Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — النساء 4:70 – النساء 4:176
المحتويات
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
النساء 4:70
ثُمَّ أشارَ إلى تَعْظِيمِ ما مَنَحَهم بِهِ؛ مُرَغِّبًا في العَمَلِ بِما يُؤَدِّي إلَيْهِ؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ﴾؛ وزادَ في التَّرْغِيبِ فِيهِ بِالإخْبارِ عَنْ هَذا الِابْتِداءِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾
ولَمّا كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى العِلْمِ؛ قالَ - بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: "لِما يَعْلَمُ مِن صِحَّةِ بَواطِنِهِمُ اللّازِمِ مِنها شَرَفُ ظَواهِرِهِمْ -: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ يَعْلَمُ مِنَ الظَّواهِرِ؛ والضَّمائِرِ؛ ما يَسْتَحِقُّ بِهِ التَّفْضِيلَ مَن فَضَّلَهُ عَلى غَيْرِهِ.
النساء 4:71
ولَمّا دَلَّ عَلى دَرَجَةِ الشَّهادَةِ؛ بَعْدَما ذَكَرَ مِن ثَوابِ مَن قَبِلَ مَوْعِظَتَهُ؛ (p-٣٢٣)ولَوْ في قَتْلِ نَفْسِهِ؛ وذَمَّ مَن أبى ذَلِكَ؛ بَعْدَما حَذَّرَ مِنَ الأعْداءِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ والمُشْرِكِينَ؛ والمُنافِقِينَ المُخادِعِينَ؛ فَتَوَفَّرَتْ دَواعِي الرّاغِبِينَ في المَكارِمِ عَلى ارْتِقابِها؛ التَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ؛ مُلَذِّذًا لَهم بِحُسْنِ خِطابِهِ؛ نادِبًا إلى الجِهادِ؛ مَعَ الإرْشادِ إلى الِاسْتِعْدادِ لَهُ؛ مِمّا يُرَوِّعُ الأضْدادَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُنَبِّهًا بِأداةِ البُعْدِ؛ وصِيغَةِ المُضِيِّ؛ إلى أنَّ الرّاسِخَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَحْتاجَ إلى تَنْبِيهٍ عَلى مِثْلِ هَذا -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ خَلَقَ لِلْإنْسانِ عَقْلًا يَحْمِلُهُ عَلى التَّيَقُّظِ؛ والتَّحَرُّزِ مِنَ الخَوْفِ؛ فَكانَ كالآلَةِ لَهُ؛ وكانَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ السَّهْوِ؛ والنِّسْيانِ؛ في غالِبِ الأوْقاتِ - مُهْمِلًا لَهُ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قَدْ تَرَكَ آلَةً كانَتْ مِنهُ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الأعْداءِ؛ الَّذِينَ ذَكَرْتُهم لَكُمْ؛ وحَذَّرْتُكم مِنهُمُ؛ المُشاقِقِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ؛ ﴿فانْفِرُوا﴾؛ أيْ: اخْرُجُوا؛ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَيْتُمْ؛ إلى جِهادِهِمْ؛ مُسْرِعِينَ؛ ﴿ثُباتٍ﴾؛ أيْ: جَماعاتٍ مُتَفَرِّقِينَ؛ سَرِيَّةً في إثْرِ سَرِيَّةٍ؛ لا تَمَلُّوا ذَلِكَ أصْلًا؛ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾؛ أيْ: عَسْكَرًا واحِدًا؛ ولا تَخاذَلُوا تَهْلَكُوا؛ فَكَأنَّهُ قالَ: خَفَّفْتُ (p-٣٢٤)عَنْكم قَتْلَ الأنْفُسِ؛ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبْتُها عَلى مَن قَبْلَكُمْ؛ ولَمْ آمُرْكم إلّا بِما تَأْلَفُونَهُ؛ وتَتَمادَحُونَ بِهِ فِيما بَيْنَكُمْ؛ وتَذُمُّونَ تارِكَهُ؛ مِن مَوارِدِ القِتالِ؛ الَّذِي هو مَناهِجُ الأبْطالِ؛ ومَشارِعُ فُحُولِ الرِّجالِ؛ وجَعَلْتُ لِلْباقِي مِنكُمُ المَحْبُوبِينَ مِنَ الظَّفَرِ وحِلِّ المَغْنَمِ؛ ولِلْماضِي أحَبَّ المَحْبُوبِ؛ وهو الدَّرَجَةُ الَّتِي ما بَعْدَها إلّا دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ؛ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِن أجَلِهِ شَيْءٌ؛ ولَوْ لَمْ يُقْتَلْ في ذَلِكَ السَّبِيلِ المَرْضِيِّ لِقُتِلَ في غَيْرِهِ؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
النساء 4:72
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مِنكُمُ الخارِجَ إلى الجِهادِ عَنْ غَيْرِ حَزْمٍ؛ ولا حَذَرٍ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِما هو مِن أجَلِّ مَقاصِدِ هَذِهِ الآياتِ؛ مِن تَبْكِيتِ المُنافِقِينَ؛ لِلتَّحْذِيرِ مِنهُمْ؛ ووَصْفِهِمْ بِبَعْضِ ما يُخْفُونَ؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ مَنِ ادَّعى الإيمانَ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ -: ﴿وإنَّ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا؛ وعِزَّتِنا؛ ﴿لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾؛ أيْ: يَتَثاقَلُ في نَفْسِهِ عَنِ الجِهادِ؛ لِضَعْفِهِ في الإيمانِ؛ أوْ نِفاقِهِ؛ ويَأْمُرُ غَيْرَهُ بِذَلِكَ؛ أمْرًا مُؤَكَّدًا؛ إظْهارًا لِلشَّفَقَةِ عَلَيْكُمْ؛ وهو عَيْنُ الغِشِّ؛ فَإنَّهُ يُثْمِرُ الضَّعْفَ المُؤَدِّيَ إلى جُرْأةِ العَدُوِّ؛ المُفْضِي إلى التَّلاشِي.
ولَمّا كانَ لِمَن يَتَثاقَلُ عَنْهم حالَتا نَصْرٍ؛ وكَسْرٍ؛ سَبَّبَ عَنْ تَثاقُلِهِ؛ (p-٣٢٥)مُقْسِمًا لِقَوْلِهِ فِيهِما: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾؛ أيْ: في وجْهِكُمُ الَّذِي قَعَدُوا عَنْهُ؛ ﴿قالَ﴾؛ ذَلِكَ القاعِدُ - جَهْلًا مِنهُ؛ وغِلْظَةً -: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ذاكِرًا لِهَذا الِاسْمِ؛ غَيْرَ عارِفٍ بِمَعْناهُ؛ ﴿عَلَيَّ إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ أوْ لِأنِّي؛ ﴿لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾؛ أيْ: حاضِرًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ الشَّهِيدَ الشَّرْعِيَّ؛ ويَكُونَ إطْلاقُهُ مِن بابِ التَّنَزُّلِ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: هَذا الَّذِي هو أعْلى ما عِنْدَهُمْ؛ أعَدَّ فَواتَهُ مِنِّي نِعْمَةً عَظِيمَةً؛
النساء 4:73
﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ﴾؛ أيْ: فَتْحٌ؛ وظَفَرٌ؛ وغَنِيمَةٌ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ؛ ولَمّا كانَ تَحَسُّرُهُ إنَّما هو عَلى فَواتِ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَيَقُولَنَّ﴾؛ أيْ: في غَيْبَتِكُمْ؛ واعْتَرَضَ بَيْنَ القَوْلِ ومَقُولِهِ؛ تَأْكِيدًا لِذَمِّهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾؛ أيْ: كَأنَّهُ؛ ﴿لَمْ﴾؛ أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن لَمْ؛ ﴿تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ قَوْلِهِ: ”يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ“؛ أيْ: بِمُشارَكَتِهِمْ في ذَلِكَ؛ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذا مَوَدَّةٍ لَقالَ - حالَ المُصِيبَةِ -: ”يا لَيْتَها لَمْ تُصِبْهُمْ؛ ولَوْ كُنْتُ مَعَهم لَدافَعْتُ عَنْهُمْ“؛ وحالَ الظَّفَرِ: ”لَقَدْ سَرَّنِي عِزُّهُمْ“؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (p-٣٢٦)مَحَطَّ هَمِّهِ في كِلْتا الحالَتَيْنِ غَيْرَ المَطْلُوبِ الدُّنْيَوِيِّ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ الحالَةَ الثّانِيَةَ بِالتَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِ فِيها لا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ مُحِبٌّ؛ وأمّا الحالَةُ الأُولى فَرُبَّما اقْتَصَرَ المُحِبُّ فِيها عَلى ذَلِكَ؛ قَصْدًا لِلْبَقاءِ؛ لِأخْذِ الثَّأْرِ؛ ونَكالِ الكُفّارِ؛ وذَكَرَ المَوَدَّةَ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُبالِغُونَ في إظْهارِ الوُدِّ؛ والشَّفَقَةِ؛ والنَّصِيحَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ.
النساء 4:74
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَحَطَّ حالِ القاعِدِ عَنِ الجِهادِ الدُّنْيا؛ عُلِمَ أنَّ قَصْدَ المُجاهِدِ الآخِرَةُ؛ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ وحِفْظُ النّاسِ عَلَيْهِ؛ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾؛ أيْ: يَبِيعُونَ بِرَغْبَةٍ؛ ولَجاجَةٍ؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ أوْ يَأْخُذُونَ؛ وهُمُ المُنافِقُونَ - اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرَكِ في مَدْلُولَيْهِ؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ فَيَتْرُكُونَها؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّهُ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ؛ فَقَدْ رَضِيَ في الآخِرَةِ بِالدُّنْيا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يُرِيدُ إعْلاءَ كَلِمَةِ المَلِكِ المُحِيطِ بِصِفاتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ؛ ﴿فَيُقْتَلْ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ الوَجْهِ؛ وهو عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ؛ بَعْدَ أنْ يَغْلِبَ القَضاءُ والقَدَرُ عَلى نَفْسِهِ؛ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾؛ أيْ: الكُفّارَ؛ فَيَسْلَمْ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُحِيطَةِ بِالخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٣٢٧)ذِكْرُ القَتْلِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى السَّلامَةِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الغالِبِيَّةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى المَغْلُوبِيَّةِ أوَّلًا؛ ورُبَّما دَلَّ التَّعْبِيرُ بِـ ”سَوْفَ“؛ عَلى طُولِ عُمْرِ المُجاهِدِ غالِبًا - خِلافًا لِما يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ -؛ إعْلامًا بِأنَّ المَدارَ عَلى فِعْلِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ لا عَلى الأسْبابِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ عَلى اجْتِهادِهِ في إعْزازِ دِينِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
واقْتِصارُهُ عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ حَثٌّ عَلى الثَّباتِ؛ ولَوْ كانَ العَدُوُّ أكْثَرَ مِنَ الضِّعْفِ؛ فَكَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً؛ ”واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ“؛ ”واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ“ .
النساء 4:75
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ لِهَذا الأجْرِ الكَثِيرِ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ“؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنّا لا نُعْطِي المِيراثَ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ ويَذُبُّ عَنِ الجارِ؛ ويَمْنَعُ الحَوْزَةَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ؛ مُلْهِبًا لَهُمْ؛ ومُهَيِّجًا؛ ومُبَكِّتًا لِلْقاعِدِينَ؛ ومُوَبِّخًا -: ﴿وما﴾؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ مِن دُنْيا أوْ آخِرَةٍ؛ حالَ كَوْنِكم ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ القِتالَ في كُلِّ وقْتٍ؛ لا تَمَلُّونَهُ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ المَلِكِ؛ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ؛ والغِنى المُطْلَقُ؛ وبِسَبَبِ خَلاصِ؛ ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: المَطْلُوبِ مِنَ الكُفّارِ ضَعْفُهم حَتّى صارَ مَوْجُودًا؛ ويَجُوزُ - وهو أقْعَدُ - أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا (p-٣٢٨)عَلى الِاخْتِصاصِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن أجَلِّ ما في سَبِيلِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ الإنْكاءُ مِن هَذا ما لِمَن كانَ رَجاءُ نَفْعِهِ أعْظَمَ؛ ثُمَّ ما لِمَن يَكُونُ العارُ بِهِ أقْوى وأحْكَمَ؛ رَتَّبَهم هَذا التَّرْتِيبَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ الَّذِينَ حَبَسَهُمُ الكُفّارُ عَنِ الهِجْرَةِ؛ وكانُوا يُعَذِّبُونَهم ويَفْتِنُونَهم عَنْ دِينِهِمْ؛ وكُلٌّ مِنهُما كافٍ في بَعْثِ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والمَكارِمِ؛ عَلى القِتالِ؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما يُهَيِّجُ إلى نَصْرِهِمْ؛ ويَحُثُّ عَلى غِياثِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: لا يَفْتُرُونَ؛ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِإخْراجِنا مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ؛ ﴿أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ﴾؛ ثُمَّ وصَفُوها بِالحامِلِ عَلى هَذا الدُّعاءِ؛ فَقالُوا: ﴿الظّالِمِ أهْلُها﴾؛ أيْ: بِما تُيَسِّرُهُ لَنا مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ﴾؛ أيْ: مِن أُمُورِكَ العَجِيبَةِ في الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ يَتَوَلّى مَصالِحَنا؛ ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ لا يَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النَّصْرِ؛ قالُوا: ﴿واجْعَلْ لَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْتِيَهم خَوارِقُ كَرَّرُوا قَوْلَهُمْ: ﴿مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ النَّصْرِ؛ إلى حَدٍّ تَعَجَّبَ مِنهُ المُعْتادُونَ لِلْخَوارِقِ؛ فَكانَ بِهَذا الكَلامِ كَأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قالَ: قَدْ جَعَلْتُ لَكُمُ (p-٣٢٩)الحَظَّ الأوْفَرَ مِنَ المِيراثِ؛ فَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِي؛ شُكْرًا لِنِعْمَتِي؛ وأيْنَ ما تَدَّعُونَ مِنَ الحَمِيَّةِ والحِمايَةِ؟ ما لَكُمَ لا تُقاتِلُونَ في نَصْرِ هَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ؛ لِتَحَقُّقِ حِمايَتِكم لِلذِّمارِ ومَنعِكم لِلْحَوْزَةِ؛ وذَبِّكم عَنِ الجارِ؟!
النساء 4:76
ولَمّا أخْبَرَ عَنِ افْتِقارِهِمْ إلى الأنْصارِ؛ وتَظَلُّمِهِمْ مِنَ الكُفّارِ؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلتَّرْغِيبِ في الجِهادِ -: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: صَدَقُوا في دَعْواهُمُ الإيمانَ؛ ﴿يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمْ؛ مِن غَيْرِ فَتْرَةٍ أصْلًا؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ قاصِدِينَ وجْهَهُ بِحِمايَةِ الذِّمارِ وغَيْرِهِ؛ وأمّا مَن لَمْ يُصَدِّقْ دَعْواهُ بِهَذا فَما آمَنَ؛ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ ﴿فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ ولا ناصِرَ.
ولَمّا كانَ الطّاغُوتُ الشَّيْطانَ؛ أوْ مَن زَيَّنَهُ الشَّيْطانُ؛ وكانَ كُلُّ مَن عَصى اللَّهَ مِنهُ؛ ومِمَّنْ أغْواهُ؛ حَقِيرًا؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ الجُرْأةَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو رَأْسُ العُصاةِ؛ ﴿كانَ﴾؛ جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿ضَعِيفًا﴾
النساء 4:77
ولَمّا عَرَّفَهم هَذِهِ المَفاوِزَ الأُخْرَوِيَّةَ والمَفاخِرَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ وخَتَمَ بِما (p-٣٣٠)يُنْهِضُ الجَبانَ؛ ويُقَوِّي الجَنانَ؛ ورَغَّبَهم بِما شَوَّقَ إلَيْهِ مِن نَعِيمِ الجِنانِ؛ عَجِبَ مِن حالِ مَن تَوانى بَعْدَ ذَلِكَ واسْتَكانَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقْبِلًا بِالخِطابِ عَلى أعْبَدِ خَلْقِهِ؛ وأطْوَعِهِمْ لِأمْرِهِ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّهم بِمَحَلِّ بُعْدٍ عَنْ حَضْرَتِهِ؛ تَنْهِيضًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: جَوابًا لِقَوْلِهِمْ: إنّا نُرِيدُ أنْ نَبْسُطَ أيْدِيَنا إلى الكُفّارِ بِالقِتالِ؛ لِأنَّ امْتِحانَنا بِهِمْ قَدْ طالَ؛ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ: ولا تَبْسُطُوها إلَيْهِمْ؛ فَإنّا لَمْ نَأْمُرْ بِهَذا؛ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: صِلَةً بِالخالِقِ؛ واسْتِنْصارًا عَلى المُشاقِقِ؛ ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾؛ مُنَمّاةً لِلْمالِ؛ وطُهْرَةً لِلْأخْلاقِ؛ وصِلَةً لِلْخَلائِقِ؛ ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾؛ أيْ: الَّذِي طَلَبُوهُ؛ وهم يُؤْمَرُونَ بِالصَّفْحِ؛ كِتابَةً لا تَنْفَكُّ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: ناسٌ تَلْزَمُ عَنْ فِعْلِهِمُ الفُرْقَةُ؛ فَأحَبُّوا هَذا الكَتْبَ بِأنَّهُمْ؛ ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِثْلُهُمْ؛ أنْ يَضُرُّوهُمْ؛ والحالُ أنَّهُ يَقْبُحُ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا أجْرَأ مِنهُمْ؛ وهم ناسٌ مِثْلُهُمْ؛ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِثْلَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ؛ الَّذِي هو القادِرُ؛ لا غَيْرُهُ. (p-٣٣١)ولَمّا كانَ كَفُّهم عَنِ القِتالِ شَدِيدًا؛ يُوجِبُ لِمَن يَراهُ مِنهم أنْ يَظُنَّ بِهِمْ مِنَ الجُبْنِ ما يَتَرَدَّدُ بِهِ في المُوازَنَةِ بَيْنَ خَوْفِهِمْ مِنَ النّاسِ؛ وخَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ؛ فَقالَ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾؛ أيْ: أوْ كانَتْ خَشْيَتُهم لَهم عِنْدَ النّاظِرِ لَهم أشَدَّ مِن خَشْيَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ فَقَدْ أفادَ هَذا أنَّ خَوْفَهم مِنَ النّاسِ لَيْسَ بِأقَلَّ مِن خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ جَزْمًا؛ بَلْ إمّا مِثْلُهُ أوْ أشَدُّ مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ الإبْهامُ لِتَفاوُتٍ بِالنِّسْبَةِ إلى وقْتَيْنِ؛ فَيَكُونُ خَوْفُهم مِنهُ في وقْتٍ مُتَساوِيًا؛ وفي آخَرَ أزْيَدَ؛ فَهو مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الحالَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ كَراهَتِهِمُ القِتالَ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ وتَمَنِّيهِمْ لِتَأْخِيرِهِ إلى وقْتٍ ما.
وأيَّدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظَّنِّ بِقَوْلِهِ ما هو كالتَّعْلِيلِ لِلْكَراهَةِ: ﴿وقالُوا﴾؛ جَزَعًا مِنَ المَوْتِ؛ أوِ المَتاعِبِ - إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ -؛ أوِ اعْتِراضًا - إنْ كانُوا مُنافِقِينَ -؛ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ما يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ القَرِيبُ مِنّا؛ ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾؛ أيْ: ونَحْنُ الضُّعَفاءُ؛ ﴿لَوْلا﴾؛ أيْ: هَلّا؛ ﴿أخَّرْتَنا﴾؛ أيْ: عَنِ الأمْرِ بِالقِتالِ؛ ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: لِنَأْخُذَ راحَةً مِمّا كُنّا فِيهِ مِنَ الجُهْدِ مِنَ الكُفّارِ بِمَكَّةَ.
وسَبَبُ نُزُولِها «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؛ والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ الكِنْدِيَّ؛ وقُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ؛ وسَعْدَ بْنَ (p-٣٣٢)أبِي وقاصٍّ؛ وجَماعَةً - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - كانُوا يَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ أذًى كَثِيرًا قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا؛ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ؛ فَإنَّهم قَدْ آذَوْنا؛ فَيَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”كُفُّوا أيْدِيَكُمْ؛ فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ؛ وأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ وآتُوا الزَّكاةَ“؛ فَلَمّا هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ؛ وأمَرَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقِتالِ المُشْرِكِينَ؛ شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ؛» حَكاهُ البَغَوِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ؛ وحَكاهُ الواحِدِيُّ عَنْهُ؛ بِنَحْوِهِ؛ ورَوى بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - «أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ؛ وأصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِمَكَّةَ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كُنّا في عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ؛ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً؛ فَقالَ: ”إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ؛ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ“؛ فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ (تَعالى) إلى المَدِينَةِ؛ أمَرَهُ بِالقِتالِ؛ فَكَفُّوا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾؛ الآيَةَ؛» وهَذا يُفْهِمُ أنَّ نِسْبَةَ القَوْلِ إلَيْهِمْ إنَّما هي حالُهم في التَّأخُّرِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى القِتالِ؛ حالَ مَن يَقُولُ ذَلِكَ؛ فالمُرادُ مِنَ الآيَةِ إلْهابُهم إلى القِتالِ؛ وتَهْيِيجُهُمْ؛ لَيْسَ غَيْرُ.
ولَمّا عَجِبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنهُمْ؛ إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ كانَ كَأنَّهُ قالَ: ”فَما أقُولُ لَهُمْ؟“؛ أمَرَهُ بِوَعْظِهِمْ؛ وتَضْلِيلِ عُقُولِهِمْ؛ وتَفْيِيلِ آرائِهِمْ؛ (p-٣٣٣)بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ مَدَّ في آجالِكم إلى أنْ تَمَلُّوا الحَياةَ؛ فَإنَّ كُلَّ مُنْقَطِعٍ قَلِيلٌ؛ مَعَ أنَّ نَعِيمَها غَيْرُ مُحَقَّقِ الحُصُولِ؛ وإنْ حَصَلَ كانَ مُنَغَّصًا بِالكَدُوراتِ؛ ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾؛ أيْ: لِأنَّها لا يَفْنى نَعِيمُها؛ مَعَ أنَّهُ مُحَقَّقٌ ولا كَدَرَ فِيهِ؛ وهي شَرٌّ مِنَ الدُّنْيا لِمَن لَمْ يَتَّقِ؛ لِأنَّ عَذابَها طَوِيلٌ؛ لا يَزُولُ؛ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: لا في دُنْياكُمْ؛ بِأنْ تَنْقُصَ آجالُكم بِقِتالِكُمْ؛ ولا أرْزاقُكم بِاشْتِغالِكُمْ؛ ولا في آخِرَتِكُمْ؛ بِأنْ يَضِيعَ شَيْءٌ مِن ثَوابِكم عَلى ما تَنالُونَهُ مِنَ المَشَقَّةِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَكِيمٌ؛ لا يَضَعُ شَيْئًا في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ؛ فَما لَكم تَقُولُونَ قَوْلَ المُتَّهَمِ: لِمَ فَعَلْتَ؟ أتَخْشَوْنَ الظُّلْمَ في إيجابِ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ؛ وفي نَقْصِ الرِّزْقِ والعُمْرِ؟ أتَخْشَوْنَ الظُّلْمَ في إيجابِ ما لَمْ يَجِبْ عَلَيْكُمْ؛ وفي نَقْصِ الرِّزْقِ والعُمْرِ؟ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ بَلْ هو - مَعَ أنَّ سُنَّتَهُ العَدْلُ؛ ولَهُ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ - يُحْسِنُ ويُعْطِي مَن تَقَبَّلَ إحْسانَهُ أتَمَّ الفَضْلِ.
النساء 4:78
ولَمّا زَهَّدَهم في دارِ المَتاعِبِ والأكْدارِ عَلى تَقْدِيرِ طُولِ البَقاءِ؛ (p-٣٣٤)وكانُوا كَأنَّهم يَرْجُونَ بِتَرْكِ القِتالِ الخُلُودَ؛ أوْ تَأْخِيرَ مَوْتٍ يُسَبِّبُهُ القِتالُ؛ نَبَّهَهم عَلى ما يَتَحَقَّقُونَ؛ مِن أنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ لا بُدَّ مِن وُرُودِهِ؛ في الوَقْتِ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ؛ وإنِ امْتَنَعَ الإنْسانُ مِنهُ في الحُصُونِ؛ أوْ رَمى نَفْسَهُ في المَتالِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا مَن قالَ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا بِـ ”ما“؛ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ ما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ؛ لِأنَّ حالَهم حالُ مَن يُنْكِرُ المَوْتَ بِغَيْرِ القِتالِ؛ مُجِيبًا بِحاقِّ الجَوابِ؛ بَعْدَما أوْرَدَ الجَوابَ الأوَّلَ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ -: ﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾؛ أيُّها النّاسُ؛ كُلُّكُمْ؛ مُطِيعُكُمْ؛ وعاصِيكُمْ؛ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ طالِبٌ؛ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ؛ ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾؛ أيْ: حُصُونٍ؛ بُرْجٍ داخِلَ بُرْجٍ؛ أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم في بُرْجٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَمْعًا ناسَبَ التَّشْدِيدَ المُرادَ بِهِ الكَثْرَةُ فِي: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾؛ أيْ: مُطَوَّلَةٍ؛ كُلُّ واحِدٍ مِنها شاهِقٌ في الهَواءِ؛ مَنِيعٌ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مَطْلِيٌّ بِالشَّيْدِ؛ أيْ: بِالجَصِّ؛ فَلا خَلَلَ فِيهِ أصْلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالتَّشَيُّدِ مُجَرَّدُ الإتْقانِ؛ يَعْنِي أنَّها مُبالَغٌ في تَحْصِينِها - لِأنَّ السِّياقَ أيْضًا يَقْتَضِيهِ؛ فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَلَأنْ يَكُونَ في الجِهادِ الَّذِي يَسْتَعْقِبُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ أوْلى مِن أنْ يَكُونَ في غَيْرِهِ. (p-٣٣٥)ثُمَّ عَطَفَ ما بَقِيَ مِن أقْوالِهِمْ عَلى ما سَلَفَ مِنها؛ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ﴾ [النساء: ٧٧]؛ إلى آخِرِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا النّاسُ مِنهم غَيْرَ الأوَّلِينَ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمّا أخْبَرَ أنَّ الحَذَرَ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ حالًا لَهُمْ؛ مُبَكِّتًا بِهِ لِمَن تَوانى في أمْرِهِ؛ مُؤْذِنًا بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إعْراضًا عَنْ خِطابِهِمْ بِبَعْضِ غَضَبٍ؛ لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الإخْلالِ بِتَعْظِيمِهِمْ لِلَّهِ (تَعالى) الإخْلالَ بِالأدَبِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ؛ الَّذِي أرْسَلَهُ لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ إنْ ﴿تُصِبْهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْضَ المَدْعُوِّينَ مِنَ الأُمَّةِ؛ وهم مَن كانَ في قَلْبِهِ مَرَضٌ؛ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ يُعْجِبُهُمْ؛ ويَحْسُنُ وقْعُهُ عِنْدَهُمْ؛ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لا دَخْلَ لَكَ فِيها؛ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾؛ أيْ: حالَةٌ تَسُوؤُهُمْ؛ مِن أيِّ جِهَةٍ كانَتْ؛ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ حُلُولِكَ في هَذا البَلَدِ؛ تَطَيُّرًا بِكَ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا فادِحًا؛ ولِلْفُؤادِ مُحْرِقًا؛ وقادِحًا؛ سَهَّلَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنَ السَّيِّئَةِ؛ والحَسَنَةِ؛ في الحَقِيقَةِ؛ دُنْيَوِيَّةً كانَتْ أوْ أُخْرَوِيَّةً؛ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا شَيْءَ لِغَيْرِهِ؛ وذَلِكَ - كَما قالُوا - «لَمّا ماتَ أبُو أُمامَةَ؛ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ؛ نَقِيبُ بَنِي النَّجّارِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - عِنْدَما هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ؛ (p-٣٣٦)فَقالَ النَّبِيَّ ﷺ كَما في السِّيرَةِ -: ”بِئْسَ المَيِّتُ أبُو أُمامَةَ لِيَهُودِ ومُنافِقِي العَرَبِ! يَقُولُونَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صاحِبُهُ؛ ولا أمْلِكُ لِنَفْسِي ولا لِصاحِبِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا“؛» ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا مَعْرِفَةُ أنَّهم أخْطَؤُوا في ذَلِكَ؛ فاسْتَحَقُّوا الإنْكارَ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ”فَما“؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ”لِهؤلاءِ“؛ وكَأنَّهُ قالَ: ﴿القَوْمِ﴾؛ الَّذِي هو دالٌّ عَلى القِيامِ؛ والكِفايَةِ؛ إمّا تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ وإمّا نِسْبَةً لَهم إلى قُوَّةِ الأبْدانِ؛ وضَعْفِ المَكانِ؛ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ﴾؛ لا يَقْرُبُونَ مِن أنْ يَفْهَمُوا؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ أيْ: يُلْقِي إلَيْهِمْ أصْلًا فَهْمًا جَيِّدًا.
النساء 4:79
ولَمّا أجابَهم بِما هو الحَقُّ إيجادًا؛ عَلَّمَهم ما هو الأدَبُ؛ لِمُلاحَظَةِ السَّبَبِ؛ فَقالَ – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾؛ أيْ: نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ؛ أوْ أُخْرَوِيَّةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إيجادًا وفَضْلًا؛ والإيمانُ أحْسَنُ الحَسَناتِ؛ قالَ الإمامُ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣]؛ المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ.
﴿وما أصابَكَ﴾؛ وأنْتَ خَيْرُ الخَلْقِ؛ ﴿مِن سَيِّئَةٍ﴾؛ أيْ: بَلاءٍ؛ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها؛ فَغَيْرُكَ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ (p-٣٣٧)ولَمّا اقْتَضى قَوْلُهم إنْكارَ رِسالَتِهِ ﷺ؛ إلّا إنْ فَعَلَ كُلَّ خارِقٍ؛ وأخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّهُ مُسْتَوٍ مَعَ الخَلْقِ في القُدْرَةِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخْبِرًا بِما اخْتَصَّهُ بِهِ عَنْهم -: ﴿وأرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: مُخْتَصِّينَ لَكَ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿رَسُولا﴾؛ أيْ: تَفْعَلُ ما عَلى الرُّسُلِ مِنَ البَلاغِ؛ ونَحْوِهِ؛ وقَدِ اجْتَهَدْتَ في البَلاغِ والنَّصِيحَةِ؛ ولَمْ نَجْعَلْكَ إلَهًا تَأْتِي بِما يُطْلَبُ مِنكَ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ؛ فَإنْ أنْكَرُوا رِسالَتَكَ فاللَّهُ يَشْهَدُ بِنَصْبِ المُعْجِزاتِ؛ والآياتِ البَيِّناتِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ لَكَ بِالرِّسالَةِ؛ والبَلاغِ؛
النساء 4:80
ولَمّا نَفى عِلَلَهم في التَّخَلُّفِ عَنْ طاعَتِهِ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِالشَّهادَةِ بِرِسالَتِهِ؛ قالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ عَلى وجْهٍ عامٍّ يُسَكِّنُ قَلْبَهُ؛ ويُخَفِّفُ مِن دَوامِ عِصْيانِهِمْ لَهُ؛ دالًّا عَلى عِصْمَتِهِ في جَمِيعِ حَرَكاتِهِ؛ وسَكَناتِهِ -: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقْتَضى حالِهِ؛ ﴿فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾؛ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ لِأنَّهُ داعٍ إلَيْهِ؛ وهو لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ إنَّما يُخْبَرُ بِما يُوحِيهِ إلَيْهِ؛ ﴿ومَن تَوَلّى﴾؛ أيْ: عَنْ طاعَتِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّما عَصى اللَّهَ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمٌ بِهِ؛ وقادِرٌ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ أرادَ لَرَدَّهُ؛ ولَوْ شاءَ لَأهْلَكَهُ بِطُغْيانِهِ؛ فاتْرُكْهُ وذاكَ“؛ (p-٣٣٨)عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ إنَّما أرْسَلْناكَ داعِيًا.
النساء 4:81
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يَحْفَظَ مَن أطاعَهُ؛ ومَن عَصاهُ؛ لِيَبْلُغَ ذَلِكَ مَن أرْسَلَهُ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أشارَ لَهُ إلى الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ لا يُحِيطُ بِذَلِكَ عِلْمًا؛ وإنِ اجْتَهَدَ؛ شَرَعَ يُخْبِرُهُ بِبَعْضِ ما يُخْفُونَهُ؛ فَقالَ حاكِيًا لِبَعْضِ أقْوالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا لِنِفاقِهِمْ فِيهِ؛ وخِداعِهِمْ؛ ﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ مِن أمْرِنا؛ وهم بِحَضْرَتِكَ؛ ﴿طاعَةٌ﴾؛ أيْ: كُلُّ طاعَةٍ مِنّا لَكَ دائِمًا؛ نَحْنُ ثابِتُونَ عَلى ذَلِكَ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ بِالتَّعْمِيمِ؛ ﴿فَإذا بَرَزُوا﴾؛ أيْ: خَرَجُوا؛ ﴿مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾؛ هم في غايَةِ التَّمَرُّدِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: قَدَّرَتْ؛ وزَوَّرَتْ عَلى غايَةٍ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ والتَّحْرِيرِ؛ مَعَ الِاسْتِدارَةِ؛ والتَّقابُلِ؛ كَفِعْلِ مَن يُدَبِّرُ الأُمُورَ؛ ويُحْكِمُها؛ ويُتْقِنُها لَيْلًا؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾؛ أيْ: تَجَدُّدَ قَوْلِهِ لَكَ في كُلِّ حِينٍ؛ مِنَ الطّاعَةِ الَّتِي أظْهَرُوها؛ أوْ غَيْرَ قَوْلِكَ الَّذِي بَلَّغْتَهُ لَهُمْ؛ وأدْغَمَ أبُو عَمْرٍو؛ وحَمْزَةُ التّاءَ بَعْدَ تَسْكِينِها؛ اسْتِثْقالًا لِتَوالِي الحَرَكاتِ في الطّاءِ؛ لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ؛ والطّاءُ تَزِيدُ بِالإطْباقِ؛ فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ في الأزْيَدِ؛ وأظْهَرَ الباقُونَ؛ والإدْغامُ أوْفَقُ لِحالِهِمْ؛ والإظْهارُ أوْفَقُ لِما (p-٣٣٩)فُصِحَ مِن مَحالِّهِمْ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مِن عادَتِهِ إثْباتُ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُ تَخْلِيدَها بِالكِتابَةِ؛ أجْرى الأمْرَ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَبْيِيتَهُ؛ كُلَّما فَعَلُوهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْهُ؛ ولَكِنَّ ذَلِكَ لِيُقْرِيَهم إيّاهُ يَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ؛ ويُقِيمُ بِهِ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عاداتُهُمْ؛ أوْ يُوحِيَ بِهِ إلَيْكَ فَيَفْضَحَهم بِكِتابَتِهِ؛ وتِلاوَتِهِ مَدى الدَّهْرِ؛ فَلا يَظُنُّوا أنَّ تَبْيِيتَهم يُغْنِيهِمْ شَيْئًا.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ كِفايَتُهُ ﷺ هَذا المُهِمَّ؛ قالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّهم بِذَلِكَ لا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ﴿وتَوَكَّلْ﴾؛ أيْ: في شَأْنِهِمْ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ؛ ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿وكِيلا﴾؛ فَسَتَنْظُرُ كَيْفَ تَكُونُ العاقِبَةُ في أمْرِكَ وأمْرِهِمْ.
النساء 4:82
ولَمّا كانَ سَبَبُ إبْطانِهِمْ خِلافَ ما يُظْهِرُونَهُ اعْتِقادَ أنَّهُ ﷺ رَئِيسٌ؛ لا يَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوهُ؛ لا رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ - عَلى وجْهِ الإنْكارِ - إرْشادَهم (p-٣٤٠)إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى رِسالَتِهِ؛ بِما يُزِيحُ الشَّكَّ؛ ويُوَضِّحُ الأمْرَ؛ وهو تَدَبُّرُ هَذا القُرْآنِ المُتَناسِبِ المَعانِي؛ المُعْجِزِ المَبانِي؛ الفائِتِ لِقُوى المَخالِيقِ؛ المُظْهِرِ لِخَفاياهُمْ؛ عَلى اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - دالًّا عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في القُرْآنِ؛ والِاسْتِخْراجِ لِلْمَعانِي مِنهُ -: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَأمَّلُونَ؛ يُقالُ: ”تَدَبَّرْتَ الشَّيْءَ“؛ إذا تَفَكَّرْتَ في عاقِبَتِهِ؛ وآخِرِ أمْرِهِ؛ ﴿القُرْآنَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ ما يُرادُ عِلْمُهُ مِن تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ؛ عَلى نِظامٍ لا يَخْتَلُّ؛ ونَهْجٍ لا يُمَلُّ؛ قالَ المَهْدَوِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ تَعَلُّمِ مَعانِي القُرْآنِ؛ وفَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: لا يَجُوزُ أنْ يُؤْخَذَ مِنهُ إلّا ما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَنعِ أنْ يُتَأوَّلَ عَلى ما يُسَوِّغُهُ لِسانُ العَرَبِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَمْ يُخْبِرْ بِأسْرارِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - كَما زَعَمَ الكُفّارُ -؛ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: في المَعْنى؛ بِالتَّناقُضِ؛ والتَّخَلُّفِ عَنِ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوْ بَعْضِها؛ وفي النَّظْمِ؛ بِالتَّفاوُتِ في الإعْجازِ؛ فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِهَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ حَفِظُوا سَرائِرَهم كَما يَحْفَظُونَ عَلانِيّاتِهِمْ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِالطّاعَةِ مُسْتَوٍ عِنْدَ السِّرِّ والعَلَنِ؛ والتَّقَيُّدَ بِالكَثِيرِ يُفِيدُ أنَّ المَخْلُوقَ عاجِزٌ عَنِ (p-٣٤١)التَّحَرُّزِ مِنَ النَّقْصِ العَظِيمِ بِنَفْسِهِ؛ وإفْهامُهُ - عِنْدَ اسْتِثْناءِ نَقِيضِ التّالِي - وُجُودَ الِاخْتِلافِ اليَسِيرِ فِيهِ؛ تَدْفَعُهُ الصَّرائِحُ.
النساء 4:83
ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالنَّفْرِ إلى الجِهادِ؛ عَلى الحَزْمِ والحَذَرِ؛ وأوْلاهُ الإخْبارَ بِأنَّ مِنَ النّاسِ المُغَرِّرَ؛ والمُخَذِّلَ؛ تَصْرِيحًا بِالثّانِي؛ وتَلْوِيحًا إلى الأوَّلِ؛ وحَذَّرَ مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ إلى أنْ خَتَمَ بِأمْرِ الماكِرِينَ؛ وبِأنَّ القُرْآنَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ؛ ذَكَرَ أيْضًا المُخَذِّلِينَ والمُغَرِّرِينَ؛ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِنَ الأوَّلِ؛ مُبَيِّنًا ما كانَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإذا جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المُزَلْزِلِينَ؛ ﴿أمْرٌ مِنَ الأمْنِ﴾؛ مِن غَيْرِ ثَبْتٍ؛ ﴿أوِ الخَوْفِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿أذاعُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإذاعَةَ؛ لِما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ المَفاسِدِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ؛ مِن غَيْرِ عِلْمٍ مِنهم بِصِدْقِهِ مِن كَذِبِهِ؛ وحَقِّهِ مِن باطِلِهِ؛ ومُتَفَقِّهِ مِن مُخْتَلَفِهِ؛ فَيَحْصُلُ الضَّرَرُ البالِغُ لِأهْلِ الإسْلامِ؛ أقَلُّهُ قَلْبُ الحَقائِقِ؛ قالَ في القامُوسِ: ”أذاعَهُ“؛ و”بِهِ“: أفْشاهُ؛ ونادى بِهِ في النّاسِ؛ وذَلِكَ كَما قالُوا في أمْرِ الأمْنِ؛ حِينَ انْهَزَمَ أهْلُ الشِّرْكِ بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَتَرَكُوا المَرْكَزَ الَّذِي وضَعَهم بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ وخالَفُوا أمْرَهُ؛ وأمْرَ أمِيرِهِمْ؛ فَكانَ سَبَبَ كَرَّةِ المُشْرِكِينَ؛ وهَزِيمَةِ المُؤْمِنِينَ؛ وفي أمْرِ الخَوْفِ؛ حِينَ صاحَ الشَّيْطانُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فَصَدَّقُوهُ؛ وأذاعَهُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ؛ وانْهَزَمُوا؛ وأرادُوا الِاسْتِجارَةَ بِالكُفّارِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ (p-٣٤٢)وأبِي عامِرٍ؛ وكَذا ما أشاعُوهُ عِنْدَ الخُرُوجِ إلى ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ مِن أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَهم ما لا يُحْصى كَثْرَةً؛ وأنَّهم إنْ لَقُوهُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإرْجافِ؛ إلى أنْ صارَتِ المَدِينَةُ تَفُورُ بِالشَّرِّ فَوَرانَ المِرْجَلِ؛ حَتّى أحْجَمُوا كُلُّهم - أوْ إلّا أقَلَّهم - حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ“؛» فاسْتَجابُوا حِينَئِذٍ؛ وأكْسَبَهم هَذا القَوْلُ شَجاعَةً؛ وأنالَهم طُمَأْنِينَةً؛ فَرَجَعُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ؛ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ؛ كَما وعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ إنْ صَبَرُوا واتَّقَوْا؛ فَكَذَبَ ظَنُّهُمْ؛ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ؛ وفي هَذا إرْشادٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى كَوْنِ القُرْآنِ مِن عِنْدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِما يَكْذِبُ مِن أخْبارِهِمْ هَذِهِ الَّتِي يُشِيعُونَها؛ ويَخْتَلِفُ؛ وأنَّ ما كانَ مِن غَيْرِهِ (تَعالى) فَمُخْتَلِفٌ - وإنْ تَحَرّى فِيهِ مُتَشَبِّهٌ - وإنْ جَلَّ عَقْلُهُ وتَناهى نُبْلُهُ؛ إلّا إنِ اسْتَنَدَ عَقْلُهُ إلى ما ورَدَ عَنِ العالِمِ بِالعَواقِبِ؛ المُحِيطِ بِالكَوائِنِ عَلى لِسانِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ -؛ وإلى أنَّ القِياسَ حُجَّةٌ؛ وأنَّ تَقْلِيدَ القاصِرِ لِلْعالِمِ واجِبٌ؛ وأنَّ الِاسْتِنْباطَ واجِبٌ عَلى العُلَماءِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ (p-٣٤٣)رَأْسُ العُلَماءِ؛ وإلى ذَلِكَ يُومِئُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي لا نَصَّ فِيهِ؛ مِن قَبْلِ أنْ يَتَكَلَّمُوا بِهِ؛ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: نَفْسِهِ - إنْ كانَ مَوْجُودًا -؛ وأخْبارِهِ - إنْ كانَ مَفْقُودًا -؛ ﴿وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: المُتَأهِّلِينَ لِأنْ يَأْمُرُوا ويَنْهَوْا؛ مِنَ الأُمَراءِ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ مِنَ العُلَماءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿لَعَلِمَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ؛ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وهَلْ هو مِمّا يُذاعُ؛ أوْ لا؛ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾؛ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِفِطْنَتِهِمْ؛ وتَجْرِبَتِهِمْ؛ كَما يَسْتَخْرِجُ الإنْباطُ المِياهَ؛ ومَنافِعَ الأرْضِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ؛ وأُولِي الأمْرِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ؛ ورَحْمَتُهُ بِالرَّسُولِ؛ ووُرّاثِ عِلْمِهِ؛ لاسْتُبِيحَتْ بِإشاعاتِهِمْ هَذِهِ بَيْضَةُ الدِّينِ؛ واضْمَحَلَّتْ أُمُورُ المُسْلِمِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُتَّسِمُونَ بِالإسْلامِ؛ بِإنْزالِ الكِتابِ؛ وتَقْوِيمِ العُقُولِ؛ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾؛ بِإرْسالِ الرَّسُولِ؛ ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: المَطْرُودَ المُحْتَرِقَ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ فَإنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ حِفْظًا مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ بِما وهَبَهم مِن صَحِيحِ العَقْلِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ رَسُولٍ؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ المَواضِعِ المُسْتَعْصِيَةِ عَلى الأفْهامِ؛ بِدُونِ تَوْقِيفٍ عَلى المُرادِ بِالفَضْلِ؛ إلّا عِنْدَ مَن آتاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عِلْمًا بِالمُناسَباتِ؛ وفَهْمًا ثاقِبًا بِالمُرادِ بِالسِّياقاتِ؛ وفِطْنَةً بِالأحْوالِ والمَقاماتِ؛ (p-٣٤٤)تُقَرِّبُ مِنَ الكَشْفِ؛ وذَلِكَ أنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُخالَفَةِ حُكْمِ المُسْتَثْنى لِحُكْمِ المُسْتَثْنى مِنهُ؛ وهو هُنا مَن وُجِدَ عَلَيْهِمُ الفَضْلُ والرَّحْمَةُ؛ فاهْتَدَوْا؛ ومُخالَفَةُ المُسْتَثْنى لَهم تَكُونُ بِأحَدِ أُمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ كُلٌّ مِنها فاسِدٌ؛ إمّا بِأنْ يُعْدَمُوا الفَضْلَ فَيَتَّبِعُوهُ؛ ويَلْزَمَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الضّالُّ أقَلَّ مِنَ المُهْتَدِي؛ وهو خِلافُ المُشاهَدِ؛ أوْ بِأنْ يُعْدَمُوهُ فَلا يَتَّبِعُوهُ؛ فَيَكُونُوا مُهْتَدِينَ مِن غَيْرِ فَضْلٍ؛ أوْ بِأنْ يُوجَدَ عَلَيْهِمُ الفَضْلُ فَيَتَّبِعُوهُ؛ فَيَكُونُوا ضالِّينَ مَعَ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ؛ اللَّذَيْنِ كانا سَبَبًا في امْتِناعِ الضَّلالِ عَنِ المُخاطَبِينَ؛ فَيَكُونانِ تارَةً مانِعَيْنِ؛ وتارَةً غَيْرَ مانِعَيْنِ؛ فَلَمْ يُفِيدا إذَنْ؛ مَعَ أنَّهُ أيْضًا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الضّالُّ أقَلَّ مِنَ المُهْتَدِي؛ فَإذا حُمِلَ الكَلامُ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَضْلِ الإرْسالُ؛ وضَحَ المَعْنى؛ ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”ولَوْلا إرْسالُ الرَّسُولِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا مِنكُمْ؛ فَإنَّهم لا يَتَّبِعُونَهُ مِن غَيْرِ إرْشادِ الرَّسُولِ؛ بَلْ بِهِدايَةٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وفَضْلٍ؛ بِلا واسِطَةٍ؛ كَقُسِّ بْنِ ساعِدَةَ؛ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ؛ ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ“؛ والدَّلِيلُ عَلى هَذا المُقَدَّرِ أنَّ السِّياقَ لِرَدِّ الأشْياءِ كُلِّها إلى الرَّسُولِ ﷺ؛ والمَنعِ مِنَ الِاسْتِقْلالِ بِشَيْءٍ دُونَهُ.
النساء 4:84
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نِفاقَهُمُ المُقْتَضِي لِتَقاعُدِهِمْ عَنِ الجِهادِ بِأنْفُسِهِمْ؛ (p-٣٤٥)وتَنْشِيطِهِمْ لِغَيْرِهِمْ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّ يَمْضِيَ ﷺ لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلَيْهِمْ؛ وافَقُوا أوْ نافَقُوا؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْدَ الأمْرِ بِالنَّفْرِ ثُباتٍ؛ وجَمِيعًا؛ وبَيانِ أنَّ مِنهُمُ المُبْطِئَ؛ مُشِيرًا إلى أنَّ الأمْرَ باقٍ؛ وإنْ بَطَّأ الكُلُّ -: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولَوْ كُنْتَ وحْدَكَ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما أفْعَلُ فِيمَن أُرْسِلْتُ إلَيْهِمْ إنْ لَمْ يَخْرُجُوا؟ قالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهُ قَدْ جَعَلَهُ أشْجَعَ النّاسِ؛ وأعْلَمَهم بِالحُرُوبِ؛ وتَدْبِيرِها؛ وهو مَعَ تَأْيِيدِهِ بِذَلِكَ قَدْ تَكَفَّلَ بِنُصْرَتِهِ؛ ولَمْ يَكِلْهُ إلى أحَدٍ -: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ إثْمُ أتْباعِكَ لَوْ تَخَلَّفُوا عَنْكَ؛ وقَدْ أعاذَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن ذَلِكَ؛ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الدُّنْيا أيْضًا مِن تَخَلِّيهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ناصِرُكَ وحْدَهُ؛ ولَيْسَ النَّصْرُ إلّا بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وما كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِيَأْمُرَهُ بِشَيْءٍ إلّا وهو كُفُؤٌ لَهُ؛ فَهو مَلِيءٌ بِمُقاتَلَةِ الكُفّارِ كُلِّهِمْ وحْدَهُ؛ وإنْ كانُوا أهْلَ الأرْضِ كُلَّهُمْ؛ ولَقَدْ عَزَمَ في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ - الَّتِي قِيلَ: إنَّها سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - عَلى الخُرُوجِ إلى الكُفّارِ؛ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أحَدٌ؛ وقَدِ اقْتَدى بِهِ صاحِبُهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في قِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ؛ فَقالَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم -: ”واللَّهِ لَوْ لَمْ أجِدْ إلّا هاتَيْنِ - يَعْنِي ابْنَتَيْهِ: (p-٣٤٦)عائِشَةَ وأسْماءَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - لَقاتَلَتُهم بِهِما“.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْتِرُ عَنِ الدُّعاءِ؛ قالَ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُرْهم بِالجِهادِ؛ وانْهَهم عَنْ تَرْكِهِ؛ وعَنْ مُواصَلَةِ كُلِّ مَن يُثَبِّطُهم عَنْهُ؛ وعِظْهُمْ؛ واجْتَهِدْ في أمْرِهِمْ؛ حَتّى يَكُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِلنَّفْرِ مَتى نُدِبُوا؛ حَتّى كَأنَّهم - لِشِدَّةِ اسْتِعْدادِهِمْ - حاضِرُونَ في الصَّفِّ دائِمًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الذِّكْرَ؛ لِثَمَرَةِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اسْتَجْمَعَ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَكُفَّ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ يَمْنَعُوكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ بِقِتالِكَ؛ وقِتالِ مَن تُحَرِّضُهُ؛ ولَقَدْ فَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ فَصَدَقَ وعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ؛ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ؛ حَتّى ظَهَرَ الدِّينُ؛ ولا يَزالُ ظاهِرًا حَتّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ عَلى يَدِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ولَمّا كانَ السّامِعُ رُبَّما فَهِمَ أنَّهُ لا يَتَأتّى كَفُّهم إلّا بِذَلِكَ؛ قالَ - تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ واحْتِراسًا -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿أشَدُّ بَأْسًا﴾؛ أيْ: عَذابًا؛ وشِدَّةً مِنَ المُقاتِلِينَ؛ والمُقاتَلِينَ؛ ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾؛ أيْ: تَعْذِيبًا؛ بِأعْظَمِ العَذابِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُهْلِكًا لِلْمُعَذَّبِ؛ ومانِعًا لِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ فِعْلِهِ؛ قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: يُقالُ: ”نَكَّلْتُهُ تَنْكِيلًا“؛ إذا عَمِلْتُ بِهِ عَمَلًا يَكُونُ نَكالًا لِغَيْرِهِ؛ أيْ: عِبْرَةً؛ فَيَرْجِعُ عَنِ المُرادِ مِن (p-٣٤٧)أجْلِهِ؛ وهو أنَّ النّاظِرَ إلَيْهِ؛ والَّذِي يَبْلُغُهُ ذَلِكَ؛ يَخافُ أنْ يَحِلَّ بِهِ مِثْلُهُ؛ أيْ: فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ قَيْدًا عَنِ الإقْدامِ؛ و”النِّكْلُ“؛ بِالكَسْرِ: القَيْدُ.
النساء 4:85
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلرَّغْبَةِ في طاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ لا سِيَّما في الجِهادِ؛ ولِلرَّغْبَةِ فِيمَن كانَ بِصِفَةِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإقْبالِ عَلى الطّاعَةِ؛ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ مَن كانَ بِصِفَةِ المُنافِقِينَ؛ والإدامَةِ لِطَرْدِهِمْ؛ وإبْعادِهِمْ؛ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ؛ والحَذَرِ مِن مُجالَسَتِهِمْ؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ إخْلاصُهُمْ؛ وكانَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِن خُلَّصِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - وبَيْنَهم قَراباتٌ تُوجِبُ العَطْفَ المُقْتَضِيَ لِلشَّفَقَةِ عَلَيْهِمُ؛ الحامِلَةِ لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ إمّا بِالإذْنِ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ؛ لِما يُزَخْرِفُونَ القَوْلَ مِنَ الأعْذارِ الكاذِبَةِ؛ أوْ في العَفْوِ عَنْهم عِنْدَ العُثُورِ عَلى نَقائِصِهِمْ؛ أوْ في إعانَتِهِمْ؛ أوْ إعانَةِ غَيْرِهِمْ؛ بِالمالِ؛ والنَّفْسِ؛ في أمْرِ الجِهادِ؛ عِنْدَ ادِّعاءِ أنَّ المانِعَ لَهُ عَنْهُ العَجْزُ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ؛ وكانَتِ التَّوْبَةُ مَعْرُوضَةً لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ؛ وكانَ البِرُّ ما سَكَنَ إلَيْهِ القَلْبُ؛ والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ؛ والإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةً؛ وكانَتِ البَواطِنُ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وكانَ الإنْسانُ رُبَّما أظْهَرَ شَرًّا في صُورَةِ خَيْرٍ؛ رَغَّبَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في البِرِّ؛ وحَذَّرَ مِنَ الإثْمِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَمِّمًا؛ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: (p-٣٤٨)أما تُقْبَلُ فِيهِمْ شَفاعَةٌ؟ -: ﴿مَن يَشْفَعْ﴾؛ أيْ: يُوجِدْ؛ ويُجَدِّدْ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾؛ أيْ: يُقِيمُ بِها عُذْرَ المُسْلِمِ؛ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الدِّينِ؛ لِيُوَصِّلَ إلَيْهِ خَيْرًا؛ أوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَيْرًا؛ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾؛ بِأجْرِ تَسَبُّبِهِ في الخَيْرِ؛ ﴿ومَن يَشْفَعْ﴾؛ كائِنًا مَن كانَ؛ في أيِّ زَمانٍ كانَ؛ ﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾؛ أيْ: بِالذَّبِّ عَنْ مُجْرِمٍ في أمْرٍ لا يَجُوزُ؛ والتَّسَبُّبِ في إعْلائِهِ؛ وجَبْرِ دائِهِ؛ وعَظَّمَ الشَّفاعَةَ السَّيِّئَةَ لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ النَّصِيبَ؛ ويُفْهِمُ أكْثَرَ مِنهُ؛ تَغْلِيظًا في الزَّجْرِ -: ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾؛ وهَذا بَيانٌ لِأنَّ الشَّفاعَةَ فِيهِمْ سَيِّئَةٌ؛ إنْ تَحَقَّقَ إجْرامُهُمْ؛ حَسَنَةٌ؛ إنْ عُلِمَتْ تَوْبَتُهُمْ؛ وإسْلامُهم.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن تَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى الجِهادِ؛ والشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ؛ مِن وادِي: «”مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً؛ كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ“؛» حَسُنَ اقْتِرانُهُما جِدًّا؛ والنَّصِيبُ قَدْرٌ مُتَمَيِّزٌ مِنَ الشَّيْءِ؛ يَخُصُّ مَن هو لَهُ؛ وكَذا الكِفْلُ؛ إلّا أنَّ الِاسْتِعْمالَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ مِنَ النَّصِيبِ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما قالُوا؛ مِن أنَّهُ قَدْ يُرادُ بِهِ الضِّعْفُ؛ فَكَأنَّهُ نَصِيبٌ مُتَكَفِّلٌ بِما هو لَهُ (p-٣٤٩)مِن إسْعادٍ؛ وإبْعادٍ؛ قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”النَّصِيبُ“: الحَظُّ؛ و”الكِفْلُ“؛ بِالكَسْرِ: الضِّعْفُ؛ والنَّصِيبُ؛ والحَظُّ؛ ومادَّةُ ”نَصَبَ“؛ تَدُورُ عَلى العَلَمِ المَنصُوبِ؛ ويَلْزَمُهُ الرَّفْعُ؛ والوَضْعُ؛ والتَّمْيِيزُ؛ والأصْلُ؛ والمَرْجِعُ؛ والتَّعَبُ؛ فَيَلْزَمُهُ الوَجَعُ؛ ومِن لَوازِمِهِ أيْضًا الحَدُّ؛ والغايَةُ؛ والجِدُّ؛ والوُقُوفُ؛ ومادَّةُ ”كَفَلَ“؛ تَدُورُ عَلى ”الكِفَلُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ وهو العَجْزُ؛ أوْ رِدْفُهُ؛ ويَلْزَمُهُ الصَّحابَةُ؛ واللِّينُ؛ والرِّفْقُ؛ والتَّأخُّرُ؛ وقالَ الإمامُ: ”الكِفْلُ“؛ هو النَّصِيبُ الَّذِي عَلَيْهِ يَعْتَمِدُ الإنْسانُ في تَحْصِيلِ المَصالِحِ لِنَفْسِهِ؛ ودَفْعِ المَفاسِدِ عَنْ نَفْسِهِ؛ والمَقْصُودُ هُنا حُصُولُ ضِدِّ ذَلِكَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٤]؛ والغَرَضُ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الشَّفاعَةَ المُؤَدِّيَةَ إلى سُقُوطِ الحَقِّ؛ وقُوَّةِ الباطِلِ تَكُونُ عَظِيمَةَ العِقابِ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ انْتَهى.
وما غُلِّظَ هَذا الزَّجْرُ إلّا لِلْعِلْمِ بِأنَّ أكْثَرَ النُّفُوسِ مَيّالَةٌ بِأصْحابِها لِلشَّفاعَةِ بِالباطِلِ؛ ولَمّا كانَ الألْيَقُ بِالرَّغْبَةِ ألّا يُقْطَعَ في مُوجِبِها؛ وإنْ عَظُمَ بِالحَقِّيَةِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا عَنْ مُقارَفَةِ شَيْءٍ مِنها؛ وإنْ صَغُرَ؛ عَبَّرَ في الحَسَنَةِ بِالنَّصِيبِ؛ وفي السَّيِّئَةِ بِالكِفْلِ؛ ويُؤَيِّدُ إرادَةَ هَذا أنَّهُ (p-٣٥٠)(تَعالى) لَمّا ذَكَرَ ما يُوجِبُ الجَنَّةَ مِنَ الإيمانِ؛ والتَّقْوى؛ وكانَ في سِياقِ الوَعْظِ لِأهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ هم عَلى شَرْعٍ أصْلُهُ حَقٌّ؛ بِتَشْرِيعِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَتَرْكُهم لِذَلِكَ بَعِيدٌ؛ يَحْتاجُ إلى زِيادَةِ تَرْغِيبٍ؛ عَبَّرَ بِالكِفْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]؛ إلى آخِرِها.
ولَمّا كانَ النَّصِيبُ مُبْهَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِنا؛ لِتَفاوُتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُصُورِ الشّافِعِينَ؛ وإقْدامِهِمْ عَلى الشَّفاعَةِ عَلى عِلْمٍ؛ أوْ جَهْلٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُمْكِنُ الإحاطَةُ بِهِ؛ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ قالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ مِنَ الشّافِعِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وجَزاءِ الشَّفاعَةِ؛ ﴿مُقِيتًا﴾؛ أيْ: حَفِيظًا؛ وشَهِيدًا؛ وقَدِيرًا عَلى إعْطاءِ ما يَقُوتُ؛ مِن أخْلاقِ النُّفُوسِ؛ وأحْوالِ القُلُوبِ؛ وأرْزاقِ الأبْدانِ؛ وجَمِيعِ ما بِهِ القِوامُ؛ جَزاءً وابْتِداءً؛ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ ما يَسْتَحِقُّ كُلُّ أحَدٍ مِنَ الجَزاءِ عَلى الشَّفاعَةِ؛ وكُلِّ خَيْرٍ؛ وشَرٍّ.
النساء 4:86
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلْإعْراضِ عَنْهم رَأْسًا؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛ قَوْلًا؛ وفِعْلًا؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ التَّحِيَّةَ لَيْسَتْ مِن وادِي الشَّفاعَةِ؛ وأنَّ الشَّفاعَةَ تابِعَةٌ لِلْعَمَلِ؛ والتَّحِيَّةَ تابِعَةٌ لِلظّاهِرِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عاطِفًا (p-٣٥١)عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلا تَشْفَعُوا فِيهِمْ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ سُوءَ مَقاصِدِهِمْ“؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ؛ بِشارَةً لَهم بِأنَّهم يَصِيرُونَ - بَعْدَ ما هم فِيهِ الآنَ مِنَ النَّكَدِ - مُلُوكًا؛ وفي حُكْمِ المُلُوكِ؛ يَحْيَوْنَ؛ ويُشْفَعُ عِنْدَهُمْ؛ وحَثًّا عَلى التَّواضُعِ -: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾؛ أيْ: أيِّ تَحِيَّةٍ كانَتْ؛ إذا كانَتْ مَشْرُوعَةً؛ وأصْلُ التَّحِيَّةِ المُلْكُ؛ واشْتِقاقُها مِن ”الحَياةُ“؛ فَكَأنَّ حَياةَ المُلْكِ هي الحَياةُ؛ وما عَداها عَدَمٌ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى كُلِّ دُعاءٍ يُبْدَأُ بِهِ عِنْدَ اللِّقاءِ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: لَفْظُ التَّحِيَّةِ صارَ كِنايَةً عَنِ الإكْرامِ؛ فَجَمِيعُ أنْواعِ الإكْرامِ تَدْخُلُ تَحْتَ لَفْظِ التَّحِيَّةِ؛ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾؛ كَأنْ تَزِيدُوا عَلَيْها؛ ﴿أوْ رُدُّوها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ ولا نَقْصٍ؛ وذَلِكَ دالٌّ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ - مِنَ الأمْرِ؛ وعَلى الفَوْرِ - مِنَ الفاءِ؛ والإجْماعُ مُوافِقٌ لِذَلِكَ؛ وتَرْكُ الجَوابِ إهانَةٌ؛ والإهانَةُ ضَرَرٌ؛ والضَّرَرُ حَرامٌ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: والمُبْتَدِئُ يَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكُمْ“؛ والمُجِيبُ يَقُولُ: ”وعَلَيْكُمُ السَّلامُ“؛ لِيَكُونَ الِافْتِتاحُ والِاخْتِتامُ بِذِكْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
وما أحْسَنَ جَعْلَها تالِيَةً لِآيَةِ الجِهادِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن بَذَلَ السَّلامَ وجَبَ الكَفُّ عَنْهُ؛ ولَوْ كانَ في الحَرْبِ؛ عَلى أنَّ مِن مُقْتَضَياتِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ أنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى النَّدْبِ إلى الإحْسانِ؛ والتَّعاطُفِ؛ (p-٣٥٢)والتَّواصُلِ؛ وسَبَبُ ذَلِكَ إمّا المالُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨]؛ وإمّا غَيْرُهُ؛ ومِن أعْظَمِهِ القَوْلُ؛ لِأنَّهُ تُرْجُمانُ القَلْبِ؛ الَّذِي بِهِ العَطْفُ؛ ومِن أعْظَمِ ذَلِكَ الشَّفاعَةُ؛ والتَّحِيَّةُ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتّى تُؤْمِنُوا؛ ولا تُؤْمِنُوا حَتّى تَحابُّوا؛ أفَلا أدُلُّكم عَلى أمْرٍ إذا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؛ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ“؛» فَناسَبَ ذِكْرَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِ آيَةِ الجِهادِ؛ المُخْتَتَمَةِ بِالبَأْسِ؛ والتَّنْكِيلِ.
ولَمّا كانَتِ الشَّفاعَةُ أعْظَمَها في الإحْسانِ؛ قُدِّمَتْ؛ ولا سِيَّما؛ ومُوجِبُها الإعْراضُ؛ ومَقْصِدُ السُّورَةِ التَّواصُلُ؛ فَشَأْنُها أهَمُّ؛ والنَّظَرُ إلَيْها آكَدُ؛ ثُمَّ رَغَّبَ في الإحْسانِ في الرَّدِّ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهُ؛ بِقَوْلِهِ – مُعَلِّلًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾؛ أيْ: مُحْصِيًا لِجَمِيعِ المُتَعَدِّداتِ؛ دَقِيقِها وجَلِيلِها؛ كافِيًا لَها في أقْواتِها؛ ومَثُوباتِها؛ مُحاسِبًا بِها؛ مُجازِيًا عَلَيْها؛ وذَلِكَ كُلُّهُ شَأْنُ المُقِيتِ؛
النساء 4:87
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى تَلازُمِ التَّوْحِيدِ؛ والعَدْلِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ أيْ: وقَدْ أمَرَكم بِالعَدْلِ في الشَّفاعَةِ؛ والسَّلامِ؛ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوهُ - لِما لَكم مِنَ النَّقائِصِ (p-٣٥٣)الَّتِي مِنها عَدَمُ الوَحْدانِيَّةِ - فَهو فاعِلُهُ؛ ولا بُدَّ فاحْذَرُوهُ؛ لِأنَّهُ واحِدٌ؛ فَلا مُعارِضَ لَهُ في شَيْءٍ مِنَ الحِسابِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فالحُكْمُ عَلى البَواطِنِ إنَّما هو لَهُ (تَعالى)؛ وأمّا أنْتُمْ فَلَمْ تُكَلَّفُوا إلّا بِالظّاهِرِ.
ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لا مَعارِضَ لَهُ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِوَقْتِ الحِسابِ الأعْظَمِ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ وأكَّدَهُ بِاللّامِ؛ والنُّونِ؛ دَلالَةً عَلى تَقْدِيرِ القَسَمِ؛ لِإنْكارِ المُنْكِرِينَ لَهُ؛ ولَمّا كانَ التَّدْرِيجُ بِالإماتَةِ شَيْئًا؛ فَشَيْئًا؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾؛ والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أيْ: فَيَفْصِلُ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن أخْبَرَكم بِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ونَقَدَ أحْوالَهُمْ؛ وبَيَّنَ مَحالَّهُمْ؛ فَيُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن أعْظَمُ مِنَ اللَّهِ قُدْرَةً؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلا شَوْبُ نَقْصٍ يَلْحَقُهُ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ وهو قَدْ وعَدَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَيْنُ الحِكْمَةِ؛ وأقْسَمَ عَلَيْهِ؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛
النساء 4:88
وإذْ قَدْ تَحَرَّرَ بِما مَضى أنَّ المُنافِقِينَ كَفَرَةٌ؛ لا لَبْسَ في أمْرِهِمْ؛ وكَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الحُكْمَ في باطِنِ أمْرِهِمْ بِالشَّفاعَةِ؛ وظاهِرِهِ بِالتَّحِيَّةِ؛ وحَذَّرَ مَن خالَفَ ذَلِكَ بِما أوْجَبَتْهُ عَلى نَفْسِهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الجَمْعِ لِيَوْمِ الفَصْلِ؛ لِلْحُكْمِ بِالعَدْلِ؛ وخَتَمَ بِأنَّ الخَبَرَ عَنْهُمْ؛ وعَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صِدْقٌ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَزْمِ القَوْلِ بِشَقاوَتِهِمْ؛ والإعْراضِ (p-٣٥٤)عَنْهُمْ؛ والبُعْدِ عَنِ الشَّفاعَةِ فِيهِمْ؛ والإجْماعِ عَلى ذَلِكَ مِن كُلِّ مُؤْمِنٍ؛ وإنْ كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو حَيْثُ لا يُؤَدِّي إلى مُقاطَعَةِ أمْرِ اللَّهِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَكِّتًا لِمَن تَوَقَّفَ عَنِ الجَزْمِ بِإبْعادِهِمْ -: ﴿فَما لَكُمْ﴾؛ أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿فِي المُنافِقِينَ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ أوِ الآخِرَةِ؛ في افْتِراقِكم فِيهِمْ ﴿فِئَتَيْنِ﴾؛ بَعْضُكم يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ؛ وبَعْضُكم يَرْفُقُ بِهِمْ؟
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في بُرُوزِ الأمْرِ المُطاعِ بَيْنَ القَوْلِ بِكُفْرِهِمْ؛ وضَّحَهُ بِقَوْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿أرْكَسَهُمْ﴾؛ أيْ: رَدَّهم مَنكُوسِينَ؛ مَقْلُوبِينَ؛ ﴿بِما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ العَظائِمِ؛ فاحْذَرُوا ذَلِكَ؛ ولا تَخْتَلِفُوا في أمْرِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ والتَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”لَمّا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلى“أُحُدٍ”؛ رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ؛ وكانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً تَقُولُ: نُقاتِلُهُمْ؛ وفِرْقَةً تَقُولُ: لا نُقاتِلُهُمْ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾؛ الآيَةَ؛ وقالَ: إنَّها طَيِّبَةٌ تَنْفِي الذُّنُوبَ؛ وفي رِوايَةٍ: كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ“؛» انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: ”اتَّفِقُوا عَلى أنْ تَسِيرُوا فِيها بِما يَنْزِلُ عَلَيْكم في هَذِهِ الآياتِ“؛ (p-٣٥٥)ولَمّا كانَ حالُ مَن يَرْفُقُ بِهِمْ حالَ مَن يُرِيدُ هِدايَتَهُمْ؛ أنْكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ عَلَيْهِمْ صَرِيحًا؛ لِبَتِّ الأمْرِ في كُفْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ تَهْدُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا الهِدايَةَ في قَلْبِ؛ ﴿مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لا يُرَدُّ لَهُ أمْرٌ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ومَن﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِمَجامِعِ أسْمائِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ أيُّها المُخاطَبُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ما أضَلَّهُ عَنْهُ أصْلًا؛ والمَعْنى: إنْ كانَ رِفْقُكم بِهِمْ رَجاءَ هِدايَتِهِمْ؛ فَذَلِكَ أمْرٌ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ؛ وإنَّما عَلَيْكم أنْتُمُ الدُّعاءُ؛ فَمَن أجابَ صارَ أهْلًا لِلْمُواصَلَةِ؛ ومَن أبى صارَتْ مُقاطَعَتُهُ دِينًا؛ وقَتْلُهُ قُرْبَةً؛ والإغْلاظُ عَلَيْهِ واجِبًا.
النساء 4:89
ولَمّا أخْبَرَ بِضَلالِهِمْ وثَباتِهِمْ عَلَيْهِ؛ أعْلَمَ بِإعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ودُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا؛ وتَمَنَّوْا تَمَنِّيًا واسِعًا؛ ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ ﴿كَما كَفَرُوا﴾؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ وُدِّهِمْ لِكُفْرِهِمْ؛ وكَوْنِهِمْ مُساوِينَ لَهُمْ؛ تَلازُمٌ؛ عَطَفَ عَلى الفِعْلِ المَوْدُودِ - ولَمْ يُسَبِّبْ - قَوْلَهُ: ﴿فَتَكُونُونَ﴾؛ أيْ: ووَدُّوا (p-٣٥٦)أنْ يَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويَتَعَقَّبَهُ أنْ تَكُونُوا أنْتُمْ وهُمْ؛ ﴿سَواءً﴾؛ أيْ: في الضَّلالِ؛ أيْ: تُوجِدُونَ الكُفْرَ؛ وتُجَدِّدُونَهُ؛ وتَسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ دائِمًا؛ فَأنْتُمْ تَرْجُونَ في زَمانِ الرِّفْقِ بِهِمْ هِدايَتَهُمْ؛ وهم يَوَدُّونَ فِيهِ كُفْرَكُمْ؛ وضَلالَكُمْ؛ فَقَدْ تَباعَدْتُمْ في المَذاهِبِ؛ وتَبايَنْتُمْ في المَقاصِدِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ الوَدادَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِالبَراءَةِ مِنهم حَتّى يُصْلِحُوا؛ بَيانًا لِأنَّ قَوْلَهم في الإيمانِ لا يُقْبَلُ ما لَمْ يُصَدِّقُوهُ بِفِعْلٍ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿مِنهم أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ مِنكُمْ؛ ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا المُهاجَرَةَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَهْجُرُوا مَن خالَفَهم في ذاتِ مَن لا شَبَهَ لَهُ؛ ويَتَسَبَّبُوا في هِجْرانِهِ لَهُمْ؛ إنْ كانُوا في دارِ الحَرْبِ؛ فَبِتَرْكِها؛ وإنْ كانُوا عِنْدَكم فَبِتَرْكِ مُوادَّةِ الكَفَرَةِ؛ والمُوافَقَةِ لَهم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ وإنْ كانُوا أقْرَبَ أقْرِبائِهِمْ؛ وهِجْرَتُهم في جَمِيعِ ذَلِكَ بِمُواصَلَتِكم في جَمِيعِ أقْوالِكُمْ؛ وأفْعالِكُمْ؛ والهِجْرَةُ العامَّةُ هي تَرْكُ ما نَهى اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ورَسُولُهُ ﷺ عَنْهُ. (p-٣٥٧)ولَمّا نَهى عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وغَيّى النَّهْيَ بِالهِجْرَةِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: عَنِ الهِجْرَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِالأسْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: في حِلٍّ؛ أوْ حَرَمٍ؛ ولَمّا كانُوا في هَذِهِ الحالَةِ لا يُوالُونَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَكَلُّفًا؛ قالَ: ﴿ولا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تَتَكَلَّفُوا أنْ تَأْخُذُوا؛ ﴿مِنهم ولِيًّا﴾؛ أيْ: مَن تَفْعَلُونَ مَعَهُ فِعْلَ المُقارِبِ المُصافِي؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ عَلى أحَدٍ مِن أعْدائِكُمْ؛ بَلْ جانِبُوهم مُجانَبَةً كُلِّيَّةً.
النساء 4:90
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أمَرَ فِيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ تَوَلِّيهِمْ بِما أمَرَ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾؛ فِرارًا مِنكُمْ؛ وهم مِنَ الكُفّارِ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾؛ أيْ: عَهْدٌ وثِيقٌ بِألّا تُقاتِلُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوا مَن لَجَأ إلَيْهِمْ؛ أوْ دَخَلَ فِيما دَخَلُوا فِيهِ؛ فَكُفُّوا حِينَئِذٍ عَنْ أخْذِهِمْ؛ وقَتْلِهِمْ؛ ﴿أوْ﴾؛ الَّذِينَ ﴿جاءُوكُمْ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿حَصِرَتْ﴾؛ أيْ: ضاقَتْ؛ وهابَتْ؛ وأحْجَمَتْ ﴿صُدُورُهم أنْ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ؛ ﴿يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ دِينِهِمْ؛ وقَوْمِهِمْ؛ ﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِكُمْ؛ فِرارًا أنْ يَكُفُّوا عَنْ قِتالِكُمْ؛ وقِتالِ قَوْمِهِمْ؛ فَلا تَأْخُذُوهُمْ؛ ولا تُقاتِلُوهُمْ؛ لِأنَّهم كالمُسالِمِينَ بِتَرْكِ القِتالِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي في ”جاءَ“؛ (p-٣٥٨)إشارَةً إلى أنَّ شَرْطَ مُساواتِهِمْ لِلْواصِلِينَ إلى المُعاهِدِينَ عَدَمُ التَّكَرُّرِ؛ فَإنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنهم فَهُمُ الآخَرُونَ الآتِي حُكْمُهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ شاءَ اللَّهُ لِجَعَلَهم مَعَ قَوْمِهِمْ إلْبًا واحِدًا عَلَيْكُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ﴾؛ أيْ: يَكُونُ المَعْنى: والحالُ أنَّهُ لَوْ ﴿شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿لَسَلَّطَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الواصِلِينَ؛ والجائِينَ عَلى تِلْكَ الحالِ مِنَ الكُفّارِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ يُنَوِّعُ مِن أنْواعِ التَّسْلِيطِ؛ تَسْلِيطًا جارِيًا عَلى الأسْبابِ؛ ومُقْتَضى العَوائِدِ؛ لِأنَّ بِهِمْ قُوَّةً عَلى قِتالِكُمْ؛ ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا التَّسْلِيطِ أنَّهم قاتَلُوكم مُنْفَرِدِينَ؛ أوْ مَعَ غَيْرِهِمْ مِن أعْدائِكُمْ؛ واللّامُ فِيهِ جَوابُ ”لَوْ“؛ عَلى التَّكْرِيرِ؛ أوِ البَدَلِ مِن ”سَلَّطَ“.
ولَمّا كانَ المُغَيّى عَلى النَّهْيِ عَنْ قِتالِهِمْ حِينَئِذٍ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ أمَرْتُكم بِالكَفِّ عَنْهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ فَكَفُّوا عَنْكُمْ؛ ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾؛ مُنْفَرِدِينَ؛ ولا مُجْتَمِعِينَ مَعَ غَيْرِهِمْ؛ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي (p-٣٥٩)لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِجِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى شَيْءٍ مِن أخْذِهِمْ؛ ولا قَتْلِهِمْ.
النساء 4:91
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ بَقِيَ مِن أقْسامِ المُنافِقِينَ شَيْءٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿سَتَجِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ قُرْبٍ؛ بِوَعْدٍ لا شَكَّ فِيهِ؛ ﴿آخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا يَحْصُلَ لَكم مِنهم ضَرَرٌ؛ ﴿ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ لِضَعْفِهِمْ عَنْ كُلٍّ مِنكُمْ؛ فَهم يُظْهِرُونَ لَكُمُ الإيمانَ إذا لَقُوكُمْ؛ ولَهُمُ الكُفْرَ إذا لَقُوهُمْ؛ وهو مَعْنى ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾؛ أيْ: الِابْتِلاءِ بِالخَوْفِ عِنْدَ المُخالَطَةِ؛ ﴿أُرْكِسُوا﴾؛ أيْ: قُلِبُوا مَنكُوسِينَ؛ ﴿فِيها﴾
ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ أعْرَقَ في النِّفاقِ؛ وأرْدى؛ وأدْنى مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ؛ وأعْدى؛ صَرَّحَ بِمَفْهُومِ ما صَرَّحَ بِهِ في أُولَئِكَ؛ لِأنَّهُ أغْلَظُ؛ وهم أجْدَرُ مِنَ الأوَّلِينَ بِالإغْلاظِ؛ وطَوى ما صَرَّحَ بِهِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاعْتِزالُ خُضُوعًا؛ لا كِبْرًا؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ ولَمّا كانَ الإلْقاءُ لا بُدَّ لَهُ مِن قَرائِنَ يُعْرَفُ بِها؛ قالَ: ﴿ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ قِتالِكُمْ؛ وأذاكُمْ؛ ﴿فَخُذُوهُمْ﴾؛ أيْ: اقْهَرُوهم بِكُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَهْرِ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ ﴿واقْتُلُوهُمْ﴾ (p-٣٦٠)ولَمّا كانَ نِفاقُهم - كَما تَقَدَّمَ - في غايَةِ الرَّداءَةِ؛ وأخْلاقُهم في نِهايَةِ الدَّناءَةِ؛ أشارَ إلى الوَعْدِ بِتَيْسِيرِ التَّمْكِينِ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ فَإنَّ مَعْناهُ: صادَفْتُمُوهُمْ؛ وأدْرَكْتُمُوهُمْ؛ وأنْتُمْ ظافِرُونَ بِهِمْ؛ حاذِقُونَ في قِتالِهِمْ؛ فَطِنُونَ بِهِ؛ خَفِيفُونَ فِيهِ؛ فَإنَّ الثَّقِفَ: الحاذِقُ؛ الخَفِيفُ؛ الفَطِنُ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكُمْ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنْ مَنالِ الرَّحْمَةِ؛ مِنَ النَّصْرِ؛ والنَّجاةِ؛ وكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا﴾؛ أيْ: تَسَلُّطًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا قُوَّتُهُ وتَسَلُّطُهُ؛ وهَذِهِ الآياتُ مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”بَراءَةٌ“؛ فَإنَّها مُتَأخِّرَةُ النُّزُولِ؛ فَإنَّها بَعْدَ ”تَبُوكَ“.
النساء 4:92
ولَمّا بَيَّنَ أقْسامَهُمْ؛ بَيانًا ظَهَرَ مِنهُ أنَّ أحْوالَهم مُلْبِسَةٌ؛ وأمَرَ بِقِتالِهِمْ؛ مَعَ الِاجْتِهادِ في تَعَرُّفِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِالتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ؛ وكانَ رُبَّما قُتِلَ مَن لا يَسْتَحِقُّ القَتْلَ بِسَبَبِ الإلْباسِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - المُرادِ بِهِ التَّحْرِيمُ؛ مُخْرِجًا لَهُ في صُورَةِ النَّفْيِ المُؤَكِّدِ بِالكَوْنِ؛ لِتَغْلِيظِ الزَّجْرِ عَنْهُ؛ لِما لِلنُّفُوسِ عِنْدَ الحُظُوظِ مِنَ الدَّواعِي إلى القَتْلِ -: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾؛ أيْ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ؛ ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: في حالٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿إلا خَطَأً﴾؛ أيْ: في حالَةِ الخَطَإ؛ بِألّا يَقْصِدَ القَتْلَ؛ أوْ لا يَقْصِدَ الشَّخْصَ؛ أوْ يَقْصِدَهُ (p-٣٦١)بِما لا يُقْصَدُ بِهِ زَهُوقُ الرُّوحِ؛ أوْ لا يَقْصِدَ ما هو مَمْنُوعٌ مِنهُ؛ كَمَن يَرْمِي إلى صَفِّ الكُفّارِ وفِيهِمْ مُسْلِمٌ؛ أوْ بِأنْ يَكُونَ غَيْرَ مُكَلَّفٍ؛ فَإنَّ القَتْلَ عَلى هَذا الوَجْهِ لَيْسَ بِحَرامٍ؛ وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ في أقْسامِ المُنافِقِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي التَّثَبُّتُ؛ والتَّحَرِّي في جَمِيعِ أمْرِ القَتْلِ؛ مَتى احْتُمِلَ أنْ يَكُونَ القاتِلُ مُؤْمِنًا؛ احْتِمالًا لا تَقْضِي العادَةُ بِقُرْبِهِ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ بَيانُ حُكْمِ الخَطَإ؛ ولامُ الِاخْتِصاصِ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما لا مانِعَ مِنهُ: «”فَإنَّما هي لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْبِ“؛» وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيُفِيدَ بِإيجابِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ غايَةَ الزَّجْرِ عَنْ قَتْلِ المُؤْمِنِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هَذا جَزاءَ ما هو لَهُ؛ فَما الظَّنُّ بِما لَيْسَ لَهُ؟! فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾؛ صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا؛ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَصْفِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ؛ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وإنْ أُلْزِمَ بِهِ في الظّاهِرِ؛ ﴿خَطَأً﴾؛ ولَمّا كانَ الخَطَأُ مَرْفُوعًا عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ يُظَنُّ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلى المُخْطِئِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ في القَتْلِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ حِفْظًا لِلنُّفُوسِ؛ لِأنَّ الأمْرَ فِيها خَطِرٌ جِدًّا؛ فَقالَ - مُغْلِظًا عَلَيْهِ؛ حَثًّا عَلى زِيادَةِ النَّظَرِ؛ والتَّحَرِّي عِنْدَ فِعْلِ ما قَدْ يَقْتُلُ -: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ - عَبَّرَ بِها عَنْها لِأنَّها لا تَعِيشُ بِدُونِها - (p-٣٦٢)كامِلَةِ الرِّقِّ؛ ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾؛ ولَوْ بِبَيْعِ الدّارِ؛ أوِ البَساتِينِ؛ سَلِيمَةٍ عَمّا يُخِلُّ بِالعَمَلِ؛ وقَدَّمَ التَّحْرِيرَ هُنا حَثًّا عَلى رَتْقِ ما خُرِقَ مِن حِجابِ العَبْدِ؛ وإيجابُ ذَلِكَ في الخَطَإ إيجابٌ لَهُ في العَمْدِ؛ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وكَأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهُ في العَمْدِ لِأنَّهُ تَخْفِيفٌ في الجُمْلَةِ؛ والسِّياقُ لِلتَّغْلِيظِ؛ ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أيْ: مُؤَدّاةٌ بِيُسْرٍ؛ وسُهُولَةٍ؛ ﴿إلى أهْلِهِ﴾؛ أيْ: ورَثَتِهِ؛ يَقْتَسِمُونَها كَما يُقَسَّمُ المِيراثُ؛ ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾؛ أيْ: يَجِبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ في كُلِّ حالٍ؛ إلّا في حالِ تَصَدُّقِهِمْ بِالعَفْوِ عَنِ القاتِلِ؛ بِإبْرائِهِ مِنَ الدِّيَةِ؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ؛ وعَبَّرَ بِالصَّدَقَةِ تَرْغِيبًا؛ ﴿فَإنْ كانَ﴾؛ أيْ: المَقْتُولُ؛ ﴿مِن قَوْمٍ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ مَنعَةٌ؛ ﴿عَدُوٍّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مُحارِبِينَ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلى القاتِلِ تَحْرِيرُ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى التَّحَرِّي في جَوْدَةِ إسْلامِها؛ وقَدْ أسْقَطَ هَذا حُرْمَةَ نَفْسِهِ بِغَيْرِ الكَفّارَةِ؛ بِسُكْناهُ في دارِ الحَرْبِ؛ الَّتِي هي دارُ الإباحَةِ؛ أوْ وُقُوعِهِ في صَفِّهِمْ؛ ولِعَدِّهِ في عِدادِهِمْ؛ قالَ: ”مِن“؛ ومَعْناهُ - كَما قالَ الشّافِعِيُّ؛ وغَيْرُهُ؛ تَبَعًا لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: في ”وإنْ كانَ“؛ أيْ: المَقْتُولُ؛ ”مِن قَوْمٍ“؛ أيْ: كَفَرَةٍ أيْضًا؛ عَدُوٍّ لَكُمْ؛ ”بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ“؛ وهو كافِرٌ مِثْلُهُمْ؛ ”فَدِيَةٌ“؛ أيْ: فالواجِبُ فِيهِ - كالواجِبِ (p-٣٦٣)فِي المُؤْمِنِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ - ”دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ“؛ عَلى حَسَبِ دِينِهِ؛ إنْ كانَ كِتابِيًّا فَثُلُثُ دِيَةِ المُسْلِمِ؛ وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا فَثُلُثا عُشْرِها؛ ”وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ“؛ وكَأنَّهُ قَدَّمَ الدِّيَةَ هُنا إشارَةً إلى المُبادَرَةِ بِها؛ حِفْظًا لِلْعَهْدِ؛ ولِتَأْكِيدِ أمْرِ التَّحْرِيرِ بِكَوْنِهِ خِتامًا؛ كَما كانَ افْتِتاحًا؛ حَثًّا عَلى الوَفاءِ بِهِ؛ لِأنَّهُ أمانَةٌ؛ لا طالِبَ لَهُ إلّا اللَّهُ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ: إنَّ سِرَّ ذَلِكَ أنَّ إيجابَهُ في المُؤْمِنِ أوْلى مِنَ الدِّيَةِ؛ وبِالعَكْسِ هَهُنا؛ انْتَهى.
وكانَ سِرُّهُ النَّظَرُ إلى خَيْرِ الدِّينِ في المُؤْمِنِ؛ وإلى حِفْظِ العَهْدِ في الكافِرِ؛ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيْ: الرَّقَبَةَ؛ ولا ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها؛ ﴿فَصِيامُ﴾؛ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ؛ ﴿شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾؛ حَتّى لَوْ أفْطَرَ يَوْمًا واحِدًا بِغَيْرِ حَيْضٍ؛ أوْ نِفاسٍ؛ وجَبَ الِاسْتِئْنافُ؛ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عادًّا لِلْخَطَإ - بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِاللّامِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مُباحٌ - ذَنْبًا؛ تَغْلِيظًا لِلْحَثِّ عَلى مَزِيدِ الِاحْتِياطِ: ﴿تَوْبَةً﴾؛ أيْ: أوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْكم لِأجْلِ قَبُولِ التَّوْبَةِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ.
ولَمّا كانَ الكَفّاراتُ مِنَ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ بِمَكانٍ؛ رَغَّبَ فِيها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِخَتْمِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ (p-٣٦٤)﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِما يُصْلِحُكم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ وبِما يَقَعُ خَطَأً في نَفْسِ الأمْرِ؛ أوْ عَمْدًا؛ فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِنَصْبِ الأحْكامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ في نَصْبِهِ الزَّواجِرَ بِالكَفّاراتِ؛ وغَيْرِها؛ فالزَمُوا أوامِرَهُ؛ وباعِدُوا زَواجِرَهُ؛ لِتَفُوزُوا بِالعِلْمِ؛ والحِكْمَةِ.
النساء 4:93
ولَمّا ساقَ (تَعالى) الخَطَأ مَساقَ ما هو لِلْفاعِلِ؛ مُنَفِّرًا عَنْهُ هَذا التَّنْفِيرَ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ أنْ يَذْكُرَ ما لَيْسَ لَهُ مِن ذَلِكَ؛ إذْ كانَ ضَبْطُ النَّفْسِ بَعْدَ إرْسالِها شَدِيدًا؛ فَرُبَّما سَهَّلَتْ قَتْلَ مَن تَحَقَّقَ إسْلامُهُ إحْنَةٌ؛ وجَرَّتْ إلَيْهِ ضَغِينَةٌ؛ وقَوَّتِ الشُّبَهَ فِيهِ شِدَّةُ شَكِيمَةٍ؛ ولَعَمْرِي إنَّ الحَمْلَ عَلى الكَفِّ بَعْدَ الإرْسالِ أصْعَبُ مِنَ الحَمْلِ عَلى الإقْدامِ؛ وإنَّما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن جَرَّبَ النُّفُوسَ حالَ الإشْرافِ عَلى الظَّفَرِ؛ واللَّذاذَةِ بِالِانْتِقامِ مَعَ القُوى؛ والقُدْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾؛ ولَعَلَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ إلى دَوامِ العَزْمِ عَلى ذَلِكَ؛ لِأجْلِ الإيمانِ؛ وهو لا يَكُونُ إلّا كُفْرًا؛ وتَرَكَ الكَلامَ مُحْتَمِلًا زِيادَةَ تَنْفِيرٍ مِن قَتْلِ المُسْلِمِ؛ ﴿مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: وأمّا الخَطَأُ فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ في المُؤْمِنِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَجَزاؤُهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَلَقّاهُ بِحالَةٍ كَرِيهَةٍ جِدًّا؛ كَما تَجَهَّمَ المَقْتُولَ؛ (p-٣٦٥)﴿خالِدًا فِيها﴾؛ أيْ: ماكِثًا إلى ما لا آخِرَ لَهُ؛ ﴿وغَضِبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿عَلَيْهِ ولَعَنَهُ﴾؛ أيْ: وأبْعَدَهُ مِن رَحْمَتِهِ؛ ﴿وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: لا تَبْلُغُ مَعْرِفَتَهُ عُقُولُكُمْ؛ وإنْ عُمِّمَ القَوْلُ في هَذِهِ الآيَةِ كانَ الَّذِي خَصَّها ما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]؛ لا آيَةُ ”الفُرْقانِ“؛ فَإنَّها مَكِّيَّةٌ؛ وهَذِهِ مَدَنِيَّةٌ.
النساء 4:94
ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذا المَنعِ الشَّدِيدِ مِن قَتْلِ العَمْدِ؛ وما في قَتْلِ الخَطَإ مِنَ المُؤاخَذَةِ المُوجِبَةِ لِلتَّثَبُّتِ؛ وكانَ الأمْرُ قَدْ بَرَزَ بِالقِتالِ؛ والقَتْلِ في الجِهادِ؛ ومُؤَكَّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ؛ وكانَ رُبَّما التَبَسَ الحالُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالتَّثَبُّتِ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا نَفْعَلُ بَيْنَ أمْرَيِ الإقْدامِ؛ والإحْجامِ؟ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ والتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ الَّذِي هو لِأدْنى الأسْنانِ؛ إلى أنَّ الرّاسِخِينَ غَيْرُ مُحْتاجِينَ إلى مَزِيدِ التَّأْكِيدِ في التَّأْدِيبِ؛ وما أحْسَنَ التِفاتَهُ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ إشارَةً مِنهُ (تَعالى) إلى أنَّهم يَتَأثَّرُونَ مِن تَحْرِيضِهِ ﷺ؛ (p-٣٦٦)ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ؛ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ ”إذا“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ؛ وسِرْتُمْ في الأرْضِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ لِأجْلِ وجْهِهِ خالِصًا؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا بِالتَّأنِّي؛ والتَّثَبُّتِ؛ بَيانَ الأُمُورِ؛ والثَّباتَ في تَلَبُّسِها؛ والتَّوَقُّفَ الشَّدِيدِ عِنْدَ مَنالِها؛ وذَلِكَ بِتَمَيُّزِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ وانْكِشافِ لَبْسِها غايَةَ الِانْكِشافِ؛ ولا تُقْدِمُوا إلّا عَلى ما بانَ لَكُمْ؛ ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ قَوْلًا؛ فَضْلًا عَمّا هو أعْلى مِنهُ؛ ﴿لِمَن ألْقى﴾؛ أيْ: كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾؛ أيْ: بادَرَ بِأنْ حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ؛ مُلْقِيًا قِيادَهُ؛ ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾؛ أيْ: بَلْ مُتَعَوِّذٌ؛ لِتَقْتُلُوهُ.
ولَمّا كانَ اتِّباعُ الشَّهَواتِ عِنْدَ العَرَبِ في غايَةِ الذَّمِّ؛ قالَ - مُوَبِّخًا؛ مُنَفِّرًا عَنْ مِثْلِ هَذا؛ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”تَقُولُوا“ - ﴿تَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم تَطْلُبُونَ طَلَبًا حَثِيثًا؛ بِقَتْلِهِ؛ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِأخْذِ ما مَعَهُ مِنَ الحُطامِ الفانِي؛ والعَرَضِ الزّائِلِ؛ أوْ بِإدْراكِ ثَأْرٍ كانَ لَكم قِبَلَهُ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في آخِرِ كِتابِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ قالَ: (p-٣٦٧)كانَ رَجُلٌ في غَنِيمَةٍ لَهُ؛ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ؛ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وأخَذُوا غَنِيمَتَهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ذَلِكَ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾“؛ ورَواهُ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وزادَ: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾؛ تُخْفُونَ إيمانَكُمْ؛ وأنْتُمْ مَعَ المُشْرِكِينَ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ وأظْهَرَ الإسْلامَ؛ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ هَذِهِ الحالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾؛ أيْ: يُغْنِيكم بِها عَمّا تَطْلُبُونَ مِنَ العَرَضِ؛ مَعَ طِيبِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ مِن أصْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ؛ بِجَعْلِكم إيّاهُ بَعِيدًا عَنِ الإسْلامِ؛ ﴿كُنْتُمْ﴾؛ وبَعَّضَ زَمانَ القَتْلِ - كَما هو الواقِعُ - بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَما نَطَقْتُمْ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ؛ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ ألْقى في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ قَبُولَ ما أظْهَرْتُمُ؛ امْتِثالًا لِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِذَلِكَ؛ فَقَوّى أمْرَ الإيمانِ في قُلُوبِكم قَلِيلًا قَلِيلًا؛ (p-٣٦٨)حَتّى صِرْتُمْ إلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ في الرُّسُوخِ في الدِّينِ؛ والشُّهْرَةِ بِهِ؛ والعِزِّ؛ ولَوْ شاءَ لَقَسّى قُلُوبَكُمْ؛ وسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ فَقَتَلُوكُمْ؛ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الدِّينِ مِنَ القَبُولِ ما فَعَلَ بِكُمْ؛ وهو مَعْنى ما سَبَّبَ عَنِ الوَعْظِ مِن قَوْلِهِ - تَأْكِيدًا لِما مَضى؛ إعْلامًا بِفَظاعَةِ أمْرِ القَتْلِ -: ”فَتَبَيَّنُوا“؛ أيْ: الأُمُورَ؛ وتَثَبَّتُوا فِيها حَتّى تَنْجَلِيَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ - مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصَّ بِأنَّهُ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ؛ ﴿كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُ ما أقْدَمْتُمْ عَلَيْهِ؛ عَنْ تَبْيِينٍ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ بِحِفْظِ بَواطِنِكُمْ؛ وظَواهِرِكم.
النساء 4:95
ولَمّا ناسَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما قَبْلَها مِن آيَةِ القَتْلِ العَمْدِ؛ والتَفَتَتْ إلى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤]؛ وإلى آيَةِ التَّحِيَّةِ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها لَهُما؛ وعُلِمَ بِها أنَّ في الضَّرْبِ في سَبِيلِ اللَّهِ هَذا الخَطَرَ؛ فَكانَ رُبَّما فُتِّرَ عَنْهُ؛ بَيَّنَ فَضْلَهُ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ”فَحِينَئِذٍ نَقْعُدُ عَنِ الجِهادِ لِنَسْلَمَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الجِهادِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِيُفِيدَ التَّصْرِيحَ بِتَفْضِيلِ المُؤْمِنِ المُجاهِدِ عَلى المُؤْمِنِ القاعِدِ؛ لِئَلّا يَخُصَّهُ أحَدٌ بِالكافِرِ الجاحِدِ.
ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن عَذَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِرَحْمَتِهِ؛ اسْتَثْناهُمْ؛ (p-٣٦٩)فَقالَ - واصِفًا لِلْقاعِدِينَ؛ أوْ مُسْتَثْنِيًا مِنهم -: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ أيْ: المانِعِ؛ أوِ العائِقِ عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ مِن عِوَجٍ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ عَمًى؛ ونَحْوِهِ؛ وبِهَذا بانَ أنَّ الكَلامَ في المُهاجِرِينَ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمْلى عَلَيْهِ: ”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ“؛ فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ وهو يُمِلُّها عَلَيَّ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ واللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ - وكانَ أعْمى -؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ؛ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ فَثَقُلَتْ عَلَيَّ؛ حَتّى خِفْتُ أنْ تُرَضَّ فَخِذِي؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾» وأخْرَجَهُ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ادْعُ لِي زَيْدًا؛ ولْيَجِئْ بِاللَّوْحِ؛ والدَّواةِ؛ والكَتِفِ“؛ ثُمَّ قالَ: ”اكْتُبْ“؛» فَذَكَرَهُ؛ وحَدِيثُ زَيْدٍ أخْرَجَهُ أيْضًا أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ والنِّسائِيُّ؛ وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ: قالَ: «كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَخِذِي؛ فَما وجَدْتُ شَيْئًا أثْقَلَ مِن فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ؛ فَقالَ لِي: ”اكْتُبْ“؛ (p-٣٧٠)فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَقامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - وكانَ رَجُلًا أعْمى - لَمّا سَمِعَ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فَلَمّا قَضى كَلامَهُ غَشِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ السَّكِينَةُ؛ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي؛ ووَجَدْتُ مِن ثِقْلِها في المَرَّةِ الثّانِيَةِ كَما وجَدْتُ في المَرَّةِ الأُولى؛ فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”اقْرَأْ يا زَيْدُ“؛ فَقَرَأْتُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾؛ الآيَةَ كُلَّها؛ قالَ زَيْدٌ: أنْزَلَها اللَّهُ وحْدَها؛ فَألْحَقْتُها؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِكَأنِي أنْظُرُ إلى مُلْحَقِها عِنْدَ صَدْعٍ في كَتِفٍ؛» ورَواهُ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وفِيهِ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا نَزَلَ عَلَيْهِ دامَ بَصَرَهُ؛ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ؛ وفَرَّغَ سَمْعَهُ وقَلْبَهُ؛ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ».
ولَمّا ذَكَرَ القاعِدَ أتْبَعَهُ قَسِيمَهُ؛ المُجاهِدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي مَن سَلَكَهُ وصَلَ إلى رَحْمَتِهِ؛ ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ نَفْيُ المُساواةِ سَبَبًا لِتَرَقُّبِ كُلٍّ مِنَ الحِزْبَيْنِ الأفْضَلِيَّةَ؛ لِأنَّ القاعِدَ؛ وإنْ فاتَهُ الجِهادُ؛ فَقَدْ تَخَلَّفَ الغازِيَ في أهْلِهِ؛ إذْ يُحْيِي الدِّينَ بِالِاشْتِغالِ بِالعِلْمِ؛ ونَحْوِهِ؛ قالَ (p-٣٧١)- مُسْتَأْنِفًا -: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المالُ في أوَّلِ الأمْرِ ضَيِّقًا؛ قالَ - مُقَدِّمًا لِلْمالِ -: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: جِهادًا كائِنًا بِالفِعْلِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنْ ذَلِكَ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنهُ؛ بِكَوْنِهِمْ في دارِ الهِجْرَةِ؛ ﴿دَرَجَةً﴾؛ أيْ: واحِدَةً؛ كامِلَةً؛ لِأنَّهم لَمْ يَفُوقُوهم بِغَيْرِها؛ وفي البُخارِيِّ؛ في المَغازِي؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -:
”لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَنْ“بَدْرٍ”؛ والخارِجُونَ إلى“بَدْرٍ".
ولَمّا شَرَكَ بَيْنَ المُجاهِدِينَ؛ والقاعِدِينَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلا﴾؛ أيْ: مِنَ الصِّنْفَيْنِ؛ ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ أجْرًا عَلى إيمانِهِمْ؛ ﴿الحُسْنى﴾؛ بَيَّنَ أنَّ القاعِدَ المُشارِكَ إنَّما هو الَّذِي بِهِ قُوَّةُ الجِهادِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ؛ وهو التَّمَكُّنُ مِن تَنْفِيذِ الأمْرِ؛ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِ لِأرْضِ الحَرْبِ؛ وكَوْنِهِ بَيْنَ أهْلِ الإيمانِ؛ وأمّا القاعِدُ عَنِ الهِجْرَةِ مَعَ التَّمَكُّنِ فَلَيْسَ بِمُشارِكٍ في ذَلِكَ؛ بَلْ هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ مُتَمَكِّنًا مِن تَنْفِيذِ الأوامِرِ؛ فَلا هو مُجاهِدٌ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَلا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ ﴿المُجاهِدِينَ﴾؛ أيْ: بِالفِعْلِ مُطْلَقًا؛ بِالنَّفْسِ؛ أوِ المالِ؛ ﴿عَلى القاعِدِينَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأسْبابِ المُمَكِّنَةِ مِنَ الجِهادِ؛ ومِنَ الهِجْرَةِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛
النساء 4:96
ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَرَجاتٍ﴾؛ (p-٣٧٢)وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ وهي دَرَجَةُ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الجِهادِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ ودَرَجَةُ مُباشَرَةِ الجِهادِ بِالفِعْلِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَخْلُو عَنْ زَلَلٍ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في العَمَلِ؛ قالَ: ﴿ومَغْفِرَةً﴾؛ أيْ: مَحْوًا لِذُنُوبِهِمْ؛ بِحَيْثُ إنَّها لا تُذْكَرُ؛ ولا يُجازى عَلَيْها؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: كَرامَةً؛ ورِفْعَةً؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِالأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ ما لَمْ يَكُنْ؛
النساء 4:97
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأبْلَغِ حَثٍّ عَلى الهِجْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم كامِلَةً؛ عَلى ما عِنْدَهم مِن نَقْصِ بَعْضِ المَعانِي؛ بِما تَرَكُوا مِن رُكْنِ الهِجْرَةِ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ؛ وفي الحَذْفِ إرْشادٌ إلى أنَّهُ إذا تَرَكَ مَن يَسْعى في جَبْرِهِ بِصَدَقَةٍ؛ أوْ حَجٍّ؛ ونَحْوِهِ مِن أفْعالِ البِرِّ؛ جُبِرَ؛ لِأنَّ الأساسَ الَّذِي تُبْنى عَلَيْهِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ مَوْجُودٌ؛ وهو الإيمانُ؛ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: بِالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ؛ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ؛ والإقامَةِ في بِلادِ الحَرْبِ؛ حَيْثُ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن إقامَةِ شَعائِرِ الدِّينِ كُلِّها؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ مُوَبِّخِينَ لَهُمْ؛ ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ كانَتْ إقامَتُكم في بِلادِ الحَرْبِ؟
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا السُّؤالِ التَّوْبِيخَ؛ لِأجْلِ تَرْكِ الهِجْرَةِ (p-٣٧٣)﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَذِرِينَ؛ ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: أرْضِ الكُفّارِ؛ لا نَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ الدِّينِ؛ وكَأنَّهم أطْلَقُوها إشارَةً إلى أنَّها عِنْدَهم لِاتِّساعِها؛ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ؛ هي الأرْضُ كُلُّها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ قُنِعَ مِنهم بِذَلِكَ؟ فَقِيلَ: لا؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: فَما قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ - بَيانًا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُعَفاءَ عَنِ الهِجْرَةِ إلى مَوْضِعٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ عَلى دِينِهِمْ -: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿واسِعَةً فَتُهاجِرُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ اتِّساعِها؛ كُلَّ مَن يُعادِيكم في الدِّينِ؛ ضارِبِينَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: إلى حَيْثُ يَزُولُ عَنْكُمُ المانِعُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الجِهادِ أوَّلًا فِي: ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥]؛ دَلِيلٌ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا؛ بَعْدَ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ وذِكْرُ الهِجْرَةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِها أوَّلًا؛ بِالقُعُودِ عَنْها؛ ولِذَلِكَ خَصَّ الطّائِفَةَ الأُولى بِوَعْدِ الحُسْنى.
ولَمّا وُبِّخُوا عَلى تَرْكِهِمُ الهِجْرَةَ؛ سُبِّبَ عَنْهُ جَزاؤُهُمْ؛ فَقِيلَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ اجْتِهادِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ؛ وتَكْثِيرِهِمْ سَوادَ الكُفّارِ؛ وانْبِساطِهِمْ في (p-٣٧٤)وُجُوهِ أهْلِ النّاسِ؛ ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ؛ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ؛ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ يَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ؛ أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾
النساء 4:98
ولَمّا تَوَعَّدَ عَلى تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما زادَ القاعِدَ عَنْها تَخْوِيفًا؛ بِذِكْرِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في المَحْكُومِ عَلَيْهِ بِالقُدْرَةِ؛ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالتَّسْوِيَةِ في الحُكْمِ؛ لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - بَيانًا لِأنَّ المُسْتَثْنى مِنهم كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ الِاسْتِضْعافَ -: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وُجِدَ ضَعْفُهم في نَفْسِ الأمْرِ؛ وعُدُّوا ضُعَفاءَ؛ وتَقَوّى عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ؛ ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ضَعْفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾؛ أيْ: في إيقاعِ الهِجْرَةِ؛ ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: إلى ذَلِكَ.
النساء 4:99
ولَمّا كانَتِ الهِجْرَةُ شَدِيدَةً؛ وكانَ رُبَّما تَرَكَها بَعْضُ الأقْوِياءِ واعْتَلَّ بِالضَّعْفِ؛ ورُبَّما ظَنَّ القادِرُ مَعَ المَشَقَّةِ أنَّهُ لَيْسَ بِقادِرٍ؛ نَفَّرَ مِن ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ (p-٣٧٥)ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ لَهُ أنْ يُعَذِّبَ الطّائِعَ؛ ويُنَعِّمَ العاصِي؛ ويَفْعَلَ ويَقُولَ ما يَشاءُ؛ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]؛ أحَلَّ هَؤُلاءِ المَعْذُورِينَ مَحَلَّ الرَّجاءِ؛ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ في غايَةِ الخَطَرِ؛ فَقالَ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَرْجُوُّ؛ والخَلِيقُ؛ والجَدِيرُ مِنَ المُلْكِ؛ المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ولَوْ آخَذَهم لَكانَ لَهُ ذَلِكَ؛ وكُلُّ ما جاءَ في القُرْآنِ مِن نَحْوِ هَذا فَهو لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى؛ وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما -: ”إنَّ“عَسى”؛ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ“؛ مَعْناهُ أنَّهُ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ عَلى ما يَسْتَصْوِبُهُ مِنهاجُ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ؛ إذا أرادَ؛ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ وقَدْ يُعاتِبُ عَلَيْهِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: يُزِيلُ أثَرَهُ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ بِحَيْثُ لا يُعاقِبُ عَلَيْهِ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ولا يَكُونُ بِحَيْثُ يُذْكَرُ أصْلًا؛ ولَعَلَّ العَفْوَ راجِعٌ إلى الرِّجالِ؛ والغُفْرانَ إلى النِّساءِ والوِلْدانِ.
النساء 4:100
ولَمّا رَهَّبَ مِن تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ رَغَّبَ فِيها بِما يُسَلِّي عَمّا قَدْ يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ مِن أنَّهُ لَوْ فارَقَ - رَفاهِيَةً - الوَطَنَ؛ وقَعَ في شِدَّةِ الغُرْبَةِ؛ وأنَّهُ رُبَّما تَجَشَّمَ المَشَقَّةَ؛ فاخْتَرَمَ قَبْلَ بُلُوغِ القَصْدِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾؛ أيْ: يُوقِعِ الهِجْرَةَ لِكُلِّ ما أمَرَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ورَسُولُهُ ﷺ بِهِجْرَتِهِ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِن (p-٣٧٦)مُلْكِهِ؛ ولا أوْضَحَ مِن سَبِيلِهِ؛ ولا أوْسَعَ؛ ﴿يَجِدْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: في ذاتِ الطُّولِ والعَرْضِ؛ ﴿مُراغَمًا﴾؛ أيْ: مَهْرَبًا؛ ومَذْهَبًا؛ ومُضْطَرَبًا؛ يَكُونُ مَوْضِعًا لِلْمُراغَمَةِ؛ يُغْضِبُ الأعْداءُ بِهِ؛ ويُرْغِمُ أُنُوفَهم بِسَبَبِ ما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الرِّفْقِ؛ وحُسْنِ الحالِ؛ فَيَخْجَلُ مِمّا جَرُّوهُ مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ لَهُ؛ مِن ”الرَّغْمُ“؛ وهو الذُّلُّ؛ والهَوانُ؛ وأصْلُهُ: لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَّغامِ؛ وهو التُّرابُ؛ تَقُولُ: ”راغَمْتُ فُلانًا“؛ أيْ: هَجَرْتَهُ؛ وهو يَكْرَهُ مُفارَقَتَكَ؛ لِذِلَّةٍ تَلْحَقُهُ بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ المَوْضِعُ؛ وإنْ كانَ واحِدًا؛ فَإنَّهُ لِكِبَرِهِ ذُو أجْزاءٍ عَدِيدَةٍ؛ وُصِفَ بِما يَقْتَضِي العَدَدَ؛ فَقالَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُراغَمَةُ لَذَّةَ الرُّوحِ؛ فَكانَتْ أعَزَّ مِن لَذَّةِ البَدَنِ؛ فَقَدَّمَها؛ أتْبَعَها قَوْلَهُ: ﴿وسَعَةً﴾؛ أيْ: في الرِّزْقِ؛ كَما قالَ ﷺ: «”صُومُوا تَصِحُّوا؛ وسافِرُوا تَغْنَمُوا“؛» أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ –ولَفْظُهُ: «”واغْزُوا؛ وهاجِرُوا تُفْلِحُوا“».
ولَمّا كانَ رُبَّما ماتَ المُهاجِرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَظُنَّ أنَّهُ لَمْ يُدْرِكِ الهِجْرَةَ؛ مَعَ تَجَشُّمِهِ لِفِراقِ بَلَدِهِ؛ قالَ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ بَلَدِهِ؛ ﴿مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: رِضى المَلِكِ؛ (p-٣٧٧)الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ورَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ عِنْدَهُ؛ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن بَيْتِهِ؛ ولَوْ قَبْلَ الفُصُولِ مِن بَلَدِهِ؛ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ﴾؛ أيْ: في هِجْرَتِهِ - بِحَسَبِ الوَعْدِ فَضْلًا؛ لا بِحَسَبِ الِاسْتِحْقاقِ عَدْلًا -: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ الإحاطَةِ؛ فَلا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ وكَذا كُلُّ مَن نَوى خَيْرًا؛ ولَمْ يُدْرِكْهُ: ”لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ“؛ فَهو مُوَفِّيهِ إيّاهُ تَوْفِيَةَ ما يَلْتَزِمُهُ الكَرِيمُ مِنكم.
ولَمّا كانَ بَعْضُهم رُبَّما قَصَّرَ بِهِ عَنِ البُلُوغِ تَوانِيهِ في سَيْرِهِ؛ أوْ عَنْ خُرُوجِهِ مِن بَلَدِهِ؛ فَظَنَّ أنَّ هِجْرَتَهُ هَذِهِ لَمْ تَجْبُرْ تَقْصِيرَهُ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: لِتَقْصِيرٍ؛ إنْ كانَ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ يُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ بِأنْواعِ الكَراماتِ؛
النساء 4:101
ولَمّا أوْجَبَ السَّفَرَ لِلْجِهادِ؛ والهِجْرَةِ؛ وكانَ مُطْلَقُ السَّفَرِ مَظِنَّةَ المَشَقَّةِ؛ فَكَيْفَ بِسَفَرِهِما مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى المَشَقَّةِ فِيهِما مِن خَوْفِ الأعْداءِ؟ ذَكَرَ تَخْفِيفَ الصَّلاةِ بِالقَصْرِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالسَّفَرِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيِّ سَفَرٍ كانَ؛ لِغَيْرِ مَعْصِيَةٍ؛ ولَمّا كانَ القَصْرُ رُخْصَةً؛ غَيْرَ عَزِيمَةٍ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ؛ ومَيْلٌ؛ في ﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾؛ ولَمّا كانَ القَصْرُ خاصًّا بِبَعْضِ الصَّلَواتِ؛ أتى بِالجارِّ لِذَلِكَ؛ ولِإفادَةِ أنَّهُ في الكَمِّ؛ لا في الكَيْفِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ (p-٣٧٨)الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: فاقْصُرُوا إنْ أرَدْتُمْ؛ وأتِمُّوا إنْ أرَدْتُمْ؛ وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أعْيانَ الصَّلَواتِ المَقْصُوراتِ؛ وكَمْ يُقْصَرُ مِنها مِن رَكْعَةٍ؛ وأنَّ القَصْرَ مِنَ الكَمِّيَّةِ؛ لا مِنَ الكَيْفِيَّةِ؛ بِالإيماءِ مَثَلًا؛ «فِي صَلاةِ الخَوْفِ؛ بِقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - لِيَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ - حِينَ قالَ لَهُ: كَيْفَ تَقْصُرُ وقَدْ أمِنّا؟ -: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ؛ فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكُمْ؛ فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ“؛» وهَذا هو حَقِيقَةُ القَصْرِ؛ والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ ”مِن“؛ وأمّا الإيماءُ؛ ونَحْوُهُ مِن كَيْفِيّاتِ صَلاةِ الخَوْفِ؛ فَإبْدالٌ؛ لا قَصْرٌ؛ والسِّياقُ كَما تَرى مُشِيرٌ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها؛ وأنَّهُ لا يُسْقِطُها عَنِ المُكَلَّفِ شَيْءٌ؛ وقاضٍ بِأنَّ المُخاطَرَةَ بِالنَّفْسِ والمالِ لا تُسْقِطُ الجِهادَ؛ ولا الهِجْرَةَ؛ إذِ الخَوْفُ والخَطَرُ مَبْنى أمْرِهِما؛ ومَحَطُّ قَصْدِهِما؛ فَهَذا سِرُّ قَوْلِهِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾؛ أيْ: يُخالِطَكم مُخالَطَةً مُزْعِجَةً؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ لا أنَّهُ شَرْطٌ في القَصْرِ؛ كَما بَيَّنَتْ نَفْيَ شَرْطِيَّتِهِ السُّنَّةُ؛ والحاصِلُ أنَّ هَذا الشَّرْطَ ذُكِرَ لِهَذا المَقْصِدِ؛ لا لِمُخالَفَةِ المَفْهُومِ لِلْمَنطُوقِ؛ بِشَهادَةِ السُّنَّةِ؛ وقَدْ كانَتِ الصَّلاةُ قَبْلَ الهِجْرَةِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَأُتِمَّتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَدِينَةَ دارُ الإقامَةِ؛ وما قَبْلَها كانَ مَحَلَّ سَفَرٍ ونُقْلَةٍ؛ (p-٣٧٩)رَوى الشَّيْخانِ؛ وأحْمَدُ - وهَذا لَفْظُهُ - عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - قالَتْ: «”فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ؛ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ؛ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ“».
ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفُ مِنهُمْ؛ عَلَّلَهُ؛ مُشِيرًا بِالإظْهارِ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ وبِاسْمِ الفاعِلِ إلى أنَّ مَن تَلَبَّسَ بِالكُفْرِ ساعَةً ما؛ أعْرَقَ فِيهِ؛ أوْ إلى أنَّ المَجْبُولَ عَلى العَداوَةِ؛ المُشارَ إلَيْهِ بِلَفْظِ الكَوْنِ؛ إنَّما هو الرّاسِخُ في الكُفْرِ؛ المَحْكُومُ بِمَوْتِهِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ مِنهم في الكُفْرِ؛ ﴿كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ولَعَلَّهُ أشارَ إلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ دُونَ عَلَيْكُمْ؛ ﴿عَدُوًّا﴾؛ ولَمّا كانَ العَدُوُّ مِمّا يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ؛ قالَ: ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرَ العَداوَةِ؛ يَعْدُونَ عَلَيْكم لِقَصْدِ الأذى؛ مَهْما وجَدُوا لِذَلِكَ سَبِيلًا؛ فَرُبَّما وجَدُوا الفُرْصَةَ في ذَلِكَ عِنْدَ طُولِ الصَّلاةِ؛ فَلِذَلِكَ قَصَرْتُها؛ ولَوْلا أنَّها لا رُخْصَةَ فِيها بِوَجْهٍ؛ لَوَضَعْتُها عَنْكم في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ؛ أوْ جَعَلْتُ التَّخْفِيفَ في الوَقْتِ؛ فَأمَرْتُ بِالتَّأْخِيرِ؛ ولَكِنَّهُ لا زَكاءَ لِلنُّفُوسِ بِدُونِ فِعْلِها عَلى ما حَدَدْتُ مِنَ الوَقْتِ؛ وغَيْرِهِ.
النساء 4:102
(p-٣٨٠)ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَيانَ القَصْرِ في الكَمِّيَّةِ؛ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ لِما ذُكِرَ؛ وكانَ حُضُورُ النَّبِيِّ ﷺ مَظِنَّةَ الأمْنِ؛ بِالتَّأْيِيدِ بِالمَلائِكَةِ؛ ووَعْدِ العِصْمَةِ مِنَ النّاسِ؛ وما شُهِرَ بِهِ مِنَ الشَّجاعَةِ؛ ونُصِرَ بِهِ مِنَ الرُّعْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ القاضِيَةِ بِأنَّ لَهُ العاقِبَةَ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ الصَّلاةِ في الكَيْفِيَّةِ عِنْدَ الخَوْفِ؛ وأنَّ صَلاةَ الخَوْفِ تُفْعَلُ عِنْدَ الأُنْسِ بِحَضْرَتِهِ؛ كَما تُفْعَلُ عِنْدَ الِاسْتِيحاشِ بِغَيْبَتِهِ ﷺ فَجَوازُها لِقَوْمٍ لَيْسَ هو ﷺ فِيهِمْ مَفْهُومٌ مُوافَقَةً؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وإذا كُنْتَ﴾؛ حالَ الخَوْفِ الَّذِي تَقَدَّمَ فَرْضُهُ؛ ﴿فِيهِمْ﴾؛ أيْ: في أصْحابِكَ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في السَّفَرِ؛ أوْ في الحَضَرِ؛ ﴿فَأقَمْتَ﴾؛ أيْ: ابْتَدَأْتَ؛ وأوْجَدْتَ؛ ﴿لَهُمُ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: الكامِلَةَ؛ وهي المَفْرُوضَةُ؛ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾؛ أيْ: في الصَّلاةِ؛ ولْتَقُمِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وِجاهَ العَدُوِّ؛ ويَطُوفُونَ في كُلِّ مَوْضِعٍ يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ مِنهُ العَدُوُّ؛ ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾؛ أيْ: المُصَلُّونَ؛ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ إلى هَذا الأمْرِ؛ لِدُخُولِهِمْ في حالَةٍ هي بِتَرْكِ السِّلاحِ أجْدَرُ؛ ﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾؛ كَما يَأْخُذُها مَن هو خارِجَ الصَّلاةِ؛ وسَبَبُ الأمْرِ بِصَلاةِ الخَوْفِ - كَما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - «أنَّهم غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَقاتَلُوا قَوْمًا مِن جُهَيْنَةَ؛ فَقاتَلُوا قِتالًا شَدِيدًا؛ قالَ جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: فَلَمّا صَلَّيْنا الظُّهْرَ؛ قالَ المُشْرِكُونَ: لَوْ مِلْنا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً لاقْتَطَعْناهُمْ؛ (p-٣٨١)فَأخْبَرَ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ؛ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ قالَ: وقالُوا: إنَّهُ سَتَأْتِيهِمْ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِنَ الأوْلادِ؛ فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ صَفَّنا صَفَّيْنِ؛ والمُشْرِكُونَ بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ...؛» الحَدِيثَ؛ ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّجُودِ ظاهِرَهُ؛ فَيَكُونَ الضَّمِيرُ في ﴿فَلْيَكُونُوا﴾؛ لِلْجَمْعِ - الَّذِينَ مِنهم هَذِهِ الطّائِفَةُ - المَذْكُورِينَ بِطَرِيقِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: ”وإذا كُنْتَ فِيهِمْ“؛ وفي ”فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهُمْ“؛ أيْ: فَإذا سَجَدَ الَّذِينَ قامُوا مَعَكَ في الصَّلاةِ؛ فَلْيَكُنِ المُحَدَّثُ عَنْهم - وهُمُ الباقُونَ؛ الَّذِينَ أنْتَ فِيهِمْ؛ وهَذِهِ الطّائِفَةُ مِنهم - ﴿مِن ورائِكُمْ﴾؛ فَإذا أتَمَّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ صَلاتَها فَلْتَذْهَبْ إلى الحِراسَةِ؛ ﴿ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى﴾؛ أيْ: مِنَ الجَماعَةِ؛ ﴿لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾؛ كَما صَلَّتِ الطّائِفَةُ الأُولى؛ فَإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ثُنائِيَّةً؛ ولَمْ تُصَلِّ بِكُلِّ طائِفَةٍ جَمِيعَ الصَّلاةِ؛ فَلْتُسَلِّمْ بِالطّائِفَةِ الثّانِيَةِ؛ وإنْ كانَتْ رُباعِيَّةً؛ ولَمْ تُصَلِّ بِكُلِّ فِرْقَةٍ جَمِيعَ الصَّلاةِ؛ فَلْتُتِمَّ صَلاتَها؛ ولْتَذْهَبْ إلى وِجاهِ العَدُوِّ؛ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى؛ هَكَذا حَتّى تَتِمَّ الصَّلاةُ؛ ويُمْكِنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسُّجُودِ الصَّلاةَ - مِن إطْلاقِ اسْمِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ -؛ فَكَأنَّهُ قالَ: فَإذا صَلَّوْا؛ أيْ: أتَمُّوا صَلاتَهم - عَلى ما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ -؛ والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ (p-٣٨٢)فِي ”فَلْيَكُونُوا“؛ لِلطّائِفَةِ السّاجِدَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ولْيَأْخُذُوا﴾؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُهُ لِلْكُلِّ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الأمْرَ بِذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالمُصَلِّي؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا عائِقَ لَهُ عَنِ الأخْذِ مَتى شاءَ؛ أوْ: ولْتَأْخُذْ جَمِيعُ الطَّوائِفِ - الحارِسُونَ؛ والمُصَلُّونَ - ﴿حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾؛ في حالِ صَلاتِهِمْ؛ وحِراسَتِهِمْ؛ وإتْيانِهِمْ إلى الصَّلاةِ؛ وانْصِرافِهِمْ مِنها؛ فَجَعَلَ الحَذَرَ - الَّذِي هو التَّيَقُّظُ؛ والتَّحَرُّزُ؛ بِإقْبالِ الفِكْرِ عَلى ما يَمْنَعُ كَيْدَ العَدُوِّ - كالآلَةِ المَحْسُوسَةِ؛ وخُصَّ في اسْتِعْمالِهِ في الصَّلاةِ في شَأْنِ العَدُوِّ؛ وخُصَّ آخِرُ الصَّلاةِ بِزِيادَةِ حَذَرٍ؛ إشارَةً إلى أنَّ العَدُوَّ في أوَّلِ الصَّلاةِ قَلَّما يَفْطِنُونَ لِكَوْنِهِمْ في الصَّلاةِ؛ بِخِلافِ الآخِرِ؛ فَلِهَذا خُصَّ بِمَزِيدِ الحَذَرِ؛ وهَذا الكَلامُ - عَلى وجازَتِهُ - مُحْتَمِلٌ - كَما تَرى - لِجَمِيعِ الكَيْفِيّاتِ المَذْكُورَةِ في الفِقْهِ؛ لِصَلاةِ الخَوْفِ؛ إذا لَمْ يَكُنِ العَدُوُّ في وجْهِ القِبْلَةِ؛ عَلى أنَّها تَحْتَمِلُ التَّنْزِيلَ عَلى ما إذا كانَ في وجْهِ القِبْلَةِ بِأنْ يُحْمَلَ الوَراءُ عَلى ما واراهُ السُّجُودُ عَنْكُمْ؛ وإتْيانِ الطّائِفَةِ الأُخْرى؛ عَلى الإقْبالِ عَلى المُتابَعَةِ لِلْإمامِ في الأفْعالِ؛ و”لَمْ يُصَلُّوا“؛ أيْ: بِقَيْدِ المُتابَعَةِ لَهُ فِيها - واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الهادِي.
وما أحْسَنَ اتِّصالَ ذَلِكَ بِأوَّلِ آياتِ الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]؛ فَهو مِن رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أمْرَهُ بِهَذِهِ الكَيْفِيَّةِ عَلى هَذا الِاحْتِياطِ والحَزْمِ؛ بِقَوْلِهِ - مُقَوِّيًا لِتَرْغِيبِهِمْ في ذَلِكَ؛ بِإقْبالِ الخِطابِ (p-٣٨٣)عَلَيْهِمْ -: ﴿ودَّ﴾؛ أيْ: تَمَنّى تَمَنِّيًا عَظِيمًا؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: باشَرُوا الكُفْرَ وقْتًا ما؛ فَكَيْفَ بِمَن هو غَرِيقٌ فِيهِ؟ ﴿لَوْ تَغْفُلُونَ﴾؛ أيْ: تَقَعُ لَكم غَفْلَةٌ في وقْتٍ ما؛ ﴿عَنْ أسْلِحَتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ القُوَّةُ بِالآلاتِ مُرْهِبَةً لِلْعَدُوِّ؛ ومُنْكِبَةً؛ قالَ: ﴿وأمْتِعَتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الغَفْلَةُ ضَعْفًا ظاهِرًا؛ تَسَبَّبَ عَنْها قَوْلُهُ: ﴿فَيَمِيلُونَ﴾؛ وأشارَ إلى العُلُوِّ والغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ وأشارَ إلى سُرْعَةِ الأخْذِ بِقَوْلِهِ: ﴿مَيْلَةً﴾؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾
ولَمّا كانَ اللَّهُ - ولَهُ المَنُّ - قَدْ رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ الحَرَجَ؛ وكانَ المَطَرُ؛ والمَرَضُ شاقَّيْنِ؛ قالَ: ﴿ولا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ﴿عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ يَسِيرًا؛ ﴿مِن مَطَرٍ﴾؛ أيْ: لِأنَّ حَمْلَ السِّلاحِ حِينَئِذٍ يَكُونُ سَبَبًا لِبَلِّهِ؛ ﴿أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ: مُتَّصِفِينَ بِالمَرَضِ؛ وكَأنَّ التَّعْبِيرَ بِالوَصْفِ إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى شَيْءٍ مِنهُ لا يُرَخِّصُ؛ ﴿أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ حَمْلَها يَزِيدُ المَرِيضَ وهْنًا.
ولَمّا خَفَّفَ ما أوْجَبَهُ أوَّلًا مِن أخْذِ السِّلاحِ؛ بِرَفْعِ الجُناحِ في حالِ العُذْرِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَضَعُوهُ إنْ شِئْتُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بِصِيغَةِ الأمْرِ؛ إشارَةً إلى وُجُوبِ الحَذَرِ مِنهم في كُلِّ حالٍ - قَوْلَهُ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾؛ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ لا يُتَوَقَّعُ مِنهُ ضَرَرٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما بَشَّرَ فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ تَشْجِيعًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الأمْرَ بِالحَزْمِ إنَّما هو (p-٣٨٤)لِلْجَرْيِ عَلى ما رَسَمَهُ مِنَ الحِكْمَةِ في قَوْلِهِ - رَبَطَ المُسَبَّباتِ بِالأسْبابِ؛ فَهو مِن بابِ: ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿أعَدَّ﴾؛ أيْ: في الأزَلِ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الدّائِمِينَ عَلى الكُفْرِ؛ لا مَنِ اتَّصَفَ بِهِ وقْتًا ما؛ وتابَ مِنهُ؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: يُهِينُهم بِهِ؛ مِن أعْظَمِهِ حَذَرُكُمُ الَّذِي لا يَدَعُ لَهم عَلَيْكم مَقْدِمًا؛ ولا تُمْكِنُهم مَعَهُ مِنكم فُرْصَةٌ.
النساء 4:103
ولَمّا عَلَّمَهم بِما يَفْعَلُونَ في الصَّلاةِ حالَ الخَوْفِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَفْعَلُونَ بَعْدَها؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّها تُغْنِي عَنْ مُجَرَّدِ الذِّكْرِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى تَعْقِيبِهِ بِهِ -: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: فَرَغْتُمْ مِن فِعْلِها وأدَّيْتُمُوها عَلى حالَةِ الخَوْفِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَسْتَحِقُّ أنْ يُراقَبَ فَلا يُنْسى؛ ﴿قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ حِصْنُكم في كُلِّ حالَةٍ؛ مِن كُلِّ عَدُوٍّ ظاهِرٍ أوْ باطِنٍ.
ولَمّا كانَ الذِّكْرُ أعْظَمَ حَفِيظٍ لِلْعَبْدِ؛ وحارِسٍ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ؛ ومُسَكِّنٍ لِلْقُلُوبِ؛ ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ أشارَ (p-٣٨٥)إلى ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالصَّلاةِ حالَ الطُّمَأْنِينَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ قَدْرِها؛ وبَيانًا لِأنَّها أوْثَقُ عُرى الدِّينِ؛ وأقْوى دَعائِمِهِ؛ وأفْضَلُ مُجْلِياتِ القُلُوبِ؛ ومُهَذِّباتِ النُّفُوسِ؛ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى مَجامِعِ الذِّكْرِ؛ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ فَقالَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾؛ أيْ: عَمّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الخَوْفِ؛ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: فافْعَلُوها قائِمَةَ المَعالِمِ كُلِّها؛ عَلى الحالَةِ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْعَلُونَها قَبْلَ الخَوْفِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِها في الأمْنِ والخَوْفِ؛ والسَّعَةِ؛ والضِّيقِ؛ سَفَرًا أوْ حَضَرًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ﴾؛ مُظْهِرًا لِما كانَ الأصْلُ فِيهِ الإضْمارَ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ قَدْرِها؛ بِما لِلْعَبْدِ فِيها مِنَ الوَصْلَةِ بِمَعْبُودِهِ؛ ﴿كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا﴾؛ أيْ: هي - مَعَ كَوْنِها فَرْضًا - جامِعَةٌ عَلى اللَّهِ جَمْعًا لا يُقارِنُها فِيهِ غَيْرُها؛ ﴿مَوْقُوتًا﴾؛ أيْ: وهي - مَعَ كَوْنِها مَحْدُودَةً - مَضْبُوطَةٌ بِأوْقاتٍ مَشْهُورَةٍ؛ فَلا يَجُوزُ إخْراجُها عَنْها؛ في أمْنٍ؛ ولا خَوْفِ فَوْتٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ مادَّةُ ”وقَتَ“؛ لِلْأبْدانِ بِما تُسَبِّبُ مِنَ الأرْزاقِ؛ ولِلْقُلُوبِ بِما تَجْلِبُ مِنَ المَعارِفِ؛ والأنْوارِ.
النساء 4:104
ولَمّا عُرِفَ مِن ذَلِكَ أنَّ آياتِ الجِهادِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعَلِّمَةٌ لِلْحَذِرِ؛ خَوْفَ الضَّرَرِ؛ مُرْشِدَةٌ إلى إتْقانِ المَكائِدِ؛ لِلتَّخَلُّصِ مِنَ الخَطَرِ؛ (p-٣٨٦)وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِمُتابَعَةِ النَّفْسِ؛ والمُبالَغَةِ فِيهِ؛ وهو مَظِنَّةٌ لِلتَّوانِي في أمْرِ الجِهادِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى الجِدِّ في أمْرِهِ؛ وأنَّهُ لَمْ يَدَعْ في الصَّلاةِ؛ ولا غَيْرِها؛ ما يَشْغَلُ عَنْهُ؛ عاطِفًا عَلى نَحْوِ: ”فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ“؛ أوْ عَلى: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] -: ﴿ولا تَهِنُوا﴾؛ أيْ: تَضْعُفُوا؛ وتَتَوانَوْا بِالِاشْتِغالِ بِذِكْرٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ فَقَدْ يَسَّرْتُ ذَلِكَ لَكم تَيْسِيرًا لا يَعُوقُ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِ الجِهادِ؛ ﴿فِي ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾؛ أيْ: طَلَبِهِمْ بِالِاجْتِهادِ؛ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والقِيامِ بِالأُمُورِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ لَكم ألَمٌ؛ ومَشَقَّةٌ بِالجِهادِ؛ مِنَ القَتْلِ وما دُونَهُ؛ ﴿فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّهم يَحْصُلُ لَهم مِن ذَلِكَ ما يَحْصُلُ لَكُمْ؛ فَلا يَكُونُنَّ عَلى باطِلِهِمْ أصْبَرَ مِنكم عَلى حَقِّكم.
ولَمّا بَيَّنَ ما يَكُونُ مانِعًا لَهم مِنَ الوَهْنِ دُونَهُمْ؛ لِأنَّهُ مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُمْ؛ بَيَّنَ ما يَحْمِلُهم عَلى الإقْدامِ؛ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرْجُونَ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿ما لا يَرْجُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والعَزْمِ؛ والكَرَمِ؛ واللُّطْفِ؛ لِأنَّكم تُقاتِلُونَ فِيهِ؛ وهم يُقاتِلُونَ في الشَّيْطانِ؛ وهَذا لِكُلِّ مَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ؛ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في جِهادِ الكُفّارِ؛ أوْ لا. (p-٣٨٧)ولَمّا كانَ العِلْمُ مَبْنى كُلِّ خَيْرٍ؛ وكانَتِ الحِكْمَةُ الَّتِي هي نِهايَةُ العِلْمِ؛ وغايَةُ القُدْرَةِ؛ مَجْمَعَ الصِّفاتِ العُلا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الآمِرُ لَكم بِهَذِهِ الأوامِرِ؛ وهو المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ؛ فَهو لا يَأْمُرُ إلّا بِما يَكُونُ بالِغَ الحُسْنِ؛ مُصْلِحًا لِلدِّينِ؛ والدُّنْيا؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَهو يُتْقِنُ لِمَن يَأْمُرُهُ الأحْوالَ؛ ويُسَدِّدُهُ في المَقالِ؛ والفِعالِ؛ فَمَن عَلِمَ مِنهُ خَيْرًا أرادَهُ ورَقّاهُ في دَرَجِ السَّعادَةِ؛ ومَن عَلِمَ مِنهُ شَرًّا كادَهُ؛ فَنَكَّسَ مَبْدَأهُ ومَعادَهُ.
النساء 4:105
ولَمّا كانَ أوَّلُ هَذِهِ القِصَصِ التَّعْجِيبَ مِن حالِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ في ضَلالِهِمْ؛ وإضْلالِهِمْ؛ ثُمَّ التَّعْجِيبَ مِن إيمانِهِمْ بِالجِبْتِ؛ والطّاغُوتِ؛ ثُمَّ التَّعْجِيبَ مِن حالِ مَنِ ادَّعى الإيمانَ بِهَذا الكِتابِ؛ مَعَ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ ثُمَّ رَضِيَ بِحُكْمِ غَيْرِهِ؛ وساقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أُصُولَ ذَلِكَ؛ وفُرُوعَهُ؛ ونَصَبَ الأدِلَّةَ؛ حَتّى عَلَتْ عَلى الفَرْقَدَيْنِ؛ وانْتَشَرَ ضِياؤُها عَلى جَمِيعِ الخافِقَيْنِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِمُجاهَدَةِ المُبْطِلِينَ بِالحُجَّةِ؛ والسَّيْفِ؛ وسَوَّرَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ ناسَبَ - أتَمَّ مُناسَبَةٍ - الإخْبارَ بِأنَّهُ أنْزَلَ هَذا الكِتابَ بِالحَقِّ؛ وبَيَّنَ فائِدَتَهُ الَّتِي عَدَلَ عَنْها المُنافِقُونَ في اسْتِحْكامِ غَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي تَتَقاصَرُ دُونَها كُلُّ عَظَمَةٍ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ وأنْتَ أكْمَلُ الخَلْقِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ؛ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِما يُطابِقُهُ الواقِعُ (p-٣٨٨)﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ لِأنَّ دَعْوَتَكَ عامَّةٌ؛ فَلا أضَلَّ مِمَّنْ عَدَلَ عَنْ حُكْمِكَ؛ وابْتَغى خَيْرًا مِن غَيْرِ كِتابِكَ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما أراكَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَرَّفَكَهُ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ والعِلْمُ الكامِلُ؛ فَإنْ كانَ قَدْ بَيَّنَ لَكَ شَيْئًا غايَةَ البَيانِ فافْعَلْهُ؛ وإلّا فانْتَظِرْ مِنهُ البَيانَ؛ ثُمَّ شَرَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في إتْمامِ ما بَقِيَ مِن أخْبارِهِمْ؛ وكَشَفَ ما بَطَنَ مِن أسْرارِهِمْ؛ وبَيانِ عَلاماتِهِمْ؛ لِيُعْرَفُوا؛ ويَجْتَنِبَها المُؤْمِنُونَ لِئَلّا يُوسَمُوا بِمَيْسَمِهِمْ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ خَفَّفَ عَلَيْهِ ﷺ بِأنْ شَرَعَ لَهُ القَناعَةَ في الحُكْمِ بِالظّاهِرِ؛ وعَدَمَ التَّكْلِيفِ بِالنَّقْبِ عَنْ سَرائِرِهِمْ؛ بِالدَّفْعِ عَنْ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ لِأنَّ أمْرَهُ كانَ مُشْكِلًا؛ فَإنَّهُ سَرَقَ دِرْعًا؛ وأوْدَعَها عِنْدَ يَهُودِيٍّ؛ فَوُجِدَتْ عِنْدَهُ؛ فادَّعى أنَّ طُعْمَةَ أوْدَعَها عِنْدَهُ؛ ولَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلى طُعْمَةَ؛ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الآيَةَ؛ فَأرادَ (تَعالى) إنْزالَهُ في هَذِهِ النّازِلَةِ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا يُرِيدُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في المَقامِ الخَضِرِيِّ مِنَ الحُكْمِ بِما في نَفْسِ الأمْرِ؛ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ كانَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ - كَما نَقَلَهُ شَيْخُنا قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِمِصْرَ؛ أبُو الفَضْلِ أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ (تَعالى) -؛ (p-٣٨٩)فِي الإصابَةِ في أسْماءِ الصَّحابَةِ؛ أنَّ الخَضِرَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - نَبِيٌّ؛ وكانَ نَبِيُّنا ﷺ قَدْ أُعْطِيَ مِثْلَ جَمِيعِ مُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَعَ ما اخْتُصَّ بِهِ دُونَهم - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ؛ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ والبَرَكاتِ -؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ما عُلِمَ تَقْدِيرُهُ؛ مِن نَحْوِ: ”فاحْكم بِما نُرِيكَ مِن بِحارِ العُلُومِ الَّتِي أوْدَعْناها هَذا الكِتابَ“ -: ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ مِن طُعْمَةَ وغَيْرِهِ؛ ﴿خَصِيمًا﴾؛ أيْ: مُخاصِمًا لِمَن يُخاصِمُهُمْ؛
النساء 4:106
وأتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ؛ والغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ وهَذا الِاسْتِغْفارُ لا عَنْ ذَنْبٍ؛ إذْ هو مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ؛ مَعْصُومٌ مِنهُ؛ ولَكِنْ عَنْ مَقامٍ عالٍ تامٍّ؛ لِلِارْتِقاءِ إلى أعْلى مِنهُ وأتَمَّ؛ وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦]؛ مِن وجْهٍ مُسْتَقْصٍ مُبَيَّنٍ بَيانًا شافِيًا؛ وسَمّى بَنِي أُبَيْرِقٍ ”بِشْرًا“؛ و”بُشَيْرًا“؛ و”مُبَشِّرًا“؛ ولَمْ يَذْكُرْ طُعْمَةَ؛ واللَّهَ (p-٣٩٠)- سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ؛ قالَ: عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ؛ وبُشَيْرٌ؛ ومُبَشِّرٌ؛ فَكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا؛ يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ يَنْحِلُهُ بَعْضَ العَرَبِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا؛ فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ؛ قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ؛ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ؛ والإسْلامِ؛ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ؛ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ؛ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ؛ وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ؛ دِرْعٌ وسَيْفٌ؛ فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ البَيْتِ؛ فَنُقِبَتِ المَشْرُبَةُ؛ وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ؛ فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ؛ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ إنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ؛ فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا؛ وذُهِبَ بِطَعامِنا؛ وسِلاحِنا؛ قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ؛ فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ (p-٣٩١)اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ؛ قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا - ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ -: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ - رَجُلٌ مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ -؛ فَلَمّا سَمِعَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟! فَواللَّهِ لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ؛ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ؛ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ؛ فَما أنْتَ بِصاحِبِها؛ فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها؛ فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ؛ قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُهُ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”سَآمُرُ في ذَلِكَ“؛ فَلَمّا سَمِعَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أسِيرُ بْنُ عُرْوَةَ؛ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ فاجْتَمَعَ في ذَلِكَ أُناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ؛ وعَمَّهُ؛ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا؛ أهْلِ إسْلامٍ؛ وصَلاحٍ؛ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ؛ ولا ثَبْتٍ؛ قالَ (p-٣٩٢)قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ؛ فَقالَ: ”عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ؛ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ ثَبْتٍ؛ وبَيِّنَةٍ؟!“؛ قالَ: فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي؛ ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [النساء: ١٠٥]؛ إلى: ﴿خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] بَنِي أُبَيْرِقٍ؛ ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤] فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنَ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ؛ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ؛ فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ؛ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ سُمَيَّةَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ [النساء: ١١٥]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] "؛ ورَوى الحَدِيثَ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ؛ وزادَ: إنَّ حَسّانًا قالَ في نُزُولِهِ عِنْدَها أبْياتًا؛ فَطَرَدَتْهُ؛ فَلَحِقَ بِالطّائِفِ؛ فَدَخَلَ بَيْتًا لِيَسْرِقَ مِنهُ؛ فَوَقَعَ عَلَيْهِ فَماتَ؛ فَقالَتْ قُرَيْشٌ: واللَّهِ ما يُفارِقُ مُحَمَّدًا مِن أصْحابِهِ أحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ».
النساء 4:107
(p-٣٩٣)ولَمّا نَهاهُ عَنِ الخِصامِ لِمُطْلَقِ الخائِنِ؛ وهو مَن وقَعَتْ مِنهُ خِيانَةٌ ما؛ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ المُجادَلَةِ عَمَّنْ تَعَمَّدَ الخِيانَةَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا تُجادِلْ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ ما؛ ﴿عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ مِنهم تَعَمُّدٌ أنْ يَخُونُوا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ بِأنْ يُوقِعُوها في الهَلَكَةِ؛ بِالعِصْيانِ فِيما ائْتُمِنُوا عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ؛ والتَّعْبِيرُ بِالجَمْعِ - مَعَ أنَّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ واحِدٌ - لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَهْدِيدِ مَن أعانَهُ مِن قَوْمِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّ الخِيانَةَ لا تَقَعُ إلّا مُكَرَّرَةً؛ فَإنَّهُ يَعْزِمُ عَلَيْها أوَّلًا؛ ثُمَّ يَفْعَلُها؛ فَأدْنى لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ قَدْ خانَ مِن نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ؛ قالَ الإمامُ ما مَعْناهُ أنَّ التَّهْدِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ عَظِيمٌ جِدًّا؛ وذَلِكَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عاتَبَ خَيْرَ الخَلْقِ عِنْدَهُ؛ وأكْرَمَهم لَدَيْهِ؛ هَذِهِ المُعاتَبَةَ؛ وما فَعَلَ إلّا الحَقَّ في الظّاهِرِ؛ فَكَيْفَ بِمَن يَعْلَمُ الباطِنَ ويُساعِدُ أهْلَ الباطِلِ؟ فَكَيْفَ إنْ كانَ بِغَيْرِهِمْ؟ ثُمَّ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى أنَّ مَن خانَ غَيْرَهُ كانَ مُبالِغًا في الخِيانَةِ بِالعَزْمِ وخِيانَةِ الغَيْرِ؛ المُسْتَلْزِمَةِ لِخِيانَةِ النَّفْسِ؛ فَلِذا خُتِمَتْ بِالتَّعْلِيلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجَلِيلَ؛ العَظِيمَ؛ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يُكْرِمُ؛ ﴿مَن كانَ (p-٣٩٤)خَوّانًا أثِيمًا﴾؛ بِصِيغَتَيِ المُبالَغَةِ - عَلى أنَّ مَراتِبَ المُبالِغِينَ في الخِيانَةِ مُتَفاوِتَةٌ -؛ وفِيهِ مَعَ هَذا اسْتِعْطافٌ لِمَن وقَعَتْ مِنهُ الخِيانَةُ مَرَّةً واحِدَةً؛ وقَدَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ لِأنَّ فِيهِ دَفْعًا لِلضُّرِّ عَنِ البَرِيءِ؛ وجَلْبًا لِلنَّفْعِ إلَيْهِ؛
النساء 4:108
ثُمَّ أتْبَعَهُ بِعَيْبِ هَذا الخائِنِ؛ وقِلَّةِ تَأمُّلِهِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ المُجادَلَةَ عَنْهُ قَلِيلَةُ الجَدْوى؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُعَجِّبًا مِنهم بِما هو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿يَسْتَخْفُونَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الخَوَنَةُ: طُعْمَةُ؛ ومَن مالَأهُ؛ وهو يَعْلَمُ باطِنَ أمْرِهِ؛ ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ حَياءً مِنهُمْ؛ وخَوْفًا مِن أنْ يَضُرُّوهم لِمُشاهَدَتِهِمْ لَهم وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿ولا يَسْتَخْفُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ ويُوجِدُونَ الخُفْيَةَ بِعَدَمِ الخِيانَةِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ؛ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ؛ ﴿مَعَهُمْ﴾؛ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِن نَكالِهِمْ؛ فالِاسْتِخْفاءُ مِنهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَرْكِ الخِيانَةِ؛ ومَحْضِ الإخْلاصِ؛ فَواسَوْأتاهُ مِن أغْلَبِ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ والأحْوالِ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿يُبَيِّتُونَ﴾؛ أيْ: يُرَتِّبُونَ لَيْلًا؛ عَلى طَرِيقِ الإمْعانِ في الفِكْرِ؛ والإتْقانِ لِلرَّأْيِ؛ ﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: مِنَ البَهْتِ؛ والحَلِفِ عَلَيْهِ؛ فَلا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ؛ ولا يَخافُونَ؛ لِاسْتِيلاءِ الجَهْلِ والغَفْلَةِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ. (p-٣٩٥)ولَمّا أثْبَتَ عِلْمَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا؛ مِن حالِهِمْ؛ عَمَّمَ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿مُحِيطًا﴾؛ أيْ: عِلْمًا وقُدْرَةً.
النساء 4:109
ولَمّا وبَّخَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى جَهْلِهِمْ؛ حَذَّرَ مِن مُناصَرَتِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّها لا تُجْدِيهِمْ شَيْئًا؛ مُخَوِّفًا لَهم جِدًّا بِالمُواجَهَةِ بِمِثْلِ هَذا التَّنْبِيهِ؛ والخِطابِ؛ ثُمَّ الإشارَةِ بَعْدُ -: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾؛ وزادَ في التَّرْهِيبِ؛ لِلتَّعْيِينِ بِما هو مِنَ الجَدَلِ؛ الَّذِي هو أشَدُّ الخُصُومَةِ - مِن ”جَدْلُ الحَبْلِ“؛ الَّذِي هو شِدَّةُ فَتْلِهِ - وإظْهارِهِ في صِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِأنَّ المُرادَ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ التَّهْدِيدُ -: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهُمْ﴾؛ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِما جُعِلَ لَكم مِنَ الأسْبابِ.
ولَمّا حَذَّرَهُمْ؛ وبَّخَهم عَلى قِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ؛ وزِيادَةً في التَّحْذِيرِ بِأنَّ مُجادَلَتَهم هَذِهِ سَبَبٌ لِوُقُوعِ الحُكُومَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ كُلُّهُ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: حِينَ تَنْقَطِعُ الأسْبابُ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ولا يَفْتَرِقُ الحالُ في هَذا بَيْنَ أنْ تَكُونَ ”ها“؛ مِن ”ها أنْتُمْ“؛ لِلتَّنْبِيهِ؛ أوْ بَدَلًا عَنْ هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ - عَلى ما تَقَدَّمَ -؛ فَإنَّ مَعْنى الإنْكارِ هُنا واضِحٌ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ. (p-٣٩٦)ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَحاسِنِ كَفُّ الإنْسانِ عَمّا لا عِلْمَ لَهُ بِهِ؛ عَطَفَ عَلى الجُمْلَةِ مِن أوَّلِها - مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِيَوْمِ القِيامَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى قُبْحِ المُجادَلَةِ عَنْهُمْ؛ بِقُصُورِ عِلْمِ الخَلائِقِ - قَوْلَهُ: ﴿أمْ مَن يَكُونُ﴾؛ أيْ: فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُ مِنهم ما يَعْلَمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنْ يُحْصِيَ أعْمالَهُمْ؛ فَلا يَغِيبَ عَنْهُ مِنها شَيْءٌ؛ لِيُجادِلَ اللَّهَ عَنْهُمْ؛ فَيَثْبُتَ لَهم ما فارَقُوهُ؛ ويَنْفِيَ عَنْهم ما لَمْ يُلابِسُوهُ؛ ويَرْعاهم ويَحْفَظَهم مِمّا يَأْتِيهِمْ بِهِ القَدَرُ مِنَ الضَّرَرِ والكَدَرِ.
النساء 4:110
ولَمّا نَهى عَنْ نُصْرَةِ الخائِنِ؛ وحَذَّرَ مِنها؛ نَدَبَ إلى التَّوْبَةِ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن يُصِرَّ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المُجادَلَةِ يَجِدِ اللَّهَ عَلِيمًا حَكِيمًا“ -: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾؛ أيْ: قَبِيحًا؛ مُتَعَدِّيًا يَسُوءُ غَيْرَهُ شَرْعًا؛ عَمْدًا - كَما فَعَلَ طُعْمَةُ - أوْ غَيْرَ عُمَدٍ؛ ﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾؛ بِما لا يَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ؛ شِرْكًا كانَ أوْ غَيْرَهُ؛ أوْ بِالرِّضا لَها بِما غَيْرُهُ أعْلى مِنهُ؛ ولَمْ يَسَمِّهِ بِالسُّوءِ لِأنَّهُ لا يَقْصِدُ نَفْسَهُ بِما يَضُرُّها في الحاضِرِ؛ ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبْ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ غُفْرانَهُ بِالتَّوْبَةِ؛ بِشُرُوطِها؛ ﴿يَجِدِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: مُمْحِيًا لِلزَّلّاتِ؛ (p-٣٩٧)﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مُبالِغًا في إكْرامِ مَن يُقْبِلُ إلَيْهِ: «”مَن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ ذِراعًا؛ ومَن تَقَرَّبَ مِنِّي ذِراعًا تَقَرَّبْتُ مِنهُ باعًا؛ ومَن أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً“؛» رَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ وأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها.
النساء 4:111
ولَمّا نَدَبَ إلى التَّوْبَةِ؛ ورَغَّبَ فِيها؛ بَيَّنَ أنَّ ضَرَرَ إثْمِهِ لا يَتَعَدّى نَفْسَهُ؛ حَثًّا عَلى التَّوْبَةِ؛ وتَهْيِيجًا إلَيْها لِما جُبِلَ عَلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ مِن مَحَبَّةِ نَفْعِ نَفْسِهِ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْها؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾؛ أيَّ إثْمٍ كانَ؛ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾؛ لِأنَّ وبالَهُ راجِعٌ عَلَيْهِ؛ إذِ اللَّهُ لَهُ بِالمِرْصادِ؛ فَهو مُجازِيهِ عَلى ذَلِكَ؛ لا مَحالَةَ؛ غَيْرَ حامِلٍ لِشَيْءٍ مِن إثْمِهِ عَلى غَيْرِهِ؛ كَما أنَّهُ غَيْرُ حامِلٍ لِشَيْءٍ مِن إثْمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ؛ و”الكَسْبُ“: فِعْلُ ما يَجُرُّ نَفْعًا؛ أوْ يَدْفَعُ ضُرًّا.
ولَمّا كانَ هَذا لا يَكُونُ إلّا مَعَ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ الإحاطَةِ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ بِدَقِيقِ ذَلِكَ؛ وجَلِيلِهِ؛ فَلا يَتْرُكُ شَيْئًا مِنهُ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَلا يُجازِيهِ إلّا بِمِقْدارِ ذَنْبِهِ؛ وإذا أرادَ شَيْئًا وضَعَهُ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ؛ فَلا يُمْكِنُ غَيْرَهُ شَيْءٌ مِن نَقْضِهِ.
النساء 4:112
(p-٣٩٨)ولَمّا ذَكَرَ ما يَخُصُّ الإنْسانَ مِن إثْمِهِ؛ أتْبَعَهُ ما يُعَدِّيهِ إلى غَيْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾؛ أيْ: ذَنْبًا غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لَهُ؛ ﴿أوْ إثْمًا﴾؛ أيْ: ذَنْبًا تَعَمَّدَهُ؛ ولَمّا كانَ البُهْتانُ شَدِيدًا جِدًّا؛ قَلَّ مَن يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾؛ أيْ: يَنْسُبُهُ إلى مَن لَمْ يَعْمَلْهُ - كَما فَعَلَ طُعْمَةُ بِاليَهُودِيِّ؛ وابْنُ أُبَيٍّ بِالصِّدِّيقَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها -؛ وعَظَّمَ جُرْمَ فاعِلِ ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿بُهْتانًا﴾؛ أيْ: خَطَرَ كَذِبٍ؛ يَبْهَتُ المَرْمِيَّ بِهِ لِعِظَمِهِ؛ وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى ما يَلْحَقُ الرّامِي في الدُّنْيا مِنَ الذَّمِّ؛ ﴿وإثْمًا﴾؛ أيْ: ذَنْبًا كَبِيرًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ يُعاقَبُ بِهِ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما كانَ مُبِينًا لِمَعْرِفَتِهِ بِخِيانَةِ نَفْسِهِ؛ وبَراءَةِ المَرْمِيِّ بِهِ؛ ولِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أجْرى عادَتَهُ الجَمِيلَةَ؛ أنْ يُظْهِرَ بَراءَةَ المَقْذُوفِ بِهِ يَوْمًا ما؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ ولَوْ لِبَعْضِ النّاسِ.
النساء 4:113
ولَمّا وعَظَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ النّازِلَةِ؛ وحَذَّرَ؛ ونَهى؛ وأمَرَ؛ بَيَّنَ نِعْمَتَهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ في عِصْمَتِهِ عَمّا أرادُوهُ مِن مُجادَلَتِهِ عَنِ الخائِنِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ (p-٣٩٩)﴿عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: بِإنْزالِ الكِتابِ؛ ﴿ورَحْمَتُهُ﴾؛ أيْ: بِإعْلاءِ أمْرِكَ؛ وعِصْمَتِكَ مِن كُلِّ ذِي كَيْدٍ؛ وحِفْظِكَ في أصْحابِكَ الَّذِينَ أتَوْا يُجادِلُونَ عَنِ ابْنِ عَمِّهِمْ؛ سارِقِ الدِّرْعِ؛ في التَّمَسُّكِ بِالظّاهِرِ؛ وعَدَمِ قَصْدِ العِنادِ؛ ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: فِرْقَةٌ فِيها أهْلِيَّةُ الِاسْتِدارَةِ والتَّخَلُّقِ؛ لا تَزالُ تَتَخَلَّقُ فَتُفَيِّلُ الآراءَ؛ وتَقَلِّبُ الأُمُورَ؛ وتُدِيرُ الأفْكارَ في تَرْتِيبِ ما تُرِيدُ؛ ﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُوكَ في ذَلِكَ؛ بِالحُكْمِ بِبَراءَةِ طُعْمَةَ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ حَفِظَكَ في أصْحابِكَ فَما هَمُّوا بِذَلِكَ؛ وإنَّما قَصَدُوا المُدافَعَةَ عَنْ صاحِبِهِمْ بِما لَمْ يَتَحَقَّقُوهُ؛ ولَوْ هَمُّوا لَما أضَلُّوكَ؛ ﴿وما يُضِلُّونَ﴾؛ أيْ: عَلى حالَةٍ مِن حالاتِ هَذا الهَمِّ؛ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾؛ إذْ وبالُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وما يَضُرُّونَكَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ في ضُرِّكَ حالًا ولا مالًا بِإضْلالٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ وهو وعْدٌ بِدَوامِ العِصْمَةِ في الظّاهِرِ؛ والباطِنِ؛ كَآيَةِ ”المائِدَةِ“؛ أيْضًا؛ وإنْ كانَتْ هَذِهِ بِسِياقِها ظاهِرَةً في الباطِنِ؛ وتِلْكَ ظاهِرَةً في الظّاهِرِ؛ ﴿وأنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ وأنْتَ أعْظَمُ الخَلْقِ عِصْمَةً لِأُمَّتِكَ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ أوَّلَ القِصَّةِ الإشارَةُ إلى كَمالِهِ؛ وجَمْعِهِ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾ (p-٤٠٠)؛ أيْ: الفَهْمَ لِجَمِيعِ مَقاصِدِ الكِتابِ؛ فَتَكُونُ أفْعالُكَ وأفْعالُ مَن تابَعَكَ فِيهِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ؛ فَتَظْفَرُوا بِتَحْقِيقِ العِلْمِ؛ وإتْقانِ العَمَلِ؛ وعَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنَ المُشْكِلاتِ؛ وغَيْرِها؛ غَيْبًا وشَهادَةً؛ مِن أحْوالِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُتَوَحِّدِ بِكُلِّ كَمالٍ؛ ﴿عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا تَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ وهَذا مِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ العِلْمَ أشْرَفُ الفَضائِلِ.
النساء 4:114
ولَمّا كانَ قَوْمُ طُعْمَةَ قَدْ ناجَوُا النَّبِيَّ ﷺ في الدَّفْعِ عَنْهُ؛ نَبَّهَهم - سُبْحانَهُ - وغَيْرَهم عَلى ما يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ بِهِ التَّناجِي؛ ويَحْسُنُ فِيهِ التَّفاؤُلُ والتَّجاذُبُ؛ عَلى وجْهٍ ناهٍ عَنْ غَيْرِهِ أشَدَّ نَهْيٍ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾؛ أيْ: نَجْوى جَمِيعِ المُناجِينَ؛ ﴿إلا مَن﴾؛ أيْ: نَجْوى مَن؛ ﴿أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾؛ ولَمّا خَصَّ الصَّدَقَةَ لِعِزَّةِ المالِ في ذَلِكَ الحالِ؛ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ مَعْرُوفٍ﴾؛ أيِّ مَعْرُوفٍ كانَ؛ مِمّا يُبِيحُهُ الشَّرْعُ؛ مِن صَدَقَةٍ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ أمْرًا جَلِيلًا؛ نَبَّهَ عَلى عِظَمِهِ بِتَخْصِيصِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ فَقَدْ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ غَيْرَ المُسْتَثْنى مِنَ التَّناجِي لا خَيْرَ فِيهِ؛ وكُلُّ ما انْتَفى عَنْهُ الخَيْرُ كانَ مُجْتَنَبًا - كَما رَوى أحْمَدُ؛ والطَّبَرانِيُّ؛ في الكَبِيرِ؛ بِسَنَدٍ لا بَأْسَ بِهِ؛ وهَذا لَفْظُهُ؛ (p-٤٠١)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «”أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ:“إنَّما الأُمُورُ ثَلاثَةٌ: أمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ رُشْدُهُ فاتَّبِعْهُ؛ وأمْرٌ تَبَيَّنَ لَكَ غَيُّهُ فاجْتَنِبْهُ؛ وأمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُدَّهُ إلى عالِمِهِ”».
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ:“فَمَن أمَرَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَنَجْواهُ خَيْرٌ؛ ولَهُ عَلَيْها أجْرٌ"؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ؛ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَكُونُ لَهُ رُوحٌ إلّا بِالنِّيَّةِ؛ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى أنَّ المَطْلُوبَ مِن أعْمالِ الظّاهِرِ؛ رِعايَةُ أحْوالِ القَلْبِ في إخْلاصِ النِّيَّةِ؛ وتَصْفِيَةِ الدّاعِيَةِ عَنْ الِالتِفاتِ إلى غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ؛ فَإنْ كانَ رِياءً انْقَلَبَتْ؛ فَصارَتْ مِن أعْظَمِ المَفاسِدِ.
النساء 4:115
ولَمّا رَتَّبَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الثَّوابَ العَظِيمَ عَلى المُوافَقَةِ؛ رَتَّبَ العِقابَ الشَّدِيدَ عَلى المُخالَفَةِ والمُشاقَقَةِ؛ ووَكَلَ المُخالِفَ إلى نَفْسِهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ؛ فَيَكُونَ بِقَلْبِهِ؛ أوْ شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ؛ في جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتِهِ؛ عَلى وجْهِ المُقاهَرَةِ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ رَحْمَةً مِنهُ - سُبْحانَهُ - بِتَقْيِيدِ الوَعِيدِ بِالِاسْتِمْرارِ؛ وأظْهَرَ القافَ؛ إشارَةً إلى تَعْلِيقِهِ بِالمُجاهَرَةِ؛ ولِأنَّ السِّياقَ لِأهْلِ الأوْثانِ؛ وهم مُجاهِرُونَ؛ وقَدْ جاهَرَ سارِقَ الدِّرْعَيْنِ؛ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ في آخِرِ قِصَّتِهِ؛ كَما مَضى. (p-٤٠٢)ولَمّا كانَ في سِياقِ تَعْلِيمِ الشَّرِيعَةِ؛ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَعْلُومَةً قَبْلَ الإيحاءِ بِها؛ لا في سِياقِ المِلَّةِ المَعْلُومَةِ بِالعَقْلِ؛ أتى بِـ ”مِن“؛ تَقْيِيدًا لِلتَّهْدِيدِ بِما بَعْدَ الإعْلامِ بِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما﴾؛ ولَوْ حُذِفَتْ لَفُهِمَ اخْتِصاصُ الوَعِيدِ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ زَمانَ البُعْدِ بِالمُشاقَقَةِ؛ ولَمّا كانَ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ قالَ: ﴿تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾؛ أيْ: الدَّلِيلُ؛ الَّذِي هو سَبَبُهُ؛ ولَمّا كانَ المُخالِفُ لِلْإجْماعِ لا يَكْفُرُ؛ إلّا بِمُنابَذَةِ المَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ؛ عَبَّرَ بَعْدَ التَّبَيُّنِ بِالِاتِّباعِ؛ فَقالَ: ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم صِفَةً راسِخَةً؛ والمُرادُ الطَّرِيقُ المَعْنَوِيُّ - وجْهُ الشَّبَهِ الحَرَكَةُ البَدَنِيَّةُ المُوصِلَةُ إلى المَطْلُوبِ في الحِسِّيِّ؛ والنَّفْسانِيَّةِ في مُقَدِّماتِ الدَّلِيلِ المُوصِلِ إلى المَطْلُوبِ في المَعْنَوِيِّ -؛ ﴿نُوَلِّهِ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿ما تَوَلّى﴾؛ أيْ: نَكِلُهُ إلى ما اخْتارَ لِنَفْسِهِ؛ وعالَجَ فِيهِ فِطْرَتَهُ الأُولى؛ خِذْلانًا مِنّا لَهُ؛ ﴿ونُصْلِهِ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ؛ ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: تَلْقاهُ بِالكَراهَةِ؛ والغِلْظَةِ؛ والعُبُوسَةِ؛ كَما تَجَهَّمَ أوْلِياءَنا؛ وشاقَقَهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ صائِرٌ إلَيْها؛ لا مَحالَةَ“؛ بَيَّنَ حالَها في ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾؛ وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ؛ لِأنَّهُ لا يُتَوَعَّدُ إلّا عَلى مُخالَفَةِ الحَقِّ؛ وكَذا حَدِيثُ: «”لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي (p-٤٠٣)قائِمَةً بِأمْرِ اللَّهِ - وفي رِوايَةٍ: ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ - حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ“؛» رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - ثَوْبانُ؛ والمُغِيرَةُ؛ وجابِرُ بْنُ سَمُرَةَ؛ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؛ ومُعاوِيَةُ؛ وأنَسٌ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ بَعْضُ أحادِيثِهِمْ في الصَّحِيحَيْنِ؛ وبَعْضُها في السُّنَنِ؛ وبَعْضُها في المَسانِيدِ؛ وبَعْضُها في المَعاجِيمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ووَجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي شَهِدَ لَها النَّبِيُّ ﷺ بِالحَقِّ؛ في جُمْلَةِ أهْلِ الإجْماعِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُوَفِّقُ.
النساء 4:116
ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ؛ بَعْدَ بَيانِ الهُدى؛ هم أهْلُ الكِتابِ؛ ومَن أضَلُّوهُ مِنَ المُنافِقِينَ؛ بِما ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ؛ فَرَدُّوهم إلى ظَلامِ الشِّرْكِ والشَّكِّ؛ بَعْدَ أنْ بَهَرَتْ أبْصارَهم أشِعَّةُ التَّوْحِيدِ؛ حَسُنَ إيلاؤُهُ قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُعَلِّلًا؛ تَعْظِيمًا لِأهْلِ الإسْلامِ؛ وحَثًّا عَلى لُزُومِ هَدْيِهِمْ؛ وذَمًّا لِمَن نابَذَهُمْ؛ وتَوَعُّدًا لَهُ؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن خَرَقَ إجْماعَ المُسْلِمِينَ صارَ حُكْمُهُ حُكْمَ المُشْرِكِينَ؛ فَكَيْفَ بِمَن نابَذَ المُرْسَلِينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الأحَدَ المُطْلَقَ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: وُقُوعَ الشِّرْكِ بِهِ؛ مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ؛ وبِأيِّ شَيْءٍ كانَ؛ لِأنَّ مَن قَدَحَ في المَلِكِ اسْتَحَقَّ البَوارَ والهَلْكَ؛ وسارِقُ الدِّرْعِ أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ؛ ﴿ويَغْفِرُ ما﴾؛ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ هو ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لِلشَّناعَةِ (p-٤٠٤)مَوْضِعًا - كَما هو شَأْنُ مَن ألْقى السَّلَمَ؛ ودَخَلَ في رِبْقَةِ العُبُودِيَّةِ؛ ثُمَّ غَلَبَتْهُ الشَّهْوَةُ فَقَصَّرَ في بَعْضِ أنْواعِ الخِدْمَةِ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى نُفُوذِ أمْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا مُبِينًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: يُوقِعْ هَذا الفِعْلَ القَذِرَ جِدًّا؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ مِن ماضٍ؛ أوْ حالٍ؛ أوِ اسْتِقْبالٍ؛ مُداوِمًا عَلى تَجْدِيدِهِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا نِزاعَ في تَفَرُّدِهِ بِالعَظَمَهِ؛ لِأنَّهُ لا خَفاءَ في ذَلِكَ عِنْدَ أحَدٍ؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ أيْ: ذَهَبَ عَنِ السَّنَنِ المُوصِلِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ لا تُمْكِنُ سَلامَةُ مُرْتَكِبِهِ؛ وطَوى مُقَدِّمَةَ الِافْتِراءِ؛ الَّذِي هو تَعَمُّدُ الكَذِبِ؛ وذَكَرَ مُقَدِّمَةَ الضَّلالِ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ السِّياقِ لِلْعَرَبِ؛ أهْلِ الأوْثانِ؛ والجَهْلُ فِيهِمْ فاشٍ؛ بِخِلافِ ما مَضى لِأهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ كُفْرَهم عَنْ عِلْمٍ؛ فَهو تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ.
النساء 4:117
ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ هُمُ المَقْصُودِينَ بِالذّاتِ بِهَذِهِ الآياتِ؛ وكانَ أكْثَرُهم أهْلَ أوْثانٍ؛ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِأنَّ الشِّرْكَ ضَلالٌ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ”ما“؛ ﴿يَدْعُونَ﴾؛ وما أنْسَبَ التَّعْبِيرَ لِعُبّادِ الأوْثانِ عَنِ العِبادَةِ بِالدُّعاءِ؛ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ لا يُدْعى في الضَّرُوراتِ فَيَسْمَعُ؛ فَعابِدُهُ أجْهَلُ الجَهَلَةِ؛ ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ - سُبْحانَهُ (p-٤٠٥)وتَعالى -؛ لِأنَّهُ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ قالَ - مُحْتَقِرًا لِما عَبَدُوهُ -: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: وهو الرَّحْمَنُ؛ ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم أوْثانًا مُتَكَثِّرَةً؛ وكُلُّ كَثْرَةٍ تَلْزَمُها الفُرْقَةُ؛ والحاجَةُ؛ والضَّعْفُ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بَعْضَها بِأسْماءِ الإناثِ؛ مِنَ اللّاتِ؛ والعُزّى؛ ويَقُولُونَ في الكُلِّ: إنَّها بَناتُ اللَّهِ؛ ويَقُولُونَ عَنْ كُلِّ صَنَمٍ: أُنْثى بَنِي فُلانٍ؛ قالَ: ﴿إلا إناثًا﴾؛ أيْ: فَجَعَلُوا أنْفُسَهم لِلْإناثِ عُبّادًا؛ وهم يَأْنَفُونَ مِن أنْ يَكُنَّ لَهم أوْلادًا؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ: ”إناثًا“؛ يَعْنِي المَواتَ؛ حَجَرًا؛ أوْ مَدَرًا؛ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ هَذا مَعَ أنَّ مادَّةَ ”أنَثَ“؛ و”وثَنَ“؛ يَلْزَمُها في نَفْسِها الكَثْرَةُ والرَّخاوَةُ؛ والفُرْقَةُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) بَسْطُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”العَنْكَبُوتِ“؛ وأنَّ هَذا القَصْرَ قَلْبُ قَصْرٍ؛ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها آلِهَةٌ؛ ومَعْنى الحَصْرِ: ”ما هي إلّا غَيْرُ آلِهَةٍ؛ لِما لَها مِنَ النَّقْصِ؛ ﴿وإنْ يَدْعُونَ﴾؛ أيْ: يَعْبُدُونَ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿إلا شَيْطانًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ هو الآمِرُ لَهم بِذَلِكَ؛ المُزَيِّنُ لَهُمْ؛ ﴿مَرِيدًا﴾؛ أيْ: عاتِيًا؛ صُلْبًا؛ عاصِيًا؛ مُلازِمًا لِلْعِصْيانِ؛ مُجَرَّدًا مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ مُحْتَرِقًا بِأفْعالِ الشَّرِّ؛ بَعِيدًا مِن كُلِّ أمْنٍ؛ مِن:“شاطَ”؛ و“شَطَنَ”؛ و“مَرَدَ”؛ بِفَتْحِ عَيْنِهِ؛ وضَمِّها؛ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ“فَعِيلٌ”؛ الَّتِي هي لِلْمُبالَغَةِ؛ في سِياقِ ذَمِّهِمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم تَعَبَّدُوا لِما لا إلْباسَ في شَرارَتِهِ؛ لِأنَّهُ شَرٌّ كُلُّهُ؛ بِخِلافِ ما في سُورَةِ“الصّافّاتِ"؛ فَإنَّ سِياقَهُ يَقْتَضِي (p-٤٠٦)عَدَمَ المُبالَغَةِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛
النساء 4:118
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: أبْعَدَهُ المَلِكُ الأعْلى؛ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ فَبَعُدَ فاحْتَرَقَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقالَ - إصْرارًا عَلى العَداوَةِ بِالحَسَدِ -: وعِزَّتِكَ لِأجْتَهِدَنَّ في إبْعادِ غَيْرِي كَما أبْعَدْتَنِي“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ﴾؛ أيْ: واللَّهِ لَأجْتَهِدَنَّ في أنْ آخُذَ؛ ﴿مِن عِبادِكَ﴾؛ الَّذِينَ هم تَحْتَ قَهْرِكَ؛ ولا يَخْرُجُونَ عَنْ مُرادِكَ؛ ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ: جُزْءًا أنْتَ قَدَّرْتَهُ لِي؛
النساء 4:119
﴿ولأُضِلَّنَّهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ طَرِيقِكَ السَّوِيِّ؛ بِما سَلَّطْتَنِي بِهِ مِنَ الوَساوِسِ؛ وتَزْيِينِ الأباطِيلِ؛ ﴿ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما أقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الباطِلِ؛ مِن عَدَمِ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن طُولِ الأعْمالِ؛ وبُلُوغِ الآمالِ مِنَ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ بِالرَّحْمَةِ؛ والعَفْوِ؛ والإحْسانِ؛ ونَحْوِهِ مِمّا هو سَبَبٌ لِلتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ؛ ﴿ولآمُرَنَّهُمْ﴾
ولَمّا كانَ قَدْ عَلِمَ مِمّا طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ والحُظُوظِ الَّتِي هَيَّأتْهم لِطاعَتِهِ؛ وكانَتْ طاعَتُهُ في الفَسادِ؛ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ؛ في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ﴾؛ أيْ: يُقَطِّعُنَّ تَقْطِيعًا كَثِيرًا؛ ﴿آذانَ الأنْعامِ﴾؛ ويُشَقِّقُونَها؛ عَلامَةً عَلى ما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ الكامِلَةُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ بِأنْواعِ التَّغْيِيرِ؛ مِن تَغْيِيرِ الفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ؛ إلى ما دُونَ ذَلِكَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي؛ (p-٤٠٧)ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وهو إشارَةٌ إلى ما حَرَّمَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ بِالتَّقْرِيبِ لِلْأصْنامِ؛ مِنَ السّائِبَةِ؛ وما مَعَها؛ المُشارِ إلى إبْطالِهِ في أوَّلِ ”المائِدَةِ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١]؛ المُصَرَّحِ بِهِ في آخِرِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣]؛ ويَكُونُ التَّغْيِيرُ بِالوَشْمِ؛ والوَشْرِ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما خالَفَ الدِّينَ؛ فَإنَّ الفِطْرَةَ الأُولى داعِيَةٌ إلى خِلافِ ذَلِكَ؛ حَتّى أدْخَلُوا فِيهِ تَشْبِيهَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ في التَّخَنُّثِ؛ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ؛ في تَشْبِيهِ النِّساءِ بِالرِّجالِ؛ في السَّحْقِ؛ وما نَحا فِيهِ نَحْوَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ خَسِرَ مَن تابَعَهُ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ صارَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُعَمِّمًا - قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفْ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ تَغْيِيرَ الفِطْرَةِ الأُولى؛ فَيَأْخُذْ؛ ﴿الشَّيْطانَ ولِيًّا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَلْزُومًا لِمُحادَّةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وكانَ ما هو أدْنى مِن رُتْبَتِهِ في غايَةِ الكَثْرَةِ؛ بَعَّضَ؛ لِيُفْهَمَ الِاسْتِغْراقُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ؛ ﴿فَقَدْ خَسِرَ﴾؛ بِاتِّخاذِهِ ذَلِكَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الشِّرْكِ؛ ﴿خُسْرانًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: في غايَةِ الظُّهُورِ؛ والرَّداءَةِ؛ بِما تُعْطِيهِ صِيغَةُ الـ ”فُعْلانِ“؛ لِأنَّهُ تَوَلّى مَن لا خَيْرَ عِنْدَهُ؛
النساء 4:120
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ يُخَيِّلَ إلَيْهِمْ بِما يَصِلُ إلى قُلُوبِهِمْ بِالوَسْوَسَةِ؛ في شَيْءٍ مِنَ الأباطِيلِ؛ أنَّهُ قَرِيبُ الحُصُولِ؛ وأنَّهُ (p-٤٠٨)لا دَرَكَ في تَحْصِيلِهِ؛ وأنَّهُ إنْ لَمْ يَحْصُلْ كانَ في فَواتِهِ ضَرَرٌ؛ فَيَسْعَوْنَ في تَحْصِيلِهِ؛ فَيَضِيعُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ الزَّمانُ؛ ويَرْتَكِبُونَ فِيهِ ما لا يَحِلُّ مِنَ الأهْوالِ؛ والهَوانِ؛ ﴿ويُمَنِّيهِمْ﴾؛ أيْ: يُزَيِّنُ لَهم تَعْلِيقَ الآمالِ بِما لا يَتَأتّى حُصُولُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالَةُ أنَّهُ ما ﴿يَعِدُهُمْ﴾؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ النَّفْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ؛ البَعِيدُ عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿إلا غُرُورًا﴾؛ أيْ: تَزْيِينًا بِالباطِلِ؛ خِداعًا؛ ومَكْرًا؛ وتَلْبِيسًا؛ إظْهارًا لِما لا حَقِيقَةَ لَهُ - أوْ لَهُ حَقِيقَةٌ سَيِّئَةٌ - في أبْهى الحَقائِقِ؛ وأشْرَفِها؛ وألَذِّها إلى النَّفْسِ؛ وأشْهاها إلى الطَّبْعِ؛ فَإنَّ مادَّةَ ”غَرَّ“؛ و”رَغَّ“؛ تَدُورُ عَلى الشَّرَفِ؛ والحُسْنِ؛ ورَفاهَةِ العَيْشِ؛ فالغُرُورُ إزالَةُ ذَلِكَ.
النساء 4:121
ولَمّا أثْبَتَ لَهم ذَلِكَ؛ أنْتَجَ بِلا شَكٍّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: تَتَجَهَّمُهُمْ؛ وتَتَّقِدُ عَلَيْهِمْ بِما اتَّخَذُوا مَن خُلِقَ مِنها ولِيًّا؛ ﴿ولا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾؛ أيْ: مَوْضِعًا؛ ما يَمِيلُونَ إلَيْهِ شَيْئًا مِنَ المَيْلِ.
النساء 4:122
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْكافِرِينَ؛ تَرْهِيبًا؛ أتْبَعَهُ ما لِغَيْرِهِمْ؛ تَرْغِيبًا؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ (p-٤٠٩)وقَرَّبَ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِرَيِّ أرْضِها؛ فَحَيْثُما أُجْرِيَ مِنها نَهْرٌ جَرى.
ولَمّا كانَ الِانْزِعاجُ عَنْ مُطْلَقِ الوَطَنِ - ولَوْ لِحاجَةٍ تَعْرِضُ - شَدِيدًا؛ فَكَيْفَ بِهَذا؟! قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ الخُلُودُ يُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ المُكْثِ الطَّوِيلِ؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ لا إلى آخِرَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأنَّ الواقِعَ يُطابِقُهُ؛ وهو يُطابِقُ الواقِعَ؛ فَقالَ: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾؛ أيْ: يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ؛ وقَدْ بَرَزَ وعْدُهُ بِذَلِكَ؛ ومَن أحَقُّ مِنَ اللَّهِ وعْدًا؛ وأخْبَرَ بِهِ خَبَرًا صادِقًا؛ يُطابِقُ الواقِعَ؛ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿قِيلا﴾؛ وأكْثَرَ مِنَ التَّأْكِيدِ هُنا؛ لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ وعْدِ الشَّيْطانِ؛ ووَعْدُ الشَّيْطانِ مُوافِقٌ لِلْهَوى الَّذِي طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ؛ فَلا تَنْصَرِفُ عَنْهُ إلّا بِعُسْرٍ شَدِيدٍ.
النساء 4:123
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَمّا أعَدَّ لَهُمْ؛ ولِمَن أضَلَّهُمْ؛ مِنَ العِقابِ؛ وعَمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ؛ وكانُوا يُمَنُّونَ أنْفُسَهُمُ الأمانِيَّ الفارِغَةَ؛ مِن أنَّهُ لا تَبِعَةَ عَلَيْهِمْ في التَّلاعُبِ بِالدِّينِ؛ لا في الدُّنْيا؛ ولا في الآخِرَةِ؛ ويُشَجِّعُهم عَلى ذَلِكَ أهْلُ الكِتابِ؛ ويَدَّعُونَ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ؛ لا يُؤاخِذُهم بِشَيْءٍ؛ ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ أوْ مَن شُفِّعُوا فِيهِ؛ ونَحْوَ هَذِهِ التَّكاذِيبِ؛ مِمّا يُطْمِعُونَ بِهِ مَن والاهم بِأنَّهم يُنْجُونَهُ؛ وكانَ (p-٤١٠)المُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥]؛ ونَحْوَ ذَلِكَ - كَما قالَ العاصِي بْنُ وائِلٍ لِخَبّابِ بْنِ الأرَتِّ - وقَدْ تَقاضاهُ دَيْنًا كانَ لَهُ عَلَيْهِ -: دَعْنِي إلى تِلْكَ الدّارِ فَأقْضِيَكَ مِمّا لِي فِيها؛ فَواللَّهِ لا تَكُونُ أنْتَ وصاحِبُكَ فِيها آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي؛ ولا أعْظَمَ حَظًّا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ [مريم: ٧٧]؛ الآياتِ مِن آخِرِ ”مَرْيَمَ“؛ ويَقُولُ لَهم أهْلُ الكِتابِ: أنْتُمْ أهْدى سَبِيلًا؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ قالَ (تَعالى) - رادًّا عَلى الفَرِيقَيْنِ -: ﴿لَيْسَ﴾؛ أيْ: ما وعَدَهُ اللَّهُ؛ وأوْعَدَهُ؛ ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها العَرَبُ؛ ﴿ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّتِي يُمَنِّيكم جَمِيعًا بِها الشَّيْطانُ.
ولَمّا كانَتْ أمانِيُّهم أنَّهم لا يُجازَوْنَ بِأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ؛ لا مَحالَةَ؛ قَوْلَهُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالمَصائِبِ؛ مِنَ الأمْراضِ وغَيْرِها؛ عاجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الخَيْرُ؛ وآجِلًا إنْ أُرِيدَ بِهِ الشَّرُّ؛ وما أحْسَنَ إيلاؤُها لِتَمْنِيَةِ الشَّيْطانِ؛ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ”يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ“! فَيَكُونَ الكَلامُ وافِيًا بِكَشْفِ عَوارِ شَياطِينِ الجِنِّ؛ ثُمَّ الإنْسِ؛ في غُرُورِهِمْ لِمَن خَفَّ مَعَهُمْ؛ مُؤْيِسًا لِمَن قَبِلَ مِنهُمْ؛ وما أبْدَعَ خِتامَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولا (p-٤١١)يَجِدْ لَهُ﴾ ! ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ قاصِرًا عَنْ مَوْلاهُ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ يَفْعَلُ مَعَهُ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: يَنْصُرُهُ في وقْتٍ ما؛ وما أشَدَّ التِئامَها بِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] ! إشارَةً إلى أنَّ مَقْصُودَ المُنافِقِينَ مِن مُشايَعَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُتابَعَتِهِمْ؛ إنَّما هو الوِلايَةُ والنُّصْرَةُ؛ وأنَّهم قَدْ ضَيَّعُوا مُنْيَتَهُمْ؛ فاسْتَنْصَرُوا بِمَن لا نُصْرَةَ لَهُ؛ وتَرَكُوا مَن لَيْسَتِ النُّصْرَةُ إلّا لَهُ.
النساء 4:124
ولَمّا أبْدى جَزاءَ المُسِيءِ؛ تَحْذِيرًا؛ أوْلاهُ أجْرَ المُحْسِنِ؛ تَبْشِيرًا؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾؛ وخَفَّفَ (تَعالى) عَنْ عِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحاتِ﴾؛ ولَمّا عَمَّمَ بِذِكْرِ مَن صَرَّحَ بِما اقْتَضَتْهُ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾؛ وقَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾؛ لِيَكُونَ بِناؤُهُ الأعْمالَ عَلى أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ وبَنى فِعْلَ الدُّخُولِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ وأبِي جَعْفَرٍ؛ وأبِي بَكْرٍ؛ عَنْ عاصِمٍ؛ ورَوْحٌ؛ عَنْ يَعْقُوبَ؛ ولِلْفاعِلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ نَفْسُ الفِعْلِ؛ لا كَوْنُهُ مِن فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ وإنْ كانَتْ قِراءَةُ الأوَّلِينَ أكْثَرَ فائِدَةً: ”يُدْخَلُونَ“؛ أيْ: يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ؛ ﴿الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: المَوْصُوفَةَ؛ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الخَلاصُ (p-٤١٢)مِنهُ؛ لا بِقَيْدِ فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: لا يَظْلِمُ اللَّهُ المُطِيعَ مِنهم بِنَقْصِ شَيْءٍ ما؛ ولا العاصِيَ بِزِيادَةِ شَيْءٍ ما؛ و”النَّقِيرُ“: ما في ظَهْرِ النَّواةِ مِن تِلْكَ الوَقْبَةِ الصَّغِيرَةِ جِدًّا؛ كُنِّيَ بِها عَنِ العَدَمِ؛ وهَذا عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ؛ وإلّا فاللَّهُ (تَعالى) لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ فَإنَّ مِلْكَهُ ومُلْكَهُ عامٌّ؛ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ ظُلْمٌ؛ كَيْفَما فَعَلَ.
النساء 4:125
ولَمّا كَشَفَ - سُبْحانَهُ - زُورَهُمْ؛ وبَيَّنَ فُجُورَهُمْ؛ أنْكَرُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أحْسَنَ دِينًا مِمَّنِ اتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ؛ الَّذِي يَزْعُمُونَ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ زَعْمًا تَقَدَّمَ كَشْفَ عَوارِهِ؛ وهَتْكُ أسْتارِهِ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن أحْسَنُ دائِنًا؛ ومُجازِيًا؛ وحاكِمًا مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؟!“ -: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهم أحْسَنُوا في دِينِهِمْ؛ ومَن أحْسَنُ دِينًا مِنهُمْ؟!“؛ لَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ وتَعْلِيمًا لِما يَفْعَلُ المُؤْمِنُ؛ وحَثًّا عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ أسْلَمَ﴾؛ أيْ: أعْطى؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإخْلاصَ الَّذِي هو أشْرَفُ الأشْياءِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالوَجْهِ الَّذِي هو أشْرَفُ الأعْضاءِ؛ فَقالَ: ﴿وجْهَهُ﴾؛ أيْ: قِيادَهُ؛ أيْ: الجِهَةَ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إلَيْها بِوَجْهِهِ - أيْ: قَصْدِهِ كُلِّهِ؛ المُلازِمِ لِلْإسْلامِ نَفْسِهِ - كُلَّها؛ ﴿لِلَّهِ﴾ فَلا حَرَكَةَ لَهُ ولا سَكْنَةَ إلّا فِيما يَرْضاهُ؛ لِكَوْنِهِ الواحِدَ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ؛ فَهو حَصْرٌ بِغَيْرِ صِيغَةِ الحَصْرِ؛ فَأفادَ فَسادَ طَرِيقِ مَن (p-٤١٣)لَفَتَ وجْهَهُ نَحْوَ سِواهُ؛ بِاسْتِعانَةٍ أوْ غَيْرِها؛ ولا سِيَّما المُعْتَزِلَةَ؛ الَّذِينَ يَرَوْنَ الطّاعَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ ويَرَوْنَ أنَّها مُوجِبَةٌ لِثَوابِهِمْ؛ والمَعْصِيَةَ كَذَلِكَ؛ وأنَّها مُوجِبَةٌ لِعِقابِهِمْ؛ فَهم في الحَقِيقَةِ لا يَرْجُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ ولا يَخافُونَ غَيْرَها؛ وأهْلُ السُّنَّةِ فَوَّضُوا التَّدْبِيرَ والتَّكْوِينَ والخَلْقَ إلى الحَقِّ؛ فَهُمُ المُسْلِمُونَ.
ولَمّا عَبَّرَ (تَعالى) عَنْ كَمالِ الِاعْتِقادِ بِالماضِي؛ شَرَطَ فِيهِ الدَّوامَ؛ والأعْمالَ الظّاهِرَةَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿مُحْسِنٌ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنٌ؛ مُراقِبٌ؛ لا غَفْلَةَ عِنْدَهُ أصْلًا؛ بَلِ الإحْسانُ صِفَةٌ لَهُ راسِخَةٌ؛ لِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ؛ فَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ العَشْرُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ أصْلًا وفَرْعًا؛ مَعَ التَّرْغِيبِ بِالمَدْحِ الكامِلِ لِمُتَّبِعِهِ؛ وإفْهامِ الذَّمِّ الكامِلِ لِغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا يَنْتَظِمُ مَنَ كانَ عَلى دِينِ أيِّ نَبِيٍّ كانَ؛ قَبْلَ نَسْخِهِ؛ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ﴾؛ أيْ: بِجُهْدٍ مِنهُ؛ ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ الَّذِي اشْتُهِرَ عِنْدَ جَمِيعِ الطَّوائِفِ أنَّهُ ما دَعا إلّا إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وحْدَهُ؛ وتَبَرَّأ مِمّا سِواهُ؛ مِن فَلَكٍ؛ وكَوْكَبٍ؛ وصَنَمٍ؛ وطَبِيعَةٍ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المُتَّبِعِ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: لَيِّنًا؛ سَهْلًا؛ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ؛ و”المِلَّةُ“: ما دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى؛ بِمُساعَدَةِ العَقْلِ السَّلِيمِ؛ مِن كَمالِ الإسْلامِ بِالتَّوْحِيدِ. (p-٤١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَرْغِيبًا في هَذا الِاتِّباعِ -: ”فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِلَّةَ إبْراهِيمَ أحْسَنَ المِلَلِ؛ وخَلَقَهُ يَوْمَ خَلَقَهُ حَنِيفًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ أخْذَ مَن هو مُعِينٌ بِذَلِكَ؛ مُجْتَهِدٌ فِيهِ؛ ﴿إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾؛ لِكَوْنِهِ كانَ حَنِيفًا؛ وذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ اخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تَشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ؛ مِن تَرْدِيدِ الرُّسُلِ بِالوَحْيِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ؛ وإظْهارِ الخَوارِقِ عَلَيْهِ؛ وعَلى آلِهِ؛ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْطافِ؛ وأظْهَرَ اسْمَهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ احْتِراسًا مِنَ الإبْهامِ؛ وإعْلاءً لِقَدْرِهِ؛ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ.
النساء 4:126
ولَمّا أخْبَرَ بِمَن يُحِبُّهُ؛ ومَن يُبْغِضُهُ؛ وبِما يُرْضِيهِ؛ وما يُغْضِبُهُ؛ وكانَ رُبَّما تُوُهِّمَ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى أخْذِهِ لِغَيْرِ ما أُخِذَ؛ وجَعْلِهِ لِغَيْرِ ما جُعِلَ؛ أوْ تَعَنَّتَ بِذَلِكَ مُتَعَنِّتٌ؛ فَظَنَّ أنَّ في الكَلامِ دَخَلًا بِنَوْعِ احْتِياجٍ إلى المَحالَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ قالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: والحالُ أنْ لِلْمُخْتَصِّ بِالوَحْدانِيَّةِ - فَلا كُفُؤَ لَهُ - ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُنافِقِينَ؛ والمُشْرِكِينَ؛ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومِن غَيْرِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ؛ فَلا يُعْطِي إلّا مَن تابَعَ أوْلِياءَهُ؛ وجانَبَ أعْداءَهُ؛ ولا يَخْتارُ إلّا مَن عَلِمَهُ خِيارًا؛ (p-٤١٥)وهُوَ مَعَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ؛ مِن إقْرارٍ وتَبْدِيلٍ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ ومِن غَيْرِهِما؛ ﴿مُحِيطًا﴾؛ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ فَمَهْما زادَ؛ كانَ في وعْدِهِ ووَعِيدِهِ لِلْمُطِيعِ والعاصِي؛ لا يَخْفى عَلَيْهِ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ.
النساء 4:127
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ رَتَّبَ هَذا الكِتابَ عَلى أنَّهُ يَذْكُرُ أحْكامًا مِنَ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ ثُمَّ يُفَصِّلُها بِوَعْدٍ ووَعِيدٍ؛ وتَرْغِيبٍ وتَرْهِيبٍ؛ ويَنْظِمُها بِدَلائِلِ كِبْرِيائِهِ؛ وجَلالِهِ؛ وعَظِيمِ بِرِّهِ؛ وكَمالِهِ؛ ثُمَّ يَعُودُ إلى بَيانِ الأحْكامِ عَلى أبْدَعِ نِظامٍ؛ لِأنَّ إلْقاءَ المُرادِ في ذَلِكَ القالَبِ أقْرَبُ إلى القَبُولِ؛ والنَّظْمَ كَذَلِكَ أجْدَرُ بِالتَّأْثِيرِ في القُلُوبِ؛ لِأنَّ التَّكْلِيفَ بِالأعْمالِ الشّاقَّةِ لا تَنْقادُ لَهُ النُّفُوسُ؛ إلّا إذا كانَ مَقْرُونًا بِبِشارَةٍ ونِذارَةٍ؛ وذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ إلّا عِنْدَ القَطْعِ بِغايَةِ الكَمالِ لِمَن صَدَرَ عَنْهُ ذَلِكَ المَقالُ؛ ولا يَنْتَقِلُ مَعَ ذَلِكَ مِن أُسْلُوبٍ إلى آخَرَ إلّا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ آخِرِ كُلِّ نَوْعٍ؛ وأوَّلِ ما بَعْدَهُ؛ بِكَمالِ التَّعَلُّقِ؛ لَفْظًا ومَعْنًى؛ وفَعَلَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في هَذِهِ السُّورَةِ؛ في أحْكامِ العَدْلِ؛ الَّذِي بَدَأ السُّورَةَ بِهِ؛ في المُواصَلَةِ الَّتِي مَبْناها النِّكاحُ؛ والإرْثُ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا اتَّصَلَ بِهِ - كَما بَيَّنَ -؛ إلى أنْ خَتَمَ هُنا بِالإسْلامِ؛ المُثْمِرِ لِقَبُولِ ذَلِكَ (p-٤١٦)كُلِّهِ؛ وعَظْمَةِ المَلِكِ المُوجِبَةِ لِتَمامِ الإسْلامِ؛ وقامَتِ البَراهِينُ؛ وسَطَعَتِ الحُجَجُ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ السُّورَةِ العَدْلُ في الضُّعَفاءِ مِنَ الأيْتامِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في المِيراثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ تَوْرِيثُ النِّساءِ والأطْفالِ - ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا -؛ مِمّا أبَتْهُ نُفُوسُهُمْ؛ وأُشْرِبَتْ بُغْضَهُ قُلُوبُهُمْ؛ وكانَ التَّفْرِيقُ في إثْباتِ ما هَذا سَبِيلُهُ أنْجَعَ؛ وإلْقاؤُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا في قَوالِبِ البَلاغَةِ أنْفَعُ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي قَبْلَها؛ أيْ: لَهُ ما ذُكِرَ؛ فَلا مَساغَ لِلِاعْتِراضِ عَلَيْهِ؛ والحالَ أنَّهم يَسْألُونَكَ؛ طَلَبًا لِأنْ تَتَفَتّى عَلَيْهِمْ بِالجَوابِ في بَعْضِ ما أعْطى مِن مِلْكِهِ لِبَعْضِ مَخْلُوقاتِهِ؛ ﴿فِي النِّساءِ﴾؛ طَمَعًا في الِاسْتِئْثارِ عَلَيْهِنَّ بِالمالِ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المالُ إلّا لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ والحالُ أنَّهم قَدْ عَبَدُوا مِن دُونِهِ إناثًا؛ وجَعَلُوا لَها مِمّا خَوَّلَهم فِيهِ مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي مَلَّكَهم لَهُ بِضَعْفٍ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا؛ فَلا تَعْجَبْ مِن حالِ مَن كَرَّرَ الِاسْتِفْتاءَ - الَّذِي لا يَكُونُ في العُرْفِ غالِبًا إلّا فِيما فِيهِ اعْتِراضٌ - في إناثٍ أحْياءٍ؛ وأطْفالٍ ذُكُورٍ؛ وأعْطاهُمُ المَلِكُ التّامُّ المُلْكِ؛ العَظِيمُ المِلْكِ بَعْضَ ما يُرِيدُ؛ ولَمْ يَعْتَرِضْ عَلى نَفْسِهِ؛ حَيْثُ أعْطى إناثًا (p-٤١٧)لا حَياةَ لَها؛ ولا مَنفَعَةَ؛ مِمّا في يَدِهِ؛ ومِلْكُهُ في الحَقِيقَةِ لِغَيْرِهِ؛ ولَمْ يَأْذَنْ فِيهِ المالِكُ ما لا يَنْتَفِعُ بِهِ المُعْطِي.
ولَمّا كانَ المَقامُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِفْتاءِ مُحْتاجًا إلى زِيادَةِ الِاعْتِناءِ؛ قالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ آمِرًا؛ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مُنَبِّهًا عَلى اسْتِحْضارِ ما ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ ﴿يُفْتِيكُمْ﴾؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم حُكْمَهُ؛ ﴿فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: الآنَ لِأنْ تَقُومُوا لَهُنَّ بِالقِسْطِ؛ ﴿وما﴾؛ أيْ: مَعَ ما ﴿يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: تُجَدَّدُ فِيكم تِلاوَتُهُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ سَيْفًا قاطِعًا؛ وحُكْمًا ماضِيًا جامِعًا؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ أيْ: فِيما سَبَقَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾؛ أيْ: في شَأْنِ اليَتامى مِن هَذا الصِّنْفِ؛ ﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ التَّوَقُّفِ في ذَلِكَ؛ وتَكْرِيرِ الِاسْتِفْتاءِ عَنْهُ؛ ﴿ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾؛ أيْ: ما فُرِضَ مِنَ المِيراثِ وسائِرِ الحُقُوقِ فَرْضًا؛ وهو في غايَةِ اللُّزُومِ؛ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ﴾؛ أيْ: في أنْ؛ أوْ عَنْ أنْ؛ ﴿تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ لِجَمالِهِنَّ؛ أوْ لِدَمامَتِهِنَّ؛ و؛ يُفْتِيكم فِي؛ المُسْتَضْعَفِينَ؛ أيْ: المَوْجُودِ ضَعْفُهُمْ؛ والمَطْلُوبِ إضْعافُهم بِمَنعِهِمْ حُقُوقَهُمْ؛ ﴿مِنَ الوِلْدانِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فِي أنْ تَقُومُوا لَهم بِالقِسْطِ - أيْ: في مِيراثِهِمْ؛ وسائِرِ حُقُوقِهِمْ - ولا تُحَقِّرُوهم لِصِغَرِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْ تَقُومُوا﴾؛ أيْ: تَفْعَلُوا فِيهِ مِنَ القُوَّةِ؛ والمُبادَرَةِ؛ فِعْلَ القائِمِ المُنَشَّطِ؛ ﴿لِلْيَتامى﴾ (p-٤١٨)مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ؛ ﴿بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما تَفْعَلُوا في ذَلِكَ مِن شَرٍّ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا؛ وعَلَيْكم قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَرْغِيبًا -: ﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ أوْ في غَيْرِهِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَهو جَدِيرٌ - وهو أكْرَمُ الأكْرَمِينَ وأحْكَمُ الحاكِمِينَ - بِأنْ يُعْطِيَ فاعِلَهُ عَلى حَسَبِ كَرَمِهِ؛ وعُلُوِّ قَدْرِهِ؛ فَتَطِيبُوا نَفْسًا؛ وتَقَرُّوا عَيْنًا؛ رَوى البُخارِيُّ في الشَّرِكَةِ؛ والنِّكاحِ؛ ومُسْلِمٌ في آخِرِ الكِتابِ؛ وأبُو داوُدَ؛ والنِّسائِيُّ في النِّكاحِ؛ عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - عَنْ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ [النساء: ٣] إلى؛ رُباعَ؛ قالَتْ: ”يا ابْنَ أُخْتِي؛ هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ تُشارِكُهُ في مالِهِ؛ فَيُعْجِبُهُ مالُها؛ وجَمالُها؛ فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها؛ فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ؛ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّداقِ؛ وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ“؛ قالَ عُرْوَةُ: قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ”ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٤١٩)بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -:“ويَسْتَفْتُونَكَ”؛ إلى:“وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ”.
والَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ: الآيَةُ الأُولى الَّتِي قالَ فِيها: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -:“وقَوْلُ اللَّهِ (تَعالى) في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾؛ هي رَغْبَةُ أحَدِكم يَتِيمَتَهُ - وقالَ مُسْلِمٌ: عَنْ يَتِيمَتِهِ - الَّتِي تَكُونُ في حِجْرِهِ؛ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ؛ والجِمالِ؛ فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجِمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ؛ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ”؛ زادَ مُسْلِمٌ:“إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ”؛ وقالَ البُخارِيُّ في النِّكاحِ: فَكَما يَتْرُكُونَها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها فَلَيْسَ لَهم أنْ يَنْكِحُوها إذا رَغِبُوا فِيها؛ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَها؛ ويُعْطُوها حَقَّها الأوْفى في الصَّداقِ؛ وفي البُخارِيِّ (p-٤٢٠)ومُسْلِمٍ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عُرْوَةَ أيْضًا: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾؛ الآيَةُ؛ قالَتْ:“هُوَ الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ هو ولِيُّها ووارِثُها؛ فَأشْرَكَتْهُ - وقالَ مُسْلِمٌ: لَعَلَّها أنْ تَكُونَ قَدْ شَرَكَتْهُ -؛ في مالِهِ؛ حَتّى في العِذْقِ؛ فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها؛ ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ بِما شَرَكَتْهُ؛ فَيَعْضُلُها؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ”؛ وفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ:“نَزَلَتْ في الرَّجُلِ تَكُونُ لَهُ اليَتِيمَةُ وهو ولِيُّها؛ ووارِثُها؛ ولَها مالٌ؛ ولَيْسَ لَها أحَدٌ يُخاصِمُ دُونَها؛ فَلا يَنْحِكُها لِمالِها؛ فَيَضُرُّ بِها ويُسِيءُ صُحْبَتَها؛ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]؛ يَقُولُ: ما حَلَلْتُ لَكُمْ؛ ودَعْ هَذِهِ الَّتِي تَضُرُّ بِها”؛ وفي رِوايَةٍ لَهُ ولِلْبُخارِيِّ؛ في النِّكاحِ:“فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَتَزَوَّجَها؛ ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها غَيْرَهُ؛ فَيُشْرِكَهُ في مالِهِ - وقالَ البُخارِيُّ: فَيَدْخُلَ عَلَيْهِ في مالِهِ -؛ فَيَعْضُلُها؛ ولا يَتَزَوَّجُها؛ ولا يُزَوِّجُها"؛ زادَ البُخارِيُّ: فَنَهاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ؛ وحاصِلُ ذَلِكَ ما نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ أنَّهُ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ (p-٤٢١)تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ فَيُلَقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ؛ فَإذا فَعَلَ بِها ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا؛ فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً وهَواها؛ تَزَوَّجَها؛ وأكَلَ مالَها؛ وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنعَها الرِّجالَ حَتّى تَمُوتَ؛ فَإذا ماتَتْ ورِثَها.
وما أنْسَبَ ذِكْرَ هَذا الحُكْمِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ المَراجِعُ عَلى وجْهٍ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ إذْعانِ بَعْضِ النُّفُوسِ لَهُ؛ عَقِبَ آيَةِ الإسْلامِ؛ الَّذِي مَعْناهُ الِانْقِيادُ؛ والخُضُوعُ؛ والإحْسانُ؛ الَّذِي صارَ في العُرْفِ أكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ لِلْإعْطاءِ؛ والتَّآلُفِ؛ والعَطْفِ؛ لا سِيَّما لِلضَّعِيفِ؛ وذِكْرَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ أتَمَّ ما ابْتَلاهُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ مِنَ الكَلِماتِ؛ ووَفّى بِها مِن غَيْرِ مُراجَعَةٍ؛ ولا تَلَعْثُمٍ؛ وأنَّهُ كانَ حَنِيفًا مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ؛ تَعْنِيفًا لِمَن قامَ عَلَيْهِ دَلِيلُ العَقْلِ؛ وأتاهُ صَرِيحُ النَّقْلِ؛ وهو يُراجِعُ! وإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]؛ مَعَ قَوْلِهِ فِيما قَبْلُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]؛ لاحَتْ لَكَ أيْضًا مُناسَبَةٌ بَدِيعَةٌ.
النساء 4:128
ولَمّا صارُوا يُعْطُونَ اليَتامى أمْوالَهُمْ؛ وصارُوا يَتَزَوَّجُونَ ذَواتِ الأمْوالِ مِنهُنَّ؛ ويُضاجِرُونَ بَعْضَهُنَّ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ (تَعالى) بِالإفْتاءِ في أحْوالِ المُشاقَقَةِ بَيْنَ الأزْواجِ؛ فَقالَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ﴾؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ أوْ عَلى ضَرائِرَ؛ ولَمّا كانَ ظَنُّ المَكْرُوهِ مَخُوفًا؛ قالَ: ﴿خافَتْ﴾؛ أيْ: تَوَقَّعَتْ؛ (p-٤٢٢)وظَنَّتْ بِما يَظْهَرُ لَها مِنَ القَرائِنِ؛ ﴿مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾؛ أيْ: تَرَفُّعًا؛ بِما تَرى مِنَ اسْتِهانَتِهِ لَها بِمَنعِ حُقُوقِها؛ أوْ إساءَةِ صُحْبَتِها؛ ﴿أوْ إعْراضًا﴾؛ عَنْها بِقَلْبِهِ؛ بِألّا تَرى مِن مُحادَثَتِهِ؛ ومُؤانَسَتِهِ؛ ومُجامَعَتِهِ؛ ما كانَتْ تَرى قَبْلَ ذَلِكَ؛ تَخْشى أنْ يَجُرَّ إلى الفِراقِ؛ وإنْ كانَ مُتَكَلِّفًا لِمُلاطَفَتِها؛ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ ﴿فَلا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ”عَلَيْهِما أنْ يَصّالَحا“؛ أيْ: يُوقِعَ الزَّوْجانِ؛ ﴿بَيْنَهُما﴾؛ تَصالُحًا؛ ومُصالَحَةً؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِضَمِّ الياءِ؛ وإسْكانِ الصّادِ؛ وكَسْرِ اللّامِ؛ التَّقْدِيرُ: ”إصْلاحًا“؛ لَكِنَّهُ لَمّا كانَ المَأْمُورُ بِهِ يَحْصُلُ بِأقَلِّ ما يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الصُّلْحِ بَنى المَصْدَرَ عَلى غَيْرِ هَذَيْنِ الفِعْلَيْنِ؛ فَقالَ - مُجَرِّدًا لَهُ -: ﴿صُلْحًا﴾؛ بِأنْ تَلِينَ هي بِتَرْكِ بَعْضِ المَهْرِ؛ أوْ بَعْضِ القَسْمِ؛ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ وأنْ يَلِينَ لَها هو بِإحْسانِ العِشْرَةِ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَفارَقا عَلى وجْهِ العَدْلِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والصُّلْحُ﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ كُلٍّ مِنهُما حَقَّهُ؛ أوْ بَعْضَ حَقِّهِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: مِنَ المُفارَقَةِ الَّتِي أشارَتْ إلَيْها الجُمْلَةُ المَطْوِيَّةُ؛ لِأنَّ الصُّلْحَ مَبْناهُ الإحْسانُ الكامِلُ بِالرِّضا مِنَ الجانِبَيْنِ؛ والمُفارَقَةَ مَبْناها العَدْلُ الَّذِي يَلْزَمُهُ في الأغْلَبِ غَيْظُ أحَدِهِما؛ وإنْ كانَتْ مُشارِكَةً لِلصُّلْحِ في الخَيْرِ؛ لَكِنَّها مَفْضُولَةٌ؛ وتَخْصِيصُ المُفارَقَةِ بِالطَّيِّ لِأنَّ مَبْنى السُّورَةِ عَلى المُواصَلَةِ. (p-٤٢٣)ولَمّا كانَ مَنشَأُ التَّشاجُرِ المانِعِ مِنَ الصُّلْحِ شَكاسَةً في الطِّباعِ؛ صَوَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ذَلِكَ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ فَقالَ - اعْتِراضًا بَيْنَ هَذِهِ الجُمَلِ؛ لِلْحَثِّ عَلى الجُودِ؛ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المُحْضَرَ لا يَرْضى أحَدٌ نِسْبَتَهُ إلَيْهِ -: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ﴾؛ أيْ: النّاظِرَةُ إلى نَفاسَتِها عُجْبًا؛ ﴿الشُّحَّ﴾؛ أيْ: الحِرْصَ؛ وسُوءَ الخُلُقِ؛ وقِلَّةَ الخَيْرِ؛ والنَّكَدَ؛ والبُخْلَ بِالمَوْجُودِ؛ وكُلُّهُ يَرْجِعُ إلى سُوءِ الخُلُقِ؛ والطَّبْعِ الرَّدِيءِ؛ واعْوِجاجِ الفِطْرَةِ الأُولى؛ الَّذِي كَنّى عَنْهُ بِالإحْضارِ المُلازِمِ؛ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ؛ إلّا بِجِهادٍ كَبِيرٍ؛ يَنالُهُ بِهِ الأجْرُ الكَثِيرُ.
ولَمّا كانَ هَذا خُلُقًا رَدِيئًا لَمْ يَذْكُرْ فاعِلَهُ؛ والمَعْنى: أحْضَرَها إيّاهُ مُحَضِرٌ؛ فَصارَ مُلازِمًا لَها؛ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِتَوْفِيقٍ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ في قَهْرِها عَلَيْهِ؛ بِتَذْكِيرِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن حُسْنِ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ شَحَحْتُمْ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِما في الشُّحِّ مِن مُوجِباتِ الذَّمِّ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُحْسِنُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الإحْسانَ بِالإقامَةِ عَلى نِكاحِكُمْ؛ وما نُدِبْتُمْ إلَيْهِ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ؛ وإنْ كُنْتُمْ كارِهِينَ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا التَّقْوى؛ بِمُجانَبَةِ كُلِّ ما يُؤْذِي نَوْعَ أذًى؛ إشارَةً إلى أنَّ الشَّحِيحَ لا مُحْسِنٌ؛ ولا مُتَّقٍ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وهو الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ (p-٤٢٤)﴿كانَ﴾؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ شُحٍّ وإحْسانٍ؛ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ بِهِ؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ أكْرَمُ الأكْرَمِينَ؛ فَهو مُجازِيكم عَلَيْهِ أحْسَنَ جَزاءٍ.
النساء 4:129
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّ الوُقُوفَ عَلى الحَقِّ - فَضْلًا عَنِ الإحْسانِ - وإنْ كانَتِ المَرْأةُ واحِدَةً - مُتَعَسِّرٌ؛ أتْبَعَهُ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الجَمْعِ أعْسَرُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ -: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا﴾؛ أيْ: تُوجِدُوا مِن أنْفُسِكم طَواعِيَةً بالِغَةً دائِمَةً؛ ﴿أنْ تَعْدِلُوا﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ حَيْفٍ أصْلًا؛ ﴿بَيْنَ النِّساءِ﴾؛ في جَمِيعِ ما يَجِبُ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلَيْكم مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿ولَوْ حَرَصْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلى فِعْلِ ذَلِكَ؛ وهَذا مَعَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ [النساء: ٣]؛ كالمُخْتِمِ لِلِاخْتِصارِ عَلى واحِدَةٍ.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِألّا يَخْلُوَ نِكاحُ العَدَدِ عَنْ مَيْلٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَإنْ كانَ لا بُدَّ لَكم مِنَ العَدَدِ؛ أوْ فَإنْ وقَعَ المَيْلُ والزَّوْجَةُ واحِدَةٌ؛ فَلا ﴿تَمِيلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ المَيْلِ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلى تَرْكِهِ؛ فَلَمْ يُكَلَّفْ بِهِ؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّ المَيْلِ﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتَذَرُوها﴾؛ أيْ: المَرْأةَ؛ ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾؛ أيْ: بَيْنَ النِّكاحِ والعُزُوبَةِ؛ والزَّواجِ والِانْفِرادِ.
ولَمّا كانَ المَيْلُ الكَثِيرُ مَقْدُورًا عَلى تَرْكِهِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ (p-٤٢٥)مِلْتُمْ كُلَّ المَيْلِ؛ مَعَ إبْقاءِ العِصْمَةِ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ مُنْتَقِمًا حَسِيبًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُوجِدُوا الإصْلاحَ بِالعَدْلِ في القَسْمِ؛ والتَّقْوى في تَرْكِ الجَوْرِ؛ عَلى تَجَدُّدِ الأوْقاتِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مَحّاءً لِلذُّنُوبِ؛ بَلِيغَ الإكْرامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَغْفِرَ لَكم مُطْلَقَ المَيْلِ؛ ويُسْبِغَ عَلَيْكم مَلابِسَ الإنْعامِ.
النساء 4:130
ولَمّا كانَ مِنَ الإصْلاحِ المُعاشَرَةُ بِالمَعْرُوفِ؛ ذَكَرَ قَسِيمَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾؛ أيْ: يَفْتَرِقْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِن صاحِبِهِ؛ ﴿يُغْنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿كُلا﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ أيْ: يَجْعَلْهُ غَنِيًّا؛ هَذِهِ بِرَجُلٍ؛ وهَذا بِامْرَأةٍ؛ أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن لُطْفِهِ؛ وبَيَّنَ مَنشَأ هَذا الغِنى؛ فَقالَ: ﴿مِن سَعَتِهِ﴾؛ أيْ: مِن شُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ولِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِتَقْرِيرِ هَذِهِ المَعانِي في النُّفُوسِ؛ لِإحْضارِها الشُّحَّ؛ كَرَّرَ اسْمَهُ الأعْظَمَ الجامِعَ؛ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿واسِعًا﴾؛ أيْ: مُحِيطًا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أقْوَمِ مَحالِّها.
النساء 4:131
ولَمّا كانَ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّعاطُفِ؛ والتَّراحُمِ؛ والتَّواصُلِ؛ (p-٤٢٦)لَمْ يَذْكُرْ فِيها الطَّلاقَ إلّا عَلى وجْهِ الإيماءِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ عَلى وجْهِ البَيانِ لِرَأْفَتِهِ؛ وسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ وعُمُومِ تَرْبِيَتِهِ؛ وفي ذَلِكَ مَعْنى الوَصْلَةِ؛ والعَطْفِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ولِكَثْرَةِ ما يَعْرِضُ مِن رَعْيِ حُظُوظِ النُّفُوسِ عِنْدَ الزَّوْجِيَّةِ؛ ومَعَ القَرابَةِ - ويَدِقُّ ذَلِكَ ويَغْمُضُ -؛ لِذَلِكَ ما تَكَرَّرَ كَثِيرًا في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالِاتِّقاءِ؛ وبِهِ افْتُتِحَتْ؛ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾
ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) آيَةَ التَّفَرُّقِ؛ وخَتَمَها بِصِفَتَيِ السَّعَةِ والحِكْمَةِ؛ دَلَّ عَلى الأوَّلِ تَرْغِيبًا في سُؤالِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ في السِّياقِ بَيانُ ضَعْفِ النُّفُوسِ؛ وجَبْلُها عَلى النَّقائِصِ؛ فَكانَتْ مُحْتاجَةً إلى تَقْوِيَةِ الكَلامِ المُخْرِجِ لَها عَمّا ألِفَتْ مِنَ الباطِلِ؛ قالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ وعَلى الثّانِيَةِ بِالوَصِيَّةِ بِالتَّقْوى؛ لِأنَّهُ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى التَّقْوى في هَذِهِ الجُمَلِ؛ في سِياقِ الشَّرْطِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٨] ﴿وإنْ تُصْلِحُوا وتَتَّقُوا﴾ [النساء: ١٢٩]؛ فَأخْبَرَ (تَعالى) بَعْدَ اللُّطْفِ؛ بِذَلِكَ السِّياقِ؛ أنَّ وصِيَّتَهُ بِها مُؤَكَّدَةٌ؛ لَمْ تَزَلْ قَدِيمًا وحَدِيثًا؛ لِأنَّ العِلْمَ بِالمُشارَكَةِ في الأمْرِ يَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ؛ وأهْوَنَ عَلى النَّفْسِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. (p-٤٢٧)ولَمّا كانَ الِاشْتِراكُ في الأحْكامِ مُوجِبًا لِلرَّغْبَةِ فِيها؛ والتَّخْفِيفِ لِثِقْلِها؛ وكانَتِ الوَصِيَّةُ لِلْعالَمِ أجْدَرَ بِالقَبُولِ؛ قالَ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: التَّوْراةَ؛ والإنْجِيلَ؛ وغَيْرَهُما؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ القَصْدَ بَيانُ كَوْنِهِمْ أهْلَ عِلْمٍ؛ لِيُرَغِّبَ فِيما أُوصُوا بِهِ؛ ودَلالَةً عَلى أنَّ العِلْمَ في نَفْسِهِ مُهَيِّئٌ لِلْقَبُولِ؛ ولِإفادَةِ أنَّ وصِيَّتَهم أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ في الكِتابِ؛ أوْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ مِن غَيْرِ كِتابٍ؛ ولَمّا كانَ إيتاؤُهُمُ الكِتابَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلْماضِي؛ وكَذا الإيصاءُ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿وإيّاكُمْ﴾؛ أيْ: ووَصَّيْناكم مِثْلَما وصَّيْناهُمْ؛ ولَمّا كانَتِ التَّوْصِيَةُ بِمَعْنى القَوْلِ؛ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ تَتَّقُوا فَهو حَظُّكُمْ؛ وسَعادَتُكم في الدّارَيْنِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ التَّقْوى؛ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِفَرْضِ الكُفْرِ؛ حَسُنَ التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ مِن حَيَوانٍ؛ وجَمادٍ؛ أجْسادًا؛ وأرْواحًا؛ وأحْوالًا.
ولَمّا كانَ المَعْنى: ”لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مِلْكِهِ؛ ولا إرادَتِهِ؛ ولا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ بِكُفْرِكُمْ؛ ولَمْ تَضُرُّوا إنْ فَعَلْتُمْ إلّا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛ (p-٤٢٨)لا يَزْدادُ جَلالُهُ بِالطّاعاتِ؛ ولا يَنْقُصُ بِالمَعاصِي والسَّيِّئاتِ“؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى غِناهُ؛ واسْتِحْقاقِهِ لِلْمَحامِدِ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها؛ ﴿غَنِيًّا﴾؛ أيْ: عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ الغِنى المُطْلَقَ لِذاتِهِ؛ ﴿حَمِيدًا﴾؛ أيْ: مَحْمُودًا بِكُلِّ لِسانٍ؛ قالِيٍّ وحالِيٍّ؛ كَفَرْتُمْ أوْ شَكَرْتُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ غايَةً في بَيانِ حِكْمَتِهِ.
النساء 4:132
ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ لا يَمْنَعُ الِاعْتِراضَ عَلى المالِكِ؛ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في المُلْكِ النّاقِصِ؛ وأنَّهُ مُلْكُهُ تامٌّ: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العِلْمُ الكامِلُ؛ والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ وأكَّدَ لِمِثْلِ ما مَضى؛ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: هو قائِمٌ بِمَصالِحِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ يَسْتَقِلُّ بِجَمِيعِ أمْرِهِ؛ لا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ؛ بَلْ هُما وكُلُّ مَن فِيهِما مُظْهِرٌ العَجْزَ عَنْ أمْرِهِ؛ مُعَلِّقٌ مَقالِيدَ نَفْسِهِ وأحْوالِهِ إلَيْهِ؛ طَوْعًا أوْ كَرْهًا؛ فَهو وكِيلٌ عَلى كُلِّ ذَلِكَ؛ فاعِلٌ بِهِ ما يَفْعَلُ الوَكِيلُ مِنَ الأخْذِ؛ والقَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ ولِمِثْلِ ذَلِكَ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ فَقالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿وكِيلا﴾؛ أيْ: قائِمًا بِالمَصالِحِ؛ قاهِرًا؛ مُتَفَرِّدًا بِجَمِيعِ الأُمُورِ؛ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُورِ؛ وقَدْ بانَ - كَما تَرى - أنَّ جُمْلَةَ ”لِلَّهِ“؛ المُكَرَّرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ ذَكَرَتْ كُلَّ مَرَّةٍ دَلِيلًا عَلى شَيْءٍ غَيْرِ الَّذِي قَبْلَهُ؛ وكُرِّرَتْ لِأنَّ الدَّلِيلَ الواحِدَ إذا كانَ دالًّا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ؛ يَحْسُنُ (p-٤٢٩)أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنها؛ وإعادَتُهُ مَعَ كُلِّ واحِدٍ أوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِهِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَتِهِ يَحْضُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ؛ فَيَكُونُ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى؛ وأجَلَّ؛ وفي خَتْمِ كُلِّ جُمْلَةٍ بِصِفَةٍ مِنَ الصِّفاتِ الحُسْنى تَنْبِيهُ الذِّهْنِ بِها إلى أنَّ هَذا الدَّلِيلَ دالٌّ عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ؛ ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ؛ لا تَنْحَصِرُ؛ فَيَجْتَهِدُ السّامِعُ في التَّفَكُّرِ لِإظْهارِ الأسْرارِ؛ والِاسْتِدْلالِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأنَّ الغَرَضَ الكُلِّيَّ مِن هَذا الكِتابِ صَرْفُ العُقُولِ والأفْهامِ عَنْ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وهَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ؛ فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ؛ والكَمالِ.
النساء 4:133
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا شُمُولُ عِلْمِ مَن هَذا مِن شَأْنِهِ؛ وتَمامُ قُدْرَتِهِ؛ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُهَدِّدًا؛ مُخَوِّفًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ وصَرَّحَ بِالعُمُومِ؛ إشارَةً إلى عُمُومِ الإرْسالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: المُتَفَرِّعُونَ مِن تِلْكَ النَّفْسِ الواحِدَةِ كافَّةً؛ لِغِناهُ عَنْكُمْ؛ وقُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِنكُمْ؛ ﴿ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِكُمْ؛ يُوالُونَهُ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الواحِدُ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَلى ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِنَ الإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ القُدْرَةِ؛ وهَذا غايَةُ البَيانِ؛ لِغِناهُ؛ وكَوْنِهِ حَمِيدًا؛ وقاهِرًا؛ وشَدِيدًا؛ وإذا تَأمَّلْتَ خِتامَ قَوْلِهِ (تَعالى)؛ في قِصَّةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - (p-٤٣٠)فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]؛ زادَ ذَلِكَ هَذا السِّرَّ - وهو كَوْنُهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ - وُضُوحًا.
النساء 4:134
ولَمّا كانَ في هَذا تَهْدِيدٌ بَلِيغٌ؛ وتَعْرِيفٌ بِسَعَةِ المُلْكِ؛ وكَمالِ التَّصَرُّفِ؛ وكانَ مَدارُ أحْوالِ المُتَشاحِحِينَ في الإرْثِ؛ وحُقُوقِ الأزْواجِ؛ وغَيْرِها الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ بَيَّنَ فِيما مَضى أنَّ مَبْنى أحْوالِ المُنافِقِينَ عَلى طَلَبِ العَرَضِ الفانِي خُصُوصًا؛ قِصَّةُ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ؛ الرّاضِي لِنَفْسِهِ بِالفَضِيحَةِ في نَيْلِ شَيْءٍ تافِهٍ؛ قالَ (تَعالى) - تَفْيِيلًا لِآرائِهِمْ؛ وتَخْسِيسًا لِهِمَمِهِمْ؛ حَيْثُ نَزَلُوا إلى الأدْنى؛ مَعَ القُوَّةِ عَلى طَلَبِ الأعْلى؛ مَعَ طَلَبِ الأدْنى أيْضًا مِنهُ (تَعالى)؛ فَلا يَفُوتُهم شَيْءٌ مِن مُعَوِّلِهِمْ؛ مَعَ إحْرازِ الأنْفُسِ -: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ لِقُصُورِ نَظَرِهِ عَلى المَحْسُوسِ الحاضِرِ؛ مَعَ خِسَّتِهِ؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿فَعِنْدَ﴾؛ أيْ: فَلْيُقْبِلْ إلى اللَّهِ؛ فَإنَّهُ عِنْدَ ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ؛ ﴿والآخِرَةِ﴾؛ أيْ: النَّفِيسَةِ الباقِيَةِ؛ فَلْيَطْلُبْها مِنهُ؛ فَإنَّهُ يُعْطِي مَن أرادَ ما شاءَ؛ ومَن عَلَتْ هِمَّتُهُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأقْبَلَ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ؛ وقَصَرَ هَمَّهُ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَطْلُبْ إلّا الباقِيَ؛ جَمَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَهُ بَيْنَهُما؛ كَمَن يُجاهِدُ لِلَّهِ خالِصًا؛ فَإنَّهُ يَجْمَعُ لَهُ بَيْنَ الأجْرِ؛ والمَغْنَمِ؛ وما أشَدَّ التِئامَها مَعَ ذَلِكَ بِما قَبْلَها! لِأنَّ مَن كانَ تامَّ القُدْرَةِ؛ واسِعَ المُلْكِ كانَ كَذَلِكَ. (p-٤٣١)ولَمّا كانَ النّاشِئُ عَنِ الإرادَةِ إمّا قَوْلًا أوْ فِعْلًا؛ وكانَ الفِعْلُ قَدْ يَكُونُ قَلْبِيًّا قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: بالِغَ السَّمْعِ لِكُلِّ قَوْلٍ؛ وإنْ خَفِيَ؛ نَفْسِيًّا كانَ أوْ لِسانِيًّا؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُبْصَرَ مِنَ الأفْعالِ؛ والعِلْمِ بِكُلِّ ما يُبْصَرُ؛ وما لا يُبْصَرُ؛ مِنها ومِن غَيْرِها؛ فَيَكُونُ مِنَ البَصَرِ؛ ومِنَ البَصِيرَةِ؛ فَلْيُراقِبْهُ العَبْدُ قَوْلًا وفِعْلًا.
النساء 4:135
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن أحْسَنِ المَواعِظِ لِقَوْمِ طُعْمَةَ الَّذِينَ اعْتَصَبُوا لَهُ؛ التَفَتَ إلَيْهِمْ؛ مُسْتَعْطِفًا؛ بِصِيغَةِ الإيمانِ؛ جائِيًا بِصِيغَةِ الأمْرِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُمْ؛ قائِلًا ما هو كالنَّتِيجَةِ لِما مَضى مِنَ الأمْرِ بِالقِسْطِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ؛ إلى هُنا؛ عَلى وجْهٍ أكَّدَهُ؛ وحَثَّ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ ﴿كُونُوا قَوّامِينَ﴾؛ أيْ: قائِمِينَ قِيامًا بَلِيغًا؛ مُواظَبًا عَلَيْهِ؛ مُجْتَهَدًا فِيهِ.
ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَبانِي هَذِهِ السُّورَةِ العَدْلَ؛ قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿بِالقِسْطِ﴾؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي في ”المائِدَةِ“؛ فَإنَّ النَّظَرَ فِيها إلى الوَفاءِ؛ الَّذِي إنَّما يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلى المُوَفّى لَهُ؛ ﴿شُهَداءَ﴾؛ أيْ: حاضِرِينَ؛ مُتَيَقِّظِينَ؛ حُضُورَ المُحاسِبِ لِكُلِّ شَيْءٍ أرَدْتُمُ الدُّخُولَ فِيهِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لِوَجْهِ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ بِيَدِهِ؛ لا لِشَيْءٍ غَيْرِهِ؛ ﴿ولَوْ﴾؛ كانَ ذَلِكَ القِسْطُ؛ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: فَإنِّي لا أزِيدُكم بِذَلِكَ إلّا عِزًّا؛ وإلّا تَفْعَلُوا ذَلِكَ قَهَرْتُكم عَلى الشَّهادَةِ عَلى أنْفُسِكم عَلى (p-٤٣٢)رُؤُوسِ الأشْهادِ؛ فَفُضِحْتُمْ في يَوْمٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ؛ مِن جَمِيعِ العِبادِ.
ولَمّا كانَ ذَكَرَ أعَزَّ ما عِنْدَ الإنْسانِ أتْبَعَهُ ما يَلِيهِ؛ وبَدَأ مِنهُ بِمَن جَمَعَ إلى ذَلِكَ الهَيْبَةَ؛ فَقالَ: ﴿أوِ﴾؛ أيْ: أوْ كانَ ذَلِكَ القِسْطُ عَلى ﴿الوالِدَيْنِ﴾؛ وأتْبَعَهُ ما يَعُمُّهُما وغَيْرَهُما؛ فَقالَ: ﴿والأقْرَبِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الأوْلادِ وغَيْرِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَكُنْ﴾؛ أيْ: المَشْهُودُ لَهُ؛ أوْ عَلَيْهِ؛ ﴿غَنِيًّا﴾؛ أيْ: تَرَوْنَ الشَّهادَةَ لَهُ بِشَيْءٍ باطِلٍ دافِعَةً ضُرًّا مِنهُ لِلْغَيْرِ؛ مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ أوْ غَيْرِهِ؛ أوْ مانِعَةً فَسادًا أكْبَرَ مِنها؛ أوْ عَلَيْهِ بِما لَمْ يَكُنْ صَلاحًا؛ طَمَعًا في نَفْعِ الفَقِيرِ بِما لا يَضُرُّهُ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾؛ فَيُخَيَّلُ إلَيْكم أنَّ الشَّهادَةَ لَهُ بِما لَيْسَ لَهُ نَفْعُهُ رَحْمَةٌ لَهُ؛ أوْ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ لِمَن هو أقْوى مِنهُ تُسْكِنُ فِتْنَةً؛ ﴿فاللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ: بِنَوْعَيِ الغَنِيِّ؛ والفَقِيرِ؛ المُنْدَرِجِ فِيهِما هَذانِ المَشْهُودُ بِسَبَبِهِما مِنكُمْ؛ فَهو المَرْجُوُّ لِجَلْبِ النَّفْعِ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ؛ بِغَيْرِ ما ظَنَنْتُمُوهُ؛ فالضَّمِيرُ مِنَ الِاسْتِخْدامِ؛ ولَوْ عادَ لِلْمَذْكُورِ لَوُحِّدَ الضَّمِيرُ؛ لِأنَّ المُحَدَّثَ عَنْهُ واحِدٌ مُبْهَمٌ.
النساء 4:136
(p-٤٣٣)ولَمّا كانَ هَذا؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: تَتَكَلَّفُوا تَبَعَ ﴿الهَوى﴾ [النساء: ١٣٥]؛ وتَنْهَمِكُوا فِيهِ انْهِماكَ المُجْتَهِدِ في المُحِبِّ لَهُ؛ ﴿أنْ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: إرادَةَ أنْ ﴿تَعْدِلُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ فَقَدْ بانَ لَكم أنَّهُ لا عَدْلَ في ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ تَتَّبِعُوهُ لِذَلِكَ؛ أوْ لِغَيْرِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: ألْسِنَتَكم لِتُحَرِّفُوا الشَّهادَةَ نَوْعًا مِنَ التَّحْرِيفِ؛ أوْ تُدِيرُوا ألْسِنَتَكُمْ؛ أيْ: تَنْطِقُوا بِالشَّهادَةِ باطِلًا؛ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ؛ وحَمْزَةُ؛ بِضَمِّ اللّامِ؛ مِن ”الوِلايَةُ“؛ أيْ: تُؤَدُّوا الشَّهادَةَ عَلى وجْهٍ مِنَ العَدْلِ؛ أوْ ”اللَّيُّ“؛ ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: عَنْها؛ وهي حَقٌّ؛ فَلا تُؤَدُّوها لِأمْرٍ ما؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: لَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]؛ أيْ: بالِغَ العِلْمِ؛ باطِنًا وظاهِرًا؛ فَهو يُجازِيكم عَلى ذَلِكَ بِما تَسْتَحِقُّونَهُ؛ فاحْذَرُوهُ إنْ خُنْتُمْ؛ وارْجُوهُ إنْ وفَّيْتُمْ؛ وذَلِكَ بَعْدَ ما مَضى مِن تَأْدِيبِهِمْ؛ عَلى وجْهِ الإشارَةِ والإيماءِ مِن غَيْرِ أمْرٍ؛ وما أنْسَبَها لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها؛ وأشَدَّ التِئامَ الخِتامَيْنِ؛ خِتامِ هَذِهِ بِصِفَةِ الخَبَرِ؛ وتِلْكَ بِصِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والبَصَرِ. (p-٤٣٤)ولَمّا أمَرَ بِالعَدْلِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ أمَرَ بِالحامِلِ عَلى ذَلِكَ؛ وهو الإيمانُ بِالشّارِعِ؛ والمُبَلِّغِ؛ والكِتابِ النّاهِجِ لِشَرائِعِهِ؛ المُبَيِّنِ لِسَرائِرِهِ؛ الَّذِي افْتَتَحَ القِصَّةَ بِحَقِّيَتِهِ؛ وبَيانِ فائِدَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ولَمّا ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ؛ أمَرَهم بِما لا يَحْصُلُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ - مُفَصِّلًا لَهُ -: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِذاتِهِ؛ المُسْتَجْمِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ كُلِّها.
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ لا يَصِحُّ إلّا بِالإيمانِ بِالوَسائِطِ؛ وكانَ أقْرَبُ الوَسائِطِ إلى الإنْسانِ الرَّسُولَ؛ قالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المُبَلِّغُ عَنْهُ؛ سَواءٌ كانَ مِنَ المَلَكِ؛ أوِ البَشَرِ؛ ﴿والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ﴾؛ أيْ: مُفَرَّقًا بِحَسَبِ المَصالِحِ تَدْرِيجًا؛ تَثْبِيتًا وتَفْهِيمًا؛ ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المُفَصِّلُ لِشَرِيعَتِكُمُ؛ المُتَكَفِّلُ بِما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ وجَمِيعِ ما يُصْلِحُكُمْ؛ وهو القُرْآنُ الواصِلُ إلَيْكم بِواسِطَةِ أشْرَفِ الخَلْقِ؛ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ﴾؛ أيْ: أُوجِدَ إنْزالُهُ ومَضى؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ إنْزالُهُ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ الماضِي؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ مِنَ الإنْجِيلِ؛ والزَّبُورِ؛ (p-٤٣٥)والتَّوْراةِ؛ وغَيْرِها لِأنَّ رَسُولَكم بَلَّغَكم ذَلِكَ؛ فَلا يَحْصُلُ الإيمانُ إلّا بِتَصْدِيقِهِ في كُلِّ ما يَقُولُهُ.
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ الَّذِي الخِطابُ مَعَهُ عالِمًا بِأنَّ التَّنْزِيلَ؛ والإنْزالَ؛ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ؛ بُنِيا لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ؛ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ؛ وصَرَّحَتْ قِراءَةُ الباقِينَ بِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمَن آمَنَ بِذَلِكَ فَقَدِ اهْتَدى؛ وآمَنَ قَطْعًا بِالمَلائِكَةِ؛ واليَوْمِ الآخِرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ الكِتابُ والرَّسُولُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ﴾؛ أيْ: يُوجِدِ الكُفْرَ؛ ويُجَدِّدْهُ وقْتًا مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي أنْزَلَها عَلى أنْبِيائِهِ؛ بِواسِطَةِ مَلائِكَتِهِ؛ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ؛ والبَشَرِ؛ فَكانَ الإيمانُ بِالتَّرَقِّي لِلِاحْتِياجِ إلَيْهِ؛ وكانَ الكُفْرُ بِالتَّدَلِّي لِلِاجْتِراءِ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ بِالبَعْثِ - وإنْ كانَ أظْهَرَ شَيْءٍ - مِمّا لا تَسْتَقِلُّ بِهِ العُقُولُ؛ فَلا تَصِلُ إلَيْهِ إلّا بِالرُّسُلِ؛ ذَكَرَهُ بَعْدَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ؛ وقَضَتْ بِهِ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ؛ وإنْ كانَتْ لا تَسْتَقِلُّ بِإدْراكِهِ قَبْلَ تَنْبِيهِ الرُّسُلِ لَها عَلَيْهِ؛ وهو رُوحُ الوُجُودِ؛ وسِرُّهُ؛ وقِوامُهُ؛ وعِمادُهُ؛ فِيهِ تُكْشَفُ الحَقائِقُ؛ وتُجْمَعُ الخَلائِقُ؛ (p-٤٣٦)ويَظْهَرُ شُمُولُ العِلْمِ؛ وتَمامُ القُدْرَةِ؛ ويُبْسَطُ ظِلُّ العَدْلِ؛ وتُجْتَنى ثَمَراتُ الفَضْلِ؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾؛ وأبْلَغَ في التَّأْكِيدِ لِكَثْرَةِ المُكَذِّبِينَ؛ فَقالَ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ أيْ: لا حِيلَةَ في رُجُوعِهِ مَعَهُ.
النساء 4:137
ولَمّا كانَ المُتَمادِي بَعْدَ نُزُولِ هَذا الهَدْيِ مُوجِدًا لِلْكُفْرِ؛ مُجَدِّدًا لَهُ؛ نَبَّهَ عَلى إغْراقِهِ في البُعْدِ بِغَضَبِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِتَمادِيهِ؛ مُعْلِمًا أنَّ الثَّباتَ عَلى الكُفْرِ عَظِيمٌ جِدًّا؛ وصَوَّرَهُ بِأقْبَحِ صُورَةٍ؛ وفي ذَلِكَ ألْطَفُ اسْتِعْطافٍ إلى النُّزُوعِ عَنِ الخِلافِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِما كانُوا مُهَيَّئِينَ لَهُ مِنَ الإيمانِ بِالفِطْرَةِ الأُولى؛ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الكُفْرَ؛ فَعَوَّجُوا ما أقامَهُ اللَّهُ مِن فِطَرِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾؛ أيْ: حَقِيقَةً؛ أوْ بِالقُوَّةِ؛ بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ؛ بِما هَيَّأهم لَهُ بِإظْهارِ الأدِلَّةِ؛ وإقامَةِ الحُجَجِ؛ ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الرَّسُولِ؛ أوْ بِرَسُولٍ آخَرَ؛ بِتَجْدِيدِ الكُفْرِ؛ أوِ التَّمادِي فِيهِ؛ ﴿ثُمَّ ازْدادُوا﴾؛ أيْ: بِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ إلى المَوْتِ؛ ﴿كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما دامُوا عَلى هَذا الحالِ؛ لِأنَّهُ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ؛ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾؛ أيْ: مِنَ السُّبُلِ المُوَصِّلَةِ إلى المَقْصُودِ.
النساء 4:138
ولَمّا كانَتْ جَمِيعُ صُوَرِ الآيَةِ مُنْطَبِقَةً عَلى النِّفاقِ؛ بَعْضُها حَقِيقَةً؛ (p-٤٣٧)وبَعْضُها مَجازًا؛ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ جَزائِهِمْ؛ مُتَهَكِّمًا بِهِمْ -: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾؛ فَأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾؛
النساء 4:139
ثُمَّ وصَفَهم بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُمُ المُساتِرُونَ بِالكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: يَتَعَزَّزُونَ بِهِمْ؛ تَنْفِيرًا مِن مُقارَبَةِ صِفَتِهِمْ؛ لِيَتَمَيَّزَ المُخَلِّصُ مِنَ المُنافِقِ؛ وبَيانًا لِأنَّ مُرادَهم بِوِلايَتِهِمْ إنَّما هو التَّعَزُّزُ بِهِمْ؛ فَإنَّ مَحَطَّ أمْرِهِمْ عَلى العَرَضِ الدُّنْيَوِيِّ؛ ونَبَّهَ عَلى دَناءَةِ أمْرِهِمْ؛ وعَلى أنَّ الغَرِيقَ في الإيمانِ أعْلى النّاسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَبْتَغُونَ﴾؛ أيْ: المُنافِقُونَ؛ يَتَطَلَّبُونَ تَطَلُّبًا عَظِيمًا؛ ﴿عِنْدَهُمُ﴾؛ أيْ: الكافِرِينَ؛ ﴿العِزَّةَ﴾؛ فَكَأنَّهُ قالَ: طَلَبُهُمُ العِزَّةَ بِهِمْ سَفَهٌ مِنَ الرَّأْيِ؛ وبُعْدٌ مِنَ الصَّوابِ؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ العِزَّةِ عِنْدَهم.
ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ هَذا الِابْتِغاءَ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ أيْ: وهم أعْداءُ اللَّهِ؛ فَإنَّما يُتَرَقَّبُ لَهم ضَرْبُ الذِّلَّةِ؛ والمَسْكَنَةِ؛ وما أحْسَنَ التِفاتَ هَذِهِ الآيَةِ إلى أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤]؛ المُخْتَتَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] !
النساء 4:140
﴿وقَدْ﴾؛ (p-٤٣٨)؛ أيْ: يَتَّخِذُونَهم والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ؛ الصّادِقِينَ مِنكُمْ؛ والمُنافِقِينَ؛ ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ أيْ: في سُورَةِ ”الأنْعامِ“؛ النّازِلَةِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ النَّهْيَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ وِلايَتِهِمْ؛ أفَلا تَخافُونَ عِزَّةَ مَن نَهاكم عَنْ ذَلِكَ أنْ يَضْرِبَكم بَذُلٍّ لا تَخْلُصُونَ مِنهُ أبَدًا؟ لِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنِ الكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ لا تُباحُ وِلايَتُهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ إلّا عِنْدَ الإعْراضِ عَنِ الكُفْرِ؛ وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: أنَّهُ ﴿إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ ولَمّا كانَ السَّماعُ مُجْمَلًا؛ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُكْفَرُ بِها﴾؛ أيْ: يُسْتَرُ ما أظْهَرَتْ مِنَ الأدِلَّةِ؛ مِن أيِّ كافِرٍ كانَ؛ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾؛ أيْ: يُطْلَبُ طَلَبًا شَدِيدًا أنْ تَكُونَ مِمّا يُهْزَأُ بِهِ؛ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِها؛ ﴿حَتّى يَخُوضُوا﴾؛ وعَبَّرَ عَنِ الشُّرُوعِ بِالخَوْضِ؛ إيماءً إلى أنَّ كَلامَهم لا يَخْلُو عَنْ شَيْءٍ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ رَمْزًا إلى عَدَمِ مُجالَسَتِهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ﴿فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾؛ فَهَذا نَهْيٌ مِن مُجَرَّدِ مُجالَسَتِهِمْ؛ فَكَيْفَ بِوِلايَتِهِمْ؟!
ولَمّا كانَتْ آيَةُ ”الأنْعامِ“؛ مَكِّيَّةً؛ اقْتُصِرَ فِيها عَلى مُجَرَّدِ الإعْراضِ؛ وقَطْعِ المُجالَسَةِ؛ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الإنْكارِ بِغَيْرِ القَلْبِ؛ وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَمَدَنِيَّةٌ؛ فالتَّغْيِيرُ عِنْدَ إنْزالِها بِاللِّسانِ؛ واليَدِ؛ مُمْكِنٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ؛ فالمُجالِسُ مِن (p-٤٣٩)غَيْرِ نَكِيرٍ راضٍ؛ فَلِهَذا عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا﴾؛ أيْ: إذا قَعَدْتُمْ مَعَهُمْ؛ وهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ ﴿مِثْلُهُمْ﴾؛ أيْ: في الكُفْرِ؛ لِأنَّ مُجالَسَةَ المُظْهِرِ لِلْإيمانِ؛ المُصَرِّحِ بِالكُفْرانِ؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ إظْهارَهُ لِما أظْهَرَ نِفاقٌ؛ وأنَّهُ راضٍ بِما يُصَرِّحُ بِهِ هَذا الكافِرُ؛ والرِّضا بِالكُفْرِ كُفْرٌ؛ فاشْتَدَّ حُسْنُ خَتْمِ الآيَةِ بِجَمْعِ الفَرِيقَيْنِ في جَهَنَّمَ؛ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا لِجَوابِ السُّؤالِ عَمّا تَكُونُ بِهِ المُماثَلَةُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ؛ فَتَمَّتْ قُدْرَتُهُ؛ ﴿جامِعُ﴾؛ ولَمّا كانَ حالُ الأخْفى أهَمَّ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿المُنافِقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ؛ ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ؛ فَيَقْعُدُونَ مَعَ مَن يَسْمَعُونَهُ يَكْفُرُ؛ ﴿والكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُجاهِرُونَ بِكُفْرِهِمْ؛ لِرُسُوخِهِمْ فِيهِ؛ ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾؛ الَّتِي هي سِجْنُ المَلِكِ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ كَما جَمَعَهم مَعَهم مَجْلِسُ الكُفْرِ؛ الَّذِي هو طَعْنٌ في مَلِكِ المُلْكِ؛ والتَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في الكُفْرِ؛ بِالقُعُودِ مَعَهُمْ؛ دالَّةٌ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العاصِي ومُجالِسِهِ بِالخُلْطَةِ؛ مِن غَيْرِ إنْكارٍ؛
النساء 4:141
ثُمَّ وصَفَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِما يُعَرِّفُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾؛ أيْ: يَثْبُتُونَ عَلى حالِهِمُ؛ انْتِظارًا لِوُقُوعِ ما يَغِيظُكُمْ؛ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ﴾؛ أيْ: ظُهُورٌ؛ وعِزٌّ؛ وظَفَرٌ؛ وقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها - تَذْكِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يُدِيمُ اعْتِمادَهم عَلَيْهِ؛ وافْتِقارَهم إلَيْهِ -؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ آمَنُوا نِفاقًا لَكم أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾؛ أيْ: ظاهِرًا بِأبْدانِنا؛ بِما تَسْمَعُونَ مِن (p-٤٤٠)أقْوالِنا؛ فَأشْرِكُونا في فَتْحِكُمْ؛ ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ؛ وقالَ: ﴿نَصِيبٌ﴾؛ تَحْقِيرًا لِظَفَرِهِمْ؛ وأنَّهُ لا يَضُرُّ بِما حَصَلَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الفَتْحِ؛ ﴿قالُوا﴾ لِلْكافِرِينَ؛ لِيُشْرِكُوهم في نَصِيبِهِمْ؛ ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: نَطْلُبْ حِياطَتَكم والمُحافَظَةَ عَلى مَوَدَّتِكُمْ؛ حَتّى غَلَبْنا عَلى جَمِيعِ أسْرارِكُمْ؛ واسْتَوْلَيْنا عَلَيْها؛ وخالَطْناكم مُخالَطَةَ الدَّمِ لِلْبَدَنِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”حاذَهُ“؛ أيْ: حاطَهُ؛ وحافَظَ عَلَيْهِ؛ ﴿ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مِن تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْكم بِما كُنّا نُخادِعُهم بِهِ؛ ونُشِيعُ فِيهِمْ مِنَ الإرْجافاتِ؛ والأُمُورِ المُرَغِّباتِ الصّارِفَةِ لَهم عَنْ كَثِيرٍ مِنَ المَقاصِدِ؛ لِتَصْدِيقِهِمْ لَنا؛ لِإظْهارِنا الإيمانَ؛ ورِضانا مِن مُداهَنَةِ مَن نَكْرَهُ بِما لا يَرْضاهُ إنْسانٌ.
ولَمّا كانَ هَذا لِأهْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أمْرًا غائِظًا؛ مُقْلِقًا؛ مُوجِعًا؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ والكافِرُونَ؛ المُساتِرُونَ؛ والمُجاهِرُونَ.
ولَمّا كانَ الحُكْمُ في الدّارَيْنِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ في الدّارِ الَّتِي لا يَظْهَرُ فِيها لِأحَدٍ غَيْرِهِ أمْرٌ؛ ظاهِرًا ولا باطِنًا؛ وتَظْهَرُ فِيها جَمِيعُ المُخَبَّآتِ؛ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أيْأسَهم مِنَ الدُّنْيا؛ قالَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّأْكِيدِ؛ وبِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِاسْتِبْعادِ الغَلَبَةِ (p-٤٤١)عَلى الكَفَرَةِ؛ لِما لَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ القُوَّةِ؛ والكَثْرَةِ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانُوا مُساتِرِينَ؛ أوْ مُجاهِرِينَ؛ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ؛ في دُنْيا؛ ولا آخِرَةٍ؛ وهَذا تَسْفِيهٌ لِآرائِهِمْ؛ واسْتِخْفافٌ بِعُقُولِهِمْ؛ فَكَأنَّهُ يَقُولُ: ”يا أيُّها المُتَرَبِّصُونَ بِأحْبابِ اللَّهِ الدَّوائِرَ؛ المُتَمَنُّونَ لِأعْدائِهِ النَّصْرَ - وقَدْ قامَتِ الأدِلَّةُ عَلى أنَّ العِزَّةَ جَمِيعًا لِلَّهِ - ما أضَلَّكم في ظَنِّكم أنَّهُ يَخْذُلُ أوْلِياءَهُ! وما أغْلَظَ أكْبادَكُمْ!“؛ ويَدْخُلُ في عُمُومِها أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ؛ ولا يَمْلِكُ كافِرٌ مالَ مُسْلِمٍ قَهْرًا؛
النساء 4:142
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ صُورَتَهم في ضَرْبِهِمُ الشُّقَّةَ بِالوَجْهَيْنِ صُورَةُ المُخادِعِ؛ وما أضَلَّهم حَيْثُ خادَعُوا مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الخِداعُ؛ لِعِلْمِهِ بِالخَفايا؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا لِمَنعِهِمُ السَّبِيلَ -: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾؛ لِإظْهارِهِمْ لِكُلِّ مَن غَلَبَ أنَّهم مِنهُ ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ بِإظْهارِ ما يَسُرُّ؛ وإبْطانِ ما يَضُرُّ؛ فِعْلَ المُخادِعِ مَعَ مَن لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ؛ وهم يَخْدَعُونَ المُؤْمِنِينَ بِإظْهارِ الإيمانِ؛ وإبْطانِ الكُفْرِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ الَّذِي أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَهُمْ؛ فَكَأنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَهُ؛ وهو ﴿خادِعُهُمْ﴾؛ بِاسْتِدْراجِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى أخْذِهِمْ مِن مَأْمَنِهِمْ؛ وهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى خَدْعِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿وإذا﴾؛ أيْ: يُخادِعُونَهُ والحالُ أنَّهم قَدْ فَضَحُوا أنْفُسَهم بِما أظْهَرَ مَكْرَهم لِلْمُسْتَبْصِرِينَ؛ وهو أنَّهم إذا ﴿قامُوا إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: المَكْتُوبَةِ؛ ﴿قامُوا كُسالى﴾ (p-٤٤٢)مُتَقاعِسِينَ؛ مُتَثاقِلِينَ عادَةً؛ لا يَنْفَكُّونَ عَنْها؛ بِحَيْثُ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِنهم كُلُّ مَن تَأمَّلَهُمْ؛ لِأنَّهم يَرَوْنَ أنَّها تَعَبٌ مِن غَيْرِ أرَبٍ؛ فالدّاعِي إلى تَرْكِها - وهو الرّاحَةُ - أقْوى مِنَ الدّاعِي إلى فِعْلِها؛ وهو خَوْفُ النّاسِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ فَقالَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَراهُمُ النّاسُ؛ لَيْسَ إلّا؛ لِيَظُنُّوهم مُؤْمِنِينَ؛ ويُرِيَهُمُ النّاسُ لِأجْلِ ذَلِكَ ما يَسُرُّهم مِن عَدِّهِمْ في عِدادِ المُؤْمِنِينَ؛ لِما يُرُونَ هُمُ المُؤْمِنِينَ حِينَ يُصَلُّونَ؛ ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ في الصَّلاةِ وغَيْرِها؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: حَيْثُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِمُخادَعَتِهِمْ؛ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ
النساء 4:143
﴿مُذَبْذَبِينَ﴾؛ أيْ: مُضْطَرِبِينَ؛ كَما يَضْطَرِبُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ المُعَلَّقُ في الهَواءِ؛ وحَقِيقَةً: الَّذِي يَذُبُّ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ ذَبًّا عَظِيمًا.
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلى إيمانِهِمْ تارَةً؛ وكُفْرِهِمْ أُخْرى؛ قالَ: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ولَمّا كانَ الإيمانُ يَدُلُّ عَلى أهْلِهِ؛ والكُفْرُ كَذَلِكَ؛ قالَ: ﴿لا إلى﴾؛ أيْ: لا يَجِدُونَ سَبِيلًا مَفَرًّا إلى ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنِينَ؛ ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكافِرِينَ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُمْ“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيْ: (p-٤٤٣)الشّامِلُ القُدْرَةِ؛ الكامِلُ العِلْمِ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿لَهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا إلى شَيْءٍ يُرِيدُهُ.
النساء 4:144
ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِنَ الإنْكارِ عَلى مَنِ ادَّعى الإيمانَ في اتِّخاذِ الكافِرِينَ أوْلِياءَ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ الِاتِّخاذِ؛ صَرَّحَ بِهِ مُخاطِبًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِألْسِنَتِهِمْ؛ صِدْقًا أوْ كَذِبًا؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى السَّلِيمَةُ؛ فَتَأْخُذُوا ﴿الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ؛ الغَرِيقِينَ فِيهِ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: أقْرِباءَ؛ تَفْعَلُونَ مَعَهم مِنَ الوُدِّ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ.
ولَمّا كانَ الغَرِيقُ في الإيمانِ أعْلى النّاسِ؛ وكانَ تَحْتَ رُتْبَتِهِ رُتَبٌ مُتَكاثِرَةٌ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ؛ وعَلى دَناءَةِ مَقْصِدِهِمْ؛ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَصِحُّ لِمَن يُوالِيهِمْ دَعْوى الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ قالَ مُنْكِرًا: ﴿أتُرِيدُونَ﴾؛ أيْ: بِمُوالاتِهِمْ؛ ﴿أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا تُطاقُ سَطْوَتُهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ؛ ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في النِّسْبَةِ إلى النِّفاقِ؛ ﴿سُلْطانًا﴾؛ أيْ: دَلِيلًا واضِحًا عَلى كُفْرِكُمْ؛ بِاتِّباعِكم غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ واضِحًا؛ مُسَوِّغًا لِعِقابِكُمْ؛ وخِزْيِكُمْ؛ (p-٤٤٤)وجَعْلِكم في زُمْرَةِ المُنافِقِينَ.
النساء 4:145
ولَمّا نَهاهم عَنْ فِعْلِ المُنافِقِينَ اسْتَأْنَفَ بَيانَ جَزائِهِمْ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾؛ أيْ: البَطْنِ؛ والمَنزِلِ؛ ﴿الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ أخْفى ما في النّارِ؛ وأسْتَرُهُ؛ وأدْناهُ؛ وأوْضَعُهُ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْفى الكُفْرِ وأدْناهُ؛ وهو أيْضًا أخْبَثُ طَبَقاتِ النّارِ؛ كَما أنَّ كُفْرَهم أخْبَثُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ وفِيهِ أنَّ مِنَ السُّلْطانِ وضْعُ فاعِلِ ذَلِكَ في دارِ المُنافِقِينَ؛ لِفِعْلِهِ مِثْلَ فِعْلِهِمْ؛ ومَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهُمْ؛ وسُمِّيَتْ طَبَقاتُ النّارِ أدْراكًا لِأنَّها مُتَدارِكَةٌ؛ مُتَتابِعَةٌ إلى أسْفَلَ؛ كَما أنَّ الدَّرَجَ مُتَراقِيَةٌ إلى فَوْقَ.
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم مِن هَذا المَحَلِّ الضَّنْكِ؛ أخْبَرَ بِدَوامِهِ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُؤْلِمٍ جِدًّا؛ فَقالَ: ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أبَدًا؛ ﴿لَهم نَصِيرًا﴾؛ وأشارَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِمْ؛ وعَدَمِ نَصْرِهِمْ؛ إلى خِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنَ الكافِرِينَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]
النساء 4:146
ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الغُفْرانَ لِلْكافِرِ - أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُنافِقًا أوْ لا - مُتَعَذِّرٌ؛ وأتْبَعَهُ ما لاءَمَهُ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِما دَلَّ عَلى أنَّ النِّفاقَ أغْلَظُ أنْواعِ الكُفْرِ؛ اسْتَثْنى مِنهُ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ غَيْرَهُ مِنَ الكَفَرَةِ في هَذا الِاسْتِثْناءِ أوْلى؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ النَّفْيَ المُبالَغَ فِيهِ إنَّما هو لِمَن (p-٤٤٥)ماتَ عَلى ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهُ سِيقَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ تَهْوِيلًا لِما ذَكَرَهُ في حَيِّزِهِ؛ وتَنْفِيرًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ؛ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ أيْ: أعْمالَهُمُ الظّاهِرَةَ؛ مِنَ الصَّلاةِ الَّتِي كانُوا يُراؤُونَ فِيها؛ وغَيْرِها؛ بِالإقْلاعِ عَنِ النِّفاقِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: اجْتَهَدُوا في أنْ تَكُونَ عِصْمَتُهم - أيْ: ارْتِباطُهم - بِالمَلِكِ الأعْظَمِ؛ في عَدَمِ العَوْدِ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ الإقْلاعُ عَنِ النِّفاقِ - الَّذِي مِن أنْواعِهِ الرِّياءُ - أصْلًا؛ ورَأْسًا - في غايَةِ العُسْرِ؛ قالَ - حَثًّا عَلى مُجاهَدَةِ النَّفْسِ فِيهِ -: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَمْ يُرِيدُوا بِشَيْءٍ مِن عِبادَتِهِمْ غَيْرَ وجْهِهِ؛ لا رِياءً ولا غَيْرَهُ؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم وصْفًا راسِخًا في الجَنَّةِ؛ وإنْ عُذِّبُوا عَلى مَعاصِيهِمْ؛ فَفي الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنَ النّارِ؛ ﴿وسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ أصابَهم قَبْلَ ذَلِكَ ما أصابَهُمْ؛ وإنْ طالَ عَذابُهُمْ؛ تَهْذِيبًا لَهم مِنَ المَعاصِي؛ بِما أشارَ إلَيْهِ لَفْظُ ”سَوْفَ“؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: بِالخُلُودِ في الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا يَنْقَضِي نَعِيمُها؛ ولا يَتَكَدَّرُ يَوْمًا نَزِيلُها؛ فَيُشارِكُهم مَن كانَ مَعَهُمْ؛ لِأنَّهُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم.
النساء 4:147
(p-٤٤٦)ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُهُمْ؛ وأنَّهم يَجِدُونَ الشَّفِيعَ بِإذْنِهِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِنْتاجِ؛ مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ أنَّهُ لا يَقْبَلُهم بَعْدَ الإغْراقِ في المَهالِكِ -: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مِنها الغِنى المُطْلَقُ؛ ﴿بِعَذابِكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ فَإنَّهُ لا يَجْلِبُ لَهُ نَفْعًا؛ ولا يَدْفَعُ عَنْهُ ضُرًّا؛ ولَمّا كانَ الخِطابُ مَعَ الَّذِينَ آمَنُوا؛ قالَ: ﴿إنْ شَكَرْتُمْ﴾؛ أيْ: نِعَمَهُ؛ الَّتِي مِن أعْظَمِها إنْزالُ الكِتابِ الهادِي إلى الرَّشادِ؛ المُنْقِذِ مِن كُلِّ ضَلالٍ؛ المُبَيِّنِ لِجَمِيعِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ العِبادُ؛ فَأدّاكُمُ التَّفَكُّرُ في حالِها إلى مَعْرِفَةِ مُسْدِيها؛ فَأذْعَنْتُمْ لَهُ؛ وهُرِعْتُمْ إلى طاعَتِهِ؛ بِالإخْلاصِ في عِبادَتِهِ؛ وأُبْعِدْتُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
ولَمّا كانَ الشُّكْرُ هو الحامِلَ عَلى الإيمانِ؛ قَدَّمَهُ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ لا يُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ قالَ: ﴿وآمَنتُمْ﴾؛ أيْ: بِهِ إيمانًا خالِصًا؛ مُوافِقًا فِيهِ القَلْبُ ما أظْهَرَهُ اللِّسانُ؛ ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ أنَّهُ لا يُعَذِّبُكُمْ؛ بَلْ يَشْكُرُ ذَلِكَ؛ قالَ - عاطِفًا عَلَيْهِ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿شاكِرًا﴾؛ لِمَن شَكَرَهُ؛ بِإثابَتِهِ عَلى طاعَتِهِ فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّهُ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ بِمَن عَمِلَ لَهُ شَيْئًا؛ وإنْ دَقَّ؛ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ سَهْوٌ ولا غَلَطٌ؛ ولا اشْتِباهٌ.
النساء 4:148
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أرادَ؛ مِن تَقْبِيحِ حالِ المُجالِسِينَ الخائِضِينَ في آياتِهِ؛ بِما هي مُنَزَّهَةٌ عَنْهُ؛ ومِمّا يَتْبَعُهُ مِن وصْفِهِمْ؛ وبَيانِ قَصْدِهِمْ (p-٤٤٧)بِتِلْكَ المُجالَسَةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ مِثْلِ حالِهِمْ؛ ومِن جَزاءِ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِمْ - إلى أنْ خَتَمَ بِأشَدِّ عَذابِ المُنافِقِينَ؛ وحَثَّ عَلى التَّوْبَةِ بِما خَتَمَهُ بِصِفَتَيِ الشُّكْرِ؛ والعِلْمِ؛ أخْبَرَ أنَّهُ يُبْغِضُ خَوْضَ الكافِرِينَ؛ الَّذِينَ قَبَّحَ مُجالَسَتَهم حالَ التَّلَبُّسِ بِهِ؛ وكَذا كُلَّ جَهْرٍ بِسُوءٍ؛ إلّا ما اسْتَثْناهُ؛ فَمَن أقْدَمَ عَلى ما لا يُحِبُّهُ؛ لَمْ يَقُمْ بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ؛ فَقالَ - مُعَلِّلًا ما مَضى؛ قَبْلَ افْتِتاحِ أمْرِ المُنافِقِينَ؛ مِنَ الأمْرِ بِإحْسانِ التَّحِيَّةِ -: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿الجَهْرَ﴾؛ أيْ: ما يَظْهَرُ؛ فَيَصِيرُ في عِدادِ الجَهْرِ؛ ﴿بِالسُّوءِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَسُوءُ؛ ويُؤْذِي؛ ﴿مِنَ القَوْلِ﴾؛ أيْ: لِأحَدٍ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن شُكْرِ اللَّهِ (تَعالى) في الإحْسانِ إلى عِبادِهِ؛ وعِيالِهِ؛ ولا مِن شُكْرِ النّاسِ في شَيْءٍ؛ ولا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لا يَشْكُرُ النّاسَ؛ ﴿إلا مَن﴾؛ أيْ: جَهَرَ مَن؛ ﴿ظُلِمَ﴾؛ أيْ: كانَ مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ ظُلْمٌ إلَيْهِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الجَهْرُ بِشَكْواهُ؛ والتَّظَلُّمُ مِنهُ؛ والدُّعاءُ عَلَيْهِ؛ وإنْ ساءَهُ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لا يَعْتَدِي.
ولَمّا كانَ القَوْلُ مِمّا يُسْمَعُ؛ وكانَ مِنَ الظُّلْمِ ما قَدْ يَخْفى؛ قالَ -مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: لِكُلِّ ما يُمْكِنُ سَماعُهُ؛ مِن جَهْرٍ وغَيْرِهِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ؛ (p-٤٤٨)فاحْذَرُوهُ؛ لِئَلّا يَفْعَلُ بِكم فِعْلَ السّاخِطِ؛ وجَهْرُ مَن ظُلِمَ - وإنْ كانَ داخِلًا فِيما يُحِبُّهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا - لَكِنَّ جَعْلَهُ مِن جُمْلَةِ السُّوءِ؛ وإنْ كانَ مِن بابِ المُشاكَلَةِ؛ فَإنَّ فِيهِ لَطِيفَةٌ؛ وهي نَهْيُ الفَطِنِ عَنْ تَعاطِيهِ؛ وحَثُّهُ عَلى العَفْوِ؛ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ فِعْلَهُ بِحَيْثُ يَنْطَلِقُ اسْمُ السُّوءِ - عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ إطْلاقُهُ - كَفَّ عَنْهُ؛ إنْ كانَ مُوَفَّقًا.
النساء 4:149
ولَمّا كانَتْ مَعاقِدُ الخَيْراتِ عَلى كَثْرَتِها؛ مُنْحَصِرَةً في قِسْمَيْنِ: إيصالِ النَّفْعِ؛ إبْداءً وإخْفاءً؛ ودَفْعِ الضَّرَرِ؛ فَكانَ قَدْ أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى العَفْوِ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ قالَ - مُصَرِّحًا بِالنَّدْبِ إلى العَفْوِ؛ والإحْسانِ؛ فَكانَ نادِبًا إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ: الأُولى بِطَرِيقِ الإشارَةِ لِأُولِي البِصارَةِ؛ والثّانِيَةُ بِطَرِيقِ العِبارَةِ؛ لِلرّاغِبِينَ في التِّجارَةِ؛ حَثًّا عَلى الأحَبِّ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - والأفْضَلِ عِنْدَهُ؛ والأدْخَلِ في بابِ الكَرَمِ -: ﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾؛ أيْ: مِن قَوْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُوهُ خُفْيَةً ابْتِداءً؛ أوْ في مُقابَلَةِ سُوءِ فِعْلٍ إلَيْكُمْ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَ الخَيْرِ؛ أتْبَعَهُ نَوْعًا مِنهُ؛ هو أفْضَلُهُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾؛ أيْ: فِعْلٍ بِكُمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”يَعْلَمْهُ؛ بِما لَهُ مِن صِفَتَيِ السَّمْعِ؛ والعِلْمِ؛ فَيُجازِيَ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أفْضَلَ مِنهُ؛ وعَفْوٍ أعْظَمَ مِن عَفْوِكُمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ (p-٤٤٩)؛ أيْ: فَأنْتُمْ جَدِيرُونَ بِالعَفْوِ؛ بِسَبَبِ عِلْمِكم بِأنَّ ﴿اللَّهَ كانَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَفُوًّا﴾؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ العِقابِ لا يُسَمّى عَفْوًا؛ إلّا إذا كانَ مِن قادِرٍ؛ وكانَ الكَفُّ - عِنْدَ القُدْرَةِ عَنْ الِانْتِقامِ؛ مِمَّنْ أثَّرَ في القُلُوبِ الآثارَ العِظامَ - بَعِيدًا؛ شاقًّا عَلى النَّفْسِ؛ شَدِيدًا؛ قالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لِلْعِبادِ بِذُنُوبِهِمْ إلَيْهِ؛ وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ -: ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ العَفْوِ عَنْ كُلِّ ما يُرِيدُ العَفْوَ عَنْهُ مِن أفْعالِ الجانِينَ؛ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ فالَّذِي لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَنْبٍ؛ وعَجْزٍ؛ أوْلى بِالعَفْوِ؛ طَمَعًا في عَفْوِ القادِرِ عَنْهُ؛ وخَوْفًا مِنَ انْتِقامِهِ مِنهُ؛ وتَخَلُّقًا بِخُلُقِهِ العَظِيمِ؛ واقْتِداءً بِسُنَّتِهِ.
النساء 4:150
ولَمّا انْقَضى ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ وأحْسَنِ سِياقٍ ونَحْوٍ؛ وخَتَمَ بِصِفَتَيِ العَفْوِ؛ والقُدْرَةِ؛ شَرَعَ في بَيانِ أحْوالِ مَن لا يُعْفى عَنْهُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وبَيانِ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا المُنافِقِينَ؛ بِما يُلْقُونَ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ الَّتِي وسَّعَ عُقُولَهم لَها ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ العِلْمِ؛ فَأبْدَوُا الشَّرَّ؛ وكَتَمُوا الخَيْرَ؛ فَوَضَعُوا نِعْمَتَهُ حَيْثُ يَكْرَهُ؛ ثُمَّ كَشَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْضَ شُبَهِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِما افْتَتَحَ بِهِ قَصَصَهُمْ؛ مِن أنَّهُمُ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى؛ ويُرِيدُونَ ضَلالَ غَيْرِهِمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَتَمَ هُناكَ (p-٤٥٠)ما قَبْلَ قَصَصِهِمْ بِقَوْلِهِ: ”عَفُوًّا قَدِيرًا“ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يَسْتُرُونَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ بِالجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ ذَكَرَ السَّبَبَ المُوقِعَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: فَيُصَدِّقُونَ بِاللَّهِ؛ ويُكَذِّبُونَ بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ فَيَنْفُونَ رِسالاتِهِمُ؛ المُسْتَلْزِمَ لِنِسْبَتِهِمْ إلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَ لِكَوْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَرِيئًا مِنهم.
ولَمّا ذَكَرَ الإرادَةَ؛ ذَكَرَ ما نَشَأ عَنْها؛ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ كاليَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وغَيْرِهِ؛ إلّا عِيسى؛ ومُحَمَّدًا ﷺ؛ فَكَفَرُوا بِهِما؛ ﴿ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وهُمُ الرُّسُلُ؛ كَمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿ويُرِيدُونَ أنْ يَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُوا أنْ يَأْخُذُوا؛ ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا يَكْفُرُونَ بِهِ؛ وعَطْفُ الجُمَلِ بِالواوِ - وإنْ كانَ بَعْضُها سَبَبًا لِبَعْضٍ - إشارَةٌ إلى أنَّهم جَدِيرُونَ بِالوَصْفِ بِكُلٍّ مِنها عَلى انْفِرادِهِ؛ وأنَّ كُلَّ خَصْلَةٍ كافِيَةٌ في نِسْبَةِ الكُفْرِ إلَيْهِمْ؛ وقَدَّمَ نَتِيجَتَها؛ (p-٤٥١)وخَتَمَ بِالحُكْمِ بِها؛ عَلى وجْهٍ أضْخَمَ؛ تَفْظِيعًا لِحالِهِمْ؛ وأصْلُ الكَلامِ: ”أرادُوا سَبِيلًا بَيْنَ سَبِيلَيْنِ؛ فَقالُوا: نَكْفُرُ بِبَعْضٍ؛ فَأرادُوا التَّفْرِقَةَ؛ فَكَفَرُوا كُفْرًا هو في غايَةِ الشَّناعَةِ عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ“؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ:
النساء 4:151
﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾؛ أيْ: الغَرِيقُونَ في الكُفْرِ؛ ﴿حَقًّا﴾؛ ولَزِمَهُمُ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ لِأنَّ الدَّلِيلَ عَلى نُبُوَّةِ البَعْضِ لَزِمَ مِنهُ القَطْعُ بِنُبُوَّةِ كُلِّ مَن حَصَلَ مِنهُ مِثْلُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ؛ وحَيْثُ جُوِّزَ حُصُولُ الدَّلِيلِ بِدُونِ المَدْلُولِ؛ تَعَذَّرَ الِاسْتِدْلالُ بِهِ عَلى شَيْءٍ؛ كالمُعْجِزَةِ؛ فَلَزِمَ حِينَئِذٍ الكُفْرُ بِالجَمِيعِ؛ فَثَبَتَ أنَّ مَن كَذَّبَ بِنُبُوَّةِ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَزِمَهُ الكُفْرُ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ؛ ومَن لَزِمَهُ الكُفْرُ بِهِمْ؛ لَزِمَهُ الكُفْرُ بِاللَّهِ؛ وكُلِّ ما جاءَ بِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: "فَلا جَرَمَ أنّا أعْتَدْنا - أيْ: هَيَّأْنا - لَهم عَذابًا مُهِينًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَعْمِيمًا -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: كَما اسْتَهانُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ؛ وهُمُ الجَدِيرُونَ بِالحُبِّ؛ والكَرامَةِ؛ والآيَةُ شامِلَةٌ لَهم ولِغَيْرِهِمْ؛ مِمَّنْ كانَ حالُهُ كَحالِهِمْ؛ وإيلاءُ ذَلِكَ بَيانَ أحْوالِ المُنافِقِينَ أنْسَبُ شَيْءٍ؛ وأحْسَنُهُ؛ لِلتَّعْرِيفِ بِأنَّهم مُنافِقُونَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم يُظْهِرُونَ شَيْئًا مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ويُبْطِنُونَ غَيْرَهُ؛ وإنْ كانَ ما يُظْهِرُونَهُ عَلى الضِّدِّ مِمّا يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ؛ وبِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ أضَلُّوا (p-٤٥٢)المُنافِقِينَ؛ ولِلتَّحْذِيرِ مِن أقْوالِهِمْ؛ وتَزْيِيفِ ما حَرَّفُوا مِن مَحالِّهِمْ؛ وفي ذَلِكَ التِفاتٌ إلى أوَّلِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]
النساء 4:152
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ما أعَدَّ لَهُمْ؛ بَيِّنَ ما أعَدَّ لِأضْدادِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ والجَمالُ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ ولَمّا جَمَعُوهم في الإيمانِ ضِدَّ ما فَعَلَ أهْلُ الكُفْرانِ؛ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولَمْ يُفَرِّقُوا﴾؛ أيْ: في اعْتِقادِهِمْ؛ ﴿بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَجْعَلُوا أحَدًا مِنهم عَلى صِفَةِ الفُرْقَةِ البَلِيغَةِ مِن صاحِبِهِ؛ بِأنْ كَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وآمَنُوا بِبَعْضٍ - كَما فَعَلَ الأشْقِياءُ -؛ والتَّفْرِقَةُ تَقْتَضِي شَيْئَيْنِ فَصاعِدًا؛ و”أحَدٍ“؛ عامٌّ في الواحِدِ؛ المُذَكَّرِ؛ والمُؤَنَّثِ؛ وتَثْنِيَتِهِما؛ وجَمْعِهِما؛ فَلِذَلِكَ صَحَّ التَّعْبِيرُ بِهِ؛ بِمَعْنى: بَيْنَ اثْنَيْنِ؛ أوْ جَماعَةٍ؛ وكَأنَّهُ اخْتِيرَ لِلْمُبالَغَةِ بِأنْ لَوْ أنَّ الواحِدَ يُمْكِنُ فِيهِ التَّفْرِقَةُ؛ فَكانَ الإيمانُ بِالبَعْضِ دُونَ البَعْضِ كُفْرًا؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ في رُتَبِ السَّعادَةِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ تَأْكِيدَ وعْدِهِمْ؛ وكانَ المُشاهَدُ فِيهِ غالِبًا التَّأخُّرَ؛ قالَ: ﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ تَأخَّرَ؛ فالمُرادُ تَحْقِيقُهُ؛ لا تَحْقِيقُ تَأخُّرِهِ؛ ولَكِنَّهُ أتى بِالأداةِ الَّتِي هي أكْثَرُ حُرُوفًا؛ وأشَدُّ تَنْفِيسًا؛ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لِأهْلِ الإيمانِ المُجَرَّدِ؛ الشّامِلِ؛ (p-٤٥٣)لِمَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَمَلٌ؛ ولِذا أضافَ الأُجُورَ إلَيْهِمْ؛ وخَتَمَ بِالمَغْفِرَةِ؛ لِئَلّا يَحْصُلُ لَهم يَأْسٌ؛ وإنْ طالَ المَدى؛ ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: كامِلَةً بِحَسَبِ نِيّاتِهِمْ؛ وأعْمالِهِمْ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَبْلُغُ الواصِفُونَ كُنْهَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ لِما يُرِيدُ مِنَ الزَّلّاتِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بِمَن يُرِيدُ إسْعادَهُ بِالجَنّاتِ.
النساء 4:153
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) بِما عَلى المُفَرِّقِينَ بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ؛ وما لِأضْدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما أرادُوا بِهِ الفُرْقَةَ؛ وذَلِكَ أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ؛ وفِنْحاصَ بْنَ عازُورا؛ مِنَ اليَهُودِ؛ قالا كَذِبًا: إنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَأْتِنا بِكِتابٍ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِكِتابِهِ كَذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) - مُوَبِّخًا لَهم عَلى هَذا الكَذِبِ؛ مُشِيرًا إلى كَذِبِهِمْ فِيهِ؛ مُوهِيًا لِسُؤالِهِمْ؛ مُحَذِّرًا مِن غَوائِلِهِ؛ مُبَيِّنًا لِكُفْرِهِمْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ -: ﴿يَسْألُكَ﴾؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ مِن أعْظَمِ شُبَهِهِمُ الَّتِي أضَلُّوا بِها مَن أرادَ اللَّهَ؛ وذَلِكَ أنَّهم رَأوْا أنَّ هَذا الكِتابَ المُبِينَ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ؛ وأنَّ العَرَبَ لَمْ يُمْكِنْهُمُ الطَّعْنُ فِيهِ؛ عَلى وجْهٍ يُمْكِنُ قَبُولُهُ؛ فَوَجَّهُوا مَكايِدَهم نَحْوَهُ (p-٤٥٤)بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ؛ ونَحْوِها؛ زَيَّفَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - أتَمَّ تَزْيِيفِ؛ وفَضَحَهم بِسَبَبِها غايَةَ الفَضِيحَةِ؛ وزادَ - سُبْحانَهُ - في تَبْكِيتِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلُ الكِتابِ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ العالِمَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ أبْعَدَ النّاسِ مِنَ التَّمْوِيهِ؛ فَضْلًا عَنِ الكَذِبِ الصَّرِيحِ؛ ﴿أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِمْ؛ بِإثْباتِ أسْمائِهِمْ؛ ﴿كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ وما أوْهَمُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ هَذا؛ مِن أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتى بِالتَّوْراةِ جُمْلَةً كِذْبَةٌ تَلَقَّفَها مِنهم مَن أرادَ اللَّهُ (تَعالى) مِن أهْلِ الإسْلامِ؛ ظَنًّا مِنهم أنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أقَرَّهم عَلَيْها؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ - كَما يُفْهِمُهُ السِّياقُ كُلُّهُ؛ ويَأْتِي ما هو كالصَّرِيحِ فِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]؛ الآيَةَ؛ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ واليَهُودُ الآنَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّها لَمْ تَنْزِلْ جُمْلَةً؛ وقالَ الكَلْبِيُّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ الَّتِي ذَبَحُوها لِأجْلِ القَتِيلِ الَّذِي تَدارَوْا فِيهِ: وذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ القَسامَةِ في التَّوْراةِ.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النَّبِيُّ ﷺ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ؛ مُبَيِّنًا - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ أنَّ عادَتَهُمُ التَّعَنُّتُ؛ ودَيْدَنَهُمُ الكُفْرُ؛ وأنَّهم أغْرَقُ النّاسِ في غِلَظِ الأكْبادِ؛ وجَلافَةِ الطَّبائِعِ؛ وأنَّ أوائِلَهم تَعَنَّتُوا عَلى مَن يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ الآنَ؛ وأنَّهم عَلى شَرِيعَتِهِ؛ وأحَبُّ شَيْءٍ فِيهِ ما أراهم مِن تِلْكَ الآياتِ العِظامِ؛ الَّتِي مِنها اسْتِنْقاذُهم مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ بَلْ مِنَ الذَّبْحِ؛ وأنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنهُمْ؛ مَعَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ القَوارِعِ؛ والعَفْوِ؛ (p-٤٥٥)فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: إنْ تَسْتَعْظِمْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ ﴿سَألُوا﴾؛ أيْ: آباؤُهُمْ؛ أيْ: وهم عَلى نَهْجِهِمْ في التَّعَنُّتِ؛ فَهم شُرَكاؤُهُمْ؛ ﴿مُوسى﴾؛ لِغَيْرِ داعٍ؛ سِوى التَّعَنُّتِ؛ ﴿أكْبَرَ﴾؛ أيْ: أعْظَمَ؛ ﴿مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ الَّذِي واجَهُوكَ بِهِ؛ بَعْدَ ما أظْهَرْتُ مِنَ المُعْجِزاتِ ما أوْجَبْنا عَلى كُلِّ مَن عَلِمَها الإيمانَ بِكَ؛ والتَّأْدِيبَ مَعَكَ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَبِيهَ لَهُ؛ وتَقْصُرُ العُقُولُ عَنِ الإحاطَةِ بِعَظَمَتِهِ؛ ﴿جَهْرَةً﴾؛ أيْ: عَيانًا؛ مِن غَيْرِ سِتْرٍ؛ ولا حِجابٍ؛ ولا نَوْعٍ مِن خَفاءٍ؛ بَلْ تُحِيطُ بِهِ أبْصارُنا؛ كَما يُحِيطُ السَّمْعُ بِالقَوْلِ الجَهْرِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنْ كُلًّا مِنَ السُّؤالَيْنِ مَمْنُوعٌ؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا؛ لِأدائِهِ إلى الِاسْتِخْفافِ بِما نُقَدِّمُهُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وعَدِّهِ غَيْرَ كافٍ؛ مَعَ أنَّ إنْزالَ الكِتابِ جُمْلَةً غَيْرُ مُناسِبٍ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها هَذِهِ الدّارُ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِالأسْبابِ؛ وبِنائِها عَلَيْها؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ تَفْرِيقَ الأوامِرِ سَبَبٌ لِخِفَّةِ حَمْلِها؛ وذَلِكَ أدْعى لِامْتِثالِها؛ وأيْسَرُ لِحِفْظِها؛ وأعْوَنُ عَلى فَهْمِها؛ وأعْظَمُ تَثْبِيتًا لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ وأشْرَحُ لِصَدْرِهِ؛ وأقْوى لِقَلْبِهِ؛ وأبْعَثُ لِشَوْقِهِ؛ والرُّؤْيَةُ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي طَلَبُوهُ - وهو الإحاطَةُ - مُحالٌ؛ فَسُؤالُهم لِذَلِكَ اسْتِخْفافٌ؛ مَعَ أنَّهُ تَعَنُّتٌ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ سُؤالِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: عَقِبِ هَذا السُّؤالِ؛ وبِسَبَبِهِ؛ مِن غَيْرِ إمْهالٍ؛ أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ؛ ﴿الصّاعِقَةُ﴾؛ أيْ: نارٌ نَزَلَتْ مِنَ (p-٤٥٦)السَّماءِ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ؛ هو جَدِيرٌ بِألّا يُسَمّى غَيْرُهُ - إذا نُسِبَ إلَيْهِ - ”صاعِقَةً“؛ فَأهْلَكَتْهُمْ؛ ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ بِهَذا السُّؤالِ؛ وغَيْرِهِ؛ لِكَوْنِهِ تَعَنُّتًا مِن غَيْرِ مُقْتَضٍ لَهُ أصْلًا؛ وبِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ عَلى وجْهٍ مُحالٍ؛ وهو طَلَبُ الإحاطَةِ؛ ﴿ثُمَّ﴾؛ بَعْدَ العَفْوِ عَنْهُمْ؛ وإحْيائِهِمْ مِن إماتَةِ هَذِهِ الصّاعِقَةِ؛ ﴿اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾؛ أيْ: تَكَلَّفُوا أخْذَهُ؛ وعَتَوْا أنْفُسَهم بِاصْطِناعِهِ.
ولَمّا كانَ الضّالُّ بَعْدَ فَرْطِ البَيانِ أجْدَرَ بِالتَّبْكِيتِ؛ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ﴾؛ وأدْخَلَ الجارَّ إعْلامًا بِأنَّ اتِّخاذَهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ بَلْ تابُوا عَنْهُ؛ ﴿ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾؛ أيْ: بِهَذا الإحْياءِ؛ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿فَعَفَوْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَنْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الذَّنْبِ العَظِيمِ؛ بِتَوْبَتِنا عَلَيْهِمْ؛ مِن غَيْرِ اسْتِئْصالٍ لَهُمْ؛ ﴿وآتَيْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ؛ ﴿مُوسى سُلْطانًا﴾؛ أيْ: تَسَلُّطًا؛ واسْتِيلاءً قاهِرًا؛ ﴿مُبِينًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا؛ فَإنَّهُ أمَرَهم بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ؛ فَبادَرُوا الِامْتِثالَ بَعْدَ ما ارْتَكَبُوا مِن عَظِيمِ هَذا الضَّلالِ؛ وفِيهِ رَمْزٌ ظاهِرٌ إلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يُسَلِّطُ مُحَمَّدًا ﷺ عَلى كُلِّ مَن يُعانِدُهُ أعْظَمَ مِن هَذا التَّسْلِيطِ.
النساء 4:154
ولَمّا بَيَّنَ هَذا مِن عَظَمَتِهِ أتْبَعَهُ أمْرًا آخَرَ أعْظَمَ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ورَفَعْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ولَمّا كانَ قَدْ مَلَأ جِهَةَ الفَوْقِ بِأنْ وارى جَمِيعَ أبْدانِهِمْ؛ ولَمْ يَسْلَمْ أحَدٌ مِنهم مِن ذَلِكَ؛ نَزَعَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾؛ أيْ: الجَبَلَ العَظِيمَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ رَفْعِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِمِيثاقِهِمْ﴾ (p-٤٥٧)؛ أيْ: حَتّى التَزَمُوهُ؛ وأذْعَنُوا لَهُ؛ وقَبِلُوهُ.
ولَمّا ذَكَرَ المِيثاقَ عَلى هَذا الوَجْهِ العَجِيبِ؛ أتْبَعَهُ ما نَقَضُوا فِيهِ؛ عَلى سُهُولَتِهِ؛ دَلِيلًا عَلى سُوءِ طِباعِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾؛ أيْ: بِما تَكَرَّرَ لَهم مِن رُؤْيَةِ عَظَمَتِنا؛ ﴿ادْخُلُوا البابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لِبَيْتِ المَقْدِسِ؛ ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: فَنَقَضُوا ذَلِكَ العَهْدَ الوَثِيقَ؛ وبَدَّلُوا؛ ﴿وقُلْنا لَهُمُ﴾؛ أيْ: عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في كَثِيرٍ مِنَ التَّوْراةِ؛ ﴿لا تَعْدُوا﴾؛ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا ما حَدَّدْناهُ لَكُمْ؛ ﴿فِي السَّبْتِ﴾؛ أيْ: لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا مِنَ الأعْمالِ - تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ -؛ سُمِّيَ ”عَدْوًا“؛ لِأنَّ العالِمَ لِلشَّيْءِ يَكُونُ لِشِدَّةِ إقْبالِهِ عَلَيْهِ كَأنَّهُ يَعْدُو؛ ﴿وأخَذْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾؛ وإنَّما جَزَمْتُ بِأنَّ المُرادَ بِهَذا - واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ - عَلى لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ لِأنَّهُ (تَعالى) كَرَّرَ التَّأْكِيدَ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ في حِفْظِ السَّبْتِ؛ وأوْصاهم بِهِ؛ وعَهِدَ إلَيْهِمْ فِيهِ ما قَلَّ أنْ عَهِدَهُ في شَيْءٍ مِنَ الفُرُوعِ غَيْرِهِ؛ قالَ بَعْضُ المُتَرْجِمِينَ لِلتَّوْراةِ؛ في السِّفْرِ الثّانِي؛ في العَشْرِ الآياتِ الَّتِي أوَّلُها: (أنا إلَهُكَ الَّذِي أصَعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ؛ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ؛ لا يَكُونُ لَكَ إلَهٌ غَيْرِي)؛ ما (p-٤٥٨)نَصُّهُ: (اذْكُرْ حِفْظَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وطُهْرُهُ سِتَّةُ أيّامٍ؛ كِدَّ فِيها؛ واصْنَعْ جَمِيعَ ما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَصْنَعَهُ؛ واليَوْمُ السّابِعُ سَبْتُ اللَّهِ رَبِّكَ؛ لا تَعْمَلَنَّ فِيهِ شَيْئًا مِنَ الأعْمالِ أنْتَ؛ وابْنُكَ؛ وابْنَتُكَ؛ وعَبْدُكَ؛ وأمَتُكَ؛ ودَوابُّكَ؛ والسّاكِنُ في قُراكَ؛ لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامِ؛ والبُحُورَ وجَمِيعَ ما فِيها؛ واسْتَراحَ في اليَوْمِ السّابِعِ؛ ولِذَلِكَ بارَكَ اللَّهُ اليَوْمَ السّابِعَ؛ وقَدَّسَهُ؛ أكْرِمْ أباكَ)؛ إلى آخِرِ ما مَرَّ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ثُمَّ عادَ العَشْرَ الآياتِ في أوائِلِ السِّفْرِ الخامِسِ؛ وقالَ - في السَّبْتِ -: (احْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ وظُهُورَهُ؛ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ واعْمَلُوا الأعْمالَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ واعْمَلُوا الأعْمالَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ فاصْنَعُوا ما أرَدْتُمْ أنْ تَصْنَعُوا فِيها؛ فَأمّا يَوْمُ السَّبْتِ فَأُسْبُوعُ رَبِّكُمْ؛ لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا أنْتُمْ؛ وبَنُوكُمْ؛ وعَبِيدُكُمْ؛ وإماؤُكُمْ؛ وثِيرانُكُمْ؛ وحَمِيرُكُمْ؛ وكُلُّ بَهائِمِكُمْ؛ والسّاكِنُ الَّذِي في قُراكُمْ؛ لِيَسْتَرِيحَ عَبِيدُكُمْ)؛ إلى آخِرِ ما في أوائِلِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ عِنْدَ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ وقالَ في الثّانِي بَعْدَ ذَلِكَ: (وقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: وأنْتَ فَأْمُرْ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ تَحْفَظُوا السُّبُوتَ؛ لِأنَّها أمارَةُ العَهْدِ؛ وعَلامَةٌ فِيما بَيْنِي وبَيْنَكم لِأحْقابِكُمْ؛ فَتَعْلَمُوا أنِّي أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكُمْ؛ مُقَدِّسُكُمُ؛ احْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ (p-٤٥٩)فَإنَّهُ مُطَهِّرٌ مَخْصُوصٌ لَكُمْ؛ ومَن نَقَضَهُ وأخَذَ العَمَلَ فِيهِ فَلْيُقْتَلْ؛ ومَن عَمِلَ عَمَلًا فَلْيَهْلِكْ ذَلِكَ الإنْسانُ مِن شَعْبِهِ؛ اعْمَلُوا أعْمالَكم سِتَّةَ أيّامٍ؛ واليَوْمُ السّابِعُ فَهو يَوْمُ سَبْتٍ قُدِّسَ لِلرَّبِّ؛ لِأنَّ الرَّبَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ والبُحُورَ وما فِيها؛ وهَذا في اليَوْمِ السّابِعِ؛ ودَفَعَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا فَرَغَ كَلامُهُ لَهُ في طُورِ سَيْناءَ لَوْحَيِ الشَّهادَةِ)؛ وأبْلَغَ في تَأْكِيدِ حِفْظِهِ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ؛ حَتّى إنَّهُ شَرَّعَ لَهم أسْبابَ الأرْضِ؛ ونَحْوَها؛ فَقالَ في السِّفْرِ الثّانِي أيْضًا: (ازْرَعْ أرْضَكَ سِتَّ سِنِينَ؛ واحْمِلْ أثْقالَها؛ وفي السَّنَةِ السّابِعَةِ ابْذُرْها؛ ودَعْها فَيَأْكُلَ مِسْكِينُ شَعْبِكَ؛ وما يَبْقى بَعْدَ ذَلِكَ يَأْكُلُهُ حَيَوانُ البَرِّ؛ وكَذَلِكَ فافْعَلْ بِكُرُومِكَ وزَيْتُونِكَ؛ اعْمَلْ عَمَلَكَ في سِتَّةِ أيّامٍ؛ وفي اليَوْمِ السّابِعِ تَسْتَرِيحُ؛ لِكَيْ يَسْتَرِيحَ ثَوْرُكَ؛ وحِمارُكَ؛ وتَسْتَرِيحَ أمَتُكَ وابْنُ أمَتِكَ؛ والسّاكِنُ في قُراكَ)؛ ثُمَّ ذَكَرَ الأعْيادَ في السِّفْرِ الثّالِثِ؛ وحَرَّمَ العَمَلَ فِيها؛ وقالَ - في بَعْضِها -: (وكُلُّ نَفْسٍ تَعْمَلُ عَمَلًا في هَذا اليَوْمِ تَهْلِكُ تِلْكَ النَّفْسُ مِن شَعْبِها؛ فَلا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا؛ لِأنَّهُ سُنَّةٌ جارِيَةٌ لَكم إلى الأبَدِ؛ في جَمِيعِ مَساكِنِكُمْ؛ فَلْيُكُنْ هَذا اليَوْمُ سَبْتَ السُّبُوتِ)؛ ثُمَّ أمَرَهم بِعِيدِ المَظالِّ سَبْعَةَ أيّامٍ؛ وقالَ: (لِيَعْلَمَ أحْقابُكم أنَّنِي (p-٤٦٠)أجْلَسْتُ بَنِي إسْرائِيلَ في المَظالِّ؛ حَيْثُ أخْرَجْتُهم مِن أرْضِ مِصْرَ)؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ القَرابِينِ؛ وقالَ: (ويَصُفَّ هارُونُ الخُبْزَ صَفَّيْنِ في اليَوْمِ السّادِسِ؛ وهو يَوْمُ الجُمْعَةِ؛ ويَكُونَ ذَلِكَ مِن عِيدِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى؛ وقالَ لَهُ في طُورِ سَيْناءَ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقُلْ لَهُمْ: إذا دَخَلْتُمُ الأرْضَ الَّتِي أُعْطِيكم مِيراثًا تَسْبِتُ الأرْضُ سَبْتًا لِلرَّبِّ؛ ازْرَعُوا مَزارِعَكم سِتَّ سِنِينَ؛ واكْسَحُوا كُرُومَكم سِتَّ سِنِينَ؛ واسْتَغِلُّوا غَلّاتِكم سِتَّ سِنِينَ؛ فَأمّا السَّنَةُ السّابِعَةُ فَلْتَكُنْ سَبْتَ الرّاحَةِ لِلْأرْضِ؛ لا تَزْرَعُوا مَزارِعَكُمْ؛ ولا تَكْسَحُوا كُرُومَكُمْ؛ ولْتَحْصُدُوا ما يَنْبُتُ في أرْضِكم في تِلْكَ السَّنَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُزْرَعَ؛ ولا تَقْطَعُوا عِنَبَ كُرُومِكُمْ؛ بَلْ يَكُونُ سَبْتَ الرّاحَةِ لِلْأرْضِ؛ لَكُمْ؛ ولِبَنِيكُمْ؛ ولِإمائِكُمْ؛ ولِإخْوانِكُمْ؛ ولِلسُّكّانِ الَّذِينَ يَسْكُنُونَ مَعَكُمْ؛ وأحْصُوا سَبْعَ مَرّاتٍ سَبْعًا سَبْعًا: تِسْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً؛ وقَدِّسُوا سَنَةَ خَمْسِينَ؛ ولْيَكُنْ رَدُّ الأشْياءِ إلى أرْبابِها؛ ولا تَزْرَعُوا أرْضَكم في تِلْكَ السَّنَةِ؛ ولا تَحْصُدُوا ما نَبَتَ فِيها؛ ولا تَقْطَعُوا عُشْبَها؛ لِأنَّها سَنَةُ الرَّدِّ؛ واتَّقُوا اللَّهَ لِأنِّي أنا اللَّهُ رَبُّكُمُ؛ احْفَظُوا وصايايَ؛ واعْمَلُوا بِها؛ واحْفَظُوا أحْكامِي؛ واعْمَلُوا بِها؛ واسْكُنُوا أرْضَكم بِالسُّكُونِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ لِتَغُلَّ لَكُمُ الأرْضُ غَلّاتِها؛ وتَأْكُلُوا؛ وتَشْبَعُوا؛ وتَسْكُنُوها مُطَمْئِنِّينَ؛ وإنْ قُلْتُمْ: مِن أيْنَ نَأْكُلُ في السَّنَةِ السّابِعَةِ الَّتِي لا نَزْرَعُ فِيها؛ (p-٤٦١)فَلا تَهْتَمُّوا؛ أنا مُنْزِلٌ لَكم بَرَكاتِي في السّادِسَةِ؛ وتَغُلُّ لَكم أرْضُكم في تِلْكَ السَّنَةِ غَلَّةَ ثَلاثِ سِنِينَ؛ حَتّى إذا زَرَعْتُمْ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ لَمْ تَحْتاجُوا إلى غَلَّتِها؛ لِأنَّكم تَأْكُلُونَ مِنَ السَّنَةِ السّادِسَةِ إلى التّاسِعَةِ؛ وأمّا الأرْضُ فَلا تُباعُ بَيْعًا صَحِيحًا أبَدًا؛ لِأنَّ الأرْضَ لِي).
وفِيهِ مِمّا لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا؛ نِسْبَةُ الِاسْتِراحَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ هَذا مَعَ أنَّهُ أكَّدَ - سُبْحانَهُ - العُهُودَ عَلَيْهِمْ في التَّوْحِيدِ؛ وحِفْظِ الأحْكامِ؛ في جَمِيعِ التَّوْراةِ؛ عَلى نَحْوِ ما تَراهُ فِيما أنْقُلُهُ مِنها في هَذا الكِتابِ.
النساء 4:155
فَلَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهُ أكَّدَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ؛ وأكْثَرَ مِنَ التَّقَدُّمِ في حِفْظِ العَهْدِ؛ بَيَّنَ أنَّهم نَقَضُوا؛ فَأعْقَبَهم بِسَبَبِ ذَلِكَ ما هُدِّدُوا بِهِ في التَّوْراةِ؛ مِنَ الخِزْيِ؛ وضَرْبِ الذِّلَّةِ؛ مَعَ ما ادَّخَرَ لَهم في الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَبِما﴾؛ مُؤَكِّدًا بِإدْخالِ ”ما“؛ ﴿نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ جَمِيعَ ما ذَكَرْنا في التَّوْراةِ مِنَ الخِزْيِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنهُ في القُرْآنِ؛ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي تَعْلِيقُهُ بِقَوْلِهِ الآتِي: ”حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ“؛ و”واعْتَدْنا“؛ ويَكُونُ مِنَ الطَّيِّباتِ العِزُّ؛ ورَغَدُ العَيْشِ؛ وذَلِكَ جامِعٌ لِنَكَدِ الدّارَيْنِ؛ وعَطَفَ عَلى هَذا الأمْرِ العامِّ ما اشْتَدَّتْ بِهِ العِنايَةُ مِن إفْرادِهِ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ فَقالَ: ﴿وكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ مِمّا جاءَهم عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَكُونَ عَظَمَتُها مُناسِبَةً لِعَظَمَةِ اسْمِهِ (p-٤٦٢)الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو مُسَمّى جَمِيعِ الأسْماءِ؛ فاسْتَلْزَمَ كُفْرُهم بِهِ كُفْرَهم بِما أنْزَلَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ أعْظَمُ ما نَقَضُوا فِيهِ؛ وأخَصُّ مِن مُطْلَقِ النَّقْضَ؛ ﴿وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ﴾؛ وهو أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَدٌّ لِبابِ الإيمانِ عَنْهُمْ؛ وعَنْ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ سَبَبُ الإيمانِ؛ وفي مَحْوِ السَّبَبِ مَحْوُ المُسَبِّبِ.
ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ مَعْصُومِينَ مِن كُلِّ نَقِيصَةٍ؛ ومُبَرَّئِينَ مِن كُلِّ دَنِيَّةٍ؛ لا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمْ حَقٌّ لا يُؤَدُّونَهُ؛ قالَ:﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أيْ: كَبِيرٍ ولا صَغِيرٍ أصْلًا؛ وهَذا الحَرْفُ - لِكَوْنِهِ في سِياقِ طَعْنِهِمْ في القُرْآنِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ - وقَعَ التَّعْبِيرُ فِيهِ أبْلَغَ مِمّا في ”آلِ عِمْرانَ“؛ الَّذِي هو أبْلَغُ مِمّا سَبَقَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ هَذا مَعَ جَمْعِ الكَثْرَةِ وتَنْكِيرِ الحَقِّ عَبَّرَ فِيهِ بِالمَصْدَرِ المُفْهِمِ لِأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى القَتْلِ صارَ لَهم خُلُقًا؛ وصِفَةً راسِخَةً؛ بِخِلافِ ما مَضى؛ فَإنَّهُ بِالمُضارِعِ الَّذِي رُبَّما دَلَّ عَلى العُرُوضِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وهو إسْنادُهم عَظائِمَهم إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾؛ أيْ: لا ذَنْبَ لَنا؛ لِأنَّ قُلُوبَنا خُلِقَتْ مِن أصْلِ الفَهْمِ بَعِيدَةً عَنْ فَهْمِ مِثْلِ ما يَقُولُ الأنْبِياءُ؛ لِكَوْنِها في أغْشِيَةٍ؛ فَهي شَدِيدَةُ الصَّلابَةِ؛ وذَلِكَ سَبَبُ قَتْلِهِمْ؛ ورَدِّ قَوْلِهِمْ؛ وهَذا بَعْدَ أنْ كانُوا يُقِرُّونَ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ ويَشْهَدُونَ لَهُ بِالرِّسالَةِ؛ وبِأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ؛ ويَصِفُونَهُ (p-٤٦٣)بِأشْهَرِ صِفاتِهِ؛ ويَتَرَقَّبُونَ إتْيانَهُ؛ لا جَرَمَ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وقَدْ كَذَبُوا؛ لِأنَّهم وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ؛ كَسائِرِ الوِلْدانِ؛ فَلَمْ تَكُنْ قُلُوبُهم في الأصْلِ غُلْفًا“ -: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مَعاقِدُ العِزِّ؛ ومَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْها﴾؛ طَبْعًا عارِضًا؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ بَلْ إنَّهُ خَلَقَها أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ؛ مُتَمَكِّنَةً مِنَ اخْتِيارِ الخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ فَلَمّا أعْرَضُوا - بِما هَيَّأ قُلُوبَهم لَهُ مِن قَبُولِ النَّقْضِ - عَنِ الخَيْرِ؛ واخْتارُوا الشَّرَّ؛ بِاتِّباعِ شَهَواتِهِمُ النّاشِئَةِ مِن نُفُوسِهِمْ؛ وتَرْكِ ما تَدْعُو إلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ طَبَعَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْها؛ فَجَعَلَها قاسِيَةً مَحْجُوبَةً عَنْ رَحْمَتِهِ؛ ولِذا سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الآتِيَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِما تَقْدِيرُهُ - تَتِمَّةً لِكَلامِهِمْ -: ”طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها؛ فَهي لا تَعِي؛ وتَكُونُ“بَلْ”؛ اسْتِدْراكًا لِلطَّبْعِ بِالكُفْرِ وحْدَهُ“؛ لِأنَّهُ رُبَّما انْضَمَّ إلَيْهِ؛ وأنْ يَكُونَ أضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّها في غُلْفٍ؛ لِكَوْنِ ما في الغِلافِ قَدْ يَكُونُ مُهَيَّأً لِإخْراجِهِ مِنَ الغِلافِ إلى الطَّبْعِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الدَّوامُ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ مِنَ الإيمانِ؛ بِأنْ يُؤْمِنُوا وقْتًا يَسِيرًا كَوَجْهِ النَّهارِ؛ ويَكْفُرُوا في غَيْرِهِ؛ ويُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ؛ ويَكْفُرُوا بِبَعْضٍ؛ أوْ إلّا أُناسًا قَلِيلًا مِنهم - كَما كانَ أسْلافُهم يُؤْمِنُونَ بِما يَأْتِي بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - (p-٤٦٤)مِنَ الآياتِ؛ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بِأسْرَعَ مِن كُفْرِهِمْ؛ وتَعَنُّتِهِمْ بِطَلَبِ آيَةٍ أُخْرى؛ كَما هو مَذْكُورٌ في تَوْراتِهِمُ الَّتِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ؛ ونَقَلْتُ كَثِيرًا مِنهُ في هَذا الكِتابِ؛ فَقامَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يُفَرِّقُونَ بَيْنَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الإيمانِ؛ وقُدْرَتِهِمْ عَلى الطَّيَرانِ.
النساء 4:156
ولَمّا بَيَّنَ كُفْرانَهم بِقَتْلِ الأنْبِياءِ؛ بَيَّنَ كُفْرَهم بِالبُهْتانِ الَّذِي هو سَبَّبُ القَتْلِ؛ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لَهُ بِإعادَةِ العامِلِ -: ﴿وبِكُفْرِهِمْ﴾؛ أيْ: المُطْلَقِ؛ الَّذِي هو سَبَبُ اجْتِرائِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِنَبِيٍّ مُعَيَّنٍ؛ كَمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وعَلى القَذْفِ؛ لِيَكُونَ بَعْضُ كُفْرِهِمْ مَعْطُوفًا عَلى بَعْضٍ آخَرَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِما ظَهَرَ عَلى يَدَيْها مِنَ الكَراماتِ الدّالَّةِ عَلى بَراءَتِها؛ وأنَّها مُلازِمَةٌ لِلْعِبادَةِ بِأنْواعِ الطّاعاتِ؛ ﴿بُهْتانًا عَظِيمًا﴾؛
النساء 4:157
ثُمَّ عَلَّمَهم بِما لَمْ يَنالُوا مِن قَتْلِ أعْظَمِ مَن جاءَ مِن أنْبِيائِهِمْ؛ بِأعْظَمِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ مِن بَعْدِ مُوسى؛ وهو عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بِادِّعائِهِمْ لِقَتْلِهِ؛ وصَلْبِهِ؛ افْتِخارًا بِهِ؛ مَعَ شَكِّهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ثُمَّ تَهَكَّمُوا بِهِ بِقَوْلِهِمْ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ (p-٤٦٥)؛ أيْ: الَّذِي لَهُ أنْهى العَظَمَةِ؛ فَجَمَعُوا بَيْنَ أنْواعٍ مِنَ القَبائِحِ؛ مِنها التَّشَيُّعُ بِما لَمْ يُعْطَوْا؛ ومِنها أنَّهُ - عَلى تَقْدِيرِ صِدْقِهِمْ - جامِعٌ لِأكْبَرِ الكَبائِرِ مُطْلَقًا؛ وهو الكُفْرُ بِقَتْلِ النَّبِيِّ؛ لِكَوْنِهِ نَبِيًّا؛ وأكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَهُ؛ وهو مُطْلَقُ القَتْلِ؛ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانُوا يَصِفُونَهُ بِالرِّسالَةِ مُضافَةً إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ اسْتِهْزاءً بِهِ؛ وبِمَن أرْسَلَهُ - عَزَّ اسْمُهُ؛ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ؛ وتَعالى كِبْرِياؤُهُ؛ وتَمَّتْ كَلِماتُهُ؛ ونَفَذَتْ أوامِرُهُ - لِكَوْنِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنهم - عَلى زَعْمِهِمْ - ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالَةُ أنَّهم ما ﴿قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾؛ وإنْ كَثُرَ قائِلُو ذَلِكَ مِنهُمْ؛ وسَلَّمَهُ لَهُمُ النَّصارى؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمّا كانَ المَقْصُودُ وُقُوعَ اللَّبْسِ عَلَيْهِمُ؛ الضّارِّ لَهُمْ؛ لا لِكَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: فَكانُوا في عَزْمِهِمْ بِذَلِكَ مُتَشَيِّعِينَ بِما لَمْ يُعْطَوْا.
ولَمّا أفْهَمَ التَّشْبِيهُ الِاخْتِلافَ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فاخْتَلَفُوا بِسَبَبِ التَّشْبِيهِ في قَتْلِهِ؛ فَمِنهم مَن قالَ: قَتَلْناهُ؛ جازِمًا؛ ومِنهم مَن قالَ: لَيْسَ هو المَقْتُولَ؛ ومِنهم مَن قالَ: الظّاهِرُ أنَّهُ هُوَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - دالًّا عَلى شَكِّهِمْ بِاخْتِلافِهِمْ -: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ أيْ: في قَتْلِهِ؛ ﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾؛ أيْ: تَرَدُّدٍ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ؛ كُلُّهُمْ؛ وإنْ جَزَمَ بَعْضُهُمْ؛ ثُمَّ أكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَهم بِهِ﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ (p-٤٦٦)ولَمّا كانُوا يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهُمُ اعْتِقادَ ذَلِكَ؛ بِالنَّظَرِ في شَهادَتِهِ؛ فَرُبَّما قَوِيَتْ عِنْدَهم شُبْهَةٌ؛ فَصارَتْ أمارَةً أوْجَبَتْ لَهم - لِشَغَفِهِمْ بِآمالِها - ظَنًّا؛ ثُمَّ اضْمَحَلَّتْ في الحالِ؛ لِكَوْنِها لا حَقِيقَةَ لَها؛ فَعادَ الشَّكُّ؛ وكانَ أبْلَغَ في التَّحَيُّرِ؛ قالَ: ﴿إلا﴾؛ أيْ: لَكِنْ؛ ﴿اتِّباعَ الظَّنِّ﴾؛ أيْ: يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم الِارْتِقاءَ مِن دَرْكِ الشَّكِّ إلى رُتْبَةِ الظَّنِّ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ دُونَ ”لَكِنْ“؛ المَوْضُوعَةِ لِلِانْقِطاعِ؛ إشارَةً إلى أنَّ إدْراكَهم لِما زَعَمُوهُ مِن قَتْلِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ في الحَقِيقَةِ شَكًّا؛ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم جَعْلَهُ ظَنًّا؛ ثُمَّ يَجْزِمُونَ بِهِ؛ ثُمَّ صارَ عِنْدَهم مُتَواتِرًا قَطْعِيًّا؛ فَلا أجْهَلَ مِنهم.
ولَمّا أخْبَرَ بِشَكِّهِمْ فِيهِ بَعْدَ الإخْبارِ بِنَفْيِهِ؛ أعادَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ؛ فَقالَ: ﴿وما قَتَلُوهُ﴾؛ أيْ: انْتَفى قَتْلُهم لَهُ انْتِفاءً؛ ﴿يَقِينًا﴾؛ أيْ: انْتِفاؤُهُ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”قَتَلُوهُ“؛ أيْ: ما فَعَلُوا القَتْلَ مُتَيَقِّنِينَ أنَّهُ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَلْ فَعَلُوهُ شاكِّينَ فِيهِ؛ والحَقُّ أنَّهم لَمْ يَقْتُلُوا إلّا الرَّجُلَ الَّذِي أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ الأوَّلُ أوْلى؛ لِقَوْلِهِ:
النساء 4:158
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ البالِغَةِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ رَفَعَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: (p-٤٦٧)إلى مَكانٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ حُكْمُ آدَمِيٍّ؛ وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ابْنَ ثَلاثِينَ؛ ورُفِعَ ابْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ؛ فَكانَتْ رِسالَتُهُ ثَلاثًا؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ في كُلِّ حالٍ؛ عِنْدَ قَصْدِهِمْ لَهُ؛ وقَبْلَهُ؛ وبَعْدَهُ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ؛ ولا يُغْلَبُ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: إذا فَعَلَ شَيْئًا أتْقَنَهُ؛ بِحَيْثُ لا يَطْمَعُ أحَدٌ في نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ؛ وخَتْمُ الآيَةِ بِما بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ما قَرَّرَتْهُ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ؛ وأنَّهُ قَصَدَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: إنَّهُ قَدْ فَعَلَ ما يَمْنَعُ مِنَ اسْتِهْزائِكُمْ؛ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ بِعِزَّتِهِ؛ وحَفِظَهُ بِحِكْمَتِهِ؛ وسَوْفَ يُنْزِلُهُ بِبالِغِ قُدْرَتِهِ؛ فَيَرُدُّكم عَنْ أهْوائِكُمْ؛ ويَسْفِكُ دِماءَكُمْ؛ ويُبِيدُ خَضْراءَكُمْ؛ ولَهُ في رَفْعِهِ وإدْخالِهِ الشُّبْهَةَ عَلَيْكم حِكْمَةٌ تَدِقُّ عَنْ أفْكارِ أمْثالِكم.
قِصَّةُ رَفْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الإنْجِيلِ المَوْجُودِ اليَوْمَ بَيْنَ أظْهُرِ النَّصارى؛ وهي تَتَضَمَّنُ الإنْذارَ بِالدَّجّالِ؛ والإخْبارَ بِنُزُولِهِ صَعِيدًا؛ والبِشارَةَ بِنَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّذِي وصَفَهُ بِـ ”الفارْقَلِيطُ“؛ وبِـ ”الأُرْكُونُ“؛ وأنَّ إخْبارَهم بِقَتْلِهِ؛ وصَلْبِهِ؛ لَيْسَ مُسْتَنِدًا إلّا إلى شَكٍّ - كَما قالَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأحْسَنَ ما رَدَّ عَلى الإنْسانِ بِما يَعْتَقِدُهُ -؛ قالَ مُتَرْجِمُهم في إنْجِيلِ مَتّى: إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دَخَلَ إلى الهَيْكَلِ في يِرُوشَلِيمَ - (p-٤٦٨)وهِيَ القُدْسُ - وجَرَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأحْبارِ مُحاوَراتٌ؛ كانَ آخِرُها أنْ قالَ لَهُمْ: ”إنِّي أقُولُ لَكُمْ: إنَّكم لا تَرَوْنَنِي الآنَ حَتّى تَقُولُوا: مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ؛ ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الهَيْكَلِ؛ فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ كَيْ يُرُوهُ بِناءَ الهَيْكَلِ؛ فَأجابَ وقالَ لَهُمْ: انْظُرُوا هَذا كُلَّهُ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لا يُتْرَكُ هُنا حَجَرٌ عَلى حَجَرٍ إلّا نُقِضَ؛ ثُمَّ جَلَسَ عَلى جَبَلِ الزَّيْتُونِ - قالَ مُرْقُسُ: قُدّامَ الهَيْكَلِ -: فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ قائِلِينَ: قُلْ لَنا: مَتى هَذا؟ وما عَلامَةُ مَجِيئِكَ وانْقِضاءِ الزَّمانِ؟ فَقالَ لَهُمْ:“انْظُرُوا لا يُضِلُّنَّكم أحَدٌ - قالَ مُرْقُسُ ولُوقا: فَإنَّ كَثِيرًا يَأْتُونَ بِاسْمِي قائِلِينَ: إنَّما هو المَسِيحُ؛ ويَضِلُّونَ كَثِيرًا - فَإذا سَمِعْتُمْ بِالحُرُوبِ؛ وأخْبارِ الحُرُوبِ؛ انْظُرُوا لا تَقْلَقُوا؛ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ هَذا كُلُّهُ؛ تَقُومُ أُمَّةٌ عَلى أُمَّةٍ؛ ومَمْلَكَةٌ عَلى مَمْلَكَةٍ؛ ويَكُونُ خَوْفٌ عَظِيمٌ؛ واضْطِرابٌ؛ وجُوعٌ؛ ووَباءٌ - قالَ لُوقا: وعَلاماتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّماءِ - وزَلازِلُ في أماكِنَ؛ وكُلُّ هَذا أوَّلُ المَخاضِ - وقالَ مُرْقُسُ: وهَذِهِ بِدايَةُ الطَّلْقِ؛ انْظُرُوا أنْتُمْ؛ إنَّهم يُسَلِّمُونَكم إلى المَجامِعِ؛ والمَحافِلِ؛ وتُضْرَبُونَ - وقالَ لُوقا: وقَبْلَ هَذا كُلِّهِ يَضَعُونَ أيْدِيَهم عَلَيْكُمْ؛ ويَطْرُدُونَكم إلى المَجامِعِ والسُّجُونِ؛ وتُقامُونَ أمامَ المُلُوكِ والقُوّادِ؛ (p-٤٦٩)شَهادَةً عَلَيْهِمْ؛ وعَلى كُلِّ الأُمَمِ؛ يَنْبَغِي أوَّلًا أنْ يَكْرِزَ بِالإنْجِيلِ؛ فَإذا قَدَّمُوكم وأسْلَمُوكم فَلا تَهْتَمُّوا بِما تَقُولُونَ؛ ولا ماذا تُجِيبُونَ؛ فَإنَّكم تُعْطَوْنَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّذِي تَتَكَلَّمُونَ بِهِ؛ ولَسْتُمُ المُتَكَلِّمِينَ؛ لَكِنَّ رُوحَ القُدُسِ؛ قالَ لُوقا: فَإنِّي مُعْطِيكم فَمًا وحِكْمَةً لا يَقْدِرُ الَّذِينَ يُناصِبُونَكم يُقاوِمُونَها؛ ولا الجَوابَ عَنْها؛ ويُسْلِمُ الأخُ أخاهُ لِلْمَوْتِ؛ والأبُ ابْنَهُ؛ ويَثِبُ الأبْناءُ عَلى آبائِهِمْ؛ قالَ مَتّى: حِينَئِذٍ يُسْلِمُونَكم إلى الضِّيقِ؛ ويَقْتُلُونَكُمْ؛ وتَكُونُونَ مَبْغُوضِينَ مِن كُلِّ الأُمَمِ؛ وحِينَئِذٍ يَشُكُّ كَثِيرٌ؛ ويُسْلِمُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ ويُبْغِضُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ ويَقُومُ كَثِيرٌ مِنَ الأنْبِياءِ الكَذَبَةِ ويُضِلُّونَ كَثِيرًا؛ وبِكَثْرَةِ الأُمَمِ تَقِلُّ المَحَبَّةُ مِن كَثِيرٍ؛ والَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى يَخْلُصُ؛ ويَكْرِزُ بِهَذِهِ البِشارَةِ في المَلَكُوتِ في جَمِيعِ المَسْكُونَةِ؛ بِشَهادَةٍ لِكُلِّ الأُمَمِ؛ قالَ مُرْقُسُ: فَإذا رَأيْتُمْ فَسادَ الحِرابِ المَذْكُورَ في دانْيالَ النَّبِيِّ قائِمًا حَيْثُ لا يَنْبَغِي - فَلْيَفْهَمِ القارِئُ - حِينَئِذٍ الَّذِينَ تَهَوَّدُوا يَهْرُبُونَ إلى (p-٤٧٠)الجَلِيلِ؛ والَّذِي فَوْقَ السَّطْحِ لا يَقْدِرُ أنْ يَنْزِلَ إلى بَيْتِهِ لِيَأْخُذَ شَيْئًا؛ والوَيْلُ لِلْحَبالى والمُرْضِعاتِ في تِلْكَ الأيّامِ؛ وقالَ لُوقا: وحِينَئِذٍ الَّذِينَ في اليَهُودِيَّةِ يَهْرُبُونَ إلى الجِبالِ؛ والَّذِينَ في وسَطِها يَفِرُّونَ خارِجًا؛ والَّذِينَ في الكُورَةِ لا يَدْخُلُونَها؛ لِأنَّ هَذِهِ في أيّامِ الِانْتِقامِ؛ لِكَيْ يَتِمَّ كُلُّ ما هو مَكْتُوبٌ؛ يَكُونُ عَلى الأرْضِ ضُرٌّ وشِدَّةٌ عَظِيمَةٌ؛ وسُخْطٌ عَلى هَذا الشَّعْبِ؛ ويَقَعُونَ في فَمِ السَّيْفِ؛ ويُسْبَوْنَ في كُلِّ الأُمَمِ؛ ويَكُونُ يِرُوشَلِيمُ مَوْطِئَ الأُمَمِ؛ حَتّى يَكْمُلَ الزَّمانُ؛ وتَكُونَ عَلاماتٌ في الشَّمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُّجُومِ؛ وتَخْرُجُ نُفُوسُ أُناسٍ مِنَ الخَوْفِ؛ وقالَ مَتّى: وحِينَئِذٍ يَأْتِي الِانْفِصالُ؛ ثُمَّ قالَ: سَيَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ - قالَ مُرْقُسُ: تِلْكَ الأيّامَ - لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ في أوَّلِ العالَمِ حَتّى الآنَ؛ ولا يَكُونُ؛ ولَوْلا أنَّ تِلْكَ الأيّامَ قَصُرَتْ لَمْ يَخْلُصْ ذُو جَسَدٍ - وقالَ مُرْقُسُ: فَلَوْلا أنَّ الرَّبَّ أقْصَرَ تِلْكَ الأيّامَ لَمْ يَحْيَ ذُو جَسَدٍ - لَكِنْ لِأجْلٍ المُتَحَبِّبِينَ قُصِرَتْ تِلْكَ الأيّامُ؛ فَإنْ قالَ لَكم أحَدٌ: إنَّ المَسِيحَ هَهُنا فَلا تُصَدِّقُوا؛ فَسَيَقُومُ مَسِيحُو كَذِبٍ وأنْبِياءُ كَذَبَةٌ؛ ويُعْطَوْنَ عَلاماتٍ عِظامًا وآياتٍ؛ ويَضِلُّونَ المُخْتارِينَ إنْ قَدِرُوا؛ هو ذا قَدْ تَقَدَّمْتُ وأخْبَرْتُكُمْ؛ فَإنْ قالُوا لَكُمْ: إنَّهُ في البَرِّيَّةِ؛ فَلا تَخْرُجُوا؛ أوْ فِيَّ المَخادِعِ؛ فَلا تُصَدِّقُوا؛ وكَما أنَّ البَرْقَ يَخْرُجُ مِنَ المَشْرِقِ فَيَظْهَرُ في المَغْرِبِ؛ كَذَلِكَ يَكُونُ حُضُورُ ابْنِ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ حَيْثُ تَكُونُ الجُثَّةُ (p-٤٧١)تَجْتَمِعُ النُّسُورُ وتَلُوفُ؛ بَعْدَ ضِيقِ تِلْكَ الأيّامِ تُظْلِمُ الشَّمْسُ؛ والقَمَرُ لا يُعْطِي ضَوْءَهُ؛ والكَواكِبُ تَتَساقَطُ مِنَ السَّماءِ؛ وقُوّاتٌ تَرْتَجُّ؛ وحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاماتُ ابْنِ الإنْسانِ في السَّماءِ؛ وتَنُوحُ كُلُّ قَبائِلِ الأرْضِ؛ وتَرَوْنَ ابْنَ الإنْسانِ آتِيًا في سَحابِ السَّماءِ؛ مَعَ قُوّاتٍ؛ ومَجْدٍ كَثِيرٍ؛ ويُرْسِلُ المَلائِكَةَ مَعَ صَوْتِ النّاقُورِ العَظِيمِ؛ ويَجْمَعُ مُخْتارِيهِ مِنَ الأرْبَعَةِ الأزْياجِ مِن أقْصى السَّماواتِ - وقالَ مُرْقُسُ: مِن أطْرافِ الأرْضِ إلى أطْرافِ السَّماءِ - فَمِن شَجَرَةِ التِّينَةِ - وقالَ لُوقا: ومِن كُلِّ الأشْجارِ - تَعْلَمُونَ المِثْلَ؛ إذا لانَتْ أغْصانُها وفَرَّعَتْ أوْراقُها؛ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّيْفَ قَدْ دَنا؛ كَذَلِكَ أنْتُمْ إذا رَأيْتُمْ هَذا كُلَّهُ عَلِمْتُمْ أنَّهُ قَدْ قَرُبَ عَلى الأبْوابِ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ هَذا الجِيلَ لا يَزُولُ حَتّى يَتِمَّ هَذا كُلُّهُ؛ والأرْضُ والسَّماءُ تَزُولانِ؛ وكَلامِي لا يَزُولُ؛ لِأجْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ وتِلْكَ السّاعَةُ لا يَعْرِفُها أحَدٌ ولا مَلائِكَةُ السَّماواتِ - وقالَ مُرْقُسُ: ولا الِابْنُ - إلّا الأبُ وحْدَهُ؛ وقالَ لُوقا: سَألَهُ الفَرِّيسِيُّونَ: مَتى يَأْتِي مَلَكُوتُ اللَّهِ؟ فَقالَ: لَيْسَ يَأْتِي مَلَكُوتُ اللَّهِ بِرَصْدٍ؛ ولا يَقُولُونَ: هو ذا هَهُنا؛ (p-٤٧٢)أوْ هُناكَ؛ ها هو ذا مَلَكُوتُ اللَّهِ؛ ثُمَّ قالَ لِتَلامِيذِهِ: سَتَأْتِي أيّامٌ تَشْتَهُونَ أنْ تَرَوْا يَوْمًا واحِدًا مِن أيّامِ ابْنِ الإنْسانِ؛ ولا تَرَوْنَ؛ فَإنْ قالُوا لَكُمْ: هو ذا هَهُنا؛ أوْ هُناكَ؛ فَلا تَذْهَبُوا؛ ولا تُسْرِعُوا؛ لِأنَّهُ كَمَثَلِ البَرْقِ الَّذِي يُضِيءُ في السَّماءِ؛ فَيُضِيءُ تَحْتَ السَّماءِ؛ كَذَلِكَ تَكُونُ أيّامُ ابْنِ البَشَرِ”؛ انْتَهى.
“وكَما كانَ في أيّامِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَذَلِكَ يَكُونُ اسْتِعْلاءُ ابْنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ كَما كانُوا قَبْلَ أيّامِ الطُّوفانِ يَأْكُلُونَ؛ ويَشْرَبُونَ؛ ويَتَزَوَّجُونَ؛ إلى اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ نُوحٌ إلى السَّفِينَةِ؛ ولَمْ يَعْلَمُوا حَتّى جاءَ الطُّوفانُ؛ فَأدْرَكَ جَمِيعُهُمْ؛ كَذَلِكَ يَكُونُ حُضُورُ ابْنِ الإنْسانِ؛ وقالَ لُوقا: ومِثْلَما كانَ في أيّامِ لُوطٍ يَأْكُلُونَ؛ ويَشْرَبُونَ؛ ويَبِيعُونَ؛ ويَشْتَرُونَ؛ ويَغْرِسُونَ؛ ويَبْنُونَ؛ إلى اليَوْمِ الَّذِي خَرَجَ فِيهِ لُوطٌ مِن سَدُومَ؛ وأمْطَرَ مِنَ السَّماءِ نارًا وكِبْرِيتًا؛ وأهْلَكَ جَمِيعَهُمْ؛ كَذَلِكَ في اليَوْمِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ ابْنُ الإنْسانِ؛ وفي ذَلِكَ اليَوْمِ مَن كانَ في السَّطْحِ وآلَتُهُ في البَيْتِ لا يَنْزِلُ كَيْ يَأْخُذَها؛ ومَن كانَ في الحَقْلِ أيْضًا لا يَرْجِعُ هَكَذا إلى ورائِهِ؛ انْظُرُوا إلى امْرَأةِ لُوطٍ؛ مَن أرادَ أنْ يُحْيِيَ نَفْسَها فَلْيُهْلِكْها؛ ومَن أهْلَكَها أحْياها؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ - وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ - يَكُونُ اثْنانِ في الحَقْلِ؛ يُؤْخَذُ واحِدٌ؛ ويُتْرَكُ الآخَرُ؛ واثْنَتانِ تَطْحَنانِ عَلى رَحًى واحِدَةٍ؛ تُؤْخَذُ الواحِدَةُ؛ وتُتْرَكُ (p-٤٧٣)الأُخْرى؛ وقالَ مُرْقُسُ: فانْظُرُوا واسْهَرُوا وصَلُّوا؛ لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ مَتى يَكُونُ الزَّمانُ؛ اسْهَرُوا فَإنَّكم لا تَعْمَلُونَ مَتى يَأْتِي رَبُّ البَيْتِ لَيْلًا؛ يَأْتِي بَغْتَةً فَيَجِدُكم نِيامًا؛ والَّذِي أقُولُ لَكم أقُولُهُ لِلْجَمِيعِ؛ اسْهَرُوا؛ قالَ لُوقا: في كُلِّ حِينٍ؛ وتَضَرَّعُوا لِكَيْ تَقْوَوْا عَلى الهَرَبِ في هَذِهِ الأُمُورِ الكائِنَةِ كُلِّها؛ وتَقِفُوا قُدّامَ ابْنِ الإنْسانِ؛ وقالَ مَتّى: فاسْهَرُوا لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ في أيِّ ساعَةٍ يَأْتِي رَبُّكُمْ؛ واعْلَمُوا أنَّهُ لَوْ عَلِمَ رَبُّ البَيْتِ في أيِّ هَجْعَةٍ يَأْتِي السّارِقُ لَسَهِرَ ولَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ؛ كَذَلِكَ كُونُوا مُسْتَعِدِّينَ لِأنَّ ابْنَ الإنْسانِ يَأْتِي ساعَةً لا تَظُنُّونَها؛ مَن تُرى هو العَبْدُ الأمِينُ الحَلِيمُ الَّذِي يُقِيمُهُ سَيِّدُهُ عَلى بَيْتِهِ لِيُعْطِيَهُمُ الطَّعامَ في حِينِهِ؛ طُوبى لِذَلِكَ العَبْدِ؛ يَأْتِي سَيِّدُهُ فَيَجِدُهُ يَعْمَلُ هَكَذا؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ يُقِيمُهُ عَلى جَمِيعِ مالِهِ؛ فَإنْ قالَ ذَلِكَ العَبْدُ الرَّدِيءُ في قَلْبِهِ: إنْ سَيِّدِي يُبْطِئُ؛ فَيَبْدَأُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ مَعَ المُسْكِرِينَ فَيَأْتِي سَيِّدُهُ في يَوْمٍ لا يَظُنُّهُ؛ وساعَةٍ لا يَعْرِفُها؛ فَيَجْعَلُ نَصِيبَهُ مَعَ المُرائِينَ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ عَشْرَ عَذارى أخَذْنَ (p-٤٧٤)مَصابِيحَهُنَّ وخَرَجْنَ لِلِقاءِ العَرِيسِ؛ خَمْسٌ مِنهُنَّ جاهِلاتٌ؛ وخَمْسٌ حَلِيماتٌ؛ فَأمّا الجاهِلاتُ فَأخَذْنَ مَصابِيحَهُنَّ ولَمْ يَأْخُذْنَ زَيْتًا؛ وأمّا الحَلِيماتُ فَأخَذْنَ زَيْتًا في إناءٍ مَعَ مَصابِيحِهِنَّ؛ فَلَمّا أبْطَأ العَرِيسُ نَعَسْنَ كُلُّهُنَّ ونِمْنَ؛ وانْتَصَفَ اللَّيْلُ فَصُرِخَ: هَذا العَرِيسُ قَدْ أقْبَلَ؛ اخْرُجْنَ لِلِقائِهِ؛ حِينَئِذٍ قامَ جَمِيعُ العَذارى؛ وزَيَّنَّ مَصابِيحَهُنَّ؛ فَقالَ الجاهِلاتُ لِلْحَلِيماتِ: أعْطِينَنا مِن زَيْتِكُنَّ؛ فَإنَّ مَصابِيحَنا قَدْ طُفِئَتْ؛ فَقُلْنَ: لَيْسَ مَعَنا ما يَكْفِينا وإيّاكُنَّ؛ فاذْهَبْنَ إلى الباعَةِ وابْتَعْنَ لَكُنَّ؛ فَلَمّا ذَهَبْنَ لِيَبْتَعْنَ جاءَ العَرِيسُ؛ فالمُسْتَعِدّاتُ ذَهَبْنَ مَعَهُ؛ وأُغْلِقَ؛ فَجاءَ بَقِيَّةُ العَذارى قائِلاتٌ: يا رَبُّ؛ افْتَحْ لَنا؛ فَأجابَ وقالَ: الحَقَّ أقُولُ لَكُنَّ؛ إنِّي لا أعْرِفُكُنَّ؛ اسْهَرُوا الآنَ فَإنَّكم لا تَعْرِفُونَ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ ولا تِلْكَ السّاعَةَ؛ كَمَثَلِ إنْسانٍ أرادَ السَّفَرَ؛ فَدَعا عَبِيدًا لَهُ فَأعْطاهم مالَهُ؛ فَأعْطى خَمْسَ وزْناتٍ لِواحِدٍ؛ ووَزْنَتَيْنِ لِلْآخَرِ؛ وواحِدًا وزْنَةً؛ كُلٌّ مِنهم عَلى قَدْرِ قُوَّتِهِ؛ وسافَرَ لِلْوَقْتِ؛ فَمَضى الَّذِي أخَذَ الخَمْسَ فاتَّجَرَ فِيها؛ فَرَبِحَ خَمْسَ وزْناتٍ أُخْرى؛ وهَكَذا الَّذِي أخَذَ الوَزْنَتَيْنِ رَبِحَ فِيهِما وزْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ؛ وأمّا الَّذِي أخَذَ الوَزْنَةَ فَمَضى وحَفَرَ في الأرْضِ؛ ودَفَنَ حِصَّةَ سَيِّدِهِ؛ وبَعْدَ زَمانٍ كَثِيرٍ جاءَ سَيِّدُ هَؤُلاءِ فَحاسَبَهُمْ؛ فَجاءَ الَّذِي أخَذَ الخَمْسَ وزْناتٍ فَأعْطى خَمْسَ وزْناتٍ أُخْرى؛ قائِلًا: يا رَبُّ؛ خَمْسَ وزْناتٍ أعْطَيْتَنِي؛ وهَذِهِ خَمْسُ وزْناتٍ أُخْرى رَبِحْتُها؛ قالَ لَهُ سَيِّدُهُ - قالَ لُوقا - (p-٤٧٥)حَبَّذا أيُّها العَبْدُ الصّالِحُ؛ أُلْفِيتَ أمِينًا عَلى القَلِيلِ؛ وقالَ مَتّى: نَعَمْ يا عَبْدُ صالِحٌ أمِينٌ؛ وُجِدْتَ في القَلِيلِ أمِينًا؛ أنا أُقِيمُكَ عَلى الكَثِيرِ أمِينًا؛ ادْخُلْ إلى فَرَحِ سَيِّدِكَ؛ وجاءَ الَّذِي أخَذَ الوَزْنَتَيْنِ فَقالَ: يا سَيِّدُ؛ وزْنَتَيْنِ دَفَعْتَ إلَيَّ؛ وهَذانِ وزْنَتانِ أُخْرَيانِ؛ رَبِحْتُهُما؛ فَقالَ لَهُ سَيِّدُهُ: نَعَمْ يا عَبْدُ صالِحٌ أمِينٌ؛ وُجِدْتَ في القَلِيلِ أمِينًا؛ أنا أُقِيمُكَ عَلى الكَثِيرِ؛ ادْخُلْ إلى فَرَحِ سَيِّدِكَ؛ فَجاءَ غَيْرُ المُصِيبِ الَّذِي أخَذَ الوَزْنَةَ؛ فَقالَ: يا سَيِّدُ؛ عَرَفْتُ أنَّكَ إنْسانٌ شَدِيدٌ؛ تَحْصُدُ ما لَمْ تَزْرَعْ؛ وتَجْمَعْ مِن حَيْثُ لا تَبْذُرُ؛ فَخِفْتُ؛ ومَضَيْتُ فَدَفَنْتُ مالَكَ في الأرْضِ؛ هَذا مالُكَ؛ فَأجابَ سَيِّدُهُ وقالَ: أيُّها العَبْدُ الشِّرِّيرُ الكَسْلانُ؛ عَلِمْتَ أنَّنِي أحْصُدُ مِن حَيْثُ لا أزْرَعُ؛ وأجْمَعُ مِن حَيْثُ لا أبْذُرُ؛ كانَ يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَجْعَلَ حِصَّتِي عَلى مائِدَةٍ؛ فَأنا آتِي وآخُذُهُ إلَيَّ مَعَ أرْباحِهِ؛ خُذُوا مِنهُ الوَزْنَةَ؛ وأعْطُوها لِلَّذِي لَهُ عَشْرُ وزْناتٍ؛ لِأنَّ مَن لَهُ يُعْطى ويُزادُ؛ والَّذِي لَيْسَ لَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ ما مَعَهُ؛ والعَبْدُ الشِّرِّيرُ غَيْرُ النافِعِ ألْقُوهُ في الظُّلْمَةِ القَصْياءِ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ إذا جاءَ ابْنُ الإنْسانِ في مَجْدِهِ؛ وجَمِيعُ المَلائِكَةِ المُقَدِّسِينَ مَعَهُ؛ حِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلى (p-٤٧٦)كُرْسِيِّ مَجْدِهِ؛ ويَجْمَعُ إلَيْهِ كُلَّ الأُمَمِ؛ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ؛ كَما يُمَيِّزُ الرّاعِي الخِرافَ مِنَ الجِداءِ؛ ويُقِيمُ الخِرافَ عَنْ يَمِينِهِ والجِداءَ عَنْ شِمالِهِ؛ حِينَئِذٍ يَقُولُ المَلِكُ لِلَّذِينِ عَنْ يَمِينِهِ: تَعالَوْا يا مُبارَكِي أبِي؛ رِثُوا المُلْكَ المُعَدَّ لَكم مِن قَبْلِ إنْشاءِ العالَمِ؛ جُعْتُ فَأطْعَمْتُمُونِي؛ وعَطِشْتُ فَسَقَيْتُمُونِي؛ وغَرِيبًا كُنْتُ فَآوَيْتُمُونِي؛ وعُرْيانًا فَكَسَوْتُمُونِي؛ ومَرِيضًا فَعُدْتُمُونِي؛ ومَحْبُوسًا فَأتَيْتُمْ إلَيَّ؛ حِينَئِذٍ يُجِيبُ الصِّدِّيقُونَ؛ ويَقُولُونَ: يا رَبُّ؛ مَتى رَأيْناكَ جائِعًا فَأطْعَمْناكَ؛ أوْ عَطْشانَ فَسَقَيْناكَ؛ ومَتى رَأيْناكَ غَرِيبًا فَآوَيْناكَ؛ أوْ عُرْيانًا فَكَسَوْناكَ؛ أوْ مَرِيضًا؛ أوْ مَحْبُوسًا فَأتَيْنا إلَيْكَ؟ فَيُجِيبُ المَلِكُ؛ ويَقُولُ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمُ؛ الَّذِي فَعَلْتُمُوهُ بِأحَدِ هَؤُلاءِ الحَقِيرِينَ فَبِي فَعَلْتُمْ؛ حِينَئِذٍ يَقُولُ لِلَّذِينِ عَنْ يَسارِهِ: اذْهَبُوا عَنِّي يا مَلاعِينُ إلى النّارِ المُؤَبَّدَةِ؛ المُعَدَّةِ لِإبْلِيسَ وجُنُودِهِ؛ جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي... إلى آخِرِهِ؛ فَيَذْهَبُ هَؤُلاءِ إلى العَذابِ الدّائِمِ؛ والصِّدِّيقُونَ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ.
ولَمّا أكْمَلَ يَسُوعُ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ قالَ لِتَلامِيذِهِ: عَلِمْتُمْ أنَّ بَعْدَ يَوْمَيْنِ يَكُونُ الفَسْحُ - وقالَ مُرْقُسُ: وكانَ الفَسْحُ والفَطِيرُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ - واجْتَمَعَ رُؤَساءُ الكَيْسَرِ؛ والكَهَنَةُ؛ ومَشايِخُ الشَّعْبِ؛ في دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ؛ الَّذِي يُقالُ لَهُ قِيافا؛ فَتَشاوَرُوا عَلى يَسُوعَ لِيُمْسِكُوهُ - قالَ (p-٤٧٧)مُرْقُسُ: بِمَكْرٍ - ويَقْتُلُوهُ؛ وقالُوا: لَيْسَ في العِيدِ؛ لِئَلّا يَكُونَ شَجَنٌ؛ وقالَ مُرْقُسُ: شَغَبٌ في الشَّعْبِ؛ وقالَ يُوحَنّا: فَجَمَعَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ الفَرِّيسِيِّينَ مَحْفَلًا؛ وقالُوا: ماذا نَصْنَعُ إذا كانَ هَذا الرَّجُلُ يَعْمَلُ آياتٍ كَثِيرَةً؛ وإنْ تَرَكْناهُ هَكَذا فَسَيُؤْمِنُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ؛ وتَأْتِي الرُّومُ فَتَتَغَلَّبُ عَلى أُمَّتِنا؛ وإنَّ واحِدًا مِنهُمُ اسْمُهُ قِيافا كانَ رَئِيسَ الكَهَنَةِ؛ فَقالَ: إنَّهُ خَيْرٌ لَنا أنْ يَمُوتَ رَجُلٌ واحِدٌ عَنِ الشَّعْبِ مِن أنْ تَهْلِكَ الأُمَّةُ كُلُّها؛ لِأنَّ يَسُوعَ كانَ مُزْمِعًا أنْ يَجْمَعَ أبْناءَ اللَّهِ المُتَفَرِّقِينَ إلى واحِدٍ؛ وفي تِلْكَ السّاعَةِ تَشاوَرُوا عَلى قَتْلِهِ؛ فَأمّا يَسُوعُ فَلَمْ يَكُنْ يَمْشِي بَيْنَ اليَهُودِ عَلانِيَةً؛ ولَكِنَّهُ انْطَلَقَ مِن هُناكَ إلى البَرِّيَّةِ إلى كُورَةٍ تُسَمّى مَدِينَةَ أفَرَيِمَ؛ وكانَ يَتَرَدَّدُ هُناكَ مَعَ تَلامِيذِهِ؛ وكانَ عِيدُ فَسْحِ اليَهُودِ قَدْ قَرُبَ؛ فَصَعَدَ كَثِيرٌ مِنَ القُرى إلى يِرُوشَلِيمَ قَبْلَ الفَسْحِ لِيُطَهِّرُوا أنْفُسَهُمْ؛ فَطَلَبَ اليَهُودُ يَسُوعَ؛ وكانُوا أمَرُوا إنْ عَلِمَ إنْسانٌ مَكانَهُ أنْ يَدُلَّهم عَلَيْهِ؛ وإنَّ يَسُوعَ قَبْلَ سِتَّةِ أيّامٍ مِنَ الفَسْحِ قَصَدَ إلى بَيْتِ عَنْيا حَيْثُ كانَ لِعازَرُ المَيِّتُ الَّذِي أقامَهُ يَسُوعُ؛ فَصَنَعُوا لَهُ هُناكَ ولِيمَةً؛ وجَعَلَتْ (p-٤٧٨)مَرْتا تَخْدِمُ؛ وعَلِمَ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنَ اليَهُودِ؛ فَجاؤُوا إلَيْهِ؛ ولِيَنْظُرُوا إلى لِعازَرَ الَّذِي أقامَهُ مِن بَيْنِ الأمْواتِ؛ وتَشاوَرَ عُظَماءُ الكَهَنَةِ أنْ يَقْتُلُوا لِعازَرَ؛ لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ مِن أجْلِهِ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِيَسُوعَ؛ وكانَ الجَمْعُ الَّذِي مَعَهُ يَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ دَعا لِعازَرَ مِنَ القَبْرِ؛ وأقامَهُ؛ ومِنَ الغَدِ سَمِعُوا أنَّ يَسُوعَ يَأْتِي إلى يِرُوشَلِيمَ؛ فَخَرَجُوا لِلِقائِهِ يَصْرُخُونَ: مُبارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ مَلِكُ إسْرائِيلَ؛ ووَجَدَ يَسُوعُ حِمارًا فَرَكِبَهُ - كَما هو مَكْتُوبٌ: لا تَخافِي يا بِنْتَ صَيُونَ؛ هو ذا مَلِكُكَ يَأْتِيكَ راكِبًا عَلى جَحْشٍ - ابْنِ أتانٍ - ثُمَّ قالَ: وقالَ يَسُوعُ: قَدْ قَرُبَتِ السّاعَةُ الَّتِي يُمَجَّدُ فِيها ابْنُ البَشَرِ؛ الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ حَبَّةُ الحِنْطَةِ إنْ لَمْ تَقَعْ في الأرْضِ وتَمُتْ بَقِيَتْ وحْدَها؛ وإنْ هي ماتَتْ أتَتْ بِثِمارٍ كَثِيرَةٍ؛ مَن أحَبَّ نَفْسَهُ فَلْيُهْلِكْها؛ ومَن أبْغَضَ نَفْسَهُ في هَذا العالَمِ فَإنَّهُ يَحْفَظُها لِحَياةِ الأبَدِ؛ وقالَ: يا رَبّاهُ؛ مَجِّدِ اسْمَكَ؛ فَجاءَ صَوْتٌ مِنَ السَّماءِ: قَدْ مَجَّدْتُ وأيْضًا أُمَجِّدُ؛ فَسَمِعَ الجَمْعُ الَّذِي كانَ واقِفًا؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما كانَ رَعْدًا؛ وقالَ آخَرُونَ: إنَّ مَلاكًا كَلَّمَهُ؛ قالَ يَسُوعُ: لَيْسَ مِن أجْلِي كانَ هَذا الصَّوْتُ؛ ولَكِنْ مِن أجْلِكُمْ؛ (p-٤٧٩)وقَدْ حَضَرَ الآنَ دَيْنُونَةُ هَذا العالَمِ؛ الآنَ يُلْقى رَئِيسُ هَذا العالَمِ إلى خارِجٍ؛ وأنا إذا ارْتَفَعْتُ مِنَ الأرْضِ جَبَيْتُ إلَيَّ كُلَّ واحِدٍ؛ فَأجابَ الجَمْعُ: نَحْنُ سَمِعْنا في النّامُوسِ أنَّ المَسِيحَ يَدُومُ إلى الأبَدِ؛ فَكَيْفَ تَقُولُ أنْتَ: يَرْتَفِعُ ابْنُ البَشَرِ؛ فَقالَ لَهم يَسُوعُ: إنَّ النُّورَ مَعَكم زَمانًا يَسِيرًا؛ فَسِيرُوا ما دامَ لَكُمُ النُّورُ؛ لِئَلّا يُدْرِكَكُمُ الظَّلامُ؛ إنَّ الَّذِي يَمْشِي في الظَّلامِ لَيْسَ يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ؛ فَما دامَ لَكُمُ النُّورُ آمِنُوا بِالنُّورِ؛ لِتَكُونُوا أبْناءَ النُّورِ؛ تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذا؛ ثُمَّ مَضى وتَوارى عَنْهُمْ؛ وقالَ: يا بَنِيَّ؛ أنا مَعَكم زَمانًا قَلِيلًا؛ وتَطْلُبُونَنِي فَلا تَجِدُونَنِي؛ وكَما قُلْتُ لِلْيَهُودِ: إنَّ المَوْضِعَ الَّذِي أمْضِي إلَيْهِ أنا؛ لَسْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلى المُضِيِّ إلَيْهِ؛ قالَ يُوحَنّا في مُحاوَرَتِهِ لِيَهُودٍ في الهَيْكَلِ: قالَ يَسُوعُ: أنا أمْضِي وتَطْلُبُونَنِي وتَمُوتُونَ بِخَطاياكُمْ؛ وحَيْثُ أنا أذْهَبُ لَسْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلى إتْيانِهِ؛ فَقالَ اليَهُودُ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ؛ فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ مِن أسْفَلُ؛ وأنا مِن فَوْقُ؛ أنْتُمْ مِن هَذا العالَمِ؛ وأمّا أنا فَلَسْتُ مِن هَذا العالَمِ؛ قَدْ أخْبَرْتُكم أنَّكم تَمُوتُونَ بِخَطاياكُمْ؛ فَقالُوا لَهُ: أنْتَ مَن أنْتَ؟ ثُمَّ قالَ: وقالُوا لَهُ: إنَّ أبانا هو إبْراهِيمُ؛ قالَ: لَوْ كُنْتُمْ بَنِي إبْراهِيمَ كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أعْمالَ إبْراهِيمَ؛ لَكِنَّكم تُرِيدُونَ قَتْلَ إنْسانٍ كَلَّمَكم بِالحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَمْ يَفْعَلْ إبْراهِيمُ هَذا؛ أنْتُمْ تَعْمَلُونَ أعْمالَ أبِيكُمْ؟ فَقالُوا: أمّا نَحْنُ فَلَسْنا مَوْلُودِينَ مِن زِنًا؛ (p-٤٨٠)فَقالَ لَهُمْ: أنْتُمْ مِن أبِيكم إبْلِيسُ؛ وشَهْوَةَ أبِيكم تَهْوَوْنَ؛ إنْ لَمْ تَعْمَلُوا ذَلِكَ الَّذِي هو مِنَ البَدْءِ قَتّالُ النّاسِ؛ ولَمْ يَلْبَثْ عَلى الحَقِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ؛ وإذا ما تَكَلَّمَ بِالكَذِبِ فَإنَّما يَتَكَلَّمُ بِما هو لَهُ؛ وأمّا أنا فَأتَكَلَّمُ بِالحَقِّ؛ ولَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؛ مَن مِنكم يُوَبِّخُنِي عَلى خَطِيئَةٍ؟ انْتَهى؛ وأقُولُ لَكُمُ الآنَ أنْ يُحِبَّ بَعْضُكم بَعْضًا كَما أحْبَبْتُكُمْ؛ فَبِهَذا يَعْرِفُ كُلُّ أحَدٍ أنَّكم تَلامِيذِي؛ وقالَ يَسُوعُ: مَن يُؤْمِنُ بِي لَيْسَ مَن يُؤْمِنُ بِي فَقَطْ؛ بَلْ وبِالَّذِي أرْسَلَنِي؛ ومَن رَآنِي فَقَدْ رَأى الَّذِي أرْسَلَنِي؛ أنا جِئْتُ نُورَ العالَمِ لِكَيْ يَنْجُوَ كُلُّ مَن يُؤْمِنُ بِي مِنَ الظَّلامِ؛ ومَن يَسْمَعْ كَلامِي ولا يُؤْمِن بِي أنا لا أُدِينُهُ؛ لِأنِّي لَمْ آتِ لِأُدِينَ العالَمَ؛ بَلْ لِأُحْيِيَ العالَمَ؛ مَن جَحَدَنِي ولَمْ يَقْبَلْ كَلامِي فَإنَّ لَهُ مَن يُدِينُهُ؛ الكَلِمَةُ الَّتِي نَطَقْتُ بِها هي تُدِينُهُ في اليَوْمِ الآخِرِ؛ لِأنِّي لَمْ أتَكَلَّمْ مِن نَفْسِي؛ لِأنَّ الرَّبَّ الَّذِي أرْسَلَنِي هو أعْطانِي الوَصِيَّةَ؛ ثُمَّ قالَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ مَن يُؤْمِن بِي يَعْمَلِ الأعْمالَ الَّتِي أعْمَلُها؛ وأفْضَلَ مِنها يَصْنَعُ؛ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فاحْفَظُوا وصايايَ؛ وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ يُعْطِيكم فارْقَلِيطَ آخَرَ؛ لِيَثْبُتَ مَعَكم إلى الأبَدِ - رُوحَ الحَقِّ الَّذِي لَمْ يُطِقِ العالَمُ أنْ يَقْبَلُوهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَرَوْهُ؛ ولَمْ يَعْرِفُوهُ؛ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَهُ؛ لِأنَّهُ مُقِيمٌ عِنْدَكُمْ؛ وهو فِيكُمْ؛ لَسْتُ أدَعُكم يَتامى؛ لِأنِّي سَوْفَ أجِيئُكم عَنْ قَلِيلٍ؛ مَن يُحِبُّنِي يَحْفَظُ كَلِمَتِي؛ ومَن لا يُحِبُّنِي لَيْسَ يَحْفَظُ كَلامِي؛ الكَلِمَةُ الَّتِي تَسْمَعُونَها (p-٤٨١)لَيْسَتْ لِي؛ بَلْ لِلرَّبِّ الَّذِي أرْسَلَنِي؛ كَلَّمْتُكم بِهَذا لِأنِّي عِنْدَكم مُقِيمٌ؛ والفارْقَلِيطُ رُوحُ القُدُسِ الَّذِي يُرْسِلُهُ رَبِّي بِاسْمِي؛ هو يَعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ؛ وهو يَذَكِّرُكم كُلَّ ما قُلْتُ لَكُمُ؛ السَّلامَ اسْتَوْدَعْتُكُمْ؛ سَلامِي خاصَّةً أُعْطِيكُمْ؛ لا تَقْلَقْ قُلُوبُكُمْ؛ ولا تَجْزَعْ؛ قَدْ سَمِعْتُمْ أنِّي قُلْتُ لَكُمْ: إنِّي مُنْطَلِقٌ؛ وعائِدٌ إلَيْكُمْ؛ لَوْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي لَكُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِمُضِيِّي إلى الرَّبِّ؛ لَأنَّ الرَّبَّ أعْظَمُ مِنِّي؛ وها قَدْ قُلْتُ لَكم قَبْلَ أنْ يَكُونَ؛ حَتّى إذا كانَ تُؤْمِنُونَ؛ ولَسْتُ أُكَلِّمُكم كَثِيرًا لِأنَّ أُرْكُونَ العالَمِ يَأْتِي ولَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ؛ ولَكِنْ لِيَعْلَمَ العالَمُ أنِّي أُحِبُّ الرَّبَّ؛ وكَما أوْصانِي الرَّبُّ كَذَلِكَ أفْعَلُ؛ أنا هو الكَرْمَةُ الحَقِيقِيَّةُ؛ ورَبِّي الغارِسُ؛ كُلُّ غُصْنٍ لا يَأْتِي بِثِمارٍ يَنْزِعُهُ؛ والَّذِي يَأْتِي بِثِمارٍ يُنَقِّيهِ لِيَأْتِيَ بِثِمارٍ كَثِيرَةٍ؛ أنْتُمْ لِتَيامُنِ هَذا الكَلامِ الَّذِي كَلَّمْتُكم بِهِ اثْبُتُوا فِيَّ؛ وأنا فِيكُمْ؛ كَما أنَّ الغُصْنَ لا يُطِيقُ أنْ يَأْتِيَ بِالثِّمارِ مِن عِنْدِهِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ في الكَرْمَةِ؛ كَذَلِكَ أنْتُمْ إنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ؛ أنا هو الكَرْمَةُ؛ وأنْتُمُ الأغْصانُ؛ مَن ثَبَتَ فِيَّ وأنا فِيهِ يَأْتِي بِثِمارٍ كَثِيرَةٍ؛ وبِغَيْرِي لَسْتُمْ تَقْدِرُونَ تَعْمَلُونَ شَيْئًا؛ فَإنْ لَمْ يَثْبُتْ أحَدٌ فِيَّ طُرِحَ خارِجًا مِثْلَ الغُصْنِ الَّذِي يَجْنِي؛ فَيَأْخُذُونَهُ ويَطْرَحُونَهُ في النّارِ فَيَحْتَرِقُ؛ وإنْ أنْتُمْ ثَبَتُّمْ فِيَّ وثَبَتَ كَلامِي فِيكم كانَ لَكم كُلُّ ما تُرِيدُونَهُ؛ وبِهَذا يُمَجَّدُ رَبِّي بِأنْ تَأْتُوا (p-٤٨٢)بِثِمارٍ كَثِيرَةٍ؛ وأنْتُمْ أحْبابِي؛ إنْ عَلِمْتُمْ كُلَّ ما وصَّيْتُكم بِهِ؛ إنَّما وصَّيْتُكم بِهَذا لِكَيْ يُحِبَّ بَعْضُكم بَعْضًا؛ فَإنْ كانَ العالَمُ يُبْغِضُكم فاعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ أبْغَضَنِي قَبْلَكُمْ؛ لَوْ كُنْتُمْ مِنَ العالَمِ كانَ العالَمُ يُحِبُّ مَن هو مِنهُ؛ لَكِنَّكم لَسْتُمْ مِنَ العالَمِ؛ بَلِ اخْتَرْتُكم مِنَ العالَمِ؛ مِن أجْلِ هَذا يُبْغِضُكُمُ العالَمُ؛ لَوْ لَمْ آتِ وأُكَلِّمْهم لَمْ يَكُنْ لَهم خَطِيئَةٌ؛ والآنَ لَيْسَ لَهم حُجَّةٌ في خَطِيئَتِهِمْ؛ لَوْ لَمْ أعْمَلْ أعْمالًا لَمْ يَعْمَلْها أحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهم خَطِيئَةٌ؛ لِتَتِمَّ الكَلِمَةُ المَكْتُوبَةُ في نامُوسِهِمْ؛ أنَّهم أبْغَضُونِي باطِلًا؛ إذا جاءَ الفارْقَلِيطُ الَّذِي أُرْسِلُهُ إلَيْكم - رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِنَ الرَّبِّ يَنْبَثِقُ - هو يَشْهَدُ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ؛ لِأنَّكم مَعِي صَفْوَةٌ؛ كَلَّمْتُكم بِهَذا لِكَيْلا تَشُكُّونَ؛ فَإنَّهم سَوْفَ يُخْرِجُونَكم مِن مَجامِعِهِمْ؛ ولَمْ أُخْبِرْكم بِهَذا مِن قَبْلُ لِأنِّي كُنْتُ مَعَكُمْ؛ والآنَ فَإنِّي مُنْطَلِقٌ إلى مَن أرْسَلَنِي؛ أقُولُ لَكُمُ الحَقَّ؛ إنَّهُ خَيْرٌ لَكم أنْ أنْطَلِقَ؛ لِأنِّي إنْ لَمْ أنْطَلِقْ لَمْ يَأْتِكُمُ الفارْقَلِيطُ؛ فَإذا انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكُمْ؛ فَإذا جاءَ ذاكَ فَهو مُوَبِّخُ العالَمِ عَلى الخَطِيئَةِ؛ وإنَّ لِي كَلامًا كَثِيرًا أُرِيدُ أنْ أقُولَ لَكُمْ؛ ولَكِنَّكم لَسْتُمْ تُطِيقُونَ حَمْلَهُ الآنَ؛ وإذا جاءَ رُوحُ الحَقِّ ذاكَ فَهو يُرْشِدُكم إلى جَمِيعِ الحَقِّ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَنْطِقُ مِن عِنْدِهِ؛ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ؛ ويُخْبِرُكم بِما يَأْتِي؛ وهو (p-٤٨٣)مَجَّدَنِي لِأنَّهُ يَأْخُذُ مِمّا هو لِي؛ ويُخْبِرُكم قَلِيلًا ولا تَرَوْنَنِي؛ وقَلِيلًا وتَرَوْنَنِي؛ قالُوا: ما هَذا القَلِيلُ الَّذِي يَقُولُ؟ فَقالَ لَهُمْ: أفِي هَذا يُراطِنُ بَعْضُكم بَعْضًا؟ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّكم تَبْكُونَ وتَنُوحُونَ؛ والعالَمُ يَفْرَحُ؛ وأنْتُمْ تَحْزَنُونَ؛ لَكِنَّ حُزْنَكم يَؤُولُ إلى فَرَحٍ؛ كالمَرْأةِ إذا حَضَرَ وِلادُها تَحْزَنُ؛ لِأنْ قَدْ جاءَتْ ساعَتُها؛ فَإذا ولَدَتِ ابْنًا لَمْ تَذْكُرِ الشِّدَّةَ مِن أجْلِ الفَرَحِ؛ لِأنَّها ولَدَتْ إنْسانًا في العالَمِ؛ تَكَلَّمَ يَسُوعُ بِهَذا؛ ورَفَعَ عَيْنَيْهِ إلى السَّماءِ؛ وقالَ: يا رَبُّ؛ قَدْ حَضَرَتِ السّاعَةُ فَمَجِّدْ عَبْدَكَ لِيُمَجِّدَكَ عَبْدُكَ؛ كَما أعْطَيْتَهُ السُّلْطانَ عَلى كُلِّ ذِي جَسَدٍ؛ لِيُعْطِيَ كُلَّ مَن أعْطَيْتَهُ حَياةَ الأبَدِ؛ وهَذِهِ هي حَياةُ الأبَدِ أنْ يَعْرِفُوكَ أنَّكَ أنْتَ إلَهُ الحَقِّ وحْدَكَ؛ والَّذِي أرْسَلْتَهُ يَسُوعُ المَسِيحُ؛ أنا قَدْ مَجَّدْتُكَ عَلى الأرْضِ؛ ذَلِكَ العَمَلُ الَّذِي أعْطَيْتَنِي لِأصْنَعَهُ قَدْ أكْمَلْتُ؛ والآنَ مَجِّدْنِي أنْتَ يا رَبّاهُ بِالمَجْدِ الَّذِي عِنْدَكَ؛ قَدْ أظْهَرْتُ اسْمَكَ لِلنّاسِ؛ الآنَ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ ما أعْطَيْتَنِي هو مِن عِنْدِكَ؛ وعَلِمُوا حَقًّا أنِّي مِن عِنْدِكَ أتَيْتُ؛ وآمَنُوا أنَّكَ أرْسَلْتَنِي؛ وأنا أجِيءُ إلَيْكَ أيُّها الرَّبُّ القُدُّوسُ؛ احْفَظْهم بِاسْمِكَ الَّذِي أعْطَيْتَنِي؛ كَيْ يَكُونُوا واحِدًا كَما نَحْنُ؛ إذْ كُنْتُ مَعَهم في العالَمِ أنا كُنْتُ أحْفَظُهم بِاسْمِكَ؛ لَيْسَ أسْألُ أنْ تَنْزِعَهم مِنَ العالَمِ؛ بَلْ أنْ تَحْفَظَهم مِنَ الشِّرِّيرِ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا مِنَ العالَمِ؛ كَما أنِّي لَسْتُ مِنَ العالَمِ؛ قَدِّسْهم بِحَقِّكَ؛ فَإنَّ كَلِمَتَكَ خاصَّةً هي الحَقُّ؛ كَما أرْسَلْتَنِي إلى العالَمِ (p-٤٨٤)أرْسَلْتُهم أنا أيْضًا إلى العالَمِ؛ ولَسْتُ أسْألُ في هَؤُلاءِ فَقَطْ؛ بَلْ وفي الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِقَوْلِهِمْ؛ لِيَكُونُوا بِأجْمَعِهِمْ واحِدًا؛ كَما أنَّكَ يا رَبّاهُ فِيَّ؛ وأنا فِيكَ؛ لِيَكُونُوا أيْضًا فِينا واحِدًا؛ لِيُؤْمِنَ العالَمُ أنَّكَ أرْسَلْتَنِي؛ قالَ يَسُوعُ هَذا؛ وخَرَجَ مَعَ تَلامِيذِهِ إلى عَيْنِ عُمْرَةِ وادِي الأرْزِ؛ وكانَ هُناكَ بُسْتانٌ؛ دَخَلَهُ هو وتَلامِيذُهُ؛ وكانَ يَهُودا الَّذِي أُسْلِمُهُ يَعْرِفُ ذَلِكَ المَكانَ؛ لِأنَّ يَسُوعَ كانَ يَجْتَمِعُ هُناكَ مَعَ تَلامِيذِهِ كَثِيرًا؛ وقَبْلَ عِيدِ الفَسْحِ كانَ يَسُوعُ يَعْلَمُ أنْ قَدْ حَضَرَتِ السّاعَةَ الَّتِي يَنْتَقِلُ فِيها مِن هَذا العالَمِ؛ فَلَمّا حَضَرَ العَشاءُ خامَرَ الشَّيْطانُ قَلْبَ يَهُودا شَمْعُونَ الإسْخَرْيُطِيُّ لِكَيْ يُسْلِمَهُ؛ فَقامَ يَسُوعُ عَنِ العَشاءِ؛ وتَرَكَ ثِيابَهُ وائْتَزَرَ وسَطَهُ بِمَندِيلٍ؛ وبَدَأ يَغْسِلُ أقْدامَ التَّلامِذَةِ ويُنَشِّفُها بِمَندِيلٍ كانَ مُؤْتَزِرًا بِهِ؛ فَلَمّا انْتَهى إلى شَمْعُونَ الصَّفا قالَ لَهُ: أنْتَ يا سَيِّدِي تَغْسِلُ لِي قَدَمَيَّ؟ فَقالَ يَسُوعُ: إنَّ الَّذِي أصْنَعُهُ لَسْتَ تَعْرِفُهُ الآنَ؛ ولَكِنَّكَ سَتَعْرِفُهُ فِيما بَعْدُ؛ قالَ لَهُ شَمْعُونُ الصَّفا: إنَّكَ لَسْتَ غاسِلًا لِي قَدَمَيَّ الآنَ؛ قالَ لَهُ يَسُوعُ: إنْ أنا لَمْ أغْسِلُهُما فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ؛ قالَ شَمْعُونُ: يا سَيِّدِي؛ لَيْسَ تَغْسِلُ لِي قَدَمَيَّ فَقَطْ؛ بَلْ ويَدَيَّ ورَأْسِي؛ قالَ لَهُ يَسُوعُ: (p-٤٨٥)إنَّ الَّذِي يَطْهُرُ لا يَحْتاجُ إلّا إلى غَسْلِ قَدَمَيْهِ؛ فَلَمّا غَسَلَ أرْجُلَهم تَناوَلَ ثِيابَهُ؛ واتَّكَأ وقالَ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ ما صَنَعْتُ بِكُمْ؟ أنْتُمْ تَدْعُونَنِي مُعَلِّمًا ورَبًّا؛ وما أحْسَنَ ما تَقُولُونَ! فَإذا كُنْتُ أنا مُعَلِّمَكم ورَبَّكم قَدْ غَسَلْتُ أقْدامَكم فَأنْتُمْ أحْرى أنْ يَغْسِلَ بَعْضُكم أرْجُلَ بَعْضٍ؛ والحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! لَيْسَ عَبْدٌ أعْظَمُ مِن سَيِّدِهِ؛ ولا رَسُولٌ أعْظَمُ مِمَّنْ أرْسَلَهُ؛ وقالَ: الحَقَّ والحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ واحِدًا مِنكم يُسْلِمُنِي؛ وقالَ مَتّى: ولَمّا كانَ يَسُوعُ في بَيْتِ عَنْيا في بَيْتِ شَمْعُونَ الأبْرَصِ؛ جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها قارُورَةُ طِيبٍ كَثِيرِ الثَّمَنِ؛ فَأفاضَتْهُ عَلى رَأْسِهِ وهو مُتَّكِئٌ؛ حِينَئِذٍ مَضى أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ - أيْ: الحَوارِيِّينَ الَّذِينَ سَيُذْكَرُونَ في ”المائِدَةِ“؛ و”الأنْعامِ“؛ بِأسْمائِهِمْ - وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ يَهُودا الإسْخَرْيُطِيُّ؛ إلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ؛ وقالَ لَهُمْ: ماذا تُعْطُونَنِي حَتّى أُسْلِمَهُ إلَيْكُمْ؟ فَأقامُوا لَهُ ثَلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ؛ ومِن ذَلِكَ الوَقْتِ جَعَلَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسْلِمَهُ؛ وفي أوَّلِ يَوْمِ الفَطِيرِ - قالَ مُرْقُسُ: لَمّا ذَبَحُوا الفَسْحَ - قالَ لَهُ تَلامِيذُهُ: أيْنَ تُرِيدُ حَتّى نَسْتَعِدَّ لِتَأْكُلَ الفَسْحَ؟ فَقالَ: اذْهَبُوا إلى المَدِينَةِ إلى فُلانٍ؛ وقُولُوا لَهُ: المُعَلِّمُ يَقُولُ: زَمانِي قَدِ اقْتَرَبَ؛ وعِنْدَكَ أصْنَعُ الفَسْحَ مَعَ تَلامِيذِي؛ فَفَعَلَ التَّلامِيذُ كَما أمَرَهم يَسُوعُ؛ وأعَدُّوا الفَسْحَ؛ وقالَ لُوقا: وكانَ في النَّهارِ يُعَلِّمُ في الهَيْكَلِ؛ ويَخْرُجُ في اللَّيْلِ لِيَسْتَرِيحَ في الجَبَلِ؛ الَّذِي يُدْعى جَبَلَ الزَّيْتُونِ؛ وكانَ جَمِيعُ الشَّعْبِ يُدْلِجُونَ إلَيْهِ لِيَسْمَعُوا مِنهُ؛ وكانَ لَمّا قَرُبَ عِيدُ الفَطِيرِ المُسَمّى بِالفَسْحِ (p-٤٨٦)تَطَلَّبَ الكَهَنَةُ كَيْفَ يُهْلِكُونَهُ؛ وكانُوا يَخافُونَ مِنَ الشَّعْبِ؛ فَدَخَلَ الشَّيْطانُ في يَهُودا الَّذِي يُدْعى الإسْخَرْيُطِيُّ؛ الَّذِي كانَ مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ؛ فَمَضى وكَلَّمَ رُؤَساءَ الكَهَنَةِ لِيُسْلِمَهُ إلَيْهِمْ؛ فَفَرِحُوا؛ ووَعَدُوهُ؛ وكانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسْلِمَهُ إلَيْهِمْ مُفْرَدًا عَنِ الجَمْعِ؛ فَجاءَ يَوْمُ الفَطِيرِ الَّذِي يُذْبَحُ فِيهِ الفَسْحُ؛ فَأرْسَلَ بُطْرُسَ ويُوحَنّا؛ وقالَ: امْضِيا وأعِدّا لَنا الفَسْحَ؛ ثُمَّ قالَ: فانْطَلَقا وأعَدّا الفَسْحَ؛ ولَمّا كانَ المَساءُ اتَّكَأ مَعَ الِاثْنَيْ عَشَرَ تِلْمِيذًا؛ قالَ: فَقالَ لَهُمْ: شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أنْ آكُلَ مَعَكُمُ الفَسْحَ؛ فَإنِّي أقُولُ لَكُمْ: إنِّي أيْضًا لا آكُلُ مِنهُ حَتّى يَتِمَّ في مَلَكُوتِ اللَّهِ؛ وقالَ مَتّى: وفِيما هم يَأْكُلُونَ قالَ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ واحِدًا مِنكم يُسْلِمُنِي؛ فَحَزِنُوا جِدًّا؛ وشَرَعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَقُولُ: لَعَلِّي أنا هُوَ؛ وقالَ يُوحَنّا: وقالَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ واحِدًا مِنكم يُسْلِمُنِي؛ فَنَظَرَ التَّلامِيذُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ؛ وكانَ واحِدٌ مِن تَلامِيذِهِ مُتَّكِئًا في حِضْنِ يَسُوعَ؛ وهو الَّذِي كانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ؛ فَأوْمَأ شَمْعُونُ الصَّفا إلَيْهِ أنْ يُعْلِمَهُ مَنِ الَّذِي قالَ لِأجْلِهِ؛ فَوَقَعَ ذَلِكَ التِّلْمِيذُ عَلى صَدْرِ يَسُوعَ؛ وقالَ لَهُ: يا سَيِّدِي؛ مَن هَذا؟ فَقالَ يَسُوعُ: هو الَّذِي أبُلُّ خُبْزًا وأُناوِلُهُ؛ فَبَلَّ خُبْزًا ودَفَعَهُ إلى شَمْعُونَ الإسْخَرْيُطِيُّ؛ وقالَ مَتّى: فَقالَ: الَّذِي يَجْعَلُ يَدَهُ مَعِي في الصَّحْفَةِ هو يُسْلِمُنِي؛ وابْنُ الإنْسانِ ماضٍ كَما كُتِبَ (p-٤٨٧)مِن أجْلِهِ؛ الوَيْلُ لِذَلِكَ الإنْسانِ الَّذِي يُسْلِمُ ابْنَ الإنْسانِ؛ حَبَّذا لَهُ لَوْ لَمْ يُولَدْ؛ أجابَهُ يَهُودا؛ مُسْلِمُهُ؛ وقالَ: لَعَلِّي أنا هو يا مُعَلِّمُ؛ قالَ: أنْتَ؛ قالَ: فَسَبَحُوا وخَرَجُوا إلى جَبَلِ الزَّيْتُونِ؛ وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُمْ: إنَّ مُلُوكَ الأُمَمِ هم ساداتُهُمْ؛ والمُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ؛ يَدْعُونَ المُحْسِنِينَ إلَيْهِمْ؛ فَأمّا أنْتُمْ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لَكِنَّ الكَبِيرَ مِنكم يَكُونُ كالصَّغِيرِ؛ والمُتَقَدِّمُ كالخادِمِ؛ مَن أكْبَرُ؟ المُتَّكِئُ أمِ الَّذِي يَخْدِمُ؟ ألَيْسَ المُتَّكِئُ؟ فَأمّا أنا في وسَطِكم فَمِثْلُ الخادِمِ؛ وأنْتُمُ الَّذِينَ صَبَرْتُمْ مَعِي في تَجارِبِي؛ وأنا أعِدُ لَكم كَما وعَدَنِي رَبِّي المَلَكُوتَ؛ لِتَأْكُلُوا وتَشْرَبُوا عَلى مائِدَتِي في مَلَكُوتِي؛ وتَجْلِسُوا عَلى كُرْسِيَّ؛ وتَدِينُوا اثْنَيْ عَشَرَ؛ سَبْطَ إسْرائِيلَ - إلى أنْ قالَ: ثُمَّ خَرَجَ كالعادَةِ؛ ومَضى إلى جَبَلِ الزَّيْتُونِ؛ ومَعَهُ أيْضًا تَلامِيذُهُ؛ فَلَمّا انْتَهى إلى المَكانِ قالَ لَهُمْ: صَلُّوا لِئَلّا تَدْخُلُوا التَّجْرِبَةَ؛ وانْفَرَدَ عَنْهم كَرَمْيَةِ حَجَرٍ؛ وخَرَّ عَلى رُكْبَتَيْهِ؛ فَصَلّى؛ وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ قالَ لَهم يَسُوعُ: كُلُّكم تَشُكُّونَ فِيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؛ لِأنَّهُ مَكْتُوبٌ: أضْرِبُ الرّاعِيَ؛ تُفَرَّقُ خِرافُ الرَّعِيَّةِ؛ فَأجابَ بُطْرُسُ وقالَ لَهُ: لَوْ شَكَّ جَمِيعُهم لَمْ أشُكَّ أنا؛ قالَ لَهُ يَسُوعَ: الحَقَّ أقُولُ لَكَ؛ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ وقالَ يُوحَنّا: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ لا يَصِيحُ الدِّيكُ حَتّى تُنْكِرَنِي ثَلاثًا؛ لا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ؛ آمِنُوا بِاللَّهِ؛ وآمِنُوا بِي؛ (p-٤٨٨)وقالَ مَتّى: قالَ لَهُ بُطْرُسُ: لَوْ أُلْجِئْتُ إلى أنْ أمُوتَ مَعَكَ ما أنْكَرْتُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: فَتَمادى بُطْرُسُ وقالَ: يا أبَتِ؛ وإنِ اضْطُرِرْتُ إلى أنْ أمُوتَ مَعَكَ لَيْسَ أُنْكِرُكَ؛ وهَكَذا قالَ جَمِيعُ التَّلامِيذِ؛ حِينَئِذٍ جاءَ مَعَهم إلى قَرْيَةٍ تُدْعى جُسْمانِيَّةَ؛ فَقالَ لِلتَّلامِيذِ: اجْلِسُوا هَهُنا لِأمْضِيَ أُصَلِّي هُناكَ؛ امْكُثُوا واسْهَرُوا مَعِي؛ وبَعْدَ ذَلِكَ خَرَّ عَلى وجْهِهِ يُصَلِّي؛ وجاءَ إلى التَّلامِيذِ فَوَجَدَهم نِيامًا؛ قالَ مُرْقُسُ: فَقالَ البُطْرُسُ: يا شَمْعُونُ؛ أنْتَ نائِمٌ؟ ما قَدِرْتَ تَسْهَرُ مَعِي ساعَةً واحِدَةً؟ اسْهَرُوا وصَلُّوا لِئَلّا تَدْخُلُوا التَّجارِبَ؛ أمّا الرُّوحُ فَمُسْتَبْشِرَةٌ؛ وقالَمُرْقُسُ: فَمُسْتَعِدَّةٌ؛ وأمّا الجَسَدُ فَضَعِيفٌ؛ ومَضى أيْضًا وصَلّى؛ وجاءَ أيْضًا فَوَجَدَهم نِيامًا؛ لِأنَّ عُيُونَهم كانَتْ ثَقِيلَةً؛ فَتَرَكَهُمْ؛ ومَضى أيْضًا يُصَلِّي؛ قالَ لُوقا: وظَهَرَ لَهُ مَلاكٌ مِنَ السَّماءِ لِيُقَوِّيَهُ؛ وكانَ يُصَلِّي تَواتُرًا؛ وكانَ عَرَقُهُ كَعَبِيطِ الدَّمِ نازِلًا عَلى الأرْضِ؛ وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ جاءَ إلى التَّلامِيذِ وقالَ لَهُمْ: نامُوا الآنَ واسْتَرِيحُوا؛ قَدِ اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ؛ وفِيما هو يَتَكَلَّمُ إذْ جاءَ يَهُودا الإسْخَرْيُطِيُّ؛ أحَدُ الِاثْنَيْ عَشَرَ؛ مَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ؛ بِسُيُوفٍ وعِصِيٍّ مِن عِنْدِ رُؤَساءِ الكَهَنَةِ؛ ومَشايِخِ الشَّعْبِ؛ والَّذِي أسْلَمَهُ أعْطاهم عَلامَةً؛ وقالَ: الَّذِي أُقَبِّلُهُ هو هُوَ؛ فَأمْسِكُوهُ؛ وجاءَ إلى يَسُوعَ وقالَ لَهُ: السَّلامُ يا مُعَلِّمُ؛ (p-٤٨٩)وقَبَّلَهُ؛ فَقالَ لَهُ يَسُوعُ: يا هَذا؛ ألِهَذا جِئْتَ؟ حِينَئِذٍ جاؤُوا فَوَضَعُوا أيْدِيَهم عَلى يَسُوعَ؛ وقَبَضُوا عَلَيْهِ؛ ثُمَّ قالَ: في تِلْكَ السّاعَةِ قالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: كَأنَّكم قَدْ خَرَجْتُمْ إلى لِصٍّ بِالسُّيُوفِ والعِصِيِّ لِتَأْخُذُونِي؛ في كُلِّ يَوْمٍ كُنْتُ أجْلِسُ عِنْدَكم أُعَلِّمُ في الهَيْكَلِ؛ فَما قَبَضْتُمْ عَلَيَّ؛ وهَذا كُلُّهُ كانَ لِتَكْمِيلِ كُتُبِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقالَ يُوحَنّا: إنَّ يَهُودا أخَذَ جُنْدًا مِن عِنْدِ عُظَماءِ الكَهَنَةِ؛ والفَرِّيسِيِّينَ؛ وشُرَطًا؛ وجاءَ إلى هُناكَ بِسُرُجٍ؛ ومَصابِيحَ؛ وسِلاحٍ؛ ويَسُوعُ كانَ عارِفًا بِكُلِّ شَيْءٍ يَأْتِي عَلَيْهِ؛ فَخَرَجَ وقالَ لَهُمْ: مَن تَطْلُبُونَ؟ قالُوا: يَسُوعَ النّاصِرِيَّ؛ قالَ: أنا هُوَ؛ وكانَ يَهُودا واقِفًا مَعَهُمْ؛ فَلَمّا قالَ: أنا هُوَ؛ رَجَعُوا إلى ورائِهِمْ؛ وسَقَطُوا عَلى الأرْضِ؛ فَقالَ يَسُوعُ: إنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاءِ يَذْهَبُوا؛ لِتَتِمَّ الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها: إنَّ الَّذِي أعْطَيْتَنِي لَنْ يَهْلِكَ مِنهم أحَدٌ؛ وقالَ مَتّى: حِينَئِذٍ تَرَكَهُ تَلامِيذُهُ كُلُّهم وهَرَبُوا؛ والَّذِينَ أخَذُوا يَسُوعَ اقْتادُوهُ إلى دارِ قِيافا؛ رَئِيسِ الكَهَنَةِ؛ وأمّا بُطْرُسُ فَأتْبَعَهُ عَلى بُعْدٍ مِنهُ إلى دارِ رَئِيسِ الكَهَنَةِ؛ ودَخَلَ إلى داخِلِها؛ وجَلَسَ مَعَ الخُدّامِ لِيَنْظُرَ التَّمامَ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وجَلَسَ مَعَ الخُدّامِ عِنْدَ النّارِ؛ (p-٤٩٠)يَصْطَلِي؛ وقالَ يُوحَنّا: وإنَّ شَمْعُونَ الصَّفا والتِّلْمِيذَ الآخَرَ - يَعْنِي الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّ عِيسى كانَ يُحِبُّهُ - تَبِعا يَسُوعَ؛ وكانَ عَظِيمُ الكَهَنَةِ يَعْرِفُ ذَلِكَ التِّلْمِيذَ؛ فَدَخَلَ يَسُوعُ إلى دارِ عَظِيمِ الكَهَنَةِ؛ فَأمّا شَمْعُونُ فَكانَ واقِفًا خارِجَ البابِ؛ فَخَرَجَ التِّلْمِيذُ الآخَرُ الَّذِي كانَ مَعارِفَ رَئِيسِ الكَهَنَةِ؛ فَقالَ لِلْبَوّابَةِ وأدْخَلَ شَمْعُونُ بُطْرُسَ؛ فَقالَتِ الجارِيَةُ البَوّابَةُ لِشَمْعُونَ: أما أنْتَ مِن تَلامِيذِ هَذا الرَّجُلِ؟ فَقالَ لَها: لا؛ وكانَ العَبِيدُ والشُّرُطُ قِيامًا يُوقِدُونَ نارًا لِيَصْطَلُوا؛ لِأنَّها كانَتْ لَيْلَةً بارِدَةً؛ وقامَ شَمْعُونُ مَعَهم أيْضًا يَصْطَلِي: قالَ مَتّى: فَقالَ رَئِيسُ الكَهَنَةِ: أسْتَحْلِفُكَ بِاللَّهِ الحَيِّ أنْ تَقُولَ لَنا إنْ كُنْتَ أنْتَ هو المَسِيحُ؛ قالَ لَهُ يَسُوعُ: أنْتَ قُلْتَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أفْتَوْا بِقَتْلِهِ؛ وقالَ: عِنْدَ ذَلِكَ بَصَقُوا في وجْهِهِ؛ وسَتَرُوا وجْهَهُ بِثَوْبٍ؛ ولَطَمُوا وجْهَهُ فَوْقَهُ؛ قائِلِينَ: أيُّها المَسِيحُ؛ بَيِّنْ لَنا مَن هو الَّذِي ضَرَبَكَ؟ قالَ مُرْقُسُ: وبَيْنَما بُطْرُسُ في أسْفَلِ الدّارِ جاءَتْ فَتاةٌ مِن جَوارِي رَئِيسِ الكَهَنَةِ فَقالَتْ لَهُ: وأنْتَ أيْضًا قَدْ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ النّاصِرِيِّ؛ وقالَ مَتّى: مَعَ يَسُوعَ الجَلِيلِيِّ؛ وقالَ لُوقا: فَلَمّا رَأتْهُ جارِيَةٌ جالِسًا عِنْدَ الضَّوْءِ مَيَّزَتْهُ فَقالَتْ: هَذا أيْضًا كانَ مَعَهُ؛ فَأنْكَرَ؛ وقالَ: ما أعْرِفُهُ؛ وقالَ مَتّى: فَجَحَدَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ أجْمَعِينَ؛ وعِنْدَ خُرُوجِهِ إلى البابِ أبْصَرَتْهُ جارِيَةٌ أُخْرى؛ فَقالَتْ: وهَذا أيْضًا كانَ مَعَ (p-٤٩١)يَسُوعَ النّاصِرِيِّ؛ فَجَحَدَ أيْضًا بِيَمِينٍ: إنِّي لَسْتُ أعْرِفُ الرَّجُلَ؛ وبَعْدَ قَلِيلٍ تَقَدَّمَ الوُقُوفُ فَقالُوا لِبُطْرُسَ: بِالحَقِيقَةِ إنَّكَ مِنهم أنْتَ؛ لِأنَّ كَلامَكَ يَدُلُّ عَلَيْكَ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وأنْتَ جَلِيلِيٌّ؛ وكَلامُكَ يُشْبِهُ كَلامَهُمْ؛ وقالَ: حِينَئِذٍ أقْبَلَ بُطْرُسُ يَلْعَنُ؛ ويَحْلِفُ: إنِّي لَسْتُ أعْرِفُ الإنْسانَ؛ وفي الحالِ صاحَ الدِّيكُ؛ فَذَكَرَ بُطْرُسُ كَلِمَةَ يَسُوعَ: قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ؛ تَجْحَدُنِي ثَلاثًا؛ فَخَرَجَ إلى خارِجٍ؛ وبَكى بُكاءً مُرًّا.
ولَمّا كانَ الصُّبْحُ عَمِلُوا كُلُّهم مُؤامَرَةً عَلى يَسُوعَ حَتّى يُمِيتُوهُ؛ فَرَبَطُوهُ؛ وساقُوهُ إلى بِيلاطُسَ النَّبَطِيِّ؛ ولَمّا أبْصَرَ يُودِسُ - يَعْنِي يَهُودا الإسْخَرْيُطِيُّ - أنَّهُ قَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ؛ تَنَدَّمَ ورَدَّ الثَّلاثِينَ الفِضَّةَ عَلى رُؤَساءِ الكَهَنَةِ؛ قائِلًا: قَدْ أخْطَأْتُ إذْ أسْلَمْتُ دَمًا زَكِيًّا؛ فَقالُوا: ما عَلَيْنا؛ فَطَرَحَ الفِضَّةَ في الهَيْكَلِ ومَضى؛ فَخَنَقَ نَفْسَهُ؛ فَأخَذَ رُؤَساءُ الكَهَنَةِ الفِضَّةَ؛ وقالُوا: لَنْ يَجُوزَ لَنا أنْ نُلْقِيَها في داخِلِ الزَّكاةِ؛ لِأنَّها ثَمَنُ دَمٍ؛ فَتَشاوَرُوا وابْتاعُوا حَقْلَ الفاخُورِيِّ لِدَفْنِ الغُرَباءِ؛ لِذَلِكَ دُعِيَ ذَلِكَ الحَقْلُ حَقْلَ الدَّمِ إلى اليَوْمِ؛ حِينَئِذٍ تَمَّ قَوْلُ إرْمِيا النَّبِيِّ القائِلِ: وأخَذُوا الثَّلاثِينَ مِنَ الفِضَّةِ؛ ثَمَنَ الدَّمِ الَّذِي ثَمَّنَهُ بَنُو إسْرائِيلَ؛ وجَعَلُوها في حَقْلِ الفاخُورِيِّ؛ عَلى ما رُسِمَ لِي؛ وأمّا يَسُوعُ فَوَقَفَ أمامَ الوالِي؛ (p-٤٩٢)ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الوالِيَ كانَ كارِهًا لِقَتْلِهِ؛ وأنَّ امْرَأتَهُ أرْسَلَتْ إلَيْهِ تَقُولُ: إيّاكَ ودَمَ ذاكَ الصَّدِيقِ؛ فَإنِّي تَوَجَّعْتُ في هَذا اليَوْمِ كَثِيرًا مِن أجْلِهِ في الحُلْمِ؛ وأنَّهُ اجْتَهَدَ بِهِمْ لِيُطْلِقُوهُ فَأبَوْا إلّا صَلْبَهُ؛ وصاحُوا عَلَيْهِ؛ وأنَّهُ قالَ لَهُمْ: أيُّ شَرٍّ عَمِلَ؟ فازْدادُوا صِياحًا؛ وقالُوا: يُصْلَبُ؛ فَلَمّا رَأى بِيلاطُسُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ شَيْئًا أخَذَ ماءً وغَسَلَ يَدَيْهِ قُدّامَ الجَمْعِ؛ وقالَ: إنَّنِي بَرِيءٌ مِن دَمِ هَذا الصَّدِيقِ؛ فَقالُوا: دَمُهُ عَلَيْنا وعَلى أوْلادِنا؛ وقالَ لُوقا: وإنَّ بِيلاطُسَ قالَ لِرُؤَساءِ الكَهَنَةِ: أنا لَمْ أجِدْ عَلى هَذا الإنْسانِ عِلَّةً - حَتّى قالَ: فَلَمّا عَلِمَ أنَّهُ مِن سُلْطانِ هِيرُودُسَ - يَعْنِي مِنَ الجَلِيلِ - أرْسَلَهُ إلى هِيرُودُسَ؛ لِأنَّهُ كانَ في تِلْكَ الأيّامِ بِيِرُوشَلِيمَ؛ وأنْ هِيرُودُسَ لَمّا رَأى يَسُوعَ فَرِحَ جِدًّا؛ لِأنَّهُ كانَ يَشْتَهِي أنْ يَراهُ مِن زَمانٍ طَوِيلٍ؛ لِما كانَ يَسْمَعُ عَنْهُ مِنَ الأُمُورِ الكَثِيرَةِ؛ وكانَ يَرْجُو أنْ يُعايِنَ آيَةً يَعْمَلُها؛ وسَألَهُ عَنْ كَلامٍ كَثِيرٍ ذَكَرَهُ؛ وذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يُجِبْهُ؛ فاحْتَقَرَهُ هِيرُودُسُ وجُنْدُهُ؛ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ؛ وألْبَسَهُ ثِيابًا حَمْراءَ؛ وأرْسَلَهُ إلى بِيلاطُسَ؛ وصارَ بِيلاطُسُ وهِيرُودُسُ صَدِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِأنَّهُ كانَ بَيْنَهُما عَداوَةٌ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ بِيلاطُسَ قالَ لَهُمْ: لَمْ أجِدْ عَلَيْهِ عِلَّةً آخُذُهُ بِها؛ ولا هِيرُودُسُ أيْضًا؛ وأنَّهم لَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ ذَلِكَ؛ وصارُوا يَصِيحُونَ: اصْلُبْهُ؛ اصْلُبْهُ؛ وقالَ يُوحَنّا: ثُمَّ جَلَسَ - (p-٤٩٣)يَعْنِي: بِيلاطُسُ - عَلى كُرْسِيٍّ في مَوْضِعٍ يُعَرَفُ بِرَصِيفِ الحِجارَةِ؛ وبِالعِبْرانِيَّةِ يُسَمّى جاحِلَةَ”.
ثُمَّ ذَكَرَ جَمِيعُ نَقَلَةِ أناجِيلِهِمْ أنَّهم صَلَبُوهُ بَيْنَ لِصَّيْنِ؛ وأنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ؛ حَتّى اللِّصّانِ المَصْلُوبانِ؛ قالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا كانَتِ السّاعَةُ السّادِسَةُ تَفَشَّتِ الأرْضُ كُلُّها ظُلْمَةً إلى السّاعَةِ التّاسِعَةِ؛ وأنَّهُ صاحَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ مِنهُ: إلَهِي؛ إلَهِي؛ لِمَ تَرَكْتَنِي؟ فانْشَقَّ سِتْرُ حِجابِ الهَيْكَلِ بِاثْنَيْنِ مِن فَوْقُ إلى أسْفَلَ؛ والأرْضُ تَزَلْزَلَتْ؛ وتَشَقَّقَتِ الصُّخُورُ؛ وتَفَتَّحَتِ القُبُورُ؛ وكَثِيرٌ مِن أجْسادِ القُدُسِيِّينِ النِّيامِ قامُوا مِن قُبُورِهِمْ؛ ودَخَلُوا المَدِينَةَ فَظَهَرُوا لِكَثِيرٍ؛ وكانَ هُناكَ نِسْوَةٌ كَثِيرٌ يَنْظُرْنَ مِن بَعِيدٍ؛ ومِنَ اللّاتِي تَبِعْنَ عِيسى مِنَ الجَلِيلِ؛ مِنهُنَّ مَرْيَمُ المَجْدِلانِيَّةُ؛ ومَرْيَمُ أمُّ يَعْقُوبَ الصَّغِيرِ؛ وأُمُّ يُوسا؛ وأُمُّ ابْنِ يَزْبَدِيٍّ؛ وقالَ يُوحَنّا: وكانَ واقِفًا عِنْدَ صَلْبِهِ أُمُّهُ وأُخْتُ أُمِّهِ؛ مَرْيَمُ ابْنَةُ إكْلاوَبا؛ ومَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ؛ ثُمَّ ذَكَرُوا أنَّهُ دُفِنَ؛ وذَكَرَ مُرْقُسُ أنَّهُ كانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ؛ وقالَ يُوحَنّا: وأمّا اليَهُودُ - فَلِأنَّهُ يَوْمُ الجُمُعَةِ - قالُوا: هَذِهِ الأجْسادُ لا تَثْبُتُ عَلى صُلُبِها؛ لِأنَّ السَّبْتَ كانَ عَظِيمًا؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهم أنْزَلُوهُمْ؛ وأنَّ عِيسى دُفِنَ؛ وقالَ مَتّى: إنَّ المَلِكَ جاءَ (p-٤٩٤)بَعْدَ ثَلاثٍ وأقامَهُ؛ وقالَ لِلنِّسْوَةِ: إنَّهُ قَدْ قامَ؛ فَأسْرِعْنَ فَقُلْنَ لِتَلامِيذِهِ: هُوذا سَبَقَكم إلى الجَلِيلِ؛ وإنَّ رُؤَساءَ اليَهُودِ رَشَوُا الجُنْدَ الَّذِينَ كانُوا يَحْرُسُونَ قَبْرَهُ لِيَقُولُوا: إنْ تَلامِيذَهُ سَرَقُوهُ مِنَ القَبْرِ؛ فَقالُوا؛ وشاعَ ذَلِكَ عِنْدَ اليَهُودِ إلى اليَوْمِ؛ فَأمّا الأحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَمَضَوْا إلى الجَلِيلِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ؛ فَلَمّا رَأوْهُ سَجَدُوا لَهُ؛ وبَعْضُهم شَكَّ؛ وقالَ لُوقا: وفِيما هم يَتَكَلَّمُونَ وقَفَ عِيسى إلى وسَطِهِمْ؛ وقالَ لَهُمْ: السَّلامُ عَلَيْكم يا هَؤُلاءِ؛ لا تَخافُوا؛ فاضْطَرَبُوا؛ وخافُوا؛ وظَنُّوا أنَّهم يَنْظُرُونَ رُوحًا؛ فَقالَ لَهُمْ: ما بالُكم تَضْطَرِبُونَ؟ ولِمَ يَأْتِي الإنْكارُ في قُلُوبِكُمْ؟ انْظُرُوا يَدَيَّ ورِجْلَيَّ؛ فَإنِّي أنا هُوَ؛ جِسُّونِي؛ وانْظُرُوا إلَيَّ؛ الرُّوحُ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ ولا عَظْمٌ؛ كَما تَرَوْنَ أنَّهُ لِي؛ ولَمّا قالَ هَذا أراهم يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ؛ وإذا هم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَحِ؛ والتَّعَجُّبِ؛ وقالَ لَهُمْ: أعْنَدَكم هَهُنا ما يُؤْكَلُ؟ فَأعْطَوْهُ جُزْءًا مِن حُوتٍ مَشْوِيٍّ؛ ومِن شَهْدِ عَسَلٍ؛ فَأخَذَ قُدّامَهم وأكَلَ؛ وأخَذَ الباقِي وأعْطاهُمْ؛ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ أخْرَجَهم خارِجًا إلى بَيْتِ عَنْيا؛ فَرَفَعَ يَدَيْهِ؛ وبارَكَهُمْ؛ وكانَ فِيما هو يُبارِكُهُمُ انْفَرَدَ عَنْهُمْ؛ وصَعِدَ إلى السَّماءِ؛ وقالَ يُوحَنّا: إنَّهُ قالَ لِمَرْيَمَ: امْضِي إلى إخْوَتِي؛ وقُولِي لَهُمْ: إنِّي صاعِدٌ إلى أبِي؛ وأبِيكُمْ؛ وإلَهِي وإلَهِكُمْ؛ وقالَ مَتّى: فَجاءَ (p-٤٩٥)يَسُوعُ؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالَ: أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطانٍ في السَّماءِ؛ وعَلى الأرْضِ؛ فاذْهَبُوا الآنَ وتَلْمِذُوا كُلَّ الأُمَمِ.
انْتَهى ما أرَدْتُهُ هُنا مِنَ الأناجِيلِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ؛ فَقَدْ بانَ لَكَ أنَّ أناجِيلَهم كُلَّها اتَّفَقَتْ عَلى أنْ عِلْمَهم في أمْرِهِ انْتَهى إلى واحِدٍ؛ وهو الإسْخَرْيُطِيُّ؛ وأمّا غَيْرُهُ مِنَ الأعْداءِ فَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ؛ وأنَّهُ إنَّما وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يَقُلْ بِلِسانِهِ: إنَّهُ هُوَ؛ وأنَّ الوَقْتَ كانَ لَيْلًا؛ وأنَّ عِيسى نَفْسَهُ قالَ لِأصْحابِهِ: كُلُّكم تَشُكُّونَ في هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ وأنَّ تَلامِيذَهُ كُلَّهم هَرَبُوا؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم عِلْمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِما اتَّفَقَ في أمْرِهِ؛ وأنَّ بُطْرُسَ إنَّما تَبِعَهُ مِن بَعِيدٍ؛ وأنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ وأنَّ النّاقِلَ لِأنَّ المَلِكَ قالَ: إنَّهُ قامَ مِنَ الأمْواتِ؛ إنَّما هو نِسْوَةٌ كُنَّ عِنْدَ القَبْرِ في مَدًى بَعِيدٍ؛ وما يَدْرِي النِّسْوَةَ المَلِكَ مِن غَيْرِهِ - ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تُفِيدُ غَيْرَ الظَّنِّ بِالجُهْدِ؛ وأمّا الآياتُ الَّتِي وقَعَتْ فَعَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِها لا يَضُرُّنا التَّصْدِيقُ بِها؛ وتَكُونُ لِجُرْأتِهِمْ عَلى اللَّهِ بِصَلْبِ مَن يَظُنُّونَهُ المَسِيحَ؛ ومِن أحْسَنِ ما في ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَ اجْتِماعِهِمْ بِهِ بَعْدَ رَفْعِهِ:“أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطانٍ”؛ فَأثْبَتَ أنَّ المُعْطِيَ غَيْرُهُ؛ وهَذا كُلُّهُ يُصادِقُ القُرْآنَ في أنَّهم في شَكٍّ مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ المَصْلُوبَ - إنْ صَحَّ أنَّهم صَلَبُوهُ مَن ظَنُّوهُ إيّاهُ - هو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ؛ كَما (p-٤٩٦)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّهُ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: إنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ فالظّاهِرُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَرَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَنُّوا أنَّهُ خَنَقَ نَفْسَهُ؛ فَجَزَمُوا بِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقَوْلُهُ:“إنَّكَ يا رَبّاهُ فِيَّ؛ وأنا فِيكَ؛ لِيَكُونُوا - أيْ: التَّلامِيذُ – فِينا”؛ ونَحْوُهُ؛ مِمّا يُوهِمُ حُلُولًا؛ المُرادُ بِهِ الِاتِّحادُ في المُرادِ؛ بِحَيْثُ إنَّ واحِدًا مِنهم لا يُرِيدُ إلّا ما يُرِيدُ الآخَرُ؛ ولا يَرْضى إلّا ما يَرْضاهُ؛ فَهو مِن وادِي ما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «“كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ...”؛» إلى آخِرِهِ؛ وكَذا إطْلاقُ الِابْنِ؛ والأبِ؛ مَعْناهُ أنَّهُ يُعامِلُهم في لُطْفِهِ مُعامَلَةَ الأبِ ابْنَهُ؛ فالمُرادُ الغايَةُ؛ كَما يُؤَوَّلُ ذَلِكَ في إطْلاقِ الغَضَبِ والمَحَبَّةِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ في حَقِّ اللَّهِ (تَعالى)؛ في شَرْعِنا؛ وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِن رَدِّ المُتَشابِهِ في مِثْلِ ذَلِكَ إلى المُحْكَمِ؛ في“آلِ عِمْرانَ"؛ ومَضى في ذَلِكَ المَوْضِعِ؛ وغَيْرِهِ؛ أنَّ كُلَّ ما أوْهَمَ نَقْصًا لا يَجُوزُ في شَرْعِنا إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
النساء 4:159
ولَمّا أنْجَزَ الكَلامَ إلى أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ؛ بِما ذَكَرَ في نَصائِحِ اليَهُودِ؛ وقَبائِحِ أفْعالِهِمْ؛ وأنَّهم قَصَدُوا قَتْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَخابَ قَصْدُهُمْ؛ وأُصْلِدَ زَنْدُهُمْ؛ (p-٤٩٧)وقالَ رَأْيُهُمْ؛ ورُدَّ عَلَيْهِمْ بَغْيُهُمْ؛ وحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ أعْلى المَناصِبِ؛ وأوْلى المَراتِبِ؛ قالَ - مُحَقِّقًا لِما أثْبَتَهُ في الآيَةِ قَبْلَها مِنَ القَطْعِ بِكَذِبِهِمْ؛ مُثْبِتًا أنَّهم في مُبالَغَتِهِمْ في عَداوَتِهِ سَيَكُونُونَ مِن أتْباعِهِ المُصَدِّقِينَ بِجَمِيعِ أمْرِهِ؛ الَّذِي مِنهُ التَّصْدِيقُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ؛ ومُؤَكِّدًا لَهُ أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لَهُ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما؛ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: أحَدٌ يُدْرِكُ نُزُولَهُ في آخِرِ الزَّمانِ؛ ﴿إلا﴾؛ وعِزَّتِي؛ ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾؛ أيْ: بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ أيْ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أيْ: إنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يَنْزِلَ في آخِرِ الزَّمانِ؛ يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ دِينَ الإسْلامِ؛ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنْ كانَ قَدْ أيَّدَهُ اللَّهُ (تَعالى) بِأنْبِياءَ كانُوا يُجَدِّدُونَ دِينَهُ زَمانًا طَوِيلًا؛ فالنَّبِيُّ الَّذِي نَسَخَ شَرِيعَةَ مُوسى - وهو عِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - هو الَّذِي يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ العَرَبِيَّ؛ في تَجْدِيدِ شَرِيعَتِهِ؛ وتَمْهِيدِ أمْرِهِ؛ والذَّبِّ عَنْ دِينِهِ؛ ويَكُونُ مِن أُمَّتِهِ بَعْدَ أنْ كانَ صاحِبَ شَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ؛ وأتْباعٍ مُسْتَكْثِرَةٍ؛ أمْرٌ قَضاهُ اللَّهُ في الأزَلِ؛ فَأمْضاهُ؛ فَأطِيلُوا أيُّها اليَهُودُ أوْ أقْصِرُوا؛ فَمَعْنى الآيَةِ إذَنْ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ ما مِن أحَدٍ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى شَكٍّ؛ إلّا وهو يُوقِنُ بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِهِ؛ بَعْدَ نُزُولِهِ (p-٤٩٨)مِنَ السَّماءِ؛ أنَّهُ ما قُتِلَ وما صُلِبَ؛ ويُؤْمِنُ بِهِ عِنْدَ زَوالِ الشُّبْهَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ وأحْمَدُ؛ وأبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ؛ وغَيْرُهُمْ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لِيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا؛ وإمامًا عادِلًا؛ فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ؛ ولَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ؛ ولَيَضَعَنَّ الجِزْيَةَ؛ حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الواحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا وما فِيها“؛ وفي رِوايَةٍ: ”وتَكُونُ السَّجْدَةُ واحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“؛ وفي رِوايَةٍ: ”حَتّى يُهْلِكَ اللَّهُ المِلَلَ كُلَّها؛ غَيْرَ الإسْلامِ؛ فَيُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها إلّا الإسْلامَ“؛ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾؛ الآيَةَ: مَوْتِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ - ولَتَذْهَبَنَّ الشَّحْناءُ والتَّباغُضُ والتَّحاسُدُ؛ ولَيُدْعَوَنَّ إلى المالِ فَلا يَقْبَلُهُ أحَدٌ؛ وفي رِوايَةٍ: ويَفِيضُ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ؛ ولِمُسْلِمٍ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”كَيْفَ بِكم إذا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ؛ وإمامُكم مِنكُمْ؟“؛ وفي رِوايَةٍ: ”فَأمَّكم مِنكُمْ“؛ قالَ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ - أحَدُ رُواةِ الحَدِيثِ: قالَ ابْنُ أبِي ذِئْبٍ: تَدْرِي ما أمَّكم مِنكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُنِي؛ قالَ: فَأمَّكم بِكِتابِ رَبِّكم - تَبارَكَ وتَعالى - وسُنَّةِ نَبِيِّكم ﷺ؛» (p-٤٩٩)ولِمُسْلِمٍ أيْضًا عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ؛ ظاهِرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ فَيَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَيَقُولُ أمِيرُهُمْ: تَعالَ صَلِّ لَنا؛ فَيَقُولُ: لا؛ إنَّ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ أُمَراءُ؛ تَكْرِمَةُ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛» ورَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ؛ المَشْهُورِ بِابْنِ الحَنَفِيَّةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أنَّ المَعْنى: إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَبْلَ مَوْتِ ذَلِكَ الكِتابِيِّ؛ عِنْدَ الغَرْغَرَةِ؛ حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في حَسْرَتِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وتَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ قِراءَةُ أُبَيٍّ:“لَيُؤْمِنُنَّ قَبْلَ مَوْتِهِمْ"؛ بِضَمِّ النُّونِ.
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ حالِهِمْ مَعَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ أتْبَعَهُ فِعْلَهُ بِهِمْ في تِلْكَ؛ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقْطَعُ ذِكْرُهُ القُلُوبَ؛ ويَحْمِلُ التَّفَكُّرُ فِيهِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ ويَقْطَعُ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؛ ﴿يَكُونُ﴾؛ وآذَنَ بِشَقائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛
النساء 4:160
ولَمّا آذَنَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في الشَّهادَةِ بِأنَّهُ لا خَيْرَ لَهم في واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ؛ وبِأنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَبِظُلْمِهِمْ“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - دَلالَةً عَلى أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ مُنَجَّمَةً -: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا؛ راسِخٍ؛ ثابِتٍ؛ وهو جامِعٌ لِتَفْصِيلِ نَقْضِ المِيثاقِ؛ وما عُطِفَ (p-٥٠٠)عَلَيْهِ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ بَعْدَ أنْ حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ؛ وقالَ - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ تَبْكِيتِهِمْ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: تَلَبَّسُوا بِاليَهُودِيَّةِ في الماضِي؛ ادِّعاءً أنَّهم مِن أهْلِ التَّوْراةِ؛ والرُّجُوعِ إلى الحَقِّ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ تَعْيِينًا لَهُمْ؛ زِيادَةً في تَقْرِيعِهِمْ؛ ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ﴾؛ أيْ: كانَ وقَعَ إحْلالُها في التَّوْراةِ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ كالشُّحُومِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ (تَعالى) في الأنْعامِ.
ولَمّا ذَكَرَ ظُلْمَهم ذَكَرَ مَجامِعَ مِن جُزْئِيّاتِهِ؛ وبَدَأها بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلْعامِلِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ -: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أوْضَحَ مِنهُ؛ ولا أسْهَلَ؛ ولا أعْظَمَ؛ لِكَوْنِ الَّذِي نَهَجَهُ لَهُ مِنَ العَظْمَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ ما لا يُدْرَكُ؛ و”صَدَّ“؛ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قاصِرًا؛ فَيَكُونَ ﴿كَثِيرًا﴾؛ صِفَةَ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وأنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ فَيَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ؛ أيْ: وصَدِّهِمْ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ؛ بِالإضْلالِ عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَمُنِعُوا مُسْتَلَذّاتِ تِلْكَ المَآكِلِ؛ بِما مَنَعُوا أنْفُسَهم وغَيْرَهم مِن لَذاذَةِ الإيمانِ.
النساء 4:161
ولَمّا ذَكَرَ امْتِناعَهُمْ؛ ومَنعَهم مِنَ المَحاسِنِ الَّتِي لا أطْيَبَ مِنها؛ ولا أشْرَفَ؛ أتْبَعَهُ إقْدامَهم عَلى قَبائِحَ دَنِيَّةٍ؛ فِيها ظُلْمُهم لِلْخَلْقِ؛ فَقالَ: ﴿وأخْذِهِمُ الرِّبا﴾؛ أيْ: وهو قَبِيحٌ في نَفْسِهِ؛ مُزْرٍ بِصاحِبِهِ؛ ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ؛ ﴿نُهُوا عَنْهُ﴾؛ فَضَمُّوا إلى مُخالَفَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ؛ الِاجْتِراءَ عَلى انْتِهاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ العَظِيمِ. (p-٥٠١)ولَمّا ذَكَرَ الرِّبا؛ أتْبَعَهُ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ رِبًا؛ أوْ رَشْوَةً؛ أوْ غَيْرَهُما؛ ولَمّا ذَكَرَ بَعْضَ ما عَذَّبَهم بِهِ في الدُّنْيا؛ أتْبَعَهُ جَزاءَهم في الآخِرَةِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ”حَرَّمْنا“ -: ﴿وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الكُفْرُ لَهم صِفَةً راسِخَةً؛ فَماتُوا عَلَيْهِ؛ ولَمّا عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ؛ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ؛ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ قالَ: ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما آلَمُوا النّاسَ؛ بِأكْلِ أمْوالِهِمْ؛ وتَغْطِيَتِهِمْ عَلى حُقُوقِهِمْ مِنَ الفَضائِلِ؛ والفَواضِلِ.
ذُكِرَ تَحْرِيمُ المالِ بِالرِّبا؛ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ الباطِلِ؛ بِنَصِّ التَّوْراةِ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي - بَعْدَ ما قَدَّمْتُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلى النّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنْ أذاهم -: (وإنْ أسْلَفْتَ ورَقَكَ لِلْمِسْكِينِ الَّذِي مَعَكَ مِن شَعْبِي؛ فَلا تَكُونَنَّ لَهُ كالغَرِيمِ؛ ولا تَأْخُذَنَّ مِنهُ رِبًا)؛ وقالَ في الثّالِثِ: (وإنِ افْتَقَرَ أخُوكَ واسْتَعانَ بِكَ فَلا تَتْرُكْهُ بِمَنزِلَةِ الغَرِيبِ السّاكِنِ مَعَكَ؛ بَلْ وسِّعْ عَلَيْهِ؛ وإيّاكَ أنْ تَأْخُذَ مِنهُ رِبًا أوْ عَيِّنَةً؛ لا تُقْرِضْهُ بِالعَيِّنَةِ)؛ وقالَ في الخامِسِ: (ولا تُطْعِمُوا بَيْتَ اللَّهِ رَبِّكم أجْرَ زانِيَةٍ؛ ولا ثَمَنَ كَلْبٍ؛ ولا تَأْخُذُوا مِن إخْوَتِكم رِبًا؛ في فِضَّةٍ؛ ولا في طَعامٍ؛ ولا في شَيْءٍ مِمّا تُعانُونَهُ؛ (p-٥٠٢)وأمّا الغَرِيبُ فَخُذُوا مِنهُ إنْ أحْبَبْتُمْ).
فَقَدْ ثَبَتَ مِن تَوْراتِهِمُ النَّهْيُ عَنِ الرِّبا؛ وأمّا تَخْصِيصُهُ بِالغَرِيبِ فَتَبْدِيلٌ مِنهم بِلا رَيْبٍ؛ بِدَلِيلِ ما قَدَّمْتُهُ عَنْها في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ [البقرة: ٦٢]؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْ غَدْرِ العَدُوِّ؛ وعِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ مِنَ الإحْسانِ إلى عامَّةِ النّاسِ؛ لا سِيَّما الغَرِيبَ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
النساء 4:162
ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) ما لِلْمَطْبُوعِ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ الغَرِيقِينَ في الكُفْرِ مِنَ العِقابِ؛ بَيَّنَ ما لِنَيِّرِي البَصائِرِ بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ والإيمانِ مِنَ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئَتْ قُلُوبُهم في أصْلِ الخِلْقَةِ لِقَبُولِ العِلْمِ؛ فَأُبْعِدَ عَنْها الطَّبْعُ؛ وجِلَتْ بِالحِكْمَةِ؛ ورَسَخَتْ بِالرَّحْمَةِ؛ فامْتَلَأتْ مِن نُورِ العِلْمِ؛ وتَمَكَّنَتْ بِأُنْسِ الإيمانِ.
ولَمّا ذَكَرَ نَعْتَ العِلْمِ المُفِيدِ لِجَمِيعِ الفَضائِلِ؛ أتْبَعَهُ ما نَشَأ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هُيِّئُوا لِلْإيمانِ؛ ودَخَلُوا فِيهِ؛ فَصارَ لَهم خُلُقًا لازِمًا؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإيمانَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ لِأنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِأنَّهُ حَقٌّ؛ ﴿وما أُنْزِلَ مِن (p-٥٠٣)قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: عَلى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وبِسَبَبِ إيمانِهِمُ الخالِصِ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ.
ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أعْظَمَ دَعائِمِ الدِّينِ؛ ولِذَلِكَ كانَتْ ناهِيَةً عَنِ الفَحْشاءِ؛ والمُنْكَرِ؛ نُصِبَتْ عَلى المَدْحِ مِن بَيْنِ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ؛ إظْهارًا لِفَضْلِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِها بِجَمِيعِ حُدُودِها؛ ويَجُوزُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ المُقْتَضِي لِنَصْبِها جَعْلَ ”لَكِنْ“؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها بِمَعْنى ”إلّا“؛ وتَضْمِينَها لَفْظَها؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّآخِي؛ فَيَكُونَ المَعْنى أنَّهم مُسْتَثْنَوْنَ مِمَّنْ أُعِدَّ لَهُمُ العَذابُ الألِيمُ؛ عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وهو الفاعِلُ المُخْتارُ - سَبَقَ عِلْمُهُ بِأنَّ مُقِيمَ الصَّلاةِ بِجَمِيعِ حُدُودِها لا يَمُوتُ كَما يَمُوتُ كافِرٌ؛ بَلْ تَنالُهُ بَرَكَتُها؛ فَيَسْلَمُ؛ وهَذا أعْظَمُ مَدْحٍ لَها؛ والحاصِلُ أنَّ ”لَكِنْ“؛ اْسْتُعِيرَتْ لِمَعْنى ”إلّا“؛ بِجامِعِ أنَّ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنهُما مُخالِفٌ في الحُكْمِ لِما قَبْلَهُ؛ كَما اسْتُعِيرَتْ ”إلّا“؛ لِمَعْنى ”لَكِنْ“؛ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ.
ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ بِما بَعْدَها إلى الأُسْلُوبِ الماضِي أبْيَنَ في مَدْحِها؛ قالَ: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ أنَّهم جَمَعُوا إلى صِلَةِ الخالِقِ (p-٥٠٤)الإحْسانَ إلى الخَلائِقِ؛ ذَكَرَ الإيمانَ؛ بانِيًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ مُفَصِّلًا لَهُ بَعْضَ التَّفْصِيلِ؛ ومُشِيرًا إلى أنَّ نَفْعَهُ؛ كَما يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ فاتِحًا؛ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ خاتِمًا؛ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ وضَمَّ إلَيْهِ الحامِلَ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ والمُقْعِدَ عَنْ كُلِّ شَرٍّ؛ تَرْغِيبًا؛ وتَرْهِيبًا؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ فَصارَ الإيمانُ مَذْكُورًا خَمْسَ مَرّاتٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ الأوْصافَ لِمَوْصُوفٍ واحِدٍ؛ عُطِفَتْ بِالواوِ؛ تَفْخِيمًا لَها؛ وإشارَةً إلى أنَّ وصْفَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ مُقْتَضٍ لِأنَّهم في الذِّرْوَةِ مِن كُلِّ وصْفٍ مِنها؛ والِاتِّصافُ بِكُلٍّ مِنها يَتَضَمَّنُ الإيمانَ بِيَوْمِ الدِّينِ؛ فَإنَّهُ لا يُمْدَحُ أحَدٌ اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِنها عَرِيًّا عَنِ الإيمانِ بِهِ؛ لا جَرَمَ نَبَّهَ عَلى فَخامَةِ أمْرِهِمْ؛ وعُلُوِّ شَأْنِهِمْ؛ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ والهِمَمِ؛ ولِكَوْنِ السِّياقِ في الرّاسِخِينَ؛ العامِلِينَ؛ أنْهى في التَّأْكِيدِ بِالسِّينِ؛ لِأنَّ المَكْرَ هُنا أقَلُّ مِنهُ في الأُولى؛ ولَمْ يُعَرِّفِ الأجْرَ؛ ووَصَفَهُ بِالعِظَمِ؛ فَقالَ: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الباهِرَةِ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾
النساء 4:163
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأوْصافُ مُنْطَبِقَةً عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانَ مِن أحْوالِهِمُ الوَحْيُ؛ قالَ (تَعالى) - إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمُ القائِلَةِ: (p-٥٠٥)”لَوْ كانَ نَبِيًّا أتى بِكِتابِهِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ كَما أتى مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالتَّوْراةِ كَذَلِكَ“؛ بِإقْرارِهِمْ بِنُبُوَّةِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ كَوْنِهِمْ لَيْسَ لَهم تِلْكَ الصِّفَةُ؛ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًا في نُبُوَّةِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا رِسالَتِهِ -: ﴿إنّا﴾؛ ويَصِحُّ أنَّ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِـ ”يُؤْمِنُونَ“؛ أيْ: إنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأنّا ﴿أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما﴾؛ أيْ: مِثْلَما ﴿أوْحَيْنا إلى نُوحٍ﴾؛ وقَدْ آمَنُوا بِما بِهِ لِما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزِ المُوجِبِ لِلْإيمانِ؛ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى مُعْجِزٍ آخَرَ؛ ولا غَيْرِهِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَدْلُولِ إنَّما يَتَوَقَّفُ عَلى ثُبُوتِ الدَّلِيلِ؛ فَإذا تَمَّ الدَّلِيلُ كانَتِ المُطالَبَةُ بِدَلِيلٍ آخَرَ طَلَبًا لِلزِّيادَةِ وإظْهارًا لِلتَّعَنُّتِ واللَّجاجِ - واللَّهِ - سُبْحانَهُ - يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ.
ولَمّا كانَ مَقامُ الإيحاءِ - وهو الأنْبِياءُ - مِن قِبَلِ اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ: ﴿والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: فَهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ؛ بِما لَهم مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ؛ وطَهارَةِ الأوْصافِ؛ ولا يَشُكُّونَ في أنَّ الكُلَّ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ مَعَ أنَّ هَذا الكِتابَ أبْلَغُ؛ والتَّعْبِيرُ فِيهِ عَنِ المَقاصِدِ أجْلى؛ وأجْمَعُ؛ فَهم إلَيْهِ أمْيَلُ؛ ولَهُ أقْبَلُ؛ وأمّا المَطْبُوعُ عَلى قُلُوبِهِمُ؛ المَمْنُوعُونَ مِن رُسُوخِ العِلْمِ فِيها بِكَثافَةِ الحِجابِ؛ حَتّى إنَّها لا تَنْظُرُ إلى أسْرارِهِ إلّا مِن وراءِ غِشاءٍ؛ فَهم غَيْرُ قابِلِينَ لِنُورِ العِلْمِ؛ المُتَهَيِّئِ لِلْإيمانِ؛ فَأسْرَعُوا إلى الكُفْرِ؛ وبادَرُوا بِالذُّلِّ والصَّغارِ؛ وفي الآخِرَةِ بِالسُّخْطِ؛ والنّارِ. (p-٥٠٦)ولَمّا أجْمَلَ (تَعالى) ذِكْرَ النَّبِيِّينَ فَصَّلَ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى شَرَفِ مَن ذَكَرَهُمْ؛ وشُهْرَتِهِمْ -: ﴿وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أبِيكُمْ؛ وأبِيهِمْ كَذَلِكَ؛ ﴿وإسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: ابْنِهِ الأكْبَرِ؛ الَّذِي هو أبُوكم دُونَهُمْ؛ ﴿وإسْحاقَ﴾؛ وهو ابْنُهُ الثّانِي؛ وأبُوهُمْ؛ ﴿ويَعْقُوبَ﴾؛ أيْ: ابْنِ إسْحاقَ؛ ﴿والأسْباطِ﴾؛ أيْ: أوْلادِ يَعْقُوبَ.
ولَمّا أجْمَلَ بِذِكْرِ الأسْباطِ بَعْدَ تَفْصِيلِ مَن قَبْلَهُمْ؛ فَصَّلَ مَن بَعْدَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وعِيسى﴾؛ أيْ: الَّذِي هو آخِرُهُمْ؛ مِن ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ؛ ﴿وأيُّوبَ﴾؛ وهو مِن ذُرِّيَّةِ عِيصُو بْنِ إسْحاقَ؛ عَلى ما ذَكَرُوا؛ ﴿ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْظِيمِ بِالوَحْيِ؛ وكانَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾؛ أيْ: وهم يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ جُمْلَةً؛ ولا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ.
النساء 4:164
ولَمّا تَمَّ ما اقْتَضاهُ مَقامُ النُّبُوَّةِ؛ وكانَ فِيهِمْ رُسُلٌ؛ وكانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ غَيْرُ شَأْنِ الأنْبِياءِ في الوَحْيِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - مِن مَعْنى ”أوْحَيْنا“ -: ”أرْسَلْنا مَن شِئْنا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَصَصْناهم عَلَيْكَ هُنا؛ إلى مَن شِئْنا مِنَ النّاسِ -: ﴿ورُسُلا﴾؛ أيْ: غَيْرَ هَؤُلاءِ؛ ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾؛ أيْ: تَلَوْنا ذِكْرَهُمْ؛ ﴿عَلَيْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ القَصُّ عَلَيْهِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ الماضِي؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إنْزالِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: إلى الآنَ. (p-٥٠٧)ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَ النَّبِيِّ؛ والرَّسُولِ؛ في الوَحْيِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَهو يَفْعَلُ ما يُرِيدُ؛ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿مُوسى تَكْلِيمًا﴾؛ أيْ: عَلى التَّدَرُّجِ؛ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ فَلا فارِقَ في الوَحْيِ بَيْنَ ما كانَ بِواسِطَةٍ؛ وبَيْنَ ما كانَ بِلا واسِطَةٍ؛ والمَعْنى أنَّكم لَوْ كُنْتُمْ إنَّما تَتَوَقَّفُونَ عَنِ الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ تَثَبُّتًا؛ لِتَعْلَمُوا أنَّهُ فَعَلَ بِهِ ما فَعَلَ بِمُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الكَرامَةِ؛ لَمْ تُؤْمِنُوا بِإبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ويَعْقُوبَ؛ والأسْباطِ؛ وهارُونَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَإنَّهُ خُصَّ بِالتَّكْلِيمِ دُونَهُمْ؛ فَلِمَ جَعَلْتُمُ الإتْيانَ بِمِثْلِ ما أتى بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - شَرْطًا في الإيمانِ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ دُونَ بَعْضٍ؟ وإنْ جَعَلْتُمُ الشَّرْطَ الإتْيانَ بِالكِتابِ جُمْلَةً مِنَ السَّماءِ؛ مُدَّعِينَ أنَّهُ كانَ لَهُ ذَلِكَ؛ دُونَ التَّكْلِيمِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِمّا جُعِلَ لَهُ؛ كانَ ذَلِكَ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ تَنَزُّلًا - تَحَكُّمًا؛ وتَرْجِيحًا مِن غَيْرِ مُرَجِّحٍ؛ عَلى أنَّ التَّوْراةَ أيْضًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ - كَهَذا القُرْآنِ في إنْزالِها مُنَجَّمَةً؛ عَلى حَسَبِ الوَقائِعِ؛ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ“تَكْلِيمًا”؛ ولَمْ يُكْتَبْ مِنها جُمْلَةً إلّا اللَّوْحانِ اللَّذانِ وُضِعا في تابُوتِ الشَّهادَةِ؛ كَما أُنْزِلَ بَعْضُ سُوَرِ القُرْآنِ جُمْلَةً؛ كَسُورَةِ“الأنْعامِ”؛ ولَيْسَ في نُزُولِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِما مِن جَبَلِ الطُّورِ مَكْتُوبَيْنِ دَلِيلٌ (p-٥٠٨)عَلى نُزُولِهِما مِنَ السَّماءِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَثِيرٌ مِن نُصُوصِها؛ أصْرَحُها أنَّهُ (تَعالى) حَرَّمَ عَلَيْهِمُ العَمَلَ في السَّبْتِ؛ عَقِبَ إخْراجِهِمْ مِنَ البَحْرِ؛ عِنْدَ إنْزالِ المَنِّ - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي مِنهُما - ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفَ يُفْعَلُ بِالعاصِي فِيهِ إلّا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ؛ بِدَلِيلِ ما في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنها؛ في قِصَّةِ التِّيهِ: (ومَكَثَ بَنُو إسْرائِيلَ في البَرِّيَّةِ؛ ووَجَدُوا رَجُلًا يَحْتَطِبُ حَطَبًا يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَقَدَّمَهُ الَّذِينَ وجَدُوهُ يَحْتَطِبُ إلى مُوسى؛ وهارُونَ؛ وإلى الجَماعَةِ كُلِّها؛ وحَبَسُوهُ في السِّجْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُوحِيَ إلى مُوسى كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِ؛ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: يُقْتَلُ هَذا الرَّجُلُ؛ يُرْجَمُ بِالحِجارَةِ خارِجًا مِنَ العَسْكَرِ؛ ورَجَمَهُ الجَماعَةُ كُلُّها بِالحِجارَةِ؛ وماتَ - كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى)؛ ومِنها أنَّهُ أمَرَهم - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الثّانِي - بِنَصْبِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ ويَسْمَعُ مُوسى الكَلامَ مِنها؛ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ أمَرَهم - كَما بَيَّنَ في السِّفْرِ الرّابِعِ - بِالزِّيادَةِ فِيها؛ ومِنها أنَّهُ كَتَبَ لَهُ الألْواحَ في الطُّورِ: اللَّوْحَيْنِ اللَّذَيْنِ كَسَرَهُما غَضَبًا مِنَ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ؛ ثُمَّ لَوْحَيْنِ عِوَضًا عَنْهُما؛ ثُمَّ لَمّا نُصِبَتْ قُبَّةُ الزَّمانِ صارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يُكَلِّمُهُ مِنها؛ وغالِبُ أحْكامِهِمْ إنَّما شُرِعَتْ بِالكَلامِ الَّذِي كانَ في قُبَّةِ الزَّمانِ - كَما هو في غايَةِ الوُضُوحِ في التَّوْراةِ؛ ومِنها ما قالَ في أواخِرِ السِّفْرِ الخامِسِ؛ وهو آخِرُها: فَلَمّا أكْمَلَ مُوسى كِتابَ آياتِ هَذِهِ التَّوْراةِ في السِّفْرِ؛ وفَرَغَ مِنها؛ أمَرَ مُوسى الأحْبارَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ تابُوتَ عَهْدِ الرَّبِّ؛ وقالَ لَهُمْ: خُذُوا سِفْرَ هَذِهِ السُّنَنِ واجْعَلُوهُ (p-٥٠٩)فِي جَوْفِ تابُوتِ عَهْدِ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ في جانِبٍ مِن جَوانِبِهِ؛ لِيَكُونَ هُناكَ شاهِدًا؛ لِأنِّي قَدْ عَرَفْتُ جَفاءَكُمْ؛ وقَساوَةَ قُلُوبِكُمْ؛ وما تَصِيرُونَ إلَيْهِ؛ وكَيْفَ لا يَكُونُ ذَلِكَ وقَدْ أغْضَبْتُمُ الرَّبَّ؛ وأنا حَيٌّ مَعَكُمْ؟ فَمِن بَعْدِ مَوْتِي أحْرى أنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ؛ فَلْيَجْتَمِعْ إلَيَّ أشْياخُ أسْباطِكُمْ؛ وكُتّابُكُمْ؛ فَأتْلُوَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الأقْوالَ؛ ولِأُشْهِدَ عَلَيْهِمُ السَّماءَ والأرْضَ؛ لِأنَّكم مُفْسِدُونَ مِن بَعْدِ وفاتِي؛ تَحِيدُونَ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي آمُرُكم بِهِ؛ شَرٌّ شَدِيدٌ في آخِرِ الأيّامِ إذا عَمِلْتُمُ السَّيِّئاتِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ وأغْضَبْتُمُوهُ بِأعْمالِ أيْدِيكُمْ؛ وقالَ مُوسى - بَيْنَ يَدَيْ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ -: أنْصِتِي أيَّتُها السَّماءُ فَأتَكَلَّمَ؛ ولْتَسْمَعِ الأرْضُ النُّطْقَ مِن فِيَّ - وقالَ كَلامًا كَثِيرًا في ذَمِّهِمْ؛ أذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ في“المائِدَةِ”؛ عِنْدَ
﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ ثُمَّ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ: أسْخَطُونِي مَعَ الغُرَباءِ بِأوْثانِهِمْ؛ وأغْضَبُونِي حِينَ ذَبَحُوا لِلشَّياطِينِ - ومَضى يَتَكَلَّمُ مِن كَلامِ اللَّهِ؛ الَّذِي هو مِن أحْسَنِ التَّوْراةِ؛ إلى أنْ قالَ: فَلَمّا أكْمَلَ مُوسى هَذِهِ الآياتِ كُلَّها لِبَنِي إسْرائِيلَ قالَ لَهُمْ: أقْبِلُوا بِقُلُوبِكم إلى هَذِهِ الأقْوالِ؛ ثُمَّ قالَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى ذَلِكَ اليَوْمَ؛ وقالَ: (p-٥١٠)اصْعَدْ إلى جَبَلِ العِبْرانِيِّينَ؛ هَذا جَبَلُ نابُو الَّذِي في أرْضِ مُوابٍ؛ حِيالَ إيرِيحا؛ وانْظُرْ إلى أرْضِ كَنْعانَ الَّتِي أُعْطِي بَنِي إسْرائِيلَ مِيراثًا) - وذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ كَلامًا طَوِيلًا؛ فِيها كُلِّها لِمَن يَتَأمَّلُها كَثِيرٌ مِمّا هو ظاهِرٌ في ذَلِكَ؛ بَلْ صَرِيحٌ؛ وفي قِصَّةِ نُوحٍ وإبْراهِيمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما هو صَرِيحٌ في أنَّ الإيحاءَ إلَيْهِما كانَ مُنَجَّمًا - كَما مَضى عَنْهُما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في“البَقَرَةِ”؛ ويَأْتِي؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ في ذِكْرِ الأحْبارِ؛ في“الأعْرافِ”؛ وفي قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في سُورَةِ“هُودِ"؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وقَدِ ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ الآيَةِ بِنُوحٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أوَّلِ أُولِي العَزْمِ؛ وأصْحابِ الشَّرائِعِ وُجُودًا؛ وهو مِن أوائِلِ الأنْبِياءِ؛ وزَمانُهُ في القِدَمِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ مِقْدارَهُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ ثَنّى بِثانِيهِمْ في الوُجُودِ؛ وهو إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ ذَكَرَ أوْلادَهُ عَلى تَرْتِيبِهِمْ؛ والأسْباطُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِمْ أوْلادُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنْفُسُهُمْ؛ وقَبائِلُهُمْ؛ ويَكُونَ المَعْنى حِينَئِذٍ: وأنْبِياءِ الأسْباطِ؛ ويَكُونَ مِمّا اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ ويَكُونَ شامِلًا لِجَمِيعِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِبَعْضِ مَن دَخَلَ مِنهم في العُمُومِ؛ فَبَدْأهم بِآخِرِهِمْ بَعْثًا؛ (p-٥١١)وهُوَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الَّذِي هو أحَدُ نَبِيَّيْ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِأحَدِ أصْحابِ الكُتُبِ مِنهُمْ؛ وهو جَدُّهُ المَشْهُورُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ فَإنَّ اليَهُودَ يَقُولُونَ لِعِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: يا ابْنَ داوُدَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ في ذُرِّيَّتِهِ؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِأوَّلِ نَبِيَّيْ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ الَّذِي آخِرُ آجُرٍ تُبْنى عَلى الإسْلامِ؛ فانْتَقَلَهُ المُنْتَمُونَ إلى أتْباعِهِ؛ ووَسَّطَ أخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيْنَ اثْنَيْنِ مِن أهْلِ البَلاءِ؛ أيُّوبَ؛ ويُونُسَ؛ واثْنَيْنِ مِن أهْلِ المُلْكِ - وأحَدُهم صاحِبُ كِتابٍ - وهُما سُلَيْمانُ وداوُدُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا فارِقَ في كَيْفِيَّةِ الإيحاءِ نُجُومًا إلى الأنْبِياءِ؛ بَيْنَ مُتَقَدِّمِهِمْ؛ ومُتَأخِّرِهِمْ؛ سَواءٌ كانَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ وسَواءٌ مِنهم مَن أُوتِيَ المُلْكَ؛ ومَن لَمْ يُؤْتَهُ؛ ومَن أتى بِكِتابٍ؛ ومَن لَمْ يَأْتِ؛ ومِن لَطائِفِ هَذا التَّرْتِيبِ أنَّ المَخْصُوصِينَ بِالذِّكْرِ في الآيَةِ الأُولى؛ بَعْدَ دُخُولِهِمْ في العُمُومِ؛ أحَدَ عَشَرَ أسْماءً؛ الأسْباطُ أحَدُها؛ والمَشْهُورُ بِالكُتُبِ والصُّحُفِ مِنهم ثَلاثَةٌ: إبْراهِيمُ؛ وعِيسى؛ وداوُدُ؛ وقَدْ وقَعَ كُلٌّ مِنهم سادِسًا لِصاحِبِهِ؛ وهو العَدُّ الَّذِي كانَ فِيهِ الخَلْقُ؛ فَلَعَلَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ العَجَلَةَ؛ فَكَما أنَّهُ لَمْ يَعْجَلْ في إنْشاءِ الخَلْقِ؛ فَكَذَلِكَ (p-٥١٢)لَمْ يَعْجَلْ بِإنْزالِ الكُتُبِ الَّتِي بِها قِوامُهُمْ؛ وبَقاؤُهُمْ؛ دُفْعَةً؛ بَلْ أنْزَلَها مُنَجَّمَةً؛ تَبَعًا لِمَصالِحِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِدَعائِمِهِمْ؛ ومِن لَطائِفِهِ أنَّهُ (تَعالى) بَدَأ المَذْكُورِينَ؛ وخَتَمَهم بِاثْنَيْنِ مِن أُولِي العَزْمِ؛ اشْتَرَكا في أنَّ كُلًّا مِنهُما أهْلَكَ مَن عانَدَهُ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ بِالإغْراءِ؛ تَرْهِيبًا لِهَؤُلاءِ المُلْبِسِينَ عَلى أهْلِ الإسْلامِ بِالباطِلِ؛ المُدَّعِينَ أنَّهم أتْباعٌ؛ ووَسَّطَ بَيْنَهم وبَيْنَ بَقِيَّةِ المُسَمَّيْنِ عُمُومَ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ؛ ولَعَلَّهُ آخِرُ الرُّسُلِ؛ لِيُفْهَمَ أنَّ كُلَّ مَن عُطِفُوا عَلَيْهِ مُرْسَلٌ؛ ولِأنَّ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ؛ بِمَعْنى أنَّها أعَمُّ مِنها.
ولَمّا سَرَدَ أسْماءَ مَن دَخَلَ في العُمُومِ بَدَأهم بِأشْرَفِهِمْ؛ ثُمَّ بِالأقْرَبِ إلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ فالأقْرَبِ؛ مِنَ المُرَتَّبِينَ عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِ الوُجُودِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ سَنَّ بِهِ في الوَحْيِ سُنَّةَ آبائِهِ؛ وإخْوانِهِمْ؛ وذُرِّيّاتِهِمْ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:165
ولَمّا كانَ مُعْظَمُ رِسالَةِ نَبِيِّنا ﷺ بِشارَةً ونِذارَةً؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّهم مِثْلُهُ في ذَلِكَ؛ كَما كانُوا قَبْلَهُ في الوَحْيِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الإرْسالِ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ جَمْعُ الخَلْقِ بِالبِشارَةِ؛ والنِّذارَةِ -: ﴿رُسُلا﴾؛ أيْ: جَعَلْناهم رُسُلًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”رُسُلًا“؛ الماضِي؛ وأنْ يَكُونَ حالًا؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾؛ أيْ: لِيَنْتَفِيَ أنْ يُوجَدَ؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: نَوْعُ مَن فِيهِ قُوَّةُ النَّوْسِ. (p-٥١٣)ولَمّا كانَتِ الحُجَّةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العُذْرِ؛ ولَوْ كانَ مَرْدُودًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾؛ أيْ: واجِبَةُ القَبُولِ عَلى المَلِكِ؛ الَّذِي اخْتُصَّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ في ألّا يُعَذِّبَ عُصاتَهُمْ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ لِجَمِيعِ الزَّمانِ المُتَعَقِّبِ لِلْإرْسالِ؛ أسْقَطَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ﴾؛ أيْ: انْتَفى ذَلِكَ انْتِفاءً مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي يُوجَدُ بَعْدَ إرْسالِ ﴿الرُّسُلِ﴾؛ وتَبْلِيغِهِمْ لِلنّاسِ؛ وذَلِكَ عَلى أنَّ وُجُوبَ مَعْرِفَتِهِ (تَعالى) إنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ؛ وأمّا نَفْسُ المَعْرِفَةِ؛ والنَّظَرِ؛ والتَّوْحِيدِ؛ فَطَرِيقُها العَقْلُ؛ فالمَعْرِفَةُ مُتَلَقّاةٌ مِنَ العَقْلِ؛ والوُجُوبُ مُتَلَقًّى مِنَ الشَّرْعِ؛ والنَّقْلِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ رُبَّما امْتَنَعَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - أخْذٌ؛ بِحُجَّةٍ أوْ غَيْرِها؛ قالَ - مُزِيلًا لِذَلِكَ -: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ما طَلَبُوهُ؛ ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ اللَّجاجِ؛ وهم غَيْرُ مُعْجِزِينَ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَواضِعِها؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَ أُمُورًا لا يَكُونُ مَعَها لِأحَدٍ حُجَّةٌ؛ ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ لا يُجِيبُ المُتَعَنِّتَ.
النساء 4:166
(p-٥١٤)ولَمّا لَمْ يُبْقِ - سُبْحانَهُ - لَهم شُبْهَةً؛ واسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ أشارَ (تَعالى) إلى ما تَقْدِيرُهُ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ لَكَ عِنْدَ اتِّضاحِ الأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿لَكِنِ﴾؛ أيْ: ومَعَ ما قامَ مِنَ البَراهِينِ عَلى صِدْقِكَ؛ وكَوْنِ كِتابِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ فَهم لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ؛ لَكِنْ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ فَلا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿يَشْهَدُ﴾؛ أيْ: لَكَ؛ ﴿بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِن هَذا الكِتابِ المُعْجِزِ؛ الَّذِي قَدْ أخْرَسَ الفُصَحاءَ؛ وأبْكَمَ البُلَغاءَ؛ وفِيهِ هَذِهِ الأحْكامُ الصّادِقَةُ لِما عِنْدَهُمْ؛ وهم يُرِيدُونَ الإضْلالَ عَنْها؛ فَشَهادَتُهُ بِبَلاغَتِهِ؛ وحِكْمَتِهِ بِصِدْقِ الآتِي بِهِ؛ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ قائِلُهُ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾؛ أيْ: عالِمًا بِإنْزالِهِ عَلى الوَجْهِ المُعْجِزِ؛ مَعَ كَثْرَةِ المُعارِضِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ؛ ولا يَقْدِرُ؛ عَلى إحْداثِ شَيْءٍ فِيهِ مِن تَغْيِيرٍ؛ ولا تَبْدِيلٍ؛ ولا زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ؛ ولا مُعارَضَةٍ؛ ﴿والمَلائِكَةُ﴾؛ أيْضًا؛ ﴿يَشْهَدُونَ﴾؛ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا حُضُورًا لِإنْزالِهِ؛ وأُمَناءَ عَلى مَن كانَ مِنهم عَلى يَدِهِ لِيُبْلِغَهُ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]؛ وهَذا خِطابٌ لِلْعِبادِ؛ عَلى حَسَبِ ما يَعْرِفُونَ. (p-٥١٥)ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ نَقْصًا؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: وكَفى بِشَهادَتِهِ في ذَلِكَ شَهادَةً عَنْ شَهادَةِ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ أنْزَلَهُ - سُبْحانَهُ - شاهِدًا بِشَهادَتِهِ؛ ناطِقًا بِها؛ لِإعْجازِهِ بِنَظْمِهِ؛ وبِما فِيهِ مِن عِلْمِهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والأحْكامِ؛ ومُوافَقَةِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ؛ فَشَهادَتُهُ بِذَلِكَ هي شَهادَةُ اللَّهِ؛ وهي لَعَمْرِي لا تَحْتاجُ إلى شَهادَةِ أحَدٍ غَيْرِهِ.
النساء 4:167
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أقامَ الأدِلَّةَ عَلى صِحَّتِهِ بِالمُعْجِزاتِ؛ فَصارَ كَأنَّهُ شَهِدَ بِحَقِيقَتِهِ؛ كانَ أنْفَعُ الأشْياءِ إتْباعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ مَن جَحَدَهُ في نَفْسِهِ؛ وصَدَّ عَنْهُ غَيْرَهُ؛ زَجْرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ؛ وتَقْبِيحًا لِما أبْدى مِن ضَلالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِصِدْقِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن شاهِدِ العَقْلِ؛ وقاطِعِ النَّقْلِ؛ مِنَ اليَهُودِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ بِأنْفُسِهِمْ؛ وبِإضْلالِ غَيْرِهِمْ بِما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ مِن مِثْلِ هَذِهِ؛ وقَوْلِهِمْ - كَذِبًا -: إنَّ في التَّوْراةِ أنَّ شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تُنْسَخُ؛ وقَوْلِهِمْ: إنَّ الأنْبِياءَ لا يَكُونُونَ إلّا مِن أبْناءِ هارُونَ؛ وداوُدَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾؛ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى مَقْصُودِهِمْ؛ في حَسَدِهِ؛ ومَنعِ (p-٥١٦)ما يُرادُ مِن إعْلائِهِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ أيْ: لِأنَّ أشَدَّ النّاسِ ضَلالًا مُبْطِلٌ يَعْتَقِدُ أنَّهُ مُحِقٌّ؛ ثُمَّ يَحْمِلُ غَيْرَهُ عَلى مِثْلِ باطِلِهِ؛ فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُرْجى لَهُمُ الرُّجُوعُ إلى الطَّرِيقِ النّافِعِ؛ لا سِيَّما إنْ ضُمَّ إلى ذَلِكَ الحَسَدُ؛ لِأنَّ داءَ الحَسَدِ أدْوَأُ داءٍ؛
النساء 4:168
ثُمَّ عَلَّلَ إغْراقَهم في الضَّلالِ بِإضْلالِهِ لَهُمْ؛ لِتَمادِيهِمْ فِيما تَدْعُو إلَيْهِ نَقِيصَةُ النَّفْسِ مِنَ الظُّلْمِ؛ بِقَوْلِهِ - وعِيدًا لَهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما عِنْدَهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ﴿وظَلَمُوا﴾؛ أيْ: فَعَلُوا لِحَسَدِهِمْ فِعْلَ الماشِي في الظَّلامِ؛ بِإعْراضِهِمْ وإضْلالِهِمْ غَيْرَهُمْ؛ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ ﴿لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِظُلْمِهِمْ؛ ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾؛ أيْ: لِتَضْيِيعِهِمْ ما آتاهم مِن نُورِ العَقْلِ؛ ومُنابَذَتِهِمْ؛
النساء 4:169
ثُمَّ تَهَكَّمَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: بِما تَجَهَّمُوا مَن ظَلَمُوهُ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنَّهُ يُسْكِنُهم إيّاها؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أيْ: لِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ - مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ - أمْرًا عَجِيبًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ مِن كُفْرِهِمْ؛ وضَلالِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
النساء 4:170
ولَمّا وضَحَ بِالحِجاجِ مَعَهُمُ الحَقُّ؛ واسْتَبانَ بِمَحْوِ شَبَهِهِمْ كُلِّها مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ الرُّشْدُ؛ وأوْضَحَ فَسادَ طُرُقِهِمْ؛ وأبْلَغَ في وعِيدِهِمْ؛ أنْتَجَ (p-٥١٧)ذَلِكَ صِدْقَ الرَّسُولِ؛ وحَقِيقَةَ ما يَقُولُ: فَأذْعَنَتِ النُّفُوسُ؛ فَكانَ أنْسَبُ الأشْياءِ أنْ عَمَّمَ - سُبْحانَهُ - في الخِطابِ؛ لِما وجَبَ مِنَ إتْباعِهِ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ عِنْدَ بَيانِ السَّبِيلِ؛ ونُهُوضِ الدَّلِيلِ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ الَّذِي كانَ يَنْتَظِرُهُ أهْلُ الكِتابِ لِرَفْعِ الِارْتِيابِ؛ مُلْتَبِسًا ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ وسَتَنْظُرُونَ الوَقائِعَ فَتُطَبِّقُونَها عَلى ما سَبَقَ مِنَ الأخْبارِ؛ كائِنًا ذَلِكَ الحَقُّ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكُمْ؛ فَإنِ اتَّبَعْتُمْ رَسُولَهُ قَبِلْتُمْ إحْسانَهُ؛ فَتَمَّتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكُمْ؛ ولِهَذا سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ تَوَعُّدًا لَهم -: ”إنْ تُؤْمِنُوا يَكُنِ الإيمانُ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: تَسْتَمِرُّوا عَلى كُفْرانِكُمْ؛ أوْ تُجَدِّدُوا كُفْرًا؛ يَكُنِ الكُفْرانُ شَرًّا لَكُمْ؛ أيْ: خاصًّا ذَلِكَ الشَّرُّ بِكُمْ؛ ولا يَضُرُّهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ؛ ولا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ كَما أنَّ الإيمانَ لَمْ يَنْفَعْهُ شَيْئًا؛ ولا زادَ في مُلْكِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقَ؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الكامِلَ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَإنَّهُ مِن إقامَةِ العِلَّةِ مَقامَ المَعْلُولِ؛ ولَمْ يُؤَكِّدْ بِتَكْرِيرِ ”ما“؛ وإنْ كانَ الخِطابُ مَعَ المُضْطَرِبِينَ؛ لِأنَّ (p-٥١٨)قِيامَ الأدِلَّةِ أوْصَلَ إلى حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ؛ بِشَهادَةِ اللَّهِ؛ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ فَصارَ المَدْلُولُ بِهِ كالمَحْسُوسِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ؛ ولَهُ عَبِيدٌ غَيْرُكم لا يَعْصُونَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِإسْقاطِ ما أرادَ مِنَ السَّماءِ؛ وخَسْفِ ما أرادَ مِنَ الأرْضِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ“؛ وكانَ تَنْعِيمُ المُؤالِفِ؛ وتَعْذِيبُ المُخالِفِ؛ وتَلَقِّي النَّصِيحَةِ بِالقَبُولِ دائِرًا عَلى العِلْمِ؛ وعَلى الحِكْمَةِ؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ قالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الِاخْتِصاصُ التّامُّ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ أزَلًا؛ وأبَدًا؛ مَعَ أنَّ لَهُ جَمِيعَ المُلْكِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَلا يَسَعُ ذا لُبٍّ أنْ يَعْدِلَ عَمّا أخْبَرَ بِهِ؛ مِن أنَّ أمْرَ هَذا الرَّسُولِ حَقٌّ؛ إذْ هو لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إلّا عَنْ تَمامِ العِلْمِ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ عاصٍ؛ ولا مُطِيعٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَلا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُضَيِّعَ شَيْئًا مِن أوامِرِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَضَعْها إلّا عَلى كَمالِ الأحْكامِ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُحِلَّ بِمُخالِفِهِ أيَّ انْتِقامٍ؛ ويُثِيبَ مَن أطاعَهُ بِكُلِّ إنْعامٍ.
النساء 4:171
ولَمّا اقْتَضى السِّياقُ الأكْمَلُ فِيما سَبَقَ إتْمامَ أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - (p-٥١٩)إذْ كانَ الكَلامُ في بَيانِ عَظِيمِ جُرْأتِهِمْ وجَفائِهِمْ؛ وكانَ ما فَعَلُوا مَعَهُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ؛ وكانَ كُلٌّ مِن أعْدائِهِ؛ وأحْبابِهِ؛ قَدْ ضَلَّ في أمْرِهِ؛ وغَلا في شَأْنِهِ اليَهُودُ بِخَفْضِهِ؛ والنَّصارى بِرَفْعِهِ؛ اقْتَضى قانُونُ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ المُشارِ إلَيْهِما بِخِتامِ الآيَةِ السّالِفَةِ؛ بَيانَ ما هو الحَقُّ مِن شَأْنِهِ؛ ودُعاءَ الفَرِيقَيْنِ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تُفَرِّطُوا في أمْرِهِ؛ فَتُجاوِزُوا بِسَبَبِهِ حُدُودَ الشَّرْعِ؛ وقَوانِينَ العَقْلِ؛ ﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ شَيْئًا مِنَ القَوْلِ؛ ﴿إلا الحَقَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ فَمَن قالَ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ؛ فَقَدْ أغْرَقَ في الباطِلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ ما وقَفَتْ أُمُّهُ لِلدَّوامِ عَلى الطّاعاتِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلَيْها عَجائِبُ الكَراماتِ؛ ولا تَكَلَّمَ هو في المَهْدِ؛ ولا ظَهَرَتْ عَلى لِسانِهِ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ؛ ولا قَدَرَ عَلى إحْياءِ المَوْتى؛ وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) العَلِيمَ الحَكِيمَ أظْهَرَ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِ مَن لا يُحِبُّهُ؛ وذَلِكَ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ؛ فَهو كَذِبٌ عَلى اللَّهِ؛ بَعِيدٌ عَنْ تَنْزِيهِهِ؛ ومَن قالَ: إنَّهُ اللَّهُ؛ أوِ ابْنُ اللَّهِ؛ فَهو أبْطَلُ وأبْطَلُ؛ فَإنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما كانَ حادِثًا؛ ولَما احْتاجَ إلى الطَّعامِ؛ والشَّرابِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُما؛ ولا قَدِرَ أحَدٌ عَلى أذاهُ؛ ولَثَبَتَتِ الحاجَةُ إلى الصّاحِبَةِ لِلْإلَهِ؛ فَلَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ؛ وذَلِكَ أبْطَلُ الباطِلِ.
ولَمّا ادَّعى اليَهُودُ أنَّهُ غَيْرُ رَسُولٍ؛ والنَّصارى أنَّهُ إلَهٌ؛ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما المَسِيحُ﴾؛ أيْ: المُبارَكُ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنَّ يَمْسَحَهُ الإمامُ (p-٥٢٠)بِدُهْنِ القُدْسِ؛ لِما فِيهِ مِن صَلاحِيَةِ الإمامَةِ؛ وهو أهْلٌ أيْضًا لِأنْ يَمْسَحَ النّاسَ ويُطَهِّرَهُمْ؛ لِما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ؛ ولَمّا ابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِوَصْفِهِ الأشْهَرِ؛ وكانَ قَدْ يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِيسى﴾؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ اتَّصَلَ بِها اتِّصالَ الأوْلادِ بِأُمَّهاتِهِمْ؛ لا يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِلْبُنُوَّةِ إلى غَيْرِها؛ ولَيْسَ هو اللَّهَ؛ ولا ابْنَ اللَّهِ - كَما زَعَمَ النَّصارى - ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾؛ لا أنَّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ - كَما كَذَبَ اليَهُودُ.
ولَمّا كانَ تَكَوُّنُهُ بِكَلِمَةِ اللَّهِ؛ مِن غَيْرِ واسِطَةِ ذَكَرٍ؛ جُعِلَ نَفْسَ الكَلِمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وكَلِمَتُهُ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ بِها مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ عَنْ أبٍ؛ بَلْ كَوْنًا خارِقًا لِلْعَوائِدِ؛ ﴿ألْقاها﴾؛ أيْ: أوْصَلَها عَلى عُلُوِّ أمْرِهِ؛ وعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ إيصالًا سَرِيعًا؛ ﴿إلى مَرْيَمَ﴾؛ وحَصَّلَها فِيها؛ وزادَهُ تَشْرِيفًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ورُوحٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٌ؛ نَفَخَها؛ فِيما تَكَوَّنَ في مَرْيَمَ مِنَ الجَسَدِ الَّذِي قامَ بِالكَلِمَةِ؛ لا بِمادَّةٍ مِن ذَكَرٍ؛ والرُّوحُ هو النَّفْخُ؛ في لِسانِ العَرَبِ؛ وهو كالرِّيحِ؛ إلّا أنَّهُ أقْوى؛ بِما لَهُ مِنَ الواوِ؛ والحَرَكَةِ المُجانِسَةِ لَها؛ ولِغَلَبَةِ الرُّوحِ عَلَيْهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى؛ إذا أرادَ؛ وأكْمَلَ شَرَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ جِبْرائِيلُ هو النّافِخَ؛ وإذا وُصِفَ شَيْءٌ بِغايَةِ الطِّهارَةِ قِيلَ: ”رُوحٌ“؛ لا سِيَّما إنْ كانَ بِهِ حَياةٌ في دِينٍ؛ أوْ بَدَنٍ. (p-٥٢١)ولَمّا أفْصَحَ بِهَذا الحَقِّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ أيْ: عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وغَيْرِهِ عامَّةً؛ مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ؛ ولا تُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ؛ ولا تَكْفُرُوا بِبَعْضٍ؛ فَإنَّ ذَلِكَ حَقًّا هو الكُفْرُ الكامِلُ - كَما مَرَّ.
ولَمّا أمَرَهم بِإثْباتِ الحَقِّ؛ نَهاهم عَنِ التَّلَبُّسِ بِالباطِلِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ أيْ: في أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ﴿ثَلاثَةٌ﴾؛ أيْ: اسْتَمِرُّوا أيُّها اليَهُودُ عَلى التَّكْذِيبِ بِما يَقُولُ فِيهِ النَّصارى؛ ولا تَقُولُوا: إنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِن أبٍ وأُمٍّ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ - المُقْتَضِي لِلتَّثْلِيثِ؛ وارْجِعُوا أيُّها النَّصارى عَنِ التَّثْلِيثِ الَّذِي تُرِيدُونَ بِهِ أنَّ الإلَهَ بِثَلاثَةٍ؛ وإنْ ضَمَمْتُمْ إلَيْهِ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ بَدِيهِيُّ البُطْلانِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ نَهى كُلًّا عَنِ التَّثْلِيثِ؛ وإنْ كانَ المَرادانِ بِهِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ وإنَّما العَدْلُ فِيهِ أنَّهُ ابْنُ مَرْيَمَ؛ فَهُما اثْنانِ لا غَيْرُ؛ وهو عَبْدُ اللَّهِ؛ ورَسُولُهُ؛ وكَلِمَتُهُ؛ ورُوحٌ مِنهُ.
ولَمّا نَهاهم عَنْ ذَلِكَ بِصِيغَةِ النَّهْيِ؛ صَرَّحَ بِهِ في مادَّتِهِ؛ مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿انْتَهُوا﴾؛ أيْ: عَنِ التَّثْلِيثِ الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلى اللَّهِ بِسَبَبِهِ؛ وعَنْ كُلِّ كُفْرٍ؛ وقَدْ أرْشَدَ سِياقُ التَّهْدِيدِ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”إنْ تَنْتَهُوا يَكُنْ الِانْتِهاءُ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾“.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ هو اللَّهَ؛ كَما تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ؛ حَصَرَ القَوْلَ فِيهِ - سُبْحانَهُ - في ضِدِّ ذَلِكَ؛ كَما فَعَلَ في عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: (p-٥٢٢)﴿إنَّما اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ولَمّا كانَ النِّزاعُ إنَّما هو في الوَحْدانِيَّةِ؛ مِن حَيْثُ الإلَهِيَّةُ؛ لا مِن حَيْثُ الذّاتُ؛ قالَ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا تَعَدُّدَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ المَقامُ عَظِيمًا؛ زادَ في تَقْدِيرِهِ؛ فَنَزَّهَهُ عَمّا قالُوهُ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ؛ وبَعُدَ بُعْدًا عَظِيمًا؛ وعَلا عُلُوًّا كَبِيرًا؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ؛ ﴿يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: كَما قُلْتُمْ أيُّها النَّصارى؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الحاجَةَ؛ ويَقْتَضِي التَّرْكِيبَ والمُجانَسَةَ؛ فَلا يَكُونُ واحِدًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ لَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ وأكَّدَ لِأنَّ المَقامَ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: خَلْقًا؛ ومِلْكًا؛ ومُلْكًا؛ فَلا يُتَصَوَّرُ أنْ يَحْتاجَ إلى شَيْءٍ مِنهُما؛ ولا إلى شَيْءٍ مُتَحَيِّزٍ فِيهِما؛ ولا يَصِحُّ بِوَجْهٍ أنْ يَكُونَ بَعْضُ ما يَمْلِكُهُ المالِكُ جُزْءًا مِنهُ؛ ووَلَدًا لَهُ؛ وعِيسى وأُمُّهُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن ذَلِكَ؛ وكُلٌّ مِنهُما مُحْتاجٌ إلى ما في الوُجُودِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ الَّذِي دَبَّرَهُما وما فِيهِما؛ لِأنَّ الأرْضَ في السَّماءِ؛ وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها؛ والسّابِعَةُ في الكُرْسِيِّ؛ والكُرْسِيُّ في العَرْشِ؛ وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ؛ لا نِزاعَ في ذَلِكَ؛ وذَلِكَ هو وظِيفَةُ الوَكِيلِ (p-٥٢٣)بِالحَقِيقَةِ؛ لِيَكْفِيَ مَن وكَّلَهُ كُلَّ ما يُهِمُّهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الوَكِيلُ فِيهِما؛ وفي كُلِّ ما فِيهِما؛ في تَدْبِيرِ مَصالِحِكُمْ؛ فَبَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿وكِيلا﴾؛ أيْ: يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ولا يَحْتاجُ هو إلى شَيْءٍ؛ وإلّا لَمّا كانَ كافِيًا.
النساء 4:172
ولَمّا كانَ الوَكِيلُ مَن يَقُومُ مَقامَ المُوَكِّلِ؛ ويَفْعَلُ ما يَعْجِزُ عَنْهُ المُوَكِّلُ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ؛ وكانَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا يَدَّعِي القُدْرَةَ عَلى شَيْءٍ إلّا بِاللَّهِ؛ وكانَ يَحْتاجُ إلى النَّوْمِ؛ وإلى الأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ وإلى ما يَسْتَلْزِمانِهِ؛ صَحَّ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ - دالًّا عَلى ذَلِكَ -: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبَ ويُرِيدَ أنْ يَمْتَنِعَ؛ ويَأْبى؛ ويَسْتَحْيِيَ؛ ويَأْنَفَ؛ ويَسْتَكْبِرَ؛ ﴿المَسِيحُ﴾؛ أيْ: الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ الإلَهِيَّةَ؛ وأنِفُوا لَهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ خُلِقَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ؛ ولِكَوْنِهِ أيْضًا يُخْبِرُ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ؛ ويُحْيِي بَعْضَ الأمْواتِ؛ ويَأْتِي بِخَوارِقِ العاداتِ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: مِن أنْ؛ ﴿يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ؛ فَإنَّهُ مِن جِنْسِ البَشَرِ في الجُمْلَةِ؛ وإنْ كانَ خَلْقُهُ خارِقًا لِعادَةِ البَشَرِ؛ ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أعْجَبُ خَلْقًا مِنهُ؛ في كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى؛ (p-٥٢٤)ولا ما يُجانِسُ عُنْصُرَ البَشَرِ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ أعْجَبَ خَلْقًا مِن آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أيْضًا؛ وهم لا يَسْتَنْكِفُونَ بِذَلِكَ عَنْ أنْ يَكُونُوا عِبادَ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْرِيبُ مُقْتَضِيًا في الأغْلَبِ لِلِاسْتِحْقاقِ؛ وكانَ صِفَةً عامَّةً لِلْمَلائِكَةِ؛ قالَ: ﴿المُقَرَّبُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم في حَضْرَةِ القُدْسِ؛ فَهم أجْدَرُ بِعِلْمِ المُغَيَّباتِ؛ وإظْهارِ الكَراماتِ؛ وجِبْرائِيلُ الَّذِي هو أحَدُهم كانَ سَبَبًا في حَياةِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَدِ ادَّعى بَعْضُ النّاسِ فِيهِمُ الإلَهِيَّةَ أيْضًا؛ وبِهَذا طاحَ اسْتِدْلالُ المُعْتَزِلَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلَكِ عَلى البَشَرِ؛ بِأنَّ العادَةَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى بَعْدَ تَسْلِيمِ مُدَعّاهُمْ؛ لَكِنْ في الخَلْقِ لا في المَخْلُوقِ.
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ خُلَّصِ عِبادِهِ بِالتَّشَرُّفِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ أخْبَرَ عَمَّنْ يَأْبى ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُهَدِّدًا؛ مُحَذِّرًا؛ مُوعِدًا -: ﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ﴾؛ أيْ: مِنَ المَوْجُوداتِ كُلِّهِمْ؛ ﴿عَنْ عِبادَتِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِنْكافُ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنى مُجَرَّدِ الِامْتِناعِ؛ لا كِبْرًا؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِلْمُرادِ مِن مَعْناهُ هُنا -: ﴿ويَسْتَكْبِرْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ الكِبْرَ عَنْ ذَلِكَ؛ ويُوجِدْهُ؛ لِأنَّ مُجَرَّدَ الِامْتِناعِ لا يَسْتَلْزِمُهُ؛ ولَمّا كانَ الحَشْرُ عامًّا لِلْمُسْتَكْبِرِ وغَيْرِهِ؛ كانَ الضَّمِيرُ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾؛ عائِدًا عَلى العِبادِ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ بِـ ”عَبْدًا“؛ و”عِبادَتِهِ“؛ ولا يُسْتَحْسَنُ عَوْدُهُ عَلى ”مَن“؛ لِأنَّ التَّفْصِيلَ يَأْباهُ؛ والتَّقْدِيرَ حِينَئِذٍ: ”فَسَيُذِلُّهُمْ؛ لِأنَّهُ سَيَحْشُرُ العِبادَ (p-٥٢٥)﴿إلَيْهِ جَمِيعًا﴾“؛ أيْ: المُسْتَكْبِرِينَ وغَيْرَهُمْ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ لِأنَّ الكُلَّ يَمُوتُونَ؛ ومَن ماتَ كانَ مَخْلُوقًا مُحْدَثًا قَطْعًا؛ ومَن كانَ مَقْدُورًا عَلى ابْتِدائِهِ وإفْنائِهِ؛ كانَتِ القُدْرَةُ عَلى إعادَتِهِ أوْلى؛ و”الحَشْرُ“: الجَمْعُ بِكُرْهٍ.
النساء 4:173
ولَمّا عَمَّ بِالحَشْرِ المُسْتَكْبِرِينَ؛ وغَيْرَهُمْ؛ جاءَ التَّفْصِيلُ إلى القِسْمَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أذْعَنُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وخَضَعُوا لَهُ؛ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ تَصْدِيقًا لِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي جَرَتِ العاداتُ بَيْنَكم أنْ يُعْطَوْها؛ وإنْ كانُوا في الحَقِيقَةِ لا يَسْتَحِقُّونَها؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هو الَّذِي وفَّقَهم لَها؛ فَهي فَضْلٌ مِنهُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ويَزِيدُهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما قُضِيَتْ بِهِ العاداتُ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ؛ لِأنَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ؛ ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: طَلَبُوا كُلًّا مِنَ الإباءِ؛ والكِبْرِ؛ ﴿فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا﴾؛ أيْ: بِما وجَدُوا مِن لَذاذَةِ التَّرَفُّعِ؛ والكِبْرِ؛ وآلَمُوا بِذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ؛ ﴿ولا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: حالًا؛ ولا مَآلًا؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا يَصْنَعُ مَعَهم ما يَصْنَعُ القَرِيبُ؛ ﴿ولا نَصِيرًا﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ بَعِيدًا؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ عَمّا قَصَدَهُ المُنافِقُونَ مِن مُوالاةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وأعْظَمُ نافٍ لِما مَنَّوْهم إيّاهُ مِمّا لَهُمْ؛ وزَعَمُوا مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَ اللَّهِ؛ المُقْتَضِيَةِ أنْ يُقَرِّبُوا (p-٥٢٦)مَن شاؤُوا؛ ويُبْعِدُوا مَن شاؤُوا؛ وهو مِن أنْسَبِ الأشْياءِ لِخِتامِ أوَّلِ الآياتِ المُحَذِّرَةِ مِنهُمْ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]
النساء 4:174
ولَمّا أزاحَ شُبَهَ جَمِيعِ المُخالِفِينَ مِن سائِرِ الفِرَقِ: اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُنافِقِينَ؛ وأقامَ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؛ وأقامَ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ عَلى حَشْرِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم كُلُّهم عَبِيدُهُ؛ عَمَّ في الإرْشادِ؛ لُطْفًا مِنهُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم.
ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَكُونَ قَدْ شَرَحَ صَدْرًا بِقَواطِعِ الأدِلَّةِ بِكَلامٍ وجِيزٍ؛ جامِعٍ؛ قالَ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ﴾؛ أيْ: حُجَّةٌ نَيِّرَةٌ؛ واضِحَةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِلْيَقِينِ التّامِّ؛ وهو رَسُولٌ مُؤَيَّدٌ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِإرْسالِ الَّذِي لَمْ تَرَوْا قَطُّ إحْسانًا إلّا مِنهُ.
ولَمّا كانَ القُرْآنْ صِفَةَ الرَّحْمَنِ؛ أتى بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والعِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ عَلى الرَّسُولِ المَوْصُوفِ؛ مُنْتَهِيًا ﴿إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ مُوَضِّحًا لِغَيْرِهِ؛ وهو هَذا القُرْآنُ الجامِعُ بِإعْجازِهِ؛ وحُسْنِ بَيانِهِ؛ بَيْنَ تَحْقِيقِ النَّقْلِ؛ وتَبْصِيرِ العَقْلِ؛ فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنَ المَدْعُوِّينَ بِهِ نَوْعُ عُذْرٍ؛ والحاصِلُ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ عَقْلًا؛ وأسْكَنَهُ نُورًا لا يَضِلُّ؛ ولا يَمِيلُ؛ مَهْما جُرِّدَ؛ (p-٥٢٧)ولَكِنَّهُ - سُبْحانَهُ - حَفَّهُ بِالشَّهَواتِ؛ والحُظُوظِ؛ والمَلَلِ؛ والفُتُورِ؛ فَكانَ في أغْلَبِ أحْوالِهِ قاصِرًا؛ إلّا الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ومَن ألْحَقَهُ - سُبْحانَهُ - بِهِمْ؛ أنْزَلَ كُتُبَهُ بِذَلِكَ العَقْلِ مُجَرَّدًا عَنْ كُلِّ عائِقٍ؛ وأمَرَهم أنْ يَجْعَلُوا عُقُولَهم تابِعَةً لَهُ؛ مُنْقادَةً بِهِ؛ لِأنَّها مَشُوبَةٌ؛ وهو مُجَرَّدٌ؛ لا شَوْبَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
النساء 4:175
ولَمّا أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الرَّسُولِ الأصْفى؛ والنَّبِيِّ الأهْدى؛ المَجْبُولِ عَلى هَذا العَقْلِ الأقْوَمِ الأجْلى؛ والكِتابِ الأتَمِّ الأوْفى؛ الجارِي عَلى هَذا القانُونِ الأعْلى؛ الوافِي تَعْبِيرُهُ؛ الوَجِيزِ بِأحْكامِ الأُولى والأُخْرى؛ الكَفِيلِ سِياقُهُ وتَرْتِيبُ آياتِهِ بِوُضُوحِ الأدِلَّةِ؛ وظُهُورِ الحُجَجِ؛ أخَذَ يُقَسِّمُ المُنْذَرِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّضَحَ أنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ في ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ وأسْمائِهِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قاطِعُ البُرْهانِ؛ ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جَعَلُوهُ عِصامًا لَهم في الفَرائِضِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ يَرْبِطُهُمْ؛ ويَضْبِطُهم عَنْ أنْ يَضِلُّوا بَعْدَ الهُدى؛ ويَرْجِعُوا مِنَ الِاسْتِبْصارِ إلى العَمى؛ لِأنَّ العِصامَ هو الرّابِطُ لِلْوِعاءِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ مِمّا فِيهِ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعال تَدُلُّ عَلى الِاجْتِهادِ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ النَّفْسَ داعِيَةٌ إلى الإهْمالِ؛ المُنْتِجِ لِلضَّلالِ؛ ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ولَعَلَّ السِّينَ ذُكِرَتْ لِتُفِيدَ (p-٥٢٨)- مَعَ تَحْقِيقِ الوَعْدِ - الحَثَّ عَلى المُثابَرَةِ؛ والمُداوَمَةَ؛ عَلى العَمَلِ؛ إشارَةً إلى عِزَّةِ ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ﴾؛ أيْ: ثَوابٍ عَظِيمٍ؛ هو بِرَحْمَتِهِ لَهُمْ؛ لا بِشَيْءٍ اسْتَوْجَبُوهُ؛ وأشارَ إلى البِرِّ؛ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ؛ لَوْ كانَتْ لَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ يَعْلَمُونَ أنَّهُ زِيادَةٌ؛ لا سَبَبَ لَهم فِيها؛ ﴿ويَهْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿إلَيْهِ صِراطًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ واضِحًا جِدًّا؛ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾؛ أيْ: هو مُرْشِدُ قَوْمِهِ؛ كَأنَّهُ طالِبٌ لِتَقْوِيمِ نَفْسِهِ؛ فَهو يُوصِلُهُمْ؛ لا مَحالَةَ؛ إلى وعْدِهِ بِما يَحْفَظُهم في سِرِّهِمْ وعَلَنِهِمْ؛ يَسْتَجْلِي أنْوارَ عالَمِ القُدْسِ في أرْواحِهِمْ؛ وتَوْفِيقِهِمْ لِاتِّباعِ ما هَدَتْ إلَيْهِ مِن أمْرِ الفَرائِضِ؛ وغَيْرِها؛ فَقَدْ أتى - كَما تَرى – بِـ ”أمّا“؛ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّقْسِيمِ؛ لا مَحالَةَ؛ وأتى بِأحَدِ القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ ووَصَفَهم بِالِاعْتِصامِ بِاللَّهِ؛ في النُّصْرَةِ؛ وقَبُولِ جَمِيعِ أحْكامِهِ؛ في الفَرائِضِ وغَيْرِها؛ وافَقَتْ أهَوِيَتَهم أوْ خالَفَتْها؛ تَعْرِيضًا بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ والَوْا غَيْرَهُمْ؛ وبِالكافِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وتَرَكَ القِسْمَ الآخَرَ؛ وهو قِسْمُ المُسْتَنْكِفِينَ؛ والمُسْتَكْبِرِينَ؛ ووَضَعَ مَوْضِعَهُ حُكْمًا مِن أحْكامِ الفَرائِضِ المُفْتَتَحِ بِها السُّورَةُ؛ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِها مِن غَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ بَلْ بِكَمالِ الِاتِّصالِ؛ فَقالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَكْرِيرَ السُّؤالِ (p-٥٢٩)عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ بَعْدَ شافِي المَقالِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ قَدْ هَدى في ذَلِكَ كُلِّهِ أقْوَمَ طَرِيقٍ -:
النساء 4:176
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾؛ أيْ: يَسْألُونَكَ أنْ تُفْتِيَهُمْ؛ أيْ: أنْ تُبَيِّنَ لَهم بِما عِنْدَكَ مِنَ الكَرَمِ؛ والجُودِ؛ والسَّخاءِ؛ ما انْغَلَقَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ؛ وانْبَهَمَ لَدَيْهِمْ سِرُّهُ؛ مِن حُكْمِ الكَلالَةِ؛ ولِلِاعْتِناءِ بِأمْرِ المَوارِيثِ؛ قالَ - إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ لَمْ يَكِلْ أمْرَها إلى غَيْرِهِ -: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وهو مَن لا ولَدَ لَهُ؛ ولا والِدَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ ”بَراءَةٌ“؛ وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ: اخْتَلَفَ أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في الكَلالَةِ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو ما عَدا الوالِدَ؛ وقالَ عُمَرُ: ما عَدا الوالِدَ والوَلَدَ؛ ثُمَّ قالَ عُمَرُ: إنِّي لَأسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ أيْ: وهو مَوْصُوفٌ بِأنَّهُ؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ذَكَرًا؛ أوْ أُنْثى؛ عِنْدَ إرْثِ النِّصْفِ؛ ولَيْسَ لَهُ أيْضًا والِدٌ؛ فَإنْ كانَ لَهُ أحَدُهُما لَمْ يُسَمَّ ”كَلالَةً“؛ وقَدْ بَيَّنَتْ ذَلِكَ السُّنَّةُ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ولَيْسا بِأوَّلِ حُكْمَيْنِ بُيِّنَ أحَدُهُما بِالكِتابِ؛ والآخَرُ بِالسُّنَّةِ؛ وهو قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «”ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها؛ فَما بَقِيَ فَلِأوْلى عُصْبَةٍ ذَكَرٍ؛ والأبُ أوْلى مِنَ الأخِ“؛» (p-٥٣٠)و؛ الحالُ أنَّهُ؛ لَهُ أُخْتٌ؛ أيْ: واحِدَةٌ؛ مِن أبٍ؛ شَقِيقَةً كانَتْ أوْ لا؛ لِأنَّهُ سَيَأْتِي أنَّ أخاها يَعْصِبُها؛ فَلَوْ كانَ ولَدَ أُمٍّ لَمْ يَعْصِبْ؛ ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وهُوَ﴾؛ أيْ: وهَذا الأخُ المَيِّتُ؛ ﴿يَرِثُها﴾؛ أيْ: إنْ ماتَتْ هي وبَقِيَ هُوَ؛ جَمِيعَ مالِها؛ ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى - كَما مَرَّ في عَكْسِهِ؛ هَذا إنْ أُرِيدَ بِالإرْثِ جَمِيعُ المالِ؛ وإلّا فَهو يَرِثُ مَعَ الأُنْثى؛ كَما أنَّها هي أيْضًا تَرِثُ مَعَ الأُنْثى - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - دُونَ النِّصْفِ.
ولَمّا بَيَّنَ الأمْرَ عِنْدَ الِانْفِرادِ أتْبَعَهُ بَيانَهُ عِنْدَ الِاجْتِماعِ؛ وقَدَّمَ أقَلَّهُ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَتا﴾؛ أيْ: الوارِثَتانِ؛ بِبَيانِ السِّياقِ لَهُما؛ وإرْشادِهِ إلَيْهِما؛ ولَمّا أضْمَرَ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ وكانَ الخَبَرُ صالِحًا لِأنْ يَكُونَ: ”صالِحَتَيْنِ“؛ أوْ: ”صَغِيرَتَيْنِ“؛ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا - مُطْلَقُ العَدَدِ عَلى أيِّ وصْفٍ اتَّفَقَ؛ فَقالَ: ﴿اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأخَواتِ لِلْأبِ؛ شَقِيقَتَيْنِ كانَتا أوْ لا؛ ﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾؛ فَإنْ كانَتْ شَقِيقَتَيْنِ كانَ لِكُلٍّ مِنهُما ثُلُثٌ؛ وإنِ اخْتَلَفَتا كانَ لِلشَّقِيقَةِ النِّصْفُ؛ ولِلَّتِي لِلْأبِ فَقَطِ السُّدُسُ؛ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ.
ولَمّا بَيَّنَ أقَلَّ الِاجْتِماعِ أتْبَعَهُ ما فَوْقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ كانُوا﴾؛ أيْ: (p-٥٣١)الوارِثُ؛ ﴿إخْوَةً﴾؛ أيْ: مُخْتَلِطِينَ؛ ﴿رِجالا ونِساءً فَلِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ وقَدْ أنْهى - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن بَيانِ إرْثِ الإخْوَةِ لِأبٍ؛ فَتَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعُ أحْوالِ ما أرادَ مِنَ الإرْثِ؛ وهو عَلى وجازَتِهِ كَما تَرى - يَحْتَمِلُ مُجَلَّداتٍ؛ واللَّهُ الهادِي؛ ووَضْعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا - كَما تَقَدَّمَ - إشارَةٌ مِنهُ إلى أنَّ مَن أبى تَوْرِيثَ النِّساءِ والصِّغارِ؛ الَّذِي تَكَرَّرَ الِاسْتِفْتاءُ عَنْهُ؛ فَقَدِ اسْتَنْكَفَ عَنْ عِبادَتِهِ؛ واسْتَكْبَرَ؛ وإنْ آمَنَ بِجَمِيعِ ما عَداهُ مِنَ الأحْكامِ؛ ومَنِ اسْتَنْكَفَ عَنْ حُكْمٍ مِنَ الأحْكامِ فَذاكَ هو الكافِرُ حَقًّا؛ كَما أنَّ مَن آمَنَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ؛ وكَفَرَ بِبَعْضٍ؛ فَهو الكافِرُ حَقًّا؛ وهَذا مُرادُ شَياطِينِ أهْلِ الكِتابِ العارِفِينَ بِصِحَّةِ هَذِهِ الأحْكامِ؛ الحاسِدِينَ لَكم عَلَيْها؛ المُرِيدِينَ لِضَلالِكم عَنْها؛ لِتُشارِكُوهم في الشَّقاءِ الَّذِي وقَعَ لَهُمْ؛ لَمّا بَدَّلُوا الأحْكامَ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ آياتِ المِيراثِ؛ وما تَبِعَها مِن أحْوالِ النِّكاحِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ ثُمَّ المُصَرَّحِ بِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥]؛ ولِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي (p-٥٣٢)أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: ولَمْ يَكِلْكم في هَذا البَيانِ إلى بَيانِ غَيْرِهِ؛ وقالَ - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ ﴿تَضِلُّوا واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: فَقَدْ بَيَّنَ لَكم بِعِلْمِهِ ما يُصْلِحُكم بَيانُهُ؛ مَحْيًا ومَماتًا؛ دُنْيا وأُخْرى؛ حَتّى جَعَلَكم عَلى المَحَجَّةِ البَيْضاءِ؛ في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ؛ لا يَزِيغُ عَنْها مِنكم إلّا هالِكٌ؛ والحاصِلُ أنَّ تَأْخِيرَ هَذِهِ الآيَةِ إلى هُنا لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ تَفْرِيقَ القَوْلِ فِيما تَأْباهُ النُّفُوسُ؛ وإلْقاءَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ بِاللُّطْفِ والتَّدْرِيجِ؛ أدْعى لِقَبُولِهِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الفَرائِضِ؛ بِجَعْلِ الكَلامِ فِيها في جَمِيعِ السُّورَةِ؛ أوَّلِها؛ وأثْنائِها؛ وآخِرِها؛ والتَّخْوِيفِ مِن أنْ يَكُونَ حالُهم كَحالِ المُنافِقِينَ في إضْلالِ أهْلِ الكِتابِ لَهُمْ؛ بِإلْقاءِ الشُّبْهَةِ؛ وأخْذِهِمْ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي تَهْواهُ نُفُوسُهُمْ؛ ومَضَتْ عَلَيْهِ أوائِلُهُمْ؛ وأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ؛ والتَّرْهِيبِ مِن أنْ يَكُونُوا مِثْلَهم في الإيمانِ بِبَعْضٍ؛ والكُفْرِ بِبَعْضٍ؛ فَيُؤَدِّيهِمْ ذَلِكَ إلى إكْمالِ الكُفْرِ؛ لِأنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ؛ بَلْ مَن كَفَرَ بِشَيْءٍ مِنهُ كَفَرَ بِهِ جَمِيعِهِ؛ ومِن هُنا ظَهَرَتْ مُناسَبَةُ آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ لِأوَّلِها؛ لِأنَّ أوَّلَها مُشِيرٌ إلى أنَّ النّاسَ كُلَّهم كَشَيْءٍ واحِدٍ؛ وذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ الفَرْقِ بَيْنَهُمْ؛ إلّا فِيما شَرَعَهُ اللَّهُ؛ وآخِرُها مُشِيرٌ إلى ذَلِكَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ النِّساءِ؛ (p-٥٣٣)والرِّجالِ؛ في مُطْلَقِ التَّوْرِيثِ؛ بِقُرْبِ الأرْحامِ؛ وإنِ اخْتَلَفَتِ الأنْصِباءُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها؛ وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً؛ وسَوّى بَيْنَهم فِيما أرادَ مِنَ الأحْكامِ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَكْبَرَ - ولَوْ عَنْ حُكْمٍ مِن أحْكامِهِ - فَسَيُجازِيهِ يَوْمَ الحَشْرِ؛ ولا يَجِدُ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ناصِرًا؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن حالِهِ“؛ وما أشَدَّ مُناسَبَةَ خِتامِها بِإحاطَةِ العِلْمِ؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُها؛ مِن تَمامِ القُدْرَةِ! فَكانَ آخِرُها دَلِيلًا عَلى أوَّلِها؛ لِأنَّ تَمامَ العِلْمِ مُسْتَلْزِمٌ لِشُمُولِ القُدْرَةِ؛ قالَ الإمامُ: وهَذانِ الوَصْفانِ هُما اللَّذانِ بِهِما ثَبَتَتِ الرُّبُوبِيَّةُ؛ والإلَهِيَّةُ؛ والجَلالُ؛ والعِزَّةُ؛ وبِهِما يَجِبُ عَلى العَبْدِ أنْ يَكُونَ مُطِيعًا لِلْأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ مُنْقادًا لِكُلِّ التَّكالِيفِ؛ انْتَهى؛ ولِخِتامِ أوَّلِ آيَةٍ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]؛ أيْ: وهو بِكُلِّ شَيْءٍ مِن أحْوالِكُمْ؛ وغَيْرِها؛ عَلِيمٌ؛ فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وإنْ دَقَّ؛ فَلْيَشْتَدَّ حَذَرُكم مِنهُ؛ ومُراقَبَتُكم لَهُ؛ وذَلِكَ أشَدُّ شَيْءٍ مُناسَبَةً لِأوَّلِ ”المائِدَةِ“؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ بِالصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ؛ والمَآبُ.