Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — آل عمران 3:112 – النساء 4:69
المحتويات
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
آل عمران 3:112
ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا الذُّلِّ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهُ في كُلِّ زَمانٍ؛ وكُلِّ مَكانِ؛ مُعامَلَةً مِنهُ لَهم بِضِدِّ ما أرادُوا؛ فَعَوَّضَهم عَنِ الحِرْصِ عَلى الرِّئاسَةِ إلْزامَهُمُ الذِّلَّةَ؛ وعَنِ الإخْلادِ إلى المالِ إسْكانَهُمُ المُسَكَنَةَ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ لَهم طَوْقُ الحَمامَةِ؛ غَيْرُ مُزائِلِهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ باقٍ في أعْقابِهِمْ بِأفْعالِهِمْ هَذِهِ الَّتِي لَمْ يُنابِذْهم فِيها الأعْقابُ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى – مُسْتَأْنِفًا -: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾؛ وهي الِانْقِيادُ كُرْهًا؛ وأحاطَتْ بِهِمْ كَما يُحِيطُ البَيْتُ المَضْرُوبُ بِساكِنِهِ؛ ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]؛ أيْ (p-٢٩)وجَدَهم مَن هو حاذِقٌ؛ خَفِيفٌ؛ فَطِنٌ؛ في كُلِّ مَكانٍ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ؛ ﴿إلا﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ مُعْتَصِمِينَ؛ ﴿بِحَبْلٍ﴾؛ أيْ: عَهْدٍ وثِيقٍ مُسَبِّبٍ لِلْأمانِ؛ وهو عَهْدُ الجِزْيَةِ؛ وما شاكَلَهُ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: قاطِبَةً: الَّذِينَ آمَنُوا وغَيْرِهِمْ؛ مُوافِقٍ لِذَلِكَ الحَبْلِ الَّذِي مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ الذُّلُّ رُبَّما كانَ مَعَ الرِّضا؛ ولَوْ مِن وجْهٍ؛ قالَ: ﴿وباءُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا عَمّا كانُوا فِيهِ مِنَ الحالِ الصّالِحِ؛ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مُلازِمٍ لَهُمْ؛ ولَمّا كانَ الوَصْفانِ قَدْ يَصْحَبُهُما اليَسارُ؛ قالَ: ﴿وضُرِبَتْ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ أيْ: كَما يُضْرَبُ البَيْتُ؛ ﴿المَسْكَنَةُ﴾؛ أيْ: الفَقْرُ؛ لِيَكُونُوا بِهَذِهِ الأوْصافِ أعْرَقَ شَيْءٍ في الذُّلِّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”لِمَ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ؟“؛ فَقِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الإلْزامُ لَهم بِما ذُكِرَ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾؛ أيْ: أسْلافَهُمُ الَّذِينَ رَضُوا هم فِعْلَهُمْ؛ ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ الكُفْرَ مَعَ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: (p-٣٠)المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ وذَلِكَ أعْظَمُ الكُفْرِ؛ لِمُشاهَدَتِهِمْ لَها؛ مَعَ اشْتِمالِها مِنَ العِظَمِ عَلى ما يَلِيقُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ﴾؛ أيْ: الآتِينَ مِن عِنْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حَقًّا؛ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ جَمْعُ التَّكْسِيرِ؛ فَهو أبْلَغُ مِمّا في أوَّلِها؛ الأبْلَغِ مِمّا في ”البَقَرَةِ“؛ لِيَكُونَ ذَمُّهم عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي؛ كَما هي قاعِدَةُ الحِكْمَةِ.
ولَمّا كانُوا مَعْصُومِينَ دِينًا؛ ودُنْيا؛ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ أيْ: يُبِيحُ قَتْلَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ إقْدامَهم عَلى هَذا الكُفْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الكُفْرُ؛ والقَتْلُ العَظِيمانِ؛ ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿يَعْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ تَكْلِيفَ أنْفُسِهِمْ الِاعْتِداءَ؛ فَإنَّ الإقْدامَ عَلى المَعاصِي؛ والِاسْتِهانَةَ بِمُجاوَزَةِ الحُدُودِ يُهَوِّنُ الكُفْرَ؛ فَقالَ الأصْفَهانِيُّ: قالَ أرْبابُ المُعامَلاتِ: مَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الآدابِ؛ وقَعَ في تَرْكِ السُّنَنِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ السُّنَنِ وقَعَ في تَرْكِ الفَرائِضِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِتَرْكِ الفَرائِضِ وقَعَ في اسْتِحْقارِ الشَّرِيعَةِ؛ ومَنِ ابْتُلِيَ بِذَلِكَ وقَعَ في الكُفْرِ؛ والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى مُؤاخَذَةِ الِابْنِ الرّاضِي بِذَنْبِ الأبِ؛ وإنْ عَلا؛ وذَلِكَ طِبْقَ ما رَأيْتُهُ في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ الَّتِي بَيْنَ أيْدِيهِمُ الآنَ؛ قالَ في السِّفْرِ الثّانِي: وقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ (p-٣١)وتَعالى - جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ؛ كُلَّها: (أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدْتُكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ؛ لا تَكُونُ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرى؛ لا تَعْمَلَنَّ شَيْئًا مِنَ الأصْنامِ والتَّماثِيلِ الَّتِي مِمّا في السَّماءِ فَوْقَ؛ وفي الأرْضِ مِن تَحْتُ؛ ومِمّا في الماءِ أسْفَلَ الأرْضِ؛ لا تَسْجُدَنَّ لَها؛ ولا تَعْبُدَنَّها؛ لِأنِّي أنا الرَّبُّ؛ إلَهُكَ؛ إلَهٌ غَيُورٌ؛ أُجازِي الأبْناءَ بِذُنُوبِ الآباءِ؛ إلى ثَلاثَةِ أحْقابٍ؛ وأرْبَعَةِ خُلُوفٍ؛ وأُثْبِتُ النِّعْمَةَ إلى ألْفِ حُقْبٍ لِأحِبّائِي؛ وحافِظِي وصايايَ).
آل عمران 3:113
ولَمّا كانَ السِّياقُ رُبَّما أفْهَمَ أنَّهم كُلَّهم كَذَلِكَ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ نافِيًا لِذَلِكَ -: ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الأفْعالِ؛ يُثْنِي - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى مَن أقْبَلَ عَلى الحَقِّ مِنهُمْ؛ وخَلَعَ الباطِلَ؛ ولَمْ يُراعِ سَلَفًا؛ ولا خَلَفًا بَعِيدًا؛ ولا قَرِيبًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - بَيانًا لِعَدَمِ اسْتِوائِهِمْ -: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ فَأظْهَرَ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلى خُصُوصِ مَن حَكَمَ بِتَكْفِيرِهِمْ؛ ﴿أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ يَحِقُّ لَها أنْ تُؤَمَّ؛ ﴿قائِمَةٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَقِيمَةٌ عَلى ما أتاها بِهِ نَبِيُّها في الثَّباتِ عَلى ما شَرَعَهُ؛ مُتَهَيِّئَةٌ بِالقِيامِ لِلِانْتِقالِ عَنْهُ عِنْدَ مَجِيءِ النّاسِخِ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ؛ ووَصَفَهُ؛ غَيْرُ زائِغَةٍ بِالإيمانِ بِبَعْضِهِ؛ والكُفْرِ بِبَعْضِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الحامِلَ عَلى الِاسْتِقامَةِ؛ فَقالَ: ﴿يَتْلُونَ﴾ أيْ: (p-٣٢)يُتابِعُونَ مُسْتَمِرِّينَ؛ ﴿آياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلاماتِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ المُنَزَّلَةَ الباهِرَةَ الَّتِي لا لَبْسَ فِيها؛ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: ساعاتِهِ؛ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾؛ أيْ: يُصَلُّونَ في غايَةِ الخُضُوعِ؛
آل عمران 3:114
ثُمَّ ذَكَرَ ما أثْمَرَ لَهُمُ التَّهَجُّدُ؛ فَقالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً إلى اسْتِحْضارِهِمْ لِعَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ وتَناهِي الكَمالِ؛ ما حَيَّرَ العُقُولَ؛ وأتْبَعَهُ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ عَظَمَتُهُ كُلُّها؛ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَقالَ: ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: إيمانًا يَعْرِفُ أنَّهُ حَقٌّ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ؛ بِما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَعارِفِ الَّتِي ما لَها مِن نَفادٍ؛ فَيَتَجَدَّدُ تَهَجُّدُهُمْ؛ فَتَثْبُتُ اسْتِقامَتُهم.
ولَمّا وصَفَهم بِالِاسْتِقامَةِ في أنْفُسِهِمْ؛ وصَفَهم بِأنَّهم يُقَوِّمُونَ غَيْرَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ ﴿ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾؛ لِذَلِكَ؛ ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَهم لِلْخَيْرِ ذَكَرَ نَشاطَهم (p-٣٣)فِي جَمِيعِ أنْواعِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ مِنَ المُسْتَقِيمِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَسْتَقِمْ لَمْ يَصْلُحْ لِشَيْءٍ؛ وأرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”وأكْثَرُهم لَيْسُوا بِهَذِهِ الصِّفاتِ“.
آل عمران 3:115
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما فَعَلُوا مِن خَيْرٍ فَهو بِعَيْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ يَشْكُرُهُ لَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما يَفْعَلُوا﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ مِن إنْفاقٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾؛ بَلْ هو مَشْكُورٌ لَكُمْ؛ بِسَبَبِ فِعْلِكُمْ؛ وبُنِيَ لِلْمَجْهُولِ تَأدُّبًا مَعَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولِيَكُونَ عَلى طَرِيقِ المُتَكَبِّرِينَ؛ وعُطِفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ الفاعِلُونَ“؛ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾؛ مِنَ الفاعِلِينَ الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى حامِلَةً لَهم (p-٣٤)عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ فَهو يُثِيبُهم أعْظَمَ الثَّوابِ؛ وبِغَيْرِهِمْ فَهو يُعاقِبُهم بِما يُرِيدُ مِنَ العِقابِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الغَيْبَةِ فَأمْرُها واضِحٌ في نَظْمِها بِما قُلْتُهُ.
آل عمران 3:116
ولَمّا رَغَّبَهم في الإنْفاقِ بِما يَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ وأخْبَرَهم بِأنَّهُ عالِمٌ بِدِقِّهِ؛ وجُلِّهِ؛ وأخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ كانَ دَأْبَ إسْرائِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى وجْهٍ أنْتَجَ أنَّ بَنِيهِ كاذِبُونَ في ادِّعائِهِمْ أنَّهم عَلى مِلَّةِ جَدِّهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ثُمَّ حَذَّرَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ما خَتَمَهُ بِالمُتَّقِينَ؛ بِالتَّرْغِيبِ في الخَيْرِ؛ بِما انْدَرَجَ فِيهِ الإنْفاقُ الَّذِي قَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهُ مِن صِفَةِ المُتَّقِينَ المُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ الَّتِي هي أشْرَفُ آناءِ اللَّيْلِ؛ وكانَ مِمّا يَمْنَعُ مِنهُ خَوْفُ الفَقْرِ؛ والنُّزُولِ عَنْ حالِ المُوسِرِينَ مِنَ الكُفّارِ المُفاخِرِينَ بِالإكْثارِ؛ المُعَيَّرِينَ بِالإقْلالِ مِنَ المالِ؛ والوَلَدِ؛ وُقُوفًا مَعَ الحالِ الدُّنْيَوِيِّ؛ وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ مِنهم في الآخِرَةِ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا؛ أعْقَبَ هَذا بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ؛ فَقالَ - واصِفًا أضْدادَ مَن تَقَدَّمَ؛ نافِيًا ما يَعْتَقِدُونَ مِن أنَّ أعْمالَهُمُ الصُّورِيَّةَ تَنْفَعُهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ (p-٣٥)كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ بِالمَيْلِ عَنِ المَنهَجِ القَوِيمِ؛ وإنِ ادَّعَوُا الإيمانَ بِهِ نِفاقًا؛ أوْ غَيْرَهُ؛ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ كَثُرَتْ؛ ﴿ولا أوْلادُهُمْ﴾؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الإغْناءِ؛ تَأْكِيدًا لِما قَرَّرَ مِن عَدَمِ نُصْرَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ حَمَلَهم عَلى إيثارِ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ اسْتِجْلابُ الأمْوالِ؛ والرِّئاسَةُ عَلى الأتْباعِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الكُفّارِ - كَما قالَ في أوَّلِ السُّورَةِ - سَواءً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ﴾؛ أيْ: هم مُخْتَصُّونَ بِها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُفِيدُ مُلازَمَتَها؛ فَقالَ: ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛
آل عمران 3:117
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: ”فَما حالُ ما يَبْذُلُونَهُ في المَكارِمِ؛ ويُواسُونَ بِهِ في المَغارِم؟“؛ ضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا؛ جَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا؛ ضائِعًا؛ - وإنْ كَثُرَ - بُورًا؛ كَأنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَوابًا لِهَذا السُّؤالِ: ﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ المالِ؛ وحَقَّرَ قَصْدَهم بِتَحْقِيرِ مَحَطِّهِ؛ فَقالَ: ﴿فِي هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ القُرْبَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لِكَوْنِهِمْ ضَيَّعُوا الوَجْهَ الَّذِي بِهِ يُقْبَلُ؛ وهو الإخْلاصُ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ مِثْلُ حَرْثٍ أُصِيبَ بِالرِّيحِ؛ ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾؛ أيْ: بَرْدٌ شَدِيدٌ؛ ﴿أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ﴾؛ مَوْصُوفِينَ بِأنَّهم (p-٣٦)﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالبِناءِ عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ؛ ﴿فَأهْلَكَتْهُ﴾؛ فَمَثَلُ ما يُنْفِقُونَ - في كَوْنِهِ لَمْ يَنْفَعْهم في الدُّنْيا بِإنْتاجِ ما أرادُوا في الدُّنْيا؛ وضَرَّهم في الدّارَيْنِ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِضَياعِهِ في غَيْرِ شَيْءٍ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِالمُعاقَبَةِ عَلَيْهِ لِتَضْيِيعِ أساسِهِ - وقَصْدِهِمُ الفاسِدِ بِهِ؛ مِثْلُ الزَّرْعِ المَوْصُوفِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ أهْلَهُ المَوْصُوفِينَ؛ بَلْ ضَرَّهم في الدُّنْيا بِضَياعِهِ؛ وفي الآخِرَةِ بِما قَصَدُوا بِهِ مِنَ المَقْصُودِ الفاسِدِ؛ ومَثَلُ إنْفاقِهِمْ لَهُ - في كَوْنِهِ ضَرَّهُمْ؛ ولَمْ يَنْفَعْهم - مِثْلُ الرِّيحِ؛ في كَوْنِها ضَرَّتِ الزَّرْعَ؛ ولَمْ تَنْفَعْهُ؛ فَلَمّا كانَتِ الرِّيحُ المَوْصُوفَةُ أمْرًا مُشاهَدًا جَلِيًّا؛ جُعِلَتْ في إهْلاكِها مَثَلًا لِضَياعِ إنْفاقِهِمُ الَّذِي هو أمْرٌ مَعْنَوِيٌّ خَفِيٌّ؛ ولَمّا كانَ الزَّرْعُ المُحْتَرِقُ أمْرًا مَحْسُوسًا؛ جُعِلَ فِيما حَصَلَ لَهُ بَعْدَ التَّعَبِ مِنَ العَطَبِ؛ مِثالًا لِأمْرٍ مَعْقُولٍ؛ وهو أمْوالُهُمْ؛ في كَوْنِ إنْفاقِهِمْ إيّاها لَمْ يُثْمِرْ لَهم شَيْئًا غَيْرَ الخَسارَةِ؛ والتَّعَبِ؛ فالمَثَلانِ؛ ضَياعُ الزَّرْعِ؛ والإنْفاقِ؛ وضَياعُ الزَّرْعِ أظْهَرُ؛ فَهو مَثَلٌ لِضَياعِ الإنْفاقِ؛ لِأنَّهُ أخْفى؛ وقَدْ بانَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا مَثَلُ الإنْفاقِ؛ لِدَلالَةِ الرِّيحِ عَلَيْهِ؛ وثانِيًا الحَرْثُ؛ لِدَلالَةِ ما يُنْفَقُ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مَوْصُوفًا بِأنَّهُ الحَكَمُ؛ العَدْلُ؛ القائِمُ بِالقِسْطِ؛ وأنَّهُ لا يَنْسى خَيْرًا فُعِلَ؛ قالَ - دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ ذَلِكَ بِخْسٌ -: ﴿وما ظَلَمَهُمُ﴾؛ أيْ: المُمَثَّلَ بِهِمْ؛ والمُمَثَّلَ لَهُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ المَلِكُ الأعْظَمُ الغَنِيُّ الغِنى المُطْلَقَ؛ (p-٣٧)لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ؛ وقَدْ كَفَرُوا؛ أمّا المُمَثَّلُ لَهم فَبِكَوْنِهِمْ أنْفَقُوا عَلى غَيْرِ الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَهُ؛ وأمّا المُمَثَّلُ بِهِمْ فَبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَحْرُسُوا زَرْعَهم بِالطّاعاتِ؛ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أهْلَ الطّاعاتِ تَحْرُسُ ضَوائِعَهم مِنَ الآفاتِ؛ وتَخْرِقُ فِيها العاداتِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿ولَكِنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُمَثَّلُ لِأجْلِهِمُ؛ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أعَمَّ مِن أنْ يَمُوتُوا عَلَيْهِ؛ أوْ يُسْلِمُوا؛ لَمْ يُعَبِّرْ في الظُّلْمِ بِما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ مِن فِعْلِ الكَوْنِ؛ وقالَ: ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فَأفادَ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ بِكُفْرِهِمْ؛ وأنَّ ظُلْمَهم مَقْصُورٌ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ لا يَتَعَدّاها إلى غَيْرِها؛ وإنْ ظَهَرَ لِإنْفاقِهِمْ نِكايَةٌ في عَدُوِّهِمْ؛ فَإنَّ العاقِبَةَ لِما كانَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ كانَتْ نِكايَتُهم كالعَدَمِ؛ بَلْ هي زِيادَةٌ في وبالِهِمْ؛ فَهي مِن ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ.
آل عمران 3:118
ولَمّا كانَ الجَمالُ بِالمالِ؛ لا سِيَّما مَعَ الإنْفاقِ؛ مِن أعْظَمِ المُرَغِّباتِ في المُوالاةِ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَدْ صَيَّرَتْ جَمِيلَهُ قَبِيحًا؛ وبَذُولَهُ شَحِيحًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - - مُكَرِّرًا التَّنْبِيهَ عَلى مَكْرِ ذَوِي الأمْوالِ؛ والجَمالِ؛ الَّذِينَ يُرِيدُونَ إيقاعَ الفِتْنَةِ بَيْنَهم مِنَ اليَهُودِ؛ والمُنافِقِينَ؛ لِيَضْمَحِلَّ أمْرُهُمْ؛ وتَزُولَ شَوْكَتُهُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: إيمانًا صَحِيحًا؛ مُصَدَّقًا ادِّعاؤُهُ بِالعَمَلِ الصّالِحِ الَّذِي مِن أعْظَمِهِ الحُبُّ في اللَّهِ؛ والبُغْضُ في اللَّهِ؛ ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾؛ أيْ: مَن تُباطِنُونَهم بِأسْرارِكُمْ؛ وتَخْتَصُّونَهم بِالمَوَدَّةِ (p-٣٨)والصَّفاءِ؛ ومُبادَلَةِ المالِ؛ والوَفاءِ؛ ﴿مِن دُونِكُمْ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ إعْلامًا بِأنَّهم يَهْضِمُونَ أنْفُسَهم ويُنْزِلُونَها عَنْ عَلِيِّ دَرَجَتِها بِمُوادَّتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَهم تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾؛ أيْ: يَقْصُرُونَ بِكم مِن جِهَةِ الفَسادِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ أيْضًا: ﴿ودُّوا ما عَنِتُّمْ﴾؛ أيْ: تَمَنَّوْا مَشَقَّتَكم.
ولَمّا كانَ هَذا قَدْ يَخْفى؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا -: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾؛ أيْ: هي بَيِّنَةٌ في حَدِّ ذاتِها؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في إخْفائِها؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا امْتَلَأ مِن شَيْءٍ غَلَبَهُ بِفَيْضِهِ؛ ولَكِنَّكم لِحُسْنِ ظَنِّكُمْ؛ وصَفاءِ نِيّاتِكُمْ؛ لا تَتَأمَّلُونَها؛ فَتَأمَّلُوا؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ - سُبْحانَهُ - قَطْعًا؛ وعِلْمِ الفَطِنِ مِن عِبادِهِ بِالقِياسِ ظَنًّا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾؛ مِمّا ظَهَرَ عَلى سَبِيلِ الغَلَبَةِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى طَرِيقِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ بَيَّنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَكُمُ﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الجُمَلِ؛ ﴿الآياتِ﴾؛ أيْ: الدّالاتِ عَلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ ومَعْرِفَةِ الشَّقِيِّ؛ والسَّعِيدِ؛ والمُخالِفِ؛ والمُؤالِفِ؛ وزادَهم إلْهابًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْقِلُونَ﴾؛
آل عمران 3:119
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ مُلَخَّصِ حالِهِمْ مَعَهُمْ؛ (p-٣٩)فَقالَ - مُنَبِّهًا؛ أوْ مُبْدِلًا الهاءَ مِن هَمْزَةِ الإنْكارِ -: ﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ﴾؛ أيْ: المُؤْمِنُونَ المُسْلِمُونَ المُسْتَسْلِمُونَ؛ ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: لِاغْتِرارِكم بِإقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ لِصَفاءِ بَواطِنِكُمْ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم لا ﴿يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لَكم في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كاذِبُونَ في إقْرارِهِمْ بِالإيمانِ؛ ﴿وتُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ ﴿بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾؛ أيْ: ويَكْفُرُونَ هم بِهِ كُلِّهِ؛ إمّا بِالقَصْدِ الأوَّلِ؛ وإمّا بِالإيمانِ بِالبَعْضِ؛ والكُفْرِ بِالبَعْضِ؛ ﴿وإذا لَقُوكم قالُوا﴾؛ أيْ: لَكم ﴿آمَنّا﴾؛ لِتَغْتَرُّوا بِهِمْ؛ ﴿وإذا خَلَوْا﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ وصَوَّرَ شِدَّةَ حَنَقِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ﴾؛ لِما يَرَوْنَ مِنَ ائْتِلافِكُمْ؛ وحُسْنِ أحْوالِكُمْ؛ ﴿الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾؛ أيْ: المُفْرِطِ مِنكُمْ؛ ومَن جَعَلَ الهاءَ في ﴿ها أنْتُمْ﴾؛ بَدَلًا عَنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ فالمُرادُ عِنْدَهُ: ”أأنْتُمْ يا هَؤُلاءِ القُرَباءُ مِنِّي تُحِبُّونَهُمْ؛ والحالُ أنَّهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن مُنابَذَتِكُمْ؛ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْنَةِ؛ بِصَفاءِ الأفْكارِ؛ وعَلِيِّ الآراءِ بِقَبُولِكُمُ الحَقَّ كُلَّهُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ كَيِّسٌ فَطِنٌ؛ فَهو اسْتِفْهامٌ - وإنْ كانَ مِن وادِي التَّوْبِيخِ - المُرادُ بِهِ التَّنْبِيهُ والتَّهْيِيجُ المُنْقَلُ مِن سافِلِ الدِّرَكاتِ إلى عالِي الدَّرَجاتِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٤٠)ولَمّا كانُوا كَأنَّهم قالُوا:“فَما نَفْعَلُ؟"؛ قالَ مُخاطِبًا لِلرَّأْسِ المَسْمُوعِ الأمْرِ؛ المُجابِ الدُّعاءِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾؛ أيْ: ازْدِراءً بِهِمْ؛ ودُعاءً عَلَيْهِمْ؛ بِدَوامِ الغَيْظِ مِنَ القَهْرِ؛ وزِيادَتِهِ؛ حَتّى يُمِيتَهُمْ؛ ولَمّا كانُوا يَحْلِفُونَ عَلى نَفْيِ هَذا لِيُرْضُوهم قالَ (تَعالى) مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الحَقِيقَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: فَلا تَظُنُّوا أنَّهُ أرادَ بَعْضَ ما يُتَجَوَّزُ بِالغَيْظِ عَنْهُ.
آل عمران 3:120
ولَمّا كانَ ما أخْبَرَتْ بِهِ هَذِهِ الجُمَلُ مِن بُغْضِهِمْ؛ وشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ؛ مُحْتاجًا؛ لِيَصِلَ إلى المُشاهَدَةِ؛ إلى بَيانٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ﴾؛ أيْ: مُجَرَّدَ مَسٍّ؛ ﴿حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا شُهُودِيًّا؛ ولَكِنَّهُ لَيْسَ صَرِيحًا؛ أتْبَعَهُ الصَّرِيحَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْكُمْ﴾؛ أيْ: بِقُوَّةِ مَرِّها؛ وشِدَّةِ وقْعِها؛ وضُرِّها؛ ﴿سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُبَكِّتًا غائِظًا مُؤْلِمًا؛ داواهم بِالإشارَةِ إلى النَّصْرِ؛ مَشْرُوطًا بِشَرْطِ التَّقْوى؛ والصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تَكُونُوا مِن أهْلِ الصَّبْرِ والتَّقْوى؛ ﴿لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٤١)﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؛ أيْ: فَهو يُعِدُّ لِكُلِّ كَيْدٍ ما يُبْطِلُهُ؛ والمَعْنى- عَلى قِراءَةِ الخِطابِ -: ”بِعَمَلِكم كُلِّهِ؛ فَمَن صَبَرَ واتَّقى ظَفَّرْتُهُ؛ ومَن عَمِلَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَقَمْتُ مِنهُ“.
آل عمران 3:121
ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الإخْبارِ؛ ومِنَ الوَعْدِ؛ ومِنَ الوَعِيدِ؛ مَنطُوقًا؛ ومَفْهُومًا؛ مُحْتاجًا إلى الِاجْتِلاءِ في صُوَرِ الجُزْئِيّاتِ ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالوَقائِعِ الَّتِي شُوهِدَتْ فِيها أحْوالُهم مِنَ النَّصْرِ عِنْدَ العَمَلِ بِمَنطُوقِ الوَعْدِ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وعَدَمِهِ عِنْدَ العَمَلِ بِالمَفْهُومِ؛ وشُوهِدَتْ فِيها أحْوالُ عَدُوِّهِمْ مِنَ المَساءَةِ عِنْدَ السُّرُورِ؛ والسُّرُورِ عِنْدَ المَساءَةِ؛ وذَلِكَ غَنِيٌّ عَنْ دَلِيلٍ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ المُشاهَداتِ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِواوِ العَطْفِ؛ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ مُخاطِبًا لِأعْظَمِ عِبادِهِ فِطْنَةً؛ وأقْرَبِهِمْ إلَيْهِ رُتْبَةً؛ تَهْيِيجًا لِغَيْرِهِ إلى تَدْقِيقِ النَّظَرِ؛ واتِّباعِ الدَّلِيلِ؛ مِن غَيْرِ أدْنى وُقُوفٍ مَعَ المَأْلُوفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: ”اذْكُرْ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ مِن أحْوالِكُمُ الماضِيَةِ؛ حِينَ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ (p-٤٢)فَنُصِرْتُمْ؛ وحِينَ ساءَهم نَصْرُكم في كُلِّ ذَلِكَ؛ في سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ إلى“نَخْلَةَ”؛ ثُمَّ في“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ في غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقاعٍ“؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ”واذْكُرْ إذْ لَمْ يَصْبِرْ أصْحابُكَ؛ فَأُصِيبُوا؛ وإذْ سَرَّتْهم مُصِيبَتُكم في وقْعَةِ“أُحُدٍ”؛ إذْ ﴿غَدَوْتَ﴾؛ أيْ: يا خاتَمَ الأنْبِياءِ؛ وأكْرَمَ المُرْسَلِينَ؛ ﴿مِن أهْلِكَ﴾؛ أيْ: بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ إلى أصْحابِكَ في مَسْجِدِكَ؛ لِتَسْتَشِيرَهم في أمْرِ المُشْرِكِينَ؛ وقَدْ نَزَلُوا بِـ“أُحُدٍ”؛ في أواخِرِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ أوْ في يَوْمِ الخَمِيسِ؛ لِقِتالِكُمْ“؛ وبَنى مِن ”غَدَوْتَ“؛ حالًا؛ إعْلامًا بِأنَّ الشُّرُوعَ في السَّبَبِ؛ شُرُوعُ في مُسَبِّبِهِ؛ فَقالَ: ﴿تُبَوِّئُ﴾؛ أيْ: تُنْزِلُ؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: صَبِيحَةَ يَوْمِ السَّبْتِ؛ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقاعِدَ﴾؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ تَقَدَّمَ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالثَّباتِ في مَرْكَزِهِ؛ وأوْعَزَ إلَيْهِ في ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ؛ لا سِيَّما الرُّماةَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِلْقِتالِ﴾
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”وتَتَقَدَّمُ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ مَقالٍ في تَشْدِيدِ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ“؛ أشارَ (تَعالى) إلى أنَّهُ وقَعَ في غُضُونِ ذَلِكَ مِنهُ؛ ومِنهم كَلامٌ (p-٤٣)كَثِيرٌ؛ خَفِيٌّ؛ وجَلِيٌّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي أنْتُمْ في طاعَتِهِ؛ ﴿سَمِيعٌ﴾؛ أيْ: لِأقْوالِكُمْ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بِنِيّاتِكم في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ فاحْذَرُوهُ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِلَذِيذِ الخِطابِ في التَّذْكِيرِ؛ تَحْرِيضًا لَهُمْ؛ مَعَ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ عَلى المُراقَبَةِ؛ تَعْرِيضًا لَهم بِأنَّهم خَفُّوا مَعَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ؛ أمْرَ بُعاثٍ؛ حَتّى تَواثَبُوا حِينَ تَغاضَبُوا إلى السِّلاحِ - كَما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] -؛ فَوَقَفُوا عَنْ نافِذِ الفَهْمِ؛ وصافِي الفِكْرِ؛ خِفَّةً إلى ما أرادَ بِهِمْ عَدُوُّهُمْ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْذِيرَ كُلَّهُ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ إقْبالُهُ في الخِطابِ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ نِسْبَةِ الفَشَلِ إلَيْهِمْ - كَما يَأْتِي قَرِيبًا -؛ ولَعَلَّهُ إنَّما خَصَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما ذَكَرْتُ؛ أنَّ واوَ عَطْفِها دَلَّتْ عَلَيْهِ مِمّا أُيِّدُوا فِيهِ بِالنَّصْرِ؛ لِأنَّ الشَّماتَةَ بِالمُصِيبَةِ أدَلُّ عَلى البَغْضاءِ؛ والعَداوَةِ؛ مِنَ الحُزْنِ بِما يَسُرُّ؛ ودَلَّ ذِكْرُها عَلى المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المُدَّعِيَ فِيما قَبْلَها شَيْئانِ: المَساءَةُ بِالحَسَنَةِ؛ (p-٤٤)والفَرَحُ والمَسَرَّةُ بِالمُصِيبَةِ؛ فَإذا بَرْهَنَ المُتَكَلِّمُ عَلى الثّانِي عُلِمَ - ولا بُدَّ - أنَّهُ حَذَفَ بُرْهانَ الأوَّلِ؛ وأنَّهُ إنَّما حَذَفَهُ - وهو حَكِيمٌ - لِنُكْتَةٍ؛ وهي هُنا عَدَمُ الِاحْتِياجِ إلى ذِكْرِهِ؛ لِوُضُوحِهِ بِدَلالَةِ السِّياقِ؛ مَعَ واوِ العَطْفِ عَلَيْهِ؛ وما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحِ الدَّلالَةِ في أمْرِ البُغْضِ عَلى أنَّهُ (تَعالى) قَدْ ذَكَرَ ”بَدْرًا“ - كَما تَرى - بَعْدَ مُحْكَمَةٍ سَتُذْكَرُ؛ وأطْلَقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كَما عَنِ الطَّبَرِيِّ؛ وغَيْرِهِ - التَّبَوُّءَ عَلى ابْتِداءِ القِتالِ بِالِاسْتِشارَةِ؛ «فَإنَّ الكُفّارَ لَمّا نَزَلُوا يَوْمَ الأرْبِعاءِ ثانِيَ عَشَرَ شَوّالٍ؛ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ؛ في سَفْحِ ”أُحُدٍ“؛ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُ فِيهِمْ ما يَأْتِيهِ مِنَ الوَحْيِ بَقِيَّةَ يَوْمِ الأرْبِعاءِ؛ ويَوْمَ الخَمِيسِ؛ ولَيْلَةَ الجُمُعَةِ؛ وباتَتْ وُجُوهُ الأنْصارِ في المَسْجِدِ بِبابِ النَّبِيِّ ﷺ يَحْرُسُونَهُ ﷺ؛ وحَرَسَتِ المَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ؛ ثُمَّ دَعا النّاسَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ فاسْتَشارَهم في أمْرِهِمْ؛ وأخْبَرَهم بِرُؤْياهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ: ”البَقَرِ المَذْبُوحَةُ؛ والثَّلْمِ في سَيْفِهِ؛ وإدْخالِ يَدِهِ في الدِّرْعِ الحَصِينَةِ“؛ وكانَ رَأْيُهُ مَعَ رَأْيِ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ المُكْثَ في المَدِينَةِ؛ فَإنْ قاتَلُوهم فِيها قاتَلَهُمُ الرِّجالُ مُواجَهَةً؛ والنِّساءُ والصِّبْيانُ مِن فَوْقِ الأسْطِحَةِ؛ وكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ؛ المُنافِقُ؛ عَلى هَذا الرَّأْيِ؛ فَلَمْ يَزَلْ ناسٌ مِمَّنْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ (p-٤٥)بِالشَّهادَةِ - مِنهم أسَدُ اللَّهِ؛ وأسَدُ رَسُولِهِ؛ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ يُلِحُّونَ عَلَيْهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلَيْهِمْ؛ حَتّى أجابَ؛ فَدَخَلَ بَيْتَهُ؛ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ بَعْدَ أنْ صَلّى الجُمُعَةَ؛ فَنَدِمُوا عَلى اسْتِكْراهِهِمْ لَهُ ﷺ؛ وهو يَأْتِيهِ الوَحْيُ؛ فَلَمّا خَرَجَ إلَيْهِمْ أخْبَرُوهُ؛ وسَألُوهُ في الإقامَةِ إنْ شاءَ؛ فَقالَ: ”ما كانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ؛ وبَيْنَ عَدُوِّهِ“.
وفِي رِوايَةٍ ”حَتّى يُلاقِيَ“؛ فَأتى الشَّيْخَيْنِ - وهُما أُطْمانِ - فَعَرَضَ بِهِما عَسْكَرَهُ؛ فَفَرَغَ مَعَ غِيابِ الشَّمْسِ؛ ورَآهُ المُشْرِكُونَ حِينَ نَزَلَ بِهِما؛ واسْتَعْمَلَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلى حَرَسِهِ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ؛ واسْتَعْمَلَ المُشْرِكُونَ عَلى حَرَسِهِمْ عِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ؛ ثُمَّ أدْلَجَ مِن سَحَرِ لَيْلَةِ السَّبْتِ؛ ونَدَبَ الأدِلّاءَ لِيَسِيرُوا أمامَهُ؛ وحانَتْ صَلاةُ الصُّبْحِ في الشَّوْطِ؛ وهم بِحَيْثُ يَرَوْنَ المُشْرِكِينَ؛ فَأمَرَ بِلالًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأذَّنَ وأقامَ؛ وصَلّى بِأصْحابِهِ ﷺ الصُّبْحَ صُفُوفًا؛ فانْخَذَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ العَسْكَرِ؛ فَرَجَعَ؛ وقالَ: أطاعَ الوِلْدانَ؛ ومَن لا رَأْيَ لَهُ؛ وعَصانِي؛ وما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا؟! وتَبِعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو (p-٤٦)بْنِ حَرامٍ؛ أبُو جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ» - أحَدِ بَنِي سَلَمَةَ؛ وأحَدِ مَنِ اسْتُشْهِدَ في ذَلِكَ اليَوْمِ - وكَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ قَبْلًا؛ يُناشِدُهُمُ اللَّهَ في الرُّجُوعِ؛ فَلَمْ يَرْجِعُوا؛ فَقالَ: أبْعَدَكُمُ اللَّهُ؛ سَيُغْنِي اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَنْكُمْ؛ ورَجَعَ؛ فَوافَقَ النَّبِيَّ ﷺ يَصُفُّ أصْحابَهُ؛ وكادَتْ طائِفَتانِ مِنَ الباقِينَ - وهُما بَنُو سَلَمَةَ؛ عَشِيرَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو؛ وبَنُو حارِثَةَ - أنْ تَفْشَلا؛ لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ؛ ثُمَّ ثَبَّتَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ونَزَلَ ﷺ الشِّعْبَ مِن ”أُحُدٍ“؛ فَجَعَلَ ظَهْرَهُ وعَسْكَرَهُ إلى ”أُحُدٍ“؛ وعَبَّأ أصْحابُهُ؛ وقالَ: ”لا يُقاتِلَنَّ أحَدٌ حَتّى نَأْمُرَهُ“؛ وعَيَّنَ طائِفَةً مِنَ الرُّماةِ؛ وأنْزَلَهم بِـ ”عَيْنَيْنِ“ - جُبَيْلٍ هُناكَ مِن ورائِهِمْ -؛ وأوْعَزَ إلَيْهِمْ في ألّا يَتَغَيَّرُوا مِنهُ حَتّى يَأْمُرَهُمْ؛ إنْ كانَتْ لَهُ؛ أوْ عَلَيْهِ؛ حَتّى قالَ لَهُمْ: ”إنْ رَأيْتُمُونا تَخْطَفُنا الطَّيْرُ فَلا تُعِينُونا؛ وإنْ رَأيْتُمُونا هَزَمْناهم فَلا تُشْرِكُونا في الغَنِيمَةِ؛ وانْضَحُوا الخَيْلَ عَنّا إذا أتَتْ مِن ورائِنا“؛ وبَرَزَ (p-٤٧)صاحِبُ لِواءِ المُشْرِكِينَ؛ وطَلَبَ المُبارَزَةَ؛ فَبَرَزَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ فَقَتَلَهُ المُسْلِمُ؛ فَحَمَلَهُ آخَرُ؛ وبَرَزَ فَقُتِلَ؛ وفَعَلُوا ذَلِكَ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ حَتّى تَمُّوا عَشْرَةً؛ كُلُّهم يُقْتَلُ؛ فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُ المُشْرِكِينَ بِتَوالِي القَتْلِ في أصْحابِ اللِّواءِ؛ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ؛ فَشَدُّوا؛ فَهَزَمُوا المُشْرِكِينَ؛ وخَلَّوْا عَسْكَرَهُمْ؛ ونِساءَهُمْ؛ وكانَ الخَيْلُ كُلَّما أتَتْ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ نَضَحَهُمُ الرُّماةُ بِالنِّبْلِ؛ فَرَجَعُوا؛ فَلَمّا وقَعَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في نَهْبِ العَسْكَرِ؛ خَلّى الرُّماةُ ثَغْرَهُمْ؛ فَنَهاهم أمِيرُهُمْ؛ وحَذَّرَهم مُخالَفَةَ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمْ يُطِعْهُ مِنهم إلّا نَحْوُ العَشْرَةِ؛ فَأتى أصْحابُ الخَيْلِ؛ فَقَتَلُوا مَن بَقِيَ مِنَ الرُّماةِ؛ ثُمَّ أتَوُا الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِن ورائِهِمْ؛ وهم يَنْتَهِبُونَ؛ فَأسْرَعُوا فِيهِمُ القَتْلَ؛ ونادى إبْلِيسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ فانْهَزَمَ الصَّحابَةُ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -؛ ولَمْ يَثْبُتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم إلّا قَلِيلٌ؛ ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الثَّلاثِينَ - عَلى اخْتِلافِ الأقْوالِ؛ فاسْتَمَرَّ يُحاوِلُ بِهِمُ العَدُوُّ؛ واللَّهُ (تَعالى) يَحْفَظُهُ؛ ويُدافِعُ عَنْهُ؛ حَتّى دَنَتِ الشَّمْسُ لِلْمَغْرِبِ؛ وصَرَفَ اللَّهُ العَدُوَّ؛ فَدَفَنَ النَّبِيُّ ﷺ الشُّهَداءُ؛ وصَفَّ أصْحابَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - فَأثْنى عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ثَناءً عَظِيمًا؛ ذَكَرَ فِيهِ فَضْلَهُ - سُبْحانَهُ - وعَدْلَهُ؛ وأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ؛ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ؛ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وقَدْ أصابَتْهُ الجِراحَةُ في (p-٤٨)مَواضِعَ مِن وجْهِهِ - بِنَفْسِي هُوَ؛ وأبِي وأُمِّي؛ ووَجْهِي؛ وعَيْنَيَّ.
آل عمران 3:122
ولَمّا كانَ رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ - كَما يَأْتِي في صَرِيحِ الذِّكْرِ آخِرَ القِصَّةِ - مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ؛ فَضْلًا عَنِ المُصارِحِينَ بِالمُصارَمَةِ؛ مُتَّصِفُونَ بِما أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمْ؛ مِنَ العَداوَةِ؛ والبَغْضاءِ؛ مَعَ أنَّهُ كانَ سَبَبًا في هَمِّ الطّائِفَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ بِالفَشَلِ؛ كانَ إيلاءُ هَذِهِ القِصَّةِ لِلنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ بِطانَةِ السُّوءِ؛ الَّذِينَ لا يَقْصُرُونَ عَنْ فَسادٍ في غايَةِ المُناسَبَةِ؛ ولِذَلِكَ افْتَتَحَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ دَلِيلًا عَلى ما قَبْلَهُ؛ مِن أنَّ بِطانَةَ السُّوءِ لا تَأْلُوهم خَبالًا؛ وغَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ﴾؛ وكانا جَناحَيِ العَسْكَرِ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بَنُو سَلَمَةَ؛ مِنَ الخَزْرَجِ؛ وبَنُو حارِثَةَ؛ مِنَ الأوْسِ؛ ﴿أنْ تَفْشَلا﴾؛ أيْ: تَكْسَلا؛ وتَراخَيا؛ وتَضْعُفا؛ وتَجْبُنا؛ لِرُجُوعِ المُنافِقِينَ عَنْ نَصْرِهِمْ ووِلايَتِهِمْ؛ فَتَرْجِعا كَما رَجَعَ المُنافِقُونَ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: ”والحالُ أنَّ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿ولِيُّهُما﴾؛ وناصِرُهُما؛ لِأنَّهُما مُؤْمِنَتانِ؛ فَلا يَتَأتّى وُقُوعُ الفَشَلِ وتَحَقُّقُهُ مِنهُما لِذَلِكَ؛ فَلْيَتَوَكَّلا عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِإيمانِهِما“؛ (p-٤٩)أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”فالعَجَبُ مِنهُما؛ كَيْفَ تَعْتَمِدانِ عَلى غَيْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ لِتَضْعُفا بِخِذْلانِهِ؟“؛ و؛ الحالُ أنَّهُ؛ عَلى اللَّهِ؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ وحْدَهُ؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صارَ الإيمانُ صِفَةً لَهم ثابِتَةً؛ أجْمَعُونَ؛ لِيَنْصُرَهُمْ؛ لا عَلى كَثْرَةِ عَدَدٍ؛ ولا قُوَّةِ جَلَدٍ؛ والأحْسَنُ تَنْزِيلُ الآيَةِ عَلى الِاحْتِباكِ؛ ويَكُونُ أصْلُ نَظْمِها: ”واللَّهُ ولِيُّهُما؛ لِتَوَكُّلِهِما؛ وإيمانِهِما؛ فَلَمْ يُمْكِنِ الفَشَلُ مِنهُما؛ فَتَوَلَّوُا اللَّهَ؛ وتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَصُونَكم مِنَ الوَهْنِ؛ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ؛ لِيَفْعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ“؛ فالأمْرُ بِالتَّوَكُّلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى وُجُودِهِ أوَّلًا؛ وإثْباتُ الوِلايَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الأمْرِ بِها ثانِيًا؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: فِينا نَزَلَتْ: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنكم أنْ تَفْشَلا﴾؛ قالَ: نَحْنُ الطّائِفَتانِ: بَنُو حارِثَةَ؛ وبَنُو سَلَمَةَ؛ وما نُحِبُّ أنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ ولِيُّهُما﴾
آل عمران 3:123
(p-٥٠)ولَمّا كانَ ظاهِرُ الحالِ فِيما أصابَ الكُفّارَ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ رُبَّما كانَ سَبَبًا في شَكِّ مَن لَمْ يُحَقِّقْ بَواطِنَ الأُمُورِ؛ ولا لَهُ أهْلِيَّةُ النُّفُوذِ في الدَّقائِقِ؛ مِن عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢]؛ ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) نَصْرَهُ لَهم في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ وهم في القِلَّةِ دُونَ ما هُمُ الآنَ بِكَثِيرٍ؛ مُشِيرًا لَهم إلى ما أثْمَرَهُ تَوَكُّلُهم مِنَ النَّصْرِ؛ وحالُهم إذْ ذاكَ حالُ الآيِسِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ كانُوا في غايَةِ الكَراهَةِ لِلِّقاءِ؛ بِخِلافِ ما كانُوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ حَثًّا عَلى مُلازَمَةِ التَّوَكُّلِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ لا يَزالُ يُرِيهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ النَّصْرِ؛ ويُذِيقُ الكُفّارَ أضْعافَ ذَلِكَ الهَوانِ؛ حَتّى يُحِقَّ الحَقَّ؛ ويُبْطِلَ الباطِلَ؛ ويُظْهِرَ دِينَهُ؛ الإسْلامَ؛ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ نَصَرَهُ؛ وكَفاهُ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ فَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ أوَّلَ النَّهارِ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ حَيْثُ صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ بِطاعَتِكم لِلرَّسُولِ ﷺ في مُلازَمَةِ التَّعَبِ؛ والإقْبالِ عَلى الحَرْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ بِما أمَرَكم بِهِ ﷺ؛ ولَمْ تَضُرَّكم قِلَّتُكُمْ؛ ولا ضَعْفُكم بِمَن رَجَعَ (p-٥١)عَنْكم شَيْئًا“ -: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿بِبَدْرٍ﴾؛ المُشارِ إلَيْها أوَّلَ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا﴾ [آل عمران: ١٣]؛ لَمّا صَبَرْتُمْ؛ واتَّقَيْتُمْ.
ولَمّا كانُوا في عَدَدٍ يَسِيرٍ؛ أشارَ إلَيْهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ أذِلَّةٌ﴾؛ أيْ: فاذْكُرُوا ذَلِكَ؛ واجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ لِيَنْفَعَكُمْ؛ وكانَ الإتْيانُ بِأمْرِ ”بَدْرٍ“؛ بَعْدَ آيَةِ الفَشَلِ المُخْتَتَمَةِ بِالحَثِّ عَلى التَّوَكُّلِ؛ في الغايَةِ مِن حُسْنِ النَّظْمِ؛ وهو دَلِيلٌ أيْضًا عَلى مَنطُوقِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ كَما كانَ أمْرُ ”أُحُدٍ“؛ دَلِيلًا عَلى مَنطُوقِها؛ ومَفْهُومِها؛ مَعًا؛ دَلَّ عَلى مَنطُوقِها بِنَصْرِهِمْ أوَّلَ النَّهارِ؛ عِنْدَ صَبْرِهِمْ؛ وعَلى مَفْهُومِها بِإدالَةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ؛ عِنْدَ فَشَلِهِمْ؛ آخِرَهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ عَلى أنَّكَ إذا أنْعَمْتَ التَّأمُّلَ في قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ مِنَ السِّيَرِ؛ وكُتُبِ الأخْبارِ؛ عَلِمْتَ أنَّ الظَّفَرَ فِيها ما كانَ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ كَما سَيَأْتِي الخَبَرُ بِهِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢]؛ فَإنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - هَزَمُوهم - كَما مَضى - في أوَّلِ النَّهارِ؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ في عَسْكَرِهِمْ أحَدٌ؛ ولا بَقِيَ عِنْدَ نِسائِهِمْ حامٍ؛ فَلَمّا خالَفَ الرُّماةُ أمْرَهُ ﷺ (p-٥٢)وأقْبَلُوا عَلى الغَنِيمَةِ؛ أرادَ اللَّهُ تَأْدِيبَهُمْ؛ وتَعْرِيفَهم أنَّ نُصْرَتَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ غَيْرُ مُحْتاجَةٍ في الحَقِيقَةِ إلَيْهِمْ؛ حِينَ انْهَزَمُوا؛ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنهم غَيْرُ نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ ما يَبْلُغُونَ الخَمْسِينَ؛ والكُفّارُ ثَلاثَةُ آلافٍ؛ وخَيْلُهم مِائَتانِ؛ فاسْتَمَرَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في نُحُورِهِمْ؛ يُحاوِلُهُمْ؛ ويُصاوِلُهُمْ؛ يُرامُونَهُ مَرَّةً؛ ويُطاعِنُونَ أُخْرى؛ ويَجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ كَرَّةً؛ ويَفْتَرِقُونَ عَنْهُ أُخْرى؛ واللَّهُ (تَعالى) يَمْنَعُهُ مِنهم بِأيْدِهِ؛ ويَحْفَظُهُ بِقُوَّتِهِ؛ حَتّى تَدَلَّتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ؛ وقَتَلَ بِيَدِهِ ﷺ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ؛ مُبارَزَةً؛ تَصْدِيقًا لِما كانَ أوْعَدَهُ بِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ؛ وخالَطُوهُ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ ولَمْ يُمَكِّنْهُمُ اللَّهُ مِنهُ؛ ولا أقْدَرَهم عَلى أسْرِ أحَدٍ مِن أصْحابِهِ؛ ثُمَّ رَدَّهم خائِبِينَ؛ بَعْدَ أنْ تَراجَعَ إلَيْهِ أصْحابُهُ في أثْناءِ النَّهارِ؛ ولَمْ يَرْجِعْ ﷺ مِن ”أُحُدٍ“؛ إلّا بَعْدَ انْصِرافِهِمْ؛ ودَفْنِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن أصْحابِهِ؛ وأمّا هم فاسْتَمَرُّوا راجِعِينَ؛ ولَمْ يَلْوُوا عَلى أحَدٍ مِمَّنْ قُتِلَ مِنهُمْ؛ وهُمُ اثْنانِ وعِشْرُونَ رَجُلًا مِن سَرَواتِهِمْ؛ وحُمّالِ راياتِهِمْ؛ وقالَ الجَلالُ الخُجَنْدِيُّ؛ في كِتابِهِ ”فِرْدَوْسُ المُجاهِدِينَ“: ”إنَّهُ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: ما نُصِرَ (p-٥٣)النَّبِيُّ ﷺ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ نُصْرَتَهُ في يَوْمِ“أُحُدٍ”؛ انْتَهى.
كَفى عَلى ذَلِكَ دَلِيلًا ما نَقَلَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ - وسِيرَتُهُ أصَحُّ السِّيَرِ؛ في غَزْوَةِ الفَتْحِ - عَنْ قائِدِ الجَيْشِ بِـ“أُحُدٍ”؛ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ؛ أنَّهُ قالَ - عِنْدَما عَرَضَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ – الإسْلامُ -:“يا مُحَمَّدُ؛ قَدِ اسْتَنْصَرْتُ إلَهِي؛ واسْتَنْصَرْتَ إلَهَكَ؛ فَواللَّهِ ما لَقِيتُكَ مِن مَرَّةٍ إلّا ظَهَرْتَ عَلَيَّ؛ فَلَوْ كانَ إلَهِي مُحِقًّا وإلَهُكَ مُبْطِلًا؛ لَقَدْ ظَهَرْتُ عَلَيْكَ”؛ وإنَّما كانَتِ الهَزِيمَةُ وقَتْلُ مَن قُتِلَ؛ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ لا تَخْفى عَلى مَن لَهُ رُسُوخٌ في الشَّرِيعَةِ وثَباتُ قَدَمٍ في السُّنَنِ؛ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ القِصَّةُ مُنْدَرِجَةً في حُكْمِ النَّهْيِ؛ في القِصَّةِ الَّتِي قَبْلَها؛ عَنْ طاعَةِ فَرِيقٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى):“ نِعْمَةَ ”؛ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]؛ لِتَشابُهِ القِصَّتَيْنِ في الإصْغاءِ إلى الكُفّارِ؛ قَوْلًا؛ أوْ فِعْلًا؛ المُقْتَضِي لِهَدْمِ الدِّينِ مِن أصْلِهِ؛ لِأنَّ هَمَّ الطّائِفَتَيْنِ بِالفَشَلِ إنَّما كانَ مِن أجْلِ رُجُوعِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ المُنافِقِ؛ حَلِيفِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُوالِيهِمْ؛ ومُصادِقِهِمْ ومُصافِيهِمْ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ نَهْيُهُ (تَعالى)؛ في أثْناءِ هَذِهِ؛ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩]؛ ويَكُونُ (p-٥٤)إسْنادُ الفِعْلِ في ﴿غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]؛ وأمْثالِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ والمُرادُ الإسْنادُ إلى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ الرَّئِيسُ؛ فَخِطابُهُ خِطابُهُمْ؛ ولِشَرَفِ هَذا الفِعْلِ؛ فَكانَ الألْيَقُ إفْرادَهُ بِهِ ﷺ؛ وأمّا الفَشَلُ؛ ونَحْوُهُ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ وقُصِرَ - كَما هو الواقِعُ - عَلَيْهِمْ.
ولَمّا امْتَنَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِمْ بِالنُّصْرَةِ في تِلْكَ الكَرَّةِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أمْرَهم بِالتَّقْوى؛ إشارَةً إلى أنَّها السَّبَبُ لِدَوامِ النِّعْمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ مُراقِبِينَ لَهُ؛ بِذِكْرِ جَمِيعِ جَلالِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ وكَمالِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ وقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذا بِأنَّ التَّقْوى التَّنَزُّهُ عَنِ المَعاصِي؛ والشُّكْرَ فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ المُنْعِمِ؛ وشُكْرَ اللَّهِ صَرْفُ جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ في طاعاتِهِ؛ فَحِينَئِذٍ التَّقْوى مِنَ الشُّكْرِ؛ فَإنْ أُرِيدَ العُمُومُ انْحَلَّ الكَلامُ إلى:“اشْكُرُوا لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ”؛ ولا يُتَحَرَّرُ الجَوابُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ حَقِيقَةِ التَّقْوى لُغَةً؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ؛ في كِتابِهِ“الواعِي”:“الواقِيَةُ: ما وقاكَ الشَّرَّ؛ وكُلُّ شَيْءٍ وقَيْتَ بِهِ شَيْئًا فَهو وِقاءٌ لَهُ؛ ووِقايَةٌ”؛ وقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -:“ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ”؛ قالَ ابْنُ عَرَفَةَ:“أيْ: لَعَلَّكم أنْ تَجْعَلُوا بِقَبُولِ ما آمُرُكم بِهِ وِقايَةً بَيْنَكم وبَيْنَ النّارِ”؛ انْتَهى.
فاتَّضَحَ أنَّ حَقِيقَةَ ﴿فاتَّقُوا﴾ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ عَذابِهِ وِقايَةً؛ وأنَّ (p-٥٥)سَبَبَ اتِّخاذِ الوِقايَةِ الخَوْفُ مِن ضارٍّ؛ فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ“فاتَّقُوا”؛ بِمَعْنى: خافُوا - مَجازًا مُرْسَلًا؛ مِن إطْلاقِ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ -؛ فالمَعْنى:“خافُوا اللَّهَ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَحْمِلَكم خَوْفُهُ عَلى طاعَتِهِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ؛ والِاسْتِمْرارِ”؛ ولَئِنْ سَلَّمْنا أنَّ التَّقْوى مِنَ الشُّكْرِ؛ فالمَعْنى:“اشْكُرُوا هَذا الشُّكْرَ الخاصَّ لِيَحْمِلَكم عَلى جَمِيعِ الشُّكْرِ”؛ وغايَتُهُ أنَّهُ نَبَّهَ عَلى أنَّ هَذا الفَرْدَ مِنَ الشُّكْرِ؛ هو أصْلُ البابِ؛ الَّذِي يُثْمِرُ باقِيهِ؛ وهو المُرادُ بِقَوْلِ ابْنِ هِشامٍ في السِّيرَةِ:“إنَّ المَعْنى: فاتَّقُونِي؛ فَإنَّهُ شُكْرُ نِعْمَتِي”؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ:“لَعَلَّكم تَزْدادُونَ نِعَمًا؛ فَتَشْكُرُونَ عَلَيْها - إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
آل عمران 3:124
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى المُصِيبَةِ الَّتِي سَيَقُصُّ اللَّهُ كَثِيرًا مِنها؛ وهي مُسْتَوْفاةٌ في السِّيَرِ؛ كانَ أنْسَبَ مِن قَصِّها وبَيانِ ما اتَّفَقَ لَها - لِوَعْظِ مَن يَأْتِي - البَداءَةُ بِتَذْكِيرِ مَن باشَرَها بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ قَبْلَ وُقُوعِ القِتالِ؛ مِنَ النَّصْرِ المَشْرُوطِ بِالصَّبْرِ؛ (p-٥٦)والتَّقْوى؛ تَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّ الخَلَلَ مِن جِهَتِهِمْ أتى؛ ثُمَّ وعْظُهم بِالنَّهْيِ عَمّا مَنَعَهُمُ النَّصْرَ؛ والأمْرُ بِما يُحَصِّلُهُ لَهُمْ؛ كَما سَيَحُثُّهم عَلى ذَلِكَ بِما يَقُصُّ عَلَيْهِمْ مِن نَبَإ مَن قاتَلَ مَعَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ؛ بِأنَّهم لَمّا أصابَهُمُ القَتْلُ لَمْ يَهِنُوا؛ وعَلِمُوا أنَّ الخَلَلَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَبادَرُوا إلى إصْلاحِهِ بِأفْعالِ المُتَّقِينَ؛ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّضَرُّعِ؛ والإقْرارِ بِالذَّنْبِ؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِن: ”إذْ غَدَوْتَ“؛ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ؛ حَثًّا عَلى النَّظَرِ في مَوارِدِهِ؛ ومَصادِرِهِ؛ والتَّدَبُّرِ لِأوائِلِهِ؛ وأواخِرِهِ -: ﴿إذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شاوَرْتَهم في أمْرِ ”أُحُدٍ“ - وفي غِمارِهِمُ المُنافِقُونَ - لَمّا زُلْزِلُوا بِرُجُوعِ أكْثَرِ المُنافِقِينَ؛ حَتّى كادَ بَعْضُ الثّابِتِينَ أنْ يَرْجِعَ؛ ضَعْفًا؛ وجُبْنًا؛ مَعَ ما كانَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَهم بِهِ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي أوَّلَها بِذَبْحٍ يَكُونُ في أصْحابِهِ؛ لِيَكُونَ إقْدامُهم عَلى بَصِيرَةٍ؛ أوْ يَصُدَّهم ذَلِكَ عَنِ الخُرُوجِ إلى العَدُوِّ؛ كَما كانَ مَيْلُ النَّبِيِّ ﷺ في أكْثَرِ أصْحابِهِ؛ وأعْلامِهِمْ؛ إلى المُكْثِ في المَدِينَةِ؛ قالَ مُنْكِرًا؛ آتِيًا بِأداةِ التَّأْكِيدِ؛ لِلنَّفْيِ: ﴿ألَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿أنْ يُمِدَّكُمْ﴾؛ إمْدادًا خَفِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُتَوَلِّي لِتَرْبِيَتِكُمْ؛ ونَصْرِ دِينِكُمْ؛ ﴿بِثَلاثَةِ آلافٍ﴾ (p-٥٧)ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ زادَ في إعْظامِهِمْ بِأنَّهم مِنَ السَّماءِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنْـزَلِينَ﴾؛
آل عمران 3:125
ثُمَّ تَوَلّى - سُبْحانَهُ وتَعالى - هو الجَوابَ عَنْهُمْ؛ تَحْقِيقًا لِلْكِفايَةِ؛ فَقالَ: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: يَكْفِيكم ذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: تُوقِعُوا الصَّبْرَ والتَّقْوى لِلَّهِ رَبِّكُمْ؛ فَتَفْعَلُوا ما يُرْضِيهِ؛ وتَنْتَهُوا عَمّا يُسْخِطُهُ؛ ﴿ويَأْتُوكُمْ﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿مِن فَوْرِهِمْ﴾؛ أيْ: وقْتِهِمُ؛ اسْتُعِيرَ لِلسُّرْعَةِ الَّتِي لا تَرَدُّدَ فِيها؛ مِن: ”فارَتِ القِدْرُ“؛ إذا غَلَتْ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾؛ أيْ: إمْدادًا جَلِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ إشارَةً لَفْظِيَّةً: [آلافٍ]؛ وإشارَةً مَعْنَوِيَّةً: التَّسْوِيمُ؛ ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم مِن أعْيانِ المَلائِكَةُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلَّمِينَ بِما يُعْرَفُ بِهِ مَقامُهم في الحَرْبِ؛ والظّاهِرَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالتَّسْوِيمِ إفْهامُ القِتالِ؛ ومِنَ الِاقْتِصارِ عَلى الإنْزالِ عَدَمُهُ؛ ويَكُونُ فائِدَةُ نُزُولِهِمُ البَرَكَةَ بِهِمْ؛ وإرْهابَ الكُفّارِ بِمَن يَرَوْنَهُ مِنهم.
قالَ البَغَوِيُّ: ”قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لَمْ يُقاتِلِ المَلائِكَةُ في المَعْرَكَةِ إلّا يَوْمَ بَدْرٍ؛ وفِيما سِوى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ القِتالَ؛ ولا يُقاتِلُونَ؛ إنَّما يَكُونُونَ عَدَدًا ومَدَدًا“.
آل عمران 3:126
ولَما كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَيْسَ الإمْدادُ بِهِمْ مُوجِبًا لِلنَّصْرِ“؛ وكانَ قَدْ قَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ﴾ [آل عمران: ١٣]؛ قالَ هُنا (p-٥٨)- قاصِرًا لِلْأمْرِ عَلَيْهِ -: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الإمْدادَ المَذْكُورَ؛ وذَكَرَهُ لَكم عَلى ما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لا يَحْتاجُ مُراقِبُها إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ﴿إلا بُشْرى﴾؛ ولَمّا كانَتِ الهَزِيمَةُ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ الكَرَّةِ؛ وكانَ المَقْتُولُ مِنهم أكْثَرَ؛ قالَ: ﴿لَكُمْ﴾؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ بُشْرى لِضِدِّهِمْ؛ ولِمِثْلِ هَذا قَدَّمَ القُلُوبَ؛ فَقالَ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾؛ وعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ - لِتَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ -: ”لِتَسْتَبْشِرَ نُفُوسُكم بِهِ؛ وطُمَأْنِينَةً لَكُمْ؛ لِتَطْمَئِنَّ ﴿قُلُوبُكم بِهِ﴾“؛ أيْ: الإمْدادِ؛ فَحَكَمَ هُنا بِأنَّهُ بُشْرى؛ مُقَيَّدًا بِـ ”لَكُمْ“؛ فَكانَتِ العِنايَةُ بِضَمِيرٍ أشَدَّ؛ حَتّى كَأنَّهُ قِيلَ: ”إلّا وبُشْرى لَكُمْ؛ وطُمَأْنِينَتِكُمْ“؛ فَوَجَبَ تَأْخِيرُ ضَمِيرِهِ عَنْهُمْ؛ والمَعْنى أنَّهم كانُوا أوَّلًا خائِفِينَ؛ فَلَمّا ورَدَتِ البُشْرى اطْمَأنُّوا بِها؛ رَجاءَ أنْ يُفْعَلَ بِهِمْ مِثْلُ ما فُعِلَ في ”بَدْرٍ“؛ فَلَمّا اطْمَأنُّوا بِها وقَعَ النَّصْرُ؛ كَما وقَعَ بِهِ الوَعْدُ؛ ثُمَّ لَمّا اطْمَأنَّتْ قُلُوبُهم إلى شَيْءٍ ألَزَّ قُوَّتَها؛ لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ لَها نَصْرٌ؛ وسُرُورٌ؛ بِضَرْبٍ؛ وطَعْنٍ؛ في ”بَدْرٍ“؛ (p-٥٩)وغَيْرِها؛ فَلَمَحَتْ نَحْوَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ حَصَلَتِ الهَزِيمَةُ؛ لِيَصِيرُوا إلى حَقِّ اليَقِينِ؛ بِأنَّهُ لا حَوْلَ لَهُمْ؛ ولا قُوَّةَ؛ ولِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما النَّصْرُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ ﴿إلا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ لا بِمَدَدٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا تَجِدُوا في أنْفُسِكم مِن رُجُوعِ مَن رَجَعَ؛ ولا تَأخُّرِ مَن تَأخَّرَ؛ ولا هَزِيمَةِ مَنِ انْهَزَمَ.
ولَمّا قَدَّمَ أمْرَ ”بَدْرٍ“؛ هُنا؛ وأوَّلَ السُّورَةِ؛ وتَحَقَّقَ بِذَلِكَ ما لَهُ مِنَ العِزَّةِ؛ والحِكْمَةِ؛ قالَ: ﴿العَزِيزِ﴾؛ الَّذِي لا يُغالَبُ؛ فَلا يَحْتاجُ إلى قِتالِ أحَدٍ؛ ولا يَحْتاجُ في نَصْرِهِ - إنْ قاتَلَ - إلى مَعُونَةِ أحَدٍ؛ ﴿الحَكِيمِ﴾؛ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أتْقَنِ مَحالِّها؛ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ؛ أيْ: الَّذِي نَصَرَكم قَبْلَ هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ وفي أوَّلِ النَّهارِ فِيها؛ لَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم ناصِرٌ غَيْرُهُ؛ فَمَتى التَفَتَ أحَدٌ إلى سِواهُ وكَلَهُ إلَيْهِ؛ فَخُذِلَ؛ فاحْذَرُوهُ؛ لِتُطِيعُوهُ طاعَةَ أُولِي الإحْسانِ؛ في كُلِّ أوانٍ؛ وهَذا بِخِلافِ ما في قِصَّةِ ”بَدْرٍ“؛ في ”الأنْفالِ“؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ المَقالِ؛ مِمّا اقْتَضاهُ هُناكَ الحالُ؛ و”الحَكِيمُ“؛ رَأْسُ آيَةٍ؛ بِإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ؛ كَما في ”الأنْفالِ“؛
آل عمران 3:127
ولَمّا قَرَّرَ الوَعْدَ ذَكَرَ ثَمَرَتَهُ؛ فَقالَ مُعَلِّقًا الجارَّ بِـ ”يُمْدِدْكُمْ“: ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ أيْ: بِالقَتْلِ؛ ﴿طَرَفًا﴾؛ أيْ: طائِفَةً مِن كِرامِهِمْ؛ يَهِنُونَ بِهِمْ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ويَهْزِمَ الباقِينَ؛ ﴿أوْ يَكْبِتَهُمْ﴾؛ أيْ: يَكْسِرَهُمْ؛ ويَرُدَّهم بِغَيْظِهِمْ؛ مَعَ الخِزْيِ؛ (p-٦٠)أذِلّاءَ؛ وأصْلُ ”الكَبْتُ“: صَرْعُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِهِ؛ ﴿فَيَنْقَلِبُوا﴾؛ أيْ: كُلُّهم مَهْزُومِينَ؛ ﴿خائِبِينَ﴾؛ وذَلِكَ في كِلْتا الحالَتَيْنِ؛ بِقُوَّتِكم عَلَيْهِمْ بِالمَدِّ؛ وضَعْفِهِمْ عَنْكم بِهِ؛ ويَجُوزُ تَعْلِيقُ ﴿لِيَقْطَعَ﴾؛ بِفِعْلِ التَّوَكُّلِ؛ أيْ: فَلْيَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ؛ لِيَفْعَلَ بِأعْدائِهِمْ ما يَشاؤُهُ مِن نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ فَيُقْبِلَ بِهِمْ إلى الإسْلامِ؛ رَغْبَةً؛ أوْ رَهْبَةً؛ أوْ يُمِيتَهم عَلى كُفْرِهِمْ؛ فَيُدِيمَ عَذابَهُمْ؛ مَعَ عافِيَتِهِمْ مِنهُمْ؛ ورَأيْتُ في سِيَرِ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الواقِدِيِّ؛ ما يَدُلُّ عَلى تَعْلِيقِهِ بِـ ”جَعَلَ“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِتَطْمَئِنَّ﴾ [آل عمران: ١٢٦]؛ وهو حَسَنٌ أيْضًا.
آل عمران 3:128
ولَمّا كانَ ﷺ حَرِيصًا عَلى طَلَبِ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِيُمَثِّلَ بِهِمْ؛ كَما مَثَّلُوا بِعَمِّهِ حَمْزَةَ؛ وعِدَّةٍ مِن أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - قالَ (تَعالى): ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: فِيهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ ﴿شَيْءٌ﴾؛ مُوَسِّطًا لَهُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ؛ يَعْنِي: مِنَ الإدالَةِ عَلَيْهِمْ؛ بِقَتْلٍ؛ أوْ هَزِيمَةٍ؛ تُدْرِكُ بِهِما ما تُرِيدُ؛ بَلِ الأمْرُ لَهُ كُلُّهُ؛ إنْ أرادَ فَعَلَ بِهِمْ ما تُرِيدُ؛ وإنْ أرادَ مَنَعَكَ مِنهُ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ؛ أوْ إماتَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ حَتْفَ الأنْفِ؛ فَيَتَوَلّى هو عَذابَهُمْ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ بِما يَكْشِفُ عَنْ قُلُوبِهِمْ مِن حِجابِ الغَفْلَةِ؛ فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ؛ ﴿أوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ بِأيْدِيكُمْ؛ بِأنْ تَسْتَأْصِلُوهُمْ؛ فَلا يُفْلِتَ مِنهم أحَدٌ؛ أوْ يُعَذِّبَهم هو مِن (p-٦١)غَيْرِ واسِطَتِكُمْ؛ بِما يَسْتَدْرِجُهم بِهِ؛ مِمّا يُوجِبُ إصْرارَهم حَتّى يَمُوتُوا عَلى الكُفْرِ؛ مَعَ النَّصْرِ عَلَيْكم وغَيْرِهِ؛ مِمّا هو لَهم في صُورَةِ النِّعَمِ؛ المُوجِبُ لِزِيادَةِ عِقابِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأقْسامَ الأرْبَعَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهم ظالِمُونَ﴾؛ وفي ”المَغازِي“؛ مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ؛ مُعَلَّقًا عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ قالَ: ”سَمِعْتُ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «“كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو عَلى صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ؛ وسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو؛ والحارِثِ بْنِ هِشامٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ظالِمُونَ﴾ ”؛» ورَواهُ مَوْصُولًا في“المَغازِي”؛ و“التَّفْسِيرِ”؛ و“الِاعْتِصامِ”؛ عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ بِغَيْرِ هَذا اللَّفْظِ؛ وفِيهِ: «“اللَّهُمَّ العَنْ فُلانًا؛ وفُلانًا"».
آل عمران 3:129
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”بَلِ الأمْرُ لَهُ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ما قَدَّمَ مِن فِعْلِهِ بِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ أعَمَّ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ عَلى عِظَمِها؛ مِن عاقِلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ“ما”؛ لِأنَّ غَيْرَ العاقِلِ أكْثَرُ؛ وهي بِهِ أجْدَرُ؛ ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ كَذَلِكَ؛ مِلْكًا ومُلْكًا؛ فَهو يَفْعَلُ في مِلْكِهِ ومُلْكِهِ ما يَشاءُ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِـ“ما”؛ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ الكَفَرَةَ؛ الَّذِينَ السِّياقُ لَهُمْ؛ في عِدادِ ما لا يَعْقِلُ. (p-٦٢)ولَمّا كانَتِ الأقْسامُ كُلُّها راجِعَةً إلى قِسْمَيْنِ: عافِيَةٍ؛ وعَذابٍ؛ قالَ - مُتَرْجِمًا لِذَلِكَ؛ مُقَرِّرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] -: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ فَيُعْطِيهِ ما يَشاءُ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ويُغْنِيهِ عَنِ الرِّبا؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾؛ بِالمَنعِ عَمّا يُرِيدُ مِن خَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ عَذَّبَ الطّائِعَ؛ ونَعَّمَ العاصِي؛ لَحَسُنَ مِنهُ ذَلِكَ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ ولا اعْتِراضَ بِوَجْهٍ عَلَيْهِ؛ هَذا مَدْلُولُ الآيَةِ؛ وهو لا يَقْتَضِي أنَّهُ يَفْعَلُ؛ أوْ لا يَفْعَلُ.
ولَمّا كانَ ﷺ لِشِدَّةِ غَيْظِهِ عَلَيْهِمْ في اللَّهِ جَدِيرًا بِالِانْتِقامِ مِنهُمْ؛ بِدُعاءٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ أشارَ لَهُ - سُبْحانَهُ - إلى العَفْوِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ؛ الَّذِي سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُخْتَصُّ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ مُكْرِمٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْواعِ الإكْرامِ؛ فانْطَبَقَ ذَلِكَ عَلى إيضاحِ: ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]؛ وإفْهامِهِ المُوجِبِ لِاعْتِقادِ أنْ يَكُونَ لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الأمْرُ (p-٦٣)وحْدَهُ.
ولَمّا أنْزَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ وما في آخِرِ“النَّحْلِ"؛ مِمّا لِلصّابِرِينَ؛ والعافِينَ؛ حَرَّمَ المُثْلَةَ؛ واشْتَدَّ نَهْيُهُ ﷺ عَنْها؛ فَكانَ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا مَنَعَ مِنها.
آل عمران 3:130
ولَمّا كانَ الخَتْمُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ رُبَّما أطْمَعَ في انْتِهاكِ الحُرُماتِ؛ لِاتِّباعِ الشَّهَواتِ؛ فَكانَ مُبْعِدًا لِمُتَعاطِيهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مُدْنِيًا مِنَ النِّقْمَةِ؛ وكانَ أعْظَمُ المُقْتَضِياتِ لِلْخِذْلانِ تَضْيِيعُهم لِلثَّغْرِ الَّذِي أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِفْظِهِ؛ بِسَبَبِ إقْبالِهِمْ؛ قَبْلَ إتْمامِ هَزِيمَةِ العَدُوِّ؛ عَلى الغَنائِمِ؛ لِلزِّيادَةِ في الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ الَّتِي هي مَعْنى الرِّبا في اللُّغَةِ؛ إذْ هو مُطْلَقُ الزِّيادَةِ؛ أقْبَلَ (تَعالى) عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا إيمانَكم بِأنْ ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا﴾؛ أيْ: المُقَبَّحَ فِيما تَقَدَّمَ أمْرُهُ غايَةَ التَّقْبِيحِ؛ وهو كَما تَرى إقْبالٌ مُتَلَطِّفٌ؛ مُنادٍ لَهم بِاسْمِ الإيمانِ النّاظِرِ إلى الإنْفاقِ؛ المُعْرِضِ عَنِ التَّحْصِيلِ؛ ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿والمُنْفِقِينَ والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ ناهٍ عَنْ الِالتِفاتِ إلى الدُّنْيا؛ بِالإقْبالِ عَلى غَنِيمَةٍ؛ أوْ غَيْرِها (p-٦٤)بِطَرِيقِ الإشارَةِ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ؛ إذِ المُطْلَقُ جُزْءُ المُقَيَّدِ؛ فَفي هَذِهِ العِبارَةِ الَّتِي صَرِيحُها ناهٍ عَنِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا؛ إقْبالًا يُوجِبُ الإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ؛ بِاسْتِباحَةِ أكْلِ الرِّبا المُتَقَدِّمِ في ”البَقَرَةِ“؛ مِنَ النَّهْيِ عَنْهُ؛ مِنَ المُبالَغَةِ ما يَرْدَعُ مَن لَهُ أدْنى تَقْوى؛ ويُوجِبُ لِمَن لَمْ يَتْرُكْهُ؛ وما يُقارِبُهُ؛ الضَّمانَ بِالخِذْلانِ في كُلِّ زَمانٍ؛ ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦]
ولَمّا كانَ في تَرْكِهِ الإثْخانَ في العَدُوِّ؛ بَعْدَ زَوالِ المانِعِ مِنهُ؛ بِالهَزِيمَةِ؛ مَعَ أنَّ فِيهِ مِن حَلاوَةِ الظَّفَرِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ لِأجْلِ الغَنِيمَةِ الَّتِي هي لِمَن غَلَبَ؛ ولَيْسَ في المُبادَرَةِ إلى حَوْزِها كَبِيرُ فائِدَةٍ؛ دَلالَةً عَلى تَناهِي الحُبِّ لِلتَّكاثُرِ؛ ناسَبَ المَقامَ رِبا التَّضْعِيفِ؛ فَقالَ: - أوْ يُقالُ: لَمّا كانَ سَبَبُ الهَزِيمَةِ طَلَبَهُمُ الزِّيادَةَ بِالغَنِيمَةِ؛ وكانَ حُبُّ الزِّيادَةِ حَلالًا؛ قَدْ يَجُرُّ إلى حُبِّها حَرامًا؛ فَيَجُرُّ إلى الرِّبا المُضاعَفِ؛ لِأنَّ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ - قالَ: ﴿أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾؛ أيْ: لا تَتَهَيَّؤُوا لِذَلِكَ بِإقْبالِكم عَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ؛ فَإنَّ المَطْلُوبَ مِنكم بَذْلُ المالِ؛ فَضْلًا عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ فَضْلًا عَنِ الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ دَلَّتْ عَلى الرِّبا بِمُطابَقَتِها؛ (p-٦٥)وعَلى مُطْلَقِ الزِّيادَةِ بِتَضَمُّنِها؛ وهي مِن وادِي قَوْلِهِ ﷺ: «”مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ“».
وخِتامُ الآيَةِ - بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ - مُشِيرٌ إلى ذَلِكَ؛ أيْ: واجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مُخالَفَةِ نَهْيِهِ عَنِ الرِّبا وِقايَةً بِالإعْراضِ عَنْ مُطْلَقِ مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ والإقْبالِ عَلَيْها؛ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ الفَوْزِ بِالمَطالَبِ؛ فَمَن لَهُ مِلْكُ الوُجُودِ؛ ومُلْكُهُ؛ فَإنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يُعْطِيَكم مِن مِلْكِهِ إنِ اتَّقَيْتُمْ؛ ويَمْنَعَكم إنْ تَساهَلْتُمْ؛ فَهو نَهْيٌ عَنِ الرِّبا بِصَرِيحِ العِبارَةِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن أنْ يَعُودُوا إلى ما صَدَرَ مِنهم مِنَ الإقْبالِ عَلى الغَنائِمِ؛ قَبْلَ انْفِصالِ الحَرْبِ فِعْلًا؛ وقُوَّةً؛ بِطَرِيقِ الإشارَةِ؛ وهي مِن أدِلَّةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ عَلى اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ والَّذِي دَلَّنا عَلى إرادَةِ المَعْنى التَّضَمُّنِيِّ المَجازِيِّ نَظْمُها؛ والنّاظِمُ حَكِيمٌ في سَلْكِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ ووَضْعِها في هَذا المَوْضِعِ؛ فَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ كانَ في هَذِهِ القِصَّةِ أمْرٌ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِنُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ ووَضْعِها هُنا؛ لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لازِمٍ؛ ولا مُطَّرِدٍ؛ فَقَدْ كانَ حَلِفُهُ ﷺ أنَّهُ يُمَثِّلُ بِسَبْعِينَ مِنهُمْ؛ كَما مَثَّلُوا بِعَمِّهِ (p-٦٦)حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَبَبًا لِنُزُولِ آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ إلى آخِرِها؛ ولَمْ تُوضَعْ هُنا؛ والأمْرُ الصّالِحُ لِأنْ يَكُونُ سَبَبًا لَها ما رَوى أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ؛ بِسَنَدٍ رِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ عَمْرَو بْنَ أُقَيْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ؛ فَكَرِهَ أنْ يُسْلِمَ حَتّى يَأْخُذَهُ؛ فَجاءَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ فَقالَ: أيْنَ بَنُو عَمِّي؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ قالَ: أيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ قالَ: فَأيْنَ فُلانٌ؟ قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ ورَكِبَ فَرَسَهُ؛ ثُمَّ تَوَجَّهَ قِبَلَهُمْ؛ فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو؛ قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ؛ فَقاتَلَ حَتّى جُرِحَ؛ فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا؛ فَجاءَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ لِأُخْتِهِ: سَلِيهِ: حَمِيَّةً لِقَوْمِكَ؛ أوْ غَضَبًا لَهُمْ؛ أمْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ؟ فَقالَ: بَلْ غَضَبًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ورَسُولِهِ ﷺ؛ فَماتَ؛ فَدَخَلَ الجَنَّةَ؛ وما صَلّى لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - صَلاةً؛ والقِصَّةُ في جُزْءِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ العَيْشِيِّ - بِالمُهْمَلَةِ؛ ثُمَّ التَّحْتانِيَّةِ؛ ثُمَّ المُعْجَمَةِ - تَخْرِيجُ أبِي القاسِمِ (p-٦٧)عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ البَغَوِيِّ؛ والجُزْءِ السّابِعَ عَشَرَ مِنَ المُجالَسَةِ؛ للدِّينَوَرِيِّ مِن طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ شَيْخِ أبِي داوُدَ؛ ولَفْظُ العَيْشِيِّ: إنَّ عَمْرَو بْنَ وقْشٍ - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: أُقَيْشٍ - كانَ لَهُ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ؛ وكانَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ الرِّبا مِنَ الإسْلامِ؛ حَتّى يَأْخُذَهُ؛ ثُمَّ يُسْلِمَ؛ فَجاءَ ذاتَ يَوْمٍ؛ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ زادَ الدِّينَوَرِيُّ: وأصْحابُهُ - بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَقالَ: أيْنَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؟ - وقالَ العَيْشِيُّ: فَقالَ لِقَوْمِهِ: أيْنَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؟ - قالُوا: هو بِـ ”أُحُدٍ“ - قالَ الدِّينَوَرِيُّ: فَقالَ: أيْنَ بَنُو أخِيهِ؟ - قالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَسَألَ عَنْ قَوْمِهِ؛ فَقالُوا: بِـ ”أُحُدٍ“؛ فَأخَذَ سَيْفَهُ؛ ورُمْحَهُ؛ ولَبِسَ لَأْمَتَهُ؛ ثُمَّ أتى ”أُحُدًا“ - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: ثُمَّ ذَهَبَ إلى ”أُحُدٍ“ -؛ فَلَمّا رَآهُ المُسْلِمُونَ قالُوا: إلَيْكَ عَنّا يا عَمْرُو؛ قالَ: إنِّي قَدْ آمَنتُ؛ فَقاتَلَ؛ فَحُمِلَ إلى أهْلِهِ جَرِيحًا؛ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ؛ فَقالَ - يَعْنِي لِامْرَأتِهِ -: سَلِيهِ - وقالَ العَيْشِيُّ: فَقالَ لِأُخْتِهِ: نادِيهِ -؛ فَقُولِي - وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: فَقالَتْ: أجِئْتَ غَضَبًا لِلَّهِ ورَسُولِهِ؛ أمْ حَمِيَّةً؛ وغَضَبًا لِقَوْمِكَ؟ - فَنادَتْهُ؛ فَقالَ: جِئْتُ غَضَبًا لِلَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ فَماتَ؛ فَدَخَلَ الجَنَّةَ؛ ولَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ قَطُّ؛ وقالَ الدِّينَوَرِيُّ: قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: ودَخَلَ الجَنَّةَ؛ وما صَلّى لِلَّهِ صَلاةً.
ورَواها ابْنُ إسْحاقَ؛ والواقِدِيُّ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: حَدِّثُونِي عَنْ رَجُلٍ دَخَلَ الجَنَّةَ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ؛ وقالَ الواقِدِيُّ: أخْبِرُونِي بِرَجُلٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ (p-٦٨)لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ قَطُّ؛ فَيَسْكُتُ النّاسُ؛ فَيَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: هو أخُو بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ؛ وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَإذا لَمْ يَعْرِفْهُ النّاسُ سَألُوا: مَن هُوَ؟ فَيَقُولُ: أُصَيْرِمُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ عَمْرُو بْنُ ثابِتِ بْنِ وقْشٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ زادَ ابْنُ إسْحاقَ: قالَ الحُصَيْنُ - يَعْنِي شَيْخُهُ: فَقُلْتُ لِمَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ: كَيْفَ كانَ شَأْنُ الأُصَيْرِمِ؟ قالَ: كانَ يَأْبى الإسْلامَ عَلى قَوْمِهِ؛ فَلَمّا كانَ يَوْمَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى ”أُحُدٍ“؛ بَدا لَهُ في الإسْلامِ؛ فَأسْلَمَ؛ ثُمَّ أخَذَ سَيْفَهُ؛ فَغَدا حَتّى دَخَلَ في عَرَضِ النّاسِ؛ فَقاتَلَ حَتّى أثْبَتَتْهُ الجِراحَةُ؛ فَبَيْنَما رِجالٌ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ يَلْتَمِسُونَ قَتْلاهم في المَعْرَكَةِ؛ إذا هم بِهِ؛ فَقالُوا: واللَّهِ إنَّ هَذا لَلْأُصَيْرِمُ؛ ما جاءَ بِهِ؟! لَقَدْ تَرَكْناهُ وإنَّهُ لِمُنْكِرٌ بِذا الحَدِيثِ؛ فَسَألُوهُ ما جاءَ بِهِ؛ فَقالُوا: ما جاءَ بِكَ يا عَمْرُو؟ أحَدْبٌ عَلى قَوْمِكَ أمْ رَغْبَةٌ في الإسْلامِ؟ فَقالَ: بَلْ رَغْبَةٌ في الإسْلامِ؛ آمَنتُ بِاللَّهِ؛ وبِرَسُولِهِ؛ وأسْلَمْتُ؛ ثُمَّ أخَذْتُ سَيْفِي؛ فَغَدَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ قاتَلْتُ حَتّى أصابَنِي ما أصابَنِي؛ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أنْ (p-٦٩)ماتَ في أيْدِيهِمْ؛ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنَّهُ لَمِن أهْلِ الجَنَّةِ“؛» والمَعْنى عَلى هَذا: ”يا أيُّها الَّذِينَ يُرِيدُونَ الإيمانَ؛ لا تَفْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِ الأُصَيْرِمِ في تَأْخِيرِ إيمانِهِ لِأجْلِ الرِّبا؛ بَلْ سابِقُوا المَوْتَ لِئَلّا يَأْتِيَكم بَغْتَةً؛ فَتَهْلِكُوا“؛ أوْ: ”يا أيُّها الَّذِينَ أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِالإيمانِ؛ ورُسُوخِ الإذْعانِ في أنْفُسِهِمْ؛ والإيقانِ بِمَرِّ الزَّمانِ؛ افْعَلُوا مِثْلَ فِعْلِهِ ساعَةَ أسْلَمَ؛ في صِدْقِ الإيمانِ؛ وإسْلامِ نَفْسِهِ إلى رَبِّهِ؛ بِرُكُوبِ الأهْوالِ في غَمَراتِ القِتالِ؛ مِن غَيْرِ خَوْفٍ؛ ولا تَوَقُّفٍ؛ ولا التِفاتٍ إلى أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وإنْ عَظُمَ؛ فَقَدْ بانَ أنَّهُ نَبَّهَ بِالإشارَةِ إلى قِصَّةِ“بَدْرٍ”؛ ثُمَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن أعْرَضَ عَنِ الدُّنْيا حُصِّلَتْ لَهُ بِعِزٍّ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ ومَن أقْبَلَ عَلَيْها فاتَتْهُ بِذُلٍّ؛ وإنْ كانَ كَثِيرًا جَلِيلًا؛ لِأنَّ مَن لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ؛ يَفْعَلُ ما يَشاءُ؛ ولا تُفِيدُ الآيَةُ إباحَةَ مُطْلَقِ الفَضْلِ في الرِّبا؛ ما لَمْ يَنْتَهِ إلى الأضْعافِ المُضاعَفَةِ؛ لِأنَّ إفْهامَها لِذَلِكَ مُعارِضٌ لِمَنطُوقِ آياتِ“البَقَرَةِ”؛ النّاهِيَةِ عَنْ مُطْلَقِ الرِّبا؛ والمَفْهُومُ لا يُعْمَلُ بِهِ إذا عارَضَ مَنطُوقَ نَصٍّ آخَرَ؛ وهَذا مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ الرِّبا؛ إذْ حُرِّمَ كُلُّ نَوْعٍ مِنهُ في آيَةٍ تَخُصُّهُ؛ فَحُرِّمَ رِبا الفَضْلِ في آياتِ“البَقَرَةِ"؛ (p-٧٠)ويَلْزَمُ مِن تَحْرِيمِهِ تَحْرِيمُ رِبا الأضْعافِ؛ ثُمَّ نُصَّ عَلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ؛ فَصارَ مُحَرَّمًا مَرَّتَيْنِ؛ مَفْهُومًا ومَنطُوقًا؛ مَعَ ما أفادَ ذِكْرُهُ مِنَ النُّكَتِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها.
آل عمران 3:131
ولَمّا كانَ الفائِزُ بِالمَطالَبِ قَدْ لا يُوَقّى المَعاطِبَ؛ قالَ (تَعالى): ﴿واتَّقُوا النّارَ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّقِيهِ - سُبْحانَهُ - لِذاتِهِ؛ ﴿الَّتِي أُعِدَّتْ﴾؛ أيْ: هُيِّئَتْ؛ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ بِاسْتِحْلالِ الرِّبا؛ وغَيْرِهِ؛ بِالذّاتِ؛ ولِلْكافِرِينَ بِالنِّعْمَةِ؛ عِصْيانًا بِالعَرَضِ؛
آل عمران 3:132
ولَمّا كانَ الفائِزُ السّالِمُ قَدْ لا يَكُونُ مُقَرَّبًا؛ قالَ - إتْباعًا لِلْوَعِيدِ بِالوَعْدِ -: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ كَمالًا لَيْسَ لِأحَدٍ مِثْلُهُ؛ أيْ: في امْتِثالِ الأوامِرِ؛ واجْتِنابِ النَّواهِي بِالإخْلاصِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ؛ وطَمَعٍ في أنْ يَفْعَلَ بِكم فِعْلَ المَرْحُومِ بِالتَّقْرِيبِ؛ والمَحَبَّةِ؛ وإنْجازِ كُلِّ ما وعَدَ عَلى الطّاعَةِ؛ مِن نَصْرِهِ؛ وغَيْرِهِ.
آل عمران 3:133
ولَمّا نَهى عَمّا مَنَعَ النَّصْرَ؛ بِالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا المُرادِ بِالنَّهْيِ عَنْهُ الصَّرْفُ عَنْ مُطْلَقِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا؛ المُشارِ إلى ذَمِّها؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]؛ الآيَةَ؛ وأمَرَ بِما تَضَمَّنَ الفَوْزَ؛ والنَّجاةَ؛ والقُرْبَ؛ وكانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مَعَ التَّوانِي؛ أمَرَ بِالمُسارَعَةِ فِيهِ (p-٧١)تَوَصُّلًا إلى ما أعَدَّ لِلَّذِينِ اتَّقَوُا؛ المَوْعُودِينَ بِالنَّصْرِ المَشْرُوطِ بِتَقْواهُمْ؛ وصَبْرِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا ويَأْتُوكم مِن فَوْرِهِمْ هَذا يُمْدِدْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٥] ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ المَوْصُوفِينَ بِما تَقَدَّمَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى) - في المَقْصِدِ الثّالِثِ مِن دَعائِمِ هَذِهِ السُّورَةِ -: ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [آل عمران: ١٥]؛ الآياتِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ؛ بِالمُسارَعَةِ إلى ما يُوجِبُ المَغْفِرَةَ مِنَ الرَّبِّ؛ اللَّطِيفِ بِعِبادِهِ؛ وإلى ما يُبِيحُ الجَنَّةَ المَوْصُوفَةَ بِالِاجْتِهادِ في الجِهادِ؛ عَلى ما يَجِدُ رَسُولُ اللَّـهِ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ التَّقْوى؛ فَإنَّ هَذِهِ الجَنَّةَ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛ الَّذِينَ يَتَخَلَّوْنَ عَنِ الأمْوالِ؛ وجَمِيعِ مَصانِعِ الدُّنْيا؛ فَلا تَمْتَدُّ أعْيُنُهم إلى الِازْدِيادِ مِن شَيْءٍ مِنها؛ ويَتَحَلَّوْنَ بِالزُّهْدِ فِيها؛ والإنْفاقِ لَها في سَبِيلِ اللَّهِ؛ في مَرْضاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الجِهادِ؛ وغَيْرِهِ؛ في السَّرّاءِ؛ والضَّرّاءِ؛ لا بِالإقْبالِ عَلى الدُّنْيا مِن غَنِيمَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ إقْبالًا يُخِلُّ بِبَعْضِ الأوامِرِ؛ وبِالصَّبْرِ بِكَظْمِ الغَيْظِ عَمَّنْ أُصِيبَ مِنهم بِقَتْلٍ؛ أوْ جِراحَةٍ؛ والعَفْوِ عَمَّنْ (p-٧٢)يَحْسُنُ العَفْوُ عَنْهُ في التَّمْثِيلِ بِالقَتْلِ في ”أُحُدٍ“؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ إرْشادًا إلى ألّا يَكُونَ جِهادُهم إلّا غَضَبًا لِلَّهِ (تَعالى)؛ لا مَدْخَلَ فِيهِ لِحَظٍّ مِن حُظُوظِ النَّفْسِ أصْلًا؛ وبِالصَّبْرِ أيْضًا عَلى حَمْلِ النَّفْسِ عَلى الإحْسانِ إلى مَن أساءَ بِذَلِكَ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ كَما فَعَلَ ﷺ في فَتْحِ مَكَّةَ؛ بَعْدَ أنْ كانَ حَلَفَ لَيُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهم مَكانَ تَمْثِيلِهِمْ بِسَيِّدِ الشُّهَداءِ؛ أسَدِ اللَّهِ؛ وأسَدِ رَسُولِهِ؛ عَمِّهِ حَمْزَةَ؛ ابْنِ ساقِي الحَجِيجِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؛ فَإنَّهُ وقَفَ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي كانَ أعْظَمَ أيّامِ الدُّنْيا؛ الَّذِي أثْبَتَ فِيهِ نُورَ الإسْلامِ عَلى مَشْرِقِ الأرْضِ؛ ومَغْرِبِها؛ فَهَزَمَ ظَلامَ الكُفْرِ؛ وضَرَبَ أوْتادَهُ في كُلِّ قُطْرٍ؛ عَلى دَرَجِ الكَعْبَةِ؛ وهم في قَبْضَتِهِ؛ فَقالَ: «”ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟“؛ قالُوا: خَيْرًا؛ أخٌ كَرِيمٌ؛ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ؛ قالَ: ”اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ“؛» وبِالِاسْتِغْفارِ عَنْ عَمَلِ الفاحِشَةِ مِن خِذْلانِ المُؤْمِنِينَ؛ أوْ أكْلِ الرِّبا؛ أوِ التَّوَلِّي عَنْ قِتالِ الأعْداءِ؛ وعَنْ ظُلْمِ النَّفْسِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ عَلى الغَنائِمِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ الِانْهِزامِ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا أرادَ اللَّهُ (تَعالى)؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسارِعُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تَفْعَلُوا في الطّاعاتِ فِعْلَ مَن يُسابِقُ خَصْمًا؛ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكُمْ؛ بِإرْسالِ الرُّسُلِ؛ وإنْزالِ الكُتُبِ؛ بِعَمَلِ ما يُوجِبُها؛ مِنَ التَّوْبَةِ؛ والإخْلاصِ؛ وكُلِّ ما يُزِيلُ العِقابَ؛ ﴿وجَنَّةٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٍ جِدًّا؛ بِعَمَلِ كُلِّ ما يُحَصِّلُ (p-٧٣)الثَّوابَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ عِظَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾؛ أيْ: كَعَرْضِهِما؛ فَكَيْفَ بِطُولِها؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَطُولِهِما؛ فَهي أبْلَغُ مِن آيَةِ ”الحَدِيدِ“ - كَما يَأْتِي لِما يَأْتِي -؛ وعَلى قِراءَةِ ”سارِعُوا“؛ بِحَذْفِ الواوِ؛ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”سارِعُوا بِفِعْلِ ما تَقَدَّمَ“؛ فَهو في مَعْناهُ؛ لا مُغائِرَ لَهُ.
ولَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بَيَّنَ أهْلَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أُعِدَّتْ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ وفُرِغَ مِنها؛ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ وهُمُ الَّذِينَ صارَتِ التَّقْوى شِعارَهُمْ؛ فاسْتَقامُوا؛ واسْتَمَرُّوا عَلى الِاسْتِقامَةِ؛
آل عمران 3:134
ثُمَّ وصَفَ المُتَّقِينَ بِما تَضَمَّنَ تَفْصِيلَ الطّاعَةِ المَأْمُورِ بِها قَبْلُ إجْمالًا؛ عَلى وجْهٍ مُعَرِّفٍ بِأسْبابِ النَّصْرِ؛ إلى آخِرِ ما قَصَّ مِن خَبَرِ الأنْبِياءِ الماضِينَ؛ ومَن مَعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ بادِئًا بِما هو أشَقُّ الأشْياءِ؛ ولا سِيَّما في ذَلِكَ الزَّمانِ؛ مِنَ التِّبْرِ؛ ومِنَ المالِ؛ الَّذِي هو عَدِيلُ الرُّوحِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ؛ وهو تَعْرِيضُ بِمَن أقْبَلَ عَلى الغَنِيمَةِ؛ ﴿فِي السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾؛ أيْ: في مَرْضاةِ اللَّهِ؛ في حالِ الشِّدَّةِ والرَّخاءِ؛ ولَمّا ذَكَرَ أشَقَّ ما يُتْرَكُ ويُبْذَلُ؛ أتْبَعَهُ أشَقَّ ما يُحْبَسُ؛ فَقالَ: ﴿والكاظِمِينَ﴾؛ أيْ: الحابِسِينَ؛ ﴿الغَيْظَ﴾؛ عَنْ (p-٧٤)أنْ يُنَفِّذُوهُ؛ بَعْدَ أنِ امْتَلَؤُوا مِنهُ.
ولَمّا كانَ الكاظِمُ غَيْظَهُ عَنْ أنْ يَتَجاوَزَ في العُقُوبَةِ؛ قَدْ لا يَعْفُو؛ حَثَّهُ عَلى العَفْوِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿والعافِينَ﴾؛ وعَمَّمَ في الحُكْمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَنِ النّاسِ﴾؛ أيْ: ظُلْمَهم لَهُمْ؛ ولَوْ كانُوا قَدْ قَتَلُوا مِنهُمْ؛ أوْ جَرَحُوهُمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُمْ؛ لِإحْسانِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَنْوِيهًا بِدَرَجَةِ الإحْسانِ - قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: يُكْرِمُهم بِأنْواعِ الإكْرامِ؛ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ؛ والِاسْتِمْرارِ.
آل عمران 3:135
ولَمّا أخْبَرَ أنَّها لِلْمُحْسِنِينَ إلى الغَيْرِ؛ ومَن قارَبَهُمْ؛ أخْبَرَ أنَّها لِمَن دُونَهم في الرُّتْبَةِ؛ مِنَ التّائِبِينَ المُحْسِنِينَ إلى أنْفُسِهِمُ؛ اسْتِجْلابًا لِمَن رَجَعَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ولِغَيْرِهِمْ مِنَ العاصِينَ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا﴾؛ أيْ: باشَرُوا عَنْ عِلْمٍ؛ أوْ جَهْلِ فِعْلِهِ؛ ﴿فاحِشَةً﴾؛ أيْ: مِنَ السَّيِّئاتِ الكِبارِ؛ ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِأيِّ نَوْعٍ كانَ مِنَ الذُّنُوبِ؛ لِتَصِيرَ الفاحِشَةُ مَوْعُودًا بِغُفْرانِها بِالخُصُوصِ؛ وبِالعُمُومِ؛ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن كَمالِ العَظَمَةِ؛ فاسْتَحْيَوْهُ؛ وخافُوهُ؛ ﴿فاسْتَغْفَرُوا﴾؛ اللَّهَ؛ أيْ: فَطَلَبُوا المَغْفِرَةَ بِالتَّوْبَةِ؛ بِشَرْطِها؛ ﴿لِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ يَغْفِرُ لَهُمْ؛ (p-٧٥)لِأنَّهُ غَفّارٌ لِمَن تابَ.
ولَمّا كانَ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّهُ (تَعالى) يَغْفِرُ كُلَّ ذَنْبٍ؛ أتْبَعَهُ تَحْقِيقَ ذَلِكَ؛ ونَفى القُدْرَةَ عَلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَخْلُوقَ لا يَمْضِي غُفْرانُهُ لِذَنْبٍ إلّا إذا كانَ مِمّا شَرَعَ اللَّهُ غُفْرانَهُ؛ فَكانَ لا غافِرَ في الحَقِيقَةِ إلّا اللَّهُ؛ قالَ - مُرَغِّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ -: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾؛ أيْ: يَمْحُو آثارَها؛ حَتّى لا تُذْكَرَ؛ ولا يُجازى عَلَيْها؛ ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ تَفَضَّلَ بِرَفْعِ القَلَمِ عَنِ الغافِلِ؛ قالَ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: أنَّهم عَلى ذَنْبٍ.
آل عمران 3:136
ولَمّا أتَمَّ وصْفَ السّابِقِينَ؛ وهُمُ المُتَّقُونَ؛ واللّاحِقِينَ؛ وهُمُ التّائِبُونَ؛ قالَ - مُعْلِمًا بِجَزائِهِمُ الَّذِي سارَعُوا إلَيْهِ مِنَ المَغْفِرَةِ؛ والجَنَّةِ؛ مُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِأنَّ أحَدًا لا يَقْدُرُ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿جَزاؤُهم مَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: لِتَقْصِيرِهِمْ؛ أوْ لِهَفَواتِهِمْ؛ أوْ لِذُنُوبِهِمْ؛ وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِكُلِّ إحْسانٍ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ لِلْإكْرامِ؛ فَقالَ: ﴿وجَنّاتٌ﴾؛ أيُّ جَنّاتٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ عِظَمَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ هي أجْرُهم عَلى عَمَلِهِمْ؛ ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾؛ هِيَ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ لِجَمِيعِ المَوْصُوفِينَ؛ وإنْ كانَتْ لِلْمُسْتَغْفِرِينَ خاصَّةً؛ فالأمْرُ واضِحٌ في نُزُولِ رُتْبَتِهِمْ عَمَّنْ قَبْلَهم.
آل عمران 3:137
(p-٧٦)ولَمّا فَرَغَ مِن بَيانِ الزَّلَلِ الَّذِي وقَعَ لَهم بِهِ الخَلَلُ؛ والتَّرْهِيبِ مِمّا يُوقِعُ فِيهِ؛ والتَّرْغِيبِ فِيما يُنَجِّي مِنهُ في تِلْكَ الأسالِيبِ الَّتِي هي أحْلى مِن رائِقِ الزُّلالِ؛ ولَذِيذِ الوِصالِ بَعْدَ طُولِ المَطالِ؛ أخَذَ يُشَجِّعُهم عَلى الجِهادِ لِذَوِي الفَسادِ؛ فَبَدَأ بِالسَّبَبِ الأقْوى؛ وهو الأمْرُ بِمُشاهَدَةِ مَصارِعِ مَن مَضى مِنَ المُكَذِّبِينَ بِرُؤْيَةِ دِيارِهِمْ؛ وتَتَبُّعِ آثارِهِمْ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا أشَدَّ خَلْقًا؛ وأقْوى هِمَمًا؛ وأكْثَرَ عَدَدًا؛ وأحْكَمَ عُدَدًا؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى المَغْفِرَةِ -: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ ولَمّا كانَ العِلْمُ بِالقَرِيبِ في الزَّمانِ؛ والمَكانِ؛ أتَمَّ؛ وكانَ الَّذِينَ وقَعَتْ فِيهِمُ السُّنَنُ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ؛ ولا في جَمِيعِ الزَّمانِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا تَظُنُّوا بِما أمْلى لَهم بِهَذِهِ الإدالَةِ أنَّ نِعْمَتَهُ انْقَطَعَتْ عَنْهُمْ؛ ﴿سُنَنٌ﴾؛ أيْ: وقائِعُ سَنَّها اللَّهُ في القُرُونِ الماضِيَةِ؛ والأُمَمِ الخالِيَةِ؛ في المُؤْمِنِينَ؛ والمُكَذِّبِينَ؛ وأحْوالٌ وطَرائِقُ كانَتْ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ فَتَأسَّوْا بِالمُؤْمِنِينَ؛ وتَوَقَّعُوا لِأعْدائِكم مِثْلَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ؛ فانْظُرُوا وأنْعِمُوا التَّأمُّلَ في أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ؛ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ إلّا بِالسَّيْرِ في الكَدِّ؛ والتَّعَبِ الشَّدِيدِ؛ ﴿فَسِيرُوا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِلِاتِّعاظِ بِأحْوالِ تِلْكَ الأُمَمِ؛ بِرُؤْيَةِ آثارِهِمْ؛ لِتَضُمُّوا الخَيْرَ إلى الخَيْرِ؛ وتَعْتَبِرُوا مِنَ العَيْنِ بِالأثَرِ؛ وتَقْرِنُوا بَيْنَ النَّقْلِ والنَّظَرِ؛ ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ عَنِ الهَفْوَةِ واجِبًا عَلى الفَوْرِ؛ عَقَّبَ بِالفاءِ قَوْلَهُ: ﴿فانْظُرُوا﴾؛ أيْ: نَظَرَ اعْتِبارٍ؛ ونَبَّهَ عَلى (p-٧٧)عَظَمَةِ المَنظُورِ فِيهِ؛ بِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ خَرَجَ عَنِ العَوائِدِ؛ فَتَعاظَمَ إشْكالُهُ؛ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾؛ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾
آل عمران 3:138
ولَمّا تَكَفَّلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ بِالهِدايَةِ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ؛ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْتاحِ: ﴿هَذا بَيانٌ﴾؛ أيْ: يُفِيدُ إزالَةَ الشُّبَهِ؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: المُصَدِّقِينَ؛ والمُكَذِّبِينَ؛ ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: إرْشادٌ بِالفِعْلِ؛ ﴿ومَوْعِظَةٌ﴾؛ أيْ: تَرْقِيقٌ؛ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾
آل عمران 3:139
ولَمّا أمَرَهم بِالمُسارَعَةِ؛ وأتْبَعَها عِلَّتَها ونَتِيجَتَها؛ نَهاهم عَمّا يَعُوقُ عَنْها؛ مِن قِبَلِ الوَهَنِ؛ الَّذِي عَرَضَ لَهم عِنْدَ رُؤْيَتِهِمُ المَوْتَ؛ فَقالَ - ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَتَبَيَّنُوا؛ واهْتَدُوا؛ واتَّعِظُوا؛ إنْ كُنْتُمْ مُتَّقِينَ؛ وانْظُرُوا أخْذَنا لِمَن كانَ قَبْلَكم مِن أهْلِ الباطِلِ؛ وإنْ كانَ لَهم دُوَلٌ؛ وصَوَلاتٌ؛ ومَكْرٌ وحِيَلٌ“ -: ﴿ولا تَهِنُوا﴾؛ أيْ: في جِهادِ أعْدائِكُمُ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ؛ فاللَّهُ مَعَكم عَلَيْهِمْ؛ وإنْ ظَهَرُوا يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ نَوْعَ ظُهُورٍ؛ فَسَتَرَوْنَ إلى مَن يَؤُولُ الأمْرُ؛ ﴿ولا تَحْزَنُوا﴾؛ أيْ: عَلى ما أصابَكم مِنهُمْ؛ ولا عَلى غَيْرِهِ؛ مِمّا عَساهُ يَنُوبُكُمْ؛ و؛ الحالُ أنَّكُمْ؛ أنتُمُ الأعْلَوْنَ؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: إنْ كانَ الإيمانُ - وهو التَّصْدِيقُ بِكُلِّ ما يَأْتِي عَنِ اللَّهِ - لَكم صِفَةً راسِخَةً؛ فَإنَّهم لا يَهِنُونَ؛ (p-٧٨)لِأنَّكم بَيْنَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ - كَما لَمْ يَهُنْ مَن سَيَقُصُّ عَلَيْكم نَبَأهُمْ؛ مِمَّنْ كانُوا مَعَ الأنْبِياءِ قَبْلَكم -؛ لِعُلُوِّكم عَدُوَّكُمْ؛ أمّا في الدُّنْيا؛ فَلِأنَّ دِينَكم حَقٌّ؛ ودِينَهم باطِلٌ؛ ومَوْلاكُمُ العَزِيزُ الحَكِيمُ؛ الَّذِي قَدْ وعَدَكُمُ الحَقَّ؛ المَلِكُ الكَبِيرُ؛ لِمَن قُتِلَ؛ والنَّصْرَ والتَّوَزُّرَ لِمَن بَقِيَ؛ وهو حَيٌّ؛ قَيُّومٌ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أحْوالِكُمْ؛ فَهو ناصِرُكُمْ؛ وخاذِلُكُمْ؛ وأمّا في الآخِرَةِ؛ فَلِأنَّكم في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ؛ وهم في النّارِ؛ عِنْدَ مَلائِكَةِ العَذابِ الغِلاظِ الشِّدادِ أبَدًا.
آل عمران 3:140
ولَمّا نَهاهم عَمّا تَقَدَّمَ؛ وبَشَّرَهُمْ؛ سَلّاهُمْ؛ وبَصَّرَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾؛ أيْ: مُصِيبَةٌ؛ بِإدالَتِهِمْ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ؛ ﴿فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم مِن قُوَّةِ المُحاوَلَةِ ما قَدْ عَلِمْتُمْ؛ أيْ: في يَوْمِ ”أُحُدٍ“؛ نَفْسِهِ؛ وفي يَوْمِ ”بَدْرٍ“؛ ﴿قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾؛ أيْ: في مُطْلَقِ كَوْنِهِ قَرْحًا؛ وإنْ كانَ أقَلَّ مِن قَرِحِكم في يَوْمِ ”أُحُدٍ“؛ وأكْثَرَ مِنهُ في يَوْمِ ”بَدْرٍ“؛ عَلى أنَّهُ كَما أنَّهُ ظَفَّرَهم - بَعْدَما أصابَهم وأنْكَأهم يَوْمَ بَدْرٍ بِالزُّهْدِ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ وهْنٌ - بِقَتْلِ مِثْلِ مَن قُتِلَ مِنكُمْ؛ وأُسِرَ مِثْلَكُمْ؛ ويَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ بِالقَتْلِ (p-٧٩)والهَزِيمَةِ؛ أوَّلَ النَّهارِ؛ وهم أعْداؤُهُ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُظْفِرَكم بَعْدَ وهْنِكُمْ؛ وأنْتُمْ أوْلِياؤُهُ؛ فَكَما لَمْ يُضْعِفْهم وهْنُهُمْ؛ وهم عَلى الباطِلِ؛ فَلا تَضْعُفُوا أنْتُمْ؛ وأنْتُمْ عَلى الحَقِّ؛ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ؛ فَقَدْ أدَلْناكم عَلَيْهِمْ يَوْمًا وأدَلْناهم عَلَيْكم آخَرَ؛ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ﴾؛ ولَمّا نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِها بِأداةِ البُعْدِ؛ وكانَتْ إنَّما تَعْظُمُ بِعِظَمِ أحْوالِها؛ ذَكَرَ الحالَ المُنَبَّهَ عَلَيْها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: بِأنْ نَرْفَعَ مَن نَشاءُ تارَةً؛ ونَرْفَعَ عَلَيْهِ أُخْرى.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِيُدالَ عَلى مَن كانَتْ لَهُ الدَّوْلَةُ؛ فَيَعْلَمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الأمْرَ لَنا بِلا شَرِيكٍ؛ ولا مُنازِعٍ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكَمالِ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَصْدِيقِ دَعْوى الإيمانِ؛ بِنِيَّةِ الجِهادِ؛ فَيُكْرِمَهُمْ؛ ومَعْنى ”لِيَعْلَمَ“؛ أنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ مَن يُرِيدُ عِلْمَ ذَلِكَ؛ بِأنْ يُبْرِزَ ما يَعْلَمُهُ غَيْبًا إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلى الفاعِلِينَ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهُمْ؛ ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾؛ أيْ: بِأنْ يَجْعَلَ قَتْلَهم عَيْنَ الحَياةِ؛ الَّتِي هي الشَّهادَةُ؛ لا غَيْبَةَ فِيها؛ فَهو - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَزِيدُ في إكْرامِهِمْ بِما صَدَقُوا في إيمانِهِمْ؛ بِألّا يَكُونُوا مَشْهُودًا عَلَيْهِمْ (p-٨٠)أصْلًا؛ بِفِتْنَةٍ في قُبُورِهِمْ؛ ولا غَيْرِها؛ ولا يَغْفُلُوا بِخَوْفٍ؛ ولا صَعْقٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُؤْمِنِينَ؛ ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ ظَلَمُوا؛ ويَمْحَقَ مِنهم أهْلَ الجَحْدِ والِاعْتِداءِ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُخالِفُ فِعْلُهم قَوْلَهُمْ؛ فَهو لا يَسْتَشْهِدُهُمْ؛ وإنَّما يَجْعَلُ قَتْلَهم أوَّلَ خَيْبَتِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ وفِيهِ بِشارَةٌ في تَرْغِيبٍ بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ مَعَ الكَفَرَةِ فِعْلَ المُحِبِّ؛ لِئَلّا يَحْزَنُوا عَلى ما أصابَهُمْ؛ ونِذارَةٌ في تَأْدِيبٍ بِأنَّهم ما أُخِذُوا إلّا بِتَضْيِيعِهِمُ الثَّغْرَ الَّذِي أمَرَهم بِهِ مَنِ التَزَمُوا طاعَتَهُ؛ وأمَرَ اللَّهُ بِها في المَنشَطِ؛ والمَكْرَهِ؛ بِحِفْظِهِ؛ وأقْبَلُوا عَلى الغَنائِمِ قَبْلَ أنْ يَفْرُغُوا مِنَ العَدُوِّ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ”إثْباتُ الِاتِّخاذِ أوَّلًا؛ دالٌّ عَلى نَفْيِهِ ثانِيًا؛ وإثْباتُ الكَراهَةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى المَحَبَّةِ أوَّلًا“.
آل عمران 3:141
ولَمّا قَدَّمَ التَّنْفِيرَ مِنَ الظُّلْمِ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِهِ؛ أكْمَلَ ثَمَراتِ المُداوَلَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُمَحِّصَ﴾؛ أيْ: ولِيُطَهِّرَ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: إنْ أُصِيبُوا؛ ويَجْعَلَ مُصِيبَتَهم سَبَبًا لِقُوَّتِهِمْ؛ ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: شَيْئًا فَشَيْئًا؛ في تِلْكَ الحالَتَيْنِ؛ بِما يَلْحَقُهم مِنَ (p-٨١)الرِّجْسِ؛ أمّا إذا كانَتْ لَهم فَبِالنَّقْصِ بِالقُوَّةِ؛ بِالبَطَرِ المُوجِبِ لِلْعَكْسِ؛ وأمّا إذا كانَتْ عَلَيْهِمْ؛ فَبِالنَّقْصِ بِالفِعْلِ المُوجِبِ لِلْقَطْعِ بِالنّارِ؛
آل عمران 3:142
ولَمّا كانَ السِّياقُ يُرْشِدُ إلى أنَّ المَعْنى: ”أحَسِبْتُمْ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ؟“؛ عادَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾؛ أيْ: يا مَنِ اسْتَكْرَهَ نَبِيَّنا عَلى الخُرُوجِ في هَذا الوَجْهِ؛ ﴿أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ؛ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يَفْعَلِ المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِالِامْتِحانِ؛ فِعْلَ مَن يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ؛ ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ؛ ثُمَّ أمْضَوْهُ بِالفِعْلِ تَصْدِيقًا لِلدَّعْوى؛ ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الصَّبْرُ عِنْدَ الهَزاهِزِ؛ والثَّباتِ عِنْدَ جَلائِلِ المَصائِبِ؛ تَصْدِيقًا لِظاهِرِ الغَرائِزِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى الوُثُوقِ بِاللَّهِ؛ ووَعْدِهِ الَّذِي هو صَرِيحُ الإيمانِ.
آل عمران 3:143
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَلَقَدْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ: لَئِنْ خَرَجْتَ بِنا؛ لَيَبْتَلِيَنَّ اللَّهُ بَلاءً حَسَنًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ ”حَسِبْتُمْ“؛ ﴿كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾؛ أيْ: الحَرْبَ؛ عَبَّرَ عَنْها بِهِ لِأنَّها سَبَبُهُ؛ ولَقَدْ تَمَنّى بَعْضُهُمُ المَوْتَ نَفْسَهُ بِتَمَنِّي الشَّهادَةِ؛ (p-٨٢)﴿مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ﴾؛ أيْ: رَغْبَةً فِيما أعَدَّ اللَّهُ لِلشُّهَداءِ؛ ﴿فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: بِرُؤْيَةِ قَتْلِ إخْوانِكُمْ؛ والضَّمِيرُ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ لِلْمَوْتِ المُعَبَّرِ بِهِ عَنِ الحَرْبِ؛ ولِلْمَوْتِ نَفْسِهِ؛ بِرُؤْيَةِ أسْبابِهِ القَرِيبَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ بِمَعْنى رُؤْيَةِ العَيْنِ؛ فَهو تَحْقِيقٌ لِإرادَةِ الحَقِيقَةِ.
آل عمران 3:144
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فانْهَزَمْتُمْ عِنْدَما صَرَخَ الشَّيْطانُ كَذِبًا: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؛ ولَمْ يَكُنْ لَكم ذَلِكَ؛ فَإنَّكم إنَّما تَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ الحَيِّ القَيُّومِ؛ وتُقاتِلُونَ لَهُ؛ وأمّا مُحَمَّدٌ فَما هو بِخالِدٍ لَكم في الدُّنْيا؛ قالَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾؛ أيْ: مِن شَأْنِهِ المَوْتُ؛ لا إلَهٌ؛ ثُمَّ قَرَّرَ المُرادَ مِنَ السِّياقِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾؛ أيْ: بِمُفارَقَةِ أُمَمِهِمْ؛ إمّا بِالمَوْتِ؛ أوِ الرَّفْعِ إلى السَّماءِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ الخُلُوَّ مِنهم إنَّما كانَ في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي؛ لِما مَضى؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾؛ أيْ: فَيَسْلُكُ سَبِيلَهُمْ؛ فاسْلُكُوا أنْتُمْ سَبِيلَ مَن نَصَحَ نَفْسَهُ مِن أتْباعِهِمْ؛ فاسْتَمْسَكَ بِنُورِهِمْ.
ولَمّا سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إنْكارَ انْهِزامِهِمْ؛ ودَعَتِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ فَقْدِهِ؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المَلِكُ القادِرُ عَلى ما يُرِيدُ (p-٨٣)لا يَقُولُ شَيْئًا - وإنْ كانَ فَرْضًا - إلّا فَعَلَهُ؛ ولَوْ عَلى أقَلِّ وُجُوهِهِ؛ وكانَ في عِلْمِهِ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ ﷺ يَمُوتُ مَوْتًا - لِكَوْنِهِ عَلى فِراشِهِ -؛ وقَتْلًا - لِكَوْنِهِ بِالسُّمِّ -؛ قالَ: ﴿ماتَ﴾؛ أيْ: مَوْتًا عَلى الفِراشِ؛ ﴿أوْ قُتِلَ﴾؛ أيْ: قَتْلًا؛ ﴿انْقَلَبْتُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الحالِ الَّتِي فارَقَكم عَلَيْها؛ فَأضَعْتُمْ مَشاعِرَ الدِّينِ؛ وتَرَكْتُمْ مَشارِيعَ المُرْسَلِينَ؛ ثُمَّ قَرَّرَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أعْقابِكُمْ﴾؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُرادَ مُطْلَقُ الِانْتِقالِ؛ وإنْ كانَ عَلى الِاسْتِواءِ؛ والِانْتِقالِ إلى أحْسَنَ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: انْتَقَلْتُمْ والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ ما شَرَعَهُ لَهُ نَبِيُّهُ؛ أوِ التَّقْصِيرِ فِيهِ؛ ﴿فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ؛ بِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهم طَوْعُ أمْرِهِ؛ لا يَتَحَرَّكُونَ حَرَكَةً إلّا عَلى وفْقِ مُرادِهِ؛ فَلَوْ أرادَ لَهَداهم أجْمَعِينَ؛ ولَوْ أرادَ أضَلَّهم أجْمَعِينَ؛ وإنَّما يَضُرُّ ذَلِكَ المُنْقَلِبُ نَفْسَهُ لِكُفْرِهِ بِاللَّهِ؛ وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ؛ ومَن سارَ ثابِتًا عَلى المَنهَجِ السَّوِيِّ فَإنَّما يَنْفَعُ نَفْسَهُ؛ لِشُكْرِهِ لِلَّهِ؛ ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿الشّاكِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ”أثْبَتَ الِانْقِلابَ؛ وعَدَمَ الضُّرِّ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ والجَزاءَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا“.
آل عمران 3:145
(p-٨٤)ولَمّا كانَ مَوْتُ الرَّأْسِ مِن أنْصارِ الدِّينِ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْفِرارِ؛ إلّا إذا كانَ مَوْتُهُ بِغَيْرِ إذَنِ صاحِبِ الدِّينِ؛ وكانَ الفِرارُ لا يَصْلُحُ إلّا إذا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلنَّجاةِ؛ وأمّا إذا كانَ مَوْتُهُ لا يَكُونُ إلّا بِإرادَةِ رَبِّ الدِّينِ؛ والفِرارُ لا يَكُونُ سَبَبًا في زِيادَةِ الأجَلِ؛ ولا نَقْصِهِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأنْفُسِ؛ كائِنَةً مَن كانَتْ؛ ﴿أنْ تَمُوتَ﴾؛ أيْ: بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِعِلْمِ المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ؛ وإرادَتِهِ وتَمْكِينِهِ مِن قَبْضِها؛ ”كُتِبَ لِكُلِّ نَفْسٍ عُمْرُها“؛ ﴿كِتابًا مُؤَجَّلا﴾؛ أيْ: أجَلًا لا يَتَقَدَّمُ عَنْهُ بِثَباتٍ؛ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ بِفِرارٍ أصْلًا.
ولَمّا كانَ المَعْنى: ”فَمَن أقْدَمَ شَكَرْتُهُ؛ ولَمْ يَضُرَّهُ الإقْدامُ؛ ومَن أحْجَمَ ذَمَمْتُهُ؛ ولَمْ يَنْفَعْهُ الإحْجامُ“؛ وكانَ الحامِلُ عَلى الإقْدامِ إيثارَ ما عِنْدَ اللَّهِ؛ والحامِلُ عَلى الإحْجامِ إيثارَ الدُّنْيا؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِعَمَلِهِ - كَما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالثَّوابِ -؛ وهُمُ المُقْبِلُونَ عَلى الغَنائِمِ بِالنَّهْبِ؛ والفارُّونَ كُفْرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ؛ ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾؛ أيْ: ما أرادَ؛ وخِتامُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ هُنا: وسَنُرْدِي الكافِرِينَ؛ ولَكِنَّهُ طَواهُ؛ رِفْقًا بِهِمْ؛ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: وهُمُ الثّابِتُونَ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَشْغَلَهم شاغِلٌ عَنِ الجِهادِ؛ ولَمّا كانَ قَصْدُ الجَزاءِ غَيْرَ قادِحٍ في الإخْلاصِ مِنهُ؛ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْنا؛ قالَ: (p-٨٥)﴿نُؤْتِهِ﴾؛ ونَبَّهَ عَلى أنَّ العَمَلَ لِذاتِ اللَّهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ثَوابٍ ولا عِقابٍ أعْلى؛ فَقالَ: ﴿مِنها﴾؛ أيْ: وسَنَجْزِيهِ لِشُكْرِهِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾؛ لَكِنَّهُ أظْهَرَ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ وعَمَّمَ.
آل عمران 3:146
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ الجُمَلَ عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ العِلَلَ؛ وأوْضَحَ بِحالِ الزَّلَلِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ - بَعْدَ انْقِضائِها -: ”فَكَأيِّنْ مِن قَوْمٍ أمَرْناهم بِالجِهادِ؛ فَكانُوا عَلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ؛ فَأثَبْنا الطّائِعَ؛ وعَذَّبْنا العاصِيَ؛ ولَمْ يَضُرَّنا ذَلِكَ شَيْئًا؛ ولا جَرى شَيْءٌ مِنهُ عَلى غَيْرِ مُرادِنا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - يُؤَسِّيهِمْ بِطَرِيقِ الصّالِحِينَ مِن قَبْلِهِمْ؛ ويُسَلِّيهِمْ بِأحْوالِهِمْ - قَوْلَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾؛ وهي بِمَعْنى ”كَمْ“؛ وفِيها لُغاتٌ كَثِيرَةٌ؛ قُرِئَ مِنها في العَشْرِ بِثِنْتَيْنِ: الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ بَعْدَ الكافِ؛ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ؛ وابْنُ كَثِيرٍ؛ وأبُو جَعْفَرٍ بِألِفِ مَمْدُودَةٍ؛ بَعْدَ الكافِ؛ وهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ؛ ولَعَلَّها أبْلَغُ - لِأنَّهُ عَوَّضَ عَنِ الحَرْفِ المَحْذُوفِ - مِنَ المَشْهُورَةِ بِالمَدِّ؛ والمَدُّ أوْقَعُ في النَّفْسِ؛ وأوْقَرُ في القَلْبِ؛ وفِيها كَلامٌ كَثِيرٌ - في لُغاتِها؛ ومَعْناها؛ وقِراءاتِها المُتَواتِرَةِ؛ والشّاذَّةِ؛ وصْلًا ووَقْفًا؛ ورَسْمِها في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٨٦)الَّذِي وقَعَ إجْماعُ الصَّحابَةِ عَلَيْهِ؛ لِيَكُونَ المَرْجِعُ - عِنْدَ الِاخْتِلافِ - إلَيْهِ؛ وهَلْ هي بَسِيطَةٌ؛ أوْ مُرَكَّبَةٌ؟ ومُشْتَقَّةٌ؛ أوْ جامِدَةٌ؟ وفي كَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ في لُغاتِها - اسْتَوْعَبْتُهُ في كِتابِي ”الجامِعُ المُبِينُ“؛ لِما قِيلَ في ”كَأيِّنْ“؛ وقالَ سُبْحانَهُ: ﴿مِن نَبِيٍّ﴾؛ لِتَكُونَ التَّسْلِيَةُ أعْظَمَ؛ بِذِكْرِ ما هو طِبْقُ ما وقَعَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِن قَتْلِ أصْحابِهِ؛ واحْتِمالِ العِبارَةِ لِقَتْلِهِ نَفْسِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتَلَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ النَّبِيُّ؛ حالَ كَوْنِهِ؛ ﴿مَعَهُ﴾؛ لَكِنَّ الأرْجَحَ إسْنادُ ”قاتَلَ“؛ إلى ”رِبِّيُّونَ“؛ لِمُوافَقَتِهِ قِراءَةَ الجَماعَةِ - سِوى الحَرَمِيَّيْنِ؛ وأبِي عَمْرٍو -: ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾؛ أيْ: عُلَماؤُهُمْ؛ ورَثَةُ الأنْبِياءِ؛ وعَلى مِنهاجِهِمْ؛ ﴿كَثِيرٌ فَما﴾؛ أيْ: فَما تَسَبَّبَ عَنْ قَتْلِ نَبِيِّهِمْ وهْنُهُمْ؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى - ويُؤَيِّدُهُ الوَصْفُ بِالكَثْرَةِ -: قاتَلَ الرِّبِّيُّونَ؛ فَما تَسَبَّبَ عَنْ قَتْلِهِمْ أنَّ الباقِينَ بَعْدَهم ﴿وهَنُوا﴾؛ أيْ: ضَعُفُوا عَنْ عَمَلِهِمْ؛ ﴿لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مِنَ القَتْلِ لِنَبِيِّهِمُ الَّذِي هو عِمادُهُمْ؛ أوْ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ هم أعَضادُهُمْ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿وما ضَعُفُوا﴾ أيْ: (p-٨٧)مُطْلَقًا؛ في العَمَلِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾؛ أيْ: وما خَضَعُوا لِأعْدائِهِمْ؛ فَطَلَبُوا أنْ يَكُونُوا تَحْتَ أيْدِيهِمْ - تَعْرِيضًا بِمَن قالَ: ”اذْهَبُوا إلى أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ لِيَأْخُذَ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ“؛ بَلْ صَبَرُوا؛ فَأحَبَّهُمُ اللَّهُ لِصَبْرِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾؛ أيْ: فَلَيَفْعَلَنَّ بِهِمْ مِنَ النَّصْرِ؛ وإعْلاءِ القَدْرِ؛ وجَمِيعِ أنْواعِ الإكْرامِ؛ فِعْلَ مَن يُحِبُّهُ.
آل عمران 3:147
ولَمّا أثْنى - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلى فِعْلِهِمْ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ مِنَ القَوْلِ؛ ﴿قَوْلَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي دَهَمَهُمْ؛ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾؛ أيْ: وهم يَجْتَهِدُونَ في نَصْرِ دِينِ اللَّهِ؛ ناسِبِينَ الخِذْلانَ إلى أنْفُسِهِمْ؛ بِتَعاطِي أسْبابِهِ ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾؛ أيْ: الَّتِي اسْتَوْجَبْنا بِها الخِذْلانَ؛ ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾؛ هَضْمًا لِأنْفُسِهِمْ؛ فَمَعَ كَوْنِهِمْ رَبّانِيِّينَ؛ مُجْتَهِدِينَ؛ نَسَبُوا ما أصابَهم إلى ذُنُوبِهِمْ؛ فافْعَلُوا أنْتُمْ فِعْلَهُمْ؛ لِتَنالُوا مِنَ الكَرامَةِ ما نالُوا؛ كَما أشارَ لَكم - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى ذَلِكَ؛ قَبْلَ الأخْذِ في قَصِّ القِصَّةِ؛ عِنْدَما وصَفَ بِهِ المُتَّقِينَ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]
(p-٨٨)ولَمّا دَعَوْا بِمَحْوِ ما أوْجَبَ الخِذْلانَ؛ دَعَوْا بِثَمَرَةِ المَحْوِ؛ فَقالُوا: ﴿وثَبِّتْ أقْدامَنا﴾؛ إشارَةً إلى أنَّ الرُّعْبَ مِن نَتائِجِ الذَّنْبِ؛ والثَّباتَ مِن ثَمَراتِ الطّاعَةِ – «إنَّما تُقاتِلُونَ النّاسَ بِأعْمالِكُمْ» - ثُمَّ أشارُوا إلى أنَّ قِتالَهم لَهم إنَّما هو لِلَّهِ؛ لا لِحَظٍّ مِن حُظُوظِ النَّفْسِ أصْلًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾
آل عمران 3:148
فَلَمّا تَمَّ الثَّناءُ عَلى فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ ذَكَرَ ما سَبَّبَهُ لَهم ذَلِكَ مِنَ الجَزاءِ؛ فَقالَ ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿ثَوابَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: بِأنْ قَبِلَ دُعاءَهم بِالنَّصْرِ؛ والغِنى بِالغَنائِمِ؛ وغَيْرِها؛ وحُسْنِ الذِّكْرِ؛ وانْشِراحِ الصَّدْرِ؛ وزَوالِ شُبَهاتِ الشَّرِّ.
ولَمّا كانَ ثَوابُ الدُّنْيا؛ كَيْفَما كانَ؛ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِالكَدَرِ مَشُوبًا؛ وبِالبَلاءِ مَصْحُوبًا؛ لِأنَّها دارُ الأكْدارِ؛ أعْراهُ مِن وصْفِ الحُسْنِ؛ وخَصَّ الآخِرَةَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: مَجازًا؛ بِتَوْفِيقِهِمْ إلى الأسْبابِ في الدُّنْيا؛ وحَقِيقَةً في الآخِرَةِ؛ فَإنَّهم أحْسَنُوا في هَذا الفِعالَ؛ والمَقالَ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَطْلُبُوا بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ وجْهِ اللَّهِ؛ فَأحَبَّهم (p-٨٩)لِإحْسانِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ جَمِيلٍ؛ ولِذَلِكَ رَفَعَ مَنزِلَتَهُمْ؛ ولَمْ يَجْعَلْ ثَوابَهم بَعْضًا؛ كَما فَعَلَ بِمَن عَبَدَ لِإرادَةِ الثَّوابِ؛ فَقالَ: ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ فَقَدْ بانَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُنْعَطِفَةٌ عَلى ما أُمِرَ بِهِ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوَّشِ؛ فَنَفْيُ الوَهْنِ تَعْرِيضٌ بِمَن أُشِيرَ إلَيْهِ في آيَةِ: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٤٣]؛ ومَحَبَّةُ الصّابِرِينَ تَعْرِيضٌ بِمَن لَمْ يَصْبِرْ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ والثَّناءُ عَلى قَوْلِهِمْ؛ حَثٌّ عَلى مِثْلِ ما نَدَبَهم إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥]؛ وثَباتُ الأقْدامِ إشارَةٌ إلى: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩]؛ وإلى أنَّ ثَباتَ القَدَمِ لِلنَّصْرِ عَلى أعْداءِ اللَّهِ؛ كانَ شاغِلًا لَهم عَنْ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ؛ وتَعْرِيضٌ بِمَن أقْبَلَ عَلى الغَنائِمِ؛ وتَرَكَ طَلَبَ العَدُوِّ؛ لِتَمامِ النَّصْرِ؛ المُشارِ إلَيْهِمْ بِآيَةِ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ [آل عمران: ١٤٥]؛ وإيتاءُ الثَّوابِ ناظِرٌ إلى النَّهْيِ عَنِ الرِّبا؛ وما انْتَظَمَ في سِلْكِهِ؛ وداناهُ؛ وإلى الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ إلى الجَنَّةِ؛ وما والاهُ؛ وإيماءً إلى أنَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهم نالَ ما نالُوا؛ ومَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ؛ لِأنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ؛ وكَرْمَهُ لا يُحَدُّ؛ وخَزائِنَهُ لا تَنْفَدُ؛ بَلْ (p-٩٠)لا تَنْقُصُ؛ ثُمَّ خَتَمَها بِما خَتَمَ بِهِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّخَلُّقِ بِأوْصافِ المُتَّقِينَ؛ فَقَدِ اتَّضَحَ بِغَيْرِ لَبْسٍ أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ - وهي الإخْبارُ عَنْ إيتائِهِمُ الثَّوابَ - التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ أهَمَّ الأُمُورِ؛ وأحَقَّها بِالبَداءَةِ؛ التَّخَلُّقُ بِما وُعِظُوا بِهِ قَبْلَ قَصِّ القِصَّةِ؛ ولا رَيْبَ أنَّ في مَدْحِ مَن سِواهم تَهْيِيجًا زائِدًا لِانْبِعاثِ نُفُوسِهِمْ؛ وتَحَرُّكِ هِمَمِهِمْ؛ وتَنْبِيهِ نَشاطِهِمْ؛ وثَوَرانِ عَزائِمِهِمْ؛ غَيْرَةً مِنهم أنْ يَكُونَ أحَدٌ - وهم خَيْرُ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ - أعْلى هِمَّةً؛ وأقْوى عَزِيمَةً؛ وأشَدَّ شَكِيمَةً؛ وأصْلَبَ عُودًا؛ وأثْبَتَ عَمُودًا؛ وأرْبَطَ جَأْشًا؛ وأذْكَرَ لِلَّهِ؛ وأرْغَبَ فِيما عِنْدَهُ؛ وأزْهَدَ فِيما أعْرَضَ عَنْهُ؛ مِنهم.
آل عمران 3:149
ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِطاعَتِهِ المُوجِبَةِ لِلنَّصْرِ؛ والأجْرِ؛ وخَتَمَ بِمَحَبَّتِهِ لِلْمُحْسِنِينَ؛ حَذَّرَ مِن طاعَةِ الكافِرِينَ المُقْتَضِيَةِ لِلْخِذْلانِ؛ رَغْبَةً في مُوالاتِهِمْ؛ ومُناصَرَتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - واصِلًا بِالنِّداءِ في آيَةِ الرِّبا -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ﴿إنْ تُطِيعُوا﴾؛ بِخُضُوعٍ واسْتِئْمانٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: هَذا الفَرِيقَ مِنهُمْ؛ أوْ غَيْرَهُ ﴿يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾؛ بِتَعْكِيسِ أحْوالِكُمْ؛ إلى أنْ تَصِيرُوا مِثْلَهُمْ؛ ظالِمِينَ؛ كافِرِينَ؛ (p-٩١)﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾؛ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ في الدّارَيْنِ؛ فَتَكُونُوا في غايَةِ البُعْدِ مِن أحْوالِ المُحْسِنِينَ؛ فَتَكُونُوا بِمَحَلِّ السُّخْطِ مِنَ اللَّهِ؛ صَغَرَةً تَحْتَ أيْدِي الأعْداءِ في الدُّنْيا؛ خالِدِينَ في العَذابِ في الأُخْرى؛ وذَلِكَ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - أوَّلَ ما حَذَّرَ مِن مَكْرِ الكُفّارِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٠٠]؛ ومُوَضِّحٌ أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الآياتِ شَدِيدٌ اتِّصالُ بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
آل عمران 3:150
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلا تُطِيعُوهُمْ؛ إنَّهم لَيْسُوا صالِحِينَ لِلْوِلايَةِ مُطْلَقًا؛ ما دُمْتُمْ مُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿مَوْلاكُمْ﴾؛ مُخْبِرًا بِأنَّهُ ناصِرُهُمْ؛ وأنَّ نَصْرَهُ لا يُساوِيهِ نَصْرُ أحَدٍ سِواهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مَن نَصْرَهُ سَبَّبَ لَهُ جَمِيعَ أسْبابِ النَّصْرِ؛ وأزالَ عَنْهُ كُلَّ أسْبابِ الخِذْلانِ؛ فَمَنَعَ غَيْرَهُ - كائِنًا مَن كانَ - مِن إذْلالِهِ؛
آل عمران 3:151
ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُحَقِّقًا لِلْوَعْدِ -: ﴿سَنُلْقِي﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾؛ أيْ: المُقْتَضِيَ لِامْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ الجُرْأةِ عَلَيْهِمْ؛ وعَدَمِ الوَهْنِ في أمْرِهِمْ؛ كَما افْتَتَحَ القِصَّةَ بِالإيماءِ إلى ذَلِكَ؛ بِالأمْرِ بِالسَّيْرِ في الأرْضِ؛ والنَّظَرِ في عاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿بِما أشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لِيَعْلَمُوا (p-٩٢)قَطْعًا أنَّهُ لا ولِيَّ لِعَدُوِّهِ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ وبَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿بِهِ سُلْطانًا﴾؛ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم في الإشْراكِ؛ وما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا فَلا سُلْطانَ لَهُ؛ ومادَّةُ ”سَلَطَ“؛ تَرْجِعُ إلى القُوَّةِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلَيْهِمُ الذُّلُّ في الدُّنْيا؛ لِاتِّباعِهِمْ ما لا قُوَّةَ بِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ومَأْواهُمُ النّارُ﴾؛ ثُمَّ هَوَّلَ أمْرَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وبِئْسَ مَثْوى الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ.
آل عمران 3:152
ولَمّا كانَتِ السِّينُ في ”سَنُلْقِي“؛ مُفْهِمَةً لِلِاسْتِقْبالِ؛ كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لَمْ يُرَغِّبْهم فِيما مَضى؛ فَنَفى هَذا الوَهْمَ؛ مُحَقِّقًا لَهم ذَلِكَ؛ بِتَذْكِيرِهِمْ بِما أنْجَزَ لَهم مِن وعْدِهِ؛ في أوَّلِ هَذِهِ الوَقْعَةِ؛ مُدَّةَ تَلَبُّسِهِمْ بِما شَرَطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بَلى إنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٢٥]؛ مُصَرِّحًا بِما لَوَّحَ إلَيْهِ تَقْدِيرًا قَبْلُ: ﴿ولَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]؛ كَما مَضى -: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾؛ أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٢٠] ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾؛ أيْ: تَقْتُلُونَهُمْ؛ بَعْضَهم بِالفِعْلِ؛ والباقِينَ بِالقُوَّةِ الَّتِي هَيَّأها لَكُمْ؛ ﴿بِإذْنِهِ﴾؛ فَإنَّ ”الحَسُّ“؛ بِالفَتْحِ: القَتْلُ؛ والِاسْتِئْصالُ - قالَهُ في القامُوسِ.
ثُمَّ بَيَّنَ لَهم سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ بَعْدَ تَمْكِينِهِ مِنهُمْ؛ لِيَكُونَ (p-٩٣)رادِعًا لَهم عَنِ المُعاوَدَةِ إلى مِثْلِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِغايَةِ الحَسِّ -: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾؛ أيْ: ضَعُفْتُمْ؛ وتَراخَيْتُمْ بِالمَيْلِ إلى الغَنِيمَةِ؛ خِلافَ ما تَدْعُو إلَيْهِ الهِمَمُ العَوالِي؛ فَكَيْفَ بِهِمْ إذا كانُوا مِن حِزْبِ مَوْلى المَوالِي؟! فَلَوْ كانَتِ العَرَبُ عَلى حالِ جاهِلِيَّتِها تَتَفاخَرُ بِالإقْبالِ عَلى الطَّعْنِ والضَّرْبِ؛ في مَواطِنِ الحَرْبِ؛ والإعْراضِ عَنِ الغَنائِمِ - كَما قالَ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدّادٍ العَبْسِيُّ - يَفْتَخِرُ -:
؎هَلّا سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنَةَ مالِكٍ ∗∗∗ إنْ كُنْتِ جاهِلَةً بِما لَمْ تَعْلَمِي
؎إذْ لا أزالُ عَلى رِحالَةِ سابِحٍ ∗∗∗ ∗∗∗ نَهْدٍ تَعاوَرُهُ الكُماةُ مُكَلَّمِ
؎طَوْرًا يُعَرَّضُ لِلطِّعانِ وتارَةً ∗∗∗ ∗∗∗ يَأْوِي إلى حَصْدِ القِسِيِّ عَرَمْرَمِ
؎يُخْبِرْكِ مَن شَهِدَ الوَقِيعَةَ أنَّنِي ∗∗∗ ∗∗∗ أغْشى الوَغى وأعَفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
وقالَ - يُفاخِرُ بِقَوْمِهِ كُلِّهِمْ -:
؎إنّا إذا حَمَسَ الوَغى نَرْوِي القَنا ∗∗∗ ونَعَفُّ عِنْدَ مَقاسِمِ الأنْفالِ
ولَمّا ذَكَرَ الفَشَلَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو سَبَبُهُ في الغالِبِ؛ فَقالَ: ﴿وتَنازَعْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالِاخْتِلافِ؛ وأصْلُهُ مِن ”نَزَعَ بَعْضٌ شَيْئًا مِن (p-٩٤)يَدِ بَعْضٍ“؛ ﴿فِي الأمْرِ﴾؛ أيْ: أمْرِ الثَّغْرِ المَأْمُورِ بِحِفْظِهِ؛ ﴿وعَصَيْتُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ العِصْيانُ بَيْنَكُمْ؛ بِتَضْيِيعِ الثَّغْرِ؛ وأُثْبَتَ الجارَّ تَصْوِيرًا لِلْمُخالَفَةِ بِأنَّها كانَتْ عَقِبَ رُؤْيَةِ النَّصْرِ؛ سَواءً؛ وتَبْشِيرًا بِزَوالِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾؛ أيْ: مِن حَسِّهِمْ بِالسُّيُوفِ؛ وهَزِيمَتِهِمْ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ أنَّ الجَمِيعَ عَصَوْا؛ نَفى ذَلِكَ؛ مُعَلِّلًا لِلْعِصْيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: قَدْ أغْضى عَنْ مَعايِبِها؛ الَّتِي أجْلاها فَناؤُها؛ ولَمّا كانَ حُكْمُ الباقِينَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لِلْفَهْمِ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ؛ قالَ: ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾؛ وهُمُ الثّابِتُونَ في مَراكِزِهِمْ؛ لَمْ يُعَرِّجُوا عَلى الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - جَوابًا لِـ ”إذا“ -: سَلَّطَهم عَلَيْكُمْ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: لِانْدِهاشِكم لِإتْيانِهِمْ إلَيْكم مِن ورائِكُمْ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لِلْهَزِيمَةِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنَ النُّصْرَةِ؛ ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾؛ أيْ: يَفْعَلَ في ذَلِكَ فِعْلَ مَن يُرِيدُ الِاخْتِبارَ في ثَباتِكم عَلى الدِّينِ؛ في حالَيِ السَّرّاءِ؛ والضَّرّاءِ.
ولَمّا كانَ اخْتِبارُهُ (تَعالى) بِعِصْيانِهِمْ شَدِيدَ الإزْعاجِ (p-٩٥)لِلْقُلُوبِ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿صَرَفَكُمْ﴾ ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: تَفَضُّلًا عَلَيْكم لِإيمانِكُمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ وهو مِنَ الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ وتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ.
آل عمران 3:153
ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ الصَّرْفِ والعَفْوِ عَنْهُ؛ صَوَّرَهُ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: صَرَفَكُمْ؛ وعَفا عَنْكُمْ؛ حِينَ ﴿تُصْعِدُونَ﴾؛ أيْ: تُزِيلُونَ الصُّعُودَ؛ فَتَنْحَدِرُونَ نَحْوَ المَدِينَةِ؛ أوْ تَذْهَبُونَ في الأرْضِ لِتَبْعُدُوا عَنْ مَحَلِّ الوَقْعَةِ؛ خَوْفًا مِنَ القَتْلِ؛ ﴿ولا تَلْوُونَ﴾؛ أيْ: تَعْطِفُونَ؛ ﴿عَلى أحَدٍ﴾؛ أيْ: مِن قَرِيبٍ؛ ولا بَعِيدٍ؛ ﴿والرَّسُولُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لِتُجِيبُوهُ إلى كُلِّ ما يَدْعُوكم إلَيْهِ؛ وهو الكامِلُ في الرُّسُلِيَّةِ؛ ﴿يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾؛ أيْ: ساقَتَكُمْ؛ وجَماعَتَكُمُ الأُخْرى؛ وأنْتُمْ مُدْبِرُونَ؛ وهو ثابِتٌ في مَكانِهِ؛ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ في نَفَرٍ يَسِيرٍ؛ لا يَبْلُغُونَ أرْبَعِينَ نَفْسًا - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ - وُثُوقًا بِوَعْدِ اللَّهِ؛ ومُراقَبَةً لَهُ؛ يَقُولُ - كُلَّما مَرَّتْ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مُنْهَزِمَةٌ -: ”إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ؛ أنا رَسُولُ اللَّهِ؛ إلَيَّ؛ إلَيَّ؛ عِبادَ اللَّهِ“؛ كَما هو اللّائِقُ بِمَنصِبِهِ الشَّرِيفِ؛ مِنَ الِاعْتِمادِ عَلى اللَّهِ؛ والوُثُوقِ بِما عِنْدَهُ؛ وعَدَّ مَن دُونَهُ مِن ولِيٍّ (p-٩٦)وعَدُوٍّ عَدَمًا؛ وإنَّما قُلْتُ: إنَّ مَعْنى ذَلِكَ الِانْهِزامُ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ يُرادُ مِنهُ الإقْبالُ عَلى الدّاعِي؛ بَعْدَ الِانْصِرافِ عَمّا يُرِيدُهُ؛ لِيَأْمُرَ ويَنْهى؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم مُوَلُّونَ عَنِ المَقْصُودِ؛ وهو القِتالُ؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «”جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى الرِّجّالَةِ يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - وأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ؛ فَذاكَ إذْ يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْراهُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا“».
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ العَفْوِ رَدُّهم عَنِ الهَزِيمَةِ إلى القِتالِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَأثابَكُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلَ لَكم رَبُّكم ثَوابًا؛ ﴿غَمًّا﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِكم قَتْلَ الرَّسُولِ ﷺ؛ وكانَ اعْتِقادًا كاذِبًا مُلِئْتُمْ بِهِ رُعْبًا؛ ﴿بِغَمٍّ﴾؛ أيْ: كانَ حَصَلَ لَكم مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ؛ والهَزِيمَةِ؛ وسَمّاهُ - وإنْ كانَ في صُورَةِ العِقابِ - بِاسْمِ الثَّوابِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا لِلسُّرُورِ؛ حِينَ تَبَيَّنَ أنَّهُ خَبَرٌ كاذِبٌ؛ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سالِمٌ؛ حَتّى كَأنَّهم - كَما قالَ بَعْضُهم - لَمْ تُصِبْهم مُصِيبَةٌ؛ فَهو مِنَ الدَّواءِ بِالدّاءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والغَنِيمَةِ ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ القَتْلِ؛ والجِراحِ والهَزِيمَةِ؛ لِاشْتِغالِكم عَنْ ذَلِكَ (p-٩٧)بِالسُّرُورِ بِحَياةِ الرَّسُولِ ﷺ.
ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوهُ ظاهِرًا؛ وما قَصَدُوهُ باطِنًا؛ وما داواهم بِهِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَبِيرٌ بِما يُصْلِحُ أعْمالَكُمْ؛ ويُبْرِئُ أدَواءَكُمْ“ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن خَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ في هَذِهِ الحالِ؛ وغَيْرِها؛ وبِما يُصْلِحُ مِن جَزائِهِ؛ ودَوائِهِ؛ فَتارَةً يُداوِي الدّاءَ بِالدّاءِ؛ وتارَةً بِالدَّواءِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ القادِرُ؛ المُخْتارُ.
آل عمران 3:154
ولَمّا كانَ أمانُهم بَعْدَ انْخِلاعِ قُلُوبِهِمْ بَعِيدًا؛ ولا سِيَّما بِكَوْنِهِ بِالنُّعاسِ؛ الَّذِي هو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ ذَلِكَ المَقامِ الوَعِرِ؛ والمَحَلِّ الضَّنْكِ؛ عَطَفَ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْـزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ ولَمّا أفادَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَظَمَةَ الأمْنِ؛ وكانَ مُتَّصِلًا بِالغَمِّ؛ ولَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ ما بَعْدَهُ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ الغَمِّ﴾؛ أيْ: المَذْكُورِ؛ وأنْتُمْ في نَحْرِ العَدُوِّ؛ ﴿أمَنَةً﴾؛ أيْ: أمْنًا عَظِيمًا؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها - تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِنَ الغَرابَةِ - قَوْلَهُ: ﴿نُعاسًا﴾؛ دَلِيلًا قَطْعِيًّا؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن أمْنٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ أبا طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٩٨)قالَ:
”غَشِيَنا النُّعاسُ ونَحْنُ في مَصافِّنا يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي؛ وآخُذُهُ؛ ويَسْقُطُ؛ وآخُذُهُ“؛ ولَمّا كانَ لِبَعْضِهِمْ فَقَطِ؛ اسْتَأْنَفَ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾؛ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ وابْتَدَأ الإخْبارَ عَنِ الباقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وطائِفَةٌ﴾؛ أيْ: أُخْرى؛ مِنَ المُنافِقِينَ؛ ﴿قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾؛ لا المُدافَعَةُ عَنِ الدِّينِ؛ فَهم إنَّما يَطْلُبُونَ خَلاصَها؛ ولا يَجِدُونَ إلى ذَلِكَ فِيما يَظُنُّونَ سَبِيلًا لِاتِّصالِ رُعْبِهِمْ؛ وشِدَّةِ جَزَعِهِمْ؛ فَعُوقِبُوا عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُمُ الأمْنُ المَذْكُورُ؛ ثُمَّ فَسَّرَ هَمَّهُمْ؛ فَقالَ: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾؛ أيْ: مِن أنَّ نَصْرَهُ بَعْدَ هَذا لا يُمْكِنُ؛ أوْ أنَّهم لَوْ قَعَدُوا في المَدِينَةِ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ مِن سَفْسافِ الكَلامِ؛ وفاسِدِ الظُّنُونِ الَّتِي فَتَحَتْها ”لَوْ“؛ والأوْهامُ؛ ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ - مِن عَظَمَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّ ما أرادَهُ كانَ؛ ولا يَكُونُ غَيْرُهُ - ما يَعْلَمُ أتْباعُ الرُّسُلِ.
ثُمَّ فَسَّرَ الظَّنَّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُنْكِرِينَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلِ الرَّأْيَ رَأْيَهُمْ؛ ويَعْمَلْ بِمُقْتَضاهُ؛ غَضَبًا؛ وتَأسُّفًا عَلى خُرُوجِهِمْ في هَذا الوَجْهِ؛ وعَدَمِ رُجُوعِهِمْ مَعَ ابْنِ أُبَيٍّ؛ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا؛ ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: المَسْمُوعِ؛ ولِكَوْنِ الِاسْتِفْهامِ بِمَعْنى النَّفْيِ؛ ثَبَتَتْ أداةُ الِاسْتِغْراقِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ رَدًّا عَلَيْهِمُ؛ احْتِقارًا (p-٩٩)بِهِمْ: ﴿إنَّ الأمْرَ﴾؛ أيْ: الحُكْمَ الَّذِي لا يَكُونُ سِواهُ؛ ﴿كُلَّهُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ولَيْسَ لَكُمْ؛ ولا لِغَيْرِكم مِنهُ شَيْءٌ؛ شِئْتُمْ أوْ أبَيْتُمْ؛ غَزَوْتُمْ أوْ قَعَدْتُمْ؛ ثَبَتُّمْ أوْ فَرَرْتُمْ.
ولَمّا قَصَّ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَلَيْهِمْ بَعْضَ أمْرِهِمْ في هَذِهِ الحَرْبِ؛ وبَيَّنَ لَهم شَيْئًا مِن فَوائِدِ ما فَعَلَ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]؛ وكانَ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أظْهَرَ مِن أسْرارِ المُنافِقِينَ بِهَذِهِ الوَقْعَةِ؛ في اتِّهامِهِمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ؛ حَتّى وصَلَ إلى هُنا؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا غَيْرَ صَرِيحٍ في الِاتِّهامِ؛ لِإمْكانِ حَمْلِهِ عَلى مَساقِ الِاسْتِفْهامِ؛ أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِتَدْلِيسِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْفُونَ﴾؛ أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ مُخْفِينَ؛ ﴿فِي أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لِكَوْنِهِ لا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْدَ إجْمالِهِ؛ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ﴾؛ أيْ: المَسْمُوعِ؛ ﴿شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾؛ لِأنّا كُنّا نَمْكُثُ في المَدِينَةِ؛ ولا نَخْرُجُ إلى العَدُوِّ.
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْهم بِما أخْفَوْهُ جَهْلًا مِنهُمْ؛ ظَنًّا أنَّ الحَذَرَ يُغْنِي مِنَ القَدْرِ؛ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ أنْ أُجْمِعَ رَأْيُكم عَلى ألّا يَخْرُجَ مِنكم (p-١٠٠)أحَدٌ؛ ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ ﴿إلى مَضاجِعِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَضاجِعُهم بِالحَقِيقَةِ؛ وهي الَّتِي قُتِلُوا بِها؛ لِأنَّ ما قَدَّرْناهُ لا يُمْكِنُ أحَدًا دَفْعُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما عُلِمَ تَقْدِيرُهُ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ﴾؛ أيْ: لَبَرَزَ المَذْكُورُونَ لِيَنْفُذَ قَضاؤُهُ؛ ويَصْدُقَ قَوْلُهُ لَكم في غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“: ”إنْ فادَيْتُمُ الأُسارى؛ ولَمْ تَقْتُلُوهُمْ؛ قُتِلَ مِنكم في العامِ المُقْبِلِ مِثْلُهُمْ“؛ ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِهَذا الأمْرِ التَّقْدِيرِيِّ؛ ﴿ما في صُدُورِكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الإيمانِ؛ والنِّفاقِ؛ بِأنْ يَفْعَلَ؛ في إظْهارِهِ مِن عالَمِ الغَيْبِ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ فِعْلَ المُخْتَبِرِ؛ كَما فَعَلَ بِما وُجِدَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ مِنَ الأُمُورِ التَّحْقِيقِيَّةِ؛ ﴿ولِيُمَحِّصَ ما في قُلُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: يُطَهِّرَهُ ويُصَفِّيَهُ مِن جَمِيعِ الوَساوِسِ الصّارِفَةِ عَنِ المُراقَبَةِ مِن مَحَبَّةِ الدُّنْيا؛ مِنَ الغَنائِمِ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ الهَزِيمَةِ؛ وغَيْرِها.
وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا؛ ودافِعًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن ذِكْرِ الِابْتِلاءِ مِن عَدَمِ العِلْمِ بِالخَفايا.
ولَمّا كانُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ قَدْ حَصَلَ لَهم ضَرَرٌ عَظِيمٌ؛ لَكِنَّهُ كانَ بِما وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ مِنَ الخَلَلِ الظّاهِرِ؛ فَأدَّبَهم بِذَلِكَ؛ عَفا عَنْهم - سُبْحانَهُ (p-١٠١)وتَعالى - بَعْدَ ذَلِكَ التَّأْدِيبِ؛ ورَحِمَهُمْ؛ وطَيَّبَ قُلُوبَهم بِهَذِهِ الآيَةِ؛ بِما فِيها مِنَ التَّأْمِينِ صَرِيحًا؛ وبِما فِيها مِنَ الإشارَةِ بِجَمْعِ جَمِيعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ فِيها؛ تَلْوِيحًا إلى أنَّ أمْرَهم لا بُدَّ أنْ يَتِمَّ؛ كَما تَمَّتِ الحُرُوفُ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لَكِنَّهُ افْتَتَحَها بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ مَدِيدَةٍ؛ حَتّى تُصْقَلَ مَرائِي الصُّدُورِ الَّتِي خَتَمَها بِها؛ بِخِلافِ ما في الآيَةِ الأُخْرى الجامِعَةِ لِلْحُرُوفِ في آخِرِ سُورَةِ ”الفَتْحِ“؛ الَّتِي نَزَلَتْ في ”الحُدَيْبِيَةِ“؛ الَّتِي ساءَهم رُجُوعُهم مِنها دُونَ وُصُولِهِمْ إلى قَصْدِهِمْ - كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى.
آل عمران 3:155
ولَمّا كانَ فِيهِ - مَعَ ذَلِكَ - مَعْنى التَّعْلِيلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ الِاخْتِبارِ؛ خَبِيرٌ بِدَقائِقِ الأسْرارِ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ - مُسْتَأْنِفًا لِبَيانِ ما هو مِن ثَمَراتِ العِلْمِ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ القِتالِ؛ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ؛ ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ والكُفّارِ؛ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ﴾؛ أيْ: طَلَبَ زَلَلَهم عَنْ ذَلِكَ المَقامِ العالِي؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: عَدُوُّهُمُ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمَن طَلَبَ الدُّنُوَّ إلى حَضَراتِ القُدْسُ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ؛ مِن تَرْكِ المَرْكَزِ؛ والإقْبالِ عَلى الغَنِيمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ القِتالَ في الجِهادِ إنَّما هو بِالأعْمالِ؛ (p-١٠٢)فَمَن كانَ أصْبَرَ في أعْمالِ الطّاعَةِ؛ كانَ أجْلَدَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ؛ ولَمْ يَكُنْ تَوَلِّيهِمْ عَنْ ضَعْفٍ في نَفْسِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا صارُوا مِن حِزْبِ الشَّيْطانِ؛ فاسْتَحَقُّوا ما اسْتَحَقَّ؛ ألْصَقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ لِئَلّا تَطِيرَ أفْئِدَةُ المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِبَيانِ عِلَّتِهِ مِمّا هو أهْلُهُ مِنَ الغُفْرانِ؛ والحِلْمِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الذَّنْبَ عَظِيمٌ؛ والخَطَرَ بِسَبَبِهِ جَسِيمٌ؛ فَلَوْلا الِاشْتِمالُ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ لَعُوجِلُوا بِأعْظَمِ النَّكالِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا؛ وأثَرًا. ولَمّا كانَ الغَفْرُ قَدْ يَكُونُ مَعَ تَحَمُّلٍ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أيْ: حَيْثُ لَمْ يُعامِلِ المُتَوَلِّينَ حَذَرَ المَوْتِ مُعامَلَةَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - حَذَرَ المَوْتِ؛ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: ﴿مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣]
آل عمران 3:156
ولَمّا كانَ قَوْلُهُمْ: ”إنّا لَوْ ثَبَتْنا في المَدِينَةِ المُمَثَّلَةِ بِالدِّرْعِ الحَصِينَةِ“ - كَما كانَ رَأْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والأكابِرِ مِن أصْحابِهِ؛ لَسَلِمْنا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أشارَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلَيْهِ -؛ قَوْلًا مُوجِبًا لِغَيْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاتِّهامِ؛ وسُوءِ العَقِيدَةِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يَخْدَعَ كَثِيرًا مِن أهْلِ الطّاعَةِ؛ لِشِدَّةِ حُبِّهِمْ لِمَن قُتِلَ مِنهُمْ؛ (p-١٠٣)وتَعاظُمِ أسَفِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ المُبادَرَةَ إلى الوَعْظِ بِما يُزِيلُ هَذا الأثَرَ؛ ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مُؤَيَّدًا بِأعْظَمِ الثَّباتِ؛ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ الشِّيَمِ الطّاهِرَةِ؛ والمَحاسِنِ الظّاهِرَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ البَداءَةُ بِغَيْرِهِ؛ فَنَهى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ الِانْخِداعِ بِأقْوالِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أظْهَرُوا الإقْرارَ بِالإيمانِ؛ صَدِّقُوا قَوْلَكم بِأنْ ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِقُلُوبِهِمْ؛ عَلى وجْهِ السَّتْرِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: ما فَضَحَهُمْ؛ ﴿لإخْوانِهِمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إخْوانِهِمُ الأعِزَّةِ عَلَيْهِمْ؛ نَسَبًا؛ أوْ مَذْهَبًا؛ ﴿إذا ضَرَبُوا﴾؛ أيْ: سافَرُوا مُطْلَقَ سَفَرٍ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِمَتْجَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى﴾؛ أيْ: غُزاةً؛ مُبالِغِينَ في الغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ بِسَفَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ - جَمْعُ ”غازٍ“؛ فَماتُوا؛ أوْ قُتِلُوا؛ ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لَمْ يُفارِقُونا؛ ﴿ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾؛ وهَذا في غايَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّ إطْلاقَ هَذا القَوْلِ مِنهم - لا سِيَّما عَلى هَذا التَّأْكِيدِ - يَلْزَمُ مِنهُ ادِّعاءُ أنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ في المَدِينَةِ؛ وهو لا يَقُولُهُ عاقِلٌ؛ ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُحْزِنًا؛ اعْتِقادُهُ وكِتْمانُهُ؛ عَلَّقَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“؛ وبِانْتِفاءِ الكَوْنِ كالَّذِينِ قالُوا قَوْلَهُ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ؛ أوْ الِانْفِرادَ بِهِ عَنْ مُشارِكٍ؛ (p-١٠٤)﴿حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِاعْتِقادِهِ؛ وعَدَمِ المُواسِي فِيهِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ التَّعْلِيقِ بِـ ”قالُوا“؛ يَكُونُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوهُ لِهَذا الغَرَضِ الَّذِي لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ لَكانُوا قَدْ قالُوهُ لا لِغَرَضٍ أصْلًا؛ وذَلِكَ أعْرَقُ في كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أفْعالِ العُقَلاءِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: لا تَكُونُوا مِثْلَهُمْ؛ والحالُ - أوْ قالُوا ذَلِكَ والحالُ - أنَّ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يُحْيِي﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ؛ ﴿ويُمِيتُ﴾؛ أيْ: مَن أرادَ؛ إذا أرادَ؛ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِعَمَلِكُمْ؛ وبِكُلِّ شَيْءٍ مِنهُ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ قَدِيرٌ؛ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ومَتى كانَ عَلى خِلافِ أمْرِهِ عاقَبَ عَلَيْهِ.
آل عمران 3:157
ولَمّا نَهاهم عَنْ قَوْلِ المُنافِقِينَ الدّائِرِ عَلى تَمَنِّي المُحالِ مِن دَوامِ البَقاءِ؛ وكَراهَةِ المَوْتِ؛ بَيَّنَ لَهم ثَمَرَةَ فَواتِ أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ؛ بِالمَوْتِ؛ أوِ القَتْلِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مُبْعِدًا لَهم مِمّا قالَ المُنافِقُونَ؛ مُوجِبًا لِتَسْلِيمِ الأمْرِ لِلْخالِقِ؛ بَلْ مُحَبِّبًا فِيهِ؛ وداعِيًا إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ﴾؛ وهو حالٌ أُخْرى مِن ”لا تَكُونُوا“؛ ﴿قُتِلْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قاتِلٍ كانَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (p-١٠٥)؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ قَتْلًا؛ ﴿أوْ مُتُّمْ﴾؛ أيْ: فِيهِ مَوْتًا عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ؛ ولَمّا كانَ لِلنُّفُوسِ غايَةُ الجُمُوحِ عَنِ المَوْتِ؛ زادَ في التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: لِذُنُوبِكُمْ؛ تَنالُكُمْ؛ فَهَذا تَعَبُّدٌ بِالخَوْفِ مِنَ العِقابِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ نِهايَةُ الكَمالِ؛ بِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن طاعَةٍ؛ ﴿ورَحْمَةٌ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ ذَلِكَ؛ وهو تَعَبُّدٌ لِطَلَبِ الثَّوابِ؛ ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا هو ثَمَرَةُ البَقاءِ في الدُّنْيا عِنْدَ أهْلِ الشَّقاءِ؛ مَعَ أنَّهُ ما فاتَكم شَيْءٌ مِن أعْمارِكم.
آل عمران 3:158
ولَمّا ذَكَرَ أشْرَفَ المَوْتِ؛ بادِئًا بِأشْرَفِهِ؛ ذَكَرَ ما دُونَهُ؛ بادِئًا بِأدْناهُ؛ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ أيْ: في أيِّ وجْهٍ كانَ؛ عَلى حَسَبِ ما قُدِّرَ عَلَيْكم في الأزَلِ؛ ﴿لإلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مُتَوَفِّيكُمْ؛ لا غَيْرُهُ؛ وهو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ لِذاتِهِ؛ ودَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ؛ بَعْدَ الدَّلالَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ؛ فَقالَ: ﴿تُحْشَرُونَ﴾؛ فَإنْ كانَ ذَلِكَ المَوْتُ؛ أوِ القَتْلُ عَلى طاعَتِهِ؛ أثابَكُمْ؛ وإلّا عاقَبَكُمْ؛ والحاصِلُ أنَّهُ لا حِيلَةَ في دَفْعِ المَوْتِ عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ قَتْلٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ولا في الحَشْرِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وأمّا الخَلاصُ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَفِيهِ حِيلَةٌ بِالطّاعَةِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى – المُوَفِّقُ؛ وما أحْسَنَ ما قالَ عَنْتَرَةُ في نَحْوِهِ! وهو (p-١٠٦)جاهِلِيٌّ؛ فالمُؤْمِنُ أوْلى مِنهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ:
؎بَكَرَتْ تُخَوِّفُنِي الحُتُوفُ كَأنَّنِي ∗∗∗ أصْبَحْتُ عَنْ غَرَضِ الحُتُوفِ بِمَعْزِلِ
؎فَأجَبْتُها إنَّ المَنِيَّةَ مَنهَلٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لا بُدَّ أنْ أُسْقى بِكَأْسِ المَنهَلِ
؎فاقَنَيْ حَياءَكِ لا أبا لَكِ واعْلَمِي ∗∗∗ ∗∗∗ أنِّي امْرُؤٌ سَأمُوتُ إنْ لَمْ أُقْتَلِ
آل عمران 3:159
لَمّا فَرَغَ مِن وعْظِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم - أتْبَعَهُ تَحْبِيبَ النَّبِيِّ ﷺ فِيما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الرِّفْقِ؛ واللِّينِ؛ مَعَ ما سَبَّبَ الغَضَبَ المُوجِبَ لِلْعُنْفِ؛ والسَّطْوَةِ؛ مِنَ اعْتِراضِ مَنِ اعْتَرَضَ عَلى ما أشارَ بِهِ؛ ثُمَّ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِهِ في حِفْظِ المَرْكَزِ؛ والصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ ثُمَّ خِذْلانِهِمْ لَهُ؛ وتَقْدِيمِ أنْفُسِهِمْ عَلى نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ ثُمَّ عَدَمِ العَطْفِ عَلَيْهِ؛ وهو يَدْعُوهم إلَيْهِ؛ ويَأْمُرُ بِإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ اتِّهامِ مَنِ اتَّهَمَهُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ لِرُؤَساءِ الجُيُوشِ؛ وقادَةِ الجُنُودِ؛ اتِّهامَ أتْباعِهِمْ؛ وسُوءَ الظَّنِّ بِهِمُ؛ المُوجِبَ لِلْغَضَبِ والإيقاعِ بِبَعْضِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ زاجِرًا لَهم عَنِ العَوْدِ إلى مِثْلِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما لِنْتَ لَهم هَذا اللِّينَ الخارِقَ لِلْعادَةِ؛ ورَفَقْتَ بِهِمْ هَذا الرِّفْقَ؛ بَعْدَ ما فَعَلُوا بِكَ؛ إلّا بِسَبَبِ رَحْمَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ اللَّهِ (p-١٠٧)الحائِزِ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ فَقابَلْتَهم بِالجَمِيلِ؛ ولَمْ تُعَنِّفْهم بِانْهِزامِهِمْ عَنْكَ بَعْدَ إذْ خالَفُوا رَأْيَكَ؛ وهم كانُوا سَبَبًا لِاسْتِخْراجِكَ؛ والَّذِي اقْتَضى هَذا الحَصْرَ هو ”ما“؛ لِأنَّها نافِيَةٌ في سِياقِ الإثْباتِ؛ فَلَمْ يُمْكِنْ أنْ تُوَجَّهَ إلّا إلى ضِدِّ ما أثْبَتَهُ السِّياقُ؛ ودَلَّتْ زِيادَتُها عَلى أنَّ تَنْوِينَ ”رَحْمَةً“؛ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: فَبِالرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ؛ لا بِغَيْرِها؛ لِنْتَ.
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - سَبَبَ هَذا اللِّينِ المَتِينِ بَيَّنَ ثَمَرَتَهُ بِبَيانِ ما في ضِدِّهِ مِنَ الضَّرَرِ؛ فَقالَ: ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾؛ أيْ: سَيِّئَ الخُلُقِ؛ جافِيًا في القَوْلِ؛ ﴿غَلِيظَ القَلْبِ﴾؛ أيْ: قاسِيَهُ؛ لا تَتَأثَّرُ بِشَيْءٍ؛ تُعامِلُهم بِالعُنْفِ؛ والجَفاءِ؛ ﴿لانْفَضُّوا﴾؛ أيْ: تَفَرَّقُوا تَفَرُّقًا قَبِيحًا؛ لا اجْتِماعَ مَعَهُ؛ ﴿مِن حَوْلِكَ﴾؛ أيْ: فَفاتَ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ.
ولَمّا أخْبَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أنَّهُ هو عَفا عَنْهم ما فَرَّطُوا في حَقِّهِ؛ أمَرَهُ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ؛ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ ﷺ؛ وبِالِاسْتِمْرارِ عَلى مُشاوَرَتِهِمْ عِنْدَ النَّوائِبِ؛ لِئَلّا يَكُونَ خَطَؤُهم في الرَّأْيِ - أوَّلًا في الخُرُوجِ مِنَ المَدِينَةِ؛ وثانِيًا في تَضْيِيعِ المَرْكَزِ؛ وثالِثًا في إعْراضِهِمْ عَنِ الإثْخانِ في العَدُوِّ؛ بَعْدَ الهَزِيمَةِ؛ الَّذِي ما شُرِعَ القِتالُ إلّا لِأجْلِهِ؛ بِإقْبالِهِمْ عَلى النَّهْبِ؛ ورابِعًا (p-١٠٨)فِي وهْنِهِمْ عِنْدَ كَرِّ العَدُوِّ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ - مُوجِبًا لِتَرْكِ مُشاوَرَتِهِمْ؛ فَيَفُوتَ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ في نَفْسِها؛ وفِيما تُثْمِرُهُ مِنَ التَّآلُفِ؛ والتَّسَنُّنِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فاعْفُ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: ما فَرَّطُوا في هَذِهِ الكَرَّةِ في حَقِّكَ؛ ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِما فَرَّطُوا في حَقِّهِ؛ ﴿وشاوِرْهُمْ﴾؛ أيْ: اسْتَخْرِجْ آراءَهُمْ؛ ﴿فِي الأمْرِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تُرِيدُهُ مِن أُمُورِ الحَرْبِ؛ تَألُّفًا لَهُمْ؛ وتَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ؛ لِيَسْتَنَّ بِكَ مَن بَعْدَكَ؛ ﴿فَإذا عَزَمْتَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أمْرٍ؛ فَمَضَيْتَ فِيهِ؛ وقِراءَةُ مَن ضَمَّ التّاءَ لِلْمُتَكَلِّمِ؛ بِمَعْناها؛ أيْ: فَإذا فَعَلْتَ أنْتَ أمْرًا بَعْدَ المُشاوَرَةِ؛ لِأنِّي فَعَلْتُ فِيهِ - بِأنْ أرَدْتُهُ - فِعْلَ العازِمِ.
ولَمّا أمَرَ بِالمُشاوَرَةِ؛ الَّتِي هي النَّظَرُ في الأسْبابِ؛ أمَرَ بِالِاعْتِصامِ بِمُسَبِّبِها؛ مِن غَيْرِ التِفاتِ إلَيْها؛ لِيَكْمُلَ جِهادُ الإنْسانِ بِالمُلابَسَةِ؛ ثُمَّ التَّجَرُّدِ؛ فَقالَ: ﴿فَتَوَكَّلْ﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا يَرُدَّكَ عَنْهُ خَوْفُ عاقِبَةٍ - كَما فَعَلْتَ؛ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ؛ في هَذِهِ الغَزْوَةِ -؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ﴾؛ أيْ: فَلا يَفْعَلُ بِهِمْ إلّا ما فِيهِ إكْرامُهُمْ؛ (p-١٠٩)وإنْ رُئِيَ غَيْرُ ذَلِكَ.
آل عمران 3:160
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإذا فَعَلُوا ما يُحِبُّهُ؛ أعْطاهم مُناهُمْ؛ مِمّا عَزَمُوا عَلَيْهِ لِأجْلِهِ“؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلَيْهِ؛ ويَقْصُرُ هِمَمَهم عَلَيْهِ؛ بِأنَّ مَن نَصَرَهُ هو المَنصُورُ؛ ومَن خَذَلَهُ هو المَخْذُولُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ كانَ نَبِيُّكم ﷺ بَيْنَكُمْ؛ أوْ لا؛ فَما بالُكم وهَنْتُمْ لَمّا صاحَ إبْلِيسُ: إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟! وهَلّا فَعَلْتُمْ كَما فَعَلَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ وكَما فَعَلَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - حِينَ قالَ: ”مُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ نَبِيُّكم ﷺ! فَهو أعْذَرُ لَكم عِنْدَ رَبِّكُمْ“؛ ﴿وإنْ يَخْذُلْكُمْ﴾؛ أيْ: بِإمْكانِ العَدُوِّ مِنكُمْ؛ ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن نَبِيٍّ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وحْدَهُ؛ لا عَلى نَبِيٍّ؛ ولا عَلى قُوَّةٍ بَعْدُ؛ ولا بِمالِ مِن غَنِيمَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: كُلُّهُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ أمارَةَ صِحَّةِ إيمانِهِمْ.
آل عمران 3:161
ولَمّا كانَ الغُلُولُ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخِذْلانِ؛ أوْ أعْظَمَها؛ والنَّزاهَةُ عَنْهُ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ النَّصْرِ؛ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ تَعْقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ (p-١١٠)بِآيَةِ الغُلُولِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ فَإنَّهُ لا يُخْذَلُ إلّا بِالذُّنُوبِ؛ ومِن أعْظَمِ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِلْخِذْلانِ الغُلُولُ؛ فَيَكُونُ المُرادُ بِتَنْزِيهِهِ ﷺ عَنْهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ إقْبالَهم عَلى نَهْبِ الغَنائِمِ قَبْلَ وقْتِهِ؛ إمّا أنْ يَكُونَ لِقَصْدِ أنْ يَغُلُّوا بِإخْفاءِ ما انْتَهَبُوهُ؛ أوْ بَعْضِهِ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْخَوْفِ مِن أنْ يَغُلَّ رَئِيسُهُمْ؛ وحاشاهُ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ لِلْخَوْفِ مِن مُطْلَقِ الخِيانَةِ؛ بِألّا يُقَسِّمَهُ ﷺ بَيْنَهم عَلى السَّواءِ؛ وحاشاهُ مِن كُلِّ ذَلِكَ؛ وأمّا المُبادَرَةُ إلى النَّهْبِ لِغَيْرِ هَذا القَصْدِ؛ فَخِفَّةٌ؛ وطَيْشٌ؛ وعَبَثٌ؛ لا يُصَوَّبُ عاقِلٌ إلَيْهِ؛ إذا تَقَرَّرَ هَذا فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فَلْيَتَوَكَّلُوا في كَبْتِ العَدُوِّ؛ وتَحْصِيلِ ما مَعَهُ مِنَ الغَنائِمِ؛ فَلا يُقْبِلُوا عَلى ذَلِكَ إقْبالًا يَتَطَرَّقُ مِنهُ احْتِمالٌ لِظَنِّ السَّوْءِ بِهادِيهِمْ في أنْ يَغُلَّ“؛ وهو الَّذِي أخْبَرَهم بِتَحْرِيمِ الغُلُولِ؛ وبِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْخِذْلانِ؛ وما نَهى ﷺ قَطُّ عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ؛ وبَعِيدٍ مِنهُ؛ وما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَفْتَحُوا طَرِيقًا إلى هَذا الِاحْتِمالِ؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى
﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: ما تَأتّى؛ وما صَحَّ؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ (p-١١١)ولا عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ ﴿لِنَبِيٍّ﴾؛ أيْ: أيِّ نَبِيٍّ كانَ؛ فَضْلًا عَنْ سَيِّدِ الأنْبِياءِ؛ وإمامِ الرُّسُلِ؛ ﴿أنْ يَغُلَّ﴾؛ تَبْشِيعًا لِفِعْلِ ما يُؤَدِّي إلى هَذا الِاحْتِمالِ؛ زَجْرًا مِن مُعاوَدَةِ مِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُؤَدِّي إلى تَجْوِيزِ شَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ؛ وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ - غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو - بِضَمِّ الياءِ؛ وفَتْحِ العَيْنِ؛ مَجْهُولًا مِن: ”أغَلَّ“؛ المَعْنى: ”وما كانَ لَهُ وما صَحَّ أنْ يُوجَدَ غالًّا؛ أوْ يُنْسَبَ إلى الغُلُولِ؛ أوْ يُظَنَّ بِهِ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ“؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وحْدَهُ: ”فَلا تَأْتُوا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِما يَقْدَحُ في التَّوَكُّلِ؛ كالغُلُولِ؛ وما يُدانِيهِ فَتُخْذَلُوا؛ فَإنَّهُ ما كانَ لَكم أنْ تَغُلُّوا“؛ و”ما كانَ“؛ أيْ: ما حَلَّ لِنَبِيٍّ؛ أيْ: مِنَ الأنْبِياءِ قَطُّ؛ أنْ يَغُلَّ؛ أيْ: لَمْ أخُصَّكم بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ؛ بَلْ ما كانَ في شَرْعِ نَبِيٍّ قَطُّ إباحَةُ الغُلُولِ؛ فَلا تَفْعَلُوهُ؛ ولا تُقارِبُوهُ بِنَحْوِ الِاسْتِباقِ إلى النَّهْبِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْلُبُ كَمالَ التَّوَكُّلِ؛ فَإنَّهُ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ؛ فَيُوجِبَ لَهُ الخِذْلانَ؛ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ - قالَ الهَيْثَمِيُّ - ورِجالُهُ ثِقاتٌ -: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - قالَ: «”بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا؛ فَرُدَّتْ رايَتُهُ؛ ثُمَّ بَعَثَ؛ فَرُدَّتْ؛ ثُمَّ بَعَثَ فَرُدَّتْ بِغُلُولٍ؛ رَأْسِ غَزالٍ مِن ذَهَبٍ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾“». (p-١١٢)ولَمّا كانَ فِعْلُهم ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِقَصْدِهِمُ الغُلُولَ؛ ولِخَوْفِهِمْ مِن غُلُولِ غَيْرِهِمْ؛ عَمَّمَ في التَّهْدِيدِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ﴾؛ أيْ: يَقَعْ مِنهُ ذَلِكَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ومَن عَرَفَ كَلامَ أهْلِ اللُّغَةِ في الغُلُولِ؛ عَرَفَ صِحَّةَ قَوْلِي: إنَّهُ لِمُطْلَقِ الخِيانَةِ؛ وإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”وما كانَ لِأحَدٍ أنْ يَفْعَلَ ما يُؤَدِّي - ولَوْ عَلى بُعْدٍ - إلى نِسْبَةِ نَبِيٍّ إلى غُلُولٍ“؛ قالَ صاحِبُ القامُوسِ: ”أغَلَّ فُلانًا“: نَسَبَهُ إلى الغُلُولِ؛ والخِيانَةِ؛ و”غَلَّ غُلُولًا“: خانَ؛ - كَـ ”أغَلَّ“؛ أوْ خاصٌّ بِالفَيْءِ؛ وقالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الأشْبِيلِيُّ؛ في كِتابِهِ ”الواعِي“: ”أغَلَّ الرَّجُلُ إغْلالًا“؛ إذا خانَ؛ فَهو ”مُغِلٌ“؛ و”غَلَّ في المَغْنَمِ؛ يَغُلُّ غُلُولًا“؛ وقُرِئَ: ”أنْ يَغُلَّ“؛ و”أنْ يُغَلَّ“؛ فَمَن قَرَأ: ”يَغُلَّ“؛ أرادَ: ”يَخُونَ“؛ ومَن قَرَأ: ”يُغَلَّ“؛ أرادَ: ”يُخانَ“؛ ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: لا يُنْسَبَ إلى الخِيانَةِ؛ وكُلُّ مَن خانَ شَيْئًا في خَفاءٍ فَقَدْ غَلَّ؛ يَغُلُّ؛ غُلُولًا؛ ويُسَمّى الخائِنُ غالًّا؛ وفي الحَدِيثِ: «”لا إغْلالَ؛ ولا إسْلالَ“؛» الإغْلالُ: الخِيانَةُ في كُلِّ شَيْءِ؛ و”غَلَلْتُ الشَّيْءَ أغُلُّهُ غَلًا“؛ إذا سَتَرْتُهُ؛ قالُوا: ومِنهُ «الغُلُولُ في المَغْنَمِ؛» إنَّما أصْلُهُ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أخَذَ مِنهُ شَيْئًا سَتَرَهُ في مَتاعِهِ؛ فَقِيلَ لِلْخائِنِ: ”غالٌّ“؛ و”مُغِلٌّ“؛ ويُقالُ: ”غَلَلْتُ الشَّيْءَ في الشَّيْءِ“؛ إذا أدْخَلْتُهُ فِيهِ؛ و”قَدِ انْغَلَّ“؛ إذا دَخَلَ في الشَّيْءِ؛ و”قَدِ انْغَلَّ في الشَّجَرِ“؛ (p-١١٣)دَخَلَ"؛ انْتَهى؛ فَهَذِهِ الآيَةُ نَهْيٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ الِاسْتِباقِ إلى المَغْنَمِ؛ عَلى طَرِيقِ الإشارَةِ؛ فَتَمَّ بِها الوَعْظُ الَّذِي في أواخِرِ القِصَّةِ؛ كَما أنَّ آيَةَ الرِّبا نَهْيٌ عَنْهُ؛ عَلى طَرِيقِ الإشارَةِ؛ فَتَمَّ بِها الوَعْظُ الَّذِي في أوائِلِ القِصَّةِ؛ فَقَدِ اكْتَنَفَ التَّنْفِيرُ مِنَ الغُلُولِ - الَّذِي هو سَبَبُ الخِذْلانِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ بِخُصُوصِها؛ لِمُباشَرَةِ ما هو مَظِنَّةٌ لَهُ؛ وفي الغَزْوِ مُطْلَقًا - طَرَفَيِ الوَعْظِ فِيها؛ لِيَكُونَ مِن أوائِلِ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ وأواخِرِهِ.
ولَمّا كانَ ثَمَرَةُ الإتْيانِ بِهِ الجَزاءَ عَلَيْهِ؛ عَمَّمَ الحُكْمَ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ الدِّينِ؛ فَلا بُدَّ مِنَ الجَزاءِ فِيهِ؛ وتَصْوِيرًا لَهُ؛ تَبْشِيعًا لِلْفَضِيحَةِ فِيهِ؛ بِحَضْرَةِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ؛ وزادَ في تَعْظِيمِهِ؛ وتَعْظِيمِ الجَزاءِ فِيهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ وتَضْعِيفِ الفِعْلِ؛ فَقالَ - مُعَمِّمًا الحُكْمَ؛ لِيَدْخُلَ الغُلُولُ مِن بابِ الأوْلى -: ﴿ثُمَّ تُوَفّى﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ؛ وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ؛ إظْهارًا لِعَظَمَتِهِ؛ عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: غالَّةٍ؛ وغَيْرِ غالَّةٍ؛ ﴿ما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: ما لَها فِيهِ فِعْلٌ ما؛ مِن خَيْرٍ؛ أوْ شَرٍّ؛ وافِيًا؛ مُبالِغًا في تَحْرِيزِ وفائِهِ؛ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ في شَيْءٍ مِنهُ؛ بِزِيادَةٍ؛ ولا نَقْصٍ.
آل عمران 3:162
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ظُلْمٌ أصْلًا تَسَبَّبَ عَنْهُ (p-١١٤)الإنْكارُ عَلى مَن حَدَّثَتْهُ نَفْسُهُ بِالأمانِيِّ الكاذِبَةِ؛ فَظَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِواءِ حالِ المُحْسِنِ؛ وغَيْرِهِ؛ أوْ فَعَلَ فِعْلًا؛ وقالَ قَوْلًا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ كالمُنافِقِينَ؛ وكالمُقْبِلِينَ عَلى الغَنِيمَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ﴾؛ أيْ: طَلَبَ بِجِدٍّ؛ واجْتِهادٍ؛ ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ بِالإقْبالِ عَلى ما أمَرَ بِهِ الصّادِقُ؛ فَصارَ إلى الجَنَّةِ؛ ونِعْمَ الصَّبْرُ؛ ﴿كَمَن باءَ﴾؛ أيْ: رَجَعَ مِن تَصَرُّفِهِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الرِّبْحَ؛ أوْ حَلَّ؛ وأقامَ؛ ﴿بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ بِأنْ فَعَلَ ما يَقْتَضِي السُّخْطَ؛ بِالمُخالَفَةِ؛ ثُمَّ الإدْبارِ؛ لَوْلا العَفْوُ؛ ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: جَزاءً بِما جَعَلَ أسْبابَ السُّخْطِ مَأْواهُ؛ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾؛ أيْ: هي.
آل عمران 3:163
ولَمّا أفْهَمَ الإنْكارُ عَلى مَن سَوّى بَيْنَ النّاسِ أنَّهم مُتَمايِزُونَ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾؛ أيْ: مُتَبايِنُونَ تَبايُنَ الدَّرَجاتِ؛ ولَمّا كانَ اعْتِبارُ التَّفاوُتِ لَيْسَ بِما عِنْدَ الخَلْقِ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى في حُكْمِهِ؛ وعِلْمِهِ؛ وإنْ خَفِيَ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَلَقَهُمْ؛ فَهو عالِمٌ بِهِمْ حِينَ خَلَقَهُمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أيْ: بِالبَصَرِ؛ والعِلْمِ؛ ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إيجادِهِمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أيْضًا خَلْقُهُ وتَقْدِيرُهُ؛ ولَيْسَ لَهم فِيهِ إلّا نِسْبَتُهُ (p-١١٥)إلَيْهِمْ بِالكَسْبِ؛ فَهو يُجازِيهِمْ بِحَسَبِ تِلْكَ الأعْمالِ؛ فَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ أنَّهُ يُساوِي بَيْنَهم في المَآلِ؛ وقَدْ فاوَتَ بَيْنَهم في الحالِ؛ وهو الحَكَمُ العَدْلُ؟! فَعُلِمَ بِما في هَذا الخِتامِ مِن إحاطَتِهِ بِتَفاصِيلِ الأعْمالِ صِحَّةُ ما ابْتُدِئَ بِهِ الكَلامُ مِنَ التَّوْفِيَةِ.
آل عمران 3:164
ولَمّا أرْشَدَهم إلى هَذِهِ المَراشِدِ؛ وبَيَّنَ لَهم بَعْضَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ؛ وبانَ بِهَذِهِ القِصَّةِ قَدْرُ مَن أسْدى إلَيْهِمْ ذَلِكَ عَلى لِسانِهِ ﷺ بِما لَهُ مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي مِن أعْظَمِها كَوْنُهُ مِن جِنْسِهِمْ؛ يَمِيلُ إلَيْهِمْ؛ ويَرْحَمُهُمْ؛ ويَعْطِفُ عَلَيْهِمْ؛ فَيَأْلَفُونَهُ؛ فَيُعَلِّمُهُمْ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِيَسْتَمْسِكُوا بِغُرَزِهِ؛ ولا يَلْتَفِتُوا لَحْظَةً عَنْ لُزُومِ هَدْيِهِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُؤَكِّدًا لِما اقْتَضاهُ الحالُ مِن فِعْلٍ يَلْزَمُ مِنهُ النِّسْبَةُ إلى الغُلُولِ -: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾؛ خَصَّهُمْ؛ لِأنَّهُمُ المُجْتَبُونَ لِهَذِهِ النِّعْمَةِ؛ ﴿إذْ بَعَثَ فِيهِمْ﴾؛ أيْ: فِيما بَيْنَهُمْ؛ أوْ بِسَبَبِهِمْ؛ ﴿رَسُولا﴾ وزادَهم رَغْبَةً فِيهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: نَوْعًا؛ وصِنْفًا؛ يَعْلَمُونَ أمانَتَهُ؛ وصِيانَتَهُ؛ وشَرَفَهُ؛ ومَعالِيَهُ؛ (p-١١٦)وطَهارَتَهُ؛ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ وبَعْدَها؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾؛ أيْ: فَيَمْحُو بِبَرَكَةِ نَفْسِ التِّلاوَةِ كَبِيرًا مِن شَرِّ الجانِّ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا ورَدَ في مَنافِعِ القُرْآنِ؛ مِمّا عَرَفْناهُ؛ وما لَمْ نَعْرِفْهُ أكْثَرُ؛ ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾؛ أيْ: يُطَهِّرُهم مِن أوَضارِ الدُّنْيا؛ والأوْزارِ؛ بِما يَفْهَمُهُ بِفَهْمِهِ الثّاقِبِ؛ مِن دَقائِقِ الإشاراتِ؛ وبَواطِنِ العِباراتِ؛ وقَدَّمَ التَّزْكِيَةَ لِاقْتِضاءِ مَقامِ المُعاتَبَةِ عَلى الإقْبالِ عَلى الغَنِيمَةِ ذَلِكَ؛ كَما مَضى في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ: تِلاوَةً؛ بِكَوْنِهِ مِن نَوْعِهِمْ؛ يَلَذُّ لَهُمُ التَّلَقِّي مِنهُ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ تَفْسِيرًا؛ وإبانَةً؛ وتَحْرِيرًا؛ ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا﴾؛ ولَمّا كانُوا قَدْ مَرَّتْ لَهم أزْمانٌ وهم عَلى دِينِ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ؛ ﴿لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أيْ: ظاهِرٍ؛ وهو مِن شِدَّةِ ظُهُورِهِ كالَّذِي يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِإيضاحِ لَبْسِهِ؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عَلَّمَهم مِنَ الحِكْمَةِ في هَذِهِ الوَقْعَةِ ما أوْجَبَ نُصْرَتَهم في أوَّلِ النَّهارِ؛ فَلَمّا خالَفُوهُ حَصَلَ الخِذْلانُ.
آل عمران 3:165
ولَمّا أزالَ شُبْهَةَ النِّسْبَةِ إلى الغُلُولِ بِحَذافِيرِها؛ وأثْبَتَ ما لَهُ مِن أضْدادِها؛ مِن مَعالِي الشِّيَمِ؛ وشَمائِلِ الكَرَمِ؛ صَوَّبَ إلى شُبْهَةِ قَوْلِهِمْ: ”لَوْ كانَ رَسُولًا ما انْهَزَمَ أصْحابُهُ عَنْهُ“؛ (p-١١٧)فَقالَ (تَعالى): ﴿أوَلَمّا﴾؛ أيْ: أتَرَكْتُمْ ما أرْشَدَكم إلَيْهِ الرَّسُولَ الكَرِيمَ؛ الحَلِيمُ؛ العَلِيمُ؛ الحَكِيمُ؟ ولَمّا ﴿أصابَتْكُمْ﴾؛ أيْ: في هَذا اليَوْمِ ﴿مُصِيبَةٌ﴾؛ لِمُخالَفَتِكم لِأمْرِهِ؛ وإعْراضِكم عَنْ إرْشادِهِ؛ ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾؛ أيْ: في ”بَدْرٍ“؛ وأنْتُمْ في لِقاءِ العَدُوِّ؛ وكَأنَّما تُساقُونَ إلى المَوْتِ؛ عَلى الضِّدِّ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ وما كانَ ذَلِكَ إلّا بِامْتِثالِكم لِأمْرِهِ؛ وقَبُولِكم لِنُصْحِهِ؛ ﴿قُلْتُمْ أنّى﴾؛ مِن أيْنَ؟ وكَيْفَ أصابَنا ﴿هَذا﴾ ؟ أيْ: بَعْدَ وعْدِنا النَّصْرَ؛ ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ الوَعْدَ كانَ مُقَيَّدًا بِالصَّبْرِ؛ والتَّقْوى؛ وقَدْ تَرَكْتُمُ المَرْكَزَ؛ وأقْبَلْتُمْ عَلى الغَنائِمِ قَبْلَ الأمْرِ بِهِ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ ذَلِكَ بِاخْتِيارِهِمُ الفِداءَ يَوْمَ ”بَدْرٍ“؛ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨]؛ وأباحَ لَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - الفِداءَ بَعْدَ أنْ عاتَبَهُمْ؛ وشَرَطَ عَلَيْهِمْ إنِ اخْتارُوهُ أنْ يُقْتَلَ مِنهم في العامِ المُقْبِلِ بِعَدِّ الأسْرى؛ فَرَضُوا؛ وقالُوا: نَسْتَعِينُ بِما نَأْخُذُهُ مِنهم عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ نُرْزَقُ الشَّهادَةَ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ النَّصْرِ؛ والخِذْلانِ؛ ونَصْبِ أسْبابِ كُلٍّ مِنهُما؛ ﴿قَدِيرٌ﴾ (p-١١٨)وقَدْ وعَدَكم بِذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في العامِ الماضِي؛ حِينَ خَيَّرَكم فاخْتَرْتُمُ الفِداءَ؛ وخالَفَ مَن خالَفَ مِنكُمُ الآنَ؛ فَكانَ ذِكْرُ المُصِيبَةِ الَّتِي كانَ سَبَبُها مُخالَفَةَ ما رَتَّبَهُ ﷺ؛ بَعْدَ خَتْمِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها بِالتَّذْكِيرِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ؛ عَلى ما تَرى مِنَ البَلاغَةِ.
آل عمران 3:166
ولَمّا كانَتْ نِسْبَةُ المُصِيبَةِ إلَيْهِمْ رُبَّما أوْهَمَتْ مَن لَمْ تَرْسَخْ قَدَمُهُ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ أنَّ بَعْضَ الأفْعالِ خارِجٌ عَمّا مُرادُهُ ( تَعالى)؛ قالَ: ﴿وما أصابَكُمْ﴾؛ ولَمّا اسْتَغْرَقَتِ الحَرْبُ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ نَزَعَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾؛ أيْ: حِزْبُ اللَّهِ؛ وحِزْبُ الشَّيْطانِ؛ في ”أُحُدٍ“؛ ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِ مَن لَهُ العَظَمَةُ الكامِلَةُ؛ وقَضائِهِ؛ وإثْباتُ أنَّ ذَلِكَ بِإذْنِهِ نَحْوُ ما ذَكَرَ عِنْدَ التَّوْلِيَةِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ؛ مِن نِسْبَةِ الإحْياءِ؛ والإماتَةِ إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِيُؤَدِّبَكم بِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ؛
آل عمران 3:167
ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى حِدَتِهِ أتَمَّ وآكَدَ مِن تَعْلِيقِهِ بِهِ مَعَ غَيْرِهِ؛ أعادَ العامِلَ لِذَلِكَ؛ وإشْعارًا بِأنَّ أهْلَ النِّفاقِ أسْفَلُ رُتْبَةً مِن أنْ يَجْتَمِعُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ في شَيْءٍ؛ فَقالَ: ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾؛ أيْ: عِلْمًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِكُمْ؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ هُناكَ: ﴿ولِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما في صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ وعَطَفَ (p-١١٩)عَلى قَوْلِهِ: ﴿نافَقُوا﴾؛ ما أظْهَرَ نِفاقَهُمْ؛ أوْ يَكُونُ حالًا مِن فاعِلِ ”نافَقُوا“؛ فَقالَ: ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾؛ أيْ: أوْجِدُوا القِتالَ؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ بِسَبَبِ تَسْهِيلِ طَرِيقِ الرَّبِّ الَّذِي شَرَعَهُ؛ ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾؛ أيْ: عَنْ أنْفُسِكُمْ؛ وأحِبّائِكُمْ؛ عَلى عادَةِ النّاسِ؛ لا سِيَّما العَرَبَ؛ ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: نَتَيَقَّنُ؛ ﴿قِتالا﴾؛ أيْ: أنَّهُ يَقَعُ قِتالٌ؛ ﴿لاتَّبَعْناكُمْ﴾؛ أيْ: لَكِنَّهُ لا يَقَعُ فِيما نَظُنُّ قِتالٌ؛ ورَجَعُوا.
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى هَذا القَوْلِ ظاهِرًا في نِفاقِهِمْ؛ تَرْجَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هم لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ هَذا حالُهُمْ؛ ﴿أقْرَبُ مِنهم لِلإيمانِ﴾؛ عِنْدَ كُلِّ مَن سَمِعِ قَوْلَهُمْ؛ أوْ رَأى فِعْلَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ أوِ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِالأفْواهِ الَّتِي مِنها ما هو أبْعَدُ مِنَ اللِّسانِ؛ لِكَوْنِهِمْ مُنافِقِينَ؛ فَقَوْلُهم إلى أصْواتِ الحَيَوانِ أقْرَبُ مِنهُ إلى كَلامِ الإنْسانِ؛ ذِي العَقْلِ واللِّسانِ؛ لِأنَّهم -: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾؛ ولَمّا أفْهَمُ هَذا أنَّهُ لا يُجاوِزُ ألْسِنَتَهم فَلا حَقِيقَةَ لَهُ؛ ولا ثَباتَ عِنْدَهُمْ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾؛ بَلْ لا شَكَّ عِنْدَهم في وُقُوعِ القِتالِ؛ عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنهُمْ؛ كَما عَلِمُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿بِما يَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُهُ قَبْلَ كَوْنِهِ؛ وهم لا يَعْلَمُونَهُ إلّا بَعْدَ كَوْنِهِ؛ وإذا كانَ نَسُوهُ بِتَطاوُلِ الزَّمانِ؛ (p-١٢٠)واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لا يَنْساهُ.
آل عمران 3:168
ولَمّا حَكى عَنْهم ما لا يَقُولُهُ ذُو إيمانٍ؛ أتْبَعَهُ ما لا يَتَخَيَّلُهُ ذُو مُرُوَّةٍ؛ ولا عِرْفانٍ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلَّذِينِ نافَقُوا -: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ إخْوانِهِمْ؛ والحالُ أنَّهم قَدْ أسْلَمُوهُمْ؛ ﴿وقَعَدُوا﴾؛ أيْ: عَنْهُمْ؛ خِذْلانًا لَهُمْ؛ ﴿لَوْ أطاعُونا﴾؛ أيْ: في الرُّجُوعِ؛ ﴿ما قُتِلُوا﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لِلْغَضَبِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِإعْراضِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأجانِبِ الَّذِينَ هم بِمَنزِلَةِ الغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِي؛ لِما تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا مِنَ ادِّعاءِ القُدْرَةِ عَلى دَفْعِ المَوْتِ؛ ﴿فادْرَءُوا﴾؛ أيْ: ادْفَعُوا بِعِزٍّ؛ ومَنعَةٍ؛ ومَيِّلُوا؛ ﴿عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾؛ أيْ: حَتّى لا يَصِلَ إلَيْكم أصْلًا؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّ المَوْتَ يُغْنِي مِنهُ حَذَرٌ؛ فَقَدِ انْتَظَمَ الكَلامُ بِما قَبْلَ الجُمْلَةِ الواعِظَةِ أتَمَّ انْتِظامٍ؛ عَلى أنَّهُ قَدْ لاحَ لَكَ أنَّ مُلاءَمَةَ الجُمَلِ الواعِظَةِ لِما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ لَيْسَ بِدُونِ مُلاءَمَةِ ما قَبْلَها مِن صُلْبِ القِصَّةِ؛ لِما بَعْدَها مِنهُ.
آل عمران 3:169
ولَمّا أزاحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - العِلَلَ؛ وشَفى الغَلَلَ؛ وخَتَمَ بِأنَّهُ لا مَفَرَّ مِنَ القَدْرِ؛ فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَ أهْلِ الإيمانِ إلّا ما طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ الأسَفِ عَلى فَقْدِ الإخْوانِ؛ وكانَ سُرُورُ المَفْقُودِ يُبْرِدُ غِلَّةُ المَوْجُودُ؛ بَشَّرَهم بِحَياتِهِمْ؛ وما نالُوهُ مِن لَذّاتِهِمْ؛ ولَمّا كانَ العَرَبُ بِعِيدِينَ قَبْلَ الإسْلامِ (p-١٢١)مِنَ اعْتِقادِ الحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ؛ خاطَبَ الَّذِي لا رَيْبَ في عِلْمِهِ بِذَلِكَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ ﴿ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤]؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ”قُلْ“؛ مُحَبِّبًا في الجِهادِ؛ إزالَةً لِما بَغَّضَهُ بِهِ المُنافِقُونَ مِن أنَّهُ سَبَبُ المَوْتِ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾؛ أيْ: وقَعَ لَهُمُ القَتْلُ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِهِ؛ ﴿أمْواتًا﴾؛ أيْ: الآنَ؛ ﴿بَلْ﴾؛ هم ﴿أحْياءٌ﴾؛ وبَيَّنَ زِيادَةَ شَرَفِهِمْ؛ مُعَبِّرًا عَنْ تَقَرُّبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ في كُلِّ حالٍ؛ فَكَيْفَ في حالِ قَتْلِهِمْ فِيهِ؟ حَياةً لَيْسَتْ كالحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَحَقَّقَ حَياتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُرْزَقُونَ﴾؛ أيْ: رِزْقًا يَلِيقُ بِحَياتِهِمْ؛
آل عمران 3:170
﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ مِن ذَلِكَ الفَوْزِ الكَبِيرِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ لِأنَّهُ لَوْ حاسَبَهم عَلى أقَلِّ نِعْمَةٍ مِن نِعَمِهِ لَمْ تُوَفَّ جَمِيعُ أعْمالِهِمْ بِها؛ لَأنَّ أعْمالَهم مِن نِعَمِهِ؛ فَأعْلَمَنا - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِهَذا؛ تَسْلِيَةً؛ وحُسْنَ تَعْزِيَةٍ أنْ لَمْ يَفُتْ مِنهم إلّا حَياةُ الكَدَرِ الَّتِي لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في بَقائِها؛ وإنْ طالَ المَدى؛ وبَقِيَتْ لَهم (p-١٢٢)حَياةُ الصَّفاءِ الَّتِي لا انْفِكاكَ لَها؛ ولا آخِرَ لِنَعِيمِها؛ بِغَمٍّ يَلْحَقُهُمْ؛ ولا فِتْنَةٍ تَنالُهُمْ؛ ولا حُزْنٍ يَعْتَرِيهِمْ؛ ولا دَهْشٍ يُلِمُّ بِهِمْ في وقْتِ الحَشْرِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَلا غَفْلَةَ لَهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُذْهِبًا لِحُزْنِ مَن خَلَّفُوهُ؛ ومُرَغِّبًا لَهم في الأسْبابِ المُوصِلَةِ إلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ وهَذا - واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ - مَعْنى الشَّهادَةِ؛ أيْ: إنَّهم لَيْسَتْ لَهم حالُ غَيْبَةٍ؛ لِأنَّ دائِمَ الحَياةِ بِلا كَدَرٍ أصْلًا كَذَلِكَ.
آل عمران 3:171
ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم بِما نالُوهُ؛ ذَكَرَ سُرُورَهم بِما عَلِمُوهُ لِمَن هو عَلى دِينِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: تُوجَدُ لَهُمُ البُشْرى وُجُودًا عَظِيمَ الثَّباتِ؛ حَتّى كَأنَّهم يُوجِدُونَها كُلَّما أرادُوا؛ ﴿بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الشَّهادَةِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُبَشَّرَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: عَلى إخْوانِهِمْ في آخِرَتِهِمْ؛ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠]؛ أيْ: أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا يُفْقَدُ مِنهُ شَيْءٌ؛ بَلْ هم كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ؛ وهَذا أعْظَمُ البُشْرى لِمَن تُرِكُوا عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم يَلْحَقُونَهم في مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّبَبَ واحِدٌ؛ وهو مِنحَةُ اللَّهِ لَهم بِالقَتْلِ فِيهِ؛ أوْ مُطْلَقُ الإيمانِ لِمُطْلَقِ ما هم فِيهِ مِنَ السَّعادَةِ بِغَيْرِ قَيْدِ الشَّهادَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ سُرُورَهم لِأنْفُسِهِمْ تارَةً؛ ولِإخْوانِهِمْ أُخْرى؛ كَرَّرَهُ تَعْظِيمًا لَهُ؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ عَنْ غَيْرِ اسْتِحْقاقٍ؛ وإنَّما هو مُجَرَّدُ مَنٍّ؛ فَقالَ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ كَبِيرَةٍ (p-١٢٣)﴿وفَضْلٍ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ عَظِيمٍ؛ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي لا يَقْدُرُهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ؛ ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ بَلْ يُوَفِّيهِمْ أجْرَهم عَلى أعْمالِهِمْ؛ ويَفْضُلُ عَلَيْهِمْ؛ ولَوْ شاءَ لَحاسَبَهم عَلى سَبِيلِ العَدْلِ؛ ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهم شَيْءٌ.
آل عمران 3:172
ولَمّا ذَمَّ المُنافِقِينَ بِرُجُوعِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُصِيبَهم قَرْحٌ؛ ومَدَحَ أحْوالَ الشُّهَداءِ؛ تَرْغِيبًا في الشَّهادَةِ؛ وأحْوالَ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ؛ تَرْغِيبًا في النَّسْجِ عَلى مِنوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَعْلِيقِ السَّعادَةِ بِوَصْفِ الإيمانِ؛ أخَذَ يَذْكُرُ ما أثْمَرَ لَهم إيمانُهم مِنَ المُبادَرَةِ إلى الإجابَةِ إلى ما يَهْدِيهِمْ إلَيْهِ ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ عَلى التَّخَلُّفِ عَنْ أمْرِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ إلّا صَرِيحُ النِّفاقِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا الإجابَةَ في الجِهادِ؛ إيجادًا مُؤَكَّدًا مُحَقَّقًا؛ ثابِتًا؛ بِما عِنْدَهم مِن خالِصِ الإيمانِ؛ ﴿لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾؛ أيْ: لا لِغَرَضِ مَغْنَمٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَظَّمَ صِدْقَهم بِقَوْلِهِ - مُثْبِتًا الجارَّ؛ لِإرادَةِ ما يَأْتِي مِن إحْدى الغَزْوَتَيْنِ؛ لا اسْتِغْراقِ ما بَعْدَ الزَّمانِ -: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾
ولَمّا كانَ تَعْلِيقُ الأحْكامِ بِالأوْصافِ حامِلًا عَلى التَّحَلِّي بِها عِنْدَ المَدْحِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِما يَصْلُحُ لِلْبَيانِ (p-١٢٤)والبَعْضِ؛ لِيَدُومَ رَغَبُهُمْ؛ ورَهَبُهُمْ؛ فَقالَ: ﴿مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مِن تَتِمَّةِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّها إشارَةٌ إلى غَزْوَةِ ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ أوْ غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ المَوْعِدِ؛ فَإنَّ الوَعْدَ كانَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واللَّهُ الهادِي؛ ومِمّا يَجِبُ التَّنْبِيهُ لَهُ أنَّ البَيْضاوِيَّ قالَ - تَبَعًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ -: «”إنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ إلى“بَدْرٍ”؛ المَوْعِدِ؛ في سَبْعِينَ راكِبًا“؛» وفي تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ أنَّ ذَلِكَ كانَ في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّ الرُّكْبانَ مِنَ الجَيْشِ كانَ ذَلِكَ عَدَدَهُمْ؛ وأنَّ الباقِينَ كانُوا مُشاةً؛ فَلَعَلَّهُ؛ وإلّا فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ وأمّا في ”حَمْراءِ الأسَدِ“؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَلَغَهُ أنَّ المُشْرِكِينَ هَمُّوا بَعْدَ انْفِصالِهِمْ مِن ”أُحُدٍ“؛ بِالرُّجُوعِ؛ فَأرادَ أنْ يُرْهِبَهُمْ؛ وأنْ يُرِيَهم مِن نَفْسِهِ؛ وأصْحابِهِ قُوَّةً؛ فَنادى مُنادِيهِ يَوْمَ الأحَدِ - الغَدَ مِن يَوْمِ ”أُحُدٍ“ - بِطَلَبِ العَدُوِّ؛ وألّا يَخْرُجَ مَعَهُ إلّا مَن كانَ حاضِرًا مَعَهُ بِالأمْسِ؛ فَأجابُوا بِالسَّمْعِ؛ والطّاعَةِ؛ فَخَرَجَ في أثَرِهِمْ؛ واسْتَعْمَلَ عَلى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ ولا يَشُكُّ في أنَّهم أجابُوا كُلُّهُمْ؛ ولَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ؛ وقَدْ كانُوا في ”أُحُدٍ“؛ نَحْوَ سَبْعِمِائَةٍ؛ ولَمْ يَأْذَنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ مَعَهُ لِأحَدٍ لَمْ يَشْهَدِ القِتالَ يَوْمَ ”أُحُدٍ“؛ واسْتَأْذَنَهُ رِجالٌ لَمْ يَشْهَدُوها؛ فَمَنَعَهُمْ؛ إلّا ما كانَ مِن جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - (p-١٢٥)فَإنَّهُ أذِنَ لَهُ؛ لِعِلَّةٍ ذَكَرَها في التَّخَلُّفِ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ مَحْمُودَةٍ.
قالَ الواقِدِيُّ: «”ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلِوائِهِ؛ وهو مَعْقُودٌ لَمْ يُحَلَّ مِنَ الأمْسِ؛ فَدَفَعَهُ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويُقالُ: إلى أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَأْسُهُ مَشْجُوجٌ؛ وهو مَجْرُوحٌ؛ في وجْهِهِ أثَرُ الحَلْقَتَيْنِ؛ ومَشْجُوجٌ في جَبْهَتِهِ في أُصُولِ الشَّعْرِ؛ ورُباعِيَّتُهُ قَدْ سَقَطَتْ؛ وشَفَتُهُ قَدْ كُلِمَتْ مِن باطِنِها؛ وهو مُتَوَهِّنٌ مَنكِبُهُ الأيْمَنُ بِضَرْبَةِ ابْنِ قَمِيئَةَ؛ ورُكْبَتاهُ مَجْحُوشَتانِ - بِأبِي هُوَ؛ وأُمِّي؛ ووَجْهِي؛ وعَيْنِي - فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ؛ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ؛ والنّاسُ قَدْ حُشِدُوا؛ ونَزَلَ أهْلُ العَوالِي حَيْثُ جاءَهُمُ الصَّرِيخُ؛ ثُمَّ رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ؛ فَدَعا بِفَرَسِهِ عَلى بابِ المَسْجِدِ؛ وتَلَقّاهُ طَلْحَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقَدْ سَمِعَ المُنادِي؛ فَخَرَجَ يَنْظُرُ مَتى يَسِيرُ؛ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ الدِّرْعُ؛ والمِغْفَرُ؛ وما يُرى مِنهُ إلّا عَيْناهُ؛ فَقالَ:“يا طَلْحَةُ.. سِلاحَكَ”؛ قالَ: قُلْتُ: قَرِيبٌ؛ قالَ [طَلْحَةُ]: فَأخْرُجُ؛ أعْدُو؛ فَألْبَسُ دِرْعِي؛ ولَأنا أهَمُّ بِجِراحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٦)مِنِّي بِجِراحِي؛ ثُمَّ أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى طَلْحَةَ؛ فَقالَ:“أيْنَ تَرى القَوْمَ الآنَ؟”؛ قالَ: هم بِالسَّيّالَةِ؛ قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:“ذَلِكَ الَّذِي ظَنَنْتُ؛ أما إنَّهم يا طَلْحَةُ لَنْ يَنالُوا مِنّا مِثْلَ أمْسِ؛ حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ عَلَيْنا”؛ ومَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في أصْحابِهِ؛ حَتّى عَسْكَرَ بِـ“حَمْراءِ الأسَدِ”؛ قالَ جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وكانَ عامَّةُ زادِنا التَّمْرَ؛ وحَمَلَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلاثِينَ بَعِيرًا؛ حَتّى وافَتِ الحَمْراءَ؛ وساقَ جَزُورًا؛ فَنَحَرُوا في يَوْمِ اثْنَيْنِ؛ وفي يَوْمِ ثُلاثاءَ؛ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُهم في النَّهارِ بِجَمْعِ الحَطَبِ؛ فَإذا أمْسَوْا أمْرَ أنْ تُوقَدَ النِّيرانُ؛ فَيُوقِدُ كُلُّ رَجُلٍ نارًا؛ فَلَقَدْ كُنّا تِلْكَ اللَّيالِيَ نُوقِدُ خَمْسَمِائَةِ نارٍ؛ حَتّى نُرى مِنَ المَكانِ البَعِيدِ؛ وذَهَبَ ذِكْرُ مُعَسْكَرِنا ونِيرانِنا في كُلِّ وجْهٍ؛ حَتّى كانَ ما كَبَتَ اللَّهُ بِهِ عَدُوَّنا“؛» فَهَذا ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا خَمْسَمِائَةِ رَجُلٍ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما نُقِلَ مِن أخْبارِ المُثْقَلِينَ بِالجِراحِ؛ قالَ الواقِدِيُّ: «”جاءَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والجِراحُ في النّاسِ فاشِيَةٌ؛ عامَّةُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ جَرِيحٌ؛ بَلْ كُلُّهم - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-١٢٧)يَأْمُرُكم أنْ تَطْلُبُوا عَدُوَّكُمْ؛ قالَ: يَقُولُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وبِهِ سَبْعُ جِراحاتٍ؛ وهو يُرِيدُ أنْ يُداوِيَها: سَمْعًا وطاعَةً لِلَّهِ؛ ولِرَسُولِهِ؛ فَأخَذَ سِلاحَهُ؛ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى دَواءِ جِراحِهِ؛ ولَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وجاءَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْمَهُ؛ بَنِي ساعِدَةَ فَأمَرَهم بِالمَسِيرِ؛ فَلَبِسُوا ولَحِقُوا؛ وجاءَ أبُو قَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أهْلَ خُرْبى؛ وهم يُداوُونَ الجِراحَ؛ فَقالَ: هَذا مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكم بِطَلَبِ العَدُوِّ؛ فَوَثَبُوا إلى سِلاحِهِمْ؛ وما عَرَّجُوا عَلى جِراحاتِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَخَرَجَ مِن بَنِي سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أرْبَعُونَ جَرِيحًا؛ وبِالطُّفَيْلِ بْنِ النُّعْمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثَلاثَةَ عَشَرَ جُرْحًا؛ وبِقُطْبَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تِسْعُ جِراحاتٍ؛ حَتّى وافَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِبِئْرِ أبِي عُتْبَةَ إلى رَأْسِ الثَّنِيَّةِ؛ عَلَيْهِمُ السِّلاحُ؛ قَدْ صُفُّوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمْ والجِراحُ فِيهِمْ فاشِيَةٌ؛ قالَ:“اللَّهُمَّ ارْحَمْ بَنِي سَلَمَةَ”؛» وحَدَّثَ ابْنُ إسْحاقَ والواقِدِيُّ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ؛ ورافِعَ بْنَ سَهْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -كانَ بِهِما جِراحٌ كَثِيرَةٌ؛ (p-١٢٨)فَلَمّا بَلَغَهُما النِّداءُ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: واللَّهِ إنَّ تَرْكَنا غَزْوَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَغَبْنٌ؛ واللَّهِ ما عِنْدَنا دابَّةٌ نَرْكَبُها؛ وما نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؛ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: انْطَلِقْ بِنا؛ قالَ رافِعٌ: لا واللَّهِ؛ ما بِي مَشْيٌ؛ قالَ أخُوهُ: انْطَلِقْ بِنا نَتَجارُّ؛ فَخَرَجا يَزْحَفانِ؛ فَضَعُفَ رافِعٌ؛ فَكانَ عَبْدُ اللَّهِ يَحْمِلُهُ عَلى ظَهْرِهِ عُقْبَةً؛ ويَمْشِي الآخَرُ عُقْبَةً؛ حَتّى أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ العِشاءِ؛ وهم يُوقِدُونَ النِّيرانَ؛ فَأُتِيَ بِهِما رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وعَلى حَرَسِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَبّادُ بْنُ بِشْرٍ؛ فَقالَ:“ما حَبَسَكُما؟”؛ فَأخْبَراهُ بِعِلَّتِهِما؛ فَدَعا لَهُما بِخَيْرٍ؛ وقالَ:“إنْ طالَتْ بِكم مُدَّةٌ كانَتْ لَكم مَراكِبُ مِن خَيْلٍ؛ وبِغالٍ؛ وإبِلٍ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِخَيْرٍ لَكُمْ”؛» وأمّا غَزْوَةُ“بَدْرٍ”؛ المَوْعِدِ؛ فَرَوى الواقِدِيُّ - ومِن طَرِيقِهِ الحاكِمُ في“الإكْلِيلُ”- كَما حَكاهُ ابْنُ سَيِّدِ النّاسِ؛ قالَ: «“كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ خَرَجَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ في ألْفٍ وخَمْسِمِائَةٍ مِن (p-١٢٩)أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وكانَتِ الخَيْلُ عَشْرَةً؛ قالَ الواقِدِيُّ: وأقْبَلَ رَجُلٌ مِن ضَمْرَةَ؛ يُقالُ لَهُ: مَخْشِيُّ بْنُ عَمْرٍو؛ فَقالَ - والنّاسُ مُجْتَمِعُونَ في سُوقِهِمْ؛ وأصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أكْثَرُ أهْلِ المَوْسِمِ -: يا مُحَمَّدُ؛ لَقَدْ أُخْبِرْنا أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنكم أحَدٌ؛ فَما أعْلَمُكم إلّا أهْلَ المَوْسِمِ؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيَرْفَعَ ذَلِكَ إلى عَدُوِّهِ: ”ما أخْرَجَنا إلّا مَوْعِدُ أبِي سُفْيانَ؛ وقِتالُ عَدُوِّنا؛ وإنْ شِئْتَ مَعَ ذَلِكَ نَبَذْنا إلَيْكَ وإلى قَوْمِكَ العَهْدَ؛ ثُمَّ جالَدْناكم قَبْلَ أنْ نَبْرَحَ مِن مَنزِلِنا هَذا“؛ فَقالَ الضَّمْرِيُّ: بَلْ نَكُفُّ أيْدِيَنا عَنْكُمْ؛ ونَتَمَسَّكُ بِحِلْفِكَ"».
آل عمران 3:173
ولَمّا كانَ قَوْلُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ عِنْدَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - صِدْقًا؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ لِما قامَ عِنْدَهم مِنَ القَرائِنِ؛ فَكانَ بِمَنزِلَةِ المُتَواتِرِ الَّذِي تَمالَأ عَلَيْهِ الخَلائِقُ؛ وكانَتْ قُرَيْشٌ أعْلى النّاسِ شَجاعَةً؛ وأوْفاهم قُوَّةً؛ وأعْرَقَهم أصالَةً؛ فَكانُوا كَأنَّهم جَمِيعُ النّاسِ؛ كانَ التَّعْبِيرُ - بِصِيغَةِ العُمُومِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾؛ أيْ: نُعَيْمٌ؛ أوْ رَكْبُ عَبْدِ القَيْسِ؛ ﴿إنَّ النّاسَ﴾؛ يَعْنِي قُرَيْشًا؛ ﴿قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - أمْدَحَ لِلصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - مِنَ التَّعْبِيرِ عَمَّنْ أخْبَرَهُمْ؛ ومَن جَمَعَ لَهُمْ؛ بِخاصِّ اسْمِهِ؛ أوْ وصْفِهِ. (p-١٣٠)ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِإقْدامِهِمْ عَلى اللِّقاءِ بَعْدَ هَذا القَوْلِ الَّذِي لَمْ يَشُكُّوا في صِدْقِهِ؛ ثَباتَ الإيمانِ وقُوَّةَ الإيقانِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَزادَهُمْ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿إيمانًا﴾؛ لِأنَّهُ ما ثَناهم عَنْ طاعَةِ اللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿وقالُوا﴾؛ ازْدِراءً بِالخَلائِقِ؛ اعْتِمادًا عَلى الخالِقِ؛ ﴿حَسْبُنا﴾؛ أيْ: كافِينا؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ في القِيامِ بِمَصالِحِنا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ هو شَأْنَ الوَكِيلِ؛ وكانَ في الوُكَلاءِ مَن يُذَمُّ؛ قالَ: ﴿ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾؛ أيْ: المَوْكُولُ إلَيْهِ؛ المُفَوَّضُ إلَيْهِ جَمِيعُ الأُمُورِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: ”هَذِهِ الكَلِمَةُ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ؛ وقالَها مُحَمَّدٌ ﷺ حِينَ قالُوا: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ“؛ وقالَ: ”كانَ آخِرُ كَلِمَةٍ قالَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ:“حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ"؛
آل عمران 3:174
ولَمّا كانَ اعْتِمادُهم عَلى اللَّهِ سَبَبًا لِفَلاحِهِمْ؛ قالَ ﴿فانْقَلَبُوا﴾؛ أيْ: فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنَّهُمُ انْقَلَبُوا؛ أيْ: مِنَ الوَجْهِ الَّذِي ذَهَبُوا فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ﴿بِنِعْمَةٍ﴾؛ وعَظَّمَها بِإضافَتِها إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿وفَضْلٍ﴾ (p-١٣١)؛ أيْ: مِنَ الدُّنْيا ما طابَ لَهم مِن طَيِّبِ الثَّناءِ؛ بِصِدْقِ الوَعْدِ؛ ومَضاءِ العَزْمِ؛ وعَظِيمِ الفَناءِ؛ والجُرْأةِ إلى ما نالُوهُ عِنْدَ رَبِّهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾؛ أيْ: مِنَ العَدُوِّ الَّذِي خُوِّفُوهُ؛ ولا غَيْرِهِ؛ ﴿واتَّبَعُوا﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ بِطاعَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغايَةِ جَهْدِهِمْ؛ ﴿رِضْوانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ فَحازُوا أعْظَمَ فَضْلِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: في الدّارَيْنِ؛ عَلى مَن يُرْضِيهِ؛ فَسَتَنْظُرُونَ فَوْقَ ما تُؤَمِّلُونَ؛ فَلْيُبْشِرِ المُجِيبُ؛ ويَغْتَمَّ ويَحْزَنِ المُتَخَلِّفُ؛ ولِعِظَمِ الأمْرِ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ كَثِيرًا.
آل عمران 3:175
ولَمّا جَزاهم - سُبْحانَهُ - عَلى أمْثالِ ذَلِكَ؛ بِما وقَعَ لَهم مِن فَوْزِهِمْ بِالسَّلامَةِ؛ والغَنِيمَةِ؛ بِفَضْلِ مَن حازَ أوْصافَ الكَمالِ؛ وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ بِما لَهُ مِن رِداءِ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ ورَغَّبَهم فِيما لَدَيْهِ؛ لِتَوَلِّيهِمْ إيّاهُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَزِيدُهم بَصِيرَةً مِن أنَّ المُخَوِّفَ لَهم مَن كَيْدُهُ ضَعِيفٌ؛ وأمْرُهُ هَيِّنٌ؛ خَفِيفٌ؛ واهٍ؛ سَخِيفٌ؛ وهو الشَّيْطانُ؛ وساقَ ذَلِكَ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ مِن حِيازَتِهِمْ لِلْفَضْلِ؛ وبُعْدِهِمْ عَنِ السُّوءِ؛ بِأنَّ ولِيَّهُمُ اللَّهُ؛ وعَدُوَّهُمُ (p-١٣٢)الشَّيْطانُ؛ فَقالَ - التِفاتًا إلَيْهِمْ بِزِيادَةٍ في تَنْشِيطِهِمْ؛ أوْ تَشْجِيعِهِمْ؛ وتَثْبِيتِهِمْ -: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: القائِلُ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ النّاسُ؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: الطَّرِيدُ البَعِيدُ المُحْتَرِقُ.
ولَمّا نُسِبَ القَوْلُ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الَّذِي زَيَّنَهُ لَهُمْ؛ حَتّى أُشْرِبَتْهُ القُلُوبُ؛ وامْتَلَأتْ بِهِ الصُّدُورُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا عَساهُ يَصْنَعُ؟ فَقالَ: ﴿يُخَوِّفُ﴾؛ أيْ: يُخَوِّفُكُمْ؛ ﴿أوْلِياءَهُ﴾؛ لَكِنَّهُ أسْقَطَ المَفْعُولَ الأوَّلَ؛ إشارَةً إلى أنَّ تَخْوِيفَهُ يَؤُولُ إلى خَوْفِ أوْلِيائِهِ؛ لِأنَّ أوْلِياءَ الرَّحْمَنِ إذا ثَبَتُوا لِأجْلِهِ أنْجَزَ لَهم ما وعَدَهم مِنَ النُّصْرَةِ عَلى أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ وإلى أنَّ مَن خافَ مِن تَخْوِيفِهِ؛ وعَمِلَ بِمُوجِبِ خَوْفِهِ؛ فَفِيهِ وِلايَةٌ لَهُ؛ تُصَحِّحُ إضافَتَهُ إلَيْهِ؛ قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ.
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ يُشَوِّشُ بِالخَوْفِ مِن أوْلِيائِهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ خَوْفِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ولِيَّهُمُ الشَّيْطانُ؛ ﴿وخافُونِ﴾؛ أيْ: فَلا تَعْصُوا أمْرِي؛ ولا تَتَخَلَّفُوا أبَدًا عَنْ رَسُولِي؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُباعِدِينَ لِأوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ بِوَصْفِ الإيمانِ.
آل عمران 3:176
ولَمّا مَدَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُسارِعِينَ في طاعَتِهِ؛ وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ؛ (p-١٣٣)أعْقَبَهُ بِذَمِّ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ؛ والنَّهْيِ عَنِ الحُزْنِ مِن أجْلِهِمْ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ - كالمُنافِقِينَ الرّاجِعِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ ثُمَّ المُقاتِلِينَ القائِلِينَ: هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ - أُرْجِفُوا إلى أبِي عامِرٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ؛ لِأخْذِ الأمانِ مِن أبِي سُفْيانَ؛ ثُمَّ رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ؛ أوْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ ثُمَّ مَنِ اسْتَجابَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ؛ وأُرْجِفُ بِما قالُوا في ثَبْطِ المُؤْمِنِينَ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُخْطِرُ بِالبالِ تَمادِي أيّامِ الكُفْرِ وأهْلِهِ غالِبِينَ؛ ويَقْدَحُ في رَجاءِ قَصْرِ مُدَّتِهِ؛ ويُوجِبُ الحُزْنَ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - قاصِرًا الخِطابَ عَلى أعْظَمِ الخَلْقِ؛ وأشْفَقِهِمْ؛ وأحَبِّهِمْ في صَلاحِهِمْ -: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾؛ أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعَ مَن يُسابِقُ خَصْمًا؛ ﴿فِي الكُفْرِ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: دِينَهُ؛ بِإذْلالِ أنْصارِهِ؛ والقائِمِينَ بِهِ؛ وحَذَفَ المُضافَ تَفْخِيمًا لَهُ؛ وتَرْغِيبًا فِيهِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ هو المُضافَ إلَيْهِ.
ولَمّا نَفى ما خِيفَ مِن أمْرِهِمْ؛ كانَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنِ الحاكِمِ لَهم عَلى المُسارَعَةِ؛ فَقِيلَ - جَوابًا -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿ألا يَجْعَلَ لَهم حَظًّا﴾؛ أيْ: نَصِيبًا؛ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المُسارَعَةُ في ذَلِكَ عَظِيمَةً؛ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ قَدْ عَمَّ (p-١٣٤)جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ لِأنَّ المُسارَعَةَ دَلَّتْ عَلى أنَّ الكُفْرَ قَدْ مَلَأ أبْدانَهُمْ؛ ونُفُوسَهُمْ؛ وأرْواحَهم.
آل عمران 3:177
ولَمّا كانَ قَبُولُ نُعَيْمٍ؛ ورَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ لِذَلِكَ الجَعْلِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ الكُفْرِ؛ شَرى الكُفْرَ بِالإيمانِ؛ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ﴾؛ أيْ: فَأخَذُوهُ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: فَتَرَكُوهُ؛ وأكَّدَ نَفْيَ الضَّرَرِ وأبَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ لِما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ الإعْلاءِ لِلْإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ لِما نالُوهُ مِن لَذَّةِ العِوَضِ في ذَلِكَ الشَّرْيِ؛ كَما هي العادَةُ في كُلِّ مُتَجَدِّدٍ مِنَ الأرْباحِ؛ والفَوائِدِ.
آل عمران 3:178
ولَمّا كانَ مِمّا اشْتُرِيَ بِهِ الكُفْرُ رُجُوعُ المُنافِقِينَ عَنْ ”أُحُدٍ“؛ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْإمْلاءِ لَهُمْ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ ورَسُولِهِ؛ ﴿أنَّما نُمْلِي﴾؛ أيْ: أنَّ إمْلاءَنا؛ أيْ: إمْهالَنا؛ وإطالَتَنا؛ ﴿لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ﴾؛ ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الخَيْرَ بِهَذا النَّهْيِ؛ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهُمْ﴾؛ أيْ: اسْتِدْراجًا؛ ﴿لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾؛ وهو جَمِيعُ ما سَبَقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ؛ فَإذا بَلَغَ النِّهايَةَ أوْجَبَ (p-١٣٥)الأخْذَ؛ ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ المُسْفِرُ عَنِ السَّلامَةِ مَظِنَّةً لِعِزِّهِمْ في هَذِهِ الدّارِ الفانِيَةِ؛ عِنْدَ مَن ظَنَّ حُسْنَ ذَلِكَ الرَّأْيِ؛ عُوِّضُوا عَنْهُ الإهانَةَ الدّائِمَةَ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾
آل عمران 3:179
ولَمّا كانَ مُطْلَقَ المُسارَعَةِ أعَمَّ مِمّا بِالعِوَضِ؛ وهو أعَمُّ مِمّا بِالرُّجُوعِ؛ جاءَ نَظْمُ الآياتِ عَلى ذاكَ؛ ولَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ جُمْلَةً مِنَ المُغَيَّباتِ؛ مِن أعْظَمِها تَمْيِيزُ المُخْلِصِ فِعْلًا؛ أوْ قَوْلًا؛ مِن غَيْرِهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ ذَلِكَ مِن أسْرارِها؛ عَلى وجْهٍ يُشِيرُ إلى النَّعْيِ عَلى المُنافِقِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ أنْفُسَهم بِالرُّجُوعِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِخِطابِ الأتْباعِ إلى مَزِيدِ عِلْمِهِ ﷺ وعُلُوِّ دَرَجَتِهِ لَدَيْهِ؛ وعَظِيمِ قُرْبِهِ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ما كانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ تَرْكُ التَّمْيِيزِ غَيْرَ مَحْمُودٍ؛ عَبَّرَ بِفِعْلِ الوَذَرِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ لِإظْهارِ شَرَفِ الوَصْفِ؛ تَعْظِيمًا لِأهْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الثّابِتِينَ في وصْفِ الإيمانِ؛ ﴿عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الِاخْتِلاطِ بِالمُنافِقِينَ؛ ومَن قارَبَهم مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عَلى حالِ الإشْكالِ؛ (p-١٣٦)لِلِاقْتِناعِ بِدَعْوى اللِّسانِ؛ دَلِيلًا عَلى الإيمانِ؛ ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ بِأنْ يَفْضَحَ المُبْطِلَ؛ وإنْ طالَ سَتْرُهُ؛ بِتَكالِيفَ شاقَّةٍ؛ وأحْوالٍ شَدِيدَةٍ؛ لا يَصْبِرُ عَلَيْها إلّا المُخْلَصُ مِنَ العِبادِ؛ المُخْلِصُونَ في الِاعْتِقادِ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾؛ لِاخْتِصاصِهِ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ ﴿لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لَمْ يُبْرَزْ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ بِوَجْهٍ؛ لِتَعْلَمُوا بِهِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ؛ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرُوها في الظّاهِرِ؛ والقَوْلُ لِشِدَّةِ الأسَفِ عَلى إخْوانِهِمْ؛ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَجْتَبِي﴾؛ أيْ: يَخْتارُ اخْتِيارًا بَلِيغًا؛ ﴿مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: فَيُخْبِرُ عَلى ألْسِنَتِهِمْ بِما يُرِيدُ مِنَ المُغَيَّباتِ؛ كَما أخْبَرَ أنَّهم بِرُجُوعِهِمْ لِلْكُفْرِ أقْرَبُ مِنهم لِلْإيمانِ؛ وأنَّهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا وُجُوبُ الإيمانِ بِهِ؛ قالَ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: في عالَمِ الغَيْبِ؛ والشَّهادَةِ؛ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ ﴿ورُسُلِهِ﴾؛ في أنَّهُ أرْسَلَهُمْ؛ وفي أنَّهم صادِقُونَ في كُلِّ ما يُخْبِرُونَ بِهِ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّكم إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا كانَ لَكم ما تَقَدَّمَ؛ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ؛ الألِيمِ؛ المُهِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: بِاللَّهِ؛ (p-١٣٧)ورُسُلِهِ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: بِالمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ؛ وما يَقْتَضِيهِ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ؛ ﴿فَلَكم أجْرٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: مِنهُ أنَّهُ لا يَضُرُّكم كَيْدُ أعْدائِكم شَيْئًا؛ كَما تَقَدَّمَ وعْدُكم بِهِ.
آل عمران 3:180
ولَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ مَبانِي السُّورَةِ الإنْفاقُ؛ وتَقَدَّمَ في غَيْرِ آيَةِ مَدْحُ المُتَّقِينَ بِهِ؛ وحَثُّهم عَلَيْهِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّ الكُفّارَ سارَعُوا في الكُفْرِ؛ أبُو سُفْيانَ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ عَلى مَن يَخْذُلُ الصَّحابَةَ؛ ونُعَيْمٌ؛ أوْ عَبْدُ القَيْسِ؛ بِالسَّعْيِ في ذَلِكَ؛ وكانَ المُبادِرُونَ إلى الجِهادِ قَدْ تَضَمَّنَ فِعْلُهُمُ السَّماحَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنَ الأنْفُسِ؛ والأمْوالِ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - قَدْ أخْبَرَ بِما لَهم عِنْدَهُ مِنَ الحَياةِ الَّتِي هي خَيْرٌ مِن حَياتِهِمُ الَّتِي أذْهَبُوها في حُبِّهِ؛ والرِّزْقِ الَّذِي هو أفْضَلُ مِمّا أنْفَقُوا في سَبِيلِهِ؛ ذَمَّ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الباخِلِينَ بِالأنْفُسِ؛ والأمْوالِ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَقالَ - رادًّا الخِطابَ إلَيْهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أمْكَنُ لِسُرُورِهِ؛ وأوْثَقُ في إنْجازِ الوَعْدِ -: ولا تَحْسَبَنَّ؛ أيْ: أنْتَ؛ يا خَيْرَ البَرِيَّةِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ وعِنْدَ الباقِينَ الفاعِلُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الحُقُوقِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ﴿بِما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِجَلالِهِ؛ وعِزِّ كَمالِهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: لِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ؛ بِبُخْلِهِمْ؛ ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِتَثْمِيرِ المالِ بِذَلِكَ؛ (p-١٣٨)﴿بَلْ هُوَ﴾؛ أيْ: البُخْلُ؛ ﴿شَرٌّ لَهُمْ﴾؛ لِأنَّهم - مَعَ جَعْلِ اللَّهِ البُخْلَ مَتْلَفَةً لِأمْوالِهِمْ - ﴿سَيُطَوَّقُونَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ مَن يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ بِغايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿ما بَخِلُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يُجْعَلُ لَهم - بِوَعْدٍ صادِقٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ بَعْدَ الإمْلاءِ لَهم - طَوْقًا؛ بِأنْ يَجْعَلَهُ شُجاعًا؛ أيْ: حَيَّةً عَظِيمَةً مَهُولَةً؛ تَلْزَمُ الإنْسانَ مِنهُمْ؛ مُحِيطَةً بِعُنُقِهِ؛ تَضْرِبُهُ في جانِبَيْ وجْهِهِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَرِثُهُ مِنهُمْ؛ بَعْدَ أنْ كانَ خَوَّلَهم فِيهِ؛ فَيَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّخْوِيلِ عَذابًا عَلَيْهِمْ؛ رَوى البُخارِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ؛ مُثِّلَ لَهُ مالُهُ شُجاعًا أقْرَعَ؛ لَهُ زَبِيبَتانِ؛ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ -؛ يَقُولُ: أنا مالُكَ؛ أنا كَنْزُكَ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ».
ولَمّا كانَ هَذا طَلَبًا مِنهم لِلْإنْفاقِ؛ وكانَ الطّالِبُ مِنّا مُحْتاجًا إلى ما يَطْلُبُهُ؛ وكانَ ذُو المالِ إذا عَلِمَ أنَّهُ ذاهِبٌ؛ وأنَّ مالَهُ مَوْرُوثٌ عَنْهُ؛ تَصَرَّفَ فِيهِ؛ أخْبَرَ (تَعالى) بِغِناهُ عَلى وجْهٍ يُجَرِّئُهم عَلى الإنْفاقِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”لِأنَّهُ ثَمَرَةُ كَوْنِهِ مِن فَضْلِهِ فَلِلَّهِ كُلُّ ما في أيْدِيهِمْ“ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿مِيراثُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: اللَّذَيْنِ هَذا مِمّا فِيهِما؛ بِأنْ يُعِيدَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ الأحْياءِ؛ وإنْ (p-١٣٩)أمْلى لَهُمْ؛ ويُفْنِيَ سائِرَ ما وهَبَهم مِنَ الأعْراضِ؛ ويَكُونَ هو الوارِثَ لِذَلِكَ كُلِّهِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمَلُ في الإخْبارِ عَنِ المُغَيَّباتِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ وكانَ البُخْلُ مِنَ الأفْعالِ الباطِنَةِ الَّتِي يُسْتَطاعُ إخْفاؤُها؛ ودَعْوى الِاتِّصافِ بِضِدِّها؛ كانَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ولَمّا كانَ مَنصِبَ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَ في غايَةِ النَّزاهَةِ؛ صَرَفَ الخِطابَ إلى الأتْباعِ؛ في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ وهو أبْلَغُ في الوَعِيدِ مِن تَرْكِهِ عَلى مُقْتَضى السِّياقِ مِنَ الغَيْبَةِ في قِراءَتِهِما؛ وقَدَّمَ الجارَّ؛ إشارَةً إلى أنَّ عِلْمَهُ بِأعْمالِهِمْ بالِغٌ إلى حَدٍّ لا تُدْرَكُ عَظَمَتُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في الوَعِيدِ الَّذِي اقْتَضاهُ السِّياقُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
آل عمران 3:181
ولَمّا كانَ العَمَلُ شامِلًا لِتَصَرُّفاتِ الجَوارِحِ كُلِّها؛ مِنَ القَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ وسائِرِ الأرْكانِ؛ قالَ - دالًا عَلى خَبَرِهِ بِسَماعِ ما قالُوهُ؛ مُتَجاوِزِينَ وهَدَةَ البُخْلِ؛ إلى حَضِيضِ القُبْحِ؛ مُرِيدِينَ التَّشْكِيكَ لِأهْلِ الإسْلامِ بِما يُورِدُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ قِياسًا عَلى ما يَعْرِفُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ؛ مِن أنَّهُ - كَما تَقَدَّمَ - لا يَطْلُبُ إلّا مُحْتاجٌ -: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ؛ ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿فَقِيرٌ﴾ (p-١٤٠)؛ أيْ: لِطَلَبِهِ القَرْضَ؛ ﴿ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ لِكَوْنِهِ يَطْلُبُ مِنّا؛ وهَذا رُجُوعٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى إتْمامِ ما نَبَّهَ عَلَيْهِ قَبْلَ هَذِهِ القِصَّةِ؛ مِن بُغْضِ أهْلِ الكِتابِ لِأهْلِ هَذا الدِّينِ؛ وحَسَدِهِمْ لَهُمْ؛ وإرادَةِ تَشْكِيكِهِمْ فِيهِ؛ لِلرُّجُوعِ عَنْهُ؛ عَلى أسْنى المَناهِجِ؛ وأعْلى الأسالِيبِ.
ولَمّا تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى جَزائِهِمْ عَلى هَذِهِ العَظِيمَةِ؛ وكانَتِ المُلُوكُ إذا عَلِمَتِ انْتِقاصَ أحَدِها وهي قادِرَةٌ؛ عاجَلَتْهُ؛ لِما عِنْدَها مِن نَقْصِ الأذى بِالغَيْظِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُهَدِّدًا لَهُمْ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿سَنَكْتُبُ﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ في الدُّنْيا؛ ﴿ما قالُوا﴾؛ أيْ: مِن هَذا الكُفْرِ؛ وأمْثالِهِ؛ والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ؛ لِلْحَثِّ عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ خَتْمِ رُتَبِ الشَّهادَةِ؛ وسَيَأْتِي في ”الزُّخْرُفِ“ لَهُ مَزِيدُ بَيانٍ.
ولَمّا كانَ هَذا اجْتِراءً عَلى الخالِقِ؛ أتْبَعَهُ اجْتِراءَهم عَلى أشْرَفِ الخَلائِقِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا؛ بِإضافَةِ المَصْدَرِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ وبِجَمْعِ التَّكْسِيرِ الدّالِّ عَلى الكَثِيرِ؛ إلى أنَّهم أشَدُّ النّاسِ تَمَرُّدًا؛ وتَمَرُّنًا عَلى ارْتِكابِ العَظائِمِ؛ وأنَّ الِاجْتِراءَ عَلى أعْظَمِ أنْواعِ الكُفْرِ قَدْ صارَ لَهم خُلُقًا -: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ﴾ (p-١٤١)؛ أيْ: الَّذِينَ أقَمْناهم فِيهِمْ؛ لِتَجْدِيدِ ما أوْهَوْهُ مِن بُنْيانِ دِينِهِمْ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ في قَتْلِهِمْ شُبْهَةٌ أصْلًا؛ قالَ: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾؛ فَهو أعْظَمُ ذَمًّا مِمّا قَبْلَهُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ؛ في قَوْلِهِ ﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَنَكْتُبُ﴾؛ قَوْلَهُ: ﴿ونَقُولُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الجَلالِ؛ ﴿ذُوقُوا﴾؛ أيْ: بِما نَمَسُّكم بِهِ مِنَ المَصائِبِ في الدُّنْيا؛ والعِقابِ في الأُخْرى؛ كَما كُنْتُمْ تَذُوقُونَ الأطْعِمَةَ الَّتِي كُنْتُمْ تَبْخَلُونَ بِها؛ فَلا تُؤَدُّونَ حُقُوقَها؛ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾؛ جَزاءً عَلى ما أحْرَقْتُمْ بِهِ قُلُوبَ عِبادِنا؛
آل عمران 3:182
ثُمَّ بَيَّنَ السَّبَبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: العَذابُ العَظِيمُ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ؛ بِقَتْلِهِمْ؛ وبِغَيْرِهِ؛ ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: وبِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لَيْسَ بِظَلامٍ﴾؛ أيْ: بِذِي ظُلْمٍ؛ ﴿لِلْعَبِيدِ﴾؛ ولَوْ لَمْ يُعَذِّبْكم لَكانَ تَرَكَكم عَلى صُورَةِ الظُّلْمِ؛ لِمَن عادَوْكم فِيهِ؛ واشْتَدَّ أذاكم لَهم.
آل عمران 3:183
ولَمّا كانَ القُرْبانُ مِن جِنْسِ النَّفَقاتِ؛ ومِمّا يَتَبَيَّنُ بِهِ سَماحُ النُّفُوسِ وشُحِّها؛ حَسُنَ نَظْمُ آيَةِ القُرْبانِ هُنا؛ بِقَوْلِهِ - رادًّا شُبْهَةً لَهم أُخْرى؛ ومُبَيِّنًا قَتَلَهُمُ الأنْبِياءَ -: ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾؛ تَقاعُدًا عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ المُسارَعَةِ بِالإيمانِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَهِدَ إلَيْنا﴾؛ وقَدْ كَذَبُوا في ذَلِكَ؛ ﴿ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾؛ أيْ: كائِنٍ مَن كانَ؛ (p-١٤٢)﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ نُقَرِّبُهُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ فَيَكُونَ مُتَّصِفًا بِأنَّهُ ﴿تَأْكُلُهُ النّارُ﴾؛ عِنْدَ تَقْرِيبِهِ لَهُ؛ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ بَيانٍ لِأنَّهم ما أرادُوا - بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١]؛ حَيْثُ طَلَبَ الصَّدَقَةَ - إلّا التَّشْكِيكَ؛ حَيْثُ كانَ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ بِالمالِ مِن دِينِهِمُ الَّذِي يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ بِهِ؛ بَلْ وادَّعَوْا أنَّهُ لا يَصِحُّ دِينٌ بِغَيْرِهِ.
ولَمّا افْتَرَوْا هَذا التَّشْكِيكَ أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِنَقْضِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ﴾؛ فَضْلًا عَنْ رَسُولٍ؛ ولَمّا كانَتْ مُدَّتُهم لَمْ تَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ الماضِيَ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِي﴾ كَزَكَرِيّا؛ وابْنِهِ يَحْيى؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ القُرْبانِ؛ فَإنَّ الغَنائِمَ لَمْ تُحَلَّ - كَما في الصَّحِيحِ - لِأحَدٍ كانَ قَبْلَنا؛ فَلَمْ تُحَلَّ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ تَكُنْ مِمّا نَسَخَهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وقَدْ كانَتْ تُجْمَعُ؛ فَتَنْزِلُ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلُها؛ إلّا إنْ وقَعَ فِيها غُلُولٌ؛ ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: (p-١٤٣)قَتَلَهم أسْلافُكُمْ؛ ورَضِيتُمْ أنْتُمْ بِذَلِكَ؛ فَشارَكْتُمُوهم فِيهِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّكم تُؤْمِنُونَ لِمَن أتاكم عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ؛ وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى الفَرِيقَيْنِ؛ اليَهُودِ المُدَّعِينَ أنَّهم قَتَلُوهُ؛ الزّاعِمِينَ أنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِمْ في الإيمانِ بِمَن أتاهم بِذَلِكَ؛ والنَّصارى المُسَلِّمِينَ لِما ادَّعى اليَهُودُ مِن قَتْلِهِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِإلَهٍ.
آل عمران 3:184
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً لِكَثِيرٍ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي أخْفَوْها مِن كِتابِهِمُ الَّذِي جَعَلُوهُ قَراطِيسَ؛ يُبْدُونَها؛ ويُخْفُونَ كَثِيرًا؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ بِخُصُوصِها؛ مِن ذَلِكَ ما يَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ ﷺ وكانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّ أكْثَرَهم يُعانِدُونَ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ سَلّاهُ في تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ مِنهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَذا الَّذِي أعْلَمْتُكَ بِهِ يُوجِبُ تَصْدِيقَكَ؛ فَإنْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ بَلْ كَذَّبُوا؛ ﴿فَقَدْ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ مُبالَغَتِهِمْ في الغِلْظَةِ؛ والجَفاءِ؛ (p-١٤٤)والكُفْرِ؛ وعَدَمِ الوَفاءِ؛ وكانَتِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْحِيدِ؛ والرُّسُلُ مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ؛ وقَدْ أتى كُلٌّ مِنهم فِيهِ بِأنْهى البَيانِ؛ وأزالَ كُلَّ لَبْسٍ؛ أسْقَطَ تاءَ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّها رُبَّما دَلَّتْ عَلى نَوْعِ ضَعْفٍ؛ فَقالَ: ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾؛ ولَمّا كانَتْ تَسْلِيَةُ الإنْسانِ بِمَن قارَبَهُ في الزَّمانِ أشَدَّ؛ أثْبَثَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: فَلَكَ فِيهِمْ مَسْلاةٌ؛ وبِهِمْ أُسْوَةٌ؛ ﴿جاءُوا بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ﴿والزُّبُرِ﴾؛ أيْ: مِنَ الصُّحُفِ المُضَمَّنَةِ لِلْمَواعِظِ؛ والحِكَمِ الزَّواجِرِ؛ والرَّقائِقِ الَّتِي يَزْبُرُ العالِمُ بِها عَنِ المَساوِي؛ ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِلْأحْكامِ؛ وغَيْرِها؛ المُوَضِّحِ لِأنَّهُ الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ.
آل عمران 3:185
ولَمّا تَقَدَّمَ في قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ رُجُوعُ المُنافِقِينَ؛ وهَزِيمَةُ بَعْضِ المُؤْمِنِينَ؛ مِمّا كانَ سَبَبَ ظَفَرِ الكافِرِينَ؛ وعابَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هَرَبُوا مِن مُوجِباتِ السَّعادَةِ والحَياةِ الأبَدِيَّةِ إلى ما لا بُدَّ مِنهُ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧] ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا (p-١٤٥)بَكَّتَهم بِهِ في رُجُوعِهِمْ حَذَرَ المَوْتِ؛ وطَلَبَ امْتِدادِ العُمْرِ؛ مَعَ ما افْتَتَحَ بِهِ مِن أنَّ مَوْتَ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ وقَتْلَهُ مُمْكِنٌ؛ كَما كانَ مَن قَبْلَهُ مِن إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ؛ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ -؛ وخَتَمَ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ وقَعَ قَتْلُ كَثِيرٍ مِنَ الرُّسُلِ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُحَقَّقًا؛ لِأنَّهُ لا يُصانُ مِنَ المَوْتِ خاصٌّ ولا عامٌّ؛ مَضْمُومًا إلى ما نُشاهِدُ مِن ذَلِكَ في كُلِّ لَحْظَةٍ؛ صَوَّرَ ذَلِكَ المَوْتَ بَعْدَ أنْ صارَ مُسْتَحْضَرًا لِلْعِيانِ تَصْوِيرًا أوْجَبَ التَّصْرِيحَ بِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّ حالَهم في هَرَبِهِمْ؛ ورُجُوعِهِمْ؛ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ حالَ مَن هو في شَكٍّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: مَنفُوسَةٍ؛ مِن عِيسى؛ وغَيْرِهِ؛ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ والنّارِ؛ ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾؛ أيْ: وهو المَعْنى الَّذِي يَبْطُلُ مَعَهُ تَصَرُّفُ الرُّوحِ في البَدَنِ؛ وتَكُونُ هي باقِيَةً بَعْدَ مَوْتِهِ؛ لِأنَّ الذّائِقَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ حالَ ذَوْقِهِ حَيًّا؛ حَسّاسًا؛ ومَن يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَوْقُ المَوْتِ يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَوْقُ النّارِ؛ وهو عَبْدٌ؛ مُحْتاجٌ؛ فالعاقِلُ مَن سَعى في النَّجاةِ مِنها؛ والإنْجاءِ؛ كَما فَعَلَ الخُلَّصُ الَّذِينَ مِنهم عِيسى؛ ومُحَمَّدٌ - عَلَيْهِما أفْضَلُ الصَّلاةِ وأزْكى السَّلامِ -؛ وكانَ نَظْمُها بَعْدَ الآياتِ المُقْتَضِيَةِ لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ بِالإثابَةِ عَلَيْها؛ وأنَّهُ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ؛ شَدِيدَ الحُسْنِ؛ وذَلِكَ مُناسِبٌ أيْضًا لَخَتْمِ الآيَةِ بِالتَّصْرِيحِ؛ (p-١٤٦)لِتَوْفِيَةِ الأُجُورِ يَوْمَ الدِّينِ؛ وأنَّ الزَّحْزَحَةَ عَنِ النّارِ؛ ودُخُولَ الجَنَّةِ؛ لَهو الفَوْزُ؛ لا الشُّحُّ في الدُّنْيا بِالنَّفْسِ والمالِ؛ الَّذِي رُبَّما كانَ سَبَبًا لِامْتِدادِ العُمْرِ؛ وسَعَةِ المالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ﴾؛ أيْ: تُعْطَوْنَ؛ ﴿أُجُورَكُمْ﴾؛ عَلى التَّمامِ؛ جَزاءً عَلى ما عَمِلْتُمُوهُ؛ مِن خَيْرٍ؛ وشَرٍّ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ وأمّا ما يَكُونُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن نَعِيمِ القَبْرِ؛ ونَحْوِهِ؛ فَبَعْضٌ؛ لا وفاءٌ؛ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾؛ أيْ: أُبْعِدَ في ذَلِكَ اليَوْمِ إبْعادًا عَظِيمًا؛ سَرِيعًا؛ ﴿عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾؛ أيْ: بِالحَياةِ الدّائِمَةِ؛ والنَّعِيمِ الباقِي.
والمَعْنى أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُوَفّى ما عَمِلَتْ؛ فَتُوَفّى أنْتَ أجْرَكَ عَلى صَبْرِكَ عَلى أذاهُمْ؛ وكَذا مَن أطاعَكَ؛ ويُجازَوْنَ هم عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّكَ؛ فَيُقْذَفُونَ في غَمْرَةِ النّارِ؛ وكانَ الحَصْرُ إشارَةً إلى تَقْبِيحِ إقْبالِهِمْ عَلى الغَنِيمَةِ وغَيْرِها مِنَ التَّوَسُّعِ العاجِلِ؛ أيْ: إنَّما مُقْتَضى الدِّينِ الَّذِي دَخَلْتُمْ فِيهِ هَذا؛ وذَلِكَ تَرْهِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ إلى تَعَجُّلِ شَيْءٍ مِنَ الأجْرِ في الدُّنْيا - كَما قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في أوَّلِ إسْلامِهِ: ”وجَدْتُ بِضاعَةً بِنَسِيئَةٍ؛ ما وقَعْتُ عَلى بِضاعَةٍ قَطُّ أنْفَسَ مِنها؛ وهي (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ)“؛ فالحاصِلُ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ - أيْ: حَذِرَةٍ مِنَ المَوْتِ؛ ومُسْتَسْلِمَةٍ - ذائِقَةُ المَوْتِ؛ أيْ: فَعَلامَ الِاحْتِراسُ مِنهُ بِقُعُودٍ عَنِ الغَزْوِ؛ أوْ هَرَبٍ مِنَ العَدُوِّ؟! وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم - أيْ: يا أهْلَ الإسْلامِ - الَّتِي وُعِدْتُمُوها عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ (p-١٤٧)يَوْمَ القِيامَةِ؛ أيْ: فَما لَكم تُرِيدُونَ تَعَجُّلَها بِإسْراعِكم إلى الغَنائِمِ؛ أوْ غَيْرِها مِمّا يَزِيدُ في أعْراضِ الدُّنْيا؛ فَتَكُونُوا مِمَّنْ تَعَجَّلَ طَيِّباتِهِ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ فَمَن - أيْ: فَحَيْثُ عُلِمَ أنَّهُ لا فَوْزَ في الدُّنْيا إلّا بِما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ - أيْ: بِكَوْنِهِ وُفِّيَ أجْرَهُ؛ ولَمْ يَتَعَجَّلْ طَيِّباتِهِ - وأُدْخِلَ الجَنَّةَ - أيْ: بِما عَمِلَ مِنَ الصّالِحاتِ؛ فَحازَ الحَياةَ الدّائِمَةَ؛ مَعَ الطَّيِّباتِ الباقِيَةِ - فَقَدْ فازَ؛ أيْ: كُلِّ الفَوْزِ.
ولَمّا صَحَّ أنَّهُ لا فَوْزَ إلّا ذَلِكَ؛ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الَّتِي أُمْلِي لَهم فِيها؛ وأُزِيلَتْ عَنِ الشُّهَداءِ؛ ﴿إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾؛ أيْ: المَتاعُ الَّذِي يُدَلِّسُ الشَّيْطانُ أمْرَهُ عَلى النّاسِ حَتّى يَغْتَرُّوا بِهِ؛ فَيُغْبَنُوا بِتَرْكِ الباقِي؛ وأخْذِ الأشْياءِ الزّائِلَةِ؛ بِانْقِضاءِ لَذّاتِها؛ والنَّدَمِ عَلى شَهَواتِها بِالخَوْفِ مِن تَبِعاتِها.
وفِي ذَلِكَ أيْضًا مُناسَبَةٌ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ وهو أنَّهُ لَمّا سَلّاهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالرُّسُلِ الَّذِينَ لازَمُوا الصَّبْرَ؛ والِاجْتِهادَ في الطّاعَةِ؛ حَتّى ماتُوا؛ وأُمَمِهِمْ؛ وتَرَكُوا ما كانَ بِأيْدِيهِمْ؛ عاجِزِينَ عَنِ المُدافَعَةِ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا مُلْكُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وأنَّ الفَرِيقَيْنِ يَنْتَظِرُونَ الجَزاءَ؛ فالرُّسُلُ لِتَمامِ الفَوْزِ؛ والكُفّارُ لِتَمامِ الهَلاكِ؛ أخْبَرَ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ كَذَلِكَ؛ لِيَجْتَهِدَ الطّائِعُ؛ ويَقْتَصِرَ العاصِي؛ وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ ”أُحُدٍ“؛ خَوْفَ القَتْلِ؛ وقالُوا عَنِ الشُّهَداءِ: ﴿لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]؛ أيْ: إنَّ الَّذِي فَرَرْتُمْ (p-١٤٨)مِنهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ والحَياةُ الَّتِي آثَرْتُمُوها مَتاعٌ يَنْدَمُ عَلَيْهِ مَن مَحَّضَهُ لِلتَّمَتُّعِ؛ كَما يَنْدَمُ المَغْرُورُ بِالمَتاعِ الَّذِي غُرَّ بِهِ؛ فالسَّعِيدُ مَن سَعى في أنْ يَكُونَ مَوْتُهُ في رِضا مَوْلاهُ الَّذِي لا مَحِيصَ لَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيْهِ؛ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
آل عمران 3:186
ولَمّا سَلّى اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَبِيَّهُ ﷺ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهُ بِما لَقِيَ إخْوانُهُ مِنَ الرُّسُلِ؛ وبِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِانْقِلابِ إلَيْهِ؛ فَيَفُوزُ مَن كانَ مِن أهْلِ حِزْبِهِ؛ ويَشْقى مَن والى أعْداءَهُ؛ وذَوِي حِزْبِهِ؛ أعادَ التَّسْلِيَةَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ المُؤْمِنِينَ؛ وساقَها مَساقَ الإخْبارِ بِحُلُولِ المَصائِبِ الكِبارِ الَّتِي هي مِن شَعائِرِ الأخْيارِ؛ في دارِ الأكْدارِ؛ المُعْلِيَةِ لَهم في دارِ القَرارِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ الواقِفَ في الخِدْمَةِ يُنْكِرُ أنْ يُصِيبَهُ مَعْبُودُهُ بِسُوءٍ؛ هَذا طَبْعُ البَشَرِ؛ وإنْ تَطَبَّعَ بِخِلافِهِ؛ وأفادَ ذِكْرُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ تَهْوِينَهُ؛ بِتَوْطِينِ النَّفْسِ عَلَيْهِ؛ وأفادَ بِناؤُهُ لِلْمَفْعُولِ أنَّ المُنَكّى البَلاءُ؛ لا كَوْنُهُ مِن جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ -: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾؛ أيْ: تُعامَلُونَ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ؛ لِتَبْيِينِ المُؤْمِنِ مِنَ المُنافِقِ؛ ﴿فِي أمْوالِكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ الإنْفاقِ؛ ﴿وأنْفُسِكُمْ﴾؛ أيْ: بِالإصابَةِ في الجِهادِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَكَما نالَكم ما نالَكم مِنَ الأذى بِإذْنِي؛ لَيَلْحَقَنَّكم بَعْدَهُ مِنَ الأذى ما أمْضَيْتُ بِهِ سُنَّتِي في خُلَّصِ عِبادِي؛ وذَوِي مَحَبَّتِي؛ وكانَ إيلاءُ ذَلِكَ لِلْآيَةِ الَّتِي فِيها الإشارَةُ إلى أنَّ تَوْفِيَةَ الأُجُورِ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ مِمّا يُنِيلُ (p-١٤٩)الفَوْزَ؛ مُناسِبًا مِن حَيْثُ التَّرْغِيبُ في كُلِّ ما يَكُونُ سَبَبًا لِذَلِكَ؛ مِنَ الصَّبْرِ عَلى ما يَبْتَلِي بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ مِنَ التَّكالِيفِ؛ أوْ يَأْذَنُ فِيهِ مِنَ المَصائِبِ؛ وقَدَّمَ المالَ لِأنَّهُ - كَما قِيلَ - عَدِيلُ الرُّوحِ؛ ورُبَّما هانَ عَلى الإنْسانِ المَوْتُ دُونَ الفَقْرِ المُؤَدِّي إلى الذُّلِّ؛ بِالشَّماتَةِ والعارِ؛ بِما تُقَصِّرُ عَنْهُ يَدُهُ بِفَقْدِهِ مِن أفْعالِ المَكارِمِ؛ وما أحْسَنَ ذِكْرَ هَذِهِ الآيَةِ إثْرَ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ الَّتِي وقَعَ فِيها القَتْلُ؛ بِسَبَبِ الإقْبالِ عَلى المالِ؛ وكانَ ذِكْرُها تَعْلِيلًا لِبَغَضَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ.
ولَمّا كانَ يَوْمُها يَوْمَ بَلاءٍ وتَمْحِيصٍ؛ وكانَ رُبَّما أطْمَعَ في العافِيَةِ بَعْدَهُ؛ فَتَوَطَّنَتِ النَّفْسُ عَلى ذَلِكَ؛ فاشْتَدَّ انْزِعاجُها بِما يَأْتِي مِن أمْثالِهِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ مِن أخْلاقِ المُشَمِّرِينَ؛ أرادَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - تَوْطِينَ النُّفُوسِ عَلى ما طُبِعَتْ عَلَيْهِ الدّارُ مِنَ الأثْقالِ؛ والآصارِ؛ فَأخْبَرَ أنَّ البَلاءَ لَمْ يَنْقُصْ بِهِ؛ بَلْ لا بُدَّ بَعْدَهُ مِن بَلايا؛ وسَماعِ أذًى مِن سائِرِ الكُفّارِ؛ ورَغَّبَ في شِعارِ المُتَّقِينَ؛ الصَّبْرِ؛ الَّذِي قَدَّمَهُ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ ثُمَّ قَبْلَ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ وبَناها عَلَيْهِ؛ مُعْلِمًا أنَّهُ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْزَمَ عَلَيْهِ؛ ولا يُتَرَدَّدُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ هَذا اليَوْمِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَسْوِيَةَ العالِمِ بِالجاهِلِ في الذَّمِّ؛ نَزَّهَ المُعْلَمَ عَنِ الذِّكْرِ؛ فَبَنى لِلْمَفْعُولِ؛ (p-١٥٠)قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ ولَمّا كانَ إيتاؤُهم لَهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمَنَ الماضِيَ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ؛ ﴿أذًى كَثِيرًا﴾؛ أيْ: مِنَ الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ وغَيْرِهِ؛ بِسَبَبِ هَذِهِ الوَقْعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ ﴿وإنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أيْ: تَتَخَلَّقُوا بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿وتَتَّقُوا﴾؛ أيْ: وتَجْعَلُوا بَيْنَكُمْ؛ وبَيْنَ ما يُسْخِطُ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وِقايَةً؛ بِأنْ تَغُضُّوا عَنْ كَثِيرٍ مِن أجْوِبَتِهِمُ اعْتِمادًا عَلى رَدِّهِمْ بِالسُّيُوفِ؛ وإنْزالِ الحُتُوفِ؛ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العالِي الرُّتْبَةِ؛ ﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾؛ أيْ: الأشْياءِ الَّتِي هي أهْلٌ لِأنْ يُعْزَمَ عَلى فِعْلِها؛ ولا يُتَرَدَّدَ فِيهِ؛ ولا يَعُوقَ عَنْهُ عائِقٌ؛ فَقَدْ خُتِمَتْ قِصَّةُ ”أُحُدٍ“؛ بِمِثْلِ ما سُبِقَتْ؛ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ إلى أنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا لا يَضُرُّكم كَيْدُهم شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]؛ ما أخْبَرَ بِهِ هُنا بِأنَّهُ مِن عَزْمِ الأُمُورِ.
آل عمران 3:187
ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في أوائِلِ قَصَصِ اليَهُودِ أنَّهُ أخَذَ عَلى النَّبِيِّينَ المِيثاقَ بِما أخَذَ؛ وأخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَهو الفاسِقُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي﴾ [آل عمران: ١٨٣] ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٨٤]؛ أنَّ النَّبِيِّينَ وفَّوْا بِالعَهْدِ؛ وأنَّ كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ خانَ؛ ثَنّى هُنا بِالتَّذْكِيرِ بِذَلِكَ العَهْدِ؛ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ العُلَماءَ؛ بَعْدَ الإخْبارِ بِسَماعِ الأذى المُتَضَمِّنِ لِنَقْضِهِمْ لِلْعَهْدِ؛ فَكانَ التَّذْكِيرُ بِهَذا المِيثاقِ كالدَّلِيلِ عَلى (p-١٥١)مَضْمُونِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ وكَأنَّهُ قِيلَ: ”فاذْكُرُوا قَوْلِي لَكُمْ؛“لَتُبْلَوُنَّ”؛ واجْعَلُوهُ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ لِتُوَطِّنُوا أنْفُسَكم عَلَيْهِ؛ فَلا يَشْتَدَّ جَزَعُكم بِحُلُولِ ما يَحُلُّ مِنهُ“؛ و؛ اذْكُرُوا؛ إذْ أخَذَ اللَّهُ؛ الَّذِي لا عَظِيمَ إلّا هُوَ؛ ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الخِيانَةُ مِنَ العالِمِ أشْنَعَ؛ وكانَ ذِكْرُ العِلْمِ دُونَ تَعْيِينِ المُعْلَمِ كافِيًا في ذَلِكَ؛ بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: في البَيانِ؛ فَخافُوا؛ فَما آذَوْا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ وإذا آذَوْا أنْفُسَهم بِخِيانَةِ عَهْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كانُوا في أذاكم أشَدَّ؛ وإلَيْهِ أسْرَعَ؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ”واذْكُرُوا ما أخْبَرْتُكم بِهِ؛ عِنْدَما أُنْزِلُهُ بِكُمْ؛ واصْبِرُوا لِتَفُوزُوا؛ واذْكُرُوا إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ مَن قَبْلَكُمْ؛ فَضَيَّعُوهُ؛ كَيْلا تَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ؛ فَيَحِلَّ بِكم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الذُّلِّ؛ والصَّغارِ في الدُّنْيا؛ مَعَ ما يُدَّخَرُ في الآخِرَةِ مِن عَذابِ النّارِ“.
هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي أوَّلًا؛ ثُمَّ بانَ أنَّ الَّذِي لا مَعْدِلَ عَنْهُ أنَّهُ لَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ ”أُحُدٍ“؛ وما تَبِعَها؛ إلى أنْ خُتِمَتْ بَعْدَ الوَعْظِ بِتَحَتُّمِ المَوْتِ؛ الَّذِي فَرَّ مَن فَرَّ مِنهم مِنهُ؛ وخَوَّفَ الباقِينَ أمْرُهُ؛ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ؛ أنَّهُ جَعَلَها (p-١٥٢)دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ مِن بُغْضِ أهْلِ الكِتابِ؛ وما تَبِعَهُ؛ عَطَفَ عَلى ”إذْ“؛ المُقَدَّرَةِ - لِعَطْفِ ﴿وإذْ غَدَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٢١]؛ عَلَيْها - قَوْلَهُ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: اذْكُرُوا ذَلِكَ؛ يَدُلَّكم عَلى عَداوَتِهِمْ؛ واذْكُرُوا ما صَحَّ عِنْدَكم مِن إخْبارِ اللَّهِ (تَعالى) المُشاهَدِ؛ بِإخْبارِ مَن أسْلَمَ مِنَ الأحْبارِ؛ والقِسِّيسِينَ أنَّ اللَّهَ أخَذَ ﴿مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ بِما أكَّدَ في كُتُبِهِ؛ وعَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؛ أيْ: الكِتابَ؛ ﴿لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ أيْ: نَصِيحَةً مِنهم لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ولِرَسُولِهِ ﷺ؛ ولِأئِمَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ وعامَّتِهِمْ؛ لِيُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ المُبَشَّرِ بِهِ؛ ﴿فَنَبَذُوهُ﴾؛ أيْ: المِيثاقَ؛ بِنَبْذِ الكِتابِ؛ ﴿وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ حَسَدًا لَكُمْ؛ وبُغْضًا؛ وهو تَمْثِيلٌ لِتَرْكِهِمُ العَمَلَ بِهِ؛ لِأنَّ مَن تَرَكَ شَيْئًا وراءَهُ نَسِيَهُ؛ ﴿واشْتَرَوْا بِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ الثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَوْهُ خَسارَةً؛ لا رِبْحَ فِيهِ أصْلًا؛ عَلى العَكْسِ مِمّا بَذَلُوهُ؛ عَلى أنَّهُ ثَمَنٌ؛ وكانَ الثَّمَنُ إذا نَضَّ زالَتْ مَظِنَّةُ الرِّبْحِ مِنهُ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثَمَنًا﴾؛ وزادَ في بَيانِ سَفَهِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قَلِيلا﴾؛ أيْ: بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ المالِ؛ والِاسْتِئْمارِ لِلرِّئاسَةِ؛ فَكَتَمُوا ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ بِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ مَعَ فَنائِهِ أوْرَثَهُمُ العارَ الدّائِمَ؛ والنّارَ (p-١٥٣)الباقِيَةَ؛ وعَبَّرَ عَنْ هَذا الأخْذِ بِالشِّراءِ؛ إعْلامًا بِلَجاجِهِمْ فِيهِ؛ ونَبَّهَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى مُبالَغَتِهِمْ في اللَّجاجِ.
آل عمران 3:188
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِأنَّهُمُ احْتَوَوْا عَلى المالِ؛ والجاهِ؛ بِما كَتَمُوا مِنَ العِلْمِ؛ وأظْهَرُوا مِن خِلافِهِ المُتَضَمِّنِ لِمَحَبَّةِ أهْلِ دِينِهِمْ فِيهِمْ؛ وثَنائِهِمْ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم عَلى الدِّينِ الصَّحِيحِ؛ وأنَّهم أهْلُ العِلْمِ؛ فَهم أهْلُ الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُخْبِرًا عَنْ مَآلِهِمْ؛ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ امْرِئٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾؛ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالغَيْبِ؛ ﴿الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾؛ أيْ: مِمّا يُخالِفُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ؛ وتَوَصَّلُوا بِهِ إلى الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ مِنَ الأمْوالِ والرِّئاسَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمْ؛ وفي قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ؛ ويَعْقُوبَ؛ بِالخِطابِ؛ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّهم أيُّها النّاظِرُ لِمَكْرِهِمْ؛ ورَواجِهِمْ بِسَبَبِهِ؛ في الدُّنْيا؛ واصِلِينَ إلى خَيْرٍ؛ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾؛ أيْ: يُوجَدَ الثَّناءُ بِالوَصْفِ الجَمِيلِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الباطِنِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلُوهُ؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ؛ في السِّيرَةِ: ”أنْ يَقُولَ النّاسُ:“عُلَماءُ”؛ ولَيْسُوا بِأهْلِ عِلْمٍ؛ لَمْ يَتَحَمَّلُوهم عَلى هُدًى؛ ولا حَقٍّ“.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمُ بِهَلاكِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: تَحْسَبَنَّ أنْفُسَهُمْ؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ بِالغَيْبِ؛ وضَمِّ الباءِ؛ (p-١٥٤)وعَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ المَعْنى: لا تَحْسَبَنَّهُمْ؛ أيُّها النّاظِرُ؛ ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾؛ بَلْ هم بِمَهْلَكَةٍ مِنهُ؛ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
آل عمران 3:189
ولَمّا أخْبَرَ بِهَلاكِهِمْ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ مِن فاعِلِ ”تَحْسَبُ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: لا يَقَعْ في فِكْرِهِمْ ذَلِكَ؛ والحالُ أنَّ مُلْكَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ؛ ولَهُ جَمِيعُ ما يُمْكِنُهم الِانْحِيازُ إلَيْهِ؛ ولَهُ ما لا تَبْلُغُهُ قُدَرُهم مِن مُلْكِ الخافِقَيْنِ؛ فَهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ وهو شامِلُ القُدْرَةِ؛ فَمَن كانَ في مُلْكِهِ كانَ في قَبْضَتِهِ؛ ومَن كانَ في قَبْضَتِهِ كانَ عاجِزًا عَنِ التَّفَصِّي عَمّا يُرِيدُ بِهِ؛ لِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ؛ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو - كَما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ.
آل عمران 3:190
ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُلْكَ العَظِيمَ؛ وخَتَمَ بِشُمُولِ القُدْرَةِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّفَكُّرِ فِيهِ؛ المُوجِبِ لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ؛ الدّاعِي إلى الإيمانِ؛ المُوجِبِ لِلْمَفازَةِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ الأعْظَمَ مِن إنْزالِ القُرْآنِ تَنْوِيرُ القُلُوبِ بِالمَعْرِفَةِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِغايَةِ التَّسْلِيمِ؛ وذَلِكَ هو اتِّباعُ المِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ؛ وهو مُتَوَقِّفٌ عَلى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَبَدَأ - سُبْحانَهُ وتَعالى - السُّورَةَ بِدَلائِلِ صِدْقِهِ؛ بِإعْجازِ القُرْآنِ؛ بِكَشْفِهِ - مَعَ الإعْجازِ بِنَظْمِهِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ - (p-١٥٥)لِلشُّبُهاتِ؛ وبَيانِهِ لِلْخَفِيّاتِ؛ وأظْهَرَ مُكابَرَةَ أهْلِ الكِتابِ؛ وفَضَحَهم أتَمَّ فَضِيحَةٍ؛ فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ؛ مُنْظَمًا بِبَدائِعِ الحِكَمِ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ شَرَعَ في بَثِّ أنْوارِ المَعْرِفَةِ؛ بِنَصْبِ دَلائِلِها القَرِيبَةِ؛ وكَشْفِ أسْتارِها العَجِيبَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: عَلى كِبَرِهِما؛ وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ ونَبَّهَ عَلى التَّغَيُّرِ الدّالِّ عَلى المُغَيِّرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: اخْتِلافًا هو - كَما تَرَوْنَ - عَلى غايَةِ الإحْكامِ؛ بِكَوْنِهِ عَلى مِنهاجٍ قَوِيمٍ؛ وسَيْرٍ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عَلى جَمِيعِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنِ الخالِقِ؛ وزادَ الحَثَّ عَلى التَّفَكُّرِ والتَّهْيِيجِ إلَيْهِ؛ والإلْهابِ مِن أجْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾؛ وذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في أُخْتِ هَذِهِ الآيَةِ؛ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ ثَمانِيَةَ أنْواعٍ مِنَ الأدِلَّةِ؛ واقْتَصَرَ هُنا عَلى ثَلاثَةٍ؛ لِأنَّ السّالِكَ يَفْتَقِرُ في ابْتِداءِ السُّلُوكِ إلى كَثْرَةِ الأدِلَّةِ؛ فَإذا اسْتَنارَ قَلَّتْ حاجَتُهُ إلى ذَلِكَ؛ وكانَ الإكْثارُ مِنَ الأدِلَّةِ كالحِجابِ الشّاغِلِ لَهُ عَنِ اسْتِغْراقِ القَلْبِ في لُجَجِ المَعْرِفَةِ؛ واقْتَصَرَ هُنا مِن آثارِ الخَلْقِ عَلى السَّماوِيَّةِ؛ لِأنَّها أقْهَرُ؛ وأبْهَرُ؛ والعَجائِبَ فِيها أكْثَرُ؛ وانْتِقالَ القَلْبِ مِنها إلى عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - وكِبْرِيائِهِ أشَدُّ وأسْرَعُ؛ وخَتَمَ تِلْكَ بِما هو لِأوَّلِ السُّلُوكِ؛ العَقْلِ؛ وخَتَمَ هَذِهِ بِلُبِّهِ؛ لِأنَّها لِمَن تَخَلَّصَ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ؛ وشَوائِبِ هَواجِسِ الوَهْمِ المانِعَةِ مِنَ الوُصُولِ إلى حَقِّ اليَقِينِ؛ بَلْ عِلْمِ اليَقِينِ.
آل عمران 3:191
(p-١٥٦)ولَمّا كانَ كُلُّ مُمَيَّزٍ يَدَّعِي أنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الرَّشادِ؛ نَعَتَهم بِما بَيَّنَ مَن يَعْتَدُّ بِعَقْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَيْسَ في خَلْقِهِ لَهُما؛ ولا لِغَيْرِهِما شَكَّ؛ ولَهُ جَمِيعُ أوْصافِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الدَّوامَ؛ وكانَ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنِ الأكْثَرِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ لِهَذا التَّفْصِيلِ؛ نَفْيًا لِاحْتِمالِ التَّجَوُّزِ؛ ودَفْعًا لِدَعْوى العُذْرِ؛ فَقالَ: ﴿قِيامًا وقُعُودًا﴾؛ ولَمّا كانَ أكْثَرُ الِاضْطِجاعِ عَلى الجَنْبِ؛ قالَ: ﴿وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: في اشْتِغالِهِمْ بِأشْغالِهِمْ؛ وفي وقْتِ اسْتِراحَتِهِمْ؛ وعِنْدَ مَنامِهِمْ؛ فَهم في غايَةِ المُراقَبَةِ.
ولَمّا بَدَأ مِن أوْصافِهِمْ بِما يَجْلُو أصْداءَ القُلُوبِ؛ ويُسَكِّنُها؛ ويَنْفِي عَنْها الوَساوِسَ؛ حَتّى اسْتَعَدَّتْ لِتَجَلِّياتِ الحَقِّ؛ وقَبُولِ الفَيْضِ بِالفِكْرِ؛ لِانْتِفاءِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ؛ وسَوْرَةِ الغَضَبِ وقَهْرِهِما؛ وضَعْفِ داعِيَةِ الهَوى؛ فَزالَتْ نَزَغاتُ الشَّيْطانِ؛ ووَساوِسُهُ؛ وخَطَراتُ النَّفْسِ؛ ومُغالَطاتُ الوَهْمِ؛ قالَ: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى الأحْوالِ.
ولَمّا كانَتْ آياتُ المَعْرِفَةِ؛ إمّا في الآفاقِ؛ وإمّا في الأنْفُسِ؛ وكانَتْ آياتُ الآفاقِ أعْظَمَ - ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] -؛ قالَ: ﴿فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ عَلى كِبَرِهِما؛ واتِّساعِهِما؛ وقُوَّةِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ لِحَصْرِ الخَلائِقِ؛ فَيَعْلَمُونَ - بِما في ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ؛ (p-١٥٧)مَعَ جَرْيِ ما فِيهِما مِنَ الحَيَوانِ؛ الَّذِي خُلِقا لِأجْلِهِ؛ عَلى غَيْرِ انْتِظامٍ - أنَّ وراءَ هَذِهِ الدّارِ دارًا؛ يُثْبَتُ فِيها الحَقُّ؛ ويُنْفى الباطِلُ ويُظْهَرُ العَدْلُ؛ ويَضْمَحِلُّ الجَوْرُ؛ فَيَقُولُونَ - تَضَرُّعًا إلَيْهِ؛ وإقْبالًا عَلَيْهِ -: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿ما خَلَقْتَ هَذا﴾؛ أيْ: الخَلْقَ العَظِيمَ؛ المُحْكَمَ؛ ﴿باطِلا﴾؛ أيْ: لِأجْلِ هَذِهِ الدّارِ الَّتِي لا تُفْصَلُ فِيها عَلى ما شَرَعْتَ القَضايا؛ ولا تَنْصِفُ فِيها الرُّعاةُ الرَّعايا؛ بَلْ إنَّما خَلَقْتَهُ لِأجْلِ دارٍ أُخْرى؛ يَكُونُ فِيها مَحْضُ العَدْلِ؛ ويَظْهَرُ فِيها الفَصْلُ.
ولَمّا كانَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذِهِ الدّارِ؛ مَعَ ما يُشاهِدُهُ مِن ظُهُورِ الأشْرارِ؛ نَقْصًا ظاهِرًا؛ وخَلَلًا بَيِّنًا؛ نَزَّهُوهُ عَنْهُ؛ فَقالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ وفي ذَلِكَ تَعْلِيمُ العِبادِ أدَبَ الدُّعاءِ؛ بِتَقْدِيمِ الثَّناءِ قَبْلَهُ؛ وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَبْدَ كُلَّما غَزُرَتْ مَعْرِفَتُهُ؛ زادَ خَوْفُهُ؛ فَزادَ تَضَرُّعُهُ؛ فَإنَّهُ يَحْسُنُ مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ مِن تَعْذِيبِ الطّائِعِ؛ وغَيْرِهِ؛ ولَوْلا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؛ لَكانَ الدُّعاءُ بِدَفْعِهِ عَبَثًا؛ وما أحْسَنَ خَتْمَها! حِينَ تَسَبَّبَ عَمّا مَضى تَيَقُّنُهم أنَّ أمامَنا دارًا يَظْهَرُ فِيها العَدْلُ؛ مِمّا هو شَأْنُ كُلِّ أحَدٍ في عَبِيدِهِ؛ فَيُعَذِّبُ فِيها العاصِيَ؛ ويُنَعِّمُ فِيها الطّائِعَ؛ كَما هو دَأْبُ كُلِّ مَلِكٍ في رَعِيَّتِهِ؛ بِقَوْلِهِمْ (p-١٥٨)- رَغْبَةً في الخَلاصِ في تِلْكَ الدّارِ -: ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾؛ عَلى وجْهٍ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ العَذابِ المُخْتَتَمِ بِهِ آيَةُ مُحِبِّي المَحْمَدَةِ بِالباطِلِ؛ والنّارِ المُحَذَّرِ مِنها فِي: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛
آل عمران 3:192
ثُمَّ تَعْقِيبِها بِقَوْلِهِمْ - مُعَظِّمِينَ ما سَألُوا دَفْعَهُ مِنَ العَذابِ؛ لِيَكُونَ مَوْضِعُ السُّؤالِ أعْظَمَ؛ فَيَدُلَّ عَلى أنَّ الدّاعِيَةَ في ذَلِكَ الدُّعاءِ أكْمَلُ؛ وإخْلاصَهُ أتَمُّ؛ مُكَرِّرِينَ الوَصْفَ المُقْتَضِيَ لِلْإحْسانِ؛ مُبالَغَةً في إظْهارِ الرَّغْبَةِ؛ اسْتِمْطارًا لِلْإجابَةِ -: ﴿رَبَّنا﴾؛ وأكَّدُوا؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِإحاطَةِ عِلْمِ المُخاطَبِ؛ إعْلامًا بِأنَّ حالَهم في تَقْصِيرِهِمْ حالُ مَن أمِنَ النّارَ؛ حَثًّا لِأنْفُسِهِمْ عَلى الِاجْتِهادِ في العَمَلِ؛ فَقالُوا: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾؛ أيْ: لِلْعَذابِ؛ ﴿فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾؛ أيْ: أذْلَلْتَهُ؛ وأهَنْتَهُ إهانَةً عَظِيمَةً؛ بِكَوْنِهِ ظالِمًا.
وخَتَمَها بِقَوْلِهِ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾؛ الحاسِمِ لِطَمَعِ مَن يَظُنُّ مِنهم أنَّهُ بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ والتَّعْمِيمِ.
آل عمران 3:193
ولَمّا ابْتَهَلُوا بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في الإنْجاءِ مِنَ النّارِ؛ تَوَسَّلُوا بِذِكْرِ مُسارَعَتِهِمْ إلى إجابَةِ الدّاعِي؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا﴾؛ ولَمّا كانَتْ حالُهم - لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ تَقْصِيرٍ؛ وإنْ بالَغُوا في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ - شَبِيهَةً بِحالِ مَن لَمْ يُؤْمِنِ؛ اقْتَضى (p-١٥٩)المَقامُ التَّأْكِيدَ إشارَةً إلى هَضْمِ أنْفُسِهِمْ؛ بِالِاعْتِرافِ بِذُنُوبِهِمْ؛ فَقالُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ المُخاطَبَ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ -: ﴿إنَّنا﴾؛ فَأظْهَرُوا النُّونَ؛ إبْلاغًا في التَّأْكِيدِ؛ ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا﴾؛ أيْ: مِن قِبَلِكَ؛ وزادَ في تَفْخِيمِهِ بِذِكْرِ ما مِنهُ النِّداءُ؛ مُقَيَّدًا بَعْدَ الإطْلاقِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يُنادِي﴾؛ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: ”هُوَ القُرْآنُ؛ لَيْسَ كُلُّهم رَأى النَّبِيَّ ﷺ“.
ولَمّا كانَتِ اللّامُ تَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ؛ ومَعْنى ”إلى“؛ عَبَّرَ بِها؛ فَقِيلَ: ﴿لِلإيمانِ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرُوهُ؛ تَفْخِيمًا لَهُ؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾؛ ثُمَّ أخْبَرَ بِمُسارَعَتِهِمْ إلى الإجابَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَآمَنّا﴾؛ أيْ: عَقِبَ السَّماعِ؛ ثُمَّ أزالُوا ما رُبَّما يُظَنُّ مِن مَيْلِهِمْ إلى رَبْوَةِ الإعْجابِ بِقَوْلِهِمْ؛ تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ التَّأْكِيدُ لِمَن عِلْمُهُ مُحِيطٌ: ﴿رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾؛ أيْ: الَّتِي أسْلَفْناها قَبْلَ الإيمانِ؛ بِأنْ تَقْبَلَ مِنّا الإيمانَ؛ فَلا تُزِيغَ قُلُوبَنا؛ فَيَكُونَ جابًّا لِما قَبْلَهُ عِنْدَكَ؛ كَما كانَ جابًّا لَهُ في ظاهِرِ الشَّرْعِ؛ وكَذا ما فَرَطَ مِنّا بَعْدَ الإيمانِ؛ ولَوْ كانَ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾؛ أيْ: بِأنْ تُوَفِّقَنا؛ بَعْدَ تَشْرِيفِكَ لَنا بِالإيمانِ؛ لِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؛ بِفِعْلِ الطّاعاتِ المُكَفِّرَةِ لِلصَّغائِرِ؛ ﴿وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَنا سَيِّئاتٌ.
آل عمران 3:194
ولَمّا كانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هو المالِكُ التّامُّ المُلْكِ؛ فَهو ذُو التَّصَرُّفِ المُطْلَقِ؛ الَّذِي لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُلَقِّنًا لَهُمْ؛ مُكَرِّرًا صِفَةَ الإحْسانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى مَزِيدِ الِابْتِهالِ؛ والتَّضَرُّعِ؛ (p-١٦٠)والتَّخَضُّعِ؛ والتَّخَشُّعِ -: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا﴾؛ ثُمَّ أشارَ إلى صِدْقِ هَذا الوَعْدِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ؛ الدّالِّ عَلى الِالتِزامِ؛ والوُجُوبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى رُسُلِكَ﴾؛ أيْ: مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ؛ وحُسْنِ العاقِبَةِ؛ وإيراثِ الجَنَّةِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥]؛ وفي الدُّعاءِ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - شَيْءٌ؛ ولَوْ تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ الصّادِقُ؛ وإنْ كُنّا نَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: بِالمُؤاخَذَةِ بِالسَّيِّئاتِ؛ ثُمَّ أرْشَدَهم إلى الإلْهابِ؛ والتَّهْيِيجِ؛ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى ما نَبَّهَ عَلَيْهِ أوَّلًا؛ مِن أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ بِقَوْلِهِ - باسِطًا لَهم بِلَذَّةِ المُنادَمَةِ بِالمُخاطَبَةِ -: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾
آل عمران 3:195
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الدُّعاءِ الإجابَةُ؛ لِتَكْمُلَ شُرُوطُهُ؛ وهي اسْتِحْضارُ عَظَمَتِهِ (تَعالى)؛ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِالدَّلِيلِ؛ وإدامَةُ ذِكْرِهِ؛ والتَّفَكُّرُ في بَدائِعِ صُنْعِهِ؛ وافْتِتاحُهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - وتَنْزِيهُهُ؛ والإخْلاصُ في سُؤالِهِ؛ قالَ: ﴿فاسْتَجابَ﴾؛ أيْ: فَأوْجَدَ الإجابَةَ حَتْمًا؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ قالَ الأصْفَهانِيُّ: ”وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ: مَن حَزَبَهُ أمْرٌ؛ فَقالَ - خَمْسَ مَرّاتٍ -“رَبَّنا”؛ أنْجاهُ اللَّهُ مِمّا يَخافُ؛ وأعْطاهُ ما أرادَ؛ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ“؛ وأشارَ إلى أنَّها مِن (p-١٦١)مَنِّهِ؛ وفَضْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّهُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْهِمُ؛ المُتَفَضِّلُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾
وقَوْلُهُ - مُعَلِّلًا -: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾؛ التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ النّاظِرِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤]؛ المُفْتَتَحِ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]؛ المُنادِي بِأنَّ البَشَرَ كُلَّهم في العُبُودِيَّةِ لِلْواحِدِ؛ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ؛ الحَيِّ القَيُّومِ؛ سَواءٌ؛ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ في ذَلِكَ أصْلًا؛ والمُرادُ أنَّهم إذا كانُوا مِثْلَهم في النَّسَبِ؛ فَهم مِثْلُهم في الأجْرِ عَلى العَمَلِ.
ولَمّا أقَرَّ أعْيُنَهم بِالإجابَةِ - وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الأنْصارِ عُمُومًا؛ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ ألا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: ١٧٠] ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ وأنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] -؛ خَصَّ المُهاجِرِينَ؛ بَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وزِيادَةِ شَرَفِهِمْ؛ بِتَحْقِيقِهِمْ لِكَوْنِهِمْ مَعَهُ؛ لَمْ يَأْنَسُوا بِغَيْرِهِ؛ ولَمْ يَرْكَنُوا لِسِواهُ؛ مِن أهْلٍ؛ ولا مالٍ؛ بِقَوْلِهِ - مُسَبِّبًا عَنِ الوَعْدِ المَذْكُورِ؛ ومُفَصِّلًا؛ ومُعَظِّمًا؛ ومُبَجِّلًا -: ﴿فالَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أيْ: صَدَّقُوا إيمانَهم بِمُفارَقَةِ أحَبِّ النّاسِ إلَيْهِمْ؛ في الدِّينِ المُؤَدِّي إلى المُقاطَعَةِ؛ وأعَزِّ البِلادِ عَلَيْهِمْ.
ولَمّا كانَ لِلْوَطَنِ مِنَ القَلْبِ مَنزِلٌ؛ لَيْسَ لِغَيْرِهِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾؛ أيْ: وهي آثَرُ المَواطِنِ عِنْدَهُمْ؛ بَعْدَ أنْ (p-١٦٢)باعَدُوا أهْلَهُمْ؛ وهم أقْرَبُ الخَلائِقِ إلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَ الأذى مَكْرُوهًا لِنَفْسِهِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعَيَّنٍ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وأُوذُوا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الأذى؛ ﴿فِي سَبِيلِي﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ دِينِي الَّذِي نَهَجْتُهُ لِيُسْلَكَ إلَيَّ فِيهِ؛ وحَكَمْتُ أنَّهُ لا وُصُولَ إلى رِضائِي بِدُونِهِ؛ ﴿وقاتَلُوا﴾؛ أيْ: في سَبِيلِي؛ ولَمّا كانَ القَتْلُ نَفْسُهُ هو المَكْرُوهَ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعَيَّنٍ؛ كانَ المَدْحُ عَلى اقْتِحامِ مُوجِباتِهِ؛ فَبَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقُتِلُوا﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ فَخَرَجُوا بِذَلِكَ عَنْ مَساكِنِ أرْواحِهِمْ بَعْدَ النُّزُوحِ عَنْ مَنازِلِ أشْباحِهِمْ؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ؛ بِتَقْدِيمِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أبْلَغُ مَعْنًى؛ لِأنَّها أشَدُّ تَرْغِيبًا في الإقْدامِ عَلى الأخْصامِ؛ لِأنَّ مَنِ اسْتَقْتَلَ أقْدَمَ عَلى الغَمَراتِ إقْدامَ الأسَدِ؛ فَقُتِلَ؛ أخَصُّ مِنهُ؛ ولَمْ يَقِفْ أحَدٌ أمامَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”وأرادُوا القَتْلَ“؛ هَذا بِالنَّظَرِ إلى الإنْسانِ نَفْسِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْمَجْمُوعِ؛ فَيَكُونَ المَعْنى: وقاتَلُوا بَعْدَ أنْ رَأوْا كَثِيرًا مِن أصْحابِهِمْ قَدْ قُتِلَ؛ ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾؛ كَما تَقَدَّمَ سُؤالُهم إيّايَ في ذَلِكَ؛ عِلْمًا مِنهم بِأنْ أحَدًا لَنْ يَقْدِرَ عَلى أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ (p-١٦٣)وإنِ اجْتَهَدَ؛ ﴿ولأُدْخِلَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِفَضْلِي؛ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ كَما سَبَقَ بِهِ الوَعْدُ؛ ﴿ثَوابًا﴾؛ وهو - وإنْ كانَ عَلى أعْمالِهِمْ - فَهو فَضْلٌ مِنهُ؛ وعَظَمَةٌ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَنعُوتِ بِالأسْماءِ الحُسْنى؛ الَّتِي مِنها الكَرَمُ؛ والرَّحْمَةُ؛ لِأنَّ أعْمالَهم لا تُوازِي أقَلَّ نِعَمِهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ونَبَّهَ عَلى عَظَمَةِ المُحَدَّثِ عَنْهُ بِالعِنْدِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿عِنْدَهُ﴾؛ أيْ: في خَزائِنِ مَلَكُوتِهِ؛ الَّتِي هي في غايَةِ العَظَمَةِ؛ ﴿حُسْنُ الثَّوابِ﴾؛ أيْ: وهو ما لا شائِبَةُ كَدَرٍ فِيهِ؛ لِأنَّهُ شامِلٌ القُدْرَةَ؛ بِخِلافِ غَيْرِهِ.
آل عمران 3:196
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُواعَدَةُ آجِلَةً؛ وكانَ نَظَرُهم إلى ما فِيهِ الكُفّارُ مِن عاجِلِ السَّعَةِ؛ رُبَّما أثَّرَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أثَرًا يَقْدَحُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ؛ الَّذِي هو شَرْطُ قَبُولِ الإيمانِ؛ داواهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَلا تَبْشِيرَ المُجاهِدِينَ بِإنْذارِ الكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ والمُصارِحِينَ؛ الَّذِينَ أمْلى لَهم بِخِذْلانِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ قِتالِ ”أُحُدٍ“؛ وغَيْرِهِ مِن أسْبابِ الإمْلاءِ؛ عَلى وجْهٍ يُصَدِّقُ ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ؛ وأنَّ أمْوالَهم إنَّما هي صُورَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ عَطْفًا لِآخِرِها عَلى أوَّلِها؛ وتَأْكِيدًا لِاسْتِجابَةِ دُعاءِ أوْلِيائِهِ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها؛ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ عِبادِهِ؛ والمُرادُ مَن (p-١٦٤)يُمْكِنُ ذَلِكَ عادَةً فِيهِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرَّئِيسِ أمْكَنُ في خِطابِ الأتْباعِ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ﴾؛ أيْ: لا تَغْتَرَّ بِتَصَرُّفِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تَصَرُّفَ مَن يَقْلِبُ الأُمُورَ؛ بِالنَّظَرِ في عَواقِبِها؛ لِسَلامَتِهِمْ في تَصَرُّفِهِمْ؛ وفَوائِدِهِمْ؛ وجَوْدَةِ ما يَقْصِدُونَهُ في الظّاهِرِ؛ كَجَوْدَةِ القَلْبِ في البَدَنِ؛ ﴿فِي البِلادِ﴾؛ فَإنَّ تَقَلُّبَهُمْ؛ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ ذُو هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّ تَمْتِيعَهم - وإنْ فُرِضَ أنَّهُ طالَ زَمانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ - تافِهٌ لِزَوالِهِ؛ ثُمَّ عاقِبَتِهِ؛ وإلى هَوْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ؛ وتَناهِي عَظَمَتِها؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ التَّراخِي؛ إنْ قُدِّرَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الكَرِيهَةُ المَنظَرِ الشَّدِيدَةُ الأهْوالِ؛ العَظِيمَةُ الأوْجالِ؛ لا مِهادَ لَهم غَيْرُها؛ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ الَّذِي يُوطَأُ؛ ويُسَهِّلُ لِلرّاحَةِ؛ والهُدُوءِ.
آل عمران 3:197
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُواعَدَةُ آجِلَةً؛ وكانَ نَظَرُهم إلى ما فِيهِ الكُفّارُ مِن عاجِلِ السَّعَةِ؛ رُبَّما أثَّرَ في بَعْضِ النُّفُوسِ أثَرًا يَقْدَحُ في الإيمانِ بِالغَيْبِ؛ الَّذِي هو شَرْطُ قَبُولِ الإيمانِ؛ داواهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ تَلا تَبْشِيرَ المُجاهِدِينَ بِإنْذارِ الكُفّارِ المُنافِقِينَ؛ والمُصارِحِينَ؛ الَّذِينَ أمْلى لَهم بِخِذْلانِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ بِالرُّجُوعِ عَنْ قِتالِ ”أُحُدٍ“؛ وغَيْرِهِ مِن أسْبابِ الإمْلاءِ؛ عَلى وجْهٍ يُصَدِّقُ ما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ مِنَ الوَعْدِ بِأنَّهم سَيُغْلَبُونَ؛ وأنَّ أمْوالَهم إنَّما هي صُورَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ عَطْفًا لِآخِرِها عَلى أوَّلِها؛ وتَأْكِيدًا لِاسْتِجابَةِ دُعاءِ أوْلِيائِهِ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها؛ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ عِبادِهِ؛ والمُرادُ مَن (p-١٦٤)يُمْكِنُ ذَلِكَ عادَةً فِيهِ؛ لِأنَّ خِطابَ الرَّئِيسِ أمْكَنُ في خِطابِ الأتْباعِ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ﴾؛ أيْ: لا تَغْتَرَّ بِتَصَرُّفِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ تَصَرُّفَ مَن يَقْلِبُ الأُمُورَ؛ بِالنَّظَرِ في عَواقِبِها؛ لِسَلامَتِهِمْ في تَصَرُّفِهِمْ؛ وفَوائِدِهِمْ؛ وجَوْدَةِ ما يَقْصِدُونَهُ في الظّاهِرِ؛ كَجَوْدَةِ القَلْبِ في البَدَنِ؛ ﴿فِي البِلادِ﴾؛ فَإنَّ تَقَلُّبَهُمْ؛ ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: لا يَعْبَأُ بِهِ ذُو هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى أنَّ تَمْتِيعَهم - وإنْ فُرِضَ أنَّهُ طالَ زَمانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ - تافِهٌ لِزَوالِهِ؛ ثُمَّ عاقِبَتِهِ؛ وإلى هَوْلِ تِلْكَ العاقِبَةِ؛ وتَناهِي عَظَمَتِها؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ التَّراخِي؛ إنْ قُدِّرَ؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الكَرِيهَةُ المَنظَرِ الشَّدِيدَةُ الأهْوالِ؛ العَظِيمَةُ الأوْجالِ؛ لا مِهادَ لَهم غَيْرُها؛ ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ الَّذِي يُوطَأُ؛ ويُسَهِّلُ لِلرّاحَةِ؛ والهُدُوءِ.
آل عمران 3:198
ولَمّا بَيَّنَ بِآيَةِ المُهاجِرِينَ أنَّ النّافِعَ مِنَ الإيمانِ هو المُوجِبُ لِلثَّباتِ عِنْدَ الِامْتِحانِ؛ وكانَتْ تِلْكَ الشُّرُوطُ قَدْ لا تُوجَدُ؛ ذَكَرَ وصْفَ التَّقْوى العامِّ لِلْأفْرادِ؛ المُوجِبِ لِلْإسْعادِ؛ فَعَقَّبَ تَهْدِيدَ الكافِرِينَ بِما لِأضْدادِهِمُ المُتَّقِينَ؛ الفائِزِينَ بِما تَقَدَّمَ الدُّعاءُ إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ أأُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥]؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الِاتِّصافَ بِالتَّقْوى؛ بِالِائْتِمارِ بِما أمَرَهم بِهِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ؛ والِانْتِهاءِ عَمّا نَهاهُمْ؛ شُكْرًا (p-١٦٥)لِإحْسانِهِ؛ وخَوْفًا مِن عِظَمِ شَأْنِهِ؛ ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾؛ وأيُّ جَنّاتٍ؛ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ تَعْرِيفًا بِدَوامِ تَنَوُّعِها؛ وزَهْرَتِها؛ وعَظِيمِ بَهْجَتِها.
ولَمّا وصَفَها بِضِدِّ ما عَلَيْهِ النّارُ؛ وصَفَ تَقَلُّبَهم فِيها بِضِدِّ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ مِن كَوْنِهِمْ في ضِيافَةِ الكَرِيمِ الغَفّارِ؛ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ النُّزُلُ ما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ؛ قالَ - مُعَظِّمًا ما لِمَن يُرْضِيهِ -: ﴿نُـزُلا﴾؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ يَشْرُفُ بِشَرَفِ مَن هو مِن عِنْدِهِ؛ نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ مُضِيفًا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ وأشارَ بِجَعْلِ الجَنّاتِ كُلِّها نُزُلًا؛ إلى التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ ما لَهم بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي لا يُمْكِنُ الآدَمِيِّينَ وجْهُ الِاطِّلاعِ عَلى حَقِيقَةِ وصْفِهِ؛ ولِهَذا قالَ - مُعَظِّمًا - لِأنَّهُ لَوْ أضْمَرَ لَظُنَّ الِاخْتِصاصُ بِالنُّزُلِ -: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ مِنَ النُّزُلِ وغَيْرِهِ؛ ﴿خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾؛ مِمّا فِيهِ الكُفّارُ؛ ومِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَخْطُرَ بِالبالِ مِنَ النَّعِيمِ.
آل عمران 3:199
ولَمّا كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ - مَعَ التَّشَرُّفِ بِما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ؛ الَّذِي أصْلُهُ حَقٌّ - حَظٌّ مِنَ الهِجْرَةِ؛ فَكانُوا قِسْمًا ثانِيًا مِنَ المُهاجِرِينَ؛ وكانَ إنْزالُ كَثِيرٍ مِن هَذِهِ السُّورَةِ في مُقاوَلَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ ومُجادَلَتِهِمْ؛ والتَّحْذِيرِ مِن مُخاتَلَتِهِمْ؛ ومُخادَعَتِهِمْ.
والإخْبارُ بِأنَّهم (p-١٦٦)يُبْغِضُونَ المُؤْمِنِينَ - مَعَ مَحَبَّتِهِمْ لَهُمْ؛ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ؛ وأنَّهم سَيَسْمَعُونَ مِنهم أذًى كَثِيرًا؛ إلى أنْ وقَعَ الخَتْمُ في أوْصافِهِمْ؛ بِأنَّهُمُ اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا - رُبَّما أيْأسَ مِن إيمانِهِمْ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ مَدْحَ مُؤْمِنِيهِمْ؛ وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ عَنْ أنْ يُقالَ - مَثَلًا -: ”والَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ“ - إطْماعًا في مُوالاتِهِمْ بَعْدَ التَّدْرِيبِ بِالتَّحْذِيرِ مِنهُمْ؛ عَلى مُناوَأتِهِمْ ومُلاوَأتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ﴿لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي حازَ صِفاتِ الكَمالِ؛ وأشارَ إلى الشَّرْطِ المُصَحِّحِ لِهَذا الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: مِن هَذا القُرْآنِ؛ ﴿وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِ؛ فَيُذْعِنُ لِما يَأْمُرُ مِنهُ بِاتِّباعِ هَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ - جامِعًا لِلنَّظَرِ إلى مَعْنى ”مَن“ تَعْظِيمًا لِوَصْفِ الخُشُوعِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مُطْلَقِ الإيمانِ -: ﴿خاشِعِينَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ غَيْرَ مُسْتَنْكِفِينَ عَنْ نَزْلِ المَأْلُوفِ؛ ﴿لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي مَتى تَأمَّلُوها عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا مَن أحاطَ بِالجَلالِ؛ والجَمالِ؛ الآمِرَةِ لَهم بِذَلِكَ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الرِّئاسَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ - كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا في وصْفِ مُعْظَمِهِمْ؛ فَهم يُبَيِّنُونَها؛ ويُرْشِدُونَ إلَيْها؛ ولا يُحَرِّفُونَها. (p-١٦٧)ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ حُسْنِ تَرَحُّمِهِمْ إلَيْهِ؛ أخْبَرَ عَنْ جَزائِهِمْ عِنْدَهُ؛ بِما يَسُرُّ النُّفُوسَ؛ ويَبْعَثُ الهِمَمَ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿لَهم أجْرُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُؤَمِّلُونَهُ؛ ثُمَّ زادَهم فِيهِ؛ رَغْبَةَ تَشْرِيفِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي رَبّاهُمْ؛ ولَمْ يَقْطَعْ إحْسانَهُ لَحْظَةً عَنْهُمْ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَعْظِيمًا لَهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّ لَهُمُ الأجْرَ مَرَّتَيْنِ.
ولَمّا اقْتَضَتْ هَذِهِ التَّأْكِيداتُ المُبَشِّراتُ إنْجازَ الأجْرِ؛ وإتْمامَهُ؛ وإحْسانَهُ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ (تَعالى) يُؤْتِي كُلَّ أحَدٍ؛ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى؛ أجْرَهُ؛ ولا يُضِيعُ شَيْئًا؛ ويُجازِي المُسِيءَ؛ والمُحْسِنَ؛ وكانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِأنَّ كَثْرَةَ الخَلْقِ سَبَبٌ لِطُولِ زَمَنِ الحِسابِ؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِطُولِ الِانْتِظارِ؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِتَعْطِيلِ الإنْسانِ عَنْ مُهِمّاتِهِ؛ ولِضِيقِ صَدْرِهِ بِتَفَرُّقِ عَزْمِهِ؛ وشَتاتِهِ؛ كانَ ذَلِكَ مَحَلَّ عَجَبٍ يُورِثُ تَوَهُّمَ ما لا يَنْبَغِي؛ فَأزالَ هَذا التَّوَهُّمُ بِأنْ أمْرَهُ (تَعالى) عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ والعَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛
آل عمران 3:200
ولَمّا كَثُرَ في هَذِهِ الآياتِ الأمْرُ بِمُقاساةِ الشَّدائِدِ؛ وتَجَرُّعِ مَراراتِ الأذى؛ واقْتِحامِ الحُرُوبِ؛ واسْتِهانَةِ عَظائِمِ الكُرُوبِ؛ والحَثِّ عَلى المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ؛ والآدابِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ انْخِلاعًا مِنَ المَأْلُوفاتِ؛ (p-١٦٨)إلى ما يَأْمُرُ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الطّاعاتِ؛ وخَتَمَ بِتَجَرُّعِ فِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ لِتِلْكَ المَراراتِ؛ كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ - لا مَحالَةَ - قَوْلَهُ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَةِ ما يَدْعُو إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ شامِلٌ لِجَمِيعِ الآدابِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما ذَكَرْنا في هَذِهِ السُّورَةِ؛ ﴿اصْبِرُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا الصَّبْرَ؛ تَصْدِيقًا لِإيمانِكم عَلى كُلِّ ما يَنْبَغِي الصَّبْرُ عَلَيْهِ؛ مِمّا تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ؛ مِمّا دَعَتْكم إلَيْهِ الزَّهْراوانِ؛ ﴿وصابِرُوا﴾؛ أيْ: أوْجِدُوا المُصابَرَةَ لِلْأعْداءِ مِنَ الكُفّارِ؛ والمُنافِقِينَ؛ وسائِرِ العُصاةِ؛ فَلا يَكُونُنَّ عَلى باطِلِهِمْ أصْبَرَ مِنكم عَلى حَقِّكُمْ؛ ﴿ورابِطُوا﴾؛ أيْ: بِأنْ تَرْبِطُوا في الثُّغُورِ خَيْلًا بِإزاءِ ما لَهم مِنَ الخُيُولِ؛ إرْهابًا لَهُمْ؛ وحَذَرًا مِنهم - هَذا أصْلُهُ؛ ثُمَّ صارَ الرِّباطُ يُطْلَقُ عَلى المُكْثِ في الثُّغُورِ؛ لِأجْلِ الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ؛ ولَوْ لَمْ تَكُنْ خُيُولٌ؛ بَلْ وتُطْلَقُ عَلى المُحافَظَةِ عَلى الطّاعاتِ -؛ ثُمَّ أمَرَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ بِأنْ تَكُونُوا مُراقِبِينَ لَهُ؛ مُسْتَحْضِرِينَ لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُكم أنْ تَعْلَمُوهُ؛ مِن عَظَمَتِهِ؛ بِنِعْمَتِهِ؛ ونِقْمَتِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى فَلاحُهُ؛ وظَفَرُهُ؛ بِما يُرِيدُ مِنَ النَّصْرِ عَلى الأعْداءِ؛ والفَوْزِ بِعَيْشِ الشُّهَداءِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ - كَما تَرى - مُعْلِمَةٌ بِشَرْطِ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ بِالنُّصْرَةِ عَلى الكافِرِينَ؛ (p-١٦٩)المُخْتَتَمِ بِهِ ”البَقَرَةُ“: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]؛ داعِيَةٌ إلى تَذْكِيرِ أُولِي الألْبابِ بِالمُراقَبَةِ لِلْواحِدِ الحَيِّ القَيُّومِ؛ الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ؛ ولا في السَّماءِ؛ في اتِّباعِ آياتِهِ؛ ومُعاداةِ أعْدائِهِ؛ كَما أنَّ الَّتِي قَبْلَها فِيمَن آمَنَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ؛ هَذا القُرْآنِ المُصَدِّقِ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ؛ والتَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ كُلِّ ذَلِكَ لِلْفَوْزِ بِالفُرْقانِ بِالنَّصْرِ؛ وتَعْذِيبِ أهْلِ الكُفْرِ بِأيْدِيهِمْ؛ تَمْكِينًا مِنَ اللَّهِ؛ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ؛ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ - واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ؛ وعِنْدَهُ حُسْنُ المَآبِ.
النساء 4:1
سُورَةُ ”النِّساءِ“
مَقْصُودُها الِاجْتِماعُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هَدَتْ إلَيْهِ ”آلُ عِمْرانَ“؛ والكِتابِ الَّذِي حَدَتْ عَلَيْهِ ”البَقَرَةُ“؛ لِأجْلِ الدِّينِ؛ الَّذِي جَمَعَتْهُ ”الفاتِحَةُ“؛ تَحْذِيرًا مِمّا أرادَهُ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ؛ وأنْظارُهُ؛ مِنَ الفُرْقَةِ؛ وهَذِهِ السُّورَةُ مِن أواخِرِ ما نَزَلَ؛ رَوى البُخارِيُّ في ”فَضائِلُ القُرْآنِ“؛ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ؛ أنَّ عِراقِيًّا سَألَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ”عائِشَةَ“ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنْ تُرِيَهُ مُصْحَفَها؛ فَقالَتْ: ”لِمَ؟“؛ قالَ لَعَلِّي أُؤَلِّفُ القُرْآنَ عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ يُقْرَأُ (p-١٧٠)غَيْرَ مُؤَلَّفٍ؛ قالَتْ: ”وما يَضُرُّكَ أيَّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ؟ إنَّما نَزَلَ أوَّلُ ما نَزَلَ مِنهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ؛ فِيها ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ؛ حَتّى إذا ثابَ النّاسُ إلى الإسْلامِ؛ نَزَلَ الحَلالُ؛ والحَرامُ؛ ولَوْ نَزَلَ أوَّلُ شَيْءٍ: (لا تَشْرَبُوا الخَمْرَ)؛ لَقالُوا: لا نَدَعُ الخَمْرَ أبَدًا؛ ولَوْ نَزَلَ: (لا تَزْنُوا)؛ لَقالُوا: لا نَدَعُ الزِّنا أبَدًا؛ لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ؛ وإنِّي لِجارِيَةٌ ألْعَبُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]؛ وما نَزَلَتْ سُورَةُ“البَقَرَةِ”؛ و“النِّساءِ”؛ إلّا وأنا عِنْدَهُ“؛ قالَ: فَأخْرَجَتْ لَهُ المُصْحَفَ؛ فَأمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّوَرِ؛ انْتَهى.
وقَدْ عَنَتْ بِهَذا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ القُرْآنَ حازَ أعْلى البَلاغَةِ في إنْزالِهِ مُطابِقًا لِما تَقْتَضِيهِ الأحْوالُ؛ بِحَسَبِ الأزْمانِ؛ ثُمَّ رُتِّبَ عَلى أعْلى وُجُوهِ البَلاغَةِ؛ بِحَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ المَفاهِيمُ مِنَ المَقالِ؛ كَما تُشاهِدُهُ مِن هَذا الكِتابِ البَدِيعِ؛ البَعِيدِ المَنالِ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُها الِاجْتِماعَ عَلى ما دَعَتْ إلَيْهِ السُّورَتانِ قَبْلَها (p-١٧١)مِنَ التَّوْحِيدِ؛ وكانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الِاجْتِماعِ والتَّواصُلِ - عادَةً - الأرْحامَ العاطِفَةَ؛ الَّتِي مَدارُها النِّساءُ؛ سُمِّيَتْ ”النِّساءَ“؛ لِذَلِكَ؛ ولِأنَّ بِالِاتِّقاءِ فِيهِنَّ تَتَحَقَّقُ العِفَّةُ والعَدْلُ الَّذِي لُبابُهُ التَّوْحِيدُ؛ بِسْمِ اللَّهِ؛ الجامِعِ لِشَتاتِ الأُمُورِ؛ بِإحْسانِ التَّزاوُجِ في لَطائِفِ المَقْدُورِ؛ الرَّحْمَنِ؛ الَّذِي جَعَلَ الأرْحامَ رَحْمَةً عامَّةً؛ الرَّحِيمِ؛ الَّذِي خَصَّ مَن أرادَ بِالتَّواصُلِ عَلى ما دَعا إلَيْهِ دِينُهُ؛ الَّذِي جَعَلَهُ نِعْمَةً تامَّةً.
لَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ الكِتابِ الجامِعِ؛ الَّذِي هو الطَّرِيقُ؛ وثَبَتَ الأساسُ الحامِلُ؛ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ؛ احْتِيجَ إلى الِاجْتِماعِ عَلى ذَلِكَ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ داعِيَةً إلى الِاجْتِماعِ؛ والتَّواصُلِ؛ والتَّعاطُفِ؛ والتَّراحُمِ؛ فابْتُدِئَتْ بِالنِّداءِ العامِّ لِكُلِّ النّاسِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَتْ أُمَّهاتُ الفَضائِلِ - كَما تَبَيَّنَ في عِلْمِ الأخْلاقِ - أرْبَعًا: العِلْمَ؛ والشَّجاعَةَ؛ والعَدْلَ؛ والعِفَّةَ؛ كَما يَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ في سُورَةِ ”لُقْمانَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتْ ”آلُ عِمْرانَ“؛ داعِيَةً - مَعَ ما ذُكِرَ مِن مَقاصِدِها - إلى اثْنَتَيْنِ مِنها؛ وهُما: العِلْمُ؛ والشَّجاعَةُ - كَما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ في غَيْرِ آيَةٍ: ﴿نَـزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٩] ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] (p-١٧٢)﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ وكانَتْ قِصَّةُ ”أُحُدٍ“؛ قَدْ أسْفَرَتْ عَنْ أيْتامٍ؛ اسْتُشْهِدَ مُوَرِّثُوهم في حُبِّ اللَّهِ؛ وكانَ مِن أمْرِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ مَنعُ أمْثالِهِمْ مِنَ الإرْثِ؛ جَوْرًا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ وضَلالًا عَنْ أقْوَمِ الدَّلِيلِ؛ جاءَتْ هَذِهِ السُّورَةُ داعِيَةً إلى الفَضِيلَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ؛ وهُما العِفَّةُ؛ والعَدْلُ؛ مَعَ تَأْكِيدِ الخَصْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ حَسْبَما تَدْعُو إلَيْهِ المُناسَبَةُ؛ وذَلِكَ مُثْمِرٌ لِلتَّواصُلِ بِالإحْسانِ؛ والتَّعاطُفِ بِإصْلاحِ الشَّأْنِ؛ لِلِاجْتِماعِ عَلى طاعَةِ الدَّيّانِ؛ فَمَقْصُودُها الأعْظَمُ الِاجْتِماعُ عَلى الدِّينِ بِالِاقْتِداءِ بِالكِتابِ المُبِينِ؛ وما أحْسَنَ ابْتِداءَها بِعُمُومٍ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ بَعْدَ اخْتِتامِ تِلْكَ بِخُصُوصٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]؛ الآيَةِ!
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّكالِيفِ؛ مِنها التَّعَطُّفُ عَلى الضِّعافِ؛ بِأُمُورٍ كانُوا قَدْ مُرِّنُوا عَلى خِلافِها؛ فَكانَتْ في غايَةِ المَشَقَّةِ عَلى النُّفُوسِ؛ وآذَنَ بِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِها؛ بِافْتِتاحِ السُّورَةِ واخْتِتامِها؛ بِالحَثِّ عَلَيْها؛ قالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾؛ أيْ: سَيِّدَكُمْ؛ ومَوْلاكُمُ المُحْسِنَ إلَيْكم بِالتَّرْبِيَةِ؛ بَعْدَ الإيجادِ؛ بِأنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً؛ لِئَلّا يُعاقِبَكم بِتَرْكِ إحْسانِهِ إلَيْكُمْ؛ فَيُنْزِلَ بِكم كُلَّ بُؤْسٍ؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِبَيانِ (p-١٧٣)كَيْفِيَّةِ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ حَثًّا عَلى أساسِ التَّقْوى؛ مِنَ العِفَّةِ؛ والعَدْلِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي﴾؛ جَعَلَ بَيْنَكم غايَةَ الوَصْلَةِ لِتُراعُوها؛ ولا تُضَيِّعُوها؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾؛ هي أبُوكم آدَمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مُذَكِّرًا بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ تَرْهِيبًا لِلْعاصِي؛ وتَرْغِيبًا لِلطّائِعِ؛ تَوْطِئَةً لِلْأمْرِ بِالإرْثِ؛ وقَدْ جَعَلَ - سُبْحانَهُ - الأمْرَ بِالتَّقْوى مَطْلَعًا لِسُورَتَيْنِ؛ هَذِهِ؛ وهي رابِعَةُ النِّصْفِ الأوَّلِ؛ و”الحَجِّ“؛ وهي رابِعَةُ النِّصْفِ الثّانِي؛ وعَلَّلَ الأمْرَ بِالتَّقْوى في هَذِهِ بِما دَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وتَمامِ حِكْمَتِهِ مِن أمْرِ المَبْدَإ؛ وعَلَّلَ ذَلِكَ في ”الحَجِّ“؛ بِما صَوَّرَ المَعادَ تَصْوِيرًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ فَدَلَّ فِيها عَلى المَبْدَإ؛ والمَعادِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مَحَطُّ الحِكْمَةِ؛ ما خُلِقَ الوُجُودُ إلّا لِأجْلِهِ؛ لِتَظْهَرَ الأسْماءُ الحُسْنى؛ والصِّفاتُ العُلى؛ أتَمَّ ظُهُورٍ يُمْكِنُ البَشَرَ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ؛ ورَتَّبَ ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ الأحْكَمِ؛ فَقَدَّمَ سُورَةَ المَبْدَإ عَلى سُورَةِ المَعادِ؛ لِتَكُونَ الآياتُ المَتْلُوَّةُ طِبْقَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ.
وأبْدَعُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وأدَقُّ؛ أنَّهُ لَمّا كانَ أعْظَمُ مَقاصِدِ السُّورَةِ الماضِيَةِ المُجادَلَةَ في أمْرِ عِيسى؛ وأنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ آدَمَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانَتْ حَقِيقَةُ حالِهِ أنَّهُ ذَكَرٌ تَوَلَّدَ مِن أُنْثى فَقَطْ؛ بِلا واسِطَةِ ذَكَرٍ؛ (p-١٧٤)بَيَّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ؟ -: ”إنْشاءُ تِلْكَ النَّفْسِ“؛ أوْ تَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةً - ﴿وخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾؛ أيْ: مَثَلُهُ في ذَلِكَ أيْضًا كَمَثَلِ حَوّاءَ؛ أُمِّهِ؛ فَإنَّها أُنْثى تَوَلَّدَتْ مِن ذَكَرٍ؛ بِلا واسِطَةِ أُنْثى؛ فَصارَ مَثَلُهُ كَمَثَلِ كُلٍّ مِن أبِيهِ؛ وأُمِّهِ؛ آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ مَعًا - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وصارَ الإعْلامُ بِخَلْقِ آدَمَ؛ وزَوْجِهِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ المُنْدَرِجُ تَحْتَ آيَةٍ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]؛ مَعَ آيَةِ البَثِّ الَّتِي بَعْدَ هَذِهِ - حاصِرًا لِلْقِسْمَةِ الرُّباعِيَّةِ العَقْلِيَّةِ؛ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها؛ وهِيَ: بَشَرٌ؛ لا مِن ذَكَرٍ؛ ولا أُنْثى؛ بَشَرٌ مِنهُما؛ بَشَرٌ مِن ذَكَرٍ فَقَطْ؛ بَشَرٌ مِن أُنْثى فَقَطْ؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالخَلْقِ؛ وعَبَّرَ في غَيْرِها بِالجَعْلِ؛ لِخُلُوِّ السِّياقِ عَنْ هَذا الغَرَضِ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا أنَّهُ قالَ (تَعالى) - في أمْرِ يَحْيى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠]؛ وفي أمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٧]؛ وأيْضًا فالسِّياقُ هُنا لِلتَّرْهِيبِ؛ المُوجِبِ لِلتَّقْوى؛ فَكانَ بِالخَلْقِ الَّذِي هو أعْظَمُ في إظْهارِ الِاقْتِداءِ - لِأنَّهُ اخْتِراعُ الأسْبابِ؛ وتَرْتِيبُ المُسَبِّباتِ عَلَيْها - أحَقَّ مِنَ الجَعْلِ؛ الَّذِي هو تَرْتِيبُ المُسَبِّباتِ عَلى أسْبابِها؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ اخْتِراعٌ - فَسُبْحانَ العَزِيزِ؛ العَلِيمِ؛ العَظِيمِ؛ الحَكِيمِ!
ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) الإنْشاءَ؛ عَبَّرَ بِلَفْظِ الرَّبِّ؛ الَّذِي هو مِنَ التَّرْبِيَةِ؛ ولَمّا (p-١٧٥)كانَ الكُلُّ - المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وبَثَّ لَكم مِنهُ إلَيْها“ -: ﴿وبَثَّ مِنهُما﴾؛ أيْ: فَرَّقَ ونَشَرَ مِنَ التَّوالُدِ؛ ولَمّا كانَ المَبْثُوثُ قَبْلَ ذَلِكَ عَدَمًا؛ وهو الَّذِي أوْجَدَهُ مِنَ العَدَمِ؛ نَكَّرَ؛ لِإفْهامِ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿رِجالا كَثِيرًا ونِساءً﴾؛ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ كانَ إحْسانُ كُلٍّ مِنَ النّاسِ إلى كُلٍّ مِنهُمْ؛ مِن صِلَةِ الرَّحِمِ؛ ووَصَفَ الرِّجالَ دُونَهُنَّ؛ مَعَ أنَّهُنَّ أكْثَرُ مِنهُمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ لَهم عَلَيْهِنَّ دَرَجَةً؛ فَهم أقْوى؛ وأظْهَرُ؛ وأطْيَبُ؛ وأظْهَرُ في رَأْيِ العَيْنِ؛ لِما لَهم مِنَ الِانْتِشارِ؛ ولِلنِّساءِ مِنَ الِاخْتِفاءِ؛ والِاسْتِتارِ.
ولَمّا كانَ قَدْ أمَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أوَّلَ الآيَةِ بِتَقْواهُ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ جَدِيرٌ بِذَلِكَ مِنهُمْ؛ لِكَوْنِهِ رَبَّهُمْ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ الأمْرَ أمْرًا آخَرَ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِذاتِهِ؛ لِكَوْنِهِ الحاوِيَ لِجَمِيعِ الكَمالِ؛ المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: عُمُومًا؛ لِما لَهُ مِن إحاطَةِ الأوْصافِ؛ كَما اتَّقَيْتُمُوهُ خُصُوصًا؛ لِما لَهُ إلَيْكم مِنَ الإحْسانِ؛ والتَّرْبِيَةِ؛ واحْذَرُوهُ؛ وراقِبُوهُ في أنْ تُقَطِّعُوا أرْحامَكُمُ الَّتِي جَعَلَها سَبَبًا لِتَرْبِيَتِكم.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ المُواصَلَةَ؛ وصَفَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ بِما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي تَساءَلُونَ﴾؛ أيْ: يَسْألُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ ﴿بِهِ﴾؛ فَإنَّهُ لا يُسْألُ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ المُقَدَّسِ إلّا الرَّحْمَةُ؛ والبِرُّ؛ والعَطْفُ؛ (p-١٧٦)ثُمَّ زادَ المَقْصُودَ إيضاحًا؛ فَقالَ: ﴿والأرْحامَ﴾؛ أيْ: واتَّقُوا قَطِيعَةَ الأرْحامِ؛ الَّتِي تَساءَلُونَ بِها؛ فَإنَّكم تَقُولُونَ: ”ناشَدْتُكَ بِاللَّهِ؛ والرَّحِمِ“؛ وعَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِتَخْوِيفِهِمْ عَواقِبَ بَطْشِهِ؛ لِأنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى سِرِّهِمْ؛ وعَلَنِهِمْ؛ مَعَ ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الشّامِلَةِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ أفْعالَ النّاسِ في تَرْكِ التَّقْوى؛ وقَطِيعَةِ الأرْحامِ؛ أفْعالُ مَن يَشُكُّ في أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ عَلَيْكُمْ﴾؛ وفي أداةِ الِاسْتِعْلاءِ ضَرْبٌ مِنَ التَّهْدِيدِ؛ ﴿رَقِيبًا﴾؛ وخَفَضَ حَمْزَةُ ”الأرْحامَ“؛ المُقْسَمِ بِها؛ تَعْظِيمًا لَها؛ وتَأْكِيدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم قَدْ نَسُوا اللَّهَ في الوَفاءِ بِحُقُوقِها - كَما أقْسَمَ بِالنَّجْمِ؛ والتِّينِ؛ وغَيْرِهِما؛ والقِراءَتانِ مُؤْذِنَتانِ بِأنَّ صِلَةَ الأرْحامِ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ؛ حَيْثُ قَرَنَها بِاسْمِهِ؛ سَواءٌ كانَ عَطْفًا - كَما شَرَحَتْهُ آيَةُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]؛ وغَيْرِها -؛ أوْ كانَ قَسَمًا؛ واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ واجِبَةٌ؛ وأحَقَّهم بِالصِّلَةِ الوَلَدُ؛ وأوَّلَ صِلَتِهِ أنْ يَخْتارَ لَهُ المَوْضِعَ الحَلالَ.
النساء 4:2
ولَمّا بانَ مِن هَذا تَعْظِيمُهُ لِصِلَةِ الرَّحِمِ؛ بِجَعْلِها في سِياقِ ذِكْرِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُعَبِّرِ عَنْهُ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ - كَما فَعَلَ نَحْوَ ذَلِكَ في غَيْرِ آيَةٍ؛ وكانَ (p-١٧٧)قَدْ تَقَدَّمَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ ذِكْرُ قِصَّةِ ”أُحُدٍ“؛ الَّتِي انْكَشَفَتْ عَنْ أيْتامٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ أنَّ المَوْتَ مُشَرَّعٌ؛ لا بُدَّ لِكُلِّ نَفْسٍ مِن وُرُودِهِ؛ عُلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن وُجُودِ الأيْتامِ في كُلِّ وقْتٍ؛ فَدَعا إلى العِفَّةِ؛ والعَدْلِ فِيهِمْ؛ لِأنَّهم بَعْدَ الأرْحامِ أوْلى مَن يُتَّقى اللَّهُ فِيهِ؛ ويُخْشى مُراقَبَتُهُ بِسَبَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿وآتُوا اليَتامى﴾؛ أيْ: الضُّعَفاءَ؛ الَّذِينَ انْفَرَدُوا عَنْ آبائِهِمْ؛ وأصْلُ ”اليُتْمِ“: الِانْفِرادُ؛ ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: هَيِّئُوها بِحُسْنِ التَّصَرُّفِ فِيها؛ لِأنْ تُؤْتُوهم إيّاها بَعْدَ البُلُوغِ - كَما يَأْتِي؛ أوْ يَكُونُ الإيتاءُ حَقِيقَةً؛ واليُتْمُ بِاعْتِبارِ ما كانَ؛ أوْ بِاعْتِبارِ الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ؛ وهو مُطْلَقُ الِانْفِرادِ؛ وما أبْدَعَ إيلاءَها لِلْآيَةِ الآمِرَةِ بَعْدَ عُمُومِ تَقْوى اللَّهِ بِخُصُوصِها؛ في صِلَةِ الرَّحِمِ؛ المُخْتَتَمَةِ بِصِفَةِ الرَّقِيبِ! لِما لا يَخْفى مِن أنَّهُ لا حامِلَ عَلى العَدْلِ في الأيْتامِ إلّا المُراقَبَةُ؛ لِأنَّهُ لا ناصِرَ لَهُمْ؛ وقَدْ يَكُونُونَ ذَوِي رَحِمٍ.
ولَمّا أمَرَ بِالعِفَّةِ في أمْوالِهِمْ؛ أتْبَعَهُ تَقْبِيحَ الشَّرَهِ الحامِلِ لِلْغافِلِ عَلى لُزُومِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم أنْ تَأْخُذُوا عَلى وجْهِ البَدَلِيَّةِ؛ ﴿الخَبِيثَ﴾؛ أيْ: مِنَ الخَباثَةِ الَّتِي لا أخْبَثَ مِنها؛ (p-١٧٨)لِأنَّها تَذْهَبُ بِالمَقْصُودِ مِنَ الإنْسانِ؛ فَتَهْدِمُ جَمِيعَ أمْرِهِ؛ ﴿بِالطَّيِّبِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو كُلُّ أمْرٍ يَحْمِلُ عَلى مَعالِي الأخْلاقِ الصّائِنَةِ لِلْعِرْضِ؛ المُعْلِيَةِ لِقَدْرِ الإنْسانِ؛ ثُمَّ بَعْدَ هَذا النَّهْيِ العامِّ نَوَّهَ بِالنَّهْيِ عَنْ نَوْعٍ مِنهُ خاصٍّ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالأكْلِ؛ الَّذِي كانَتِ العَرَبُ تَذُمُّ بِالإكْثارِ مِنهُ؛ ولَوْ أنَّهُ حَلالٌ طَيِّبٌ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ حَرامًا؛ ومِن مالِ ضَعِيفٍ؛ مَعَ الغِنى عَنْهُ -: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: تَنْتَفِعُوا بِها؛ أيَّ انْتِفاعٍ كانَ؛ مَجْمُوعَةً ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾؛ شَرَهًا؛ وحِرْصًا؛ وحُبًّا في الزِّيادَةِ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي عَلِمْتُمْ شُؤْمَها؛ وما أثَّرَتْ مِنَ الخِذْلانِ؛ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ وعَبَّرَ بِـ ”إلى“؛ إشارَةً إلى تَضْمِينِ الأكْلِ مَعْنى الضَّمِّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مَتى ضُمَّتْ إلى مالِ الوَلِيِّ أكَلَ مِنها؛ فَوَقَعَ في النَّهْيِ؛ فَحَضَّ بِذَلِكَ عَلى تَرْكِها مَحْفُوظَةً عَلى حِيالِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: الأكْلَ؛ ﴿كانَ حُوبًا﴾؛ أيْ: إثْمًا؛ وهَلاكًا؛ ﴿كَبِيرًا﴾
النساء 4:3
ولَمّا كانَ (تَعالى) قَدْ أجْرى سُنَّةَ الإلَهِيَّةِ في أنَّهُ لا بُدَّ في التَّناسُلِ مِن تَوَسُّطِ النِّكاحِ؛ إلّا ما كانَ مِن آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكانُوا قَدْ أُمِرُوا بِالعَدْلِ في أمْوالِ اليَتامى؛ وكانُوا يَلُونَ أُمُورَ يَتاماهُمْ؛ وكانُوا رُبَّما نَكَحُوا مَن في حُجُورِهِمْ مِنهُنَّ؛ فَكانَ رُبَّما أوْقَفَهم هَذا التَّحْذِيرُ مِن أمْوالِهِمْ عَنِ النِّكاحِ؛ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ في (p-١٧٩)حَقٍّ مِن حُقُوقِهِنَّ؛ أتْبَعَهُ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنْ وثِقْتُمْ مِن أنْفُسِكم بِالعَدْلِ؛ فَخالِطُوهم بِالنِّكاحِ؛ وغَيْرِهِ“ -: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾؛ فَعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ؛ حَثًّا عَلى الوَرَعِ؛ ﴿ألا تُقْسِطُوا﴾؛ أيْ: تَعْدِلُوا؛ ﴿فِي اليَتامى﴾؛ ووَثِقْتُمْ مِن أنْفُسِكم بِالعَدْلِ في غَيْرِهِنَّ؛ ﴿فانْكِحُوا﴾؛ ولَمّا كانَتِ النِّساءُ ناقِصاتٌ؛ عَقْلًا؛ ودِينًا؛ عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ؛ إشارَةً إلى الرِّفْقِ بِهِنَّ؛ والتَّجاوُزِ عَنْهُنَّ؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ ولَمّا أفادَ ”انْكِحُوا“؛ الإذْنَ المُتَضَمِّنَ لِلْحِلِّ؛ حَمَلَ الطَّيِّبَ عَلى اللَّذِيذِ؛ المُنْفَكِّ عَنِ النَّهْيِ السّابِقِ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ عامًّا مَخْصُوصًا بِما يَأْتِي مِن آيَةِ المُحَرَّماتِ مِنَ النِّساءِ ولا يَحْمِلُ الطَّيِّبَ عَلى الحِلِّ؛ لِئَلّا يُؤَدِّي - مَعَ كَوْنِهِ تَكْرارًا - إلى أنْ يَكُونَ الكَلامُ مُجْمَلًا - لِأنَّ الحِلَّ لَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ؛ والحَمْلُ عَلى العامِّ المَخْصُوصِ أوْلى؛ لِأنَّهُ حُجَّةٌ في غَيْرِ مَحَلِّ التَّخْصِيصِ؛ والمُجْمَلُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أصْلًا - أفادَهُ الإمامُ الرّازِيُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿طابَ﴾؛ أيْ: زالَ عَنْهُ حَرَجُ النَّهْيِ السّابِقِ؛ ولَذَّ؛ وأتْبَعَهُ قَيْدًا لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ وصَرَّحَ بِما عُلِمَ التِزامًا؛ فَقالَ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِهِنَّ؛ ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِ هَذا المَأْذُونِ في نِكاحِهِ مُوَزَّعًا هَكَذا: ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ؛ وثَلاثًا ثَلاثًا؛ وأرْبَعًا أرْبَعًا؛ لِكُلِّ واحِدٍ؛ وهَذا الحُكْمُ عُرِفَ مِنَ العَطْفِ بِالواوِ؛ ولَوْ كانَ بَـ ”أوْ“؛ لَما أفادَ التَّزَوُّجَ إلّا عَلى أحَدِ هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ؛ (p-١٨٠)ولَمْ يُفِدِ التَّخْيِيرَ المُفِيدَ لِلْجَمْعِ بَيْنَها؛ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ؛ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ النِّساءَ أضْعافُ الرِّجالِ؛ ورَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾؛ فَقالَتْ: ”يا ابْنَ أُخْتِي؛ هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها؛ تُشْرِكُهُ في مالِهِ؛ ويُعْجِبُهُ مالُها؛ وجَمالُها؛ فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها؛ فَيُعْطِيَها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ أنْ يَنْكِحُوهُنَّ؛ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ؛ ويَبْلُغُوا لَهُنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ سِواهُنَّ“؛ قالَ عُرْوَةُ: «قالَتْ عائِشَةُ: ”وإنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧]“؛» قالَتْ عائِشَةُ: ”وقَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]؛ رَغْبَةُ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ؛ والجَمالِ“؛ قالَتْ: ”فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِهِ وجِمالِهِ في يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ؛ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهم إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ؛ والجَمالِ“؛ وفي رِوايَةٍ: (p-١٨١)”فِي النِّكاحِ“؛ فَكَما يَتْرُكُونَها حِينَ يَرْغَبُونَ عَنْها؛ فَلَيْسَ لَهم أنْ يَنْكِحُوها إذا رَغِبُوا فِيها؛ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَها؛ ويُعْطُوها حَقَّها الأوْفى في الصَّداقِ؛ وهَذا الخِطابُ لِلْأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ لِأنَّ العَبْدَ لا يَسْتَقِلُّ بِنِكاحِ ما طابَ لَهُ؛ بَلْ لا بُدَّ مِن إذَنِ السَّيِّدِ.
ولَمّا كانَ النِّساءُ كاليَتامى في الضَّعْفِ؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنِ الإذْنِ في النِّكاحِ -: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا تَعْدِلُوا﴾؛ أيْ: في الجَمْعِ؛ ﴿فَواحِدَةً﴾؛ أيْ: فانْكِحُوها؛ لِأنَّ الِاقْتِصارَ عَلَيْها أقْرَبُ إلى العَدْلِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَعَها مَن يُقْسَمُ لَهُ؛ فَيَجِبُ العَدْلُ بَيْنَها وبَيْنَهُ؛ ولَمّا كانَ حُسْنُ العِشْرَةِ المُؤَدِّي إلى العَدْلِ دائِرًا عَلى اطِّراحِ النَّفْسِ؛ وكانَ الإماءُ - لِكَسْرِهِنَّ بِالغُرْبَةِ؛ وعَدَمِ الأهْلِ - أقْرَبَ إلى حُسْنِ العِشْرَةِ؛ سَوّى بَيْنَ العَدَدِ مِنهُنَّ؛ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ؛ وبَيْنَ الواحِدَةِ مِنَ الحَرائِرِ؛ فَقِيلَ: ﴿أوْ ما﴾؛ أيْ: انْكِحُوا ما؛ ﴿مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ فَإنَّهُ لا قَسْمَ بَيْنَهُنَّ؛ وذِكْرُ مِلْكِ اليَمِينَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الخِطابَ مِن أوَّلِهِ خاصٌّ بِالأحْرارِ؛ ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: نِكاحُ غَيْرِ اليَتامى؛ والتَّقَلُّلُ مِنَ الحَرائِرِ؛ والِاقْتِصارُ عَلى الإماءِ؛ ﴿أدْنى﴾؛ أيْ: أقْرَبُ إلى ﴿ألا تَعُولُوا﴾؛ أيْ: تَمِيلُوا بِالجَوْرِ عَنْ مِنهاجِ القِسْطِ؛ وهو الوَزْنُ المُسْتَقِيمُ؛ أوْ تَكْثُرَ عِيالُكُمْ؛ أمّا عِنْدَ الواحِدَةِ فَواضِحٌ؛ وأمّا (p-١٨٢)عِنْدَ الإماءِ فَبِالعَزْلِ؛ وعَدَمِ احْتِياجِ الرَّجُلِ مَعَهُنَّ لِخادِمٍ لَهُ؛ أوْ لَهُنَّ؛ والبَيْعِ لِمَن أرادَ مِنهُنَّ؛ وأمْرِهِنَّ بِالِاكْتِسابِ؛ أوْ تَحْتاجُوا فَتَظْلِمُوا بَعْضَ النِّساءِ؛ أوْ تَأْكُلُوا أمْوالَ اليَتامى؛ وكُلُّ مَعْنًى مِن هَذِهِ راجِعٌ إلى لازِمٍ لِمَعْنى المادَّةِ؛ الَّذِي مَدارُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ مادَّةَ ”عَلا“ - واوِيَّةً بِجَمِيعِ تَقالِيبِها السِّتِّ؛ ”عَلَوَ“؛ ”عَوَلَ“؛ ”لَوَعَ“؛ ”لَعَوَ“؛ ”وعَلَ“؛ ”ولَعَ“؛ ويائِيَّةً؛ بِتَرْكِيبَيْها؛ ”لَيَعَ“؛ ”عَيَلَ“ - تَدُورُ عَلى الِارْتِفاعِ؛ ويَلْزَمُهُ الزِّيادَةُ والمَيْلُ؛ فَمِنَ الِارْتِفاعِ: ”العُلُوُّ“؛ و”الوَعْلُ“؛ و”الوَلَعُ“؛ ومِنَ المَيْلِ والزِّيادَةِ: ”العَوْلُ“؛ وبَقِيَّةُ المادَّةِ - يائِيَّةً؛ وواوِيَّةً - إمّا لِلْإزالَةِ؛ وإمّا لِأحَدِ هَذِهِ المَعانِي - عَلى ما يَأْتِي بَيانُهُ؛ فَـ ”عَلا؛ يَعْلُو“: ارْتَفَعَ؛ و”العالِيَةُ“: الفَتاةُ القَوِيمَةُ - لِأنَّها تَكُونُ أرْفَعَ مِمّا ساواها وهو مُعْوَجٌّ -؛ و”العالِيَةُ“: مِن مَحالِّ الحِجازِ - لِإشْرافِها عَلى ما حَوْلَها -؛ وكَذا ”العَوالِي“؛ لِقُرًى بِظاهِرِ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ - لِأنَّها في المَكانِ العالِي؛ الَّذِي يَجْرِي ماؤُهُ إلى غَيْرِهِ -؛ و”المَعْلاةُ“: كَسْبُ الشَّرَفِ؛ ومَقْبَرَةُ مَكَّةَ بِالحَجُونِ - لِأنَّها في أعْلى مَكَّةَ؛ وماؤُها يُصَوَّبُ إلى ما دُونَهُ -؛ و”فُلانٌ مِن عِلْيَةِ النّاسِ“؛ أيْ: أشْرافِهِمْ؛ و”العِلِّيَّةُ“؛ بِالتَّشْدِيدِ: الغُرْفَةُ؛ وعَلى (p-١٨٣)حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ؛ و”تَعَلَّتِ المَرْأةُ مِن نِفاسِها“؛ أيْ: طَهُرَتْ؛ وشُفِيَتْ - لِأنَّها كانَتْ في سُفُولٍ مِنَ الحالِ -؛ و”العِلاوَةُ“: رَأْسُ الجَبَلِ؛ وعُنُقُهُ؛ وما يُحْمَلُ عَلى البَعِيرِ بَيْنَ العِدْلَيْنِ؛ ومِن كُلِّ شَيْءٍ: ما زادَ عَلَيْهِ؛ و”المُعَلّى“: القِدْحُ السّابِعُ مِنَ المَيْسِرِ - لِأنَّهُ الغايَةُ في القِداحِ الفائِزَةِ؛ لِأنَّ القِداحَ عَشْرَةٌ؛ السَّبْعَةُ الأُولى مِنها فائِزَةٌ؛ والثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ مُهْمَلَةٌ؛ لا أنْصِباءَ لَها -؛ و”عُلْوانُ الكِتابِ“: عُنْوانُهُ؛ وارْتِفاعُهُ عَلى بَقِيَّةِ الكِتابِ واضِحٌ؛ و”العِلْيانُ“: الطَّوِيلُ؛ والضَّخْمُ؛ والنّاقَةُ المُشْرِفَةُ؛ ومِنَ الأصْواتِ: الجَهِيرَةُ؛ و”العَلاةُ“: السَّنَدانُ؛ و”العَلْياءُ“: رَأْسُ كُلِّ جَبَلٍ مُشْرِفٍ؛ والسَّماءُ؛ والمَكانُ العالِي؛ وكُلُّ ما عَلا مِن شَيْءٍ؛ و”عَلَيْكَ زَيْدًا“: الزَمْهُ - لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن مُلازَمَتِهِ لَهُ العُلُوُّ عَلى أمْرِهِ -؛ و”عَلا النَّهارُ“: ارْتَفَعَ؛ و”عَلا الدّابَّةَ“: رَكِبَها؛ و”أعْلى عَنْها“: نَزَلَ - كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ -؛ وكَذا ”عَلّى المَتاعَ عَنِ الدّابَّةِ؛ تَعْلِيَةً“: أنْزَلَهُ؛ و”أعْلَيْتُ عَنِ الوِسادَةِ“؛ و”عالَيْتُ“: ارْتَفَعْتُ؛ وتَنَحَّيْتُ؛ و”رَجُلٌ عالِي الكَعْبِ“: شَرِيفٌ؛ و”عَلّى الكِتابَ؛ تَعْلِيَةً“: عَنْوَنَهُ؛ كَـ ”عَلْوَنَهُ“؛ و”عالَوْا نَعْيَهُ“: أظْهَرُوهُ؛ و”العَلِيُّ“: الشَّدِيدُ القَوِيُّ؛ و”عِلِّيُّونَ“: في السَّماءِ (p-١٨٤)السّابِعَةِ؛ و”أخَذَهُ عُلُوًّا“: عُنْوَةً؛ و”التَّعالِي“: الِارْتِفاعُ؛ إذا أمَرْتَ مِنهُ قُلْتَ: ”تَعالَ“؛ بِفَتْحِ اللّامِ؛ ولَها: ”تَعالَيْ“؛ بِفَتْحِ اللّامِ؛ ولَوْ كُنْتَ في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِن مَوْضِعِ المَأْمُورِ؛ لِأنَّهُ يَحْتاجُ إلى تَطاوُلٍ؛ مَهْما كانَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَسافَةٌ؛ ولِأنَّ الآمِرَ أعْلى مِنَ المَأْمُورِ رُتْبَةً فَمَوْضِعُهُ كَذَلِكَ؛ و”تَعَلّى“: عَلا في مُهْلَةٍ؛ و”المُعْتَلِي“: الأسَدُ؛ و”اللَّعْوُ“: السَّيِّئُ الخُلُقِ؛ والفَسْلُ؛ والشَّرِهُ الحَرِيصُ؛ و”اللّاعِي“: الَّذِي يُفْزِعُهُ أدْنى شَيْءٍ - إمّا لِأنَّهُ وصَلَ إلى الغايَةِ في السُّفُولِ؛ فَتَسَنَّمَ أعْلاها؛ حَتّى رَضِيَ لِنَفْسِهِ هَذِهِ الأخْلاقَ؛ وإمّا لِأنَّهُ مِن بابِ الإزالَةِ؛ أوِ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ -؛ و”ذِئْبَةٌ لَعْوَةٌ“؛ و”امْرَأةٌ لَعْوَةٌ“؛ أيْ: حَرِيصَةٌ؛ و”اللَّعْوَةُ“: السَّوادُ بَيْنَ حَلَمَتَيِ الثَّدْيِ - إمّا لِأنَّ ذَلِكَ أعْلاهُ؛ وإمّا لِعُلُوِّ لَوْنِ السَّوادِ عَلى لَوْنِ الثَّدْيِ -؛ و”الألْعاءُ“: السُّلامِيّاتُ؛ والسُّلامى؛ عَظْمٌ يَكُونُ في فِرْسِنِ البَعِيرِ؛ (p-١٨٥)وعِظامٌ صِغارٌ في اليَدِ؛ والرِّجْلِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العِظامَ أعْلى ما في الجَسَدِ في القُوَّةِ؛ والشِّدَّةِ؛ والصَّلابَةِ؛ وهي أعْظَمُ قِوامِهِ؛ و”اللّاعِيَةُ“: شُجَيْرَةٌ في سَفْحِ الجَبَلِ؛ لَها نُورٌ أصْفَرُ؛ ولَها لَبَنٌ؛ وإذا أُلْقِيَ مِنهُ شَيْءٌ في غَدِيرِ السَّمَكِ أطْفاها؛ أيْ: جَعْلَها طافِيَةً؛ أيْ: عالِيَةً عَلى وجْهِ الماءِ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ إمّا مِن بابِ الإزالَةِ؛ نَظَرًا إلى مَحَلِّ بَيْتِها؛ وإمّا لِأنَّ رِيحَها يَعْلُو كُلَّ ما خالَطَهُ؛ ويُكْسِبُهُ طَعْمَها؛ وإمّا لِفِعْلِها هَذا في السَّمَكِ؛ و”تَلَعّى العَسَلُ“: تَعَقَّدَ وزْنًا؛ ومَعْنًى؛ إمّا مِنَ اللّاعِيَةِ؛ لِأنَّها كَثِيرَةُ العُقَدِ؛ وإمّا مِن لازِمِ العُلُوِّ؛ القُوَّةِ والشِّدَّةِ؛ و”لَعا لَكَ“ - يُقالُ عِنْدَ العَثْرَةِ -؛ أيْ: أنْعَشَكَ اللَّهُ؛ و”العَوْلُ“: ارْتِفاعُ الحِسابِ في الفَرائِضِ؛ و”العَوْلُ“: المَيْلُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لازِمٌ لِلْعُلُوِّ؛ و”العَوْلُ“: كُلُّ أمْرٍ غَلَبَكَ؛ كَأنَّهُ عَلا عَنْكَ؛ فَلَمْ تَقْدِرْ عَلى نَيْلِهِ؛ والمُسْتَعانُ بِهِ - لِأنَّهُ لا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ إلّا وفِيهِ عُلُوٌّ -؛ وقُوتُ العِيالِ - لِأنَّهُ سَبَبُ عُلُوِّهِمْ -؛ و”عَوَّلَ عَلَيْهِ؛ مُعَوَّلًا“: اتَّكَلَ؛ (p-١٨٦)واعْتَمَدَ؛ والِاسْمُ كَـ ”عِنَبٌ“؛ و”عَيِّلٌ“؛ كَـ ”كَيِّسٌ“؛ و”عالَ“: جارَ؛ والمِيزانُ: نَقَصَ؛ أوْ زادَ؛ فالزِّيادَةُ مِنَ الِارْتِفاعِ؛ والنَّقْصُ مِن لازِمِ المَيْلِ؛ و”عالَتِ الفَرِيضَةُ“: ارْتَفَعَتْ؛ أيْ: زادَتْ سِهامُها؛ فَدَخَلَ النُّقْصانُ عَلى أهْلِ الفَرائِضِ؛ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: أظُنُّهُ مَأْخُوذًا مِنَ المَيْلِ؛ و”عالَ أمْرُهُمْ“: اشْتَدَّ؛ وتَفاقَمَ؛ و”عالَ فُلانٌ عَوْلًا؛ وعِيالًا“: كَثُرَ عِيالُهُ؛ كَـ ”أعْوَلَ“؛ و”أعْيَلَ“؛ و”رَجُلٌ مُعْيَلٌ؛ ومُعَيَّلٌ“: ذُو عِيالٍ؛ و”أعالَ الرَّجُلُ؛ وأعْوَلَ“؛ إذا حَرَصَ؛ إمّا مِمّا تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ؛ وإمّا لِأنَّهُ لازِمٌ لِذِي العِيالِ؛ و”عالَ عَلَيْهِ“: حَمَلَ؛ أيْ: رَفَعَ عَلَيْهِ الحُمُولَ؛ كَـ ”عَوَلَ“؛ وفُلانٌ: حَرَصَ؛ والفَرَسُ: صَوَّتَتْ؛ و”أعْوَلَتِ المَرْأةُ“: رَفَعَتْ صَوْتَها بِالبُكاءِ؛ و”عِيلَ عَوْلُهُ“: ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ - لِما يَقَعُ مِن صِياحِها -؛ و”عِيلَ ما هو عائِلُهُ“: غَلَبَ ما هو غالِبُهُ؛ يُضْرَبُ لِمَن يُعْجَبُ مِن كَلامِهِ؛ ونَحْوِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ خَرَجَ عَنْ أمْثالِهِ عُلُوًّا؛ وقَدْ يَكُونُ بِسُفُولٍ؛ فَيَكُونُ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالضِّدِّ؛ و”العالَةُ“: النَّعامَةُ؛ لِأنَّها أطْوَلُ الطَّيْرِ؛ و”ما لَهُ عالٌ ولا مالٌ“: شَيْءٌ - لِأنَّ ذَلِكَ غايَةٌ في السُّفُولِ إنْ كانَ عَجْزًا -؛ وفي العُلُوِّ إنْ كانَ زُهْدًا؛ ويُقالُ لِلْعاثِرِ: ”عالَكَ عالِيًا“؛ كَقَوْلِهِمْ: ”لَعا لَكَ“؛ و”المِعْوَلُ“: حَدِيدَةٌ تُنْقَرُ بِها الجِبالُ؛ مِنَ القُوَّةِ اللّازِمَةِ لِلْعُلُوِّ؛ و”العالَةُ“؛ شِبْهُ الظُّلَّةِ؛ يُسْتَرُ بِها (p-١٨٧)مِنَ المَطَرِ؛ و”اللَّوْعَةُ“: حُرْقَةٌ تُوجَدُ مِنَ الحُزْنِ؛ أوِ الحُبِّ؛ أوِ المَرَضِ؛ أوِ الهَمِّ - لِأنَّها تَعْلُو الإنْسانَ -؛ و”لاعَهُ الحُبُّ“: أمْرَضَهُ؛ و”أتانٌ لاعَةُ الفُؤادِ إلى جَحْشِها“: كَأنَّها ولْهى فَزَعًا؛ و”لاعَ؛ يَلاعُ“: جَزِعَ؛ أوْ مَرِضَ؛ و”رَجُلٌ هاعٌ لاعٌ“: جَبانٌ؛ جَزُوعٌ؛ أوْ حَرِيصٌ؛ أوْ سَيِّئُ الخُلُقِ - لِما عَلاهُ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ المُنافِيَةِ لِلْعَقْلِ؛ وغَلَبَهُ مِنها -؛ و”لاعَتْهُ الشَّمْسُ“: غَيَّرَتْ لَوْنَهُ؛ و”اللّاعَةُ“؛ أيْضًا: الحَدِيدَةُ الفُؤادِ الشَّهْمَةُ - لِأنَّهُ يَعْلُو غَبَرَةً -؛ و”امْرَأةٌ لاعَةٌ“: الَّتِي تُغازِلُكَ؛ ولا تُمَكِّنُكَ - لِما لَها في ذَلِكَ مِنَ الغَلَبَةِ؛ والعُلُوِّ عَلى القُلُوبِ -؛ و”الوَعْلُ“: تَيْسُ الجَبَلِ؛ والشَّرِيفُ؛ والمَلْجَأُ؛ و”الوَعْلَةُ“: المَوْضِعُ المَنِيعُ مِنَ الجَبَلِ؛ أوْ صَخْرَةٌ مُشْرِفَةٌ مِنهُ؛ و”هم عَلَيْنا وعْلٌ واحِدٌ“: مُجْتَمِعُونَ؛ و”ما لَكَ عَنْ ذَلِكَ وعْلٌ“؛ أيْ: بُدٌّ - فَإنَّهُ لَوْلا عُلُوُّهُ عَلَيْكَ ما اضْطُرِرْتَ إلَيْهِ -؛ و”الوَعْلُ“: اسْمُ شَوّالٍ - كَأنَّهُ لِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ بِالعِيدِ؛ والحَجِّ -؛ و”الوَعِلُ“؛ كَـ ”كَتِفٌ“: اسْمُ شَعْبانَ - لِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ؛ بِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ رَجَبَ؛ وشَوّالٍ -؛ و”الوَعْلَةُ“؛ أيْضًا: عُرْوَةُ القَمِيصِ؛ (p-١٨٨)والزِّيرُ؛ زِرُّهُ؛ والقَدَحُ؛ والإبْرِيقُ الَّذِي يُعَلَّقُ بِها فَيَعْلُو؛ و”وُعالٌ“؛ كَـ ”غُرابٌ“: حِصْنٌ بِاليَمَنِ؛ و”المُسْتَوْعَلُ“؛ بِفَتْحِ العَيْنِ: حِرْزُ الوَعْلِ؛ و”وعَلَ“؛ كَـ ”وعَدَ“: أشْرَفَ؛ و”تَوَعَّلْتُ الجَبَلَ“: عَلَوْتُهُ؛ و”أوْلَعَ فُلانٌ بِكَذا“؛ أوْ ”ولِعَ“؛ بِالكَسْرِ: اسْتَخَفَّ؛ أيْ: صارَ عالِيًا عَلَيْهِ؛ غالِبًا لَهُ؛ لِإطاقَتِهِ حَمْلَهُ؛ و”ولِعَ بِحَقِّهِ“: ذَهَبَ؛ و”ولَعَ“؛ بِالفَتْحِ؛ إذا كَذَبَ - إمّا لِلْإزالَةِ؛ وإمّا لِأنَّهُ اسْتَخَفَّهُ الكَذِبُ فَحَمَلَهُ -؛ و”ولْعٌ والِعٌ“؛ مُبالَغَةً؛ أيْ: كَذِبٌ عَظِيمٌ؛ و”المُولَعُ“: الَّذِي فِيهِ لَمَعٌ مِن ألْوانٍ - كَأنَّهُ عَلا عَلى تِلْكَ الألْوانِ؛ أوْ غَلَبَ تِلْكَ الألْوانَ أصْلُ لَوْنِهِ -؛ وعِبارَةُ القامُوسِ: و”التَّوْلِيعُ“: اسْتِطالَةُ البَلَقِ؛ يُقالُ: ”بِرْذَوْنٌ وثَوْرٌ مُوَلَّعٌ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“؛ و”الوَلِيعُ“: الطَّلْعُ؛ ما دامَ في قِيقائِهِ؛ أيْ: وِعائِهِ؛ وهو قِشْرَةُ الطَّلْعِ؛ لِعُلُوِّهِ؛ و”ما أدْرِي ما ولَعَهُ“؛ بِالفَتْحِ؛ أيْ: حَبَسَهُ؛ إمّا لِلْإزالَةِ؛ لِأنَّهُ لَمّا مَنَعَهُ كانَ كَأنَّهُ أزالَ عُلُوَّهُ؛ وإمّا لِأنَّهُ عَلا عَلَيْهِ؛ وأوْلَعَهُ بِهِ؛ أيْ: أغْراهُ؛ أيْ: حَمَلَهُ عَلَيْهِ؛ و”العَيْلَةُ“: الحاجَةُ؛ و”عالَ يَعِيلُ“؛ إذا افْتَقَرَ؛ وذَلِكَ إمّا مِنَ الإزالَةِ؛ أوْ لِأنَّ الحاجَةَ عَلَتْهُ؛ أوْ لِأنَّها مَيْلٌ؛ و”عالَنِي الشَّيْءُ“: أعْجَزَنِي؛ و”عِيلَ صَبْرِي“: قَلَّ وضَعُفَ؛ أيْ: عَلاهُ مِنَ الأمْرِ ما أضْعَفَهُ؛ و”عِلْتُ الضّالَّةَ“: لَمْ أدْرِ أيْنَ أبْغِيها؛ و”المُعِيلُ“: (p-١٨٩)الأسَدُ؛ والنَّمِرُ؛ والذِّئْبُ؛ لِأنَّهُ يُعِيلُ صَيْدًا؛ أيْ: يَلْتَمِسُ؛ فَهو يَرْجِعُ إلى العُلُوِّ؛ والقُدْرَةِ عَلى الطَّلَبِ؛ و”عالَنِي الشَّيْءُ“: أعْوَزَنِي؛ إمّا أزالَ عُلُوِّي؛ أوْ عَلا عَنِّي؛ و”عالَ في مَشْيِهِ“: تَمايَلَ؛ واخْتالَ؛ وتَبَخْتَرَ؛ لِأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ إلّا عالٍ في نَفْسِهِ؛ مَعَ أنَّهُ كُلَّهُ مِنَ المَيْلِ؛ و”عالَ في الأرْضِ“: ذَهَبَ؛ أيْ: عَلا عَلَيْها مَشْيًا؛ والذَّكَرُ مِنَ الضِّباعِ ”عَيَلانٌ“؛ و”العَيَلُ“؛ مُحَرِّكَةً: عَرْضُكَ حَدِيثَكَ وكَلامَكَ عَلى مَن لا يُرِيدُهُ؛ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ؛ كَأنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ لِمَن يُرِيدُهُ؛ فَعَرَضَهُ عَلى مَن لا يُرِيدُهُ؛ فَهو يَرْجِعُ إلى الحاجَةِ المُزِيلَةِ لِلْعُلُوِّ؛ و”لَيْعَةُ الجُوعِ“؛ بِالفَتْحِ: حُرْقَتُهُ؛ كَما تَقَدَّمَ في اللَّوْعَةِ؛ و”لِعْتُ“؛ بِالكَسْرِ: ضَجِرْتُ؛ كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ؛ أوْ أنَّ العُلُوَّ لِلْأمْرِ المُتَضَجَّرِ مِنهُ؛ و”المِلْياعُ“؛ بِالكَسْرِ: السَّرِيعَةُ العَطَشِ؛ لِأنَّها تَعْلُو الإبِلَ حِينَئِذٍ سَبْقًا إلى الماءِ؛ لِأنَّ العَطَشَ عَلاها؛ و”المِلْياعُ“: الَّتِي تَقْدُمُ الإبِلَ سابِقَةً؛ ثُمَّ تَرْجِعُ إلَيْها؛ و”رِيحٌ لِياعٌ“؛ بِالكَسْرِ: شَدِيدَةٌ؛ وقَدْ وضَحَ بِذَلِكَ صِحَّةُ ما فَسَّرَ بِهِ إمامُنا الشّافِعِيُّ؛ صَرِيحًا؛ ومُطابَقَةً؛ كَما تَقَدَّمَ؛ وشَهِدَ لَهُ ”العَوْلُ في الحِسابِ؛ والسِّهامِ“؛ وهو كَثْرَتُها؛ وظَهَرَ تَحامُلُ مَن (p-١٩٠)رَدَّ ذَلِكَ؛ وقالَ: إنَّهُ لا يُقالُ في كَثْرَةِ العِيالِ إلّا: ”عالَ؛ يَعِيلُ“؛ وكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا! وكَيْفَ لا.. وهو مِنَ الأئِمَّةِ المُحْتَجِّ بِأقْوالِهِمْ في اللُّغَةِ؛ وقَدْ وافَقَهُ غَيْرُهُ؛ وشَهِدَ لِقَوْلِهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ؟ قالَ الإمامُ يَحْيى بْنُ أبِي الخَيْرِ العُمْرانِيُّ الشّافِعِيُّ؛ في كِتابِهِ ”البَيانُ“: ﴿ألا تَعُولُوا﴾؛ قالَ الشّافِعِيُّ: مَعْناهُ: ألّا تَكْثُرَ عِيالُكُمْ؛ ومَن تُمَوِّنُونَهُ؛ وقِيلَ: إنَّ أكْثَرَ السَّلَفِ قالُوا: المَعْنى ألّا تَجُورُوا؛ يُقالُ: ”عالَ؛ يَعُولُ“؛ إذا جارَ؛ و”أعالَ يُعِيلُ“؛ إذا كَثُرَ عِيالُهُ؛ إلّا زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ؛ فَإنَّهُ قالَ: مَعْناهُ ألّا تَكْثُرُ عِيالُكُمْ؛ وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ يَشْهَدُ لِذَلِكَ؛ قالَ: «”ابْدَأْ بِنَفْسِكَ؛ ثُمَّ بِمَن تَعُولُ“؛» انْتَهى؛ وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما –بِلَفْظِ: «”أفْضَلُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى؛ واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى؛ وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ“؛» وفي البابِ أيْضًا عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ؛ وأبِي رَمَثَةَ البَلَوِيِّ؛ وأبِي أُمامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وأثَرُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ؛ والبَيْهَقِيُّ؛ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ؛ عَنْهُ؛ قالَ: ”ذَلِكَ أدْنى ألّا يَكْثُرُ مَن يَعُولُونَهُ“؛ أفادَهُ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ؛ (p-١٩١)فِي تَخْرِيجِ أحادِيثِ الرّافِعِيِّ؛ وقالَ الإمامُ: إنَّ تَفْسِيرَ الشّافِعِيِّ هو تَفْسِيرُ الجَماعَةِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالكِنايَةِ؛ وهي ذِكْرُ الكَثْرَةِ؛ وأرادَ المَيْلَ؛ لِكَوْنِ الكَثْرَةِ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ؛ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتْ سُورَةُ ”البَقَرَةِ“؛ ابْتِداءَ الخَلْقِ؛ وإيجادَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن غَيْرِ أبٍ؛ ولا أُمٍّ؛ وأُعْقِبَتْ بِسُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ لِتَضَمُّنِها - مَعَ ذِكْرٍ في صَدْرِها - أمْرَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأنَّهُ كَمَثَلِ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ في عَدَمِ الِافْتِقارِ إلى أبٍ؛ وعَلِمَ المُوقِنُونَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) لَوْ شاءَ لَكانَتْ سُنَّةً فِيمَن بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَكانَ سائِرُ الحَيَوانِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى أُمٍّ فَقَطْ؛ أعْلَمَ - سُبْحانَهُ - أنَّ مَن عَدا المَذْكُورَيْنِ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ؛ سَبِيلُهم سَبِيلُ الأبَوَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١]؛ ثُمَّ أعْلَمُ (تَعالى) كَيْفِيَّةَ النِّكاحِ المَجْعُولِ سَبَبًا في التَّناسُلِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وبَيَّنَ حُكْمَ الأرْحامِ؛ والمَوارِيثِ؛ فَتَضَمَّنَتِ السُّورَةُ ابْتِداءَ الأمْرِ؛ وانْتِهاءَهُ؛ فَأعْلَمَنا بِكَيْفِيَّةِ التَّناكُحِ؛ وصُورَةِ الِاعْتِصامِ؛ واحْتِرامِ بَعْضِنا لِبَعْضٍ؛ وكَيْفِيَّةِ تَناوُلِ الإصْلاحِ فِيما بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عِنْدَ التَّشاجُرِ؛ والشِّقاقِ؛ وبَيَّنَ لَنا ما يُنْكَحُ؛ (p-١٩٢)وما أُبِيحَ مِنَ العَدَدِ؛ وحُكْمَ مَن لَمْ يَجِدِ الطَّوْلَ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهَذا؛ إلى المَوارِيثِ؛ فَصَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ؛ إلّا الطَّلاقَ؛ لِأنَّ أحْكامَهُ تَقَدَّمَتْ؛ ولِأنَّ بِناءَ هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ والِائْتِلافِ؛ ورَعْيِ حُقُوقِ ذَوِي الأرْحامِ؛ وحِفْظِ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ إلى حالَةِ المَوْتِ المَكْتُوبِ عَلَيْنا؛ وناسَبَ هَذا المَقْصُودَ مِنَ التَّواصُلِ؛ والأُلْفَةِ؛ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ١]؛ فافْتَتَحَها بِالِالتِئامِ؛ والوَصْلَةِ؛ ولِهَذا خُصَّتْ مِن حُكْمِ تَشاجُرِ الزَّوْجَيْنِ بِالإعْلامِ بِصُورَةِ الإصْلاحِ؛ والمَعْدَلَةِ إبْقاءً لِذَلِكَ التَّواصُلِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ لِيُناسِبَ هَذا؛ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ هُنا ذِكْرٌ؛ إلّا إيماءً: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]؛ ولِكَثْرَةِ ما يَعْرِضُ مِن رَعْيِ حُظُوظِ النُّفُوسِ؛ عِنْدَ الزَّوْجِيَّةِ؛ ومَعَ القَرابَةِ - ويَدِقُّ ذَلِكَ ويَغْمُضُ -؛ تَكَرَّرَ كَثِيرًا في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالِاتِّقاءِ؛ وبِهِ افْتُتِحَتْ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ [النساء: ١] ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]؛ ثُمَّ حُذِّرُوا مِن حالِ مَن صَمَّمَ عَلى الكُفْرِ؛ وحالِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُنافِقِينَ؛ وذَوِي التَّقَلُّبِ في الأدْيانِ؛ بَعْدَ أُذُنِ اليَقِينِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ؛ والتَحَمَتِ الآياتُ إلى الخَتْمِ (p-١٩٣)بِالكَلالَةِ مِنَ المَوارِيثِ المُتَقَدِّمَةِ؛ انْتَهى.
النساء 4:4
ولَمّا حُذِّرُوا مِنَ القَوْلِ الَّذِي مِن مَدْلُولِهِ المُحاجَّةُ عَنْ كَثْرَةِ النِّساءِ؛ كانَ رُبَّما تَعَلَّقَ بِهِ مَن يَبْخَلُ عَنْ بَعْضِ الحُقُوقِ؛ لا سِيَّما ما يَسْتَكْثِرُهُ مِنَ الصَّداقِ؛ فَأتْبَعَهُ ما يَنْفِي ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِلْأزْواجِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لَهُمْ؛ مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِلدَّفْعِ؛ والِالتِزامِ المُهَيِّئِ لَهُ -: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ مِنَ اليَتامى؛ وغَيْرِهِنَّ؛ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾؛ وقَوْلُهُ - مُؤَكِّدًا لِلْإيتاءِ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ: ﴿نِحْلَةً﴾ - مُؤَيِّدٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّ مَعْناها: عَطِيَّةً عَنْ طِيبِ نَفْسٍ؛ قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ؛ في دِيوانِهِ: وأصْلُهُ - أيْ: ”النَّحْلُ“: إعْطاءُ الشَّيْءِ؛ لا يُرادُ بِهِ عِوَضٌ؛ وكَذا إنْ قُلْنا: مَعْنى ”النِّحْلَةُ“: الدِّيانَةُ؛ والمِلَّةُ؛ والشِّرْعَةُ؛ والمَذْهَبُ؛ أيْ: آتُوهُنَّ ذَلِكَ دِيانَةً.
ولَمّا وقَعَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ كانَ رُبَّما أبى المُتَخَلِّقُ بِالإسْلامِ قَبُولَ ما تَسْمَحُ بِهِ المَرْأةُ مِنهُ بِإبْراءٍ؛ أوْ رَدٍّ؛ عَلى سَبِيلِ الهِبَةِ - لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزاتٍ؛ ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾؛ ووَحَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِيَرْجِعَ إلى الصَّداقِ المَفْهُومِ مِنَ الصَّدُقاتِ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مِنها“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المَوْهُوبَ لا يَجُوزُ إلّا إنْ كانَ صَداقًا كامِلًا؛ فَقالَ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: الصَّداقِ؛ ﴿نَفْسًا﴾؛ أيْ: عَنْ شَهْوَةٍ صادِقَةٍ؛ مِن غَيْرِ إكْراهٍ؛ (p-١٩٤)ولا خَدِيعَةٍ؛ ﴿فَكُلُوهُ﴾؛ أيْ: تَصَرَّفُوا فِيهِ بِكُلِّ تَصَرُّفٍ يَخُصُّكُمْ؛ ﴿هَنِيئًا﴾؛ أيْ: سائِغًا؛ صالِحًا؛ لَذِيذًا؛ في عافِيَةٍ بِلا مَشَقَّةٍ؛ ولا مَضَرَّةٍ؛ ﴿مَرِيئًا﴾؛ أيْ: جَيِّدَ المَغَبَّةِ؛ بَهِجًا؛ سارًّا؛ لا تَنْغِيصَ فِيهِ؛ ورُبَّما كانَ التَّبْعِيضُ نَدْبًا إلى التَّعَفُّفِ عَنْ قَبُولِ الكُلِّ؛ لِأنَّهُ في الغالِبِ لا يَكُونُ إلّا عَنْ خِداعٍ؛ أوْ ضَجَرٍ؛ فَرُبَّما أُعْقِبَ النَّدَمَ؛ وهَذا الكَلامُ يَدُلُّ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِ الأحْرارِ؛ دُونَ العَبِيدِ؛ لِأنَّهم لا يَمْلِكُونَ ما جَعَلَتْهُ النِّساءُ لَهم لِيَأْكُلُوهُ هَنِيئًا؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: فَإنْ وُهِبَتْ لَهُ؛ ثُمَّ طَلَبَتْ مِنهُ بَعْدَ الهِبَةِ؛ عُلِمَ أنَّها لَمْ تَطِبْ نَفْسُها؛ وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّ رَجُلًا أتى مَعَ امْرَأتِهِ شُرَيْحًا في عَطِيَّةٍ أعْطَتْها إيّاهُ؛ وهي تَطْلُبُ أنْ تَرْجِعَ؛ فَقالَ شُرَيْحٌ: رُدَّ عَلَيْها؛ فَقالَ الرَّجُلُ: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكُمْ﴾ ؟ قالَ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها لَما رَجَعَتْ فِيهِ؛ وعَنْهُ قالَ: أُقِيلُها فِيما وهَبَتْ؛ ولا أُقِيلُهُ؛ لِأنَّهُنَّ يَخْدَعْنَ.
النساء 4:5
(p-١٩٥)ولَمّا أمَرَ بِدَفْعِ أمْوالِ اليَتامى؛ والنِّساءِ إلَيْهِمْ؛ ونَهى عَنْ أكْلِ شَيْءٍ مِنها؛ تَزْهِيدًا في المالِ؛ واسْتِهانَةً بِهِ؛ وكانَ في النِّساءِ والمَحاجِيرِ مِنَ الأيْتامِ؛ وغَيْرِهِمْ سُفَهاءُ؛ وأمَرَ بِالِاقْتِصادِ في المَعِيشَةِ؛ حَذَرًا مِنَ الظُّلْمِ؛ والحاجَةِ؛ نَهى عَنِ التَّبْذِيرِ؛ وقَدْ حَثَّ - سُبْحانَهُ - عَلى حُسْنِ رِعايَةِ المالِ؛ في غَيْرِ آيَةٍ مِن كِتابِهِ؛ لِأنَّهُ «”نِعْمَ المالُ الصّالِحُ لِلرَّجُلِ الصّالِحِ“؛» رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ مَنِيعٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ؛ رَفَعَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ ما لَمْ يَكُنْ فارِغَ البالِ لا يُمْكِنُهُ القِيامُ بِتَحْصِيلِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الدُّنْيا؛ وما لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن تَحْصِيلِ ما يُهِمُّهُ مِنَ الدُّنْيا لا يُمْكِنُهُ أمْرُ الآخِرَةِ؛ ولا يَكُونُ فارِغَ البالِ إلّا بِواسِطَةِ ما يَكْفِيهِ مِنَ المالِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ في هَذِهِ الدّارِ؛ الَّتِي مَبْناها عَلى الأسْبابِ؛ مِن جَلْبِ المَنافِعِ؛ ودَفْعِ المَضارِّ؛ إلّا بِهِ؛ فَمَن أرادَهُ لِهَذا الغَرَضِ كانَ مِن أعْظَمِ الأسْبابِ المُعِينَةِ لَهُ عَلى اكْتِسابِ سَعادَةِ الآخَرِينَ؛ ومَن أرادَهُ لِنَفْسِهِ كانَ مِن أعْظَمِ المُعَوِّقاتِ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تُؤْتُوا﴾؛ أيُّها الأزْواجُ؛ والأوْلِياءُ؛ ﴿السُّفَهاءَ﴾؛ أيْ: مِن مَحاجِيرِكُمْ؛ ونِسائِكُمْ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿أمْوالَكُمُ﴾؛ أيْ: الأمْوالَ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لِعِبادِهِ؛ سَواءٌ كانَتْ مُخْتَصَّةً بِكُمْ؛ أوْ بِهِمْ؛ ولَكم بِها عَلَقَةٌ بِوِلايَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم حِفْظُها؛ ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ (p-١٩٦)الإحاطَةُ بِالعِلْمِ الشّامِلِ؛ والقُدْرَةِ التّامَّةِ؛ ﴿لَكم قِيامًا﴾؛ أيْ: مِلاكًا؛ وعِمادًا؛ تَقُومُ بِها أحْوالُكُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَياعِها؛ فَضَياعُها سَبَبٌ لِضَياعِكُمْ؛ فَهو مِن تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبِّبِ لِلْمُبالَغَةِ في سَبَبِيَّتِهِ؛ ﴿وارْزُقُوهُمْ﴾؛ مُتَّجِرِينَ؛ ﴿فِيها﴾؛ وعَبَّرَ بِالظَّرْفِ؛ إشارَةً إلى الِاقْتِصادِ؛ واسْتِثْمارِ الأمْوالِ؛ حَتّى لا تَزالَ مَوْضِعًا لِلْفَضْلِ؛ حَتّى تَكُونَ النَّفَقَةُ والكِسْوَةُ مِنَ الرِّبْحِ؛ لا مِن رَأْسِ المالِ؛ ﴿واكْسُوهُمْ﴾؛ أيْ: فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ بَلْ هو مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ ومَحاسِنِ الأعْمالِ؛ ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ أيْ: في الشَّرْعِ؛ والعَقْلِ؛ كالعِدَةِ الحَسَنَةِ؛ ونَحْوِها؛ وكُلُّ ما سَكَنَتْ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ وأحَبَّتْهُ؛ مِن قَوْلٍ؛ أوْ عَمَلٍ؛ ولَيْسَ مُخالِفًا لِلشَّرْعِ؛ فَهو مَعْرُوفٌ؛ فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما كانَ أنْفَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الإعْطاءِ؛ وأقْطَعَ لِلشَّرِّ؛ والحَجْرُ عَلى السَّفِيهِ مُنْدَرِجٌ في هَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ تَرْكَ الحَجْرِ عَلَيْهِ مِنَ الإيتاءِ المَنهِيِّ عَنْهُ.
النساء 4:6
ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ البَذْلِ لِلسُّفَهاءِ؛ أيْتامًا كانُوا؛ أوْ غَيْرَهُمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ دائِمًا؛ بَلْ ما دامَ السَّفَهُ قائِمًا؛ فَمَسَّتِ الحاجَةُ إلى التَّعْرِيفِ بِمَن يُعْطى؛ ومَن يُمْنَعُ؛ وكَيْفَ يُفْعَلُ عِنْدَ الدَّفْعِ؛ ولَمّا كانَ السَّفَهُ أمْرًا (p-١٩٧)باطِنًا لا يُعْرَفُ إلّا بِالتَّصَرُّفِ؛ ولا سِيَّما في المالِ؛ بَدَأ - سُبْحانَهُ - بِتَعْلِيمِ ما يَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ فَقالَ - مُصَرِّحًا بِالأيْتامِ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِهِمْ -: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾؛ أيْ: اخْتَبِرُوهم في أمْرِ الرُّشْدِ في الدِّينِ؛ والمالِ؛ في مُدَّةِ مُراهَقَتِهِمْ؛ واجْعَلُوا ذَلِكَ دَأْبَكُمْ؛ ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ﴾؛ أيْ: وقْتَ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ بِالِاحْتِلامِ؛ أوِ السِّنِّ؛ ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ﴾؛ أيْ: عَلِمْتُمْ عِلْمًا أنْتُمْ في عَظِيمِ تَيَقُّنِهِ؛ كَأنَّكم تُبْصِرُونَهُ عَلى وجْهٍ تُحِبُّونَهُ؛ وتَطِيبُ أنْفُسُكم بِهِ؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: عِنْدَ بُلُوغِهِ؛ ﴿رُشْدًا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ التَّصَرُّفِ؛ ونَكَّرَهُ لِأنَّ وُجُودَ كَمالِ الرُّشْدِ في أحَدٍ يَعِزُّ وُقُوعُهُ؛ ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: لِزَوالِ الحاجَةِ إلى الحَجَرِ؛ بِخَوْفِ التَّبْذِيرِ؛ وأضافَها إلَيْهِمْ بَعْدَ إضافَتِها أوَّلًا إلى المُعْطِينَ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّها إلّا مَن يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِيها.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى نَقائِصَ؛ مِنها الطَّمَعُ وعَدَمُ الشِّبَعِ؛ لا سِيَّما إذا خالَطَ؛ لا سِيَّما إنْ حَصَلَ لَهُ إذْنٌ ما؛ أدَّبَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوها﴾؛ أيْ: بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقْكم لِذَلِكَ؛ بِالعَمَلِ فِيها ﴿إسْرافًا﴾؛ أيْ: مُسْرِفِينَ؛ بِالخُرُوجِ عَنِ القَصْدِ في التَّصَرُّفِ؛ ووَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وإغْفالِ العَدْلِ؛ والشَّفَقَةِ؛ ﴿وبِدارًا﴾؛ أيْ: مُبادِرِينَ؛ ﴿أنْ يَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: فَيَأْخُذُوها مِنكم عِنْدَ كِبَرِهِمْ؛ فَيَفُوتَكم الِانْتِفاعُ بِها؛ وكَأنَّهُ عَطَفَ (p-١٩٨)بِالواوِ الدّالَّةِ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ؛ وتَمامِهِ؛ إشارَةً إلى عَدَمِ المُؤاخَذَةِ بِما يَعْجِزُ عَنْهُ الإنْسانُ المَجْبُولُ عَلى النُّقْصانِ؛ مِمّا يُجْرى في الأفْعالِ مُجْرى الوَسْوَسَةِ في الأقْوالِ؛ ”ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ“؛ ولَمّا أشْعَرَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ الكُلِّ؛ بِأنَّ لَهم في الأكْلِ في الجُمْلَةِ عِلَّةً مَقْبُولَةً؛ أفْصَحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أيُّها الأوْلِياءُ؛ ﴿غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾؛ أيْ: يَطْلُبِ العِفَّةَ؛ ويُوجِدْها؛ ويُظْهِرْها؛ عَنِ الأكْلِ مِنها جُمْلَةً؛ فَيَعِفَّ عَنْهُ بِما بَسَطَ اللَّهُ لَهُ مِن رِزْقِهِ؛ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا﴾؛ وهو يَتَعَهَّدُ مالَ اليَتِيمِ لِإصْلاحِهِ؛ ولَمّا كانَ يُخْشى مِنَ امْتِناعِهِ مِنَ الأكْلِ مِنهُ التَّفْرِيطُ فِيهِ؛ بِالِاشْتِغالِ بِما يُهِمُّهُ في نَفْسِهِ؛ أخْرَجَ الكَلامَ في صِيغَةِ الأمْرِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالأكْلِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ -: ﴿فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِقَدْرِ أُجْرَةِ سَعْيِهِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أفْهَمَ الأمانَ إلى الرُّشْدِ؛ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ أمَرَ بِالحَزْمِ - كَما في الطَّبَرانِيِّ الأوْسَطِ؛ عَنْ أنَسٍ: ”احْتَرِسُوا مِنَ النّاسِ بِسُوءِ الظَّنِّ“ - فَقالَ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: اليَتامى؛ ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَتْ تَحْتَ أيْدِيكُمْ؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْ حِفْظِها؛ ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (p-١٩٩)؛ أيْ: احْتِياطًا؛ لِأنَّ الأحْوالَ تَتَبَدَّلُ؛ والرُّشْدَ يَتَفاوَتُ؛ فالإشْهادُ أقْطَعُ لِلشَّرِّ؛ وأنْفَعُ في كُلِّ أمْرٍ؛ والأمْرُ بِالإشْهادِ أزْجَرُ لِلْوَلِيِّ عَنِ الخِيانَةِ؛ لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ لا يُقْبَلُ عِنْدَ الخِصامِ إلّا بِبَيِّنَةٍ؛ عَفَّ غايَةَ العِفَّةِ؛ واحْتَرَزَ غايَةَ الِاحْتِرازِ.
ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ مَظِنَّةً لِمَيْلِ النُّفُوسِ؛ وكانَ الحُبُّ لِلشَّيْءِ يُعْمِي ويُصِمُّ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ والقُدْرَةُ الباهِرَةُ؛ والعَظَمَةُ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ والباءُ في مِثْلِ هَذا تَأْكِيدٌ؛ لِأنَّ ما قُرِنَتْ بِهِ هو الفاعِلُ؛ حَقِيقَةً؛ لا مَجازًا؛ كَما إذا أُمِرْنا بِالفِعْلِ؛ مَثَلًا؛ ﴿حَسِيبًا﴾؛ أيْ: مُحاسِبًا؛ بَلِيغًا في الحِسابِ؛ فَهو أبْلَغُ؛ تَحْذِيرًا لَهُمْ؛ ولِلْأيْتامِ؛ مِنَ الخِيانَةِ؛ والتَّعَدِّي؛ ومَدِّ العَيْنِ إلى حَقِّ الغَيْرِ.
النساء 4:7
ولَمّا ذَكَرَ أمْوالَ اليَتامى؛ عَلى حَسَبِ ما دَعَتْ إلَيْهِ الحاجَةُ؛ واقْتَضاهُ التَّناسُبُ؛ إلى أنَّ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ كانَ كَأنَّ سائِلًا سَألَ: مِن أيْنَ تَكُونُ أمْوالُهُمْ؟ فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الإجْمالِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ﴾؛ أيْ: الذُّكُورِ مِن أوْلادِ المَيِّتِ؛ وأقْرِبائِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ الذُّكُورِ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ؛ ويَخُصُّونَ الإرْثَ بِما عَمَّرَ الدِّيارَ؛ فَنَبَّهَ (p-٢٠٠)- سُبْحانَهُ - عَلى أنَّ العِلَّةَ النُّطْفَةُ؛ ﴿نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ مَعْلُومٌ؛ ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ ولَمّا كانُوا لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ؛ قالَ: ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾؛ ولِقَصْدِ التَّصْرِيحِ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ قالَ - مَوْضِعَ ”مِمّا تَرَكُوا“ -: ﴿مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَهُنَّ؛ وبَيْنَ الرِّجالِ؛ في القُرْبِ الَّذِي هو سَبَبُ الإرْثِ؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا؛ وتَصْرِيحًا؛ بِقَوْلِهِ - إبْدالًا مِمّا قَبْلَهُ؛ بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾؛ ثُمَّ عَرَّفَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلِاعْتِناءِ بِهِ بِقَطْعِهِ عَنِ الأوَّلِ؛ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ بِتَقْدِيرِ: ”أعْنِي“ -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾؛ أيْ: مُقَدَّرًا؛ واجِبًا؛ مُبَيَّنًا؛ وهَذِهِ الآيَةُ مُجْمَلَةٌ؛ بَيَّنَتْها آيَةُ المَوارِيثِ؛ وبِالآيَةِ عُلِمَ أنَّها خاصَّةٌ بِالعَصَباتِ؛ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفَرْضِ؛ لِأنَّ الإجْماعُ - كَما نَقَلَهُ الأصْبَهانِيُّ عَنِ الرّازِيِّ - عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِذَوِي الأرْحامِ نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ.
النساء 4:8
ولَمّا بَيَّنَ المَفْرُوضَ؛ أتْبَعَهُ المَندُوبَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾؛ أيْ: مِمَّنْ لا يَرِثُ؛ صِغارًا؛ أوْ كِبارًا؛ ﴿واليَتامى والمَساكِينُ﴾؛ أيْ: قُرَباءَ؛ أوْ غُرَباءَ؛ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾؛ أيْ: المَتْرُوكِ؛ (p-٢٠١)وهُوَ أمْرُ نَدْبٍ؛ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِهِمْ؛ وقَرِينَةُ صَرْفِهِ عَنِ الوُجُوبِ تَرْكُ التَّحْدِيدِ؛ ﴿وقُولُوا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ الإعْطاءِ؛ ﴿قَوْلا مَعْرُوفًا﴾؛ أيْ: حَسَنًا؛ سائِغًا في الشَّرْعِ؛ مَقْبُولًا؛ تَطِيبُ بِهِ نُفُوسُهم.
النساء 4:9
ولَمّا أعادَ الوَصِيَّةَ بِاليَتامى مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ وخَتَمَ بِالأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ؛ وكانَ لِلتَّصْوِيرِ في التَّأْثِيرِ في النَّفْسِ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ؛ أعادَ الوَصِيَّةَ بِهِمْ؛ لِضَعْفِهِمْ؛ مُصَوِّرًا لِحالِهِمْ؛ مُبَيِّنًا أنَّ القَوْلَ المَعْرُوفَ هو الصَّوابُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ولْيَخْشَ﴾؛ أيْ: يُوَقِعِ الخَشْيَةَ عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ ﴿الَّذِينَ﴾ وذَكَرَ لَهم حالًا؛ هو جَدِيرٌ بِإيقاعِ الخَشْيَةِ في قُلُوبِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾؛ أيْ: شارَفُوا التَّرْكَ؛ بِمَوْتٍ؛ أوْ هَرَمٍ؛ وصَوَّرَ حالَهُمْ؛ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن خَلْفِهِمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ مَوْتِهِمْ؛ أوْ عَجْزِهِمُ العَجْزَ الَّذِي هو كَمَوْتِهِمْ؛ ﴿ذُرِّيَّةً﴾؛ أيْ: أوْلادًا؛ مِن ذُكُورٍ؛ أوْ إناثٍ؛ ﴿ضِعافًا﴾؛ أيْ: لِصِغَرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: جَوْرَ الجائِرِينَ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّصَوُّرِ في أنْفُسِهِمْ خَوْفُهم عَلى ذُرِّيَّةِ غَيْرِهِمْ؛ كَما يَخافُونَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ؛ سَواءٌ كانُوا أوْصِياءَ؛ أوْ أوْلِياءَ؛ أوْ أجانِبَ؛ وكانَ هَذا الخَوْفُ رُبَّما أدّاهم في قَصْدِ نَفْعِهِمْ إلى جَوْرٍ عَلى غَيْرِهِمْ؛ أمَرَ بِما (p-٢٠٢)يَحْفَظُهم عَلى الصِّراطِ السَّوِيِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَتَّقُوا﴾؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إرْشادًا إلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ عَظَمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فَلْيَعْدِلُوا في أمْرِهِمْ؛ لِيُقَيِّضَ اللَّهُ لَهم مَن يَعْدِلُ في ذُرِّيَّتِهِمْ؛ وإلّا أوْشَكَ أنْ يُسَلِّطَ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ مَن يَجُورُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿ولْيَقُولُوا﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾؛ أيْ: عَدْلًا؛ قاصِدًا صَوابًا؛ لِيَدُلَّ هَذا الظّاهِرُ عَلى صَلاحِ ما ائْتَمَرَهُ مِنَ الباطِنِ؛
النساء 4:10
ولَمّا طالَ التَّحْذِيرُ؛ والزَّجْرُ؛ والتَّهْوِيلُ؛ في شَأْنِ اليَتامى؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ النَّفْرَةَ مِن مُخالَطَتِهِمْ رَأْسًا؛ فَتَضِيعُ مَصالِحُهُمْ؛ وصَلَ بِذَلِكَ ما بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِالظّالِمِ؛ في سِياقٍ مُوجِبٍ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما كانَ قَدْ رَسَخَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأمْوالِهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الأكْلُ أعْظَمَ مَقاصِدِ الإنْسانِ؛ عَبَّرَ بِهِ عَنْ جَمِيعِ الأغْراضِ؛ فَقالَ: ﴿يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾؛ أيْ: أكْلًا هو في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَهو كَفِعْلِ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما زادَهُ تَأْكِيدًا؛ بِالتَّحْذِيرِ في سِياقِ الحَصْرِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ﴾؛ أيْ: في الحالِ؛ وصَوَّرَ الأكْلَ وحَقَّقَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ أيْ (p-٢٠٣)تَحْرِقُ المَعانِيَ الباطِنِيَّةَ؛ الَّتِي تَكُونُ بِها قِوامَ الإنْسانِيَّةِ؛ وبَيَّنَ أنَّها عَلى حَقِيقَتِها في الدُّنْيا؛ ولَكِنّا لا نُحِسُّها الآنَ؛ لِأنَّها غَيْرُ النّارِ المَعْهُودَةِ في الظّاهِرِ بِقَوْلِهِ - مُكَرِّرًا التَّحْذِيرَ؛ مُبَيِّنًا - بِقِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ - أنَّهم يُلْجَؤُونَ إلَيْها إلْجاءً يُصَيِّرُهم كَأنَّهم يُدْخِلُونَها بِأنْفُسِهِمْ -: ﴿وسَيَصْلَوْنَ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ - بِوَعِيدِ حَتْمٍ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ﴿سَعِيرًا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ هو نِهايَةٌ في العَظَمَةِ؛ وذَلِكَ هو مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ؛ أيْ: يُلْجِئُهم إلى صَلْيِها مُلْجِئٌ قاهِرٌ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ دِفاعٍ لَهُ.
النساء 4:11
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ تَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى بَيانِ مَقادِيرِ الِاسْتِحْقاقِ بِالإرْثِ لِكُلِّ واحِدٍ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ اسْتِحْقاقِ الرِّجالِ؛ والنِّساءِ؛ مِن غَيْرِ تَقْيِيدِ يَتِيمٍ؛ فاقْتَضَتِ البَلاغَةُ بَيانَ أُصُولِ جَمِيعِ المَوارِيثِ؛ وشِفاءَ العَلِيلِ؛ بِإيضاحِ أمْرِها؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ؛ مُؤَكِّدًا لِما أمَرَ بِهِ مِنها؛ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ مُشِيرًا إلى عَظَمَةِ هَذا العِلْمِ؛ بِالتَّقَدُّمِ في الإيصاءِ في أوَّلِ آياتِهِ؛ والتَّحْذِيرِ مِنَ الضَّلالِ في آخِرِها؛ ورَغَّبَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ بِأنَّهُ نِصْفُ العِلْمِ؛ وحَذَّرَ مِن إضاعَتِهِ بِأنَّهُ أوَّلُ عِلْمٍ يُنْزَعُ مِنَ الأُمَّةِ -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ (p-٢٠٤)العَظْمَةِ الكامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وبَدَأ بِالأوْلادِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الإنْسانِ بِهِمْ أشَدُّ؛ فَقالَ: ﴿فِي أوْلادِكُمْ﴾؛ أيْ: إذا ماتَ مُوَرِّثُهم.
ولَمّا كانَ هَذا مُجْمَلًا؛ كانَ بِحَيْثُ يُطْلَبُ تَفْسِيرُهُ؛ فَقالَ - جَوابًا لِذَلِكَ؛ بادِئًا بِالأشْرَفِ بَيانًا؛ لِفَضْلِهِ بِالتَّقْدِيمِ؛ وجَعْلِهِ أصْلًا - والتَّفْصِيلُ: ﴿لِلذَّكَرِ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ إذا كانَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإناثِ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ مانِعٌ مِن قَتْلٍ؛ ولا مُخالَفَةِ دِينٍ؛ ونَحْوِهِ؛ ﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أيْ: نَصِيبٌ؛ مِن شَأْنِهِ أنْ يُغْنِيَ؛ ويُسْعِدَ؛ وهو الثُّلُثانِ؛ إذا انْفَرَدَتا؛ فَلِلْواحِدَةِ مَعَهُ الثُّلُثُ؛ فَأثْبَتَ - سُبْحانَهُ - لِلْإناثِ حَظًّا؛ تَغْلِيظًا لَهم في مَنعِهِنَّ مُطْلَقًا؛ ونَقْصَهُنَّ عَنْ نَصِيبِ الرِّجالِ؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم أصابُوا في نَفْسِ الحُكْمِ؛ بِإنْزالِهِنَّ عَنْ دَرَجَةِ الرِّجالِ.
ولَمّا بانَ سَهْمُ الذَّكَرِ؛ مَعَ الأُنْثى؛ بِعِبارَةِ النَّصِّ؛ وأشْعَرَ ذَلِكَ بِأنْ لَهُنَّ إرْثًا في الجُمْلَةِ؛ وعِنْدَ الِاجْتِماعِ مَعَ الذَّكَرِ؛ وفُهِمَ بِحَسَبِ إشارَةِ النَّصِّ - وهي ما ثَبَتَ بِنَظْمِهِ؛ لَكِنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ؛ ولا سَبَقَ لَهُ النَّصُّ - حُكْمُ الأُنْثَيَيْنِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُما ذَكَرٌ؛ وهو أنَّ لَهُما الثُّلُثَيْنِ؛ وكانَ ذَلِكَ أيْضًا مُفْهِمًا لِأنَّ الواحِدَةَ إذا كانَ لَها مَعَ الأخِ الثُّلُثُ؛ كانَ لَها ذَلِكَ مَعَ الأُخْتِ؛ إذا لَمْ يَكُنْ ثَمَّ ذَكَرٌ مِن بابِ الأوْلى؛ (p-٢٠٥)فاقْتَضى ذَلِكَ أنَّهُنَّ إذا كُنَّ ثَلاثًا؛ أوْ أكْثَرَ؛ لَيْسَ مَعَهُنَّ ذَكَرٌ؛ اسْتَغْرَقْنَ التَّرِكَةَ؛ وإنْ كانَتْ واحِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها ذَكَرٌ؛ لَمْ تَزِدْ عَلى الثُّلُثِ؛ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما تَقَدَّمَ – بِقَوْلِهِ - مُبَيِّنًا إرْثَهُنَّ حالَ الِانْفِرادِ -: ﴿فَإنْ كُنَّ﴾؛ أيْ: الوارِثاتُ؛ ﴿نِساءً﴾؛ أيْ: إناثًا؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُحْمَلُ عَلى أقَلِّ الجَمْعِ؛ وهو اثْنَتانِ؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ حَقَّقَ؛ ونَفى هَذا الِاحْتِمالَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؛ أيْ: لا ذَكَرَ مَعَهُنَّ؛ ﴿فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾؛ أيْ: المَيِّتُ؛ لا أزْيَدَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ؛ ﴿وإنْ كانَتْ﴾؛ أيْ: الوارِثَةُ؛ ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: مُنْفَرِدَةً؛ لَيْسَ مَعَها غَيْرُها؛ ﴿فَلَها النِّصْفُ﴾؛ أيْ: فَقَطْ؛ ولَمّا قَدَّمَ الإيصاءَ بِالأوْلادِ لِضَعْفِهِمْ؛ إذا كانُوا صِغارًا؛ وكانَ الوالِدُ أقْرَبَ النّاسِ إلى الوَلَدِ؛ وأحَقَّهم بِصِلَتِهِ؛ وأشَدَّهُمُ اتِّصالًا بِهِ أتْبَعَهُ حُكْمَهُ؛ فَقالَ: ﴿ولأبَوَيْهِ﴾؛ أيْ: المَيِّتِ؛ ثُمَّ فَصَّلَ بَعْدَ أنْ أجْمَلَ؛ لِيَكُونَ الكَلامُ آكَدَ؛ ويَكُونَ سامِعُهُ إلَيْهِ أشْوَقَ؛ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا بِتَكْرِيرِ العامِلِ -: ﴿لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما﴾؛ أيْ: أبِيهِ؛ وأُمِّهِ؛ اللَّذَيْنِ ثُنِّيا بِـ ”أبَوَيْنِ“؛ (p-٢٠٦)﴿السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿إنْ كانَ لَهُ﴾؛ أيْ: المَيِّتِ؛ ﴿ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرٌ؛ فَإنْ كانَتْ أُنْثى؛ أخَذَ الأبُ السُّدُسَ فَرْضًا؛ والباقِي بَعْدَ الفُرُوضِ؛ حَقَّ عُصُوبَةٍ.
ولَمّا بَيَّنَ حُكْمَهُما مَعَ الأوْلادِ؛ تَلاهُ بِحالَةِ فَقْدِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ﴾؛ أيْ: ذَكَرٌ؛ ولا أُنْثى؛ ﴿ووَرِثَهُ أبَواهُ﴾؛ أيْ: فَقَطْ؛ ﴿فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾؛ أيْ: ولِلْأبِ الباقِي؛ لِأنَّ الفَرْضَ أنَّهُ لا وارِثَ لَهُ غَيْرُهُما؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”هَذا مَعَ فَقْدِ الإخْوَةِ أيْضًا“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾؛ أيْ: اثْنانِ فَصاعِدًا؛ ذُكُورًا؛ أوْ لا؛ مَعَ فَقْدِ الأوْلادِ؛ ﴿فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ الإخْوَةَ يُنْقِصُونَها عَنِ الثُّلُثِ إلَيْهِ؛ والباقِي لِلْأبِ؛ ولا شَيْءَ لَهُمْ؛ وأمّا الأُخْتُ الواحِدَةُ؛ فَإنَّها لا تُنْقِصُها إلى السُّدُسِ؛ سَواءٌ كانَتْ وارِثَةً؛ أوْ لا؛ وكَذا الأخُ إذا كانَ واحِدًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا كُلَّهُ بَعْدَ إخْراجِ الوَصِيَّةِ؛ والدَّيْنِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ سَبَقَ فِيهِ حَقُّ المَيِّتِ؛ الَّذِي جَمَعَ المالَ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾؛ أيْ: كَما مَندُوبٌ لِكُلِّ مَيِّتٍ؛ وقَدَّمَها في الوَضْعِ عَلى ما هو مُقَدَّمٌ عَلَيْها في الشَّرْعِ؛ بَعْثًا عَلى أدائِها؛ لِأنَّ أنْفُسَ الوَرَثَةِ تَشِحُّ بِها؛ لِكَوْنِها مِثْلَ مُشارَكَتِهِمْ في الإرْثِ؛ لِأنَّها بِلا عِوَضٍ؛ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾؛ أيْ: إنْ كانَ (p-٢٠٧)عَلَيْهِ دَيْنٌ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَرى أنَّ بَعْضَ أقْرِبائِهِ مِن أُصُولِهِ؛ أوْ فُصُولِهِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ أنْفَعُ لَهُ؛ فَأحَبَّ تَفْضِيلَهُ؛ فَتَعَدّى هَذِهِ الحُدُودَ؛ لِما رَآهُ؛ وكانَ ما رَآهُ خِلافَ الحَقِّ في الحالِ؛ أوْ في المَآلِ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) هو المُسْتَأْثِرَ بِعِلْمِ ذَلِكَ؛ ولِهَذا قالَ ﷺ: «”أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما؛ عَسى أنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا ما“؛» الحَدِيثَ؛ لِأنَّ القُلُوبَ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ؛ يُقَلِّبُها كَيْفَ شاءَ؛ قالَ (تَعالى) حاثًّا عَلى لُزُومِ ما حَدَّهُ؛ مُؤَكِّدًا بِالجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ - كَما هو الشَّأْنُ في كُلِّ اعْتِراضٍ - لِأنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مُخالِفَةٌ لِما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ؛ وهي عَلى وُجُوهٍ؛ لا تُدْرَكُ عِلَلُها: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ فَصَّلْنا لَكم إرْثَهم عَلى ما ذَكَرْنا؛ ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا إحاطَةَ لَكم في عِلْمٍ؛ ولا قُدْرَةٍ؛ فَلَوْ وُكِلَ الأمْرُ في القِسْمَةِ إلَيْكم لَما وضَعْتُمُ الأُمُورَ في أحْكَمِ مَواضِعِها.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الإرْثَ عَلى ما حَدَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مُؤَكِّدًا لَهُ بِلَفْظِ الوَصِيَّةِ؛ وزادَهُ تَأْكِيدًا بِما جَعَلَهُ اعْتِراضًا بَيْنَ الإيصاءِ؛ وبَيْنَ ”فَرِيضَةٍ“؛ بَيَّنَ أنَّهُ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ؛ الَّذِي مَن تَرَكَهُ عَصى؛ فَقالَ - ذاكِرًا مَصْدَرًا (p-٢٠٨)مَأْخُوذًا مِن مَعْنى الكَلامِ -: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ثُمَّ زادَهم حَثًّا عَلى ذَلِكَ ورَغْبَةً فِيهِ؛ بِقَوْلِهِ - تَعْلِيلًا لِفَرِيضَتِهِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا؛ وعَلى هَذا الوَجْهِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ لِأنَّ وُجُودَهُ لا يَتَفاوَتُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمانٌ؛ ولا يَحْوِيهِ مَكانٌ؛ لِأنَّهُ خالِقُهُما؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِالعَواقِبِ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: فَوَضَعَ لَكم هَذِهِ الأحْكامَ؛ عَلى غايَةِ الإحْكامِ؛ في جَلْبِ المَنافِعِ لَكُمْ؛ ودَفْعِ الضُّرِّ عَنْكُمْ؛ ورَتَّبَها - سُبْحانَهُ وتَعالى - أحْسَنَ تَرْتِيبٍ؛ فَإنَّ الوارِثَ يَتَّصِلُ بِالمَيِّتِ تارَةً بِواسِطَةٍ؛ وهو الكَلالَةُ؛ وأُخْرى بِلا واسِطَةٍ؛ وهَذا تارَةً يَكُونُ بِنَسَبٍ؛ وتارَةً بِصِهْرٍ ونَسَبٍ؛ فَقَدَّمَ ما هو بِلا واسِطَةٍ؛ لِشِدَّةٍ قُرْبِهِ؛ وبَدَأ مِنهُ بِالنَّسَبِ؛ لِقُوَّتِهِ؛ وبَدَأ مِنهم بِالوَلَدِ؛ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِهِ.
النساء 4:12
ولَمّا كانَ الإرْثُ بِالمُصاهَرَةِ أضْعَفَ مِنَ الإرْثِ بِالقَرابَةِ؛ ذَكَرَهُ بَعْدَهُ؛ وقَدَّمَهُ عَلى الإرْثِ بِقَرابَةِ الأُخُوَّةِ؛ تَعْرِيفًا بِالِاهْتِمامِ بِهِ؛ ولِأنَّهُ بِلا واسِطَةٍ؛ وقَدَّمَ مِنهُ الرَّجُلَ؛ لِأنَّهُ أفْضَلُ؛ فَقالَ: ﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ شَرْطَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: مِنكُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِكُمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الحُكْمَ عَلى التَّقْدِيرِ الآخَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ﴾؛ أيْ: وارِثٌ؛ وإنْ سَفَلَ؛ سَواءٌ كانَ ابْنًا؛ أوْ بِنْتًا؛ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾؛ أيْ: (p-٢٠٩)تَرَكَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ ويُغَسِّلُها الزَّوْجُ؛ لِأنَّ اللَّهَ أضافَها إلَيْهِ بِاسْمِ الزَّوْجِيَّةِ؛ والأصْلُ الحَقِيقَةُ؛ ولا يَضُرُّ حُرْمَةَ جِماعِها بَعْدَ المَوْتِ؛ وحِلُّ نِكاحِ أُخْتِها؛ وأرْبَعٍ سِواها؛ لِأنَّ ذَلِكَ لِفَقْدِ المُقْتَضِي؛ أوِ المانِعِ؛ وهو الحَياةُ؛ وذَلِكَ لا يَمْنَعُ عَلَقَةَ النِّكاحِ المُبِيحِ لِلْغُسْلِ - كَما لَمْ يَمْنَعْها لِأجْلِ العِدَّةِ لَوْ كانَ الفِراقُ بِالطَّلاقِ -؛ ثُمَّ كَرَّرَ حُكْمَ الوَصِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها﴾؛ أيْ: الأزْواجُ؛ أوْ بَعْضُهُنَّ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ الوَصِيَّةَ أمْرٌ عَظِيمٌ؛ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُسْتَحْضَرًا في الذِّهْنِ؛ غَيْرَ مَغْفُولٍ عَنْهُ؛ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ ﴿أوْ دَيْنٍ﴾
ولَمّا بَيَّنَ إرْثَ الرَّجُلِ؛ أتْبَعَهُ إرْثَها؛ فَقالَ - مُعْلِمًا أنَّهُ عَلى النِّصْفِ مِمّا لِلزَّوْجِ - كَما مَضى في الأوْلادِ -: ﴿ولَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَدَدًا كُنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ أيْ: يَشْتَرِكْنَ فِيهِ؛ عَلى السَّواءِ؛ إنْ كُنَّ عَدَدًا؛ وتَنْفَرِدُ بِهِ الواحِدَةُ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُها؛ ثُمَّ بَيَّنَ شَرْطَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ حُكْمَ القِسْمِ الآخَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ﴾؛ أيْ: (p-٢١٠)وارِثٌ؛ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾؛ كَما تَقَدَّمَ في الرُّبُعِ؛ ثُمَّ كَرَّرَ الخُرُوجَ عَنْ حَقِّ المُوَرِّثِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾
ولَمّا فَرَغَ مِن قِسْمَيْ ما اتَّصَلَ بِالمَيِّتِ بِلا واسِطَةٍ؛ أتْبَعَهُ الثّالِثَ؛ وهو ما اتَّصَلَ بِواسِطَةٍ؛ ولَمّا كانَ قِسْمَيْنِ - لِأنَّهُ تارَةً يَتَّصِلُ مِن جِهَةِ الأُمِّ فَقَطْ؛ وهُمُ الأخْيافُ؛ أُمُّهم واحِدَةٌ وآباؤُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبِ فَقَطْ؛ وهُمُ العِلّاتُ؛ أبُوهم واحِدٌ وأُمَّهاتُهم شَتّى؛ وتارَةً مِن جِهَةِ الأبَوَيْنِ؛ وهُمُ الأعْيانُ - وكانَتْ قَرابَةُ الأُخُوَّةِ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ البُنُوَّةِ؛ أكَّدَها بِما يَقْتَضِيهِ حالُها؛ فَجَعَلَها في قِصَّتَيْنِ؛ ذَكَرَ إحْداهُما هُنا؛ إدْخالًا لَها في حُكْمِ الوَصِيَّةِ المَفْرُوضَةِ؛ وخَتَمَ بِالأُخْرى السُّورَةَ؛ لِأنَّ الخِتامَ مِن مَظِنّاتِ الِاهْتِمامِ.
ولَمّا كانَتْ قَرابَةُ الأُمُّ أضْعَفَ مِن قَرابَةِ الأبِ؛ قَدَّمَها هُنا؛ دَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ بِشَأْنِها؛ وأنَّ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِن حِرْمانِ الإناثِ خَطَأٌ؛ وجَوْرٌ عَنْ مِنهاجِ العَدْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ كانَ﴾؛ أيْ: وُجِدَ؛ ﴿رَجُلٌ يُورَثُ﴾؛ أيْ: مَن وُرِثَ حالَ كَوْنِهِ؛ ﴿كَلالَةً﴾؛ أيْ: ذا حالَةٍ لا ولَدَ لَهُ فِيها؛ ولا والِدَ؛ أوْ يَكُونُ ”يُورَثُ“؛ مِن ”أُورِثَ“؛ بِمَعْنى أنَّ إرْثَ الوارِثِ بِواسِطَةِ مَن ماتَ كَذَلِكَ؛ لا هو ولَدٌ لِلْمَيِّتِ؛ ولا والِدٌ؛ (p-٢١١)ووارِثُهُ أيْضًا كَلالَةٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِوالِدٍ؛ ولا ولَدٍ؛ فالمُوَرِّثُ كَلالَةُ وارِثِهِ؛ والوارِثُ كَلالَةُ مُوَرِّثِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”رَجُلٌ كَلالَةٌ“؛ و”امْرَأةٌ كَلالَةٌ“؛ و”قَوْمٌ كَلالَةٌ“؛ لا يُثَنّى؛ ولا يُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ؛ كَـ ”الدَّلالَةُ“؛ و”الوَكالَةُ“؛ وهو بِمَعْنى ”الكَلالُ“؛ وهو ذَهابُ القُوَّةِ مِنَ الإعْياءِ؛ وقَدْ تُطْلَقُ الكَلالَةُ عَلى القَرابَةِ مِن غَيْرِ جِهَةِ الوَلَدِ؛ والوالِدِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: ما ورِثَ المَجْدَ عَنْ كَلالَةٍ؛ ﴿أوْ﴾؛ وُجِدَتْ؛ ﴿امْرَأةٌ﴾؛ أيْ: تُورَثُ كَذَلِكَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُورَثُ“؛ صِفَةً؛ و”كَلالَةً“؛ خَبَرَ ”كانَ“؛ ﴿ولَهُ﴾؛ أيْ: لِلْمَذْكُورِ؛ وهو المَوْرُوثُ؛ عَلى أيِّ الحالَتَيْنِ كانَ؛ ولَمّا كانَ الإدْلاءُ بِمَحْضِ الأُنُوثَةِ يَسْتَوِي بَيْنَ الذَّكَرِ والأُنْثى؛ لِضَعْفِها؛ قالَ ﴿أخٌ أوْ أُخْتٌ﴾؛ أيْ: مِنَ الأُمِّ - بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ؛ وهي قِراءَةُ أُبَيٍّ؛ وسَعْدِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ﴿فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ﴾؛ أيْ: مِن تَرِكَتِهِ؛ مِن غَيْرِ فَضْلٍ لِلذَّكَرِ عَلى الأُنْثى.
ولَمّا أفْهَمُ ذَلِكَ - أيْ: بِتَحْوِيلِ العِبارَةِ المَذْكُورَةِ؛ مِن أنْ يُقالَ: ”فَلَهُ السُّدُسُ“ - أنَّهُما إنْ كانا مَعًا كانَ لَهُما الثُّلُثُ؛ وكانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْهَمُ أنَّهُ (p-٢١٢)إنْ زادَ وارِثُهُ زادَ الإرْثُ عَنِ الثُّلُثِ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانُوا﴾؛ أيْ: ما أفْهَمَهُ ”أخٌ أوْ أُخْتٌ“؛ مِنَ الوُرّاثِ مِنهُمْ؛ ﴿أكْثَرَ مِن ذَلِكَ﴾؛ أيْ: واحِدٍ؛ كَيْفَ كانُوا؛ ﴿فَهم شُرَكاءُ﴾؛ أيْ: بِالسَّوِيَّةِ؛ ﴿فِي الثُّلُثِ﴾؛ أيْ: المُجْتَمِعِ مِنَ السُّدُسَيْنِ؛ اللَّذَيْنِ تَقَدَّمَ أنَّهُما بَيْنَهُما؛ لا يُزادُونَ عَلى ذَلِكَ شَيْئًا؛ ثُمَّ كَرَّرَ الحَثَّ عَلى مَصْلَحَةِ المَيِّتِ؛ بَيانًا لِلِاهْتِمامِ بِها؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصى بِها أوْ دَيْنٍ﴾
ولَمّا كانَ المَيِّتُ قَدْ يُضارُّ ورَثَتُهُ؛ أوْ بَعْضُهُمْ؛ بِشَيْءٍ يُخْرِجُهُ عَنْهُمْ؛ ظاهِرًا أوْ باطِنًا؛ كَأنْ يُقِرَّ بِمالِهِ لِأجْنَبِيٍّ؛ أوْ بِدَيْنٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ أوْ بِدَيْنٍ كانَ لَهُ؛ بِأنَّهُ اسْتَوْفاهُ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِالزَّجْرِ عَنْ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ﴾؛ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى ذَلِكَ أوَّلَ القِصَّةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾ [النساء: ١١]؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: والإضْرارُ في الوَصِيَّةِ مِنَ الكَبائِرِ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مَصْدَرًا - لِيُوصِيَكم -: ﴿وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مَعَ تَأْكِيدِهِ بِجَمِيعِ ما في الآياتِ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِاكْتِنافِ الوَصِيَّةِ بِأوَّلِها؛ وآخِرِها؛ وهو دُونَ الفَرِيضَةِ في حَقِّ الأوْلادِ؛ لِأنَّ حَقَّهم آكَدُ.
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - الأُصُولَ؛ وفَصَلَ النِّزاعَ؛ وكانَ ذَلِكَ خِلافَ مَأْلُوفِهِمْ؛ (p-٢١٣)وكانَ الفِطامُ عَنِ المَأْلُوفِ في الذِّرْوَةِ مِنَ المَشَقَّةِ؛ اقْتَضى الحالُ الوَعْظَ بِالتَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ فَخَتَمَ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى عَظِيمِ الوَصِيَّةِ كَرَّرَ هَذا الِاسْمَ الأعْظَمَ في جَمِيعِ القِصَّةِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أمْرُ مَن خالَفَ؛ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ؛ نِيَّةٍ أوْ غَيْرِها؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ فَهو مِن شَأْنِهِ ألّا يُعاجِلَ بِالعُقُوبَةِ؛ فَلا يُغْتَرَّ بِإمْهالِهِ؛ فَإنَّهُ إذا أخَذَ بَعْدَ طُولِ الأناةِ لَمْ يُفْلِتْ؛ فاحْذَرُوا غَضَبَ الحَلِيمِ؛ وفي الوَصْفَيْنِ مَعَ التَّهْدِيدِ اسْتِجْلابٌ لِلتَّوْبَةِ.
النساء 4:13
ولَمّا كانَ فَطْمُ أنْفُسِهِمْ عَنْ مَنعِ الأطْفالِ؛ والنِّساءِ؛ شَدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ لِمُرُونِهِمْ عَلَيْهِ؛ بِمُرُورِ الدُّهُورِ الطَّوِيلَةِ عَلى إطْباقِهِمْ عَلى فِعْلِهِ؛ واسْتِحْسانِهِمْ لَهُ؛ أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - التَّرْغِيبَ؛ والتَّرْهِيبَ؛ لِئَلّا يُغْتَرَّ بِوَصْفِ الحَلِيمِ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لِلْأمْرِ بِأداةِ البُعْدِ؛ ومُشِيرًا إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المَوارِيثِ؛ والنِّساءِ؛ واليَتامى؛ وغَيْرِهِ -: ﴿تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الحُدُودُ الجَلِيلَةُ النَّفْعِ؛ العَظِيمَةُ الجَدْوى؛ المَذْكُورَةُ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ بَلْ مِن أوَّلِ القُرْآنِ؛ ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ فَمَن راعاها - ولَوْ لَمْ يَقْصِدْ (p-٢١٤)طاعَتَهُ؛ بَلْ رَفْعًا لِنَفْسِهِ عَنْ دَناءَةِ الإخْلادِ إلى الفانِي؛ ومَعَرَّةِ الِاسْتِئْثارِ عَلى الضَّعِيفِ؛ المُنْبِئِ عَنِ البُخْلِ؛ وسُفُولِ الهِمَّةِ - نالَ خَيْرًا كَبِيرًا؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجُرَّهُ ذَلِكَ إلى أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُطِيعُ اللَّهَ؛ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾؛ الحائِزَ لِصِفَتَيِ الجَلالِ؛ والإكْرامِ؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ طاعاتِهِ؛ هَذِهِ وغَيْرِها؛ بِالإقْبالِ عَلَيْها؛ وتَرْكِ ما سِواها لِأجْلِهِ - سُبْحانَهُ -؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”مَن“؛ عامٌّ؛ ووُقُوعُهُ عُقَيْبَ هَذِهِ التَّكالِيفِ الخاصَّةِ لا يُخَصِّصُهُ”.
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ بِكُلِّيَّتِهِ إلى الخَبَرِ؛ التَفَتَ إلَيْهِ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ - عَلى قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ بِالنُّونِ - فَقالَ:“نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ"؛ أيْ: بَساتِينَ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالياءِ عَظِيمَةٌ أيْضًا؛ لِبِنائِها عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَتْ هَذِهِ أشَدَّ تَنْشِيطًا بِلَذَّةِ الِالتِفاتِ؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ أرْضَها مَعْدِنُ المِياهِ؛ فَفي أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ جَرى نَهْرٌ؛ فَهي لا تَزالُ يانِعَةً غَضَّةً؛ وجَمَعَ الفائِزِينَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ تَبْشِيرًا بِكَثْرَةِ الواقِفِ عِنْدَ هَذِهِ الحُدُودِ؛ ولِأنَّ مُنادَمَةَ الإخْوانِ مِن أعْلى نَعِيمِ الجِنانِ. (p-٢١٥)ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهم بِالإرْثِ عَنِ النِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الفَوْزِ عِنْدَهُمْ؛ بَلْ لَمْ يَكُنِ الفَوْزُ العَظِيمُ عِنْدَهم إلّا الِاحْتِواءَ عَلى الأمْوالِ؛ وبُلُوغَ ما في البالِ مِنها مِنَ الآمالِ؛ قالَ (تَعالى) - مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ -: ﴿وذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي المَرْتَبَةِ؛ مِنَ الطّاعَةِ المَندُوبِ إلَيْها؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ مِنَ الِاحْتِواءِ عَلى ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؛ وهَذا أنْسَبُ شَيْءٍ لِتَقْدِيمِ التَّرْغِيبِ؛ لِتَسْمَحَ نُفُوسُهم بِتَرْكِ ما كانُوا فِيهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلَطُّفِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ والتَّبْشِيرِ لَهُ ﷺ بِأنَّها مُطِيعَةٌ راشِدَةٌ.
النساء 4:14
ولَمّا أُشْرِبَتِ القُلُوبُ الصّافِيَةُ؛ ذَواتُ الهِمَمِ العالِيَةِ؛ حُبَّ نَيْلِ هَذا الفَوْزِ أتْبَعَهُ التَّرْهِيبَ؛ فَطْمًا لَها عَنْ تِلْكَ الفَوائِدِ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿ورَسُولَهُ﴾؛ أيْ: في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾؛ أيْ: الَّتِي حَدَّها في هَذِهِ الأحْكامِ؛ وغَيْرِها؛ وأفْرَدَ العاصِي في النِّيرانِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾؛ لِأنَّ الِانْفِرادَ المُقْتَضِيَ لِلْوَحْشَةِ مِنَ العَذابِ والهَوانِ؛ ولَمّا كانَ مَنعُهم لِلنِّساءِ؛ والأطْفالِ؛ مِنَ الإرْثِ اسْتِهانَةً بِهِمْ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾
النساء 4:15
ولَمّا تَقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في الإيصاءِ بِالنِّساءِ؛ وكانَ الإحْسانُ في الدُّنْيا تارَةً يَكُونُ بِالثَّوابِ؛ وتارَةً يَكُونُ بِالزَّجْرِ والعِتابِ؛ لِأنَّ مَدارَ الشَّرائِعِ عَلى العَدْلِ والإنْصافِ؛ والِاحْتِرازِ في كُلِّ بابٍ عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ (p-٢١٦)والتَّفْرِيطِ؛ وخَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِإهانَةِ العاصِي؛ إحْسانًا إلَيْهِ؛ بِكَفِّهِ عَنِ الفَسادِ؛ لِئَلّا يُلْقِيَهُ ذَلِكَ إلى الهَلاكِ أبَدَ الآبادِ؛ وكانَ مِن أفْحَشِ العِصْيانِ الزِّنا؛ وكانَ الفَسادُ في النِّساءِ أكْثَرَ؛ والفِتْنَةُ بِهِنَّ أكْبَرَ؛ والضَّرَرُ مِنهُنَّ أخْطَرَ؛ وقَدْ يُدْخِلْنَ عَلى الرِّجالِ مَن يَرِثُ مِنهم مِن غَيْرِ أوْلادِهِمْ؛ قَدَّمَهُنَّ فِيهِ؛ اهْتِمامًا بِزَجْرِهِنَّ؛ فَقالَ: ﴿واللاتِي﴾؛ وهو جَمْعُ ”الَّتِي“؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ فِيهِنَّ بِالجَمْعِ إشارَةً إلى كَثْرَتِهِنَّ - كَما أشارَ إلى ذَلِكَ: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]؛ وإلى كَثْرَةِ الفَسادِ مِنهُنَّ؛ ﴿يَأْتِينَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلْنَ - مِن إطْلاقِ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ؛ والتَّعْبِيرُ بِهِ أبْلَغُ - ﴿الفاحِشَةَ﴾؛ أيْ: الفِعْلَةَ الشَّدِيدَةَ الشَّناعَةِ؛ وفي الآيَةِ - لِأنَّ مِن أعْظَمِ المُراداتِ بِنَظْمِها؛ عَقِبَ آياتِ الإرْثِ؛ وما تَقَدَّمَها؛ الِاحْتِياطَ لِلنَّسَبِ - إشارَةٌ - بِذِكْرِ عُقُوبَةِ الزّانِيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإرْثِ الوَلَدِ الآتِي مِنها - إلى أنَّ الوَلَدَ لِلْفِراشِ؛ وأنَّهُ لا يُنْفى بِالمَظِنَّةِ؛ بَلْ بَعْدَ التَّحَقُّقِ؛ عَلى ما في سُورَةِ ”النُّورِ“؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الزِّنا نَفْيُهُ؛ وكَوْنُهُ مِنَ الزِّنا؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ في ”النَّهْرُ“: ”والفاحِشَةُ هُنا الزِّنا؛ بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ؛ إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُجاهِدٌ؛ وتَبِعَهُ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ؛ مِن أنَّها المُساحَقَةُ؛ ومِنَ الرِّجالِ اللِّواطُ“؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَوْصُولَ؛ بِقَوْلِهِ: (p-٢١٧)﴿مِن نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: الحَرائِرِ؛ ﴿فاسْتَشْهِدُوا﴾؛ أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تُشْهِدُوا؛ ﴿عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً﴾؛ مِنَ الرِّجالِ.
ولَمّا كانَ (تَعالى) قَدْ جَعَلَ هَذِهِ الأُمَّةَ وسَطًا؛ يُقْبِلُونَ عَلى غَيْرِهِمْ؛ ولا يُقْبِلُ غَيْرُهم عَلَيْهِمْ؛ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ؛ بِأنَّهُنَّ فَعَلْنَها؛ ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ ﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾؛ أيْ: فاحْبِسُوهُنَّ؛ ﴿فِي البُيُوتِ﴾؛ أيْ: وامْنَعُوهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أصْوَنُ لَهُنَّ؛ ولْيَسْتَمِرَّ هَذا المَنعُ؛ ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ﴾؛ أيْ: يَأْتِيَهُنَّ وهُنَّ وافِياتِ الأعْراضِ؛ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ المُحِيطُ عِلْمُهُ وحِكْمَتُهُ؛ ﴿لَهُنَّ سَبِيلا﴾؛ أيْ: لِلْخُرُوجِ قَبْلَ المَوْتِ؛ بِتَبَيُّنِ الحَدِّ؛ أوْ بِالنِّكاحِ؛ وإنْ لَمْ يَشْهَدِ الأرْبَعَةُ لَمْ يُفْعَلْ بِهِنَّ ذَلِكَ؛ وإنْ تَحَقَّقَ الفِعْلُ.
النساء 4:16
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ النِّساءِ؛ أتْبَعَهُ حُكْمَ الرِّجالِ؛ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ النِّساءَ أيْضًا؛ فَقالَ: ﴿واللَّذانِ﴾؛ وهو تَثْنِيَةُ ”الَّذِي“؛ وشَدَّدَ نُونَهُ ابْنُ كَثِيرٍ؛ تَقْوِيَةً لَهُ؛ لِيَقْرُبَ مِنَ الأسْماءِ المُتَمَكِّنَةِ؛ ﴿يَأْتِيانِها مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بِكْرٍ؛ أوْ ثَيِّبٍ؛ أوْ رَجُلٍ؛ أوِ امْرَأةٍ؛ ويَثْبُتُ ذَلِكَ بِشَهادَةِ الأرْبَعَةِ - كَما تَقَدَّمَ؛ ﴿فَآذُوهُما﴾؛ وقَدْ بَيَّنَ مُجْمَلَ الأذى الصّادِقِ بِاللِّسانِ؛ وغَيْرِهِ؛ آيَةُ الجَلْدِ؛ وسُنَّةُ الرَّجْمِ؛ ﴿فَإنْ تابا﴾؛ أيْ: بِالنَّدَمِ؛ والإقْلاعِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ؛ ﴿وأصْلَحا﴾ (p-٢١٨)؛ أيْ: بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما عَزَما عَلَيْهِ؛ ومَضَتْ مُدَّةٌ عُلِمَ فِيها الصِّدْقُ في ذَلِكَ؛ ﴿فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾؛ أيْ: عَنْ أذاهُما؛ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الأذى بِاللِّسانِ يَسْتَمِرُّ حَتّى يَحْصُلَ الِاسْتِبْراءُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ تَوّابًا﴾؛ أيْ: رَجّاعًا بِمَن رَجَعَ عَنْ عِصْيانِهِ إلى ما كانَ فِيهِ مِنَ المَنزِلَةِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: يَخُصُّ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ لَهُ؛ فَتَخَلَّقُوا بِفِعْلِهِ - سُبْحانَهُ - وارْحَمُوا المُذْنِبِينَ إذا تابُوا؛ ولا يَكُنْ أذاكم لَهم إلّا لِلَّهِ؛ لِيَرْجِعُوا؛ ولْيَكُنْ أكْثَرُ كَلامِكم لَهُمُ الوَعْظَ بِما يُقْبِلُ بِقُلُوبِهِمْ إلى ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ؛ ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهَذا البِكْرُ والثَّيِّبُ؛ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ تَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ والأرْبَعَةُ؛ والدّارِمِيُّ؛ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا؛ البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ وتَغْرِيبُ عامٍ؛ والثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ؛ والرَّجْمُ“؛» فالحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِما أُجْمِلَ في الآيَةِ؛ مِن ذِكْرِ السَّبِيلِ.
النساء 4:17
ولَمّا خَتَمَ ذَلِكَ بِذِكْرِ تَوْبَةِ الزُّناةِ؛ وكانَ الحامِلُ عَلى الزِّنا - عَلى ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ - شِدَّةَ الشَّبَقِ؛ وقِلَّةَ النَّظَرِ في العَواقِبِ؛ وكانَ (p-٢١٩)ذَلِكَ إنَّما هو في الشَّبابِ؛ وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُعَرِّفًا بِوَقْتِ التَّوْبَةِ؛ وشَرْطِها؛ مُرَغِّبًا في تَعْجِيلِها؛ مُرَهِّبًا مِن تَأْخِيرِها -: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ﴾؛ وهي رُجُوعُ العَبْدِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ اعْتِذارًا إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ والمُرادُ هُنا قَبُولُها؛ سَمّاهُ بِاسْمِها لِأنَّها بِدُونِ القَبُولِ لا نَفْعَ لَها؛ فَكَأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لَها.
ولَمّا شَبَّهَ قَبُولَهُ لَها بِالواجِبِ مِن حَيْثُ إنَّهُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ المُؤْذِنِ بِالوُجُوبِ؛ حَثًّا عَلَيْها؛ وتَرْغِيبًا فِيها؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ﴾؛ أيَّ سُوءٍ كانَ؛ مِن فِسْقٍ أوْ كُفْرٍ؛ وقالَ: ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ قُبْحِ العِصْيانِ؛ لا سِيَّما الزِّنا؛ مِنَ المَشايِخِ؛ لِإشْعارِ السِّياقِ تَرْهِيبًا بِأنَّ الأمْرَ فِيهِمْ لَيْسَ كَذَلِكَ - كَما صَرَّحَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ البَزّارُ بِإسْنادٍ جَيِّدٍ؛ عَنْ سَلْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «”ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: الشَّيْخُ الزّانِي؛ والإمامُ الكَذّابُ؛ والعائِلُ المَزْهُوُّ“؛» وهو في مُسْلِمٍ؛ وغَيْرِهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ ولا يُزَكِّيهِمْ؛ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ: شَيْخٌ زانٍ؛ ومَلِكٌ كَذّابٌ؛ وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“؛» وهو عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ حُضُورَ المَوْتِ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ؛ مِنَ الفِعْلِ؛ (p-٢٢٠)وإضْعافِ القُوى المُوهِنَةِ لِداعِيَةِ الشَّهْوَةِ؛ قَرِيبٌ مِن حُضُورِهِ بِالفِعْلِ؛ وذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُذْهِبًا لِداعِيَةِ الجَهْلِ؛ ماحِقًا لِعِرامَةِ الشَّبابِ؛ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المُرادَ بِالجَهالَةِ ضِدُّ الحِلْمِ؛ أوْ ضِدُّ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ؛ في كِتابِهِ ”الواعِي“: قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي القَزّازَ -: والجاهِلِيَّةُ الجَهْلاءُ: اسْمٌ وقَعَ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ؛ يَكُونُ مَأْخُوذًا مِنَ الجَهْلِ؛ الَّذِي هو ضِدُّ العِلْمِ؛ والَّذِي هو ضِدُّ الحِلْمِ؛ قالَ: وأصْلُ الجَهْلِ مِن قَوْلِهِمْ: ”اسْتَجْهَلَتِ الرِّيحُ الغُصْنَ“؛ إذا حَرَّكَتْهُ؛ فَكَأنَّ الجَهْلَ إنَّما هو حَرَكَةٌ تَخْرُجُ عَنِ الحَقِّ؛ والعِلْمِ؛ انْتَهى؛ فالمَعْنى حِينَئِذٍ: يَعْمَلُونَ السُّوءَ مُلْتَبِسِينَ بِسَفَهٍ؛ أوْ بِحَرَكَةٍ؛ وخِفَّةٍ أخْرَجَتْهم عَنِ الحَقِّ والعِلْمِ؛ فَكانُوا كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ بِعَمَلِهِمْ عَمَلَ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ وزادَ في التَّنْفِيرِ مِن مُواقَعَةِ السُّوءِ؛ والتَّحْذِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ التَّوْبَةَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ التَّرْغِيبَ فِيها؛ ولَوْ قَصُرَ زَمَنُها بِمُعاوَدَةِ الذَّنْبِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ زَمانٍ؛ ﴿قَرِيبٍ﴾؛ أيْ: مِن زَمَنِ المَعْصِيَةِ؛ وهم في فُسْحَةٍ مِنَ الأجَلِ؛ وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ (p-٢٢١)عَدَمِ الإصْرارِ إلى المَوْتِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”ثُمَّ“؛ إشارَةً إلى بُعْدِ التَّوْبَةِ؛ ولا سِيَّما مَعَ القُرْبِ مِمَّنْ واقَعَ المَعْصِيَةَ؛ لِأنَّ الغالِبَ أنَّ الإنْسانَ إذا ارْتَبَكَ في حَبائِلِها لا يَخْلُصُ إلّا بَعْدَ عُسْرٍ؛ ولِذَلِكَ أشارَ إلى تَعْظِيمِهِمْ بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ - مُسَبِّبًا عَنْ تَوْبَتِهِمْ؛ واعِدًا أنَّهُ فاعِلٌ ما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ لا مَحالَةَ؛ مِن غَيْرِ خُلْفٍ؛ وإنْ كانَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ -: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العَظِيمُو الرُّتْبَةِ؛ الصّادِقُو الإيمانِ؛ ﴿يَتُوبُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: يَرُدُّهم إلى ما كانُوا فِيهِ عِنْدَهُ مِن مَكانَةِ القُرْبِ قَبْلَ مُواقَعَةِ الذَّنْبِ؛ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِالصّادِقِينَ في التَّوْبَةِ؛ والكاذِبِينَ؛ وبِنِيّاتِهِمْ؛ فَهو يُعامِلُهم بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُهُمْ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ فَهو يَضَعُ الأشْياءَ في أحْكَمِ مَحَلٍّ لَها؛ فَمَهْما فَعَلَهُ لَمْ يُمْكِنْ نَقْضُهُ.
النساء 4:18
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - المَقْبُولَ؛ أتْبَعَهُ المَطْرُودُ؛ فَقالَ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ﴾؛ أيْ: قَبُولُها؛ ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾؛ أيْ: واحِدَةً بَعْدَ أُخْرى؛ مُصِرِّينَ عَلَيْها؛ فَسَقَةً كانُوا أوْ كَفَرَةً؛ غَيْرَ راجِعِينَ مِن قَرِيبٍ؛ بَلْ يُمْهِلُونَ؛ ﴿حَتّى إذا حَضَرَ﴾؛ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ - عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ كُلَّ سامِعٍ وُقُوعَهُ عَلَيْهِ - أهْوَلَ؛ لِكَوْنِهِ يَصِيرُ مُرْتَقَبًا حالُ فاعِلِهِ؛ خائِفًا مِن عاقِبَتِهِ؛ قالَ: ﴿أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: بِأنْ وصَلَ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ؛ وهي (p-٢٢٢)حالَةُ المُعايَنَةِ؛ ﴿قالَ﴾؛ أيْ: بِلِسانِهِ – كَفِرْعَوْنَ - أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ ما قَبْلَ الِاحْتِضارِ قَرِيبٌ مَعَ التَّرْغِيبِ في المُسارَعَةِ جِدًّا؛ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”قَرِيبٍ“؛ ﴿ولا الَّذِينَ﴾؛ أيْ: ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ؛ ﴿يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾؛ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتُوبُوا؛ ولا عِنْدَ الغَرْغَرَةِ؛ فَسَوّى بَيْنَ الفِسْقِ؛ والكُفْرِ؛ تَنْفِيرًا مِنَ الفِسْقِ؛ لِصُعُوبَةِ النَّزْعِ عَنْهُ بَعْدَ مُواقَعَتِهِ؛ ولِذَلِكَ جَمَعَهُما في العَذابِ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما جَزاءُ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ؟ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَتُوبُوا إلّا حالَ الغَرْغَرَةِ؛ والَّذِينَ ماتُوا مُصِرِّينَ؛ ﴿أعْتَدْنا﴾؛ أيْ: هَيَّأْنا؛ وأحْضَرْنا؛ ﴿لَهم عَذابًا﴾؛ ولَمّا كانَ تَأْخِيرُ التَّوْبَةِ لَذَّةً نَفْسانِيَّةً؛ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألِيمًا﴾؛ أيْ: نُعَذِّبُ بِهِ الكافِرِينَ؛ ومَن شِئْنا مِن عُصاةِ المُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ تَوْبَتَهم في تِلْكَ الحالَةِ عَدَمٌ؛ والمَيِّتُ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ في المَشِيئَةِ.
النساء 4:19
ولَمّا انْقَضى ما تَخَلَّلَ ذِكْرَ النِّساءِ الوالِداتِ لِلْوُرّاثِ؛ وخَتَمَهُ بِهَذا التَّهْدِيدِ الهائِلِ لِمَن فَعَلَ ما لا يَحِلُّ لَهُ؛ وصَلَ الكَلامَ فِيهِنَّ بِأمْرٍ مَن فَعَلَهُ فَهو زانٍ؛ مُصِرٌّ عَلى الزِّنا إلى المَوْتِ؛ إنِ اعْتَقَدَ حُرْمَتَهُ؛ أوْ كافِرٌ (p-٢٢٣)إنِ اعْتَقَدَ حِلَّهُ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِتَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ عَقِبَ -: ﴿ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]؛ إلى أنَّهُ لا يَرِثُ كافِرٌ مِن مُسْلِمٍ؛ وإلّا لَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ“ - مَثَلًا -؛ مُنَفِّرًا مِن ذَلِكَ بِالتَّقْيِيدِ بِما هو لِأدْنى الإيمانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: فَوَقَفَ بِهِمُ الإيمانُ عِنْدَ زَواجِرِنا؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ﴾؛ أيْ: مالَهُنَّ؛ ﴿كَرْهًا﴾؛ أيْ: كارِهِينَ لَهُنَّ؛ لا حامِلَ لَكم عَلى نِكاحِهِنَّ إلّا رَجاءُ الإرْثِ؛ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَنْكِحُونَ اليَتامى لِمالِهِنَّ؛ ولَيْسَ لَهم فِيهِنَّ رَغْبَةً؛ إلّا تَرَبُّصُ المَوْتِ؛ لِأخْذِ مالِهِنَّ مِيراثًا - كَما سَيَأْتِي في تَفْسِيرِ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ [النساء: ١٢٧] -؛ أوْ يَكُونُ الفِعْلُ واقِعًا عَلى نَفْسِ النِّساءِ؛ ويَكُونُ ”كَرْهًا“؛ عَلى هَذا؛ حالًا مُؤَكِّدَةً؛ أيْ: كارِهاتٍ؛ أوْ ذَواتِ كُرْهٍ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا ماتَ ولَهُ امْرَأةٌ جاءَ ابْنُهُ؛ مِن غَيْرِها؛ أوْ قَرِيبُهُ مِن عَصَبَتِهِ؛ فَيُلْقِي ثَوْبَهُ عَلَيْها؛ فَيَصِيرُ أحَقَّ بِها مِن نَفْسِها؛ ومِن غَيْرِها؛ فَإنْ شاءَ تَزَوُّجَها بِغَيْرِ صَداقٍ إلّا الصَّداقَ الأوَّلَ؛ الَّذِي أصْدَقَها المَيِّتُ؛ وإنْ شاءَ زَوَّجَها غَيْرَهُ؛ وأخَذَ صَداقَها؛ وإنْ شاءَ عَضَلَها؛ ومَنَعَها مِنَ الأزْواجِ؛ يُضارُّها؛ لِتَفْتَدِيَ مِنهُ بِما ورِثَتْ مِنَ المَيِّتِ؛ أوْ تَمُوتَ هي فَيَرِثَها؛ وكانَ أهْلُ المَدِينَةِ عَلى هَذا؛ حَتّى تُوُفِّيَ (p-٢٢٤)أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ؛ فَفَعَلَ ابْنُهُ حِصْنٌ هَذا مَعَ زَوْجَةٍ لَهُ؛ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ؛ ”كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ؛ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوُّجَها؛ وإنْ شاؤُوا زَوَّجُوها؛ وإنْ شاؤُوا لَمْ يُزَوِّجُوها؛ وهم أحَقَّ بِها مِن أهْلِها؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛ ﴿لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾“؛ ولِهَذا أتْبَعَهُ - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ: ﴿ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾؛ أيْ: تَمْنَعُوهُنَّ مِنَ التَّزَوُّجِ بَعْدَ طَلاقِكم لَهُنَّ؛ أوْ بَعْدَ مَوْتِ أزْواجِهِنَّ؛ أوْ تُشَدِّدُوا عَلَيْهِنَّ بِالمُضارَّةِ؛ وهُنَّ في حَبائِلِكُمْ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُ العَضْلِ: التَّضْيِيقُ؛ يُقالُ: ”عَضَلَتِ الدَّجاجَةُ بَيْضَها“؛ انْتَهى؛ والظّاهِرُ أنَّ مَدارَ مادَّتِهِ إنَّما هو عَلى الِاشْتِدادِ؛ مِن عَضَلَةِ السّاقِ؛ وهي اللُّحْمَةُ الَّتِي في باطِنِهِ؛ ونَقَلَ عَبْدُ الحَقِّ أنَّها كُلُّ لَحْمٍ اجْتَمَعَ؛ قالَ: وقالَ الخَلِيلُ: كُلُّ لَحْمَةٍ اشْتَمَلَتْ عَلى عَصَبَةٍ؛ انْتَهى؛ وتارَةً يَكُونُ الِاشْتِدادُ ناظِرًا إلى المَنعِ؛ وتارَةً إلى الغَلَبَةِ والضِّيقِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ؛ إنْ كُنَّ أزْواجًا لَكُمْ؛ أوْ مُوَرِّثُوكم إنْ كُنَّ أزْواجًا لَهُمْ؛ وعَضَلْتُمُوهُنَّ بَعْدَهُمْ؛ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ إنْفاقِهِنَّ لَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ في زَمَنِ العَضْلِ؛ (p-٢٢٥)أوْ بِسَبَبِ افْتِدائِهِنَّ لِأنْفُسِهِنَّ بِهِ مِنكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَثْنى مِن تَحْرِيمِ العَضْلِ في جَمِيعِ الحالاتِ؛ فَقالَ: ﴿إلا أنْ﴾؛ أيْ: لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ؛ إلّا لِعِلَّةِ أنْ ﴿يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ﴾؛ أيْ: فِعْلَةٍ زائِدَةِ القُبْحِ؛ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾؛ أيْ: بِالشُّهُودِ الأرْبَعَةِ؛ إنْ كانَتْ زِنًا فاعْضُلُوهُنَّ بِالإمْساكِ في البُيُوتِ - كَما مَضى -؛ لِأنَّ مَن تَعَجَّلَ شَيْئًا قَبْلَ أوانِهِ عُوقِبَ بِحِرْمانِهِ؛ أوْ بِمَن يُقْبَلُ مِنَ الشُّهُودِ؛ إنْ كانَتْ نُشُوزًا؛ وسُوءَ عِشْرَةٍ؛ فَلَكُمُ العَضْلُ حِينَئِذٍ إلى الصَّلاحِ؛ أوْ الِافْتِداءِ؛ بِما تَطِيبُ بِهِ النَّفْسُ؛ والأنْسَبُ لِسِياقِ الأمْرِ فِي: ﴿وعاشِرُوهُنَّ﴾؛ أنْ يَكُونَ ”تَعْضُلُوهُنَّ“؛ مُنْهِيًا؛ لا مَعْطُوفًا عَلى ”أنْ تَرِثُوا“؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ بِالمَبِيتِ؛ والنَّفَقَةِ والمُوادَّةِ قَبْلَ الإتْيانِ بِالفاحِشَةِ؛ ﴿فَإنْ﴾؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ لا تَكْرَهُونَهُنَّ؛ فالأمْرُ واضِحٌ؛ وإنْ ﴿كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾؛ فَلا تُبادِرُوا إلى المُضاجَرَةِ؛ أوِ المُفارَقَةِ؛ واصْبِرُوا عَلَيْهِنَّ؛ نَظَرًا لِما هو الأصْلَحُ؛ لا لِمُجَرَّدِ المَيْلِ النَّفْسِيِّ؛ فَإنَّ الهَوى شَأْنُهُ ألّا يَدْعُوَ إلى خَيْرٍ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى هَذِهِ العِلَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى﴾؛ ولِوُضُوحِ دَلالَتِها عَلى ذَلِكَ صَحَّ جَعْلُها جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ ﴿أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأزْواجِ؛ أوْ غَيْرِها؛ لَمْ يُقَيِّدْهُ - سُبْحانَهُ - تَعْمِيمًا؛ تَتْمِيمًا لِلْفائِدَةِ؛ ﴿ويَجْعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً؛ وغَيَّبَ بِحِكْمَتِهِ عِلْمَكُمُ العَواقِبَ؛ (p-٢٢٦)لِئَلّا تَسْكُنُوا إلى مَأْلُوفٍ؛ أوْ تَنْفِرُوا مِن مَكْرُوهٍ؛ ﴿فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾
النساء 4:20
ولَمّا نَهى عَنِ العَضْلِ تَسَبُّبًا إلى إذْهابِ بَعْضِ ما أُعْطِيَتْهُ المَرْأةُ؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بِالنَّهْيِ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِنهُ في غَيْرِ الحالَةِ الَّتِي أذِنَ فِيها في المُضارَةِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَعَضُلُوا المَرْأةَ؛ بَلْ ﴿أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: تَنْكِحُونَها؛ ﴿مَكانَ زَوْجٍ﴾؛ أيْ: فارَقْتُمُوها؛ أوْ لا؛ ولَمْ يَكُنْ مِن قِبَلِنا ما يُبِيحُ الضِّرارَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِـ ”زَوْجٍ“؛ الجِنْسَ؛ جَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ﴾؛ أيْ: إحْدى النِّساءِ اللّاتِي وقَعَ الإذْنُ لَكم في جَمْعِهِنَّ في النِّكاحِ؛ سَواءٌ كانَتْ بَدَلًا؛ أوْ مُسْتَبْدَلًا بِها؛ ﴿قِنْطارًا﴾؛ أيْ: مالًا جَمًّا؛ ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾؛ أيْ: بِالمُضارَّةِ؛ عَنْ غَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنها؛ ولا سَبَبٍ مُباحٍ؛ ثُمَّ عَظَّمَ أخْذَهُ بِاسْتِفْهامِ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ؛ فَقالَ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ﴾؛ أيْ: عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ؛ ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ مِن صُوَرِ الغَصْبِ عَلى الِافْتِداءِ حالَ الإتْيانِ بِالفاحِشَةِ شُبَهُ الأخْذِ في هَذِهِ الحالَةِ؛ الَّتِي لا سَبَبَ لَها بِالأخْذِ في تِلْكَ الحالَةِ؛ فَجُعِلَ الأخْذُ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ قائِمًا (p-٢٢٧)مَقامَ القَذْفِ؛ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: كَذَوِي بُهْتانٍ في أخْذِهِ؛ وإثْمٍ مُبِينٍ - لِكَوْنِهِ لا سَبَبَ لَهُ - يُورِثُ شُبْهَةً فِيهِ؛
النساء 4:21
ثُمَّ غَلَّظَ ذَلِكَ بِاسْتِفْهامٍ آخَرَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿أفْضى﴾؛ أيْ: بِالمُلامَسَةِ؛ ﴿بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: فَكِدْتُمْ أنْ تَصِيرُوا جَسَدًا واحِدًا؛ ﴿وأخَذْنَ﴾؛ أيْ: النِّساءُ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: بِالإفْضاءِ؛ والِاتِّحادِ؛ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾؛ قَوِيًّا عَظِيمًا؛ أيْ: بِتَقْوى اللَّهِ في المُعاشَرَةِ بِالإحْسانِ؛ وعَدَمِ الإساءَةِ؛ لِأنَّ مَبْنى النِّكاحِ عَلى ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ فِيهِ.
النساء 4:22
ولَمّا كَرَّرَ ذِكْرَ الإذْنِ في نِكاحِهِنَّ؛ وما تَضَمَّنَهُ مَنطُوقًا مَفْهُومًا؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ الإذْنُ في نِكاحِ ما طابَ مِنَ النِّساءِ؛ وكانَ الطَّيِّبُ شَرْعًا قَدْ يَحْمِلُ عَلى الحِلِّ؛ مَسَّتِ الحاجَةُ إلى ما يَحِلُّ مِنهُنَّ لِذَلِكَ؛ وما يَحْرُمُ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَنْكِحُوا﴾؛ أيْ: تَتَزَوَّجُوا؛ وتُجامِعُوا؛ ﴿ما نَكَحَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ العَقْدِ في الحُرَّةِ؛ وبِالوَطْءِ في مِلْكِ اليَمِينِ؛ ﴿آباؤُكُمْ﴾ وبَيَّنَ ”ما“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾؛ أيْ: سَواءٌ كانَتْ إماءً؛ أوْ لا؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ وعَبَّرَ بِما دُونَ ”مَن“؛ لِما في النِّساءِ غالِبًا مِنَ السَّفَهِ المُدَنِّي لِما لا يَعْقِلُ.
ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ؛ فَنَزَعَتِ النُّفُوسُ عَمّا كانَ قَدْ أُلِفَ بَهاؤُهُ؛ (p-٢٢٨)فَلاحَ أنَّهُ في غايَةِ القَباحَةِ؛ وأنَّ المَيْلَ إلَيْهِ إنَّما هو شَهْوَةٌ بَهِيمِيَّةٌ؛ لا شَيْءَ فِيها مِن عَقْلٍ؛ ولا مُرُوَّةٍ؛ وكانَتْ عادَتُهم في مِثْلِ ذَلِكَ - مَعَ التَّأسُّفِ عَلى ارْتِكابِهِ - السُّؤالَ عَمّا مَضى مِنهُ - كَما وقَعَ في اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ -؛ أتْبَعَهُ الِاسْتِثْناءَ مِن لازِمِ الحُكْمِ؛ وهُوَ: ”فَإنَّهُ مُوجِبٌ لِمَقْتِ مَنِ ارْتَكَبَهُ؛ وعِقابِهِ“؛ فَقالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أيْ: لَكم مِن فِعْلِ ذَلِكَ في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ؛ كَما قالَ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في ”الأُمُّ“: ”قالَ السُّهَيْلِيُّ في رَوْضِهِ: وكانَ ذَلِكَ مُباحًا في الجاهِلِيَّةِ لِشَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ؛ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحُرُماتِ الَّتِي انْتَهَكُوها“؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: هَذا النِّكاحَ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ وما بَعْدَهُ؛ كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿فاحِشَةً﴾؛ أيْ: والفاحِشَةُ لا يُقْدِمُ عَلَيْها تامُّ العَقْلِ؛ ﴿ومَقْتًا﴾؛ أيْ: أشَرَّ ما يَكُونُ بَيْنَكُمْ؛ وبَيْنَ ذَوِي الهِمَمِ؛ لِما انْتَهَكْتُمْ مِن حُرْمَةِ آبائِكُمْ؛ ﴿وساءَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: قَبُحَ طَرِيقًا طَرِيقُهُ.
النساء 4:23
ولَمّا ابْتَدَأ بِتَعْظِيمِ الآباءِ؛ واحْتِرامِهِمْ في أنْ يَنْكِحَ الأبْناءُ أزْواجَهم عَلى العُمُومِ؛ ثَنّى بِخُصُوصِ الأُمِّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَقْصُودٍ مِنَ النِّساءِ النِّكاحَ؛ فَكانَ إضافَةُ التَّحْرِيمِ إلى أعْيانِهِنَّ - إفادَةَ التَّأْكِيدِ - غَيْرَ قادِحٍ في فَهْمِهِ؛ وكانَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ تَقَدَّمَ ما يَدُلُّ (p-٢٢٩)عَلى أنَّ المُرادَ النِّكاحُ؛ أسْنَدَ التَّحْرِيمَ إلى الذّاتِ؛ تَأْكِيدًا لِلتَّحْرِيمِ؛ فَقالَ: ﴿أُمَّهاتُكُمْ﴾؛ أيْ: التَّمَتُّعُ بِهِنَّ؛ بِنِكاحٍ؛ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ؛ فَكانَ تَحْرِيمُها مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وتَغْلِيظًا لِأمْرِهِ في نَفْسِهِ؛ واحْتِرامًا لِلْأبِ؛ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ؛ ﴿وبَناتُكُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلْنَ؛ لِما في ذَلِكَ مِن ضِرارِ أُمَّهاتِهِنَّ؛ وهَذانِ الصِّنْفانِ لَمْ يُحَلَّلْنَ في دِينٍ مِنَ الأدْيانِ؛ ﴿وأخَواتُكُمْ﴾؛ أيْ: أشِقّاءَ؛ أوْ لا؛ ﴿وعَمّاتُكُمْ﴾؛ كَذَلِكَ؛ ﴿وخالاتُكُمْ﴾؛ أيْضًا؛ والضّابِطُ لَهُما أنَّ كُلَّ ذَكَرٍ رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْهِ فَأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ مِن جِهَةِ الأُمِّ؛ وهي أُخْتُ أبِي أُمِّكَ؛ وكُلُّ أُنْثى رَجَعَ نَسَبُكَ إلَيْها بِالوِلادَةِ؛ فَأُخْتُها خالَتُكَ؛ وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ؛ وهي أُخْتُ أمِّ أبِيكَ؛﴿وبَناتُ الأخِ﴾؛ شَقِيقًا كانَ؛ أوْ لا؛ ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ وفُرُوعُهُنَّ؛ وإنْ سَفَلْنَ.
ولَمّا انْقَضى أمْرُ النَّسَبِ؛ وهو سَبْعَةُ أصْنافٍ؛ أتْبَعَهُ أمْرَ السَّبَبِ؛ وهو ثَمانِيَةٌ؛ أوَّلُهُ أزْواجُ الآباءِ؛ أفْرَدَها؛ وقَدَّمَها تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ لَمّا كانُوا اسْتَهانُوا مِن ذَلِكَ؛ وآخِرُهُ المُحْصَناتُ؛ وبَدَأ مِن هَذا القِسْمِ بِالأُمِّ مِنَ الرَّضاعِ؛ كَما بَدَأ النَّسَبَ بِالأُمِّ؛ فَقالَ: ﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ النَّسَبِ؛ ولِذَلِكَ سَمّاها أُمًّا؛ فَكُلُّ أُنْثى انْتَسَبْتَ بِاللَّبَنِ (p-٢٣٠)إلَيْها فَهي أُمُّكَ؛ وهي مَن أرْضَعَتْكَ؛ أوْ أرْضَعَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ بِلَبانِهِ مِن زَوْجَتِهِ؛ أوْ أُمِّ ولَدِهِ؛ وكُلُّ امْرَأةٍ ولَدَتِ امْرَأةً أرْضَعَتْكَ؛ أوْ رَجُلًا أرْضَعَكَ؛ فَهي أُمُّكَ مِنَ الرَّضاعَةِ؛ والمُراضَعَةُ أُخْتُكَ؛ وزَوْجُ المُرْضِعَةِ الَّذِي أرْضَعَتْ هي بِلَبانِهِ أبُوكَ؛ وأبَواهُ جَدّاكَ؛ وأُخْتُهُ عَمَّتُكَ؛ وكُلُّ ولَدٍ وُلِدَ لَهُ مِن غَيْرِ المُرْضِعَةِ قَبْلَ الرَّضاعِ وبَعْدَهُ إخْوَةُ الأبِ؛ وأُمُّ المُرْضِعَةِ جَدَّتُكَ؛ وأُخْتُها خالَتُكَ؛ وكُلُّ مَن وُلِدَ لَها مِن هَذا الزَّوْجِ إخْوَةٌ لِأبٍ وأُمٍّ؛ ومَن وُلِدَ لَها مِن غَيْرِهِ فَهم إخْوَتُهُ وأخَواتُهُ لِأُمٍّ؛ فَعَلى ذَلِكَ يَنْزِلُ قَوْلُهُ: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ كَما في النَّسَبِ؛ بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ خَمْسَ رَضْعاتٍ؛ وفي الحَوْلَيْنِ؛ وبِتَسْمِيَةِ المُرْضِعَةِ أُمًّا؛ والمُشارِكَةِ في الرِّضاعِ أُخْتًا عُلِمَ أنَّ الرَّضاعَ كالنَّسَبِ؛ كَما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: «”يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ“؛» فالصُّورَتانِ مُنَبِّهَتانِ عَلى بَقِيَّةِ السَّبْعِ؛ الأُمُّ مُنَبِّهَةٌ عَلى البِنْتِ؛ بِجامِعِ الوِلادَةِ؛ والأخَواتُ عَلى العَمّاتِ؛ والخالاتِ؛ وبَناتِ الأخِ؛ وبَناتِ الأُخْتِ؛ بِجامِعِ الأُخُوَّةِ.
ولَمّا انْقَضى ما هو كَلُحْمَةِ النَّسَبِ أتْبَعَهُ أمْرَ ما بِالمُصاهَرَةِ؛ فَقالَ: (p-٢٣١)﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾؛ أيْ: دَخَلْتُمْ بِهِنَّ؛ أوْ لا؛ - لِما في ذَلِكَ مِن إفْسادِ ذاتِ البَيْنِ غالِبًا؛ ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾؛ وذَكَرَ سَبَبَ الحُرْمَةِ فَقالَ: ﴿اللاتِي في حُجُورِكُمْ﴾؛ أيْ: بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ - لِما فِيهِنَّ مِن شُبَهِ الأوْلادِ - ﴿مِن نِسائِكُمُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الإضافَةُ تُسَوِّغُ في اللُّغَةِ بِأدْنى مُلابَسَةٍ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الجِماعِ؛ الَّذِي كَنّى عَنْهُ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّهُ مُمَكِّنٌ لِحُكْمِ الأزْواجِ؛ الَّذِي يَصِيرُ بِهِ أوْلادُها كَأوْلادِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ قَيَّدَ بِالدُّخُولِ؛ لِأنَّ غَيْرَةَ الأُمِّ مِنَ ابْنَتِها دُونَ غَيْرَةِ البِنْتِ مِن أُمِّها.
ولَمّا أشْعَرَ هَذا القَيْدُ بِحِلِّ بِنْتِ مَن عُقِدِ عَلَيْها؛ ولَمْ يُدْخَلْ بِها؛ أفْصَحَ بِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ حُرْمَةِ الإرْضاعِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾؛ أيْ: الأُمَّهاتِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في نِكاحِهِنَّ؛ ولَمّا افْتَتَحَ المُحَرَّماتِ عَلى التَّأْبِيدِ بِزَوْجَةِ الأبِ؛ خَتَمَها بِزَوْجَةِ الوَلَدِ؛ فَقالَ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾؛ أيْ: زَوْجَةً كانَتْ أوْ مَوْطُوءَةً بِمِلْكِ يَمِينٍ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنِ المُتَبَنّى مُرادًا؛ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ سَفَلُوا؛ ودَخَلَ ما بِالرَّضاعِ؛ لِأنَّهُ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ؛ فَلَمْ يُخْرِجْهُ القَيْدُ.
ولَمّا انْقَضى التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ؛ أتْبَعَهُ المُوَقَّتَ؛ فَقالَ: ﴿وأنْ﴾؛ أيْ: وحَرَّمَ عَلَيْكم أنْ ﴿تَجْمَعُوا﴾؛ بِعَقْدِ نِكاحٍ؛ لِأنَّ مَقْصُودَهُ الوَطْءُ؛ (p-٢٣٢)أوْ بِوَطْءٍ في مِلْكِ يَمِينٍ؛ ﴿بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾؛ فَإنْ كانَتْ إحْداهُما مَنكُوحَةً؛ والأُخْرى مَمْلُوكَةً؛ حَلَّتِ المَنكُوحَةُ وحُرِّمَتِ المَمْلُوكَةُ؛ ما دامَ الحِلُّ؛ لِأنَّ النِّكاحَ أقْوى؛ فَإذا زالَ الحِلُّ حَلَّتِ الأُخْرى؛ ولَوْ في عِدَّةِ الَّتِي كانَتْ حَلالًا.
ولَمّا كانَ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ شَرْعًا قَدِيمًا قالَ: ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ أيْ: فَإنَّهُ لا إثْمَ عَلَيْكم فِيهِ؛ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لَكُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ رَفْعَ حَرَجِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ غَفُورًا﴾؛ أيْ: ساتِرًا لِما يُرِيدُ مِن أعْيانِ الزَّلَلِ؛ وآثارِهِ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: مُعامِلًا بِغايَةِ الإكْرامِ الَّذِي تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ.
النساء 4:24
ولَمّا ذَكَرَ مُضارَّةَ الجَمْعِ أتْبَعَهُ مُضارَّةَ الإغارَةِ عَلى الحَقِّ؛ والأوَّلُ جَمْعٌ بَيْنَ المَنكُوحَيْنِ؛ وهَذا جَمْعٌ بَيْنَ النّاكِحَيْنِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى النّائِبِ عَنْ فاعِلِ ”حُرِّمَتْ“:- (p-٢٣٣)﴿والمُحْصَناتُ﴾؛ أيْ: الحَرائِرُ المُزَوَّجاتُ؛ لِأنَّهُنَّ مُنِعَتْ فُرُوجُهُنَّ بِالنِّكاحِ عَنْ غَيْرِ الأزْواجِ؛ ﴿مِنَ النِّساءِ إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أزْواجِ أهْلِ الحَرْبِ؛ فَإنَّ المِلْكَ بِالأسْرِ يَقْطَعُ النِّكاحَ.
ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ قالَ - مُؤَكِّدًا لَهُ؛ ومُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ -: ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: خُذُوا فَرْضَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي أوْجَبَهُ عَلَيْكم إيجابَ ما هو مَوْصُولٌ في الشَّيْءِ بِقَطْعِهِ مِنهُ؛ والزَمُوهُ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى غَيْرِهِ؛ وزادَ في تَأْكِيدِهِ بِأداةِ الوُجُوبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ حِلَّ ما سِواهُ؛ أفْصَحَ بِهِ احْتِياطًا لِلْإيضاحِ؛ وتَعْظِيمًا لِحُرْمَتِها؛ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عَظَمَةَ هَذا التَّحْرِيمِ بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ لَكم مِنَ المُحَرَّماتِ العَظِيمَةِ؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ في المَنعِ لَمْ يُصَرِّحْ بِالفاعِلِ؛ بَلْ قالَ؛ ”حُرِّمَتْ“؛ تَرَفُّقًا في الخِطابِ؛ حَثًّا عَلى الآدابِ؛ فَلَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى الحَلِّ أظْهَرَهُ؛ تَطْيِيبًا لِلْقُلُوبِ؛ وتَأْنِيسًا لِلنُّفُوسِ؛ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ ونافِعٍ؛ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ؛ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ والحاءِ؛ وأبْهَمَهُ في قِراءَةِ الباقِينَ؛ عَلى نَسَقِ ”حُرِّمَتْ“؛ لِأنَّ فاعِلَ الحِلِّ والحُرْمَةِ عِنْدَ أهْلِ هَذا الكِتابِ مَعْرُوفٌ أنَّهُ المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أصْلًا؛ ثُمَّ أتْبَعَ التَّحْلِيلَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: إرادَةَ أنْ ﴿تَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ مُتَّبِعِينَ مَن شِئْتُمْ مِمّا أُحِلَّ لَكُمْ؛ ﴿بِأمْوالِكُمْ﴾؛ اللّاتِي تَدْفَعُونَها مُهُورًا؛ (p-٢٣٤)حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿مُحْصِنِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ بِذَلِكَ العِفَّةَ لِأنْفُسِكُمْ؛ ولَهُنَّ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾؛ أيْ: قاصِدِينَ قَضاءَ الشَّهْوَةِ؛ وصَبَّ الماءِ الدّافِقِ لِذَلِكَ فَقَطْ؛ وهو عَلى هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ إلّا زِنًا؛ سِرًّا وجَهْرًا؛ فَيَكُونُ فِيهِ حِينَئِذٍ إضاعَةُ المالِ؛ وإهْلاكُ الدِّينِ؛ ولا مَفْسَدَةَ أعْظَمُ مِمّا يَجْمَعُ هَذَيْنِ الخُسْرانَيْنِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ وأثْناءَها الأمْرُ بِدَفْعِ الصَّداقِ؛ والنَّهْيُ عَنْ أخْذِ شَيْءٍ مِمّا دُفِعَ إلى المَرْأةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ أوْ قَبْلَهُ؛ مُسَمًّى أوْ لا؛ قالَ هُنا - مُسَبِّبًا عَنْ الابْتِغاءِ المَذْكُورِ -: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ﴾؛ أيْ: أوْجَدْتُمُ المَتاعَ؛ وهو الِانْتِفاعُ؛ ﴿بِهِ مِنهُنَّ﴾؛ بِالبِناءِ بِها؛ مُتَطَلِّبِينَ لِذَلِكَ مِن وُجُوهِهِ الصَّحِيحَةِ؛ راغِبِينَ فِيهِ؛ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ كامِلَةً؛ وهي المُهُورُ؛ ﴿فَرِيضَةً﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِها واجِبَةً مِنَ اللَّهِ؛ ومُسَمّاةً؛ مُقَدَّرَةً؛ قَدَّرْتُمُوها عَلى أنْفُسِكُمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُهُ تَأْكِيدًا لِـ ”آتُوا“؛ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ؛ ﴿ولا جُناحَ﴾؛ أيْ: حَرَجَ؛ ومَيْلَ؛ ﴿عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ والأزْواجُ؛ ﴿مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾؛ أيْ: مِن طَلاقٍ؛ أوْ فِراقٍ؛ أوْ زِيادَةٍ؛ أوْ نَقْصٍ؛ إنْ كانَتْ مَوْجُودَةَ؛ مُقَدَّرَةً؛ أوْ مِن مَهْرِ المِثْلِ؛ مِن بَعْدِ تَقْدِيرِهِ إنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمّاةً فِيمَن عُقِدَ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَداقٍ.
ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآياتِ أنْواعًا مِنَ التَّكالِيفِ؛ هي في غايَةِ الحِكْمَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنَ العَظَمَةِ؛ وخَتَمَها بِإسْقاطِ الجُناحِ عِنْدَ الرِّضا؛ وكانَ الرِّضا أمْرًا باطِنًا لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ (p-٢٣٥)حَثَّ عَلى الوَرَعِ في شَأْنِهِ بِنَوْطِ الحُكْمِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ؛ فَقالَ - مُرَغِّبًا في امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ ﴿كانَ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بِمَن يُقَدِّمُ مُتَحَرِّيًا لِرِضا صاحِبِهِ؛ أوْ غَيْرَ مُتَحَرٍّ لِذَلِكَ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يَضَعُ الأشْياءَ في أمْكَنِ مَواضِعِها مِنَ الجَزاءِ عَلى الذُّنُوبِ؛ وغَيْرِهِ.
النساء 4:25
ولَمّا مَضى ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ عُرِفَ أنَّهُ كُلَّهُ في الحَرائِرِ؛ لِأنَّهُ الوَجْهُ الأحْكَمُ في النِّكاحِ؛ وأتْبَعَهُ تَعْلِيمَ الحِكْمَةِ في نِكاحِ الإماءِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”هَذا حُكْمُ مَنِ اسْتَطاعَ نِكاحَ حُرَّةٍ -: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ﴿طَوْلا﴾؛ أيْ: سَعَةً؛ وزِيادَةً؛ عَبَّرَ فِيما قَبْلَهُ بِالمالِ؛ تَهْوِينًا لِبَذْلِهِ بِأنَّهُ مَيّالٌ؛ لا ثَباتَ لَهُ؛ وهُنا بِالطَّوْلِ؛ الَّذِي مَعْناهُ:“الَّتِي قَلَّ مَن يَجِدُها”؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: لِأنْ ﴿يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾؛ أيْ: الحَرائِرَ؛ فَإنَّ الحُرَّةَ مَظِنَّةُ العِفَّةِ الجاعِلَةِ لَها فِيما هو كالحِصْنِ عَلى مُرِيدِ الفَسادِ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَصُونُونَهُنَّ؛ وهُنَّ يَصُنَّ أنْفُسَهُنَّ عَنْ أنْ يَكُنَّ كالإماءِ؛ ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ بِسَبَبِ كَثْرَةِ المُؤْنَةِ؛ وغَلاءِ المَهْرِ؛ ﴿فَمِن﴾؛ أيْ: فَلْيَنْكِحْ؛ إنْ أرادَ؛ مِن ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا مَلَكَ غَيْرُكم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿مِن فَتَياتِكُمُ﴾؛ أيْ: إمائِكُمْ؛ وأُطْلِقَتِ الفُتُوَّةُ - (p-٢٣٦)وهِيَ الشَّبابُ - عَلى الرَّقِيقِ؛ لِأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَفْعَلُ الشّابُّ؛ لِتَكْلِيفِ السَّيِّدِ لَهُ إلى الخِدْمَةِ؛ وعَدَمِ تَوْقِيرِهِ؛ وإنْ كانَ شَيْخًا؛ ثُمَّ وضَّحَ المُرادَ بِالإضافَةِ؛ فَقالَ: ﴿المُؤْمِناتِ﴾؛ أيْ: لا مِنَ الحَرائِرِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكْتُمْ مِنَ الإماءِ الكافِراتِ؛ ولا مِمّا مَلَكَ الكُفّارُ؛ حَذَرًا مِن مُخالَطَةِ كافِرَةٍ؛ خَوْفًا مِنَ الفِتْنَةِ - كَما مَضى في“البَقَرَةِ”؛ ولِئَلّا يَكُونَ الوَلَدُ المُسْلِمُ بِحُكْمِ تَبَعِيَّةِ أُمِّهِ في الرِّقِّ مِلْكًا لِكافِرٍ؛ هَذا ما تُفْهِمُهُ العِبارَةُ؛ ولَكِنَّهم قالُوا: إنَّ تَقْيِيدَ المُحْصَناتِ بِالمُؤْمِناتِ لا مَفْهُومَ لَهُ؛ وإلّا لَصارَ نِكاحُ الحُرَّةِ الكِتابِيَّةِ المُباحُ بِآيَةِ“المائِدَةِ”؛ مَشْرُوطًا بِعَقْدِ مُسْلِمَةٍ؛ حُرَّةٍ كانَتْ أوْ أمَةً؛ ولَمْ يُشْتَرَطْ ذَلِكَ؛ ومَذْهَبُالشّافِعِيِّ أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى حُرَّةٍ كِتابِيَّةٍ؛ والظّاهِرُ أنَّ فائِدَةَ التَّقْيِيدِ النَّدْبُ إلى مُباعَدَةِ الكُفّارِ؛ فَلا يُنْكَحُ مِنهُنَّ إلّا لِضَرُورَةٍ؛ فَكَأنَّ هَذِهِ سُورَةُ المُواصَلَةِ؛ أسْقَطَ فِيها أهْلَ المُباعَدَةِ؛ و“المائِدَةُ”؛ سُورَةُ تَمامِ الدِّينِ؛ فَذَكَرَ فِيها ما يَجُوزُ لِأهْلِهِ؛ فَلا ضَرَرَ في القَيْدِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ لا يَقْوى لِمُعارَضَةِ المَنطُوقِ مَعَ ما فِيهِ مِن فائِدَةِ النَّدْبِ إلى التَّرْكِ؛ وهَذا كَما أنَّ قَيْدَ الإحْصانِ هُنا لِلنَّدْبِ إلى عَدَمِ نِكاحِ الزَّوانِي؛ مَعَ جَوازِهِ بِآيَةِ“النُّورِ”: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]؛ كَما يَأْتِي بَيانُهُ هُناكَ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى). (p-٢٣٧)ولَمّا شَرَطَ في هَذا النِّكاحِ الإيمانَ؛ وعَبَّرَ فِيهِ بِالوَصْفِ؛ وكانَ أمْرًا قَلْبِيًّا؛ لا يَطَّلِعُ عَلى حَقِيقَتِهِ إلّا اللَّهُ؛ أعْقَبَهُ بِبَيانِ أنَّهُ يُكْتَفى فِيهِ بِالظّاهِرِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِالمَعْلُوماتِ والمَقْدُوراتِ؛ ﴿أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾؛ فَرُبَّما ظَهَرَ ضَعْفُ إيمانِ أحَدٍ؛ والباطِنُ بِخِلافِهِ؛ لَكِنْ في التَّعْبِيرِ بِهِ؛ وبِالوَصْفِ؛ لا بِالفِعْلِ؛ إرْشادٌ إلى مَزِيدِ التَّحَرِّي مِن جِهَةِ الدِّينِ: «“فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ؛ تَرِبَتْ يَداكَ”؛» ولَمّا اشْتُرِطَ الدِّينُ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ:“فالنَّسَبُ؟”؛ فَأُشِيرَ إلى عَدَمِ اشْتِراطِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾؛ أيْ: كُلُّكم مِن آدَمَ؛ وإنْ تَشَعَّبْتُمْ بَعْدَهُ؛ ﴿فانْكِحُوهُنَّ﴾؛ أيْ: بِشَرْطِ العَجْزِ؛ ﴿بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾؛ أيْ: مِن مَوالِيهِنَّ؛ ولا يَجُوزُ نِكاحُهُنَّ مِن غَيْرِ إذْنِهِمْ.
ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أنَّ السَّيِّدَ المالِكَ لِلرَّقَبَةِ مالِكٌ لِلْمَنفَعَةِ مِن بابِ الأوْلى؛ كانَ الأمْرُ بِدَفْعِ المُهُورِ إلَيْهِنَّ مُفِيدًا لِنَدْبِ السَّيِّدِ إلى جَبْرِها بِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُوهِمَ أنَّها تَمْلِكُهُ؛ وهي لا تَمْلِكُ نَفْسَها؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ وهي المُهُورُ؛ ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ ضِرارٍ؛ لا عَلَيْكُمْ؛ ولا عَلَيْهِنَّ؛ ولا عَلى أهْلِهِنَّ؛ حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿مُحْصَناتٍ﴾؛ أيْ: عَفائِفَ بِأنْفُسِهِنَّ؛ أوْ بِصَوْنِ المَوالِي لَهُنَّ؛ ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ (p-٢٣٨)؛ أيْ: مُجاهِراتٍ بِالزِّنا لِمَن أرادَ؛ لا لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ؛ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾؛ أيْ: أخِلّاءَ في السِّرِّ لِلزِّنا؛ مُعَيَّنِينَ؛ لا تَعْدُو ذاتُ الخِدْنِ خِدْنَها إلى غَيْرِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهو - أيْ: الخِدْنُ - الَّذِي يَكُونُ مَعَكَ في كُلِّ ظاهِرٍ وباطِنٍ.
ولَمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ بَيانُ حَدِّ الإماءِ قالَ - مُبَيِّنًا لَهُ -: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ؛ والمَفْعُولِ في قِراءَةِ الباقِينَ؛ أيْ: انْتَقَلْنَ مِن حَيِّزِ التَّعْرِيضِ لِلزِّنا بِالإكْراهِ؛ إلى حَيِّزِ الحَرائِرِ؛ بِأنْ حَفِظْنَ فُرُوجَهُنَّ بِكَراهَتِهِنَّ لِلزِّنا؛ أوْ حِفْظِهِنَّ المَوالِي بِالرِّضا لَهُنَّ بِالعِفَّةِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ في أوائِلِ“الرِّسالَةُ”؛ في آخِرِ“النّاسِخُ والمَنسُوخُ”؛ الَّذِي يَدُلُّ الكِتابُ عَلى بَعْضِهِ؛ والسُّنَّةُ عَلى بَعْضِهِ: إنَّ مَعْنى“أُحْصِنَّ”؛ هُنا: أسْلَمْنَ؛ لا نُكِحْنَ فَأصَبْنَ بِالنِّكاحِ؛ ولا أُعْتِقْنَ؛ وإنْ لَمْ يُصِبْنَ؛ وقالَ: فَإنْ قالَ قائِلٌ:“أراكَ تُوقِعُ الإحْصانَ عَلى مَعانٍ مُخْتَلِفَةٍ"؛ قِيلَ: نَعَمْ؛ جِماعُ الإحْصانِ أنْ يَكُونَ دُونَ التَّحْصِينِ مانِعٌ مِن تَناوُلِ المُحَرَّمِ؛ فالإسْلامُ مانِعٌ؛ وكَذَلِكَ الحُرِّيَّةُ مانِعَةٌ؛ وكَذَلِكَ التَّزَوُّجُ؛ والإصابَةُ مانِعٌ؛ وكَذَلِكَ الحَبْسُ في البُيُوتِ (p-٢٣٩)مانِعٌ؛ وكُلُّ ما مَنَعَ أحْصَنَ؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠]؛ وقالَ: ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ [الحشر: ١٤]؛ يَعْنِي: مَمْنُوعَةٍ؛ قالَ: وآخِرُ الكَلامِ وأوَّلُهُ يَدُلّانِ عَلى أنَّ مَعْنى الإحْصانِ المَذْكُورِ عامٌّ في مَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ؛ إذِ الإحْصانُ هَهُنا الإسْلامُ؛ دُونَ النِّكاحِ؛ والحُرِّيَّةِ؛ والتَّحْصِينِ بِالحَبْسِ؛ والعَفافِ؛ وهَذِهِ الأسْماءُ الَّتِي يَجْمَعُها اسْمُ الإحْصانِ؛ انْتَهى.
﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾؛ ولا تَكُونُ حِينَئِذٍ إلّا عَنْ رِضًا؛ مِن غَيْرِ إكْراهٍ.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ النِّكاحِ تَغْلِيظُ الحَدِّ؛ فَغُلِّظَ في الحَرائِرِ بِالرَّجْمِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ لا تَغْلِيظَ عَلى الإماءِ؛ بَلْ حَدُّهُنَّ بَعْدَهُ هو حَدُّهُنَّ قَبْلَهُ؛ فَقالَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾؛ أيْ: الحَرائِرِ؛ لِأنَّهُنَّ في مَظِنَّةِ العِفَّةِ؛ وإنْ كُنَّ بِغَيْرِ أزْواجٍ؛ ﴿مِنَ العَذابِ﴾؛ أيْ: الحَدِّ - كَما كانَ ذَلِكَ عَذابَهُنَّ قَبْلَ الإحْصانِ -؛ وهَذا يُفْهِمُهُ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ والمُرادُ هُنا الجَلْدُ؛ لِأنَّ الرَّجْمَ لا يُنْتَصَفُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ هَذا لِكُلِّ عاجِزٍ عَنِ الحُرَّةِ؟ اسْتُؤْنِفَ جَوابُ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّهُ مِمّا لا يَحْسُنُ قُرْبُهُ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: حِلُّ نِكاحِ الإماءِ الَّذِي يَنْبَغِي البُعْدُ مِنهُ؛ ﴿لِمَن خَشِيَ العَنَتَ﴾؛ أيْ: الوُقُوعَ في الزِّنا؛ المُوجِبِ لِلْإثْمِ؛ المُقْتَضِي لِلْهَلاكِ (p-٢٤٠)بِالعَذابِ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ بِما عِنْدَهُ مِن عَظِيمِ الدّاعِيَةِ إلى النِّكاحِ؛ ومَشَقَّةِ الصَّبْرِ عَنْهُ؛ قالُوا: وأصْلُ العَنَتِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ؛ فاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ وضَرَرٍ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وقِيلَ: إنَّ الشَّبَقَ الشَّدِيدَ؛ والغِلْمَةَ العَظِيمَةَ قَدْ يُؤَدِّي بِالإنْسانِ إلى الأمْراضِ الشَّدِيدَةِ؛ أمّا في حَقِّ النِّساءِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلى اخْتِناقِ الرَّحِمِ؛ وأمّا في حَقِّ الرِّجالِ فَقَدْ يُؤَدِّي إلى أوْجاعِ الوِرْكَيْنِ والظَّهْرِ؛ ولَمّا كانَ هَذا التَّخْفِيفُ والتَّيْسِيرُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ مِنّا؛ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنكُمْ﴾
ولَمّا بَيَّنَ إباحَتَهُ؛ وأشارَ إلى البُعْدِ عَنْهُ؛ لِما فِيهِ مِنَ اسْتِرْقاقِ الوَلَدِ؛ صَرَّحَ بِالنَّدْبِ إلى حَبْسِ النَّفْسِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾؛ أيْ: عَنْ نِكاحِهِنَّ؛ مُتَعَفِّفِينَ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أيْ: لِئَلّا تُعَيَّرُوا بِهِنَّ؛ أوْ تُسْتَرَقَّ أوْلادُكم مِنهُنَّ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَأْكِيدِهِ لِذَوِي البَصائِرِ والهِمَمِ في سِياقٍ دالٍّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أيْ: لِمَن لَمْ يَصْبِرْ؛ والمَغْفِرَةُ تُشِيرُ إلى نَوْعِ تَقْصِيرٍ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فاعِلٌ بِهِ فِعْلَ الرّاحِمِ مِنكم بِالإذْنِ في قَضاءِ وطَرِهِ؛ واللُّطْفِ فِيما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ المَحْذُورِ.
النساء 4:26
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الحَلالَ والحَرامَ مِن هَذِهِ الحُدُودِ؛ والأحْكامِ؛ (p-٢٤١)وخَتَمَها بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ؛ بَيَّنَ ما أرادَ بِها مِن مُوجِباتِ الرَّحْمَةِ؛ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ؛ لِتُشْكَرَ؛ وتَحْذِيرًا مِن أنْ تُنْسى فَتُكْفَرَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ إنْزالَ هَذِهِ الأحْكامِ عَلى هَذا النِّظامِ؛ ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُوقِعَ لَكُمُ البَيانَ الشّافِيَ فِيما لَكُمْ؛ وعَلَيْكُمْ؛ مِن شَرائِعِ الدِّينِ؛ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾؛ أيْ: يُعَرِّفَكُمْ؛ ﴿سُنَنَ﴾؛ أيْ: طُرُقَ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ الماضِينَ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ: الأنْبِياءِ؛ وأتْباعِهِمْ؛ ﴿ويَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: يَرْجِعَ بِكم عَنْ كُلِّ ما لا يُرْضِيهِ؛ لا سِيَّما ما يَجُرُّ إلى المُقاطَعَةِ - مِثْلِ مَنعِ النِّساءِ والأطْفالِ الإرْثَ؛ ومِثْلِ نِكاحِ ما يَحَرُمُ نِكاحُهُ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَأعْلَمَهم بِهَذا أنَّهم لَمْ يَخُصَّهم بِهَذِهِ التَّكالِيفِ؛ بَلْ يَسْلُكُ بِهِمْ فِيها صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى القَبُولِ؛ وأعْوَنَ عَلى الِامْتِثالِ؛ ولِيَتَحَقَّقُوا أنَّ إلْقاءَ أهْلِ الكِتابِ الشُّبَهَ إلَيْهِمْ؛ وتَذْكِيرَهم بِالأضْغانِ؛ لِإرادَةِ إلْقاءِ العَداوَةِ؛ مَحْضُ حَسَدٍ لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في مِنَنِهِمْ؛ إذْ هُدُوا لِسُنَنِهِمْ؛ وما أحْسَنَ خَتْمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فَلا يَشْرَعُ لَكم شَيْئًا إلّا وهو في غايَةِ الإحْكامِ؛ فاعْمَلُوا بِهِ يُوصِلْكم إلى دارِ السَّلامِ.
بَيانُ ذَلِكَ أنَّ ما في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالتَّقْوى؛ والحَثُّ عَلَيْها؛ (p-٢٤٢)وبَيانُ الفَرائِضِ؛ وأمْرِ الزُّناةِ؛ وما يَحِلُّ ويَحْرُمُ مِنَ النِّساءِ؛ والتَّحَرِّي في الأمْوالِ؛ والإحْسانُ إلى النّاسِ؛ لا سِيَّما الأيْتامَ والوالِدَيْنِ؛ والإذْعانُ لِلْأحْكامِ؛ وتَحْرِيمُ القَتْلِ؛ والأمْرُ بِالعَدْلِ في الشَّهادَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكُلُّ ذَلِكَ مُبَيَّنٌ أُصُولُهُ في التَّوْراةِ؛ كَما هو مَبْثُوثٌ في هَذا الدِّيوانِ عَنْ نُصُوصِها في المَواضِعِ اللّائِقَةِ بِهِ؛ لَكِنَّ القُرْآنَ أحْسَنُ بَيانًا؛ وأبْلَغُ تِبْيانًا؛ وأبْدَعُ شَأْنًا؛ وألْطَفُ عِبارَةً؛ وأدَقُّ إشارَةً؛ وأعْجَبُ ذَلِكَ أنَّ سَبَبَ إنْزالِ فَرائِضِ المِيراثِ في شَرِيعَتِنا النِّساءُ؛ فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «مَرِضْتُ فَعادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَأتانِي وقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ؛ وفي رِوايَةِ البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ: عادَنِي النَّبِيُّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ في بَنِي سَلَمَةَ؛ ماشِيَيْنِ؛ فَوَجَدَنِي النَّبِيُّ ﷺ لا أعْقِلُ؛ فَدَعا بِماءٍ فَتَوَضَّأ؛ فَصَبَّ عَلَيَّ وضُوءَهُ؛ فَأفَقْتُ؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي؟ وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: إنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ؛ فَلَمْ يُجِبْنِي بِشَيْءٍ؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ وكانَتْ لِي تِسْعُ أخَواتٍ؛ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ؛ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ: فَنَزَلَتْ؛ وفي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: حَتّى نَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وفي رِوايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]؛ الآيَةُ؛» وقالَ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ ولِأبِي داوُدَ والتِّرْمِذِيِّ؛ وابْنِ ماجَةَ؛ والدّارَقُطْنِيِّ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «”جاءَتِ (p-٢٤٣)امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْها مِن سَعْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ هاتانِ ابْنَتا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ؛ قُتِلَ أبُوهُما مَعَكَ يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ شَهِيدًا؛ وإنَّ عَمَّهُما أخَذَ مالَهُما؛ فَلَمْ يَدَعْ لَهُما مالًا؛ ولا تُنْكَحانِ إلّا ولَهُما مالٌ؛ قالَ:“يَقْضِي اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ”؛ فَنَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ؛ وفي رِوايَةِ أبِي داوُدَ: ونَزَلَتِ الآيَةُ في سُورَةِ“النِّساءِ”؛ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ وفي رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ: فَنَزَلَتْ سُورَةُ“النِّساءِ”؛ وفِيها ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]؛ إلى آخِرِ الآيَةِ - فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عَمِّهِما؛ فَقالَ:“أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ؛ وأعْطِ أُمَّهُما الثُّمُنَ؛ وما بَقِيَ فَهو لَكَ”؛» وفي رِوايَةٍ لِلدّارَقُطْنِيِّ: «إنَّ امْرَأةَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ سَعْدًا هَلَكَ؛ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ؛ وأخاهُ؛ فَعَمَدَ أخُوهُ فَقَبَضَ ما تَرَكَ سَعْدٌ؛ وإنَّما تُنْكَحُ النِّساءُ عَلى أمْوالِهِنَّ؛ فَلَمْ يُجِبْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَجْلِسِهِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ جاءَتْهُ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ابْنَتا سَعْدٍ؛ فَقالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:“ادْعِي لِي أخاهُ”؛ فَجاءَ؛ فَقالَ:“ادْفَعْ إلى ابْنَتَيْهِ الثُّلُثَيْنِ؛ وإلى امْرَأتِهِ الثُّمُنَ؛ (p-٢٤٤)ولَكَ ما بَقِيَ”؛» وقالَ شَيْخُنا؛ حافِظُ عَصْرِهِ؛ أبُو الفَضْلِ؛ أحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ؛ في“الإصابَةُ في أسْماءِ الصَّحابَةِ”: رَوى أبُو الشَّيْخِ في تَفْسِيرِهِ؛ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأجْلَحِ الكِنْدِيِّ؛ عَنِ الكَلْبِيِّ؛ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -قالَ: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ البَناتِ؛ ولا الأوْلادَ الصِّغارَ؛ حَتّى يُدْرِكُوا؛ فَماتَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ؛ يُقالُ لَهُ أوْسُ بْنُ ثابِتٍ؛ وتَرَكَ بِنْتَيْنِ؛ وابْنًا صَغِيرًا؛ فَجاءَ ابْنا عَمِّهِ؛ خالِدٌ؛ وعُرْفُطَةُ؛ فَأخَذا مِيراثَهُ؛ فَقالَتِ امْرَأتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]؛ فَأرْسَلَ إلى خالِدٍ؛ وعُرْفُطَةَ؛ فَقالَ:“لا تُحَرِّكا مِنَ المِيراثِ شَيْئًا”؛» ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ فَقالَ: قَتادَةُ وعُرْفُطَةُ؛ ورَواهُ الثَّعْلَبِيُّ في تَفْسِيرِهِ؛ فَقالَ: سُوَيْدٌ وعُرْفُطَةُ؛ ووَقَعَ عِنْدَهُ أنَّهُما أخَوا أوْسٍ: ورَواهُ مُقاتِلٌ في تَفْسِيرِهِ؛ فَقالَ: إنَّ أوْسَ بْنَ مالِكٍ تُوُفِّيَ يَوْمَ“أُحُدٍ”؛ وتَرَكَ امْرَأتَهُ؛ أُمَّ كَجَّةَ؛ وبِنْتَيْنِ؛ (p-٢٤٥)فَذَكَرَ القِصَّةَ؛ وذَكَرَ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ أنَّ الثَّعْلَبِيَّ؛ والبَغَوِيَّ ساقا بِلا سَنَدٍ «أنَّ أوْسَ بْنَ الصّامِتِ الأنْصارِيَّ تَرَكَ امْرَأتَهُ؛ أُمَّ كَجَّةَ؛ وثَلاثَ بَناتٍ؛ فَزَوى ابْنا عَمِّهِ سُوَيْدٌ وعُرْفُطَةُ - أوْ قَتادَةُ وعَرْفَجَةُ - مِيراثَهُ عَنْهُنَّ؛ وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ؛ ولا الأطْفالَ؛ ويَقُولُونَ: لا يَرِثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ؛ وذادَ عَنِ الحَوْزَةِ؛ وحازَ الغَنِيمَةَ؛ فَجاءَتْ أُمُّ كَجَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَسْجِدِ الفَضِيخِ؛ فَشَكَتْ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ارْجِعِي حَتّى أنْظُرَ ما يُحْدِثُ اللَّهُ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]؛ فَبَعَثَ إلَيْهِما:“لا تُفَرِّقا مِن مالِ أوْسٍ شَيْئًا؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَهُنَّ نَصِيبًا”؛ ولَمْ يُبَيِّنْ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] الآيَةُ؛ فَأعْطى أُمَّ كَجَّةَ الثُّمُنَ؛ والبَناتِ الثُّلُثَيْنِ؛ والباقِي لِابْنَيِ العَمِّ؛» ورَواهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ عَلى غَيْرِ هَذا السِّياقِ؛ ولَفْظُهُ: «نَزَلَتْ في أُمِّ كَجَّةَ وابْنَةِ أُمِّ كَجَّةَ؛ وثَعْلَبَةَ؛ وأوْسِ بْنِ سُوَيْدٍ؛ وهم مِنَ الأنْصارِ؛ كانَ أحَدُهُما زَوْجَها؛ والآخَرُ عَمَّ ولَدِها؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ تُوَفِّيَ زَوْجِي؛ وتَرَكَنِي وابْنَتَهُ؛ فَلَمْ نُوَرَّثْ؛ فَقالَ عَمُّ ولَدِها: إنَّ ولَدَها لا يَرْكَبُ فَرَسًا؛ ولا يَحْمِلُ كَلًّا؛ (p-٢٤٦)ولا يَنْكَأُ عَدُوًّا؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧]» ورُوِيَ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ؛ قالَ - في قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] -: «كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ الجَوارِيَ؛ ولا الضُّعَفاءَ مِنَ الغِلْمانِ؛ ولا يُوَرِّثُونَ إلّا مَن أطاقَ القِتالَ؛ فَماتَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ؛ أخُو حَسّانَ؛ الشّاعِرِ؛ وتَرَكَ امْرَأةً يُقالُ لَها أُمُّ كَجَّةَ؛ وتَرَكَ خَمْسَ أخَواتٍ؛ فَجاءَتِ الوَرَثَةُ؛ فَأخَذُوا مالَهُ؛ فَشَكَتْ أُمُّ كَجَّةَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١١]؛ ثُمَّ قالَ - في أُمُّ كَجَّةَ -: ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ﴾ [النساء: ١٢]»
فَجَمِيعُ هَذِهِ الرِّواياتِ - كَما تَرى - ناطِقَةٌ بِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ آياتِ المِيراثِ النِّساءُ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَجْمُوعُ سَبَبًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وذَلِكَ كَما أنَّ سَبَبَ إنْزالِ الفَرائِضِ في التَّوْراةِ كانَ النِّساءَ أيْضًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ - جَلَّ أمْرُهُ؛ وعَزَّ اسْمُهُ؛ وتَعالى جَدُّهُ - لَمّا أماتَ مَن نَكَصَ عَنْ أمْرِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ ومِن آلافِهِمْ في التِّيهِ؛ وأخْرَجَ أبْناءَهم مِنهُ؛ أمَرَ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِقِسْمَةِ أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ بَيْنَ بَنِيهِمْ بَعْدَ مَعْرِفَةِ عَدَدِهِمْ؛ عَلى مِنهاجٍ ذَكَرَهُ؛ ولَمْ يَذْكُرِ البَناتِ؛ وكانَ فِيهِمْ بَناتٌ لا أبَ (p-٢٤٧)لَهُنَّ؛ فَسَألْنَ مِيراثَ أبِيهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ حُكْمَهُنَّ؛ قالَ - في السِّفْرِ الرّابِعِ مِنَ التَّوْراةِ؛ ما نَصُّهُ -: (ولَمّا كانَ بَعْدَ المَوْتِ الفاشِي قالَ الرَّبُّ لِمُوسى ولِلْيَعازِرِ بْنِ هارُونَ الحَبْرِ: احْفَظا عَدَدَ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ سَنَةً إلى فَوْقَ؛ كُلَّ مَن خَرَجَ لِلْمُحارَبَةِ مِن بَيْنِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَكُلَّما الجَماعَةُ في عَرَباتِ مُؤابَ الَّتِي عِنْدَ أُرْدُنِّ أرِيحا؛ وأخْبِراهم بِقَوْلِ الرَّبِّ؛ ثُمَّ أحْصَياهُمْ؛ فَكانَ عَدَدُهم سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ رَجُلًا؛ غَيْرَ اللّاوِيِّينَ سِبْطِ مُوسى؛ فَإنَّهم كانُوا لِحِفْظِ قُبَّةِ الزَّمانِ؛ وخِدْمَتِها؛ وكانُوا ثَلاثَ قَبائِلَ؛ أحَدُهم فَغَثُ؛ فَوُلِدَ لَهُ عِمْرانُ؛ وكانَ اسْمُ امْرَأةِ عِمْرانَ حَنَّةَ ابْنَةَ لَوى؛ ولَدَتْ لَهُ بِأرْضِ مِصْرَ هارُونَ؛ (p-٢٤٨)ومُوسى؛ ومَرْيَمَ؛ وكانَ عَدَدُهم في هَذا الوَقْتِ ثَلاثَةً وعِشْرِينَ ألْفًا؛ كُلُّ ذَكَرٍ مِنهُمُ ابْنُ شَهْرٍ؛ فَما فَوْقَ؛ ولَمْ يَكُنْ في هَؤُلاءِ مِمَّنْ أحْصاهُ مُوسى وهارُونُ؛ حَيْثُ عَدّا بَنِي إسْرائِيلَ في بَرِّيَّةِ سَيْناءَ؛ لِأنَّ الرَّبَّ قالَ لَهُمْ: يُقْتَلُونَ في هَذِهِ المَفازَةِ؛ ولا يَبْقى مِنهم رَجُلٌ ما خَلا كِلابَ بْنَ يُوفِنا؛ ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ؛ ودَنا بَناتُ صَلُفْحَدَ مِن قَبِيلَةِ مَنشى بْنِ يُوسُفَ؛ وقُلْنَ: أبُونا تُوُفِّيَ في البَرِّيَّةِ ولَمْ يُخَلِّفِ ابْنًا؛ أعْطِنا مِيراثَنا؛ فَرَفَعَ مُوسى أمْرَهُنَّ إلى الرَّبِّ؛ فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى: الحَقَّ قُلْنَ؛ أعْطِهِنَّ مِيراثًا مَعَ أعْمامِهِنَّ؛ لِيَتَبَيَّنَ مِيراثُ أبِيهِنَّ؛ وقُلْ لِبَنِي إسْرائِيلَ: أيُّ رَجُلٍ ماتَ ولَمْ يُخَلِّفِ ابْنًا يُعْطى مِيراثُهُ ابْنَتَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ابْنَةٌ يُعْطى مِيراثُهُ إخْوَتَهُ؛ ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ إخْوَةٌ يُعْطى مِيراثُهُ أعْمامَهُ ومَن لَمْ يَكُنْ لَهُ أعْمامٌ يُعْطى مِيراثُهُ لِمَن كانَ قَرابَتُهُ مِن أهْلِ عَشِيرَتِهِ؛ وتَكُونُ هَذِهِ سُنَّةً لِبَنِي إسْرائِيلَ في أحْكامِهِمْ؛ كَما أمَرَ الرَّبُّ مُوسى)؛ وقالَ - في السِّفْرِ الثّالِثِ مِنها؛ ما نَصُّهُ -: سُنَّةُ الخَطايا الَّتِي إذا ارْتَكَبَها إنْسانٌ (p-٢٤٩)عُوقِبَ بِالمَوْتِ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى؛ وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقُلْ لَهُمْ: أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ لا تَعْمَلُوا مِثْلَ أعْمالِ أهْلِ مِصْرَ الَّتِي سَكَنْتُمُوها؛ ولا تَعْمَلُوا مِثْلَ أعْمالِ أهْلِ كَنْعانَ الَّتِي أُدْخِلُكم إلَيْها؛ ولا تَسِيرُوا سُنَّتَهُمْ؛ ولَكِنِ اعْمَلُوا بِأحْكامِي؛ واحْفَظُوا وصايايَ؛ وسِيرُوا بِها؛ أنا اللَّهُ رَبُّكُمُ؛ احْفَظُوا شَرائِعِي وأحْكامِي؛ لِأنَّ الَّذِي يَعْمَلُ بِها يَعِيشُ؛ أنا الرَّبُّ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي؛ ولا يَجْسُرَنَّ الرَّجُلُ مِنكم أنْ يَكْشِفَ عَوْرَةَ قَرابَتِهِ؛ أنا الرَّبُّ ولَيْسَ إلَهٌ غَيْرِي؛ ولا تَكْشِفَنَّ عَوْرَةَ أبِيكَ؛ ولا عَوْرَةَ أُمِّكَ؛ لِأنَّها أُمُّكَ؛ ولا تَفْضَحِ امْرَأةَ ابْنِكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَتَها؛ لِأنَّ عَوْرَتَها عَوْرَةُ ابْنِكَ؛ ولا تَفْضَحْ أُخْتَكَ مِن أبِيكَ ومِن أُمِّكَ الَّتِي وُلِدَتْ مِن أبِيكَ؛ أوْ أُخْتَكَ مِن أُمِّكَ لا مِن أبِيكَ؛ لا تَكْشِفْ عَوْرَتَها؛ لِأنَّ فَضِيحَتَها فَضِيحَتُكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ بِنْتِ امْرَأةِ أبِيكَ الَّتِي وُلِدَتْ مِن أبِيكَ؛ لِأنَّها أُخْتُكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ عَمَّتِكَ لِأنَّها أُخْتُ أبِيكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ خالَتِكَ لِأنَّها أُخْتُ أُمِّكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ امْرَأةِ عَمِّكَ؛ ولا تَدْنُ مِنَ امْرَأتِهِ؛ لِأنَّها امْرَأةُ عَمِّكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ كَنَّتِكَ؛ لِأنَّها امْرَأةُ ابْنِكَ؛ ولا تَكْشِفْ (p-٢٥٠)عَوْرَةَ امْرَأةِ أخِيكَ؛ لِأنَّ فَضِيحَتَها فَضِيحَةُ أخِيكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ امْرَأةٍ وبِنْتِها - أيْ: لا تَتَزَوَّجْ بِهِما -؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَةَ بِنْتِ الِابْنِ؛ ولا بِنْتِ البِنْتِ؛ لِأنَّ فَضِيحَتَهُما فَضِيحَتُكَ؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَتَهُما؛ هُنَّ قَرابَتُكَ؛ وارْتِكابُهُنَّ إثْمٌ؛ ولا تَتَزَوَّجْ أُخْتَ امْرَأتِكَ في حَياتِها؛ فَتُحْزِنَها؛ ولا تَكْشِفْ عَوْرَتَهُما جَمِيعًا في حَياةِ امْرَأتِكَ؛ والمَرْأةُ إذا حاضَتْ وطَمَثَتْ لا تَدْنُ لِتَكْشِفَ عَوْرَتَها؛ ولا تَسْفَحْ بِامْرَأةِ صاحِبِكَ؛ ولا تَنْجُسْ؛ ولا تُنَجِّسِ اسْمَ إلَهِكَ؛ أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ لا تُضاجِعَنَّ الذَّكَرَ؛ ولا تَرْتَكِبْ مِنَ الذَّكَرِ ما تَرْتَكِبُ مِنَ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ نَجِسٌ؛ ولا بَهِيمَةً؛ ولا تُلَقِ زَرْعَكَ فِيها فَتَنْجُسَ بِها؛ والمَرْأةُ أيْضًا لا تَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ بَهِيمَةٍ تَطَؤُها؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ نَجِسٌ؛ لا تَنَجَّسُوا مِنها بِشَيْءٍ؛ فَبِهَذِهِ كُلِّها تَنَجَّسَتِ الشُّعُوبُ الَّتِي أهْلَكْتُها مِن بَيْنِ أيْدِيكُمْ؛ وتَنَجَّسَتْ أرْضُهم بِفِعْلِهِمْ؛ وعاقَبْتُها بِإثْمِها؛ وتَعَطَّلَتِ الأرْضُ مِن سُكّانِها لِحالِ خَطاياهُمُ؛ احْفَظُوا عُهُودِي؛ وأحْكامِي؛ ولا تَرْتَكِبُوا شَيْئًا مِن هَذِهِ الخَطايا؛ لِأنَّ أهْلَ البِلادِ الَّتِي تَرِثُونَها فَعَلُوا هَذِهِ الأفاعِيلَ كُلَّها؛ (p-٢٥١)وتَنَجَّسَتِ الأرْضُ بِهِمْ؛ ولا تُنَجِّسُوا الأرْضَ؛ لِئَلّا تُعَطَّلَ مِنكُمْ؛ كَما تَعَطَّلَتْ مِنَ الشُّعُوبِ الَّتِي كانُوا بِها قَبْلَكُمْ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ هَذِهِ الخَطايا يَهْلِكُ؛ احْفَظُوا شَرائِعِي؛ ولا تَرْتَكِبُوا شَيْئًا مِن سِيَرِ الخَطايا الَّتِي فَعَلَها مَن كانَ قَبْلَكُمْ؛ ولا تَنَجَّسُوا بِها؛ أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ).
ثُمَّ كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: (كَلِّمْ جَمِيعَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقُلْ لَهُمْ: تَقَدَّسُوا؛ لِأنِّي قُدُّوسٌ؛ أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ يَهابُ كُلُّ امْرِئٍ مِنكم والِدَيْهِ؛ ويُكْرِمُهُما؛ واحْفَظُوا وصايايَ؛ لِأنِّي أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ لا تُقْبِلُوا إلى الشَّيْطانِ؛ ولا تَتَّخِذُوا آلِهَةً مَسْبُوكَةً؛ أنا اللَّهُ رَبُّكُمْ)؛ وقالَ في السِّفْرِ الثّانِي: (ولا تُصَدِّقَنَّ الخَبَرَ الكاذِبَ؛ لا تُوالِ الخَبِيثَ لِتَكُونَ لَهُ شاهِدَ زُورٍ؛ ولا تَتَّبِعَنَّ هَوى الكَبِيرِ فَتَنْسى؛ ولا تُشايِعَنَّ الكُبَراءَ الَّذِينَ يَحِيفُونَ في القَضاءِ فَتَحِيفَ مَعَهُمْ؛ ولا تُعِنِ المِسْكِينَ عَلى الظُّلْمِ؛ لا تَحِيفَنَّ في قَضاءِ المِسْكِينِ وتَباعَدْ عَنِ القَوْلِ الكاذِبِ)؛ وقالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: (ودَعا مُوسى بِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقالَ لَهُمْ: اسْمَعُوا يا بَنِي إسْرائِيلَ السُّنَنَ والأحْكامَ الَّتِي أتْلُوا عَلَيْكم لِتَعْلَمُوها؛ وتَحْفَظُوها؛ وتَعْمَلُوا بِها؛ وتَعْلَمُونَ (p-٢٥٢)أنَّ اللَّهَ رَبَّنا عاهَدَنا عَهْدًا بِأرْضِ حُورِيبَ؛ ولَمْ يُعاهِدِ اللَّهُ آباءَنا بِهَذا العَهْدِ؛ بَلْ إنَّما عاهَدَنا نَحْنُ؛ الَّذِينَ هَهُنا؛ أحْيانًا سالِمِينَ؛ وجْهًا قَبْلَ وجْهٍ؛ كَلَّمَنا الرَّبُّ في النّارِ عَنِ الجَبَلِ؛ فَأنا كُنْتُ قائِمًا بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ وبَيْنَكم لِأُظْهِرَ لَكم ذَلِكَ الزَّمانَ؛ أقُولُ: اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ حَيْثُ فَرَقْتُمْ مِنَ النّارِ؛ ولَمْ تَصْعَدُوا إلى الجَبَلِ؛ وقالَ الرَّبُّ: أنا اللَّهُ رَبُّكُمُ الَّذِي أخْرَجْتُكم مِن أرْضِ مِصْرَ؛ وخَلَّصْتُكم مِنَ العُبُودِيَّةِ؛ لا يَكُونُ لَكم إلَهٌ غَيْرِي؛ ولا تَتَّخِذُوا أصْنامًا؛ ولا أشْباهًا؛ ولا تُقْسِمْ بِاسْمِ رَبِّكَ كَذِبًا؛ لِأنَّ الرَّبَّ لا يُزَكِّي مَن يَحْلِفُ بِاسْمِهِ كَذِبًا؛ احْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ وطَهِّرُوهُ)؛ إلى أنْ قالَ: (لا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا لِيَسْتَرِيحَ عَبِيدُكم وإماؤُكم مَعَكُمْ؛ واذْكُرُوا أنَّكم كُنْتُمْ عَبِيدًا بِأرْضِ مِصْرَ؛ فَأخْرَجَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم مِن هُناكَ؛ بِيَدٍ مَنِيعَةٍ؛ وذِراعٍ عَظِيمَةٍ؛ لِذَلِكَ أمَرَكم رَبُّكم أنْ تَحْفَظُوا يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَيُكْرِمَ كُلُّ امْرِئٍ مِنكم والِدَيْهِ؛ كَما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ لِتَطُولَ أعْمارُكُمْ؛ ويُنْعِمَ عَلَيْكم في الأرْضِ الَّتِي يُعْطِيكُمْ؛ لا تَقْتُلُوا؛ لا تَزْنُوا؛ لا تَسْرِقُوا؛ لا يَشْتَهِيَنَّ الرَّجُلُ مِنكُمُ امْرَأةَ صاحِبِهِ)؛ إلى أنْ قالَ: (ولا شَيْئًا مِمّا لِصاحِبِكَ؛ هَذِهِ الآياتُ (p-٢٥٣)الَّتِي أمَرَ بِها الرَّبُّ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَلَّمَهم بِها في الجَبَلِ مِنَ النّارِ؛ بِالسَّحابِ والضَّبابِ؛ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ لا يُوَصَفُ ولا يُحَدُّ؛ وهي الَّتِي كَتَبَها عَلى لَوْحَيِ الحِجارَةِ؛ ودَفَعَها إلى مُوسى النَّبِيِّ؛ فَلَمّا سَمِعْتُمْ صَوْتًا مِنَ الظُّلْمَةِ؛ ورَأيْتُمْ نارًا تَشْتَعِلُ في الجَبَلِ؛ تَقَدَّمَ إلَيَّ رُؤَساؤُكُمْ؛ وقالُوا: قَدْ أرانا اللَّهُ رَبُّنا مَجْدَهُ؛ وكَرامَتَهُ؛ وعَظَمَتَهُ؛ اليَوْمَ رَأيْنا أنْ كَلَّمَ اللَّهُ النّاسَ؛ وعاشُوا؛ إنْ عُدْنا نَسْمَعُ صَوْتَ اللَّهِ رَبِّنا مِتْنا؛ تَقَدَّمْ أنْتَ واسْمَعْ ما يَقُولُ اللَّهُ رَبُّنا؛ وقُصَّ عَلَيْنا؛ فَسَمِعَ الرَّبُّ صَوْتَ كَلامِكم حِينَ كَلَّمْتُمُونِي؛ وقالَ لِي الرَّبُّ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ الشَّعْبِ؛ وما قالُوا لَكَ؛ نِعْمَ ما تَكَلَّمُوا بِهِ؛ ويا لَيْتَ تَكُونُ لَهم قُلُوبٌ هَكَذا؛ فَتَكُونَ تَسْمَعُ؛ وتُطِيعُ؛ وتَتَقَوّى؛ ويَفْزَعُونَ مِن قَوْلِي؛ ويَحْفَظُونَ جَمِيعَ وصايايَ؛ كُلَّها احْفَظُوا؛ واعْمَلُوا بِما أمَرَكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ؛ ولا تَحِيدُوا يُمْنَةً ولا يُسْرَةً؛ بَلْ سِيرُوا في كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي أمَرَكم رَبُّكم لِتَعِيشُوا؛ ويُنْعِمَ عَلَيْكُمْ؛ وتَطُولَ (p-٢٥٤)مُدَّتُكم في الأرْضِ الَّتِي تَرِثُونَ؛ هَذِهِ السُّنَنُ والوَصايا والأحْكامُ الَّتِي أمَرَنِي اللَّهُ رَبُّكم أنْ أُعَلِّمَكم لِتَعْلَمُوا؛ وتَتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ؛ أنْتُمْ وبَنُوكُمْ؛ كُلَّ أيّامِ حَياتِكُمْ؛ فَتَطُولَ أعْمارُكُمُ؛ اسْمَعُوا يا بَنِي إسْرائِيلَ؛ اللَّهُ رَبُّنا واحِدٌ؛ أحِبُّوا اللَّهَ رَبَّكم في كُلِّ قُلُوبِكُمْ؛ ولْتَكُنْ هَذِهِ الآياتُ الَّتِي أمَرَكم في قُلُوبِكم أبَدًا؛ وعَلِّمُوها بَنِيكُمْ؛ وتَكَلَّمُوا بِها إذا حَضَرْتُمْ في مَنازِلِكُمْ؛ وإذا سافَرْتُمْ؛ وإذا رَقَدْتُمْ؛ وإذا قُمْتُمْ؛ وشُدُّوها عَلامَةً عَلى أيْدِيكُمْ؛ ويَكُونَ مَيْسَمًا بَيْنَ أعْيُنِكُمْ؛ واكْتُبُوها عَلى قَوائِمِ بُيُوتِكُمْ؛ وعَلى أبْوابِكُمْ؛ ولا تَنْسَوُا اللَّهَ رَبَّكُمْ؛ وإيّاهُ فاعْبُدُوا؛ وبِاسْمِهِ فَأقْسِمُوا؛ ولا تَتَّبِعُوا الآلِهَةَ الأُخْرى الَّتِي تَعْبُدُها الشُّعُوبُ الَّتِي حَوْلَكُمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكُمُ الحالَّ فِيكم هو إلَهٌ غَيُورٌ؛ فاتَّقُوهُ؛ لا يَشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَيْكُمْ؛ ويُهْلِكُّمْ عَنْ حَدِيدِ الأرْضِ؛ ولا تُجَرِّبُوا اللَّهَ رَبَّكم كَما جَرَّبْتُمُوهُ بِالبَلايا؛ ولَكِنِ احْفَظُوا وصِيَّةَ اللَّهِ رَبِّكُمْ؛ وشَهادَتَهُ وسُنَّتَهُ الَّتِي أمَرَكم بِها؛ فاعْمَلُوا الحَسَناتِ؛ وأنْصِفُوا واعْدِلُوا؛ لِيُنْعِمَ عَلَيْكُمْ؛ وتَدْخُلُوا وتَرِثُوا الأرْضَ المُخَصَّبَةَ (p-٢٥٥)الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ لِآبائِكُمْ؛ ويَكْسِرَ جَمِيعَ أعْدائِكُمْ؛ ويَهْزِمَهم قُدّامَكُمْ؛ كَما قالَ الرَّبُّ؛ فَإذا سَألَكم بَنُوكم غَدًا وقالُوا: ما الشَّهادَةُ والسُّنَّةُ والحُكُومَةُ الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها؟ قُولُوا لِبَنِيكُمْ: إنّا كُنّا عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ بِأرْضِ مِصْرَ؛ وأخْرَجَنا الرَّبُّ مِن أرْضِ مِصْرَ بِيَدٍ مَنِيعَةٍ؛ وأنْزَلَ بِأهْلِ مِصْرَ بَلاءً شَدِيدًا؛ وفَعَلَ ذَلِكَ بِفِرْعَوْنَ وجَمِيعِ أهْلِ بَيْتِهِ تِجاهَنا؛ وأخْرَجَنا الرَّبُّ مِن هُناكَ لِيُدْخِلَنا ويُعْطِيَنا الأرْضَ الَّتِي أقْسَمَ لِآبائِنا؛ وأمَرَنا الرَّبُّ أنْ نَعْمَلَ هَذِهِ السُّنَنَ كُلَّها؛ وأنْ نَتَّقِيَ اللَّهَ رَبَّنا لِيُنَعِّمَ كُلَّ أيّامِنا؛ ويُحْيِيَنا بِالخَيْرِ والنِّعَمِ؛ ويَكُونَ رَبُّنا بِنا بَرًّا إذا حَفِظْنا هَذِهِ الوَصِيَّةَ كُلَّها؛ وعُلِّمْناها أمامَ اللَّهِ رَبِّنا كَما أمَرَنا).
وقالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: (ولا تَكَفَّ يَدَكَ عَنِ العَطاءِ والصَّدَقَةِ عَلى أخِيكَ المِسْكِينِ؛ ولَكِنْ يَصَّدَّقُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ ويُعْطِي بَعْضُكم بَعْضًا؛ ولا يُضَيَّقْ قَلْبُكَ؛ ولا يَحْزَنْ إذا صَدَّقْتَ عَلى أخِيكَ؛ لِأنَّكَ إذا فَعَلْتَ هَذا القَوْلَ وأوْسَعْتَ عَلى أخِيكَ يُبارِكُ اللَّهُ لَكَ في جَمِيعِ أعْمالِكَ؛ وفي كُلِّ ما تَمُدُّ يَدَكَ إلَيْهِ؛ مِن أجْلِ أنَّ الأرْضَ لا تُعْدَمُ المَساكِينَ؛ فَلِذَلِكَ (p-٢٥٦)آمُرُكَ - والعَزْمُ إلَيْكَ - أنْ تَمُدَّ يَدَكَ إلى أخِيكَ المِسْكِينِ؛ وتَصَّدَّقَ عَلى الفَقِيرِ في الأرْضِ)؛ وقالَ فِيهِ: (أنْصِفُوا بَيْنَ إخْوَتِكُمْ؛ واحْكُمُوا بِالحَقِّ؛ ولا تَحِيفُوا في القَضاءِ؛ واسْمَعُوا مِنَ الصَّغِيرِ؛ كَما تَسْمَعُونَ مِنَ الكَبِيرِ؛ ولا تَهابُوا الرَّجُلَ؛ ولَوْ عَظُمَ شَأْنُهُ؛ وكَثُرَتْ أمْوالُهُ؛ لِأنَّ القَضاءَ لِلَّهِ)؛ وقالَ فِيهِ: (صَيِّرُوا لَكم قُضاةً؛ وكُتّابًا في جَمِيعِ قُراكُمْ؛ وتَقْضُونَ لِلشَّعْبِ قَضاءَ العَدْلِ والبِرِّ؛ ولا تَحِيفُنَّ في القَضاءِ؛ ولا تُحابُوا؛ ولا تَرْتَشُوا؛ لِأنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أعْيُنَ الحُكّامِ في القَضاءِ؛ ولَكِنْ أقْضِي بِالحَقِّ؛ لِتَعِيشُوا؛ وتَبْقَوْا؛ وتَرِثُوا الأرْضَ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ).
فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أُصُولُ غالِبِ ما ذَكَرَهُ (تَعالى) في هَذِهِ السُّورَةِ؛ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أشْكالِهِ في“البَقَرَةِ”؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٨٣]؛ وغَيْرِها مِنَ الآياتِ؛ وفي“آلِ عِمْرانَ”؛ أيْضًا؛ وأمّا حَدُّ الزّانِي؛ وأمْرُ القَتْلِ والجِراحِ فَسَيُذْكَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في“المائِدَةِ".
النساء 4:27
ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إرادَتَهُ لِصَلاحِهِمْ ورَغَّبَ في اتِّباعِ الهُدى بِعِلْمِهِ؛ وحِكْمَتِهِ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ بِلُطْفٍ مِنهُ وعِظَمِ سُلْطانِهِ؛ ﴿يُرِيدُ﴾؛ أيْ: بِإنْزالِهِ هَذا الكِتابَ العَظِيمَ؛ وإرْسالِهِ هَذا الرَّسُولَ (p-٢٥٧)الكَرِيمَ؛ ﴿أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: يَرْجِعَ لَكم بِالبَيانِ الشّافِي عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِن طُرُقِ الضَّلالِ؛ لِما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَمى بِالجَهْلِ؛ وزادَهم في ذَلِكَ رَغْبَةً؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿الشَّهَواتِ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ وغَيْرِهِمْ؛ كَشَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْداءِ؛ ﴿أنْ تَمِيلُوا﴾؛ أيْ: عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ ﴿مَيْلا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: إلى أنْ تَصِيرُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ والضَّلالِ؛ فَقَدْ أبْلَغَ - سُبْحانَهُ - في الحَمْلِ عَلى الهُدى؛ بِمُوافَقَةِ الوَلِيِّ المُنْعِمِ الجَلِيلِ؛ الَّذِي لا تَلْحَقُهُ شائِبَةُ نَقْصٍ؛ ومُخالَفَةُ العَدُوِّ الحَسُودِ الجاهِلِ؛ النّازِلِ مِن أوْجِ العَقْلِ إلى حَضِيضِ طِباعِ البَهائِمِ.
النساء 4:28
ولَمّا كانَ المَيْلُ مُتْعِبًا لِمُرْتَكِبِهِ؛ أخْبَرَهم أنَّ عِلَّةَ بَيانِهِ لِلْهِدايَةِ؛ وإرادَتِهِ التَّوْبَةَ؛ الرِّفْقُ بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ وجَمِيعُ العَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ ﴿أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: يَفْعَلَ في هَذا البَيانِ؛ وهَذِهِ الأحْكامِ؛ فِعْلَ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ؛ فَيَضَعَ عَنْكُمُ الآصارَ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمُ؛ الحامِلَةَ عَلى المَيْلِ؛ ويُرَخِّصَ لَكم في (p-٢٥٨)بَعْضِ الأشْياءِ؛ كَنِكاحِ الأمَةِ - عَلى ما تَقَدَّمَ -؛ ودَلَّ عَلى عِلَّةِ ذَلِكَ بِالواوِ العاطِفَةِ؛ لِأنَّكم خُلِقْتُمْ ضُعَفاءَ؛ يَشُقُّ عَلَيْكُمُ الثِّقْلُ؛ ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أنْتُمْ بَعْضُهُ؛ ﴿ضَعِيفًا﴾؛ مَبْناهُ الحاجَةُ؛ فَهو لا يَصْبِرُ عَنِ النِّكاحِ؛ ولا غَيْرِهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ ولا يَقْوى عَلى فِعْلِ شَيْءٍ إلّا بِتَأْيِيدِ مِنهُ - سُبْحانَهُ.
النساء 4:29
ولَمّا كانَ غالِبُ ما مَضى مَبْنِيًّا عَلى الأمْوالِ تارَةً بِالإرْثِ؛ وتارَةً بِالجُعْلِ في النِّكاحِ؛ حَلالًا أوْ حَرامًا؛ قالَ (تَعالى) - إنْتاجًا مِمّا مَضى؛ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ؛ وبَيَّنَ ضَعْفَ هَذا النَّوْعِ كُلِّهِ؛ فَبَطَلَ تَعْلِيلُهم لِمَنعِ النِّساءِ؛ والصِّغارِ مِنَ الإرْثِ بِالضَّعْفِ؛ وبَعْدَ أنْ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّرَصُّفِ في أمْرِ النِّكاحِ بِالأمْوالِ؛ وغَيْرِها حِفْظًا لِلْأنْسابِ؛ ذاكِرًا كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ؛ تَطْهِيرًا لِلْإنْسانِ؛ مُخاطِبًا لِأدْنى الأسْنانِ في الإيمانِ؛ تَرْفِيعًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ مِثْلِ هَذا الشَّأْنِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ والتِزامِ الأحْكامِ؛ ولَمّا كانَ الأكْلُ أعْظَمَ المَقاصِدِ بِالمالِ؛ وكانَ العَرَبُ يَرَوْنَ التَّهافُتَ عَلى الأكْلِ أعْظَمَ العارِ؛ وإنْ كانَ حَلالًا؛ كَنّى بِهِ التَّناوُلَ (p-٢٥٩)فَقالَ: ﴿لا تَأْكُلُوا﴾؛ أيْ: تَتَناوَلُوا؛ ﴿أمْوالَكُمْ﴾؛ أيْ: الأمْوالَ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ قِيامًا لِلنّاسِ؛ ﴿بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّسَبُّبِ فِيها؛ بِأخْذِ نَصِيبِ النِّساءِ والصِّغارِ؛ مِنَ الإرْثِ؛ وبِعَضْلِ بَعْضِ النِّساءِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ؛ وغَيْرِهِ.
ولَمّا نَهى عَنِ الأكْلِ بِالباطِلِ؛ اسْتَدْرَكَ ما لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿إلا أنْ تَكُونَ﴾؛ أيْ: المُعامَلَةُ المُدارَةُ المُتَداوَلَةُ بَيْنَكُمْ؛ ﴿تِجارَةً﴾؛ هَذا في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالنَّصْبِ؛ وعَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ: إلّا أنْ تُوجَدَ تِجارَةٌ كائِنَةٌ؛ ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: غَيْرِ مَنهِيٍّ عَنْهُ مِنَ الشّارِعِ؛ ولَعَلَّ الإتْيانَ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ - والمَعْنى عَلى المُنْقَطِعِ - لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَصَرُّفاتِ الدُّنْيا كُلَّها جَدِيرَةٌ بِأنْ يَجْرِيَ عَلَيْها اسْمُ الباطِلِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ ”إلّا“؛ مَعْنِيًّا بِها تَزْهِيدًا فِيها؛ وصَدًّا عَنْ الِاسْتِكْثارِ مِنها؛ وتَرْغِيبًا فِيما يَدُومُ نَفْعُهُ بِبَقائِهِ؛ وهَكَذا كُلُّ اسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ في القُرْآنِ؛ مَن تَأمَّلَهُ حَقَّ التَّأمُّلِ وجَدَ لِلْعُدُولِ عَنِ الحَرْفِ المَوْضُوعِ لَهُ - وهو ”لَكِنْ“ - إلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ حِكْمَةً بالِغَةً؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ المالُ عَدِيلَ الرُّوحِ؛ ونَهى عَنْ إتْلافِهِ بِالباطِلِ؛ نَهى عَنْ (p-٢٦٠)إتْلافِ النَّفْسِ؛ لِكَوْنِ أكْثَرِ إتْلافِهِمْ لَها بِالغاراتِ؛ لِنَهْبِ الأمْوالِ؛ وما كانَ بِسَبَبِها؛ وتَسْبِيبِها؛ عَلى أنَّ مَن أُكِلَ مالُهُ ثارَتْ نَفْسُهُ؛ فَأدّى ذَلِكَ إلى الفِتَنِ الَّتِي رُبَّما كانَ آخِرُها القَتْلَ؛ فَكانَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ أنْسَبَ شَيْءٍ؛ لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ التَّعاطُفِ؛ والتَّواصُلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: حَقِيقَةً؛ بِأنْ يُباشِرَ الإنْسانُ قَتْلَ نَفْسِهِ؛ أوْ مَجازًا بِأنْ يَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا؛ فَإنَّ الأنْفُسَ واحِدَةٌ؛ وذَلِكَ أيْضًا يُؤَدِّي إلى قَتْلِ نَفْسِ القاتِلِ؛ فَلا تَغْفُلُوا عَنْ حَظِّ أنْفُسِكم مِنَ الشُّكْرِ؛ فَمَن غَفَلَ عَنْ حَظِّها فَكَأنَّما قَتَلَها؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما يُلِينُ أقْسى النّاسِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ؛ ﴿كانَ بِكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ حَيْثُ خَفَّفَ عَلَيْكم ما شَدَّدَهُ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ؛ ﴿رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ الرَّحْمَةِ؛ حَيْثُ يَسَّرَ لَكُمُ الطّاعَةَ؛ ووَفَّقَكم لَها؛ فَأبْلَغَ - سُبْحانَهُ - التَّرْغِيبَ في الِامْتِثالِ؛
النساء 4:30
ثُمَّ قالَ - تَرْهِيبًا مِن مُواقَعَةِ الضَّلالِ -: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: المَنهِيَّ عَنْهُ مِنَ القَتْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ العَظِيمِ الإبْعادِ عَنْ حَضَراتِ الإلَهِ؛ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وعَطْفُهُ لِلْوَصْفِ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى تَناهِي كُلٍّ مِنهُما؛ هَذا مَعَ ما أفْهَمَهُ صِفَةُ الـ ”فُعْلانِ“؛ مِنَ المُبالَغَةِ؛ فَكانَ المُرادُ العَدُوَّ الشَّدِيدَ المُفْرِطَ المُتَجاوِزَ (p-٢٦١)لِلْحُدُودِ؛ النّاشِئَ عَنِ العَهْدِ؛ وتَناهِي الظُّلْمِ الَّذِي لا شائِبَةَ فِيهِ لِلْحَقِّ؛ ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾؛ أيْ: نُدْخِلُهُ إيّاها؛ بِوَعِيدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وإنْ طالَ إمْهالُهُ؛ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي تُوُعِّدُ بِهِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ ﴿يَسِيرًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ لا يُنْقِصُهُ مِن مُلْكِهِ شَيْئًا؛ ولا يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ.
النساء 4:31
ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) ما لِفاعِلِ ذَلِكَ؛ تَحْذِيرًا؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ جُمْلَةٌ مِنَ الكَبائِرِ؛ أتْبَعَهُ ما لِلْمُنْتَهِي؛ تَبْشِيرًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا لِلْفاعِلِ فَما لِلْمُجْتَنِبِ؟ فَقالَ - عَلى وجْهٍ عامٍّ -: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾؛ أيْ: تُجْهِدُوا أنْفُسَكم بِالقَصْدِ الصّالِحِ؛ في أنْ تَتْرُكُوا تَرْكًا عَظِيمًا؛ وتُباعِدُوا؛ ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾؛ أيْ: مِن أكْلِ المالِ؛ والقَتْلِ بِالباطِلِ؛ والزِّنا؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ؛ رَوى البَزّارُ: قالَ الهَيْثَمِيُّ - ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ -: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ؛ فَقالَ: ”ما بَيْنَ أوَّلِ سُورَةِ“النِّساءِ”؛ إلى رَأْسِ ثَلاثِينَ“؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وكُلُّ ذَنْبٍ عَظَّمَ الشَّرْعُ الوَعِيدَ عَلَيْهِ بِالعَذابِ؛ وشَدَّدَهُ؛ أوْ عَظَّمَ ضَرَرَهُ في الخَمْسِ الضَّرُورِيَّةِ - حِفْظِ الدِّينِ؛ والنَّفْسِ والنَّسَبِ؛ والعَقْلِ؛ والمالِ - فَهو كَبِيرَةٌ؛ وما عَداهُ صَغِيرَةٌ؛ ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي دُونَ الكَبائِرِ؛ كُلَّها؛ فَإنِ ارْتَكَبْتُمْ (p-٢٦٢)شَيْئًا مِنَ الكَبائِرِ؛ وأتَيْتُمْ بِالمُكَفِّراتِ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ؛ والجُمُعَةِ؛ وصَوْمِ رَمَضانَ؛ والحَجِّ؛ أوْ فَرَّطْتُمْ في شَيْءٍ مِنها؛ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ أتاكم بِالمَرَضِ؛ كَفَّرَ ذَلِكَ المَأْتِيُّ بِهِ الصَّغائِرَ؛ ولَمْ يُقاوِمْ تِلْكَ الكَبِيرَةَ؛ فَلَمْ يُكَفِّرْ جَمِيعَ السَّيِّئاتِ؛ لِعَدَمِ إتْيانِهِ عَلى تِلْكَ الكَبِيرَةِ؛ ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾؛ أيْ: يَجْمَعُ الشَّرَفَ؛ والعَمَلَ؛ والجُودَ؛ وكُلَّ مَعْنًى حَسَنٍ؛ ومَن فاتَهُ جَمِيعُ ذَلِكَ لَمْ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ؛ ولَمْ يُدْخِلْهُ هَذا المُدْخَلَ؛ ويَكْفِي في انْتِفائِهِ حُصُولُ القَصاصِ في وقْتٍ ما؛ وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: المُسْلِمُونَ كُلُّهم في الجَنَّةِ - لِهَذِهِ الآيَةِ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «”ادَّخَرْتُ شَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي“؛» فاللَّهُ (تَعالى) يَغْفِرُ ما دُونُ الكَبائِرِ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ يَشْفَعُ في الكَبائِرِ؛ فَأيُّ ذَنْبٍ عَلى المُسْلِمِينَ؟! ذَكَرَهُ عَنْهُ الأصْبَهانِيُّ؛ وهَذا الحَدِيثُ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
النساء 4:32
ولَمّا نَهى عَنِ القَتْلِ؛ وعَنِ الأكْلِ بِالباطِلِ بِالفِعْلِ؛ وهُما مِن أعْمالِ الجَوارِحِ؛ لِيَصِيرَ الظّاهِرُ طاهِرًا عَنِ المَعاصِي الوَخِيمَةِ؛ نَهى عَنِ التَّمَنِّي؛ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الأكْلِ؛ لِيَكُونَ نَهْيًا عَنِ الأكْلِ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ فَإنَّ التَّمَنِّيَ قَدْ يَكُونُ حَسَدًا؛ وهو المَنهِيُّ عَنْهُ هُنا؛ كَما هو ظاهِرُ الآيَةِ؛ وهو حَرامٌ؛ والرِّضا بِالحَرامِ؛ والتَّمَنِّي عَلى هَذا (p-٢٦٣)الوَجْهِ يَجُرُّ إلى الأكْلِ؛ والأكْلُ يَعُودُ إلى القَتْلِ؛ فَإنَّ مَن يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يُوشِكْ أنْ يُواقِعَهُ؛ والنَّهْيُ هُنا لِلتَّحْرِيمِ؛ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا﴾؛ أيْ: تُتابِعُوا أنْفُسَكم في ذَلِكَ؛ ﴿ما فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ فَلا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ المالِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: في الإرْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن جَمِيعِ الفَضائِلِ النَّفْسانِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالقُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ كالذَّكاءِ التّامِّ؛ والحَدْسِ الكامِلِ؛ وزِيادَةِ المَعارِفِ بِالكَمِّيَّةِ؛ والكَيْفِيَّةِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ كالعِفَّةِ؛ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنَ الجُمُودِ؛ والفُجُورِ؛ والشَّجاعَةِ الَّتِي هي وسَطٌ بَيْنَ التَّهَوُّرِ؛ والجُبْنِ؛ والسَّخاءِ الَّذِي هو وسَطٌ بَيْنَ الإسْرافِ؛ والبُخْلِ؛ وكاسْتِعْمالِ هَذِهِ القُوى عَلى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي؛ وهو العَدالَةُ؛ أوِ الفَضائِلِ البَدَنِيَّةِ؛ كالصِّحَّةِ؛ والجَمالِ؛ والعُمْرِ الطَّوِيلِ؛ مَعَ اللَّذَّةِ؛ والبَهْجَةِ؛ أوِ الفَضائِلِ الخارِجِيَّةِ؛ مِثْلِ كَثْرَةِ الأوْلادِ الصُّلَحاءِ؛ وكَثْرَةِ العَشائِرِ؛ والأصْدِقاءِ؛ والأعْوانِ؛ والرِّئاسَةِ التّامَّةِ؛ ونَفاذِ القَوْلِ؛ وكَوْنِهِ مَحْبُوبًا لِلنّاسِ؛ حَسَنَ الذِّكْرِ فِيهِمْ؛ فَهَذِهِ مَجامِعُ السَّعاداتِ؛ وبَعْضُها نَظَرِيَّةٌ لا مَدْخَلَ لِلْكَسْبِ فِيها؛ وبَعْضُها كَسْبِيَّةٌ؛ ومَتى تَأمَّلَ العاقِلُ في ذَلِكَ؛ وجَدَهُ مَحْضَ عَطاءٍ مِنَ اللَّهِ؛ فَمَن (p-٢٦٤)شاهَدَ غَيْرَهُ أرْفَعَ مِنهُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ؛ تَألَّمَ قَلْبُهُ؛ وكانَتْ لَهُ حالَتانِ: إحْداهُما أنْ يَتَمَنّى حُصُولَ مِثْلِ تِلْكَ السَّعادَةِ لَهُ؛ والأُخْرى أنْ يَتَمَنّى زَوالَها عَنْ صاحِبِها؛ وهَذا هو الحَسَدُ المَذْمُومُ؛ لِأنَّهُ كالِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ؛ الَّذِي قَسَمَ هَذِهِ القِسْمَةَ؛ فَإنِ اعْتَقَدَ أنَّهُ أحَقُّ مِنهُ فَقَدْ فَتَحَ عَلى نَفْسِهِ بابَ الكُفْرِ؛ واسْتَجْلَبَ ظُلُماتِ البِدْعَةِ؛ ومَحا نُورَ الإيمانِ؛ فَإنَّ اللَّهَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ؛ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ وكَما أنَّ الحَسَدَ سَبَبُ الفَسادِ في الدِّينِ؛ فَهو سَبَبُ الفَسادِ في الدُّنْيا؛ فَعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَرْضى بِما قُسِمَ لَهُ؛ عِلْمًا بِأنَّ ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ؛ ولَوْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَسَدَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قِسْمَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ صادِرَةٌ عَنْ حُكْمِهِ؛ وتَدْبِيرِهِ؛ وعِلْمِهِ بِأحْوالِ العِبادِ فِيما يُصْلِحُهُمْ؛ ويُفْسِدُهم.
وأمّا تَمَنِّي المِثْلِ؛ فَإنْ كانَ دِينِيًّا كانَ حَسَنًا؛ كَما قالَ ﷺ: «”لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ“؛» وإنْ كانَ دُنْيَوِيًّا فَمِنَ النّاسِ مَن جَوَّزَ ذَلِكَ؛ ومِنهم مَن قالَ - وهُمُ المُحَقِّقُونَ -: لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ النِّعْمَةَ رُبَّما كانَتْ مَفْسَدَةً في حَقِّهِ في الدِّينِ؛ ومَضَرَّةً في الدُّنْيا؛ كَقِصَّةِ قارُونَ؛ قالَ مَعْنى ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ (p-٢٦٥)ولَمّا نَهى - سُبْحانَهُ - عَنْ ذَلِكَ؛ عَلَّلَهُ بِما يُنَبِّهُ عَلى السَّعْيِ في الِاسْتِرْزاقِ؛ والإجْمالِ في الطَّلَبِ؛ كَما قالَ ﷺ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ؛ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ“؛» وكَما قالَ ﷺ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا؛ ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ؛ فَإنَّ“لَوْ”تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ“؛» فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَنالُ أحَدٌ جَمِيعَ ما يُؤَمِّلُ -: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: قَدْ فُرِغَ مِن تَقْدِيرِهِ؛ فَهو بِحَيْثُ لا يَزِيدُ؛ ولا يَنْقُصُ؛ وبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ يَنْبَغِي الطَّلَبُ؛ والعَمَلُ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ؛ فَقالَ: ﴿مِمّا اكْتَسَبُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمْ؛ وأتْعَبُوها في كَسْبِهِ؛ مِن أُمُورِ الدّارَيْنِ؛ مِنَ الثَّوابِ وأسْبابِهِ مِنَ الطّاعاتِ؛ ومِنَ المِيراثِ؛ والسَّعْيِ في المَكاسِبِ؛ والأرْباحِ؛ «”جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ (p-٢٦٦)ظِلِّ رُمْحِي“؛» «”لَرَزَقَكم كَما يَرْزُقُ الطَّيْرَ؛ تَغْدُو خِماصًا؛ وتَرُوحُ بِطانًا“؛» ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾؛ أيْ: وكَذَلِكَ فالتَّمَنِّي حِينَئِذٍ غَيْرُ نافِعٍ؛ فالِاشْتِغالُ بِهِ مُجَرَّدُ عَناءٍ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّبْعِيضِ إلى أنَّ الحُصُولَ بِتَقْدِيرِهِ؛ لا بِالكَسْبِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا؛ فَإنَّهُ تارَةً يُنْجِحُهُ؛ وتارَةً يُخَيِّبُهُ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فاكْتَسِبُوا؛ ولا تَعْجِزُوا فَتَطْلُبُوا بِالتَّمَنِّي“؛ أمَرَ بِالإقْبالِ - في الغِنى وكُلِّ شَيْءٍ - عَلَيْهِ؛ إشارَةً إلى تَحْرِيكِ السَّبَبِ؛ مَعَ الإجْمالِ في الطَّلَبِ؛ فَقالَ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَظَمَتُهُ - لا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ؛ وإنْ جَلَّ؛ قالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: مِن خَزائِنِهِ الَّتِي لا تَنْفَدُ؛ ولا يَقْضِيها شَيْءٌ؛ وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عَدَمِ التَّعْيِينِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما كانَ سَبَبَ الفَسادِ؛ بَلْ يَكُونُ الطَّلَبُ لِما هو لَهُ صَلاحٌ؛ وأحْسَنُ الدُّعاءِ المَأْثُورِ؛ وأحْسَنُهُ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ (p-٢٦٧)بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي بِيَدِهِ مَقالِيدُ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: فَكانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا؛ فَإنَّ كَمالَ العِلْمِ يَسْتَلْزِمُ شُمُولَ القُدْرَةِ - كَما سَيَبِينُ - إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) - في سُورَةِ ”طـه“؛ والمَعْنى أنَّهُ قَدْ فَعَلَ بِعِلْمِهِ ما يُصْلِحُكُمْ؛ فاسْألُوهُ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ ما يَنْفَعُكُمْ؛ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ كُلَّ عَبْدٍ؛ وما يُفْسِدُهُ؛
النساء 4:33
وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو مِن جُمْلَةِ العِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿ولِكُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ القَبِيلَتَيْنِ؛ صِغارًا كانُوا أوْ كِبارًا؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُضاهى؛ ﴿مَوالِيَ﴾؛ أيْ: حَكَمْنا بِأنَّهم هُمُ الأوْلِياءُ؛ أيْ: الأنْصارُ؛ والأقْرِباءُ؛ لِأجْلِ الإرْثِ؛ هُمُ الَّذِينَ يَلُونَ المالَ؛ ويَرِثُونَهُ؛ سَواءٌ كانُوا عُصْبَةً خاصَّةً؛ وهُمُ الوُرّاثُ؛ أوْ عُصْبَةً عامَّةً؛ وهُمُ المُسْلِمُونَ.
ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِتَوْرِيثِ الصِّغارِ أكْثَرَ قالَ: ﴿مِمّا﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ ما؛ ﴿تَرَكَ﴾؛ أيْ: خَلْفَهُ؛ ﴿الوالِدانِ﴾؛ أيْ: لَكُمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَشْمَلُ حَقَّيِ الأصْلِ والفَرْعِ؛ فَقالَ: ﴿والأقْرَبُونَ﴾؛ أيْ: إلَيْكُمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾؛ أيْ: وما تَرَكَ الَّذِينَ؛ ﴿عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا تَرَكَهُ مَن تُدَلُّونَ إلَيْهِ بِنَسَبٍ؛ أوْ سَبَبٍ؛ بِالحِلْفِ؛ أوِ الوَلاءِ؛ أوِ الصِّهْرِ؛ وذَكَرَ اليَمِينَ لِأنَّ العَهْدَ يَكُونُ مَعَ (p-٢٦٨)المُصافَحَةِ بِها؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَآتُوهُمْ﴾؛ أيْ: المَوالِيَ؛ وإنْ كانُوا صِغارًا؛ أوْ إناثًا؛ عَلى ما بَيَّنْتُ لَكم في آيَةِ المَوارِيثِ السّابِقَةِ؛ واتْرُكُوا كُلَّ ما خالَفَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ نُسِخَ بِها؛ ﴿نَصِيبَهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي فَرَضْناهُ لَهم مِنَ الإرْثِ؛ مُوفَرًا؛ غَيْرَ مَنقُوصٍ؛ ولا تَظُنُّوا أنَّ غَيْرَهم أوْلى مِنهُمْ؛ أوْ مُساوٍ لَهُمْ؛ ثُمَّ رَهَّبَ مِنَ المُخالَفَةِ؛ وأكَّدَ الأمْرَ؛ وعْدًا ووَعِيدًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: فَهو يَعْلَمُ الوَلِيَّ مِن غَيْرِهِ؛ والخائِنَ مِن غَيْرِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في الإخْفاءِ؛ لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا يَغِيبُ عَنْ شَيْءٍ؛ ولا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ؛ فالمَعْنى: ”إنّا لَمْ نَفْعَلْ سِوى ما قَصَدْتُمْ مِن إعْطاءِ المالِ لِمَن يَحْمِي الذِّمارَ؛ ويَذُبُّ عَنِ الحَوْزَةِ؛ وأنْتُمْ كُنْتُمْ غَيْرَ مُنْزِلِيهِ حَقَّ مَنازِلِهِ؛ لِغَيْبَتِكم عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ؛ وغَيْبَتِها عَنْكُمْ؛ فَإنّا لَمْ نُخْرِجْ شَيْئًا مِنهُ لِغَيْرِ المَوالِي -؛ أيْ: الأنْصارِ - إمّا بِالقَرابَةِ؛ أوْ بِالمُعاقَدَةِ بِالوَلاءِ؛ أوِ المُصاهَرَةِ؛ فالحاصِلُ أنَّهُ لِمَن يَحْمِي بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ أوِ البَعِيدَةِ الآثِلَةِ إلى القُرْبِ؛ وأمّا التَّفْضِيلُ في الأنْصِباءِ فَأمْرٌ اسْتَأْثَرْنا بِعِلْمِ مُسْتَحِقِّيهِ؛ وفي البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ“مَوالِيَ”: ورَثَةً؛“والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ”: (p-٢٦٩)كانَ المُهاجِرُونَ لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ؛ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ؛ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾؛ نَسَخَتْ“؛ ثُمَّ قالَ: ”والَّذِينَ عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ“؛ مِنَ النَّصْرِ؛ والرِّفادَةِ؛ والنَّصِيحَةِ؛ وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ؛ ويُوصِي لَهُ".
النساء 4:34
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - وجْهَ اسْتِحْقاقِ بَعْضِ المُفَضَّلِينَ؛ فَقالَ - جَوابًا لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لِلرِّجالِ فُضِّلُوا؟ - ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾؛ أيْ: قِيامَ الوُلاةِ؛ ﴿عَلى النِّساءِ﴾؛ في التَّأْدِيبِ؛ والتَّعْلِيمِ؛ وكُلِّ أمْرٍ ونَهْيٍ؛ وبَيَّنَ سَبَبَيْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ والكَمالُ الَّذِي لا يُدانى؛ هِبَةً مِنهُ؛ وفَضْلًا؛ مِن غَيْرِ تَكَسُّبٍ؛ ﴿بَعْضَهُمْ﴾؛ وهُمُ الرِّجالُ؛ في العَقْلِ؛ والقُوَّةِ؛ والشَّجاعَةِ؛ ولِهَذا كانَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ؛ والوُلاةُ؛ والإمامَةُ الكُبْرى؛ والوِلايَةُ في النِّكاحِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِن كُلِّ أمْرٍ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ قُوَّةٍ في البَدَنِ؛ والعَقْلِ؛ والدِّينِ؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ يَعْنِي النِّساءَ؛ فَقالَ لِلرِّجالِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١]؛ وقالَ لِلنِّساءِ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] (p-٢٧٠)ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ المَوْهِبِيَّ أتْبَعَهُ الكَسْبِيَّ؛ فَقالَ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾؛ أيْ: مِنَ المُهُورِ؛ والكُسى؛ وغَيْرِها؛ ﴿مِن أمْوالِهِمْ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِنَّ؛ فَصارَتِ الزِّيادَةُ في أحَدِ الجانِبَيْنِ مُقابَلَةً بِالزِّيادَةِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ.
ولَمّا بانَ بِذَلِكَ فَضْلُهُمْ؛ فَأذْعَنَتِ النَّفْسُ لِما فُضِّلُوا بِهِ في الإرْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ نِكاحِهِمْ لِلنِّساءِ؛ والحَثِّ عَلى العَدْلِ فِيهِنَّ؛ حَسُنَ بَيانُ ما يَلْزَمُ الزَّوْجاتِ مِن حُقُوقِهِمْ؛ وتَأْدِيبِ مَن جَحَدَتِ الحَقَّ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا لِما يَلْزَمُهُنَّ مِن حُقُوقِهِمْ؛ عَمّا ذَكَرَ مِن فَضْلِهِمْ -: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾؛ أيْ: مُخْلِصاتٌ في طاعَةِ الأزْواجِ؛ ولِذَلِكَ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ؛ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾؛ أيْ: لِحُقُوقِ الأزْواجِ؛ مِنَ الأنْفُسِ؛ والبُيُوتِ؛ والأمْوالِ؛ في غَيْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِالأمْرِ الَّذِي؛ ﴿حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِهِ غَيْبَتَهُمْ؛ بِفِعْلِهِ فِيهِ فِعْلَ مَن يَحْفَظُ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ في طاعَتِهِمْ فِيما يُرْضِي اللَّهَ؛ والتَّرْهِيبِ مِن عِصْيانِهِمْ بِما يُسْخِطُهُ؛ ورَعْيِ الحُدُودِ الَّتِي أشارَ إلَيْها - سُبْحانَهُ - مِن ”البَقَرَةِ“؛ وشَرَحَتْها سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
ولَمّا عَرَّفَ بِالصّالِحاتِ لِاسْتِحْقاقِ الإنْفاقِ في اللَّوازِمِ؛ أتْبَعَهُ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ؛ فَقالَ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾؛ أيْ: تَرَفُّعَهُنَّ عَلَيْكم عَنِ (p-٢٧١)الرُّتْبَةِ الَّتِي أقامَهُنَّ اللَّهُ بِها؛ وعِصْيانَهُنَّ لَكم فِيما جَعَلَ اللَّهُ لَكم مِنَ الحَقِّ؛ وأصْلُ النُّشُوزِ: الِانْزِعاجُ في ارْتِفاعٍ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: دَلالاتُ النُّشُوزِ قَدْ تَكُونُ قَوْلًا؛ وقَدْ تَكُونُ فِعْلًا؛ فالقَوْلُ مِثْلُ أنْ كانَتْ تُلَبِّيهِ إذا دَعاها؛ وتَخْضَعُ لَهُ بِالقَوْلِ إذا خاطَبَها؛ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ؛ والفِعْلُ مِثْلُ أنْ كانَتْ تَقُومُ لَهُ إذا دَخَلَ إلَيْها؛ أوْ كانَتْ تُسارِعُ إلى أمْرِهِ؛ وتُبادِرُ إلى فِراشِهِ بِاسْتِبْشارٍ إذا التَمَسَها؛ ثُمَّ إذا تَغَيَّرَتْ فَحِينَئِذٍ ظُنَّ نُشُوزُها؛ ومُقْدِماتُ هَذِهِ الأحْوالِ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ؛ ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾؛ أيْ: ذَكِّرُوهُنَّ مِن أمْرِ اللَّهِ؛ بِما يُصَدِعُ قُلُوبَهُنَّ؛ ويُرَقِّقُها؛ ويُخِيفُهُنَّ مِن جَلالِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ الوَعْظُ مُوجِبًا لِتَحَقُّقِ الطّاعَةِ؛ أوِ المَعْصِيَةِ؛ قالَ: ﴿واهْجُرُوهُنَّ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ يَرْجِعْنَ بِالوَعْظِ؛ ﴿فِي المَضاجِعِ﴾؛ أيْ: الَّتِي كُنْتُمْ تَبِيتُونَ مَعَهُنَّ فِيها؛ مِنَ البَيْتِ؛ وفي ضِمْنِ الهَجْرِ امْتِناعُهُ مِن كَلامِها؛ قالَ الشّافِعِيُّ: ولا يَزِيدُ في هِجْرَةِ الكَلامِ عَلى ثَلاثٍ؛ ﴿واضْرِبُوهُنَّ﴾؛ أيْ: إنْ أصْرَرْنَ؛ ضَرْبَ تَأْدِيبٍ؛ غَيْرَ مُبَرِّحٍ؛ وهو ما لا يَكْسِرُ عَظْمًا؛ ولا يَشِينُ عُضْوًا؛ ويَكُونُ مُفَرَّقًا عَلى بَدَنِها؛ ولا يُوالِي بِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ؛ ويَتَّقِي الوَجْهَ؛ لِأنَّهُ مَجْمَعُ المَحاسِنِ؛ ويَكُونُ دُونَ الأرْبَعِينَ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: الضَّرْبُ مُباحٌ؛ وتَرْكُهُ أفْضَلُ؛ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾؛ أيْ: بِشَيْءٍ مِنَ الوَعْظِ؛ (p-٢٧٢)والهَجْرِ في مَوْضِعِ المَبِيتِ مِنَ البَيْتِ؛ أوِ الضَّرْبِ؛ ﴿فَلا تَبْغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ ﴿عَلَيْهِنَّ سَبِيلا﴾؛ أيْ: طَرِيقًا إلى الأذى؛ عَلى ما سَلَفَ مِنَ العِصْيانِ؛ مِن تَوْبِيخٍ عَلى ما سَلَفَ نَحْوُهُ؛ بِما لَكَمَ عَلَيْهِنَّ مِنَ العُلُوِّ؛ بَلِ اغْفِرُوا لَهُنَّ ما سَلَفَ؛ ولا يَحْمِلَنَّكم ما مَنَحَكُمُ اللَّهُ مِنَ العُلُوِّ عَلى المُناقَشَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وقَدْ عَلِمْتُمْ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ﴿عَلِيًّا كَبِيرًا﴾؛ أيْ: لَهُ العُلُوُّ والكِبَرُ؛ عَلى الِإطْلاقِ؛ بِكَمالِ القُدْرَةِ؛ ونُفُوذِ المَشِيئَةِ؛ فَهو لا يُحِبُّ الباغِيَ؛ ولا يُقِرُّهُ عَلى بَغْيِهِ؛ وقُدْرَتُهُ عَلَيْكم أعْظَمُ مِن قُدْرَتِكم عَلَيْهِنَّ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ يَعْفُو عَمَّنْ عَصاهُ؛ وإنْ مَلَأ الأرْضَ خَطايا؛ إذا أطاعَهُ؛ ولا يُؤاخِذُهُ بِشَيْءٍ مِمّا فَرَّطَ في حَقِّهِ؛ بَلْ يُبَدِّلُ سَيِّئاتِهِ حَسَناتٍ؛ فَلَوْ أخَذَكم بِذُنُوبِكم أهْلَكَكُمْ؛ فَتَخَلَّقُوا بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِن صِفاتِهِ؛ لِتَنالُوا جَلِيلَ هِباتِهِ؛ وخافُوا سَطْواتِهِ؛ واحْذَرُوا عُقُوبَتَهُ؛ بِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ والكِبَرِ.
النساء 4:35
ولَمّا بَيَّنَ حالَ الوِفاقِ؛ وما خالَطَهُ مِن شَيْءٍ مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي يَقُومُ بِإصْلاحِها الزَّوْجُ؛ أتْبَعَهُ حالَ المُبايَنَةِ والشِّقاقِ؛ المُحْوِجِ إلى مَن يُنْصِفُ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ؛ فَقالَ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُتَّقُونَ القادِرُونَ عَلى الإصْلاحِ؛ مِنَ الوُلاةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾؛ أيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ المَفْهُومَيْنِ مِنَ السِّياقِ؛ يَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في شِقٍّ غَيْرِ الشِّقِّ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ؛ (p-٢٧٣)ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا وأحَدُهُما عَلى باطِلٍ؛ وأضافَ الشِّقاقَ إلى البَيْنِ؛ لِيُفِيدَ أنَّ هَذا العَمَلَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ الخَوْفِ مِن شِقاقٍ خاصٍّ؛ وهو أنْ يَكُونَ البَيْنُ المُضافُ إلَيْهِما - وهو الَّذِي يُمَيِّزُ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِنَ الآخَرِ - لا تُمْكِنُ في العادَةِ إزالَتُهُ؛ لِيَكُونا شَيْئًا واحِدًا؛ كَما كانا لا بَيْنَ لَهُما؛ وذَلِكَ بِظَنِّ أنَّهُ لا صَلاحَ في اجْتِماعِهِما؛ ﴿فابْعَثُوا﴾؛ أيْ: إلَيْهِما؛ لِلْإصْلاحِ بَيْنَهُما؛ بِإنْصافِ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ؛ ﴿حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾؛ أيْ: الزَّوْجِ؛ ﴿وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾؛ أيْ: الزَّوْجَةِ؛ هَذا أكْمَلُ لِأنَّ أهْلَهُما أقْرَبُ إلى إزالَةِ أسْبابِ الشِّقاقِ مِن بَيْنِهِما؛ لِأنَّهم أجْدَرُ بِالِاطِّلاعِ عَلى بَواطِنِ أُمُورِهِما؛ وعَلى حَقائِقِ أحْوالِهِما؛ والزَّوْجانِ أقْرَبُ إلى إطْلاعِهِما إنْ كانا قَرِيبَيْنِ عَلى ضَمائِرِهِما؛ وأقْرَبُ إلى إخْفاءِ ذَلِكَ عَنِ الأجانِبِ؛ وفائِدَةُ الحَكَمَيْنِ أنْ يَخْلُوَ كُلٌّ مِنهُما بِصاحِبِهِ؛ ويَسْتَكْشِفَ حَقِيقَةَ الحالِ؛ لِيَعْرِفَ وجْهَ الصَّلاحِ.
ثُمَّ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: وماذا عَسى أنْ يُضِيفا؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا﴾؛ أيْ: الحَكَمانِ؛ ﴿إصْلاحًا﴾؛ أيْ: بَيْنَهُما؛ وكَأنَّهُ نَكَّرَهُ لِأنَّ الإخْلاصَ؛ ووُجُودَ الكَمالِ؛ قَلِيلٌ؛ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِعِلْمِ الغَيْبِ؛ والشَّهادَةِ؛ ﴿بَيْنِهِما﴾؛ أيْ: الزَّوْجَيْنِ؛ لِأنَّ صَلاحَ النِّيَّةِ أكْبَرُ مُعِينٍ (p-٢٧٤)عَلى بُلُوغِ المَقاصِدِ؛ وهَذا دالٌّ عَلى أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِاللَّهِ؛ وأنَّ الأسْبابَ إنَّما هي مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ؛ يَسْعَدُ بِها مَن يُباشِرُها؛ ويَعْتَمِدُ عَلى اللَّهِ دُونَها؛ ويَشْقى بِها مَن يَجْعَلُها مَحَطَّ قَصْدِهِ؛ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ المُصْلِحُ قَدْ يُظَنُّ مُفْسِدًا لِصَدْعِهِ بِمَرِّ الحَقِّ مِن غَيْرِ مُداراةٍ؛ والمُفْسِدُ قَدْ يُعَدُّ مُصْلِحًا لِما يُرى مِنهُ مِنَ المُداهَنَةِ؛ والمُراءاةِ؛ والمَكْرِ؛ فَيَظُنُّ مَن يُخْلِفُ الوَعْدَ بِالتَّوْفِيقِ غَيْرَ ما في نَفْسِ الأمْرِ؛ قالَ (تَعالى) - مُزِيلًا لِهَذا الوَهْمِ؛ مُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿كانَ عَلِيمًا﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ عَلى ما يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلَيْهِ؛ وإنْ غابَ عَنْ غَيْرِهِ؛ ﴿خَبِيرًا﴾؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ خَفِيٌّ؛ ولا يَغِيبُ عَنْهُ خَبِيءٌ؛ فَصارَتْ هَذِهِ الآياتُ كَفِيلَةً بِغالِبِ أحْوالِ النِّكاحِ؛ ولَمْ يَذْكُرْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الطَّلاقَ عِنْدَما ذَكَرَ الشِّقاقَ؛ لِتَقَدُّمِهِ في ”البَقَرَةِ“؛ ولِأنَّ مَبْنى هَذِهِ السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ والتَّوادِّ؛ دُونَ التَّفاصُلِ والتَّرادِّ؛ كَما قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ؛ ولِهَذا - أيْ: لِبِناءِ السُّورَةِ عَلى التَّواصُلِ؛ والِائْتِلافِ؛ دُونَ التَّفاصُلِ؛ والِاخْتِلافِ - خَصَّتْ مِن حُكْمِ تَشاجُرِ الزَّوْجَيْنِ بِالإعْلامِ بِصُورَةِ الإصْلاحِ؛ والعَدالَةِ؛ إبْقاءً لِذَلِكَ التَّواصُلِ؛ فَلَمْ يَكُنِ الطَّلاقُ (p-٢٧٥)لِيُناسِبَ هَذا؛ فَلَمْ يَقَعْ لَهُ هُنا ذِكْرٌ؛ ولا إيماءٌ؛ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِن سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]؛ انْتَهى.
النساء 4:36
ولَمّا كَثُرَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ الوَصايا؛ مِن أوَّلِها إلى هُنا؛ بِنَتِيجَةِ التَّقْوى - العَدْلِ والفَضْلِ؛ والتَّرْغِيبِ في نَوالِهِ؛ والتَّرْهِيبِ مِن نَكالِهِ - إلى أنْ خَتَمَ ذَلِكَ بِإرْشادِ الزَّوْجَيْنِ إلى المُعامَلَةِ بِالحُسْنى؛ وخَتَمَ الآيَةَ بِما هو في الذِّرْوَةِ مِن حُسْنِ الخِتامِ؛ مِن صِفَتَيِ العِلْمِ والخَبْرِ؛ وكانَ ذَلِكَ في مَعْنى ما خُتِمَ بِهِ الآيَةُ الآمِرَةُ بِالتَّقْوى؛ مِنَ الوَصْفِ بِالرَّقِيبِ؛ اقْتَضى ذَلِكَ تَكْرِيرَ التَّذْكِيرِ بِالتَّقْوى؛ الَّتِي افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالأمْرِ بِها؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ - حَتْمًا -: فاتَّقُوهُ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - أوْ عَلى نَحْوِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢]؛ أوْ عَلى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] - الخُلُقَ المَقْصُودَ مِنَ الخَلْقِ المَبْثُوثِينَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ؛ وهو العِبادَةُ الخالِصَةُ الَّتِي هي الإحْسانُ في مُعامَلَةِ الخالِقِ؛ وأتْبَعَها الإحْسانَ في مُعامَلَةِ الخَلائِقِ؛ فَقالَ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: أطِيعُوا الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ؛ طاعَةً مَحْضَةً؛ مِن غَيْرِ شائِبَةِ خِلافٍ؛ مَعَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ؛ لِأنَّ مِلاكَ ذَلِكَ كُلِّهِ التَّعَبُّدُ بِامْتِثالِ الأوامِرِ؛ واجْتِنابِ الزَّواجِرِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - غَنِيًّا؛ لَمْ يَقْبَلْ إلّا الخالِصَ؛ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما أفْهَمَهُ (p-٢٧٦)ما قَبْلَهُ: ﴿ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾
ولَمّا أمَرَ لِلْواحِدِ الحَقِيقِيِّ بِما يَنْبَغِي لَهُ؛ وكانَ لِذَلِكَ دَرَجَتانِ: أُولاهُما الإيمانُ؛ وأعْلاهُما الإحْسانُ؛ فَصارَ المَأْمُورُ بِذَلِكَ مَخْلِصًا في عِبادَتِهِ؛ أمَرَهُ بِالإحْسانِ في خِلافَتِهِ؛ وبَدَأ بِأوْلى النّاسِ بِذَلِكَ؛ وهو مَن جَعْلَهُ سَبَبًا لِإيجادِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَرْضى لَهُ مِن ذَلِكَ إلّا دَرَجَةَ الإحْسانِ؛ وإلى أنَّ مَن أخْلَصَ لَهُ أغْناهُ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَلا يَزالُ مُنْعِمًا عَلى مَن عَداهُ -: ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾؛ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما؛ ﴿إحْسانًا﴾؛ وكَفى دَلالَةً عَلى تَعْظِيمِ أمْرِهِما جَعْلُ بِرِّهِما قَرِينَ الأمْرِ بِتَوْحِيدِهِ - سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى الصِّلَةِ؛ لا سِيَّما لِذِي الرَّحِمِ؛ قالَ - مُفَصِّلًا لِما ذُكِرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ تَأْكِيدًا لَهُ -: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾؛ لِتَأكُّدِ حَقِّهِمْ؛ بِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ؛ ولِاقْتِضاءِ هَذِهِ السُّورَةِ مَزِيدَ الحَثِّ عَلى التَّعاطُفِ؛ أعادَ الجارَّ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ مَن تَجِبُ مُراعاتُهُ لِلَّهِ؛ أوْ لِمَعْنًى تَفْسُدُ بِالإخْلالِ بِهِ ذاتُ البَيْنِ؛ وبَدَأ بِما لِلَّهِ؛ لِأنَّهُ إذا صَحَّ تَبِعَهُ غَيْرُهُ؛ فَقالَ: ﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾؛ أيْ: وإنْ لَمْ تَكُنْ رَحِمُهم مَعْرُوفَةً؛ وخَصَّهم لِضَعْفِهِمْ؛ وقَدَّمَ اليَتِيمَ لِأنَّهُ أضْعَفُ؛ لِأنَّهُ لِصِغَرِهِ يَضْعُفُ عَنْ دَفْعِ حاجَتِهِ؛ ورَفْعِها إلى غَيْرِهِ؛ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾؛ أيْ: لِأنَّ لَهُ حَقَّيْنِ؛ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ (p-٢٧٧)؛ أيْ: الَّذِي لا قَرابَةَ لَهُ؛ لِلْبَلْوى بِعِشْرَتِهِ؛ خَوْفًا مِن بالِغِ مَضَرَّتِهِ: «”اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِن جارِ السُّوءِ؛ في دارِ المُقامَةِ؛ فَإنَّ جارَ البادِيَةِ يَتَحَوَّلُ“؛» ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾؛ أيْ: المُلاصِقِ؛ المُخالِطِ في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِامْتِدادِ العِشْرَةِ؛ ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: المُسافِرِ؛ لِغُرْبَتِهِ؛ وقِلَّةِ ناصِرِهِ؛ ووَحْشَتِهِ؛ ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ العَبِيدِ؛ والإماءِ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الإحْسانَ إلَيْهِمْ طاعَةٌ عَظِيمَةٌ؛ آخِرُ ما تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةُ؛ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم.
ولَمّا ذَكَرَ الإحْسانَ؛ الَّذِي عِمادُهُ التَّواضُعُ والكَرَمُ؛ خَتَمَ الآيَةَ - تَرْغِيبًا فِيهِ؛ وتَحْذِيرًا مِن مَنعِهِ؛ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِهِ - بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ ﴿لا يُحِبُّ﴾؛ أيْ: لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ؛ مَعَ ﴿مَن كانَ مُخْتالا﴾؛ أيْ: مُتَكَبِّرًا؛ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ؛ مُتَزَيِّنًا بِحِلْيَتِهِ؛ مُرائِيًا بِما آتاهُ اللَّهُ (تَعالى) مِن فَضْلِهِ؛ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ؛ واحْتِقارِ الغَيْرِ؛ يَأْنَفُ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ أقارِبُهُ الفُقَراءُ؛ ويُقْذِرُ جِيرانَهُ إذا كانُوا ضُعَفاءَ؛ فَلا يُحْسِنُ إلَيْهِمْ؛ لِئَلّا يُلِمُّوا بِهِ فَيُعَيَّرَ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ المُخْتالُ رُبَّما أحْسَنَ رِياءً؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّهُ لا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ -: ﴿فَخُورًا﴾؛ مُبالِغًا في التَّمَدُّحِ بِالخِصالِ؛ يَأْنَفُ مِن عِشْرَةِ الفُقَراءِ؛ (p-٢٧٨)وفِي ذَلِكَ أتَمُّ تَرْهِيبٍ مِنَ الخُلُقِ المانِعِ مِنَ الإحْسانِ؛ وهو الِاخْتِيالُ عَلى عِبادِ اللَّهِ؛ والِافْتِخارُ عَلَيْهِمُ؛ ازْدِراءً بِهِمْ؛ فَإنَّهُ لا مُقْتَضى لِذَلِكَ؛ لِأنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ والفَضْلُ نِعْمَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ يَجِبُ شُكْرُها بِالتَّواضُعِ؛ لِتَدُومَ؛ ويُحْذَرُ كُفْرُها بِالفَخارِ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَزُولَ.
النساء 4:37
ولَمّا كانَ الِاخْتِيالُ والفَخْرُ عَلى الفَرَحِ بِالأعْراضِ الفانِيَةِ والرُّكُونِ إلَيْها؛ والِاعْتِمادِ عَلَيْها؛ فَكانا حامِلَيْنِ عَلى البُخْلِ؛ خَوْفًا مِن زَوالِها؛ قالَ - واصِفًا لَهم بِجُمْلَةٍ مِنَ الأخْلاقِ الرَّدِيئَةِ الجَلِيَّةِ؛ ذَلِكَ مَنشَؤُها -: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ البُخْلَ بِما حَمَلَهم مِنَ المَتاعِ الفانِي عَلى الفَخارِ؛ وقَصْرِهِ؛ لِيَعُمَّ كَتْمَ العِلْمِ؛ ونَحْوَهُ؛ ثُمَّ تَلا ذَلِكَ بِأسْوَأ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾؛ مَقْتًا لِلسَّخاءِ؛ وفي التَّعْبِيرِ بِما هو مِنَ النَّوْسِ إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يُعَلِّقُونَ أطْماعَهم بِذَلِكَ؛ إلّا بِذَوِي الهِمَمِ السّافِلَةِ والرُّتَبِ القاصِرَةِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ كِنايَةً عَنْ حَمْلِهِمْ غَيْرَهم عَلى البُخْلِ؛ بِما يُرى مِنَ اخْتِيالِهِمْ؛ وافْتِخارِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ أخْبَثَ مِنهُ؛ وهو الشُّحُّ بِالكَلامِ؛ الَّذِي لا يُخْشى نَقْصُهُ؛ وجَحْدُ النِّعْمَةِ؛ وإظْهارُ الِافْتِقارِ؛ فَقالَ: ﴿ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ (p-٢٧٩)والإكْرامُ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ العِلْمِ؛ جاحِدِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَجُودُونَ بِهِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ”ثُمَّ إنَّ هَذا الكِتْمانَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الكُفْرَ؛ مِثْلَ أنْ يُظْهِرَ الشِّكايَةَ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولا يَرْضى بِالقَضاءِ“؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ﴾ [النساء: ٣٦] - مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ؛ دَلالَةً عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ وتَعْيِينًا لِلْمُتَوَعَّدِ؛ مُصَرِّحًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هُناكَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ - قَوْلَهُ: ﴿وأعْتَدْنا﴾؛ أيْ: أحْضَرْنا؛ وهَيَّأْنا؛ وكانَ الأصْلُ: ”لَهُمْ“؛ ولَكِنَّهُ قالَ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ حامِلٌ عَلى الكُفْرِ -: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِفِعْلِ هَذِهِ الخِصالِ؛ كُفْرًا حَقِيقِيًّا؛ بِما أوْصَلَهم إلَيْهِ لُزُومُ الأخْلاقِ الدَّنِيَّةِ؛ أوْ مَجازِيًّا؛ بِكِتْمانِ النِّعْمَةِ؛ ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾؛ أيْ: بِما اغْتَرُّوا بِالمالِ؛ الحامِلِ عَلى الفَخْرِ؛ والكِبْرِ؛ والِاخْتِيالِ: «”لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن كِبْرٍ“».
النساء 4:38
ولَمّا ذَمَّ المُقْتِرِينَ؛ أتْبَعَهُ ذَمَّ المُسْرِفِينَ؛ المُبَذِّرِينَ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى: ”الكافِرِينَ“ - أوْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ [النساء: ٣٧]؛ مُعَرِّفًا أنَّ الَّذِينَ لا يُحْسِنُونَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فِيمَن تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ فِرْقَتانِ: فِرْقَةٌ يَمْنَعُونَ النَّفَقَةَ أصْلًا؛ وفِرْقَةٌ يَمْنَعُونَ وصْفَها؛ ويَفْعَلُونَها رِياءً؛ فَيُعْدِمُونَ بِذَلِكَ رُوحَها -: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾؛ وأشارَ إلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِمْ في نَفَقَتِهِمْ؛ (p-٢٨٠)بِقَوْلِهِ: ﴿أمْوالَهُمْ﴾؛ ودَلَّ عَلى خِسَّةِ مَقاصِدِهِمْ؛ وسُفُولِ هِمَمِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رِئاءَ النّاسِ﴾؛ أيْ: لِقُصُورِ نَظَرِهِمْ؛ وتَقَيُّدِهِ بِالمَحْسُوساتِ؛ كالبَهائِمِ الَّتِي لا تُدْرِكُ إلّا الجُزْئِيّاتِ المُشاهَداتِ.
ولَمّا ذَكَرَ إخْراجَ المالِ عَلى وجْهٍ لا يَرْضاهُ ذُو عَقْلٍ؛ ذَكَرَ الحامِلَ عَلَيْهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهم حَقَّرُوا أنْفُسَهم بِما عَظَّمُوها بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهم تَعَبَّدُوا لِلْعَبِيدِ؛ وتَكَبَّرُوا عَلى خالِقِهِمُ العَزِيزِ المَجِيدِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؛ وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ولَمّا كانَ المَأْمُورُ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ هُنا - مِنَ الوالِدَيْنِ؛ ومَن ذُكِرَ مَعَهم - أخَصَّ مِمَّنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ في ”البَقَرَةِ“؛ أكَّدَ بِزِيادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى كُلِّ خَيْرٍ؛ والنّازِعِ عَنْ كُلِّ شَرٍّ.
النساء 4:39
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكانَ الشَّيْطانُ قَرِينَهُمْ؛ لِكُفْرِهِ؛ بِإعْجابِهِ؛ وكِبْرِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ﴾ [النساء: ٣٨]؛ أيْ: وهو عَدُوُّهُ؛ البَعِيدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ المُحْتَرِقُ بِكُلِّ ضَيْرٍ؛ ﴿لَهُ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]؛ فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلى كُلِّ شَرٍّ؛ ويُبْعِدُهُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَماذا لَهم في الكُفْرِ؛ والإنْفاقِ رِياءً؛ لِمَن لا ضُرَّ (p-٢٨١)ولا نَفْعَ بِيَدِهِ؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - تَعْنِيفًا لَهُمْ؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ -: ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مِن حَقِيرِ الأشْياءِ؛ وجَلِيلِها؛ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ؛ وبِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى كُلِّ صَلاحٍ؛ ﴿وأنْفَقُوا﴾؛ ولَمّا وصَفَهم بِإنْفاقِ جَمِيعِ أمْوالِهِمْ لِلْعَدُوِّ الحَقِيرِ؛ أشارَ إلى شُحِّهِمْ فِيما هو لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ؛ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يَحْصُلُ لَهم بِهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ؛ فَقالَ: ﴿مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ والجُودُ الباهِرُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كانَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - لَمّا بَذَّرُوا أمْوالَهم - قَدِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿بِهِمْ﴾؛ أيْ: في كِلْتا الحالَتَيْنِ؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ العِلْمِ؛ ولِلْإعْلامِ بِعَظَمَةِ العِلْمِ بِهِمْ قَدَّمَ الجارَّ المُفِيدِ لِلِاخْتِصاصِ؛ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
النساء 4:40
ولَمّا فَرَغَ مِن تَوْبِيخِهِمْ؛ قالَ - مُعَلِّلًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ؛ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ؛ ﴿لا يَظْلِمُ﴾؛ أيْ: لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَقَعَ مِنهُ ظُلْمٌ ما؛ ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾؛ أيْ: فَما دُونَها؛ وإنَّما ذَكَرَها لِأنَّها كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ؛ لِأنَّها مَثَلٌ في الصِّغَرِ؛ أيْ: فَلا يُنْقِصُ أحَدًا شَيْئًا مِمّا عَمِلَهُ؛ ولا يُثِيبُ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَعْمَلْهُ؛ فَماذا عَلى مَن آمَنَ بِهِ؛ وهو (p-٢٨٢)بِهَذِهِ الصِّفَةِ العُظْمى؟
ولَمّا ذَكَرَ التَّخَلِّيَ مِنَ الظُّلْمِ؛ أتْبَعَهُ التَّحَلِّيَ بِالفَضْلِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنْ تَكُ الذَّرَّةُ سَيِّئَةً لَمْ يَزِدْ عَلَيْها؛ ولا يَجْزِي بِها إلّا مِثْلَها“ -: ﴿وإنْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى ذَلِكَ عَظِيمًا؛ حَذَفَ مِنهُ النُّونَ؛ بَعْدَ حَذْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ تَقْرِيبًا لِمَرامِهِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُ﴾؛ أيْ: مِثْقالُ الذَّرَّةِ؛ وأنَّثَهُ لِإضافَتِهِ إلى مُؤَنَّثٍ؛ وتَحْقِيرًا لَهُ؛ لِيُفْهَمَ تَضْعِيفُ ما فَوْقَهُ؛ مِن بابِ الأوْلى؛ وهَذا يَطَّرِدُ في قِراءَةِ الحَرَمِيَّيْنِ؛ بِرَفْعِ حَسَنَةً؛ أيْ: وإنْ صَغُرَتْ؛ ﴿يُضاعِفْها﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِها؛ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ إلى سَبْعِينَ؛ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ؛ إلى أزْيَدَ مِن ذَلِكَ بِحَسَبِ ما يُعْلَمُ مِن حُسْنِ العَمَلِ؛ بِحُسْنِ النِّيَّةِ؛ ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ﴾؛ أيْ: مِن غَرِيبِ ما عِنْدَهُ؛ فَضْلًا مِن غَيْرِ عَمَلٍ؛ لِمَن يُرِيدُ؛ قالَ الإمامُ: ”وبِالجُمْلَةِ فَذَلِكَ التَّضْعِيفُ إشارَةٌ إلى السَّعاداتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وهَذا الأجْرُ إلى السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةِ“؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛ وسَمّاهُ أجْرًا - وهو مِن غَيْرِ جِنْسِ تِلْكَ الحَسَنَةِ - لِابْتِنائِهِ عَلى الإيمانِ؛ أيْ: فَمَن كانَ هَذا شَأْنُهُ؛ لا يَسُوغُ لِعاقِلٍ تَوْجِيهُ الهِمَّةِ إلّا إلَيْهِ؛ ولا الِاعْتِمادُ أصْلًا؛ بِإنْفاقٍ وغَيْرِهِ؛ إلّا عَلَيْهِ.
النساء 4:41
ولَمّا تَمَّ تَحْذِيرُهُ مِنَ اليَوْمِ الآخِرِ؛ وما ذَكَرَهُ مِن إظْهارِ العَدْلِ؛ (p-٢٨٣)واسْتِقْصائِهِ فِيهِ؛ كانَ سَبَبًا لِلسُّؤالِ عَنْ حالِ المُبَكَّتِينَ في هَذِهِ الآياتِ إذْ ذاكَ؛ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهُمْ؛ وقَدْ حَمَلُوا أمْثالَ الجِبالِ؛ مِن مُساوِي الأعْمالِ؛ ﴿إذا جِئْنا﴾؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾؛ أيْ: يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وجِئْنا بِكَ﴾؛ وأنْتَ أشْرَفُ خَلْقِنا؛ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلْناكَ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ وفي التَّفْسِيرِ مِنَ البُخارِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - قالَ: «قالَ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”اقْرَأْ عَلَيَّ“؛ قُلْتُ: أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ”إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي“؛ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ ”النِّساءِ“؛ حَتّى بَلَغْتُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾؛ قالَ: ”أمْسِكْ“؛ فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ».
النساء 4:42
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنْ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: تَقُومُ الأشْهادُ؛ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما تَهْدِي إلَيْهِ العُقُولُ مِن آياتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّهم مُخاطَبُونَ بِالفُرُوعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾؛ بَعْدَ سَتْرِ ما أظْهَرَ مِن بَيِّناتِهِ؛ ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾؛ أيْ: تَكُونُ مُسْتَوِيَةً مُعْتَدِلَةً بِهِمْ؛ ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ غَيَّبَتْهم واسْتَوَتْ بِهِمْ؛ (p-٢٨٤)ولَمْ يَبْقَ فِيها شَيْءٌ مِن عِوَجٍ؛ ولا نُتُوٍّ؛ بِسَبَبِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا شَيْءٍ مِن أجْسامِهِمْ؛ وإنَّما ودُّوا ذَلِكَ خَوْفًا مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الفَضِيحَةِ بِعِتابِهِمْ؛ ثُمَّ الإهانَةِ بِعِقابِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلا تُسَوّى بِهِمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿حَدِيثًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا أحْدَثُوهُ؛ بَلْ يُفْتَضَحُونَ بِسَيِّئِ أخْبارِهِمْ؛ ويَحْمِلُونَ جَمِيعَ أوْزارِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَكْتُمُونَ مِن آياتِهِ؛ وما نُصِبَ لِلنّاسِ مِن بَيِّناتِهِ.
النساء 4:43
ولَمّا وصَفَ الوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ في يَوْمِ العَرْضِ؛ والأهْوالِ؛ الَّذِي أدَّتْ فِيهِ سَطْوَةُ الكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ إلى تَمَنِّي العَدَمِ؛ ومَنَعَتْ قُوَّةُ يَدِ القَهْرِ والجَبْرِ أنْ يَكْتُمَ حَدِيثًا؛ وتَضَمَّنَ وصْفُهُ أنَّهُ لا يَنْجُو فِيهِ إلّا مَن كانَ طاهِرَ القَلْبِ؛ والجَوارِحِ؛ بِالإيمانِ بِهِ؛ والطّاعَةِ لِرَسُولِهِ ﷺ؛ وصْفَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ في الدُّنْيا في مَقامِ الأُنْسِ وحَضْرَةِ القُدْسِ المُنَجِّي مِن هَوْلِ الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ والَّذِي خَطَرَتْ مَعانِي اللُّطْفِ والجِمالِ فِيهِ الِالتِفاتَ إلى غَيْرِهِ؛ وأمَرَ بِالطَّهارَةِ في حالِ التَّزَيُّنِ بِهِ عَنِ الخَبائِثِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالتَّصْدِيقِ بِالرُّسُلِ؛ وما أتَوْا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وأوَّلُهُ؛ وأوْلاهُ: (p-٢٨٥)ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ؛ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: بِألّا تَكُونُوا في مَوْضِعِها؛ فَضْلًا عَنْ أنْ تَفْعَلُوها؛ ﴿وأنْتُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿سُكارى﴾؛ أيْ: غائِبُو العَقْلِ؛ مِنَ الخَمْرِ؛ أوْ نَحْوِها؛ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَسْبِقَ اللِّسانُ - بِتَمَكُّنِ الشَّيْطانِ بِزَوالِ العَقْلِ - إلى شَيْءٍ مِنَ الإشْراكِ؛ فَيَكُونَ شِرْكًا لِسانِيًّا؛ وإنْ كانَ القَلْبُ مُطِمَئِنًّا بِالإيمانِ؛ فَيُوشِكَ أنْ يُعْرَضَ ذَلِكَ عَلَيْهِ يَوْمَ الوُقُوفِ الأكْبَرِ؛ فَإنَّ مَن أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ فَيَوَدَّ مَن نَطَقَ لِسانُهُ بِذَلِكَ - لِما يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الألَمِ - لَوْ كانَ مِن أهْلِ العَدَمِ؛ وأصْلُ ”السُّكْرُ“؛ في اللُّغَةِ: سَدُّ الطَّرِيقِ؛ وسَبَبُ نُزُولِها ما رَواهُ مُسَدَّدٌ؛ بِإسْنادٍ - قالَ شَيْخُنا البُوصِيرِيُّ: رِجالُهُ ثِقاتٌ - عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ دَعاهُ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - فَسَقاهُما؛ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ؛ فَأمَّهم عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - في المَغْرِبِ؛ وقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]؛ فَنَزَلَتْ؛ هَكَذا رَواهُ؛ وقَدْ رَواهُ أصْحابُ السُّنَنِ - الثَّلاثَةِ - وأحْمَدُ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ والبَزّارُ؛ والحاكِمُ؛ والطَّبَرِيُّ؛ فَبَيَّنُوا المُرادَ؛ وهو أنَّ الَّذِي صَلّى بِهِمْ قَرَأ: ”أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“؛ وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيَّ ”ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ“. (p-٢٨٦)ولَمّا أفْهَمَ النَّهْيُ عَنْ قُرْبانِها في هَذا الحالِ زَوالَهُ بِانْقِضائِهِ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾؛ أيْ: ولا يَزالُ هَذا النَّهْيُ قائِمًا حَتّى ﴿تَعْلَمُوا﴾؛ بِزَوالِ السُّكَّرِ؛ ﴿ما تَقُولُونَ﴾؛ فَلا يَقَعَ مِنكم حِينَئِذٍ تَبْدِيلٌ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ نَفْسُها؛ ومَوْضِعُها؛ وهو المَسْجِدُ؛ وذَلِكَ مِن أدِلَّتِهِ عَلى اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ نَهى السَّكْرانَ أنْ يُصَلِّيَ إلى أنْ يَفْهَمَ؛ أيْ: يَصْحُوَ؛ ونَهى كُلَّ واحِدٍ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ وهو جُنُبٌ؛ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ”وأنْتُمْ سُكارى“ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: ولا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ بِالكَوْنِ في مَحالِّها؛ فَضْلًا عَنْها؛ ﴿جُنُبًا﴾؛ أيْ: مُمْنِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنهُ؛ بِالتِقاءِ الخِتانَيْنِ؛ لِأنَّ الجَنابَةَ المَنِيُّ؛ سَواءٌ كانَ عَنْ جِماعٍ؛ أوْ لا؛ في حالٍ مِن أحْوالِ الجَنابَةِ؛ ﴿إلا عابِرِي سَبِيلٍ﴾؛ أيْ: مارِّينَ مُرُورًا مِن غَيْرِ مُكْثٍ؛ ولا صَلاةٍ؛ ولَمّا غَيّا مَنعَ الجَنابَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾؛ أيْ: تَغْسِلُوا البَدَنَ عَمْدًا؛ ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ حالاتٌ يَتَعَسَّرُ؛ أوْ يَتَعَذَّرُ فِيها عَلَيْهِ اسْتِعْمالُ الماءِ؛ ذَكَرَها؛ فَقالَ - مُرَتِّبًا لَها عَلى الأحْوَجِ إلى الرُّخْصَةِ؛ فالأحْوَجِ -: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾؛ أيْ: بِجِراحَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ مَرَضًا يَمْنَعُ مِن طَلَبِ الماءِ؛ أوِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ كَذَلِكَ؛ سَواءٌ كانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أوْ قَصِيرًا ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: (p-٢٨٧)أيُّها المُؤْمِنُونَ؛ ولَوْ كانَ حاضِرًا؛ صَحِيحًا؛ ﴿مِنَ الغائِطِ﴾؛ أيْ: المَكانِ المُطْمَئِنِّ مِنَ الأرْضِ؛ الواسِعِ الَّذِي يُقْصَدُ لِلتَّخَلِّي؛ أيْ: أوْ جاءَ مِنَ التَّخَلِّي؛ فَقَضى حاجَتَهُ الَّتِي لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَهو بِها أحْوَجُ إلى التَّخْفِيفِ مِمّا بَعْدَهُ.
ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ الجَنابَةِ الَّتِي هي المَنِيُّ؛ أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِجِماعٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ذَكَرَ هُنا ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِن وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾؛ أيْ: بِمُجَرَّدِ التِقاءِ البَشَرَتَيْنِ؛ أوْ بِالجِماعِ؛ سَواءٌ حَصَلَ إنْزالٌ؛ أوْ لا؛ وأخَّرَ هَذا لِأنَّهُ مِمّا مِنهُ بُدٌّ؛ ولا يَتَكَرَّرُ تَكَرُّرَ قَضاءِ الحاجَةِ؛ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾؛ أيْ: إمّا بِفَقْدِهِ؛ أوْ بِالعَجْزِ عَنِ اسْتِعْمالِهِ؛ ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾؛ أيْ: اقْصِدُوا قَصْدًا صادِقًا؛ بِأنْ تُلابِسُوا ناوِينَ؛ ﴿صَعِيدًا﴾؛ أيْ: تُرابًا؛ ﴿طَيِّبًا﴾؛ أيْ: طَهُورًا؛ خالِصًا فَهو بِحَيْثُ يُنْبِتُ؛ ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨] ﴿فامْسَحُوا﴾؛ وهَذِهِ عِبادَةٌ خاصَّةٌ بِنا.
ولَمّا كانَ التُّرابُ لا يَتَمَكَّنُ مِن جَمِيعِ العُضْوِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ الإنْسانُ في ذَلِكَ؛ أدْخَلَ الباءَ؛ قاصِرًا لِلْفِعْلِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا المَسْحَ بِها؛ سَواءٌ عَمَّ التُّرابُ مَنبِتَ الشَّعْرِ؛ أمْ لا؛ ﴿وأيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ (p-٢٨٨)كَما صَرَّحَ بِهِ في ”المائِدَةِ“؛ لا فِيهِ؛ ولا عَلَيْهِ؛ مَثَلًا؛ لِيُفْهَمَ التَّمَعُّكُ؛ أوْ أنَّ الحَجَرَ مَثَلًا يَكْفِي؛ والمُلامَسَةُ جَوَّزَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أيْضًا أنْ يُرادَ بِها المَسُّ -؛ أيْ: مُلاقاةُ البَشَرَتَيْنِ - الَّذِي هو حَقِيقَةُ اللَّمْسِ -؛ والجِماعُ - الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنِ المَسِّ؛ أوْ هو مُماسَّةٌ خاصَّةٌ؛ فَهو مِن تَسْمِيَةِ الكُلِّ بِاسْمِ البَعْضِ حِينَئِذٍ.
ولَمّا نَهى عَمّا يُدْنِي مِن وُقُوعِ صُورَةِ الذَّنْبِ؛ الَّذِي هو جَرْيُ اللِّسانِ بِما لا يَلِيقُ بِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وخَفَّفَ ما كانَ شَدِيدًا بِالتَّيَمُّمِ؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتُصَّ بِالكَمالِ؛ ﴿كانَ عَفُوًّا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ عَلى الذَّنْبِ؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى ما وقَعَ حالَةَ السُّكْرِ؛ ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: بِتَرْكِ العِقابِ؛ وبِمَحْوِ الذَّنْبِ؛ حَتّى لا يُذْكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا؛ وكَأنَّ هَذا راجِعٌ إلى التَّيَمُّمِ؛ فَإنَّ الصَّلاةَ مَعَهُ حَسَنَةٌ؛ ولَوْلاهُ كانَتْ سَيِّئَةً مَذْكُورَةً ومُعاقَبًا عَلَيْها؛ إمّا عَلى تَرْكِها لِمَشَقَّةِ اسْتِعْمالِ الماءِ عِنْدَ التَّساهُلِ؛ أوْ عَلى فِعْلِها بِغَيْرِ طَهارَةٍ في بَعْضِ وُجُوهِ التَّنَطُّعِ؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ”المائِدَةِ“: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]؛ ومَن كانَتْ عادَتُهُ العَفْوَ والمَغْفِرَةَ؛ كانَ مُيَسِّرًا؛ غَيْرَ مُعَسِّرٍ.
النساء 4:44
ولَمّا أفْهَمَ خِتامُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّشْدِيدَ في الأحْكامِ يَكُونُ سَبَبًا لِلْإجْرامِ؛ فَيَكُونُ سَبَبًا في الِانْتِقامِ؛ قَرَّرَ ذَلِكَ بِحالِ اليَهُودِ الَّذِينَ أوْجَبَتْ (p-٢٨٩)لَهُمُ الآصارُ عَذابَ النّارِ؛ فَقالَ - لِيَكُونَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا في تَقَبُّلِ ما مَرَّ مِنَ التَّكالِيفِ؛ لِيُسْرِهِ؛ ولِرَجاءِ الثَّوابِ؛ مُرَهِّبًا مِن تَرْكِها؛ خَوْفًا مِنَ العِقابِ؛ ولِيَصِيرَ الكَلامُ حُلْوًا؛ رائِقًا؛ بَهِجًا؛ بِتَفْصِيلِ نَظْمِهِ تارَةً بِأحْكامٍ؛ وتارَةً بِأقاصِيصَ عِظامٍ؛ فَيَنْشَطَ الخاطِرُ؛ وتَقْوى القَرِيحَةُ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فِيما مَضى مِن أهْلِ الكِتابِ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ ومَرَّ إلى أنْ أنْزَلَ هَذِهِ فِيمَن حَرَّفَ في الصَّلاةِ لِسانُهُ فَقَطْ - لا عَنْ عَمْدٍ - الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ؛ أتْبَعَها التَّصْرِيحَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِ المُحَرِّفِينَ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ عَمْدًا وعُدْوانًا؛ اجْتِراءً عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ المُلَوَّحِ إلَيْهِمْ بِالآيَةِ السّابِقَةِ أنَّهم يُرِيدُونَ لَنا الضَّلالَ عَمّا هُدِينا إلَيْهِ مِن سُنَنِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾
ولَمّا كانُوا بِمَحَلِّ البُعْدِ - بِما لَهم مِنَ اللَّعْنِ - عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ الِانْتِهاءِ؛ بَصَرِيَّةً كانَتِ الرُّؤْيَةُ أوْ قَلْبِيَّةً؛ فَقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ أُوتُوا﴾؛ وحَقَّرَ أمْرَهم بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: كَشَأْسِ بْنِ قَيْسٍ؛ الَّذِي أرادَ الخُلْفَ بَيْنَ الأنْصارِ؛ وفي ذَلِكَ أنَّ أقَلَّ شَيْءٍ مِنَ الكِتابِ يَكْفِي في ذَمِّ الضَّلالِ؛ لِأنَّهُ كافٍ في الهِدايَةِ (p-٢٩٠)﴿يَشْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُونَ؛ ويُلِحُّونَ - بِما هم فِيهِ مِن رِئاسَةِ الدُّنْيا مِنَ المالِ والجاهِ - أنْ يَأْخُذُوا ﴿الضَّلالَةَ﴾؛ مُعْرِضِينَ عَنِ الهُدى؛ غَيْرَ ذاكِرِيهِ بِوَجْهٍ؛ وسَبَبُ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ ما في دِينِهِمْ مِنَ الآصارِ؛ والأثْقالِ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ [مريم: ٥٩]؛ أيْ: بِسَبَبِ ما شُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيها؛ بِأنَّها لا تُفْعَلُ إلّا في المَوْضِعِ المَبْنِيِّ لَها؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الشِّدَّةِ؛ وكَذا غَيْرُها المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ وغَيْرُ ذَلِكَ؛ ومِن أعْظَمِهِ ما يُخْفُونَ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ لِيَتَقَرَّبُوا بِذَلِكَ إلى أهْلِ دِينِهِمْ؛ ويَأْخُذُوا مِنهُمُ الرُّشى عَلى ذَلِكَ؛ ويَجْعَلُوهم عَلَيْهِمْ رُؤَساءَ.
ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَهُمُ المُتَضَمِّنَ لِإضْلالِهِمْ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى إعْراقِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لِمَن يُمْكِنُ تَوْجِيهُ هِمَمِهِمْ بِإضْلالٍ إلَيْهِ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾؛ أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿السَّبِيلَ﴾؛ حَتّى تُساوُوهُمْ؛ فَلِذَلِكَ يُذَكِّرُونَكم بِالأحْقادِ؛ والأضْغانِ؛ والأنْكادِ - كَما فَعَلَ شَأْسٌ - لا مَحَبَّةً فِيكُمْ؛ ويُلْقُونَ إلَيْكُمُ الشُّبْهَةَ؛ فاللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ بِهِمْ؛ حَيْثُ (p-٢٩١)حَذَّرَكم مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ ﴿لا يَأْلُونَكم خَبالا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ وما بَعْدَهُ؛ إلى هُنا؛
النساء 4:45
﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ أحَدٍ؛ ﴿بِأعْدائِكُمْ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ هَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ بِما يَعْلَمُ مِنَ البَواطِنِ؛ فَمَن حَذَّرَكم مِنهُ - كائِنًا مَن كانَ - فاحْذَرُوهُ.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن قَبِيلَتَيِ الأنْصارِ قَدْ والَوْا ناسًا مِنَ اليَهُودِ؛ لِيَعْتَزُّوا بِهِمْ؛ ولِيَسْتَنْصِرُوهُمْ؛ قالَ (تَعالى) - فاطِمًا لَهم عَنْ مُوالاتِهِمْ -: ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى بِهِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ لِتُسْتَحْضَرَ عَظَمَتُهُ؛ فَيُسْتَهانَ أمْرُ الأعْداءِ؛ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ ولِيًّا﴾؛ أيْ: قَرِيبًا؛ بِعَمَلِ جَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ القَرِيبُ الشَّفِيقُ.
ولَمّا كانَ الوَلِيُّ قَدْ تَكُونُ فِيهِ قُوَّةُ النُّصْرَةِ؛ والنَّصِيرُ قَدْ لا يَكُونُ لَهُ شَفَقَةُ الوَلِيِّ؛ وكانَتِ النُّصْرَةُ أعْظَمَ ما يُحْتاجُ إلى الوَلِيِّ فِيهِ؛ أفْرَدَها بِالذِّكْرِ؛ إعْلامًا بِاجْتِماعِ الوَصْفَيْنِ؛ مُكَرِّرًا الفِعْلَ؛ والِاسْمَ الأعْظَمَ؛ اهْتِمامًا بِأمْرِها؛ فَقالَ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿نَصِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن والاهُ؛ فَلا يَضُرُّهُ عَداوَةُ أحَدٍ؛ فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ؛ ونُصْرَتِهِ دُونَهُمْ؛ ولا تُبالُوا بِأحَدٍ مِنهُمْ؛ ولا مِن غَيْرِهِمْ؛ فَهو يَكْفِيكُمُ الجَمِيعَ.
النساء 4:46
(p-٢٩٢)ولَمّا وفَّرَتْ هَذِهِ الآياتُ الدَّواعِيَ عَلى تَعْيِينِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الإضْلالَ؛ قالَ بَعْدَ الِاعْتِراضِ بِما بَيْنَ المُبَيِّنِ؛ والمُبَيَّنِ مِنَ الجُمَلِ؛ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَضِلُّونَ بِهِ ويُضِلُّونَ؛ بِقَوْلِهِ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا؛ بِمَعْنى: بَعْضُهُمْ؛ أوْ مِنهم مَن -: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أتى بِهِ شَرْعُهُمْ؛ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ ﷺ وصِفَةِ دِينِهِ وأُمَّتِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُونَ تَحْرِيفَهُ لِغَرَضٍ؛ فَيَتَألَّفُونَ في إمالَتِهِ؛ وتَغْيِيرِهِ عَنْ حَدِّهِ وطَرَفِهِ؛ إلى حَدٍّ آخَرَ؛ مُجاوِزِينَ بِهِ؛ ﴿عَنْ﴾ ولَمّا كانَتِ الكَلِمَةُ إذا غُيِّرَتْ تَبِعَها الكَلامُ؛ وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ فَقالَ: ﴿مَواضِعِهِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي بِهِ ألْيَقُ؛ فَيَتِمُّ ضَلالُهُمْ؛ وإضْلالُهُمْ؛ وهو يَشْمَلُ ما إذا كانَ المَعْنى المُغَيَّرُ إلَيْهِ بَعِيدًا عَنِ المُغَيَّرِ؛ أوْ قَرِيبًا؛ فالَّذِي في ”المائِدَةِ“ أخَصُّ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عالِمًا بِجَمِيعِ تَحْرِيفِهِمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَيَقُولُونَ كَذا؛ ويَقُولُونَ كَذا“؛ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا﴾؛ أيْ: ما تَقُولُ؛ ﴿وعَصَيْنا﴾؛ مُوهِمِينَ أنَّهم يُرِيدُونَ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةُ ما وقَعَ لِأسْلافِهِمْ قَدِيمًا؛ وإنَّما يُرِيدُونَ أنَّهم هم سَمِعُوا ما تَقُولُ؛ وخالَفُوهُ عَمْدًا؛ لِيَظُنَّ مَن سَمِعَ ذَلِكَ أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ في المُخالَفَةِ بِسَبَبِ ما عِنْدَهم (p-٢٩٣)مِنَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ لِيُورِثَهُ ذَلِكَ شَكًّا في أمْرِهِ؛ وحَيْرَةً في شَأْنِهِ؛ ﴿واسْمَعْ﴾؛ حالَ كَوْنِكَ؛ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ مُوهِمِينَ عَدَمَ إسْماعِهِ ما يَكْرَهُ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”فُلانٌ أسْمَعَ فُلانًا الكَلامَ“؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الدُّعاءَ؛ كَما يُقالُ: ”اسْمَعْ لا سَمِعْتَ“؛ ﴿وراعِنا﴾؛ مُوهِمِينَ إرادَةَ المُراعاةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِمْ؛ وإنَّما يُرِيدُونَ الشَّتْمَ بِالرُّعُونَةِ؛ وقالَ الأصْفَهانِيُّ: ويُحْتَمَلُ شِبْهُ كَلِمَةٍ عِبْرانِيَّةٍ؛ كانُوا يَتَسابُّونَ بِها؛ وهِيَ: ”راعِينا“؛ فَكانُوا - سُخْرِيَةً بِالدِّينِ؛ وهَزْءًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُونَهُ بِكَلامٍ مُحْتَمَلٍ؛ يَنْوُونَ بِهِ الشَّتِيمَةَ؛ والإهانَةَ؛ ويُظْهِرُونَ التَّوْقِيرَ؛ والإكْرامَ؛ ولِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾؛ أيْ: صَرْفًا لَها عَنْ مَخارِجِ الحُرُوفِ الَّتِي تَحِقُّ لَها في العَرَبِيَّةِ؛ إلى ما يَفْعَلُهُ العِبْرانِيُّونَ مِن تَغْلِيظِ بَعْضِ الحُرُوفِ؛ وشَوْبِ بَعْضِها بِغَيْرِهِ؛ لِإرادَةِ مَعانٍ عِنْدَهم قَبِيحَةٍ؛ مَعَ احْتِمالِها لِإرادَةِ مَعانٍ غَيْرِ تِلْكَ؛ يَقْصِدُها العَرَبُ؛ مَلِيحَةٍ؛ ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾؛ أيْ: بِما يُفَسِّرُونَهُ بِهِ لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن تِلْكَ المَعانِي الخَبِيثَةِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ المُوَجَّهَةَ؛ بَيَّنَ ما كانَ عَلَيْهِمْ لَوْ وقَفُوا؛ (p-٢٩٤)فَقالَ - قاطِعًا جِدالَهم -: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾؛ أيْ: في الجَوابِ لَهُ ﷺ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾؛ أيْ: بَدَلَ الكَلِمَةِ الأُولى؛ ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾؛ بَدَلَ ما بَعْدَها؛ ﴿لَكانَ﴾؛ أيْ: هَذا القَوْلُ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ لِعَدَمِ اسْتِيجابِهِمُ الإثْمَ؛ ﴿وأقْوَمَ﴾؛ أيْ: لِعَدَمِ احْتِمالِ الذَّمِّ؛ ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهُمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ العَظَمَةِ؛ والكَمالِ؛ وأبْعَدَهم عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ أيْ: بِدَناءَتِهِمْ بِما يُغَطُّونَ مِن أنْوارِ الحَقِّ؛ ودَلائِلِ الخَيْرِ؛ فَلَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ.
ولَمّا سُبِّبَ عَنْ طَرْدِهِمُ اسْتِمْرارُ كُفْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِنهُمُ؛ اسْتِثْناءً مِنَ الواوِ؛ فَإنَّهم يُؤْمِنُونَ؛ أوْ هو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن مَصْدَرِ ”يُؤْمِنُ“؛ أيْ: مِن إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الآياتِ؛ الَّذِي لا يَنْفَعُها لِكُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ.
النساء 4:47
ولَمّا بَكَّتَهم عَلى فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ وصَرَّحَ بِلَعْنِهِمْ؛ خَوَّفَهم إظْهارَ ذَلِكَ في الصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ؛ فَقالَ - مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ إقْبالَ الغَضَبِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ﴾؛ مُنادِيًا لَهم مِن مَحَلِّ البُعْدِ؛ ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ ولَمْ يُسْنِدِ الإيتاءَ إلَيْهِ؛ تَحْقِيرًا لَهُمْ؛ ولَمْ يَكْتَفِ بِنَصِيبٍ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لا يَكْفِي في العِلْمِ (p-٢٩٥)بِالمُصادَقَةِ إلّا الجَمِيعُ؛ ﴿آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: تَدْرِيجًا؛ كَما نَزَّلْنا التَّوْراةَ كَذَلِكَ؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي ظَهَرَتْ في إعْجازِهِ؛ وإخْبارِهِ بِالمُغَيَّباتِ؛ ودَقائِقِ العُلُومِ؛ مِمّا عِنْدَكُمْ؛ وغَيْرِهِ؛ عَلى رَشاقَتِهِ وإيجازِهِ؛ وأعْلَمَ بِعِنادِهِمْ؛ وحَسَدِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾؛ مِن حَيْثُ أنَّهم لَهُ مُسْتَحْضِرُونَ؛ وبِهِ في حَدِّ ذاتِهِ مُقِرُّونَ.
ولَمّا أمَرَهُمْ؛ وقَطَعَ حُجَّتَهُمْ؛ حَذَّرَهُمْ؛ فَقالَ - مُخَفِّفًا عَنْهم بِالإشارَةِ بِحَرْفِ الجَرِّ إلى أنَّهُ مَتى وقَعَ مِنهم إيمانٌ؛ في زَمَنٍ مِمّا قَبْلَ الطَّمْسِ؛ أخَّرَهُ عَنْهم -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ﴾؛ أيْ: نَمْحُوَ؛ ﴿وُجُوهًا﴾؛ فَإنَّ الطَّمْسَ في اللُّغَةِ: المَحْوُ؛ وهو يَصْدُقُ بِتَغْيِيرِ بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَنَرُدَّها﴾؛ فالتَّقْدِيرُ: ”مِن قَبْلِ أنْ نَمْحُوَ أثَرَ وُجُوهٍ؛ بِأنْ نَرُدَّها“؛ ﴿عَلى أدْبارِها﴾؛ أيْ: بِأنْ نَجْعَلَ ما إلى جِهَةِ القُبُلِ مِنَ الرَّأْسِ؛ إلى جِهَةِ الدُّبُرِ؛ وما إلى الدُّبُرِ إلى جِهَةِ القُبُلِ؛ مَعَ إبْقاءِ صُورَةِ الوَجْهِ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ أوْ يَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الدُّبُرِ النَّقْلُ مِن حالٍ إلى ما دُونَها مِن ضِدِّها؛ بِجَعْلِها عَلى حالِ القَفا؛ لَيْسَ فِيها مَعْلَمٌ؛ مِن فَمٍ ولا غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ المَعْنِيُّ بِالطَّمْسِ مَسْحَ ما في الوَجْهِ مِنَ المَعانِي؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ: ”نَطْمِسُ“: نَمْسَحُها؛ فَنُسَوِّيها؛ فَلا يُرى فِيها عَيْنٌ؛ ولا أنْفٌ؛ ولا فَمٌ؛ ولا شَيْءٌ مِمّا يُرى في الوَجْهِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]؛ المَطْمُوسُ العَيْنِ: الَّذِي (p-٢٩٦)لَيْسَ بَيْنَ جَفْنَيْهِ شَقٌّ؛ ويُقالُ: ”طَمَسْتُ الكِتابَ؛ والأثَرَ“؛ فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ ثُمَّ خَوَّفَهم نَوْعًا آخَرَ مِنَ الطَّمْسِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”نَرُدَّها“ -: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾؛ أيْ: نُبْعِدَهم جِدًّا عَنْ صُورَةِ البَشَرِ؛ بِأنْ نُقَلِّبَ وُجُوهَهُمْ؛ أوْ جَمِيعَ ذَواتِهِمْ؛ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ؛ ﴿كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾؛ إذْ قُلْنا لَهُمْ: ”كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ“؛ ويَكُونُ الوَجْهُ في هَذا التَّقْدِيرِ الأخِيرِ عِبارَةً عَنِ الجُمْلَةِ؛ فَهو إذَنْ مِمّا اسْتُعْمِلَ في حَقِيقَتِهِ؛ ومَجازِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدَ الوُجَهاءِ؛ فَيَكُونَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ اسْتِخْدامًا؛ ويَكُونَ المُرادُ بِالرَّدِّ عَلى الأدْبارِ جَعَلَهم أدْنِياءَ صَغَرَةً؛ مِنَ الأسافِلِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا غَرِيبًا ومَقْدُورًا عَجِيبًا؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كانَ أمْرُ اللَّهِ فِيهِمْ بِذَلِكَ - كَما عَلِمْتُمْ - نافِذًا“؛ أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ؛ وأنَّ وُجُوهَ مَقْدُوراتِهِ لا تَنْحَصِرُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتَهُ -: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: حُكْمُهُ؛ وقَضاؤُهُ؛ ومُرادُهُ في كُلِّ شَيْءٍ شاءَ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَهُ العَظَمَةَ الَّتِي لا حَدَّ لَها؛ والكِبْرِياءَ الَّتِي تُعْيِي الأوْصافَ دُونَها؛ ﴿مَفْعُولا﴾؛ أيْ: كائِنًا حَتْمًا؛ لا تَخَلُّفَ (p-٢٩٧)لَهُ أصْلًا؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِ أحَدِ الأمْرَيْنِ؛ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ وقَدْ آمَنَ بَعْضُهم فَلَمْ يَصِحَّ أنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّهُ قَدْ وقَعَ مِنهم إيمانٌ.
النساء 4:48
ولَمّا كانُوا مَعَ ارْتِكابِهِمُ العَظائِمَ يَقُولُونَ: ”سَيُغْفَرُ لَنا“؛ وكانَ امْتِثالُهم لِتَحْرِيفِ أحْبارِهِمْ؛ ورُهْبانِهِمْ؛ شِرْكًا بِاللَّهِ - كَما قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]؛ قالَ - مُعَلِّلًا لِتَحْقِيقِ وعِيدِهِمْ؛ مُعْلِمًا أنَّ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَحْرِيفِهِمْ أدّاهم إلى الشِّرْكِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ العَظَمَةِ؛ ﴿لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ؛ إلى المَوْتِ؛ سَواءٌ كانَ المُشْرِكُ مِن أهْلِ الكِتابِ أمْ لا؛ وزادَ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّهُ في سِياقِ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]
ولَمّا أخْبَرَ بِعَدْلِهِ؛ أخْبَرَ بِفَضْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ﴾؛ الأمْرِ الكَبِيرِ العَظِيمِ؛ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ؛ سَواءٌ كانَتْ صَغِيرَةً؛ أوْ كَبِيرَةً؛ سَواءٌ تابَ فاعِلُها؛ أوْ لا؛ ورَهَّبَ بِقَوْلِهِ - إعْلامًا بِأنَّهُ مُخْتارٌ؛ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ -: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾؛ أيْ: يُوجَدْ مِنهُ شِرْكٌ في الحالِ؛ أوِ المَآلِ؛ وأمّا الماضِي فَجَبَّتْهُ التَّوْبَةُ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ (p-٢٩٨)دُونَهُ؛ ﴿فَقَدِ افْتَرى﴾؛ أيْ: تَعَمَّدَ كَذِبًا؛ ﴿إثْمًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ظاهِرًا في نَفْسِهِ؛ مِن جِهَةِ عِظَمِهِ أنَّهُ قَدْ مَلَأ أقْطارَ نَفْسِهِ؛ وقَلْبِهِ؛ ورُوحِهِ؛ وبَدَنِهِ؛ مُظْهِرًا لِلْغَيْرِ أنَّهُ إثْمٌ؛ فَهو في نَفْسِهِ مُنادٍ بِأنَّهُ باطِلٌ مُصِرٌّ؛ فَلَمْ يَدَعْ لِلصُّلْحِ مَوْضِعًا؛ فَلَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ العَفْوَ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ قادِحٌ في المَلِكِ؛ وإنَّما طَوى مُقَدِّمَةَ الضَّلالِ؛ وذَكَرَ مُقَدِّمَةَ الِافْتِراءِ - لِكَوْنِ السِّياقِ لِأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ضَلالُهم عَلى عِلْمٍ مِنهُمْ؛ وتَعَمُّدٍ وعِنادٍ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي عَنِ العَرَبِ -؛ وفي التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ اسْتِكْفافٌ؛ مَعَ اسْتِعْطافٍ؛ واسْتِجْلابٍ؛ في اسْتِرْهابٍ.
النساء 4:49
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادِينَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن أهْلِ الكِتابِ أضَلُّ النّاسِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم أهْدى النّاسِ؛ عَجِبَ مِنهُمْ؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ بَعْدَ افْتِرائِهِمْ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأبْعَدَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ [آل عمران: ١٨٨] ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ فَإنَّ إبْعادَ غَيْرِهِمْ (p-٢٩٩)فِي المَيْلِ مُصَحِّحٌ لِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهم بِالباطِلِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ مِمّا تَقَدَّمَ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الإنْكارِ: ”لَيْسَ لَهم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كَذَبُوا فِيهِ؛ وظَلَمُوا“؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ التّامِّ؛ والقُدْرَةِ الشّامِلَةِ؛ والحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ والعَدْلِ السَّوِيِّ؛ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ؛ وبِخَلْقِ مَعانِي الخَيْرِ الظّاهِرَةِ فِيهِ؛ لِتَنْشَأ عَنْها الأعْمالُ الصّالِحَةُ؛ فَإذا زَكّى أحَدًا مِن أصْفِيائِهِ بِشَيْءٍ؛ كالنُّبُوَّةِ؛ كانَ لَهُ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِذَلِكَ؛ حَمْلًا عَلى ما يَنْفَعُ النّاسَ بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمْ؛ أوْ يُدَسِّيهِمْ؛ لا ﴿يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: مِقْدارَ ما في شِقِّ النَّواةِ مِن ذَلِكَ الشَّيْءِ المَفْتُولِ؛ أيْ: قَلِيلًا؛ ولا كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَسْتَحِقُّونَ؛ وهو الحَكَمُ العَدْلُ؛ الغَنِيُّ عَنِ الظُّلْمِ؛ لِأنَّ لَهُ صِفاتِ الكَمالِ.
النساء 4:50
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ التَّزْكِيَةَ إنَّما هي إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والعِلْمِ الشّامِلِ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ؛ وثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ كَلامُهُ؛ بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في حالَتَيِ الإطْنابِ؛ والإيجازِ؛ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ؛ فَزادَ في تَوْبِيخِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَجِّبًا لِرَسُولِهِ ﷺ (p-٣٠٠)مِن وقاحَتِهِمْ؛ واجْتِرائِهِمْ عَلى مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُمْ؛ ويَقْدِرُ عَلى مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ؛ مُبَيِّنًا أنَّهُ ﷺ في الحَضْرَةِ؛ بَعْدَ بَيانِ بُعْدِهِمْ -: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خَوْفٍ مِنهم لِذَلِكَ عاقِبَةً؛ ﴿وكَفى﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَفى؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِهَذا الكَذِبِ؛ ﴿إثْمًا مُبِينًا﴾؛ أيْ: واضِحًا في نَفْسِهِ؛ ومُنادِيًا عَلَيْها بِالبُطْلانِ.
النساء 4:51
ولَمّا عَجِبَ مِن كَذِبِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وكانَ الأصْلُ: إلَيْهِمْ؛ ولَكِنَّهُ قالَ - لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ كُفْرَهم عِنادٌ؛ لِكَوْنِهِ عَنْ عِلْمٍ -: ﴿إلى الَّذِينَ﴾؛ وعَبَّرَ بِـ ”إلى“؛ دَلالَةً عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الحَضْراتِ الشَّرِيفَةِ؛ ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو الكِتابُ في الحَقِيقَةِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ﴾؛ وهو الصَّنَمُ؛ والكاهِنُ؛ والسّاحِرُ؛ والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ؛ وكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ﴿والطّاغُوتِ﴾؛ وهو اللّاتُ؛ والعُزّى؛ والكاهِنُ؛ والشَّيْطانُ؛ وكُلُّ رَأْسِ ضَلالٍ؛ والأصْنامُ؛ وكُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي تَصِحُّ إرادَتُها هُنا؛ وهي مِمّا نُهِيَ عَنْهُ في كِتابِهِمْ - وأصْلُهُ ومَدارُهُ مُجاوَزَةُ الحَدِّ عُدْوانًا؛ وهو واحِدٌ؛ وقَدْ يَكُونُ جَمْعًا؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] -؛ والحالُ أنَّ أقَلَّ نَصِيبٍ مِنَ الكِتابِ كافٍ في النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ؛ وتَكْفِيرِ فاعِلِهِ. (p-٣٠١)ولَمّا دَلَّ عَلى ضَلالِهِمْ؛ دَلَّ عَلى إضْلالِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ دَلالَةً عَلى عَدَمِ تَوْبَتِهِمْ -: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ودَلَّ بِالتَّعْبِيرِ بِالإشارَةِ؛ دُونَ الخِطابِ؛ عَلى أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ فِيهِمْ؛ حَتّى في غَيْبَتِهِمْ؛ حَيْثُ لا حامِلَ لَهم عَلى القَوْلِ إلّا مَحْضُ الكُفْرِ؛ فَقالَ: ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةُ العابِدُونَ لِلْأصْنامِ؛ ﴿أهْدى﴾؛ أيْ: أقْوَمُ في الهِدايَةِ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا هَذِهِ الحَقِيقَةِ؛ فَيُفْهَمُ ذَمُّهم بِالتَّفْضِيلِ عَلى الَّذِينَ يُؤَمِّنُونَ؛ ومَن فَوْقَهم مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿سَبِيلا﴾؛ مَعَ أنَّ في كِتابِهِمْ - مِن إبْطالِ الشِّرْكِ؛ وهَدْمِهِ؛ وعَيْبِ مُدانِيهِ؛ وذَمِّهِ؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ - تَأْكِيدًا أكِيدًا؛ وأمْرًا عَظِيمًا شَدِيدًا.
النساء 4:52
ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ خِزْيَهُمْ؛ قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنِ الحَضْراتِ الرَّبّانِيَّةِ؛ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: طَرَدَهم بِجَمِيعِ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ طَرْدًا هم جَدِيرُونَ بِأنْ يُخْتَصُّوا بِهِ؛ ولَمّا كانَ قَصْدُهم بِهَذا القَوْلِ مُناصَرَةَ المُشْرِكِينَ لَهُمْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَنالُوا بِذَلِكَ اللَّعْنِ الذُّلَّ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ؛ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا؛ وكَرَّرَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيهِ؛ إشْعارًا لِتَناهِي الكُفْرِ؛ (p-٣٠٢)الَّذِي هو أعْظَمُ المَعاصِي؛ بِتَناهِي الغَضَبِ.
النساء 4:53
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”كَذَلِكَ كانَ مِن إلْزامِهِمُ الذُّلَّ؛ والصَّغارَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ؛ ﴿لَهم نَصِيبٌ﴾؛ أيْ: واحِدٌ مِنَ الأنْصِباءِ؛ ﴿مِنَ المُلْكِ فَإذًا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم إذا كانَ لَهم أدْنى نَصِيبٍ مِنهُ؛ ﴿لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ آمَنُوا؛ ﴿نَقِيرًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا؛ ولا الآخِرَةِ؛ مِن هُدًى ولا مِن غَيْرِهِ؛ و”النَّقِيرُ“: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ؛ قِيلَ: غايَةٌ في القِلَّةِ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنِ العَدَمِ؛ فَهو بَيانٌ لِأنَّهم لِإفْراطِ بُخْلِهِمْ لا يَصْلُحُونَ إلّا لِما هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ؛ فَكَيْفَ بِدَرَجَةِ المُلْكِ؟ لِأنَّ المُلْكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعانِ؛
النساء 4:54
﴿أمْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ ما مِنَ المُلْكِ؛ بَلْ ذُلُّهم لازِمٌ؛ وصَغارُهم أبَدًا كائِنٌ؛ دائِمٌ؛ فَهم ﴿يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُحَمَّدًا ﷺ الَّذِي جَمَعَ فَضائِلَ النّاسِ كُلِّهِمْ؛ مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ؛ وزادَ عَلَيْهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ أوِ العَرَبَ الَّذِينَ لا ناسَ (p-٣٠٣)الآنَ غَيْرُهُمْ؛ لِأنّا فَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ - بِأنْ يَتَمَنَّوْا دَوامَ ذُلِّهِمْ؛ كَما دامَ لَهم هُمْ؛ ودَلَّ عَلى نِهايَةِ حَسَدِهِمْ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ حَسَدُوهم لِما رَأوْا مِن إقْبالِ جَدِّهِمْ؛ وظُهُورِ سَعْدِهِمْ؛ وأنَّهم سادَةُ النّاسِ؛ وقادَةُ أهْلِ النَّدى والبَأْسِ:
؎إنَّ العَرانِينَ تَلْقاها مُحَسَّدَةً ∗∗∗ ولَنْ تَرى لِلِئامِ النّاسِ حُسّادا
وقَدْ آتاهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جَمِيعَ أنْواعِ المُلْكِ؛ فَإنَّهُ عَلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ والبَواطِنِ مَعًا؛ وهو لِلْأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما لَهم مِن غايَةِ الجُودِ؛ والكَرَمِ؛ والرَّحْمَةِ؛ والشَّفَقَةِ؛ والشَّفاعَةِ؛ والبِرِّ؛ واللُّطْفِ؛ الَّتِي كُلٌّ مِنها سَبَبٌ لِلِانْقِيادِ؛ وذَلِكَ مَعَ ما لَهم بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن تَمامِ الوَصْلَةِ؛ ومُلْكٌ عَلى الظَّواهِرِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ؛ ومُلْكٌ عَلى البَواطِنِ فَقَطْ؛ وهو مُلْكُ العُلَماءِ.
ولَمّا ذَمَّهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - أوَّلًا بِالجَهْلِ؛ ومَدْحِ النَّفْسِ؛ تَشَبُّعًا بِما لَمْ يُعْطُوا؛ وذَلِكَ سَبَبٌ لِجَمِيعِ النَّقائِصِ؛ وثانِيًا بِأعْظَمَ مِنهُ: مَنعِ الحَقِّ مِن أهْلِهِ بُخْلًا؛ وثالِثًا بِأعْظَمَ مِنهُما: تَمَنِّي ألّا يَصِلَ إلى أحَدٍ نِعْمَةٌ؛ وإنْ كانَتْ لا تَنْقُصُهُمْ؛ فَحازُوا بِذَلِكَ أعْلى خِلالِ الذَّمِّ؛ وكانَتِ (p-٣٠٤)المَساوِي تَضَعُ؛ والمَحاسِنُ تَرْفَعُ؛ تَسَبَّبَ عَنْ هَذا تَوَقُّعُ السّامِعِ لِإعْلاءِ العَرَبِ؛ وإدامَةِ ذُلِّ اليَهُودِ؛ ومَوْتِهِمْ بِحَسَدِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا؛ وتَعَقَّبَهُ أنّا آتَيْناهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى التَّوْصِيفِ الَّذِي شارَكُوهم بِهِ في اسْتِحْقاقِ الفَضائِلِ؛ فَقالَ: ﴿آتَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿آلَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أعْلَمْناكم في كِتابِكم أنّا أقْسَمْنا لَهُ أنّا نُعِزُّ ذُرِّيَّتَهُ؛ ونَهْدِيهِمْ؛ ونَجْعَلُ ابْنَهُ إسْماعِيلَ حالًّا عَلى جَمِيعِ حُدُودِ إخْوَتِهِ؛ ويَدَهُ في جَمِيعِ النّاسِ؛ ويَدَهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ؛ ويَدَ كُلٍّ بِهِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كِتابَ إلّا هُوَ؛ لِما لَهُ مِنَ الحِفْظِ والفَضْلِ؛ بِالإعْجازِ والفَصْلِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ الَّتِي ثَمَرَتُها العَمَلُ المُتْقَنُ بِالعِلْمِ المُحَرَّرِ المُحْكَمِ؛ ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾؛ أيْ: ضَخْمًا؛ واسِعًا؛ باقِيًا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ؛
النساء 4:55
﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ آلِ إبْراهِيمَ؛ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾؛ وهم أغْلَبُ العَرَبِ؛ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾؛ أيْ: أعْرَضَ بِنَفْسِهِ؛ وصَدَّ غَيْرَهُ؛ كَبَنِي إسْرائِيلَ؛ وبَعْضِ العَرَبِ.
ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّ الطّاعِنَ فِيهِ مَيِّتٌ بِحَسَدِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَضُرَّهُ بِأمْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ لِبَيانِ أمْرِهِمْ في الآخِرَةِ: ”فَحَكَمْنا أنْ تُسَعَّرَ بِهِمُ النّارُ؛ بَعْدَ الذُّلِّ في هَذِهِ الدّارِ؛ والهَوانِ والصَّغارِ“؛ عَطَفَ (p-٣٠٥)عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾؛ أيْ: تَوَقُّدًا؛ والتِهابًا في غايَةِ الإحْراقِ؛ والعُسْرِ؛ والإسْراعِ إلى الأذى؛ وفي آيَةِ الطّاغُوتِ أنَّهم سَمَحُوا بِبَدَلِ الدِّينِ - وهو لا أعَزَّ مِنهُ عِنْدَ الإنْسانِ - في شَهادَتِهِمْ لِلْكَفَرَةِ بِالهِدايَةِ؛ وفي آيَةِ المُلْكِ الإيماءُ إلى أنَّهم في الحَضِيضِ مِنَ الشُّحِّ بِالخَسِيسِ الفانِي؛ وفي آيَةِ الحَسَدِ أنَّهُ لَمْ يَكْفِهِمُ التَّوَطُّنُ في حَضِيضِ الشُّحِّ بِما أُوتُوا؛ مَعَ الغِنى؛ حَتّى سَفَلُوا عَنْهُ إلى أدْنى مِن ذَلِكَ بِالحَسَدِ لِمَن آتاهُ اللَّهُ ما لا يَنْقُصُهم.
النساء 4:56
ولَمّا أثْبَتَ لِمَن صَدَّ عَنْهُ النّارَ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما أظْهَرَتْهُ عُقُولُهم بِسَبَبِها؛ ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِوَعِيدٍ ثابِتٍ؛ وإنْ طالَ مَعَهُ الإمْهالُ؛ ﴿نارًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ النّارُ - عَلى ما نَعْهَدُهُ - مُفْنِيَةً؛ ماحِقَةً؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - رَدًّا لِذَلِكَ -: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾؛ أيْ: صارَتْ بِحَرِّها إلى حالَةِ اللَّحْمِ النَّضِيجِ؛ الَّذِي أدْرَكَ أنْ يُؤْكَلَ؛ فَصارَتْ كاللَّحْمِ المَيِّتِ الَّذِي يَكُونُ في الجُرْحِ؛ فَلا يُحِسُّ بِالألَمِ؛ ﴿بَدَّلْناهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلْنا لَهُمْ؛ ﴿جُلُودًا غَيْرَها﴾؛ أيْ: غَيْرَ النَّضِيجَةِ؛ بَدَلًا مِنها؛ بِأنْ أعَدْناها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ تَسْلِيطِ النّارِ عَلَيْها؛ (p-٣٠٦)كَما إذا صُغْتَ مِن خاتَمٍ خاتَمًا عَلى غَيْرِ هَيْئَتِهِ؛ فَإنَّهُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ الفِضَّةَ واحِدَةٌ؛ وهو غَيْرُهُ لِأنَّ الهَيْئَةَ مُتَغايِرَةٌ؛ وهَكَذا الجِلْدُ الثّانِي؛ مُغايِرٌ لِلنَّضِيجِ في الهَيْئَةِ؛ ﴿لِيَذُوقُوا﴾؛ أيْ: أصْحابُ الجُلُودِ المَقْصُودُونَ بِالعَذابِ؛ ﴿العَذابَ﴾؛ أيْ: لِيَدُومَ لَهم تَجَدُّدُ ذَوْقِهِ؛ فَتُجَدَّدُ لَهم مَشاهَدَةُ الإعادَةِ بَعْدَ البِلى كُلَّ وقْتٍ؛ كَما كانُوا يُجَدِّدُونَ التَّكْذِيبَ بِذَلِكَ كُلَّ وقْتٍ؛ لِيَكُونَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يُعِدْ مِنهم ما وهي لَأدّاهُ وهْيُهُ إلى البِلى؛ ولَوْ بَلِيَ مِنهم شَيْءٌ لَبَلُوا كُلُّهُمْ؛ فانْقَطَعَ عَذابُهم.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ؛ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ﴿عَزِيزًا﴾؛ أيْ: يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ﴿حَكِيمًا﴾؛ أيْ: يُتْقِنُ صُنْعَهُ؛ فَجُعِلَ عَذابُهم عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ لِأنَّ عَزائِمَهم كانَتْ عَلى دَوامِهِمْ عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ ما بَقُوا.
النساء 4:57
ولَمّا ذَكَرَ التَّرْهِيبَ بِعِقابِ الكافِرِينَ؛ أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ بِثَوابِ المُؤْمِنِينَ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ بَيانًا لِصِدْقِهِمْ فِيهِ؛ ﴿الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ ورُبَّما أفْهَمَ التَّنْفِيسُ لَهم بِالسِّينِ؛ دُونَ ”سَوْفَ“ - كَما في الكافِرِينَ -؛ أنَّهم أقْصَرُ الأُمَمِ (p-٣٠٧)مُدَّةً؛ أوْ أنَّهم أقْصَرُهم أعْمارًا؛ إراحَةً لَهم مِن دارِ الكَدَرِ؛ إلى مَحَلِّ الصَّفاءِ؛ وأنَّهم يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ جَمِيعِ الفِرَقِ النّاجِيَةِ مِن أهْلِ المَوْقِفِ؛ ﴿جَنّاتٍ﴾؛ أيْ: بَساتِينَ؛ ووَصَفَها بِما يُدِيمُ بَهْجَتَها؛ ويُعَظِّمُ نَضْرَتَها؛ وزَهْرَتَها؛ فَقالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ أيْ: إنَّ أرْضَها في غايَةِ الرِّيِّ؛ كُلُّ مَوْضِعٍ مِنها صالِحٌ لِأنْ يَجْرِيَ مِنهُ نَهْرٌ.
ولَمّا ذَكَرَ قِيامَها؛ وما بِهِ دَوامُها؛ أتْبَعَهُ ما تَهْواهُ النُّفُوسُ مِنَ اسْتِمْرارِ الإقامَةِ بِها؛ فَقالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ١٢٢]؛ ولَمّا وصَفَ حُسْنَ الدّارِ؛ ذَكَرَ حُسْنَ الجارِ؛ فَقالَ: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ﴾؛ والمُطَّرِدُ في وصْفِ جَمْعِ القِلَّةِ لِمَن يَعْقِلُ الألِفُ والتّاءُ؛ فَعَدَلَ هُنا عَنْ ذَلِكَ إلى الوَحْدَةِ لِإفْهامِ أنَّهُنَّ لِشِدَّةِ المُوافَقَةِ في الطُّهْرِ كَذاتٍ واحِدَةٍ؛ فَقِيلَ: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾؛ أيْ: مُتَكَرِّرٌ طُهْرُها؛ لا تُوجَدُ وقْتًا ما عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَتِ الجِنانُ في الدُّنْيا لا تَحْسُنُ إلّا بِتَمَكُّنِ الشَّمْسِ مِنها؛ وكانَتِ الشَّمْسُ تَنْسَخُ الظِّلَّ فَتَخْرُجُ إلى التَّحَوُّلِ إلى مَكانٍ آخَرَ؛ ورُبَّما آذى حَرُّها؛ أمَّنَ مِن ذَلِكَ فِيها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ونُدْخِلُهُمْ﴾؛ أيْ: فِيها؛ ﴿ظِلا﴾؛ أيْ: عَظِيمًا؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ظَلِيلا﴾ (p-٣٠٨)؛ أيْ: مُتَّصِلًا؛ لا فُرَجَ فِيهِ؛ مُنْبَسِطًا لا ضِيقَ مَعَهُ دائِمًا؛ لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ يَوْمًا ما؛ ولا حَرَّ فِيهِ؛ ولا بَرْدَ؛ بَلْ هو في غايَةِ الِاعْتِدالِ.
النساء 4:58
ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ الأمْرُ بِالإحْسانِ والعَدْلِ في النِّساءِ؛ واليَتامى؛ في الإرْثِ وغَيْرِهِ؛ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدِّماءِ؛ والأمْوالِ؛ والأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وذِكْرُ خِيانَةِ أهْلِ الكِتابِ؛ وما أحَلَّ بِهِمْ لِذَلِكَ مِنَ العِقابِ؛ وذِكْرُ أنَّهُ آتى هَذِهِ الأُمَّةَ المُلْكَ المُقْتَضِيَ لِلْحُكْمِ؛ وآتاهُمُ الحِكْمَةَ بَعْدَ جَهْلِهِمْ؛ وضَعْفِهِمْ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِلَذِيذِ خِطابِهِ؛ بَعْدَما وعَدَهم عَلى امْتِثالِ أمْرِهِ مِن كَرِيمِ ثَوابِهِ؛ بِما خَتَمَهُ بِالظِّلِّ المَوْعُودِ عَلى العَدْلِ؛ في حَدِيثِ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ“؛» فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾؛ أيْ: أيَّتُها الأُمَّةُ؛ ﴿أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ خِيانَةٍ ما؛ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ في كِتْمانِ ما عِنْدَهُمْ؛ والإخْبارِ بِغَيْرِهِ؛ و”الأمانَةُ“: كُلُّ ما وجَبَ لِغَيْرِكَ عَلَيْكَ.
ولَمّا أمَرَ بِما يَحِقُّ لِلْإنْسانِ في نَفْسِهِ؛ أمَرَ بِما يَحِقُّ لَهُ في مُعامَلَةِ غَيْرِهِ؛ (p-٣٠٩)وحَقَّقَ لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَرُومُونَهُ مِن أمْرِ المُلْكِ؛ بِقَوْلِهِ - بِأداةِ القَطْعِ؛ عاطِفًا شَيْئَيْنِ عَلى شَيْئَيْنِ -: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ﴾؛ وبَيَّنَ عُمُومَ مُلْكِهِمْ لِسائِرِ الأُمَمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بَيْنَ النّاسِ﴾؛ وبَيَّنَ المَأْمُورَ بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: السَّواءِ؛ بِأنْ تَأْمُرُوا مَن وجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ بِأدائِهِ إلى مَن هو لَهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الصّالِحاتِ المُوجِبَةِ لِحُسْنِ المَقِيلِ في الظِّلِّ الظَّلِيلِ؛ أخَرَجَ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إلّا ظَلُّهُ: إمامٌ عادِلٌ...“؛» الحَدِيثَ.
ولَمّا أخْبَرَهم بِأمْرِهِ زادَهم رَغْبَةً بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُعَبِّرًا أيْضًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ﴿نِعِمّا﴾؛ أيْ: نِعْمَ شَيْئًا عَظِيمًا؛ ﴿يَعِظُكم بِهِ﴾؛ وحَثَّهم عَلى المُبادَرَةِ إلى حُسْنِ الِامْتِثالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ مُكَرِّرًا لِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ؛ لِيَجْتَهِدُوا في التَّرَقِّي في طَهارَةِ الأخْلاقِ إلى حَدٍّ لَمْ يَبْلُغْهُ غَيْرُهُمْ؛ ولَمّا كانَ الرَّقِيبُ في الأماناتِ لا بُدَّ لَهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ مِن يَدِ سَمْعٍ وعِلْمٍ؛ قالَ: ﴿كانَ﴾؛ أيْ: ولَمْ يَزَلْ؛ ولا يَزالُ؛ (p-٣١٠)﴿سَمِيعًا﴾؛ أيْ: بالِغَ السَّمْعِ لِكُلِّ ما يَقُولُونَهُ؛ جَوابًا لِأمْرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ؛ والعِلْمِ بِكُلِّ ما يَفْعَلُونَهُ في ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِنَ امْتِثالٍ وغَيْرِهِ.
النساء 4:59
ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِالعَدْلِ؛ ورَغَّبَ فِيهِ؛ ورَهَّبَ مِن تَرْكِهِ؛ أمَرَ بِطاعَةِ المُتَنَصِّبِينَ لِذَلِكَ؛ الحامِلَةِ لَهم عَلى الرِّفْقِ بِهِمْ؛ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ؛ وبَدَأ بِما هو العُمْدَةُ في الحَمْلِ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿أطِيعُوا﴾؛ أيْ: بِمُوافَقَةِ الأمْرِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمُ الإيمانَ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ في كِتابِهِ؛ مُسْتَحْضِرِينَ ما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ وعِظَمِ رُتْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ فِيما حَدَّهُ لَكم في سُنَّتِهِ عَنِ اللَّهِ؛ وبَيَّنَهُ مِن كِتابِهِ؛ لِأنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ ولِهَذا عَبَّرَ بِهِ؛ دُونَ النَّبِيِّ؛ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: الحُكّامَ؛ فَإنَّ طاعَتَهم - فِيما لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً - كَما أُشِيرَ إلى ذَلِكَ بِعَدَمِ إعادَةِ العامِلِ - مِن طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وطاعَتَهُ مِن طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والعُلَماءُ مِن أُولِي الأمْرِ أيْضًا؛ وهُمُ العامِلُونَ؛ فَإنَّهم يَأْمُرُونَ بِأمْرِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ.
(p-٣١١)ولَمّا أبانَ هَذا الحُكْمُ الأُصُولَ الثَّلاثَةَ؛ أتْبَعَها القِياسَ؛ فَسَبَّبَ عَمّا تَقْدِيرُهُ: ”هَذا في الأُمُورِ البَيِّنَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ والَّتِي وقَعَ الإجْماعُ عَلَيْها“؛ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لِإلْباسِهِ؛ فاخْتَلَفَتْ فِيهِ آراؤُكُمْ؛ ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛ بِالتَّضَرُّعِ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ بِما شَرَعَهُ لَكم مِنَ الدُّعاءِ والعِبادَةِ؛ لِيَفْتَحَ لَكم ما أُغْلِقَ مِنهُ؛ ويَهْدِيَكم إلى الحَقِّ مِنهُ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾ [النساء: ٦٩]؛ أيْ: الكامِلِ الرِّسالَةِ؛ بِالبَحْثِ عَنْ آثارِ رِسالَتِهِ؛ مِن نَصٍّ في ذَلِكَ بِعَيْنِهِ؛ أوْ أُولِي قِياسٍ؛ ودَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَرْتِيبِ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ؛ عَلى ما هو فِيها؛ وعَلى إبْطالِ ما سِواها؛ وعُلِمَ مِن إفْرادِهِ (تَعالى)؛ وجَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أعْلامِ أُمَّتِهِ؛ أنَّ الأدَبَ تَوْحِيدُ اللَّهِ؛ حَتّى في مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ؛ وأكَّدَ البَيانَ لِدَعْوى الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ:﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: دائِمِينَ عَلى الإيمانِ؛ بِتَجْدِيدِهِ في كُلِّ أوانٍ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ الحامِلِ عَلى الطّاعَةِ؛ الحاجِزِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ؛ وعَمِيمِ نَفْعِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُخَصِّصًا رَسُولَهُ ﷺ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ؛ ﴿خَيْرٌ﴾؛ أيْ: وغَيْرُهُ شَرٌّ؛ ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾؛ أيْ: عاقِبَةً؛ أوْ (p-٣١٢)تَرْجِيعًا؛ ورَدًّا مِن رَدِّكم إلى ما يَقْتَضِيهِ قَوِيمُ العَقْلِ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ لِآثارِ الرِّسالَةِ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ فَإنَّ في الأحْكامِ ما لا يَسْتَقِلُّ العَقْلُ بِإدْراكِهِ؛ إلّا بِمَعُونَةِ الشَّرْعِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ قالَ: ”نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:“ أطِيعُوا اللَّهَ "؛ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ؛ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ؛ يَعْنِي فَأمَرَهم أنْ يَدْخُلُوا في النّارِ.
النساء 4:60
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - كَما أفْهَمَهُ آخِرُ الآيَةِ؛ وأشْعَرَ بِهِ أوَّلُها؛ بَعْدَ أنْ جَمَعَ الخَلْقَ عَلى طاعَتِهِ؛ بِالطَّرِيقِ الَّذِي ذَكَرَهُ -: ”فَمَن أبى ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ“؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُعَجِّبًا؛ مُخاطِبًا لِأكْمَلِ الخَلْقِ؛ الَّذِي عَرَّفَهُ اللَّهُ المُنافِقِينَ في لَحْنِ القَوْلِ -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْ عَلِيِّ حَضْرَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ﴾؛ وإلى كَذِبِهِمْ؛ ودَوامِ نِفاقِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ وأوْقَعُوها في أنْفُسِهِمْ؛ ﴿بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا الزّاعِمَ المُنافِقَ كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ قَبْلَ ادِّعاءِ الإسْلامِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ أيْ: ويَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما ﴿أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: مِنَ التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: ولا يُسْتَعْمَلُ -؛ أيْ: الزَّعْمُ - في الأكْثَرِ - (p-٣١٣)إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ؛ يُقالُ: ”زَعَمَ فُلانٌ“؛ إذا شُكَّ فِيهِ؛ فَلَمْ يُعْرَفْ كَذِبُهُ أوْ صِدْقُهُ؛ والمُرادُ أنَّ هَؤُلاءِ قالُوا قَوْلًا هو عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ البَواطِنَ أهْلٌ لِأنْ يُشَكَّ فِيهِ؛ بِدَلِيلِ أنَّهُمْ؛ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا﴾؛ أيْ: هم وغُرَماؤُكُمْ؛ ﴿إلى الطّاغُوتِ﴾؛ أيْ: إلى الباطِلِ المُعَرَّقِ في البُطْلانِ؛ ﴿وقَدْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ ﴿أُمِرُوا﴾؛ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ؛ ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾؛ في كُلِّ ما أُنْزِلَ مِن كِتابِكَ؛ وما قَبْلَهُ؛ ومَتى تَحاكَمُوا إلَيْهِ كانُوا مُؤْمِنِينَ بِهِ؛ كافِرِينَ بِاللَّهِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾؛ بِإرادَتِهِمْ ذَلِكَ التَّحاكُمَ؛ ﴿أنْ يُضِلَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِالتَّحاكُمِ إلَيْهِ؛ ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُهم مَعَهُ الرُّجُوعُ إلى الهُدى؛ وهَذِهِ الآيَةُ سَبَبُ تَسْمِيَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِـ ”الفارُوقُ“؛ لِضَرْبِهِ عُنُقَ مُنافِقٍ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ في قِصَّةٍ ذَكَرَها الثَّعْلَبِيُّ؛ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ؛ عَنْ أبِي صالِحٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
النساء 4:61
ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَهم بِالإرادَةِ؛ ورَغْبَتَهم في التَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ؛ ذَكَرَ فِعْلَهم فِيهِ في نَفْرَتِهِمْ عَنِ التَّحاكُمِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: أقْبِلُوا رافِعِينَ أنْفُسَكم مِن وِهادِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ (p-٣١٤)أيْ: الَّذِي عِنْدَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَجِبُ طاعَتُهُ؛ لِأجْلِ مُرْسِلِهِ؛ مَعَ أنَّهُ أكْمَلُ الرُّسُلِ الَّذِينَ هم أكْمَلُ الخَلْقِ رِسالَةً؛ رَأيْتَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي دَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الإيمانِ؛ فَقالَ: ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾؛ أيْ: يُعْرِضُونَ ﴿عَنْكَ﴾؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿صُدُودًا﴾؛ أيْ: هو في أعْلى طَبَقاتِ الصُّدُودُ.
النساء 4:62
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا تَهْدِيدُهُمْ؛ قالَ - مُهَوِّلًا لِوَعِيدِهِمْ بِالإبْهامِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ مُعْلِمًا بِأنَّهم سَيَنْدَمُونَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ؛ ولا يُغْنِي عَنْهم الِاعْتِذارُ -: ﴿فَكَيْفَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ حالُهُمْ؛ ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾؛ أيْ: عُقُوبَةٌ هائِلَةٌ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾؛ مِمّا ذَكَرْنا؛ ومِن غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ تَناقُضُهم بَعِيدًا؛ لِأنَّ الكَذِبَ عِنْدَ العَرَبِ كانَ شَدِيدًا؛ قالَ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ﴾؛ أيْ: خاضِعِينَ بِما لَيَّنَتْ مِنهم تِلْكَ المُصِيبَةُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ غَيْرَ مُسْتَحْضِرِينَ لِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أرَدْنا﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أحْوالِنا؛ وبِسائِرِ أفْعالِنا؛ ﴿إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾؛ أيْ: أنْ تَكُونَ الأُمُورُ عَلى الوَجْهِ الأحْسَنِ والأوْفَقِ؛ لِما رَأيْنا في ذَلِكَ مِمّا خَفِيَ عَلى غَيْرِنا؛ وقَدْ كَذَبُوا في جَمِيعِ ذَلِكَ.
النساء 4:63
(p-٣١٥)ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بَعْضَ ما يَصْدُرُ مِنهم مِنَ التَّناقُضاتِ؛ وهم غَيْرُ مُحْتَشِمِينَ؛ ولا هائِبِينَ؛ قالَ - مُعْلِمًا بِشَأْنِهِمْ؛ مُعْلِمًا لِما يَصْنَعُ بِهِمْ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ عَنِ الخَيْرِ؛ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِنُعُوتِ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في قُلُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن شِدَّةِ البُغْضِ لِلْإسْلامِ؛ وأهْلِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدُوا في إخْفائِهِ عَنْهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ - تَعْلِيمًا لِما يَصْنَعُ بِهِمْ؛ وإعْلامًا بِأنَّهم لا يَضُرُّونَ إلّا أنْفُسَهم - قَوْلَهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ؛ وعَنِ الخَشْيَةِ مِنهُمْ؛ وعَنْ عِتابِهِمْ؛ لِأنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يُحْسَبَ لَهم حِسابٌ؛ ﴿وعِظْهُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ ظَنَنْتَ أنَّ ذَلِكَ لا يُؤَثِّرُ؛ لِأنَّ القُلُوبَ بِيَدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - يَصْطَنِعُها لِما أرادَ؛ مَتى أرادَ؛ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها؛ وما يَشْرَحُ أحْوالَها؛ ويُبَيِّنُ نَقائِصَها مِن نَفائِسِها؛ أوْ خالِيًا مَعَهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى تَرْقِيقِهِمْ؛ ﴿قَوْلا بَلِيغًا﴾؛ أيْ: يَكُونُ في غايَةِ البَلاغَةِ في حَدِّ ذاتِهِ.
النساء 4:64
ولَمّا أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وذَمَّ مَن حاكَمَ إلى غَيْرِهِ؛ وهَدَّدَهُ؛ وخَتَمَ تَهْدِيدَهُ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهُ؛ والوَعْظِ لَهُ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أرْسَلْناكَ؛ وغَيْرَكَ مِنَ الرُّسُلِ؛ إلّا لِلرِّفْقِ بِالأُمَّةِ؛ والصَّفْحِ عَنْهُمْ؛ والدُّعاءِ لَهُمْ؛ عَلى غايَةِ الجُهْدِ والنَّصِيحَةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ودَلَّ عَلى الإعْراقِ في الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ ولَمّا كانَ ما يُؤْتِيهِمْ (p-٣١٦)- سُبْحانَهُ وتَعالى - مِنَ الآياتِ؛ ويَمْنَحُهم بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ حامِلًا في ذاتِهِ عَلى الطّاعَةِ شَبَّهَهُ بِالحامِلِ عَلى إرْسالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلا لِيُطاعَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مَنصِبَهُ الشَّرِيفَ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ آمِرٌ بِهِ؛ داعٍ إلَيْهِ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِعِلْمِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ في تَمْكِينِهِ مِن أنْ يُطاعَ؛ لِما جَعَلْنا لَهُ مِنَ المَزِيَّةِ بِالصِّفاتِ العَظِيمَةِ؛ والمَناصِبِ الجَلِيلَةِ؛ والأخْلاقِ الشَّرِيفَةِ؛ كَما قالَ ﷺ «”ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“؛» أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَوْ أطاعُوكَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِالتَّحاكُمِ إلى الطّاغُوتِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿جاءُوكَ﴾؛ أيْ: مُبادِرِينَ؛ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: عَقَّبُوا مَجِيئَهم بِطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ المَلِكِ الأكْرَمِ؛ لِما اسْتَحْضَرُوهُ لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ أيْ: ما فَرَّطُوا بِعِصْيانِهِ؛ فِيما اسْتَحَقَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ؛ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿تَوّابًا رَحِيمًا﴾؛ أيْ: بَلِيغَ التَّوْبَةِ عَلى عَبِيدِهِ؛ والرَّحْمَةِ؛ لِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُمْ؛ ومَحا ذُنُوبَهُمْ؛ وأكْرَمَهم.
النساء 4:65
(p-٣١٧)ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ إباءَهم لِقَبُولِ حُكْمِهِ؛ والِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ لَدَيْهِ سَبَبٌ مانِعٌ لَهم مِنَ الإيمانِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِلْكَلامِ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ بِالقَسَمِ المُؤَكِّدِ لِإثْباتِ مَضْمُونِهِ؛ و”لا“؛ النّافِيَةِ لِنَقِيضِهِ -: ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ هَذا الوَصْفَ؛ ويُجَدِّدُونَهُ؛ ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾؛ أيْ: يَجْعَلُوكَ حَكَمًا؛ ﴿فِيما شَجَرَ﴾؛ أيْ: اخْتَلَطَ؛ واخْتَلَفَ؛ ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لِلتَّنازُعِ؛ حَتّى كانُوا كَأغْصانِ الشَّجَرِ في التَّداخُلِ؛ والتَّضايُقِ.
ولَمّا كانَ الإذْعانُ لِلْحُكْمِ بِما يُخالِفُ الهَوى في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ؛ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾؛ أيْ: نَوْعًا مِنَ الضِّيقِ؛ ﴿مِمّا قَضَيْتَ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِمْ بِهِ؛ وأكَّدَ إسْلامَهم لِأنْفُسِهِمْ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ فَقالَ: ﴿ويُسَلِّمُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا التَّسْلِيمَ البَلِيغَ لِكُلِّ ما هو لَهم مِن أنْفُسِهِمْ؛ وغَيْرِها؛ لِلَّهِ؛ ورَسُولِهِ ﷺ خالِصًا عَنْ شَوْبِ كُرْهٍ؛ ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَسْلِيمًا﴾؛ وفي الصَّحِيحِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزُّبَيْرِ؛ وخَصْمٍ لَهُ مِنَ الأنْصارِ؛ فَلا التِفاتَ إلى مَن قالَ: إنَّهُ ”حاطِبٌ“ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
النساء 4:66
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ طاعَتَكَ؛ والتَّسْلِيمَ لَكَ في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ؛ الَّتِي دَعَوْتَهم إلَيْها؛ وحَمَلْتَهم عَلَيْها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: هَذا المُخاصِمِ لِلزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - (p-٣١٨)وأشْباهِ هَذا المُخاصِمِ؛ مِمَّنْ ضَعُفَ إيمانُهُ؛ كِتابَةً مَفْرُوضَةً؛ ﴿أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: كَما كانَ في التَّوْراةِ؛ في كَفّارَةِ بَعْضِ الذُّنُوبِ؛ مُباشَرَةً حَقِيقَةً؛ وكَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ بِتَعْرِيضِ أنْفُسِهِمْ لِذَلِكَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ هم فِيها عِنْدَ أعْداءِ اللَّهِ مُضْغَةُ لَحْمٍ؛ بَيْنَ يَدَيْ نُسُورٍ يَتَخاطَفُونَها؛ ﴿أوِ اخْرُجُوا﴾؛ كَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمُ -؛ الَّذِينَ الزُّبَيْرُ مِن رُؤُوسِهِمْ؛ ﴿مِن دِيارِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي لِأشْباحِكم كَأشْباحِكم لِأرْواحِكم - تَوْبَةً لِرَبِّكُمْ؛ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: لِقُصُورِ إيمانِهِمْ؛ وضَعْفِ إيقانِهِمْ؛ ولَوْ كَتَبْناهُ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ كَفَرُوا؛ فاسْتَحَقُّوا القَتْلَ.
ولَمّا كانَ كُلُّ كَدَرٍ لا يَخْلُو عَنْ خَلاصِهِ؛ قالَ: ﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: وهُمُ العالِمُونَ بِأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - خَيْرٌ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ؛ وأنَّ حَياتَهم إنَّما هي في طاعَتِهِ؛ رُوِيَ أنَّ مِن هَؤُلاءِ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -؛ قالَ: ”أما واللَّهِ إنَّ اللَّهَ لِيَعْلَمُ مِنِّي الصِّدْقَ؛ لَوْ أمَرَنِي مُحَمَّدٌ أنْ أقْتُلَ نَفْسِي لِقَتْلْتُها“؛ وكَذا قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: ”واللَّهِ لَوْ أمَرَنا رَبُّنا لَفَعَلْنا؛ والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ بِنا ذَلِكَ“؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّقْدِيرَ: ”ولَكِنّا لَمْ نَكْتُبْ عَلَيْهِمْ؛ فَلْيَشْكُرُوا لَنا؛ ويَسْتَمْسِكُوا (p-٣١٩)بِهَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ“.
ولَمّا كانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى الِائْتِلافِ؛ وكانَ السِّياقُ لِلِاسْتِعْطافِ؛ قالَ – مُرَغِّبًا -: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ؛ ﴿فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدَّدُ لَهُمُ الوَعْظُ في كُلِّ حِينٍ؛ ﴿بِهِ لَكانَ﴾؛ أيْ: فِعْلُهم ذَلِكَ؛ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِمّا اخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾؛ أيْ: مِمّا ثَبَّتُوا بِهِ أنْفُسَهم بِالأيْمانِ الحانِثَةِ؛
النساء 4:67
﴿وإذًا لآتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: وإذا فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ آتَيْناهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ إيتاءً مُؤَكَّدًا؛ لا مِرْيَةَ فِيهِ؛ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنّا﴾؛ إلى أنَّهُ مِن غَرائِبِ ما عِنْدَهُ مِن خَوارِقِ خَوارِقِ العاداتِ؛ ونَواقِضِ نَواقِضِ المُطَرِّداتِ؛ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾؛
النساء 4:68
﴿ولَهَدَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ أيْ: يُوصِلُهم إلى مُرادِهِمْ؛ وقَدْ عَظَّمَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا الأجْرَ - تَرْغِيبًا في الطّاعَةِ - أنْواعًا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِنها التَّنْبِيهُ بِـ ”إذًا“؛ والإتْيانُ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ و”لَدُنْ“؛ مَعَ العَظَمَةِ والوَصْفِ بِالعَظِيمِ.
النساء 4:69
ولَمّا رَغَّبَ في العَمَلِ بِمَواعِظِهِ؛ وكانَ الوَعْدُ قَدْ يَكُونُ لِغِلَظٍ في المَوْعُوظِ؛ وكانَ ما قَدَّمَهُ في وعْظِهِ أمْرًا مُجْمَلًا؛ رَغَّبَ بَعْدَ تَرْقِيقِهِ بِالوَعْظِ في مُطْلَقِ الطّاعَةِ؛ الَّتِي المَقامُ كُلُّهُ لَها؛ مُفَصِّلًا إجْمالَ ما وعَدَ (p-٣٢٠)عَلَيْها؛ فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: في امْتِثالِ أوامِرِهِ؛ والوُقُوفِ عِنْدَ زَواجِرِهِ؛ مُسْتَحْضِرًا عَظَمَتَهُ؛ طاعَةً هي عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿والرَّسُولَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما أرادَهُ؛ فَإنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ؛ لا سِيَّما مَن بَلَغَ نِهايَتَها؛ ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ العَظِيمُو الشَّرَفِ؛ ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مَعْدُودٌ مِن حِزْبِهِمْ؛ فَهو بِحَيْثُ إذا أرادَ زِيارَتَهم أوْ رُؤْيَتَهم وصَلَ إلَيْها بِسُهُولَةٍ؛ لا أنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ في دَرَجاتِهِمْ؛ وإنْ كانَتْ أعْمالُهُ قاصِرَةً؛ ثُمَّ بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الحِكَمِ؛ وأنْبَؤُوا النّاسَ بِحَلائِلِ الكَلِمِ؛ بِما لَهم مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ؛ والعُلُوِّ؛ والعِظَمِ؛ ﴿والصِّدِّيقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ صَدَّقُوا أوَّلَ النّاسِ ما أتاهم عَنِ اللَّهِ؛ وصَدَقُوا هم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ فَكانُوا قُدْوَةً لِمَن بَعْدَهُمْ؛ ﴿والشُّهَداءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَغِيبُوا أصْلًا عَنْ حَضْراتِ القُدْسِ؛ ومَواطِنِ الأُنْسِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ بَلْ هم مَعَ النّاسِ بِجُسُومِهِمْ؛ ومَعَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِحُلُومِهِمْ؛ وعُلُومِهِمْ؛ سَواءٌ شَهِدُوا لِدِينِ اللَّهِ بِالحَقِّ؛ ولِسِواهُ بِالبُطْلانِ؛ بِالحُجَّةِ؛ أوْ بِالسَّيْفِ؛ ثُمَّ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ ﴿والصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يَعْتَرِيهِمْ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ - بِحَوْلِ اللَّهِ - فَسادٌ أصْلًا؛ وإلى (p-٣٢١)هَذا يُشِيرُ كَلامُ العارِفِ الشَّيْخِ رَسْلانُ؛ حَيْثُ قالَ: ما صَلَحْتَ ما دامَتْ فِيكَ بَقِيَّةٌ لِسِواهُ؛ وقَدْ تَجْتَمِعُ الصِّفاتُ الأرْبَعُ في شَخْصٍ؛ وقَدْ لا تَجْتَمِعُ؛ وأبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - أحَقُّ الأُمَّةِ بِالصِّدِّيقِيَّةِ؛ وإنْ قُلْنا: إنَّ عَلِيًّا؛ وزَيْدًا - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أسْلَما قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ - لِكِبَرِهِ؛ وكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الإسْلامِ تابِعًا لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ قُدْوَةً لِغَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِإسْلامِ ناسٍ كَثِيرٍ؛ وأُولَئِكَ كانُوا سَبَبًا لِإسْلامِ غَيْرِهِمْ؛ فَكانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الكُلِّ؛ وكانَ فِيهِ - حِينَ إسْلامِهِ - قُوَّةُ الجِهادِ في اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالمُدافَعَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ؛ ولِمُلاحَظَةِ هَذِهِ الأُمُورِ كانَتْ رُتْبَتُها تَلِي رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ؛ ولِرَفْعِ الواسِطَةِ بَيْنَهُما؛ وفَّقَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ الأُمَّةَ الَّتِي اخْتارَها؛ بِتَوْلِيَةِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ﷺ ودَفْنِهِ إلى جانِبِهِ؛ ومِن عَظِيمِ رُتْبَتِهِمْ تَنْوِيهُ النَّبِيِّ ﷺ في آخِرِ عُمْرِهِ بِهِمْ؛ فَقالَ: ”مَعَ الرَّفِيقِ الأعْلى“؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْها - قالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ – يَقُولُ: ”ما مِن نَبِيٍّ يَمْرَضُ إلّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيا (p-٣٢٢)والآخِرَةِ“.
؛ وكانَ في شَكْواهُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ أخَذَتْهُ بَحَّةٌ شَدِيدَةٌ؛ فَسَمِعَتْهُ يَقُولُ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾؛ فَعَلِمَتْ أنَّهُ خُيِّرَ».
ولَمّا أخْبَرَ أنَّ المُطِيعَ مَعَ هَؤُلاءِ؛ لَمْ يَكْتَفِ بِما أفْهَمَ ذِكْرُهم مِن جَلالِهِمْ؛ وجَلالِ مَن مَعَهُمْ؛ بَلْ زادَ في بَيانِ عُلُوِّ مَقامِهِمْ؛ ومَقامِ كُلِّ مَن مَعَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَسُنَ﴾؛ أيْ: وما أحْسَنَ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الأخْلاقِ؛ السّابِقُونَ يَوْمَ السِّباقِ؛ ﴿رَفِيقًا﴾؛ مِن ”الرِّفْقُ“؛ وهو لُغَةً: لِينُ الجانِبِ؛ ولَطافَةُ الفِعْلِ؛ وهو مِمّا يَسْتَوِي واحِدُهُ؛ وجَمْعُهُ؛