Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — البقرة 2:167 – البقرة 2:237
المحتويات
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
- البقرة 2:210
- البقرة 2:211
- البقرة 2:212
- البقرة 2:213
- البقرة 2:214
- البقرة 2:215
- البقرة 2:216
- البقرة 2:217
- البقرة 2:218
- البقرة 2:219
- البقرة 2:220
- البقرة 2:221
- البقرة 2:222
- البقرة 2:223
- البقرة 2:224
- البقرة 2:225
- البقرة 2:226
- البقرة 2:227
- البقرة 2:228
- البقرة 2:229
- البقرة 2:230
- البقرة 2:231
- البقرة 2:232
- البقرة 2:233
- البقرة 2:234
- البقرة 2:235
- البقرة 2:236
- البقرة 2:237
البقرة 2:167
﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهُمُ الأذْنابُ مُتَمَنِّينَ لِلْمُحالِ نَدَمًا عَلى اتِّباعِ مَن لا يَنْفَعُ حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ أيْ: رَجْعَةً (p-٣١١)إلى الدُّنْيا. وقالَ الحَرالِّيُّ: هي رَجْعٌ وعَوْدَةٌ عِنْدَ غايَةِ فُرَّةٍ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ ”لَوْ“ بِمَعْنى التَّمَنِّي نُصِبَ جَوابُها فَقالَ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾ أيِ: الرُّؤَساءُ هُناكَ ونُذِلُّهم ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ وأذَلُّونا هُنا.
وقالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إنْباءٌ عَنْ تَأسُّفِهِمْ عَلى اتِّباعِ مَن دُونَ رَبِّهِمْ مِمَّنِ اتُّبِعُوا وإجْراءٌ لِتَأسُّفِهِمْ عَلى وجْهٍ مُتَوَهَّمٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ عَلى حَدِّ ما كانَ تَمَسُّكُهم بِهِمْ مُتَوَهَّمُ انْتِفاعٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ، فَفِيهِ إثْباتٌ لِحالِهِمْ في الآخِرَةِ عَلى ما كانَ يَنالُهم في الدُّنْيا مِنَ الأخْذِ بِالمَوْهُومِ والغَيْبَةِ عَنِ المَعْلُومِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ بَعْضُها ثَمَرَةُ أعْمالِهِمْ وبَعْضُها حِكايَةُ أقْوالِهِمْ قالَ تَعالى: عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: لَقَدْ رَأوْا جَزاءَ عَقائِدِهِمْ فَهَلْ يَرَوْنَ جَزاءَ أعْمالِ الجَوارِحِ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ الفَظِيعُ المَهُولُ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ والعَظَمَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الخَبِيثَةَ وغَيْرَها ﴿حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: تَلَهُّفًا عَلى ما فاتَ، إطْلاقًا لِلْمُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ وأشارَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إلى غَلَبَتِهِمْ وشَدَّةِ هَوانِهِمْ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَتْ عَقائِدُهم فِيهِمْ حَسَراتٍ أراهم أعْمالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوها لِابْتِغاءِ الخَيْرِ في الدُّنْيا حَسَراتٍ ﴿وقَدِمْنا إلى (p-٣١٢)ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] كَما كانَ عَمَلُ مَن قَلْبُهُ مُحِبٌّ ومُتَألِّهٌ لِما دُونَ اللَّهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَمَلَ كُلِّ عامِلٍ مَرْدُودٌ إلى ما اطْمَأنَّ بِهِ قَلْبُهُ وسَكَنَتْ إلَيْهِ نَفْسُهُ وتَعَلَّقَ بِهِ خَوْفُهُ ورَجاؤُهُ، فَمَن غَلَبَ عَلى سِرِّهِ شَيْءٌ فَهو رَبُّهُ الَّذِي يُصْرَفُ عَمَلُهُ إلَيْهِ، فَلا يَجِدُ عِنْدَهُ جَزاءً لِتَبَرُّؤِهِ مِنهُ فَيَصِيرُ حَسْرَةً عَلَيْهِ، فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهم لا يَنْصُرُونَهم في الآخِرَةِ ولا يَجْزُونَهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَلَمْ يَنْفَعْهم تَألُّهُهم إيّاهم، والمَتْبُوعُ مِنهم مُتَألِّهٌ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَها جَزاءَ عَمَلِهِ، فَتَحَسَّرَ كُلٌّ مِنهم عَلى ما عَمِلَ مِن عَمَلِ الخَيْرِ لِإحْباطِهِ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] والحَسْرَةُ أشَدُّ الأسَفِ عَلى الفائِتِ الَّذِي يَحْسَرُ المُتَلَهِّفُ أيْ: يَقْطَعُهُ عَمّا تَحَسَّرَ عَلَيْهِ. انْتَهى. ويَدْخُلُونَ بِأعْمالِهِمُ النّارَ ﴿وما هُمْ﴾ أيْ: بِفائِتِ خُرُوجِهِمْ بَلْ هم وإنْ خَرَجُوا مِنَ (p-٣١٣)السَّعِيرِ إلى الزَّمْهَرِيرِ يَعُودُونَ إلَيْهِ ﴿بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ولا ساعَةً مِنَ السّاعاتِ بَلْ هم خالِدُونَ فِيها عَلى طُولِ الآبادِ ومَرِّ الأحْقابِ، بِخِلافِ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ فَإنَّهم إذا خَرَجُوا مِنها لَمْ يَعُودُوا إلَيْها. قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِقَصْدِهِمُ الفِرارَ مِنها والخُرُوجَ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠] فَأنْبَأ تَعالى أنَّ وُجْهَتَهم لِلْخُرُوجِ لا تَنْفَعُهم، فَلَمْ تَبْقَ لَهم مِنَةٌ تُنْهِضُهم مِنها حَتّى يَنْتَظِمَ قَطْعُ رَجائِهِمْ مِن مِنَةِ أنْفُسِهِمْ بِقَطْعِ رَجائِهِمْ مِمَّنِ اعْتَلَقُوا بِهِ مِن شُرَكائِهِمْ ولَمْ يَكُنْ ﴿وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] كَما قالَ في أهْلِ الجَنَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ اليَأْسَ والِانْقِطاعَ واقِعٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ، فَكَما كانَ بِوادِي أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا مِن أنْفُسِهِمْ عِنْدَهم جَرى نَبَأُ جَزائِها عَلى حَدِّ ذَلِكَ في المَعْنى كَما قالَ: أعْمالُ أهْلِ الجَنَّةِ عِنْدَهم مِن تَوْفِيقِ رَبِّهِمْ جَرى ذِكْرُ جَزائِهِمْ عَلى حَدِّ ذَلِكَ مِنَ المَعْنى بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ اخْتِلافُ الصِّيغَتَيْنِ. انْتَهى.
ولَعَلَّ الآيَةَ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ (p-٣١٤)السُّورَةِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ وما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] يَعْنِي كَما أنَّ في أهْلِ الكِتابِ مُنافِقِينَ ومُصارَحِينَ فَكَذَلِكَ في العَرَبِ، فَصارَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦] شامِلًا لِلْأقْسامِ الأرْبَعَةِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ المُنافِقِينَ مِنَ العَرَبِ ثُمَّ المُنافِقِينَ والمُشاقِقِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ ثُمَّ المُجاهِرِينَ مِنَ العَرَبِ فَصارَ قِسْما العَرَبِ مُكْتَنِفَيْنِ لِقِسْمَيْ أهْلِ الكِتابِ إشارَةً إلى أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ وأنَّهُ سَيُؤْمِنُ أكْثَرُهم ويَغْلِبُونَ أهْلَ الكِتابِ ويَقْتُلُونَهم قَتْلَ الكِلابِ.
البقرة 2:168
ولَمّا عَجِبَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الضّالِّينَ وبَيَّنَ مِن مَآلِهِمْ ما يَزْجُرُ مِثْلُهُ مِن لَهُ أدْنى عَقْلٍ فَكانُوا بِذَلِكَ في عِدادِ المُقْبِلِ بَعْدَ الإدْبارِ والمُذْعِنِ بَعْدَ الِاسْتِكْبارِ أقَبْلَ عَلى الكُلِّ كَما فَعَلَ في آيَةِ التَّوْحِيدِ الأُولى فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إقْبالَ مُتَلَطِّفٍ بِعُمُومِ الإذْنِ في تَناوُلِ ما أبْدَعَهُ لَهم ورَحِمَهم بِهِ في هَذا المَلَكُوتِ المَذْكُورِ في ضِمْنِ ما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ تَذْكِيرًا لَهم بِالنِّعْمَةِ وتَوَدُّدًا إلَيْهِمْ بِجَمِيعِ ما يُوجِبُ المَحَبَّةَ وإشارَةً إلى أنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ لَهم ما تَقَرَّبُوا بِهِ إلى غَيْرِهِ مِمّا ادَّعَوْهُ نِدًّا مِنَ (p-٣١٥)البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ وما شاكَلَها فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ وإنِ اخْتَصَرْتَ فَقُلْ: لَمّا أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الدَّلِيلَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِما خَلَقَ مِنَ المَنافِعِ وصَنَّفَ النّاسَ صِنْفَيْنِ ضالٌّ مَعْطُوفٌ دالٌّ بِعَطْفِهِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ عَلى مُهْتَدٍ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وخَتَمَ بِتَأْبِيدِ عَذابِ الضّالِّ أقْبَلَ عَلى الصِّنْفَيْنِ إقْبالَ مُتَلَطِّفٍ مُتَرَفِّقٍ مُسْتَعْطِفٍ مُنادِيًا لَهم إلى تَأْبِيدِ نَفْعِهِمْ قائِلًا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا اسْتَوْفى سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَ أمْرِ الدِّينِ إلى أنْهاهُ مِن رُتْبَةِ دِينِ الإسْلامِ الَّذِي رَضِيَهُ وكانَ الدِّينُ هو غِذاءُ القُلُوبِ وزَكاةُ الأنْفُسِ نَظَمَ بِهِ ذِكْرَ غِذاءِ الأبْدانِ (p-٣١٦)مِنَ الأقْواتِ لِيَتِمَّ بِذِكْرِ النَّماءَيْنِ نَماءَ الذَّواتِ ظاهِرُها البَدَنِيُّ وباطِنُها الدِّينِيُّ، لَمّا بَيَّنَ تَغَذِّيَ الأبْدانِ وقِوامَ الأدْيانِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى جَمْعِ أمْرَيْ صَلاحِ العَمَلِ ظاهِرًا وقَبُولَهُ باطِنًا، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إلّا بِالوَرَعِ الشّافِي»؛ وكَما قِيلَ: مِلاكُ الدِّينِ الوَرَعُ، وهَلاكُهُ التَّرَفُ، ونَقْصُهُ السَّرَفُ؛ فَكَما انْتَظَمَ الكِتابُ قَصَرَ الخَلْقَ عَلى أفْضَلِ مُتَصَرَّفاتِهِمْ في التَّدَيُّنِ اتَّصَلَ بِهِ قَصْرُهم عَلى أفْضَلِ مَأْكِلِهِمْ في التَّقَوُّتِ، ولَمّا ذَكَرَ الدِّينَ في رُتْبَتَيْ صِنْفَيْنِ مِنَ النّاسِ والَّذِينَ آمَنُوا انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ المَأْكَلِ في صِنْفَيْهِما فَقالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ فانْتَظَمَ بِخِطابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] لِما بَيْنَ العِبادَةِ والمَأْكَلِ مِنَ الِالتِزامِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ النّاسِ مِن أدْنى المَراتِبِ في خِطابِهِمْ أطْلَقَ لَهُمُ الإذْنَ تَلَطُّفًا بِهِمْ ولَمْ يَفْجَأْهم بِالتَّقْيِيدِ فَقالَ مُبِيحًا لَهم ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ﴿كُلُوا﴾ ولَمّا كانَ في الأرْضِ ما لا يُؤْكَلُ قالَ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ أيْ: مِمّا بَيَّنّا لَكم أنَّهُ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ.
ولَمّا كانَ في هَذا الإذْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الكُلَّ لَهُ والِانْتِفاعَ بِهِ يَتَوَقَّفُ عَلى إذْنٍ مِنهُ دَلَّهم عَلى أنَّ فِيهِ ما أباحَهُ وفِيهِ ما حَظَرَهُ فَقالَ: ﴿حَلالا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما انْتَفى (p-٣١٧)عَنْهُ حُكْمُ التَّحْرِيمِ فَيَنْتَظِمُ بِذَلِكَ ما يُكْرَهُ وما لا يُكْرَهُ، والتَّحْرِيمُ المَنعُ مِمّا يَلْحَقُ الأكْلَ مِنهُ ضَرَرٌ في جِسْمِهِ كالمَيْتَةِ، أوْ في نَفْسِهِ كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ، أوْ رَيْنٌ عَلى قَلْبِهِ كَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ ما حُرِّمَ خَبِيثٌ بِقَوْلِهِ: ﴿طَيِّبًا﴾ أيْ: غَيْرُ خَبِيثٍ مُسْتَقْذَرٍ، والأصْلُ فِيهِ ما يُسْتَلَذُّ؛ ويُوصَفُ بِهِ عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ الطّاهِرِ لِأنَّ النَّجِسَ تَكْرَهُهُ النَّفْسُ (p-٣١٨)لِقَذَرِهِ، والحَلالُ لِأنَّ الحَرامَ يَقْذَرُهُ العَقْلُ لِزَجْرِ الشَّرْعِ عَنْهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الحَلالُ مَطْلُوبٌ لِيُكْتَسَبَ لا لِيُؤْكَلَ حَتّى يَطِيبَ، والطَّيِّبُ ما لا مَنازِغَ فِيهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا الصِّنْفُ أدْنى المُتَدَيِّنِينَ قَرَنَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإطْعامِهِمْ مِمّا في الأرْضِ لِكَوْنِهِمْ أرْضِيِّينَ نَهاهم عَنِ اتِّباعِ العَدُوِّ المَبْنِيِّ أمْرُهُ عَلى المُنافَرَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ وأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى انْهِماكِ هَذا الصِّنْفِ عَلى اللَّحاقِ بِهِ وأنَّهم غَيْرُ واصِلِينَ ما دامُوا في هَذا الحَيِّزِ إلى تَمامِ مُنابَذَتِهِ وإنَّما عَلَيْهِمُ الجَهْدُ لِأنَّ مُخالَفَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِمُجاهَدَةٍ كَثِيرَةٍ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْها ما دامُوا في هَذِهِ الرُّتْبَةِ ﴿خُطُواتِ﴾ جَمْعُ خُطْوَةٍ وهي ما بَيْنَ القَدَمَيْنِ في المَشْيِ ﴿الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طُرُقَهُ في وساوِسِهِ في اتِّخاذِ الأنْدادِ وتَحْرِيمِ الحَلالِ كالسَّوائِبِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ كالمَيْتاتِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن أمْرِهِ كَما يَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩] الآيَةَ وهو مِن شَطَنَ إذا بَعُدَ، وشاطَ إذا احْتَرَقَ، فَهو يُبْعِدُهم - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - عَنْ وطَنِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الِائْتِمارِ في مَآكِلِهِمْ إلى التَّناوُلِ بِشَهَواتِهِمْ لِيَسْتَدْرِجَهم لِذَلِكَ مِن خُطْوَةِ الأكْلِ بِالشَّهْوَةِ إلى الأكْلِ بِالهَوى فَيَتَداعى مِنها إلى المُحَرَّماتِ. (p-٣١٩)انْتَهى. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ﴾ بِتَكَبُّرِهِ عَلى أبِيكم ومَكْرِهِ بِهِ وسُؤالِهِ الإنْظارَ لِإضْلالِكم ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ فَلا تَتَّبِعُوا العَدُوَّ في مُنابَذَةِ الوَلِيِّ.
البقرة 2:169
ثُمَّ عَلَّلَ إبانَةَ عَداوَتِهِ والنَّهْيَ عَنِ اتِّباعِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ فَحَصَرَ لِيَنْتَفِيَ عَنْهُ الأمْرُ بِشَيْءٍ فِيهِ رُشْدٌ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ إنْباءٌ بِما مَكَّنَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى صارَ أمْرًا ﴿بِالسُّوءِ﴾ وهو خَبائِثُ الأنْفُسِ الباطِنَةِ الَّتِي يُورِثُ فِعْلُها مَساءَةً ﴿والفَحْشاءِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما يَكْرَهُهُ الطَّبْعُ مِن رَذائِلِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ كَما يُنْكِرُهُ العَقْلُ ويَسْتَخْبِثُهُ الشَّرْعُ، فَيَتَّفِقُ في حُكْمِهِ آياتُ اللَّهِ الثَّلاثُ مِنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ والطَّبْعِ، بِذَلِكَ يَفْحُشُ (p-٣٢٠)الفِعْلُ ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾ الحائِزِ أقْصى مَراتِبِ العَظَمَةِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِمّا تَسْتَفْتِحُونَ قَوْلَهُ في أقَلِّ المَوْجُوداتِ مِن إشْراكٍ أوِ ادِّعاءِ ولَدٍ أوْ تَحْلِيلٍ وتَحْرِيمٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، ولَقَدْ أبْلَغَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الآيَةِ في حُسْنِ الدُّعاءِ لِعِبادِهِ إلَيْهِ لُطْفًا مِنهُ بِهِمْ ورَحْمَةً لَهم بِتَذْكِيرِهِمْ في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِخَلْقِهِ لَهم أوَّلًا وبِجَعْلِهِ لَهم مُلائِمًا ثانِيًا وإباحَتِهِ لَهم ثالِثًا وتَحْذِيرِهِ لَهم مِنَ العَدُوِّ رابِعًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن دَقائِقِ الألْطافِ وجَلائِلِ المِنَنِ في سِياقٍ مُشِيرٍ إلى جَمِيعِ أصْنافِ الحَلالِ وسَبَبِ تَحْلِيلِهِ.
قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِ العُرْوَةِ في حَرْفِ الحَلالِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ تَوْسِيعُ الِاسْتِمْتاعِ بِما خَلَقَ اللَّهُ في الأرْضِ مِن نِعَمِهِ وخَيْرِهِ (p-٣٢١)المُوافَقَةِ لِطِباعِهِمْ وأمْزِجَتِهِمْ وقَبُولِ نُفُوسِهِمْ في جَمِيعِ جِهاتِ الِاسْتِمْتاعِ مِن طَعامٍ وشَرابٍ ولِباسٍ ومَرْكَبٍ ومَأْوًى وسائِرِ ما يُنْتَفَعُ بِهِ مِمّا أخْرَجَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ومِمّا بَثَّهُ في الأرْضِ وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ في ذَلِكَ مِن صَنْعَةٍ وتَرْكِيبٍ ومَزْجٍ لِيَشْهَدُوا دَوامَ لُبْسِ الخَلْقِ الجَدِيدِ في كُلِّ خَلْقٍ عَلى حَسَبِ ما مِنهُ فَطَرَ خَلْقَهُ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَخْلُوقًا مِن صَفاوَةِ كُلِّ شَيْءٍ تَوَسَّعَ لَهُ بِجِهاتِ الِانْتِفاعِ بِكُلِّ شَيْءٍ إلّا ما اسْتَثْنى مِنهُ بِحَرْفِ الحَرامِ ووَجْهِهِ كَما اسْتَثْنى لِآدَمَ أكْلَ الشَّجَرَةِ مِن مُتَّسَعِ رَغَدِ الجَنَّةِ فَكانَ لَهُ المَتاعُ بِجَمِيعِهِ إلّا ما أضَرَّ بِبَدَنِهِ أوْ خُبْثَ نَفْسِهِ أوْ رانَ عَلى عِلْمِ قَلْبِهِ وذَلِكَ بِأنْ يَسُوغَ لَهُ طَبْعًا وتَحْسُنَ مَغَبَّتُهُ في أخْلاقِ نَفْسِهِ ويُسْنِدُهُ قَلْبُهُ لِمُنْعِمِهِ الَّذِي يَشْهَدُ مِنهُ بِداياتِهِ وتَكَمُّلاتِهِ تَجْرِبَةً ثُمَّ كَمَّلَ القُرْآنُ ذَلِكَ بِإخْلاصِهِ لِلْمُنْعِمِ مِن غَيْرِ أثَرٍ لِما سِواهُ فِيهِ وجامِعِ مَنزِلِهِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ [القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ومِن أوائِلِهِ بِحَسَبِ تَرْتِيبِ ] البَيانِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ (p-٣٢٢)ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] الآيَةُ وسائِرُ الآياتِ الوارِدَةِ في سُورَةِ النَّحْلِ وفي سُورَةِ يس إذْ هي القَلْبُ الَّذِي مِنهُ مِدادُ القُرْآنِ كُلِّهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس: ٣٣] الآياتِ إلى سائِرِ ما في القُرْآنِ مِن نَحْوِهِ، ومِن مُتَّسَعٍ خِلالَ هَذا الحَرْفِ وقَعَتِ الفِتْنَةُ عَلى الخَلْقِ بِما زُيِّنَ لَهم مِنهُ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] الآيَةَ ووَجْهُ فِتْنَتِهِ أنَّ عَلى قَدْرِ التَّبَسُّطِ فِيهِ يَحْرُمُ مِن طِيبِ الآخِرَةِ ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكم في حَياتِكُمُ الدُّنْيا واسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف: ٢٠] «إنَّما يَلْبَسُ هَذِهِ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة: ٦٩] ومِن رُؤْيَةِ سُوءِ هَذا المَخْبَرِ نَشَأ زُهْدُ الزّاهِدِينَ، ومِن رُؤْيَةِ حُسْنِ المَتْجَرِ ورِبْحِهِ وتَضاعُفِهِ إلى ما لا يُدْرَكُ مَداهُ ونَعِيمُهُ في بَيْعِ خَلاقِ الدُّنْيا بِخَلاقِ الآخِرَةِ نَشَأ ورَعُ المُتَوَرِّعِينَ؛ فاسْتَراحَتْ قُلُوبُهم بِالزُّهْدِ، وانْكَفَؤُوا بِالوَرَعِ عَنِ الكَدِّ، وتَفَرَّغَتْ قُلُوبُهم وأعْمالُهم لِبَذْلِ الجِدِّ في سَبِيلِ الحَمْدِ، وتَمَيَّزَ الشَّقِيُّ مِنَ السَّعِيدِ بِالرَّغْبَةِ فِيهِ أوْ عَنْهُ، فَمَن رَغِبَ في الحَلالِ شَقِيَ ومَن رَغِبَ عَنْهُ سَعِدَ؛ وهو الحَرْفُ الَّذِي (p-٣٢٣)قَبَضَ بَسْطَهُ حَرْفُ النَّهْيِ حَتّى لَمْ يَبْقَ لِابْنِ آدَمَ حَظٌّ فِيما زادَ عَلى جِلْفِ الطَّعامِ وهي كِسْرَةٌ وثَوْبٌ يَسْتُرُهُ وبَيْتٌ يُكِنُّهُ، وما زادَ عَلَيْهِ مَتْجَرٌ إنْ أنْفَقَهُ رَبِحَهُ وقَدَّمَ عَلَيْهِ وإنِ ادَّخَرَهُ خَسِرَهُ ونَدِمَ عَلَيْهِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأحَدٍ في أكْلِهِ حَتّى يَتَّصِفَ بِالطَّيِّبِ لِلنّاسِ الَّذِينَ هم أدْنى المُخاطَبِينَ بِانْسِلاخِ أكْثَرِهِمْ مِنَ العَقْلِ والشُّكْرِ والإيمانِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] ومَحا اسْمَهُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا وهُمُ الَّذِينَ لا يَثْبُتُونَ ولا يَدُومُونَ عَلى خَيْرِ أحْوالِهِمْ بَلْ يُخْلِصُونَ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] وهو ما طَيَّبَهُ حَرْفُ النَّهْيِ عِلْمًا، وبَرِئَ مِن حَوادِّ القُلُوبِ طُمَأْنِينَةً، وتَمَّمَ وأنْهى صَفْوَةً لِلْمُرْسَلِينَ فَقالَ ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] ووَرَدَ جَوابًا لِسُؤالِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] فَمَن آثَرَ حَرْفَ النَّهْيِ عَلى حَرْفِ الحَلالِ فَقَدْ تَزَكّى واتَّبَعَ الأحْسَنَ وصَحَّ هُداهُ وصَفا لُبُّهُ (p-٣٢٤)ومَن آثَرَ حَرْفَ الحَلالِ عَلى حَرْفِ النَّهْيِ فَقَدْ تَدَسّى وحُرِمَ هُدى الكُتُبِ وعِلْمَ الحِكْمَةِ ومَزِيدَ التَّأْبِيدِ بِما فاتَهُ مِنَ التَّزْكِيَةِ وتَوَرَّطَ فِيهِ مِنَ التَّدْسِيَةِ واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ. ثُمَّ قالَ فِيما بِهِ تَحْصُلُ قِراءَتُهُ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ جامِعًا كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَفِعًا أمّا في حالِ السِّعَةِ فَمَعَ اسْتِثْناءِ أشْياءَ يَسِيرَةٍ مِمّا يَضُرُّهُ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ أوْ رَبِّهِ عَلى ما ذُكِرَ في الفَصْلِ الأوَّلِ أيْ: حَرْفُ الحَرامِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآيَةَ: وأمّا في حالِ الضَّرُورَةِ فَبِغَيْرِ اسْتِثْناءٍ البَتَّةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ أمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ فَمَعْرِفَةُ حِكْمَةِ اللَّهِ في المُتَناوَلِ مِن مَخْلُوقاتِهِ ومَعْرِفَةُ أخَصِّ مَنافِعِها مِمّا خَلَقَهُ، لِيَكُونَ غِذاءً في سِعَةٍ أوْ ضَرُورَةٍ وإدامًا أوْ فاكِهَةً أوْ دَواءً كَذَلِكَ؛ ومَعْرِفَةُ مُوازَنَةِ ما بَيْنَ الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ ومَضَرَّتِهِ واسْتِعْمالِهِ عَلى حُكْمِ الأغْلَبِ مِن مَنفَعَتِهِ، أوِ اجْتِنابِهِ عَلى حُكْمِ الأغْلَبِ مِن مَضَرَّتِهِ ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ (p-٣٢٥)لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] وذَلِكَ مُدْرَكٌ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِاعْتِبارِ العَقْلِ وإدْراكِ الحِسِّ في مَخْلُوقاتِهِ كَما أدْرَكَهُ الحَنِيفِيُّونَ، كانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ عَلى نَفْسِهِ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ إذا أُخِذَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ يَقُولُ: واللَّهِ لَوْ أصَبْتُ شَيْئًا أشْتَرِيهِ بِمالِي كُلِّهِ يَزِيدُ في عَقْلِي لَفَعَلْتُ فَكَيْفَ أشْتَرِي بِمالِي شَيْئًا يُنْقِصُ مِن عَقْلِي ! وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَثِيرًا ما يُنَبِّهُ عَلى حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأشْياءِ الَّتِي بِها تُتَناوَلُ أوْ تُجْتَنَبُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعالى
﴿ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] «فَقالَ لِطَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقَدْ ناوَلَهُ سَفَرْجَلَةً ”تَذْهَبُ بِطَخاءِ الفُؤادِ“» «وقالَ لِأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو رَمِدٌ في خُبْزِ الشَّعِيرِ والسِّلْقِ: ”كُلْ مِن هَذا فَإنَّهُ أوْفَقُ لَكَ“» «وقالَ في التَّمْرِ والقِثّاءِ: ”حَرُّ هَذا يَكْسِرُ بَرْدَ هَذا“» وقالَ لِرَمِدٍ: «أتَأْكُلُ التَّمْرَ وأنْتَ رَمِدٌ» «وقالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها في الماءِ المُشَمَّسِ: ”لا تَفْعَلِي يا حُمَيْراءُ ! فَإنَّهُ يُوَلِّدُ البَرَصَ“» وقالَ: «اسْتاكُوا بِكُلِّ عُودٍ ما خَلا الآسَ والرُّمّانَ فَإنَّهُما يُهَيِّجانِ عِرْقَ الجُذامِ» «وقالَ لِامْرَأةٍ اسْتَطْلَقَتْ بالشُّبْرُمِ: ”حارٌّ جارٌّ، ألا اسْتَطْلَقْتِ بِالسَّنا ؟ فَإنَّهُ لَوْ كانَ (p-٣٢٦)شَيْءٌ يُذْهِبُ الدّاءَ لَأذْهَبَهُ السَّنا“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا إذا أباحَهُ أوْ حَظَرَهُ نَبَّهَ عَلى حِكْمَتِهِ. وكانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَقُولُ لِلْمَرِيضِ: اصْنَعُوا لَهُ خَزِيرَةً فَإنَّها مُجِمَّةٌ لِفُؤادِ المَرِيضِ وتُذْهِبُ بَعْضَ الحَزَنِ. ومِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن كَلامِ العُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ومُجَرَّباتِ الحُكَماءِ ومَعارِفِ الحُكَماءِ الحُنَفاءِ، قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الطَّيِّباتُ ما اسْتَطابَتْهُ نُفُوسُ العَرَبِ، والخَبائِثُ ما اسْتَخْبَثَتْهُ نُفُوسُ العَرَبِ؛ هَذا مِن جِهَةِ [القَلْبِ ] وأمّا مِن جِهَةِ النَّفْسِ فَسَخاؤُها بِما يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِراكُ [مِنَ ] المُنْتَفَعاتِ المُحَلَّلاتِ، لِأنَّ الشُّحَّ بِالحَلالِ عَنْ مُسْتَحَقِّهِ مُحْظَرٌ لَهُ عَلى المُخْتَصِّ بِهِ الضِّيافَةُ عَلى أهْلِ الوَبَرِ ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ [النساء: ٨] ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦] ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ (p-٣٢٧)والمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦] وكَذَلِكَ صَبْرُها عَمّا تَشْتَهِيهِ مِنَ المُضِرّاتِ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦] وكَذَلِكَ التَّراضِي وطِيبُ النَّفْسِ فِيما يَقَعُ فِيهِ الِاشْتِراكُ ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] هَذِهِ الشُّرُوطُ الثَّلاثَةُ مِنَ السَّخاءِ والصَّبْرِ والتَّراضِي في النَّفْسِ، وأمّا في العَمَلِ وتَناوُلِ اليَدِ فَأوَّلُ ذَلِكَ ذِكْرُ اللَّهِ والتَّسْمِيَةُ عِنْدَ كُلِّ مُتَناوَلٍ، لِأنَّ كُلَّ شَيْءٍ لِلَّهِ فَما تُنُووِلَ بِاسْمِهِ أُخِذَ بِإذْنِهِ وما تُنُووِلَ بِغَيْرِ اسْمِهِ أُخِذَ تَلَصُّصًا عَلى غَيْرِ وجْهِهِ وشارَكَ الشَّيْطانُ في تَناوُلِهِ فَتَبِعَهُ المُتَناوِلُ مَعَهُ في خُطُواتِهِ وشارَكَهم في الأمْوالِ والأوْلادِ؛ «جاءَ أعْرابِيٌّ وصَبِيٌّ لِيَأْكُلا طَعامًا بَيْنَ أيْدِي النَّبِيِّ ﷺ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ فَأخَذَ بِأيْدِيهِما وقالَ ”إنَّ الشَّيْطانَ جاءَ لِيَسْتَحِلَّ بِهِما هَذا الطَّعامَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ! إنَّ يَدَهُ في يَدِي مَعَ أيْدِيهِما“ فَسَمّى النَّبِيُّ ﷺ (p-٣٢٨)وأكَلَ ثُمَّ أطْلَقَها وقالَ: ”كُلا بِاسْمِ اللَّهِ“ وقالَ لِغُلامٍ آكِلٍ: ”يا غُلامُ ! سَمِّ اللَّهَ“» والثّانِي التَّناوُلُ بِاليَمِينِ، لِأنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِهِ ويَشْرَبُ بِشِمالِهِ، واليَمِينُ خادِمُ ما عَلا مِنَ الجَسَدِ والشِّمالُ خادِمُ ما سَفَلَ مِنهُ. والثّالِثُ أنْ يَتَناوَلَ تَناوُلَ تَقَنُّعٍ وتَرَفُّعٍ عَنْ تَناوُلِ النُّهْبَةِ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْكُلُ بِثَلاثَةِ أصابِعَ”“ويَشْرَبُ مَصًّا في ثَلاثٍ”وقالَ:“هُوَ أبْرَأُ وأمْرَأ وأهْنَأُ» وقالَ: «الكُبادُ مِنَ العَبِّ» والرّابِعُ الِاكْتِفاءُ بِما دُونَ الشِّبَعِ لِما في ذَلِكَ مِن حُسْنِ اغْتِذاءِ البَدَنِ وحِفْظِ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ؛ ومِن عَلاماتِ السّاعَةِ ظُهُورُ السِّمَنِ عَنِ الأكْلِ في الرِّجالِ؛ و«ما مَلَأ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ» و«ما دَخَلَتِ الحِكْمَةُ مَعِدَةً مُلِئَتْ طَعامًا» و«المُؤْمِنُ يَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ والكافِرُ يَأْكُلُ في سَبْعَةِ أمْعاءَ» لِتَوَكُّلِ المُؤْمِنِ في قِوامِهِ ولِاتِّكالِ الكافِرِ عَلى الغِذاءِ في قُوَّتِهِ: «وحَسْبَ المُؤْمِنِ لُقَيْماتٍ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإنْ كانَ ولا بُدَّ فاعِلًا فَثُلُثٌ لِلطَّعامِ وثُلُثٌ لِلشَّرابِ وثُلُثٌ (p-٣٢٩)لِلنَّفَسِ» انْتَهى. قُلْتُ: ولَعَلَّ المُرادَ أنَّ الكافِرَ يَأْكُلُ شِبَعًا فَيَأْكُلُ مِلْأ بَطْنِهِ لِأنَّ الأمْعاءَ كَما قالُوا سَبْعَةٌ، والمُؤْمِنُ يَأْكُلُ تَقَوُّتًا فَيَأْكُلُ في مِعًى واحِدٍ وهو سُبُعُ بَطْنِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مِعاءَيْنِ وشَيْءٍ وهو الثُّلُثُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. قالَ الحَرالِّيُّ: والخامِسُ حَمْدُ اللَّهِ تَعالى في الخِتامِ، لِأنَّ مَن لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ في الخِتامِ كَفَرَ بِنِعْمَتِهِ. ومَن حَمِدَ غَيْرَ اللَّهِ آمَنَ بِطاغُوتِهِ؛ فَبِهَذِهِ الأُمُورِ مَعْرِفَةً في القَلْبِ وحالًا في النَّفْسِ وآدابًا في العَمَلِ تَصِحُّ قِراءَةُ حَرْفِ الحَلالِ ويَحْصُلُ خَيْرُ الدُّنْيا ويَتَمَدَّدُ الأساسُ لِبِناءِ خَيْرِ الآخِرَةِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ التَّوْفِيقِ. انْتَهى.
البقرة 2:170
ولَمّا نَهاهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ مُتابَعَةِ العَدُوِّ ذَمَّهم بِمُتابَعَتِهِ مَعَ أنَّهُ عَدُوٌّ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ لِلْجَهَلَةِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ [البقرة: ١٦٥] مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿وإذا قِيلَ﴾ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ. ولَمّا كانَ الخِطابُ لِلنّاسِ عامَّةً وكانَ أكْثَرُهم مُقَلِّدًا ولا سِيَّما لِلْآباءِ أعادَ الضَّمِيرَ والمُرادُ أكْثَرُهم فَقالَ: ﴿لَهُمُ اتَّبِعُوا﴾ أيِ: اجْتَهِدُوا (p-٣٣٠)فِي تَكْلِيفِ أنْفُسِكُمُ الرَّدَّ عَنِ الهَوى الَّذِي نَفَخَهُ فِيها الشَّيْطانُ، وفي قَوْلِهِ لَهُ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ العِلْمُ الشّامِلُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ انْعِطافٌ عَلى ذَلِكَ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ وما شاكَلَهُ ﴿قالُوا بَلْ﴾ أيْ: لا نَتَّبِعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَلْ ﴿نَتَّبِعُ﴾ أيْ: نَجْتَهِدُ في تَبَعِ ﴿ما ألْفَيْنا﴾ أيْ: وجَدْنا، قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإلْفاءِ وهو وِجْدانُ الأمْرِ عَلى ما ألِفَهُ المُتَبَصِّرُ فِيهِ أوِ النّاظِرُ إلَيْهِ ﴿عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الجَهْلِ والعَجْزِ، قالَ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ عَوائِدَ الآباءِ مَنهِيَّةٌ حَتّى يَشْهَدَ لَها شاهِدُ أُبُوَّةِ الدِّينِ فَفِيهِ التَّحْذِيرُ في رُتَبِ ما بَيْنَ حالِ الكُفْرِ إلى أدْنى الفِتْنَةِ الَّتِي شَأْنُ النّاسِ أنْ يَتَّبِعُوا فِيها عَوائِدَ آبائِهِمْ. انْتَهى. (p-٣٣١)ولَمّا أبَوْا إلّا إلْفَ وِهادِ التَّقْلِيدِ فَدَنَوْا عَنِ السُّمُوِّ إلى عِدادِ أُولِي العِلْمِ بِالنَّظَرِ السَّدِيدِ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ فَقالَ مُبَكِّتًا لَهم: ﴿أوَلَوْ﴾ أيْ: أيَتَّبِعُونَ آباءَهم والحالُ أنَّهُ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ المَعْقُولَةِ ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ بِأبْصارِ عُيُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ.
البقرة 2:171
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَثَلُهم حِينَئِذٍ كَمَن تَبِعَ أعْمى في طَرِيقٍ وعِرٍ خَفِيٍّ [فِي فَلَواتٍ ] شاسِعَةٍ كَثِيرَةِ الخَطَرِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُرْشِدُ إلى تَقْدِيرِهِ مِن قَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم صارُوا بِهَذا كالبَهائِمِ بَلْ أضَلُّ لِأنَّها وإنْ كانَتْ لا تَعْقِلُ فَهي تَسْمَعُ وتُبْصِرُ فَتَهْتَدِي إلى مَنافِعِها ﴿ومَثَلُ﴾ وبَيَّنَ الوَصْفَ الَّذِي حَمَلَهم عَلى هَذا الجَهْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما يَعْلَمُونَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ بِما عِنْدَهم مِنَ الهَوى في أنَّهم لا يَسْمَعُونَ مِنَ الدُّعاءِ إلّا جَرْسَ النَّغْمَةِ ودَوِيَّ الصَّوْتِ مِن غَيْرِ إلْقاءِ أذْهانٍ ولا اسْتِبْصارٍ ﴿كَمَثَلِ﴾ (p-٣٣٢)قالَ الحَرالِّيُّ: المَثَلُ ما يَتَحَصَّلُ في باطِنِ الإدْراكِ مِن حَقائِقِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ فَيَكُونُ ألْطَفَ مِنَ الشَّيْءِ المَحْسُوسِ فَيَقَعُ لِذَلِكَ جالِيًا لِمَعْنى مِثْلِ المَعْنى المَعْقُولِ ويَكُونُ الأظْهَرُ مِنهُما مَثَلًا لِلْأخْفى، فَلِذَلِكَ يَأْتِي اسْتِجْلاءُ المَثَلِ بِالمَثَلِ، لِيَكُونَ فِيهِ تَلْطِيفٌ لِلظّاهِرِ المَحْسُوسِ وتَنْزِيلٌ لِلْغائِبِ المَعْلُومِ؛ فَفي هَذِهِ الآيَةِ يَقَعُ الِاسْتِجْلاءُ بَيْنَ المَثَلَيْنِ لا بَيْنَ المَمْثُولَيْنِ لِتَقارُبِ المَثَلَيْنِ يَعْنِي وهو وجْهُ الشَّبَهِ وتَباعُدِ المَمْثُولَيْنِ، وفي ذِكْرِ هَذَيْنِ المَثَلَيْنِ تَقابُلٌ يُفْهِمُ مَثَلَيْنِ آخَرَيْنِ، فاقْتَضى ذَلِكَ تَمْثِيلَيْنِ في مَثَلٍ واحِدٍ كَأنَّ وفاءَ اللَّفْظِ الَّذِي أفْهَمُهُ [هَذا الإيجازُ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ومَثَلُ راعِيهِمْ كَمَثَلِ الرّاعِي ومَثَلِ ما يُرْعى مِنَ البَهائِمِ وهو مِن أعْلى خِطابِ فُصَحاءِ العَرَبِ، ومَن لا يَصِلُ فَهْمُهُ ] إلى جَمْعِ المَثَلَيْنِ يَقْتَصِرُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِمَثَلٍ واحِدٍ فَيُقَدِّرُ في الكَلامِ: ومَثَلُ داعِي الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ أيْ: يَصِيحُ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّأْوِيلَ يُحْمَلُ عَلى الإضْمارِ والتَّقْدِيرِ، والفَهْمُ يَمْنَعُ مِنهُ ويُوجِبُ فَهْمَ إيرادِ القُرْآنِ عَلى حَدِّهِ ووَجْهِهِ؛ وقالَ: ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها فَهو ﴿يَسْمَعُ إلا دُعاءً﴾ أيْ: مِنَ النّاطِقِ فِيما (p-٣٣٣)يُدْعى إلَيْهِ مِن قِوامِ غِذائِهِ ونَسْلِهِ ﴿ونِداءً﴾ فِيما ساقَ إلَيْهِ بِمَحَلِّ دُعائِهِ مِن حَيْثُ إنَّ النِّداءَ يُشْعِرُ [بِالبُعْدِ والدُّعاءَ يُشْعِرُ ] بِالشُّرُوعِ في القَصْدِ. انْتَهى.
فالكافِرُونَ في كَوْنِهِمْ لا يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ لِما يَسْمَعُونَ مِنَ الأدِلَّةِ وهم أُولُو عَقْلٍ وسَمْعٍ وبَصَرٍ كالبُهْمِ الَّتِي تَسْمَعُ (p-٣٣٤)وتُبْصِرُ ولَكِنَّها لِكَوْنِها لا تَعْقِلُ [لا تَرْجِعُ ] بِالكَلامِ لِأنَّها لا تَسْمَعُ إلّا ظاهِرَ الصَّوْتِ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ بَلْ بِالحَجَرِ والعَصا، فَإنَّ الرّاعِيَ إذا أرادَ رُجُوعَها عَنْ ناحِيَةٍ صاحَ بِها ورَمى بِحَجَرٍ إلى ما أمامَها فَتَرْجِعُ، فَهي مَحَلُّ مَثَلِهِمُ الَّذِي هو عَدَمُ الإدْراكِ، والبُهْمُ في كَوْنِها لا تَرْجِعُ بِالنِّداءِ بَلْ بِقارِعٍ كالأصَمِّ الأبْكَمِ الأعْمى الَّذِي لا يَرْجِعُ إلّا بِقارِعٍ يَصُكُّهُ في وجْهِهِ فَيَنْكِصُ عَلى عَقِبِهِ فَهو مَحَلُّ مَثَلِها، وداعِيهِمْ في كَوْنِهِ يَتَكَلَّمُ فَلا يُؤَثِّرُ كَلامُهُ مَعَ المُبالَغَةِ فِيهِ كَراعِي البُهْمِ فَهو مَوْضِعُ مَثَلِهِ، وراعِي البُهْمِ مِن حَيْثُ إنَّ بُهْمَهُ لا تَرْجِعُ إلّا بِضَرْبَةٍ بِالحَجَرِ أوْ غَيْرِهِ كالسَّوْطِ الَّذِي يُقْمَعُ بِهِ الأصَمُّ أوْ كَضارِبِ الأصَمِّ المَذْكُورِ فَهو مَحَلُّ مَثَلِهِ؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ التَّمْثِيلِ قَوْلَهُ: ﴿صُمٌّ﴾ أيْ: لا يَسْمَعُونَ ﴿بُكْمٌ﴾ أيْ: لا يَنْطِقُونَ ﴿عُمْيٌ﴾ أيْ: لا يُبْصِرُونَ، وقَدْ عُلِمَ بِهَذا أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ حُذِفَ مِنَ الأوَّلِ مَثَلُ الدّاعِي لِدَلالَةِ النّاعِقِ عَلَيْهِ ومِنَ الثّانِي المَنعُوقُ بِهِ لِدَلالَةِ المَدْعُوِّينَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَوْجُودُ إدْراكِ العَقْلِ هو حَقائِقُ المَحْسُوساتِ وقَدْ نَفى عَنْهُمُ الحِسَّ المُدْرِكَ لِلْمَحْسُوساتِ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (p-٣٣٥)﴿فَهُمْ﴾ بِالفاءِ رَبْطًا وتَعْقِيبًا وتَسْبِيبًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ كَما أنَّ هَذا الأصَمَّ كَذَلِكَ، ونَفاهُ بِلا النّافِيَةِ لِلْمُمْتَنِعِ وصِيغَةِ المُضارِعِ المُنْبِئَةُ عَنِ الدَّوامِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
البقرة 2:172
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الدُّعاءَ لا يَزِيدُهم إلّا نُفُورًا رُقِّيَ الخِطابُ [مِنَ النّاسِ ] إلى أعْلى مِنهم رُتْبَةً فَقالَ آمِرًا لَهم أمْرَ إباحَةٍ أيْضًا وهو إيجابٌ في تَناوُلِ ما يُقِيمُ البَيِّنَةَ ويَحْفَظُها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا﴾ . وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا كانَ تَقَدُّمُ الخِطابِ في أمْرِ الدِّينِ في رُتْبَتَيْنِ أُولاهُما ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] وثانِيَتُهُما ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] فَأمَرَ النّاسَ فِيهِ بِالعِبادَةِ وأمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِحُسْنِ الرِّعايَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَذَلِكَ هُنا أمَرَ النّاسَ (p-٣٣٦)بِالأكْلِ مِمّا في الأرْضِ ونَهى عَنِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وأشْعَرَ الخِطابُ بِأنَّهم مِمَّنْ يَتَوَجَّهُ الشَّيْطانُ نَحْوَهم لِلْأمْرِ بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ والقَوْلِ بِالهَوى، وأمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالأكْلِ ﴿مِن طَيِّباتِ﴾ فَأعْرَضَ في خِطابِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الأرْضِ لِتَناوُلِهِمُ الرِّزْقَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّ أدْنى الإيمانِ عِبادَةُ مَن في السَّماءِ واسْتِرْزاقُ مَن في السَّماءِ كَما قالَ لِلسَّوْداءِ: «أيْنَ اللَّهُ ؟ قالَتْ: في السَّماءِ، قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ﴾ [الذاريات: ٢٢] فَأطْعَمَ الأرْضِيِّينَ وهُمُ النّاسُ مِمّا في الأرْضِ وأطْعَمَ السَّماوِيِّينَ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِن رِزْقِ السَّماءِ كَذَلِكَ، وخُصَّ هَذا الخِطابُ بِلَفْظِ الحَلالِ لَمّا كانَ آخِذًا رِزْقَهُ مِنَ السَّماءِ مُتَناوِلًا طَيِّبَةً لِبَراءَتِهِ مِن حالِ مِمّا في الأرْضِ مِمّا شَأْنُهُ ضُرٌّ في ظاهِرٍ أوْ أذًى في باطِنٍ، ولِذَلِكَ ”ولَوْ كانَتِ الدُّنْيا دَمًا عَبِيطًا لَكانَ قُوتُ المُؤْمِنِ مِنها حَلالًا“، فالمُسْتَرْزِقُ مِنَ السَّماءِ يَصِيرُ المُحَرَّمُ لَهُ حَلالًا لِأخْذِهِ مِنهُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ تَقَوُّتًا لا تَشَهِّيًا، ويَصِيرُ الحَلالُ لَهُ طَيِّبًا لِاقْتِناعِهِ مِنهُ (p-٣٣٧)بِالكَفافِ دُونَ التَّشَهِّي ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤] وفي مَوْرِدِ هَذَيْنِ الخِطابَيْنِ بَيانُ أنَّ كَلِمَةَ ”لِلنّاسِ“ واقِعَةٌ عَلى سِنٍّ مِن أسْنانِ القُلُوبِ وكَلِمَةَ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ واقِعَةٌ عَلى سِنِّ فَوْقِهِ ولَيْسَ يَقَعُ عَلى عُمُومٍ يَشْمَلُ جَمِيعَ الأسْنانِ القَلْبِيَّةِ، فَتَوَهَّمَ ذَلِكَ مِن أقْفالِ القُلُوبِ الَّتِي تَمْنَعُ تَدَبُّرَ القُرْآنِ، لِأنَّ خِطابَ القُرْآنِ يَتَوَجَّهُ لِكُلِّ أُولِي سِنٍّ عَلى حَسَبِ سِنِّ قُلُوبِهِمْ، لا يَصْلُحُ خِطابُ كُلِّ سِنٍّ إلّا لَهُ يَتَقاصَرُ عَنْهُ مَن دُونَهُ ولا يَحْتاجُ إلَيْهِ مَن فَوْقَهُ، وهي أسْنانٌ مُتَعَدِّدَةٌ: سِنَّ الإنْسانِ ثُمَّ سِنُّ النّاسِ، ثُمَّ سِنُّ الَّذِينَ آمَنُوا، ثُمَّ سِنُّ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ، ثُمَّ سِنُّ المُؤْمِنِينَ، [ثُمَّ سِنُّ المُؤْمِنِينَ ] حَقًّا، ثُمَّ سِنُّ المُحْسِنِينَ؛ هَذِهِ أسْنانٌ سَبْعَةٌ خِطاباتُها مُتَرَتِّبَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، ومَن وراءَ ذَلِكَ أسْنانٌ فَوْقَها مِن سِنِّ المُوقِنِينَ وما وراءَ ذَلِكَ إلى أحْوالِ أثْناءِ هَذِهِ الأسْنانِ مِن حالِ الَّذِينَ أسْلَمُوا والمُسْلِمِينَ ومَن يُوصَفُ بِالعَقْلِ والذِّكْرِ والفِكْرِ والسَّماعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي تُلازِمُ تِلْكَ الأسْنانَ في رُتَبٍ مُتَراقِيَةٍ لا يَشْمَلُ أدْناها أعْلاها ولا يَنْهَضُ أدْناها لِرُتْبَةِ خِطابِ أعْلاها (p-٣٣٨)إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن خُصُوصِ خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ بِما لا يَلِيقُ إلّا بِهِ وبِمَن هو مِنهُ مِن إلَهٍ، وفي انْتِظامِ تَفْصِيلِ هَذِهِ الرُّتَبِ جامِعَةٌ لِما يَقَعُ مِن مَعْناهُ في سائِرِ القُرْآنِ. انْتَهى. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الرُّتْبَةُ كَما تَقَدَّمَ أرْفَعَ مِن رُتْبَةِ النّاسِ خَصَّ في خِطابِهِمْ بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما لَمْ يَحِلَّ خَبِيثٌ فَقالَ: ﴿مِن طَيِّباتِ﴾ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ العُمُومِ الَّذِي تَأْلَفُ بِهِ النّاسُ.
ولَمّا كانُوا في أوَّلِ طَبَقاتِ الإيمانِ نَبَّهَهم عَلى الشُّكْرِ بِقَوْلِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿ما رَزَقْناكُمْ﴾ وأخْلَصْناهُ لَكم مِنَ الشُّبَهِ، ولا تَعْرِضُوا لِما فِيهِ دَنَسٌ كَما أحَلَّهُ المُشْرِكُونَ مِنَ المُحَرَّماتِ، ولا تُحَرِّمُوا ما أحَلُّوا مِنها مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ [آمِرًا أمْرَ إيجابٍ ]: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ أيْ: وخُصُّوا شُكْرَكم بِالمُنْعِمِ الَّذِي لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ، (p-٣٣٩)وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ خِطابًا لِأعْلى طَبَقاتِ الخُلَّصِ وهُمُ الرُّسُلُ.
ولَمّا كانَ الشُّكْرُ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّوْحِيدِ عَلَّقَهُ بِاخْتِصاصِهِمْ إيّاهُ بِالعِبادَةِ فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَعْبُدُونَ﴾ فَإنَّ اخْتِصاصَهُ بِذَلِكَ سَبَبٌ لِلشُّكْرِ، فَإذا انْتَفى الِاخْتِصاصُ الَّذِي هو السَّبَبُ انْتَفى الشُّكْرُ، وأيْضًا إذا انْتَفى المُسَبَّبُ الَّذِي هو الشُّكْرُ انْتَفى الِاخْتِصاصُ لِأنَّ السَّبَبَ واحِدٌ، فَهُما مُتَساوِيانِ يَرْتَفِعُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِارْتِفاعِ الآخَرِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الخِطابُ مُنْتَظِمًا لِتَناوُلِ الطَّيِّبِ والشُّكْرِ وحَقِيقَتُهُ البَذْلُ مِنَ الطَّيِّبِ فَشُكْرُ كُلِّ نِعْمَةٍ إظْهارُها عَلى حَدِّها مِن مالٍ أوْ جاهٍ أوْ عِلْمٍ أوْ طَعامٍ أوْ شَرابٍ أوْ غَيْرِهِ وإنْفاقُ فَضْلِها والِاقْتِناعُ مِنها بِالأدْنى والتِّجارَةُ بِفَضْلِها لِمُبْتَغى الأجْرِ وإبْلاغُها إلى أهْلِها لِمُؤَدِّي (p-٣٤٠)الأمانَةِ لِأنَّ أيْدِيَ العِبادِ خَزائِنُ المَلِكِ الجَوّادِ ”دَعُوا النّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ“ . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِمَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُخْلِفِ عَلى مَن أنْفَقَ كَما قالَ ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ﴾ [سبإ: ٣٩] نُبِّهُوا عَلى عَهْدِهِمُ الَّذِي لُقِّنُوهُ في سُورَةِ الفاتِحَةِ في قَوْلِهِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] فَقِيلَ لَهم: كُلُوا واشْكُرُوا إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ؛ فَمَن عَرَفَ اللَّهَ بِالكَرَمِ هانَ عَلَيْهِ أنْ يَتَكَرَّمَ ومَن عَرَفَ اللَّهَ بِالإنْعامِ والإحْسانِ هانَ عَلَيْهِ أنْ يُحْسِنَ وهو شُكْرُهُ لِلَّهِ، مَن أيْقَنَ بِالخُلْفِ جادَ بِالعَطِيَّةِ. انْتَهى.
البقرة 2:173
ولَمّا قَيَّدَ الإذْنَ لَهم بِالطَّيِّبِ مِنَ الرِّزْقِ افْتَقَرَ الأمْرُ إلى بَيانِ الخَبِيثِ مِنهُ لِيُجْتَنَبَ فَبَيَّنَ صَرِيحًا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَسْتَحِلُّونَهُ ويُحَرِّمُونَ غَيْرَهُ وأفْهَمَ حِلَّ ما عَداهُ وأنَّهُ كَثِيرٌ جِدًّا لِيَزْدادَ المُخاطَبُ شُكْرًا فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ . وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ إدْراكُ المُؤْمِنِينَ لِمُقْتَضى الخِطابِ فَوْقَ إدْراكِ النّاسِ خاطَبَهم تَعالى بِذِكْرِ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فَناظَرَ ذَلِكَ ما نَهى عَنْهُ النّاسَ مِنَ اتِّباعِ خُطُواتِ (p-٣٤١)الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿إنَّما حَرَّمَ﴾ وأجْرى إضْمارَهُ عَلى الِاسْمِ العَظِيمِ الأوَّلِ إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي أذِنَ لَهم إنَّما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ما لا يَصْلُحُ لَهم بِكُلِّ وجْهٍ لِشِدَّةِ مَضَرَّتِهِ عَلَيْهِمْ في إحاطَةِ ذَواتِهِمْ ظاهِرِها وباطِنِها، لَمّا ذَكَرَ أنَّ المُحَرَّمَ إمّا لِحُرْمَتِهِ عُلُوًّا كالبَلَدِ الحَرامِ وتَحْرِيمِ الأمْرِ، أوْ لِحُرْمَتِهِ دَناءَةً كَتَحْرِيمِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ، فَفي كَلِمَةِ ”إنَّما“ نَفْيٌ لِمُتَوَهَّماتِ ما يَلْحَقُهُ التَّحْرِيمُ بِما دُونَ المَذْكُورِ هُنا كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: حُرِّمَ كَذا وحُرِّمَ كَذا مِن نَحْوِ ما حَرَّمَتْهُ الكُتُبُ الماضِيَةُ أوْ حَرَّمَتْهُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ أوْ حَرَّمَهُ نَظَرٌ عِلْمِيٌّ كالَّذِي حَرَّمَهُ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ، فَكانَ الإفْهامُ لِرَدِّ تِلْكَ المُحَرَّماتِ كُلِّها. انْتَهى. فالمَعْنى واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ أنَّكم حَرَّمْتُمُ الوَصِيلَةَ والسّائِبَةَ وغَيْرَهُما مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ وأحْلَلْتُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ وغَيْرَهُما حَرَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَمْ يُحَرِّمِ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها مِمّا حَرَّمْتُمُوهُ ولا غَيْرَهُ مِمّا اسْتَحْلَلْتُمُوهُ إلّا ما ذَكَرَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ؛ وإذا راجَعْتَ ما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأنْعامِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وقَوْلَهُ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقَوْلَهُ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] (p-٣٤٢)مِن كِتابِي هَذا عَرَفْتَ المُرادَ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ﴿المَيْتَةَ﴾ أيِ: الَّتِي سَمّاها بِذَلِكَ أهْلُ العُرْفِ، وهي ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ وهو مِمّا يُذَكّى. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي ما أدْرَكَهُ المَوْتُ مِنَ الحَيَوانِ عَنْ ذُبُولِ القُوَّةِ وفَناءِ الحَياةِ، وهي أشَدُّ مُفْسِدٍ لِلْجِسْمِ لِفَسادِ تَرْكِيبِها بِالمَوْتِ وذَهابِ تَلَذُّذِ أجْزائِها وعِتْقِها وذَهابِ رُوحِ الحَياةِ والطَّهارَةِ مِنها.
﴿والدَّمَ﴾ أيِ: الجارِي لِأنَّهُ جَوْهَرٌ مُرْتَكِسٌ عَنْ حالِ الطَّعامِ ولَمْ يَبْلُغْ بَعْدُ إلى حالِ الأعْضاءِ، فَهو مَيْتَةٌ مِن خاصِّ حَياتِهِ مُرْتَكِسٌ في جَوْهَرِهِ إلّا مَن طَيَّبَ اللَّهُ كُلِّيَّتَهُ كَما في مُحَمَّدٍ ﷺ وفِيمَن نَزَعَ عَنْهُ خُبْثَ الظّاهِرِ والباطِنِ طَبْعًا ونَفْسًا.
﴿ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾ لِأذاهُ لِلنَّفْسِ كَما حُرِّمَ ما قَبْلَهُ لِمَضَرَّتِهِما في الجِسْمِ، لِأنَّ مِن حِكْمَةِ اللَّهِ في خَلْقِهِ أنَّ مَنِ اغْتَذى (p-٣٤٣)جِسْمُهُ بِجُسْمانِيَّةِ شَيْءٍ اغْتَذَتْ نَفْسُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ ”الكِبْرُ والخُيَلاءُ في الفَدّادِينَ أهْلِ الوَبَرِ، والسِّكِينَةُ في أهْلِ الغَنَمِ“ فَلَمّا جُعِلَ في الخِنْزِيرِ مِنَ الأوْصافِ الذَّمِيمَةِ حُرِّمَ عَلى مَن حُوفِظَ عَلى نَفْسِهِ مِن ذَمِيمِ الأخْلاقِ؛ واللَّحْمُ ما لَحَمَ بَيْنَ أخْفى ما في الحَيَوانِ مِن وسَطِ عَظْمِهِ وما انْتَهى إلَيْهِ ظاهِرُهُ مِن سَطْحِ جِلْدٍ، وعُرِفَ غَلَبَةُ اسْتِعْمالِهِ عَلى رَطْبَةِ الأحْمَرِ، وهو هُنا عَلى أصْلِهِ في اللُّغَةِ يَجْمَعُ اللَّحْمَ الأحْمَرَ والشَّحْمَ والأعْصابَ والعُرُوقَ إلى حَدِّ الجِلْدِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مِن أجْزاءِ الرُّطُوباتِ، وإذا حَرُمَ لَحْمُهُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالأكْلِ وهو أطْيَبُ (p-٣٤٤)ما فِيهِ كانَ غَيْرُهُ مِن أجْزائِهِ أوْلى بِالتَّحْرِيمِ.
ولَمّا حَرَّمَ ما يَضُرُّ الجِسْمَ ويُؤْذِي النَّفْسَ حَرَّمَ ما يَرِينُ عَلى القَلْبِ فَقالَ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ والإهْلالُ رَفْعُ الصَّوْتِ لِرُؤْيَةِ أمْرٍ مُسْتَعْظَمٍ ﴿بِهِ﴾ أيْ: رَفْعُ رافِعِ الصَّوْتِ بِسَبَبِهِ ذابِحًا ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ بِوَجْهٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: لِأنَّ ما لَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ أُخِذَ مِن يَدِ مَن ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُهُ ولَيْسَ ذَلِكَ خالِقَهُ ومالِكَهُ، إنَّما خالِقُهُ ومالِكُهُ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ ذِكْرَ اسْمِهِ عَلَيْهِ إذْنًا في الِانْتِفاعِ بِهِ وذَكَرَ عَلى إزْهاقِ الرُّوحِ مَن هي مِن نَفْخَتِهِ لا مَن لا يَجِدُ لِلدَّعْوى فِيها (p-٣٤٥)سَبِيلًا مِنَ الخَلْقِ. وذِكْرُ الإهْلالِ إعْلامٌ بِأنَّ ما أُعْلِنَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اسْمِ اللَّهِ هو أشَدُّ المُحَرَّمِ، فَفي إفْهامِهِ تَخْفِيفُ الخِطابِ عَمّا لا يُعْلَمُ مِن خَفِيِّ الذِّكْرِ «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ ! إنَّ ناسًا يَأْتُونَنا بِلِحامٍ لا نَدْرِي أسَمُّوا اللَّهَ عَلَيْها أمْ لا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سَمُّوا اللَّهَ أنْتُمْ وكُلُوا» فَكانَ المُحَرَّمُ لَيْسَ ما لَمْ يُعْلَمْ أنَّ اسْمَ اللَّهِ ذُكِرَ عَلَيْهِ بَلِ الَّذِي عُلِمَ أنَّ غَيْرَ اسْمِ اللَّهِ قَدْ أُعْلِنَ بِهِ عَلَيْهِ، وفي تَقَدَّمَ إضْمارُ المُحَرَّمِ في قَوْلِهِ“ بِهِ " تَأْكِيدٌ لِمَعْناهُ لِأنَّهم يُقَدِّمُونَ ما هم بِهِ أهَمُّ وهم بِبَيانِهِ أعْنى، قالَ ﷺ: «ابْدَؤُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ»، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ جامِعَةً أيِ: التَّحْرِيمُ أظْهَرَ فِيها تَقْدِيمَ العِنايَةِ بِالمُحَرَّمِ وهي في الإبْلاغِ أنْهى مَعْنًى مِنَ الَّذِي أُخِّرَ فِيها هَذا الضَّمِيرُ.
ولَمّا كانَ هَذا الدِّينُ يُسْرًا لا عُسْرَ فِيهِ ولا حَرَجَ ولا جُناحَ رَفَعَ حُكْمَ هَذا التَّحْرِيمِ عَنِ المُضْطَرِّ، ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاضْطِرارِ أنْ يَشْمَلَ جَمْعًا مِنَ الخَلْقِ أنْبَأهم تَعالى بِأنَّ هَذا الَّذِي رُفِعَ عَنْهم مِنَ التَّحْرِيمِ لا يَبْرَأُ (p-٣٤٦)مِن كُلِّيَّةِ الأحْكامِ بَلْ يَبْقى مَعَ هَذِهِ الرُّخْصَةِ مَوْقِعُ الأحْكامِ في البَغْيِ والعُدْوانِ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [أيْ: أحْوَجَهُ مُحْوِجٌ وألْجَأهُ مُلْجِئٌ بِأيِّ ضَرُورَةٍ كانَتْ ] إلى أكْلِ شَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ بِأنَّ أشْرَفَ عَلى التَّلَفِ فَأكَلَ مِن شَيْءٍ مِنهُ حالَ كَوْنِهِ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: قاصِدٍ فَسادًا بِمَكِيدَةٍ يَكِيدُ بِها لِضَعْفِهِ آخِذًا مِن تِلْكَ المَيْتَةِ هو أقْوى مِنهُ كَأنْ يُحِيلَهُ عَلى غَيْرِها خِداعًا مِنهُ لِيَسْتَأْثِرَ عَلَيْهِ بِالأحْسَنِ مِنها ﴿ولا عادٍ﴾ عَلى غَيْرِهِ بِأنْ يَكُونَ أقْوى مِنهُ فَيَدْفَعُهُ عَنْها، ولا مُجاوِزٌ لِسَدِّ الرَّمَقِ وإزالَةِ الضَّرُورَةِ؛ ويَدْخُلُ في الآيَةِ أنَّ مَن بَغى عَلى إمامٍ أوْ قَصَدَ بِضَرْبِهِ في الأرْضِ فَسادًا أوْ عَدا عَلى أحَدٍ ظُلْمًا فَحَصَلَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مَخْمَصَةٌ لا يَحِلُّ لَهُ ما كانَ حَرامًا لِأنَّ في ذَلِكَ إعانَةً لَهُ عَلى مَعْصِيَتِهِ، فَإنْ تابَ اسْتَباحَ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ لا مِنَ التَّحْرِيمِ الأوَّلِ ولا (p-٣٤٧)مِنَ الحُكْمِ الآخَرِ، ولَوْ كانَ رَفْعُ الإثْمِ دُونَ هَذَيْنِ الِاشْتِراطَيْنِ لَوَقَعَ بَيْنَ المُضْطَرِّينَ مِنَ البَغْيِ والتَّسَلُّطِ ما مُثْلُهُ لا يَحِلُّ لِغَيْرِ المُضْطَرِّينَ، فانْتَفى الإثْمُ عَلى صِحَّةٍ مِنَ الأمْرَيْنِ وارْتِفاعِ الحُكْمَيْنِ، فَفي السِّعَةِ يُجْتَنَبُ ما يَضُرُّ وفي الضَّرُورَةِ يُؤْثَرُ ضَرُورَةُ الجِسْمِ لِقِوامِهِ عَلى حُكْمِ الكِتابِ في إقامَتِهِ؛ وفي إفْهامِهِ أنَّ مَنِ اضْطُرَّ لِشَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَأكَلَهُ لَمْ تَنَلْهُ مَضَرَّةٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا أباحَ شَيْئًا أذْهَبَ ضُرَّهُ «إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتِي فِيما حُرِّمَ عَلَيْها» فَفِيهِ تَنْبِيهٌ لِتَغْيِيرِ هَذِهِ الأعْيانِ لِلْمُضْطَرِّ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ حَتّى تَكُونَ رُخْصَةً في الظّاهِرِ وتَطْيِيبًا في الباطِنِ، فَكَما رَفَعَ عَنْهُ حُكْمَها الكِتابِيَّ يَتِمُّ فَضْلُهُ فَيَرْفَعُ عَنْهُ ضُرَّها الطَّبِيعِيَّ.
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الحُكْمَ مُرَهِّبًا مُرَغِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ فَأتى بِهَذا الِاسْمِ المُحِيطِ إشارَةً إلى عُمُومِ هَذا الحُكْمِ لِلْمُضْطَرِّ والمُوَسَّعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ﴾ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى حالِ الِاضْطِرارِ إلى ما حُرِّمَ (p-٣٤٨)عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا عَنْ ذَنْبٍ أصابَهُ، فَلَوْلا المَغْفِرَةُ لَتَمَّمْتُ عَلَيْهِ عُقُوبَتَهُ، لِأنَّ المُؤْمِنَ أوِ المُوقِنَ لا تَلْحَقُهُ ضَرُورَةٌ، لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وعَبْدَ اللَّهِ لا يُعْجِزُهُ ما لا يُعْجِزُ رَبَّهُ ﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩] فاليَأْسُ الَّذِي يُحْوِجُ إلى ضَرُورَةٍ إنَّما يَقَعُ لِمَن هو دُونَ رُتْبَةِ اليَقِينِ ودُونَ رُتْبَةِ الإيمانِ «جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [جَيْشًا ] فَفَنِيَتْ أزْوادُهم فَأقامُوا أيّامًا يَتَقَوَّتُونَ بِيَسِيرٍ حَتّى تَقَوَّتُوا بِتَمْرَةٍ تَمْرَةٍ فَأخْرَجَ اللَّهُ لَهُمُ العَنْبَرَ دابَّةً مِنَ البَحْرِ» فَلَمْ يُحْوِجْهم في ضَرُورَتِهِمْ إلى ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَلْ جاءَهم في ضَرُورَتِهِمْ بِما هو أطْيَبُ مَآكِلِهِمْ في حالِ السِّعَةِ مِن صَيْدِ البَحْرِ الَّذِي «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مِيتَتُهُ» وفي قَوْلِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ (p-٣٤٩)إنْباءٌ بِأنَّ مَنِ اضْطُرَّ فَأصابَ مِمّا اضْطُرَّ إلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَبْغِ فِيهِ ولَمْ يَعْدُ تَنالُهُ مِنَ اللَّهِ رَحْمَةُ تَوَسُّعِهِ مِن أنْ يُضْطَرَّ بَعْدَها إلى مِثْلِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ الذَّنْبَ السّابِقَ الَّذِي أوْجَبَ الضَّرُورَةَ ويَنالُهُ بِالرَّحْمَةِ المُوَسَّعَةِ الَّتِي يَنالُ بِها مَن لَمْ يَقَعْ مِنهُ ما وقَعَ مِمَّنِ اضْطُرَّ إلى مِثْلِهِ - انْتَهى؛ وتَصَرَّفْتُ فِيهِ.
البقرة 2:174
ولَمّا كانَ في بَيانِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ الإشارَةُ إلى عَيْبِ مَنِ اسْتَحَلَّها مِنَ العَرَبِ وتَرَكَ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ جَهْلًا وتَقْلِيدًا تَلاها بِتَكْرِيرِ عَيْبِ الكاتِمِينَ لِما عِنْدَهم مِنَ الحَقِّ مِمّا أُنْزِلَ في كِتابِهِمْ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأمْرِ الحَجِّ وأمْرِ القِبْلَةِ وغَيْرِها مِمّا يُصَدِّقُ هَذا الكِتابَ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ خَوْفًا عَلى انْقِطاعِ ما كانَ يُهْدى إلَيْهِمْ لِرِئاسَتِهِمْ مِن دِينِهِمْ عَلى وجْهٍ عائِبٍ لَهم لِاسْتِحْلالِهِمْ أكْلَ السُّحْتِ عَلى عِلْمٍ مُبِينٍ أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الذَّمَّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما نَفْسُ الأكْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُؤَدِّي إلى الإعْراضِ عَنِ الطَّيِّباتِ والمُوافَقَةِ لِلْعَرَبِ، الثّانِي كَوْنُهُ عَلى كِتْمانِ ما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَقِّ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ (p-٣٥٠)يَكْتُمُونَ﴾ مُؤَكِّدًا لِذَمِّهِمْ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ، ولَقَدْ بَدَعَ إيلاؤُهُ لِصِفَتَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَما خَتَمَ آيَةَ الكِتْمانِ الأُولى بِوَصْفَيِ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ، فَكانَ [مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ ] مِن قَبِيلِ الِاحْتِراسِ [أيْ إنَّهُ ] إعانَةٌ لا يُغْفَرُ لِمِثْلِ هَؤُلاءِ إلّا أنِ اتَّصَفُوا بِما أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى مِنَ التَّوْبَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ بِإسْنادِ الإنْزالِ إلى اسْمِهِ الأعْظَمِ لِإحاطَةِ الكِتابِ بِمُخْتَلِفاتِ الأحْكامِ ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن حُدُودِهِ وأحْكامِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ الأُولى بِالبَيِّناتِ والهُدى مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ.
ولَمّا كانَ مِنَ الكَتْمِ ما يَكُونُ لِقَصْدِ خَيْرٍ، فَكَمْ مِن كَلِمَةِ حَقٍّ أُرِيدَ بِها باطِلٌ ! قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: والثَّمَنُ ما لا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ حَتّى يُصْرَفَ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأعْواضِ، فالإيعادُ عَلى ما يَتَضَمَّنُ جَهْلَ الكاتِمِ وحِرْصَهُ بِاسْتِكْسابِهِ بِالعِلْمِ وإجْرائِهِ (p-٣٥١)فِي غَيْرِ ما أجْراهُ اللَّهُ تَعالى عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِ ”وما أسْألُكم عَلَيْهِ مَن أجَّرَ“
ولَمّا كانَ كُلُّ ما لَمْ يَثْبُتْ مِن خَيْرِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ وإنْ جَلَّ حَقِيرًا قالَ: ﴿قَلِيلا﴾ هَذا المُرادُ لا تَقْيِيدُهُ بِالقَلِيلِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ بَعُدُوا عَنْ مُواطِنِ الرَّحْمَةِ بِبُخْلِهِمْ بِما لا يَنْقُصُهُ الإنْفاقُ أشارَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ وفي خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ إشْعارٌ بِوُقُوعِ ذَلِكَ مِن طائِفَةٍ مِن أُمَّتِهِ حِرْصًا عَلى الدُّنْيا ﴿ما يَأْكُلُونَ﴾ أيْ: في هَذِهِ الحالِ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ ما. ولَمّا كانَ الأكْلُ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ الإفْسادِ حَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ جَمْعُ بَطْنٍ وهو فَضاءُ جَوْفِ الشَّيْءِ الأجْوَفِ لِغَيْبَتِهِ عَنْ ظاهِرِهِ الَّذِي هو ظَهْرُ ذَلِكَ البَطْنِ ﴿إلا النّارَ﴾ كَما أحاطَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالغَيْبِ إنَّ ذَلِكَ عَلى الحَقِيقَةِ وبَصَرَهُ لِعُيُونِ أهْلِ الكَشْفِ الَّذِينَ يَرَوْنَ العَواقِبَ في الأوائِلِ والغَيْبَ في الشَّهادَةِ، وفي ذِكْرِهِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ نَفْيٌ لِتَأْوِيلِ المُتَأوِّلِ بِكَوْنِهِ سَبَبًا وصَرْفٌ لَهُ إلى وجْهِ التَّحْقِيقِ الَّذِي يَنالُهُ (p-٣٥٢)الكَشْفُ ويَقْصُرُ عَنْهُ الحِسُّ، فَكانُوا في ذَلِكَ كالحَذِرِ الَّذِي يَجْعَلُ يَدَهُ في الماءِ الحارِّ ولا يُحِسُّ بِهِ فَيَشْعُرُ ذَلِكَ بِمَوْتِ حَواسِّ هَؤُلاءِ عَنْ حالِ ما تَناوَلُوهُ.
ولَمّا قَدَّمَ الوَعِيدَ في الثَّمَنِ لِكَوْنِهِ الحامِلَ عَلى الكَتْمِ أتْبَعَهُ وعِيدَ نَفْسِ الكَتْمِ فَقالَ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي مَن كَلَّمَهُ أقْبَلَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ كَلامًا يَدُلُّ عَلى مَرْضى لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُكَلِّمُوا النّاسَ بِما كُتِبَ عَلَيْهِمْ وقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ تَأْكِيدًا لِما أشارَتْ إلَيْهِ ما مِن أنَّ المُرادَ بِالَّذِي قَبْلَهُ الحالُ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ أوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ أوْ يُنَمِّي أعْمالَهم بِما يَحْصُلُ لَهم مِنَ المِيثاقِ في يَوْمِ التَّلاقِ كَما يُزَكِّي بِذَلِكَ مَن يَشاءُ مِن عِبادَةٍ لِأنَّهم كَتَمُوا عَنِ العِبادِ ما يُزَكِّيهِمْ وفي هَذا تَعْظِيمٌ لِذَنْبٍ كَتَمُوا العِلْمَ ﴿ولَهُمْ﴾ مَعَ هَذا العَذابِ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما أوْقَعُوا فِيهِ النّاسَ مِنَ التَّعَبِ بِكَتْمِهِمْ عَنْهم ما يُقِيمُهم عَلى المَحَجَّةِ السَّهْلَةِ.
البقرة 2:175
(p-٣٥٣)ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم أتْبَعَهُ تَرْجَمَةَ حالِهِمْ مُؤَكِّدًا لِبُعْدِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾ أيْ: لَجاجًا وتَمادِيًا في الغَيِّ ﴿الضَّلالَةَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الخَيْرِ ﴿بِالهُدى﴾ ولَمّا ذَكَرَ حالَهم في الدُّنْيا أتْبَعَهُ أمْرَ الآخِرَةِ فَقالَ: ﴿والعَذابَ﴾ بِارْتِكابِهِمْ هَذِهِ المُوبِقَةَ ﴿بِالمَغْفِرَةِ﴾ الَّتِي كانَتْ تُنْجِيهِمْ إذا مَحَتْ صَغائِرَهم لَوْ سَلِمُوا مِن هَذِهِ العَضَلَةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِضَلالِ خَلْقٍ كَثِيرٍ فَكانَ عَلَيْهِمْ وِزْرُهم. ولَمّا جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى أوَّلَ مَأْكَلِهِمْ نارًا وآخِرَ أمْرِهِمْ عَذابًا وتَرْجَمَةَ حالِهِمْ عَدَمَ المَغْفِرَةِ فَكانَ بِذَلِكَ أيْضًا أوْسَطُ حالِهِمْ نارًا سَبَّبَ عَنْهُ التَّعْجِيبَ مِن أمْرِهِمْ بِحَبْسِهِمْ أنْفُسَهم في ذَلِكَ الَّذِي هو مَعْنى الصَّبْرِ لِالتِباسِهِمْ بِالنّارِ حَقِيقَةً أوْ بِمُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ فَقالَ: ﴿فَما أصْبَرَهُمْ﴾ أيْ: ما أشَدَّ حَبْسَهم أنْفُسَهم أوْ ما أجْرَأهم ﴿عَلى النّارِ﴾ الَّتِي أكَلُوها في الدُّنْيا فَأحَسُّوا بِها في الأُخْرى - ذَكَرَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ الحَرالِّيُّ غَيْرَ أنِّي تَصَرَّفْتُ فِيهِ؛ (p-٣٥٤)وإذا جَعَلْتَهُ مَجازًا كانَ مِثْلَ قَوْلِكَ لِمَن عانَدَ السُّلْطانَ: ما أصْبَرَكَ عَلى السِّجْنِ الطَّوِيلِ والقَيْدِ الثَّقِيلِ ! تَهْدِيدًا لَهُ.
البقرة 2:176
ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَهم وشَرَحَ حالَهم والتَّعْجِيبَ مِن أمْرِهِمْ ذَكَرَ السَّبَبَ المُوجِبَ لِهَذا الإبْعادِ العَظِيمِ والتَّهْدِيدِ الكَبِيرِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ فَذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ أيْضًا الَّذِي مَعْناهُ أنَّ لَهُ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ تْعَظِيمًا لِلْمَقامِ ﴿نَـزَّلَ الكِتابَ﴾ أيِ: الجامِعَ لِأنْواعِ الهُدى ﴿بِالحَقِّ﴾ مُنَجَّمًا تَقْرِيبًا لِلْأفْهامِ وتَدْرِيبًا لِلْخاصِّ والعامِّ، وهو صالِحٌ لِإرادَةِ القُرْآنِ والتَّوْراةِ أيِ: الثّابِتُ الكامِلُ في الثَّباتِ، فَمَن كَتَمَهُ فَقَدْ حاوَلَ نَفْيَ ما أثْبَتَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في مُلْكِهِ، ومَن خالَفَ فِيهِ وهو الَّذِي لا شُبْهَةَ تَلْحَقُهُ فَقَدْ عَدَّ الواضِحَ مُلْبِسًا فَقَدْ أبْعَدَ المَرْمى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاخْتَلَفُوا، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا﴾ أيْ: خالَفَ بَعْضُهم بَعْضًا ﴿فِي الكِتابِ﴾ نَفْسِهِ أيْ: لا في فَهْمِهِ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى [أنَّ ] الِاخْتِلافَ قَوْلُ بَعْضٍ في الكِتابِ كُلِّهِ (p-٣٥٥)أوْ في شَيْءٍ مِنهُ هو باطِلٌ والإقْرارُ بِبَعْضِ أحْكامِهِ والإنْكارُ لِبَعْضِها وتَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ ونَحْوَ هَذا ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ لِكَوْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في شِقٍّ ﴿بَعِيدٍ﴾ جِدًّا عَنْ شِقِّ أهْلِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ خافَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ مِنَ اخْتِلافِ أهْلِ هَذا الدِّينِ في القُرْآنِ كَما اخْتَلَفَ اليَهُودُ والنَّصارى فَجَمَعُوهم عَلى مُصْحَفٍ واحِدٍ، فَلَيْسَ الِاخْتِلافُ في وُجُوهِ الرِّواياتِ وأنْحاءِ الفَهْمِ مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ وقَعَ كَما تَرى تَنْبِيهُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ بِدُونِ ما تَضَمَّنَهُ تَنْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ لِفُرْقانِ ما بَيْنَهم، لِأنَّ كُفْرَ المُشْرِكِينَ عَنْ جَهْلٍ وكُفْرُ أُولَئِكَ عَنْ تَعَنُّتٍ بَعْدَ تَكَرُّرِ مُشاهَدَةِ الآياتِ، ومَن تَدَبَّرَ القُرْآنَ وطالَعَ التَّوْراةَ عَلِمَ طُولَ مُكْثِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ عَلى حَسَبِ تَنْزِيلِها شَيْئًا فَشَيْئًا وأنَّهم كانُوا مَعَ ذَلِكَ كُلَّما شاهَدُوا آيَةً أحْدَثُوا كُفْرًا وخَلَعُوا شُكْرًا وسَألُوا غَيْرَها (p-٣٥٦)عِنادًا ومَكْرًا ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣] وقَدْ مَرَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ عَنِ التَّوْراةِ كَثِيرٌ مِن ذَلِكَ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَقِيَّتُهُ في المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِهِ مِن آياتِ القُرْآنِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ومَتى بُيِّنَ شَيْءٌ في الكِتابِ العَزِيزِ مِن أحْوالِ النَّصارى فَلَيْسَ عَلى ما ورَدَ مِن مِثْلِهِ في اليَهُودِ لِما ذُكِرَ أيْ: مِن أنَّ كُفْرَهم تَعَنُّتٌ، وخِطابُ مُشْرِكِي العَرَبِ فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ دُونَ خِطابِ الفَرِيقَيْنِ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ لَهم ما لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْعَرَبِ وبُشِّرُوا في كُتُبِهِمْ ولَيْسَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ مِثْلُ ذَلِكَ؛ والزَّيْغُ عَنِ الهُدى شامِلٌ لِلْكُلِّ ولَيْسُوا في شَيْءٍ مِنَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مَعَ أنَّ أسْوَأ الأحْوالِ حالُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ؛ وهُنا انْتَهى ذِكْرُ ما حَذَّرَ مِنهُ ونَهى عَنْهُ مَن أرادَ سُلُوكَ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وبَيانُ حالِ مَن حادَ عَنْهُ وتَنَكَّبَهُ وظَنَّ أنَّهُ عَلى شَيْءٍ وضَمَّ مُفْتَرَقَ أصْنافِ الزّائِغِينَ في أصْنافٍ ثَلاثَةٍ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وأهْلُ الشِّرْكِ، وبِهِمْ يَلْحَقُ سائِرُ مَن تَنَكَّبَ فَيَلْحَقُ بِاليَهُودِ مُنافِقُو أُمَّتِنا مِمَّنِ ارْتابَ بَعْدَ إظْهارِ إيمانِهِ وفَعَلَ أفاعِيلَهم مِنَ المَكْرِ والخَدِيعَةِ والِاسْتِهْزاءِ، ويَلْحَقُ بِالنَّصارى مَنِ اتَّصَفَ بِأحْوالِهِمْ، وبِالمُشْرِكِينَ مَن جَعَلَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى نِدًّا واعْتَقَدَ فِعْلًا لِغَيْرِهِ عَلى غَيْرِ طَرِيقَةِ الكَسْبِ؛ (p-٣٥٧)والمَجُوسُ لاحِقُونَ بِأهْلِ الشِّرْكِ. والشِّرْكُ أكْثَرُ هَذِهِ الطُّرُقِ السِّتَّةِ تَشَعُّبًا ولِهَذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ»، ومَن فَعَلَ أفْعالَ مَن ذُكِرَ ولَمْ يَنْتَهِ بِهِ الأمْرُ إلى مُفارَقَةِ دِينِهِ والخُرُوجِ في شَيْءٍ مِنَ اعْتِقادِهِ خِيفَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ وسِيلَةً إلى اللُّحُوقِ بِمَن تَشَبَّهَ بِهِ، وإلى هَذا أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: «أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ كانَ مُنافِقًا خالِصًا: إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا عاهَدَ غَدَرَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ» إلى أشْباهِ هَذا مِنَ الأحادِيثِ؛ انْتَهى.
البقرة 2:177
(p-١)ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى كُفْرَ أهْلِ الكِتابِ الطّاعِنِينَ في نَسْخِ القِبْلَةِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وكِتْمانِ الحَقِّ وغَيْرِ ذَلِكَ إلى أنْ خُتِمَ بِكُفْرِهِمْ بِالِاخْتِلافِ في الكِتابِ وكِتْمانِ ما فِيهِ مِن مُؤَيِّداتِ الإسْلامِ أتْبَعَهُ الإشارَةَ إلى أنَّ أمْرَ الفُرُوعِ أحَقُّ مِن أمْرِ الأُصُولِ لِأنَّ الفُرُوعَ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لِذاتِها، والِاسْتِقْبالَ الَّذِي جَعَلُوا مِن جُمْلَةِ شِقاقِهِمْ أنْ كَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حَقِّيَّتِهِ وأكْثَرُوا الإفاضَةَ في عَيْبِ المُتَّقِينَ بِهِ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، وإنَّما المَقْصُودُ بِالذّاتِ الإيمانُ فَإذا وقَعَ تَبِعَتْهُ جَمِيعُ الطّاعاتِ مِنَ الصَّلاةِ المُشْتَرَطِ فِيها الِاسْتِقْبالُ وغَيْرِها فَقالَ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ أيِ الفِعْلَ المَرْضِيَّ الَّذِي هو في تَزْكِيَةِ النَّفْسِ كالبِرِّ في تَغْذِيَةِ البَدَنِ ﴿أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ أيْ (p-٢)فِي الصَّلاةِ ﴿قِبَلَ المَشْرِقِ﴾ الَّذِي هو جِهَةُ مَطالِعِ الأنْوارِ ﴿والمَغْرِبِ﴾ الَّذِي هو جِهَةُ أفْوالِها أيْ وغَيْرِهِما مِنَ الجِهاتِ المَكانِيَّةِ، فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما مَضى عِنْدَ أوَّلِ اعْتِراضِهِمُ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الكُلِّ إلَيْهِ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]
ولَمّا كانَ قَدْ تَبَيَّنَ لِلْمُتَّقِينَ كَما ذُكِرَ قَبْلُ ما يَخْرُجُ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وحُذِّرُوا مِنهُ لِيَجْتَنِبُوهُ عَقَّبَهُ بِما يَلْزَمُهم لِيَعْمَلُوهُ فابْتَدَأ مِن هُنا بِذِكْرِ الأحْكامِ إلى قَوْلِهِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وبَدَأ ذَلِكَ بِما بَدَأ بِهِ السُّورَةَ وفَصَّلَ لَهم كَثِيرًا مِمّا كُلِّفُوهُ مِمّا أجْمَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَفَصَّلَ الإيمانَ تَفْصِيلًا لَمْ يَتَقَدَّمْ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن﴾ أيْ إيمانَ مَن، ولَعَلَّهُ (p-٣)عَبَّرَ بِذَلِكَ إفْهامًا لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ نَفْسَهُ بَرَّ أيْ أنَّهُ زَكّى حَتّى صارَ نَفْسَ الزَّكاةِ ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الَّذِي دَعَتْ إلَيْهِ آيَةُ الوَحْدانِيَّةِ فَأثْبَتَ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ ونَزَّهَهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِمّا عَلى ذَلِكَ مِن دَلائِلِ أفْعالِهِ.
ولَمّا كانَ مِن أهَمِّ خِلالِ الإيمانِ القُدْرَةُ عَلى البَعْثِ والتَّصْدِيقُ بِهِ لِأنَّهُ يُوجِبُ لُزُومَ الخَيْرِ والبُعْدَ عَنِ الشَّرِّ قالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي كَذَّبَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فاخْتَلَّ نِظامُهم بِبَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فالأوَّلُ مُبَرَّأٌ عَنِ الأنْدادِ وهَذا مُبْعَدٌ عَنْ أذى العِبادِ.
ولَمّا كانَ هَذا إيمانُ الكُمَّلِ وكانَ أكْثَرُ النّاسِ نِيامَ العُقُولِ لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا إلّا بِالتَّنْبِيهِ وضُلّالَ البَصائِرِ يَفْتَرِقُونَ إلى الهِدايَةِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الهُداةُ الَّذِينَ جَعَلَهم وسائِطَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِبادِهِ بادِئًا بِالأوَّلِ فالأوَّلِ فَقالَ: ﴿والمَلائِكَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ أقامَهم فِيما بَيْنَهُ (p-٤)وبَيْنَ النّاسِ وهم غَيْبٌ مَحْضٌ ﴿والكِتابِ﴾ الَّذِي يَنْزِلُونَ بِهِ عَلى وجْهٍ لا يَكُونُ فِيهِ رَيْبٌ أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ وغَيْرِهِ ﴿والنَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ تَنْزِلُ بِهِ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، لِكَوْنِهِمْ خُلاصَةَ الخَلْقِ، فَلَهم جِهَةٌ مَلَكِيَّةٌ يَقْدِرُونَ بِها عَلى التَّلَقِّي مِنَ المَلائِكَةِ لِمُجانَسَتِهِمْ إيّاهم بِها، وجِهَةٌ بَشَرِيَّةٌ يَتَمَكَّنُ النّاسُ بِها مِنَ التَّلَقِّي مِنهُمْ، ولَهم مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ الجَمِيلَةِ الَّتِي صَرَفَهُمُ اللَّهُ فِيها بِتَكْمِيلِ أبْدانِهِمْ وأرْواحِهِمْ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا هو فَعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ أيِ الإيمانِ بِهِمْ وبِما قَبْلَهم قَهْرُ النَّفْسِ لِلْإذْعانِ لِمَن هو مِن جِنْسِها والإيمانُ بِغَيْبِ مَن لَيْسَ مِن جِنْسِها لِيَكُونَ في ذَلِكَ ما يَزَعُ النَّفْسَ عَنْ هَواها - انْتَهى.
وكَذا فَضَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى الصَّدَقَةَ، وفي تَعْقِيبِ الإيمانِ بِها إشْعارٌ بِأنَّها المُصَدِّقَةُ لَهُ فَمَن بَخِلَ بِها كانَ مُدَّعِيًا لِلْإيمانِ بِلا بَيِّنَةٍ، وإرْشادٍ إلى أنَّ في بَذْلِها سَلامَةً مِن فِتْنَةِ المالِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] لِأنَّ مَن آمَنَ وتَصَدَّقَ كانَ قَدْ أسْلَمَ لِلَّهِ رُوحَهُ ومالَهُ الَّذِي هو عَدِيلُ رُوحِهِ فَصارَ عَبْدَ اللَّهِ حَقًّا، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى مُفارَقَةِ كُلِّ مَحْبُوبٍ سِوى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَمَن ظَنَّ (p-٥)أنَّ حاجَتَهُ يَسُدُّها المالُ فَلَيْسَ بِرًّا، إنَّما البِرُّ الَّذِي أيْقَنَ أنَّ حاجَتَهُ إنَّما يَسُدُّها رَبُّهُ بِبِرِّهِ الخَفِيِّ - انْتَهى.
فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وآتى المالَ﴾ أيِ الَّذِي أباحَهُ بَعْدَ جَعْلِهِ دَلِيلًا عَلَيْهِ كَرَمَ نَفْسٍ وتَصْدِيقَ إيمانٍ بِالِاعْتِمادِ في الخَلَفِ عَلى مَن ضَمِنَ الرِّزْقَ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ وأشارَ إلى أنَّ شَرْطَ الإيمانِ بِهِ إيثارُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ أيْ إيتاءً عالِيًا فِيهِ حُبُّ اللَّهِ عَلى حُبِّهِ المالَ إشارَةٌ إلى التَّصَدُّقِ في حالِ الصِّحَّةِ والشُّحِّ بِتَأْمِيلِ الغِنى وخَشْيَةِ الفَقْرِ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لِوَجْهِهِ لا لِما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاخُرِ فَقالَ: ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ أيْ لِأنَّهم أوْلى النّاسِ بِالمَعْرُوفِ لِأنَّ إيتاءَهم (p-٦)صَدَقَةٌ وصِلَةٌ ﴿واليَتامى﴾ مِن ذَوِي القُرْبى وغَيْرِهِمْ لِأنَّهم أعْجَزُ النّاسِ ﴿والمَساكِينَ﴾ لِأنَّهم بَعْدَهم في العَجْزِ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الفُقَراءُ بِالمُوافَقَةِ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ لِعَجْزِهِمْ بِالغُرْبَةِ، وإذا جَعَلْنا ذَلِكَ أعَمَّ مِنَ الحالِ والمَآلِ دَخَلَ فِيهِ الغازِي ﴿والسّائِلِينَ﴾ لِأنَّ الأغْلَبَ أنْ يَكُونَ سُؤالُهم عَنْ حاجَةٍ ويَدْخُلُ الغارِمُ ﴿وفِي الرِّقابِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: جَمْعُ رَقَبَةٍ وهو ما نالَهُ الرِّقُّ مِن بَنِي آدَمَ فالمُرادُ الرِّقابُ المُسْتَرَقَةُ الَّتِي يُرامُ فَكُّها بِالكِتابَةِ وفَكُّ الأسْرى مِنهُ، وقَدَّمَ عَلَيْهِمْ أُولَئِكَ لِأنَّ حاجَتَهم لِإقامَةِ البَيِّنَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُواساةَ الخَلْقِ وقَدَّمَها حَثًّا عَلى مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِها لِتَسْمَحَ النَّفْسُ بِما زَيَّنَ لَها حُبُّهُ مِنَ المالِ اتَّبَعَها حَقُّ الحَقِّ (p-٧)فَقالَ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي أفْضَلُ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ ولا تَكُونُ إلّا بَعْدَ سَدِّ أوْدِ الجَسَدِ ولا تَكُونُ إقامَتُها إلّا بِجَمِيعِ حُدُودِها والمُحافَظَةِ عَلَيْها. ولَمّا ذَكَرَ ما يُزَكِّي الرُّوحَ بِالمُثُولِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّقَرُّبِ بِنَوافِلِ الصَّدَقاتِ ذَكَرَ ما يُطَهِّرُ المالَ ويُنَمِّيهِ وهو حَقُّ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ وفي الِاقْتِصارِ فِيها عَلى الإيتاءِ إشْعارٌ بِأنَّ إخْراجَ المالِ عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الإخْلاصِ.
ولَمّا أتَمَّ الإيمانَ وما يُصَدِّقُ دَعْواهُ في الجُمْلَةِ شَرَعَ في كَمالِ ذَلِكَ فَعَطَفَ عَلى أوَّلِ الكَلامِ ما دَلَّ بِعَطْفِهِ كَذَلِكَ عَلى أنَّهُ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ فَإنَّهُ جامِعٌ لِدُخُولِهِ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ (p-٨)
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الإيفاءِ وهو الأخْذُ بِالوَفاءِ نُجازِ المَوْعُودِ في أمْرِ المَعْهُودِ - انْتَهى.
وبَيَّنَ قَوْلُهُ: ﴿إذا عاهَدُوا﴾ أنَّ المَطْلُوبَ ما ألْزَمُوا أنْفُسَهم بِهِ لِلْحَقِّ أوِ الخَلْقِ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ ما قَبْلَهُ. ولَمّا قَطَعَ الوَفاءَ تَعْظِيمًا لَهُ لِدُخُولِهِ فِيما قَبْلُ فَعَلَ كَذَلِكَ في الصَّبْرِ لِذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَقالَ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ وفِيهِ رَمْزٌ إلى مُعامَلَتِهِ بِما كانَ مِن حَقِّهِ لَوْ عُطِفَ عَلى ”مِن آمَنَ“ لَوْ سِيقَ عَلى الأصْلِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مِن تَحَقَّقَ بِالصَّبْرِ عَلى الإيثارِ فَكانَ شاكِرًا تَحَقَّقَ مِنهُ الصَّبْرُ في الِابْتِلاءِ والجِهادِ تَأْيِيدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِمَن شَكَرَهُ ابْتِداءً بِإعانَتِهِ عَلى الصَّبْرِ والمُصابَرَةِ انْتِهاءً، كَأنَّهُ لَمّا جادَ بِخَيْرِ الدُّنْيا عَلى حُبِّهِ أصابَهُ اللَّهُ بِبَلائِها تَكْرِمَةً لَهُ لِيُوَفِّيَهُ حَظَّهُ مِن مَقْدُورِهِ في دُنْياهُ فَيَكُونُ مِمَّنْ يَسْتَرِيحُ عِنْدَ مَوْتِهِ وبِأنَّهُ إنْ جاهَدَ ثَبَتَ بِما يَحْصُلُ في نَفْسِ الشّاكِرِ الصّابِرِ مِنَ الشَّوْقِ إلى لِقاءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَبَرُّؤًا مِنَ الدُّنْيا وتَحَقُّقًا بِمَنالِ الخَيْرِ مِنَ اللَّهِ - انْتَهى.
وعَيَّنَ أشَدَّ ما يَكُونُ الصَّبْرُ فِيهِ فَقالَ: ﴿فِي البَأْساءِ﴾ أيْ عِنْدَ (p-٩)حُلُولِ الشِّدَّةِ بِهِمْ في أنْفُسِهِمْ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلا واسِطَةٍ أوْ مِنهُ بِواسِطَةِ العِبادِ ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِحُصُولِ الضُّرِّ في أمْوالِهِمْ وبَقِيَّةِ أحْوالِهِمْ مِنِ احْتِقارِ النّاسِ لَهم ونَحْوِهِ، وفَسَّرَها في القامُوسِ بِالشِّدَّةِ والنَّقْصِ في الأمْوالِ والأنْفُسِ فَهو حِينَئِذٍ أعَمُّ لِيَكُونَ الأخَصُّ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ. وقالَ الحَرالِيُّ: البَأْساءُ فَعَلاءُ مِنَ البُؤْسِ وهو سُوءُ الحالِ والفاقَةُ وفَقْدُ المِنَّةِ عَنْ إصْلاحِهِ، والضَّرّاءُ مَرَضُ البَدَنِ وآفاتُهُ، فَكانَ البَأْساءُ في الحالِ والضَّرّاءُ في البَدَنِ - انْتَهى.
﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ أيِ الحَرْبِ الجامِعِ لِلْأنْفُسِ والأمْوالِ. وقالَ الحَرالِيُّ: البَأْسُ الشِّدَّةُ في الحَرْبِ. (p-١٠)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الخِلالُ أشْرَفَ خِلالٍ أشارَ إلى شَرَفِها بِشَرَفِ أهْلِها فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ اسْمَ البِرِّ إلّا مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هَذِهِ الخِلالُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ خاصَّةً الَّذِينَ عَلَتْ هِمَمُهم وعَظُمَتْ أخْلاقُهم وشِيَمُهُمُ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ فِيما ادَّعَوْهُ مِنَ الإيمانِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ مَن لَمْ يَفْعَلْ أفْعالَهم لَمْ يُصَدَّقْ في دَعْواهُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ﴾ خاصَّةٌ ﴿المُتَّقُونَ﴾ لِيَوْمِ الجَزاءِ، وفي جَعْلِهِ نَعْتًا لَهم إشْعارٌ بِأنَّهم تَكَلَّفُوا هَذِهِ الأفْعالَ لِعَظِيمِ الخَوْفِ.
وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: ثُمَّ ذَكَرَ الزَّكاةَ والصِّيامَ والحَجَّ والجِهادَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والعِدَدِ والحَيْضِ والرَّضاعِ والحُدُودِ والرِّبا والبُيُوعِ إلى ما تَخَلَّلَ هَذِهِ الآياتِ مِن تَفاصِيلِ الأحْكامِ ومُجْمَلِها وقَدَّمَ مِنها الوَفاءَ بِالعَهْدِ والصَّبْرَ، لِأنَّ ذَلِكَ يُحْتاجُ إلَيْهِ في كُلِّ الأعْمالِ، وما تَخَلَّلَ هَذِهِ الآياتِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (p-١١)مِمّا لَيْسَ مِن قَبِيلِ الإلْزامِ والتَّكْلِيفِ فَلِتَسَبُّبٍ أوْجَبَ ذِكْرَهُ ولِتَعَلُّقٍ اسْتَدْعاهُ - انْتَهى.
والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا طَهَّرَهم مِن أوْصارِ المَحارِمِ بِقَوارِعِ الزَّواجِرِ شَرَعَ في تَزْكِيَتِهِمْ بِالإقْحامِ في غَمَراتِ الأوامِرِ لِيُكْمِلَ تَعَبُّدَهم بِتَحَلِّيهِمْ بِأمْرِهِ بَعْدَ تَخَلِّيهِمْ مِن سُخْطِهِ بِصادِعِ زَجْرِهِ فَذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ جَمِيعَ أرْكانِ هَذا الحَرْفِ وحَظِيرَتِهِ.
قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في العُرْوَةِ: وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ حَمْلُ الخَلْقِ عَلى صِدْقِ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إثْرَ التَّطْهِيرِ مِن رِجْزِهِمْ لِيَعُودَ بِذَلِكَ وصْلُ ما انْقَطَعَ وكَشْفُ ما انْحَجَبَ وهو حَرْفُ العِبادَةِ المُتَلَقّاةِ بِالإيمانِ المُثابِرِ عَلَيْها بِسابِقِ الخَوْفِ المُبادِرِ لَها تَشَوَّقًا بِصِدْقِ المَحَبَّةِ، فالعابِدُ مَن ساقَهُ الخَوْفُ إلَيْها والعارِفُ مَن قادَهُ الحُبُّ لَها وهو بِناءٌ ذُو عَمُودٍ وأرْكانٍ ولَهُ حَظِيرَةٌ تَحُوطُهُ، فَأمّا عَمُودُهُ فَإفْرادُ التَّذَلُّلِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تَوْحِيدًا وطَلِيعَتُهُ آيَةُ ما كانَ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] طَهَّرَهم حَرْفُ الزَّجْرِ مِن (p-١٢)رِجْزِ عِبادَةِ إلَهٍ آخَرَ فَأثْبَتَ لَهم حَرْفُ الأمْرِ التَّفْرِيدَ حَتّى لا يُشْرِكُوا مَعَهُ في التَّذَلُّلِ شَيْئًا أيَّ شَيْءٍ كانَ آخَرَ، وهو أوَّلُ ما أقامَ اللَّهُ مِن بِناءِ الدِّينِ ولَمْ يَفْرِضْ غَيْرَهُ نَحْوَ العَشْرِ مِنَ السِّنِينَ في إنْزالِ ما أنْزَلَ بِمَكَّةَ وسَنَّ مَعَ فَرْضِهِ الرُّكْنَ الأوَّلَ وهو الصَّلاةُ، وبُدِئَتْ بِالوُضُوءِ عَمَلًا مِن حَذْوِ تَطْهِيرِ القَلْبِ والنَّفْسِ بِحَرْفِ النَّهْيِ وأعْقَبَ بِالصَّلاةِ عَمَلًا مِن حَذْوِ طُهُورِ القَلْبِ بِالتَّوْحِيدِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، فالوُضُوءُ وجْهُ عَمَلِ حَرْفِ الزَّجْرِ والصَّلاةُ وجْهُ عَمَلِ حَرْفِ الأمْرِ، وسَنَّ عَلى تَأْسِيسِ بِدارِ الحُبِّ لِتَبْدُوَ قُوَّةُ الإيمانِ في مَشْهُودِ مُلازَمَةِ خِدْمَةِ الأبْدانِ.
فَكانَ أقْواهم إيمانًا أكْثَرُهم وأطْوَلُهم صَلاةً وقَنُوتًا، مَن أحَبَّ مَلِكًا خَدَمَهُ ولازَمَهُ، ولا تُخْدَمُ المُلُوكُ بِالكَسَلِ والتَّهاوُنِ وإنَّما تُخْدَمُ بِالجَهْدِ والتَّذَلُّلِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ عِلْمَ الإيمانِ تَكْثُرُ بِقُوَّتِهِ وتَقِلُّ بِضَعْفِهِ، لِأنَّها لَوْ فُرِضَتْ لَمْ يَظْهَرْ فِيها تَفاوُتُ قُوَّةِ الإيمانِ وصِدْقِ الحَقِّ كَما لا يَظْهَرُ بَعْدَ فَرْضِها إلّا في النَّوافِلِ، ولِإجْهادِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْسَهُ وبَدَنَهُ في ذَلِكَ أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ [طه: ٤] ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] - إلى قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ (p-١٢)لا إلَهَ إلا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [طه: ٨] هَذا التَّوْحِيدُ وإظْهارُهُ هو كانَ يَوْمَئِذٍ المَقْصُودَ الأوَّلَ وذَلِكَ قَبْلَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وعُمَرُ مُوفِي أرْبَعِينَ مِن عَدَدِ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا دَخَلَ الإسْلامَ مَن لا يَبْعَثُهُ الحَبُّ والِاسْتِراحَةُ عَلى الصَّلاةِ بَعْدَ عَشْرٍ أوْ نَحْوِها فُرِضَتِ الصَّلاةُ فاسْتَوى في فَرْضِها المُحِبُّ والخائِفُ، وسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التَّطَوُّعَ عَلى ما كانَ أصْلُها، وذَلِكَ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الإسْراءِ، وأوَّلَ مَنزِلِ هَذا الحَرْفِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ في فَرْضِ هَذا الرُّكْنِ أوْ مِن أوَّلِ مَنزِلِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ [الإسراء: ٧٨] اخْتَصَّ لَهم بِها أوْقاتَ الرَّحْمَةِ وجَنَّبَهم بِهِ أوْقاتَ الفِتْنَةِ ومِنهُ جَمِيعُ آيِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإتْمامِها.
الرُّكْنُ الآخَرُ الصَّوْمُ وهو إذْلالُ النَّفْسِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإمْساكِها عَنْ كُلِّ ما تَشَوَّفُ إلَيْهِ مِن خاصِّ أمْرِها نَهارًا لِلْمُقْتَصِرِ ودَوامًا لِلْمُعْتَكِفِ، وهو صِلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ نَفْسِهِ ووَصْلٌ لِشَتاتِهِ في ذاتِهِ، وأوَّلُ ما أُنْزِلَ هَذا الرُّكْنُ مِن هَذا الحَرْفِ بِالمَدِينَةِ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الهِجْرَةِ وأوَّلُ مَنزِلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وإنَّما فُرِضَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالمَدِينَةِ لِأنَّهم لَمّا آمَنُوا مِن (p-١٤)عَداوَةِ الأمْثالِ والأغْيارِ وعامِ الفِتْنَةِ بِالمَدِينَةِ عادَتِ الفِتْنَةُ خاصَّةً في الأنْفُسِ بِالتَّبَسُّطِ في الشَّهَواتِ وذَلِكَ لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ المُؤْثِرِينَ لِلدِّينِ عَلى الدُّنْيا، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إتْمامَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى ما يَخْتَصُّ مِنَ الآيِ بِأحْكامِ الصِّيامِ.
الرُّكْنُ الآخَرُ الزَّكاةُ وهو كَسْرُ نَفْسِ الغَنِيِّ بِما يُؤْخَذُ بِأخْذِهِ مِنهُ مِن حَقِّ أصْنافِها إظْهارًا لِأنَّ المُشْتَغِلِينَ بِالدِّينِ آثَرُ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ المُقِيمِينَ عَلى الأمْوالِ ولِيَمِيزَ بِها الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ المُنافِقِينَ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ الرِّياءِ في العَمُودِ والرُّكْنَيْنِ، ولَمْ يَشْهَدِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالنِّفاقِ جَهْرًا أعْظَمَ مِن شَهادَتِهِ عَلى مانِعِ الزَّكاةِ، ومَن مَنَعَ زَكاةَ المالِ عَنِ الخَلْقِ كانَ كَمَنِ امْتَنَعَ عَنْ زَكاةِ قُواهُ بِالصَّلاةِ مِنَ الحَقِّ، فَلِذَلِكَ لا صَلاةَ لِمَن لا زَكاةَ لَهُ، وكَما كانَتِ الزَّكاةُ حُبًّا قَبْلَ فَرْضِها كَذَلِكَ كانَ الإنْفاقُ لِما زادَ عَلى الفَضْلِ عَزْمًا مَشْهُورًا عِنْدَهم لا يَعْرِفُونَ غَيْرَهُ ولا يَشْعُرُونَ في الإسْلامِ بِسِواهُ، فَلَمّا شَمِلَ الإسْلامَ أخْلاطٌ وشَحَّتِ النُّفُوسُ فُرِضَتِ الزَّكاةُ وعُيِّنَ أصْنافُها، وذَلِكَ بِالمَدِينَةِ حِينَ اتَّسَعَتْ أمْوالُهم وكَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ عِنْدَهم وحَيَّ عَمَّ نِفاقَ قَوْمٍ بِها أنَفَةٌ (p-١٥)مِن حَطِّ رِئاسَتِهِمْ بِتَذَلُّلِ الإسْلامِ لِلَّهِ والنَّصَفَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ وتَبَيَّنَ فِيها الخِطابُ مَرَّةً لِأرْبابِ الأمْوالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”وآتَوْا الزَّكاةَ“ لِتَكُونَ لَهم قُرْبَةً إذا آتَوْها سَماحًا ومَرَّةً لِلْقائِمِ بِالأمْرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] حِينَ يُؤْنَسُ مِن نُفُوسِهِمْ شُحٌّ وشَدَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيها الوَعِيدَ في القُرْآنِ جَبْرًا لِضَعْفِ أصْنافِها ونَسَّقَ لِذَلِكَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ في بَيانِ النَّفَقاتِ والصَّدَقاتِ بِدارًا عَنْ حُبٍّ أوِ ائْتِمارًا عَنْ خَوْفٍ.
الرُّكْنُ الآخَرُ الحَجُّ وهو حَشْرُ الخَلْقِ مِن أقْطارِ الأرْضِ لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ في خاتَمِ مَنِيَّتِهِمْ ومُشارَفَةِ وفاتِهِمْ لِيَكُونَ لَهم أمَنَةً مِن حَشْرِ ما بَعْدَ مَماتِهِمْ، فَكَمَّلَ بِهِ بِناءَ الدِّينِ وذَلِكَ في أواخِرِ سِنِي الهِجْرَةِ ومِن آخِرِ المُنَزَّلِ بِالمَدِينَةِ، وأوَّلِ خِطابِهِ ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] بِتَنْبِيهِهِ عَلى أذانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا﴾ [الحج: ٢٧] إلى ما أنْزَلَ في أمْرِ الحَجِّ وأحْكامِهِ الحَظِيرَةُ الحائِطُ وهي الجِهادُ، ولَمْ تَزَلْ مُصاحَبَةُ الأرْكانِ كُلِّها إمّا مَعَ ضَعْفٍ كَما بِمَكَّةَ أوْ مَعَ قُوَّةٍ كَما في المَدِينَةِ، ومِن أوَّلِ تَصْرِيحِ مَنزِلِهِ
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] إلى قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً (p-١٥)كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] إلى انْتِهاءِ قِتالِ أهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ إلى تَمامِ المُنَزَّلِ في شَأْنِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩] وهَذا تَمامُ حَرْفِ الأمْرِ؛ ولِكُلٍّ في ذَلِكَ الظّاهِرِ في الإسْلامِ مَوْقِعُ حُدُودِهِ في الإيمانِ ومَوْقِعٌ في الإحْسانِ لَدى ثَلاثَتِها الَّذِي هو كَمالُ الدِّينِ كُلِّهِ، ذَلِكَ مِن تَنَزُّلِ القُرْآنِ مِن بَيْنِ إفْصاحٍ وإفْهامٍ في هَذا الحَرْفِ، وهو وفاءُ الدِّينِ والتَّعَبُّدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
ثُمَّ قالَ فِيما بِهِ تَحْصُلُ قِراءَةُ حَرْفِ الأمْرِ: اعْلَمْ أنَّ الوَفاءَ بِقِراءَةِ حَرْفِ النَّهْيِ تَمامًا يُفَرِّغُ لِقِراءَةِ حَرْفِ الأمْرِ، لِأنَّ المُقْتَنِعَ في مَعاشِ الدُّنْيا يَتَيَسَّرُ لَهُ التَّوَسُّعُ في عَمَلِ الأُخْرى، والمُتَوَسِّعُ في مَتاعِ الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ التَّوَسُّعُ في عَمَلِ الأُخْرى لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّضارِّ والتَّضادِّ، والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ أمّا مِن جِهَةِ القَلْبِ فالتَّوْحِيدُ والإخْلاصُ، وأعَمُّ ذَلِكَ البَراءَةُ مِنَ الشِّرْكِ العَظِيمِ لِئَلّا يَتَّخِذَ مَعَ اللَّهِ (p-١٧)إلَهًا آخَرَ، لِأنَّ المُشْرِكَ في الإلَهِيَّةِ لا تَصِحُّ مِنهُ المُعامَلَةُ بِالعِبادَةِ ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] وأخَصُّ مِنهُ الإخْلاصُ بِالبَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ الجَلِيِّ بِأنْ لا يَرى لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَرِيكًا في شَيْءٍ مِن أسْمائِهِ الظّاهِرَةِ، لِأنَّ المُشْرِكَ في سائِرِ أسْمائِهِ الظّاهِرَةِ لا يَصِحُّ لَهُ القَبُولُ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْ أنَّ لِأحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأنْفَقَهُ ما قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ.
ولِكُلِّ عَمَلٍ مِنَ المَأْمُوراتِ خُصُوصُ اسْمٍ في الإخْلاصِ كَإخْلاصِ المُنْفِقِ بِأنَّ الإنْعامَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ العَبْدِ المُنْفِقِ، وكَإخْلاصِ المُجاهِدِ بِأنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لا مِنَ العَبْدِ المُجاهِدِ ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦] وكَذَلِكَ سائِرُ الأعْمالِ يَخُصُّها الإخْلاصُ في اسْمٍ مِنَ الأسْماءِ يَكُونُ أمْلَكَ بِذَلِكَ العَمَلِ، وأمّا مِن جِهَةِ أحْوالِ النَّفْسِ فَأوَّلُها وأساسُها طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ بِرَبِّها في قِوامِها مِن غَيْرِ طُمَأْنِينَةٍ لِشَيْءٍ سِواهُ، فَمَتى اطْمَأنَّتِ النَّفْسُ بِما تَقْدِرُ عَلَيْهِ وما لَها مِن مِنَّةٍ أوْ بِما تَمْلِكُهُ مِن مَمْلُوكٍ أوْ بِما تَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِن غَيْرٍ رُدَّتْ جَمِيعُ عِباداتِها لِما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ وكُتِبَ اسْمُها عَلى وجْهِهِ وكانَتْ أمَتَهُ لا أمَةَ رَبِّها وكانَ (p-١٨)المَرْءُ عَبْدَهُ لا عَبْدَ رَبِّهِ «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ وعَبْدُ الدِّرْهَمِ وعَبْدُ الخَمِيصَةِ» وهَذا هو الَّذِي أحْبَطَ عَمَلَ العامِلِينَ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، وأمّا مِن جِهَةِ ما يَخُصُّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوامِرِ في أحْوالِ النَّفْسِ فَما يُناسِبُهُ مِن أحْوالِها وأخْلاقِها كاجْتِماعِها في الصَّلاةِ بِأنْ لا تُصْغِيَ لِوَسْواسِ الشَّيْطانِ وأنْ لا تَتَحَدَّثَ في تَسْوِيلِها، وكَسَماحِها وسَخائِها في الإنْفاقِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وكَصَبْرِها في الصَّوْمِ والصَّوْمُ الصَّبْرُ كُلُّهُ، ويَصْحَبُها كُلُّ ذَلِكَ في الحَجِّ مَعَ زِيادَةِ اليَقِينِ، ويَصْحَبُها الجَمِيعُ في الجِهادِ مَعَ غَرِيزَةِ الشَّجاعَةِ، هَذا مِن جِهَةِ حالِ النَّفْسِ وأمّا مِن جِهَةِ العَمَلِ وأحْوالِ الجَوارِحِ فَإنَّ أدَبَ النّاطِقِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ أنْ يَجْمَعَ حَواسَّهُ إلى قَلْبِهِ ويُحْضِرَ في قَلْبِهِ كُلَّ جارِحَةٍ فِيهِ ويَنْطِقَ بِلِسانِهِ عَنْ جَمِيعِ ذاتِهِ أحْوالَ نَفْسٍ وجَوارِحَ بَدَنٍ حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ عُضْوٍ مِنهُ وكُلُّ جارِحَةٍ فِيهِ وكُلُّ حالٍ لِنَفْسِهِ قِسْطَهُ مِنها كَما أشارَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعْلَمْ أنَّ بِذَلِكَ
«تَتَحاتُّ عَنْهُ الذُّنُوبُ كَما يَتَحاتُّ الوَرَقُ عَنِ الشَّجَرِ» فَلَمْ يَقْرَأْ تَهْلِيلَ القُرْآنِ مَن لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حالَهُ فِيهِ وكَذَلِكَ في تَشَهُّدِ الأذانِ، وبِذَلِكَ يَهْدِمُ التَّهْلِيلُ سَيِّئاتِهِ في الإسْلامِ كَما هَدَمَ مِنَ المُخَلِّصِ بِهِ جَرائِمَ الكُفْرانِ، «سَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا (p-١٩)يُؤَذِّنُ فَلَمّا قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: عَلى الفِطْرَةِ، فَلَمّا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، قالَ: خَرَجْتَ مِنَ النّارِ» وأمّا أدَبُ الصَّلاةِ فَخُشُوعُ الجَوارِحِ والهُدُّوِّ في الأرْكانِ وإتْمامُ كُلِّ رُكْنٍ بِأذْكارِهِ المَخْصُوصَةِ بِهِ وجَمْعُ الحَواسِّ إلى القَلْبِ كَحالِهِ في الشَّهادَةِ حَتّى لا يُحَقِّقَ مُدْرِكُ حاسَّةٍ غَفْلَةً، وأمّا أدَبُ الإنْفاقِ فَحُسْنُ المُناوَلَةِ، كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُناوِلُ السّائِلَ بِيَدِهِ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ الإسْرارَ أتَمَّ ﴿وإنْ تُخْفُوها وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ويُنْفِقُ مِن كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ ما رَزَقَهُ مُياوَمَةً أوْ مُشاهَرَةً أوْ مُسانَهَةً ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وأمّا أدَبُ الصَّوْمِ فالسُّحُورُ مُؤَخَّرًا والفِطْرُ مُعَجَّلًا، وصَوْمُ الأعْضاءِ كُلِّها عَنِ العَدْلِ فَأحْرى عَنِ الجَوْرِ وتَرْكُ العِنايَةِ بِما يُفْطِرُ عَلَيْهِ إلى ما بَعْدَ الزَّوالِ والأخْذُ فِيهِ لِشَهْوَةِ العِيالِ؛ وأمّا أدَبُ الحَجِّ فاسْتِطابَةُ الزّادِ والِاعْتِمادُ عَلى ما بِيَدِ اللَّهِ لا عَلى حاصِلِ ما بِيَدِ العَبْدِ، وهو تَزَوُّدُ التَّقْوى والرَّفْعُ مَعَ الرَّفِيقِ والرِّفْقُ بِالظَّهْرِ وتَحْسِينُ الأخْلاقِ والإنْفاقُ في الهَدْيِ وهو الثَّجُّ والإعْلانُ بِالتَّلْبِيَةِ وهو العَجُّ، وتَتَبُّعُ أرْكانِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أحْكامُهُ وإقامَةُ شَعائِرِهِ عَلى مَعْلُومِ السُّنَّةِ لا عَلى مَعْهُودِ (p-٢٠)العادَةِ، وأمّا أدَبُ الجِهادِ فاسْتِطابَةُ الزّادِ وإصْلاحُ العُدَّةِ ومُياسَرَةُ الخُلَطاءِ وحُسْنُ القِيامِ عَلى الخَيْلِ وتَطْيِيبُ عَلَفِها تَصْفِيَةً ووَرَعًا وتَناوُلُهُ بِيَدِهِ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَناوَلُ عَلَفَ فَرَسِهِ بِيَدِهِ ويَمْسَحُهُ بِرِدائِهِ» والتِزامُ ما يَجِدُ مَعَهُ المِنَّةَ مِن أنْ يَكُونَ فارِسًا أوْ راجِلًا أوْ رامِحًا أوْ نابِلًا، مِن تَكَلُّفِ غَيْرِ ما يَجِدُ مُنْتَهٍ فَقَدْ ضَيَّعَ الحَقَّ وعَمِلَ بِالتَّكْلِيفِ، والصَّمْتُ عِنْدَ اللِّقاءِ وغَضُّ البَصَرِ عَنِ النَّظَرِ إلى الأعْداءِ، وقالَ ﷺ «إذا أكْثَبُوكم فارْمُوهم ولا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتّى يَغُشُّوكم»، وكَفُّ اليَدِ عَمّا لِلْغَيْرِ فِيهِ حَقٌّ وهو الغُلُولُ، وأنْ لا يَدْعُوا لِلْبِرازِ وأنْ يُجِيبَ إذا دُعِيَ وقالَ ﷺ:
«يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: عَبْدِي كُلُّ عَبْدِي الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ وهو مُلاقٍ قَرْنَهُ» ولِكُلِّ أمْرٍ وتَلَبُّسٍ بِمَأْمُورٍ أدَبٌ يَخُصُّهُ عَلى ما يُسْتَقْرَأُ مِنَ السُّنَنِ النَّبَوِيَّةِ وآثارِ الخُلَفاءِ وصالِحِي الأُمَراءِ (p-٢١)فَبِهَذِهِ الأُمُورِ مِن إخْلاصِ القَلْبِ وطِيبِ النَّفْسِ وأدَبِ الجَوارِحِ، فَيَصِحُّ قِراءَةُ حَرْفِ الأمْرِ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ - انْتَهى.
البقرة 2:178
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ شَرْطَ رَفْعِ الإثْمِ عَنِ المُضْطَرِّ تَرْكُ العُدْوانِ وكانَ العُدْوانُ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ رُبَّما أدّى إلى القَتْلِ وتَلا ذَلِكَ بِما اسْتَتْبَعَهُ كَما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ وخَتَمَها بِمَدْحِ الصَّبْرِ والصِّدْقِ في دَعْوى الإيمانِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ وكُلِّ شَيْءٍ وكانَ مِن جُمْلَةِ ما خافَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ العَهْدَ أمْرَ سَفْكِ الدِّماءِ فَغَيَّرُوهُ كُلَّهُ أوْ بَعْضَهُ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤] الآياتِ وكانَ الصَّبْرُ عَلى بَذْلِ الرُّوحِ أعْظَمَ الصَّبْرِ وفِعْلُهُ أعْظَمَ مُصَدِّقٍ في الإيمانِ والِاسْتِسْلامُ لِلْقِصاصِ أشَدَّ وفاءً بِالعَهْدِ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ وما يَتْبَعُهُ فَقالَ تَعالى مُلَذِّذًا لَهم بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، ولَمّا حَصَلَ التَّعْدِيلُ بِها وقَعَ سابِقًا مِنَ التَّأْدِيبِ فَعَلِمَ المُخاطَبُونَ أنَّ الحُكْمَ إنَّما هو لِلَّهِ بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أيْ فُرِضَ (p-٢٢)فِي الكِتابِ وقَدْ سَمِعْتُمْ إنْذارِي لِلَّذِينِ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ، والَّذِي عَيَّنَ إرادَةَ الفَرْضِ أنَّ الكَتْبَ اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ في مَعْناهُ وأشْعَرَ بِهِ التَّعْبِيرُ بِـ عَلى ﴿القِصاصُ﴾ أيِ المُساواةُ في القَتْلِ والجِراحاتِ لِأنَّهُ مِنَ القَصِّ وهو تَتَبُّعُ الأثَرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: كَأنَّهُ يَتَّبِعُ بِالجانِي (p-٢٣)إثْرَ ما جَنى فَيَتَّبِعُ إثْرَ عُقُوبَتِهِ إثْرَ جِنايَتِهِ - انْتَهى.
﴿فِي القَتْلى﴾ أيْ في سائِرِ أُمُورِ القَتْلِ فَمَن قَتَلَ بِشَيْءٍ قُتِلَ بِهِ، ومَن قَتَلَ عَلى كَيْفِيَّةٍ قُتِلَ بِمِثْلِها، كانَ قَطَعَ يَدًا فَسَرى إلى النَّفْسِ فَتَقْطَعُهُ، فَإنْ سَرى وإلّا جَزَزْنا رَقَبَتَهُ لِتَكُونَ الآيَةُ عامَّةً مَخْصُوصَةً في بَعْضِ الصُّوَرِ، ومَتى لَمْ يُقَلْ بِالعُمُومِ كانَتْ مُجْمَلَةً والتَّخْصِيصُ أوْلى مِنَ الإجْمالِ، فَصَدِّقُوا دَعْواكُمُ الإيمانَ مِمّا يَعْمَلُ الأئِمَّةُ الِاسْتِيفاءَ وغَيْرُهم بِالِانْقِيادِ فِيهِ ولا تَكُونُوا كَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في كِتابِهِمْ فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وأيْضًا لَمّا ذَكَرَ إيتاءَ المالِ عَلى حُبِّهِ وكانَ قَدْ ذَكَرَ أنَّ البارَّ هو المُؤْمِنُ بِالكِتابِ وكانَ مِنَ الكِتابِ بَذْلُ الرُّوحِ المَعْلُومِ حُبُّها عَقَّبَهُ بِهِ إشارَةً إلى أنَّ المالَ عَدِيلُها لا يُؤْتى لِأجَلِ (p-٢٤)اللَّهِ إلّا بِمَحْضِ الإيمانِ كَما أنَّ الرُّوحَ لا تُبْذَلُ إلّا بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ التَّوْراةِ في القِصاصِ الَّذِي أُشِيرَ بِآيَةِ المائِدَةِ إلى أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمُ العَدْلُ فِيهِ فَكانَ مَن كانَ مِنهم أقْوى جَعَلَ لِقَوْمِهِ في ذَلِكَ فَضْلًا فَكانَ بَنُو النَّضِيرِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ يَأْخُذُونَ في قَتْلاهُمُ الدِّيَةَ كامِلَةً وبَنُو قُرَيْظَةَ نِصْفَ الدِّيَةِ وكانَ بَعْضُهم كَما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ في سُورَةِ المائِدَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقْتُلُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ أشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى مُخالَفَتِهِمْ في هَذا الجَوْرِ مُبَيِّنًا لِلْمُساواةِ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ ولا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ لِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأوْلى مِنَ الحُكْمِ المَذْكُورِ ولا مُساوِيًا بِقَتْلِ العَبْدِ بِهِ لِأنَّهُ أوْلى ولا بِالحُكْمِ فَهو مَفْهُومٌ مُوافَقَةً.
ولَمّا قَدَّمَ هَذا لِشَرَفِهِ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ تَعْظِيمًا لِلذُّكُورِيَّةِ، وكَذا يُقْتَلُ بِالحُرِّ لِأنَّهُ أوْلى، ولا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ لِأنَّهُ لَيْسَ مُساوِيًا لِلْحُكْمِ ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وتُقْتَلُ (p-٢٥)الأُنْثى بِالذَّكَرِ والذَّكَرُ بِها، لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُساوٍ لِلْآخَرِ وِفاقًا لِلْأصْلِ المُؤَيَّدِ بِقَوْلِهِ ﷺ «النِّساءُ شَقائِقُ الرِّجالِ» احْتِياطًا لِلدِّماءِ الَّتِي انْتِهاكُها أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، ونَقَصَتِ الدِّيَةُ النِّصْفَ إنْ كانَتْ بَدَلَ الدَّمِ وِفاقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وتَنْبِيهًا عَلى انْحِطاطِ حُرْمَةِ الأمْوالِ عَنْ حُرْمَةِ الدِّماءِ عَلى أنْ تُصِيبَ مَفْهُومَ الآيَةِ أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِالمَقْتُولِ إلّا قاتِلُهُ، وإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ ﴿القَتْلى﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: القَتْلُ. عَلِمْتَ ذَلِكَ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ أخْذَ غَيْرِ الجانِي لَيْسَ قِصاصًا بَلِ اعْتِداءً ثانِيًا ولا تُرْفَعُ العَدْوى بِالعَدْوى إنَّما تُرْفَعُ العَدْوى بِالقِصاصِ عَلى نَحْوِهِ وحْدَهُ - انْتَهى.
وكَذا أخْذُ غَيْرِ المُساوِي اعْتِداءً فَلا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ (p-٢٦)بِكافِرٍ بِما أفْهَمَهُ القِصاصُ، وتَقْيِيدُ الحُكْمِ بِأهْلِ الإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠] في أمْثالِها مِنَ الآياتِ.
ولَمّا فَتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَنا بابَ الرَّحْمَةِ بِالقِصاصِ مُنَبِّهًا عَلى تَبْكِيتِ أهْلِ الكِتابِ وكانَ ذَلِكَ مِن حُكْمِ التَّوْراةِ لَكِنْ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ وكانَ العَفْوُ عَلى النَّصارى كَذَلِكَ أظْهَرَ في الفُرْقانِ زِيادَةَ تَوْسِعَةٍ بِوَضْعِ هَذا الإصْرِ عَنّا بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَهُما.
قالَ الحَرالِيُّ: نَقْلًا مِن عِقابِ الآخِرَةِ إلى ابْتِلاءِ الدُّنْيا ونَقْلًا مِنِ ابْتِلاءِ الدُّنْيا في الدَّمِ إلى الكَفّارَةِ بِأخْذِ حَظٍّ مِنَ المالِ كَما كانَ في الفِداءِ الأوَّلِ لِذَبْحِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ولَدِهِ فَقالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ عَنْ جِنايَتِهِ مِنَ العَفْوِ وهو ما جاءَ بِغَيْرِ تَكَلُّفٍ ولا كُرْهٍ - انْتَهى.
وعَبَّرَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ الحُكْمَ يَتْبَعُ العَفْوَ مِن أيِّ عافٍ كانَ لَهُ العَفْوُ في شَيْءٍ (p-٢٧)مِنَ الحَقِّ ولَوْ كانَ يَسِيرًا وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ كانَ مِنَ العَفْوِ بِالنُّزُولِ عَنْ طَلَبِ الدَّمِ إلى الدِّيَةِ، وفي التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الأخِ كَما قالَ الحَرالِيُّ تَأْلِيفٌ بَيْنَ الجانِي والمَجْنِيِّ عَلَيْهِ وأوْلِيائِهِ مِن حَيْثُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] وإنْ لَمْ يَكُنْ خَطَأ الطَّبْعِ فَهو خَطَأُ القَصْدِ مِن حَيْثُ لَمْ يَقْصِدْ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إنَّما قَصَدَ أنْ يَقْتُلَ عَدُوًّا وشاتِمًا أوْ عادِيًا عَلى أهْلِهِ ومالِهِ أوْ ولَدِهِ.
فَإذا انْكَشَفَ حِجابُ الطَّبْعِ عادَ إلى أُخُوَّةِ الإيمانِ ﴿فاتِّباعٌ﴾ أيْ فالأمْرُ في ذَلِكَ اتِّباعٌ مِن ولِيِّ الدَّمِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ فِيهِ تَوْطِينُ النَّفْسِ عَلى كَسْرِها عَنْ حِدَّةِ ما تَجُرُّهُ إلَيْها أحْقادُ الجِناياتِ، والمَعْرُوفُ ما شُهِدَ عِيانَةً لِمُوافَقَتِهِ وبِقَبُولِ مَوْقِعِهِ بَيْنَ الأنْفُسِ فَلا يَلْحَقُها مِنهُ تَنَكُّرٌ.
ولَمّا أمَرَ المُتَّبِعَ أمْرَ المُؤَدِّي فَقالَ ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ لِئَلّا (p-٢٨)يَجْمَعَ بَيْنَ جِنايَتِهِ أوْ جِنايَةِ ولَيِّهِ وسُوءِ قَضائِهِ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ لِأوْلِياءِ الجانِي بِالتَّذَلُّلِ والخُضُوعِ والإنْصافِ لِأوْلِياءِ المَقْتُولِ بِما لَهم مِنَ السُّلْطانِ ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣] فَيُراقِبُونَ فِيهِمْ رَحْمَةَ اللَّهِ الَّتِي رَحِمَهم بِها فَلَمْ يَأْخُذِ الجانِيَ بِجِنايَتِهِ - انْتَهى.
ولَمّا وسَّعَ لَنا سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا الحُكْمِ نَبَّهَ عَلى عِلَّتِهِ تَعْظِيمًا لِلْمِنَّةِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الرِّفْقُ وهو التَّخْيِيرُ بَيْنَ القِصاصِ والعَفْوِ مَجّانًا وعَلى الدِّيَةِ ﴿تَخْفِيفٌ﴾ أيْ عَنِ القِتالِ وأوْلِيائِهِ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكم بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ وهَذا الحُكْمِ الجَمِيلِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ مُراعاةً كَما قالَ الحَرالِيُّ لِلْجانِبَيْنِ لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مُعَرَّضَةٌ لِأنْ تُصِيبَ مِنها الأُخْرى - انْتَهى.
﴿ورَحْمَةٌ﴾ لِأوْلِياءِ القَتِيلِ بِالدِّيَةِ ولِلْآخَرِينَ بِالعَفْوِ عَنِ الدَّمِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ أيْ يَقْبَلُ الدِّيَةَ في العَمْدِ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ مِمّا كَتَبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم فَمَنِ (p-٢٩)اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ انْتَهى.
وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ والعَفُوُّ وعَلى النَّصارى العَفْوُ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ مِنَّةً عَظِيمَةً تَسَبَّبَ عَنْها تَهْدِيدٌ مَن أباها فَقالَ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أيْ بِالقَتْلِ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ التَّخْيِيرِ والعَفْوِ ولَوْ كانَ العافِي غَيْرَهُ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِقَتْلِهِ أوْ أخْذِ الدِّيَةِ مِنهُ جَزاءً عَلى عَداوَتِهِ بِقَدْرِهِ وتَعَدِّيهِ بِما أشْعَرَ بِإبائِهِ لِهَذِهِ الرُّخْصَةِ الَّتِي حَكَمَ بِها المالِكُ في عَبِيدِهِ المَلِكُ الَّذِي لا تَسُوغُ مُخالَفَتُهُ، وفي تَسْمِيَةِ جَزائِهِ بِالعَذابِ وعَدَمِ تَخْصِيصِهِ بِإحْدى الدّارَيْنِ إعْلامٌ بِشِياعِهِ في كِلَيْهِما تَغْلِيظًا عَلَيْهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا لا يَصِيرُ بِذَلِكَ كافِرًا، قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُمِّيَ القاتِلُ في أوَّلِ الآيَةِ مُؤْمِنًا وفي وسَطِها أخًا ولَمْ يُؤَيِّسْهُ آخِرَها مِنَ التَّخْفِيفِ والرَّحْمَةِ.
البقرة 2:179
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِفائِدَةِ العَفْوِ أخْبَرَ بِفائِدَةِ مُقابِلِهِ تَتْمِيمًا لِتَأْنِيبِ أهْلِ الكِتابِ عَلى عُدُولِهِمْ عَنِ النَّصِّ وعَماهم عَنِ الحِكْمَةِ (p-٣٠)فَقالَ: ﴿ولَكُمْ﴾ أيْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴿فِي القِصاصِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ وهو قَتْلُ النَّفْسِ القاتِلَةِ بِالنَّفْسِ المَقْتُولَةِ مِن غَيْرِ مُجاوَزَةٍ ولا عُدْوانٍ ﴿حَياةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ بَدِيعَةٌ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ لا يَقْتُلُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فالحَياةُ لِمَن سِوى الجانِي مِن عَشِيرَتِهِ مِمَّنْ كانَ يُعْتَدى عَلَيْهِ بِجِنايَةِ غَيْرِهِ في الدُّنْيا، والحَياةُ لِلْجانِي بِما اقْتُصَّ مِنهُ في الأُخْرى، لِأنَّ مَن يُكَفَّرُ ذَنْبُهُ حَيِيَ في الآخِرَةِ، ومَن بَقِيَ عَلَيْهِ جِنايَةٌ فَأخَذَ بِها فَهو في حالِ ذَلِكَ مِمَّنْ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، لِأنَّ المُعاقَبَ في حالِ عُقُوبَتِهِ لا يَجِدُ طَعْمَ الحَياةِ لِغَلَبَةِ ألَمِهِ ولا هو في المَوْتِ لِإحْساسِهِ بِعُقُوبَتِهِ - انْتَهى.
وأمّا مُطْلَقُ القَتْلِ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ: القَتْلُ أنْفى لِلْقَتْلِ ولَيْسَ كَذَلِكَ، لِأنَّ مَن عَلِمُوا أنَّهم إذا قَتَلُوا اثْنَيْنِ لا يُقْتَلُ بِهِما إلّا واحِدٌ رُبَّما كانَ ذَلِكَ مُجْرِيًا لَهم عَلى القَتْلِ ويَدْخُلُ (p-٣١)فِيهِ القَتْلُ ابْتِداءً وهو أجْلَبُ لِلْقَتْلِ لا أنْفى لَهُ، وقَدْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلى اسْتِجادَةِ مَعْنى كَلِمَتِهِمْ واسْتِرْشاقِ لَفْظِها، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما في القُرْآنِ كَما بَيْنَ اللَّهِ وخَلْقِهِ فَإنَّها زائِدَةٌ عَلى عِبارَةِ القُرْآنِ في الحُرُوفِ وناقِصَةٌ في المَعْنى، فَإذا أُرِيدَ تَصْحِيحُها قَبْلَ القَتْلِ قِصاصًا أنْفى لِلْقَتْلِ ظُلْمًا فَكَثُرَتِ الزِّيادَةُ ولَمْ تَصِلْ إلى رَشاقَةِ ما في القُرْآنِ وعُذُوبَتِهِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ كَما تَرى مُعْجِزَةً في صِحَّةِ مَعْناها ودِقَّةِ (p-٣٢)إشارَتِهِ وغَزِيرِ مَفْهُوماتِهِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُرَغِّبًا في عُلُوِّ الهِمَمِ ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الَّتِي تَنْفَعُ أصْحابَها بِخُلُوصِها مِمّا هو كالقِشْرِ لِأنَّهُ جَمْعُ لُبٍّ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو باطِنُ العَقْلِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَلْحَظَ أمْرَ اللَّهِ في المَشْهُوداتِ كَما شَأْنُ ظاهِرِ العَقْلِ أنْ يَلْحَظَ الحَقائِقَ مِنَ المَخْلُوقاتِ، فَهُمُ النّاظِرُونَ إلى رَبِّهِمْ في آياتِهِ - انْتَهى.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيِ اللَّهَ بِالِانْقِيادِ لِما شَرَعَ فَتَتَحامَوْنَ القَتْلَ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إبْهامِ لَعَلَّ الَّتِي هي مِنَ الخُلُقِ كَما تَقَدَّمَ تَرَدُّدُ إعْلامٍ بِتَصْنِيفِهِمْ صِنْفَيْنِ بَيْنَ مَن يُثْمِرُ ذَلِكَ لَهُ تَقْوى (p-٣٣)وبَيْنَ مَن يَحْمِلُهُ ذَلِكَ ويَزِيدُهُ في الِاعْتِداءِ - انْتَهى.
البقرة 2:180
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى بَذْلِ المالِ نَدْبًا وإيجابًا في حالِ الصِّحَّةِ والشُّحِّ وتَأْمِيلِ الغِنى وخَشْيَةِ الفَقْرِ تَصْدِيقًا لِلْإيمانِ وأتْبَعَهُ بَذْلَ الرُّوحِ الَّتِي هو عَدِيلُها بِالقَتْلِ الَّذِي هو أحَدُ أسْبابِ المَوْتِ أتْبَعَ ذَلِكَ بَذْلَهُ في حالِ الإشْرافِ عَلى النَّقْلَةِ والأمْنِ مِن فَقْرِ الدُّنْيا والرَّجاءِ لِغِنى الآخِرَةِ اسْتِدْراكًا لِما فاتَ مِن بَذْلِهِ عَلى حُبِّهِ فَقالَ - وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى وُجُوهَ التَّزْكِيَةِ في هَذِهِ المُخاطَباتِ وما ألْزَمَهُ مِنَ الكِتابِ وعَلَّمَهُ مِنَ الحِكْمَةِ وأظْهَرَ اسْتِنادُ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى تَقْوى تَكُونُ وصْفًا ثابِتًا أوِ اسْتِجْدادًا مُعالِجًا حَسَبَ ما خَتَمَ بِهِ آيَةَ ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] مِن قَوْلِهِ ﴿هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وما خَتَمَ بِهِ آيَةَ القِصاصِ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩] رَفْعُ رُتْبَةِ الخِطابِ إلى ما هو حَقٌّ عَلى المُتَّقِينَ حِينَ كانَ الأوَّلُ مَكْتُوبًا عَلى المُتَرَجِّينَ لِأنَّ يَتَّقُوا تَرْبِيَةً وتَزْكِيَةً بِخِطابٍ يَتَوَسَّلُ بِهِ إلى خِطابٍ أعْلى في التَّزْكِيَةِ لِيَنْتَهِيَ في الخِطابِ مِن رُتْبَةٍ إلى رُتْبَةٍ إلى أنْ يَسْتَوْفِيَ نِهاياتِ رُتَبِ أسْنانِ القُلُوبِ وأحْوالِها كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ في الخِطابِ السّابِقِ ذِكْرُ القَتْلِ والقِصاصِ الَّذِي هو (p-٣٤)حالُ حَضْرَةِ المَوْتِ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ لِأنَّهُ حالُ مَن حَضَرَهُ المَوْتُ، انْتَهى - فَقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ فُرِضَ كَما اسْتَفاضَ في الشَّرْعِ وأكَّدَ هُنا بِعَلى، ثُمَّ نَسَخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ وُجُوبَهُ فَبَقِيَ جَوازُهُ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أنَّ الإرْثَ والوَصِيَّةَ لا يَجْتَمِعانِ، فالنَّسْخُ إنَّما هو في حَقِّ القَرِيبِ الوارِثِ لا مُطْلَقًا فَقالَ ﷺ:
«إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» رَواهُ أحْمَدُ والأرْبَعَةُ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ وأبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ بِحُضُورِ أسْبابِهِ وعَلاماتِهِ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ أيْ ما لا يَنْبَغِي أنْ يُوصى فِيهِ قَلِيلًا كانَ أوْ كَثِيرًا، أمّا إطْلاقُهُ عَلى الكَثِيرِ فَكَثِيرٌ، وأُطْلِقَ عَلى القَلِيلِ في ﴿إنِّي لِما أنْـزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] ثُمَّ ذَكَرَ القائِمَ مَقامَ فاعِلِ كُتِبَ بَعْدَ (p-٣٥)أنِ اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿الوَصِيَّةُ﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ الرّافِعَ لَها لِوُجُودِ الفاصِلِ إفْهامًا لِقُوَّةِ طَلَبِهِ ﴿لِلْوالِدَيْنِ﴾ بَدَأ بِهِما لِشَرَفِهِما وعِظَمِ حَقِّهِما ﴿والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيِ العَدْلِ الَّذِي يَتَعارَفُهُ النّاسُ في التَّسْوِيَةِ والتَّفْضِيلِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وكُلُّ ذَلِكَ في المُحْتَضِرِ، والمَعْرُوفُ ما تَقْبَلُهُ الأنْفُسُ ولا تَجِدُ مِنهُ تَكَرُّهًا - انْتَهى. وأكَّدَ الوُجُوبَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ وكَذا قَوْلُهُ: ﴿عَلى المُتَّقِينَ﴾ فَهو إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ وتَذْكِيرٌ بِما أمامَهُ مِنَ القُدُومِ عَلى مَن يَسْألُهُ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ.
البقرة 2:181
(p-٣٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ فِعْلَ ما دَعَتْ إلَيْهِ التَّقْوى مِنَ العَدْلِ وُجُوبُ العَمَلِ بِهِ قالَ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ أيِ الإيصاءَ الواقِعَ عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ أوِ المُوصى بِهِ بِأنْ غَيَّرَ عَيْنَهُ إنْ كانَ عَيْنِيًّا أوْ نَقَصَهُ إنْ كانَ مِثْلِيًّا.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ولِيَ المُتَّقِينَ إيصالُ مَتْرُوكِهِمْ إلى والِدَيْهِمْ وقَراباتِهِمْ فَأمْضَوْهُ بِالمَعْرُوفِ تَوَلّى عَنْهُمُ التَّهْدِيدُ لِمَن بَدَّلَ عَلَيْهِمْ، وفي إفْهامِهِ أنَّ الفَرائِضَ إنَّما أُنْزِلَتْ عَنْ تَقْصِيرٍ وقَعَ في حَقِّ الوَصِيَّةِ فَكَأنَّهُ لَوْ بَقِيَ عَلى ذَلِكَ لَكانَ كُلُّ المالِ حَظًّا لِلْمُتَوَفّى، فَلَمّا فُرِضَتِ الفَرائِضُ اخْتَزَلَ مِن يَدَيْهِ الثُّلْثانِ وبَقِيَ الثُّلُثُ عَلى الحُكْمِ الأوَّلِ، وبَيَّنَ أنَّ الفَرْضَ عَيْنُ الوَصِيَّةِ فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ لِأنَّ الفَرْضَ بَدَلُها - انْتَهى.
﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ أيْ عَلِمَهُ عِلْمًا لا شَكَّ فِيهِ، أمّا إذا لَمْ يَتَحَقَّقْ فاجْتَهَدَ فَلا إثْمَ، وأكَّدَ التَّحْذِيرَ مِن تَغْيِيرِ المُغَيِّرِ وسُكُوتِ الباقِينَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ أيِ التَّبْدِيلِ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ بِالفِعْلِ أوِ التَّقْدِيرِ لا يَلْحَقُ المُوصى مِنهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ لِلْمُوصِي والمُبَدِّلِ أقْوالٌ وأفْعالٌ (p-٣٧)ونِيّاتٌ حَذَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يَقُولُهُ كُلٌّ مِنهُما ﴿عَلِيمٌ﴾ بِسِرِّهِ وعَلَنِهِ في ذَلِكَ، فَلْيَحْذَرْ مَن عَمَلِ السُّوءِ وإنْ أظْهَرَ غَيْرَهُ ومِن دُعاءِ المَظْلُومِ فَإنَّ اللَّهَ يُجِيبُهُ.
البقرة 2:182
ولَمّا كانَ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّبْدِيلِ إنَّما هو في عَمَلِ العَدْلِ وكانَ المُوصِي رُبَّما جارَ في وصِيَّتِهِ لِجَهْلٍ أوْ غَرَضٍ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن خافَ﴾ أيْ عَلِمَ وتَوَقَّعَ وظَنَّ، أطْلَقَهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مِن أسْبابِهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَقْنَعُ فِيهِ بِالظَّنِّ﴿مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ أيْ مَيْلًا في الوَصِيَّةِ خَطَأً ﴿أوْ إثْمًا﴾ أيْ مَيْلًا فِيها عَمْدًا.
قالَ الحَرالِيُّ: وكانَ حَقِيقَةُ مَعْنى الجَنَفِ إخْفاءَ حَيْفٍ في صُورَةِ بِرٍّ - انْتَهى. (p-٣٨)﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ المُوصِي والمُوصى لَهم إنْ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأنْ أشارَ عَلَيْهِ بِما طابَتْ بِهِ الخَواطِرُ، أوْ بَيْنَ المُوصى لَهم والوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ إنْ خِيفَ مِن وُقُوعِ شَرٍّ فَوَفَّقَ بَيْنَهم عَلى أمْرٍ يَرْضَوْنَهُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ بِذِكْرِ الخَوْفِ مِنَ المُوصِي ما يُشْعِرُ أنَّ ذَلِكَ في حالِ حَياةِ المُوصِي لَيْسَ بَعْدَ قَرارِ الوَصِيَّةِ عَلى جَنَفٍ بَعْدَ المَوْتِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَعْرِضُ لَهُ مَضْمُونَ هَذا الخِطابِ، وفي إيقاعِ الإصْلاحِ عَلى لَفْظَةِ ”بَيْنَ“ إشْعارٌ بِأنَّ الإصْلاحَ نائِلُ البَيْنِ الَّذِي هو وصْلُ ما بَيْنَهم فَيَكُونُ مِن مَعْنى ما يَقُولُهُ النُّحاةُ مَفْعُولٌ عَلى السِّعَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَأصْلَحَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمُ - انْتَهى.
﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِهَذا التَّبْدِيلِ. ولَمّا كانَ المُجْتَهِدُ قَدْ يُخْطِئُ فَلَوْ أُوخِذَ بِخَطَئِهِ أحْجَمَ عَنِ الِاجْتِهادِ جَزاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ بِتَعْلِيلِ رَفْعِ الإثْمِ بِقَوْلِهِ إعْلامًا بِتَعْمِيمِ الحُكْمِ في كُلِّ مُجْتَهِدٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُخْتَصَّ بِإحاطَةِ العِلْمِ (p-٣٩)﴿غَفُورٌ﴾ أيْ لِمَن قَصَدَ خَيْرًا فَأخْطَأ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ يَفْعَلُ بِهِ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ الرّاحِمِ بِالمَرْحُومِ.
البقرة 2:183
ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ الأكْلَ مِمّا خَلَقَهُ دَلِيلًا عَلى الوَحْدانِيَّةِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ وكانَ مِن طَبْعِ الإنْسانِ الِاسْتِئْثارُ وكانَ الِاسْتِئْثارُ جارًّا إلى الفِتَنِ، وأتْبَعَهُ حُكْمُ المُضْطَرِّ وأشارَ إلى زَجْرِهِ عَنِ العُدْوانِ بِتَقْيِيدِهِ عَنْهُ في حالِ التَّلَفِ فَكانَ في ذَلِكَ زَجْرٌ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأُولى، وأوْلاهُ النَّدْبُ إلى التَّخَلِّي عَمّا دَخَلَ في اليَدِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا لِلْأصْنافِ السِّتَّةِ ومَن لافَهُمْ، ثُمَّ الإيجابِ بِالزَّكاةِ تَزْهِيدًا في زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا لِيَجْتَثَّ العُدْوانَ مِن أصْلِهِ، وقَفّى ذَلِكَ بِحُكْمِ مَن قَدْ يَعْدُو، ثُمَّ بِما تَبِعَهُ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ المالِ في حَضْرَةِ المَوْتِ فَتَدَرَّبَتِ النَّفْسُ في الزُّهْدِ بِما هو مَعْقُولُ المَعْنى بادِئَ بَدْءٍ مِنَ التَّخَلِّي عَنْهُ لِمَن يَنْتَفِعُ بِهِ أتْبَعَهُ الأمْرَ (p-٤٠)بِالتَّخَلِّي عَنْهُ لا لِمُحْتاجٍ إلَيْهِ بَلْ لِلَّهِ الَّذِي أوْجَدَهُ لِمُجَرَّدِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وتَطْهِيرِها لِتَهَيُّئِها لِما يَقْتَضِيهِ عَلَيْها صِفَةُ الصَّمَدِيَّةِ مِنَ الحِكْمَةِ، هَذا مَعَ ما لِلْقِصاصِ والوَصِيَّةِ مِنَ المُناسَبَةِ لِلصَّوْمِ مِن حَيْثُ إنَّ في القِصاصِ قَتْلَ النَّفْسِ حِسًّا وفي الصَّوْمِ قَتْلَ الشَّهْوَةِ السَّبَبَ لِلْوَطْءِ السَّبَبَ لِإيجادِ النَّفْسِ حِسًّا وفِيهِ حَياةُ الأجْسادِ مَعْنًى وفي الصَّوْمِ حَياةُ الأرْواحِ بِطَهارَةِ القُلُوبِ وفَراغِها لِلتَّفَكُّرِ وتَهَيُّئِها لِإفاضَةِ الحِكْمَةِ والخَشْيَةِ الدّاعِيَةِ إلى التَّقْوى وإماتَةِ الشَّهْوَةِ وشَهْرُهُ شَهْرُ الصَّبْرِ المُسْتَعانِ بِهِ عَلى الشُّكْرِ، وفِيهِ تَذْكِيرٌ بِالضُّرِّ الحاثِّ عَلى الإحْسانِ إلى المَضْرُورِ وهو مَدْعاةٌ إلى التَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا والتَّحَلِّي بِأوْصافِ المَلائِكَةِ ولِذَلِكَ نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ المُتَلَقّى مِنَ المَلِكِ، فَهو أنْسَبُ شَيْءٍ لِآيَةِ الوَصِيَّةِ المَأْمُورِ بِها المُتَّقُونَ بِالتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا عِنْدَ مُقارَبَةِ الِاجْتِماعِ بِالمَلائِكَةِ، وخَتْمُها بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إشارَةٌ إلى الصّائِمِ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِما فَقالَ (p-٤١)تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَخاطَبَ بِما يَتَوَجَّهُ بادِئَ بَدْءٍ إلى أدْنى الطَّبَقاتِ الَّتِي التَزَمَتْ أمْرَ الدِّينِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم باعِثُ حُبٍّ وشَوْقٍ يَبْعَثُهم عَلى فِعْلِهِ مِن غَيْرِ فَرْضٍ بِخِلافِ ما فَوْقَهم مِن رُتْبَةِ المُؤْمِنِينَ والمُحْسِنِينَ فَإنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ مَعالِمَ الإسْلامِ مِن غَيْرِ إلْزامٍ فَكانُوا يَصُومُونَ عَلى قَدْرِ ما يَجِدُونَ مِنَ الرُّوحِ فِيهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: فَلِذَلِكَ لَمْ يُنادُوا في القُرْآنِ نِداءَ بُعْدٍ ولا ذُكِرُوا إلّا مَمْدُوحِينَ، والَّذِينَ يُنادَوْنَ في القُرْآنِ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ انْتَبَهُوا لِما أشارَ بِهِ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ والَّذِينَ آمَنُوا بِما هم في مَحَلِّ الِائْتِمارِ مُتَقاصِرِينَ عَنِ البِدارِ، فَلِذَلِكَ كُلُّ نِداءٍ في القُرْآنِ مُتَوَجِّهٌ إلى هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ إلّا ما تَوَجَّهَ لِلْإنْسانِ بِوَصْفِ (p-٤٢)ذَمٍّ في قَلِيلٍ مِنَ الآيِ - انْتَهى.
﴿كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ بِما اسْتَفاضَ في لِسانِ الشَّرْعِ وتَأيَّدَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ وهو الإمْساكُ عَنِ المُفْطِرِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ بِالنِّيَّةِ وقالَ الحَرالِيُّ: فُرِضَ لِما فِيهِ مِنَ التَّهَيُّؤِ لِعِلْمِ الحِكْمَةِ وعِلْمِ ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ وهو الثَّباتُ عَلى تَماسُكٍ عَمّا مِن شَأْنِ الشَّيْءِ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ ويَكُونَ شَأْنُهُ كالشَّمْسِ في وسَطِ السَّماءِ، يُقالُ: صامَتْ - إذا لَمْ يَظْهَرُ لَها حَرَكَةٌ لِصُعُودٍ ولا لِنُزُولِ الَّتِي هي مِن شَأْنِها، وصامَتِ الخَيْلُ - إذا لَمْ تَكُنْ مَرْكُوضَةً ولا مَرْكُوبَةً، فَتَماسُكُ المَرْءِ عَمّا شَأْنُهُ فِعْلُهُ مِن (p-٤٣)حِفْظِ بَدَنِهِ بِالتَّغَذِّي وحِفْظِ نَسْلِهِ بِالنِّكاحِ وخَوْضِهِ في زُورِ القَوْلِ وسُوءِ الفِعْلِ هو صَوْمُهُ، وفي الصَّوْمِ خَلاءٌ مِنَ الطَّعامِ وانْصِرافٌ عَنْ حالِ الأنْعامِ وانْقِطاعِ شَهَواتِ الفَرْجِ، وتَمامُهُ الإعْراضُ عَنْ أشْغالِ الدُّنْيا والتَّوَجُّهُ إلى اللَّهِ والعُكُوفُ في بَيْتِهِ لِيَحْصُلَ بِذَلِكَ نُبُوعُ الحِكْمَةِ مِنَ القَلْبِ، وجُعِلَ كَتْبًا حَتّى لا يَتَقاصَرَ عَنْهُ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ إلّا انْشَرَمَ دِينُهُ كَما يَنْشَرِمُ خَرْمُ القِرْبَةِ المَكْتُوبِ فِيها - انْتَهى.
﴿كَما كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ، فالتَّشْبِيهُ في مُطْلَقِ الفَرْضِ ﴿عَلى الَّذِينَ﴾ وكَأنَّهُ أُرِيدَ أهْلُ الكِتابَيْنِ فَقَطْ وأثْبَتَ الحالَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ فِيهِ إشْعارٌ (p-٤٤)بِأنَّهُ مِمّا نَقَضُوا فِيهِ العَهْدَ فَكَتَمُوهُ حِرْصًا عَلى ضَلالِ العَرَبِ، ولَمّا كانَ في التَّأسِّي إعْلاءٌ لِلْهِمَّةِ القاصِرَةِ وإسْعارٌ وإغْلاءٌ لِلْقُلُوبِ الفاتِرَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ تَحَمُّلُهُ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ إسْخاطِ اللَّهِ وِقايَةً بِالمُسارَعَةِ إلَيْهِ والمُواظَبَةِ عَلَيْهِ رَجاءً لِرِضا رَبِّكم وخَوْفًا مِمَّنْ سَبَقَ مِن قَبْلِكُمْ، لِتَكُونَ التَّقْوى لَكم صِفَةً راسِخَةً فَتَكُونُوا مِمَّنْ جَعَلْتُ الكِتابَ هُدًى لَهُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ فَيَقْمَعُ الهَوى فَيُرَوِّعُ عَنْ مُوافَقَةِ السُّوءِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ تَصْنِيفُ المَأْخُوذِينَ بِذَلِكَ صِنْفَيْنِ: مَن يُثْمِرُ لَهُ صَوْمُهُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ تَقْوى، ومَن لا يُثْمِرُ لَهُ ذَلِكَ.
البقرة 2:184
(p-٤٥)ولَمّا كانَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ جَمْعٌ لِما في الكُتُبِ والصُّحُفِ كانَتْ مَبادِئُ أحْكامِها عَلى حُكْمِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ فَكَما وُجِّهُوا وُجْهَةَ أهْلِ الكِتابِ ابْتِداءً ثُمَّ لَهم بِالوُجْهَةِ إلى الكَعْبَةِ انْتِهاءٌ كَذَلِكَ صُوِّمُوا صَوْمَ أهْلِ الكِتابِ ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ أيْ قَلائِلَ مُقَّدَرَةٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ ابْتِداءً ثُمَّ رَقَوْا إلى صَوْمِ دائِرَةِ الشَّهْرِ وحْدَةَ قَدْرِ انْتِهاءٍ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ مَن قَبْلَهم أهْلَ حِسابٍ لِما فِيهِ حُصُولُ أمْرِ الدُّنْيا فَكانَتْ أعْوامُهم شَمْسِيَّةً كانَ صَوْمُهم عَدَدَ أيّامٍ لا وحْدَةَ شَهْرٍ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ بِتَجْدِيدِ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ حَيْثُ هي أيّامٌ مَعْدُودَةٌ، وفي إفْهامِهِ مَنعٌ مِن تَمادِي الصَّوْمِ في زَمَنِ اللَّيْلِ الَّذِي هو مَعْنى الوِصالِ الَّذِي يُشْعِرُ صِحَّتُهُ رَفْعَ رُتْبَةِ الصَّوْمِ إلى صَوْمِ الشَّهْرِ الَّذِي هو دَوْرَةُ القَمَرِ يُقْنِعُ (p-٤٦)الفِطْرَ في لَيْلَةٍ رُخْصَةً لِلضَّعِيفِ لا عَزْمًا عَلى الصّائِمِ، وكانَ فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ ما في صَوْمِ أهْلِ الكِتابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أكْلٌ ولا نِكاحٌ بَعْدَ نَوْمٍ، فَكانَ فِيهِ كُلْفَةُ ما في الكُتُبِ لِيَنالَ رَأْسُ هَذِهِ الأمَةِ وأوائِلُها حَظًّا مِن مَنالِ أوائِلِ الأُمَمِ ثُمَّ يُرَقِّيها اللَّهُ إلى حُكْمِ ما يَخُصُّها فَتَكُونُ مُرَبّاةً تَجِدُ طَعْمَ اليُسْرِ بَعْدَ العُسْرِ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَحْرِيمُ الوِصالِ، «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ تُواصِلُ! قالَ: ”إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ“ وقالَ: ”مَن كانَ مُواصِلًا فَلْيُواصِلْ إلى السَّحَرِ“» .
قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأ بِتَمادِي الصَّوْمِ إلى السَّحَرِ لِتَنْتَقِلَ وجْبَةُ الفِطْرِ الَّتِي تُوافِقُ حالَ أهْلِ الكِتابِ إلى وجْبَةِ السَّحَرِ الَّتِي هي خُصُوصُ أهْلِ الفُرْقانِ - انْتَهى. وفي مُواصَلَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِهِمْ لَمّا أبَوْا إلّا الوِصالَ أيّامًا ما يَشْهَدُ لِمَن أباحَ ذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي تَأْسِيسِهِ عَلى العَدَدِ مَلْجَأٌ يُرْجَعُ إلَيْهِ عِنْدَ إغْماءِ الشَّهْرِ الَّذِي هو الهِلالُ كَما سَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ، فَصارَ (p-٤٧)لَهُمُ العَدَدُ في الصَّوْمِ بِمَنزِلَةِ التَّيَمُّمِ في الطُّهُورِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ عِنْدَ ضَرُورَةِ فَقْدِ إهْلالِ الرُّؤْيَةِ كَما يَرْجِعُونَ إلى الصَّعِيدِ عِنْدَ فَقْدِ الماءِ.
ولَمّا كانَ لِلْمَرِيضِ حاجَةٌ لِلدَّواءِ والغِذاءِ بِحَسَبِ تَداعِي جِسْمِهِ رُفِعَ عَنْهُ الكَتْبُ فَتَسَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ أيْ مَرَضًا يَضُرُّهُ عاجِلًا أوْ يَزِيدُ في عِلَّتِهِ آجِلًا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَبَقِيَ عَلى حُكْمِ التَّحَمُّلِ بِيَقِينٍ مِمّا يَغْذُو المُؤْمِنَ ويَسْقِيهِ مِن غَيْبِ بَرَكَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «أبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِي» فَلِلْمُؤْمِنِ غِذاءٌ في صَوْمِهِ مِن بَرَكَةِ رَبِّهِ بِحُكْمِ يَقِينِهِ فِيما لا يَصِلُ إلَيْهِ مَن لَمْ يَصِلْ إلى مَحَلِّهِ، فَعَلى قَدْرِ ما تُسْتَمَدُّ بَواطِنُ النّاسِ مِن ظَواهِرِهِمْ يُسْتَمَدُّ ظاهِرُ المُوقِنِ مِن باطِنِهِ حَتّى يَقْوى في أعْضائِهِ بِمَدَدِ نُورِ باطِنِهِ كَما ظَهَرَ ذَلِكَ في أهْلِ الوَلايَةِ والدِّيانَةِ، فَكانَ فِطْرُ المَرِيضِ رُخْصَةً لِمَوْضِعِ تَداوِيهِ واغْتِذائِهِ.
ولَمّا كانَ المَرَضُ وصْفًا جاءَ بِلَفْظِ الوَصْفِ ولَمّا كانَ السَّفَرُ وهو إزالَةُ الكِنِّ عَنِ الرَّأْسِ تَمامَ دَوْرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بِالمَسِيرِ عَنْهُ بِحَيْثُ لا يَتَمَكَّنُ مِن عَوْدِهِ لِمَأْواهُ في مَدارِ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ نِسْبَةً بَيْنَ جُسْمانِيَّيْنِ جاءَ (p-٤٨)بِحَرْفِ الإضافَةِ مَفْصُولًا فَقالَ: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ المُسافِرُ مِنِ اغْتِذاءٍ لِوُفُورِ نَهْضَتِهِ في عَمَلِهِ في سَفَرِهِ وأنَّ وقْتَ اغْتِذائِهِ بِحَسَبِ البِقاعِ لا بِحَسَبِ الِاخْتِيارِ إذِ المُسافِرُ ومَتاعُهُ عَلى قَلْبٍ إلّا ما وقى اللَّهُ «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذابِ» وذَلِكَ لِئَلّا يَجْتَمِعَ عَلى العَبْدِ كُلْفَتانِ فَيَتَضاعَفَ عَلَيْهِ المَشَقَّةُ دِينًا ودُنْيا فَإذا خَفَّ عَنْهُ الأمْرُ مِن وجْهٍ طَبِيعِيٍّ أخَذَ بِالحُكْمِ مِن وجْهٍ آخَرَ دِينِيٍّ ﴿فَعِدَّةٌ﴾ نَظْمُهُ يُشْعِرُ أنَّ المَكْتُوبَ عِدَّة ﴿مِن أيّامٍ﴾ أيْ مُتَتابِعَةٌ أوْ مُتَفَرِّقَةٌ ﴿أُخَرَ﴾ لِانْتِظامِ مَقاطِعِ الكَلامِ بَعْضِها بِبَعْضٍ رُؤُوسًا وأطْرافًا، فَفي إفْهامِهِ أنَّ مَكْتُوبَ المَرِيضِ والمُسافِرِ غَيْرُ مَكْتُوبِ الصَّحِيحِ والمُقِيمِ، فَبِذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: فَأُفْطِرُ، لِأنَّ المَقْصِدَ مَعْنى الكَتْبِ ويَبْقى ما دُونَ الكَتْبِ (p-٤٩)عَلى حُكْمِ تَحَمُّلِهِ، فَكَأنَّهُ يُقالُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ: مَكْتُوبُكَ أيّامًا أُخَرَ لا هَذِهِ الأيّامُ، فَتَبْقى هَذِهِ الأيّامَ خَلِيَّةً عَنْ حُكْمِ الكُتُبِ لا خَلِيَّةً عَنْ تَشْرِيعِ الصَّوْمِ.
ولَمّا كانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصَّوْمَ وكانَتْ عِنايَةُ اللَّهِ مُحِيطَةً بِهِمْ تَشْرِيفًا لِرَسُولِهِمْ ﷺ قالَ مُخَيِّرًا في أوَّلِ الأمْرِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أيِ الصَّوْمَ، مِنَ الطَّوْقِ وهو ما يُوضَعُ في العُنُقِ حِلْيَةً، فَيَكُونُ ما يَسْتَطِيعُهُ مِنَ الأفْعالِ طَوْقًا لَهُ في المَعْنى ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ﴾ بِالإضافَةِ أوِ الفَصْلِ ﴿مِسْكِينٍ﴾ بِالإفْرادِ إرْجاعًا إلى اليَوْمِ الواحِدِ، وبِالجَمْعِ إرْجاعًا إلى مَجْمُوعِ الأيّامِ لِكُلِّ يَوْمٍ طَعامٌ واحِدٌ، وهو مُدٌّ وحَفْنَتانِ بِالكَفَّيْنِ هُما قُوتُ الحافِنِ غَداءً وعَشاءً كَفافًا لا إقْتارًا ولا إسْرافًا، في جُمْلَتِهِ تَوْسِعَةُ أمْرِ الصَّوْمِ عَلى مَن لا يَسْتَطِيعُهُ مِمَّنْ هو لِغَلَبَةِ (p-٥٠)حاجَةِ طَبْعِهِ إلى الغِذاءِ بِمَنزِلَةِ المَرِيضِ والمُسافِرِ فَهو مِمْراضٌ بِالنَّهْمَةِ كَأنَّها حالُ مَرَضٍ جُبِلَ عَلَيْهِ الطَّبْعُ، فَكانَ في النَّظَرِ إلَيْهِ تَوْفِيَةُ رَحْمَةِ النَّظَرِ إلى المَرِيضِ والمُسافِرِ إلّا ما بَيْنَ رُتْبَتَيِ الصِّنْفَيْنِ مِن كَوْنِ هَذا مُطِيقًا وذَيْنِكَ غَيْرَ مُطِيقٍ أوْ غَيْرَ مُتَمَكِّنٍ، وفي إعْلامِهِ بَيانُ أنَّ مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّماسُكِ عَنْ غِذائِهِ فَحَقُّهُ أنْ يَغْذُوَ غَيْرَهُ لِيَقُومَ بَذْلُ الطَّعامِ عِوَضًا عَنِ التَّماسُكِ عَنِ الطَّعامِ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ لِذَلِكَ؛ ولَمْ يُذْكَرْ هُنا مَعَ الطَّعامِ عِتْقٌ ولا صَوْمٌ ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أيْ فَزادَ في الفِدْيَةِ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ لِأنَّهُ فَعَلَ ما يَدُلُّ عَلى حُبِّهِ لِرَبِّهِ.
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ وتَعالى الإفْطارَ عِنْدَ الإطاقَةِ والفِدْيَةُ واجِبُها ومَندُوبُها مَساقُ الغَيْبَةِ وتَرْكُ ذِكْرِ الفِطْرِ وإنْ دَلَّ السِّياقُ عَلَيْهِ (p-٥١)إشارَةً إلى خَساسَتِهِ تَنْفِيرًا عَنْهُ جُعِلَ أهْلُ الصَّوْمِ مَحَلَّ حَضْرَةِ الخِطابِ إيذانًا بِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَضًّا عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأنْ تَصُومُوا﴾ أيُّها المُطِيقُونَ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِنَ الفِدْيَةِ وإنْ زادَتْ،
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الصّائِمَ يَنالُهُ مِنَ الخَيْرِ في جِسْمِهِ وصِحَّتِهِ ورِزْقِهِ حَظٌّ وافِرٌ مَعَ عِظَمِ الأجْرِ في الآخِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: «وكُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي» وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الأعْمالُ أفْعالًا وإنْفاقًا وسِيَرًا وأحْوالًا مِمّا شَأْنُ العَبْدِ أنْ يَعْمَلَهُ لِنَفْسِهِ ولِأهْلِهِ في دُنْياهُ وكانَ مِن شَأْنِهِ كانَتْ لَهُ، ولَمّا كانَ الصَّوْمُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ، فالصَّلاةُ مَثَلًا أفْعالٌ وأقْوالٌ وذَلِكَ مِن شَأْنِ المَرْءِ والزَّكاةُ إنْفاقٌ وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ، والحَجُّ ضَرْبٌ في الأرْضِ وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَأْكُلَ ولا يَشْرَبَ ولا يَنْكِحَ ولا يَنْتَصِفَ مِمَّنْ يَعْتَدِي عَلَيْهِ فَإنِ امْرُؤٌ شاتَمَهُ أوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائِمٌ، فَلَيْسَ جُمْلَةُ مَقاصِدِ الصَّوْمِ مِن شَأْنِهِ وحَقِيقَتُهُ إذْبالُ جِسْمِهِ وإضْعافُ (p-٥٢)نَفْسِهِ وإماتَتُهُ، ولِذَلِكَ كانَ الصَّوْمُ كَفّارَّةً لِلْقَتْلِ خَطَأً لِيَنالَ بِالصَّوْمِ مِن قَتْلِ نَفْسِهِ بِوَجْهٍ ما ما جَرى عَلى يَدِهِ خَطَأٌ مِنَ القَتْلِ، فَكانَ في الصَّوْمِ تَنَقُّصُ ذاتِ الصّائِمِ فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى: «فَإنَّهُ لِي» حِينَ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِ عَمَلِ الآدَمِيِّ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: «وأنا أجْزِي بِهِ» فَفي إشارَتِهِ أنَّ جَزاءَهُ مِن غَيْبِ اللَّهِ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، كُلُّ ذَلِكَ في مَضْمُونِ قَوْلِهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ انْتَهى.
وجَوابُهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ: صُمْتُمْ وتَطَوَّعْتُمْ، فَإنَّهم إنْ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ خَيْرٌ لَهم لَمْ يَفْعَلُوا فَلَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهم.
قالَ الحَرالِيُّ: كانَ خَيْرًا حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ جَمْعِ الصَّوْمِ والإطْعامِ تَعانُدٌ بَلْ تَعاضُدٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ لَفْظُ الخَيْرِ - انْتَهى.
رَوى البُخارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في التَّفْسِيرِ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ (p-٥٣)والنَّسائِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ الآيَةَ كانَ مَن أرادَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها وفي رِوايَةٍ: حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]» .
ولِلْبُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالُوا: أُنْزِلَ ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مَن يُطِيقُهُ ورُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ فَنَسَخَتْها ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ» .
البقرة 2:185
ولَمّا أبْهَمَ الأمْرَ أوَّلًا في الأيّامِ وجَعَلَهُ واجِبًا مُخَيِّرًا عَلى المُطِيقِ عَيَّنَ هُنا وبَتَّ الأمْرَ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾ (p-٥٤)لِأنَّ ذَلِكَ أضْخَمُ وآكَدُ مِن تَعْيِينِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والشَّهْرُ هو الهِلالُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَدُورَ دَوْرَةً مِن حِينِ أنْ يُهِلَّ إلى أنْ يُهِلَّ ثانِيًا سَواءٌ كانَتْ عِدَّةُ أيّامِهِ تِسْعًا وعِشْرِينَ أوْ ثَلاثِينَ، كِلا العَدَدَيْنِ في صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ بِالشَّهْرِ واحِدٌ، فَهو شائِعٌ في فَرْدَيْنِ مُتَزايَدَيِ العَدَدِ بِكَمالِ العِدَّةِ كَما يَأْتِي أحَدُ الفَرْدَيْنِ لِمُسَمّاهُ رَمَضانَ، يُقالُ: هو اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واشْتِقاقُهُ مِنَ الرَّمْضاءِ وهو اشْتِدادٌ حَرِّ الحِجارَةِ مِنَ الهاجِرَةِ، كَأنَّ هَذا الشَّهْرَ سُمِّيَ بِوُقُوعِهِ زَمَنَ اشْتِدادِ الحَرِّ بِتَرْتِيبِ أنْ يُحْسَبَ المُحَرَّمُ مِن أوَّلِ (p-٥٥)فَصْلِ الشِّتاءِ أيْ لِيَكُونَ ابْتِداءُ العامِ أوَّلَ ابْتِداءِ خَلْقٍ بِإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها، قالَ: وبِذَلِكَ يَقَعُ الرَّبِيعانِ في الرَّبِيعِ الأرْضِيِّ السّابِقِ حِينَ تَنْزِلُ الشَّمْسُ الحُوتَ والسَّماوِيِّ اللّاحِقِ حِينَ تَنْزِلُ الشَّمْسُ الحَمَلَ، وقالَ: إنَّهُ لَمّا وقَعَ لِسابِقَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمٌ كَصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ كَما وُجِّهُوا إلى القِبْلَةِ أوَّلًا بِوَجْهِ أهْلِ الكِتابِ تَدارَكَهُ الإرْفاعُ إلى حُكْمِ الفُرْقانِ المُخْتَصِّ بِهِمْ، فَجَعَلَ صَوْمَهُمُ القارَّ لَهم بِالشَّهْرِ لِأنَّهم أهْلُ شُهُورٍ ناظِرُونَ إلى الأهِلَّةِ لَيْسُوا بِالمُسْتَغْرِقِينَ في حِسابِ الشَّمْسِ، فَجَعَلَ صَوْمَهم لِرُؤْيَةِ الشَّهْرِ وجَعَلَ لَهُمُ الشَّهْرَ يَوْمًا واحِدًا فَكَأنَّهم نُقِلُوا مِن صَوْمِ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ إلى صَوْمِ يَوْمٍ واحِدٍ غَيْرِ مَعْدُودٍ لِوَحْدَتِهِ، لِأنَّهم أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ ﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] هي مِيقاتُ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] هي مِيقاتُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأُمَّتِهِ ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأُمَمِ إلى هَذِهِ الأُمَّةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا خِطابَ إرْقاءٍ مَدَحَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإنْزالِ الذِّكْرِ فِيهِ (p-٥٦)جُمْلَةً إلى بَيْتِ العِزَّةِ وابْتُدِئَ مِن إنْزالِهِ إلى الأرْضِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وأظْهَرَ فِيهِ وجْهَ القَصْدِ في الصَّوْمِ وحِكْمَتَهُ الغَيْبِيَّةَ الَّتِي لَمْ تَجْرِ في الكُتُبِ الأُوَلِ الكِتابِيِّ فَقالَ: ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ فَأشْعَرَ أنَّ في الصَّوْمِ حُسْنَ تَلَقٍّ لِمَعْناهُ ويُسْرًا لِتِلاوَتِهِ، ولِذَلِكَ جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ صَوْمِ النَّهارِ وتَهَجُّدِ اللَّيْلِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ القُرْءِ وهو ما جَمَعَ الكُتُبَ والصُّحُفَ والألْواحَ - انْتَهى.
وفِي مَدْحِهِ بِإنْزالِهِ فِيهِ مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ بِهِ مِن حَيْثُ أشْعَرَ أنَّ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ (p-٥٧)تَصْفِيَةَ الفِكْرِ لِأجْلِ فَهْمِ القُرْآنِ لِيُوقَفَ عَلى حَقِيقَةِ ما أتْبَعَ هَذا بِهِ مِن أوْصافِهِ الَّتِي قَرَّرَتْ ما افْتَتَحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن أنَّهُ ”لا رَيْبَ فِيهِ“ وأنَّهُ ”هُدى“ عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِن ذَلِكَ الأوَّلِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةَ النّاسِ يُعْلِيهِمُ الصَّوْمُ أيْ بِالتَّهْيِئَةِ لِلتَّدَبُّرِ والفَهْمِ وانْكِسارِ النَّفْسِ إلى رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا والمُؤْمِنِينَ ويُرَقِّيهِمْ إلى رُتْبَةِ المُحْسِنِينَ، فَهو هُدًى يَغْذُو فِيهِ فَقْدُ الغِذاءِ القَلْبَ كَما يَغْذُو وُجُودُهُ الجِسْمَ ولِذَلِكَ أجْمَعَ مُجَرِّبَةُ أعْمالِ الدِّيانَةِ مِنَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ أنَّ مِفْتاحَ الهُدى إنَّما هو الجُوعُ وأنَّ المَعِدَةَ والأعْضاءَ مَتى أُوهِنَتْ لِلَّهِ نَوَّرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى القَلْبَ وصَفّى النَّفْسَ وقَوّى الجِسْمَ لِيَظْهَرَ مَن أمْرِ الإيمانِ بِقَلْبِ العادَةِ جَدِيدُ عادَةٍ هي لِأوْلِيائِهِ أجَلُّ في القُوَّةِ والمِنَّةِ مِن عادَتِهِ في الدُّنْيا لِعامَّةِ خَلْقِهِ؛ وفي إشارَتِهِ لُمَحٌ لِما يُعانُ بِهِ الصّائِمُ مِن سَدِّ أبْوابِ النّارِ (p-٥٨)وفَتْحِ أبْوابِ الجَنَّةِ وتَصْفِيدِ الشَّياطِينِ، كُلُّ ذَلِكَ بِما يَضِيقُ مِن مَجارِي الشَّيْطانِ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَنْقُصُهُ الصَّوْمُ، فَكانَ فِيهِ مِفْتاحُ الخَيْرِ كُلِّهِ؛ وإذا هَدى النّاسَ كانَ لِلَّذِينِ آمَنُوا أهْدى وكانَ نُورًا لَهم ولِلْمُؤْمِنِينَ أنْوَرُ، كَذَلِكَ إلى أعْلى رُتَبِ الصّائِمِينَ العاكِفِينَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا الَّذِينَ تَماسَكُوا بِالصَّوْمِ عَنْ كُلِّ ما سِوى مُجالَسَةِ الحَقِّ بِذِكْرِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وبَيِّناتٍ﴾ إعْلانٌ بِذِكْرِ ما يَجِدُهُ الصّائِمُ مِن نُورِ قَلْبِهِ وانْكِسارِ نَفْسِهِ وتَهْيِئَةِ فِكْرِهِ لِفَهْمِهِ لِيَشْهَدَ تِلْكَ البَيِّناتِ في نَفْسِهِ وكَوْنِها ﴿مِنَ الهُدى﴾ الأعَمِّ الأتَمِّ الأكْمَلِ الشّامِلِ لِكافَّةِ الخَلْقِ ﴿والفُرْقانِ﴾ الأكْمَلِ، وفي حُصُولِ الفُرْقانِ عَنْ بَرَكَةِ الصَّوْمِ والَّذِي هو بَيانُ رُتَبِ ما أظْهَرَ الحَقُّ رُتَبَهُ عَلى وجْهِهِ إشْعارٌ بِما يُؤْتاهُ الصّائِمُ مِنَ الجَمْعِ الَّذِي هو مِنِ اسْمِهِ الجامِعِ الَّذِي لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ الفُرْقانِ، فَإنَّ المَبْنِيَّ عَلى التَّقْوى المُنَوَّلَةِ لِلصّائِمِ في قَوْلِهِ في الكُتُبِ الأُوَلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَهو صَوْمٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَقْوى يَنْبَنِي عَلَيْها فُرْقانٌ كَما قالَ تَعالى ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] يَنْتَهِي إلى جَمْعٍ يُشْعِرُ بِهِ نَقْلُ الصَّوْمِ مِن عَدَدِ الأيّامِ إلى وحْدَةِ الشَّهْرِ - انْتَهى.
فَعَلى (p-٥٩)ما قُلْتُهُ المُرادُ بِالهُدى الحَقِيقَةُ، وعَلى ما قالَهُ الحَرالِيُّ هو مَجازٌ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ لِأنَّ الصَّوْمَ مُهَيِّئٌ لِلْفَهْمِ ومُوجِبٌ لِلنُّورِ،
﴿الهُدى﴾ المُعَرَّفُ الوَحْيِ أعَمُّ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ أُمِّ الكِتابِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وعَلى ما قالَ الحَرالِيُّ يَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهِ القُرْآنُ الجامِعُ لِلْكُتُبِ كُلِّها فَيَعُمُّ الكُتُبَ الأُوَلَ لِلْأيّامِ، والفُرْقانُ هو الخاصُّ بِالعَرَبِ الَّذِي أعْرَبَ عَنْ وحْدَةِ الشَّهْرِ.
ولَمّا أتَمَّ ما في ذِكْرِ الشَّهْرِ مِنَ التَّرْغِيبِ إثْرَ التَّعْيِينِ ذَكَرَ ما فِيهِ مِن عَزِيمَةٍ ورُخْصَةٍ فَقالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ﴾ أيْ حَضَرَ حُضُورًا تامًّا بِرُؤْيَةٍ بَيِّنَةٍ لِوُجُودِ الصَّحْوِ مِن غَيْرِ غَمامٍ أوْ بِإكْمالِ عِدَّةِ شَعْبانَ إنْ كانَ غَيْمٌ ولَمْ يَكُنْ مَرِيضًا ولا مُسافِرًا.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي (p-٦٠)شِياعِهِ إلْزامٌ لِمَن رَأى الهِلالَ وحْدَهُ بِالصَّوْمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِنكُمُ﴾ خِطابُ النّاسِ ومَن فَوْقَهم حِينَ كانَ الصِّيامُ مُعْلِيًا لَهم ﴿الشَّهْرَ﴾ هو المَشْهُودُ عَلى حَدِّ ما تَقُولُ النُّحاةُ مَفْعُولٌ عَلى السِّعَةِ، لِما فِيهِ مِن حُسْنِ الإنْباءِ وإبْلاغِ المَعْنى، ويُظْهِرُ مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾ فَجَعَلَهُ واقِعًا عَلى الشَّهْرِ لا واقِعًا عَلى مَعْنًى: فِيهِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ: فَلْيَصُمْ فِيهِ؛ وفي إعْلامِهِ صِحَّةُ صَوْمِ لَيْلَةٍ لِيَصِيرَ ما كانَ في الصَّوْمِ الأوَّلِ مِنَ السِّعَةِ بَيْنَ الصَّوْمِ والفِطْرِ لِلْمُطِيقِ واقِعًا هُنا بَيْنَ صَوْمِ اللَّيْلِ وفِطْرِهِ لِمَن رُزِقَ القُوَّةَ بِرُوحٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى - انْتَهى.
ولَمّا نُسِخَ بِهَذا ما مَرَّ مِنَ التَّخْيِيرِ أعادَ ما لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ (p-٦١)لِئَلّا يُظَنَّ نَسْخُهُ فَقالَ: ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا﴾ أيْ سَواءٌ شَهِدَهُ أوَّلًا ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ مَرِيضًا أوْ صَحِيحًا وهو بَيِّنٌ بِأنَّ المُرادَ شُهُودُهُ في بَلَدِ الإقامَةِ ﴿فَعِدَّةٌ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَمَرَدُّ هَذا الخِطابِ مِن مَضْمُونِ أوَّلِهِ فَمَعْناهُ: فَصَوْمُهُ عِدَّةٌ، مِن حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ في هَذا الخِطابِ الكُتُبَ، لِيَجْرِيَ مَرَدُّ كُلِّ خِطابٍ عَلى حَدِّ مَبْدَئِهِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ إعْلامٌ بِأنَّ القَضاءَ لَمْ يَجْرِ عَلى وحْدَةِ شَهْرٍ لِاخْتِصاصِ الوَحْدَةِ بِشَهْرِ رَمَضانَ ونُزُولِ قَضائِهِ مَنزِلَةَ الصَّوْمِ الأوَّلِ، وفي عَدَدِهِ وفي إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِصِحَّةِ وُقُوعِهِ مُتَتابِعًا وغَيْرَ مُتَتابِعٍ - انْتَهى.
ولَمّا رَخَّصَ ذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ (p-٦٢)﴿بِكُمُ اليُسْرَ﴾ أيْ شَرَعَ السُّهُولَةَ بِالتَّرْخِيصِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ وبِقَصْرِ الصَّوْمِ عَلى شَهْرٍ ﴿ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ في جَعْلِهِ عَزِيمَةً عَلى الكُلِّ وزِيادَتُهُ عَلى شَهْرٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: اليُسْرُ عَمَلٌ لا يُجْهِدُ النَّفْسَ ولا يُثْقِلُ الجِسْمَ، والعُسْرُ ما يُجْهِدُ النَّفْسَ ويَضُرُّ الجِسْمَ. وقالَ: فِيهِ إعْلامٌ بِرِفْقِ اللَّهِ بِالأجْسامِ الَّتِي يَسَّرَ عَلَيْها بِالفِطْرِ، وفي باطِنِ هَذا الظّاهِرِ إشْعارٌ لِأهْلِ القُوَّةِ بِأنَّ اليُسْرَ في صَوْمِهِمْ وأنَّ العُسْرَ في فِطْرِ المُفْطِرِ، لِيَجْرِيَ الظّاهِرُ عَلى حِكْمَتِهِ في الظُّهُورِ ويَجْرِيَ الباطِنُ عَلى حِكْمَتِهِ في البُطُونِ، إذْ لِكُلِّ آيَةٍ مِنهُ ظَهْرٌ وبَطْنٌ، فَلِذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ في رَمَضانَ في السَّفَرِ ويَأْمُرُ بِالفِطْرِ» وكانَ أهْلُ القُوَّةِ مِنَ العُلَماءِ يَصُومُونَ ولا يُنْكِرُونَ الفِطْرَ - انْتَهى.
قالَ الشَّعْبِيُّ: إذا اخْتَلَفَ عَلَيْكَ أمْرانِ فَإنَّ أيْسَرَهُما أقْرَبُهُما (p-٦٣)إلى الحَقِّ لِهَذِهِ الآيَةِ.
ولَمّا كانَتْ عِلَّةُ التَّيْسِيرِ المُؤَكَّدِ بِنَفْيِ التَّعْسِيرِ الإطاقَةَ فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِتُطِيقُوا ما أمَرَكم بِهِ ويَخِفَّ عَلَيْكم أمْرُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا﴾ مِنَ الإكْمالِ وهو بُلُوغُ الشَّيْءِ إلى غايَةِ حُدُودِهِ في قَدْرٍ أوْ عَدٍّ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿العِدَّةَ﴾ أيْ عِدَّةَ أيّامِ رَمَضانَ إلى رُؤْيَةِ الهِلالِ إنْ رَأيْتُمُوهُ وإلى انْتِهاءِ ثَلاثِينَ الَّتِي لا يُمْكِنُ زِيادَةُ الشَّهْرِ عَلَيْها إنْ غَمَّ عَلَيْكم بِوُجُودِ الغَمامِ فَلَمْ تَشْهَدُوهُ، فَإنَّهُ لَوْ كَلَّفَكم أكْثَرَ مِنهُ أوْ كانَ إيجابُهُ عَلى كُلِّ حالٍ كانَ جَدِيرًا بِأنْ تَنْقُصُوا مِن أيّامِهِ إمّا بِالذّاتِ بِأنْ تَنْقُصُوا مِن عِدَّتِها أوْ بِالوَصْفِ بِأنْ تَأْكُلُوا في أثْنائِها كَما تَفْعَلُ النَّصارى، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى إعْدامِها أصْلًا ورَأْسًا.
وقالَ الحَرالِيُّ: التَّقْدِيرُ: لِتُوفُوا الصَّوْمَ بِالرُّؤْيَةِ ولِتُكْمِلُوا إنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ، (p-٦٤)فَفِي هَذا الخِطابِ تَعادُلُ ذِكْرِ الصَّحْوِ في الِابْتِداءِ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ﴾ وذِكْرُ الغَيْمِ في الِانْتِهاءِ بِالإكْمالِ - انْتَهى.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى احْتِباكٍ، فَإنَّ ذِكْرَ الشُّهُودِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ ثانِيًا وذِكْرَ الإكْمالِ لِأجْلِ الغَمامِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى الصَّحْوِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ العَظِيمُ إذا يَسُرَ أمْرُهُ كانَ ذَلِكَ أجْدَرَ بِتَعْظِيمِهِ قالَ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ والتَّكْبِيرُ إشْرافُ القَدْرِ أوِ المِقْدارِ حِسًّا أوْ مَعْنًى - قالَهُ الحَرالِيُّ. وقَرَنَ بِهِ الِاسْمَ الأكْبَرَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي تَقِفُ الأفْهامُ خاسِئَةً دُونَ جَلالِهِ وتَخْضَعُ الأعْناقُ لِسُبُوغِ جَمالِهِ لِتَعْتَقِدُوا عَظَمَتَهُ بِقُلُوبِكم وتَذْكُرُوها بِألْسِنَتِكم في العِيدِ وغَيْرِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أحْرى بِدَوامِ الخُضُوعِ مِنَ القُلُوبِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إشارَةٌ إلى ما يَحْصُلُ لِلصّائِمِ بِصَفاءِ باطِنِهِ مِن شُهُودِ ما يُلِيحُ لَهُ أثَرَ صَوْمِهِ مِن هِلالِ نُورِهِ العَلِيِّ، فَكَما كَبَّرَ في ابْتِداءِ الشَّهْرِ لِرُؤْيَةِ الهِلالِ يُكَبِّرُ في انْتِهائِهِ لِرُؤْيَةِ باطِنِهِ مَرْأًى مِن هِلالِ نُورِ رَبِّهِ، فَكانَ عَمَلُ ذَلِكَ هو صَلاةَ ضَحْوَةِ يَوْمِ العِيدِ، وأُعْلِنَ فِيها بِالتَّكْبِيرِ وكُرِّرَ (p-٦٥)لِذَلِكَ، وجُعِلَ في بَراحٍ مِن مُتَّسَعِ الأرْضِ لِمَقْصِدِ التَّكْبِيرِ لِأنَّ تَكْبِيرَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما هو بِما جَلَّ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فَكانَ في لَفْظِهِ إشْعارٌ لِما أظْهَرَتْهُ السُّنَّةُ مِن صَلاةِ العِيدِ عَلى اخْتِصاصِها بِتَكْبِيرِ الرَّكْعَتَيْنِ والجَهْرِ لِمَقْصِدِ مُوافَقَةِ مَعْنى التَّكْبِيرِ الَّذِي إنَّما يَكُونُ عَلَنًا - انْتَهى.
ومِن أعْظَمِ أسْرارِهِ أنَّهُ لَمّا كانَ العِيدُ مَحَلَّ فَرَحٍ وسُرُورٍ وكانَ مِن طَبْعِ النَّفْسِ تَجاوُزُ الحُدُودِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرَهِ تارَةً غَفْلَةً وتارَةً بَغْيًا أمَرَ فِيهِ بِهِ لِيُذْهِبَ مِن غَفْلَتِها ويَكْسِرَ مِن سَوْرَتِها، ولَمّا كانَ لِلْوَتْرِيَّةِ أثَرٌ عَظِيمٌ في التَّذْكِيرِ بِالوَتْرِ الصَّمَدِ الواحِدِ الأحَدِ وكانَ لِلسَّبْعَةِ مِنها مَدْخَلٌ عَظِيمٌ في الشَّرْعِ جَعَلَ تَكْبِيرَ صَلاتِهِ وِتْرًا وجَعَلَ سَبْعًا في الأُولى لِذَلِكَ وتَذْكِيرًا بِأعْمالِ الحَجِّ السَّبْعَةِ مِنَ الطَّوافِ والسَّعْيِ والجِمارِ (p-٦٦)تَشْوِيقًا إلَيْها لِأنَّ النَّظَرَ إلى العِيدِ الأكْبَرِ أكْثَرَ وتَذْكِيرًا بِخالِقِ هَذا الوُجُودِ بِالتَّفَكُّرِ في أفْعالِهِ المَعْرُوفَةِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرْضِينَ السَّبْعِ وما فِيهِما في الأيّامِ السَّبْعِ لِأنَّهُ خَلَقَهُما في سِتَّةٍ وخَلَقَ آدَمَ في اليَوْمِ السّابِعِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولَمّا جَرَتْ عادَةُ الشّارِعِ بِالرِّفْقِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ ومِنهُ تَخْفِيفُ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى وكانَتِ الخَمْسَةُ أقْرَبَ وِتْرًا إلى السَّبْعَةِ مِن دُونِها جَعَلَ تَكْبِيرَ الثّانِيَةِ خَمْسًا لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ لَمّا اسْتُحْضِرَتْ عَظَمَةُ الخالِقِ بِإشارَةِ الأُولى لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالعَظَمَةِ والقَهْرِ والمُلْكِ بِجَمِيعِ الأمْرِ فَأقْبَلَتِ القُلُوبُ إلَيْهِ وقَصَرَتِ الهِمَمُ عَلَيْهِ أُشِيرَ بِتَكْبِيرِ الثّانِيَةِ إلى عِبادَتِهِ بِالإسْلامِ المَبْنِيِّ عَلى الدَّعائِمِ الخَمْسِ وخُصُوصًا بِأعْظَمِ دَعائِمِهِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَتِ الهِدايَةُ تُطْلَقُ تارَةً عَلى مُجَرَّدِ البَيانِ وتارَةً عَلَيْهِ مَعَ الحَمْلِ عَلى لُزُومِ المُبَيَّنِ وكانَ تَخْفِيفُ المَأْمُورِ بِهِ وتَسْهِيلُهُ أعْوَنَ عَلى لُزُومِهِ قالَ: ﴿عَلى﴾ أيْ حامِدِينَ لَهُ عَلى ﴿ما هَداكُمْ﴾ أيْ يَسَّرَ لَكم مِن شَرائِعِ (p-٦٧)هَذا الدِّينِ فَهَيَّأكم لِلُزُومِها ودَوامِ التَّمَسُّكِ بِعُراها، ولَعَلَّ هَذا سِرُّ الِاهْتِمامِ بِالصِّيامِ مِنَ الخاصِّ والعامِّ حَتّى لا يَكادَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُخِلُّ بِهِ إلّا نادِرًا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: إنَّ الهِدايَةَ إشارَةٌ إلى تِلْكَ المَوْجِدَةِ الَّتِي يَجِدُها الصّائِمُ وما يَشْهَدُهُ اللَّهُ مِن بَرَكاتِهِ مِن رُؤْيَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ بِكَشْفٍ خاصٍّ لِأهْلِ الخَلْوَةِ أوْ آياتٍ بَيِّنَةٍ لِأهْلِ التَّبْصِرَةِ أوْ بِآيَةٍ بادِيَةٍ لِأهْلِ المُراقَبَةِ كُلًّا عَلى حُكْمٍ وجَدَهُ مِنِ اسْتِغْراقِ تَماسُكِهِ وخَلْوَتِهِ واسْتِغْراقِ ذِكْرِهِ في صَوْمِهِ، فَأعْظَمُ الهُدى هُدى المَرْءِ لِأنْ يَذْبُلَ جِسْمُهُ ونَفْسُهُ وتَفْنى ذاتُهُ في حَقِّ رَبِّهِ، كَما يَقُولُ: «يَدَعُ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِي» فَكُلُّ عَمَلٍ فِعْلٌ وثَبْتٌ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ مَحْوٌ وفَقْدٌ، فَناسَبَ تَحْقِيقَ ما هو الإسْلامُ والتَّقْوى مِن إلْقاءِ مِنَّةِ الظّاهِرِ وقُوَّةِ الباطِنِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الشُّكْرُ صَرْفَ ما أنْعَمَهُ المُنْعِمُ في طاعَتِهِ وكانَ العَمَلُ إذا خَفَّ أقْرَبَ إلى لُزُومِ الطّاعَةِ بِلُزُومِهِ ولَوْ ثَقُلَ لَأوْشَكَ أنْ يَعْصِيَ بِتَرْكِهِ قالَ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ ولِتَكُونُوا في حالَةٍ يُرْجى (p-٦٨)مَعَها لُزُومُ الطّاعَةِ واجْتِنابُ المَعْصِيَةِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ تَصْنِيفٌ في الشُّكْرِ نِهايَةً كَما كانَ فِيهِ تَصْنِيفٌ لِلتَّقْوى بِدايَةً، كَما قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فَمَن صَحَّ لَهُ التَّقْوى ابْتِداءً صَحَّ مِنهُ الشُّكْرُ انْتِهاءً؛ وفي إشْعارِهِ إعْلامٌ بِإظْهارِ نِعْمَةِ اللَّهِ وشُكْرِ الإحْسانِ الَّذِي هو مَضْمُونُ فَرْضِ زَكاةِ الفِطْرِ عَنْ كُلِّ صائِمٍ وعَمَّنْ يُطْعِمُهُ الصّائِمُ، فَكانَ في الشُّكْرِ إخْراجَهُ فِطْرَهُ بِخَتْمِ صَوْمِهِ واسْتِقْبالِ فِطْرِهِ بِأمْرِ رَبِّهِ وإظْهارِ شُكْرِهِ بِما خَوَّلَهُ مِن إطْعامِ عَيْلَتِهِ، فَلِذَلِكَ جَرَتْ فِيمَن يَصُومُ وفِيمَن يَعُولُهُ الصّائِمُ - انْتَهى.
البقرة 2:186
(p-٦٩)ولَمّا كانَ دُعاءُ الصّائِمِ مَجّانًا وكانَ هَذا الشَّهْرُ بِالخُصُوصِ مَظِنَّةَ الإجابَةِ لِلصِّيامِ ولِمَكانِ لَيْلَةِ القَدْرِ وكانَ ذِكْرُ كِبْرِيائِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُهَيِّئًا لِعِبادِهِ لِلْإحْساسِ بِالبُعْدِ فَكانَ رُبَّما أوْقَعَ في وهْمِ أنَّهُ عَلى عادَةِ المُتَكَبِّرِينَ في بُعْدِ المَسافَةِ عَنْ مَحالِّ العَبِيدِ وأنَّهُ إنْ كانَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَسْألَهُ إلّا بِواسِطَةِ رَفْعِ هَذا الوَهْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا﴾ دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي مَعَ عُلُوِّ شَأْنِي رَقِيبٌ عَلى مَن أطاعَنِي ومَن عَصانِي ”وإذا“ .
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا أثْبَتَ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى كِتابَ الصِّيامِ لِعِبادِهِ لِما أرادَهم لَهُ مِن إعْلائِهِمْ إلى خَبْءِ جَزائِهِ وأطْلَعَهم عَلى ما شاءَ في صَوْمِهِمْ مِن مَلَكُوتِهِ بِحُضُورِ لَيْلَةِ القَدْرِ فَأنْهاهم إلى التَّكْبِيرِ عَلى عَظِيمِ ما هَداهم إلَيْهِ واسْتَخْلَفَهم في فَضْلِهِ وشَكَرَ نِعْمَتَهُ بِما خَوَّلَهم مِن عَظِيمِ فَضْلِهِ وأظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِن رِواءِ بَرَكاتِهِ ما يَدْعُو النّاظِرِينَ لَهم (p-٧٠)إلى سُؤالِهِمْ عَمّا نالُوهُ مِن رَبِّهِمْ فَيُلِيحُونَ لِمَن دُونَهم ما بِهِ يَلِيقُ بِهِمْ رُتْبَةً رُتْبَةً؛ يُؤْثَرُ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَكَأنَّما يَتَكَلَّمانِ بِلِسانٍ أعْجَمَ لا أفْهَمُ مِمّا يَقُولانِ شَيْئًا» إلى أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى أدْنى السّائِلِينَ الَّذِينَ هم في رُتْبَةِ حَضْرَةٍ بَعْدُ فَيُبَشِّرُونَ بِمُطالَعَةِ القُرْبِ فَقالَ: و”إذا“ عَطْفًا عَلى أُمُورٍ مُتَجاوِزَةٍ كَأنَّهُ يَقُولُ: إذا خَرَجْتَ مِن مُعْتَكَفِكَ فَصَلَّيْتَ وظَهَرَتْ زِينَةُ اللَّهِ الَّتِي باهى بِها مَلائِكَتَهُ لَيْسَتْ زِينَةَ الدُّنْيا الَّتِي يَمْقُتُها أهْلُ حَضَرْتِهِ مِن مَلائِكَتِهِ فَإذا سَألَكَ مَن حالُهُ كَذا فَأنْبِئْهُ بِكَذا وإذا سَألَكَ مَن حالُهُ كَذا فَأنْبِئْهُ بِكَذا وإذا ﴿سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ أيْ هَلْ أنا عَلى حالِ المُتَكَبِّرِينَ مَن مُلُوكِ الدُّنْيا في البُعْدِ عَمَّنْ دُونَهم فَأخْبِرْهم أنِّي لَسْتُ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ لا يُسْألُ عَنِ الشَّيْءِ إلّا إنْ كانَ مُعَظِّمًا لَهُ مُتَشَوِّقًا إلى تَعْجِيلِ الإخْبارِ بِهِ كانَ الأنْسَبُ لِلْمَقامِ والأقَرُّ لِعُيُونِ (p-٧١)العِبادِ والأزْجَرُ لِأهْلِ العِنادِ تَقْرِيبَ الجَوابِ وإخْبارَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ دُونَ واسِطَةٍ إشْعارًا بِفَرْطِ قُرْبِهِ وحُضُورِهِ مَعَ كُلِّ سائِلٍ فَقالَ: ﴿فَإنِّي﴾ دُونَ فَقُلْ إنِّي، فَإنَّهُ لَوْ أثْبَتَ قُلْ، لَأوْهَمَ بُعْدًا ولَيْسَ المَقامُ كَذَلِكَ، ولَكانَ قَوْلُهُ إنِّي، مُوهِمًا فَيَحْتاجُ إلى أنْ يُقالَ إنَّ اللَّهَ أوْ نَحْوَهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَنْفَكُّ عَنْ إشْكالٍ؛ وإذا كانَ هَذا التَّلَطُّفُ بِالسّائِلِينَ فَما ظَنُّكَ بِالسّالِكِينَ السّائِرِينَ! وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ ما مَعْناهُ: الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنِ الجِبالِ وعَنِ اليَتامى وعَنِ المَحِيضِ وعَنِ الأهِلَّةِ ونَحْوِها يُجابُونَ بِالواسِطَةِ، وأمّا الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنِّي فَإنِّي أرْفَعُ الوَسائِطَ بَيْنِي وبَيْنَهم. وقالَ الإمامُ قاضِي القُضاةِ ناصِرُ الدِّينِ بْنُ مَيْلَقٍ ما مَعْناهُ: إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا كانَ قَدْ تَعَرَّفَ إلى عِبادِهِ بِأفْعالِهِ وآياتِهِ وما رَكَزَ في العُقُولِ مِن مَعْرِفَتِهِ كانَ حَذْفُ الواسِطَةِ في الإخْبارِ عَنْهُ أنْسَبَ بِخِلافِ الأهِلَّةِ ونَحْوِها فَإنَّ العُقُولَ لا تَسْتَقِلُّ بِمَعْرِفَتِها، فَكانَ الإخْبارُ عَنْها بِواسِطَةِ الرَّسُولِ الَّذِي لا تُعْرَفُ إلّا مِن جِهَتِهِ أنْسَبَ.
﴿قَرِيبٌ﴾ فَعِيلٌ مِنَ القُرْبِ وهو مُطالَعَةُ الشَّيْءِ حِسًّا أوْ مَعْنًى أيْ مَن طَلَبَنِي بِعَقْلِهِ وجَدَنِي وعَرَفَنِي وإنَّما أرْسَلْتُ الرُّسُلَ زِيادَةً في التَّعَرُّفِ (p-٧٢)ورَفْعًا لِلْحَرَجِ بِسِرِّ التَّلَطُّفِ، وإسْقاطُ قُلْ، أسْرَعُ في التَّعَرُّفِ فَهو أجْدَرُ بِتَعْظِيمِ الواسِطَةِ لِأنَّ الإسْراعَ في الإجابَةِ أقْرَبُ دَلالَةً عَلى صِدْقِهِ في الرِّسالَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: بَشِّرْ أهْلَ حَضْرَةِ البُعْدِ بِالقُرْبِ لِما رَقِيَ أهْلُ القُرْبِ إلى الوُصُولِ بِالقُرْبِ فَكانَ المُبَشِّرُ واصِلًا وكانَ المُتَقاصِرُ عَنِ القُرْبِ مُبَشِّرًا بِهِ، ومَعْلُومٌ أنَّ قُرْبَ اللَّهِ وبُعْدَ المَخْلُوقِ مِنهُ لَيْسَ بُعْدَ مَسافَةٍ ولا قُرْبَ مَسافَةٍ، فالَّذِي يُمْكِنُ إلاحَتُهُ مِن مَعْنى القُرْبِ أنَّ مَن سَمِعَ فِيما يُخاطَبُ بِهِ خِطابَ رَبِّهِ فَهو قَرِيبٌ مِمَّنْ كانَ ذَلِكَ الخِطابُ مِنهُ، ومَن كانَ إنَّما يَسْمَعُ الخِطابَ مِمَّنْ واجَهَهُ بِالخِطابِ في حِسِّهِ ومَحْسُوسِهِ فَسَمِعَهُ مِمَّنْ دُونَ رَبِّهِ كانَ بَعِيدًا بِحَسَبِ تِلْكَ الواسِطَةِ مِن بُعْدٍ دُونَ بُعْدٍ إلى أبْعَدِ البُعْدِ، ولِذَلِكَ يُعْلِنُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ”فإنَّما عَلَيْك البَلاغ“ وكانَ أنَّ ما يَتْلُوهُ لِأُمَّتِهِ (p-٧٣)إنَّما هو كَلامُ رَبِّهِ يَتْلُو لَهم كَلامَ رَبِّهِمْ لِيَسْمَعُوهُ مِن رَبِّهِمْ لِأُمَّتِهِ حَتّى لا يَكُونَ ﷺ واسِطَةً بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ بَلْ يَكُونُ يُوصِلُ العَبْدَ إلى رَبِّهِ، ولِلْإشارَةِ بِهَذا المَعْنى يُتْلى كَلِمَةُ قُلْ، في القُرْآنِ لِيَكُونَ إفْصاحًا لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِمَّنْ سَمِعَ كائِنًا مَن كانَ، وفي إشْعارِهِ إهْزازُ القُلُوبِ والأسْماعِ إلى نِداءِ الحَجِّ إثْرَ الصَّوْمِ، لِأنَّهُ جَعَلَ تَعالى أوَّلَ يَوْمٍ مِن شُهُورِ الحَجِّ إثْرَ يَوْمٍ مِن أيّامِ الصَّوْمِ، فَكَأنَّ مُنادِيَ اللَّهِ يُنادِي يَوْمَ الفِطْرِ بِالحَجِّ، فَفي خَفِيِّ إشارَتِهِ إعْلاءُ نِداءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ أساسُ أمْرِ الإسْلامِ عَلى حَنِيفِيَّتِهِ ومِلَّتِهِ، ولِيَكُونَ في هَذِهِ الآيَةِ الجامِعَةِ تَوْطِئَةٌ لِذِكْرِ الحَجِّ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ تَنْتَظِمُ جَوامِعُها خِلالَ تَفاصِيلِها انْتِظامًا عَجِيبًا يُلِيحُ المَعْنى لِأهْلِ الفَهْمِ ويُفَصِّلُهُ لِأهْلِ العِلْمِ ثُمَّ يَحْكُمُ بِهِ عَلى أهْلِ الحُكْمِ قالَ: ﴿أُجِيبُ﴾ مِنَ الإجابَةِ وهي اللِّقاءُ بِالقَوْلِ ابْتِداءُ شُرُوعٍ لِتَمامِ (p-٧٤)اللِّقاءِ بِالمُواجَهَةِ ﴿دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ فَفِيهِ إشْعارٌ بِإجابَةِ الدّاعِي أيْ لِلْحَجِّ عِنْدَ خاتِمَةِ الصَّوْمِ يَعْنِي لِما بَيْنَ العِبادَتَيْنِ مِن تَمامِ المُناسَبَةِ، فَإنَّ حالَ الصَّوْمِ التّابِعِ لِآيَةِ المَوْتِ في كَوْنِهِ مَحْوًا لِحالِ البَرْزَخِ وحالِ الحَجِّ في كَوْنِهِ سَفَرًا إلى مَكانٍ مَخْصُوصٍ عَلى حالِ التَّجَرُّدِ كَحالِ الحَشْرِ؛ قالَ: وجاءَ الفِطْرُ يَعْنِي بَعْدَ إكْمالِ الصَّوْمِ بِما يُعِينُ عَلى إجابَةِ دَعْوَةِ الوِفادَةِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إثْرَ الخَلْوَةِ في بَيْتِ اللَّهِ لِيَكُونَ انْتِقالُهم مِن بَيْتِ خَلْوَتِهِ بِالعُكُوفِ إلى مَوْقِفِ تَجَلِّيهِ في الحَجِّ، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِلدّاعِي مِن حالِهِ لَيْسَ الدّاعِي مِن أغْراضِهِ وشَهَواتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُجِيبُ دَعْوَةَ العَبْدِ إذا كانَ فِيهِ رُشْدٌ وإلّا ادَّخَرَها لَهُ أوْ كَفَّرَ بِها عَنْهُ كَما بَيَّنَهُ ﷺ.
(p-٧٥)ولَمّا كانَ كُلُّ خَلْقٍ داعِيًا لِحاجَتِهِ وإنْ لَمْ يَنْطِقْ بِها أشارَ تَعالى إلى مَقْصِدِ إظْهارِ الدُّعاءِ مَقالًا وابْتِهالًا فَقالَ: ﴿إذا دَعانِ﴾ لِيَكُونَ حالُهُ صِدْقًا بِمُطابَقَةِ حالِهِ مَقالًا، وفي قِراءَةِ الِاكْتِفاءِ بِكَسْرَةِ ”الدّاع“ و﴿دَعانِ﴾ عَنْ ياءَيْهِما وقِراءَةِ تَمْكِينِهِما تَوْسِعَةُ القِراءَةِ بِما تَيَسَّرَ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ بِحَسَبِ ما في ألْسِنَةِ بَعْضِها مِنَ التَّمْكِينِ وما في ألْسِنَةِ بَعْضِها مِنَ الحَذْفِ ”ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ“ وفي إجابَتِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّ السَّيِّدَ إذا التَزَمَ إجابَةَ عَبْدِهِ كانَ إجابَةُ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ أوْجَبَ التِزامًا لِاسْتِغْناءِ السَّيِّدِ وحاجَةِ العَبْدِ، فَحِينَ كانَ الغَنِيُّ مُجِيبًا كانَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ المُحْتاجُ مُسْتَجِيبًا يَعْنِي فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ إشارَةً إلى شَرْطِ الإجابَةِ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ إنْباءً عَمّا قَدْ دَعاهم إلَيْهِ مِن قُرْبِهِ وقَصْدِ بَيْتِهِ بِما جَبَلَهم عَلَيْهِ مِن حاجَتِهِمْ (p-٧٦)إلَيْهِ، وجاءَ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْعالِ المُشْعِرِ بِاسْتِخْراجِ الإجابَةِ مِمّا شَأْنُهُ الإباءُ لِما في الأنْفُسِ مِن كُرْهٍ فِيما تَحْمِلُ عَلَيْهِ مِنَ الوُصُولِ إلى بَيْتٍ لَمْ يَكُونُوا بالِغِيهِ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا أوْجَبَ اسْتِجابَتَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ وكانَتِ الِاسْتِجابَةُ بِالإيمانِ أوَّلَ المَراتِبِ وأُولاها وكانَتْ مَراتِبُ الإيمانِ في قُوَّتِهِ وضَعْفِهِ لا تَكادُ تَتَناهى قالَ مُخاطِبًا لِمَن آمَنَ وغَيْرِهِ: ﴿ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أيْ مُطْلَقَ الإيمانِ أوْ حَقَّ الإيمانِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الدَّوامِ عَلى إصابَةِ المَقاصِدِ والِاهْتِداءِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: والرُّشْدُ حُسْنُ التَّصَرُّفِ في الأمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى في دِينٍ أوْ دُنْيا، ومِن مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ تَتَفَضَّلُ جَمِيعُ أحْوالِ السّالِكِينَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن تَوْبَةِ التّائِبِ مِن حَدِّ بُعْدِهِ إلى سُلُوكِ سَبِيلِ قُرْبِهِ إلى ما يُؤْتِيهِ اللَّهُ مِن وُصُولِ العَبْدِ إلى رَبِّهِ - انْتَهى.
البقرة 2:187
(p-٧٧)ولَمّا تَصَوَّرُوا لِهَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ قُرْبَهُ وحُبَّهُ عَلى عَظَمَتِهِ وعُلُوِّهِ فَتَذَكَّرُوا لَذِيذَ مُخاطَبَتِهِ فِيما قَبْلُ فاشْتاقُوا إلَيْها وكانَ قَدْ يَسَّرَ لَهم أمْرَ الصَّوْمِ كَمًّا عَلى جَمِيعِهِمْ وكَيْفًا عَلى أهْلِ الضَّرُورَةِ مِنهم كانُوا كَأنَّهم سَألُوهُ التَّيْسِيرَ عَلى أهْلِ الرَّفاهِيَةِ فِيما حَرُمَ عَلَيْهِمْ كَما حَرُمَ عَلى أهْلِ الكِتابِ والوَطْءِ في شَهْرِ الصَّوْمِ والأكْلِ بَعْدَ النَّوْمِ فَقالَ تَحْقِيقًا لِلْإجابَةِ والقُرْبِ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فَأشْعَرَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَ حَرامًا ﴿لَيْلَةَ﴾ أيْ في جَمِيعِ لَيْلَةِ ﴿الصِّيامِ الرَّفَثُ﴾ وهو ما يُواجَهُ بِهِ النِّساءُ في أمْرِ النِّكاحِ، فَإذا غَيَّرَ فَلا رَفَثَ عِنْدَ العُلَماءِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وصْلُهُ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ بَيانًا لِتَضْمِينِ الإفْضاءِ أيْ مُفْضِينَ ﴿إلى نِسائِكُمْ﴾ بِالجِماعِ قَوْلًا وفِعْلًا، وخَرَجَ بِالإضافَةِ نِساءُ الغَيْرِ.
(p-٧٨)ولَمّا كانَ الرَّفَثُ والوِقاعُ مُتَلازِمَيْنِ غالِبًا قالَ مُؤَكِّدًا لِإرادَةِ حَقِيقَةِ الرَّفَثِ وبَيانِ السَّبَبِ في إحْلالِهِ: ﴿هُنَّ﴾ أيْ نِساؤُكم ﴿لِباسٌ لَكُمْ﴾ تَلْبِسُونَهُنَّ، والمَعْنى: أُبِيحَ ذَلِكَ في حالَةِ المُلابَسَةِ أوْ صَلاحِيَّتِها، وهو يُفْهِمُ أنَّهُ لا يُباحُ نَهارًا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِأنَّ اللِّباسَ لا غِنى عَنْهُ والصَّبْرَ يَضْعُفُ عَنْهُنَّ حالَ المُلابَسَةِ والمُخالَطَةِ.
ولَمّا كانَ الصِّيامُ عامًّا لِلصِّنْفَيْنِ قالَ: ﴿وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ يَلْبِسْنَكُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا لِعَظَمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ عِنْدَهُ في إرادَتِهِ (p-٧٩)الرِّفْقَ بِها ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمُهُ ورَحْمَتُهُ ولَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ كَما قَدَّمَ مِن كَوْنِهِ قَرِيبًا اللّازِمُ مِنهُ كَوْنُهُ رَقِيبًا ﴿أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ﴾ أيْ تَفْعَلُونَ في الخِيانَةِ في ذَلِكَ مِنَ المُبادَرَةِ إلَيْهِ فِعْلَ الحامِلِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، والخِيانَةُ التَّفْرِيطُ في الأمانَةِ، والأمانَةُ ما وُضِعَ لِيُحْفَظَ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ وكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهم فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾» .
رَوى البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ البَراءِ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ إذا صامَ فَنامَ لَمْ يَأْكُلْ إلى مِثْلِها وإنَّ صِرْمَةَ بْنَ قَيْسٍ الأنْصارِيَّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - فَذَكَرَ حَدِيثَهُ في نَوْمِهِ قَبْلَ الأكْلِ وأنَّهُ (p-٨٠)غُشِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ انْتِصافِ النَّهارِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
ولَمّا كانَ ضَرَرُ ذَلِكَ لا يَتَعَدّاهم قالَ: ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ يُسْرٌ مِن حَيْثُ لَمْ يُؤاخَذُوا بِذَنْبِ حُكْمٍ خالَفَ شِرْعَةَ جِبِلّاتِهِمْ فَعَذَرَهم بِعِلْمِهِ فِيهِمْ ولَمْ يُؤاخِذْهم بِكِتابِهِ عَلَيْهِمْ، وفي التَّوْبِ رُجُوعٌ إلى مِثْلِ الحالِ قَبْلَ الذَّنْبِ «التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ» وكانَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ لِرَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ ورَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَجْتَمِعَ اليَمَنُ في الطّائِفَتَيْنِ، فَإنَّ أيْمَنَ النّاسِ عَلى النّاسِ مَن وقَعَ في مُخالَفَةٍ فَيَسَّرَ اللَّهُ حُكْمَها بِوَسِيلَةِ مُخالَفَتِهِ، كَما في هَذِهِ (p-٨١)الآيَةِ الَّتِي أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الرِّفْقَ فِيها بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن حَيْثُ شَرَعَ لَها ما يُوافِقُ كِيانَها وصَرَفَ عَنْها ما عَلِمَ أنَّها تَخْتانُ فِيهِ لِما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن خِلافِهِ، وكَذَلِكَ حالُ الآمِرِ إذا شاءَ أنْ يُطِيعَهُ مَأْمُورُهُ يَأْمُرُهُ بِالأُمُورِ الَّتِي لَوْ تُرِكَ ودَواعِيَهُ لَفَعَلَها ويَنْهاهُ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي لَوْ تُرِكَ ودَواعِيَهُ لاجْتَنَبَها، فَبِذَلِكَ يَكُونُ حَظُّ حِفْظِ المَأْمُورِ مِنَ المُخالَفَةِ، وإذا شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُشَدِّدَ عَلى أُمَّةٍ أمَرَها بِما جَبَلَها عَلى تَرْكِهِ ونَهاها عَمّا جَبَلَها عَلى فِعْلِهِ، فَتَفْشُو فِيها المُخالَفَةُ لِذَلِكَ، وهو مِن أشَدِّ الآصارِ الَّتِي كانَتْ عَلى الأُمَمِ فَخَفَّفَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ بِإجْراءِ شِرْعَتِها عَلى ما يُوافِقُ خِلْقَتَها، فَسارَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم إلى حَظٍّ مِن هَواهُمْ، كَما «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ رَبَّكَ يُسارِعُ إلى هَواكَ» لِيَكُونَ لَهم حَظٌّ مِمّا لِنَبِيِّهِمْ كُلِّيَّتُهُ، وكَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ:
«اللَّهُمَّ! أدِرِ الحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ» كانَ ﷺ يَأْمُرُ الشُّجاعَ بِالحَرْبِ ويَكُفُّ الجَبانَ عَنْهُ، حَتّى لا تَظْهَرَ فِيمَن مَعَهُ مُخالَفَةٌ إلّا عَنْ سُوءِ (p-٨٢)طَبْعٍ لا يَزَعُهُ وازِعُ الرِّفْقِ، وذَلِكَ قَصْدُ العُلَماءِ الرَّبّانِيِّينَ الَّذِينَ يُجْرُونَ المُجَرَّبَ والمُدَرَّبَ عَلى ما هو ألْيَقُ بِحالِهِ وجِبِلَّةِ نَفْسِهِ وأوْفَقُ لِخَلْقِهِ وخُلُقِهِ، فَفِيهِ أعْظَمُ اللُّطْفِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن رَبِّها ومِن نَبِيِّها ومِن أئِمَّةِ زَمانِها، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنْهى عَنِ الغِيلَةِ حَتّى سَمِعْتُ أنَّ فارِسَ والرُّومَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّ ذَلِكَ أوْلادَهم شَيْئًا» لِتَجْرِيَ الأحْكامُ عَلى ما يُوافِقُ الجِبِلّاتِ وطِباعَ الأُمَمِ لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلى النّاسِ كافَّةً عَلى اخْتِلافِ طِباعِهِمْ، وما في السُّنَّةِ والفِقْهِ مِن ذَلِكَ فَمِن مُقْتَبَساتِ هَذا الأصْلِ العَلِيِّ الَّذِي أجْرى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى الحُكْمَ فِيهِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى وفْقِ ما تَسْتَقِرُّ فِيهِ أمانَتُهم وتَنْدَفِعُ عَنْهم خِيانَتُهم.
وفِي قَوْلِهِ ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ أيْ بِمَحْوِ أثَرِ الذَّنْبِ إشْعارٌ بِما كانَ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِن تَطَهُّرٍ مِنهُ مِن نَحْوِ كَفّارَةٍ وشِبْهِها، ولَمّا كانَ ما أعْلى إلَيْهِ خِطابُ (p-٨٣)الصَّوْمِ صَوْمَ الشَّهْرِ عَلى حُكْمِ وحْدَتِهِ الآتِيَةِ عَلى لَيْلِهِ ونَهارِهِ إعْلاءً عَنْ رُتْبَةِ الكُتُبِ الأُوَلِ الَّتِي هي أيّامٌ مَعْدُوداتُ مَفْصُولٌ ما بَيْنَ أيّامِها بِلَيالِيها لِيَجْرِيَ النَّهارُ عَلى حُكْمِ العِبادَةِ واللَّيْلُ عَلى حُكْمِ الطَّبْعِ والحاجَةِ فَكانَ في هَذا الإعْلاءِ إطْعامُ الضَّعِيفِ مِمّا يُطْعِمُهُ اللَّهُ ويَسْقِيهِ لا لِأنَّهُ مِنهُ أخْذٌ بِطَبْعٍ بَلْ بِأنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِ حُكْمٌ بِشَرْعٍ حِينَ جَعَلَ الشِّرْعَةَ عَلى حُكْمِ طِباعِهِمْ، كَما قالَ في السّاهِي: «إنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ»، وفِيهِ إغْناءُ القَوِيِّ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكم»، فَكانَ يُواصِلُ، وأذِنَ في الوِصالِ إلى السَّحَرِ، فَكَما أُطْعِمُوا وسُقُوا شِرْعَةً مَعَ تَمادِي حُكْمِ الصَّوْمِ فَكَذَلِكَ أُنْكِحُوا شِرْعَةً مَعَ تَمادِي حُكْمِهِ، فَصارَ نِكاحُهُمُ ائْتِمارًا بِحُكْمِ اللَّهِ لا إجابَةَ طَبْعٍ ولا غَرَضَ نَفْسٍ فَقالَ: ﴿فالآنَ﴾ أيْ حِينَ أظْهَرَ لَكم إظْهارَ الشِّرْعَةِ عَلى العِلْمِ فِيكم وما جُبِلَتْ عَلَيْهِ طِباعُكم (p-٨٤)فَسُدَّتْ عَنْكم أبْوابُ المُخالَفَةِ الَّتِي فُتِحَتْ عَلى غَيْرِكم ﴿باشِرُوهُنَّ﴾ حُكْمًا، حَتّى اسْتَحَبَّ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ النِّكاحَ لِلصّائِمِ لَيْلًا حَيْثُ صارَ طاعَةً، وهو مِنَ المُباشَرَةِ وهي التِقاءُ البَشَرَتَيْنِ عَمْدًا ﴿وابْتَغُوا﴾ أيِ اطْلُبُوا بِجِدٍّ ورَغْبَةٍ ﴿ما كَتَبَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ مِنَ الوَلَدِ أوِ المَحِلِّ الحِلِّ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ ما قُضِيَ مِنَ الوَلَدِ في لَيالِي رَمَضانَ نائِلٌ بَرَكَةَ ذَرْئِهِ عَلى نِكاحٍ أُمِرَ بِهِ حَتّى كانَ بَعْضُ عُلَماءِ الصَّحابَةِ يُفْطِرُ عَلى النِّكاحِ.
﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلى رُطَباتٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلى تَمَراتٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ حَسا حَسَواتٍ مِن ماءٍ وقالَ: إنَّ الماءَ طَهُورٌ»، وفي تَقْدِيمِ الأكْلِ إجْراءٌ لِحُكْمِ هَذا الشَّرْعِ عَلى وفْقِ الطَّبْعِ - انْتَهى.
ولِأنَّهُ سَبَبُ العَطَشِ، ودَلَّ عَلى وُجُوبِ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ وجَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلى النَّهارِ، بِقَوْلِهِ ﴿حَتّى﴾ فَإنَّ في جَعْلِ (p-٨٥)تَبَيُّنِ الفَجْرِ غايَةً لِحِلِّ المُفْطِراتِ إيجابًا لِمُراقَبَتِهِ لِلْكَفِّ عَنْها، وذَلِكَ هو حَقِيقَةُ النِّيَّةِ، ومَنِ اسْتَمَرَّ مُباشِرًا إلى الفَجْرِ لَمْ يُمْكِنْهُ الِاغْتِسالُ لَيْلًا وقالَ: ﴿يَتَبَيَّنَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: بِصِيغَةِ يَتَفَعَّلُ وهو حَيْثُ يَتَكَلَّفُ النّاظِرُ نَظَرَهُ، وكَأنَّ الطّالِعَ، يَتَكَلَّفُ الطُّلُوعَ، ولَمْ يُقَلْ: يَبِينُ، لِأنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ الوُضُوحِ - انْتَهى.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ بَيانٌ لِأنَّ الأحْكامَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ وأنَّ التَّكْلِيفَ بِما في الوُسْعِ ﴿الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهو أوَّلُ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ كالخَيْطِ المَمْدُودِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَمُدَّ إلى غايَةِ انْتِهاءِ اللَّيْلِ وتَبَيَّنَ حَدُّ النَّهارِ بِأرَقِّ ما يَكُونُ مِن مِثْلِ الخَيْطِ ﴿مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهو ما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَبَشِ اللَّيْلِ أيِ البَقِيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، (p-٨٦)وقِيلَ: ظُلْمَةُ آخِرِ اللَّيْلِ، شَبَهًا بِخَطَّيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ. وقالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إنْهاضٌ لِحُسْنِ الِاسْتِبْصارِ في مُلْتَقى اللَّيْلِ والنَّهارِ حَتّى يُؤْتى العَبْدُ نُورَ حُسْنٍ بِتَبَيُّنِ ذَلِكَ عَلى دِقَّتِهِ ورِقَّتِهِ وقَدْ كانَ أُنْزِلَ هَذا المَثَلُ دُونَ بَيانِ مَمْثُولِهِ حَتّى أخَذَ أعْرابِيٌّ يَنْظُرُ إلى خَيْطَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ فَأنْزَلَ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ يَعْنِي فَبَيَّنَ الأبْيَضَ، فَأخْرَجَهُ بِذِكْرِ المُشَبَّهِ مِنَ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّشْبِيهِ لِأنَّ مِن شَرائِطِها أنْ يَدُلَّ عَلَيْها الحالَةُ أوِ الكَلامُ، وهَذِهِ الِاسْتِعارَةُ وإنْ كانَتْ مُتَعارَفَةً عِنْدَهم قَدْ نَطَقَتْ بِها شُعَراؤُهم وتَفاوَضَتْ بِها فُصَحاؤُهم وكُبَراؤُهم لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْها، وزِيدَ في البَيانِ لِأنَّها خَفِيَتْ عَلى بَعْضِ النّاسِ مِنهم عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَلَمْ تَكُنِ الآيَةُ مُجْمَلَةً ولا تَأخَّرَ البَيانُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ما عابَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عَدَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَدَمَ فَهْمِها.
وقالَ الحَرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الفِقْهِ بِناءً عَلى أنَّها مُجْمَلَةٌ: والخِطابُ بِالإجْمالِ (p-٨٧)مُمْكِنُ الوُقُوعِ ولَيْسَ يَلْزَمُ العَمَلُ بِهِ فالإلْزامُ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ وإلْزامُ العَمَلِ يَسْتَلْزِمُ البَيانَ وإلّا عادَ ذَلِكَ المُمْتَنِعُ، وتَأْخِيرُ بَيانِ المُجْمَلِ إلى وقْتِ الإلْزامِ مُمْكِنٌ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَناسُبَ حِكْمَةِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ بِحِكْمَةِ العالَمِ المُكَوَّنِ، فَإنَّ الإجْمالَ في القُرْآنِ بِمَنزِلَةِ نُطْقِ الأكْوانِ والبَيانَ فِيهِ بِمَنزِلَةِ تَخْطِيطِ الصُّوَرِ وذَلِكَ ظاهِرٌ عِنْدَ مَن زاوَلَهُ، وحِينَئِذٍ فَلا يُقالُ: خِطابُ الإجْمالِ عَدِيمُ الفائِدَةِ لِأنَّهُ يُفِيدُ تَدْرِيجَ حِكْمَةِ التَّنْزِيلِ وتَحْصِيلَ بَرَكَةِ التِّلاوَةِ، وفي الِاقْتِصارِ عَلى بَيانِهِ نَمَطٌ مِن فَصاحَةِ الخِطابِ العَرَبِيِّ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذِكْرُ المَمْثُولِينَ اكْتِفاءً بِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ، فَفِيهِ تَأْصِيلٌ لِأصْلِ البَيانِ مِنَ الإفْهامِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: مِنَ اللَّيْلِ، كَما قالَ: مِنَ الفَجْرِ، اكْتِفاءً بِما في الفَهْمِ مِنَ الذِّكْرِ، وفي وُقُوعِ المُبَيَّنِ إثْرَ غَيْرِ مِثْلِهِ نَمَطٌ آخَرُ مِن فَصاحَةِ الخِطابِ العَرَبِيِّ لِأنَّ العَرَبَ يَرُدُّونَ الثّالِثَ إلى الأوَّلِ لا إلى الثّانِي لِيَتَعَلَّقَ بِالأوَّلِ في المَعْنى ويَنْتَظِمَ بِالثّانِي في اللَّفْظِ فَيَكُونُ مُحْرِزُ المَحَلِّ المَفْهُومِ راجِعًا إلى الأوَّلِ بِالمَعْنى - انْتَهى.
وأوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى إيجابِ التَّبْيِيتِ أمْرُهُ بِالإتْمامِ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَ الشُّرُوعُ فِيهِ فالتَّقْدِيرُ: فَإذا تَبَيَّنَ الفَجْرُ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِمُراقَبَتِهِ (p-٨٨)لِكَوْنِهِ غايَةً لِما أُحِلَّ لَكم فَصُومُوا أيْ أمْسِكُوا عَنِ المُفْطِرِ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا﴾ ذَلِكَ ﴿الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ والتَّعْبِيرُ بِـ ثُمَّ إشارَةٌ إلى بُعْدِ ما بَيْنَ طَرَفَيِ الزَّمانِ الَّذِي أُحِلَّ فِيهِ المُفْطِرُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ صَوْمُ النَّهارِ إتْمامًا لِبَدْءٍ مِن صَوْمِ لَيْلَةٍ فَكَأنَّهُ في اللَّيْلِ صَوْمٌ لَيْسَ بِتامٍّ لِانْثِلامِهِ لِلْحِسِّ وإنْ كانَ في المَعْنى صَوْمًا، ومِن مَعْناهُ رَأى بَعْضُ العُلَماءِ الشُّرُوعَ في الِاعْتِكافِ قَبْلَ الغُرُوبِ لِوَجْهِ مَدْخَلِ اللَّيْلِ في الصَّوْمِ التّامِّ بِالعُكُوفِ وإضافَةِ اللَّيْلِ لِلنَّهارِ في حُكْمِ صَوْمٍ ما وهو في النَّهارِ تَمامٌ بِالمَعْنى والحِسِّ، وإنَّما ألْزَمَ بِإتْمامِ الصَّوْمِ نَهارًا واعْتَدَّ بِهِ لَيْلًا وجَرى فِيهِ الأكْلُ والنِّكاحُ بِالأمْرِ لِأنَّ النَّهارَ مَعاشٌ فَكانَ الأكْلُ فِيهِ أكْلًا في وقْتِ انْتِشارِ الخَلْقِ وتَعاطِي بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ فَيَأْنَفُ عَنْهُ المُرْتَقِبُ، ولِأنَّ اللَّيْلَ سُباتٌ ووَقْتُ تَوَفٍّ وانْطِماسٍ، فَبَدَأ فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ ما انْحَجَبَ ظُهُورُهُ في النَّهارِ، كَأنَّ المُطْعِمَ بِاللَّيْلِ طاعِمٌ مِن رَبِّهِ الَّذِي هو وقْتَ تَجَلِّيهِ «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا» فَكَأنَّ الطّاعِمَ في اللَّيْلِ إنَّما أطْعَمَهُ اللَّهُ وسَقاهُ، فَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ في مَعْنى صَوْمِهِ (p-٨٩)وإنْ ظَهْرَ صُورَةُ وُقُوعِهِ في حِسِّهِ كالنّاسِي بَلِ المَأْذُونُ لَهُ أشْرَفُ رُتْبَةً مِنَ النّاسِي - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الصَّوْمُ شَدِيدَ المُلابَسَةِ لِلْمَساجِدِ والِاعْتِكافِ وكانَتِ المَساجِدُ مَظِنَّةً لِلِاعْتِكافِ وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أطْلَقَ في صَدْرِ الآيَةِ الإذْنَ في الوَطْءِ في جَمِيعِ الأماكِنِ والأحْوالِ غَيْرَ حالِ الصَّوْمِ خَصَّ مِن سائِرِ الأحْوالِ الِاعْتِكافَ ومِنَ الأماكِنِ المَساجِدَ فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنْ قالَ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ﴾ أيْ في أيِّ مَكانٍ كانَ ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ﴾ أيْ بايِتُونَ مُقِيمُونَ أوْ مُعْتَكِفُونَ، ومَدارُ مادَّةِ عَكَفَ عَلى الحَبْسِ أيْ وأنْتُمْ حابِسُونَ أنْفُسَكم لِلَّهِ ﴿فِي المَساجِدِ﴾ عَنْ شَهَواتِها بِنِيَّةِ العِبادَةِ و﴿فِي المَساجِدِ﴾ ظَرْفٌ لَعاكِفُونَ، فَتَحْرُمُ المُباشَرَةُ في الِاعْتِكافِ ولَوْ في غَيْرِ المَسْجِدِ، وتَقْيِيدُ الِاعْتِكافِ بِها لا يُفْهَمُ صِحَّتُهُ في غَيْرِ مَسْجِدٍ، فَإنَّهُ إنَّما ذُكِرَ لِبَيانِ الواقِعِ ولِيُفْهَمَ حُرْمَةُ الجِماعِ في (p-٩٠)المَساجِدِ، لِأنَّهُ إذا حَرُمَ تَعْظِيمًا لِما هي سَبَبٌ لِحُرْمَتِهِ ومُصَحِّحَةٌ لَهُ كانَتْ حُرْمَتُهُ تَعْظِيمًا لَها لِنَفْسِها أوْلى، أوْ يُقالُ وهو أحْسَنُ: لَمّا كانَ مَعْنى العُكُوفِ مُطْلَقَ الحَبْسِ قَيَّدَهُ بِالمَسْجِدِ لِيُفْهَمَ خُصُوصُ الِاعْتِكافِ الَّذِي هو الحَبْسُ عِبادَةً، فَصارَ كَأنَّهُ قالَ: وأنْتُمْ مُعْتَكِفُونَ، هَذا مَعْنى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ وما تَعَلَّقَ بِهِ، وكَأنَّهُ جَرَّدَ الفِعْلَ لِيَشْمَلَ ما إذا كانَ اللُّبْثُ في المَسْجِدِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، والحاصِلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَوّى بَيْنِ حالِ الصَّوْمِ حالَ الِاعْتِكافِ في المَنعِ مِنَ الجِماعِ، فَإنِ اجْتَمَعا كانَ آكَدَ، فَإنَّ الِاعْتِكافَ مِن كَمالِ الصَّوْمِ وذَلِكَ عَلى وجْهِ مَنعٍ مِنَ المُباشَرَةِ في المَسْجِدِ مُطْلَقًا.
قالَ الحَرالِيُّ: وإنَّما كانَ العاكِفُ في المَسْجِدِ مُكَمِّلًا لِصَوْمِهِ لِأنَّ حَقِيقَةَ الصَّوْمِ التَّماسُكُ عَنْ كُلِّ ما شَأْنُ المَرْءِ أنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ مِن بَيْعِهِ وشِرائِهِ وجَمِيعِ أغْراضِهِ فَإذا المُعْتَكِفُ المُتَماسِكُ عَنِ التَّصَرُّفِ كُلِّهِ إلّا ما لا بُدَّ لَهُ مِن ضَرُورَتِهِ والصّائِمُ المُكَمِّلُ (p-٩١)صِيامَهُ والمُتَصَرِّفُ الحافِظُ لِلِسانِهِ الَّذِي لا يَنْتَصِفُ بِالحَقِّ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْهِ هو المُتَمِّمُ لِلصِّيامِ، ومَن نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ فانْتَصَفَ بِالحَقِّ مِمَّنِ اعْتَدى عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِمُتَمِّمٍ لِلصِّيامِ، فَمَن أطْلَقَ لِسانَهُ وأفْعالَهُ فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ، فَإذا حَقِيقَةُ الصَّوْمِ هو الصَّوْمُ لا صُورَتُهُ حَتّى ثَبَتَ مَعْناهُ لِلْأكْلِ لَيْلًا ونَهارًا، قالَ ﷺ: «مَن صامَ رَمَضانَ وأتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِن شَوّالٍ فَكَأنَّما صامَ الدَّهْرَ» وقالَ ﷺ: «ثَلاثَةُ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَذَلِكَ صَوْمُ الدَّهْرِ» وكانَ بَعْضُ أهْلِ الوُجْهَةِ مِنَ الصَّحابَةِ يَقُولُ قائِلُهُمْ: أنا صائِمٌ، ثُمَّ يُرى يَأْكُلُ مِن وقْتِهِ فَيُقالُ لَهُ في ذَلِكَ فَيَقُولُ: قَدْ صُمْتُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن هَذا الشَّهْرِ، فَأنا صائِمٌ في فَضْلِ اللَّهِ مُفْطِرٌ في ضِيافَةِ اللَّهِ، كُلُّ ذَلِكَ اعْتِدادٌ مِن أهْلِ الأحْلامِ والنُّهى بِحَقِيقَةِ الصَّوْمِ أكْثَرَ مِنَ الِاعْتِدادِ بِصُورَةٍ ظاهِرَةٍ - انْتَهى بِمَعْناهُ.
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الحُرُماتِ ضَمَّنَ ما قَدَّمَ في (p-٩٢)الأحْكامِ أمّا في المَناهِي فَصَرِيحًا وأمّا في الأوامِرِ فَلُزُومًا وتَقَدَّمَ فِيها لِأنَّ حَمْلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأرْضِ مَحارِمَهُ نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِها وتَأْكِيدِ تَحْرِيمِها بِاسْتِئْنافِ قَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأحْكامُ البَدِيعَةُ النِّظامِ العالِيَةُ المَرامِ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ وذِكْرُ الِاسْمِ الأعْظَمِ تَأْكِيدًا لِلتَّعْظِيمِ، وحَقِيقَةُ الحَدِّ الحاجِزِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَقابِلَيْنِ لِيَمْنَعَ مِن دُخُولِ أحَدِهِما في الآخَرِ، فَأطْلَقَ هُنا عَلى الحُكْمِ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ وأعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَفْهُومِهِ المُطابِقِ اسْتِخْدامًا فَقالَ: ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾ مُعَبِّرًا بِالقُرْبانِ، لِأنَّهُ في سِياقِ الصَّوْمِ والوَرَعِ بِهِ ألْيَقُ، لِأنَّ مَوْضُوعَهُ فِطامُ النَّفْسِ عَنِ الشَّهَواتِ فَهو نَهْيٌ عَنِ الشُّبُهاتِ مِن بابِ «مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ» فَيَدْخُلُ فِيهِ مُقَدِّماتُ الجِماعِ فالوَرَعُ تَرْكُها.
ولَمّا عَلا هَذا البَيانُ إلى حَدٍّ لا يُدْرِكُهُ حَقَّ إدْراكِهِ الإنْسانُ كانَ كَأنَّهُ قالَ دَهِشًا: هَلْ يَحْصُلُ بَيانُ مِثْلِهِ لِشَيْءٍ غَيْرِ هَذا؟ فَقِيلَ بَيانًا لِلْواقِعِ وتَشْوِيقًا إلى التِّلاوَةِ وحَثًّا عَلى تَدَبُّرِ الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى لا رَيْبَ فِيهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا البَيانِ العَلِيِّ الشَّأْنِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ لِما (p-٩٣)لَهُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تُحْصَرُ بِحَدٍّ ولا تُبْلَغُ بِعَدٍّ ﴿آياتِهِ﴾ الَّتِي يَحِقُّ لِعَظَمَتِها أنْ تُضافَ إلَيْهِ وقالَ: ﴿لِلنّاسِ﴾ إشارَةٌ إلى العُمُومِ دَلالَةً عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ بِشُمُولِ عِلْمِهِ إلى أنْ يَصِلَ البَيانُ إلى حَدٍّ لا يَحْصُلُ فِيهِ تَفاوُتٌ في أصْلِ الفَهْمِ بَيْنَ غَبِيٍّ وذَكِيٍّ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى مِنهُ خَوْفُ اللَّهِ تَعالى لِما عَلِمُوا مِن هَذا البَيانِ مِن عَظَمَتِهِ، وأشْعَرَ هَذا الإبْهامُ أنَّ فِيهِمْ مَن لا يَتَّقِي.
البقرة 2:188
ولَمّا أذِنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما كانَ قَدْ مَنَعَ مِنهُ مِنَ المَطْعَمِ والمَنكَحِ لِلصّائِمِ وقَدَّمَ المَنكَحَ لِأنَّهُ أشْهى إذِ الطَّبْعُ إلَيْهِ أدْعى ولِأنَّ المَنعَ مِنهُ كانَ في جَمِيعِ الشَّهْرِ فالضَّرَرُ فِيهِ أقْوى، وأتْبَعَهُ الإذْنَ في الأكْلِ لِأنَّهُ قِوامُ الجِسْمِ وأوْلاهُ المَنعُ مِنَ النِّكاحِ في بَعْضِ الأحْوالِ، فَعَلَ كَذَلِكَ في المالِ الَّذِي مِنهُ الأكْلُ لِأنَّهُ قَدْ كانَ مِمّا خانَ فِيهِ أهْلُ الكِتابِ عَهْدَ كِتابِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا كَثِيرًا مِن أمْرِهِ لا سِيَّما تَحْرِيمَ الرَّشْوَةِ فَإنَّهم أخْفَوْهُ واسْتَباحُوها حَتّى صارَتْ بَيْنَهم شَرْعًا مُتَعارَفًا (p-٩٤)وكانَ طَيِّبُ المَطْعَمِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ لا سِيَّما في الصَّوْمِ فَنَهى عَنْ بَعْضِ أسْبابِ تَحْصِيلِ المالِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ رَشْوَةً أوْ غَيْرَها فَقالَ: ﴿ولا تَأْكُلُوا﴾ أيْ يَتَناوَلُ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالأكْلِ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِنَ المالِ.
ولَمّا كانَ المالُ مَيّالًا يَكُونُ في يَدِ هَذا اليَوْمَ وفي يَدِ غَيْرِهِ غَدًا فَمَن صَبَرَ وصَلَ إلَيْهِ ما كُتِبَ لَهُ مِمّا في يَدِ غَيْرِهِ بِالحَقِّ ومَنِ اسْتَعْجَلَ وصَلَ إلَيْهِ بِالباطِلِ فَحازَ السُّخْطَ ولَمْ يَنَلْ أكْثَرَ مِمّا قُدِّرَ لَهُ قالَ: ﴿أمْوالَكُمْ﴾ وقالَ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ تَقْبِيحًا لِهَذِهِ المَعْصِيَةِ وتَهْيِيجًا عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ ﴿بِالباطِلِ﴾ وهو ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ سَواءً كانَ بِأصْلِهِ أوْ بِوَصْفِهِ.
ولَمّا كانَ مِن وُجُوهِ أكْلِهِ بِالباطِلِ التَّوَصُّلُ بِالحاكِمِ بِحُجَّةٍ باطِلَةٍ (p-٩٥)يَعْجِزُ الخَصْمُ عَنْ دَفْعِها كَما قالَ ﷺ: «ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى حَسَبِ ما أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» .
فَيَكُونُ الإثْمُ خاصًّا بِالأكْلِ دُونَ الحاكِمِ عَطْفٌ عَلَيْهِ ما يُشارِكُهُ فِيهِ الحاكِمُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿تَأْكُلُوا﴾ ﴿وتُدْلُوا﴾ أيْ ولا تَتَواصَلُوا في خَفائِها ﴿بِها إلى الحُكّامِ﴾ بِالرِّشْوَةِ العَمِيَّةِ لِلْبَصائِرِ، مِنَ الإدْلاءِ.
قالَ الحَرالِيُّ وهو مِن مَعْنى إنْزالِ الدَّلْوِ خُفْيَةً في البِئْرِ لِيَسْتَخْرِجَ مِنهُ ماءً فَكَأنَّ الرّاشِيَ يُدْلِي دَلْوَ رِشَوْتِهِ لِلْحاكِمِ خُفْيَةً لِيَسْتَخْرِجَ جَوْرَهُ لِيَأْكُلَ بِهِ مالًا - انْتَهى.
﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ أيْ شَيْئًا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ صاحِبِهِ (p-٩٦)﴿مِن أمْوالِ النّاسِ﴾ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانُوا ﴿بِالإثْمِ﴾ أيِ الجَوْرِ العَمْدِ، ومِن مَدْلُولاتِهِ الذَّنْبُ وأنْ يَعْمَلَ ما لا يَحِلُّ ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ مِن أهْلِ العِلْمِ مُطْلَقًا فَإنَّ الباطِلَ مِنهم أشْنَعُ ويَلْزَمُ مِنهُ العِلْمُ بِأنَّ ذَلِكَ التَّوَصُّلَ لا يُفِيدُ الحَلَّ، ولَعَلَّهُ إيماءٌ إلى جَوازِ التَّوَصُّلِ إلى مالِهِ عِنْدَ جاحِدٍ لَمْ يَجِدْ طَرِيقًا إلى خَلاصِهِ إلّا ذَلِكَ.
وقالَ الحَرالِيُّ في مُناسَبَةِ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: لَمّا كانَ مَنزِلُ القُرْآنِ لِإقامَةِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ الَّتِي بِها قِيامُ المُخاطَبِينَ بِهِ وهو صَلاحُ دِينِهِمْ وهو ما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ مِن عَمَلٍ أوْ إلْقاءٍ بِالسَّلَمِ إلَيْهِ وإصْلاحِ دُنْياهم وهو ما فِيهِ مَعاشُ المَرْءِ وإصْلاحُ آخِرَتِهِمْ وهو ما إلَيْهِ مَعادُهُ كانَ لِذَلِكَ مَنزِلُ القُرْآنِ مُفَصَّلًا بِأحْكامِ تِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ فَكانَ شَذْرَةً لِلدِّينِ وشَذْرَةً لِلدُّنْيا وشَذْرَةً لِلْآخِرَةِ، فَلَمّا كانَ في صَدْرِ هَذا الخِطابِ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] وهو خِطابٌ لِلْمُلُوكِ ومَن تَبِعَهم مِن رُؤَساءِ القَبائِلِ ومَن تَبِعَهُمُ انْتَظَمَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمٌ مِن أحْكامِ (p-٩٧)أهْلِ العِلْمِ ومَن تَبِعَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٧٤] ثُمَّ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ الوَصِيَّةِ مِن أهْلِ الجِدَّةِ، ثُمَّ انْتَظَمَ بِهِ ذِكْرُ أحْوالِ الرِّشى مِنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي، لِيَقَعَ نَظْمُ التَّنْزِيلِ ما بَيْنَ أمْرٍ في الدِّينِ ونَهْيٍ في الدُّنْيا لِيَكُونَ ذَلِكَ أجْمَعَ لِلْقَلْبِ في قَبُولِ حُكْمِ الدُّنْيا عَقِبَ حُكْمِ الدِّينِ ويُفْهَمُ حالُ المَعادِ مِن عِبْرَةِ أمْرِ الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ تَعْتَوِرُ الآياتُ هَذِهِ المَعانِيَ ويَعْتَقِبُ بَعْضُها لِبَعْضٍ ويَتَفَصَّلُ بَعْضُها بِبَعْضٍ، كَما هو حالُ المَرْءِ في يَوْمِهِ وفي مُدَّةِ عُمْرِهِ حَيْثُ تَعْتَوِرُ عَلَيْهِ أحْوالُ دِينِهِ ودُنْياهُ ومَعادِهِ، يُطابِقُ الأمْرُ الخَلْقَ في التَّنْزِيلِ والتَّطَوُّرِ - انْتَهى.
البقرة 2:189
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ وتَعالى البَيانَ لِما أرادَهُ مِمّا شَرَعَهُ في شَهْرِ الصَّوْمِ لَيْلًا ونَهارًا وبَعْضَ ما تَبِعَ ذَلِكَ وكانَ كَثِيرٌ مِنَ الأحْكامُ يَدُورُ عَلى الهِلالِ لا سِيَّما أحَدَ قَواعِدِ الإسْلامِ الحَجَّ الَّذِي هو أخُو الصَّوْمِ وكانَتِ الأهِلَّةُ كالحُكّامِ تُوجِبُ أشْياءَ وتَنْفِي غَيْرَها كالصِّيامِ والدُّيُونِ والزَّكَواتِ وتُؤْكَلُ بِها الأمْوالُ حَقًّا أوْ باطِلًا وكانَ ذِكْرُ الشَّهْرِ وإكْمالُ (p-٩٨)العِدَّةِ قَدْ حَرَّكَ العَزْمَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ سَألُوا عَنِ الأهِلَّةِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وذَلِكَ لِتَقَدُّمِ ما يُثِيرُ العَزْمَ إلى السُّؤالِ عَنْها صَرِيحًا فَكانَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها، وكَذا ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] بِخِلافِ ما عُطِفَ عَلى ما قَبْلَهُ بِالواوِ كَما يَأْتِي، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ ما يَنْبَغِي مِن عِلْمِ النُّجُومِ وما لا يَنْبَغِي ﴿عَنِ الأهِلَّةِ﴾ أيِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ البِرَّ تَوْلِيَةُ الوَجْهِ قِبَلَ مَشارِقِها ومَغارِبِها: ما سَبَبُ زِيادَتِها بَعْدَ كَوْنِها كالحَظِّ أوِ الخَيْطِ حَتّى تَتَكامَلَ وتَسْتَوِيَ ونَقْصِها بَعْدَ ذَلِكَ حَتّى تَدِقَّ (p-٩٩)وتَنْمَحِقَ؟
قالَ الحَرالِيُّ: وهي جَمْعُ هِلالٍ وهو ما يَرْفَعُ الصَّوْتَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَغَلَبَ عَلى رُؤْيَةِ الشَّهْرِ الَّذِي هو الهِلالُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما جَوابُهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قُلْ﴾ مُعْرِضًا عَنْهُ لِما لَهم فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ لِأنَّهُ يَنْبَنِي عَلى النَّظَرِ في حَرَكاتِ الفَلَكِ وذَلِكَ يَجُرُّ إلى عِلْمِ تَسْيِيرِ النُّجُومِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الآثارِ الَّتِي تَقُودُ إلى الكَلامِ في الأحْكامِ المَنسُوبَةِ إلَيْها فَتَسْتَدْرِجُ إلى الإلْحادِ وقَدْ ضَلَّ بِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ والقُرُونِ الماضِيَةِ فاعْتَقَدُوا تَأْثِيرَها بِذَواتِها وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ناهِيًا عَنْ ذَلِكَ لِذَلِكَ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ بابًا مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ (p-١٠٠)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما؛ وقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: «مَن طَلَبَ عِلْمَ النُّجُومِ تَكَهَّنَ» مُرْشِدًا سُبْحانَهُ وتَعالى إلى ما فِيهِ صَلاحُهُمْ: ﴿هِيَ مَواقِيتُ﴾ جَمْعُ مِيقاتٍ مِنَ الوَقْتِ وهو الحَدُّ الواقِعُ بَيْنَ أمْرَيْنِ أحَدُهُما مَعْلُومٌ سابِقٌ والآخَرُ مَعْلُومٌ بِهِ لاحِقٌ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: والفَرْقُ بَيْنَ الوَقْتِ والمُدَّةِ والزَّمانِ أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ مِن مَبْدَئِها إلى الزَّمانِ، والزَّمانَ مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ، والوَقْتَ الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ ما.
﴿لِلنّاسِ﴾ في صَوْمِهِمْ كَما تَقَدَّمَ ومُعامَلاتِهِمْ لِيَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابِ ﴿والحَجِّ﴾ صَرَّحَ بِهِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ (p-١٠١)مَداخِلِها.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو حَشْرُ العِبادِ إلى المَوْقِفِ في شُهُورِ آخِرِ السَّنَةِ، فَهو أمْرٌ دِينِيٌّ مُشْعِرٌ بِخَتْمِ الزَّمانِ وذَهابِهِ لِما فِيهِ مِن آيَةِ المَعادِ -ِ انْتَهى.
ولَمّا كانُوا قَدِ اعْتادُوا في الحَجِّ فِعْلًا مُنْكَرًا وكانَ تَرْكُ المَأْلُوفاتِ أشَقَّ شَيْءٍ عَلى النُّفُوسِ، ولِذَلِكَ قالَ أهْلُ الطَّرِيقِ وساداتُ أهْلِ التَّحْقِيقِ: مَلاكُ القَصْدِ إلى اللَّهِ تَعالى خَلْعُ العاداتِ واسْتِجْدادُ قَبُولِ الأُمُورِ المُنْزَلاتِ مِن قَيُّومِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبِذَلِكَ كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ساداتِ أهْلِ الإسْلامِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ [البقرة: ١٧٧] مُقَبِّحًا لِذَلِكَ الفِعْلِ عَلَيْهِمْ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم عَكَسُوا في سُؤالِهِمْ كَما عَكَسُوا في فِعالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى حالٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ تَقْدِيرُها: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ البِرُّ سُؤالَكم هَذا عَنْها ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِزِيادَةِ الباءِ في قَوْلِهِ: ﴿بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ﴾ أيْ لا الحِسِّيَّةَ ولا المَعْنَوِيَّةَ ﴿مِن ظُهُورِها﴾ عِنْدَ القُدُومِ مِنَ الحَجِّ أوْ غَيْرِهِ كَما أنَّهُ (p-١٠٢)لَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَقالِكم بِتَرْكِ السُّؤالِ عَمّا يَعْنِيكم والسُّؤالِ عَمّا لا يَعْنِيكم بَلْ يَعْنِيكم.
ولَمّا نَفى البِرَّ عَنْ ذَلِكَ كَما نَفى في الأوَّلِ اسْتَدْرَكَ عَلى نَهْجِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: بِالرَّفْعِ والتَّخْفِيفِ اسْتِدْراكًا لِما هو البِرُّ وإعْراضًا عَنِ الأوَّلِ، وبِالنَّصْبِ والتَّشْدِيدِ مَعَ الِالتِفاتِ إلى الأوَّلِ لِمَقْصِدِ طَرْحِهِ - انْتَهى.
﴿مَنِ اتَّقى﴾ فَجَعَلَ المُتَّقِي نَفْسَ البَرِّ إلْهابًا لَهُ إلى الإقْبالِ عَلى التَّقْوى لَمّا كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً عَلى جَمِيعِ ما مَضى مِن خِلالِ الإيمانِ الماضِيَةِ اكْتَفى بِها. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاتَّقُوا فَلا تَسْألُوا عَمّا لا يَهُمُّكم في دِينِكم عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وأْتُوا البُيُوتَ (p-١٠١)مِن أبْوابِها﴾ حِسًّا في العَمَلِ ومَعْنًى في التَّلَقِّي، والبابُ المَدْخَلُ لِلشَّيْءِ المُحاطِ بِحائِطٍ يَحْجِزُهُ ويَحُوطُهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ. وتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهُ لَهُ بِغَيْرِ هَذا.
ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالتَّقْوى قَدْ تَقَدَّمَ ضِمْنًا وتَلْوِيحًا أتى بِهِ دالًّا عَلى عَظِيمِ جَدْواها ذِكْرًا وتَصْرِيحًا دَلالَةً عَلى التَّأْكِيدِ في تَرْكِهِمْ تِلْكَ العادَةَ لِاقْتِضاءِ الحالِ ذَلِكَ لِأنَّ مَنِ اعْتادَ شَيْئًا قَلَّ ما يَتْرُكُهُ وإنْ تَرَكَهُ طَرَقَهُ خاطِرُهُ وقْتًا ما فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ووَطِّنُوا النُّفُوسَ وارْبِطُوا القُلُوبَ عَلى أنَّ جَمِيعَ أفْعالِهِ تَعالى حِكْمَةٌ وصَوابٌ مِن غَيْرِ اخْتِلاجِ شُبْهَةٍ ولا اعْتِراضِ شَكٍّ في ذَلِكَ حَتّى لا يُسْألَ عَنْهُ لِما في السُّؤالِ مِنَ الإيهامِ بِمُفارَقَةِ الشَّكِّ، ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى دَوامُ التَّجَدُّدِ لِفَلاحِهِ وهو ظَفَرُهُ بِجَمِيعِ مَطالِبِهِ مِنَ البِرِّ وغَيْرِهِ، فَقَدْ دَلَّ سِياقُ الآيَةِ عَلى كَراهَةِ هَذا السُّؤالِ؛ وذَكَرَ الحَرالِيُّ أنَّ أكْثَرَ ما يَقَعُ فِيهِ سُؤالٌ يَكُونُ مِمّا أُلْبِسَ (p-١٠٤)فِتْنَةً أوْ شُرِبَ مِحْنَةً أوْ أُعْقِبَ بِعُقُوبَةٍ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١] وكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسائِلَ وعابَها وقالَ: «دَعُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما أهْلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ» الحَدِيثَ ومِنهُ كُرْهُ الرَّأْيِ وتَكَلُّفُ تَوْلِيدِ المَسائِلِ لِأنَّهُ شُغْلٌ عَنْ عِلْمِ التَّأْصِيلِ وتَعَرُّضٌ لِوُقُوعِهِ كالَّذِي سَألَ عَنِ الرَّجُلِ يُبْتَلى في أهْلِهِ فابْتُلِيَ بِهِ، ويُقالُ: كَثْرَةُ تَوْلِيدِ مَسائِلِ السَّهْوِ أوْقَعَ فِيهِ.
وقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ كالجامِعَةِ المُوَطِّئَةِ لِما ذُكِرَ بَعْدَها مِن أمْرِ تَوْقِيتِ القِتالِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ كَما كانَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ حُكْمُ التَّحَرُّجِ مِنَ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ والتَّساهُلِ فِيهِ في أشْهُرِ الحِلِّ مَعَ كَوْنِهِ عَدْوى بِغَيْرِ حُكْمٍ حَقٍّ فَكانَ فِيهِ عَمَلٌ بِالفَسادِ وسَفْكُ الدِّماءِ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ. فَمَحا سُبْحانَهُ ما أصْلَوْهُ مِن ذَلِكَ بِما شَرَعَهُ مِن أمْرِ القِتالِ لِكَوْنِهِ جِهادًا فِيهِ لِحَظٍّ مِن حُظُوظِ الدُّنْيا.
البقرة 2:190
(p-١٠٥)ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الحَجَّ في هَذِهِ السُّورَةِ المَدَنِيَّةِ وكانَ سَبِيلُهُ إذْ ذاكَ مَمْنُوعًا عَنْ أهْلِ الإسْلامِ بِأهْلِ الحَرْبِ الَّذِينَ أخْرَجُوهم مِن بَلَدِهِمْ ومَنَعُوهم مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي هم أحَقُّ بِهِ مَن غَيْرِهِمْ وكانَ الحَجُّ مِنَ الجِهادِ وكانَ كُلٌّ مِنَ الصَّوْمِ والجِهادِ تَخَلِّيًا مِنَ الدُّنْيا «سِياحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ، ورَهْبانِيَّةُ أُمَّتِي الجِهادُ» وكانَتْ أُمَّهاتُ العِباداتِ مُوَقَّتَةً وهي الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ والحَجُّ وغَيْرَ مُوَقَّتَةٍ وهي الذِّكْرُ والجِهادُ وهو قِتالُ أهْلِ الحَرْبِ خِلافًا لِما كانَ عِنْدَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ مِن تَوْقِيتِهِ مَكانًا بِغَيْرِ الحَرَمِ وزَمانًا بِغَيْرِ الأشْهُرِ الحُرُمِ وكانَ القِتالُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وفي الحَرَمِ في غايَةِ المَنعِ فَكَيْفَ عِنْدَ المَسْجِدِ وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ ذَكَرَ العِباداتِ المُوَقَّتَةَ أتْبَعَها بِغَيْرِ المُوَقَّتَةِ وهي الجِهادُ الَّذِي هو حَظِيرَةُ المُوَقَّتَةِ الَّذِي لا سَلامَةَ لَها بِدُونِهِ التِفاتًا إلى الظّالِمِينَ بِالمَنعِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والإخْراجِ مِنهُ فَأمَرَ بِأنْ يَفْعَلَ مَعَهم مِثْلَ ما فَعَلُوا مِنَ القِتالِ والإخْراجِ فِعْلَ الحَكِيمِ الَّذِي يُوصِي بِالشَّيْءِ العَظِيمِ فَهو يُلْقِيهِ بِالتَّدْرِيجِ في أسالِيبِ البَلاغَةِ وأفانِينِ البَيانِ تَشْوِيقًا إلَيْهِ وتَحْرِيضًا عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ أشارَ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ أوَّلًا بِأنَّهُ يُخْزِي ظالِمِيهِمْ وثانِيًا بِأنَّ المَقْتُولَ مِنهم حَيٌّ يُرْزَقُ (p-١٠٦)وثالِثًا بِمَدْحِهِمْ عَلى الصَّبْرِ في مَواطِنِ البَأْسِ بِأنَّهُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا وأنَّهُمُ المُتَّقُونَ فَلَمّا شَوَّقَهم إلى جِهادِ أهْلِ البَغْيِ والعِنادِ ألْزَمَهُمُ القِتالُ بِصِيغَةِ الأمْرِ لِتَيْسِيرِ بابِ الحَجِّ الَّذِي افْتَرَضَهُ وسَبِيلُهُ مَمْنُوعٌ بِأهْلِ الحَرْبِ فَقالَ تَعالى وقِيلَ: إنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، قالَهُ الأصْبَهانِيُّ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ إشْعارًا بِذِكْرِهِ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ بَعْدَ المُوَقَّتِ بِالهِلالِ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: مِن حَيْثُ إنَّهُ حَظِيرَةٌ عَلى دِينِ الإسْلامِ المُقَيَّدِ بِالمَواقِيتِ مِن (p-١٠٧)حَيْثُ إنَّ الإسْلامَ عَمَلٌ يُقَيِّدُهُ الوَقْتُ، والدَّفْعُ عَنْهُ أمْرٌ لا يُقَيِّدُهُ وقْتٌ بَلْ أيّانَ طَرَقَ الضُّرُّ لِبِناءِ الإسْلامِ دُفِعَ عَنْهُ كَما هو حُكْمُ الدَّفْعِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ لِمَواقِيتِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والصَّوْمُ والحَجُّ لِمَواقِيتِ الأهِلَّةِ، والزَّكاةُ لِمِيقاتِ الشَّمْسِ، والجِهادُ لِمُطْلَقِ المِيقاتِ حَيْثُ ما وقَعَ مِن مَكانٍ وزَمانٍ ناظِرًا بِوَجْهٍ ما لِما يُقابِلُهُ مِن عَمُودِ الإسْلامِ الَّذِي هو ذِكْرُ كَلِمَةِ الإخْلاصِ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ عَلى الدَّوامِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]
﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] انْتَهى.
وقالَ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِمْ قِتالُكم لا مَن لَيْسَ شَأْنُهُ ذَلِكَ كالصِّبْيانِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ القِتالَ عَنْ سَبَبِ المُقاتَلَةِ فَهو مِمّا يُفْعَلُ عَنْ سَبَبٍ لا مِمّا يُفْعَلُ لِوَقْتٍ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لَمْ يُقْصَدْ بِها إلّا صُدُورُ الفِعْلِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ مَخْصُوصٍ كَما قالُوهُ في أمْثالِهِ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أوْجَبَ العَدْلَ في كُلِّ (p-١٠٨)شَيْءٍ حَتّى في حَقِّ أعْدائِهِ قالَ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ فَنَظَمَ ذَلِكَ ابْتِداءَ القِتالِ لِمَن لَمْ يُبِحْ لَهُ ابْتِداءَهُ بِهِ إمّا بِعَهْدٍ أوْ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ لِمَن لَمْ يَبْلُغْهُ أمْرُ الدِّينِ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخِيانَةِ والغَدْرِ وقَتْلِ النِّساءِ والصِّبْيانِ والشُّيُوخِ الفانِينَ الَّذِينَ لا مَنَعَةَ فِيهِمْ ولا رَأْيَ لَهُمْ، ودَوامَ القِتالِ لِمَن ألْقى السَّلَمَ بَعْدَ الِابْتِداءِ بِهِ، فَحَذَفَ المُتَعَلِّقَ اخْتِصارًا فَأفادَ زِيادَةَ المَعْنى وهو مِن غَرِيبِ أفانِينِ البَلاغَةِ وكَأنَّهُ أفْهَمَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ التَّقْيِيدَ بِالتَّعَمُّدِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ مُطْلَقًا في هَذا وغَيْرِهِ، أيْ لا يَفْعَلُ بِهِمْ مِنَ الخَيْرِ فِعْلَ المُحِبِّ.
البقرة 2:191
ولَمّا حَرَّمَ الِاعْتِداءَ صَرَّحَ بِإباحَةِ أصْلِ القِتالِ فَقالَ: ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ وجَدْتُمُوهم وأنْتُمْ تَطْمَعُونَ (p-١٠٩)فِي أنْ تَغْلِبُوا أوْ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِن قَتْلِهِمْ - قالَهُ الأصْبَهانِيُّ، لِأنَّهُ مَن ثَقُفَ بِالضَّمِّ ثَقافَةً إذا صُلِبَ وثَقِفَ أيْ بِالكَسْرِ كَذَلِكَ، وأيْضًا صارَ حاذِقًا فَطِنًا، وثَقَفْتُ الشَّيْءَ ثَقَفًا إذا أخَذْتَهُ والشَّيْءَ صادَفْتُهُ - قالَهُ ابْنُ القَطّاعِ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: والثَّقَفُ وُجُودُهُ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، وأطْلَقَ الوِجْدانَ فَشَمِلَ الحِلَّ والحَرَمَ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ لِأنَّهم كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِالمُسْلِمِينَ، كانُوا يُؤْذُونَهم ويَفْتِنُونَهم عِنْدَ البَيْتِ في (p-١١٠)كُلِّ وقْتٍ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ ما يُشْعِرُ بِالنَّصْرِ بِحِزْبِ اللَّهِ وبُشْرى بِضَعْفِ العَدُوِّ عَنْ مُداوَمَةِ المُقاوَمَةِ لِلْمُجاهِدِينَ وقَدْ ظَهَرَتِ التَّجْرِبَةُ مِثْلَ ذَلِكَ وأقَلُّهُ أنَّهم إذا فَرُّوا لَمْ يَكُرُّوا.
ولَمّا كانَتِ الآيَةُ ناظِرَةً إلى قِصاصٍ قالَ: ﴿وأخْرِجُوهُمْ﴾ أيْ فَإنْ لَمْ يُقاتِلُوكم ﴿مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ الَّتِي هي مَوْطِنُ الحَجِّ والعُمْرَةِ ومَحَلُّ الشَّعائِرِ المَقْصُودَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ.
ولَمّا كانَ هَذا مُشْعِرًا بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ مِنهم إلَيْهِمْ قِتالٌ في مَكَّةَ لِغَيْرِ الأذى المُحْوِجِ إلى الخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ الإخْراجَ مِنَ السَّكَنِ أشَدُّ فِتْنَةً وقَدْ فَتَنُوكم بِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والفِتْنَةُ﴾ أيِ العَذابَ بِالإخْراجِ أوْ غَيْرِهِ مِن أنْواعِ الإخافَةِ ﴿أشَدُّ﴾ تَلْيِينُهم لِلْإسْلامِ ﴿مِنَ القَتْلِ﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ غَيْرِهِ أوْ قَتْلِهِمْ إيّاكم أوْ غَيْرَ ذَلِكَ لِما فِيهِ (p-١١١)مِن مُواصَلَةِ الغَمِّ القابِضِ لِلنَّفْسِ عَنْ مُراداتِها، فَلِذَلِكَ سَوَّغْنا لَكم قَتْلَهم قِصاصًا بِسَبَبِ إخْراجِكُمْ، فَكانَ المُرادُ بِالذّاتِ إخْراجَهم لِتَمَكُّنِ الحَجِّ والِاعْتِمارِ ولَكِنَّهُ لِما لَمْ يُمْكِنْ إلّا بِقِتالِهِمْ وقَتْلِهِمْ أُذِنَ فِيهِما وقَدْ كَشَفَ الواقِعُ في أمْرِ: عِكْرِمَةَ بْنِ أبِي جَهْلٍ وصَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أنَّ الإخْراجَ مِن مَكَّةَ لَيَّنَهم لِلْإسْلامِ أكْثَرَ مِن تَلْيِينِ القَتْلِ فَإنَّهم أسْلَمُوا لَمّا أشْرَفُوا عَلى فِراقِ مَكَّةَ بِظُهُورِ الإسْلامِ فِيها ولَمْ يُسْلِمْ أحَدٌ مِن قُرَيْشٍ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ، فَلِكَوْنِ السِّياقِ لِإخْراجِهِمْ عَبَّرَ هُنا أشَدَّ.
ولَمّا كانَ الإذْنُ في الإخْراجِ مُسْتَلْزِمًا في العادَةِ لِلْقِتالِ وكانَ قَدْ أذِنَ في الِابْتِداءِ بِهِ حَيْثُ ثُقِفُوا خَصَّصَ ذَلِكَ فَقالَ ناظِرًا إلى المُقاصَّةِ أيْضًا ومُشِيرًا إلى ما سَيَقَعُ في غَزْوَةِ الفَتْحِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] ﴿ولا تُقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أُذِنَ لَكم في إخْراجِهِمْ ﴿عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ إذا أرَدْتُمْ إخْراجَهم فَمانَعُوكم ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَوْضِعِ الَّذِي هو عِنْدَ المَسْجِدِ، (p-١١٢)وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِفِيهِ في الثّانِي وعِنْدَ في الأوَّلِ والمُرادُ الحَرَمُ في كُلٍّ مِنهُما كَفًّا، عَنِ القِتالِ فِيهِ مَهْما وُجِدَ إلى الكَفِّ سَبِيلٌ تَعْظِيمًا لَهُ وإجْلالًا لِمَحَلِّهِ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِلصَّلاةِ الَّتِي أعْظَمُ مَقاصِدِها السُّجُودُ لا لِغَيْرِهِ فَضْلًا عَنِ القِتالِ.
﴿فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾ أيْ في ذَلِكَ المَكانِ ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾ أيْ لا تَقْصُرُوا عَلى مُدافَعَتِهِمْ بَلِ اصْدُقُوهم في الضَّرْبِ المُجَهَّزِ ولا حَرَجَ عَلَيْكم مِن جِهَةِ المَسْجِدِ فَإنَّ الِانْتِهاكَ لِحُرْمَتِهِ مَنسُوبٌ إلى البادِئِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ في جَوابِ المُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ أوِ الفِعْلِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِشارَةٌ بِنُصْرَةِ المَبْغِيِّ عَلَيْهِ وقُوَّةِ إدالَتِهِ، ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا أنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الجَدْوى ﴿جَزاءُ الكافِرِينَ﴾ كُلِّهِمْ.
البقرة 2:192
ولَمّا كانَ النُّزُوعُ بَعْدَ الشُّرُوعِ لا سِيَّما حالَةَ الإشْرافِ عَلى الظَّفَرِ عُسْرًا عَلى الأنْفُسِ الأبِيَّةِ والهِمَمِ العَلِيَّةِ قالَ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ عَنِ القِتالِ ومُقَدِّماتِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةً مِنهم تَنْتَهِي فَإنَّ العالِمَ بِكُلِّ (p-١١٣)شَيْءٍ لا يُعَبِّرُ بِأداةِ الشَّكِّ إلّا كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُفُّوا عَنْهم ولا تُعْرِضُوا لَهم فَإنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهم عَلَّلَهُ بِأمْرٍ عامٍّ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ أزَلًا وأبَدًا فَكُلُّ مَن تابَ فَهَذا شَأْنُهُ مَعَهُ.
البقرة 2:193
ولَمّا كانَ المُرادُ بِما مَضى مِن قِتالِهِمْ كَفَّ أذاهم بِأيِّ فِعْلٍ كانَ حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَسَبْناهم إلى قِتالِكم وإخْراجِكم وفِتْنَتِكم أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا كُفّارًا أوْ لا ﴿حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ تُوجَدُ فِتْنَةٌ بِأنْ لا يَقْدِرُوا أنْ يُؤْذُوا أحَدًا مِن أهْلِ الإسْلامِ لِيَرُدُّوهُ عَنْ دِينِهِ أوْ يُخْرِجُوهُ مِن دارِهِ أوْ يَخْلَعُوهُ مِن مالِهِ أوْ يَغْلِبُوهُ عَلى حَقِّهِ، فَقِتالُ كُلِّ مَن وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ كُفْرًا أوْ بَغْيًا في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ أيِ الطّاعَةُ والعِبادَةُ.
ولَمّا كانَ (p-١١٤)هَذا في أوائِلِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ قَبْلَ أنْ يَرَوْا مِن نَصْرِ اللَّهِ لَهم ما يُقَوِّي عَزائِمَهم أعْراهُ مِنَ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ”الله“ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ خاصًّا بِهِ بِأنْ يَكُونَ أمْرُ المُسْلِمِينَ ظاهِرًا، لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِن أهْلِ الكُفْرِ ولا أهْلِ البَغْيِ عَلى التَّظاهُرِ بِأذى أحَدٍ مِنهُمْ، وذَلِكَ بِأنْ لا يَبْقى مُشْرِكٌ أصْلًا ولا يَبْقى كِتابِيٌّ إلّا أُلْزِمَ الصَّغارَ بِالجِزْيَةِ، والحِكْمَةُ في إبْقائِهِمْ دُونَ المُشْرِكِينَ أنَّ لَهم كُتُبًا أُمْهِلُوا لِحُرْمَتِها ولِيَنْظُرُوا فِيها فَيَقِفُوا عَلى الحَقِّ مِنها فَإنَّها وإنْ كانَتْ قَدْ وقَعَ فِيها التَّحْرِيفُ قَدْ بَقِيَ فِيها ما يَهْدِي المُوَفَّقَ لِأنَّها لَمْ يَعُمَّها التَّحْرِيفُ، وأمّا أهْلُ الأوْثانِ فَلَيْسَ لَهم ما يُرْشِدُهم إلى الحَقِّ فَكانَ إمْهالُهم زِيادَةً في شِرْكِهِمْ مَقْطُوعًا بِها مِن غَيْرِ فائِدَةٍ تُنْتَظَرُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي طَيِّهِ إشْعارٌ بِما وقَعَ وهو واقِعٌ وسَيَقَعُ مِن قِتالِ طائِفَةِ الحَقِّ لِطائِفَةِ البَغْيِ سائِرَ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ بِما تَخَلَّصَ مِنَ الفِتْنَةِ (p-١١٥)ويَخْلُصُ الدِّينُ لِلَّهِ تَوْحِيدًا ورِضًا وثَباتًا عَلى حالِ السَّلَفِ الصّالِحِ وزَمانِ الخِلافَةِ والنُّبُوَّةِ - انْتَهى.
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الرُّجُوعَ عَمّا اسْتَوْجَبُوا بِهِ القِتالَ فَقَدْ تَرَكُوا الظُّلْمَ، والنَّهْيَ
قالَ الحَرالِيُّ: الحُكْمُ المانِعُ مِنَ الفِعْلِ المُتَرامِي إلَيْهِ بِمَنزِلَةِ أثَرِ العَقْلِ المُسَمّى نُهًى لِمَنعِهِ عَمّا تَهْوِي إلَيْهِ النَّفْسُ مِمّا يَسْتَبْصِرُ فِيهِ النُّهى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لِيَلِيَنِي مِنكم أُولُو الأحْلامِ والنُّهى» فَمَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ النُّهى كانَ نَهاهُ النُّهى وهو الحُكْمُ المَذْكُورُ - انْتَهى.
﴿فَلا عُدْوانَ﴾ أيْ فَلا سَبِيلَ يَقَعُ فِيهِ العَدُوُّ الشَّدِيدُ لِلْقِتالِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ ﴿إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَذَكَرَ الظُّلْمَ الشّامِلَ (p-١١٦)لِوُجُوهِ إيقاعِ الأمْرِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ مِن أعْلى الدِّينِ إلى أدْناهُ - انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَإنِ انْتَهَوْا عَنِ الشِّرْكِ فَقَدِ انْتَفى عَنْهُمُ اسْمُ الظُّلْمِ فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ، فَإنِ اعْتَدَيْتُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا عَلَيْكم لِظُلْمِكم لَهم مَن يَعْتَدِي عَلَيْكُمْ، فَإنَّهُ لا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ الَّذِينَ دَخَلْتُمْ في مُسْماهم وخَرَجُوا مِن مُسْماهم بِالِانْتِهاءِ، فَلا عُدْوانَ إلّا عَلَيْكم لا عَلَيْهِمْ، ومَعْنى العُدْوانِ القَتّالُ بِغايَةِ العَدُوِّ والشِّدَّةِ والعَزْمِ.
البقرة 2:194
ولَمّا أباحَ تَعالى القِتالَ في كُلِّ مَكانٍ حَتّى في الحَرَمِ وكانَ فِعْلُهُ في الأشْهُرِ الحُرُمِ عِنْدَهم شَدِيدًا جِدًّا ثارَ - العَزْمُ لِلسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ مُعَلِّمًا لَهم ما يَفْعَلُونَ في عُمْرَةِ القَضاءِ إنَّ احْتاجُوا عَلى وجْهٍ عامٍّ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ﴾ وهو ذُو القَعْدَةِ مِن سَنَةِ سَبْعٍ إنْ قاتَلْتُمُوهم فِيهِ لِكَوْنِهِمْ قاتَلُوكم في شَهْرٍ حَرامٍ ﴿بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ الَّذِي قاتَلُوكم فِيهِ وهو ذُو القَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ حَيْثُ صَدُّوكم فِيهِ عَنْ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ.
ولَمّا أشْعَرَ ما مَضى بِالقِصاصِ أفْصَحَ بِهِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ فَقالَ: ﴿والحُرُماتُ﴾ أيْ كُلُّها وهي جَمْعُ حُرْمَةٍ وهي ما يُحْفَظُ ويُرْعى ولا يُنْتَهَكُ (p-١١٧)﴿قِصاصٌ﴾ أيْ تَتَبُّعٌ لِلْمُساواةِ والمُماثَلَةِ ﴿فَمَنِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنَّهُ مَنِ ﴿اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تَعَمَّدَ أذاكم في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ في أيِّ زَمانٍ أوْ مَكانٍ كانَ ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ فَجاوِزُوهُ، سُمِّيَ اعْتِداءَ مُشاكَلَةٍ تَقْوِيَةً لِعَزائِمِهِمْ وتَوْطِينًا لِهِمَمِهِمْ أيِ افْعَلُوا وإنْ سَمّاهُ المُتَعَنِّتُ بِغَيْرِ ما يَحِقُّ لَهُ ﴿بِمِثْلِ ما اعْتَدى﴾ أيْ عُدْوانِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِمِثْلِ الَّذِي اعْتَدى عَلَيْكم بِهِ، ولَعَلَّهُ أعادَ الظَّرْفَ وإنْ أفْهَمْهُ الأوَّلُ لِدَفْعِ تَعَنُّتِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: الكَلامُ شامِلٌ لِاعْتِدائِهِ عَلَيَّ وعَلى غَيْرِي فَلِي أنْ أُقابِلَهُ بِأعْلى ما وقَعَ لَهُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّ المُرادَ رَدْعُهُ ولَوْ لَمْ يُرَدَّ الحُكْمُ هَذا لِقَيْدٍ بِما يَنْفِيهِ.
ولَمّا جَعَلَ المُماثَلَةَ حَدًّا وكانَ أمْرُها خَفِيًّا والوُقُوفُ عِنْدَهُ بَعْدَ اسْتِرْسالِ النَّفْسِ بِإرْسالِها صَعْبًا حَذَّرَ مِن تَعَدِّيهِ بَعْدَ الإذْنِ في القِصاصِ الَّذِي جَرَّ أغْلَبَهُ (p-١١٨)بِتَسْمِيَتِهِ اعْتِداءً عَلى وجْهٍ نادِبٍ إلى العَفْوِ لِلْمُسْتَبْصِرِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ بِالتَّحَرِّي في القِصاصِ حَتّى لا تَتَجاوَزُوا ﴿واعْلَمُوا﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُقَيِّدَ بِالتَّقْوى في بابِ الِاعْتِداءِ مَثَلًا فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ مَعَكم إنِ اتَّقَيْتُمْ بِالتَّحَرِّي فِيهِ أوْ بِالعَفْوِ فَإنَّ اللَّهَ ﴿مَعَ المُتَّقِينَ﴾ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ أفْلَحَ كُلَّ الفَلاحِ «وما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا» .
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ وتَطْرِيقٌ لِمَقْصِدِ السَّماحِ الَّذِي هو خَيْرُ الفَضائِلِ مِن وصْلِ القاطِعِ والعَفْوِ عَنِ الظّالِمِ، ولَمّا كانَ في هَذِهِ (p-١١٩)التَّقْوى خُرُوجٌ عَنْ حَظِّ النَّفْسِ أعْلَمَهم أنَّهُ تَعالى يَكُونُ عِوَضًا لَهم مِن أنْفُسِهِمْ بِما اتَّقَوْا وداوَمُوا عَلى التَّقْوى حَتّى كانَتْ وصْفًا لَهم فَأعْلَمَهم بِصُحْبَتِهِ لَهُمُ - انْتَهى.
البقرة 2:195
ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ مِن أعْظَمِ دَعائِمِ الجِهادِ وكانَ العَيْشُ في أوَّلِ الإسْلامِ ضِيقًا والمالُ قَلِيلًا فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَمَسَّكَ بِما في يَدِهِ ظَنًّا أنَّ في التَّمَسُّكِ بِهِ النَّجاةَ وفي إنْفاقِهِ الهَلاكَ أخْبَرَهم أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ما يُسَوِّلُ بِهِ الشَّيْطانُ مِن ذَلِكَ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ [البقرة: ٢٦٨] وقالَ الحَرالِيُّ: ولِمَكانِ ما لَزِمَ العَفْوُ مِنَ العِزِّ الَّذِي جاءَ عَلى خِلافِ غَرَضِ النَّفْسِ نَظَمَ بِهِ تَعالى ما يَجِيءُ عَلى خِلافِ مُدْرَكِ الحِسِّ في الإنْفاقِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الزَّكاءُ والنَّماءُ، وأيْضًا لَمّا أسَّسَ تَعالى حُكْمَ الجِهادِ الَّذِي هو أشَقُّ الأعْمالِ عَلى النَّفْسِ نَظَمَ بِهِ أمْرَ الجُودِ والإنْفاقِ الَّذِي هو أشَقُّ مِنهُ عَلى الأنْفُسِ، ومِن حَيْثُ إنَّ القِتالَ مُدافَعَةٌ يَشْتَمِلُ عَلى عُدَّةٍ وزادٍ لَمْ يَكُنْ أمْرُهُ يَتِمُّ إلّا (p-١٢٠)بِأعْمالِ الغَرِيزَتَيْنِ: الشَّجاعَةِ والجُودِ، ولِذَلِكَ كانَ أشَدُّ الآفاتِ في الدِّينِ البُخْلَ والجُبْنَ، انْتَهى - فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ النَّفَقَةِ ولِئَلّا يُقَيَّدَ بِحَيْثِيَّةٍ مِنَ الحَيْثِيّاتِ فَقالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ كَما قالَ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] وهو كُلُّ ما أمَرَ بِهِ اللَّهُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الجِهادِ أكْثَرَ، أيْ ولا تَخافُوا العَيْلَةَ والضَّيْعَةَ فَإنَّ اللَّهَ رَبَّكم هو الَّذِي أمَرَكم بِذَلِكَ ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلا﴾ [البقرة: ٢٦٨]
قالَ الحَرالِيُّ: فالنَّظَرُ لِلْأمْوالِ بِإنْفاقِها لا بِإصْلاحِها وإثْباتِها فانْتَظَمَ الخِطابانِ ما في العَفْوِ مِنَ العِزِّ وما في الإنْفاقِ مِنَ النَّماءِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالإعْلامِ بِما لا تَصِلُ إلَيْهِ مَدارِكُ الأنْفُسِ مِن أنَّ إصْلاحَ الأمْوالِ وإمْساكَها تَهْلُكَةٌ - انْتَهى.
فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ تُسْرِعُوا بِوَضْعِها إسْراعَ مَن (p-١٢١)يُلْقِي الشَّيْءَ بِعَدَمِ الإنْفاقِ ﴿إلى التَّهْلُكَةِ﴾ مِنَ الهَلاكِ وهو تَداعِي الشَّيْءِ إلى أنْ يَبْطُلَ ويَفْنى فَإنَّ في ذَلِكَ الإخْلادَ إلى الدَّعَةِ والتَّواكُلِ فَيَجْتَرِئُ عَلَيْكُمُ العَدُوُّ فَلا يَقُومُ لَكم قائِمَةٌ فَإنَّ البُخْلَ أسْرَعُ شَيْءٍ إلى الهَلاكِ، وهي تَفْعُلَةٌ بِضَمِّ العَيْنِ مَصْدَرُ هَلَكَ، وقِيلَ: إنَّهُ لا ثانِيَ لَهُ في كَلامِهِمْ، وحَقِيقَةً أوْقَعَ الإلْقاءَ لِما يَنْفَعُهُ مِن نَفْسِهِ وغَيْرِها بِيَدِهِ أيْ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَ التَّهْلُكَةَ آخِذَةً بِها مالِكَةً لِصاحِبِها.
وقالَ الحَرالِيُّ: إحاطَةُ الخِطابِ تَقْتَضِي أنَّ التَّهْلُكَةَ تَضْيِيعُ القِتالِ والإنْفاقِ اللَّذَيْنِ بِتَرْكِهِما تَقَعُ الِاسْتِطالَةُ عَلى مَبْنى الإسْلامِ فَيَتَطَرَّقُ إلى هَدْمِهِ، ولَمّا كانَ (p-١٢٢)أمْرُ الإنْفاقِ أخَصَّ بِالأنْصارِ الَّذِينَ كانُوا أهْلَ الأمْوالِ لِتَجَرُّدِ المُهاجِرِينَ عَنْها كانَ في ضِمْنِهِ أنَّ أكْثَرَ فَصْلِ الخِطابِ فِيهِ لِلْأنْصارِ - انْتَهى.
وقَدْ رَوى أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ - وهَذا لَفْظُهُ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ - والنَّسائِيُّ «عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ وكَثُرَ ناصِرُوهُ وقالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ أمْوالَنا قَدْ ضاعَتْ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا! فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ عَلى الأمْوالِ وإصْلاحَها وتَرْكَنا الغَزْوَ» .
ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ» .
ولَمّا كانَتِ التَّوْسِعَةُ في أمْرِ القِتالِ قَدْ تَجُرُّ إلى الِاعْتِداءِ فَخَتَمَهُ بِالنَّهْيِ عَنْهُ وبِأنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ وكانَتِ التَّوْسِعَةُ في الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن أعْلى خِلالِ الإيمانِ قالَ تَعالى: ﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ أوْقِعُوا الإحْسانَ عَلى العُمُومِ بِما أفْهَمَهُ قَصْرُ الفِعْلِ (p-١٢٣)وتَرْكُ المُتَعَلِّقِ بِالإكْثارِ مِنَ الإنْفاقِ وظَنُّوا بِاللَّهِ الحَسَنَ الجَمِيلَ، وأظْهَرَ مِن غَيْرِ إضْمارٍ لِطُولِ الفَصْلِ ولِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ المَلِكَ العَظِيمَ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ يَفْعَلُ مَعَهم كُلَّ ما يَفْعَلُهُ المُحِبُّ مَعَ مَن يُحِبُّهُ مِنَ الإكْرامِ والإعْلاءِ والنَّصْرِ والإغْناءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ ما يَحْتاجُهُ كَما أنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ.
قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَ خَتْمُ الخِطابَيْنِ بِأنْ لا يَقَعَ الِاعْتِداءُ في القَتْلِ وأنْ يَقَعَ الإحْسانُ في المالِ، وفي إشْعارِهِ حَضُّ الأنْصارِ عَلى إنْفاقِ أمْوالِهِمْ يَتْلُونَ بِهِ حالُ المُهاجِرِينَ في التَّجَرُّدِ عَنْها، فَكَما كانَ أمْرُ المُهاجِرِينَ أنْ لا يَنْقُضُوا الهِجْرَةَ كانَ أمْرُ الأنْصارِ أنْ لا يَلْتَفِتُوا إلى الدُّنْيا، فَما خَرَجَ المُهاجِرُونَ عَنْ أصْلِهِ خَرَجَ الأنْصارُ عِنْدَ التَّمَسُّكِ بِهِ عَنْ وصْفِهِ، فَكانَ إعْراضُهم (p-١٢٤)تابِعًا لِتَرْكِ المُهاجِرِينَ أمْوالَهم.
البقرة 2:196
ولَمّا خَتَمَ آياتِ القِتالِ بِالنَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِشِدَّةِ حاجَةِ الجِهادِ إلَيْها وكانَ سَبِيلُ اللَّهِ اسْمًا يَقَعُ عَلى الحَجِّ كَما يَقَعُ عَلى الجِهادِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «الحَجُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ» رَجَعَ إلى الحَجِّ والعُمْرَةِ المُشِيرِ إلَيْهِما ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٢٥] و﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ [البقرة: ١٥٨] الآيَةَ، و﴿مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ولا سِيَّما وآياتُ القِتالِ هَذِهِ إنَّما نُظِمَتْ هَهُنا بِسَبَبِهِما تَوْصِيلًا إلَيْهِما وبَعْضُها سَبَبُهُ عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ المُشْرِكُونَ عَنْها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ فَحُجُّوا واعْتَمِرُوا أيْ تَلَبَسُّوا بِذَلِكَ وإنْ صَدَدْتُمْ عَنْهُ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ مَن قاتَلَكم في وجْهِكم ذَلِكَ لِيَنْفَتِحَ لَكُمُ السَّبِيلُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ بَعْدَ الفَتْحِ مُمْكِنًا لا صادَّ عَنْهُ عَبَّرَ بِالإتْمامِ فَقالَ: ﴿وأتِمُّوا﴾ أيْ بَعْدَ فَتْحِ السَّبِيلِ بِالفَتْحِ (p-١٢٥)﴿الحَجَّ والعُمْرَةَ﴾ بِمَناسِكِهِما وحُدُودِهِما وشَرائِطِهِما وسُنَنِهِما.
ولَمّا تَقَدَّمَ الإنْفاقُ في سَبِيلِ اللَّهِ والقِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ نَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما هو لِتُقامَ العِباداتُ الَّتِي هي مَبْنى الإسْلامِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ أيْ لِذاتِهِ، ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَتَقَيَّدَ بِقَيْدٍ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ أعَزَّ هَذِهِ الأُمَّةَ إكْرامًا لِنَبِيِّها ﷺ فَلا يُهْلِكُها بِعامَّةٍ ولا يُسَلِّطُ عَلَيْها عَدُوًّا مِن غَيْرِها بَلْ جَعَلَ كَفّارَةَ ذُنُوبِها في إلْقاءِ بَأْسِها بَيْنَها أوْمَأ إلى أنَّهُ رُبَّما يَقْطَعُها عَنِ الإتْمامِ قاطِعٌ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الحُكْمَ دائِرٌ مَعَ وُجُودِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ هَذا مِمّا يَقِلُّ وُقُوعُهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ أيْ مُنِعْتُمْ وحُبِسْتُمْ عَنْ إتْمامِها، مِنَ الإحْصارِ وهو مَنعُ العَدُوِّ المُحْصَرِ عَنْ مُتَصَرَّفِهِ (p-١٢٦)كالمَرَضِ يَحْصُرُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ في شَأْنِهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿فَما﴾ أيْ فالواجِبُ عَلى المُحْصَرِ الَّذِي مُنِعَ عَنْ إكْمالِهِ تَلافِيًا لِما وقَعَ لَهُ مِنَ الخَلَلِ في عَمَلِهِما ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ أيْ وجَدَ يُسْرَةً عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ حَتّى كَأنَّهُ طالِبُ يُسْرِ نَفْسِهِ، واليُسْرُ حُصُولُ الشَّيْءِ عَفْوًا بِلا كُلْفَةٍ ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ إذا أرادَ التَّحَلُّلَ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ يَذْبَحُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ ويَتَصَدَّقُ بِهِ وقَدْ رَجَعَ حَلالًا (p-١٢٧)ولَمّا كانَ الحاجُّ هو الشَّعِثَ التَّفِلُ أشارَ إلى حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِشِعْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ أيْ شَعْرَها إذا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، مِنَ الحَلْقِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو إزالَةُ ما يَتَأتّى لِلزَّوالِ بِالقَطْعِ مِنَ الآلَةِ الماضِيَةِ في عَمَلِهِ، والرَّأْسُ مُجْتَمَعُ الخِلْقَةِ ومُجْتَمَعُ كُلِّ شَيْءٍ رَأْسُهُ - انْتَهى.
﴿حَتّى يَبْلُغَ﴾ مِنَ البَلاغِ وهو الِانْتِهاءُ إلى الغايَةِ ﴿الهَدْيِ﴾ أيْ إنْ كانَ مَعَكم هَدْيٌ ﴿مَحِلَّهُ﴾ أيِ المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ، إنْ كُنْتُمْ مُحْصَرِينَ فَحَيْثُ أُحْصِرْتُمْ وإلّا فَعِنْدَ المَرْوَةِ أوْ في مِنًى ونَحْوَهُما.
قالَ الحَرالِيُّ: والهَدْيُ ما تَقَرَّبَ بِهِ الأدْنى لِلْأعْلى وهو اسْمُ ما يُتَّخَذُ فِداءً مِنَ الأنْعامِ بِتَقْدِيمِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَوْجِيهِهِ إلى البَيْتِ العَتِيقِ، وفي تَعْقِيبِ الحَلْقِ بِالهَدْيِ إشْعارٌ بِاشْتِراكِهِما في مَعْنًى واحِدٍ وهو الفِداءُ، والهَدْيُ في الأصْلِ فِداءٌ لِذَبْحِ النّاسِكِ نَفْسَهُ لِلَّهِ سُنَّةَ إبْراهِيمَ في ولَدِهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإزالَةُ الشَّعْرِ فِداءٌ مِن جَزاءٍ لِرَأْسٍ لِلَّهِ، ولِذَلِكَ لَمّا سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٢٨)عَنْ تَقْدِيمِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ قالَ: «افْعَلْ ولا حَرَجَ»، لِأنَّ الجَمِيعَ غايَةٌ بِالمَعْنى الشّامِلِ لِلْفِداءِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلًّا لِعَوارِضِ المَشَقَّةِ وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ وضَعَ عَنّا الآصارَ بِبَرَكَةِ النَّبِيِّ المُخْتارِ ﷺ فَجَعَلَ دِينَهُ يُسْرًا قالَ: ﴿فَمَن كانَ﴾ وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها المُحْرِمُونَ ﴿مَرِيضًا﴾ يُرْجى لَهُ بِالحَلْقِ خَيْرٌ ﴿أوْ بِهِ أذًى﴾ ولَوْ قَلَّ، والأذى ما تَعَلَّقَ النَّفْسَ أثَرُهُ ﴿مِن رَأْسِهِ﴾ بِقُمَّلٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾ أيْ فِعْلِيَّةٌ بِحَلْقِ رَأْسِهِ أوِ المُداواةِ بِما نَهى المُحْرِمَ عَنْهُ فِدْيَةً ﴿مِن صِيامٍ﴾ لِثَلاثَةِ أيّامٍ ﴿أوْ صَدَقَةٍ﴾ لِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن طَعامٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، لِأنَّ الصَّدَقَةَ كَما قالَ الحَرالِيُّ عِدْلُ الصِّيامِ عِنْدَ فَقْدِهِ كَما (p-١٢٩)تَقَدَّمَ. ولِلْيَوْمِ وجْبَتا فِطْرٍ وسُحُورٍ، لِكُلِّ وجْبَةٍ مُدّانِ فَلِكُلِّ يَوْمٍ صاعٌ ﴿أوْ نُسُكٍ﴾ أيْ تَقَرُّبٌ بِذَبْحِ شَيْءٍ مِنَ الأنْعامِ وهَذِهِ فِدْيَةٌ مُخَيَّرَةٌ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِسِعَةِ حَمْلِهِ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ قَدْ أقامَ أسْبابًا تَمْنَعُ المُفْسِدِينَ عَلى كَثْرَتِهِمْ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفَسادِ أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّحْقِيقِ بَعْدَ تَعْبِيرِهِ عَنِ الإحْصارِ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ حَصَلْتُمْ في الأمْنِ فَزالَ الإحْصارُ (p-١٣٠)والمَرَضُ، وبُنِيَ الفِعْلُ هُنا لِلْفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ كَأنَّهُ آتٍ بِنَفْسِهِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأصْلُ بِخِلافِ الإحْصارِ حَثًّا عَلى الشُّكْرِ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ﴾ أيْ تَلَذَّذَ بِاسْتِباحَةِ دُخُولِهِ إلى الحَرَمِ بِإحْرامِهِ في أشْهُرِ الحَجِّ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ مِنَ الحَرَمِ ﴿بِالعُمْرَةِ﴾ لِيَسْتَفِيدَ الحِلَّ حِينَ وُصُولِهِ إلى البَيْتِ ويَسْتَمِرَّ حَلالًا في سَفَرِهِ ذَلِكَ ﴿إلى الحَجِّ﴾ أيْ إحْرامِهِ بِهِ مِن عامَّةِ ذَلِكَ مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِن غَيْرِ رُجُوعٍ إلى المِيقاتِ ﴿فَما﴾ أيْ فَعَلَيْهِ ما ﴿اسْتَيْسَرَ﴾ وجَدَ اليُسْرَ بِهِ ﴿مِنَ الهَدْيِ﴾ مِنَ النِّعَمِ يَكُونُ هَذا الهَدْيُ لِأجْلِ ما تَمَتَّعَ بِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ مِنَ الحِلِّ وهو مُسافِرٌ، هَذا لِلْمُتَمَتِّعِ وأمّا القارِنُ فَلِجَمْعِهِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ في سَفَرٍ واحِدٍ وشَأْنُهُما أنْ يَكُونا في وقْتَيْنِ وقْتِ حَلٍّ ووَقْتِ حُرُمٍ، وفي العِبارَةِ إشْعارٌ بِصِحَّةِ إرْدافِ الحَجِّ عَلى العُمْرَةِ لِأنَّهُ تَرَقٍّ مِن إحْرامٍ أدْنى إلى إحْرامٍ أعْلى.
ولَمّا أفْهَمَ التَّقْيِيدُ بِاليُسْرِ حالَةَ عُسْرٍ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ (p-١٢٩)يَجِدْ﴾ أيْ هَدْيًا، مِنَ الوَجْدِ وهو الطَّوْلُ والقُدْرَةُ ﴿فَصِيامُ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ بَدَلُ الهَدْيِ صِيامُ ﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾ أيْ في أيّامِ تَلَبُّسِهِ بِهِ فَلا يَصِحُّ قَبْلَهُ ويَجِبُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ بِحَيْثُ يَكُونُ فِيهِ مُفْطِرًا، ”و“ صِيامُ ”سَبْعَةٍ“ أيْ مِنَ الأيّامِ ﴿إذا رَجَعْتُمْ﴾ إلى بِلادِكم فَلا تَصِحُّ قَبْلَ الوُصُولِ، ولَمْ يُفْرِدْ لِيُفْهَمَ أنَّ العِبْرَةَ إمْكانُ الرُّجُوعِ لا حَقِيقَةُ رُجُوعِهِ، فَلَوْ أقامَ بِمَكَّةَ مَثَلًا صامَ بِها، ولَوْ فاتَتْهُ الثَّلاثَةُ في الحَجِّ فَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ السَّبْعَةِ في الوَطَنِ بِقَدْرِ مُدَّةِ إمْكانِ العَوْدِ وزِيادَةِ أرْبَعَةِ أيّامِ التَّشْرِيقِ والعِيدِ لِيَحْكِيَ القَضاءُ الأداءَ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَيَكُونُ الصَّوْمُ عِدْلًا لِلْهَدْيِ الَّذِي يُطْعِمُهُ المُهْدِي كَما كانَ الإطْعامُ عِدْلًا لِلصَّوْمِ في آيَةِ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] انْتَهى.
ولَمّا كانَ لِلتَّصْرِيحِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ قالَ: ﴿تِلْكَ﴾ (p-١٣٢)أيِ العُدَّةُ النَّفْسِيَّةُ المَأْمُورُ بِصَوْمِها ﴿عَشَرَةٌ﴾ دَفْعًا لِاحْتِمالِ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى ”أوْ“ أوْ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسَّبْعِ المُبالَغَةَ دُونَ الحَقِيقَةِ ولِيُحْضِرَ العَدَدَ في الذِّهْنِ جُمْلَةً كَما أحْضَرَهُ تَفْصِيلًا؛ والعَشَرَةُ:
قالَ الحَرالِيُّ: مَعادُ عَدِّ الآحادِ إلى أوَّلِهِ.
ولَمّا كانَ زَمَنُ الصَّوْمَيْنِ مُخْتَلِفًا قالَ: ﴿كامِلَةٌ﴾ نَفْيًا لِتَوَهُّمِ أنَّ الصَّوْمَ بَعْدَ الإحْلالِ دُونَ ما في الإحْرامِ، والكَمالِ:
قالَ الحَرالِيُّ: الِانْتِهاءُ إلى الغايَةِ الَّتِي لَيْسَ وراءَها مَزِيدٌ مِن كُلِّ وجْهٍ، وقالَ: فَكَما اسْتَوى حالُ الهَدْيِ في انْتِهائِهِ إلى الحُرُمِ أوِ الحِلِّ كَذَلِكَ اسْتَوى حالُ الصَّوْمِ في البَلَدِ الحَرامِ والبَلَدِ الحَلالِ لِيَكُونَ في إشارَتِهِ إشْعارٌ بِأنَّ الأرْضَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ كَما أنَّ البَيْتَ الحَرامَ لِلَّهِ مَسْجِدٌ فَأظْهَرَ مَعْنى اسْتِوائِهِما في الكَمالِ في حُكْمِ الأجْرِ لِأهْلِ الأُجُورِ والقَبُولِ لِأهْلِ القَبُولِ والرِّضاءِ لِأهْلِ الرِّضاءِ (p-١٣٣)والوُصُولِ لِأهْلِ الوُجْهَةِ كُلٌّ عامِلٌ عَلى رُتْبَةِ عَمَلِهِ - انْتَهى.
ولَوْ قالَ: تامَّةٌ، لَمْ يُفِدْ هَذا لِأنَّ التَّمامَ قَدْ يَكُونُ في العَدَدِ مَعَ خَلَلِ بَعْضِ الأوْصافِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في الفِكْرِ السُّؤالُ عَنْ هَذا الحُكْمِ هَلْ هو خاصٌّ أوْ عامٌّ اسْتَأْنَفَ تَخْصِيصَهُ بِمَن هو غائِبٌ عَنْ حَرَمِ مَكَّةَ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الحُكْمُ المَذْكُورُ العَلِيُّ في نَفْعِهِ الحَكِيمِ في وضْعِهِ ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ﴾ مِن زَوْجَتِهِ أوْ أقارِبِهِ أوْ سُكّانِ وطَنِهِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: والأهْلُ سَكَنُ المَرْءِ مِن زَوْجٍ ومُسْتَوْطِنٍ ﴿حاضِرِي﴾ عَلى مَسافَةِ الحَضَرِ بِأنْ يَكُونَ ساكِنًا (p-١٣٤)فِي الحَرَمِ أوْ مِنَ الحَرَمِ عَلى دُونِ مَسافَةِ القَصْرِ وكُلُّ مَن كانَ هَكَذا فَهو حاضِرٌ مِنَ الحُضُورِ وهو مُلازَمَةُ الوَطَنِ لا عَلى مَسافَةِ السَّفَرِ مِن ﴿المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ بَلْ كانَ أهْلُهُ عَلى مَسافَةِ الغَيْبَةِ مِنهُ وهي مَسافَةُ القَصْرِ.
قالَ الحَرالِيُّ إفْصاحًا بِما أفْهَمَهُ مَعْنى المُتْعَةِ: وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا تَوَلّى إبانَةَ عَمَلٍ أنْهاهُ إلى الغايَةِ في الإفْصاحِ - انْتَهى.
وعَبَّرَ عَنِ الحَرَمِ بِالمَسْجِدِ إجْلالًا وتَعْظِيمًا لِما قَرُبَ مِنَ الحَرَمِ، كَما عَظُمَ الحَرَمُ بِقُرْبِهِ مِنَ المَسْجِدِ، وعَظُمَ المَسْجِدُ بِمُجاوَرَةِ الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ جَرَتْ عادَةُ الأكابِرِ أنْ يَكُونَ لِبُيُوتِهِمْ دُورٌ، ولِدُورِهِمْ أفْنِيَةٌ، وحَوْلَ تِلْكَ الأفْنِيَةِ بُيُوتُ خَواصِّهِمْ؛ وأمّا حاضِرُوهُ فَلا دَمَ عَلَيْهِمْ في تَمَتُّعٍ ولا قِرانٍ فَرْقًا بَيْنَ خاصَّةِ المَلِكَ وغَيْرِهِمْ.
ولَمّا كَثُرَتِ الأوامِرُ في هَذِهِ الآياتِ وكانَ لا يَحْمِلُ عَلى (p-١٣٥)امْتِثالِها إلّا التَّقْوى أكْثَرَ تَعالى فِيها مِنَ الأمْرِ بِها.
قالَ الحَرالِيُّ: لِما تَجُرُّهُ النُّفُوسُ مِن مَداخِلِ نَقْصٍ في النِّيّاتِ والأعْمالِ والتَّنَقُّلاتِ مِنَ الأحْكامِ إلى أبْدالِها فَما انْبَنى عَلى التَّقْوى خَلُصَ ولَوْ قَصُرَ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ مِنَ الأوامِرِ ما هو مَعْقُولُ المَعْنى ومِنها ما هو تَعَبُّدِيٌّ وكانَ عَقْلُ المَعْنى يُساعِدُ عَلى النَّفْسِ في الحَمْلِ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ ناسَبَ اقْتِرانُ الأمْرِ بِهِ بِالتَّرْغِيبِ كَما قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ولَمّا كانَ امْتِثالُ ما لَيْسَ بِمَعْقُولِ المَعْنى مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ مَعَ جِماحِها عَنْ جَمِيعِ الأوامِرِ ناسَبَ اقْتِرانُهُ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ خِتامُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ فافْعَلُوا جَمِيعَ ذَلِكَ واحْمِلُوا أنْفُسَكم عَلى التَّحَرِّي فِيهِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ ظاهِرًا وباطِنًا واتَّقُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ هَذا المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً، وأكَّدَ تَعْظِيمَ المَقامِ بِالأمْرِ (p-١٣٦)بِالعِلْمِ وتَكْرِيرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ ولِئَلّا يُفْهِمَ الإضْمارُ تَقْيِيدَ شَدِيدِ عِقابِهِ بِخَشْيَةٍ مِمّا مَضى فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الباعِثَ عَلى المَخافَةِ إنَّما هو العِلْمُ،
﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا يُدانِي عَظَمَتَهُ شَيْءٌ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو الإيلامُ الَّذِي يَتَعَقَّبُ بِهِ جُرْمٌ سابِقٌ؛ هَذا مَعَ مُناسَبَةِ هَذا الخِتامِ لِما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرَّفَثِ وما في حَيِّزِهِ، ومَن تَدَبَّرَ الِابْتِداءَ عَرَفَ الخَتْمَ ومَن تَأمَّلَ الخَتْمَ لاحَ لَهُ الِابْتِداءُ.
قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ في كِتابِ المِفْتاحِ في البابِ الخامِسِ في تَنَزُّلاتِ القُرْآنِ بِحَسَبِ الأسْماءِ: اعْلَمْ أنَّ خِطابَ اللَّهِ يَرِدُ بَيانُهُ بِحَسَبِ أسْمائِهِ ويَجْمَعُها جَوامِعُ أظْهَرُها ما تَرى آياتِهِ وهو اسْمُهُ المَلِكُ وما يَتَفَصَّلُ إلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ القَيِّمَةِ لِأمْرِ الحُكْمِ والقَضاءِ والجَزاءِ نَحْوَ العَزِيزِ الحَكِيمِ الَّذِي يَخْتِمُ بِهِ آياتِ الأحْكامِ ﴿نَكالا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨] ثُمَّ ما تَسْمَعُ آياتِهِ مِنِ اسْمِهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما يَتَفَصَّلُ مِنَ الأسْماءِ مِن (p-١٣٧)مَعْنى الرَّحْمَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الصَّفْحِ والمَغْفِرَةِ الَّذِي تُخْتَمُ بِهِ آياتُ الرَّحْمَةِ
﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] فَلِكُلِّ تَفْصِيلٍ في مَوْرِدِ وجْهَيِ العَدْلِ والفَضْلِ أسْماءٌ يَخْتَصُّ بِهِ بِناؤُها ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «ما لَمْ يَخْتِمْ آيَةَ رَحْمَةٍ بِعَذابٍ أوْ آيَةَ عَذابٍ بِرَحْمَةٍ»، ثُمَّ ما تُوجِدُ آياتُهُ وِجْدانًا في النَّفْسِ وهي الرُّبُوبِيَّةُ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ مَعْنى سَواءِ أمْرِها مِن ”الحَمْد لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ“ وما يَتَفَصَّلُ إلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ الوارِدَةِ في خَتْمِ الإحاطاتِ نَحْوَ ”الواسِع العَلِيم“، فَمَن تَفَطَّنَ لِذَلِكَ اسْتَوْضَحَ مِنَ التَّفْصِيلِ الخَتْمَ واسْتَشْرَحَ مِنَ الخَتْمِ التَّفْصِيلَ.
وقَدْ كانَ ذَلِكَ واضِحًا عِنْدَ العَرَبِ فاسْتَعْجَمَ عِنْدَ المُتَعَرِّبِينَ إلّا ما كانَ ظاهِرَ الوُضُوحِ مِنهُ ولِتَكْرارِ الأسْماءِ بِالإظْهارِ والإضْمارِ بَيانٌ مَتِينُ الإفْهامِ في القُرْآنِ - انْتَهى.
البقرة 2:197
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الحَجَّ مُوَقَّتٌ بِالأهِلَّةِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ وقْتًا مِن شُهُورِ السَّنَةِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّفْرِقَةِ في بَعْضِ أحْكامِ الحَجِّ بِسَبَبِ الأماكِنِ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى تَعْيِينِ وقْتِهِ وأنَّهُ هَلْ هو كالمَكانِ (p-١٣٨)أوْ عامُّ الحُكْمِ فَقالَ ﴿الحَجُّ﴾ أيْ وقْتُهُ ﴿أشْهُرٌ﴾ فَذَكَرَهُ بِصِيغَةٍ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ الَّذِي أدَنّاهُ ثَلاثٌ وهي ثَلاثٌ بِجَرِّ المُنْكَسِرِ: شَوّالُ وذُو القَعْدَةِ وتِسْعٌ مِن ذِي الحِجَّةِ ولَيْلَةُ العِيدِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَفُوتُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ؛ ولَمّا أُبْهِمَ عَيَّنَ فَقالَ: ﴿مَعْلُوماتٌ﴾ أيْ قَبْلَ نُزُولِ الشَّرْعِ فَأذِنَ هَذا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ الشَّرْعِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ ولا شَكَّ أنَّ في الإبْهامِ ثُمَّ التَّعْيِينِ إجْلالًا وإعْظامًا لِلْمُحَدَّثِ عَنْهُ.
ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ الَّتِي قَبْلَها بِالتَّحْذِيرِ مِن سَطَواتِهِ أمَرَ بِإخْلاصِ الحَجِّ عَنِ الشَّوائِبِ ناهِيًا بِصِيغَةِ النَّفْيِ تَفْخِيمًا لَهُ وتَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ ولَمّا كانَ الحَجُّ لا يَقَعُ إلّا فَرْضًا قالَ: ﴿فَمَن فَرَضَ﴾ أيْ أوْجَبَ بِالإحْرامِ، وهو مِنَ الفَرْضِ وهو الحَزُّ في الشَّيْءِ لِيَنْزِلَ فِيهِ ما يَسُدُّ فَرْضَتَهُ حِسًّا (p-١٣٩)أوْ مَعْنًى فَمِن تَعْظِيمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ أنَّهُ جَعَلَهُ دُونَ سائِرِ العِباداتِ لا نَفْلَ فِيهِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ الفَرائِضَ مَن لَمْ يُقِمْها تَساقَطَ عُضْوًا عُضْوًا قائِمُ دَيْنِهِ كَما أنَّ النَّوافِلَ مَن لَمْ يَأْتِ بِها عَرِيَ مِن زِينَتِها فَكانَتِ الفُرُوضُ صِحَّةً والنَّوافِلُ زِينَةً.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِنَّ﴾ إشْعارٌ بِصِحَّةِ وُقُوعِ الحَجِّ في بَعْضِهِنَّ وأنَّ الحَجَّ لَيْسَ كالصَّوْمِ طِبْقَ زَمانِهِ، فَكانَ مِنَ العِباداتِ ما هو طِبْقَ زَمانِهِ كالصَّوْمِ، وما يَتَّسِعُ فِيهِ كالصَّلاةِ، وما لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إلى خاتِمَتِهِ كالحَجِّ وتَقَعَ التَّوْسِعَةُ في الشُّرُوعِ - انْتَهى ﴿الحَجُّ﴾ أيْ تَلَبَّسَ بِهِ كَيْفَ كانَ.
ولَمّا كانَ في الإنْسانِ قُوًى أرْبَعٌ: شَهْوانِيَّةٌ بَهِيمِيَّةٌ، وغَضَبِيَّةٌ سَبُعِيَّةٌ ووَهْمِيَّةٌ شَيْطانِيَّةٌ تَبْعَثُ مَعَ مُساعَدَةِ القُوَّتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ عَلى المُنازَعَةِ والمُغالَبَةِ في كُلِّ شَيْءٍ، وعَقْلِيَّةٌ مَلَكِيَّةٌ؛ وكانَ المَقْصُودُ مِن جَمِيعِ العِباداتِ قَهْرَ القُوى الثَّلاثِ لِأنَّ مَنشَأ الشُّرُورِ كُلِّها مَحْصُورٌ فِيها بِالعَقْلِيَّةِ قالَ دالًّا عَلَيْها مُحَذِّرًا مِنها مُرَتَّبَةً: ﴿فَلا رَفَثَ﴾ أيْ مُواجَهَةَ لِلنِّساءِ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ النِّكاحِ.
ولَمّا كانَ الرَّفَثُ هو داعِيًا إلى الوِقاعِ (p-١٤٠)الَّذِي هو فِسْقٌ بِالخُرُوجِ عَنِ الإحْرامِ الصَّحِيحِ قالَ ضامًّا إلَيْهِ كُلَّ ما دَخَلَ في هَذا الِاسْمِ: ﴿ولا فُسُوقَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: هو الخُرُوجُ عَنْ إحاطَةِ العِلْمِ والعَقْلِ والطَّبْعِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ المِراءُ قَدْ يَجُرُّ إلى الفِسْقِ بِما يُثِيرُ مِنَ الإحَنِ وتَوْغِيرِ الصُّدُورِ فَكانَ فِسْقًا خاصًّا عَظِيمًا ضَرَرُهُ قالَ: ﴿ولا جِدالَ﴾ أيْ مُدافَعَةَ بِالقَوْلِ بِفَتْلٍ عَنِ القَصْدِ كَمُدافَعَةِ الجَلّادِ بِاليَدِ أوِ السَّيْفِ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَذا المَصْدَرِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَزِيدًا دُونَ الجَدَلِ الَّذِي مَعْناهُ الدَّرْءُ في الخُصُومَةِ لِأنْ (p-١٤١)يَنْصَبَّ النَّفْيُ عَلى المُبالَغَةِ فَيُفْهَمَ العَفْوُ عَنْ أصْلِهِ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ أحَدٌ، وكَذا الحالُ في الفُسُوقِ ﴿فِي الحَجِّ﴾ فَصارَ الفِسْقُ واسِطَةً بَيْنَ أمْرَيْنِ جارَّيْنِ إلَيْهِ والجِدالُ لِكَوْنِهِ قَدْ يُفْسِدُ ذاتَ البَيْنِ أعْظَمُها خَطَرًا ويَجْمَعُ ما في الرَّفَثِ مِنَ الشَّهْوَةِ وقَدْ يَكُونُ فِسْقًا فَقَدِ اشْتَمَلَ عَلى قَبائِحِ الكُلِّ؛ فَلِذَلِكَ أجْمَعَ القُرّاءُ السَّبْعَةُ عَلى بِنائِهِ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ دُونَ ما قَبْلَهُ لِأنَّ البِناءَ دالٌّ عَلى نَفْيِ الماهِيَّةِ ونَفْيَها مُوجِبٌ لِنَفْيِ جَمِيعِ أفْرادِها، وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ فَرْدٍ مُنْكَرٍ مِن تِلْكَ الماهِيَّةِ وهو لا يُوجِبُ نَفْيَ جَمِيعِ الأفْرادِ، ولِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَبْنُونَ الحَجَّ عَلى النَّسِيءِ ويَتَخالَفُونَ فِيهِ في المَوْقِفِ، فَزالَ الجِدالُ فِيهِ بَعْدَ البَيانِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ مِن جِهَةِ الخَدَمِ والعِيالِ وغَيْرِهِمْ والنَّسِيءِ والمَوْقِفِ وغَيْرِهِما مِن حَيْثُ إنَّهُ قَدْ عُلِمَتْ مَشاعِرُهُ (p-١٤٢)وتَقَرَّرَتْ شَرائِعُهُ وأُحْكِمَتْ شَعائِرُهُ وأُوضِحَتْ جَمِيعُ مَعالِمِهِ فارْتَفَعَ النِّزاعُ أصْلًا في أمْرِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَمَنَعَ في الحَجِّ مِنَ الإقْبالِ عَلى الخَلْقِ بِما فِيهِ كُرْهٌ مِن رَفَثٍ ومُسابَّةٍ وجِدالٍ حَتّى لا يُقْبِلَ الخَلْقُ عَلى الخَلْقِ في الحَجِّ إلّا بِما الإقْبالُ فِيهِ إقْبالٌ عَلى الحَقِّ بِالحَقِيقَةِ فَما يُنَزِّهُ الحَقُّ تَعالى عَنْ مُواجَهَتِهِ بِما يَتَحامى مَعَ الخُلُقِ في زَمَنِ الحَجِّ كَما تُحُومِيَ ما يَخْتَصُّ بِالنَّفْسِ مِنَ الأحْداثِ في عَمَلِ الصَّلاةِ؛ وفي وُرُودِهِ نَفْيًا لا نَهْيًا إعْلامٌ بِأنَّهُ مُناقِضٌ لِحالِ الحَجِّ حِينَ نَفى لِأنَّ شَأْنَ ما يُناقِضُ أنْ يُنْفى وشَأْنُ ما لا يُناقَضُ ويُخالَفُ أنْ يُنْهى عَنْهُ، كَما قالَ فِيما هو قابِلٌ لِلْجِدالِ ﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [العنكبوت: ٤٦] (p-١٤٣)وبَيْنَ خِطابِ النَّهْيِ والنَّفْيِ فَوْتٌ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ يَنْبَنِي الفِقْهُ في الأحْكامِ عَلى تَحْقِيقِهِ في تَأْصِيلِها والتَّفْرِيعِ عَلَيْها - انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنفِيّاتُ شَرًّا وكانَ التَّقْدِيرُ: فَما فَعَلْتُمْ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ عَلى هَذا الوَجْهِ الأبْلَغِ عُوقِبْتُمْ عَلَيْهِ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وما﴾ وقالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا حَمِيَ مِن سُوءِ مُعامَلَةِ الخَلْقِ مَعَ الخَلْقِ عَرَضَ بِأنْ يُوضَعَ مَوْضِعَ ذَلِكَ الإحْسانِ فَيَقَعُ في مَحَلِّ إخْراجِ الأنْفُسِ أنْ يَتَوَدَّدَ إلَيْها بِإسْداءِ الخَيْرِ وهو الإحْسانُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا، فَفي إعْلامِهِ تَحْرِيضٌ عَلى إحْسانِ الحَجِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِما يَجْمَعُ وفْدُهُ مِنَ الضَّعِيفِ والمُنْقَطِعِ فَقالَ: وما ﴿تَفْعَلُوا﴾ انْتَهى. أيْ يُوجِدُ لَكم فِعْلُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿مِن خَيْرٍ﴾ في الحَجِّ أوْ غَيْرِهِ بِتَوَكُّلٍ في تَجَرُّدٍ (p-١٤٤)أوْ تَزَوُّدٍ في تَزَهُّدٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ الحَسَنِ عَوَّضَ الرَّفَثَ، والبِرُّ والتَّقْوى مَكانَ الفِسْقِ، والأخْلاقُ الجَمِيلَةُ واليُسْرُ والوِفاقُ مَكانَ الجِدالِ ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ فَهو أشَدُّ تَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ.
ولَمّا عَمَّمَ في الحَثِّ عَلى الخَيْرِ عَلى وجْهٍ شامِلٍ لِلتَّزَوُّدِ وتَرَكَهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أشارَ إلى أنَّ الخَيْرَ هو الزّادُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ الحِسِّيَّ والمَعْنَوِيَّ زِيادَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ إذْ لا أضَرَّ مِن إعْوازِ الزّادِ لِأكْثَرِ - العِبادِ فَقالَ: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ أيِ التَّقْوى لِمَعادِكُمُ الحامِلَةِ عَلى التَّزَوُّدِ الحِسِّيِّ لِمَعاشِكُمُ الحامِلِ عَلى الزُّهْدِ فِيما في أيْدِي النّاسِ، والمُواساةِ لِمُحْتاجِهِمُ الواقِيَةِ لِلْعَبْدِ مِن عَذابِ اللَّهِ
«اتَّقُوا النّارَ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ» وذَلِكَ هو ثَمَرَةُ التَّقْوى؛ والزّادُ هو مُتْعَةُ المُسافِرِ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما أنْتَجَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنَّ خَيْرَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وتَزَوَّدُوا واتَّقُوا اللَّهَ في (p-١٤٥)تَزَوُّدِكم ﴿فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وفي التَّجَرُّدِ مَداخِلُ خَلَلٍ في بَعْضِ نِيّاتِ المُلْتَبِسِينَ بِالمُتَوَكِّلِينَ مِنَ الِاتِّكالِ عَلى الخَلْقِ، فَأمَرَ الكُلَّ بِالتَّزَوُّدِ سَتْرًا لِلصِّنْفَيْنِ، إذْ كُلُّ جَمْعٍ لا بُدَّ فِيهِ مِن كِلا الطَّرَفَيْنِ - قالَهُ الحَرالِيُّ وقالَ: وفي ضِمْنِهِ تَصْنِيفُهم ثَلاثَةَ أصْنافٍ: مُتَّكِلٌ لا زادَ مَعَهُ فَمَعَهُ خَيْرُ الزّادَيْنِ، ومُتَمَتِّعٌ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَقْواهُ فَلا زادَ لَهُ في الحَقِيقَةِ، وجامِعٌ بَيْنَ التَّقْوى والمُتْعَةِ فَذَلِكَ عَلى كَمالِ السُّنَّةِ؛ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «قَيِّدْها وتَوَكَّلْ» لِأنَّ ذَلِكَ أسْتَرُ لِلطَّرَفَيْنِ؛ وحَقِيقَةُ التَّقْوى في أمْرِ التَّزَوُّدِ النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى في إقامَةِ خَلْقِهِ وأمْرِهِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعْرِفَةِ: مَن عَوَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دَوامَ النَّظَرِ إلَيْهِ بِالغَيْبَةِ عَمّا سِواهُ فَقَدْ مَلَكَ الزّادَ فَلْيَذْهَبْ حَيْثُ شاءَ فَقَدِ اسْتَطاعَ سَبِيلًا - انْتَهى.
(p-١٤٦)ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأكْثِرُوا مِنَ الزّادِ مَصْحُوبًا بِالتَّقْوى وكانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَكانَ الإكْثارُ حامِلًا لَهُ في العادَةِ عَلى الطُّغْيانِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ وقَلِيلٌ ما هم قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُؤَكِّدًا لِأمْرِ التَّقْوى مُشَرِّفًا لَها بِالإضافَةِ إلى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ تَنْبِيهًا عَلى الإخْلاصِ لِأجْلِ ذاتِهِ السَّنِيَّةِ لا بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ مِن رَجاءٍ أوْ خَوْفٍ أوِ اتِّصافٍ بِحَجٍّ (p-١٤٧)أوْ غَيْرِهِ عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقَ: ﴿واتَّقُونِ﴾ أيْ في تَقْواكم بِالتَّزَوُّدِ، وزادَ التَّرْغِيبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ والأفْهامِ النَّيِّرَةِ الخالِصَةِ الَّتِي تَجَرَّدَتْ عَنْ جَمِيعِ العَلائِقِ الجُسْمانِيَّةِ فَأبْصَرَتْ جَلالَةَ التَّقْوى فَلَزِمَتْها.
البقرة 2:198
ولَمّا فُهِمَ مِن هَذا الحَثِّ عَلى الإكْثارِ مِنَ الزّادِ تَحَرَّكَتْ نُفُوسُ أُولِي الهِمَمِ الزّاكِيَةِ القابِلَةِ لِلتَّجَرُّدِ عَنِ الأعْراضِ الفانِيَةِ إلى السُّؤالِ عَنِ المَتْجَرِ لِإنْفاقِهِ في وُجُوهِ الخَيْرِ هَلْ يُكْرَهُ في زَمانٍ أوْ مَكانٍ لا سِيَّما عِنْدَ تَذَكُّرِ أنَّ أُناسًا كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَكْرَهُونَ التِّجارَةَ لِلْحاجِّ فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا أنَّ قَطْعَ العَلائِقِ لِمَن صَدَقَ عَزْمُهُ وشَرُفَتْ هِمَّتُهُ أوْلى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ إثْمٌ في ﴿أنْ تَبْتَغُوا﴾ أيْ تَطْلُبُوا بِجِدٍّ واجْتِهادٍ ﴿فَضْلا﴾ أيْ إفادَةً بِالمَتْجَرِ في مَواسِمِ الحَجِّ وغَيْرِها ﴿مِن (p-١٤٨)رَبِّكُمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكم في كُلِّ حالٍ فَلا تَعْتَمِدُوا في الفَضْلِ إلّا عَلَيْهِ، ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: كانَتْ عُكاظُ ومَجِنَّةُ وذُو المَجازِ أسْواقًا في الجاهِلِيَّةِ فَتَأثَّمُوا أنْ يَتَّجِرُوا في المَواسِمِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ المالِ إنَّما يُكْرَهُ لِلشُّغْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ سَبَّبَ عَنْهُ الآمِرَ بِالذِّكْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا﴾ أيْ فاطْلُبُوا الفَضْلَ مِن رَبِّكم بِالمَتْجَرِ ﴿أفَضْتُمْ﴾ أيْ أوْقَعْتُمُ الإفاضَةَ، تَرَكَ مَفْعُولَهُ لِلْعِلْمِ بِهِ أيْ دَفَعْتُمْ رِكابَكم عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَفاضَتْ في تِلْكَ الوِهادَ كَما يَفِيضُ الماءُ المُنْسابُ في مُنْحَدَرِ الشِّعابِ، وأصْلُ الإفاضَةِ الدَّفْعُ بِكَثْرَةٍ (p-١٤٩)﴿مِن عَرَفاتٍ﴾ الجَبَلِ الَّذِي وقَفْتُمْ فِيهِ بِبابِ رَبِّكُمُ المَوْقِفَ الأعْظَمَ الَّذِي لا يُدْرَكُ الحَجُّ إلّا بِهِ مِن مَعْنى التَّعَرُّفِ لَمّا تَقَدَّمَتْهُ نَكِرَةٌ، ولَيْسَتْ تاؤُهُ لِلتَّأْنِيثِ فَتَمْنَعَهُ الصَّرْفَ بَلْ هي عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ، قاصِدِي المَبِيتِ بِالمُزْدَلِفَةِ، وهو عَلَمٌ عَلى المَوْقِفِ سُمِّيَ بِجَمْعٍ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ ذا الجَلالِ لِذاتِهِ بِأنْواعِ الذِّكْرِ ﴿عِنْدَ﴾ أيْ قَرِيبًا مِنَ ﴿المَشْعَرِ﴾ أيِ المَعْلَمِ ولَمّا كانَ بِالحَرَمِ، قالَ: ﴿الحَرامِ﴾ وهو الجَبَلُ المُسَمّى قُزَحُ، وهو مِنَ الشُّعُورِ وهو خَفِيُّ الإدْراكِ الباطِنِ فالمَوْقِفُ الأوَّلُ آيَةٌ عَلى نُغُوضِ الدُّنْيا ومَحْوِها وزَوالِها، والثّانِي دالٌّ بِفَجْرِهِ وشَمْسِهِ (p-١٥٠)عَلى البَعْثِ لِمُجازاةِ الخَلائِقِ بِأعْمالِها؛ والتَّعْبِيرُ بِـ عِنْدَ لِلْإعْلامِ بِأنَّ مُزْدَلِفَةَ كُلَّها مَوْقِفٌ غَيْرَ مُحَسَّرٍ فَإنَّها كُلَّها تُقارِبُهُ، ويُفْهِمُ ذَلِكَ صِحَّةَ الوُقُوفِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأُولى.
قالَ الحَرالِيُّ: وذَلِكَ حَظٌّ مِنَ الوُقُوفِ هُنَيْهَةً وُقِّتَ في البَلَدِ الحَرامِ عِنْدَ إقْبالِ النَّهارِ مُعادَلَةً لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مِنَ الحِلِّ إلى إقْبالِ اللَّيْلِ لِيَتَسَنّى الوُقُوفُ في الحِلِّ والحَرَمِ.
فَكانَ فِيهِ مَوْقِفُ نَهارٍ يَنْتَهِي إلى اللَّيْلِ في عَرَفَةَ ومَوْقِفُ لَيْلٍ يَنْتَهِي إلى النَّهارِ في المَشْعَرِ؛ فَوَقَفَ فِيهِ ﷺ بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ وقَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وهو ذِكْرُهُ عِنْدَهُ، لِأنَّ الذِّكْرَ بِحَسَبِ الذّاكِرِ، فَذِكْرُ اللِّسانِ القَوْلُ، وذِكْرُ البَدَنِ العَمَلُ، وذِكْرُ النَّفْسِ الحالُ والِانْفِعالُ، وذِكْرُ القَلْبِ المَعْرِفَةُ والعِلْمُ واليَقِينُ ونَحْوُ ذَلِكَ، ولِكُلِّ شَيْءٍ ذِكْرٌ بِحَسَبِهِ؛ وفي جَمْعِ المَوْقِفَيْنِ في الحِلِّ والحَرَمِ في مَعْلَمِ الحَجِّ الَّذِي هو آيَةُ الحَشْرِ إيذانٌ وبُشْرى بِأنَّ أهْلَ المَوْقِفِ صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقِفُونَ في مَوْطِنِ (p-١٥١)رَوْعٍ ومَخافَةٍ وُقُوفًا طَوِيلًا اعْتِبارًا بِوُقُوفِ الواقِفِينَ بِعَرَفَةَ مِن حِينِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها سِتَّ ساعاتٍ، وصِنْفٌ حَظُّهم مِنَ الوُقُوفِ قَرارٌ في أمَنَةِ ظِلِّ العَرْشِ الَّذِي هو حَرَمُ يَوْمَ القِيامَةِ وكَعْبَتُهُ فَتُشْعِرُ خِفَّةُ الوُقُوفِ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ أنَّ أمَدَ طُولِ ذَلِكَ اليَوْمِ يَمُرُّ عَلى المُسْتَظِلِّينَ بِظِلِّ العَرْشِ فِيهِ كَأيْسَرِ مُدَّةٍ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمِقْدارِ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَكانَ في ذَلِكَ فَضْلُ ما بَيْنَ مَوْقِفِ الحَرَمِ عَلى مَوْقِفِ الحِلِّ - انْتَهى.
ولَمّا - عُلِمَ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ التَّقْدِيرَ: كَما هو مُسْتَحِقٌّ لِلذِّكْرِ لِذاتِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿واذْكُرُوهُ﴾ أيْ عِنْدَ المَشْعَرِ وغَيْرِهِ ﴿كَما﴾ أيْ عَلى ما ولِأجْلِ ما ﴿هَداكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً لِلْإسْلامِ وأيُّها الخَمْسُ خاصَّةً لِتَرْكِ الوُقُوفِ بِهِ والوُقُوفِ مَعَ النّاسِ في مَوْقِفِ (p-١٥٢)أبِيكم إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ بَيَّنَ لَكم بَيانًا لَمْ يُبَيِّنْهُ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَكم ووَفَّقَكم لِلْعَمَلِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ﴾ أيْ فَإنَّكم ﴿كُنْتُمْ﴾ ولَمّا كانُوا قَبْلَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ عَلى هُدًى فَكانَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ المُهْتَدِي كَزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَلَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَهم بِالضَّلالِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيِ الهُدى الَّذِي جاءَكم بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾ عَنْ سُنَنِ الهُدى ومَواقِفِ الأنْبِياءِ عِلْمًا وعَمَلًا حَيْثُ كُنْتُمْ تُفِيضُونَ مِنَ المَشْعَرِ الحَرامِ.
البقرة 2:199
ولَمّا قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ في الوُقُوفِ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مُؤَكَّدَةً بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ وكانَ ما مَضى مِن ذِكْرِ الإفاضَةِ لَيْسَ بِقاطِعٍ في الوُجُوبِ أشارَ لَهم إلى تَعْظِيمِ ما هَداهم لَهُ مِنَ المُوافَقَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلا تُفِيضُوا مِنَ المَشْعَرِ الحَرامِ الإفاضَةَ الَّتِي كُنْتُمْ تُخالِفُونَ فِيها النّاسَ دالًّا عَلى تَفاوُتِ الإفاضَتَيْنِ وبُعْدِ ما بَيْنَهُما عَلى وجْهٍ مُعْلَمٍ بِالوُجُوبِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ طُولِ تَلَبُّسِكم بِالضَّلالِ أنْزَلْتُ عَلَيْكم في هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ (p-١٥٣)الَّذِي أبَيْتُمُوهُ وهو عِزُّكم وشَرَفُكم لا ما ظَنَنْتُمْ أنَّهُ شَرَفٌ لَكم بِالتَّعَظُّمِ عَلى النّاسِ بِمُخالَفَةِ الهُدى في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ والإفاضَةِ مِنها ﴿أفِيضُوا﴾ أيْ إذا قَضَيْتُمُ الوُقُوفَ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ لِلْخِطابِ تَرْتِيبٌ لِلْأهَمِّ فالأهَمِّ كَما كانَ لِلْكِيانِ تَرْتِيبٌ لِلْأسْبَقِ فالأسْبَقِ كانَ حَرْفُ المُهْلَةِ الَّذِي هو ثُمَّ، يَقَعُ تارَةً لِتَرْتِيبِ الكِيانِ وتارَةً لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ فَيَقُولُ القائِلُ مَثَلًا: امْشِ إلى حاجَةِ كَذا - تَقْدِيمًا في الخَبَرِ الأهَمِّ - ثُمَّ لِيَكُنْ خُرُوجُكَ مِن مَوْضِعِ كَذا، فَيَكُونُ السّابِقُ في الكِيانِ مُتَأخِّرًا بِالمُهْلَةِ في الإخْبارِ، فَمِن مَعْنى ذَلِكَ قَوْلُهُ - انْتَهى.
ثُمَّ أفِيضُوا أيُّها الحَمْسُ ! ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أيْ مُعْظَمُهم وهو عَرَفاتٌ، إلى المَشْعَرِ الحَرامِ لِتَبِيتُوا بِهِ، ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: «كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وكانُوا يَسْمَعُونَ الحَمْسَ وكانَ سائِرُ العَرَبِ (p-١٥٤)يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفَ بِها ثُمَّ يُفِيضَ مِنها فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾» الآيَةَ،
﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِن ذِي الجَلالِ والإكْرامِ أنْ يَغْفِرَ لَكم ما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَهُ أيّامَ جاهِلِيَّتِكم مِن مُخالَفَةِ الهُدى في الوُقُوفِ وما يَبْقى في الأنْفُسِ مِن آثارِ تِلْكَ العادَةِ ومِن غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّقائِصِ الَّتِي يَعْلَمُها اللَّهُ مِنكم.
قالَ الحَرالِيُّ: والعاداتُ أشَدُّ ما عَلى المُتَعَبِّدِينَ والطَّرِيقُ إلى اللَّهِ تَعالى بِخَلْعِها، وقَدْ كانَ جِدالُهم أيْ في وُقُوفِهِمْ في الحَرَمِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِأنَّ العِلْمَ يَقْتَضِي أنَّ الواقِفَ خائِفٌ والخائِفَ لا يَخافُ في الحَرَمِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الحَرَمَ آمِنًا، فَمِن حَقِّ الوُقُوفِ أنْ يَكُونَ في الحِلِّ فَإذا أمِنَ دَخَلَ الحَرَمَ وإذا دَخَلَ الحَرَمَ أمِنَ - انْتَهى.
وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ تَعْرِيفًا لِلْمَقامِ وإعْلامًا بِأنَّهُ (p-١٥٥)مَوْصُوفٌ بِما يَصِفُهُ بِهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى قَيْدٍ ولا حَيْثِيَّةٍ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ ذا الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سُتُورُ ذَنْبِ مَنِ اسْتَغْفَرَهُ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الرَّحْمَةِ يُدْخِلُ المُسْتَغْفِرَ في جُمْلَةِ المَرْحُومِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْدُ مِنهم ذَنْبٌ فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ الرّاحِمِ بِالمَرْحُومِ لِيَكُونَ التّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ.
البقرة 2:200
ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ في المَناسِكِ وكانَ الإنْسانُ فِيها بِصَدَدِ الذِّكْرِ أمَرَهم بِالذِّكْرِ بَعْدَ قَضائِها لِأنَّ مَن فَرَغَ مِنَ العِبادَةِ كانَ بِصَدَدِ أنْ يَسْتَرِيحَ فَيَفْتُرَ عَنِ الذِّكْرِ إلى غَيْرِهِ وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَذْكُرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مَفاخِرَ آبائِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ﴾ أيْ أنْهَيْتُمْ إنْهاءً بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ أرْكانَ الحَجِّ، وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ بِمِثْلِ ما مَضى مِنَ التَّعْظِيمِ وتَعْمِيمِ الذِّكْرِ في جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ عَلَيْكم إلّا مِنهُ وهو الَّذِي هَداكُمْ، (p-١٥٦)ذِكْرًا ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِكَوْنِهِمْ أحْسَنُوا إلَيْكم بِالتَّرْبِيَةِ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنَّهم فَعَلُوا بِكم كُلَّ مِحْنَةٍ لا تُوازِيها نِعْمَةٌ فَإنَّهم أضَلُّوكُمْ، فَسُبْحانَ مَن رَضِيَ وهو المُنْعِمُ المُطْلِقُ الهادِي بِأنْ يُذْكَرَ مِثْلَ ذِكْرِ مَن كانَ سَبَبًا لِنِعْمَةٍ خاصَّةٍ هو سُبْحانَ الَّذِي أفاضَها عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في الضَّلالِ!
قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَ ذِكْرُ إخْراجِهِمْ عَنْ قَوْلِهِمُ المَعْهُودِ بِإخْراجِهِمْ عَنْ مَوْقِفِهِمُ المَعْهُودِ إخْراجًا لَهم عَنْ مُعْتادِهِمْ في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وفي إعْلامِهِ أخْذٌ لِلْخَلْقِ بِأنْ يُعامِلُوا الحَقَّ مُعامَلَةَ مَن يُجِلُّونَهُ مِنَ الخَلْقِ وذَلِكَ عَنْ بَلِيَّةِ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّقَيُّدِ بِما يَرَوْنَ وضَعْفِ الإيمانِ بِما سَمِعُوا أوْ عَلِمُوا.
ولَمّا كانَ في هَذِهِ التَّرْبِيَةِ بَخْسٌ جَرى عَلَيْهِ هَذا الخِطابُ كَما ورَدَ «اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَما تَسْتَحْيِي رَجُلًا جَلِيلًا مِن قَوْمِكَ» قالَ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ انْتَهى.
أيِ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا أعْلى مِن ذَلِكَ (p-١٥٧)بِأنْ تَذْكُرُوهُ ذِكْرًا أشَدَّ مِن ذِكْرِكم لِآبائِكم لِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ العامِّ، ومِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الذِّكْرِ أنْ يَأْنَفَ مِن أنْ يَكُونَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ أوْ شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ شَرِيكٌ كَما يَسْتَنْكِفُ ابْنٌ أنْ يَكُونَ لِأبِيهِ فِيهِ شَرِيكٌ بَلْ يَكُونُ في أمْرِ الشِّرْكِ أشَدَّ أنَفَةً.
قالَ الحَرالِيُّ: فَرَفْعُ الخِطابِ إلى ما هو ألْيَقُ بِالحَقِّ مِن إيثارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ عَلى ما يَرْجِعُ إلى الخَلْقِ انْتَهى.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِما أمَرَ مِن ذِكْرِهِ لِذاتِهِ ثُمَّ لِإحْسانِهِ عَلى الإطْلاقِ ثُمَّ قَيَّدَ بِإفْرادِهِ بِذَلِكَ وتَرَكَ ذِكْرَ الغَيْرِ سَبَّبَ عَنْهُ تَقْسِيمَ النّاسِ في قَبُولِ الأمْرِ فَقالَ صارِفًا مِنَ القَوْلِ عَنِ الخِطابِ دَلالَةً عَلى العُمُومِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن﴾ تَكُونُ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ فَلا التِفاتَ (p-١٥٨)لَهُ إلى غَيْرِها فَهو ﴿يَقُولُ﴾ أفْرَدَ الضَّمِيرَ رِعايَةً لِلَّفْظِ مِن بِشارَةٍ بِأنَّ الهالِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ قَلِيلٌ ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ - والحالُ أنَّهُ ”ما لَهُ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيُعْطِيهِ ما شاءَ سُبْحانَهُ مِنها لا ما طَلَبَ هُوَ، ولَيْسَ لَهُ ﴿فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ نَصِيبٍ لِأنَّهُ لا رَغْبَةَ لَهُ فِيها فَهو لا يَطْلُبُها ولا يَسْعى لَها سَعْيَها.
قالَ الحَرالِيُّ: والخَلاقُ الحَظُّ اللّائِقُ بِالخَلْقِ والخُلُقِ.
﴿ومِنهم مَن﴾ يَجْعَلُ عِبادَتَهُ وحَجَّهُ وسِيلَةً إلى الرَّغْبَةِ إلى رَبِّهِ ويَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى كَما أمَرَ فَهو ﴿يَقُولُ رَبَّنا﴾ بِإحْسانِكَ ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ حالَةً وعِيشَةً ﴿حَسَنَةً﴾ لا تُوصَلُ بِها إلى الآخِرَةِ عَلى ما يُرْضِيكَ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهي الكَفافُ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ (p-١٥٩)والمَأْوى والزَّوْجَةِ عَلى ما كانَتْ لا شَرَفَ فِيها - انْتَهى.
﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أيْ مِن رَحْمَتِكَ الَّتِي تُدْخِلُنا بِها الجَنَّةَ. ولَمّا كانَ الرَّجاءُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالخَوْفِ وإعْطاءُ الحَسَنَةِ لا يَنْفِي المَسَّ بِالسَّيِّئَةِ قالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيْ بِعَفْوِكَ ومَغْفِرَتِكَ.
البقرة 2:201
ولَمّا أمَرَهم بِالذِّكْرِ في المَناسِكِ وكانَ الإنْسانُ فِيها بِصَدَدِ الذِّكْرِ أمَرَهم بِالذِّكْرِ بَعْدَ قَضائِها لِأنَّ مَن فَرَغَ مِنَ العِبادَةِ كانَ بِصَدَدِ أنْ يَسْتَرِيحَ فَيَفْتُرَ عَنِ الذِّكْرِ إلى غَيْرِهِ وكانَتْ عادَتُهم أنْ يَذْكُرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مَفاخِرَ آبائِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ﴾ أيْ أنْهَيْتُمْ إنْهاءً بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ ﴿مَناسِكَكُمْ﴾ أيْ أرْكانَ الحَجِّ، وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ بِمِثْلِ ما مَضى مِنَ التَّعْظِيمِ وتَعْمِيمِ الذِّكْرِ في جَمِيعِ الوُجُوهِ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ عَلَيْكم إلّا مِنهُ وهو الَّذِي هَداكُمْ، (p-١٥٦)ذِكْرًا ﴿كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ لِكَوْنِهِمْ أحْسَنُوا إلَيْكم بِالتَّرْبِيَةِ الَّتِي هي في الحَقِيقَةِ مِن فَضْلِ اللَّهِ تَعالى، عَلى أنَّهم فَعَلُوا بِكم كُلَّ مِحْنَةٍ لا تُوازِيها نِعْمَةٌ فَإنَّهم أضَلُّوكُمْ، فَسُبْحانَ مَن رَضِيَ وهو المُنْعِمُ المُطْلِقُ الهادِي بِأنْ يُذْكَرَ مِثْلَ ذِكْرِ مَن كانَ سَبَبًا لِنِعْمَةٍ خاصَّةٍ هو سُبْحانَ الَّذِي أفاضَها عَلَيْهِ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في الضَّلالِ!
قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَ ذِكْرُ إخْراجِهِمْ عَنْ قَوْلِهِمُ المَعْهُودِ بِإخْراجِهِمْ عَنْ مَوْقِفِهِمُ المَعْهُودِ إخْراجًا لَهم عَنْ مُعْتادِهِمْ في أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، وفي إعْلامِهِ أخْذٌ لِلْخَلْقِ بِأنْ يُعامِلُوا الحَقَّ مُعامَلَةَ مَن يُجِلُّونَهُ مِنَ الخَلْقِ وذَلِكَ عَنْ بَلِيَّةِ ما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّقَيُّدِ بِما يَرَوْنَ وضَعْفِ الإيمانِ بِما سَمِعُوا أوْ عَلِمُوا.
ولَمّا كانَ في هَذِهِ التَّرْبِيَةِ بَخْسٌ جَرى عَلَيْهِ هَذا الخِطابُ كَما ورَدَ «اسْتَحْيِ مِنَ اللَّهِ كَما تَسْتَحْيِي رَجُلًا جَلِيلًا مِن قَوْمِكَ» قالَ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾ انْتَهى.
أيِ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا أعْلى مِن ذَلِكَ (p-١٥٧)بِأنْ تَذْكُرُوهُ ذِكْرًا أشَدَّ مِن ذِكْرِكم لِآبائِكم لِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ العامِّ، ومِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذا الذِّكْرِ أنْ يَأْنَفَ مِن أنْ يَكُونَ لِلَّهِ في عِبادَتِهِ أوْ شَيْءٍ مِن أُمُورِهِ شَرِيكٌ كَما يَسْتَنْكِفُ ابْنٌ أنْ يَكُونَ لِأبِيهِ فِيهِ شَرِيكٌ بَلْ يَكُونُ في أمْرِ الشِّرْكِ أشَدَّ أنَفَةً.
قالَ الحَرالِيُّ: فَرَفْعُ الخِطابِ إلى ما هو ألْيَقُ بِالحَقِّ مِن إيثارِ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ عَلى ما يَرْجِعُ إلى الخَلْقِ انْتَهى.
ولَمّا أمَرَ تَعالى بِما أمَرَ مِن ذِكْرِهِ لِذاتِهِ ثُمَّ لِإحْسانِهِ عَلى الإطْلاقِ ثُمَّ قَيَّدَ بِإفْرادِهِ بِذَلِكَ وتَرَكَ ذِكْرَ الغَيْرِ سَبَّبَ عَنْهُ تَقْسِيمَ النّاسِ في قَبُولِ الأمْرِ فَقالَ صارِفًا مِنَ القَوْلِ عَنِ الخِطابِ دَلالَةً عَلى العُمُومِ: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن﴾ تَكُونُ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ فَلا التِفاتَ (p-١٥٨)لَهُ إلى غَيْرِها فَهو ﴿يَقُولُ﴾ أفْرَدَ الضَّمِيرَ رِعايَةً لِلَّفْظِ مِن بِشارَةٍ بِأنَّ الهالِكَ في هَذِهِ الأُمَّةِ إنْ شاءَ اللَّهُ قَلِيلٌ ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما نُرِيدُ - والحالُ أنَّهُ ”ما لَهُ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَيُعْطِيهِ ما شاءَ سُبْحانَهُ مِنها لا ما طَلَبَ هُوَ، ولَيْسَ لَهُ ﴿فِي الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ أيْ نَصِيبٍ لِأنَّهُ لا رَغْبَةَ لَهُ فِيها فَهو لا يَطْلُبُها ولا يَسْعى لَها سَعْيَها.
قالَ الحَرالِيُّ: والخَلاقُ الحَظُّ اللّائِقُ بِالخَلْقِ والخُلُقِ.
﴿ومِنهم مَن﴾ يَجْعَلُ عِبادَتَهُ وحَجَّهُ وسِيلَةً إلى الرَّغْبَةِ إلى رَبِّهِ ويَذْكُرُ اللَّهَ تَعالى كَما أمَرَ فَهو ﴿يَقُولُ رَبَّنا﴾ بِإحْسانِكَ ﴿آتِنا في الدُّنْيا﴾ حالَةً وعِيشَةً ﴿حَسَنَةً﴾ لا تُوصَلُ بِها إلى الآخِرَةِ عَلى ما يُرْضِيكَ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهي الكَفافُ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَلْبَسِ (p-١٥٩)والمَأْوى والزَّوْجَةِ عَلى ما كانَتْ لا شَرَفَ فِيها - انْتَهى.
﴿وفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ أيْ مِن رَحْمَتِكَ الَّتِي تُدْخِلُنا بِها الجَنَّةَ. ولَمّا كانَ الرَّجاءُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالخَوْفِ وإعْطاءُ الحَسَنَةِ لا يَنْفِي المَسَّ بِالسَّيِّئَةِ قالَ: ﴿وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أيْ بِعَفْوِكَ ومَغْفِرَتِكَ.
البقرة 2:202
ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ عَلى مِنهاجِ الرُّسُلِ لِأنَّهم عَبَدُوا اللَّهَ أوَّلًا كَما أشارَ إلَيْهِ السِّياقُ فانْكَسَرَتْ نُفُوسُهم ثُمَّ ذَكَرُوهُ عَلى تِلْكَ المَراتِبِ الثَّلاثِ فَنارَتْ قُلُوبُهم بِتَجَلِّي نُورِ جَلالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَتَأهَّلُوا بِذَلِكَ لِلدُّعاءِ فَكانَ دُعاؤُهم كامِلًا، كَما فَعَلَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] الآياتِ حَتّى قالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي (p-١٦٠)بِالصّالِحِينَ﴾ [الشعراء: ٨٣] فَقَدَّمَ الذِّكْرَ عَلى الدُّعاءِ وكَما هَدى إلَيْهِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا﴾ [آل عمران: ١٩٣] الآياتِ، فَقَدَّمُوا الطّاعَةَ عَظَّمَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ جامِعًا عَلى مَعْنًى مِن بِشارَةٍ بِكَثْرَةِ النّاجِي في هَذِهِ الأُمَّةِ أوْ يَكُونُ الجَمْعُ لِعِظَمِ صِفاتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ العَظِيمُو المَطالِبِ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ هَذا القِسْمِ فَقَطْ لِأنَّ الأوَّلَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ الأمْرَ عَلَيْهِ لا لَهُ.
ولَمّا كانَ غالِبُ أفْعالِ العِبادِ عَلى غَيْرِ السَّدادِ وأقَلُّ ما فِيها أنْ تَكُونَ خالِيَةً عَنْ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿نَصِيبٌ﴾ وهو اسْمٌ لِلْحَظِّ الَّذِي أتَتْ عَلَيْهِ القِسْمَةُ بَيْنَ جَماعَةٍ، كائِنٌ ﴿مِمّا﴾ لَوْ (p-١٦١)قالَ: طَلَبُوا - مَثَلًا، لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ أفْعالِهِمْ؛ ولَوْ قالَ: فَعَلُوا، لَظُنَّ خُرُوجُ القَوْلِ فَعَدَلَ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَسَبُوا﴾ أيْ طَلَبُوا وأصابُوا وتَصَرَّفُوا واجْتَهَدُوا فِيهِ وجَمَعُوا مِن خُلاصَةِ أعْمالِهِمُ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ ومِنها الِاعْتِقادِيَّةُ وهو ما أخْلَصُوا فِيهِ فَهو الَّذِي يُثابُونَ عَلَيْهِ وهو قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى باقِي أعْمالِهِمْ.
ولَمّا كانَ أسْرَعُ النّاسِ حِسابًا أعْلَمَهم بِفُنُونِهِ خَطَأً وصَوابًا وكانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ عالِمٌ بِخَفِيِّ أعْمالِهِمْ وجَلِيِّها وتَمْيِيزِ جَيِّدِها مِن رَدِيئِها فَهو يُجازِيهِمْ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ وهو أحْصى الأعْمالَ وبَيانُ ما يَجِبُ لِكُلٍّ مِنها الجَزاءُ واتِّصالُهُ إلى العامِلِ لِما لَهُ مِن سِعَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللَّهُ الخَلْقَ في وقْتٍ واحِدٍ؟ قالَ: كَما يَرْزُقُهم في وقْتٍ واحِدٍ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ بِأنَّهُ لا يَنْسى عَمَلًا، وتَرْهِيبٌ بِأنَّهُ لا يَمْشِي عَلَيْهِ باطِلٌ ولا يَقْدِرُ عَلى مُدافَعَتِهِ مُطاوِلٌ.
البقرة 2:203
(p-١٦٢)ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَهم بِذِكْرِهِ عِنْدَ قَضاءِ الأرْكانِ وكانَ رُبَّما فُهِمَ اقْتِصارُهم عَلَيْهِ في الوَقْتِ الَّذِي كانُوا يَذْكُرُونَ فِيهِ آباءَهم قالَ مُعَمِّمًا ولِيَكُونَ الحَثُّ عَلَيْهِ آكَدَ لِتَكْرِيرِ النَّدْبِ إلَيْهِ بِصِيغَةِ الأمْرِ فَيَكُونُ أضْخَمَ لِشَأْنِهِ: ﴿واذْكُرُوا﴾ بِالرَّمْيِ، أمَرَ بِالرَّمْيِ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالذِّكْرِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ذِكْرٍ لِسانِيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ ﴿اللَّهَ﴾ أيْ لِما يَسْتَحِقُّهُ في ذاتِهِ مِنَ الكَمالِ ﴿فِي أيّامٍ﴾ ولَمّا كانَتْ لا تَحْتاجُ إلى غَيْرِ العَدِّ لِكَوْنِها قَلِيلَةً وبَعْدَ الأيّامِ الَّتِي يُحْتاطُ في أمْرِها بِالرَّأْيِ وغَيْرِهِ حَتّى تَكُونَ مَعْلُوماتٍ قالَ جامِعًا صِفَةَ ما لا يَعْقِلُ بِما اطَّرَدَ فِيها مِنَ الألِفِ والتّاءِ إذا كانَ مَوْصُوفُها جَمْعَ قِلَّةٍ: ﴿مَعْدُوداتٍ﴾ وهي أيّامُ إقامَتِكم بِمِنًى في ضِيافَتِهِ سُبْحانَهُ لِفِعْلِ بَقِيَّةِ ما عَلَيْكم مِن تَتِمّاتِ العِباداتِ الحَجِّيَّةِ أوَّلُها (p-١٦٣)يَوْمُ القَرِّ، وهو الحادِيَ عَشَرَ لِيَسْتَقِرَّ النّاسُ فِيهِ بِمِنًى، ثانِيها يَوْمُ النَّفْرِ الأوَّلِ، ثالِثُها يَوْمُ النَّفْرِ الأعْظَمِ، والثَّلاثَةُ تُسَمّى أيّامَ التَّشْرِيقِ، وهى مَعَ يَوْمِ العِيدِ تُسَمّى أيّامَ النَّحْرِ.
والأرْبَعَةُ مَعَ يَوْمِ عَرَفَةَ أيّامُ التَّكْبِيرِ والذِّكْرِ، ولَمّا فُهِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإقامَةِ بِها - في مُدَّةِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ نَفى ذَلِكَ مُيَسِّرًا لِأنَّ الحَجَّ يَجْمَعُ القَوِيَّ والضَّعِيفَ والخادِمَ والمَخْدُومَ، والضَّعِيفُ في هَذا الدِّينِ أمِيرٌ عَلى القَوِيِّ فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ الإنْسانَ في ذَلِكَ الجَمْعِ الأعْظَمِ لَهُ نازِعانِ نازِعٌ يَنْزِعُ إلى الإقامَةِ في تِلْكَ الأماكِنِ المَرْضِيَّةِ والجَماعاتِ المَغْفُورَةِ ونازِعٌ يَنْزِعُهُ إلى أهْلِهِ وأوْطانِهِ وعَشائِرِهِ وإخْوانِهِ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ مِنكُمُ النَّفْرَ لِلرُّجُوعِ إلى أوْطانِهِ ﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾ مِنها ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ والعَجَلَةُ فِعْلُ الشَّيْءِ (p-١٦٤)قَبْلَ وقْتِهِ الألْيَقِ بِهِ، وقَيَّدَ بِاليَوْمَيْنِ إعْلامًا بِأنَّ مَن أدْرَكَهُ غُرُوبُ اليَوْمِ الثّانِي بِمِنًى وهو مُقِيمٌ لَزِمَهُ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ ورَمْيُ اليَوْمِ الثّالِثِ، فَإنْ نَفَرَ قَبْلَ غُرُوبِهِ سَقَطَ عَنْهُ المَبِيتُ والرَّمْيُ، قالَ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: بِلا خِلافٍ، وكَذا إنْ أدْرَكَهُ الغُرُوبُ وهو راحِلٌ قَبْلَ أنْ يَنْفَصِلَ (p-١٦٥)مِنها، ولَمْ يُقَيِّدِ التَّأخُّرَ لِأنَّ نِهايَتَهُ بِاليَوْمِ الثّالِثِ مَعْرُوفَةٌ مِن أنَّ الأيّامَ ثَلاثَةٌ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمُ أنَّ المُتَأخِّرَ يَلْحَقُهُ إثْمٌ كَما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ وكانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قَوْمًا يُسابِقُونَ إلى المَعالِي وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُرِيدُ الرِّفْقَ بِأهْلِ هَذا الدِّينِ سَتَرَ التَّصْرِيحَ بِالتَّرْغِيبِ في التَّأخُّرِ فَعَبَّرَ عَنْهُ أيْضًا بِنَفْيِ الإثْمِ كالأوَّلِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى التَّرْغِيبِ فِيهِ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ النَّفَرِ الأوَّلِ بِالتَّعَجُّلِ فَقالَ: ﴿ومَن تَأخَّرَ﴾ أيْ فَأقامَ في مِنًى إلى تَمامِ الثَّلاثَةِ فَرَمى اليَوْمَ الثّالِثَ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ والتَّأخُّرُ إبْعادُ الفِعْلِ مِنَ الآنِ الكائِنِ.
قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ والأصْحابُ: يَجُوزُ النَّفْرُ في اليَوْمِ الثّانِي مِنَ التَّشْرِيقِ ويَجُوزُ في الثّالِثِ، وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾ - الآيَةَ، قالُوا: والتَّأخُّرُ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ أفْضَلُ لِلْأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ
«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَفَرَ في اليَوْمِ الثّالِثِ» .
(p-١٦٦)ولَمّا كانَ مَدارُ الأعْمالِ البَدَنِيّاتِ عَلى النِّيّاتِ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَنِ﴾ أيْ هَذا النَّفْيُ لِلْإثْمِ عَنِ القِسْمَيْنِ لِمَنِ ﴿اتَّقى﴾ مِن أهْلِهِما فَأدارَ أفْعالَهُ عَلى ما يُرْضِي اللَّهَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فافْعَلُوا ما شِئْتُمْ مِنَ التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ عَطَفَ عَلَيْهِ ما عُلِمَ أنَّهُ رُوحُهُ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ.
ولَمّا كانَ الحَجُّ حَشْرًا في الدُّنْيا والِانْصِرافُ مِنهُ يُشْبِهُ انْصِرافَ أهْلِ المَوْقِفِ بَعْدَ الحَشْرِ عَنِ الدُّنْيا فَرِيقًا إلى الجَنَّةِ وفَرِيقًا إلى السَّعِيرِ ذَكَّرَهم بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكُمْ﴾ جَمِيعًا ﴿إلَيْهِ﴾ لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ بَعْدَ البَعْثِ، والحَشْرُ الجَمْعُ بِكُرْهٍ، وهو واقِعٌ عَلى أوَّلِ خُرُوجِهِمْ مِنَ الأجْداثِ إلى انْتِهاءِ المَوْقِفِ، فاعْلَمُوا لِما يَكُونُ سَبَبًا في انْصِرافِكم مِنهُ إلى دارِ كَرامَتِهِ (p-١٦٧)لا إلى دارِ إهانَتِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وكُلِّيَّةُ الحَجِّ ومَناسِكُهُ مُطابِقٌ في الِاعْتِبارِ لِأمْرِ يَوْمِ الحَشْرِ ومَواقِفُهُ مِن خُرُوجِ الحاجِّ مِن وطَنِهِ مُتَزَوِّدًا كَخُرُوجِ المَيِّتِ مِنَ الدُّنْيا مُتَزَوِّدًا بِزادِ العَمَلِ، ووُصُولُهُ إلى المِيقاتِ وإهْلالُهُ مُتَجَرِّدًا كانْبِعاثِهِ مِنَ القَبْرِ مُتَعَرِّيًا، وتَلْبِيَتُهُ في حَجِّهِ كَتَلْبِيَتِهِ في حَشْرِهِ ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾ [القمر: ٨] كَذَلِكَ اعْتِبارُهُ مَوْطِنًا إلى غايَةِ الإفاضَةِ والحُلُولِ بِحَرَمِ اللَّهِ في الآخِرَةِ الَّتِي هي الجَنَّةُ، والشُّرْبُ مِن ماءِ زَمْزَمَ الَّتِي هي آيَةُ نُزُلِ اللَّهُ لِأهْلِ الجَنَّةِ عَلى وُجُوهٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ يُطالِعُها أهْلُ الفَهْمِ واليَقِينِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ كانَ أتَمُّ خَتْمٍ لِأحْكامِ الحَجِّ ذِكْرَ الحَشْرِ - انْتَهى.
وهُنا تَمَّ ما أرادَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن بَيانِ قَواعِدِ الإسْلامِ الخَمْسِ: الإيمانِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ، المُشارِ إلى الثَّلاثِ الأُوَلِ مِنها بِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿يُؤْمِنُونَ (p-١٦٨)بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] وذِكْرُ الحَجَّ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ لاحِقًا لِلصَّوْمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ سابِقًا عَلَيْهِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ في تَقْدِيمِ الصَّوْمِ عَلى الحَجِّ تارَةً وتَأْخِيرِهِ أُخْرى في رِواياتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في الصَّحِيحِ «بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ» .
البقرة 2:204
ولَمّا كانَ قَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الرّاغِبَ في الدُّنْيا وحْدَها والرّاغِبَ في الدّارَيْنِ وكانَ قَدْ بَقِيَ مِنَ الأقْسامِ العَقْلِيَّةِ المُعْرِضُ عَنْهُما وهو مَفْقُودٌ فَلَمْ يَذْكُرْهُ والرّاغِبُ في الآخِرَةِ فَقَطْ، وكُلٌّ مِنَ الأقْسامِ تارَةً يَكُونُ مُسِرًّا وتارَةً يَكُونُ مُعْلِنًا وكانَ المَحْذُورُ مِنها - إنَّما هو المُسِرُّ لِإرادَةِ الدُّنْيا بِإظْهارِهِ لِإرادَةِ الآخِرَةِ وكانَ هَذا هو المُنافِقُ بَدَأ بِهِ بَعْدَ ذِكْرِ التَّقْوى والحَشْرِ لِيَكُونَ مَصْدُوعًا بادِئَ بَدْءٍ بِذَلِكَ الأمْرِ مَقْصُودًا بِالتَّهْدِيدِ بِالحَشْرِ وساقَهُ بِصِيغَةِ ما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن ذِكْرِ المُنافِقِينَ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ تِلْكَ القِصَصَ ويَسْتَحْضِرَها بِتِلْكَ الأحْوالِ وحَسَّنَ ذَلِكَ طُولُ الفَصْلِ وبُعْدُ العَهْدِ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ (p-١٦٩)أيُّ شَخْصٍ أوِ الَّذِي ﴿يُعْجِبُكَ﴾ أيْ يَرُوقُكَ ويَأْخُذُ بِمَجامِعِ قَلْبِكِ أيُّها المُخاطَبُ ﴿قَوْلُهُ﴾ كَما ذَكَرْنا أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ يُخادِعُ، ويُعْجِبُ مِنَ الإعْجابِ وهو مِنَ العَجَبِ وهو كَوْنُ الشَّيْءِ خارِجًا عَنْ نَظائِرِهِ مِن جِنْسِهِ حَتّى يَكُونَ نُدْرَةً في صُنْعِهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
وقالَ الأصْبَهانِيُّ: حالَةٌ تَغْشى الإنْسانَ عِنْدَ إدْراكِ كَمالٍ مَجْهُولِ السَّبَبِ، وعَنِ الرّاغِبِ أنَّهُ قالَ: ولَيْسَ هو شَيْئًا لَهُ في ذاتِهِ حالَّةً بَلْ هو بِحَسَبِ الإضافاتِ إلى مَن يَعْرِفُ السَّبَبَ ومَن لا يَعْرِفُهُ، وحَقِيقَةُ أعْجَبَنِي كَذا: (p-١٧٠)ظَهَرَ لِي ظُهُورًا لَمْ أعْرِفْ سَبَبَهُ.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذا بَعْدَ ذِكْرِ الحَشْرِ رُبَّما أوْهَمَ أنْ يَكُونَ القَوْلُ أوِ الإعْجابُ واقِعًا في تِلْكَ الحالَةِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي﴾ أيِ الكائِنِ في ﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لا يَزْدادُ في طُولِ مُدَّتِهِ فِيها إلّا تَحْسِينًا لِقَوْلِهِ وتَقْبِيحًا لِما يَخْفى مِن فِعْلِهِ وأمّا في الآخِرَةِ فَكَلامُهُ غَيْرُ حَسَنٍ ولا مُعْجِبٍ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ﴾ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ (p-١٧١)﴿عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ أنَّهُ مُطابِقٌ لِما أظْهَرَهُ بِلِسانِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿ألَدُّ الخِصامِ﴾ أيْ يَتَمادى في الخِصامِ بِالباطِلِ لا يَنْقَطِعُ جِدالُهُ كُلَّ ذَلِكَ وهو يُظْهِرُ أنَّهُ عَلى الحُسْنِ الجَمِيلِ ويُوَجِّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خِصامِهِ وجْهًا يَصْرِفُهُ عَمّا أرادَ بِهِ مِنَ القَباحَةِ إلى المَلاحَةِ، واللَّدَدُ شِدَّةُ الخُصُومَةِ، والخِصامُ القَوْلُ الَّذِي يَسْمَعُ المُصِيحَ ويُولِجُ في صِماخِهِ ما يَكُفُّهُ عَنْ مَزْعَمِهِ ودَعْواهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ. وقالَ الأصْبَهانِيُّ: هو التَّعَمُّقُ في البَحْثِ عَنِ الشَّيْءِ والمُضايَقَةِ فِيهِ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ الخِصامُ ألَدَّ عَلى المُبالَغَةِ - انْتَهى.
البقرة 2:205
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ ألَدُّ شَرَعَ يَذْكُرُ وجْهَ لَدَدِهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما (p-١٧٢)تَقْدِيرُهُ: فَإذا واجَهَكَ اجْتَهَدَ في إظْهارِ أنَّهُ مُصْلِحٌ أوْ تَكُونُ جُمْلَةً حالِيَّةً ﴿وإذا تَوَلّى﴾ أيْ أعْرَضَ بِقَلْبِهِ أوْ قالَهُ عَمَّنْ خَدَعَهُ بِكَلامِهِ، وكَنّى بِالتَّعْبِيرِ بِالسَّعْيِ عَنِ الإسْراعِ في إيقاعِ الفِتْنَةِ بِغايَةِ الجَهْدِ فَقالَ: ﴿سَعى﴾ ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ فَسادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ كُلِّها بِفِعْلِهِ وقَوْلِهِ عِنْدَ مَن يُوافِقُهُ ﴿لِيُفْسِدَ﴾ أيْ لِيُوقِعَ الفَسادَ وهو اسْمٌ لِجَمِيعِ المَعاصِي ﴿فِيها﴾ أيْ في الأرْضِ في ذاتِ البَيْنِ لِأجْلِ الإهْلاكِ والنّاسُ أسْرَعُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَيَصِيرُ لَهُ مُشارِكُونَ في أفْعالِ الفَسادِ، فَإذا فَعَلَ مِنهُ ما يُرِيدُ كانَ مَعْرُوفًا عِنْدَهم فَكانَ لَهُ عَلَيْهِ أعْوانٌ وبَيَّنَ أنَّهُ يَصِلُ بِإفْسادِهِ إلى الغايَةِ بِقَوْلِهِ مُسَمِّيًا المَحْرُوثَ حَرْثًا (p-١٧٣)مُبالَغَةً: ﴿ويُهْلِكَ الحَرْثَ﴾ أيِ المَحْرُوثَ الَّذِي يَعِيشُ بِهِ الحَيَوانُ، قالَ الحَرالِيُّ سَمّاهُ حَرْثًا لِأنَّهُ الَّذِي نَسَبَهُ إلى الخَلْقِ، ولَمْ يُسَمِّهِ زَرْعًا لِأنَّ ذَلِكَ مَنسُوبٌ إلى الحَقِّ - انْتَهى.
ولِأنَّهُ إذا هَلَكَ السَّبَبُ هَلَكَ المُسَبَّبُ مِن غَيْرِ عَكْسٍ ﴿والنَّسْلَ﴾ أيِ المَنسُولَ الَّذِي بِهِ بَقاءُ نَوْعِ الحَيَوانِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو اسْتِخْراجُ لِطَيْفِ الشَّيْءِ مِن جُمْلَتِهِ - انْتَهى. وفِعْلُهُ ذَلِكَ لِلْإفْسادِ ونُظِمَتِ الآيَةُ هَكَذا إفْهامًا لِأنَّ المَعْنى أنَّ غَرَضَهُ أوَّلًا بِإفْسادِ ذاتِ البَيْنِ التَّوَصُّلُ إلى الإهْلاكِ وثانِيًا بِالإهْلاكِ التَّوَصُّلُ إلى الإفْسادِ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ المُحِبِّ فَلا يَأْمُرُ بِهِ بَلْ يَنْهى عَنْهُ ولا يُقِرُّ عَلَيْهِ بَلْ يُغَيِّرُهُ وإنْ طالَ المَدى ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، ولَمْ يُقَلِ: الهَلاكُ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ صُورَةً فَقَطْ فَيَكُونُ صَلاحًا كَما إذا كانَ قِصاصًا ولا (p-١٧٤)قالَ: الإفْسادُ يَشْمَلُ ما إذا كانَ الفَسادُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ أوَّلًا الإفْسادَ لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا وثانِيًا الإهْلاكَ لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وذَكَرَ الحَرْثَ الَّذِي هو السَّبَبُ دَلالَةً عَلى النّاسِلِ والنَّسْلِ الَّذِي هو المُسَبَّبُ دَلالَةً عَلى الزَّرْعِ فَهو احْتِباكٌ ثانٍ.
البقرة 2:206
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن يَفْعَلُ الفَسادَ فَإذا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهى بَيَّنَ أنَّ هَذا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ تَحْقِيقًا لِألَدِّيَّتِهِ فَقالَ مُبَشِّرًا بِأداةِ التَّحْقِيقِ بِأنَّهُ لا يَزالُ في النّاسِ مَن يَقُومُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُ﴾ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ ﴿أخَذَتْهُ﴾ أيْ قَهَرَتْهُ لِما لَهُ مِن مَلَكَةِ الكِبْرِ ﴿العِزَّةُ﴾ في نَفْسِهِ (p-١٧٥)لِما فِيها مِنَ الكِبْرِياءِ والِاسْتِهانَةِ بِأمْرِ اللَّهِ، ولَيْسَ مِن شَأْنِ الخَلْقِ الِاتِّصافُ بِذَلِكَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴿بِالإثْمِ﴾ أيْ مُصاحِبًا لِلذَّنْبِ، وهو العَمَلُ الرَّذْلُ السّافِلُ وما - لا يَحِلُّ ويُوجِبُ العُقُوبَةَ بِاحْتِقارِ الغَيْرِ والِاسْتِكْبارِ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ هَذا الشَّأْنُ الخَبِيثُ شَأْنُهُ دائِمًا يُمَهِّدُ بِهِ لِنَفْسِهِ التَّمْكِينَ مِمّا يُرِيدُ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَحَسْبُهُ﴾ أيْ كِفايَتُهُ ﴿جَهَنَّمُ﴾ تَكُونُ مِهادًا لَهُ كَما مَهَّدَ لِلْفَسادِ، وتَخْصِيصُ هَذا الِاسْمِ المُنْبِئِ عَنِ الجَهامَةِ في المُواجَهَةِ أيِ الِاسْتِقْبالِ بِوَجْهٍ كَرِيهٍ لِما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُواجَهَةِ لِمَن أمَرَهُ مِن مِثْلِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَلِمَعْنى ما يَخْتَصُّ بِالحُكْمِ يُسَمِّي تَعالى (p-١٧٦)النّارَ بِاسْمٍ مِن أسْمائِها - انْتَهى.
﴿ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ هي والمِهادُ مَوْطِنُ الهُدُوءِ والمُسْتَطابُ مِمّا يُسْتَفْرَشُ ويُوطَأُ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: فِيهِ إشْعارٌ بِإمْهالِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ رِعايَةً لِنَبِيِّها فَأحْسَبَ فاجِرَها وكافِرَها بِعَذابِ الآخِرَةِ، ولَوْ عاجَلَ مُؤْمِنُها بِعُقُوبَةِ الدُّنْيا فَخَلَّصَ لِكافِرِها الدُّنْيا ولِمُؤْمِنِها الآخِرَةَ وأنْبَأ بِطُولِ المَقامِ والخُلُودِ فِيها.
البقرة 2:207
ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنْ هَذا القِسْمِ الَّذِي هو شَرُّ الأقْسامِ أتْبَعُهُ خَيْرَها لِيَكُونَ خِتامًا وبَيْنَهُما تَبايُنٌ فَإنَّ الأوَّلَ مِن يُهْلِكُ النّاسَ لِاسْتِبْقاءِ نَفْسِهِ وهَذا يُهْلِكُ نَفْسَهُ لِاسْتِصْلاحِ النّاسِ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن﴾ أيُّ شَخْصٍ أوِ الَّذِي ﴿يَشْرِي﴾ أيْ يَفْعَلُ هَذا الفِعْلَ كُلَّما لاحَ لَهُ وهو أنَّهُ يَبِيعُ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ والِانْبِعاثِ ﴿نَفْسَهُ﴾ فَيُقْدِمُ عَلى إهْلاكِها (p-١٧٧)أوْ يَشْتَرِيها بِما يَكُونُ سَبَبَ إعْتاقِها وإحْيائِها بِالِاجْتِهادِ في أوامِرِ اللَّهِ بِالنَّهْيِ لِمِثْلِ هَذا الألَدِّ عَنْ فِعْلِهِ الخَبِيثِ والأمْرِ لَهُ بِالتَّقْوى والتَّذْكِيرِ بِاللَّهِ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في صُهَيْبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأنَّهُ لَمّا هاجَرَ أرادَتْ قُرَيْشٌ رَدَّهُ فَجَعَلَ لَهم مالَهُ حَتّى خَلَّوْا سَبِيلَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيَّ ﷺ:
«رَبِحَ البَيْعُ» فَعَلى هَذا يَكُونُ شَرى بِمَعْنى اشْتَرى، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ تَطَلُّبَ وتَسَهُّلَ وتَيَسُّرَ بِغايَةِ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِن ذَلِكَ ﴿مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيْ رِضا المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وزَمانِ الرِّضا ومَكانِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ كَوْنُ المَصْدَرِ مِيمِيًّا ويَكُونُ ذَلِكَ غايَةً في بابِهِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن وقْفِهِ بِالتّاءِ المَمْدُودَةِ لِما يُعْلَمُ مِن شِدَّةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى بِهِ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ﴾ أيْ بالِغُ الرَّحْمَةِ، (p-١٧٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ دَلالَةً عَلى العُمُومِ وعَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلرَّحْمَةِ والشَّرَفِ فَقالَ: ﴿بِالعِبادِ﴾ كُلِّهِمْ حَيْثُ أسْبَغَ عَلَيْهِمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً مَعَ كُفْرِهِمْ بِهِ أوْ تَقْصِيرِهِمْ في أمْرِهِ، وبَيَّنَ لَهُمُ الطَّرِيقَ غايَةَ البَيانِ بِالعَقْلِ أوَّلًا والرُّسُلِ ثانِيًا والشَّرائِعِ ثالِثًا والكُتُبِ الحافِظَةِ لَها رابِعًا، ولَعَلَّ الفَصْلَ بَيْنَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ بِالأيّامِ المَعْدُوداتِ اهْتِمامًا بِأمْرِها لِكَوْنِها مَن فِعْلِ الحَجِّ وتَأْخِيرُها عَنْ أخَواتِها إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِن دَعائِمِ المَناسِكِ بَلْ تُجْبَرُ بِدَمٍ.
البقرة 2:208
ولَمّا خَتَمَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ بِالسّاعِي في رِضا اللَّهِ عَنْهُ مُشاكَلَةً لِلْأوَّلِينَ حَسُنَ جِدًّا تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (p-١٧٩)لِيَكُونَ هَذا النِّداءُ واقِعًا بادِئَ بَدْءٍ في أُذُنِ هَذا الواعِي كَما كانَ المُنافِقُ مَصْدُوعًا بِما سَبَقَهُ مِنَ التَّقْوى والحَشْرِ مَعَ كَوْنِهِ دَلِيلًا عَلى صِفَةِ الرَّأْفَةِ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالإيمانِ بَيْنَ طَوائِفِ الأعْمالِ مِن أعْظَمِ دَلِيلٍ عَلى حِكْمَةِ الآمِرِ بِهِ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ آكَدَ لِأمْرِهِ وأمْكَنَ لِمَجْدِهِ وفَخْرِهِ يُفْهَمُ أنَّهُ العِمادُ في الرَّشادِ المُوجِبِ لِلْإسْعادِ يَوْمَ التَّنادِ فَقالَ: ﴿ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾ أيِ الإيمانِ الَّذِي هو مُلْزِمٌ لِسُهُولَةِ الِانْقِيادِ إلى كُلِّ خَيْرٍ، وهو في الأصْلِ بِالفَتْحِ والكَسْرِ المُوادَعَةُ في الظّاهِرِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ أيْ يا مَن آمَنَ بِلِسانِهِ كَهَذا الألَدِّ لِيَكُنِ الإيمانُ أوِ الِاسْتِلامُ بِكُلِّيَّةِ الباطِنِ والظّاهِرِ ظَرْفًا مُحِيطًا بِكم مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ فَيُحِيطُ بِالقَلْبِ والقالَبِ كَما أحاطَ بِاللِّسانِ ولا يَكُونُ لِغَرامَةِ الجَهْلِ وجَلافَةِ الكُفْرِ إلَيْكم سَبِيلٌ ﴿كافَّةً﴾ أيْ ولْيَكُنْ جَمِيعُكم في ذَلِكَ شَرْعًا (p-١٨٠)واحِدًا كَهَذا الَّذِي يَشْرِي نَفْسَهُ، ولا تَنْقَسِمُوا فَيَكُونُ بَعْضُكم هَكَذا وبَعْضُكم كَذَلِكَ الألَدِّ، فَإنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الكَذِبِ في دَعْوى الإيمانِ.
ولَمّا كانَ الإباءُ والعِنادُ الَّذِي يُحْمَلُ عَلَيْهِ الأنَفَةُ والكِبْرُ فِعْلَ الشَّيْطانِ وثَمَرَةَ كَوْنِهِ مِن نارٍ قالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ أيْ تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم مِن أمْرِ الضَّلالِ ضِدَّ ما فَطَرَها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَهَّلَهُ لَها مِنَ الهُدى ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ طُرُقَ المُبْعَدِ المُحْتَرِقِ في الكِبْرِ عَنِ الحَقِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ التَّسْلِيطَ في هَذا اليَوْمِ لَهُ، وفِيهِ إشْعارٌ وإنْذارٌ بِما وقَعَ في هَذِهِ الأُمَّةِ وهو واقِعٌ وسَيَقَعُ مِن خُرُوجِهِمْ مِنَ السِّلْمِ إلى الِاحْتِرابِ بِوُقُوعِ الفِتْنَةِ في الألْسِنَةِ والأسِنَّةِ عَلى أمْرِ الدُّنْيا وعَوْدِهِمْ إلى أُمُورِ جاهِلِيَّتِهِمْ، لِأنَّ الدُّنْيا أقْطاعُ الشَّيْطانِ كَما أنَّ الآخِرَةَ خُلاصَةُ الرَّحْمَنِ، فَكانَ ابْتِداءُ الفِتْنَةِ مُنْذُ كَسْرِ البابِ المُوصَدِ عَلى السِّلْمِ وهو عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَلَمْ يَزَلِ الهَرْجُ ولا يَزالُ إلى أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها.
(p-١٨١)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ بِما أخْبَرْناكم بِهِ في أمْرِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شَواهِدُهُ ظاهِرَةٌ، وما أحْسَنَ هَذا الخَتْمَ المُضادَّ لِخَتْمِ الَّتِي قَبْلَها! فَإنَّ تَذَكُّرَ الرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ عَلى عَظْمَتِهِ والعُبُودِيَّةَ مِنّا الَّذِي هو مَعْنى الوَلايَةِ الَّتِي رُوحُها الِانْقِيادُ لِكُلِّ ما يُحِبُّهُ الوَلِيُّ وتَذَكُّرُ عَداوَةِ المُضِلِّ أعْظَمُ مُنَفِّرٍ مِنهُ وداعٍ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
البقرة 2:209
ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ وتَعالى الأدِلَّةَ عَلى عَظَمَتِهِ الَّتِي مِنها الوَحْدانِيَّةُ وأزالَ الشُّبَهَ ومَحا الشُّكُوكُ وذَكَّرَ بِأنْواعِ اللُّطْفِ والبِرِّ إلى أنَّ خَتَمَ الآيَتَيْنِ بِما ذَكَرَ مِن وِلايَتِهِ وعَداوَةِ المُضِلِّ عَنْ طَرِيقِهِ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ ﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾ مُشِيرًا بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّهم صارُوا إلى حالَةٍ مِن وُضُوحِ الطَّرِيقِ الواسِعِ الأمْكَنِ الأمِينِ المُسْتَقِيمِ الأسْلَمِ يَبْعُدُ مَعَها كُلَّ البُعْدِ أنْ يَزِلُّوا عَنْهُ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ (p-١٨٢)البَيِّناتُ﴾ أيْ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: بَيِّناتُ التَّجْرِبَةِ شُهُودًا ونَبَأً عَمّا مَضى وتَحَقُّقًا بِما وقَعَ، وقالَ: إنَّ التَّعْبِيرَ بِأنْ يُشْعِرَ بِأنَّهم يَسْتَزِلُّونَ، والتَّعْبِيرَ بِالماضِي إشْعارٌ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَهم كَرَحْمَتِهِ قَبْلُ لِأبَوَيْهِمْ حِينَ أزَلَّهُما الشَّيْطانُ فَكَما أزَلَّ أبَوَيْهِمْ في الجَنَّةِ عَنْ مُحَرَّمِ الشَّجَرَةِ أزَلَّهم في الدُّنْيا عَنْ شَجَرَةِ المُحَرَّماتِ مِنَ الدِّماءِ والأمْوالِ والأعْراضِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الخَوْفُ حامِلًا عَلى لُزُومِ طَرِيقِ السَّلامَةِ قالَ: ﴿فاعْلَمُوا﴾ فَإنَّ العِلْمَ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى المَقاصِدِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ الحاوِيَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يُعْجِزُهُ مَن زَلَّ ولا يَفُوتُهُ مَن ضَلَّ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُبْرِمُ ما لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ.
البقرة 2:210
(p-١٨٣)ولَمّا كانَ هَذا الخَتْمُ مُؤْذِنًا بِالعَذابِ وكانَ إتْيانُ العَذابِ مِن مَحَلٍّ تُتَوَقَّعُ مِنهُ الرَّحْمَةُ أفْظَعَ وكانَ أنْفَعُ الأشْياءِ السَّحابَ لِحَمْلِهِ الغَيْثَ والمَلائِكَةَ الَّذِينَ هم خَيْرٌ مَحْضٌ وكانَ الَّذِينَ شاهَدُوا العَذابَ مِنَ السَّحابِ الَّذِي هو مَظِنَّةُ الرَّحْمَةِ لِيَكُونَ أهْوَلُ عادًا وبَنِي إسْرائِيلَ وكانَ عادٌ قَدْ مَضَوْا فَلا يُمْكِنُ عادَةً سُؤالُهم وكانَ مَن زَلَّ بَعْدَ هَذا البَيانِ قَدْ أشْبَهَ بَنِي إسْرائِيلَ في هَذا الحالِ فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُشْبِهَهم في المَآلِ فِيما صارُوا إلَيْهِ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ وحُلُولِ الغَضَبِ والوُقُوعِ في العَطَبِ قالَ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ يَنْتَظِرُونَ إذا زَلُّوا. سائِقًا لَهُ في أُسْلُوبِ الإنْكارِ، وصِيغَةُ الغَيْبَةِ مُجَرَّدَةٌ عَنِ الِافْتِعالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الزّالِّينَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ مُواطِنِ الرَّأْفَةِ والِاسْتِحْقاقِ بِمَظْهَرِ الكِبْرِ والنِّقْمَةِ بِإعْراضِ السَّيِّدِ عَنْ خِطابِهِمْ وإقْبالِهِ مِن عَذابِهِمْ عَلى ما لَمْ يَكُنْ في حِسابِهِمْ ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ مَجْدُ الَّذِي (p-١٨٤)لا يَحْتَمِلُ شَيْءٌ تَجَلِّيَ عَظَمَتِهِ وظُهُورَ جَلالِهِ، كائِنًا مَجْدُهُ ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ ظُلَّةً في داخِلِ ظُلَّةٍ، وهي ما يَسْتُرُ مِنَ الشَّمْسِ فَهي في غايَةِ الإظْلامِ والهَوْلِ والمَهابَةِ لِما لَها مِنَ الكَثافَةِ الَّتِي تَغُمُّ عَلى الرّائِي ما فِيها وتُدَمِّرُ ما أتَتْ عَلَيْهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَجْدِ الَّذِي لا يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ إلّا اللَّهُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ ويَأْتِي جُنْدُهُ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وعَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِالخَفْضِ، المَعْنى وظُلَلٌ مِنَ المَلائِكَةِ أيْ جَماعاتٌ يَمْلَئُونَ الأقْطارَ لِيَتَبادَرُوا إلى امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ وهَلْ يَنْتَظِرُونَ (p-١٨٥)مِنَ القَوِيِّ المُحْكِمِ لِما يَفْعَلُ العَزِيزُ الَّذِي يَعْلُو أمْرُهُ كُلَّ أمْرٍ إلّا إتْيانَهُ بِالبَأْسِ إذا غَضِبَ بَعْدَ طُولِ الحِلْمِ وتَمادِي الأناةِ فَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ ولا يُعارَضُ أمْرَهُ وهو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ قُضِيَ ﴿الأمْرُ﴾ أيْ نَفَذَ بِإهْلاكِهِمْ سَرِيعًا فَرَجَعُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأسْرِهِمْ لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ شَيْئًا ﴿وإلى اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ كُلُّها دُنْيا وأُخْرى، فَإنَّ حُكْمَهُ لا يُرَدُّ وقُدْرَتُهُ لا تُحَدُّ.
قالَ الحَرالِيُّ: وإتْيانُ اللَّهِ في مَحَلِّ الإيمانِ أمْرٌ مُبْهَمٌ لا يَنالُهُ عِلْمُ العالِمِينَ ويَقِفُ دُونَهُ إيمانُ المُؤْمِنِينَ، لا يَأْخُذُونَهُ بِكَيْفٍ ولا يَتَوَهَّمُونَهُ بِوَهْمٍ، وإتْيانُ اللَّهِ في أوائِلِ فَهْمِ (p-١٨٦)الفاهِمِينَ بُدُوُّ أمْرِهِ وخِطابُهُ في مَحَلٍّ ما مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أوِ العَرْشِ أوِ الكُرْسِيِّ أوْ ما شاءَ مِن خَلْقِهِ؛ فَهو تَعالى يَجِلُّ أنْ يَحْجُبَهُ كَوْنٌ، فَحَيْثُ ما بَدَأ خِطابُهُ كِفاحًا لا بِواسِطَةٍ فَهُناكَ هو ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾ [مريم: ٥٢] إلى: ﴿إنِّي أنا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] وفي الكِتابِ الأوَّلِ: جاءَ اللَّهُ مِن سَيْناءَ - انْتَهى. وتَمامُهُ: وشَرْقٌ مِن جَبَلِ ساعِيرَ وظَهَرَ لَنا مِن جِبالِ فارانَ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو واضِحٌ، وبِالثّانِي نُبُوَّةُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ جَبَلَ ساعِيرَ هو جَبَلُ الجَلِيلِ وهو الَّذِي بَيْنَ طَبَرِيَّةَ ومَرْجِ بَنِي عامِرٍ، وبِالثّالِثِ نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنَّ فارانَ هي مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ.
البقرة 2:211
ولَمّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أعْلَمَ النّاسِ بِظُهُورِ مَجْدِ اللَّهِ في الغَمامِ لِما رَأى أسْلافُهم مِنهُ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ وفي جَبَلِ الطُّورِ وقُبَّةِ الزَّمانِ وما في ذَلِكَ عَلى ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن وُفُورِ الهَيْبَةِ وتَعاظُمِ (p-١٨٧)الجَلالِ قالَ تَعالى جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ يَكُونُ هَذا؟ ﴿سَلْ﴾ بِنَقْلِ حَرَكَةِ العَيْنِ إلى الفاءِ فاسْتَغْنى عَنْ هَمْزَةِ الوَصْلِ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أحْسَدُ النّاسَ لِلْعَرَبِ ثُمَّ اسْتَفْهَمَ أوِ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ ﴿كَمْ آتَيْناهُمْ﴾ مِن ذَلِكَ ومَن غَيْرِهِ (p-١٨٨)﴿مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ بِواسِطَةِ أنْبِيائِهِمْ فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ، وسُكُوتُهم عَلى سَماعِهِ مِنكَ إقْرارٌ مِنهم.
وقالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ أمْرًا مُجْمَلًا أُحِيلُوا في تَفاصِيلِ الوَقائِعِ وتَخْصِيصِ المَلاحِمِ ووُقُوعِ الأشْباهِ والنَّظائِرِ عَلى ما تَقَدَّمَ ووَقَعَ مِثالُهُ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَكْرارِ ما وقَعَ فِيهِمْ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ والقُذَّةِ بِالقُذَّةِ فَقالَ: ﴿سَلْ﴾ اسْتِنْطاقًا لِحالِهِمْ لا لِإنْبائِهِمْ وإخْبارِهِمْ، فالتِفاتُ النَّبِيِّ ﷺ إلى ما يَشْهَدُهُ اللَّهُ مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ وأحْوالِ مُلُوكِهِمْ وأحْبارِهِمْ وأيّامِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ واخْتِلافِهِمْ وصُنُوفِ بَلاياهم هو سُؤالُهُ واسْتِبْصارُهُ لا أنْ يَسْألَ واحِدًا فَيُخْبِرَهُ؛ انْتَهى - كَذا قالَ، والظّاهِرُ أنَّهُ إباحَةٌ لِسُؤالِهِمْ فَإنَّهُ ﷺ ما سَألَهم عَنْ شَيْءٍ وكَذَبُوا في جَوابِهِ فَبَيَّنَ كَذِبَهم إلّا عُرِفُوا بِالكَذِبِ، كَقِصَّةِ حَدِّ الزِّنا وقَضِيَّةِ سُؤالِهِمْ عَنْ أبِيهِمْ وقَضِيَّةِ سَمِّ الشّاةِ ونَحْوِ هَذا، وفي ذَلِكَ زِيادَةٌ لِإيمانِ مَن يُشاهِدُهُ وإقامَةٌ لِلْحُجَّةِ (p-١٨٩)عَلَيْهِمْ وغَيْرِ هَذا مِنَ الفَوائِدِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانُوا إذا بَدَّلُوا شَيْئًا مِن آياتِنا واسْتَهانُوا بِهِ عاقَبْناهم فَشَدَّدْنا عِقابَهُمْ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما سُقْتُهُ مِنَ التَّوْراةِ في هَذا الدِّيوانِ لِمَن تَدَبَّرَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُبَدِّلْ﴾ مِنَ التَّبْدِيلِ وهو تَصْيِيرُ الشَّيْءِ عَلى غَيْرِ ما كانَ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ الَّتِي هي سَبَبُ الهُدى فَيَجْعَلُها سَبَبًا لِضَلالٍ أوْ سَبَبًا لِشُكْرٍ فَيَجْعَلُها سَبَبَ الكُفْرِ كائِنًا مَن كانَ.
قالَ الحَرالِيُّ: وأصْلُ هَذا التَّبْدِيلِ رَدُّ عِلْمِ العالِمِ عَلَيْهِ ورَدُّ صَلاحِ الصّالِحِ إلَيْهِ وعَدَمُ الِاقْتِداءِ بِعِلْمِ العالِمِ والِاهْتِداءِ بِصَلاحِ الصّالِحِ وذَلِكَ المُشارَكَةُ الَّتِي تَقَعُ بَيْنَ العامَّةِ وبَيْنَ العُلَماءِ والصُّلَحاءِ وهو كُفْرُ نِعْمَةِ اللَّهِ وتَبْدِيلُها - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الفَطِنُ مِنَ النّاسِ يَسْتَجْلِبُ النِّعَمَ قَبْلَ إتْيانِها إلَيْهِ والجامِدُ الغَبِيُّ (p-١٩٠)يَغْتَبِطُ بِها بَعْدَ سُبُوغِها عَلَيْهِ وكانَ المَحْذُورُ تَبْدِيلَها في وقْتٍ ما لا في كُلِّ وقْتٍ قالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُ﴾ أيْ وتَمَكَّنَ مِنَ الرُّسُوخِ في عِلْمِها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن بَدَّلَها في تِلْكَ الحالِ فَقَدْ سَفَلَ عَنْ أدْنى الإنْسانِ والتَحَقَ بِما لا يَعْقِلُ مِنَ الحَيَوانِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يُهْلِكُهُ اللَّهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو عَذابٌ يَعْقُبُ الجُرْمَ، وذَكَرَ بَعْضَ ما يَدُلُّ عَلى صِدْقِ الدَّعْوى في مَعْرِفَةِ بَنِي إسْرائِيلَ بِما في ظُهُورِ المَجْدِ في الغَمامِ مِنَ الرُّعْبِ وما آتاهم مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، قالَ في أوائِلِ السِّفْرِ الخامِسِ مِنَ التَّوْراةِ: فاسْمَعُوا الآنَ يا بَنِي إسْرائِيلَ السُّنَنَ والأحْكامَ الَّتِي أُعَلِّمُكم لِتَعْمَلُوا بِها وتَعِيشُوا وتَدْخُلُوا وتَرِثُوا الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّ آبائِكُمْ، لا تَزِيدُوا عَلى الوَصِيَّةِ الَّتِي أُوصِيكم (p-١٩١)بِها، قَدْ رَأيْتُمْ ما صَنَعَ اللَّهُ بِبَعْلَصَفُونَ مِن أجْلِ أنَّ كُلَّ رَجُلٍ اتَّبَعَ بَعْلَصَفُونَ أهْلَكَهُ اللَّهُ رَبُّكم مِن بَيْنِكم وأنْتُمُ الَّذِينَ تَبِعْتُمُ اللَّهَ رَبَّكم أنْتُمْ أحْياءٌ - سالِمُونَ إلى اليَوْمِ، انْظُرُوا أنِّي قَدْ عَلَّمْتُكُمُ السُّنَنَ والأحْكامَ كَما أمَرَنِي اللَّهُ لِتَعْمَلُوا بِها الأرْضَ الَّتِي تَدْخُلُونَها وتَحْفَظُوها وتَعْمَلُوا بِها، لِأنَّها حِكْمَتُكم وفَهْمُكم تُجاهَ الشُّعُوبِ الَّتِي تَسْمَعُ مِنكم هَذِهِ السُّنَنَ كُلَّها ويَقُولُونَ إذا سَمِعُوها: ما أحْكَمَ هَذا الشَّعْبَ العَظِيمَ! وما أحْسَنَ فَهْمَهُ! أيُّ شَعْبٍ عَظِيمٍ إلَهُهُ قَرِيبٌ مِنهُ مِثْلَ اللَّهِ رَبِّنا فِيما دَعَوْناهُ! وأيُّ شَعْبٍ عَظِيمٍ لَهُ سُنَنٌ وأحْكامٌ مُعْتَدِلَةٌ مِثْلَ هَذِهِ السُّنَّةِ الَّتِي أتْلُو عَلَيْكُمُ اليَوْمَ! ولَكِنِ احْتَفِظُوا واحْتَرِسُوا بِأنْفُسِكم ولا تَنْسَوْا جَمِيعَ الآياتِ الَّتِي رَأيْتُمْ ولا تَزُلْ عَنْ قُلُوبِكم كُلَّ أيّامِ حَياتِكم بَلْ عَلِّمُوها بَنِيكم وبَنِي بَنِيكم وأخْبِرُوهم بِما رَأيْتُمْ يَوْمَ وقَفْتُمْ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم في حُورِيبَ يَوْمَ قالَ الرَّبُّ: اجْمَعْ هَذا الشَّعْبَ أمامِي لِأُسْمِعَهم آياتِي ويَتَعَلَّمُوا أنْ يَتَّقُونِي كُلَّ أيّامِ حَياتِهِمْ عَلى الأرْضِ (p-١٩٢)ويُعَلِّمُوا بَنِيهِمْ أيْضًا وتَقَدَّمْتُمْ وقُمْتُمْ في سَفْحِ الجَبَلِ والجَبَلُ يَشْتَعِلُ نارًا يَرْتَفِعُ لَهِيبُها إلى جَوِّ السَّماءِ ورَأيْتُمُ الظُّلَّةَ والضَّبابَ والسَّحابَ فَكَلَّمَكُمُ الرَّبُّ في الجَبَلِ مِنَ النّارِ، كُنْتُمْ تَسْمَعُونَ صَوْتَ الكَلامِ ولَمْ تَكُونُوا تَرَوْنَ شَبَهًا، فَأظْهَرَ لَكم عَهْدَهُ وأمَرَكم أنْ تَعْلَمُوا العَشْرَ آياتٍ.
وكَتَبَها عَلى لَوْحَيْنِ مِن حِجارَةٍ، احْتَرَسُوا واحْتَفَظُوا بِأنْفُسِكم جِدًّا لِأنَّكم لَمْ تَرَوْا شَبَهًا في اليَوْمِ الَّذِي كَلَّمَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مِنَ الجَبَلِ مِنَ النّارِ، احْتَفِظُوا، لا تُفْسِدُوا ولا تَتَّخِذُوا أصْنامًا وأشْباهَها مِن كُلِّ جِنْسٍ شِبْهِ ذَكَرٍ أوْ أُنْثى أوْ شِبْهِ بَهِيمَةٍ في الأرْضِ أوْ شِبْهِ كُلِّ طَيْرٍ في الهَواءِ أوْ شِبْهِ كُلِّ هَوامِّ الأرْضِ، ولا تَرْفَعُوا أعْيُنَكم إلى السَّماءِ وتَنْظُرُوا إلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ وإلى كُلِّ أجْنادِ السَّماءِ وتَضِلُّوا بِها وتَسْجُدُوا لَها وتَعْبُدُوها، الَّتِي اتَّخَذَها جَمِيعُ الشُّعُوبِ الَّذِينَ تَحْتَ السَّماءِ؛ فَأمّا أنْتُمْ فَقَرَّبَكُمُ اللَّهُ وأخْرَجَكم مِن كُورِ الحَدِيدِ مِن أرْضِ مِصْرَ لِتَصِيرُوا لَهُ مِيراثًا كاليَوْمِ - هَذا نَصُّهُ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى مِنَ السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [البقرة: ٦٠] فَكانَ الرُّجُوعُ إلى قَصِّ ما يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى (p-١٩٣)مِن أحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْأغْراضِ الماضِيَةِ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الأحْكامِ وفي الذُّرْوَةِ العُلْيا مِن حُسْنِ الِانْتِظامِ وتَجَلِّي المَلائِكَةِ في ظُلَلِ الغَمامِ أمْرٌ مَأْلُوفٌ مِنهُ ما في الصَّحِيحِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ:
«كانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِبِهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو وجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ؛ فَلَمّا أصْبَحَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ، فَقالَ: تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرْآنِ» .
وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّهُ بَيْنَما هو يَقْرَأُ سُورَةَ البَقَرَةِ وفَرَسُهُ مَرْبُوطٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأ فَجالَتْ، فانْصَرَفَ؛ فَلَمّا أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ فَإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيها أمْثالُ المَصابِيحِ فَرَفَعْتُ حَتّى لا أراها، قالَ: وتَدْرِي ما ذاكَ؟ قالَ: لا، قالَ: تِلْكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لَأصْبَحَتْ (p-١٩٤)يَنْظُرُ النّاسُ إلَيْها لا تَتَوارى مِنهم» .
البقرة 2:212
ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالسِّلْمِ والتَّهْدِيدِ عَلى الزَّلَلِ عَنْهُ ما يَقْتَضِي لُزُومَهُ حَتْمًا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ مَن خُوطِبَ بِهَذِهِ الأوامِرِ وقُمِعَ بِتِلْكَ الزَّواجِرِ؟ فَقِيلَ: أبى أكْثَرُهُمْ، فَقِيلَ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ! ما الَّذِي صَدَّهُمْ؟ فَقِيلَ: تَقْدِيرُ العَزِيزِ الَّذِي لا يُخالَفُ مُرادُهُ الحَكِيمُ الَّذِي يَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ اسْتِدْراجُهُ، فَقِيلَ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنَ العاقِلِ كُفْرُ النِّعْمَةِ؟ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ ذَلِكَ غالِبًا التَّرَفُّعُ والتَّعَظُّمُ والكِبْرُ والبَطَرُ فَرِحًا بِما في اليَدِ ورُكُونًا إلَيْهِ وإعْراضًا عَمّا خُبِّئَ في خَزائِنِ اللَّهِ في حَجْبِ القُدْرَةِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا بانِيًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ بِأنَّهم يَغْتَرُّونَ بِكُلِّ مُزَيَّنٍ ﴿زُيِّنَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ التَّزْيِينِ بِما مِنهُ الزِّينَةُ. (p-١٩٥)وهِيَ بَهْجَةُ العَيْنِ الَّتِي لا تَخْلُصُ إلى باطِنِ المُزَيَّنِ - انْتَهى.
﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَتّى بَدَّلُوا النِّعْمَةَ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ لِحُضُورِها فَألْهَتْهم عَنْ غائِبِ الآخِرَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي ضِمْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِحْسانَ بَهْجَةِ الدُّنْيا كُفْرٌ ما مِن حَيْثُ إنَّ نَظَرَ العَقْلِ والإيمانِ يُبَصِّرُ طَيَّتَها ويَشْهَدُ جِيفَتَها فَلا يَغْتَرُّ بِزِينَتِها وهي آفَةُ الخَلْقِ في انْقِطاعِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وأبْهَمَ تَعالى المُزَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ لِيَشْمَلَ أدْنى التَّزْيِينِ الواقِعِ عَلى لِسانِ الشَّيْطانِ وأخْفى التَّزْيِينَ الَّذِي يَكُونُ مِنِ اسْتِدْراجِ اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]
ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ بَيَّنَ حالَهم عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿ويَسْخَرُونَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا يَزالُونَ يَسْخَرُونَ أيْ يُوقِعُونَ السُّخْرِيَةَ، وهي اسْتِزْراءُ (p-١٩٦)العَقْلِ هُزُؤًا. وقالَ الحَرالِيُّ: هي اسْتِزْراءُ العَقْلِ مَعْنًى بِمَنزِلَةِ الِاسْتِسْخارِ في الفِعْلِ حِسًّا ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ والحاجَةِ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الدُّنْيا رَغْبَةً فِيما عِنْدَ اللَّهِ لِما وهَبَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العِلْمِ الخارِقِ لِتِلْكَ الحُجُبِ الكاشِفِ لِأسْتارِ المَغِيبِ ولِأنَّ اللَّهَ يَزْوِي عَنْهُمُ الدُّنْيا ويَحْمِيهِمْ مِنها رَغْبَةً بِهِمْ عَنْها لِكَرامَتِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَحْمِي الإنْسانُ حَبِيبَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ إنْ كانَ مَرِيضًا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ فَصارَ الكُفّارُ بِهَذا التَّزْيِينِ مَعَ ما بَوَّأْناهم مِنَ الهَوانِ بِأنْواعِ التَّهْدِيدِ الَّتِي لا مِرْيَةَ في قُدْرَتِنا عَلَيْها مَشْغُولِينَ بِلُعاعَةٍ مِنَ العَيْشِ فَهم راضُونَ بِأحْوالِهِمْ مَسْرُورُونَ بِها بِحَيْثُ إنَّهم لا يَنْظُرُونَ في عاقِبَةٍ بَلْ مَعَ الحالَةِ الرّاهِنَةِ فَيَهْزَؤُونَ بِأهْلِ الحَقِّ مُتَعامِينَ عَنِ البَيِّناتِ مُعْرِضِينَ عَنِ التَّهْدِيدِ تارِكِينَ الِاسْتِبْصارَ بِأحْوالِ بَنِي إسْرائِيلَ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِسْخارُ بِذَوِي الأقْدارِ مُرًّا ولِلنُّفُوسِ مُضِرًّا قالَ تَعالى مُبَشِّرًا بِانْقِلابِ الأمْرِ في دارِ الخُلْدِ مُرَغِّبًا في التَّقْوى بَعْدَ الإيمانِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ آمَنُوا خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَأخْرَجَ المُنافِقِينَ والَّذِينَ يُمْكِنُ دُخُولُهم في الجُمْلَةِ الماضِيَةِ ﴿فَوْقَهُمْ﴾ في (p-١٩٧)الرِّزْقِ والرُّتْبَةِ والمَكانِ بِدَلِيلٍ ﴿أفِيضُوا﴾ [البقرة: ١٩٩] وآيَةٍ ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات: ٥١] وكُلِّ أمْرٍ سارٍّ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَهم يَضْحَكُونَ مِنهم جَزاءً بِما كانُوا يَفْعَلُونَ.
ولَمّا كانَ تَبَدُّلُ الأحْوالِ قَرِيبًا عِنْدَهم مِنَ المُحالِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ في تَقْرِيبِ ذَلِكَ: بِرِزْقٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَرْزُقُهُمُوهُ ﴿واللَّهُ﴾ بِعِزِّ سُلْطانِهِ وجَلالِ عَظَمَتِهِ وباهِرِ كَرَمِهِ ﴿يَرْزُقُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ولَوْ كانَ أفْقَرَ النّاسِ وأعْجَزَهم.
ولَمّا كانَ الإعْطاءُ جُزافًا لا يَكُونُ إلّا عَنْ كَثْرَةٍ وبِكَثْرَةٍ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ رِزْقًا لا يُحَدُّ ولا يُعَدُّ، لِأنَّ كُلَّ ما دَخَلَهُ الحَدُّ فَهو مَحْصُورٌ مُتَناهٍ يُعَدُّ، وفي هَذِهِ الأُمَّةِ مَن لا يُحاسِبُهُ اللَّهُ عَلى ما آتاهُ فَهي في (p-١٩٨)حَقِّهِ عَلى حَقِيقَتِها مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ.
البقرة 2:213
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كانَ هَذا الكُفْرُ والتَّزْيِينُ مِن بَدْءِ الأمْرِ أمْ هو شَيْءٌ حَدَثَ فَيَكُونُ حُدُوثُهُ أعْجَبَ؟ فَقِيلَ: لا فَرْقَ عِنْدَ الحَكِيمِ بَيْنَ هَذا وذاكَ، فَإنَّ قُدْرَتَهُ عَلى الكَبِيرِ والصَّغِيرِ والجاهِلِ والعَلِيمِ والطّائِشِ والحَلِيمِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ عَلى أنَّ الواقِعَ أنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ حَدَثَ بَعْدَ البَيانِ والواضِحِ ﴿كانَ النّاسُ﴾ أيْ كُلُّهم ﴿أُمَّةً﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا ويَقْتَدِي بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ أكَّدَ اجْتِماعَهم فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ أيْ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَزَلَّ بَعْضُهم فاخْتَلَفُوا وتَفَرَّقَتْ بِهِمُ السُّبُلُ كَما في آيَةِ يُونُسَ ﴿وما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩] وعَلى هَذا أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ كَما قالَهُ الأصْفَهانِيُّ وقَدْ رَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: عَلى الإسْلامِ كُلُّهم.
(p-١٩٩)﴿فَبَعَثَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ﴿النَّبِيِّينَ﴾ الَّذِينَ رَفَعَهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى بَقِيَّةِ خَلْقِهِ فَأنْبَأهم بِما يُرِيدُ مَن أمْرِهِ وأرْسَلَهم إلى خَلْقِهِ ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن أطاعَ، وهو جارٍ مَجْرى حِفْظِ الصِّحَّةِ، ولِأنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ قَدَّمَ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن عَصى، وذَلِكَ جارٍ مَجْرى إزالَةِ المَرَضِ بِالدَّواءِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْأنْبِياءِ مِنَ الهِدايَةِ شَيْءٌ وإنَّما هم مُسْتَجْلُونَ لِأمْرِ جِبِلّاتِ الخَلْقِ وفِطَرِهِمْ فَيُبَشِّرُونَ مَن فُطِرَ عَلى خَيْرٍ ويُنْذِرُونَ مَن جُبِلَ عَلى شَرٍّ، لا يَسْتَأْنِفُونَ أمْرًا لَمْ يَكُنْ بَلْ يُظْهِرُونَ أمْرًا كانَ مَغِيبًا، وكَذَلِكَ حالُ كُلِّ إمامٍ وعالِمٍ في زَمانِهِ يَمِيزُ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ - انْتَهى.
﴿وأنْـزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ﴾ أيْ كَلامَهُ الجامِعَ لِلْهِدايَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: إبْرامًا لِثَنْيِ الأمْرِ المُضاعَفِ لِيَكُونَ الأمْرُ بِشاهِدِينَ أقْوى مِنهُ بِشاهِدٍ واحِدٍ فَقَدْ كانَ في الرَّسُولِ كِفايَةٌ وفي الكِتابِ وحْدَهُ كِفايَةٌ لَكِنَّ اللَّهَ تَعالى ثَنّى الأمْرَ وجَمَعَ الكِتابَ (p-٢٠٠)والرَّسُولَ لِتَكُونَ لَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ - انْتَهى.
﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الثّابِتِ كُلَّ ثَباتٍ ﴿لِيَحْكُمَ﴾ أيِ اللَّهُ بِواسِطَةِ الكِتابِ ﴿بَيْنَ النّاسِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أُمَّةً واحِدَةً فَسَلَكُوا بِهِمْ بَعْدَ جَهْدِ السَّبِيلِ الأقْوَمِ ثُمَّ ضَلُّوا عَلى عِلْمٍ بَعْدَ مَوْتِ الرُّسُلِ فاخْتَلَفُوا في الدِّينِ لِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ ﴿وما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ أيِ الكِتابِ الهادِي لِلْحَقِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ المُنْزَلِ لِإزالَةِ الِاخْتِلافِ ﴿إلا الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ العالِمُ يَقْبَحُ مِنهُ مُخالَفَةُ العِلْمِ مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَلِّمٍ مَخْصُوصٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ﴿أُوتُوهُ﴾ أيْ فَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ بِأنْ أوْقَعُوا الخِلافَ فِيما أُنْزِلَ لِرَفْعِ الخِلافِ، فَفي هَذا غايَةُ التَّعْجِيبِ وإظْهارُ القُدْرَةِ الباهِرَةِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى ذَلِكَ.
(p-٢٠١)ولَمّا كانَ الخِلافُ رُبَّما كانَ عَنْ أمْرٍ غامِضٍ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ مُشِيرًا بِإثْباتِ الجارِّ إلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ الدَّلائِلُ العَقْلِيَّةُ والنَّقْلِيَّةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِها النُّبُوَّةُ الَّتِي ثَبَتَ بِها الكِتابُ.
قالَ الحَرالِيُّ: الجامِعَةُ لِآياتِ ما في المَحْسُوسِ وآياتِ ما في المَسْمُوعِ، فَلِذَلِكَ كانَتِ البَيِّناتُ مُكَمِّلَةً لِاجْتِماعِ شاهِدَيْها - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ بَيَّنَ أنَّهُ الحَسَدُ والِاسْتِطالَةُ عُدُولًا عَنِ الحَقِّ مَحَبَّةً لِما زَيَّنَ مِنَ الدُّنْيا وتَنافُسًا فِيها فَقالَ: ﴿بَغْيًا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: والبَغْيُ أعْمالُ الحَسَدِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ثَلاثٌ لا يَسْلَمُ مِنهُنَّ أحَدٌ ومِنهُنَّ مُتَحَلِّي الحَسَدِ والطِّيرَةِ والظَّنِّ، فَإذا حَسَدْتَ فَلا تَبْغِ» لِأنَّ الحَسَدَ واقِعٌ في النَّفْسِ كَأنَّها مَجْبُولَةٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ عُذِرَتْ فِيهِ؛ فَإذا اسْتَعْمَلَتْ بِحَسَبِهِ مَقالَها وفِعالِها (p-٢٠٢)كانَتْ باغِيَةً - انْتَهى. وزادَهُ عَجَبًا بِقَوْلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ لا بَغْيًا عَلى غَيْرِهِمْ فَبَدَّلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ.
ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَ الكِتابِ وسَبَّبَهُ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَمُوا عَنِ البَيِّناتِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ﴾ في إسْنادِهِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ كَما قالَ الحَرالِيُّ إعْلامٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن طَوْقِ الخَلْقِ إلّا بِعَوْنٍ وتَوْفِيقٍ مِنَ الحَقِّ - انْتَهى.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِالنَّبِيِّينَ بِبَرَكَةِ إيمانِهِمْ ﴿لِما اخْتَلَفُوا﴾ أيْ أهْلُ الضَّلالَةِ ﴿فِيهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً لِما عَمُوا عَنْهُ (p-٢٠٣)مِنَ الحَقِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الكِتابُ الَّذِي جاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِما ارْتَضاهُ لَهم مِن عِلْمِهِ وإرادَتِهِ وتَمْكِينِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِما فَطَرَهم عَلَيْهِ مِنَ التَّمْكِينِ لِقَبُولِهِ لِأنَّ الإذْنَ أدْناهُ التَّمْكِينُ وإزالَةُ المَنعِ - انْتَهى.
﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن أوْصافِ الكَمالِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: هَذا هُدى أعْلى مِنَ الأوَّلِ كَأنَّ الأوَّلَ هُدًى إلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وهَذا هُدى إلَيْهِ، وفي صِيغَةِ المُضارِعِ بُشْرى لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِدَوامِ هُداهم إلى خَتْمِ اليَوْمِ المُحَمَّدِيِّ
«لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن (p-٢٠٤)أُمَّتِي ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» انْتَهى.
البقرة 2:214
ولَمّا أفْهَمَ ما صَرَّحَ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الِاخْتِلافِ وُقُوعَ العَداواتِ وكانَ في العَداواتِ خَطَرُ الأمْوالِ والأنْفُسِ وكانَ ذَلِكَ أشَقَّ ما يَكُونُ وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ المَدْعُوِّينَ إلى ذَلِكَ إنْ لَمْ يُصَمِّمُوا عَلى الآياتِ كانُوا بَيْنَ مُسْتَثْقَلِينَ لِأمْرِ الرُّسُلِ يَرَوْنَ أنَّهم يُفَرِّقُونَ ما اتَّفَقَ مِنَ الكَلِمَةِ ورَضِيَ بِهِ النّاسُ لِأنْفُسِهِمْ ويُشَتِّتُونَ أمْرَهم مُسْتَثْقَلِينَ لِطُولِ انْتِظارِ الِانْتِصارِ كانَ حالُهم حالَ مَن يَطْلُبُ الرّاحاتِ في ذُرى الجَنّاتِ بِلا مَشَقّاتٍ وذَلِكَ مُحالٌ ومَحْضُ ضَلالٍ، فَإنَّ الثَّباتَ عَلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ لا يَكُونُ إلّا بِاحْتِمالِ شَدائِدِ التَّكالِيفِ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ في جَوابِ ذَلِكَ عُدُولًا عَنْ خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ المَقُولِ لَهُ ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] إلى خِطابِ الأتْباعِ تَشْرِيفًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ ورَفْعًا (p-٢٠٥)لِهِمَمِهِمْ بِالمُواجَهَةِ بِالخِطابِ والتَّأْسِيَةِ بِمَن مَضى مَن أُولِي الألْبابِ تَنْشِيطًا لَهم وتَقْوِيَةً لِعَزائِمِهِمْ: أحَسِبْتُمْ أنّا لا نُرْسِلُ الرُّسُلَ لِتَمْيِيزِ الخَبِيثِ مِنَ الطِّيبِ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ بَعْدَ إرْسالِهِمْ أنَّ الأمْرَ هَيِّنٌ بِأنْ تَنالُوا السَّعادَةَ بِلا اجْتِهادٍ في العِبادَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: هو مِمّا مِنهُ الحُسْبانُ وهو ما تَقَعُ غَلَبَتُهُ فِيما هو مِن نَوْعِ المَفْطُورِ عَلَيْهِ المُسْتَقِرِّ عادَتُهُ، والظَّنُّ الغَلَبَةُ فِيما هو مِنَ المَعْلُومِ المَأْخُوذِ بِالدَّلِيلِ والعِلْمِ؛ فَكَأنَّ ضَعْفَ عِلْمِ العالِمِ ظَنٌّ وضَعْفَ عَقْلِ العاقِلِ حُسْبانٌ - انْتَهى.
وهَذا الَّذِي قَدَّرْتُهُ هو مَعْنى ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ أيِ الَّتِي هي نَعِيمٌ دائِمٌ ”و“ الحالُ أنَّهُ (p-٢٠٦)”لَمّا يَأْتِكم مَثَلُ“ أيْ وصْفُ ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ ولَمّا كانَ القُرْبُ في الزَّمانِ أشَدَّ في التَّأْسِيَةِ أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ يَقُصُّ عَلَيْكم لِتَعْلَمُوا بِهِ أوْ يُصِيبَكم ما أصابَهم مِنَ الأحْوالِ الغَرِيبَةِ والقَضايا العَجِيبَةِ الَّتِي هي في غَرابَتِها كالأمْثالِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وأمْ عَطْفٌ عَلى أُمُورٍ يُفْهِمُها مَبْدَأُ الخِطابِ كَأنَّهُ يَقُولُ: أحَسِبْتُمْ أنْ تُفارِقَ أحْوالُكم أحْوالَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في حِكْمَةِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا إلى ما يَسْتَجِرُّهُ مَعْنى الخِطابِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا في واقِعِ الدُّنْيا مِن شَدائِدِها وحَرِّها وبَرْدِها وضِيقِ عَيْشِها وأنْواعِ أذاها وحالِ البَرْزَخِ وحالِ النَّشْرِ والحَشْرِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ إلى غايَةِ دُخُولِ الجَنَّةِ فَكانَ عِنْدَ انْتِهاءِ ذَلِكَ بادِئَةُ خِطابٍ ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ تَجاوُزًا لِما بَيْنَ أوَّلِ البَعْثِ وغايَةِ دُخُولِ الجَنَّةِ - انْتَهى.
ونَبَّهْتُ لِما الَّتِي فِيها مَعْنى التَّوَقُّعِ لِأنَّها في النَّفْيِ نَظِيرَةُ قَدْ في الإثْباتِ عَلى أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَكُونَ دُخُولُهم (p-٢٠٧)فِي الدِّينِ عَلى بَصِيرَةٍ مِن حُصُولِ الشَّدائِدِ لِكَثْرَةِ المُخالِفِ والمُعانِدِ فَيَكُونُوا مُتَوَقِّعِينَ في كُلِّ وقْتٍ مُكابَدَةَ القَوارِعِ وحُلُولَ الصَّوادِعِ والصَّوارِعِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أجَدَّ في أمْرِهِمْ وأجْدَرَ لَهم بِالثَّباتِ والِارْتِقاءِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ المَثَلُ؟ أُجِيبُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ﴾ أيِ المَصائِبُ في الأمْوالِ ﴿والضَّرّاءُ﴾ أيْ في الأنْفُسِ - نَقَلَهُ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ عَنِ الأزْهَرِيِّ، والأحْسَنُ عِنْدِي عَكْسُهُ، لِأنَّ البَأْسَ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الحَرْبِ والضُّرَّ كَثِيرُ الِاسْتِعْمالِ في الفَقْرِ؛ أيْ جَزاءً لَهم كَما قالَ الحَرالِيُّ عَلى ما غَيَّرُوا مِمّا يَجْلِبُ كُلًّا مِنهُما ولِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ ﴿وزُلْزِلُوا﴾ لِأُمُورٍ باطِنَةٍ مِن خَفايا القُلُوبِ (p-٢٠٨)انْتَهى.
والمَعْنى أنَّهم أُزْعِجُوا بِأنْواعِ البَلايا والرَّزايا والأهْوالِ والأفْزاعِ إزْعاجًا شَدِيدًا شَبِيهًا بِالزَّلْزَلَةِ الَّتِي تَكادُ تَهُدُّ الأرْضَ وتَدُكُّ الجِبالَ ﴿حَتّى يَقُولَ﴾ رَفَعَهُ نافِعٌ عَلى حِكايَةِ الحالِ في وقْتِها بِمَعْنى أنَّ الغايَةَ والمُغَيّا قَدْ وُجِدا ومَضَيا فَهُما ماضِيانِ وكَأنَّكَ تَحْكِي ذَلِكَ حِينَ وُقُوعِهِ مِثْلَ مَن يَقُولُ عَنْ مَرِيضٍ يُشاهِدُهُ: مَرِضَ حَتّى لا يَرْجُونَهُ، فَإنَّ النَّصْبَ بِتَقْدِيرِ أنَّ وهي عِلْمُ الِاسْتِقْبالِ فَهي لا تَنْصِبُ إلّا مُضارِعًا بِمَعْناهُ؛ ونَصَبَهُ الجَماعَةُ عَلى حِكايَةِ الحالِ أيْضًا لَكِنْ بِتَقْدِيرِ أنَّ الزِّلْزالَ مَشاهَدٌ والقَوْلَ مُنْتَظَرٌ حَقَّقَ ذَلِكَ المُتَبَيِّنُ حَتّى يَقُولَ: (p-٢٠٩)﴿الرَّسُولُ﴾ وهو أثْبَتُ النّاسَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ وهُمُ الأثْبَتُ بَعْدَهُ لِطُولِ تَمادِي الزَّمانِ فِيما مَسَّهم وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ وإشارَةً إلى تَكْرِيرِ ذَلِكَ مِن مَقالِهِمْ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَذَكَرَ قَوْلَ الرَّسُولِ الواقِعِ في رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ لا قَوْلَهُ فِيما يَخُصُّهُ في ذاتِهِ وحْدَهُ ومَن هو مِنهُ أوْ مُتَّبِعِهِ، لِأنَّ لِلنَّبِيِّ تَرَتُّبًا فِيما يَظْهَرُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ مَعَ رُتَبِ أُمَّتِهِ، فَكانَ قَوْلُ الرَّسُولِ المُنْبِئِ عَنْ حالِهِمْ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ فَكَأنَّهم في مِثْلِ تَرَقُّبِ المُتَلَدِّدِ الحائِرِ الَّذِي كَأنَّهُ وإنْ وعَدَ بِما هو الحَقُّ يُوقِعُ لَهُ التَّأْخِيرُ صُورَةَ الَّذِي انْبَهَمَ عَلَيْهِ الأمْرُ لِما يَرى مِنِ اجْتِثاثِ أسْبابِ الفَرَجِ، فَفي إشْعارِهِ إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إنَّما يُفَرِّجُ (p-٢١٠)عَنْ أنْبِيائِهِ ومَن مَعَهم بَعْدَ انْقِطاعِ أسْبابِهِمْ مِمَّنْ سِواهُ لِيَمْتَحِنَ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى فَتَتَقَدَّسُ سَرائِرُهم مِنَ الرُّكُونِ لِشَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ وتَتَعَلَّقَ ضَمائِرُهم بِاللَّهِ تَعالى وحْدَهُ حَتّى يَقُولَ ﷺ: «لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ، أنْجَزَ وعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ» إعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ناصِرُهُ دُونَ حِجابٍ ولا وسِيلَةِ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، كَذَلِكَ سُنَّتُهُ مَعَ رُسُلِهِ ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [غافر: ٥١] وعَلى ذَلِكَ جَرَتْ خَوارِقُ العاداتِ لِلْأوْلِياءِ وأهْلِ الكَراماتِ لا يَكادُ يَقَعُ لَهم إلّا عَنْ ضَرُورَةِ قَطْعِ الأسْبابِ، وفي قِراءَةِ النَّصْبِ إعْرابٌ بِأنَّ غايَةَ الزِّلْزالِ القَوْلُ، وفي الرَّفْعِ إعْرابٌ عَنْ غايَةِ الزِّلْزالِ وأنَّهُ أمْرٌ مُبْهَمٌ، لَهُ وقَعَ في البَواطِنِ والظَّواهِرِ، أحَدُ تِلْكَ الظَّواهِرِ وُقُوعُ هَذا القَوْلِ، فَفي الرَّفْعِ إنْباءٌ بِاشْتِدادِ الأمْرِ بِتَأْثِيرِهِ في ظاهِرِ القَوْلِ وما وراءَهُ - انْتَهى.
وهُوَ في النَّصْبِ واضِحٌ فَإنَّ حَتّى مُسَلَّطَةٌ عَلى الفِعْلِ، وأمّا في الرَّفْعِ فَهي مَقْطُوعَةٌ عَنِ الفِعْلِ لِأنَّها لَمْ تَعْمَلْ فِيهِ لِمُضِيِّهِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ في الغايَةِ كُلَّ مَذْهَبٍ ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ شَيْءٌ (p-٢١١)مِن بَيانِها بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ طَلَبَ النَّصْرِ واسْتِبْطاءَ الأمْرِ أجابَهم تَعالى إجابَةَ المُنادِي في حالِ اشْتِدادِ الضُّرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: اسْتِفْتاحًا وتَنْبِيهًا وجَمْعًا لِلْقُلُوبِ لِلسَّماعِ ﴿إنَّ﴾ تَأْكِيدًا وتَثْبِيتًا ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا سَبَبَ لَهُ إلّا العِنايَةُ مِن مَلِكِ المُلُوكِ بَعْدَ قَطْعِ كُلِّ سَبَبٍ مِن دُونِهِ ﴿قَرِيبٌ﴾ لِاسْتِغْنائِهِ عَنْ عُدَّةٍ ومُدَّةٍ، فَفي جُمْلَتِهِ بُشْرى بِإسْقاطِ كُلْفَةِ النَّصْرِ بِالأسْبابِ والعُدَدِ والآلاتِ المُتَعِيَّةِ، والِاسْتِغْناءِ بِتَعَلُّقِ القُلُوبِ بِاللَّهِ، ولِذَلِكَ إنَّما يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضُعَفائِها، لِأنَّ نُصْرَتَها بِتَقْوى القُلُوبِ لا بِمُدافَعَةِ الأجْسامِ، فَلِذَلِكَ تَفْتَحُ خاتِمَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ ”قُسْطَنْطِينِيَّةَ الرُّومِ بِالتَّسْبِيحِ والتَّكْبِيرِ“ قالَ ﷺ: «إنّا إذا نَزَّلَنا بِساحَةِ قَوْمٍ فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ» فانْعَطَفَ ذَلِكَ عَلى ما أرادَهُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى بِأنْبِيائِهِ وأصْفِيائِهِ مِنَ اليُسْرِ الَّذِي كَمالُهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ فَأرادَ بِهِمُ اليُسْرَ في كُلِّ حالٍ - انْتَهى.
وفِي بَعْضِ الآثارِ: إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَكْفِي مُجَرَّدُ ادِّعائِهِمُ الدُّخُولَ في السِّلْمِ بَلْ لا بُدَّ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ بِالصَّبْرِ (p-٢١٢)عَلى ما يَمْتَحِنُهم كَما امْتَحَنَ الأُمَمَ الخالِيَةَ والقُرُونَ الماضِيَةَ، فانْظُرْ هَذا التَّدْرِيبَ في مَصاعِدِ التَّأْدِيبِ، وتَأمَّلْ كَيْفَ أُلْقِيَ إلى العَرَبِ وإنْ كانَ الخِطابُ لِمَن آمَنَ ذِكْرُ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [البقرة: ٢١٢] والجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وهم يُنْكِرُونَهُما إلْقاءَ ما كَأنَّهُ مُحَقَّقٌ لا نِزاعَ فِيهِ تَأْنِيسًا لَهم بِذِكْرِهِما، وانْظُرْ ما في ذَلِكَ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ.
البقرة 2:215
ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ مِن أُصُولِ ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن صِفاتِ المُؤْمِنِينَ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ثُمَّ كَرَّرَ التَّرْغِيبَ فِيها في تَضاعِيفِ الآيِ إلى أنْ أمَرَ بِها في أوَّلِ آياتِ الحَجِّ الماضِيَةِ آنِفًا مَعَ أنَّها مِن دَعائِمِ بِداياتِ الجِهادِ إلى أنْ تَضَمَّنَتْها الآيَةُ السّالِفَةُ مَعَ القَتْلِ الَّذِي هو نِهايَةُ الجِهادِ كانَ هَذا مَوْضِعَ السُّؤالِ عَنْهُما فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ وذَلِكَ مُؤَيِّدٌ لِما فَهِمْتُهُ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في القُرْآنِ أكْثَرُ مِنَ المُرَتَّبِ فَقالَ مُعَلِّمًا لِمَن سَألَ: هَلْ سَألَ المُخاطَبُونَ بِذَلِكَ عَنْهُما؟ ﴿يَسْألُونَكَ ماذا﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ (p-٢١٣)﴿يُنْفِقُونَ﴾ مِنَ الأمْوالِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ مُنَزَّلُ القُرْآنِ عَلى نَحْوِ مُتَصَرِّفِ المَرْءِ في الأزْمانِ كانَ انْتِظامُ خِطابِهِ مُتَراجِعًا بَيْنَ خِطابِ دِينٍ يُتَلَقّى عَنِ اللَّهِ وبَيْنَ إقامَةٍ بِحُكْمٍ يَكُونُ العَبْدُ فِيهِ خَلِيفَةَ اللَّهِ في نَفاذِ أمْرِهِ وبَيْنَ إنْفاقٍ يَكُونُ فِيهِ خَلِيفَةً في إيصالِ فَضْلِهِ، لِأنَّ الشَّجاعَةَ والجُودَ - خِلافَةٌ والجُبْنَ والبُخْلَ عَزْلٌ عَنْها، فَكانَ في طَيِّ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخِطابِ الإحْسانُ والإنْفاقُ، وكانَ حَقُّ ذَلِكَ أنْ لا يَسْألَ عَمّاذا يُنْفِقُ، لِأنَّ المُنْفَقَ هو الفَضْلُ كُلُّهُ، قالَ ﷺ: «يا ابْنَ آدَمَ! إنْ تَبْذُلِ الفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ وإنْ تَمْسِكْهُ شَرٌّ لَكَ» فَفي هَذا السُّؤالِ مِمَّنْ سَألَهُ لَهُ نَوْعُ تَلَدُّدٍ مِن نَحْوِ ما تَقَدَّمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ في أمْرِ البَقَرَةِ مِن مُرادَّةِ المَسْألَةِ، لَمْ يَسْتَأْذِنِ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ أتى بِمالِهِ كُلِّهِ ولا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أتى بِشَطْرِ (p-٢١٤)مالِهِ ولا اسْتَأْذَنَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ حِينَ خَرَجَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَنْ شَطْرِ مالِهِ وإحْدى زَوْجَتَيْهِ؛ فَكانَ في هَذا السُّؤالِ إظْهارُ مَثَلِ الَّذِينَ خَلَوْا مَن قَبْلِهِمْ ولَوْلا أنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ لَكانَ جَوابُهُمْ: تُنْفِقُونَ الفَضْلَ، فَكانَ يَقَعُ واجِبًا ولَكِنَّ اللَّهَ لَطَفَ بِالضَّعِيفِ لِضَعْفِهِ وأثْبَتَ الإنْفاقَ وأبْهَمَ قَدْرَهُ في نَكْسِ الإنْفاقِ بِأنْ يَتَصَدَّقَ عَلى الأجانِبِ مَعَ حاجَةٍ مِنَ الأقارِبِ فَقالَ تَعالى خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ وإعْراضًا مِنهُ عَنِ السّائِلِينَ لِما في السُّؤالِ مِنَ التَّبَلُّدِ الإسْرائِيلِيِّ - انْتَهى.
فَقالَ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مِن مالٍ وعَدَلَ عَنْ بَيانِ المُنْفِقِ ما هو إلى بَيانِ المَصْرِفِ لِأنَّهُ أنْفَعُ عَلى وجْهٍ عُرِفَ مِنهُ سُؤالُهم وهو كُلُّ مالٍ عَدُّوهُ خَيْرًا فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي لِيَكُونَ أشْمَلَ: ﴿ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ فَعَمَّمَ المُنْفَقَ مِنهُ وهو كُلُّ مالِهِ تَعُدُّونَهُ خَيْرًا وخُصَّ المَصْرِفُ مُبَيِّنًا أهَمَّهُ لِأنَّ النَّفَقَةَ (p-٢١٥)لا يُعْتَدُّ بِها إلّا أنْ تَقَعَ مَوْقِعَها فَقالَ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ لِأنَّهُما أخْرَجاهُ إلى الوُجُودِ في عالَمِ الأسْبابِ ﴿والأقْرَبِينَ﴾ لِما لَهم مِنَ الحَقِّ المُؤَكَّدِ بِأنَّهم كالجُزْءِ لِما لَهم مِن قُرْبِ القَرابَةِ ﴿واليَتامى﴾ لِتَعَرُّضِهِمْ لِلضَّياعِ لِضَعْفِهِمْ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّهم أقارِبُ بَعْدَ الأقارِبِ بِاليُتْمِ الَّذِي أوْجَبَ خِلافَةَ الغَيْرِ عَلَيْهِمُ - انْتَهى ﴿والمَساكِينِ﴾ لِمُشارَكَتِهِمُ الأيْتامَ في الضَّعْفِ وقُدْرَتِهِمْ في الجُمْلَةِ عَلى نَوْعِ كَسْبٍ.
(p-٢١٦)قالَ الحَرالِيُّ: وهُمُ المُتَعَرِّضُونَ لُغَةً والمُسْتَتِرُونَ الَّذِينَ لا يُفْطَنُ لَهم ولا يَجِدُونَ ما يُغْنِيهِمْ شَرْعًا ولُغَةً نَبَوِيَّةً - انْتَهى.
﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ لِضِعْفِهِ بِالغُرْبَةِ والآيَةُ مُحْكَمَةٌ فَحُمِلَ ما فِيها عَلى ما يُعارِضُ غَيْرَها.
ولَمّا خَصَّ مَن ذَكَرَ عَمَّمَ وبَشَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مِمّا يُعَدُّ خَيْرًا مِن عَيْنٍ أوْ مَعْنًى مِن هَذا أوْ غَيْرِهِ مَعَ هَؤُلاءِ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً بِكُلِّ شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في مَقامِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لِكَوْنِهِ وكَّلَ الأمْرَ إلى المُنْفِقِينَ وكانَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ الرِّفْقِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ أكَّدَ عِلْمَهُ بِذَلِكَ فَقَدَّمَ بِذَلِكَ فَقَدَّمَ الظَّرْفَ إشارَةً إلى أنَّ لَهُ غايَةَ النَّظَرِ إلى أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ فَقالَ: ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ (p-٢١٧)وهُوَ أوْلى مَن جازى عَلى الخَيْرِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: خَتَمَ بِالعِلْمِ لِأجْلِ دُخُولِ الخَلَلِ عَلى النِّيّاتِ في الإنْفاقِ لِأنَّهُ مِن أشَدِّ شَيْءٍ تَتَباهى بِهِ النَّفْسُ فَيَكادُ لا يَسْلَمُ لَها مِنهُ إلّا ما لا تَعْلَمُهُ شِمالُها الَّتِي هي التِفاتُها وتَباهِيها ويَخْتَصُّ بِيَمِينِها الَّتِي هي صِدْقُها وإخْلاصُها - انْتَهى.
البقرة 2:216
ولَمّا أُخْبِرُوا بِما سَألُوا عَنْهُ مِن إحْدى الخَصْلَتَيْنِ المُضَمَّنَتَيْنِ لِآيَةِ الزِّلْزالِ كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ السُّؤالِ عَنِ الأُخْرى فَأجِيبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ﴾ .
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا التَفَّ حُكْمُ الحَجِّ بِالحَرْبِ تَداخَلَتْ آياتُ اشْتِراكِهِما وكَما تَقَدَّمَ تَأْسِيسُ فَرْضِ الحَجِّ في آيَةِ ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] انْتَظَمَ بِهِ كُتُبُ القِتالِ، والفَرْضُ مِنَ الشَّيْءِ ما يَنْزِلُ بِمَنزِلَةِ الجُزْءِ مِنهُ، والكُتُبُ ما خُرِزَ بِالشَّيْءِ فَصارَ كالوُصْلَةِ فِيهِ، كَما جَعَلَ الصَّوْمَ لِأنَّ في الصَّوْمِ جِهادَ النَّفْسِ كَما أنَّ في القِتالِ جِهادَ العَدُوِّ، فَجَرى ما شَأْنُهُ (p-٢١٨)المُدافَعَةُ بِمَعْنى الكُتُبِ وما شَأْنُهُ العَمَلُ والإقْبالُ بِمَعْنى الفَرْضِ، وهُما مَعْنَيانِ مَقْصُودانِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ تَحِقُّ العِنايَةُ بِتَفَهُّمِهِما لِيَنْزِلَ كُلٌّ مِنَ القَلْبِ في مَحَلِّهِ ويَخْتَصُّ النِّيَّةُ في كُلِّ واحِدٍ عَلى وجْهِهِ وقَدْ كانَ مِن أوَّلِ مَنزِلَةِ آيِ القِتالِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ [الحج: ٣٩] فَكانَ الأوَّلُ إذْنًا لِمَن شَأْنُهُ المُدافَعَةُ عَنِ الدِّينِ بِداعِيَةٍ مِن نَفْسِهِ مِن نَحْوِ ما كانَتِ الصَّلاةُ قَبْلَ الفَرْضِ واقِعَةً مِنَ الأوَّلِينَ بِداعِيَةٍ مِن حُبِّهِمْ لِرَبِّهِمْ ورَغْبَتِهِمْ إلَيْهِ في الخَلْوَةِ بِهِ والأُنْسِ بِمُناجاتِهِ فالَّذِينَ كانَتْ صَلاتُهم حُبًّا كانَ الخِطابُ لَهم بِالقِتالِ إذْنًا لِتَلَفُّتِهِمْ إلَيْهِ في بَذْلِ أنْفُسِهِمْ لِلَّهِ الَّذِينَ كانَ ذَلِكَ حُبًّا لَهم يَطْلُبُونَ الوَفاءَ بِهِ حُبًّا لِلِقاءِ رَبِّهِمْ بِالمَوْتِ كَما أحَبُّوا لِقاءَ رَبِّهِمْ بِالصَّلاةِ ”حِينَ عَقِلُوا“ وأيْقَنُوا أنَّهُ لا راحَةَ لِمُؤْمِنٍ إلّا في لِقاءِ رَبِّهِ، فَكانَ مِن عَمَلِهِمْ لِقاءُ رَبِّهِمْ بِالصَّلاةِ في السِّلْمِ، وطَلَبُ لِقائِهِ بِالشَّهادَةِ ”فِي الحَرْبِ“، فَلَمّا اتَّسَعَ أمْرُ الدِّينِ ودَخَلَتِ الأعْرابُ والأتْباعُ الَّذِينَ لا يَحْمِلُهم صِدْقُ المَحَبَّةِ لِلِقاءِ اللَّهِ عَلى البِدارِ لِلْجِهادِ نَزَلَ كُتُبُهُ كَما نَزَلَ فَرْضُ الصَّلاةِ (p-٢١٩)اسْتِدْراكًا فَقالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ أيْ أيَّتُها الأُمَّةُ! وكانَ في المَعْنى راجِعًا لِهَذا الصِّنْفِ الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنِ النَّفَقَةِ، وبِمَعْنى ذَلِكَ انْتَظَمَتِ الآيَةُ بِما قَبْلَها فَكَأنَّهم يَتَبَلَّدُونَ في الإنْفاقِ تَبَلُّدًا إسْرائِيلِيًّا ويَتَقاعَدُونَ عَنِ الجِهادِ تَقاعُدَ أهْلِ التِّيهِ مِنهُمُ الَّذِينَ قالُوا:
”اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّك فَقاتَلا“ انْتَهى.
﴿وهُوَ كُرْهٌ﴾ وهو ما يُخالِفُ غَرَضَ النَّفْسِ وهَواها، ولَعَلَّهُ لِكَوْنِهِ لَمّا كانَ خَيْرًا عَبَّرَ بِاللّامِ في ﴿لَكُمْ﴾ وهَذا بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ وهو كَما قالَ الحَرالِيُّ عِنْدَ المُحِبِّينَ لِلِقاءِ اللَّهِ مِن أحْلى ما تَنالُهُ أنْفُسُهم حَتّى كانَ يُنازِعُ الرَّجُلَ مِنهم في أنْ يَقِفَ فَيُقْسِمَ عَلى الَّذِي يُمْسِكُهُ أنْ يَدَعَهُ والشَّهادَةَ، قالَ بَعْضُ التّابِعِينَ: لَقَدْ أدْرَكْنا قَوْمًا كانَ (p-٢٢٠)المَوْتُ لَهم أشْهى مِنَ الحَياةِ عِنْدَكُمُ اليَوْمَ وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِما خَرَّبُوهُ مِن دُنْياهم وعَمَّرُوهُ مِن أُخْراهم فَكانُوا يُحِبُّونَ النَّقْلَةَ مِنَ الخَرابِ إلى العِمارَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا مَكْرُوهًا لِما فِيهِ عَلى المالِ مِنَ المَؤُونَةِ وعَلى النَّفْسِ مِنَ المَشَقَّةِ وعَلى الرُّوحِ مِنَ الخَطَرِ مِن حَيْثُ الطَّبْعُ شَهِيًّا لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ بِإحْدى الحُسْنَيَيْنِ مِن حَيْثُ الشَّرْعُ أشارَ إلى ذَلِكَ بِجُمْلَةٍ حالِيَّةٍ فَقالَ: ﴿وعَسى أنْ﴾ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ بَراءَةَ مِن شَرْحِ مَعانِي ”عَسى“ ما يُوَضِّحُ أنَّ المَعْنى: وحالُكم جَدِيرٌ وخَلِيقٌ لِتَغْطِيَةِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْكم بِأنْ ﴿تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ أيْ كالغَزْوِ (p-٢٢١)فَتُعْرِضُوا عَنْهُ لِظَنِّكم أنَّهُ شَرٌّ لَكم ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الظَّفَرِ والغَنِيمَةِ أوِ الشَّهادَةِ والجَنَّةِ فَإنَّكم لا تَعْلَمُونَ والَّذِي كَلَّفَكم ذَلِكَ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ وما كَلَّفَكم ذَلِكَ إلّا لِنَفْعِكم.
قالَ الحَرالِيُّ: فَشَهِدَ - لَهم لَمّا لَمْ يَشْهَدُوا مَشْهَدَ المُوقِنِينَ الَّذِينَ يُشاهِدُونَ غَيْبَ الإيمانِ كَما يَشْهَدُونَ عَنِ الحِسِّ، كَما قالَ ثَعْلَبَةُ: «كَأنِّي أنْظُرُ إلى أهْلِ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ يَنْعَمُونَ وأنْظُرُ إلى أهْلِ النّارِ في النّارِ يُعَذَّبُونَ» ولَمْ يُبْرِمْ لَهُمُ الشَّهادَةَ ولَكِنْ ناطَها بِكَلِمَةِ ”عَسى“ لِما عَلِمَهُ مِن ضَعْفِ قَبُولِ مَن خاطَبَهُ بِذَلِكَ، وفي إعْلامِهِ إلْزامٌ بِتَنَزُّلِ العَلِيِّ الأدْنى رُتْبَةً لِما أظْهَرَ هَذا الخِطابُ مَن تَنَزُّلِ الحَقِّ في مُخاطَبَةِ الخَلْقِ إلى حَدِّ مُجاوَزَةِ المُتَرَفِّقِ في الخِطابِ - انْتَهى.
ولَمّا رَغَّبَهم سُبْحانَهُ وتَعالى في الجِهادِ بِما رِجالُهم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ رَهَّبَهم مِنَ القُعُودِ عَنْهُ بِما يُخْشى فِيهِ مِنَ الشَّرِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأشْعَرَ أنَّ المُتَقاعِدَ لَهُ في تَقاعُدِهِ آفاتٌ وشَرٌّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَيْسَ أنْ لا يَنالَ خَيْرَ الجِهادِ فَقَطْ بَلْ ويَنالُ شَرَّ التَّقاعُدِ والتَّخَلُّفِ - انْتَهى.
(p-٢٢٢)فَقالَ تَعالى: ﴿وعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ أيْ كالقُعُودِ فَتُقْبِلُوا عَلَيْهِ لِظَنِّكم أنَّهُ خَيْرٌ لَكم ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿شَرٌّ لَكُمْ﴾ لِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ والفَقْرِ وحِرْمانِ الغَنِيمَةِ والأجْرِ ولَيْسَ أحَدٌ مِنكم إلّا قَدْ جَرَّبَ مِثْلَ ذَلِكَ مِرارًا في أُمُورِ دُنْياهُ، فَإذا صَحَّ ذَلِكَ في فَرْدٍ صارَ كُلُّ شَيْءٍ كَذَلِكَ في إمْكانِ خَيْرِيَّتِهِ وشَرِّيَّتِهِ فَوَجَبَ تَرْكُ الهَوى والرُّجُوعُ إلى العالِمِ المُنَزَّهِ عَنِ الغَرَضِ ولِذَلِكَ قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ قَدْ حَجَبَ عَنْكم سِرَّ التَّقْدِيرِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ لَهُ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ وقَدْ أخْبَرَكم في صَدْرِ هَذا الأمْرِ أنَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ فَهو لا يَأْمُرُكم إلّا بِخَيْرٍ.
وقالَ الحَرالِيُّ: شَهادَةٌ بِحَقِّ العِلْمِ يُرْجَعُ إلَيْها عِنْدَ الأغْبِياءِ في تَنَزُّلِ الخِطابَ - انْتَهى.
والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ ذِكْرُ الخَيْرِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا وذِكْرُ الشَّرِّ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ مِثْلِهِ أوَّلًا. (p-٢٢٣)ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ وتَعالى شَأْنَهُ العِلْمَ لِنَفْسِهِ نَفاهُ عَنْهم فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم مِن أنْفُسِكم عِلْمٌ وإنَّما عَرَضَ لَكم ذَلِكَ مِن قَبْلِ ما عَلَّمَكم فَثِقُوا بِهِ وبادِرُوا إلى كُلِّ ما يَأْمُرُكم بِهِ وإنْ شَقَّ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَنَفى العِلْمَ عَنْهم لِكَلِمَةِ ”لا“ أيَّ الَّتِي هي لِلِاسْتِقْبالِ حَتّى تُفِيدَ دَوامَ الِاسْتِصْحابِ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] قالَ مِن حَيْثُ رُتْبَةُ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ، وأمّا المُؤْمِنُونَ أيِ الرّاسِخُونَ فَقَدْ عَلَمَّهُمُ اللَّهُ مِن عِلْمِهِ ما عَلِمُوا أنَّ القِتالَ خَيْرٌ لَهم وأنَّ التَّخَلُّفَ شَرٌّ لَهُمُ - انْتَهى.
حَتّى أنَّ عِلْمَهم ذَلِكَ أفاضَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ما يُفِيضُ الدُّمُوعَ ويُنِيرُ القُلُوبَ، حَتّى «شاوَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في التَّوَجُّهِ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ فَقامَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ وأحْسَنَ، ثُمَّ قامَ المِقْدادُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! امْضِ لِما أراكَ اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَكَ، واللَّهِ لا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] (p-٢٢٤)ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا مَعَكُما مُقاتِلُونَ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوْ سِرْتَ إلى بَرْكِ الغِمادِ لَجالَدْنا مَعَكَ مِن دُونِهِ حَتّى تَبْلُغَهُ؛ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْرًا ودَعا لَهُ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أشِيرُوا عَلَيَّ أيُّها النّاسُ! فَقالَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأنْصارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: واللَّهِ لَكَأنَّكَ تُرِيدُنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: أجَلْ، قالَ: فَقَدْ آمَنّا بِكَ وصَدَّقْناكَ وشَهِدْنا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ هو الحَقُّ وأعْطَيْناكَ عَلى ذَلِكَ عُهُودَنا ومَواثِيقَنا عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ، فامْضِ يا رَسُولَ اللَّهِ لِما أرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ. فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ! لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنا هَذا البَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْناهُ مَعَكَ! ما تَخَلَّفَ مِنّا رَجُلٌ واحِدٌ، وما نَكْرَهُ أنْ تَلْقى بِنا عَدُوَّنا غَدًا! إنّا لَصُبُرٌ في الحَرْبِ صُدُقٌ في اللِّقاءِ، لَعَلَّ اللَّهَ يُرِيكَ مِنّا ما تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ بِنا عَلى بَرَكَةِ اللَّهِ تَعالى» .
البقرة 2:217
ولَمّا أخْبَرَهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِإيجابِ القِتالِ عَلَيْهِمْ مُرْسَلًا في جَمِيعِ الأوْقاتِ وكانَ قَدْ أمَرَهم فِيما مَضى بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ ثَقِفُوهم ثُمَّ قَيَّدَ عَلَيْهِمْ في القِتالِ في المَسْجِدِ الحَرامِ كانَ بِحَيْثُ يَسْألُ هُنا: هَلِ (p-٢٢٥)الأمْرُ في الحَرَمِ والحَرامِ كَما مَضى أمْ لا؟ وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ نَسَبُوهم في سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّتِي قَتَلُوا فِيها مِنَ المُشْرِكِينَ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ إلى التَّعَدِّي بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ واشْتَدَّ تَعْيِيرُهم لَهم بِهِ فَكانَ مَوْضِعُ السُّؤالِ: هَلْ سَألُوا عَمّا عَيَّرَهم بِهِ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ؟ فَقالَ مُخْبِرًا عَنْ سُؤالِهِمْ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ أيْ أهْلُ الإسْلامِ لا سِيَّما أهْلَ سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم ﴿عَنِ (p-٢٢٣)الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ فَلَمْ يُعَيِّنِ الشَّهْرَ وهو رَجَبٌ لِيَكُونَ أعَمَّ، وسُمِّيَتِ الحُرُمَ لِتَعْظِيمِ حُرْمَتِها حَتّى حَرَّمُوا القِتالَ فِيها، فَأبْهَمَ المُرادُ مِنَ السُّؤالِ لِيَكُونَ لِلنَّفْسِ إلَيْهِ التِفاتٌ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِبَدَلِ الِاشْتِمالِ في قَوْلِهِ: ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ ثُمَّ أمَرَ بِالجَوابِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ﴾ أيَّ قِتالٍ كانَ فالمُسَوِّغُ العُمُومُ.
ولَمّا كانَ مُطْلَقُ القِتالِ فِيهِ في زَعْمِهِمْ لا يَجُوزُ حَتّى ولا لِمُسْتَحَقِّ القَتْلِ وكانَ في الواقِعِ القِتالُ عُدْوانًا فِيهِ أكْبَرُ مِنهُ في غَيْرِهِ قالَ: ﴿كَبِيرٌ﴾ أيْ في الجُمْلَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المُؤْمِنِينَ في غايَةِ السَّعْيِ في تَسْهِيلِ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسُوا مِنَ الصَّدِّ عَنْهُ ولا مِنَ الكُفْرِ في شَيْءٍ لَمْ يُشْكِلْ أنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ هو لِلْكُفّارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وصَدٌّ﴾ أيَّ صَدٍّ كانَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ أيِ الَّذِي هو دِينُهُ المُوصِلُ إلَيْهِ أيْ إلى رِضْوانِهِ، أوِ البَيْتِ الحَرامِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّى الحَجَّ سَبِيلَ اللَّهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والصَّدُّ صَرْفٌ إلى ناحِيَةٍ بِإعْراضٍ وتَكَرُّهٍ، والسَّبِيلُ طَرِيقُ الجادَّةِ السّابِلَةِ عَلَيْهِ الظّاهِرُ لِكُلِّ سالِكٍ (p-٢٢٧)مَنهَجُهُ ﴿وكُفْرٌ بِهِ﴾ أيَّ كُفْرٍ كانَ، أيْ بِالدِّينِ، أوْ بِذَلِكَ الصَّدِّ أيْ بِسَبَبِهِ فَإنَّهُ كُفْرٌ إلى كُفْرِهِمْ، وحُذِفَ الخَبَرُ لِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دَلالَةً بَيِّنَةً لِمَن أمْعَنَ النَّظَرَ وهو أكْبَرُ أيْ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، والتَّقْيِيدُ فِيما يَأْتِي بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَبِيرٌ﴾ في زَعْمِهِمْ وفي الجُمْلَةِ لا أنَّهُ مِنَ الكَبائِرِ.
ولَمّا كانَ في تَقَدُّمِ الإذْنِ بِالقِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وفي المَسْجِدِ الحَرامِ بِشَرْطٍ كَما مَضى كانَ مِمّا يُوجِبُ السُّؤالَ عَنِ القِتالِ فِيهِ في الجُمْلَةِ بِدُونِ ذَلِكَ الشَّرْطِ أوْ بِغَيْرِهِ تَوَقُّعًا لِلْإطْلاقِ لا سِيَّما والسُّرِّيَّةُ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وهي سُرِّيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ كانَ الكَلامُ فِيها كَما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما فَإنَّهُ قالَ: إنَّهم لَقُوا الكُفّارَ الَّذِينَ قَتَلُوا مِنهم وأسَرُوا وأخَذُوا عِيرَهم في آخِرِ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ فَهابُوهم فَلَطُفُوا لَهم حَتّى سَكَنُوا فَتَشاوَرُوا في أمْرِهِمْ وقالُوا: لَئِنْ تَرَكْتُمُوهم (p-٢٢٨)هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الحَرَمَ ولَئِنْ قَتَلْتُمُوهم لَتَقْتُلُنَّهم في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَتَرَدَّدُوا ثُمَّ شَجَّعُوا أنْفُسَهم فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا فَعَيَّرَهُمُ المُشْرِكُونَ بِذَلِكَ فاشْتَدَّ تَعْيِيرُهم لَهم واشْتَدَّ قَلَقُ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ لا سِيَّما أهْلَ السُّرِّيَّةِ مِن ذَلِكَ ولا شَكَّ أنَّهم أخْبَرُوا النَّبِيَّ ﷺ بِكُلِّ ذَلِكَ فَإخْبارُهم لَهُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ كافٍ في عِدَّةِ سُؤالاتِهِمْ فَضْلًا عَنْ دَلالَةِ ما مَضى عَلى التَّشَوُّفِ إلى السُّؤالِ عَنْهُ لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿والمَسْجِدِ﴾ أيْ ويَسْألُونَك عَنِ المَسْجِدِ ﴿الحَرامِ﴾ أيِ الحَرَمِ الَّذِي هو لِلصَّلاةِ والعِبادَةِ بِالخُضُوعِ لا لِغَيْرِ ذَلِكَ ﴿قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ عِنْدَكم عَلى نَحْوِ ما مَضى ثُمَّ ابْتَدَأ قائِلًا: ﴿وإخْراجُ﴾ كَما ابْتَدَأ قَوْلَهُ: ﴿وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقالَ: ﴿أهْلِهِ﴾ أيِ المَسْجِدِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهم في القِدَمِ وهم أوْلى النّاسِ بِهِ ﴿مِنهُ أكْبَرُ﴾ أيْ مِنَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ خَطَأٌ وبِناءٌ عَلى الظَّنِّ والقَتْلِ فِيهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا (p-٢٢٩)فَقَدْ حَذَفَ مِن كُلِّ جُمْلَةٍ ما دَلَّ عَلَيْهِ ما ثَبَتَ في الأُخْرى فَهو مِن وادِي الِاحْتِباكِ، وسِرُّ ما صَنَعَ في هَذا المَوْضِعِ مِنَ الِاحْتِباكِ أنَّهُ لَمّا كانَ القِتالُ في الشَّهْرِ الحَرامِ قَدْ وقَعَ مِنَ المُسْلِمِينَ حِينَ هَذا السُّؤالِ في سُرِّيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ أبْرَزَ السُّؤالَ عَنْهُ والجَوابَ، ولَمّا كانَ القِتالُ في المَسْجِدِ الحَرامِ لَمْ يَقَعْ بَعْدُ وسَيَقَعُ مِنَ المُسْلِمِينَ أيْضًا عامَ الفَتْحِ طَواهُ وأضْمَرَهُ، ولَمّا كانَ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي هو البَيْتُ والكُفْرُ الواقِعُ بِسَبَبِهِ لَمْ يَقَعْ وسَيَقَعُ مِنَ الكُفّارِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ أخْفى خَبَرَهُ وقَدَّرَهُ، ولَمّا كانَ الإخْراجُ قَدْ وقَعَ مِنهم ذَكَرَ خَبَرَهُ وأظْهَرَهُ؛ فَأظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما أبْرَزَهُ عَلى يَدِ الحَدَثانِ، وأضْمَرَ ما أضْمَرَهُ في صَدْرِ الزَّمانِ، وصَرَّحَ بِما صَرَّحَ بِهِ لِسانُ الواقِعِ، ولَوَّحَ إلى ما لَوَّحَ إلَيْهِ صارِمُ الفَتْحِ القاطِعِ - واللَّهُ الهادِي.
والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمُ كُلُّهُ، قالَ الماوَرْدِيُّ مِن أصْحابِنا: كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ فِيهِ المَسْجِدَ الحَرامَ فالمُرادُ بِهِ الحَرَمُ إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] فَإنَّ المُرادَ بِهِ الكَعْبَةُ - نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ المُلَقِّنِ.
وقالَ غَيْرُهُ: إنَّهُ يُطْلَقُ أيْضًا عَلى نَفْسِ مَكَّةَ مِثْلَ ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا (p-٢٢٧)مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] فَإنَّ في بَعْضِ طُرُقِ البُخارِيِّ: «فُرِّجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بِمَكَّةَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ - إلى أنْ قالَ: ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ» ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى نَفْسِ المَسْجِدِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾ [الحج: ٢٥]
ولَمّا كانَ كُلُّ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ الكُفّارِ فِتْنَةً كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أكْبَرُ، لِأنَّ ذَلِكَ فِتْنَةٌ ﴿والفِتْنَةُ﴾ أيْ بِالكُفْرِ والتَّكْفِيرِ بِالصَّدِّ والإخْراجِ وسائِرِ أنْواعِ الأذى الَّتِي تَرْتَكِبُونَها بِأهْلِ اللَّهِ في الحَرَمِ والأشْهُرِ الحُرُمِ ﴿أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ ولَوْ كانَ في الشَّهْرِ الحَرامِ لِأنَّ هَمَّهُ يَزُولُ وغَمَّها يَطُولُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وقَدْ فَتَنُوكم وقاتَلُوكم وكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمًا بِأنَّهم إنْ تَراخَوْا في قِتالِهِمْ لِيَتْرُكُوا الكُفْرَ لَمْ يَتَراخَوْا هم في قِتالِهِمْ (p-٢٣١)لِيَتْرُكُوا الإسْلامَ وكانَ أشَدُّ الأعْداءِ مَن إذا تَرَكْتَهُ لَمْ يَتْرُكْكَ قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ قِتالَكم كُلَّما لاحَتْ لَهم فُرْصَةٌ.
ولَمّا كانَ قِتالُهم إنَّما هو لِتَبْدِيلِ الدِّينِ الحَقِّ بِالباطِلِ عَلَّلَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾ ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّهُ هَيِّنٌ عَلَيْهِمْ لِقِلَّةِ المُسْلِمِينَ وضَعْفِهِمْ تَصَوَّرُوهُ غايَةً لا بُدَّ مِنِ انْتِهائِهِمْ إلَيْها، فَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الغايَةِ،
﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ أيْ كافَّةً ما بَقِيَ مِنكم واحِدٌ ﴿عَنْ دِينِكُمْ﴾ الحَقِّ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ ﴿حَتّى﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ بِقَوْلِهِ مُخَوِّفًا مِنَ التَّوانِي عَنْهم فَيَسْتَحْكِمُ كَيْدُهم مُلْهِبًا لِلْأخْذِ في الجِدِّ في حَرْبِهِمْ وإنْ كانَ يُشْعِرُ بِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ: ﴿إنِ اسْتَطاعُوا﴾ أيْ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا، (p-٢٣٢)فَأنْتُمْ أحَقُّ بِأنْ لا تَزالُوا كَذَلِكَ، لِأنَّكم قاطِعُونَ بِأنَّكم عَلى الحَقِّ وأنَّكم مَنصُورُونَ وأنَّهم عَلى الباطِلِ وهم مَخْذُولُونَ؛ ولا بُدَّ وإنْ طالَ المَدى لِاعْتِمادِكم عَلى اللَّهِ واعْتِمادِهِمْ عَلى قُوَّتِهِمْ، ومَن وُكِلَ إلى نَفْسِهِ ضاعَ؛ فالأمْرُ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم أشَدُّ مِنَ الكَلامِ فَيَنْبَغِي الِاسْتِعْدادُ لَهُ بِعُدَّتِهِ والتَّأهُّبُ لَهُ بِأُهْبَتِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُلْتَفَتَ إلى التَّأثُّرِ بِكَلامِهِمُ الَّذِي تُوحِيهِ إلَيْهِمُ الشَّياطِينُ طَعْنًا في الدِّينِ وصَدًّا عَنِ السَّبِيلِ وشُبَهِهِمُ الَّتِي أضَلُّوا عَلَيْهِمْ دِينَهم ولا أصْلَ لَها، وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنَ الرِّدَّةِ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّ القِتالَ عَلى الدِّينِ لَمْ يَنْقَضِ إلّا بَعْدَ الفُرُوغِ مِن أمْرِهِمْ.
قالَ الحَرالِيُّ: الِاسْتِطاعَةُ مُطاوَعَةُ النَّفْسِ في العَمَلِ وإعْطاؤُها الِانْقِيادَ فِيهِ، ثُمَّ قالَ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ طائِفَةً تَرْتَدُّ عَنْ دِينِها وطائِفَةً تَثْبُتُ، لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لا يَخْرُجُ في بَتِّهِ واشْتِراطِهِ إلّا لِمَعْنًى واقِعٍ لِنَحْوٍ ما ويُوَضِّحُهُ تَصْرِيحُ الخِطابِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ﴾ إلى آخِرِهِ؛ وهو مِنَ الرِّدَّةِ ومِنهُ الرِّدَّةُ وهو كَفٌّ بِكُرْهٍ لِما شَأْنُهُ الإقْبالُ بِوَفْقٍ - انْتَهى.
وكانَ صِيغَةُ الِافْتِعالِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّكَلُّفِ والعِلاجِ إشارَةً إلى أنَّ الدِّينَ لا يُرْجَعُ عَنْهُ إلّا بِإكْراهِ النَّفْسِ لِما في مُفارَقَةِ الإلْفِ مِنَ الألَمِ؛ وإجْماعُ القُرّاءِ عَلى الفَكِّ هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الحُبُوطَ (p-٢٣٣)مَشْرُوطٌ بِالكُفْرِ ظاهِرًا بِاللِّسانِ وباطِنًا بِالقَلْبِ فَهو مُلِيحٌ بِالعَفْوِ عَنْ نُطْقِ اللِّسانِ مَعَ طُمَأْنِينَةِ القَلْبِ، وأشارَتْ قِراءَةُ الإدْغامِ في المائِدَةِ إلى أنَّ الصَّبْرَ أرْفَعُ دَرَجَةٍ مِنَ الإجابَةِ بِاللِّسانِ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطْمَئِنًّا.
ولَمّا حَماهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِإضافَةِ الدِّينِ إلَيْهِمْ بِأنَّهم يُرِيدُونَ سَلْبَهم ما اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِحَقِّيَّتِهِ ورَدِّهم قَهْرًا إلى ما رَغِبُوا عَنْهُ لِبُطْلانِهِ خَوَّفَهم مِنَ التَّراخِي عَنْهم حَتّى يَصِلُوا إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ ما يَقْصِدُونَهُ مِنَ الرِّدَّةِ ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ وعَطَفَ عَلى الشَّرْطِ قَوْلَهُ: ﴿فَيَمُتْ﴾ أيْ فَيَتَعَقَّبُ رِدَّتَهُ أنَّهُ يَمُوتُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ (p-٢٣٤)والحالُ أنَّهُ ﴿كافِرٌ﴾
ولَمّا أفْرَدَ الضَّمِيرَ عَلى اللَّفْظِ نَصًّا عَلى كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ جَمَعَ لِأنَّ إخْزاءَ الجَمْعِ إخْزاءٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنهم ولا عَكْسَ، وقَرَنَهُ بِفاءِ السَّبَبِ إعْلامًا بِأنَّ سُوءَ أعْمالِهِمْ هو السَّبَبُ في وبالِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ أيْ بَطَلَتْ مَعانِيها وبَقِيَتْ صُوَرُها؛ مِن حَبِطَ الجُرْحُ إذا بَرَأ ونُفِيَ أثَرُهُ.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الحَبَطِ وهو فَسادٌ في الشَّيْءِ الصّالِحِ يَأْتِي عَلَيْهِ مِن وجْهٍ يُظَنُّ بِهِ صَلاحُهُ وهو في الأعْمالِ بِمَنزِلَةِ البَطْحِ في الشَّيْءِ القائِمِ الَّذِي يُقْعِدُهُ عَنْ قِيامِهِ كَذَلِكَ الحَبَطُ في الشَّيْءِ الصّالِحِ يُفْسِدُهُ عَنْ وهْمِ صَلاحِهِ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِزَوالِ ما فِيها مِن رُوحِ الأُنْسِ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَطِيفِ الوُصْلَةِ بِهِ وسُقُوطِ إضافَتِها إلَيْهِمْ إلّا مَقْرُونَةً بِبَيانِ حُبُوطِها فَقَطْ بَطَلَ ما كانَ لَها مِنَ الإقْبالِ مِنَ الحَقِّ (p-٢٣٥)والتَّعْظِيمِ مِنَ الخَلْقِ ﴿والآخِرَةِ﴾ بِإبْطالِ ما كانَ يَسْتَحِقُّ عَلَيْها مِنَ الثَّوابِ بِصادِقِ الوَعْدِ.
ولَمّا كانَتِ الرِّدَّةُ أقْبَحَ أنْواعِ الكُفْرِ كَرَّرَ المُناداةَ بِالبُعْدِ عَلى أهْلِها فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾ فَدَلَّ بِالصُّحْبَةِ عَلى أنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِها فَهم غَيْرُ مُنْفَكِّينَ مِنها.
ولَمّا كانُوا كَذَلِكَ كانُوا كَأنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِها دُونَ غَيْرِهِمْ لِبُلُوغِ ما لَهم فِيها مِنَ السُّفُولِ إلى حَدٍّ لا يُوازِيهِ غَيْرُهُ فَتَكُونُ لِذَلِكَ اللَّحْظِ لَهم بِالأيّامِ مِن غَيْرِهِمْ فَقالَ تَقْرِيرًا لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ أيْ مُقِيمُونَ إقامَةً لا آخِرَ لَها، وهَذا الشَّرْطُ مُلَوِّحٌ إلى ما وقَعَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّدَّةِ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا ساقَ شَيْئًا مَساقَ الشَّرْطِ اقْتَضى أنَّهُ سَيَقَعُ شَيْءٌ مِنهُ فَيَكُونُ المَعْنى: ومَن يَرْتَدَّ فَيَتُبْ عَنْ رِدَّتِهِ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما وقَعَ لِأكْثَرِهِمْ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِما قَدْ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ إشارَةً إلى أنَّ عَذابَ غَيْرِهِمْ (p-٢٣٦)عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلى عَذابِهِمْ لِأنَّ كُفْرَهم أفْحَشُ أنْواعِ الكُفْرِ.
البقرة 2:218
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَقْطُوعَ لَهم بِالنّارِ بَيَّنَ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِرَجاءِ الجَنَّةِ لِئَلّا يَزالَ العَبْدُ هارِبًا مِن مُوجِباتِ النّارِ مُقْبِلًا عَلى مُرْجِئاتِ الجَنَّةِ خَوْفًا مِن أنْ يَقَعَ فِيما يُسْقِطُ رَجاءَهُ -
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ أمْرَ المُتَزَلْزِلِينَ ذَكَرَ أمْرَ الثّابِتِينَ؛ انْتَهى - فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ.
ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ الَّتِي هي فِراقُ المَأْلُوفِ والجِهادُ الَّذِي هو المُخاطَرَةُ بِالنَّفْسِ في مُفارَقَةِ وطَنِ البَدَنِ والمالِ في مُفارَقَةِ وطَنِ النِّعْمَةِ أعْظَمَ الأشْياءِ عَلى النَّفْسِ بَعْدَ مُفارَقَةِ وطَنِ الدِّينِ كَرَّرَ لَهُما المَوْصُولَ إشْعارًا (p-٢٣٧)بِاسْتِحْقاقِهِما لِلصّالَّةِ في أنْفُسِهِما فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلْمَعْنى بِالإخْراجِ في صِيغَةِ المُفاعَلَةِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا المُهاجَرَةَ بِأنْ فارَقُوا بُغْضًا ونَفْرَةً تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ بِذَلِكَ دِيارَهم ومَن خالَفَهم فِيهِ مِن أهْلِهِمْ وأحْبابِهِمْ.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ المُهاجَرَةِ وهو مُفاعَلَةٌ مِنَ الهِجْرَةِ وهو التَّخَلِّي عَمّا شَأْنُهُ الِاغْتِباطُ بِهِ لِمَكانِ ضَرَرٍ مِنهُ ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا المُجاهَدَةَ، مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَهْدِ - فَتْحًا وضَمًّا، وهو الإبْلاغُ في الطّاقَةِ والمَشَقَّةِ في العَمَلِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ كُلَّ مَن خالَفَهم ﴿أُولَئِكَ﴾ العالُّو الرُّتْبَةِ العَظِيمُو الزُّلْفى والقُرْبَةِ ولَمّا كانَ أجْرُهم إنَّما هو مِن فَضْلِ اللَّهِ قالَ: ﴿يَرْجُونَ﴾ مِنَ الرَّجاءِ وهو تَرَقُّبُ الِانْتِفاعِ بِما تَقَدَّمَ لَهُ سَبَبُ ما - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ (p-٢٣٨)أيْ إكْرامُهُ لَهم غَيْرَ قاطِعِينَ بِذَلِكَ عِلْمًا مِنهم أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ فَلا كُفُؤَ لَهُ وهم غَيْرُ قاطِعِينَ بِمَوْتِهِمْ مُحْسِنِينَ، قاطِعُونَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَوْ أخَذَهم بِما يَعْلَمُ مِن ذُنُوبِهِمْ عَذَّبَهم.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ فَهو لا يَزالُ في فِعْلِ ما إنْ أُوخِذَ بِهِ هَلَكَ قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ مُبَشِّرًا بِسِعَةِ الحِلْمِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِن واوِ ﴿يَرْجُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ويَخافُونَ عَذابَهُ فاللَّهُ مُنْتَقِمٌ عَظِيمٌ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِما فَرَطَ مِنهم مِنَ الصَّغائِرِ أوْ تابُوا عَنْهُ مِنَ الكَبائِرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ فاعِلٌ بِهِمْ فِعْلَ الرّاحِمِ مِنَ الإحْسانِ والإكْرامِ والِاسْتِقْبالِ بِالرِّضا.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي الخَتْمِ بِالرَّحْمَةِ أبَدًا في خَواتِمِ الآيِ إشْعارٌ بِأنَّ (p-٢٣٩)فَضْلَ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ابْتِداءُ فَضْلٍ لَيْسَ في الحَقِيقَةِ جَزاءَ العَمَلِ فَكَما يَرْحَمُ العَبْدُ طِفْلًا ابْتِداءً يَرْحَمُهُ كَهْلًا انْتِهاءً ويَبْتَدِئُهُ بِرَحْمَتِهِ في مَعادِهِ كَما ابْتَدَأهُ بِرَحْمَتِهِ في ابْتِدائِهِ - انْتَهى بِالمَعْنى.
البقرة 2:219
ولَمّا كانَ الشَّرابُ مِمّا أُذِنَ فِيهِ في لَيْلِ الصِّيامِ وكانَ غالِبُ شَرابِهِمُ النَّبِيذَ مِنَ التَّمْرِ والزَّبِيبِ وكانَتْ بِلادُهم حارَّةً فَكانَ رُبَّما اشْتَدَّ فَكانَ عائِقًا عَنِ العِبادَةِ لا سِيَّما الجِهادَ لِأنَّ السَّكْرانَ لا يُنْتَفَعُ بِهِ في رَأْيٍ ولا بَطْشٍ ولَمْ يَكُنْ ضَرُورِيًّا في إقامَةِ البَدَنِ كالطَّعامِ آخِرَ بَيانِهِ إلى أنْ فَرَغَ مِمّا هو أوْلى مِنهُ بِالإعْلامِ وخَتَمَ الآياتِ المُتَخَلِّلَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ آياتِ الإذْنِ بِما بَدَأها بِهِ مِنَ الجِهادِ ونَصَّ فِيها عَلى أنَّ فاعِلَ أجَدِّ الجِدِّ وأُمَّهاتِ الأطايِبِ مِنَ الجِهادِ وما ذَكَرَ مَعَهُ في مَحَلِّ الرَّجاءِ لِلرَّحْمَةِ فاقْتَضى الحالُ السُّؤالَ: هَلْ سَألُوا عَنْ أهْزَلِ الهَزْلِ وأُمَّهاتِ الخَبائِثِ؟ فَقالَ مُعَلِّمًا بِسُؤالِهِمْ عَنْهُ مُبَيِّنًا لِما اقْتَضاهُ الحالُ مِن حِلْمِهِ فَيَبْقى ما عَداهُ عَلى الإباحَةِ المَحْضَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ﴾ الَّذِي هو أحَدُ ما غَنِمَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في سُرِّيَّتِهِ الَّتِي أُنْزِلَتِ (p-٢٤٠)الآياتُ السّالِفَةُ بِسَبَبِها.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو مِمّا مِنهُ الخَمَرُ - بِفَتْحِ المِيمِ - وهو ما وارى مِن شَجَرٍ ونَحْوِهِ، فالخَمْرُ - بِالسُّكُونِ - فِيما يَسْتَبْطِنُ بِمَنزِلَةِ الخَمَرِ - بِالفَتْحِ - فِيما يَسْتَظْهِرُ، كَأنَّ الخَمْرَ يُوارِي ما بَيْنَ العَقْلِ المُسْتَبْصِرِ مِنَ الإنْسانِ وبَهِيمِيَّتِهِ العَجْماءِ، وهي ما أسْكَرَ مِن أيِّ شَرابٍ كانَ سَواءٌ فِيهِ القَلِيلُ والكَثِيرُ ﴿والمَيْسِرِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: اسْمُ مُقامَرَةٍ كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَعْمَلُ بِها لِقَصْدِ انْتِفاعِ الضُّعَفاءِ وتَحْصِيلِ ظَفَرِ المُغالَبَةِ - انْتَهى.
وقَرَنَهُما سُبْحانَهُ وتَعالى لِتَآخِيهِما في الضَّرَرِ بِالجِهادِ وغَيْرِهِ (p-٢٤١)بِإذْهابِ المالِ مَجّانًا عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ ما بَيَّنَ سُبْحانِهِ وتَعالى مِنَ المُؤاخاةِ بَيْنَهُما هُنا وفي المائِدَةِ وإنْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى اقْتَصَرَ هُنا عَلى ضَرَرِ الدِّينِ وهو الإثْمُ لِأنَّهُ أُسٌّ يَتْبَعُهُ كُلُّ ضَرَرٍ فَقالَ في الجَوابِ: ﴿قُلْ فِيهِما﴾ أيْ في اسْتِعْمالِهِما ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ لِما فِيهِما مِنَ المُساوِي المُنابِذَةِ لِمَحاسِنِ الشَّرْعِ مِنَ الكَذِبِ والشَّتْمِ وزَوالِ العَقْلِ واسْتِحْلالِ مالِ الغَيْرِ فَهَذا مُثْبِتٌ لِلتَّحْرِيمِ بِإثْباتِ الإثْمِ ولِأنَّهُما مِنَ الكَبائِرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: في قِراءَتَيِ الباءِ المُوَحَّدَةِ والمُثَلَّثَةِ إنْباءٌ عَنْ مَجْمُوعِ الأمْرَيْنِ مِن كِبَرِ المِقْدارِ وكَثْرَةِ العَدَدِ وواحِدٌ مِن هَذَيْنِ مِمّا يَصُدُّ ذا الطَّبْعِ الكَرِيمِ والعَقْلِ الرَّصِينِ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَنِ الإثْمِ الصَّغِيرِ القَلِيلِ فَكَيْفَ عَنِ الكَبِيرِ الكَثِيرِ - انْتَهى.
﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ يَرْتَكِبُونَهُما لِأجْلِها مِنَ التِّجارَةِ في الخَمْرِ واللَّذَّةِ بِشُرْبِها، ومِن أخْذِ (p-٢٤٢)المالِ الكَثِيرِ في المَيْسِرِ وانْتِفاعِ الفُقَراءِ وسَلْبِ الأمْوالِ والِافْتِخارِ عَلى الأبْرامِ والتَّوَصُّلِ بِهِما إلى مُصادَقاتِ الفِتْيانِ ومُعاشَراتِهِمْ والنَّيْلِ مِن مَطاعِمِهِمْ ومَشارِبِهِمْ وأُعْطِيّاتِهِمْ ودَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ فَكَيْفَ ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ وفي هَذا كَما قالَ الحَرالِيُّ تَنْبِيهٌ عَلى النَّظَرِ في تَفاوُتِ الخَيْرَيْنِ وتَفاوُتِ الشَّرَّيْنِ - انْتَهى.
قالَ أبُو حاتِمٍ أحْمَدُ بْنُ أحْمَدَ الرّازِيُّ في كِتابِ الزِّينَةِ: وقالَ بَعْضُ أهْلِ المَعْرِفَةِ: والنَّفْعُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في المَيْسِرِ أنَّ العَرَبَ في الشِّتاءِ والجَدْبِ كانُوا يَتَقامَرُونَ بِالقِداحِ عَلى الإبِلِ ثُمَّ يَجْعَلُونَ لُحُومَها لِذَوِي الفَقْرِ والحاجَةِ فانْتَفَعُوا واعْتَدَلَتْ أحْوالُهُمْ؛ قالَ الأعْشى في ذَلِكَ:
؎المُطْعِمُو الضَّيْفِ إذا ما شَتُّوا والجاعِلُو القُوتِ عَلى الياسِرِ
انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: وكانُوا يَدْفَعُونَها لِلْفُقَراءِ ولا يَأْكُلُونَ مِنها ويَفْتَخِرُونَ بِذَلِكَ ويَذُمُّونَ مَن لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ ويُسَمُّونَهُ البَرِمَ، وبَيانَ المُرادِ مِنَ المَيْسِرِ عَزِيزُ الوُجُودِ مُجْتَمًّا وقَدِ اسْتَقْصَيْتُ ما قَدَرْتُ عَلَيْهِ (p-٢٤٣)مِنهُ إتْمامًا لِلْفائِدَةِ قالَ المُجِدُّ الفَيْرُوزُ آبادِيُّ في قامُوسِهِ: والمَيْسِرُ اللَّعِبُ بِالقِداحِ، يَسَرَ يَيْسَرُ، أوِ الجَزُورُ الَّتِي كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلَيْها، أوِ النَّرْدُ أوْ كُلُّ قِمارٍ - انْتَهى.
وقالَ صاحِبُ كِتابِ الزِّينَةِ: وجَمْعُ الياسِرِ يُسُرٌ وجَمْعُ اليُسْرِ أيْسارٌ فَهو جَمْعُ الجَمْعِ مِثْلُ حارِسٍ وحَرَسٍ وأحْراسٍ - انْتَهى. والقِمارُ كُلُّ مُراهَنَةٍ عَلى غَرَرٍ مَحْضٍ وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ القَمَرِ آيَةِ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ يَزِيدُ مالَ المُقامِرِ تارَةً ويَنْقُصُهُ أُخْرى كَما يَزِيدُ القَمَرُ ويَنْقُصُ؛ وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ وعَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ الواعِي: قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو المُيْسِرُ حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ، وفي تَفْسِيرِ الأصْبَهانِيِّ عَنِ الشّافِعِيِّ: إنَّ المَيْسِرَ ما يُوجِبُ دَفْعَ مالٍ أوْ أخْذَ مالٍ، فَإذا خَلا (p-٢٤٤)الشِّطْرَنْجَ عَنِ الرِّهانِ واللِّسانَ عَنِ الطُّغْيانِ والصَّلاةَ عَنِ النِّسْيانِ لَمْ يَكُنْ مَيْسِرًا.
وقالَ الأزْهَرِيُّ: المَيْسِرُ الجَزُورُ الَّذِي كانُوا يَتَقامَرُونَ عَلَيْهِ، سُمِّيَ مَيْسِرًا لِأنَّهُ يُجَزَّأُ أجْزاءً فَكَأنَّهُ مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ، وكُلُّ شَيْءٍ جَزَّأْتَهُ فَقَدْ يَسَّرَتْهُ، والياسِرُ الجازِرُ لِأنَّهُ يُجَزِّئُ لَحْمَ الجَزُورِ، قالَ وهَذا الأصْلُ في الياسِرِ ثُمَّ يُقالُ لِلضّارِبِينَ بِالقِداحِ والمُتَقامِرِينَ عَلى الجَزُورِ: ياسِرُونَ، لِأنَّهم جازِرُونَ إذْ كانُوا سَبَبًا لِذَلِكَ، ويُقالُ: يَسَرَ القَوْمُ - إذا قامَرُوا، ورَجُلٌ يَسِرٌ وياسِرٌ والجَمْعُ أيْسارٌ؛ القَزّازُ: فَأنْتَ ياسِرٌ وهو مَيْسُورٌ بِرَجْعٍ والمَفْعُولُ مَيْسُورٌ - يَعْنِي الجَزُورَ، وأيْسارٌ جَمْعُ يُسْرٍ ويُسْرٌ جَمْعٌ ياسِرٍ، وقالَ القَزّازُ: واليُسْرُ القَوْمُ الَّذِينَ (p-٢٤٥)يَتَقامَرُونَ عَلى الجَزُورِ، واحِدُهم ياسِرٌ كَما تَقُولُ: غائِبٌ وغُيَّبٌ، ثُمَّ يُجْمَعُ أيْسُرٌ فَيُقالُ: أيْسارٌ، فَيَكُونُ الأيْسارُ جَمْعَ الجَمْعِ، ويُقالُ لِلضّارِبِ بِالقِداحِ: يُسْرٌ، والجَمْعُ أيْسارٌ، ويُقالُ لِلنَّرْدِ: مَيْسِرٌ، لِأنَّهُ يُضْرَبُ عَلَيْها كَما يُضْرَبُ عَلى الجَزُورِ، ولا يُقالُ ذَلِكَ في الشِّطْرَنْجِ لِمُفارَقَتِها ذَلِكَ المَعْنى؛ وقالَ عَبْدُ الحَقِّ في الواعِي: والمَيْسِرُ مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ؛ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: كانَ أمْرُ المُيْسِرِ أنَّهم كانُوا يَشْتَرُونَ جَزُورًا فَيَنْحَرُونَها ثُمَّ يُجَزِّئُونَها أجْزاءً، قالَ أبُو عَمْرٍو: عَلى عَشَرَةِ أجْزاءٍ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا، ثُمَّ يُسْهِمُونَ عَلَيْها بِعَشَرَةِ قِداحٍ، لِسَبْعَةٍ مِنها أنْصِباءُ وهي الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ والنّافِسُ والمُسْبِلُ (p-٢٤٦)والمُعْلِي، وثَلاثَةٌ مِنها لَيْسَ لَها أنْصِباءُ وهي المَنِيحُ والسَّفِيحُ والوَغْدُ، ثُمَّ يَجْعَلُونَها عَلى يَدِ رَجُلٍ عَدْلٍ عِنْدَهم يُجِيلُها لَهم بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ، ثُمَّ يُقَسِّمُونَها عَلى قَدْرِ ما يَخْرُجُ لَهُمُ السِّهامُ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ مِن هَذِهِ السَّبْعَةِ أخَذَ مِنَ الأجْزاءِ بِحِصَّةِ ذَلِكَ، ومَن خَرَجَ لَهُ واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ فَقالَ بَعْضُهُمْ: مَن خَرَجَتْ بِاسْمِهِ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا ولَمْ يُغَرَّمْ ولَكِنْ تُعادُ الثّانِيَةُ ولا يَكُونُ لَهُ نَصِيبٌ ويَكُونُ لَغْوًا؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَصِيرُ (p-٢٤٧)ثَمَنُ الجَزُورِ كُلُّهُ عَلى أصْحابِ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ فَيَكُونُونَ مَقْمُورِينَ ويَأْخُذُ أصْحابُ السَّبْعَةِ أنْصِباءَ عَلى ما خَرَجَ لَهم فَهَؤُلاءِ الياسِرُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ولَمْ أجِدْ عُلَماءَنا يَسْتَقْصُونَ عِلْمَ مَعْرِفَةِ هَذا ولا يَدَّعُونَهُ، ورَأيْتُ أبا عُبَيْدَةَ أقَلَّهَمُ ادِّعاءً لَهُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: وقَدْ سَألْتُ عَنْهُ الأعْرابَ فَقالُوا: لا عِلْمَ لَنا بِهَذا، هَذا شَيْءٌ قَدْ قَطَعَهُ الإسْلامُ مُنْذُ جاءَ فَلَسْنا نَدْرِي كَيْفَ كانُوا يَيْسِرُونَ.
قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وإنَّما كانَ هَذا مِنهم في أهْلِ الشَّرَفِ والثَّرْوَةِ والجَدَّةِ - انْتَهى. ولَعَلَّ هَذا سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مَيْسِرًا. وقالَ صاحِبُ الزِّينَةِ: فالَّتِي لَها الغُنْمُ وعَلَيْها الغُرْمُ أيْ مِنَ السِّهامِ يُقالُ لَها: مَوْسُومَةٌ، لِأجْلِ الفُرُوضِ فَإنَّها بِمَنزِلَةِ السِّمَةِ، ويَكُونُ عَدَدُ الأيْسارِ سَبْعَةَ أنْفُسٍ يَأْخُذُ كُلُّ رَجُلٍ قَدَحًا، ورُبَّما نَقَصَ عَدَدُ الرِّجالِ عَنِ السَّبْعَةِ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنهم قَدَحَيْنِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ مُدِحَ بِهِ وسُمِّيَ مَثْنى الأيادِي، قالَ النّابِغَةُ:
؎إنِّي أُتَمِّمُ إيثارِي وأمْنَحُهم ∗∗∗ مَثْنى الأيادِي وأكْسُو الحَفْنَةَ الأُدْما
وقالَ: ويُقالُ لِلَّذِي يَضْرِبُ بِالقِداحِ: حُرْضَةٌ، وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ رَجُلٌ يُجِيلُ لا يَدْخُلُ مَعَ الأيْسارِ ولا يَأْخُذُ نَصِيبًا ولِذَلِكَ يَخْتارُونَهُ (p-٢٤٨)لِأنَّهُ لا غُنْمَ لَهُ ولا غُرْمَ عَلَيْهِ، والَّذِي لا يَضْرِبُ القِداحَ ولا يَدْخُلُ مَعَ الأيْسارِ في شَيْءٍ مِن أُمُورِهِمْ يُقالُ لَهُ: البَرِمُ، وتُجْمَعُ القِداحُ في جِلْدَةٍ، وقالَ بَعْضُهُمْ: في خِرْقَةٍ، وتُسَمّى تِلْكَ الجِلْدَةُ الرِّبابَةَ، أيْ بِكَسْرِ الرّاءِ المُهْمَلَةِ ومُوَحَّدَتَيْنِ، ثُمَّ تُجْمَعُ أطْرافُها ويُعْدَلُ بَيْنَها وتُكْسى يَدُهُ أدِيمًا لِكَيْ لا يَجِدَ مَسَّ قَدَحٍ لَهُ فِيهِ رَأْيٌ وتُشَدُّ عَيْناهُ، فَيَجْمَعُ أصابِعَهُ عَلَيْها ويَضُمُّها كَهَيْئَةِ الضِّغْثِ ثُمَّ يَضْرِبُ رُؤُوسَها بِحاقِّ راحَتِهِ فَأيُّها طَلَعَ مِنَ الرِّبابَةِ كانَ فائِزًا؛ قالَ: وقالَ غَيْرُهُ: تَكُونُ الرِّبابَةُ شِبْهَ الخَرِيطَةِ تُجْمَعُ فِيها القِداحُ ثُمَّ يُؤْمَرُ الحُرْضَةُ أنْ يُجِيلَها، فَمِنها ما يَعْتَرِضُ في الرِّبابَةِ فَلا يَخْرُجُ ومِنها ما لا يَعْتَرِضُ فَيَطْلُعُ، فَذاكَ يَكُونُ فائِزًا، ويَقْعُدُ رَجُلٌ أمِينٌ عَلى الحُرْضَةِ يُقالُ لَهُ: الرَّقِيبُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَضْرِبُ بِالقِداحِ: مُفِيضٌ، والإفاضَةُ الدَّفْعُ وهو أنْ يَدْفَعَها دُفْعَةً واحِدَةً إلى قُدّامَ ويُجِيلُها لِيَخْرُجَ مِنها قَدَحٌ؛ وكَذَلِكَ الإفاضَةُ مِن عَرَفَةَ هو الدَّفْعُ مِنها إلى جَمْعٍ - انْتَهى.
وقالَ في القامُوسِ: كانُوا إذا أرادُوا أنْ يَيْسِرُوا اشْتَرَوْا جَزُورًا نَسِيئَةً ونَحَرُوهُ قَبْلَ أنْ يَيْسِرُوا وقَسَّمُوهُ (p-٢٤٩)ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ سَهْمًا أوْ عَشَرَةَ أقْسامٍ، فَإذا خَرَجَ واحِدٌ واحِدٌ بِاسْمِ رَجُلٍ رَجُلٍ ظَهَرَ فَوْزُ مَن خَرَجَ لَهم ذَواتُ الأنْصِباءِ وغُرِّمَ مَن خَرَجَ لَهُ الغَفْلُ - انْتَهى.
وقالَ عَبْدُ الغافِرِ الفارِسِيُّ في مَجْمَعِ الغَرائِبِ: الياسِرُ هو الضّارِبُ في القِداحِ، وهو مِنَ المَيْسِرِ وهو القِمارُ الَّذِي كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَهُ، وكانُوا يَتَقامَرُونَ عَلى الجَزُورِ أوْ غَيْرِهِ ويُجَزِّئُونَهُ أجْزاءً ويُسْهِمُونَ عَلَيْها مَثَلًا بِعَشَرَةِ لِسَبْعَةٍ مِنها أنْصِباءُ وهي الفَذُّ - إلى آخِرِهِ، ثُمَّ يُخْرِجُونَ ذَلِكَ، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ مِنَ السَّبْعَةِ أخَذَ بِحِصَّتِهِ، ومَن خَرَجَ لَهُ واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ لَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا؛ ولَهم في ذَلِكَ مَذاهِبُ ما عَرَفَها أهْلُ الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ عَلى ثَبْتٍ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ - انْتَهى.
هَذا ما قالُوهُ في مادَّةِ يَسَرَ وقَدْ نَظَمْتُ أسْماءَ القِداحِ تَسْهِيلًا لِحِفْظِها في قَوْلِي:
؎الفَذُّ والتَّوْأمُ والرَّقِيبُ ∗∗∗ والحِلْسُ والنّافِسُ يا ضَرِيبُ
؎ومُسْبِلٌ مَعَ المُعَلّى عَدْوًا ∗∗∗ ثُمَّ مَنِيحٌ وسَفِيحٌ وغْدُ
وأمّا ما قالُوهُ في مادَّةِ كُلِّ اسْمٍ مِنها فَقالَ في القامُوسِ: الفَذُّ أيْ بِفَتْحِ الفاءِ وتَشْدِيدِ الذّالِ المُعْجَمَةِ: أوَّلُ سِهامِ المَيْسِرِ، والتَّوْأمُ أيْ (p-٢٥٠)بِفَتْحِ الفَوْقانِيَّةِ المُبْدَلَةِ مِنَ الواوِ وإسْكانِ الواوِ وفَتْحِ الهَمْزَةِ - وزْنَ كَوْكَبٍ: سَهْمٌ مِن سِهامِ المَيْسِرِ أوْ ثانِيها، والرَّقِيبُ أمِينُ أصْحابِ المَيْسِرِ أوِ الأمِينُ عَلى الضَّرِيبِ والثّالِثُ مِن قِداحِ المَيْسِرِ، وقالَ في مادَّةِ ضَرَبَ: والضَّرِيبُ المُوكَلُ بِالقِداحِ أوِ الَّذِي يَضْرِبُ بِها كالضّارِبِ والقَدَحُ الثّالِثِ؛ وقالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: والرَّقِيبُ الحافِظُ ورَقِيبُ القِداحِ الأمِينُ عَلى الضَّرِيبِ، وقِيلَ: هو أمِينُ أصْحابِ المَيْسِرِ، وقِيلَ: هو الرَّجُلُ الَّذِي يَقُومُ خَلْفَ الحُرْضَةِ في المَيْسِرِ ومَعْناهُ كُلُّهُ سَواءٌ، وإنَّما قِيلَ لِلْعَيُّوقِ: رَقِيبُ الثُّرَيّا، تَشْبِيهًا بِرَقِيبِ المَيْسِرِ، والرَّقِيبِ الثّالِثِ مِن قِداحِ المَيْسِرِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ فُرُوضٍ، ولَهُ غُنْمُ ثَلاثَةِ أنْصِباءَ إنْ فازَ، وعَلَيْهِ غُرْمُ ثَلاثَةٍ إنْ لَمْ يَفُزْ؛ وقالَ في مادَّةِ ضَرَبَ: وضَرَبَ بِالقِداحِ والضَّرِيبُ المُوكَلُ بِالقِداحِ، وقِيلَ: الَّذِي يَضْرِبُ بِها، قالَ سِيبَوَيْهِ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، والضَّرِيبُ القَدَحُ الثّالِثُ مِن قِداحِ المَيْسِرِ، قالَ اللِّحْيانِيُّ: وهو الَّذِي يُسَمّى الرَّقِيبَ، قالَ: وفِيهِ ثَلاثَةُ فُرُوضٍ إلى آخِرِ ما في الرَّقِيبِ؛ وقالَ في القامُوسِ: والحُرْضَةُ أيْ بِضَمِّ المُهْمَلَةِ وإسْكانِ المُهْمَلَةِ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ أمِينُ المُقامِرِينَ، (p-٢٥١)والحِلْسُ بِكَسْرِ المُهْمَلَةِ وإسْكانِ اللّامِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وكَكَتِفٍ الرّابِعُ مِن سِهامِ المَيْسِرِ، والنّافِسُ بِنُونٍ وفاءٍ مَكْسُورَةٍ ومُهْمَلَةٍ اسْمُ فاعِلٍ خامِسُ سِهامِ المَيْسِرِ، ومُسْبِلٌ أيْ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ ومُوَحَّدَةٍ قالَ: بِوَزْنِ مُحْسِنٍ، السّادِسُ أوِ الخامِسُ مِن قِداحِ المَيْسِرِ؛ وقالَ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: وهو المُصَفَّحُ أيْضًا يَعْنِي بِفَتْحِ الفاءِ، والمُعَلّى كَمُعَظَّمٍ سابِعُ سِهامِ المَيْسِرِ، والمَنِيحُ كَأمِيرٍ أيْ بِنُونٍ وآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ قَدَحٌ بِلا نَصِيبٍ، والسَّفِيحُ أيْ بِوَزْنِهِ وبِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ فاءٍ وآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ قَدَحٌ مِنَ المَيْسِرِ لا نَصِيبَ لَهُ، والوَغْدُ أيْ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونِ المُعْجَمَةِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ الأحْمَقُ الضَّعِيفُ الرَّذْلِ الدَّنِيءُ وقَدَحٌ لا نَصِيبَ لَهُ؛ وقالَ صاحِبُ الزِّينَةِ: وكانُوا يَبْتاعُونَ الجَزُورَ ويَتَضَمَّنُونَ ثَمَنَهُ ثُمَّ يَضْرِبُونَ بِالقِداحِ عَلَيْهِ ثُمَّ يَنْحَرُونَهُ ويُقَسِّمُونَهُ عَشَرَةَ أجْزاءٍ عَلى ما حَكاهُ أكْثَرُ عُلَماءِ اللُّغَةِ، ثُمَّ يُجِيلُونَ عَلَيْها القِداحَ فَإنْ خَرَجَ المُعَلّى أخَذَ صاحِبُهُ سَبْعَةُ أنْصِباءَ ونَجا مِنَ الغُرْمِ، ثُمَّ يُجِيلُونَ عَلَيْها ثانِيًا فَإنْ خَرَجَ الرَّقِيبُ أخَذَ صاحِبُهُ ثَلاثَةَ أنْصِباءَ ونَجا مِنَ الغُرْمِ، ثُمَّ يُجِيلُونَ عَلَيْها ثانِيًا فَإنْ خَرَجَ الرَّقِيبُ أخَذَ صاحِبُهُ ثَلاثَةَ أنْصِباءَ ونَجا مِنَ الغُرْمِ ونَفِدَتْ أجْزاءُ الجَزُورِ، وغُرِّمَ الباقُونَ عَلى عَدَدِ أنْصِبائِهِمْ فَغُرِّمَ صاحِبُ الفَذِّ نَصِيبًا واحِدًا وصاحِبُ التَّوْأمِ نَصِيبَيْنِ فَعَلى (p-٢٥٢)ذَلِكَ يُقَسِّمُونَ الغُرْمَ بَيْنَهم.
وذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: كانُوا يُقَسِّمُونَ الجَزُورَ عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا: لِلْفَذِّ جُزْءٌ، ولِلتَّوْأمِ جُزْءانِ، ولِلرَّقِيبِ ثَلاثَةُ أجْزاءٍ - فَعَلى هَذا حَتّى تَبْلُغَ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ جُزْءًا؛ وخالَفَهُ في ذَلِكَ أكْثَرُ العُلَماءِ وخَطَّؤُوهُ وقالُوا: إذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وأخَذَ كُلٌّ قَدَحَ نَصِيبِهِ لَمْ يَبْقَ هُنالِكَ غُرْمٌ فَلا يَكُونُ إذًا قامَرٌ ولا مَقْمُورٌ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالُوا لِأجْزاءِ الجَزُورِ: أعْشارٌ، لِأنَّها عَشَرَةُ أجْزاءٍ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
جَعَلَ القَلْبَ بَدَلًا لِأعْشارِ الجَزُورِ وجَعَلَ العَيْنَيْنِ مَثَلًا لِلْقَدَحَيْنِ أيْ سَبَتْ قَلْبَهُ فَفازَتْ بِهِ كَما يَفُوزُ صاحِبُ المُعَلّى والرَّقِيبِ؛ وقالَ القَزّازُ في التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ مِن دِيوانِهِ: والتَّوْأمُ أحَدُ أقْداحِ المَيْسِرِ وهو الثّانِي مِنها، وإنَّما سُمِّيَ تَوْأمًا بِما عَلَيْهِ مِنَ الحُظُوظِ، وعَلَيْهِ حَظّانِ ولَهُ مِن أنْصِباءِ الجَزُورِ نَصِيبانِ، وإنْ قَمَرَتْ أنْصِباءُ الجَزُورِ غُرِّمَ مَن خَرَجَ لَهُ التَّوْأمُ نَصِيبَيْنِ، وذَلِكَ أنَّها عَشْرَةُ قِداحٍ أوَّلُها الفَذُّ وعَلَيْهِ فَرْضٌ (p-٢٥٣)ولَهُ نَصِيبٌ، والثّانِي التَّوْأمُ وعَلَيْهِ فَرْضانِ ولَهُ نَصِيبانِ، والثّالِثُ الرَّقِيبُ وعَلَيْهِ ثَلاثَةُ فُرُوضٍ ولَهُ ثَلاثَةُ أنْصِباءَ، والرّابِعُ الحِلْسُ وعَلَيْهِ أرْبَعَةُ فُرُوضٍ ولَهُ أرْبَعَةُ أنْصِباءَ، والخامِسُ النّافِسُ وعَلَيْهِ خَمْسَةُ فُرُوضٍ ولَهُ خَمْسَةُ أنْصِباءَ، والسّادِسُ المُسْبِلُ وعَلَيْهِ سِتَّةُ فُرُوضٍ ولَهُ سِتَّةُ أنْصِباءَ، والسّابِعُ المُعَلّى وعَلَيْهِ سَبْعَةُ فُرُوضٍ ولَهُ سَبْعَةُ أنْصِباءَ، ومِنها ثَلاثَةٌ لا حُظُوظَ لَها وهي السَّفِيحُ والمَنِيحُ والوَغْدُ، ورُبَّما سَمَّوْها بِأسْماءٍ غَيْرِ هَذِهِ لَكِنْ ذَكَرْنا المُسْتَعْمَلَ مِنها هاهُنا ونَذْكُرُها بِأسْمائِها في مَواضِعِها مِنَ الكِتابِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى؛ وهَذِهِ الَّتِي لا حُظُوظَ لَها لَيْسَ عَلَيْها فَرْضٌ، ولِذَلِكَ تُدْعى أغْفالًا لِأنَّ الغُفْلَ مِنَ الدَّوابِّ الَّذِي لا سِمَةَ لَهُ.
وهَيْئَةُ ما يَفْعَلُونَ في القِمارِ هو أنْ تُنْحَرَ النّاقَةُ وتُقَسَّمَ عَشَرَةَ أجْزاءٍ فَتُعَجَّلَ إحْدى الوِرْكَيْنِ جُزْءًا، والوِرْكُ الأُخْرى جُزْءٌ وعَجُزُها جُزْءٌ، والكاهِلُ جُزْءٌ، والزَّوْرُ وهو الصَّدْرُ جُزْءٌ، والمِلْحا أيْ ما بَيْنَ الكاهِلِ والعَجُزِ مِنَ الصُّلْبِ جُزْءٌ، والكَتِفانِ وفِيهِما العَضُدانِ جُزْءانِ، والفَخِذانِ جُزْءانِ، وتُقَسَّمُ الرَّقَبَةُ والطَّفاطِفُ بِالسَّواءِ عَلى تِلْكَ الأجْزاءِ، وما بَقِيَ مِن عَظْمٍ أوْ بِضْعَةٍ (p-٢٥٤)فَهُوَ الرِّيمُ وأصْلُهُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى الحَمْلِ وهي الَّتِي تُسَمّى عِلاوَةً فَيَأْخُذُ الجازِرُ؛ ورُبَّما اسْتَثْنى بائِعُ النّاقَةِ مِنها شَيْئًا لِنَفْسِهِ وأكْثَرُ ما يُسْتَثْنى الأطْرافُ والرَّأْسُ، فَإذا صارَتِ الجَزُورُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ أحْضَرُوا رَجُلًا يَضْرِبُ بِها بَيْنَهم يُقالُ لَهُ الحُرْضَةُ فَتُشَدُّ عَيْناهُ ويُجْعَلُ عَلى يَدَيْهِ ثَوْبٌ لِئَلّا يُحِسَّ القِداحَ ثُمَّ يُؤْتى بِخَرِيطَةٍ فِيها القِداحُ واسِعَةَ الأسْفَلِ ضَيِّقَةَ الفَمِ قَدْرَ ما يَخْرُجُ مِنها سَهْمٌ أوْ سَهْمانِ والقِداحُ فِيها كَفُصُوصِ النَّرْدِ الطِّوالِ غَيْرَ أنَّها مُسْتَدِيرَةٌ فَتُجْعَلُ الخَرِيطَةُ عَلى يَدَيِ الحُرْضَةِ، ويُؤْتى بِرَجُلٍ يُجْعَلُ أمِينًا عَلَيْهِ يُقالُ لَهُ الرَّقِيبُ فَيُقالُ لَهُ: جَلْجِلِ القِداحَ، فَيُجَلْجِلُها في الخَرِيطَةِ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ أفاضَ بِها وهو أنْ يَدْفَعَها دَفْعَةً واحِدَةً فَتَنْدُرُ مِن مَخْرَجِها ذَلِكَ الضِّيقِ، فَإذا خَرَجَ قَدَحٌ أخَذَهُ الرَّقِيبُ، فَإنْ كانَ مِنَ الثَّلاثَةِ الَّتِي لا فُرُوضَ عَلَيْها رَدَّهُ إلى الخَرِيطَةِ وقالَ: أعِدْ، وإنْ كانَ مِنَ السَّبْعَةِ ذَواتِ الحُظُوظِ دَفَعَهُ إلى صاحِبِهِ وقالَ لَهُ: اعْتَزِلِ القَوْمَ، وذاكَ أنَّ الَّذِينَ يَتَقامَرُونَ قَدْ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم قَدَحًا عَلى ما يُحِبُّ، (p-٢٥٥)فَإنْ كانَ الَّذِي خَرَجَ الفَذُّ أخَذَ صاحِبُهُ جُزْءًا وسَلِمَ مِنَ الغُرْمِ وأعادَ الحُرْضَةُ الإفاضَةَ، وإنْ كانَ الَّذِي خَرَجَ التَّوْأمُ أخَذَ صاحِبُهُ نَصِيبَيْنِ واعْتَزَلَ القَوْمَ وسَلِمَ مِنَ الغُرْمِ أيْضًا، وكَذا كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَأْخُذُ ما خَرَجَ لَهُ ويَعْتَزِلُ القَوْمَ ويَسْلَمُ مِنَ الغُرْمِ، فَإذا خَرَجَ في الثّانِيَةِ قَدَحٌ أخَذَ صاحِبُهُ ما خَرَجَ لَهُ وكَذا الثّالِثُ يَأْخُذُ ما خَرَجَ لَهُ ويَعْتَزِلُ القَوْمَ ما لَمْ يَسْتَغْرِقِ الأوَّلُ والثّانِي أنْصِباءَ الجَزُورِ، مِثْلَ أنْ يَخْرُجَ لِلْأوَّلِ الرَّقِيبُ فَيَأْخُذُ ثَلاثَةَ أنْصِباءَ، ثُمَّ يَخْرُجُ لِلثّانِي المُعَلّى فَيَأْخُذُ سَبْعَةَ أنْصِباءَ ويُغَرَّمُ الباقُونَ ثَمَنَ الجَزُورِ.
أوْ يَخْرُجُ في الأوَّلِ الفَذُّ وفي الثّانِي التَّوْأمُ وفي الثّالِثِ المُعَلّى فَيَذْهَبُ أيْضًا سائِرُ الأنْصِباءِ ويُغَرَّمُ باقِي القَوْمِ ثَمَنَ الجَزُورِ، وكَذا ما كانَ مِثْلَ هَذا؛ فَإنْ زادَتْ سِهامُ مَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ عَلى ما بَقِيَ مِنَ الجَزُورِ غُرِّمَ لَهُ مَن بَقِيَ ما زادَ سَهْمُهُ؛ وذَلِكَ مِثْلَ أنْ يَخْرُجَ لِلْأوَّلِ المُعَلّى فَيَأْخُذُ سَبْعَةَ أنْصِباءَ ثُمَّ يَخْرُجُ لِلثّانِي النّافِسُ وحَظُّهُ خَمْسَةٌ وإنَّما بَقِيَ مِنَ الجَزُورِ ثَلاثَةٌ فَيَأْخُذُها ويَغَرَمُ لَهُ الباقُونَ خُمُسَيِ الجَزُورِ، وكَذا لَوْ خَرَجَ لِلْأوَّلِ النّافِسُ وأخَذَ خَمْسَةَ أنْصِباءَ ثُمَّ خَرَجَ لِلثّانِي الحِلْسُ فَأخَذَ أرْبَعَةَ أنْصِباءَ وخَرَجَ لِلثّالِثِ المُعَلّى أخَذَ النَّصِيبَ الَّذِي بَقِيَ وغَرِمَ لَهُ الباقُونَ ثَلاثَةَ أخْماسِ (p-٢٥٦)الجَزُورِ، وعَلى هَذا سائِرُ قِمارِهِمْ، إذا تَدَبَّرْتَهُ عَلِمَتْ كَيْفَ يَجْرِي جَمِيعُهُ ويَغْرَمُ القَوْمُ ما يَلْزَمُهم عَلى قَدْرِ سِهامِهِمُ الباقِيَةِ يَفْرِضُونَ ما لَزِمَهم عَلى عَدَدِ ما في أنْصِبائِهِمْ مِنَ الفَرْضِ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الجَزُورَ تُجَزَّأُ عَلى عَدَدِ ما في القِداحِ مِنَ الفُرُوضِ وهي ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ جُزْءًا، ولا مَعْنى لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ في هَذا قِمارٌ ولا فَوْزٌ ولا خَيْبَةٌ إذْ كُلُّ واحِدٍ يَخْتارُ لِنَفْسِهِ ما أحَبَّ مِنَ السِّهامِ ثُمَّ يَأْخُذُ ما خَرَجَ لَهُ ثُمَّ لا تُفْرَغُ أجْزاءُ الجَزُورِ إلّا بِفَراغِ القِداحِ، فَلا مَعْنى لِلتَّقامُرِ عَلَيْها، والأوَّلُ أصَحُّ ويَدُلُّ عَلَيْهِ شِعْرُ العَرَبِ، وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ رُبَّما أخَذَ في المَيْسِرِ قَدَحَيْنِ فَيَفُوزُ بِأجْزاءِ الجَزُورِ، مِثْلَ أنْ يَأْخُذَ المُعَلّى والرَّقِيبَ فَإذا ضَرَبَ لَهُ الحُرْضَةُ خَرَجَ لَهُ أحَدُهُما فَفازَ بِحَظِّهِ ثُمَّ إذا ضَرَبَ الثّانِيَةَ خَرَجَ لَهُ الآخَرُ فَيَفُوزُ بِسائِرِ الجَزُورِ، ولَوْ كانَ السِّهامُ والأنْصِباءُ عَلى ما ذَكَرُوا لَمْ يَفُزْ صاحِبُ سَهْمَيْنِ بِسائِرِ (p-٢٥٧)الأنْصِباءِ إذْ لا تَذْهَبُ الأنْصِباءُ إلّا بِفَراغِ القِداحِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَوْزِ صاحِبِ السَّهْمَيْنِ بِالكُلِّ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وما ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلّا لِتَضْرِبِي ∗∗∗ بِسَهْمَيْكِ في أعْشارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
يَقُولُ: تَضْرِبُ بِسَهْمَيْها المُعَلّى والرَّقِيبِ فَتَحُوزُ القَلْبَ كُلَّهُ، ومِن هَذا قَوْلُ كُثَيِّرٍ ووَصْفُ ناقَةٍ هَزَلَها السَّيْرُ حَتّى أذْهَبَ لَحْمَها:
؎وتُؤْبَنُ مِن نَصِّ الهَواجِرِ والسُّرى ∗∗∗ بِقَدَحَيْنِ فازا مِن قِداحِ المُقَعْقَعِ
يَقُولُ: هَذِهِ النّاقَةُ هَزَلَها السَّيْرُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مِن لَحْمِها شَيْءٌ فَكَأنَّهُ ضَرَبَ عَلَيْها بِالقِداحِ فَفازَ مِنها قَدَحانِ فاسْتَوْلَيا عَلى أعْشارِها وهو الرَّقِيبُ والمُعَلّى - انْتَهى.
هَكَذا ذَكَرَ شَرْحُ قَوْلِ كُثَيِّرٍ ورَأيْتُ عَلى حاشِيَةِ نُسْخَةٍ مِن كِتابِهِ ما لَعَلَّهُ ألْيَقُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ أيْ يُظَنُّ بِها فَضْلٌ عَلى الإبِلِ في سَيْرِها بَعْدَ نَصِّ الهَواجِرِ والسُّرى لِصَبْرِها وكَرَمِها وشِدَّتِها كَفَضْلِ رَجُلٍ فازَ قَدَحُهُ مَرَّتَيْنِ عَلى قِداحِ أصْحابِهِ؛ والمُقَعْقَعُ هو الَّذِي يُجِيلُ القِداحَ - انْتَهى.
وهُوَ أقْرَبُ مِمّا قالَهُ لِأنَّ قَوْلَهُ: تُؤْبَنُ بِقَدَحَيْنِ فازا، ظاهِرٌ في أنَّ القَدَحَيْنِ لَها وأنَّها هي الفائِزَةُ؛ واللَّهُ سُبْحانَهُ (p-٢٥٨)وتَعالى المُوَفِّقُ - هَذا. وقَوْلُهُ: لا مَعْنى لِلتَّقامُرِ عَلَيْها، عَلى تَقْدِيرِ التَّجْزِئَةِ بِثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ تَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ في التَّفاوُتِ في الأنْصِباءِ، وذَلِكَ بِأنْ تَكُونَ السِّهامُ وهي القِداحُ عَشَرَةً، فَإنَّهُ لَمّا قالَ: إنَّ الأجْزاءَ تَكُونُ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ، لَمْ يَقُلْ: إنَّها عَلى عَدَدِ السِّهامِ، حَتّى تَكُونَ السِّهامُ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ، بَلْ قالَ: إنَّها عَلى عَدَدِ الفُرُوضِ الَّتِي في السِّهامِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّها عَشَرَةٌ؛ وقَدْ صَرَّحَ صاحِبُ الزِّينَةِ وغَيْرُهُ عَنِ الأصْمَعِيِّ كَما مَضى وهو مِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ، فَحِينَئِذٍ مَن خَرَجَ لَهُ المُعَلّى مَثَلًا أخَذَ سَبْعَةَ أنْصِباءَ مِن ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ فَيَكُونُ أكْثَرَ حَظًّا مِمَّنْ خَرَجَ لَهُ ما عَلَيْهِ سِتَّةُ فُرُوضٍ فَما دُونَها لِلضَّرَباتِ؛ وقَوْلُهُ: إنَّ الرَّجُلَ رُبَّما أخَذَ قَدَحَيْنِ - إلى آخِرِهِ، يُبَيِّنُ وجْهًا آخَرَ مِنَ التَّفاوُتِ، وهو أنَّ الرَّجُلَ رُبَّما خَرَجَ لَهُ سَهْمٌ واحِدٌ لِاعْتِراضِ السِّهامِ وتَحَرُّفِها عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ حالَ الخُرُوجِ، ورُبَّما خَرَجَ لَهُ (p-٢٥٩)سَهْمانِ أوْ ثَلاثَةٌ في إفاضَةٍ واحِدَةٍ لِاسْتِقامَةِ السِّهامِ واعْتِدالِها لِلْخُرُوجِ فَفازَ بِمُعْظَمِ الجَزُورِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الرِّجالُ أقَلَّ مِنَ السِّهامِ، ورُبَّما خَرَجَ لَهُ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ مَعَ الوَفاءِ لِلثَّمَنِ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ، وهَذا الوَجْهُ يَتَأتّى أيْضًا بِتَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ السِّهامُ والرِّجالُ عَلى عَدَدِ الأجْزاءِ، لِانْحِصارِ العَدِّ فِيمَن خَرَجَ لَهُ سِهامٌ سَواءٌ كانَ عَلى عَدَدِهِمْ أوْ أكْثَرُ وانْحِصارُ الغُرْمِ فِيمَن لَمْ يَخْرُجْ لَهُ سَهْمٌ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَخْرُجَ لِغَيْرِهِ عَدَدٌ مِنَ السِّهامِ؛ وبِتَقْدِيرِ أنْ لا يَخْرُجَ لِكُلٍّ واحِدٍ واحِدٍ يَكُونُ قِمارًا أيْضًا، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم غَيْرُ واثِقٍ بِالفَوْزِ ويَكُونُ فائِدَةُ ذَلِكَ حِينَئِذٍ لِلْفُقَراءِ، ومَن قالَ: إنَّ مَن خَرَجَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ السِّهامِ الثَّلاثَةِ الأغْفالِ يُغْرَمُ، كانَ القِمارُ عِنْدَهُ لازِمًا في كُلِّ صُورَةٍ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهم كانُوا يُعْطُونَ الأنْصِباءَ لِلْفُقَراءِ ولا يَأْخُذُونَ مِنها شَيْئًا، وقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُ ذَلِكَ عَنْ صاحِبِ الزِّينَةِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يُذْهِبُ ضِياءَ الرُّوحِ وقِوامَ البَدَنِ وذَمَّ النَّفَقَةَ فِيهِما (p-٢٦٠)اقْتَضى الحالُ السُّؤالَ عَمّا يَمْدَحُ الإنْفاقَ فِيهِ فَقالَ عاطِفًا عَلى السُّؤالِ عَنِ المُقْتَضِي لِتَبْذِيرِ المالِ ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ وأشْعَرَ تَكْرِيرُ السُّؤالِ عَنْها بِتَكْرِيرِ الوارِداتِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، فَأنْبَأ ذَلِكَ بِعِظَمِ شَأْنِها لِأنَّها أعْظَمُ دَعائِمِ الجِهادِ وساقَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى طَرِيقِ العَطْفِ لِأنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ السُّؤالُ عَنْهُ والجَوابُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥] مَنَعَ مِن تَوَقُّعِ سُؤالٍ آخَرَ، وأمّا اليَتامى والمَحِيضُ فَلَمْ يَتَقَدَّمْ ما يُوجِبُ تَوَقُّعَ السُّؤالِ عَنِ السُّؤالِ عَنْهُما أصْلًا، وادِّعاءُ أنَّ سَبَبَ العَطْفِ النُّزُولُ جُمْلَةً وسَبَبَ القَطْعِ النُّزُولُ مُفَرَّقًا مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ شافٍ لِلْغُلَّةِ بِعَدَمِ بَيانِ الحِكْمَةِ يَرُدُّهُ ما ورَدَ أنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] وهي بِالواوِ أخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ والواحِدِيُّ مِن وجْهَيْنِ في مُقَدِّمَةِ أسْبابِ النُّزُولِ وتَرْجَمَ لَها البُخارِيُّ في الصَّحِيحِ ومَن تَتَبَّعَ أسْبابَ النُّزُولِ وجَدَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ.
وقالَ الحَرالِيُّ: في العَطْفِ إنْباءٌ بِتَأكُّدِ التَّلَدُّدِ مَرَّتَيْنِ كَما في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، لَكِنْ رُبَّما تَخَوَّفَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِن ثالِثَتِها فَوَقَعَ ضَمُّهم عَنِ السُّؤالِ في الثّالِثَةِ لِتَقاصُرِ ما يَقَعُ في هَذِهِ (p-٢٦١)الأُمَّةِ عَمّا وقَعَ في بَنِي إسْرائِيلَ بِوَجْهٍ ما، وقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الجَوابِ: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ وهو ما سَمَحَتْ بِهِ النَّفْسُ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ قالَ: فَكَأنَّهُ ألْزَمَ النَّفْسَ نَفَقَةَ العَفْوِ وحَرَّضَها عَلى نَفَقَةِ ما تَنازَعَ فِيهِ ولَمْ يُلْزِمْها ذَلِكَ لِئَلّا يَشُقَّ عَلَيْها لِما يُرِيدُهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ اليُسْرِ، فَصارَ المُنْفِقُ عَلى ثَلاثِ رُتَبٍ: رُتْبَةِ حَقٍّ مَفْرُوضٍ لا بُدَّ مِنهُ وهي الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ الَّتِي إمْساكُها هَلَكَةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفي مُقابَلَتِهِ عَفْوٌ لا يَنْبَغِي الِاسْتِمْساكُ بِهِ لِسَماحِ النَّفْسِ بِفَسادِهِ فَمَن أمْسَكَهُ تَكَلَّفَ إمْساكَهُ، وفِيما بَيْنَهُما ما تُنازِعُ النَّفْسُ إمْساكَهُ فَيَقَعُ لَها المُجاهَدَةُ في إنْفاقِهِ وهو مَتْجَرُها الَّذِي تَشْتَرِي بِهِ الآخِرَةَ مِن دُنْياها «قالَتِ امْرَأةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما يَحِلُّ لَنا مِن أمْوالِ أزْواجِنا - تَسْألُ عَنِ الإنْفاقِ مِنها، قالَ: الرُّطْبُ - بِضَمِّ الرّاءِ وسُكُونِ الطّاءِ - تَأْكُلِينَهُ وتُهْدِينَهُ» لِأنَّهُ مِنَ العَفْوِ الَّذِي يَضُرُّ إمْساكُهُ بِفَسادِهِ؛ لِأنَّ الرُّطْبَ هو ما إذا أُبْقِيَ مِن يَوْمٍ إلى يَوْمٍ تَغَيَّرَ كالعِنَبِ والبِطِّيخِ وفي مَعْناهُ الطَّبائِخُ وسائِرُ الأشْياءِ الَّتِي تَتَغَيَّرُ بِمَبِيتِها - انْتَهى.
وفِي تَخْصِيصِ المُنْفِقِ بِالعَفْوِ مَنعٌ (p-٢٦٢)لِمُتَعاطِي الخَمْرِ قَبْلَ حُرْمَتِها مِنَ التَّصَرُّفِ، إذْ كانَ الأغْلَبُ أنْ تَكُونَ تَصَرُّفاتُهُ لا عَلى هَذا الوَجْهِ، لِأنَّ حالَةَ السُّكْرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِها والتَّصَرُّفَ فِيها يُعَقِّبُ في الأغْلَبِ عِنْدَ الإفاقَةِ أسَفًا وكَذا المَيْسِرُ بَلْ هو أغْلَظُ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ بَيانِ أنَّ المَحْثُوثَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ إنَّما هو الفَضْلُ إلى هَذا المَحَلِّ لِيَحْمِلَ أهْلُ الدِّينِ الرَّغْبَةَ فِيهِ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ عَلى الإيثارِ عَلى النَّفْسِ مِن غَيْرِ أمْرٍ بِهِ رَحْمَةً لَهُمْ، ومِن أعْظَمِ المُلَوِّحاتِ إلى ذَلِكَ أنَّ في بَعْضِ الآياتِ الذّاكِرَةِ لَهُ فِيما سَلَفَ ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قالَ الأصْبَهانِيُّ: قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: كانَ الرَّجُلُ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إذا كانَ لَهُ ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ أوْ زَرْعٌ أوْ ضَرْعٌ يَنْظُرُ ما يَكْفِيهِ وعِيالَهُ لِنَفَقَةِ سَنَةٍ أمْسَكَهُ وتَصَدَّقَ بِسائِرِهِ، فَإنْ كانَ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ أمْسَكَ ما يَكْفِيهِ وعِيالَهُ يَوْمَهُ ذَلِكَ وتَصَدَّقَ بِالباقِي حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكاةِ فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ.
لَمّا بَيَّنَ الأحْكامَ الماضِيَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ أحْسَنَ بَيانٍ وفَصَّلَ ما قَصَّ مِن جَمِيعِ ما أرادَ أبْدَعَ تَفْصِيلٍ لا سِيَّما أمْرَ النَّفَقَةِ فَإنَّها بَيَّنَها مَعَ أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في أنْواعٍ مِنَ البَيانِ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ والإتْقانِ كانَ مَوْضِعَ سُؤالٍ: هي يُبَيِّنُ لَنا رَبُّنا غَيْرَ هَذا مِنَ الآياتِ كَهَذا البَيانِ؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ ما مَضى مِن هَذا البَيانِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ (p-٢٦٣)البَعِيدِ المَنالِ عَنْ مَنازِلِ الأرْذالِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَكُمُ﴾ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَجَمَعَها لِأنَّها آياتٌ مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفاتٍ لِما يَرْجِعُ لِأمْرِ القَلْبِ ولِلنَّفْسِ ولِلْجِسْمِ ولِحالِ المَرْءِ مَعَ غَيْرِهِ - انْتَهى.
وأفْرَدَ الخِطابَ أوَّلًا وجَمَعَ ثانِيًا إعْلامًا بِعَظَمَةِ هَذا القَوْلِ لِلْإقْبالِ بِهِ عَلى الرَّأْسِ، وإيماءً إلى أنَّهُ ﷺ قَدِ امْتَلَأ عِلْمًا مِن قَبْلِ هَذا بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى زِيادَةٍ وأنَّ هَذا البَيانَ إنَّما هو لِلْأتْباعِ يَتَفَهَّمُونَهُ عَلى مَقادِيرِ أفْهامِهِمْ وهِمَمِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ بِكَذَلِكَ أيِ البَيانِ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما بَعْدَهُ فَيَكُونُ البَيانُ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً في خِطابِهِ تَلْوِيحًا، وأُخْرى في خِطابِهِمْ تَصْرِيحًا؛ أوْ يُقالُ: أشارَ إلى عُلُوِّ الخِطابِ بِالإفْرادِ وإلى عُمُومِهِ بِالجَمْعِ انْتَهى.
﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى حالَةٍ يُرْجى لَكم مَعَها التَّفَكُّرُ، وهو طَلَبُ الفِكْرِ وهو يَدُ النَّفْسِ الَّتِي تُنالُ بِها المَعْلُوماتُ كَما تُنالُ بِيَدِ الجِسْمِ المَحْسُوساتُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
البقرة 2:220
ولَمّا كانَ البَيانُ مِن أوَّلِ السُّؤالِ إلى هُنا قَدْ شُفِيَ في أُمُورِ (p-٢٦٤)الدّارَيْنِ وكَفى وأوْضَحَ ثَمَراتِ كُلٍّ مِنهُما وكانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَ الآخِرَةَ ساقَ ذِكْرَها مَساقَ ما لا نِزاعَ فِيهِ لِكَثْرَةِ ما دَلَّ عَلَيْها فَقالَ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ في أُمُورِهِما فَتَعْلَمُوا بِما فَتَحَ اللَّهُ لَكم سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأبْوابِ وما أصِلُ لَكم مِنَ الأُصُولِ ما هو صالِحٌ وما هو أصْلَحُ وما هو شَرٌّ وما هو أشَرُّ لِتَفْعَلُوا الخَيْرَ وتَتَّقُوا الشَّرَّ فَيَؤُولُ بِكم ذَلِكَ إلى فَوْزِ الدّارَيْنِ.
ولَمّا كانَ العَفْوُ غَيْرَ مَقْصُورٍ عَلى المالِ بَلْ يَعُمُّ القُوى البَدَنِيَّةَ والعَقْلِيَّةَ وكانَ النَّفْعُ لِلْيَتِيمِ مِن أجَلِّ ما يُرْشِدُ إلَيْهِ التَّفَكُّرُ في أُمُورِ الآخِرَةِ وكانَ الجِهادُ مِن أسْبابِ القَتْلِ المُوجِبِ لِلْيُتْمِ وكانُوا يَلُونُ يَتاماهم فَنَزَلَ التَّحْرِيجُ الشَّدِيدُ في أكْلِ أمْوالِهِمْ فَجانَبُوهم واشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ سَألُوا عَنْهم فَأفْتاهم سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِمْ ونَدَبَهم إلى مُخالَطَتِهِمْ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ الَّذِي لا يَكُونُ لِمَن يَتَعاطى الخَمْرَ والمَيْسِرَ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ (p-٢٦٥)أيْ في وِلايَتِهِمْ لَهم وعَمَلِهِمْ في أمْوالِهِمْ وأكْلِهِمْ مِنها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَعْسُرُ حَصْرُهُ؛ وأمَرَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ:﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ أيْ مِن تَرْكِهِ، ولا يَخْفى الإصْلاحُ عَلى ذِي لُبٍّ فَجَمَعَ بِهَذا الكَلامِ (p-٢٦٦)اليَسِيرِ المَضْبُوطِ بِضابِطِ العَقْلِ الَّذِي أقامَهُ تَعالى حُجَّةً عَلى خَلْقِهِ ما لا يَكادُ يُعَدُّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهُمْ﴾ ما يُشْعِرُ بِالحَثِّ عَلى تَخْصِيصِهِمْ بِالنَّظَرِ في أحْوالِهِمْ ولَوْ أدّى ذَلِكَ إلى مَشَقَّةٍ عَلى الوَلِيِّ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَعَ مُجانَبَتِهِمْ وكانُوا قَدْ يَرْغَبُونَ في نِكاحِ يَتِيماتِهِمْ قالَ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾ أيْ بِنِكاحٍ أوْ غَيْرِهِ لِيَصِيرَ النَّظَرُ في الصَّلاحِ مُشْتَرَكًا بَيْنَكم وبَيْنَهُمْ، لِأنَّ المَصالِحَ صارَتْ كالواحِدَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهي رُتْبَةٌ دُونَ الأُولى، والمُخالَطَةُ مُفاعَلَةٌ مِنَ الخُلْطَةِ وهي إرْسالُ الأشْياءِ الَّتِي شَأْنُها الِانْكِفافُ بَعْضَها في بَعْضٍ كَأنَّهُ رَفَعَ التَّحاجُزَ بَيْنَ ما شَأْنُهُ ذَلِكَ ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ جَمْعُ أخٍ وهو النّاشِئُ مَعَ أخِيهِ مِن مَنشَأٍ واحِدٍ عَلى السَّواءِ بِوَجْهٍ ما - انْتَهى.
أيْ فَعَلَيْكم مِن مُناصَحَتِهِمْ ما يَقُودُكُمُ الطَّبْعُ إلَيْهِ مِن مُناصَحَةِ الإخْوانِ ويَحِلُّ لَكم مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِهِمْ بِالمَعْرُوفِ وما يَحِلُّ مِن أمْوالِ إخْوانِكُمْ؛ قالَتْ عائِشَةُ (p-٢٦٧)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: إنِّي لَأكْرَهُ أنْ يَكُونَ مالُ اليَتِيمِ عِنْدِي كالغُدَّةِ حَتّى أخْلِطَ طَعامَهُ بِطَعامِي وشَرابِهِ بِشَرابِي.
قالُوا: وإذا كانَ هَذا في أمْوالِ اليَتامى واسِعًا كانَ في غَيْرِهِمْ أوْسَعَ، وهو أصْلٌ شاهِدٌ لِما يَفْعَلُهُ الرِّفاقُ في الأسْفارِ، يُخْرِجُونَ النَّفَقاتِ بِالسَّوِيَّةِ ويَتَبايَنُونَ في قِلَّةِ المَطْعَمِ وكَثْرَتِهِ - نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا قَدْ يَدْخُلُ فِيهِ الشَّرُّ الَّذِي يَظْهَرُ فاعِلُهُ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ إلّا الخَيْرَ وعَكْسُهُ قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.
ولَمّا كانَ الوَرَعُ مَندُوبًا إلَيْهِ مَحْثُوثًا عَلَيْهِ لا سِيَّما في أمْرِ اليَتامى فَكانَ التَّحْذِيرُ بِهَذا المَقامِ أوْلى قالَ: ﴿المُفْسِدَ﴾ أيِ الَّذِي الفَسادُ صِفَةٌ لَهُ ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ فاتَّقُوا اللَّهَ في جَمِيعِ الأُمُورِ ولا تَجْعَلُوا خُلْطَتَكم إيّاهم ذَرِيعَةً إلى أكْلِ أمْوالِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يَكُونُ في بابِهِ أمْرٌ أصْلَحُ مِنهُ ولا أيْسَرُ مَنَّ عَلَيْهِمْ بِشَرْعِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ بِعَظَمَةِ كَمالِهِ (p-٢٦٨)﴿لأعْنَتَكُمْ﴾ أيْ كَلَّفَكم في أمْرِهِمْ وغَيْرِهِ ما يَشُقُّ عَلَيْكم مَشَقَّةً لا تُطاقُ فَحَدَّ لَكم حُدُودًا وعَيَّنَها يَصْعُبُ الوُقُوفُ عِنْدَها وألْزَمَكم لَوازِمَ يَعْسُرُ تَعاطِيها، مِنَ الإعْناتِ وهو إيقاعُ العَنَتِ وهو أسْوَأُ الهَلاكِ الَّذِي يَفْحُشُ نَعْتُهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿عَزِيزٌ﴾ يَقْدِرُ عَلى ما يُرِيدُ ﴿حَكِيمٌ﴾ يُحْكِمُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ.
البقرة 2:221
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى فِيما مَرَّ حِلَّ الجِماعِ في لَيْلِ الصِّيامِ وأتْبَعَ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ ما أرادَ إلى أنْ ذَكَرَ المُخالَطَةَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ النِّكاحَ في سِياقٍ مانِعٍ مَعَ الفَسادِ داعٍ إلى (p-٢٦٩)الصَّلاحِ وخَتَمَ بِوَصْفِ الحِكْمَةِ ولَمّا كانَ النِّكاحُ مِن مُعْظَمِ المُخالَطَةِ في النَّفَقَةِ وغَيْرِها وكانَ الإنْسانُ جَهُولًا تَوَلّى سُبْحانَهُ وتَعالى بِحِكْمَتِهِ تَعْرِيفَهُ ما يَصْلُحُ لَهُ وما لا يَصْلُحُ مِن ذَلِكَ، وأخَّرَ أمْرَ النِّكاحِ عَنْ بَيانِ ما ذَكَرَ مَعَهُ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ في لَيْلِ الصِّيامِ لِأنَّ الضَّرُورَةَ إلَيْهِما أعْظَمُ، وقَدَّمَهُ في آيَةِ الصِّيامِ لِأنَّ النَّفْسَ إلَيْهِ أمْيَلُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما دَلَّ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ: فَخالِطُوهم وأنْكِحُوا مَن تَلُونَهُ مِنَ اليَتِيماتِ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ إنْ أرَدْتُمْ ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ (p-٢٧٠)
قالَ الحَرالِيُّ: مِمّا مِنهُ النِّكاحُ وهو إيلاجُ نَهْدٍ في فَرْجٍ لِيَصِيرا بِذَلِكَ كالشَّيْءِ الواحِدِ - انْتَهى.
وهَذا أصْلُهُ لُغَةً، والمُرادُ هُنا العَقْدُ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ في العَقْدِ في الشَّرْعِ وكَثُرَ اسْتِعْمالُهُ فِيهِ وغَلَبَ حَتّى صارَ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً فَهو في الشَّرْعِ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ مَجازٌ في الجِماعِ وفي اللُّغَةِ بِالعَكْسِ وسَيَأْتِي عِنْدَ ﴿حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] عَنِ الفارِسِيِّ قَرِينَةٌ يُعْرَفُ بِها مُرادُ أهْلِ اللُّغَةِ ﴿المُشْرِكاتِ﴾ أيِ الوَثَنِيّاتُ، والأكْثَرُ عَلى أنَّ الكِتابِيّاتِ مِمّا شَمِلَتْهُ الآيَةُ ثُمَّ خُصَّتْ بِآيَةِ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ﴿حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ فَإنَّ المُشْرِكاتِ شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ولأمَةٌ﴾ رَقِيقَةٌ ﴿مُؤْمِنَةٌ﴾ لِأنَّ نَفْعَ الإيمانِ أمْرٌ دِينِيٌّ (p-٢٧١)يَرْجِعُ إلى الآخِرَةِ الباقِيَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ ﴿مِن مُشْرِكَةٍ﴾ حُرَّةٍ ﴿ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكَةِ لِأنَّ نَفْعَ نَسَبِها ومالِها وجَمالِها يَرْجِعُ إلى الدُّنْيا الدَّنِيَّةِ الفانِيَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فانْتَظَمَتْ هَذِهِ الآياتُ في تَبْيِينِ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ وتَرْجِيحِ أمْرِ الغَيْبِ في أمْرِ الدِّينِ والعُقْبى في أدْنى الإماءِ مِنَ المُؤْمِناتِ خَلْقًا وكَوْنًا وظاهِرَ صُورَةٍ عَلى حالِ العَيْنِ في أمْرِ العاجِلَةِ مِنَ الدُّنْيا في أعْلى الحَرائِرِ مِنَ المُشْرِكاتِ خُلُقًا وظاهِرَ صُورَةٍ وشَرَفَ بَيْتٍ - انْتَهى.
﴿ولا تَنْكِحُوا﴾ أيُّها الأوْلِياءُ (p-٢٧٢)﴿المُشْرِكِينَ﴾ أيِ الكُفّارَ بِأيِّ كُفْرٍ كانَ شَيْئًا مِنَ المُسَلَّماتِ ﴿حَتّى يُؤْمِنُوا﴾ فَإنَّ الكُفّارَ شَرٌّ مَحْضٌ ﴿ولَعَبْدٌ﴾ أيْ مَمْلُوكٌ ﴿مُؤْمِنٌ خَيْرٌ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّنْزِيلِ ﴿مِن مُشْرِكٍ﴾ حُرٍّ ﴿ولَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ أيِ المُشْرِكُ وأفْهَمَ هَذا خَيْرِيَّةَ الحُرَّةِ والحُرِّ المُؤْمِنَيْنِ مِن بابِ الأوْلى مَعَ التَّشْرِيفِ العَظِيمِ لَهُما بِتَرْكِ ذِكْرِهِما إعْلامًا بِأنَّ خَيْرِيَّتَهُما أمْرٌ مَقْطُوعٌ بِهِ لا كَلامَ فِيهِ وأنَّ المُفاضَلَةَ إنَّما هي بَيْنَ مَن كانُوا يُعِدُّونَهُ دُنْيا فَشَرَّفَهُ الإيمانُ ومَن يَعُدُّونَهُ شَرِيفًا فَحَقَّرَهُ الكُفْرانُ، وكَذَلِكَ ذَكَرَ المَوْصُوفَ بِالإيمانِ في المَوْضِعَيْنِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ وإنْ كانَ دُنْيا مَوْضِعِ التَّفْضِيلِ لِعُلُوِّ وصْفِهِ، وأثْبَتَ الوَصْفَ بِالشِّرْكِ في المَوْضِعَيْنِ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ التَّحْقِيرِ وإنْ عَلا في العُرْفِ مَوْصُوفُهُ.
ولَمّا كانَتْ مُخالَطَةُ أهْلِ الشِّرْكِ مَظِنَّةَ الفَسادِ الَّذِي رُبَّما أدّى إلى التَّهاوُنِ بِالدِّينِ فَرُبَّما دَعا الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ إلى الكُفْرِ فَقادَهُ المَيْلُ إلى (p-٢٧٣)اتِّباعِهِ قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ ومُعَلِّلًا لِهَذا الحُكْمِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْبُعْدِ مَن كُلِّ خَيْرٍ ﴿يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ أيِ الأفْعالِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْها ولا بُدَّ فَرُبَّما أدّى الحُبُّ الزَّوْجَ المُسْلِمَ إلى الكُفْرِ ولا عِبْرَةَ بِاحْتِمالِ تَرْكِ الكافِرِ لِلْكُفْرِ وإسْلامِهِ مُوافَقَةً لِلزَّوْجِ المُسْلِمِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ؛ وسَيَأْتِي في المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥] لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيانٍ.
ولَمّا رَهَّبَ مِن أهْلِ الشِّرْكِ حَثًّا عَلى البُغْضِ فِيهِ رَغَّبَ في الإقْبالِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالإقْبالِ عَلى أوْلِيائِهِ بِالحُبِّ فِيهِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِعِزِّ جَلالِهِ وعَظَمَةِ كَمالِهِ ﴿يَدْعُو﴾ أيْ بِما يَأْمُرُ بِهِ ﴿إلى الجَنَّةِ﴾ أيِ الأفْعالِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْها.
ولَمّا كانَ رُبَّما لا يُوَصِّلُ إلى الجَنَّةِ إلّا بَعْدَ القِصاصِ قالَ: ﴿والمَغْفِرَةِ﴾ أيْ إلى أنْ يَفْعَلُوا ما يُؤَدِّي إلى أنْ يَغْفِرَ لَهم ويُهَذِّبَ نُفُوسَهم بِحَيْثُ يَصِيرُونَ إلى حالَةِ سَنِيَّةٍ (p-٢٧٤)يَغْفِرُونَ فِيها لِلنّاسِ ما أتَوْا إلَيْهِمْ. ولَمّا كانَ الدُّعاءُ قَدْ يَكُونُ بِالحَمْلِ عَلى الشَّيْءِ وقَدْ يَكُونُ بِالبَيانِ بِحَيْثُ يَصِيرُ المَدْعُوُّ إلَيْهِ مُتَهَيِّئًا لِلْوُصُولِ إلَيْهِ قالَ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِهِ مِن ذَلِكَ لِمَن يُرِيدُ سَعادَتَهُ ﴿ويُبَيِّنُ آياتِهِ﴾ في ذَلِكَ وفي غَيْرِهِ ﴿لِلنّاسِ﴾ كافَّةً مَن أرادَ سَعادَتَهُ وغَيْرَهُ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى حالَةٍ يَظْهَرُ لَهم بِها بِما خَلَقَ لَهم رَبُّهم مِنَ الفَهْمِ وما طَبَعَ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرائِزِ حُسْنُ ما دَعاهم إلَيْهِ وقُبْحُ ما نَهاهم عَنْهُ غايَةَ الظُّهُورِ بِما أفْهَمَهُ الإظْهارُ.
البقرة 2:222
ولَمّا كانَ في ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ رُجُوعٌ إلى تَتْمِيمِ ما أحَلَّ مِنَ الرَّفَثِ في لَيْلِ الصِّيامِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ تَلاها بِالسُّؤالِ عَنْ غَشَيانِ الحائِضِ ولَمّا كانَ في النِّكاحِ شائِبَةٌ لِلْجِماعِ تُثِيرُ لِلسُّؤالِ عَنْ أحْوالِهِ وشائِبَةٌ لِلنَّسِّ والِانْتِفاعِ تَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ كانَ نَظْمُ آيَةِ الحَرْثِ بِآيَةِ العَقْدِ بِطَرِيقِ العَطْفِ أنْسَبَ مِنهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ أيْ عَنْ نِكاحِ النِّساءِ فِيهِ مُخالَفَةٌ لِلْيَهُودِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو (p-٢٧٥)مَفْعِلٌ مِنَ الحَيْضِ وهو مُعاهَدَةُ انْدِفاعِ الدَّمِ العَفِنِ الَّذِي هو في الدَّمِ بِمَنزِلَةِ البَوْلِ والعَذِرَةِ في فَضْلَتَيِ الطَّعامِ والشَّرابِ مِنَ الفَرَجِ ﴿قُلْ هو أذًى﴾ أيْ مُؤْذٍ لِلْجِسْمِ والنَّفْسِ لِأنَّ فِيهِ اخْتِلاطَ النُّطْفَةِ بِرَكْسِ الدَّمِ الفاسِدِ العَفِنِ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: حَتّى أنَّهُ يُقالُ إنَّ الَّتِي تُوطَأُ وهي حائِضٌ يَقَعُ في ولَدِها مِنَ الآفاتِ أنْواعٌ - انْتَهى.
ولِهَذا سَبَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾ أيْ كَلِّفُوا أنْفُسَكم تَرْكَ وِقاعِهِنَّ، مِنَ الِاعْتِزالِ وهو طَلَبُ العَزْلِ وهو الِانْفِرادُ عَمّا شَأْنُهُ الِاشْتِراكُ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
﴿فِي المَحِيضِ﴾ أيْ زَمَنِهِ، وأظْهَرَهُ لِئَلّا يُلْبِسَ لَوْ أضْمَرَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِمُطْلَقِ المُرادِ بِالأذى مِنَ الدَّمِ فَيَشْمَلُ الِاسْتِحاضَةَ وهي دَمٌ صالِحٌ يَسِيلُ مِن عِرْقٍ يَنْفَجِرُ مِن عُنُقِ الرَّحِمِ فَلا يَكُونُ أذًى كالحَيْضِ الَّذِي هو دَمٌ فاسِدٌ يَتَوَلَّدُ مِن طَبِيعَةِ المَرْأةِ مِن طَرِيقِ الرَّحِمِ ولَوِ احْتَبَسَ لَمَرِضَتِ المَرْأةُ، فَهو كالبَوْلِ والغائِطِ فَيَحِلُّ الوَطْءُ مَعَهُ دُونَ الحَيْضِ لِإسْقاطِ العُسْرِ - قالَهُ الإمامُ.
﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أيْ في مَحَلِّ الإتْيانِ بِجِماعٍ ولا مُباشَرَةٍ في ما دُونَ الإزارِ وإنَّما تَكُونُ المُباشَرَةُ في ما عَلا عَنِ الإزارِ ﴿حَتّى﴾ ولَمّا كانَ فِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ (p-٢٧٦)مِنَ الرَّكْسِ قالَ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾ أيْ بِانْقِطاعِهِ وذَهابِ إبّانِهِ والغُسْلِ مِنهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ مَعَ قِراءَةِ التَّشْدِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾ أيِ اغْتَسَلْنَ، فالوَطْءُ لَهُ شَرْطانِ: الِانْقِطاعُ والِاغْتِسالُ ورُبَّما دَلَّتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ عَلى جَوازِ القُرْبانِ لا الإتْيانِ وذَلِكَ بِالمُباشَرَةِ فِيما سَفَلَ عَنِ الإزارِ ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ أيْ جِماعًا وخُلْطَةً مُبْتَدِئِينَ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وهو القُبُلُ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ ذَلِكَ؛ ولَمّا دَلَّ ما في السِّياقِ مِن تَأْكِيدٍ عَلى أنَّ بَعْضَهم عَزَمَ أوْ أحَبَّ أنْ يَفْعَلَ بَعْضَ ما تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ (p-٢٧٧)مُكَرِّرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ ولَمْ يُضْمِرْهُ إعْلامًا بِأنَّ هَذا حُكْمٌ عامٌّ لِما يَقَعُ مِن هَفْوَةٍ بِسَبَبِ الحَيْضِ أوْ غَيْرِهِ ﴿يُحِبُّ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالإحاطَةِ بِالإكْرامِ وإنْ كانَ مُخْتَصًّا بِالإحاطَةِ بِالجَلالِ ﴿التَّوّابِينَ﴾ أيِ الرَّجّاعِينَ عَمّا كانُوا عَزَمُوا عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ ومِن كُلِّ ذَنْبٍ أوْجَبَ لَهم نَقْصَ الإنْسانِيَّةِ ولا سِيَّما شَهْوَةَ الفَرْجِ الإلْمامُ بِهِ، كُلَّما وقَعَتْ مِنهم زَلَّةٌ أحْدَثُوا لَها تَوْبَةً لِأنَّ ذَلِكَ مِن أسْبابِ إظْهارِهِ سُبْحانَهُ صِفَةَ الحِلْمِ والعَفْوِ والجُودِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهم» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.
وإذا أحَبَّ مَن يَتَكَرَّرُ مِنهُ التَّوْبَةُ بِتَكْرارِ المَعاصِي فَهو في التّائِبِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ مِنهُ بَعْدَ تَوْبَتِهِ زَلَّةٌ إنْ كانَ ذَلِكَ يُوجَدُ أحَبُّ وفِيهِ أرْغَبُ وبِهِ أرْحَمُ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا يَعِزُّ التَّخَلُّصُ مِن إشْراكِهِ إمّا في تَجاوُزِ ما في المُباشَرَةِ أوْ في (p-٢٧٨)الجِماعِ أوَّلًا أوْ آخِرًا أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: تَأْنِيسًا لِقُلُوبِ المُتَحَرِّجِينَ مِن مُعاوَدَةِ الذَّنْبِ بَعْدَ تَوْبَةٍ مِنهُ، أيْ ومِن مُعاوَدَةِ التَّوْبَةِ بَعْدَ الوُقُوعِ في ذَنْبٍ ثانٍ لِما يَخْشى العاصِي مِن أنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِ كَذِبُهُ كُلَّما أحْدَثَ تَوْبَةً وزَلَّ بَعْدَها فَيُعَدُّ مُسْتَهْزِئًا فَيَسْقُطُ مِن عَيْنِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُبالِي بِهِ فَيُوقِفُهُ ذَلِكَ عَنِ التَّوْبَةِ.
ولَمّا كانَتِ المُخالَطَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قَذِرَةً جِدًّا (p-٢٧٩)أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحِبُّ﴾ ولَمّا كانَتْ شَهْوَةُ النِّكاحِ وشِدَّةُ الشَّبَقِ جَدِيرَةً بِأنْ تَغْلِبَ الإنْسانَ إلّا بِمَزِيدِ مُجاهَدَةٍ مِنهُ أظْهَرَ تاءَ التَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿المُتَطَهِّرِينَ﴾ أيِ الحامِلِينَ أنْفُسَهم عَلى ما يَشُقُّ مِن أمْرِ الطَّهارَةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ، وهُمُ الَّذِينَ يُبالِغُونَ ورَعًا في البُعْدِ عَنْ كُلِّ مُشْتَبَهٍ فَلا يُواقِعُونَ حائِضًا إلّا بَعْدَ كَمالِ التَّطَهُّرِ؛ أيْ يَفْعَلُ مَعَهم مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ المُحِبِّ وكَذا كُلُّ ما يَحْتاجُ إلى طَهارَةٍ حِسِّيَّةٍ أوْ مَعْنَوِيَّةٍ.
البقرة 2:223
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى المَأْتِيَّ في الآيَةِ السّابِقَةِ نَوْعَ بَيانٍ أوْضَحَهُ مُشِيرًا إلى ثَمَرَةِ النِّكاحِ النّاهِيَةِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ عَنِ السِّفاحِ فَقالَ: ﴿نِساؤُكُمْ﴾ أيِ اللّاتِي هُنَّ حِلٌّ لَكم بِعَقْدٍ أوْ مِلْكٍ يَمِينٍ (p-٢٨٠)ولَمّا كانَ إلْقاءُ النُّطْفَةِ الَّتِي يَكُونُ مِنها النَّسْلُ كَإلْقاءِ البِذْرِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الزَّرْعُ شَبَّهَهُنَّ بِالمَحارِثِ دَلالَةً عَلى أنَّ الغَرَضَ الأصِيلَ طَلَبُ النَّسْلِ فَقالَ مُسَمِّيًا مَوْضِعَ الحَرْثِ بِاسْمِهِ مُوقِعًا اسْمَ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ مُوَحَّدًا لِأنَّهُ جِنْسٌ ﴿حَرْثٌ لَكُمْ﴾ فَأوْضَحَ ذَلِكَ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِيَقَعَ الخِطابُ بِالإشارَةِ أيْ في الآيَةِ الأُولى لِأُولِي الفَهْمِ وبِالتَّصْرِيحِ أيْ في هَذِهِ لِأُولِي العِلْمِ لِأنَّ الحَرْثَ كَما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ إنَّما يَكُونُ في مَوْضِعِ الزَّرْعِ - انْتَهى.
وفِي تَخْصِيصِ الحَرْثِ بِالذِّكْرِ وتَعْمِيمِ (p-٢٨١)جَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ أيِ المَوْضِعَ الصّالِحَ لِلْحِراثَةِ ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ إشارَةً إلى تَحْرِيمِ ما سِواهُ لِما فِيهِ مِنَ العَبَثِ بِعَدَمِ المَنفَعَةِ. قالَ الثَّعْلَبِيُّ: الأدْبارُ مَوْضِعُ الفَرْثِ لا مَوْضِعُ الحَرْثِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أُمُورًا خَفِيَّةً لا يُحْمَلُ عَلى صالِحِها وتُحْجَرُ عَنْ فاسِدِها إلّا مَحْضَ الوَرَعِ قالَ: ﴿وقَدِّمُوا﴾ أيْ أوْقِعُوا التَّقْدِيمَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْجَمْعِ وهو مِن شَهَواتِ النَّفْسِ قالَ مُشِيرًا إلى الزَّجْرِ عَنِ اتِّباعِها كُلَّ ما تَهْوى: ﴿لأنْفُسِكُمْ﴾ أيْ مِن هَذا العَمَلِ وغَيْرِهِ مَن كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِالشَّهَواتِ ما إذا عَرَضَ عَلى مَن تَهابُونَهُ وتَعْتَقِدُونَ خَيْرَهُ افْتَخَرْتُمْ بِهِ عِنْدَهُ وذَلِكَ بِأنْ تَصْرِفُوا مَثَلًا هَذا العَمَلَ عَنْ مَحْضِ الشَّهْوَةِ إلى قَصْدِ الإعْفافِ وطَلَبِ الوَلَدِ الَّذِي يَدُومُ بِهِ صالِحُ العَمَلِ فَيَتَّصِلُ الثَّوابُ، ومِنَ التَّقْدِيمِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَ الجِماعِ عَلى ما ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وصَرَّحَ بِهِ الحَبْرُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما عَلى (p-٢٨٢)ما نُقِلَ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتْ أفْعالُ الإنْسانِ في الشَّهَواتِ تُقَرِّبُ مِن فِعْلِ مَن عِنْدَهُ شَكٌّ احْتِيجَ إلى مَزِيدِ وعْظٍ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يَكْرَهُهُ المَلِكُ الأعْظَمُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ وِقايَةً مِنَ الحَلالِ أوِ المُشْتَبَهِ.
وزادَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوَعْظِ والتَّحْذِيرِ بِالتَّنْبِيهِ بِطَلَبِ العِلْمِ وتَصْوِيرِ العَرْضِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ وهو سائِلُكم عَنْ جَمِيعِ ما فَعَلْتُمُوهُ مِن دَقِيقٍ وجَلِيلٍ وصالِحٍ وغَيْرِهِ فَلا تَقَعُوا فِيما تَسْتَحْيُونَ مِنهُ إذا سَألَكم فَهو أجَلُّ مَن كُلِّ جَلِيلٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إشْعارٌ بِما يَجْرِي في أثْناءِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها أحْكامُ حُكّامِ الدُّنْيا مِمّا لا يَقَعُ الفَصْلُ فِيهِ إلّا في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ إنَّ أمْرَ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ سِرٌّ لا يُفْشى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا يُسْألُ الرَّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأتَهُ» وقالَ: «لا أُحِبُّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَشْكُوَ زَوْجَها» (p-٢٨٣)فَأنْبَأ تَعالى أنَّ أمْرَ ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مُؤَخَّرٌ حُكْمُهُ إلى لِقاءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَفِيظَةً عَلى ما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِيَبْقى سِرًّا لا يُظْهِرُ أمْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وفي إشْعارِهِ إبْقاءٌ لِلْمَرُوَّةِ في أنْ لا يَحْتَكِمَ الزَّوْجانِ عِنْدَ حاكِمٍ في الدُّنْيا وأنْ يَرْجِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى تَقْوى اللَّهِ وعِلْمِهِ بِلِقاءِ اللَّهِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا لا يَعْقِلُهُ حَقَّ عَقْلِهِ كُلُّ أحَدٍ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالِالتِفاتِ إلى أكْمَلِ الخَلْقِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنْذِرِ المُكَذِّبِينَ فِعْلًا أوْ قَوْلًا، قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ لَهُمُ الإيمانُ وصْفًا راسِخًا تَهَيَّأُوا بِهِ لِلْمُراقَبَةِ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ مِثْلَ هَذا مِن بابِ الأماناتِ لا يَحْجِزُ عَنْهُ إلّا الإخْلاصُ في الإيمانِ والتَّمَكُّنِ فِيهِ.
البقرة 2:224
ولَمّا أذِنَ في إتْيانِ النِّساءِ في مَحَلِّ الحَرْثِ كَيْفَ ما اتَّفَقَ ومَنَعَ مِمّا سِوى ذَلِكَ ومَنَعَ مِن مَحَلِّ الحَرْثِ في حالِ الحَيْضِ بَيْنَ حُكْمِ ما إذا مَنَعَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِن ذَلِكَ بِالإيلاءِ أوْ بِمُطْلَقِ اليَمِينِ ولَوْ عَلى غَيْرِ سَبِيلِ الإيلاءِ لِأنَّهُ نَقَلَ عَنْ كَثِيرٍ مِنهم شِدَّةَ المَيْلِ إلى النِّكاحِ فَكانَ يَخْشى المُواقَعَةَ في حالِ المَنعِ فَتَحْمِلُهُ شِدَّةُ الوَرَعِ عَلى أنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ بِمانِعِ (p-٢٨٤)مُظاهَرَةٍ كَما بَيَّنَ في سُورَةِ المُجادَلَةِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأيْمانِ فَمَنَعَهم مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى عادِلًا عَنْ خِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ تَعْظِيمًا لِمَقامِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ يُدانِي جَلالَهُ وعَظَمَتَهُ وكَمالَهُ ﴿عُرْضَةً﴾ أيْ مُعَرَّضًا ﴿لأيْمانِكُمْ﴾ فَيَكُونَ في مَوْضِعٍ ما يُمْتَهَنُ ويُبْتَذَلُ فَإنَّ ذَلِكَ إذا طالَ حُمِلَ عَلى الِاجْتِراءِ عَلى الكَذِبِ فَجَرَّ إلى أقْبَحِ (p-٢٨٥)الأشْياءِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والعُرْضَةُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وأخْذُهُ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ لَهُ ولا صَمَدٍ نَحْوَهُ بَلْ لَهُ صَمَدٌ غَيْرُهُ ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿تَبَرُّوا﴾ في أمْوالِ اليَتامى وغَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ أوِ النَّهْيُ عَنْهُ ﴿وتَتَّقُوا﴾ أيْ تَحْمِلُكم أيْمانُكم عَلى البِرِّ وهو الِاتِّساعُ في كُلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ والتَّقْوى وهي التَّوَغُّلُ في خَوْفِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ فَتَجْعَلُوا الأيْمانَ لَكم دَيْدَنًا فَتَحْلِفُونَ تارَةً أنْ تَفْعَلُوا وتارَةً أنْ لا تَفْعَلُوا لِإلْزامِ أنْفُسِكم بِتِلْكَ الأشْياءِ فَإنَّ مَن لا يَنْقادُ إلى الخَيْرِ إلّا بِقائِدٍ مِن يَمِينٍ أوْ غَيْرِها لَيْسَ بِصادِقِ العَزِيمَةِ، وفي الأمْثالِ: فَرَسٌ لا تَجْرِي إلّا بِمِهْمازٍ بِئْسَ الفَرَسُ.
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ والعَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فاللَّهُ (p-٢٨٦)جَلِيلٌ عَظِيمٌ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ ﴿سَمِيعٌ﴾ لِجَمِيعِ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما أسَرَّ مِنهُ وما أعْلَنَ، فاحْذَرُوهُ في جَمِيعِ ما يَأْمُرُكم بِهِ ويَنْهاكم عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن واوِ ﴿تَجْعَلُوا﴾ فَلا يَكُونُ هُناكَ مُقَدَّرٌ ويَكُونُ الإظْهارُ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِتَعْظِيمِ المَقامِ.
البقرة 2:225
ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذا وكانَتْ ألْسِنَتُهم قَدْ مُرِّنَتْ عَلى الأيْمانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ بِحَيْثُ صارُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ إلّا بِرِياضَةٍ كَبِيرَةٍ ومُعالَجَةٍ طَوِيلَةٍ وكانَ مِمّا رَحِمَ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ العَفْوُ عَمّا أخْطَأتْ بِهِ ولَمْ تَتَعَمَّدْهُ قالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ﴾ أيْ لا يُعاقِبُكُمْ، وحَقِيقَتُهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ (p-٢٨٧)مَن يُناظِرُ شَخْصًا في أنَّ كُلًّا مِنهُما يُرِيدُ أخْذَ الآخَرِ بِذَنْبٍ أسْلَفَهُ إلَيْهِ ﴿اللَّهُ﴾ فَكَرَّرَ في الإطْلاقِ والعَفْوِ الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّقْيِيدِ والمَنعِ إيذانًا بِأنَّ عَظَمَتَهُ لا تَمْنَعُ مِنَ المَغْفِرَةِ ﴿بِاللَّغْوِ﴾ وهو ما تَسْبِقُ إلَيْهِ الألْسِنَةُ مِنَ القَوْلِ عَلى غَيْرِ عَزْمٍ قُصِدَ إلَيْهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
﴿فِي أيْمانِكُمْ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الِامْتِهانِ بَلْ رُبَّما دَلَّ عَلى المَحَبَّةِ والتَّعْظِيمِ.
ولَمّا بَيَّنَ ما أطْلَقَهُ بَيَّنَ ما مَنَعَهُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾ والعِبارَةُ صالِحَةٌ لِلْإثْمِ والكَفّارَةِ. ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى اليَمِينِ في الأغْلَبِ المَنافِعَ الدُّنْيَوِيَّةَ الَّتِي هي الرِّزْقُ وكانَ الكَسْبُ يُطْلَقُ عَلى طَلَبِ الرِّزْقِ وعَلى القَصْدِ والإصابَةِ عَبَّرَ بِهِ فَقالَ: ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ أيْ تَعَمَّدَتْ ﴿قُلُوبُكُمْ﴾ (p-٢٨٨)فاجْتَمَعَ فِيهِ مَعَ اللَّفْظِ النِّيَّةُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَيَكُونُ ذَلِكَ عَزْمًا باطِنًا وقَوْلًا ظاهِرًا فَيُؤاخَذُ بِاجْتِماعِهِما، فَفي جُمْلَتِهِ تَرْفِيعٌ لِمَن لا يَحْلِفُ بِاللَّهِ في عَزْمٍ ولا لَغْوٍ، وذَلِكَ هو الَّذِي حَفِظَ حُرْمَةَ الحَلِفِ بِاللَّهِ، وفي مُقابَلَتِهِ مَن يَحْلِفُ عَلى الخَيْرِ أنْ لا يَفْعَلَهُ - انْتَهى.
ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا الكَفّارَةَ صَرِيحًا إشارَةً إلى أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا أتْقى مِن أنْ يُمْنَعُوا مِن شَيْءٍ فَيُقارِفُوهُ، وأشارَ إلَيْها في الإيلاءِ كَما يَأْتِي.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ المُؤاخَذَةِ قَطْعًا لِقُلُوبِ الخائِفِينَ سَكَّنَها بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ إشارَةً إلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ مَعَ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِذُنُوبِ عِبادِهِ إذا تابُوا.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُؤاخَذَةِ الَّتِي هي مُعالَجَةُ كُلٍّ مِنَ المُتَناظِرِينَ لِصاحِبِهِ بِالأخْذِ كانَ الحِلْمُ أنْسَبَ الأشْياءِ لِذَلِكَ فَقالَ ﴿حَلِيمٌ﴾ (p-٢٨٩)لا يُعاجِلُهم بِالأخْذِ، والحِلْمُ احْتِمالُ الأعْلى لِلْأذى مِنَ الأدْنى، وهو أيْضًا رَفْعُ المُؤاخَذَةِ عَنْ مُسْتَحِقِّها بِجِنايَةٍ في حَقٍّ مُسْتَعْظَمٍ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
البقرة 2:226
ولَمّا كانَ الإيلاءُ حَلِفًا مُقَيَّدًا وبَيَّنَ حُكْمَ مُطْلَقِ اليَمِينِ قَبْلَهُ لِتَقَدُّمِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ بِانْفِكاكِهِ عَنْهُ بَيَّنَهُ دَلِيلًا عَلى حِلْمِهِ حَيْثُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ فَقَدْ كانُوا يُضارُّونَ بِهِ النِّساءَ في الجاهِلِيَّةِ بِأنْ يَحْلِفُوا عَلى عَدَمِ الوَطْءِ أبَدًا فَتَكُونُ المَرْأةُ لا أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ وجَعَلَ لَهم فِيهِ مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَقالَ في جَوابِ مِن كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ لِما أشْعَرَ بِهِ ما تَقَدَّمَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ أيْ يَحْلِفُونَ حَلِفًا مُبْتَدِئًا ﴿مِن نِسائِهِمْ﴾ في صُلْبِ النِّكاحِ أوْ عَلَقَةِ الرَّجْعَةِ بِما أفادَتْهُ الإضافَةُ بِأنْ لا يُجامِعُوهُنَّ أبَدًا أوْ فَوْقَ (p-٢٩٠)أرْبَعَةِ أشْهُرٍ فالتَّعْدِيَةُ بِـ مِن تَدُلُّ عَلى أخْذٍ في البُعْدِ عَنْهُنَّ.
قالَ الحَرالِيُّ: والإيلاءُ تَأْكِيدُ الحَلِفِ وتَشْدِيدُهُ سَواءٌ كانُوا أحْرارًا أوْ عَبِيدًا أوْ بَعْضًا وبَعْضًا في حالِ الرِّضا أوِ الغَضَبِ مَحْبُوبًا كانَ أوْ لا لِأنَّ المُضارَّةَ حاصِلَةٌ بِيَمِينِهِ ﴿تَرَبُّصُ﴾ أيْ إمْهالٌ وتَمَكُّثٌ يَتَحَمَّلُ فِيهِ الصَّبْرَ الَّذِي هو مَقْلُوبُ لَفْظِهِ - انْتَهى.
﴿أرْبَعَةِ أشْهُرٍ﴾ يَنْتَظِرُ فِيها رُجُوعَهم إلَيْهِنَّ حِلْمًا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَيْثُ لَمْ يَجْعَلِ الأمْرَ بِتاحِينِ الحَلِفِ بِفِراقٍ أوْ وِفاقٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا كانَ لِتَخَلُّصِ المَرْأةِ مِنَ الزَّوْجِ (p-٢٩١)أجَلُ عِدَّةٍ كانَ أجَلُها مَعَ أمَدِ هَذا التَّرَبُّصِ كَأنَّهُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - هو القَدْرُ الَّذِي تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها، يُذْكَرُ أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَألَ النِّساءَ عَنْ قَدْرِ ما تَصْبِرُ المَرْأةُ عَنِ الزَّوْجِ، فَأخْبَرْنَهُ أنَّها تَصْبِرُ سِتَّةَ أشْهُرٍ، فَجَعَلَ ذَلِكَ أمَدَ البُعُوثِ فَكانَ التَّرَبُّصُ والعِدَّةُ قَدْرَ ما تَصْبِرُهُ المَرْأةُ عَنْ زَوْجِها، وقَطَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ ضِرارَ الجاهِلِيَّةِ في الإيلاءِ إلى غَيْرِ حَدٍّ - انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا كانَ حالُهم بَعْدَ ذَلِكَ مُرَدَّدًا بَيَّنَ تَعالى قِسْمَيْهِ فَقالَ مُفَصِّلًا لَهُ ﴿فَإنْ فاءُوا﴾ أيْ رَجَعُوا في الأشْهُرِ، وأعْقَبَها عَنِ المُفاصَلَةِ إلى المُواصَلَةِ، مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ إلى ما كانَ مِنهُ الِانْبِعاثُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ يَغْفِرُ لَهم ما قارَفُوهُ في ذَلِكَ مِن إثْمٍ ويَرْحَمُهم بِإنْجاحِ مَقاصِدِهِمْ لِأنَّهُ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَهُ هاتانِ الصِّفَتانِ يَنْظُرُ بِهِما إلى مَن (p-٢٩٢)يَسْتَحِقُّهُما فَيَغْفِرُ ما في ذَلِكَ مِن جِنايَةٍ مِنهُما أوْ مِن أحَدِهِما إنْ شاءَ ويُعامَلُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالإكْرامِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي مَوْرِدِ هَذا الخِطابِ بِإسْنادِهِ لِلْأزْواجِ ما يُظافِرُ مَعْنى إجْراءِ أُمُورِ النِّكاحِ عَلى سُتْرَةٍ وإعْراضٍ عَنْ حُكْمِ الحُكّامِ مِن حَيْثُ جَعْلُ التَّرَبُّصِ لَهُ والفَيْءِ مِنهُ، فَكَأنَّ الحُكْمَ مِنَ الحاكِمِ إنَّما يَقَعُ عَلى مَن هَتَكَ حُرْمَةَ سِتْرِ أحْكامِ الأزْواجِ الَّتِي يَجِبُ أنْ تَجْرِيَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ مِن وراءِ سِتْرٍ كَما هو سِرُّ النِّكاحِ الَّذِي هو سَبَبُ جَمْعِهِما لِيَكُونَ حُكْمُ السِّرِّ سِرًّا وحُكْمُ الجَهْرِ جَهْرًا - انْتَهى.
البقرة 2:227
ولَمّا كانَ الحالُ في مُدَّةِ الإيلاءِ شَبِيهًا بِحالِ الطَّلاقِ ولَيْسَ بِهِ قالَ مُبَيِّنًا أنَّ الطَّلاقَ لا يَقَعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ بَلْ إمّا أنْ يَفِيءَ أوْ يُطَلِّقَ فَإنْ أبى طَلَّقَ عَلَيْهِ الحاكِمُ: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ فَأوْقَعَ عَلَيْهِ العَزْمَ مِن غَيْرِ حَرْفِ جَرٍّ بِمَعْنى أنَّهم تَرَكُوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذَّبْذَبَةِ وجَعَلُوا الطَّلاقَ عَزِيمَةً واقِعًا مِن غَيْرِ مَجْمَجَةٍ ولا سَتْرٍ، (p-٢٩٣)والعَزْمُ الإجْماعُ عَلى إنْفاذِ الفِعْلِ، والطَّلاقُ هو في المَعْنى بِمَنزِلَةِ إطْلاقِ الشَّيْءِ مِنَ اليَدِ الَّذِي يُمْكِنُ أخْذُهُ بَعْدَ إطْلاقِهِ - قالَهُ الحَرالِيُّ.
ولَمّا كانَ المُطْلِّقُ رُبَّما نَدِمَ فَحَمَلَهُ العِشْقُ عَلى إنْكارِ الطَّلاقِ رَهَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِعِبارَتِهِمْ عَنْهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: في إشارَتِهِ إعْلامٌ بِأنَّ الطَّلاقَ لا بُدَّ لَهُ مِن ظاهِرِ لَفْظٍ يَقَعُ مَسْمُوعًا - انْتَهى.
﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بِهِ وبِنِيَّتِهِمْ فِيهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ تَهْدِيدٌ بِما يَقَعُ في الأنْفُسِ والبَواطِنِ مِنَ المُضارَّةِ والمُضاجَرَةِ بَيْنَ الأزْواجِ في أُمُورٍ لا تَأْخُذُها الأحْكامُ ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِلَ إلى عِلْمِها الحُكّامُ فَجَعَلَهم أُمَناءَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيما بَطَنَ وظَهَرَ، ولِذَلِكَ رَأى العُلَماءُ أنَّ الطَّلاقَ أمانَةٌ في أيْدِي الرِّجالِ كَما أنَّ (p-٢٩٤)العُدَدَ والِاسْتِبْراءَ أمانَةٌ في أيْدِي النِّساءِ، فَلِذَلِكَ انْتَظَمَتْ آيَةُ تَرَبُّصِ المَرْأةِ في عِدَّتِها بِآيَةِ تَرَبُّصِ الزَّوْجِ في إيلائِهِ - انْتَهى.
وبَقِيَ مِن أحْكامِ الإيلاءِ قِسْمٌ ثالِثٌ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهم يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا في غايَةِ النَّزاهَةِ عَنْهُ وهو الإصْرارُ عَلى الإضْرارِ، وأشارَ بِصِفَتَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِفاعِلٍ ضِدَّهُ إلى أنَّ مُرْتَكِبَهُ يُعامَلُ بِضِدِّهِما مِمّا حُكْمُهُ مَعْرُوفٌ في الفِقْهِ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
البقرة 2:228
ولَمّا خَتَمَ آيَتَيِ الإيلاءِ بِالطَّلاقِ بَيَّنَ عِدَّتِهِ فَقالَ: -
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ تَرَبُّصَ الزَّوْجِ - سُبْحانَهُ وتَعالى في أمْرِ الطَّلاقِ الَّذِي هو أمانَتُهُ ذَكَرَ تَرَبُّصَ المَرْأةِ في أمْرِ العِدَّةِ الَّتِي هي أمانَتُها؛ انْتَهى - فَقالَ: ﴿والمُطَلَّقاتُ﴾ أيِ المَدْخُولُ بِهِنَّ بِما أفْهَمُهُ الإيلاءُ مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِنَّ غَيْرُ الحَوامِلِ لِأنَّ عِدَّتَهُنَّ بِالوِلادَةِ وغَيْرَ ذَواتِ الأشْهُرِ لِصِغَرٍ (p-٢٩٥)أوْ كِبَرٍ.
ولَمّا أُرِيدَ التَّأْكِيدُ لِأمْرِهِنَّ بِالعِدَّةِ سَبَقَ بَعْدَ تَأْكِيدِهِ بِبِنائِهِ عَلى المُبْتَدَأِ في صِيغَةِ الخَبَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ وانْقَضى إيماءً إلى المُسارَعَةِ إلى امْتِثالِهِ فَقِيلَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أيْ يَنْتَظِرْنَ اعْتِدادًا.
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ داعِيَةً إلى الشَّهَواتِ لا سِيَّما أنْفُسَ النِّساءِ إلى الرِّجالِ وكانَ التَّرَبُّصُ عامًّا في النَّفْسِ بِالعَقْدِ لِزَوْجٍ آخَرَ وفي التَّعَرُّضِ لَهُ بِاكْتِحالٍ وتَزَيُّنٍ وتَعْرِيضٍ بِكَلامٍ مَعَ البَيْنُونَةِ وبِغَيْرِ ذَلِكَ خَصَّ الأوَّلَ مُعَبِّرًا لَها بِالنَّفْسِ هَزًّا إلى الِاحْتِياطِ في كَمالِ التَّرَبُّصِ والِاسْتِحْياءِ مِمّا يُوهِمُ الِاسْتِعْجالَ فَقالَ: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ فَلا يُطْمِعُنَّها في مُواصَلَةِ رَجُلٍ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
ولَمّا كانَ القُرْءُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ الطُّهْرِ والحَيْضِ وكانَ الأقْراءُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ جَمْعِ كُلٍّ مِنهُما وكانَ الطُّهْرُ مُخْتَصًّا عِنْدَ جَمْعٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنْ يُجْمَعَ عَلى قُرُوءٍ كانَ مُذَكَّرًا يُؤَنَّثُ عَدَدُهُ وكانَتِ الحَيْضَةُ مُؤَنَّثَةً يُذَكَّرُ (p-٢٩٦)عَدَدُها دُلَّ عَلى أنَّ المُرادَ الإظْهارُ بِما يَخُصُّهُ مِنَ الجَمْعِ وبِتَأْنِيثِ عَدَدِهِ فَقالَ ذاكِرًا ظَرْفَ التَّرَبُّصِ: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أيْ جُمُوعٍ مِنَ الدَّمِ وسَيَأْتِي في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ أنَّ هَذِهِ المادَّةَ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ وأنَّ المُرادَ بِالقُرُوءِ الأطْهارُ لِأنَّها زَمَنُ جَمْعِ الدَّمِ حَقِيقَةً، وأمّا زَمَنُ الحَيْضِ فَإنَّما يُسَمّى بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ تَحَقُّقِ الجَمْعِ، والمَشْهُورُ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ جَمْعَ القُرْءِ بِمَعْنى الطُّهْرِ أقْراءٌ وقُرُوءٌ، وأنَّ جَمْعَهُ إذا أُطْلِقَ عَلى الحَيْضِ أقْراءٌ فَقَطْ؛ وذَلِكَ لِأنَّ المادَّةَ لَمّا كانَتْ لِلْجَمْعِ كانَتْ أيّامُ الطُّهْرِ هي المُتَحَقِّقَةَ بِذَلِكَ وكانَ جَمْعُ الكَثْرَةِ أعْرَفَ (p-٢٩٧)فِي الجَمْعِ كانَ بِالطُّهْرِ أوْلى.
وقالَ الحَرالِيُّ: قُرُوءٌ جَمْعُ قُرْءٍ وهو الحَدُّ الفاصِلُ بَيْنَ الطُّهْرِ والحَيْضِ الَّذِي يَقْبَلُ الإضافَةَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، ولِذَلِكَ ما تَعارَضَتْ في تَفْسِيرِ لُغَتِهِ تَفاسِيرُ اللُّغَوِيِّينَ واخْتَلَفَ في مَعْناهُ أقْوالُ العُلَماءِ لِخَفاءِ مَعْناهُ بِما هو حَدٌّ بَيْنِ الحالَيْنِ كالحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ الظِّلِّ والشَّمْسِ فالقُرُوءُ الحُدُودُ، وذَلِكَ حِينَ تُطَلَّقُ المَرْأةُ لِقَبْلِ عِدَّتِها في طُهْرٍ لَمْ تُمَسَّ فِيهِ لِيُطَلِّقَها عَلى ظُهُورِ بَراءَةٍ مِن عَلَقَتِهِما لِئَلّا يُطَلِّقَ ما لَمْ تَنْطَلِقْ عَنْهُ، فَإذا انْتَهى الطُّهْرُ وابْتَدَأ الحَيْضُ كانَ ما بَيْنَهُما قُرْءًا لِأنَّ القُرْءَ اسْتِكْمالُ جَمْعِ الحَيْضِ حِينَ يَتَعَفَّنُ فَما لَمْ يَنْتَهِ إلى الخُرُوجِ لَمْ يَتِمَّ قُرْءًا، فَإذا طَهُرَتِ الطُّهْرَ الثّانِيَ وانْتَهى إلى الحَيْضِ كانا قُرْءَيْنِ، فَإذا طَهُرَتِ الطُّهْرَ الثّالِثَ وانْتَهى إلى الحَيْضِ شاهِدُ كَمالِ القُرْءِ كانَ ثَلاثَةَ أقْراءٍ، فَلِذَلِكَ يُعْرِبُ مَعْناهُ عَنْ حِلِّ المَرْأةِ عِنْدَ رُؤْيَتِها الدَّمَ مِنَ الحَيْضَةِ الثّالِثَةِ لِتَمامِ عِدَّةِ الأقْراءِ الثَّلاثَةِ، فَيُوافِقُ مَعْنى مَن يُفَسِّرُ القُرْءَ بِالطُّهْرِ ويَكُونُ أقْرَبَ مِن تَفْسِيرِهِ بِالحَيْضِ فَأمَدُ الطُّهْرِ ظاهِرًا هو أمَدُ الِاسْتِقْراءِ لِلدَّمِ باطِنًا فَيَبْعُدُ تَفْسِيرُهُ بِالحَيْضِ عَمّا هو تَحْقِيقُهُ مِن مَعْنى الحَدِّ بُعْدًا ما - انْتَهى.
(p-٢٩٨)ولَمّا كانَ النِّكاحُ أشْهى ما إلى الحَيَوانِ وكانَ حُبُّكَ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ وكانَ النِّساءُ أرْغَبَ في ذَلِكَ مَعَ ما بِهِنَّ مِنَ النَّقْصِ في العَقْلِ والدِّينِ فَكانَ ذَلِكَ رُبَّما حَمَلَهُنَّ عَلى كَتْمِ ولَدٍ لِإرادَةِ زَوْجٍ آخَرَ تَقْصِيرًا لِلْعِدَّةِ وإلْحاقًا لِلْوَلَدِ بِهِ، أوْ حَيْضٍ لِرَغْبَةٍ في رَجْعَةِ المُطَلِّقِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَهُنَّ﴾ أيِ المُطَلَّقاتِ ﴿أنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ مِن ولَدٍ أوْ دَمٍ ﴿فِي أرْحامِهِنَّ﴾ جَمْعُ رَحِمٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو ما يَشْتَمِلُ عَلى الوَلَدِ مِن أعْضاءِ التَّناسُلِ يَكُونُ فِيهِ تَخَلُّقُهُ مِن كَوْنِهِ نُطْفَةً إلى كَوْنِهِ خَلْقًا آخَرَ - انْتَهى. ولَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَمْلَ يُعْلَمُ، إنَّما تُعْلَمُ أماراتُهُ.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا الإخْبارِ النَّهْيَ لِيَكُونَ نافِيًا لِلْحِلِّ بِلَفْظِهِ مُثْبِتًا لِلْحُرْمَةِ بِمَعْناهُ تَأْكِيدًا لَهُ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ولا يَكْتُمْنَ، قالَ مُرَغِّبًا (p-٢٩٩)فِي الِامْتِثالِ مُرَهِّبًا مِن ضِدِّهِ: ﴿إنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَتُهُ أتَمَّ ظُهُورٍ ويَدِينُ فِيهِ العِبادُ بِما فَعَلُوا، أيْ فَإنْ كَتَمْنَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ دَلَّ عَلى عَدَمِ الإيمانِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: فَفي إشْعارِهِ إثْباتُ نَوْعِ نِفاقٍ عَلى الكاتِمَةِ ما في رَحِمِها؛ انْتَهى - وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا كانَ الرَّجْعِيُّ أخَفَّ الطَّلاقِ بَيَّنَ الرَّجْعَةَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنْ كانَ ولا بُدَّ مِنَ الطَّلاقِ فَلْيَكُنْ رَجْعِيًّا فَقالَ تَعالى: ﴿وبُعُولَتُهُنَّ﴾ أيْ أزْواجُهُنَّ، جَمْعُ بَعْلٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو الرَّجُلُ المُتَهَيِّئُ لِنِكاحِ الأُنْثى المُتَأتِّي لَهُ ذَلِكَ، يُقالُ عَلى الزَّوْجِ والسَّيِّدِ - انْتَهى. ولَمّا كانَ (p-٣٠٠)لِلْمُطَلَّقَةِ حَقٌّ في نَفْسِها قالَ: ﴿أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أيْ إلى ما كانَ لَهم عَلَيْهِنَّ مِنَ العِصْمَةِ لِإبْطالِ التَّرَبُّصِ فَلَهُ حُرْمَةُ الِاسْتِمْتاعِ مِنَ المُطَلَّقاتِ بِإرادَةِ السَّراحِ ﴿فِي ذَلِكَ﴾ أيْ في أيّامِ الأقْراءِ فَإذا انْقَضَتْ صارَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها مِنهُ بِها لِانْقِضاءِ حَقِّهِ والكَلامُ في الرَّجْعِيَّةِ بِدَلِيلِ الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها.
ولِما أُثْبِتُ الحَقُّ لَهُمْ، وكانَ مِنهم مَن يَقْصِدُ الضَّرَرَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أرادُوا﴾ أيْ بِالرَّجْعَةِ ﴿إصْلاحًا﴾ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَرُدِ الإصْلاحَ وأرادَتْ هي السَّراحَ كانَ في باطِنِ الأمْرِ زانِيًا.
قالَ الحَرالِيُّ: الإصْلاحُ لِخَلَلٍ ما بَيْنَهُما أحَقُّ في عِلْمِ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ مِنِ افْتِتاحِ وصْلَةٍ ثانِيَةٍ لِأنَّ تَذَكُّرَ الماضِي يُخِلُّ بِالحاضِرِ، مِمّا حَذَّرَ النَّبِيُّ ﷺ نِكاحُ اللَّفُوتِ وهي الَّتِي لَها ولَدٌ مِن زَوْجِ سابِقٍ، فَلِذَلِكَ كانَ الأحَقُّ إصْلاحَ الأوَّلِ دُونَ اسْتِفْتاحِ وصْلَةٍ لِثانٍ - انْتَهى.
(p-٣٠١)ولَمّا أخْرَجَ أمْرَ الرَّجْعَةِ عَنْهُنَّ جَبَرَهُنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُنَّ﴾ أيْ مِنَ الحُقُوقِ ﴿مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ في كَوْنِهِ حَسَنَةً في نَفْسِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِمِلْكٍ مِنهُما لا في النَّوْعِ، فَكَما لِلرِّجالِ الرَّجْعَةُ قَهْرًا فَلَهُنَّ العِشْرَةُ بِالجَمِيلِ، وكَما لَهم حَبْسُهُنَّ فَلَهُنَّ ما يُزِيلُ الوَحْشَةَ بِمَن يُؤْنِسُ ونَحْوَ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنهُما قَدْ يَجُورُ عَلى صاحِبِهِ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ مِن حالِ كُلٍّ مِنهُما.
قالَ الحَرالِيُّ: والمَعْرُوفُ ما أقَرَّهُ الشَّرْعُ وقَبِلَهُ العَقْلُ ووافَقَهُ كَرَمُ الطَّبْعِ - انْتَهى.
ولِما ذَكَرَ الرَّجْعَةَ لَهُ بِصِيغَةِ الأحَقِّ وبَيَّنَ الحَقَّ مِنَ الجانِبَيْنِ بَيَّنَ فَضْلَ الرِّجالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلرِّجالِ﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونُوا بُعُولَةً (p-٣٠٢)﴿عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ أزْواجَهم ﴿دَرَجَةٌ﴾ أيْ فَضْلٌ مِن جِهاتٍ لا يَخْفى كالإنْفاقِ والمَهْرِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ المُرَقّى إلى العُلُوِّ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لِما أُوثِرُوا بِهِ مِن رَصانَةِ العَقْلِ وتَمامِ الدِّينِ - انْتَهى. فالرَّجُلُ يَزِيدُ عَلى المَرْأةِ بِدَرَجَةٍ مِن ثَلاثٍ لِأنَّ كُلَّ امْرَأتَيْنِ بِمَنزِلَةِ رَجُلٍ.
ولَمّا أعَزَّ سُبْحانَهُ وتَعالى الرَّجُلَ وصَفَ نَفْسَهُ بِالعِزَّةِ مُبْتِدَئًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى كُلِّ كَمالٍ فَقالَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لِأنَّ اللَّهَ أعَزَّهم عَلَيْهِنَّ بِحِكْمَتِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كَمالُ العَظَمَةِ ﴿عَزِيزٌ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ أعَزُّ بَلْ لا عَزِيزَ إلّا هو لِيَخْشى كُلُّ مَن أعارَهُ ثَوْبَ عِزَّةٍ سَطْوَتَهُ، وقالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ إلّا لِحِكْمَةٍ (p-٣٠٣)بالِغَةٍ تَسْلِيَةً لِلنِّساءِ وإنَّ ما أوْجَدَهُ بِعِزَّتِهِ وأتْقَنَهُ بِحِكْمَتِهِ لا يُمْكِنُ نَقْضُهُ.
البقرة 2:229
ولَمّا ذَكَرَ الرَّجْعَةَ ولَمْ يُبَيِّنْ لَها غايَةً تَنْتَهِي بِها فَكانَتِ الآيَةُ كالمُجْمَلِ عُرِضَ سُؤالٌ: هَلْ هي مُمْتَدَّةٌ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ مَتى راجَعَها في العِدَّةِ لَهُ أنْ يُطَلِّقَها ما دامَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ولَوْ ألْفَ مَرَّةٍ أوْ مُنْقَطِعَةٌ؟ فَقالَ: ﴿الطَّلاقُ﴾ أيِ المُحَدَّثُ عَنْهُ وهو الَّذِي تَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ.
قالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ الطَّلاقُ لِما يَتَهَيَّأُ رَدُّهُ قَصَرَهُ الحَقُّ تَعالى عَلى المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ فِيهِما تَلافِي النِّكاحِ بِالرَّجْعَةِ - انْتَهى.
وقالَ تَعالى: ﴿مَرَّتانِ﴾ دُونَ طَلْقَتانِ تَنْبِيهًا - عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ كُلُّ طَلْقَةٍ في مَرَّةٍ لا أنْ يَجْمَعَهُما في مَرَّةٍ. (p-٣٠٤)ولَمّا كانَ لَهُ بَعْدَ الثّانِيَةِ في العِدَّةِ حالانِ إعْمالٌ وإهْمالٌ وكانَ الإعْمالُ إمّا بِالرَّجْعَةِ وإمّا بِالطَّلاقِ بَدَأ بِالإعْمالِ لِأنَّهُ الأوْلى بِالبَيانِ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يُؤْذِيَ بِهِ وأُخِّرَ الإهْمالُ إلى أنْ تَنْقَضِيَ العِدَّةُ لِأنَّهُ مَعَ فَهْمِهِ مِن آيَةِ الأقْراءِ سَيُصَرِّحُ بِهِ في قَوْلِهِ في الآيَةِ الآتِيَةِ ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] فَقالَ مُعَقِّبًا بِالفاءِ ﴿فَإمْساكٌ﴾ أيْ إنْ راجَعَها في عِدَّةِ الثّانِيَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: هو مِنَ المِسْكِ وهو إحاطَةٌ تَحْبِسُ الشَّيْءَ، ومِنهُ المَسْكُ - بِالفَتْحِ - لِلْجِلْدِ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَصَرَفَهم بِذَلِكَ عَنْ ضِرارِ الجاهِلِيَّةِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ بِتَكْرِيرِ الطَّلاقِ إلى غَيْرِ حَدٍّ فَجَعَلَ لَهُ حَدًّا يَقْطَعُ قَصْدَ الضِّرارِ - انْتَهى.
﴿أوْ تَسْرِيحٌ﴾ أيْ إنْ طَلَّقَها الثّالِثَةَ، ولا يَمْلِكُ بَعْدَ هَذا التَّسْرِيحِ عَلَيْها الرَّجْعَةُ لِما كانَ عَلَيْهِ حالَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: سَمّى الثّالِثَةَ تَسْرِيحًا لِأنَّهُ إرْسالٌ لِغَيْرِ مَعْنى الأخْذِ كَتَسْرِيحِ الشَّيْءِ الَّذِي لا يُرادُ إرْجاعُهُ. وقالَ أيْضًا: هو إطْلاقُ الشَّيْءِ عَلى وجْهٍ لا يَتَهَيَّأُ لِلْعَوْدِ، فَمَن أرْسَلَ البازِيَ (p-٣٠٥)مَثَلًا لِيَسْتَرِدَّهُ فَهو مُطَلِّقٌ، ومَن أرْسَلَهُ لا لِيَسْتَرْجِعَهُ فَهو مُسَرِّحٌ انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّسْرِيحِ عَدَمُ المُراجَعَةِ مِنَ الثّانِيَةِ لا أنَّهُ طَلْقَةٌ ثالِثَةٌ، ولَمّا كانَ مَقْصُودُ النِّكاحِ حُسْنَ الصُّحْبَةِ وكانَتْ مِنَ الرَّجُلِ الإمْتاعَ بِالنَّفْسِ والمالِ وكانَ الطَّلاقُ مَنعًا لِلْإمْتاعِ بِالنَّفْسِ قالَ: ﴿بِإحْسانٍ﴾ تَعْرِيضًا بِالجَبْرِ بِالمَلَلِ لِئَلّا يَجْتَمِعَ مَنعانِ: مَنعُ النَّفْسِ (p-٣٠٦)وذاتِ اليَدِ - أفادَهُ الحَرالِيُّ وقالَ: فَفِيهِ بِوَجْهٍ ما تَعْرِيضٌ بِما صَرَّحَتْ بِهِ آيَةُ المُتْعَةِ الآتِيَةُ - انْتَهى.
ومِن ذَلِكَ بَذْلُ الصَّداقِ كامِلًا وأنْ لا يُشاحِحَها في شَيْءٍ لَها فِيهِ حَقٌّ مَعَ طِيبِ المَقالِ وكَرَمِ الفِعالِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ خَيَّرَهُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ: الرَّجْعَةِ والتَّسْرِيحِ المَوْصُوفَيْنِ وكانَتِ الرَّجْعَةُ أقْرَبَ إلى الخَيْرِ بَدَأ بِها ولَكِنَّها لَمّا كانَتْ قَدْ تَكُونُ لِأجْلِ الِافْتِداءِ بِما أُعْطِيَتُهُ المَرْأةُ وكانَ أخْذُهُ أوْ شَيْءٌ مِنهُ مُشارِكًا لِلسَّراحِ في أنَّهُ يَقْطَعُ عَلَيْهِ ما كانَ لَهُ مِن مِلْكِ الرَّجْعَةِ ولا يَمْلِكُ بَعْدَ هَذا التَّسْرِيحِ عَلَيْها الرَّجْعَةَ كَما كانَ عَلَيْهِ حالَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ وكانَ الِافْتِداءُ قَدْ يَكُونُ في الأُولى لَمْ يُفَرِّعْها بِالقابِلِ قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ مِن إحْسانِ التَّسْرِيحِ سَماحَ الزَّوْجِ بِما أعْطاها عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلا يَحِلُّ لَكم مُضارَّتُهُنَّ: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُطَلِّقُونَ أوِ المُتَوَسِّطُونَ (p-٣٠٧)مِنَ الحُكّامِ وغَيْرِهِمْ لِأنَّهم لَمّا كانُوا آمِرِينَ عُدُّوا آخِذِينَ ﴿أنْ تَأْخُذُوا﴾ إحْسانًا في السَّراحِ ﴿مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ مِن صَداقٍ وغَيْرِهِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ بِدُونِ مُخالَفَةٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ إيتاءَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأةِ إيتاءُ نِحْلَةٍ لِإظْهارِ مَزِيَّةِ الدَّرَجَةِ لا في مُقابَلَةِ الِانْتِفاعِ فَلِذَلِكَ أمْضاهُ ولَمْ يُرْجِعْ مِنهُ شَيْئًا ولِذَلِكَ لَزِمَ في النِّكاحِ الصَّداقُ لِتَظْهَرَ مَزِيَّةُ الرَّجُلِ بِذاتِ اليَدِ كَما ظَهَرَتْ في ذاتِ النَّفْسِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ إسْنادُ الخَوْفِ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ رُبَّما ألْبَسَ قالَ: ﴿إلا (p-٣٠٥)أنْ يَخافا﴾ نَصًّا عَلى المُرادِ بِالإسْنادِ إلى الزَّوْجَيْنِ، وعَبَّرَ عَنِ الظَّنِّ بِالخَوْفِ تَحْذِيرًا مِن عَذابِ اللَّهِ، وعَبَّرَ في هَذا الِاسْتِثْناءِ إنْ قُلْنا إنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِأداةِ المُتَّصِلِ تَنْفِيرًا مِنَ الأخْذِ ومَعْنى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ وأبِي جَعْفَرٍ ويَعْقُوبَ إلّا أنْ يَحْصُلَ لَهُما أمْرٌ مِن حَظٍّ أوْ شَهْوَةٍ يَضْطَرُّهُما إلى الخَوْفِ مِنَ التَّقْصِيرِ في الحُدُودِ، ولا مَفْهُومَ لِلتَّقْيِيدِ بِالخَوْفِ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ مِن عاقِلٍ أنْ يَفْتَدِيَ بِمالٍ مِن غَيْرِ أمْرٍ مُحَوِّجٍ ومَتى حَصَلَ المُحَوِّجُ كانَ الخَوْفُ ومَتى خافَ أحَدُهُما خافا لِأنَّهُ مَتى خالَفَهُ الآخَرُ حَصَلَ التَّشاجُرُ المُثِيرُ لِلْحُظُوظِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإقْدامِ عَلى ما لا يَسُوغُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ ﴿ألا يُقِيما﴾ أيْ في الِاجْتِماعِ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ العَظِيمِ فَيَفْعَلُ كُلٌّ مِنهُما ما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ الفِداءَ في حُكْمِ الكِتابِ مِمّا أخَذَتِ الزَّوْجَةُ مِن زَوْجِها لا مِن غَيْرِ ذَلِكَ مِن مالِها، والحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ وهو النِّهايَةُ في المُتَصَرِّفِ المانِعِ مِنَ الزِّيادَةِ عَلَيْهِ - انْتَهى. ثُمَّ زادَ الأمْرُ بَيانًا لِأنَّهُ في مَقامِ (p-٣٠٩)التَّحْدِيدِ فَقالَ مُسْنِدًا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ حَثًّا عَلى التَّحَقُّقِ لِيَحِلَّ الفِداءُ حَلًّا نافِيًا لِجَمِيعِ الحَرَجِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ أيُّها المُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُما مِنَ الحُكّامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الأئِمَّةِ بِما تَرَوْنَ مِنهُما وما يُخْبِرانِكم بِهِ عَنْ أنْفُسِهِما ﴿ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ وتَكْرِيرُ الِاسْمِ الأعْظَمِ يَدُلُّ عَلى رِفْعَةٍ زائِدَةٍ لِهَذا المَقامِ، وتَعْظِيمٍ كَبِيرٍ لِهَذِهِ لِأحْكامٍ، وحَثٍّ عَظِيمٍ عَلى التَّقَيُّدِ في هَذِهِ الرُّسُومِ بِالمُراعاةِ والِالتِزامِ، وذَلِكَ لِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ مَجْبُولٌ عَلى تَقْدِيمِ نَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ، والشَّرْعُ كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلى العَدْلِ الَّذِي هو الإنْصافُ ومَحَبَّةُ المَرْءِ لِغَيْرِهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ مَيْلٌ بِإثْمٍ ﴿عَلَيْهِما﴾ وسَوَّغَ ذَلِكَ أنَّ الظَّنَّ شُبْهَةٌ فَإنَّكَ لا تَخافُ ما لا تَظُنُّهُ (p-٣١٠)﴿فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ أيْ لا عَلى الزَّوْجِ بِالأخْذِ ولا عَلَيْها بِالإعْطاءِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِمّا آتاها أوْ مِن غَيْرِهِ أكْثَرَ مِنهُ أوْ لا لِأنَّ الخُلْعَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فَكَما جازَ لَها أنْ تَمْتَنِعَ مِن أوَّلِ العَقْدِ حَتّى تَرْضى ولَوْ بِأكْثَرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ فَكَذا في الخُلْعِ يَجُوزُ لَهُ أنْ لا يَرْضى إلّا بِما في نَفْسِهِ كائِنًا ما كانَ ويَكُونُ ذَلِكَ عَمّا كانَ يَمْلِكُهُ عَلَيْها مِنَ الرَّجْعَةِ، فَإذا أخَذَهُ بانَتِ المَرْأةُ فَصارَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها فَلا سَبِيلَ عَلَيْها إلّا بِإذْنِها.
ولَمّا كانَتْ أحْكامِ النِّساءِ تارَةً بِالمُرافِقَةِ وتارَةً بِالمُفارَقَةِ وكانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الشَّهَواتِ تارَةً عَلى البَهِيمِيَّةِ وتارَةً عَلى السَّبْعِيَّةِ وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ حَدَّ فِيها حُدُودًا تَكُونُ بِها المَصالِحُ وتَزُولُ المَفاسِدُ مَنَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَن تَعَدّى تِلْكَ الحُدُودَ أيِ الأحْكامَ الَّتِي بَيَّنَها في ذَلِكَ ولَمْ يَذْكُرْ قُرْبانَها كَما مَضى في آيَةِ الصَّوْمِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأحْكامُ (p-٣١١)العَظِيمَةُ الَّتِي تَوَلّى اللَّهُ بَيانَها مِن أحْكامِ الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ والخُلْعِ وغَيْرِها ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ شَرائِعَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزَّةِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي بَيَّنَها فَصارَتْ كالحُدُودِ المَعْرُوفَةِ في الأراضِي.
ولَمّا كانَتْ شَرائِعُ اللَّهِ مُلائِمَةً لِلْفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ عَنْ نَوازِعِ النَّقائِصِ وجَواذِبِ الرَّذائِلِ أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْتَدُوها﴾ أيْ لا تَتَكَلَّفُوا مُجاوَزَتَها، وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى العَفْوِ عَنِ المُجاوَزَةِ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ.
ولَمّا أكَّدَ الأمْرَ تارَةً بِالبَيانِ وتارَةً بِالنَّهْيِ زادَ في التَّأْكِيدِ بِالتَّهْدِيدِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَعَدّى شَيْئًا مِنها فَقَدْ ظَلَمَ: ﴿ومَن يَتَعَدَّ﴾ أيْ يَتَجاوَزُ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي بَيَّنَها (p-٣١٢)وأكَّدَ أمْرَها وزادَ تَعْظِيمَها بِتَكْرِيرِ اسْمِهِ الأعْظَمِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ تَرْجِيَةٌ فِيما يَقَعُ مِن تَعَدِّي الحُدُودِ مِن دُونِ ذَلِكَ مِن حُدُودِ أهْلِ العِلْمِ ووُجُوهِ السُّنَنِ وفي إعْلامِهِ إيذانٌ بِأنَّ وُقُوعَ الحِسابِ يَوْمَ الجَزاءِ عَلى حُدُودِ القُرْآنِ الَّتِي لا مَندُوحَةَ لِأحَدٍ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ السِّعَةِ في مُخالَفَتِها ولِذَلِكَ تَتَحَقَّقُ التَّقْوى والوَلايَةُ مَعَ الأخْذِ بِمُخْتَلِفاتِ السُّنَنِ ومُخْتَلِفاتِ أقْوالِ العُلَماءِ - انْتَهى.
وإلَيْهِ يُرْشِدُ الحَصْرُ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِلْبُعادِ ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الظُّلْمِ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها فَكَأنَّهم يَمْشُونَ في الظَّلامِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِهِ تَصْنِيفُ الحُدُودِ ثَلاثَةَ أصْنافٍ: حَدُّ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وحَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، وحَدُّ العالِمِ، قالَ ﷺ: «ما جاءَ مِنَ اللَّهِ فَهو الحَقُّ، وما جاءَ مِنِّي فَهو السُّنَّةُ، وما جاءَ مِن أصْحابِي فَهو السِّعَةُ» فَأبْرَأُ العِبادِ مِنَ الظُّلْمِ مَن حافَظَ عَلى أنْ لا يَخْرُجَ عَنْ حُدُودِ العُلَماءِ لِيَكُونَ أبْعَدَ أنْ يَخْرُجَ مِن حُدُودِ السُّنَّةِ لِيَكُونَ أبْعَدَ أنْ يَخْرُجَ مِن حُدُودِ الكِتابِ، فالظّالِمُ المُنْتَهِي ظُلْمُهُ الخارِجُ عَنِ الحُدُودِ الثَّلاثَةِ: حَدُّ العالِمِ، وحَدُّ السُّنَّةِ، وحَدُّ اللَّهِ - انْتَهى.
البقرة 2:230
ولَمّا بَيَّنَ قِسْمَيِ الطَّلاقِ البائِنِ - وكانَ نَظَرُ الطَّلاقِ إلى العَدَدِ أشَدَّ (p-٣١٣)مِن نَظَرِهِ إلى العِوَضِ قَدَّمَ قِسْمَهُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ فَقالَ مُوَحِّدًا لِئَلّا يُفْهَمَ الحَكَمُ عَلى الجَمْعِ أنَّ الجَمْعَ قَيْدٌ في الحُكْمِ وأفْهَمَ التَّكْرِيرُ لِلْجَمْعِ شِدَّةَ الذَّمِّ لِما كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ مِن غَيْرِ هَذِهِ الأحْكامِ: ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الثّالِثَةَ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّخْيِيرُ فِيها بِلَفْظِ التَّسْرِيحِ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإنِ اخْتارَ الطَّلاقَ الباتَّ بَعْدَ المَرَّتَيْنِ إمّا في العِدَّةِ مِنَ الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ أوْ بَعْدَ الرَّجْعَةِ بِعِوَضٍ أوْ غَيْرِهِ ولا فَرْقَ في جَعْلِها ثالِثَةً بَيْنَ أنْ تَكُونَ بَعْدَ تَزَوُّجِ المَرْأةِ بِزَوْجٍ آخَرَ أوْ لا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَرَدَّدَ مَعْنى التَّسْرِيحِ الَّذِي بَيَّنَهُ في (p-٣١٤)مَوْضِعِهِ بِلَفْظِ الطَّلاقِ لِما هَيَّأها بِوَجْهٍ إلى المَعادِ، وذَلِكَ فِيما يُقالُ مِن خُصُوصِ هَذِهِ الأُمَّةِ وإنَّ حُكْمَ الكِتابِ الأوَّلِ أنَّ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا لا تَعُودُ أبَدًا فَلِهَذا العَوْدِ بَعْدَ زَوْجٍ صارَ السَّراحُ طَلاقًا - انْتَهى.
﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ ولَمّا كانَ إسْقاطُ الحَرْفِ والظَّرْفِ يُوهِمُ أنَّ الحُرْمَةَ تَخْتَصُّ بِما اسْتَغْرَقَ زَمَنُ البُعْدِ فَيُفْهَمُ أنَّ نِكاحَهُ لَها في بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمَنِ يَحُلُّ قالَ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ في زَمَنٍ ولَوْ قَلَّ مِن أزْمانِ ما بَعْدَ اسْتِيفاءِ الدَّوْرِ الَّذِي هو الثَّلاثُ بِما أفادَهُ إثْباتُ الجارِّ، وتَمْتَدُّ الحُرْمَةُ ﴿حَتّى﴾ أيْ إلى أنْ ﴿تَنْكِحَ﴾ أيْ تُجامِعَ بِذَوْقِ العُسَيْلَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِها النَّبِيُّ ﷺ، قالَ الفارِسِيُّ: إذا قالَ العَرَبُ: نَكَحَ فُلانٌ فُلانَةَ، أرادُوا عَقَدَ عَلَيْها؛ وإذا قالُوا: (p-٣١٥)نَكَحَ امْرَأتَهُ أوْ زَوْجَتَهُ، أرادُوا جامَعَها؛ وقالَ الإمامُ: إنَّ هَذا الَّذِي قالَهُ أبُو عَلِيٍّ جارٍ عَلى قَوانِينِ الأُصُولِ وإنَّهُ لا يَصِحُّ إرادَةُ غَيْرِهِ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقِياسِ رُتْبَةٍ، فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ لا يُكْتَفى في التَّحْلِيلِ بِدُونِ الجِماعِ كَما بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ وإلّا كانَتِ السُّنَّةُ ناسِخَةً، لِأنَّ غايَةَ الحُرْمَةِ في الآيَةِ العَقْدُ وفي الخَبَرِ الوَطْءُ وخَبَرُ الواحِدِ لا يَنْسَخُ القُرْآنَ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿زَوْجًا﴾ إلى أنَّ شَرْطَ هَذا الجِماعِ أنْ يَكُونَ حَلالًا في عَقْدٍ صَحِيحٍ ﴿غَيْرَهُ﴾ أيِ المُطَلِّقَ، وفي جَعْلِ هَذا غايَةً لِلْحَلِّ زَجْرٌ لِمَن لَهُ غَرَضٌ ما في امْرَأتِهِ عَنْ طَلاقِها ثَلاثًا لِأنَّ كُلَّ ذِي مَرْوَةٍ يَكْرَهُ أنْ يَفْتَرِشَ امْرَأتَهُ آخَرُ ومُجَرَّدُ العَقْدِ لا يُفِيدُ هَذِهِ الحِكْمَةَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن كَمالِ رَأْفَتِهِ بِعِبادِهِ الرَّجْعَةَ في الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ مَرَّتَيْنِ (p-٣١٦)لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ الوِصالِ لا يَدْرِي ما يَكُونُ حالُهُ بَعْدَهُ ولا تُفِيدُهُ الأُولى كَمالَ التَّجْرِبَةِ فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ نَوْعُ شَكٍّ بَعْدَها وفي الثّانِيَةِ يَضْعُفُ ذَلِكَ جِدًّا ويَقْرُبُ الحالُ مِنَ التَّحَقُّقِ فَلا يُحْمَلُ عَلى الفِراقِ بَعْدَها إلّا قِلَّةُ التَّأمُّلِ ومَحْضُ الخَرْقِ بِالعَجَلَةِ المَنهِيِّ عَنْها ﴿فَإنْ طَلَّقَها﴾ أيِ الثّانِي وتَعْبِيرُهُ بِإنِ الَّتِي لِلشَّكِّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ مَتى شَرَطَ الطَّلاقَ عَلى المُحَلِّلِ بَطَلَ العَقْدُ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ الحُدُودِ المَذْكُورَةِ. لِأنَّ النِّكاحَ كَما قالَ الحَرالِيُّ عَقْدُ حُرْمَةٍ مُؤَبَّدَةٍ لا حَدُّ مُتْعَةٍ مُؤَقَّتَةٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنِ الِاسْتِمْتاعُ إلى أمَدٍ مُحَلَّلًا في السُّنَّةِ وعِنْدَ الأئِمَّةِ لِما يُفَرَّقُ بَيْنَ النِّكاحِ والمُتْعَةِ مِنَ التَّأْبِيدِ والتَّحْدِيدِ - انْتَهى.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ أيْ عَلى المَرْأةِ ومُطَلِّقِها الأوَّلِ ﴿أنْ يَتَراجَعا﴾ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ بَعْدَ عِدَّةِ طَلاقِ الثّانِي المَعْلُومَةِ مِمّا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿والمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وهَذِهِ مُطْلَقَةٌ إلى ما كانا فِيهِ مِنَ النِّكاحِ ﴿إنْ ظَنّا﴾ أيْ وقَعَ في ظَنِّ كُلٍّ مِنهُما ﴿أنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ الَّتِي (p-٣١٧)حَدَّها لَهُما في العِشْرَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: لَمّا جَعَلَ الطَّلاقَ سَراحًا جَعَلَ تَجْدِيدَ النِّكاحِ مُراجَعَةَ كُلِّ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّ الرَّجْعَةَ لِلزَّوْجِ أوْلى مِن تَجْدِيدِ الغَيْرِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الدِّينُ مَعَ سُهُولَتِهِ ويُسْرِهِ شَدِيدًا لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ وكانَتِ الأحْكامُ مَعَ وُضُوحِها قَدْ تَخْفى لِما في تَنْزِيلِ الكُلِّيّاتِ عَلى الجُزْئِيّاتِ مِنَ الدِّقَّةِ لِأنَّ الجُزْئِيَّ الواحِدَ قَدْ يَتَجاذَبُهُ كُلِّيّانِ فَأكْثَرُ فَلا تُجَرِّدُها مِن مَواقِعِ الشُّبَهِ إلّا مَن نَوَّرَ اللَّهُ بَصِيرَتَهُ عَطَفَ عَلى تِلْكَ الماضِيَةِ تَعْظِيمًا لِلْحُدُودِ قَوْلَهُ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيِ الأحْكامُ المُتَناهِيَةُ في مَدارِجِ العِظَمِ ومَراتِبِ الحِكَمِ ﴿حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيِ العَظِيمَةُ بِإضافَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وبِتَعْلِيقِها بِالِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿يُبَيِّنُها﴾ أيْ يَكْشِفُ اللَّبْسَ عَنْها بِتَنْوِيرِ القَلْبِ ﴿لِقَوْمٍ﴾ فِيهِمْ نَهْضَةٌ وجِدٌّ في الِاجْتِهادِ وقِيامٌ وكِفايَةٌ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ النَّظَرَ والتَّأمُّلَ بِغايَةِ الِاجْتِهادِ في كُلِّ وقْتٍ فَبِذَلِكَ يُعْطِيهِمُ اللَّهُ مَلَكَةً يُمَيِّزُونَ بِها ما يُلْبِسُ عَلى غَيْرِهِمْ ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
البقرة 2:231
ولَمّا ذَكَرَ الطَّلاقَ رَجْعِيَّةً وبائِنَةً عَقَّبَهُ بِبَيانِ وصْفِ الرَّجْعَةِ مِنَ الحَلِّ والحُرْمَةِ وبَيانِ وقْتِها وتَحْدِيدِهِ والإشارَةِ إلى تَصْوِيرِ بَعْضِ (p-٣١٨)صُوَرِ المُضارَّةِ تَرْهِيبًا مِنها فَلَيْسَتِ الآيَةُ مُكَرَّرَةً فَقالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أيْ طَلاقًا رَجْعِيًّا والمُرادُ مَن يَمْلِكُ نِكاحَها مِن هَذا النَّوْعِ الشّامِلِ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ ولَمْ يَقِلْ: نِساءَكُمْ، لِئَلّا تُفْهِمَ الإضافَةُ أنَّ لِطَلاقِهِمْ غَيْرَ نِسائِهِمْ حُكْمًا مَغايِرًا لِهَذا في بُلُوغِ الأجَلِ مَثَلًا ونَحْوَهُ.
ولَمّا كانَتْ إباحَةُ الرَّجْعَةِ في آخِرِ العِدَّةِ دالَّةً عَلى إباحَتِها فِيما قَبْلَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الأوْلى وكانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ عَقْلًا أنَّ لِما بَعْدَ الأجَلِ حُكْمًا غَيْرَ الحُكْمِ الَّذِي كانَ لَهُ قَبْلَهُ لَمْ يَكُنِ التَّعْبِيرُ بِالبُلُوغِ مُلْبِسًا وكانَ التَّعْبِيرُ بِهِ مُفِيدًا أقْصى ما يُمْكِنُ بِهِ المُضارَّةُ فَقالَ: ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيْ شارَفْنَ انْقِضاءَ العِدَّةِ، بِدَلِيلِ الأمْرِ بِالإمْساكِ لِأنَّهُ لا يَتَأتّى بَعْدَ (p-٣١٩)الأجَلِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا كانَ لِلْحَدِّ المَحْدُودِ الفاصِلِ بَيْنَ أمْرَيْنِ مُتَقابِلَيْنِ بُلُوغٌ وهو الِانْتِهاءُ إلى أوَّلِ حَدِّهِ وقَرارٌ وهو الثَّباتُ عَلَيْهِ ومُجاوَزَةٌ لَحَدِّهِ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى البُلُوغَ الَّذِي هو الِانْتِهاءُ إلى أوَّلِ الحَدِّ دُونَ المُجاوَزَةِ والمَحَلِّ، والأجَلُ مُشارَفَةُ انْقِضاءِ أمَدِ الأمْرِ حَيْثُ يَكُونُ مِنهُ مَلْجَأُ الَّذِي هو مَقْلُوبُهُ كَأنَّهُ مُشارَفَةُ فَراغِ المُدَّةِ - انْتَهى ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ بِالمُراجَعَةِ إنْ أرَدْتُمْ ولَوْ في آخِرِ لَحْظَةٍ مِنَ العِدَّةِ ﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ بِحالٍ حَسَنَةٍ تُحْمَدُ عاقِبَتُها، ونَكَّرَهُ إشْعارًا بِأنَّهُ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ رِضى المَرْأةِ ﴿أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِأنْ تَتْرُكُوهُنَّ حَتّى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ فَيَمْلِكْنَ أنْفُسَهُنَّ مِن غَيْرِ تَلْبِيسٍ بِدَعْوًى ولا تَضْيِيقٍ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ. (p-٣٢٠)
وقالَ الحَرالِيُّ: هَذا مَعْرُوفُ الإمْتاعِ والإحْسانِ وهو غَيْرُ مَعْرُوفِ الإمْساكِ، ولِذَلِكَ فَرَّقَهُ الخِطابُ ولَمْ يَكُنْ: فَأمْسِكُوهُنَّ أوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ المَعْرُوفُ يَعُمُّ كُلَّ خَيْرٍ وكانَ الأمْرُ بِهِ لا يُفِيدُ التَّكْرارَ خُصَّ تَرْكُ الشَّرِّ اهْتِمامًا بِهِ مُعَبِّرًا بِما يَتَناوَلُ جَمِيعَ الأوْقاتِ فَقالَ: ﴿ولا تُمْسِكُوهُنَّ﴾ أيْ بِالمُراجَعَةِ في آخِرِ العِدَّةِ ﴿ضِرارًا﴾ كَمّا كانَ في الجاهِلِيَّةِ ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ أيْ قاصِدِينَ بِذَلِكَ التَّوَصُّلَ إلى شَيْءٍ مِن مُجاوَزَةِ الحُدُودِ الَّتِي بُيِّنَتْ لَكم مِثْلَ أنْ يُرِيدَ تَطْوِيلَ العِدَّةِ عَلَيْها فَإنَّهُ قَدْ يُفْضِي إلى اعْتِدادِها تِسْعَةَ أشْهُرٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ زَوْجَهُ عُطِفَ عَلَيْهِ زِيادَةً في التَّنْفِيرِ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ الفِعْلَ البَعِيدَ عَنِ الخَيْرِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إشْعارٌ بِأنَّ في الأُمَّةِ مَن يَتَمادى عَلى فِعْلِهِ ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ عَلَيْهِ ونَفْرَةِ النّاسِ مِنهُ.
ولَمّا كانَ قَدْ لا يَقْصِدُ شَيْئًا مِنِ انْتِهاكِ الحُرُماتِ ولا مِنَ المَصالِحِ فَكانَ مُقَدَّمًا عَلى ما لا يُعْلَمُ أوْ يُظَنُّ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ تَهاوُنًا بِالنَّظَرِ وكانَ فاعِلُ ذَلِكَ شَبِيهًا بِالهازِئِ كَما يُقالُ لِمَن لا يَجِدُ في أمْرٍ: هو لاعِبٌ، قالَ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ مَعَ ما تَعْلَمُونَ مِن عَظَمَتِها بِعَظَمَةِ (p-٣٢١)ناصِبِها ﴿هُزُوًا﴾ بِإهْمالِها عَنْ قَصْدِ المَصالِحِ الَّذِي هو زَوْجُها.
ولَمّا كانَ عَلى العَبْدِ أنْ يَقْتَفِيَ أثَرَ السَّيِّدِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ قالَ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٧] أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ثُمَّ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إشارَةً إلى عُمُومِ النِّعَمِ وغَلَبَتِها فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ هَلْ تَرَوْنَ فِيها شَيْئًا مِن وادِي العَبَثِ بِخُلُوِّهِ عَنْ حِكْمَةٍ ظاهِرَةٍ ﴿وما﴾ أيْ وخُصُّوا بِالذِّكْرِ الَّذِي ﴿أنْـزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ﴾ الَّذِي فاقَ جَمِيعَ الكُتُبِ وعَلا عَنِ المُعارَضَةِ فَغَلَبَ جَمِيعَ الخَلْقِ بِما أفادَتْهُ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ ﴿والحِكْمَةِ﴾ الَّتِي بَثَّها فِيهِ وفي سُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَعِظُكُمْ﴾ أيْ يُذَكِّرُ بِما يُرَقِّقُ قُلُوبَكم ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ بالِغُوا في الخَوْفِ مِمَّنْ لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ بِاسْتِحْضارِ (p-٣٢٢)ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَتَناهى ونَبَّهَ عَلى عَظِيمِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ وبِتَكْرِيرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ فَلَمْ يَبْقَ وراءَ ذَلِكَ مَرْمًى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن أُمُورِ النِّكاحِ وغَيْرِها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ فاحْذَرُوهُ حَذَرَ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ بِحَضْرَتِهِ وكُلُّ ما يَعْمَلُهُ مِن سِرٍّ وعَلَنٍ فَبِعَيْنِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: والتَّهْدِيدُ بِالعِلْمِ مُنْتَهى التَّحْدِيدِ - انْتَهى.
البقرة 2:232
ولَمّا نَهى عَنِ الضِّرارِ في العِصْمَةِ وفي أثَرِها الَّذِي هو العِدَّةُ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَمّا كانَ مِنهُ بَعْدَ انْقِضائِها بِالعَضْلِ مِن كُلِّ مَن يُتَصَوَّرُ مِنهُ عَضْلٌ لَكِنْ لَمّا كانَ نَهْيُ الأوْلِياءِ إذا كانُوا أزْواجًا نَهْيًا لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى أسْنَدَهُ إلى الأزْواجِ وهم في غِمارِهِمْ فَقالَ: ﴿وإذا طَلَّقْتُمُ﴾ أيْ أيُّها الأزْواجُ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِأنَّ المَذْكُورَ هُنا أعَمُّ مِنَ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿النِّساءَ﴾ أيُّ طَلاقٍ كانَ ﴿فَبَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ أيِ (p-٣٢٣)انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ فَقَدْ دَلَّ سِياقُ الكَلامَيْنِ عَلى اخْتِلافِ البُلُوغَيْنِ - نَقَلَهُ الأصْبِهانِيُّ عَنِ الشّافِعِيِّ يَعْنِي أنَّ الأوَّلَ دَلَّ عَلى المُشارَفَةِ لِلْأمْرِ بِالإمْساكِ وهَذا عَلى الحَقِيقَةِ لِلنَّهْيِ عَنِ العَضْلِ ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ أيْ تَمْنَعُوهُنَّ أيُّها الأوْلِياءُ أزْواجًا كُنْتُمْ أوْ غَيْرَ أزْواجٍ، والعَضْلُ قالَ الحَرالِيُّ هو أسْوَأُ المَنعِ، مِن عَضَلْتُ الدَّجاجَةَ إذا نَشَبْتَ بَيْضَتَها فِيها حَتّى تَهْلِكَ - انْتَهى.
(p-٣٢٤)﴿أنْ يَنْكِحْنَ أزْواجَهُنَّ﴾ أيِ الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ وغَيْرَهُمْ، وسُمُّوا أزْواجًا لِمَآلِ أمْرِهِمْ إلى ذَلِكَ كَما أنَّ المُطَلِّقِينَ سُمُّوا أزْواجًا بِما كانَ، واسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ورَحِمَهُ بِها عَلى أنَّهُ لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ، لِأنَّ التَّعْبِيرَ بِالعَضْلِ دالٌّ عَلى المَنعِ الشَّدِيدِ المُعَبَّرِ مِنَ الدّاءِ العُضالِ، وإنْ عَضَلَ مِن غَيْرِ كُفُوءٍ جازَ ولَمْ تُزَوَّجْ مِنهُ ولَوْ كانَتِ المَرْأةُ تُزَوِّجُ نَفْسَها لَما كانَ إعْياءٌ ولا يَثْبُتُ عَضْلُهُ المَمْنُوعُ لِيَحْصُلَ عَزْلُهُ إلّا إذا مَنَعَ عِنْدَ الحاكِمِ وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن عَجائِبِ أمْرِ الِاحْتِباكِ ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ يُفْهِمُ الأزْواجَ مِن ﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (p-٣٢٥)و﴿تَعْضُلُوهُنَّ﴾ يُفْهِمُ الأوْلِياءَ مِن ﴿طَلَّقْتُمُ﴾ وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي الإدْراكِ ﴿إذا تَراضَوْا﴾ أيِ النِّساءُ والأزْواجُ الأكْفاءُ بِما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ دُونَ أنْ يُقالَ: أزْواجًا لَهُنَّ مَثَلًا.
ولَمّا كانَ الرِّضى يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى العَدْلِ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ولَمّا كانا قَدْ يَتَراضَيانِ عَلى ما لا يَنْبَغِي قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ فَإنْ تَراضَوْا عَلى غَيْرِهِ كَما لَوْ كانَ الزَّوْجُ غَيْرَ كُفُوءٍ فَأعْضِلُوهُنَّ، وعَرَفَهُ كَما قالَ الحَرالِيُّ لِاجْتِماعِ مَعْرُوفِينَ مِنهُما فَكانَ مَجْمُوعُهُما المَعْرُوفَ التّامَّ وأمّا المُنْكَرُ فَوَصَفَ أحَدَهُما - انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الأحْكامَ مُبَيِّنًا لِحُكْمِها فَكانَ ﴿ذَلِكَ﴾ وعْظًا وكانَ أكْثَرُ النّاسِ يَظُنُّ أنَّ الوَعْظَ مَغايِرٌ لِلْأحْكامِ أقْبَلُ عَلى المُخْتارِ لِلْكَمالِ فَقالَ: ذَلِكَ الأمْرُ العَظِيمُ يا أيُّها الرَّسُولُ ﴿يُوعَظُ﴾ أيْ يُرَقَّقُ ﴿بِهِ﴾ قُلُوبُ ﴿مَن كانَ﴾ والوَعْظُ قالَ الحَرالِيُّ إهْزازُ النَّفْسِ بِمَوْعُودِ الجَزاءِ ووَعِيدِهِ - انْتَهى. فَهو تَهْدِيدٌ لِمَن تَشُقُّ عَلَيْهِ الأحْكامُ وهُمُ الأكْثَرُ.
ولَمّا كانَ مِن أتْباعِهِ ﷺ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى صارَ أهْلًا لِفَهْمِ الدَّقائِقِ وإدْراكِ الإشاراتِ والرَّقائِقِ فَألْقى كُلِّيَّتَهُ لِلسَّماعِ (p-٣٢٦)لِحَظِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾ مُعَلِّمًا أنَّ الخِطابَ في الحَقِيقَةِ لِكُلِّ فاهِمٍ، وإنَّما قُيِّدَ بِهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ الفاهِمُونَ لَهُ لِما لَهم مِن رِقَّةِ القُلُوبِ النّاشِئَةِ عَنِ الإذْعانِ لِأنَّ الخِطابَ وإنْ كانَ بِالأحْكامِ فَهو وعْظٌ يَتَضَمَّنُ التَّرْهِيبَ كَما يَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ ولَمّا كانَ مِنَ الحِكْمَةِ أنَّ مَن لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ لا يُقْصَدُ بِهِ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أيْ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ فِيهِ، وفي تَسْمِيَتِهِ وعْظًا إفْهامٌ بِأنَّ مَن تَجاوَزَ حَدًّا في غَيْرِهِ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَن يَتَجاوَزُ فِيهِ حَدًّا.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ مَن فَعَلَ شَيْئًا فُعِلَ بِهِ نَحْوُهُ كَأنَّهُ مَن عَضَلَ عَنْ زَوْجٍ عَضَلَ ولِيٌّ آخَرُ عَنْهُ حِينَ يَكُونُ هو زَوْجًا، ومَن زَنى زُنِيَ بِهِ ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]
فَلَمّا وقَعَ ما هُيِّجُوا إلَيْهِ مِن كَمالِ الإصْغاءِ قالَ مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿أزْكى لَكُمْ﴾ أيْ أشَدُّ تَنْمِيَةً (p-٣٢٧)وتَكْثِيرًا وتَنْقِيَةً وتَطْهِيرًا بِما يَحْصُلُ مِنهُ بَيْنَكم مِنَ المَوَدَّةِ والبَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وأطْهَرُ﴾ لِلْقُلُوبِ.
ولَمّا كانَ وصْفُ المُتَكَلِّمِ بِالعِلْمِ أدْعى لِقَبُولِ مَن دُونِهِ مِنهُ قالَ مُظْهِرًا ومُعِيدًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ:﴿واللَّهُ﴾ أيْ أُشِيرَ إلَيْكم بِهَذا والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ لَهُ هَذا الوَصْفُ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَكم هَذا الوَصْفُ بِالذّاتِ لا في الحالِ ولا في الِاسْتِقْبالِ لِما أفْهَمَهُ النَّفْيُ بِكَلِمَةِ لا وصِيغَةِ الدَّوامِ.
البقرة 2:233
(p-٣٢٨)ولَمّا كانَ النِّكاحُ قَدْ يَكُونُ عَنْهُ وِلادَةٌ فَيَكُونُ عَنْها رِضاعٌ وقَدْ تَكُونُ المُرْضِعَةُ زَوْجَةً وقَدْ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً والزَّوْجَةُ قَدْ تَكُونُ مُتَّصِلَةً وقَدْ تَكُونُ مُنْفَصِلَةً وكانَ الفِراقُ بِالطَّلاقِ أكْثَرَ مِنهُ بِالمَوْتِ وسَّطَهُ بَيْنَ عِدَّتِي الطَّلاقِ والوَفاةِ لِإدْلائِهِ إلى كُلٍّ بِسَبَبٍ واهْتِمامًا بِشَأْنِهِ وحَثًّا عَلى الشَّفَقَةِ عَلى الصَّغِيرِ وشِدَّةِ العِنايَةِ بِأمْرِهِ لِأنَّ الأُمَّ رُبَّما كانَتْ مُطَلَّقَةً فاسْتَهانَتْ بِالوَلَدِ إيذاءً لِلزَّوْجِ إنْ كانَ الطَّلاقُ عَنْ شِقاقٍ أوْ رَغْبَةٍ في زَوْجِ آخَرَ، وكَذا الأبُ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ مَثَلًا: فالنِّساءُ لَهُنَّ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ وقَدْ عَلِمْتُمْ مِنها هُنا أُصُولًا تُفْهَمُ مَن بَصَّرَهُ اللَّهُ كَثِيرًا مِنَ الفُرُوعِ، والمُطَلَّقاتُ إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ عَلَقَةٌ بِوِلادَةٍ أوْ نَحْوِها فَلا سَبِيلَ لَكم عَلَيْهِنَّ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أحْكامَ الِاشْتِجارِ بَيْنَ الأزْواجِ الَّتِي عَظُمَ مُتَنَزَّلُ الكِتابِ لِأجْلِها وكانَ مِن حُكْمِ تَواشُجِ الأزْواجِ وُقُوعُ الوَلَدِ وأحْكامُ الرِّضاعِ (p-٣٢٩)نَظَمَ بِهِ عَطْفًا أيْضًا عَلى مَعانِي ما يَتَجاوَزُهُ الإفْصاحُ ويَتَضَمَّنُهُ الإفْهامُ لِما قَدْ عُلِمَ مِن أنَّ إفْهامَ القُرْآنِ أضْعافُ إفْصاحِهِ بِما لا يَكادُ يَنْتَهِي عَدُّهُ فَلِذَلِكَ يَكْثُرُ فِيهِ الخِطابُ عَطْفًا أيْ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ لِيَكُونَ الإفْصاحُ أبَدًا مُشْعِرًا بِإفْهامٍ يَنالُهُ مَن وهَبَ رَوْحَ العَقْلِ مِنَ الفَهْمِ كَما يَنالُ فِقْهَ الإفْصاحِ مَن وهَبَهُ اللَّهُ نَفْسَ العَقْلِ الَّذِي هو العِلْمُ انْتَهى - فَقالَ تَعالى: ﴿والوالِداتُ﴾ أيْ مِنَ المُطَلَّقاتِ وغَيْرِهِنَّ، وأمْرُهُنَّ بِالإرْضاعِ في صِيغَةِ الخَبَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ فُعِلَ وتَمَّ تَنْبِيهًا عَلى تَأْكِيدِهِ وإنْ كانَ النَّدْبُ بِما أفْهَمَهُ إيجابُ الأُجْرَةِ لَهُنَّ هُنا وفي سُورَةِ الطَّلاقِ وما يَأْتِي مِنَ الِاسْتِرْضاعِ فَقالَ: ﴿يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: جَعَلَ تَعالى (p-٣٣٠)الأُمَّ أرْضَ النَّسْلِ الَّذِي يَغْتَذِي مِن غِذائِها في البَطْنِ دَمًا كَما يَغْتَذِي أعْضاؤُها مِن دَمِها فَكانَ لِذَلِكَ لَبَنُها أوْلى بِوَلَدِها مِن غَيْرِها لِيَكُونَ مُغَذّاهُ ولِيدًا مِن مُغَذّاهُ جَنِينًا فَكانَ الأحَقُّ أنْ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ، وذَكَرَهُ بِالأوْلادِ لِيَعُمَّ الذُّكُورَ والإناثِ؛ وقالَ: الرَّضاعَةُ التَّغْذِيَةُ بِما يُذْهِبُ الضَّراعَةَ وهو الضَّعْفُ والنُّحُولُ بِالرِّزْقِ الجامِعِ الَّذِي هو طَعامٌ وشَرابٌ وهو اللَّبَنُ الَّذِي مَكانُهُ الثَّدْيُ مِنَ المَرْأةِ والضَّرْعُ مِن ذاتِ الظِّلْفِ - انْتَهى.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّضاعَ ذَكَرَ مُدَّتَهُ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ تَحَوُّلِ الزَّمانِ بِفُصُولِهِ الأرْبَعَةِ ورُجُوعِ الشَّمْسِ بَعْدَ قَطْعِ البُرُوجِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إلى البُرْجِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ عِنْدَ الوِلادَةِ ولَيْسَ المُرادُ الإشْعارَ بِمَدْحِ الزَّمانِ ولا ذَمِّهِ ولا وصْفِهِ بِضِيقٍ ولا سِعَةٍ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى مُطْلَقِ التَّحَوُّلِ فَقالَ: ﴿حَوْلَيْنِ﴾ والحَوْلُ تَمامُ القُوَّةِ في الشَّيْءِ الَّذِي يَنْتَهِي لِدَوْرَةِ (p-٣٣١)الشَّمْسِ وهو العامُ الَّذِي يَجْمَعُ كَمالَ النَّباتِ الَّذِي يُتِمُّ فِيهِ قُواهُ - قالَهُ الحَرالِيُّ. وكَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِمّا لَهُ قُوَّةُ التَّحْوِيلِ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُعْظَمِهِ مَجازًا فَيَصِحُّ أنْ يُرادَ حَوْلٌ وبَعْضُ الثّانِي بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الحَقِيقَةُ قَطْعًا لِتَنازُعِ الزَّوْجَيْنِ في مُدَّةِ الرِّضاعِ وإعْلامًا بِالوَقْتِ المُقَيِّدِ لِلتَّحْرِيمِ كَما قالَ ﷺ «إنَّما الرَّضاعَةُ مِنَ المَجاعَةِ» بِقَوْلِهِ: ﴿كامِلَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ وُجُوبَ الكَمالِ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن﴾ أيْ هَذا الحُكْمُ لِمَن ﴿أرادَ أنْ يُتِمَّ (p-٣٢٩)الرَّضاعَةَ﴾ فَأفْهَمَ أنَّهُ يَجُوزُ الفِطامُ لِلْمَصْلَحَةِ قَبْلَ ذَلِكَ وأنَّهُ لا رِضاعَ بَعْدَ التَّمامِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وهو أيِ الَّذِي يُكْتَفى بِهِ دُونَ التَّمامِ هو ما جَمَعَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] فَإذا كانَ الحَمْلُ تِسْعًا كانَ الرِّضاعُ أحَدًا وعِشْرِينَ شَهْرًا، وإذا كانَ حَوْلَيْنِ كانَ المَجْمُوعُ ثَلاثًا وثَلاثِينَ شَهْرًا فَيَكُونُ ثَلاثَةَ آحادٍ وثَلاثَةَ عُقُودٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ تَمامَ الحَمْلِ والرِّضاعِ لِيَجْتَمِعَ في الثَّلاثِينَ تَمامُ الرِّضاعِ وكِفايَةُ الحَمْلِ - انْتَهى.
ولَمّا أُوهِمَ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مَجّانًا نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلى﴾ ولَمّا كانَتِ الوالِدِيَّةُ لا تَتَحَقَّقُ في الرَّجُلِ كَما تَتَحَقَّقُ في المَرْأةِ وكانَ النَّسَبُ يُكْتَفى فِيهِ بِالفِراشِ وكانَ لِلرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ فَقالَ: ﴿المَوْلُودِ لَهُ﴾ أيْ عَلى فِراشِهِ ﴿رِزْقُهُنَّ﴾ أيِ المُرْضِعاتُ لِأجْلِ الرِّضاعِ سَواءٌ كُنَّ (p-٣٣٣)مُتَّصِلاتٍ أوْ مُنْفَصِلاتٍ فَلَوْ نَشَزَتِ المُتَّصِلَةُ لَمْ يَسْقُطْ وإنْ سَقَطَ ما يَخُصُّ الزَّوْجِيَّةَ. فَلَمّا كانَ اشْتِغالُها بِالرِّضاعِ عَنْ كُلِّ ما يُرِيدُهُ الزَّوْجُ مِنَ الِاسْتِمْتاعِ رُبَّما أوْهَمَ سُقُوطَ الكُسْوَةِ ذَكَرَها فَقالَ: ﴿وكِسْوَتُهُنَّ﴾ أُجْرَةٌ لَهُنَّ.
قالَ الحَرالِيُّ: الكُسْوَةُ رِياشُ الآدَمِيِّ الَّذِي يَسْتُرُ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وقالَ: فَأشْعَرَتْ إضافَةُ الرِّزْقِ والكُسْوَةِ إلَيْهِنَّ بِاعْتِبارِ حالِ المَرْأةِ فِيهِ وعادَتِها بِالسُّنَّةِ لا بِالبِدْعَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الحالُ مُخْتِلَفًا في النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الرِّجالِ والنِّساءِ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ - مِن حالِ كُلٍّ مِنهُما.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأكَّدَ ما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ وصَرَّحَ الخِطابُ بِإجْمالِهِ - انْتَهى.
ثُمَّ عَلَّلَهُ أوْ فَسَّرَهُ بِالحَنِيفِيَّةِ الَّتِي مَنَّ عَلَيْنا سُبْحانَهُ وتَعالى بِها فَقالَ: ﴿لا تُكَلَّفُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ التَّكْلِيفِ وهو أنْ يَحْمِلَ المَرْءَ عَلى أنْ يُكَلَّفَ بِالأمْرِ كُلْفَةً بِالأشْياءِ الَّتِي يَدْعُوهُ إلَيْها طَبْعُهُ ﴿نَفْسٌ﴾ أيْ لا يَقَعُ تَكْلِيفُها وإنْ كانَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ ﴿إلا وُسْعَها﴾ أيْ ما تَسَعُهُ وتُطِيقُهُ لا كَما فَعَلَ سُبْحانَهُ بِمَن قَبْلُ، (p-٣٣٤)كانَ أحَدُهم يَقْرِضُ ما أصابَ البَوْلَ مِن جَلْدِهِ بِالمِقْراضِ والوُسْعُ
قالَ الحَرالِيُّ: ما يَتَأتّى بِمِنَّةٍ وكَمالِ قُوَّةٍ.
ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ حُصُولَ النَّفْعِ ودَفْعَ الضُّرِّ قالَ: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ أيْ لا تَضُرُّ المُنْفِقَ بِهِ ولا يَضُرُّها، وضَمَّ الرّاءَ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ عَلى الخَيْرِ وهو آكَدُ، وفَتَحَ الباقُونَ عَلى النَّهْيِ، ويَحْتِمَلُ فِيها البِناءُ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ ﴿ولا مَوْلُودٌ لَهُ (p-٣٣٢)بِوَلَدِهِ﴾ أيِ المَوْلُودُ عَلى فِراشِهِ لَيْسَ لَهُ أنْ يَضُرَّ الوالِدَةَ بِهِ ولَيْسَ لَها أنْ تَضُرَّهُ بِهِ ولا أنْ تَضُرَّ الوَلَدَ بِتَفْرِيطٍ ونَحْوِهِ حَمْلًا لِلْمُفاعَلَةِ عَلى الفِعْلِ المُجَرَّدِ، وكُلُّ مَن أسْنَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى المُضارَّةَ إلَيْهِ أضافَ إلَيْهِ الوَلَدَ اسْتِعْطافًا لَهُ عَلَيْهِ وتَحْرِيكًا لِطَبْعِهِ إلى مَزِيدِ نَفْعِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إيذانٌ بِأنْ لا يَمْنَعَ الوالِدُ الأُمَّ أنْ تُرْضِعَ ولَدَها فَيَضُرَّها في فَقْدِها لَهُ ولا يُسِيءَ مُعامَلَتَها في رِزْقِها وكَسَوْتِها بِسَبَبِ ولَدِها، فَكَما لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُمْسِكَها زَوْجَةً إلّا بِمَعْرُوفٍ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَسْتَرْضِعَها إلّا بِالمَعْرُوفِ ولا يَتِمُّ المَعْرُوفُ إلّا بِالبَراءَةِ مِنَ المُضارَّةِ.
وفِي إشْعارِهِ تَحْذِيرُ الوالِداتِ مِن تَرْكِ أوْلادِهِنَّ لِقَصْدِ الإضْرارِ مَعَ مَيْلِ الطَّبْعِ إلى القِيامِ بِهِمْ وكَذَلِكَ في إشْعارِهِ أنْ لا تَضُرَّهُ في سَرَفِ رِزْقٍ ولا كُسْوَةٍ - انْتَهى.
ولَمّا تَمَّ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ وما تَبِعَهُ مِن تَفْسِيرِهِ وكانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الوالِدِ إذْ ذاكَ بَيَّنَ الحالَ بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿وعَلى الوارِثِ﴾ أيْ (p-٣٣٦)وارِثُ الوالِدِ وهو الرَّضِيعُ ﴿مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أيِ المَأْمُورُ بِهِ مِنَ المَعْرُوفِ عَلى ما فَسَّرَهُ بِهِ في مالِهِ إنْ ماتَ والِدُهُ والوارِثُ.
قالَ الحَرالِيُّ: المُتَلَقّى مِنَ الأحْياءِ عَنِ المَوْتى ما كانَ لَهم مِن حَقٍّ أوْ مالٍ - انْتَهى.
وقِيلَ في الوارِثِ غَيْرُ ذَلِكَ لِأنَّهُ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الوالِداتِ والوَلَدِ والمَوْلُودِ لَهُ فاحْتَمَلَ أنْ يُضافَ الوارِثُ إلى كُلٍّ مِنهم.
ولَمّا بَيَّنَ أمَدَ الرِّضاعِ وأمْرَ النَّفَقَةِ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ الكَلامُ مِن جَوازِ الفِطامِ قَبْلَ التَّمامِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا أفْهَمَتْهُ العِبارَةُ: ﴿فَإنْ أرادا﴾ أيِ الوالِدانِ ﴿فِصالا﴾ أيْ فِطامًا قَبْلَ تَمامِ الحَوْلَيْنِ لِلصَّغِيرِ عَنِ الرِّضاعِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو مِنَ الفَصْلِ وهو عَوْدُ المُتَواصِلِينَ إلى بَيْنٍ سابِقٍ - انْتَهى. وهو أعَمُّ مِنَ الفَطْمِ فَلِذا عُبِّرَ بِهِ. ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إلّا مَعَ المَصْلَحَةِ فَقالَ: ﴿عَنْ تَراضٍ مِنهُما﴾ (p-٣٣٧)ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ خَطَرٌ يَحْتاجُ إلى تَمامِ النَّظَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَشاوُرٍ﴾ أيْ إدارَةٍ لِلْكَلامِ في ذَلِكَ لِيُسْتَخْرَجَ الرَّأْيُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْمَلَ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأفْصَحَ بِإشْعارِ ما في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُتِمَّ﴾ وأنَّ الكِفايَةَ قَدْ تَقَعُ بِدُونِ الحَوْلَيْنِ فَجَعْلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ بَرْيًا مِنَ المُضارَّةِ إلّا بِاجْتِماعِ إرادَتِهِما وتَراضِيهِما وتَشاوُرِهِما لِمَن لَهُ تَبْصِرَةٌ لِئَلّا تَجْتَمِعا عَلى نَقْصِ الرَّأْيِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
«ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ ولا نَدَمَ مَنِ اسْتَشارَ» والمَشُورَةُ أنْ تُسْتَخْلَصَ حَلاوَةُ الرَّأْيِ وخالِصَهُ مِن خَلايا الصُّدُورِ كَما يَشُورُ العَسَلَ جانِيهِ - انْتَهى.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ فِيما نَقَصاهُ عَنِ (p-٣٣٨)الحَوْلَيْنِ لِأنَّهُما غَيْرُ مُتَّهَمَيْنِ في أمْرِهِ واجْتِماعُ رَأْيِهِما فِيهِ ورَأْيِ مَن يَسْتَشِيرانِهِ قَلَّ ما يُخْطِئُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّها ثَلاثُ رُتَبٍ: رُتْبَةُ تَمامٍ فِيها الخَيْرُ والبَرَكَةُ، ورُتْبَةُ كِفايَةٍ فِيها رَفْعُ الجُناحِ، وحالَةٌ مُضارَّةٌ فِيها الجُناحُ - انْتَهى.
وقَدْ أفْهَمَ تَمامُ هَذِهِ العِنايَةِ أنَّ الإنْسانَ كُلَّما كانَ أضْعَفَ كانَتْ رَحْمَةُ اللَّهِ لَهُ أكْثَرَ وعِنايَتُهُ بِهِ أشَدَّ.
ولَمّا بَيَّنَ رِضاعَ الوالِداتِ وقَدَّمَهُ دَلِيلًا عَلى أوْلَوِيَّتِهِ أتْبَعُهُ ما يَدُلُّ عَلى جَوازِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وإنْ أرَدْتُمْ﴾ أيِ أيُّها الرِّجالُ ﴿أنْ تَسْتَرْضِعُوا﴾ أيْ أنْ تَطْلُبُوا مَن يُرْضِعُ ﴿أوْلادَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ الأُمَّهاتِ ﴿فَلا جُناحَ﴾ أيْ مَيْلٌ بِإثْمٍ ﴿عَلَيْكم إذا سَلَّمْتُمْ﴾ أيْ إلى المَراضِعِ ﴿ما آتَيْتُمْ﴾ أيْ ما جَعَلْتُمْ لَهُنَّ مِنَ العَطاءِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُكم مِن غَيْرِ تُشاحِحٍ ولا تَعاسُرٍ لِأنَّ ذَلِكَ أقْطَعُ لِمَعاذِيرِ لِمَراضِعَ (p-٣٣٩)فَهُوَ أجْدَرُ بِالِاجْتِهادِ في النَّصِيحَةِ وعَدَمِ التَّفْرِيطِ في حَقِّ الصَّغِيرِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فافْعَلُوا جَمِيعَ ما أمَرْتُكم بِهِ وانْتَهُوا عَنْ جَمِيعِ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فَقَدْ جَمَعْتُ لَكم مَصالِحَ الدّارَيْنِ في هَذا الكِتابِ الَّذِي هو هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الشّامِلَةُ والعِلْمُ الكامِلُ ثُمَّ خَوَّفَهم سَطَواتِهِ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى عِظَمِ هَذِهِ الأحْكامِ ﴿واعْلَمُوا﴾ وعَلَّقَ الأمْرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ ولِذَلِكَ أكَّدَ عِلْمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هُنا عَلى نَحْوِ ما مَضى في ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥] بِتَقْدِيمِ قَوْلِهِ لِلْإعْلامِ بِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن سِرٍّ وعَلَنٍ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأحْكامُ أدَقَّ مِمّا في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها وكَثِيرٌ (p-٣٤٠)مِنها مَنُوطٌ بِأفْعالِ القُلُوبِ خَتَمَها بِما يَدُلُّ عَلى البَصَرِ والعِلْمِ فَقالَ: ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِهِ فاعْمَلُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ.
البقرة 2:234
ولَمّا ذَكَرَ الرِّضاعَ وكانَ مِن تَقادِيرِهِ ما إذا ماتَ الأبُ ذَكَرَ عِدَّةَ الوَفاةِ لِذَلِكَ وتَتْمِيمًا لِأنْواعِ العَدَدِ فَقالَ.
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ عِدَّةَ الطَّلاقِ الَّذِي هو فِرْقَةُ الحَياةِ انْتَظَمَ بِرَأْسِ آيَتِهِ ذِكْرُ عِدَّةِ الوَفاةِ الَّذِي هو فِراقُ المَوْتِ واتَّصَلَ بِالآيَةِ السّابِقَةِ لِما انْجَرَّ في ذِكْرِ الرِّضاعِ مِن مَوْتِ الوالِدِ وأمْرِ الوارِثِ وكَذَلِكَ كَلُّ آيَةٍ تَكُونُ رَأْسًا لَها مُتَّصِلانِ مُتَّصِلٌ بِالرَّأْسِ النَّظِيرِ لَها المُنْتَظِمَةِ بِهِ ومُتَّصِلٌ بِالآيَةِ السّابِقَةِ قَبْلَها بِوَجْهٍ ما- انْتَهى.
فَقالَ: ﴿والَّذِينَ﴾ أيْ وأزْواجُ الَّذِينَ ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ يَحْصُلُ وفاتُهم بِأنْ يَسْتَوْفِيَ أنْفُسَهُمُ الَّتِي كانَتْ عارِيَةً في أبْدانِهِمُ الَّذِي أعارَهم إيّاها.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الوَفاةِ وهو اسْتِخْلاصُ الحَقِّ (p-٣٤١)مِن حَيْثُ وُضِعَ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَفَخَ الرُّوحَ وأوْدَعَ النَّفْسَ لِيَسْتَوْفِيَها بَعْدَ أجَلٍ مَن حَيْثُ أوْدَعَها فَكانَ ذَلِكَ تَوَفِّيًا تَفَعِّلًا مِنَ الوَفاءِ وهو أداءُ الحَقِّ ﴿ويَذَرُونَ﴾ مِنَ الوَذْرِ وهو أنْ يُؤْخَذَ المَرْءُ عَمّا شَأْنُهُ إمْساكُهُ ﴿أزْواجًا﴾ بَعْدَهم.
ولَمّا أُرِيدُ تَأْكِيدُ التَّرَبُّصِ مُراعاةً لِحَقِّ الأزْواجِ وحِفْظًا لِقُلُوبِ الأقارِبِ واحْتِياطًا لِلنِّكاحِ أتى بِهِ في صِيغَةِ الخَبَرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ قَدْ وُجِدَ وتَمَّ فَقالَ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أيْ يَنْتَظِرْنَ أزْواجَهُنَّ لِانْقِضاءِ العِدَّةِ. ولَمّا كانَ المَمْنُوعُ إنَّما هو العَقْدُ والتَّعَرُّضُ لَهُ بِالأفْعالِ دُونَ طَلَبِهِ بِالتَّعْرِيضِ قالَ مُعَبِّرًا بِالنَّفْسِ لِذَلِكَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العَجَلَةَ عَنْ ذَلِكَ إنَّما تَكُونُ شَهْوَةً نَفْسانِيَّةً بَهِيمِيَّةً لِيَكُونَ ذَلِكَ حاوِيًا عَلى البُعْدِ عَنْها: ﴿بِأنْفُسِهِنَّ﴾ فَلا يَبْذُلْنَها لِزَوْجٍ ولا يَخْرُجْنَ مِن مَنزِلِ الوَفاةِ ويَتْرُكْنَ الزِّينَةَ وكُلَّ ما لِلنَّفْسِ فِيهِ شَهْوَةٌ تَدْعُو إلى النِّكاحِ كَما بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ ﴿أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ (p-٣٤٢)إنْ كُنَّ حَرائِرَ ولَمْ يَكُنْ حَمْلٌ سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً أوْ كَبِيرَةً تَحِيضُ أوْ لا، ابْتِداؤُها مِن حِينِ الوَفاةِ لِأنَّها السَّبَبُ وغَلَّبَ اللَّيالِيَ فَأسْقَطَ التّاءَ لِأنَّ أوَّلَ الشَّهْرِ اللَّيْلُ ﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ جَعَلَ المُسْلِمِينَ كالجَسَدِ الواحِدِ وكانَ الكَلامُ في أزْواجِ المَوْتى أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّهُ يَجِبُ عَلى إخْوانِهِمُ المُسْلِمِينَ مَن حِفْظِ حُقُوقِهِمْ ما كانُوا يَحْفَظُونَهُ لَوْ كانُوا أحْياءً بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا جُناحَ (p-٣٤٠)عَلَيْكُمْ﴾ أيْ يا أهْلَ الدِّينِ ﴿فِيما﴾ ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن إذْنِ المَرْأةِ وقَدْ تَأذَّنَ لِلْقاضِي عَلى رَغْمِ الوَلِيِّ عِنْدَ عَضْلِهِ مَثَلًا أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِنَّ فَقالَ: ﴿فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ النِّكاحِ ومُقَدَّماتِهِ الَّتِي كانَتْ مَمْنُوعَةً مِنها بِالإحْدادِ، ولا يُحْمَلُ هَذا عَلى المُباشَرَةِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى - إنْكاحِ المَرْأةِ نَفْسَها لِمُعارَضَةِ آيَةِ ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] المُتَأيِّدَةِ بِالسُّنَّةِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يَكُونُ عَلى وجْهٍ شَرْعِيٍّ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ لِيَنْصَرِفَ إلى الكامِلِ فَلا يَكُونُ في ذَلِكَ شَوْبُ نَكارَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ ما يُنْكَرُ كانَ عَلى النّاسِ الجُناحُ بِتَرْكِ الأمْرِ كَما عَلَيْهِنَّ بِالفِعْلِ؛ وأجْمَعَ الفُقَهاءُ غَيْرَ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ناسِخَةٌ لِآيَةِ العِدَّةِ بِالحَوْلِ، والتَّقَدُّمُ في التِّلاوَةِ لا يَمْنَعُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ لِأنَّ التَّرْتِيبَ لَيْسَ عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ - نَقَلَ ذَلِكَ الشَّمْسُ الأصْفَهانِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ ما سَيَأْتِي نَقْلُهُ لَهُ عَنْ مُجاهِدٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ حَدَّ لَكم هَذِهِ الحُدُودَ فاحْفَظُوها عَطَفَ (p-٣٤٤)عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُحَذِّرًا مِنَ التَّهاوُنِ في شَيْءٍ مِنها في أنْفُسِهِمْ أوْ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في حَقِّ غَيْرِهِمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن سِرٍّ وعَلانِيَةٍ.
ولَمّا كانَ هُنا مِن أمْرِ العِدَّةِ ما لَمْ تَعْرِفْهُ العَرَبُ قَبْلُ فَرُبَّما أنْكَرَتْهُ القُلُوبُ لِكَوْنِها لَمْ تَفْهَمْ سِرَّهُ وكانَ أمْرُ النِّكاحِ إنْ قُيِّدَ بِالمَعْرُوفِ باطِنًا خَتَمَ بِقَوْلِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ يَعْلَمُ خَفايا البَواطِنِ كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها فاحْذَرُوا مُخالَفَتَهُ وأطِيعُوا أمْرَهُ.
البقرة 2:235
ولَمّا حَدَّ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ المُدَّةَ لِمَنعِهِنَّ عَنِ الرِّجالِ بَيَّنَ أنَّ التَّعْرِيضَ بِالخِطْبَةِ لَيْسَ داخِلًا في المَنعِ فَقالَ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ إثْمٌ يَمِيلُ ﴿فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ﴾ أيْ قُلْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَقْصِدُونَ ما هو بَعِيدٌ عَنْهُ كَأنَّهُ في جانِبٍ وهو في جانِبٍ آخَرَ لا يَتَأدّى إلَيْهِ إلّا بِدَوْرَةٍ كَأنْتِ جَمِيلَةٌ أوْ نافِعَةٌ، وأنا عازِمٌ عَلى أنْ أتَزَوَّجَ، وعَسى أنْ يُيَسِّرَ اللَّهُ لِي قَرِينَةً صالِحَةً.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِنَ التَّعْرِيضِ وهو تَفْعِيلٌ مِنَ (p-٣٤٥)العَرْضِ والعَرْضُ وهو إلْقاءُ القَوْلِ عَرْضًا أيْ ناحِيَةً عَلى غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ وصَمَدٍ نَحْوَهُ - انْتَهى. والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكِنايَةِ أنَّهُ كَلامٌ ظاهِرٌ في مَعْنى يُقْصَدُ بِهِ غَيْرُ مَعْناهُ الظّاهِرِ فَلا يُفْهَمُ المُرادُ إلّا بِالقَرائِنِ، كَقَوْلِ المُحْتاجِ: جِئْتُ لِأُسَلِّمَ عَلَيْكَ وأنْظُرَ وجْهَكَ الكَرِيمَ، ويُسَمّى التَّلْوِيحَ أيْضًا، والكِنايَةُ ذِكْرُ اللّازِمِ وإرادَةُ المَلْزُومِ، وقَدْ أفْهَمُ نَوْطُ الحِلِّ بِالتَّعْرِيضِ تَحْرِيمَ التَّصْرِيحِ المُقابِلِ لَهُ ولِلْكِنايَةِ، والصَّرِيحُ اسْمٌ لِما هو ظاهِرُ المُرادِ عِنْدَ السّامِعِ بِحَيْثُ يَسْبِقُ إلى فَهْمِهِ المُرادِ ولا يَسْبِقُ غَيْرُهُ عِنْدَ الإطْلاقِ ﴿مِن خِطْبَةِ﴾ وهي الخِطابُ في قَصْدِ التَّزَوُّجِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: هي هَيْئَةُ الحالِ فِيما بَيْنَ الخاطِبِ والمَخْطُوبَةِ الَّتِي النُّطْقُ عَنْها هو الخُطْبَةُ بِالضَّمِّ ﴿النِّساءِ﴾ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ ومَن أشْبَهَهُنَّ في طَلاقٍ بائِنٍ بِالثَّلاثِ أوْ غَيْرِها.
(p-٣٤٦)ولَمّا أحَلَّ لَهُ التَّعْرِيضُ وكانَ قَدْ يَعْزِمُ عَلى التَّصْرِيحِ إذا حَلَّ لَهُ ذَلِكَ نَفى عَنْهُ الحَرَجَ فِيهِ بِقَوْلِهِ ﴿أوْ أكْنَنْتُمْ﴾ أيْ أضْمَرْتُمْ ﴿فِي أنْفُسِكُمْ﴾ مِن تَصْرِيحٍ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ مِن شَهَواتِ النَّفْسِ أوْ لا.
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ الكَنِّ - بِالفَتْحِ - وهو الَّذِي مِن مَعْناهُ الكِنُّ - بِالكَسْرِ - وهو ما وارى بِحَيْثُ لا يُوَصِّلُ بِهِ إلى شَيْءٍ.
ولَمّا كانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذِهِ الأُمَّةِ عِنايَةٌ عَظِيمَةٌ في التَّخْفِيفِ عَنْها أعْلَمَها بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ: ﴿عَلِمَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿أنَّكم سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾ أيْ في العِدَّةِ فَأذِنَ لَكم في ذَلِكَ عَلى ما حَدَّ لَكم.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ إجْراءُ الشِّرْعَةِ عَلى الحِيلَةِ الخاصِّ (p-٣٤٧)بِهَذِهِ الأُمَّةِ انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاذْكُرُوهُنَّ، اسْتَثْنى مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ﴾ أيْ في ذِكْرِكم إيّاهُنَّ ﴿سِرًّا﴾ ولَمّا كانَ السِّرُّ يُطْلَقُ عَلى ما أُسِرَّ بِالفِعْلِ وما هو أهْلٌ أنْ يُسَرَّ بِهِ وإنْ جَهَرَ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الثّانِي وهو السِّرُّ بِالقُوَّةِ فَقالَ: ﴿إلا أنْ تَقُولُوا﴾ أيْ في الذِّكْرِ لَهُنَّ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ لا يَسْتَحْيِي مِنهُ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المَعْنى لا تُواعِدُوهُنَّ إلّا ما لا يَسْتَحْيِي مِن ذِكْرِهِ فَيُسِرُّ وهو التَّعْرِيضُ؛ فَنَصَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ التَّصْرِيحِ بَعْدَ إفْهامِ الآيَةِ الأوْلى لِذَلِكَ اهْتِمامًا بِهِ لِما لِلنَّفْسِ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَتْ عِدَّةُ الوَفاةِ طَوِيلَةً فَكانَ حَبْسُ النَّفْسِ فِيها عَنِ النِّكاحِ شَدِيدًا وكانَتْ إباحَةُ التَّعْرِيضِ قَرِيبَةً مِنَ الرَّتْعِ حَوْلَ الحِمى وكانَ مَن يَرْتَعُ حَوْلَ الحُمّى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَهُ خَصَّها بِاتِّباعِها النَّهْيَ عَنِ العَقْدِ قَبْلَ الِانْقِضاءِ حَمْلًا عَلى التَّحَرِّي ومَنعًا مِنَ التَّجَرِي فَقالَ: ﴿ولا تَعْزِمُوا﴾ أيْ تَبُتُّوا أيْ تَفْعَلُوا فِعْلًا بَتًّا مَقْطُوعًا بِهِ غَيْرَ مُتَرَدَّدٍ فِيهِ (p-٣٤٨)﴿عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ أيِ النِّكاحَ الَّذِي يَصِيرُ مَعْقُودًا لِلْمُعْتَدَّةِ عِدَّةً هي فِيها بائِنٌ فَضَمَّنَ العَزْمَ البَتَّةَ ولِذَلِكَ أسْقَطَ ”عَلى“ وأوْقَعَهُ عَلى العُقْدَةِ الَّتِي هي مِن آثارِهِ ولا تَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: ولا تَعْزِمُوا عَلى النِّكاحِ باقِينَ عُقْدَتَهُ، وهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ قِيلَ: ولا تَعْقِدُوا النِّكاحَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ العَزْمِ الَّذِي هو سَبَبُ العَقْدِ نَهْيٌ عَنِ العَقْدِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
قالَ الحَرالِيُّ: والعُقْدَةُ تَوْثِيقُ جَمْعِ الطَّرَفَيْنِ المُفْتَرِقَيْنِ بِحَيْثُ يَشُقُّ حَلُّها (p-٣٤٩)وهُوَ مَعْنى دُونَ الكَتْبِ الَّذِي هو وصْلَةٌ وخَرَزٌ ﴿حَتّى يَبْلُغَ الكِتابُ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ فِيما أنْزَلْتُ عَلَيْكم مِنهُ بَيانَ عِدَّةِ مَن زالَتْ عِصْمَتُها مِن رَجُلٍ بِوِفاةٍ أوْ طَلاقٍ، أوْ ما كُتِبَ وفُرِضَ مِنَ العِدَّةِ ﴿أجَلَهُ﴾ أيْ أخَّرَ مُدَّتَهُ الَّتِي ضَرَبَها لِلْعِدَّةِ.
ولَمّا أباحَ سُبْحانَهُ وتَعالى التَّعْرِيضَ وحَظَرَ عَزْمَ العُقْدَةِ وغَلَّظَ الأمْرَ بِتَعْلِيقِهِ بِالكِتابِ وبَقِيَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ أُمُورٌ كانَتِ الشَّهْوَةُ في مِثْلِها غالِبَةً والهَوى مُمِيلًا غَلَّظَ سُبْحانَهُ وتَعالى الزَّواجِرَ لِتُقاوِمَ تِلْكَ الدَّواعِيَ فَتَوَلّى تِلْكَ الأُمُورَ تَهْدِيدُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ أيُّها الرّاغِبُونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ ولَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُمْ﴾ كُلّه ﴿فاحْذَرُوهُ﴾ ولا تَعْزِمُوا عَلى شَرٍّ فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ إحاطَةُ القُدْرَةِ.
ولَمّا هَدَّدَهم بِعِلْمِهِ وكانَ ذَلِكَ النِّهايَةَ في التَّهْدِيدِ وكانَ كُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ في النَّقائِصِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ أخْبَرَهم بِما أوْجَبَ الإمْهالَ عَلى ذَلِكَ مِن مَنِّهِ بِغُفْرانِهِ وحِلْمِهِ حَثًّا عَلى التَّوْبَةِ وإقامَةً بَيْنَ الرَّجاءِ والهَيْبَةِ فَقالَ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ كَما اقْتَضى جَلالُهُ العُقُوبَةَ (p-٣٥٠)اقْتَضى جَمالُهُ العَفْوَ فَهو لِذَلِكَ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ سَتُورٌ لِذُنُوبِ الخَطّائِينَ إنْ تابُوا ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يُعاجِلُ أحَدٌ العُقُوبَةَ فَبادِرُوا بِالتَّوْبَةِ رَجاءَ غُفْرانِهِ ولا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِهِ فَإنَّ غَضَبَ الحَلِيمِ لِكَوْنِهِ بَعْدَ طُولِ الأناةِ لا يُطاقُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ولا تُصَرِّحُوا لِلنِّساءِ المُعْتَدّاتِ بِعُقْدَةِ النِّكاحِ في عِدَّةٍ مِنَ العِدَدِ؛ والسِّرُّ في تَفاوُتِها أنَّ عِدَّةَ الوَفاةِ طُوِّلَتْ مُراعاةً لِلْوَرَثَةِ إلى حَدٍّ هو أقْصى دالٍّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ، لِأنَّ الماءَ يَكُونُ فِيهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ومِثْلَها عَلَقَةً ومِثْلَها مُضْغَةً ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فَتِلْكَ أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، وقَدْ تَنْقُصُ الأشْهُرُ أرْبَعَةَ أيّامٍ فَزِيدَتْ عَلَيْها وجُبِرَتْ بِما أتَمَّ أقْرَبَ العُقُودِ إلَيْها؛ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَقْدِيرُ المُدَّةِ الأوْلى «بِاثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ يَوْمًا» وفي رِوايَةٍ: «خَمْسٍ وأرْبَعِينَ» وفي رِوايَةٍ: «بِضْعٍ وأرْبَعِينَ» فَإذا حُمِلَ البِضْعُ عَلى سِتٍّ وزِيدَ (p-٣٥١)ما قَدْ تَنْقُصُهُ الأشْهُرُ صارَتْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا؛ ولَمْ تَزِدْ عَلى ذَلِكَ مُراعاةً لِلْمَرْأةِ لِما قِيلَ: إنَّهُ يَقِلُّ صَبْرُ النِّساءِ بَعْدَ ذَلِكَ، واقْتُصِرَ في الِاسْتِبْراءِ عَلى قُرْءٍ وهو أقَلُّ دالٍّ عَلى بَراءَةِ الرَّحِمِ لِأنَّ السَّيِّدَ يَكُونُ مُخالِطًا لِلْأُمَّةِ غالِبًا فَيَشُقُّ الصَّبْرُ، وثُلِّثَتْ عِدَّةُ الحُرَّةِ جَرْيًا عَلى سُنَّةِ الشّارِعِ في الِاسْتِظْهارِ بِالتَّثْلِيثِ مَعَ زَوالِ عِلَّةِ الإسْراعِ مِنَ المُخالَطَةِ، ولِأنَّ أكْثَرَ الطَّلاقِ رَجْعِيٌّ فَرُبَّما كانَ عَنْ غَيْظٍ فَمُدَّتْ لِيَزُولَ فَيَتَرَوّى، وكانَتْ عِدَّةُ الأمَةِ مِنَ الطَّلاقِ بَيْنَ الِاسْتِبْراءِ وعِدَّةُ الحُرَّةِ لِما تَنازَعَها مِن حَقِّ السَّيِّدِ المُقْتَضِي لِلْقَصْرِ وحَقِّ الزَّوْجِ المُقْتَضِي لِلطُّولِ مَعَ عَدَمِ إمْكانِ التَّصْنِيفِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
البقرة 2:236
ولَمّا تَمَّتْ أحْكامُ العِدَدِ وما يَتْبَعُها مِمّا حَقُّ الرِّجالِ فِيهِ أغْلَبُ أتْبَعَها أحْكامَ الأصْدِقَةِ، ولَمّا كانَ الكَلامُ قَدْ طالَ في أحْكامِ الطَّلاقِ (p-٣٥٢)والمَوْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الصَّداقَ وكانَ قَدْ خَتَمَ تِلْكَ الأحْكامَ بِصِفَتَيِ الغَفْرِ والحِلْمِ وكانَ الصَّداقُ مَعْلُومًا عِنْدَهم قَبْلَ الإسْلامِ اقْتَضى ذَلِكَ السُّؤالَ: هَلْ يَجِبُ لِلْمُفارَقَةِ صَداقٌ أوْ هو مِمّا دَخَلَ تَحْتَ المَغْفِرَةِ والحِلْمِ فَلا يَجِبُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لا تَبِعَةَ مِن مَهْرٍ ولا غَيْرِهِ إلّا ما يَأْتِي مِنَ المُتْعَةِ، وأصْلُ الجُناحِ المَيْلُ مِنَ الثِّقَلِ ﴿إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ أيْ إنْ طَلَّقَ أحَدٌ مِنكم ما يَمْلِكُ عِصْمَتَهُ مِنهُنَّ ﴿ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ.
مِنَ المَسِّ ومِنَ المُماسَّةِ في القِراءَةِ الأُخْرى وهو مُلاقاةُ الجُرْمَيْنِ بِغَيْرِ حائِلٍ بَيْنَهُما - قالَهُ الحَرالِيُّ ﴿أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ تُسَمُّوا لَهُنَّ مَهْرًا مَعْلُومًا. أيْ لا جُناحَ عَلَيْكم ما لَمْ يَقَعْ أحَدُ الأمْرَيْنِ أيْ مُدَّةَ انْتِفائِهِ ولا يَنْتَفِي الأحَدُ المُبْهَمُ إلّا بِانْتِفاءِ الأمْرَيْنِ مَعًا فَإذا انْتَفَيا انْتَفى الجُناحُ وإنْ وُجِدا أوْ أحَدُهُما وُجِدَ، فَإنْ وُجِدَ المَسِيسُ وجَبَ المُسَمّى أوْ مَهْرُ المِثْلِ. وإنْ وُجِدَ الفَرْضُ وجَبَ نِصْفُهُ إنْ خَلا عَنْ مَسِيسٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفي إنْبائِهِ صِحَّةُ عَقْدِ النِّكاحِ مَعَ إهْمالِ ذِكْرِ الصَّداقِ (p-٣٥٣)لا مَعَ إبْطالِهِ، فَفِيهِ صِحَّةُ نِكاحِ التَّفْوِيضِ ونِكاحِ التَّأْخِيرِ لِذِكْرِ الصَّداقِ، فَبانَ بِهِ أنَّ الصَّداقَ لَيْسَ رُكْنًا فِيهِ وأنَّ إبْطالَهُ مانِعٌ مِن بِنائِهِ، فَيَكُونُ لَهُ ثَلاثَةُ أحْوالٍ مِن رَفْعِ الجُناحِ فِيهِ عَنِ المُهْمِلِ الَّذِي لَمْ يَمَسَّ فِيهِ كَأنَّهُ كانَ يَسْتَحِقُّ فَرْضًا ما فَرُفِعَ عَنْهُ جُناحُهُ مِن حَيْثُ إنَّ عَلى الماسِّ كُلِّيَّةَ النِّحْلَةِ وعَلى الفارِضِ شَطْرَ النَّحْلَةِ فَرُفِعَ عَنْهُ جُناحُ الفَرْضِ وجُبِرَ مَوْضِعُ الفَرْضِ بِالإمْتاعِ، ولِذَلِكَ ألْزَمَتِ المُتْعَةَ طائِفَةٌ مِنَ العُلَماءِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وطَلِّقُوهُنَّ إنْ أرَدْتُمْ وراعُوا فِيهِنَّ ما أوْجَبْتُ مِنَ الحُقُوقِ لَكم وعَلَيْكم عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَتِّعُوهُنَّ﴾ أيْ جَبْرًا لِما وقَعَ مِنَ الكَسْرِ بِالطَّلاقِ عَلى حَسَبِ حالِ المُطَلَّقَيْنِ، والمُطَلَّقَةُ مِن غَيْرِ مَسٍّ ولا فَرْضٍ تَسْتَحِقُّهُ لِلْمُتْعَةِ بِالإجْماعِ - نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ. و﴿عَلى المُوسِعِ﴾ مِنهم أيِ الَّذِي لَهُ في حالِهِ سَعَةٌ.
وقالَ الحَرالِيُّ: هو مِنَ الإيساعِ وهو المُكْنَةُ في السَّعَةِ الَّتِي هي أكْثَرُ مِنَ (p-٣٥٤)الكِفايَةِ ﴿قَدَرُهُ﴾ مِنَ القَدْرِ وهو الحَدُّ المَحْدُودُ في الشَّيْءِ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿وعَلى المُقْتِرِ﴾ أيِ الَّذِي في حالِهِ ضِيقٌ.
قالَ الحَرالِيُّ: هو مِنَ الإقْتارِ وهو النَّقْصُ مِنَ القَدْرِ الكافِي - انْتَهى ﴿قَدَرُهُ﴾ أيْ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ ويُطِيقُهُ، وقِراءَةُ فَتْحِ الدّالِ كَقِراءَةِ إسْكانِها فَإنَّهُما لُغَتانِ أوْ أنَّ الفَتْحَ مُشِيرٌ إلى التَّفَضُّلِ بِتَحَمُّلِ شَيْءٍ ما فَوْقَ القُدْرَةِ ﴿مَتاعًا﴾ أيْ تَمْتِيعًا ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما لَيْسَ فِيهِ في الشَّرْعِ نَكارَةٌ ﴿حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإحْسانُ لَهم وصْفًا لازِمًا، والإحْسانُ غايَةُ رُتَبِ الدِّينِ كَأنَّهُ كَما قالَ الحَرالِيُّ إسْلامٌ ظاهِرٌ يُقِيمُهُ إيمانٌ باطِنٌ يُكْمِلُهُ إحْسانٌ شُهُودِيٌّ - انْتَهى.
فالكَلامُ عَلى هَذا النِّظامِ إلْهابٌ وتَهْيِيجٌ لا قَيْدٌ، وإنَّما كانَتْ إحْسانًا لِأنَّ مَلاكَ القَصْدِ فِيها كَما قالَ الحَرالِيُّ ما تَطِيبُ بِهِ نَفْسُ المَرْأةِ ويَبْقى باطِنُها وباطِنُ أهْلِها سَلَمًا أوْ ذا مَوَدَّةٍ (p-٣٥٥)﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ [الطلاق: ١] انْتَهى. ولا شَكَّ في أنَّ هَذا إحْسانٌ.
البقرة 2:237
ولَمّا نُفِيَ الجُناحُ بِانْتِفاءِ المَسِيسِ والفَرْضِ فَأفْهَمَ أنَّهُما إذا وُجِدا وُجِدَ الجُناحُ بِوُجُوبِ المَفْرُوضِ كُلِّهِ أتْبَعَهُ ما إذا انْتَفى أحَدُهُما فَقَطْ فَذَكَرَ الحُكْمَ عِنْدَ انْتِفاءِ المَسِيسِ وحْدَهُ صَرِيحًا في ضِدِّ المُفَوَّضَةِ السّابِقَةِ وأفْهَمَ بِذَلِكَ ما إذا انْتَفى الفَرْضُ وحْدَهُ تَلْوِيحًا فَقالَ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أيِ الزَّوْجاتِ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ سَواءٌ كانَتْ هُناكَ خَلْوَةٌ أوْ لا ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿فَرَضْتُمْ﴾ أيْ سَمَّيْتُمْ ﴿لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أيْ مَهْرًا مُقَدَّرًا ﴿فَنِصْفُ﴾ أيْ فالمَأْخُوذُ نِصْفُ ﴿ما فَرَضْتُمْ﴾ أيْ سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ مِنَ الصَّداقِ لا غَيْرَ.
ولَمّا أوْجَبَ لَها ذَلِكَ بَعَثَها عَلى تَرْكِهِ لِأنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَنْتَفِعْ مِنها بِشَيْءٍ بِالتَّعْبِيرِ بِالعَفْوِ فَقالَ: ﴿إلا أنْ يَعْفُونَ﴾ أيِ النِّساءُ فَإنَّ النُّونَ ضَمِيرُهُنَّ والواوَ لامُ الفِعْلِ فَلا يُؤْخَذُ مِنكم شَيْءٌ ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي (p-٣٥٦)بِيَدِهِ﴾ أيْ إلَيْهِ ولَكِنْ لَمّا كانَ أغْلَبُ الأعْمالِ بِاليَدِ أُسْنِدَتْ كُلُّها إلَيْها فَصارَتْ كِنايَةً عَنِ القُدْرَةِ ﴿عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ وهو الزَّوْجُ الَّذِي إنْ شاءَ أبْقاها وإنْ شاءَ حَلَّها فَيُسْمَحُ لَها بِالجَمِيعِ كانَ التَّعْبِيرُ بِهَذا هَزًّا لِلزَّوْجِ إلى العَفْوِ في نَظِيرِ ما جُعِلَ إلَيْهِ مِن هَذا دُونَها.
قالَ الحَرالِيُّ: إذا قَرَنَ هَذا الإيرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٥] خِطابًا لِلْأزْواجِ قَوِيَ فَسَّرَ مَن جَعَلَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةَ النِّكاحِ هو الزَّوْجُ مُعادَلَةً لِلزَّوْجاتِ، ومَن خَصَّ عَفْوَهُنَّ بِالمالِكاتِ أيِ الرّاشِداتِ خَصَّ هَذا بِالأوْلِياءِ فَكانَ هَذا النَّمَطُ مِنَ التَّهْدِيفِ لِلِاخْتِلافِ لَيْسَ عَنْ سَعَةِ إيهامٍ وكَأنَّهُ عَنْ تَبْقِيَةٍ بِوَجْهٍ ما مِن نِهايَةِ الإفْصاحِ فَمَنشَأُ الخِلافِ فِيهِ دُونَ مَنشَأِ الخِلافِ مِن خِطاباتِ السَّعَةِ بِالإيهامِ - انْتَهى.
وجَعَلَ الإمامُ هَذا مَفْهُومًا مِنَ التَّعْبِيرِ بِالعُقْدَةِ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المَفْعُولِ كالأكْلَةِ واللُّقْمَةِ والَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ الزَّوْجُ والَّذِي بَيْدَ الوَلِيِّ العَقْدُ وهو المَصْدَرُ كالأكْلِ واللَّقْمِ لا العُقْدَةُ الحاصِلَةُ بَعْدَ العَقْدِ ﴿وأنْ تَعْفُوا﴾ أيُّها الرِّجالُ والنِّساءُ ﴿أقْرَبُ﴾ أيْ مِنَ الحُكْمِ بِالعَدْلِ الَّذِي هو السَّواءُ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْغِيبِ عَبَّرَ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى مَزِيدِ القُرْبِ دُونَ (p-٣٥٧)إلى فَقالَ: ﴿لِلتَّقْوى﴾ أمّا مِنَ المَرْأةِ فَلِأجْلِ أنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَنَلْ مِنها شَيْئًا ولا حَظِيَ بِطائِلٍ فَهو أقْرَبُ إلى رِضاهُ، وأمّا مِنَ الرَّجُلِ فَلَمّا أشارَ إلَيْهِ بِجَعْلِ العُقْدَةِ بِيَدِهِ فَإنَّهُ كَما رَبَطَها بِاخْتِيارِهِ حَلَّها بِاخْتِيارِهِ فَدَفَعَهُ الكُلُّ أقْرَبَ إلى جَبْرِ المَرْأةِ ورِضاها، ومَن فَعَلَ الفَضْلَ كانَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى أنْ يَفْعَلَ الواجِبَ بِمَن لَمْ يَفْضُلْ.
ولَمّا كانَ العَفْوُ فَضْلًا مِنَ العافِي وإحْسانًا لَها مِنهُ وكانُوا إنَّما يَتَفاخَرُونَ بِالفَضائِلِ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْسَوُا﴾ أيْ تَتْرُكُوا تَرْكَ المَنسِيِّ، والتَّعْبِيرُ بِالنِّسْيانِ آكَدُ في النَّهْيِ ﴿الفَضْلَ﴾ أيْ أنْ تَكُونُوا مُفَضَّلِينَ في جَمِيعِ ما مَضى لا مُفَضَّلًا عَلَيْكُمْ، فَإنَّ اليَدَ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وزادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ واقِعًا فِيكم مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ خارِجًا عَنْكُمْ، ولَنْ يَنالَ اللَّهَ مِنهُ شَيْءٌ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَما أمَرَكم بِهِ إلّا لِنَفْعِكم خاصَّةً، لِئَلّا يَتَأذّى الزَّوْجُ (p-٣٥٨)بِبَذْلٍ لَمْ يَنْتَفِعْ في مُقابِلِهِ مِنَ المَرْأةِ بِشَيْءٍ، ولا المَرْأةُ بِطَلاقٍ لَمْ يَحْصُلْ لَها في نَظِيرِ ما يَلْحَقُها مِنَ الكَسْرِ بِسَبَبِهِ شَيْءٌ، وهو يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بِالتَّغْلِيبِ خِطابًا لِلْقَبِيلَيْنِ.
وخَصَّهُ الحَرالِيُّ بِالرِّجالِ فَقالَ: فَمِن حَقِّ الزَّوْجِ الَّذِي لَهُ فَضْلُ الرُّجُولَةِ أنْ يَكُونَ هو العافِيَ وأنْ لا يُؤاخِذَ النِّساءَ بِالعَفْوِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ في الخِطابِ أمْرٌ لَهُنَّ ولا تَحْرِيضٌ، فَمِن أقْبَحِ ما يَكُونُ حَمْلُ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ في اسْتِرْجاعِ ما آتاها بِما يُصَرِّحُ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فَيَنْبَغِي أنْ لا تَنْسَوْا ذَلِكَ الفَضْلَ فَتَجْرُونَ عَلَيْهِ حَيْثُ لَمْ تُلْزَمُوا بِهِ - انْتَهى.
(p-٣٥٩)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ وإنْ دَقَّ ﴿بَصِيرٌ﴾ وأفْهَمَ ذَلِكَ: وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ بَعْدَ المَسِيسِ وقَبْلَ الفَرْضِ فَجَمِيعُ مَهْرِ المِثْلِ.