Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — البقرة 2:238 – البقرة 2:286
المحتويات
- البقرة 2:238
- البقرة 2:239
- البقرة 2:240
- البقرة 2:241
- البقرة 2:242
- البقرة 2:243
- البقرة 2:244
- البقرة 2:245
- البقرة 2:246
- البقرة 2:247
- البقرة 2:248
- البقرة 2:249
- البقرة 2:250
- البقرة 2:251
- البقرة 2:252
- البقرة 2:253
- البقرة 2:254
- البقرة 2:255
- البقرة 2:256
- البقرة 2:257
- البقرة 2:258
- البقرة 2:259
- البقرة 2:260
- البقرة 2:261
- البقرة 2:262
- البقرة 2:263
- البقرة 2:264
- البقرة 2:265
- البقرة 2:266
- البقرة 2:267
- البقرة 2:268
- البقرة 2:269
- البقرة 2:270
- البقرة 2:271
- البقرة 2:272
- البقرة 2:273
- البقرة 2:274
- البقرة 2:275
- البقرة 2:276
- البقرة 2:277
- البقرة 2:278
- البقرة 2:279
- البقرة 2:280
- البقرة 2:281
- البقرة 2:282
- البقرة 2:283
- البقرة 2:284
- البقرة 2:285
- البقرة 2:286
البقرة 2:238
ولَمّا ذُكِرَتْ أحْكامُ النِّساءِ وشُعِّبَتْ حَتّى ضاقَ فَسِيحُ العَقْلِ بِانْتِشارِها وكادَ أنْ يَضِيعَ في مُتَّسَعِ مِضْمارِها مَعَ ما هُناكَ مِن مَظِنَّةِ المَيْلِ بِالعِشْقِ والنَّفْرَةِ بِالبُغْضِ الحامِلِ عَلى الإحَنِ والشُّغْلِ بِالأوْلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فِتَنٍ وبَلايا ومِحَنٍ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ ويَكُونُ بَعْضُها مَظِنَّةً لِلتَّهاوُنِ بِالصَّلاةِ بَلْ وبِكُلِّ عِبادَةٍ اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: يا رَبِّ! إنَّ الإنْسانَ ضَعِيفٌ وفي بَعْضِ ذَلِكَ لَهُ شاغِلٌ عَنْ كُلِّ مُهِمٍّ فَهَلْ بَقِيَ لَهُ سَعَةٌ لِعِبادَتِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿حافِظُوا﴾ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى غايَةِ العَزِيمَةِ أيْ لِيُسابِقَ بَعْضُكم بَعْضًا في ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ (p-٣٦٠)بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ ورَبِّهِ فَيَكُونُ المَعْنى: احْفَظُوا صَلاتَكم لَهُ لِيَحْفَظَ صَلاتَهُ عَلَيْكم فَلا يَفْعَلُ فِيها فِعْلَ النّاسِي فَيَتْرُكَ تَشْرِيفَكم بِها، وأخْصَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما بَيْنَ العِبادِ خاصَّةً ذَكَرَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَقالَ: -
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ ما أُنْزِلَ لَهُ الكِتابُ إقامَةَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: إقامَةُ أمْرِ الدِّينِ الَّذِي هو ما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، وتَمْشِيَةُ حالِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ مِحْنَةِ العَبْدِ، وإصْلاحُ حالِ الآخِرَةِ والمَعادِ الَّذِي هو مَوْضِعُ قَرارِ العَبْدِ، صارَ ما يَجْرِي ذِكْرُهُ مِن أحْكامِ تَمْشِيَةِ الدُّنْيا غَلَسًا نُجُومُ إنارَتِهِ أحْكامُ أمْرِ الدِّينِ فَلِذَلِكَ مَطْلَعُ نُجُومِ خِطاباتِ الدِّينِ أثْناءَ خِطاباتِ أمْرِ الدُّنْيا فَيَكُونُ خِطابُ الأمْرِ نَجْمًا خِلالَ خِطاباتِ الحَرامِ والحَلالِ في أمْرِ الدُّنْيا؛ وإنَّما كانَ نَجْمُ هَذا الخِطابِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّ هَذا الِاشْتِجارَ المَذْكُورَ بَيْنَ الأزْواجِ فِيما يَقَعُ مَن تَكَرُّهٍ في الأنْفُسِ وتَشاحٍّ في الأمْوالِ إنَّما وقَعَ مِن تَضْيِيعِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ لِأنَّ الصَّلاةَ بَرَكَةٌ في الرِّزْقِ وسِلاحٌ عَلى الأعْداءِ وكَراهَةِ الشَّيْطانِ؛ فَهي دافِعَةٌ لِلْأُمُورِ الَّتِي مِنها تَتَضايَقُ الأنْفُسُ وتَقْبَلُ (p-٣٦١)الوَسْواسَ ويَطْرُقُها الشُّحُّ، فَكانَ في إفْهامِ نَجْمِ هَذا الخِطابِ أثْناءَ هَذِهِ الأحْكامِ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ لِتَجْرِيَ أُمُورُهم عَلى سَدادٍ يُغْنِيهِمْ عَنِ الِارْتِباكِ في جُمْلَةِ هَذِهِ الأحْكامِ - انْتَهى.
فَقالَ تَعالى: ﴿حافِظُوا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ المُحافَظَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحِفْظِ وهو رِعايَةُ العَمَلِ عِلْمًا وهَيْئَةً ووَقْتًا وإقامَةً بِجَمِيعِ ما يَحْصُلُ بِهِ أصْلُهُ ويَتِمُّ بِهِ عَمَلُهُ (p-٣٦٢)ويَنْتَهِي إلَيْهِ كَمالُهُ، وأشارَ إلى كَمالِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى الصَّلَواتِ﴾ فَجَمَعَ وعَرَّفَ حَتّى يَعُمَّ جَمِيعَ أنْواعِها، أيِ افْعَلُوا في حِفْظِها فِعْلَ مَن يُناظِرُ آخَرَ فِيهِ فَإنَّهُ لا مَندُوحَةَ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى ولا في حالِ خَوْفِ التَّلَفِ، فَإنَّ في المُحافَظَةِ عَلَيْها كَمالَ صَلاحِ أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا سِيَّما إدْرارَ الأرْزاقِ وإذْلالَ الأعْداءِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] و﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمَرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِدُخُولِ صَلاةِ الجِنازَةِ فِيهِ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا اكْتِنافُ آيَتَيِ الوَفاةِ لِهَذِهِ الآيَةِ سابِقًا ولاحِقًا.
وقالَ الحَرالِيُّ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْطِي الدُّنْيا عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ وأبى أنْ يُعْطِيَ الآخِرَةَ عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا، خَلَلُ حالِ المَرْءِ في دُنْياهُ ومَعادِهِ إنَّما هو عَنْ خَلَلِ حالِ دِينِهِ، ومَلاكُ دِينِهِ وأساسُهُ إيمانُهُ وصَلاتُهُ، فَمَن حافَظَ عَلى الصَّلَواتِ أصْلَحَ اللَّهُ حالَ دُنْياهُ وأُخْراهُ، وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها تَجْرِي مُقْتَضَياتُ عَمَلِها عَمَلًا إسْلامِيًّا وخُشُوعًا وإخْباتًا إيمانِيًّا ورُؤْيَةً وشُهُودًا إحْسانِيًّا فَبِذَلِكَ تَتِمُّ المُحافَظَةُ عَلَيْها، وأوَّلُ ذَلِكَ (p-٣٦٣)الطَّهارَةُ لَها بِاسْتِعْمالِ الطُّهُورِ عَلى حُكْمِ السُّنَّةِ وتَتَبُّعِ مَعانِي الحِكْمَةِ، كَما في مَسْحِ الأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ، لِأنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما لَمْ يَكَدْ يَتِمُّ لَهُ طُهُورُ نَفْسِهِ بِما أبْدَتْهُ الحِكْمَةُ وأقامَتْهُ السُّنَّةُ وعَمَلُ العُلَماءِ فَصَدَّ عَنْهُ عامَّةَ الخَلْقِ الغَفَلَةِ؛ ثُمَّ التِزامُ التَّوْبَةِ عِنْدَها لِأنَّ طُهُورَ القَلْبِ التَّوْبَةُ كَما أنَّ طُهُورَ البَدَنِ والنَّفْسِ الماءُ والتُّرابُ، فَمَن صَلّى عَلى غَيْرِ تَجْدِيدِ تَوْبَةٍ صَلّى مُحْدِثًا بِغَيْرِ طَهارَةٍ؛ ثُمَّ حُضُورُ القَلْبِ في التَّوْحِيدِ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ فَإنَّ مَن غَفَلَ قَلْبُهُ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ عَنِ التَّوْحِيدِ نَقَصَ مِن صَلاتِهِ رُوحُها فَلَمْ يَكُنْ لَها عَمُودُ قِيامٍ، مَن حَضَرَ قَلْبُهُ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ حَضَرَ قَلْبُهُ في صِلاتِهِ، ومَن غَفَلَ قَلْبُهُ عِنْدَهُما غَفَلَ قَلْبُهُ في صِلاتِهِ؛ ثُمَّ هَيْئَتُها في تَمامِ رُكُوعِها وسُجُودِها وإنْطاقُ كُلِّ رُكْنٍ عَمَلِيٍّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ أدْنى ما يَكُونُ ثَلاثًا فَلَيْسَ في الصَّلاةِ عَمَلٌ لا نُطْقَ لَهُ؛ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ مَن لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقِيامِهِ وجُلُوسِهِ؛ فَبِالنَّقْصِ مِن تَمامِها تَنْقُصُ المُحافَظَةُ عَلَيْها وبِتَضْيِيعِ المُحافَظَةِ عَلَيْها يَتَمَلَّكُ الأعْداءُ النَّفْسَ ويَلْحَقُها الشُّحُّ فَتَنْتَقِلُ عَلَيْها الأحْكامُ وتَتَضاعَفُ عَلَيْها مَشاقُّ الدُّنْيا، وما مِن عامِلٍ يَعْمَلُ عَمَلًا في وقْتِ صَلاةٍ أوْ حالَ أذانٍ إلّا كانَ وبالًا عَلَيْهِ وعَلى مَن يَنْتَفِعُ بِهِ مَن عَمَلِهِ، وكانَ ما يَأْخُذُهُ مِن أجْرٍ فِيهِ (p-٣٦٤)شَقى خُبْثٍ لا يُثْمِرُ لَهُ عَمَلَ بِرٍّ ولا راحَةَ نَفْسٍ في عاجِلَتِهِ ولا آجِلَتِهِ، وخُصُوصًا بَعْدَ أنْ أمْهَلَ اللَّهُ الخَلْقَ مِن طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِهِمْ إلى زَوالِها سِتَّ ساعاتٍ فَلَمْ يَكُنْ لِدُنْياهم حَقٌّ في السِّتِّ الباقِيَةِ فَكَيْفَ إذا طُولِبُوا مِنها بِأُوَيْقاتِ الأذانِ والصَّلاةِ وما نَقَصَ عَمَلٌ مِن صَلاةٍ، فَبِذَلِكَ كانَتِ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ مَلاكًا لِصَلاحِ أحْوالِ الخَلْقِ مَعَ أزْواجِهِمْ في جَمِيعِ أحْوالِهِمُ - انْتَهى.
﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيْ خُصُوصًا فَإنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ لِأنَّها أخَصَّها بِهَذا النَّبِيُّ الخاتَمُ كَما مَضى بَيانُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] فَخَصَّها سُبْحانَهُ وتَعالى بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ وأخْفاها لِأداءِ ذَلِكَ إلى المُحافَظَةِ عَلى الكُلِّ ولِهَذا السَّبَبِ أخْفى لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ، وساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، والِاسْمَ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، ووَقْتَ المَوْتِ حَمْلًا عَلى التَّوْبَةِ في كُلِّ لَحْظَةٍ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وما مِن جُمْلَةٍ إلّا ولَها زَهْرَةٌ فَكانَ في الصَّلَواتِ ما هو مِنها بِمَنزِلَةِ الخِيارِ مِنَ الجُمْلَةِ وخِيارُها وُسْطاها فَلِذَلِكَ خَصَّصَ تَعالى خِيارَ الصَّلَواتِ بِالذِّكْرِ، وذَكَرَها بِالوَصْفِ إبْهامًا لِيَشْمَلَ الوُسْطى الخاصَّةَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وهي العَصْرُ الَّتِي لَمْ تَصِحَّ لِغَيْرِها مِنَ الأُمَمِ، ولِيَنْتَظِمَ (p-٣٦٥)الوُسْطى العامَّةُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِهَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي الصُّبْحُ، ولِذَلِكَ اتَّسَعَ لِمَوْضِعِ أخْذِها بِالوَصْفِ مَجالُ العُلَماءِ فِيها ثُمَّ تَعَدَّتْ أنْظارُهم إلى جَمِيعِها لِمَوْقِعِ الإبْهامِ في ذِكْرِها حَتّى تَتَأكَّدَ المُحافَظَةُ في الجَمِيعِ بِوَجْهٍ ما، وفي قِراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: وصَلاةِ العَصْرِ - عَطْفًا ما يُشْعِرُ بِظاهِرِ العَطْفِ بِاخْتِصاصِ الوُسْطى بِالصُّبْحِ عَلى ما رَآهُ بَعْضُ العُلَماءِ، وفِيهِ مَساغٌ لِمَرْجِعِهِ عَلى ”الصَّلاة الوُسْطى“ بِنَفْسِها لِيَكُونَ عَطْفَ أوْصافٍ، وتَكُونُ تَسْمِيَتُها بِالعَصْرِ مِدْحَةً ووَصْفًا مِن حَيْثُ إنَّ العَصْرَ خُلاصَةُ الزَّمانِ كَما أنَّ عُصاراتِ الأشْياءِ خُلاصاتُها
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] فَعَصْرُ اليَوْمِ هو خُلاصَةٌ لِسَلامَتِهِ مِن وهَجِ الهاجِرَةِ وغَسَقِ اللَّيْلِ، ولِتَوَسُّطِ الأحْوالِ والأبْدانِ والأنْفُسِ بَيْنَ حاجَتَيِ الغَداءِ والعِشاءِ الَّتِي هي مَشْغَلَتُهم بِحاجَةِ الغِذاءِ؛ ومِن إفْصاحِ العَرَبِ عَطْفُ الأوْصافِ المُتَكامِلَةِ فَيُقالُ: فُلانٌ كَرِيمٌ وشُجاعٌ - إذا تَمَّ فِيهِ الوَصْفانِ، فَإذا نَقَصا عَنِ التَّمامِ قِيلَ: كَرِيمٌ شُجاعٌ - بِالِاتِّباعِ، فَبِذَلِكَ يُقْبَلُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ الوُسْطى هي العَصْرَ عَطْفًا لِوَصْفَيْنِ ثابِتَيْنِ لِأمْرٍ واحِدٍ - انْتَهى.
ويُوَضِّحُ ما قالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلُهم في الرُّمّانِ المَزِّ: حُلْوٌ حامِضٌ - مِن غَيْرِ عَطْفٍ، (p-٣٦٦)وبُرْهانُهُ أنَّهم قالُوا: إنَّ الجُمَلَ إذا تَتابَعَتْ مِن غَيْرِ عَطْفٍ كانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِتَمامِ الِاتِّصالِ بَيْنَها فَتَكُونُ الثّانِيَةُ إمّا عِلَّةً لِلْأُولى وإمّا مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا قالَهُ البَيانِيُّونَ في بابِ الفَصْلِ والوَصْلِ، ولَوْلا إشْعارُ الكَلامِ الأوَّلِ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِاحْتِياجِهِ إلَيْها لَمْ يُوجَدْ مُحَرِّكٌ لِلسُّؤالِ بِخِلافِ ما إذا تَعاطَفَتْ كانَ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها غَنِيَّةٌ عَمّا بَعْدَها وذَلِكَ مُؤَذِّنٌ بِالتَّمامِ: وأمّا أسْماءُ اللَّهِ تَعالى فَتَتابُعُها دُونَ عَطْفٍ، لِأنَّ شَيْئًا مِنها لا يُؤَدِّي جَمِيعَ مَفْهُومِ اسْمِ الذّاتِ العَلَمِ ولِذَلِكَ خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى آياتِ سُورَةِ الحَشْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ الَّتِي ذُكِرَتْ هي مِمّا أفْهَمَهُ مَدْلُولُ الِاسْمِ العَلَمِ المُبْتَدَأِ بِهِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ مُشْتَقٌّ أوْ لا، ومَهْما اطَّلَعَتْ عَلى وصْفٍ حَسَنٍ يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الأعْظَمُ، لِأنَّ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ جامِعًا لِأوْصافِ الكَمالِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا جُبِلَتِ النُّفُوسُ وطُبِعَتِ القُلُوبُ عَلى المَعْرِفَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ومُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الكَمالِ كانَ الإعْراءُ مِنَ العَطْفِ فِيها لِلْإيذانِ بِذَلِكَ وما عُطِفَ مِنها فَلِمَعْنًى دَعا إلَيْهِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِهِ، وأنا لا أشُكُّ أنَّ المُعَطِّلَ إذا وقَعَ في ضِيقٍ أخْرَجَهُ ودَهَمَهُ مِنَ البَلاءِ ما أعْجَزَهُ وأحْرَقَ (p-٣٦٧)قَلْبَهُ وأجْرى دَمْعَهُ التَفَتْ قَلْبُهُ ضَرُورَةً إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في كَشْفِهِ وضَرِعَ إلَيْهِ في إزالَتِهِ لِما رَكَزَ في جِبِلَّتِهِ مِن كَمالِهِ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ ذاهِلًا عَمّا تَكْسِبُهُ مِن قُرَناءِ السُّوءِ مِن سُوءِ الِاعْتِقادِ وجَرِّ نَفْسِهِ إلَيْهِ مِنَ العِنادِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ فَدُونَكَ قاعِدَةٌ نَفِيسَةٌ طالَ ما تَطَلَّبْتُها وسَألْتُ عَنْها الفُضَلاءَ فَما وجَدْتُها وضَرَبْتُ بِفِكْرِي في رِياضِ الفُنُونِ ومَهامِهِ العُلُومِ حَتّى تَصَوَّرْتُها ثُمَّ بَعْدَ فَراغِي مِن تَفْسِيرِي رَأيْتُ الكَشّافَ أشارَ إلَيْها في آيَةِ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] في آلِ عِمْرانَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها أتْبَعَهُ جامِعَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿قانِتِينَ﴾ أيْ مُطِيعِينَ - قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وطاوُسٌ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدَيْهِما وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ حَرْفِ ذِكْرٍ مِنَ القُنُوتِ في القُرْآنِ فَهو الطّاعَةُ» وقِيلَ: القُنُوتُ السُّكُوتُ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٦٨)تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ وهو إلى جَنْبِهِ في حاجَتِهِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ» .
وقالَ مُجاهِدٌ: خاشِعِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وإذا عُلِمَ أصْلُ مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ لُغَةً عُلِمَ أنَّ المُرادَ: مُخْلِصِينَ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ جَمِيعُ ما قالُوهُ، وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ قَنَتَ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ تَدُورُ عَلى الضُّمُورِ مِنَ القَتِينِ لِلْقَلِيلِ اللَّحْمِ والطَّعْمِ، وقَتَنَ المِسْكُ إذا يَبِسَ، فَيَلْزَمُهُ الِاجْتِذابُ والخُلُوصُ، فَإنَّهُ لَوْلا تَجاذُبُ الأجْزاءِ لِزَوالِ ما بَيْنَها مِنَ المانِعِ لَمْ يُضْمِرْ، ومِنهُ امْرَأةٌ ناتِقٌ إذا كانَتْ ولُودًا كَأنَّها تَجْتَذِبُ المَنِيَّ كُلَّهُ فَتَظْفَرُ بِما يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الجِماعِ الوَلَدَ كانَتْ كَأنَّها المُخْتَصَّةُ بِجَذْبِ المَنِيِّ وكَأنَّ اجْتِذابَ غَيْرِها عَدَمٌ، أوْ كَأنَّها تَجْتَذِبُ الوَلَدَ مَن رَحِمَها فَتُخْرِجُهُ، وذَلِكَ مِن نَتَقِ السِّقاءِ وهو نَفْضُهُ، حَتّى يَقْتَلِعَ ما فِيهِ فَيَخْلُصَ، ومِن (p-٣٦٩)ذَلِكَ: البَيْتُ المَعْمُورُ نِتاقُ الكَعْبَةِ، أيْ مُطِلٌّ عَلَيْها مِن فَوْقُ فَلَوْ أنَّهُ جاذَبَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ لَكانَ إيّاها لِأنَّهُ تُجاهَها، ومِنَ الضُّمُورِ: التَّقْنُ - لِرُسابَةِ الماءِ؛ وهو الكَدَرُ الَّذِي يَبْقى في الحَوْضِ فَإنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِاجْتِذابِ العُكُولَةِ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ الإحْكامُ لِجَوْدَةِ التَّراصِّ في الأجْزاءِ لِخُلُوصِها عَنْ مانِعٍ، ومِنهُ: أمْرٌ مُتْقَنٌ، أيْ مُحْكَمٌ، و: رَجُلٌ تَقْنٌ - إذا كانَ حاذِقًا بِالأشْياءِ، فَهو خالِصُ الرَّأْيِ؛ ويَلْزَمُهُ الإخْلاصُ والخُشُوعُ والتَّواضُعُ فَتَأْتِي الطّاعَةُ بِالدُّعاءِ وغَيْرِهِ فَإنَّها جَمْعُ الهَمِّ عَلى المُطاعِ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] ونَحْوَ ذَلِكَ، والتَّقْنُ أيْضًا الطَّبِيعَةُ فَإنَّها سِرُّ الشَّيْءِ وخالِصُهُ، ومِنهُ الفَصاحَةُ مِن: تَقَنُ فَلانٍ، أيْ طَبْعُهُ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ القِيامُ فَإنَّهُ ضُمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَقِيَّةِ الهَيْئاتِ؛ ومِنهُ: أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ.
والسُّكُوتُ ضُمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَلامِ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ اليُبْسُ والذُّبُولُ ومِنهُ التَّقْنُ لِلطِّينِ الَّذِي يَذْهَبُ عَنْهُ الماءُ فَيَيْبَسُ ويَتَشَقَّقُ؛ والقِلَّةُ ومِنهُ: قُرادٌ قَتِينٌ، أيْ قَلِيلُ الدَّمِ، فَيَأْتِي أيْضًا السُّكُوتُ والإحْكامُ؛ وإذا راجَعْتَ مَعانِيَ هَذِهِ المادَّةِ وهي قَنَتَ وقَتَنَ وتَقَنَ ونَتَقَ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ ازْدَدْتَ بَصِيرَةً في هَذا، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ عُلِمَ (p-٣٧٠)أنَّ الآيَةَ مُنْطَبِقَةٌ عَلى الحَدِيثِ مُحْتَمِلَةٌ لِجَمِيعِ أقْوالِ العُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ إذا أُخْلِصَتْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَوْلٌ ولا فِعْلٌ لَيْسَ مِنها وذَلِكَ مَحْضُ الطّاعَةِ والخُشُوعِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: القُنُوتُ الثَّباتُ عَلى أمْرِ الخَيْرِ وفِعْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ الخَيْرِ والبِرِّ يَسِيرُ عَلى الأكْثَرِ ولَكِنَّ الثَّباتَ والدَّوامَ عَسِيرٌ عَلَيْهِمْ، وكانَ مِنَ القُنُوتِ مُداوَمَةُ الحَقِّ فِيما جاءَ بِهِ في الصَّلاةِ حَتّى لا يَقَعَ التِفاتٌ لِلْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَ الصَّمْتُ عَنِ الخَلْقِ مِن مَعْناهُ، لِأنَّ كَلامَ النّاسِ قَطْعٌ لِدَوامِ المُناجاةِ، فَفي إشْعارِهِ أنَّ مَن قامَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قانِتًا في صِلاتِهِ أقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في دُنْياهُ حالَهُ في إقامَتِهِ ومَعَ أهْلِهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ مَعْنى آيَةِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الصَّلاةَ تُصْلِحُ الحالَ مَعَ الأهْلِ وتَسْتَدِرُّ البَرَكَةَ في الرِّزْقِ - انْتَهى.
وحَدِيثُ زَيْدٍ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الأمْرِ لَمْ تَكُنْ عَلى الحُدُودِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها آخِرًا؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الفِعْلَ كانَ مُباحًا فِيها كَما كانَ الكَلامُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةُ حَتّى يَأْتِيَ نَصٌّ بِالمَنعِ، وبِهَذا يَزُولُ ما في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ مِنَ الإشْكالِ مِن أنَّهُ يَقْتَضِي إباحَةَ القَوْلِ والفِعْلِ لِلْمُصَلِّي إذا ظَنَّ (p-٣٧١)أنَّهُ أكْمَلَ الصَّلاةَ أوْ نَسِيَ أنَّهُ فِيها، «لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى إحْدى صَلاتَيِ العَشِيِّ فَسَلَّمَ مِن رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فاتَّكَأ عَلَيْها وخَرَجَ سَرَعانَ النّاسِ، فَلَمّا أعْلَمَهُ ذُو اليَدَيْنِ بِالحالِ سَألَ النّاسَ فَصَدَّقُوهُ، فَرَجَعَ فَأكْمَلَ الصَّلاةَ» فَإنَّ الحَدِيثَ غَيْرُ مُؤَرَّخٍ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الأفْعالِ والأقْوالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. ويُؤَيِّدُ احْتِمالَ إباحَةِ الأفْعالِ أوَّلًا اتِّباعُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ بِحالٍ مِن أحْوالِ الجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ ”كُتُب عَلَيْكم“ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن عَدُوٍّ أوْ سَبُعٍ أوْ غَرِيمٍ يَجُوزُ الهَرَبُ مِنهُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿فَرِجالا﴾ أيْ قائِمِينَ عَلى الأرْجُلِ، وهو جَمْعُ راجِلٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ أقْرَبُ إلى صُورَةِ الصَّلاةِ.
قالَ البَغَوِيُّ: أيْ إنْ لَمْ يُمْكِنْكم أنْ تُصَلُّوا قانِتِينَ مُوفِينَ لِلصَّلاةِ حَقَّها لِخَوْفٍ فَصَلُّوا مُشاةً عَلى أرْجُلِكم ﴿أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ كائِنِينَ عَلى ظُهُورِ الدَّوابِّ عَلى هَيْئَةِ التَّمَكُّنِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: ما مِن حُكْمٍ شَرَعَهُ اللَّهُ في السَّعَةِ إلّا وأثْبَتَهُ في الضِّيقِ والضَّرُورَةِ (p-٣٧٢)بِحَيْثُ لا يَفُوتُ في ضِيقِهِ بَرَكَةً مِن حالِ سَعَتِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ لا يَنْقُصُهُ وقْتٌ ولا يَفْقِدُهُ حالٌ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ في التَّحْقِيقِ لَيْسَ إلّا في إقْبالِ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الرَّبِّ، فَما اتَّسَعَ لَهُ الحالُ ما وراءَ ذَلِكَ فَعَلَ وإلّا اكْتَفى بِحَقِيقَتِها، ولِذَلِكَ انْتَهَتِ الصَّلاةُ عِنْدَ العُلَماءِ في شِدَّةِ الخَوْفِ إلى تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ يَجْتَمِعُ إلَيْها وحْدَها بَرَكَةُ أرْبَعِ الرَّكَعاتِ الَّتِي تَقَعُ في السَّعَةِ، وفِيها عَلى حالِها مِنَ البَرَكَةِ في اتِّساعِ الرِّزْقِ وصَلاحِ الأهْلِ ما في الواقِعَةِ في السَّعَةِ مَعَ (p-٣٧٣)مُعالَجَةِ النُّصْرَةِ لِعَزِيمَةِ إقامَتِها عَلى الإمْكانِ في المَخافَةِ، وقَدْ وضَحَ بِاخْتِلافِ أحْوالِ صَلاةِ الخَوْفِ أنَّ حَقِيقَتَها أنَّها لا صُورَةَ لَها، فَقَدْ صَحَّ فِيها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ عَشْرَةَ صُورَةً وزِيادَةُ صُوَرٍ في الأحادِيثِ الحِسانِ - انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَيْفِيَّةً في صَلاةِ الخَوْفِ ثُمَّ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ أوْ رُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها». قالَ مالِكٌ: قالَ نافِعٌ: لا أرى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ حَصَلَ لَكُمُ الأمْنُ مِمّا كانَ أخافُكم.
ولَمّا كانَ المُرادُ الأعْظَمُ مِنَ الصَّلاةِ الذِّكْرَ وهو دَوامُ حُضُورِ القَلْبِ قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ يَصْعُبُ فِيها ذَلِكَ مُنَبِّهًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ عَلى ما يُؤَكِّدُ الحُضُورَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما يُسَمّى ذِكْرًا ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. قالَ البَغَوِيُّ: أيْ فَصَلُّوا الصَّلَواتِ الخَمْسَ تامَّةً بِحُقُوقِها.
وقالَ الحَرالِيُّ: أظْهَرَ المَقْصِدَ في عَمَلِ الصَّلاةِ وأنَّهُ (p-٣٧٤)إنَّما هو الذِّكْرُ الَّذِي هو قِيامُ الأمْنِ والخَوْفِ - انْتَهى: فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا مَنَعَ مِمّا لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ اسْتَثْنى الأفْعالَ حالَ الخَوْفِ فَأُبْقِيَتْ عَلى الأصْلِ لَكِنْ قَدْ رَوى الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وصَرَّحَهُ في كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ مِنَ الأُمِّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي وائِلٍ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنّا نُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في الصَّلاةِ - الحَدِيثَ في أنَّهُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحَبَشَةِ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ ما شاءَ وإنَّ مِمّا أحْدَثَ أنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ» وحَكَمَ بِأنَّهُ قِيلَ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ لِما في بَعْضِ طُرُقِهِ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ رُجُوعَهُ كانَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو كَذَلِكَ، لَكِنْ عاصِمٌ لَهُ أوْهامٌ في الحَدِيثِ وإنْ كانَ حُجَّةً في القِراءَةِ فَلا يَقْوى حَدِيثُهُ لِمُعارَضَةِ ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْدٍ الماضِي المُغَيّا بِنُزُولِ الآيَةِ.
والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما في الصَّحِيحِ في فَضائِلِ القُرْآنِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ»، وفِيهِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ أنَّهُ ﷺ بَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ وأقامَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ.
وقالَ (p-٣٧٥)الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الرِّسالَةِ في بابِ وجْهٍ آخَرَ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي فَدِيكٍ عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «حُبِسْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى كانَ بَعْدَ المَغْرِبِ يَهْوِي مِنَ اللَّيْلِ حَتّى كُفِينا وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأمَرَهُ فَأقامَ الظُّهْرَ فَصَلّاها فَأحْسَنَ صَلاتَها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَذَلِكَ أيْضًا؛ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ اللَّهُ تَعالى في صَلاةِ الخَوْفِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾» .
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ أيْضًا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِلَفْظِ: «كُنّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنا، فَلَمّا رَجَعْنا مِن عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا وقالَ: إنَّ في الصَّلاةِ شُغْلًا» لَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا في تَحْرِيمِ الكَلامِ فَيَعُودُ الِاحْتِمالُ السّابِقُ، فَإنْ كانَ الواقِعُ أنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ مُتَأخِّرٌ كانَ ما قُلْتُ وإلّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي القَوْلُ بِهِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ لِأنَّ اشْتِمالَ حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ عَلَيْهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ، كَما صَحَّحَهُ صاحِبُ التَّتِمَّةِ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ (p-٣٧٦)ونُقِلَ عَنِ اخْتِيارِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّواوِيِّ في كِتابِهِ التَّحْقِيقِ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وكَلامُ الشّافِعِيِّ ظاهِرٌ فِيهِ فَإنَّهُ قالَ في الرَّدِّ عَلى مَن نَسَبَهُ إلى أنَّهُ خالَفَ في التَّفْرِيعِ عَلى الحَدِيثِ المَذْكُورِ: فَأنْتَ خالَفْتَ أصْلَهُ وفَرْعَهُ ولَمْ نُخالِفْ نَحْنُ مِن أصْلِهِ ولا مِن فَرْعِهِ حَرْفًا واحِدًا - هَذا نَصُّهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ.
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالذِّكْرِ عِنْدَ الأمْنِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِأنْ خَلَقَ فِيكُمُ العِلْمَ المُنْقِذَ مِنَ الجَهْلِ، فَتَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ وقَدْ جَوَّزَهُ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ ونَقَلَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنهُ عَنِ النُّحاةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بِما آتاكم عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ المُفَصَّلَةِ بِبَدائِعِ الأسْرارِ مِنَ الأُصُولِ ودَقائِقِ العُلُومِ كُلِّها.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِن أحْكامِ هَيْئَةِ الصَّلاةِ في الأعْضاءِ (p-٣٧٧)والبَدَنِ وحالِها في النَّفْسِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ والتَّخَلِّي مِنَ الوَسْواسِ وحالِها في القَلْبِ مِنَ التَّعْظِيمِ والحُرْمَةِ، وفي إشارَتِهِ ما وراءَ ظاهِرِ العِلْمِ مِن أسْرارِ القُلُوبِ الَّتِي اخْتَصَّتْ بِها أئِمَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ - انْتَهى.
البقرة 2:239
ولَمّا ذُكِرَتْ أحْكامُ النِّساءِ وشُعِّبَتْ حَتّى ضاقَ فَسِيحُ العَقْلِ بِانْتِشارِها وكادَ أنْ يَضِيعَ في مُتَّسَعِ مِضْمارِها مَعَ ما هُناكَ مِن مَظِنَّةِ المَيْلِ بِالعِشْقِ والنَّفْرَةِ بِالبُغْضِ الحامِلِ عَلى الإحَنِ والشُّغْلِ بِالأوْلادِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فِتَنٍ وبَلايا ومِحَنٍ يَضِيقُ عَنْها نِطاقُ الحَصْرِ ويَكُونُ بَعْضُها مَظِنَّةً لِلتَّهاوُنِ بِالصَّلاةِ بَلْ وبِكُلِّ عِبادَةٍ اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: يا رَبِّ! إنَّ الإنْسانَ ضَعِيفٌ وفي بَعْضِ ذَلِكَ لَهُ شاغِلٌ عَنْ كُلِّ مُهِمٍّ فَهَلْ بَقِيَ لَهُ سَعَةٌ لِعِبادَتِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿حافِظُوا﴾ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى غايَةِ العَزِيمَةِ أيْ لِيُسابِقَ بَعْضُكم بَعْضًا في ذَلِكَ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ (p-٣٦٠)بِالنِّسْبَةِ إلى العَبْدِ ورَبِّهِ فَيَكُونُ المَعْنى: احْفَظُوا صَلاتَكم لَهُ لِيَحْفَظَ صَلاتَهُ عَلَيْكم فَلا يَفْعَلُ فِيها فِعْلَ النّاسِي فَيَتْرُكَ تَشْرِيفَكم بِها، وأخْصَرُ مِنهُ أنْ يُقالَ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى ما بَيْنَ العِبادِ خاصَّةً ذَكَرَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم فَقالَ: -
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ ما أُنْزِلَ لَهُ الكِتابُ إقامَةَ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: إقامَةُ أمْرِ الدِّينِ الَّذِي هو ما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ، وتَمْشِيَةُ حالِ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ مِحْنَةِ العَبْدِ، وإصْلاحُ حالِ الآخِرَةِ والمَعادِ الَّذِي هو مَوْضِعُ قَرارِ العَبْدِ، صارَ ما يَجْرِي ذِكْرُهُ مِن أحْكامِ تَمْشِيَةِ الدُّنْيا غَلَسًا نُجُومُ إنارَتِهِ أحْكامُ أمْرِ الدِّينِ فَلِذَلِكَ مَطْلَعُ نُجُومِ خِطاباتِ الدِّينِ أثْناءَ خِطاباتِ أمْرِ الدُّنْيا فَيَكُونُ خِطابُ الأمْرِ نَجْمًا خِلالَ خِطاباتِ الحَرامِ والحَلالِ في أمْرِ الدُّنْيا؛ وإنَّما كانَ نَجْمُ هَذا الخِطابِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّ هَذا الِاشْتِجارَ المَذْكُورَ بَيْنَ الأزْواجِ فِيما يَقَعُ مَن تَكَرُّهٍ في الأنْفُسِ وتَشاحٍّ في الأمْوالِ إنَّما وقَعَ مِن تَضْيِيعِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ لِأنَّ الصَّلاةَ بَرَكَةٌ في الرِّزْقِ وسِلاحٌ عَلى الأعْداءِ وكَراهَةِ الشَّيْطانِ؛ فَهي دافِعَةٌ لِلْأُمُورِ الَّتِي مِنها تَتَضايَقُ الأنْفُسُ وتَقْبَلُ (p-٣٦١)الوَسْواسَ ويَطْرُقُها الشُّحُّ، فَكانَ في إفْهامِ نَجْمِ هَذا الخِطابِ أثْناءَ هَذِهِ الأحْكامِ الأمْرُ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلَواتِ لِتَجْرِيَ أُمُورُهم عَلى سَدادٍ يُغْنِيهِمْ عَنِ الِارْتِباكِ في جُمْلَةِ هَذِهِ الأحْكامِ - انْتَهى.
فَقالَ تَعالى: ﴿حافِظُوا﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ المُحافَظَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحِفْظِ وهو رِعايَةُ العَمَلِ عِلْمًا وهَيْئَةً ووَقْتًا وإقامَةً بِجَمِيعِ ما يَحْصُلُ بِهِ أصْلُهُ ويَتِمُّ بِهِ عَمَلُهُ (p-٣٦٢)ويَنْتَهِي إلَيْهِ كَمالُهُ، وأشارَ إلى كَمالِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى الصَّلَواتِ﴾ فَجَمَعَ وعَرَّفَ حَتّى يَعُمَّ جَمِيعَ أنْواعِها، أيِ افْعَلُوا في حِفْظِها فِعْلَ مَن يُناظِرُ آخَرَ فِيهِ فَإنَّهُ لا مَندُوحَةَ عَنْها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ حَتّى ولا في حالِ خَوْفِ التَّلَفِ، فَإنَّ في المُحافَظَةِ عَلَيْها كَمالَ صَلاحِ أُمُورِ الدُّنْيا والآخِرَةِ لا سِيَّما إدْرارَ الأرْزاقِ وإذْلالَ الأعْداءِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢] و﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمَرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» ولا شَكَّ أنَّ اللَّفْظَ صالِحٌ لِدُخُولِ صَلاةِ الجِنازَةِ فِيهِ، ويَزِيدُهُ وُضُوحًا اكْتِنافُ آيَتَيِ الوَفاةِ لِهَذِهِ الآيَةِ سابِقًا ولاحِقًا.
وقالَ الحَرالِيُّ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْطِي الدُّنْيا عَلى نِيَّةِ الآخِرَةِ وأبى أنْ يُعْطِيَ الآخِرَةَ عَلى نِيَّةِ الدُّنْيا، خَلَلُ حالِ المَرْءِ في دُنْياهُ ومَعادِهِ إنَّما هو عَنْ خَلَلِ حالِ دِينِهِ، ومَلاكُ دِينِهِ وأساسُهُ إيمانُهُ وصَلاتُهُ، فَمَن حافَظَ عَلى الصَّلَواتِ أصْلَحَ اللَّهُ حالَ دُنْياهُ وأُخْراهُ، وفي المُحافَظَةِ عَلَيْها تَجْرِي مُقْتَضَياتُ عَمَلِها عَمَلًا إسْلامِيًّا وخُشُوعًا وإخْباتًا إيمانِيًّا ورُؤْيَةً وشُهُودًا إحْسانِيًّا فَبِذَلِكَ تَتِمُّ المُحافَظَةُ عَلَيْها، وأوَّلُ ذَلِكَ (p-٣٦٣)الطَّهارَةُ لَها بِاسْتِعْمالِ الطُّهُورِ عَلى حُكْمِ السُّنَّةِ وتَتَبُّعِ مَعانِي الحِكْمَةِ، كَما في مَسْحِ الأُذُنَيْنِ مَعَ الرَّأْسِ، لِأنَّ مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما لَمْ يَكَدْ يَتِمُّ لَهُ طُهُورُ نَفْسِهِ بِما أبْدَتْهُ الحِكْمَةُ وأقامَتْهُ السُّنَّةُ وعَمَلُ العُلَماءِ فَصَدَّ عَنْهُ عامَّةَ الخَلْقِ الغَفَلَةِ؛ ثُمَّ التِزامُ التَّوْبَةِ عِنْدَها لِأنَّ طُهُورَ القَلْبِ التَّوْبَةُ كَما أنَّ طُهُورَ البَدَنِ والنَّفْسِ الماءُ والتُّرابُ، فَمَن صَلّى عَلى غَيْرِ تَجْدِيدِ تَوْبَةٍ صَلّى مُحْدِثًا بِغَيْرِ طَهارَةٍ؛ ثُمَّ حُضُورُ القَلْبِ في التَّوْحِيدِ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ فَإنَّ مَن غَفَلَ قَلْبُهُ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ عَنِ التَّوْحِيدِ نَقَصَ مِن صَلاتِهِ رُوحُها فَلَمْ يَكُنْ لَها عَمُودُ قِيامٍ، مَن حَضَرَ قَلْبُهُ عِنْدَ الأذانِ والإقامَةِ حَضَرَ قَلْبُهُ في صِلاتِهِ، ومَن غَفَلَ قَلْبُهُ عِنْدَهُما غَفَلَ قَلْبُهُ في صِلاتِهِ؛ ثُمَّ هَيْئَتُها في تَمامِ رُكُوعِها وسُجُودِها وإنْطاقُ كُلِّ رُكْنٍ عَمَلِيٍّ بِذِكْرِ اللَّهِ يَخْتَصُّ بِهِ أدْنى ما يَكُونُ ثَلاثًا فَلَيْسَ في الصَّلاةِ عَمَلٌ لا نُطْقَ لَهُ؛ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ مَن لَمْ يُقِمْ صُلْبَهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ وقِيامِهِ وجُلُوسِهِ؛ فَبِالنَّقْصِ مِن تَمامِها تَنْقُصُ المُحافَظَةُ عَلَيْها وبِتَضْيِيعِ المُحافَظَةِ عَلَيْها يَتَمَلَّكُ الأعْداءُ النَّفْسَ ويَلْحَقُها الشُّحُّ فَتَنْتَقِلُ عَلَيْها الأحْكامُ وتَتَضاعَفُ عَلَيْها مَشاقُّ الدُّنْيا، وما مِن عامِلٍ يَعْمَلُ عَمَلًا في وقْتِ صَلاةٍ أوْ حالَ أذانٍ إلّا كانَ وبالًا عَلَيْهِ وعَلى مَن يَنْتَفِعُ بِهِ مَن عَمَلِهِ، وكانَ ما يَأْخُذُهُ مِن أجْرٍ فِيهِ (p-٣٦٤)شَقى خُبْثٍ لا يُثْمِرُ لَهُ عَمَلَ بِرٍّ ولا راحَةَ نَفْسٍ في عاجِلَتِهِ ولا آجِلَتِهِ، وخُصُوصًا بَعْدَ أنْ أمْهَلَ اللَّهُ الخَلْقَ مِن طُلُوعِ شَمْسِ يَوْمِهِمْ إلى زَوالِها سِتَّ ساعاتٍ فَلَمْ يَكُنْ لِدُنْياهم حَقٌّ في السِّتِّ الباقِيَةِ فَكَيْفَ إذا طُولِبُوا مِنها بِأُوَيْقاتِ الأذانِ والصَّلاةِ وما نَقَصَ عَمَلٌ مِن صَلاةٍ، فَبِذَلِكَ كانَتِ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ مَلاكًا لِصَلاحِ أحْوالِ الخَلْقِ مَعَ أزْواجِهِمْ في جَمِيعِ أحْوالِهِمُ - انْتَهى.
﴿والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ أيْ خُصُوصًا فَإنَّها أفْضَلُ الصَّلَواتِ لِأنَّها أخَصَّها بِهَذا النَّبِيُّ الخاتَمُ كَما مَضى بَيانُهُ في أوَّلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣] فَخَصَّها سُبْحانَهُ وتَعالى بِمَزِيدِ تَأْكِيدٍ وأخْفاها لِأداءِ ذَلِكَ إلى المُحافَظَةِ عَلى الكُلِّ ولِهَذا السَّبَبِ أخْفى لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ، وساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، والِاسْمَ الأعْظَمَ في جَمِيعِ الأسْماءِ، ووَقْتَ المَوْتِ حَمْلًا عَلى التَّوْبَةِ في كُلِّ لَحْظَةٍ.
وقالَ الحَرالِيُّ: وما مِن جُمْلَةٍ إلّا ولَها زَهْرَةٌ فَكانَ في الصَّلَواتِ ما هو مِنها بِمَنزِلَةِ الخِيارِ مِنَ الجُمْلَةِ وخِيارُها وُسْطاها فَلِذَلِكَ خَصَّصَ تَعالى خِيارَ الصَّلَواتِ بِالذِّكْرِ، وذَكَرَها بِالوَصْفِ إبْهامًا لِيَشْمَلَ الوُسْطى الخاصَّةَ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وهي العَصْرُ الَّتِي لَمْ تَصِحَّ لِغَيْرِها مِنَ الأُمَمِ، ولِيَنْتَظِمَ (p-٣٦٥)الوُسْطى العامَّةُ لِجَمِيعِ الأُمَمِ ولِهَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي هي الصُّبْحُ، ولِذَلِكَ اتَّسَعَ لِمَوْضِعِ أخْذِها بِالوَصْفِ مَجالُ العُلَماءِ فِيها ثُمَّ تَعَدَّتْ أنْظارُهم إلى جَمِيعِها لِمَوْقِعِ الإبْهامِ في ذِكْرِها حَتّى تَتَأكَّدَ المُحافَظَةُ في الجَمِيعِ بِوَجْهٍ ما، وفي قِراءَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: وصَلاةِ العَصْرِ - عَطْفًا ما يُشْعِرُ بِظاهِرِ العَطْفِ بِاخْتِصاصِ الوُسْطى بِالصُّبْحِ عَلى ما رَآهُ بَعْضُ العُلَماءِ، وفِيهِ مَساغٌ لِمَرْجِعِهِ عَلى ”الصَّلاة الوُسْطى“ بِنَفْسِها لِيَكُونَ عَطْفَ أوْصافٍ، وتَكُونُ تَسْمِيَتُها بِالعَصْرِ مِدْحَةً ووَصْفًا مِن حَيْثُ إنَّ العَصْرَ خُلاصَةُ الزَّمانِ كَما أنَّ عُصاراتِ الأشْياءِ خُلاصاتُها
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩] فَعَصْرُ اليَوْمِ هو خُلاصَةٌ لِسَلامَتِهِ مِن وهَجِ الهاجِرَةِ وغَسَقِ اللَّيْلِ، ولِتَوَسُّطِ الأحْوالِ والأبْدانِ والأنْفُسِ بَيْنَ حاجَتَيِ الغَداءِ والعِشاءِ الَّتِي هي مَشْغَلَتُهم بِحاجَةِ الغِذاءِ؛ ومِن إفْصاحِ العَرَبِ عَطْفُ الأوْصافِ المُتَكامِلَةِ فَيُقالُ: فُلانٌ كَرِيمٌ وشُجاعٌ - إذا تَمَّ فِيهِ الوَصْفانِ، فَإذا نَقَصا عَنِ التَّمامِ قِيلَ: كَرِيمٌ شُجاعٌ - بِالِاتِّباعِ، فَبِذَلِكَ يُقْبَلُ مَعْنى هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ الوُسْطى هي العَصْرَ عَطْفًا لِوَصْفَيْنِ ثابِتَيْنِ لِأمْرٍ واحِدٍ - انْتَهى.
ويُوَضِّحُ ما قالَهُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قَوْلُهم في الرُّمّانِ المَزِّ: حُلْوٌ حامِضٌ - مِن غَيْرِ عَطْفٍ، (p-٣٦٦)وبُرْهانُهُ أنَّهم قالُوا: إنَّ الجُمَلَ إذا تَتابَعَتْ مِن غَيْرِ عَطْفٍ كانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِتَمامِ الِاتِّصالِ بَيْنَها فَتَكُونُ الثّانِيَةُ إمّا عِلَّةً لِلْأُولى وإمّا مُسْتَأْنَفَةً عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا قالَهُ البَيانِيُّونَ في بابِ الفَصْلِ والوَصْلِ، ولَوْلا إشْعارُ الكَلامِ الأوَّلِ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِاحْتِياجِهِ إلَيْها لَمْ يُوجَدْ مُحَرِّكٌ لِلسُّؤالِ بِخِلافِ ما إذا تَعاطَفَتْ كانَ ذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها غَنِيَّةٌ عَمّا بَعْدَها وذَلِكَ مُؤَذِّنٌ بِالتَّمامِ: وأمّا أسْماءُ اللَّهِ تَعالى فَتَتابُعُها دُونَ عَطْفٍ، لِأنَّ شَيْئًا مِنها لا يُؤَدِّي جَمِيعَ مَفْهُومِ اسْمِ الذّاتِ العَلَمِ ولِذَلِكَ خَتَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى آياتِ سُورَةِ الحَشْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤] أيْ أنَّ هَذِهِ الأسْماءَ الَّتِي ذُكِرَتْ هي مِمّا أفْهَمَهُ مَدْلُولُ الِاسْمِ العَلَمِ المُبْتَدَأِ بِهِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ مُشْتَقٌّ أوْ لا، ومَهْما اطَّلَعَتْ عَلى وصْفٍ حَسَنٍ يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الأعْظَمُ، لِأنَّ مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ جامِعًا لِأوْصافِ الكَمالِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا جُبِلَتِ النُّفُوسُ وطُبِعَتِ القُلُوبُ عَلى المَعْرِفَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ومُتَّصِفٌ بِأوْصافِ الكَمالِ كانَ الإعْراءُ مِنَ العَطْفِ فِيها لِلْإيذانِ بِذَلِكَ وما عُطِفَ مِنها فَلِمَعْنًى دَعا إلَيْهِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِهِ، وأنا لا أشُكُّ أنَّ المُعَطِّلَ إذا وقَعَ في ضِيقٍ أخْرَجَهُ ودَهَمَهُ مِنَ البَلاءِ ما أعْجَزَهُ وأحْرَقَ (p-٣٦٧)قَلْبَهُ وأجْرى دَمْعَهُ التَفَتْ قَلْبُهُ ضَرُورَةً إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في كَشْفِهِ وضَرِعَ إلَيْهِ في إزالَتِهِ لِما رَكَزَ في جِبِلَّتِهِ مِن كَمالِهِ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ ذاهِلًا عَمّا تَكْسِبُهُ مِن قُرَناءِ السُّوءِ مِن سُوءِ الِاعْتِقادِ وجَرِّ نَفْسِهِ إلَيْهِ مِنَ العِنادِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ فَدُونَكَ قاعِدَةٌ نَفِيسَةٌ طالَ ما تَطَلَّبْتُها وسَألْتُ عَنْها الفُضَلاءَ فَما وجَدْتُها وضَرَبْتُ بِفِكْرِي في رِياضِ الفُنُونِ ومَهامِهِ العُلُومِ حَتّى تَصَوَّرْتُها ثُمَّ بَعْدَ فَراغِي مِن تَفْسِيرِي رَأيْتُ الكَشّافَ أشارَ إلَيْها في آيَةِ ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] في آلِ عِمْرانَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا أمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها أتْبَعَهُ جامِعَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿قانِتِينَ﴾ أيْ مُطِيعِينَ - قالَهُ الحَسَنُ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ وقَتادَةُ وطاوُسٌ.
ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والإمامُ أحْمَدُ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدَيْهِما وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُّ حَرْفِ ذِكْرٍ مِنَ القُنُوتِ في القُرْآنِ فَهو الطّاعَةُ» وقِيلَ: القُنُوتُ السُّكُوتُ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٦٨)تَعالى عَنْهُ قالَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صاحِبَهُ وهو إلى جَنْبِهِ في حاجَتِهِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ» .
وقالَ مُجاهِدٌ: خاشِعِينَ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وإذا عُلِمَ أصْلُ مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ لُغَةً عُلِمَ أنَّ المُرادَ: مُخْلِصِينَ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ جَمِيعُ ما قالُوهُ، وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ قَنَتَ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ تَدُورُ عَلى الضُّمُورِ مِنَ القَتِينِ لِلْقَلِيلِ اللَّحْمِ والطَّعْمِ، وقَتَنَ المِسْكُ إذا يَبِسَ، فَيَلْزَمُهُ الِاجْتِذابُ والخُلُوصُ، فَإنَّهُ لَوْلا تَجاذُبُ الأجْزاءِ لِزَوالِ ما بَيْنَها مِنَ المانِعِ لَمْ يُضْمِرْ، ومِنهُ امْرَأةٌ ناتِقٌ إذا كانَتْ ولُودًا كَأنَّها تَجْتَذِبُ المَنِيَّ كُلَّهُ فَتَظْفَرُ بِما يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الجِماعِ الوَلَدَ كانَتْ كَأنَّها المُخْتَصَّةُ بِجَذْبِ المَنِيِّ وكَأنَّ اجْتِذابَ غَيْرِها عَدَمٌ، أوْ كَأنَّها تَجْتَذِبُ الوَلَدَ مَن رَحِمَها فَتُخْرِجُهُ، وذَلِكَ مِن نَتَقِ السِّقاءِ وهو نَفْضُهُ، حَتّى يَقْتَلِعَ ما فِيهِ فَيَخْلُصَ، ومِن (p-٣٦٩)ذَلِكَ: البَيْتُ المَعْمُورُ نِتاقُ الكَعْبَةِ، أيْ مُطِلٌّ عَلَيْها مِن فَوْقُ فَلَوْ أنَّهُ جاذَبَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ لَكانَ إيّاها لِأنَّهُ تُجاهَها، ومِنَ الضُّمُورِ: التَّقْنُ - لِرُسابَةِ الماءِ؛ وهو الكَدَرُ الَّذِي يَبْقى في الحَوْضِ فَإنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِاجْتِذابِ العُكُولَةِ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ الإحْكامُ لِجَوْدَةِ التَّراصِّ في الأجْزاءِ لِخُلُوصِها عَنْ مانِعٍ، ومِنهُ: أمْرٌ مُتْقَنٌ، أيْ مُحْكَمٌ، و: رَجُلٌ تَقْنٌ - إذا كانَ حاذِقًا بِالأشْياءِ، فَهو خالِصُ الرَّأْيِ؛ ويَلْزَمُهُ الإخْلاصُ والخُشُوعُ والتَّواضُعُ فَتَأْتِي الطّاعَةُ بِالدُّعاءِ وغَيْرِهِ فَإنَّها جَمْعُ الهَمِّ عَلى المُطاعِ ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] ونَحْوَ ذَلِكَ، والتَّقْنُ أيْضًا الطَّبِيعَةُ فَإنَّها سِرُّ الشَّيْءِ وخالِصُهُ، ومِنهُ الفَصاحَةُ مِن: تَقَنُ فَلانٍ، أيْ طَبْعُهُ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ القِيامُ فَإنَّهُ ضُمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلى بَقِيَّةِ الهَيْئاتِ؛ ومِنهُ: أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ.
والسُّكُوتُ ضُمُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكَلامِ؛ ويَلْزَمُ الضُّمُورَ اليُبْسُ والذُّبُولُ ومِنهُ التَّقْنُ لِلطِّينِ الَّذِي يَذْهَبُ عَنْهُ الماءُ فَيَيْبَسُ ويَتَشَقَّقُ؛ والقِلَّةُ ومِنهُ: قُرادٌ قَتِينٌ، أيْ قَلِيلُ الدَّمِ، فَيَأْتِي أيْضًا السُّكُوتُ والإحْكامُ؛ وإذا راجَعْتَ مَعانِيَ هَذِهِ المادَّةِ وهي قَنَتَ وقَتَنَ وتَقَنَ ونَتَقَ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ ازْدَدْتَ بَصِيرَةً في هَذا، وإذا عُلِمَ ذَلِكَ عُلِمَ (p-٣٧٠)أنَّ الآيَةَ مُنْطَبِقَةٌ عَلى الحَدِيثِ مُحْتَمِلَةٌ لِجَمِيعِ أقْوالِ العُلَماءِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ إذا أُخْلِصَتْ لَمْ يَكُنْ فِيها قَوْلٌ ولا فِعْلٌ لَيْسَ مِنها وذَلِكَ مَحْضُ الطّاعَةِ والخُشُوعِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: القُنُوتُ الثَّباتُ عَلى أمْرِ الخَيْرِ وفِعْلِهِ، وذَلِكَ أنَّ فِعْلَ الخَيْرِ والبِرِّ يَسِيرُ عَلى الأكْثَرِ ولَكِنَّ الثَّباتَ والدَّوامَ عَسِيرٌ عَلَيْهِمْ، وكانَ مِنَ القُنُوتِ مُداوَمَةُ الحَقِّ فِيما جاءَ بِهِ في الصَّلاةِ حَتّى لا يَقَعَ التِفاتٌ لِلْخَلْقِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَ الصَّمْتُ عَنِ الخَلْقِ مِن مَعْناهُ، لِأنَّ كَلامَ النّاسِ قَطْعٌ لِدَوامِ المُناجاةِ، فَفي إشْعارِهِ أنَّ مَن قامَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قانِتًا في صِلاتِهِ أقامَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في دُنْياهُ حالَهُ في إقامَتِهِ ومَعَ أهْلِهِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ مَعْنى آيَةِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الصَّلاةَ تُصْلِحُ الحالَ مَعَ الأهْلِ وتَسْتَدِرُّ البَرَكَةَ في الرِّزْقِ - انْتَهى.
وحَدِيثُ زَيْدٍ هَذا صَرِيحٌ في أنَّ الصَّلاةَ في أوَّلِ الأمْرِ لَمْ تَكُنْ عَلى الحُدُودِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها آخِرًا؛ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الفِعْلَ كانَ مُباحًا فِيها كَما كانَ الكَلامُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ الإباحَةُ حَتّى يَأْتِيَ نَصٌّ بِالمَنعِ، وبِهَذا يَزُولُ ما في حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ مِنَ الإشْكالِ مِن أنَّهُ يَقْتَضِي إباحَةَ القَوْلِ والفِعْلِ لِلْمُصَلِّي إذا ظَنَّ (p-٣٧١)أنَّهُ أكْمَلَ الصَّلاةَ أوْ نَسِيَ أنَّهُ فِيها، «لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى إحْدى صَلاتَيِ العَشِيِّ فَسَلَّمَ مِن رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قامَ إلى خَشَبَةٍ في ناحِيَةِ المَسْجِدِ فاتَّكَأ عَلَيْها وخَرَجَ سَرَعانَ النّاسِ، فَلَمّا أعْلَمَهُ ذُو اليَدَيْنِ بِالحالِ سَألَ النّاسَ فَصَدَّقُوهُ، فَرَجَعَ فَأكْمَلَ الصَّلاةَ» فَإنَّ الحَدِيثَ غَيْرُ مُؤَرَّخٍ فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الأفْعالِ والأقْوالِ بِهَذِهِ الآيَةِ. ويُؤَيِّدُ احْتِمالَ إباحَةِ الأفْعالِ أوَّلًا اتِّباعُ الآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ أيْ بِحالٍ مِن أحْوالِ الجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ ”كُتُب عَلَيْكم“ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِن عَدُوٍّ أوْ سَبُعٍ أوْ غَرِيمٍ يَجُوزُ الهَرَبُ مِنهُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿فَرِجالا﴾ أيْ قائِمِينَ عَلى الأرْجُلِ، وهو جَمْعُ راجِلٍ مِن حَيْثُ إنَّهُ أقْرَبُ إلى صُورَةِ الصَّلاةِ.
قالَ البَغَوِيُّ: أيْ إنْ لَمْ يُمْكِنْكم أنْ تُصَلُّوا قانِتِينَ مُوفِينَ لِلصَّلاةِ حَقَّها لِخَوْفٍ فَصَلُّوا مُشاةً عَلى أرْجُلِكم ﴿أوْ رُكْبانًا﴾ أيْ كائِنِينَ عَلى ظُهُورِ الدَّوابِّ عَلى هَيْئَةِ التَّمَكُّنِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: ما مِن حُكْمٍ شَرَعَهُ اللَّهُ في السَّعَةِ إلّا وأثْبَتَهُ في الضِّيقِ والضَّرُورَةِ (p-٣٧٢)بِحَيْثُ لا يَفُوتُ في ضِيقِهِ بَرَكَةً مِن حالِ سَعَتِهِ لِيَعْلَمَ أنَّ فَضْلَ اللَّهِ لا يَنْقُصُهُ وقْتٌ ولا يَفْقِدُهُ حالٌ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُحافَظَةَ عَلى الصَّلاةِ في التَّحْقِيقِ لَيْسَ إلّا في إقْبالِ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الرَّبِّ، فَما اتَّسَعَ لَهُ الحالُ ما وراءَ ذَلِكَ فَعَلَ وإلّا اكْتَفى بِحَقِيقَتِها، ولِذَلِكَ انْتَهَتِ الصَّلاةُ عِنْدَ العُلَماءِ في شِدَّةِ الخَوْفِ إلى تَكْبِيرَةٍ واحِدَةٍ يَجْتَمِعُ إلَيْها وحْدَها بَرَكَةُ أرْبَعِ الرَّكَعاتِ الَّتِي تَقَعُ في السَّعَةِ، وفِيها عَلى حالِها مِنَ البَرَكَةِ في اتِّساعِ الرِّزْقِ وصَلاحِ الأهْلِ ما في الواقِعَةِ في السَّعَةِ مَعَ (p-٣٧٣)مُعالَجَةِ النُّصْرَةِ لِعَزِيمَةِ إقامَتِها عَلى الإمْكانِ في المَخافَةِ، وقَدْ وضَحَ بِاخْتِلافِ أحْوالِ صَلاةِ الخَوْفِ أنَّ حَقِيقَتَها أنَّها لا صُورَةَ لَها، فَقَدْ صَحَّ فِيها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ عَشْرَةَ صُورَةً وزِيادَةُ صُوَرٍ في الأحادِيثِ الحِسانِ - انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما كَيْفِيَّةً في صَلاةِ الخَوْفِ ثُمَّ قالَ: فَإنْ كانَ خَوْفٌ أشَدُّ مِن ذَلِكَ صَلَّوْا رِجالًا قِيامًا عَلى أقْدامِهِمْ أوْ رُكْبانًا مُسْتَقْبِلِي القِبْلَةِ أوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيها». قالَ مالِكٌ: قالَ نافِعٌ: لا أرى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ذَكَرَ ذَلِكَ إلّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - يَعْنِي لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ أيْ حَصَلَ لَكُمُ الأمْنُ مِمّا كانَ أخافُكم.
ولَمّا كانَ المُرادُ الأعْظَمُ مِنَ الصَّلاةِ الذِّكْرَ وهو دَوامُ حُضُورِ القَلْبِ قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ صَلاةَ الخَوْفِ يَصْعُبُ فِيها ذَلِكَ مُنَبِّهًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ عَلى ما يُؤَكِّدُ الحُضُورَ في الصَّلاةِ وغَيْرِها مِن كُلِّ ما يُسَمّى ذِكْرًا ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. قالَ البَغَوِيُّ: أيْ فَصَلُّوا الصَّلَواتِ الخَمْسَ تامَّةً بِحُقُوقِها.
وقالَ الحَرالِيُّ: أظْهَرَ المَقْصِدَ في عَمَلِ الصَّلاةِ وأنَّهُ (p-٣٧٤)إنَّما هو الذِّكْرُ الَّذِي هو قِيامُ الأمْنِ والخَوْفِ - انْتَهى: فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمّا مَنَعَ مِمّا لَيْسَ مِنَ الصَّلاةِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ اسْتَثْنى الأفْعالَ حالَ الخَوْفِ فَأُبْقِيَتْ عَلى الأصْلِ لَكِنْ قَدْ رَوى الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وصَرَّحَهُ في كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ مِنَ الأُمِّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ عَنْ أبِي وائِلٍ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: كُنّا نُسَلِّمُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في الصَّلاةِ - الحَدِيثَ في أنَّهُ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحَبَشَةِ قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِن أمْرِهِ ما شاءَ وإنَّ مِمّا أحْدَثَ أنْ لا تَتَكَلَّمُوا في الصَّلاةِ» وحَكَمَ بِأنَّهُ قِيلَ حَدِيثُ ذِي اليَدَيْنِ لِما في بَعْضِ طُرُقِهِ مِمّا يَقْتَضِي أنَّ رُجُوعَهُ كانَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ وهو كَذَلِكَ، لَكِنْ عاصِمٌ لَهُ أوْهامٌ في الحَدِيثِ وإنْ كانَ حُجَّةً في القِراءَةِ فَلا يَقْوى حَدِيثُهُ لِمُعارَضَةِ ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ زَيْدٍ الماضِي المُغَيّا بِنُزُولِ الآيَةِ.
والبَقَرَةُ مَدَنِيَّةٌ كَما في الصَّحِيحِ في فَضائِلِ القُرْآنِ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ والنِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ»، وفِيهِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ أنَّهُ ﷺ بَنى بِها وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ وأقامَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ.
وقالَ (p-٣٧٥)الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الرِّسالَةِ في بابِ وجْهٍ آخَرَ مِنَ النّاسِخِ والمَنسُوخِ: أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي فَدِيكٍ عَنِ ابْنِ أبِي ذِئْبٍ عَنِ المَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «حُبِسْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى كانَ بَعْدَ المَغْرِبِ يَهْوِي مِنَ اللَّيْلِ حَتّى كُفِينا وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأمَرَهُ فَأقامَ الظُّهْرَ فَصَلّاها فَأحْسَنَ صَلاتَها كَما كانَ يُصَلِّيها في وقْتِها، ثُمَّ أقامَ العَصْرَ كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَذَلِكَ أيْضًا؛ وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ اللَّهُ تَعالى في صَلاةِ الخَوْفِ ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾» .
وقَدْ رَوى الشَّيْخانِ أيْضًا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِلَفْظِ: «كُنّا نُسَلِّمُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في الصَّلاةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنا، فَلَمّا رَجَعْنا مِن عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا وقالَ: إنَّ في الصَّلاةِ شُغْلًا» لَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا في تَحْرِيمِ الكَلامِ فَيَعُودُ الِاحْتِمالُ السّابِقُ، فَإنْ كانَ الواقِعُ أنَّ حَدِيثَ زَيْدٍ مُتَأخِّرٌ كانَ ما قُلْتُ وإلّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي القَوْلُ بِهِ أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ لِأنَّ اشْتِمالَ حَدِيثِ ذِي اليَدَيْنِ عَلَيْهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ، كَما صَحَّحَهُ صاحِبُ التَّتِمَّةِ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ (p-٣٧٦)ونُقِلَ عَنِ اخْتِيارِ الشَّيْخِ مُحْيِي الدِّينِ النَّواوِيِّ في كِتابِهِ التَّحْقِيقِ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ وغَيْرُهُ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، وكَلامُ الشّافِعِيِّ ظاهِرٌ فِيهِ فَإنَّهُ قالَ في الرَّدِّ عَلى مَن نَسَبَهُ إلى أنَّهُ خالَفَ في التَّفْرِيعِ عَلى الحَدِيثِ المَذْكُورِ: فَأنْتَ خالَفْتَ أصْلَهُ وفَرْعَهُ ولَمْ نُخالِفْ نَحْنُ مِن أصْلِهِ ولا مِن فَرْعِهِ حَرْفًا واحِدًا - هَذا نَصُّهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ.
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالذِّكْرِ عِنْدَ الأمْنِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما عَلَّمَكُمْ﴾ أيْ لِأجْلِ إنْعامِهِ عَلَيْكم بِأنْ خَلَقَ فِيكُمُ العِلْمَ المُنْقِذَ مِنَ الجَهْلِ، فَتَكُونُ الكافُ لِلتَّعْلِيلِ وقَدْ جَوَّزَهُ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ ونَقَلَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنهُ عَنِ النُّحاةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ ﴿ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ بِما آتاكم عَلى لِسانِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ المُفَصَّلَةِ بِبَدائِعِ الأسْرارِ مِنَ الأُصُولِ ودَقائِقِ العُلُومِ كُلِّها.
وقالَ الحَرالِيُّ: مِن أحْكامِ هَيْئَةِ الصَّلاةِ في الأعْضاءِ (p-٣٧٧)والبَدَنِ وحالِها في النَّفْسِ مِنَ الخُشُوعِ والإخْباتِ والتَّخَلِّي مِنَ الوَسْواسِ وحالِها في القَلْبِ مِنَ التَّعْظِيمِ والحُرْمَةِ، وفي إشارَتِهِ ما وراءَ ظاهِرِ العِلْمِ مِن أسْرارِ القُلُوبِ الَّتِي اخْتَصَّتْ بِها أئِمَّةُ هَذِهِ الأُمَّةِ - انْتَهى.
البقرة 2:240
ولَمّا كانَ ذِكْرُ أحْكامِ عِشْرَةِ النِّساءِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَظِنَّةَ سُؤالِ سائِلٍ كَما تَقَدَّمَ يَقُولُ: قَدِ اسْتَغْرَقَ الِاشْتِغالُ بِهِنَّ الزَّمانَ وأضَرَّ بِالفَراغِ لِلْعِبادَةِ وكانَ هَذا السُّؤالُ إيماءً إلى الِاسْتِئْذانِ في الرَّهْبانِيَّةِ والِاخْتِصاءِ الَّذِي سَألَ فِيهِ مَن سَألَ كَما سَيُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في المائِدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] وكانَ الإعْراضُ عَنْ جَوابِ السّائِلِ بِالأمْرِ بِالمُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ رُبَّما أشْعَرَ بِالإقْرارِ عَلى مَضْمُونِ السُّؤالِ والإذْنِ في التَّرَهُّبِ بِقَرِينَةِ الإعْراضِ عَنِ السُّؤالِ ورُبَّما كانَ مُشِيرًا إلى النَّهْيِ عَنِ التَّرَهُّبِ بِقَرِينَةِ السُّكُوتِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِعِشْرَتِهِنَّ مِن غَيْرِ نَهْيٍ عَنْهُ عَقَّبَ الأمْرَ بِذَلِكَ بِبَعْضِ آياتِ النِّساءِ تَأْكِيدًا لِما أفْهَمَتْهُ تِلْكَ الإشارَةُ أيِ اتْرُكُوا التَّرَهُّبَ وكُونُوا رِجالًا في الِاقْتِداءِ بِنَبِيِّكم ﷺ (p-٣٧٨)فِي القِيامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ نَفْسِهِ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ العِبادِ وجَعَلَ ما تَعْقُبُ آيَةَ الصَّلاةِ مِن تَعَلُّقِ النِّكاحِ آيَتَيْنِ فَقَطْ أُولاهُما في حُكْمٍ مِن أحْكامِ المَوْتِ وهي مَنسُوخَةٌ كَما قالَ الأكْثَرُ لَيْسَتْ مِن دَعائِمِ أحْكامِ هَذا البابِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الإقْبالُ عَلى العِبادَةِ أكْثَرَ وأنْ يَكُونَ الِاشْتِغالُ بِأمْرِ النِّساءِ والأوْلادِ إنَّما هو عَلى وجْهِ التَّزَوُّدِ لِلْمَوْتِ وما بَعْدَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ﴾
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أحْكامَ الأزْواجِ في الطَّلاقِ والوَفاةِ وحُكْمَ الفَرْضِ والمُتْعَةِ في المُطَلَّقاتِ قَبْلَ الدُّخُولِ خَتَمَ هَذِهِ الأحْكامَ المُؤَكَّدَةَ بِالفَرْضِ والأمْرِ بِما هو مِن نَحْوِها فَنَظَمَ بِالمُتْعَةِ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والإخْدامِ وما في مَعْناهُ المُتْعَةُ بِالسُّكْنى لِلْمُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها إلى حَدِّ ما كانَتِ العِدَّةُ في الجاهِلِيَّةِ لِيَكُونَ لِلْخَيْرِ والمَعْرُوفِ بَقاءٌ في الإسْلامِ بِوَجْهٍ ما أيَّما عَقْدٍ وعَهْدٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ فَلَنْ يَزِيدَهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً - انْتَهى.
فَقالَ تَعالى: ﴿يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ أيْ يُقارِبُونَ أنْ يَسْتَوْفِيَ أرْواحَهم مَن أعارَها أبْدانَهم فَيُخَلِّصَها مِنها كامِلَةً لا يُغادِرُ مِنها شَيْئًا ولا يَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الجِسْمِ مَعَها مَعَ ما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِامْتِزاجِ الَّذِي لا يَقْدِرُ مَعَهُ عَلى تَمْيِيزِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَلْيُوصُوا ﴿وصِيَّةً﴾ ومَن رَفَعَ فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ: فَعَلَيْهِمْ (p-٣٧٩)وصِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ تُحْمَلَ الوَفاةُ عَلى حَقِيقَتِها ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: وصِيَّةٌ مِنَ اللَّهِ لِأزْواجِهِمْ، أوْ يُوصِيكُمُ اللَّهُ وصِيَّةً ﴿لأزْواجِهِمْ﴾ بِالسُّكْنى في بُيُوتِهِمْ ﴿مَتاعًا﴾ لَهُنَّ ﴿إلى﴾ رَأْسِ ﴿الحَوْلِ﴾ مِن حِينِ الوَفاةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو غايَةُ العُمْرِ وجامِعٌ لِجُمْلَةِ الفُصُولِ الَّتِي بِوَفائِها تَظْهَرُ أحْوالُ الصَّبْرِ عَنِ الشَّيْءِ والحِرْصِ عَلَيْهِ وإنَّما الحَوْلُ الثّانِي اسْتِدْراكٌ - انْتَهى.
﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ أيْ غَيْرَ مُصاحِبٍ ذَلِكَ المَتاعَ بِنَوْعِ إخْراجٍ أوْ غَيْرِ ذَوِي إخْراجٍ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِتَكُونَ الأرْبَعَةُ الأشْهُرِ والعَشَرُ فَرْضًا وباقِي الحَوْلِ مَتاعًا لِتَلْحَقَ أنْواعُ المُتْعَةِ بِأنْواعِ اللّازِمِ في الزَّوْجِيَّةِ مِن نَفَقَةٍ وكُسْوَةٍ وإخْدامٍ وسُكْنى، ولَمّا كانَ هَذا المَتاعُ الزّائِدُ إنَّما هو تَقْرِيرٌ لِلزَّوْجَةِ في حالِ ما كانَتْ عَلَيْهِ مَعَ زَوْجِها إشْعارًا بِبَقاءِ العِصْمَةِ وإلاحَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى بِحُسْنِ صَبْرِ المَرْأةِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها عَلى زَوْجِها، لا تَتَزَوَّجُ عَلَيْهِ غَيْرَهُ حَتّى تَلْقاهُ فَتَكُونُ مَعَهُ عَلى النِّكاحِ السّابِقِ لِيَكُونَ لِلْأُمَّةِ في أزْواجِهِمْ لَمْحَةُ حَظٍّ مِن تَحْرِيمِ أزْواجِ نَبِيِّهِمْ بَعْدَهُ اللّاتِي يَقُمْنَ بَعْدَهُ إلى أنْ يَلْقَيْنَهُ أزْواجًا بِحالِهِنَّ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِمَن يَسْتَشْرِفُ مِن خَواصِّ أُمَّتِهِ إلى اتِّباعِهِ في أحْكامِهِ وأحْكامِ أزْواجِهِ لِأنَّ الرِّجالَ مِمّا يَسْتَحْسِنُونَ ذَلِكَ لِأزْواجِهِمْ، فَمِن أشَدِّ (p-٣٨٠)ما يَلْحَقُ الرَّجُلَ بَعْدَ وفاتِهِ تَزَوُّجُ زَوْجِهِ مِن بَعْدِهِ لِأنَّها بِذَلِكَ كَأنَّها هي المُطَلِّقَةُ لَهُ، ولِذَلِكَ ورَدَ أنَّ المَرْأةَ إنَّما تَكُونُ لِآخِرِ زَوْجٍ. لِأنَّها تَرَكَتِ الزَّوْجَ ولَمْ يَتْرُكْها هُوَ، قالَ ﷺ: «أنا وسَفْعاءُ الخَدَّيْنِ حَبَسَتْ نَفْسَها عَلى يَتاماها حَتّى ماتُوا - أوْ: بانُوا - كَهاتَيْنِ في الجَنَّةِ» كَأنَّهُ ﷺ أكَّدَ ذَلِكَ المَعْنى عَلى مَن تَرَكَ لَها المُتَوَفّى ذُرِّيَّةً لِأنَّهُ أثْبَتُ عَهْدٍ مَعَهُ - انْتَهى.
رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا﴾ قالَ: كانَتْ هَذِهِ العِدَّةُ تُعْتَدُّ عِنْدَ أهْلِ زَوْجِها واجِبٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لأزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها تَمامَ السَّنَةِ سَبْعَةَ أشْهُرٍ وعِشْرِينَ لَيْلَةً وصِيَّةً، إنْ شاءَتْ سَكَنَتْ في وصِيَّتِها وإنْ شاءَتْ خَرَجَتْ وهو قَوْلُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿غَيْرَ إخْراجٍ﴾ فالعِدَّةُ كَما هي واجِبٌ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ هَذا المَتاعُ الواجِبُ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ جائِزًا مِن جِهَةِ المَرْأةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿فَإنْ خَرَجْنَ﴾ أيْ مِن أنْفُسِهِنَّ مِن غَيْرِ مُزْعِجٍ (p-٣٨١)ولا مُخْرِجٍ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ يا أهْل الدِّينِ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ ﴿فِيما فَعَلْنَ في أنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] مِنَ النِّكاحِ ومُقَدَّماتِهِ.
ولَمّا كانَتْ لَهُنَّ في الجاهِلِيَّةِ أحْوالٌ مُنْكَرَةٌ في الشَّرْعِ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن مَعْرُوفٍ﴾ أيْ عِنْدَكم يا أهْلَ الإسْلامِ.
ولَمّا كانَ في هَذا حُكْمانِ حُكْمٌ مِن جِهَةِ الرِّجالِ فَضْلٌ وآخَرُ مِن جِهَةِ النِّساءِ عَفْوٌ فَكانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفي ضِمْنِهِ كَما قالَ الحَرالِيُّ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِلْأوْلِياءِ إنْ لَمْ يُنَفِّذُوا ويُمْضُوا هَذِهِ الوَصِيَّةَ بِما ألْزَمَ اللَّهُ، فَفي إلاحَتِهِ أنَّ مَن أضاعَ ذَلِكَ نالَهُ مِن عِزَّةِ اللَّهِ عُقُوباتٌ في ذاتِ نَفْسِهِ وزَوْجِهِ ومُخْلِفِيهِ مِن بَعْدِهِ ويَجْرِي مَأْخَذَ ما تَقْتَضِيهِ العِزَّةُ عَلى وزْنِ الحِكْمَةِ جَزاءً وِفاقًا وحُكْمًا قِصاصًا، وهَذِهِ (p-٣٨٢)الآيَةُ مِمّا ذَكَرَ فِيها بَعْضُ النّاسِ النَّسْخَ وإنَّما هي مِمّا لَحِقَها نِسْيانٌ أوْقَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى الخَلْقِ حَتّى لا يَكادَ أنْ يَكُونَ عَمِلَ بِها أحَدٌ إلّا أحَدًا لَمْ يُذْكَرْ بِهِ ولَمْ يَشْتَهِرْ مِنهُ فَهي مِمّا أنْسى فَرانَ عَلَيْهِ النِّسْيانُ لِأمْرٍ شاءَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ، وقَدْ ورَدَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْفَذَ لِامْرَأةٍ مِن تَرِكَةِ زَوْجِها نَفَقَةَ سَنَةٍ» وذَلِكَ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الفَرائِضِ حِينَ كانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ - انْتَهى.
وبِما قالَ الحَرالِيُّ مِن أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ قالَ مُجاهِدٌ كَما تَقَدَّمَ في رِوايَةِ البُخارِيِّ عَنْهُ أنَّ الزَّوْجَةَ إنِ اخْتارَتْ هَذا فَعِدَّتُها الحَوْلُ وإلّا فَعِدَّتُها الآيَةُ الأُولى، ونَقَلَهُ الشَّمْسُ الأصْفَهانِيُّ عَنْهُ في تَفْسِيرِهِ، ونُقِلَ عَنْ بَلَدَيْهِ أبِي مُسْلِمٍ قَرِيبًا مِنهُ فَإنَّهُ قالَ بَعْدَ أنْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّها غَيْرُ مَنسُوخَةٍ: لَيْسَ (p-٣٨٣)التَّقْدِيرُ ما يُفِيدُ الوُجُوبَ عَلى الزَّوْجِ مِثْلَ: فَلْيُوصُوا بَلِ التَّقْدِيرُ: وقَدْ وصَّوْا، أوْ: ولَهم وصِيَّةٌ.
وحَسَّنَ تَعْقِيبَ آيَةِ المُحافَظَةِ عَلى الصَّلاةِ بِعِدَّةِ الوَفاةِ كَوْنُ الخَوْفِ المَذْكُورِ فِيها مِن أسْبابِ القَتْلِ، ولَعَلَّ إثْباتَها في التِّلاوَةِ مَعَ كَوْنِها مَنسُوخَةَ الحُكْمِ عَلى ما قالَ الجُمْهُورُ تَذْكِيرًا لِلنِّساءِ بِما كانَ عِدَّةً لَهُنَّ في أوَّلِ الأمْرِ لِئَلّا يَسْتَطِلْنَ العِدَّةَ الثّابِتَةَ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ فَيَنْتَهِكْنَ شَيْئًا مِن حُرُماتِها، كَما أشارَ إلَيْهِ ما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّ امْرَأةً اسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ ﷺ أنْ تُكَحِّلَ ابْنَتَها لِوَجَعٍ أصابَها، فَأبى وقالَ: ”قَدْ كانَتْ إحْداكُنَّ في الجاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالبَعْرَةِ عَلى رَأْسِ الحَوَلِ“» .
البقرة 2:241
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مَتاعَ المُتَوَفّى عَنْهُنَّ عَقَّبَهُ مَتاعَ المُطَلَّقاتِ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ بِالتَّكْرِيرِ وتَعْمِيمًا بَعْدَ تَخْصِيصِ بَعْضِ أفْرادِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولِلْمُطَلَّقاتِ﴾ أيْ أيَّ المَدْخُولِ بِهِنَّ بِأيِّ طَلاقٍ كانَ ﴿مَتاعٌ﴾ أيْ مِن جِهَةِ الزَّوْجِ يُجْبِرُ ما حَصَلَ لَها مِنَ الكَسْرِ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ مِن حالِهِما ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: (p-٣٨٤)حَيْثُ كانَ الَّذِي قَبْلَ الدُّخُولِ حَقًّا عَلى المُحْسِنِينَ كانَ المُحْسِنُ يُمَتِّعُ بِأيْسَرِ وصْلَةٍ في القَوْلِ دُونَ الإفْضاءِ والمُتَّقِي يَحِقُّ عَلَيْهِ الإمْتاعُ بِمِقْدارِ ما وقَعَ لَهُ مِن حُرْمَةِ الإفْضاءِ ولِما وقَعَ بَيْنَهم مِنَ الإرْهاقِ والضَّجَرِ فَيَكُونُ في المُتْعَةِ إزالَةً لِبَعْضِ ذَلِكَ وإبْقاءً بِسَلامٍ أوْ مَوَدَّةٍ - انْتَهى.
وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الطَّلاقَ كالمَوْتِ لِانْقِطاعِ حَبْلِ الوَصْلَةِ الَّذِي هو كالحَياةِ وأنَّ المَتاعَ كالإرْثِ.
البقرة 2:242
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الأحْكامَ هَذا البَيانَ الشّافِيَ كانَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: هَلْ يُبَيِّنُ غَيْرَها مِثْلَها؟ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ لِأنَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿لَكم آياتِهِ﴾ أيِ المَرْئِيَّةَ بِما يُفَصِّلُ لَكم في آياتِهِ المَسْمُوعَةِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى حالٍ يُرْجى لَكم مَعَها (p-٣٨٥)التَّفَكُّرُ في الآياتِ المَسْمُوعاتِ والآياتِ المَرْئِيّاتِ كَما يَفْعَلُ العُقَلاءُ فَيَهْدِيكم ذَلِكَ إلى سَواءِ السَّبِيلِ؛ وقَدْ كَرَّرَ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَثِيرًا وفُصِّلَتْ بِهِ الآياتُ تَفْصِيلًا وكانَ لَعَمْرِي يَكْفِي الفَطِنَ السّالِمَ مِن مَرَضِ القَلْبِ وآفَةِ الهَوى إيرادُهُ مَرَّةً واحِدَةً في الوُثُوقِ بِمَضْمُونِهِ والرُّكُونِ إلى مَدْلُولِهِ، وإنَّما كَرَّرَ تَنْبِيهًا عَلى بَلاغَةِ الآياتِ المَخْتُومَةِ بِهِ وخُرُوجِها عَنْ طَوْقِ البَشَرِ وقُدْرَةِ المَخْلُوقِ، وذَلِكَ أنَّهم كُلَّما سَمِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ وهم أهْلُ السَّبْقِ في البَلاغَةِ والظَّفَرِ عَلى جَمِيعِ أرْبابِ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ فَرَأوْهُ فائِتًا لِقُواهم وبَعِيدًا مِن قُدَرِهِمْ خَطَرَ لَهُمُ السُّؤالُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ البَيانِ ناسِينَ لِما تَقَدَّمَ مِن صادِقِ الوَعْدِ وثابِتِ القَوْلِ بِأنَّ الكُلَّ عَلى هَذا المِنوالِ البَدِيعِ المِثالُ البَعِيدُ المَنالِ، لِما اعْتَراهم مَن دَهَشِ العُقُولِ وانْبِهارِ الألْبابِ والفُهُومِ.
البقرة 2:243
ولَمّا انْقَضى ما لا بُدَّ مِنهُ مِمّا سِيقَ بَعْدَ الإعْلامِ بِفَرْضِ القِتالِ المَكْرُوهِ لِلْأنْفُسِ مِن تَفْصِيلِ ما أُحْمِلَ في لَيْلِ الصِّيامِ مِنَ المَشارِبِ والمَناكَحِ وما تَبِعَها وكانَ الطَّلاقُ كَما سَلَفَ كالمَوْتِ وكانَتِ المُراجَعَةُ كالإحْياءِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالصَّلاةِ حالَ الخَوْفِ الَّذِي أغْلَبُ صُورَةِ (p-٣٨٦)الجِهادِ ثُمَّ بِتَبْيِينِ الآياتِ أعَمَّ مِن أنْ تَكُونَ في الجِهادِ أوْ غَيْرِهِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دَلِيلًا عَلى آيَةِ كَتْبِ القِتالِ المَحْثُوثِ فِيها عَلى الإقْدامِ عَلى المَكارِهِ لِجَهْلِ المَخْلُوقِ بِالغاياتِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾
وقالَ الحَرالِيُّ: لَمّا كانَ أمْرُ الدِّينِ مُقامًا بِمَعالِمِهِ الخَمْسِ الَّتِي إقامَةُ ظاهِرِها تَمامٌ في الأُمَّةِ وإنَّما تَتِمُّ إقامَتُها بِتَقْوى القُلُوبِ وإخْلاصِ النِّيّاتِ كانَ القَلِيلُ مِنَ المَواعِظِ والقِصَصِ في شَأْنِهِ كافِيًا، ولَمّا كانَ حَظِيرَةَ الدِّينِ (p-٣٨٧)إنَّما هو الجِهادُ الَّذِي فِيهِ بَذْلُ الأنْفُسِ وإنْفاقُ الأمْوالِ كَثُرَتْ فِيهِ مَواعِظُ القُرْآنِ وتَرَدَّدَتْ وعَرَضَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِإعْلامٍ بِما يَقَعُ فِيهِ فَذَكَرَ ما وقَعَ مِنَ الأقاصِيصِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ وخُصُوصًا أهْلَ الكِتابَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَن لَحِقَ بِهِمْ مِن أبْناءِ العِيصِ فَكانَتْ وقائِعُهم مَثَلًا لِوَقائِعِ هَذِهِ الأُمَّةِ فَلِذَلِكَ أُحِيلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى اسْتِنْطاقِ أحْوالِهِمْ بِما يَكْشِفُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِن أمْرِهِمْ عِيانًا وبِما يُنْزِلُهُ مِن خَبَرِهِمْ بَيانًا وكانَ مِن جامِعَةِ مَعْنى ذَلِكَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهم مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: ٢١١] وكانَ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي يَحِقُّ الإقْبالُ بِها عَلى النَّبِيِّ ﷺ لِعُلُوِّ مَعْناها فَأشْرَفُ المَعانِيَ ما قِيلَ فِيهِ ”ألَم تَرَ“ إقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعُمُومُ المَعانِي ما قِيلَ فِيهِ ”ألَم تَرَوْا“ إقْبالًا عَلى الأُمَّةِ لِيُخاطَبَ كُلٌّ عَلى قَدْرِ ما قَدَّمَ لَهم مِن تَمْهِيدِ مَوْهِبَةِ العَقْلِ لِتَتَرَتَّبَ المَكْسَبَةُ مِنَ العِلْمِ عَلى مِقْدارِ المَوْهِبَةِ مِنَ العَقْلِ فَكانَ مِنَ القَصَصِ العَلِيِّ العِلْمُ اللَّطِيفُ الِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآياتُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ (p-٣٨٨)لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى لا يَفِرُّوا مِنَ المَوْتِ فِرارَ مَن قَبْلَهُمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إذا نَزَلَ الوَباءُ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا فِرارًا مِنهُ» وذَلِكَ لِتَظْهَرَ مَزِيَّتُهم عَلى مَن قَبْلَهم بِما يَكُونُ مِن عَزْمِهِمْ كَما أظْهَرَ اللَّهُ تَعالى مَزِيَّتَهم عَلى مَن قَبْلَهم بِما آتاهم مِن فَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ الَّتِي لَمْ يُنَوِّلُها لِمَن قَبْلَهُمُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ مُفارَقَةُ الأوْطانِ مِمّا لا يُسْمَحُ بِهِ نَبَّهَ بِذِكْرِهِ عَلى عَظِيمِ ما دَهَمَهم فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ أيْ مِمَّنْ تَقَدَّمَكم مِنَ الأُمَمِ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾ الَّتِي ألِفُوها وطالَ ما تَعِبُوا حَتّى تَوَطَّنُوها لِما وقَعَ فِيها مِمّا لا طاقَةَ لَهم بِهِ عَلى المَوْتِ ﴿وهم أُلُوفٌ﴾ أيْ كَثِيرَةٌ جِدًّا تَزِيدُ عَلى العَشَرَةِ بِما أفْهَمَهُ جَمْعُ التَّكْثِيرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ تَخَوُّفَهم لَمْ يَكُنْ مِن نَقْصِ عَدَدٍ وإنَّما كانَ مَن جَزَعِ أنْفُسٍ فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ (p-٣٨٩)وتَعالى أنَّ الحَذَرَ لا يُنْجِي مِنَ القَدَرِ وإنَّما يُنَجِّي مِنهُ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ الدُّعاءُ «إنَّ الدُّعاءَ لَيَلْقى القَدَرَ فَيَعْتَلِجانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» انْتَهى.
﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾ فِرارًا مِن طاعُونٍ وقَعَ في مَدِينَتِهِمْ أوْ فِرارًا مِن عَدُوٍّ دَعاهم نَبِيُّهم إلى قِتالِهِ - عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَةِ - ظَنًّا مِنهم أنَّ الفِرارَ يُنْجِيهِمْ.
ودَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّ مَوْتَهم كانَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بِأنْ جَعَلَهم كالمَأْمُورِ الَّذِي لَمْ يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الِامْتِثالِ بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ خُرُوجِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ هارِبٌ ولا يُعْجِزُهُ طالِبٌ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ ﴿مُوتُوا﴾ أيْ فَماتُوا أجْمَعُونَ مَوْتَ نَفْسٍ واحِدَةٍ لَمْ يَنْفَعْهم حَذَرُهم ولا صَدُّ القَدَرِ عَنْهم عَلَّمَهم بِالأُمُورِ وبَصَّرَهم إعْلامًا بِأنَّ مَن هابَ القِتالَ حَذَرَ المَوْتِ لَمْ يُغْنِهِ حَذَرُهُ مَعَ ما جَناهُ مِن إغْضابِ رَبِّهِ ومَن أقْدَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَضُرَّهُ إقْدامُهُ مَعَ ما فازَ بِهِ مِن مَرْضاةِ مَوْلاهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: في إشْعارِهِ (p-٣٩٠)إنْباءٌ بِأنَّ هَذِهِ الإماتَةَ إماتَةٌ تَكُونُ بِالقَوْلِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَأماتَهُمُ اللَّهُ، فَتَكُونُ إماتَةً حاقَّةً لا مَرْجِعَ مِنها، فَفِيهِ إبْداءٌ لِمَعْنى تَدْرِيجِ ذاتِ المَوْتِ في أسْنانٍ مُتَراقِيَةٍ مِن حَدِّ ضَعْفِ الأعْضاءِ والقُوى بِالكَسَلِ إلى حَدِّ السِّنَةِ إلى حَدِّ النَّوْمِ إلى حَدِّ الغَشْيِ إلى حَدِّ الصَّعْقِ إلى حَدِّ هَذِهِ الإماتَةِ بِالقَوْلِ إلى حَدِّ الإماتَةِ الآتِيَةِ عَلى جُمْلَةِ الحَياةِ الَّتِي لا تَرْجِعُ إلّا بَعْدَ البَعْثِ وكَذَلِكَ الإماتَةُ الَّتِي يَكُونُ عَنْها تَبَدُّدُ الجِسْمِ مَعَ بَقائِهِ عَلى صُورَةِ أشْلائِهِ أشَدَّ إتْيانًا عَلى المَيِّتِ مِنَ الَّتِي لا تَأْتِي عَلى أعْضائِهِ «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلى الأرْضِ أنْ تَأْكُلَ أجْسادَ الأنْبِياءِ والشُّهَداءِ والعُلَماءِ والمُؤَذِّنِينَ» فَكَما لِلْحَياةِ أسْنانٌ مِن حَدِّ رَبْوِ الأرْضِ إلى حَدِّ حَياةِ المُؤْمِنِ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِنَ الحَياةِ كَذَلِكَ لِلْمَوْتِ أسْنانٌ بِعَدَدِ أسْنانِ الحَياةِ مَعَ كُلِّ سِنِّ حَياةٍ مَوْتٌ إلى أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] فَبِذَلِكَ يَعْلَمُ ذُو الفَهْمِ أنَّ (p-٣٩١)ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ وفي كَلِمَةِ ”ثُمَّ“ إمْهالٌ إلى ما شاءَ اللَّهُ - انْتَهى.
وجَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ تَقْرِيرًا لَهُ ﷺ بِالرُّؤْيَةِ إمّا لِأنَّهُ كَشَفَ لَهُ عَنْهم في الحالَتَيْنِ وإمّا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ في القَطْعِ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى لَهُ عَلى حالَةٍ هي كالرُّؤْيَةِ لِغَيْرِهِ تَدْرِيبًا لِأُمَّتِهِ؛ ولَعَلَّ في الآيَةِ حَضًّا عَلى التَّفَضُّلِ بِالمُراجَعَةِ مِنَ الطَّلاقِ كَما تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ بِالإحْياءِ بَعْدَ أنْ أدَّبَهم بِالإماتَةِ وخَتَمَ ما قَبْلَها بِالإقامَةِ في مَقامِ التَّرَجِّي لِلْعَقْلِ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الخارِجِينَ مِن دِيارِهِمْ لِهَذا الغَرَضِ سُفَهاءُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِتَعْقِلُوا فَلا تَكُونُوا كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا أنَّ فِرارَهم يُنْجِيهِمْ مِنَ اللَّهِ بَلْ تَكُونُونَ عالِمِينَ بِأنَّكم أيْنَما كُنْتُمْ فَفي قَبْضَتِهِ وطَوْعَ (p-٣٩٢)مَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ فَيُفِيدُكم ذَلِكَ الإقْدامُ عَلى ما كَتَبَ عَلَيْكم مِمّا تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ، أوْ يُقالُ: ولَمّا كانَ المُتَوَفّى قَدْ يُطَلِّقُ زَوْجَهُ في مَرَضِ مَوْتِهِ فِرارًا مِن إرْثِها وقَدْ يَخُصُّ بَعْضَ وارِثِيهِ مِمّا يُضارُّ بِهِ غَيْرُهُ وقَدْ يَحْتالُ عَلى المُطَلَّقَةِ ضِرارًا بِما يَمْنَعُ حَقَّها خَتَمَ آيَةَ الوَفاةِ عَنِ الأزْواجِ والمُطَلَّقاتِ بِتَرْجِيَةِ العَقْلِ بِمَعْنى أنَّكم إذا عَقَلْتُمْ لَمْ تَمْنَعُوا أحَدًا مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتاكم عِلْمًا مِنكم بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَمْنَعَ المُرادَ إعْطاؤُهُ ويَمْنَحَ المُرادَ مَنعُهُ بِأسْبابٍ يُقِيمُها ودَواعِي يَخْلُقُها أوْ يَشْفِي فاعِلَ ذَلِكَ مِن مَرَضِهِ ثُمَّ يَسْلُبُهُ فَضْلَهُ فَيُفْقِرُهُ بَعْدَ غِناهُ ويُضْعِفُهُ بَعْدَ قُواهُ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ مِن قَدَرِهِ حَذَرٌ، ولا يَدْفَعُ مُرادَهُ كَيَدٌ ولا حِيَلٌ وإنْ كَثُرَ العَدَدُ وجَلَّ المَدَدُ،
﴿ألَمْ تَرَ﴾ إلى أنْ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ عامَّةً فَلْيَذْكُرْ كُلُّ واحِدٍ ما لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الفَضْلِ، (p-٣٩٣)ولْيَرْغَبُوا في العَفْوِ عَمَّنْ يَرَوْنَ أنَّ مَنعَهُ عَدْلٌ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى الشُّكْرِ وأبْعَدُ عَنِ الكُفْرِ، فَطَلاقُ الفارِّ إخْراجُ الزَّوْجَةِ عَنْ دائِرَةِ عِصْمَتِهِ حَذَرًا مِن إماتَةِ مالِهِ بِأخْذِ ما يَخُصُّها مِنهُ وخُرُوجِ الزَّوْجِ عَنْ دائِرَةِ النِّكاحِ حَذَرًا مِن مَوْتٍ مُقَيَّدٍ بِكَوْنِها في عِصْمَتِهِ وخُرُوجِ الأُلُوفِ مِن دارِ الإقامَةِ حَذَرًا مِن مَوْتِ مُطَلِّقٍ، ومِنَ المُناسَباتِ البَدِيعَةِ أنَّهُ لَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ حالِ العَرَبِ أنَّهُمُ انْتَقَلُوا بَعْدَ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ مِن ضِيقِ دارِ العِلْمِ والإيمانِ حَذَرًا مِن هَلاكِ الأبْدانِ بِتَكالِيفِ الأدْيانِ إلى (p-٣٩٤)قَضاءِ الشَّهَواتِ والعِصْيانِ فَوَقَعُوا في مَوْتِ الجَهْلِ والكُفْرانِ فَلَمّا نَزَلَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ وكانَ أكْثَرُ هَذِهِ السُّورَةِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وكَرَّرَ فِيها هِدايَةَ العَرَبِ مِنَ الكُفْرِ والجَهْلِ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ نَحْوَ
﴿ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٠] ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] وغَيْرَ ذَلِكَ إلى أنَّ خَتْمَ هَذِهِ الآياتِ بِتَرَجِّي العَقْلِ وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ اشْتَدَّ حَسَدُهم لَهم بِجَعْلِ النَّبِيِّ الَّذِي كانُوا يَنْتَظِرُونَهُ مِنهم وكانَ الحاسِدُ يَتَعَلَّقُ في اسْتِبْعادِ الخَيْرِ عَنْ مَحْسُودِهِ بِأدْنى شَيْءٍ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: أيُحْيِي هَؤُلاءِ العَرَبُ عَلى كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في أقْطارِ هَذِهِ الجَزِيرَةِ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ بِالإيمانِ والعِلْمِ بَعْدَ أنْ تَمادَتْ بِهِمْ فِيهِما الأزْمانُ وتَوالَتْ عَلَيْهِمُ اللَّيالِي والأيّامُ حَتّى عَتَوْا فِيهِما وعَسَوْا ومَرَدُوا عَلَيْهِما وقَسَوْا؟ فَأُجِيبُوا بِـ نَعَمْ وما اسْتَبْعَدْتُمُوهُ غَيْرُ بَعِيدٍ، فَقالُوا: فَإنْ كانَ لِلَّهِ بِهِمْ عِنايَةٌ فَلِمَ تَرَكَهم يَجْهَلُونَ ويَكْفُرُونَ بَعْدَ ما شَرَعَ لَهم أبُوهم إسْماعِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دِينَ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ فَأُجِيبُوا بِأنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ لِذَنْبٍ اسْتَحَقُّوهُ (p-٣٩٥)لِحِكْمَةٍ اقْتَضاها سابِقُ عِلْمِهِ ثُمَّ ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ العُقُوبَةِ واللُّطْفِ بِما هم بِهِ عالِمُونَ فَقالَ تَعالى مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ والمُرادُ هم - كَما يُقالُ: الكَلامُ لَكِ واسْمَعِي يا جارَةُ - ﴿ألَمْ تَرَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ فاهِمٍ أيْ تَعْلَمُ بِقَلْبِكَ أيُّها السّامِعُ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ بِبَصَرِكَ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي هي أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ ويُؤَيِّدُ أنَّهُ لَمَحَ فِيهِ الإبْصارَ تَعْدِيَتُهُ بِـ إلى في قَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ وقالَ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها عُقُوبَةً لَهم بِفِرارِهِمْ مِن أمْرِهِ ﴿مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ بَعْدَ أنْ تَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ وتَقادَمَ بِهِمُ الزَّمَنُ كَما أفْهَمُهُ العَطْفُ بِحَرْفِ التَّراخِي تَفَضُّلًا مِنهُ، فَكَما تَفَضَّلَ عَلى أُولَئِكَ بِحَياةِ أشْباهِهِمْ بَعْدَ عُقُوبَتِهِمْ بِالمَوْتِ فَهو يَتَفَضَّلُ عَلى هَؤُلاءِ بِحَياةِ أرْواحِهِمْ مِن مَوْتِ الكُفْرِ والجَهْلِ إظْهارًا لِشَرَفِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ ﴿لَذُو فَضْلٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ ﴿عَلى النّاسِ﴾ أيْ (p-٣٩٦)كافَّةً مُطِيعِهِمْ وعاصِيهِمْ.
قالَ الحَرالِيُّ: بِما يَنْسُبُهم تارَةً إلى أحْوالٍ مُهْوِيَةٍ ثُمَّ يُنْجِيهِمْ مِنها إلى أحْوالٍ مُنْجِيَةٍ بِحَيْثُ لَوْ أبْقى هَؤُلاءِ عَلى هَذِهِ الإماتَةِ ومَن لَحِقَ بِسُنَّتِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ لَهَلَكَتْ آخِرَتُهم كَما هَلَكَتْ دُنْياهم ولَكِنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أحْياهم لِتَجَدُّدِ فَضْلِهِ عَلَيْهِمُ - انْتَهى.
كَما تَفَضَّلَ عَلَيْكم يا بَنِي إسْرائِيلَ بِأنْ أحْياكم مِن مَوْتِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ الذُّلِّ بَعْدَ أنْ كانَ ألْزَمَكُمُوهُ بِذُنُوبِكم دُهُورًا طَوِيلَةً وكَما تَفَضَّلَ عَلَيْكم أيُّها العَرَبُ بِقَصِّ مِثْلِ هَذِهِ الأخْبارِ عَلَيْكم لِتُعْتَبَرُوا ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ كَرَّرَ الإظْهارَ ولَمْ يُضْمِرْ لِيَكُونَ أنَصَّ عَلى العُمُومِ لِئَلّا يَدَّعِي مُدَّعٍ أنَّ المُرادَ بِالنّاسِ الأُوَلِ أهْلُ زَمانٍ ما فَيَخُصُّ الثّانِي أكْثَرَهم ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِبَنِي إسْرائِيلَ في أنَّهم لَمْ يَشْكُرُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الوَفاءِ بِمُعاهِدَتِهِ لَهم في اتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذا الأُسْلُوبِ بَعْدَ هَذِهِ المُناسَباتِ إثْباتٌ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الإعادَةِ وجَرٌّ لِمُنْكِرِ ذَلِكَ إلى الحَقِّ مِن حَيْثُ (p-٣٩٧)لا يَشْعُرُ.
قالَ الحَرالِيُّ: والشُّكْرُ ظُهُورُ باطِنِ الأمْرِ عَلى ظاهِرِ الخُلُقِ بِما هو باطِنٌ فَمِن حَيْثُ إنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ قَسْرًا فالشُّكْرُ أنْ يَبْدُوَ الخُلُقُ كُلُّهُ بِاللَّهِ شُكْرًا، لِأنَّ أصْلَ الشَّكُورِ الدّابَّةُ الَّتِي يَظْهَرُ عَلَيْها ما تَأْكُلُهُ سِمَنًا وصَلاحًا، فَمَن أُودِعَ خُلُقَ أمْرٍ لَمْ يَبْدُ عَلى خُلُقِهِ فَهو كَفُورٌ.
فَلَمّا أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَواتِ الأشْياءِ مِن مَعْرِفَتِهِ وعِلْمِهِ وتَكْبِيرِهِ كانَ مَن لَمْ يَبْدُ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِ خُلُقِهِ كَفُورًا، ومَن بَدا ما اسْتَسَرَّ فِيهِ مِن ذَلِكَ شَكُورًا، ولَيْسَ مِن وصْفِ النّاسِ ذَلِكَ لِتَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ أنْ يَكُونَ البادِي عَلَيْهِمْ عِنْدَهم تارَةً مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتارَةً مِن أنْفُسِهِمْ ومِمَّنْ دُونَ اللَّهِ مِمَّنِ اتَّخَذُوهُ أوْلِياءَ عَلى حَدِّ كُفْرٍ أوْ هَوًى أوْ بِدْعَةٍ أوْ خَطِيئَةٍ وعَلى حَدِّ رَيْنِ كَسْبِهِمْ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَفي اعْتِبارِ هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرٌ لِهَذِهِ الأمَةِ مِن أنْ يَحْذَرُوا المَوْتَ.
قالَ بَعْضُ التّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: لَقَدْ رَأيْنا أقْوامًا يَعْنُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَوْتُ إلى أحَدِهِمْ أشْهى مِنَ الحَياةِ عِنْدَكُمُ اليَوْمَ؛ وإنَّما ذَلِكَ لَمّا تَحَقَّقُوا مِن مَوْعُودِ الآخِرَةِ حَتّى كَأنَّهم يُشاهِدُونَهُ فَهانَ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ مِن خَرابِ الدُّنْيا إلى عِمارَةِ آخِرَتِهِمُ - انْتَهى.
وما أحْسَنَ (p-٣٩٨)الرُّجُوعَ إلى قَصَصِ الأقْدَمِينَ والِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] عَلى هَذا الوَجْهِ وهَؤُلاءِ الَّذِينَ أماتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أحْياهُمْ؛ قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: إنَّ إحْياءَهم كانَ عَلى يَدِ حِزْقِيلَ أحَدِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ وقالَ البَغَوِيُّ: إنَّهُ ثالِثُ خُلَفائِهِمْ، والَّذِي رَأيْتُهُ في سِفْرِ الأنْبِياءِ المَبْعُوثِينَ مِنهم بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِتَجْدِيدِ أمْرِ التَّوْراةِ وإقامَةِ ما دُرِسَ مِن أحْكامِها وهم سِتَّةَ عَشَرَ نَبِيًّا أوَّلُهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وآخِرُهم دانْيالُ عَلى جَمِيعِهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ أنَّ حِزْقِيلَ خامِسُ عَشَرِهِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
قالَ في الإصْحاحِ الحادِي والعِشْرِينَ مِن نُبُوَّتِهِ: وكانَتْ (p-٣٩٩)عَلى يَدِ الرَّبِّ وأخْرَجَنِي رُوحُ الرَّبِّ إلى صَحْراءَ مَمْلُوءَةٍ عِظامَ مَوْتى وأمَرَنِي أجُوزُ عَلَيْها وأدُورُ حَوْلَها، فَرَأيْتُها كَثِيرَةً في الصَّحْراءِ يابِسَةً وقالَ لِي: يا ابْنَ الإنْسانِ! هَلْ تَعِيشُ هَذِهِ العِظامُ؟ فَقُلْتُ: أنْتَ تَعْلَمُ يا رَبَّ الأرْبابِ! قالَ لِي: تَنَبَّأْ عَلى هَذِهِ العِظامِ وقُلْ لَها: أيَّتُها العِظامُ البالِيَةُ! اسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ أنَّ هَكَذا يَقُولُ رَبُّ الأرْبابِ لِهَذِهِ العِظامِ: إنِّي أرُدُّ فِيكُمُ الرُّوحَ فَتَحْيَوْنَ وتَعْلَمُونَ أنِّي أنا الرَّبُّ، آتِي بِالعَصَبِ والجِلْدِ واللَّحْمِ أُنْبِتُهُ، وأرُدُّ فِيكُمُ الأرْواحَ فَتَحْيَوْنَ، فَلَمّا تَنَبَّأْتُ بِهَذا صارَ صَوْتٌ عَظِيمٌ وزَلْزَلَةٌ، واقْتَرَبَتِ العِظامُ كُلُّ عَظْمٍ إلى مَفْصِلِهِ، ورَأيْتُ قَدْ صَعِدَ عَلَيْها العَصَبُ ونَبَتَ اللَّحْمُ ورُدَّ عَلَيْها الجِلْدُ مِن فَوْقِ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ فِيهِمْ رُوحٌ، وقالَ الرَّبُّ: يا ابْنَ الإنْسانِ! هَذِهِ العِظامُ كُلُّها مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا يُقْتَلُونَ وقَدْ بَلِيَتْ عِظامُهم وكُلُّ رَجُلٍ بَطَلٌ، تَنَبَّأْ أيُّها الإنْسانُ وقُلْ لِلرُّوحِ: هَكَذا يَقُولُ رَبُّ الأرْبابِ: تَعالَوْا أيُّها الأرْواحُ، وأنْفُخُ في هَؤُلاءِ القَتْلى فَيَعِيشُوا، فَتَنَبَّأْتُ كالَّذِي أمَرَنِي الرَّبُّ، فَدَخَلَتْ فِيهِمُ الرُّوحُ (p-٤٠٠)وعاشُوا وقامُوا عَلى أرْجُلِهِمْ جَيْشٌ عَظِيمٌ جِدًّا، وقالَ لِي الرَّبُّ: يا ابْنَ الإنْسانِ! هَذِهِ العِظامُ كُلُّها مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ كانُوا يُقْتَلُونَ وقَدْ بَلِيَتْ عِظامُهم وكُلُّ رَجُلٍ بَطَلٌ، فَمِن أجْلِ هَذا تَنَبَّأْ وقُلْ: هَكَذا يَقُولُ رَبُّ الأرْبابِ: هو ذا أفْتَحُ قُبُورَكم وأُصْعِدُكم مِن قُبُورِكم وآتِي بِكم إلى أرْضِ إسْرائِيلَ وتَعْلَمُونَ أنِّي أنا الرَّبُّ أنْفُخُ فِيكم رُوحِي فَتَعِيشُونَ وأتْرُكُكم تَعْمَلُونَ؛ قَدْ قُلْتُ هَذا وأنا أفْعَلُهُ - انْتَهى.
البقرة 2:244
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ المَوْتَ لا يَصُونُ مِنهُ فِرارُ أمْرٍ بِالجِهادِ الَّذِي هو المَقْصُودُ الأعْظَمُ بِهَذِهِ السِّياقاتِ ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَن يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِهِ وصَدَّرَهُ بِالواوِ فَأفْهَمَ العَطْفَ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ مَذْكُورٍ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَلا تَفِرُّوا مِن أسْبابِ المَوْتِ بَلِ اثْبُتُوا في مَواطِنِ البَأْساءِ ﴿وقاتِلُوا﴾ وعَبَّرَ بِـ في الظَّرْفِيَّةِ إشارَةً إلى وُجُوبِ كَوْنِهِمْ (p-٤٠١)فِي القِتالِ وإنِ اشْتَدَّتِ الأحْوالُ مَظْرُوفِينَ لِلدِّينِ مُراعِينَ لَهُ لا يَخْرُجُونَ عَنْهُ بِوَجْهٍ ما فَيَصْدُقُونَ في الإقْدامِ عَلى مَن لَجَّ في الكُفْرانِ ويُسارِعُونَ إلى الإحْجامِ عَمَّنْ بَدا مِنهُ الإذْعانُ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن مُراعاةِ شَرائِعِ الإيمانِ، وعَبَّرَ بِالسَّبِيلِ إشارَةً إلى يُسْرِ الدِّينِ ووُضُوحِهِ فَلا عُذْرَ في الخُرُوجِ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ بِحالٍ فَقالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ كَما كَتَبَهُ عَلَيْكم وإنْ كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ القِتالَ.
ولَمّا أمَرَهم بَعْدَ ما حَذَّرَهم رَغَّبَهم ورَهَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ مُنَبِّهًا لَهم لِأنْ يُلْقُوا أسْماعَهم ويُحْضِرُوا أفْهامَهم لِما يُلْقى عَلَيْهِمْ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ المُحِيطُ ﴿سَمِيعٌ﴾ لِما تَقُولُونَ إذا أُمِرْتُمْ بِما يُكْرَهُ مِنَ القِتالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِما تُضْمِرُونَ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ والإقْبالِ فَهو يُجازِيكم عَلى الخَيْرِ قَوْلًا وعَمَلًا ونِيَّةً، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها إلى سَبْعِينَ ضِعْفًا إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ وعَلى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِها إنْ شاءَ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]
البقرة 2:245
(p-٤٠٢)ولَمّا كانَتِ النَّفَقَةُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ أوْثَقَ دَعائِمِ الجِهادِ وأقْوى مُصَدِّقٍ لِلْإيمانِ ومُحَقَّقٍ لِمُبايَعَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ كَرَّرَ الحَثَّ عَلَيْها عَلى وجْهٍ أبْلَغَ تَشْوِيقًا مِمّا مَضى فَقالَ عَلى هَيْئَةِ المُمْتَحِنِ لِلصّادِقِ مِمَّنْ أمَرَهُ وحَذَّرَهُ وأنْذَرَهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي﴾ مِنكم يا مَن كَتَبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ والخُرُوجَ عَنِ الأنْفُسِ والأمْوالِ ﴿يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالعَظَمَةِ، وهو مِنَ الإقْراضِ أيْ إيقاعِ القَرْضِ ولِذا قالَ: ﴿قَرْضًا﴾ وشَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى العَمَلَ بِهِ لِما يُرْجى عَلَيْهِ مِنَ الثَّوابِ فَهو كالقَرْضِ الَّذِي هو بَذْلُ المالِ لِلرُّجُوعِ بِمِثْلِهِ، وعَبَّرَ بِهِ لِدَلالَتِهِ عَلى المَحَبَّةِ لِأنَّهُ لا يُقْرِضُكَ إلّا مُحِبٌّ، ولِأنَّ أجْرَهُ أكْثَرُ مِن أجْرِ (p-٤٠٣)الصَّدَقَةِ ﴿حَسَنًا﴾ أيْ جامِعًا لِطِيبٍ النَّفْسِ وإخْلاصِ النِّيَّةِ وزَكاءِ المالِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: القَرْضُ الجَزُّ مِنَ الشَّيْءِ والقَطْعُ مِنهُ، كَأنَّهُ يَقْطَعُ لَهُ مِن مالِهِ قِطْعَةً لِيَقْطَعَ لَهُ مِن ثَوابِهِ أقْطاعًا مُضاعَفَةً، والقَرْضُ بَيْنَ النّاسِ قَرْضًا بِقَرْضٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنِ ازْدادَ فَقَدْ أرْبى ومَن زادَ مِن غَيْرِ عَقْدٍ ولا عَهْدٍ فَقَدْ وفى، فالقَرْضُ مُساواةٌ والرِّبا ازْدِيادٌ، ووَصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى القَرْضَ الَّذِي حَرَّضَ عَلَيْهِ بِالحَسَنِ لِتَكُونَ المُعامَلَةُ بَذْلَةً عَلى وجْهِ الإحْسانِ الَّذِي هو رُوحُ الدِّينِ وهو أنْ يُعامِلَ اللَّهَ بِهِ كَأنَّهُ يَراهُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى الشُّحِّ بِما لَدَيْها إلّا لِفائِدَةٍ رَغَّبَها بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَيُضاعِفَهُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مِنَ المُضاعَفَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الضِّعْفِ - بِالكَسْرِ - وهي ثَنْيُ الشَّيْءِ بِمِثْلِهِ مَرَّةً أوْ مَرّاتٍ، وأزالَ عَنْهُ رَيْبَ الِاحْتِمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
(p-٤٠٤)قالَ الحَرالِيُّ: هَذِهِ المُضاعَفَةُ أوَّلُ إنْبائِها أنَّ الزّائِدَ ضِعْفٌ لَيْسَ كَسْرًا مِن واحِدِ المُقْرِضِ لِيَخْرُجَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنى وفاءِ القَضاءِ فَإنَّ المُقْتَرِضَ تارَةً يُوفِي عَلى الواحِدِ كَسْرًا مِن وزْنِهِ، «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَقْتَرِضُ قَرْضًا إلّا وفى عَلَيْهِ زِيادَةً، وقالَ: خَيْرُ النّاسِ أحْسَنُهم قَضاءً» فَأنْبَأ تَعالى أنَّ اقْتِراضَهُ لَيْسَ بِهَذِهِ المَثابَةِ بَلْ بِما هو فَوْقَ ذَلِكَ لِأنَّهُ يَضْعُفُ القَرْضُ بِمِثْلِهِ وأمْثالِهِ إلى ما يُقالُ فِيهِ الكَثْرَةُ؛ وفي قَوْلِهِ: ﴿أضْعافًا﴾ ما يُفِيدُ أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرَةً﴾ ما يُفِيدُ البَلاغَ إلى فَوْقِ العَشْرِ وإلى المِائَةِ كَأنَّهُ المُفَسِّرُ في قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَأوْصَلَ تَخْصِيصَ هَذِهِ الكَثْرَةِ إلى المِئِينَ ثُمَّ فَتَحَ بابَ التَّضْعِيفِ إلى ما لا يَنالُهُ عِلْمُ العالِمِينَ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] - انْتَهى.
ولَّما رَغَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى في إقْراضِهِ أتْبَعَهُ جُمْلَةً حالِيَّةً مِن ضَمِيرٍ يُضاعِفُ مَرْهَبَةً مَرْغَبَةً فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً (p-٤٠٥)﴿يَقْبِضُ﴾ أيْ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ وهي إيقاعُ القَبْضِ والإقْتارِ بِمَن يَشاءُ وإنْ جَلَّتْ أمْوالُهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: والقَبْضُ إكْمالُ الأخْذِ، أصْلُهُ القَبْضُ بِاليَدِ كُلِّهِ، والقَبْضُ - بِالمُهْمَلَةِ - أخْذُ بِأطْرافِ الأصابِعِ وهو جَمْعٌ عَنْ بَسْطٍ فَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِهِ ﴿ويَبْسُطُ﴾ أيْ لِمَن يَشاءُ وإنْ ضاقَتْ حالُهُ، والبَسْطُ تَوْسِعَةُ المُجْتَمَعِ إلى حَدِّ غايَةٍ ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ حِسًّا بِالبَعْثِ ومَعْنًى في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، فَهو يُجازِيكم في الدّارَيْنِ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِن نِيّاتِكم.
البقرة 2:246
ولَمّا كانَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ يَتَمَنَّوْنَ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الإذْنَ في مُقارَعَةِ الكُفّارِ لِيَرُدُّوهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الأذى والغَيِّ والعَمى عَجِبَ مِن حالِ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ سَألُوا الأمْرَ بِالقِتالِ ثُمَّ لَمْ يُنْصِفُوا إذْ أمَرُوا تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ، وتَصْوِيرًا لِعَجِيبِ قُدْرَتِهِ عَلى نَقْضِ العَزائِمِ وتَقْلِيبِ القُلُوبِ، وإعْلامًا بِعَظِيمِ مَقادِيرِ الأنْبِياءِ وتَمَكُّنِهِمْ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، ودَلِيلًا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها فَقالَ مُقْبِلًا عَلى أعْلى الخَلْقِ إشارَةً إلى أنَّ لِلنُّفُوسِ مِن دَقائِقِ الوَساوِسِ ما لا يَفْهَمُهُ (p-٤٠٦)إلّا البُصَراءُ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: أراهُ في الأُولى حالَ أهْلِ الحَذَرِ مِنَ المَوْتِ بِما في الأنْفُسِ مِنَ الهَلَعِ الَّذِي حُذِّرَتْ مِنهُ هَذِهِ الأُمَّةُ ثُمَّ أراهُ في هَذِهِ مُقابِلَ ذَلِكَ مِنَ التَّرامِي إلى طَلَبِ الحَرْبِ وهُما طَرَفا انْحِرافٍ في الأنْفُسِ، قالَ ﷺ: «لا تَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهُ فاصْبِرُوا واعْلَمُوا أنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ» فَفِيهِ إشْعارٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِأنْ لا تَطْلُبَ الحَرْبَ ابْتِداءً وإنَّما تُدافِعُ عَنْ مَنعِها مِن إقامَةِ دِينِها كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:
«والمُشْرِكُونَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا إذا أرادُوا فِتْنَةً أبَيْنا»
فَحَقُّ المُؤْمِنِ أنْ يَأْبى الحَرْبَ ولا يَطْلُبَهُ فَإنَّهُ إنْ طَلَبَهُ فَأُوتِيَهُ عَجَزَ كَما عَجَزَ هَؤُلاءِ حِينَ تَوَلَّوْا إلّا قَلِيلًا فَهَذِهِ الأقاصِيصُ لَيْسَ المُرادُ مِنها حَدِيثًا عَنِ الماضِينَ وإنَّما هو إعْلامٌ بِما يَسْتَقْبِلُهُ الآتُونَ، إيّاكَ (p-٤٠٧)أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ! فَلِذَلِكَ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ مَن لَمْ يَأْخُذْهُ بِجُمْلَتِهِ خِطابًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِكُلِّ ما قَصَّ لَهُ مِن أقاصِيصِ الأوَّلِينَ - انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِكُلِّ مَن ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ.
ولَمّا كانَ الإخْلالُ مِنَ الشَّرِيفِ أقْبَحَ قالَ ﴿إلى المَلإ﴾ أيِ الأشْرافِ،
قالَ الحَرالِيُّ: الَّذِينَ يَمْلَئُونَ العُيُونَ بَهْجَةً والقُلُوبَ هَيْبَةً - انْتَهى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أوْلادِ الصُّلَحاءِ أشْنَعَ قالَ: ﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ولَمّا كانَ مِمَّنْ تَقَرَّرَ لَهُ الدِّينُ واتَّضَحَتْ لَهُ المُعْجِزاتُ واشْتَهَرَتْ عِنْدَهُ الأُمُورُ الإلَهِيّاتُ أفْحَشَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ مُوسى﴾ أيِ الَّذِي أتاهم مِنَ الآياتِ بِما طَبَقَ الأرْضَ كَثْرَةَ ومَلَأ الصُّدُورَ عَظَمَةً وأبْقى فِيهِمْ كِتابًا عَجَبًا ما بَعْدَ القُرْآنِ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ مِثْلَهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الأُمَّةَ تَخْتَلُّ بَعْدَ نَبِيِّها بِما يَصْحَبُها مِن نُورِهِ زَمَنَ وُجُودِهِ (p-٤٠٨)مَعَهُمْ، قالُوا: ما نَفَضْنا أيْدِيَنا مِن تُرابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى أنْكَرْنا قُلُوبَنا - انْتَهى.
﴿إذْ قالُوا﴾ ولَمّا كانَ الإخْلافُ مَعَ الأكابِرِ لا سِيَّما مَعَ الأنْبِياءِ أفْظَعَ قالَ: ﴿لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ ونَكَّرَهُ لِعَدَمِ مُقْتَضٍ لِتَعْرِيفِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: لِأنَّ نَبِيَّهُمُ المَعْهُودَ الآمِرَ لَهم إنَّما هو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومِن بَعْدِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما هم أنْبِياءُ بِمَنزِلَةِ السّاسَةِ والقادَةِ لَهم كالعُلَماءِ في هَذِهِ الأُمَّةِ مُنَفِّذُونَ وعالِمُونَ بِما أنْزَلَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَذَلِكَ كانُوا إلى حِينِ تَنْزِيلِ الإنْجِيلِ فَكَما قَصَّ في صَدْرِ السُّورَةِ حالَهم مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَصَّ في خَواتِيمِها حالَهم مِن بَعْدِ مُوسى لِتَعْتَبِرَ هَذِهِ الأُمَّةُ مِن ذَلِكَ حالَها مَعَ نَبِيِّها ﷺ وبَعْدَهُ انْتَهى.
ولَمّا كانَ عِنْدَهم مِنَ الغِلْظَةِ ما لا يَنْقادُونَ بِهِ إلّا لِإنالَةِ المُلْكِ وكانَ القِتالُ لا يَقُومُ إلّا بِرَأْسٍ جامِعٍ تَكُونُ الكَلِمَةُ بِهِ واحِدَةً قالُوا: ﴿ابْعَثْ لَنا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مَلِكًا﴾ أيْ يُقِيمُ لَنا أمْرَ الحَرْبِ ﴿نُقاتِلْ﴾ أيْ عَنْ أمْرِهِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى.
(p-٤٠٩)قالَ الحَرالِيُّ في إعْلامِهِ أخْذُهُمُ الأمْرُ بِمِنَّةِ الأنْفُسِ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ في قَوْلِهِمْ إسْنادٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي لا تَصِحُّ الأعْمالُ إلّا بِإسْنادِها (p-٤١٠)إلَيْهِ فَما كانَ بِناءً عَلى تَقْوى تَمَّ، وما كانَ عَلى دَعْوى نَفْسٍ انْهَدَّ ﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ النَّبِيِّ ﴿هَلْ﴾ كَلِمَةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَحْقِيقِ الِاسْتِفْهامِ اكْتُفِيَ بِمَعْناها عَنِ الهَمْزَةِ - انْتَهى.
﴿عَسَيْتُمْ﴾ أيْ قارَبْتُمْ ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِتَأْدِيبِ السّائِلِينَ في هَذا المُهِمِّ أكْثَرَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُتِبَ﴾ أيْ فُرِضَ - كَذا قالُوا، والأحْسَنُ عِنْدِي كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْقِيقَهُ في سُورَةِ بَراءَةَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: هَلْ تَخافُونَ مِن أنْفُسِكُمْ، ولَمّا كانَ القَصْدُ التَّنْبِيهَ عَلى سُؤالِ العافِيَةِ والبُعْدَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْبَلاءِ لِخَطَرِ المَقامِ بِأنَّ الأمْرَ إذا وجَبَ لَمْ تَبْقَ فِيهِ رُخْصَةٌ فَمَن قَصَّرَ فِيهِ هَلَكَ وسَّطَ بَيْنَ عَسى وصِلَتَها قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ فَرْضًا لازِمًا، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ صِيانَةً لِاسْمِ الفاعِلِ عَنْ مُخالَفَةٍ يُتَوَقَّعُ تَقْصِيرُهم بِها ﴿ألا تُقاتِلُوا﴾ فَيُوقِعُكم ذَلِكَ في العِصْيانِ، قالَ الحَرالِيُّ: بِكَسْرِ سِينِ عَسى وفَتْحِها لُغَتانِ، عادَةُ النُّحاةِ أنْ لا يَلْتَمِسُوا اخْتِلافَ المَعانِي مِن أوْساطِ الصِّيَغِ وأوائِلِها، وفي فَهْمِ اللُّغَةِ وتَحْقِيقِها إعْرابٌ في الأوْساطِ والأوائِلِ كَما اشْتُهِرَ إعْرابُ الأواخِرِ عِنْدَ عامَّةِ النُّحاةِ، فالكَسْرُ حَيْثُ (p-٤١١)كانَ مَبْنًى عَنْ بادٍ عَنْ ضَعْفٍ وانْكِسارٍ، والفَتْحُ مُعْرِبٌ عَنْ بادٍ عَنْ قُوَّةٍ واسْتِواءٍ - انْتَهى.
فَكَأنَّهُ ﷺ فَهِمَ أنْ بَعْضَهم يَتْرُكُ القِتالَ عَنْ ضَعْفٍ عَنْهُ وبَعْضَهم يَتْرُكُهُ عَنْ قُوَّةٍ ولِذَلِكَ نَفى الفِعْلَ ولَمْ يَقُلْ: أنْ تَعْجِزُوا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأهم بِما آلَ إلَيْهِ أمْرُهم فَلَمْ يَلْتَفُّوا عَنْهُ وحاجُّوهُ ورَدُّوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ سابِقَةِ قَوْلِهِمْ، فَفي إشْعارِهِ إنْباءٌ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِن غِلَظِ الطِّباعِ وعَدَمِ سُرْعَةِ التَّنَبُّهِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذا الِاسْتِفْهامِ: إنِّي أخْشى عَلَيْكُمُ القُعُودَ عَنِ القِتالِ أعْلَمَنا اللَّهُ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ لِمُوسى في المُخالَفَةِ ولِما أرْشَدَ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ التَّقْدِيرَ: ما يُوجِبُ لَنا القُعُودَ وإنّا لا نَخافُ ذَلِكَ عَلى أنْفُسِنا بَلْ نَحْنُ جازِمُونَ بِأنّا نُقاتِلُ أشَدَّ القِتالِ! عَطَفَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ: ﴿وما﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ ﴿لَنا﴾ في ﴿ألا نُقاتِلَ﴾ ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ فِيما لِلَّهِ أجِدُ وإلَيْهِ أنْهَضُ قالُوا: (p-٤١٢)﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ إلْهابًا وتَهْيِيجًا ﴿وقَدْ﴾ أيْ والحالُ أنّا قَدْ ﴿أُخْرِجْنا﴾ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ مَعَ لِإخْراجِ إبْعادٍ أوْ لا، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ مُوجِبَ الإحْفاظِ والإخْراجِ نَفْسُ الإخْراجِ لا نِسْبَةٌ إلى حَدٍّ بِعَيْنِهِ ﴿مِن دِيارِنا﴾ الَّتِي هي لِأبْدانِنا كَأبْدانِنا لِأرْواحِنا.
ولَمّا كانَ في ﴿أُخْرِجْنا﴾ مَعْنى أبْعَدْنا عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿وأبْنائِنا﴾ فَخَلَطُوا بِذَلِكَ ما لِلَّهِ بِما لِغَيْرِهِ وهو أغْنى الشُّرَكاءِ لا يَقْبَلُ إلّا خالِصًا.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأنْبَأ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهم أسْنَدُوا ذَلِكَ إلى غَضَبِ الأنْفُسِ عَلى الإخْراجِ وإنَّما يُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ مَن قاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا - انْتَهى.
ولَمّا كانَ إخْلافُ الوَعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ أشْنَعَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِالتَّعْقِيبِ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿القِتالُ﴾ أيِ الَّذِي سَألُوهُ كَما كُتِبَ عَلَيْكم بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَهُ إذْ كُنْتُمْ بِمَكَّةَ كَما سَيُبَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ (p-٤١٣)قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] ﴿تَوَلَّوْا﴾ فَبادَرُوا الإدْبارَ بَعْدَ شِدَّةِ ذَلِكَ الإقْبالِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ أيْ فَقاتِلُوا واللَّهُ عَلِيمٌ بِهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿عَلِيمٌ﴾ بِالمُتَوَلِّينَ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿بِالظّالِمِينَ﴾ مُعْلِمًا بِأنَّهم سَألُوا البَلاءَ وكانَ مِن حَقِّهِمْ سُؤالُ العافِيَةِ، ثُمَّ لَمّا أُجِيبُوا إلى ما سَألُوا أعْرَضُوا عَنْهُ فَكَفُّوا حَيْثُ يَنْبَغِي المَضاءُ ومَضَوْا حَيْثُ كانَ يَنْبَغِي الكَفُّ فَعَصَوُا اللَّهَ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ، فَجَمَعُوا بَيْنَ عارِ الإخْلافِ وفَضِيحَةِ العِصْيانِ وخِزْيِ النُّكُوصِ عَنِ الأقْرانِ وقَباحَةِ الخِذْلانِ لِلْإخْوانِ.
البقرة 2:247
ولَمّا أرْشَدَ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَقالَ لَهم (p-٤١٤)نَبِيُّهُمْ: ألَمْ أقُلْ لَكُمْ: لا تَسْألُوا البَلاءَ ولا تَدانَوْا أمْرَ القَضاءِ فَإنَّ أكْثَرَ قَوْلِ النَّفْسِ كَذِبٌ وجُلَّ أمانِيِّها زُورٌ وأمّا أمْرُ اللَّهِ فَمَتى بَرَزَ يَجِبُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ لَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً لَمْ يَكُنْ مَعَهم أحَدٌ غَيْرُهم يُحالُ عَلَيْهِمْ جَوابُهُمُ الَّذِي لا يَلِيقُ وصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ القائِلَ اللَّهُ وأنَّهم واجَهُوهُ بِالِاعْتِراضِ فَقالَ: ﴿نَبِيُّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم سَألُوهُ ذَلِكَ مُؤَكَّدًا مُعَظَّمًا مُحَقَّقًا بِأداةِ التَّوَقُّعِ لِأنَّ سُؤالَهم عَلى لِسانِ نَبِيٍّ يَقْتَضِي تَوَقُّعَ الإجابَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وعِزِّ كَمالِهِ ﴿قَدْ﴾ ولَمّا كانَ إلْباسُ الشَّخْصِ عِزَّ المُلْكِ مِثْلَ إعْزازِ الجَمادِ بِنَفْخِ الرُّوحِ كانَ التَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالبَعْثِ ألْيَقَ فَقالَ: ﴿بَعَثَ لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٤١٥)لِأجْلِ سُؤالِكم ﴿طالُوتَ﴾ اسْمٌ مَلِكٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن سِبْطٍ لَمْ يَكُنِ المُلْكُ فِيهِمْ ﴿مَلِكًا﴾ تَنْتَهُونَ في تَدْبِيرِ الحَرْبِ إلى أمْرِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ أوَّلَ ما ابْتُلُوا بِهِ أنَّ مَلِكَ عَلَيْهِمْ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ (p-٤١٦)بَيْتِ المُلْكِ عِنْدَهم فَكانَ أوَّلَ فِتْنَتِهِمْ بِما طَلَبُوا مَلِكًا فَأُجِيبُوا فَلَمْ يَرْضَوْا بِما بُعِثَ لَهُمُ - انْتَهى.
ولَمّا أجابَهم إلى ما سَألُوا كانَ مِن أوَّلِ جَلافَتِهِمُ اعْتِراضُهم عَلى أمْرِ المَلِكِ الدَّيّانِ الَّذِي أوْرَدَهُ لَهم بِاسْمِهِ الأعْظَمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ لِيَكُونَ أجْدَرَ لَهم بِقَبُولِ أمْرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ زَجْرِهِ وأوْرَدَ اعْتِراضَهم في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا إذْ أجابَهم إلى ما سَألُوا؟ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ أيْ هم لا غَيْرُهم ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ﴾ أيْ والحالُ أنّا نَحْنُ ﴿أحَقُّ بِالمُلْكِ مِنهُ﴾ لِأنَّ فِينا مَن هو مِن سِبْطِ المُلُوكِ دُونَهُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَثَنَوُا اعْتِراضَهم بِما هو أشَدُّ (p-٤١٧)وهُوَ الفَخْرُ بِما ادَّعَوْهُ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُلْكِ عَلى مَن مَلَّكَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَكانَ فِيهِ حَظٌّ مِن فَخْرِ إبْلِيسَ حَيْثُ قالَ حِينَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ١٢] انْتَهى.
﴿ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ أيْ فَصارَ لَهُ مانِعانِ: أحَدُهُما أنَّهُ لَيْسَ مِن بَيْتِ المَمْلَكَةِ، والثّانِي أنَّهُ مُمْلِقٌ والمَلِكُ لا بُدَّ لَهُ مِن مالَ يَعْتَضِدُ بِهِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَكانَ في هَذِهِ الثّالِثَةِ فِتْنَةُ اسْتِصْنامِ المالِ وأنَّهُ مِمّا يُقامُ بِهِ مُلْكٌ وإنَّما المُلْكُ بِإيتاءِ اللَّهِ فَكانَ في هَذِهِ الفِتْنَةِ الثّالِثَةِ جَهْلٌ وشِرْكٌ، فَتَزايَدَتْ صُنُوفُ فِتْنَتِهِمْ فِيما انْبَعَثُوا إلى طَلَبِهِ مِن أنْفُسِهِمُ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الخَلْقُ كُلُّهم مُتَساوِينَ في أصْلِ الجِسْمِيَّةِ وإنَّما جاءَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ اللَّهِ فَكانَ هو المَدارَ عَلَّقَ الأمْرَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيِ النَّبِيُّ لا غَيْرُهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ مُعَظِّمًا عَلَيْهِمُ الحَقَّ (p-٤١٨)بِإعادَةِ الِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ وهو أعْلَمُ بِالمَصالِحِ ﴿اصْطَفاهُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: والِاصْطِفاءُ أخْذُ الصَّفْوَةِ - انْتَهى.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُضَمَّنًا مَعْنى مُلْكِهِ قالَ في تَعْدِيَتِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ مِمّا اقْتَضى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وزادَهُ﴾ أيْ عَلَيْكم ﴿بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ الَّذِي بِهِ تَحْصُلُ المُكْنَةُ في التَّدْبِيرِ والنَّفاذِ في كُلِّ أمْرٍ، وهو يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ العِلْمِ في المُلْكِ، وفي تَقْدِيمِهِ أنَّ الفَضائِلَ النَّفْسانِيَّةَ أشْرَفُ مِنَ الجُسْمانِيَّةِ وغَيْرِها، وأنَّ المُلْكَ لَيْسَ بِالإرْثِ ﴿والجِسْمِ﴾ الَّذِي بِهِ يَتَمَكَّنُ مِنَ الظَّفَرِ بِمَن بارَزَهُ مِنَ الشُّجْعانِ وقَصَدَهُ مِن سائِرِ الأقْرانِ.
ولَمّا كانَ مَن إلَيْهِ شَيْءٌ كانَ لَهُ الخِيارُ في إسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ قالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ اصْطَفاهُ والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿يُؤْتِي مُلْكَهُ﴾ أيِ الَّذِي هو لَهُ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ فِيهِ شَيْءٌ ﴿مَن يَشاءُ﴾ (p-٤١٩)كَما آتاكُمُوهُ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ مُسْتَعْبَدِينَ عِنْدَ آلِ فِرْعَوْنَ ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ عَلَيْهِ ﴿واسِعٌ﴾ أيْ في إحاطَةِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عَظَمَتِهِ وكَثْرَةِ جُنُودِهِ ورِزْقِهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ، فَما اخْتارَهُ فَهو المُخْتارُ ولَيْسَ لِأحَدٍ مَعَهُ خِيَرَةٌ فَهو يَفْعَلُ بِما لَهُ مِنَ السَّعَةِ في القُدْرَةِ والعِلْمِ ما قَدْ لا تُدْرِكُهُ العُقُولُ ولا تَحْتَمِلُ وصْفَهُ الألْبابُ والفُهُومُ ويُؤْتِي مَن لَيْسَ لَهُ مالٌ مِن خَزائِنِ رِزْقِهِ ما يَشاءُ.
البقرة 2:248
ولَمّا كانَ أغْلَبُهم واقِفًا مَعَ المُشاهَداتِ غَيْرَ ثابِتِ القَدَمِ في الإيمانِ بِالغَيْبِ قالَ: ﴿وقالَ لَهم نَبِيُّهُمْ﴾ مُثْبِتًا لِأمْرِ طالُوتَ ﴿إنَّ آيَةَ﴾ أيْ عَلامَةَ ﴿مُلْكِهِ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: وقَلَّ ما احْتاجَ أحَدٌ في إيمانِهِ إلى آيَةٍ خارِقَةٍ (p-٤٢٠)إلّا كانَ إيمانُهُ إنْ آمَنَ غَلَبَةً يَخْرُجُ عَنْهُ بِأيْسَرِ فِتْنَةٍ، ومَن كانَ إيمانُهُ بِاسْتِبْصارٍ ثَبَتَ عَلَيْهِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى آيَةٍ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ كانَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ولَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] - ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩] فَإنَّ الآياتِ طَلِيعَةُ المُؤاخَذَةِ والِاقْتِناعِ بِالِاعْتِبارِ طَلِيعَةَ القَبُولِ والثَّباتِ - انْتَهى.
﴿أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾ أيْ مِن غَيْرِ آتٍ بِهِ تَرَوْنَهُ ﴿التّابُوتُ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: ويَعِزُّ قَدْرُهُ - انْتَهى. وهو واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ الصُّنْدُوقُ الَّذِي وُضِعَ فِيهِ اللَّوْحانِ اللَّذانِ كُتِبَ فِيهِما العَشْرُ الآياتِ الَّتِي نِسَبَتُها مِنَ التَّوْراةِ نِسْبَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ مِنَ القُرْآنِ وهو يُسَمّى تابُوتَ الشَّهادَةِ كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في وصْفِ قُبَّةِ الزَّمانِ فِيما مَضى أوَّلَ قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ وكانُوا إذا حارَبُوا حَمَلَهُ جَماعَةٌ مِنهم مُوَظَّفُونَ لِحَمْلِهِ (p-٤٢١)ويَتَقَدَّمُونَ بِهِ أمامَ الجَيْشِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ نَصْرِهِمْ وكانَ العَمالِقَةُ أصْحابَ جالُوتَ لَمّا ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ أخَذُوهُ في جُمْلَةِ ما أخَذُوا مِن نَفائِسِهِمْ وكَأنَّ عَهْدَهم بِهِ كَأنَّ قَدْ طالَ فَذَكَّرَهم بِمَآثِرِهِ تَرْغِيبًا فِيهِ وحَمْلًا عَلى الِانْقِيادِ لِطالُوتَ فَقالَ: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُوجِبُ السُّكُونَ والثَّباتَ في مَواطِنِ الخَوْفِ.
وقالَ الحَرالِيُّ: مَعْناهُ ثَباتٌ في القُلُوبِ يَكُونُ لَهُ في عالَمِ المَلَكُوتِ صُورَةٌ بِحَسَبِ حالِ المُثْبَتِ، ويُقالُ: كانَتْ سَكِينَةُ بَنِي إسْرائِيلَ صُورَةَ هِرٍّ مِن ياقُوتٍ ولُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ مُلَفَّقٍ مِنهُ أعْضاءُ تِلْكَ الصُّورَةِ تَخْرُجُ مِنهُ رِيحٌ هَفّافَةٌ تَكُونُ عَلَمَ النَّصْرِ لَهُمُ - انْتَهى.
وزادَهُ مَدْحًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي (p-٤٢٢)طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم وتَرْبِيَتُهُ بِاللُّطْفِ لَكم.
وقالَ الحَرالِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّهُ كانَ في التّابُوتِ صُورَةٌ يَأْتِي مِنها عِنْدَ النَّصْرِ رِيحٌ تُسْمَعُ.
قالَ الحَرالِيُّ: كَما كانَتِ الصَّبا تَهُبُّ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِالنَّصْرِ، قالَ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا» فَكانَتْ سَكِينَتُها كُلِّيَّةَ آفاقِها وتابُوتِها كُلِّيَّةَ سَمائِها حَتّى لا تَحْتاجَ إلى مَحْمَلٍ يَحْمِلُها ولا عُدَّةٍ تُعِدُّها لِأنَّها أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ تَوَلّى اللَّهُ لَها إقامَةَ عِلْمِها وأعْمالِها - انْتَهى.
ولَمّا كانَ الكَلِيمُ وأخُوهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أعْظَمَ أنْبِيائِهِ قالَ: ﴿وبَقِيَّةٌ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: فَضْلَةُ جُمْلَةٍ ذَهَبَ جُلُّها ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ مِنَ التَّرْكِ وهو أنْ لا يَعْرِضَ لِلْأمْرِ حِسًّا أوْ مَعْنًى ﴿آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ﴾ أيْ وهي لَوْحا العَهْدِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفي إشْعارِ تَثْنِيَةِ (p-٤٢٣)ذِكْرِ الآلِ ما يُعْلَمُ بِاخْتِصاصِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِوَصْفٍ دُونَ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما كانَ فِيهِ مِنَ الشِّدَّةِ في أمْرِ اللَّهِ وبِاخْتِصاصِ هارُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما كانَ فِيهِ مِنَ اللِّينِ والِاحْتِمالِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ آلُ مُوسى وهارُونَ، لِأنَّ الآلَ حَقِيقَةً مَن يَبْدُو فِيهِ وصْفُ مَن هو آلُهُ.
وقالَ: الآلُ أصْلٌ مَعْناهُ السَّرابُ الَّذِي تَبْدُو فِيهِ الأشْياءُ البَعِيدَةُ كَأنَّهُ مِرْآةٌ تَجْلُو الأشْياءَ فَآلُ الرَّجُلِ مَن إذا حَضَرُوا فَكَأنَّهُ لَمْ يَغِبِ - انْتَهى.
ثُمَّ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ إسْنادُ (p-٤٢٤)الإتْيانِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿تَحْمِلُهُ﴾ مِنَ الحَمْلِ وهو ما اسْتَقَلَّ بِهِ النّاقِلُ ﴿المَلائِكَةُ﴾ وما هَذا بِأغْرَبِ مِن قِصَّةِ سَفِينَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ أصْحابُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَتاعُهم فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ابْسُطْ كِساءَكَ، فَبَسَطْتُهُ فَجَعَلُوا فِيهِ مَتاعَهم فَحَمَلُوهُ عَلَيَّ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: احْمِلْ فَإنَّما أنْتَ سَفِينَةُ ! قالَ: فَلَوْ حَمَلْتُ مِن يَوْمِئِذٍ وقْرَ بَعِيرٍ أوْ بَعِيرَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ أوْ أرْبَعَةٍ أوْ خَمْسَةٍ أوْ سِتَّةٍ أوْ سَبْعَةٍ ما ثَقُلَ عَلَيَّ» وأمّا مُقاتَلَةُ المَلائِكَةِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ فَأمْرٌ شَهِيرٌ، كانَ الصَّحابِيُّ يَكُونُ قاصِدًا الكافِرَ لِيُقاتِلَهُ فَإذا رَأسُهُ قَدْ سَقَطَ مِن قَبْلِ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ، ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا قالَ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ (p-٤٢٥)العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿لآيَةً﴾ أيْ باهِرَةً ﴿لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ المَواعِظَ لا تَنْفَعُ غَيْرَهم.
قالَ الحَرالِيُّ: ولَمّا ضَعُفَ قَبُولَهم عَنِ النَّظَرِ والِاسْتِبْصارِ صارَ حالُهم في صُورَةِ الضَّعْفِ الَّذِي يُقالُ فِيهِ: إنْ كانَ كَذا، فَكانَ في إشْعارِهِ خَلَلُهم وفِتْنَتُهم إلّا قَلِيلًا - انْتَهى.
وفِي هَذِهِ القِصَّةِ تَوْطِئَةٌ لِغَزْوَةِ بَدْرٍ وتَدْرِيبٌ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَهم وتَأْدِيبٌ لَهم وتَهْذِيبٌ وإشارَةٌ عَظِيمَةٌ واضِحَةٌ إلى خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ اسْتِخْلافِهِ في الإمامَةِ في الصَّلاةِ الَّتِي هي خُلاصَةُ هَذا الدِّينِ كَما أنَّ ما في تابُوتِ الشَّهادَةِ كانَ خُلاصَةَ ذَلِكَ الدِّينِ، وتَحْذِيرٌ لِمَن لَعَلَّهُ يُخالِفُ فِيها أوْ يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ مِن بَنِي هاشِمٍ ولا عَبْدِ مَنافٍ الَّذِينَ هم بَيْتُ الإمامَةِ والرِّئاسَةِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا حَمى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنهُ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَأْبى اللَّهُ ذَلِكَ والمُؤْمِنُونَ» وفي تَوْجِيهِ الخِطابِ إلى النَّبِيِّ ﷺ إعْلامٌ بِأنَّ أوَّلَ مَقْصُودٍ بِهِ الأقْرَبُ مِنهُ ﷺ فالأقْرَبُ، وفِيها تَشْجِيعٌ لِلصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ فِيما يَنْدُبُهم إلَيْهِ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ وما بَعْدَهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْها العِباراتُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
البقرة 2:249
(p-٤٢٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأتاهُمُ التّابُوتُ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ فَأطاعُوا نَبِيَّهم فِيهِ فَمَلَّكُوهُ وانْتَدَبُوا مَعَهُ فَخَرَجَ بِهِمْ إلى العَدُوِّ وفَصَلَ بِالجُنُودِ مِن مَحَلِّ السَّكَنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا فَصَلَ﴾ مِنَ الفَصْلِ وهو انْقِطاعُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وأصْلُهُ: فَصَلَ نَفْسَهُ أوْ جُنْدَهُ - أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ حَذْفُ المَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِهِ فَصارَ يُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ اللّازِمِ ﴿طالُوتُ﴾ أيِ الَّذِي مَلَّكُوهُ ﴿بِالجُنُودِ﴾ أيِ الَّتِي اخْتارَها وخَرَجُوا لِلِقاءِ مَن سَألُوا لِقاءَهُ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ مَعَ ما قَدْ أحْرَقَهم بِهِ مِن أنْواعِ القَهْرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وهو جَمْعُ جُنْدٍ وهم أتْباعٌ يَكُونُونَ نَجْدَةً لِلْمُسْتَتْبِعِ ﴿قالَ﴾ أيْ مَلِكُهم ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ وأنْتُمْ خارِجُونَ في مَرْضاتِهِ ﴿مُبْتَلِيكم بِنَهَرٍ﴾ مِنَ الماءِ الَّذِي جَعَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حَياةً لِكُلِّ (p-٤٢٧)شَيْءٍ، فَضَرَبَهُ مَثَلًا لِلدُّنْيا الَّتِي مَن رَكَنَ إلَيْها ذَلَّ ومَن صَدَفَ عَنْها عَزَّ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَأظْهَرَ اللَّهُ عَلى لِسانِهِ ما أنْبَأ بِهِ نَبِيَّهم في قَوْلِهِ ﴿وزادَهُ بَسْطَةً في العِلْمِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] - انْتَهى.
﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ﴾ أيْ مَلَأ بَطْنَهُ ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أيْ كَمَنِ انْغَمَسَ في الدُّنْيا فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ كَمَن عَزَفَ عَنْها بِكُلِّيَّتِهِ ثُمَّ تَلا هَذِهِ (p-٤٢٨)الدَّرَجَةُ العَلِيَّةُ الَّتِي قَدْ قُدِّمَتْ لِلْعِنايَةِ بِها بِما يَلِيها مِنَ الِاقْتِصادِ فَقالَ مُسْتَثْنِيًا مَن ﴿فَمَن شَرِبَ﴾ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ الغَرْفَ ﴿غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ فَفي قِراءَةِ فَتْحِ الغَيْنِ إعْرابٌ عَنْ مَعْنى إفْرادِها أخْذَةً ما أخَذَتْ مِن قَلِيلٍ أوْ كَثِيرٍ، وفي الضَّمِّ إعْلامٌ بِمَلْئِها، والغَرْفُ بِالفَتْحِ الأخْذُ بِكُلِّيَّةِ اليَدِ، والغَرْفَةُ الفَعْلَةُ الواحِدَةُ مِنهُ، وبِالضَّمِّ اسْمُ ما حَوَتْهُ الغَرْفَةُ، فَكانَ في المُغْتَرِفِينَ مَنِ اسْتَوْفى الغُرْفَةَ ومِنهم مَن لَمْ يَسْتَوْفِ - قالَهُ الحَرالِيُّ وقالَ: فَكانَ فِيهِ إيذانٌ بِتَصْنِيفِهِمْ ثَلاثَةَ أصْنافٍ: مَن لَمْ يَطْعَمْهُ البَتَّةَ وأُولَئِكَ الَّذِينَ ثَبَتُوا وظَنُّوا أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ، ومَن شَرِبَ مِنهم وأُولَئِكَ الَّذِينَ افْتُتِنُوا وانْقَطَعُوا عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ ومَنِ اغْتَرَفَ غَرْفَةً وهُمُ الَّذِينَ ثَبَتُوا وتَزَلْزَلُوا حَتّى ثَبَّتَهُمُ الَّذِينَ لَمْ يَطْعَمُوا.
ولَمّا كانَ قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ مِثالًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ كانَ مُبْتَلى هَذِهِ الأُمَّةَ بِالنَّهْرِ ابْتَلاهم بِنَهْرِ الدُّنْيا الجارِي خِلالَها، فَكانَتْ جُيُوشُهم بِحُكْمِ هَذا الإيحاءِ الِاعْتِبارِيِّ إذا مَرُّوا بِنَهْرِ أمْوالِ النّاسِ وبِلادِهِمْ وزُرُوعِهِمْ وأقْطارِهِمْ في سَبِيلِهِمْ إلى غَزْوِهِمْ، فَمَن أصابَ مِن أمْوالِ النّاسِ ما لَمْ يَنَلْهُ الإذْنُ مِنَ اللَّهِ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ الجَيْشِ ولَوْ حَضَرَهُ. فَما كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ (p-٤٢٩)عِيانًا يَكُونُ وُقُوعُهُ في هَذِهِ الأُمَّةِ اسْتِبْصارًا سُتْرَةً لَها وفَضِيحَةً لِأُولَئِكَ، ومَن لَمْ يُصِبْ مِنها شَيْئًا بَتًّا كانَ أهْلَ ثَبْتِ ذَلِكَ الجَيْشِ الثّابِتِ المُثَبَّتِ، قِيلَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! ما بالُ فَرَسِكَ لَمْ يُكَبَّ بِكَ قَطُّ؟ قالَ: ما وطِئْتُ بِهِ زَرْعَ مُسْلِمٍ قَطُّ.
ومَن أصابَ ما لَهُ فِيهِ ضَرُورَةٌ مِن مَنزِلٍ يَنْزِلُهُ أوْ غَلَبَةِ عادَةٍ تَقَعُ مِنهُ ويَوَدُّهُ أنْ لا يَقَعَ فَهَؤُلاءِ يَقْبَلُونَ التَّثْبِيتَ مِنَ الَّذِينَ تَوَرَّعُوا كُلَّ الوَرَعِ، فَمَلاكُ هَذا الدِّينِ الزُّهْدُ في القَلْبِ والوَرَعُ في التَّناوُلِ بِاليَدِ، قالَ ﷺ:
«إنَّما تُنْصَرُونَ بِضُعَفائِكم» وفي إلاحَةِ هَذا التَّمْثِيلِ والِاعْتِبارِ أنَّ أعْظَمَ الجُيُوشِ جَيْشٌ يَكُونُ فِيهِ مِن أهْلِ الوَرَعِ بِعَدَدِ الثّابِتِينَ مِن أصْحابِ طالُوتَ الَّذِينَ بِعَدَدِهِمْ كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وهم ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ عَدَدُ المُرْسَلِينَ مِن كَثْرَةِ عَدَدِ النَّبِيِّينَ، قالَ: وفي إفْرادِ اليَدِ إيذانٌ بِأنَّها غَرْفَةُ اليَدِ اليُمْنى لِأنَّها اليَدُ الخاصَّةُ (p-٤٣٠)لِلتَّعْرِيفِ، فَفي اعْتِبارِهِ أنَّ الأخْذَ مِنَ الدُّنْيا إنَّما يَكُونُ بِيَدٍ لا بِيَدَيْنِ لِاشْتِمالِ اليَدَيْنِ عَلى جانِبَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ - انْتَهى.
فَعَرَضَ لَهُمُ النَّهْرُ كَما أخْبَرَهم بِهِ ﴿فَشَرِبُوا مِنهُ﴾ مُجاوَزِينَ حَدَّ الِاقْتِصادِ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ فَأطاعُوا فَأرْواهُمُ اللَّهُ وقَوّى قُلُوبَهُمْ، ومَن عَصى في شُرْبِهِ غَلَبَهُ العَطَشُ وضَعُفَ عَنِ اللِّقاءِ فَبَقِيَ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ.
قالَ الحَرالِيُّ: وفِيما يُذْكَرُ أنَّهُ قُرِئَ بِالرَّفْعِ وهو إخْراجٌ لَهم مِنَ الشّارِبِينَ بِالِاتِّباعِ كَأنَّ الكَلامَ (p-٤٣١)مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ حَيْثُ صارَ تابِعًا وإعْرابُهُ مِمّا أهْمَلَهُ النُّحاةُ فَلَمْ يُحْكِمُوهُ وحُكْمُهُ أنَّ ما بُنِيَ عَلى إخْراجٍ اتُّبِعَ وما لَمْ يُبْنَ عَلى إخْراجِهِ وكَأنَّهُ إنَّما انْثَنى إلَيْهِ بَعْدَ مَضارِّ الكَلامِ الأوَّلِ قُطِعَ ونُصِبَ - انْتَهى.
وكانَ المَعْنى في النَّصْبِ أنَّهُ لَمّا اسْتَقَرَّ الفِعْلُ لِلْكُلِّ رَجَعَ الِاسْتِثْناءُ إلى البَعْضِ، وفي الِاتِّباعِ نَوى الِاسْتِثْناءَ مِنَ الأوَّلِ فَصارَ كالمُفْرَغِ وهَذِهِ القِراءَةُ عَزاها الأهْوازِيُّ في كِتابِ الشَّواذِّ إلى الأعْمَشِ وعَزاها السَّمِينُ في إعْرابِهِ إلى عَبْدِ اللَّهِ وأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَقَدَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في نَحْوِ نِصْفِ كِتابِهِ لِاتِّباعِ مِثْلِ هَذا بابًا تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: بابُ ما يَكُونُ فِيهِ إلّا وما بَعْدَهُ وصْفًا بِمَنزِلَةِ غَيْرٍ ومِثْلٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِأبْياتٍ (p-٤٣٢)كَثِيرَةٍ مِنها:
؎وكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
قالَ كَأنَّهُ قالَ: وكُلُّ أخٍ غَيْرَ الفَرْقَدَيْنِ، وسَوّى بَيْنَ هَذا وبَيْنَ آيَةِ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] بِالرَّفْعِ و﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] وجَوَّزَ في ما قامَ القَوْمُ إلّا زَبَدٌ، - بِالرَّفْعِ البَدَلَ والصِّفَةَ، قالَ الرَّضِيُّ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ: وكُلُّ أخٍ - البَيْتَ، وقَوْلِهِ ﷺ: «النّاسُ كُلُّهم هَلْكى إلّا العالِمُونَ، والعالِمُونَ كُلُّهم هَلْكى إلّا العامِلُونَ والعامِلُونَ كُلُّهم هَلْكى إلّا المُخْلِصُونَ، والمُخْلِصُونَ عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ» وقالَ السَّمِينُ: والفَرْقُ بَيْنَ الوَصْفِ بِإلا والوَصْفِ بِغَيْرِها أنْ لا يُوصَفَ بِها المَعارِفُ والنَّكِراتُ والظّاهِرُ والمُضْمَرُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: لا يُوصَفُ بِها إلّا النَّكِرَةُ والمَعْرِفَةُ بِلامِ الجِنْسِ فَإنَّهُ في قُوَّةِ النَّكِرَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ فِتْنَتَهم بِالنَّهْرِ أتْبَعَهُ فِتْنَةَ اللِّقاءِ بِبَحْرِ الجَيْشِ وما فِيهِ مِن عَظِيمِ الخَطَرِ المُزَلْزِلِ لِلْقُلُوبِ حَثًّا عَلى سُؤالِ العافِيَةِ وتَعْرِيفًا بِعَظِيمٍ رُتْبَتِها كَما قالَ ﷺ يَوْمَ عَرَضَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى أهْلِ الطّائِفِ ومَسَّهُ مِنهم مِن عَظِيمِ الأذى ما مَسَّهُ: «إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلِيَّ غَضَبٌ (p-٤٣٣)فَلا أُبالِي ولَكِنْ هي أوْسَعُ لِي» ! .
فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ﴾ أيِ النَّهْرَ مِن غَيْرِ شُرْبٍ، مِنَ المُجاوَزَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الجَوازِ وهو العُبُورُ مِن عُدْوَةٍ دُنْيا إلى عَدُوَّةٍ قُصْوى ﴿هُوَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ وجاوَزُوا ﴿مَعَهُ﴾ وتَراءَتِ الفِئَتانِ ﴿قالُوا﴾ أيْ مُعْظَمُهم.
قالَ الحَرالِيُّ: رَدَّ الضَّمِيرَ مَرَدًّا عامًّا إيذانًا بِكَثْرَةِ الَّذِينَ اغْتَرَفُوا وقِلَّةِ الَّذِينَ لَمْ يَطْعَمُوا كَما آذَنَ ضَمِيرُ شَرِبُوا بِكَثْرَةِ الَّذِينَ شَرِبُوا مِنهُ - انْتَهى.
﴿لا طاقَةَ﴾ مِمّا مِنهُ الطَّوْقُ وهو ما اسْتَقَلَّ بِهِ الفاعِلُ ولَمْ يُعْجِزْهُ ﴿لَنا اليَوْمَ﴾ أيْ عَلى ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الحالِ ﴿بِجالُوتَ وجُنُودِهِ﴾ لِما هم فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ.
قالَ الحَرالِيُّ: فَفِيهِ مِن نَحْوِ قَوْلِهِمْ ﴿ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ المالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧] اعْتِمادًا عَلى أنَّ النَّصْرَ بِعُدَّةِ مالٍ أوْ قُوَّةٍ، ولَيْسَ إلّا بِنَصْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: فَإذا نُوظِرَ هَذا الإنْباءُ مِنهم والطَّلَبُ أيْ كَما يَأْتِي في ﴿رَبَّنا أفْرِغْ﴾ [البقرة: ٢٥٠] بِما تَوَلّى اللَّهُ مِن أمْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ في جَيْشِهِمُ المَمْثُولِ لِهَذا الجَيْشِ في سُورَةِ الأنْفالِ مِن نَحْوِ (p-٤٣٤)قَوْلِهِ ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أمَنَةً مِنهُ﴾ [الأنفال: ١١] - الآياتِ، عِلْمٌ عَظِيمٌ فَضَّلَ اللَّهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ واسْتَشْعَرَ بِما يَكُونُ لَها في خاتِمَتِها مِمّا هو أعْظَمُ نَبَأً وأكْمَلُ عِيانًا فَلِلَّهِ الحَمْدُ عَلى ما أعْظَمَ مِن فَضْلِهِ ولُطْفِهِ - انْتَهى.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا القَوْلِ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَصْدُرَ مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّ أجْلَهُ مُقَدَّرٌ لا يَزِيدُ بِالجُبْنِ والإحْجامِ ولا يَنْقُصُ بِالجُرْأةِ والإقْدامِ وأنَّهُ يَلْقى اللَّهَ فَيُجازِيهِ عَلى عَمَلِهِ وأنَّ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ لا بِالقُوَّةِ والعَدَدِ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالظَّنِّ لَمّا ذَكَرَ ﴿أنَّهم مُلاقُو اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ والرَّجاءِ لَهُ الظَّنُّ لِأنَّهُ يُوجِبُ فِرارَ العَقْلِ مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ يَكْرَهُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إنْقاذًا لِنَفْسِهِ مِنَ الهَلاكِ بِذَلِكَ كَما أسْرَفَ هَؤُلاءِ في الشُّرْبِ لِظَنِّ الهَلاكِ بِعَدَمِهِ ورَجَعُوا لِظَنِّ الهَلاكِ بِاللِّقاءِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ ويُأوَّلُ اللِّقاءُ بِالحالَةِ الحَسَنَةِ ﴿كَمْ مِن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ﴾ كَما كانَ في هَذِهِ الأُمَّةِ في يَوْمِ (p-٤٣٥)بَدْرٍ ﴿غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ سَبَبَ النَّصْرِ الطّاعَةُ والذِّكْرُ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، فَلا يَنْبَغِي لِمَن عَلِمَ ذَلِكَ أنْ يَفْتُرَ عَنْ ذِكْرِهِ ويَرْضى بِقَضائِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ مَلاكَ ذَلِكَ كُلِّهِ الصَّبْرُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿مَعَ الصّابِرِينَ﴾ ولا يَخْذُلُ مَن كانَ مَعَهُ.
البقرة 2:250
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم صَدَقُوا قَوْلَهم قَبْلَ المُباشَرَةِ بِالفِعْلِ عِنْدَها فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا قالُوا لَهم ذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ كَلِمَتَهم فاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ وبَرَزُوا لِلْقِتالِ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿ولَمّا بَرَزُوا﴾ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، والبُرُوزُ هو الخُرُوجُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ يُوارى في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ وهو الَّذِي لا يَكُونُ فِيهِ ما يَتَوارى فِيهِ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ ﴿لِجالُوتَ﴾ اسْمُ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ الكَنْعانِيِّينَ كانَ بِالشّامِ في زَمَنِ (p-٤٣٦)بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجُنُودِهِ﴾ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ والجُرْأةِ بِالتَّعَوُّدِ بِالنَّصْرِ ﴿قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ﴾ مِنَ الإفْراغِ وهو السَّكْبُ المُفِيضُ عَلى كُلِّيَّةِ المَسْكُوبِ عَلَيْهِ ﴿عَلَيْنا صَبْرًا﴾ حَتّى نَبْلُغَ مِنَ الضَّرْبِ ما نُحِبُّ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ ﴿وثَبِّتْ﴾ مِنَ التَّثْبِيتِ تَفْعِيلٌ مِنَ الثَّباتِ وهو التَّمَكُّنُ في المَوْضِعِ الَّذِي شَأْنُهُ الِاسْتِزْلالُ ﴿أقْدامَنا﴾ جَمْعُ قَدَمٍ وهو ما يَقُومُ عَلَيْهِ الشَّيْءُ ويَعْتَمِدُهُ، أيْ بِتَقْوِيَةِ قُلُوبِنا حَتّى لا نَفِرَّ وتَكُونَ ضَرَباتُنا مُنْكَبَّةً مُوجِعَةً وأشارُوا بِقَوْلِهِمْ ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: عَلَيْهِمْ، إلى أنَّهم إنَّما يُقاتِلُونَهم لِتَضْيِيعِهِمْ حَقَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا لِحَظٍّ مِن حُظُوظٍ النَّفْسِ كَما كانَ مِن مُعْظَمِهِمْ أوَّلَ ما سَألُوا وإلى أنَّهم أقْوِياءُ فَلا بُدَّ لَهم مِن مَعُونَتِهِ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى،
البقرة 2:251
ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ النَّتِيجَةِ حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ لِنِيلِ (p-٤٣٧)ما نالُوا فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى دُعاءَهُمْ: ﴿فَهَزَمُوهُمْ﴾ مِمّا مِنهُ الهَزِيمَةُ وهو فِرارُ مَن شَأْنُهُ الثَّباتُ - قالَهُ الحَرالِيُّ، وقالَ: ولَمْ يَكُنْ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، كَما لِهَذِهِ الأُمَّةِ فِي
﴿ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] انْتَهى.
﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ثُمَّ بَيَّنَ ما خَصَّ بِهِ المُتَوَلِّيَ لِعِظَمِ الأمْرِ بِتَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِلتَّلَفِ في ذاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الخِلالِ الشَّرِيفَةِ المُوجِبَةِ لِكَمالِ الحَياةِ المُوصِلَةِ إلى البَقاءِ السَّرْمَدِيِّ فَقالَ: ﴿وقَتَلَ داوُدُ﴾ وكانَ في جَيْشِ طالُوت ﴿جالُوتَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: مُناظَرَةُ قَوْلِهِ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] - انْتَهى.
وفِي الزَّبُورِ في المَزْمُورِ الحادِي والخَمْسِينَ بَعْدَ المِائَةِ وهو آخِرُهُ: صَغِيرًا كُنْتَ في إخْوَتِي، حَدَثًا في بَيْتِ (p-٤٣٨)أبِي، راعِيًا غَنَمَهُ، يَدايَ صَنَعَتا الأُرْغُنَ، وأصابِعِي عَمِلَتِ القِيثارَ، مِنَ الآنِ اخْتارَنِي الرَّبُّ إلَهِي واسْتَجابَ لِي وأرْسَلَ مَلاكَهُ وأخَذَنِي مِن غَنَمِ أبِي ومَسَحَنِي بِدُهْنٍ مَسَحَتْهُ إخْوَتِي حِسانٌ وأكْرَمَنِي ولَمْ يسر بِهِمُ الرَّبُّ، خَرَجْتُ مُلْتَقِيًا الفِلَسْطِينِيَّ الجَبّارَ الغَرِيبَ فَدَعا عَلَيَّ بِأوْثانِهِ فَرَمَيْتُهُ بِثَلاثَةِ أحْجارٍ في جَبْهَتِهِ بِقُوَّةِ الرَّبِّ فَصَرَعْتُهُ واسْتَلَلْتُ سَيْفَهُ وقَطَعْتُ بِهِ رَأسَهُ ونَزَعْتُ العارَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿وآتاهُ اللَّهُ﴾ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿المُلْكَ﴾
قالَ الحَرالِيُّ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَهم مِن سِبْطِ المَلِكِ فاجْتَمَعَتْ لَهُ المَزِيَّتانِ مِنِ اسْتِحْقاقِ البَيْتِ وظُهُورِ الآيَةِ عَلى يَدَيْهِ بِقَتْلِ جالُوتَ، قالَ تَعالى: ﴿والحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٥١] تَخْلِيصًا لِلْمُلْكِ مِمّا يَلْحَقُهُ بِفَقْدِ الحِكْمَةِ مِنِ اعْتِداءِ الحُدُودِ انْتَهى. فَكانَ داوُدُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلَ مَن جُمِعَ لَهُ بَيْنَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ ﴿وعَلَّمَهُ﴾ أيْ زِيادَةً مِمّا يَحْتاجانِ إلَيْهِ ﴿مِمّا يَشاءُ﴾ مِن صَنْعَةِ الدُّرُوعِ وكَلامِ الطَّيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(p-٤٣٩)ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الواقِعَةَ عَلى طُولِها هَذا البَيانَ الَّذِي يَعْجَزُ عَنْهُ الإنْسُ والجانُّ بَيَّنَ حِكْمَةَ الجِهادِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بَلْ ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ مِن تَسْلِيطِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ بِسَبَبِ أنَّهُ جَبَلَ البَشَرَ عَلى خَلائِقَ مُوجِبَةٍ لِلتَّجَبُّرِ وطَلَبِ التَّفَرُّدِ بِالعُلُوِّ المُفْضِي إلى الِاخْتِلافِ فَقالَ - بانِيًا لَهُ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَدَفَعَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ ما كانَ ابْتَلاهم بِهِ -: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِالحِكْمَةِ والقُدْرَةِ بِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ﴿النّاسَ﴾ وقُرِئَ: دِفاعُ.
قالَ الحَرالِيُّ: فِعالٌ مِنِ اثْنَيْنِ وما يَقَعُ مِن أحَدِهِما دَفْعٌ وهو رَدُّ الشَّيْءِ (p-٤٤٠)بِغَلَبَةٍ وقَهْرٍ عَنْ وُجْهَتِهِ الَّتِي هو مُنْبَعِثٌ إلَيْها بِأشَدِّ مُنْتَهٍ، وهو أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَفْعَلُ في ذَلِكَ فِعْلَ المَبالِغِ.
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الفِعْلَ لَهُ خَلْقًا وإيجادًا بَيَّنَ أنَّهُ لِعِبادِهِ كَسْبًا ومُباشَرَةً فَقالَ: ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ فَتارَةً يَنْصُرُ قَوِيَّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ كَما هو مُقْتَضى القِياسِ، وتارَةً يَنْصُرُ ضَعِيفَهم - كَما فَعَلَ في قِصَّةِ طالُوتَ - عَلى قَوِيِّهِمْ حَتّى لا يَزالَ ما أقامَ بَيْنَهم مِن سَبَبِ الحِفْظِ بِهَيْبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ قائِمًا ﴿لَفَسَدَتِ الأرْضُ﴾ بِأكْلِ القَوِيِّ الضَّعِيفَ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ تَعالى بِعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ وعِزَّتِهِ وكَمالِهِ يَكُفُّ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا وقَدْ يُؤَيَّدُ الدِّينُ بِالرَّجُلِ الفاجِرِ عَلى نِظامٍ دَبَّرَهُ وقانُونٍ أحْكَمَهُ في الأزَلِ يَكُونُ سَبَبًا لِكَفِّ القَوِيِّ عَنِ الضَّعِيفِ إبْقاءً لِهَذا الوُجُودِ عَلى هَذا النِّظامِ إلى الحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ ثُمَّ يُزِيلُ الشَّحْناءَ عَلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٤٤١)لِيَتِمَّ العِلْمُ بِكَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ وذَلِكَ مِن فَضْلِهِ عَلى عِبادِهِ وهو ﴿ذُو فَضْلٍ﴾ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ أيْ كُلِّهِمْ أوَّلًا بِالإيجادِ وثانِيًا بِالدِّفاعِ فَهو يَكُفُّ مِن ظُلْمِ الظَّلَمَةِ إمّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ أوْ بِالصّالِحِينَ وقَلِيلٌ ما هم ويُسْبِغُ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن أثْوابِ نِعَمِهِ ظاهِرَةً وباطِنَةً، ومِمّا يَشْتَدُّ اتِّصالُهُ بِهَذِهِ القِصَّةِ ما أسْنَدَهُ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ في الكُنى مِن تارِيخِ دِمَشْقَ في تَرْجَمَةِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ عَنِ الأصْمَعِيِّ قالَ: أنْشَدَنا أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ قالَ: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا يُنْشِدُ وقَدْ كُنْتُ خَرَجْتُ إلى ظاهِرِ البَصْرَةِ مُتَفَرِّجًا مِمّا نالَنِي مِن طَلَبِ الحَجّاجِ واسْتِخْفائِي مِنهُ:
؎صُبْرُ النَّفْسِ عِنْدَ كُلِّ مُلِمٍّ إنَّ في الصَّبْرِ حِيلَةَ المُحْتالِ
؎لا تُضَيِّقَنَّ في الأُمُورِ فَقَدْ ∗∗∗ يُكْشَفُ لَأْواؤُها بِغَيْرِ احْتِيالِ
؎رُبَّما تَجْزَعُ النُّفُوسُ مِنَ ∗∗∗ الأمْرِ لَهُ فُرْجَةٌ كَحَلِّ العِقالِ
؎قَدْ يُصابُ الجَبانُ في آخِرِ ∗∗∗ الصَّفِّ ويَنْجُو مُقارِعُ الأبْطالِ
فَقُلْتُ ما وراءَكَ يا أعْرابِيُّ؟ فَقالَ: ماتَ الحَجّاجُ، فَلَمْ أدْرِ بِأيِّهِما أفْرَحُ بِمَوْتِ الحَجّاجِ أوْ بِقَوْلِهِ: لَهُ فُرْجَةٌ! لِأنِّي كُنْتُ أطْلُبُ شاهِدًا لِاخْتِيارِي (p-٤٤٢)القِراءَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً﴾ [البقرة: ٢٤٩] – انْتَهى.
ولَعَلَّ خِتامَ قَصَصِ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ القِصَّةِ لِما فِيها لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن واضِحِ الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ دَعْواهُ الرِّسالَةَ لِأنَّها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا القَلِيلُ مِن حُذّاقِ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ عَقَّبَها بِآيَةِ الكُرْسِيِّ الَّتِي هي العَلَمُ الأعْظَمُ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ فَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ المُناسَبَةِ لِما في أوائِلِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى
﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] إلى آخِرِ تِلْكَ الآياتِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ المُتَضَمِّنَةِ لِدَلائِلِ النُّبُوَّةِ المُفْتَتَحِ بِها قَصَصُ بَنِي إسْرائِيلَ فَكانَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ مُكْتَنِفَةً قِصَّتَهم أوَّلَها وآخِرَها مَعَ ما في أثْنائِها جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ في مُناضَلَةِ العُلَماءِ ومُجادَلَةِ الفُضَلاءِ، فَكانَ خُلاصَةُ ذَلِكَ كَأنَّهُ قِيلَ: ”الَم“ تَنْبِيهًا لِلنُّفُوسِ بِما اسْتَأْثَرَ العَلِيمُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعِلْمِهِ فَلَمّا ألْقَتِ الأسْماعَ وأحْضَرَتِ الأفْهامَ قِيلَ يا أيُّها النّاسُ فَلَمّا عَظُمَ التَّشَوُّفُ قالَ ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْدَ وصْفِهِ بِما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] كَما سَيُجْمَعُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ فاصِلٍ أوَّلَ سُورَةِ التَّوْحِيدِ آلِ عِمْرانَ المُنَزَّلَةِ في مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّصارى وغَيْرِهِمْ، وتُخْتَمُ قِصَصُهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا (p-٤٤٠)مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٣] يَعْنِي بِالمُنادِي واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ القائِلَ ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] - إلى آخِرِها، ومِمّا يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ مِن قِصَّتِهِمْ هَذِهِ ما فِيها لِأنَّها تَدْرِيبٌ لِمَن كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ وتَأْدِيبٌ في مُلاقاةِ الرِّجالِ مِنَ الإرْشادِ إلى أنَّ أكْثَرَ حَدِيثِ النَّفْسِ وأمانِيِّها الكَذِبُ لا سِيَّما بِالثَّباتِ في مَزالِّ الأقْدامِ فَتَشَجَّعَ الإنْسانُ، فَإذا تَوَرَّطَ أقْبَلَتْ بِهِ عَلى الهَلَعِ حَتّى لا يَتَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ كَما أدَّبَهم بِهِ نَبِيُّهم ﷺ، وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَ كَوْنِهِمْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً سَألُوا نَبِيَّهم ﷺ بَعْثَ مَلَكٍ لِلْجِهادِ، فَلَمّا بُعِثَ فَخالَفَ أغْراضَهم لَمْ يُفاجِئُوهُ إلّا بِالِاعْتِراضِ، ثُمَّ لَمّا اسْتَقَرَّ الحالُ بَعْدَ نَصْبِ الأدِلَّةِ وإظْهارِ الآياتِ نَدَبَهُمْ، فانْتُدِبَ جَيْشٌ لا يُحْصى كَثْرَةً، فَشَرَطَ عَلَيْهِمُ الشّابُّ الفارِغُ بِناءَ دارٍ وبِناءً بِامْرَأةٍ، فَلَمْ يَكُنِ المَوْجُودُ بِالشَّرْطِ إلّا ثَمانِينَ ألْفًا؛ ثُمَّ امْتُحِنُوا بِالنَّهْرِ فَلَمْ يَثْبُتْ مِنهم إلّا ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ وهم دُونَ الثُّلُثِ مِن ثُمُنِ العُشْرِ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِالشَّرْطِ مِنَ الَّذِينَ هم دُونَ الدُّونِ مِنَ المُنْتَدَبِينَ الَّذِينَ هم دُونَ الدُّونِ مِنَ السّائِلِينَ في بَعْثِ المَلَكِ، فَكانَ الخالِصُونَ مَعَهُ، كَما قالَ بَعْضُ الأوْلِياءِ المُتَأخِّرِينَ لِآخِرِ قَصْدِهِ بِالزِّيارَةِ:
؎ألَمْ تَعْلَمْ بِأنِّي صَيْرَفِيٌّ ∗∗∗ أحُكُّ الأصْدِقاءَ عَلى مَحَكِّ
؎ (p-٤٤٤)فَمِنهم بَهَرْجٌ لا خَيْرَ فِيهِ ∗∗∗ ومِنهم مَن أُجَوِّزُهُ بِشَكِّ
؎وأنْتَ الخالِصُ الذَّهَبِ المُصَفّى ∗∗∗ بِتَزْكِيَتِي ومِثْلِي مَن يُزَكِّي
وهَذا سِرُّ قَوْلِ الصّادِقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُمَّتِي كالإبِلِ المِائَةِ لا تَكادُ تَجِدُ فِيها راحِلَةً» وقَوْلُهُ ﷺ «لا تَمَنَّوْا لِقاءَ العَدُوِّ واسْألُوا اللَّهَ العافِيَةَ، فَإذا لَقِيتُمُوهم فاصْبِرُوا» فالحاصِلُ أنَّهُ عَلى العاقِلِ المُعْتَقِدِ جَهْلَهُ بِالعَواقِبِ وشُمُولَ قُدْرَةِ رَبِّهِ أنْ لا يَثِقَ بِنَفْسِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَزالُ يَصِفُها بِالعَجْزِ وإنِ ادَّعَتْ خِلافَ ذَلِكَ، ويَتَبَرَّأُ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ إلى حَوْلِ مَوْلاهُ وقُوَّتِهِ ولا يَنْفَكُّ يَسْألُهُ العَفْوَ والعافِيَةَ.
البقرة 2:252
ولَمّا عَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَنْ أقْصى ما يَعْرِفُهُ البُصَراءُ البُلَغاءُ مِنَ الغاياتِ، وتَجاوَزَتْ إلى حَدٍّ تَعْجِزُ العُقُولُ عَنْ مَنالِهِ، وتَضاءَلَ نَوافِذُ الأفْهامِ عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثالِهِ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ المُعْجِزاتُ لِمَن شَمَخَتْ أُنُوفُهُمْ، وتَعالَتْ في مَراتِبِ الكِبْرِ هِمَمُهم ونُفُوسُهُمْ؛ والإشارَةُ إلى ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ ولا سِيَّما هَذِهِ القِصَّةَ مِن أخْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ والعِبارَةَ عَنْ ذَلِكَ في هَذِهِ الأسالِيبِ الباهِرَةِ والأفانِينِ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ ﴿آياتُ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي عَلَتْ عَظَمَتُهُ وتَمَّتْ قُدْرَتُهُ وقُوَّتُهُ، ولَمّا كانَتِ الجَلالَةُ مِن حَيْثُ إنَّها اسْمٌ لِلَذّاتٍ جامِعَةً لِصِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ ونُعُوتِ الجَلال (p-٤٤٥)لَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى إعْجازِهِمْ عَنْ هَذا النَّظْمِ بِنُعُوتِ الكِبْرِ والتَّعالِي فَقالَ: ﴿نَتْلُوها﴾ أيْ نُنَزِّلُها شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ تَثْبِيتًا لِدَعائِمِ الكِتابِ الَّذِي هو الهُدى، وتَشْيِيدًا لِقَواعِدِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ قالَ الإمامُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ: الحَقُّ الحُكْمُ المُطابِقُ لِلْواقِعِ، يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ والعَقائِدِ والأدْيانِ والمَذاهِبِ بِاعْتِبارِ اشْتِمالِها عَلى ذَلِكَ ويُقابِلُهُ الباطِلُ، وأمّا الصِّدْقُ فَقَدْ شاعَ في الأقْوالِ خاصَّةً ويُقابِلُهُ الكَذِبُ، وقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُما بِأنَّ المُطابَقَةَ تُعْتَبَرُ في الحَقِّ مِن جانِبِ الواقِعِ. وفي الصِّدْقِ مِن جانِبِ الحُكْمِ؛ فَمَعْنى صِدْقِ الحُكْمِ مُطابَقَتُهُ الواقِعَ. ومَعْنى حَقِّيَّتِهِ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ - انْتَهى.
فَمَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا: إنّا عالِمُونَ بِالواقِعِ مِن هَذِهِ الآياتِ فَأتَيْنا بِعِبارَةٍ يُطابِقُها ذَلِكَ الواقِعُ لا يَزِيدُ عَنْها ولا يَنْقُصُ، فَتِلْكَ العِبارَةُ ثابِتَةٌ ثَباتَ الواقِعِ لا يَتَمَكَّنُ مُنْصِفٌ عالِمٌ مِن إنْكارِها ولا إنْكارِ شَيْءٍ مِنها، كَما لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْكارِ الواقِعِ المَعْلُومِ وُقُوعُهُ، ويَكُونُ الخَبَرُ عَنْها صِدْقًا لِأنَّهُ مُطابِقٌ لِذَلِكَ الواقِعِ بِغَيْرِ زِيادَةٍ ولا نَقْصٍ؛ والحاصِلُ أنَّ الحَقَّ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ المُخْبِرِ، فَإنَّهُ يَأْتِي بِعِبارَةٍ يُساوِيها الواقِعُ فَتَكُونُ حَقًّا، وأنَّ الصِّدْقَ يُعْتَبَرُ مِن جانِبِ السّامِعِ، فَإنَّهُ (p-٤٤٦)يَنْظُرُ إلى الخَبَرِ، فَإنْ وجَدَهُ مُطابِقًا لِلْواقِعِ قالَ: هَذا صِدْقٌ، ولَيْسَ بِبَعِيدٍ أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّواهِدِ عَلى ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] وقَوْلُهُ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ٣٧] و﴿هُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر: ٣١] وكَذا ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ أنَّ هَذا الفِعْلَ وهو خَلْقُنا لَها لَسْنا مُتَعَدِّينَ فِيهِ، وهَذا الواقِعُ يُطابِقُ خَلْقَها لا يَزِيدُ عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَزِيدَ فِيها شَيْئًا ولَيْسَ لَنا الِاقْتِصارُ عَلى ما وجَدَ ولا نَنْقُصُ عَنْهُ بِمَعْنى أنَّهُ كانَ عَلَيْنا أنْ نَجْعَلَها ناقِصَةً عَمّا هي عَلَيْهِ ولَمْ يَكُنْ لَنا إتْمامُها هَكَذا؛ أوْ بِالحَقِّ الَّذِي هو قُدْرَتُنا واخْتِيارُنا لا كَما يَدَّعِيهِ الفَلاسِفَةُ مِنَ الفِعْلِ بِالذّاتِ مِن غَيْرِ اخْتِيارٍ: أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ أيْ إقامَتِهِ وإثْباتِهِ وإبْطالِ الباطِلِ ونَفْيِهِ، وقَوْلُهُ
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ وإنّا لَصادِقُونَ﴾ [الحجر: ٦٤] أيْ أتَيْناكَ بِالخَبَرِ بِعَذابِهِمْ وهو ثابِتٌ، لِأنَّ مَضْمُونَهُ إذا وقَعَ فَنِسْبَتُهُ إلى الخَبَرِ (p-٤٤٧)عُلِمَتْ مُطابَقَتُهُ لَهُ أيْ مُطابَقَةُ الواقِعِ إيّاهُ وإخْبارِنا عَنْهُ عَلى ما هو بِهِ فَنَحْنُ صادِقُونَ فِيهِ، أيْ نَسَبُنا وُقُوعَ العَذابِ إلَيْهِمْ نِسْبَةُ تَطابُقِ الواقِعَ فَإذا وقَعَ نَظَرَتْ إلى إخْبارِنا فَرَأيْتُهُ مُطابِقًا لَهُ فَعَلِمَتْ صِدْقَنا فِيهِ؛ والَّذِي لا يَدَعُ في ذَلِكَ لَبْسًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠] أتى بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وأمّا صِدْقُهُ ﷺ فَهو بِنِسْبَةِ الخَبَرِ إلى الواقِعِ وهو أنَّهُ رَأى ما أخْبَرَ بِهِ وذَلِكَ مَوْجُودٌ مِن حِينِ إخْبارِهِ ﷺ فَإنَّ خَبَرَهُ كانَ حِينَ إخْبارِهِ بِهِ مُطابِقًا لِلْواقِعِ، وأمّا صِدْقُ الرُّؤْيا فَبِاعْتِبارِ أنَّهُ كانَ لَها واقِعٌ طابَقَهُ تَأْوِيلُها؛ فَإنْ قِيلَ: تَأْسِيسُ المُفاعَلَةِ أنْ تَكُونَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصاعِدًا يَفْعَلُ أحَدُهُما بِالآخَرِ ما يَفْعَلُ الآخَرُ بِهِ، فَهَبْ أنّا اعْتَبَرْنا المُطابَقَةَ مِن جانِبٍ واحِدٍ فَذَلِكَ لا يَنْفِي اعْتِبارَها مِنَ الجانِبِ الآخَرِ فَماذا يُغْنِي ما ادَّعَيْتَهُ، قِيلَ إنَّها وإنْ كانَ لا بُدَّ فِيها مِن مُراعاةِ الجانِبَيْنِ لَكِنَّها تُفْهِمُ أنَّ الَّذِي أسْنَدَ إلَيْهِ الفِعْلَ هو الطّالِبُ، بِخِلافِ بابِ التَّفاعُلِ فَإنَّهُ لا دَلالَةَ لِفِعْلِهِ عَلى ذَلِكَ، وجُمْلَةُ الأمْرِ أنَّ الواقِعَ أحَقُّ بِاسْمِ الحَقِّ لِأنَّهُ الثّابِتُ والخَبَرَ أحَقُّ بِاسْمِ الصِّدْقِ، والواقِعَ (p-٤٤٨)طالِبٌ لِخَبَرٍ يُطابِقُهُ لِيُعْرَفَ عَلى ما هو عَلَيْهِ والخَبَرَ طالِبٌ لِمُطابَقَةِ الواقِعِ لَهُ فَيَكْتَسِبُ الشَّرَفَ بِتَسْمِيَتِهِ صِدْقًا.
وأوَّلُ ثابِتٍ في نَفْسِ الأمْرِ هو الواقِعُ فَإنَّهُ قَبْلَ الخَبَرِ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ، فَإذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الواقِعِ سُمِّيَ الخَبَرُ بِاسْمِهِ، إذا كانَ مَبْدَأُ الطَّلَبِ مِنَ الخَبَرِ سُمِّيَ بِاسْمِهِ الحَقِيقِ بِهِ، ولَعَلَّكَ إذا اعْتَبَرْتَ آياتِ الكِتابِ النّاطِقِ بِالصَّوابِ وجَدْتَها كُلَّها عَلى هَذا الأُسْلُوبِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ التِّلاوَةَ عَلَيْهِ ﷺ حَقٌّ قالَ تَعالى: ﴿وإنَّكَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ بِما دَلَّتْ هَذِهِ الآياتُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِكَ بِها مِن غَيْرِ مُعَلِّمٍ مِنَ البَشَرِ ثُمَّ بِإعْجازِها الباقِي عَلى مَدى الدَّهْرِ.
البقرة 2:253
(p-١)ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ رُسُلٍ كَثِيرَةٍ وخَتَمَ هَذِهِ الآياتِ بِأنَّهُ ﷺ مِنهم تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ أحْوالِهِمْ في الفَضْلِ هَلْ هم فِيهِ سَواءٌ أوْ هم مُتَفاضِلُونَ، فَأشارَ إلى عُلُوِّ مَقادِيرِ الكُلِّ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ بِأداةِ البُعْدِ إعْلامًا بِبُعْدِ مَراتِبِهِمْ وعُلُوِّ مَنازِلِهِمْ وأنَّها بِالمَحَلِّ الَّذِي لا يُنالُ والمَقامِ الَّذِي لا يُرامُ، وجَعَلَ الحَرالِّيُّ التَّعْبِيرَ بِتِلْكَ الَّتِي هي أداةُ التَّأْنِيثِ دُونَ أُولَئِكَ الَّتِي هي إشارَةُ المُذَكَّرِ تَوْطِئَةً وإشارَةً لِما يُذْكَرُ بَعْدُ مِنِ اخْتِلافِ الأُمَمِ بَعْدَ أنْبِيائِها وقالَ: يَقُولُ فِيهِ النُّحاةُ إشارَةٌ لِجَماعَةِ المُؤَنَّثِ وإنَّما هو في العَرَبِيَّةِ لِجَماعَةٍ ثانِيَةٍ في الرُّتْبَةِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ أخْذُ الثَّوانِي عَنْ أوَّلِيَّةٍ تُناسِبُهُ في المَعْنى (p-٢)وتُقابِلُهُ في التَّطَرُّقِ، قالَ: ومِن لِسْنِ العَرَبِ وإشارَةِ تَأْسِيسِ كَلِمِها أنَّ المَعْنى مَتى أُرِيدَ إرْفاعُهُ أُطْلِقَ عَنْ عَلامَةِ الثّانِي في الرُّتْبَةِ وإشارَتِهِ، ومَتى أُرِيدَ إنْزالُهُ قُيِّدَ بِعَلامَةِ الثّانِي وإشارَتِهِ، ثُمَّ قالَ: فَفي ضِمْنِ هَذِهِ الإشارَةِ لِأُولِي التَّنَبُّهِ إشْعارٌ بِما تَتَضَمَّنُهُ الآيَةُ مِنَ الإخْبارِ النّازِلِ عَنْ رُتْبَةِ الثَّباتِ والدَّوامِ إلى رُتْبَةِ الِاخْتِلافِ والِانْقِطاعِ كَما أنَّهُ لَمّا كانَ الذِّكْرُ واقِعًا في مَحَلِّ إعْلاءٍ في آيَةِ الإنْعامِ قِيلَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ولَمّا كانَ شَأْنُ الِاخْتِلافِ والِانْقِطاعِ غَيْرَ مُسْتَغْرَبٍ في مَحَلِّ النَّقْصِ والإشْكالِ وطَّأ لِهَذا الواقِعِ بَعْدَ الرُّسُلِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن ذَلِكَ وأنَّهُ مِنَ الواقِعِ بَعْدَ إظْهارِ التَّفْضِيلِ وإبْلاغِ البَيِّناتِ لِما يَشاؤُهُ مِن أمْرِهِ. انْتَهى. ثُمَّ أتْبَعَ هَذِهِ الإشارَةَ حالًا مِنها أوِ اسْتِئْنافًا قَوْلَهُ: ﴿فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ بِالتَّخْصِيصِ بِمَآثِرَ لَمْ تَجْتَمِعْ لِغَيْرِهِ بَعْدَ أنْ فَضَّلْنا الجَمِيعَ بِالرِّسالَةِ.
(p-٣)ولَمّا كانَ أكْثَرُ السُّورَةِ في بَنِي إسْرائِيلَ وأكْثَرُ ذَلِكَ في أتْباعِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَدَأ بِوَصْفِهِ وثَنّى بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ النّاسِخُ لِشَرِيعَتِهِ وهو آخِرُ أنْبِيائِهِمْ فَقالَ مُبَيِّنًا لِما أجْمَلَ مِن ذَلِكَ التَّفْضِيلِ بادِئًا بِدَرَجَةِ الكَلامِ لِأنَّها مِن أعْظَمِ الدَّرَجاتِ لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ الذّاتِ بِما لَها مِن جَمِيعِ الصِّفاتِ لِأنَّهُ أوْفَقُ لِلْكَلامِ المُسْتَجْمِعِ لِلتَّمامِ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ بِلا واسِطَةٍ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ كَمُوسى ومُحَمَّدٍ وآدَمَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ورَفَعَ بَعْضَهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى غَيْرِهِ، ومِن (p-٤)فَوائِدِ الإبْهامِ الِاسْتِنْباطُ بِالدَّلِيلِ لِيَكُونَ مَعَ أنَّهُ أجْلى أجْدَرَ بِالحِفْظِ وذَلِكَ الِاسْتِنْباطُ أنْ يُقالَ إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ عَمَّهم بِالتَّفْضِيلِ بِالرِّسالَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَهم عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ رِفْعَةٌ فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ مُجَرَّدَ رِفْعَةٍ لَكانَ تَكْرِيرًا فَوَجَبَ أنْ يُفْهِمَ أنَّها رِفْعَةٌ عَلى أعْلاهُمْ، وأسْقَطَ الفَوْقِيَّةَ هُنا إكْرامًا لِلرُّسُلِ بِخِلافِ ما في الزُّخْرُفِ فَقالَ مُعَيِّنًا (p-٥)بَعْضَ ما اقْتَضاهُ التَّفْضِيلُ: ﴿دَرَجاتٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ والمُعْجِزاتِ الباقِيَةِ؛ والأتْباعِ الكَثِيرَةِ في الأزْمانِ الطَّوِيلَةِ، مِن غَيْرِ تَبْدِيلٍ ولا تَحْرِيفٍ، وبِنَسْخِ شَرْعِهِ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ، وبِكَوْنِهِ رَحْمَةَ العالَمِينَ، وأُمَّتِهِ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وكَوْنِهِ خاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ الَّذِينَ أرْسَلَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ الِاخْتِلافِ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ وأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ، فَلا نَبِيَّ بَعْدَهُ يَنْسَخُ شَرِيعَتَهُ، وإنَّما يَأْتِي النَّبِيُّ النّاسِخُ لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُقَرِّرًا لِشَرِيعَتِهِ مُجَدِّدًا لِما دَرَسَ مِنها كَما كانَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَمّا كانَ الشَّخْصُ لا يَبِينُ فَضْلُهُ إلّا بِآثارِهِ وكانَتْ آياتُ مُوسى [ وعِيسى ] عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْثَرَ مِن آياتِ مَن سَبَقَهُما خَصَّهُما بِالذِّكْرِ إشارَةً إلى ذَلِكَ، فَكانَ فِيهِ إظْهارُ الفَضْلِ لِنَبِيِّنا ﷺ، لِأنَّهُ لا نِسْبَةَ لِما أُوتِيَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ إلى ما أُوتِيَ، وإبْهامُهُ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ (p-٦)إبْهامَهُ في الظُّهُورِ والجَلاءِ كَذِكْرِهِ، لِأنَّ ما وُصِفَ بِهِ لا يَنْصَرِفُ إلّا إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ النّاسُ واقِفِينَ مَعَ الحِسِّ إلّا الفَرْدَ النّادِرَ وكانَ لِعِيسى ﷺ مِن تَكَرُّرِ الآياتِ المَحْسُوساتِ كالإحْياءِ والإبْراءِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ [ومَعَ] ذَلِكَ ارْتَدَّ أكْثَرُهم بَعْدَ رَفْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَهْدِيدًا لِمَن كَفَرَ بَعْدَ ما رَأى أوْ سَمِعَ مِن تِلْكَ الآياتِ الكُبَرِ: ﴿وآتَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ كَيْفَ نَشاءُ وعَلى غَيْرِ ذَلِكَ ﴿عِيسى﴾ ونَسَبَهُ إلى أُمِّهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا أبَ لَهُ فَقالَ: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أيِ الَّذِي خَلَقْناهُ مِنها بِغَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ أصْلًا ﴿البَيِّناتِ﴾ مِن إحْياءِ المَوْتى وغَيْرِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والبَيِّنَةُ ما ظَهَرَ (p-٧)بُرْهانُهُ في الطَّبْعِ والعِلْمِ والعَقْلِ بِحَيْثُ لا مَندُوحَةَ عَنْ شُهُودِ وُجُودِهِ، وذَلِكَ فِيما أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى يَدَيْهِ مِنَ الإحْياءِ والإماتَةِ الَّذِي هو مِن أعْلى آياتِ اللَّهِ، فَإنَّ كُلَّ بادٍ في الخَلْقِ ومُتَنَزِّلٍ في الأمْرِ فَهو مِن آياتِ اللَّهِ، فَما كانَ أقْرَبَ إلى ما اخْتَصَّ اللَّهُ تَعالى بِهِ كانَ أعْلى وأبْهَرَ، وما كانَ مِمّا يَجْرِي نَحْوُهُ عَلى أيْدِي خَلْقِهِ كانَ أخْفى وألْبَسَ إلّا عَلى مَن نَبَّهَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِاسْتِبْصارِهِ فِيهِ ﴿وأيَّدْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا البالِغَةِ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ في إعْلامِهِ ذِكْرَ ما جَعَلَ تَعالى بَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في كِيانِهِ فَجَرى نَحْوُهُ في عَمَلِهِ مِن واسِطَةِ الرُّوحِ كَما قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ [مريم: ١٧] كَذَلِكَ كانَ فِعْلُهُ مَعَ تَأْيِيدِهِ؛ وفي ذَلِكَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مُوازَنَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، حَيْثُ كانَ أمْرُ مُوسى مِنِ ابْتِداءِ أمْرِ التَّكْلِيمِ الَّذِي هو غايَةُ سُقُوطِ الواسِطَةِ، وكانَ أمْرُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنِ ابْتِداءِ أمْرِ الإحْياءِ الَّذِي هو غايَةُ تَصَرُّفِ المُتَصَرِّفِينَ، انْتَهى.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِمّا في الإنْجِيلِ مِن بَيِّناتِهِ وحِكَمِهِ وآياتِهِ
قالَ مَتّى: أنْتُمْ مِلْحُ الأرْضِ، فَإذا فَسَدَ المِلْحُ فَبِماذا يُمَلَّحُ! لا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ لَكِنْ يُطْرَحُ خارِجًا وتَدُوسُهُ النّاسُ.
وقالَ لُوقا: جَيِّدٌ هو المِلْحُ فَإنْ (p-٨)فَسَدَ بِماذا يُمَلَّحُ! لا يَصْلُحُ لِلْأرْضِ ولا المَزْبَلَةِ لَكِنْ خارِجًا، مَن كانَ لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ. وقالَ مَتّى: أنْتُمْ نُورُ العالَمِ، لا تَسْتَطِيعُ مَدِينَةٌ تَخْفى وهي مَوْضُوعَةٌ عَلى رَأْسِ جَبَلٍ، ولا يُوقَدُ سِراجٌ فَيُوضَعُ تَحْتَ مِكْيالٍ لَكِنْ يُوضَعُ عَلى مَنارَةٍ [و] يُضِيءُ لِكُلِّ مَن في البَيْتِ، هَكَذا فَلْيُضِئْ نُورُكم قُدّامَ النّاسِ لِيَرَوْا أعْمالَكُمُ الحَسَنَةَ ويُمَجِّدُوا أباكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ، لا تَظُنُّوا أنِّي جِئْتُ لِأُخِلَّ النّامُوسَ أوِ الأنْبِياءَ، لَمْ آتِ لِأُخِلَّ بَلْ لِأُكْمِلَ الحَقَّ، أقُولُ لَكم إنَّ السَّماءَ والأرْضَ تَزُولانِ، وخُطَّةٌ واحِدَةٌ لا تَزُولُ مِنَ النّامُوسِ حَتّى يَكُونَ هَذا كُلُّهُ؛ فَمَن أخَلَّ إحْدى هَذِهِ الوَصايا الصِّغارِ وعَلِمَ النّاسُ هَكَذا يُدْعى في مَلَكُوتِ السَّماواتِ صَغِيرًا، والَّذِي يَعْمَلُ ويَعْلَمُ هَذا يُدْعى عَظِيمًا في مَلَكُوتِ السَّماءِ؛ ثُمَّ قالَ: وإذا صَلَّيْتُمْ فَلا تَكُونُوا كالمُرائِينَ، لِأنَّهم يُحِبُّونَ القِيامَ في المَجامِعِ وزَوايا الأزِقَّةِ يُصَلُّونَ لِيُظْهِرُوا لِلنّاسِ الحَقَّ، أقُولُ لَكُمْ: لَقَدْ أخَذُوا أجْرَهُمْ، وإذا صَلَّيْتَ فادْخُلْ (p-٩)إلى مَخْدَعِكَ وأغْلِقْ بابَكَ عَلَيْكَ، وصَلِّ لِأبِيكَ سِرًّا وأبُوكَ يَرى السِّرَّ فَيُعْطِيكَ عَلانِيَةً، وإذا صَلَّيْتُمْ فَلا تُكْثِرُوا الكَلامَ مِثْلَ الوَثَنِيِّينَ، لِأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّهم سَيُسْمَعُ لَهم لِكَثْرَةِ كَلامِهِمْ، فَلا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ، لِأنَّ أباكم عالِمٌ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ قَبْلَ أنْ تَسْألُوهُ، وهَكَذا تُصَلُّونَ أنْتُمْ: أبانا الَّذِي في السَّماواتِ! قُدُّوسٌ اسْمُكَ، يَأْتِي مَلَكُوتُكَ، تَكُونُ مَشِيئَتُكَ كَما في السَّماءِ عَلى الأرْضِ، خُبْزُنا كَفافُنا أعْطِنا في اليَوْمِ، واغْفِرْ لَنا ما يَجِبُ عَلَيْنا كَما غَفَرْنا لِمَن أخْطَأ إلَيْنا، ولا تُدْخِلْنا التَّجارِبَ لَكِنْ نَجِّنا مِنَ الشِّرِّيرِ، لِأنَّ لَكَ المَجْدَ والقُوَّةَ إلى الأبَدِ، آمِينَ. وقالَمُرْقُسُ: وإذا قُمْتُمْ تُصَلُّونَ اغْفِرُوا لِكُلِّ مَن لَكم عَلَيْهِ لِكَيْما أبُوكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ يَتْرُكُ لَكم هَفَواتِكم. وقالَ مَتّى: فَإنْ غَفَرْتُمْ لِلنّاسِ خَطاياهم غَفَرَ لَكم أبُوكُمُ السَّمائِيُّ خَطاياكُمْ، وإنْ لَمْ تَغْفِرُوا لِلنّاسِ سَيِّئاتِهِمْ لَمْ يَغْفِرْ لَكم خَطاياكم. وقالَ لُوقا وكانَ يُصَلِّي في قَفْرٍ فَلَمّا فَرَغَ قالَ واحِدٌ مِن تَلامِيذِهِ: يا رَبُّ! عَلِّمْنا نُصَلِّي كَما عَلَّمَ (p-١٠)يُوحَنّا تَلامِيذَهُ، فَقالَ لَهُمْ: إذا صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أبانا الَّذِي في السَّماواتِ! يَتَقَدَّسُ اسْمُكَ، يَأْتِي مَلَكُوتُكَ، تَكُونُ إرادَتُكَ [كَما] في السَّماءِ كَذَلِكَ عَلى الأرْضِ، خُبْزُنا كَفافُنا أعْطِنا كُلَّ يَوْمٍ، اغْفِرْ لَنا خَطايانا لِأنّا نَغْفِرُ لِمَن لَنا عَلَيْهِ، ولا تُدْخِلْنا التَّجارِبَ لَكِنْ نَجِّنا مِنَ الشِّرِّيرِ؛ ثُمَّ قالَ لَهُمْ: مَن مِنكم لَهُ صَدِيقٌ يَمْضِي إلَيْهِ نِصْفَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ لَهُ: يا صَدِيقِي! هَبْنِي ثَلاثَ خُبْزاتٍ فَإنَّ صَدِيقًا لِي جاءَ [إلَيَّ] مِن طَرِيقٍ ولَيْسَ لِي ما أُقَدِّمُ إلَيْهِ، فَيُجِيبُهُ ذَلِكَ مِن داخِلٍ ويَقُولُ: لا تُتْعِبْنِي قَدْ أغْلَقْتُ بابِي، وأوْلادِي مَعِي عَلى مَرْقَدِي ولا أقْدِرُ أقُومُ فَأُعْطِيَكَ، أقُولُ لَكُمْ: إنْ لَمْ يَقُمْ ويُعْطِهِ مِن أجْلِ الصَّداقَةِ فَيَقُومُ ويُعْطِيهِ مِن أجْلِ الحاجَةِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وأنا أيْضًا أقُولُ لَكُمْ: سَلُوا تُعْطَوْا، اطْلُبُوا تَجِدُوا، اقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ، كُلُّ مَن سَألَ أُعْطِيَ، ومَن طَلَبَ وجَدَ، ومَن يَقْرَعْ يُفْتَحْ لَهُ.
وقالَ مَتّى: وإذا صُمْتُمْ فَلا تَكُونُوا كالمُرائِينَ لِأنَّهم يُعْبِسُونَ وُجُوهَهم ويُغَيِّرُونَها لِيُظْهِرُوا لِلنّاسِ صِيامَهُمُ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ، لَقَدْ أخَذُوا أجْرَهُمْ، وأنْتَ إذا صُمْتَ ادْهُنْ رَأْسَكَ واغْسِلْ وجْهَكَ لِئَلّا يَظْهَرَ لِلنّاسِ صِيامُكَ. وقالَ لُوقا: مَن مِنكم لَهُ عَبْدٌ يَحْرُثُ أوْ يَرْعى فَإذا جاءَ مِنَ الحَقْلِ يَقُولُ لَهُ لِلْوَقْتِ: اصْعَدْ (p-١١)واجْلِسْ، أوْ لَيْسَ يَقُولُ لَهُ: أعِدَّ لِي ما آكُلُهُ وشُدَّ حِقْوَيْكَ، واخْدُمْنِي حَتّى آكُلَ وأشْرَبَ، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ أنْتَ، هَلْ لِذَلِكَ العَبْدِ فَضْلٌ عِنْدَ ما فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ! كَذَلِكَ أنْتُمْ إذا فَعَلْتُمْ كُلَّ شَيْءٍ أُمِرْتُمْ بِهِ قُولُوا: إنّا عَبِيدٌ بَطّالُونَ، إنَّما عَمِلْنا ما يَجِبُ عَلَيْنا؛ وقالَ أيْضًا: فَقالَ لَهُ واحِدٌ مِنَ الجَمْعِ: يا مُعَلِّمُ! قُلْ لِأخِي: يُقاسِمُنِي المِيراثَ، فَقالَ لَهُ: يا إنْسانُ! مَن أقامَنِي عَلَيْكم حاكِمًا أوْ مُقَسِّمًا! وقالَ لَهُمُ: انْظُرُوا وتَحَفَّظُوا مِن كُلِّ الشَّرَهِ لِأنَّ الحَياةَ لَيْسَتْ لِلْإنْسانِ بِكَثْرَةِ مالِهِ، وقالَ لَهم مَثَلًا: إنْسانٌ غَنِيٌّ أخْصَبَتْ لَهُ كُورَةٌ فَفَكَّرَ وقالَ: ماذا أصْنَعُ إذْ لَيْسَ لِي حَيْثُ أضَعُ غَلّاتِي، أهْدِمُ أهْرائِي وأبْنِيها وأُوَسِّعُها وأُخَزِّنُ هُناكَ وأقُولُ لِنَفْسِي: يا نَفْسُ! لَكِ خَيْراتٌ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِسِنِينَ كَثِيرَةٍ، اسْتَرِيحِي وكُلِي واشْرَبِي وافْرَحِي، فَقالَ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: يا جاهِلُ! في هَذِهِ اللَّيْلَةِ تُنْزَعُ نَفْسُكَ وهَذا الَّذِي أعْدَدْتَهُ لِمَن يَكُونُ هَكَذا، مَن يَدَّخِرُ ذَخائِرَ ولَيْسَ هو غَنِيًّا بِاللَّهِ. وقالَ مَتّى: لا تَكْنِزُوا لَكم كُنُوزًا في الأرْضِ حَيْثُ (p-١٢)الآكِلَةُ والسُّوسُ يُفْسِدُ ولا يُنَقِّبُ السّارِقُونَ [يَتَحَيَّلُونَ] فَيَسْرِقُونَ، اكْنِزُوا لَكم كُنُوزًا في السَّماءِ حَيْثُ لا آكِلَةَ ولا سُوسَ يُفْسِدُ ولا يُنَقِّبُ السّارِقُونَ فَيَسْرِقُونَ. وقالَ لُوقا: بِيعُوا أمْتِعَتَكم وأعْطُوا رَحْمَةً فاجْعَلُوا لَكم أكْياسًا لا تَبْلى وكُنُوزًا في السَّماواتِ لا تَفْنى حَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْهِ سارِقٌ ولا يُفْسِدُهُ سُوسٌ. وقالَ مَتّى: لِأنَّهُ حَيْثُ تَكُونُ كُنُوزُكم هُناكَ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ، سِراجُ الجَسَدِ العَيْنُ، فَإنْ كانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ [نَيِّرًا، وإنْ كانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ] مُظْلِمًا، فَإذا كانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلامًا فالظَّلامُ ما هُوَ! لَيْسَ يَسْتَطِيعُ إنْسانٌ يَعْبُدُ رَبَّيْنِ إلّا أنْ يَبْغَضَ الواحِدَ ويُحِبَّ الآخَرَ أوْ يُجِلَّ الواحِدَ ويَحْتَقِرَ الآخَرَ، لا تَقْدِرُونَ أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ والمالَ، فَلِهَذا أقُولُ لَكُمْ: لا تَهْتَمُّوا لِنُفُوسِكم بِما تَأْكُلُونَ أوْ بِما تَشْرَبُونَ ولا لِأجْسادِكم بِما تَلْبَسُونَ، ألْبِسِ النَّفْسَ؛ وقالَ لُوقا: لِأنَّ النَّفْسَ أفْضَلُ مِنَ المَآكِلِ، والجَسَدَ مِنَ اللِّباسِ، انْظُرُوا إلى طُيُورِ السَّماءِ الَّتِي لا تَزْرَعُ ولا تَحْصُدُ ولا تُخَزِّنُ في الأهْراءِ وأبُوكُمُ السَّمائِيُّ يَقُوتُها، (p-١٣)ألَيْسَ أنْتُمْ بِالحَرِيِّينَ أنْ تَكُونُوا أفْضَلَ مِنها؛ وقالَ لُوقا فِيكُمْ: أنْتُمْ أفْضَلُ مِنَ الطُّيُورِ، مَن مِنكم يَهْتَمُّ فَيَقْدِرُ أنْ يَزِيدَ عَلى قامَتِهِ ذِراعًا واحِدًا! فَلِماذا تَهْتَمُّونَ بِاللِّباسِ! اعْتَبِرُوا بِزَهْرِ الحَقْلِ كَيْفَ يَتَرَبّى ولا يَتْعَبُ؛ وقالَ لُوقا: تَأمَّلُوا الزَّهْرَ كَيْفَ يَنْمُو بِغَيْرِ تَعَبٍ ولا عَمَلٍ. انْتَهى. أقُولُ لَكم إنَّ سُلَيْمانَ في كُلِّ مَجْدِهِ لَمْ يَلْبَسْ كَواحِدَةٍ مِنها، فَإذا كانَ زَهْرُ الحَقْلِ يَكُونُ اليَوْمَ وفي غَدٍ يُطْرَحُ في التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللَّهُ هَكَذا فِيكم أنْتُمْ أحْرى يا قَلِيلِي الإيمانِ فَلا تَهْتَمُّوا وتَقُولُوا: ماذا نَأْكُلُ ونَشْرَبُ وماذا نَلْبَسُ؟ هَذا كُلُّهُ يَطْلُبُهُ الأُمَمُ البَرّانِيَّةُ وأبُوكم يَعْلَمُ أنَّكم تَحْتاجُونَ [إلى] هَذا جَمِيعِهِ، اطْلُبُوا أوَّلًا مَلَكُوتَ اللَّهِ وبِرَّهُ وهَذا كُلُّهُ تُزادُونَهُ، لا تَهْتَمُّوا بِالغَدِ، فالغَدُ يَهْتَمُّ بِشَأْنِهِ، ويَكْفِي كُلَّ يَوْمٍ شَرَّهُ؛ وقالَ لُوقا: تَكُونُ أوْساطُكم مَشْدُودَةً وسُرُجُكم مَوْقُودَةً، كُونُوا مُتَشَبِّهِينَ بِأُناسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهم مَتى يَأْتِيهِمْ مِنَ العَرْشِ لِكَيْ إذا جاءَ وقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ، طُوبى لِأُولَئِكَ (p-١٤)العَبِيدِ الَّذِينَ يَأْتِي سَيِّدُهم فَيَجِدُهم مُسْتَيْقِظِينَ! الحَقَّ أقُولُ لَكم إنَّهُ يَشُدُّ وسَطَهُ ويَتَّكِئُونَ هم ويَقِفُ يَخْدُمُهم لِذَلِكَ، فَطُوبى لِأُولَئِكَ العَبِيدِ! ثُمَّ قالَ: فَقالَ لَهُ بُطْرُسُ: يا رَبُّ! مِن أجْلِنا تَقُولُ هَذا المَثَلَ أمْ لِلْجَمِيعِ؟ فَقالَ: مَن تَرى الوَكِيلَ الأمِينَ الحَكِيمَ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلى حَشَمِهِ يُعْطِيهِمْ طَعامَهم في حِينِهِ؟ فَطُوبى لِذَلِكَ العَبْدِ الَّذِي يَأْتِي سَيِّدُهُ فَيَجِدُهُ فَعَلَ هَكَذا! الحَقَّ أقُولُ لَكم إنَّهُ يُقِيمُهُ عَلى جَمِيعِ مالِهِ، فَإنْ قالَ ذَلِكَ العَبْدُ الشِّرِّيرُ في قَلْبِهِ: إنَّ سَيِّدِي يُبْطِئُ قُدُومَهُ ويَأْخُذُ في ضَرْبِ عَبِيدِ سَيِّدِهِ وإمائِهِ ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَسْكَرُ فَيَأْتِي سَيِّدُهُ في يَوْمٍ لا يَظُنُّ وساعَةٍ لا يَعْلَمُ فَيَشُقُّهُ مِن وسَطِهِ ويَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، فَأمّا العَبْدُ الَّذِي يَعْلَمُ إرادَةَ سَيِّدِهِ ولا يَسْتَعِدُّ ويُعْمِلُ إرادَةَ سَيِّدِهِ فَيُضْرَبُ كَثِيرًا، والَّذِي لا يَعْلَمُ ويَعْمَلُ ما يَسْتَوْجِبُ بِهِ الضَّرْبَ يُضْرَبُ يَسِيرًا، لِأنَّ مَن أعْطى كَثِيرًا يَطْلُبُ كَثِيرًا والَّذِي اسْتَوْدَعَ كَثِيرًا يَطْلُبُ بِكَثِيرٍ؛ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: الأمِينُ في القَلِيلِ يَكُونُ أمِينًا في الكَثِيرِ، والظّالِمُ في القَلِيلِ ظالِمٌ في الكَثِيرِ، فَإنْ كُنْتُمْ غَيْرَ أُمَناءٍ في مالِ الظُّلْمِ فَمَن يَأْتَمِنُكم في الحَقِّ! وإنْ كُنْتُمْ غَيْرَ أُمَناءٍ فِيما لَيْسَ لَكم فَمَن يُعْطِيكم مالَكُمْ! جِئْتُ لِأُلْقِيَ نارًا في الأرْضِ وما أُرِيدُ إلّا (p-١٥)اضْطِرامَها، ولِي صِبْغَةٌ أصْطَبِغُها، وأنا مُجِدٌّ لِتُكْمِلَ، هَلْ تَظُنُّونَ أنِّي جِئْتُ لِألْقى سَلامَةً في الأرْضِ! أقُولُ لَكُمْ: يَكُونُ افْتِراقٌ مِنَ الآنَ، يَكُونُ خَمْسَةٌ في بَيْتٍ، واحِدٌ يُخالِفُ اثْنَيْنِ واثْنانِ ثَلاثَةً، يُخالِفُ الأبُ ابْنَهُ، والِابْنُ أباهُ، والأُمُّ ابْنَتَها، والِابْنَةُ أُمَّها، والحَمْأةُ كَنَّتَها، والكَنَّةُ حَمْأتَها. وقالَ مَتّى: لا تُدِينُوا لِئَلّا تُدانُوا، وبِالكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكالُ لَكم. وقالَ لُوقا: لا تُحِبُّوا الحُكْمَ عَلى أحَدٍ لِئَلّا يُحْكَمَ عَلَيْكُمُ، اغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، أعْطُوا تُعْطَوْا بِمِكْيالٍ صالِحٍ مَمْلُوءٍ فائِضٍ مُلْقىً في حُضُونِكُمْ، لِأنَّهُ بِالكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكالُ لَكُمْ، هَلْ يَسْتَطِيعُ أعْمى أنْ يَقُودَ أعْمى! ألَيْسَ يَقَعانِ كِلاهُما في حُفْرَةٍ! وقالَ مَتّى: لِما [ذا] تَنْظُرُ القَذى الَّذِي في عَيْنِ أخِيكَ ولا تَفْطُنُ بِالخَشَبَةِ الَّتِي في عَيْنِكَ، وكَيْفَ تَقُولُ لِأخِيكَ: دَعْنِي أُخْرِجِ القَذى مِن عَيْنِكَ.
وفِي عَيْنِكَ خَشَبَةٌ يا مُرائِي! أخْرِجْ أوَّلًا الخَشَبَةَ مِن عَيْنِكَ وحِينَئِذٍ تَنْظُرُ أنْ تُخْرِجَ القَذى مِن عَيْنِ أخِيكَ، لا تُعْطُوا القُدْسَ لِلْكِلابِ، ولا تُلْقُوا جَواهِرَكم أمامَ الخَنازِيرِ لِئَلّا تَدُوسَها بِأرْجُلِها وتَرْجِعَ فَتُزْمِنَكُمْ، (p-١٦)سَلُوا تُعْطَوُا، اطْلُبُوا تَجِدُوا، اقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكم. لِأنَّ كُلَّ مَن يَطْلُبْ يَجِدْ، [ومَن سَألَ يُعْطَ] ومَن يَقْرَعْ يُفْتَحْ لَهُ، أيُّ إنْسانٍ مِنكم يَسْألُهُ ابْنُهُ خُبْزًا فَيُعْطِيهِ حَجَرًا! أوْ يَسْألُهُ سَمَكَةً فَيُعْطِيهِ حَيَّةً! فَإذا كُنْتُمْ أنْتُمُ الأشْرارُ تَعْرِفُونَ تَمْنَحُونَ العَطايا الصّالِحَةَ لِأبْنائِكم فَكَمْ بِالحَرِيِّ أبُوكُمُ الَّذِي في السَّماواتِ يُعْطِي الخَيْراتِ لِمَن يَسْألُهُ! وكُلُّ ما تُرِيدُونَ أنْ يَفْعَلَ النّاسُ افْعَلُوهُ أنْتُمْ بِهِمْ؛ فَهَذا هو النّامُوسُ والأنْبِياءُ.
قالَ لُوقا: وزَوالُ السَّماءِ والأرْضِ أسْهَلُ مِن أنْ يَبْطُلَ مِنَ النّامُوسِ حَرْفٌ واحِدٌ؛ وقالَ أيْضًا وقالَ لَهم مَثَلًا: لِكَيْ يُصَلُّوا كُلَّ حِينٍ ولا يَمَلُّوا؛ قالَ: كانَ قاضٍ في مَدِينَةٍ لا يَخافُ اللَّهَ تَعالى ولا يَسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ وكانَ في تِلْكَ المَدِينَةِ أرْمَلَةٌ وكانَتْ تَأْتِي إلَيْهِ وتَقُولُ: أنْصِفْنِي مِن خَصْمِي، ولَمْ يَكُنْ يَشاءُ إلى زَمانٍ، وبَعْدَ ذَلِكَ قالَ في نَفْسِهِ: إنْ كُنْتُ لا أخافُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا أسْتَحْيِي مِنَ النّاسِ لَكِنْ مِن أجْلِ هَذِهِ المَرْأةِ أحْكُمُ لَها ولا تَعُودُ تُعَنِّفُنِي وتَأْتِي إلَيَّ في كُلِّ حِينٍ لِتُتْعِبَنِي! قالَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى: اسْمَعُوا ما قالَ قاضِي الظُّلْمِ، (p-١٧)أفَلَيْسَ اللَّهُ أحْرى أنْ يَنْتَقِمَ لِمُخْتارِيهِ الَّذِينَ يَدْعُونَهُ النَّهارَ واللَّيْلَ! نَعَمْ أقُولُ لَكم إنَّهُ يَنْتَقِمُ لَهم سَرِيعًا.
وقالَ مَتّى: ادْخُلُوا مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، فَإنَّ المَسْلَكَ واسِعٌ، والطَّرِيقَ المُؤَدِّيَةَ إلى الهَلاكِ رَحْبَةٌ، والدّاخِلِينَ فِيها كَثِيرٌ هُمْ، ما أضْيَقَ البابَ وأكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّتِي تُؤَدِّي إلى الحَياةِ! وقَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَها احْذَرُوا مِنَ الأنْبِياءِ الكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكم بِلِباسِ الحِمْلانِ وداخِلُهم ذِئابٌ خَطَفَةٌ، ومِن ثِمارِهِمْ فاعْرِفُوهُمْ، هَلْ يُجْمَعُ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبٌ ومِنَ العَوْسَجِ تِينٌ! هَكَذا كُلُّ شَجَرَةٍ [صالِحَةٍ] تُخْرِجُ ثَمَرَةً جَيِّدَةً، والشَّجَرَةُ الرَّدِيئَةُ تُخْرِجُ ثَمَرَةً شِرِّيرَةً، لا تَقْدِرُ شَجَرَةٌ صالِحَةٌ تُخْرِجُ ثَمَرَةً شِرِّيرَةً، ولا شَجَرَةٌ رَدِيئَةٌ تُخْرِجُ ثَمَرَةً جَيِّدَةً.
وقالَ لُوقا: وكُلُّ شَجَرَةٍ تُعْرَفُ مِن ثَمَرَتِها لَيْسَ يُجْمَعُ مِنَ الشَّوْكِ تِينٌ، ولا يُقْطَفُ مِنَ العُلَّيْقِ عِنَبٌ، الرَّجُلُ الصّالِحُ مِنَ الذَّخائِرِ الَّتِي في قَلْبِهِ يُخْرِجُ الصّالِحاتِ، والشِّرِّيرُ مِن ذَخائِرِهِ الشِّرِّيرَةِ يُخْرِجُ الشَّرَّ، لِأنَّ مِن فَضْلِ ما في القَلْبِ يَنْطِقُ الفَمُ.
(p-١٨)وقالَ مَتّى: وكُلُّ شَجَرَةٍ لا تُثْمِرُ ثَمَرَةً جَيِّدَةً تُقْطَعُ وتُلْقى في النّارِ، فَمِن ثِمارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ، لَيْسَ كُلُّ مَن يَقُولُ: يا رَبُّ! يا رَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ، لَكِنِ الَّذِي يُعْمِلُ إرادَةَ الَّذِي في السَّماواتِ أيْ أمْرَهُ، كَثِيرُونَ يَقُولُونَ لِي في ذَلِكَ اليَوْمِ: يا رَبُّ! يا رَبُّ! ألَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنا وبِاسْمِكَ أخْرَجْنا الشَّياطِينَ وبِاسْمِكَ صَنَعْنا آياتٍ كَثِيرَةً! فَحِينَئِذٍ أعْتَرِفُ لَهم أنِّي ما أعْرِفُكم قَطُّ، اذْهَبُوا عَنِّي يا فاعِلِي الإثْمِ.
وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُ واحِدٌ: يا رَبُّ! قَلِيلٌ هُمُ الَّذِينَ يَنْجُونَ! فَقالَ: احْرِصُوا عَلى الدُّخُولِ مِنَ البابِ الضَّيِّقِ، فَإنِّي أقُولُ لَكم إنَّ كَثِيرًا يُرِيدُونَ الدُّخُولَ مِنهُ فَلا يَسْتَطِيعُونَ، فَإذا قامَ رَبُّ البَيْتِ يُغْلِقُ البابَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقِفُونَ خارِجًا ويَقْرَعُونَ البابَ ويَقُولُونَ: يا رَبُّ! يا رَبُّ! افْتَحْ لَنا، فَيُجِيبُ: لا أعْرِفُكُمْ، مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أكَلْنا قُدّامَكَ وشَرِبْنا، فَيَقُولُ: ما أعْرِفُكُمْ، مِن أيْنَ أنْتُمْ؟ تَباعَدُوا عَنِّي بِأعْمالِ الظُّلْمِ، هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ وصَرِيرُ الأسْنانِ.
قالَ مَتّى: كُلُّ مَن يَسْمَعُ كَلِماتِي هَذِهِ ويَعْمَلُ بِها يُشْبِهُ رَجُلًا عاقِلًا بَنى بَيْتَهُ عَلى الصَّخْرَةِ.
وقالَ لُوقا: بَنى بَيْتًا وحَفَرَ وعَمَّقَ ووَضَعَ الأساسَ عَلى صَخْرَةٍ، فَنَزَلَ المَطَرُ وجَرَتِ الأنْهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ وضَرَبَتْ ذَلِكَ البَيْتَ فَلَمْ يَسْقُطْ، لِأنَّ أساسَهُ ثابِتٌ عَلى الصَّخْرَةِ، وكُلُّ مَن يَسْمَعُ كَلِماتِي هَذِهِ (p-١٩)ولا يَعْمَلُ بِها يُشْبِهُ رَجُلًا جاهِلًا بَنى بَيْتَهُ عَلى الرَّمْلِ، فَنَزَلَ المَطَرُ وجَرَتِ الأنْهارُ وهَبَّتِ الرِّياحُ وضَرَبَتْ ذَلِكَ البَيْتَ فَسَقَطَ وكانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا. وكانَ لَمّا أكْمَلَ يَشُوعُ هَذِهِ الكَلِماتِ بُهِتَ الجَمِيعُ مِن تَعْلِيمِهِ، لِأنَّهُ كانَ يُعَلِّمُهم كَمَن لَهُ سُلْطانٌ ولَيْسَ كَمِثْلِ كُتّابِهِمْ.
وفِيهِ مِمّا يَمْتَنِعُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا لَفْظُ الأبِ والرَّبِّ وسَيَأْتِي في آلِ عِمْرانَ ما يَشْفِي العَلِيلَ في تَأْوِيلِ مِثْلِ ذَلِكَ عَلى تَقْرِيرِ صِحَّتِهِ. وكُلُّ ما ورَدَ مِن وصْفِ الأنْبِياءِ بِالكَذَبَةِ فالمُرادُ بِهِ المُدَّعِي لِلنُّبُوَّةِ كَذِبًا.
ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى أرْسَلَ رُسُلًا وأنْزَلَ مَعَهم كُتُبًا، وأنَّهم تَعِبُوا ومَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى جَمَعُوا النّاسَ عَلى الحَقِّ، وأنَّ أتْباعَهُمُ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ كانَ مِمّا يَتَوَجَّهُ النَّفْسَ لِلسُّؤالِ عَنْهُ سَبَبُ اخْتِلافِهِمْ، فَبَيَّنَ أنَّهُ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا غَيْرُ إعْلامًا بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَساوى بَيْنَ الرُّسُلِ في الفَضِيلَةِ، ولَوْ شاءَ لَساوى بَيْنَ أتْباعِهِمْ في قَبُولِ ما أتَوْا بِهِ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِمُ اثْنانِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ فاخْتَلَفُوا عَلَيْهِمْ وهم يُشاهِدُونَ البَيِّناتِ، وعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَسْلِيَةً لِنَبِيِّهِ ﷺ لافِتًا القَوْلَ إلى التَّعْبِيرِ بِالجَلالَةِ إشارَةً إلى أنَّ الِاخْتِلافَ (p-٢٠)مَعَ دَلالَةِ العَقْلِ عَلى أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِ شاهِدٌ لِلْخالِقِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي كَلِمَةٌ جامِعَةٌ قُرْآنِيَّةٌ مُحَمَّدِيَّةٌ تُشْهِدُ اللَّهَ وحْدَهُ وتَمْحُو عَنِ الإقامَةِ ما سِواهُ، انْتَهى.
﴿ما اقْتَتَلَ﴾ أيْ ما تَكَلَّفَ القِتالَ مَعَ أنَّهُ مَكْرُوهٌ لِلنُّفُوسِ ﴿الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى ما فارَقُوا عَلَيْهِ نَبِيَّهم مِنَ الهُدى. قالَ الحَرالِّيُّ: فَذَكَرَ الِاقْتِتالَ الَّذِي إنَّما يَقَعُ بَعْدَ فِتْنَةِ المَقالِ بَعْدَ فِتْنَةِ الأحْوالِ بِالضَّغائِنِ والأحْقادِ بَعْدَ فَقْدِ السَّلامَةِ بَعْدَ فَقْدِ الوِدادِ بَعْدَ فَقْدِ المَحَبَّةِ [الجامِعَةِ] لِلْأُمَّةِ مَعَ نَبِيِّها، انْتَهى ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيْ عَلى أيْدِي رُسُلِهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: فِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الوَسائِلَ والأسْبابَ لا تَقْتَضِي آثارَها إلّا بِإمْضاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ فِيها. انْتَهى.
﴿ولَكِنِ اخْتَلَفُوا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَشَإ اتِّفاقَهم عَلى الهُدى ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اخْتِلافِهِمْ أنْ كانَ مِنهم ﴿مَن آمَنَ﴾ أيْ ثَبَتَ عَلى ما فارَقَ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ حَسْبَما دَعَتْ إلَيْهِ البَيِّناتُ فَكانَ إيمانُهُ هَذا هو الإيمانَ في الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ أعْرَقُ في أمْرِ الغَيْبِ ﴿ومِنهم مَن كَفَرَ﴾ ضَلالًا عَنْها أوْ عِنادًا.
ولَمّا كانَ [مِنَ] النّاسِ مَن أعْمى اللَّهُ قَلْبَهُ فَنَسَبَ أفْعالَ المُخْتارِينَ (p-٢١)مِنَ الخَلْقِ إلَيْهِمُ اسْتِقْلالًا قالَ تَعالى مُعْلِمًا أنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ تَأْكِيدًا لِما مَضى مِن ذَلِكَ مُعِيدًا ذِكْرَ الِاسْمِ الأعْظَمِ إشارَةً إلى عِظَمِ الحالِ في أمْرِ القِتالِ الكاشِفِ لِمَن باشَرَهُ في ضَلالٍ عَنْ أقْبَحِ الخِلالِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿ما اقْتَتَلُوا﴾ بَعْدَ اخْتِلافِهِمْ بِالإيمانِ والكُفْرِ، وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ زِيادَةً في الإعْلامِ بِعِظَمِ المَقامِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وعِزِّ كَمالِهِ شاءَ اقْتِتالَهم فَإنَّهُ ﴿يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ فاخْتَلَفُوا واقْتَتَلُوا طَوْعَ مَشِيئَتِهِ عَلى خِلافِ طِباعِهِمْ وما يُناقِضُ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ.
البقرة 2:254
ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ عَلى الأنْبِياءِ سَبَبًا لِلْجِهادِ الَّذِي هو حَظِيرَةُ الدِّينِ وكانَ عِمادُ [الجِهادِ] النَّفَقَةَ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ رُجُوعًا إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن هُنا إلى آخِرِها وإلى التَّأْكِيدِ بِلَفْظِ الأمْرِ لِما تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ النَّفَقَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ (p-٢٢)بِالإيمانِ ﴿أنْفِقُوا﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم في جَمِيعِ أبْوابِ الجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ ولا تَبْخَلُوا فَأيُّ داءٍ أدْوَأُ مِنَ البُخْلِ، ومَن يُوقَ شَحَّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هم المُفْلِحُونَ.
ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ هَوَّنَهُ عَلَيْهِمْ بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَهُ لا لَهم فَقالَ: ﴿مِمّا﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي ورَدَّ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ حَثًّا عَلى المُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ الأمْرِ وتَقْبِيحًا بِحالِ مَن أبْطَأ عَنْهُ فَقالَ: ﴿رَزَقْناكُمْ﴾ (p-٢٣)بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وجَزَمَ هُنا بِالأمْرِ لِأنَّهُ لَمّا رَغَّبَ في النَّفَقَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى في أسالِيبَ مُتَعَدِّدَةٍ صارَتْ دَواعِي العُقَلاءِ في دَرَجَةِ القَبُولِ لِما تُنْدَبُ إلَيْهِ مِن أمْرِها وإنْ كانَ الخُرُوجُ عَمّا في اليَدِ في غايَةِ الكَراهَةِ إلى النَّفْسِ، وصَرَفَ الأمْرَ بِالتَّبْعِيضِ إلى الحَلالِ الطَّيِّبِ، فَمَنَعَ احْتِجاجَ المُعْتَزِلَةِ بِها في أنَّ الرِّزْقَ لا يَكُونُ إلّا حَلالًا لِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ، وأتْبَعَهُ بِما يُرَغِّبُ ويُرَهِّبُ مِن حالِ يَوْمِ التَّنادِ الَّذِي تَنْقَطِعُ فِيهِ الأسْبابُ الَّتِي أقامَها سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ الدّارِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ مَوْجُودٌ ﴿ولا خُلَّةٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي مِمّا مِنهُ المُخالَلَةُ وهي المُداخَلَةُ فِيما يَقْبَلُ التَّداخُلَ حَتّى يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ خِلالَ الآخَرِ، ومَوْقِعُ مَعْناها المُوافَقَةُ في وصْفِ الرِّضى والسُّخْطِ، فالخَلِيلُ مِن رِضاهُ رِضى خَلِيلِهِ وفِعالُهُ مِن فِعالِهِ. انْتَهى.
﴿ولا شَفاعَةٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يُفْدى فِيهِ أسِيرٌ بِمالٍ، ولا يُراعى لِصَداقَةٍ مِن مُساوٍ ولا شَفاعَةٍ مِن كَبِيرٍ، لِعَدَمِ إرادَةِ اللَّهِ (p-٢٤)سُبْحانَهُ وتَعالى لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ولا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ، وفي الآيَةِ التِفاتٌ شَدِيدٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ حَيْثُ وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإنْفاقِ مِمّا رَزَقَهم والإيقانِ بِالآخِرَةِ، وبَيانٌ لِأنَّ المُرادَ بِالإنْفاقِ أعَمُّ مِنَ الزَّكاةِ وأنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الإنْفاقِ مِن جَمِيعِ المَعادِنِ والحُظُوظِ الَّتِي تُكْسِبُ المَعالِي وتُنْجِي مِنَ المَهالِكِ، وسَيَأْتِي في الآياتِ الحاثَّةِ عَلى النَّفَقَةِ ما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧١] وغَيْرِها وقالَ الحَرالِّيُّ: فانْتَظَمَ هَذا الِانْتِهاءَ في الخِطابِ بِما في ابْتِداءِ السُّورَةِ مِنَ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [البقرة: ٣] إلى قَوْلِهِ ﴿المُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] فَلِذَلِكَ وقَعَ بَعْدَ هَذا الِانْتِهاءِ افْتِتاحُ آيَةٍ هي سَيِّدَةُ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ المُنْتَظَمَةِ بِأوَّلِها انْتِظامًا مَعْنَوِيًّا بِرَأْسِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢] فَكانَ في إشارَةِ هَذا الِانْتِظامِ تَوْطِئَةٌ لِما أفْصَحَ بِهِ الخِطابُ في فاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِما ذُكِرَ مِن أنَّ القُرْآنَ مَثانِي إفْهامٍ وحَمْدٍ. فَكانَ أوَّلُهُ حَمْدًا وآخِرُهُ حَمْدًا يَنْثَنِي ما بَيْنَ الحَمْدَيْنِ عَلى أوَّلِهِ، كَما قالَ ”حَمِدَنِي عَبْدِي، أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي“ فَجُمْلَتُهُ حَمْدٌ وتَفاصِيلُهُ ثَناءٌ. انْتَهى.
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الإنْفاقِ خَتَمَ الآيَةَ بِذَمِّ الكافِرِينَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتَحَلَّوْا بِهَذِهِ الصِّفَةِ لِتَخَلِّيهِمْ مِنَ الإيمانِ وبُعْدِهِمْ عَنْهُ وتَكْذِيبِهِمْ (p-٢٥)بِذَلِكَ اليَوْمِ فَهم لا يُنْفِقُونَ لِخَوْفِهِ ولا رَجائِهِ فَقالَ بَدَلَ، ولا نُصْرَةَ لِكافِرٍ: ﴿والكافِرُونَ﴾ أيِ المَعْلُومُ كُفْرُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهَذا العَطْفُ يُرْشِدُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فالَّذِينَ آمَنُوا يَفْعَلُونَ ما أمَرْناهم بِهِ لِأنَّهُمُ المُحِقُّونَ، والكافِرُونَ ﴿هُمُ﴾ المُخْتَصُّونَ بِأنَّهُمُ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الظُّلْمِ لا غَيْرُهُمْ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الظّالِمَ خاسِرٌ وأنَّهُ مَخْذُولٌ غَيْرُ مَنصُورٍ، لِأنَّهُ يَضَعُ الأُمُورَ في غَيْرِ مَواضِعِها، ومَن كانَ كَذَلِكَ لا يَثْبُتُ لَهُ أمْرٌ ولا يَرْتَفِعُ لَهُ شَأْنٌ بَلْ هو دائِمًا عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، ولِأجْلِ ذَلِكَ يَخْتِمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَثِيرًا مِن آياتِهِ بِقَوْلِهِ ”وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصار“ فَقَدِ انْتَفى بِذَلِكَ جَمِيعُ أنْواعِ الخَلاصِ المَعْهُودَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الافْتِداءِ بِالمالِ والمُراعاةِ لِصَداقَةٍ أوْ عَظَمَةِ ذِي شَفاعَةٍ أوْ نُصْرَةٍ بِقُوَّةٍ.
البقرة 2:255
ولَمّا ابْتَدَأ سُبْحانَهُ وتَعالى الفاتِحَةَ كَما مَضى بِذِكْرِ الذّاتِ، ثُمَّ تَعَرَّفَ بِالأفْعالِ لِأنَّها مُشاهَداتٌ، ثُمَّ رَقّى الخِطابَ إلى التَّعْرِيفِ بِالصِّفاتِ، ثُمَّ أعْلاهُ رُجُوعًا إلى الذّاتِ لِلتَّأهُّلِ لِلْمَعْرِفَةِ ابْتَدَأ هَذِهِ السُّورَةَ بِصِفَةِ الكَلامِ لِأنَّها أعْظَمُ المُعْجِزاتِ وأبْيَنُها وأدَلُّها عَلى غَيْبِ الذّاتِ وأوْقَعُها (p-٢٦)فِي النُّفُوسِ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ، ثُمَّ تَعَرَّفَ بِالأفْعالِ فَأكْثَرَ مِنها. فَلَمّا لَمْ يَبْقَ لَبْسٌ أثْبَتَ الوَحْدانِيَّةَ بِآيَتِها السّابِقَةِ مُخَلِّلًا ذَلِكَ بِأفانِينِ الحُكْمِ ومَحاسِنِ الأحْكامِ وأنْواعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ في مُحْكَمِ الوَصْفِ والتَّرْتِيبِ فَلَمّا تَمَّتِ الأوامِرُ وهالَتْ تِلْكَ الزَّواجِرُ [وتَشَوَّقَتِ الأنْفُسُ] وتَشَوَّفَتِ الخَواطِرُ إلى مَعْرِفَةِ سَبَبِ انْقِطاعِ الوَصْلِ بِانْبِتارِ الأسْبابِ وانْتِفاءِ الشَّفاعَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، إذْ كانَ المَأْلُوفُ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا أنَّهم لا يَكادُونَ يَتَمَكَّنُونَ مِن أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ حَقَّ التَّمَكُّنِ مِن كَثْرَةِ الشُّفَعاءِ والرّاغِبِينَ مِنَ الأصْدِقاءِ، إذْ كانَ المَلِكُ مِنهم لا يَخْلُو مَجْلِسُهُ قَطُّ عَنْ جَمْعٍ كُلٌّ مِنهم صالِحٌ لِلْقِيامِ مَقامَهُ ولَوْ خَذَلَهُ أوْ وجَّهَ إلَيْهِ مَكْرَهُ ضَعْضَعَ أمْرُهُ وفَتَّ في عَضُدِهِ فَهو مُحْتاجٌ إلى مُراعاتِهِمْ واسْتِرْضائِهِمْ ومُداراتِهِمْ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى صِفَةَ الآمِرِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ ونُفُوذِ الأمْرِ والعُلُوِّ عَنِ الصَّدِّ والتَّنَزُّهِ عَنِ الكُفْرِ والنِّدِّ والتَّفَرُّدِ بِجَمِيعِ الكَمالاتِ والهَيْبَةِ المانِعَةِ بَعْدَ انْكِشافِها هُناكَ أتَمَّ انْكِشافٍ لِأنْ تَتَوَجَّهَ الهِمَمُ لِغَيْرِهِ وأنْ تَنْطِقَ بِغَيْرِ إذْنِهِ وأنْ يَكُونَ غَيْرَ ما يُرِيدُ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى قَبُولِ أمْرِهِ والوُقُوفِ عِنْدَ نَهْيِهِ وزَجْرِهِ، ولِأجْلِ هَذِهِ الأغْراضِ ساقَ الكَلامَ مَساقَ جَوابِ السُّؤالِ فَكَأنَّهُ (p-٢٧)قِيلَ: هَذا ما لا يُعْرَفُ مِن أحْوالِ المُلُوكِ فَمَنِ المَلِكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ؟ فَذَكَرَ آيَةَ الكُرْسِيِّ [سَيِّدَةَ] آيِ القُرْآنِ الَّتِي ما اشْتَمَلَ كِتابٌ عَلى مِثْلِها مُفْتَتِحًا لَها بِالِاسْمِ العَلَمِ الفَرْدِ الجامِعِ الَّذِي لَمْ يَتَسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، وذَلِكَ لَمّا تَأهَّلَ السّامِعُ بَعْدَ التَّعَرُّفِ بِالكَلامِ والتَّوَدُّدِ بِالأفْعالِ لِمَقامِ المَعْرِفَةِ فَتَرَقّى إلى أوْجِ المُراقَبَةِ وحَضْرَةِ المُشاهَدَةِ فَقالَ عائِدًا إلى مَظْهَرِ الجَلالِ الجامِعِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ مَقاماتِهِ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ هو المَلِكُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ثُمَّ أثْبَتَ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ (p-٢٨)مُنَزِّهًا عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ مُفْتَتِحًا لَها بِالتَّفَرُّدِ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُقَرِّرًا لِكَمالِ التَّوْحِيدِ، فَإنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن جَمِيعِ الشَّرائِعِ ولَكِنَّ الإنْسانَ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ لا بُدَّ [لَهُ] مِن تَرْغِيبٍ يَشُدُّهُ وتَرْهِيبٍ يَرُدُّهُ ومَواعِظَ تُرَفِّقُهُ وأعْمالٍ تَصْدُقُهُ وأخْلاقٍ تُحَقِّقُهُ، فَخَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى آيَ التَّوْحِيدِ بِالأحْكامِ والقِصَصِ، والأحْكامُ تُفِيدُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ فَتَرْفَعُ أسْتارَ الغَفْلَةِ عَنْ عُيُونِ القُلُوبِ وتُكْسِبُ الأخْلاقَ الفاضِلَةَ لِتَصْقُلَ الصَّدَأ عَنْ مَرائِي النُّفُوسِ فَتَتَجَلّى فِيها حَقائِقُ التَّوْحِيدِ، والقِصَصُ تُلْزِمُ بِمَواعِظِها واعْتِباراتِها بِالأحْكامِ وتُقَرِّرُ دَلائِلَ المَعارِفِ فَيَرْسُخُ التَّوْحِيدُ، وكانَ هَذا التَّفْصِيلُ لِأنَّهُ أنْشَطُ لِلنَّفْسِ بِالِانْتِقالِ مِن نَوْعٍ إلى آخَرَ مَعَ الهَزِّ بِحُسْنِ النَّظْمِ وبَلاغَةِ التَّناسُبِ والإلْهابِ بِبَداعَةِ الرَّبْطِ وبَراعَةِ التَّلاحُمِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أتى بِالخِطابِ عَلى بَيانِ جَوامِعٍ مِن مَعالِمِ الدِّينِ وجِهاتِ الِاعْتِبارِ وبَيانِ أحْكامِ الجِهادِ (p-٢٩)والإنْفاقِ فِيهِ فَتَمَّ الدِّينُ بِحَظِيرَتِهِ مَعالِمَ إسْلامٍ وشَعائِرَ إيمانٍ ولَمْحَةَ إحْسانٍ أعْلى تَعالى الخِطابَ إلى بَيانِ أمْرِ الإحْسانِ كَما اسْتَوْفى البَيانَ في أمْرِ الإيمانِ والإسْلامِ فاسْتَفْتَحَ هَذا الخِطابَ العَلِيَّ الَّذِي يَسُودُ كُلَّ خِطابٍ لِيُعْلِيَ بِهِ الَّذِينَ آمَنُوا فَيُخْرِجَهم بِهِ مِن ظُلْمَةِ الإيمانِ بِالغَيْبِ الَّذِي نُورُهُ يُذْهِبُ ظُلْمَةَ الشَّكِّ والكُفْرِ إلى صَفاءِ ضِياءِ الإيقانِ الَّذِي يَصِيرُ نُورُ الإيمانِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ ظُلْمَةً كَما يَصِيرُ نُورُ القَمَرِ عِنْدَ ضِياءِ الشَّمْسِ ظُلْمَةً، فَكانَتْ نِسْبَةُ هَذِهِ الآيَةِ مِن آيَةِ الإلَهِيَّةِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بَعْدَها مِنَ الاعْتِبارِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ نِسْبَةَ ما بَيْنَ عُلُوِّ اسْمِهِ اللَّهِ الَّذِي لَمْ يَقَعْ فِيهِ شِرْكٌ بِحَقٍّ ولا بِباطِلٍ إلى اسْمِهِ الإلَهِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ الشِّرْكُ بِالباطِلِ فَيَنْقُلُ تَعالى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَقَرَّ لَهم إيمانُ الِاعْتِبارِ بِآيَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] وما بَعْدَها مِنَ الاعْتِبارِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ إلى يَقِينِ العِيانِ بِاسْمِهِ ”الله“ وما يَلْتَئِمُ بِمَعْناهُ مِن أوْصافِهِ العَظِيمَةِ. انْتَهى.
ولَمّا وحَّدَ سُبْحانَهُ وتَعالى نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ أثْبَتَ اسْتِحْقاقَهُ لِذَلِكَ بِحَياتِهِ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ بِوَصْفِ القَيُّومِيَّةِ فَقالَ: (p-٣٠)﴿الحَيُّ﴾ [أيِ الَّذِي لَهُ الحَياةُ وهي صِفَةٌ تُوجِبُ صِحَّةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ أيِ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يَعْلَمَ ويَقْدِرَ] ﴿القَيُّومُ﴾ أيِ القائِمُ بِنَفْسِهِ المُقِيمُ لِغَيْرِهِ عَلى الدَّوامِ عَلى أعْلى ما يَكُونُ مِنَ القِيامِ والإقامَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَيْعُولُ زِيدَتْ في أُصُولِهِ الياءُ لِيَجْتَمِعَ فِيهِ لَفْظُ ما هو مِن مَعْناهُ الَّذِي هو القِيامُ بِالأمْرِ مَعَ واوِهِ الَّتِي هي مِن قامَ يَقُومُ فَأفادَتْ صِيغَتُهُ مِنَ المُبالَغَةِ ما في القَيّامِ والقَوّامِ عَلى حَدِّ ما تُفْهِمُهُ مَعانِي الحُرُوفِ عِنْدَ المُخاطَبَةِ بِها مِن أئِمَّةِ العُلَماءِ الوالِجِينَ في مَدِينَةِ العِلْمِ المُحَمَّدِيِّ مِن بابِهِ العَلَوِيِّ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ قَيُّومِيَّتَهُ وكَمالَ حَياتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: هي مَجالُ النُّعاسِ في العَيْنَيْنِ قَبْلَ أنْ يَسْتَغْرِقَ الحَواسَّ ويُخامِرَ القَلْبَ ﴿ولا نَوْمٌ﴾ وهو ما وصَلَ مِنَ النُّعاسِ إلى القَلْبِ فَغَشِيَهُ (p-٣١)فِي حَقِّ مَن يَنامُ قَلْبُهُ وما اسْتَغْرَقَ الحَواسَّ في حَقِّ مَن لا يَنامُ قَلْبُهُ. انْتَهى، ولَمّا عَبَّرَ بِالأخْذِ الَّذِي هو بِمَعْنى القَهْرِ والغَلَبَةِ وجَبَ تَقْدِيمُ السِّنَةِ، كَما لَوْ قِيلَ: فُلانٌ لا يَغْلِبُهُ أمِيرٌ ولا سُلْطانٌ، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ بِيَدِهِ وفي تَصَرُّفِهِ واخْتِصاصِهِ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الأرْضُ ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ مِنَ السِّنَةِ والنَّوْمِ وغَيْرِهِما إبْداعًا ودَوامًا وما هو في قَبْضَتِهِ وتَصَرُّفِهِ لا يَغْلِبُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وسَلَبَ بِالجُمْلَةِ الأُولى أمْرَ المَلَكُوتِ مِن أيْدِي المَلائِكَةِ إلى قَهْرِ جَبَرُوتِهِ والآثارَ مِن نُجُومِ الأفْلاكِ إلى جَبْرِهِ، وسَلَبَ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ الآثارَ والصَّنائِعَ مِن أيْدِي خَلِيفَتِهِ وخَلِيقَتِهِ إلى قَضائِهِ وقَدَرِهِ وظُهُورِ قُدْرَتِهِ، فَكانَ هَذا الخِطابُ بِما أبْدى لِلْفَهْمِ إقامَةَ قِيامِهِ عَلى مَجْعُولِ الحِكْمَةِ الأرْضِيَّةِ والسَّمائِيَّةِ الَّتِي هي حِجابُ قَيُّومِيَّتِهِ سَلْبًا لِقِيامِ ما سِواهُ. انْتَهى.
ثُمَّ بَيَّنَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلى مَن رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ شَيْئًا يَخْرُجُ عَنْ أمْرِهِ فَلا يَكُونُ مُخْتَصًّا بِهِ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ أيْ مِمّا ادَّعى الكُفّارُ شَفاعَتَهُ وغَيْرِهِ ﴿عِنْدَهُ إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِهِ لِأنَّ (p-٣٢)مَن لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ كانَ مِنَ البَيِّنِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَفَرُّدِهِ بِالإلَهِيَّةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وحَقِيقَةُ الشَّفاعَةِ وصْلَةٌ بَيْنَ الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ لَهُ لِمَزِيَّةِ وصْلَةٍ بَيْنَ الشَّفِيعِ والمَشْفُوعِ عِنْدَهُ، فَكانَ الإذْنُ في باطِنِ الشَّفاعَةِ حَظًّا مِن سَلْبِ ما لِلشُّفَعاءِ لِيَصِيرَ بِالحَقِيقَةِ إنَّما الشَّفاعَةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى بِالحَقِيقَةِ الَّذِي شَفَعَ عِنْدَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ، فَبِإخْفائِهِ تَعالى شَفاعَتَهُ في شَفاعَةِ الشُّفَعاءِ كانَ هو الشَّفِيعَ في الِابْتِداءِ مِن وراءِ حِجابٍ لِأنَّ إبْداءَهُ كُلَّهُ في حِجابٍ وإعادَتَهُ مِن غَيْرِ حِجابٍ، فَلِذَلِكَ هو سُبْحانَهُ وتَعالى خاتَمُ الشُّفَعاءِ حَيْثُ يَقُولُ كَما ورَدَ في الخَبَرِ «شَفَعَ الأنْبِياءُ والمُرْسَلُونَ ولَمْ يَبْقَ إلّا الحَيُّ القَيُّومُ» انْتَهى. ثُمَّ بَيَّنَ جَمِيعَ ما مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ ما في الخافِقَيْنِ مِمَّنِ ادَّعَتْ شَفاعَتَهُ وغَيْرَهم. قالَ الحَرالِّيُّ: أيْ ما أتاهم عِلْمُهُ مِن أمْرِ أنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ، لِأنَّ ما بَيْنَ يَدَيِ المَرْءِ يُحِيطُ بِهِ حِسُّهُ، وما عَلِمَهُ أيْضًا فَكَأنَّهُ بَيْنَ يَدَيْ قَلْبِهِ يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو ما لَمْ يَنَلْهُ عِلْمُهُمْ، لِأنَّ الخَلْفَ هو ما لا يَنالُهُ الحِسُّ، فَأنْبَأ أنَّ عِلْمَهُ مِن وراءِ عِلْمِهِمْ مُحِيطٌ بِعِلْمِهِمْ فِيما عَلِمُوا وما لَمْ يَعْلَمُوا. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ قَهْرَهُ لَهم بِعِلْمِهِ بَيَّنَ عَجْزَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ إلّا ما (p-٣٣)أفاضَ عَلَيْهِمْ بِحِلْمِهِ فَقالَ: ﴿ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ﴾ أيْ قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ ﴿مِن عِلْمِهِ إلا بِما شاءَ﴾ فَبانَ بِذَلِكَ ما سَبَقَهُ، لِأنَّ مَن كانَ شامِلَ العِلْمِ ولا يَعْلَمُ غَيْرُهُ إلّا ما عَلِمَهُ كانَ كامِلَ القُدْرَةِ، فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، فَكانَ مُنَزَّهًا عَنِ الكُفْؤِ مُتَعالِيًا عَنْ كُلِّ عَجْزٍ وجَهْلٍ، فَكانَ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَنْطِقَ إلّا بِإذْنِهِ لِأنَّهُ يُسَبِّبُ لَهُ ما يَمْنَعُهُ مِمّا لا يُرِيدُهُ.
ثُمَّ بَيَّنَ ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ مُصَوِّرًا لِعَظَمَتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وكِبْرِيائِهِ وقُدْرَتِهِ بِما اعْتادَهُ النّاسُ في مُلُوكِهِمْ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ ومادَّةُ كَرَسَ تَدُورُ عَلى القُوَّةِ والِاجْتِماعِ والعَظَمَةِ (p-٣٤)والكِرْسُ الَّذِي هو البَوْلُ والبَعْرُ المُلَبَّدُ مَأْخُوذٌ مِن ذَلِكَ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: الكُرْسِيُّ ما يُجْلَسُ عَلَيْهِ ولا يُفَضَّلُ عَنْ مَقْعَدِ القاعِدِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مَعْنى الكِرْسِ هو الجَمْعُ، فَكُلُّ ما كانَ أتَمَّ جَمْعًا فَهو أحَقُّ بِمَعْناهُ، ويُقالُ عَلى المُرَقِّي لِلسَّرِيرِ الَّذِي يُسَمّى العَرْشَ الَّذِي يَضَعُ الصّاعِدُ عَلَيْهِ قَدَمَهُ إذا صَعِدَ وإذا نَزَلَ وحِينَ يَسْتَوِي إنْ شاءَ: كُرْسِيٌّ، ثُمَّ قالَ: والكُرْسِيُّ فِيهِ صُوَرُ الأشْياءِ كُلِّها كَما بَدَتْ آيَتُهُ في الأرْضِ (p-٣٥)الَّتِي فِيها مَوْجُوداتُ الأشْياءِ كُلِّها، فَما في الأرْضِ صُورَةٌ إلّا ولَها في الكُرْسِيِّ مِثْلٌ، فَما في العَرْشِ إقامَتُهُ فَفي الكُرْسِيِّ أمْثِلَتُهُ، وما في السَّماواتِ إقامَتُهُ فَفي الأرْضِ صُورَتُهُ، فَكانَ الوُجُودُ مَثْنِيًّا كَما كانَ القُرْآنُ مَثانِيَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا في القُرْآنِ ومِدادًا وصُوَرًا في الكَوْنِ، فَجَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ العَلِيَّةُ تَفْصِيلَ المُفَصَّلاتِ وانْبِهامَ صُورَةِ المِدادِيّاتِ بِنِسْبَةِ ما بَيْنَ السَّماءِ وما مِنهُ، وجَعَلَ وُسْعَ الكُرْسِيِّ وُسْعًا واحِدًا حَيْثُ قالَ: ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولَمْ يَكُنْ وُسْعانِ لِأنَّ الأرْضَ في السَّماواتِ والسَّماواتِ في الكُرْسِيِّ والكُرْسِيَّ في العَرْشِ والعَرْشَ في الهَواءِ. انْتَهى. فَبانَ بِذَلِكَ ما قَبْلُهُ لِأنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ العَظَمَةِ في هَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ والصُّنْعِ المُتْقَنِ كانَ بِهَذا العِلْمِ وهَذِهِ القُدْرَةِ الَّتِي لا يُثْقِلُها شَيْءٌ ولِذا قالَ: ﴿ولا يَئُودُهُ﴾ أيْ يُثْقِلُهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الأوْدِ أيْ (p-٣٦)بُلُوغُ المَجْهُودِ ذَوْدًا، ويُقابِلُهُ ياءٌ مِن لَفْظِ يَدٍ أيْ وهو القُوَّةُ، وأصْلُ مَعْناهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [أعْلَمُ] أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ عُلُوُّ أيْدِهِ ولِذَلِكَ يُفَسِّرُهُ اللُّغَوِيُّونَ بِلَفْظَةِ يُثْقِلُهُ ﴿حِفْظُهُما﴾ في قَيُّومِيَّتِهِ كَما يُثْقِلُ غَيْرَهُ أوْ يُعْجِزُهُ حِفْظُ ما يُنْشِئُهُ بَلْ هو عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِأنَّهُ لَوْ أثْقَلَهُ لاخْتَلَّ أمْرُهُما ولَوْ يَسِيرًا ولَقَدِرَ غَيْرُهُ ولَوْ يَوْمًا ما عَلى غَيْرِ ما يُرِيدُهُ. والحِفْظُ قالَ الحَرالِّيُّ: الرِّعايَةُ لِما هو مُتَداعٍ في نَفْسِهِ فَيَكُونُ تَماسُكُهُ بِالرِّعايَةِ لَهُ عَمّا يُوهِنُهُ أوْ يُبْطِلُهُ. انْتَهى. ولَمّا لَمْ يَكُنْ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ بِالقَهْرِ والسُّلْطانِ والإحاطَةِ بِالكَمالِ مُنْحَصِرًا فِيما تَقَدَّمَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ المُتَفَرِّدُ بِأنَّهُ ﴿العَلِيُّ﴾ أيِ الَّذِي لا رُتْبَةَ إلّا وهي مُنْحَطَّةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ ﴿العَظِيمُ﴾ كَما أنْبَأ عَنْ ذَلِكَ افْتِتاحُ الآيَةِ بِالِاسْمِ العَلَمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى عُلُوًّا وعَظَمَةً تَتَقاصَرُ عَنْهُما الأفْهامُ لِما غَلَبَ عَلَيْها مِنَ الأوْهامِ، ونَظْمُ الِاسْمَيْنِ هَكَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِالعِظَمِ عُلُوُّ الرُّتْبَةِ وبُعْدُ المَنالِ عَنْ إدْراكِ (p-٣٧)العُقُولِ، وقَدْ خُتِمَتِ الآيَةُ بِما بُدِئَتْ بِهِ غَيْرَ أنَّ بَدْأها بِالعَظَمَةِ كَما قالَ الحَرالِّيُّ كانَ بِاسْمِ ”الله“ إلاحَةً وخَتْمَها كانَ بِذَلِكَ إفْصاحًا لِما ذُكِرَ مِن أنَّ الإبْداءَ مِن وراءِ حِجابٍ والإعادَةَ بِغَيْرِ حِجابٍ، كَذَلِكَ تَنَزَّلَ القُرْآنُ، مَبْدَأُ الخِطابِ إلاحَةٌ وخاتِمَتُهُ إفْصاحٌ لِيَتَطابَقَ الوَحْيُ والكَوْنُ تَطابُقَ قائِمٍ ومُقامٍ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ولِما في العُلُوِّ مِنَ الظُّهُورِ وفي العَظَمَةِ مِنَ الخَفاءِ لِمَوْضِعِ الإحاطَةِ لِأنَّ العَظِيمَ هو ما يَسْتَغْرِقُ كَما يَسْتَغْرِقُ الجِسْمُ العَظِيمُ جَمِيعَ الأقْطارِ ﴿ولَهُ المَثَلُ الأعْلى﴾ [الروم: ٢٧] وذَلِكَ حِينَ كانَ ظاهِرُ العُلُوِّ هو كِبْرِياءَهُ الَّذِي شَهِدَ بِهِ كَبِيرُ خَلْقِهِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيما أنْبَأ عَنْهُ نَبِيُّهُ ﷺ
«الكِبْرِياءُ رِدائِي» لِأنَّ الرِّداءَ هو ما عَلى الظّاهِرِ ”والعَظَمَةُ إزارِي“ والإزارُ ما سَتَرَ الباطِنَ والأسْفَلَ، فَإذا في السَّماءِ كِبْرِياؤُهُ وفي الأرْضِ عَظَمَتُهُ، وفي العَرْشِ عُلُوُّهُ وفي الكُرْسِيِّ عَظَمَتُهُ، فَعَظَمَتُهُ أخْفى ما يَكُونُ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، وكِبْرِياؤُهُ وعُلُوُّهُ أجْلى ما يَكُونُ حَيْثُ الإبْهامُ والِانْبِهامُ، فَتَبَيَّنَ بِهَذا المَعْنى عُلُوُّ رُتْبَةِ هَذِهِ الآيَةِ بِما عَلَتْ عَلى الإيمانِ عُلُوَّ الإيمانِ عَلى الكُفْرانِ، ولِما ألاحَتْهُ لِلْأفْهامِ مِن قَيُّومِيَّتِهِ تَعالى وعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ وإبادَةِ ما سِواهُ في أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا بَدا بادٍ ما سِواهُ كانَ في إلاحَةِ هَذِهِ الآيَةِ العَلِيَّةِ العَظِيمَةِ تَقْرِيرُ دِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو دِينُ الإلْقاءِ كَما كانَ فِيما تَقَدَّمَ مِن إيرادِ السُّورَةِ تَقْرِيرَ دِينِ القَيِّمَةِ الَّذِي (p-٣٨)ما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا بِهِ مُخْلِصِينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ، ولِذَلِكَ كانَ ذِكْرُ دِينِ الإسْلامِ في سُورَةِ الإفْصاحِ بِمَعانِي هَذِهِ السُّورَةِ آلِ عِمْرانَ إثْرَ قَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] انْتَهى. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا التَّقْرِيرِ أنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ اسْتُؤْنِفَتْ فَهي عِلَّةٌ لِما قَبْلَها وأنَّ الأخِيرَةَ شارِحَةٌ لِلازِمِ العِلْمِ المُحِيطِ وهو القُدْرَةُ التّامَّةُ الَّتِي أقَمْتُ دَلِيلَ لُزُومِها في طَهَ، فَمَنِ ادَّعى شِرْكَةً فَلْيَحْفَظْ هَذا الكَوْنَ ولَوْ في عامٍ مِنَ الأعْوامِ ولْيُعْلِمْ بِما هو فاعِلٌ في ذَلِكَ العامِ لِيَصِحَّ قَوْلُهُ: وأنّى لَهُ ذَلِكَ وأنّى! واتَّضَحَ بِما تَقَرَّرَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ أنَّ الكافِرَ بِهِ هو الظّالِمُ، وأنَّ يَوْمَ تَجَلِّيهِ لِلْفَصْلِ لا تَكُونُ فِيهِ شَفاعَةٌ ولا خُلَّةٌ، وأمّا البَيْعُ فَهم عَنْهُ في أشْغَلِ الشُّغْلِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ الفِداءَ فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلَيْهِ ولا تَعْرِيجَ عَلَيْهِ، وبِهَذِهِ الأسْرارِ اتَّضَحَ قَوْلُ (p-٣٩)السَّيِّدِ المُخْتارِ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ الآيَةَ سَيِّدَةُ آيِ القُرْآنِ» وذَلِكَ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أسْماءِ الذّاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، ونَفْيِ النَّقْصِ وإثْباتِ الكَمالِ، ووَفَتْ بِهِ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ في أحْكَمِ نِظامٍ وأبْدَعِ أُسْلُوبٍ مُتَمَحِّضَةً لِذَلِكَ، فَإنَّ فَضْلَ الذِّكْرِ والعِلْمِ يَتْبَعُ المَذْكُورَ والمَعْلُومَ، وقَدِ احْتَوَتْ عَلى الصِّفاتِ السَّبْعِ: الحَياةِ والعِلْمِ والقُدْرَةِ [والإرادَةِ] والكَلامِ صَرِيحًا، فَإنَّ الإذْنَ لا يَكُونُ إلّا بِالكَلامِ والإرادَةِ، وعَلى السَّمْعِ والبَصَرِ مِن لازِمِ ”لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“ ومِن لازِمِ ”الحَيّ“ لِأنَّ المُرادَ الحَياةُ الكامِلَةُ؛ وكُرِّرَتْ فِيها الأسْماءُ الشَّرِيفَةُ ظاهِرَةً ومُضْمَرَةً سَبْعَ عَشْرَةَ مَرَّةً بَلْ إحْدى وعِشْرِينَ، ولَمْ يَتَضَمَّنْ هَذا المَجْمُوعَ آيَةٌ غَيْرُها في كِتابِ اللَّهِ، وهي خَمْسُونَ كَلِمَةً عَلى عَدَدِ الصَّلَواتِ المَأْمُورِ بِها أوَّلًا في تِلْكَ الحَضْرَةِ السَّماءِ حَضْرَةِ العَرْشِ والكُرْسِيِّ فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وبِعَدَدِ ما اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ مِن رُتْبَةِ الأجْرِ آخِرًا، فَكَأنَّها مَراقٍ لِرُوحِ قارِئِها إلى ذَلِكَ المَحَلِّ الأسْمى الَّذِي هو آتِيهِ الَّذِي تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في يَوْمٍ (p-٤٠)كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، ولَعَلَّ هَذا سِرُّ ما ثَبَتَ مِن أنَّهُ لا يَقْرَبُ مَن يَقْرَؤُها عِنْدَ النَّوْمِ شَيْطانٌ، لِأنَّ مَن كانَ في حَضْرَةِ الرَّحْمَنِ عالٍ عَنْ وساوِسِ الشَّيْطانِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
البقرة 2:256
[و] لَمّا اتَّضَحَتِ الدَّلائِلُ لِكُلِّ عالِمٍ وجاهِلٍ صارَ الدِّينُ إلى حَدٍّ لا يَحْتاجُ فِيهِ مُنْصِفٌ لِنَفْسِهِ إلى إكْراهٍ فِيهِ فَقالَ: ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا نَقَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى رُتْبَةَ الخِطابِ مِن حَدِّ خِطابِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحُدُودِ وما يَنْبَنِي عَلَيْهِ المُقامُ بِهِ دِينُ القَيِّمَةِ الَّذِي أخْفى لَهم أمْرَ العَظَمَةِ والجَبَرُوتِ الجابِرَ لِأهْلِ المَلَكُوتِ والمِلْكِ فِيما هم فِيهِ مُصَرَّفُونَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ دِينِ اللَّهِ المَرْضِيِّ الَّذِي لا لَبْسَ فِيهِ ولا حِجابَ عَلَيْهِ ولا عِوَجَ لَهُ، وهو إطْلاعُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَبْدَهُ عَلى قَيُّومِيَّتِهِ الظّاهِرَةِ بِكُلِّ بادٍ وفي كُلِّ بادٍ وعَلى كُلِّ بادٍ وأظْهَرَ مِن كُلِّ بادٍ وعَظَمَتِهِ الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يُشِيرُ إلَيْها اسْمٌ ولا يُجَوِّزُها رَسْمٌ وهي مِدادُ كُلِّ مِدادٍ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى وأعْلَنَ بِوَضْعِ الإكْراهِ الخَفِيِّ مَوْقِعَهُ في دِينِ القَيِّمَةِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِن حَمْلِ الأنْفُسِ عَلى كُرْهِها فِيما كَتَبَ عَلَيْها مِمّا هو عِلْمُ عِقابِها وآيَةُ عَذابِها، فَذَهَبَ بِالِاطِّلاعِ عَلى أمْرِ اللَّهِ في قَيُّومِيَّتِهِ وعَظَمَتِهِ كَرْهُ النَّفْسِ بِشُهُودِها جَمِيعَ ما تَجْرِي فِيهِ لَها ما عَلَيْها.
(p-٤١)فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ بِما اسْتَشْعَرَتْهُ قُلُوبُهم مِن ماءِ التَّوْحِيدِ الجارِي تَحْتَ مُخْتَلِفاتِ أثْمارِ أعْمالِهِمْ فَعادَ حُلْوُهُ ومُرُّهُ بِذَلِكَ التَّوْحِيدِ حُلْوًا، كَما يُقالُ في الكِبْرِيتِ الأحْمَرِ الَّذِي يَقْلِبُ أعْيانَ الأشْياءِ الدَّنِيَّةِ إلى حالِ أرْفَعِها. انْتَهى.
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى انْتِفاءَ الإكْراهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو حُسْنُ التَّصَرُّفِ في الأمْرِ والإقامَةِ عَلَيْهِ بِحَسَبِ ما يَثْبُتُ ويَدُومُ ﴿مِنَ الغَيِّ﴾ وهو سُوءُ التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ وإجْراؤُهُ عَلى ما تَسُوءُ عاقِبَتُهُ. انْتَهى. أيْ فَصارَ كُلُّ ذِي لُبٍّ يَعْرِفُ أنَّ الإسْلامَ خَيْرٌ كُلُّهُ وغَيْرَهُ شَرٌّ كُلُّهُ، لِما تَبَيَّنَ مِنَ الدَّلائِلِ وصارَ بِحَيْثُ يُبادِرُ كُلُّ مَن أرادَ نَفْعَ نَفْسِهِ إلَيْهِ ويَخْضَعُ أجْبَرُ الجَبابِرَةِ لَدَيْهِ فَكَأنَّهُ لِقُوَّةِ ظُهُورِهِ وغَلَبَةِ نُورِهِ قَدِ انْتَفى عَنْهُ الإكْراهُ بِحَذافِيرِهِ، (p-٤٢)لِأنَّ الإكْراهَ الحَمْلُ عَلى ما لَمْ يَظْهَرْ فِيهِ وجْهُ المَصْلَحَةِ فَلَمْ يَبْقَ مِنهُ مانِعٌ إلّا حَظَّ النَّفْسِ الخَبِيثَ في شَهَواتِها البَهِيمِيَّةِ والشَّيْطانِيَّةِ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُ مَن ﴿يَكْفُرْ بِالطّاغُوتِ﴾ وهو نَفْسُهُ وما دَعَتْ إلَيْهِ ومالَتْ بِطَبْعِها الرَّدِيءِ إلَيْهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما أفْحَشَ في الإخْراجِ عَنِ الحَدِّ المُوقِفِ عَنِ الهَلَكَةِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ وزِيادَةُ انْتِهاءٍ مِمّا مِنهُ الطُّغْيانُ. انْتَهى.
﴿ويُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مَيْلًا مَعَ العَقْلِ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ لِما رَأى بِنُورِهِ مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وداوَمَ عَلى ذَلِكَ بِما أفادَتْهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِن يَكْفُرْ ويُؤْمِن ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾ عَلى بَصِيرَةٍ مِنهُ ﴿بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيِ الَّتِي لا يَقَعُ شَكٌّ في أنَّها أوْثَقُ الأسْبابِ في نَجاتِهِ بِما ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لِرَبِّهِ
﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] والعُرْوَةُ ما تُشَدُّ بِهِ العِيابُ ونَحْوُها (p-٤٣)بِتَداخُلِها بَعْضِها في بَعْضٍ دُخُولًا لا يَنْفَصِمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ إلّا بِفَصْمِ طَرَفِهِ فَإذا انْفَصَمَتْ مِنهُ عُرْوَةٌ انْفَصَمَ جَمِيعُهُ، والوُثْقى صِيغَةُ فُعْلى لِلْمُبالَغَةِ مِنَ الثِّقَةِ بِشِدَّةِ ما شَأْنُهُ أنْ يُخافَ وهْنُهُ، ثُمَّ بَيَّنَ وثاقَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿لا انْفِصامَ لَها﴾ أيْ لا مُطاوَعَةَ في حَلٍّ ولا صَدْعٍ ولا ذَهابٍ. قالَ ابْنُ القَطّاعِ: فَصَمْتَ الشَّيْءَ صَدَعْتَهُ، والعُقْدَةَ حَلَلْتَها، والشَّيْءَ عَنْهُ ذَهَبَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الفَصْمِ وهو خُرُوجُ العُرى بَعْضِها مِن بَعْضٍ، أيْ فَهَذِهِ العُرْوَةُ لا انْحِلالَ لَها أصْلًا، وهو تَمْثِيلٌ لِلْمَعْلُومِ بِالنَّظَرِ والِاحْتِجاجُ بِالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ لِيَتَصَوَّرَهُ السّامِعُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ فَيُحْكَمَ اعْتِقادُهُ فِيهِ ويَجِلَّ اغْتِباطُهُ بِهِ، فَعُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ عائِقٌ عَنِ الدُّخُولِ في هَذا الدِّينِ إلّا القَضاءَ والقَدَرَ، فَمَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ قَيَّضَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مِنَ الأسْبابِ ما يُخْرِجُهُ بِهِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ سَلَّطَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ فَأخْرَجَتْهُ مِن نُورِ الفِطْرَةِ إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ والحَيْرَةِ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الإيمانِ والكُفْرِ المُتَقَدِّمَيْنِ قَوْلًا وفِعْلًا واعْتِقادًا قالَ مُرَغِّبًا فِيهِما ومُرَهِّبًا مِن تَرْكِهِما: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ (p-٤٤)الكَمالِ ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يُقالُ مِمّا يَدُلُّ عَلى الإيمانِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بِما يُفْعَلُ أوْ يُضْمَرُ مِنَ الكُفْرِ والطُّغْيانِ ومُجازٍ عَلَيْهِ، ولَعَلَّ في الآيَةِ التِفاتًا إلى ما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ في الكُفّارِ مِن أنَّهُ سَواءٌ عَلَيْهِمُ الإنْذارُ وتَرْكُهُ وإلى المُنافِقِينَ وتَقْبِيحِ ما هم عَلَيْهِ مِمّا هو في غايَةِ المُخالَفَةِ لِما صارَتْ أدِلَّتُهُ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ وهي مُشْعِرَةٌ بِالإذْنِ في الإعْراضِ عَنِ المُنافِقِينَ،
البقرة 2:257
ولِما قَرَّرَ ذَلِكَ وأرْشَدَ السِّياقُ إلى شَيْءٍ اقْتَضَتِ البَلاغَةُ طَيَّهُ إرْشادًا إلى البُعْدِ مِنهُ والهَرَبِ عَنْهُ لِبَشاعَتِهِ وسُوءِ مَغَبَّتِهِ وهو ومَن يُؤْمِن بِالطّاغُوتِ ويَكْفُرْ بِاللَّهِ فَلا يُتَمَسَّكُ لَهُ واللَّهُ يُهْوِيهِ إلى الجَحِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن يُخَلِّصُ النَّفْسَ مِن ظُلُماتِ الهَوى والشَّهْوَةِ ووَساوِسِ الشَّيْطانِ؟ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والأسْماءِ الحُسْنى (p-٤٥)﴿ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ يَتَوَلّى مَصالِحَهُمْ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ وِلايَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [أيِ المَعْنَوِيَّةِ] جَمْعِ ظُلْمَةٍ وهو ما يَطْمِسُ البادِياتِ حِسًّا أوْ مَعْنىً، وجَمَعَها لِأنَّ طُرُقَ الضَّلالِ كَثِيرَةٌ فَإنَّ الكُفْرَ أنْواعٌ ﴿إلى النُّورِ﴾ أيِ المَعْنَوِيِّ وهو ما يُظْهِرُ البادِياتِ حِسًّا أوْ مَعْنىً - قالَهُ الحَرالِّيُّ، ووَحَّدَهُ لِأنَّ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ واحِدٌ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] ومِنَ المَحامِلِ الحَسَنَةِ أنْ يُشارَ بِالجَمْعِ إلى ما يَنْشَأُ مِنَ الجَهْلِ عَنِ المَشاعِرِ الَّتِي أخْبَرَ بِالخَتْمِ عَلَيْها، فَصارَ البَصَرُ عُرْيًا عَنِ الاعْتِبارِ، والسَّمْعُ خالِيًا عَنِ الفَهْمِ والِاسْتِبْصارِ، والقَلْبُ مُعْرِضًا عَنِ التَّدَبُّرِ والِافْتِكارِ، وبِالوَحْدَةِ في النُّورِ إلى صَلاحِ القَلْبِ فَإنَّهُ كَفِيلٌ بِجَلْبِ كُلِّ سارٍّ ودَفْعِ كُلِّ ضارٍّ، والنُّورُ الَّذِي هو العَقْلُ والفِطْرَةُ الأُولى ذُو جِهَةٍ واحِدَةٍ وهي القَوْمُ، والظُّلْمَةُ النّاشِئَةُ عَنِ النَّفْسِ ذاتُ جِهاتٍ هي في غايَةِ الِاخْتِلافِ.
(p-٤٦)ولَمّا ذَكَرَ عِبادَهُ الخُلَّصَ ذَكَرَ عُبّادَ الشَّهَواتِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أدِلَّةُ العُقُولِ أوَّلًا والنُّقُولِ ثانِيًا بِشَهَواتِ النُّفُوسِ ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ مِن شَهَواتِهِمْ وما أدَّتْ إلَيْهِ مِنَ اتِّباعِ كُلِّ ما أطْغى مِنَ الشَّياطِينِ والعُكُوفِ عَلى الأصْنامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِيلاءَهم عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ وإسْنادُهُ إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ يُؤَيِّدُ أنَّ جَمْعَ الظُّلُماتِ لِكَثْرَةِ أنْواعِ الكُفْرِ ﴿مِنَ النُّورِ﴾ أيِ الفِطْرِيِّ ﴿إلى الظُّلُماتِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وفِيهِ بَيانُ اسْتِواءِ جَمِيعِ الخَلْقِ في حَقِيقَةِ النُّورِ الأوَّلِ إلى الرُّوحِ المُجَنَّدَةِ إلى الفِطْرَةِ المُسْتَوِيَةِ «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» انْتَهى.
(p-٤٧)ولَمّا ذَكَرَ اسْتِيلاءَ الشَّهَواتِ عَلَيْهِمُ الدّاعِي إلَيْها الطَّيْشُ والخِفَّةُ النّاشِئَ عَنْ عُنْصُرِ النّارِ الَّتِي هي شُعْبَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ بَيَّنَ أنَّ جَزاءَهم مِن جِنْسِ مُرْتَكَبِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الحالُّونَ في مَحَلِّ البُعْدِ والبُغْضِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِينَ اتَّبَعُوها مِن حَيْثُ لَمْ يَشْعُرُوا مِن حَيْثُ إنَّ الصّاحِبَ مَنِ اتَّبَعَ مَصْحُوبَهُ. انْتَهى. ولَمّا عُلِمَ مِن ذِكْرِ الصُّحْبَةِ دَوامُهم فِيها صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا اخْتِصاصَهم بِها: ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها خالِدُونَ﴾ إلى ما لا آخِرَ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وجَعَلَ الخُلُودَ وصْفًا لَهم إشْعارًا بِأنَّهم فِيها وهم في دُنْياهُمُ. انْتَهى.
البقرة 2:258
ولَمّا ذَكَرَ ما لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الإحاطَةِ والعَظَمَةِ وأتْبَعَهُ أمْرَ الإيمانِ وتَوَلِّيهِ حِزْبَهُ وأمْرَ الكُفْرانِ وخِذْلانَهُ أهْلَهُ أخَذَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ المُحاجِّ لِلْخَلِيلِ والمارِّ عَلى القَرْيَةِ مُذَكِّرًا بِقِصَّةِ الَّذِينَ قالَ لَهم مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم في سِياقِ التَّعْجِيبِ مِن تِلْكَ الجُرْأةِ، قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ ما أظْهَرَهُ الحَقُّ في آيَةِ عَظَمَتِهِ وما اتَّصَلَ بِها في خاصَّةِ عِبادِهِ اخْتَصَّ هَذا الخِطابَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِعُلُوِّ مَفْهُومِ مَغْزاهُ عَمَّنْ دُونَهُ، انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعْلَمْ بِما نُخْبِرُكَ (p-٤٨)بِهِ عِلْمًا هو عِنْدَكَ كالمُشاهَدَةِ لِما لَكَ مِن كَمالِ البَصِيرَةِ وبِما أوْدَعْناهُ فِيكَ مِنَ المَعانِي المُنِيرَةِ. ولَمّا كانَ هَذا المُحاجُّ بَعِيدًا مِنَ الصَّوابِ كَثِيفَ الحِجابِ أشارَ إلى بُعْدِهِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِي هو أبُو العَرَبِ وهم أحَقُّ [النّاسِ] بِالِاقْتِداءِ بِهِ ﴿فِي رَبِّهِ﴾ الضَّمِيرُ يَصِحُّ أنْ يَعُودَ عَلى كُلٍّ مِنهُما أيْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ خالِقُهُ المُرَبِّي لَهُ المُحْسِنُ إلَيْهِ بَعْدَ وُضُوحِ هَذِهِ الأدِلَّةِ وقِيامِ هَذِهِ البَراهِينِ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أوْضَحَ عَلى لِسانِ كُلِّ نَبِيٍّ أمْرَهُ وبَيَّنَ عَظَمَتَهُ وقَدْرَهُ مَعَ أنَّهُ رَكَزَ ذَلِكَ في جَمِيعِ الفِطَرِ وقادَها إلى بُحُورِ جَلالِهِ بِأدْنى نَظَرٍ فَكَأنَّ نُمْرُودَ المُحاجَّ لِلْخَلِيلِ مِمَّنْ أخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ، (p-٤٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا مُعْجِبًا بَيَّنَ أنَّ عِلَّتَهُ الكِبْرُ الَّذِي أشْقى إبْلِيسَ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿آتاهُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى بِفَيْضِ فَضْلِهِ ﴿المُلْكَ﴾ الفانِيَ في الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ، فَجَعَلَ مَوْضِعَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن شُكْرٍ مِن مِلْكِهِ ذَلِكَ مُحاجَّتَهُ فِيهِ وكِبْرَهُ زَعَمَ عَلَيْهِ، وعَرَّفَهُ إشارَةً إلى كَمالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّينَ بِالحُكْمِ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ أنَّ المُلْكَ فِتْنَةٌ وبَلاءٌ عَلى مَن أُوتِيَهُ. انْتَهى. فَتَكَبَّرَ بِما خَوَّلَهُ اللَّهُ فِيهِ عَلى عِبادِ اللَّهِ وهم يُطِيعُونَهُ لِما مَكَّنَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأسْبابِ إلى أنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ في الكِبْرِ المُخْتَصِّ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ مالِكِ المُلْكِ ومُبِيدِ المُلُوكِ فَظَنَّ جَهْلًا أنَّهُ أهْلٌ لَهُ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُحاجَّتِهِ بَيَّنَ ما هي تَقْرِيرًا لِآيَةِ ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] دَلالَةً عَلى البَعْثِ لِيَوْمٍ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خُلَّةٌ ولا شَفاعَةٌ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حاجَّهُ حِينَ ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّيَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِخَلْقِي وإدامَةِ الهِدايَةِ [لِي] (p-٥٠)﴿الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ وحْدَهُ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى تَقَدُّمِ كَلامٍ في هَذا وادِّعاءِ أحَدٍ لِمُشارَكَةٍ في هَذِهِ الصِّفَةِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا أمْرٌ ظاهِرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فَماذا الَّذِي يُحاجُّ المُحاجُّ فِيهِ؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ ذَلِكَ المُحاجُّ بِجُرْأةٍ وعَدَمِ تَأمُّلٍ لِما ألِفَهُ مِن ذُلِّ النّاسِ لَهُ وطَواعِيَتِهِمْ لِجَبَرُوتِهِ ﴿أنا﴾ أيْ أيْضًا ﴿أُحْيِي وأُمِيتُ﴾ بِأنْ أمُنَّ عَلى مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ وأقْتُلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ.
فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قَدِ اجْتَرَأ عَلى عَظِيمٍ وأنَّ مُحاجَّتَهُ في نَفْسِ الإحْياءِ رُبَّما خَفِيَتْ أوْ طالَتْ رَأى أنْ يُعَجِّلَ إبْهاتَهُ مَعَ بَيانِ حَقارَتِهِ بِما هو أجْلى مِن ذَلِكَ، وفِيهِ أنَّهُ دُونَ ما ادَّعاهُ بِمَراتِبَ لِأنَّ الإحْياءَ إفاضَةُ الرُّوحِ عَلى صُورَةٍ بَعْدَ إيجادِها مِنَ العَدَمِ بِأنْ (p-٥١)﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ مِن حُسْنِ الِاحْتِجاجِ تَرْكُ المِراءِ بِمُتابَعَةِ الحُجَّةِ المُلْبِسَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] نَقَلَ المُحاجَّ مِنَ الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الأنْفُسِ إلى الحُجَّةِ الواقِعَةِ في الآفاقِ بِأعْظَمِ كَواكِبِها الشَّمْسِ ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣] فَفي ظاهِرِ الِاحْتِجاجِ انْتِقالٌ وفي [طَيِّهِ تَقْرِيرُ الأوَّلِ لِأنَّ الرُّوحَ شَمْسُ البَدَنِ فَكَأنَّهُ ضَرْبُ مَثَلٍ مِن حَيْثُ أنَّ الإحْياءَ إنَّما هو أنْ يُؤْتى بِشَمْسِ الرُّوحِ مِن حَيْثُ غَرَبَتْ فَكانَ في ظاهِرٍ واسْتِقْبالٍ حُجَّةً قاطِعَةً] باطِنُهُ تَتْمِيمٌ لِلْحُجَّةِ الأُولى قالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ﴾ بِالفاءِ الرّابِطَةِ بَيْنَ الكَلامَيْنِ إشْعارًا لِتَتِمَّةِ الحُجَّةِ الأُولى بِالحُجَّةِ الثّانِيَةِ. انْتَهى. أيْ تَسَبَّبَ عَنْ دَعْواكَ هَذِهِ أوْ أقُولُ لَكَ: إنَّ ﴿اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ بِاسْتِجْماعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَأْتِي بِالشَّمْسِ﴾ أيْ وهو الَّذِي أوْجَدَها ﴿مِنَ المَشْرِقِ﴾ أيْ في كُلِّ يَوْمٍ مِن قَبْلِ أنْ تُوجَدَ أنْتَ بِدُهُورٍ ﴿فَأْتِ بِها﴾ أنْتَ ﴿مِنَ المَغْرِبِ﴾ ولَوْ يَوْمًا واحِدًا.
(p-٥٢)قالَ الحَرالِّيُّ: إظْهارًا لِمَرْجِعِ العالَمِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى واحِدٍ، وأنَّ قَيُّومَ الإنْسانِ في الإحْياءِ والإماتَةِ هو قَيُّومُ الآفاقِ في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها، وفي لَحْنِهِ إشْعارٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا بُدَّ وأنْ يَأْتِيَ بِالشَّمْسِ مِنَ المَغْرِبِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ إظْهارُ تَصْرِيفِهِ لَها حَيْثُ شاءَ حَتّى يُطْلِعَها مِن حَيْثُ غَرَبَتْ كَما يُطْلِعُ الرُّوحَ مِن حَيْثُ قُبِضَتْ لِيَكُونَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها آيَةَ مُقارَبَةِ قِيامِ السّاعَةِ وطُلُوعِ الأرْواحِ مِن أبْدانِها. انْتَهى.
﴿فَبُهِتَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ البَهْتِ وهو بَقاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِهِ وصُورَتِهِ لا يَتَغَيَّرُ عَنْها لِأمْرٍ يَبْهَرُهُ وقْعُهُ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بُهِتَ ﴿الَّذِي كَفَرَ﴾ أيْ حَصَلَ لَهُ الكُفْرُ بِتِلْكَ الدَّعْوى الَّتِي لَزِمَهُ بِها إنْكارُهُ لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ وادِّعاؤُهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِكَةَ، فَبَيَّنَ لَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [بِهَذا المِثالِ] أنَّهُ عاجِزٌ عَنْ تَحْوِيلِ صُورَةٍ صَوَّرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ووَضَعَها في جِهَةٍ [إلى] غَيْرِ تِلْكَ الجِهَةِ فَكَيْفَ لَهُ بِأنْ يُوجِدَ صُورَةً مِنَ العَدَمِ فَكَيْفَ ثُمَّ كَيْفَ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلَيْها فَكَيْفَ بِالرُّوحِ الحَسّاسَةِ فَكَيْفَ بِالرُّوحِ النّاطِقَةِ! وسَيَأْتِي لِهَذا الشَّأْنِ في سُورَةِ الشُّعَراءِ مَزِيدُ بَيانٍ، فَيالِلَّهِ ما أعْلى مَقاماتِ الأنْبِياءِ! وما أصْفى بَصائِرَهُمْ! وما أسْمى دَرَجاتِهِمْ وأزْكى عَناصِرَهُمْ! عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ مِنِّي أعْظَمُ الصَّلاةِ والسَّلامِ وأعْلى (p-٥٣)التَّحِيَّةِ والإكْرامِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَعَرَّفَهُ أيْ في قَوْلِهِ: ﴿كَفَرَ﴾ بِوَصْفِهِ مِن حَيْثُ دَخَلَ عَلَيْهِ البَهْتُ مِنهُ. انْتَهى. أيْ لِأنَّهُ سَتَرَ ما يَعْلَمُهُ مِن عَجْزِ نَفْسِهِ وقُدْرَةِ خالِقِهِ، فَكَشَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلِسانِ خَلِيلِهِ ﷺ السِّتْرَ الَّذِي أرْخاهُ كَشْفًا واضِحًا وهَتَكَهُ بِعَظِيمِ البَيانِ هَتْكًا فاضِحًا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ ظَلَمَ في ادِّعائِهِ ذَلِكَ وفي الوَجْهِ الَّذِي ادَّعى ذَلِكَ بِسَبَبِهِ مِن قَتْلِ البَرِيءِ وتَرْكِ المُجْتَرِئِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْطاهم قُوَّةَ المُقاوَمَةِ لِلْأُمُورِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ عامَّةً لِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ بِإرادَتِهِ وتَقْدِيرِهِ في غَيْرِ مَواضِعِها، لِأنَّهُ أظْلَمَ قُلُوبَهم فَجَعَلَها أحْلَكَ مِنَ اللَّيْلِ الحالِكِ فَلَمْ يُبْقِ لَهم [ذَلِكَ] وجْهًا ثابِتًا يَسْتَمْسِكُونَ بِهِ، فَأيْنَ مِنهُمُ الهِدايَةُ وقَدْ صارُوا بِمَراحِلَ عَنْ مَواطِنِ أهْلِ العِنايَةِ! وقَصْرُ فِعْلِ الهِدايَةِ لِإفادَةِ العُمُومِ، قالَ الإمامُ: فاخْتَصَرَ اللَّفْظَ إفادَةً لِزِيادَةِ المَعْنى وهو مِنَ اللَّطائِفِ القُرْآنِيَّةِ.
البقرة 2:259
ولَمّا كانَ الإحْياءُ والإماتَةُ مِن أظْهَرِ آياتِ الرَّبّانِيَّةِ وأخَصِّها بِها أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى الغَيْرَةَ عَلَيْها تارَةً بِإبْهاتِ المُدَّعِي لِلْمُشارَكَةِ، وتارَةً (p-٥٤)بِإشْهادِ المُسْتَبْعِدِ في نَفْسِهِ وغَيْرِهِ بِفِعْلِ رَبِّهِ، وتارَةً بِإشْهادِ المُسْتَرْشِدِ في غَيْرِهِ بِنَفْسِهِ مُعَبِّرًا في كُلٍّ مِنها بِما اقْتَضاهُ حالُهُ وأشْعَرَ بِهِ سُؤالُهُ، فَعَبَّرَ في الكافِرِ بِإلى إشارَةً إلى أنَّهُ في مَحَلِّ البُعْدِ عَنِ المُخاطَبِ ﷺ، وفي المُتَعَجِّبِ بِإسْقاطِها إسْقاطًا لِذَلِكَ البُعْدِ، وفي المُسْتَرْشِدِ المُسْتَطْلِعِ بِإذْ كَما هي العادَةُ المُسْتَمِرَّةُ في أهْلِ الصَّفاءِ والمَحَبَّةِ والوَفاءِ فَأتْبَعَ التَّعْجِيبَ مِن حالِ المُحاجِجِ التَّعْجِيبَ أيْضًا مِن حالِ مَنِ اسْتَعْظَمَ إحْياءَهُ تَعالى لِتِلْكَ القَرْيَةِ. ولَمّا كانَ مَعْنى ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] هَلْ رَأيْتَ لِأنَّ هَلْ كَما ذَكَرَ الرَّضِيُّ وغَيْرُهُ تَخْتَصُّ مَعَ كَوْنِها لِلِاسْتِفْهامِ بِأنْ تُفِيدَ فائِدَةَ النّافِي حَتّى جازَ أنْ يَجِيءَ بَعْدَها ”إلّا“ قَصْدًا لِلْإيجابِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ رَأيْتَ الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ ﴿أوْ﴾ هَلْ رَأيْتَ ﴿كالَّذِي﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لِأنَّ أخْبارَ الأوَّلِينَ إنَّما هي مَواعِظُ لَنا: أقَوْمُكَ كَهَذا المُحاجِّ لِأعْظَمِ إبائِهِمْ فَهم يَقُولُونَ: إنَّ الإحْياءَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، (p-٥٥)أوْ هم كالَّذِي ﴿مَرَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: [مِنَ المُرُورِ] وهو جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مَسْلَكٍ إلى غَيْرِهِ مَعَ التِفاتٍ إلَيْهِ [فِي] سَبِيلِهِ ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ وهي الَّتِي خَرَجَ مِنها الأُلُوفُ أوْ بَيْتُ المَقْدِسِ ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أيْ مُتَهَدِّمَةٌ ساقِطَةٌ جُدْرانُها ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ سُقُوفِها، أوْ خالِيَةٌ عَلى بَقاءِ سُقُوفِها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الخَوا وهو خُلُوُّ الشَّيْءِ عَمّا شَأْنُهُ أنْ يُعِينَهُ حِسًّا أوْ مَعْنىً، والعُرُوشُ جَمْعُ عَرْشٍ مِن نَحْوِ مَعْنى العَرِيشِ وهو ما أُقِيمَ مِنَ البِناءِ عَلى حالَةِ عُجالَةٍ يَدْفَعُ سَوْرَةَ الحَرِّ والبَرْدِ ولا يَدْفَعُ جُمْلَتَها كالكِنِّ المُشَيَّدِ، فَكانَ المُشَيَّدُ في الحَقِيقَةِ عَرِيشًا لِوَهاءِ الدُّنْيا بِجُمْلَتِها في عَيْنِ الِاسْتِبْصارِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي في حالِهِ ذَلِكَ مِمّا يَعْجَبُ مِنهُ؟ قِيلَ: ﴿قالَ أنّى يُحْيِي هَذِهِ﴾ أيِ القَرْيَةَ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ أيْ بِما صارَتْ إلَيْهِ مِنَ الخَرابِ وذَهابِ الأهْلِ فَيُعِيدُها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ عامِرَةً آهِلَةً. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي لَفْظَةِ ”أنّى“ لِشُمُولِ مَعْناها لِمَعْنى كَيْفَ وحَيْثُ ومَتى اسْتِبْعادُهُ الإحْياءَ في الكَيْفِ والمَكانِ والزَّمانِ، ومَنشَأُ هَذا الِاسْتِبْعادِ إنَّما يُطَوِّقُ النَّفْسَ (p-٥٦)مِن طَلَبِها لِمَعْرِفَةِ تَكْيِيفِ ما لا يَصِلُ إلَيْهِ عِلْمُها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ هَذا المُسْتَبْعِدُ قاصِرًا عَنْ رُتْبَةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في التَّهَيُّؤِ لِلطُّمَأْنِينَةِ بَلْ كانَ إيقانُهُ عَلى الكَيْفِيَّةِ مُتَوَقِّفًا في الحِكْمَةِ عَلى تَرْكِهِ في عالَمِ الغَيْبِ المُدَّةَ الَّتِي ضُرِبَتْ لِبَقائِهِ مَيِّتًا لِيَكُونَ ذَلِكَ كالتَّخْمِيرِ في الطِّينِ لِتَتَهَيَّأ نَفْسُهُ لِعِلْمِ ذَلِكَ والإيقانِ بِهِ قالَ: ﴿فَأماتَهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ أماتَهُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ فَمَهْما أرادَ كانَ [لِإيقانِهِ عَلى عِلْمِ ذَلِكَ عِنايَةً مِنَ اللَّهِ بِهِ] ﴿مِائَةَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ مُدَّةَ مَوْتِهِ كانَتْ طَوِيلَةً لِيَكُونَ قَدْ بَلِيَ فِيها فَتَكُونَ إعادَتُهُ أمْكَنَ في القُدْرَةِ عَلى ما تَسْتَبْعِدُهُ العَرَبُ وأنَّ ذَلِكَ الزَّمانَ كانَ حَسَنًا طَيِّبًا لِقَبُولِهِ الإحْياءَ والعِمارَةَ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى السَّعَةِ فَقالَ: ﴿عامٍ﴾ حَتّى بَلِيَ حِمارُهُ وحَفِظَ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِنَ التَّغَيُّرِ لِيَتَحَقَّقَ كَمالُ القُدْرَةِ بِحِفْظِ ما شَأْنُهُ التَّغَيُّرُ وتَغَيُّرِ ما شَأْنُهُ البَقاءُ وإعادَةُ ما فَنِيَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: وخَصَّ المِائَةَ لِكَمالِها في العَدِّ المُثَلَّثِ مِنَ الآحادِ [و] العَشَراتِ وعُشْرُها وتْرُ الشَّفْعِ لِأنَّ ما تَمَّ في الثّالِثِ كانَ ما زادَ عَلَيْهِ تَكْرارًا يُجْزِئُ عَنْهُ الثَّلاثُ ﴿ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ في بَيانِهِ إشْعارٌ (p-٥٧)بِأنَّ بَدَنَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ ولا فَنِيَ فَناءَ حِمارِهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ ثُمَّ نَشَرَهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ كَما قالَ ﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ [عبس: ٢٢] انْتَهى.
ولَمّا أحاطَ العِلْمُ بِأنَّ هَذا العَمَلَ لِأجْلِ إيقانِهِ عَلى القُدْرَةِ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما حَصَلَ لَهُ بَعْدَ البَعْثِ فَأُجِيبَتْ بِقَوْلِهِ تَنْبِيهًا لَهُ ولِكُلِّ سامِعٍ عَلى ما في قِصَّتِهِ مِنَ الخَوارِقِ: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مَن شاءَ مِمَّنْ خِطابُهُ ناشِئٌ عَنْهُ ﴿كَمْ لَبِثْتَ﴾ أيْ في رَقْدَتِكَ هَذِهِ ﴿قالَ﴾ لِنَظَرِهِ إلى سَلامَةِ طَعامِهِ وشَرابِهِ ﴿لَبِثْتُ يَوْمًا﴾ ثُمَّ تَغَيَّرَ ظَنُّهُ بِحَسَبِ الشَّمْسِ أوْ غَيْرِها فَقالَ: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ وكَأنَّهُ اسْتَعْجَلَ بِهَذا الجَوابِ - كَما هي عادَةُ الإنْسانِ - قَبْلَ النَّظَرِ إلى حِمارِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ الَّذِي خاطَبَهُ مُضْرِبًا عَنْ جَوابِهِ بَيانًا لِأنَّهُ غَلَطٌ ظاهِرٌ ﴿بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ﴾ مُعَبِّرًا عَنِ الحَوْلِ بِلَفْظٍ يَدُورُ عَلى مَعْنى السَّعَةِ والِامْتِدادِ والطُّولِ [ودَلَّهُ] عَلى ذَلِكَ وعَلى كَمالِ القُدْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ إلى طَعامِكَ وشَرابِكَ﴾ أيِ الَّذِي كانَ مَعَكَ لَمّا رَقَدْتَ وهو أسْرَعُ الأشْياءِ فَسادًا تِينٌ وعَصِيرٌ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ مِنَ السَّنَةِ أيْ يَتَغَيَّرْ بِمَرِّ السِّنِينَ عَلى طُولِ مُرُورِها وقُوَّةِ تَقَلُّباتِها وتَأْثِيرِها، ومَعْنى القِراءَةِ بِهاءِ السَّكْتِ أنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ أمْرٌ جازِمٌ مُقْنِعٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ أصْلًا ﴿وانْظُرْ إلى﴾ ﴿حِمارِكَ﴾ بالِيًا رَمِيمًا، فَجَمَعَ اللَّهُ [لَهُ] سُبْحانَهُ (p-٥٨)وتَعالى بَيْنَ آيَتَيِ الرَّطْبِ في حِفْظِهِ واليابِسِ في نَقْضِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنَجْعَلَهُ آيَةً لَكَ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ أوْ لِتَعْلَمَ أنْتَ قُدْرَتَنا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِنَجْعَلَكَ﴾ أيْ في مَجْمُوعِ خَبَرِكَ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ كافَّةً فَكانَ أمْرُهُ إبْقاءً وتَثْبِيتًا آيَةً في مَوْجُودِ الدُّنْيا عَلى ما سَيَكُونُ في أمْرِ الآخِرَةِ قِيامَ ساعَةٍ وبَعْثًا ونُشُورًا، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ لَهُ آيَةً عَلى لُبْثِهِ ذَلِكَ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ أمَرَهُ بِالنَّظَرِ إلى ما جَعَلَهُ لَهُ آيَةً عَلى اقْتِدارِهِ عَلى الإحْياءِ كَيْفَ ما أرادَ فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى العِظامِ﴾ أيْ مِن حِمارِكَ وهي جَمْعُ عَظْمٍ وهو عِمادُ البَدَنِ الَّذِي عَلَيْهِ مُقَوِّمُ صُورَتِهِ ﴿كَيْفَ نُنْشِزُها﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: بِالرّاءِ مِنَ النَّشْرِ وهو عَوْدُ الفانِي إلى صُورَتِهِ الأُولى وبِالضَّمِّ جَعْلٌ وتَصْيِيرٌ إلَيْهِ، وبِالزّايِ مِنَ النَّشْزِ وهو إظْهارُ الشَّيْءِ وإعْلاؤُهُ، مِن نَشَزِ الأرْضِ وهو ما ارْتَفَعَ مِنها وظَهَرَ. انْتَهى. وضُمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ يَنْظِمُ ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿ثُمَّ نَكْسُوها لَحْمًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: جَعَلَ حَياتَهُ بَعْثًا وحَياةَ حِمارِهِ نُشُورًا وأراهُ [النَّشْرَ]، واللَّحْمَ الَّذِي لُحِمَ بَيْنَ العِظامِ حَتّى (p-٥٩)صارَتْ صُورَةً واحِدَةً لِيَتَبَيَّنَ أمْرُ السّاعَةِ عِيانًا فَيَكُونَ حُجَّةً عَلى الكافِرِ والمُسْتَبْعِدِ ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾ أيْ هَذا الأمْرُ الخارِقُ الباهِرُ الدّالُّ عَلى ما وصَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي صِيغَةِ تَفَعَّلَ إشْعارٌ بِتَرَدُّدِهِ في النَّظَرِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ حَتّى اسْتَقَرَّ عِنْدَهُ أمْرُ ما أُعْلِمَ بِهِ واضْمَحَلَّ عِنْدَهُ ما قَدَّرَهُ ﴿قالَ أعْلَمُ﴾ بِصِيغَةِ الفِعْلِ بِناءً عَلى نَفْسِهِ وبِصِيغَةِ الأمْرِ إفادَةً لِغَيْرِهِ ما عَلِمَ لِتَدُلَّ القِراءَتانِ عَلى أنَّهُ عَلِمَ وعُلِّمَ لِأنَّ العِلْمَ إنَّما يَتِمُّ حِينَ يَصِلُ إلى غَيْرِ العالِمِ [فَيَجْمَعُ فَضْلَ العِلْمِ والتَّعْلِيمِ. انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَدُلَّ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ في أعْلَمُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَّصِفًا بِهَذا العِلْمِ] مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى حالٍ ولا اسْتِقْبالٍ ويَكُونُ ذَلِكَ اعْتِذارًا عَنْ تَعْبِيرِهِ في التَّعْجِيبِ بِما دَلَّ عَلى الِاسْتِبْعادِ بِأنَّهُ إنَّما قالَهُ اسْتِبْعادًا لِتَعْلِيقِ القُدْرَةِ بِذَلِكَ لا لِلْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ لِما أعْلَمُ مِن عَظَمَتِهِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ إلْزامُ البَصائِرِ شُهُودَ قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في تَعَيُّنِها في الأسْبابِ الحِكْمِيَّةِ الَّتِي تَتَقَيَّدُ بِها الأبْصارُ إلْحاقًا لِما دُونَ آيَةِ الإحْياءِ والإماتَةِ بِأمْرِها لِيَسْتَوِيَ في العِلْمِ أنَّ مُحْيِيكَ هو مُصَرِّفُكَ، فَكَما أنَّ حَياتَكَ بِقُدْرَتِهِ [فَكَذَلِكَ عَمَلُكَ (p-٦٠)بِقُدْرَتِهِ] فَلاءَمَ تَفْصِيلُ إفْرادِ القُدْرَةِ لِلَّهِ بِما تَقَدَّمَ مِن إبْداءِ الحِفْظِ بِاللَّهِ والعَظَمَةِ لِلَّهِ، فَكَأنَّها جَوامِعُ وتَفاصِيلُ كُلُّها تَقْتَضِي إحاطَةَ أمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِكُلِّيَّةِ ما أجْمَلَ وبِدَقائِقِ تَفاصِيلِ ما فَصَّلَ. انْتَهى. وفي الآيَةِ بَيانٌ لِوَجْهِ مُغالَطَةِ الكافِرِ لِمَنِ اسْتَخَفَّهُ مِن قَوْمِهِ في المُحاجَّةِ مَعَ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ بِأنَّ الإحْياءَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ بِهِ المَلِكُ الأُلُوهِيَّةَ هو هَذا الإحْياءُ الحَقِيقِيُّ لا التَّخْلِيَةُ عَمَّنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ.
البقرة 2:260
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالبَعْثِ بَلِ الإيقانُ مِنَ المَقاصِدِ العُظْمى في هَذِهِ السُّورَةِ وانْتَهى إلى هَذا السِّياقِ الَّذِي هو لِتَثْبِيتِ دَعائِمِ القُدْرَةِ عَلى الإحْياءِ مَعَ تَبايُنِ المَناهِجِ واخْتِلافِ الطُّرُقِ فَبَيَّنَ أوَّلًا بِالرَّدِّ عَلى الكافِرِ ما يُوجِبُ الإيمانَ وبِإشْهادِ المُتَعَجِّبِ ما خَتَمَ الإيقانَ عَلا عَنْ ذَلِكَ البَيانِ في قِصَّةِ الخَلِيلِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ إلى ما يُثْبِتُ الطُّمَأْنِينَةَ، وقَدْ قَرَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرَ البَعْثِ في هَذِهِ السُّورَةِ بَعْدَ ما أشارَتْ إلَيْهِ الفاتِحَةُ بِيَوْمِ الدِّينِ أحْسَنَ تَقْرِيرٍ، فَبَثَّ نُجُومَهُ فِيها خِلالَ سَماواتِ آياتِها وفَرَّقَ رُسُومَهُ في أرْجائِها بَيْنَ دَلائِلِها وبَيِّناتِها فِعْلَ الحَكِيمِ الَّذِي يُلْقِي ما يُرِيدُ بِالتَّدْرِيجِ غَيْرَ عَجِلٍ ولا مُقَصِّرٍ، فَكَرَّرَ (p-٦١)سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَهُ بِالآخِرَةِ تارَةً والإحْياءِ أُخْرى تارَةً في الدُّنْيا وتارَةً في الآخِرَةِ في مِثْلِ قَوْلِهِ
﴿وبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ [البقرة: ٧٣] ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] وما كانَ مِن أمْثالِهِ ونَظائِرِهِ وأشْكالِهِ في تِلْكَ الأسالِيبِ المُرادَةِ غالِبًا بِالذّاتِ لِغَيْرِهِ فاسْتَأْنَسَتْ أنْفُسُ المُنْكِرِينَ لَهُ [بِهِ]، فَصارَ لَها اسْتِعْدادٌ لِسَماعِ الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ حَتّى ساقَ لَهم أمْرَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا مُنْكِرِي البَعْثِ ومُظْهِرِي العَجَبِ مِنهُ ومُقَلِّدِي الآباءِ في أمْرِهِ بِالأخْبارِ الَّتِي أكْثَرُها كاذِبٌ! اسْمَعُوا قِصَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ ﷺ الَّتِي لَقّاكم بِها الِاسْتِدْلالُ عَلى البَعْثِ وجَمْعُ المُتَفَرِّقِ وإعادَةُ الرُّوحِ بِإخْبارِ مَن لا يُتَّهَمُ بِشَهادَةِ القُرْآنِ الَّذِي أعْجَزَكم عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ شَيْءٍ مِنهُ فَشَهادَتُهُ شَهادَةُ اللَّهِ لِتَصِيرُوا مِن ذَلِكَ عَلى عِلْمِ اليَقِينِ بَلْ عَيْنِ اليَقِينِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإذْ﴾ عَطْفًا عَلى نَحْوِ اذْكُرُوا ما تُلِيَ عَلَيْكم مِن أمْرِ البَعْثِ واذْكُرُوا قِصَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ فِيما يَدُلُّ عَلَيْهِ إذْ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا (p-٦٢)كانَ أمْرُ مُنَزِّلِ القُرْآنِ إقامَةَ الدِّينِ بِمَكْتُوبِهِ وحُدُودِهِ فَأنْهاهُ تَعالى مُنْتَهىً مِنهُ ثُمَّ نَظَّمَ بِهِ ما نَظَّمَ مِن عَلَنِهِ في آيَةِ الكُرْسِيِّ ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو إلْقاءٌ كَإلْقاءِ اليَدِ عِنْدَ المَوْتِ انْتَظَمَ بِهِ أمْرَ المَعادِ الَّذِي لا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ في أمْرِهِ فَرَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذِكْرَ المَعادِ في ثَلاثَةِ أحْوالٍ: حالِ الجاحِدِ الَّذِي انْتَهَتْ غايَتُهُ إلى [بَهْتٍ، ثُمَّ حالِ المُسْتَبْعِدِ الَّذِي انْتَهَتْ غايَتُهُ إلى] عِلْمٍ وإيمانٍ، وأنْهى الخِطابَ إلى حالِ المُؤْمِنِ الَّذِي انْتَهى حالُهُ إلى يَقِينٍ وطُمَأْنِينَةٍ ورُؤْيَةِ مَلَكُوتٍ في مَلَكُوتِ الأرْضِ. انْتَهى، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ ولَقَدِ اسْتَوْلى التَّرْتِيبُ والتَّعْبِيرُ في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ عَلى الأمَدِ الأقْصى مِنَ الحُسْنِ، فَإنَّها بُدِئَتْ بِمَن أرادَ أنْ يُخْفِيَ ما أوْضَحَتْهُ البَراهِينُ مِن أمْرِ الإلَهِ في الإحْياءِ بِأنِ ادَّعى لِنَفْسِهِ المُشارَكَةَ بِإحْياءٍ مَجازِيٍّ تَلْبِيسًا بِلَفْظٍ إلى الدّالِّ عَلى بُعْدِهِ ولَعْنِهِ وطَرْدِهِ، ثُمَّ بِمَنِ اسْتَبْعَدَ إحْياءَ القَرْيَةِ فَأراهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ آيَةً لَهُ وتَتْمِيمًا لِلرَّدِّ عَلى ذَلِكَ مَعَ الإقْبالِ عَلَيْهِ بِالمُخاطَبَةِ ولَذَّةِ المُلاطَفَةِ ثُمَّ بِمَن سَألَ إكْرامَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِأنْ يُرِيَهُ كَيْفَ يُحْيِي فَيَثْبُتُ ثُمَّ أثْبَتَتْ ثُمَّ أكَّدَتْ، ومُناسَبَةُ الثَّلاثِ بِكَوْنِها في إحْياءِ الأشْباحِ بِالأرْواحِ (p-٦٣)لِما قَبْلَها وهو في إحْياءِ الأرْواحِ بِأسْرارِ الصَّلاحِ أجَلُّ مُناسَبَةٍ، فالمُرادُ التَّحْذِيرُ عَنْ حالِ الأوَّلِ والنَّدْبُ إلى الِارْتِقاءِ عَنْ دَرَجَةِ الثّانِي إلى مَقامِ الثّالِثِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ الصِّدْقُ في الإيمانِ لِرَجاءِ الحِيازَةِ مِمّا أُكْرِمَ بِهِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ في قِصَّتِهِ بِقَوْلِهِ وإذْ ولَمْ يَسُقْها مَساقَ التَّعْجِيبِ كالأوَّلِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: طَلَبَ ما هو أهْلُهُ بِما قالَ تَعالى
﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَمِن مَلَكُوتِ الأرْضِ الإحْياءُ، فَقَرَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى تَحْقِيقِ ابْتِداءِ حالِهِ مِن تَقَرُّرِ الإيمانِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ألَمْ تَعْلَمْ أنِّي قادِرٌ عَلى الإحْياءِ لِأنِّي قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن﴾ فَإنَّ الإيمانَ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ ﴿قالَ بَلى﴾ فَتَحَقَّقَ أنَّ طَلَبَهُ كَيْفِيَّةَ الإحْياءِ لَيْسَ عَنْ بَقِيَّةِ تَثَبُّتٍ في الإيمانِ، فَكانَ في إشْعارِهِ أنَّ أكْثَرَ طالِبِي الكَيْفِ في الأُمُورِ إنَّما يَطْلُبُونَهُ عَنْ وهْنٍ في إيمانِهِمْ، ومَن طَلَبَ لِتَثَبُّتِ الإيمانِ مَعَ أنَّ فِيما دُونَ الكَيْفِ مِنَ الآياتِ كِفايَتَهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالآيَةِ في إيمانِهِ، لِأنَّ كِفايَتَها فِيما دُونَهُ ولَمْ يُعْلَ لِلْيَقِينِ لِنَقْصِ إيمانِهِ عَنْ تَمامِ حَدِّهِ، فَإذا تَمَّ الإيمانُ بِحُكْمِ آياتِهِ الَّتِي في مَوْجُودِ حِكْمَةِ اللَّهِ في (p-٦٤)الدُّنْيا بَيِّناتُهُ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِرُؤْيَةِ مَلَكُوتِ شُهُودِ الدُّنْيا رُتْبَةُ اليَقِينِ، كَما وجَدَ تَجْرِبَتَهُ أهْلُ الكَشْفِ مِنَ الصّادِقِينَ في أمْرِ اللَّهِ حَيْثُ أوْرَثَ لَهُمُ اليَقِينَ، ومَتى شارَكَهم في أمْرٍ مِن رُؤْيَةِ الكَشْفِ أوِ الكَراماتِ ضَعِيفُ الإيمانِ طَلَبَ فِيهِ تَأْوِيلًا، ورُبَّما كانَ عَلَيْهِ فِتْنَةً تَنْقُصُهُ مِمّا كانَ عِنْدَهُ مِن حَظٍّ مِن إيمانِهِ حَتّى رُبَّما داخَلَهُ نِفاقٌ لا يَنْفَكُّ مِنهُ إلّا أنْ يَسْتَنْقِذَهُ اللَّهُ، فَلِذَلِكَ أبْدى تَعالى خِطابَ تَقْرِيرِهِ لِخَلِيلِهِ ﷺ عَلى تَحْقِيقِ الإيمانِ لِيَصِحَّ التَّرَقِّي مِنهُ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، وهو مِثْلُ نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في مُطْلَقِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وذُكِرَ عَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ نَظَرَ إلى بَدَنِ دابَّةٍ تَوَزَّعَها دَوابُّ البَحْرِ ودَوابُّ البَرِّ وطَيْرُ الهَواءِ، فَتَعَجَّبَ مِنها وقالَ: يا رَبُّ! قَدْ عَلِمْتُ لَتَجْمَعَنَّها فَأرِنِي كَيْفَ تُحْيِيها لِأُعايِنَ ذَلِكَ، فَإنَّما يَنْبَنِي يَقِينُ العِيانِ عَلى تَحْقِيقِ الإيمانِ ﴿ولَكِنْ﴾ أُرِيدُ المُعايَنَةَ ﴿لِيَطْمَئِنَّ﴾ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ وهي الهُدُوُّ والسُّكُونُ عَلى سَواءِ الخِلْقَةِ واعْتِدالِ الخُلُقِ ﴿قَلْبِي﴾ مَن فُطِرَ عَلى نَيْلِ شَيْءٍ جُبِلَ عَلى الشَّوْقِ لَهُ، فَلَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَهَيِّئًا (p-٦٥)لِقَبُولِ الطُّمَأْنِينَةِ قُذِفَ في قَلْبِهِ طَلَبُها، فَأجابَهُ اللَّهُ بِما قَدْ هَيَّأهُ لَهُ، فَضَرَبَ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهُ مَثَلًا أراهُ إيّاهُ، جَعَلَهُ جَرْيَ العِيانِ جَلِيَّ الإيقانِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى سُبْحانَهُ هو الأحَدُ الَّذِي لا يُعَدُّ ولا يُحَدُّ وكانَ مِن تَنَزُّلِ تَجَلِّيهِ لِعِبادِهِ أنَّهُ الإلَهُ الواحِدُ، والواحِدُ بَرِيءٌ مِنَ العَدِّ، فَكانَ أوَّلُ ظُهُورِ الخَلْقِ هو أوَّلَ ظُهُورِ العَدِّ، فَأوَّلُ العَدِّ الِاثْنانِ ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] فالِاثْنانِ عَدٌّ هو خَلْقُ كُلِّ [واحِدٍ] مِنهُما واحِدًا، فَجَعَلَ تَعالى اثْنَيْنِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما اثْنانِ لِتَكُونَ الِاثْنِينِيَّةُ فِيهِ كُلًّا وجُزْءًا فَيَكُونَ زَوْجًا مِن زَوْجٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَدُّ هو الأرْبَعَ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أصْلًا لِمَخْلُوقاتِهِ فَكانَتْ جُمْلَتُها وِتْرَهُ، فَجَعَلَ الأقْواتَ مِن أرْبَعٍ
﴿وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] وجَعَلَ الأرْكانِ الَّتِي خَلَقَ مِنها صُوَرَ المَخْلُوقاتِ أرْبَعًا، وجَعَلَ الأقْطارَ أرْبَعًا، وجَعَلَ الأعْمارَ أرْبَعًا، وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «خَيْرُ الرُّفَقاءِ أرْبَعَةٌ، وخَيْرُ البُعُوثِ أرْبَعُونَ، وخَيْرُ السَّرايا أرْبَعُمِائَةٍ وخَيْرُ الجُيُوشِ أرْبَعَةُ آلافٍ» والمُرَبَّعاتُ في أُصُولِ الخَلْقِ كَثِيرَةٌ تَتَبَّعَها العُلَماءُ واطَّلَعَ عَلَيْها الحُكَماءُ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولا (p-٦٦)مِنهُمْ﴾ [الجمعة: ٢] الآيَةُ، ولَمّا كانَ خَلْقُ آدَمَ وسائِرِ المَخْلُوقاتِ مِن مِدادِ الأرْكانِ الَّتِي هي الماءُ والتُّرابُ والهَواءُ والنّارُ فَأظْهَرَ مِنها الصُّوَرَ ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣] ثُمَّ أظْهَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَهْرَهُ بِإماتَتِهِ وإفْناءِ صُوَرِهِ، «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرابُ إلّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنهُ خُلِقَ وفِيهِ يُرَكَّبُ» فَكانَ بَدَّدَها في أرْبَعَةِ أقْطارٍ شَرْقًا وغَرْبًا وشَمالًا وجَنُوبًا، أرى خَلِيلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَيْفَ يَدْعُو خَلْقَهُ مِن أقْطارِ آفاقِهِ الأرْبَعَةِ بَعْدَ بَدَدِها واخْتِلاطِها والتِئامِ أجْزائِها عَلى غَيْرِ حَدِّها، يُقالُ إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى قَدَحٍ مِن فَخّارٍ فَقالَ: كَمْ فِيهِ مِن خَدٍّ أسِيلٍ وعَيْنٍ كَحِيلٍ! ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤] فَأرى تَعالى خَلِيلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَثَلًا مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ﴿قالَ فَخُذْ﴾ بِالفاءِ تَحْقِيقًا لِمَقالِهِ وتَصْدِيقًا فِيما تَحَقَّقَ مِن إيمانِهِ وإبْداءً لِاسْتِحْقاقِهِ اليَقِينَ والطُّمَأْنِينَةَ بِتَقَرُّرِ إيمانِهِ ﴿أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ مِن مَعْنى ما مِنهُ الطَّيَرانُ وهو الخِفَّةُ مِن ثِقْلِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَعْلُوَ في الهَواءِ، جَعَلَ تَعالى المَثَلَ مِنَ الطَّيْرِ لِأنَّ الأرْكانَ المُجْتَمِعَةَ في الأبْدانِ طَوائِرُ تَطِيرُ إلى أوْكارِها ومَراكِزِها الَّتِي حَدَّدَها اللَّهُ تَعالى لَها جَعْلًا (p-٦٧)فِيها لا طَبْعًا واجِبًا مِنها، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ هو الحَكِيمُ الَّذِي جَعَلَ الحِكْمَةَ، فَمَن أشْهَدَهُ الحِكْمَةَ وأشْهَدَهُ أنَّهُ جاعِلُها فَهو حَكِيمُها، ومَن أشْهَدَهُ الحِكْمَةَ الدُّنْياوِيَّةَ ولَمْ يُشْهِدْهُ أنَّهُ جاعِلُها فَهو جاهِلُها، فالحِكْمَةُ شُهُودُ الحِكْمَةِ مَجْعُولَةً مِنَ اللَّهِ كُلَّ ماهِيَّةٍ مُمْهاةً، وكُلَّ مَعْنَوِيَّةٍ مُمَعْناةً، وكُلَّ حَقِيقَةٍ مُحَقَّقَةً، فالطَّبْعُ وما فِيهِ جَعْلٌ مِنَ اللَّهِ، مَن جَهِلَهُ ألْحَدَ ومَن تَحَقَّقَهُ وحَدَّ. كَذَلِكَ المَعْقُولُ وما فِيهِ إقْباسٌ مِنَ اللَّهِ وإراءَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ، مَن تَقَيَّدَ بِهِ واعْتَقَدَهُ لا يَنْفَكُّ نِسْبَةَ الحَدِّ في الطَّبْعِ واحْتاجَ إلى مَلْجَإ فِتَنِ التَّأْوِيلِ في غَيْبِ الشَّرْعِ، وكُلُّ ما سِوى الحَقِّ مَوْضُوعٌ مُعْطىً حَظًّا وحَدًّا يَنالُ ما أعْطى ويَعْجِزُ عَمّا فَوْقَهُ، لِلْعُقُولِ حَدٌّ تَقِفُ عِنْدَهُ لا تَتَعَدّاهُ، فَلِذَلِكَ جَعَلَها تَعالى طَوائِرَ يَقْهَرُها قَفَصُ الصُّورَةِ وتَمامُ التَّسْوِيَةِ، ويُظْهِرُ تَماسُكَها نَفْخُ الرُّوحِ انْتَهى. وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى،
﴿فَصُرْهُنَّ﴾ أيِ اضْمُمْهُنَّ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ لِتَعْرِفَ أشْكالَها فَيَكُونَ ذَلِكَ أثْبَتَ في أمْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الصَّوَرِ وهو اسْتِمالَةُ القُلُوبِ بِالإحْسانِ حَتّى يَشْتَدَّ إلى المُسْتَمِيلِ صَغْوُها ومَيْلُها، وإشْعارُهُ يُنْبِئُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبّاهُنَّ وغَذّاهُنَّ حَتّى عَرَفْنَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَثَلًا لِما لِلَّهِ (p-٦٨)سُبْحانَهُ وتَعالى في خَلْقِهِ مِن تَرْبِيَتِهِمْ بِخَلْقِهِمْ ورِزْقِهِمْ حَتّى عَرَفُوهُ بِما احْتاجُوا إلَيْهِ، فَوَجَدُوهُ مَعْرِفَةَ عَجْزٍ عَنْهُ لا مَعْرِفَةَ نَيْلٍ لَهُ، فَمَتى دَعاهم مِن أقْطارِ الآفاقِ أجابُوهُ إجابَةَ هَذِهِ الطَّوائِرِ لِخَلِيلِهِ [بِحَظٍّ] يَسِيرٍ مِن تَرْبِيَتِهِ لَهُنَّ، وإذا كانَتْ هَذِهِ الأرْبَعُ مُجِيبَةً [ لِلْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ] بِهَذا الحَظِّ اليَسِيرِ مِنَ الصَّوَرِ والصَّغْوِ فَكَيْفَ تَكُونُ إجابَةُ الجُمْلَةِ لِلْجَلِيلِ العَزِيزِ الحَكِيمِ! قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ اجْعَلْ﴾ عَطْفًا بِكَلِمَةِ المُهْلَةِ تَجاوُزًا بَعْدَ تَرْبِيَتِهِنَّ عَنْ ذَبْحِهِنَّ ودَرْسِهِنَّ وخَلْطِهِنَّ حَتّى صِرْنَ لَحْمَةً واحِدَةً لا يَبِينُ في جُمْلَتِها شَيْءٌ مِنَ الصُّوَرِ الذّاهِبَةِ، كَما تَصِيرُ المَوالِيدُ تُرابًا عِنْدَ مَوْتِها وتَبَدُّدِها صُورَةً واحِدَةً تُرابِيَّةً لِيَتَطابَقَ المِثْلُ والمَمْثُولُ مُطابَقَةً تامَّةً إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن مُجاوَزَةِ عِبْرَةٍ ورَوِيَّةٍ ﴿عَلى كُلِّ جَبَلٍ﴾ مِنَ الجِبالِ القَرِيبَةِ إلَيْكَ ﴿مِنهُنَّ جُزْءًا﴾ والجُزْءُ بَعْضٌ مِن كُلٍّ يُشابِهُهُ كالقِطْعَةِ مِنَ الذَّهَبِ ونَحْوِهِ، فَجَعَلَ الجِبالَ مِثْلَ الأقْطارِ وهي لِارْتِفاعِها أمْكَنُ في الرُّؤْيَةِ وأبْعَدُ مِنَ الاشْتِباهِ
﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ [النازعات: ١٣] (p-٦٩)﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] فَما كانَ بِالصَّيْحَةِ والزَّجْرَةِ مِنَ المَمْثُولِ كانَ بِالدُّعاءِ في المِثْلِ، كَما أنَّ ما كانَ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ في المَمْثُولِ كانَ بِالصَّوَرِ في المِثْلِ وجَعَلَهُ جُزْءًا حَيْثُ كانَ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ والسَّعْيُ هو العَدْوُ والقَصْدُ المُسْرِعُ يَكُونُ في الحِسِّ، والمَعْنى في إتْيانِ الطّائِرِ طائِرًا حَظٌّ مِن مُنَّتِهِ وفي إتْيانِهِ سَعْيًا حَظٌّ مِن ذِلَّتِهِ، فَلِذَلِكَ جَلَبَهُنَّ عَلَيْهِ سَعْيًا بِحالِ المُتَذَلِّلِ الطّالِبِ لِلرِّزْقِ والأمَنَةِ مِنَ اليَدِ الَّتِي عَهِدَ مِنها الرِّزْقَ والجَنَبَةِ الَّتِي ألِفَ مِنها الأمْنَ فَبَدَأ المِثْلُ مُطابِقًا لِلْمُثُولِ وغايَتِهِ مَرْأى عَيْنٍ، فَصارَ مُوقِنًا مُطْمَئِنًّا ولَيْسَ ذَلِكَ بِأعْجَبَ مِن مَشْيِ الأحْجارِ تارَةً والأشْجارِ كَرَّةً وأغْصانِها أُخْرى إلى خِدْمَةِ ولَدِهِ المُصْطَفى ﷺ، ”وكَذا إلْحامُ يَدِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْراءَ بَعْدَ ما قُطِعَتْ وجاءَ يَحْمِلُها كَما ذُكِرَ في السِّيَرِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَصارَتْ مِثْلَ أُخْتِها“ في أشْياءَ مِن أمْثالِ ذَلِكَ، عَلى أنَّهُ قَدْ كانَ لَهُ مِن إحْياءِ المَوْتى ما أذْكُرُهُ في آلِ عِمْرانَ، وكانَ لِآحادِ أُمَّتِهِ مِن ذَلِكَ ما ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِنهُ عَدَدًا كَثِيرًا، وإنَّما لَمْ يَكْثُرْ ذَلِكَ عَلى يَدِهِ ﷺ لِأنَّهُ مُرْسَلٌ إلى قَوْمٍ لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، ومَحَطُّ الإيمانِ التَّصْدِيقُ بِالغَيْبِ، فَلَوْ كَثُرَ وُقُوعُ ذَلِكَ لَهُ ﷺ (p-٧٠)لَكُشِفَ الغِطاءُ، وإذا كُشِفَ الغِطاءُ عُوجِلَ مَن تَخَلَّفَ عَنِ الإيمانِ بِالعَذابِ وهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ ﷺ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكانَ في قَوْمٍ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فَفِعْلُهُ ذَلِكَ لِإظْهارِ المُعْجِزَةِ بِنَوْعٍ أعْلى مِمّا كانُوا يَصِلُونَ إلَيْهِ بِالطِّبِّ، عَلى أنَّهُ لا فَرْقَ في إظْهارِ الخارِقِ بَيْنَ واحِدٍ وأكْثَرَ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
ولَمّا أراهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَلَكُوتَ الأرْضِ صارَتْ تِلْكَ الرُّؤْيَةُ عَلَمًا عَلى عِزَّةِ اللَّهِ مِن وراءِ المَلَكُوتِ في مَحَلِّ الجَبَرُوتِ فَقالَ: ﴿واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَزِيزٌ﴾ ولَمّا كانَ لِلْعِزَّةِ صَوْلَةٌ لا تَقْوى لَها فِطَرُ المُخْتَرِعِينَ نَزَّلَ تَعالى الخِطابَ إلى مَحَلِّ حِكْمَتِهِ فَقالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ فَكانَ فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ الأشْياءَ بَعْضَها مِن بَعْضٍ كائِنَةً وبَعْضَها إلى بَعْضٍ عامِدَةً [وبَعْضَها مِن ذَلِكَ البَعْضِ مُعادَةً ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥] وهَذِهِ] الحِكْمَةُ الَّتِي أشارَ إلَيْها اسْمُهُ الحَكِيمُ حِكْمَةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ جامِعَةٌ لِوَصْلَةِ ما بَيْنَ حِكْمَةِ الدُّنْيا وحِكْمَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّ الحَكِيمَ بِالحَقِيقَةِ لَيْسَ مَن عَلَّمَهُ اللَّهُ (p-٧١)حِكْمَةَ الدُّنْيا وألْبَسَ عَلَيْهِ جَعْلَهُ لَها بَلْ ذَلِكَ جاهِلُها كَما تَقَدَّمَ، إنَّما الحَكِيمُ الَّذِي أشْهَدَهُ اللَّهُ حِكْمَةَ الدُّنْيا أرْضًا وأفْلاكًا ونُجُومًا وآفاقًا ومَوالِدَ وتَوالُدًا، وأشْهَدَهُ أنَّهُ حَكِيمُها، ومَزَجَ لَهُ عِلْمَ حِكْمَةِ مَوْجُودِ الدُّنْيا بِعِلْمِ حِكْمَةِ مَوْجُودِ الآخِرَةِ، وأراهُ كَيْفِيَّةَ تَوالُجِ الحِكْمَتَيْنِ بَعْضِها في بَعْضٍ ومَآلَ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى يَشْهَدَ دَوَرانَ الأشْياءِ في حِكْمَةِ أمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي هي غَيْبُ الدُّنْيا إلى مَشْهُودِ حِكْمَةِ الدُّنْيا ثُمَّ إلى مَشْهُودِ حِكْمَةِ الآخِرَةِ كَذَلِكَ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ وبَدْءًا عَلى عَوْدٍ في ظُهُورِ غَيْبِ الإبْداءِ إلى مَشْهُودِهِ وفي عَوْدِ مَشْهُودِهِ إلى غَيْبِهِ ﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] كَذَلِكَ إلى المَعادِ الأعْظَمِ الإنْسانِيِّ ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] فَهَذا هو الحَكِيمُ المُتَوَسِّطُ الحِكْمَةِ، ثُمَّ وراءَ ذَلِكَ أمْرٌ آخَرُ مِن عَلى أمْرِ اللَّهِ في مُتَعالِي تَجَلِّياتِهِ بِأسْماءٍ وأوْصافٍ يَتَعالى ويَتَعاظَمُ لِلْمُؤْمِنِينَ ويَتَبارَكُ ويَسْتَعْلِنُ لِلْمُوقِنِينَ المُوَحِّدِينَ، فَلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى العِزَّةُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ ولَهُ الحِكْمَةُ في خَلْقِهِ وأمْرِهِ ومِن ورائِها كَلِمَتُهُ الَّتِي لا يَنْفَدُ تَفْصِيلُ حِكَمِها ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وكَلِماتُهُ لا تُحَدُّ ولا تُعَدُّ (p-٧٢)﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ العَلِيُّ العَظِيمُ. انْتَهى. وهو أعْلى مِنَ الجَوْهَرِ الثَّمِينِ وقَدْ لاحَ بِهَذا أنَّ قَصْدَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ الِانْتِقالُ مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ بَلْ إلى حَقِّ اليَقِينِ، وكَأنَّهُ عَدَّ المَرْتَبَةَ الدُّنْيا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى العُلْيا عَدَمًا، وقِيلَ: بَلْ كانَ قَصْدُهُ بِالسُّؤالِ رُؤْيَةَ المُحْيِي ولَكِنَّهُ طَلَبَها تَلْوِيحًا فَأُجِيبَ بِالمَنعِ مِنها بِوَصْفِ العِزَّةِ تَلْوِيحًا، ومُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا سَألَ تَصْرِيحًا أُجِيبَ تَصْرِيحًا، وسُؤالُ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الشَّكِّ، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ، لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَشُكَّ، وإذا انْتَفى الشَّكُّ عَنِ الأحَقِّ انْتَفى الشَّكُّ عَنْ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، ولَئِنْ سَلَّمْنا فالمُرادُ أنَّهُ فَعَلَ مِثْلَ ما يَفْعَلُ الشّاكُّ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ في الجُمْلَةِ، وأمّا نَفْسُ الشَّكِّ فَقَدْ نَفاهُ القُرْآنُ عَنْهُ ﷺ تَصْرِيحًا بِقَوْلِهِ ”بَلى“ وتَلْوِيحًا بِكَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ عَقِبَ آيَةِ مُحاجَّتِهِ لِذَلِكَ الَّذِي بُهِتَ، نُقِلَ (p-٧٣)أنَّ الشَّيْخَ أحْمَدَ أخا حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ [سُئِلَ] أيُّما أعْلى المَقامُ الإبْراهِيمِيُّ في سُؤالِ الطُّمَأْنِينَةِ أوِ المَقامُ العُلْوِيُّ القائِلُ: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا؟ فَقالَ: الإبْراهِيمِيُّ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤]
البقرة 2:261
ولَمّا انْقَضى جَوابُ السُّؤالِ عَنِ المَلِكِ الَّذِي لا تَنْفَعُ عِنْدَهُ شَفاعَةٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ ولا خُلَّةٌ ولا غَيْرُهُما وما تَبِعَ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِقِصَّةِ الأطْيارِ الَّتِي صَغَتْ إلى الخَلِيلِ بِالإنْفاقِ [عَلَيْها] والإحْسانِ إلَيْها ثَنى الكَلامَ إلى الأمْرِ بِالنَّفَقَةِ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لا تَنْفَعُ فِيهِ الوَسائِلُ إلّا بِالوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] نَظَرًا إلى أوَّلِ السُّورَةِ تَذْكِيرًا بِوَصْفِ المُتَّقِينَ حَثًّا عَلَيْهِ، فَضَرَبَ لِذَلِكَ مُثُلًا صَرِيحَةً لِمُضاعَفَتِها فانْدَرَجَ فِيهِ مُطْلَقُ الأمْرِ بِها انْدِراجَ المُطْلَقِ في المُقَيَّدِ وتَلْوِيحُهُ الَّذِي هو مِن جُمْلَةِ المُشارِ إلَيْهِ بِحَكِيمٍ لِلْحَياءِ، فَصَرَّحَ بِأنَّ النَّفَقَةَ المَأْمُورَ بِها مِن ذَخائِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لا يَنْفَعُ فِيهِ إلّا ما شَرَعَهُ وهو مِن جَلِيلِ العِزَّةِ، وساقَهُ عَلى وجْهٍ يَتَضَمَّنُ إحْياءَ المَواتِ الَّذِي هو أنْسَبُ الأشْياءِ (p-٧٤)لِما قَبْلَهُ مِن نَشْرِ الأمْواتِ، فَهو إيماءٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ بِأمْرٍ مَحْسُوسٍ، وذَلِكَ مِن دَقِيقِ الحِكْمَةِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: إنَّ خَلِيلِي عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ مِنَ الرّاسِخِينَ في رُتْبَةِ الإيمانِ أهَّلْتُهُ لِامْتِطاءِ دَرَجَةٍ أعْلى مِن دَرَجَةِ الإيقانِ بِخَرْقِ العادَةِ في رَفْعِ الأسْتارِ عَلى يَدِهِ عَنْ إحْياءِ الأطْيارِ وأقَمْتُ نَمَطًا مِن ذَلِكَ لِعامَّةِ الخَلْقِ مَطْوِيًّا في إحْياءِ النَّباتِ عَلى وجْهٍ مُعْتادٍ فَمَنِ اعْتَبَرَ بِهِ أبْصَرَ ومَن عَمِيَ عَنْهُ انْعَكَسَ حالُهُ وأدْبَرَ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مَثَلُ﴾ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ [البقرة: ٢٥٤] فَإنَّهُ مَثَلُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَبْذُلُونَ ﴿أمْوالَهُمْ﴾ بِطِيبِ نَفْسٍ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ كَمَثَلِ زارِعٍ مِثْلَ ما يُنْفِقُونَ ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ مِمّا زَرَعَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الحَبِّ وهو تَمامُ النَّباتِ المُنْتَهِي إلى صَلاحِيَةِ كَوْنِهِ طَعامًا لِلْآدَمِيِّ الَّذِي هو أتَمُّ الخَلْقِ، فالحَبُّ أكْمَلُ مِنَ الثَّمَرَةِ طَعامِيَّةً والثَّمَرَةِ إدامِيَّةً ﴿أنْبَتَتْ﴾ أيْ بِما جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها مِن قُوَّةِ الإنْباتِ بِطِيبِ (p-٧٥)أرْضِها واعْتِدالِ رَيِّها ﴿سَبْعَ سَنابِلَ﴾ بِأنْ تَشَعَّبَ مِنها سَبْعُ شُعَبٍ في كُلِّ شُعْبَةٍ سُنْبُلَةٌ وهو مِنَ السُّنْبُلِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو مُجْتَمَعُ الحَبِّ في أكْمامِهِ، كَأنَّهُ آيَةُ اسْتِحْقاقِ اجْتِماعِ أهْلِ ذَلِكَ الرِّزْقِ في تَعاوُنِهِمْ في أمْرِهِمْ، وتَعْرِيفٌ بِأنَّ الحَبَّ يَجْمَعُهُ لا بِوَحْدَتِهِ ﴿فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ فَصارَتِ الحَبَّةُ سَبْعَمِائَةِ حَبَّةٍ بِمُضاعَفَةِ اللَّهِ لَها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَضَرَبَ المَثَلَ لِلْإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وذَكَرَ السَّبْعَ لِما فِيهِ مِنَ التَّمامِ بِالحَرْثِ الَّذِي هو كِيمْيا عِبادِهِ يَشْهَدُونَ مِن تَثْمِيرِهِ حَيْثُ تَصِيرُ الحَبَّةُ أصْلًا ويُثْمِرُ الأصْلُ سَنابِلَ ويَكُونُ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ أعْدادٌ مِنَ الحَبِّ، فَكانَ ما ذَكَرَ تَعالى هو أوَّلَ الإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ وذَكَرَ السَّبْعَ لِما فِيهِ مِنَ التَّمامِ وما يَقْبَلُهُ مِنَ التَّكْثِيرِ، فَإنَّ ما أنْبَتَ أكْثَرَ مِن سَبْعٍ إذا قُصِدَ بِالتَّكْثِيرِ أنْبَأ عَنْهُ بِالسَّبْعِ، لِأنَّ العَرَبَ تُكَثِّرُ بِهِ ما هو أقَلُّ مِنهُ أوْ أكْثَرُ، فَجَعَلَ أدْنى النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبْعَمِائَةِ ضِعْفٍ، ثُمَّ فَتَحَ تَعالى بابَ التَّضْعِيفِ إلى ما لا يَصِلُ إلَيْهِ عَدٌّ. انْتَهى. فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ وتَقْدِيرُها: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ونَفَقَتِهِمْ كَمَثَلِ حَبَّةٍ وزارِعِها، فَذِكْرُ المُنْفِقِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ الزّارِعِ ثانِيًا، وذِكْرُ الحَبَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ النَّفَقَةِ أوَّلًا.
(p-٧٦)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكَما ضاعَفَ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلزّارِعِ حَبَّتَهُ فَهو يُضاعِفُ لِلْمُنْفِقِ نَفَقَتَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ بِما لَهُ مِنَ السَّعَةِ في القُدْرَةِ وكُلِّ صِفَةٍ حُسْنى ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الكَمالِ في كُلِّ صِفَةٍ ﴿واسِعٌ﴾ لا يُحَدُّ في صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها أفْعالُهُ ﴿عَلِيمٌ﴾ فَهو يُضاعِفُ لِأهْلِ النَّفَقَةِ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَهُ مِن نِيّاتِهِمْ؛ ولَمّا خَتَمَ أوَّلَ آياتِ هَذِهِ الأمْثالِ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ خَتَمَ آخِرَها بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ سَعَتَهُ قَدْ أحاطَتْ بِجَمِيعِ الكائِناتِ فَهو جَدِيرٌ بِالإثابَةِ في الدّارَيْنِ، وأنَّ عِلْمَهُ قَدْ شَمِلَ كُلَّ مَعْلُومٍ فَلا يَخْشى أنْ يَتْرُكَ عَمَلًا.
البقرة 2:262
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَزْرَعُ ما يَكُونُ لِغَيْرِهِ بَيَّنَ أنَّ هَذا لَهم بِشَرْطٍ فَقالَ: وقالَ الحَرالِّيُّ: [و] لَمّا كانَ لِلْخِلافَةِ وخُصُوصًا بِالإنْفاقِ مَوْقِعٌ مِنَ النَّفْسِ بِوُجُوهٍ مِمّا يَنْقُصُ التَّضْعِيفَ أوْ يُبْطِلُهُ كالَّذِي يَطْرَأُ عَلى الحَرْثِ الَّذِي ضَرَبَ بِهِ المَثَلَ مِمّا يَنْقُصُ نَباتُهُ أوْ يَسْتَأْصِلُهُ نَبَّهَ تَعالى عَلى ما يُبْطِلُ؛ انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ ورَغَّبَهم في إصْلاحِها ورَهَّبَهم مِن إفْسادِها بِإضافَتِها إلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أمْوالَهُمْ﴾ وحَثَّ عَلى الإخْلاصِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى.
(p-٧٧)ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مَطْبُوعَةً عَلى ذِكْرِ فَضْلِها وكانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا تَرْكُها لَهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ إعْلامًا بِعَظِيمِ فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أنْفَقُوا﴾ بِما يُجاهِدُونَ بِهِ أنْفُسَهم ﴿مَنًّا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ذِكْرُهُ لِمَن أنْفَقَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ قَطْعًا لِوَصْلِهِ بِالإغْضاءِ عَنْهُ لِأنَّ أصْلَ مَعْنى المَنِّ القَطْعُ ﴿ولا أذًى﴾ وهو ذِكْرُهُ لِغَيْرِهِ فَيُؤْذِيهِ بِذَلِكَ لِما يَتَعالى عَلَيْهِ بِإنْفاقِهِ. انْتَهى. وكَذا أنْ يَقُولَ لِمَن شارَكَهُ في فِعْلِ خَيْرٍ: لَوْ لَمْ أحْضُرْ ما تَمَّ، وتَكْرِيرُ ﴿لا﴾ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ انْتِفاءَ كُلٍّ مِنهُما شَرْطٌ لِحُصُولِ الأجْرِ ﴿لَهُمْ﴾ ولَمْ يَقْرِنْهُ بِالفاءِ إعْلامًا بِأنَّهُ ابْتِداءً عَطاءٌ مِنَ اللَّهِ تَفْخِيمًا لِمِقْدارِهِ وتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهُ مُسَبَّبًا عَنْ إنْفاقِهِمْ ﴿أجْرُهُمْ﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرَهُ في التَّضْعِيفِ فَأشْعَرَ ذَلِكَ أنَّهُ إنِ اقْتَرَنَ بِما نُهِيَ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، ثُمَّ زادَهم رَغْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِتَرْبِيَتِهِمُ القائِمِ عَلى ما يَقْبَلُ مِنَ النَّفَقاتِ بِالحِفْظِ والتَّنْمِيَةِ حَتّى يَصِيرَ في العِظَمِ إلى حَدٍّ يَفُوتُ الوَصْفَ ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن هَضِيمَةٍ تَلْحَقُهم ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى فائِتٍ، لِأنَّ رَبَّهم سُبْحانَهُ وتَعالى لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الفَضْلِ اللّائِقِ بِهِمْ إلّا أوْصَلَهُ إلَيْهِمْ.
البقرة 2:263
ولَمّا أفْهَمَ هَذا وهي ما لا يَقْتَرِنُ بِالشَّرْطِ مِنَ الإنْفاقِ فَتَشَوَّقَتِ (p-٧٨)النَّفْسُ إلى الوُقُوفِ عَلى الحَقِيقَةِ مِن أمْرِهِ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو ما لا يُوجِعُ قَلْبَ المُتَعَرِّضِ بِحَسَبِ حالِهِ وحالِ القائِلِ. ولَمّا كانَ السّائِلُ قَدْ يُلِحُّ ويَغْضَبُ مِنَ الرَّدِّ وإنْ كانَ بِالمَعْرُوفِ مِنَ القَوْلِ فَيُغْضِبُ المَسْؤُولَ قالَ: ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ لِلسّائِلِ إذا أغْضَبَ مَن رَدَّهُ ﴿خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ﴾ وهي الفَعْلَةُ الَّتِي يَبْدُو بِها صِدْقُ الإيمانِ بِالغَيْبِ مِن حَيْثُ إنَّ الرِّزْقَ غَيْبٌ فالواثِقُ مُنْفِقٌ تَصْدِيقًا بِالخَلَفِ [إعْلامًا بِعِظَمِ فَضْلِهِ] ﴿يَتْبَعُها أذًى﴾ بِمَنٍّ أوْ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ جامِعًا بَيْنَ نَفْعٍ وضُرٍّ ورُبَّما لَمْ يَفِ ثَوابُ النَّفْعِ بِعِقابِ الضُّرِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿غَنِيٌّ﴾ فَهو لا يَقْبَلُ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ. ولَمّا رَهَّبَ المُتَصَدِّقَ بِصِفَةِ الغَنِيِّ رَغْبَةً في الحِلْمِ عَمَّنْ أغْضَبَهُ بِكُفْرانِ الإحْسانِ أوِ الإساءَةِ في القَوْلِ عِنْدَ الرَّدِّ بِالجَمِيلِ فَقالَ: ﴿حَلِيمٌ﴾ أيْ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ بَلْ يَرْزُقُهُ ويَنْصُرُهُ وهو يَعْصِيهِ ويَكْفُرُهُ.
البقرة 2:264
ولَمّا شَرَطَ لِقَبُولِها شَرْطًا ووَهّى (p-٧٩)ما عَرِيَ مِنها [عَنْهُ] أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ إهْمالِهِ والنَّصَّ عَلى مَحْقِهِ لَها وإبْطالِهِ وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا وضَرَبَ لِلْمَثَلِ مَثَلًا مُبالَغَةً في الزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِذَلِكَ صَدِّقُوا إقْرارَكم بِأنْ ﴿لا تُبْطِلُوا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَبَيَّنَ أنَّ ما اشْتَرَطَهُ في الأجْرِ المُطْلَقِ مُبْطِلٌ لِلْإنْفاقِ. انْتَهى.
﴿صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ فَرُبَّما وازى عِقابُهُما ثَوابَ الصَّدَقَةِ أوْ زادَ فَكانَ كالإبْطالِ لِأوَّلِهِ إلى أنْ لا ثَوابَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَألْحَقَ عَمَلَ الإخْلاصِ بِآفَةِ ما تَعْقُبُهُ بِما بُنِيَ عَلى أصْلِ الرِّياءِ. انْتَهى. فَقالَ: ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ﴾ لِغَيْرِ اللَّهِ، إنَّما يُنْفِقُهُ ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾ أيْ لِقَصْدِ أنْ يَرَوْهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: هو الفِعْلُ المَقْصُودُ بِهِ رُؤْيَةُ الخَلْقِ غَفْلَةً عَنْ رُؤْيَةِ الحَقِّ وعَمايَةً عَنْهُ.
ولَمّا شَبَّهَ المانَّ والمُؤْذِيَ بِالمُرائِي لِأنَّهُ أسْقَطُ النّاسِ وأدْناهم هِمَّةً وأسْوَؤُهم نَظَرًا وأعْماهم قَلْبًا فَأُولُو الهِمَمِ العَلِيَّةِ لا سِيَّما العَرَبُ أشَدُّ شَيْءٍ نَفْرَةً مِنهُ وأبْعَدُهُ عَنْهُ وكانَ لِمَن يُرائِي حالانِ ألْحَقَهُ (p-٨٠)بِأشَدِّهِما فَقالَ: ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفَةُ الكَمالِ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الجَزاءُ بَعْدَ نَقْدِ الأعْمالِ جَيِّدِها مِن رَدِيئِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا ضَرَبَ مَثَلًا لِنَماءِ النَّفَقَةِ بِالحَرْثِ ضَرَبَ مَثَلًا لِإبْطالِها بِخَطَإ الحارِثِ في الحَرْثِ فَقالَ: ﴿فَمَثَلُهُ﴾ في إنْفاقِهِ مُقارِنًا لِما يُفْسِدُهُ، ومَثَلُ نَفَقَتِهِ ﴿كَمَثَلِ صَفْوانٍ﴾ وما زُرِعَ عَلَيْهِ، وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الصَّفا وهي الحِجارَةُ المُلْسُ الصُّلْبَةُ الَّتِي [لا] تَقْبَلُ انْصِداعَها بِالنَّباتِ. انْتَهى.
﴿عَلَيْهِ تُرابٌ﴾ فاغْتَرَّ بِهِ بَعْضُ الجَهَلَةِ فَزَرَعَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَتْ إزالَةُ التُّرابِ عَمّا وقَعَ عَلَيْهِ عَقِبَ وُقُوعِهِ أجْدَرَ ما زالَتْ بِحَذافِيرِهِ ولا سِيَّما إنْ كانَ حَجَرًا أمْلَسَ قالَ إبْلاغًا في إبْطالِ الرِّياءِ لِلْعَمَلِ: ﴿فَأصابَهُ﴾ أيْ عَقِبَ كَوْنِ التُّرابِ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ مُهِمَّةٍ بِخِلافِ ما يَأْتِي مِنَ الرَّبْوَةِ فَإنَّها صِفَةٌ لازِمَةٌ فَلَوْ تَعَقَّبَها المَطَرُ لَدامَ بِدَوامِها فَأفْسَدَها ﴿وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ كَثِيرٌ فَأزالَ التُّرابَ عَنْهُ ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ أيْ صَخْرًا لا يَقْبَلُ النَّباتَ بِوَجْهٍ بَلْ يَخِيبُ مَن (p-٨١)يَأْمُلُهُ كَما يُقالُ أصْلَدَ الزَّنْدُ إذا لَمْ يُورِ، فَجَعَلَ قَلْبَ المُؤْذِي المانِّ بِمَنزِلَةِ الصَّفْوانِ الَّذِي أصابَهُ وابِلُ المَطَرِ، فَأذْهَبَ عائِدَ نَفَقَتِهِ كَما أذْهَبَ بَذْرَ الحارِثِ عَلى الصَّفْوانِ وابِلُ المَطَرِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُصْلِحَ البَذْرَ، قالَهُ الحَرالِّيُّ وفِيهِ تَصَرُّفٌ. ولَمّا بانَ بِهَذا بُطْلانُ العَمَلِ في المَثَلِ والمَمْثُولِ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيِ المُمَثَّلُ لَهم والمُمَثَّلُ بِهِمْ ﴿عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ ولَمّا كانَ الزّارِعُ عَلى مِثْلِ هَذا عَجَبًا في الضَّلالِ والغَباوَةِ وكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ المُؤْذِينَ كَما لا يَقْبَلُ عَمَلَ المُرائِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُعْلِمًا أنَّهُ يُعْمِي البُصَراءَ عَنْ أبْيَنِ الأُمُورِ إذا أرادَ ومَهْما شاءَ فَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ كُلُّها ﴿لا يَهْدِي﴾ أيْ لِوَجْهِ مَصْلَحَةٍ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُؤْذِي والمُرائِي قَدْ غَطّى مَحاسِنَ عَمَلِهِ بِما جَرَّهُ مِنَ السُّوءِ قالَ: ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ وفي ذِكْرِهِ ولِهَذِهِ الجُمْلَةِ وحْدَها أشَدُّ تَرْهِيبٍ لِلْمُتَصَدِّقِ عَلى هَذا الوَجْهِ.
البقرة 2:265
ولَمّا فَرَغَ مِن مَثَلِ العارِي عَنِ الشَّرْطِ ضَرَبَ لِلْمُقْتَرِنِ بِالشَّرْطِ مِنَ (p-٨٢)الإنْفاقِ مَثَلًا مُنَبِّهًا فِيهِ عَلى أنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ مُبْتَغىً بِهِ وجْهُ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ومَثَلُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: عَطْفًا عَلى ﴿كالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النّاسِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] ﴿ولا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤] عَطْفَ مُقابَلَةٍ وعَلى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦١] عَطْفَ مُناسَبَةٍ. انْتَهى.
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمُ﴾ أيْ مَثَلُ نَفَقاتِهِمْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ دُنْياوِيَّةٍ ولا شائِبَةٍ نَفْسانِيَّةٍ بَلْ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَلِذَلِكَ صَلُحَ كُلَّ الصَّلاحِ فَعَرِيَ عَنِ المَنِّ والأذى وغَيْرِهِما مِنَ الشَّوائِبِ المُوجِبَةِ لِلْخَلَلِ قالَ الحَرالِّيُّ: والمَرْضاةُ مَفْعَلَةٌ لِتَكَرُّرِ الرِّضى ودَوامِهِ. انْتَهى.
﴿وتَثْبِيتًا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ بِالنَّظَرِ في إصْلاحِ العَمَلِ وإخْلاصِهِ بِالحَمْلِ عَلى الحِلْمِ والصَّفْحِ والصَّبْرِ عَلى جَمِيعِ مَشاقِّ التَّكالِيفِ فَإنَّ مَن راضَ نَفْسَهُ بِحَمْلِها عَلى بَذْلِ المالِ الَّذِي [هُوَ] شَقِيقُ (p-٨٣)الرُّوحِ وذَلَّتْ لَهُ خاضِعَةً وقَلَّ طَمَعُها في اتِّباعِهِ لِشَهَواتِها فَسَهُلَ عَلَيْهِ حَمْلُها عَلى سائِرِ العِباداتِ، ومَتى تَرَكَها وهي مَطْبُوعَةٌ عَلى النَّقائِصِ زادَ طَمَعًا في اتِّباعِ الشَّهَواتِ ولُزُومِ الدَّناءاتِ، فَمِن لِلتَّبْعِيضِ مَفْعُولٌ بِهِ مِثْلُها في قَوْلِهِمْ: لَيَّنَ مِن عَطْفِهِ وحَرَّكَ مِن نَشاطِهِ ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ﴾ أيْ بُسْتانٍ ومَثَلِ صاحِبِها. قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حَرْثُ الدُّنْيا حَبًّا وثَمَرًا جَعَلَ نَفَقاتِ الأُخْرى كَذَلِكَ حَبًّا وتَمْرًا. فَمَن أنْفَقَ في السَّبِيلِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالحَبِّ، ومَن أنْفَقَ ابْتِغاءً لِمَرْضاةِ اللَّهِ جَعَلَ مَثَلَهُ كالجَنَّةِ الَّتِي لَها أصْلٌ ثابِتٌ تَدُورُ عَلَيْها الثَّمَراتُ وهي ثابِتَةٌ وتَسْتَغْنِي مِنَ الماءِ بِما لا يَسْتَغْنِي بِهِ الحَرْثُ لِأنَّ الحَرْثَ مُسْتَجِدٌّ في كُلِّ وقْتٍ، كَما أنَّ الجِهادَ واقِعٌ عِنْدَ الحاجَةِ إلَيْهِ والمُنْفِقُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ يُنْفِقُ في كُلِّ وجْهٍ دائِمُ الإنْفاقِ، فَكانَ مَثَلُهُ مَثَلَ الجَنَّةِ الدّائِمَةِ لِيَتَطابَقَ المَثَلانِ بِالمَمْثُولَيْنِ، فَعَمَّتْ هَذِهِ النَّفَقَةُ جِهاتِ الإنْفاقِ كُلَّها في جَمِيعِ (p-٨٤)سُبُلِ الخَيْرِ. انْتَهى.
﴿بِرَبْوَةٍ﴾ أيْ مَكانٍ عالٍ لَيْسَ بِجَبَلٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: في إعْلامِهِ أنَّ خَيْرَ الجَنّاتِ ما كانَ في الرَّبْوَةِ لِتَنالَها الشَّمْسُ وتَخْتَرِقَها الرِّياحُ اللَّواقِحُ، فَأمّا ما كانَ مِنَ الجِنانِ في الوِهادِ تَجاوَزَتْها الرِّياحُ اللَّواقِحُ مِن فَوْقِها فَضَعُفَتْ حَياتُها، لِأنَّ الرِّياحَ هي حَياةُ النَّباتِ ”الرِّيحُ مِن نَفَسِ الرَّحْمَنِ“ انْتَهى. ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿أصابَها وابِلٌ﴾ أيْ مَطَرٌ كَثِيرٌ ﴿فَآتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ أخْرَجَتْهُ بِإذْنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حَتّى صارَ في قُوَّةِ المُعْطِي ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ مِثْلَ ما كانَتْ تُخْرِجُهُ لَوْ أصابَها دُونَ الوابِلِ، كَذا قالُوا: مِثْلَيْنِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ أرْبَعَةُ أمْثالِهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالضِّعْفِ قَدْرُ الشَّيْءِ ومِثْلُهُ مَعَهُ فَيَكُونُ الضِّعْفانِ أرْبَعَةً. واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ، ذِكْرُ المُنْفِقِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ صاحِبِ الجَنَّةِ ثانِيًا، وذِكْرُ الجَنَّةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ النَّفَقَةِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ الوابِلُ قَدْ لا يُوجَدُ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أيْ فَيُصِيبُها لِعُلُوِّها طَلٌّ، وهو النَّدى الَّذِي يَنْزِلُ في الضَّبابِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: الطَّلُّ [سِنٌّ] مِن أسْنانِ المَطَرِ خَفِيٌّ لا يُدْرِكُهُ الحِسُّ حَتّى يَجْتَمِعَ، فَإنَّ المَطَرَ يَنْزِلُ خَفِيًّا عَنِ الحِسِّ وهو الطَّلُّ، ثُمَّ يَبْدُو بِلَطافَةٍ وهو الطَّشُّ، ثُمَّ يَقْوى وهو الرَّشُّ، ثُمَّ يَتَزايَدُ ويَتَّصِلُ وهو الهَطْلُ، ثُمَّ يَكْثُرُ ويَتَقارَبُ وهو الوابِلُ، ثُمَّ يَعْظُمُ سَكْبُهُ وهو الجُودُ؛ فَلَهُ (p-٨٥)أسْنانٌ مِمّا لا يَنالُهُ الحِسُّ لِلَطافَتِهِ إلى ما لا يَحْمِلُهُ الحِسُّ كَثْرَةً. انْتَهى. والمَعْنى أنَّ أهْلَ هَذا الصِّنْفِ لا يَتَطَرَّقُ إلى أعْمالِهِمْ فَسادٌ، غايَتُها أنْ يَطْرُقَها النَّقْصُ بِاعْتِبارِ ضَعْفِ النِّيّاتِ، ولِذَلِكَ كانَ التَّقْدِيرُ تَسْبِيبًا عَنْ ذَلِكَ: فاللَّهُ بِما تَسْتَحِقُّونَ عَلى نِيّاتِكم عَلِيمٌ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِما ظَهَرَ مِنهُ ﴿بَصِيرٌ﴾ كَما هو كَذَلِكَ بِما بَطَنَ، فاجْتَهِدُوا في إحْسانِ الظّاهِرِ والباطِنِ. وقَدَّمَ مَثَلَ العارِي عَنِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ.
البقرة 2:266
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ المَنَّ مُبْطِلٌ لِلصَّدَقَةِ ومَثَّلَهُ بِالرِّياءِ وضَرَبَ لَهُما مَثَلًا ورَغَّبَ في الخالِصِ وخَتَمَ ذَلِكَ بِما يَصْلُحُ لِلتَّرْهِيبِ مِنَ المَنِّ والرِّياءِ رَجَعَ إلَيْهِما دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِهِما فَضَرَبَ لَهُما مَثَلًا أوْضَحَ مِنَ السّالِفِ وأشَدَّ في التَّنْفِيرِ عَنْهُما والبُعْدِ مِنهُما فَقالَ، وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا تَراجَعَ خَبَرُ الإنْفاقَيْنِ ومُقابِلُهُما تَراجَعَتْ أمْثالُها فَضَرَبَ لِمَن يُنْفِقُ مُقابِلًا لِمَن يَبْتَغِي مَرْضاةَ اللَّهِ تَعالى مَثَلًا بِالجَنَّةِ المُخَلَّفَةِ، انْتَهى. فَقالَ، مُنْكِرًا عَلى مَن يُبْطِلُ عَمَلَهُ كَأهْلِ مَثَلِ الصَّفْوانِ بَعْدَ كَشْفِ الحالِ بِضَرْبِ هَذِهِ الأمْثالِ: ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ أيْ يُحِبُّ حُبًّا شَدِيدًا (p-٨٦)﴿أنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ أيْ حَدِيقَةٌ تَسْتُرُ داخِلَها وعَيَّنَ هُنا ما أبْهَمَهُ في المَثَلِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿مِن نَخِيلٍ﴾ جَمْعِ نَخْلَةٍ وهي الشَّجَرَةُ القائِمَةُ عَلى ساقِ الحَيَّةِ مِن أعْلاها أشْبَهُ الشَّجَرِ بِالآدَمِيِّ، ثابِتٌ ورَقُها، مُغَذٍّ مُؤَدَمٌ ثَمَرُها، في كُلِّيَّتِها نَفْعُها حَتّى في خَشَبِها طَعامٌ لِلْآدَمِيِّ بِخِلافِ سائِرِ الشَّجَرِ، مَثَلُها كَمَثَلِ المُؤْمِنِ الَّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ كُلُّهُ ﴿وأعْنابٍ﴾ جَمْعِ عِنَبٍ وهو شَجَرٌ مُتَكَرِّمٌ لا يَخْتَصُّ ذَهابُهُ بِجِهَةِ العُلُوِّ اخْتِصاصَ النَّخْلَةِ بَلْ يَتَفَرَّعُ عُلُوًّا وسُفْلًا ويَمْنَةً ويَسْرَةً، مَثَلُهُ مَثَلُ المُؤْمِنِ المُتَّقِي الَّذِي يُكْرِمُ بِتَقْواهُ في كُلِّ جِهَةٍ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا كانَتِ الجِنانُ لا تَقُومُ وتَدُومُها إلّا بِالماءِ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ لِكَرَمِ أرْضِها. وقالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ تَكَلُّفُ ذَلِكَ فِيها بِخِلافِ الأُولى الَّتِي هي بَعْلٌ فَإنَّ الجائِحَةَ في السَّقْيِ أشَدُّ عَلى المالِكِ مِنها في البَعْلِ لِقِلَّةِ الكُلْفَةِ في البَعْلِ ولِشِدَّةِ الكُلَفِ في السَّقْيِ. انْتَهى.
ولَمّا وصَفَها بِكَثْرَةِ الماءِ ذَكَرَ نَتِيجَةَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَهُ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ مَعَ النَّخْلِ والعِنَبِ. ولَمّا ذَكَرَ كَرَمَها ذَكَرَ شِدَّةَ (p-٨٧)الحاجَةِ إلَيْها فَقالَ: ﴿وأصابَهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ أصابَهُ ﴿الكِبَرُ﴾ فَصارَ لا يَقْدِرُ عَلى اكْتِسابٍ ﴿ولَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ﴾ بِالصِّغَرِ كَما ضَعُفَ هو بِالكِبَرِ ﴿فَأصابَها﴾ أيِ الجَنَّةُ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ ﴿إعْصارٌ﴾ أيْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ جِدًّا. قالَ الحَرالِّيُّ: صِيغَةُ اشْتِدادٍ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ والألِفِ فِيهِ مِنَ العَصْرِ وهو [الشِّدَّةُ المُخْرِجَةُ لِخَبْءِ الأشْياءِ، والإعْصارُ رِيحٌ شَدِيدَةٌ في غَيْمٍ يَكُونُ فِيها حِدَّةٌ مِن بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، وهُوَ] أحَدُ قِسْمَيِ النّارِ، نَظِيرُهُ مِنَ السَّعِيرِ السَّمُومُ. وقالَ الأصْفَهانِيُّ: رِيحٌ تَسْتَدِيرُ في الأرْضِ ثُمَّ تَسْطَعُ نَحْوَ السَّماءِ كالعَمُودِ ﴿فِيهِ نارٌ فاحْتَرَقَتْ﴾ تِلْكَ الجَنَّةُ وبَقِيَ صاحِبُها بِمَضْيَعَةٍ مَعَ ضَعْفِهِ وثِقَلِ ظَهْرِهِ بِالعِيالِ وقِلَّةِ المالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الاحْتِراقِ وهو ذَهابُ رُوحِ الشَّيْءِ وصُورَتِهِ ذَهابًا وحَيًا بِإصابَةِ قاصِفٍ لَطِيفٍ يَشِيعُ في كُلِّيَّتِهِ فَيُذْهِبُهُ ويُفْنِيهِ؛ فَجَعَلَ المَثَلَ الأوَّلَ في الحَبِّ أيِ الَّذِي عَلى الصَّفْوانِ لِآفَةٍ مِن تَحْتِهِ. وجَعَلَ المَثَلَ في الجَنَّةِ بِجائِحَةٍ مِن فَوْقِهِ كَأنَّهُما جِهَتا طُرُوِّ العِلَلِ والآفاتِ مِن جِهَةِ أصْلٍ أوْ فَرْعٍ. انْتَهى. فَحالُ مَن راءى في أعْمالِهِ أوْ آذى في صَدَقَةِ مالِهِ في يَوْمِ القِيامَةِ وأهْوالِهِ كَحالِ هَذا في نَفْسِهِ وعِيالِهِ عِنْدَ خَيْبَةِ (p-٨٨)آمالِهِ، ورَوى البُخارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ [قالَ قالَ عُمَرُ ] رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِأصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: ”فِيمَ تَرَوْنَ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ ﴿أيَوَدُّ أحَدُكُمْ﴾ إلى أنْ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: ضُرِبَتْ مَثَلًا لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: أيُّ عَمَلٍ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِعَمَلٍ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لِرَجُلٍ غَنِيٍّ يَعْمَلُ بِطاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ لَهُ الشَّيْطانَ فَعَمِلَ بِالمَعاصِي حَتّى أغْرَقَ أعْمالَهُ“ .
ولَمّا بَيَّنَ لَهم هَذا البَيانَ الَّذِي أبْهَتَ بُلَغاءَ الإنْسِ والجانِّ نَبَّهَهم عَلى تَعْظِيمِهِ لِتَبْجِيلِهِ وتَكْرِيمِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا البَيانِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لَكُمُ الآياتِ﴾ أيْ كُلَّها ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى أنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلى الفِكْرِ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَنْتَفِعُ بِفِكْرِهِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَتَبْنُونَ الأُمُورَ عَلى تَثْبِيتٍ، لا خَيْرَ في عِبادَةٍ إلّا بِتَفَكُّرٍ، كَما أنَّ البانِيَ لا بُدَّ أنْ يُفَكِّرَ في بِنائِهِ، كَما قالَ الحَكِيمُ: أوَّلُ الفِكْرَةِ آخِرُ العَمَلِ وأوَّلُ العَمَلِ آخِرُ الفِكْرَةِ، كَذَلِكَ مِن حَقِّ أعْمالِ الدِّينِ ألّا تَقَعَ إلّا بِفِكْرَةٍ في إصْلاحِ أوائِلِها السّابِقَةِ وأواخِرِها اللّاحِقَةِ، فَكانُوا في ذَلِكَ صِنْفَيْنِ بِما يُشْعِرُ بِهِ ”لَعَلَّكم“ مُطابِقَيْنِ لِلْمَثَلِ مُتَفَكِّرًا مُضاعَفًا (p-٨٩)حَرْثُهُ وجَنَّتُهُ وعامِلًا بِغَيْرِ فِكْرَةٍ تَسْتَهْوِيهِ أهْواءُ نَفْسِهِ فَتَلْحَقُهُ الآفَةُ في عَمَلِهِ في حَرْثِهِ وجَنَّتِهِ مِن سابِقِهِ أوْ لاحِقِهِ. انْتَهى.
البقرة 2:267
ولَمّا رَغِبَ في الفِعْلِ وتَخْلِيصِهِ عَنِ الشَّوائِبِ أتْبَعَهُ المالَ المُنْفَقَ مِنهُ فَأمَرَ بِطِيبِهِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿أنْفِقُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِكم ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ وإنَّما قَدَّمَ الفِعْلَ لِأنَّهُ ألْصَقُ بِالإنْسانِ وتَطْيِيبُهُ أعَمُّ نَفْعًا، ولَمّا ذَكَرَ ما أباحَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أرْباحِ التِّجاراتِ ونَحْوِها أتْبَعَهُ ما أباحَهُ مِن مَنافِعِ النَّباتاتِ ونَحْوِها مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَتَقَلَّبُ العِبادُ فِيهِ مِن أنْفُسِهِمْ وغَيْرِها نِعْمَةٌ مِنهُ أنْشَأها مِنَ الأرْضِ الَّتِي أبْدَعَها مِنَ العَدَمِ تَرْغِيبًا في الجُودِ بِهِ وفي جَعْلِهِ خَيارًا حَلالًا وتَرْهِيبًا مِنَ الشُّحِّ بِهِ وجَعَلَهُ دَيْنًا أوْ حَرامًا فَقالَ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿لَكُمْ﴾ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْكم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: قَدَّمَ خِطابَ المُكْتَسِبِينَ بِأعْمالِهِمْ كَأنَّهُمُ المُهاجِرُونَ وعَطَفَ عَلَيْهِمُ المُنْفِقِينَ مِنَ الحَرْثِ والزَّرْعِ كَأنَّهُمُ الأنْصارُ. انْتَهى.
ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ أكَّدَ الأمْرَ بِهِ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا﴾ أيْ لا تَتَكَلَّفُوا أنْ تَقْصِدُوا ﴿الخَبِيثَ مِنهُ﴾ أيْ خاصَّةً (p-٩٠)﴿تُنْفِقُونَ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: الخَبِيثُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ بِزِيادَةِ الياءِ مِنَ الخُبْثِ وهو ما يُنافِرُ حِسَّ النَّفْسِ: ظاهِرَهُ وباطِنَهُ، في مُقابِلِهِ ما يَرْتاحُ إلَيْهِ مِنَ الطَّيِّبِ الَّذِي يَنْبَسِطُ إلَيْهِ ظاهِرًا وباطِنًا، وقالَ: فَفي إلاحَتِهِ مَعْنى حَصْرٍ كَأنَّهم لا يُنْفِقُونَ إلّا مِنهُ لِيَتَجاوَزَ النَّهْيُ مَن يُنْفِقُ مِن طَيِّبِهِ وخَبِيثِهِ عَلى غَيْرِ قَصْدِ اخْتِصاصِ النَّفَقَةِ مِنَ الخَبِيثِ. انْتَهى. ثُمَّ أوْضَحَ قَباحَةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ إذا كانَ لَكم عَلى أحَدٍ حَقٌّ فَأعْطاكُمُوهُ ﴿إلا أنْ تُغْمِضُوا﴾ أيْ تُسامِحُوا ﴿فِيهِ﴾ بِالحَياءِ مَعَ الكَراهَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإغْماضِ وهو الإغْضاءُ عَنِ العَيْبِ فِيما يُسْتَعْمَلُ، أصْلُهُ مِنَ الغُمْضِ وهي نَوْمَةٌ تَغْشى الحِسَّ ثُمَّ تَنْقَشِعُ، وقالَ: ولَمّا كانَ الآخِذُ هو اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا﴾ انْتَهى.
وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ المُسْتَكْمِلَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿غَنِيٌّ﴾ يَفْضُلُ عَلى مَن أسْلَفَ خَيْرًا رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ ولَيْسَتْ بِهِ حاجَةٌ تَدْعُوهُ إلى أخْذِ الرَّدِيءِ ولا رَغَّبَكم في أصْلِ الإنْفاقِ لِحاجَةٍ مِنهُ إلى شَيْءٍ مِمّا عِنْدَكم (p-٩١)وإنَّما ذَلِكَ لُطْفٌ مِنهُ بِكم لِيُجْرِيَ عَلَيْهِ الثَّوابَ والعِقابَ ﴿حَمِيدٌ﴾ يُجازِي المُحْسِنَ أفْضَلَ الجَزاءِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَزَلْ مَحْمُودًا ولا يَزالُ عَذَّبَ أوْ أثابَ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ بِزِيادَةِ ياءٍ مِنَ الحَمْدِ الَّذِي هو سَواءُ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي لا تَفاوُتَ فِيهِ مِن جِهَةِ إبْدائِهِ وافَقَ الأنْفُسَ أوْ خالَفَها.
البقرة 2:268
ولَمّا رَغَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى في الإنْفاقِ وخَتَمَ آياتِهِ بِما يَقْتَضِي الوَعْدَ مِن أصْدَقِ القائِلِينَ بِالغِنى والإثابَةِ في الدّارَيْنِ أتْبَعَهُ بِما لِلْعَدُوِّ الكاذِبِ مِن ضِدِّ ذَلِكَ فَقالَ مُحَذِّرًا مِنَ البُخْلِ - في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا ما لا يُشَكُّ فِيهِ فَما لِلنُّفُوسِ لا تُوجَدُ غالِبًا إلّا شَحِيحَةً بِالإنْفاقِ-: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ الَّذِي اسْمُهُ أسْوَأُ الأسْماءِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي الهَلاكَ والبُعْدَ، وأحَدُ الوَصْفَيْنِ كافٍ في مُجانَبَتِهِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا! ﴿يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ المانِعَ مِنَ الإنْفاقِ. قالَ الحَرالِّيُّ: الَّذِي لِخَوْفِهِ تَقاطَعَ أهْلُ الدُّنْيا وتَدابَرُوا وحَرَصُوا وادَّخَرُوا. وكُلُّ ذَلِكَ لا يُزِيلُ الفَقْرَ، كُلُّ حَرِيصٍ فَقِيرٌ ولَوْ مَلَكَ الدُّنْيا، وكُلُّ مُقْتَنِعٍ غَنِيٌّ، ومِن حَقِّ مَن كانَ عَبْدًا لِغَنِيٍّ أنْ يَتَحَقَّقَ أنَّهُ غَنِيٌّ يُغْنِي سَيِّدَهُ، فَفي خَوْفِ الفَقْرِ إباقُ العَبْدِ عَنْ رَبِّهِ؛ والفَقْرُ فَقْدُ ما إلَيْهِ الحاجَةُ في وقْتٍ مِن قِيامِ المَرْءِ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ. انْتَهى.
﴿ويَأْمُرُكم بِالفَحْشاءِ﴾ المُبْطِلَةِ لَهُ مِنَ المَنِّ والأذى وغَيْرِهِما مِن مُسْتَلَذّاتِ الأنْفُسِ ورُبَّما كانَ فِيها إتْلافُ الأمْوالِ وإذْهابُ (p-٩٢)الأرْواحِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وكُلُّ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ اسْتِقْباحاتُ العَقْلِ والشَّرْعِ والطَّبْعِ فَهو فَحْشاءٌ، وأعْظَمُ مُرادٍ بِها هُنا البُخْلُ الَّذِي هو أدْوَأُ داءٍ، لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الفَقْرِ، وعَلَيْهِ يَنْبَنِي شَرُّ الدُّنْيا والآخِرَةِ ويُلازِمُهُ الحِرْصُ ويُتابِعُهُ الحَسَدُ ويَتَلاحَقُ بِهِ الشَّرُّ كُلُّهُ [انْتَهى] وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْعَدُوِّ مِنَ الشَّرِّ أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما لَهُ مِنَ الخَيْرِ فَقالَ مُصَرِّحًا بِما تَقَدَّمَ التَّلْوِيحُ بِهِ:﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى والصِّفاتُ العُلى الرَّحِيمُ الوَدُودُ ﴿يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ﴾ لِما وقَعَ مِنكم مِن تَقْصِيرٍ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ولِما جُبِلَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النَّقْصِ ﴿وفَضْلا﴾ بِالزِّيادَةِ في الدّارَيْنِ، وكُلُّ نِعْمَةٍ مِنهُ فَضْلٌ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ كَمالٍ ﴿واسِعٌ﴾ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى [حَلِيمٍ] غَنِيٌّ، وأتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُضِيعُ شَيْئًا وإنْ دَقَّ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي إشْعارِهِ تَوْهِينٌ لِكَيْدِ الشَّيْطانِ ووَعْدٌ كَرِيمٌ لِلْمَفْتُونِ بِخَوْفِ الفَقْرِ وعَمَلِ الفَحْشاءِ لِما (p-٩٣)عَلِمَهُ مِن ضَعْفِ الأنْفُسِ وسُرْعَةِ قَبُولِها مِنَ الوَسْواسِ. انْتَهى. فَخَتَمَ آخِرَ آياتِ الأمْثالِ بِما خَتَمَ بِهِ أوَّلَها تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا.
البقرة 2:269
ولَمّا انْقَضى الكَلامُ في الإنْفاقِ والمالِ المُنْفَقِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا وخَتَمَ ذَلِكَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ وتَضَمَّنَ ذَلِكَ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ عَلِيمٌ أنَّهُ حَكِيمٌ أتْبَعَ ذَلِكَ الوَصْفَ بِأنَّ مِن سَعَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنَّهُ يَهَبُ مِن صِفاتِهِ ما يَشاءُ لِمَن يَشاءُ بِأنْ يُؤْتِيَهُ الحِكْمَةَ فَيُوقِفَهُ عَلى عِلْمِ ما خَفِيَ مِن هَذِهِ الأمْثالِ المُتْقَنَةِ والأقْوالِ الحَسَنَةِ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا ويُوَفِّقُهُ لِلْعَمَلِ بِذَلِكَ إنْشاءً وتَصْحِيحًا فَقالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى تَرْجِيحِ العَمَلِ بِأمْرِ الرَّحْمَنِ وقَبُولِ وعْدِهِ بِأنَّهُ عَلى مُقْتَضى العَقْلِ والحِكْمَةِ وأنَّ أمْرَ الشَّيْطانِ ووَعْدَهُ عَلى وفْقِ الهَوى والشَّهْوَةِ: وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا أبْدى سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرَ الآخِرَةِ وأظْهَرَ ما فِيها وبَيَّنَ أمْرَ الدُّنْيا مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّسْبِيبِ ورَجْعِ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ أنْبَأ تَعالى أنَّ ذَلِكَ مِن حِكْمَتِهِ وأنْهى الحِكْمَةَ لِما فِيها مِنَ اسْتِيفاءِ حِكْمَةِ الدّارَيْنِ فَلَيْسَ الحَكِيمُ مَن عَلِمَ أمْرَ الدُّنْيا بَلْ مَن عَلِمَ (p-٩٤)أمْرَ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَداوى أدْواءَ الدُّنْيا بِدَواءِ الآخِرَةِ وداوى النَّفْسَ بِدَواءِ الدّارَيْنِ وضَمَّ جَوامِعَها في تَيْسِيرِ الكَلِمِ كَما ضَمَّها لِمَنِ اصْطَفاهُ ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ [الإسراء: ٣٩] فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ انْتَهى. وفي تَرْتِيبِها عَلى واسِعٍ عَلِيمٍ بَعْدَ غَنِيٍّ حَمِيدٍ بَعْدَ عَزِيزٍ حَكِيمٍ التَّحْذِيرُ مِنَ التَّعْرِيضِ لِإنْفاقِ ما يَرُدُّهُ لِعِزَّتِهِ وغِناهُ وسَعَتِهِ ويَذُمُّ عَلَيْهِ لِعِلْمِهِ لِرَداءَتِهِ أوْ فَسادٍ في نِيَّتِهِ وإنْ خَفِيَ فَإنَّ ذَلِكَ خارِجٌ عَنْ مِنهاجِ الحِكْمَةِ مِنّا ومُقْتَضى الحِكْمَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما وقَعَ لِقابِيلَ إذْ قَرَّبَ رَدِيئًا كَما هو مَشْهُورٌ في قِصَّتِهِ، ولَعَلَّهُ لَوَّحَ إلَيْهِ بِالتَّذَكُّرِ في خِتامِ هَذِهِ الآيَةِ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] فَصارَ كَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ يُؤْتِي الحِكْمَةَ [وهِيَ العِلْمُ] بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ المُزَيَّنُ بِالعَمَلِ والعَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ، ثُمَّ مَدَحَ مَن حَلّاهُ بِها فَقالَ مُشِيرًا بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّها مَقْصُودَةٌ في نَفْسِها: ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ﴾ أيِ الَّتِي هي صِفَةٌ مِن صِفاتِهِ، وأشارَ بِالتَّعْرِيفِ إلى كَمالِها (p-٩٥)بِحَسَبِ ما تَحْتَمِلُهُ قُوى العَبِيدِ، والحِكْمَةُ قُوَّةٌ تَجْمَعُ أمْرَيْنِ: العِلْمَ المُطابِقَ وفِعْلَ العَدْلِ وهو العَمَلُ عَلى وفْقِ العِلْمِ. قالَ الأصْبَهانِيُّ: والقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ كَمالِ الإنْسانِ لَيْسَ إلّا هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ ﴿فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ قالَ الحَرالِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّهُ نَكِرَةٌ لِما في الحِكْمَةِ مِنَ التَّسَبُّبِ الَّذِي فِيهِ كُلْفَةٌ ولَوْ يُسِّرَتْ فَكانَ الخَيْرُ الكَثِيرُ المُعَرَّفُ في الكَلِمَةِ لِما فِيها مِنَ اليُسْرِ والحِياطَةِ والإنالَةِ الَّذِي لا يُنالُ مِنهُ مَنالٌ بِسَبَبٍ وإنَّما هو فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ فَيَصِيرُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَمْعَهُ وبَصَرَهُ. إلى آخِرِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ ذَلِكَ الَّذِي أُوتِيَ الحِكْمَةَ يَصِيرُ ذا لُبٍّ فَيَتَأهَّلُ لِأنْ يَتَذَكَّرَ بِما يُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن كَلِمَتِهِ ما بَثَّ في الأنْفُسِ والآفاقِ مِن حِكْمَتِهِ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ﴾ أيْ بِكَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى حِكَمَهُ ﴿إلا أُولُو الألْبابِ﴾ (p-٩٦)أيْ أصْحابُ العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ دَواعِي الهَوى المُنْبَعِثَةِ مِنَ التَّوَهُّماتِ الحاصِلَةِ عَنِ الوَسْوَسَةِ فَهم يَتَرَقَّوْنَ بِالتَّذَكُّرِ بِأنَّهم لا حَوْلَ لَهم عَنِ المُسَبِّباتِ إلى أسْبابِها إلى أنْ يَصِلُوا إلى مُسَبِّبِها فَيَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. وقالالحَرالِّيُّ: الَّذِينَ لَهم لُبُّ العَقْلِ الَّذِي يَنالُ لُبَّ الحِسِّ كَأنَّ الدُّنْيا قِشْرٌ تُنالُ بِظاهِرِ العَقْلِ، والآخِرَةَ لُبٌّ تُنالُ بِلُبِّ العَقْلِ ظاهِرًا لِظاهِرٍ وباطِنًا لِباطِنٍ، مَن تَذَكَّرَ ابْتِداءً مِنَ الابْتِداءاتِ السّابِقَةِ ورَدَ عَلَيْهِ فَضْلُ اللَّهِ مِنهُ، مَن رَجَعَ مِن حِسِّهِ إلى نَفْسِهِ تَنَشَّأتْ لَهُ أوْصافُ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ وتَرَقّى عَمّا في مَحْسُوسِهِ مِنَ المَهاوِي الشَّهْوانِيَّةِ، ومَن تَخَلَّصَ مِن نَفْسِهِ إلى رُوحِهِ تَحَسَّسَ بِالوَصْلَةِ الرَّحْمانِيَّةِ والمَحَبَّةِ الرَّبّانِيَّةِ، كَذَلِكَ مَن تَرَقّى مِن رُوحِهِ إلى أمْرِهِ تَحَقَّقَ بِالإحاطَةِ الوَحْدانِيَّةِ، ومَنِ اسْتَبْطَنَ مِن أمْرِهِ إلى سِرِّهِ اجْتَمَعَ إلى الأوَّلِيَّةِ الفَرْدانِيَّةِ؛ فَهَذا التَّرْتِيبُ مِن كَمالاتِ هَذِهِ الحِكْمَةِ المُؤْتاةِ المُنَزَّلَةِ بِالوَحْيِ في هَذا الكِتابِ الجامِعِ لِنَبَإ ما سَبَقَ وخَبَرِ ما لَحِقَ وباطِنِ ما ظَهَرَ أنْهى تَعالى إلى ذِكْرِها أعْمالَ (p-٩٧)الخَلْقِ وخُصُوصًا في الجُودِ بِالمَوْجُودِ كَما أنْهى إقامَةَ مَبْنى الدِّينِ بِظُهُورِ وُجُودِهِ، فَأنْهى تَنْزِيلَ أمْرِهِ بِظُهُورِ وُجُودِهِ وأنْهى اسْتِخْلافَ عِبادِهِ بِالِانْتِهاءِ إلى مَدَدِ جُودِهِ، فَكانَ أعْلى الحِكْمَةِ الجُودُ [بِالمَوْجُودِ] فَبِذَلِكَ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ - اتَّصَلَ ذِكْرُ آيَةِ الحِكْمَةِ بِالإنْفاقِ نَظْمًا وبِآيَةِ الكُرْسِيِّ مُناظَرَةً. انْتَهى.
البقرة 2:270
ولَمّا كانَ السِّياقُ سابِقًا ولاحِقًا لِلْإنْفاقِ عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَما جَمَعْتُمْ مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ مُطالِبُكم في وضْعِهِ وجَمْعِهِ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ ومُحاسِبُكم عَلى ذَلِكَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ حَثًّا عَلى الإسْرارِ بِالنَّفَقَةِ في الخَيْرِ والوَفاءِ بِالنَّذْرِ وتَحْذِيرًا مِنَ الإنْفاقِ في المَعْصِيَةِ ولَوْ عَلى أدَقِّ الوُجُوهِ بِأنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ ويُجازِي عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ أيْ في وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَدَخَلَ فِيهِ جَمِيعُ التَّوَسُّعاتِ المَشْرُوعاتِ عِنْدَ النِّكاحِ والخِتانِ والوِلادَةِ واتِّخاذِ المَسْكَنِ وفي الدَّعَواتِ لِلْإخْوانِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ كَثِيرًا ما يَخْشى فَواتَ أمْرٍ فَيَنْذُرُ إنْ حَصَلَ بِنَفَقَةٍ في وجْهِ خَيْرٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ولَكِنْ رُبَّما ظَنَّ أنَّ التَّرْغِيبَ في الإنْفاقِ خاصٌّ بِما نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ ابْتِداءً لا بِما ألْزَمَهُ الإنْسانُ نَفْسَهُ (p-٩٨)[قالَ] ﴿أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ﴾ وإدْخالُ مِن لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والنَّذْرُ إبْرامُ العِدَةِ بِخَيْرٍ يُسْتَقْبَلُ فِعْلُهُ أوْ يُرْتَقَبُ لَهُ ما يَلْتَزِمُ بِهِ وهو أدْنى الإنْفاقِ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى وجْهِ الِاشْتِراطِ، قالَ ﷺ: ”إنَّما يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ“ انْتَهى.
﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ عَظَّمَ الأمْرَ بِهَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿يَعْلَمُهُ﴾ ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ مَعَ وُضُوحِ عَوْدِهِ إلى المُتَقَدِّمِ أشَدُّ تَعْظِيمًا لِلنَّذْرِ لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ فِيهِ مِنَ النَّقْصِ عَنْ مَندُوبِ الشَّرْعِ فَتَحَرَّوْا في طِيبِ ذَلِكَ والوَفاءِ بِهِ وجَمِيعِ ما يَدْخُلُ فِيهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي تَحَرِّي مَن يَطْلُبُ إرْضاءَ مَلِكٍ عَظِيمٍ بِما يُهْدِي إلَيْهِ ويَعْرِضُهُ عَلَيْهِ، فَما تَصَرَّفْتُمْ فِيهِ بِالحِكْمَةِ مِن إنْفاقٍ أوْ غَيْرِهِ فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُجازِيكم عَلَيْهِ عَلى حَسَبِ ما ذَكَرَ لَكم مِنَ التَّضْعِيفِ، ومَن فَعَلَ مِنكم شَيْئًا [مِنهُ] عَلى غَيْرِ وجْهِ الحِكْمَةِ فَهو ظالِمٌ واضِعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَهو مَرْدُودٌ عَلَيْهِ ومُعاقَبٌ بِهِ وما لَهُ مِن ناصِرٍ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّ وعَلَّقَ الحُكْمَ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِلشَّيْءِ في (p-٩٩)غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿مِن أنْصارٍ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إفْهامِهِ أنَّ اللَّهَ آخِذٌ بِيَدِ السَّخِيِّ وبِيَدِ الكَرِيمِ كُلَّما عَثَرَ فَيَجِدُ لَهُ نَصِيرًا ولا يَجِدُ الظّالِمُ بِوَضْعِ القَهْرِ مَوْضِعَ البِرِّ ناصِرًا، وفِيهِ اسْتِغْراقُ نَفْيٍ بِما تُعْرِبُ عَنْهُ كَلِمَةُ ”مِن“. انْتَهى.
البقرة 2:271
ولَمّا كانَ حالُ الإنْفاقِ المَحْثُوثِ عَلَيْهِ يَخْتَلِفُ بِالسِّرِّ والجَهْرِ فَكانَ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى حاثًّا عَلى الصَّدَقَةِ في كِلْتا الحالَتَيْنِ مَعَ تَرْجِيحِ الإسْرارِ لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الرِّياءِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ أيِ المُتَطَوَّعَ بِها، قالَ الحَرالِّيُّ: وهي مِن أدْنى النَّفَقَةِ ولِذَلِكَ لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ ولا لِآلِ مُحَمَّدٍ لِأنَّها طُهْرَةٌ وغَسُولٌ يَعافُها أهْلُ الرُّتْبَةِ [العَلِيَّةِ] والِاصْطِفاءِ، وقالَ: والهَدِيَّةُ أجَلُّ حَقِّ المالِ لِأنَّها لِمَن فَوْقَ رُتْبَةِ المُهْدِي والهِبَةُ لِأنَّها لِلْمِثْلِ ﴿فَنِعِمّا هِيَ﴾ فَجَمَعَ لَها الأمْداحَ المُبْهَمَةَ لِأنَّ نِعْمَ كَلِمَةُ مُبالَغَةٍ تَجْمَعُ المَدْحَ كُلَّهُ وما كَلِمَةٌ مُبْهَمَةٌ تَجْمَعُ المَمْدُوحَ فَتَطابَقَتا في الإبْهامِ؛ وقالَ أبُو طالِبٍ العَبْدِيُّ في شَرْحِ الإيضاحِ: إنَّ نِعْمَ،، وبِئْسَ لِلْمُبالَغَةِ فالمُرادُ بِهِما التَّناهِي في المَدْحِ والذَّمِّ ولِاخْتِصاصِهِما بِهَذا المَعْنى مُنِعَتا التَّصَرُّفَ، واقْتُصِرَ بِهِما عَلى المَعْنى لِأنَّ المَدْحَ والذَّمَّ إنَّما يَكُونانِ مُتَعَلِّقَيْنِ بِما ثَبَتَ واسْتَقَرَّ، لا يُمْدَحُ الإنْسانُ بِما لَمْ يَقَعْ مِنهُ. (p-١٠٠)انْتَهى.
﴿وإنْ تُخْفُوها﴾ حَتّى لا يَعْلَمَ بِها إلّا مَن فَعَلْتُمُوها لَهُ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِها سَدَّ الخَلَّةِ قالَ: ﴿وتُؤْتُوها الفُقَراءَ فَهُوَ﴾ أيْ فَذَلِكَ الإخْفاءُ والقَصْدُ لِلْمُحْتاجِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وأقْرَبُ إلى الإخْلاصِ الَّذِي هو رُوحُ العِباداتِ، وفي تَعْرِيفِها وجَمْعِها ما رُبَّما أشْعَرَ بِعُمُومِ الفَرْضِ والنَّفْلِ لِما في إظْهارِ المالِ الخَفِيِّ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلظُّلْمِ والحَسَدِ وفي إفْهامِ السِّياقِ أنَّ الصَّدَقَةَ تَجُوزُ عَلى الغَنِيِّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنّا نَرْفَعُ بِها دَرَجاتِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي بَيْنَنا وبَيْنَكم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَخافُوا مِن إخْفائِها [أنْ يَضِيعَ عَلَيْكُمْ] شَيْءٌ مِنها فَإنَّ اللَّهَ بِكُلِّ ما فَعَلْتُمُوهُ مِنها عَلِيمٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَعْمِيمًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿خَبِيرٌ﴾ فَلَمْ يَدَعْ حاجَةً أصْلًا إلى الإعْلانِ فَعَلَيْكم بِالإخْفاءِ فَإنَّهُ أقْرَبُ إلى صَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا فَأخْلِصُوا فِيهِ وقَرُّوا عَيْنًا بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.
البقرة 2:272
ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى وُجُوهِ الخَيْرِ ورَغَّبَ في لُزُومِ الهُدى وكانَ أكْثَرُهم مُعْرِضِينَ، لِأنَّ ما دَعا إلَيْهِ هادِمٌ لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ (p-١٠١)مِنَ الحُبِّ لِتَوْفِيرِ المالِ والحَفِيظَةِ عَلى النَّفْسِ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الأسَفِ عَلَيْهِمْ دائِمَ القَلَقِ مِن أجْلِهِمْ لِعَظِيمِ رَحْمَتِهِ لَهم وشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَكانَ يَجِدُ مِن تَقاعُدِهِمْ عَمّا يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن هَذِهِ الحالَةِ العَلِيَّةِ الَّتِي هي حِكْمَةُ اللَّهِ الَّتِي رَأْسُها الإيمانُ بِاللَّهِ واشْتِراءُ الآخِرَةِ بِكُلِّيَّةِ الدُّنْيا وجْدًا شَدِيدًا، خَفَّضَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ الأمْرَ وخَفَّفَ عَلَيْهِ الحالَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ﴾ أيْ عِنْدَكَ ﴿هُداهُمْ﴾ حَتّى تَكُونَ قادِرًا عَلَيْهِ، فَما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، وأمّا خَلْقُ الهِدايَةِ لَهم فَلَيْسَ عَلَيْكَ ولا تَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ [هُوَ] القادِرُ عَلى ذَلِكَ وحْدَهُ فَهو ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّهُ يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْكَ بِمَعْنى عِنْدَكَ ومَعَكَ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ لَكِنَّ لِلِاسْتِدْراكِ وهو أنْ يَكُونَ حُكْمُ ما بَعْدَها مُخالِفًا لِما قَبْلَها وكَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ يُساعِدُ عَلى ذَلِكَ، قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ في كِتابِهِ الواعِي: في حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُنْتُ أُضَحِّي بِالجِذْعِ وعَلَيْنا ألْفُ شاةٍ، مَعْناهُ: وعِنْدَنا ألْفُ شاةٍ، تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْنا كَذا وكَذا، أيْ مَنَنّا. فَسَّرَهُ قاسِمٌ؛ انْتَهى. وهو يَرْجِعُ إلى القُدْرَةِ كَما تَقُولُ: عَلَيَّ رِضى فُلانٍ، أيْ أنا مُطِيقٌ لِذَلِكَ قادِرٌ عَلى حَمْلِهِ، فالمَعْنى: (p-١٠٢)لَسْتَ تَقْدِرُ عَلى إيجادِ الِاهْتِداءِ فِيهِمْ أصْلًا وإنَّما ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَهو يَهْدِي مَن يَشاءُ فَيَفْعَلُ ما يُقَدِّرُهُ سُبْحانَهُ لَهُ مِن وُجُوهِ الهُدى مِن نَفَقَةٍ وغَيْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الأنْصارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مِن أوَّلِ مُرادٍ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى جَعَلَ فِيهِمْ نُصْرَةَ دِينِهِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ في هَذِهِ الحِكْمَةِ وهَذا الهُدى إنَّما هو الهُدى لِلتَّوَسُّلِ إلى الجَوادِ بِالجُودِ بِالنَّفْسِ والمالِ النّائِلِ عُمُومًا القَرِيبَ والبَعِيدَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ بِمَنزِلَةِ المَطَرِ الجُودِ الَّذِي يَأْخُذُ السَّهْلَ والجَبَلَ حَتّى كانَ هَذا الخِطابُ صارِفًا لِقَوْمٍ تَحَرَّجُوا مِنَ الصَّدَقَةِ عَلى فُقَراءِ الكُفّارِ وصِلَةِ قَراباتِهِمْ مِنهم فَحُمِلُوا عَلى عُمُومِ الإنْفاقِ. انْتَهى. فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ مالٍ ومَعْرُوفٍ عَلى مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ يَحِلُّ فِعْلُ ذَلِكَ مَعَهُ ولَوْ قَلَّ «لا تَحْقِرَنَّ جارَةٌ لِجارَتِها ولَوْ فِرْسِنَ شاةٍ» ﴿فَلأنْفُسِكُمْ﴾ كَما «قِيلَ لَهُ ﷺ عَنْ شاةٍ ذُبِحَتْ: ذَهَبَتْ أيْ بِالهَدِيَّةِ والصَّدَقَةِ إلّا رَقَبَتَها! فَقالَ: بَقِيَتْ إلّا رَقَبَتَها!» فَهو يُفْهِمُ أنَّكم إنْ بَخِلْتُمْ أوْ مَنَنْتُمْ فَإنَّما تَفْعَلُونَ (p-١٠٣)ذَلِكَ بِأنْفُسِكم.
ولَمّا كانَ الكَلامُ في النَّفَقَةِ مَعَ المُؤْمِنِينَ [المُنْفِقِينَ] وفي سَبِيلِ اللَّهِ وعَبَّرَ عَنْها بِالخَيْرِ وكُلِّ ذَلِكَ إشارَةً إلى الإخْلاصِ الحَرِيِّ بِحالِ المُؤْمِنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ما ﴿تُنْفِقُونَ إلا ابْتِغاءَ﴾ أيْ إرادَةَ.
ولَمّا كانَ تَذَكُّرُ الوَجْهِ لِما لَهُ مِنَ الشَّرَفِ أدْعى إلى الِاجْتِهادِ في تَشْرِيفِ العَمَلِ بِإحْسانِهِ وإخْلاصِهِ قالَ: ﴿وجْهِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ مِن سَدِّ خَلَّةِ فَقِيرٍ أوْ صِلَةِ رَحِمِ مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ تَجُوزُ الصَّدَقَةُ عَلَيْهِ لا لِأنْفُسِكم ولا غَيْرِها بَلْ تَخَلُّصًا مِن إمْساكِ المالِ بِأداءِ الأمانَةِ فِيهِ إلى عِبادِ اللَّهِ لِأنَّهم عِبادُهُ، هَذا هو الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ الإيمانُ فَلا يُظَنُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَهُ وذَلِكَ يَقْتَضِي البُعْدَ جِدًّا عَنِ الأذى والرِّياءِ وكُلِّ نَقِيصَةٍ والمُلابَسَةَ لِكُلِّ ما يُوجِبُ القَبُولَ مِنَ الكَمالِ الحِسِّيِّ والمَعْنَوِيِّ.
ولَمّا كانَ الإيقانُ بِالوَفا مُرَغِّبًا في الإحْسانِ ومُبْعِدًا مِنَ الإساءَةِ والِامْتِنانِ خَوْفًا مِن جَزاءِ المَلِكِ الدَّيّانِ [قالَ] ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ [أيْ] عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ وبِأيِّ وصْفٍ كانَ التَّصَدُّقُ (p-١٠٤)والمُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ ﴿يُوَفَّ﴾ أيْ يُبالَغُ في وفائِهِ بِالتَّضْعِيفِ واصِلًا ﴿إلَيْكم وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ أيْ لا يَقَعُ عَلَيْكم ظُلْمٌ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أنْفَقْتُمُوهُ ولا في نَقْصٍ مِمّا وُعِدْتُمُوهُ مِنَ التَّضْعِيفِ إنْ أحْسَنْتُمْ والمُماثَلَةِ إنْ أسَأْتُمْ.
البقرة 2:273
ولَمّا كانَ غالِبُ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي ذُكِرَتْ في الإنْفاقِ مِن أجْلِ المَحاوِيجِ وكانَ ما مَضى شامِلًا لِلْمُؤْمِنِ وغَيْرِهِ بَيَّنَ أنَّ مَحَطَّ القَصْدِ في الحَثِّ عَلَيْها المُؤْمِنُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ﴾ أيْ هَذِهِ الأحْكامُ لَهم ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا﴾ أيْ مُنِعُوا عَنِ التَّكَسُّبِ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ إلى أنَّ المُقْعِدَ لَهم عَنْ ذَلِكَ الِاشْتِغالِ بِإقامَةِ الدِّينِ بِالجِهادِ وغَيْرِهِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ بِالتِّجارَةِ لِأجْلِ ذَلِكَ وأشارَ إلى شِدَّةِ رِضاهم عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَدَمِ شِكايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ﴾ أيِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ فِطْنَةُ الخُلَّصِ ﴿أغْنِياءَ مِنَ﴾ أجْلِ ﴿التَّعَفُّفِ﴾ عَنِ المَسْألَةِ والتَّلْوِيحِ بِها قَناعَةً بِما أعْطاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَوْلاهم ورِضىً عَنْهُ (p-١٠٥)وشَرَفَ نَفْسٍ، والتَّعَفُّفُ تَكَلُّفُ العِفَّةِ وهي كَفُّ ما يَنْبَسِطُ لِلشَّهْوَةِ مِنَ الآدَمِيِّ إلّا بِحَقِّهِ ووَجْهِهِ، قالَهُ الحَرالِّيُّ.
ولَمّا ذَكَرَ خَفاءَهم عَلى الغَبِيِّ ذَكَرَ جَلاءَهم عِنْدَ المُتَوَسِّمِ فَقالَ: ﴿تَعْرِفُهُمْ﴾ أيْ يا أبْصَرَ المُوقِنِينَ وأفْطَنَهم أنْتَ ومَن رَسَخَتْ قَدَمُهُ في مُتابَعَتِكَ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: وهي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ السِّمَةِ والوَسْمِ وهي العَلامَةُ الخَفِيَّةُ الَّتِي تَتَراءى لِلْمُسْتَبْصِرِ. انْتَهى. وتِلْكَ العَلامَةُ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ هي السَّكِينَةُ والوَقارُ وضَعْفُ الصَّوْتِ ورَثاثَةُ الحالِ مَعَ عُلُوِّ الهِمَّةِ والبَراءَةِ مِنَ الشَّماخَةِ والكِبْرِ والبَطَرِ والخُيَلاءِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لا يَسْألُونَ﴾ لِطُمُوحِ أبْصارِ بَصائِرِهِمْ عَنِ الخَلْقِ إلى الخالِقِ ﴿النّاسَ﴾ مِن مَلِكٍ ولا غَيْرِهِ ﴿إلْحافًا﴾ سُؤالَ إلْزامٍ، أخْذًا مِنَ اللِّحافِ الَّذِي يُتَغَطّى بِهِ لِلُزُومِهِ لِما يُغَطِّيهِ، ومِنهُ لاحَفَهُ أيْ لازَمَهُ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو لُزُومٌ ومُداوَمَةٌ في الشَّيْءِ مِن حُرُوفِ الحِلْفِ الَّذِي هو إنْهاءُ الخَبَرِ إلى الغايَةِ كَذَلِكَ [اللَّحْفُ] إنْهاءُ السُّؤالِ إلى الغايَةِ. انْتَهى. وإنَّما يَسْألُونَ إنْ سَألُوا عَلى وجْهِ العَرْضِ (p-١٠٦)والتَّلْوِيحِ الخَفِيِّ، كَما كانَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَسْتَقْرِئُ غَيْرَهُ الآيَةَ لِيُضَيِّفَهُ وهو أعْرَفُ بِها مِمَّنْ [يَسْتَقْرِئُهُ] فَلا يَفْهَمُ مُرادَهُ إلّا النَّبِيُّ ﷺ؛ فالتَّعْبِيرُ بِالتَّعَفُّفِ يُفِيدُ الِاجْتِهادَ في العِفَّةِ والمُبالَغَةَ فِيها، والتَّقَيُّدُ بِالإلْحافِ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ السُّؤالِ قَلِيلًا جِدًّا أوْ عَلى وجْهِ التَّلْوِيحِ لا التَّصْرِيحِ كَما يُؤَيِّدُهُ ويُؤَكِّدُهُ المَعْرِفَةُ بِالسِّيما.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أخْفى مَواضِعِ النَّفَقَةِ أشارَ إلى إخْفائِها لا سِيَّما في ذَلِكَ المَوْضِعِ فَقالَ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ أنْفَقْتُمُوهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿بِهِ عَلِيمٌ﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في إخْفائِهِ بِإعْطائِهِ لِمَن لا يَسْألُ بِأنْ لا يَعْرِفَ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وذِكْرُ العِلْمِ في مَوْضِعِ الجَزاءِ أعَظُّ مُرَغِّبٍ وأخْوَفُ مُرَهِّبٍ كَما يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِإمْعانِ التَّأمُّلِ لِذَلِكَ.
البقرة 2:274
ولَمّا حَضَّ عَلى النَّفَقَةِ فَأكْثَرَ وضَرَبَ فِيها الأمْثالَ وأطْنَبَ في المَقالِ ولَمْ يُعَيِّنْ لَها وقْتًا كانَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: في أيِّ وقْتٍ تُفْعَلُ؟ فَبَيَّنَ في آيَةٍ جامِعَةٍ لِأصْنافِ الأمْوالِ والأزْمانِ والأحْوالِ أنَّها حَسَنَةٌ في كُلِّ وقْتٍ وعَلى كُلِّ حالٍ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهُمْ﴾ (p-١٠٧)أيْ في الوُجُوهِ الصّالِحَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها وقَدَّمَ مِنَ المُتَقابِلِينَ ما كانَ أقْرَبَ إلى الإخْلاصِ اهْتِمامًا بِهِ دَلالَةً عَلى فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ﴾ إنِ اقْتَضى ذَلِكَ الحالُ ﴿والنَّهارِ﴾ إنْ دَعَتْهم إلى ذَلِكَ خُطَّةُ رُشْدٍ ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الِانْتِهاءُ عَنِ المَنِّ والأذى في بَعْضِ الأحْوالِ أشَدَّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ لِما يَرى مِنَ المُنْفَقِ عَلَيْهِ مِنَ الغَضِّ ونَحْوِ ذَلِكَ فَلا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ [أحَدٌ].
ابْتَدَأ الجَزاءَ في آيَتِهِ مِن غَيْرِ رَبْطٍ بِالفاءِ إشارَةً إلى العَفْوِ عَمّا يَغْلِبُ النَّفْسَ مِنهُ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ العَدَمِ، وإيماءً إلى تَعْظِيمِهِ بِكَوْنِهِ ابْتِداءَ عَطِيَّةٍ مِنَ المَلِكِ، تَرْغِيبًا في الكَفِّ عَنْهُ، لِأنَّهُ مَنظُورٌ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، ورَبَطَ الجَزاءَ في هَذِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ هَذِهِ الأحْوالِ، لِأنَّ الأفْعالَ أيْسَرُ مِنَ التُّرُوكِ فَحُصُولُهُ مُتَوَقِّفٌ عَلى حُصُولِها، حَثًّا عَلى الإتْيانِ بِها كُلِّها لِلسُّهُولَةِ في ذَلِكَ، لِأنَّ مَن سَمَحَ بِالإنْفاقِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى اسْتَوَتْ عِنْدَهُ فِيهِ الأوْقاتُ فَقالَ: ﴿فَلَهم أجْرُهُمْ﴾ وسَبَبِيَّتُهُ (p-١٠٨)كَوْنُهُ عَلامَةً لِحُصُولِ الأجْرِ، لا أنَّهُ سَبَبٌ حَقِيقِيٌّ، إنَّما السَّبَبُ الحَقِيقِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ بِالتَّوْفِيقِ لِلْعَمَلِ والِاعْتِدادِ بِهِ، وأعْلَمَ بِأنَّهُ مَحْفُوظٌ مُضاعَفٌ مُرْبىً لا يَضِيعُ أصْلًا بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [أيْ] فَهو يُرْبِي نَفَقاتِهِمْ ويُزَكِّيها كَما رَبّاهُمْ، ثُمَّ خَتَمَ آيَ النَّفَقاتِ بِما بَدَأها بِهِ مِنَ الأمْنِ والسُّرُورِ فَقالَ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ كَما فَرِحُوا بِها عَنْ غَيْرِهِمْ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِأنَّهُ لا ثَوابَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، إذْ لا عِيشَةَ لِحَزِينٍ ولا خائِفٍ؛ ولِشِدَّةِ مَشاقِّ الإنْفاقِ عَلى الأنْفُسِ لا سِيَّما في أوَّلِ الإسْلامِ لِما كانُوا فِيهِ مِنَ الضِّيقِ أكَّدَ تَعالى فِيهِ هَذا التَّأْكِيدَ بِجُمْلَتِهِ وبَيَّنَهُ هَذا البَيانَ الواضِحَ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ خَفِيَّةُ وجْهٍ إلّا أظْهَرَها وحَذَّرَ مِنها وقَرَّرَها - أشارَ إلى ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ فَقالَ: فَأفْضَلُهُمُ المُنْفِقُ لَيْلًا سِرًّا. وأنْزَلُهُمُ المُنْفِقُ نَهارًا عَلانِيَةً؛ فَهم بِذَلِكَ أرْبَعَةُ أصْنافٍ. انْتَهى.
البقرة 2:275
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ ذَكَرَ النَّفَقَةَ مِمّا أفاضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا في غَيْرِ آيَةٍ، ورَغَّبَ فِيها بِأنْواعٍ مِنَ التَّرْغِيبِ في فُنُونٍ مِنَ الأسالِيبِ، وكانَ الرِّزْقُ يَشْمَلُ الحَلالَ (p-١٠٩)والحَرامَ، وكانَ مِمّا يَسْتَرْزِقُونَ بِهِ قَبْلَ الإسْلامِ الرِّبا، وهو أخْذٌ مَجّانًا، وهو في الصُّورَةِ زِيادَةٌ وفي الحَقِيقَةِ نَقْصٌ وعَيْبٌ، ضِدُّ ما تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ مِنَ الإعْطاءِ مَجّانًا، وهو في الظّاهِرِ نَقْصٌ وفي الباطِنِ زِيادَةٌ وخَيْرٌ؛ نَهاهم عَنْ تَعاطِيهِ ونَفَّرَهم مِنهُ، وبَيَّنَ لَهم حُكْمَهُ وأنَّهُ خَبِيثٌ لا يَصْلُحُ لِأكْلٍ ولا صَدَقَةٍ، وجَعَلَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ الجَوابِ لِمَن قالَ هَلْ يَكُونُ النَّفَقَةُ المَحْبُوبَةُ المَحْثُوثُ عَلَيْها مِن كُلِّ مالٍ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ: - وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ حالُ المُنْفِقِ لا سِيَّما المُبْتَغِي وجْهَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أفْضَلَ الأحْوالِ، وهو الحالُ الَّذِي دُعُوا إلَيْهِ؛ نَظَمَ بِهِ أدْنى الأحْوالِ، وهو الَّذِي يُتَوَسَّلُ بِهِ إلى الأمْوالِ بِالرِّبا، فَأفْضَلُ النّاسِ المُنْفِقُ، وشَرُّ النّاسِ المُرْبِي؛ فَنَظَمَ بِهِ خِطابَ الرِّبا فَقالَ:- ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ الصَّحابَةِ مَن أكَلَ الرِّبا عَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى [أنَّ] هَذا الجَزاءَ يَخُصُّ المُصِرَّ فَقالَ: ﴿يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ وهو الزِّيادَةُ مِن جِنْسِ المَزِيدِ عَلَيْهِ المَحْدُودِ بِوَجْهٍ ما. انْتَهى. فَجَرى عَلى عادَةِ هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ في ذِكْرِ أحَدِ الضِّدَّيْنِ بَعْدَ الآخَرِ، وعَبَّرَ بِالأكْلِ عَنِ التَّناوُلِ، لِأنَّهُ أكْبَرُ المَقاصِدِ وأضَرُّها ويَجْرِي (p-١١٠)مِنَ الإنْسانِ مَجْرى الدَّمِ كالشَّيْطانِ ﴿لا يَقُومُونَ﴾ أيْ عِنْدَ البَعْثِ يَظْهَرُ ثِقْلُهُ في بُطُونِهِمْ فَيَمْنَعُهُمُ النَّشاطَ ويَكُونُ ذَلِكَ سِيماهم يُعْرَفُونَ بِهِ بَيْنَ أهْلِ المَوْقِفِ هَتْكًا لَهم وفَضِيحَةً. وقالَ الحَرالِّيُّ: في إطْلاقِهِ إشْعارٌ بِحالِهِمْ في الدُّنْيا والبَرْزَخِ والآخِرَةِ، فَفي إعْلامِهِ إيذانٌ بِأنَّ آكِلَهُ يُسْلَبُ عَقْلَهُ ويَكُونُ بَقاؤُهُ في الدُّنْيا بِخُرْقٍ لا بِعَقْلٍ، يُقْبِلُ في مَحَلِّ الإدْبارِ ويُدْبِرُ في مَحَلِّ الإقْبالِ انْتَهى. وهو مُؤَيَّدٌ بِالمُشاهَدَةِ فَإنّا لَمْ نَرَ ولَمْ نَسْمَعْ قَطُّ بِآكِلِ رِبا يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ ولا يُشْهَرُ بِفَضِيلَةٍ بَلْ هم أدْنى النّاسِ وأدْنَسُهم ﴿إلا كَما يَقُومُ﴾ المَصْرُوعُ ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ خَبْطَهُ ويُكَلِّفُهُ إيّاهُ ويَشُقُّ بِهِ عَلَيْهِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَظُنُّ أنَّهُ يَخْبِطُ الفِكْرَ بِالوَسْوَسَةِ مَثَلًا قالَ: ﴿مِنَ﴾ أيْ تَخَبُّطًا مُبْتَدِئًا مِنَ ﴿المَسِّ﴾ أيِ الجُنُونِ، فَأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِذَلِكَ إلى المَنعِ مِن أنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ مِن حَرامٍ ولا سِيَّما الرِّبا، وإلى أنَّ الخَبِيثَ المَنهِيَّ عَنْ تَيَمُّمِ إنْفاقِهِ قِسْمانِ: حِسِّيٌّ ومَعْنَوِيٌّ، (p-١١١)والنَّهْيُ في المَعْنَوِيِّ أشَدُّ. وقالَ البَيْضاوِيُّ تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ: وهو _أيِ التَّخَبُّطُ والمَسُّ_ وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُونَ _أيِ العَرَبُ_ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ وأنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ. انْتَهى. وظاهِرُهُ إنْكارُ ذَلِكَ ولَيْسَ بِمُنْكَرٍ بَلْ هو الحَقُّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، قالَ المَهْدَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى مَن أنْكَرَ [أنَّ] الصَّرْعَ مِن جِهَةِ الجِنِّ وزَعَمَ أنَّهُ فِعْلُ الطَّبائِعِ. وقالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في شَرْحِ المَقاصِدِ: وبِالجُمْلَةِ فالقَوْلُ بِوُجُودِ المَلائِكَةِ والجِنِّ والشَّياطِينِ مِمّا انْعَقَدَ [عَلَيْهِ] إجْماعُ الآراءِ [و] نَطَقَ بِهِ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وكَلامُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحُكِيَ مُشاهَدَةُ الجِنِّ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العُقَلاءِ وأرْبابِ المُكاشَفاتِ مِنَ الأوْلِياءِ، فَلا وجْهَ لِنَفْيِها؛ وقالَ: الجِنُّ أجْسامٌ لَطِيفَةٌ هَوائِيَّةٌ تَتَشَكَّلُ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ ويَظْهَرُ مِنها أحْوالٌ عَجِيبَةٌ، والشَّياطِينُ أجْسامٌ نارِيَّةٌ شَأْنُها إلْقاءُ النّاسِ في الفَسادِ والغَوايَةِ؛ ولِكَوْنِ الهَواءِ والنّارِ في غايَةِ اللَّطافَةِ والتَّشْفِيفِ كانَتِ المَلائِكَةُ والجِنُّ والشَّياطِينُ يَدْخُلُونَ المَنافِذَ الضَّيِّقَةَ حَتّى أجْوافَ (p-١١٢)النّاسِ ولا يُرَوْنَ بِحِسِّ البَصَرِ إلّا إذا اكْتَسَبُوا مِنَ المُمْتَزَجاتِ. انْتَهى. وقَدْ ورَدَ في كَثِيرٍ مِنَ الأحادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ «الشَّيْطانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرى الدَّمِ» ووَرَدَ «أنَّهُ ﷺ أخْرَجَ الصّارِعَ مِنَ الجِنِّ مِن جَوْفِ المَصْرُوعِ في صُورَةِ كَلْبٍ» ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وفي كُتُبِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَقَدِّمَةِ ما لا يُحْصى مِن مِثْلِ ذَلِكَ، فَأمّا مُشاهَدَةُ المَصْرُوعِ يُخْبِرُ بِالمُغَيَّباتِ وهو مَصْرُوعٌ غائِبُ الحِسِّ، ورُبَّما كانَ يُلْقى في النّارِ وهو لا يَحْتَرِقُ، ورُبَّما ارْتَفَعَ في الهَواءِ مِن غَيْرِ رافِعٍ، فَكَثِيرٌ جِدًّا لا يُحْصى مُشاهِدُوهُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْقَطْعِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ الجِنِّ أوِ الشَّياطِينِ؛ وها أنا أذْكُرُ لَكَ مِن أحادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ [ثُمَّ] مِن كُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ ما فِيهِ مُقْنِعٌ لِمَن تَدَبَّرَهُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ - رَوى الدّارِمِيُّ في أوائِلِ مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ بِابْنٍ لَها إلى النَّبِيِّ ﷺ (p-١١٣)فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ وإنَّهُ يَأْخُذُهُ عِنْدَ أغْدائِنا وعَشائِنا فَيَخْبُثُ عَلَيْنا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدْرَهُ ودَعا [فَثَعَّ ثَعَّةً] وخَرَجَ مِن صَدْرِهِ مِثْلُ الجَرْوِ الأسْوَدِ ”فَثَعَّ ثَعَّةً بِمُثَلَّثَةٍ ومُهْمَلَةٍ أيْ قاءَ“». ولِلدّارِمِيِّ أيْضًا وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ حَسَنٍ أيْضًا عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «”خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في سَفَرٍ فَرَكِبْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَنا كَأنَّما عَلى رُؤُوسِنا الطَّيْرُ تُظِلُّنا، فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ [لَها] فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ ابْنِي هَذا يَأْخُذُهُ الشَّيْطانُ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِرارٍ، فَتَناوَلَ الصَّبِيَّ فَجَعَلَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُقَدَّمِ الرَّحْلِ ثُمَّ قالَ: اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ أنا رَسُولُ اللَّهِ ثَلاثًا! ثُمَّ دَفَعَهُ إلَيْها» وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ وبَيَّنَ أنَّ السَّفَرَ غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ وأنَّ ذَلِكَ في حَرَّةِ واقِمٍ، قالَ جابِرُ: (p-١١٤)«فَلَمّا قَضَيْنا سَفَرَنا مَرَرْنا بِذَلِكَ المَكانِ فَعَرَضَتْ لَنا المَرْأةُ ومَعَها صَبِيُّها ومَعَها كَبْشانِ تَسُوقُهُما فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! اقْبَلْ مِنِّي هَدِيَّتِي، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما عادَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ! فَقالَ: خُذُوا مِنها واحِدًا ورُدُّوا عَلَيْها الآخَرَ» ورَوى البَغْوِيُّ في شَرْحِ السُّنَّةِ عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. وفي الإنْجِيلِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ جِدًّا، قالَ في إنْجِيلِ مَتّى ولُوقا ومُرْقُسَ يَزِيدُ أحَدُهم عَلى الآخَرِ وقَدْ جَمَعْتُ بَيْنَ ألْفاظِهِمْ: وجاءَ يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى عَبْرِ البَحْرِ إلى كُورَةِ الجِرْجِسِيِّينَ، وقالَ في إنْجِيلِ لُوقا: [الَّتِي] هي مُقابِلُ عَبْرِ الجَلِيلِ، فَلَمّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ اسْتَقْبَلَهُ [مَجْنُونٌ، قالَ لُوقا: مِنَ المَدِينَةِ مَعَهُ شَياطِينُ، وقالَ مَتّى] مَجْنُونانِ جائِيانِ مِنَ المَقابِرِ رَدِيئانِ جِدًّا حَتّى أنَّهُ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَجْتازَ مِن تِلْكَ الطَّرِيقِ فَصاحا قائِلَيْنِ: ما لَنا ولَكَ يا يَسُوعُ! جِئْتَ لِتُعَذِّبَنا قَبْلَ الزَّمانِ؛ قالَ لُوقا: (p-١١٥)وكانَ يُرْبَطُ بِالسَّلاسِلِ والقُيُودِ ويُحْبَسُ، وكانَ يَقْطَعُ الرِّباطَ ويَقُودُهُ الشَّيْطانُ إلى البَرارِي، فَسَألَهُ يَسُوعُ: ما اسْمُكَ؟ فَقالَ: لاجاوْنَ، لِأنَّهُ دَخَلَ فِيهِ شَياطِينُ كَثِيرَةٌ؛ وقالَ مُرْقُسُ: فَقالَ لَهُ: اخْرُجْ أيُّها الرُّوحُ النَّجِسُ! اخْرُجْ مِنَ الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: ما اسْمُكَ؟ فَقالَ: لاجاوْنَ اسْمِي لِأنّا كَثِيرٌ، وطَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُرْسِلَهم خارِجًا مِنَ الكُورَةِ؛ وكانَ هُناكَ نَحْوَ الجَبَلِ قَطِيعُ خَنازِيرَ كَثِيرَةٍ يَرْعى بَعِيدًا مِنهُمْ، فَطَلَبَ إلَيْهِ الشَّياطِينُ [قائِلِينَ]: إنْ كُنْتَ تُخْرِجُنا فَأرْسِلْنا إلى قَطِيعِ الخَنازِيرِ [فَقالَ لَهُمُ: اذْهَبُوا، وقالَ مُرْقُسُ: فَأذِنَ لَهم يَسُوعُ، فَلِلْوَقْتِ خَرَجَتِ الأرْواحُ النَّجِسَةُ ودَخَلَتْ في الخَنازِيرِ] وقالَ: [مَتّى]: فَلَمّا خَرَجُوا ومَضَوْا في الخَنازِيرِ وإذا بِقَطِيعِ خَنازِيرَ قَدْ وثَبَ عَلى جُرُفٍ وتَواقَعَ في البَحْرِ وماتَ جَمِيعُهُ في المِياهِ، (p-١١٦)وأنَّ الرُّعاةَ هَرَبُوا ومَضَوْا إلى المَدِينَةِ وأخْبَرُوهم بِكُلِّ شَيْءٍ وبِالمَجْنُونَيْنِ، فَخَرَجَ كُلُّ مَن في المَدِينَةِ لِلِقاءِ يَسُوعَ؛ قالَ مُرْقُسُ: وأبْصَرُوا ذَلِكَ المَجْنُونَ جالِسًا [لابِسًا] عَفِيفًا فَخافُوا، فَلَمّا أبْصَرُوهُ - يَعْنِي عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - طَلَبُوا إلَيْهِ أنْ يَتَحَوَّلَ عَنْ تُخُومِهِمْ؛ قالَ لُوقا: لِأنَّهم خافُوا عَظِيمًا، وقالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا صَعِدَ السَّفِينَةَ طَلَبَ إلَيْهِ المَجْنُونُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ فَلَمْ يَدْعُهُ يَسُوعُ لَكِنْ [قالَ لَهُ] امْضِ إلى بَيْتِكَ وعَرِّفْهم صُنْعَ الرَّبِّ [بِكَ] ورَحْمَتَهُ إيّاكَ، فَذَهَبَ وكَرَزَ في العَشْرَةِ مُدُنٍ، وقالَ كُلَّ ما صَنَعَ بِهِ يَسُوعُ فَتَعَجَّبَ [جَمِيعُهُمْ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا مَعْناهُ، وفي آخِرِهِ: فَذَهَبَ وكانَ يُنادِي في المَدِينَةِ كُلِّها بِكُلِّ ما صَنَعَهُ مَعَهُ يَسُوعُ؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ مِن هُناكَ قَدَّمُوا إلَيْهِ أخْرَسَ بِهِ شَيْطانٌ، فَلَمّا خَرَجَ الشَّيْطانُ تَكَلَّمَ الأخْرَسُ، فَتَعَجَّبَ] الجَمِيعُ قائِلِينَ: لَمْ يَظْهَرْ قَطُّ هَكَذا في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ الفَرِيسِيُّونَ: إنَّهُ بارَكُونُ الشَّياطِينِ (p-١١٧)يُخْرِجُ الشَّياطِينَ.
ثُمَّ قالَ: حِينَئِذٍ أُتِيَ إلَيْهِ بِأعْمى بِهِ شَيْطانٌ أخْرَسَ، فَأبْرَأهُ حَتّى أنَّ الأخْرَسَ تَكَلَّمَ وأبْصَرَ، فَبُهِتَ الجَمْعُ [كُلُّهُمْ] وقالُوا: لَعَلَّ هَذا هو ابْنُ داوُدَ، فَتَسَمَّعَ الفَرِيسِيُّونَ فَقالُوا: هَذا لا يُخْرِجُ الشَّياطِينَ إلّا بِباعِلَ زَبُولَ رَئِيسِ الشَّياطِينِ. وفِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ: فَلَمّا جاءَ إلى الجَمْعِ جاءَ إلَيْهِ إنْسانٌ ساجِدًا لَهُ قائِلًا: يا رَبُّ! وفي إنْجِيلِ لُوقا: يا مُعَلِّمُ! ارْحَمِ ابْنِي، فَإنَّهُ يُعَذَّبُ في رُؤُوسِ الأهِلَّةِ، ومِرارًا كَثِيرَةً يُرِيدُ أنْ يَنْطَلِقَ في النّارِ، ومِرارًا كَثِيرَةً في الماءِ؛ وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: قَدْ أتَيْتُكَ بِابْنِي! وبِهِ رُوحٌ نَجِسٌ وحَيْثُ ما أدْرَكَهُ صَرَعَهُ وأزْبَدَهُ وضَرَّرَ أسْنانَهُ فَتَرَكَهُ يابِسًا، وفي إنْجِيلِ لُوقا: أضْرَعُ إلَيْكَ أنْ تَنْظُرَ إلى ابْنِي، لِأنَّهُ وحِيدِي، ورُوحٌ يَأْخُذُهُ فَيَصْرُخُ بَغْتَةً ويَلْبِطُهُ بِجَهْلٍ، ويَزِيدُ عِنْدَ انْفِصالِهِ عَنْهُ ويَرْضُضُهُ، وضَرَعْتُ (p-١١٨)لِتَلامِيذِكَ أنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا؛ وفي إنْجِيلِ [مَتّى]: وقَدَّمْتُهُ إلى تَلامِيذِكَ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يُبْرِئُوهُ، أجابَ يَسُوعُ: أيُّها الجِيلُ الأعْوَجُ [غَيْرُ المُؤْمِنِ]! إلى مَتى أكُونُ مَعَكُمْ! وحَتّى [مَتى] أحْتَمِلُكُمْ! قَدِّمْهُ إلى هُنا؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: وفِيما هو جاءَ بِهِ طَرَحَهُ الشَّيْطانُ ولَبَطَهُ؛ وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: فَلَمّا رَأتْهُ الرُّوحُ النَّجِسَةُ مِن ساعَتِهِ صَرَعَتْهُ وسَقَطَ عَلى الأرْضِ مُضْطَرِبًا مُزْبِدًا؛ ثُمَّ قالَ لِأبِيهِ: مِن كَمْ أصابَهُ هَذا؟ فَقالَ: مُنْذُ صِباهُ، ثُمَّ قالَ ما مَعْناهُ: افْعَلْ مَعَهُ ما اسْتَطَعْتَ وتَحَنَّنْ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطاعٌ لِلْمُؤْمِنِ، فَصاحَ أبُو الصَّبِيِّ وقالَ: أنا أُومِنُ فَأعِنْ ضَعْفَ إيمانِي، فَلَمّا رَأى يَسُوعُ تَكاثُرَ الجَمْعِ انْتَهَرَ الرُّوحَ النَّجِسَ وقالَ: يا أيُّها الرُّوحُ الأصَمُّ غَيْرُ النّاطِقِ! أنا آمُرُكَ أنْ تَخْرُجَ مِنهُ ولا تَدْخُلَ فِيهِ، فَصَرَخَ (p-١١٩)ولَبَطَهُ كَثِيرًا وخَرَجَ مِنهُ وصارَ كالمَيِّتِ، وقالَ كَثِيرٌ: إنَّهُ ماتَ، فَأمْسَكَ يَسُوعُ بِيَدِهِ وأقامَهُ فَوَقَفَ؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى: فانْتَهَرَهُ يَسُوعُ فَخَرَجَ مِنهُ الشَّيْطانُ وبَرِئَ الفَتى في تِلْكَ السّاعَةِ، حِينَئِذٍ أتى التَّلامِذَةُ إلى يَسُوعَ مُنْفَرِدِينَ وقالُوا [لَهُ]: لِماذا لَمْ نَقْدِرْ نَحْنُ نُخْرِجُهُ؟ فَقالَ لَهم يَسُوعُ: مِن أجْلِ قِلَّةِ إيمانِكُمُ، الحَقَّ أقُولُ لَكم أنْ لَوْ كانَ لَكم إيمانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَقُلْتُمْ لِهَذا الجَبَلِ: انْتَقِلْ مِن هاهُنا إلى هُناكَ، فَيَنْتَقِلُ ولا يَعْسُرُ عَلَيْكم شَيْءٌ، وهَذا الجِنْسُ لا يَخْرُجُ إلّا بِالصَّوْمِ والصَّلاةِ؛ وقالَ مُرْقُسُ: لا يُسْتَطاعُ أنْ يُخْرَجَ بِشَيْءٍ إلّا بِصَلاةٍ وصَوْمٍ؛ وقالَ في إنْجِيلِ مُرْقُسَ: إنَّهُ كانَ يُعَلِّمُ في كَفْرِناحُومَ مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ، قالَ: وكانَ في مَجْمَعِهِمْ رَجُلٌ فِيهِ رُوحُ شَيْطانٍ نَجِسٌ فَصاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قائِلًا: ما لَنا ولَكَ يا يَسُوعُ النّاصِرِيُّ! أتَيْتَ لِتُهْلِكَنا! قَدْ عَرَفْنا مَن أنْتَ يا قُدُّوسَ اللَّهِ! فَنَهَرَهُ يَسُوعُ قائِلًا: اسْدُدْ (p-١٢٠)فاكَ واخْرُجْ مِنهُ! فَأقْلَقَتْهُ الرُّوحُ النَّجِسَةُ وصاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وخَرَجَ مِنهُ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: فَطَرَحَهُ الشَّيْطانُ في وسَطِهِمْ وخَرَجَ مِنهُ ولَمْ يُؤْلِمْهُ وخافَ الجَمْعُ مُخاطِبِينَ بَعْضَهم بَعْضًا قائِلِينَ: ما هو هَذا العِلْمُ الجَدِيدُ الَّذِي سُلْطانُهُ يَأْمُرُ الأرْواحَ النَّجِسَةَ فَتُطِيعُهُ! وخَرَجَ خَبَرُهُ في كُلِّ كُورَةِ الجَلِيلِ؛ وفِيهِ: ثُمَّ قامَ مِن هُناكَ وذَهَبَ إلى تُخُومِ صُوَرَ وصَيْدا ودَخَلَ إلى بَيْتٍ فَأرادَ أنْ لا يَعْلَمَ أحَدٌ بِهِ، فَلَمْ يَقْدِرْ أنْ يَخْتَفِيَ، فَلَمّا سَمِعَتِ امْرَأةٌ كانَتْ بِابْنَةٍ لَها رُوحٌ نَجِسٌ جاءَتْ إلَيْهِ وسَجَدَتْ قُدّامَ قَدَمَيْهِ، وكانَتْ يُونانِيَّةً صُورِيَّةً، وسَألَتْهُ أنْ يُخْرِجَ الشَّيْطانَ مِنَ ابْنَتِها، فَقالَ لَها: دَعِي البَنِينَ حَتّى يَشْبَعُوا أوَّلًا، لا تَحْسَبَنَّ (p-١٢١)أنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ البَنِينَ يُدْفَعُ لِلْكِلابِ، وأجابَتْ بِنَعَمْ يا رَبُّ! والكِلابُ أيْضًا تَأْخُذُ مِمّا يَسْقُطُ مِنَ المائِدَةِ مِن فُتاتِ الأطْفالِ، [فَقالَ] لَها مِن أجْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ: اذْهَبِي قَدْ خَرَجَ [الشَّيْطانُ مِنَ ابْنَتِكِ، فَذَهَبَتْ إلى بِنْتِها فَوَجَدَتِ الصَّبِيَّةَ عَلى السَّرِيرِ والشَّيْطانُ قَدْ خَرَجَ] مِنها؛ وفي [آخِرِ] إنْجِيلِ مُرْقُسَ: إنَّهُ أخْرَجَ مِن مَرْيَمَ المَجْدَلانِيَّةِ سَبْعَةَ شَياطِينَ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَسِيرُ إلى كُلِّ مَدِينَةٍ وقَرْيَةٍ ويَكْرِزُ ويُكَبِّرُ بِمَلَكُوتِ اللَّهِ ومَعَهُ الِاثْنا عَشَرَ ونِسْوَةٌ كُنَّ أبْرَأهُنَّ مِنَ الأمْراضِ والأرْواحِ الخَبِيثَةِ: مَرْيَمُ الَّتِي تُدْعى المَجْدَلانِيَّةَ الَّتِي أخْرَجَ [مِنها] سَبْعَةَ شَياطِينَ ومَرْثا امْرَأةُ خُوزِي خازِنِ هِينَ ودَسُّ وسَوْسَنَةُ وأخَواتٌ كَثِيراتٌ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: وفِيما هو يُعَلِّمُ في أحَدِ المَجامِعِ في السَّبْتِ فَإذا امْرَأةٌ مَعَها رُوحٌ (p-١٢٢)مُزْمِنٌ مُنْذُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً وكانَتْ مُنْحَنِيَةً لا تَقْدِرُ أنْ تَسْتَوِيَ البَتَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْها يَسُوعُ وقالَ: يا امْرَأةُ! أنْتِ مَحْلُولَةٌ مِن مَرَضِكِ [ووَضَعَ يَدَهُ عَلَيْها، فاسْتَقامَتْ لِلْوَقْتِ ومَجَّدَتِ اللَّهَ، فَأجابَ رَئِيسُ الجَماعَةِ وهو مُغْضَبٌ] وقالَ لِلْجَمِيعِ: لَكم سِتَّةُ أيّامٍ يَنْبَغِي العَمَلُ فِيها وفِيها تَأْتُونَ وتَسْتَشْفِعُونَ إلّا في السَّبْتِ! فَقالَ: يا مُراؤُونَ! واحِدٌ [مِنكُمْ] يَحُلُّ ثَوْرَهُ أوْ حِمارَهُ مِنَ المُدُودِ في السَّبْتِ ويَذْهَبُ فَيَسْقِيهِ وهَذِهِ ابْنَةُ إبْراهِيمَ كانَ الشَّيْطانُ قَدْ رَبَطَها مُنْذُ ثَمانِي عَشْرَةَ سَنَةً! أما كانَ يَحِلُّ أنْ تُطْلَقَ مِن هَذا الرِّباطِ في يَوْمِ السَّبْتِ؟ فَلَمّا قالَ هَذا الكَلامَ أخْزى كُلَّ مَن كانَ يُقاوِمُهُ، وكُلُّ الشَّعْبِ كانُوا يَفْرَحُونَ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي كانَتْ مِنهُ. انْتَهى.
وإنَّما كَتَبْتُ هَذا مَعَ كَوْنِ ما نُقِلَ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ كافِيًا لِأنَّهُ لا يَدْفَعُ أنْ يَكُونَ فِيهِ إيناسٌ لَهُ ومُصادَقَةٌ تَزِيدُ في الإيمانِ مَعَ أنَّ فِيهِ دَلائِلَ رادَّةً عَلى النَّصارى في ادِّعائِهِمُ التَّثْلِيثَ والِاتِّحادَ (p-١٢٣)وأحْسَنُ ما رَدَّ عَلى الإنْسانِ مِن كَلامِهِ وبِما يَعْتَقِدُهُ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:“ وما مِن إلَهٍ إلّا الله ”ما يَلْتَفِتُ إلى بَعْضِ هَذا ويَشْرَحُهُ شَرْحًا جَيِّدًا نافِعًا وكَذا في جَمِيعِ ما أنْقُلُهُ مِنَ الإنْجِيلِ كَما سَتَراهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في مَواضِعِهِ، وكُلُّ ما فِيهِ مِن مُتَشابِهٍ لَمْ تَأْلَفْهُ مِمّا يُوهِمُ اتِّحادًا أوْ تَثْلِيثًا فَلا تَزْدَدْ نَفْرَتُكَ مِنهُ وراجِعْ ما سَيُقَرَّرُ في آلِ عِمْرانَ وغَيْرِها يَرْجِعْ مَعَكَ إلى المُحْكَمِ رُجُوعًا جَلِيًّا، عَلى أنَّ أكْثَرَهُ إذا تُؤُمِّلَتْ أطْرافُهُ وجَدْتَهُ لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا، وإنْ لَمْ تَكُنْ أهْلًا لِلْجَرْيِ في مِضْمارِ ما يُنْسَبُ إلى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: كُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ ولا تَكُنْ مِمَّنْ يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ، فانْظُرْ كِتابَ الرَّدِّ الجَمِيلِ لِإلَهِيَّةِ عِيسى بِصَرِيحِ الإنْجِيلِ لِحُجَّةِ الإسْلامِ أبِي حامِدٍ الغَزالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى تَجِدْهُ أوَّلَ كَثِيرًا مِمّا ذَكَرْتُهُ بِمِثْلِ تَأْوِيلِي أوْ قَرِيبٍ مِنهُ، ولَمْ أرَ كِتابَهُ إلّا بَعْدَ كِتابَتِي لِذَلِكَ. (p-١٢٤)واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ.
وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [قَضى] بِنَزْعِ نُورِ العَقْلِ مِنَ المُرْبِي ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الصَّوابِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيِ المُرْبُونَ ﴿قالُوا﴾ جِدالًا لِأهْلِ اللَّهِ ﴿إنَّما البَيْعُ﴾ أيِ الَّذِي تَحْصُرُونَ [الحِلَّ] فِيهِ يا أهْلَ الإسْلامِ ﴿مِثْلُ الرِّبا﴾ في أنَّ كُلًّا مِنهُما مُعاوَضَةٌ، فَنَحْنُ نَتَعاطى الرِّبا كَما تَتَعاطَوْنَ أنْتُمُ البَيْعَ، فَما لَكم تُنْكِرُونَهُ عَلَيْنا؟ فَجَعْلُهُمُ الرِّبا أصْلًا انْسِلاخٌ مِمّا أوْدَعَهُ اللَّهُ في نُورِ العَقْلِ وحُكْمِ الشَّرْعِ وسَلامَةِ الطَّبْعِ مِنَ الحِكْمَةِ؛ والبَيْعُ كَما عَرَّفَهُ الفُقَهاءُ نَقْلُ مِلْكٍ بِثَمَنٍ. وقالَ الحَرالِّيُّ: هو رَغْبَةُ المالِكِ عَمّا في يَدِهِ إلى ما في يَدِ غَيْرِهِ، والشِّراءُ رَغْبَةُ المُسْتَمْلِكِ فِيما في يَدِ غَيْرِهِ بِمُعاوَضَةٍ بِما في يَدِهِ مِمّا رَغِبَ عَنْهُ، فَلِذَلِكَ كُلُّ شارٍ بائِعٌ ﴿وأحَلَّ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ أحَلَّ ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ تَمامُ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَدْلِ ﴿البَيْعُ﴾ أيْ لِما فِيهِ مِن عَدْلِ الِانْتِفاعِ، لِأنَّهُ مُعاوَضَةٌ عَلى سَبِيلِ النَّصَفَةِ لِلتَّراضِي مِنَ الجانِبَيْنِ، لِأنَّ (p-١٢٥)الغَبْنَ فِيهِ غَيْرُ مُحَقَّقٍ عَلى واحِدٍ مِنهُما، لِأنَّ مَنِ اشْتَرى ما يُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ يُمْكِنُ أنْ يَبِيعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِرَواجِهِ أوْ وُجُودِ راغِبٍ فِيهِ لِأمْرٍ دَعاهُ إلَيْهِ بِثَلاثَةٍ ﴿وحَرَّمَ الرِّبا﴾ لِما فِيهِ مِنَ اخْتِصاصِ أحَدِ المُتَعامِلَيْنِ بِالضَّرَرِ والغَبْنِ والآخَرِ بِالِاسْتِئْثارِ عَلى وجْهِ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ مَن أخَذَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ لا يُرْجى خَيْرُ ما فاتَهُ مِن ذَلِكَ الوَجْهِ أصْلًا، وكَذَلِكَ رِبا المُضاعَفَةِ وهو ما إذا طَلَبَ دَيْنَهُ فَكانَ الغَرِيمُ مُعْسِرًا فَألْزَمَهُ بِالدَّفْعِ أوِ الزِّيادَةِ في الدَّيْنِ فَإنَّهُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ هَذا الزّائِدِ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ المَدِينُ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَيَقَعُ الإيثارُ قَهْرًا وذَلِكَ الجَوْرُ الَّذِي يُقابِلُهُ العَدْلُ الَّذِي غايَتُهُ الفَضْلُ، فَأجْوَرُ الجَوْرِ في الأمْوالِ الرِّبا، وأجْوَرُ الجَوْرِ في الرِّبا الرِّبا كالَّذِي [يَقْتُلُ] بِقَتِيلٍ قَتِيلَيْنِ، وكُلُّ مَن طَفَّفَ في مِيزانٍ فَتَطْفِيفُهُ رِبًا بِوَجْهٍ ما؛ ولِذَلِكَ تَعَدَّدَتْ أبْوابُ الرِّبا وتَكَثَّرَتْ؛ قالَ ﷺ:“الرِّبا بِضْعَةٌ وسَبْعُونَ بابًا، (p-١٢٦)والشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ وهَذا رَأْسُهُ"، وهو ما كانَتْ تَتَعامَلُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، مِن قَوْلِهِمْ: إمّا أنْ تُرْبِيَ وإمّا أنْ تَقْضِيَ، ثُمَّ لَحِقَ بِهِ سائِرُ أبْوابِهِ، فَهو انْتِفاعٌ لِلْمُرْبِي وتَضَرُّرٌ لِلَّذِي يُعْطِي الرِّبا، وهَذا أشَدُّ الجَوْرِ بَيْنَ العَبِيدِ الَّذِينَ حَظُّهُمُ التَّساوِي في أمْرٍ بِلُغَةِ الدُّنْيا؛ فَكَما أعْلَمَهم سُبْحانَهُ وتَعالى أثَرَ حِكْمَةِ الخَيْرِ [فِي الإنْفاقِ] أعْلَمَهم أثَرَ حِكْمَةِ الشَّرِّ [فِي الرِّبا في دارِ الآخِرَةِ وفي غَيْبِ أمْرِ الدُّنْيا] وكَما أنَّهُ يُعَجِّلُ لِلْمُنْفِقِ خَلَفًا في الدُّنْيا كَذَلِكَ يُعَجِّلُ لِلْمُرْبِي مَحْقًا في الدُّنْيا حَسَبَ ما صَرَّحَ بِهِ الخِطابُ بَعْدَ هَذا الإشْعارِ. انْتَهى.
ومادَّةُ بَيَعَ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها [التِّسْعَةِ] يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ: بَيَعَ وعَيَبَ وعَبَيَ وبَوَعَ وبَعَوَ ووَبَعَ ووَعَبَ وعَبَوَ وعَبا، تَدُورُ عَلى الِاتِّساعِ، فالبَيْعُ يَدُورُ عَلى التَّصَرُّفِ التّامِّ بِالقُوَّةِ تارَةً وبِالفِعْلِ أُخْرى، والَّذِي بِالفِعْلِ يَكُونُ بِالمِلْكِ تارَةً وبِغَيْرِهِ أُخْرى، والَّذِي بِالمِلْكِ يَكُونُ بِالتَّحْصِيلِ تارَةً وبِالإزالَةِ أُخْرى، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الاتِّساعِ فَمِنَ الَّذِي بِالقُوَّةِ: باعَهُ مِنَ السُّلْطانِ سَعى بِهِ إلَيْهِ، وامْرَأةٌ بائِعٌ إذا كانَتْ نافِقَةً لِجَمالِها، والبِياعَةُ السِّلْعَةُ، والبَيِّعُ كَسَيِّدٍ: المُساوِمُ، وأبَعْتُهُ بِمَعْنى عَرَضْتُهُ لِلْبَيْعِ؛ ومِنَ (p-١٢٧)الَّذِي بِالفِعْلِ [مِن] غَيْرِ مِلْكٍ: باعَ عَلى بَيْعِهِ أيْ قامَ مَقامَهُ في المَنزِلَةِ والرِّفْعَةِ وظَفِرَ بِهِ، وكَذا أبَعْتُ الرَّجُلَ فَرَسًا أيْ أعَرْتُهُ إيّاهُ لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ؛ ومِنَ الَّذِي بِالمِلْكِ إزالَةً: بِعْتُهُ وأبَعْتُهُ أيْ أزَلْتُ مِلْكِي عَنْهُ بِثَمَنٍ، واسْتَباعَهُ سَألَهُ أنْ يَبِيعَهُ مِنهُ، وانْباعَ نَفَقَ، وانْباعَ لِي في سِلْعَتِهِ سامَحَ في بَيْعِها وامْتَدَّ إلى الإجابَةِ إلَيْهِ؛ ومِنَ الَّذِي بِالمِلْكِ تَحْصِيلًا: باعَ الشَّيْءَ بِمَعْنى اشْتَراهُ. قالَ الفارابِيُّ في دِيوانِ الأدَبِ: قالَ أبُو ثَرْوانَ: بِعْ لِي تَمْرًا بِدِرْهَمٍ - يُرِيدُ اشْتَرِ، وهَذا الحَرْفُ مِنَ الأضْدادِ، وابْتاعَهُ: اشْتَراهُ. والعَيْبُ بِمَعْنى الوَصْمَةِ تَوَسُّعُ الكَلامِ في العِرْضِ وسَبَبُهُ تَوَسُّعُ الإنْسانِ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ عَلى غَيْرِ مِنهاجِ العَقْلِ، والعَيْبَةُ وِعاءٌ مِن أدَمٍ يُوضَعُ فِيهِ المَتاعُ وهي أيْضًا الصَّدْرُ والقَلْبُ ومَوْضِعُ السِّرِّ، والعائِبُ مِنَ اللَّبَنِ الخادِرُ أيِ الآخِذُ طَعْمَ حُمُوضَةٍ (p-١٢٨)إمّا مِنَ العَيْبِ وإمّا لِأنَّهُ انْتَشَرَ عَنْ طَعْمِهِ الأوَّلِ؛ والعَبايَةُ ضَرْبٌ مِنَ الأكْسِيَةِ لِاتِّساعِهِ عَنِ الأُزُرِ ونَحْوِها طُولًا وعَرْضًا والرَّجُلُ الجافِي الثَّقِيلُ تَشْبِيهًا بِها في الخُشُونَةِ والثَّقالَةِ، وتَعْبِئَةُ الجَيْشِ تَهْيِئَتُهُ مِن مَوْضِعِهِ كَأنَّ مَراكِزَهُ عِيابٌ لَهُ وُضِعَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهُ في عَيْبَتِها، وعَيْبُكَ مِنَ الجَزُورِ نَصِيبُكَ، والتَّعابِي أنْ يَمِيلَ رَجُلٌ مَعَ قَوْمٍ وآخَرُ مَعَ آخَرِينَ لِأنَّ ذَلِكَ اتِّساعٌ بِالفَرِيقَيْنِ وانْتِشارٌ مِنَ الرَّجُلَيْنِ؛ ومِنَ المَهْمُوزِ العِبْءُ - بِالكَسْرِ وهو الحِمْلُ الثَّقِيلُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ لِأنَّهُ بِقَدْرِ وُسْعِ الحامِلِ أوْ فَوْقَ وُسْعِهِ وهو أوْسَعُ مِمّا دُونَهُ مِنَ الأحْمالِ، وهو أيْضًا العَدْلُ لِأنَّهُ يَسَعُ ما يُوضَعُ فِيهِ والمِثْلَ، ويُفْتَحُ لِأنَّ الِاثْنَيْنِ أوْسَعُ مِنَ الواحِدِ، والعَبْءُ بِالفَتْحِ ضِياءُ الشَّمْسِ وهو واضِحٌ في السَّعَةِ، وعَبَأ المَتاعَ والأمْرَ [كَمَنَعَ] هَيَّأ كَعَبَّأهُ تَعْبِئَةً لِأنَّهُ (p-١٢٩)أعْطاهُ ما يَسَعُهُ ووَضَعَهُ في مَواضِعَ تَسَعُهُ، والطِّيبَ صَنَعَهُ وخَلَطَهُ فاتَّسَعَ بِالخَلْطِ وانْتَشَرَتْ رائِحَتُهُ بِالصَّنْعَةِ؛ والعَباءُ كِساءٌ مَعْرُوفٌ وهو يَسَعُ ما يُلَفُّ بِهِ كالعَبايَةِ، والأحْمَقُ الثَّقِيلُ الوَخِمُ وتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ ويُمْكِنُ جَعْلُهُ مِنَ العِبْءِ بِمَعْنى الحِمْلِ وبِمَعْنى الثَّقِيلِ [والمِعْبَأةُ] كَمِكْنَسَةٍ خِرْقَةُ الحائِضِ لِأنَّها بِقَدْرِ ما يَسَعُهُ الفَرْجُ، والمَعْبَأُ كَمَقْعَدٍ المَذْهَبُ لِاتِّساعِهِ لِلذّاهِبِ فِيهِ، وما أعْبَأُ بِهِ ما أصْنَعُ، وبِفُلانٍ: ما أُبالِي أيْ ما أُوَسِّعُ الفِكْرَ فِيهِ - انْتَهى المَهْمُوزُ؛ والباعُ قَدْرُ مَدِّ اليَدَيْنِ والشَّرَفُ والكَرَمُ، والبَوْعُ أبْعادُ خَطْوِ الفَرَسِ في جَرْيِهِ، وبَسْطُ اليَدِ بِالمالِ، والمَكانُ المُنْهَضِمُ أيِ المُطْمَئِنُّ في لِصْبِ الجَبَلِ - واللِّصْبُ بِالكَسْرِ الشِّعْبُ الصَّغِيرُ مِنَ الجَبَلِ أضْيَقُ مِنَ اللِّهْبِ وأوْسَعُ مِنَ الشِّقْبِ، واللِّهْبُ مَهْواةُ ما بَيْنَ كُلِّ جَبَلَيْنِ أوِ الصَّدْعُ في الجَبَلِ أوِ الشِّعْبُ الصَّغِيرُ، والشِّعْبُ بِالعَيْنِ الطَّرِيقُ في الجَبَلِ ومَسِيلُ الماءِ في بَطْنِ (p-١٣٠)أرْضٍ أوْ ما انْفَرَجَ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، والشِّقْبُ بِالقافِ صَدْعٌ يَكُونُ في لُهُوبِ الجِبالِ ولُصُوبِ الأوْدِيَةِ دُونَ الكَهْفِ تُوكِرُ فِيهِ الطَّيْرُ، وباعَةُ الدّارِ ساحَتُها، والبائِعُ ولَدُ الظَّبْيِ إذا باعَ في مَشْيِهِ، وانْباعَ العَرَقُ سالَ، والحَيَّةُ بَسَطَتْ نَفْسَها بَعْدَ تَحَوِّيها لِتُساوِرَ؛ والوَبّاعَةُ الِاسْتُ لِاتِّساعِها بِخُرُوجِ الخارِجِ مِنها، وكَذَبَتْ وبّاعَتُهُ أيْ حَبَقَ يَعْنِي ضَرَطَ، والوَبّاعَةُ مِنَ الصَّبِيِّ ما يَتَحَرَّكُ مِن يافُوخِهِ لِامْتِدادِهِ إلى الحَرَكَةِ، ووَعَبَهُ كَوَعَدَهُ أخَذَهُ أجْمَعَ، كَأوْعَبَهُ واسْتَوْعَبَهُ، وأوْعَبَ جَمَعَ، والشَّيْءَ في الشَّيْءِ أدْخَلَهُ كُلَّهُ أيْ وسَّعَهُ حَتّى دَخَلَ فِيهِ، والوَعْبُ مِنَ الطُّرُقِ: الواسِعَةُ، وبَيْتٌ وعِيبٌ واسِعٌ؛ والبَعْوُ الجِنايَةُ والجُرْمُ لِأنَّ ذَلِكَ يُوَسِّعُ الكَلامَ في العِرْضِ، وهو أيْضًا العارِيَةُ، وبَعاهُ قَمَرَهُ وأصابَ مِنهُ، وبَعاهُ بِالعَيْنِ أصابَهُ بِها كَأنَّهُ وسَّعَ لِعَيْنِهِ فِيهِ حَظًّا.
(p-١٣١)ولَمّا كانَ الوَعْظُ كَما قالَ الحَرالِّيُّ دَعْوَةَ الأشْياءِ بِما فِيها مِنَ العِبْرَةِ لِلِانْقِيادِ لِلْإلَهِ الحَقِّ بِما يُخَوِّفُها ويَقْبِضُها في مُقابَلَةِ التَّذْكِيرِ بِما يُرْجِيها ويَبْسُطُها، وكانَ فِيما أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ حالِ المُرْبِي أتَمُّ زاجِرٍ لِأنَّ أجَلَّ ما لِلْإنْسانِ بَعْدَ رُوحِهِ عَقْلُهُ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: أطْلَقَ الكَلِمَةَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ النّازِلِ الرُّتْبَةِ تَرْفِيعًا لِقَدْرِ هَذِهِ المَوْعِظَةِ الخَفِيَّةِ المُدْرَكِ العَظِيمَةِ المَوْقِعِ ﴿مَوْعِظَةٌ﴾ [بِناءُ] مُبالَغَةٍ وإعْلاءٌ لِما أشْعَرَتِ المَفْعَلَةُ الزّائِدَةُ الحُرُوفِ عَلى أصْلِ لَفْظِ الوَعْظِ بِما يُشْعِرُ بِهِ المِيمُ مِنَ التَّمامِ والهاءُ مِنَ الانْتِهاءِ، فَوَضْعُ الأحْكامِ حِكْمَةٌ، والإعْلامُ بِثَمَراتِها في الآخِرَةِ مَوْعِظَةٌ تُشَوِّقُ النَّفْسَ إلى رَغْبَتِها ورَهْبَتِها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّخْوِيفُ مِنَ المُحْسِنِ أرْدَعَ لِأنَّ النَّفْسَ مِنهُ أقْبَلُ قالَ: ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُرَبِّي لَهُ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِكُلِّ ما هو فِيهِ مِنَ الخَيْرِ.
(p-١٣٢)قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ [أنَّ] مِن أصْلِ التَّرْبِيَةِ الحَمِيَّةَ مِن هَذا الرِّبا. انْتَهى.
﴿فانْتَهى﴾ أيْ عَمّا كانَ سَبَبًا لِلْوَعْظِ. قالَ الحَرالِّيُّ: أتى بِالفاءِ المُعَقِّبَةِ فَلَمْ يَجْعَلْ [فِيهِ] فُسْحَةً ولا قَرارًا عَلَيْهِ لِما فِيهِ مِن خَبَلِ العَقْلِ الَّذِي [هُوَ أصْلُ] مَزِيَّةِ الإنْسانِيَّةِ وإنْ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ حُكَماءُ الدُّنْيا ولا أطِبّاؤُها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ السِّياقُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ دالًّا عَلى أنَّ الآيَةَ في الكَفَرَةِ وأنَّ المُرادَ بِالأكْلِ الِاسْتِحْلالُ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ مِن قَبِيحِ ما ارْتَكَبَهُ بَعْدَ أنْ كانَ عَلَيْهِ ولا يَتْبَعُهُ [شَيْءٌ] مِن جَرِيرَتِهِ لِأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ وتَوْبَةُ المُؤْمِنِ لا تَجُبُّ المَظالِمَ. قالَ الحَرالِّيُّ: والسَّلَفُ هو الأمْرُ الماضِي بِكُلِّيَّتِهِ الباقِي بِخَلْفِهِ، وقالَ: في إعْلامِهِ إيذانٌ بِتَحْلِيلِ ما اسْتَقَرَّ في أيْدِيهِمْ مِن رِبا الجاهِلِيَّةِ بِبَرَكَةِ تَوْبَتِهِمْ مِنَ اسْتِئْنافِ العَمَلِ بِهِ في الإسْلامِ لَمّا كانَ الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وفي طَيِّ إشْعارِهِ تَعْرِيضٌ بِرَدِّهِ لِمَن (p-١٣٣)يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ بِالأفْضَلِ ويُقَوِّي إشْعارَهُ [قَوْلُهُ] ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ انْتَهى، أيْ فَهو يُعامِلُهُ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والإكْرامِ بِما يَعْلَمُهُ مِن نِيَّتِهِ مِن خُلُوصٍ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ المُرْبُونَ بَعْدَ هَذِهِ الزَّواجِرِ بَعِيدِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ عَبَّرَ عَنْهم سُبْحانَهُ وتَعالى بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن عادَ﴾ أيْ إلى تَحْلِيلِ الرِّبا بَعْدَ انْتِهائِهِ عَنْهُ نُكُوبًا عَنْ حِكْمَةِ رَبِّهِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ اللَّهِ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ الصُّحْبَةِ المُلازَمَةَ قالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾
البقرة 2:276
ولَمّا كانَ المُرَغِّبُ في الرِّبا ما فِيهِ مِنَ الرِّبْحِ النّاجِزِ المُشاهَدِ، والمُفَتِّرُ عَنِ الصَّدَقَةِ كَوْنَها نَقْصًا مُحَقَّقًا بِالحِسِّ بَيَّنَ أنَّ الرِّبا [وإنْ كانَ بِصُورَةِ الزِّيادَةِ فَهو نَقْصٌ وأنَّ الصَّدَقَةَ وإنْ كانَتْ بِصُورَةِ النَّقْصِ فَهي زِيادَةٌ] لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِيَدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَما شاءَ مَحَقَهُ وإنْ كانَ كَثِيرًا (p-١٣٤)أوْ ما أرادَ نَمّاهُ وإنْ كانَ يَسِيرًا فَقالَ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالصَّدَقَةِ والنَّهْيِ عَنِ الرِّبا ولِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن أهْلِ النّارِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والقُدْرَةِ ﴿الرِّبا﴾ بِما يَفْتَحُ لَهُ مِن أبْوابِ المَصارِفِ. قالَ الحَرالِّيُّ: والمَحْقُ الإذْهابُ بِالكُلِّيَّةِ بِقُوَّةٍ وسَطْوَةٍ ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ الصَّدَقاتِ بِما يَسُدُّ عَنْها مِثْلَ ذَلِكَ ويُرْبِحُ في تَقَلُّباتِها؛ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ أنَّ فاعِلِيهِ مِن أصْحابِ النّارِ ساقَهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: وإنْ تَصَدَّقُوا مِن أمْوالِ الرِّبا وأنْفَقُوا في سَبِيلِ الخَيْرِ! إعْلامًا بِأنَّ الرِّبا مُنافٍ لِلْخَيْرِ فَهو مِمّا يَكُونُ هَباءً مَنثُورًا. ولَمّا آذَنَ جَعْلُهم مِن أصْحابِ النّارِ أنَّ مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الرِّبا أصْلًا أوِ انْتَهى وعادَ إلى فِعْلِهِ مُرْتَبِكٌ في شَرَكِ الشِّرْكِ قاطِعٌ نَحْوَهُ عَقَباتٍ: ثِنْتانِ مِنها في انْتِهاكِ حُرْمَةِ [اللَّهِ: سَتْرِ آياتِهِ في عَدَمِ الِانْتِهاءِ، والِاسْتِهانَةِ بِها في العَوْدِ إلَيْهِ، الثّالِثَةُ انْتِهاكُ حُرْمَةِ] عِبادِ اللَّهِ فَكانَ إثْمُهُ مُتَكَرِّرًا مُبالَغًا فِيهِ لا يَقَعُ إلّا كَذَلِكَ عَبَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِصِيغَةِ (p-١٣٥)المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَهُ: فالمُتَصَدِّقُ مُؤْمِنٌ كَرِيمٌ والمُرْبِي كَفّارٌ أثِيمٌ: ﴿واللَّهُ﴾ المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ﴾ أيْ في واجِبِ الحَقِّ بِجَحْدِ ما شَرَعَ مِن آياتِهِ وسَتْرِها والِاسْتِهانَةِ بِها، أوْ كَفّارٍ لِنِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالِاسْتِطالَةِ بِما أعْطاهُ عَلى سَلْبِ ما أعْطى عِبادَهُ ﴿أثِيمٍ﴾ في واجِبِ الخُلُقِ، أيْ مُنْهَمِكٍ في تَعاطِي ما حَرَّمَ مِنَ اخْتِصاصاتِهِمْ بِالرِّبا وغَيْرِهِ، فَلِذا لا يَفْعَلُ مَعَهم سُبْحانَهُ وتَعالى فِعْلَ المُحِبِّ لا بِالبَرَكَةِ في أمْوالِهِمْ ولا بِاليُمْنِ في أحْوالِهِمْ، وهَذا النَّفْيُ مِن عُمُومِ السَّلْبِ، وطَرِيقُهُ أنَّكَ تَعْتَبِرُ النَّفْيَ أوَّلًا ثُمَّ تَنْسُبُهُ إلى الكُلِّ، فَيَكُونُ المَعْنى: انْتَفى عَنْ كُلِّ كَفّارٍ أثِيمٍ حُبُّهُ، وكَذا كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْكَ مِن أشْباهِهِ إنِ اعْتَبَرْتَ النِّسْبَةَ إلى الكُلِّ أوَّلًا ثُمَّ نَفَيْتَ فَهو لِسَلْبِ العُمُومِ، وإنِ اعْتَبَرْتَ النَّفْيَ أوَّلًا ثُمَّ نَسَبْتَهُ إلى الكُلِّ فَلِعُمُومِ السَّلْبِ، وكَذَلِكَ جَمِيعُ القُيُودِ؛ فالكَلامُ المُشْتَمِلُ عَلى نَفْيٍ وقَيْدٍ قَدْ يَكُونُ لِنَفْيِ التَّقْيِيدِ وقَدْ يَكُونُ لِتَقْيِيدِ النَّفْيِ، فَمِثْلُ: ما ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا، أيْ بَلْ إهانَةً، سَلْبٌ لِلتَّعْلِيلِ والعَمَلِ (p-١٣٦)لِلْفِعْلِ، وما ضَرَبْتُهُ إكْرامًا لَهُ، أيْ تَرَكْتُ ضَرْبَهُ لِلْإكْرامِ، تَعْلِيلٌ لِلسَّلْبِ والعَمَلِ لِلنَّفْيِ، وما جاءَنِي راكِبًا، أيْ بَلْ ماشِيًا، نَفْيٌ لِلْكَيْفِيَّةِ، وما حَجَّ مُسْتَطِيعًا، أيْ تَرَكَ الحَجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ، تَكْيِيفٌ لِلنَّفْيِ؛ وقَدْ أشْبَعَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى الكَلامَ في ذَلِكَ في شَرْحِهِ لِلْمَقاصِدِ في بَحْثِ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ اسْتِدْلالِ المُعْتَزِلَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]
البقرة 2:277
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما سَلَبَهُ عَنِ الكافِرِينَ مِن مَحَبَّتِهِ أتْبَعَهُ ما أثْبَتَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ المُصَدِّقِينَ مِن رَحْمَةِ المُلَوِّحِ إلَيْهِمْ فِيما قَبْلُ بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا عَلى وجْهٍ لَمْ يُخْلِهِ مِن ذِكْرِ النَّفَقَةِ فَقالَ تَعالى مُشِيرًا إلى قَسِيمِ ﴿ومَن عادَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِجَمِيعِ ما أتَتْهم بِهِ الرُّسُلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ائْتِمارًا (p-١٣٧)وانْتِهاءً لا سِيَّما تَرْكُ الرِّبا.
ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ زُبْدَةَ الدِّينِ فِيما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ خَصَّها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ بِجَمِيعِ حُدُودِها ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولَمّا كانَ الإيثارُ أجَلَّ ما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ وزُبْدَتُهُ إخْراجَ الواجِبِ مِنَ المالِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ قالَ: ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ فَضْلًا عَنْ أنْ يَبْخَلُوا فَضْلًا عَنْ أنْ يُرْبُوا ودَلَّ عَلى أنَّ جَزاءَهم بِحَسَبِ النِّيّاتِ لِثَباتِهِمْ في فِتْنَةِ الرِّدَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾ وأعْلَمَ بِحِفْظِهِ وتَنْمِيَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وآذَنَ بِتَمامِ الِانْتِفاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ مِن طارِقٍ يَطْرُقُهم بِغَيْرِ ما يُلائِمُهم لِأنَّهم في كَنَفِ العَزِيزِ العَلِيمِ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ عَلى شَيْءٍ فاتَهم فَهم في غايَةِ الرِّضى بِما هم فِيهِ، ولِعَظِيمِ الجَدْوى في ذَلِكَ كَرَّرَهُ في هَذِهِ الآياتِ غَيْرَ مَرَّةٍ ونَوَّهَ بِهِ كَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ.
البقرة 2:278
ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ الآيَةِ الماضِيَةِ في الِاعْتِمادِ عَلى ما عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الأجْرِ وعَدَمِ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ مِن رِبًا وغَيْرِهِ والخَوْفِ (p-١٣٨)مِن شَيْءٍ آتٍ مِن فَقْرٍ أوْ غَيْرِهِ تَرَكَ كُلَّ شَيْءٍ يُنْسَبُ إلى الرِّبا [و] كانَ بَيْنَ أهْلِ الإسْلامِ وأهْلِ الجاهِلِيَّةِ وبَيْنَ بَعْضِهِمْ [و] بَعْضٍ مُعامَلاتٌ في الجاهِلِيَّةِ رِبَوِيَّةٌ لَمْ تَتِمَّ بَعْدُ بَيَّنَ أمْرَها نَفْيًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ سابِقًا ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِن تَحْلِيلِ بَقايا الرِّبا وأنَّ النَّهْيَ خاصٌّ بِما تَجَدَّدَ مِنهُ فَقالَ مُخاطِبًا لِأقْرَبِ مَن ذَكَرَهُ مِمَّنْ تَلَبَّسَ بِالإيمانِ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى غَيْرِهِمْ تَشْرِيفًا لَهُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِألْسِنَتِهِمْ. ولَمّا كانَ الرِّبا قَدْ يَكُونُ مُؤَجَّلًا فَيَكُونُ صاحِبُهُ قَدْ مَضَتْ [عَلَيْهِ] مُدَدٌ وهو مُوَطِّنٌ نَفْسَهُ عَلى أخْذِهِ فَيَصِيرُ الكَفُّ عَنْهُ يَعْدِلُ المَوْتَ عِنْدَهُ أبْلَغَ سُبْحانَهُ وتَعالى في التَّشْدِيدِ في هَذِهِ المَواعِظِ فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ تَصْدِيقًا لِإقْرارِكم ﴿وذَرُوا﴾ أيِ اتْرُكُوا أيَّ تَرْكٍ كانَ ﴿ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ أيِ الَّذِي كُنْتُمْ تَتَعامَلُونَ بِهِ فَلا تَسْتَحِلُّوهُ ولا تَأْكُلُوهُ.
ولَمّا لَوَّحَ في أوَّلِ الآيَةِ [إلى] أنَّ مَن أصَرَّ فَهو غَيْرُ صادِقٍ (p-١٣٩)فِي دَعْوى الإيمانِ صَرَّحَ بِذَلِكَ في آخِرِها فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مُتَّصِفِينَ بِما ذَكَرْتُمُوهُ بِألْسِنَتِكم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَبَيَّنَ أنَّ الرِّبا والإيمانَ لا يَجْتَمِعانِ وأكْثَرُ بَلايا هَذِهِ الأُمَّةِ حَتّى أصابَها ما أصابَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ البَأْسِ الشَّنِيعِ والِانْتِقامِ بِالسِّنِينَ إنَّما هو مِن عَمَلِ مَن عَمِلَ بِالرِّبا، وهَذِهِ الآيَةُ [أصْلٌ] عَظِيمٌ في أحْكامِ الكُفّارِ إذا أسْلَمُوا فَما مَضى مِنها لَمْ يَنْقُصْ وما لَمْ يَمْضِ لَمْ يُفْعَلْ. نَبَّهَ عَلَيْهِ الأصْبَهانِيُّ.
البقرة 2:279
ولَمّا كانَ مِن حَقِّ مَن عانَدَ السَّيِّدَ الأخْذُ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ تَرْكَ الرِّبا. قالَ الحَرالِّيُّ: في إشْعارِهِ أنَّ طائِفَةً مِنهم لا يَذَرُونَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِما أنَّهم لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ. انْتَهى.
﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ. قالَ الحَرالِّيُّ: والحَرْبُ مُدافَعَةٌ بِشِدَّةٍ عَنِ اتِّساعٍ، المُدافِعُ بِما يَطْلُبُ مِنهُ الخُرُوجَ عَنْهُ فَلا يَسْمَحُ بِهِ ويُدافِعُ عَنْهُ بِأشَدِّ مُسْتَطاعٍ؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَها بِإيرادِ الِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ العَظِيمِ الجَلِيلِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ ﷺ الَّذِي هو أعْظَمُ الخَلائِقِ بِتَشْرِيفِهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ. وقالَ (p-١٤٠)الحَرالِّيُّ: الَّذِي هَيَّأهُ لِلرَّحْمَةِ، فَكانَ نَبِيُّ الرَّحْمَةِ مُحارِبًا لَهُ، فانْقَطَعَتْ وصْلَتُهُ مِنَ الرَّحِيمِ والشَّفِيعِ. انْتَهى.
﴿وإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ فَعَلْتُمْ بَعْدَ الإذْنِ بِالقِتالِ أوْ قَبْلَهُ ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ مِن تَرْكِ ما بَقِيَ مِنهُ ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ أيْ كَما هو حالُ البَيْعِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو العَدْلَ لِأنَّهُ الحَقُّ قالَ: ﴿لا تَظْلِمُونَ﴾ أيْ بِأخْذِ شَيْءٍ مِمّا بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصٍ مِن رَأْسِ المالِ أوْ دَفْعٍ بِمِطالٍ لِأنَّهُ الحَقُّ.
البقرة 2:280
[ولَمّا كانَ] النّاسُ مُنْقَسِمِينَ إلى مُوسِرٍ ومُعْسِرٍ أيْ غَنِيٍّ وفَقِيرٍ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا حُكْمُ المُوسِرِ ﴿وإنْ كانَ﴾ أيْ وُجِدَ مِنَ المَدِينِينَ ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ لا يَقْدِرُ عَلى الأداءِ في هَذا الوَقْتِ ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أيْ فَعَلَيْكم نَظْرَةٌ لَهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو التَّأْخِيرُ المُرْتَقَبُ نُجازُهُ ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾ إنْ لَمْ تَرْضَوْا إلّا بِأخْذِ أمْوالِكُمْ؛ وقَرَأ نافِعٌ وحَمْزَةُ بِضَمِّ السِّينِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: إنْباءٌ عَنِ اسْتِيلاءِ اليُسْرِ وهي أوْسَعُ النَّظْرَتَيْنِ، والباقُونَ بِالفَتْحِ إنْباءً عَنْ تَوَسُّطِها لِيَكُونَ اليُسْرُ (p-١٤١)فِي مَرْتَبَتَيْنِ، فَمَنِ انْتَظَرَ إلى أوْسَعِ اليُسْرَيْنِ كانَ أفْضَلَ تَوْبَةً. انْتَهى.
﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ أيْ وصَدَقَتُكم عَلى المُعْسِرِ بِتَرْكِهِ لَهُ، ذَلِكم ﴿خَيْرٌ﴾ في الدُّنْيا بِما يُبارِكُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿لَكُمْ﴾ ويُعَوِّضُكم وفي الآخِرَةِ بِما يُجْزِلُ لَكم مِنَ الأجْرِ.
ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ يَدَّعِي العِلْمَ ويَأْنَفُ أشَدَّ أنَفَةٍ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الجَهْلِ قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ مِن ذَوِي العِلْمِ فَأنْتُمْ تَعْرِفُونَ صِحَّةَ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ مِمّا يَقْتَضِي الإدْبارَ عَنْهُ أوِ الإقْبالَ عَلَيْهِ، فَإذا تَحَقَّقْتُمْ ذَلِكَ فامْتَثِلُوهُ فَإنَّهُ يَقْبُحُ عَلى العِلْمِ بِقُبْحِ الشَّيْءِ الإصْرارُ عَلَيْهِ وإلّا فَبَيِّنُوا أنَّهُ لَيْسَ بِخَيْرٍ وإلّا فَأنْتُمْ مِن أهْلِ الِاعْوِجاجِ بِالجَهْلِ تَقُومُونَ بِالحَرْبِ والضَّرْبِ والطَّعْنِ كالسِّباعِ الضّارِيَةِ والذِّئابِ العاوِيَةِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ مَن وضَعَ (p-١٤٢)كِيانَهُ لِلْعِلْمِ فَكانَ مِمَّنْ يَدُومُ عِلْمُهُ؟ تَنَبَّهَ لِأنَّ خَيْرَ التَّرْكِ خَيْرٌ مِن خَيْرِ الأخْذِ فَأحْسَنَ بِتَرْكِ جَمِيعِهِ. انْتَهى.
ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: ”لَمّا أُنْزِلَتِ الآياتُ الأواخِرُ - وفي رِوايَةٍ: مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا - قَرَأهُنَّ النَّبِيُّ ﷺ وفي رِوايَةٍ: عَلى النّاسِ في المَسْجِدِ - ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ“ ولَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: ”آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةُ الرِّبا“ ولِأبِي عُبَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: آخِرُ القُرْآنِ عَهْدًا بِالعَرْشِ آيَةُ الرِّبا وآيَةُ الدَّيْنِ. ولَهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] قالَ: زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَكَثَ بَعْدَها تِسْعَ لَيالٍ وبُدِئَ بِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وماتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ». انْتَهى. ولا مُخالَفَةَ لِأنَّها مِن آيَةِ الرِّبا والدَّيْنِ. ورَوى الحَدِيثَ أبُو عَمْرٍو الدّانِي في كِتابِ ”البَيانُ في عَدَدِ آيِ القُرْآنِ“ وقالَ فِيهِ: ”قالَ المَلَكُ: اجْعَلْها عَلى (p-١٤٣)رَأْسِ ثَمانِينَ ومِائَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ“.
البقرة 2:281
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَدْفَعُهُ حُجَّةٌ كانَ التَّقْدِيرُ: فامْتَثِلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ واجْتَنِبُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ تَخْوِيفًا مِن يَوْمِ العَرْضِ عَلَيْهِ والمُجازاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ - وقالَ الحَرالِّيُّ: لَمّا أنْهى الخِطابَ بِأمْرِ الدِّينِ [و] عَلَنِهِ وأمْرِ الآخِرَةِ عَلى وُجُوهِها وإظْهارِ حِكْمَتِها المُرْتَبِطَةِ بِأمْرِ الدُّنْيا وبَيَّنَ أمْرَ الإنْفاقِ والرِّبا الَّذِي هو غايَةُ أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا في صَلاحِهِما وأنْهى ذَلِكَ إلى المَوْعِظَةِ بِمَوْعُودِ جَزائِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أجْمَلَ المَوْعِظَةَ بِتَقْوى يَوْمِ الرَّجْعَةِ إلى إحاطَةِ أمْرِهِ لِيَقَعَ الخَتْمُ بِأجْمَلِ مَوْعِظَةٍ وأشْمَلِها لِيَكُونَ انْتِهاءُ الخِطابِ عَلى تَرْهِيبِ الأنْفُسِ لِتَجْتَمِعَ عَزائِمُها عَلى ما هو مِلاكُ أمْرِها مِن قَبُولِ صَلاحِ دِينِها ودُنْياها ومَعادِها مِن خِطابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَها فَخَتَمَ ذَلِكَ بِكَمالِ مَعْناهُ بِهَذِهِ الآيَةِ كَما أنَّها هي الآيَةُ الَّتِي خُتِمَ بِها التَّنْزِيلُ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هو في الشِّكايَةِ وهي آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مُقابَلَةِ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلِ النُّبُوَّةِ (p-١٤٤)[و] ﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] الَّذِي هو أوَّلُ مَنزِلِ الرِّسالَةِ فَكانَ أوَّلُ الأمْرِ نِذارَةً وآخِرُهُ مَوْعِظَةً تَبْعَثُ النَّفْسَ عَلى الخَوْفِ وتَبْعَثُ القَلْبَ عَلى الشَّوْقِ [مِن] مَعْنى ما انْخَتَمَ بِهِ أمْرُ خِطابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في آيَةِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] انْتَهى. فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ أيْ في غايَةِ العِظَمِ ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ﴾ حِسًّا بِذَواتِكم كَما أنْتُمْ في الدُّنْيا ومَعْنىً بِجَمِيعِ أُمُورِكم رُجُوعًا ظاهِرًا لا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ مِنَ الأسْبابِ ولا يَحُولُ دُونَهُ عارِضُ ارْتِيابٍ ﴿إلى اللَّهِ﴾ [الَّذِي] لا يَحْصُرُ عَظَمَتَهُ وصْفٌ ولا يُحِيطُ بِها حَدٌّ، فَيَكُونُ حالُكم بَعْدَ النَّقْلَةِ مِنَ الدُّنْيا كَحالِكم قَبْلَ البُرُوزِ إلَيْها مِنَ البَطْنِ لا تَصَرُّفَ لَكم أصْلًا ولا مُتَصَرِّفَ فِيكم إلّا اللَّهُ ويَكُونُ حالُكم في ذَلِكَ اليَوْمِ الإعْسارَ، لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أحَدٌ أنْ يُكافِئَ ما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ، فَمَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ؛ فَإنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ المُجاوَزَةَ عَنْكم هُنالِكَ (p-١٤٥)فَتَجاوَزُوا أنْتُمْ عَنْ إخْوانِكُمُ اليَوْمَ، وتَصَدَّقُوا ما دُمْتُمْ قادِرِينَ عَلى الصَّدَقَةِ، واتَّقُوا النّارَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ولَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ؛ وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ ذَلِكَ المَوْقِفَ في مَقامِ الهَيْبَةِ وتَمادِي حَبْسِهِمْ في مَشْهَدِ الجَلالِ والعَظَمَةِ بِأداةِ التَّراخِي في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ وقِيلَ:
”يا رَسُولَ اللَّهِ! أيْنَ يَكُونُ النّاسُ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] ؟ قالَ: في الظُّلْمَةِ دُونَ الجِسْرِ“ وقالَ ﷺ: «يُقِيمُونَ في الظُّلْمَةِ ألْفَ سَنَةٍ» ووَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في تَفْصِيلِ مَواقِفِ يَوْمِ الجَزاءِ أنَّ الخَلْقَ يُوقَفُونَ عَلى قُبُورِهِمْ ألْفَ سَنَةٍ ويُساقُونَ إلى المَحْشَرِ ألْفَ سَنَةٍ، ويُوقَفُونَ في الظُّلْمَةِ ألْفَ سَنَةٍ؛ ثُمَّ يَكُونُ انْشِقاقُ [السَّماواتِ] السَّبْعِ وتَبْدِيلُ الأرْضِ وما شاءَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن أمْرِهِ انْتِظارًا لِمَجِيئِهِ؛ فَفي عِبْرَةِ مَقالِهِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ سِتَّةَ آلافِ (p-١٤٦)سَنَةٍ وأنَّها كَما بُنِيَتْ في سِتَّةِ أيّامٍ تُهْدَمُ في سِتَّةِ أيّامٍ ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَيَكُونُ ذَلِكَ تِسْعَةَ أيّامٍ؛ ويَكُونُ مَجِيئُهُ في اليَوْمِ العاشِرِ الَّذِي هو يَوْمُ عاشُوراءَ ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي تَكَرَّرَ مَجِيءُ أمْرِهِ فِيهِ في يَوْمِ الدُّنْيا. ثُمَّ وصَفَ ﷺ المَواقِفَ إلى مُنْتَهاها. انْتَهى.
ولَمّا كانَ إيقافُ الإنْسانِ عَلى كُلِّ ما عَمِلَ مِن سِرٍّ وعَلَنٍ في غايَةِ الكَراهَةِ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ جَزائِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [مِنهُ] لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَوْقِفٍ مُعَيَّنٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿تُوَفّى﴾ أيْ تُعْطى عَلى سَبِيلِ الوَفاءِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. قالَ الحَرالِّيُّ: جاءَ بِصِيغَةِ فَعَلَ المُشْعِرِ بِجَرْيِ العَمَلِ عَلى غَيْرِ تَكَلُّفٍ وتَحَمُّلٍ، فَفي إشْعارِهِ أنَّها تُوَفّى ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ وما كَوَّنَتْ لَهُ مِنَ الشَّرِّ وأنَّ ما تَكَلَّفَتْهُ مِنَ الشَّرِّ وفي دُخْلَتِها كَراهِيَةٌ رُبَّما غَفَرَ لَها حَيْثُ لَمْ تَكُنْ تُوَفّى ما كَسَبَتْ وما اكْتَسَبَتْ كَما قالَ في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها ﴿لَها (p-١٤٧)ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَكانَ مُكْتَسَبُها عَلَيْها ورُبَّما غَفَرَ لَها فَإنَّها وُفِّيَتْ ما كَسَبَتْهُ مِنَ الشَّرِّ واشْتَمَلَ عَلَيْهِ ظاهِرُها وباطِنُها حَتّى يُسِّرَتْ لَهُ. انْتَهى.
ولَمّا كانَتْ عادَةُ النّاسِ أنَّهُ إذا بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ وقَعَ في مَحَلِّ المُسامَحَةِ وكانَ اليَسِيرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأصْلِ فالألْفُ مَثَلًا يُتَسامَحُ فِيهِ بِمِائَةٍ مَثَلًا بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ولَوْ قَلَّ، وهَذا إشارَةٌ إلى العَدْلِ بَيْنَ عِبادِهِ قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الآيَةُ خَتْمٌ لِلتَّنْزِيلِ وخَتْمٌ لِتَمامِ المَعْنى في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هي سَنامُ القُرْآنِ وفُسْطاطُهُ وخَتْمٌ لِكُلِّ مَوْعِظَةٍ وكُلِّ خَتْمٍ، فَهو مِن خَواصِّ المُحَمَّدِيَّةِ الجامِعَةِ المُفَصَّلَةِ مِن سُورَةِ الحَمْدِ المُشِيرَةِ إلى تَفاصِيلِ عَظِيمِ أمْرِ اللَّهِ في حَقِّهِ وفي خَلْقِهِ وفِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ. انْتَهى.
البقرة 2:282
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ الرِّبا وكانَ أحَدَ مُدايَناتِهِمْ وكانَ غَيْرُهُ مِنَ الدَّيْنِ مَأْذُونًا فِيهِ وهو مِن أنْواعِ الإنْفاقِ مَعَ دُخُولِهِ في المُطالَبَةِ بِرُؤُوسِ الأمْوالِ عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الدَّيْنِ. وأيْضًا فَإنَّهُ سُبْحانَهُ (p-١٤٨)وتَعالى لَمّا ذَكَرَ في المالِ أمْرَيْنِ يَنْقُصانِهِ ظاهِرًا ويُزْكِيانِهِ باطِنًا: الصَّدَقَةَ وتَرْكَ الرِّبا، وأذِنَ في رُؤُوسِ الأمْوالِ وأمَرَ بِالإنْظارِ في الإعْسارِ وخَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ ذَلِكَ رُبَّما أطْمَعَ المَدِينَ في شَيْءٍ مِنَ الدَّيْنِ ولَوْ بِدَعْوى الإعْسارِ اقْتَضى حالُ الإنْسانِ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ الإرْشادَ إلى حِفْظِ المالِ الحَلالِ وصَوْنِهِ عَنِ الفَسادِ والتَّنْبِيهَ عَلى كَيْفِيَّةِ التَّوَثُّقِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كالَّذِي تَقَدَّمَهُ ﴿إذا تَدايَنْتُمْ﴾ مِنَ التَّدايُنِ تَفاعُلٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الدَّيْنِ، والدَّيْنُ في الأمْرِ الظّاهِرِ مُعامَلَةٌ عَلى تَأْخِيرٍ كَما أنَّ الدِّينَ بِالكَسْرِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُعامَلَةٌ عَلى تَأْخِيرٍ. قالَهُ الحَرالِّيُّ. أيْ أوْقَعْتُمْ بَيْنَكم [ذَلِكَ]. والدَّيْنُ مالٌ مُرْسَلٌ في الذِّمَّةِ سَواءٌ كانَ مُؤَجَّلًا أوْ لا، وهو خِلافُ الحاضِرِ [و] العَيْنِ، [و] قالَ: ﴿بِدَيْنٍ﴾ مَعَ دَلالَةِ الفِعْلِ عَلَيْهِ لِيُخْرِجَ بَيْعَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، لِأنَّهُ مُدايَنَةٌ بِدَيْنَيْنِ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَكانَ (p-١٤٩)فِي إعْلامِهِ أيْ بِالإتْيانِ بِصِيغَةِ إذا أنَّهم لا بُدَّ أنْ يَتَدايَنُوا لِأنَّها حِينٌ مُنْتَظَرٌ في أغْلَبِ مَعْناها. انْتَهى. وأرْشَدَ إلى ضَبْطِهِ بِالوَقْتِ إشارَةً إلى أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ حالًّا وإلى أنَّ الأجَلَ [و] هو الوَقْتُ المَحْدُودُ وأصْلُهُ التَّأْخِيرُ إنْ كانَ مَجْهُولًا كانَ باطِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ التَّسْمِيَةِ وهي إبْداءُ الشَّيْءِ بِاسْمِهِ لِلسَّمْعِ في مَعْنى المُصَوَّرِ - وهو إبْداءُ الشَّيْءِ بِصُورَتِهِ في العَيْنِ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ قَدْ أجْرى سُنَّتَهُ في دِينِهِ بِالكِتابَةِ فَأمَرَ مَلائِكَتَهُ وهُمُ الأُمَناءُ العُدُولُ بِإثْباتِ أعْمالِ الخَلْقِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ لا تَخْفى وأنْزَلَ كِتابَهُ الشَّرِيفَ شَهادَةً لَهم وعَلَيْهِمْ بِما يُوَفَّوْنَهُ في يَوْمِ الدِّينِ مِن ثَوابٍ وعِقابٍ قَطْعًا لِحُجَجِهِمْ أمَرَهم أنْ يَكُونَ عَمَلُهم في الدَّيْنِ كَما كانَ فِعْلُهُ في الدِّينِ فَأرْشَدَهم إلى إثْباتِ ما يَكُونُ بَيْنَهم مِنَ المُعامَلاتِ لِئَلّا يَجُرَّ ذَلِكَ إلى المُخاصَماتِ (p-١٥٠)فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرًا لِلْإرْشادِ لا لِلْإيجابِ ﴿فاكْتُبُوهُ﴾ وفي ذِكْرِ الأجَلِ إشارَةٌ إلى البَعْثِ الَّذِي وقَعَ الوَعْدُ بِالوَفاءِ فِيهِ ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] ولَمّا أمَرَ بِالكِتابَةِ وكانَ المُرادُ تَحْصِيلَها في الجُمْلَةِ لا مِن أحَدٍ بِعَيْنِهِ لِأنَّ أغْلَبَ النّاسِ لا يُحْسِنُها أتْبَعَها الإرْشادَ إلى تَخَيُّرِ الكاتِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ﴾ أيِ الدَّيْنَ المَذْكُورَ ﴿كاتِبٌ﴾ وإنْ كانَ صَبِيًّا أوْ عَبْدًا كِتابَةً مَصْحُوبَةً ﴿بِالعَدْلِ﴾ اسْتِنانًا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في مَلائِكَتِهِ
﴿وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥] ﴿كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٦]
ولَمّا أرْشَدَ إلى تَخَيُّرِ الكاتِبِ تَقَدَّمَ إلَيْهِ بِالنَّهْيِ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفاسِدِ ثُمَّ الأمْرِ فَقالَ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ﴾ أيْ ما نُدِبَ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ ﴿كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أيْ لِأجْلِ الَّذِي هو غَنِيٌّ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ (p-١٥١)مِن خَلْقِهِ شُكْرًا [لَهُ] عَلى تِلْكَ النِّعْمَةِ وكِتابَةِ مِثْلِ الكِتابَةِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَنْقُصُ عَنْها شَيْئًا ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى ما في بَذْلِ الجُهْدِ في النَّصِيحَةِ مِنَ المَشَقَّةِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ وكانَ لا بُدَّ فِيهِ مِن مُمْلٍ بَيَّنَ مَن يَصِحُّ إمْلاؤُهُ لِلْمَكْتُوبِ فَقالَ: ﴿ولْيُمْلِلِ﴾ مِنَ الإمْلالِ وهو إلْقاءُ ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ عَلى اللِّسانِ قَوْلًا وعَلى الكِتابِ رَسْمًا. قالَهُ الحَرالِّيُّ ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ لِيَشْهَدَ عَلَيْهِ المُسْتَمْلِي ومَن يَحْضُرُهُ.
ولَمّا كانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى مَحَبَّةِ الِاسْتِئْثارِ عَلى الغَيْرِ حَذَّرَها مِمّا لا يَحِلُّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ﴾ فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِيَكُونَ أزْجَرَ لِلْمَأْمُورِ ثُمَّ قالَ: ﴿رَبَّهُ﴾ تَذْكِيرًا بِأنَّهُ لِإحْسانِهِ لا يَأْمُرُ إلّا بِخَيْرٍ، وتَرْجِيَةً لِلْعِوَضِ في ذَلِكَ إذا أدّى فِيهِ الأمانَةَ في الكَمِّ والكَيْفِ مِنَ الأجَلِ وغَيْرِهِ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَبْخَسْ﴾ مِنَ البَخْسِ وهو أسْوَأُ النَّقْصِ الَّذِي لا تَسْمَحُ بِهِ الأنْفُسُ لِبُعْدِهِ عَنْ (p-١٥٢)مَحَلِّ السَّماحِ إلى وُقُوعِهِ في حَدِّ الضَّيْمِ ﴿مِنهُ شَيْئًا﴾
ولَمّا كانَ هَذا المُمْلِي قَدْ يَكُونُ لاغِيَ العِبارَةِ وكانَ الإمْلاءُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ فَلا يُعْتَبَرُ إقْرارُهُ لِضَعْفِ رَأْيِهِ ونَظَرِهِ ونَقْصِ حَظِّهِ مِن حِكْمَةِ الدُّنْيا ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾ عَنِ الإمْلاءِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِمَرَضٍ أوْ غَيْرِهِ مِن صِبًا أوْ جُنُونٍ أوْ هَرَمٍ مِنَ الضَّعْفِ وهو [وهْنُ] القُوى حِسًّا أوْ مَعْنىً ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ كَعِيٍّ أوْ حَياءٍ أوْ عُجْمَةٍ ونَحْوِهِ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ القائِمُ لِمَصالِحِهِ مِن أبٍ أوْ وصِيٍّ أوْ حاكِمٍ أوْ تُرْجُمانٍ أوْ وكِيلٍ ﴿بِالعَدْلِ﴾ فَلا يَحِيفُ عَلَيْهِ ولا عَلى ذِي الحَقِّ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَجَعَلَ لِسانَ الوَلِيِّ لِسانَ المُوَلّى عَلَيْهِ، فَكانَ فِيهِ مِثْلٌ لِما نَزَلَ بِهِ الكِتابُ مِن إجْراءِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ألْسِنَةِ خَلْقِهِ في نَحْوِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] وما تَفَصَّلَ مِنها ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] أمَلَّ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ لَهُ فَجَعَلَ كَلامًا مِن كَلامِهِ يَتْلُونَهُ، فَكانَ الإمْلالُ مِنهُ لَهم لِتَقاصُرِهِمْ عَنْ واجِبِ حَقِّهِ تَقاصُرَ السَّفِيهِ ومَن مَعَهُ عَنْ إمْلالِ ولِيِّهِ عَنْهُ لِرُشْدِهِ وقُوَّتِهِ وتَمَكُّنِ (p-١٥٣)اسْتِطاعَتِهِ. انْتَهى.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الكِتابَةِ والشَّهادَةِ مُلازَمَةٌ نَصَّ عَلَيْها وبَيَّنَ أهْلَها فَقالَ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ أيِ اطْلُبُوا الشَّهادَةَ وأوْجِدُوها مَعَ الكِتابَةِ ودُونَها ﴿شَهِيدَيْنِ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ فَجَعَلَ شَهادَةَ الدَّيْنِ بِاثْنَيْنِ كَما جَعَلَ الشّاهِدَ في الدِّينِ اثْنَيْنِ: شاهِدَ التَّفَكُّرِ في الآياتِ المَرْئِيَّةِ وشاهِدَ التَّدَبُّرِ لِلْآياتِ المَسْمُوعَةِ، [و] في صِيغَةِ [فَعِيلٍ] مُبالَغَةٌ في المَعْنى في تَحَقُّقِ الوَصْفِ بِالِاسْتِبْصارِ والخِبْرَةِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ عَدَدَ الشّاهِدِ بَيَّنَ نَوْعَهُ فَقالَ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ وأعْلَمَ بِالإضافَةِ اشْتِراطَ كَوْنِهِ مُسْلِمًا وإطْلاقُ هَذا الَّذِي يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ مَعَ ما يُؤَيِّدُهُ في الآيَةِ يُفْهِمُ الحُرِّيَّةَ كَقَوْلِهِ ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في الشّاهِدِ وتَقْيِيدُهُ مَعَ ذَلِكَ بِالرِّضى وتَعْرِيفُ الشُّهَداءِ ونَحْوِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولِكَثْرَةِ المُدايَنَةِ وعُمُومِها وسَّعَ فِيها الشَّهادَةَ (p-١٥٤)فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ [أيِ الشّاهِدانِ] ﴿رَجُلَيْنِ﴾ أيْ عَلى صِفَةِ الرُّجُولِيَّةِ كِلاهُما ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ وفي عُمُومِ مَعْنى الكَوْنِ إشْعارٌ بِتَطَرُّقِ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مَعَ إمْكانِ طَلَبِ الرَّجُلِ بِوَجْهٍ ما مِن حَيْثُ لَمْ يَكُنْ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَفِيهِ تَهَدُّفٌ لِلْخِلافِ بِوَجْهٍ ما مِن حَيْثُ إنَّ شُمُولَ الكِتابِ تَوْسِعَةٌ في العِلْمِ سَواءٌ كانَ عَلى تَساوٍ أوْ عَلى تَرَتُّبٍ؛ ولَمّا كُنَّ ناقِصاتِ عَقْلٍ ودِينٍ جُعِلَ ثِنْتانِ مِنهُنَّ مَكانَ رَجُلٍ. انْتَهى. ولَمّا بَيَّنَ العَدَدَ بَيَّنَ الوَصْفَ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ﴾ أيْ في العَدالَةِ ﴿مِنَ الشُّهَداءِ﴾ هَذا في الدُّيُونِ ونَحْوِها. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي مَفْهُومِ الشَّهادَةِ اسْتِبْصارُ نَظَرِ الشّاهِدِ لِما في الشُّهُودِ مِن إدْراكِ مَعْنىً خَفِيٍّ في صُورَةِ ظاهِرٍ يَهْدِي إلَيْها النَّظَرُ النّافِذُ. انْتَهى.
ولَمّا شَرَطَ في القِيامِ مَقامَ الواحِدِ مِنَ الرِّجالِ العَدَدَ مِنَ النِّساءِ عَلَّلَهُ بِما يُشِيرُ إلى نَقْصِ الضَّبْطِ فِيهِنَّ فَقالَ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ أيْ تَغِيبَ عَنْها الشَّهادَةُ فَتَنْساها أوْ شَيْئًا مِنها ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ فَتَهْتَدِي إلى ما ضَلَّتْ عَنْهُ بِواسِطَةِ الذّاكِرَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: بِما هي أعْرَفُ بِمَداخِلِ الضَّلالِ عَلَيْها، لِأنَّ المُتَقارِبِينَ أقْرَبُ في التَّعاوُنِ، وفي قِراءَتَيِ التَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ إشْعارٌ بِتَصْنِيفِ النِّساءِ صِنْفَيْنِ في رُتْبَةِ هَذِهِ الشَّهادَةِ: مَن يَلْحَقُها الضَّلالُ عَنْ بَعْضِ ما شَهِدَتْ فِيهِ حَتّى تُذَكَّرَ بِالتَّخْفِيفِ (p-١٥٥)ولا يَتَكَرَّرُ عَلَيْها ذَلِكَ، ومَن شَأْنُها أنْ يَتَكَرَّرَ عَلَيْها ذَلِكَ، وفي إبْهامِهِ بِلَفْظِ إحْدى أيْ مِن غَيْرِ اقْتِصارٍ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي يُعَيِّنُ ما يَرْجِعُ إلَيْهِ إشْعارٌ أنَّ ذَلِكَ يَقَعُ بَيْنَهُما مُتَناوِبًا حَتّى رُبَّما ضَلَّتْ هَذِهِ عَنْ وجْهٍ وضَلَّتْ تِلْكَ عَنْ وجْهٍ آخَرَ فَأذْكَرَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما صاحِبَتَها فَلِذَلِكَ يَقُومُ بِهِما مَعًا شاهِدٌ واحِدٌ حافِظٌ. انْتَهى. وفي ذِكْرِ الإذْكارِ مَنعٌ مِنَ الشَّهادَةِ بِدُونِ الذِّكْرِ، والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ. ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ الحَثَّ عَلى الشَّهادَةِ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ أيْ تَحَمُّلَ الشَّهادَةِ وأداءَها بَعْدَ التَّحَمُّلِ ﴿إذا ما دُعُوا﴾ دُعاءً جازِمًا بِما أفْهَمَتْهُ زِيادَةُ ما.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ وكانَ صَغِيرُ الحَقِّ وكَبِيرُهُ رُبَّما تُرِكَتْ تَهاوُنًا بِالصَّغِيرِ ومَلَلًا لِلْكَبِيرِ حَذَّرَ مِن ذَلِكَ ولَمْ يَجْعَلْهُ في صُلْبِ الأمْرِ قَبْلَ الإشْهادِ بَلْ أفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ فَقالَ: ﴿ولا تَسْأمُوا﴾ مِنَ السَّآمَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: بِناءُ مُبالَغَةٍ وهو أشَدُّ المَلالَةِ ﴿أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أيْ لا تَفْعَلُوا فِعْلَ السَّئِيمِ فَتَتْرُكُوا كِتابَتَهُ ﴿صَغِيرًا﴾ كانَ الدَّيْنُ ﴿أوْ كَبِيرًا﴾ طالَتِ الكِتابَةُ أوْ قَصُرَتْ.
قالَ الحَرالِّيُّ: ولَمْ يَكُنْ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا، لِأنَّ الكَثْرَةَ والقِلَّةَ واقِعَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الشَّيْءِ المَعْدُودِ في ذاتِهِ، والصَّغِيرُ والكَبِيرُ يَقَعُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُدايِنِ، فَرُبَّما كانَ الكَثِيرُ في العَدَدِ صَغِيرَ القَدْرِ عِنْدَ الرَّجُلِ الجَلِيلِ المِقْدارِ، ورُبَّما كانَ القَلِيلُ العَدَدِ كَثِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الرَّجُلِ المُشاحِحِ فِيهِ، فَكانَ الصِّغَرُ والكِبَرُ (p-١٥٦)أشْمَلَ وأرْجَعَ إلى حالِ المُدايِنِ الَّذِي هو المُخاطَبُ بِأنْ يَكْتُبَ انْتَهى.
﴿إلى أجَلِهِ﴾ أيِ الَّذِي تَوافَقْتُمْ وتَواثَقْتُمْ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فائِدَةُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةً بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ إلى عِظَمِ جَدْواهُ. قالَ الحَرالِّيُّ: ولِبَيانِهِ ووُضُوحِهِ عِنْدَهم لَمْ يَكُنْ إقْبالًا عَلى النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي يُقْبَلُ عَلَيْهِ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ. انْتَهى.
﴿أقْسَطُ﴾ أيْ أعْدَلُ فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ السَّيِّدِ أنَّهُ قالَ في كِتابِهِ الِاقْتِضابُ: إنَّ قَسَطَ بِمَعْنى جارَ وبِمَعْنى عَدَلَ. وقالَ الحَرالِّيُّ: ﴿أقْسَطُ﴾ مِنَ الإقْساطِ وهو وضْعُ القِسْطِ وهو حِفْظُ المُوازَنَةِ حَتّى لا تَخْرُجَ إلى تَطْفِيفٍ. ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ، لِأنَّهُ يَحْمِلُ عَلى العَدْلِ بِمَنعِ المُغالَطَةِ والتَّلَوُّنِ في شَيْءٍ مِن أحْوالِ ذَلِكَ الدِّينِ ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أيْ وأعْدَلُ في قِيامِ الشَّهادَةِ إذا طُلِبَ مِنَ الشّاهِدِ أنْ يُقِيمَها بِما هو مَضْبُوطٌ لَهُ وعَلَيْهِ ﴿وأدْنى﴾ أيْ أقْرَبُ في ﴿ألا تَرْتابُوا﴾ أيْ تَشُكُّوا في شَيْءٍ مِنَ الأمْرِ الَّذِي (p-١٥٧)وقَعَ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إشْعارِهِ أنَّهُ رُبَّما داخَلَ الرَّجُلَ والرَّجُلَيْنِ نَحْوُ ما داخَلَ المَرْأتَيْنِ فَيَكُونُ الكِتابُ مُقِيمًا لِشَهادَتِهِما، فَنَفى عَنِ الرِّجالِ الرِّيبَةَ بِالكِتابِ كَما نَفى عَنِ النِّساءِ الضَّلالَ بِالذِّكْرِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ الدَّيْنُ المُؤَجَّلُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ قَرْضًا أوْ تِجارَةً يُنَمّى بِها المالُ المَأْمُورُ بِالإنْفاقِ مِنهُ في وُجُوهِ الخَيْرِ النّافِعَةِ يَوْمَ الدِّينِ وكانَ قَدْ أكَّدَ في أمْرِ الكِتابَةِ تَأْكِيدًا رُبَّما ظُنَّ مَعَهُ الحَثُّ عَلَيْها ولَوْ لَمْ يَكُنْ أجَلٌ نَبَّهَ عَلى أنَّ العِلَّةَ فِيها الأجَلُ الَّذِي هو مَظِنَّةُ النِّسْيانِ المُسْتَوْلِي عَلى الإنْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ﴾ أيِ المُدايَنَةُ ﴿تِجارَةً حاضِرَةً﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ، وكانَ في قِراءَةِ غَيْرِهِ تامَّةٌ ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ أيْ يَدًا بِيَدٍ، مِنَ الإدارَةِ. قالَ الحَرالِّيُّ: مِن أصْلِ الدَّوْرِ وهو رُجُوعُ الشَّيْءِ عَوْدًا عَلى بَدْئِهِ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ حِينَئِذٍ ﴿جُناحٌ﴾ أيِ اعْتِراضٌ في ﴿ألا تَكْتُبُوها﴾ أيْ لِأنَّها مُناجَزَةٌ وهي عَرَضٌ زائِلٌ لا يَكادُ يَسْتَقِرُّ في يَدِ أحَدٍ لِأنَّ القَصْدَ بِهِ المَتْجَرُ [لا الِاسْتِبْقاءُ (p-١٥٨)فَبَعُدَ ما يُخْشى مِنَ التَّجاحُدِ.
ولَمّا كانَ البَيْعُ أعَمَّ مِن أنْ يُقْصَدَ بِهِ المَتْجَرُ] أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الِانْتِفاعِ قالَ: ﴿وأشْهِدُوا﴾ سَواءٌ كانَتْ كِتابَةً أوْ لا ﴿إذا تَبايَعْتُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهِ المَتْجَرِ عاجِلًا أوْ آجِلًا أوْ لا لِلْمَتْجَرِ، لِأنَّ الإشْهادَ أبْعَدُ مِنَ الخِلافِ وأقْرَبُ إلى التَّصادُقِ بِما فِيهِ مِنَ الإنْصافِ، والأمْرُ لِلْإرْشادِ فَلا يَجِبُ.
ولَمّا ألْزَمَ في صَدْرِ الخِطابِ الكاتِبَ أنْ يَكْتُبَ والشَّهِيدَ أنْ يُجِيبَ ولا يَأْبى وأكَّدَ ذَلِكَ بِصِيغَةٍ تَشْمَلُ المُسْتَكْتَبَ والمُسْتَشْهَدَ فَقالَ ناهِيًا: ﴿ولا يُضارَّ﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْفاعِلِ والمَفْعُولِ وهو صَحِيحُ المَعْنى عَلى كُلٍّ مِنهُما ﴿كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ أيْ لا يَحْصُلْ ضَرَرٌ مِنهم ولا عَلَيْهِمْ. قالَ الحَرالِّيُّ: فَفي إلاحَتِهِ تَعْرِيضٌ بِالإحْسانِ مِنهُ لِلشَّهِيدِ والكاتِبِ لِيُجِيبَهُ لِمُرادِهِ ويُعِينَهُ عَلى الِائْتِمارِ لِأمْرِ رَبِّهِ بِما يَدْفَعُ عَنْهُ مِن ضَرَرِ عُطْلَتِهِ واسْتِعْمالِهِ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دُنْياهُ، فَفي تَعْرِيضِهِ إجازَةٌ لِما يَأْخُذُهُ الكاتِبُ ومَن يُدْعى لِإقامَةِ مَعُونَةٍ في نَحْوِهِ مِمَّنْ يَعْرِضُ (p-١٥٩)لَهُ فِيما يَضُرُّهُ التَّخَلِّي عَنْهُ. انْتَهى.
﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ أيْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ الضِّرارِ وغَيْرِهِ ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ﴾ أيْ خُرُوجٌ ﴿بِكُمْ﴾ عَنِ الشَّرْعِ الَّذِي نَهَجَهُ اللَّهُ لَكم. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي صِيغَةِ فَعُولٍ تَأْكِيدٌ فِيهِ وتَشْدِيدٌ في النِّذارَةِ. انْتَهى.
وخَتْمُ آياتِ هَذِهِ المُعامَلاتِ بِصِفَةِ العِلْمِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّقْوى في غايَةِ المُناسَبَةِ لِما يَفْعَلُهُ المُتَعامِلُونَ مِنَ الحِيَلِ الَّتِي يَجْتَلِبُ كُلٌّ مِنهم بِها الحَظَّ لِنَفْسِهِ، والتَّرْغِيبُ في امْتِثالِ ما أمَرَهم بِهِ في هَذِهِ الجُمَلِ بِأنَّهُ مِن عِلْمِهِ وتَعْلِيمِهِ فَقالَ تَعالى - عاطِفًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ، أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ-: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ خافُوا الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم مِن هَذا وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ [اسْتِئْنافًا لِبَيانِ فَخامَةِ هَذِهِ التَّنْبِيهاتِ] يُرْشِدُكُمُ اللَّهُ إلى مِثْلِ هَذِهِ المَراشِدِ لِإصْلاحِ ذاتِ بَيْنِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ يُدْرِيكُمُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ بِذَلِكَ عَلى العِلْمِ. وقالَ الحَرالِّيُّ: وفي قَوْلِهِ: ”يَعْلَمُ“ بِصِيغَةِ الدَّوامِ إيذانٌ بِما (p-١٦٠)يَسْتَمِرُّ بِهِ التَّعْلِيمُ مِن دُونِ هَذا المَنالِ. [انْتَهى].
وأظْهَرَ الِاسْمَ الشَّرِيفَ هُنا وفي الَّذِي بَعْدَهُ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ وتَعْمِيمًا لِلتَّعْلِيمِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وهَذا الخَتْمُ جامِعٌ لِبُشْرى التَّعْلِيمِ ونِذارَةِ التَّهْدِيدِ.
البقرة 2:283
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا إذا كُنْتُمْ حُضُورًا يَسْهُلُ عَلَيْكم إحْضارُ الكاتِبِ والشّاهِدِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ في السَّفَرِ يَكُونُ مُسْتَجْمِعَ القُوى كامِلَ الآلاتِ تامَّ الأُهْبَةِ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى سَفَرٍ﴾ يَعُوزُ مِثْلَهُ إحْضارُ كاتِبٍ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا فَرِهانٌ﴾ أيْ فَيُغْنِيكم عَنِ الكَتْبِ رَهْنٌ يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ، وقُرِئَ: فَرِهانٌ، وكِلاهُما جَمْعُ رَهْنٍ - بِالفَتْحِ والإسْكانِ، وهو التَّوْثِقَةُ بِالشَّيْءِ مِمّا يُعادِلُهُ بِوَجْهٍ ما. وأشارَ بِأنَّ بَدَلِيَّتَها لا تُفِيدُ إلّا بِما وصَفَها مِن قَوْلِهِ: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ أيْ بِيَدِ رَبِّ الدَّيْنِ وثِيقَةً لِدَيْنِهِ.
(p-١٦١)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَذا إنْ تَخَوَّفْتُمْ مِنَ المُدايَنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ﴾ ولَمّا كانَ الِائْتِمانُ تارَةً يَكُونُ مِنَ الدّائِنِ وتارَةً يَكُونُ مِنَ الرّاهِنِ قالَ: ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ فَلَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿فَلْيُؤَدِّ﴾ أيْ يُعْطِ، مِنَ الأداءِ وهو الإتْيانُ بِالشَّيْءِ لِمِيقاتِهِ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّذْكِيرَ بِالإحْسانِ بِالِائْتِمانِ لِيُشْكَرَ ولَمْ يَتَعَلَّقْ غَرَضٌ بِكَوْنِهِ مِن مُحْسِنٍ مُعَيَّنٍ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ مِنَ الائْتِمانِ وهو طَلَبُ الأمانَةِ وهو إيداعُ الشَّيْءِ لِحَفِيظَتِهِ حَتّى يُعادَ إلى المُؤْتَمِنِ. قالَهُ الحَرالِّيُّ: ﴿أمانَتَهُ﴾ وهو [الدَّيْنُ] الَّذِي تَرَكَ المُؤْتَمِنُ التَّوَثُّقَ بِهِ مِنَ المَدِينِ إحْسانًا إلَيْهِ وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ، وكَذا إنْ كانَ الِائْتِمانُ مِن جِهَةِ الرّاهِنِ ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ﴾ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهُ في نِعَمِهِ وصانَهُ مِن بَأْسِهِ ونِقَمِهِ وعَطَّفَ عَلَيْهِ قَلْبَ مَن أعْطاهُ وائْتَمَنَهُ لِيُؤَدِّيَ الحَقَّ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي أخَذَهُ بِها فَلا يَخُنْ في شَيْءٍ مِمّا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ.
(p-١٦٢)ولَمّا كانَتِ الكِتابَةُ لِأجْلِ إقامَةِ الشَّهادَةِ وكانَتِ الأنْفُسُ مَجْبُولَةً عَلى الشُّحِّ مُؤَسَّسَةً عَلى حُبِّ الِاسْتِئْثارِ فَيَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مُخاصَماتٌ ويَشْتَدُّ عَنْها المُشاحَناتُ ورُبَّما كانَ بَعْضُ المُخاصِمِينَ مِمَّنْ يُخْشى أمْرُهُ ويُرْجى بِرُّهُ فَيَحْمِلُ ذَلِكَ الشُّهُودَ عَلى السُّكُوتِ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ أيْ سَواءٌ كانَ صاحِبُ الحَقِّ يَعْلَمُها أوْ لا. ولَمّا نَهى أتْبَعَ النَّهْيَ التَّهْدِيدَ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ﴾ ولَمّا كانَ مَحَلُّها القَلْبَ الَّذِي هو عُمْدَةُ البَدَنِ قالَ: ﴿قَلْبُهُ﴾ ومَن أثِمَ قَلْبُهُ [فَسَدَ، ومَن فَسَدَ قَلْبُهُ فَسَدَ كُلُّهُ، لِأنَّ القَلْبَ قِوامُ البَدَنِ، إذا فَسَدَ فَسَدَ سائِرُ الجَسَدِ.
ولَمّا] كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِأنَّهُ كَتَمَ وكانَ لِلشُّهَداءِ جِهاتٌ تَنْصَرِفُ بِها الشَّهادَةُ عَنْ وجْهِ الإقامَةِ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - لِيَشْمَلَ التَّهْدِيدُ تِلْكَ الأعْمالَ بِإحاطَةِ العِلْمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ (p-١٦٣)المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ هو المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن سائِرِ الأكْوانِ فَكانَتْ أحْوالُهُ [مَضْبُوطَةً] بِأنْواعٍ مِنَ الضَّبْطِ كَأنَّ العِلْمَ البَلِيغَ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ كُلِّهِ وإنْ دَقَّ سَواءٌ كانَ فِعْلَ القَلْبِ وحْدَهُ أوْ لا ﴿عَلِيمٌ﴾ قالَ الحَرالِّيُّ: فَأنْهى أمْرَ ما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ مَمْثُولًا وأمْرَ ما بَيْنَ الخَلْقِ والخَلْقِ مَثَلًا. انْتَهى.
البقرة 2:284
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ سَعَةِ عِلْمِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِسَعَةِ مُلْكِهِ المُسْتَلْزِمِ لِسَعَةِ قُدْرَتِهِ لِيَدُلَّ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ الكَمالِ لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَما قالَ الأصْبَهانِيُّ إنَّ الصِّفاتِ الَّتِي هي كَمالاتُ حَقِيقَةٍ لَيْسَتْ إلّا القُدْرَةَ والعِلْمَ المُحِيطَ فَقالَ واعِدًا لِلْمُطِيعِ مُتَوَعِّدًا لِلْعاصِي مُصَرِّحًا بِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وغَيْرَها مَخْلُوقٌ لَهُ:- وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ أوَّلُ السُّورَةِ إظْهارَ كِتابِ التَّقْدِيرِ في الذِّكْرِ الأوَّلِ كانَ خَتْمُها إبْداءَ أثَرِ ذَلِكَ الكِتابِ [الأوَّلِ] في الأعْمالِ والجَزاءِ الَّتِي هي الغايَةُ في ابْتِداءِ أمْرِ التَّقْدِيرِ فَوَقَعَ الخَتْمُ بِأنَّهُ سَلَبَ الخَلْقَ [ما] في أيْدِيهِمْ مِمّا أبْدَوْهُ وما أخْفَوْهُ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ انْتَهى - فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ. ولَمّا (p-١٦٤)كانَتْ ما تَرِدُ لِمَن يَغْفُلُ وكانَ أغْلَبَ المَوْجُوداتِ [والجَماداتِ] عَبَّرَ بِها فَقالَ: ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ كُلُّهُ عَلى عُلُوِّها واتِّساعِها مِن مُلْكٍ وغَيْرِهِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ مِمّا تُنْفِقُونَهُ وغَيْرِهِ مِن عاقِلٍ وغَيْرِهِ، يَأْمُرُ فِيهِما ومِنهُما بِما يَشاءُ ويَنْهى عَمّا يَشاءُ ويُعْطِي مَن يَشاءُ ويَمْنَعُ مَن يَشاءُ ويُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو يَعْلَمُ جَمِيعَ ما فِيهِما مِن كِتْمانِكم وغَيْرِهِ ويَتَصَرَّفُ فِيهِ بِما يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُحَذِّرًا مَن يَكْتُمُ الشَّهادَةَ أوْ يُضْمِرُ سُوءًا غَيْرَها أوْ يُظْهِرُهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُبْدُوا﴾ أيْ تُظْهِرُوا (p-١٦٥)﴿ما في أنْفُسِكُمْ﴾ مِن شَهادَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ مِمّا وطَّنْتُمُوهُ في النَّفْسِ وعَزَمْتُمْ عَلَيْهِ ولَيْسَ هو مِنَ الخَواطِرِ الَّتِي كَرِهْتُمُوها ولَمْ تَعْزِمُوا عَلَيْها. قالَ الحَرالِّيُّ: مِنَ الإخْفاءِ وهو تَغْيِيبُ الشَّيْءِ وأنْ لا يُجْعَلَ عَلَيْهِ عَلَمٌ يُهْتَدى إلَيْهِ مِن جِهَتِهِ ﴿يُحاسِبْكُمْ﴾ مِنَ المُحاسَبَةِ مُفاعَلَةٌ مِنَ الحِسابِ والحَسْبِ، وهو اسْتِيفاءُ الأعْدادِ فِيما لِلْمَرْءِ وعَلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ يَعْنِي لِيُجازِيَ بِها ﴿بِهِ اللَّهُ﴾ أيْ بِذِكْرِهِ لَكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وفي ضِمْنِ هَذا الخِطابِ لِأُولِي الفَهْمِ إنْباءٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا عاجَلَ العَبْدَ بِالحِسابِ بِحُكْمِ ما يُفْهِمُهُ تَرْتِيبُ الحِسابِ عَلى وُقُوعِ العَمَلِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فَيُحاسِبُكم مَثَلًا فَقَدْ أعْظَمَ اللُّطْفَ بِهِ، لِأنَّ مَن حُوسِبَ بِعَمَلِهِ عاجِلًا في الدُّنْيا خَفَّ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ حَيْثُ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِالشَّوْكَةِ يُشاكُها حَتّى بِالقَلَمِ يَسْقُطُ مِن يَدِ الكاتِبِ، فَيُكَفَّرُ عَنِ المُؤْمِنِ بِكُلِّ ما يَلْحَقُهُ في دُنْياهُ حَتّى يَمُوتَ عَلى طَهارَةٍ مِن ذُنُوبِهِ [وفَراغٍ مِن حِسابِهِ] كالَّذِي يَتَعاهَدُ بَدَنَهُ وثَوْبَهُ بِالتَّنْظِيفِ فَلا يَتَّسِخُ ولا يَدْرَنُ ولا يَزالُ (p-١٦٦)نَظِيفًا. انْتَهى وفِيهِ تَصَرُّفٌ.
ولَمّا كانَ حَقِيقَةُ المُحاسَبَةِ ذِكْرَ الشَّيْءِ والجَزاءَ عَلَيْهِ وكانَ المُرادُ بِها هُنا العَرْضَ وهو الذِّكْرُ فَقَطْ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُقَدِّمًا التَّرْجِئَةَ مُعادَلَةً لِما أفْهَمَهُ صَدْرُ الآيَةِ مِنَ التَّخْوِيفِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ فَلا يُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ كَبِيرَةً كانَ أوْ لا ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ بِتَكْفِيرٍ أوْ جَزاءٍ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهَذا أنَّهُ مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ خَتَمَ الكَلامَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما لَزِمَ تَمامَ عِلْمِهِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ لَيْسَ [هُوَ] كَمُلُوكِ الدُّنْيا يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَ بَعْضِ ما يُرِيدُونَ بِالشَّفاعَةِ وغَيْرِها. قالَ الحَرالِّيُّ: فَسَلَبَ بِهَذِهِ الآيَةِ القُدْرَةَ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ. انْتَهى. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةٌ بِأمْرِ الشَّهادَةِ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هي عامَّةٌ كَما فَهِمَها الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ في الوَسْوَسَةِ وحَدِيثِ النَّفْسِ المَعْزُومِ عَلَيْهِ وغَيْرِهِ ثُمَّ خُفِّفَتْ بِما بَعْدَها، رَوى مُسْلِمُ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ (p-١٦٧)تَعالى عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآيَةُ إلى ﴿قَدِيرٌ﴾ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ بَرَكُوا عَلى الرُّكَبِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ: الصَّلاةَ والصِّيامَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ وقَدْ أُنْزِلَتْ [عَلَيْكَ] هَذِهِ الآيَةُ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتُرَوْنَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] قُولُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] ].
فَلَمّا اقْتَرَأها القَوْمُ وذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ في إثْرِها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى ﴿المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى وأنْزَلَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى [ ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: نَعَمْ» قالَ البَغْوِيُّ: وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: قَدْ فَعَلْتُ]، واسْتَمَرَّ إلى آخِرِ السُّورَةِ كُلَّما قَرَؤُوا جُمْلَةً قالَ: نَعَمْ. فَقَدْ تَبَيَّنَ (p-١٦٨)مِن هَذا تَناسُبُ هَذِهِ الآياتِ، وأمّا مُناسَبَتُها لِأوَّلِ السُّورَةِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ فَهو أنَّهُ لَمّا ابْتَدَأ السُّورَةَ بِوَصْفِ المُؤْمِنِينَ بِالكِتابِ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ خَتَمَها بِذَلِكَ بَعْدَ تَفْصِيلِ الإنْفاقِ الَّذِي وصَفَهم بِهِ أوَّلَها عَلى وجْهٍ يَتَّصِلُ بِما قَبْلَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والِاتِّصافِ بِأوْصافِ الكَمالِ أشَدَّ اتِّصالٍ، وجَعَلَ رَأْسَهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ تَعْظِيمًا لِلْمَدْحِ وتَرْغِيبًا في ذَلِكَ الوَصْفِ فَأخْبَرَ بِإيمانِهِمْ بِما أنْزَلَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ وبِجَمِيعِ الكُتُبِ وجَمِيعِ الرُّسُلِ وبِقَوْلِهِمُ الدّالِّ عَلى كَمالِ الرَّغْبَةِ وغايَةِ الضَّراعَةِ والخُضُوعِ فَقالَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلَ مَن أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأوامِرُ والنَّواهِي وغَيْرُها؟
البقرة 2:285
﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ أيْ بِما ظَهَرَ لَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ القائِمَةِ عَلى أنَّ الآتِيَ إلَيْهِ بِهَذا الوَحْيِ مَلَكٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما آمَنَ المَلَكُ بِهِ بِما ظَهَرَ لَهُ مِنَ المُعْجِزَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الَّذِي أتى بِهِ كَلامُ اللَّهِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِإنْزالِهِ فَعَرَفَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ أكْمَلُ الرُّسُلِ في هَذا الوَصْفِ بِاعْتِبارِ إرْسالِهِ إلى جَمِيعِ الخَلائِقِ (p-١٦٩)الَّذِينَ هم لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّهُ الجامِعُ لِما تَفَرَّقَ فِيهِمْ مِنَ الكَمالِ، وأنَّهُ المَخْصُوصُ بِما لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنهم مِنَ المَزايا والأفْضالِ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْهِ﴾ أيْ مِن أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يُحاسِبُ بِما ذَكَرَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ ومِمّا اخْتَصَّ هو بِهِ ورَغَّبَ في الإيمانِ بِما آمَنَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِجَلِيلِ التَّرْبِيَةِ المُزَكِّي [لَهُ] بِجَمِيلِ التَّزْكِيَةِ فَهو لا يُنْزِلُ إلَيْهِ إلّا ما هو غايَةٌ في الخَيْرِ ومِنهُ ما حَصَلَ لَهُ في دُنْياهُ مِنَ المَشَقَّةِ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَقَبِلَ الرَّسُولُ هَذا الحِسابَ الأوَّلَ العاجِلَ المُيَسَّرَ لِيَسْتَوْفِيَ أمْرَهُ مِنهُ وحَظَّهُ في دُنْياهُ، «قالَ ﷺ لَمّا قالَتْ [لَهُ] فاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها عِنْدَ مَوْتِهِ: واكَرْباهُ!: ”لا كَرْبَ عَلى أبِيكِ بَعْدَ اليَوْمِ“» وقالَ ﷺ فِيما رَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «ما أُوذِيَ أحَدٌ في اللَّهِ ما أُوذِيتُ» فَنالَ حَظَّهُ مِن حِكْمَةِ رَبِّهِ في دُنْياهُ حَتّى كانَ يُوعَكُ كَما يُوعَكُ عَشْرَةُ رِجالٍ، وما شَبِعَ مِن خُبْزِ بُرٍّ ثَلاثًا تِباعًا عاجِلًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ؛ وكَذَلِكَ المُؤْمِنُ لا راحَةَ لَهُ دُونَ لِقاءِ رَبِّهِ ولا سِجْنَ (p-١٧٠)عَلَيْهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن دُنْياهُ، «الحُمّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ» انْتَهى. ولَمّا أخْبَرَ عَنِ الرَّأْسِ أخْبَرَ عَمَّنْ يَلِيهِ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى الرُّسُوخِ أيْ آمَنُوا بِما ظَهَرَ لَهم مِنَ المُعْجِزَةِ الَّتِي أثْبَتَتْ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِما دَلَّتْ عَلى أنَّ الآتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
ولَمّا أجْمَلَ فَصَّلَ فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنهم. قالَ الحَرالِّيُّ: فَجَمَعَهم في كُلِّيَّةٍ كَأنَّ قُلُوبَهم قَلْبٌ واحِدٌ لَمْ يَخْتَلِفُوا، لِأنَّ القَبُولَ واحِدٌ والرَّدَّ يَقَعُ مُخْتَلِفًا. انْتَهى. ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ: ﴿آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أيْ لِما يَسْتَحِقُّهُ مِن ذَلِكَ لِذاتِهِ لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالكَمالِ ﴿ومَلائِكَتِهِ﴾ الَّذِينَ مِنهُمُ النّازِلُونَ بِالكُتُبِ، لِأنَّ الإيمانَ بِالمُنْزَلِ يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ ﴿وكُتُبِهِ﴾ أيْ كُلِّها ﴿ورُسُلِهِ﴾ كُلِّهِمْ، مِنَ البَشَرِ كانُوا أوْ مِنَ المَلائِكَةِ، فَإنَّ فِيما أُنْزِلَ إلَيْهِ ﷺ الإخْبارَ (p-١٧١)بِذَلِكَ. قالَ الحَرالِّيُّ: انْقِيادًا لِامْتِثالٍ مِنَ البَشَرِ.
ولَمّا كانَ في النّاسِ مَن يُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ ويَكْفُرُ بِبَعْضٍ قالَ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَتْهُ صِيغَةُ الجَمْعِ المُضافِ مِنَ الاسْتِغْراقِ أيْ قالُوا: ﴿لا نُفَرِّقُ﴾ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ وعَبَّرَ بِما يَشْمَلُ الِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما فَقالَ: ﴿بَيْنَ أحَدٍ﴾ أيْ واحِدٍ وغَيْرِهِ ﴿مِن رُسُلِهِ﴾ أيْ لا نَجْعَلُ أحَدًا مِنهم عَلى صِفَةِ الفُرْقَةِ البَلِيغَةِ مِن صاحِبِهِ في ذَلِكَ بَلْ نُؤْمِنُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ، والَّذِي دَلَّ عَلى تَقْدِيرِ ”قالُوا“ دُونَ غَيْرِهِ أنَّهُ لَمّا أكْمَلَ قَوْلَهم في القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الكَفِيلَةِ بِاعْتِقادِ المَبْدَإ أتْبَعَهُ قَوْلَهم في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ الكائِنَةِ في الوَسَطِ عَطْفًا عَلَيْها: ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ أيْ بِآذانِ عُقُولِنا كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ عَنْكَ وعَلِمْناهُ وأذْعَنّا لَهُ ﴿وأطَعْنا﴾ أيْ لِكُلِّ ما فِيهِ مِن أمْرِكَ.
قالَ الحَرالِّيُّ: فَشارَكُوا أهْلَ الكِتابِ في طَلِيعَةِ الإباءِ وخالَفُوهم في مُعاجَلَةِ التَّوْبَةِ والإقْرارِ بِالسَّمْعِ والطّاعَةِ فَكانَ لِهَؤُلاءِ ما لِلتّائِبِ وعَلى أُولَئِكَ ما عَلى المُصِرِّ. انْتَهى.
(p-١٧٢)ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ الزَّلَلِ والنُّقْصانِ أشارُوا إلى ذَلِكَ تَواضُعًا مِنهم كَما هو الأوْلى بِهِمْ لِمَقامِ الأُلُوهِيَّةِ فَقالُوا مَعَ طاعَتِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِالمَعادِ: ﴿غُفْرانَكَ﴾ أيِ اغْفِرْ لَنا أوْ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ الَّذِي يَلِيقُ إضافَتُهُ إلَيْكَ لِما لَهُ مِنَ الكَمالِ والشَّرَفِ والجَلالِ ما قَصَّرْنا فِيهِ ولا تُؤاخِذْنا بِهِ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ هَلَكْنا، والحاصِلُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعامِلَهم بِما هو أهْلُهُ لا بِما هم أهْلُهُ فَجَرى بِما جَرّاهم عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قالَ الحَرالِّيُّ: فَهَذا القَوْلُ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ كَشْفُ عِيانٍ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ نَشْءُ إيمانٍ، ومِنَ القائِلِينَ لِلسَّمْعِ والطّاعَةِ قَوْلُ إذْعانٍ، فَهو شامِلٌ لِلْجَمِيعِ كُلٍّ عَلى رُتْبَتِهِ. انْتَهى. وزادُوا تَمَلُّقًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾ ذاكِرِينَ وصْفَ الإحْسانِ في مَقامِ طَلَبِ الغُفْرانِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وهو خِطابُ قُرْبٍ مِن حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ [فِيهِ] أداةُ نِداءٍ، ولَمْ يُجْرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ألْسِنَةِ المُؤْمِنِينَ في كِتابِهِ العَزِيزِ نِداءَ بُعْدٍ قَطُّ؛ والغُفْرانُ فُعْلانُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ تُعْطِي المَلْءَ لِيَكُونَ غَفْرًا لِلظّاهِرِ والباطِنِ وهو مَصْدَرٌ مُحِيطُ المَعْنى نازِلٌ (p-١٧٣)مَنزِلَةَ الِاسْتِغْفارِ الجامِعِ لِما أحاطَ بِهِ الظّاهِرُ والباطِنُ مِمّا أوْدَعَتْهُ الأنْفُسُ الَّتِي هي مَظْهَرُ حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّتِي وقَعَ فِيها مَجْمُوعُ الغُفْرانِ والعَذابِ ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] فَفي ضِمْنِهِ بُشْرى بِتَعْيِينِ القائِلِينَ المُذْعِنِينَ ومَن تَبِعَهم بِالقَوْلِ لِحالِ المَغْفِرَةِ، لِأنَّ هَذِهِ الخَواتِيمَ مَقْبُولَةٌ مِنَ العَبْدِ بِمَنزِلَةِ الفاتِحَةِ لِاجْتِماعِهِما في كَوْنِهِما مِنَ الكَنْزِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ، وعَلى ما ورَدَ مِن قَوْلِهِ: «حَمِدَنِي عَبْدِي، إلى أنْ قالَ: ولِعَبْدِي ما سَألَ» وعَلى ما ورَدَ في دُعاءِ هَذا الخَتْمِ في قَوْلِهِ: ”قَدْ فَعَلْتُ قَدْ فَعَلْتُ“ وبِما ابْتَدَأ تَعالى بِهِ آيَةَ هَذا الحِسابِ وخَتَمَها بِهِ مِن سَلْبِ الأمْرِ أوَّلًا وسَلْبِ القُدْرَةِ عَمّا سِواهُ آخِرًا، وكانَ في الِابْتِداءِ والخَتْمِ إقامَةُ عُذْرِ القائِلِينَ، فَوَجَبَ لَهم تَحَقُّقُ الغُفْرانِ كَما كانَ لِأبِيهِمْ آدَمَ حَيْثُ تَلَقّى الكَلِماتِ مِن رَبِّهِ. انْتَهى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ ﴿رَبَّنا﴾ فَإنَّهُ مِنكَ مَبْدَأُنا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ حَثًّا عَلى الِاجْتِهادِ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ: ﴿وإلَيْكَ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِكَ ﴿المَصِيرُ﴾ أيْ مُطْلَقًا لَنا ولِغَيْرِنا. وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الكِتابَ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ ذَكَرَ افْتِراقَ الأُمَمِ كَما يَشاءُ وأحْوالَ الزّائِغِينَ والمُتَنَكِّبِينَ تَحْذِيرًا مِن حالِهِمْ ونَهْيًا عَنْ مُرْتَكَبِهِمْ وحَصَلَ (p-١٧٤)قُبَيْلَ النُّزُولِ بِجُمْلَتِهِ وانْحِصارَ التّارِكِينَ وأعْقَبَ بِذِكْرِ مُلْتَزَماتِ المُتَّقِينَ وما يَنْبَغِي لَهُمُ امْتِثالُهُ والأخْذُ بِهِ مِنَ الأوامِرِ والأحْكامِ والحُدُودِ وأعْقَبَ ذَلِكَ بِأنَّ المَرْءَ يَجِبُ أنْ يَنْطَوِيَ عَلى ذَلِكَ ويُسَلِّمَ الأمْرَ لِمالِكِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْـزِلَ﴾ فَأعْلَمَ أنَّ هَذا إيمانُ الرَّسُولِ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى إيمانِهِ وأنَّهم قالُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ لا كَقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ.
﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] وأنَّهُ أثابَهم عَلى إيمانِهِمْ رَفْعَ الإصْرِ والمَشَقَّةِ والمُؤاخَذَةِ بِالخَطَإ والنِّسْيانِ فَقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] فَحَصَلَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِأسْرِها بَيانُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى الِاسْتِيفاءِ والكَمالِ أخْذًا وتَرْكًا وبَيانُ شَرَفِ مَن أخَذَ بِهِ وسُوءِ حالِ مَن تَنَكَّبَ عَنْهُ. وكانَ العِبادُ لَمّا عَلِمُوا ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] - إلى آخِرِ السُّورَةِ قِيلَ لَهُمْ: عَلَيْكم بِالكِتابِ - إجابَةً لِسُؤالِهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم حالَ مَن سَلَكَ ما طَلَبُوا فَكانَ قِيلَ لَهُمْ: أهْلُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وسالِكُوهُ هُمُ الَّذِينَ بَيَّنَ شَأْنَهم وأمْرَهُمْ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُتَنَكِّبِينَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ بَيَّنَ أمْرَهم وشَأْنَهُمْ، والضّالُّونَ هُمُ النَّصارى الَّذِينَ بَيَّنَ (p-١٧٥)أمْرَهم وشَأْنَهُمْ؛ فَيَجِبُ عَلى مَن رَغِبَ في سُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ أنْ يَحْذَرَ ما أصابَ هَؤُلاءِ مِمّا نَبَّهَ عَلَيْهِ وأنْ يَأْخُذَ نَفْسَهُ بِكَذا وكَذا وأنْ يَنْسَحِبَ إيمانُهُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ، وأنْ يُسَلِّمَ الأمْرَ لِلَّهِ الَّذِي تُطْلَبُ مِنهُ الهِدايَةُ، ويَتَضَرَّعَ إلَيْهِ بِأنْ لا يُؤاخِذَهُ بِما يُثْمِرُهُ الخَطَأُ والنِّسْيانُ، وأنْ لا يُحَمِّلَهُ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ، وأنْ يَعْفُوَ عَنْهُ - إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.
البقرة 2:286
ولَمّا مُنُّوا بِالإيمانِ في سُؤالِ الغُفْرانِ عَلَّلُوا السُّؤالَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الرَّحِيمُ الأكْرَمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ أيْ ما تَسَعُهُ وتُطِيقُهُ ولا تَعْجِزُ عَنْهُ، وذَلِكَ هو المُمْكِنُ لِذاتِهِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ اخْتِيارُ العَبْدِ بِفِعْلِهِ، ولَمْ يُخْبِرِ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ لا يَقَعُ لا المُحالُ لِذاتِهِ ولا المُمْكِنُ لِذاتِهِ سَواءٌ كانَ مِمّا لا مَدْخَلَ لِلْإنْسانِ في اخْتِيارِهِ كالنَّوْمِ أوْ كانَ لَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ وقَدْ تَعَلَّقَ العِلْمُ (p-١٧٦)الأزَلِيُّ بِعَدَمِ وُقُوعِهِ وأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُعِينًا لِصاحِبِهِ، فَهَذا لا يَقَعُ التَّكْلِيفُ بِهِ ويَجُوزُ التَّكْلِيفُ بِهِ؛ وهَذا الكَلامُ مِن جُمْلَةِ دُعائِهِمْ عَلى وجْهِ الثَّناءِ طَلَبًا لِلْوَفاءِ بِما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ عَنْهُ سُبْحانَهُ وتَعالى خَوْفًا مِن أنْ يُكَلَّفُوا بِما لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ وقَوْلُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ نُزُولِها وجَوابُ النَّبِيِّ ﷺ لَهم أنْ يُكَلَّفَ بِهِ مِنَ المُؤاخَذَةِ بِالوَساوِسِ الَّتِي لا يَقَعُ العَزْمُ عَلَيْها لِأنَّهُ مِمّا تُخْفِيهِ النُّفُوسُ ولا طاقَةَ عَلى دَفْعِهِ فَهو مِن بابِ:
؎إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ∗∗∗ كَفاهُ مِن تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ بِذِكْرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ مِن بابِ التَّمَلُّقِ بِأنَّ لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ ما يَقْتَضِي العَفْوَ عَنْ ضَعْفِهِمْ ومِن صِفاتِ الحِلْمِ والرَّحْمَةِ والرَّأْفَةِ ما يُرَفِّهُ عَنْهم ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن قَوْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى جَزاءً لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيَةِ، (p-١٧٧)فَأفادَهم بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُحاسِبُهم بِحَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لا عَزْمَ فِيهِ؛ فانْتَفى ما شَقَّ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةِ، بِخِلافِ [ما أفادَ] بَنِي إسْرائِيلَ قَوْلُهُمْ
﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] مِنَ الآصارِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ أجابَ دُعاءَهُمْ؟ ويَكُونُ شَرْحَ قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] ويُؤَيِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ إتْباعُهُ لِحُكْمِ ما في الوُسْعِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أوِ الاسْتِفْتاحِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَها﴾ أيْ خاصًّا بِها ﴿ما كَسَبَتْ﴾ وذِكْرُ الفِعْلِ مُجَرَّدًا في الخَيْرِ إيماءً إلى أنَّهُ يَكْفِي في الِاعْتِدادِ بِهِ مُجَرَّدُ وُقُوعِهِ ولَوْ مَعَ الكَسَلِ بَلْ ومُجَرَّدُ نِيَّتِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: وصِيغَةُ فَعَلَ مُجَرَّدَةً تُعْرِبُ عَنْ أدْنى الكَسْبِ فَلِذَلِكَ مَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً. انْتَهى.
﴿وعَلَيْها﴾ أيْ بِخُصُوصِها ﴿ما اكْتَسَبَتْ﴾ فَشَرَطَ في الشَّرِّ صِيغَةَ الِافْتِعالِ الدّالَّةَ عَلى الِاعْتِمالِ إشارَةً إلى أنَّ [مِن] طَبْعِ النَّفْسِ المَيْلَ إلى الهَوى بِكُلِّيَّتِها وإلى أنَّ الإثْمَ لا يُكْتَبُ إلّا مَعَ (p-١٧٨)التَّصْمِيمِ والعَزْمِ القَوِيِّ الَّذِي إنْ كانَ عَنْهُ عَمَلٌ ظاهِرٌ كانَ بِجِدٍّ ونَشاطٍ ورَغْبَةٍ وانْبِساطٍ، فَلِذَلِكَ مَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ، ورُبَّما جاءَتِ العِبارَةُ بِخِلافِ ذَلِكَ لِمَعْنىً في ذَلِكَ السِّياقِ اقْتَضاهُ المَقامُ.
ولَمّا بَشَّرَهم بِذَلِكَ عَرَّفَهم مَواقِعَ نِعَمِهِ في دُعاءٍ رَتَّبَهُ عَلى الأخَفِّ فالأخَفِّ عَلى سَبِيلِ التَّعَلِّي إعْلامًا بِأنَّهُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِما اجْتَرَحُوهُ نِسْيانًا ولا بِما قارَفُوهُ خَطَأً ولا حَمَلَ عَلَيْهِمْ ثِقْلًا بَلْ جَعَلَ شَرِيعَتَهم حَنِيفِيَّةً سَمْحًا ولا حَمَّلَهم فَوْقَ طاقَتِهِمْ مَعَ أنَّ لَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ، وأنَّهُ عَفا عَنْ عِقابِهِمْ ثُمَّ سَتَرَهم فَلَمْ يُخْجِلْهم بِذِكْرِ سَيِّئاتِهِمْ، ثُمَّ رَحِمَهم بِأنْ أحَلَّهم مَحَلَّ القُرْبِ فَجَعَلَهم أهْلًا لِلْخِلافَةِ؛ فَلاحَ بِذَلِكَ أنَّهُ يُعْلِي أمْرَهم عَلى كُلِّ أمْرٍ ويُظْهِرُ دِينَهم عَلى كُلِّ دِينٍ، إذْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى هو الدّاعِيَ عَنْهُمْ، ولِيَكُونَ الدُّعاءُ كُلُّهُ مَحْمُولًا عَلى الإصابَةِ ومَشْمُولًا بِالإجابَةِ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ أيْ لا تَفْعَلْ مَعَنا فِعْلَ (p-١٧٩)مَن يُناظِرُ خَصْمًا فَهو يُناقِشُهُ عَلى كُلِّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴿إنْ نَسِينا﴾ أيْ فَفَعَلْنا ما نَهَيْتَنا عَنْهُ ﴿أوْ أخْطَأْنا﴾ أيْ فَعَلْناهُ ذاكِرِينَ لَهُ لَكِنّا لَمْ نَتَعَمَّدْ سُوءًا. قالَ الحَرالِّيُّ: والخَطَأُ هو الزَّلَلُ عَنِ الحَدِّ عَنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ بَلْ مَعَ عَزْمِ الإصابَةِ أوْ وُدِّ أنْ لا يُخْطِئَ، وفي إجْرائِهِ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى لِسانِ عِبادِهِ قَبُولُهُ. انْتَهى. وإعادَةُ رَبَّنا في صَدْرِ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن هَذا الطِّرازِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في التَّذْكِيرِ بِعِظَمِ المَقامِ في حُسْنِ التَّرْبِيَةِ ولُطْفِ الإحْسانِ والرَّأْفَةِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فَإنَّ لَهُ أنْ يُكَلِّفَ بِما يَشاءُ مَعَ تَحْمِيلِ ما تَعْظُمُ مَشَقَّتُهُ مِنَ التَّكالِيفِ فَإنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ قالَ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ أيْ ثِقْلًا.
قالَ الحَرالِّيُّ: هو العَهْدُ الثَّقِيلُ أيِ الَّذِي في تَحَمُّلِهِ أشَدُّ المَشَقَّةِ. انْتَهى. ثُمَّ عَظَّمَ المِنَّةَ (p-١٨٠)بِقَوْلِهِ: ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ حَمَلَ عَلى مَن سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ ما يَهُدُّ الأرْكانَ تَأْكِيدًا لِما يَحْمِلُ عَلى الشُّكْرِ عَلى تَخْفِيفِ ذَلِكَ عَنّا، وأصْلُ الإصْرِ العاطِفُ، أصَرَهُ الشَّيْءُ يَأْصِرُهُ: عَطَفَهُ، ويَلْزَمُهُ الثِّقَلُ لِأنَّ الغُصْنَ إذا ثَقُلَ مالَ وانْعَطَفَ وهو المَقْصُودُ هُنا؛ وتِلْكَ الآصارُ المُشارُ إلَيْها كَثِيرَةٌ جِدًّا، مِنها ما في السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ في القُرْبانِ أنَّهُ يَنْضَحُ مِن دَكِّ الذَّبِيحَةِ عَلى زَوايا المَذْبَحِ، ثُمَّ قالَ: ومَن تَقَرَّبَ بِذَبْحِ ثَوْرٍ أوْ غَيْرِهِ في مَكانٍ غَيْرِ بابِ قُبَّةِ الزَّمانِ بَيْتِ الرَّبِّ يُعاقَبُ ذَلِكَ الرَّجُلُ عُقُوبَةَ مَن قَتَلَ قَتِيلًا لِأنَّهُ سَفَكَ دَمًا ويَهْلَكُ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِن شَعْبِهِ، ومَن أكَلَ دَمًا نَزَلَ بِهِ الغَضَبُ وهَلَكَ لِأنَّ أنْفُسَ البَهائِمِ هي الدَّمُ، [وإنَّما أُمِرُوا أنْ يُقَرِّبُوهُ عَلى المَذْبَحِ لِغُفْرانِ خَطاياهم وتَطْهِيرِ أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ إنَّما يُغْفَرُ لِلنَّفْسِ بِالدَّمِ]، (p-١٨١)ومَن قَرَّبَ قُرْبانًا أكَلَ مِنهُ يَوْمَ ذَبْحِهِ وثانِيهِ، وما بَقِيَ في الثّالِثِ أُحْرِقَ بِالنّارِ، ومَن أكَلَ مِنهُ هَلَكَ مِن شَعْبِهِ؛ ومِن ذَلِكَ في ذَوِي العاهاتِ أنَّ مَن بَرِصَ مِنَ الآدَمِيِّينَ يَجْلِسُ وحْدَهُ ولا يَخْتَلِطُ مَعَ النّاسِ ويَكُونُ سَكَنُهُ خارِجًا مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى ذَكَرَ البَرَصَ في الثِّيابِ والبُيُوتِ وغَيْرِها، فَما بَرِصَ مِنَ الجُلُودِ والثِّيابِ يُقْطَعُ مَوْضِعُ البَرَصِ مِنهُ، فَإنْ ظَهَرَ فِيهِ بَعْدَ القَطْعِ أُحْرِقَ [كُلُّهُ] بِالنّارِ، وإنْ ظَهَرَ في بَيْتٍ بَرَصٌ يُهْدَمُ وتُجْمَعُ حِجارَتُهُ وخَشَبُهُ وتُرابُهُ خارِجًا مِنَ القَرْيَةِ ويُحْرَقُ بِالنّارِ؛ وكَذا مَرَضُ السَّلَسِ فِيهِ تَشْدِيداتٌ كَثِيرَةٌ، مِنها أنَّ مَن جَلَسَ عَلى ثَوْبٍ عَلَيْهِ مَسْلُوسٌ يَغْسِلُ ثِيابَهُ ويَسْتَحِمُّ بِالماءِ ويَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ، ونَحْوُ هَذا؛ ثُمَّ قالَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: هَذِهِ سُنَّةُ الأبْرَصِ الَّذِي يَتَطَهَّرُ: يُقَدَّمُ إلى الكاهِنِ ويُخْرِجُهُ خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ ويَنْظُرُ الحَبْرُ (p-١٨٢)إنْ كانَتْ ضَرْبَةُ البَرَصِ قَدْ بَرِأتْ وتَطَهَّرَ مِنها يَأْمُرُ الحَبْرُ فَيُقَدَّمُ، ويُؤْتى بِعُصْفُورَيْنِ حَيَّيْنِ زَكِيَّيْنِ، وعُودٍ مِن خَشَبِ الأرْزِ، وعِهْنَةٍ حَمْراءَ - وعَدَّ أشْياءَ أُخْرى؛ وقُرْبانٍ عَلى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ صَعْبَةٍ عَلى عَيْنِ ماءٍ، ويَغْسِلُ ثِيابَهُ وبَدَنَهُ، ويَحْلِقُ شَعْرَ رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ وحاجِبَيْهِ وكُلَّ شَعْرِ جَسَدِهِ، وأنَّهُ يَمْكُثُ خارِجًا مِن بَيْتِهِ سَبْعَةَ أيّامٍ، وفي اليَوْمِ الثّامِنِ يَأْتِي بِقُرْبانٍ آخَرَ [فَيُقَرَّبُ] عَلى كَيْفِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ، ويَنْضَحُ الكاهِنُ مِن دَمِهِ عَلى ثِيابِ وبَدَنِ هَذا الَّذِي تَطَهَّرَ مِنَ البَرَصِ، وكَذا مِن زَيْتِ قُرْبانِهِ، ويُصَبُّ بَقِيَّتُهُ عَلى رَأْسِهِ. وكَذا في مَرَضِ السَّلَسِ إذا بَرِئَ المَسْلُوسُ [يَمْكُثُ] سَبْعَةَ أيّامٍ، [ثُمَّ] يَتَطَهَّرُ ويَغْسِلُ ثِيابَهُ، ويُقَرِّبُ قُرْبانًا في بابِ قُبَّةِ الزَّمانِ. وقالَ: وأيُّ رَجُلٍ أمْذى أوْ خَرَجَ مِنهُ مَنِيُّهُ يَغْسِلُ جَسَدَهُ كُلَّهُ بِالماءِ، ويَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ؛ ومَن [دَنا] مِنَ الحائِضِ يَكُونُ (p-١٨٣)نَجِسًا إلى اللَّيْلِ [وأيُّ ثَوْبٍ أوْ فِراشٍ وقَعَتْ عَلَيْهِ جَنابَةٌ يُغْسَلُ بِالماءِ ويَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ]، وأيُّ ثَوْبٍ رَقَدَتْ عَلَيْهِ وهي حائِضٌ كانَ نَجِسًا، ومَن دَنا مِن فِراشِها يَغْسِلُ ثِيابَهُ ويَسْتَحِمُّ بِالماءِ ويَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ، وكَذا المُسْتَحاضَةُ. وفِيهِ أيْضًا: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهُمُ: المَرْأةُ إذا حَبِلَتْ ووَلَدَتْ ذَكَرًا تَكُونُ نَجِسَةً [سَبْعَةَ] أيّامٍ كَما تَكُونُ في أيّامِ حَيْضِها، وفي اليَوْمِ الثّامِنِ يُخْتَنُ الصَّبِيُّ، وتَكُونُ نَجِسَةً وتَجْلِسُ مَكانَها ثَلاثَةً وثَلاثِينَ يَوْمًا، لا تَدْنُو مِن شَيْءٍ مُقَدَّسٍ، ولا تَدْخُلُ بَيْتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ الصَّلاةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْها حَتّى تُتِمَّ أيّامَ تَطْهِيرِها؛ فَإنْ ولَدَتْ جارِيَةً تَكُونُ مِثْلَ نَجاسَتِها في أيّامِ حَيْضِها أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا وتَجْلِسُ مَكانَها عَلى الدَّمِ الزَّكِيِّ سِتَّةً وسِتِّينَ يَوْمًا، فَإذا كَمَّلَتْ أيّامَ تَطْهِيرِها ابْنًا ولَدَتْ أوْ بِنْتًا تَجِيءُ بِحَمْلِ حَوْلٍ، فَذَكَرَ قُرْبانًا في قُبَّةِ الزَّمانِ عَلى يَدِ الكاهِنِ لِتَطْهُرَ مِمّا كانَ يَجْرِي مِنها [مِنَ] الدَّمِ. ومِنَ الآصارِ ما في السِّفْرِ الثّانِي أيْضًا مِن أنَّهم إذا حَصَدُوا أرْضًا أوْ قَطَفُوا كَرْمًا حَرُمَ عَلَيْهِمُ الاسْتِقْصاءُ وأُمِرُوا أنْ يَتْرُكُوا لِلْمَساكِينِ، ثُمَّ قالَ: (p-١٨٤)ولا تَلْتَقِطُوا ما يَنْتَثِرُ مِن زَيْتُونِكم بَلْ دَعُوهُ لِلْمَساكِينِ والَّذِينَ يُقْبِلُونَ إلَيَّ لِأنِّي أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ، ثُمَّ قالَ: فَإذا دَخَلْتُمُ الأرْضَ وغَرَسْتُمْ فِيها كُلَّ شَجَرٍ يُثْمِرُ ثِمارًا تُؤْكَلُ فَدَعُوها ثَلاثَ سِنِينَ ولا تَأْكُلُوا مِن ثِمارِها، فَإذا كانَ في السَّنَةِ الرّابِعَةِ صَيِّرُوا جَمِيعَ ثِمارِ شَجَرِكم حُرْمَةً لِلرَّبِّ ومَجْدًا لِإكْرامِهِ، وفي السَّنَةِ الخامِسَةِ كُلُوا ثِمارَها فَإنَّها تَنْمُو وتَزْدادُ لَكم غَلّاتُها، أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ! وقالَ في أواخِرِ السِّفْرِ الخامِسِ وهو آخِرُ أسْفارِها: لا تَحِيفُوا عَلى المِسْكِينِ واليَتِيمِ والسّاكِنِ بَيْنَكم في القَضاءِ، ولا تَأْخُذُوا ثَوْبَ الأرْمَلَةِ رَهْنًا، واذْكُرُوا أنَّكم كُنْتُمْ عَبِيدًا بِأرْضِ مِصْرَ وأنْقَذَكُمُ الرَّبُّ مِن هُناكَ، لِذَلِكَ آمُرُكم وأقُولُ لَكم إنَّهُ واجِبٌ عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا مِثْلَ هَذا الفِعْلِ، وإذا حَصَدْتُمْ حَقْلَ أرْضِكم ونَسِيتُمْ حُزْمَةً لا تَرْجِعُوا في طَلَبِ أخْذِها بَلْ تَكُونُ لِلسّاكِنِ ولِلْيَتِيمِ والأرْمَلَةِ، لِيُبارِكَ اللَّهُ رَبُّكم في جَمِيعِ أعْمالِ أيْدِيكُمْ؛ وإذا نَثَرْتُمْ زَيْتُونَكم فَلا تَطْلُبُوا ما نَسِيتُمْ في حَقْلِكم بَلْ يَكُونُ لِلْيَتِيمِ والسّاكِنِ والأرْمَلَةِ؛ وإذا قَطَعْتُمْ كُرُومَكم لا تَسْتَقْصُوا ما فِيها بَلْ دَعُوها ما يَعِيشُ بِهِ السّاكِنُ (p-١٨٥)واليَتِيمُ والأرْمَلَةُ؛ واذْكُرُوا أنَّكم كُنْتُمْ عَبِيدًا بِأرْضِ مِصْرَ، لِذَلِكَ آمُرُكم أنْ تَفْعَلُوا هَذا الفِعْلَ، وأمّا ما عَلى النَّصارى مِن ذَلِكَ فَسَيَأْتِي كَثِيرٌ مِنهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]
ولَمّا دَعَوْا بِما تَضَمَّنَ الإيمانَ بِما نَزَلَ إلَيْهِمْ مِمّا حَمَلَ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الثِّقَلِ أتْبَعُوهُ ما يَدُلُّ عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ مِنهُ في القَضاءِ، وأنَّهُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَيُكَلِّفُ بِما لَيْسَ في الوُسْعِ، لِأنَّهُ المالِكُ التّامُّ المِلْكِ والمَلِكُ المُنْفَرِدُ بِالمُلْكِ، وسَألُوا التَّخْفِيفَ بِرَفْعِ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿رَبَّنا ولا﴾ وعَبَّرَ بِالتَّفْعِيلِ لِما فِيهِ بِما يُفْهَمُ مِنَ العِلاجِ مِن مُناسَبَةِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ فَقالَ: ﴿تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ﴾ أيْ قُدْرَةَ ﴿لَنا بِهِ﴾
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَعَمَّدُ الذَّنْبَ لِشَهْوَةٍ تَدْعُوهُ إلَيْهِ وغَرَضٍ يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ أتْبَعُوا ذَلِكَ دُعاءً عامًّا فَقالُوا:﴿واعْفُ عَنّا﴾ أيِ ارْفَعْ عَنّا عِقابَ الذُّنُوبِ كُلِّها ﴿واغْفِرْ لَنا﴾ أيْ ولا تَذْكُرْها لَنا أصْلًا، فالأوَّلُ العَفْوُ عَنْ عِقابِ الجِسْمِ، والثّانِي العَفْوُ عَنْ عَذابِ الرُّوحِ. (p-١٨٦)وقالَ الحَرالِّيُّ: ولَمّا كانَ قَدْ يَلْحَقُ مَن يُعْفى عَنْهُ ويُغْفَرُ لَهُ قُصُورٌ في الرُّتْبَةِ عَنْ مَنالِ الحَظِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ألْحَقَ تَعالى المَعْفُوَّ عَنْهُ المَغْفُورَ لَهُ بِالمَرْحُومِ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ: ﴿وارْحَمْنا﴾ أيْ حَتّى يَسْتَوِيَ المُذْنِبُ التّائِبُ والَّذِي لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ في مَنالِ الرَّحْمَةِ.
ولَمّا ضاعَفَ لَهم تَعالى عَفْوَهُ ومَغْفِرَتَهُ ورَحْمَتَهُ أنْهاهم بِذَلِكَ إلى مَحَلِّ الخِلافَةِ العاصِمَةِ ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] فَلَمّا صارُوا خُلَفاءَ تَحَقَّقَ مِنهُمُ الجِهادُ لِأعْداءِ اللَّهِ والقِيامُ بِأمْرِ اللَّهِ ومُنابَذَةُ مَن تَوَلّى غَيْرَ اللَّهِ، فَتَحَقَّقَ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُشاقِقَهم أعْداءٌ ويُنابِذُوهُمْ، فَعَلَّمَهُمُ الَّذِي رَحِمَهم سُبْحانَهُ إسْنادَ أمْرِهِمْ بِالوِلايَةِ إلَيْهِ قائِلًا عَنْهُمْ: ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾ والمَوْلى هو الوَلِيُّ اللّازِمُ الوِلايَةِ القائِمُ بِها الدّائِمُ عَلَيْها لِمَن تَوَلّاهُ بِإسْنادِ أمْرِهِ إلَيْهِ فِيما لَيْسَ هو بِمُسْتَطِيعٍ لَها. انْتَهى بِالمَعْنى. وكانَ حَقِيقَتُهُ الفاعِلَ لِثَمَرَةِ الوِلايَةِ وهي القُرْبُ والإقْبالُ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَألُوا العَفْوَ عَنْ عَذابِ الجِسْمِ والرُّوحِ سَألُوا ثَوابَهُما، فَثَوابُ الجِسْمِ الجَنَّةُ وثَوابُ الرُّوحِ لَذَّةُ الشُّهُودِ وذَلِكَ ثَمَرَةُ الوِلايَةِ وهي الإقْبالُ عَلى الوَلِيِّ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ جَعَلَ خِتامَ تَوَجُّهِ المُؤْمِنِينَ إلى رَبِّهِمُ الدُّعاءَ بِثَمَرَةِ الوِلايَةِ فَقالَ: ﴿فانْصُرْنا﴾ بِاللِّسانِ والسِّنانِ، وأشارَ إلى قُوَّةِ (p-١٨٧)المُخالِفِينَ حَثًّا عَلى تَصْحِيحِ الِالتِجاءِ والصِّدْقِ في الرَّغْبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى القَوْمِ﴾ وأشارَ إلى أنَّ الأدِلَّةَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في غايَةِ الظُّهُورِ لِكُلِّ عاقِلٍ بِقَوْلِهِ: ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ السّاتِرِينَ لِلْأدِلَّةِ الدّالَّةِ لَهم عَلى رَبِّهِمُ المَذْكُورِينَ أوَّلَ السُّورَةِ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ وُجُوبَ قِتالِهِمْ وأنَّهم أعْدى الأعْداءِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] لَيْسَ ناهِيًا عَنْ ذَلِكَ وإنَّما هو إشارَةٌ إلى أنَّ الدِّينَ صارَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ إكْراهٌ بَلْ يَنْبَغِي لِكُلِّ عاقِلٍ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ فَضْلًا عَنِ الإحْواجِ إلى إرْهابٍ، فَمَن نَصَحَ نَفْسَهُ دَخَلَ فِيهِ بِما دَلَّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ، ومَن أبى أُدْخِلَ فِيهِ قَهْرًا بِنَصِيحَةِ اللَّهِ الَّتِي هي الضَّرْبُ بِالحُسامِ ونافِذِ السِّهامِ. ولَمّا كانَ الخَتْمُ بِذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ تَعالى لَمّا ضاعَفَ لَهم عَفْوَهُ عَنِ الذَّنْبِ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ ومَغْفِرَتَهُ لَهُ بِحَيْثُ يَجْعَلُهُ كَأنْ لَمْ يَكُنْ فَلا يَذْكُرُهُ أصْلًا ولا يُعاقِبُ عَلَيْهِ ورَحْمَتَهُ في إيصالِ المُذْنِبِ المَعْفُوِّ عَنْهُ المَغْفُورِ لَهُ إلى المَنازِلِ العالِيَةِ أنْهاهم إلى رُتْبَةِ الخِلافَةِ في القِيامِ بِأمْرِهِ والجِهادِ لِأعْدائِهِ وإنْ جَلَّ أمْرُهم وأعْيا حَصْرُهم كانَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ بِدايَةَ هَذِهِ السُّورَةِ هِدايَةٌ وخاتِمَتَها خِلافَةٌ، فاسْتَوْفَتْ تَبْيِينَ أمْرِ النُّبُوَّةِ إلى حَدِّ ظُهُورِ الخِلافَةِ فَكانَتْ سَنامًا لِلْقُرْآنِ، وكانَ جِماعُ ما في القُرْآنِ مُنْضَمًّا إلى مَعانِيها إمّا لِما صَرَّحَتْ بِهِ أوْ لِما ألاحَتْهُ وأفْهَمَهُ إفْصاحٌ مِن إفْصاحِها كَما تَنْضَمُّ هي مَعَ سائِرِ القُرْآنِ إلى سُورَةِ (p-١٨٨)الفاتِحَةِ فَتَكُونُ أُمًّا لِلْجَمِيعِ، أفادَ ذَلِكَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ. وقَدْ بانَ بِذِكْرِ المُنَزَّلِ والإيمانِ بِهِ والنُّصْرَةِ عَلى الكُفّارِ بَعْدَ تَفْصِيلِ أمْرِ النَّفَقَةِ والمالِ الَّذِي يُنْفَقُ مِنهُ رَدُّ مُقَطَّعِها عَلى مَطْلَعِها وآخِرِها عَلى أوَّلِها، ومِنَ الجَوامِعِ العَظِيمَةِ في أمْرِها وشُمُولِ مَعْناها المُبَيِّنِ لِعُلُوِّ قَدْرِها ما قالَ الحَرالِّيُّ إنَّهُ لَمّا كانَ مُنَزِّلُ هَذا القُرْآنِ المُخْتَصِّ بِخاتَمِ النَّبِيِّينَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ مُنَزِّلًا حُرُوفًا مُحِيطَةَ المَعانِي مُخاطِبًا بِها النَّبِيَّ والأئِمَّةَ وتَفْصِيلَ [آياتٍ] مُخاطِبًا بِهِ عامَّةَ الأُمَّةِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ صِنْفَيِ الخِطابَيْنِ فافْتُتِحَتْ بِـ (الم) حُرُوفًا مُنْبِئَةً عَنْ إحاطَةٍ بِما تَضَمَّنَتْهُ مَعانِيها مِن إحاطَةِ القائِمِ مِن مَعْنى الألِفِ وإحاطَةِ المَقامِ مِن مَعْنى المِيمِ وإحاطَةِ الوَصْلَةِ مِن مَعْنى اللّامِ؛ ولَمّا كانَتِ الإحاطَةُ في ثَلاثِ رُتَبٍ إحاطَةً إلَهِيَّةً قَيُّومِيَّةً وإحاطَةً كِتابِيَّةً وإحاطَةً تَفْصِيلِيَّةً كانَتِ الإحاطَةُ الخاصَّةُ بِهَذِهِ الأحْرُفِ [الَّتِي] افْتُتِحَتْ بِها هَذِهِ السُّورَةُ إحاطَةً كِتابِيَّةً مُتَوَسِّطَةً، فَوَقَعَ الِافْتِتاحُ فِيما وقَعَ عَلَيْهِ [أمْرُ] القُرْآنِ في تِلاوَتِهِ في الأرْضِ بِالرُّتْبَةِ المُتَوَسِّطَةِ مِن حَيْثُ هي أقْرَبُ لِلطَّرَفَيْنِ وأيْسَرُ لِلِاطِّلاعِ عَلى الأعْلى والقِيامِ بِالأدْنى، فَكانَ ما كانَ (p-١٨٩)فِي القُرْآنِ مِن ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢] ونَحْوِهِ تَفْصِيلَ إحاطَةٍ مِن إحاطَةِ [الكِتابِ] الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيها سُورَةُ البَقَرَةِ، فَكانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلى إحاطاتِ الكُتُبِ الأرْبَعَةِ: كِتابِ التَّقْدِيرِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلائِقَ بِما شاءَ اللَّهُ مِن أمَدٍ [و] عَدَدٍ، ورَدَ ”أنَّ اللَّهَ كَتَبَ الكِتابَ وقَضى القَضِيَّةَ وعَرْشُهُ عَلى الماءِ“، و”أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدَّرَ مَقادِيرَ الخَلائِقِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم بِخَمْسِينَ ألْفَ عامٍ“ وأنَّهُ قَدَّرَ الأرْزاقَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الصُّوَرَ بِألْفَيْ عامٍ. وكَثِيرٌ مِن ذَلِكَ مِمّا ورَدَ في الأخْبارِ؛ وفي مُقابَلَةِ هَذا الكِتابِ السّابِقِ بِالتَّقْدِيرِ الكِتابُ اللّاحِقُ بِالجَزاءِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَكْتُبُهُ أثَرُ تَمامِ الإبْداءِ بِاسْتِبْقاءِ الأعْمالِ البادِيَةِ عَلى أيْدِي الخَلْقِ الَّذِينَ يَنالُهُمُ النَّعِيمُ والجَحِيمُ والأمْنُ والرَّوْعُ والكَشْفُ والحِجابُ؛ وهَذا الكِتابُ الآخَرُ مُطابِقٌ لِلْكِيانِ الأوَّلِ، ويَبِينُ بِتَطَرُّقِهِما كِتابُ الأحْكامِ المُتَضَمِّنُ لِأمْرِ الدِّينِ والدَّعْوَةِ الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ الهِدايَةُ والفِتْنَةُ، ثُمَّ كِتابُ الأعْمالِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في ذَواتِ المُكَلَّفِينَ مِن (p-١٩٠)أفْعالِهِمْ وأحْوالِ أنْفُسِهِمْ وما كَتَبَ في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ أوْ طَبَعَ عَلَيْها أوْ خَتَمَ عَلَيْها بِفُجُورٍ أوْ طُغْيانٍ؛ فَتَطابَقَتِ الأوائِلُ والأواخِرُ واخْتَلَفَ كِتابُ الأحْكامِ وكِتابُ الأعْمالِ بِما أبْداهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن وراءِ حِجابٍ مِن مَعْنى الهُدى والفِتْنَةِ والإقْدامِ والإحْجامِ، فَتَضَمَّنَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ إحاطاتِ جَمِيعِ هَذِهِ الكُتُبِ واسْتَوْفَتْ كِتابَ الأقْدارِ بِما في صَدْرِها مِن تَبْيِينِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، وكِتابَ الأفْعالِ كَما ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أمْرَ الخَتْمِ عَلى الكافِرِينَ والمَرَضِ في قُلُوبِ المُنافِقِينَ، وما يُفَصَّلُ في جَمِيعِ السُّورَةِ مِن أحْكامِ الدِّينِ وما يُذْكَرُ مَعَها مِمّا يُناسِبُها مِنَ الجَزاءِ مِنَ ابْتِداءِ الإيمانِ إلى غايَةِ الإيقانِ الَّذِي انْتَهى إلَيْهِ مَعْنى السُّورَةِ فِيما بَيْنَ الحَقِّ والخَلْقِ مِن أمْرِ الدِّينِ، وفِيما بَيْنَ الخَلْقِ والخَلْقِ مِنَ المُعامَلاتِ والمُقاوَماتِ، وفِيما بَيْنَ المَرْءِ ونَفْسِهِ مِنَ الأيْمانِ والعُهُودِ، إلى حَدِّ خَتْمِها بِما يَكُونُ مِنَ الحَقِّ لِلْخَلْقِ في اسْتِخْلافِ الخُلَفاءِ الَّذِينَ خَتَمَ بِذِكْرِهِمْ هَذِهِ السُّورَةَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى انْتِهائِها؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ الإحاطَةَ الكِتابِيَّةَ كانَ ذَلِكَ إفْصاحَها ومُعْظَمَ آياتِها وكانَتِ الإحاطَةُ الإلَهِيَّةُ (p-١٩١)القَيُّومِيَّةُ إلاحَتَها ونُورَ آياتِها، فَكانَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ تَصْرِيحًا وفي سائِرِ آيِها إلاحَةً بِحَسَبِ قُرْبِ الإحاطَةِ الكِتابِيَّةِ مِنَ الإحاطَةِ الإلَهِيَّةِ، وفي بَدْءٍ سابِقٍ أوْ خَتْمٍ لاحِقٍ أوْ حِكْمَةٍ جامِعَةٍ، فَلِذَلِكَ انْتَظَمَ بِالسُّورَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها البَقَرَةُ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ، لِما نَزَلَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مِنَ الإحاطَةِ الإلَهِيَّةِ حَتّى كانَ في مُفْتَتَحِها اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فَكانَ ما في البَقَرَةِ إفْصاحًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلاحَةً، وكانَ ما في البَقَرَةِ إلاحَةً في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إفْصاحًا، إلّا ما اطَّلَعَ في كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما مِن تَصْرِيحِ الأُخْرى؛ فَلِذَلِكَ هُما سُورَتانِ مُرْتَبِطَتانِ وغَيايَتانِ وغَمامَتانِ تُظِلّانِ صاحِبَهُما يَوْمَ القِيامَةِ، وبِما هُما مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ وبَيْنَهُما مِن ظاهِرِ التَّفاوُتِ ما بَيْنَ الإحاطَةِ الكِتابِيَّةِ وبَيْنَ الإحاطَةِ الإلَهِيَّةِ فَلِذَلِكَ كانَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ سَنامًا لَهُ والسَّنامُ أعْلى ما في الحَيَوانِ المُنْكَبِّ وأجْمَلُهُ جُمْلَةً وهو البَعِيرُ، وكانَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ تاجَ القُرْآنِ والتّاجُ هو أعْلى ما في (p-١٩٢)المَخْلُوقاتِ مِنَ الخَلْقِ القائِمِ المُسْتَخْلَفِ في الأرْضِ ظاهِرُهُ وفي جَمِيعِ المُكَوَّنِ إحاطَتُهُ؛ فَوَقَعَ انْتِظامُ هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ عَلى نَحْوٍ مِنَ انْتِظامِ الآيِ يَتَّصِلُ الإفْصاحُ في الآيَةِ بِإلاحَةِ سابِقَتِها كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ في مَواضِعَ. انْتَهى. وسِرُّ تَرْتِيبِ سُورَةِ السَّنامِ عَلى هَذا النِّظامِ أنَّهُ لَمّا افْتَتَحَها سُبْحانَهُ وتَعالى بِتَصْنِيفِ النّاسِ الَّذِينَ هم لِلدِّينِ كالقَوائِمِ الحامِلَةِ لِذِي السَّنامِ فاسْتَوى وقامَ ابْتِداءُ المَقْصُودِ بِذِكْرِ أقْرَبِ السَّنامِ إلى أفْهامِ أهْلِ القِيامِ فَقالَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِ الأصْنافِ الَّتِي قَدَّمَها ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] واسْتَمَرَّ إلى أنْ بانَ الأمْرُ غايَةَ البَيانِ فَأخَذَ يَذْكُرُ مِنَنَهُ سُبْحانَهُ عَلى النّاسِ المَأْمُورِينَ بِالعِبادَةِ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِ جَمِيعِ ما في الوُجُودِ لَهم بِما أكْرَمَ بِهِ أباهم آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ خَصَّ العَرَبَ ومَن تَبِعَهم بِبَيانِ المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في مُجادَلَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَبْكِيتِهِمْ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى يُؤَكِّدُ كُلَّ قَلِيلٍ أمْرَ الرُّبُوبِيَّةِ والتَّوْحِيدِ بِالعِبادَةِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ إلّا ما انْسَلَخَ مِنهُ بَنُو إسْرائِيلَ، فَذَكَرَهُ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ بِهِ عَلى العَرَبِ وتَبْكِيتِ بَنِي إسْرائِيلَ بِتَرْكِهِ لا عَلى (p-١٩٣)أنَّهُ مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، فَلَمّا تَزَكَّوْا فَتَرَقَّوْا فَتَأهَّلُوا لِأنْواعِ المَعارِفِ قالَ مُعْلِيًا لَهم مِن مَصاعِدِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى مَعارِجِ الإلَهِيَّةِ
﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣] فَلَمّا تَسَنَّمُوا هَذا الشَّرَفَ لَقَّنَهُمُ العِباداتِ المُزَكِّيَةَ ونَقّاهم أرْواحَها المُصَفِّيَةَ فَذَكَرَ أُمَّهاتِ الأعْمالِ أُصُولًا وفُرُوعًا الدَّعائِمَ الخَمْسَ والحَظِيرَةَ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الحُدُودِ في المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَناكِحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ فَتَهَيَّؤُوا بِها وأنَّها المُوارَداتُ الغُرُّ مِن ذِي الجَلالِ فَقالَ مُرَقِّيًا لَهم إلى غَيْبِ حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ [ذاكِرًا] مُسَمّى جَمِيعِ الأسْماءِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ولَمّا كانَ الواصِلُ إلى أعْلى مَقامِ الحُرِّيَّةِ لا بُدَّ عِنْدَ القَوْمِ مِن رُجُوعِهِ إلى رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ ذَكَرَ لَهم بَعْضَ الأعْمالِ اللّائِقَةِ بِهِمْ، فَحَثَّ عَلى أشْياءَ أكْثَرُها مِن وادِي الإحْسانِ الَّذِي هو مَقامُ أُولِي العِرْفانِ، فَذَكَرَ مَثَلَ النَّفَقَةِ الَّتِي هي أحَدُ مَبانِي السُّورَةِ عَقِبَ ما ذَكَرَ مَقامَ الطُّمَأْنِينَةِ (p-١٩٤)إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ المُطْمَئِنِّ، ورَغَّبَ فِيها إشارَةً إلى أنَّهُ لا مَطْمَعَ في الوُصُولِ إلّا بِالِانْسِلاخِ مِنَ الدُّنْيا كُلِّها، وأكْثَرَ مِنَ الحَثِّ عَلى طِيبِ المَطْعَمِ الَّذِي لا بَقاءَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ بِدُونِهِ، ونَهى عَنِ الرِّبا أشَدَّ نَهْيٍ إشارَةً إلى التَّقَنُّعِ بِأقَلِّ الكَفافِ ونَهْيًا عَنْ مُطْلَقِ الزِّيادَةِ لِلْخَواصِّ وعَنْ كُلِّ حَرامٍ لِلْعَوامِّ، وأرْشَدَ إلى آدابِ الدِّينِ المُوجِبِ لِلثِّقَةِ بِما عِنْدَ اللَّهِ المُقْتَضِي بِصِدْقِ التَّوَكُّلِ المُثْمِرِ لِلْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والإرْشادِ إلى ذَلِكَ، تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وهو مُتَلَبِّسٌ بِهِ؛ وبَنى سُبْحانَهُ وتَعالى كُلَّ ثُلُثٍ مِن هَذِهِ الأثْلاثِ عَلى مُقَدِّمَةٍ.فِي تَثْبِيتِ أمْرِهِ وتَوَجَّهَ بِخاتِمَةٍ في التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِهِ، وزادَ الثّالِثَ لِكَوْنِهِ الخِتامَ وبِهِ بَرَكَةُ التَّمامِ أنْ أكَّدَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ خاتِمَتِهِ في الإيمانِ بِجَمِيعِ ما في السُّورَةِ، وخَتَمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ عُمْدَةَ ذَلِكَ الجِهادُ الَّذِي لِذَوِي الغَيِّ والعِنادِ، والِاعْتِمادَ فِيهِ عَلى مالِكِ المُلْكِ ومَلِكِ العِبادِ، وذَلِكَ هو طَرِيقُ أهْلِ الرَّشادِ، والهِدايَةِ والسَّدادِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.