ومُناكَرَتِهِمْ، بِأنَّهُ كانَ شَيْئًا مَعْرُوفًا لَهُمْ، يَصِلُونَ إلَيْهِ بِما كانَ لَدَيْهِمْ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ أنْ يُتَّبَعَ؛ فَإنَّ ما هم فِيهِ أجْمَلُ وأبْدَعُ، ومُتابَعَةُ الآباءِ فِيهِ أشْهى إلى النُّفُوسِ وأمْتَعَ. تِلْكَ البَيِّنَةُ الَّتِي تُعَرِّفُهم وجْهَ الحَقِّ هِيَ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة: ٢] أيْ: مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] وهي صُحُفُ القُرْآنِ المُطَهَّرَةُ مِنَ الخَلْطِ وحَشْوِ المُدِلِّينَ، فَلِهَذا تَنْبَعِثُ مِنها أشِعَّةُ الحَقِّ حَتّى يَعْرِفَهُ طالِبُوهُ ومُنْكِرُوهُ مَعًا.
﴿فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ لا عِوَجَ فِيها. واسْتِقامَةُ الكُتُبِ اشْتِمالُها عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَمِيلُ إلى باطِلٍ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن (p-٦٢٢٦)حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] والكُتُبُ الَّتِي في صُحُفِ القُرْآنِ ومَصاحِفِهِ، إمّا أنْ تَكُونَ هي ما صَحَّ مِن كُتُبِ الأوَّلِينَ كَمُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما، مِمّا حَكاهُ اللَّهُ في كِتابِهِ عَنْهُمْ، فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنها إلّا بِما هو قَوِيٌّ سَلِيمٌ. وقَدْ تَرَكَ حِكايَةَ ما لَبَّسَ في المُلَبِّسُونَ إلّا أنْ يَكُونَ ذِكْرُهُ لِبَيانِ بُطْلانِهِ؛ ولِهَذا لَمْ يَجِدِ الجاحِدُونَ لِرِسالَتِهِ -عَلَيْهِ السَّلامُ- مِن أهْلِ الكِتابِ سَبِيلًا إلى إنْكارِ الحَقِّ، وإنَّما فَضَّلُوا عَلَيْهِ سِواهُ أنَّ هي سُوَرُ القُرْآنِ، فَإنَّ كُلَّ سُورَةٍ مِن سُوَرِهِ كِتابٌ قَوِيمٌ؛ فَصَحَّفَ القُرْآنَ أوْ صَحائِفَهُ وأوْراقَ مُصْحَفِهِ تَحْتَوِي عَلى سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ هي كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. ولَمّا كانَ لِسائِلٍ أنْ يَسْألَ: إذا كانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، وقَدِ انْفَكُّوا عَنْ ذَلِكَ الظَّلامِ المُطْبِقِ، وبَدا لَهم مِنَ الحَقِّ ما عَرَفُوهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، فَما بالُهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَقِّ الَّذِي جاءَهُمْ؟ أجابَ الحَقُّ تَعالى بِأنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ والحُجَّةُ القاطِعَةُ عَلى الحَقِّ الَّذِي لا يَخْتَلِفُ وجْهُهُ، بِما أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى أنْبِيائِهِمْ، وكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَسْتَرْشِدُوا بِكُتُبِهِمْ في مَعْرِفَةِ سَبِيلِهِ حَتّى لا يَنْحَرِفُوا عَنْهُ، فَإذا عَرَضَ لِأحَدِهِمْ شُبْهَةٌ رَجَعَ في كَشْفِها إلى العارِفِ بِمَعانِي الكُتُبِ، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ أنْ يَحْرِصُوا عَلى تَعَلُّمِ مَعانِيها وفَهْمِ أسالِيبِها ويُحافِظُوا عَلَيْها حَتّى لا يُضَلِّلَهم فِيها مُضَلِّلٌ، لَكِنَّ هَذِهِ البَيِّنَةَ لَمْ تُفِدْهم شَيْئًا، فَإنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّأْوِيلِ وتَفَرَّقُوا في المَذاهِبِ، حَتّى صارَ أهْلُ كُلِّ مَذْهَبٍ يُبْطِلُ ما عِنْدَ أهْلِ المَذْهَبِ الآخَرِ. وكانَ ذَلِكَ بَغْيًا مِنهُمْ، واسْتِمْرَرًا في المُرادِ وإصْرارًا عَلى ما قادَ إلَيْهِ الهَوى. وهَذا هو قَوْلُهُ تَعالى:
البينة 98:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ - ٥ ] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ (p-٦٢٢٧)أنْبِيائِهِمْ. فَهَكَذا كانَ شَأْنُهم في النَّبِيِّ ﷺ جَحَدُوا بَيِّنَتَهُ كَما جَحَدُوا بَيِّنَةَ أنْبِيائِهِمْ بِتَفَرُّقِهِمْ فِيها وبُعْدِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ عَنْ حَقِيقَتِها، فَإنْ كانَ هَذا شَأْنَ أهْلِ الكِتابِ في بَيِّنَتِهِمْ وبَيِّنَتِنا، فَما ظَنُّكَ بِالمُشْرِكِينَ، وهم أعْرَقُ في الجَهالَةِ وأسْلَسُ قِيادًا لِلْهَوى مِنهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥] أيْ: والحالُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما أُمِرُوا بِلِسانِ أنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإذْعانُ والخُضُوعُ، وذَلِكَ بِتَنْقِيَتِهِ مِن أنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ شَيْءٌ، لا واسِطَةَ ولا مالَ، ولا كَرامَةَ ولا جاهَ "حُنَفاءَ" أيْ: مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى مِثالِهِ. وأصْلُهُ جَمْعُ (حَنِيفٍ) بِمَعْنى المائِلِ المُنْحَرِفِ؛ سُمِّيَ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِانْحِرافِهِ عَنْ وثَنِيَّةِ النّاسِ كافَّةً ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإتْيانُ بِها، لِإحْضارِ القَلْبِ هَيْبَةَ المَعْبُودِ وتَرْوِيضِهِ بِالخُشُوعِ، لا أنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ حَرَكاتٍ ظاهِرَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ في شَيْءٍ البَتَّةَ ﴿ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥] أيْ: بِصَرْفِها في مَصارِفِها الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى.
﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الكُتُبِ القَيِّمَةِ، أوْ دِينِ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدِ افْتَرَقُوا، ولَعَنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أُخْتَها، وكانَ افْتِراقُهم في العَقائِدِ والأحْكامِ وفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا ولَمْ تُوضَعْ لَهم تِلْكَ الأحْكامُ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُخْلِصُوا لَهُ عَقائِدَهم وأعْمالَهُمْ، فَلا يَأْخُذُونَها إلّا عَنْهُ مُباشَرَةً، ولا يُقَلِّدُونَ أهْلَ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ الأُخْرى، وأنْ يَخْشَعُوا لِلَّهِ في صَلاتِهِمْ، وأنْ يَصِلُوا عِبادَ اللَّهِ بِزَكاتِهِمْ. فَإذا كانَ هَذا هو الأصْلَ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في الأوامِرِ، فَما كانَ عَلَيْهِمْ إلّا أنْ يَجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ، فَيَرُدُّوا إلَيْهِ كُلَّ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ المَسائِلِ ويَحُلُّوا بِهِ كُلَّ ما يَعْتَرِضُ أمامَهم مِنَ المَشاكِلِ. ومَتى تَحَكَّمَ الإخْلاصُ في الأنْفُسِ، تَسَلَّطَ الإنْصافُ عَلَيْها، فَسادَتْ فِيها الوَحْدَةُ، ولَمْ تَطْرُقْ طُرُقَها الفُرْقَةُ، هَذا ما نَعاهُ اللَّهُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَما نَقُولُ في حالِنا؟ أفَما يَنْعاهُ كِتابُنا الشّاهِدُ عَلَيْنا بِسُوءِ أعْمالِنا، في افْتِراقِنا في الدِّينِ وأنْ صِرْنا فِيهِ شِيَعًا، ومَلَأْناهُ مُحْدَثاتٍ وبِدَعًا؟ بِهَذا الَّذِي تَقَدَّمَ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ إلى قَبُولِ ما جاءَ بِهِ. وإنَّ "مِن" في قَوْلِهِ "مِن أهْلِ الكِتابِ" لِلتَّبْعِيضِ. وأنَّ مَعْنى "لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ":
(p-٦٢٢٨)أيْ لَمْ يَكُنْ وجْهُ الحَقِّ لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ، فَيَقَعُ الزِّلْزالُ في عَقائِدِهِمْ، فَيَنْفَكُّوا عَنِ الغَفْلَةِ المَحْضَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" -واللَّهُ أعْلَمُ- أُولَئِكَ الَّذِينَ جَحَدُوا شَيْئًا مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَما جاءَهم ولَمْ يَنْظُرُوا في دَلِيلِهِ، أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ بَعْدَما عَرَفُوا دَلِيلَهُ، سَواءً كانُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنْ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ وصَدَّقُوا. فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَ مِنَّتَهُ عَلى مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا -أيْ: جَحَدُوا ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ عَنْهُ مِن صِفاتِهِ وشَرائِعِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومُشْرِكِي العَرَبِ- لَمْ يَكُونُوا بِراجِعِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وجُحُودِهِمْ هَذا، حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ فَيُبَيِّنُ لَهم بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَيُؤْمِنُوا. فَما أعْظَمَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في إرْسالِهِ رَسُولَهُ إلَيْهِمْ! وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي قَدَّمْناهُ في مَعْنى الَّذِينَ كَفَرُوا وانْفِكاكِهِمْ. وبِذَلِكَ أوْ هَذا ظَهَرَ مَعْنى "حَتّى" وبَطَلَ جَمِيعُ ما يَهْذِي بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ التَّقْلِيدُ عَنِ الرَّأْيِ السَّدِيدِ، فَصَعَّبُوا مِنَ القُرْآنِ سَهْلَهُ، وحَرَّمُوا مِن فَهْمِهِ أهْلَهُ. انْتَهى كَلامُ الإمامِ نَقَلْناهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا بِالحَرْفِ لِنَفاسَتِهِ، ولِكَوْنِهِ أحْسَنَ ما فُسِّرَتْ بِهِ، وقاعِدَتُنا الَّتِي انْتَهَجْناها في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ نُؤْثِرَ في مَعانِي آياتِهِ أحْسَنَ ما قِيلَ فِيها؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْناهُ (مَحاسِنَ التَّأْوِيلِ)، هَدانا اللَّهُ إلى أقْوَمِ السَّبِيلِ.
البينة 98:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٤ - ٥ ] ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ ﴿وما أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]
﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أيْ: عَلى ألْسِنَةِ (p-٦٢٢٧)أنْبِيائِهِمْ. فَهَكَذا كانَ شَأْنُهم في النَّبِيِّ ﷺ جَحَدُوا بَيِّنَتَهُ كَما جَحَدُوا بَيِّنَةَ أنْبِيائِهِمْ بِتَفَرُّقِهِمْ فِيها وبُعْدِهِمْ بِالتَّفَرُّقِ عَنْ حَقِيقَتِها، فَإنْ كانَ هَذا شَأْنَ أهْلِ الكِتابِ في بَيِّنَتِهِمْ وبَيِّنَتِنا، فَما ظَنُّكَ بِالمُشْرِكِينَ، وهم أعْرَقُ في الجَهالَةِ وأسْلَسُ قِيادًا لِلْهَوى مِنهُمْ؟ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُمِرُوا﴾ [البينة: ٥] أيْ: والحالُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ ما أُمِرُوا بِلِسانِ أنْبِيائِهِمْ وكُتُبِهِمْ ﴿إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإذْعانُ والخُضُوعُ، وذَلِكَ بِتَنْقِيَتِهِ مِن أنْ يُشْرِكَهُ فِيهِ شَيْءٌ، لا واسِطَةَ ولا مالَ، ولا كَرامَةَ ولا جاهَ "حُنَفاءَ" أيْ: مُتَّبِعِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى مِثالِهِ. وأصْلُهُ جَمْعُ (حَنِيفٍ) بِمَعْنى المائِلِ المُنْحَرِفِ؛ سُمِّيَ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِانْحِرافِهِ عَنْ وثَنِيَّةِ النّاسِ كافَّةً ﴿ويُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الإتْيانُ بِها، لِإحْضارِ القَلْبِ هَيْبَةَ المَعْبُودِ وتَرْوِيضِهِ بِالخُشُوعِ، لا أنْ تَكُونَ مُجَرَّدَ حَرَكاتٍ ظاهِرَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ في شَيْءٍ البَتَّةَ ﴿ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [البينة: ٥] أيْ: بِصَرْفِها في مَصارِفِها الَّتِي عَيَّنَها اللَّهُ تَعالى.
﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] أيِ: الكُتُبِ القَيِّمَةِ، أوْ دِينِ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ المُسْتَقِيمَةِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدِ افْتَرَقُوا، ولَعَنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ أُخْتَها، وكانَ افْتِراقُهم في العَقائِدِ والأحْكامِ وفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، مَعَ أنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا ولَمْ تُوضَعْ لَهم تِلْكَ الأحْكامُ إلّا لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ ويُخْلِصُوا لَهُ عَقائِدَهم وأعْمالَهُمْ، فَلا يَأْخُذُونَها إلّا عَنْهُ مُباشَرَةً، ولا يُقَلِّدُونَ أهْلَ الضَّلالِ مِنَ الأُمَمِ الأُخْرى، وأنْ يَخْشَعُوا لِلَّهِ في صَلاتِهِمْ، وأنْ يَصِلُوا عِبادَ اللَّهِ بِزَكاتِهِمْ. فَإذا كانَ هَذا هو الأصْلَ الَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ في الأوامِرِ، فَما كانَ عَلَيْهِمْ إلّا أنْ يَجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِهِمْ، فَيَرُدُّوا إلَيْهِ كُلَّ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ المَسائِلِ ويَحُلُّوا بِهِ كُلَّ ما يَعْتَرِضُ أمامَهم مِنَ المَشاكِلِ. ومَتى تَحَكَّمَ الإخْلاصُ في الأنْفُسِ، تَسَلَّطَ الإنْصافُ عَلَيْها، فَسادَتْ فِيها الوَحْدَةُ، ولَمْ تَطْرُقْ طُرُقَها الفُرْقَةُ، هَذا ما نَعاهُ اللَّهُ مِن حالِ أهْلِ الكِتابِ، فَما نَقُولُ في حالِنا؟ أفَما يَنْعاهُ كِتابُنا الشّاهِدُ عَلَيْنا بِسُوءِ أعْمالِنا، في افْتِراقِنا في الدِّينِ وأنْ صِرْنا فِيهِ شِيَعًا، ومَلَأْناهُ مُحْدَثاتٍ وبِدَعًا؟ بِهَذا الَّذِي تَقَدَّمَ عَرَفْتُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا رِسالَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ دَعْوَتِهِمْ إلى قَبُولِ ما جاءَ بِهِ. وإنَّ "مِن" في قَوْلِهِ "مِن أهْلِ الكِتابِ" لِلتَّبْعِيضِ. وأنَّ مَعْنى "لَمْ يَكُونُوا مُنْفَكِّينَ":
(p-٦٢٢٨)أيْ لَمْ يَكُنْ وجْهُ الحَقِّ لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ، فَيَقَعُ الزِّلْزالُ في عَقائِدِهِمْ، فَيَنْفَكُّوا عَنِ الغَفْلَةِ المَحْضَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ "الَّذِينَ كَفَرُوا" -واللَّهُ أعْلَمُ- أُولَئِكَ الَّذِينَ جَحَدُوا شَيْئًا مِن دِينِ اللَّهِ تَعالى عِنْدَما جاءَهم ولَمْ يَنْظُرُوا في دَلِيلِهِ، أوْ أعْرَضُوا عَنْهُ بَعْدَما عَرَفُوا دَلِيلَهُ، سَواءً كانُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ، وإنْ آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ وصَدَّقُوا. فَأرادَ اللَّهُ أنْ يَذْكُرَ مِنَّتَهُ عَلى مَن آمَنَ مِن هَؤُلاءِ، فَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا -أيْ: جَحَدُوا ما أوْجَبَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ أنْ يَعْتَقِدُوهُ عَنْهُ مِن صِفاتِهِ وشَرائِعِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ ومُشْرِكِي العَرَبِ- لَمْ يَكُونُوا بِراجِعِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ وجُحُودِهِمْ هَذا، حَتّى يَأْتِيَهُمُ الرَّسُولُ فَيُبَيِّنُ لَهم بُطْلانَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَيُؤْمِنُوا. فَما أعْظَمَ فَضْلَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في إرْسالِهِ رَسُولَهُ إلَيْهِمْ! وهَذا وجْهٌ آخَرُ غَيْرُ الَّذِي قَدَّمْناهُ في مَعْنى الَّذِينَ كَفَرُوا وانْفِكاكِهِمْ. وبِذَلِكَ أوْ هَذا ظَهَرَ مَعْنى "حَتّى" وبَطَلَ جَمِيعُ ما يَهْذِي بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ التَّقْلِيدُ عَنِ الرَّأْيِ السَّدِيدِ، فَصَعَّبُوا مِنَ القُرْآنِ سَهْلَهُ، وحَرَّمُوا مِن فَهْمِهِ أهْلَهُ. انْتَهى كَلامُ الإمامِ نَقَلْناهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا بِالحَرْفِ لِنَفاسَتِهِ، ولِكَوْنِهِ أحْسَنَ ما فُسِّرَتْ بِهِ، وقاعِدَتُنا الَّتِي انْتَهَجْناها في هَذا التَّفْسِيرِ أنْ نُؤْثِرَ في مَعانِي آياتِهِ أحْسَنَ ما قِيلَ فِيها؛ فَلِذَلِكَ سَمَّيْناهُ (مَحاسِنَ التَّأْوِيلِ)، هَدانا اللَّهُ إلى أقْوَمِ السَّبِيلِ.
البينة 98:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٦ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَجَحَدُوا نُبُوَّتَهُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيْ: شَرُّ مَن بَرَأهُ اللَّهُ وخَلَقَهُ. قالَ الإمامُ: لِأنَّ مُنْكِرَ الحَقِّ -بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ وقِيامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ- مُنْكِرٌ في الحَقِيقَةِ لِعَقْلِ نَفْسِهِ، مُهْلِكٌ لِرُوحِهِ، جالِبٌ الهَلاكَ لِغَيْرِهِ.
(p-٦٢٢٩)لَطائِفُ:
الأُولى: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ والَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ عُنْوانَ (المُشْرِكِينَ)، لا يَتَناوَلُ أهْلَ الكِتابِ في عُرْفِ القُرْآنِ، بَلْ هو خاصٌّ بِالوَثَنِيِّينَ، أعْنِي مَن يَدِينُونَ بِالإشْراكِ وتَعَدُّدِ الأرْبابِ، فَأهْلُ الكِتابِ -وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى- لا يَتَناوَلُهم ذَلِكَ العُنْوانُ وإنْ دَخَلَ في عَقائِدِهِمُ الشِّرْكُ؛ لِأنَّهُ دَخِيلٌ لا أصِيلٌ، ولِذَلِكَ يَنْفِرُونَ مِن وصْمَةِ الشِّرْكِ، وبِسَبَبِهِ حَلَّ النِّكاحُ مِنهم دُونَ الوَثَنِيِّنَ.
الثّانِيَةُ: قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: العَرَبُ لا تَهْمِزُ البَرِيَّةَ. وبِتَرْكِ الهَمْزَةِ فِيها قَرَأتْها قُرّاءُ الأمْصارِ، غَيْرَ شَيْءٍ يُذْكَرُ عَنْ نافِعِ بْنِ أبِي نَعِيمٍ، فَإنَّهُ حَكى بَعْضُهم عَنْهُ أنَّهُ كانَ يَهْمِزُها، وذَهَبَ بِها إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢] وأنَّها فَعِيلَةٌ مِن ذَلِكَ، وأمّا الَّذِينَ لَمْ يَهْمِزُوها، فَإنَّ لِتَرْكِهِمُ الهَمْزَ في ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونُوا تَرَكُوا الهَمْزَ فِيها كَما تَرَكُوهُ مِنَ المَلَكِ، وهو مَفْعَلٌ، مِن (ألَكَ)، أوْ (لَأكَ)، ومِن (يَرى)، و(تَرى) و(نَرى)، وهو (تَفْعَلُ) مِن رَأيْتُ. والآخَرُ: أنْ يَكُونُوا وجَّهُوها إلى أنَّها فَعَلِيةٌ، مِنَ البَراءِ وهو التُّرابُ. حُكِيَ عَنِ العَرَبِ سَماعًا فَقِيلَ: (بِفِيكَ البَرّادُ)، يَعْنِي بِهِ التُّرابُ. انْتَهى.
البينة 98:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِن بَذْلِ النَّفْسِ في سَبِيلِ الجِهادِ لِلْحَقِّ، وبَذْلِ المالِ في أعْمالِ البِرِّ، مَعَ القِيامِ بِفَرائِضِ العِباداتِ، والإخْلاصِ في سائِرِ ضُرُوبِ المُعامَلاتِ؛ لِأنَّ إذْعانَهُمُ الصَّحِيحَ، ووِجْدانَهم لَذَّةَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مَلَّكَتِ الحَقَّ قِيادَهم فَعَمِلُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ، قالَهُ الإمامُ ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ (p-٦٢٣٠)البَرِيَّةِ﴾ أيْ: أفْضَلُ الخَلِيقَةِ، لِأنَّهم بِمُتابَعَةِ الحَقِّ عِنْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ القائِمِ عَلَيْهِ، قَدْ حَقَّقُوا لِأنْفُسِهِمْ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ الَّتِي شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِها. وبِالعَمَلِ الصّالِحِ، قَدْ حَفِظُوا نِظامَ الفَضِيلَةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوامَ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ، وهَدَوْا غَيْرَهم بِحُسْنِ الأُسْوَةِ إلى مِثْلِ ما هُدُوا إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَمَن يَكُونُ أفْضَلَ مِنهُمْ؟ قالَهُ الإمامُ.
﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بَساتِينُ إقامَةٍ، لا ظَعْنَ فِيها، تَجْرِي مِن تَحْتِ أشْجارِها وغُرَفِها الأنْهارُ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [البينة: ٨] أيْ: ماكِثِينَ عَلى الدَّوامِ، لا يَخْرُجُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ فِيها ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بِما أطاعُوهُ في الدُّنْيا، وعَمِلُوا لِخُلُوصِهِمْ مِن عِقابِهِ ذَلِكَ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] لِأنَّهم بِحُسْنِ يَقِينِهِمْ يَرْتاحُونَ إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُ بِهِ في الدُّنْيا، فَهم راضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ إذا ذَهَبُوا إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، وجَدُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ما لا مَحَلَّ لِلسُّخْطِ مَعَهُ، فَهم راضُونَ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ حالٍ. أفادَهُ الإمامُ.
﴿ذَلِكَ﴾ [البينة: ٨] أيْ: هَذا الجَزاءُ الحَسَنُ وهَذا الرِّضاءُ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: خافَ اللَّهَ في الدُّنْيا في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، فاتَّقاهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
قالَ الإمامُ: أرادَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الرَّفِيعَةِ الِاحْتِياطَ لِدَفْعِ سُوءِ الفَهْمِ، الَّذِي وقَعَ ولا يَزالُ يَقَعُ فِيهِ العامَّةُ مِنَ النّاسِ، بَلِ الخاصَّةُ كَذَلِكَ، وهو أنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِقادِ بِالوِراثَةِ وتَقْلِيدِ الأبَوَيْنِ، ومَعْرِفَةِ ظَواهِرِ بَعْضِ الأحْكامِ، وأداءِ بَعْضِ العِباداتِ، كَحَرَكاتِ الصَّلاةِ وإمْساكِ الصَّوْمِ، مُجَرَّدَ هَذا لا يَكْفِي في نَيْلِ ما أعَدَّ اللَّهُ مِنَ الجَزاءِ لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإنْ كانَتْ قُلُوبُهم حَشْوُها الحَسَدُ والحِقْدُ والكِبْرِياءُ والرِّياءُ، وأفْواهُهم مِلْؤُها الكَذِبُ والنَّمِيمَةُ والِافْتِراءُ، وتَهُزُّ أعْطافَهم رِياحُ العَجَبِ والخُيَلاءِ، وسَرائِرُهم مَسْكَنُ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ لِلْأُمَراءِ، بَلْ ولِمَن دُونَ الأُمَراءِ، خالِيَةٌ مِن أقَلِّ مَراتِبِ الخُشُوعِ والإخْلاصِ لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ -كَلّا لا يَنالُونَ حُسْنَ الجَزاءِ؛ فَإنَّ خَشْيَةَ رَبِّهِمْ لَمْ تَحِلَّ قُلُوبَهُمْ، ولِهَذا لَمْ تُهَذِّبْ مِن نُفُوسِهِمْ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ الجَزاءُ إلّا لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ، وأشْعَرَ خَوْفَهُ قَلْبَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
البينة 98:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٧ - ٨ ] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨]
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ: مِن بَذْلِ النَّفْسِ في سَبِيلِ الجِهادِ لِلْحَقِّ، وبَذْلِ المالِ في أعْمالِ البِرِّ، مَعَ القِيامِ بِفَرائِضِ العِباداتِ، والإخْلاصِ في سائِرِ ضُرُوبِ المُعامَلاتِ؛ لِأنَّ إذْعانَهُمُ الصَّحِيحَ، ووِجْدانَهم لَذَّةَ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، مَلَّكَتِ الحَقَّ قِيادَهم فَعَمِلُوا الأعْمالَ الصّالِحَةَ، قالَهُ الإمامُ ﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ (p-٦٢٣٠)البَرِيَّةِ﴾ أيْ: أفْضَلُ الخَلِيقَةِ، لِأنَّهم بِمُتابَعَةِ الحَقِّ عِنْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ القائِمِ عَلَيْهِ، قَدْ حَقَّقُوا لِأنْفُسِهِمْ مَعْنى الإنْسانِيَّةِ الَّتِي شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِها. وبِالعَمَلِ الصّالِحِ، قَدْ حَفِظُوا نِظامَ الفَضِيلَةِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ قِوامَ الوُجُودِ الإنْسانِيِّ، وهَدَوْا غَيْرَهم بِحُسْنِ الأُسْوَةِ إلى مِثْلِ ما هُدُوا إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ والسَّعادَةِ، فَمَن يَكُونُ أفْضَلَ مِنهُمْ؟ قالَهُ الإمامُ.
﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بَساتِينُ إقامَةٍ، لا ظَعْنَ فِيها، تَجْرِي مِن تَحْتِ أشْجارِها وغُرَفِها الأنْهارُ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [البينة: ٨] أيْ: ماكِثِينَ عَلى الدَّوامِ، لا يَخْرُجُونَ عَنْها ولا يَمُوتُونَ فِيها ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨] أيْ: بِما أطاعُوهُ في الدُّنْيا، وعَمِلُوا لِخُلُوصِهِمْ مِن عِقابِهِ ذَلِكَ ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] لِأنَّهم بِحُسْنِ يَقِينِهِمْ يَرْتاحُونَ إلى امْتِثالِ ما يَأْمُرُ بِهِ في الدُّنْيا، فَهم راضُونَ عَنْهُ. ثُمَّ إذا ذَهَبُوا إلى نِعَمِ الآخِرَةِ، وجَدُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ ما لا مَحَلَّ لِلسُّخْطِ مَعَهُ، فَهم راضُونَ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ حالٍ. أفادَهُ الإمامُ.
﴿ذَلِكَ﴾ [البينة: ٨] أيْ: هَذا الجَزاءُ الحَسَنُ وهَذا الرِّضاءُ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨] أيْ: خافَ اللَّهَ في الدُّنْيا في سِرِّهِ وعَلانِيَتِهِ، فاتَّقاهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ واجْتِنابِ مَعاصِيهِ؛ فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ السَّعادَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
قالَ الإمامُ: أرادَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ الرَّفِيعَةِ الِاحْتِياطَ لِدَفْعِ سُوءِ الفَهْمِ، الَّذِي وقَعَ ولا يَزالُ يَقَعُ فِيهِ العامَّةُ مِنَ النّاسِ، بَلِ الخاصَّةُ كَذَلِكَ، وهو أنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِقادِ بِالوِراثَةِ وتَقْلِيدِ الأبَوَيْنِ، ومَعْرِفَةِ ظَواهِرِ بَعْضِ الأحْكامِ، وأداءِ بَعْضِ العِباداتِ، كَحَرَكاتِ الصَّلاةِ وإمْساكِ الصَّوْمِ، مُجَرَّدَ هَذا لا يَكْفِي في نَيْلِ ما أعَدَّ اللَّهُ مِنَ الجَزاءِ لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، وإنْ كانَتْ قُلُوبُهم حَشْوُها الحَسَدُ والحِقْدُ والكِبْرِياءُ والرِّياءُ، وأفْواهُهم مِلْؤُها الكَذِبُ والنَّمِيمَةُ والِافْتِراءُ، وتَهُزُّ أعْطافَهم رِياحُ العَجَبِ والخُيَلاءِ، وسَرائِرُهم مَسْكَنُ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ لِلْأُمَراءِ، بَلْ ولِمَن دُونَ الأُمَراءِ، خالِيَةٌ مِن أقَلِّ مَراتِبِ الخُشُوعِ والإخْلاصِ لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ -كَلّا لا يَنالُونَ حُسْنَ الجَزاءِ؛ فَإنَّ خَشْيَةَ رَبِّهِمْ لَمْ تَحِلَّ قُلُوبَهُمْ، ولِهَذا لَمْ تُهَذِّبْ مِن نُفُوسِهِمْ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ الجَزاءُ إلّا لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ، وأشْعَرَ خَوْفَهُ قَلْبَهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
الزلزلة 99:1
(p-٦٢٣١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَكِّيَّةٌ. ورَجَّحَ السُّيُوطِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. وآيُها ثَمانٍ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إذا زُلْزِلَتْ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ. و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ».
. وسَيَأْتِي سِرُّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الكافِرِينَ والإخْلاصِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
(p-٦٢٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]
﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: أصابَها ذَلِكَ الزِّلْزالُ الشَّدِيدُ والِاهْتِزازُ الرَّهِيبُ. فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أوْ الِاخْتِصاصِ، بِمَعْنى الزِّلْزالِ المَخْصُوصِ بِها، وهي الرَّجَّةُ الَّتِي لا غايَةَ وراءَها. والأقْرَبُ الأوَّلُ لِآيَةِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ، وقَدْ قِيلَ: هُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمٌ والمَكْسُورُ مَصْدَرٌ، وهو المَشْهُورُ. َ
﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ: قَذَفَتْ ما في باطِنِها مِن كُنُوزٍ ودَفائِنَ وأمْواتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. لِشِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ وتَشَقُّقِ ظَهْرِها. كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] والأثْقالُ جَمْعُ (ثَقَلٍ)، بِفَتْحَتَيْنِ وهو مَتاعُ المُسافِرِ وكُلُّ نَفِيسٍ مَصُونٍ. وهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى حِمْلِ البَطْنِ، عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الحِمْلَ يُسَمّى ثِقْلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] قالَهُ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في (الدُّرَرِ).
الزلزلة 99:2
(p-٦٢٣١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: مَكِّيَّةٌ. ورَجَّحَ السُّيُوطِيُّ أنَّها مَدَنِيَّةٌ. وآيُها ثَمانٍ.
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إذا زُلْزِلَتْ" تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ. و"قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ" تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ. و"قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ" تَعْدِلُ رُبُعَ القُرْآنِ».
. وسَيَأْتِي سِرُّ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الكافِرِينَ والإخْلاصِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
(p-٦٢٣٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ١ - ٢ ] ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ ﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]
﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ أيْ: أصابَها ذَلِكَ الزِّلْزالُ الشَّدِيدُ والِاهْتِزازُ الرَّهِيبُ. فالإضافَةُ لِلتَّفْخِيمِ أوْ الِاخْتِصاصِ، بِمَعْنى الزِّلْزالِ المَخْصُوصِ بِها، وهي الرَّجَّةُ الَّتِي لا غايَةَ وراءَها. والأقْرَبُ الأوَّلُ لِآيَةِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكم إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ، وقَدْ قِيلَ: هُما مَصْدَرانِ. وقِيلَ: المَفْتُوحُ اسْمٌ والمَكْسُورُ مَصْدَرٌ، وهو المَشْهُورُ. َ
﴿وأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢] أيْ: قَذَفَتْ ما في باطِنِها مِن كُنُوزٍ ودَفائِنَ وأمْواتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ. لِشِدَّةِ الزَّلْزَلَةِ وتَشَقُّقِ ظَهْرِها. كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا الأرْضُ مُدَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٣] ﴿وألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ﴾ [الإنشقاق: ٤] والأثْقالُ جَمْعُ (ثَقَلٍ)، بِفَتْحَتَيْنِ وهو مَتاعُ المُسافِرِ وكُلُّ نَفِيسٍ مَصُونٍ. وهَذا عَلى الِاسْتِعارَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ بِمَعْنى حِمْلِ البَطْنِ، عَلى التَّشْبِيهِ أيْضًا؛ لِأنَّ الحِمْلَ يُسَمّى ثِقْلًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾ [الأعراف: ١٨٩] قالَهُ الشَّرِيفُ المُرْتَضى في (الدُّرَرِ).
الزلزلة 99:3
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
الزلزلة 99:4
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
الزلزلة 99:5
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
الزلزلة 99:6
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
الزلزلة 99:7
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
الزلزلة 99:8
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[ ٣ - ٨ ] ﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] (p-٦٢٣٣)﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]
﴿وقالَ الإنْسانُ ما لَها﴾ أيْ: قالَ مَن يَكُونُ مِنَ الإنْسانِ شاهِدًا لِهَذا الزِّلْزالِ الَّذِي فاجَأهُ ودَهَشَهُ ولَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ: ما لِهَذِهِ الأرْضِ رَجَّتِ الرَّجَّةَ الهائِلَةَ، وبُعْثِرَ ما فِيها مِنَ الأثْقالِ المَدْفُونَةِ؟!
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة: ٤] بَدَلٌ مِن (إذا)، أيْ: في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿تُحَدِّثُ أخْبارَها﴾ [الزلزلة: ٤] أيْ: تَبِينُ الأرْضُ بِلِسانِ حالِها، ما لِأجْلِهِ زِلْزالُها وإخْراجُ أثْقالِها. فَتَدُلُّ دَلالَةً ظاهِرَةً عَلى ذَلِكَ، وهو الإيذانُ بِفَناءِ النَّشْأةِ الأُولى وظُهُورِ نَشْأةٍ أُخْرى. فالتَّحْدِيثُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ مُطْلَقُ الدَّلالَةِ.
قالَ أبُو مُسْلِمٍ: أيْ: يَوْمَئِذٍ يَتَبَيَّنُ لِكُلِّ أحَدٍ جَزاءُ عَمَلِهِ، فَكَأنَّها حَدَّثَتْ بِذَلِكَ كَقَوْلِكَ: (الدّارُ تُحَدِّثُنا بِأنَّها كانَتْ مَسْكُونَةً)، فَكَذا انْتِقاضُ الأرْضِ بِسَبَبِ الزَّلْزَلَةِ تُحَدِّثُ أنَّ الدُّنْيا قَدِ انْقَضَتْ، وأنَّ الآخِرَةَ قَدْ أقْبَلَتْ.
﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥] الباءُ سَبَبِيَّةٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تُحَدِّثُ" أيْ: تُحَدِّثُ بِسَبَبِ إيحاءِ رَبِّكَ لَها، وأمْرِهِ إيّاها بِالتَّحْدِيثِ. والإيحاءُ اسْتِعارَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ لِإرادَةِ لازِمِهِ، وهو إحْداثُ ما تَدُلُّ بِهِ عَلى خَرابِها.
وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: أشارَ إلَيْها وأمَرَها بِالِاضْطِرابِ والخَرابِ وإخْراجِ الأثْقالِ، يَعْنِي الأمْرَ التَّكْوِينِيَّ، وهو تَعَلُّقُ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ بِما هو أثَرٌ لَها.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: يَنْصَرِفُونَ عَنْ مَراقِدِهِمْ إلى مَوْطِنِ حِسابِهِمْ وجَزائِهِمْ، مُتَفَرِّقِينَ سُعَداءَ وأشْقِياءَ ﴿لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] أيْ: لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ جَزاءَ أعْمالِهِمْ.
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] أيْ: فَمَن عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ يُرى ثَوابَهُ هُنالِكَ. والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وهي مَثَلٌ في الصِّغَرِ. وقِيلَ: الذَّرُّ هو الهَباءُ الَّذِي يُرى في ضَوْءِ الشَّمْسِ إذا دَخَلَتْ مِن نافِذَةٍ.
﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] أيْ: ومَن كانَ عَمِلَ في الدُّنْيا وزْنَ ذَرَّةٍ مِن شَرٍّ، يُرى جَزاءَهُ ثَمَّةَ.
(p-٦٢٣٤)تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: دَلَّ لَفْظُ "مَن" عَلى شُمُولِ الجَزاءِ بِقِسْمَيْهِ لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ.
قالَ الإمامُ: أيْ: ومَن يَعْمَلْ مِنَ الخَيْرِ أدْنى عَمَلٍ وأصْغَرَهُ، فَإنَّهُ يَراهُ ويَجِدُ جَزاءَهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ. غايَةُ الأمْرِ أنَّ حَسَناتِ الكُفّارِ الجاحِدِينَ لا تَصِلُ بِهِمْ إلى أنْ تُخَلِّصَهم مِن عَذابِ الكُفْرِ، فَهم بِهِ خالِدُونَ في الشَّقاءِ. والآياتُ الَّتِي تَنْطِقُ بِحُبُوطِ أعْمالِ الكُفّارِ، وأنَّها لا تَنْفَعُهُمْ، مَعْناها هو ما ذَكَرْنا، أيْ: أنَّ عَمَلًا مِن أعْمالِهِمْ لا يُنْجِيهِمْ مِن عَذابِ الكُفْرِ، وإنْ خَفَّفَ عَنْهم بَعْضَ العَذابِ الَّذِي كانَ يَرْتَقِبُهُمْ، عَلى بَقِيَّةِ السَّيِّئاتِ الأُخْرى، أمّا عَذابُ الكُفْرِ نَفْسِهِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِنهُ شَيْءٌ، كَيْفَ لا، واللَّهُ جَلَّ شَأْنُهُ يَقُولُ: ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]
فَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧] أصْرَحُ قَوْلٍ في أنَّ الكافِرَ والمُؤْمِنَ في ذَلِكَ سَواءٌ، وإنَّ كُلًّا يُوَفّى يَوْمَ القِيامَةِ جَزاءَهُ. وقَدْ ورَدَ أنَّ ««حاتِمًا يُخَفَّفُ عَنْهُ لِكَرَمِهِ»»، وأنَّ ««أبا لَهَبٍ يُخَفَّفُ عَنْهُ لِسُرُورِهِ بِوِلادَةِ النَّبِيِّ ﷺ»» وما نَقَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ ولا يُخَفَّفُ عَنْهُ عَذابُ سَيِّئَةٍ ما، لا أصْلَ لَهُ. فَقَدْ قالَ بِما قُلْناهُ كَثِيرٌ مِن أئِمَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. عَلى أنَّ كَلِمَةَ (الإجْماعِ)، كَثِيرًا ما يَتَّخِذُها الجُهَلاءُ السُّفَهاءُ آلَةً لِقَتْلِ رُوحِ الدِّينِ، وحَجَرًا يُلْقِمُونَهُ أفْواهَ المُتَكَلِّمِينَ. وهم لا يَعْرِفُونَ لِلْإجْماعِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ مَعْنًى، فَبِئْسَ ما يَصْنَعُونَ. انْتَهى.
وقَدْ سَبَقَهُ الشِّهابُ في (حَواشِيهِ) عَلى القاضِي، حَيْثُ ناقَشَ صاحِبُ (المَقاصِدِ) في دَعْواهُ الإجْماعَ عَلى إحْباطِ عَمَلِ الكَفَرَةِ. وعِبارَتُهُ: كَيْفَ يُدْعى الإجْماعُ عَلى الإحْباطِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو مُخالِفٌ لِما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ؟ والَّذِي يَلُوحُ لِلْخاطِرِ، بَعْدَ اسْتِكْشافِ سَرائِرِ الدَّفاتِرِ، أنَّ الكُفّارَ يُعَذَّبُونَ عَلى الكُفْرِ بِحَسَبِ مَراتِبِهِ. فَلَيْسَ عَذابُ أبِي طالِبٍ كَعَذابِ أبِي جَهْلٍ، ولا (p-٦٢٣٥)عَذابُ المُعَطِّلَةِ كَعَذابِ أهْلِ الكِتابِ، كَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والعَدْلُ الإلَهِيُّ. انْتَهى.
الثّانِي: قالَ في (الإكْلِيلِ): في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ التَّرْغِيبُ في قَلِيلِ الخَيْرِ وكَثِيرِهِ، والتَّحْذِيرُ مِن قَلِيلِ الشَّرِّ وكَثِيرِهِ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ. وفي لَفْظٍ: (أجْمَعُ).
«وسَمّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ «الجامِعَةَ الفاذَّةَ» حِينَ سُئِلَ عَنْ زَكاةِ الحَمِيرِ فَقالَ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ فِيها شَيْئًا إلّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ»»
﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ورَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، أنَّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ «فَقَرَأ عَلَيْهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]» إلَخْ. قالَ: حَسْبِي. لا أُبالِي أنْ لا أسْمَعَ غَيْرَها». ورَواهُ النَّسائِيُّ في تَفْسِيرِهِ.