Lafzullah

Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi — الليل 92:1 – التين 95:8

المؤلف / المصدر: Mahasin Al-Ta'wil Al-Qasimi

المحتويات
  1. الليل 92:1
  2. الليل 92:2
  3. الليل 92:3
  4. الليل 92:4
  5. الليل 92:5
  6. الليل 92:6
  7. الليل 92:7
  8. الليل 92:8
  9. الليل 92:9
  10. الليل 92:10
  11. الليل 92:11
  12. الليل 92:12
  13. الليل 92:13
  14. الليل 92:14
  15. الليل 92:15
  16. الليل 92:16
  17. الليل 92:17
  18. الليل 92:18
  19. الليل 92:19
  20. الليل 92:20
  21. الليل 92:21
  22. الضحى 93:1
  23. الضحى 93:2
  24. الضحى 93:3
  25. الضحى 93:4
  26. الضحى 93:5
  27. الضحى 93:6
  28. الضحى 93:7
  29. الضحى 93:8
  30. الضحى 93:9
  31. الضحى 93:10
  32. الضحى 93:11
  33. الشرح 94:1
  34. الشرح 94:2
  35. الشرح 94:3
  36. الشرح 94:4
  37. الشرح 94:5
  38. الشرح 94:6
  39. الشرح 94:7
  40. الشرح 94:8
  41. التين 95:1
  42. التين 95:2
  43. التين 95:3
  44. التين 95:4
  45. التين 95:5
  46. التين 95:6
  47. التين 95:7
  48. التين 95:8

الليل 92:1

(p-٦١٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ اللَّيْلِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ بِظُلْمَتِهِ، فَيَذْهَبُ بِذاكَ الضِّياءِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أيْ: ظَهَرَ بِزَوالِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ الإمامُ: والتَّعْبِيرُ في الغَشَيانِ بِالمُضارِعِ، لِما سَبَقَ مِن عُرُوضِ الظُّلْمَةِ لِأصْلِ النُّورِ الَّذِي هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الوُجُودِ، حَتّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. أمّا تَجَلِّي النَّهارِ فَهو لازِمٌ لَهُ. لِهَذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي كَما سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] أيْ: والقادِرُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ. فَـ: "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن)، أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ. قالَ الإمامُ: وإنَّما أقْسَمَ بِذاتِهِ بِهَذا العُنْوانِ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ بِدَقائِقِ المادَّةِ وما فِيها، والإشارَةُ إلى الإبْداعِ في الصُّنْعِ؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنَّ هَذا التَّخالُفَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، في الحَيَوانِ، يَحْصُلُ بِمَحْضِ الِاتِّفاقِ مِن طَبِيعَةٍ لا شُعُورَ لَها بِما تَفْعَلُ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاحِدِينَ، فَإنَّ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ في المادَّةِ مُتَساوِيَةُ النِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الذَّكَرِ أوْ كَوْنِ الأُنْثى، فَتَكْوِينُ الوَلَدِ مِن عَناصِرَ واحِدَةٍ تارَةً ذَكَرًا وتارَةً أُنْثى، دَلِيلٌ عَلى أنَّ واضِعَ هَذا النِّظامِ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ، مُحْكِمٌ فِيما يَضَعُ ويَصْنَعُ. انْتَهى. (p-٦١٧٥)وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] جَوابُ القَسَمِ. أوْ هو مُقَدَّرٌ، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. أيْ: مُخْتَلِفٌ في جَزائِهِ. ومُفَرِّقٌ في عاقِبَتِهِ. فَمِنهُ ما يَسْعَدُ بِهِ السّاعِي ومِنهُ ما يَشْقى بِهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، كَما فَصَّلَهُ بَعْدُ. و(شَتّى) إمّا جَمْعُ شَتِيتٍ أوْ شَتٍّ، بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، والمَصْدَرُ المُضافُ يُفِيدُ العُمُومَ. فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى. ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِـ: (شَتّى) وهو جَمْعٌ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مُفْرَدُ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ كَذِكْرى وبُشْرى. فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مُؤَوَّلٌ، أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ، مُبالَغَةً. قالَ الرّازِيُّ: ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]

الليل 92:2

(p-٦١٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ اللَّيْلِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ بِظُلْمَتِهِ، فَيَذْهَبُ بِذاكَ الضِّياءِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أيْ: ظَهَرَ بِزَوالِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ الإمامُ: والتَّعْبِيرُ في الغَشَيانِ بِالمُضارِعِ، لِما سَبَقَ مِن عُرُوضِ الظُّلْمَةِ لِأصْلِ النُّورِ الَّذِي هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الوُجُودِ، حَتّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. أمّا تَجَلِّي النَّهارِ فَهو لازِمٌ لَهُ. لِهَذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي كَما سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] أيْ: والقادِرُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ. فَـ: "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن)، أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ. قالَ الإمامُ: وإنَّما أقْسَمَ بِذاتِهِ بِهَذا العُنْوانِ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ بِدَقائِقِ المادَّةِ وما فِيها، والإشارَةُ إلى الإبْداعِ في الصُّنْعِ؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنَّ هَذا التَّخالُفَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، في الحَيَوانِ، يَحْصُلُ بِمَحْضِ الِاتِّفاقِ مِن طَبِيعَةٍ لا شُعُورَ لَها بِما تَفْعَلُ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاحِدِينَ، فَإنَّ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ في المادَّةِ مُتَساوِيَةُ النِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الذَّكَرِ أوْ كَوْنِ الأُنْثى، فَتَكْوِينُ الوَلَدِ مِن عَناصِرَ واحِدَةٍ تارَةً ذَكَرًا وتارَةً أُنْثى، دَلِيلٌ عَلى أنَّ واضِعَ هَذا النِّظامِ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ، مُحْكِمٌ فِيما يَضَعُ ويَصْنَعُ. انْتَهى. (p-٦١٧٥)وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] جَوابُ القَسَمِ. أوْ هو مُقَدَّرٌ، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. أيْ: مُخْتَلِفٌ في جَزائِهِ. ومُفَرِّقٌ في عاقِبَتِهِ. فَمِنهُ ما يَسْعَدُ بِهِ السّاعِي ومِنهُ ما يَشْقى بِهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، كَما فَصَّلَهُ بَعْدُ. و(شَتّى) إمّا جَمْعُ شَتِيتٍ أوْ شَتٍّ، بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، والمَصْدَرُ المُضافُ يُفِيدُ العُمُومَ. فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى. ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِـ: (شَتّى) وهو جَمْعٌ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مُفْرَدُ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ كَذِكْرى وبُشْرى. فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مُؤَوَّلٌ، أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ، مُبالَغَةً. قالَ الرّازِيُّ: ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]

الليل 92:3

(p-٦١٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ اللَّيْلِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ بِظُلْمَتِهِ، فَيَذْهَبُ بِذاكَ الضِّياءِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أيْ: ظَهَرَ بِزَوالِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ الإمامُ: والتَّعْبِيرُ في الغَشَيانِ بِالمُضارِعِ، لِما سَبَقَ مِن عُرُوضِ الظُّلْمَةِ لِأصْلِ النُّورِ الَّذِي هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الوُجُودِ، حَتّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. أمّا تَجَلِّي النَّهارِ فَهو لازِمٌ لَهُ. لِهَذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي كَما سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] أيْ: والقادِرُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ. فَـ: "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن)، أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ. قالَ الإمامُ: وإنَّما أقْسَمَ بِذاتِهِ بِهَذا العُنْوانِ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ بِدَقائِقِ المادَّةِ وما فِيها، والإشارَةُ إلى الإبْداعِ في الصُّنْعِ؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنَّ هَذا التَّخالُفَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، في الحَيَوانِ، يَحْصُلُ بِمَحْضِ الِاتِّفاقِ مِن طَبِيعَةٍ لا شُعُورَ لَها بِما تَفْعَلُ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاحِدِينَ، فَإنَّ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ في المادَّةِ مُتَساوِيَةُ النِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الذَّكَرِ أوْ كَوْنِ الأُنْثى، فَتَكْوِينُ الوَلَدِ مِن عَناصِرَ واحِدَةٍ تارَةً ذَكَرًا وتارَةً أُنْثى، دَلِيلٌ عَلى أنَّ واضِعَ هَذا النِّظامِ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ، مُحْكِمٌ فِيما يَضَعُ ويَصْنَعُ. انْتَهى. (p-٦١٧٥)وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] جَوابُ القَسَمِ. أوْ هو مُقَدَّرٌ، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. أيْ: مُخْتَلِفٌ في جَزائِهِ. ومُفَرِّقٌ في عاقِبَتِهِ. فَمِنهُ ما يَسْعَدُ بِهِ السّاعِي ومِنهُ ما يَشْقى بِهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، كَما فَصَّلَهُ بَعْدُ. و(شَتّى) إمّا جَمْعُ شَتِيتٍ أوْ شَتٍّ، بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، والمَصْدَرُ المُضافُ يُفِيدُ العُمُومَ. فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى. ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِـ: (شَتّى) وهو جَمْعٌ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مُفْرَدُ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ كَذِكْرى وبُشْرى. فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مُؤَوَّلٌ، أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ، مُبالَغَةً. قالَ الرّازِيُّ: ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]

الليل 92:4

(p-٦١٧٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ اللَّيْلِ مَكِّيَّةٌ، وآيُها إحْدى وعِشْرُونَ. وقَدْ تَقَدَّمَ «قَوْلُهُ ﷺ لِمُعاذٍ: هَلّا صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى، والشَّمْسِ وضُحاها، واللَّيْلِ إذا يَغْشى». (p-٦١٧٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ أيْ: يَغْشى الشَّمْسَ أوِ النَّهارَ بِظُلْمَتِهِ، فَيَذْهَبُ بِذاكَ الضِّياءِ، ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] أيْ: ظَهَرَ بِزَوالِ اللَّيْلِ أوْ تَبَيَّنَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ. قالَ الإمامُ: والتَّعْبِيرُ في الغَشَيانِ بِالمُضارِعِ، لِما سَبَقَ مِن عُرُوضِ الظُّلْمَةِ لِأصْلِ النُّورِ الَّذِي هو أكْمَلُ مَظاهِرِ الوُجُودِ، حَتّى عُبِّرَ بِهِ عَنِ الوُجُودِ نَفْسِهِ. أمّا تَجَلِّي النَّهارِ فَهو لازِمٌ لَهُ. لِهَذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي كَما سَبَقَ بَيانُهُ. ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] أيْ: والقادِرُ الَّذِي خَلَقَ صِنْفَيِ الذَّكَرِ والأُنْثى مِن كُلِّ نَوْعٍ لَهُ تَوالُدٌ. فَـ: "ما" مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى (مَن)، أُوثِرَتْ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ، كَما تَقَدَّمَ. قالَ الإمامُ: وإنَّما أقْسَمَ بِذاتِهِ بِهَذا العُنْوانِ، لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ بِدَقائِقِ المادَّةِ وما فِيها، والإشارَةُ إلى الإبْداعِ في الصُّنْعِ؛ إذْ لا يُعْقَلُ أنَّ هَذا التَّخالُفَ بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، في الحَيَوانِ، يَحْصُلُ بِمَحْضِ الِاتِّفاقِ مِن طَبِيعَةٍ لا شُعُورَ لَها بِما تَفْعَلُ، كَما يَزْعُمُ بَعْضُ الجاحِدِينَ، فَإنَّ الأجْزاءَ الأصْلِيَّةَ في المادَّةِ مُتَساوِيَةُ النِّسْبَةِ إلى كَوْنِ الذَّكَرِ أوْ كَوْنِ الأُنْثى، فَتَكْوِينُ الوَلَدِ مِن عَناصِرَ واحِدَةٍ تارَةً ذَكَرًا وتارَةً أُنْثى، دَلِيلٌ عَلى أنَّ واضِعَ هَذا النِّظامِ عالِمٌ بِما يَفْعَلُ، مُحْكِمٌ فِيما يَضَعُ ويَصْنَعُ. انْتَهى. (p-٦١٧٥)وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] جَوابُ القَسَمِ. أوْ هو مُقَدَّرٌ، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. أيْ: مُخْتَلِفٌ في جَزائِهِ. ومُفَرِّقٌ في عاقِبَتِهِ. فَمِنهُ ما يَسْعَدُ بِهِ السّاعِي ومِنهُ ما يَشْقى بِهِ، فَشَتّانَ ما بَيْنَهُما، كَما فَصَّلَهُ بَعْدُ. و(شَتّى) إمّا جَمْعُ شَتِيتٍ أوْ شَتٍّ، بِمَعْنى مُتَفَرِّقٍ، والمَصْدَرُ المُضافُ يُفِيدُ العُمُومَ. فَيَكُونُ جَمْعًا مَعْنًى. ولِذا أخْبَرَ عَنْهُ بِـ: (شَتّى) وهو جَمْعٌ. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ مُفْرَدُ مَصْدَرٍ مُؤَنَّثٍ كَذِكْرى وبُشْرى. فَهو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أوْ مُؤَوَّلٌ، أوْ بِجَعْلِهِ عَيْنَ الِافْتِراقِ، مُبالَغَةً. قالَ الرّازِيُّ: ويَقْرُبُ مِن هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهم ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]

الليل 92:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ١١ ] ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] ﴿وأمّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ تَفْصِيلٌ لِتِلْكَ المَساعِي الشَّتّى، وتَبْيِينٌ لِمَآلِها ما تَقَدَّمَ. (p-٦١٧٦)قالَ الرّازِيُّ: وفي "أعْطى" وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ المُرادُ إنْفاقَ المالِ في جَمِيعِ وُجُوهِ الخَيْرِ مِن عِتْقِ الرِّقابِ، وفَكِّ الأسارى وتَقْوِيَةِ المُسْلِمِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُو بَكْرٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ واجِبًا أوْ نَفْلًا وإطْلاقُ هَذا كالإطْلاقِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَإنَّ المُرادَ مِنهُ كُلُّ ما كانَ إنْفاقًا في سَبِيلِ اللَّهِ، سَواءٌ كانَ واجِبًا أوْ نَفْلًا. وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ قَوْمًا فَقالَ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] وقالَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] الآيَةَ. وثانِيهِما: أنَّ قَوْلَهُ: "أعْطى" يَتَناوَلُ إعْطاءَ حُقُوقِ المالِ، وإعْطاءَ حُقُوقِ النَّفْسِ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. يُقالُ: فُلانٌ أعْطى الطّاعَةَ وأعْطى السِّعَةَ. انْتَهى. إلّا أنَّ الأوَّلَ هو المُناسِبُ لِلْإعْطاءِ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ فِيهِ تَعَلُّقُهُ بِالمالِ خُصُوصًا وقَدْ وقَعَ في مُقابَلَةِ ذِكْرِ البُخْلِ والمالِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ: رَبَّهُ فاجْتَنَبَ مَحارِمَهُ. ﴿وصَدَّقَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٦] أيْ: بِالمَثُوبَةِ الحُسْنى. قالَ قَتادَةُ: أيْ: صَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الحَسَنِ. وهو بِمَعْنى قَوْلِ مُجاهِدٍ: إنَّها الجَنَّةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾ [الشورى: ٢٣] فَسَمّى مُضاعَفَةَ الأجْرِ حُسْنى. وقالَ القاشانِيُّ: أيْ: صَدَّقَ بِالفَضِيلَةِ الحُسْنى الَّتِي هي مَرْتَبَةُ الكَمالِ بِالإيمانِ العِلْمِيِّ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَيَقَّنْ بِوُجُودِ كَمالٍ كامِلٍ لَمْ يُمْكِنْهُ التَّرَقِّي. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى﴾ [الليل: ٧] أيْ: فَسَنُهَيِّئُهُ ونُوَفِّقُهُ لِلطَّرِيقَةِ اليُسْرى، الَّتِي هي السُّلُوكُ في طَرِيقِ الحَقِّ، لِقُوَّةِ يَقِينِهِ. قالَ الشِّهابُ: ولَمّا كانَتْ مُؤَدِّيَةً إلى اليُسْرِ، وهو الأمْرُ السَّهْلُ الَّذِي يَسْتَرِيحُ بِهِ النّاسُ وُصِفَتْ بِأنَّها يُسْرى، عَلى أنَّهُ اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ أوْ مَجازٌ مُرْسَلٌ أوْ تَجَوُّزٌ في الإسْنادِ. ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ [الليل: ٨] أيْ: بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ومَنعِ ما وهَبَ اللَّهُ لَهُ مِن فَضْلِهِ مِن صَرْفِهِ في الوُجُوهِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِصَرْفِهِ فِيها ﴿واسْتَغْنى﴾ [الليل: ٨] أيْ: عَنْ رَبِّهِ فَلَمْ يَرْغَبْ إلَيْهِ بِالعَمَلِ لَهُ (p-٦١٧٧)بِطاعَتِهِ بِالزِّيادَةِ فِيما خَوَّلَهُ، أوِ اسْتَغْنى بِمالِهِ عَنْ كَسْبِ الفَضِيلَةِ، وعَمِهَ بِهِ عَنِ الحَقِّ. ﴿وكَذَّبَ بِالحُسْنى﴾ [الليل: ٩] أيْ: بِوُجُودِ المَثُوبَةِ لِلْحُسْنى لِمَن آمَنَ بِالحَقِّ، لِاسْتِغْنائِهِ بِالحَياةِ الدُّنْيا واحْتِجابِهِ بِها عَنْ عالَمِ الآخِرَةِ. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] أيْ: لِلطَّرِيقَةِ العُسْرى المُؤَدِّيَةِ إلى الشَّقاءِ الأبَدِيِّ. قالَ الإمامُ: الخُطَّةُ العُسْرى هي الخُطَّةُ الَّتِي يَحُطُّ فِيها الإنْسانُ مِن نَفْسِهِ، ويَغُضُّ مِن حَقِّها ويَنْزِلُ بِها إلى حَضِيضِ البَهِيمِيَّةِ، ويَغْمِسُها في أوْحالِ الخَطِيئَةِ. وهي أعْسَرُ الخُطَّتَيْنِ عَلى الإنْسانِ، لِأنَّهُ لا يَجِدُ مُعِينًا عَلَيْها، لا مِن فِطْرَتِهِ ولا مِنَ النّاسِ. ﴿وما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١] أيْ: وما يُفِيدُهُ مالُهُ الَّذِي تَعِبَ في تَحْصِيلِهِ، وأفْنى عُمْرَهُ في حِفْظِهِ وبَطِرَ الحَقَّ لِأجْلِهِ، إذا هَلَكَ، مِن قَوْلِهِمْ: (تَرَدّى مِنَ الجَبَلِ وفي الهُوَّةِ)، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ بِما قَدَّمَهُ مِن أعْمالِهِ الخَبِيثَةِ، هو المُهْلِكُ والمُوقِعُ لِنَفْسِهِ. وهو الحافِرُ عَلى حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ. و"ما" نافِيَةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى الإنْكارِ. وقَوْلُهُ:

الليل 92:12

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:13

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:14

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:15

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:16

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:17

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:18

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:19

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:20

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الليل 92:21

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١٢ - ٢١ ] ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] (p-٦١٧٨)﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، أيْ: عَلَيْنا بِمُوجِبِ قَضائِنا المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، حَيْثُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِلْإصْلاحِ في الأرْضِ، أنْ نُبَيِّنَ لَهم طَرِيقَ الهُدى لِيَجْتَنِبُوا مَواقِعَ الرَّدى. وقَدْ فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، والتَّمْكِينِ مِن الِاسْتِدْلالِ والِاسْتِبْصارِ، بِخَلْقِ العَقْلِ وهِبَةِ الِاخْتِيارِ. ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] أيْ: مِلْكًا وخَلْقًا، فَلا يَضُرُّنا تَوَلِّيكم عَنِ الهُدى؛ وذَلِكَ لِغِناهُ تَعالى المُطْلَقِ، وتَفَرُّدِهِ بِمُلْكِ ما في الدّارَيْنِ، وكَوْنِهِ في قَبْضَةِ تَصَرُّفِهِ، لا يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ أحَدٌ، ولا يُحَصِّلُهُ أحَدٌ، حَتّى يَضُرَّ عَدَمُ اهْتِدائِهِ أوْ يَنْفَعَ اهْتِداؤُهُ. وفِيهِ إشارَةٌ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ وتَكامُلِ قَهْرِهِ وجَبَرُوتِهِ. وإنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَجَدِيرٌ أنْ يُبادِرَ لِطاعَتِهِ ويُحَذِّرَ مِن مَعْصِيَتِهِ؛ ولِذا رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] أيْ: تَتَلَظّى وتَتَوَهَّجُ، وهي نارُ الآخِرَةِ. ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ [الليل: ١٦] أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي جاءَهُ ﴿وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦] أيْ: عَنْ آياتِ رَبِّهِ وبَراهِينِها الَّتِي وضَّحَ أمْرَها وبَهَرَ نُورَها، عِنادًا وكُفْرًا. ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] أيْ: يُنْفِقُ مالَهُ في سَبِيلِ الخَيْرِ، يَتَزَكّى عَنْ رِجْسِ البُخْلِ ودَنَسِ الإمْساكِ. ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] أيْ: مِن يَدٍ يُكافِئُهُ عَلَيْها، أيْ: لا يُؤْتِيهِ لِلْمُكافَأةِ والمُعارَضَةِ. ﴿إلا ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأعْلى﴾ [الليل: ٢٠] أيْ: لَكِنْ يُؤْتِيهِ ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ وطَلَبَ مَرْضاتِهِ. لا لِغَرَضٍ آخَرَ مِن مُكافَأةٍ أوْ مَحْمَدَةٍ أوْ سُمْعَةٍ. وفي حَصْرِ "الأتْقى" بِالمُنْفِقِ، عَلى الشَّرِيطَةِ المَذْكُورَةِ، عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ، وتَرْغِيبٌ شَدِيدٌ في اللَّحاقِ بِهِ، كَيْفَ لا؟ وبِالمالِ قِوامُ الأعْمالِ، ورَفْعُ مَبانِي الرَّشادِ وهَدْمُ صُرُوحِ الفَسادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ [الليل: ٢١] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى هَذا المُؤْتِي مالَهُ في حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، يَتَزَكّى بِما يُثِيبُهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ عِوَضًا مِمّا أتى في الدُّنْيا في سَبِيلِهِ إذا لَقِيَ رَبَّهُ تَبارَكَ وتَعالى؛ فَفِيهِ وعْدٌ كَرِيمٌ بِنَيْلِ جَمِيعِ ما يَبْتَغِيهِ عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ وأجْمَلِها، إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الرِّضا. وهَذا عَلى أنَّ ضَمِيرَ "يَرْضى" لِـ "الأتْقى" لا لِلرَّبِّ. قالَ الشِّهابُ: وهو الأنْسَبُ بِالسِّياقِ واتِّساقِ الضَّمائِرِ. (p-٦١٧٩)وذَهَبَ بَعْضُهم إلى الثّانِي، ومِنهُمُ الإمامُ، قالَ: أيْ: ولَسَوْفَ يَرْضى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ الأتْقى الطّالِبِ بِصِفَةِ رِضاهُ، (ثُمَّ قالَ): والتَّعْبِيرُ بِـ (سَوْفَ)؛ لِإفادَةِ أنَّ الرِّضا يَحْتاجُ إلى بَذْلِ كَثِيرٍ، ولا يَكْفِي القَلِيلُ مِنَ المالِ، لِأنْ يَبْلُغَ العَبْدُ دَرَجَةَ الرِّضا الإلَهِيِّ. تَنْبِيهٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى إنَّ بَعْضَهم حَكى الإجْماعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلى ذَلِكَ. ولا شَكَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيها وأوْلى الأُمَّةِ بِعُمُومِها؛ فَإنَّ اللَّفْظَ لَفْظُ العُمُومِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَيُجَنَّبُها الأتْقى﴾ [الليل: ١٧] ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ يَتَزَكّى﴾ [الليل: ١٨] ﴿وما لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ [الليل: ١٩] ولَكِنَّهُ مُقَدَّمُ الأُمَّةِ وسابِقُهم في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ وسائِرِ الأوْصافِ الحَمِيدَةِ، فَإنَّهُ كانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوّادًا بَذّالًا لِأمْوالِهِ في طاعَةِ مَوْلاهُ ونُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَمْ مِن دَراهِمَ ودَنانِيرَ بَذَلْتَها ابْتِغاءَ وجْهِ رَبِّهِ الكَرِيمِ. ولَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُكافِئَهُ بِها، ولَكِنْ كانَ فَضْلُهُ وإحْسانُهُ عَلى السّاداتِ والرُّؤَساءِ مِن سائِرِ القَبائِلِ. ولِهَذا قالَ لَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ -وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ- يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ: أما واللَّهِ! لَوْلا يَدٌ لَكَ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِها، لَأجَبْتُكَ. وكانَ الصِّدِّيقُ قَدْ أغْلَظَ لَهُ في المَقالَةِ. فَإذا كانَ هَذا حالُهُ مَعَ ساداتِ العَرَبِ ورُؤَساءِ القَبائِلِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهُمْ؟ وفي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ دَعَتْهُ خَزَنَةُ الجَنَّةِ: يا عَبْدَ اللَّهِ هَذا خَيْرٌ» . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ما عَلى مَن يُدْعى مِنها ضَرُورَةٌ، فَهَلْ يُدْعى مِنها كُلِّها أحَدٌ؟ قالَ: «نَعَمْ، وأرْجُو أنْ تَكُونَ مِنهُمُ»» . انْتَهى.

الضحى 93:1

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الضُّحى مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ. (p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا. ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ. قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢) ؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ ؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى. وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ. قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"». ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ. ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٦١٨٤)

الضحى 93:2

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الضُّحى مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ. (p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا. ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ. قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢) ؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ ؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى. وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ. قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"». ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ. ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٦١٨٤)

الضحى 93:3

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الضُّحى مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ. (p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا. ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ. قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢) ؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ ؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى. وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ. قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"». ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ. ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٦١٨٤)

الضحى 93:4

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الضُّحى مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ. (p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا. ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ. قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢) ؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ ؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى. وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ. قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"». ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ. ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٦١٨٤)

الضحى 93:5

(p-٦١٨٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الضُّحى مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ. لَطِيفَةٌ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: «رُوِّينا مِن طَرِيقِ أبِي الحَسَنِ أحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَزَّةَ المُقْرِئِ قالَ: قَرَأْتُ عَلى عِكْرِمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، وأخْبَرَنِي أنَّهُ قَرَأ عَلى إسْماعِيلَ بْنِ قُسْطَنْطِينَ وشِبْلِ بْنِ عَبّادٍ. فَلَمّا بَلَغْتُ (والضُّحى) قالَ لِي: كَبِّرْ حَتّى تَخْتِمَ مَعَ خاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ. فَإنّا قَرَأْنا عَلى ابْنِ كَثِيرٍ فَأمَرَنا بِذَلِكَ. وأخْبَرَنا أنَّهُ قَرَأ عَلى مُجاهِدٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ مُجاهِدٌ أنَّهُ قَرَأ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ. وأخْبَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ، وأخْبَرَهُ أُبَيٌّ أنَّهُ قَرَأ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَهُ بِذَلِكَ». فَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِها أبُو الحَسَنِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَزِّيُّ، مِن ولَدِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ. وكانَ إمامًا في القِراءاتِ. وأمّا في الحَدِيثِ فَقَدْ ضَعَّفَهُ أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ وقالَ: لا أُحَدِّثُ عَنْهُ. وكَذَلِكَ أبُو جَعْفَرٍ العُقَيْلِيُّ، قالَ: هو مُنْكَرُ الحَدِيثِ. لَكِنْ حَكى الشَّيْخُ شِهابُ الدِّينِ أبُو شامَةَ في (شَرْحِ الشّاطِبِيَّةِ) عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُكَبِّرُ هَذا التَّكْبِيرَ في الصَّلاةِ، فَقالَ: أحْسَنْتَ وأصَبْتَ السُّنَّةَ. وهَذا يَقْتَضِي صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ. ثُمَّ اخْتَلَفَ القُرّاءُ في مَوْضِعِ هَذا التَّكْبِيرِ وكَيْفِيَّتِهِ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: يُكَبِّرُ مِن آخِرِ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِ ﴿والضُّحى﴾ وكَيْفِيَّةُ التَّكْبِيرِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَقُولَ (اللَّهُ أكْبَرُ) ويَقْتَصِرُ، ومِنهم مَن يَقُولُ (اللَّهُ أكْبَرُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ) وذَكَرَ القُرّاءُ في مُناسَبَةِ التَّكْبِيرِ مِن أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، «أنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَتَرَ تِلْكَ المُدَّةَ، ثُمَّ جاءَ المَلَكُ فَأوْحى إلَيْهِ "والضُّحى واللَّيْلِ إذا سَجى" السُّورَةَ بِتَمامِها، كَبَّرَ فَرَحًا وسُرُورًا،» ولَمْ يُرْوَ ذَلِكَ بِإسْنادٍ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِصِحَّةٍ ولا ضَعْفٍ. فاللَّهُ أعْلَمُ. (p-٦١٨١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١- ٥ ] ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿والضُّحى﴾ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١] تَفْسِيرُ الضُّحى بِالضَّوْءِ وارْتِفاعِ النَّهارِ ارْتِفاعًا عالِيًا. ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] أيِ: اشْتَدَّ ظَلامُهُ. وأصْلُهُ مِنَ التَّسْجِيَةِ وهي التَّغْطِيَةُ، لِسَتْرِهِ بِظُلْمَتِهِ. كَما في آيَةِ ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ لِباسًا﴾ [النبإ: ١٠] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٣] جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ما تَرَكَكَ وما قَطَعَكَ قَطْعَ المُوَدِّعِ. قالَ الشِّهابُ في (العِنايَةِ): فالتَّوْدِيعُ مُسْتَعارٌ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً لِلتَّرْكِ هُنا، وفِيهِ مِنَ اللُّطْفِ والتَّعْظِيمِ ما لا يَخْفى؛ فَإنَّ الوَداعَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ الأحْبابِ ومَن تَعِزُّ مُفارَقَتُهُ، كَما قالَ المُتَنَبِّي: ؎حَشاشَةُ نَفْسٍ ودَّعَتْ يَوْمَ ودَّعُوا فَلَمْ أدْرِ أيَّ الظّاعِنَيْنِ أُشَيِّعُ وقالَ في (شَرْحِ الشِّفاءِ): الوَداعُ لَهُ مَعْنَيانِ في اللُّغَةِ: التَّرْكُ وتَشْيِيعُ المُسافِرِ، فَإنْ فُسِّرَ بِالثّانِي هُنا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ يَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتْرُكْهُ أصْلًا، فَإنَّهُ مَعَهُ أيْنَما كانَ. وإنَّما التَّرْكُ لَوْ تَصَوَّرَ في جانِبِهِ، ظاهِرٌ مَعَ دَلالَتِهِ بِهَذا المَعْنى عَلى الرُّجُوعِ؛ فالتَّوْدِيعُ إنَّما يَكُونُ لِمَن يُحِبُّ ويَرْجى عَوْدَهُ، وإلَيْهِ أشارَ الأُرْجانِيُّ بِقَوْلِهِ:(p-٦١٨٢) ؎إذا رَأيْتَ الوَداعَ فاصْبِرْ ∗∗∗ ولا يُهِمُّنَّكَ البِعادُ ؎وانْتَظِرِ العَوْدَ عَنْ قَرِيبٍ ∗∗∗ فَإنَّ قَلْبَ الوَداعِ عادُوا فَقَوْلُهُ: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] مُؤَكِّدٌ لَهُ. (قالَ): وهَذا لَمْ أرَ مَن ذَكَرَهُ مَعَ غايَةِ لُطْفِهِ، وكُلُّهم فَسَّرُوهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ. ولَمّا رَأوْا صِيغَةَ الفِعْلِ تُفِيدُ زِيادَةَ المَعْنى والمُبالَغَةَ فِيهِ، فَيَقْتَضِي الِانْقِطاعَ التّامَّ، قالُوا: إنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ فَتَرَكَهُ لِحُكْمٍ عَلَيْهِ، لا لِضَرَرِهِ بِهَجْرِهِ، أوْ لِنَفْيِ القَيْدِ والمُقَيَّدِ. وقُرِئَ: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ [الضحى: ٣] بِالتَّخْفِيفِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن ودَّعَهُ النّاسُ اتِّقاءَ فُحْشِهِ»» . ووَرَدَ في الشِّعْرِ، كَقَوْلِهِ: ؎فَكانَ ما قَدَّمُوا لِأنْفُسِهِمْ ∗∗∗ أعْظَمَ نَفْعًا مِنَ الَّذِي ودَّعُوا ولِهَذا قالَ في (المِصْباحِ) بِهَذا: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهم في عِلْمِ التَّصْرِيفِ: أماتُوا ماضِي يَدَعُ ويَذَرُ خَطَأٌ، وجَعْلَهُ اسْتِعارَةً مِنَ الوَدِيعَةِ تَعَسُّفٌ. انْتَهى. وكَذا قالَ في (المُسْتَوْفِي): إنَّهُ كُلَّهُ ورَدَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا عِبْرَةَ بِكَلامِ النُّحاةِ فِيهِ، وإذا جاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مَعْقِلٍ، وإنْ كانَ نادِرًا. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما قَلى﴾ [الضحى: ٣] أيْ: وما أبْغَضَكَ. والقالِي: المُبْغِضُ. يَعْنِي ما هَجَرَكَ عَنْ بُغْضٍ. قالَ الشِّهابُ: وحَذْفُ مَفْعُولِ "قَلى" اخْتِصارًا لِلْعِلْمِ بِهِ، ولِيَجْرِيَ عَلى نَهْجِ الفَواصِلِ الَّتِي بَعْدَهُ، أوْ لِئَلّا يُخاطِبَهُ بِما يَدُلُّ عَلى البُغْضِ. تَنْبِيهٌ: رَوى ابْنُ جَرِيرٍ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ أيّامًا» (p-٦١٨٣)فَعُيِّرَ بِذَلِكَ؛ فَقالَ المُشْرِكُونَ: ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وفي رِوايَةٍ: أنَّ قائِلَ ذَلِكَ امْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، وفي أُخْرى أنَّها خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها». ولا تُنافِي، لِاحْتِمالِ صُدُورِهِ مِنَ الجَمِيعِ، إلّا أنَّ قَوْلَ المُشْرِكِينَ وقَوْلَ خَدِيجَةَ -إنْ صَحَّ -تَوَجُّعٌ وتَحَزُّنٌ- وفي رِوايَةِ إسْماعِيلَ مَوْلى آلِ الزُّبَيْرِ قالَ: «فَتَرَ الوَحْيُ حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأحْزَنَهُ. فَقالَ: «لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ صاحِبِي قَلانِي» فَجاءَ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ "والضُّحى"». ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: ولَلدّارُ الآخِرَةُ وما أعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيها، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدّارِ الدُّنْيا وما فِيها. يَقُولُ: فَلا تَحْزَنْ عَلى ما فاتَكَ مِنها، فَإنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنها. وقالَ القاضِي: أوْ: لَنِهايَةُ أمْرِكَ خَيْرٌ مِن بِدايَتِهِ. فَإنَّهُ ﷺ لا يَزالُ يَتَصاعَدُ في الرِّفْعَةِ والكَمالِ. ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] أيْ: يُعْطِيكَ مِن فَواضِلِ نِعَمِهِ في العُقْبى حَتّى تَرْضى، وهَذِهِ عِدَةٌ كَرِيمَةٌ شامِلَةٌ لِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى في الدُّنْيا مِن كَمالِ النَّفْسِ وعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ، بِالفُتُوحِ الواقِعَةِ في عَصْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي أيّامِ خُلَفائِهِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِن مُلُوكِ الإسْلامِ، وفُشُوِّ دَعْوَتِهِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ولِما ادَّخَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ تَعالى. وبِالجُمْلَةِ فَهَذِهِ الآيَةُ جامِعَةٌ لِوُجُوهِ الكَرامَةِ وأنْواعِ السَّعادَةِ وشَتاتِ الإنْعامِ في الدّارَيْنِ، حَيْثُ أجْمَلَهُ ووَكَّلَهُ إلى رِضاهُ وهَذا غايَةُ الإحْسانِ والإكْرامِ. تَنْبِيهٌ: قالَ في (المَواهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ): وأمّا ما يَغْتَرُّ بِهِ الجُهّالُ مِن أنَّهُ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ أوْ لا يَرْضى أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ النّارَ، فَهو مِن غُرُورِ الشَّيْطانِ لَهُمْ، ولَعِبِهِ بِهِمْ؛ فَإنَّهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلامُهُ يَرْضى بِما يَرْضى بِهِ رَبُّهُ تَبارَكَ وتَعالى، وهو سُبْحانَهُ وتَعالى يُدْخِلُ النّارَ مَن يَسْتَحِقُّها مِنَ الكُفّارِ والعُصاةِ، وقَدْ ولِعَ الحَشْوِيَّةُ بِتَقْوِيَةِ أمْثالِ هَذِهِ الآثارِ المُفْتَراةِ تَغْرِيرًا لِلْجُهّالِ وتَزْيِينًا لِمَوارِدِ الضَّلالِ. ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٦١٨٤)

الضحى 93:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الضحى 93:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الضحى 93:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الضحى 93:9

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الضحى 93:10

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الضحى 93:11

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٦ - ١١ ] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: تَعْدِيدٌ لِما أفاضَ عَلَيْهِ مِن أوَّلِ أمْرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ العِظامِ، لِيَسْتَشْهِدَ بِالحاضِرِ المَوْجُودِ عَلى المُتَرَقِّبِ المَوْعُودِ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبُهُ ويَنْشَرِحَ صَدْرُهُ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ وتَقْرِيرِ المَنفِيِّ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ وجَدَكَ إلَخْ. والوُجُودُ بِمَعْنى العِلْمِ. رُوِيَ ««أنَّ أباهُ ماتَ وهو جَنِينٌ قَدْ أتَتْ عَلَيْهِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَكَفَلَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ وعَطَّفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ»» وذَلِكَ إيواؤُهُ، ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] أيْ: غافِلًا عَمّا أوْحاهُ إلَيْكَ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ، فَهَداكَ إلَيْهِ وجَعَلَكَ إمامًا لَهُ، كَما في آيَةِ، ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] قالَ الشِّهابُ: فالضَّلالُ مُسْتَعارٌ مِن: (ضَلَّ في طَرِيقِهِ)، إذا سَلَكَ طَرِيقًا غَيْرَ مُوَصِّلَةٍ لِمَقْصِدِهِ لِعَدَمِ ما يُوَصِّلُهُ لِلْعُلُومِ النّافِعَةِ، مِن طَرِيقِ الِاكْتِسابِ. ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَقِيرًا ﴿فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨] أيْ: فَأغْناكَ بِمالِ خَدِيجَةَ الَّذِي وهَبَتْهُ إيّاهُ. أوْ بِما حَصَلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ. ﴿فَأمّا (p-٦١٨٥)اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] فَلا تَغْلِبْهُ عَلى مالِهِ فَتَذْهَبَ بِحَقِّهِ، اسْتِعْطافًا مِنكَ لَهُ. ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أيْ: وأمّا مَن سَألَكَ مِن ذِي حاجَةٍ فَلا تَنْهَرْهُ، ولَكِنْ أطْعِمْهُ واقْضِ لَهُ حاجَتَهُ، أيْ: لِأنَّ لِلسّائِلِ حَقًّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ﴿لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥] وقَدْ ذَهَبَ الحَسَنُ -فِيما نَقَلَهُ الرّازِيُّ- إلى أنَّ المُرادَ مِنَ السّائِلِ مَن يَسْألُ العِلْمَ، فَيَكُونُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وهَكَذا قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: وكَما كُنْتَ ضالًّا فَهَداكَ اللَّهُ، فَلا تَنْهَرِ السّائِلَ في العِلْمِ المُسْتَرْشِدِ. قالَ الإمامُ: ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى ما ورَدَ في أحْوالِ الَّذِينَ كانُوا يَسْألُونَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيانَ ما يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَمِنهم أهْلُ الكِتابِ المُمارُونَ، ومِنهُمُ الأعْرابُ الجُفاةُ. ومِنهم مَن كانَ يَسْألُ عَمّا لا يُسْألُ عَنْهُ الأنْبِياءُ، فَلا غَرْوَ أنْ يَأْمُرَهُ اللَّهُ بِالرِّفْقِ بِهِمْ، ويَنْهاهُ عَنْ نَهْرِهِمْ، كَما عاتَبَهُ عَلى التَّوَلِّي عَنِ الأعْمى السّائِلِ، في سُورَةِ عَبَسَ. انْتَهى. ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: بِشُكْرِها وإظْهارِ آثارِها فَيَرْغَبُ فِيما لَدَيْهِ مِنها، ويَحْرِصُ عَلى أنْ تَصْدُرَ المَحاوِيجُ عَنْها. وهَذا هو سِرُّ الأمْرِ بِالتَّحَدُّثِ بِها. وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أدَبٍ عَظِيمٍ وهو التَّصَدِّي لِلتَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ وإشْهارِها، حِرْصًا عَلى التَّفَضُّلِ والجُودِ والتَّخَلُّقِ بِالكَرَمِ، وفِرارًا مِن رَذِيلَةِ الشُّحِّ الَّذِي رائِدُهُ كَتْمُ النِّعْمَةِ والتَمَسْكُنُ والشَّكْوى. قالَ الإمامُ: مِن عادَةِ البُخَلاءِ أنْ يَكْتُمُوا مالَهُمْ، لِتَقُومَ لَهُمُ الحُجَّةُ في قَبْضِ أيْدِيهِمْ عَنِ البَذْلِ، فَلا تَجِدُهم إلّا شاكِينَ مِنَ القِلِّ. أمّا الكُرَماءُ فَلا يَزالُونَ يُظْهِرُونَ بِالبَذْلِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ويَجْهَرُونَ بِالحَمْدِ لِما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن رِزْقِهِ. فَلِهَذا صَحَّ أنْ يُجْعَلَ التَّحْدِيثُ بِالنِّعْمَةِ كِنايَةً عَنِ البَذْلِ وإطْعامِ الفُقَراءِ وإعانَةِ المُحْتاجِينَ. فَهَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] أيْ: إنَّكَ (p-٦١٨٦)لَمّا عَرَفْتَ بِنَفْسِكَ ما يَكُونُ فِيهِ الفَقِيرُ، فَأوْسِعْ في البَذْلِ عَلى الفُقَراءِ. ولَيْسَ القَصْدُ هو مُجَرَّدَ ذِكْرِ الثَّرْوَةِ، فَإنَّ هَذا مِنَ الفَجْفَجَةِ الَّتِي يَتَنَزَّهُ عَنْها النَّبِيُّ ﷺ، ولَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ في امْتِثالِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَذْكُرُ ما عِنْدَهُ مِن نُقُودٍ وعُرُوضٍ، ولَكِنَّ الَّذِي عُرِفَ مِنهُ «أنَّهُ كانَ «يُنْفِقُ ما عِنْدَهُ ويَبِيتُ طاوِيًا»» وقَدْ يُقالُ أنَّ المُرادَ مِنَ النِّعْمَةِ النُّبُوَّةُ، ولَكِنَّ سِياقَ الآياتِ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُقابِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ عائِلا﴾ [الضحى: ٨] فَتَكُونُ النِّعْمَةُ بِمَعْنى الغِنى، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى النُّبُوَّةِ، لَكانَتْ مُقابِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] وقَدْ عَلِمْتَ الحَقَّ في مُقابِلِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشرح 94:1

(p-٦١٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، وهو الأقْوى عِنْدِي. فَإنَّ اسْتِقْرارَ هَذِهِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فِيها، إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَما لا يَخْفى. وآيُها ثَمانٍ. (p-٦١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أيْ: ألَمْ نُوَسِّعْهُ بِإلْقاءِ ما يَسُرُّهُ ويُقَوِّيهِ، وإظْهارِ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، وتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ، حَتّى عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمْ، وصارَ مُسْتَقَرَّ الحِكْمَةِ ووِعاءَ حَقائِقِ الأنْباءِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ ولِذا عَطَفَ المُثْبَتَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الشَّرْحِ بَسْطُ اللَّحْمِ ونَحْوَهُ، مِمّا فِيهِ تَوْسِيعٌ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ. اسْتُعْمِلَ في القَلْبِ الشَّرْحُ والسِّعَةُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإدْراكِ لِما يَسُرُّ وضِدِّهِ؛ فَجَعَلَ إدْراكَهُ لِما فِيهِ مَسَرَّةٌ يُزِيلُ ما يُحْزِنُهُ، شَرْحًا وتَوْسِيعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالإلْهامِ ونَحْوِهِ مِمّا يُنَفِّسُ كُرَبَهُ ويُزِيلُ هَمَّهُ، بِظُهُورِ ما كانَ غائِبًا عَنْهُ وخَفِيًّا عَلَيْهِ، مِمّا فِيهِ مَسَرَّتُهُ، كَما يُقالُ: (شَرَحَ الكِتابَ)، إذا وضَّحَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ مُبالَغَةً فِيهِ؛ لِأنَّ اتِّساعَ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ اتِّساعُ ظَرْفِهِ؛ ولِذا تَسْمَعُ النّاسَ يُسَمُّونَ السُّرُورَ بَسْطًا، ثُمَّ سَمَّوْا ضِدَّهُ ضِيقًا وقَبْضًا، وهو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ بِوَسائِطَ، وبَعْدَ الشُّيُوعِ زالَ الخَفاءُ وارْتَفَعَتِ الوَسائِطُ، هَذا ما حَقَّقَهُ الشِّهابُ. ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قالَ الشِّهابُ: الوِزْرُ الحِمْلُ الثَّقِيلُ. ووَضْعُهُ: إزالَتُهُ عَنْهُ. لِأنَّهُ إذا تَعَدّى بِـ: (عَلى) كانَ بِمَعْنى التَّحْمِيلِ، وإذا تَعَدّى بِـ: (مِن) كانَ بِمَعْنى الإزالَةِ. والإنْقاضُ: حُصُولُ النَّقِيضِ وهو صَوْتُ فِقْراتِ الظَّهْرِ. وقِيلَ: صَوْتُ الجَمَلِ أوِ الرَّحْلِ (p-٦١٨٩)أوِ المَرْكُوبِ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِ. فالإنْقاضُ التَّثْقِيلُ في الحِمْلِ حَتّى يُسْمَعَ لَهُ نَقِيضٌ، أوْ صَوْتٌ، كَما قالَهُ الأزْهَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو إثْقالٌ يَجْعَلُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ نَقْضًا، أيْ: مَهْزُولًا ضَعِيفًا. وقَدْ مُثِّلَ بِذَلِكَ حالُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِمّا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَغُمُّهُ مِن قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وضَعْفِ مَن سَبَقَ إلى الإيمانِ بِهِ، وشُيُوعِ الشِّرْكِ والضَّلالِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقُوَّةِ أهْلِها. ووَضْعُهُ عَنْهُ هو كَثْرَةُ مَن آمَنَ بَعْدُ، ودُخُولُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وقُوَّةُ أتْباعِهِ وانْمِحاءُ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَزِيرَةِ، وذُلُّ أهْلِها بَعْدَ العِزِّ، وانْقِيادُهم بَعْدَ شِدَّةِ الإباءِ. وقِيلَ: الآيَةُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ وتَطْهِيرِهِ مِن دَنَسِ الآثامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى، وفي الآيَةِ -عَلى كُلٍّ- اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها. ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ وفَرْضِ الِاعْتِرافِ بِرِسالَتِهِ وجَعْلِهِ شَرْطًا في قَبُولِ الإيمانِ وصِحَّتِهِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي بِها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أيْ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي. قالَ الشِّهابُ وهَذا - أيِ: المَأْثُورُ عَنْ مُجاهِدٍ - إنْ أُخِذَ كُلِّيَّةً خالَفَ الواقِعَ؛ فَإنَّهُ كَمْ ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ! وكَمْ ذُكِرَ الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ! وإنْ عُيِّنَ مَوْضِعًا فَهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ جُعِلَتِ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، فَلا يَخْفى ما في الإهْمالِ مِنَ الرَّكاكَةِ. قالَ: وقَدْ أمْعَنْتُ فِيهِ النَّظَرَ فَلَمْ أرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ، ويَرُدُّ السّائِلَ غَيْرَ صِفْرٍ، حَتّى لاحَ لِي أنَّ الجَوابَ الحَقَّ أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ في مَجامِعِ العِبادَةِ ومَشاهِدِها؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ ﷺ مَقْرُونٌ بِذِكْرِهِ فِيها في الواقِعِ في الصَّلَواتِ والخُطَبِ، فَلا تَرى مَشْهَدًا مِن مَشاهِدِ الإسْلامِ (p-٦١٩٠)إلّا وهو كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَكُّ ذِكْرُهُ ﷺ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ، ولا لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي بَلْ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعْتَدِّ بِها، فَتَتَّجِهُ الكُلِّيَّةُ. فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا التَّقْيِيدُ، فَهَلْ هو إلّا تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؟ قُلْتُ: المَقامُ ناطِقٌ بِهَذا القَيْدِ؛ فَإنَّ المُرادَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ ﷺ وإشاعَةِ قَدْرِهِ الدّالِّ عَلى قُرْبِهِ ﷺ مِن رَبِّهِ، كَقُرْبِ اسْمِهِ مِنِ اسْمِهِ، وإنَّما يَكُونُ هَذا بِذِكْرِهِ في المَحافِلِ والمَشاهِدِ والجَوامِعِ والمَساجِدِ، وأيُّ إشاعَةٍ أقْوى مِنَ الأذانِ؟ لا في الأسْواقِ والطُّرُقِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيها كُلُّ ذِكْرٍ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ ما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ في أوَّلِ (رِسالَتِهِ الجَدِيدَةِ) وبَيَّنَهُ السُّبْكِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى الرِّسالَةِ فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: يَعْنِي ذِكْرَهُ عِنْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والأذانِ، ويُحْتَمَلُ ذِكْرُهُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وعِنْدَ العَمَلِ بِالطّاعَةِ والوُقُوفِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ السُّبْكِيُّ: هَذا الِاحْتِمالُ مِنَ الشّافِعِيِّ جَيِّدٌ جِدًّا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ، الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو صَحِيحٌ، فَعَلى هَذا يَعُمُّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِلطّاعَةِ أوِ الكافَّ عَنِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، ذاكِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ لَها عَنِ اللَّهِ، هَذا أعَمُّ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإسْلامِ والأذانِ والتَّشَهُّدِ والخُطْبَةِ ونَحْوِها. قالَ الشّافِعِيُّ: فَلَمْ تُمْسِ بِنا نِعْمَةٌ ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ، نِلْنا بِها حَظًّا في دِينٍ أوْ دُنْيا، أوْ رُفِعَ عَنّا بِها مَكْرُوهٌ فِيهِما أوْ في واحِدٍ مِنهُما، إلّا ومُحَمَّدٌ ﷺ سَبَبُها؛ فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ إنْ أبْقى العُمُومَ والحَصْرَ عَلى ظاهِرِهِ، حُمِلَ الذِّكْرُ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإنَّ العاقِلَ المُؤْمِنَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ، تَذَكَّرَ مَن دَلَّ عَلى مَعْرِفَتِهِ وهَداهُ إلى طاعَتِهِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَما قِيلَ: ؎فَأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ: امْرِئٍ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ؟ (p-٦١٩١)ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِرَفْعِ ذِكْرِهِ تَشْرِيفُهُ ﷺ بِمُقارَنَتِهِ لِذِكْرِهِ في شَعائِرِ الدِّينِ الظّاهِرَةِ، وأوَّلُها كَلِمَتا الشَّهادَةِ، وهُما أساسُ الدِّينِ ثُمَّ الأذانُ والصَّلاةُ والخُطَبُ، فالحَصْرُ إضافِيٌّ. انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ.

الشرح 94:2

(p-٦١٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، وهو الأقْوى عِنْدِي. فَإنَّ اسْتِقْرارَ هَذِهِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فِيها، إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَما لا يَخْفى. وآيُها ثَمانٍ. (p-٦١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أيْ: ألَمْ نُوَسِّعْهُ بِإلْقاءِ ما يَسُرُّهُ ويُقَوِّيهِ، وإظْهارِ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، وتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ، حَتّى عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمْ، وصارَ مُسْتَقَرَّ الحِكْمَةِ ووِعاءَ حَقائِقِ الأنْباءِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ ولِذا عَطَفَ المُثْبَتَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الشَّرْحِ بَسْطُ اللَّحْمِ ونَحْوَهُ، مِمّا فِيهِ تَوْسِيعٌ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ. اسْتُعْمِلَ في القَلْبِ الشَّرْحُ والسِّعَةُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإدْراكِ لِما يَسُرُّ وضِدِّهِ؛ فَجَعَلَ إدْراكَهُ لِما فِيهِ مَسَرَّةٌ يُزِيلُ ما يُحْزِنُهُ، شَرْحًا وتَوْسِيعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالإلْهامِ ونَحْوِهِ مِمّا يُنَفِّسُ كُرَبَهُ ويُزِيلُ هَمَّهُ، بِظُهُورِ ما كانَ غائِبًا عَنْهُ وخَفِيًّا عَلَيْهِ، مِمّا فِيهِ مَسَرَّتُهُ، كَما يُقالُ: (شَرَحَ الكِتابَ)، إذا وضَّحَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ مُبالَغَةً فِيهِ؛ لِأنَّ اتِّساعَ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ اتِّساعُ ظَرْفِهِ؛ ولِذا تَسْمَعُ النّاسَ يُسَمُّونَ السُّرُورَ بَسْطًا، ثُمَّ سَمَّوْا ضِدَّهُ ضِيقًا وقَبْضًا، وهو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ بِوَسائِطَ، وبَعْدَ الشُّيُوعِ زالَ الخَفاءُ وارْتَفَعَتِ الوَسائِطُ، هَذا ما حَقَّقَهُ الشِّهابُ. ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قالَ الشِّهابُ: الوِزْرُ الحِمْلُ الثَّقِيلُ. ووَضْعُهُ: إزالَتُهُ عَنْهُ. لِأنَّهُ إذا تَعَدّى بِـ: (عَلى) كانَ بِمَعْنى التَّحْمِيلِ، وإذا تَعَدّى بِـ: (مِن) كانَ بِمَعْنى الإزالَةِ. والإنْقاضُ: حُصُولُ النَّقِيضِ وهو صَوْتُ فِقْراتِ الظَّهْرِ. وقِيلَ: صَوْتُ الجَمَلِ أوِ الرَّحْلِ (p-٦١٨٩)أوِ المَرْكُوبِ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِ. فالإنْقاضُ التَّثْقِيلُ في الحِمْلِ حَتّى يُسْمَعَ لَهُ نَقِيضٌ، أوْ صَوْتٌ، كَما قالَهُ الأزْهَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو إثْقالٌ يَجْعَلُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ نَقْضًا، أيْ: مَهْزُولًا ضَعِيفًا. وقَدْ مُثِّلَ بِذَلِكَ حالُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِمّا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَغُمُّهُ مِن قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وضَعْفِ مَن سَبَقَ إلى الإيمانِ بِهِ، وشُيُوعِ الشِّرْكِ والضَّلالِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقُوَّةِ أهْلِها. ووَضْعُهُ عَنْهُ هو كَثْرَةُ مَن آمَنَ بَعْدُ، ودُخُولُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وقُوَّةُ أتْباعِهِ وانْمِحاءُ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَزِيرَةِ، وذُلُّ أهْلِها بَعْدَ العِزِّ، وانْقِيادُهم بَعْدَ شِدَّةِ الإباءِ. وقِيلَ: الآيَةُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ وتَطْهِيرِهِ مِن دَنَسِ الآثامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى، وفي الآيَةِ -عَلى كُلٍّ- اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها. ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ وفَرْضِ الِاعْتِرافِ بِرِسالَتِهِ وجَعْلِهِ شَرْطًا في قَبُولِ الإيمانِ وصِحَّتِهِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي بِها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أيْ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي. قالَ الشِّهابُ وهَذا - أيِ: المَأْثُورُ عَنْ مُجاهِدٍ - إنْ أُخِذَ كُلِّيَّةً خالَفَ الواقِعَ؛ فَإنَّهُ كَمْ ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ! وكَمْ ذُكِرَ الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ! وإنْ عُيِّنَ مَوْضِعًا فَهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ جُعِلَتِ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، فَلا يَخْفى ما في الإهْمالِ مِنَ الرَّكاكَةِ. قالَ: وقَدْ أمْعَنْتُ فِيهِ النَّظَرَ فَلَمْ أرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ، ويَرُدُّ السّائِلَ غَيْرَ صِفْرٍ، حَتّى لاحَ لِي أنَّ الجَوابَ الحَقَّ أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ في مَجامِعِ العِبادَةِ ومَشاهِدِها؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ ﷺ مَقْرُونٌ بِذِكْرِهِ فِيها في الواقِعِ في الصَّلَواتِ والخُطَبِ، فَلا تَرى مَشْهَدًا مِن مَشاهِدِ الإسْلامِ (p-٦١٩٠)إلّا وهو كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَكُّ ذِكْرُهُ ﷺ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ، ولا لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي بَلْ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعْتَدِّ بِها، فَتَتَّجِهُ الكُلِّيَّةُ. فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا التَّقْيِيدُ، فَهَلْ هو إلّا تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؟ قُلْتُ: المَقامُ ناطِقٌ بِهَذا القَيْدِ؛ فَإنَّ المُرادَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ ﷺ وإشاعَةِ قَدْرِهِ الدّالِّ عَلى قُرْبِهِ ﷺ مِن رَبِّهِ، كَقُرْبِ اسْمِهِ مِنِ اسْمِهِ، وإنَّما يَكُونُ هَذا بِذِكْرِهِ في المَحافِلِ والمَشاهِدِ والجَوامِعِ والمَساجِدِ، وأيُّ إشاعَةٍ أقْوى مِنَ الأذانِ؟ لا في الأسْواقِ والطُّرُقِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيها كُلُّ ذِكْرٍ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ ما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ في أوَّلِ (رِسالَتِهِ الجَدِيدَةِ) وبَيَّنَهُ السُّبْكِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى الرِّسالَةِ فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: يَعْنِي ذِكْرَهُ عِنْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والأذانِ، ويُحْتَمَلُ ذِكْرُهُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وعِنْدَ العَمَلِ بِالطّاعَةِ والوُقُوفِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ السُّبْكِيُّ: هَذا الِاحْتِمالُ مِنَ الشّافِعِيِّ جَيِّدٌ جِدًّا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ، الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو صَحِيحٌ، فَعَلى هَذا يَعُمُّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِلطّاعَةِ أوِ الكافَّ عَنِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، ذاكِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ لَها عَنِ اللَّهِ، هَذا أعَمُّ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإسْلامِ والأذانِ والتَّشَهُّدِ والخُطْبَةِ ونَحْوِها. قالَ الشّافِعِيُّ: فَلَمْ تُمْسِ بِنا نِعْمَةٌ ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ، نِلْنا بِها حَظًّا في دِينٍ أوْ دُنْيا، أوْ رُفِعَ عَنّا بِها مَكْرُوهٌ فِيهِما أوْ في واحِدٍ مِنهُما، إلّا ومُحَمَّدٌ ﷺ سَبَبُها؛ فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ إنْ أبْقى العُمُومَ والحَصْرَ عَلى ظاهِرِهِ، حُمِلَ الذِّكْرُ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإنَّ العاقِلَ المُؤْمِنَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ، تَذَكَّرَ مَن دَلَّ عَلى مَعْرِفَتِهِ وهَداهُ إلى طاعَتِهِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَما قِيلَ: ؎فَأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ: امْرِئٍ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ؟ (p-٦١٩١)ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِرَفْعِ ذِكْرِهِ تَشْرِيفُهُ ﷺ بِمُقارَنَتِهِ لِذِكْرِهِ في شَعائِرِ الدِّينِ الظّاهِرَةِ، وأوَّلُها كَلِمَتا الشَّهادَةِ، وهُما أساسُ الدِّينِ ثُمَّ الأذانُ والصَّلاةُ والخُطَبُ، فالحَصْرُ إضافِيٌّ. انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ.

الشرح 94:3

(p-٦١٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، وهو الأقْوى عِنْدِي. فَإنَّ اسْتِقْرارَ هَذِهِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فِيها، إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَما لا يَخْفى. وآيُها ثَمانٍ. (p-٦١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أيْ: ألَمْ نُوَسِّعْهُ بِإلْقاءِ ما يَسُرُّهُ ويُقَوِّيهِ، وإظْهارِ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، وتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ، حَتّى عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمْ، وصارَ مُسْتَقَرَّ الحِكْمَةِ ووِعاءَ حَقائِقِ الأنْباءِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ ولِذا عَطَفَ المُثْبَتَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الشَّرْحِ بَسْطُ اللَّحْمِ ونَحْوَهُ، مِمّا فِيهِ تَوْسِيعٌ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ. اسْتُعْمِلَ في القَلْبِ الشَّرْحُ والسِّعَةُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإدْراكِ لِما يَسُرُّ وضِدِّهِ؛ فَجَعَلَ إدْراكَهُ لِما فِيهِ مَسَرَّةٌ يُزِيلُ ما يُحْزِنُهُ، شَرْحًا وتَوْسِيعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالإلْهامِ ونَحْوِهِ مِمّا يُنَفِّسُ كُرَبَهُ ويُزِيلُ هَمَّهُ، بِظُهُورِ ما كانَ غائِبًا عَنْهُ وخَفِيًّا عَلَيْهِ، مِمّا فِيهِ مَسَرَّتُهُ، كَما يُقالُ: (شَرَحَ الكِتابَ)، إذا وضَّحَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ مُبالَغَةً فِيهِ؛ لِأنَّ اتِّساعَ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ اتِّساعُ ظَرْفِهِ؛ ولِذا تَسْمَعُ النّاسَ يُسَمُّونَ السُّرُورَ بَسْطًا، ثُمَّ سَمَّوْا ضِدَّهُ ضِيقًا وقَبْضًا، وهو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ بِوَسائِطَ، وبَعْدَ الشُّيُوعِ زالَ الخَفاءُ وارْتَفَعَتِ الوَسائِطُ، هَذا ما حَقَّقَهُ الشِّهابُ. ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قالَ الشِّهابُ: الوِزْرُ الحِمْلُ الثَّقِيلُ. ووَضْعُهُ: إزالَتُهُ عَنْهُ. لِأنَّهُ إذا تَعَدّى بِـ: (عَلى) كانَ بِمَعْنى التَّحْمِيلِ، وإذا تَعَدّى بِـ: (مِن) كانَ بِمَعْنى الإزالَةِ. والإنْقاضُ: حُصُولُ النَّقِيضِ وهو صَوْتُ فِقْراتِ الظَّهْرِ. وقِيلَ: صَوْتُ الجَمَلِ أوِ الرَّحْلِ (p-٦١٨٩)أوِ المَرْكُوبِ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِ. فالإنْقاضُ التَّثْقِيلُ في الحِمْلِ حَتّى يُسْمَعَ لَهُ نَقِيضٌ، أوْ صَوْتٌ، كَما قالَهُ الأزْهَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو إثْقالٌ يَجْعَلُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ نَقْضًا، أيْ: مَهْزُولًا ضَعِيفًا. وقَدْ مُثِّلَ بِذَلِكَ حالُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِمّا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَغُمُّهُ مِن قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وضَعْفِ مَن سَبَقَ إلى الإيمانِ بِهِ، وشُيُوعِ الشِّرْكِ والضَّلالِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقُوَّةِ أهْلِها. ووَضْعُهُ عَنْهُ هو كَثْرَةُ مَن آمَنَ بَعْدُ، ودُخُولُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وقُوَّةُ أتْباعِهِ وانْمِحاءُ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَزِيرَةِ، وذُلُّ أهْلِها بَعْدَ العِزِّ، وانْقِيادُهم بَعْدَ شِدَّةِ الإباءِ. وقِيلَ: الآيَةُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ وتَطْهِيرِهِ مِن دَنَسِ الآثامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى، وفي الآيَةِ -عَلى كُلٍّ- اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها. ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ وفَرْضِ الِاعْتِرافِ بِرِسالَتِهِ وجَعْلِهِ شَرْطًا في قَبُولِ الإيمانِ وصِحَّتِهِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي بِها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أيْ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي. قالَ الشِّهابُ وهَذا - أيِ: المَأْثُورُ عَنْ مُجاهِدٍ - إنْ أُخِذَ كُلِّيَّةً خالَفَ الواقِعَ؛ فَإنَّهُ كَمْ ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ! وكَمْ ذُكِرَ الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ! وإنْ عُيِّنَ مَوْضِعًا فَهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ جُعِلَتِ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، فَلا يَخْفى ما في الإهْمالِ مِنَ الرَّكاكَةِ. قالَ: وقَدْ أمْعَنْتُ فِيهِ النَّظَرَ فَلَمْ أرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ، ويَرُدُّ السّائِلَ غَيْرَ صِفْرٍ، حَتّى لاحَ لِي أنَّ الجَوابَ الحَقَّ أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ في مَجامِعِ العِبادَةِ ومَشاهِدِها؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ ﷺ مَقْرُونٌ بِذِكْرِهِ فِيها في الواقِعِ في الصَّلَواتِ والخُطَبِ، فَلا تَرى مَشْهَدًا مِن مَشاهِدِ الإسْلامِ (p-٦١٩٠)إلّا وهو كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَكُّ ذِكْرُهُ ﷺ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ، ولا لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي بَلْ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعْتَدِّ بِها، فَتَتَّجِهُ الكُلِّيَّةُ. فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا التَّقْيِيدُ، فَهَلْ هو إلّا تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؟ قُلْتُ: المَقامُ ناطِقٌ بِهَذا القَيْدِ؛ فَإنَّ المُرادَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ ﷺ وإشاعَةِ قَدْرِهِ الدّالِّ عَلى قُرْبِهِ ﷺ مِن رَبِّهِ، كَقُرْبِ اسْمِهِ مِنِ اسْمِهِ، وإنَّما يَكُونُ هَذا بِذِكْرِهِ في المَحافِلِ والمَشاهِدِ والجَوامِعِ والمَساجِدِ، وأيُّ إشاعَةٍ أقْوى مِنَ الأذانِ؟ لا في الأسْواقِ والطُّرُقِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيها كُلُّ ذِكْرٍ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ ما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ في أوَّلِ (رِسالَتِهِ الجَدِيدَةِ) وبَيَّنَهُ السُّبْكِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى الرِّسالَةِ فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: يَعْنِي ذِكْرَهُ عِنْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والأذانِ، ويُحْتَمَلُ ذِكْرُهُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وعِنْدَ العَمَلِ بِالطّاعَةِ والوُقُوفِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ السُّبْكِيُّ: هَذا الِاحْتِمالُ مِنَ الشّافِعِيِّ جَيِّدٌ جِدًّا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ، الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو صَحِيحٌ، فَعَلى هَذا يَعُمُّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِلطّاعَةِ أوِ الكافَّ عَنِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، ذاكِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ لَها عَنِ اللَّهِ، هَذا أعَمُّ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإسْلامِ والأذانِ والتَّشَهُّدِ والخُطْبَةِ ونَحْوِها. قالَ الشّافِعِيُّ: فَلَمْ تُمْسِ بِنا نِعْمَةٌ ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ، نِلْنا بِها حَظًّا في دِينٍ أوْ دُنْيا، أوْ رُفِعَ عَنّا بِها مَكْرُوهٌ فِيهِما أوْ في واحِدٍ مِنهُما، إلّا ومُحَمَّدٌ ﷺ سَبَبُها؛ فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ إنْ أبْقى العُمُومَ والحَصْرَ عَلى ظاهِرِهِ، حُمِلَ الذِّكْرُ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإنَّ العاقِلَ المُؤْمِنَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ، تَذَكَّرَ مَن دَلَّ عَلى مَعْرِفَتِهِ وهَداهُ إلى طاعَتِهِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَما قِيلَ: ؎فَأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ: امْرِئٍ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ؟ (p-٦١٩١)ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِرَفْعِ ذِكْرِهِ تَشْرِيفُهُ ﷺ بِمُقارَنَتِهِ لِذِكْرِهِ في شَعائِرِ الدِّينِ الظّاهِرَةِ، وأوَّلُها كَلِمَتا الشَّهادَةِ، وهُما أساسُ الدِّينِ ثُمَّ الأذانُ والصَّلاةُ والخُطَبُ، فالحَصْرُ إضافِيٌّ. انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ.

الشرح 94:4

(p-٦١٨٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الشَّرْحِ مَكِّيَّةٌ. وقِيلَ: مَدَنِيَّةٌ، وهو الأقْوى عِنْدِي. فَإنَّ اسْتِقْرارَ هَذِهِ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ فِيها، إنَّما كانَ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، كَما لا يَخْفى. وآيُها ثَمانٍ. (p-٦١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٤ ] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أيْ: ألَمْ نُوَسِّعْهُ بِإلْقاءِ ما يَسُرُّهُ ويُقَوِّيهِ، وإظْهارِ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، وتَأْيِيدِهِ وعِصْمَتِهِ، حَتّى عَلِمَ ما لَمْ يَعْلَمْ، وصارَ مُسْتَقَرَّ الحِكْمَةِ ووِعاءَ حَقائِقِ الأنْباءِ. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ النَّفْيِ، ونَفْيُ النَّفْيِ إثْباتٌ؛ ولِذا عَطَفَ المُثْبَتَ عَلَيْهِ. وأصْلُ الشَّرْحِ بَسْطُ اللَّحْمِ ونَحْوَهُ، مِمّا فِيهِ تَوْسِيعٌ مُسْتَلْزِمٌ لِإظْهارِ باطِنِهِ وما خَفِيَ مِنهُ. اسْتُعْمِلَ في القَلْبِ الشَّرْحُ والسِّعَةُ، لِأنَّهُ مَحَلُّ الإدْراكِ لِما يَسُرُّ وضِدِّهِ؛ فَجَعَلَ إدْراكَهُ لِما فِيهِ مَسَرَّةٌ يُزِيلُ ما يُحْزِنُهُ، شَرْحًا وتَوْسِيعًا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ بِالإلْهامِ ونَحْوِهِ مِمّا يُنَفِّسُ كُرَبَهُ ويُزِيلُ هَمَّهُ، بِظُهُورِ ما كانَ غائِبًا عَنْهُ وخَفِيًّا عَلَيْهِ، مِمّا فِيهِ مَسَرَّتُهُ، كَما يُقالُ: (شَرَحَ الكِتابَ)، إذا وضَّحَهُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في الصَّدْرِ الَّذِي هو مَحَلُّ القَلْبِ مُبالَغَةً فِيهِ؛ لِأنَّ اتِّساعَ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ اتِّساعُ ظَرْفِهِ؛ ولِذا تَسْمَعُ النّاسَ يُسَمُّونَ السُّرُورَ بَسْطًا، ثُمَّ سَمَّوْا ضِدَّهُ ضِيقًا وقَبْضًا، وهو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ بِوَسائِطَ، وبَعْدَ الشُّيُوعِ زالَ الخَفاءُ وارْتَفَعَتِ الوَسائِطُ، هَذا ما حَقَّقَهُ الشِّهابُ. ﴿ووَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣] قالَ الشِّهابُ: الوِزْرُ الحِمْلُ الثَّقِيلُ. ووَضْعُهُ: إزالَتُهُ عَنْهُ. لِأنَّهُ إذا تَعَدّى بِـ: (عَلى) كانَ بِمَعْنى التَّحْمِيلِ، وإذا تَعَدّى بِـ: (مِن) كانَ بِمَعْنى الإزالَةِ. والإنْقاضُ: حُصُولُ النَّقِيضِ وهو صَوْتُ فِقْراتِ الظَّهْرِ. وقِيلَ: صَوْتُ الجَمَلِ أوِ الرَّحْلِ (p-٦١٨٩)أوِ المَرْكُوبِ إذا ثَقُلَ عَلَيْهِ. فالإنْقاضُ التَّثْقِيلُ في الحِمْلِ حَتّى يُسْمَعَ لَهُ نَقِيضٌ، أوْ صَوْتٌ، كَما قالَهُ الأزْهَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو إثْقالٌ يَجْعَلُ ما حُمِلَ عَلَيْهِ نَقْضًا، أيْ: مَهْزُولًا ضَعِيفًا. وقَدْ مُثِّلَ بِذَلِكَ حالُهُ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِمّا كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ ويَغُمُّهُ مِن قِلَّةِ المُسْتَجِيبِينَ لِدَعْوَتِهِ، وضَعْفِ مَن سَبَقَ إلى الإيمانِ بِهِ، وشُيُوعِ الشِّرْكِ والضَّلالِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، وقُوَّةِ أهْلِها. ووَضْعُهُ عَنْهُ هو كَثْرَةُ مَن آمَنَ بَعْدُ، ودُخُولُهم في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، وقُوَّةُ أتْباعِهِ وانْمِحاءُ الشِّرْكِ والجاهِلِيَّةِ مِنَ الجَزِيرَةِ، وذُلُّ أهْلِها بَعْدَ العِزِّ، وانْقِيادُهم بَعْدَ شِدَّةِ الإباءِ. وقِيلَ: الآيَةُ كِنايَةٌ عَنْ عِصْمَتِهِ وتَطْهِيرِهِ مِن دَنَسِ الآثامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] والوَجْهُ الأوَّلُ أقْوى، وفي الآيَةِ -عَلى كُلٍّ- اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، والوَضْعُ تَرْشِيحٌ لَها. ﴿ورَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] أيْ: بِالنُّبُوَّةِ وفَرْضِ الِاعْتِرافِ بِرِسالَتِهِ وجَعْلِهِ شَرْطًا في قَبُولِ الإيمانِ وصِحَّتِهِ. وقالَ قَتادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ ولا مُتَشَهِّدٌ ولا صاحِبُ صَلاةٍ إلّا يُنادِي بِها: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ: أيْ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي. قالَ الشِّهابُ وهَذا - أيِ: المَأْثُورُ عَنْ مُجاهِدٍ - إنْ أُخِذَ كُلِّيَّةً خالَفَ الواقِعَ؛ فَإنَّهُ كَمْ ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ! وكَمْ ذُكِرَ الرَّسُولُ ﷺ وحْدَهُ! وإنْ عُيِّنَ مَوْضِعًا فَهو تَرْجِيحٌ بِلا مُرَجِّحٍ، وإنْ جُعِلَتِ القَضِيَّةُ مُهْمَلَةً، فَلا يَخْفى ما في الإهْمالِ مِنَ الرَّكاكَةِ. قالَ: وقَدْ أمْعَنْتُ فِيهِ النَّظَرَ فَلَمْ أرَ ما يُثْلِجُ الصَّدْرَ، ويَرُدُّ السّائِلَ غَيْرَ صِفْرٍ، حَتّى لاحَ لِي أنَّ الجَوابَ الحَقَّ أنْ يُقالَ: الذِّكْرُ مَحْمُولٌ عَلى الذِّكْرِ في مَجامِعِ العِبادَةِ ومَشاهِدِها؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ ﷺ مَقْرُونٌ بِذِكْرِهِ فِيها في الواقِعِ في الصَّلَواتِ والخُطَبِ، فَلا تَرى مَشْهَدًا مِن مَشاهِدِ الإسْلامِ (p-٦١٩٠)إلّا وهو كَذَلِكَ، فَلا يَنْفَكُّ ذِكْرُهُ ﷺ عَنْ ذِكْرِهِ تَعالى في يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ، ولا لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي بَلْ ولا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعْتَدِّ بِها، فَتَتَّجِهُ الكُلِّيَّةُ. فَإنْ قُلْتَ: مِن أيْنَ لَكَ هَذا التَّقْيِيدُ، فَهَلْ هو إلّا تَرْجِيحٌ مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؟ قُلْتُ: المَقامُ ناطِقٌ بِهَذا القَيْدِ؛ فَإنَّ المُرادَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِهِ ﷺ وإشاعَةِ قَدْرِهِ الدّالِّ عَلى قُرْبِهِ ﷺ مِن رَبِّهِ، كَقُرْبِ اسْمِهِ مِنِ اسْمِهِ، وإنَّما يَكُونُ هَذا بِذِكْرِهِ في المَحافِلِ والمَشاهِدِ والجَوامِعِ والمَساجِدِ، وأيُّ إشاعَةٍ أقْوى مِنَ الأذانِ؟ لا في الأسْواقِ والطُّرُقِ الَّتِي يُطْرَحُ فِيها كُلُّ ذِكْرٍ. ثُمَّ قالَ: واعْلَمْ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ ما قالَهُ الإمامُ الشّافِعِيُّ في أوَّلِ (رِسالَتِهِ الجَدِيدَةِ) وبَيَّنَهُ السُّبْكِيُّ في تَعْلِيقِهِ عَلى الرِّسالَةِ فَقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ الإمامُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لا أُذْكَرُ إلّا ذُكِرْتَ مَعِي: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: يَعْنِي ذِكْرَهُ عِنْدَ الإيمانِ بِاللَّهِ والأذانِ، ويُحْتَمَلُ ذِكْرُهُ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ وعِنْدَ العَمَلِ بِالطّاعَةِ والوُقُوفِ عَنِ المَعْصِيَةِ. قالَ السُّبْكِيُّ: هَذا الِاحْتِمالُ مِنَ الشّافِعِيِّ جَيِّدٌ جِدًّا، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالذِّكْرِ، الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وهو صَحِيحٌ، فَعَلى هَذا يَعُمُّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِلطّاعَةِ أوِ الكافَّ عَنِ المَعْصِيَةِ امْتِثالًا لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِهِ، ذاكِرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِقَلْبِهِ؛ لِأنَّهُ المُبَلِّغُ لَها عَنِ اللَّهِ، هَذا أعَمُّ مِنَ الذِّكْرِ بِاللِّسانِ، فَإنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى الإسْلامِ والأذانِ والتَّشَهُّدِ والخُطْبَةِ ونَحْوِها. قالَ الشّافِعِيُّ: فَلَمْ تُمْسِ بِنا نِعْمَةٌ ظَهَرَتْ ولا بَطَنَتْ، نِلْنا بِها حَظًّا في دِينٍ أوْ دُنْيا، أوْ رُفِعَ عَنّا بِها مَكْرُوهٌ فِيهِما أوْ في واحِدٍ مِنهُما، إلّا ومُحَمَّدٌ ﷺ سَبَبُها؛ فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ إنْ أبْقى العُمُومَ والحَصْرَ عَلى ظاهِرِهِ، حُمِلَ الذِّكْرُ عَلى الذِّكْرِ القَلْبِيِّ فَيَشْمَلُ كُلَّ مَوْطِنٍ مِن مَواطِنِ العِبادَةِ والطّاعَةِ، فَإنَّ العاقِلَ المُؤْمِنَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ، تَذَكَّرَ مَن دَلَّ عَلى مَعْرِفَتِهِ وهَداهُ إلى طاعَتِهِ، وهو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، كَما قِيلَ: ؎فَأنْتَ بابُ اللَّهِ أيُّ: امْرِئٍ أتاهُ مِن غَيْرِكَ لا يَدْخُلُ؟ (p-٦١٩١)ولَكَ أنْ تَقُولَ: المُرادُ بِرَفْعِ ذِكْرِهِ تَشْرِيفُهُ ﷺ بِمُقارَنَتِهِ لِذِكْرِهِ في شَعائِرِ الدِّينِ الظّاهِرَةِ، وأوَّلُها كَلِمَتا الشَّهادَةِ، وهُما أساسُ الدِّينِ ثُمَّ الأذانُ والصَّلاةُ والخُطَبُ، فالحَصْرُ إضافِيٌّ. انْتَهى كَلامُ الشِّهابِ.

الشرح 94:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ٨ ] ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَهُ -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ووَضْعِ الوِزْرِ ورَفْعِ الذِّكْرِ، بَعْدَ ضِيقِ الأمْرِ واسْتِحْكامِ حَلْقاتِ الكَرْبِ في أوَّلِ السَّيْرِ، كانَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى في هَذا النَّوْعِ مِنَ الخَلِيقَةِ، وهو أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا؛ ولِهَذا وصَلَ العِبارَةَ بِالفاءِ الَّتِي لِبَيانِ السَّبَبِ. (وال) في "العُسْرِ" لِلِاسْتِغْراقِ ولَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ بِالمَعْهُودِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِهِ أوْ أنْواعِهِ، فَهو العُسْرُ الَّذِي يَعْرِضُ مِنَ الفَقْرِ والضَّعْفِ وجَهْلِ الصَّدِيقِ وقُوَّةِ العَدُوِّ، وقِلَّةِ الوَسائِلِ إلى المَطْلُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْهُودٌ ومَعْرُوفٌ، فَهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ العُسْرِ مَهْما اشْتَدَّتْ، وكانَتِ النَّفْسُ حَرِيصَةً عَلى الخُرُوجِ مِنها طالِبَةً لِكَشْفِ شِدَّتِها، واسْتَعْمَلَتْ مِن وسائِلِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والعَمَلِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَدَّ لِذَلِكَ في مَعْرُوفِ العَقْلِ، واعْتَصَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ حَتّى لا تُضْعِفَها الخَيْبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولا يَفْسَخَ عَزِيمَتَها ما تُلاقِيهِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى؛ فَلا رَيْبَ في أنَّ النَّفْسَ تَخْرُجُ مِنها ظافِرَةً. وقَدْ كانَ هَذا حالَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ضِيقَ الأمْرِ عَلَيْهِ كانَ يَحْمِلُهُ عَلى الفِكْرِ والنَّظَرِ، حَتّى آتاهُ اللَّهُ ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وهو الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، ثُمَّ لَمْ تَكْسِرْ مُقاوَماتُ قَوْمِهِ شَيْئًا مِن عَزْمِهِ، بَلْ ما زالَ يَلْتَمِسُ (p-٦١٩٢)الغِنى في الفَقْرِ، والقُوَّةَ في الضَّعْفِ، حَتّى أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما زَعْزَعَ أرْكانَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وتَرَكَ مِنهُ لِأُمَّتِهِ ما تَمَتَّعَتْ بِهِ أعْصارًا طِوالًا. أفادَهُ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ. لَطِيفَةٌ: تَنْكِيرُ "يُسْرًا" لِلتَّعْظِيمِ، والمُرادُ يُسْرٌ عَظِيمٌ وهو يُسْرُ الدّارَيْنِ. وفي كَلِمَةِ "مَعَ" إشْعارٌ بِغايَةِ سُرْعَةِ مَجِيءِ اليُسْرِ، كَأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعُسْرِ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ التَّقارُبَ بِالتَّقارُنِ، فاسْتُعِيرَ لَفْظُ "مَعَ" لِمَعْنى: بَعْدَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ عِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِأنَّ العُسْرَ مَشْفُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ، وعَلَيْهِ أُثِرَ: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» فَإنَّ المُعَرَّفَ إذا أُعِيدَ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، سَواءٌ كانَ مَعْهُودًا أوْ جِنْسًا، وأمّا المُنَكَّرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالأوَّلِ. ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: مِن عَمَلٍ مِن أعْمالِكَ النّافِعَةِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ ﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: خُذْ في عَمَلٍ آخَرَ واتْعَبْ فِيهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ لَذَّةَ الرّاحَةِ عَقِبَ النَّصْبِ بِما تَجْنِيهِ مِن ثَمَرَةِ العَمَلِ، قالَهُ الإمامُ. "وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ" أيْ: في الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، أيْ: لا تَرْغَبْ إلّا إلى ذاتِهِ، دُونَ ثَوابٍ أوْ غَرَضٍ آخَرَ، لِتَكُونَ دَعْوَتُكَ وهِدايَتُكَ إلَيْهِ، قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ ورَغْبَتَكَ إلَيْهِ دُونَ مَن سِواهُ مِن خَلْقِهِ؛ إذْ كانَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْمِكَ قَدْ جَعَلُوا رَغْبَتَهم في حاجاتِهِمْ إلى الآلِهَةِ والأنْدادِ. والأظْهَرُ عِنْدِي -اعْتِمادًا عَلى ما صَحَّحْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّها مِن أواخِرِ ما نَزَلَ- أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦١٩٣)﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: فَرَغْتَ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ، وظَفِرْتَ بِأُمْنِيَّتِكَ مِنهُمْ، بِمَجِيءِ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ، فانْصَبْ في العِبادَةِ والتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أنْعَمَ، وارْغَبْ إلَيْهِ خاصَّةً ابْتِغاءً لِمَرْضاتِهِ؛ فَتَكُونُ الآيَتانِ بِمَعْنى سُورَةِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ نَقَلَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ، جِهادِ العَرَبِ وانْقَطَعَ جِهادُهُمْ، فانْصَبْ لِعِبادَةِ اللَّهِ وإلَيْهِ فارْغَبْ. وهو ظاهِرٌ. نَعَمْ لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ فِيما أثَرْناهُ جَمِيعَهُ، إلّا أنَّ السِّياقَ والنَّظائِرَ -وهُوَ أهَمُّ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ- يُؤَيِّدُ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ واعْتَمَدْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشرح 94:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ٨ ] ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَهُ -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ووَضْعِ الوِزْرِ ورَفْعِ الذِّكْرِ، بَعْدَ ضِيقِ الأمْرِ واسْتِحْكامِ حَلْقاتِ الكَرْبِ في أوَّلِ السَّيْرِ، كانَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى في هَذا النَّوْعِ مِنَ الخَلِيقَةِ، وهو أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا؛ ولِهَذا وصَلَ العِبارَةَ بِالفاءِ الَّتِي لِبَيانِ السَّبَبِ. (وال) في "العُسْرِ" لِلِاسْتِغْراقِ ولَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ بِالمَعْهُودِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِهِ أوْ أنْواعِهِ، فَهو العُسْرُ الَّذِي يَعْرِضُ مِنَ الفَقْرِ والضَّعْفِ وجَهْلِ الصَّدِيقِ وقُوَّةِ العَدُوِّ، وقِلَّةِ الوَسائِلِ إلى المَطْلُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْهُودٌ ومَعْرُوفٌ، فَهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ العُسْرِ مَهْما اشْتَدَّتْ، وكانَتِ النَّفْسُ حَرِيصَةً عَلى الخُرُوجِ مِنها طالِبَةً لِكَشْفِ شِدَّتِها، واسْتَعْمَلَتْ مِن وسائِلِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والعَمَلِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَدَّ لِذَلِكَ في مَعْرُوفِ العَقْلِ، واعْتَصَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ حَتّى لا تُضْعِفَها الخَيْبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولا يَفْسَخَ عَزِيمَتَها ما تُلاقِيهِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى؛ فَلا رَيْبَ في أنَّ النَّفْسَ تَخْرُجُ مِنها ظافِرَةً. وقَدْ كانَ هَذا حالَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ضِيقَ الأمْرِ عَلَيْهِ كانَ يَحْمِلُهُ عَلى الفِكْرِ والنَّظَرِ، حَتّى آتاهُ اللَّهُ ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وهو الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، ثُمَّ لَمْ تَكْسِرْ مُقاوَماتُ قَوْمِهِ شَيْئًا مِن عَزْمِهِ، بَلْ ما زالَ يَلْتَمِسُ (p-٦١٩٢)الغِنى في الفَقْرِ، والقُوَّةَ في الضَّعْفِ، حَتّى أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما زَعْزَعَ أرْكانَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وتَرَكَ مِنهُ لِأُمَّتِهِ ما تَمَتَّعَتْ بِهِ أعْصارًا طِوالًا. أفادَهُ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ. لَطِيفَةٌ: تَنْكِيرُ "يُسْرًا" لِلتَّعْظِيمِ، والمُرادُ يُسْرٌ عَظِيمٌ وهو يُسْرُ الدّارَيْنِ. وفي كَلِمَةِ "مَعَ" إشْعارٌ بِغايَةِ سُرْعَةِ مَجِيءِ اليُسْرِ، كَأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعُسْرِ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ التَّقارُبَ بِالتَّقارُنِ، فاسْتُعِيرَ لَفْظُ "مَعَ" لِمَعْنى: بَعْدَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ عِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِأنَّ العُسْرَ مَشْفُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ، وعَلَيْهِ أُثِرَ: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» فَإنَّ المُعَرَّفَ إذا أُعِيدَ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، سَواءٌ كانَ مَعْهُودًا أوْ جِنْسًا، وأمّا المُنَكَّرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالأوَّلِ. ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: مِن عَمَلٍ مِن أعْمالِكَ النّافِعَةِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ ﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: خُذْ في عَمَلٍ آخَرَ واتْعَبْ فِيهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ لَذَّةَ الرّاحَةِ عَقِبَ النَّصْبِ بِما تَجْنِيهِ مِن ثَمَرَةِ العَمَلِ، قالَهُ الإمامُ. "وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ" أيْ: في الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، أيْ: لا تَرْغَبْ إلّا إلى ذاتِهِ، دُونَ ثَوابٍ أوْ غَرَضٍ آخَرَ، لِتَكُونَ دَعْوَتُكَ وهِدايَتُكَ إلَيْهِ، قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ ورَغْبَتَكَ إلَيْهِ دُونَ مَن سِواهُ مِن خَلْقِهِ؛ إذْ كانَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْمِكَ قَدْ جَعَلُوا رَغْبَتَهم في حاجاتِهِمْ إلى الآلِهَةِ والأنْدادِ. والأظْهَرُ عِنْدِي -اعْتِمادًا عَلى ما صَحَّحْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّها مِن أواخِرِ ما نَزَلَ- أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦١٩٣)﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: فَرَغْتَ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ، وظَفِرْتَ بِأُمْنِيَّتِكَ مِنهُمْ، بِمَجِيءِ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ، فانْصَبْ في العِبادَةِ والتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أنْعَمَ، وارْغَبْ إلَيْهِ خاصَّةً ابْتِغاءً لِمَرْضاتِهِ؛ فَتَكُونُ الآيَتانِ بِمَعْنى سُورَةِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ نَقَلَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ، جِهادِ العَرَبِ وانْقَطَعَ جِهادُهُمْ، فانْصَبْ لِعِبادَةِ اللَّهِ وإلَيْهِ فارْغَبْ. وهو ظاهِرٌ. نَعَمْ لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ فِيما أثَرْناهُ جَمِيعَهُ، إلّا أنَّ السِّياقَ والنَّظائِرَ -وهُوَ أهَمُّ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ- يُؤَيِّدُ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ واعْتَمَدْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشرح 94:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ٨ ] ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَهُ -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ووَضْعِ الوِزْرِ ورَفْعِ الذِّكْرِ، بَعْدَ ضِيقِ الأمْرِ واسْتِحْكامِ حَلْقاتِ الكَرْبِ في أوَّلِ السَّيْرِ، كانَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى في هَذا النَّوْعِ مِنَ الخَلِيقَةِ، وهو أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا؛ ولِهَذا وصَلَ العِبارَةَ بِالفاءِ الَّتِي لِبَيانِ السَّبَبِ. (وال) في "العُسْرِ" لِلِاسْتِغْراقِ ولَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ بِالمَعْهُودِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِهِ أوْ أنْواعِهِ، فَهو العُسْرُ الَّذِي يَعْرِضُ مِنَ الفَقْرِ والضَّعْفِ وجَهْلِ الصَّدِيقِ وقُوَّةِ العَدُوِّ، وقِلَّةِ الوَسائِلِ إلى المَطْلُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْهُودٌ ومَعْرُوفٌ، فَهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ العُسْرِ مَهْما اشْتَدَّتْ، وكانَتِ النَّفْسُ حَرِيصَةً عَلى الخُرُوجِ مِنها طالِبَةً لِكَشْفِ شِدَّتِها، واسْتَعْمَلَتْ مِن وسائِلِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والعَمَلِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَدَّ لِذَلِكَ في مَعْرُوفِ العَقْلِ، واعْتَصَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ حَتّى لا تُضْعِفَها الخَيْبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولا يَفْسَخَ عَزِيمَتَها ما تُلاقِيهِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى؛ فَلا رَيْبَ في أنَّ النَّفْسَ تَخْرُجُ مِنها ظافِرَةً. وقَدْ كانَ هَذا حالَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ضِيقَ الأمْرِ عَلَيْهِ كانَ يَحْمِلُهُ عَلى الفِكْرِ والنَّظَرِ، حَتّى آتاهُ اللَّهُ ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وهو الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، ثُمَّ لَمْ تَكْسِرْ مُقاوَماتُ قَوْمِهِ شَيْئًا مِن عَزْمِهِ، بَلْ ما زالَ يَلْتَمِسُ (p-٦١٩٢)الغِنى في الفَقْرِ، والقُوَّةَ في الضَّعْفِ، حَتّى أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما زَعْزَعَ أرْكانَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وتَرَكَ مِنهُ لِأُمَّتِهِ ما تَمَتَّعَتْ بِهِ أعْصارًا طِوالًا. أفادَهُ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ. لَطِيفَةٌ: تَنْكِيرُ "يُسْرًا" لِلتَّعْظِيمِ، والمُرادُ يُسْرٌ عَظِيمٌ وهو يُسْرُ الدّارَيْنِ. وفي كَلِمَةِ "مَعَ" إشْعارٌ بِغايَةِ سُرْعَةِ مَجِيءِ اليُسْرِ، كَأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعُسْرِ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ التَّقارُبَ بِالتَّقارُنِ، فاسْتُعِيرَ لَفْظُ "مَعَ" لِمَعْنى: بَعْدَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ عِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِأنَّ العُسْرَ مَشْفُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ، وعَلَيْهِ أُثِرَ: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» فَإنَّ المُعَرَّفَ إذا أُعِيدَ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، سَواءٌ كانَ مَعْهُودًا أوْ جِنْسًا، وأمّا المُنَكَّرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالأوَّلِ. ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: مِن عَمَلٍ مِن أعْمالِكَ النّافِعَةِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ ﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: خُذْ في عَمَلٍ آخَرَ واتْعَبْ فِيهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ لَذَّةَ الرّاحَةِ عَقِبَ النَّصْبِ بِما تَجْنِيهِ مِن ثَمَرَةِ العَمَلِ، قالَهُ الإمامُ. "وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ" أيْ: في الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، أيْ: لا تَرْغَبْ إلّا إلى ذاتِهِ، دُونَ ثَوابٍ أوْ غَرَضٍ آخَرَ، لِتَكُونَ دَعْوَتُكَ وهِدايَتُكَ إلَيْهِ، قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ ورَغْبَتَكَ إلَيْهِ دُونَ مَن سِواهُ مِن خَلْقِهِ؛ إذْ كانَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْمِكَ قَدْ جَعَلُوا رَغْبَتَهم في حاجاتِهِمْ إلى الآلِهَةِ والأنْدادِ. والأظْهَرُ عِنْدِي -اعْتِمادًا عَلى ما صَحَّحْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّها مِن أواخِرِ ما نَزَلَ- أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦١٩٣)﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: فَرَغْتَ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ، وظَفِرْتَ بِأُمْنِيَّتِكَ مِنهُمْ، بِمَجِيءِ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ، فانْصَبْ في العِبادَةِ والتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أنْعَمَ، وارْغَبْ إلَيْهِ خاصَّةً ابْتِغاءً لِمَرْضاتِهِ؛ فَتَكُونُ الآيَتانِ بِمَعْنى سُورَةِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ نَقَلَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ، جِهادِ العَرَبِ وانْقَطَعَ جِهادُهُمْ، فانْصَبْ لِعِبادَةِ اللَّهِ وإلَيْهِ فارْغَبْ. وهو ظاهِرٌ. نَعَمْ لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ فِيما أثَرْناهُ جَمِيعَهُ، إلّا أنَّ السِّياقَ والنَّظائِرَ -وهُوَ أهَمُّ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ- يُؤَيِّدُ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ واعْتَمَدْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

الشرح 94:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٥ - ٨ ] ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] ﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] ﴿وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ﴾ [الشرح: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي مَنَحَهُ -صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ- مِن شَرْحِ الصَّدْرِ ووَضْعِ الوِزْرِ ورَفْعِ الذِّكْرِ، بَعْدَ ضِيقِ الأمْرِ واسْتِحْكامِ حَلْقاتِ الكَرْبِ في أوَّلِ السَّيْرِ، كانَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ سُنَّتُهُ تَعالى في هَذا النَّوْعِ مِنَ الخَلِيقَةِ، وهو أنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا؛ ولِهَذا وصَلَ العِبارَةَ بِالفاءِ الَّتِي لِبَيانِ السَّبَبِ. (وال) في "العُسْرِ" لِلِاسْتِغْراقِ ولَكِنَّهُ اسْتَغْرَقَ بِالمَعْهُودِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ مِن أفْرادِهِ أوْ أنْواعِهِ، فَهو العُسْرُ الَّذِي يَعْرِضُ مِنَ الفَقْرِ والضَّعْفِ وجَهْلِ الصَّدِيقِ وقُوَّةِ العَدُوِّ، وقِلَّةِ الوَسائِلِ إلى المَطْلُوبِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْهُودٌ ومَعْرُوفٌ، فَهَذِهِ الأنْواعُ مِنَ العُسْرِ مَهْما اشْتَدَّتْ، وكانَتِ النَّفْسُ حَرِيصَةً عَلى الخُرُوجِ مِنها طالِبَةً لِكَشْفِ شِدَّتِها، واسْتَعْمَلَتْ مِن وسائِلِ الفِكْرِ والنَّظَرِ والعَمَلِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعَدَّ لِذَلِكَ في مَعْرُوفِ العَقْلِ، واعْتَصَمَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ حَتّى لا تُضْعِفَها الخَيْبَةُ لِأوَّلِ مَرَّةٍ، ولا يَفْسَخَ عَزِيمَتَها ما تُلاقِيهِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى؛ فَلا رَيْبَ في أنَّ النَّفْسَ تَخْرُجُ مِنها ظافِرَةً. وقَدْ كانَ هَذا حالَ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّ ضِيقَ الأمْرِ عَلَيْهِ كانَ يَحْمِلُهُ عَلى الفِكْرِ والنَّظَرِ، حَتّى آتاهُ اللَّهُ ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ، وهو الوَحْيُ والنُّبُوَّةُ، ثُمَّ لَمْ تَكْسِرْ مُقاوَماتُ قَوْمِهِ شَيْئًا مِن عَزْمِهِ، بَلْ ما زالَ يَلْتَمِسُ (p-٦١٩٢)الغِنى في الفَقْرِ، والقُوَّةَ في الضَّعْفِ، حَتّى أُوتِيَ مِن ذَلِكَ ما زَعْزَعَ أرْكانَ الأكاسِرَةِ والقَياصِرَةِ وتَرَكَ مِنهُ لِأُمَّتِهِ ما تَمَتَّعَتْ بِهِ أعْصارًا طِوالًا. أفادَهُ الإمامُ رَحِمَهُ اللَّهُ. لَطِيفَةٌ: تَنْكِيرُ "يُسْرًا" لِلتَّعْظِيمِ، والمُرادُ يُسْرٌ عَظِيمٌ وهو يُسْرُ الدّارَيْنِ. وفي كَلِمَةِ "مَعَ" إشْعارٌ بِغايَةِ سُرْعَةِ مَجِيءِ اليُسْرِ، كَأنَّهُ مُقارِنٌ لِلْعُسْرِ؛ فَهو اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ التَّقارُبَ بِالتَّقارُنِ، فاسْتُعِيرَ لَفْظُ "مَعَ" لِمَعْنى: بَعْدَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: ٦] تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ، أوْ عِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ بِأنَّ العُسْرَ مَشْفُوعٌ بِيُسْرٍ آخَرَ كَثَوابِ الآخِرَةِ، وعَلَيْهِ أُثِرَ: ««لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»» فَإنَّ المُعَرَّفَ إذا أُعِيدَ يَكُونُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ، سَواءٌ كانَ مَعْهُودًا أوْ جِنْسًا، وأمّا المُنَكَّرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالثّانِي فَرْدٌ مُغايِرٌ لِما أُرِيدَ بِالأوَّلِ. ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: مِن عَمَلٍ مِن أعْمالِكَ النّافِعَةِ لَكَ ولِأُمَّتِكَ ﴿فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: خُذْ في عَمَلٍ آخَرَ واتْعَبْ فِيهِ، فَإنَّكَ تَجِدُ لَذَّةَ الرّاحَةِ عَقِبَ النَّصْبِ بِما تَجْنِيهِ مِن ثَمَرَةِ العَمَلِ، قالَهُ الإمامُ. "وإلى رَبِّكَ فارْغَبْ" أيْ: في الدَّعْوَةِ إلَيْهِ، أيْ: لا تَرْغَبْ إلّا إلى ذاتِهِ، دُونَ ثَوابٍ أوْ غَرَضٍ آخَرَ، لِتَكُونَ دَعْوَتُكَ وهِدايَتُكَ إلَيْهِ، قالَهُ القاشانِيُّ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اجْعَلْ نِيَّتَكَ ورَغْبَتَكَ إلَيْهِ دُونَ مَن سِواهُ مِن خَلْقِهِ؛ إذْ كانَ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِن قَوْمِكَ قَدْ جَعَلُوا رَغْبَتَهم في حاجاتِهِمْ إلى الآلِهَةِ والأنْدادِ. والأظْهَرُ عِنْدِي -اعْتِمادًا عَلى ما صَحَّحْناهُ مِن أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وأنَّها مِن أواخِرِ ما نَزَلَ- أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: (p-٦١٩٣)﴿فَإذا فَرَغْتَ فانْصَبْ﴾ [الشرح: ٧] أيْ: فَرَغْتَ مِن مُقارَعَةِ المُشْرِكِينَ، وظَفِرْتَ بِأُمْنِيَّتِكَ مِنهُمْ، بِمَجِيءِ نَصْرِ اللَّهِ والفَتْحِ، فانْصَبْ في العِبادَةِ والتَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أنْعَمَ، وارْغَبْ إلَيْهِ خاصَّةً ابْتِغاءً لِمَرْضاتِهِ؛ فَتَكُونُ الآيَتانِ بِمَعْنى سُورَةِ: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ [النصر: ١] ثُمَّ رَأيْتُ ابْنَ جَرِيرٍ نَقَلَ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: فَإذا فَرَغْتَ مِنَ الجِهادِ، جِهادِ العَرَبِ وانْقَطَعَ جِهادُهُمْ، فانْصَبْ لِعِبادَةِ اللَّهِ وإلَيْهِ فارْغَبْ. وهو ظاهِرٌ. نَعَمْ لَفْظُ الآيَةِ عامٌّ فِيما أثَرْناهُ جَمِيعَهُ، إلّا أنَّ السِّياقَ والنَّظائِرَ -وهُوَ أهَمُّ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ- يُؤَيِّدُ ما قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ واعْتَمَدْناهُ. واللَّهُ أعْلَمُ.

التين 95:1

(p-٦١٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ: مَدَنِيَّةٌ. وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا البَلَدِ﴾ [التين: ٣] وآيُها ثَمانٍ. رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في سَفَرِهِ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ. فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ». أخْرَجَهُ الجَماعَةُ. (p-٦١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ البَلَدَ الأمِينَ مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ، الآمِنُ أهْلُها أنْ يُحارَبُوا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وأمّا المُقْسَماتُ بِها قَبْلُ، فَفِيها أقْوالٌ لِلسَّلَفِ لِاحْتِمالِ مَوادِّها لِكُلٍّ مِنها، فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما أنَّ (التِّينَ) الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونَ) الَّذِي يُعْصَرُ. قالُوا: وخَصَّهُما لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِما وعِظَمِ مَنافِعِهِما. وعَنْ قَتادَةَ (التِّينُ) الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، و(الزَّيْتُونُ) الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ كَعْبٍ وابْنِ زَيْدٍ: (التِّينُ) مَسْجِدُ دِمَشْقَ و(الزَّيْتُونُ) بَيْتُ المَقْدِسِ. فَظَهَرَ أنَّهُما الشَّجَرانِ المَعْلُومانِ أوْ جَبَلانِ أوْ مَسْجِدانِ. وصَوَّبَ ابْنُ جَرِيرٍ الأوَّلَ مِنها، وعِبارَتُهُ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَنا، قَوْلُ مَن قالَ (التِّينُ): هو التِّينُ الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونُ) هُوَ: الزَّيْتُونُ الَّذِي يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ. ولا يُعْرَفُ جَبَلٌ يُسَمّى تِينًا ولا جَبَلٌ يُقالُ لَهُ: زَيْتُونٌ، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: أقْسَمَ رَبُّنا جَلَّ ثَناؤُهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، والمُرادُ مِنَ الكَلامِ، القَسَمُ بِمَنابِتِ التِّينِ ومَنابِتِ الزَّيْتُونِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبًا وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ كَذَلِكَ، دَلالَةٌ في ظاهِرِ التَّنْزِيلِ ولا مِن قَوْلِ مَن لا يُجَوِّزُ خِلافَهُ، لِأنَّ دِمَشْقَ بِها مَنابِتُ (p-٦١٩٦)التِّينِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ مَنابِتُ الزَّيْتُونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ. كَيْفَ وجَبَلُ الزَّيْتُونِ هو مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ، مَعْرُوفٌ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ والمُؤَلِّفِينَ في تَقْوِيمِ البِلادِ. قالَ صاحِبُ (الذَّخِيرَةِ) في تَعْدادِ جِبالِ فِلَسْطِينَ: ويَتَّصِلُ بِجِبالِ إسْرائِيلَ جَبَلُ الزَّيْتُونِ. قالَ: وقَدْ دُعِيَ كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الزَّيْتُونِ فِيهِ، وهو قَرِيبُ المَسافَةِ مِن أُورَشَلِيمَ، وفِيهِ صَعِدَ المَسِيحُ لِكَيْ يَرْتَفِعَ إلى السَّماءِ. انْتَهى. ويُسَمّى أيْضًا طَوْرَ زِيتا إلى الآنِ، عَلى أنَّ فِيما صَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، تَبْقى المُناسَبَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ طُورِ سِنِينَ والبَلَدِ الأمِينِ وحِكْمَةِ جَمْعِهِما مَعَهُما في نَسَقٍ واحِدٍ- غَيْرَ مَفْهُومَةٍ، كَما قالَهُ الإمامُ. فالأرْجَحُ أنَّهُما مَوْضِعانِ أوْ مَوْضِعٌ واحِدٌ مُعَظَّمٌ، ويَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ ثَلاثَةَ مَواضِعَ مُقَدَّسَةٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: هَذِهِ مَحالٌّ ثَلاثَةٌ بَعَثَ اللَّهُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها نَبِيًّا مُرْسَلًا مِن أُولِي العَزْمِ أصْحابِ الشَّرائِعِ الكِبارِ: فالأوَّلُ: مَحَلُّ التِّينِ والزَّيْتُونِ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والثّانِي: طُورُ سِينِينَ، وهو طُورُ سَيْناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ. والثّالِثُ: مَكَّةُ وهو البَلَدُ الأمِينُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وهو الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وفي التَّوْراةِ ذَكَرَ هَذِهِ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ: يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى. وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ: يَعْنِي جَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ عَنْهُ عِيسى. واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ: يَعْنِي جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ مِنها مُحَمَّدًا ﷺ. فَذَكَرَهم مُخْبِرًا عَنْهم عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الزَّمانِ. ولِهَذا أقْسَمَ بِالأشْرَفِ، ثُمَّ الأشْرَفِ مِنهُ، ثُمَّ بِالأشْرَفِ مِنهُما. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. ومُرادُهُ بِبَعْضِ الأئِمَّةِ، شَيْخُ الإسْلامِ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِهِ (الجَوابُ الصَّحِيحُ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ) ونَحْنُ نَنْقُلُها زِيادَةً في إيضاحِ المَقامِ، واهْتِمامًا بِتَحْقِيقِهِ، (p-٦١٩٧)قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (فَصْلُ شَهادَةِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِنُبُوَّتِهِ): وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ في التَّوْراةِ ما قَدْ تُرْجِمَ بِالعَرَبِيَّةِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ. وبَعْضُهم يَقُولُ في التَّرْجَمَةِ: تَجَلّى اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ –(واللَّفْظُ لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ )-: لَيْسَ بِهَذا خَفاءٌ عَلى مَن تَدَبَّرَهُ، ولا غُمُوضٌ؛ لِأنَّ مَجِيءَ اللَّهِ مِن طُورِ سَيْناءَ، إنْزالُهُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، كالَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَنا. وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ، إنْزالَهُ عَلى المَسِيحِ الإنْجِيلَ. وكانَ المَسِيحُ مِن ساعِيرَ أرْضِ الجَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ، وبِاسْمِها تَسَمّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصارى. وكَما وجَبَ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ بِالمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْلانُهُ مِن جِبالِ فارانَ، إنْزالَهُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في جِبالِ فارانَ، وهي جِبالُ مَكَّةَ. قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ خِلافٌ في أنَّ فارانَ هي مَكَّةُ. فَإنِ ادَّعَوْا أنَّها غَيْرُ مَكَّةَ -ولَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمْ وإفْكِهِمْ- قُلْنا ألَيْسَ في التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ أسْكَنَ هاجَرَ وإسْماعِيلَ فارانَ؟ وقُلْنا: دُلُّونا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنهُ واسْمُهُ فارانَ، والنَّبِيُّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا بَعْدَ المَسِيحِ، أوَلَيْسَ اسْتَعْلَنَ وعَلَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ وهُما: ظَهَرَ وانْكَشَفَ. فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الإسْلامِ وفَشا في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فُشُوَّهَ؟ وقالَ أبُو هاشِمِ بْنُ طَفَرَ: ساعِيرُ جَبَلٌ بِالشّامِ، مِنهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. قُلْتُ: وبِجانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ -القَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها المَسِيحِ- قَرْيَةٌ تُسَمّى إلى اليَوْمِ ساعِيرَ. ولَها جِبالٌ تُسَمّى جِبالَ ساعِيرَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ الثَّلاثَةِ الجِبالِ: جَبَلِ حِراءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أعْلى مِنهُ، وفِيهِ كانَ أوَّلُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وحَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ جِبالٌ كَثِيرَةٌ. وذَلِكَ المَكانُ يُسَمّى فارانَ إلى هَذا اليَوْمِ. وفِيهِ كانَ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. والبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وطُورِ سِينا تُسَمّى بَرِّيَّةَ فارانَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ بَعْدَ المَسِيحِ نَزَلَ كِتابٌ (p-٦١٩٨)فِي شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأرْضِ ولا بُعِثَ نَبِيٌّ؛ فَعَلِمَ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِعْلانِهِ مِن جِبالِ فارانَ، إلّا إرْسالَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وهو سُبْحانَهُ ذَكَرَ هَذا في التَّوْراةِ عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ فَذَكَرَ إنْزالَ التَّوْراةِ ثُمَّ الإنْجِيلِ ثُمَّ القُرْآنِ، وهَذِهِ الكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وهُداهُ، وقالَ في الأوَّلِ: جاءَ أوْ ظَهَرَ. وفي الثّانِي: أشْرَقَ. وفي الثّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وكانَ مَجِيءُ التَّوْراةِ مِثْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أوْ ما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ. ونُزُولُ الإنْجِيلِ مِثْلُ إشْراقِ الشَّمْسِ زادَ بِهِ النُّورُ والهُدى. وأمّا نُزُولُ القُرْآنِ فَهو بِمَنزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ في السَّماءِ. ولِهَذا قالَ: واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ الشَّمْسِ إذا اسْتَعْلَنَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ سِراجًا مُنِيرًا، وسَمّى الشَّمْسَ سِراجًا وهّاجًا، والخَلْقُ مُحْتاجُونَ إلى السِّراجِ المُنِيرِ، أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى السِّراجِ الوَهّاجِ، فَإنَّ الوَهّاجَ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، بَلْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ بَعْضَ الأوْقاتِ. وأمّا السِّراجُ المُنِيرُ فَيَحْتاجُونَ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وكُلِّ مَكانٍ، لَيْلًا ونَهارًا، سِرًّا وعَلانِيَةً. وقَدْ قالَ ﷺ: ««زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها»» . وهَذِهِ الأماكِنُ الثَّلاثَةُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِها في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] فَأقْسَمَ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وهو الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي يَنْبُتُ فِيها ذَلِكَ، ومِنها بَعَثَ المَسِيحَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ فِيها الإنْجِيلَ، وأقْسَمَ بِطُورِ سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وناداهُ فِيهِ مِن وادِيهِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وأقْسَمَ بِهَذا البَلَدِ الأمِينِ وهو مَكَّةُ الَّذِي أسْكَنَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ فِيهِ. وهو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا ويَتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِ، وجَعَلَهُ آمِنًا خَلْقًا وأمْرًا قَدَرًا وشَرْعًا. (p-٦١٩٩)ثُمَّ قالَ (ابْنُ تَيْمِيَةَ): فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] إقْسامٌ مِنهُ بِالأمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ المُعَظَّمَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها نُورُهُ وهُداهُ، وأنْزَلَ فِيها كُتُبَهُ الثَّلاثَةَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والقُرْآنَ. كَما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ في التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. ولَمّا كانَ ما في التَّوْراةِ خَبَرًا عَنْها، أخْبَرَ بِها عَلى تَرْتِيبِها الزَّمانِيِّ، فَقَدَّمَ الأسْبَقَ فالأسْبَقَ وأمّا في القُرْآنِ، فَإنَّهُ أقْسَمَ بِها تَعْظِيمًا لِشَأْنِها؛ وذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَخَتَمَها بِأعْلى الدَّرَجاتِ، فَأقْسَمَ أوَّلًا بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، ثُمَّ بِطُورِ سِنِينَ، ثُمَّ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ أشْرَفَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ القُرْآنُ ثُمَّ التَّوْراةُ ثُمَّ الإنْجِيلُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] فَأقْسَمَ بِطَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَأقْسَمَ بِالرِّياحِ الذّارِياتِ ثُمَّ بِالسَّحابِ الحامِلاتِ لِلْمَطَرِ فَإنَّها فَوْقَ الرِّياحِ، ثُمَّ بِالجارِياتِ يُسْرًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّها السُّفُنُ، ولَكِنَّ الأنْسَبَ أنْ تَكُونَ هي الكَواكِبَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦] فَسَمّاها جَوارِيَ كَما سَمّى الفُلْكَ جَوارِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] والكَواكِبُ فَوْقَ السَّحابِ ثُمَّ قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وهي المَلائِكَةُ الَّتِي هي أعْلى دَرَجَةً مِن هَذا كُلِّهِ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "والتِّينِ" يَعْنِي بِهِ شَجَرَةَ (بُوذا) مُؤَسِّسِ الدِّيانَةِ البُوذِيَّةِ، الَّتِي تَحَرَّفَتْ كَثِيرًا عَنْ أصْلِها الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ تَعالِيمَ بُوذا لَمْ تُكْتَبْ في زَمَنِهِ وإنَّما رُوِيَتْ كالأحادِيثِ بِالرِّواياتِ الشَّفَهِيَّةِ، ثُمَّ كُتِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَما ارْتَقى أتْباعُها. ثُمَّ قالَ: والرّاجِحُ عِنْدَنا، بَلِ المُحَقَّقُ إذا صَحَّ تَفْسِيرُنا لِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا صادِقًا (p-٦٢٠٠)ويُسَمّى: (سَكَيامُوتِي)، أوْ (جُوناما)، وكانَ في أوَّلِ أمْرِهِ يَأْوِي إلى شَجَرَةِ تِينٍ عَظِيمَةٍ وتَحْتَها نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وأرْسَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا، فَجاءَهُ الشَّيْطانُ لِيَفْتِنَهُ هُناكَ فَلَمْ يَنْجَحْ مَعَهُ. ولِهَذِهِ الشَّجَرَةِ شُهْرَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ البُوذِيِّينَ، وتُسَمّى عِنْدَهُمُ: (التِّينَةَ المُقَدَّسَةَ)، وبِلُغَتِهِمْ: (أجابالا). قالَ: فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أعْظَمَ أدْيانِ البَشَرِ الأرْبَعَةِ المُوحاةِ مِنهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ ونَفْعِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فالقَسَمُ فِيها كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى آخِرِ السُّورَةِ. قالَ: ولا يَزالُ أهْلُ الأدْيانِ الأرْبَعَةِ هم أعْظَمُ أُمَمِ الأرْضِ وأكْثَرُهم عَدَدًا وأرْقاهم. والتَّرْتِيبُ في ذِكْرِها في الآيَةِ هو بِاعْتِبارِ دَرَجَةِ صِحَّتِها بِالنِّسْبَةِ لِأُصُولِها الأُولى، فَبَدَأ تَعالى بِالقَسَمِ بِالبُوذِيَّةِ لِأنَّها أقَلُّ دَرَجَةً في الصِّحَّةِ وأشَدُّ الأدْيانِ تَحْرِيفًا عَنْ أصْلِها، كَما يَبْدَأُ الإنْسانُ بِالقَسَمِ بِالشَّيْءِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ يَرْتَقِي لِلتَّأْكِيدِ إلى ما هو أعْلى، ثُمَّ النَّصْرانِيَّةِ وهي أقَلُّ مِنَ البُوذِيَّةِ تَحْرِيفًا، ثُمَّ اليَهُودِيَّةُ وهو أصَحُّ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، ثُمَّ الإسْلامِيَّةُ وهو أصَحُّها جَمِيعًا وأبْعَدُها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، بَلْ إنَّ أُصُولَها: الكِتابُ والسُّنَّةُ العَمَلِيَّةُ المُتَواتِرَةُ، لَمْ يَقَعْ فِيها تَحْرِيفٌ مُطْلَقًا. ومِن مَحاسِنِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ غَيْرُ ذَلِكَ، ذَكَرَ دِينَيِ الفَضْلِ: (البُوذِيَّةَ والمَسِيحِيَّةَ) أوَّلًا، ثُمَّ دِينَيِ العَدْلِ: (اليَهُودِيَّةَ والإسْلامِيَّةَ) ثانِيًا؛ لِلْإشارَةِ إلى الحِكْمَةِ بِتَرْبِيَةِ الفَضْلِ والمُسامَحَةِ مَعَ النّاسِ أوَّلًا. ثُمَّ تَرْبِيَةِ الشِّدَّةِ والعَدْلِ. وكَذَلِكَ بَدَأ الإسْلامُ بِاللِّينِ والعَفْوِ ثُمَّ بِالشِّدَّةِ والعِقابِ. ولا يَخْفى عَلى الباحِثِينَ التَّشابُهُ العَظِيمُ بَيْنَ بُوذا وعِيسى ودِينِهِما، وكَذَلِكَ التَّشابُهُ بَيْنَ مُوسى ومُحَمَّدٍ ودِينِهِما؛ فَلِذا جُمِعَ الأوَّلانِ مَعًا والآخَرانِ كَذَلِكَ، وقَدَّمَ البُوذِيَّةَ عَلى المَسِيحِيَّةِ لِقِدَمِ الأُولى، كَما قَدَّمَ المُوسَوِيَّةَ عَلى المُحَمَّدِيَّةِ لِهَذا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ. ومِن مَحاسِنِ الآيَةِ أيْضًا الرَّمْزُ والإشارَةُ إلى دِينَيِ الرَّحْمَةِ بِالفاكِهَةِ والثَّمَرَةِ، وإلى دِينَيِ العَدْلِ بِالجَبَلِ والبَلْدَةِ الجَبَلِيَّةِ: مَكَّةَ، وهي البَلَدُ الأمِينُ. ومِنَ التَّناسُبِ البَدِيعِ بَيْنَ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ يَنْبُتانِ كَثِيرًا في أوْدِيَةِ الجِبالِ، كَما في جَبَلِ الزَّيْتُونِ بِالشّامِ وطُورِ سَيْناءَ، وهُما مَشْهُورانِ بِها. (p-٦٢٠١)فَهَذِهِ الآيَةُ قَسَمٌ بِأوَّلِ مَهابِطِ الوَحْيِ، وأكْرَمِ أماكِنِ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى أنْبِيائِهِ الأرْبَعَةِ، الَّذِينَ بَقِيَتْ شَرائِعُهم لِلْآنِ، وأرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِهِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ خَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. انْتَهى بِحُرُوفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. لَطِيفَةٌ: لَمْ يَنْصَرِفْ "سِينِينَ" كَما لا يَنْصَرِفُ (سَيْناءُ)؛ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ أوِ الأرْضِ، فَهو عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ. ولَوْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَكانِ أوِ المَنزِلِ أوِ اسْمًا لِمُذَكَّرٍ لانْصَرَفَ، لِأنَّكَ سَمَّيْتَ بِهِ مُذَكَّرًا. وقَرَأ العامَّةُ: (سِينِينَ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ بِفَتْحِها، وآخَرُونَ: (سَيْناءُ) بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَمْدُودًا. قالَ السَّمِينُ: وهَذِهِ لُغاتٌ اخْتَلَفَتْ في هَذا الِاسْمِ السُّرْيانِيِّ، عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَلاعُبِها بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.

التين 95:2

(p-٦١٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ: مَدَنِيَّةٌ. وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا البَلَدِ﴾ [التين: ٣] وآيُها ثَمانٍ. رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في سَفَرِهِ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ. فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ». أخْرَجَهُ الجَماعَةُ. (p-٦١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ البَلَدَ الأمِينَ مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ، الآمِنُ أهْلُها أنْ يُحارَبُوا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وأمّا المُقْسَماتُ بِها قَبْلُ، فَفِيها أقْوالٌ لِلسَّلَفِ لِاحْتِمالِ مَوادِّها لِكُلٍّ مِنها، فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما أنَّ (التِّينَ) الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونَ) الَّذِي يُعْصَرُ. قالُوا: وخَصَّهُما لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِما وعِظَمِ مَنافِعِهِما. وعَنْ قَتادَةَ (التِّينُ) الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، و(الزَّيْتُونُ) الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ كَعْبٍ وابْنِ زَيْدٍ: (التِّينُ) مَسْجِدُ دِمَشْقَ و(الزَّيْتُونُ) بَيْتُ المَقْدِسِ. فَظَهَرَ أنَّهُما الشَّجَرانِ المَعْلُومانِ أوْ جَبَلانِ أوْ مَسْجِدانِ. وصَوَّبَ ابْنُ جَرِيرٍ الأوَّلَ مِنها، وعِبارَتُهُ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَنا، قَوْلُ مَن قالَ (التِّينُ): هو التِّينُ الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونُ) هُوَ: الزَّيْتُونُ الَّذِي يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ. ولا يُعْرَفُ جَبَلٌ يُسَمّى تِينًا ولا جَبَلٌ يُقالُ لَهُ: زَيْتُونٌ، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: أقْسَمَ رَبُّنا جَلَّ ثَناؤُهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، والمُرادُ مِنَ الكَلامِ، القَسَمُ بِمَنابِتِ التِّينِ ومَنابِتِ الزَّيْتُونِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبًا وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ كَذَلِكَ، دَلالَةٌ في ظاهِرِ التَّنْزِيلِ ولا مِن قَوْلِ مَن لا يُجَوِّزُ خِلافَهُ، لِأنَّ دِمَشْقَ بِها مَنابِتُ (p-٦١٩٦)التِّينِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ مَنابِتُ الزَّيْتُونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ. كَيْفَ وجَبَلُ الزَّيْتُونِ هو مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ، مَعْرُوفٌ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ والمُؤَلِّفِينَ في تَقْوِيمِ البِلادِ. قالَ صاحِبُ (الذَّخِيرَةِ) في تَعْدادِ جِبالِ فِلَسْطِينَ: ويَتَّصِلُ بِجِبالِ إسْرائِيلَ جَبَلُ الزَّيْتُونِ. قالَ: وقَدْ دُعِيَ كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الزَّيْتُونِ فِيهِ، وهو قَرِيبُ المَسافَةِ مِن أُورَشَلِيمَ، وفِيهِ صَعِدَ المَسِيحُ لِكَيْ يَرْتَفِعَ إلى السَّماءِ. انْتَهى. ويُسَمّى أيْضًا طَوْرَ زِيتا إلى الآنِ، عَلى أنَّ فِيما صَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، تَبْقى المُناسَبَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ طُورِ سِنِينَ والبَلَدِ الأمِينِ وحِكْمَةِ جَمْعِهِما مَعَهُما في نَسَقٍ واحِدٍ- غَيْرَ مَفْهُومَةٍ، كَما قالَهُ الإمامُ. فالأرْجَحُ أنَّهُما مَوْضِعانِ أوْ مَوْضِعٌ واحِدٌ مُعَظَّمٌ، ويَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ ثَلاثَةَ مَواضِعَ مُقَدَّسَةٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: هَذِهِ مَحالٌّ ثَلاثَةٌ بَعَثَ اللَّهُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها نَبِيًّا مُرْسَلًا مِن أُولِي العَزْمِ أصْحابِ الشَّرائِعِ الكِبارِ: فالأوَّلُ: مَحَلُّ التِّينِ والزَّيْتُونِ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والثّانِي: طُورُ سِينِينَ، وهو طُورُ سَيْناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ. والثّالِثُ: مَكَّةُ وهو البَلَدُ الأمِينُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وهو الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وفي التَّوْراةِ ذَكَرَ هَذِهِ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ: يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى. وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ: يَعْنِي جَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ عَنْهُ عِيسى. واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ: يَعْنِي جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ مِنها مُحَمَّدًا ﷺ. فَذَكَرَهم مُخْبِرًا عَنْهم عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الزَّمانِ. ولِهَذا أقْسَمَ بِالأشْرَفِ، ثُمَّ الأشْرَفِ مِنهُ، ثُمَّ بِالأشْرَفِ مِنهُما. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. ومُرادُهُ بِبَعْضِ الأئِمَّةِ، شَيْخُ الإسْلامِ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِهِ (الجَوابُ الصَّحِيحُ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ) ونَحْنُ نَنْقُلُها زِيادَةً في إيضاحِ المَقامِ، واهْتِمامًا بِتَحْقِيقِهِ، (p-٦١٩٧)قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (فَصْلُ شَهادَةِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِنُبُوَّتِهِ): وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ في التَّوْراةِ ما قَدْ تُرْجِمَ بِالعَرَبِيَّةِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ. وبَعْضُهم يَقُولُ في التَّرْجَمَةِ: تَجَلّى اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ –(واللَّفْظُ لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ )-: لَيْسَ بِهَذا خَفاءٌ عَلى مَن تَدَبَّرَهُ، ولا غُمُوضٌ؛ لِأنَّ مَجِيءَ اللَّهِ مِن طُورِ سَيْناءَ، إنْزالُهُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، كالَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَنا. وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ، إنْزالَهُ عَلى المَسِيحِ الإنْجِيلَ. وكانَ المَسِيحُ مِن ساعِيرَ أرْضِ الجَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ، وبِاسْمِها تَسَمّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصارى. وكَما وجَبَ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ بِالمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْلانُهُ مِن جِبالِ فارانَ، إنْزالَهُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في جِبالِ فارانَ، وهي جِبالُ مَكَّةَ. قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ خِلافٌ في أنَّ فارانَ هي مَكَّةُ. فَإنِ ادَّعَوْا أنَّها غَيْرُ مَكَّةَ -ولَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمْ وإفْكِهِمْ- قُلْنا ألَيْسَ في التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ أسْكَنَ هاجَرَ وإسْماعِيلَ فارانَ؟ وقُلْنا: دُلُّونا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنهُ واسْمُهُ فارانَ، والنَّبِيُّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا بَعْدَ المَسِيحِ، أوَلَيْسَ اسْتَعْلَنَ وعَلَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ وهُما: ظَهَرَ وانْكَشَفَ. فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الإسْلامِ وفَشا في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فُشُوَّهَ؟ وقالَ أبُو هاشِمِ بْنُ طَفَرَ: ساعِيرُ جَبَلٌ بِالشّامِ، مِنهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. قُلْتُ: وبِجانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ -القَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها المَسِيحِ- قَرْيَةٌ تُسَمّى إلى اليَوْمِ ساعِيرَ. ولَها جِبالٌ تُسَمّى جِبالَ ساعِيرَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ الثَّلاثَةِ الجِبالِ: جَبَلِ حِراءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أعْلى مِنهُ، وفِيهِ كانَ أوَّلُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وحَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ جِبالٌ كَثِيرَةٌ. وذَلِكَ المَكانُ يُسَمّى فارانَ إلى هَذا اليَوْمِ. وفِيهِ كانَ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. والبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وطُورِ سِينا تُسَمّى بَرِّيَّةَ فارانَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ بَعْدَ المَسِيحِ نَزَلَ كِتابٌ (p-٦١٩٨)فِي شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأرْضِ ولا بُعِثَ نَبِيٌّ؛ فَعَلِمَ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِعْلانِهِ مِن جِبالِ فارانَ، إلّا إرْسالَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وهو سُبْحانَهُ ذَكَرَ هَذا في التَّوْراةِ عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ فَذَكَرَ إنْزالَ التَّوْراةِ ثُمَّ الإنْجِيلِ ثُمَّ القُرْآنِ، وهَذِهِ الكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وهُداهُ، وقالَ في الأوَّلِ: جاءَ أوْ ظَهَرَ. وفي الثّانِي: أشْرَقَ. وفي الثّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وكانَ مَجِيءُ التَّوْراةِ مِثْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أوْ ما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ. ونُزُولُ الإنْجِيلِ مِثْلُ إشْراقِ الشَّمْسِ زادَ بِهِ النُّورُ والهُدى. وأمّا نُزُولُ القُرْآنِ فَهو بِمَنزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ في السَّماءِ. ولِهَذا قالَ: واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ الشَّمْسِ إذا اسْتَعْلَنَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ سِراجًا مُنِيرًا، وسَمّى الشَّمْسَ سِراجًا وهّاجًا، والخَلْقُ مُحْتاجُونَ إلى السِّراجِ المُنِيرِ، أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى السِّراجِ الوَهّاجِ، فَإنَّ الوَهّاجَ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، بَلْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ بَعْضَ الأوْقاتِ. وأمّا السِّراجُ المُنِيرُ فَيَحْتاجُونَ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وكُلِّ مَكانٍ، لَيْلًا ونَهارًا، سِرًّا وعَلانِيَةً. وقَدْ قالَ ﷺ: ««زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها»» . وهَذِهِ الأماكِنُ الثَّلاثَةُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِها في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] فَأقْسَمَ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وهو الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي يَنْبُتُ فِيها ذَلِكَ، ومِنها بَعَثَ المَسِيحَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ فِيها الإنْجِيلَ، وأقْسَمَ بِطُورِ سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وناداهُ فِيهِ مِن وادِيهِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وأقْسَمَ بِهَذا البَلَدِ الأمِينِ وهو مَكَّةُ الَّذِي أسْكَنَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ فِيهِ. وهو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا ويَتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِ، وجَعَلَهُ آمِنًا خَلْقًا وأمْرًا قَدَرًا وشَرْعًا. (p-٦١٩٩)ثُمَّ قالَ (ابْنُ تَيْمِيَةَ): فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] إقْسامٌ مِنهُ بِالأمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ المُعَظَّمَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها نُورُهُ وهُداهُ، وأنْزَلَ فِيها كُتُبَهُ الثَّلاثَةَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والقُرْآنَ. كَما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ في التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. ولَمّا كانَ ما في التَّوْراةِ خَبَرًا عَنْها، أخْبَرَ بِها عَلى تَرْتِيبِها الزَّمانِيِّ، فَقَدَّمَ الأسْبَقَ فالأسْبَقَ وأمّا في القُرْآنِ، فَإنَّهُ أقْسَمَ بِها تَعْظِيمًا لِشَأْنِها؛ وذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَخَتَمَها بِأعْلى الدَّرَجاتِ، فَأقْسَمَ أوَّلًا بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، ثُمَّ بِطُورِ سِنِينَ، ثُمَّ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ أشْرَفَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ القُرْآنُ ثُمَّ التَّوْراةُ ثُمَّ الإنْجِيلُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] فَأقْسَمَ بِطَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَأقْسَمَ بِالرِّياحِ الذّارِياتِ ثُمَّ بِالسَّحابِ الحامِلاتِ لِلْمَطَرِ فَإنَّها فَوْقَ الرِّياحِ، ثُمَّ بِالجارِياتِ يُسْرًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّها السُّفُنُ، ولَكِنَّ الأنْسَبَ أنْ تَكُونَ هي الكَواكِبَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦] فَسَمّاها جَوارِيَ كَما سَمّى الفُلْكَ جَوارِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] والكَواكِبُ فَوْقَ السَّحابِ ثُمَّ قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وهي المَلائِكَةُ الَّتِي هي أعْلى دَرَجَةً مِن هَذا كُلِّهِ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "والتِّينِ" يَعْنِي بِهِ شَجَرَةَ (بُوذا) مُؤَسِّسِ الدِّيانَةِ البُوذِيَّةِ، الَّتِي تَحَرَّفَتْ كَثِيرًا عَنْ أصْلِها الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ تَعالِيمَ بُوذا لَمْ تُكْتَبْ في زَمَنِهِ وإنَّما رُوِيَتْ كالأحادِيثِ بِالرِّواياتِ الشَّفَهِيَّةِ، ثُمَّ كُتِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَما ارْتَقى أتْباعُها. ثُمَّ قالَ: والرّاجِحُ عِنْدَنا، بَلِ المُحَقَّقُ إذا صَحَّ تَفْسِيرُنا لِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا صادِقًا (p-٦٢٠٠)ويُسَمّى: (سَكَيامُوتِي)، أوْ (جُوناما)، وكانَ في أوَّلِ أمْرِهِ يَأْوِي إلى شَجَرَةِ تِينٍ عَظِيمَةٍ وتَحْتَها نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وأرْسَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا، فَجاءَهُ الشَّيْطانُ لِيَفْتِنَهُ هُناكَ فَلَمْ يَنْجَحْ مَعَهُ. ولِهَذِهِ الشَّجَرَةِ شُهْرَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ البُوذِيِّينَ، وتُسَمّى عِنْدَهُمُ: (التِّينَةَ المُقَدَّسَةَ)، وبِلُغَتِهِمْ: (أجابالا). قالَ: فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أعْظَمَ أدْيانِ البَشَرِ الأرْبَعَةِ المُوحاةِ مِنهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ ونَفْعِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فالقَسَمُ فِيها كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى آخِرِ السُّورَةِ. قالَ: ولا يَزالُ أهْلُ الأدْيانِ الأرْبَعَةِ هم أعْظَمُ أُمَمِ الأرْضِ وأكْثَرُهم عَدَدًا وأرْقاهم. والتَّرْتِيبُ في ذِكْرِها في الآيَةِ هو بِاعْتِبارِ دَرَجَةِ صِحَّتِها بِالنِّسْبَةِ لِأُصُولِها الأُولى، فَبَدَأ تَعالى بِالقَسَمِ بِالبُوذِيَّةِ لِأنَّها أقَلُّ دَرَجَةً في الصِّحَّةِ وأشَدُّ الأدْيانِ تَحْرِيفًا عَنْ أصْلِها، كَما يَبْدَأُ الإنْسانُ بِالقَسَمِ بِالشَّيْءِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ يَرْتَقِي لِلتَّأْكِيدِ إلى ما هو أعْلى، ثُمَّ النَّصْرانِيَّةِ وهي أقَلُّ مِنَ البُوذِيَّةِ تَحْرِيفًا، ثُمَّ اليَهُودِيَّةُ وهو أصَحُّ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، ثُمَّ الإسْلامِيَّةُ وهو أصَحُّها جَمِيعًا وأبْعَدُها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، بَلْ إنَّ أُصُولَها: الكِتابُ والسُّنَّةُ العَمَلِيَّةُ المُتَواتِرَةُ، لَمْ يَقَعْ فِيها تَحْرِيفٌ مُطْلَقًا. ومِن مَحاسِنِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ غَيْرُ ذَلِكَ، ذَكَرَ دِينَيِ الفَضْلِ: (البُوذِيَّةَ والمَسِيحِيَّةَ) أوَّلًا، ثُمَّ دِينَيِ العَدْلِ: (اليَهُودِيَّةَ والإسْلامِيَّةَ) ثانِيًا؛ لِلْإشارَةِ إلى الحِكْمَةِ بِتَرْبِيَةِ الفَضْلِ والمُسامَحَةِ مَعَ النّاسِ أوَّلًا. ثُمَّ تَرْبِيَةِ الشِّدَّةِ والعَدْلِ. وكَذَلِكَ بَدَأ الإسْلامُ بِاللِّينِ والعَفْوِ ثُمَّ بِالشِّدَّةِ والعِقابِ. ولا يَخْفى عَلى الباحِثِينَ التَّشابُهُ العَظِيمُ بَيْنَ بُوذا وعِيسى ودِينِهِما، وكَذَلِكَ التَّشابُهُ بَيْنَ مُوسى ومُحَمَّدٍ ودِينِهِما؛ فَلِذا جُمِعَ الأوَّلانِ مَعًا والآخَرانِ كَذَلِكَ، وقَدَّمَ البُوذِيَّةَ عَلى المَسِيحِيَّةِ لِقِدَمِ الأُولى، كَما قَدَّمَ المُوسَوِيَّةَ عَلى المُحَمَّدِيَّةِ لِهَذا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ. ومِن مَحاسِنِ الآيَةِ أيْضًا الرَّمْزُ والإشارَةُ إلى دِينَيِ الرَّحْمَةِ بِالفاكِهَةِ والثَّمَرَةِ، وإلى دِينَيِ العَدْلِ بِالجَبَلِ والبَلْدَةِ الجَبَلِيَّةِ: مَكَّةَ، وهي البَلَدُ الأمِينُ. ومِنَ التَّناسُبِ البَدِيعِ بَيْنَ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ يَنْبُتانِ كَثِيرًا في أوْدِيَةِ الجِبالِ، كَما في جَبَلِ الزَّيْتُونِ بِالشّامِ وطُورِ سَيْناءَ، وهُما مَشْهُورانِ بِها. (p-٦٢٠١)فَهَذِهِ الآيَةُ قَسَمٌ بِأوَّلِ مَهابِطِ الوَحْيِ، وأكْرَمِ أماكِنِ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى أنْبِيائِهِ الأرْبَعَةِ، الَّذِينَ بَقِيَتْ شَرائِعُهم لِلْآنِ، وأرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِهِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ خَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. انْتَهى بِحُرُوفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. لَطِيفَةٌ: لَمْ يَنْصَرِفْ "سِينِينَ" كَما لا يَنْصَرِفُ (سَيْناءُ)؛ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ أوِ الأرْضِ، فَهو عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ. ولَوْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَكانِ أوِ المَنزِلِ أوِ اسْمًا لِمُذَكَّرٍ لانْصَرَفَ، لِأنَّكَ سَمَّيْتَ بِهِ مُذَكَّرًا. وقَرَأ العامَّةُ: (سِينِينَ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ بِفَتْحِها، وآخَرُونَ: (سَيْناءُ) بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَمْدُودًا. قالَ السَّمِينُ: وهَذِهِ لُغاتٌ اخْتَلَفَتْ في هَذا الِاسْمِ السُّرْيانِيِّ، عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَلاعُبِها بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.

التين 95:3

(p-٦١٩٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ التِّينِ مَكِّيَّةٌ، ويُقالُ: مَدَنِيَّةٌ. وأُيِّدَ الأوَّلُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهَذا البَلَدِ﴾ [التين: ٣] وآيُها ثَمانٍ. رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في سَفَرِهِ في إحْدى الرَّكْعَتَيْنِ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ. فَما سَمِعْتُ أحَدًا أحْسَنَ صَوْتًا أوْ قِراءَةً مِنهُ». أخْرَجَهُ الجَماعَةُ. (p-٦١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ١ - ٣ ] ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ لَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ البَلَدَ الأمِينَ مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ، الآمِنُ أهْلُها أنْ يُحارَبُوا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وأمّا المُقْسَماتُ بِها قَبْلُ، فَفِيها أقْوالٌ لِلسَّلَفِ لِاحْتِمالِ مَوادِّها لِكُلٍّ مِنها، فَعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ وغَيْرِهِما أنَّ (التِّينَ) الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونَ) الَّذِي يُعْصَرُ. قالُوا: وخَصَّهُما لِكَثْرَةِ فَوائِدِهِما وعِظَمِ مَنافِعِهِما. وعَنْ قَتادَةَ (التِّينُ) الجَبَلُ الَّذِي عَلَيْهِ دِمَشْقُ، و(الزَّيْتُونُ) الَّذِي عَلَيْهِ بَيْتُ المَقْدِسِ. وعَنْ كَعْبٍ وابْنِ زَيْدٍ: (التِّينُ) مَسْجِدُ دِمَشْقَ و(الزَّيْتُونُ) بَيْتُ المَقْدِسِ. فَظَهَرَ أنَّهُما الشَّجَرانِ المَعْلُومانِ أوْ جَبَلانِ أوْ مَسْجِدانِ. وصَوَّبَ ابْنُ جَرِيرٍ الأوَّلَ مِنها، وعِبارَتُهُ: والصَّوابُ مِنَ القَوْلِ في ذَلِكَ عِنْدَنا، قَوْلُ مَن قالَ (التِّينُ): هو التِّينُ الَّذِي يُؤْكَلُ، و(الزَّيْتُونُ) هُوَ: الزَّيْتُونُ الَّذِي يُعْصَرُ مِنهُ الزَّيْتُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ. ولا يُعْرَفُ جَبَلٌ يُسَمّى تِينًا ولا جَبَلٌ يُقالُ لَهُ: زَيْتُونٌ، إلّا أنْ يَقُولَ قائِلٌ: أقْسَمَ رَبُّنا جَلَّ ثَناؤُهُ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، والمُرادُ مِنَ الكَلامِ، القَسَمُ بِمَنابِتِ التِّينِ ومَنابِتِ الزَّيْتُونِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَذْهَبًا وإنْ لَمْ يَكُنْ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّهُ كَذَلِكَ، دَلالَةٌ في ظاهِرِ التَّنْزِيلِ ولا مِن قَوْلِ مَن لا يُجَوِّزُ خِلافَهُ، لِأنَّ دِمَشْقَ بِها مَنابِتُ (p-٦١٩٦)التِّينِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ مَنابِتُ الزَّيْتُونِ. انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّ مَن حَفِظَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَحْفَظْ. كَيْفَ وجَبَلُ الزَّيْتُونِ هو مِن جِبالِ فِلَسْطِينَ، مَعْرُوفٌ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ والمُؤَلِّفِينَ في تَقْوِيمِ البِلادِ. قالَ صاحِبُ (الذَّخِيرَةِ) في تَعْدادِ جِبالِ فِلَسْطِينَ: ويَتَّصِلُ بِجِبالِ إسْرائِيلَ جَبَلُ الزَّيْتُونِ. قالَ: وقَدْ دُعِيَ كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الزَّيْتُونِ فِيهِ، وهو قَرِيبُ المَسافَةِ مِن أُورَشَلِيمَ، وفِيهِ صَعِدَ المَسِيحُ لِكَيْ يَرْتَفِعَ إلى السَّماءِ. انْتَهى. ويُسَمّى أيْضًا طَوْرَ زِيتا إلى الآنِ، عَلى أنَّ فِيما صَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، تَبْقى المُناسَبَةُ بَيْنَهُما وبَيْنَ طُورِ سِنِينَ والبَلَدِ الأمِينِ وحِكْمَةِ جَمْعِهِما مَعَهُما في نَسَقٍ واحِدٍ- غَيْرَ مَفْهُومَةٍ، كَما قالَهُ الإمامُ. فالأرْجَحُ أنَّهُما مَوْضِعانِ أوْ مَوْضِعٌ واحِدٌ مُعَظَّمٌ، ويَكُونُ المُقْسَمُ بِهِ ثَلاثَةَ مَواضِعَ مُقَدَّسَةٍ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ بَعْضُ الأئِمَّةِ: هَذِهِ مَحالٌّ ثَلاثَةٌ بَعَثَ اللَّهُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنها نَبِيًّا مُرْسَلًا مِن أُولِي العَزْمِ أصْحابِ الشَّرائِعِ الكِبارِ: فالأوَّلُ: مَحَلُّ التِّينِ والزَّيْتُونِ وهو بَيْتُ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والثّانِي: طُورُ سِينِينَ، وهو طُورُ سَيْناءَ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ. والثّالِثُ: مَكَّةُ وهو البَلَدُ الأمِينُ الَّذِي مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وهو الَّذِي أُرْسِلَ فِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وفي التَّوْراةِ ذَكَرَ هَذِهِ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ: يَعْنِي الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى. وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ: يَعْنِي جَبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ عَنْهُ عِيسى. واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ: يَعْنِي جِبالَ مَكَّةَ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ مِنها مُحَمَّدًا ﷺ. فَذَكَرَهم مُخْبِرًا عَنْهم عَلى التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ بِحَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الزَّمانِ. ولِهَذا أقْسَمَ بِالأشْرَفِ، ثُمَّ الأشْرَفِ مِنهُ، ثُمَّ بِالأشْرَفِ مِنهُما. انْتَهى كَلامُ ابْنِ كَثِيرٍ. ومُرادُهُ بِبَعْضِ الأئِمَّةِ، شَيْخُ الإسْلامِ الإمامُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ والرِّضْوانُ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ في كِتابِهِ (الجَوابُ الصَّحِيحُ لِمَن بَدَّلَ دِينَ المَسِيحِ) ونَحْنُ نَنْقُلُها زِيادَةً في إيضاحِ المَقامِ، واهْتِمامًا بِتَحْقِيقِهِ، (p-٦١٩٧)قالَ رَحِمَهُ اللَّهُ (فَصْلُ شَهادَةِ الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ بِنُبُوَّتِهِ): وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ في التَّوْراةِ ما قَدْ تُرْجِمَ بِالعَرَبِيَّةِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ. وبَعْضُهم يَقُولُ في التَّرْجَمَةِ: تَجَلّى اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. قالَ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ –(واللَّفْظُ لِأبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ )-: لَيْسَ بِهَذا خَفاءٌ عَلى مَن تَدَبَّرَهُ، ولا غُمُوضٌ؛ لِأنَّ مَجِيءَ اللَّهِ مِن طُورِ سَيْناءَ، إنْزالُهُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، كالَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَنا. وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ، إنْزالَهُ عَلى المَسِيحِ الإنْجِيلَ. وكانَ المَسِيحُ مِن ساعِيرَ أرْضِ الجَلِيلِ بِقَرْيَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ، وبِاسْمِها تَسَمّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصارى. وكَما وجَبَ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ بِالمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْلانُهُ مِن جِبالِ فارانَ، إنْزالَهُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ في جِبالِ فارانَ، وهي جِبالُ مَكَّةَ. قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ خِلافٌ في أنَّ فارانَ هي مَكَّةُ. فَإنِ ادَّعَوْا أنَّها غَيْرُ مَكَّةَ -ولَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمْ وإفْكِهِمْ- قُلْنا ألَيْسَ في التَّوْراةِ أنَّ إبْراهِيمَ أسْكَنَ هاجَرَ وإسْماعِيلَ فارانَ؟ وقُلْنا: دُلُّونا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنهُ واسْمُهُ فارانَ، والنَّبِيُّ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا بَعْدَ المَسِيحِ، أوَلَيْسَ اسْتَعْلَنَ وعَلَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ وهُما: ظَهَرَ وانْكَشَفَ. فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الإسْلامِ وفَشا في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فُشُوَّهَ؟ وقالَ أبُو هاشِمِ بْنُ طَفَرَ: ساعِيرُ جَبَلٌ بِالشّامِ، مِنهُ ظَهَرَتْ نُبُوَّةُ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ. قُلْتُ: وبِجانِبِ بَيْتِ لَحْمٍ -القَرْيَةِ الَّتِي وُلِدَ فِيها المَسِيحِ- قَرْيَةٌ تُسَمّى إلى اليَوْمِ ساعِيرَ. ولَها جِبالٌ تُسَمّى جِبالَ ساعِيرَ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ ذِكْرُ الثَّلاثَةِ الجِبالِ: جَبَلِ حِراءَ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ جَبَلٌ أعْلى مِنهُ، وفِيهِ كانَ أوَّلُ نُزُولِ الوَحْيِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وحَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ جِبالٌ كَثِيرَةٌ. وذَلِكَ المَكانُ يُسَمّى فارانَ إلى هَذا اليَوْمِ. وفِيهِ كانَ ابْتِداءُ نُزُولِ القُرْآنِ. والبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وطُورِ سِينا تُسَمّى بَرِّيَّةَ فارانَ، ولا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ بَعْدَ المَسِيحِ نَزَلَ كِتابٌ (p-٦١٩٨)فِي شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأرْضِ ولا بُعِثَ نَبِيٌّ؛ فَعَلِمَ أنْ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِعْلانِهِ مِن جِبالِ فارانَ، إلّا إرْسالَ مُحَمَّدٍ ﷺ. وهو سُبْحانَهُ ذَكَرَ هَذا في التَّوْراةِ عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ فَذَكَرَ إنْزالَ التَّوْراةِ ثُمَّ الإنْجِيلِ ثُمَّ القُرْآنِ، وهَذِهِ الكُتُبُ نُورُ اللَّهِ وهُداهُ، وقالَ في الأوَّلِ: جاءَ أوْ ظَهَرَ. وفي الثّانِي: أشْرَقَ. وفي الثّالِثِ: اسْتَعْلَنَ. وكانَ مَجِيءُ التَّوْراةِ مِثْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أوْ ما هو أظْهَرُ مِن ذَلِكَ. ونُزُولُ الإنْجِيلِ مِثْلُ إشْراقِ الشَّمْسِ زادَ بِهِ النُّورُ والهُدى. وأمّا نُزُولُ القُرْآنِ فَهو بِمَنزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ في السَّماءِ. ولِهَذا قالَ: واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ الشَّمْسِ إذا اسْتَعْلَنَتْ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها؛ ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ سِراجًا مُنِيرًا، وسَمّى الشَّمْسَ سِراجًا وهّاجًا، والخَلْقُ مُحْتاجُونَ إلى السِّراجِ المُنِيرِ، أعْظَمُ مِن حاجَتِهِمْ إلى السِّراجِ الوَهّاجِ، فَإنَّ الوَهّاجَ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، بَلْ قَدْ يَتَضَرَّرُونَ بِهِ بَعْضَ الأوْقاتِ. وأمّا السِّراجُ المُنِيرُ فَيَحْتاجُونَ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وكُلِّ مَكانٍ، لَيْلًا ونَهارًا، سِرًّا وعَلانِيَةً. وقَدْ قالَ ﷺ: ««زُوِيَتْ لِيَ الأرْضُ فَرَأيْتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي ما زُوِيَ لِي مِنها»» . وهَذِهِ الأماكِنُ الثَّلاثَةُ، أقْسَمَ اللَّهُ بِها في القُرْآنِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] فَأقْسَمَ بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وهو الأرْضُ المُقَدَّسَةُ الَّتِي يَنْبُتُ فِيها ذَلِكَ، ومِنها بَعَثَ المَسِيحَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ فِيها الإنْجِيلَ، وأقْسَمَ بِطُورِ سَيْناءَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وناداهُ فِيهِ مِن وادِيهِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وأقْسَمَ بِهَذا البَلَدِ الأمِينِ وهو مَكَّةُ الَّذِي أسْكَنَ إبْراهِيمُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ هاجَرَ فِيهِ. وهو الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَرَمًا آمِنًا ويَتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِ، وجَعَلَهُ آمِنًا خَلْقًا وأمْرًا قَدَرًا وشَرْعًا. (p-٦١٩٩)ثُمَّ قالَ (ابْنُ تَيْمِيَةَ): فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢] ﴿وهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] إقْسامٌ مِنهُ بِالأمْكِنَةِ الشَّرِيفَةِ المُعَظَّمَةِ الثَّلاثَةِ الَّتِي ظَهَرَ فِيها نُورُهُ وهُداهُ، وأنْزَلَ فِيها كُتُبَهُ الثَّلاثَةَ: التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والقُرْآنَ. كَما ذَكَرَ الثَّلاثَةَ في التَّوْراةِ بِقَوْلِهِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ. ولَمّا كانَ ما في التَّوْراةِ خَبَرًا عَنْها، أخْبَرَ بِها عَلى تَرْتِيبِها الزَّمانِيِّ، فَقَدَّمَ الأسْبَقَ فالأسْبَقَ وأمّا في القُرْآنِ، فَإنَّهُ أقْسَمَ بِها تَعْظِيمًا لِشَأْنِها؛ وذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَخَتَمَها بِأعْلى الدَّرَجاتِ، فَأقْسَمَ أوَّلًا بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، ثُمَّ بِطُورِ سِنِينَ، ثُمَّ بِمَكَّةَ؛ لِأنَّ أشْرَفَ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ القُرْآنُ ثُمَّ التَّوْراةُ ثُمَّ الإنْجِيلُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢] ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣] ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] فَأقْسَمَ بِطَبَقاتِ المَخْلُوقاتِ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، فَأقْسَمَ بِالرِّياحِ الذّارِياتِ ثُمَّ بِالسَّحابِ الحامِلاتِ لِلْمَطَرِ فَإنَّها فَوْقَ الرِّياحِ، ثُمَّ بِالجارِياتِ يُسْرًا، وقَدْ قِيلَ: إنَّها السُّفُنُ، ولَكِنَّ الأنْسَبَ أنْ تَكُونَ هي الكَواكِبَ المَذْكُورَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥] ﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٦] فَسَمّاها جَوارِيَ كَما سَمّى الفُلْكَ جَوارِيَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] والكَواكِبُ فَوْقَ السَّحابِ ثُمَّ قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] وهي المَلائِكَةُ الَّتِي هي أعْلى دَرَجَةً مِن هَذا كُلِّهِ. واسْتَظْهَرَ بَعْضُ المُعاصِرِينَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "والتِّينِ" يَعْنِي بِهِ شَجَرَةَ (بُوذا) مُؤَسِّسِ الدِّيانَةِ البُوذِيَّةِ، الَّتِي تَحَرَّفَتْ كَثِيرًا عَنْ أصْلِها الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ تَعالِيمَ بُوذا لَمْ تُكْتَبْ في زَمَنِهِ وإنَّما رُوِيَتْ كالأحادِيثِ بِالرِّواياتِ الشَّفَهِيَّةِ، ثُمَّ كُتِبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَما ارْتَقى أتْباعُها. ثُمَّ قالَ: والرّاجِحُ عِنْدَنا، بَلِ المُحَقَّقُ إذا صَحَّ تَفْسِيرُنا لِهَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ كانَ نَبِيًّا صادِقًا (p-٦٢٠٠)ويُسَمّى: (سَكَيامُوتِي)، أوْ (جُوناما)، وكانَ في أوَّلِ أمْرِهِ يَأْوِي إلى شَجَرَةِ تِينٍ عَظِيمَةٍ وتَحْتَها نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، وأرْسَلَهُ اللَّهُ رَسُولًا، فَجاءَهُ الشَّيْطانُ لِيَفْتِنَهُ هُناكَ فَلَمْ يَنْجَحْ مَعَهُ. ولِهَذِهِ الشَّجَرَةِ شُهْرَةٌ كَبِيرَةٌ عِنْدَ البُوذِيِّينَ، وتُسَمّى عِنْدَهُمُ: (التِّينَةَ المُقَدَّسَةَ)، وبِلُغَتِهِمْ: (أجابالا). قالَ: فَفي هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أعْظَمَ أدْيانِ البَشَرِ الأرْبَعَةِ المُوحاةِ مِنهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ ونَفْعِهِمْ في دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، فالقَسَمُ فِيها كالتَّمْهِيدِ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى آخِرِ السُّورَةِ. قالَ: ولا يَزالُ أهْلُ الأدْيانِ الأرْبَعَةِ هم أعْظَمُ أُمَمِ الأرْضِ وأكْثَرُهم عَدَدًا وأرْقاهم. والتَّرْتِيبُ في ذِكْرِها في الآيَةِ هو بِاعْتِبارِ دَرَجَةِ صِحَّتِها بِالنِّسْبَةِ لِأُصُولِها الأُولى، فَبَدَأ تَعالى بِالقَسَمِ بِالبُوذِيَّةِ لِأنَّها أقَلُّ دَرَجَةً في الصِّحَّةِ وأشَدُّ الأدْيانِ تَحْرِيفًا عَنْ أصْلِها، كَما يَبْدَأُ الإنْسانُ بِالقَسَمِ بِالشَّيْءِ الصَّغِيرِ، ثُمَّ يَرْتَقِي لِلتَّأْكِيدِ إلى ما هو أعْلى، ثُمَّ النَّصْرانِيَّةِ وهي أقَلُّ مِنَ البُوذِيَّةِ تَحْرِيفًا، ثُمَّ اليَهُودِيَّةُ وهو أصَحُّ مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، ثُمَّ الإسْلامِيَّةُ وهو أصَحُّها جَمِيعًا وأبْعَدُها عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، بَلْ إنَّ أُصُولَها: الكِتابُ والسُّنَّةُ العَمَلِيَّةُ المُتَواتِرَةُ، لَمْ يَقَعْ فِيها تَحْرِيفٌ مُطْلَقًا. ومِن مَحاسِنِ هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ غَيْرُ ذَلِكَ، ذَكَرَ دِينَيِ الفَضْلِ: (البُوذِيَّةَ والمَسِيحِيَّةَ) أوَّلًا، ثُمَّ دِينَيِ العَدْلِ: (اليَهُودِيَّةَ والإسْلامِيَّةَ) ثانِيًا؛ لِلْإشارَةِ إلى الحِكْمَةِ بِتَرْبِيَةِ الفَضْلِ والمُسامَحَةِ مَعَ النّاسِ أوَّلًا. ثُمَّ تَرْبِيَةِ الشِّدَّةِ والعَدْلِ. وكَذَلِكَ بَدَأ الإسْلامُ بِاللِّينِ والعَفْوِ ثُمَّ بِالشِّدَّةِ والعِقابِ. ولا يَخْفى عَلى الباحِثِينَ التَّشابُهُ العَظِيمُ بَيْنَ بُوذا وعِيسى ودِينِهِما، وكَذَلِكَ التَّشابُهُ بَيْنَ مُوسى ومُحَمَّدٍ ودِينِهِما؛ فَلِذا جُمِعَ الأوَّلانِ مَعًا والآخَرانِ كَذَلِكَ، وقَدَّمَ البُوذِيَّةَ عَلى المَسِيحِيَّةِ لِقِدَمِ الأُولى، كَما قَدَّمَ المُوسَوِيَّةَ عَلى المُحَمَّدِيَّةِ لِهَذا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ. ومِن مَحاسِنِ الآيَةِ أيْضًا الرَّمْزُ والإشارَةُ إلى دِينَيِ الرَّحْمَةِ بِالفاكِهَةِ والثَّمَرَةِ، وإلى دِينَيِ العَدْلِ بِالجَبَلِ والبَلْدَةِ الجَبَلِيَّةِ: مَكَّةَ، وهي البَلَدُ الأمِينُ. ومِنَ التَّناسُبِ البَدِيعِ بَيْنَ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ يَنْبُتانِ كَثِيرًا في أوْدِيَةِ الجِبالِ، كَما في جَبَلِ الزَّيْتُونِ بِالشّامِ وطُورِ سَيْناءَ، وهُما مَشْهُورانِ بِها. (p-٦٢٠١)فَهَذِهِ الآيَةُ قَسَمٌ بِأوَّلِ مَهابِطِ الوَحْيِ، وأكْرَمِ أماكِنِ التَّجَلِّي الإلَهِيِّ عَلى أنْبِيائِهِ الأرْبَعَةِ، الَّذِينَ بَقِيَتْ شَرائِعُهم لِلْآنِ، وأرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِهِدايَةِ النّاسِ الَّذِينَ خَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. انْتَهى بِحُرُوفِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ. لَطِيفَةٌ: لَمْ يَنْصَرِفْ "سِينِينَ" كَما لا يَنْصَرِفُ (سَيْناءُ)؛ لِأنَّهُ جُعِلَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ أوِ الأرْضِ، فَهو عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ. ولَوْ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَكانِ أوِ المَنزِلِ أوِ اسْمًا لِمُذَكَّرٍ لانْصَرَفَ، لِأنَّكَ سَمَّيْتَ بِهِ مُذَكَّرًا. وقَرَأ العامَّةُ: (سِينِينَ) بِكَسْرِ السِّينِ، وقَرَأ بَعْضُ السَّلَفِ بِفَتْحِها، وآخَرُونَ: (سَيْناءُ) بِالكَسْرِ والفَتْحِ مَمْدُودًا. قالَ السَّمِينُ: وهَذِهِ لُغاتٌ اخْتَلَفَتْ في هَذا الِاسْمِ السُّرْيانِيِّ، عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَلاعُبِها بِالأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ.

التين 95:4

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٨ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ خَلْقًا وشَكْلًا، صُورَةً ومَعْنًى، قالَ الشِّهابُ: الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ، والتَّقْوِيمُ فِعْلُ اللَّهِ، فَهو بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: قَوامٌ أحْسَنُ تَقْوِيمٍ، أوْ "فِي" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ أحْسَنَ تَقْوِيمٍ. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] أيْ: جَعَلْناهُ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ، وهم أصْحابُ النّارِ لِعَدَمِ جَرَيانِهِ (p-٦٢٠٢)عَلى مُوجَبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَـ: (رَدَّ) بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: و(السّافِلِينَ) العُصاةُ وغَيْرُهُمْ، وأسْفَلُ سافِلٍ لِلْمُتَعَدِّدِ والمُتَفاوِتِ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوْ هو رُتْبِيٌّ. وجُوِّزَ نَصْبُ "أسْفَلَ" بِنَزْعِ الخافِضِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: إلى مَكانٍ أسْفَلَ سافِلِينَ، أيْ: مَحَلُّ النّارِ، أوِ النّارُ بِمَعْنى جَهَنَّمَ. وهَذا ما قالَهُ مُجاهِدٌ حَيْثُ قالَ: (فِي النّارِ)، وفي رِوايَةٍ: (إلى النّارِ)، والسّافِلِينَ عَلى هَذا الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ، وهي دَرَكاتُها. وجَمْعُها لِلْعُقَلاءِ لِلْفاصِلَةِ، أوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. كَذا قالُوا. ولَوْ أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ النّارِ والدَّرَكاتِ، لِأنَّهم أسْفَلَ السُّفْلِ كالأوَّلِ، لَكانَ أوْلى. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ وهو الإنْسانُ، في مَعْنى الجِنْسِ. هَذا وقَدِ اعْتَمَدَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَدَدْناهُ عَلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ كُلِّها، ثُمَّ كَبُرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلَ في كِبَرِهِ وذَهابِ عَقْلِهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وكانَ يُطِيعُ اللَّهَ في شَبِيبَتِهِ. وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ، وأشْبَهُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، قَوْلُ مَن قالَ مَعْناهُ: "ثُمَّ رَدَدْناهُ" أيْ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ إلى عُمُرِ الخَرْفى الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُهم مِنَ الهَرَمِ والكِبَرِ، فَهو في أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في إدْبارِ العُمُرِ، وذَهابِ العَقْلِ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] في حالِ صِحَّتِهِمْ وشَبابِهِمْ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] بَعْدَ هَرَمِهِمْ، كَهَيْئَةِ ما كانَ لَهم مِن ذَلِكَ عَلى أعْمالِهِمْ، في حالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهم أقْوِياءُ عَلى العَمَلِ. (p-٦٢٠٣)قالَ: وإنَّما قُلْنا: هَذا القَوْلُ أوْلى بِالصَّوابِ في ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ ابْنَ آدَمَ وتَصْرِيفِهِ في الأحْوالِ، احْتِجاجًا بِذَلِكَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ، ومُحالٌ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْمٍ كانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي بِما كانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ، وإنَّما الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ مِمّا يُعايِنُونَهُ ويُحِسُّونَهُ، أوْ يُقِرُّونَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحْسِّينَ. وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ القَوْمُ لِلنّارِ الَّتِي كانَ اللَّهُ يَتَوَعَّدُهم بِها في الآخِرَةِ مُنْكِرِينَ، وكانُوا أهْلَ الهَرَمِ والخَرِفِ مِن بَعْدِ الشَّبابِ والجَلَدِ شاهِدِينَ، عَلِمَ أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا لَهُ مُعايِنِينَ مِن تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ ونَقْلَهُ إيّاهم مِن حالِ التَّقْوِيمِ الحَسَنِ، والشَّبابِ والجِلْدِ إلى الهَرَمِ والضَّعْفِ وفَناءِ العُمْرِ وحُدُوثِ الخَرِفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، اسْتِدْراكًا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمُرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ، ويَكُونُ الدِّينُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأً، والفاءُ داخِلَةٌ في خَبَرِهِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، ومَدْخُولُها جُمْلَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: فَما يَحْمِلُكَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، أيِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ، وإنْكارُهُ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ. والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، كَمالًا ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ، والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ تَضْطَرُّكَ إلى التَّكْذِيبِ بِهِ؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى "يُكَذِّبُكَ" إمّا يَنْسُبُكَ إلى الكَذِبِ، (كَفَسَّقْتُهُ إذا قُلْتَ لَهُ: إنَّهُ فاسِقٌ)، والباءُ في "بِالدِّينِ" بِمَعْنى (فِي)، أيْ: يُكَذِّبُكَ في إخْبارِكَ بِهِ، أوْ سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ وإثْباتِهِ، أوِ المَعْنى ما يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَتُهُ. وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ ولا يَرْفَعُونَ لَها رَأْسًا. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. (p-٦٢٠٤)واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلَ مَن قالَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِن هَذا البَيانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ. قالَ الشِّهابُ: "فَما" اسْتِفْهامٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ، فَلا يُرْتَكَبُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى أصْلِها، كَما بَيَّنّاهُ لَكَ. والدّاعِي لِارْتِكابِ هَذا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ إذا كانَ المُخاطَبُ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَإنَّهُ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ لِلْمُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ مَدْعاهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] أيْ: بِأحْكَمِ مَن حَكَمَ في أحْكامِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها. وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. و(أحْكَمُ) مِنَ الحُكْمِ أوِ الحِكْمَةِ. قِيلَ: والثّانِي أظْهَرُ. «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأها قالَ: «بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»» أرْسَلَهُ قَتادَةُ، ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ.

التين 95:5

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٨ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ خَلْقًا وشَكْلًا، صُورَةً ومَعْنًى، قالَ الشِّهابُ: الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ، والتَّقْوِيمُ فِعْلُ اللَّهِ، فَهو بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: قَوامٌ أحْسَنُ تَقْوِيمٍ، أوْ "فِي" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ أحْسَنَ تَقْوِيمٍ. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] أيْ: جَعَلْناهُ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ، وهم أصْحابُ النّارِ لِعَدَمِ جَرَيانِهِ (p-٦٢٠٢)عَلى مُوجَبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَـ: (رَدَّ) بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: و(السّافِلِينَ) العُصاةُ وغَيْرُهُمْ، وأسْفَلُ سافِلٍ لِلْمُتَعَدِّدِ والمُتَفاوِتِ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوْ هو رُتْبِيٌّ. وجُوِّزَ نَصْبُ "أسْفَلَ" بِنَزْعِ الخافِضِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: إلى مَكانٍ أسْفَلَ سافِلِينَ، أيْ: مَحَلُّ النّارِ، أوِ النّارُ بِمَعْنى جَهَنَّمَ. وهَذا ما قالَهُ مُجاهِدٌ حَيْثُ قالَ: (فِي النّارِ)، وفي رِوايَةٍ: (إلى النّارِ)، والسّافِلِينَ عَلى هَذا الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ، وهي دَرَكاتُها. وجَمْعُها لِلْعُقَلاءِ لِلْفاصِلَةِ، أوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. كَذا قالُوا. ولَوْ أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ النّارِ والدَّرَكاتِ، لِأنَّهم أسْفَلَ السُّفْلِ كالأوَّلِ، لَكانَ أوْلى. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ وهو الإنْسانُ، في مَعْنى الجِنْسِ. هَذا وقَدِ اعْتَمَدَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَدَدْناهُ عَلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ كُلِّها، ثُمَّ كَبُرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلَ في كِبَرِهِ وذَهابِ عَقْلِهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وكانَ يُطِيعُ اللَّهَ في شَبِيبَتِهِ. وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ، وأشْبَهُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، قَوْلُ مَن قالَ مَعْناهُ: "ثُمَّ رَدَدْناهُ" أيْ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ إلى عُمُرِ الخَرْفى الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُهم مِنَ الهَرَمِ والكِبَرِ، فَهو في أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في إدْبارِ العُمُرِ، وذَهابِ العَقْلِ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] في حالِ صِحَّتِهِمْ وشَبابِهِمْ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] بَعْدَ هَرَمِهِمْ، كَهَيْئَةِ ما كانَ لَهم مِن ذَلِكَ عَلى أعْمالِهِمْ، في حالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهم أقْوِياءُ عَلى العَمَلِ. (p-٦٢٠٣)قالَ: وإنَّما قُلْنا: هَذا القَوْلُ أوْلى بِالصَّوابِ في ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ ابْنَ آدَمَ وتَصْرِيفِهِ في الأحْوالِ، احْتِجاجًا بِذَلِكَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ، ومُحالٌ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْمٍ كانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي بِما كانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ، وإنَّما الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ مِمّا يُعايِنُونَهُ ويُحِسُّونَهُ، أوْ يُقِرُّونَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحْسِّينَ. وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ القَوْمُ لِلنّارِ الَّتِي كانَ اللَّهُ يَتَوَعَّدُهم بِها في الآخِرَةِ مُنْكِرِينَ، وكانُوا أهْلَ الهَرَمِ والخَرِفِ مِن بَعْدِ الشَّبابِ والجَلَدِ شاهِدِينَ، عَلِمَ أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا لَهُ مُعايِنِينَ مِن تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ ونَقْلَهُ إيّاهم مِن حالِ التَّقْوِيمِ الحَسَنِ، والشَّبابِ والجِلْدِ إلى الهَرَمِ والضَّعْفِ وفَناءِ العُمْرِ وحُدُوثِ الخَرِفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، اسْتِدْراكًا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمُرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ، ويَكُونُ الدِّينُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأً، والفاءُ داخِلَةٌ في خَبَرِهِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، ومَدْخُولُها جُمْلَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: فَما يَحْمِلُكَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، أيِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ، وإنْكارُهُ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ. والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، كَمالًا ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ، والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ تَضْطَرُّكَ إلى التَّكْذِيبِ بِهِ؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى "يُكَذِّبُكَ" إمّا يَنْسُبُكَ إلى الكَذِبِ، (كَفَسَّقْتُهُ إذا قُلْتَ لَهُ: إنَّهُ فاسِقٌ)، والباءُ في "بِالدِّينِ" بِمَعْنى (فِي)، أيْ: يُكَذِّبُكَ في إخْبارِكَ بِهِ، أوْ سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ وإثْباتِهِ، أوِ المَعْنى ما يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَتُهُ. وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ ولا يَرْفَعُونَ لَها رَأْسًا. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. (p-٦٢٠٤)واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلَ مَن قالَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِن هَذا البَيانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ. قالَ الشِّهابُ: "فَما" اسْتِفْهامٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ، فَلا يُرْتَكَبُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى أصْلِها، كَما بَيَّنّاهُ لَكَ. والدّاعِي لِارْتِكابِ هَذا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ إذا كانَ المُخاطَبُ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَإنَّهُ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ لِلْمُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ مَدْعاهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] أيْ: بِأحْكَمِ مَن حَكَمَ في أحْكامِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها. وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. و(أحْكَمُ) مِنَ الحُكْمِ أوِ الحِكْمَةِ. قِيلَ: والثّانِي أظْهَرُ. «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأها قالَ: «بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»» أرْسَلَهُ قَتادَةُ، ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ.

التين 95:6

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٨ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ خَلْقًا وشَكْلًا، صُورَةً ومَعْنًى، قالَ الشِّهابُ: الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ، والتَّقْوِيمُ فِعْلُ اللَّهِ، فَهو بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: قَوامٌ أحْسَنُ تَقْوِيمٍ، أوْ "فِي" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ أحْسَنَ تَقْوِيمٍ. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] أيْ: جَعَلْناهُ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ، وهم أصْحابُ النّارِ لِعَدَمِ جَرَيانِهِ (p-٦٢٠٢)عَلى مُوجَبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَـ: (رَدَّ) بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: و(السّافِلِينَ) العُصاةُ وغَيْرُهُمْ، وأسْفَلُ سافِلٍ لِلْمُتَعَدِّدِ والمُتَفاوِتِ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوْ هو رُتْبِيٌّ. وجُوِّزَ نَصْبُ "أسْفَلَ" بِنَزْعِ الخافِضِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: إلى مَكانٍ أسْفَلَ سافِلِينَ، أيْ: مَحَلُّ النّارِ، أوِ النّارُ بِمَعْنى جَهَنَّمَ. وهَذا ما قالَهُ مُجاهِدٌ حَيْثُ قالَ: (فِي النّارِ)، وفي رِوايَةٍ: (إلى النّارِ)، والسّافِلِينَ عَلى هَذا الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ، وهي دَرَكاتُها. وجَمْعُها لِلْعُقَلاءِ لِلْفاصِلَةِ، أوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. كَذا قالُوا. ولَوْ أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ النّارِ والدَّرَكاتِ، لِأنَّهم أسْفَلَ السُّفْلِ كالأوَّلِ، لَكانَ أوْلى. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ وهو الإنْسانُ، في مَعْنى الجِنْسِ. هَذا وقَدِ اعْتَمَدَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَدَدْناهُ عَلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ كُلِّها، ثُمَّ كَبُرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلَ في كِبَرِهِ وذَهابِ عَقْلِهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وكانَ يُطِيعُ اللَّهَ في شَبِيبَتِهِ. وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ، وأشْبَهُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، قَوْلُ مَن قالَ مَعْناهُ: "ثُمَّ رَدَدْناهُ" أيْ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ إلى عُمُرِ الخَرْفى الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُهم مِنَ الهَرَمِ والكِبَرِ، فَهو في أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في إدْبارِ العُمُرِ، وذَهابِ العَقْلِ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] في حالِ صِحَّتِهِمْ وشَبابِهِمْ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] بَعْدَ هَرَمِهِمْ، كَهَيْئَةِ ما كانَ لَهم مِن ذَلِكَ عَلى أعْمالِهِمْ، في حالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهم أقْوِياءُ عَلى العَمَلِ. (p-٦٢٠٣)قالَ: وإنَّما قُلْنا: هَذا القَوْلُ أوْلى بِالصَّوابِ في ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ ابْنَ آدَمَ وتَصْرِيفِهِ في الأحْوالِ، احْتِجاجًا بِذَلِكَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ، ومُحالٌ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْمٍ كانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي بِما كانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ، وإنَّما الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ مِمّا يُعايِنُونَهُ ويُحِسُّونَهُ، أوْ يُقِرُّونَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحْسِّينَ. وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ القَوْمُ لِلنّارِ الَّتِي كانَ اللَّهُ يَتَوَعَّدُهم بِها في الآخِرَةِ مُنْكِرِينَ، وكانُوا أهْلَ الهَرَمِ والخَرِفِ مِن بَعْدِ الشَّبابِ والجَلَدِ شاهِدِينَ، عَلِمَ أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا لَهُ مُعايِنِينَ مِن تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ ونَقْلَهُ إيّاهم مِن حالِ التَّقْوِيمِ الحَسَنِ، والشَّبابِ والجِلْدِ إلى الهَرَمِ والضَّعْفِ وفَناءِ العُمْرِ وحُدُوثِ الخَرِفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، اسْتِدْراكًا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمُرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ، ويَكُونُ الدِّينُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأً، والفاءُ داخِلَةٌ في خَبَرِهِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، ومَدْخُولُها جُمْلَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: فَما يَحْمِلُكَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، أيِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ، وإنْكارُهُ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ. والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، كَمالًا ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ، والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ تَضْطَرُّكَ إلى التَّكْذِيبِ بِهِ؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى "يُكَذِّبُكَ" إمّا يَنْسُبُكَ إلى الكَذِبِ، (كَفَسَّقْتُهُ إذا قُلْتَ لَهُ: إنَّهُ فاسِقٌ)، والباءُ في "بِالدِّينِ" بِمَعْنى (فِي)، أيْ: يُكَذِّبُكَ في إخْبارِكَ بِهِ، أوْ سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ وإثْباتِهِ، أوِ المَعْنى ما يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَتُهُ. وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ ولا يَرْفَعُونَ لَها رَأْسًا. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. (p-٦٢٠٤)واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلَ مَن قالَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِن هَذا البَيانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ. قالَ الشِّهابُ: "فَما" اسْتِفْهامٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ، فَلا يُرْتَكَبُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى أصْلِها، كَما بَيَّنّاهُ لَكَ. والدّاعِي لِارْتِكابِ هَذا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ إذا كانَ المُخاطَبُ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَإنَّهُ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ لِلْمُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ مَدْعاهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] أيْ: بِأحْكَمِ مَن حَكَمَ في أحْكامِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها. وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. و(أحْكَمُ) مِنَ الحُكْمِ أوِ الحِكْمَةِ. قِيلَ: والثّانِي أظْهَرُ. «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأها قالَ: «بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»» أرْسَلَهُ قَتادَةُ، ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ.

التين 95:7

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٨ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ خَلْقًا وشَكْلًا، صُورَةً ومَعْنًى، قالَ الشِّهابُ: الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ، والتَّقْوِيمُ فِعْلُ اللَّهِ، فَهو بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: قَوامٌ أحْسَنُ تَقْوِيمٍ، أوْ "فِي" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ أحْسَنَ تَقْوِيمٍ. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] أيْ: جَعَلْناهُ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ، وهم أصْحابُ النّارِ لِعَدَمِ جَرَيانِهِ (p-٦٢٠٢)عَلى مُوجَبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَـ: (رَدَّ) بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: و(السّافِلِينَ) العُصاةُ وغَيْرُهُمْ، وأسْفَلُ سافِلٍ لِلْمُتَعَدِّدِ والمُتَفاوِتِ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوْ هو رُتْبِيٌّ. وجُوِّزَ نَصْبُ "أسْفَلَ" بِنَزْعِ الخافِضِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: إلى مَكانٍ أسْفَلَ سافِلِينَ، أيْ: مَحَلُّ النّارِ، أوِ النّارُ بِمَعْنى جَهَنَّمَ. وهَذا ما قالَهُ مُجاهِدٌ حَيْثُ قالَ: (فِي النّارِ)، وفي رِوايَةٍ: (إلى النّارِ)، والسّافِلِينَ عَلى هَذا الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ، وهي دَرَكاتُها. وجَمْعُها لِلْعُقَلاءِ لِلْفاصِلَةِ، أوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. كَذا قالُوا. ولَوْ أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ النّارِ والدَّرَكاتِ، لِأنَّهم أسْفَلَ السُّفْلِ كالأوَّلِ، لَكانَ أوْلى. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ وهو الإنْسانُ، في مَعْنى الجِنْسِ. هَذا وقَدِ اعْتَمَدَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَدَدْناهُ عَلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ كُلِّها، ثُمَّ كَبُرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلَ في كِبَرِهِ وذَهابِ عَقْلِهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وكانَ يُطِيعُ اللَّهَ في شَبِيبَتِهِ. وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ، وأشْبَهُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، قَوْلُ مَن قالَ مَعْناهُ: "ثُمَّ رَدَدْناهُ" أيْ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ إلى عُمُرِ الخَرْفى الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُهم مِنَ الهَرَمِ والكِبَرِ، فَهو في أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في إدْبارِ العُمُرِ، وذَهابِ العَقْلِ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] في حالِ صِحَّتِهِمْ وشَبابِهِمْ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] بَعْدَ هَرَمِهِمْ، كَهَيْئَةِ ما كانَ لَهم مِن ذَلِكَ عَلى أعْمالِهِمْ، في حالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهم أقْوِياءُ عَلى العَمَلِ. (p-٦٢٠٣)قالَ: وإنَّما قُلْنا: هَذا القَوْلُ أوْلى بِالصَّوابِ في ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ ابْنَ آدَمَ وتَصْرِيفِهِ في الأحْوالِ، احْتِجاجًا بِذَلِكَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ، ومُحالٌ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْمٍ كانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي بِما كانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ، وإنَّما الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ مِمّا يُعايِنُونَهُ ويُحِسُّونَهُ، أوْ يُقِرُّونَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحْسِّينَ. وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ القَوْمُ لِلنّارِ الَّتِي كانَ اللَّهُ يَتَوَعَّدُهم بِها في الآخِرَةِ مُنْكِرِينَ، وكانُوا أهْلَ الهَرَمِ والخَرِفِ مِن بَعْدِ الشَّبابِ والجَلَدِ شاهِدِينَ، عَلِمَ أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا لَهُ مُعايِنِينَ مِن تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ ونَقْلَهُ إيّاهم مِن حالِ التَّقْوِيمِ الحَسَنِ، والشَّبابِ والجِلْدِ إلى الهَرَمِ والضَّعْفِ وفَناءِ العُمْرِ وحُدُوثِ الخَرِفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، اسْتِدْراكًا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمُرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ، ويَكُونُ الدِّينُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأً، والفاءُ داخِلَةٌ في خَبَرِهِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، ومَدْخُولُها جُمْلَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: فَما يَحْمِلُكَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، أيِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ، وإنْكارُهُ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ. والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، كَمالًا ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ، والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ تَضْطَرُّكَ إلى التَّكْذِيبِ بِهِ؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى "يُكَذِّبُكَ" إمّا يَنْسُبُكَ إلى الكَذِبِ، (كَفَسَّقْتُهُ إذا قُلْتَ لَهُ: إنَّهُ فاسِقٌ)، والباءُ في "بِالدِّينِ" بِمَعْنى (فِي)، أيْ: يُكَذِّبُكَ في إخْبارِكَ بِهِ، أوْ سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ وإثْباتِهِ، أوِ المَعْنى ما يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَتُهُ. وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ ولا يَرْفَعُونَ لَها رَأْسًا. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. (p-٦٢٠٤)واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلَ مَن قالَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِن هَذا البَيانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ. قالَ الشِّهابُ: "فَما" اسْتِفْهامٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ، فَلا يُرْتَكَبُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى أصْلِها، كَما بَيَّنّاهُ لَكَ. والدّاعِي لِارْتِكابِ هَذا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ إذا كانَ المُخاطَبُ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَإنَّهُ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ لِلْمُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ مَدْعاهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] أيْ: بِأحْكَمِ مَن حَكَمَ في أحْكامِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها. وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. و(أحْكَمُ) مِنَ الحُكْمِ أوِ الحِكْمَةِ. قِيلَ: والثّانِي أظْهَرُ. «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأها قالَ: «بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»» أرْسَلَهُ قَتادَةُ، ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ.

التين 95:8

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: [ ٤ - ٨ ] ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ: في أحْسَنِ تَعْدِيلٍ خَلْقًا وشَكْلًا، صُورَةً ومَعْنًى، قالَ الشِّهابُ: الظَّرْفُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الإنْسانِ، والتَّقْوِيمُ فِعْلُ اللَّهِ، فَهو بِمَعْنى القَوّامِ أوِ المُقَوِّمِ، أوْ فِيهِ مُضافٌ مُقَدَّرٌ، أيْ: قَوامٌ أحْسَنُ تَقْوِيمٍ، أوْ "فِي" زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: قَوَّمْناهُ أحْسَنَ تَقْوِيمٍ. ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] أيْ: جَعَلْناهُ أسْفَلَ مِن سُفْلٍ، وهم أصْحابُ النّارِ لِعَدَمِ جَرَيانِهِ (p-٦٢٠٢)عَلى مُوجَبِ ما خَلَقْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي لَوْ عَمِلَ بِمُقْتَضاها لَكانَ في أعْلى عِلِّيِّينَ، فَـ: (رَدَّ) بِمَعْنى جَعَلَ الَّتِي تَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ. قالَ الشِّهابُ: و(السّافِلِينَ) العُصاةُ وغَيْرُهُمْ، وأسْفَلُ سافِلٍ لِلْمُتَعَدِّدِ والمُتَفاوِتِ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ أوْ هو رُتْبِيٌّ. وجُوِّزَ نَصْبُ "أسْفَلَ" بِنَزْعِ الخافِضِ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ: إلى مَكانٍ أسْفَلَ سافِلِينَ، أيْ: مَحَلُّ النّارِ، أوِ النّارُ بِمَعْنى جَهَنَّمَ. وهَذا ما قالَهُ مُجاهِدٌ حَيْثُ قالَ: (فِي النّارِ)، وفي رِوايَةٍ: (إلى النّارِ)، والسّافِلِينَ عَلى هَذا الأمْكِنَةُ السّافِلَةُ، وهي دَرَكاتُها. وجَمْعُها لِلْعُقَلاءِ لِلْفاصِلَةِ، أوْ لِلتَّنْزِيلِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ. كَذا قالُوا. ولَوْ أُرِيدَ بِهِمْ أهْلُ النّارِ والدَّرَكاتِ، لِأنَّهم أسْفَلَ السُّفْلِ كالأوَّلِ، لَكانَ أوْلى. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] أيْ: غَيْرُ مَقْطُوعٍ أوْ غَيْرُ مَنقُوصٍ أوْ غَيْرُ مَحْسُوبٍ أوْ غَيْرُ مَمْنُونٍ بِهِ عَلَيْهِمْ. والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ مِن ضَمِيرِ "رَدَدْناهُ" فَإنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، لِأنَّ المَكْنِيَّ عَنْهُ وهو الإنْسانُ، في مَعْنى الجِنْسِ. هَذا وقَدِ اعْتَمَدَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَأْوِيلِ الآيَةِ، ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ المَعْنى: ثُمَّ رَدَدْناهُ عَلى أرْذَلِ العُمُرِ. وأنَّ مَن كانَ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ كُلِّها، ثُمَّ كَبُرَ حَتّى ذَهَبَ عَقْلُهُ، كُتِبَ لَهُ مِثْلُ عَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي كانَ يَعْمَلُ في شَبِيبَتِهِ، ولَمْ يُؤاخَذْ بِشَيْءٍ مِمّا عَمِلَ في كِبَرِهِ وذَهابِ عَقْلِهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وكانَ يُطِيعُ اللَّهَ في شَبِيبَتِهِ. وعِبارَةُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأوْلى الأقْوالِ في ذَلِكَ عِنْدِي بِالصِّحَّةِ، وأشْبَهُها بِتَأْوِيلِ الآيَةِ، قَوْلُ مَن قالَ مَعْناهُ: "ثُمَّ رَدَدْناهُ" أيْ: إلى أرْذَلِ العُمُرِ إلى عُمُرِ الخَرْفى الَّذِينَ ذَهَبَتْ عُقُولُهم مِنَ الهَرَمِ والكِبَرِ، فَهو في أسْفَلَ مِن سُفْلٍ في إدْبارِ العُمُرِ، وذَهابِ العَقْلِ. ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] في حالِ صِحَّتِهِمْ وشَبابِهِمْ، ﴿فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٦] بَعْدَ هَرَمِهِمْ، كَهَيْئَةِ ما كانَ لَهم مِن ذَلِكَ عَلى أعْمالِهِمْ، في حالِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ وهم أقْوِياءُ عَلى العَمَلِ. (p-٦٢٠٣)قالَ: وإنَّما قُلْنا: هَذا القَوْلُ أوْلى بِالصَّوابِ في ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ أخْبَرَ عَنْ خَلْقِهِ ابْنَ آدَمَ وتَصْرِيفِهِ في الأحْوالِ، احْتِجاجًا بِذَلِكَ عَلى مُنْكِرِي قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الحُجَجِ، ومُحالٌ أنْ يَحْتَجَّ عَلى قَوْمٍ كانُوا مُنْكِرِينَ مَعْنًى مِنَ المَعانِي بِما كانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ، وإنَّما الحُجَّةُ عَلى كُلِّ قَوْمٍ بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِهِ مِمّا يُعايِنُونَهُ ويُحِسُّونَهُ، أوْ يُقِرُّونَ بِهِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا لَهُ مُحْسِّينَ. وإذْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وكانَ القَوْمُ لِلنّارِ الَّتِي كانَ اللَّهُ يَتَوَعَّدُهم بِها في الآخِرَةِ مُنْكِرِينَ، وكانُوا أهْلَ الهَرَمِ والخَرِفِ مِن بَعْدِ الشَّبابِ والجَلَدِ شاهِدِينَ، عَلِمَ أنَّهُ إنَّما احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِما كانُوا لَهُ مُعايِنِينَ مِن تَصْرِيفِهِ خَلْقَهُ ونَقْلَهُ إيّاهم مِن حالِ التَّقْوِيمِ الحَسَنِ، والشَّبابِ والجِلْدِ إلى الهَرَمِ والضَّعْفِ وفَناءِ العُمْرِ وحُدُوثِ الخَرِفِ. انْتَهى كَلامُهُ. وعَلَيْهِ فَيَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، اسْتِدْراكًا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ التَّساوِيَ في أرْذَلِ العُمُرِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في غَيْرِهِ، ويَكُونُ الدِّينُ حِينَئِذٍ مُبْتَدَأً، والفاءُ داخِلَةٌ في خَبَرِهِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، فالفاءُ لِلتَّفْرِيعِ، ومَدْخُولُها جُمْلَةٌ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ، ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] خِطابٌ لِلْإنْسانِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ، أيْ: فَما يَحْمِلُكَ عَلى التَّكْذِيبِ بِالدِّينِ، أيِ الجَزاءُ بَعْدَ البَعْثِ، وإنْكارُهُ بَعْدَ هَذِهِ الدَّلائِلِ. والمَعْنى: أنَّ خَلْقَ الإنْسانِ مِن نُطْفَةٍ وتَقْوِيمَهُ بَشَرًا سَوِيًّا، وتَحْوِيلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ، كَمالًا ونُقْصانًا، مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى البَعْثِ، والجَزاءِ فَأيُّ شَيْءٍ تَضْطَرُّكَ إلى التَّكْذِيبِ بِهِ؟ وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى "يُكَذِّبُكَ" إمّا يَنْسُبُكَ إلى الكَذِبِ، (كَفَسَّقْتُهُ إذا قُلْتَ لَهُ: إنَّهُ فاسِقٌ)، والباءُ في "بِالدِّينِ" بِمَعْنى (فِي)، أيْ: يُكَذِّبُكَ في إخْبارِكَ بِهِ، أوْ سَبَبِيَّةٌ أيْ: بِسَبَبِ إخْبارِكَ بِهِ وإثْباتِهِ، أوِ المَعْنى ما يَجْعَلُكَ مُكَذِّبًا بِالدِّينِ، عَلى أنَّ الباءَ صِلَتُهُ. وهو مِن بابِ الإلْهابِ والتَّعْرِيضِ بِالمُكَذِّبِينَ، والمَعْنى: إنَّهُ لا يُكَذِّبُكَ شَيْءٌ ما بَعْدَ هَذا البَيانِ بِالدِّينِ، لا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُبالُونَ بِآياتِ اللَّهِ ولا يَرْفَعُونَ لَها رَأْسًا. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ. (p-٦٢٠٤)واسْتَصْوَبَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلَ مَن قالَ: (ما) بِمَعْنى (مَن)، أيْ: فَمَن يُكَذِّبُكَ يا مُحَمَّدُ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِن هَذا البَيانِ مِنَ اللَّهِ بِالدِّينِ. قالَ الشِّهابُ: "فَما" اسْتِفْهامٌ عَمَّنْ يَعْقِلُ، وفِيهِ نَظَرٌ، لِأنَّهُ خِلافُ المَعْرُوفِ، فَلا يُرْتَكَبُ مَعَ صِحَّةِ بَقائِها عَلى أصْلِها، كَما بَيَّنّاهُ لَكَ. والدّاعِي لِارْتِكابِ هَذا أنَّ المَعْنى عَلَيْهِ أظْهَرُ إذا كانَ المُخاطَبُ النَّبِيَّ ﷺ؛ فَإنَّهُ إنْكارٌ تَوْبِيخِيٌّ لِلْمُكَذِّبِينَ لَهُ ﷺ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهم مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ وصِحَّةِ مَدْعاهُ ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] أيْ: بِأحْكَمِ مَن حَكَمَ في أحْكامِهِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: أيْ: ألَيْسَ الَّذِي فَعَلَ ما ذَكَرَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ صُنْعًا وتَدْبِيرًا، حَتّى يُتَوَهَّمَ عَدَمُ الإعادَةِ والجَزاءِ، وحَيْثُ اسْتَحالَ عَدَمُ كَوْنِهِ أحْكَمَ الحاكِمِينَ، تَعَيَّنَ الإعادَةُ والجَزاءُ. فالجُمْلَةُ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَها. وقِيلَ: الحُكْمُ بِمَعْنى القَضاءِ، فَهي وعِيدٌ لِلْكُفّارِ وأنَّهُ يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ. و(أحْكَمُ) مِنَ الحُكْمِ أوِ الحِكْمَةِ. قِيلَ: والثّانِي أظْهَرُ. «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأها قالَ: «بَلى، وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ»» أرْسَلَهُ قَتادَةُ، ورَفَعَهُ أبُو هُرَيْرَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ.