Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — المائدة 5:87 – الأنعام 6:88
المحتويات
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
المائدة 5:87
ولَمّا مَدَحَ - سُبْحانَهُ - الرُّهْبانَ؛ وكانَ ذَلِكَ داعِيًا إلى التَّرَهُّبِ؛ وكانَتِ الرَّهْبانِيَّةُ حَسَنَةً بِالذّاتِ؛ قَبِيحَةً بِالعَرَضِ؛ شَرِيفَةً في المَبْدَإ؛ دَنِيَّةً في المَآلِ؛ فَإنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الشِّدَّةِ؛ والِاجْتِهادِ في الطّاعاتِ؛ والتَّوَرُّعِ عَنْ أكْثَرِ المُباحاتُ؛ والإنْسانُ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّعْفِ؛ مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ؛ فَيَدْعُوهُ طَبْعُهُ؛ ويُساعِدُهُ ضَعْفُهُ إلى عَدَمِ الوَفاءِ بِما عاقَدَ عَلَيْهِ؛ ويُسْرِعُ بِما لَهُ مِن صِفَةِ العَجَلَةِ إلَيْهِ؛ فَيَقَعُ في الخِيانَةِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧]؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْها في هَذا الدِّينِ؛ والإخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ بَناهُ عَلى التَّوَسُّطِ؛ رَحْمَةً مِنهُ لِأهْلِهِ؛ ولُطْفًا بِهِمْ؛ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّهِمْ ﷺ؛ ونَهاهم عَنِ الإفْراطِ فِيهِ؛ والتَّفْرِيطِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الإقْرارُ بِذَلِكَ؛ ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾؛ أيْ: تَمْنَعُوا أنْفُسَكم بِنَذْرٍ؛ أوْ يَمِينٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ تَصْدِيقًا لِما أقْرَرْتُمْ بِهِ؛ ورَغَّبَهم في امْتِثالِ أمْرِهِ بِأنْ جَعْلَهُ مُوافِقًا لِطِباعِهِمْ؛ مُلائِمًا لِشَهَواتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿طَيِّباتِ ما﴾؛ أيْ: المُطَيَّباتِ؛ وهي اللَّذائِذُ؛ الَّتِي ﴿أحَلَّ اللَّهُ﴾؛ وذِكْرُ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ مُرَغِّبٌ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المِنحَةِ يَكُونُ عَلى مِقْدارِ المُعْطِي؛ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: وأمّا هو - سُبْحانَهُ - فَهو مُنَزَّهٌ عَنِ الأغْراضِ؛ لا ضُرَّ يَلْحَقُهُ؛ ولا نَفْعٌ؛ لِأنَّ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.
ولَمّا أطْلَقَ لَهم ذَلِكَ؛ حَثَّهم عَلى الِاقْتِصادِ؛ وحَذَّرَهم مِن مُجاوَزَةِ الحَدِّ؛ (p-٢٧٥)إفْراطًا؛ وتَفْرِيطًا؛ فَقالَ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾؛ فَدَلَّ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ عَلى أنَّ الفِطْرَةَ الأُولى مَبْنِيَّةٌ عَلى العَدْلِ؛ فَعُدُولُها عَنْهُ لا يَكُونُ إلّا بِتَكَلُّفٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ أنْ يَنْهى عَنِ الإمْعانِ في العِبادَةِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُحِبِّ؛ مِنَ الإكْرامِ؛ لِلْمُفْرِطِينَ في الوَرَعِ؛ بِحَيْثُ يُحَرِّمُونَ ما أحْلَلْتُ؛ ولا لِلْمُفَرِّطِينَ فِيهِ؛ الَّذِينَ يُحَلِّلُونَ ما حَرَّمْتُ؛ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ المُحَرِّمِ؛ مِنَ المَنعِ؛ وفِعْلَ المُحَلِّلِ؛ مِنَ التَّناوُلِ؛ وما ذُكِرَ مِن سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ؛ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - «أنَّ رَجُلًا أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي إذا أكَلْتُ مِن هَذا اللَّحْمِ انْتَشَرْتُ إلى النِّساءِ؛ وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ ونَزَلَتْ: ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨]» وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ مِن جامِعِهِ؛ وقالَ: حَسَنٌ؛ غَرِيبٌ؛ ورَواهُ خالِدٌ الحَذّاءُ؛ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ مُرْسَلًا؛ وقالَ الواحِدِيُّ؛ وتَبِعَهُ عَلَيْهِ البَغَوِيُّ: قالَ المُفَسِّرُونَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ النّاسَ؛ ووَصْفَ القِيامَةِ؛ ولَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ؛ فَرَقَّ النّاسُ وبَكَوْا؛ فاجْتَمَعَ عَشَرَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - في بَيْتِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ (p-٢٧٦)الجُمَحِيِّ؛ وهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؛ وأبُو ذَرٍّ الغِفارِيُّ؛ وسالِمٌ؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ؛ والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ؛ وسَلْمانُ الفارِسِيُّ؛ ومَعْقِلُ بْنُ مُقَرِّنٍ؛ واتَّفَقُوا عَلى أنْ يَصُومُوا النَّهارَ؛ ويَقُومُوا اللَّيْلَ؛ ولا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ؛ ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ؛ ولا الوَدَكَ؛ ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ؛ والطِّيبَ؛ ويَلْبَسُوا المُسُوحَ؛ ويَرْفُضُوا الدُّنْيا؛ ويَسِيحُوا في الأرْضِ؛ ويَتَرَهَّبُوا؛ ويَجُبُّوا المَذاكِيرَ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُمْ: ”ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلى كَذا وكَذا؟“؛ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ؛ فَقالَ: ”إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ؛ إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا؛ فَصُومُوا؛ وأفْطِرُوا؛ وقُومُوا؛ ونامُوا؛ فَإنِّي أقُومُ؛ وأنامُ؛ وأصُومُ؛ وأُفْطِرُ؛ وآكُلُ اللَّحْمَ؛ والدَّسَمَ؛ ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“؛ ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ؛ فَخَطَبَهم فَقالَ: ”ما بالُ أقْوامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ؛ والطَّعامَ؛ والطِّيبَ؛ والنَّوْمَ؛ وشَهَواتِ الدُّنْيا؟! أما إنِّي لَسْتُ آمُرُكم أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ اللَّحْمِ؛ والنِّساءِ؛ ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ؛ وإنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الصَّوْمُ؛ ورَهْبانِيَّتُهُمُ الجِهادُ؛ واعْبُدُوا اللَّهَ (p-٢٧٧)ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وحِجُّوا؛ واعْتَمِرُوا؛ وأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ وآتُوا الزَّكاةَ؛ وصُومُوا رَمَضانَ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ؛ شَدَّدُوا؛ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّياراتِ والصَّوامِعِ“؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) هَذِهِ الآيَةَ؛ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ وكانُوا حَلَفُوا عَلى ما عَلَيْهِ اتَّفَقُوا؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]» ولا تَعارُضَ بَيْنَ الخَبَرَيْنِ؛ لِإمْكانِ الجَمْعِ بِأنْ يَكُونَ الرَّجُلُ لَمّا سَمِعَ تَذْكِيرَ النَّبِيِّ ﷺ سَألَ؛ ولَوْ لَمْ يُجْمَعْ صَحَّ أنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنهُما سَبَبًا؛ فالشَّيْءُ الواحِدُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أسْبابٌ جَمَّةٌ؛ بَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ؛ فَمِنَ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ ما رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ؛ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُبارَكِ؛ في كِتابِ الزُّهْدِ؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ؛ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ائْذَنْ لَنا في الِاخْتِصاءِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”لَيْسَ مِنّا مَن خَصى؛ ولا اخْتَصى؛ إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ“؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ائْذَنْ لَنا في السِّياحَةِ؛ فَقالَ: ”إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ“؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ائْذَنْ لَنا في التَّرَهُّبِ؛ فَقالَ: ”إنَّ تَرَهُّبَ أُمَّتِي الجُلُوسُ في المَساجِدِ انْتِظارًا لِصَلاةٍ“؛» (p-٢٧٨)ولِلشَّيْخَيْنِ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ والنِّسائِيِّ؛ والدّارِمِيِّ؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أيْضًا قالَ: «أرادَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ أنْ يَتَبَتَّلَ؛ فَنَهاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ولَوْ أذِنَ لَهُ - وفي رِوايَةٍ: ولَوْ أجازَ لَهُ - التَّبَتُّلَ اخْتَصَيْنا؛» ولِلدّارِمِيِّ؛ «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أيْضًا قالَ: لَمّا كانَ مِن أمْرِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - الَّذِي كانَ؛ مِن تَرْكِ النِّساءِ؛ بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”يا عُثْمانُ؛ إنِّي لَمْ أُومَرْ بِالرَّهْبانِيَّةِ؛ أرَغِبْتَ عَنْ سُنَّتِي؟“؛ قالَ: لا يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: ”إنَّ مِن سُنَّتِي أنْ أُصَلِّيَ؛ وأنامَ؛ وأصُومَ؛ وأطْعَمَ؛ وأنْكِحَ؛ وأُطَلِّقَ؛ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي؛ يا عُثْمانُ؛ إنَّ لِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ ولِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا“؛ قالَ سَعْدٌ: فَواللَّهِ لَقَدْ كانَ أجْمَعَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إنْ هو أقَرَّ عُثْمانَ عَلى ما هو عَلَيْهِ أنْ نَخْتَصِيَ فَنَتَبَتَّلَ؛» وقالَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ؛ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ: ورَوى الطَّبَرانِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ؛ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرادَ رِجالٌ؛ مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو؛ أنْ يَتَبَتَّلُوا؛ ويُخْصُوا أنْفُسَهُمْ؛ ويَلْبَسُوا المُسُوحَ؛ ومِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ؛ وعَلِيَّ (p-٢٧٩)ابْنَ أبِي طالِبٍ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ والمِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ؛ وسالِمًا؛ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ في جَماعَةٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم -؛ تَبْتَّلُوا؛ فَجَلَسُوا في البُيُوتِ؛ واعْتَزَلُوا النِّساءَ؛ ولَبِسُوا المُسُوحَ؛ وحَرَّمُوا طَيِّباتِ الطَّعامِ؛ واللِّباسِ؛ وهَمُّوا بِالِاخْتِصاءِ؛ وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ؛ وصِيامِ النَّهارِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ الآيَةُ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا؛ فَصُومُوا وأفْطِرُوا؛ وصَلُّوا ونامُوا؛ فَلَيْسَ مِنّا مَن تَرَكَ سُنَّتَنا“؛» ولِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ التَّبَتُّلِ؛» وقَرَأ قَتادَةُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ولِلنِّسائِيِّ عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - نَحْوُهُ؛ وأشارَ إلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ؛ ولِلطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالباءَةِ؛ ويَنْهى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا؛ يَقُولُ: ”تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ“؛» ومِنها ما رَوى الشَّيْخانِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (p-٢٨٠)- رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «”كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَنا شَيْءٌ - وفي رِوايَةٍ: نِساءٌ؛ وفي رِوايَةٍ: كُنّا ونَحْنُ شَبابٌ - فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهانا عَنْ ذَلِكَ؛ ثُمَّ رَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ؛ ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾» الآيَةَ.
ومِنها ما رَوى البُخارِيُّ؛ وغَيْرُهُ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنِّي رَجُلٌ شابٌّ؛ وإنِّي أخافُ عَلى نَفْسِي العَنَتَ؛ ولا أجِدُ ما أتَزَوَّجُ بِهِ النِّساءَ - قالَ النِّسائِيُّ: أفاخْتَصِي؟ - فَسَكَتَ عَنِّي؛ ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَسَكَتَ عَنِّي؛ ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَسَكَتَ عَنِّي؛ ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“يا أبا هُرَيْرَةَ؛ جَفَّ القَلَمُ بِما أنْتَ لاقٍ؛ فاخْتَصِ عَلى ذَلِكَ؛ أوْ ذَرْ”؛ وقالَ النِّسائِيُّ:“أوْ دَعْ”؛» ومِنها ما رَوى الشَّيْخانِ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: «“جاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ ورَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - يَسْألُونَ عَنْ عِبادَةِ النَّبِيِّ ﷺ وفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ والنِّسائِيِّ أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ (p-٢٨١)فِي السِّرِّ - فَلَمّا أُخْبِرُوا كَأنَّهم تَقالُّوها؛ فَقالُوا: وأيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ؛ فَقالَ أحَدُهُمْ: أمّا أنا فَإنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أبَدًا؛ وقالَ آخَرُ: أنا أصُومُ الدَّهْرَ؛ ولا أُفْطِرُ؛ وقالَ آخَرُ: وأنا أعْتَزِلُ النِّساءَ؛ فَلا أتَزَوَّجُ أبَدًا؛ وفي رِوايَةٍ: وقالَ بَعْضُهم لا آكُلُ اللَّحْمَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا أنامُ عَلى فِراشٍ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ؛ وأثْنى عَلَيْهِ؛ وقالَ: ”ما بالُ أقْوامٍ كَذا وكَذا؟“؛ وفي رِوايَةٍ: فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ”أنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذا وكَذا؟ أما واللَّهِ إنِّي لِأخْشاكم لِلَّهِ؛ وأتْقاكم لَهُ؛ لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ؛ وأُصَلِّي وأرْقُدُ؛ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ؛ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي“؛» والمُبْهَمُونَ في الحَدِيثِ - قالَ شَيْخُنا في مُقَدِّمَةِ شَرْحِهِ لِلْبُخارِيِّ - هُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ؛ وسَيَأْتِي مُفَرَّقًا ما يُشِيرُ إلى ذَلِكَ؛ يَعْنِي ما قَدَّمْتُهُ أنا؛ قالَ: وقِيلَ: هم سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ؛ وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ؛ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ؛ وفي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزّاقِ؛ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ أنْ مِنهم عَلِيًّا؛ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقالَ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ: إنَّ هَذا أصْلُ ما رَواهُ الواحِدِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ؛ ولِلشَّيْخَيْنِ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ؛ وما أمَرْتُكم بِهِ فافْعَلُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ؛ فَإنَّما (p-٢٨٢)أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم كَثْرَةُ سُؤالِهِمْ؛ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ“؛» وفي رِوايَةٍ: «”ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّما أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ؛ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ“؛» ولِأبِي داوُدَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”لا تُشَدِّدُوا عَلى أنْفُسِكم فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ“؛» ولِلْإمامِ أحْمَدَ في المُسْنَدِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - والحاكِمِ في عُلُومِ الحَدِيثِ؛ في فَنِّ الغَرِيبِ - وهَذا لَفْظُهُ - عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ هَذا الدِّينَ مَتِينٌ؛ فَأوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ؛ ولا تُبَغِّضْ عِبادَةَ اللَّهِ إلَيْكَ؛ فَإنَّ المُنْبَتَّ لا أرْضًا قَطَعَ؛ ولا ظَهْرًا أبْقى“؛» المَتِينُ: الصُّلْبُ الشَّدِيدُ؛ والإيغالُ: المُبالَغَةُ؛ والمُنْبَتُّ - بِنُونٍ ومُوَحَّدَةٍ وفَوْقانِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ هو الَّذِي انْقَطَعَ ظَهْرُهُ؛ ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ؛ ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ؛ فَسَدِّدُوا؛ وقارِبُوا؛ وأبْشِرُوا“؛» وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: «”والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا“؛» ولِمُسْلِمٍ؛ وابْنِ ماجَةَ - وهَذا لَفْظُهُ - «عَنْ حَنْظَلَةَ الكاتِبِ التَّمِيمِيِّ الأُسَيْدِيِّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: كُنّا (p-٢٨٣)عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنا الجَنَّةَ والنّارَ حَتّى كانا رَأْيَ العَيْنِ؛ فَقُمْتُ إلى أهْلِي ووَلَدِي؛ فَضَحِكْتُ ولَعِبْتُ؛ قالَ: فَذَكَرْتُ الَّذِي كُنّا فِيهِ؛ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقُلْتُ: نافَقْتُ نافَقْتُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنّا لَنَفْعَلُهُ؛ فَذَهَبَ حَنْظَلَةُ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا حَنْظَلَةُ؛ لَوْ كُنْتُمْ كَما تَكُونُونَ عِنْدِي لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ عَلى فُرُشِكُمْ؛ أوْ عَلى طُرُقِكُمْ؛ يا حَنْظَلَةُ! ساعَةٌ؛ وساعَةٌ“؛» ولَفْظُ مُسْلِمٍ مِن طُرُقٍ جَمَعْتُ مُتَفَرِّقَها «عَنْ حَنْظَلَةَ - وكانَ مِن كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: لَقِيَنِي أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: كَيْفَ أنْتَ يا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نافَقَ حَنْظَلَةُ؛ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ؛ ما تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُذَكِّرُنا بِالنّارِ والجَنَّةِ؛ كانا رَأْيَ عَيْنٍ؛ فَإذا خَرَجْنا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عافَسْنا الأزْواجَ؛ والأوْلادَ؛ والضَّيْعاتِ؛ نَسِينا كَثِيرًا؛ قالَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: فَواللَّهِ إنّا لِنَلْقى مِثْلَ هَذا؛ فانْطَلَقْتُ أنا وأبُو بَكْرٍ؛ حَتّى دَخَلْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ قُلْتُ: نافَقَ حَنْظَلَةُ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وما ذاكَ؟“؛ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ نَكُونُ عِنْدَكَ؛ تُذَكِّرُنا بِالنّارِ؛ والجَنَّةِ؛ كانا رَأْيَ (p-٢٨٤)عَيْنٍ؛ فَإذا خَرَجْنا مِن عِنْدِكَ عافَسْنا الأزْواجَ؛ والأوْلادَ؛ والضَّيْعاتِ؛ نَسِينا كَثِيرًا؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ أنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلى ما تَكُونُونَ عِنْدِي؛ وفي الذِّكْرِ؛ لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ عَلى فُرُشِكُمْ؛ وفي طُرُقِكُمْ؛ ولَكِنْ يا حَنْظَلَةُ ساعَةٌ؛ وساعَةٌ؛ وساعَةٌ - ثَلاثَ مَرّاتٍ“؛» وفي رِوايَةٍ: قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَعَظَنا فَذَكَرْنا النّارَ - وفي رِوايَةٍ: الجَنَّةَ والنّارَ - ثُمَّ جِئْتُ إلى البَيْتِ فَضاحَكْتُ الصِّبْيانَ؛ ولاعَبْتُ المَرْأةَ؛ فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ؛ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ؛ فَقالَ: وأنا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَ ما تَذْكُرُ؛ فَلَقِينا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ نافَقَ حَنْظَلَةُ؛ فَقالَ: ”مَهْ؟“؛ فَحَدَّثْتُهُ بِالحَدِيثِ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: وأنا قَدْ فَعَلْتُ مِثْلَما فَعَلَ؛ فَقالَ: ”يا حَنْظَلَةُ؛ ساعَةٌ؛ وساعَةٌ؛ فَلَوْ كانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكم كَما تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ لَصافَحَتْكُمُ المَلائِكَةُ حَتّى تُسَلِّمَ عَلَيْكم في الطُّرُقِ“».
ومِن هُنا تَبَيَّنَ لَكَ مُناسَبَةُ أوَّلِ ”المُجادَلَةِ“؛ لِآخِرِ ”الحَدِيدِ“؛ الَّتِي كاعَ في مَعْرِفَتِها الأفاضِلُ؛ وكَعَّ عَنْ تَطْلُّبِها – لِغُمُوضِها - الأكابِرُ؛ الأماثِلُ؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) بَيانُ ذَلِكَ؛ وإيضاحُ ما فِيهِ مِن لَطِيفِ المَسالِكِ؛ ومِن هَذِهِ الآيَةِ وقَعَ الِالتِفاتُ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٤]؛ وما أحْسَنَ تَصْدِيرَها (p-٢٨٥)بِـ ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“! كَما صَدَّرَ أوَّلَ السُّورَةِ بِهِ؛ وقَدْ مَضى بَيانُ جَمِيعِ ما مَضى في الوَفاءِ بِالعُقُودِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ (تَعالى) قالَ: أوْفُوا بِالعُقُودِ؛ فَلا تَتَهاوَنُوا بِها فَتَنْقُضُوها؛ ولا تُبالِغُوا فِيها فَتَكُونُوا مُعْتَدِينَ؛ فَتَضْعُفُوا؛ فَإنَّهُ لَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ؛ بَلْ سَدِّدُوا؛ وقارِبُوا؛ والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا؛ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ؛ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ [المائدة: ١٤]؛ ثُمَّ فَصَّلَ لِلْمُؤْمِنِينَ أفْعالَ الفَرِيقَيْنِ - أيْ: اليَهُودِ والنَّصارى - لِيَتَبَيَّنَ لَهم فِيمَ نَقَضُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ تَفاوُتَهم في البُعْدِ عَنِ الِاسْتِجابَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً﴾ [المائدة: ٨٢]؛ ثُمَّ نَصَحَ عِبادَهُ؛ وبَيَّنَ لَهم أبْوابًا؛ مِنها دُخُولُ الِامْتِحانِ؛ وهي سَبَبٌ في كُلِّ الِابْتِلاءِ؛ فَقالَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾؛ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ كُنْتُمْ شارِعِينَ لِأنْفُسِكُمْ؛ وظالِمِينَ؛ انْتَهى. و﴿ما أحَلَّ﴾؛ شامِلٌ لِكُلِّ ما كانُوا أرادُوا أنْ يَتَوَرَّعُوا عَنْهُ مِنَ المَآكِلِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَناكِحِ؛ والنَّوْمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
المائدة 5:88
ولَمّا كانَ الحالُ لِما ألْزَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مُقْتَضِيًا لِلتَّأْكِيدِ؛ أمَرَ بِالأكْلِ؛ بَعْدَ أنْ نَهى عَنِ التَّرْكِ؛ لِيَجْتَمِعَ عَلى إباحَةِ ذَلِكَ الأمْرُ والنَّهْيُ؛ فَقالَ: ﴿وكُلُوا﴾؛ ورَغَّبَهم فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا يُرَدُ عَطاؤُهُ.
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ يَقَعُ عَلى الحَرامِ؛ قَيَّدَهُ بَعْدَ القَيْدِ بِالتَّبْعِيضِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَلالا﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ الرِّزْقَ شَهِيًّا؛ وصَفَهُ (p-٢٨٦)امْتِنانًا؛ وتَرْغِيبًا؛ فَقالَ: ﴿طَيِّبًا﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَيْدًا مُحَذِّرًا مِمّا فِيهِ شُبْهَةٌ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَرَعِ؛ ويَكُونَ مَعْنى طِيبِهِ تَيَقُّنَ حِلِّهِ؛ فَيَكُونَ بِحَيْثُ تَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى تَناوُلِهِ دِينًا؛ تَوَفُّرَها عَلى تَناوُلِ ما هو نِهايَةٌ في اللَّذَّةِ شَهْوَةً وطَبْعًا؛ وأنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِما تَعافُّهُ النَّفْسُ مِمّا أخَذَ في الفَسادِ مِنَ الأطْعِمَةِ؛ لِئَلّا يَضُرَّ؛ قالَ ابْنُ المُبارَكِ: الحَلالُ ما أُخِذَ مِن جِهَتِهِ؛ والطَّيِّبُ ما غُذِّيَ ونُمِّيَ؛ فَأمّا الطِّينُ والجَوامِدُ وما لا يُغَذِّي فَمَكْرُوهٌ؛ إلّا عَلى جِهَةِ التَّداوِي؛ وأنْ يَكُونَ مُخْرِجًا لِما فَوْقَ سَدِّ الرَّمَقِ؛ في حالَةِ الضَّرُورَةِ؛ ولِهَذا وأمْثالِهِ قالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِن أنْ تُحِلُّوا حَرامًا؛ أوْ تُحَرِّمُوا حَلالًا؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُوجِبُ رَعْيَ عُهُودِهِ؛ والوُقُوفَ عِنْدَ حُدُودِهِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتُونَ عَلى الإيمانِ بِهِ؛ فَإنَّ هَذا الوَصْفَ يَقْتَضِي رَعْيَ العُهُودِ؛ وخَصَّ - سُبْحانَهُ - الأكْلَ؛ والمُرادُ جَمِيعُ ما نَهى عَنْ تَحْرِيمِهِ مِنَ الطَّيِّباتِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِغَيْرِهِ مِنَ المُتَمَتَّعاتِ؛
المائدة 5:89
فَلَمّا نَزَلَتْ - كَما نَقَلَ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - هَذِهِ الآيَةُ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ وكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ وكانُوا حَلَفُوا عَلى ما اتَّفَقُوا عَلَيْهِ - كَما تَقَدَّمَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِن تَمامِ الجَلالِ؛ ﴿بِاللَّغْوِ﴾؛ وهو ما يَسْبِقُ إلَيْهِ اللَّفْظُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ؛ ﴿فِي أيْمانِكُمْ﴾؛ عَلى أنِّي لَمْ أعْتَمِدْ عَلى (p-٢٨٧)سَبَبِ النُّزُولِ في المُناسَبَةِ إلّا لِدُخُولِهِ في المَعْنى؛ لا لِكَوْنِهِ سَبَبًا؛ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ سَبَبٍ يَدْخُلُ في المُناسَبَةِ - كَما بَيَّنْتُهُ في أوَّلِ غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ وإنَّما كانَ السَّبَبُ هُنا داخِلًا في مُناسَبَةِ النَّظْمِ؛ لِأنَّ تَحْرِيمَ ما أحَلَّ يَكُونُ تارَةً بِنَذْرٍ؛ وتارَةً بِيَمِينٍ؛ والنَّذْرُ في المُباحِ - وهو مَسْألَتُنا - لا يَنْعَقِدُ؛ وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ؛ فَحِينَئِذٍ لَمْ تَدْعُ الحاجَةُ إلّا إلى التَّعْرِيفِ بِالأيْمانِ؛ وأحْكامِها؛ فَقَسَّمَها - سُبْحانَهُ - إلى قِسْمَيْنِ: مَقْصُودٍ؛ وغَيْرِ مَقْصُودٍ؛ فَأمّا غَيْرُ المَقْصُودِ فَلا اعْتِبارَ بِهِ؛ وأمّا المَقْصُودُ فَقِسْمانِ: حَلِفٌ عَلى ماضٍ؛ وحَلِفٌ عَلى آتٍ؛ فَأمّا الحَلِفُ عَلى الماضِي فَهو اليَمِينُ الغَمُوسُ؛ الَّتِي لا كَفّارَةَ لَها عِنْدَ بَعْضِ العُلَماءِ؛ وسَيَأْتِي في آيَةِ الوَصِيَّةِ؛ وأمّا الحَلِفُ عَلى الآتِي - وهو الَّذِي يُمْكِنُ التَّحْرِيمُ بِهِ - فَذَكَرَ حُكْمَهُ هُنا بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الحَلِفِ؛ الَّذِي مِنهُ اللَّغْوُ؛ يُطْلَقُ عَلَيْهِ عَقْدٌ لِلْيَمِينِ؛ أعْلَمَ أنَّ المُؤاخَذَةَ إنَّما هي بِتَعَمُّدِ القَلْبِ؛ وهو المُرادُ بِالكَسْبِ في الآيَةِ الأُخْرى؛ فَعَبَّرَ بِـ ”التَّفْعِيلِ“؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ و”المُفاعَلَةِ“؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَقالَ ﴿بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَوْثِيقِها؛ وتَوْكِيدِها؛ وإحْكامِها بِالجَمْعِ (p-٢٨٨)بَيْنَ اللِّسانِ والقَلْبِ؛ سَواءٌ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ؛ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ؛ أوْ عَلى أعْلاها؛ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ؛ فَلا يَحِلُّ لَكُمُ الحِنْثُ فِيها؛ إلّا بِالكَفّارَةِ؛ بِخِلافِ اللَّغْوِ؛ فَإنَّهُ بِاللِّسانِ فَقَطْ؛ فَلا عَقْدَ فِيهِ؛ فَضْلًا عَنْ تَعْقِيدٍ؛ و”ما“ مَصْدَرِيَّةٌ.
ولَمّا أثْبَتَ المُؤاخَذَةَ سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الَّذِي يَسْتُرُ النَّكْثَ والحِنْثَ عَنْ هَذا التَّعْقِيدِ؛ ويُزِيلُ أثَرَهُ؛ بِحَيْثُ تَصِيرُونَ كَأنَّكم ما حَلَفْتُمْ؛ ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾؛ أيْ: أحْرارٍ مَساكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ رُبْعُ صاعٍ؛ وهو مُدٌّ مِن طَعامٍ؛ وهو رِطْلٌ وثُلُثٌ؛ ﴿مِن أوْسَطِ ما﴾؛ كانَ عادَةً لَكم أنَّكم ﴿تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أعْدَلِهِ في الجَوْدَةِ؛ والقَدْرِ؛ كَمِّيَّةً وكَيْفِيَّةً؛ فَهو مُدٌّ جَيِّدٌ مِن غالِبِ القُوتِ؛ سَواءٌ كانَ مِنَ الحِنْطَةِ؛ أوْ مِنَ التَّمْرِ؛ أوْ غَيْرِهِما.
ولَمّا بَدَأ بِأقَلِّ ما يَكْفِي؛ تَخْفِيفًا ورَحْمَةً؛ عَطَفَ عَلى الإطْعامِ تَرَقِّيًا قَوْلَهُ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾؛ أيْ: بِثَوْبٍ يُغَطِّي العَوْرَةَ؛ مِن قَمِيصٍ؛ أوْ إزارٍ؛ أوْ غَيْرِهِما مِمّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِسْوَةِ؛ ﴿أوْ تَحْرِيرُ﴾؛ أيْ: إعْتاقُ؛ ﴿رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنَةٍ؛ سَلِيمَةٍ؛ عَمّا يُخِلُّ بِالعَمَلِ - كَما تَقَدَّمَ في كَفّارَةِ القَتْلِ - حَمْلًا لِمُطْلَقِ الكَفّاراتِ عَلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ؛ ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما اسْتَأْذَنَهُ أحَدٌ في إعْتاقِ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ؛ إلّا اخْتَبَرَ إيمانَها؛ هَذا ما عَلى المُكَلَّفِ عَلى (p-٢٨٩)سَبِيلِ التَّخْيِيرِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ؛ والتَّعْيِينُ إلَيْهِ إذا كانَ واجِدًا لِلثَّلاثَةِ؛ أوْ لِأحَدِها؛ والإتْيانُ بِأحَدِها مُبَرِّئٌ مِنَ العُهْدَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ بِعَيْنِهِ أخَصُّ مِن أحَدِها عَلى الإبْهامِ؛ والإتْيانُ بِالخاصِّ يَسْتَلْزِمُ الإتْيانَ بِالعامِّ؛ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيْ: واحِدًا مِنها؛ فاضِلًا عَنْ قُوتِهِ؛ وقُوتِ مَن تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ؛ ﴿فَصِيامُ﴾؛ أيْ: فالكَفّارَةُ صِيامُ ﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾؛ ولَوْ مُتَفَرِّقَةً.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ أكَّدَهُ في النُّفُوسِ؛ وقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَدْلُ الحَسَنُ الَّذِي ذُكِرَ؛ ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾؛ أيْ: المُعْقَدَةِ؛ ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾؛ وأرَدْتُمْ نَكْثَها؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ قَبْلَ الحِنْثِ؛ أوْ بَعْدَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فافْعَلُوا ما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ مِنهُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ لِئَلّا تُمْتَهَنَ الأيْمانُ لِسُهُولَةِ الكَفّارَةِ قَوْلَهُ:﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا تَحْلِفُوا ما وجَدْتُمْ إلى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ ولا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكُمْ؛ فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَظِيمٌ؛ ومَن أكْثَرَ الحَلِفَ وقَعَ في المَحْذُورِ؛ ولا بُدَّ؛ وإذا حَلَفْتُمْ فَلا تَحْنَثُوا دُونَ تَكْفِيرٍ؛ ويَجُوزُ لِلْمُكَفِّرِ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الخِصالِ كُلِّها؛ واسْتُشْكِلَ؛ وحَلُّهُ بِما قالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في التَّلْوِيحِ؛ في بَحْثِ ”أوْ“: والمَشْهُورُ في الفارِقِ بَيْنَ التَّخْيِيرِ والإباحَةِ أنَّهُ يُمْتَنَعُ في التَّخْيِيرِ الجَمْعُ؛ ولا يُمْتَنَعُ في الإباحَةِ؛ لَكِنَّ الفارِقَ هَهُنا أنَّهُ لا يَجِبُ في الإباحَةِ الإتْيانُ بِواحِدٍ؛ وفي التَّخْيِيرِ يَجِبُ؛ وحِينَئِذٍ إنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الحَظْرَ؛ وثَبَتَ (p-٢٩٠)الجَوازُ بِعارِضِ الأمْرِ - كَما إذا قالَ: بِعْ مِن عَبِيدِي هَذا؛ أوْ ذاكَ - يُمْتَنَعُ الجَمْعُ؛ ويَجِبُ الِاقْتِصارُ عَلى الواحِدِ؛ لِأنَّهُ المَأْمُورُ بِهِ؛ وإنْ كانَ الأصْلُ فِيهِ الإباحَةُ؛ ووَجَبَ بِالأمْرِ واحِدٌ - كَما في خِصالِ الكَفّارَةِ - يَجُوزُ الجَمْعُ بِحُكْمِ الإباحَةِ الأصْلِيَّةِ؛ وهَذا يُسَمّى التَّخْيِيرَ؛ عَلى سَبِيلِ الإباحَةِ؛ انْتَهى.
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ عَلى ما يُدْهِشُ الإنْسانَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُبَيِّنُ كُلَّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ هَكَذا؟ فَنَبَّهَ مِن هَذِهِ الغَفْلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَيانِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَكم آياتِهِ﴾؛ أيْ: أعْلامَ شَرِيعَتِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ عَلى ما لَها مِنَ العُلُوِّ؛ بِإضافَتِها إلَيْهِ.
ولَمّا اشْتَمَلَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأحْكامِ والحِكَمِ والتَّنْبِيهِ والإرْشادِ والإخْبارِ بِما فِيها مِنَ الِاعْتِبارِ عَلى نِعَمٍ جَسِيمَةٍ؛ وسُنَنٍ جَلِيلَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ناسَبَ خَتْمَها بِالشُّكْرِ المُرْبِي لَها؛ في قَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ؛ المُؤْذِنِ بِقَطْعِها إنْ لَمْ تُوجَدِ العِلَّةُ -: ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ مِنكُمُ الشُّكْرُ بِحِفْظِ جَمِيعِ الحُدُودِ الآمِرَةِ؛ والنّاهِيَةِ.
المائدة 5:90
ولَمّا تَمَّ بَيانُ حالِ المَأْكَلِ؛ وكانَ داعِيَةً إلى المَشْرَبِ؛ احْتِيجَ إلى بَيانِهِ؛ فَبَيَّنَ (تَعالى) المُحَرَّمَ مِنهُ؛ فَعُلِمَ أنَّ ما عَداهُ مَأْذُونٌ في التَّمَتُّعِ بِهِ؛ (p-٢٩١)وذَلِكَ مُحاذٍ في تَحْرِيمِ شَيْءٍ مُقْتَرِنٍ بِاللّازِمِ؛ بَعْدَ إحْلالِ آخَرَ؛ لِما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن تَحْرِيمِ المَيْتَةِ؛ وما ذُكِرَ مَعَها بَعْدَ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ وما مَعَها؛ فَقالَ (تَعالى) - مُذَكِّرًا لَهم بِما أقَرُّوا بِهِ مِنَ الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ الإذْعانُ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أقَرُّوا بِهِ؛ ونَبَّهَهم عَلى ما يُرِيدُ العَدُوُّ بِهِمْ مِنَ الشَّرِّ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾؛ وهي كُلُّ ما أسْكَرَ؛ سَواءٌ فِيهِ قَلِيلُهُ؛ وكَثِيرُهُ؛ وأضافَ إلَيْها ما واخاها في الضَّرَرِ دِينًا؛ ودُنْيا؛ وفي كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْخِصامِ؛ وكَثْرَةِ اللَّغَطِ المُقْتَضِي لِلْحَلِفِ والإقْسامِ؛ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الكُلَّ مِن أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ؛ فَلا فارِقَ بَيْنَ شارِبِها؛ والذّابِحِ عَلى النُّصْبِ؛ والمُعْتَمِدِ عَلى الأزْلامِ؛ فَقالَ: ﴿والمَيْسِرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في ”البَقَرَةِ“؛ ﴿والأنْصابُ والأزْلامُ﴾؛ المُتَقَدِّمُ أيْضًا ذِكْرُهُما أوَّلَ السُّورَةِ؛ والزَّلْمُ: القِدْحُ لا رِيشَ لَهُ؛ قالَهُ البُخارِيُّ؛ وحِكْمَةُ تَرْتِيبِها هَكَذا أنَّهُ لَمّا كانَتِ الخَمْرُ غايَةً في الحَمْلِ عَلى إتْلافِ المالِ؛ قَرَنَ بِها ما يَلِيها في ذَلِكَ؛ وهو القِمارُ؛ ولَمّا كانَ المَيْسِرُ مَفْسَدَةَ المالِ؛ قَرَنَ بِهِ مَفْسَدَةَ الدِّينِ؛ وهي الأنْصابُ؛ ولَمّا كانَ تَعْظِيمُ الأنْصابِ شِرْكًا جَلِيًّا إنْ عُبِدَتْ؛ وخَفِيًّا إنْ ذُبِحَ عَلَيْها دُونَ عِبادَةٍ؛ قَرَنَ بِها نَوْعًا مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ؛ وهو الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ: ثُمَّ أمَرَ بِاجْتِنابِ الكُلِّ؛ إشارَةً وعِبارَةً؛ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿رِجْسٌ﴾؛ أيْ: قَذَرٌ؛ أهْلٌ لِأنْ يُبْعَدَ عَنْهُ بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ حَتّى عَنْ ذِكْرِهِ؛ سَواءٌ كانَ عَيْنًا؛ أوْ مَعْنًى؛ وسَواءٌ كانَتِ الرِّجْسِيَّةُ في الحِسِّ؛ أوِ المَعْنى؛ (p-٢٩٢)ووَحَّدَ الخَبَرَ لِلنَّصِّ عَلى الخَمْرِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ أخْبارَ الثَّلاثَةِ حُذِفَتْ؛ وقُدِّرَتْ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يُقالُ في كُلٍّ واحِدَةٍ مِنها عَلى حِدَتِها كَذَلِكَ؛ ولا يَكْفِي عَنْها خَبَرٌ واحِدٌ؛ عَلى سَبِيلِ الجَمْعِ؛ ثُمَّ زادَ في التَّنْفِيرِ عَنْها؛ تَأْكِيدًا لِرِجْسِيَّتِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقِ؛ البَعِيدِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الِاجْتِنابِ؛ فَقالَ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أيْ: تَعَمَّدُوا أنْ تَكُونُوا عَنْهُ في جانِبٍ آخَرَ؛ غَيْرِ جانِبِهِ؛ وأفْرَدَ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الحِكَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِما يُفْهَمُ أنَّهُ لا فَوْزَ بِشَيْءٍ مِنَ المَطالِبِ مَعَ مُباشَرَتِها؛ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: تَظْفَرُونَ بِجَمِيعِ مَطالِبِكُمْ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ؛ وفي رِوايَةٍ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لِخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ؛ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: سَمِعْتُ عُمَرَ؛ عَلى مِنبَرِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُ: ”أمّا بَعْدُ؛ أيُّها النّاسُ؛ إنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؛ وهي مِن خَمْسَةٍ: مِنَ العِنَبِ - وفي رِوايَةٍ: مِنَ الزَّبِيبِ -؛ والتَّمْرِ؛ والعَسَلِ؛ والحِنْطَةِ؛ والشَّعِيرِ؛ والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ“؛ وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: ما كانَ لَنا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكم هَذا؛ وإنِّي لِقائِمٌ أسْقِي أبا طَلْحَةَ؛ وفُلانًا وفُلانًا؛ إذْ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: (p-٢٩٣)حُرِّمَتِ الخَمْرُ؛ قالُوا: أهْرِقْ هَذِهِ القِلالَ يا أنَسُ؛ فَما سَألُوا عَنْها؛ ولا راجَعُوها بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ؛ وفي رِوايَةٍ عَنْهُ: حُرِّمَتِ عَلَيْنا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وما نَجِدُ خَمْرَ الأعْنابِ إلّا قَلِيلًا؛ وعامَّةُ خَمْرِنا البُسْرُ والتَّمْرُ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وذَلِكَ بَعْدَ غَزْوَةِ ”الأحْزابِ“؛ بِأيّامٍ.
المائدة 5:91
ولَمّا كانَتْ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الأنْصابِ والأزْلامِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ وهي أنَّها فِسْقٌ؛ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الخَمْرِ؛ والمَيْسِرِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُما المَقْصُودانِ بِالذّاتِ؛ وإنْ كانَ الآخَرانِ ما ضُمّا إلّا لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ هَذَيْنِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ لِأنَّ المُخاطَبَ أهْلُ الإيمانِ؛ وقَدْ كانُوا مُجْتَنِبِينَ لِذَيْنِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ الإقْلاعَ عَمّا حَصَلَ التَّمادِي في المُرُونِ عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: بِتَزْيِينِ الشُّرْبِ؛ والقِمارِ لَكُمْ؛ ﴿أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ .
ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَزُولُ أسْبابُها؛ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْها؛ مِمّا إذا اسْتَحْكَمَ تَعَسَّرَ؛ أوْ تَعَذَّرَ زَوالُهُ؛ فَقالَ: ﴿والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾؛ أيْ: تَعاطِيهِما؛ لِأنَّ الخَمْرَ تُزِيلُ العَقْلَ؛ فَيَزُولُ المانِعُ مِن إظْهارِ الكامِنِ مِنَ الضَّغائِنِ؛ والمُناقَشَةِ؛ والمُحاسَدَةِ؛ فَرُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ؛ وأُمُورٍ مَهُولَةٍ؛ والمَيْسِرُ يُذْهِبُ المالَ؛ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الإحْنَةَ عَلى مَن سَلَبَهُ مالَهُ؛ ونَغَّصَ عَلَيْهِ أحْوالَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدُّنْيا؛ ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدِّينِ؛ فَقالَ: (p-٢٩٤)﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا إلَهَ لَكم غَيْرُهُ؛ ولا كُفُؤَ لَهُ؛ وكَرَّرَ الجارَّ؛ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ؛ وتَغْلِيظًا في التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ: ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾؛ أمّا في الخَمْرِ فَواضِحٌ؛ وأمّا في المَيْسِرِ فَلِأنَّ الفائِزَ يَنْسى بِبَطَرِ الغَلَبَةِ؛ والخائِبَ مَغْمُورٌ بِهَمِّهِ؛ وأعْظَمَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِفْهامِ؛ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالحَصْرِ؛ والضَّمِّ إلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وبَيانِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى التَّرْكِ؛ والشُّرُورِ المُنَفِّرَةِ عَنِ الفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ أيْ: قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِكم ما لا تُطِيقُونَ.
المائدة 5:92
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَأْلُوفًا لَهُمْ؛ مَحْبُوبًا عِنْدَهُمْ؛ وكانَ تَرْكُ المَأْلُوفِ أمَرَّ مِن ضَرْبِ السُّيُوفِ؛ أكَّدَ دَعْوَتَهم إلى اجْتِنابِهِ؛ مُحَذِّرًا مِنَ المُخالَفَةِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فانْتَهُوا“ -: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ اجْتِنابِ ذَلِكَ؛ وأكَّدَ الأمْرَ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ؛ في ذَلِكَ؛ وزادَ في التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مِنَ المُخالَفَةِ؛ ثُمَّ بَلَغَ الغايَةَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وأشارَ بِصِيغَةِ ”التَّفَعُّلِ“ إلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَعْمَلُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى؛ وعَظَّمَ الشَّأْنَ في ابْتِداءِ الجَزاءِ بِالتَّنْبِيهِ (p-٢٩٥)بِالأمْرِ بِالعِلْمِ؛ فَقالَ: ﴿فاعْلَمُوا﴾؛ أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ قَدْ قامَتْ عَلَيْكُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ عَلى الرَّسُولِ شَيْءٌ؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ ﴿أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾؛ أيْ: البالِغِ في العَظَمَةِ مِقْدارًا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ بِإضافَتِهِ إلَيْنا؛ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ أيْ: البَيِّنُ في نَفْسِهِ؛ المُوَضِّحُ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ ما يُرادُ مِنهُ؛ لا غَيْرَهُ؛ فَمَن خالَفَ فَلْيَنْظُرْ ما يَأْتِيهِ مِنَ البَلاءِ مِن قِبَلِنا؛ وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما عَلَيْهِ إلّا ما تَقَدَّمَ مِن إلْزامِنا لَهُ بِهِ مِنَ البَلاغِ؛ فَمَنِ اخْتارَ لِنَفْسِهِ المُخالَفَةَ كَفَرَ؛ واللَّهُ لا يَهْدِي مَن كانَ مُخْتارًا لِنَفْسِهِ الكُفْرَ.
المائدة 5:93
ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ عَمّا مِن شَأْنِ الأنْفُسِ الصّالِحَةِ؛ النّاظِرَةِ لِلْوَرِعِ؛ المُتَحَرَّكِ لِلسُّؤالِ عَنْهُ؛ وهو مَن ماتَ مِنهم وهو يَفْعَلُهُما؛ قالَ - جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ -: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنِعُوا مِنهُما؛ وكانُوا مُؤْمِنِينَ؛ عامِلِينَ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقِينَ لِما يُسْخِطُ الرَّبَّ مِنَ المُحَرَّماتِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ (p-٢٩٦)فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فَقالَ النّاسُ: لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا؛ إنَّما قالَ: إنَّ فِيهِما إثْمًا؛ وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ المَغْرِبَ؛ فَخَلَطَ في قِراءَتِهِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَكانُوا يَشْرَبُونَها حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبُّ؛ وقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ أوْ ماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ؛ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوها كَما تَرَكْتُمْ“؛» ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ مِن رِوايَةِ أبِي مَعْشَرٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَواعِدِ الدِّينِ؛ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ وما شَرابُهم إلّا الفَضِيخُ: البُسْرُ؛ والتَّمْرُ؛ وإذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؛ فَقالَ لِي أبُو طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اخْرُجْ فاهْرِقْها؛ (p-٢٩٧)فَهَرَقْتُها؛ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ فُلانٌ وفُلانٌ وهي في بُطُونِهِمْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ هَذا السَّبَبُ كانَتِ المُناسَبَةُ حاصِلَةً؛ وذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا أباحَ الطَّيِّبَ مِنَ المَأْكَلِ؛ وحَرَّمَ الخَبِيثَ مِنَ المَشْرَبِ؛ نَفى الجُناحَ عَمَّنْ يَأْكُلُ ما أذِنَ فِيهِ؛ أوْ يَشْرَبُ عَدا ما حَرَّمَهُ؛ فَأتى بِعِبارَةٍ تَعُمُّ المَأْكَلَ والمَشْرَبَ؛ فَقالَ: ﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: مَأْكَلًا كانَ؛ أوْ مَشْرَبًا؛ وشَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالتَّقْوى؛ لِيُخْرِجَ المُحَرَّماتِ؛ فَقالَ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جَمِيعَ التَّقْوى الَّتِي تُطْلَبُ مِنهُمْ؛ فَلَمْ يَطْعَمُوا مُحَرَّمًا.
ولَمّا بَدَأ بِالتَّقْوى؛ وهي خَوْفُ اللَّهِ؛ الحامِلُ عَلى البُعْدِ عَنِ المُحَرَّماتِ؛ ذَكَرَ أساسَها الَّذِي لا تُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وآمَنُوا﴾ ولَمّا ذَكَرَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ؛ ذَكَرَ مِصْداقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: بِما أدّاهم إلَيْهِ اجْتِهادُهم بِالعِلْمِ؛ لا اتِّفاقًا؛ ﴿الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: فاجْتَنَبُوا ما جَدَّدَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَهُ؛ ﴿وآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ وأنَّ اللَّهَ لَهُ أنْ يَمْحُوَ ما يَشاءُ؛ ويُثْبِتُ ما يَشاءُ؛ وهَكَذا كَلَّما تَكَرَّرَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ كانُوا يُلابِسُونَهُ.
ولَمّا كانَ قَدْ نَفى الجُناحَ أصْلًا ورَأْسًا؛ شَرَطَ الإحْسانَ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: لازَمُوا التَّقْوى؛ إلى أنْ أوْصَلَتْهم إلى مَقامِ المُراقَبَةِ؛ وهي الغِنى عَنْ رُؤْيَةِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ (p-٢٩٨)رُتْبَةَ الإحْسانِ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ جُناحٌ مَعَ التَّقْوى؛ والإيمانِ؛ يُكَفَّرُ عَنْهُ بِالبَلايا؛ والمَصائِبِ؛ حَتّى يَنالَ ما قُدِّرَ لَهُ مِمّا لَمْ يَبْلُغْهُ عَمَلُهُ مِن دَرَجاتِ الجِنانِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى نَفاسَةِ التَّقْوى وعِزَّتِها أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لَمّا شَرَطَها في هَذا العُمُومِ؛ حَثَّ عَلَيْها عِنْدَ ذِكْرِ المَأْكَلِ بِالخُصُوصِ - كَما مَضى – فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٨] وهَذا في غايَةِ الحَثِّ عَلى التَّوَرُّعِ في المَأْكَلِ؛ والمَشْرَبِ؛ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُوصَلُ إلى مَقامِ الإحْسانِ إلّا بِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ المُؤْمِنِينَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
المائدة 5:94
ولَمّا ذَكَرَ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ في كُلِّ حالٍ؛ وكانَ الصَّيْدُ مِمَّنْ حُرِّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ وكانَ مِن أمْثَلِ مَطْعُوماتِهِمْ؛ وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهم بَعْضَ أحْكامِهِ؛ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]؛ و﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٥]؛ أخَذَ هُنا في ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ؛ وابْتَدَأها - لِأنَّهم خافُوا عَلى مَن ماتَ مِنهم عَلى شُرْبِ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها بِأنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ لِتَمْيِيزِ الوَرِعِ مِنهم مِن غَيْرِهِ - بِالصَّيْدِ في الحالِ الَّتِي حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِيها؛ كَما بَنِي إسْرائِيلَ في السَّبْتِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ قِرَدَةً؛ ومَنَّ - سُبْحانَهُ - عَلى الصَّحابَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالعِصْمَةِ عِنْدَ بَلْواهُمْ؛ بَيانًا لِفَضْلِهِمْ عَلى مَن سِواهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم (p-٢٩٩)بِما يَكُفُّهم ذِكْرُهُ عَنِ المُخالَفَةِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإيمانَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِهِ؛ فَعَمَّ بِذَلِكَ العالِيَ والدّانِيَ؛ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ في قَبُولِكم تَحْرِيمَ الخَمْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ وذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً؛ بِالتَّذْكِيرِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ إلى أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ وأشارَ إلى تَحْقِيرِ البَلْوى؛ تَسْكِينًا لِلنُّفُوسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: الصَّيْدِ في البَرِّ في الإحْرامِ؛ وهو مُلْتَفِتٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ وشارِحٌ لِما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]؛ وما ذَكَرَ بَعْدَ المُحَرَّماتِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]
؛ ووَصَفَ المُبْتَلى بِهِ بِوَصْفٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَقالَ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ أرَدْتُمْ أخْذَهُ سالِمًا؛ ﴿ورِماحُكُمْ﴾؛ إنْ أرَدْتُمْ قَتْلَهُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُرادَ مِن ذَلِكَ؛ وهو إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الغَنِيُّ عَنْ ذَلِكَ؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي لا خَفاءَ بِها عِنْدَ أحَدٍ يَعْلَمُ هَذا الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ ﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: بِما حَجَبَ بِهِ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ الَّتِي حَجَبَتْهم عَنْ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ والمَعْنى أنَّهُ يَخْرُجُ بِالِامْتِحانِ ما كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ في عالَمِ الغَيْبِ؛ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ فَيَصِيرُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ تَعَلُّقًا شُهُودِيًّا؛ كَما كانَ تَعَلُّقًا غَيْبِيًّا؛ لِتَقُومَ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى الفاعِلِ؛ في مَجارِي عاداتِهِمْ؛ ويَزْدادَ مَن (p-٣٠٠)لَهُ اطِّلاعٌ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ المَلائِكَةِ إيمانًا؛ ويَقِينًا؛ وعِرْفانًا؛ وقَدْ حَقَّقَ - سُبْحانَهُ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ فابْتَلاهم بِذَلِكَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ حَتّى كانَ يَغْشاهُمُ الصَّيْدُ في رِحالِهِمْ؛ ويُمْكِنُهم أخْذُهُ بِأيْدِيهِمْ؛ ولَمّا كانَ هَذا زاجِرًا في العادَةِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِما وقَعَتِ البَلْوى بِهِ؛ وحاسِمًا لِلطَّمَعِ فِيهِ؛ بِمَنِ اتَّسَمَ بِما جَعَلَ مَحَطَّ النِّداءِ مِنَ الإيمانِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾؛ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ مُجاوَزَةَ الحَدِّ في التَّعَرُّضِ لَهُ؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ؛ خَصَّ الوَعِيدَ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ الزَّمانَ بِالِاعْتِداءِ؛ فَأسْقَطَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الزَّجْرِ العَظِيمِ؛ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ بِما التَذَّ مِن تَعَرُّضِهِ إلَيْهِ؛ لَمّا عَرَفَ بِالمَيْلِ إلى هَذا أنَّهُ إلى ما هو أشْهى مِنهُ؛ كالخَمْرِ؛ وما مَعَها أمْيَلُ.
المائدة 5:95
ولَمّا أخْبَرَهم بِالِابْتِلاءِ؛ صَرَّحَ لَهم بِما لَوَّحَ إلَيْهِ؛ بِذِكْرِ المَخافَةِ مِن تَحْرِيمِ التَّعَرُّضِ لِما ابْتَلاهم بِهِ؛ فَقالَ - مُنَوِّهًا بِالوَصْفِ النّاهِي عَنِ الِاعْتِداءِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ وذَكَرَ القَتْلَ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الذَّبْحِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الصَّيْدَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ النَّفْرَةِ المانِعَةِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِن ذَبْحِهِ - يُحْبَسُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن أنْواعِ القَتْلِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾؛ أيْ: لا تَصْطادُوا ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنَ الوَحْشِ؛ وأمّا غَيْرُ المَأْكُولِ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّفْسِ في قَتْلِهِ إلّا الإراحَةُ مِن أذاهُ المُرادِ بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «”خَمْسٌ في الدَّوابِّ فَواسِقُ؛ لا جُناحَ عَلى مَن قَتَلَها في حِلٍّ ولا حَرَمٍ“؛ وذَكَرَ مِنهُنَّ السَّبُعَ العادِيَ؛» فَدَلَّ الحُكْمُ بِرَفْعِ الجُناحِ عَقِبَ الوَصْفِ بِالفِسْقِ (p-٣٠١)عَلى أنَّهُ عِلَّةُ الإباحَةِ؛ ولا مَعْنى لِفِسْقِها إلّا أذاها؛ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مَحْرُومُونَ؛ أوْ في الحَرَمِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوافِقَ مُوافِقٌ؛ تَبَعًا لِأمْرِهِ؛ ويُخالِفَ مُخالِفٌ؛ مُوافَقَةً لِمُرادِهِ؛ شَرَعَ لِمَن خالَفَ كَفارَّةً؛ تَخْفِيفًا مِنهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ ورَفْعًا لِما كانَ عَلى مَن كانَ مِن قَبْلِها مِنَ الآصارِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَنِ انْتَهى فَلَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أجْرٌ عَظِيمٌ -: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: قاصِدًا لِلصَّيْدِ؛ ذاكِرًا لِلْإحْرامِ؛ إنْ كانَ مُحْرِمًا؛ والحَرَمِ؛ إنْ كانَ فِيهِ؛ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ العَمْدُ مُوجِبًا لِلْإثْمِ؛ والجَزاءِ؛ ومَتى اخْتَلَّ وصْفٌ مِنهُ كانَ خَطَأً مُوجِبًا لِلْجَزاءِ فَقَطْ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ عَفا عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - العَمْدَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ كَما في آخِرِها؛ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَجَزاءُ﴾؛ أيْ: فَمُكافَأةُ؛ ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ﴾؛ أيْ: أقْرَبُ الأشْياءِ بِهِ شَبَهًا في الصُّورَةِ؛ لا النَّوْعِ؛ ووَصَفَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ لِما قَتَلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: عَلَيْهِ أنْ يُكافِئَ ما قَتَلَهُ بِمِثْلِهِ؛ وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِإضافَةِ“جَزاءُ”؛ إلى“مِثْلِ”؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِتَنْوِينِ“جَزاءٌ”؛ ورَفْعِ“مِثْلُ”؛ فالأمْرُ واضِحٌ. (p-٣٠٢)ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ تُعْرَفُ المُماثَلَةُ؟ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالجَزاءِ؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ؛ وبَيْنَ النَّعَمِ كَثِيرَةٌ؛ احْتاجَ ذَلِكَ إلى زِيادَةِ التَّأمُّلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ضَرْبانِ: ما حَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ؛ وما لَمْ تَحْكم فِيهِ؛ فَما حَكَمَتْ فِيهِ لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ عَدْلانِ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ؛ وهم أوْلى مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ؛ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ؛ وما لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ؛ فَيُنْظَرُ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ؛ فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ؛ فَإنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ أحَدَ الحُكْمَيْنِ؛ وإنْ كانَ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا المِثْلُ يُساقُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ عَلى وجْهٍ الإكْرامِ والنُّسُكِ؛ رِفْقًا بِمَساكِينِها؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِحالِهِ مِنَ الضَّمِيرِ في“بِهِ”-: ﴿هَدْيًا﴾؛ ولَمّا كانَ الهَدْيُ هو ما تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾؛ أيْ: الحَرَمِ المَنسُوبِ إلَيْها؛ وإنَّما صَرَّحَ بِها زِيادَةً في التَّعْظِيمِ؛ وإعْلامًا بِأنَّها هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ بِالزِّيارَةِ؛ والعِمارَةِ؛ لِقِيامِ ما يَأْتِي ذِكْرُهُ؛ تُذْبَحُ الهَدْيُ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ ويُتَصَدَّقُ بِهِ عَلى مَساكِينِ الحَرَمِ؛ والإضافَةُ لَفْظِيَّةٌ؛ لِأنَّ الوَصْفَ (p-٣٠٣)بِشِبْهِ“يَبْلُغُ”؛ فَلِذا وُصِفَ بِها النَّكِرَةُ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - رَحِيمًا بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ خَيَّرَها بَيْنَ ذَلِكَ؛ وبَيْنَ ما بَعْدُ؛ فَقالَ: ﴿أوْ﴾؛ عَلَيْهِ؛ ﴿كَفّارَةٌ﴾؛ هِيَ؛ ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾؛ في الحَرَمِ؛ بِمِقْدارِ قِيمَةِ الهَدْيِ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: قِيمَةُ المِثْلِ؛ ﴿صِيامًا﴾؛ في أيِّ مَوْضِعٍ تَيَسَّرَ لَهُ؛ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمٌ؛ فَـ“أوْ”لِلتَّخْيِيرِ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ فِيها؛ والقَوْلُ بِأنَّها لِلتَّرْتِيبِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ مَفْرُوضًا في المُتَعَمَّدِ؛ قالَ - مُعَلِّقًا بِالجَزاءِ؛ أيْ: فَعَلَيْهِ أنْ يُجازِيَ بِما يُنْقِصُ المالَ؛ أوْ يُؤْلِمُ الجِسْمَ -: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ﴾؛ أيْ: ثِقْلَ؛ ﴿أمْرِهِ﴾؛ وسُوءَ عاقِبَتِهِ؛ لِيَحْتَرِزَ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَ فِيهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الجَزاءُ مَحْكُومًا بِهِ في دارِ العَمَلِ؛ الَّتِي لا يُطْلَعُ أهْلُها - بِمُجَرَّدِ عُقُولِهِمْ فِيها - عَلى غَيْبٍ؛ ولا يَعْرِفُونَ عاقِبَةَ أمْرٍ إلّا تَخَرُّصًا؛ طَرَدَ الحُكْمَ في غَيْرِ المُتَعَمَّدِ؛ لِئَلّا يَدَّعِيَ المُتَعَمِّدُ أنَّهُ مُخْطِئٌ؛ كُلُّ ذَلِكَ حِمًى لِحُرْمَةِ الدِّينِ؛ وصَوْنًا لِحُرْمَةِ الشَّرْعِ؛ وحِفْظًا لِجانِبِهِ؛ ورِعايَةً لِشَأْنِهِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ مَضى مِنهم قَبْلَ نُزُولِها مِن هَذا النَّوْعِ أشْياءُ؛ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِما أسْلَفْنا؟ قالَ – جَوابًا -: ﴿عَمّا سَلَفَ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدُهُ؛ أيْ: لَكم مِن ذَلِكَ؛ فَمَن (p-٣٠٤)حَفِظَ نَفْسَهُ بَعْدَ هَذا فازَ؛ ﴿ومَن عادَ﴾؛ إلى تَعَمُّدِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولَوْ قَلَّ؛ ولَمّا كانَ المُبْتَدَأُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى الشَّرْطِ؛ قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ؛ إعْلامًا بِالسَّبَبِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَوْدِهِ؛ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الِانْتِقامِ.
ولَمّا كانَ فاعِلُ ذَلِكَ مُنْتَهِكًا لِحُرْمَةِ الإحْرامِ؛ والحَرَمِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ:“فاللَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ"؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما اقْتَضاهُ المَقامُ مِنَ الإتْيانِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ووَصْفِ العِزَّةِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لا تُدانِي عَظَمَتَهُ عَظَمَةٌ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ لا يُغْلَبُ؛ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾؛ مِمَّنْ خالَفَ أمْرَهُ.
المائدة 5:96
ولَمّا كانَ هَذا عامًّا في كُلِّ صَيْدٍ؛ بَيَّنَ أنَّهُ خاصٌّ بِصَيْدِ البَرِّ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ؛ أيْ: الَّذِي مَبْناهُ غالِبًا عَلى الحاجَةِ؛ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المِياهِ؛ مِنَ الأنْهارِ؛ والبِرَكِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿وطَعامُهُ﴾؛ أيْ: مَصِيدُهُ؛ طَرِيًّا؛ وقَدِيدًا؛ ولَوْ كانَ طافِيًا قَذَفَهُ البَحْرُ؛ وهو الحِيتانُ بِأنْواعِها؛ وكُلُّ ما لا يَعِيشُ في البَرِّ؛ وما أُكِلَ مِثْلُهُ في البَرِّ.
ولَمّا أحَلَّ ذَلِكَ ذَكَرَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إذا كُنْتُمْ مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾؛ أيْ: يَتَزَوَّدُونَهُ إلى حَيْثُ أرادُوا مِنَ البَرِّ؛ أوِ البَحْرِ؛ وفي تَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ حالَ الِابْتِلاءِ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما يُبَيِّنُ فَضْلَها عَلى مَن كانَ قَبْلَها مِمَّنْ جُعِلَ صَيْدُ البَحْرِ لَهُ مِحْنَةً يَوْمَ الِابْتِلاءِ؛ (p-٣٠٥)ولِلَّهِ الحَمْدُ؛ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِصَيْدِ البَحْرِ الفِعْلُ؛ لِأنَّ ثَمَّ أمْرَيْنِ: الِاصْطِيادُ؛ والأكْلُ؛ والمُرادُ بَيانُ حُكْمِهِما؛ فَكَأنَّهُ أحَلَّ اصْطِيادَ حَيَوانِ البَحْرِ؛ وأحَلَّ طَعامَ البَحْرِ مُطْلَقًا؛ ما اصْطادُوهُ؛ وما لَمْ يَصْطادُوهُ؛ سَواءٌ كانُوا مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ تَحْرِيمَ اصْطِيادِ ما في البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ أتْبَعَهُ بَيانَ إحْلالِ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَحْرِ؛ في حالِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ بَيانَ حُرْمَةِ مَصِيدِ البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ وأكْلُ ما صِيدَ مِنهُ لَكُمْ؛ وهو ما لا عَيْشَ لَهُ إلّا فِيهِ؛ وما يَعِيشُ فِيهِ وفي البَحْرِ؛ فَإنْ صِيدَ لِلْحَلالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ أكْلُهُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مَنسُوبٍ إلَيْهِ اصْطِيادُهُ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ؛ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ غالِبًا في الِاصْطِيادِ والأكْلِ؛ مِمّا صِيدَ عَلى التَّرَفِ والرَّفاهِيَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا حُرْمَةُ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَرِّ؛ وحُرْمَةُ الأكْلِ مِمّا صِيدَ مِنهُ؛ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الإحْرامِ في آيَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]؛ وآيَةِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ فَلا يُعارِضُهُ مَفْهُومُ ”ما دُمْتُمْ حُرُمًا“؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ نَصًّا في الحُرْمَةِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ وقْتِ الإحْرامِ إلى تَمامِ التَّحَلُّلِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ولا يَسْقُطُ الجَزاءُ بِالخَطَإ؛ والجَهْلِ؛ كَسائِرِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ.
ولَمّا كانَ الِاصْطِيادُ بِحَشْرِ المَصِيدِ إلى حَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الخَلاصِ (p-٣٠٦)مِنهُ؛ وكانَتْ حالَةُ الإحْرامِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالَةِ الحَشْرِ؛ في التَّجَرُّدِ عَنِ المَخِيطِ؛ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وتَمَتُّعاتِها؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: "فَلا تَأْكُلُوا شَيْئًا مِنهُ في حالِ إحْرامِكم -: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في ذَلِكَ؛ وفي غَيْرِهِ؛ مِنَ الِاصْطِيادِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ لِيَكُونَ العَرْضُ عَلَيْهِ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ فَتَكُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَتِهِ؛ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
المائدة 5:97
ولَمّا كانَ الإحْرامُ؛ وتَحْرِيمُ الصَّيْدِ فِيهِ؛ إنَّما هو لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) حِكْمَةَ ذَلِكَ؛ وأنَّهُ كَما جَعَلَ الحَرَمَ والإحْرامَ سَبَبًا لِأمْنِ الوَحْشِ؛ والطَّيْرِ؛ جَعَلَهُ سَبَبًا لِأمْنِ النّاسِ؛ وسَبَبًا لِحُصُولِ السَّعادَةِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بَيانًا لِحِكْمَةِ المَنعِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَقْصِدُها لِلزِّيارَةِ -: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ ﴿الكَعْبَةَ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن ”الكَعْبُ“؛ الَّذِي بِهِ قِيامُ الإنْسانِ؛ وقِوامُهُ؛ وبَيَّنَها مادِحًا بِقَوْلِهِ: ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: المَمْنُوعَ مِن كُلِّ جَبّارٍ دائِمًا؛ الَّذِي تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنِّي مَنَعْتُكم مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَؤُمُّهُ؛ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: في أمْرِ مَعاشِهِمْ؛ ومَعادِهِمْ؛ لِأنَّها لَهم كالعِمادِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ البَيْتُ؛ فَيَأْمَنُ بِهِ الخائِفُ ويَقْوى فِيهِ الضَّعِيفُ؛ ويَقْصِدُهُ التُّجّارُ؛ والحُجّاجُ؛ والعُمّارُ؛ فَهو عِمادُ الدِّينِ والدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ أتْبَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الزَّمانِ؛ فَقالَ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُفْعَلُ فِيهِ الحَجُّ وغَيْرُهُ؛ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ. (p-٣٠٧)ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ والزَّمانِ؛ أتْبَعَهُ ما بِهِ قِوامُ الفُقَراءِ مِن شَعائِرِهِ؛ فَقالَ: ﴿والهَدْيَ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ أعَزَّهُ؛ وأخَصَّهُ؛ فَقالَ: ﴿والقَلائِدَ﴾؛ أيْ: والهَدْيَ العَزِيزَ الَّذِي يُقَلَّدُ فَيُذْبَحُ؛ ويُقَسَّمُ عَلى الفُقَراءِ؛ وفي الآيَةِ التِفاتٌ إلى ما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]؛- فَقَوانِينُها أنَّ مَن قَصَدَها في شَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ؛ ولَوْ كانَ قَتَلَ ابْنَهُ؛ ومَن قَصَدَها في غَيْرِهِ؛ ومَعَهُ هَدْيٌ؛ قَلَّدَهُ أوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ؛ أوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وقَلَّدَ نَفْسَهُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ؛ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ؛ حَتّى أنْ بَعْضَهم يَلْقى الهَدْيَ وهو مُضْطَرٌّ؛ فَلا يَعْرِضُ لَهُ؛ ولَوْ ماتَ جُوعًا؛ وسَواءٌ في ذَلِكَ صاحِبُهُ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَها؛ لِأنَّهُ (تَعالى) جَبَلَ العَرَبَ عَلى الشَّجاعَةِ؛ لِيَفْتَحَ بِهِمُ البِلادَ شَرْقًا؛ وغَرْبًا؛ لِيَظْهَرَ عُمُومُ رِسالَةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى القَتْلِ؛ والغاراتِ؛ وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ إنْ دامَ بِهِمْ شَغَلَهم عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِعَيْشِهِمْ؛ فَأدّى إلى فَنائِهِمْ؛ فَجَعَلَ بَيْتَهُ المُكَرَّمَ؛ وما كانَ مِن أسْبابِهِ؛ أمانًا يَكُونُ بِهِ قِوامُ مَعاشِهِمْ؛ ومَعايِشِهِمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ بُرْهانًا ظاهِرًا عَلى أنَّ الإلَهَ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ؛ وأنَّ لَهُ الحِكْمَةَ البالِغَةَ. (p-٣٠٨)ولَمّا أخْبَرَ بِعِلَّةِ التَّعْظِيمِ لِما أمَرَ بِتَعْظِيمِهِ؛ مِن نُظُمِ أُمُورِ النّاسِ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ الجَعْلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الجَعْلُ العَظِيمُ الَّذِي تَمَّ أمْرُهُ عَلى ما أرادَ جاعِلُهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لِتَعْلَمُوا﴾؛ أيْ: بِهَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ؛ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَها تَرْتِيبًا فُصِّلَتْ بِهِ الأيّامُ واللَّيالِي؛ فَكانَتْ مِن ذَلِكَ الشُّهُورُ والأعْوامُ؛ وفَصَّلَ مِن ذَلِكَ ما فَصَّلَ لِلْقِيامِ المَذْكُورِ؛ ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ فَلِذَلِكَ جَعَلَ فِيها ما قامَتْ بِهِ مَصالِحُ النّاسِ؛ وكَفَّ فِيهِ أشَدُّهم وأفْتَكُهم عَنْ أضْعَفِهِمْ؛ وآمَنَ فِيهِ الطَّيْرَ والوَحْشَ؛ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ مَن لَهُ عَقْلٌ رَصِينٌ؛ وفِكْرٌ مَتِينٌ إلى أنْ يَعْلَمَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ الإخْلاصَ في العِبادَةِ؛ وأنْ يُمْتَثَلَ أمْرُهُ في إحْلالِ ما أحَلَّ مِنَ الطَّعامِ؛ وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَ مِنَ الشَّرابِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا العِلْمَ العَظِيمَ؛ ذَكَرَ ما هو أعَمُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: ولِتَعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ فَتَمَّ لَهُ؛ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ وإلّا لَما أثْبَتَ جَمِيعَ مُقْتَضَياتِ ذَلِكَ؛ ونَفى جَمِيعَ مَوانِعِهِ حَتّى كانَ؛ ولَقَدِ اتَّخَذَ العَرَبُ - كَما في السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ وغَيْرِها - طَواغِيتَ؛ وهي بُيُوتٌ جَعَلُوا لَها سَدَنَةً وحُجّابًا؛ وهَدايا أكْثَرُوا مِنها؛ وعَظَّمَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ ما عِنْدَها أشَدَّ تَعْظِيمٍ؛ وطافُوا بِهِ؛ فَلَمْ يَبْلُغْ (p-٣٠٩)شَيْءٌ مِنها ما بَلَغَ أمْرَ الكَعْبَةِ المُشَرَّفَةِ؛ ولا قارَبَ؛ لِيَحْصُلَ العِلْمُ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا شَيْءَ مِثْلُهُ؛ ولا شَرِيكَ لَهُ.
المائدة 5:98
ولَمّا أنْتَجَ هَذا كُلُّهُ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - كَما تَقَدَّمَ - ناظِرَةً إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن آيَةِ؛ ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]؛ وما بَعْدَها؛ أتَمَّ نَظَرٍ؛ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما اكْتَنَفَ آيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ والوَعْدِ الَّذِي خُتِمَتْ هي بِهِ؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِهِ؛ سائِقًا لَهُ مَساقَ النَّتِيجَةِ؛ والثَّمَرَةِ لِما قَبْلَهُ؛ بَيانًا لِأنَّ مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ كانَ حَظَّهُ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا؛ ومُبَشِّرًا؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِهِما -: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ الَّذِي نَهاهُ عَنْها؛ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ فَلْيَكُنْ عِبادُهُ عَلى حَذَرٍ مِنهُ؛ وأنَّ مَن أوْقَعَهُ في شَيْءٍ مِنها القَدَرُ؛ ثُمَّ فَتَحَ لَهُ التَّوْفِيقُ بابَ الحَذَرِ؛ فَكَفَّرَ فِيما فِيهِ كَفّارَةٌ؛ وتابَ؛ كانَ مُخاطَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مَعَ كَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يُقْبِلُ عَلَيْهِ؛ ويَمْحُو زَلَلَهُ؛ ويُكْرِمُهُ؛ فَكانَ اكْتِنافُ أسْبابِ الرَّجاءِ سابِقًا لِلْإنْذارِ؛ ولاحِقًا؛ مُعْلِمًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ وأنَّ العِقابَ إنَّما هو لِإتْمامِ رَحْمَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ قالَ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧]؛ الآيَةَ؛ فَنَبَّهَ عَلى سُوءِ العاقِبَةِ في مَنعِ البَحْثِ عَلى التَّعْلِيلِ؛ وطَلَبِ الوُقُوفِ عَلى ما لَعَلَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ؛ ومِن هَذا البابِ أتى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٣١٠)أمْرِ البَقَرَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وجَعَلَ هَذا التَّنْبِيهَ إيماءً؛ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِما يُفَسِّرُهُ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ ووَعَظَهم بِحالِ غَيْرِهِمْ في هَذا؛ وأنَّهم سَألُوا فَأُعْطُوا؛ ثُمَّ امْتُحِنُوا؛ وقَدْ كانَ التَّسْلِيمُ أوْلى لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]؛ ثُمَّ عَرَّفَ عِبادَهُ أنَّهم إذا اسْتَقامُوا فَلَنْ يَضُرَّهم خِذْلانُ غَيْرِهِمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ انْتَهى.
المائدة 5:99
ولَمّا رَغَّبَ - سُبْحانَهُ -؛ ورَهَّبَ؛ عُلِمَ أنَّهُ المُجازِي وحْدَهُ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ إلى غَيْرِهِ؛ إلّا ما كَلَّفَهُ بِهِ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلَهُ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ الإبْلاغُ؛ ﴿إلا البَلاغُ﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ يَحِلُّ لَكُمُ الطَّعامُ وغَيْرُهُ؛ ويَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الخَمْرُ وغَيْرُها؛ ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ ما تُضْمِرُونَ؛ وما تُظْهِرُونَ؛ لِيُحاسِبَكم عَلَيْهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ إبْداءَهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ؛ ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾؛ مِن إيمانٍ؛ وكُفْرٍ؛ وعِصْيانٍ؛ وطاعَةٍ؛ وتَعَمُّدٍ لِقَتْلِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ ومَحَبَّةٍ لِلْخَمْرِ وغَيْرِها؛ وتَعَمُّقٍ في الدِّينِ؛ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ وغَيْرِهِ؛ إفْراطًا؛ وتَفْرِيطًا؛ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ؛ وقَدَّرَ ذَلِكَ فِيكم في أوْقاتِهِ؛ فَيُجازِيكم عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ؛ مَن عَصى أخَذَهُ بِشَدِيدِ العِقابِ؛ ومَن أطاعَهُ مَنَحَهُ حُسْنَ الثَّوابِ؛ وأمّا الرَّسُولُ ﷺ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِما يَعْلَمُهُ مِمّا تُبْدُونَهُ؛ ما لَمْ أكْشِفْ لَهُ الباطِنَ؛ وآمُرْهُ فِيهِ بِأمْرِي؛ وهَذِهِ أيْضًا ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): (p-٣١١)﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]
المائدة 5:100
ولَمّا سَلَبَ - سُبْحانَهُ - العِلْمَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ؛ وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ولا نَهْيَ؛ ولا إثْباتَ؛ ولا نَفْيَ؛ فَأخَذَ - سُبْحانَهُ - يُبَيِّنُ حِكْمَةَ ما مَضى مِنَ الأوامِرِ في إحْلالِ الطَّعامِ وغَيْرِهِ؛ مِنَ الاصْطِيادِ؛ والأكْلِ مِنَ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ والزَّواجِرِ عَنِ الخَمْرِ وغَيْرِها؛ بِأنَّ الأشْياءَ مِنها طَيِّبٌ؛ وخَبِيثٌ؛ وأنَّ الطَّيِّبَ - وإنْ قَلَّ - خَيْرٌ مِنَ الخَبِيثِ - وإنْ كَثُرَ -؛ ولا يُمَيِّزُ هَذا مِن ذاكَ إلّا الخَلّاقُ العَلِيمُ؛ فَرُبَّما ارْتَكَبَ الإنْسانُ طَرِيقَةً شَرَعَها لِنَفْسِهِ؛ ظانًّا أنَّها حَسَنَةٌ؛ فَجَرَّتْهُ إلى السَّيِّئَةِ وهو لا يَشْعُرُ؛ فَيَهْلِكُ؛ كالرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَزَمُوا عَلَيْها؛ والخَمْرِ الَّتِي دَعا شَغَفُهم بِها إلى الإنْزالِ فِيها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ إلى أنْ أكَّدَ فِيها هُنا أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ وحَذَّرَ فِيها أبْلَغَ تَحْذِيرٍ؛ فَقالَ (تَعالى) صارِفًا الخِطابَ إلى أشْرَفِ الوَرى ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْهَضُ بِمَعْرِفَةِ هَذا مِنَ الخَلْقِ غَيْرُهُ -: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَطْعُوماتِ؛ والطّاعِمِينَ؛ ﴿والطَّيِّبُ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ فَإنَّ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الكَثْرَةِ مِنَ الفَضْلِ لا يُوازِي النُّقْصانَ مِن جِهَةِ الخَبِيثِ.
ولَمّا كانَ الخَبِيثُ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي أكْثَرَ في الظّاهِرِ؛ وأيْسَرَ؛ قالَ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾؛ والخَبِيثُ؛ والطَّيِّبُ؛ مِنهُ جُسْمانِيٌّ؛ ومِنهُ رُوحانِيٌّ؛ وأخْبَثُهُما الرُّوحانِيُّ؛ وأخْبَثُهُ الشِّرْكُ؛ وأطْيَبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيُّ؛ وأطْيَبُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ وطاعَتُهُ؛ وما يَكُونُ لِلْجِسْمِ مِن طِيبٍ؛ أوْ خُبْثٍ؛ (p-٣١٢)ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ؛ فَما خالَطَهُ نَجاسَةٌ صارَ مُسْتَقْذَرًا لِأرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ؛ وما خالَطَ الأرْواحَ مِنَ الجَهْلِ صارَ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ؛ وما خالَطَهُ مِنَ الأرْواحِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ فَواظَبَ عَلى خِدْمَتِهِ؛ أشْرَقَ بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ؛ وابْتَهَجَ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ؛ وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ لا يَسْتَوِيانِ في العالِمِ الرُّوحانِيِّ؛ كَذَلِكَ لا يَسْتَوِيانِ في العالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ والتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العالَمِ الرُّوحانِيِّ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الجُسْمانِيِّ قَلِيلَةٌ؛ ومَنفَعَةَ طَيِّبِهِ يَسِيرَةٌ؛ وأمّا خُبْثُ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ؛ وطَيِّبُ الرُّوحانِيِّ مَنفَعَتُهُ جَلِيلَةٌ دائِمَةٌ؛ وهي القُرْبُ مِنَ اللَّهِ؛ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إرادَةِ العُصاةِ والمُطِيعِينَ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُسْخِطُ المَلِكَ الأعْظَمَ - الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ - مِنَ الحَرامِ وِقايَةً مِنَ الحَلالِ؛ لِتَكُونُوا مِن قِسْمِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ لا مُقَرِّبَ إلى اللَّهِ مِثْلُ الِانْتِهاءِ عَمّا حَرَّمَ - كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ ويَزِيدُ المَعْنى وُضُوحًا قَوْلُهُ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ النَّفْسِ؛ فَتُؤْثِرُوا الطَّيِّبَ؛ وإنْ قَلَّ في الحِسِّ؛ لِكَثْرَتِهِ في المَعْنى عَلى الخَبِيثِ؛ وإنْ كَثُرَ في الحِسِّ؛ لِنَقْصِهِ في المَعْنى؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَفُوزُوا بِجَمِيعِ المَطالِبِ؛ وحِينَئِذٍ ظَهَرَ كالشَّمْسِ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِها (p-٣١٣)بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ والِاسْتِنْتاجِ -:
المائدة 5:101
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أعْطَوْا مِن أنْفُسِهِمُ العَهْدَ عَلى الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ قَبُولُ جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مَن وقَعَ بِهِ الإيمانُ؛ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَرٍ فِيما يُسْرِعُونَ؛ وفِيما بِهِ يَنْتَفِعُونَ مِنَ المَآكِلِ؛ والمَشارِبِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ فَهم مِثْلُهُ فِيما عَنْهُ يَسْألُونَ؛ سَواءٌ سَألُوا شَرْعَهُ أوْ لا؛ لِأنَّهُ رُبَّما أجابَهم مَن لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ إلى ما فِيهِ ضَرَرُهم مِمّا سَألُوهُ؛ فَإنَّهم لا يُحْسِنُونَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الخَبِيثِ؛ والطَّيِّبِ؛ كَما فُعِلَ بِأهْلِ السَّبْتِ؛ حَيْثُ أبَوُا الجُمُعَةَ؛ وسَألُوهُ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما بَلَّغَكم إيّاهُ فَخُذُوهُ بِقَبُولٍ وحُسْنِ انْقِيادٍ؛ وما لا فَلا تَسْألُوا عَنْهُ؛ وسَبَبُ نُزُولِها - كَما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ؛ فَغَضِبَ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: ”لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ“؛ وشَرَعَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ؛ وإذْ جاءَ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى الرِّجالَ يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَن أبِي؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ؛ ثُمَّ أنْشَأ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ (p-٣١٤)رَسُولًا؛ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ؛ وفي آخِرِهِ: فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾» ولِلْبُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ أنَسٍ أيْضًا؛ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ؛ قالَ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا؛ ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا“؛ فَغَطّى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ؛ لَهم حَنِينٌ؛ فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: ”فُلانٌ“؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾» الآيَةَ؛ ولِلْبُخارِيِّ أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها؛» ولِابْنِ ماجَةَ مُخْتَصَرًا؛ ولِلْحافِظِ أبِي القاسِمِ ابْنِ عَساكِرَ في ”المُوافَقاتُ“؛ فِيما أفادَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في مَناقِبِ العَشَرَةِ؛ وأبِي يَعْلى؛ في مُسْنَدِهِ؛ مُطَوَّلًا «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غَضْبانُ؛ ونَحْنُ نَرى أنَّ مَعَهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى صَعِدَ المِنبَرَ - وفي رِوايَةٍ: فَخَطَبَ النّاسَ - فَقالَ: ”سَلُونِي؛ فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ اليَوْمَ إلّا أخْبَرْتُكم - وفي رِوايَةٍ: أنْبَأتْكم - بِهِ“؛ فَما رَأيْتُ يَوْمًا كانَ أكْثَرَ باكِيًا مِنهُ؛ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ - وفي رِوايَةٍ: فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ - إنّا كُنّا (p-٣١٥)حَدِيثَ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ؛ مَن أبِي؟ قالَ: ”أبُوكَ حُذافَةُ“ - لِأبِيهِ الَّذِي كانَ يُدْعى لَهُ - وفي رِوايَةٍ: ”أبُوكَ حُذافَةُ الَّذِي تُدْعى لَهُ“ -؛ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أفِي الجَنَّةِ أنا أمْ في النّارِ؟ فَقالَ: ”فِي النّارِ“؛ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أعَلَيْنا الحَجُّ كُلَّ عامٍ؟ - وفي رِوايَةٍ: في كُلِّ عامٍ - فَقالَ: ”لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ؛ لَوَجَبَتْ؛ ولَوْ وجَبَتْ لَمْ تَقُومُوا بِها؛ ولَوْ لَمْ تَقُومُوا بِها عُذِّبْتُمْ“؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا - وفي رِوايَةٍ: رَسُولًا - لا تَفْضَحْنا بِسَرائِرِنا - وفي رِوايَةٍ: فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنّا كُنّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ؛ فَلا تُبْدِ عَلَيْنا سَرائِرَنا؛ أتَفْضَحُنا بِسَرائِرِنا؟ اعْفُ عَنّا عَفا اللَّهُ عَنْكَ؛ فَسُرِّيَ عَنْهُ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلى الحائِطِ فَذَكَّرَ بِمِثْلِ الجَنَّةِ والنّارِ؛» ولِلْإمامِ أحْمَدَ؛ ومُسْلِمٍ؛ والنِّسائِيِّ؛ والدّارَقُطْنِيِّ؛ والطَّبَرِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: خَطَبَ - وفي رِوايَةٍ: «خَطَبَنا - رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ فَحُجُّوا“؛ فَقالَ رَجُلٌ - وفي رِوايَةِ النِّسائِيِّ: ”فَقالَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ -: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ؛ حَتّى قالَها ثَلاثًا؛ فَقالَ:“مَنِ السّائِلُ؟”؛ فَقالَ: فُلانٌ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ؛ ثُمَّ إذًا لا تَسْمَعُونَ؛ ولا تُطِيعُونَ؛ ولَكِنْ حَجَّةٌ واحِدَةٌ”؛ وفي رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ؛ والطَّبَرِيِّ: (p-٣١٦)“ولَوْ وجَبَتْ ما أطَقْتُمُوها؛ ولَوْ لَمْ تُطِيقُوها - وفي رِوايَةِ الطَّبَرِيِّ: ولَوْ تَرَكْتُمُوهُ - لَكَفَرْتُمْ”؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾؛ ثُمَّ قالَ:“ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ؛ فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ؛ فَإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ؛ وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ”؛ وفي رِوايَةٍ:“فاجْتَنِبُوهُ”؛» وهَذا الحَدِيثُ لَهُ ألْفاظٌ كَثِيرَةٌ مِن طُرُقٍ شَتّى؛ اسْتَوْفَيْتُها في كِتابِي“الِاطِّلاعُ عَلى حَجَّةِ الوَداعِ”؛ ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأخْبارِ؛ ولَوْ تَعَذَّرَ رَدُّها إلى شَيْءٍ واحِدٍ؛ لِما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ مِن أنَّ الأمْرَ الواحِدَ قَدْ تُعَدَّدُ أسْبابُهُ؛ بَلْ وكُلُّ ما ذُكِرَ مِن أسْبابِ تِلْكَ؛ وما أشْبَهَهُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ [النساء: ٧٧]؛ الآيَةَ؛ يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِهَذِهِ؛ ورَوى الدّارَقُطْنِيُّ؛ في آخِرِ الرَّضاعِ؛ مِن سُنَنِهِ؛ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ؛ وفي آخِرِ الصَّيْدِ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ اللَّهَ (تَعالى) فَرَضَ فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها؛ وحَرَّمَ حُرُماتٍ فَلا تَنْتَهِكُوها؛ وحَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها؛ وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ مِن غَيْرِ نِسْيانٍ؛ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها”؛» وقالَ أبُو الدَّرْداءِ:“فَلا تَكْلُفُوها؛ رَحْمَةً مِن رَبِّكم فاقْبَلُوها"؛ وأخْرَجَ حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ أيْضًا الطَّبَرانِيُّ. (p-٣١٧)ولَمّا كانَ الإنْسانُ قاصِرًا عَنْ عِلْمِ ما غابَ؛ فَكانَ زَجْرُهُ عَنِ الكَشْفِ عَمّا يَسُوؤُهُ زَجْرًا لَهُ عَنْ كُلِّ ما يُتَوَقَّعُ أنْ يَسُوءَهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إنْ تُبْدَ﴾؛ أيْ: تَظْهَرْ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ بِإظْهارِ عالِمِ الغَيْبِ لَها؛ ﴿تَسُؤْكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمٍ مُتَعَنِّتٌ أنَّ هَذا الزَّجْرَ إنَّما هو لِقَصْدِ راحَةِ المَسْؤُولِ عَنِ السُّؤالِ؛ خَوْفًا مِن عَواقِبِهِ - قالَ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾؛ أيْ: تِلْكَ الأشْياءِ الَّتِي تُتَوَقَّعُ مَساءَتُكم عِنْدَ إبْدائِها؛ ﴿حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ﴾؛ أيْ: والمَلِكُ حاضِرٌ؛ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ: فَما لَهُ لا يُبْدِيها؛ سُئِلَ عَنْها أمْ لا؟ قالَ: ﴿عَفا اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ الغِنى المُطْلَقِ؛ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿عَنْها﴾؛ أيْ: سَتَرَها؛ فَلَمْ يُبْدِها لَكُمْ؛ رَحْمَةً مِنهُ لَكُمْ؛ وإراحَةً عَمّا يَسُوؤُكُمْ؛ ويُثْقِلُ عَلَيْكم في دِينٍ؛ أوْ دُنْيا؛ ولَمّا كانَتْ صِفاتُهُ - سُبْحانَهُ - أزَلِيَّةً؛ لا تَوَقُّفَ لِواحِدَةٍ مِنها عَلى غَيْرِها؛ وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِئَلّا يَخْتَصُّ بِما قَبْلَهُ؛ فَقالَ - نادِبًا مَن وقَعَ مِنهُ ذَنْبٌ إلى التَّوْبَةِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ؛ مَعَ صِفَةِ الكَمالِ؛ صِفَةُ الإكْرامِ؛ ﴿غَفُورٌ﴾؛ أزَلًا وأبَدًا؛ يَمْحُو الزَّلّاتِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ ويُعْقِبُها بِالإكْرامِ؛ عَلى عادَةِ الحُكَماءِ؛ ﴿حَلِيمٌ﴾؛ أيْ: لا يُعَجِّلُ عَلى العاصِي بِالعُقُوبَةِ.
المائدة 5:102
ولَمّا نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها لِيُتَعَرَّفَ حالُها؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ غَيْرَهم عَرَفَ أشْياءَ؛ وطَلَبَ أنْ يُعْطاها؛ إمّا بِأنْ سَألَ غَيْرَهُ ذَلِكَ؛ وإمّا بِأنْ شَرَعَها؛ (p-٣١٨)وسَألَ غَيْرَهُ أنْ يُوافِقَهُ عَلَيْها؛ وهو قاطِعٌ بِأنَّها غايَةٌ في الحُسْنِ؛ فَكانَتْ سَبَبَ شَقائِهِ؛ فَقالَ: ﴿قَدْ سَألَها﴾؛ يَعْنِي أمْثالَها؛ ولَمْ يَقُلْ: ”سَألَ عَنْها“؛ إشارَةً إلى ما أبْدَتْهُ؛ ﴿قَوْمٌ﴾؛ أيْ: أُولُو عَزْمٍ؛ وبَأْسٍ؛ وقِيامٍ في الأُمُورِ؛ ولَمّا كانَ وُجُودُ القَوْمِ؛ فَضْلًا عَنْ سُؤالِهِمْ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ إذا جاءَ عَنْ مَسْألَةٍ جَدِيرًا بِالقَبُولِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ مِن مَلِكٍ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مِن مَلِكِ المُلُوكِ؟ فَكانَ رَدُّهُ في غايَةِ البُعْدِ؛ عَبَّرَ عَنِ اسْتِبْعادِهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾؛ أيْ: عَقِبَ إتْيانِهِمْ إيّاها؛ سَواءٌ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ؛ ﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ في الكُفْرِ؛ هَذا زَجْرٌ بَلِيغٌ لِأنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما أرادُوا مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهُمْ؛ مَيْلًا إلى الرَّهْبانِيَّةِ؛ والتَّعَمُّقِ في الدِّينِ؛ المَنهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]
المائدة 5:103
ولَمّا فَرَغَ مِن زَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَشْرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ يَسْألُوهُ عَنْ أنْ يَشْرَعَ لَهُمْ؛ وأنْ يَسْألُوا مَن رَحِمَهم بِابْتِدائِهِمْ بِهَذا الشَّرْعِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّهُ ما ابْتَدَأ بِذَلِكَ إلّا وهو غَيْرُ مُخْفٍ عَنْهم شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ؛ ولا مُبْدٍ لَهم شَيْئًا يَضُرُّهُمْ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ -؛ قالَ - مُعَلِّلًا بِخِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها -: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ فَلا يَشْرَعُ شَيْئًا إلّا وهو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ وأغْرَقَ (p-٣١٩)فِي النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَحِيرَةٍ﴾؛ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾؛ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في شَرْعِهِ لِنَفْسِهِ عَلى الخَبِيثِ؛ دُونَ الطِّيبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ شَرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ هَذا؛ وظَنُّوا أنَّهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ؛ فَإذا هو مِمّا لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ ومِمّا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَهم فِيما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وهو الكَذِبُ؛ بَلْ في أقْبَحِ أنْواعِهِ؛ وهو الكَذِبُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ صارَ لَهم دِينًا؛ وصارُوا أرْسَخَ النّاسِ فِيهِ؛ وهو عَيْنُ الكُفْرِ؛ وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ ما شَرَعَهُ إلّا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ عَمْرًا أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ؛ فَنَصَبَ الأوْثانَ؛ وبَحَرَ البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبَ السَّوائِبَ؛ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ؛ وحَمّى الحامِيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - وفي آخِرِهِ: «”وكانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أوَّلَ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ“؛» ورَواهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ مِن صَحِيحِهِ؛ ومُسْلِمٌ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ“؛» قالَ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ: (p-٣٢٠)والبَحِيرَةُ عِنْدَهُمُ النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها؛ فَلا يُرْكَبُ ظَهْرُها؛ ولا يُجَزُّ وبَرُها؛ ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ؛ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ؛ وتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في المَناقِبِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ؛ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ والسّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ؛ وكَذا رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا في التَّفْسِيرِ؛ وقالَ: والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ؛ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى؛ وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى؛ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ؛ وقالَ البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ في إعْرابِهِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ؛ في الآخِرِ ذَكَرٌ؛ شَقُّوا أُذُنَها؛ وخَلَّوْا سَبِيلَها؛ لا تُرْكَبُ؛ ولا تُحْلَبُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ -؛ وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ: تُعْتَقُ؛ وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ؛ وهم خَدَمُ آلِهَتِهِمْ؛ فَيُطْعِمُونَ مِن لَبَنِها لِلسَّبِيلِ؛ والوَصِيلَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّها الشّاةُ تُنْتِجُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ؛ فَإنْ كانَ السّابِعُ أُنْثى لَمْ تَنْتَفِعِ النِّساءُ مِنها بِشَيْءٍ؛ إلّا أنْ تَمُوتَ؛ فَيَأْكُلَها الرِّجالُ والنِّساءُ؛ وإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ؛ وأكَلُوهُ جَمِيعًا؛ (p-٣٢١)وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها؛ فَتُتْرَكُ مَعَ أخِيها؛ فَلا تُذْبَحُ؛ ومَنافِعُها لِلرِّجالِ؛ دُونَ النِّساءِ؛ فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ فِيها؛ وقالَ ابْنُ هِشامٍ: والحامِي: الفَحْلُ إذا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إناثٍ مُتَتابِعاتٍ؛ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ؛ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ؛ ولَمْ يُجَزَّ وبَرُهُ؛ وخُلِّيَ في إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيها؛ لا يُنْتَفَعُ مِنهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ وقالَ السَّفاقُسِيُّ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ؛ والزَّجّاجُ -: هو الفَحْلُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةَ أبْطُنٍ؛ فَيَقُولُونَ: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ؛ فَيُسَيِّبُونَهُ لِأصْنامِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
ولَمّا كانُوا قَدْ حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ وكانَ التَّحْرِيمُ والتَّحْلِيلُ مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ وكانَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ كانَ حُكْمُهم عَلَيْها بِالحُرْمَةِ نِسْبَةً لِذَلِكَ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - كَذِبًا؛ فَقالَ (تَعالى) - بَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ جَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ -: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ عَقْلُهم مِن أنَّ اللَّهَ ما جَعَلَ هَذا؛ لِأنَّهم لا وُصُولَ لَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ -؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ بِجَعْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ مِن تَحْرِيمٍ؛ وتَحْلِيلٍ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ فَيُحَرِّمُونَ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ؛ (p-٣٢٢)ويُحَلِّلُونَ ما لَمْ يُحَلِّلْهُ؛ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ جَعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ؛ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ؛ وهُمُ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ ثُمَّ لَمّا حَرَّمُوا هَذِهِ الأشْياءَ اضْطُرُّوا إلى تَحْلِيلِ المَيْتَةِ؛ فَحَرَّمُوا الطَّيِّبَ؛ وأحَلُّوا الخَبِيثَ؛
المائدة 5:104
ولَمّا اتَّخَذُوهُ دِينًا؛ واعْتَقَدُوهُ شَرْعًا؛ ومَضى عَلَيْهِ أسْلافُهُمْ؛ دَعَتْهُمُ الحُظُوظُ؛ والأنَفَةُ مِن نِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى الضَّلالِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ؛ إلى الإصْرارِ عَلَيْهِ؛ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ بَعْدَ انْكِشافِ قَباحَتِهِ؛ وبَيانِ شَناعَتِهِ؛ حَتّى أفْنى أكْثَرَهُمُ السَّيْفُ؛ ووَطِئَتْهُمُ الدَّواهِي؛ فَوَطَّأتْ أكْتافَهُمْ؛ وذَلَّلَتْ أعْناقَهُمْ؛ وأكْنافَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلُ؛ مِن عَدَمِ عَقْلِهِمْ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ولَوْ أنَّهُ رَبُّهُمْ؛ بِما ثَبَتَ مِن كَلامِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: ارْفَعُوا أنْفُسَكم عَنْ هَذا الحَضِيضِ السّافِلِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِعَجْزِكم عَنْهُ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ - لِكَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَهُ؛ أنْ يُبَلِّغَكم ما يُحِبُّهُ لَكُمْ؛ ويَرْضاهُ؛ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾؛ أيْ: يَكْفِينا؛ ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ في آبائِهِمْ عالِمٌ؛ وأنَّهُ مَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ عَرَفَ أنَّ الجاهِلَ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ؛ مُوَبِّخًا لَهُمْ:- (p-٣٢٣)﴿أوَلَوْ﴾؛ أيْ: يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ إذا قالُوا ذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ حَقَّ عِلْمِهِ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنِ اللَّهِ؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الواصِلَةِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْ يَشْعُرُ بِجَهْلِهِ؛ فَيَتَعَلَّمُ؛ فَيَهْتَدِي؛ فَيَصِيرُ أهْلًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ؛ وقَدْ لا يَشْعُرُ لِكَوْنِ جَهْلِهِ مُرَكَّبًا؛ فَلا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لا يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ؛ فَلا تُوجَدُ هِدايَتُهم إلى صَوابٍ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا صَوابَ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهُدى آلَةٌ سِوى العِلْمِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ هِدايَتِهِمْ أنَّهم ضَيَّعُوا الطَّيِّبَ مِن أمْوالِهِمْ؛ فاضْطَرَّهم ذَلِكَ إلى أكْلِ الخَبِيثِ مِنَ المَيْتَةِ؛ وأغْضَبُوا بِذَلِكَ خالِقَهُمْ؛ فَدَخَلُوا النّارَ؛ فَلا أقْبَحَ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفَسِهِ المَطْبُوعُ عَلى الكَدَرِ؛ ولا أحْسَنَ مِمّا يَشْرَعُهُ لَهُ رَبُّ البَشَرِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - في سُورَةِ ”النِّساءِ“ -: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩]؛ فالتَفَتَ حِينَئِذٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ أيَّ التِفاتٍ.
المائدة 5:105
ولَمّا كانَ المانِعُ لَهم مِن قَبُولِ الهُدى كَوْنَ ذَلِكَ تَسْفِيهًا لِآبائِهِمْ؛ فَيَعُودُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ؛ يُسَبُّونَ بِهِ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ مُخالَفَةَ الغَيْرِ في قَبُولِ الهُدى لا تَضُرُّهم أصْلًا؛ بِأنْ عَقَّبَ آيَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في التَّقَيُّدِ بِآبائِهِمْ؛ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: عاهَدُوا رَبَّهم ورَسُولَهُ عَلى الإيمانِ؛ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: الزَمُوا هِدايَتَها؛ (p-٣٢٤)وإصْلاحَها؛ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا نُنْسَبُ بِآبائِنا؛ ونُنْسَبُ إلَيْهِمْ؛ فَرُبَّما ضَرَّتْنا نِسْبَتُنا إلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ «كَما جَوَّزَ أكْثَمُ بْنُ الجَوْنِ الخُزاعِيُّ أنْ يَضُرَّهُ شَبَهُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِهِ؛ حَتّى سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ”لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وهو كافِرٌ“؛» كَما في أوائِلِ السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما وقَفَ بِأحَدٍ مِنهم عَنِ الإسْلامِ؛ قالَ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾؛ أيْ: مِنَ المُخالِفِينَ بِكُفْرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ بِنِسْبَتِكم إلَيْهِ؛ ولا بِقَوْلِ الكُفّارِ: إنَّكم سَفَّهْتُمْ آراءَكُمْ؛ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ؛ وحَقَّقَ هِدايَتَهُمْ؛ بِشارَةً لَهُمْ؛ بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ فَقالَ - مُفْهِمًا لِوُجُودِ الضَّرَرِ عِنْدَ فَقْدِ الهِدايَةِ -: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ وعَلى الرَّسُولِ؛ حَتّى تَصِيرُوا عُلَماءَ؛ وتَعْمَلُوا بِعِلْمِكُمْ؛ فَتُخالِفُوا مَن ضَلَّ؛ فَإنْ كانَ مَوْجُودًا فَبِالِاجْتِهادِ في أمْرِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِ عَنِ المُنْكَرِ؛ بِحَسَبِ الطّاقَةِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ انْتَظَرَ بِهِ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والهَوْلِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَ مَفْقُودًا فَبِمُخالَفَتِهِ في ذَلِكَ الضَّلالِ؛ وإنْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ؛ وأوْلى الأحِبّاءِ؛ وإلّا كانَ الباقِي أسْفَهَ مِنَ الماضِي؛ وقَدْ كانَ لَعَمْرِي أحَدُهم لا يَتْبَعُ أباهُ إذا كانَ سَفِيهًا في أمْرِ دُنْياهُ؛ عاجِزًا عَنْ (p-٣٢٥)تَحْصِيلِها؛ ولا يَتَحاشى عَنْ مُخالَفَتِهِ في طَرِيقَتِهِ؛ بَلْ يُعَدُّ الكَدْحُ في تَحْصِيلِها؛ والتَّعَمُّقُ في اقْتِناصِها؛ وحُسْنُ السَّعْيِ في تَثْمِيرِها؛ ولُطْفُ الحِيلَةِ في تَوْسِيعِها؛ مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ وأصالَةِ الرَّأْيِ؛ وجَوْدَةِ النَّظَرِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظِلٌّ زائِلٌ؛ وعَرَضٌ تافِهٌ؛ فَكَيْفَ لا يُخالِفُهُ فِيما بِهِ سَعادَتُهُ الأبَدِيَّةُ؛ وحَياتُهُ الباقِيَةُ؛ ويَأْخُذُ بِالحَزْمِ في ذَلِكَ؛ ويُشَمِّرُ ذَيْلَهُ في أمْرِهِ؛ ويَسْهَرُ لَيْلَهُ في إعْمالِ الفِكْرِ؛ وتَرْتِيبِ النَّظَرِ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ؛ حَتّى يَظْهَرَ لَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ؛ ويُنْهَتَكَ لَدَيْهِ الباطِلُ فَيَجْتَنِبَهُ؛ ما ذاكَ إلّا لِمُجَرَّدِ الهَوى؛ وقَدْ كانَ الحَزْمُ العَمَلَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي كَشَفَها النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ“؛» ورَوى مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذا وكَذا - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: ولا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا - فَإنَّ (لَوْ) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ“؛» وفي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ: «”ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ“؛» يَعْنِي: واللَّهِ؛ اعْمَلْ عَمَلَ الحَزَمَةِ؛ فَأوْسِعِ النَّظَرَ؛ حَتّى لا تَتْرُكَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَنْفَعَكَ ولا يَضُرُّكَ إلّا أخَذْتَ بِهِ؛ ولا تَدَعَ أمْرًا يُحْتَمَلُ أنْ يَضُرَّكَ (p-٣٢٦)ولا يَنْفَعُكَ إلّا تَجْتَنِبَهُ؛ فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ وغَلَبَكَ القَضاءُ والقَدَرُ لَمْ تَجِدْ في وُسْعِكَ أمْرًا؛ تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُهُ؛ أوْ تَرَكْتُهُ؛ ولَكِنَّكَ تَقُولُ: قَدَّرَ اللَّهُ؛ وما شاءَ فَعَلَ؛ بِخِلافِ ما إذا لَمْ تُنْعِمِ النَّظَرَ؛ وعَمِلْتَ عَمَلَ العَجَزَةِ؛ فَإنَّكَ حَتْمًا تَقُولُ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا؛ لَأنَّ الشَّيْطانَ يَفْتَحُ لَكَ تِلْكَ الأبْوابَ الَّتِي نَظَرَ فِيها الحازِمُ؛ فَيُكْثِرُ لَكَ مِن ”لَوْ“؛ لِأنَّها مِفْتاحُ عَمَلِهِ؛ ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَن يَتَهاوَنُ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ كَما يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنَ البَطَلَةِ؛ رَوى أحْمَدُ؛ في المُسْنَدِ؛ «عَنْ أبِي عامِرٍ الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ في أمْرٍ رَآهُ: ”يا أبا عامِرٍ؛ ألا غَيَّرْتَ؟“؛ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: ”أيْنَ ذَهَبْتُمْ؟ إنَّما هي لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا اهْتَدَيْتُمْ“؛» ورَوى أحْمَدُ؛ وأصْحابُ السُّنَنِ الأرْبَعَةِ؛ والحارِثُ؛ وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ؛ وأبُو يَعْلى؛ «أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: يا أيُّها النّاسُ؛ إنَّكم تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ؛ وتَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَواضِعِها؛ وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ؛ يُوشِكُ أنْ (p-٣٢٧)يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابِهِ“؛» قالَ البَغَوِيُّ: وفي رِوايَةٍ: «”لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ؛ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ؛ أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكُمْ؛ فَلَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ؛ ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ اللَّهَ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ“؛» واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا حَكَمَ اللَّهُ (تَعالى) - وهو الحَكَمُ العَدْلُ - أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِهِمْ؛ بِشَرْطِ هُداهُمْ؛ وكانَ الكُفّارُ يُعَيِّرُونَهُمْ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِما أخْبَرَ بِهِ؛ ومُقَرِّرًا لِمَعْناهُ -: ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ ومَن يُعَيِّرُكُمْ؛ ويُهَدِّدُكُمْ؛ وغَيْرُهم مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ ﴿جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ مُسْتَوْفًى؛ مُسْتَقْصًى؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدًا؛ جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما عَمِلَ؛ عَلى حَسَبِ ما عَمِلَ؛ ولا يُؤاخِذُ أحَدًا بِما عَمِلَ غَيْرُهُ؛ ولا بِما أخْطَأ فِيهِ؛ أوْ تابَ مِنهُ؛ ولَيْسَ المَرْجِعُ ولا شَيْءٌ مِنهُ إلى الكُفّارِ؛ ولا مَعْبُوداتِهِمْ؛ ولا غَيْرِهِمْ؛ حَتّى تَخْشَوْا شَيْئًا مِن غائِلَتِهِمْ في شَيْءٍ مِنَ الضَّرَرِ.
المائدة 5:106
ولَمّا خاطَبَ - سُبْحانَهُ - أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ بِأنَّهُ نَصَبَ المَصالِحَ العامَّةَ؛ كالبَيْتِ الحَرامِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وأشارَ بِآيَةِ البَحِيرَةِ؛ وما بَعْدَها؛ إلى أنَّ أسْلافَهم لا وفَّرُوا عَلَيْهِمْ مالَهُمْ؛ ولا نَصَحُوا لَهم في دِينِهِمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَهْرِهِ لِلْعِبادِ بِالمَوْتِ؛ وكَشْفِ الأسْرارِ يَوْمَ العَرْضِ؛ بِالحِسابِ عَلى النَّقِيرِ؛ والقِطْمِيرِ؛ والجَلِيلِ؛ والحَقِيرِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الوَصِيَّةِ؛ إرْشادًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - (p-٣٢٨)إلى ما يَكْشِفُ سَرِيرَةَ مَن خانَ فِيها؛ عِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّ الوَفاءَ في مِثْلِ ذَلِكَ يَقِلُّ؛ وحَثًّا لَهم عَلى أنْ يَفْعَلُوا ما أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِهِ؛ لِيَنْصَحُوا لِمَن خَلَّفُوهُ بِتَوْفِيرِ المالِ؛ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ؛ فِيما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ مِنَ التَّقْوى؛ والسَّماعِ؛ والبُعْدِ مِنَ الفِسْقِ؛ والنِّزاعِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم بِما عَقَدُوا بِهِ العَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ؛ مِنَ الإقْرارِ بِالإيمانِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ؛ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ هو كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ والتَّشاجُرِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ قَدْ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ؛ وذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ في ”الأُمُّ“؛ فَقالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَعِيدٍ؛ مُعاذُ بْنُ مُوسى الجَعْفَرِيُّ؛ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ؛ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: أخَذْتُ هَذا التَّفْسِيرَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والحَسَنِ؛ والضَّحّاكِ؛ أنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ مِن أهْلِ دارَيْنِ؛ أحَدُهُما تَمِيمِيٌّ؛ والآخَرُ يَمانِيٌّ؛ صَحِبَهُما مَوْلًى لِقُرَيْشٍ في تِجارَةٍ؛ فَرَكِبُوا البَحْرَ؛ ومَعَ القُرَشِيِّ مالٌ مَعْلُومٌ قَدْ عَلِمَهُ أوْلِياؤُهُ؛ مِن بَيْنِ آنِيَةٍ وبِزَوْرَقَةٍ؛ فَمَرِضَ القُرَشِيُّ؛ فَجَعَلَ وصِيَّتَهُ إلى الدّارِيَيْنِ؛ (p-٣٢٩)فَماتَ؛ وقَبَضَ الدّارِيّانِ المالَ؛ فَدَفَعاهُ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ؛ فَأنْكَرَ القَوْمُ قِلَّةَ المالِ؛ فَقالُوا لِلدّارِيَيْنِ: إنَّ صاحِبَنا قَدْ خَرَجَ مَعَهُ بِمالٍ أكْثَرَ مِمّا أتَيْتُمُونا بِهِ؛ فَهَلْ باعَ شَيْئًا؛ أوِ اشْتَرى؛ فَوَضَعَ فِيهِ؛ أوْ هَلْ طالَ مَرَضُهُ فَأنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ؟ قالا: لا؛ قالُوا: فَإنَّكُما خُنْتُمانا؛ فَقَبَضُوا المالَ؛ ورَفَعُوا أمْرَهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقاما بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَحَلَفا بِاللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ: ما تَرَكَ مَوْلاكم مِنَ المالِ إلّا ما أتَيْناكم بِهِ؛ فَلَمّا حَلَفا خَلّى سَبِيلَهُما؛ ثُمَّ إنَّهم وجَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ إناءً مِن آنِيَةِ المَيِّتِ؛ فَأخَذُوا الدّارِيَيْنِ؛ فَقالا: اشْتَرَيْناهُ مِنهُ في حَياتِهِ؛ فَكُذِّبا؛ وكُلِّفا البَيِّنَةَ؛ فَلَمْ يَقْدِرا عَلَيْها؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧]؛ يَعْنِي إلى آخِرِها؛ ثُمَّ ذَكَرَ وقْتَ الشَّهادَةِ؛ وسَبَبَها؛ فَقالَ: ﴿إذا حَضَرَ﴾؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ تَهْوِيلًا - كَما ذَكَرَ في ”النِّساءِ“ - لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِحِفْظِ مالِهِ؛ فَكانَ أهَمَّ؛ فَقالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: أخَذَتْهُ أسْبابُهُ المُوجِبَةُ لِظَنِّهِ؛ (p-٣٣٠)ولَمّا كانَ الإيصاءُ إذْ ذاكَ أمْرًا مُتَعارَفًا؛ عَرَّفَ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”شَهادَةُ“؛ كَما عَلَّقَ بِهِ ”إذا“؛ أوْ مُبْدِلًا مِن ”إذا“؛ لِأنَّ الزَّمَنَيْنِ واحِدٌ -: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾؛ أيْ: إنْ أوْصى؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَإ؛ فَقالَ: ﴿اثْنانِ﴾؛ أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم في ذَلِكَ الحِينِ شَهادَةُ اثْنَيْنِ؛ ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن قَبِيلَتِكُمُ العارِفِينَ بِأحْوالِكُمْ؛ ﴿أوْ آخَرانِ﴾؛ أيْ: ذَوا عَدْلٍ؛ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَجِدُوا قَرِيبَيْنِ يَضْبِطانِ أمْرَ الوَصِيَّةِ مِن كُلِّ ما لِلْوَصِيِّ؛ وعَلَيْهِ؛ وقِيلَ: بَلْ هُما الوَصِيّانِ أنْفُسُهُما احْتِياطًا؛ بِجَعْلِ الوَصِيِّ اثْنَيْنِ؛ وقِيلَ: آخَرانِ مِن غَيْرِ أهْلِ دِينِكُمْ؛ وهو خاصٌّ بِهَذا الأمْرِ الواقِعِ في السَّفَرِ؛ لِلضَّرُورَةِ؛ لا في غَيْرِهِ؛ ولا في غَيْرِ السَّفَرِ؛ ثُمَّ شَرَطَ هَذِهِ الشَّهادَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالأرْجُلِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالسَّفَرِ؛ كَأنَّ الضَّرْبَ بِالأرْجُلِ لا يُسَمّى ضَرْبًا إلّا فِيهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الجِدِّ والِاجْتِهادِ؛ ﴿فَأصابَتْكُمْ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّ الإنْسانَ هَدَفٌ لِسِهامِ الحِدْثانِ؛ بِتَخْصِيصِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾؛ أيْ: أصابَتِ المُوصِيَ المُصِيبَةُ الَّتِي لا مَفَرَّ مِنها؛ ولا مَندُوحَةَ عَنْها.
ولَمّا كانَ قَدِ اسْتَشْعَرَ مِنَ التَّفْصِيلِ في أمْرِ الشُّهُودِ مُخالَفَةً لِبَقِيَّةِ الشَّهاداتِ؛ فَكانَ في مَعْرِضِ السُّؤالِ عَنِ الشُّهُودِ: ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ قالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾؛ أيْ: تَدْعُونَهُما إلَيْكُمْ؛ وتَمْنَعُونَهُما مِنَ التَّصَرُّفِ لِأنْفُسِهِما؛ لِإقامَةِ ما تَحَمَّلاهُ مِن هَذِهِ الواقِعَةِ؛ وأدائِهِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ إقامَةَ اليَمِينِ؛ (p-٣٣١)ولَوْ في أيْسَرِ زَمَنٍ؛ لا اسْتِغْراقَ زَمَنِ البُعْدِ بِالحَبْسِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أعْظَمُ الصَّلَواتِ؛ فَكانَتْ بِحَيْثُ إذا أُطْلِقَتْ مُعَرَّفَةً انْصَرَفَتْ إلَيْها؛ وهي الوُسْطى؛ وهي العَصْرُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ الغَرَضَ مِن حَبْسِهِما؛ فَقالَ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ وكَمالُ العِلْمِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ اليَمِينَ إنَّما تَكُونُ إذا كانا مِن غَيْرِنا؛ فَإنْ كانا مُسْلِمَيْنِ فَلا يَمِينَ؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ إنْ كانَ الشّاهِدانِ عَلى حَقِيقَتِهِما فَقَدْ نُسِخَ تَحْلِيفُهُما؛ وإنْ كانَ الوَصِيَّيْنِ فَلا؛ ثُمَّ شَرَطَ لِهَذا الحَلِفِ شَرْطًا؛ فَقالَ - اعْتِراضًا بَيْنَ القَسَمِ؛ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ -: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ بِكم شَكٌّ فِيما أخْبَرا بِهِ عَنِ الواقِعَةِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ؛ ﴿ثَمَنًا﴾؛ أيْ: لَمْ نَذْكُرْهُ لِيَحْصُلَ لَنا بِهِ عَرَضٌ دُنْيَوِيٌّ؛ وإنْ كانَ في نِهايَةِ الجَلالَةِ؛ ولَيْسَ قَصْدُنا بِهِ إلّا إقامَةَ الحَقِّ؛ ﴿ولَوْ كانَ﴾؛ أيْ: الوَصِيُّ الَّذِي أقْسَمْنا لِأجْلِهِ تَبْرِئَةً لَهُ؛ ﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: لَنا؛ أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي فَعَلْناهُ مِنَ التَّحَرِّي عادَتُنا الَّتِي أطَعْنا فِيها: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٣٥]؛ الآيَةَ؛ لا أنَّهُ فِعْلُنا في هَذِهِ الواقِعَةِ فَقَطْ؛ ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ لَمْ نُبَدِّلْ فِيهِ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ مِن حِفْظِ الشَّهادَةِ وتَعْظِيمِها؛ ولَمْ نَكْتُمْ شَيْئًا وقَعَ بِهِ الإشْهادُ؛ ولا نَكْتُمُ فِيما يُسْتَقْبَلُ شَيْئًا نَشْهَدُ بِهِ لِأجْلِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ المُطَّلِعِ عَلى السَّرائِرِ؛ كَما هو مُطَّلِعٌ عَلى الظَّواهِرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما لَقَّنَهم إيّاهُ؛ لِيَكُونَ آخِرُ كَلامِهِمْ كُلَّ ذَلِكَ؛ تَغْلِيظًا؛ وتَنْبِيهًا (p-٣٣٢)عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ الأيْمانِ؛ فَقالَ - تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ وتَحْذِيرًا مِنَ التَّغْيِيرِ -: ﴿إنّا إذًا﴾؛ أيْ: إذا فَعَلْنا شَيْئًا مِنَ التَّبْدِيلِ؛ أوِ الكَتْمِ؛ ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾
المائدة 5:107
﴿فَإنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مُجَرَّدَ الِاطِّلاعِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿عُثِرَ﴾؛ أيْ: اطَّلَعَ مُطَّلِعٌ؛ بِقَصْدٍ؛ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ الوُقُوعُ عَلى الشَّيْءِ؛ أيْ: مِن ”عَثْرَةُ الرَّجُلِ“؛ ﴿عَلى أنَّهُما﴾؛ أيْ: الشّاهِدَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِما الحَقِيقَةُ؛ أوِ الوَصِيَّيْنِ؛ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ خانا فِيهِ مِن أمْرِ الشَّهادَةِ؛ ﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: مِنَ الرِّجالِ الأقْرِباءِ لِلْمَيِّتِ؛ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾؛ أيْ: لِيَفْعَلا؛ حَيْثُ اشْتَدَّتِ الرِّيبَةُ مِنَ الإقْسامِ عِنْدَ مُطْلَقِ الرِّيبَةِ؛ ما فَعَلا؛ ”مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ أيْ: طُلِبَ وُقُوعُ الحَقِّ بِشَهادَةِ مَن شَهِدَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ حَفْصٍ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ المَعْنى: وُجِدَ وُقُوعُ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنزِلَةُ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنَ المَيِّتِ؟ فَقِيلَ: ﴿الأوْلَيانِ﴾؛ أيْ: الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ الأقْرَبانِ إلَيْهِ؛ العارِفانِ بِتَواطُنِ أمْرِهِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالجَمْعِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هُما مِنَ الأوَّلِينَ؛ أيْ: في الذِّكْرِ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ؛ فَهو نَعْتٌ لِـ ”الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ ﴿فَيُقْسِمانِ﴾؛ أيْ: هَذانَ الآخَرانِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُقْسَمُ إلّا بِهِ؛ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ ﴿لَشَهادَتُنا﴾؛ أيْ: بِما يُخالِفُ شَهادَةَ الحاضِرِينَ لِلْواقِعَةِ؛ ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: أثْبَتُ؛ فَإنَّ تِلْكَ إنَّما ثَباتُها في الظّاهِرِ؛ وشَهادَتُنا ثابِتَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وساعَدَها الظّاهِرُ بِما عُثِرَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيبَةِ؛ (p-٣٣٣)﴿وما اعْتَدَيْنا﴾؛ أيْ: تَعَمَّدْنا في يَمِينِنا مُجاوَزَةَ الحَقِّ؛ ﴿إنّا إذًا﴾؛ أيْ: إذا وقَعَ مِنّا اعْتِداءٌ؛ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَمَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ ونُورٍ مِمّا شَهِدُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وُجِدَ الإناءُ الَّذِي فَقَدَهُ أهْلُ المَيِّتِ؛ وحَلَفَ الدّارِيّانِ بِسَبَبِهِ أنَّهُما ما خانا؛ طالَبُوهُما؛ فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ؛ فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا؟ فَقُلْتُما: لا؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ؛ فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكُمْ؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمَرَ فَقامَ اثْنانِ مِن أقارِبِ المَيِّتِ؛ فَحَلَفا عَلى الإناءِ؛ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا عَلى المَيِّتِ البَيْعَ؛ فَصارَ اليَمِينُ في جانِبِ الوَرَثَةِ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا؛ وسَمّى أيْمانَ الفَرِيقَيْنِ شَهادَةً؛ كَما سُمِّيَتْ أيْمانُ المُتَلاعِنَيْنِ شَهادَةً - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ؛ وكانَ ذَلِكَ لِما في البابَيْنِ مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.
المائدة 5:108
ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الغَرِيبِ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - سِرَّهُ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ المُحْكَمُ المُرَتَّبُ هَذا التَّرْتِيبَ؛ بِالأيْمانِ وغَيْرِها؛ ﴿أدْنى﴾؛ أيْ: أقْرَبُ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: إلى أنْ ﴿يَأْتُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا أوَّلًا؛ ﴿بِالشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ ﴿عَلى وجْهِها﴾؛ مِن غَيْرِ أدْنى مَيْلٍ؛ بِسَبَبِ أنْ يَخافُوا مِنَ الحِنْثِ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا التَّغْلِيظِ؛ ﴿أوْ يَخافُوا﴾؛ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُمُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿أنْ تُرَدَّ﴾؛ أيْ: تُثَنّى؛ وتُعادَ؛ (p-٣٣٤)﴿أيْمانٌ﴾؛ أيْ: مِنَ الوَرَثَةِ؛ ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ لِلْعُثُورِ عَلى رِيبَةٍ؛ فَيَصِيرُوا بِافْتِضاحِهِمْ مَثَلًا لِلنّاسِ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: ولَيْسَ في هَذا رَدُّ اليَمِينِ؛ فَما كانَتْ يَمِينُ الدّارِيَيْنِ عَلى ما ادَّعى الوَرَثَةِ مِنَ الخِيانَةِ؛ ويَمِينُ ورَثَةِ المَيِّتِ عَلى ما ادَّعى الدّارِيّانِ مِمّا وُجِدَ في أيْدِيهِما وأقَرّا أنَّهُ مالُ المَيِّتِ؛ وأنَّهُ صارَ لَهُما مِن قِبَلِهِ؛ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْواهُما بِلا بَيِّنَةٍ؛ فَأُحْلِفَ وارِثاهُ؛ قالَ: وإذا كانَ هَذا كَما وصَفْتُ فَلَيْسَتِ الآيَةُ ناسِخَةً؛ ولا مَنسُوخَةً؛ لِأمْرِ اللَّهِ بِإشْهادِ ذَوَيْ عَدْلٍ؛ ومَن نَرْضى مِنَ الشُّهَداءِ؛ هَذا ما اقْتَضى إيلاؤُها لِما قَبْلَها؛ وقَدْ نَزَعَها إلى مَجْمُوعِ هَذِهِ السُّورَةِ مَنازِعُ؛ مِنها ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القَتْلِ؛ الَّذِي هو مِن أنْواعِ المَوْتِ؛ عِنْدَ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ وما بَعْدَها؛ ثُمَّ تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِالجِهادِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ المَوْتِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ ثُمَّ ذَكَرَهُ أيْضًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِذِكْرِ الوَصِيَّةِ عَقِبَ مِثْلِ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ ولَمْ يُذْكَرْ عَقِبَ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ؛ لِزِيادَتِها عَلى آيَةِ ”البَقَرَةِ“؛ بِمَنازِعَ؛ مِنها الحَلِفُ؛ فَناسَبَ كَوْنَها بَعْدَ آيَةِ الأيْمانِ؛ ومِنها تَغْلِيظُ الحَلِفِ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَمّا يُشاكِلُهُ مِنَ القَسَمِ عَلى المالِ بِكَوْنِهِ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ؛ بَعْدَ عِبادَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَناسَبَ ذِكْرَها بَعْدَ تَغْلِيظِ أمْرِ الصَّيْدِ في حالٍ مَخْصُوصٍ؛ وهو الإحْرامُ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأحْوالِ؛ وبَعْدَ تَغْلِيظِ جَزائِهِ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الكَفّاراتِ؛ وتَغْلِيظِ أمْرِ المَكانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الكَعْبَةُ؛ والخُرُوجِ (p-٣٣٥)بِها عَنْ أشْكالِها مِنَ البُيُوتِ؛ وكَذا تَغْلِيظُ الزَّمانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الشَّهْرُ الحَرامُ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِقِيامِ أمْرِ النّاسِ؛ وإصْلاحِ أحْوالِهِمْ؛ وهَكَذا آيَةُ الوَصِيَّةِ؛ وما خَرَجَ مِن أحْكامِها عَنْ أشْكالِهِ؛ كُلُّهُ لِقِيامِ الأُمُورِ عَلى السَّدادِ؛ وإصْلاحِ المَعاشِ؛ والمَعادِ؛ وهي مُلْتَفِتَةٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ؛ إذْ هي مِن أعْظَمِ العُهُودِ؛ والوَفاءُ بِها مِن أصْعَبِ الوَفاءِ؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢]؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]؛ انْظُرْ إلى خَتْمِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]؛ وإلى كَوْنِ هَذِهِ في سِياقِ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ؛ وقَوْلُهُ: - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فالزَمُوا ما أمَرْتُكم بِهِ؛ وأرْشَدْتُكم إلَيْهِ؛ تُفْلِحُوا“ -: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ؛ إلى آخِرِها؛ مُلْتَفِتٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧]؛ الآيَةَ؛ أيْ: خافُوا اللَّهَ خَوْفًا عَظِيمًا؛ يَحْمِلُكم عَلى أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِهِ وِقايَةً؛ لِئَلّا تَحْلِفُوا كاذِبِينَ؛ أوْ تَخُونُوا أدْنى خِيانَةٍ؛ ﴿واسْمَعُوا﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةَ؛ سَمْعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ؛ ذاكِرِينَ لِقَوْلِكُمْ؛ ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ [المائدة: ٧]؛ فَإنَّ اللَّهَ يَهْدِي المُتَمَسِّكِينَ بِالمِيثاقِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ وتَمامُ الحِكْمَةِ؛ وكَمالُ العِزَّةِ والسَّطْوَةِ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ﴾؛ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قُلُوبِ الَّذِينَ لَهم قُدْرَةٌ عَلى (p-٣٣٦)ما يُحاوِلُونَهُ؛ ﴿الفاسِقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم خارِجُونَ؛ أيْ: مِن عادَتِهِمْ ذَلِكَ؛ عَلى وجْهِ الرُّسُوخِ؛ فَهم أبَدًا غَيْرُ مُتَقَيِّدِينَ بِقَيْدٍ؛ ولا مُنْضَبِطِينَ بِدائِرَةِ عَقْدٍ؛ ولا عَهْدٍ.
المائدة 5:109
ولَمّا كانَ فِيها إقامَةُ الشُّهُودِ؛ وحَبْسُهم عَنْ مَقاصِدِهِمْ؛ حَتّى يَفْرُغُوا مِن هَذِهِ الواقِعَةِ المَبْحُوثِ فِيها عَنْ خَفايا مُتَعَلِّقَةٍ بِالمَوْتِ؛ والتَّغْلِيظِ بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وكانَتْ ساعَةً يَجْتَمِعُ فِيها النّاسُ؛ وفَرِيقا المَلائِكَةِ المُتَعاقِبَيْنِ فِينا لَيْلًا ونَهارًا؛ مَعَ أنَّها ساعَةُ الأصِيلِ المُؤْذِنَةِ بِهُجُومِ اللَّيْلِ؛ وتَقَوُّضِ النَّهارِ؛ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ ورُجُوعِ النّاسِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ وتَرْكِهِمْ لِمَعايِشِهِمْ؛ وكانَتْ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ؛ ثُمَّ يُتْبِعُها إمّا بِالإلَهِيّاتِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ؛ ولا يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ إلّا بِغايَةِ الإحْكامِ في الرَّبْطِ؛ عَقَّبَها (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿الرُّسُلَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ؛ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ إشارَةً إلى تَذَكُّرِ انْصِرامِ هَذِهِ الدّارِ؛ وسُرْعَةِ هُجُومِ ذَلِكَ؛ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ الأحْوالِ المُؤْذِنَةِ بِهِ؛ وبِأنَّهُ يَوْمٌ يَقُومُ فِيهِ الأشْهادُ؛ ويَجْتَمِعُ فِيهِ العِبادُ؛ ويُفْتَضَحُ فِيهِ أهْلُ الفَسادِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ لِأرْبابِ البَصائِرِ والقُلُوبِ؛ والظّاهِرُ أنَّ ”يَوْمَ“؛ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”خَفْ مِن (p-٣٣٧)فُلانٍ“؛ فَإنَّ المَعْنى: ”خَفْ مِن عِقابِهِ“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ المُرادُ هُنا: واتَّقُوا غَضَبَ اللَّهِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سَطْواتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وِقايَةً؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: اذْكُرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ؛ وهَذا الوَقْتَ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الشُّهُودُ؛ ويُحْبَسُ المُعْتَرِفُ والجَحُودُ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَسْألَهم عَنِ العِبادِ؛ ويَسْألَ العِبادَ عَنْهُمْ؛ ﴿فَيَقُولُ﴾؛ أيْ: لِلرُّسُلِ؛ تَشْرِيعًا لَهُمْ؛ وبَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَشْرِيفًا لِلْمُحِقِّ مِن أُمَمِهِمْ؛ وتَبْكِيتًا لِلْمُبْطِلِ؛ وتَوْبِيخًا لِلْمُفْرِطِ مِنهُمْ؛ والمُفَرِّطِ.
ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أصْلًا أنَّهم أُجِيبُوا؛ ولا يَقَعُ فِيهِ نِزاعٌ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ غَرَضٌ؛ تَجاوَزَ السُّؤالَ إلى الِاسْتِفْهامِ مِن نَوْعِ الإجابَةِ؛ فَقالَ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؛ إجابَةَ طاعَةٍ أوْ إجابَةَ مَعْصِيَةٍ؟
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِمْ بَيانَ النّاجِي مِن غَيْرِهِ؛ وكانَتِ الشَّهادَةُ في تِلْكَ الدّارِ لا تَنْفَعُ إلّا فِيما وافَقَ فِيهِ الإضْمارُ الإظْهارَ؛ فَكانَتْ شَهادَتُهم لا تَنْفَعُ المَشْهُودَ لَهُ بِحُسْنِ الإجابَةِ؛ إلّا أنْ يُطابِقَ ما قالَهُ بِلِسانِهِ اعْتِقادَهُ بِقَلْبِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ نافِينَ لِعِلْمِهِمْ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ إذا كانَ مَوْقُوفًا عَلى شَرْطٍ؛ هو مِن عِلْمِ ما غابَ؛ ولا عِلْمَ لَهم بِهِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنّا لا نَعْلَمُ إلّا ما شَهِدْناهُ؛ وما غابَ عَنّا أكْثَرُ؛ وإذا كانَ الغائِبُ قَدْ يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمَشْهُودِ؛ فَما شُهِدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ (p-٣٣٨)لِلْواقِعِ؛ ولِهَذا عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ تَعْلَمُها عِلْمًا تامًّا؛ فَكَيْفَ بِما غابَ عَنّا مِن أحْوالِ قَوْمِنا؟! فَكَيْفَ بِالشَّهادَةِ؟! فَكَيْفَ بِما شَهِدْنا مِن ذَلِكَ؟! وهَذا في مَوْضِعِ قَوْلِهِمْ: أنْتَ أعْلَمُ؛ لَكِنَّ هَذا أحْسَنُ أدَبًا؛ فَإنَّهم مَحَوْا أنْفُسَهم مِن دِيوانِ العِلْمِ بِالكُلِّيَّةِ؛ لِأنَّ كُلَّ عِلْمٍ يَتَلاشى إذا نُسِبَ إلى عِلْمِهِ؛ ويَضْمَحِلُّ مَهْما قُرِنَ بِصِفَتِهِ؛ أوِ اسْمِهِ.
المائدة 5:110
ولَمّا كانَ سُؤالُهُ - سُبْحانَهُ - لِلرُّسُلِ عَنِ الإجابَةِ مُتَضَمِّنًا لِتَبْكِيتِ المُبْطِلِينَ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وكانَ أشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ أهْلَ الكِتابِ؛ لِأنَّ تَمَرُّدَهم تَعَدّى إلى رُتْبَةِ الجَلالِ؛ بِما وصَفُوهُ - سُبْحانَهُ - بِهِ مِنَ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ ومِنَ ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أظْهَرَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي دَعا بِها إلى اللَّهِ؛ مَعَ اقْتِرانِها بِما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِئَلّا يُهْتَضَمَ حَقُّهُ؛ أوْ يُغْلى فِيهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في أذى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ في الآيَةِ السّالِفَةِ ذِكْرُ الآباءِ؛ وما آثَرُوا لِلْأبْناءِ؛ ذَكَرَ أمْرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن قَوْلِهِ -: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَذْكِيرًا بِما لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن تَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَصْوِيرًا لِعَظِيمِ تَحَقُّقِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ (p-٣٣٩)قَدْ وقَعَ؛ ومَضى -: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يا عِيسى﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِما هو الحَقُّ مِن نَسَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ في حَرَكاتِهِمْ؛ وسَكَناتِهِمْ؛ وكانَ الحَمْدُ هو الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ أمَرَهُ بِذِكْرِ حَمْدِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى نِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: في خاصَّةِ نَفْسِكَ؛ وذَكَرَ ما يَدُلُّ لِلْعاقِلِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ فَقالَ: ﴿وعَلى والِدَتِكَ﴾؛ إلى آخِرِهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ؛ فَأراحَهُ مِمّا يَجِبُ لِلْآباءِ مِنَ الحُقُوقِ؛ وما يُورِثُونَ أبْناءَهم مِنَ اقْتِداءٍ؛ أوِ اهْتِداءٍ؛ وإقامَةٍ بِحُقُوقِ أُمِّهِ؛ فَأقْدَرَهُ - وهو في المَهْدِ - عَلى الشَّهادَةِ لَها بِالبَراءَةِ؛ والحَصانَةِ؛ والعَفافِ؛ وكُلُّ نِعْمَةٍ أنْعَمَها - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ ﷺ فَهي نِعْمَةٌ عَلى أُمِّهِ؛ دِينًا ودُنْيا.
ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُمَّةَ المَدْعُوَّةَ مِنَ العَرَبِ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ﴾ [المائدة: ٧]؛؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١]؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن عِنْدِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ كُلُّها في النِّعَمِ؛ أخْبَرَهم أنَّهُ يُذَكِّرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِعَمِهِ في يَوْمِ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَذْكُرُوا نِعَمَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ دارِ العَمَلِ؛ بِالشُّكْرِ؛ ذَكَرُوها حِينَ يُذَكِّرُهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ قَسْرًا؛ بِالكُفْرِ؛ ويا لَها فَضِيحَةً في ذَلِكَ الجَمْعِ (p-٣٤٠)الأكْبَرِ والمَوْقِفِ الأهْوَلِ؛ ولِيَتَبَصَّرَ أهْلُ الكِتابِ فَيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ اليَهُودُ؛ بِالتَّقْصِيرِ في أمْرِهِ؛ والنَّصارى؛ بِالغُلُوِّ في شَأْنِهِ؛ وقَدْرِهِ.
ولَمّا كانَ أعْظَمُ الأُمُورِ التَّنْزِيهَ؛ بَدَأ بِهِ؛ كَما فَعَلَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ في كَلِمَةِ الدُّخُولِ إلى الإسْلامِ؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ أُمَّهُ - عَلَيْها السَّلامُ -؛ وتَصْحِيحَ ما خُرِقَ لَها مِنَ العادَةِ في وِلادَتِهِ؛ وكانَ أحْكَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ بِتَقْوِيَةِ رُوحِهِ؛ حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ طِفْلًا كَكَلامِهِ كَهْلًا؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا؛ قارِنًا بِكُلِّ نِعْمَةٍ ما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِيُخْزِيَ مَن غَلا في أمْرِهِ؛ أوْ قَصَّرَ في وصْفِهِ؛ وقَدْرِهِ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾؛ أيْ: قَوَيْتُكَ تَقْوِيَةً عَظِيمَةً؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ أيْ: الطُّهْرِ الَّذِي يُحْيِي القُلُوبَ؛ ويُطَهِّرُها مِن أوَضارِ الآثامِ؛ ومِنهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَ لَهُ مِنهُ في الصِّغَرِ حَظٌّ لَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ؛ قالَ الحَرالِّيُّ: وهو يَدُ بَسْطٍ لِرُوحِ اللَّهِ في القُلُوبِ؛ بِما يُحْيِيها اللَّهُ بِهِ مِن رُوحِ أمْرِهِ؛ إرْجاعًا إلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ؛ قَبْلَ إرْجاعِ رُوحِ الحَياةِ بِيَدِ القَبْضِ مِن عِزْرائِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ هَذا التَّأْيِيدِ؛ فَقالَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾؛ أيْ: مَن أرَدْتَ؛ مِن عالِيهِمْ وسافِلِهِمْ؛ ﴿فِي المَهْدِ﴾؛ أيْ: بِما بَرَّأ اللَّهُ مِن أُمِّكَ؛ وأظْهَرَ بِهِ كَرامَتَكَ وفَضْلَكَ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الفَضْلَ العَظِيمَ؛ أتْبَعَهُ خارِقًا آخَرَ؛ وهو إحْياؤُهُ (p-٣٤١)نَفْسَهُ؛ وحِفْظُهُ جَسَدَهُ أكْثَرَ مِن ألْفِ سَنَةٍ لَمْ يُدْرِكْهُ الهَرَمُ؛ فَإنَّهُ رُفِعَ شابًّا؛ ويَنْزِلُ عَلى ما رُفِعَ عَلَيْهِ؛ ويَبْقى حَتّى يَصِيرَ كَهْلًا؛ وتَسْوِيَةُ كَلامِهِ في المَهْدِ بِكَلامِهِ في حالِ بُلُوغِ الأشُدِّ وكَمالِ العَقْلِ؛ خَرْقًا لِما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ فَقالَ: ﴿وكَهْلا﴾؛ ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الخارِقَةَ؛ أتْبَعَها رُوحَ العِلْمِ الرَّبّانِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: الخَطَّ؛ الَّذِي هو مَبْدَأُ العِلْمِ؛ وتَلْقِيحٌ لِرُوحِ الفَهْمِ؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: الفَهْمَ لِحَقائِقِ الأشْياءِ؛ والعَمَلَ بِما يَدْعُو إلَيْهِ العِلْمُ؛ ﴿والتَّوْراةَ﴾؛ أيْ: المُنْزَلَةَ عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: المُنْزَلَ عَلَيْكَ.
ولَمّا ذَكَرَ تَأْيِيدَهُ بِرُوحِ الرُّوحِ؛ أتْبَعَهُ تَأْيِيدَهُ بِإفاضَةِ الرُّوحِ عَلى جَسَدٍ لا أصْلُ لَهُ فِيها؛ فَقالَ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسِ؛ ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾؛ أيْ: في الصُّورَةِ المُهَيَّأةِ؛ ﴿فَتَكُونُ﴾؛ أيْ: تِلْكَ الصُّورَةُ الَّتِي هَيَّأْتَها؛ ﴿طَيْرًا بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِإفاضَةِ رُوحٍ ما عَلى بَعْضِ جَسَدٍ؛ إمّا ابْتِداءً في الأكْمَهِ؛ كَما في الَّذِي قَبْلَهُ؛ وإمّا إعادَةً؛ كَما في الحادِثِ: العَمى والبَرَصِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ﴾
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ ما يُرادُ بِالسِّياقِ تَوْبِيخُ مَن كَفَرَ بِهِ؛ كَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِرَدِّ رُوحٍ كامِلٍ إلى جَسَدِها؛ بِقَوْلِهِ: (p-٣٤٢)﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾؛ أيْ: مِنَ القُبُورِ فِعْلًا؛ أوْ قُوَّةً؛ حَتّى يَكُونُوا كَما كانُوا مِن سُكّانِ البُيُوتِ؛ ﴿بِإذْنِي﴾؛ ثُمَّ بِعِصْمَةِ رُوحِهِ مِمَّنْ أرادَ قَتْلَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾؛ أيْ: اليَهُودَ؛ لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِكَ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا اسْتَحَلُّوا قَصْدَهُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ قَصَدَ ذَلِكَ كَعادَةِ النّاسِ مَعَ الرُّسُلِ؛ والأكابِرِ مِن أتْباعِهِمْ؛ تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ؛ فَقالَ: ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ بَعْضُها بِالفِعْلِ؛ والباقِي بِالقُوَّةِ؛ لِدَلالَةِ ما وُجِدَ عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى رِسالَتِكَ المُوجِبَةِ لِتَعْظِيمِكَ؛ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: غَطَّوْا تِلْكَ البَيِّناتِ عِنادًا؛ ﴿مِنهم إنْ﴾؛ أيْ: ما ﴿هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛
المائدة 5:111
ثُمَّ بِتَأْيِيدِهِ بِالأنْصارِ؛ الَّذِينَ أحْيا أرْواحَهم بِالإيمانِ؛ وأجْسادَهم بِاخْتِراعِ المَأْكَلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ في العادَةِ حِفْظُ الرُّوحِ؛ وذَلِكَ في قِصَّةِ المائِدَةِ وغَيْرِها؛ فَقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ﴾؛ أيْ: بِإلْهامٍ باطِنًا؛ وبِإيصالِ الأوامِرِ عَلى لِسانِكَ ظاهِرًا؛ ﴿إلى الحَوارِيِّينَ﴾؛ أيْ: الأنْصارِ؛ ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾؛ أيْ: الَّذِي أمَرْتُهُ بِالإبْلاغِ؛ يَعْنِي إبْلاغَ النّاسِ ما آمُرُهم بِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ - مُبَيِّنًا لِسُرْعَةِ إجابَتِهِمْ لِجَعْلِهِ مُحَبَّبًا إلَيْهِمْ؛ مُطاعًا فِيهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾
ولَمّا كانَ الإيمانُ باطِنًا فَلا بُدَّ في إثْباتِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ؛ وكانَ (p-٣٤٣)فِي سِياقِ عَدِّ النِّعَمِ؛ والطَّواعِيَةِ لِوَحْيِ المَلِكِ الأعْظَمِ دُلُّوا عَلَيْهِ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ ناسَبَ المَقامَ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ بِإثْباتِ النُّونِ الثّالِثَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾؛ بِخِلافِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ ﴿مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُنْقادُونَ؛ أتَمَّ انْقِيادٍ؛ فَلا اخْتِيارَ لَنا إلّا ما تَأْمُرُنا بِهِ؛ وانْظُرْ.. ما أنْسَبَ إعادَةَ ”إذْ“؛ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِرُوحٍ كامِلٍ؛ حِسًّا أوْ مَعْنًى؛ وحَذْفَها عِنْدَ النّاقِصِ! فَأثْبَتَها عِنْدَ التَّأْيِيدِ بِها في أصْلِ الخُلُقِ؛ وفي الكَمالِ المُوجِبِ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ وفي تَعْلِيمِ الكِتابِ؛ وما بَعْدَهُ؛ المُفِيضِ لِحَياةِ الأبَدِ عَلى كُلِّ مَن تَخَلَّقَ بِأخْلاقِهِ؛ وفي خَلْقِ الطَّيْرِ؛ وهو ظاهِرٌ؛ وهَكَذا إلى الآخِرِ.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِمّا عُزِّيَ إلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ في الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى: وكانَ يَسُوعُ يَطُوفُ المُدُنَ والقُرى؛ ويَعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ؛ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ؛ ويَشْفِي كُلَّ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ ثُمَّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ يُوحَنّا في السِّجْنِ بِأعْمالِ المَسِيحِ؛ أرْسَلَ إلَيْهِ اثْنَيْنِ مِن تَلامِيذِهِ؛ قائِلًا: أنْتَ هو الآتِي أمْ نَتَرَجّى آخَرَ؟ قالَ لُوقا: وفي تِلْكَ السّاعَةِ أبْرَأ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ والأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ؛ ووَهَبَ النَّظَرَ لِعُمْيانٍ كَثِيرِينَ؛ فَأجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُما: ”اذْهَبا وأعْلِما يُوحَنّا بِما رَأيْتُما؛ وسَمِعْتُما؛ العُمْيانُ يُبْصِرُونَ؛ والعُرْجُ يَمْشُونَ؛ والبُرْصُ يَتَطَهَّرُونَ؛ والصُّمُّ يَسْمَعُونَ؛ (p-٣٤٤)والمَوْتى يَقُومُونَ؛ والمَساكِينُ يُبَشِّرُونَ؛ فَطُوبى لِمَن لا يَشُكُّ فِيَّ“؛ فَلَمّا ذَهَبَ تِلْمِيذا يُوحَنّا بَدَأ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجَمْعِ مِن أجْلِ يُوحَنّا: لِماذا خَرَجْتُمْ إلى البَرِّيَّةِ تَنْظُرُونَ؟ - قالَ لُوقا: قَصَبَةً تُحَرِّكُها الرِّيحُ؟ - أمْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ إنْسانًا لابِسًا لِباسًا ناعِمًا؟ إنَّ اللِّباسَ النّاعِمَ يَكُونُ في بُيُوتِ المُلُوكِ؛ قالَ لُوقا: فَإنَّ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ لِباسُ المَجْدِ والتَّنَعُّمِ هم في بُيُوتِ المُلُوكِ - انْتَهى؛ لَكِنْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ نَبِيًّا؟ نَعَمْ؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن هَذا الَّذِي كُتِبَ مِن أجْلِهِ: هو ذا أنا مُرْسِلٌ مَلَكِي أمامَ وجْهِكَ لِيُسَهِّلَ طَرِيقَكَ قُدّامَكَ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ لَمْ يَقُمْ في مَوالِيدِ النِّساءِ أعْظَمُ مِن يُوحَنّا المُعَمَّدِ؛ والصَّغِيرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ أعْظَمُ مِنهُ؛ وجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي سَمِعَ؛ والعَشّارُونَ شَكَرُوا اللَّهَ؛ حَيْثُ اعْتَمَدُوا مِن مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنّا؛ فَأمّا الفَرِّيسِيُّونَ والكُتّابُ فَعَلِمُوا أنَّهم رَفَضُوا أمْرَ اللَّهِ لَهُمْ؛ إذْ لَمْ يَعْتَمِدُوا مِنهُ؛ قالَ مَتّى: ثُمَّ قالَ: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ بِماذا أشْبَهَ هَذا الجِيلُ؟ يُشْبِهُ صِبْيانًا جُلُوسًا في الأسْواقِ؛ يَصِيحُونَ إلى أصْحابِهِمْ قائِلِينَ: زَمَّرْنا لَكم فَلَمْ تَرْقُصُوا؛ ونُحْنا لَكم فَلَمْ تَبْكُوا؛ جاءَ يُوحَنّا لا يَأْكُلُ؛ ولا يَشْرَبُ؛ فَقالُوا: مَعَهُ جُنُونٌ؛ جاءَ ابْنُ الإنْسانِ (p-٣٤٥)يَأْكُلُ؛ ويَشْرَبُ؛ فَقالُوا: هَذا إنْسانٌ أكُولٌ شِرِّيبٌ؛ خَلِيلُ العَشّارِينَ والخَطَأةِ؛ فَتَبَرَّرَتِ الحِكْمَةُ مِن بَنِيها؛ حِينَئِذٍ بَدَأ يُعَيِّرُ المُدُنَ الَّتِي كانَ فِيها أكْثَرُ قُوّاتِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتُوبُوا؛ ويَقُولُ: الوَيْلُ لَكِ يا كُورَزِينُ؛ والوَيْلُ لَكِ يا بَيْتَ صَيْدا؛ لِأنَّ القُوّاتِ اللّاتِي كُنَّ فِيكُما قَدِيمًا لَوْ كُنَّ في صُورَ وصَيْدا لَتابُوا بِالمُسُوحِ والرَّمادِ؛ لَكِنْ أقُولُ لَكُمْ: إنَّ لِصُورَ وصَيْدا راحَةً في يَوْمِ الدِّينِ أكْثَرَ مِنكُنَّ؛ وأنْتِ يا كَفْرَ ناحُومَ؛ لَوِ ارْتَفَعْتِ إلى السَّماءِ سَتَهْبِطِينَ إلى الجَحِيمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ في سَدُومَ هَذِهِ القُوّاتُ الَّتِي كانَتْ فِيكِ إذَنْ لَثَبَتَتْ إلى اليَوْمِ؛ وأقُولُ لَكم أيْضًا: إنَّ أرْضَ سَدُومَ تَجِدُ راحَةً يَوْمَ الدِّينِ أكْثَرَ مِنكِ.
ثُمَّ قالَ: وانْتَقَلَ يَسُوعُ مِن هُناكَ؛ ودَخَلَ إلى مَجْمَعِهِمْ؛ وإذا رَجُلٌ هُناكَ يَدُهُ يابِسَةٌ - وقالَ لُوقا: يَدُهُ اليُمْنى يابِسَةٌ - فَسَألُوهُ قائِلِينَ: هَلْ يَحِلُّ أنْ يُشْفى في السَّبْتِ؟ فَقالَ لَهُمْ: أيُّ إنْسانٍ مِنكم يَكُونُ لَهُ خَرُوفٌ يَسْقُطُ في حُفْرَةٍ في السَّبْتِ؛ ولا يُمْسِكُهُ ويُقِيمُهُ؟ فَبِكم أُحْزِي الإنْسانُ أفْضَلُ مِنَ الخَرُوفِ؛ فَإذَنْ جَيِّدٌ هو فِعْلُ الخَيْرِ في السَّبْتِ؛ وقالَ لُوقا: فَقالَ لِلرَّجُلِ اليابِسِ اليَدِ: قِفْ في الوَسَطِ؛ فَقامَ؛ وقالَ لَهم يَسُوعُ: أسْألُكم ماذا يُحِلُّ أنْ يُعْمَلَ في السَّبْتِ؟ خَيْرٌ أمْ شَرٌّ؟ نَفْسُ تُخَلَّصُ أمْ تَهْلِكُ؟ فَسَكَتُوا؛ قالَ مَتّى: حِينَئِذٍ قالَ لِلْإنْسانِ: امْدُدْ يَدَكَ؛ فَمَدَّها؛ فَصَحَّتْ (p-٣٤٦)مِثْلَ الأُخْرى؛ فَخَرَجَ الفَرِّيسِيُّونَ - قالَ مُرْقُسُ: مَعَ أصْحابِ هِيرُودُسَ - مُتَوامِرِينَ في إهْلاكِهِ؛ فَعَلِمَ يَسُوعُ؛ وانْتَقَلَ مِن هُناكَ؛ وتَبِعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ؛ فَشَقِيَ جَمِيعُهُمْ؛ وأمَرَهم ألّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ لِكَيْ يَتِمَّ ما قِيلَ في أشْعَيا النَّبِيِّ القائِلِ: ها هُو ذا فَتايَ الَّذِي هَوَيْتُ؛ وحَبِيبِي الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ؛ أضَعُ رُوحِي عَلَيْهِ؛ ويُخْبِرُ الأُمَمَ بِالحِكَمِ؛ لا يُمارِي؛ ولا يَصِيحُ؛ ولا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ في الشَّوارِعِ؛ قَصَبَةٌ مَرْضُوضَةٌ لا تُكْسَرُ؛ وسِراجٌ مُطَفْطِفٌ لا يُطْفَأُ؛ حَتّى يَخْرُجَ الحُكْمُ في الغَلَبَةِ؛ وعَلى اسْمِهِ تَتَّكِلُ الأُمَمُ؛ ثُمَّ قالَ: وفي ذَلِكَ اليَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ البَيْتِ؛ وجَلَسَ جانِبَ البَحْرِ؛ فاجْتَمَعَ إلَيْهِ جَمْعٌ كَبِيرٌ؛ حَتّى إنَّهُ صَعِدَ إلى السَّفِينَةِ وجَلَسَ؛ وكانَ الجَمْعُ كُلُّهُ قِيامًا عَلى الشَّطِّ؛ وكُلُّهم بِأمْثالٍ كَثِيرَةٍ؛ قائِلًا: ها هو ذا خَرَجَ الزّارِعُ لِيَزْرَعَ؛ وفِيما هو يَزْرَعُ سَقَطَ البَعْضُ عَلى الطَّرِيقِ؛ فَأتى الطَّيْرُ وأكَلَهُ - وقالَ لُوقا: فَدِيسَ وأكَلَهُ طائِرُ السَّماءِ - وبَعْضٌ سَقَطَ عَلى الصَّخْرَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أرْضٌ كَثِيرَةٌ؛ ولِلْوَقْتِ شَرَّقَ إذْ لَيْسَ لَهُ عُمْقُ أرْضٍ؛ ولَمّا أشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ؛ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ يَبِسَ؛ وبَعْضٌ سَقَطَ في الشَّوْكِ؛ فَطَلَعَ الشَّوْكُ وخَنَقَهُ؛ وقالَمُرْقُسُ: فَخَنَقَهُ بِعُلُوِّهِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَأْتِ بِثَمَرِهِ؛ (p-٣٤٧)وقالَ مَتّى: وبَعْضٌ سَقَطَ في الأرْضِ الجَيِّدَةِ فَأعْطى ثَمَرَهُ؛ لِلْواحِدِ مِائَةٌ ولِلْآخَرِ سِتِّينَ؛ ولِلْآخَرِ ثَلاثِينَ - قالَ لُوقا: فَلَمّا قالَ هَذا نادى: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ - فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وقالُوا لَهُ: لِماذا تُكَلِّمُهم بِالأمْثالِ؟ فَأجابَهم وقالَ: أنْتُمْ أُعْطِيتُمْ مَعْرِفَةَ سَرائِرِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ - وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُمْ: لَكم أُعْطِي عِلْمَ سَرائِرِ مَلَكُوتِ اللَّهِ - وأُولَئِكَ لَمْ يُعْطَوْا؛ ومَن كانَ لَهُ يُعْطى ويُزادُ؛ ومَن لَيْسَ لَهُ فالَّذِي لَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ - وقالَ لُوقا: والَّذِي لَيْسَ لَهُ يُنْزَعُ مِنهُ الَّذِي يَظُنُّ أنَّهُ لَهُ - فَلِهَذا أُكَلِّمُهم بِالأمْثالِ؛ لِأنَّهم يُبَصَّرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ؛ ويُسْمَعُونَ فَلا يَسْمَعُونَ؛ ولا يَفْهَمُونَ؛ لِكَيْ تَتِمَّ فِيهِمْ نُبُوَّةُ أشْعَيا القائِلِ: سَمْعًا يَسْمَعُونَ فَلا يَفْهَمُونَ؛ ونَظَرًا يَنْظُرُونَ فَلا يُبْصِرُونَ؛ لَقَدْ غَلُظَ قَلْبُ هَذا الشَّعْبِ؛ وثَقُلَتْ آذانُهم عَنِ السَّماعِ؛ وغَمَّضُوا أعْيُنَهم لِكَيْلا يُبْصِرُوا بِعُيُونِهِمْ؛ ولا يَسْمَعُوا بِآذانِهِمْ؛ ويَفْهَمُوا بِقُلُوبِهِمْ؛ ويَرْجِعُوا فَأشْفِيَهُمْ؛ فَأمّا أنْتُمْ فَطُوبى لِعُيُونِكُمْ؛ لِأنَّها تَنْظُرُ؛ ولِآذانِكُمْ؛ لِأنَّها تَسْمَعُ؛ وقالَ لُوقا: ومِثْلُ الزَّرْعِ هَذا هو كَلامُ اللَّهِ؛ وقالَ مَتّى: كُلُّ مَن يَسْمَعُ كَلامَ المَلَكُوتِ ولا يَفْهَمُ يَأْتِي الشِّرِّيرُ فَيَخْطِفُ ما يَزْرَعُ في قَلْبِهِ؛ هَذا الَّذِي زَرَعَ عَلى الطَّرِيقِ؛ والَّذِي زَرَعَ عَلى الصَّخْرَةِ هو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ؛ ولِلْوَقْتِ يَقْبَلُهُ بِفَرَحٍ؛ ولَيْسَ لَهُ فِيهِ أصْلٌ؛ لَكِنْ في زَمانٍ يَسِيرٍ؛ إذا حَدَثَ ضِيقٌ؛ أوْ طَرْدٌ؛ فَلِلْوَقْتِ يَشُكُّ - (p-٣٤٨)وقالَ مُرْقُسُ: بِسَبَبِ الكَلِمَةِ فَيَشْكُونَ لِلْوَقْتِ: وقالَ لُوقا: وهم إنَّما يُؤْمِنُونَ إلى زَمانِ التَّجْرِبَةِ؛ وفي زَمانِ التَّجْرِبَةِ يَشُكُّونَ - والَّذِي يَزْرَعُ في الشَّوْكِ فَهو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ فَيَخْنِقُ الكَلامَ فِيهِ؛ وقالَ لُوقا: فَتَغْلِبُ عَلَيْهِمْ هُمُومُ هَذا الدَّهْرِ؛ وطَلَبُ الغِنى؛ وقالَ مُرْقُسُ: ومَحَبَّةُ الغِنى؛ وسائِرُ الشَّهَواتِ الَّتِي يَسْلُكُونَها؛ فَتُخْنَقُ الكَلِمَةُ فَلا تُثْمِرُ فِيهِمْ؛ وقالَ مَتّى: فَيَكُونُ بِغَيْرِ ثَمَرَةٍ؛ والَّذِي زَرَعَ في الأرْضِ الجَيِّدَةِ هو الَّذِي يَسْمَعُ الكَلامَ؛ ويَتَفَهَّمُ؛ ويُعْطِي ثَمَرَهُ؛ وقالَ لُوقا: وأمّا الَّذِي وقَعَ في الأرْضِ الصّالِحَةِ فَهُمُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ الكَلِمَةَ بِقَلْبٍ جَيِّدٍ فَيَحْفَظُونَها؛ ويُثْمِرُونَ بِالصَّبْرِ؛ قالَ مَتّى: لِلْواحِدِ مِائَةٌ؛ ولِلْآخَرِ سِتِّينَ؛ ولِلْآخَرِ ثَلاثِينَ.
وضَرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قائِلًا: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ إنْسانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا في حَقْلِهِ؛ فَلَمّا نامَ النّاسُ جاءَ عَدُوُّهُ فَزَرَعَ زَوانًا في وسَطِ القَمْحِ؛ ومَضى؛ فَلَمّا نَبَتَ القَمْحُ ظَهَرَ الزَّوانُ؛ فَجاءَ عَبِيدُ رَبِّ البَيْتِ فَقالُوا لَهُ: يا سَيِّدُ؛ ألَيْسَ زَرْعًا جَيِّدًا زَرَعْتَ في حَقْلِكَ؟ فَمِن أيْنَ صارَ فِيهِ زَوانٌ؟ فَقالَ لَهُمْ: عَدُوُّ فَعَلَ هَذا؛ فَقالَ عَبِيدُهُ: تُرِيدُ أنْ نَذْهَبَ فَنَجْمَعَهُ؟ فَقالَ لَهُمْ: لا؛ لِئَلّا تَنْقَلِعَ مَعَهُ الحِنْطَةُ؛ دَعُوهُما يَنْبُتانِ جَمِيعًا إلى زَمانِ الحَصادِ؛ (p-٣٤٩)وأقُولُ لِلْحَصّادِينَ: أوَّلًا اجْمَعُوا الزَّوانَ؛ فَشُدُّوهُ حِزَمًا لِيُحْرَقَ؛ فَأمّا القَمْحُ فاجْمَعُوهُ إلى أهَرائِي. وضَرَبَ لَهم مَثَلًا آخَرَ قائِلًا: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ حَبَّةَ خَرْدَلٍ أخَذَها إنْسانٌ وزَرَعَها في حَقْلِهِ؛ لِأنَّها أصْغَرُ الزَّرارِيعِ كُلِّها - وقالَ مُرْقُسُ: وهي أصْغَرُ الحُبُوبِ الَّتِي عَلى الأرْضِ - فَإذا طالَتْ صارَتْ أكْبَرَ مِن جَمِيعِ البُقُولِ؛ وتَصِيرُ شَجَرَةً - وقالَ مُرْقُسُ: وصَنَعَتْ أغْصانًا عِظامًا؛ وقالَ لُوقا: فَنَمَتْ؛ وصارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً - حَتّى إنَّ طائِرَ السَّماءِ يَسْتَظِلُّ تَحْتَ أغْصانِها.
وكَلَّمَهم بِمَثَلٍ آخَرَ؛ وقالَ لَهُمْ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ خَمِيرًا أخَذَتْهُ امْرَأةٌ وعَجَنَتْهُ في ثَلاثَةِ أكْيالِ دَقِيقٍ؛ فاخْتَمَرَ الجَمِيعُ؛ وقالَ مُرْقُسُ: وكانَ يَقُولُ لَهُمْ: هَلْ يُوقَدُ سِراجٌ فَيُوضَعُ تَحْتَ مِكْيالٍ؛ أوْ سَرِيرٍ؛ لَكِنْ عَلى مَنارَةٍ؛ وقالَ لُوقا: لَيْسَ أحَدٌ يُوقِدُ سِراجًا فَيُغَطِّيهِ؛ ولا يَجْعَلُهُ تَحْتَ سَرِيرٍ؛ لَكِنْ يَضَعُهُ عَلى مَنارَةٍ؛ فَيَرى نُورَهُ كُلُّ مَن يَدْخُلُ؛ قالَ مُرْقُسُ: كَذَلِكَ لَيْسَ خَفِيٌّ إلّا سَيَظْهَرُ؛ ولا مَكْتُومٌ إلّا سَيُعْلَنُ؛ وقالَ لُوقا: سِراجُ الجَسَدِ العَيْنُ؛ فَإذا كانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّرٌ؛ وإنْ كانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِمًا؛ احْرِصْ ألّا يَكُونَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلامًا؛ فَإنْ كانَ جَسَدُكَ كُلُّهُ نَيِّرًا ولَيْسَ فِيهِ جُزْءٌ مُظْلِمٌ فَإنَّهُ يَكُونُ كامِلًا نَيِّرًا؛ كَما أنَّ السِّراجَ يُنِيرُ لَكَ بِلَمْعِ ضِيائِهِ؛ وقالَ مُرْقُسُ: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ وقالَ لَهُمْ: انْظُرُوا ماذا تَسْمَعُونَ؛ فَبِالكَيْلِ الَّذِي تَكِيلُونَ يُكالُ لَكم - وتُزادُونَ أيُّها السّامِعُونَ؛ لِأنَّ الَّذِي لَهُ يُعْطى؛ ومَن لَيْسَ (p-٣٥٠)عِنْدَهُ فالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنهُ؛ وقالَ: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ اللَّهِ إنْسانًا يُلْقِي زَرْعَهُ عَلى الأرْضِ ويَنامُ؛ ويَقُومُ لَيْلًا ونَهارًا؛ والزَّرْعُ يَنْمُو ويَطُولُ؛ وهو لا يَعْلَمُ؛ أوَّلًا أعْشُبٌ؛ وبَعْدَ ذَلِكَ سُنْبُلٌ؛ ثُمَّ يَمْتَلِئُ السُّنْبُلُ حَتّى إذا انْتَهَتِ الثَّمَرَةُ حِينَئِذٍ يَضَعُ المِنجَلَ؛ إذْ قَدْ دَنا الحَصادُ؛ قالَ مَتّى: هَذا كُلُّهُ قالَهُ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ؛ لِيَتِمَّ ما قِيلَ في النَّبِيِّ القائِلِ: أفْتَحُ فايَ بِالأمْثالِ؛ وأنْطِقُ بِالخَفِيّاتِ؛ مِن قَبْلِ أساسِ العالَمِ؛ حِينَئِذٍ تَرَكَ الجَمْعَ وجاءَ إلى البَيْتِ؛ فَجاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وقالُوا: فَسِّرْ لَنا مَثَلَ زَوالِ الحَقْلِ؛ أجابَ: الَّذِي زَرَعَ الزَّرْعَ الجَيِّدَ هو ابْنُ الإنْسانِ؛ والحَقْلُ هو العالَمُ؛ والزَّرْعُ الجَيِّدُ هو بَنُو المَلَكُوتِ؛ والزَّوانُ هو بَنُو الشَّرِّ؛ والعَدُوُّ الَّذِي زَرَعَهُ هو الشَّيْطانُ؛ والحَصادُ هو مُنْتَهى الدَّهْرِ؛ والحَصّادُونَ هُمُ المَلائِكَةُ؛ فَكَما أنَّهم يَجْمَعُونَ الزَّوانَ أوَّلًا؛ وبِالنّارِ يُحْرَقُ؛ هَكَذا يَكُونُ مُنْتَهى هَذا الدَّهْرِ؛ يُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ ويَجْمَعُونَ مِن مَمْلَكَتِهِ كُلَّ الشَّوْكِ؛ وفاعِلِي الإثْمِ؛ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ؛ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ حِينَئِذٍ يُضِيءُ الصِّدِّيقُونَ مِثْلَ الشَّمْسِ في مَلَكُوتِ أبِيهِمْ؛ مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْمَعْ؛ ويُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ كَنْزًا مُخْفًى في حَقْلٍ؛ وجَدَهُ إنْسانٌ فَخَبَّأهُ؛ ومِن فَرَحِهِ مَضى؛ وباعَ كُلَّ شَيْءٍ؛ واشْتَرى ذَلِكَ الحَقْلَ؛ وأيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ إنْسانًا تاجِرًا يَطْلُبُ الجَوْهَرَ الفاخِرَ الحَسَنَ؛ فَوَجَدَ دُرَّةً كَثِيرَةَ الثَّمَنِ؛ فَمَضى وباعَ (p-٣٥١)كُلَّ مالِهِ واشْتَراها؛ وأيْضًا يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ شَبَكَةً أُلْقِيَتْ في البَحْرِ؛ فَجَمَعَتْ مِن كُلِّ جِنْسٍ؛ فَلَمّا امْتَلَأتْ أطْلَعُوها إلى الشَّطِّ؛ فَجَلَسُوا وجَمَعُوا الخِيارَ في الأوْعِيَةِ؛ والرَّدِيءَ رَمَوْهُ خارِجًا؛ هَكَذا يَكُونُ في انْقِضاءِ هَذا الزَّمانِ؛ تَخْرُجُ المَلائِكَةُ ويُمَيِّزُونَ الأشْرارَ مِن وسَطِ الصِّدِّيقِينَ؛ ويُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ؛ هُناكَ يَكُونُ البُكاءُ وصَرِيرُ الأسْنانِ؛ فَلَمّا أكْمَلَ يَسُوعُ هَذِهِ الأمْثالَ انْتَقَلَ مِن هُناكَ؛ وجاءَ إلى بَلْدَتِهِ؛ وكانَ يُعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ؛ حَتّى إنَّهم بُهِتُوا؛ وقالُوا: مِن أيْنَ لَهُ هَذِهِ الحِكْمَةُ والقُوَّةُ؟! وقالَ مُرْقُسُ: مِن أيْنَ لَهُ هَذا التَّعْلِيمُ وهَذِهِ الحِكْمَةُ الَّتِي أُعْطِيَها والقُوّاتُ الَّتِي تَكُونُ عَلى يَدَيْهِ؟! انْتَهى؛ ألَيْسَ هَذا ابْنَ النَّجّارِ؟ وقالَ لُوقا: وكانَ جَمِيعُهم يَشْهَدُونَ لَهُ؛ ويَتَعَجَّبُونَ مِن كَلامِ النِّعْمَةِ الَّذِي كانَ يَخْرُجُ مِن فَمِهِ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: ألَيْسَ هَذا ابْنَ يُوسُفَ؟ انْتَهى؛ ألَيْسَ أُمُّهُ تُسَمّى مَرْيَمَ؛ وإخْوَتُهُ يَعْقُوبَ ويُوسا وسَمْعانَ ويَهُودا؟ ألَيْسَ هو وأخَواتُهُ عِنْدَنا جَمِيعًا؟ فَمِن أيْنَ لَهُ هَذا كُلُّهُ؟ وكانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ؛ فَإنَّ يَسُوعَ قالَ لَهُمْ: لا يُهانُ نَبِيٌّ إلّا في بَلْدَتِهِ وبَيْتِهِ؛ وقالَ مُرْقُسُ: لَيْسَ يُهانُ نَبِيٌّ إلّا في بَلْدَتِهِ؛ وعِنْدَ أنْسابِهِ؛ وبَيْتِهِ؛ وقالَ لُوقا: فَقالَ لَهُمْ: لَعَلَّكم تَقُولُونَ لِي هَذا المَثَلَ: أيُّها الطَّبِيبُ؛ اشْفِ نَفْسَكَ؛ والَّذِي سَمِعْنا (p-٣٥٢)أنَّكَ صَنَعْتَهُ في كَفْرِناحُومَ افْعَلْهُ أيْضًا هَهُنا في مَدِينَتِكَ؛ فَقالَ لَهُمْ: الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ لا يُقْبَلُ نَبِيٌّ في مَدِينَتِهِ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّ الأرامِلَ كَثِيرَةٌ؛ كُنَّ في إسْرائِيلَ في أيّامِ إلْيا؛ إذْ أغْلَقَتِ السَّماءُ ثَلاثَ سِنِينَ؛ وسِتَّةَ أشْهُرٍ؛ وصارَ جُوعٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ كُلِّها؛ ولَمْ يُرْسِلْ إلْياءُ إلى واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ إلّا أرْمَلَةٌ في صارِفَةِ صَيْدا؛ وبُرْصٌ كَثِيرُونَ كانُوا في إسْرائِيلَ عَلى عَهْدٍ ألِيشَعَ النَّبِيِّ؛ ولَمْ يَطْهُرْ واحِدٌ مِنهم إلّا نُعْمانُ الشّامِيُّ؛ فامْتَلَأ جَمِيعُهم غَضَبًا؛ عِنْدَما سَمِعُوا هَذا؛ وأخْرَجُوهُ خارِجَ المَدِينَةِ؛ وجاؤُوا بِهِ إلى أعْلى الجَبَلِ الَّذِي كانَتْ مَدِينَتُهم مَبْنِيَّةً عَلَيْهِ؛ لِيَطْرَحُوهُ إلى أسْفَلَ؛ فَأمّا هو فَجازَ وسَطَهم ومَضى؛ ونَزَلَ إلى كَفْرِ ناحُومَ؛ مَدِينَةٍ في الجَلِيلِ؛ وكانَ يُعَلِّمُهم في السَّبْتِ؛ وبُهِتُوا مِن تَعْلِيمِهِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ كانَ بِسُلْطانٍ؛ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: وجاءَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ الفَرِّيسِيِّينَ وقالُوا لَهُ: اخْرُجْ فاذْهَبْ مِن هَهُنا؛ فَإنَّ هِيرُودُسَ يُرِيدُ لِيَقْتُلَكَ؛ فَقالَ لَهُمْ: امْضُوا وقُولُوا لِهَذا الثَّعْلَبِ: إنِّي هُو ذا أُخْرِجُ الشَّياطِينَ؛ وأُتِمُّ الشِّفاءَ اليَوْمَ؛ وغَدًا؛ وفي اليَوْمِ الثّالِثِ أُكْمِلُ؛ ويَنْبَغِي أنْ أُقِيمَ (p-٣٥٣)اليَوْمَ وغَدًا؛ وفي اليَوْمِ الآتِي أذْهَبَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ يَهْلِكُ نَبِيٌّ خارِجًا عَنْ يَرُوشَلِيمَ؛ أيا يَرُوشَلِيمُ؛ أيا يَرُوشَلِيمُ؛ يا قاتِلَةَ الأنْبِياءِ؛ وراجِمَةَ المُرْسَلِينَ إلَيْها؛ كَمْ مِن مَرَّةٍ أرَدْتُ أنْ أجْمَعَ بَنِيكِ مِثْلَ الدَّجاجَةِ الَّتِي تَجْمَعُ فِراخَها تَحْتَ جَناحَيْها؛ فَلَمْ تُرِيدُوا؛ هُو ذا أتْرُكُ بَيْتَكم خَرابًا؛ فَسَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرَّبْعِ بِجَمِيعِ ما كانَ؛ فَتَحَيَّرَ؛ لِأنَّ كَثِيرًا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ يُوحَنّا قامَ مِنَ الأمْواتِ؛ وآخَرُونَ يَقُولُونَ: إنَّ إلْيا ظَهَرَ؛ وآخَرُونَ يَقُولُونَ: نَبِيٌّ مِنَ الأوَّلِينَ قامَ؛ فَقالَ هِيرُودُسُ: أنا قَطَعْتُ رَأْسَ يُوحَنّا؛ فَمَن هو الَّذِي نَسْمَعُ عَنْهُ هَذا؛ وطَلَبَ أنْ يُبْصِرَهُ؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ سَمِعَ هِيرُودُسُ رَئِيسُ الرَّبْعِ خَبَرَ يَسُوعَ؛ فَقالَ لِغِلْمانِهِ: هَذا هو يُوحَنّا المَعْمَدانُ؛ وهو قامَ مِنَ الأمْواتِ مِن أجْلِ هَذِهِ القُوّاتِ الَّتِي يَعْمَلُ بِها.
قَوْلُهُ: المُعَمَّدُ؛ مِن ”أعْمَدَهُ“؛ إذا غَسَلَهُ في ماءِ المَعْمُودِيَّةِ؛ قَوْلُهُ: ”تَبَرَّرَتْ“؛ أيْ: صارَتْ بَرِّيَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ؛ قَوْلُهُ: يُعَيِّرُ المُدُنَ؛ أيْ: يَذْكُرُ ما أوْجَبَ لَها العارَ؛ قَوْلُهُ: القُوّاتُ: جَمْعُ ”قُوَّةٌ“؛ وهي المُعْجِزاتُ هُنا؛ قَوْلُهُ: الَّذِي هَوَيْتُ: يَعْنِي أحْبَبْتُ حُبًّا شَدِيدًا؛ ولَفْظُ الهَوى الظّاهِرُ أنَّهُ يُفْهِمُ نَقْصًا؛ فَلا يَحِلُّ في شَرْعِنا إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قَوْلُهُ: مُطَفْطَفٌ: أيْ: مَمْلُوءٌ إلى رَأْسِهِ؛ لا يَزالُ كَذَلِكَ؛ قَوْلُهُ: ”شَرِقَ“؛ وزْنُ ”فَرِحَ“؛ أيْ: ضَعُفَ؛ مِن (p-٣٥٤)”شَرِقَ بِرِيقِهِ“؛ و”شَرِقَتِ الشَّمْسُ“؛ إذا ضَعُفَ ضَوْؤُها؛ قَوْلُهُ: ”أتُّونٌ“؛ وهو وزْنُ ”تَنُّورٌ“؛ وقَدْ يُخَفَّفُ: أُخْدُودُ الجَيّارِ والجَصّاصِ؛ قَوْلُهُ: بَسِيطَةٌ: أيْ: عَلى الفِطْرَةِ الأُولى؛ قَوْلُهُ: يَرُوشَلِيمُ؛ بِتَحْتانِيَّةٍ ومُهْمَلَةٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ: بَيْتُ المَقْدِسِ؛ قَوْلُهُ: مَلَكُوتُ أبِيهِمْ؛ تَقَدَّمَ ما فِيهِ غَيْرَ مَرَّةٍ.
المائدة 5:112
ولَمّا كانَ مِنَ المَقْصُودِ بِذِكْرِ مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهُ الكافِرِ لِيُؤْمِنَ؛ والمُؤْمِنِ لِيَزْدادَ إيمانًا؛ وتَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَوْبِيخُ اليَهُودِ المُدَّعِينَ أنَّهم أبْناءُ وأحِبّاءُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أرادَ اللَّهُ؛ قُرِعَتْ بِهِ الأسْماعُ؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِما يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ أمْرِهِ بِذَلِكَ غَرَضٌ؛ فَطُوِيَ؛ ولَمّا كانَ أجَلُّ المَقاصِدِ تَأْدِيبَ هَذِهِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتُجِلَّهُ عَنْ أنْ تَبْدَأهُ بِسُؤالٍ؛ أوْ تَقْتَرِحَ عَلَيْهِ شَيْئًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ذَكَرَ لَهم شَأْنَ الحَوارِيِّينَ في اقْتِراحِهِمْ؛ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ امْتِداحِهِمْ بِعَدِّهِمْ في عِدادِ أُولِي الوَحْيِ؛ ومُبادَرَتِهِمْ إلى الإيمانِ؛ امْتِثالًا لِلْأمْرِ؛ ثُمَّ إلى الإشْهادِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ وسَلْبِ الِاخْتِيارِ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”قالُوا آمَنّا“؛ مُقَرِّبًا لِزَمَنِ تَعَنُّتِهِمْ مِن زَمَنِ إيمانِهِمْ؛ مُذَكِّرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِحِفْظِها عَلى الطّاعَةِ؛ ومُبَكِّتًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ؛ وعَدَمِ تَماسُكِهِمْ؛ إبْعادًا لَهم عَنْ دَرَجَةِ المَحَبَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ البُنُوَّةِ؛ وهَذِهِ القِصَّةُ قَبْلَ قِصَّةِ الإيحاءِ إلَيْهِمْ؛ فَتَكُونُ ”إذْ“ هَذِهِ (p-٣٥٥)ظَرْفًا لِتِلْكَ؛ فَيَكُونُ الإيحاءُ إلَيْهِمْ بِالأمْرِ بِالإيمانِ في وقْتِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ بَعْدَ ابْتِدائِهِ؛ ويَكُونُ فائِدَتُهُ حِفْظَهم مِن أنْ يَسْألُوا آيَةً أُخْرى؛ كَما سَألُوا هَذِهِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنهُ ﷺ مِنَ الآياتِ -: ﴿إذْ قالَ﴾؛ وأعادَ وصْفَهُمْ؛ ولَمْ يُضْمِرْهُ؛ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ لِبُعْدِ ما يُذْكَرُ مِن حالِهِمْ هَذا مِن حالِهِمُ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿الحَوارِيُّونَ﴾؛ وذَكَرَ أنَّهم نادَوْهُ بِاسْمِهِ؛ واسْمِ أُمِّهِ؛ فَقالُوا: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمْ يَقُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ولا يا رُوحَ اللَّهِ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَّبْجِيلِ؛ أوِ التَّعْظِيمِ؛ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ بِالياءِ؛ مُسْنَدًا إلى الرَّبِّ؛ وبِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ مُسْنَدًا إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ونَصْبِ الرَّبِّ؛ ومَعْناهُما واحِدٌ؛ يَرْجِعُ إلى التَّهْيِيجِ؛ والإلْهابِ؛ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ؛ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الإجابَةُ؛ وتَكُونُ هَذِهِ العِبارَةُ أيْضًا لِلتَّلَطُّفِ؛ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يُعَظِّمُهُ: هَلْ تَقْدِرُ أنْ تَذْهَبَ مَعِي إلى كَذا؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ قادِرٌ؛ ولَكِنَّهُ يُكَنِّي بِذَلِكَ عَنْ أنَّ السّائِلَ يُحِبُّ ذَلِكَ؛ ولا يُرِيدُ المَشَقَّةَ عَلى المَسْؤُولِ؛ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ﴾؛ أيْ: الرَّبُّ المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ ﴿عَلَيْنا مائِدَةً﴾؛ وهي الطَّعامُ؛ ويُقالُ أيْضًا: الخُوانُ؛ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ؛ والخُوانُ شَيْءٌ يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ؛ هو في العُمُومِ بِمَنزِلَةِ السُّفْرَةِ لِما يُوضَعُ فِيهِ طَعامُ المُسافِرِ بِالخُصُوصِ؛ وهي مِن ”مادَهُ“؛ (p-٣٥٦)إذا أعْطاهُ؛ وأطْعَمَهُ.
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في أنَّها سَماوِيَّةٌ؛ صَرَّحُوا بِهِ احْتِرازًا عَمّا عَوَّدَهم بِهِ ﷺ مِن أنَّهُ يَدْعُو بِالقَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ؛ فَيُبارِكُ فِيهِ؛ فَيَمُدُّهُ اللَّهُ؛ فَيَكْفِي فِيهِ القِيامَ مِنَ النّاسِ؛ فَقالُوا: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّينَ فِيها؛ لِنُخْتَصَّ بِها عَمَّنْ تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا وعْظَنا؛ وإرْشادَنا إلى ألّا نَسْألَ نَبِيَّنا ﷺ شَيْئًا؛ اكْتِفاءً بِما يَرْحَمُنا بِهِ رَبُّنا الَّذِي رَحِمَنا بِابْتِدائِنا؛ بِإرْسالِهِ إلَيْنا؛ لِإيصالِنا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَخْوِيفًا مِن أنْ نَكُونَ مِثْلَ مَن مَضى مِنَ المُقْتَرِحِينَ الَّذِينَ كانَ اقْتِراحُهم سَبَبَ هَلاكِهِمْ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالنُّزُوعِ مِن أُسْلُوبِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ إرْشادًا إلى السُّؤالِ مِن جَوابِهِمْ -: ﴿قالَ﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: فَقُلْتُ؛ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الكَمالُ؛ وِقايَةً تَمْنَعُكم عَنِ الِاجْتِراءِ عَلى الِاقْتِراحِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ قادِرٌ؛ وأنِّي رَسُولُهُ؛ فَلا تَفْعَلُوا فِعْلَ مَن وقَفَ إيمانَهُ عَلى رُؤْيَةِ ما يُقْتَرَحُ مِنَ الآياتِ.
المائدة 5:113
ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ إنَّما تُطْلَبُ لِإيمانِ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ؛ وكانَ في هَذا الجَوابِ أتَمَّ زَجْرٍ لَهُمْ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ؛ فَقِيلَ: (p-٣٥٧)لَمْ يَنْتَهُوا؛ بَلْ ﴿قالُوا﴾؛ إنّا لا نُرِيدُها لِأجْلِ إزالَةِ شَكٍّ عِنْدَنا؛ بَلْ ﴿نُرِيدُ﴾ مَجْمُوعَ أُمُورٍ: ﴿أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾؛ فَإنّا جِياعٌ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَحْصُلَ لَنا بَرَكَتُها؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾؛ أيْ: بِضَمِّ ما رَأيْنا مِنها إلى ما سَبَقَ مِن مُعْجِزاتِكَ؛ مِن غَيْرِ سُؤالِنا فِيهِ؛ ﴿ونَعْلَمَ﴾؛ أيْ: بِعَيْنِ اليَقِينِ؛ وحَقِّهِ؛ ﴿أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما أخْبَرْتَنا بِهِ؛ ﴿ونَكُونَ عَلَيْها﴾؛ وأشارُوا إلى عُمُومِها بِالتَّبْعِيضِ؛ فَقالُوا: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾؛ أيْ: شَهادَةَ رُؤْيَةٍ مُسْتَعْلِيَةٍ عَلَيْها بِأنَّها وقَعَتْ؛ لا شَهادَةَ إيمانٍ بِأنَّها جائِزَةُ الوُقُوعِ؛
المائدة 5:114
﴿قالَ عِيسى﴾؛ ونَسَبَهُ زِيادَةً في التَّصْرِيحِ بِهِ؛ تَحْقِيقًا؛ ولِأنَّهُ لا أبَ لَهُ؛ وتَسْفِيهًا لِمَن أطْراهُ؛ أوْ وضَعَ مِن قَدْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ﴾؛ فافْتَتَحَ دُعاءَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ثُمَّ بِوَصْفِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿أنْـزِلْ عَلَيْنا﴾؛ وقَدَّمَ المَقْصُودَ؛ فَقالَ: ﴿مائِدَةً﴾؛ وحَقَّقَ مَوْضِعَ الإنْزالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ ثُمَّ وصَفَها بِما تَكُونُ بِهِ بالِغَةَ العَجَبِ؛ عالِيَةَ الرُّتَبِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُونُ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ أوْ يَوْمُ نُزُولِها؛ ﴿لَنا عِيدًا﴾؛ وأصْلُ العِيدِ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ جَمْعٌ؛ ثُمَّ قَيَّدَ بِالسُّرُورِ؛ فالمَعْنى: نَعُودُ إلَيْها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ سُرُورًا بِها؛ ولَعَلَّ مِنها ما يَأْتِي مِنَ البَرَكاتِ حِينَ تُرَدُّ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - - كَما في الأحادِيثِ الصّادِقَةِ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - مُبْدِلًا مِن ”لَنا“ -: ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ (p-٣٥٨)ولَمّا ذَكَرَ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ أتْبَعَهُ الأمْرَ الدِّينِيَّ؛ فَقالَ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِي؛ ﴿وارْزُقْنا﴾؛ أيْ: رِزْقًا مُطْلَقًا؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِها؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرٌ المَسْؤُولِينَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾؛ أيْ: فَإنَّكَ تُغْنِي مَن تُعْطِيهِ؛ وتَزِيدُهُ عَمّا يُؤَمِّلُهُ ويَرْتَجِيهِ؛ بِما لا يَنْقُصُ شَيْئًا مِمّا عِنْدَكَ؛ ولا تَطْلُبُ مِنهُ شَيْئًا غَيْرَ أنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ بِما قَوَّيْتَهُ عَلَيْهِ مِن طاعَتِكَ بِذَلِكَ الرِّزْقِ؛ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٥]؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛
المائدة 5:115
ولَمّا كانَ ظاهِرُ سُؤالِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاضْطِرابِ؛ وإنْ كانَ لِلْإلْهابِ؛ أكَّدَ الجَوابَ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ بِقُدْرَتِي الخاصَّةِ بِي؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ وهَذا السِّياقُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهم كُفْرٌ؛ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ حَتّى في الحَوارِيِّينَ؛ عَلى ما يُقالُ في يَهُودا الإسْخَرْيُوطِيِّ؛ أحَدِهِمُ؛ الَّذِي دَلَّ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا خَصَّهُ بِهَذا العَذابِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ البَتِّ؛ والقَطْعِ؛ ﴿عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: مِثْلَهُ أبَدًا؛ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ؛ وفي ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِإحْلالِ المَآكِلِ؛ واخْتُتِمَتْ بِها؛ أعْظَمُ تَناسُبٍ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ إشارَةٌ إلى تَذْكِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما أنْعَمَ عَلَيْها بِما أعْطى نَبِيَّها مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ومَنَّ عَلَيْها بِهِ مِن حُسْنِ الِاتِّباعِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ (p-٣٥٩)المُعَدَّدَةِ عَلَيْهِمْ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في حَقِيقَةِ هَذِهِ المائِدَةِ؛ وفي أحْوالِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا؛ وأُمِرُوا ألّا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ؛ ولا يَخُونُوا؛ فَخانُوا؛ وادَّخَرُوا؛ ورَفَعُوا لِغَدٍ؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛» انْتَهى؛ قُلْتُ: ثُمَّ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ وقْفَهُ عَلى عَمّارٍ؛ وقالَ: لا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا؛ غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ؛ لِكَوْنِهِ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ؛ ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ عَمّارًا فِيمَن أخَذَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ وهَذا الخَبَرُ يُؤَكِّدُ أنَّ الخَبَرَ في الآيَةِ عَلى بابِهِ؛ فَيَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا بِها؛ لِأنَّ خَبَرَهُ (تَعالى) لا يُخْلَفُ؛ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ وهَذا الرِّزْقُ الَّذِي مِنَ السَّماءِ قَدْ وقَعَ مِثْلُهُ لِآحادِ الأُمَّةِ؛ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ مِن دَوْسٍ؛ يُقالُ لَها أُمُّ شَرِيكٍ؛ أسْلَمَتْ في رَمَضانَ؛ فَأقْبَلَتْ تَطْلُبُ مَن يَصْحَبُها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ؛ فَقالَ: ما لَكِ يا أُمَّ شَرِيكٍ؟ قالَتْ: أطْلُبُ رَجُلًا يَصْحَبُنِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ قالَ: (p-٣٦٠)فَتَعالَيْ فَأنا أصْحَبُكِ؛ قالَتْ: فانْتَظِرْنِي حَتّى أمْلَأ سِقائِي ماءً؛ قالَ: مَعِي ماءٌ؛ ما لا تُرِيدِينَ ماءً؛ فانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ؛ فَسارُوا يَوْمَهم حَتّى أمْسَوْا؛ فَنَزَلَ اليَهُودِيُّ؛ ووَضَعَ سُفْرَتَهُ فَتَعَشّى؛ وقالَ: يا أُمَّ شَرِيكٍ؛ تَعالَيْ إلى العَشاءِ؛ فَقالَتْ: اسْقِنِي مِنَ الماءِ؛ فَإنِّي عَطْشى؛ ولا أسْتَطِيعُ أنْ آكُلَ حَتّى أشْرَبَ؛ فَقالَ لَها: لا أسْقِيكِ حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا؛ غَرَّبْتَنِي؛ ومَنَعْتَنِي أنْ أحْمِلَ ماءً؛ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أسْقِيكِ مِنهُ قَطْرَةً حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا واللَّهِ لا أتَهَوَّدُ أبَدًا بَعْدَ إذْ هَدانِي اللَّهُ لِلْإسْلامِ؛ فَأقْبَلَتْ إلى بَعِيرِها فَعَقَلَتْهُ؛ ووَضَعَتْ رَأْسَها عَلى رُكْبَتِهِ فَنامَتْ؛ قالَتْ: فَما أيْقَظَنِي إلّا بَرَدُ دَلْوٍ قَدْ وقَعَ عَلى جَبِينِي؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي؛ فَنَظَرْتُ إلى ماءٍ أشَدَّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ؛ وأحْلى مِنَ العَسَلِ؛ فَشَرِبْتُ حَتّى رُوِيتُ؛ ثُمَّ نَضَحْتُ عَلى سِقائِي حَتّى ابْتَلَّ؛ ثُمَّ مَلَأْتُهُ؛ ثُمَّ رُفِعَ بَيْنَ يَدَيَّ وأنا أنْظُرُ؛ حَتّى تَوارى عَنِّي في السَّماءِ؛ فَلَمّا أصْبَحْتُ جاءَ اليَهُودِيُّ فَقالَ: يا أُمَّ شَرِيكٍ؛ قُلْتُ: واللَّهِ قَدْ سَقانِي اللَّهُ؛ قالَ: مِن أيْنَ أنْزَلَ عَلَيْكِ؟ مِنَ السَّماءِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ؛ واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ السَّماءِ؛ ثُمَّ رُفِعَ (p-٣٦١)بَيْنَ يَدَيَّ حَتّى تَوارى عَنِّي في السَّماءِ؛ ثُمَّ أقْبَلَتْ حَتّى دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَصَّتْ عَلَيْهِ القِصَّةَ؛ فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْها نَفْسَها؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَسْتُ أرْضى نَفْسِي لَكَ؛ ولَكِنْ بِضْعِي لَكَ؛ فَزَوِّجْنِي مَن شِئْتَ؛ فَزَوَّجَها زَيْدًا؛ وأمَرَ لَها بِثَلاثِينَ صاعًا؛ وقالَ: كُلُوا ولا تَكِيلُوا؛ وكانَ مَعَها عَكَّةُ سَمْنٍ هَدِيَّةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ لِجارِيَةٍ لَها: بَلِّغِي هَذِهِ العَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ قُولِي: أُمُّ شَرِيكٍ تُقْرِئُكَ السَّلامَ؛ وقُولِي: هَذِهِ عَكَّةُ سَمْنٍ أهْدَيْناها لَكَ؛ فانْطَلَقَتْ بِها الجارِيَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذُوها؛ فَفَرَّغُوها؛ وقالَ لَها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:“عَلِّقُوها؛ ولا تُوكُوها؛ فَعَلَّقُوها في مَكانِها؛ فَدَخَلَتْ أُمُّ شَرِيكٍ فَنَظَرَتْ إلَيْها مَمْلُوءَةً سَمْنًا؛ فَقالَتْ: يا فُلانَةُ؛ ألَيْسَ أمَرْتُكِ أنْ تَنْطَلِقِي بِهَذِهِ العَكَّةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: قَدْ واللَّهِ انْطَلَقْتُ بِها كَما قُلْتِ؛ ثُمَّ أقْبَلْتُ بِها أضْرِبُها ما يَقْطُرُ مِنها شَيْءٌ؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ”عَلِّقُوها ولا تُوكُوها“؛ فَعَلَّقْتُها في مَكانِها؛ وقَدْ أوْكَتْها أُمُّ شَرِيكٍ حِينَ رَأتْها مَمْلُوءَةً فَأكَلُوا مِنها حَتّى فَنِيَتْ؛ ثُمَّ كالُوا الشَّعِيرَ فَوَجَدُوهُ ثَلاثِينَ صاعًا لَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ؛» قالَ: ورُوِيَ (p-٣٦٢)ذَلِكَ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ ولِحَدِيثِهِ شاهِدٌ صَحِيحٌ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ورُوِيَ بِإسْنادِهِ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنَيِّ أنَّ أُمَّ أيْمَنَ هاجَرَتْ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ؛ ولَيْسَ مَعَها زادٌ؛ فَلَمّا كانَتْ عِنْدَ الرَّوْحاءِ؛ وذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ؛ عَطِشَتْ عَطَشًا شَدِيدًا؛ قالَتْ: فَسَمِعْتُ هَفِيفًا شَدِيدًا فَوْقَ رَأْسِي؛ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذا دَلْوٌ مُدَلًّى مِنَ السَّماءِ بِرِشاءٍ أبْيَضَ؛ فَتَناوَلْتُهُ بِيَدِي؛ حَتّى اسْتَمْسَكْتُ بِهِ؛ قالَتْ: فَشَرِبْتُ مِنهُ حَتّى رُوِيتُ؛ قالَتْ: فَلَقَدْ أصُومُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ في اليَوْمِ الحارِّ الشَّدِيدِ الحَرِّ ثُمَّ أطُوفُ في الشَّمْسِ كَيْ أظْمَأ؛ فَما ظَمِئْتُ بَعْدَ تِلْكَ الشَّرْبَةِ؛ قالَ: وفي الجِهادِ عَنِ البُخارِيِّ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَشَرَةَ رَهْطٍ سَرِيَّةً عَيْنًا؛ وأمَّرَ عَلَيْهِمْ عاصِمَ بْنَ ثابِتٍ الأنْصارِيَّ؛ جَدَّ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - فَذَكَرَ الحَدِيثَ حَتّى قالَ: فابْتاعَ خُبَيْبًا - يَعْنِي ابْنَ عَدِيٍّ الأنْصارِيَّ - بَنُو الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ؛ وكانَ خُبَيْبٌ قَدْ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ عامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهم أسِيرًا؛ فَأخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عِياضٍ أنَّ ابْنَةَ الحارِثِ قالَتْ: واللَّهِ ما رَأيْتُ أسِيرًا قَطُّ (p-٣٦٣)خَيْرًا مِن خُبَيْبٍ؛ واللَّهِ لَقَدْ وجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِن قَطْفِ عِنَبٍ في يَدِهِ؛ وإنَّهُ لَمُوثَقٌ في الحَدِيدِ؛ وما بِمَكَّةَ مِن ثَمَرٍ؛ وكانَتْ تَقُولُ: إنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللَّهِ رَزَقَ خَبِيبًا"؛» الحَدِيثَ.
ومِنَ الأمْرِ الجَلِيِّ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) لَهُ بِذِكْرِ هَذِهِ النِّعَمِ يَقُومُ في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ فَيَذْكُرُها؛ ويَذْكُرُ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِها؛ وهو الثَّناءُ عَلى المُنْعِمِ بِها؛ بِما يَلِيقُ بِجَلالِهِ؛ فَيَحْمَدُ رَبَّهُ (تَعالى) بِمَحامِدَ تَلِيقُ بِذَلِكَ المَقامِ في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ فَمِن أنْسَبِ الأُمُورِ حِينَئِذٍ سُؤالُهُ - وهو المُحِيطُ عِلْمًا بِمَكْنُوناتِ الضَّمائِرِ؛ وخَفِيّاتِ السَّرائِرِ؛ إثْرَ التَّهْدِيدِ لِمَن يَكْفُرُ - عَمّا كَفَرَ بِهِ النَّصارى؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ [المائدة: ١١٠] -:
المائدة 5:116
﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ مُشِيرًا إلى ما لَهُ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِأداةِ النِّداءِ: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ وذَلِكَ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ عَمِلَ بِمُقْتَضى النِّعْمَةِ؛ وتَبْكِيتًا لِمَن ضَلَّ فِيهِ مِنَ النَّصارى؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ لِكَوْنِهِمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ؛ وفِيهِمُ الكِتابُ؛ فَكَأنَّهُ لا ناسَ غَيْرُهُمْ؛ ﴿اتَّخِذُونِي﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم خِلافَ ما تَعْتَقِدُونَهُ بِالفِطْرَةِ الأُولى في اللَّهِ؛ بِأنْ تَأْخُذُونِي؛ ﴿وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ (p-٣٦٤)ولَمّا كانَتْ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ - ولَوْ كانَتْ عَلى سَبِيلِ الشِّرْكِ - مُبْطِلَةً لِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - أغْنى الأغْنِياءِ؛ ولا يَرْضى الشِّرْكَ إلّا فَقِيرٌ؛ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: اتَّخِذُوا تَألُّهَنا سُلَّمًا تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى اللَّهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى المُغايَرَةِ؛ ولا دَخْلَ حِينَئِذٍ لِلْمُشارَكَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ لَنا؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِهِ هُنا؛ تَوْبِيخًا لِمَن أطْراهُ؛ وتَأْكِيدًا لِما عِنْدَنا مِنَ العِلْمِ؛ وتَبْجِيلًا لَهُ ﷺ بِما يُبْدِي مِنَ الجَوابِ؛ وتَفْضِيلًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يَحِدْ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ؛ بَلْ بَذَلَ الجُهْدَ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ وتَقْرِيعًا لِمَن قالَ ذَلِكَ عَنْهُ وهو يَدَّعِي حُبَّهُ واتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَخْجِيلًا لَهُمْ؛ فَلَمّا تَشَوَّفَتْ لِجَوابِهِ الأسْماعُ وأصْغَتْ لَهُ الآذانُ؛ وكانَ في ذِكْرِهِ مِنَ الحِكَمِ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ - قائِلًا: ﴿قالَ﴾؛ مُفْتَتِحًا بِالتَّنْزِيهِ؛ ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أيْ: لَكَ التَّنَزُّهُ الأعْظَمُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ ودَلَّ بِالمُضارِعِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَزالُ مَمْنُوعًا مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾؛ أيْ: ما يَنْبَغِي؛ ولا يَصِحُّ أصْلًا؛ ﴿أنْ أقُولَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿ما لَيْسَ لِي﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ كَما هو حَقُّ المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿بِحَقٍّ﴾
ولَمّا بادَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إعْظامًا لِلْمَقامِ؛ إلى الإشارَةِ إلى نَفْيِ ما سُئِلَ (p-٣٦٥)عَنْهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ عَنْهُ: أنْتَ أعْلَمُ؛ وإنَّما أجابَ بِما تَقَدَّمَ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا القَوْلَ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَّ مِنهُ؛ ومُبادَرَةً إلى تَبْكِيتِ مَنِ ادَّعاهُ لَهُ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِما تَضَمَّنَ أعْظَمَ المَدْحِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْخُضُوعِ -: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا لِلنّاسِ؛ أوْ حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي؛ ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾؛ وهو مُبالَغَةٌ في الأدَبِ؛ وإظْهارِ الذِّلَّةِ؛ وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلى رَبِّ العِزَّةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإخْبارَ بِعِلْمِهِ بِما هو مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ؛ وكانَ القَوْلُ يُطْلَقُ عَلى النَّفْسِ؛ فَإذا انْتَفى انْتَفى اللِّسانِيُّ؛ قالَ: ﴿ما في نَفْسِي﴾؛ أيْ: وإنِ اجْتَهَدْتُ في إخْفائِهِ؛ فَإنَّهُ خَلْقُكَ؛ وما أنا لَهُ إلّا آلَةٌ ووِعاءٌ؛ فَكَيْفَ بِهِ إنْ كُنْتُ أظْهَرْتُهُ؟!
ولَمّا أثْبَتَ لَهُ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ؛ نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ تَوْبِيخًا لِمَنِ ادَّعى لَهُ الإلَهِيَّةَ؛ فَقالَ - مُشاكَلَةً -: ﴿ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾؛ أيْ: ما أخْفَيْتَهُ عَنِّي مِنَ الأشْياءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ لا شَرِيكَ لَكَ؛ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾
المائدة 5:117
ولَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ ما يَسْتَحِقُّ النَّفْيَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ؛ أثْبَتَ ما قالَهُ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُصَرِّحٍ بِنَفْيِ غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ ما نُسِبَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ مَنفِيًّا مَرَّتَيْنِ؛ إشارَةً؛ وعِبارَةً؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا عَنِ الأمْرِ بِالقَوْلِ؛ مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ؛ (p-٣٦٦)وفَسَّرَ بِالأمْرِ؛ بَيانًا لِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ مِن مُباحٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ دائِرٌ عَلى الأمْرِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ؛ بِمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ بِما قالَهُ الرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ فَوْقَها؛ ولا دُونَها؛ يَعْبُدُ اللَّهَ (تَعالى) بِذَلِكَ -: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ؛ دالًّا بِشَأْنِ المُرادِ بِالقَوْلِ؛ الأمْرَ بِالتَّعْبِيرِ في تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِعِبادَةِ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَسْتَجْمِعْ نُعُوتَ الجَلالِ والجَمالِ أحَدٌ غَيْرُهُ؛ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ كَما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ؛ يَسْتَحِقُّها لِنِعَمِهِ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: أنا وأنْتُمْ في عُبُودِيَّتِهِ سَواءٌ؛ وهَذا الحَصْرُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْقَلْبِ؛ عَلى أنَّ ”دُونَ“ بِمَعْنى ”غَيْرُ“؛ ولِلْإفْرادِ عَلى أنَّها بِمَعْنى سُفُولِ المَنزِلَةِ؛ وهو مِن بَدائِعِ الأمْثِلَةِ.
ولَمّا فَهِمَ ﷺ مِن هَذا السُّؤالِ أنَّ أتْباعَهُ غَلَوْا في شَأْنِهِ؛ فَنَزَّهَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - مِن ذَلِكَ؛ وأخْبَرَهُ بِما أمَرَ النّاسَ بِهِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الحَقِّ؛ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِما يُؤَكِّدُ ما مَضى؛ نَفْيًا وإثْباتًا؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَهُ شاهِدًا؛ زادَ في الطّاعَةِ في ذَلِكَ إلى أنْ بَلَغَ جُهْدَهُ؛ كَإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا (p-٣٦٧)بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ -: ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: بالِغَ الشَّهادَةِ؛ لا أرى فِيهِمْ مُنْكَرًا إلّا اجْتَهَدْتُ في إزالَتِهِ؛ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ وأشارَ إلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أيْ: رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ؛ كامِلَ الذّاتِ والمَعْنى؛ مَعَ بَذْلِهِمْ جُهْدَهم في قَتْلِي؛ ﴿كُنْتَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿الرَّقِيبَ﴾؛ أيْ: الحَفِيظَ القَدِيرَ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ لا يَغِيبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ وقَدْ مَنَعْتَهم أنْتَ أنْ يَقُولُوا شَيْئًا غَيْرَ ما أمَرْتُهم أنا بِهِ مِن عِبادَتِكَ؛ بِما نَصَبْتَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ؛ وأنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِي مِنَ البَيِّناتِ؛ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ حَيَوانٍ؛ وجَمادٍ؛ ﴿شَهِيدٌ﴾؛ أيْ: مُطَّلِعٌ غايَةَ الِاطِّلاعِ؛ لا يَغِيبُ عَنْكَ شَيْءٌ مِنهُ؛ سَواءٌ كانَ في عالَمِ الغَيْبِ؛ أوِ الشَّهادَةِ؛ فَإنْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ فَأنْتَ تَعْلَمُهُ دُونِي؛ لِأنِّي لَمّا بَعُدْتُ عَنْهم في المَسافَةِ انْقَطَعَ عِلْمِي عَنْ أحْوالِهِمْ.
المائدة 5:118
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي سَلَفَ كُلُّهُ؛ سُؤالًا؛ وجَوابًا؛ وإخْبارًا؛ حَمْدَ اللَّهِ (تَعالى) وثَناءً عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ؛ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ؛ والِاعْتِرافِ بِحَقِّهِ؛ والشَّهادَةِ لَهُ بِعِلْمِ الخَفايا؛ والقُدْرَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ وكانَ هَذا السُّؤالُ يُفْهِمُ إرادَةَ التَّعْذِيبِ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُمْ؛ مُشِيرًا إلى الشَّفاعَةِ فِيهِمْ عَلى وجْهِ الحَمْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العَذابَ - ولَوْ لِلْمُطِيعِ - عَدْلٌ؛ والعَفْوَ عَنِ العاصِي - بِأيِّ ذَنْبٍ كانَ - فَضْلٌ (p-٣٦٨)مُطْلَقًا؛ وغُفْرانُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا بِالذّاتِ؛ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ أيْ: القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ؛ ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾؛ أيْ: فَأنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تَرْحَمَهُمْ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْكَ في عَذابِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ حُكْمِكَ عَدْلٌ؛ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: تَمْحُ ذُنُوبَهم عَيْنًا؛ وأثَرًا؛ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً أنْتَ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ فَلا أحَدَ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ؛ ولا يَنْسِبُكُ إلى وهْنٍ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ فَلا تَفْعَلُ شَيْئًا إلّا في أعْلى دَرَجِ الإحْكامِ؛ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَعْقِيبِهِ؛ ولا الِاعْتِراضِ عَلى شَيْءٍ مِنهُ.
المائدة 5:119
ولَمّا انْقَضى جَوابُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِ اللَّهِ لَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى كَوْنِ جَوابِهِ حَقًّا؛ ومَضْمُونِهِ صِدْقًا؛ مُنَبِّهًا عَلى مَدْحِهِ؛ حاثًّا عَلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الوَفاءِ بِالعُقُودِ -: ﴿قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ جَوابًا لِكَلامِهِ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: مَجْمُوعُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ولَمّا كانَ ظُهُورُ الجَزاءِ النّافِعِ هو المَقْصُودَ؛ قالَ: ﴿يَوْمُ﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ؛ وقِراءَةُ نافِعٍ بِالنَّصْبِ؛ غَيْرَ مُنَوَّنٍ أيْضًا؛ لِإضافَتِهِ إلى مُتَمَكِّنٍ؛ بِمَعْنى: ”هَذا الَّذِي ذُكِرَ واقِعٌ...“؛ أوْ قالَ اللَّهُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ يَوْمَ ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ نَفْعًا لا يَضُرُّهم مَعَهُ شَيْءٌ؛ ﴿صِدْقُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ لَهم في الدُّنْيا وصْفًا ثابِتًا؛ فَحَداهم عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَنْفَعُهم بِأيِّ شَيْءٍ؟ فَقالَ: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾؛ أيْ: هي مِن رَيِّ الأرْضِ؛ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ زُكاءَ الشَّجَرِ؛ وطِيبَ الثَّمَرِ؛ بِحَيْثُ ﴿تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَفَرُّقُ المِياهِ في (p-٣٦٩)الأراضِي أبْهَجَ؛ بَعَّضَ؛ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا لا يُرِيحُ إلّا إذا دامَ؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ وأكَّدَ مَعْنى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِرِضى المالِكِ؛ قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِ ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ أثابَهم بِما يَكُونُ مِنَ الرّاضِي ثَوابًا مُتَنَوِّعًا بِتَنَوُّعِ ما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ والجَمالِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ ويَبْسُطُ؛ ويَجْمُلُ؛ إلّا بِرِضاهُمْ؛ قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾؛ يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَدَعْ لَهم شَهْوَةً إلّا أنالَهم إيّاها؛ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَما أسْلَفْتُهُ عَنْهُ: فَلَمّا طَلَبَ (تَعالى) المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ فِيما نَقَضَ بِهِ غَيْرُهُمْ؛ وذَكَّرَهم بِبَعْضِ ما وقَعَ فِيهِ النَّقْضُ؛ وما أعْقَبَ ذَلِكَ فاعِلَهُ؛ وأعْلَمَهم بِثَمَرَةِ التِزامِ التَّسْلِيمِ؛ والِامْتِثالِ؛ أراهم - جَلَّ وتَعالى - ثَمَرَةَ الوَفاءِ؛ وعاقِبَتَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَيَحْصُلُ مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالوَفاءِ فِيما تَقَدَّمَها؛ وحالُ مَن حادَّ ونَقَضَ؛ وعاقِبَةُ مَن وفى؛ وأنَّهُمُ الصّادِقُونَ؛ وقَدْ أمَرَنا أنْ نَكُونَ مَعَهُمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]؛ انْتَهى.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أمَرَهم أوَّلَ السُّورَةِ بِالوَفاءِ؛ شُكْرًا عَلى ما أحَلَّ لَهم في دُنْياهُمْ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ زادَ الشّاكِرِينَ مِنهُمْ؛ ورَقّاهم إلى أنْ أباحَهم أجَلَّ (p-٣٧٠)النَّفائِسِ في أُخْراهُمْ؛ ووَصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهُمْ؛ إلى أنْ بَلَغَ في وصْفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ أخَذَ يَغْبِطُهم بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
المائدة 5:120
ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهم وأباحَهم إيّاهُ؛ لا يَكُونُ إلّا بِأسْبابٍ لا تَسَعُها العُقُولُ؛ ولا تَكْتَنِهُ بِفُرُوعٍ؛ ولا أُصُولٍ؛ عَلَّلَ إعْطاءَهُ إيّاهُ؛ وسُهُولَتَهُ لَدَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى أنَّ كُلَّ ما ادُّعِيَتْ فِيهِ الإلَهِيَّةُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ بَعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِلْكُهُ؛ وفي مُلْكِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا تُكْتَنَهُ عَظَمَتُهُ؛ ولا تَضْعُفُ قُدْرَتُهُ؛ لا لِغَيْرِهِ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ بَدَأ بِها لِأنَّها أشْرَفُ؛ وأكْبَرُ؛ وآياتُها أدَلُّ؛ وأكْثَرُ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ عَلى اتِّساعِهِما؛ وعِظَمِهِما؛ وتَباعُدِ ما بَيْنَهُما؛ ﴿وما فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أنْهى ما نَعْلَمُهُ؛ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ فَلِذَلِكَ هو يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لِأنَّهُ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى إسْعادِ مَن شاءَ؛ وإشْقاءِ مَن شاءَ؛ وإحْلالِ ما شاءَ؛ وتَحْرِيمِ ما شاءَ؛ والحُكْمِ بِما يُرِيدُ؛ ونَفْعِ الصّادِقِينَ المُوفِينَ بِالعُقُودِ؛ الثّابِتِينَ عَلى العُهُودِ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ هَذِهِ العَوالِمِ؛ وما فِيها؛ مِمّا ادُّعِيَ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ مِن عِيسى وغَيْرِهِ؛ والكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أمْواتٌ؛ (p-٣٧١)بَلْ مَواتٌ؛ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهم بِـ ”ما“؛ لا بِـ ”مَن“؛ فَمَن يَسْتَحِقُّ مَعَهُ شَيْئًا؟ ومَن يَمْلِكُ مَعَهُ ضَرًّا أوْ نَفْعًا؟ وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها كَما تَرى؛ أيَّ انْطِباقٍ؛ واتَّسَقَتْ جَمِيعُ آياتِها آخِذًا بَعْضُها بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ أيَّ اتِّساقٍ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ عَلى أعْظَمِ البَيانِ؛ مُخْجِلًا لِمَن أباهُ مِنَ الأُمَمِ؛ مُعْجِزًا لِأصْحابِ السَّيْفِ والقَلَمِ! واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.
الأنعام 6:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْعامِ
مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى ما دَعا إلَيْهِ الكِتابُ في السُّورَةِ الماضِيَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ بِأنَّهُ الحاوِي لِجَمِيعِ الكَمالاتِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وأنْسَبُ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ فِيها لِهَذا المَقْصِدِ الأنْعامُ؛ لِأنَّ الإذْنَ فِيها - كَما يَأْتِي - مُسَبَّبٌ عَمّا ثَبَتَ لَهُ مِنَ الفَلْقِ والتَّفَرُّدِ بِالخَلْقِ، وتَضَمَّنَ باقِي ذِكْرِها إبْطالَ ما اتَّخَذُوهُ مِن أمْرِها دِينًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ ولا أذِنَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ لِأنَّهُ المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ، لا شَرِيكَ لَهُ، وحَصْرُ المُحَرَّماتِ مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي هي جُلُّها في هَذا الدِّينِ وغَيْرِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ، وسَيَأْتِي في سُورَةِ ( طَهَ ) البُرْهانُ الظّاهِرُ عَلى أنَّ إحاطَةَ العِلْمِ مَلْزُومَةٌ لِشُمُولِ القُدْرَةِ وسائِرِ الكَمالاتِ، وذَلِكَ عَيْنُ مَقْصُودِ السُّورَةِ، وقَدْ ورَدَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ، كَما بَيَّنْتُ ذَلِكَ في كِتابِي: (مَصاعِدُ النَّظَرِ) . (p-٢)أنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، وفي رِوايَةٍ: إنَّ نُزُولَها كانَ لَيْلًا، وإنَّ الأرْضَ كانَتْ تَرْتَجُّ لِنُزُولِها. وهي كُلُّها في حِجاجِ المُشْرِكِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُبْتَدِعَةِ والقَدَرِيَّةِ وأهْلِ المِلَلِ الزّائِغَةِ، وعَلَيْها مَبْنى أُصُولِ الدِّينِ؛ لِاشْتِمالِها عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ وإبْطالِ مَذاهِبِ المُلْحِدِينَ. وإنْزالُها عَلى الصُّورَةِ المَذْكُورَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُصُولَ الدِّينِ في غايَةِ الجَلالَةِ، وأنَّ تَعَلُّمَهُ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ لِنُزُولِها جُمْلَةً، بِخِلافِ الأحْكامِ فَإنَّها تُفَرَّقُ بِحَسَبِ المَصالِحِ، ولِنُزُولِها لَيْلًا دَلِيلٌ عَلى غايَةِ البَرَكَةِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الأُنْسِ بِنُزُولِهِ تَعالى إلى سَماءِ الدُّنْيا، وعَلى أنَّ هَذا العِلْمَ لا يَقِفُ عَلى أسْرارِهِ إلّا البُصَراءُ الأيْقاظُ مِن سِنَةِ الغَفَلاتِ، أُولُو الألْبابِ أهْلُ الخَلَواتِ، والأرْواحِ الغالِبَةِ عَلى الأبْدانِ وهم قَلِيلٌ. ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي بَيَّنَ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ بِأنَّهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي أفاضَ عَلى سائِرِ المَوْجُوداتِ مِن رَحْمَتِهِ بِالإيجادِ والإعْدامِ ما حَيَّرَ لِعُمُومِهِ الأفْهامَ، فَضاقَتْ بِهِ الأوْهامُ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي حَبا أهْلَ الإيمانِ بِنُورِ البَصائِرِ حَتّى كانَ الوُجُودُ ناطِقًا لَهم، بِالإعْلامِ بِأنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ السَّلامُ.
﴿الحَمْدُ﴾ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾
لَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - تِلْكَ بِتَحْمِيدِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِجَلالِهِ في ذَلِكَ (p-٣)اليَوْمِ في ذَلِكَ الجَمْعِ، ثُمَّ تَحْمِيدِ نَفْسِهِ المُقَدَّسَةِ بِشُمُولِ المُلْكِ والقُدْرَةِ؛ إذْ الحَمْدُ هو الوَصْفُ بِالجَمِيلِ - افْتَتَحَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذِهِ السُّورَةَ بِالإخْبارِ بِأنَّ ذَلِكَ الحَمْدَ وغَيْرَهُ مِنَ المَحامِدِ مُسْتَحَقٌّ لَهُ اسْتِحْقاقًا ثابِتًا دائِمًا، قَبْلَ إيجادِ الخَلْقِ وبَعْدَ إيجادِهِ، سَواءٌ شَكَرَهُ العِبادُ أوْ كَفَرُوهُ؛ لِما لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن صِفاتِ الجَلالِ والكَمالِ - عَلى ما تَقَدَّمَتْ الإشارَةُ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ - فَأتى بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُفْتَتَحَةِ بِاسْمِ الحَمْدِ الكُلِّيِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِغْراقِ، إمّا بِأنَّ اللّامَ لَهُ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِأنَّها لِلْجِنْسِ - كَما هو مَذْهَبُ الزَّمَخْشَرِيِّ، ويُؤَوَّلُ إلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ، فَإنَّ الجِنْسَ إذا كانَ مُخْتَصًّا بِهِ لَمْ يَكُنْ فَرْدٌ مِنهُ لِغَيْرِهِ؛ إذْ الجِنْسُ لا يُوجَدُ إلّا ضِمْنَ أفْرادِهِ، فَمَتى وُجِدَ فَرْدٌ مِنهُ لِغَيْرِهِ كانَ الجِنْسُ مَوْجُودًا فِيهِ فَلَمْ يَكُنْ الجِنْسُ مُخْتَصًّا بِهِ وقَدْ قُلْنا: إنَّهُ مُخْتَصٌّ، وهَذا التَّحْمِيدُ صارَ بِوَصْفِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ تَحْمِيدِ الفاتِحَةِ تَحْقِيقًا لِكَوْنِها أُمًّا، وعَقَبَها - سُبْحانَهُ - بِالدَّلِيلِ الشُّهُودِيِّ عَلى ما خَتَمَ بِهِ تِلْكَ مِنَ الوَصْفِ بِشُمُولِ القُدْرَةِ بِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾
ولَمّا كانَ تَعَدُّدُ السَّماواتِ ظاهِرًا بِالكَواكِبِ في سَيْرِها وحَرَكاتِها في السُّرْعَةِ والبُطْءِ واسْتِتارِ بَعْضِها بِبَعْضٍ عِنْدِ الخُسُوفِ وغَيْرِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ (p-٤)مِمّا هو مُحَرَّرٌ عِنْدَ أهْلِهِ: جَمَعَها فَقالَ: ﴿السَّماواتِ﴾ أيْ: عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها، [قَدَّمَها؛ لِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا] ﴿والأرْضَ﴾ أيْ: عَلى تَحَلِّيها بِالمَنافِعِ وانْتِظامِها.
ولَمّا كانَ في الجَعْلِ مَعْنى التَّضَمُّنِ فَلا يَقُومُ المَجْعُولُ بِنَفْسِهِ قالَ: ﴿وجَعَلَ﴾ أيْ: أحْدَثَ وأنْشَأ لِمَصالِحِكم ﴿الظُّلُماتِ﴾ أيْ: الأجْرامَ المُتَكاثِفَةَ - كَما تَقَدَّمَ - ﴿والنُّورَ﴾ وجَمَعَ الأوَّلَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طُرُقَ الشَّرِّ والهَلاكِ كَثِيرَةٌ تَدُورُ عَلى الهَوى، وقَدْ تَقَرَّرَ بِهَذا ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ؛ لِأنَّ مَن تَفَرَّدَ بِاخْتِراعِ الأشْياءِ كانَ هو المُخْتَصَّ بِجَمِيعِ المَحامِدِ، ومَن اخْتَصَّ بِجَمِيعِ المَحامِدِ لَمْ يَكُنْ إلَهٌ سِواهُ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ، لا ثانِيَ اثْنَيْنِ ولا ثالِثَ ثَلاثَةٍ ولا غَيْرَ ذَلِكَ، وما أحْسَنَ خَتْمَها - بَعْدَ الإشارَةِ إلى هَذِهِ المَقاصِدِ المُبْعِدَةِ لِأنْ يُكْفَرَ بِهِ أوْ يُعْدَلَ بِهِ شَيْءٌ - بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن أدِلَّةِ وحْدانِيَّتِهِ الَّتِي لا خَفاءَ بِها عَنْ أحَدٍ جَرَّدَ نَفْسَهُ مِنَ الهَوى، وعالَجَ أدْواءَهُ بِأنْفَعِ دَواءٍ، لِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وزادَ الأمْرَ تَقْبِيحًا عَلَيْهِمْ بِإبْدالِ ما كانَ الأصْلُ في الكَلامِ مِنَ الضَّمِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ الَّذِي لَمْ يَرَوْا إحْسانًا إلّا مِنهُ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ غَيْرَهُ مِمَّنْ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مُعادِلًا لَهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ بِأنَّهُ الَّذِي أبْدَعَ الأشْياءَ، (p-٥)كُفْرًا لِنِعْمَتِهِ وبُعْدًا مِن رَحْمَتِهِ، فَبَعْضُهم عَدَلَ بِهِ بَعْضَ الجَواهِرِ مِن خَلْقِهِ مِنَ السَّماءِ كالنُّجُومِ، أوْ مِنَ الأرْضِ كالأصْنامِ، أوْ بَعْضَ ما يَنْشَأُ عَنْ بَعْضِ خَلْقِهِ مِنَ الأعْراضِ وهو خَلَقَهُ، كالنُّورِ والظُّلْمَةِ، والحالُ أنَّ تَقَلُّباتِهِما تَدُلُّ - بِأدْنى النَّظَرِ - عَلى أمْرَيْنِ: الأوَّلُ بُعْدُهُما عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِلْإلَهِيَّةِ لِتَغَيُّرِهِما ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والثّانِي: قُدْرَةُ خالِقِهِما ومُغَيِّرِهِما عَلى البَعْثِ لِإيجادِ كُلٍّ مِنهُما بَعْدَ إعْدامِهِ كَما هو شَأْنُ البَعْثِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، وتَقْدِيمُ الظُّلْمَةِ مُناسِبٌ لِسِياقِ العادِلِينَ، والتَّعْبِيرُ بِثُمَّ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما كانَ يَنْبَغِي لِكُلِّ راوٍ لِهَذا الخُلُقِ مِنَ الإبْعادِ عَنِ الكُفْرِ لِبُعْدِهِ عَنِ الصَّوابِ، فَقَدْ لاحَ أنَّ مَقْصِدَ السُّورَةِ الِاسْتِدْلالُ عَلى ما دَعا إلَيْهِ الكِتابُ الَّذِي تَبَيَّنَ أنَّهُ الهُدى مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ والِاجْتِماعِ عَلَيْهِ والوَفاءِ بِعُهُودِهِ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ الخالِقُ الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ مِنَ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وما أنْسَبَ ذَلِكَ بِخَتْمِ المائِدَةِ بِذِكْرِ يَوْمِ الجَمْعِ وأنَّ لِمَلِكِهِ جَمِيعَ المُلْكِ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهَذِهِ السُّورَةُ أوَّلُ السُّوَرِ الأرْبَعِ المُشِيرَةِ إلى جَمِيعِ النِّعَمِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ النِّعَمِ الأرْبَعِ الَّتِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْها الفاتِحَةُ، وكُلُّ سُورَةٍ مِنها مُشِيرَةٌ إلى نِعْمَةٍ مِنَ النِّعَمِ الأرْبَعِ، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الآيَةُ، ثُمَّ ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ثُمَّ ﴿وما مِن (p-٦)دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨] الآيَةُ، مُتَكَفِّلٌ بِتَفْصِيلِ نِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ لِجَمِيعِ العالَمِينَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وما فِيهِما مِن آدَمِيٍّ وغَيْرِهِ المُشارِ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ - كَما تَقَدَّمَ - .
ولَمّا تَكَفَّلَتْ السُّوَرُ المُتَقَدِّمَةُ بِالرَّدِّ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ واليَهُودِ والنَّصارى مَعَ الإشارَةِ إلى إبْطالِ جَمِيعِ أنْواعِ الشِّرْكِ، سِيقَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ في أسالِيبَ مُتَكَفِّلَةٍ بِالرَّدِّ عَلى بَقِيَّةِ الفِرَقِ، وهم الثَّنَوِيَّةُ مِنَ المَجُوسِ، القائِلُونَ بِإلَهَيْنِ اثْنَيْنِ وبِأصْلَيْنِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ، ويُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقَطْ، والصّابِئَةُ القائِلُونَ بِالأوْثانِ السَّماوِيَّةِ والأصْنامِ الأرْضِيَّةِ مُتَوَسِّطِينَ إلى رَبِّ الأرْبابِ، ويُنْكِرُونَ الرِّسالَةَ في الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ. وأصْحابُ الرُّوحانِيّاتِ، أعْنِي: مُدَبِّراتِ الكَواكِبِ والأفْلاكِ، ويَنْتَسِبُونَ إلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَدَّعُونَ أنَّهُ مِنهم - وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، والسَّمْنِيَّةُ القائِلُونَ بِإلَهِيَّةِ الشَّمْسِ، مَعَ تَأْكِيدِ الرَّدِّ عَلى الفِرَقِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى أنَّ جَمِيعَ فِرَقِهِمْ يَجْتَمِعُونَ في اعْتِبارِ النُّجُومِ، يَتَبَيَّنُ ذَلِكَ لِمَن نَظَرَ في كُتُبِ فُتُوحِ بِلادِ الفُرْسِ في أيّامِ الصِّدِّيقِ والفارُوقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وقالَ تنكلوشا البابِلِيُّ في أوَّلِ كِتابِهِ (p-٧)فِي أحْكامِ الدَّرَجِ الفَلَكِيَّةِ: إنَّ القُدَماءَ مِنَ الكدانيين اسْتَنْبَطُوا غَوامِضَ أسْرارِ الفَلَكِ، وكانَ عِنْدَهم أجَلُّ العُلُومِ ولَمْ يَكُونُوا يُظْهِرُونَ عِلْمَ الفَلَكِ لِكُلِّ النّاسِ، بَلْ كانُوا يُخْفُونَ أكْثَرَهُ عَنْ عامَّتِهِمْ، ويُعْطُونَهم مِنهُ بِمِقْدارِ ما يُصْلِحُ، ويَتَدارَسُونَ الباقِيَ بَيْنَهم مَطْوِيًّا بَيْنَ عُلَمائِهِمْ وحُكَمائِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ تَقْسِيمَهم دَرَجَ الفَلَكِ عَلى ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ، ثُمَّ قالَ: وقَسَّمُوا الدَّرَجَ أقْسامًا كَثِيرَةً حَتّى قالُوا: إنَّ بَعْضَها ذُكُورٌ وبَعْضَها إناثٌ، وبَعْضَها مُسْعِدَةٌ وبَعْضَها مُنْحِسَةٌ، ثُمَّ قالَ: كُلُّ ذَلِكَ يُرِيدُونَ فِيهِ الدِّلالَةَ مِنها عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ في عالَمِنا وعَلى أحْوالِنا حَتّى جَعَلُوا لِكُلِّ دَرَجَةٍ عالَمًا وخَلْقًا مُنْفَرِدًا بِمُدَّتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ العالَمَ والخَلْقَ يَنْدَرِسُونَ ويَنْشَأُ بَعْدَهم غَيْرُهم - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكَلامِ الَّذِي يَرْجِعُ إلى اعْتِقادِ تَأْثِيرِ النُّجُومِ بِنَفْسِها - تَعالى اللَّهُ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ يَكُونَ لَهُ كُفُؤًا أحَدٌ - .
الأنعام 6:2
ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ هو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ اللَّتَيْنِ مِنهُما وفِيهِما الأصْنامُ والكَواكِبُ والأجْرامُ الَّتِي عَنْها النُّورُ والظُّلْمَةُ، فَثَبَتَ وُجُودُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ الَّتِي أثْبَتَها الحَمْدُ، فَبَطَلَتْ جَمِيعُ مَذاهِبِهِمْ، فَعَجَّبَ مِنهم بِكَوْنِهِمْ يَعْدِلُونَ بِهِ غَيْرَهُ - أتْبَعَ ذَلِكَ اخْتِصاصَهُ بِخَلْقِ هَذا النَّوْعِ البَشَرِيِّ، وهو، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ لَهُ (p-٨)بِالِاخْتِصاصِ بِالحَمْدِ والرَّدِّ عَلى المُطْرِينَ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ بِخَلْقِ أبِيهِمْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُؤَكِّدٌ لِإبْطالِ مَذْهَبِ الثَّنَوِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ النّارَ خالِقُ الخَيْرِ، والظُّلْمَةَ خالِقَةُ الشَّرِّ، فَإذا ثَبَتَ أنَّهُ الخالِقُ لِنَوْعِ الآدَمِيِّينَ الَّذِينَ مِنهم الخَيْرُ والشَّرُّ مِن شَيْءٍ واحِدٍ، وهو الطِّينُ الَّذِي وُلِدَ مِنهُ المَنِيُّ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ الأعْضاءَ المُخْتَلِفَةَ في اللَّوْنِ والصُّورَةِ والشَّكْلِ مِنَ القَلْبِ وغَيْرِهِ مِنَ الأعْضاءِ البَسِيطَةِ كالعِظامِ والغَضارِيفِ، والرِّباطاتِ والأوْتارِ - ثَبَتَ أنَّ خالِقَ أوْصافِهِمْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ واحِدٌ قَدِيرٌ عَلِيمٌ؛ لِأنَّ تَوْلِيدَ الصِّفاتِ المُخْتَلِفَةِ مِنَ المادَّةِ المُتَشابِهَةِ لا يَكُونُ إلّا ومُبْدِعُهُ واحِدٌ مُخْتارٌ، لا اثْنانِ، وهو الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ الَّتِي مِنها أصْلُهم، وهو اللَّهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِالحَمْدِ، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولَمّا كانُوا يَسْتَبْعِدُونَ البَعْثَ لِصَيْرُورَةِ الأمْواتِ تُرابًا واخْتِلاطِ تُرابِ الكُلِّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وبِتُرابِ الأرْضِ، فَيَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ، وكانَ تَمْيِيزُ الطِّينِ لِشِدَّةِ اخْتِلاطِ أجْزائِهِ بِالماءِ أعْسَرَ مِن تَمَيُّزِ التُّرابِ - قالَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ: فَمَيَّزَ طِينَةَ كُلٍّ مِنكم - مَعَ أنَّ مِنكم الأسْوَدَ والأبْيَضَ وغَيْرَ ذَلِكَ والشَّدِيدَ وغَيْرَهُ - مِن طِينَةِ الآخَرِ بَعْدَ أنْ جَعَلَها ماءً ثَخِينًا لَهُ قُوَّةُ الدَّفْقِ ونَمّاها إلى حَيْثُ شاءَ مِنَ الكِبَرِ.
(p-٩)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ما كانا مِن شَيْءٍ واحِدٍ كانَتْ مُدَّةُ بَقائِهِما واحِدَةً - نَبَّهَ بِأداةِ التَّراخِي عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ مِنَ المُفاوَتَةِ بَيْنَ الآجالِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ قَضى﴾ أيْ: حَكَمَ حُكْمًا تامًّا وبَتَّ وأوْجَدَ ﴿أجَلا﴾ أيْ: وقْتًا مَضْرُوبًا لِانْقِضاءِ العُمْرِ وقَطْعِ التَّأخُّرِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم خَيِّرًا كانَ أوْ شِرِّيرًا، قَوِيًّا كانَ أوْ ضَعِيفًا، مِن أجَلَ يَأْجَلُ أُجُولًا - إذا تَأخَّرَ، وجَعَلَ تِلْكَ الآجالَ - مَعَ كَوْنِها مُتَفاوِتَةً - مُتَقارِبَةً لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم بِصِفَةٍ عَلى آخَرَ بِصِفَةٍ مُغايِرَةٍ لَها، وفاعِلُ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا واحِدًا فاعِلًا بِاخْتِيارٍ. ولَمّا ذَكَرَ الأجَلَ الأوَّلَ الَّذِي هو الإبْداعُ مِنَ الطِّينِ إشارَةً إلى ما فَرَّعَ مِنهُ مِنَ الآجالِ المُتَفاوِتَةِ - ذَكَرَ الأجَلَ الآخَرَ الجامِعَ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّ ذِكْرَ البِدايَةِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ النِّهايَةِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى تَعْظِيمِهِ بِالِاسْتِئْنافِ والتَّنْكِيرِ: ﴿وأجَلٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ ﴿مُسَمًّى﴾ أيْ: لَكم أجْمَعِينَ لِانْقِضاءِ البَرْزَخِ لِلْإعادَةِ الَّتِي هي في مَجارِي عاداتِكم أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ لِمُجازاتِكم والحُكْمِ بَيْنَكم الَّذِي هو مَحَطُّ حِكْمَتِهِ ومَظْهَرُ نِعْمَتِهِ ونِقْمَتِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، يَتَساوى فِيهِ الكُلُّ، وسَتَرَ عِلْمَهُ عَنِ الكُلِّ كَما أشارَ إلَيْهِ بِالتَّنْكِيرِ، وهَذا لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ إلّا لِواحِدٍ، لا مُتَعَدِّدٍ، وإلّا لَتَبايَنَتْ المَقادِيرُ والإراداتُ وانْشَقَّ كُلُّ مَقْدُورٍ في صِنْفٍ لا يَتَعَدّاهُ، وإلّا لَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وانْهَتَكَتْ أسْرارُ البَعْضِ بِالبَعْضِ - سُبْحانَ اللَّهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ - وغَيَّرَ السِّياقَ إلى الِاسْمِيَّةِ إشارَةً إلى اخْتِصاصِهِ بِعِلْمِهِ وأنَّهُ ثابِتٌ لا شَكَّ فِيهِ! ويُؤَكِّدُهُ إثْباتُ قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَهُ﴾ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وحَذْفُها (p-١٠)مِنَ الأُولى هُنا وفي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَدَّمَ المُبْتَدَأ مَعَ تَنْكِيرِهِ - والأصْلُ تَأْخِيرُهُ - إفادَةً لِتَعْظِيمِهِ.
ولَمّا كانَ في هَذا البَيانِ لِوَحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مَقْصُودُ حِكْمَتِهِ ما يَبْعُدُ مَعَهُ الشَّكُّ في الإعادَةِ - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي وصِيغَةِ الِافْتِعالِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ أيْ: تُكَلِّفُونَ أنْفُسَكم الشَّكَّ في كُلٍّ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ والإعادَةِ الَّتِي هي أهْوَنُ عَلى مَجارِي عاداتِكم مِنَ الِابْتِداءِ بِتَقْلِيدِ الآباءِ، والرُّكُونِ إلى مُجَرَّدِ الهَوى والإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ [الَّتِي] هي أظْهَرُ مِن ساطِعِ الضِّياءِ، وهَذِهِ الآيَةُ نَظِيرُ آيَةِ الرُّومِ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨] أيْ: كَيْفَ خَلَقَهم اللَّهُ مِن طِينٍ، وسَلَّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، وجَعَلَ لَهم آجالًا فاوَتَ بَيْنَها وساوى في ذَلِكَ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ، فَأنْتَجَ هَذا أنَّهُ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ، أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ العَدْلِ في جَمِيعِ ما وقَعَ بَيْنَكم مِنَ الِاخْتِلافِ كَما هو شَأْنُ كُلِّ مالِكٍ في عَبِيدِهِ ﴿وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ الآيَةُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ المُتَقَدِّمِينَ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، وأوْضَحَ ما يُظْهِرُ الحَذَرَ [مِن] جانِبَيْ الأخْذِ والتَّرْكِ، وبَيَّنَ حالَ مَن تَنَكَّبَ عَنْهُ مِمَّنْ كانَ قَدْ يَلْمَحُهُ، وهم (p-١١)اليَهُودُ والنَّصارى، وكَوْنَهم لَمْ يَلْتَزِمُوا الوَفاءَ بِهِ وحادُوا عَمّا أنْهَجَ لَهم، وانْقَضى أمْرُ الفَرِيقَيْنِ ذَمًّا لِحالِهِمْ وبَيانًا لِنَقْضِهِمْ وتَحْذِيرًا لِلْمُتَّقِينَ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم، وخَتَمَ ذَلِكَ بِبَيانِ حالِ المُوقِنِينَ في القِيامَةِ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم، وقَدْ كانَ انْجَرَّ مَعَ ذَلِكَ ذِكْرُ مُشْرِكِي العَرَبِ وصَمَمُهم عَنِ الدّاعِي وعَماهم عَنِ الآياتِ، فَكانُوا أشْبَهَ بِالبَهائِمِ مِنهم بِالأناسِيِّ - أعْقَبَ ذَلِكَ تَعالى بِالإشارَةِ إلى طائِفَةٍ مالَتْ إلى النَّظَرِ والِاعْتِبارِ، فَلَمْ تُوَفَّقْ لِإصابَةِ الحَقِّ وقَصَّرَتْ عَنِ الِاسْتِضاءَةِ بِأنْوارِ الهُدى. ولَيْسُوا مِمَّنْ يَرْجِعُ إلى شَرِيعَةٍ قَدْ حُرِّفَتْ وغُيِّرَتْ، بَلْ هم في صُورَةِ مَن هَمَّ أنْ يَهْتَدِيَ بِهُدى الفِطْرَةِ ويَسْتَدِلَّ بِما بَسَطَ اللَّهُ تَعالى في المَخْلُوقاتِ فَلَمْ يُمْعِنْ النَّظَرَ ولَمْ يُوَفَّقْ فَضَلَّ، وهم: المَجُوسُ وسائِرُ الثَّنَوِيَّةِ مِمَّنْ كانَ قُصارى أمْرِهِ نِسْبَةَ الفِعْلِ إلى النُّورِ والإظْلامِ، ولَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ لِهَؤُلاءِ ذِكْرٌ ولا إخْبارٌ بِحالٍ فَقالَ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فَبَدَأ تَعالى بِذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي عَنْها وُجِدَ النُّورُ والظُّلْمَةُ، إذْ الظُّلْمَةُ ظِلالُ هَذِهِ الأجْرامِ، والنُّورُ عَنْ أجْرامٍ نَيِّرَةٍ مَحْمُولَةٍ فِيها [وهِيَ الشَّمْسُ] والقَمَرُ والنُّجُومُ، فَكانَ الكَلامُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أوْضَحَ الأمْرَ لِمَن اعْتَبَرَ واسْتَبْصَرَ، فَعَلِمَ أنَّ وُجُودَ النُّورِ والظُّلْمَةِ مُتَوَقِّفٌ بِحُكْمِ السَّبَبِيَّةِ الَّتِي شاءَها تَعالى عَلى وُجُودِ أجْرامِ السَّماواتِ والأرْضِ (p-١٢)وما أُودِعَ فِيها، ومَعَ بَيانِ الأمْرِ في ذَلِكَ حادَ عَنْهُ مَن عَمِيَ عَنِ الِاسْتِبْصارِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ مِمّا يَزِيدُ هَذا المَعْنى وُضُوحًا، فَإنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أصْلَنا والمادَّةَ الَّتِي عَنْها أوْجَدْنا، كَما ذَكَرَ لِلنُّورِ والظُّلْمَةِ ما هو كالمادَّةِ، وهو وُجُودُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأشْعَرَ لَفْظُ ”جَعْل“ بِتَوَقُّفِ الوُجُودِ بِحَسَبِ المَشِيئَةِ عَلى ما ذُكِرَ، وكانَ قَدْ قِيلَ: أيُّ فَرْقٍ [بَيْنَ] وُجُودِ النُّورِ والظُّلْمَةِ عَنْ وُجُودِ السَّماواتِ والأرْضِ وبَيْنَ وُجُودِكم عَنِ الطِّينِ حَتّى يَقَعَ امْتِراءٌ فِيهِ عَنْ نِسْبَةِ الإيجادِ إلى النُّورِ والظُّلْمَةِ، وهُما لَمْ يُوجَدا إلّا بَعْدَ مادَّةٍ أوْ سَبَبٍ كَما طَرَأ في إيجادِكُمْ؟ فالأمْرُ في ذَلِكَ أوْضَحُ شَيْءٍ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ ثُمَّ مَرَّتْ السُّورَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُنَبِّهَةً عَلى بَسْطِ الدِّلالاتِ في المَوْجُوداتِ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَصِلُ إلى اسْتِثْمارِ فائِدَتِهِ إلّا مَن هُيِّئَ بِحَسَبِ السّابِقَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن نَمَطِ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] أُجْمِلَ هُنا ثُمَّ فُسِّرَ بَعْدُ في السُّورَةِ بِعَيْنِها، والمُرادُ أنَّ مِنَ الخَلْقِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ سامِعًا مُطِيعًا مُتَيَقِّظًا مُعْتَبِرًا بِأوَّلِ وهْلَةٍ، وقَدْ أرى المِثالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في ذَلِكَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ٧٥] فَكَأنَّهُ يَقُولُ لِعِبادِهِ المُتَّقِينَ: تَعالَوْا فانْهَجُوا طَرِيقَ الِاعْتِبارِ مِلَّةَ أبِيكم (p-١٣)إبْراهِيمَ كَيْفَ نَظَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَظَرَ السّامِعِ المُتَيَقِّظِ ! فَلَمْ يُعَرِّجْ في أوَّلِ نَظَرِهِ عَلى ما سَبَبُ وجُودِهِ بَيِّنٌ فَيُحْتاجُ فِيهِ إلى غَرَضٍ في الكَواكِبِ والقَمَرِ والشَّمْسِ، بَلْ نَظَرَ فِيما عَنْهُ صَدَرَ النُّورُ، لا في النُّورِ، فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا، فَتَأمَّلْ كَوْنَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُطَوِّلْ النَّظَرَ بِالتِفاتِ النُّورِ، ثُمَّ كانَ يَرْجِعُ إلى اعْتِبارِ الجِرْمِ الَّذِي عَنْهُ النُّورُ، بَلْ لَمّا رَأى النُّورَ عَنْ أجْرامٍ سَماوِيَّةٍ تَأمَّلَ تِلْكَ الأجْرامَ وما قامَ بِها مِنَ الصِّفاتِ، فَرَأى الأُفُولَ والطُّلُوعَ والِانْتِقالَ والتَّقَلُّبَ فَقالَ: هَذا لا يَلِيقُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِأنَّها صِفاتُ حُدُوثٍ، ثُمَّ رَقّى النَّظَرَ إلى القَمَرِ والشَّمْسِ فَرَأى ذَلِكَ الحُكْمَ جارِيًا فِيهِما فَحَكَمَ بِأنَّ وراءَها مُدَبِّرًا لَها يَتَنَزَّهُ عَنِ الِانْتِقالِ والغَيْبَةِ والأُفُولِ فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] وخَصَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذِكْرَ هَذَيْنِ لِحَمْلِهِما أجْرامَ النُّورِ وسَبَبِيَّتِهِما في وُجُودِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ تَأمَّلْ هَذا النَّظَرَ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَيْفَ خَصَّ بِالِاعْتِبارِ أشْرَفَ المَوْجُودِينَ وأعْلاهُما، فَكانَ في ذَلِكَ وجْهانِ مِنَ الحِكْمَةِ: أحَدُهُما عُلُوُّ النَّظَرِ ونُفُوذُ البَصِيرَةِ في اعْتِبارِ الأشْرَفِ الَّذِي إذا بانَ مِنهُ الأمْرُ فَهو فِيما سِواهُ أبْيَنُ، فَجَمَعَ بَيْنَ قُرْبِ التَّناوُلِ وعُلُوِّ التَّهَدِّي، والوَجْهُ الثّانِي التَّناسُبُ بَيْنَ حالِ النّاظِرِ والمَنظُورِ فِيهِ والتَّناوُلُ والجَرْيُ عَلى الفِطْرَةِ العَلِيَّةِ، وهو مِن قَبِيلِ «أخْذِ نَبِيِّنا ﷺ اللَّبَنَ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ اللَّبَنُ والخَمْرُ فاخْتارَ اللَّبَنَ، فَقِيلَ لَهُ: اخْتَرْتَ الفِطْرَةَ» . ! (p-١٤)فَكانَ قَدْ قِيلَ: هَذا النَّظَرُ والِاعْتِبارُ بِالهامِّ، لا نَظَرُ مَن أخْلَدَ إلى الأرْضِ فَعَمَدَ الضِّياءَ والظَّلامَ، ويَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذا الِاعْتِبارِ أنَّهُ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦] إنَّما قَصَدَ قَطْعَ حُجَّةِ مَن عَبَدَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ إذْ كانَ دِينَ قَوْمِهِ، فَبَسَطَ لَهم الِاعْتِبارَ والدِّلالَةَ، وأخَذَ يَعْرِضُ ما قَدْ تَنَزَّهَ قَدْرُهُ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِ، فَهو كَما يَقُولُ المُناظِرُ لِمَن يُناظِرُهُ: هَبْ أنَّ هَذا عَلى ما تَقُولُ.
يُرِيدُ بِذَلِكَ إذْعانَ خَصْمِهِ واسْتِدْعاءَهُ لِلِاعْتِبارِ حَتّى يَكُونَ غَيْرَ مُناظِرٍ لَهُ ما لا يَعْتَقِدُهُ، لِيَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ مَقْصُودَهُ لِيُقْلِعَ خَصْمُهُ وهو عَلى يَقِينٍ مِن أمْرِهِ، فَهَذا ما يَنْبَغِي أنْ يُعْتَمَدَ هُنا لِقَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] فالعِصْمَةُ قَدْ اكْتَنَفَتْهم عَمّا يَتَوَهَّمُهُ المُبْطِلُونَ ويَتَقَوَّلُهُ المُفْتَرُونَ، ويَشْهَدُ لِما قُلْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَهَذِهِ حالُ مَن عَلَتْ دَرَجَتُهُ مِنَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، فَمِنَ الخَلْقِ مَن جَعَلَهُ اللَّهُ سامِعًا بِأوَّلِ وهْلَةٍ، وهَذا مِثالٌ شافٍ في ذَلِكَ، ومِنهم المَيِّتُ، والمَوْتى عَلى ضَرْبَيْنِ: مِنهم مَن يُزاحُ [عَنْ] جَهْلِهِ وعَمَهِهِ، ومِنهم مَن يَبْقى في ظُلُماتِهِ مَيْتًا لا حِراكَ بِهِ، يُبَيِّنُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ (p-١٥)نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] ولَمّا كانَتْ السُّورَةُ مُتَضَمِّنَةً جِهاتِ الِاعْتِبارِ ومُحَرِّكَةً إلى النَّظَرِ ومُعْلِنَةً مِن مَجْمُوعِ آيِها أنَّ المُعْتَبِرَ والمُتَأمِّلَ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَيَقِّظًا بِأوَّلِ وهْلَةٍ، ولا سامِعًا أوَّلَ مُحَرِّكٍ، ولا مُسْتَجِيبًا لِأوَّلِ سامِعٍ - قَدْ يَنْتَقِلُ حالُهُ عَنْ جُمُودِهِ وغَفْلَتِهِ إلى أنْ يَسْمَعَ ويَلْحَقَ بِمَن كانَ يَتَيَقَّظُ في أوَّلِ وهْلَة ناسَبَ تَحْرِيكُ العِبادِ وأمْرُهم بِالنَّظَرِ أنْ تَقَعَ الإشارَةُ في صَدْرِ السُّورَةِ إلى حالَتَيْنِ: حالَةُ السّامِعِينَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ، وحالَةُ السّامِعِينَ في ثانِي حالٍ، فَقِيلَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] ولَمْ تَقَعْ هُنا إشارَةٌ إلى القِسْمِ الثّالِثِ مَعَ العِلْمِ بِهِ، وهو الباقِي عَلى هُمُودِهِ ومَوْتِهِ مِمَّنْ لَمْ يُحَرِّكْهُ زاجِرٌ ولا واعِظٌ ولا اعْتِبارٌ، ولِأنَّ هَذا الضَّرْبَ لَوْ ذُكِرَ هُنا لَكانَ فِيهِ ما يُكْسِلُ مَن ضَعُفَتْ هِمَّتُهُ، رَجَعَتْ حالَةُ ابْتِدائِهِ، فَقِيلَ: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] وأُطْلِقَ لِيَعْمَلَ الكُلُّ عَلى هَذا البَعْثِ مِنَ الجَهْلِ والتَّيَقُّظِ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ كَما دَعا الكُلَّ إلى اللَّهِ دُعاءً واحِدًا فَقِيلَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ اخْتَلَفُوا في إجابَةِ الدّاعِي بِحَسَبِ السَّوابِقِ هَكَذا، ورَدُّ هَذا ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] إسْماعًا لِلْكُلِّ، وفي صُورَةِ التَّساوِي مُناسَبَةٌ لِلدُّعاءِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى العِبادِ، حَتّى إذا انْبَسَطَتْ الدَّلائِلُ وانْشَرَحَتْ الصُّدُورُ لِتَلَقِّيها وتَشَبَّثَتْ النُّفُوسُ (p-١٦)وتَعَلَّقَتْ بِحَسَبِ ما قُدِّرَ، وفازَ بِالخَيْرِ أهْلُهُ، قالَ تَعالى بَعْدَ آيِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وكانَ قَدْ قِيلَ [لِمَن] انْتَقَلَ عَنْ حالَةِ المَوْتِ فَرَأى قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِإحْيائِهِ: هَلْ يُشْبِهُ الآنَ حالُكَ النَّيِّرَةُ - بِما مُنِحْتَ حِينَ اعْتَبَرْتَ - بِحالِكَ الجَمادِيَّةِ ؟ فاشْكُرْ رَبَّكَ واضَّرَّعْ إلَيْهِ في طَلَبِ الزِّيادَةِ، واتَّعِظْ بِحالِ مَن لَزِمَ حالَ مَوْتِهِ فَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ الآياتُ، وهو المُشارُ إلَيْهِ [بِقَوْلِهِ]: ﴿كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] ﴿ولَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦] وكَأنَّ القِسْمَ المُتَقَدِّمَ الَّذِي سُمِعَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ لَمْ يَكُنْ لِيَقَعَ ذِكْرُهُ هُنا مِن جِهَةِ قَصْدِ أنْ أراهُ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ وإنْقاذَ المُتَّصِفِ بِها مِن حَيْرَةِ شَكِّ مَوْقِعِها فِيما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] فَذَكَرَ هُنا ما هو واقِعٌ في إراءَةِ قَدْرِ نِعْمَةِ الإنْقاذِ والتَّخْلِيصِ مِن عَمى الجَهْلِ، هَذا حالُ مَن انْتَقَلَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وحالُ مَن بَقِيَ عَلى مَوْتِهِ، أوْ يَكُونُ الضَّرْبانِ قَدْ شَمِلَهُما قَوْلُهُ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وأمّا الثّانِي وهو: الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ صُورَةُ النَّقْلِ فَأمْرُهُ صَرِيحٌ مِنَ الآيَةِ وأمّا الضَّرْبُ الأوَّلُ وهو السّامِعُ لِأوَّلِ (p-١٧)وهْلَةٍ المَكْفِيُّ المُؤْنَةِ لِواقِي العِصْمَةِ مِن طَوارِقِ الجَهْلِ والشُّكُوكِ، فَدُخُولُهُ [تَحْتَ] مُقْتَضى هَذا اللَّفْظِ مِن حَيْثُ إنَّ وِقايَتَهُ تِلْكَ أوْ سَماعَهُ بِأوَّلِ وهْلَةٍ لَيْسَ مِن جِهَتِهِ ولا بِما سَبَقَ أوْ تُكُلِّفَ، بَلْ بِإسْداءِ الرَّحْمَةِ وتَقْدِيمِ النِّعْمَةِ، ولَوْ أبْقاهُ لِنَفْسِهِ أوْ وكَلَهُ إلَيْها لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فَبِهَذا النَّظَرِ قَدْ تَكُونُ الآيَةُ قَدْ شَمِلَتْ الضُّرُوبَ الثَّلاثَةَ وهو أوْلى، أمّا سُقُوطُ الضَّرْبِ الثّالِثِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] فَلِما تَقَدَّمَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ، ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ مِن بَسْطِ الِاعْتِبارِ وإبْداءِ جِهاتِ النَّظَرِ ما إذا تَأمَّلَهُ المُتَأمِّلُ عَلِمَ أنَّ حُجَّةَ اللَّهِ قائِمَةٌ عَلى العِبادِ، وأنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ رَحْمَةٌ ونِعْمَةٌ وفَضْلٌ وإحْسانٌ، وإذا كانَتْ الدِّلالاتُ مَبْسُوطَةً والمَوْجُوداتُ مُشاهَدَةً مُفْصِحَةً، ودِلالَةُ النَّظَرِ مِن سَمْعٍ وأبْصارٍ وأفْئِدَةٍ مُوجُودَةً، فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ عاقِلٌ في عَظِيمِ رَحْمَتِهِ تَعالى بِإرْسالِ الرُّسُلِ ! فَتَأكَّدَتْ الحُجَّةُ وتَعاضَدَتْ البَراهِينُ، فَلَمّا عَرَفَ الخَلْقُ لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقَيْ الإصْغاءِ إلى الدّاعِي والِاعْتِبارِ بِالصَّنْعَةِ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] فِيما عُذْرُ المُعْتَذِرِ بَعْدَ هَذا؟ أتُرِيدُونَ كَشْفَ الغِطاءِ ورُؤْيَةَ الأمْرِ عِيانًا! لَوْ اسْتَبْصَرْتُمْ لَحَصَلَ لَكم ما مُنِحْتُمْ،
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] ثُمَّ خُتِمَتْ السُّورَةُ مِنَ التَّسْلِيمِ والتَّفْوِيضِ (p-١٨)بِما يُجْدِي مَعَ قَوْلِهِ: ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩] وحَصَلَ مِنَ السُّوَرِ الأرْبَعِ بَيانُ أهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ وطَبَقاتُهم في سُلُوكِهِمْ وما يَنْبَغِي لَهم التِزامُهُ أوْ تَرْكُهُ، وبَيانُ حالِ المُتَنَكِّبِينَ عَنْ سُلُوكِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وعَبَدَةِ الأوْثانِ والمَجُوسِ. انْتَهى.
الأنعام 6:3
ولَمّا كانَ عِلْمُ جَمِيعِ أحْوالِ المَخْلُوقِ دالًّا عَلى أنَّ العِلْمَ بِها هو خالِقُهُ، وأنَّ مَن ادَّعى أنَّ خالِقَهُ عاجِزٌ عَنْ ضَبْطِ مَمْلَكَتِهِ عَنْ كَشْفِ غَيْرِهِ لِعَوْراتِها وعِلْمِ ما لا يَعْلَمُهُ هو مِنها، فَلَمْ يَكُنْ إلَهًا، وكانَ الإلَهُ هو العالَمَ وحْدَهُ، وكانَ المُحِيطُ العِلْمَ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ تَمْيِيزُ التُّرابِ مِنَ التُّرابِ، وكانَ ﷺ يُخْبِرُهم عَنِ اللَّهِ مِن مُغَيَّباتِ أسْرارِهِمْ وخَفايا أخْبارِهِمْ مِمّا يَقُصُّونَ مِنهُ العَجَبَ ويَعْلَمُونَ مِنهُ إحاطَةَ العِلْمِ حَتّى قالَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ الفَتْحِ: لَوْ تَكَلَّمَتْ لَأخْبَرَتْ عَنِّي هَذِهِ الحَصْباءُ، قالَ تَعالى عاطِفًا ﴿هُوَ الَّذِي﴾ [الأنعام: ٢] دالًّا عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِشُمُولِ العِلْمِ بَعْدَ قِيامِ الدَّلِيلِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ لِأنَّ إنْكارَهم المَعادَ لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما ظَنُّ أنَّ المُؤَثِّرَ في الأبْدانِ امْتِزاجُ الطَّبائِعِ وإنْكارُ أنَّ المُؤَثِّرَ هو قادِرٌ مُخْتارٌ، والثّانِي أنَّهُ - عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِ الِاخْتِيارِ - غَيْرُ عالِمٍ بِالجُزْئِيّاتِ، فَلا يُمْكِنُهُ تَمْيِيزُ بَدَنِ زَيْدٍ عَنْ أجْزاءِ بَدَنِ عَمْرٍو، فَإذا قامَ الدَّلِيلُ عَلى (p-١٩)كَمالِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - واخْتِيارِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ: الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ - زالَتْ جَمِيعُ الشُّبَهاتِ: ﴿وهُوَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ هَذا الِاسْمُ المُسْتَجْمِعُ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى المَدْعُوُّ بِهِ تَألُّهًا لَهُ وخُضُوعًا وتَعَبُّدًا، وعَلَّقَ بِهَذا المَعْنى قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ [لِأنَّ مَن في الشَّيْءِ يَكُونُ مُتَصَرِّفًا فِيهِ] .
ولَمّا كانَ الخِطابُ لِمُنْكِرِي البَعْثِ أكَّدَ فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ أيْ: هَذِهِ صِفَتُهُ دائِمًا [عَلى هَذا المُرادِ مِن أنَّهُ - سُبْحانَهُ - ثابِتٌ لَهُ هَذا الِاسْمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ عَلى وجْهِ التَّألُّهِ والتَّعَبُّدِ في كُلٍّ مِن جِهَتَيْ العُلُوِّ والسُّفْلِ، ولا يَفْهَمُ ذُو عَقْلٍ صَحِيحٍ ما يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ مِن أنَّهُ مَحْوِيٌّ، فَإنَّ كُلَّ مَحْوِيٍّ مُنْحَصِرٌ مُحْتاجٌ إلى حاوِيهِ وحاصِرِهِ، ضَعِيفُ التَّصَرُّفِ فِيما وراءَهُ، ومَن كانَ مُحْتاجًا نَوْعَ احْتِياجٍ لا يَصْلُحُ لِلْأُلُوهِيَّةِ والمَشِيئَةِ لِحَدِيثِ الجارِيَةِ: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ، ومَحْجُوجٌ بِحَدِيثِ: «( أنْتَ الأوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الظّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وأنْتَ الباطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ )» فَإنَّ ظاهِرَهُ مُنافٍ لِظاهِرِ الأوَّلِ، وظاهِرُ هَذا مُؤَيَّدٌ بِقاطِعِ النَّقْلِ مِن أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ، ومُؤَيَّدٌ بِصَحِيحِ النَّقْلِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أيْ: لا في ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ ولا شَيْءٍ مِن شُؤُونِهِ، و«( قَدْ كانَ اللَّهُ ولا شَيْءَ مَعَهُ )»، وحَدِيثُ «( لَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ )» - رَواهُ مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ في الدَّعَواتِ، وأبُو داوُدَ في الأدَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ] .
(p-٢٠)ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ أنَّ عِلْمَهُ تَعالى مُحِيطٌ، نِسْبَةَ كُلٍّ مِنَ الخَفِيِّ والجَلِيِّ إلَيْهِ عَلى السَّواءِ، وكانَ السِّياقُ هُنا لِلْخَفِيِّ فَإنَّهُ في بَيانِ خَلْقِ الإنْسانِ وعَجِيبِ صُنْعِهِ فِيهِ بِما خَلَقَ فِيهِ مِن إدْراكِ المَعانِي وهَيَّأهُ لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَقْدِرَ عَلى التَّعْبِيرِ عَنْهُ، ثُمَّ أقْدَرَهُ عَلى ذَلِكَ - قَدَّمَ الخَفِيَّ فَقالَ شارِحًا لِكَوْنِهِ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾
ولَمّا كانَ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ عِلْمِ السِّرِّ والجَهْرِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الجَهْرِ لَفْظٌ شَدِيدٌ يَمْنَعُ اخْتِلاطَ الأصْواتِ فِيهِ مَن عَلِمَهُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وجَهْرَكُمْ﴾ ونِسْبَةُ كُلٍّ مِنها إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ولا تُوصَفُ واحِدَةٌ مِنها بِقُرْبٍ في المَسافَةِ إلَيْهِ ولا بُعْدٍ، ولَمّا كانَ السِّرُّ والجَهْرُ شائِعَيْنِ في الأقْوالِ، وكانَتْ الأقْوالُ تَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ - ذَكَرَ ما يَعُمُّهُما وهو شائِعٌ في الأفْعالِ المُتَعَلِّقَةِ بِالبَصَرِ، فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ فَأفادَ ذَلِكَ صِفَتَيْ السَّمْعِ والبَصَرِ مَعَ إثْباتِ العِلْمِ،
الأنعام 6:4
فَلَمّا تَظاهَرَتْ الأدِلَّةُ وتَظافَرَتْ الحُجَجُ وهم عَنْها ناكِبُونَ - وصَلَ بِذَلِكَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ قَوْلَهُ، مُعْرِضًا عَنْهم إيذانًا بِاسْتِحْقاقِهِمْ شَدِيدَ الغَضَبِ: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾ أيْ: عَلامَةٍ عَلى صِحَّةِ ما دَعاهم إلَيْهِ رَسُولُهم ﷺ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ وإفاضَةِ العُقُولِ وبَعْثِ الرَّسُولِ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ أيْ: هَذِهِ صِفَتُهم دائِمًا قَصْدًا لِلْعِنادِ لِئَلّا يَلْزَمَهم الحُجَّةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٢١)ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى ( يَعْدِلُونَ) .
الأنعام 6:5
ولَمّا كانَ إعْراضُهم عَنِ النَّظَرِ سَبَبًا لِتَكْذِيبِهِمْ، وهو سَبَبٌ لِتَعْذِيبِهِمْ قالَ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا تَكْذِيبَ الصّادِقِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ كُلِّهِ. لِأنَّ الآياتِ كُلَّها مُتَساوِيَةٌ في الدِّلالَةِ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الواحِدَةُ مِنها ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يَتَأخَّرُوا عِنْدَ المَجِيءِ أصْلًا لِنَظَرٍ ولا لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى العِنادِ.
ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ هَكَذا فِعْلَ المُكَذِّبِ المُسْتَهْزِئِ الَّذِي بَلَغَ بِتَكْذِيبِهِ الغايَةَ القُصْوى، وهي الِاسْتِهْزاءُ، قالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ عِنْدَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ وإنْ تَأخَّرَ إتْيانُهُ ﴿أنْباءُ ما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الهَزْءَ بِهِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ في طَلَبِهِ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الهَزْءِ، والنَّبَأُ: الخَبَرُ العَظِيمُ، وهو الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وأفادَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ أنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَهْزَؤُونَ بِغَيْرِ الحَقِّ الكامِلِ - كَما تَرى كَثِيرًا مِنَ المُتْرَفِينَ لا يَعْجَبُ مِنَ العَجَبِ ويَعْجَبُ مِن غَيْرِ العَجَبِ، أوْ أنَّهُ عَدَّ اسْتِهْزاءَهم بِغَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِ عَدَمًا.
الأنعام 6:6
ولَمّا أخْبَرَ بِتَكْذِيبِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ وتَوَعَّدَهم بِتَحَتُّمِ تَعْذِيبِهِمْ، أتْبَعَهُ ما يَجْرِي مَجْرى المَوْعِظَةِ والنَّصِيحَةِ، فَعَجِبَ مِن تَمادِيهِمْ مَعَ ما عَلِمُوا (p-٢٢)مِن إهْلاكِ مَن كانَ أشَدَّ مِنهم قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وجَنى مِن سَوابِغِ النِّعَمِ بِما لَمْ يَعْتَبِرُوهُ فِيهِ مَعَ ما ضَمُّوهُ إلى تَحَقُّقِ أخْبارِهِمْ مِن مُشاهَدَةِ آثارِهِمْ وعَجِيبِ اصْطِناعِهِمْ في أبْنِيَتِهِمْ ودِيارِهِمْ مُسْتَدِلًّا بِذَلِكَ عَلى تَحْقِيقِ ما قَبْلَهُ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى الِاسْتِهْزاءِ، فَقالَ مُقَرِّرًا مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُعَجِّبًا: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ ودَلَّ عَلى كَثْرَةِ المُخْبَرِ عَنْهم تَهْوِيلًا لِلْخَبَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾
ولَمّا كانَ المُرادُ ناسًا مُعَيَّنِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمَنَ القَبْلِ، وهم أهْلُ المُكْنَةِ الزّائِدَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ - أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وبَيَّنَ ”كَمّ“ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ مُقْتَرِنِينَ في زَمانٍ واحِدٍ، وهم أهْلُ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ - كَما صَحَّحَهُ القامُوسُ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ – لِغُلامٍ: ( عِشْ قَرْنًا )، فَعاشَ مِائَةً» . هَذا نِهايَةُ القَرْنِ، والأقْرَبُ أنَّهُ لا يَتَقَدَّرُ، بَلْ إذا انْقَضى أكْثَرُ أهْلِ عَصْرٍ قِيلَ: انْقَضى القَرْنُ، ودَلَّ عَلى ما شاهَدُوا مِن آثارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَكَّنّاهُمْ﴾ أيْ: ثَبَّتْناهم بِتَقْوِيَةِ الأسْبابِ مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ والقُوَّةِ في الأبْدانِ والسِّعَةِ في الأمْوالِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: بِالقُوَّةِ والصِّحَّةِ والفَراغِ ما لَمْ نُمَكِّنْكم، ومَكَّنّا لَهم بِالخِصْبِ والبَسْطَةِ والسِّعَةِ ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ﴾ أيْ: تَمْكِينًا لَمْ نَجْعَلْهُ ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: نَخُصُّكم بِهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ أوْ شِبْهِهِ، والِالتِفاتُ مِن (p-٢٣)الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الحالُ؛ لِأنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ يَصْلُحُ لِكُلٍّ مِنَ المَفْضُولِ والفاضِلِ، ولا يُبْقِي اللَّبْسَ التَّعْبِيرُ بِالماضِي في قَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْنا السَّماءَ﴾ أيْ: المَطَرَ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ سَبَبِهِ، أوْ: السَّحابَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ المَطَرَ، كانَ التَّقْدِيرُ: حالَ كَوْنِهِ ﴿مِدْرارًا﴾ أيْ: ذا سَيَلانٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ لِأنَّهُ صِفَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الدَّرِّ، قالُوا: ويَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ.
ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَهم بِماءِ السَّماءِ، وكانَ غَيْرَ دائِمٍ، أتْبَعَهُ ماءَ الأرْضِ لِدَوامِهِ ومُلازَمَتِهِ لِلْبَساتِينِ والرِّياضِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا الأنْهارَ تَجْرِي﴾ ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ بِالأرْضِ وبُعْدُهُ مانِعًا مِن تَمامِ الِانْتِفاعِ بِها، أشارَ إلى قُرْبِهِ وعَدَمِ عُمُومِ الأرْضِ بِهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِهِمْ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الأرْضِ وأسْكَنّاهُ في أعْماقِها فَصارَتْ بِحَيْثُ إذا حُفِرَتْ نَبَعَ مِنها [مِن] الماءِ ما يَجْرِي مِنهُ نَهْرٌ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ مِنَ الماءِ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ - فَكانَ مِن أظْهَرِ الأشْياءِ أنَّهُ غَرَزَ نَباتَهم واخْضَرَّتْ سُهُولُهم وجِبالُهم، فَكَثُرَتْ زُرُوعُهم وثِمارُهم، فاتَّسَعَتْ أحْوالُهم وكَثُرَتْ أمْوالُهم فَتَيَسَّرَتْ آمالُهم - أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لِهَوانِهِمْ اسْتِدْراجًا لَهم بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أيْ: الَّتِي كانَتْ عَنْ بَطَرِهِمْ النِّعْمَةَ (p-٢٤)ولَمْ نُبالِ بِهِمْ ولا أغْنَتْ عَنْهم نِعَمُهم.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما أبْقى عَلى عَبْدِهِ أوْ صاحِبِهِ خَوْفًا مِنَ الِاحْتِياجِ إلى مِثْلِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ، فَقالَ: ﴿وأنْشَأْنا﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ الخُلْدَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ: فِيما كانُوا فِيهِ ﴿قَرْنًا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُبْقِ مِنَ المُهْلَكِينَ أحَدًا، وأنَّ هَذا القَرْنَ الثّانِيَ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ بِنَسَبِ بُقُولِهِ: ﴿آخَرِينَ﴾ ولَمْ يُنْقِصْ مُلْكَنا شَيْئًا، فاحْذَرُوا أنْ نَفْعَلَ بِكم كَما فَعَلْنا بِهِمْ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلَ آيَةِ الرُّومِ ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ [الروم: ٩] - الآيَةُ، فَتَمْكِينُهم هو المُرادُ بِالشِّدَّةِ هُناكَ، والتَّمْكِينُ لَهم هو المُرادُ بِالعِمارَةِ، والإهْلاكُ بِالذُّنُوبِ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ [الروم: ٩] إلى آخِرِ الآيَتَيْنِ.
الأنعام 6:7
ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ ما مَضى: ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِرَبِّهِمْ غَيْرَهُ ويُكَذِّبُونَكَ فِيما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ مَعَ ما أوْضَحْتَ عَلَيْهِ مِنَ الحُجَجِ ونَصَبْتَ مِنَ الدَّلائِلِ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، كانَ المَقامُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ لِسانُ الحالِ: أنْزِلْ عَلَيْهِمْ يا رَبِّ ما يَنْتَقِلُونَ بِهِ مِنَ النَّظَرِ بِالفِكْرِ إلى العِيانِ كَما اقْتَرَحُوا عَلَيَّ، فَأخْبَرَهُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ، بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ﴾ [الأنعام: ٤] تَحْقِيقًا لَهُ وتَصْوِيرًا في جَرْيَتِهِ: ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْكَ كِتابًا﴾ أيْ: مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ (p-٢٥)﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ أيْ: ورَقٍ، إجابَةً لِما أشارَ عَلَيْهِمْ اليَهُودُ بِاقْتِراحِهِ، ثُمَّ حَقَّقَ أنَّهُ واضِحُ الأمْرِ، لَيْسَ بِخَيالٍ ولا فِيهِ نَوْعُ لَبْسٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَسُوهُ﴾ أيْ: زِيادَةً عَلى الرُّؤْيَةِ. وزادَ في التَّحْقِيقِ والتَّصْوِيرِ ودَفْعِ التَّجَوُّزِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيهِمْ لَقالَ﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِنَ المَوْجُودِينَ مَن يَسْكُتُ ويُؤْمِنُ ولَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: حُكْمًا بِتَأبُّدِ كُفْرِهِمْ سَتْرًا لِلْآياتِ عِنادًا ومُكابَرَةً، ولَعَلَّهُ أسْقَطَ مِنهم إشارَةً إلى عُمُومِ دَعْوَتِهِ، أيْ: مِنَ العَرَبِ ومِن غَيْرِهِمْ مِن أُمَّةِ دَعْوَتِكَ، ولا سِيَّما اليَهُودُ المُشارُ إلى تَعَنُّتِهِمْ وكَذِبِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣] ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هَذا إلا سِحْرٌ﴾ أيْ: تَمْوِيهٌ وخَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وزادُوا في الوَقاحَةِ فَقالُوا: ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: واضِحٌ ظاهِرٌ، قالَ صاحِبُ كِتابِ (الزِّينَةِ): مَعْنى السِّحْرِ في كَلامِ العَرَبِ التَّعْلِيلُ بِالشَّيْءِ والمُدافَعَةُ بِهِ والتَّعْزِيرُ بِشَيْءٍ لا مَحْصُولَ لَهُ، يُقالُ: سَحَرَهُ - إذا عَلَّلَهُ وعَزَّرَهُ وشَبَّهَ عَلَيْهِ حَتّى لا يَدْرِيَ مِن أيْنَ يَتَوَجَّهُ ويَقْلِبُ عَنْ وجْهِهِ، فَكَأنَّ السَّحَرَةَ يُعَلِّلُونَ النّاسَ بِالباطِلِ ويُشَبِّهُونَ الباطِلَ في صُورَةِ الحَقِّ ويَقْلِبُونَهُ عَنْ جِهَتِهِ.
الأنعام 6:8
ولَمّا بَيَّنَ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الإجابَةِ إلى ما أشارَ إلى أنَّ اليَهُودَ اقْتَرَحُوهُ مِن إنْزالِ الكِتابِ - أخْبَرَ أنَّهم اقْتَرَحُوا ظُهُورَ المَلِكِ [لَهُمْ]، وبَيَّنَ لَوازِمَهُ، فَإنَّهم قالُوا: لَوْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا لَوَجَبَ كَوْنُهُ مَلَكًا لِيَكُونَ أكْثَرَ (p-٢٦)عِلْمًا وأقْوى قُدْرَةً وأظْهَرَ امْتِيازًا عَنِ البَشَرِ، فَتَكُونُ الشُّبْهَةُ في رِسالَتِهِ أقَلَّ، والحَكِيمُ إذا أرادَ تَحْصِيلَ مُهِمٍّ كانَ الأوْلى تَحْصِيلُهُ بِما هو أسْرَعُ إيصالًا إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وقالُوا لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ ظاهِرًا لَنا يُكَلِّمُنا ونُكَلِّمُهُ ولا يَحْتَجِبُ عَنّا.
ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهم مُشِيرًا إلى شُبْهَتِهِمْ، نَقَضَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ: والحالُ أنّا لَوْ ﴿أنْـزَلْنا﴾ وأسْقَطَ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ لِعَدَمِ الِاحْتِياجِ في رَدِّ كَلامِهِمْ إلى ذِكْرِها. ولِئَلّا يَكُونَ فِيهِ تَسَلِّيهِمْ لِما لَوَّحُوا إلَيْهِ مِن إنْكارِهِمْ نُزُولَ المَلَكِ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: كَما اقْتَرَحُوهُ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ عَلى صُورَتِهِ أوْ لا، فَإنْ كانَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها لَمْ يَثْبُتُوا لِرُؤْيَتِهِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ ﴿لَقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: بِهَلاكِهِمْ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ إلى غايَةِ السُّرْعَةِ لِسُهُولَةِ الأمْرِ وخِفَّةِ مُؤْنَتِهِ، فَإنَّهُ لا يَنْظُرُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا صُعِقَ، ولَئِنْ أعْطَيْناهم قُوَّةً يَثْبُتُونَ بِها لِنَظَرِهِ لَيَكُونَنَّ قَضاءٌ لِلْأمْرِ وانْفِصالٌ لِلنِّزاعِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ ذَلِكَ كَشْفٌ لِلْغِطاءِ وفَواتٌ لِلْإيمانِ بِالغَيْبِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُنا بِالإهْلاكِ عِنْدَ ذَلِكَ، فَإذا هم هالِكُونَ عَلى كُلٍّ مِن هَذَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ مُهَوِّلًا لِرُتْبَتِهِ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ أيْ: عَلى حالَةٍ مِن هاتَيْنِ، وأمّا إنْ جَعَلْناهُ عَلى صُورَةٍ يَسْتَطِيعُونَ نَظَرَها فَإنّا نَجْعَلُهُ (p-٢٧)عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، فَإنَّها أكْمَلُ الصُّوَرِ، وحِينَئِذٍ يَقَعُ لَهم اللَّبْسُ الَّذِي وقَعَ لَهم بِدُعائِكَ، وهو مَعْنى
الأنعام 6:9
﴿ولَوْ جَعَلْناهُ﴾ أيْ: مَطْلُوبَهم ﴿مَلَكًا﴾ أيْ: يُمْكِنُ في مَجارِي العاداتِ في هَذِهِ الدّارِ رُؤْيَتُهم لَهُ وبَقاؤُهم بَعْدَ رُؤْيَتِهِ ﴿لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ أيْ: في صُورَةِ رَجُلٍ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى تَمامِ اللَّبْسِ حَتّى [إنَّهُ] لا يَشُكُّ أحَدٌ يَراهُ في كَوْنِهِ رَجُلًا، كَما كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْزِلُ في بَعْضِ الأوْقاتِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، فَإذا رَآهُ بَعْضُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمْ يَشُكَّ أنَّهُ دِحْيَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”و“ لَوْ جَعَلْناهُ رَجُلًا ”لَلَبَسْـنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبَسُونَ“ أيْ: لَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِجَعْلِنا إيّاهُ رَجُلًا ما يَخْلِطُونَهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِمْ: إنَّ الرِّسالَةَ لا تَصِحُّ مِنَ البَشَرِ، فَلَوْ كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ رَسُولًا لَكانَ مَلَكًا، فَوَقَعَ اللَّبْسُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الَّذِي يَقُولُ: إنَّهُ رَسُولٌ، مَلَكًا كانَ رَجُلًا، ويَجُوزُ أنْ يُقَرَّرَ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ ﴿ولَوْ نَـزَّلْنا﴾ [الأنعام: ٧] في حَيِّزِ ﴿كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] أيْ: أعْرَضُوا عَنّا لَوْ نَزَّلْناها عَلَيْكَ في غَيْرِ قِرْطاسٍ، ولَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ مِنَ السَّماءِ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَجَعَلْنا لَهم في ذَلِكَ بَيْنَ حِسِّ البَصَرِ واللَّمْسِ لَأعْرَضُوا، وقالَ الَّذِينَ أبَّدْنا كُفْرَهم عِنادًا (p-٢٨)ومُكابَرَةً: ما هَذا إلّا سِحْرٌ ظاهِرٌ، ويَكُونُ ”وقالُوا“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنعام: ٧] ويَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ اقْتِراحِهِمْ لِذَلِكَ بِما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في سُورَةِ الإسْراءِ بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] إلى آخِرِها، فَيَكُونُ إخْبارًا بِمَغِيبٍ.
الأنعام 6:10
ولَمّا قَطَعَ الرَّجاءَ لِهِدايَةِ مَن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ، وكانَ طَلَبُهم لِإنْزالِ المَلَكِ ونَحْوِهِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ والِاسْتِهْزاءِ، وكانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - غايَةَ المَشَقَّةِ - التَفَتَتْ النَّفْسُ إلى الإراحَةِ مِنهم وتَوَقَّعَتْهُ لِما تَقَدَّمَ مِن مَظاهِرِ العَظَمَةِ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ في سِياقٍ مُتَكَفِّلٍ بِتَسْلِيَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ سُنَّتَهُ فِيمَن فَعَلَ فِعْلَهم، فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] -: ﴿ولَقَدِ﴾ أيْ: هَذا مِنهم إنَّما هو اسْتِهْزاءٌ بِكَ ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ: أُوقِعَ الهَزْءُ وأُوجِدَ مِنَ الأُمَمِ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَنكِيَّ الِاسْتِهْزاءُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، وإشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يَقَعُ لَهم ذَلِكَ مِنَ الأعْلى والأدْنى ﴿بِرُسُلٍ﴾
ولَمّا كانَ القُرْبُ في الزَّمَنِ في مِثْلِ هَذا مِمّا يُسَلِّي، وكانَ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ والإرْسالِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمَنَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ فَأهْلَكْنا مَن هَزَأ بِهِمْ، وهو مَعْنى ﴿فَحاقَ﴾ أيْ: فَأحاطَ (p-٢٩)﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَتَوَعَّدُونَ بِهِ، وكانَ سَبَبًا لِهَزْئِهِمْ.
الأنعام 6:11
ولَمّا [عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم يَقُولُونَ في جَوابِ هَذا: إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ]، أمَرَهُ ﷺ بَعْدَ ما مَضى مِنَ التَّعْجِيبِ مِن كَوْنِهِمْ لَمْ يَنْظُرُوا بِقُلُوبِهِمْ أوْ أبْصارِهِمْ مَصارِعَ الماضِينَ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ [الأنعام: ٦] أنْ يَأْمُرَهم بِأنْ يُشاهِدُوا مَصارِعَ مَن تَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ عِلْمُ أنَّهم أُهْلِكُوا بِمِثْلِ تَكْذِيبِهِمْ مِن قَوْمِ صالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ وغَيْرِهِمْ لِيُغْنِيَهم ذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةِ ما اقْتَرَحُوا، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا السَّيْرَ لِلِاعْتِبارِ ولا تَغْتَرُّوا بِإمْهالِكم وتَمْكِينِكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ - الآيَةُ، وهي كالدَّلِيلِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ بِالتَّحْذِيرِ مِن مِثْلِ أخْذِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، وكانَ قَدْ سَلَفَ أنَّهُ لا تَقْدَمُهم عَنْ آجالِهِمْ، أمْهَلَهم في النَّظَرِ فَإنَّهُ أقْوى في التَّهْدِيدِ، وأدَلُّ عَلى القُدْرَةِ، وأدْعى إلى النَّصْفَةِ ولا سِيَّما والسُّورَةُ مِن أوائِلِ القُرْآنِ نُزُولًا وأوائِلِهِ تَرْتِيبًا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾ وأشارَ إلى أنَّ هَذا أهْلٌ لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ (p-٣٠)﴿المُكَذِّبِينَ﴾ أيْ: أنْعِمُوا النَّظَرَ وبالِغُوا في التَّفَكُّرِ وأطِيلُوا التَّدَبُّرَ إذا رَأيْتُمْ آثارَ المُعَذَّبِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، فَإنَّكم إذا شاهَدْتُمْ تِلْكَ الآثارَ كَمُلَ لَكم الِاعْتِبارُ وقَوِيَ الِاسْتِبْصارُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ الأمْرَ في غايَةِ الِانْكِشافِ، فَكُلَّما طالَ الفِكْرُ فِيهِ ازْدادَ ظُهُورًا.
الأنعام 6:12
ولَمّا أمَرَهم - سُبْحانَهُ - بِالسَّيْرِ، سَألَهم هَلْ يَرَوْنَ في سَيْرِهِمْ وتَطْوافِهِمْ وجَوَلانِهِمْ واعْتِسافِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ؟ تَذْكِيرًا لَهم بِما رَحِمَهم بِهِ مِن ذَلِكَ في إيجادِهِ لَهم أوَّلًا وتَيْسِيرِ مَنافِعِهِ ودَفْعِ مَضارِّهِ ثانِيًا، اسْتِعْطافًا لَهم إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ والإعْراضِ عَنِ الخُضُوعِ لِما هو مِثْلُهم أوْ أقَلُّ مِنهم، وهو مِلْكُهُ - سُبْحانَهُ - وفي قَبْضَتِهِ، وتَقْبِيحًا لِأنْ يَأْكُلُوا خَيْرَهُ ويَعْبُدُوا غَيْرَهُ. فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم عَلى إثْباتِ الصّانِعِ والنُّبُوَّةِ والمُعادِ، ومُبَكِّتًا بِسَفَهِهِمْ وشِدَّةِ جَهْلِهِمْ وعَمَهِهِمْ: ﴿قُلْ لِمَن﴾ ونَبَّهَ بِتَقْدِيمِ المَعْمُولِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالمَعْبُودِ ﴿ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾
ولَمّا كانُوا في مَقامِ العِنادِ حَيْثُ لَمْ يُبادِرُوا إلى الإذْعانِ بَعْدَ نُهُوضِ الأدِلَّةِ وإزاحَةِ كُلِّ عِلَّةٍ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْرِضًا عَنْ انْتِظارِ جَوابِهِمْ تَوْبِيخًا لَهم بِعَدَمِ النَّصْفَةِ الَّتِي يَدَّعُونَها: ”قُلْ اللَّهُ“ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ قُدْرَةً وعِلْمًا ولا كُفُؤَ لَهُ، لا لِغَيْرِهِ، وهم وإنْ كانُوا مُعانِدِينَ فَإنَّهم لا يُمْكِنُهم رَدُّ قَوْلِكَ، لا سِيَّما وجَوابُ الإنْسانِ عَمّا سَألَهُ إنَّما يَحْسُنُ (p-٣١)أنْ يَتَعاطاهُ هو بِنَفْسِهِ إذا كانَ قَدْ بَلَغَ في الظُّهُورِ إلى حَدٍّ لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِهِ مُنْكِرٌ، وهو هُنا كَذَلِكَ لِأنَّ آثارَ الحُدُوثِ والإمْكانِ ظاهِرَةٌ عَلى صَفَحاتِ الأكْوانِ، فَكانَ الإقْرارُ بِهِ ضَرُورِيًّا، لا خِلافَ فِيهِ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما في هَذا الكَوْنِ مَنافِعُ مَعَ كَوْنِها حَسَنَةً لَذِيذَةً طَيِّبَةً شَهِيَّةً، وما كانَ فِيها مِن مَضارَّ فَهي مَحْجُوبَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَنْهم، يَقِلُّ وُصُولُها إلَيْهِمْ إلّا بِتَسَبُّبِهِمْ فِيها، والكُلُّ مَعَ ذَلِكَ دَلائِلُ ظاهِرَةٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، وكانَ ذَلِكَ أهْلًا لِأنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ لِعُمُومِ هَذا الإحْسانِ، مَعَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ والعُدْوانِ، وتَأْخِيرُ العَذابِ عَنْهم مَعَ العِنادِ والطُّغْيانِ قالَ: دالًّا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كَتَبَ﴾ أيْ: وعَدَ وعْدًا هو كالمَكْتُوبِ الَّذِي خَتَمَ، وأكَّدَ غايَةَ التَّأْكِيدِ، أوْ كَتَبَ حَيْثُ أرادَ سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَتْ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ قالَ: ﴿عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ أيْ: فَلِذَلِكَ أكْرَمَكم هَذا الإكْرامَ بِوُجُوهِ الإنْعامِ، وأخَّرَ عَنْكم الِانْتِقامَ بِالِاسْتِئْصالِ، ولَوْ شاءَ هو لَسَلَّطَ عَلَيْكم المَضارَّ، وجَعَلَ عَيْشَكم مِن غَيْرِ اللَّذِيذِ كالتُّرابِ وبَعْضِ القاذُوراتِ الَّتِي يَعِيشُ بِها بَعْضُ الحَيَواناتِ.
(p-٣٢)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَطْمَعًا لِلظّالِمِ البَطِرِ، ومَعْجَبًا مُحَيِّرًا مُؤْسِفًا لِلْمَظْلُومِ المُنْكَسِرِ - قالَ مُحَذِّرًا مُرَحِّبًا مُبَشِّرًا مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الخِطابِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأنَصُّ عَلى المَقْصُودِ دالًّا عَلى البَعْثِ بِما مَضى مِن إثْباتِ أنَّ الأكْوانَ لِلَّهِ؛ لِأنَّ كُلَّ ما فِيها مَوْصُوفٌ بِصِفاتٍ يَجُوزُ اتِّصافُهُ بِأضْدادِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ جِسْمٍ بِصِفَتِهِ المُعَيَّنَةَ إنَّما يَكُونُ بِتَخْصِيصِ الفاعِلِ المُخْتارِ، فَيَكُونُ قادِرًا عَلى الإعادَةِ؛ لِأنَّ التَّرْكِيبَ الأوَّلَ إنَّما كانَ لِأنَّ صانِعَهُ قادِرٌ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لِكَوْنِهِ عالِمًا بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، والِاتِّصافُ بِذَلِكَ لا يَجُوزُ انْفِكاكُهُ عَنْهُ فَهو مَلِكٌ مُطاعٌ آمِرٌ ناهٍ مُرْسِلٌ مَن يُبَلِّغُ عَنْهُ أوامِرَهُ ونَواهِيَهُ لِإظْهارِ ثَمَرَةِ المُلْكِ مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ في يَوْمِ الجَمْعِ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ أيْ: واللَّهِ، مَحْشُورِينَ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ لِلْعَدْلِ بَيْنَ جَمِيعِ العِبادِ كائِنًا ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وذَلِكَ الجَمْعُ لِتَخْصِيصِ الرَّحْمَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِأوْلِيائِهِ والمَقْتِ والنِّقْمَةِ بِأعْدائِهِ بَعْدَ أنْ كانَ عَمَّ بِالرَّحْمَةِ الفَرِيقَيْنِ في يَوْمِ الدُّنْيا، وجَعَلَ الرَّحْمَةَ أظْهَرَ في حَقِّ الأعْداءِ، [وبِهَذا الجَمْعِ تَمَّتْ الرَّحْمَةُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الخَلْقِ، ولَوْلاهُ ارْتَفَعَ الضَّبْطُ وكَثُرَ الخَبْطُ كَما كانَ في الجاهِلِيَّةِ] .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ في عَدَمِ الرَّيْبِ لِإخْبارِ اللَّهِ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ ولِما عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ لِما في هَذا الخَلْقِ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ مَعَ خُرُوجِ أكْثَرِ أفْعالِ الحَيَوانِ عَنِ العَدْلِ، فَصارَ مِنَ المَعْلُومِ (p-٣٣)لِكُلِّ ذِي وعْيٍ أنَّ البَعْثَ مَحَطُّ الحِكْمَةِ لِإظْهارِ التَّحَلِّي بِالصِّفاتِ العُلى لِجَمِيعِ الخَلْقِ: الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ، القَرِيبُ والبَعِيدُ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَنا نَرى أكْثَرَ النّاسِ كافِرًا بِهِ، فَقالَ - جَوابًا -: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِإهْلاكِهِمْ إيّاها بِتَكْذِيبِهِمْ بِهِ لِمُخالَفَةِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي تَهْدِي الأخْرَسَ، وسَتْرِ العَقْلِ السَّلِيمِ ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ خَسارَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِإهْمالِ العَقْلِ وإعْمالِ الحَواسِّ والتَّقَيُّدِ بِالتَّقْلِيدِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ فَصارُوا كَمَن يُلْقِي نَفْسَهُ مِن شاهِقٍ لِيَمُوتَ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ الفاسِدَةِ، لا بِسَبَبِ خَفاءٍ في أمْرِ القِيامَةِ ولا لَبْسٍ بِوَقْعِ رَبِّنا، وصارَ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في هَذا اليَوْمِ هم المَقْضِيُّ بِخَسارَتِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ.
الأنعام 6:13
ولَمّا اسْتَنارَتْ الأدِلَّةُ اسْتِنارَةَ الشَّمْسِ وانْتَصَبَتْ البَراهِينُ حَتّى لَمْ يَبْقَ أصْلًا نَوْعُ لَبْسٍ، عَمَّ بِالخَبَرِ عَمّا تَقَدَّمَ مِمّا يُشاهِدُونَهُ وغَيْرَهُ، فَقالَ ذاكِرًا الزَّمانَ بَعْدَ المَكانِ، وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ أظْهَرُ، والمَعْلَمُ الكامِلُ هو الَّذِي يَبْدَأُ بِالأظْهَرِ فالأظْهَرِ مُتَرَقِّيًا إلى الأخْفى فالأخْفى، فَتَمَّ بِذَلِكَ الخَبَرُ عَنِ الزَّمانِ والزَّمانِيّاتِ والمَكانِ والمَكانِيّاتِ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿ما سَكَنَ﴾ أيْ: حَلَّ وتَحَيَّزَ وحَصَلَ ﴿فِي اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيْ: ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْكُنَ فِيهِما وإنْ كانَ مُتَحَرِّكًا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ دُونَ التَّحَرُّكِ لِأنَّها دارُ المَوْتِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ النُّورُ والظُّلْمَةُ اللَّذانِ أشْرَكَ بِهِما مَن أشْرَكَ.
ولَمّا دَلَّ ما مَضى عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ، وانْقَسَمَ إلى مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ، (p-٣٤)وكانَتْ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: العامُّ العِلْمِ بِالبَصَرِ والسَّمْعِ وغَيْرِهِما بِكُلِّ مُتَحَرِّكٍ وبِكُلِّ ساكِنٍ مِن أقْوالِكم وأفْعالِكم وغَيْرِهِما، فَلا تَطْمَعُوا في أنْ يُتْرَكَ شَيْءٌ مِن مُجازاتِكم، والعَلِيمُ هُنا أبْلَغُ مِنَ البَصِيرِ، وذَلِكَ مِثْلُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦] وهو تَرْجَمَةُ قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣]
الأنعام 6:14
ولَمّا نَهَضَ مِنَ الحُجَجِ ما لَمْ يَبْقَ مَعَهُ لِذِي بَصِيرَةٍ شَكٌّ، كانَ لِسانُ الحالِ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُنادِي بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ في الِالتِفاتِ عَنْ جَنابِهِ والإعْراضِ عَنْ بابِهِ فَأبْرَزَ تَعالى ذَلِكَ في قالَبِ الأمْرِ لَهُ ﷺ بِالإنْكارِ عَلى نَفْسِهِ، لِيَكُونَ أدْعى لَهم وأرْفَقَ بِهِمْ، ولِأنَّ ما تَقَدَّمَ مُنْبِئٌ عَنْ غايَةِ المُخالَفَةِ، مُنْذِرٌ بِما أنْذَرَ مِن سُوءِ عاقِبَةِ المُشاقَقَةِ، فَكَأنَّهم قالُوا: فَهَلْ مِن سَبِيلٍ إلى المُوافَقَةِ؟ فَقِيلَ: لا إلّا بِاتِّخاذِكم إلَهِي ولِـيًّا، وذَلِكَ لَعَمْرِي سَعادَتُكم في الدّارَيْنِ، وبِتَطَمُّعِكِمْ في اتِّخاذِي أنْدادَكم أوْلِياءَ، وهَذا ما لا يَكُونُ أبَدًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ﴾ أيْ: مُصَرِّحًا لَهم بِإنْكارِ أنْ تَمِيلَ إلى أنْدادِهِمْ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ مُنْصَبًّا إلى كَوْنِ الغَيْرِ مُتَّخِذًا، لا إلى اتِّخاذِ الوَلِيِّ، (p-٣٥)أوْلى ( غَيْرَ ) الهَمْزَةَ [فَقالَ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ يُدانِيهِ في العَظَمَةِ ﴿أتَّخِذُ﴾ [أيْ] أُكَلِّفُ نَفْسِي إلى خِلافِ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى والعَقْلُ المُجَرَّدُ عَنِ الهَوى كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ وآخُذُ ﴿ولِيًّا﴾ أيْ: أعْبُدُهُ لِكَوْنِهِ يَلِي جَمِيعَ أُمُورِي، ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُحَقِّقُ وِلايَتَهُ ويَصْرِفُ عَنْ وِلايَةِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: خالِقَهُما ابْتِداءً عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ اللَّهَ ﴿يُطْعِمُ﴾ أيْ: يَرْزُقُ كُلَّ مَن سِواهُ مِمّا فِيهِ رُوحٌ.
ولَمّا كانَ المَنفِيُّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ مَفْعُولًا مِنَ الطَّعْمِ، لا كَوْنُ ذَلِكَ مِن مَطْعَمٍ مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُطْعَمُ﴾ أيْ: ولا يَبْلُغُ أحَدٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أنْ يُطْعِمَهُ، والمَعْنى أنَّ المَنافِعَ مِن عِنْدِهِ، ولا يَجُوزُ عَلَيْهِ الِانْتِفاعُ، فامْتَنَعَ في العَقْلِ اتِّخاذُ غَيْرِهِ ولِيًّا؛ لِأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ في ذاتِهِ وفي جَمِيعِ صِفاتِهِ إلَيْهِ، وهو سُبْحانُهُ الغَنِيُّ عَلى الإطْلاقِ، وهَذا التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وتَعْرِيضٌ بِكُلِّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ ولا سِيَّما الأصْنامُ، فَإنَّهم كانُوا يُهْدُونَ لَها الأطْعِمَةَ فَتَأْكُلُها الدَّوابُّ والطُّيُورُ، فَمَعْلُومٌ أنَّها لا تُطْعِمُ ولا تُطْعَمُ رَوى الدّارِمِيُّ في (p-٣٦)أوَّلِ مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (حَدَّثَنِي مَوْلايَ أنَّ أهْلَهُ بَعَثُوا مَعَهُ بِقَدَحٍ فِيهِ زُبْدٌ ولَبَنٌ إلى آلِهَتِهِمْ، قالَ: فَمَنَعَنِي أنْ آكُلَ الزُّبْدَ مَخافَتُها، فَجاءَ كَلْبٌ فَأكَلَ الزُّبْدَ وشَرِبَ اللَّبَنَ ثُمَّ بالَ عَلى الصَّنَمِ ) ومَوْلاهُ كانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ الإسْلامِ، واخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ: هو قَيْسُ بْنُ السّائِبِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ عائِذِ بْنِ عِمْرانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وقِيلَ: قَرِيبُهُ السّائِبُ بْنُ أبِي السّائِبِ صَيْفِيُّ بْنُ عائِذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْرُومٍ. وقِيلَ: ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ السّائِبِ - واللَّهُ أعْلَمُ. ولَهُ عَنْ أبِي رَجاءٍ - هو العُطارِدِيُّ وهو مُخَضْرَمٌ - قالَ: ( كُنّا في الجاهِلِيَّةِ إذا أصَبْنا حَجَرًا حَسَنًا عَبَدْناهُ، وإنْ لَمْ نُصِبْ حَجَرًا جَمَعْنا كُثْبَةً مِن رَمْلٍ، ثُمَّ جِئْنا بِالنّاقَةِ الصَّفِيِّ فَنُفاجُّ عَلَيْها فَنَحْلِبُها عَلى الكُثْبَةِ حَتّى نَرْوِيَها، ثُمَّ نَعْبُدُ تِلْكَ الكُثْبَةَ ما أقَمْنا بِذَلِكَ المَكانِ ) وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى أنَّهُ كَما خَلَقَكم كُلُّكم مِن طِينٍ عَلى اخْتِلافِكم في المَقادِيرِ والألْوانِ والأخْلاقِ وهو غَنِيٌّ عَنْكم، فَكَذَلِكَ خَلَقَ المَطْعُوماتِ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِها وطَعُومِها ومَنافِعِها وألْوانِها مِن طِينٍ، وجَعَلَها مَنافِعَ لَكم وهو غَنِيٌّ عَنْها، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ (p-٣٧)مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] المُسْتَوْفى في مِضْمارِهِ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وفي الآيَةِ كُلِّها التِفاتٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] وقَوْلِهِ في الَّتِي قَبْلَها ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٨١] في أمْثالِها مِمّا فِيهِ تَوَلِّي الكُفّارِ لِغَيْرِ خالِقِهِمْ - سُبْحانَهُ وتَعالى - هَذا لَوْ لَمْ يَرِدْ أمْرٌ مِن قِبَلِ الخالِقِ كانَ النَّظَرُ السَّدِيدُ كافِيًا في التَّنَزُّهِ عَنْهُ، كَما كُنْتُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا ألْتَفِتُ إلى أصْنامِكم ولا أعْتَبِرُ لِلْعِبادَةِ شَيْئًا مِن أنْصابِكم، فَكَيْفَ وقَدْ أُمِرْتُ بِذَلِكَ! وهو مَعْنى ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ﴾ أيْ: مِن جِهَةِ مَن لَهُ الأمْرُ، ولا أمْرَ إلّا لَهُ وهو مَن تَقَدَّمَ أنَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وهو اللَّهُ وحْدَهُ ﴿أنْ أكُونَ﴾ أيْ: بِقَلْبِي وقالَبِي ﴿أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ في الرُّتْبَةِ مُطْلَقًا، وفي الزَّمانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ بِالإسْلامِ نَهْيًا عَنِ الشِّرْكِ، لَمْ يَكْتَفِ بِهِ، بَلْ صَرَّحَ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الأمْرِ والنَّهْيِ مِن هَذا الرَّبِّ الكَرِيمِ الَّذِي يَدْعُو إحْسانُهُ وكَرَمُهُ إلى وِلايَتِهِ، ويَنْهى تَمامُ مُلْكِهِ وجَبَرُوتِهِ عَنْ شَيْءٍ مِن عَداوَتِهِ، في قَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿قُلْ﴾ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: ﴿ولا تَكُونَنَّ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أصْلًا ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: في (p-٣٨)عِدادِهِمْ بِاتِّباعِهِمْ في شَيْءٍ مِن أغْراضِهِمْ، وهَذا التَّأْكِيدُ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ عَنْهُ ﷺ في سُؤالِهِمْ أنْ يَطْرُدَ بَعْضَ أتْباعِهِ لِيُوالُوهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا كانُوا يَرْجُونَ مُقارَبَتَهُ مِنهم بِهِ، إعْلامًا بِأنَّ فِعْلَ شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُونَ مُصَحِّحٌ لِلنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ والكَوْنِ في عِدادِهِمْ ( مَن تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهو مِنهم ) .
الأنعام 6:15
ولَمّا كانَ فِعْلُ المَنهِيِّ قَدْ لا يُعَذَّبُ عَلَيْهِ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّ المُخالَفَةَ في هَذا مِن أبْلَغِ المُخالَفاتِ، فَصاحِبُها مُسْتَحِقٌّ لِأعْظَمِ الِانْتِقامِ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا لَهم عَنِ الطَّمَعِ فِيهِ، وأكَّدَهُ لِذَلِكَ ولِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْخَوْفِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿أخافُ إنْ عَصَيْتُ﴾ أيَّ شَيْءٍ مِمّا تُرِيدُونَ مِنِّي أنْ أُوافِقَكم فِيهِ بِما أُمِرْتُ بِهِ أوْ نُهِيتُ عَنْهُ ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿عَذابَ يَوْمٍ﴾ ولَمّا كانَ عِظَمُ الظَّرْفِ بِعِظَمِ مَظْرُوفِهِ قالَ: ﴿عَظِيمٍ﴾
الأنعام 6:16
ولَمّا كانَ قَدْ قَدَّمَ مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ ما أطْمَعَ الفاجِرَ ثُمَّ أيْأسَهُ مِن ذَلِكَ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الخَسارَةِ - صَرَّحَ هُنا بِما اقْتَضاهُ ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ، فَقالَ واصِفًا لِذَلِكَ العَذابِ مُبَيِّنًا أنَّ الرَّحْمَةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى غَيْرِ المَعْهُودِ الآنَ، فَإنَّها خاصَّةٌ لا عامَّةٌ دائِمَةُ السُّبُوغِ عَلى مَن نالَتْهُ، لا زائِلَةٌ وكَذا النِّعْمَةُ، هَكَذا شَأْنُ ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ العَذابِ. ولَمّا كانَ المُرادُ دَوامَ الصَّرْفِ في جَمِيعِ اليَوْمِ، قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ يَكُونُ عَذابُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِهِ ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أيْ: فَعَلَ بِهِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِ فِعْلَ المَرْحُومِ ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الفَوْزُ﴾ أيْ:: (p-٣٩)الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ ﴿المُبِينُ﴾ أيْ: الظّاهِرُ جِدًّا، ومَن لَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ فَقَدْ أهانَهُ، وذَلِكَ هو العَذابُ العَظِيمُ.
الأنعام 6:17
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ يُصْرَفْ عَنْكَ ذَلِكَ العَذابُ فَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ دَلِيلًا آخَرَ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في العَقْلِ أنْ يَتَّخِذَ غَيْرَهُ ولِيًّا، فَقالَ مُعَمِّمًا لِلْحُكْمِ في ذَلِكَ العَذابِ وغَيْرِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا مُخَلِّصَ لِمَن أُوقِعَ بِهِ: ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّرْهِيبِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِضُرٍّ﴾ أيْ: هُنا أوْ هُناكَ ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا هُوَ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إيقاعِهِ، ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى دِفاعِهِ؛ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ أرادَ.
ولَمّا كانَ القِياسُ عَلى الأوَّلِ مُوجِبًا لِأنْ يَكُونَ الجَزاءُ: فَلا مانِعَ لَهُ، كانَ وصْفُهُ مِن صِفَةِ قَوْلِهِ ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ ولا يَقْدِرُ غَيْرُهُ عَلى مَنعِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ سُبْحانَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ.
الأنعام 6:18
ولَمّا كانَتْ الجُمْلَتانِ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَأفادَتا بِما ذُكِرَ وما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِمّا حُذِفَ أنَّهُ تَعالى غالِبٌ عَلى أمْرِهِ، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿وهُوَ القاهِرُ﴾ أيْ: الَّذِي يُعْمِلُ مُرادَهُ كُلَّهُ ويَمْنَعُ غَيْرَهُ مُرادَهُ إنْ شاءَ، وصَوَّرَ قَهْرَهُ وحَقَّقَهُ لِتَمَكُّنِ الغَلَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ عَبْدٌ ولَمّا كانَ في القَهْرِ ما يَكُونُ مَذْمُومًا - نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ فَلا يُوصَلُ أثَرُ القَهْرِ بِإيقاعِ المَكْرُوهِ (p-٤٠)إلّا لِمُسْتَحِقٍّ، وأتَمَّ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: بِما يَسْتَحِقُّ كُلُّ شَيْءٍ، فَتَمَّتْ الأدِلَّةُ عَلى عَظِيمِ سُلْطانِهِ وأنَّهُ لا فاعِلَ غَيْرُهُ.
الأنعام 6:19
ولَمّا خَتَمَ بِصِفَتَيْ الحِكْمَةِ والخِبْرَةِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلِمَ لَمْ يَعْلَمْ أنّا نُكَذِّبُكَ بِخِبْرَتِهِ فَيُرْسِلُ مَعَكَ بِحِكْمَتِهِ مَن يَشْهَدُ لَكَ - عَلى ما يَقُولُ مِن أنَّهُ أمَرَكَ أنْ تَكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، ونَهاكَ عَنِ الشِّرْكِ لِنُصَدِّقَكَ - مِن مَلَكٍ كَما تَقَدَّمَ سُؤالُنا لَكَ فِيهِ أوْ كِتابٍ في قِرْطاسٍ أوْ غَيْرِهِما؟ فَقالَ: قَدْ فَعَلَ، ولَمْ يَرْضَ لِي إلّا بِشَهادَتِهِ المُقَدَّسَةِ فَقالَ - أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا أقامَ الأدِلَّةَ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ ووَصَلَ إلى صِفَةِ القَهْرِ المُؤْذِنِ بِالِانْتِقامِ، لَمْ يَبْقَ إلّا الإشْهادُ عَلَيْهِمْ إيذانًا بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن سُوءِ العَذابِ وإنْذارًا بِهِ لِئَلّا يَقُولُوا إذا حَلَّ بِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِنا نَذِيرٌ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا أيُّها الرَّسُولُ لَهم ﴿أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ﴾ أيْ: أعْظَمُ وأجَلُّ ﴿شَهادَةً﴾ فَإنْ أنْصَفُوا وقالُوا: اللَّهُ! فَقُلْ: هو الَّذِي يَشْهَدُ لِي، كَما قالَ في النِّساءِ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] ولَكِنَّهُ قَطَعَ الكَلامَ هُنا إشارَةً إلى عِنادِهِمْ أوْ سُكُوتِهِمْ، أوْ إلى تَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُعانِدِ، أوْ العالِمِ بِالشَّيْءِ العامِلِ عَمَلَ الجاهِلِ، فَقالَ آمِرًا لَهُ ﷺ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً أكْبَرُ شَهادَةً.
(p-٤١)ولَمّا كانُوا بِمَعْرِضِ أنْ يُسَلِّمُوا ذَلِكَ ويَقُولُوا: إنَّهُ لَكَذَلِكَ، ولَكِنْ هَلُمَّ شَهادَتَهُ ! قالَ: ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: هو أبْلَغُ شاهِدٍ يَشْهَدُ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ الَّذِي ثَبَتَ بِعَجْزِكم عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ، وبِغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي عَجَزْتُمْ عَنْ مُعارَضَتِها، ولَمّا قَرَّرَ أنَّهُ أعْظَمُ شَهِيدٍ، وأشارَ إلى شَهادَتِهِ بِالآياتِ كُلِّها - نَبَّهَ عَلى أعْظَمِها؛ لِأنَّ إظْهارَهُ تَعالى لِلْقُرْآنِ عَلى لِسانِهِ ﷺ عَلى وفْقِ دَعْواهُ شَهادَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِالصِّدْقِ، فَقالَ ذاكِرًا لِفائِدَتِهِ في سِياقِ تَهْدِيدٍ مُتَكَفِّلٍ بِإثْباتِ الرِّسالَةِ وإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ، وقَدَّمَ الأوَّلَ؛ لِأنَّهُ المُقَرِّرُ لِلثّانِي والمُفْهِمُ لَهُ بِغايَتِهِ، عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ ( شَهِيدٌ ) بانِيًا لِلْمَفْعُولِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ لِلْإعْجازِ، وبَنى لِلْفاعِلِ في السَّوادِ: ﴿وأُوحِيَ إلَيَّ﴾ وحَقَّقَ المُوحى بِهِ وشَخَّصَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّهْدِيدِ قالَ مُقْتَصِرًا عَلى ما يُلائِمُهُ: ﴿لأُنْذِرَكُمْ﴾ أيْ: أُخَوِّفُكم وأُحَذِّرُكم مِن اعْتِقادِ شائِبَةِ نَقْصٍ في الإلَهِ لا سِيَّما الشِّرْكُ ﴿بِهِ ومَن﴾ أيْ: وأُنْذِرُ بِهِ كُلَّ مَن ﴿بَلَغَ﴾ أيْ: بَلَغَهُ، قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تُضْمِرُ الهاءَ في صِلاتِ: ( الَّذِي) و( مَن ) و( ما) . وقالَ البُخارِيُّ في آخِرِ الصَّحِيحِ: ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ (p-٤٢)يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، ومَن بَلَغَ هَذا القُرْآنُ فَهو لَهُ نَذِيرٌ، عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ الجَزْمِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ووَصَلَهُ إلَيْهِ ابْنُ أبِي حاتِمٍ كَما أفادَهُ شَيْخُنا في شَرْحِهِ. وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «بَلِّغُوا عَنِ اللَّهِ، فَمَن بَلَغَتْهُ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ فَقَدْ بَلَغَهُ أمْرُ اللَّهِ». وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الكافِي السُّبْكِيُّ في جَوابِ سُؤالٍ ورَدَ عَلَيْهِ سَنَةَ ثَمانٍ وثَلاثِينَ وسَبْعِمِائَةٍ في أنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَلْ بُعِثَ إلى الجِنِّ - ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ: الكِتابُ والسُّـنَّةُ ناطِقانِ بِذَلِكَ، والإجْماعُ قائِمٌ عَلَيْهِ، لا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ فِيهِ، ثُمَّ أسْنَدَ الإجْماعَ إلى أبِي طالِبٍ القُضاعِيِّ وأبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ في (التَّمْهِيدِ) وأبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ في كِتابِ: (الفِصَلِ) ... وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قالَ: أمّا الكِتابُ فَآياتٌ، إحْداها ﴿لأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: مَن بَلَغَهُ القُرْآنُ فَكَأنَّما رَأى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - فَذَكَرَهُ، وقالَ (p-٤٣)السُّدِّيُّ: مَن بَلَغَ القُرْآنُ فَهو لَهُ نَذِيرٌ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ فَأنا نَذِيرُهُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَّفِقَةُ المَعْنى، وقَدْ أمَرَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ يَقُولَ هَذا الكَلامَ وأنْ يُنْذِرَ بِالقُرْآنِ كُلَّ مَن بَلَغَهُ، ولَمْ يَخُصَّ إنْسًا ولا جِنًّا مَن أهْلِ التَّكْلِيفِ، ولا خِلافَ أنَّ الجِنَّ مُكَلَّفُونَ. انْتَهى. وسَيَأْتِي مِمّا ذُكِرَ مِنَ الآياتِ وغَيْرِها ما يَلِيقُ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى الإرْسالِ إلى المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - فالمَعْنى: فَمَن صَدَّقَ هَذا القُرْآنَ فَقَدْ أفْلَحَ، ومِن كَذَّبَ فَلْيَأْتِ بِسُورَةٍ مِن مَثَلِهِ، ثُمَّ عَجْزُهُ شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ بِالكَذِبِ، وهو شَهادَةُ اللَّهِ لِي بِالصِّدْقِ، ولِأجْلِ أنَّ اللَّهَ هو الشّاهِدُ لَمْ تُنْقَضْ الشَّهادَةُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ بَلْ اسْتَمَرَّتْ عَلى مَرِّ الأيّامِ وكَرِّ الأعْوامِ لِبَقاءِ الشّاهِدِ وتَعالِيهِ عَنْ شَوائِبَ النَّقْصِ وسِماتِ الحَدَثِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «( ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيٌّ إلّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» ) أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - . ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى الإنْذارِ مَعَ ما تَقَدَّمَ إشارَةٌ إلى أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالِكٌ، وقَدْ ذُكِرَ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: أما وجَدَ اللَّهُ رَسُولًا غَيْرَكَ ؟ ما نَرى أحَدًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ، (p-٤٤)ولَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى فَزَعَمُوا أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم مِنكَ ذِكْرٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ كَما تَزْعُمُ، فَأنْزَلَها اللَّهُ.
ولَمّا لَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ شُبْهَةٌ، ساقَ فَذْلَكَةَ ذَلِكَ وقُطْبَ دائِرَتِهِ - وهو لُزُومُ التَّوْحِيدِ الَّذِي جُعِلَتْ الرِّسالَةُ مُرَقًّى إلَيْهِ، فَإذا ثَبَتَ في قَلْبٍ فاضَتْ أنْوارُهُ بِحَسَبِ ثَباتِهِ حَتّى إنَّها رُبَّما مَلَأتْ الأكْوانَ وعَلَتْ عَلى كَيْوانَ - مَساقُ اسْتِفْهامٍ عَلى طَرِيقَةِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ وتَفْخِيمًا لِمَقامِهِ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنْ يَبْعُدُوا عَنِ الشِّرْكِ فَقالَ: ﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿آلِهَةً﴾
ولَمّا كانُوا لِكَثْرَةِ تَعَنُّتِهِمْ رُبَّما أطْلَقُوا عَلى أسْمائِهِ - سُبْحانَهُ - إلَهٌ، كَما قالُوا حِينَ سَمِعُوهُ ﷺ يَقُولُ: ( يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ ) كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى آخِرَ الحِجْرِ وآخِرَ سُبْحانَ - صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ عَلى وجْهٍ لا يَحْتَمِلُ النِّزاعَ، فَقالَ: ﴿أُخْرى﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ، فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ قالَ: ﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ أيْ: مَعَكم بِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُونَهُ لِأنَّهُ باطِلٌ، ولَوْ كانَ حَقًّا لَشَهِدْتُ بِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ قاطِعٍ لِطَمَعِهِمْ فِيهِ - اجْتَثَّهُ مِن أصْلِهِ وبِرُمَّتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما هُوَ﴾ أيْ: الإلَهُ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ وهو اللَّهُ الَّذِي (p-٤٥)لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ وهو يُعْجِزُ كُلَّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ واحِدٌ لا كُفُؤَ لَهُ، فَإنَّكم عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِن مِثْلِ كَلامِهِ وأنْتُمْ أفْصَحُ النّاسِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا البَراءَةُ مِن إنْذارِهِمْ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ: ﴿وإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: الآنَ وفي مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ إبْعادًا مِن تَطَمُّعِهِمْ أنْ تَكُونَ المُوافَقَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِاتِّخاذِهِ الأنْدادَ أوْ شَيْئًا مِنها ولِيًّا، فَثَبَتَ التَّوْحِيدُ بِهَذِهِ الآيَةِ بِأعْظَمِ طُرُقِ البَيانِ وأبْلَغِ وُجُوهِ التَّأْكِيدِ، ولَقَدْ امْتَثَلَ ﷺ الأمْرَ بِإنْذارِ مَن يُمْكِنُ إبْلاغُهُ القُرْآنَ، فَلَمّا اسْتَراحَ عَنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ وكَثِيرٍ مِمَّنْ حَوْلَهُ مِنَ العَرَبِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، وهو سَنَةُ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وأعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ فَتْحٌ مُبِينٌ - أرْسَلَ إلى مَن يَلِيهِ مِن مُلُوكِ الأمْصارِ في ذَلِكَ العامِ وما بَعْدَهُ، وكانَ أكْثَرَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِن [ذَلِكَ] الِاعْتِمارِ يَدْعُوهم إلى جَنّاتٍ وأنْهارٍ في دارِ القَرارِ، ويُنْذِرُهم دارَ البَوارِ، قالَ أهْلُ السِّيَرِ: «خَرَجَ ﷺ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِن عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ عَنْها - عَلى أصْحابِهِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - فَقالَ: ( أيُّها النّاسُ! إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وكافَّةً، وإنِّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْضَكم إلى مُلُوكِ الأعاجِمَ )» وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ القادِرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قامَ ذاتَ يَوْمٍ عَلى المِنبَرِ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وتَشَهَّدَ (p-٤٦)ثُمَّ قالَ: ( أمّا بَعْدُ فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْضَكم إلى مُلُوكِ العَجَمِ، فَأدُّوا عَنِّي يَرْحَمُكم اللَّهُ، ولا تَخْتَلِفُوا عَلَيَّ كَما اخْتَلَفَ الحَوارِيُّونَ )»
وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: «اخْتَلَفَ بَنُو إسْرائِيلَ - عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ المُهاجِرُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! واللَّهِ لا نَخْتَلِفُ عَلَيْكَ في شَيْءٍ أبَدًا، فَمُرْنا وابْعَثْنا، فَسَألُوهُ: كَيْفَ اخْتَلَفَ الحَوارِيُّونَ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ قالَ: دَعاهم إلى الَّذِي - وفي رِوايَةٍ -: لِمِثْلِ الَّذِي دَعَوْتُكم إلَيْهِ،» وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: إنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - أوْحى إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ ابْعَثْ إلى مَقْدِسِ الأرْضِ، فَبُعِثَ الحَوارِيُّونَ - فَأمّا مَن بَعَثَهُ مَبْعَثًا قَرِيبًا فَرَضِيَ وسَلَّمَ، وأمّا مَن بَعَثَهُ مَبْعَثًا بَعِيدًا فَكَرِهَ وجْهَهُ وتَثاقَلَ - قالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: وقالَ: لا أُحْسِنُ كَلامَ مَن تَبْعَثُنِي إلَيْهِ - فَشَكا ذَلِكَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَأصْبَحَ كُلُّ رَجُلٍ - وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ: فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنِّي سَأكْفِيكَ، فَأصْبَحَ المُتَثاقِلُونَ وكُلُّ واحِدٍ مِنهم - يَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ الأُمَّةِ الَّتِي بُعِثَ إلَيْها. فَقالَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: هَذا أمْرٌ قَدْ عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فامْضُوا لَهُ. وقالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الفَيْرُوزْآبادِيُّ - في القامُوسِ -: إنَّ المَكانَ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الحَوارِيِّينَ وأنْفَذَهم إلى النَّواحِي - قَرْيَةٌ بِناحِيَةِ طَبَرِيَّةَ تُسَمّى الكُرْسِيَّ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ (p-٤٧)المِصْرِيُّ أنَّهُ وجَدَ كِتابًا فِيهِ ذِكْرُ مَن بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى البُلْدانِ ومُلُوكِ [ العَرَبِ و] العَجَمِ وما قالَ لِأصْحابِهِ حِينَ بَعَثَهم، قالَ: فَبَعَثَ بِهِ إلى مُحَمَّدِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ فَعَرَفَهُ - فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدِّمَ إلى أنْ قالَ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ مِن بَعْثِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ﷺ مِنَ الحَوارِيِّينَ والأتْباعِ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَهم في الأرْضِ بُطَرُسُ الحَوارِيُّ ومَعَهُ بولس - وكانَ [ بولس ] مِنَ الأتْباعِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحَوارِيِّينَ - إلى رُومِيَّةَ، وأندرائس ومنتا إلى الأرْضِ الَّتِي يَأْكُلُ أهْلُها النّاسَ، وتُوماسُ إلى أرْضِ بابِلَ مِن أرْضِ المَشْرِقِ وقيبليس إلى قَرْطاجَنَّةَ، وهي إفْرِيقِيَّة، ويَحْنَسُ إلى أقسوس قَرْيَةُ [الفِتْيَةِ] أصْحابِ الكَهْفِ، ويعقوبس إلى أُوراشِلْمَ وهي إيلِياءُ قَرْيَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وابْن ثَلْما إلى الأعْرابِيَّةِ، وهي أرْضُ الحِجازِ، وسيمن إلى أرْضِ البَرْبَرِ، ويُهُودا ولَمْ يَكُنْ مِنَ الحَوارِيِّينَ، جُعِلَ مَكانَ يودس. انْتَهى. كَذا رَأيْتُ في (p-٤٨)نُسْخَةٍ مُعْتَمَدَةٍ مُقابَلَةٍ مِن تَهْذِيبِ السِّيرَةِ لِابْنِ هِشامٍ، وكَذا في مُخْتَصَرِها لِلْإمامِ جَمالِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ [المُكَرَّمِ] الأنْصارِيِّ عَدَدُ رُسُلِهِ وأسْمائِهِمْ، وفي آخِرِهِمْ: قَوْلُهُ: مَكانَ يودس، ولَمْ يَتَقَدَّمْ ليودس ذِكْرٌ، والَّذِي حَرَّرْتُهُ أنا مِنَ الأناجِيلِ الَّتِي بِأيْدِي النَّصارى غَيْرُ هَذا، ولَعَلَّهُ أصَحُّ، وقَدْ جَمَعْتُ ما تَفَرَّقَ مِن ألْفاظِها، [قالَ] في إنْجِيلِ مَتّى ما نَصُّهُ: ومُعْظَمُ السِّياقِ لَهُ: ودَعا - يَعْنِي: عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَلامِيذَهُ الِاثْنَيْ عَشَرَ وأعْطاهم سُلْطانًا عَلى جَمِيعِ الأرْواحِ [النَّجِسَةِ] لِكَيْ يُخْرِجُوها ويَشْفُوا كُلَّ الأمْراضِ؛ وفي إنْجِيلِ مرقس: وصَعِدَ إلى الجَبَلِ ودَعا الَّذِينَ أحَبَّهم فَأتَوْا إلَيْهِ، وانْتَخَبَ اثْنَيْ عَشَرَ لِيَكُونُوا مَعَهُ ولِكَيْ يُرْسِلَهم لِيُكَرِّزُوا، وأعْطاهم سُلْطانًا عَلى شِفاءِ الأمْراضِ وإخْراجِ الشَّياطِينِ، وفي إنْجِيلِ لُوقا: وكانَ في تِلْكَ الأيّامِ خَرَجَ إلى الجَبَلِ يُصَلِّي، وكانَ ساهِرًا في صَلاةِ اللَّهِ، فَلَمّا كانَ النَّهارُ دَعا تَلامِيذَهُ واخْتارَ مِنهم اثْنَيْ عَشَرَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ودَعا الِاثْنَيْ عَشَرَ الرُّسُلَ وأعْطاهم قُوَّةً وسُلْطانًا عَلى جَمِيعِ الشَّياطِينِ وشِفاءِ المَرْضى، وأرْسَلَهم يُكَرِّزُونَ بِمَلَكُوتِ اللَّهِ ويَشْفُونَ الأوْجاعَ؛
وهَذِهِ أسْماءُ الِاثْنَيْ عَشَرَ الرُّسُلَ: سَمْعانُ المُسَمّى بُطْرُسَ، ونَسَبُهُ في مَوْضِعٍ مِن إنْجِيلِ [ مَتّى ]: ابْن يونا، وأنْدَراوِسُ أخُوهُ، ويَعْقُوبُ بْنُ زبدي ويُوحَنّا أخُوهُ (p-٤٩)قالَ في إنْجِيلِ مرقس: وسَمّاهُما بِاسْمَيْ بوانرجس اللَّذَيْنِ ابْنا الرَّعْدِ، وفيلبس وبرثولوماوس، وتُوما ومَتّى الشَّعّارُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حلفي، ولباوس الَّذِي يُدْعى تداوس، وجَعَلَ في إنْجِيلِ مرقس بَدَلَ هَذا: تدى، وفي إنْجِيلِ لُوقا بَدَلَهُما: يَهُوذا بْنَ يَعْقُوبَ، ثُمَّ اتَّفَقُوا: وسَمْعانُ القانانِيُّ، وقالَ في إنْجِيلِ لُوقا: المَدْعُوُّ الغَيُورَ، ويَهُوذا الإسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أسْلَمَهُ - أيْ: دَلَّ عَلَيْهِ في اللَّيْلَةِ الَّتِي ادَّعى اليَهُودُ القَبْضَ عَلَيْهِ فِيها - هَؤُلاءِ الِاثْنا عَشَرَ الرُّسُلُ الَّذِينَ أرْسَلَهم يَسُوعُ - وفي إنْجِيلِ مرقس: ودَعا الِاثْنَيْ عَشَرَ وجَعَلَ يُرْسِلُهم اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، وأعْطاهم السُّلْطانَ عَلى الأرْواحِ النَّجِسَةِ - قائِلًا: لا تَسْلُكُوا طَرِيقَ الأُمَمِ، ولا تَدْخُلُوا مَدِينَةَ السّامِرَةِ، وانْطَلِقُوا خاصَّةً إلى الخِرافِ الَّتِي ضَلَّتْ مِن بَيْتِ إسْرائِيلَ، وإذا ذَهَبْتُمْ فاكْرِزُوا وقولوا: قَدْ اقْتَرَبَتْ مَلَكُوتُ السَّماواتِ، اشْفُوا المَرْضى، أقِيمُوا المَوْتى، طَهِّرُوا البَرَصَ، أخْرِجُوا الشَّياطِينَ، مَجّانًا أخَذْتُمْ مَجّانًا أعْطُوا، لا تَكْنِزُوا ذَهَبًا ولا فِضَّةً ولا نُحاسًا في مَناطِقِكم ولا هُمْيانًا في الطَّرِيقِ ولا ثَوْبَيْنِ ولا حِذاءً ولا عَصًى، والفاعِلُ (p-٥٠)مُسْتَحَقٌّ طَعامَهُ، وفي إنْجِيلِ مرقس: وأمَرَهم أنْ لا يَأْخُذُوا في الطَّرِيقِ غَيْرَ عَصًى فَقَطْ ولا هُمْيانًا ولا خُبْزًا ولا فِضَّةً ولا نُحاسًا في مَناطِقِهِمْ إلّا نِعالًا في أرْجُلِهِمْ ولا يَلْبَسُوا قَمِيصَيْنِ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: وقالَ لَهم: لا تَحْمِلُوا في الطَّرِيقِ شَيْئًا، لا عَصًى ولا هُمْيانًا ولا خُبْزًا ولا فِضَّةً، ولا يَكُونُ لَكم ثَوْبانِ، وأيُّ مَدِينَةٍ أوْ قَرْيَةٍ دَخَلْتُمُوها فَحِّصُوا فِيها عَمَّنْ يَسْتَحِقُّكم، وكُونُوا هُناكَ حَتّى تَخْرُجُوا، فَإذا دَخَلْتُمْ إلى البَيْتِ فَسَلِّمُوا عَلَيْهِ، فَإنْ كانَ البَيْتُ مُسْتَحِقًّا لِسَلامِكم فَهو يَحِلُّ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ لا يَسْتَحِقُّ فَسَلامُكم راجِعٌ إلَيْكم، ومَن لا يَقْبَلُكم ولا يَسْمَعُ كَلامَكم فَإذا خَرَجْتُمْ مِن ذَلِكَ البَيْتِ وتِلْكَ القَرْيَةِ أوْ تِلْكَ المَدِينَةِ انْفُضُوا غُبارَ أرْجُلِكُمْ؛ وفي إنْجِيلِ مرقس: وقالَ لَهم: أيُّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ أقِيمُوا فِيهِ إلى أنْ تَخْرُجُوا مِنهُ، وأيُّ مَوْضِعٍ لَمْ يَقْبَلْكم ولَمْ يَسْمَعْ مِنكم فَإذا خَرَجْتُمْ مِن هُناكَ فانْفُضُوا الغُبارَ الَّذِي تَحْتَ أرْجُلِكم لِلشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنَّ الأرْضَ سَدُومُ وعامُورا راحَةٌ في يَوْمِ الدِّينِ أكْثَرَ مِن تِلْكَ (p-٥١)المَدِينَةِ، هو ذا أنا مُرْسِلُكم كالخِرافِ بَيْنَ الذِّئابِ، كُونُوا حُكَماءَ كالحَيَّةِ ووُدَعاءَ كالحَمامِ، احْذَرُوا مِنَ النّاسِ، فَإنَّهم يُسَلِّمُونَكم إلى المَحافِلِ، وفي مَجامِعِهِمْ يَضْرِبُونَكم، ويُقَدِّمُونَكم إلى القُوّادِ والمُلُوكِ مِن أجْلى شَهادَةً لَهم ولِلْأُمَمِ - وفي إنْجِيلِ مرقس: شَهادَةً عَلَيْهِمْ وعَلى كُلِّ الأُمَمِ، يَنْبَغِي أوَّلًا أنْ يُكَرِّزُوا بِالإنْجِيلِ - فَإذا أسْلَمُوكم فَلا تَهْتَمُّوا بِما تَقُولُونَ - وفي إنْجِيلِ مرقس: ولا ماذا تُجِيبُونَ - فَإنَّكم تُعْطَوْنَ في تِلْكَ السّاعَةِ ما تَتَكَلَّمُونَ بِهِ، ولَسْتُمْ أنْتُمْ المُتَكَلِّمِينَ لَكِنْ رُوحُ أبِيكم - وفي إنْجِيلِ مرقس: لَكِنْ رُوحَ القُدُسِ يَتَكَلَّمُ فِيمَ - وسَيُسَلِّمُ الأخُ أخاهُ إلى المَوْتِ والأبُ ابْنَهُ، ويَقُومُ الأبْناءُ عَلى آبائِهِمْ فَيَقْتُلُونَهم، وتَكُونُونَ مَبْغُوضِينَ مِنَ الكُلِّ مِن أجْلِ اسْمِي، والَّذِي يَصْبِرُ إلى المُنْتَهى يَخْلُصُ، فَإذا طَرَدُوكم مِن هَذِهِ المَدِينَةِ اهْرُبُوا إلى أُخْرى، الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنَّكم لا تُكَلِّمُونَ مَدائِنَ إسْرائِيلَ حَتّى يَأْتِيَ ابْنُ الإنْسانِ، لَيْسَ تِلْمِيذٌ أفْضَلَ مِن مُعَلِّمِهِ، ولا عَبْدٌ أفْضَلَ مِن سَيِّدِهِ، وحَسْبُ التِّلْمِيذِ أنْ يَكُونَ مِثْلَ مُعَلِّمِهِ والعَبْدُ مِثْلَ سَيِّدِهِ، إنْ كانُوا سَمَّوْا رَبَّ البَيْتِ باعل زبول فَكَمْ بِالحَرِيِّ أهْلُ بَيْتِهِ! فَلا تَخافُوهم، فَلَيْسَ خَفِيٌّ إلّا سَيَظْهَرُ ولا مَكْتُومٌ إلّا سَيَعْلَمُ، الَّذِي أقُولُ لَكم (p-٥٢)فِي الظُّلْمَةِ قُولُوهُ أنْتُمْ في النُّورِ، وما سَمِعْتُمُوهُ بِآذانِكم فاكْرِزُوا بِهِ عَلى السُّطُوحِ، ولا تَخافُوا مِمَّنْ يَقْتُلُ الجَسَدَ ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْتُلَ النَّفْسَ، خافُوا مِمَّنْ يَقْدِرُ أنْ يُهْلِكَ النَّفْسَ والجَسَدَ جَمِيعًا في جَهَنَّمَ، [ألَيْسَ] عُصْفُورانِ يُباعانِ بِفَلْسٍ، وواحِدٌ مِنهُما لا يَسْقُطُ عَلى الأرْضِ دُونَ إرادَةِ أبِيكم، وأنْتُمْ فَشُعُورُ رُؤُوسِكم كُلُّها مُحْصاةٌ، فَلا تَخافُوا، فَإنَّكم أفْضَلُ مِن عَصافِيرَ كَثِيرَةٍ، لا تَظُنُّوا أنِّي جِئْتُ لِألْقى عَلى الأرْضِ سَلامَةً، لَكِنْ سَيْفًا، أتَيْتُ لِأُفَرِّقَ الإنْسانَ مِن أبِيهِ والِابْنَةَ مِن أُمِّها، والعَرُوسَ مِن حَماتِها، وأعْداءُ الإنْسانِ أهْلُ بَيْتِهِ، مَن أحَبَّ أبًا أوْ أُمًّا أكْثَرَ مِنِّي فَما يَسْتَحِقُّنِي، ومَن وجَدَ نَفْسَهُ فَلْيُهْلِكْها، ومَن أهْلَكَ نَفْسَهُ مِن أجْلِي وجَدَها، ومَن قَبِلَكم فَقَدْ قَبِلَنِي، ومَن قَبِلَنِي فَهو يَقْبَلُ الَّذِي أرْسَلَنِي، ومَن يَقْبَلُ نَبِيًّا باسِمِ نَبِيٍّ فَأجْرَ نَبِيٍّ يَأْخُذُ، ومَن يَأْخُذُ صَدِيقًا باسِمِ صَدِيقٍ فَأجْرَ صَدِيقٍ يَأْخُذُ، ومَن سَقى أحَدَ هَؤُلاءِ الصِّغارِ كَأْسَ ماءٍ بارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ - الحَقُّ أقُولُ لَكم - إنَّ أجْرَهُ لا يَضِيعُ، ولَمّا أكْمَلَ يَسُوعُ أمْرَهُ لِتَلامِيذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ - انْتَقَلَ مِن هُناكَ لِيُعَلِّمَ ويُكَرِّزَ (p-٥٣)فِي مُدُنِهِمْ.
وفِي إنْجِيلِ مرقس: فَلَمّا خَرَجُوا - يَعْنِي: الرُّسُلَ - كَرَّزُوا بِالتَّوْبَةِ وأخْرَجُوا شَياطِينَ كَثِيرَةً ومَرْضى عَدِيدَةً يَدْهِنُونَهم بِالزَّيْتِ فَيَشْفُونَ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: ومِن بَعْدِ هَذا أيْضًا مَيَّزَ الرَّبُّ سَبْعِينَ آخَرِينَ ويُرْسِلُهم اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ قُدّامَ وجْهِهِ إلى كُلِّ مَدِينَةٍ ومَوْضِعٍ أزْمَعَ أنْ يَأْتِيَهُ، وقالَ لَهم: إنَّ الحَصادَ كَثِيرٌ والفَعَلَةَ قَلِيلُونَ، اطْلُبُوا مِن رَبِّ الحَصادِ لِيُخْرِجَ فَعَلَةً لِحَصادِهِ؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى ما ظاهَرُهُ أنَّ هَذا الكَلامَ كانَ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ، فَإنَّهُ قالَ قَبْلَ ذِكْرِ عَدَدِهِمْ: فَلَمّا رَأى الجَمْعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا ضالِّينَ ومُطْرَحِينَ كالخِرافِ الَّتِي لَيْسَ لَها راعٍ، حِينَئِذٍ قالَ لِتَلامِيذِهِ الِاثْنَيْ عَشَرَ - إلى آخِرِ ما ذَكَرْتُهُ عَنْهُ أوَّلًا، فَيُجْمَعُ بِأنَّهُ قالَهُ لِلْفَرِيقَيْنِ - رَجَعَ إلى السِّياقِ الأوَّلِ: اذْهَبُوا، وهو ذا أرْسَلَكم كالخِرافِ بَيْنَ الذِّئابِ، لا تَحْمِلُوا هُمْيانًا ولا حِذاءً ولا مِزْوَدًا ولا تُقَبِّلُوا أحَدًا في الطَّرِيقِ، وأيَّ بَيْتٍ دَخَلْتُمُوهُ فَقُولُوا أوَّلًا: سَلامٌ لِأهْلِ هَذا البَيْتِ، فَإنْ كانَ هُناكَ ابْنُ سَلامِكم فَإنَّ سَلامَكم يَحُلُّ (p-٥٤)عَلَيْهِ، وإلّا فَسَلامُكم راجِعٌ إلَيْكم، وكُونُوا في ذَلِكَ [البَيْتِ]، كُلُوا واشْرَبُوا مِن عِنْدِهِمْ، فَإنَّ الفاعِلَ مُسْتَحِقٌّ أُجْرَتَهُ، ولا تَنْتَقِلُوا مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ، وأيُّ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوها ويَقْبَلُكم أهْلُها فَكُلُوا مِمّا يُقَدِّمُ لَكم، واشْفُوا المَرْضى الَّذِينَ فِيها، وقُولُوا لَهم: قَدْ قَرُبَتْ مَلَكُوتُ اللَّهِ، وأيُّ مَدِينَةٍ دَخَلْتُمُوها ولا يَقْبَلُكم أهْلُها فاخْرُجُوا مِن شَوارِعِها وقُولُوا لَهم: نَحْنُ نَنْفُضُ لَكم الغُبارَ الَّذِي لَصِقَ بِأرْجُلِنا مِن مَدِينَتِكم، لَكِنْ اعْلَمُوا أنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ قَدْ قَرُبَتْ، أقُولُ لَكم: إنَّ سَدُومَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لَها راحَةٌ أكْثَرُ مِن تِلْكَ المَدِينَةِ، الوَيْلُ لَكَ يا كورزين! والوَيْلُ لَكِ يا بَيْتَ صَيْدا ! لِأنَّهُ لَوْ كانَ في صُوَرٍ وصَيْدا القُوّاتُ الَّتِي كُنَّ فِيكُما جَلَسُوا وتابُوا بِالمُسُوحِ والرَّمادِ، وأمّا صُوَرٌ وصَيْدا فَلَهُما راحَةٌ في الدَّيْنُونَةِ أكْثَرَ مِنكم، وأنْتَ يا كَفْرَ ناحُومَ لَوْ أنَّكِ ارْتَفَعْتِ إلى السَّماءِ سَوْفَ تَهْبِطِينَ إلى الجَحِيمِ، مَن سَمِعَ مِنكم فَقَدْ سَمِعَ مِنِّي، ومَن جَحَدَكم فَقَدْ جَحَدَنِي، [ومَن جَحَدَنِي] فَقَدْ شَتَمَ الَّذِي أرْسَلَنِي؛ فَرَجَعَ السَّبْعُونَ بِفَرَحٍ قائِلِينَ: يا رَبِّ ! الشَّياطِينُ بِاسْمِكَ تَخْضَعُ لَنا يا رَبِّ، فَقالَ لَهم: قَدْ رَأيْتُ الشَّيْطانَ سَقَطَ مِنَ السَّماءِ مِثْلَ البَرْقِ، وهو ذا قَدْ أعْطَيْتُكم (p-٥٥)سُلْطانًا لِتَدُوسُوا الحَيّاتِ والعَقارِبَ وكُلَّ قُوَّةِ العَدُوِّ، ولا يَضُرُّكم شَيْءٌ، ولَكِنْ لا تَفْرَحُوا بِهَذا أنَّ الأرْواحَ تَخْضَعُ لَكم، افْرَحُوا لِأنَّ أسْماءَكم مَكْتُوبَةٌ في السَّماواتِ، وفي تِلْكَ السّاعَةِ تَهَلَّلَ يَسُوعُ بِالرُّوحِ، والتَفَتَ إلى تَلامِيذِهِ خاصَّةً وقالَ: طُوبى لِلْأعْيُنِ الَّتِي تَرى ما رَأيْتُمْ ! أقُولُ لَكم: إنَّ أنْبِياءَ كَثِيرِينَ ومُلُوكًا اشْتَهَوْا أنْ يَنْظُرُوا ما نَظَرْتُمْ فَلَمْ يَنْظُرُوا، ويَسْمَعُوا ما سَمِعْتُمْ فَلَمْ يَسْمَعُوا؛ وفي إنْجِيلِ مَتّى - بَعْدَ ما ادَّعى اليَهُودُ صَلْبَهُ - أنَّهُ ظَهَرَ لِتَلامِيذِهِ الأحَدَ عَشَرَ - وهم مَن تَقَدَّمَ غَيْرَ يَهُوذا الإسْخَرْيُوطِيُّ الَّذِي أسْلَمَهُ - في الجَلِيلِ في الجَبَلِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ يَسُوعُ، وكَلَّمَهم قائِلًا: أُعْطِيتُ كُلَّ سُلْطانٍ في السَّماءِ وعَلى الأرْضِ، فاذْهَبُوا الآنَ وتَلْمِذُوا كُلَّ الأُمَمِ؛ وفي آخِرِ إنْجِيلِ مرقس أنَّهُ ظَهَرَ لَهم وهم مُجْتَمِعُونَ، وكانُوا في تِلْكَ الأيّامِ يَبْكُونَ ويَنُوحُونَ فَبَكَّتَهم لِقِلَّةِ إيمانِهِمْ وقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وقالَ لَهم: امْضُوا إلى العالَمِ أجْمَعَ، واكْرِزُوا بِالإنْجِيلِ في الخَلِيقَةِ كُلِّها، فَمَن آمَنَ واعْتَمَدَ خَلُصَ، ومَن لَمْ يُؤْمِن يُدانُ، وهَذِهِ الآياتُ تَتْبَعُ المُؤْمِنِينَ، يُخْرِجُونَ الشَّياطِينَ [بِاسْمِي] ويَتَكَلَّمُونَ بِألْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ، ويَحْمِلُونَ بِأيْدِيهِمْ الحَيّاتِ ولا تُؤْذِيهِمْ. ويَشْرَبُونَ السُّمَّ القاتِلَ فَلا يَضُرُّهم، ويَضَعُونَ أيْدِيَهم عَلى المَرْضى فَيَبْرَؤُونَ، ومِن بَعْدِ ما كَلَّمَهم (p-٥٦)يَسُوعُ ارْتَفَعَ إلى السَّماءِ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ يُكْرِزُونَ في كُلِّ مَكانٍ؛ وفي إنْجِيلِ لُوقا: فَلَمّا خَرَجُوا كانُوا يَطُوفُونَ في القُرى ويُبَشِّرُونَ ويَشْفُونَ في كُلِّ مَوْضِعٍ وفي آخِرِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ تَلامِذَتَهُ الأحَدَ عَشَرَ وكَلامًا كانُوا يَخُوضُونَ فِيهِ بَعْدَ ادِّعاءِ اليَهُودِ لِصَلْبِهِ: وفِيما هم يَتَكَلَّمُونَ - وقَفَ يَسُوعُ في وسَطِهِمْ وقالَ لَهم: السَّلامُ لَكم، أنا هُوَ! لا تَخافُوا، فاضْطَرَبُوا وظَنُّوا أنَّهم يَنْظُرُونَ رُوحًا فَقالَ: ما بالُكم تَضْطَرِبُونَ؟ ولِمَ تَأْتِي الأفْكارُ في قُلُوبِكُمْ؟ انْظُرُوا يَدَيَّ ورِجْلِي فَإنِّي أنا هُوَ! جُسُّونِي وانْظُرُوا، إنَّ الرُّوحَ لَيْسَ لَهُ لَحْمٌ ولا عَظْمٌ كَما تَرَوْنَ أنَّهُ لِي؛ ولَمّا قالَ هَذا أراهم يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وإذا هم غَيْرُ مُصَدِّقِينَ مِنَ الفَرَحِ، قالَ لَهم: أعِنْدَكم هَهُنا ما يُؤْكَلُ؟ فَأعْطَوْهُ جُزْءًا مِن حُوتٍ مَشْوِيٍّ ومِن شَهْدِ عَسَلٍ، فَأخَذَ قُدّامَهم وأكَلَ، وأخَذَ الباقِيَ وأعْطاهم، وقالَ لَهم: هَذا الكَلامُ الَّذِي كَلَّمْتُكم بِهِ إذْ كُنْتُ مَعَكم، وأنَّهُ سَوْفَ يَكْمُلُ كُلُّ شَيْءٍ هو مَكْتُوبٌ في نامُوسِ مُوسى والأنْبِياءِ والمَزامِيرِ لِأجْلِي، وحِينَئِذٍ فَتَحَ أذْهانَهم لِيَفْهَمُوا، وقالَ لَهم: اجْلِسُوا أنْتُمْ في المَدِينَةِ يَرُوشَلِيمَ حَتّى تَتَذَرَّعُوا لِقُوَّةٍ مِنَ العُلى، ثُمَّ أخْرَجَهم خارِجًا إلى بَيْتِ عنيا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وبارَكَهم، وكانَ فِيما هو يُبارِكُهم انْفَرَدَ عَنْهم وصَعِدَ إلى السَّماءِ أمامَهم، فَرَجَعُوا إلى يَرُوشَلِيمَ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ، وكانُوا في كُلٍّ حِينِ يُسَبِّحُونَ (p-٥٧)ويُبارِكُونَ اللَّهَ. انْتَهى ما نَقَلْتُهُ مِنَ الأناجِيلِ. وما كانَ فِيهِ مِن لَفْظٍ يُوهِمُ نَقْصًا [ما] فَقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ آلِ عِمْرانَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في شَرْعِنا إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ كانَ صَحَّ إطْلاقُهُ في شَرْعِهِمْ، فَهو مُؤَوَّلٌ وقَدْ نُسِخَ.
وقالَ الإمامُ مُحْيِي السُّنَّةِ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِ آلِ عِمْرانَ فِيما نَقَلَهُ عَنْ وهْبٍ: فَلَمّا كانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ - أيْ: مِن ادِّعاءِ اليَهُودِ لِصَلْبِهِ - قالَ اللَّهُ تَعالى لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: اهْبِطْ عَلى مَرْيَمَ المَجْدَلانِيَّةِ في جَبَلِها، فَإنَّهُ لَمْ يَبْكِ عَلَيْكَ أحَدٌ بُكاءَها، ولَمْ يَحْزَنْ [عَلَيْكَ] أحَدٌ حُزْنَها، ثُمَّ لِتَجْمَعْ لَكَ الحَوارِيِّينَ فَتَبُثُّهم في الأرْضِ دُعاةً إلى اللَّهِ تَعالى، فَأهْبَطَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها فاشْتَعَلَ الجَبَلُ حِينَ هَبَطَ نُورًا، فَجَمَعَتْ لَهُ الحَوارِيِّينَ فَبَثَّهم في الأرْضِ دُعاةً، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وتِلْكَ اللَّيْلَةُ هي الَّتِي تَدَخَّنَ فِيها النَّصارى، فَلَمّا أصْبَحَ الحَوارِيُّونَ حَدَّثَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِلُغَةِ مَن أرْسَلَهُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلَيْهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] هَذا ما ذُكِرَ مِن شَأْنِ رُسُلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهم كانُوا دُعاةً.
* *
وأمّا رُسُلُ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهم كانُوا مُبَلِّغِينَ لِكُتُبِهِ ﷺ (p-٥٨)فَمَن قَبِلَ ذَلِكَ كانَ حَظُّهُ مِنَ اللَّهِ، ومَن أبى كانَ جَوابُهُ السَّيْفَ الماحِقَ لِدَوْلَتِهِ - كَما ذَكَرْتُهُ مُسْتَوْفًى في شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ وهو مَذْكُورٌ في فُتُوحِ البِلادِ؛ ولَمّا بَعَثَ ﷺ رُسُلَهُ اتَّخَذَ لِأجْلِ مُكاتَبَةِ المُلُوكِ الخاتَمَ، أخْرَجَ أبُو يَعْلى في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إلى كِسْرى وقَيْصَرَ - وفي رِوايَةٍ: وأُكَيْدِرِ دُومَةَ وإلى كُلِّ جَبّارٍ - يَدْعُوهم إلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ في صَحِيحِهِما - وهَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ - «عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَمّا أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَكْتُبَ إلى الرُّومِ - وفي رِوايَةٍ: إلى العَجَمِ - قالُوا: إنَّهم لا يَقْرَؤُونَ كِتابًا إلّا مَخْتُومًا، فاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خاتَمًا مِن فِضَّةٍ كَأنِّي أنْظُرُ إلى بَياضِهِ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَقْشُهُ: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) . فَبَعَثَ دِحْيَةَ بْنَ خَلِيفَةَ الكَلْبِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ وأمَرَهُ أنْ يُوصِلَ الكِتابَ إلى عَظِيمِ بُصْرى لِيُوصِلَهُ إلَيْهِ، فَعَظَّمَ كِتابَ النَّبِيِّ ﷺ وقَبِلَهُ وقَرَأهُ ووَضَعَهُ عَلى وِسادَةٍ وعَلِمَ صِدْقَهُ ﷺ وأنَّهُ سَيَغْلِبُ عَلى مُلْكِهِ، فَجَمَعَ الرُّومَ وأمَرَهم بِالإسْلامِ فَأبَوْا، فَخافَهم فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ أنْ أُجَرِّبَكم، ثُمَّ لَمْ يُقَدِّرْ اللَّهُ لَهُ الإسْلامَ، فَأزالَ اللَّهُ حُكْمَهُ عَنِ الشّامِ، وكَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ عَلى يَدَيْ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم» - [ثُمَّ] عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الرُّومِ أيْضًا عَلى يَدِ مَن بَعْدَهم، ومَكَّنَ بِها (p-٥٩)الإسْلامَ، لَكِنْ أثابَهُ اللَّهُ عَلى تَعْظِيمِ كِتابِ النَّبِيِّ ﷺ بِأنْ أبْقى مُلْكَهُ في أطْرافِ بِلادِهِ إلى الآنَ، وبَلَغَنِي أنَّ الكِتابَ مَحْفُوظٌ عِنْدَهم إلى هَذا الزَّمانِ؛ وبَعَثَ شُجاعَ بْنَ وهْبٍ الأسَدِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الحارِثِ بْنِ أبِي شِمْرٍ الغَسّانِيِّ - وقالَ القُضاعِيُّ: المُنْذِرِ بْنِ أبِي شِمْرٍ عامِلِ قَيْصَرَ عَلى تُخُومِ الشّامِ [ثُمَّ] إلى جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ الغَسّانِيِّ، فَأمّا الحارِثُ أوْ المُنْذِرُ فَغَضِبَ مِنَ الكِتابِ وهَمَّ بِالمَسِيرِ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِيُقاتِلَهُ، زَعَمَ فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ قَيْصَرُ، فَأكْرَمَ شُجاعًا ورَدَّهُ وأسْلَمَ حاجِبُهُ مُرِّيٌّ الرُّومِيُّ بِما عَرَفَ مِن صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ في الإنْجِيلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ «( بادَ مُلْكُ الحارِثِ، وفازَ مُرِّيٌّ )» فَقَلَّ ما لَبِثَ الحارِثُ حَتّى ماتَ، ووَلِيَ بَعْدَهُ في مَكانِهِ جَبَلَةُ بْنُ الأيْهَمِ الغَسّانِيُّ، وهو آخِرُ مُلُوكِ غَسّانَ عَلى نَواحِي الشّامِ، فَرَدَّ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شُجاعَ بْنَ وهْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَرَدَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ رَدًّا جَمِيلًا ولَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ يَتَرَبَّصُ حَتّى أسْلَمَ في خِلافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمّا رَأى مِن ظُهُورِ نُورِ الإسْلامِ وخُمُودِ نارِ الشِّرْكِ، ثُمَّ إنَّهُ (p-٦٠)ارْتَدَّ - ولَحِقَ بِبِلادِ الرُّومِ - في لَطْمَةٍ أُرِيدَ أنْ يَقْتَصَّ مِنهُ فِيها، فَسُبْحانَ الفاعِلُ لِما يَشاءُ! وبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذافَةَ السَّهْمِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى كِسْرى مَلِكِ الفُرْسِ، وأمَرَهُ أنْ يَدْفَعَ الكِتابَ إلى عَظِيمِ البَحْرِينِ لِيُوصِلَهُ إلَيْهِ، فَلَمّا رَأى النَّبِيَّ ﷺ بَدَأ بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ مَزَّقَ الكِتابَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ ما فِيهِ، فَرَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ، فَلَمّا سَكَنَ غَضَبُ الخَبِيثِ التَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ فَأرْسَلَ في طَلَبِهِ فَسَبَقَ الطَّلَبَ، فَلَمّا أُخْبِرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ تَمْزِيقِ الكِتابِ دَعا عَلى كِسْرى أنْ يُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ، فَأجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ فَشَتَّتَ شَمْلَهم وقَطَّعَ وصْلَهم عَلى يَدِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ثُمَّ قُتِلَ يَزْدِجِرْدُ آخِرَ مُلُوكِهِمْ في خِلافَةِ عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَأصْبَحَ مُلْكُ الأكاسِرَةِ كَأمْسِ الدّابِرِ، وعَمَّ بِلادَهم الإسْلامُ وظَهَرَتْ بِها كَلِمَةُ الإيمانِ، بَلْ تَجاوَزَ الإسْلامُ مُلْكَهم إلى ما وراءِ النَّهْرِ وإلى بِلادِ الخَطا. وبَعَثَ حاطِبَ بْنَ أبِي بَلْتَعَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى المُقَوْقِسِ صاحِبِ مِصْرَ والإسْكَنْدَرِيَّةِ، فَعَلِمَ مِن صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ ما عَلِمَهُ قَيْصَرُ مِنَ الإنْجِيلِ، فَأكْرَمَ الرَّسُولَ وأهْدى لِلنَّبِيِّ ﷺ ورَدَّ رَدًّا جَمِيلًا ولَمْ يُسْلِمْ، فَأبادَ اللَّهُ مُلْكَهُ عَلى يَدِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أمِيرٍ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -. وبَعَثَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى النَّجاشِيِّ فَآمَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ الأُمِّيُّ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ أهْلُ الكِتابِ، وأنَّ بِشارَةَ مُوسى بِراكِبِ الحِمارِ كَبِشارَةِ عِيسى بِراكِبِ الجَمَلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - . (p-٦١)وأنَّ العِيانَ لَيْسَ بِأشْفى مِنَ الخَبَرِ، وأهْدى لِلنَّبِيِّ ﷺ هَدايا كَثِيرَةً، وأرْسَلَ ابْنَهُ بِإسْلامِهِ في سَبْعِينَ مِنَ الحَبَشَةِ، وقالَ في كِتابِهِ: وإنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي ومَن آمَنَ بِكَ مِن قَوْمِي، وإنْ أحْبَبْتَ أنْ آتِيَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ فَعَلْتُ؛ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى النَّجاشِيِّ واسْتَغْفَرَ لَهُ. وبَعَثَ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى المُنْذِرِ بْنِ ساوى العَبْدِيِّ مَلِكِ البَحْرَيْنِ وإلى أُسَيْحِتِ مَرْزُبانِ هَجَرَ بِكِتابٍ يَدْعُوهُما فِيهِ إلى الإسْلامِ أوْ الجِزْيَةِ، وأرْضُ البَحْرَيْنِ مِن بِلادِ العَرَبِ، لَكِنْ كانَ الفُرْسُ قَدْ غَلَبُوا عَلَيْها، وبِها خَلْقٌ كَثِيرٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وتَمِيمٍ فَأسْلَمَ المُنْذِرُ وأُسَيْحِتُ وجَمِيعُ مَن هُناكَ مِنَ العَرَبِ وبَعْضِ العَجَمِ، فَأقَرَّهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عَمَلِهِ. وبَعَثَ سَلِيطَ بْنَ عَمْرٍو العامِرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الحَنَفِيِّ صاحِبِ اليَمامَةِ، وكانَ عامِلًا لِقَيْصَرَ عَلى قَوْمِهِ، فَقَرَأ كِتابَ النَّبِيِّ ﷺ ورَدَّ رَدًّا دُونَ رَدٍّ، فَصادَفَ أنْ قَدِمَ عَلَيْهِ راهِبٌ مِن دِمَشْقَ، فَأخْبَرَهُ أنَّهُ لَمْ يُجِبْ إلى الإسْلامِ، فَقالَ: لِمَ ؟ قالَ: ضَنِنْتُ بِمُلْكِي، قالَ الرّاهِبُ: لَوْ تَبِعْتَهُ لَأقَرَّكَ والخَيْرُ لَكَ في اتِّباعِهِ، فَإنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ بَشَّرَ بِهِ (p-٦٢)عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ هَوْذَةُ لِلرّاهِبِ: فَما لَكَ لا تَتَّبِعُهُ؟ فَقالَ: أجِدُنِي أحْسُدُهُ وأُحِبُّ الخَمْرَ، فَكَتَبَ هَوْذَةُ كِتابًا [وبَعَثَ] إلى النَّبِيِّ ﷺ بِهَدِيَّةٍ مَكانَهُ ذَلِكَ، وشَعَرَ بِهِ قَوْمُهُ [فَأتَوْهُ] فَهَدَّدُوهُ، فَرَدَّ الرَّسُولَ واسْتَمَرَّ عَلى نَصْرانِيَّتِهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمّا رَجَعَ إلَيْهِ سَلِيطٌ:
«( بادَ هَوْذَةُ وبادَ ما في يَدِهِ )» فَلَمّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ مِن فَتْحِ [ مَكَّةَ ] جاءَهُ جَبْرَئِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ هَوْذَةَ ماتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «( أما إنَّ اليَمامَةَ سَيَخْرُجُ بِها كَذّابٌ يَتَنَبَّأُ يُقْتَلُ بَعْدِي )،» فَكانَ كَذَلِكَ كَما هو مَشْهُورٌ مِن أمْرِ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ. وبَعَثَ المُهاجِرَ بْنَ أبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى الحارِثِ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ الحِمْيَرِيِّ مَلِكِ اليَمَنِ، فَلَمّا بَلَغَهُ رِسالَةُ النَّبِيِّ ﷺ قالَ الحارِثُ: قَدْ كانَ هَذا النَّبِيُّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيَّ فَخُطِّئْتُ عَنْهُ، وكانَ ذُخْرًا لِمَن صارَ إلَيْهِ، وسَأنْظُرُ، وتَباطَأ بِهِ الحالُ إلى أنْ أسْلَمَ عِنْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ ﷺ مِن تَبُوكَ سَنَةَ الوُفُودِ، وكاتَبَ النَّبِيَّ ﷺ – بِذَلِكَ. وبَعَثَ عَمْرَو بْنَ العاصِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلى جَيْفَرٍ وعَبْدٍ ابْنَيِ الجَلَنْدِيِّ الأزْدِيَّيْنِ مَلِكَيْ عُمانَ، فَتَوَقَّفا واضْطَرَبَ (p-٦٣)رَأْيُهُما، ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ لَهُما عَلى الرُّشْدِ فَقالَ جَيْفَرٌ: إنَّهُ - واللَّهِ - قَدْ دَلَّنِي عَلى هَذا النَّبِيِّ ﷺ الأُمِّيِّ أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِخَيْرٍ إلّا كانَ أوَّلَ آخِذٍ بِهِ، و[لا] يَنْهى عَنْ شَرٍّ إلّا كانَ أوَّلَ تارِكٍ لَهُ، وأنَّهُ يَغْلِبُ فَلا يَبْطَرُ، ويَغْلِبُ فَلا يَفْجُرُ، وأنَّهُ يُوَفِّي بِالعَهْدِ ويُنْجِزُ الوَعْدَ، ولا يَزالُ يَطَّلِعُ عَلى سِرِّ قَوْمٍ يُساوِي فِيهِ أهْلَهُ، وإنِّي أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وأسْلَمَ أخُوهُ أيْضًا، وكَتَبا إلى النَّبِيِّ ﷺ بِإسْلامِهِما، فَقالَ خَيْرًا وأثْنى خَيْرًا، وكانَ في سِيَرِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ - لَعَمْرِي - غَيْرَ ما ذُكِرَ أحادِيثُ عَجائِبُ وأقاصِيصُ غَرائِبُ مِن دَلائِلَ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ، خَشِيتُ مِن ذِكْرِها الإطالَةَ وأنْ تُمَلَّ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها ما يَقْتَضِي مَلالَهُ، وقَدْ شَفَيْتُ في شَرْحِي لِنَظْمِي لِلسِّيرَةِ بِاسْتِيفائِها القَلِيلَ في تَرْتِيبٍ جَمِيلٍ ونَظْمٍ أُسْلُوبُهُ لَعَمْرِي جَلِيلٌ، هَؤُلاءِ رُسُلُ البَشَرِ، وأمّا الرُّسُلُ مِنَ الجِنِّ فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] قالَ: كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ مِن أهْلِ نَصِيبِينَ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفي سَنَدِهِ النَّضْرُ أبُو عُمَرَ وهو مَتْرُوكٌ، ويُؤَيِّدُ عُمُومَ هَذِهِ الآيَةِ في تَناوُلِها المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وإذا (p-٦٤)تَأمَّلْتَ سِياقَ الآياتِ الَّتِي بَعْدَها مَعَ آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها قَطَعْتَ بِذَلِكَ ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] إذْ هم مِن جُمْلَةِ العالَمِينَ ومِمَّنْ بَلَغَهُ القُرْآنُ ومِمَّنْ هو حَيٌّ ومِمَّنْ اتَّبَعَ الذَّكْرَ، والخِطابُ بِالإنْذارِ وارِدٌ مَوْرِدَ التَّغْلِيبِ، إذْ الإنْسُ والجِنُّ أهْلٌ لَهُ، فانْتَفى ما يُقالُ: إنَّ المَلائِكَةَ في غايَةِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ عِصْمَتِهِمْ فَلَيْسُوا مِمَّنْ يُخَوَّفُ، ويَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ولا إنْذارَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، وإنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ومِمَّنْ شَمِلَتْهُ الآياتُ الدّالَّةُ عَلى عُمُومِ الرِّسالَةِ بِغَيْرِ شَكٍّ، وإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «( والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي)» أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ رُسُلَ البَشَرِ أفْضَلُ مِن رُسُلِ المَلائِكَةِ، وقَدْ ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ إلى الأفْضَلِ المَعْصُومِ بِالفِعْلِ لِعِيسى، وبِالتَّعْلِيقِ بِالحَياةِ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ أخَذَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - مِيثاقَ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - إنْ أدْرَكُوهُ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ، وقَدْ خُوطِبَ النَّبِيُّ ﷺ وهو أشْرَفُ الخَلْقِ وأكْمَلُهم - بِالإنْذارِ في غَيْرِ آيَةٍ، فَمَهْما أُوِّلَ بِهِ ذَلِكَ في حَقِّهِ ﷺ قِيلَ مِثْلُهُ في حَقِّهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - (p-٦٥)ومِمّا يَرْفَعُ النِّزاعَ ويَدْفَعُ تَعَلُّلَ المُتَعَلِّلِ بِالإنْذارِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] فَحَذْفُ مَفْعُولِ ( تُنْذِرَ ) دالٌّ عَلى عُمُومِ رِسالَتِهِ، وتَعْلِيقُ الذِّكْرى بِالمُؤْمِنِينَ مُدْخِلٌ لَهم بِلا رَيْبٍ؛ لِأنَّهم مِن رُؤُوسِهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٩٧] إلى غَيْرِها مِنَ الآياتِ، فَيَكُونُ عُمُومُ رِسالَتِهِ لَهم زِيادَةَ شَرَفٍ لَهُ، وهو واضِحٌ، وزِيادَةَ شَرَفٍ لَهم بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى طاعَتِهِ والتَّقَيُّدِ بِما حَدَّهُ لَهم مِن أعْمالِ مِلَّتِهِ طاعَةً لِلَّهِ تَعالى زِيادَةً في أُجُورِهِمْ ورِفْعَةِ دَرَجاتِهِمْ، وذَلِكَ مِثْلَ ما قالَ أبُو حَيّانَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] إنَّ في الأمْرِ لَهُ بِذَلِكَ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ وحُصُولُ أجْرٍ بِالِامْتِثالِ؛ وقالَ القاضِي عِياضٌ في الفَصْلِ السّابِعِ مِنَ البابِ الأوَّلِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ مِنَ الشِّفا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران: ٨١] قالَ المُفَسِّرُونَ: أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ بِالوَحْيِ، فَلَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا ذَكَرَ لَهُ مُحَمَّدًا ونَعْتَهُ وأخَذَ عَلَيْهِ مِيثاقَهُ إنْ أدْرَكَهُ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، ويُعَضِدُّ ذَلِكَ ما قالَ في أوَّلِ البابِ الأوَّلِ: وحُكِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِجَبْرَئِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (p-٦٦)( هَلْ أصابَكَ مِن هَذِهِ الرَّحْمَةِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] شَيْءٌ ؟ قالَ: نَعَمْ ! كُنْتُ أخْشى العاقِبَةَ فَآمَنتُ لِثَناءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ﴿مُطاعٍ ثَمَّ أمِينٍ﴾ [التكوير: ٢١]» ورَوى مُسْلِمٌ في كِتابِ ( الصَّلاةِ ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( فُضِّلْتُ عَلى الأنْبِياءِ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وأُحِلَّتْ لِيَ الغَنائِمُ، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ طَهُورًا ومَسْجِدًا، وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ )» وحَمْلُ مَن حَمَلَ الخَلْقَ عَلى النّاسِ؛ لِلرِّوايَةِ الَّتِي فِيها: ( إلى النّاسِ) - تَحَكُّمٌ، بَلْ العَكْسُ أوْلى لِمُطابَقَةِ الآياتِ، وقَدْ خَرَجَ مِن هَذا العُمُومِ مَن لا يَعْقِلُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ، فَبَقِيَ غَيْرُهم داخِلًا في اللَّفْظِ، لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يُخْرِجَ مِنهُ أحَدًا مِنهم إلّا بِنَصٍّ صَرِيحٍ ودِلالَةٍ قاطِعَةٍ تَرْفَعُ النِّزاعَ، وقالَ عِياضٌ في البابِ الثّالِثِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ: وذَكَرَ البَزّارُ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَمّا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُعَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الأذانَ - فَذَكَرَ المِعْراجَ وسَماعَ الأذانِ مِن وراءِ الحِجابِ، ثُمَّ قالَ: ثُمَّ أخَذَ المَلَكُ بِيَدِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدَّمَهُ، فَأمَّ بِأهْلِ السَّماءِ فِيهِمْ آدَمُ ونُوحٌ» . انْتَهى. ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( إذا كانَ الرَّجُلُ بِأرْضِ قِيٍّ (p-٦٧)فَحانَتْ الصَّلاةُ فَلْيَتَوَضَّأْ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ الماءَ فَلْيَتَيَمَّمْ، فَإنْ أقامَ صَلّى مَعَهُ مَلَكاهُ، وإنْ أذَّنَ وأقامَ صَلّى خَلْفَهُ مِن جُنُودِ اللَّهِ ما لا يُرى طَرَفاهُ» ) قالَ المُنْذِرِيُّ: القِيُّ - بِكَسْرِ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ، وهي الأرْضُ القَفْرُ. ورَوى مالِكٌ والسِّتَّةُ - إلّا التِّرْمِذِيَّ - وأبُو يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( إذا قالَ الإمامُ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُولُوا آمِينَ)» - وفي رِوايَةٍ: «إذا أمَّنَ الإمامُ فَأمِّنُوا - فَإنَّهُ مَن وافَقَ [تَأْمِينُهُ] - تَأْمِينَ المَلائِكَةِ - وفي رِوايَةٍ: مَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ - غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». وفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحِ: ) «إذا قالَ أحَدُكم في الصَّلاةِ: آمِينَ، وقالَتْ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: آمِينَ، فَوافَقَتْ إحْداهُما الأُخْرى غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ لَهُ مِن ذَنْبِهِ)» وفي رِوايَةٍ لِأبِي يَعْلى: «إذا قالَ الإمامُ ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قالَ الَّذِينَ خَلْفَهُ: آمِينَ، التَقَتْ مِن أهْلِ السَّماءِ وأهْلِ الأرْضِ آمِينَ، غُفِرَ لِلْعَبْدِ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ». ولِلشَّيْخَيْنِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «( إذا قالَ الإمامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ الحَمْدُ، فَإنَّهُ مَن وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ)» وفي رِوايَةٍ: «فَإذا وافَقَ قَوْلُ أهْلِ السَّماءِ قَوْلَ أهْلِ (p-٦٨)الأرْضِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ؛» في أشْكالِ ذَلِكَ مِمّا يُؤْذِنُ بِائْتِمامِ المَلائِكَةِ بِأئِمَّتِنا، وذَلِكَ ظاهِرٌ في التَّقَيُّدِ بِشَرْعِنا؛ ورَوى أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِما والحاكِمُ، وجَزَمَ ابْنُ مَعِينٍ والذُّهْلِيُّ بِصِحَّتِهِ - عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
) «وإنَّ الصَّفَّ الأوَّلَ عَلى مِثْلِ صَفِّ المَلائِكَةِ» ) وأدَلُّ مِن جَمِيعِ ما مَضى ما رَوى مالِكٌ والشَّيْخانِ وأبُو داوُدَ وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( مَن اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمْعَةِ غُسْلَ الجَنابَةِ ثُمَّ راحَ في السّاعَةِ الأُولى فَكَأنَّما قَرَّبَ بَدَنَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الثّانِيَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَقَرَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الثّالِثَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أقْرَنَ، ومَن راحَ في السّاعَةِ الرّابِعَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ دَجاجَةً، ومَن راحَ في السّاعَةِ الخامِسَةِ فَكَأنَّما قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإذا خَرَجَ الإمامُ حَضَرَتْ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ)؛» وفي رِوايَةٍ: ) «فَإذا قَعَدَ الإمامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ )». [وفِي رِوايَةٍ لِأحْمَدَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: «( فَإذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ وجَلَسَ الإمامُ عَلى المِنبَرِ طُوِيَتْ الصُّحُفُ] ودَخَلُوا المَسْجِدَ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ )» . فَإنَّ تَرْكَهم لِكِتابَةِ النّاسِ وإقْبالَهم عَلى الِاسْتِماعِ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى الِائْتِمامِ، بِما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «( إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ (p-٦٩)يَوْمَ الجُمْعَةِ: أنْصِتْ، والإمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ)» قالَ الحَلِيمِيُّ في الرّابِعِ مِن شُعَبِ الإيمانِ، في الجَوابِ عَمّا أُورِدَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] مِن أنَّ التَّخْصِيصَ بِالإنْسِ والجِنِّ لا يَمْنَعُ قُدْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى المُعارَضَةِ ما نَصُّهُ: وأمّا المَلائِكَةُ فَلَمْ يَتَّحِدُوا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ إذا لَمْ تَكُنْ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ القُرْآنُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، فَسَواءٌ كانُوا قادِرِينَ عَلى مِثْلِهِ أوْ عاجِزِينَ - وهم عِنْدَنا عاجِزُونَ - وقالَ في الخامِسَ عَشَرَ في أنَّ مِن أنْواعِ تَعْظِيمِهِ الصَّلاةَ عَلَيْهِ فَأمَرَ اللَّهُ عِبادَهُ أنْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ ويُسَلِّمُوا، وقَدَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ إخْبارَهم بِأنَّ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ اللَّهُ عِبادَهُ لِنَبِيِّهِمْ بِذَلِكَ عَلى ما في الصَّلاةِ عَلَيْهِ مِنَ الفَضْلِ إذا كانَتْ المَلائِكَةُ مَعَ انْفِكاكِهِمْ عَنْ شَرِيعَتِهِ تَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ - لِيَعْلَمُوا أنَّهم بِالصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ أوْلى وأحَقُّ، هَذا نَصَّهُ في المَوْضِعَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرْ لِذَلِكَ دَلِيلًا، ونَسَبَ الجَلالُ المَحَلِّيُّ في شَرْحِهِ لِجَمْعِ الجَوامِعِ مِثْلَ ذَلِكَ إلى البَيْهَقِيِّ في الشُّعَبِ فَإنَّهُ قالَ: وصَرَّحَ الحَلِيمِيُّ والبَيْهَقِيُّ في البابِ الرّابِعِ مِن شُعَبِ الإيمانِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يُرْسِلْ إلى المَلائِكَةِ، وفي البابِ الخامِسَ عَشَرَ بِانْفِكاكِهِمْ مِن شَرْعِهِ، قالَ: وفي تَفْسِيرِ الإمامِ الرّازِيِّ والبُرْهانِ النَّسَفِيِّ (p-٧٠)حِكايَةُ الإجْماعِ في تَفْسِيرِ الآيَةِ الثّانِيَةِ - أيْ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] أنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلَيْهِمْ. انْتَهى. وهو شَهادَةُ نَفْيٍ - كَما تَرى - لا يَنْهَضُ بِما ذَكَرْتُهُ مِنَ النُّصُوصِ عَلى أنَّ الحَلِيمِيَّ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ إلّا لِقَوْلِهِ بِأنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في كِتابِ (الأرْبَعِينَ) والشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ في (شَرْحِ المَقاصِدِ) وغَيْرِهِما، ولَمْ يُوافِقْهُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ إلّا القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ، فَكَما لَمْ يُوافِقْ عَلى الأصْلِ لا يُوافِقُ عَلى الفَرْعِ، وأمّا البَيْهَقِيُّ فَإنَّما نَقَلَهُ عَنِ الحَلِيمِيِّ وسُكُوتُهُ عَلَيْهِ لا يُوجِبُ القَطْعَ بِرِضاهُ، قالَ الزَّرْكَشِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ: وهي مَسْألَةٌ وقَعَ النِّزاعُ فِيها بَيْنَ فُقَهاءِ مِصْرَ مَعَ فاضِلِ دَرْسٍ عِنْدَهم، وقالَ لَهم: المَلائِكَةُ ما دَخَلَتْ في دَعْوَتِهِ، فَقامُوا عَلَيْهِ، وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ الفُرْقانِ الدُّخُولَ مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] والمَلائِكَةُ داخِلُونَ في هَذا العُمُومِ. انْتَهى. وهَذا يَقْدَحُ فِيما نُقِلَ عَنْهُ مِن نَقْلِ الإجْماعِ، وعَلى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَفِيهِ أُمُورٌ: أمّا أوَّلًا: فالإجْماعُ لا يَرْجِعُ إلّا إلى أهْلِ الِاطِّلاعِ عَلى المَنقُولاتِ مِن حُفّاظِ الآثارِ وأقاوِيلِ السَّلَفِ فِيهِ. وأمّا ثانِيًا: فَإنَّهُ نَقْلٌ يَحْتَمِلُ التَّصْحِيحَ والتَّضْعِيفَ؛ لِأنَّهُ بِطُرُقِهِ احْتِمالُ أنْ يَكُونَ نُقِلَ عَمَّنْ لا يُعْتَدُّ بِهِ، أوْ يَكُونُ (p-٧١)أخَذَهُ عَنْ أحَدٍ مُذاكَرَةً وأحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ، أوْ حَصَلَ لَهُ سَهْوٌ، ونَحْوُ ذَلِكَ، فَلا وُثُوقَ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ المَنقُولِ عَنْهُ وسَنَدِ النَّقْلِ والِاعْتِضادِ بِما يُوجِبُ الثِّقَةَ لِيُقاوِمَ هَذِهِ الظَّواهِرَ الكَثِيرَةَ. وأمّا ثالِثًا: فَإنَّهُ سَيَأْتِي عَنِ الإمامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ بِالإرْسالِ إلى المَلائِكَةِ، وقالَ الإمامُ ولِيُّ الدِّينِ أبُو زُرْعَةَ أحْمَدُ بْنُ الحافِظِ زَيْنُ الدِّينِ العِراقِيُّ في شَرْحِهِ (لِجَمْعِ الجَوامِعِ): وأمّا كَوْنُهُ مَبْعُوثًا إلى الخَلْقِ أجْمَعِينَ فالمُرادُ المُكَلَّفُ مِنهم، وهَذا يَتَناوَلُ الإنْسَ والجِنَّ والمَلائِكَةَ، فَأمّا الأوَّلانِ فَبِالإجْماعِ، وأمّا المَلائِكَةُ فَمَحَلُّ خِلافٍ فَأيْنَ الإجْماعُ ! هَذا عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ هَذا النَّقْلِ وأنّى لِمُدَّعِي ذَلِكَ بِهِ فَإنِّي راجَعْتُ تَفْسِيرَ الإمامِ لِلْآيَةِ المَذْكُورَةِ فَلَمْ أجِدْ فِيهِ نَقْلَ الإجْماعِ، وإنَّما قالَ: ثُمَّ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أحْكامٍ: الأوَّلُ: أنَّ العالَمَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ، فَيَتَناوَلُ جَمِيعَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ، لَكِنّا نُبِّئْنا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَكُنْ رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ، فَوَجَبَ أنْ يُنْفى كَوْنُهُ رَسُولًا إلى الجِنِّ والإنْسِ جَمِيعًا، وبَطَلَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”العالَمِينَ“ يَتَناوَلُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، فَتَدُلُّ الآيَةُ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ إلى المُكَلَّفِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَوَجَبَ أنَّ يَكُونَ خاتَمَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ - هَذا لَفْظُهُ في أكْثَرِ النُّسَخِ، وفي بَعْضِها: لَكِنّا أجْمَعْنا - بَدَلَ: نُبِّئْنا - وهي غَيْرُ صَرِيحَةٍ في إجْماعِ الأُمَّةِ - كَما تَرى - ولَمْ يُعَيِّنْ المَوْضِعَ الَّذِي أحالَ عَلَيْهِ في النُّسَخِ (p-٧٢)الأُخْرى - فَلْيُطْلَبْ مِن مَظانِّهِ ويُتَأمَّلْ، وأمّا النَّسَفِيُّ فَمُخْتَصِرٌ لَهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ -. ثُمَّ رَأيْتُ في خُطْبَةِ كِتابِ: ( الإصابَةِ في أسْماءِ الصَّحابَةِ ) لِشَيْخِنا حافِظِ عَصْرِهِ أبِي الفَضْلِ ابْنِ حَجَرٍ في تَعْرِيفِ الصَّحابِيِّ: وقَدْ نَقَلَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ في: ( أسْرارِ التَّنْزِيلِ) الإجْماعَ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلى المَلائِكَةِ، ونُوزِعَ في هَذا النَّقْلِ، بَلْ رَجَّحَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ أنَّهُ كانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ واحْتَجَّ بِأشْياءَ يَطُولُ شَرْحُها. انْتَهى. والعَجَبُ مِنَ الرّازِيِّ في نَقْلِ هَذا الَّذِي لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِ مَعَ أنَّهُ قالَ في أسْرارِ التَّنْزِيلِ في أواخِرِ الفَصْلِ الثّانِي مِنَ البابِ الثّالِثِ في الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ الآدَمِيِّ عَلى وُجُودِ الخالِقِ: الوَجْهُ الرّابِعُ - أيْ: في تَكْرِيمِ بَنِي آدَمَ - أنَّهُ جَعَلَ أباهم رَسُولًا إلى المَلائِكَةِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ﴾ [البقرة: ٣٣] وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ كَرامَةٍ كانَتْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ فَلِنَبِيِّنا ﷺ [مِثْلُها أوْ أعْظَمُ] مِنها، [وقالَ في تَفْسِيرِهِ الكَبِيرِ في ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] ولا يَبْعُدُ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا إلى مَن يُوَجِّهُ التَّحْذِيرَ إلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّ جَمِيعَهم وإنْ كانُوا رُسُلًا فَقَدْ يَجُوزُ الإرْسالُ إلى الرَّسُولِ لِبَعْثَةِ إبْراهِيمَ إلى لُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - . انْتَهى. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأمْرِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ نُزُولِهِ مِنَ السَّماءِ]، والحاصِلُ أنَّ رِسالَتَهُ ﷺ إلَيْهِمْ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - رُتْبَةٌ فاضِلَةٌ ودَرَجَةٌ عالِيَةٌ (p-٧٣)كامِلَةٌ جائِزَةٌ لَهُ، لائِقَةٌ بِمَنصِبِهِ، مُطابِقَةٌ لِما ورَدَ مِنَ القَواطِعِ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ وشُمُولِ دَعْوَتِهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى حِيازَتِهِ لَها ظَواهِرُ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعَ أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن إثْباتِها لَهُ إشْكالٌ في الدِّينِ ولا مَحْذُورٌ في الِاعْتِقادِ، فَلَيْسَ لَنا التَّجْرِيءُ عَلى نَفْيِها إلّا بِقاطِعٍ كَما قالَ إمامُنا الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِ ( الرِّسالَةِ ) في آيَةِ الأنْعامِ ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] قالَ: فاحْتَمَلَتْ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ لا يَحْرُمَ عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ أبَدًا إلّا ما اسْتَثْنى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وهَذا المَعْنى الَّذِي إذا وُوجِهَ رَجُلٌ مُخاطَبًا بِهِ كانَ الَّذِي يَسْبِقُ إلَيْهِ أنَّهُ لا يَحْرُمُ [عَلَيْهِ] غَيْرُ ما سَمّى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُحَرَّمًا، وما كانَ هَكَذا فَهو الَّذِي يُقالُ لَهُ أظْهَرُ المَعانِي وأعَمُّها وأغْلَبُها [والَّذِي] لَوْ احْتَمَلَتْ الآيَةُ مَعانِيَ سِواهُ - كانَ هو المَعْنى الَّذِي يَلْزَمُ أهْلَ العِلْمِ القَوْلُ بِهِ إلّا أنْ تَأْتِيَ سُنَّةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأبِي هو وأُمِّي - تَدُلُّ عَلى مَعْنًى غَيْرَهُ مِمّا تَحْتَمِلُهُ الآيَةُ، فَنَقُولُ: هَذا مَعْنًى ما أرادَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولا يُقالُ بِخاصٍّ في كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةٍ إلّا بِدِلالَةٍ فِيهِما أوْ في واحِدٍ [مِنهُما]، ولا يُقالُ (p-٧٤)بِخاصٍّ حَتّى تَكُونَ الآيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ أُرِيدُ بِها ذَلِكَ الخاصُّ، فَأمّا ما لَمْ تَكُنْ مُحْتَمِلَةً لَهُ فَلا يُقالُ فِيها بِما لا تَحْتَمِلُ الآيَةُ. انْتَهى. وشَرَحَهُ الإمامُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في المُحَلّى فَقالَ: ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ في آيَةٍ أوْ [فِي] خَبَرٍ: هَذا مَنسُوخٌ أوْ مَخْصُوصٌ في بَعْضِ ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ لَفْظِهِ، ولا أنَّ لِهَذا النَّصِّ تَأْوِيلًا غَيْرَ مُقْتَضى ظاهِرِ لَفْظِهِ، ولا أنَّ هَذا الحُكْمَ غَيْرُ واجِبٍ عَلَيْنا مِن حِينِ وُرُودِهِ إلّا بِنَصٍّ آخَرَ وارِدٍ بِأنَّ هَذا النَّصَّ كَما ذُكِرَ، أوْ بِإجْماعٍ مُتَيَقَّنٍ بِأنَّهُ كَما ذُكِرَ، أوْ بِضَرُورَةِ حِسٍّ مُوجِبَةٍ أنَّهُ كَما ذُكِرَ، بُرْهانُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] وقالَ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣] ومَن ادَّعى أنَّ المُرادَ بِالنَّصِّ بَعْضُ ما يَقْتَضِيهِ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، لا كُلُّ ما يَقْتَضِيهِ فَقَدْ أسْقَطَ بَيانَ النَّصِّ، وأسْقَطَ وُجُوبَ الطّاعَةِ لَهُ بِدَعْواهُ الكاذِبَةِ، ولَيْسَ بَعْضُ ما يَقْتَضِيهِ النَّصُّ بِأوْلى بِالِاقْتِصارِ عَلَيْهِ (p-٧٥)مِن سائِرِ ما يَقْتَضِيهِ. انْتَهى. وقالَ أهْلُ الأُصُولِ: إنَّ الظّاهِرَ [ما] دَلَّ عَلى المَعْنى دِلالَةً ظَنِّيَّةً، أيْ: راجِحَةً، والتَّأْوِيلُ حَمْلُ الظّاهِرِ عَلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، فَإنْ حُمِلَ عَلَيْهِ لِدَلِيلٍ فَصِيحٍ - أوْ لِما نَظُنُّ دَلِيلًا ولَيْسَ في الواقِعِ بِدَلِيلٍ - فَفاسِدٌ، أوْ لا لِشَيْءٍ فَلَعِبٌ لا تَأْوِيلٌ، [قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في كِتابِ المَحَبَّةِ مِنَ الإحْياءِ في الكَلامِ عَلى أنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى في الآخِرَةِ هَلْ هي بِالعَيْنِ أوْ بِالقَلْبِ: والحَقُّ ما ظَهَرَ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ مِن شَواهِدِ الشَّرْعِ أنَّ ذَلِكَ يُخْلَقُ في العَيْنِ، لِيَكُونَ لَفْظُ الرُّؤْيَةِ والنَّظَرِ وسائِرِ الألْفاظِ الوارِدَةِ في الشَّرْعِ مُجْرًى عَلى ظاهِرِهِ؛ إذْ لا يَجُوزُ إزالَةُ الظَّواهِرِ إلّا لِضَرُورَةٍ. انْتَهى]، وقالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ في جَوابِ السُّؤالِ عَنِ الرِّسالَةِ إلى الجِنِّ الَّذِي تَقَدَّمَ في أوَّلِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ أنِّي رَأيْتُهُ بِخَطِّهِ: الآيَةُ العاشِرَةُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] قالَ المُفَسِّرُونَ كُلُّهم في تَفْسِيرِها: لِلْجِنِّ والإنْسِ، وقالَ بَعْضُهم: والمَلائِكَةِ. الثّانِيَةَ عَشْرَةَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨] قالَ المُفَسِّرُونَ: مَعْناها: إلّا إرْسالًا عامًّا شامِلًا لِجَمِيعِ النّاسِ، أيْ: لَيْسَ بِخاصٍّ بِبَعْضِ النّاسِ، فَمَقْصُودُ الآيَةِ نَفْيُ الخُصُوصِ وإثْباتُ العُمُومِ، ولا مَفْهُومَ لَها فِيما وراءَ النّاسِ، بَلْ قُوَّتُها في العُمُومِ يَقْتَضِي عَدَمَ الخُصُوصِيَّةِ فِيهِمْ وحِينَئِذٍ يَشْمَلُ (p-٧٦)الجِنَّ، ولَوْ كانَ مَقْصُودُ الآيَةِ حَصْرَ رِسالَتِهِ في النّاسِ لَقالَ: وما أرْسَلْناكَ إلّا إلى النّاسِ، فَإنَّ كَلِمَةَ ( إلّا ) تَدْخُلُ عَلى ما يُقْصَدُ الحَصْرُ فِيهِ، فَلَمّا أدْخَلَها عَلى ”كافَّة“ دَلَّ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالحَصْرِ، ويَبْقى قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“ لا مَفْهُومَ لَهُ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّهُ مَفْهُومُ قَلْبٍ وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّهُ لا يُقْصَدُ بِالكَلامِ، أمّا ثالِثًا فَلِأنَّهُ قَدْ قِيلَ: إنَّ ”النّاس“ يَشْمَلُ الإنْسَ والجِنَّ، أيْ: عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوْسِ، وهو التَّحَرُّكُ، وهو عَلى هَذا شامِلٌ لِلْمَلائِكَةِ أيْضًا، ومِمَّنْ صَرَّحَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ بِأنَّ ”النّاس“ يَكُونُ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ الإمامُ أبُو إبْراهِيمَ إسْحاقُ بْنُ إبْراهِيمَ الفارابِيُّ في كِتابِهِ: ( دِيوانُ الأدَبِ )، قالَ السُّبْكِيُّ: السّابِعَةَ عَشْرَةَ
﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [يوسف: ١٠٤] الثّامِنَةَ عَشْرَةَ ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾ [يس: ١١] ونَحْوُهُما كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠] وكَذا قَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] وأمّا السُّنَّةُ فَأحادِيثُ: الأوَّلُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «( وأُرْسِلْتُ إلى الخَلْقِ كافَّةً )،» ( إلى الخَلْقِ ... ) عامٌّ يَشْمَلُ الجِنَّ بِلا شَكٍّ، ولا يَرِدُ عَلى هَذا أنَّهُ ورَدَ في رِواياتِ هَذا الحَدِيثِ مِن طُرُقٍ أُخْرى في صَحِيحِالبُخارِيِّ وغَيْرِهِ ( النّاسِ) مَوْضِعَ ( الخَلْقِ ) لِأنّا نَقُولُ: ذَلِكَ مِن رِوايَةِ جابِرٍ، وهَذا مِن رِوايَةِ أبِي هُرَيْرَةَ؛ فَلَعَلَّهُما حَدِيثانِ، وفي رِوايَةِ الخَلْقِ زِيادَةُ مَعْنًى عَلى النّاسِ، فَيَجِبُ (p-٧٧)الأخْذُ بِهِ إذْ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما، ثُمَّ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَن رَوى ( النّاسَ) رَوى بِالمَعْنى فَلَمْ يُوفِّ بِهِ، قالَ: وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ مُرْسَلٌ إلى المَلائِكَةِ ولا يُسْتَنْكَرُ هَذا، فَقَدْ يَكُونُ لَيْلَةَ الإسْراءِ يَسْمَعُ مِنَ اللَّهِ كَلامًا فَبَلَّغَهُ لَهم في السَّماءِ أوْ لِبَعْضِهِمْ، وبِذَلِكَ يَصِحُّ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلَيْهِمْ، ولا يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ الجُمْلَةِ أنْ يَلْزَمَهم جَمِيعُ الفُرُوعِ الَّتِي تَضَمَّنَتْها شَرِيعَتُهُ، فَقَدْ يَكُونُ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ في بَعْضِ الأحْكامِ أوْ في بَعْضِ الأشْياءِ الَّتِي لَيْسَتْ بِأحْكامٍ، أوْ يَكُونُ يَحْصُلُ لَهم بِسَماعِ القُرْآنِ زِيادَةُ إيمانٍ، ولِهَذا جاءَ فِيمَن قَرَأ سُورَةَ الكَهْفِ: فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ مِثْلَ الظُّلَّةِ، ثُمَّ قالَ في أثْناءِ كَلامٍ: بِخِلافِ المَلائِكَةِ، لا يُلْتَزَمُ أنَّ هَذِهِ التَّكالِيفَ كُلَّها ثابِتَةٌ في حَقِّهِمْ إذا قِيلَ بِعُمُومِ الرِّسالَةِ لَهم، بَلْ يُحْتَمَلُ ذَلِكَ ويُحْتَمَلُ في شَيْءٍ خاصٍّ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ فِيما قَبْلُ - . انْتَهى. قُلْتُ: ولا يُنْكَرُ اخْتِصاصُ الأحْكامِ بِبَعْضِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ دُونَ بَعْضٍ في شَرْعٍ واحِدٍ في الأحْرارِ والعَبِيدِ والنِّساءِ والرِّجالِ والحَطّابِينَ والرِّعاءِ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ أعْمالِ الحَجِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَكْثُرُ تَعْدادُهُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ومَن تَجَرَّأ عَلى نَفْيِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ زَمانِنا بِغَيْرِ نَصٍّ صَرِيحٍ يَضْطَرُّهُ إلَيْهِ، كانَ ضَعِيفَ العَقْلِ مُضْطَرِبَ الإيمانِ مُزَلْزَلَ اليَقِينِ سَقِيمَ الدِّينِ، ولَوْ كانَ حاكِيًا لِما قِيلَ (p-٧٨)عَلى وجْهِ الرِّضا بِهِ، فَما كُلُّ ما يُعْلَمُ يُقالُ، وكَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ، ولَعَمْرِي! إنَّ الأمْرَ لَعَلى ما قالَ صاحِبُ البُرْدَةِ وتَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ، وطُرِبَ عَلَيْهِ في المَحافِلِ والجُمُوعِ:
؎دَعْ ما ادَّعَتْهُ النَّصارى في نَبِيِّهِمُ واحْكم بِما شِئْتَ مَدْحًا فِيهِ واحْتَكِمِ
الأنعام 6:20
ولَمّا أثْبَتَ شَهادَةَ اللَّهِ تَعالى لَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِأنَّهُ مُحِقٌّ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، لا سِيَّما وقَدْ ادَّعى كُفّارُ قُرَيْشٍ أنَّهم سَألُوا أهْلَ الكِتابَيْنِ فادَّعَوْا أنَّهم لا يَعْرِفُونَهُ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعِ لِخَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو التَّوْراةُ والإنْجِيلُ ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ: الحَقَّ الَّذِي كَذَّبْتُمْ بِهِ لَمّا جاءَكم وحَصَلَ النِّزاعُ بَيْنِي وبَيْنَكم فِيهِ لِما عِنْدَهم في كِتابِهِمْ مِن وصْفِي الَّذِي لا يَشُكُّونَ فِيهِ، ولِما هم بِمِثْلِهِ آنِسُونَ مِمّا أُثْبِتَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، ولِما في هَذا القُرْآنِ مِنَ التَّصْدِيقِ لِكِتابِهِمْ والكَشْفِ لِما أخْفَوْا مِن أخْبارِهِمْ، ولِأسالِيبِهِ الَّتِي لا يَرْتابُونَ في أنَّها خارِجَةٌ مِن مِشْكاةِ كِتابِهِمْ مَعَ زِيادَتِها بِالإعْجازِ، فَهم يَعْرِفُونَ هَذا الحَقَّ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ أيْ: مِن بَيْنِ الصِّبْيانِ بِحُلاهم ونُعُوتِهِمْ مَعْرِفَةً لا يَشُكُّونَ فِيها، وقَدْ وضَعْتُمُوهم مَوْضِعَ (p-٧٩)الوُثُوقِ، وأنْزَلْتُمُوهم مَنزِلَةَ الحَكَمِ بِسُؤالِكم لَهم عَنِّي غَيْرَ مَرَّةٍ، وقَدْ آمَنَ بِي جَماعَةٌ مِنهم وشَهِدُوا لِي، فَما لَكَمَ لا تُتابِعُونَهُمْ! لَقَدْ بانَ الهَوى وانْكَشَفَ عَنْ ضَلالِكم الغِطاءُ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُهم يُخْفُونَ ذَلِكَ ولا يَشْهَدُونَ بِهِ، قالَ جَوابًا لِمَن يَسْألُ عَنْهم: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ أيْ: مِنهم، ولَكِنَّهُ حَذَفَها لِلتَّعْمِيمِ ﴿أنْفُسَهم فَهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِما سَبَقَ لَهم مِنَ القَضاءِ بِالشَّقاءِ الَّذِي خَسِرُوا بِهِ أنْفُسَهم بِالعُدُولِ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ والفِكْرَةُ المُسْتَقِيمَةُ، ومَن خَسِرَ نَفْسَهُ فَهو لا يُؤْمِنُ فَكَيْفَ يَشْهَدُ! فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنَّ مَن لا يَشْهَدُ مِنهم فَهو في الحَقِيقَةِ مَيِّتٌ أوْ مَواتٌ؛ لِأنَّ مَن ماتَتْ نَفْسُهُ كَذَلِكَ، بَلْ هم أشْقى مِنهُ، فَلَقَدْ أدّاهُمُ ذَلِكَ الشَّقاءُ إلى أنْ حَرَّفُوا كِتابَهم وأخْفَوْا كَثِيرًا مِمّا يَشْهَدُ لِي بِالنُّبُوَّةِ، فَكانُوا أظْلَمَ الخَلْقِ بِالكَذِبِ في كِتابِ اللَّهِ لِلتَّكْذِيبِ لِرُسُلِ اللَّهِ.
الأنعام 6:21
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: خَسِرُوا فَفاتَهم الإيمانُ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوا بِكِتْمانِ الشَّهادَةِ، فَكانَ الظُّلْمُ سَبَبَ خُسْرانِهِمْ، فَمَن أظْلَمُ مِنهم ! عُطِفَ عَلَيْهِ ما يُؤْذِنُ بِأنَّهم بَدَّلُوا كِتابَهم، أوْ نَسَبُوا إلَيْهِ ما لَيْسَ فِيهِ، فَقالَ واضِعًا لِلظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَلِكَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ (p-٨٠)﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ كَهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتابَهم ونَسَبُوا إلى اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، زِيادَةً كَتَبُوها بِأيْدِيهِمْ لا أصْلَ لَها، إضْلالًا مِنهم لِعِبادِهِ ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ أيْ: الآتِي بِها الرُّسُلُ كالقُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ كالمُشْرِكِينَ، لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهم فَهم لا يُفْلِحُونَ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: فَكَيْفَ بِالأظْلَمِينَ ! .
الأنعام 6:22
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم أكْذَبُ النّاسِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِكَذِبِهِمْ يَوْمَ الحَشْرِ بَعْدَ انْكِشافِ الغِطاءِ، فَقالَ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ كَذِبَهم عَلى اللَّهِ وتَكْذِيبَهم في هَذِهِ الدّارِ، واذْكُرْ أعْجَبَ مِن ذَلِكَ، وهو كَذِبُهم في عالَمِ الشَّهادَةِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وارْتِفاعِ الحُجُبِ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: نَجْمَعُهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وهم كارِهُونَ صاغِرُونَ ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: أهْلَ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وغَيْرَهم ومَعْبُوداتِهِمْ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ وطُولِهِ ومَشَقَّتِهِ وهَوْلِهِ بِقَوْلِهِ بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظْمَةِ الَّتِي انْكَشَفَتْ لَهم أسْتارُها وتَبَدَّتْ لَهم بُحُورُها وأغْوارُها تَوْبِيخًا وتَنْدِيمًا ﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ أيْ: سَمَّوْا شَيْئًا مِن دُونِنا إلَهًا وعَبَدُوهُ بِالفِعْلِ، مِنَ الأصْنامِ أوْ عُزَيْرٍ أوْ المَسِيحِ أوْ الظُّلْمَةِ أوْ النُّورِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أوْ بِالرِّضى بِالشِّرْكِ، فَإنَّ الرِّضى بِالشَّيْءِ فِعْلٌ لَهُ لا سِيَّما إنْ انْضَمَّ إلَيْهِ تَكْذِيبُ المُحِقِّ والشَّهادَةُ لِلْمُبْطِلِ بِأنَّ دِينَهُ خَيْرٌ ﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أضافَهم إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهم بِذَلِكَ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: (p-٨١)أنَّهم شُرَكاؤُنا بِالعِبادَةِ أوْ الشَّهادَةِ بِما يُؤَدِّي إلَيْها، ادْعُوهم اليَوْمَ لِيَنْقُصُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن ضُرِّكم، أوْ يَرْفَعُوكم مِمّا نُرِيدُ مِن وضْعِكم، وسُؤالُهم هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ عَنْهم وأنْ يَكُونَ عِنْدَ إحْضارِهِمْ لَهم، فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَمّا كانُوا يَظُنُّونَ مِن نَفْعِهِمْ، فَكَأنَّ غَيْبَتَهُ غَيْبَتُهم.
الأنعام 6:23
ولَمّا كانَ إخْبارُهم بِغَيْرِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَبْعَدًا بَعْدَ رَفْعِ الحِجابِ عَنِ الأهْوالِ وإظْهارِ الزَّلازِلِ والأوْجالِ - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ أيْ: عاقِبَةُ مُخالَطَتِنا لَهم بِهَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ مِنَ البَلايا الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يَمِيلَ ما خالَطَتْهُ فَتُحِيلُهُ [و] لَوْ أنَّهُ جُبِلَ - عَنْ حالِهِ بِما نالَهُ مِن قَوارِعِهِ وزِلْزالِهِ إلّا كَذِبُهم في ذَلِكَ الجَمْعِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ ثَباتًا مِنهم فِيما هم عَرِيقُونَ فِيهِ مِن وصْفِ الكَذِبِ: ﴿واللَّهِ﴾ فَذَكَرُوا الِاسْمَ الأعْظَمَ الَّذِي تَنْدَكُّ لِعَظَمَتِهِ الجِبالُ الشُّمِّ، وتَنْطِقُ بِأمْرِهِ الأحْجارُ الصُّمُّ، الجامِعُ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي ظَهَرَ لَهم كَثِيرٌ مِنها في ذَلِكَ اليَوْمِ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِذِكْرِ الوَصْفِ المُذَكِّرِ بِتَرْبِيَتِهِمْ ودَوامِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ فَقالُوا: ﴿رَبِّنا﴾ فَلَمْ يَقْنَعُوا بِمُجَرَّدِ الكَذِبِ حَتّى أقْسَمُوا، ولا بِمُجَرَّدِ القَسَمِ حَتّى ذَكَرُوا الِاسْمَ الجامِعَ والوَصْفَ المُحَسِّنَ ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ أيْ: إنَّ تَكْذِيبَهم لَكَ أوْصَلَهم إلى حَدٍّ يَكْذِبُونَ فِيهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ تَطَمُّعًا بِما لا يَنْفَعُهم، (p-٨٢)كَما تَرى الحائِرَ المَدْهُوشَ في الدُّنْيا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَهو إيئاسٌ مِن فَلاحِ الجَمِيعِ: المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى تَنْدِيمًا لَهم وتَأْسِيفًا: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمْ الَّذِي افْتَتَنُوا بِهِ في لُزُومِهِ والِافْتِخارِ بِهِ والقِتالِ عَلَيْهِ - لِكَوْنِهِ دِينَ الآباءِ - إلّا جُحُودَهُ والبَراءَةَ مِنهُ والحَلِفَ عَلى الِانْتِفاءِ مِنَ التَّدَيُّنِ بِهِ، والمَعْنى عَلى قِراءَتَيِ النَّصْبِ والرَّفْعِ في (فِتْنَةٍ) عَلى جَعْلِها خَبَرًا أوْ اسْمًا واحِدًا، فَمَعْنى قِراءَةِ النَّصْبِ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلّا قَوْلَهم - أيْ: غَيْرَ قَوْلِهِمْ الكَذِبَ - فِتْنَتَهم، أيْ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ فِتْنَتَهم إلّا هَذا القَوْلُ، فَهَذا القَوْلُ وحْدَهُ فِتْنَتُهم، فَنَفى عَنْ فِتْنَتِهِمْ وسَلَبَ عَنْها كُلَّ شَيْءٍ غَيْرَ قَوْلِهِمْ هَذا، فالفِتْنَةُ مَقْصُورَةٌ عَلى قَوْلِهِمْ الكَذِبَ، والكَذِبُ قَدْ يَكُونُ ثابِتًا لِغَيْرِها، أيْ: إنَّهم يَكْذِبُونَ مِن غَيْرِ فِتْنَةٍ، بَلْ في حالِ الرَّخاءِ، وهَذا بِعَيْنِهِ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِرَفْعِ فِتْنَةٍ، أيْ: لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم شَيْئًا غَيْرَ كَذِبِهِمْ، فَقَدْ نُفِيَتْ فِتْنَتُهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الكَذِبِ، فانْحَصَرَتْ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ثابِتًا في حالِ غَيْرِها - عَلى ما مَرَّ، وهَذا التَّقْدِيرُ نَفِيسٌ عَزِيزُ الوُجُودِ دَقِيقُ المَسْلَكِ - يَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - عِنْدَ ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ﴾ [الأنفال: ٣٥] في الأنْفالِ ما يَنْفَعُ هُنا فَراجِعْهُ.
الأنعام 6:24
ولَمّا كانَ هَذا مِن أعْجَبِ العَجَبِ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وبِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كَذَبُوا﴾ وبِالإشارَةِ إلى أنَّهم فَعَلُوهُ (p-٨٣)مَعَ عِلْمِهِمْ بِما انْكَشَفَ لَهم مِنَ الغِطاءِ أنَّهُ لا يُجْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ وهو نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] الآيَةُ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مُرْشِدًا إلى أنَّ شُرَكاءَهم غابُوا عَنْهم، فَلَمْ يَنْفَعُوهم بِنافِعَةٍ، وكانَ الإعْلامُ بِفَواتِ ما أنَّهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَرِحٌ بِهِ - سارًّا لِخَصْمِهِ، جالِبًا لِغَمِّهِ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلَّ﴾ أيْ: غابَ ﴿عَنْهُمْ﴾ إمّا حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، أوْ هُما بِالنَّظَرِ إلى وقْتَيْنِ، لِيَكُونَ إنْكارًا ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ في ادِّعاءِ شَرِكَتِهِ عِنادًا لِما عَلى ضِدِّهِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ.
الأنعام 6:25
ولَمّا عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ قَدْ تَرابَطَتْ حَتّى كانَتْ آيَةً واحِدَةً، وخَتَمَ بِأنَّ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ [الأنعام: ٥] الآيَةُ، قَدْ صارَ وصْفًا لَهم ثابِتًا حَتّى ظَهَرَ في يَوْمِ الجَمْعِ، قَسَمُ المَوْسُومِينَ بِما كانَتْ تِلْكَ الآيَةُ سَبَبًا لَهُ، وهو الإعْراضُ عَنِ الآياتِ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ ﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنهم مَن أعْرَضَ بِكُلِّيَّتِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ أيْ: يُصْغِي بِجُهْدِهِ كَما في السِّيرَةِ عَنْ أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ وأبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ والأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ أنَّ كُلًّا مِنهم جَلَسَ عِنْدَ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ في اللَّيْلِ يَسْتَمِعُ القُرْآنَ.
لا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم بِمَجْلِسِ صاحِبِهِ، فَلَمّا طَلَعَ الفَجْرُ (p-٨٤)انْصَرَفُوا فَضَمَّهم الطَّرِيقُ فَتَلاوَمُوا وقالُوا: لَوْ رَآكم ضُعَفاؤُكم لَسارَعُوا إلَيْهِ، وتَعاهَدُوا عَلى أنْ لا يَعُودُوا، ثُمَّ عادُوا تَمامَ ثَلاثِ لَيالٍ، ثُمَّ سَألَ الأخْنَسُ أبا سُفْيانَ عَمّا سَمِعَ فَقالَ: سَمِعْتُ أشْياءَ عَرَفْتُها وعَرَفْتُ المُرادَ مِنها، وأشْياءَ لَمْ أعْرِفْها ولَمْ أعْرِفِ المُرادَ مِنها، فَقالَ: وأنا كَذَلِكَ، ثُمَّ سَألَ أبا جَهْلٍ فَأجابَ بِما يَعْرِفُ مِنهُ أنَّهُ عَلِمَ صِدْقَهُ وتَرَكَ تَصْدِيقَهُ حَسَدًا وعِنادًا، وذَلِكَ هو المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: والحالُ أنّا قَدْ جَعَلْنا ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ أيْ: أغْطِيَةً، جَمْعُ كِنانٍ أيْ: غِطاءٍ ﴿أنْ﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ: القُرْآنَ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ: ثِقَلًا يَمْنَعُ مِن سَمْعِهِ حَقَّ السَّمْعِ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِن وعْيِهِ الَّذِي هو غايَةُ السَّماعِ، فَهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُسْمَعُ مِنكَ لِذَلِكَ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالسَّمْعِ - ذَكَرَ ما يَظْهَرُ لِلْعَيْنِ، مُعَبِّرًا بِما يَعُمُّ السَّمْعَ وغَيْرَهُ مِن أسْبابِ العِلْمِ، فَقالَ:﴿وإنْ يَرَوْا﴾ أيْ: بِالبَصَرِ أوْ البَصِيرَةِ ﴿كُلَّ آيَةٍ﴾ أيْ: مِن آياتِنا سِواهُ ﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لِما عِنْدَهم مِنَ العِنادِ والنَّخْوَةِ في تَقْلِيدِ الآباءِ والأجْدادِ ﴿حَتّى﴾ كانَتْ غايَتُهم في هَذا الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ أنَّهم مَعَ عَدَمِ فِقْهِهِمْ ﴿إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ أيْ: بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ، والغايَةُ داخِلَةٌ، وكَأنَّهُ قِيلَ تَعَجُّبًا: ماذا يَقُولُونَ في جِدالِهِمْ؟ فَقالَ مُظْهِرًا لِلْوَصْفِ الَّذِي أدّاهم إلى ذَلِكَ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا لِما هو ظاهِرٌ لِعُقُولِهِمْ، وهو مَعْنى الطَّبْعِ ﴿إنْ﴾ أيْ: ما (p-٨٥)﴿هَذا﴾ أيْ: الَّذِي وصَلَ إلَيْنا ﴿إلا أساطِيرُ﴾ جَمْعُ سُطُورٍ وأسْطُرٍ جَمْعُ سَطْرٍ، وهي أيْضًا جَمْعُ إسْطارٍ وإسْطِيرٍ بِكَسْرِهِما وأُسْطُورٍ، وبِالهاءِ في الكُلِّ ﴿الأوَّلِينَ﴾ وقَدْ قالَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، فَصَدَّقَ قَوْلَهُ إخْبارُ هَذِهِ الآيَةِ
الأنعام 6:26
﴿وهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ ﴿يَسْتَمِعُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أيْ: يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ والحالُ أنَّهم ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ أيْ: عَنِ الِاسْتِماعِ أوْ عَنْ اتِّباعِ القُرْآنِ ﴿ويَنْأوْنَ﴾ أيْ: يَبْعُدُونَ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: كَما وقَعَ لِأبِي جَهْلٍ وصاحِبَيْهِ في المُعاهَدَةِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ لِلسَّماعِ وما يَتْبَعُهُ ﴿وإنْ﴾ أيْ: وما ﴿يُهْلِكُونَ﴾ أيْ: بِعِبادَتِهِمْ ومُكابَدَتِهِمْ ﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: وما هم بِضارِّيكَ ولا بِضارِّي أحَدٍ مِن أتْباعِكَ فِيما يَقْدَحُ في المَقْصُودِ مِن إرْسالِكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ ومَحْوِ الشِّرْكِ وإذْلالِ المُفْسِدِينَ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما لَهم نَوْعُ شُعُورٍ بِما يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ الحالُ، بَلْ هم كالبَهائِمِ، بَلْ هي أصْلَحُ حالًا مِنهم.
الأنعام 6:27
ولَمّا جَعَلَ عَدَمَ إيمانِهِمْ في هَذِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ مُوصِلًا لَهم إلى غايَةٍ مِنَ الجَهْلِ عَظِيمَةٍ مُوئِسَةٍ مِن ادِّعائِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ، وهي مُجادَلَتُهم لَهُ ﷺ وخَتَمَ الآيَةَ بِما رَأيْتَ مِن عَظِيمِ التَّهْدِيدِ اسْتَشْرَفَتْ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ حالِهِمْ عِنْدَ رَدِّهِمْ إلى اللَّهِ تَعالى والكَشْفِ لَهم [عَمّا] هَدَّدُوا بِهِ، فَأعْلَمَ نَبِيَّهم ﷺ أنَّ حالَهم إذْ ذاكَ الإيمانُ، (p-٨٦)حَيْثُ يَسُرُّ غايَةَ السُّرُورِ تَصْدِيقُهم لَهُ، وتَمَنِّيهِمْ مُتابَعَتَهُ لِما يَرْكَبُهم مِنَ الذُّلِّ ويُحِيطُ بِهِمْ مِنَ الصَّغارِ، ولا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا ضَرَرًا وعَمًى ونَدَمًا وحَسْرَةً، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَأيْتَ حالَهم عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ - وهو المُطَّلِعُ - لَرَأيْتَهم يُؤْمِنُونَ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿وُقِفُوا﴾ في الحَشْرِ، [و] بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَنكِىَّ الإيقافُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿عَلى النّارِ﴾ أيْ: عِنْدَها لِيَدْخُلُوها مُشْرِفِينَ عَلى كُلِّ ما فِيها مِن أنْواعِ النَّكالِ، وذَلِكَ أعْظَمُ في النِّكايَةِ أوْ عَلى الجِسْرِ وهو [عَلى] الصِّراطِ وهي تَحْتَهم، أوْ عَرَفُوا حَقِيقَتَها ومِقْدارَ عَذابِها مِن قَوْلِكَ: أوْقَفْتُهُ عَلى كَذا، إذا عَرَّفْتَهُ إيّاهُ ﴿فَقالُوا﴾ تَمَنِّيًا لِلْمُحالِ ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ أيْ: إلى الدُّنْيا.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِشَهادَةِ قِراءَةِ مَن نَصَبَ الفِعْلَيْنِ - جَوابًا لِلتَّمَنِّي - أوْ أحَدُهُما: فَنُطِيعُ، عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ، قَوْلُهُ: ﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنّا لا، أوْ ونَحْنُ لا ﴿نُكَذِّبَ﴾ إنْ رُدِدْنا ﴿بِآياتِ رَبِّنا﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْنا ﴿ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ ابْنِ عامِرٍ في نَصْبِ الثّالِثِ: لَيْتَنا نُرَدُّ، ولَيْتَنا لا نُكَذِّبُ فَنَسْعَدُ وأنْ نَكُونَ، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ: (p-٨٧)لَيْتَنا نُرَدُّ فَنَسْعَدُ، وأنْ لا نُكَذِّبَ وأنْ نَكُونَ، والمَعْنى: لَوْ رَأيْتَ إيقافَهم ووُقُوفَهم في ذَلِكَ الذُّلِّ والِانْكِسارِ والخِزْيِ والعارِ وسُؤالَهم وجَوابَهم لَرَأيْتَ أمْرًا هائِلًا فَظِيعًا ومَنظَرًا كَرِيهًا شَنِيعًا، ولَكِنَّهُ حُذِفَ تَفْخِيمًا لَهُ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وجازَ حَذْفُهُ لِلْعِلْمِ بِهِ في الجُمْلَةِ.
الأنعام 6:28
ولَمّا أخْبَرْنا - في قِراءَةِ الرَّفْعِ - عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما تَمَنَّوْا لِأجْلِهِ الرَّدَّ، وتَضَمَّنَتْ قِراءَةُ النَّصْبِ الوَعْدَ، فَإنَّهُ كَما لَوْ قالَ قائِلٌ: لَيْتَ اللَّهَ يَرْزُقُنِي مالًا فَأُكافِئُكَ عَلى صَنِيعِكَ، فَإنَّهُ يَنْجَرُّ إلى: إنْ رَزَقَنِي اللَّهُ مالًا كافَأْتُكَ، فَصارَ لِذَلِكَ مِمّا يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ، أضْرَبَ عَنْهُ سُبْحانَهُ تَكْذِيبًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا؛ لِأنَّ هَذا التَّمَنِّيَ لَيْسَ عَنْ حَقِيقَةٍ ثابِتَةٍ في أنْفُسِهِمْ مِن مَحَبَّةِ مَضْمُونِهِ وثَمَرَتِهِ، بَلْ ﴿بَدا﴾ أيْ: ظَهَرَ ﴿لَهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي لا طاقَةَ لَهم بِهِ ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ أيْ: [مِن] أحْوالِ الآخِرَةِ ومِرائِهِمْ عَلى باطِلٍ! ولَمّا كانَ إخْفاؤُهم ذَلِكَ في بَعْضِ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: يَدَّعُونَ أنَّهُ خَفِيٌّ، بَلْ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ويَسْتُرُونَ ما تُبْدِيهِ الرُّسُلُ مِن دَلائِلِهِ [عِنادًا مِنهم مَعَ أنَّهُ أوْضَحُ مِن شَمْسِ النَّهارِ] بِما يَلْبِسُونَ مِنَ الهَيْبَةِ فَلِذَلِكَ تَمَنَّوْا ما ذَكَرُوا ﴿ولَوْ رُدُّوا﴾ أيْ: إلى الدُّنْيا ﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ (p-٨٨)والفَضائِحِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وسَتْرِ ما اتَّضَحَ لِعُقُولِهِمْ مِنَ الدَّلائِلِ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ أيْ: فِيما أخْبَرُوا بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِن مَضْمُونِ تَمَنِّيهِمْ أنَّهم يَفْعَلُونَهُ لَوْ رُدُّوا،
الأنعام 6:29
وأكَّدَ طَبْعَهم عَلى الكُفْرِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَعادُوا﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿وقالُوا﴾ أيْ: بَعْدَ الرَّدِّ ما كانُوا يَقُولُونَهُ قَبْلَ المَوْتِ في إنْكارِ البَعْثِ ﴿إنْ هِيَ﴾ أيْ: ما هَذِهِ الحَياةُ الَّتِي نَحْنُ مُلابِسُوها ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ أيْ: الَّتِي كُنّا عَلَيْها قَبْلَ ذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِمَبْعُوثِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ نَمُوتَ، وما رُؤْيَتُنا لِما رَأيْنا قَبْلَ هَذا مِنَ البَعْثِ إلّا سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، ولَمْ يَنْفَعْهم مُشاهَدَةُ البَعْثِ بَلْ ضَرَّتْهم، هَذا مُحْتَمَلٌ وظاهِرٌ، ولَكِنَّ الأنْسَبَ لِسِياقِ الآياتِ قَبْلُ وبَعْدُ أنْ يَكُونَ هَذا حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ لَهُ ﷺ في هَذِهِ الدّارِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ،
الأنعام 6:30
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ مُتَّصِلٌ بِذَلِكَ، أيْ: قالُوا هَذا القَوْلَ لَمّا أخْبَرْتُهم بِالبَعْثِ، فَساءَكَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ والحالُ أنَّكَ لَوْ رَأيْتَ اعْتِرافَهم بِهِ إذا سَألَهم خالِقُهم لَسَرَّكَ ذَلِكَ مِن ذُلِّهِمْ وما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ مَجازًا عَنِ الحَبْسِ في مَقامٍ مِن مَقاماتِ الجَلالِ بِما اقْتَضاهُ إضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِمْ، أيْ: الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْهِمْ وحِلْمُهُ عَنْهم، فَأظْهَرَ لَهم ما أظْهَرَ في ذَلِكَ (p-٨٩)المَقامِ مِن تَبْكِيتِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ وتَقْرِيعِهِمْ، وأطْلَعَهم بِما يَقْتَضِيهِ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ - عَلى ما لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ مِنَ الكِبْرِياءِ والِانْتِقامِ مِنَ التَّرْبِيَةِ إذْ لَمْ يَشْكُرُوا إحْسانَهُ في تَرْبِيَتِهِمْ، وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الجَوابُ: لَرَأيْتَهم قَدْ مَنَعَتْهم الهَيْبَةُ وعَدَمُ النّاصِرِ وشِدَّةُ الوَجَلِ مِنَ الكَلامِ، فَكَأنَّ سائِلًا قالَ: المَقامُ يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهُ مُشاهَدٌ فَهَلْ يُكَلِّمُهم اللَّهُ لِما يُشْعِرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ قِيلَ: نَعَمْ، لَكِنْ كَلامُ إنْكارٍ وإخْزاءٍ وإذْلالٍ ﴿قالَ ألَيْسَ هَذا﴾ أيْ: الَّذِي أتاكم بِهِ رَسُولِي مِن أمْرِ البَعْثِ وغَيْرِهِ مِمّا تَرَوْنَهُ الآنَ مِن دَلائِلَ كِبْرِيائِي ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ الَّذِي لا خَيالَ فِيهِ ولا سِحْرَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: حِينِ إيقافِهِمْ عَلَيْهِ، فَكانَ ما أرادَ: ﴿بَلى﴾ وزادُوا عَلى ما أُمِرُوا بِهِ في الدُّنْيا القَسَمَ فَقالُوا: ﴿ورَبِّنا﴾ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْنا بِأنْواعِ الإحْسانِ، وكَأنَّ كَلامَهم هَذا مُنَزَّلٌ عَلى حالاتٍ تَنْكَشِفُ لَهم فِيها أُمُورٌ بَعْدَ أُخْرى، كُلُّ أمْرٍ أهْوَلُ مِمّا قَبْلَهُ، ويَوْمَ القِيامَةِ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ذُو ألْوانٍ: تارَةً لا يُكَلِّمُهم اللَّهُ، وتارَةً يُكَلِّمُهم فَيَكْذِبُونَ، وتارَةً يَسْألُهم عَنْ شَيْءٍ فَيُنْكِرُونَ، فَتَشْهَدُ (p-٩٠)جَوارِحُهم، وتارَةً يَصْدُقُونَ كَهَذا المَوْقِفِ ويَحْلِفُونَ عَلى الصِّدْقِ.
ولَمّا أقَرُّوا قَهْرًا بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ وفَواتِ الإيمانِ بِالغَيْبِ بِما كانُوا بِهِ يُكَذِّبُونَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ إهانَتُهم، فَلِذا قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ: اللَّهُ مُسَـبِّبًا عَنْ اعْتِرافِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُ، وتَرْكِهِمْ في الدُّنْيا حَيْثُ كانَ يَنْفَعُ ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُوعَدُونَ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ دَوامِكم عَلى سَتْرِ ما دَلَّتْكم عَلَيْهِ عُقُولُكم مِن صِدْقِ رَسُولِكم، ولا شَكَّ أنَّ الكَلامَ - وإنْ كانَ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ - فِيهِ نَوْعُ إحْسانٍ؛ لِأنَّهُ أهْوَنُ مِنَ التَّعْذِيبِ مَعَ الإعْراضِ في مَقامِ ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ولِذَلِكَ [كانَ ذَلِكَ] آخِرَ المَقاماتِ.
الأنعام 6:31
ولَمّا أنْتَجَ هَذا ما تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ عَنْ خُسْرانِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في القِيامَةِ تَوَقَّعَ السّامِعُ ذِكْرَهُ، فَقالَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ، وزادَهُ الحِمْلَ فَإنَّهُ مِن ذَوْقِ العَذابُ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى ما أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، [قَدْ] خَسِرُوا كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُ إحْرازُهُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ واسْتَمَرَّ تَكْذِيبُهم ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: الحَقِيقَةُ، وكَذا المَوْتُ الَّذِي هو مَبْدَأُها فَإنَّ [مَن] ماتَ جاءَتْ ساعَتُهُ، وحَذَّرَهم مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: باغِتَةً، أوْ ذاتَ بَغْتَةٍ، أوْ بَغَتَتْهم بِإتْيانِها عَلى حِينِ غَفْلَةٍ، لا يُمْكِنُ أنْ يَشْعُرُوا بِعَيْنِ الوَقْتِ الَّذِي (p-٩١)تَجِيءُ فِيهِ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا﴾ أيْ: تَعالَيْ احْضُرِينا أيُّها الحَسْرَةُ اللّائِقَةُ بِنا في هَذا المَقامِ! فَإنَّهُ لا نَدِيمَ لَنا سِواكِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَظَمَةِ الحَسْرَةِ وتَنْبِيهٌ عَلَيْهِ، لِيَنْتَهِيَ الإنْسانُ عَنْ أسْبابِها ﴿عَلى ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: قَصَّرْنا ﴿فِيها﴾ أيْ: بِسَبَبِ السّاعَةِ، فَفاتَنا ما يُسْعِدُ فِيها مِن تَهْذِيبِ الأخْلاقِ المُهَيِّئَةِ لِلسِّباقِ بِتَرْكِ اتِّباعِ الرُّسُلِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ المُكَلَّفَ وبَعَثَ لَهُ النَّفْسَ النّاطِقَةَ القُدْسِيَّةَ مَنزِلًا لَها إلى العالَمِ السُّفْلِيِّ، وأفاضَ عَلَيْهِ نِعَمًا ظاهِرَةً وهي الحَواسُّ الظّاهِرَةُ المُدْرِكَةُ والأعْضاءُ والآلاتُ الجُثْمانِيَّةُ، ونِعَمًا باطِنَةً وهي العَقْلُ والفِكْرُ وغَيْرُهُما، لِيَتَوَسَّلَ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ القُوى والآلاتِ إلى تَحْصِيلِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ والأخْلاقِ الفاضِلَةِ الَّتِي تَعْظُمُ مَنافِعُها بَعْدَ المَوْتِ، وبَعَثَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - لِلْهِدايَةِ وأظْهَرَ عَلَيْهِمْ المُعْجِزاتِ لِيُصَدِّقُوا، فَأعْرَضُوا عَمّا دُعُوا إلَيْهِ مِن تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وأقْبَلُوا عَلى اسْتِعْمالِ الآلاتِ والقُوى في اللَّذّاتِ والشَّهَواتِ الفانِيَةِ فَفاتَتْ الآلاتُ البَدَنِيَّةُ الَّتِي هي رَأْسُ المالِ، وما ظَنُّوهُ مِنَ اللَّذّاتِ الَّتِي عَدُّوها أرْباحًا فاتَ فَفَقَدُوا الزّادَ، ولَمْ يُهَيِّئُوا النُّفُوسَ لِلِاهْتِداءِ، فَلا رَأْسَ مالٍ ولا رِبْحَ، فَصارُوا في غايَةِ الِانْقِطاعِ والغُرْبَةِ، ولا خُسْرانَ أعْظَمُ مِن هَذا.
(p-٩٢)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُفَظَّعًا - زادَ في تَفْظِيعِهِ بِالإخْبارِ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ بِشِدَّةِ تَعَبِهِمْ في ذَلِكَ المَوْقِفِ ووَهَنِ ظُهُورِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، حَتّى كَأنَّ عَلَيْهِمْ أحْمالًا ثِقالًا، فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: وقالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ﴿يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾ أيْ: أحْمالُ ذُنُوبِهِمْ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُثْقِلَ، وحَقَّقَ الأمْرَ وصَوَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ لِاعْتِقادِ الحَمْلِ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: ثَقُلَ عَلَيْكَ كَلامُ فُلانٍ، ويَجُوزُ أنْ يُجَسِّدَ أعْمالَهم أجْسادًا ثِقالًا، فَيُكَلَّفُوا حَمْلَها؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ الحَمْلُ أمْرًا لا يَبْلُغُ الوَصْفُ الَّذِي يَحْتَمِلُهُ عُقُولُنا كُلَّ حَقِيقَةِ ما هو عَلَيْهِ مِنَ البَشاعَةِ والثِّقَلِ - أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جامِعًا لِلْمَذامِّ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾
الأنعام 6:32
فَلَمّا تَأكَّدَ أمْرُ البَعْثِ غايَةَ التَّأكُّدِ، ولَمْ يَبْقَ فِيهِ لِذِي لُبٍّ وقْفَةٌ، صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ الحالُ مِن أمْرِ هَذِهِ الدّارِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى خَساسَتِها مُعَجِّبًا مِنهم في قُوَّةِ رَغْبَتِهِمْ في إيثارِ لَذاذَتِها، مُعْلِمًا بِأنَّهُ قَدْ كَشَفَ الحالَ عَنْ أنَّ ما رَكَنُوا إلَيْهِ خَيالٌ، وما كَذَّبُوا بِهِ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ لَيْسَ لَها زَوالٌ، عَكْسَ ما كانُوا يَقُولُونَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا﴾ .
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْخَسارَةِ، وكانَتْ أكْثَرَ ما تَكُونُ مِنَ اللَّعِبِ - وهو فِعْلُ ما يَزِيدُ سُرُورَ النَّفْسِ عَلى وجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، ويُسْرِعُ انْقِضاؤُهُ - (p-٩٣)- قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [أيْ] لِلْأشْقِياءِ، ولِلْحَياةِ الدُّنْيا شَرٌّ لِلَّذِينِ يَلْعَبُونَ، واللَّهْوُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْجِبَ النَّفْسَ كالغِناءِ والزِّينَةِ مِنَ المالِ والنِّساءِ عَلى وجْهٍ لَمْ يُؤْذَنْ فِيهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْغَفْلَةِ عَمّا يَنْفَعُ، [فَتَأْخِيرُهُ إشارَةٌ إلى أنَّ الجَهَلَةَ كُلَّما فَتَرُوا في اللَّعِبِ وهو اشْتِغالٌ بِالأُمُورِ السّافِلَةِ والشَّواغِلِ الباطِلَةِ بِعُلُوِّ النُّفُوسِ - أثارُوا الشَّهَواتِ بِالمَلاهِي]، والمَعْنى أنَّهُ تَحَقَّقَ مِن هَذِهِ الآياتِ زَوالُ الدُّنْيا، فَتَحَقَّقَتْ سُرْعَتُهُ؛ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، فَحِينَئِذٍ ما هي إلّا ساعَةُ لَعِبٍ، يَنْدَمُ الإنْسانُ عَلى ما فَرَّطَ فِيها، كَما يَنْدَمُ اللّاعِبُ - إنْ كانَ لَهُ عَقْلٌ - عَلى تَفْوِيتِ الأرْباحِ إذا رَأى ما حَصَّلَ أُولُو الجِدِّ وأرْبابُ العَزائِمِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ المَعْنى: وما الدّارُ الآخِرَةُ إلّا جِدٌّ وحُضُورٌ وبَقاءٌ لِلْأتْقِياءِ - أتْبَعَهُ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا: ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ الكُلُّ مَآلُهم إلى الآخِرَةِ - خَصَّصَ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ التَّقْوى، وهي الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ الَّذِي يَحْمِلُ عَلى فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، لِيَكُونَ ذَلِكَ وِقايَةً لَهم مِن غَضَبِ اللَّهِ، فَذَكَرَ حالَ الدُّنْيا وحَذَفَ نَتِيجَتَها لِأهْلِها لِدَلالَةِ ثَمَرَةِ الآخِرَةِ عَلَيْهِ وحَذَفَ ذِكْرَ حالِ الآخِرَةِ لِدَلالَةِ ذِكْرِ حالِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، فَهو احْتِباكٌ؛ ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ الإقْبالُ عَلى الخَيْرِ وتَرْكُ غَيْرِهِ، تَسَبَّبَ عَنْ (p-٩٤)إقْبالِهِمْ عَلى الفانِي وتَرْكِهِمْ الباقِيَ قَوْلُهُ مُنْكِرًا: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
الأنعام 6:33
ولَمّا كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أمْرَهُ بِمُقاوَلَتِهِمْ، وأطالَ في الحَثِّ عَلى مُجادَلَتِهِمْ، وخَتَمَ بِما يَقْتَضِي سَلْبَهم العَقْلَ مَعَ تَكْرِيرِ الإخْبارِ بِأنَّ المَقْضِيَّ بِخَسارَتِهِ مِنهم لا يُؤْمِنُونَ لِآيَةٍ مِنَ الآياتِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم حالَ إسْماعِهِمْ ما أمَرَ بِهِ لا يَسْكُتُونَ لِما عِنْدَهم مِن عَظِيمِ النَّخْوَةِ وشَماخَةِ الكِبْرِ وقُوَّةِ الجُرْأةِ، وأنَّهُ لا جَوابَ لَهم إلّا التَّبِعَةُ والبَذاءَةُ كَما هو دَأْبُ المُعانِدِ المَغْلُوبِ، وأنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ﷺ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الحَياءِ والشَّهامَةِ والصِّيانَةِ والنَّزاهَةِ - كانَ الحالُ مُحْتاجًا إلى التَّسْلِيَةِ، فَقالَ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ﴾ والمُرادُ بِالمُضارِعِ وُجُودُ العِلْمِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى زَمانٍ، وعَدَلَ عَنِ الماضِي لِئَلّا يُظَنَّ الِاخْتِصاصُ بِهِ، فالمُرادُ تَحَقُّقُ التَّجَدُّدِ لِتَعَلُّقِ العِلْمِ بِتَجَدُّدِ الأقْوالِ ﴿إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾ أيْ: يُوقِعُ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ لَكَ الحُزْنَ عَلى ما فاتَكَ مِن حالاتِ الصَّفاءِ الَّتِي كَدَّرَها ﴿الَّذِي يَقُولُونَ﴾ أيْ: مِن تَكْذِيبِكَ، فَقَدْ عَلِمْنا امْتِثالَكَ لِأوامِرِنا في إسْماعِهِمْ ما يَكْرَهُونَ مِن تَنْزِيهِنا، وعِلْمِنا رَدَّهم عَلَيْكَ بِما لا يُرْضِيكَ، وعِلْمِنا أنَّهُ يَبْلُغُ مِنكَ، فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ مَن عَلِمَ أنَّ رَبَّهُ يُرْضِي المُطِيعَ لَهُ (p-٩٥)ويَجْزِي عاصِيَهِ، وهو عالِمٌ بِما يَنالُ المُطِيعَ في طاعَتِهِ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْزَنَ بَلْ يُسَرُّ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ: ( يس )
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ [يس: ٧٦] ولا شَكَّ أنَّ الحُزْنَ عِنْدَ وُقُوعٍ ما يَسُوءُ - مِن طَبْعِ البَشَرِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، فالنَّهْيُ عَنْهُ [إنَّما هُوَ] نَهْيٌ عَمّا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الِاسْتِرْسالِ المُؤَدِّي إلى الجَزَعِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ الصَّبْرِ ونِسْيانِ ما يُعَزِّي، فَهو مِنَ النَّهْيِ عَنِ السَّبَبِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ المُسَبِّبِ، وما أنْسَبَ ذِكْرَ ما يُحْزِنُ بَعْدَ تَقْرِيرِ أنَّ الدُّنْيا لِأهْلِها لَعِبٌ ولَهْوٌ وأنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما ضِدّانِ، فَلا تُنالُ إحْداهُما إلّا بِضِدٍّ ما لِلْأُخْرى، فَلا تُنالُ الآخِرَةُ إلّا بِضِدٍّ ما لِأهْلِ الدُّنْيا مِنَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، وذَلِكَ هو الحُزْنُ النّاشِئُ عَنِ التَّقْوى الحامِلُ عَلَيْها الخَوْفَ كَما رُوِيَ في حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ: «( أنا عِنْدَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهم مِن أجْلِي )» .
ولَمّا أخْبَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِعِلْمِهِ بِذَلِكَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيْ: فَلا يَحْزُنْكَ ذَلِكَ فَإنَّهم ﴿لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ بَلْ أنْتَ عِنْدَهم الأمِينُ، ولْيَكُنْ عِلْمُنا بِما تَلْقى مِنهم سَبَبًا لِزَوالِ حُزْنِكَ، وكَذا إخْبارُنا لَكَ بِعَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، بَلْ أنْتَ عِنْدَهم في نَفْسِ الأمْرِ أمِينٌ غَيْرُ مُتَّهَمٍ ولَكِنَّهم لِشِدَّةِ عِنادِهِمْ ووُقُوفِهِمْ مَعَ الحُظُوظِ وعَجْزِهِمْ عَنْ جَوابٍ يُبَرِّدُ غِلَلَهم ويَشْفِي عِلَلَهم (p-٩٦)- يُنْكِرُونَ آياتِ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِحَقِّيَّتِها، فَلْيُخَفِّفْ حُزْنَكَ لِنَفْسِكَ ما انْتَهَكُوهُ مِن حُرْمَةِ مَن أرْسَلَكَ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذْفٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى - إظْهارًا لِشَرَفِ النَّبِيِّ ﷺ وأدَبًا مَعَهُ - سَبَبُ الحُزْنِ، وهو التَّكْذِيبُ لِدَلالَةٍ الثّانِيَةِ عَلَيْهِ، ومِنَ الثّانِي النَّهْيُ عَنِ المُسَبِّبِ لِدِلالَةِ الأُولى عَلَيْهِ؛ رَوى الطَّبَرَيُّ في تَفْسِيرِهِ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ لَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ قالَ الأخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ لِبَنِي زُهْرَةَ إنَّ مُحَمَّدًا ابْنُ أُخْتِكم، وأنْتُمْ أحَقُّ مَن كَفَّ عَنْهُ، فَإنَّهُ إنْ كانَ نَبِيًّا لَمْ تُقاتِلُوهُ [اليَوْمَ]، وإنْ كانَ كاذِبًا [كُنْتُمْ] أحَقَّ مَن كَفَّ عَنْ ابْنِ أُخْتِهِ، قِفُوا هاهُنا حَتّى ألْقى أبا الحَكَمِ، فَإنْ غَلَبَ مُحَمَّدٌ رَجَعْتُمْ سالِمِينَ، وإنْ غُلِبَ مُحَمَّدٌ فَإنَّ قَوْمَكم لَنْ يَصْنَعُوا بِكم شَيْئًا، فَيَوْمَئِذَ سُمِّيَ ( الأخْنَسَ )، وكانَ اسْمُهُ: ( أُبَيٌّ )، فالتَقى الأخْنَسُ وأبُو جَهْلٍ، فَخَلا الأخْنَسُ بِهِ فَقالَ: يا أبا الحَكَمِ! أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ، فَإنَّهُ لَيْسَ هاهُنا مِن قُرَيْشٍ أحَدٌ غَيْرِي وغَيْرَكَ يَسْمَعُ كَلامَنا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ويْحَكَ! واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ مُحَمَّدٌ قَطُّ، ولَكِنْ (p-٩٧)إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والحِجابَةِ والسِّقايَةِ والنُّبُوَّةِ فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ ! وعَنْ ناجِيَةَ قالَ: قالَ أبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما نَتَّهِمُكَ ولَكِنْ نَتَّهِمُ الَّذِي جِئْتَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، وعَلى ذَلِكَ يَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ﴾ وقالَ: ﴿الظّالِمِينَ﴾ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، أيْ: الَّذِينَ كانُوا في مِثْلِ الظَّلامِ ﴿بِآياتِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ آياتِ ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: المُلْكِ الأكْبَرِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَجْحَدُونَ﴾ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في أوَّلِ كِتابِ ( الحُجَّةِ): أيْ: يَجْحَدُونَ ما عَرَفُوهُ مِن صِدْقِكَ وأمانَتِكَ، وعَلَّقَ باءَ الجَرِّ بِالظّالِمِينَ كَما هي في قَوْلِهِ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها﴾ [الإسراء: ٥٩] ونَحْوِها، وقالَ ابْنُ القَطّاعِ في كِتابِ الأفْعالِ: جَحَدَ الشَّيْءَ جَحْدًا وجُحُودًا: أنْكَرَهُ وهو عالِمٌ بِهِ. هَذا قَصْدُهم غَيْرَ أنَّهُ لا طَرِيقَ لَهم إلى إنْكارَ الآياتِ إلّا بِالتَّكْذِيبِ، أوْ ما يَؤُولُ إلَيْهِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الَّذِي أرْسَلَكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وهو الحَكِيمُ الخَبِيرُ، فاقْتَضَتْ قُدْرَتُهُ وقَهْرُهُ وانْتِصارُهُ لِأهْلِ وِلايَتِهِ وجَبْرُهُ أنْ يَحِلَّ بِأعْدائِهِمْ سَطْوَةٌ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ، واقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ عَدَمُ المُعاجَلَةِ بِها تَشْرِيفًا لَكَ وتَكْثِيرًا لِأُمَّتِكَ.
الأنعام 6:34
ولَمّا سَلّاهُ بِوَعْدِهِ النُّصْرَةَ المُسَبَّبَةَ عَنْ عِلْمِ المُرْسِلِ القادِرِ، وبِأنَّ (p-٩٨)تَكْذِيبَهم إنَّما هو لَهُ - سُبْحانَهُ - وهو مَعَ ذَلِكَ يَصْبِرُ عَلَيْهِمْ ويَحْلُمُ عَنْهم، بَلْ ويُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِالرِّزْقِ والمَنافِعِ - زادَهُ أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ في إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ ولَمّا كانَ المَنكِيُّ هو التَّكْذِيبَ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾
ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم لَمْ يَسْتَغْرِقْ الزَّمانَ، [وكانَ الِاشْتِراكُ في شَيْءٍ يُهَوِّنُهُ، وكُلَّما قَرُبَ الزَّمانُ كانَ أجْدَرَ بِذَلِكَ] أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ بِأنْ جَحَدَ قَوْمُهم ما يَعْرِفُونَ مِن صِدْقِهِمْ وأمانَتِهِمْ كَما فُعِلَ بِكَ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أيْ: فَتَسَـبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِ قَوْمِهِمْ لَهم أنَّهم صَبَرُوا ﴿عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا﴾ أيْ: فَصَبَرُوا أيْضًا عَلى ما أُوذُوا، ثُمَّ أشارَ إلى الوَعْدِ بِالنَّصْرِ بِشَرْطِ الصَّبْرِ فَقالَ: ﴿حَتّى﴾ أيْ: وامْتَدَّ صَبْرُهم حَتّى ﴿أتاهم نَصْرُنا﴾ أيْ: فَلْيَكُنْ لَكَ بِهِمْ أُسْوَةٌ، وفِيهِمْ مَسْلاةٌ، فاصْبِرْ حَتّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ كَما أتاهم، فَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ إنَّهم لَهم المَنصُورُونَ في قَوْلِنا: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأنَّ لَهُ جَمِيعَ العَظَمَةِ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ودَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى صُعُوبَةِ مَقامِ الصَّبْرِ جِدًّا بِالتَّأْكِيدِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ﴾ ودَلَّ عَلى عَظِيمِ ما تَحَمَّلُوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: خَبَرِهِمْ العَظِيمِ في صَبْرِهِمْ واحْتِمالِهِمْ وطاعَتِهِمْ وامْتِثالِهِمْ ورِفْقِهِمْ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ ونَصْرِنا لَهم عَلى مَن بَغى عَلَيْهِمْ، ومَجِيءُ نَبَئِهِمْ تَقَدَّمَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا، أمّا إجْمالًا فَفي مِثْلِ قَوْلِهِ (p-٩٩)﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾ [البقرة: ٨٧] وأمّا تَفْصِيلًا فَفي ذِكْرِ مُوسى وعِيسى وغَيْرِهِما؛ وفي قَوْلِهِ ﴿فَصَبَرُوا﴾ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ النَّهْيَ عَنِ الحُزْنِ نَهْيٌ عَنْ تابِعِهِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ الصَّبْرِ، والتَّعْبِيرُ بِمِنَ التَّبْعِيضِيَّةِ تَهْوِيلٌ لِما لَقُوا، فَهو أبْلَغُ في التَّعْزِيَةِ.
الأنعام 6:35
ولَمّا سَلّاهُ بِما هو في غايَةِ الكِفايَةِ في التَّسْلِيَةِ، أخْبَرَهُ بِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهُ غَيْرَ الصَّبْرِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَتَسَلَّ واصْبِرْ كَما صَبَرُوا، ولْيَصْغُرْ عِنْدَكَ ما تُلاقِي مِنهم في جَنْبِ اللَّهِ: ﴿وإنْ كانَ كَبُرَ﴾ أيْ: عَظُمَ جِدًّا ﴿عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ أيْ: عَمّا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِنَ الآياتِ الَّذِي قَدَّمْنا الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِنا: ﴿وما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ [الأنعام: ٤] وأرَدْتَ أنْ تَنْتَقِلَ - في إخْبارِنا لَكَ بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم الآياتُ المُقْتَرَحاتُ - مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ﴾ أيْ: تَطْلُبَ بِجُهْدِكَ وغايَةِ طاقَتِكَ ﴿نَفَقًا﴾ أيْ: مَنفَذًا ﴿فِي الأرْضِ﴾ تَنْفُذُ فِيهِ إلى ما عَساكَ تَقْدِرُ عَلى الِانْتِهاءِ إلَيْهِ ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَةَ العُلُوِّ لِتَرْتَقِيَ فِيهِ إلى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ ﴿فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ﴾ أيْ: ما اقْتَرَحُوا عَلَيْكَ فافْعَلْ لِتُشاهِدَ أنَّهم لا يَزْدادُونَ عِنْدَ إتْيانِكَ بِها إلّا إعْراضًا كَما أخْبَرْناكَ، (p-١٠٠)لِأنَّ اللَّهَ قَدْ شاءَ ضَلالَ بَعْضِهِمْ، والمُرادُ بِهَذا بَيانُ شِدَّةِ حِرْصِهِ ﷺ عَلى هِدايَتِهِمْ بِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَتَكَلَّفَ النُّزُولَ إلى تَحْتِ الأرْضِ أوْ فَوْقَ السَّماءِ فَيَأْتِيَهِمْ بِما يُؤْمِنُونَ بِهِ لَفَعَلَ.
ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في القُدْرَةِ - نَفاهُ إرْشادًا إلى تَقْدِيرِ ما قَدَّرْتَهُ فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الباهِرَةُ والقُدْرَةُ الكامِلَةُ القاهِرَةُ ﴿لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ أيْ: لِأنَّ قُدْرَتَهُ شامِلَةٌ، وإيمانَهم في حَدِّ ذاتِهِ مُمْكِنٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ شاءَ افْتِراقَهم بِإضْلالِ بَعْضِهِمْ؛ ولَمّا كانَ ﷺ بَعْدَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِما أعْلَمَ مِن حُكْمِهِ بِأنَّ الآياتِ لا تَنْفَعُ مِن حُتِمَ بِكُفْرِهِ - حَرِيصًا عَلى إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ جَمْعِهِمْ عَلى الهُدى لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى الغَرِيبِ فَضْلًا عَنِ القَرِيبِ، مَعَ ما أوْصاهُ اللَّهُ بِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ - كَما أفادَهُ الحرالي - مِن إدامَةِ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِهِ والرَّحْمَةِ لَهم والإحْسانِ إلَيْهِمْ واللِّينِ لَهم وإدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، فَتَظافَرَ عَلى ذَلِكَ الطَّبْعُ والإيصاءُ حَتّى كانَ لا يَكُفُّ عَنْهُ إلّا لِأمْرٍ جازِمٍ أوْ نَهْيٍ مُؤَكَّدٍ صارِمٍ - سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ فَأكَّدَ الكَلامَ - سُبْحانَهُ - لِيَعْلَمَ ﷺ أنَّهُ قَدْ حَتَمَ بِافْتِراقِهِمْ، فَيَسْكُنُ إلى ذَلِكَ (p-١٠١)ويُخالِفُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن شِدَّةِ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: إنَّكَ أعْلَمُ النّاسِ مُطْلَقًا ولَكَ الفِراسَةُ التّامَّةُ والبَصَرُ النّافِذُ والفِكْرَةُ الصّافِيَةُ بِمَن لَمْ تُعاشِرْهُ، فَكَيْفَ بِمَن بَلَوْتَهم ناشِئًا وكَهْلًا ويافِعًا! فَلا تَعْمَلْ بِحُجَّةِ ما أوْصاكَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّفْحِ، وجَبَلَكَ عَلَيْهِ مِنَ الأناةِ والحِلْمِ في ابْتِغاءِ إيمانِهِمْ بِخِلافِ ما يُعْلَمُ مِن خُسْرانِهِمْ، فَلا تُطْمِعْ نَفْسَكَ فِيما لا مَطْمَعَ فِيهِ، فَإنَّ ما شاءَهُ لا يَكُونُ [غَيْرُهُ]، فَهَذِهِ الآيَةُ وأمْثالُها - مِمّا في ظاهِرِهِ غِلْظَةٌ - مِنَ الدِّلالَةِ عَلى عَظِيمِ رُتْبَتِهِ ﷺ ومِن لَطِيفِ أمْداحِ القُرْآنِ لَهُ - كَما يُبَيَّنُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ التَّوْبَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]
الأنعام 6:36
ولَمّا أفْهَمَ هَذا القَضاءُ الحَتْمُ أنَّهُ قَدْ صارَ حالُهم [حالَ] مِن حُتِمَ بِالمَوْتِ، فَلا يُمْكِنُ إسْماعُهُ إلّا اللَّهُ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَجِيبَ عادَةً، قالَ: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ﴾ أيْ: في مَجارِي عاداتِكم ﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ السَّمْعِ لِأنَّهم أحْياءٌ فَيَتَدَبَّرُونَ حِينَئِذٍ ما يُلْقى إلَيْهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ، وهَؤُلاءِ قَدْ ساوَوْا المَوْتى في عَدَمِ قابِلِيَّةِ السَّماعِ لِلْخَتْمِ عَلى مَشاعِرِهِمْ ﴿والمَوْتى﴾ أيْ: كُلُّهم حِسًّا ومَعْنًى ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ (p-١٠٢)المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهو قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بِإفاضَةِ الإيمانِ عَلى الكافِرِ وإعادَةِ الرُّوحِ إلى الهالِكِ فَيَسْمَعُونَ حِينَئِذٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَياةَ لِدِلالَةِ ”المَوْتى“ عَلَيْها، ومِنَ الثّانِي السَّماعَ لِدِلالَةِ ﴿يَسْمَعُونَ﴾ عَلَيْهِ.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ [مَن] لا يُؤْمِنُ كالمَيِّتِ، حَثًّا عَلى الإيمانِ وتَرْغِيبًا فِيهِ، وقَدَّرَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، خَوَّفَ مِن سَطَواتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُرْجَعُونَ﴾ أيْ: مَعْنًى في الدُّنْيا فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يَشاءُ مِنهم، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ عَنْ مُرادِهِ أصْلًا وحِسًّا بَعْدَ المَوْتِ، فَيُساقُونَ قَهْرًا إلى مَوْقِفٍ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ كُلِّ مَظْلُومٍ وظالِمِهِ.
الأنعام 6:37
ولَمّا سَلّاهُ ﷺ فِيما أخْبَرْتُهُ مِن أقْوالِهِمْ بِما شَرَحَ صَدْرَهُ وسَرَّ خاطِرَهُ، وأعْلَمَهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ أنَّ أمْرَهم إنَّما هو بِيَدِهِ، ذَكَّرَهُ بَعْضَ كَلامِهِمْ الآئِلِ إلى التَّكْذِيبِ عَقِبَ إخْبارِهِ بِالحَشْرِ الَّذِي يُجازِي فِيهِ كُلًّا بِما يَفْعَلُ - فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] وقَوْلِهِ ﴿وقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] يُعَجِّبُ مِنهُ تَعْجِيبًا آخَرَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: مُغالَطَةً أوْ عِنادًا أوْ مُكابَرَةً ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ﴿نُـزِّلَ﴾ (p-١٠٣)أيْ: بِالتَّدْرِيجِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: واحِدَةٌ تَكُونُ ثابِتَةً بِالتَّدْرِيجِ لا تَنْقَطِعُ، وهَذا مِنهم إشارَةٌ إلى أنَّهم لا يَعُدُّونَ القُرْآنَ آيَةً ولا شَيْئًا مِمّا رَأوْهُ مِنهُ ﷺ مِن غَيْرِ ذَلِكَ نَحْوَ انْشِقاقِ القَمَرِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِ عَلى حِسٍّ ما يَدَّعِيهِ لِنَسْتَدِلَّ بِها عَلى ما يَقُولُ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ.
ولَمّا كانَ في هَذا - كَما تَقَدَّمَ - إشارَةٌ مِنهم إلى أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِآيَةٍ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ إمّا مُكابَرَةً وإمّا مُغالَطَةً، أمَرَهُ بِالجَوابِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿قادِرٌ عَلى أنْ﴾ وأشارَ بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ إلى آيَةِ القُرْآنِ المُتَكَرِّرَةِ عَلَيْهِمْ كُلَّ حِينٍ تَدْعُوهم إلى المُبارَزَةِ وتَتَحَدّاهم بِالمُبالَغَةِ والمُعاجَزَةِ، فَقالَ: ﴿يُنَـزِّلَ﴾ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِالتَّخْفِيفِ مُشِيرَةٌ إلى أنَّهم بَلَغُوا في الوَقاحَةِ الغايَةَ، وأنَّهم لَوْ قالُوا: لَوْلا أُنْزِلَ، أيْ: مَرَّةً واحِدَةً لَكانَ أخَفَّ في الوَقاحَةِ، [أوْ إلى أنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ أيُّ آيَةٍ، كانَتْ تُلْجِئُهم وتَضْطَرُّهم إلَيْهِ في آنٍ واحِدٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤] ولَكِنَّهُ لا يَسْألُ ذَلِكَ إلّا بِالتَّدْرِيجِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ] صِيغَةُ التَّفْعِيلِ في قِراءَةِ غَيْرِهِ المُذَكِّرَةِ (p-١٠٤)بِأنَّ آيَةَ القُرْآنِ لا تَنْقَضِي، بَلْ كُلَّما سَمِعَها أحَدٌ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ طُولَ الدَّهْرِ كانَتْ مُنَزَّلَةً عَلَيْهِ لِكَوْنِها واصِلَةً إلَيْهِ، فَهو أبْلَغُ مِن مَطْلُوبِهِمْ آيَةً يَنْزِلُ عَلَيْهِ وحْدَهُ، والحاصِلُ أنَّهم طَلَبُوا آيَةً باقِيَةً مَحْضَةً، فَلَوَّحَ لَهم إلى آيَةٍ هي - مَعَ كَوْنِها خاصَّةً بِهِ فِيما حَصَلَ لَهُ مِنَ الشَّرَفِ - عامَّةٌ لِكُلِّ مَن بَلَغْتْهُ، باقِيَةٌ طُولَ المَدى ﴿آيَةٌ﴾ أيْ: مِمّا اقْتَرَحُوهُ ومِن غَيْرِهِ، لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وفي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ مِنَ الآياتِ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ، وكَفى بِالقُرْآنِ العَظِيمِ مِثالًا لِذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ قابِلِيَّةُ العَلَمِ، فَهم لا يَتَفَكَّرُونَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ الَّذِي يُحْدِثُهُ مِن مَصْنُوعاتِهِ لِيَدُلَّهم عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَلا فائِدَةَ لَهم في إنْزالِ ما طَلَبُوهُ، وأمّا غَيْرُ الأكْثَرِ فَهو - سُبْحانُهُ - يَرُدُّهم بِآيَةِ القُرْآنِ أوْ غَيْرِها مِمّا لَمْ يَقْتَرِحُوهُ.
الأنعام 6:38
ولَمّا عَجِبَ مِنهم في قَوْلِهِمْ هَذا الَّذِي يَقْتَضِي أنَّهم لَمْ يَرَوْا [لَهُ] آيَةً قَطُّ بَعْدَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ الخاصَّةِ بِهِ ما مَلَأ الأقْطارَ، ورَدَّ إلى الصُّمِّ الأسْماعَ، وأنارَ مِنَ العُمْيِ الأبْصارَ؛ ذَكَّرَهم بِآيَةٍ غَيْرِ آيَةِ القُرْآنِ تَشْتَمِلُ عَلى آياتٍ مُسْتَكْثَرَةٍ كافِيَةٍ لِصَلاحِهِمْ، رَتَّبَها – سُبْحانَهُ - (p-١٠٥)قَبْلَ سُؤالِهِمْ تَفَضُّلًا مِنهُ عَلَيْهِمْ دالَّةً عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي طَلَبُوها وغَيْرِها وعَلى تَفَرُّدِهِ بِجَمِيعِ الأمْرِ، إذا تَأمَّلُوها حَقَّ تَأمُّلِها كَفَتْهم في جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهم، فَقالَ تَعالى: ﴿وما﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ ما، وهي ناظِرَةٌ أتَمَّ نَظَرٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِكم وما ﴿مِن دابَّةٍ في الأرْضِ﴾ أيْ: تَدُبُّ أيْ: تَنْتَقِلُ بِرِجْلٍ وغَيْرِ رِجْلٍ ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ﴾ وقَرَّرَ الحَقِيقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِجَناحَيْهِ﴾ وشَمِلَ ذَلِكَ جَمِيعَ الحَيَوانِ حَتّى ما في البَحْرِ؛ لِأنَّ سَيْرَها في الماءِ إمّا أنْ يَكُونَ دَبِيبًا أوْ طَيَرانًا مَجازًا.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالدّابَّةِ والطّائِرِ الِاسْتِغْراقُ - قالَ: ﴿إلا أُمَمٌ﴾ أيْ: يَقْصِدُ مِنها في نَفْسِهِ، ويَقْصِدُ هو نَوْعَهُ ويَنْضَمُّ إلى شَكْلِهِ ﴿أمْثالُكُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ وفي أنّا خَلَقْناكم ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا وحَفِظْنا جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وقَدَّرْنا كُلَّ أرْزاقِهِمْ وآجالِهِمْ، وجَعَلْنا لَكم فِيهِمْ أحْكامًا جَدَّدْناها لَكم، وجَعَلْنا لِكُلٍّ مِنهم أجَلًا لِلْمَوْتِ لا يَتَعَدّاهُ بَعْدَ أنْ فاوَتْنا بَيْنَهم في الحَياةِ، ولِلْكُلِّ أجَلٌ في عِلْمِنا في البَرْزَخِ مُثْبَتٌ قَبْلَ أنْ نَخْلُقَهم، لا يَنْقُصُ ذَرَّةً ولا يَزِيدُ خَرْدَلَةً، وجَعَلْنا في هَذِهِ الحَيَواناتِ ما هو أقْوى مِنكم وما هو أضْعَفُ، وجَعَلْناكم أقْوى مِنَ الجَمِيعِ بِالعَقْلِ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا لَهُ بَيْنَ قُوَّةِ البَدَنِ والعَقْلِ، ورُبَّما سَلَّطْنا الأضْعَفَ عَلَيْكم كالجَرادِ والفَأْرِ والدُّودِ بِما تَعْجِزُ عَنْهُ عُقُولُكم، ولَوْ شِئْنا لَسَلَّطْنا عَلَيْكم مِن أضْعَفِها خَلْقًا - البَعُوضَ - (p-١٠٦)ما أخَذَ بِأنْفاسِكم ومَنَعَكم القَرارَ وأخْرَجَكم عَنْ حَرَكاتِ الِاخْتِيارِ إلى أنْ أهْلَكَكم جَمِيعًا هَلاكَ نَفْسٍ واحِدَةٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ تَكِلُّ عَنْها العُقُولُ وتَقِفُ دُونَها نَوافِذُ الفِكْرِ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ما فَرَّطْنا﴾ أيْ: تَرَكْنا وأغْفَلْنا لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ الشّامِلِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: اللَّوْحِ المَحْفُوظِ والقُرْآنِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لِيَذْهَبَ ذِكْرُهُ كَما يَذْهَبُ العِقْدُ الَّذِي يَنْقَطِعُ سِلْكُهُ فَيَتَفَرَّطُ، بَلْ ذَكَرْنا جَمِيعَ أحْوالِ خَلْقِنا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ ناطِقٍ وصامِتٍ، فَصارَتْ في غايَةِ الضَّبْطِ حَتّى إنَّ الحَفَظَةَ يَعْرِضُونَ ما يَحْدُثُ مِن عَمَلِ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِ آخِرَ النَّهارِ عَلى ما كانَ مُثْبَتًا في أُمِّ الكِتابِ فَيَجِدُونَهُ كَما هو، لا يَزِيدُ شَيْئًا ولا يَنْقُصُ، فَيَزْدادُونَ إيمانًا، وأثْبَتْنا في هَذا القُرْآنِ مَجامِعَ الأُمُورِ، فَهو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الأصْلِيَّةِ والفَرْعِيَّةِ والدِّلالاتِ عَلى كُلِّ ذَلِكَ وأخْبارِ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ وكُلِّ عِلْمٍ يُمْكِنُ أنْ يَحْتاجَهُ المَخْلُوقُ، فَمَن أرادَ الهِدايَةَ هَداهُ بِدَقِيقِ أسْرارِهِ، ومَن أعْرَضَ أوْقَعَهُ في الرَّدى، وعَمِيَ حَتّى عَنْ واضِحِ أنْوارِهِ، والآيَةُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] إلى أنْ قالَ:
”وبَثّ فِيها مِن كُلِّ دابَّة - لِآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ“ .(p-١٠٧)
؎وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
أفَلا يَكُونُ لَكم في ذَلِكَ آياتٌ تُغْنِيكم عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ فَضْلًا عَنْ أنْ تَتَوَقَّفُوا بَعْدَ إرْسالِهِمْ ولا تَرْضَوْا مِنهم مِن خَوارِقِ العاداتِ إلّا بِما تَقْتَرِحُونَهُ.
ولَمّا أشارَ إلى ما شارَكَ فِيهِ سائِرَ الحَيَوانِ لِلْآدَمِيِّينَ مِن أحْوالِ الحَياةِ وغَيْرِها، نَصَّ عَلى الحَشْرِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الحَياةِ والإقامَةِ في البَرْزَخِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: خاصَّةً، [وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقِ كَلامِ القادِرِينَ قَوْلُهُ]: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [أيْ: يُجْمَعُونَ كَرْهًا] بَعْدَ أنْ يُعِيدَهم كُلَّهم كَما بَدَأهم، ويُنْصِفَ كُلَّ مَظْلُومٍ مِنهم مِن ظالِمِهِ، كُلُّ ذَلِكَ [عَلَيْهِ] هَيِّنٌ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] والكُلُّ مَحْفُوظُونَ في كِتابٍ مُبِينٍ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِمْ وتَبايُنِ حَقائِقِهِمْ وأشْخاصِهِمْ وزِيادَتِهِمْ في الجِدِّ عَلى أنْ يُوَجِّهَ نَحْوَهم العَدَّ - سُبْحانَ مَن أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وأحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
الأنعام 6:39
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي تَنَوَّعَتْ فِيها الآياتُ (p-١٠٨)وتَكَرَّرَتْ وتَكَثَّرَتْ فِيها الدِّلالاتُ؛ فالَّذِينَ آمَنُوا أحْياءٌ سامِعُونَ لِأقْوالِنا، ناطِقُونَ بِمَحامِدِنا راؤُونَ لِأفْعالِنا - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِإضافَتِها إلَيْنا، مَرْئِيَّةً كانَتْ أوْ مَسْمُوعَةً، تَكْذِيبًا مُتَكَرِّرًا عَلى عَدَدِ الآياتِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ ولَوْ بِالإعْراضِ عَنْها ﴿صُمٌّ﴾ أيْ: أمْواتٌ فَهم لا يَسْمَعُونَ ﴿وبُكْمٌ﴾ لا يَنْطِقُونَ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: عُمْيٌ لا يُبْصِرُونَ، فَلِذَلِكَ لا يَزالُونَ خابِطِينَ خَبْطَ العَشْواءِ ساعِينَ غايَةَ السَّعْيِ إلى الرَّدى؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ مَن في الظُّلْمَةِ، فَكَيْفَ بِمَن هو في جَمِيعِ الظُّلُماتِ! ولَعَلَّهُ جَمَعَها إشارَةً إلى أنَّ المُكَذِّبَ لا يَنْتَفِعُ بِبَصَرٍ ولا بِبَصِيرَةٍ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِحَياتِهِمْ ولا بِأسْماعِهِمْ ولا نُطْقِهِمْ ولا أبْصارِهِمْ ولا عُقُولِهِمْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ مِنهم عَدَمًا.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ الأعْمى لا تُمْكِنُ هِدايَتُهُ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - فَطْمًا عَنْ طَلَبِ إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَفَعّالٌ لِما يُرِيدُ، فَقالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّما تُمْكِنُ هِدايَتُهم: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ﴾ - أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ - إضْلالَهُ ﴿يُضْلِلْهُ ومَن يَشَأْ﴾ هِدايَتَهُ (p-١٠٩)﴿يَجْعَلْهُ﴾ وأشارَ إلى تَمْكِينِهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بِأنْ يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ - ومَن يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ ومَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ، مَعَ أنَّ الكُلَّ عِبادُهُ وخَلْقُهُ، مُتَقَلِّبُونَ في نِعَمِهِ، غادُونِ رائِحُونَ في بِرِّهِ وكَرَمِهِ - إنَّ في ذَلِكَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ قُدْرَتِهِ لَآياتٍ بَيِّناتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
الأنعام 6:40
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - بِما فِيها مِنَ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ - شَدِيدَةَ الِاعْتِناقِ لِقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١] وقَوْلِهِ ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ﴾ [الأنعام: ٥] الآيَتَيْنِ - رَجَعَ بِالَّذِي بَعْدَها إلى فَذْلَكَةِ التَّفاصِيلِ الماضِيَةِ وواسِطَةِ عِقْدِها وفَرِيدَةِ دُرِّها، وهو التَّوْحِيدُ الَّذِي أبانَتْهُ الأدِلَّةُ قَبْلَ الآيَتَيْنِ، فَقالَ دالًّا عَلى اعْتِقادِهِمْ القُدْرَةَ الَّتِي اسْتَلْزَمَ نَعْتُهم بِطَلَبِ الآيَةِ نَفْيَها، واعْتِقادُهم لِلتَّوْحِيدِ في الجُمْلَةِ وهم يُكَذِّبُونَ بِهِ، بَيانًا لِأنَّهم في الظُّلُماتِ مَقْهُورُونَ بِيَدِ المَشِيئَةِ لِعَدَمِ تَحاشِيهِمْ مِنَ التَّناقُضِ مُعَجِّبًا مِنهم: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي يا مَن كَذَّبَ بِالآياتِ والقُدْرَةِ عِنادًا وشَهِدَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، وعَدَلَ بِاللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ، وهو مَعَ مَن يَدْعُوهُ في كُلِّ سَماءٍ وكُلِّ أرْضٍ بِعِنايَتِهِ ونَصْرِهِ.
ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ هَلْ رَأيْتُمْ أنْفُسَكم، وكانَ هَذا (p-١١٠)لِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ مَعْلُومٍ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، مُشِيرًا إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا قَدْ يَخْفى مِن أحْوالِ النَّفْسِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ أحْوالِ نُفُوسِنا نُسْألُ؟ فَقِيلَ تَنْبِيهًا لَهم عَلى حالَةٍ تُلْزِمُهم بِالتَّوْحِيدِ أوْ العِنادِ الَّذِي يَصِيرُ في العِلْمِ بِهِ كالسُّؤالِ عَنْ رُؤْيَةِ النَّفْسِ سَواءٌ: ﴿إنْ أتاكُمْ﴾ أيْ: قَبْلِ مَجِيءِ السّاعَةِ كَما آتى مَن قَبْلَكم ﴿عَذابُ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِمَجامِعِ العَظَمَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى كَشْفِ ما يَأْتِي بِهِ ﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أيْ: القِيامَةُ بِما فِيها مِنَ الأهْوالِ.
ولَمّا عَجَّبَ مِنهم بِما مَضى، كَما مَضى، قالَ مُجِيبًا لِلشَّرْطِ مُوَبِّخًا لَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى دُعائِهِ ولُزُومِ سُؤالِهِ ونِدائِهِ، [ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ؟ ثُمَّ زادَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا بِقَوْلِهِ]: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: لِشِدَّةٍ مِن تِلْكَ الشَّدائِدِ، ولا تَدْعُونَ اللَّهَ مَعَ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يُغْنِي شَيْئًا حَتّى يَسْتَحِقَّ الإلَهِيَّةَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فادْعُوا ذَلِكَ الغَيْرَ، وهَذِهِ حُجَّةٌ لا يَسَعُهم مَعَها غَيْرُ التَّسْلِيمِ، فَإنَّ عادَتَهم كانَتْ مُسْتَمِرَّةً أنَّهم إذا اشْتَدَّ الأمْرُ وضاقَ الخِناقُ لا يَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ ولا يُوَجِّهُونَ الهِمَمَ إلّا إلَيْهِ، فَإنْ سَلَكُوا سَبِيلَ الصِّدْقِ الَّذِي لَهُ يَنْتَحِلُونَ وبِهِ يَتَفاخَرُونَ فَقالُوا: لا نَدْعُو غَيْرَهُ، فَقَدْ لَزِمَتْهم الحُجَّةُ في أنَّهُ لا يُعْدَلُ بِهِ شَيْءٌ ولا شَرِيكَ لَهُ، (p-١١١)وإنْ عانَدُوا نَطَقَ لِسانُ الحالِ أنَّهم عَلى مَحْضِ الضَّلالِ، وإنْ سَكَتُوا أُثْبِتَ عَلَيْكَ الخِطابُ، وهي مَعَ ذَلِكَ - كَما تَرى - دَلِيلٌ عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ الآيَةُ قَبْلَها مِن أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، أيْ: إنَّكم كُلَّكم مُشْتَرِكُونَ في وُضُوحِ الأمْرِ في أنَّهُ لا مُنْصَرَفَ إلّا إلَيْهِ وقَدْ افْتَرَقْتُمْ فَصَدَقَ بَعْضٌ وكَذَبَ آخَرُونَ، فَلَوْ أنَّ الأمْرَ مَوْقُوفٌ عَلى وُضُوحِ الدِّلالَةِ فَقَطْ كانَ الكُلُّ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، هَذا ونَقَلَ أبُو حَيّانَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لِلْعَرَبِ في أرَأيْتَ لُغَتانِ ومَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ تَسْألَ الرَّجُلَ: أرَأيْتَ زَيْدًا، أيْ: بِعَيْنِكَ، فَهَذِهِ مَهْمُوزَةٌ. وثانِيهُما: أنْ تَقُولَ: أرَأيْتَ، وأنْتَ تُرِيدُ: أخْبِرْنِي، فَهاهُنا تَتْرُكُ الهَمْزَةَ إنْ شِئْتَ، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، وتُومِئُ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ؛ ثُمَّ قالَ أبُو حَيّانَ: وكَوْنُ أرَأيْتَ وأرَأيْتَكَ بِمَعْنى: أخْبِرْنِي نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ مِن أئِمَّةِ العَرَبِ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي يَتَعَدّى بِعَنْ، وأرَأيْتَ مُتَعَدٍّ لِمَفْعُولٍ بِهِ صَرِيحٍ وإلى جُمْلَةٍ اسْتِفْهامِيَّةٍ هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي؛ وقالَ (p-١١٢)فِي سُورَةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ أنَّ العَرَبَ تُضَمِّنُ أرَأيْتَ مَعْنى أخْبِرْنِي وأنَّها تَتَعَدّى إذْ ذاكَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ أكْثَرُ ما يَكُونُ جُمْلَةَ اسْتِفْهامٍ، يَنْعَقِدُ مِنها ومِمّا قَبْلَها مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، يَقُولُ العَرَبُ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ؟ المَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ ما صَنَعَ! وقَبْلَ دُخُولِ أرَأيْتَ كانَ الكَلامُ: زَيْدٌ ما صَنَعَ. انْتَهى. قُلْتُ: وحَقِيقَةُ المَعْنى - كَما مَرَّ -: هَلْ رَأيْتَ زَيْدًا؟ فَلَمّا اسْتَفْهَمَ عَنْ رُؤْيَتِهِ - والمُرادُ الخَبَرُ لا البَصَرُ - عُلِمَ أنَّ السُّؤالَ عَنْ بَعْضِ أحْوالِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ؟ فَقِيلَ: ما صَنَعَ؟
الأنعام 6:41
ولَمّا كانَ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ بِمَعْنى النَّفْيِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿تَدْعُونَ﴾ أيْ: حِينَئِذٍ؛ ولَمّا كانَ يَتَسَبَّبُ عَنْ دُعائِهِمْ تارَةً الإجابَةُ وأُخْرى غَيْرُها قالَ: ﴿فَيَكْشِفُ﴾ أيْ: اللَّهُ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى كَشْفِهِ ﴿إنْ شاءَ﴾ أيْ: ذَلِكَ تَفَضُّلًا عَلَيْكم كَما هي عادَتُهُ مَعَكم في وقْتِ شَدائِدِكم، ولَكِنَّهُ لا يَشاءُ كَشْفَهُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، ولَوْ كانَ يُجِيبُكم دائِمًا وأنْتُمْ لا تَدْعُونَ غَيْرَهُ، لَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في الدِّلالَةِ عَلى اعْتِقادِكم أنَّهُ لا قادِرَ إلّا هو، فَكَيْفَ وهو يُجِيبُكم في الدُّنْيا (p-١١٣)إذا دَعَوْتُمُوهُ تارَةً ويُجِيبُكم أُخْرى، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَرُدُّكم عَدَمُ إجابَتِهِ عَنْ اعْتِقادِ قُدْرَتِهِ ودَوامِ الإقْبالِ عَلَيْهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالِ لِما رَكَزَ في العُقُولِ السَّلِيمَةِ والفِطَرِ الأُولى مِن أنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى ( تَدْعُونَ ): ﴿وتَنْسَوْنَ﴾ أيْ: تَتْرُكُونَ في تِلْكَ الأوْقاتِ دائِمًا ﴿ما تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِن مَعْبُوداتِكم الباطِلَةِ لِعِلْمِكم أنَّها لا تُغْنِي شَيْئًا، كَما هي عادَتُكم دائِمًا في أوْقاتِ الشَّدائِدِ رُجُوعًا إلى حالِ الِاسْتِقامَةِ. أفَلا يَكُونُ لَكم هَذا زاجِرًا عَنِ الشِّرْكِ في وقْتِ الرَّخاءِ خَوْفًا مِن إعادَةِ الضَّرّاءِ!
الأنعام 6:42
ولَمّا أقامَ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ الدَّلِيلَ حَتّى اسْتَنارَتْ السُّبُلُ في تَذْكِيرِهِمْ أنَّ التَّضَرُّعَ قَدْ يُكْشَفُ بِهِ البَلاءُ، أخْبَرَهم أنَّ تَرْكَهُ يُوجِبُ الشَّقاءَ، تَرْغِيبًا في إدامَتِهِ وتَرْهِيبًا مِن مُجانَبَتِهِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلى أُمَمٍ﴾ أيْ: أُناسٍ يَؤُمُّ بَعْضُهم بَعْضًا، وهم أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهم النّاسُ، لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ والعَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ بَعْضَ الأُمَمِ، وهم الَّذِينَ أرادَ اللَّهُ إشْهادَهم وقَصَّ أخْبارَهم - أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ: رُسُلًا فَخالَفُوهم، وحَسَّنَ هَذا الحَذْفَ كَوْنُهُ مَفْهُومًا ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ أيْ: فَكانَ إرْسالُنا إلَيْهِمْ سَبَبًا (p-١١٤)لِأنْ أخَذْناهم بِعَظَمَتِنا، لِيَرْجِعُوا عَمّا زَيَّنَ لَهم الشَّيْطانُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الرُّسُلَ ﴿بِالبَأْساءِ﴾ مِن تَسْلِيطِ القَتْلِ عَلَيْهِمْ ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِتَسْلِيطِ الفَقْرِ والأوْجاعِ ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى خُضُوعُهُ وتَذَلُّلُهُ عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ، بِما يُرْشِدُ إلَيْهِ - مَعَ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ - الإظْهارُ، ولِأنَّ مَقْصُودَها الِاسْتِدْلالُ عَلى التَّوْحِيدِ، وعِنْدَ الكَشْفِ لِلْأُصُولِ يَنْبَغِي الإبْلاغُ في العِبادَةِ، بِخِلافِ ما يَأْتِي في الأعْرافِ.
الأنعام 6:43
ولَمّا لَمْ يَقَعُ مِنهم ما أوْجَبَتْ الحالُ رَجاءَهُ، تَسَبَّبُ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّخْصِيصِ لِيُفِيدَ مَعَ النَّفْيِ أنَّهم ما كانَ لَهم عُذْرٌ في تَرْكِ التَّضَرُّعِ: ﴿فَلَوْلا﴾ أيْ: فَهَلّا ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ [ولَمّا] كانَ مَعْنى الإنْكارِ أنَّهم [ما] تَضَرَّعُوا قالَ: ﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يَذْكُرُوا رَبَّهم أصْلًا ﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: بِما دَخَلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن بابِ الشَّهَواتِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ العَظائِمِ والمَناكِرِ الَّتِي أوْجَبَها النَّكْسُ بِالرَّدِّ أسْفَلَ سافِلِينَ
الأنعام 6:44
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ - عَنْ تَرْكِهِمْ التَّذْكِيرَ والأخْذَ بِفائِدَتِهِ الَّتِي هي التَّخَشُّعُ والتَّسَكُّنُ، كَما هو اللّائِقُ بِهِمْ لا سِيَّما في تِلْكَ الحالَةِ - أنّا ﴿فَتَحْنا﴾ أيْ: بِما يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الخَيْراتِ والأرْزاقِ والمَلاذِّ الَّتِي كانَتْ مُغْلَقَةً عَنْهم ونَقَلْناهم مِن (p-١١٥)الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، وذَلِكَ اسْتِدْراجًا لَهم، ومَدَدْنا زَمانَهُ وطَوَّلْنا أيّامَهُ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا﴾ أيْ: تَناهى بِهِمْ الفَرَحُ ﴿بِما أُوتُوا﴾ أيْ: مُعْرِضِينَ عَمَّنْ آتاهم هَذا الرَّخاءَ بَعْدَ أنْ كانَ ابْتَلاهم بِذَلِكَ، فَعُلِمَ أنَّهم في غايَةٍ مِنَ الغَباوَةِ، لا يَرْتَدِعُونَ بِالتَّأْدِيبِ بِسِياطِ البَلاءِ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِبِساطِ المِنَّةِ والرَّخاءِ، بَلْ ظَنُّوا أنَّ البَلاءَ عادَةُ الزَّمانِ، والرَّخاءَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ الِامْتِنانَ، فَعُلِمَ أنَّ قُلُوبَهم لا يُرْجى لَها انْتِباهٌ بِحارٍّ ولا بارِدٍ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ﴿أخَذْناهُمْ﴾ بِعَظَمَتِنا، وإنَّما أخَذْناهم في حالِ الرَّخاءِ لِيَكُونَ أشَدَّ لِتَحَسُّرِهِمْ ﴿بَغْتَةً﴾ فَلَمْ نُمَكِّنْهم مِنَ التَّضَرُّعِ عِنْدَ خُفُوقِ الأمْرِ، ولا أمْهَلْناهم أصْلًا بَلْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِن أثْقالِ العَذابِ، وأباحَ بِهِمْ مِن أحْمالِ الشَّدائِدِ وصُرُوفِ البَلايا ما أذْهَلَهم وشَغَلَهم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى بُهِتُوا ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ البَغْتِ أنْ فاجَؤُوا السُّكُوتَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ واليَأْسَ تَحَسُّرًا وتَحَيُّرًا، واسْتَمَرُّوا بَعْدَ أنْ سَكَتُوا إلى أنْ هَمِدُوا وخَفَتُوا، فَفي نَفْيِ التَّضَرُّعِ عَنِ المُتَقَدِّمِينَ بَعْدَ أنْ أثْبَتَهُ لِمُشْرِكِي هَذِهِ الأُمَّةِ اسْتِعْطافٌ لِطَيْفٌ، وفي ذِكْرِ اسْتِدْراجِ أُولَئِكَ بِالنِّعَمِ عِنْدَ نِسْيانِ ما ذُكِّرُوا بِهِ إلى ما أخَذَهم بَغْتَةً مِن قَواصِمِ النِّقَمِ - غايَةُ التَّحْذِيرِ.
الأنعام 6:45
(p-١١٦)ولَمّا كانَ مِن عادَةِ الغالِبِ مِن أهْلِ الدُّنْيا أنْ يَفُوتَهُ آخِرُ الجُيُوشِ وشُذّابُهم لِمَلَلِ أصْحابِهِ مِنَ الطَّلَبِ وضَجَرِهِمْ مِنَ النَّصَبِ والتَّعَبِ وقُصُورِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ الأرَبِ - أخْبَرَ تَعالى أنَّ أخْذَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأنَّ نَيْلَهُ لِلْآخِرِ كَنَيْلِهِ لِلْأوَّلِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الأخْذِ المَوْصُوفِ مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى تَمامِ القُدْرَةِ، وبِالدّابِرِ إلى الِاسْتِئْصالِ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ﴾ أيْ: آخِرُ ﴿القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: بِوَضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ دَأْبَ الماشِي في الظَّلامِ، وُضِعُوا لِقَسْوَةِ مَوْضِعِ الرِّقَّةِ الَّتِي تَدْعُو إلَيْها الشِّدَّةُ، ووَضَعُوا الفَرَحَ بِالنِّعْمَةِ مَوْضِعَ الخَشْيَةِ مِنَ الرَّدِّ إلى الشِّدَّةِ، كَما ظَلَمْتُمْ أنْتُمْ بِدُعاءِ الأصْنامِ وقْتَ الرَّخاءِ وكانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ دُعاءِ مَن أفاضَ تِلْكَ النِّعَمَ، ودَعَوْتُمْ اللَّهَ وقْتَ الشِّدَّةِ وكانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ دُعاءِ مَن عَبَدْتُمُوهُ وقْتَ الرَّخاءِ، لِئَلّا تَقَعُوا فِيما جَرَتْ عادَتُكم بِالذَّمِّ بِهِ.
؎وإذا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعى لَها وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعى جُنْدَبُ
ولَمّا كانَ اسْتِئْصالُهم مِن أجَلِّ النِّعَمِ عَلى مَن عادَوْهم فِيهِ مِنَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وأتْباعِهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - نَبِّهَ عَلى ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ مَعَ ما يُشِيرُ (p-١١٧)إلَيْهِ مِن ظُهُورِ الِاسْتِغْناءِ المُطْلَقِ - فَقالَ: ﴿والحَمْدُ﴾ أيْ: قُطِعَ أمْرُهم كُلُّهُ والحالُ أنَّ الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لِلَّهِ﴾ المُتَفَرِّدِ بِنُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ المُوجِدِ لَهم أجْمَعِينَ، أيْ: لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ فَناءِ الخَلْقِ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانُوا مِن إيمانٍ أوْ كُفْرٍ، كَما كانَ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ وُجُودِهِمْ وعِنْدَ خَلْقِهِمْ عَلى كُلٍّ مِن حالَتَيْهِمْ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِأوَّلِ السُّورَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الكَمالُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، فَقُطِعَ دابِرُهم، والكَمالُ لَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ؛ لِأنَّهُ لا يَزِيدُهُ وُجُودُ مَوْجُودٍ، ولا يُنْقِصُهُ فَقْدُ مَفْقُودٍ، فَهو مَحْمُودٌ حالَ الإعْدامِ والمَحْقِ كَما كانَ مَحْمُودًا حالَ الإيجادِ والخَلْقِ، فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، فَإنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ إيمانِهِمْ ولا كُفْرانِهِمْ عَنْ إرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - فَلا عَلَيْكَ مِنهم اقْتَرَحُوا الآياتِ أوْ لا، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ.
الأنعام 6:46
ولَمّا قَدَّمَ التَّنْبِيهَ بِإتْيانِ مُطْلَقِ العَذابِ في مُطْلَقِ الأحْوالِ، وكانَ الإتْيانُ بِالكافِ ثَمَّ مُشِيرًا مَعَ إفادَةِ التَّأْكِيدِ إلى أنَّ ثَمَّ نَوْعُ مُهْلَةٍ، وأتْبَعَهُ أنَّ أخْذَ الأُمَمِ كانَ بَغْتَةً - أعْقَبَهُ التَّنْبِيهَ بِعَذابٍ خاصٍّ تَصَوُّرُ شَناعَتِهِ يَهْذَأُ الأرْكانَ ويُقَطِّعُ الكُبُودَ ويَمْلَأُ الجِنانَ، فَإنَّهُ لا أشْنَعَ حالًا مِن أصَمَّ أعْمى مَجْنُونٍ، فَقالَ مُشِيرًا - بِإسْقاطِ كافِ الخِطابِ مَعَ التَّعْبِيرِ بِالأخْذِ الَّذِي عُهِدَ أنَّهُ لِلْبَغْتِ بِالسَّطْوَةِ والقَهْرِ - إلى غايَةِ التَّحْذِيرِ مِن سُرْعَةِ أيْ (p-١١٨)الأخْذِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ فَكانَتْ حَقِيقَةُ المُقْتَرِنِ بِالكافِ: هَلْ رَأيْتُمْ أنْفُسَكم، وهَذا هَلْ رَأيْتُمْ مُطْلَقَ رُؤْيَةٍ، لِما تَقَدَّمَتْ الإشارَةُ إلَيْهِ مِنَ الإيماءِ إلى طَلَبِ الإسْراعِ بِالجَوابِ خَوْفَ المُفاجَأةِ بِالعَذابِ وإنْ كانَ المُرادُ في المَوْضِعَيْنِ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ﴾ أيْ: القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿سَمْعَكُمْ﴾ وأفْرَدَهُ لِقِلَّةِ المُفاوَتَةِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ الطُّرُقِ لِإدْراكِ القَلْبِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنَ المُفاوَتَةِ فِيهِ حَتّى لِلْإنْسانِ الواحِدِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ ﴿وأبْصارَكُمْ﴾ أيْ: فَأصَمَّكم وأعْماكم عَمًى وصَمَمًا ظاهِرَيْنِ وباطِنَيْنِ بِسَلْبِ المَنفَعَةِ ﴿وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فَجَعَلَها لا تَعِي أصْلًا، أوْ لا تَنْتَفِعُ بِالوَعْيِ ﴿مَن إلَهٌ﴾ أيْ: مَعْبُودٌ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ لَهُ إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ؛ ثُمَّ وصَفَ هَذا الخَبَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الَّذِي هو أشْرَفُ مَعانِي أشْرَفِ أعْضائِكم، أوْ بِشَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ الآياتُ - مِنَ الإبْلاغِ في البَيانِ في وحْدانِيَّتِهِ وبُطْلانِ كُلِّ مَعْبُودٍ سِواهُ - أعْلى المَقاماتِ ... نَبَّهَ عَلى أنَّهُ عَلى ذَلِكَ، بِالأمْرِ بِالنَّظَرِ فِيها وفي حالِهِمْ بَعْدَها، دالًّا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُقْتَرَحاتِ لا تَنْفَعُ مَن أرادَ - سُبْحانَهُ - شَقاوَتَهُ، فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ﴾ [أيْ]: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ أيْ: نُوحِيها لَهم ولِغَيْرِهِمْ في كُلِّ وجْهٍ (p-١١٩)مِن وُجُوهِ البَيانِ بالِغٍ مِنَ الإحْسانِ ما يَأْخُذُ بِالعُقُولِ ويُدْهِشُ الألْبابَ، ويَكُونُ كافِيًا في الإيصالِ إلى المَطْلُوبِ؛ ولَمّا كانَ الإعْراضُ عَنْ مِثْلِ هَذا في غايَةِ البُعْدِ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ هُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ بِصَمِيمِ ضَمائِرِهِمْ ﴿يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ إعْراضًا لازِمًا لَهم لُزُومَ الصِّفَةِ.
الأنعام 6:47
ولَمّا قَرَنَ الأخْذَ بِالبَغْتِ تارَةً صَرِيحًا وتارَةً بِإسْقاطِ الكافِ؛ كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ السُّؤالِ عَنْ حالَةِ الجَهْرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَهُ مُفَصِّلًا لِما أجْمَلَ مِنَ الأحْوالِ في الآيَتَيْنِ قَبْلُ، فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى: أخْبِرُونِي، وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ ماذا ؟ قِيلَ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: بِحَيْثُ لا يُرى إلّا مُلْتَبِسًا بِكم مِن غَيْرِ أنْ يُشْعَرَ بِهِ ويَظْهَرَ شَيْءٌ مِن أماراتِهِ،
﴿أوْ جَهْرَةً﴾ أيْ: بِحَيْثُ تَرَوْنَهُ مُقْبِلًا إلَيْكم مُقْدِمًا عَلَيْكم ﴿هَلْ﴾
ولَمّا كانَ المَخُوفُ بِالذّاتِ هو الهَلاكُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى تَعْيِينِ الفاعِلِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُهْلَكُ﴾ أيْ: في واحِدَةٍ مِنَ الحالَتَيْنِ هَلاكًا هو الهَلاكُ، وهو هَلاكُ السُّخْطِ ﴿إلا القَوْمُ﴾ أيْ: الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُدافَعَةِ وشِدَّةُ المُقاتَلَةِ - في زَعْمِكم - والمُقاوَمَةِ ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيْ: بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها مِن إعْطاءِ الشَّيْءِ لِمَن لا يَسْتَحِقُّهُ ومَنعِ المُسْتَحِقِّ ما لَهُ، وأمّا المُصْلِحُ فَإنَّهُ ناجٍ إمّا في الدّارَيْنِ وإمّا في الآخِرَةِ الَّتِي مَن فازَ فِيها فَلا تَوًى (p-١٢٠)عَلَيْهِ؛ وذَكَرَ أبُو حَيّانَ [أنَّهُ] لَمّا كانَ مُطْلَقُ العَذابِ صالِحًا لِكُلِّ ما يُعْلَمُ مِن تَفاصِيلِ أهْوالِهِ وما لا يُعْلَمُ - كانَ التَّوَعُّدُ بِهِ أهْوَلَ، فَلِذَلِكَ أُكِّدَ فِيهِ في الآيَتَيْنِ الخِطابُ بِالضَّمِيرِ بِحَرْفِ الخِطابِ، والتَّوَعُّدُ بِأخْذِ السَّمْعِ وما مَعَهُ مِن جُمْلَةِ الأنْواعِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها ذَلِكَ المُطْلَقُ فَأُعْرِيَ مِن حَرْفِ الخِطابِ.
الأنعام 6:48
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ في مُناضَلَةِ مَن كَذَّبَ الرُّسُلَ، وأعْرَضَ عَمّا أرْسَلَهم بِهِ رَبُّهم مِنَ الآياتِ الَّتِي ما مِنها إلّا ما آمَنَ عَلى مِثْلِهِ البَشَرُ، وطَلَبِهِ مِنهم ما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا مُرْسِلُهم مِنَ الإتْيانِ بِغَيْرِ ما أتَوْا بِهِ مِنَ الآياتِ - بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ الرِّسالَةِ إشارَةً إلى ظُلْمِهِمْ في طَلَبِهِمْ مِنَ الرُّسُلِ ما لا يُطْلَبُ إلّا مِنَ الإلَهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [الأنعام: ٤٢] ﴿وما نُرْسِلُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُرْسَلِينَ﴾ أيْ: نُوجِدُ هَذا الأمْرَ في هَذا الزَّمانِ وكُلِّ زَمانٍ مِنَ الماضِي وغَيْرِهِ ﴿إلا مُبَشِّرِينَ﴾ لِمَن أطاعَ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ لِمَن عَصى، عَرِيقِينَ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ، لا مُجِيبِينَ إلى ما يَقْتَرِحُ الأُمَمُ، ولا مُعَذِّبِينَ لِمَن يُعانِدُهُمْ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ غايَةَ الرِّسالَةِ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ فَقالَ: ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، أمّا في الآخِرَةِ فَواضِحٌ، وأمّا في الدُّنْيا (p-١٢١)الفانِيَةِ فَلِأنَّ خَوْفَهم فِيها يَزِيدُ أمْنَهم في الآخِرَةِ الباقِيَةِ، فَهو إلى فَناءٍ ثُمَّ إلى سُرُورٍ دائِمٍ، فَهو عَدَمٌ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ أيْ: حُزْنًا يَضُرُّ بِحَياتِهِمْ الأبَدِيَّةِ.
الأنعام 6:49
ولَمّا بَيَّنَ حالَ المُصْلِحِينَ، أتْبَعَهُ حالَ المُفْسِدِينَ، فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها بِنِسْبَتِها إلَيْنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾ أيْ: الدّائِمُ المُتَجَدِّدُ، وكَنّى عَنْ قُرْبِهِ بِأنْ جَعَلَ لَهُ قُوَّةَ المَسِّ، كَأنَّهُ حَيٌّ مُرِيدٌ فَقالَ: ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْسُقُونَ﴾ أيْ: يُدِيمُونَ الخُرُوجَ مِمّا يَنْبَغِي الِاسْتِقْرارُ فِيهِ مِنَ الإيمانِ وما يَقْتَضِيهِ، وأمّا الفِسْقُ العارِضُ فَإنَّ صاحِبَهُ يَصْدُرُ التَّوْبَةُ مِنهُ فَيُعْفى عَنْهُ.
الأنعام 6:50
ولَمّا بَيَّنَ وظِيفَةَ الرُّسُلِ، وقَسَّمَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ، أمَرَهُ بِنَفْيِ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ قَوْلُهم مِن أنَّ البَشَرَ لا يَكُونُ رَسُولًا، واقْتِراحُهم عَلَيْهِ الآياتِ مِن ظَنِّ قُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ، أوْ أنَّ كُلَّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ يُبْدِيهِ لَهم، أوْ إلْزامُهُ بِذَلِكَ، مِنها لَهم عَلى وجْهِ ظُلْمِهِمْ بِغِلْظِهِمْ أوْ عِنادِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِ قَوْلِهِمْ
”﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [يونس: ٢٠]“ ونَحْوُهُ.
ولَمّا [لَمْ] يَكُنْ لَهم عَهْدٌ بِأنَّ بَشَرًا يَكُونُ عِنْدَهُ الخَزائِنُ، يَتَصَرَّفُ فِيها بِما يُرِيدُ، وكانَ يَأْتِيهِمْ مِنَ الآياتِ مِن انْشِقاقِ القَمَرِ (p-١٢٢)ومَشْيِ الشَّجَرِ وكَلامِ الضَّبِّ والحَجَرِ ونَبْعِ الماءِ والحِراسَةِ بِشُواظِ النّارِ وفَحْلِ الجِمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا هو مَعْلُومٌ في دَلائِلَ النُّبُوَّةِ بِما رُبَّما أوْقَعَ في ظَنِّهِمْ أنَّ لازِمَهُ دَعْواهُ لِأنَّهُ يَمْلِكُ الخَزائِنَ، فَكانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الآياتِ الدّالَّةَ [إلْزامًا لَهُ] بِذَلِكَ لِقَصْدِ التَّكْذِيبِ - نَفى ما ظَنُّوا أنَّهُ يَلْزَمُهُ دَعْواهُ فَقالَ: ﴿لا أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: الآنَ ولا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، ولَمّا كانَ تَعالى قَدْ أعْطاهُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ، فَأباها تَواضُعًا لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - قُيِّدَ بِقَوْلِهِ ( لَكم ) إفْهامًا لِما يُخْبِرُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِن ذَلِكَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ، وأمّا الكَفَرَةُ فَإنَّ إخْبارَهم بِذَلِكَ مِمّا يُغْرِيهِمْ عَلى الِاقْتِراحاتِ اسْتِهْزاءً فَلا فائِدَةَ لَهُ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيْ: المُلْكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ والعِزَّةُ البالِغَةُ، فَلا كُفُؤَ لَهُ أيْ: فَآتِيكم ما تَقْتَرِحُونَ مِنَ الآياتِ وما تَشْتَهُونَهُ مِنَ الكُنُوزِ وما تَسْتَهْزِئُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وإنَّما الخَزائِنُ بِيَدِهِ، يَفْعَلُ فِيها ما يَشاءُ.
ولَمّا كانُوا يَعْهَدُونَ أنَّ بَعْضَ البَشَرِ مِنَ الكُهّانِ يُخْبِرُونَ بِشَيْءٍ مِنَ المُغَيَّباتِ، وكانَ الكُهّانُ يَخْلِطُونَ الصِّدْقَ بِالكَذِبِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخْبِرُهم بِمُغَيَّباتٍ كَثِيرَةٍ فَيَكُونُ كَما قالَ دائِمًا لا خُلْفَ في شَيْءٍ مِنها ولا زِيادَةَ ولا نَقْصَ، فَصارُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، ولَكِنَّهم (p-١٢٣)يَظُنُّونَهُ مِن آياتِ الكُهّانِ حَتّى أطْلَقُوا عَلَيْهِ أنَّهُ كاهِنٌ، فَكانُوا يَسْألُونَهُ عَنْ وقْتِ العَذابِ الَّذِي يَتَوَعَّدُهم بِهِ وعَنْ غَيْرِهِ، لَعَلَّهم يَظْفَرُونَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ الكُهّانُ ولا يَكُونُ، فَيَعُدُّونَهُ عَلَيْهِ - نَفى ما ظَنُّوهُ غَيْرَهُ عَلى هَذا المَقامِ أنْ يُنْسَبَ إلى غَيْرِ مالِكِهِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ، فَقالَ نافِيًا لَهُ مِن أصْلِهِ، لا لِلْقَوْلِ فَقَطْ كَما في سابِقِهِ ولاحِقِهِ، عاطِفًا عَلى: ﴿لا أقُولُ﴾ لا عَلى ﴿عِنْدِي﴾ ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ أيْ: فَأُخْبِرُكم بِوَقْتِ الفَصْلِ بَيْنِي وبَيْنَكم مِن مُطْلَقِ العَذابِ أوْ قِيامِ السّاعَةِ، فَإنَّ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ - مِلْكَ الخَزائِنِ وعِلْمَ الغَيْبِ - لَيْسَتا إلّا لِمَرْتَبَةِ الأُلُوهِيَّةِ، وإنَّما لَمْ أدَّعِ الأوَّلَ كَما ألْزَمْتُمُونِي بِهِ، ولا اتَّصَفْتُ بِالثّانِي بِما ظَنَنْتُمْ.
ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا، فَكانُوا يُلْزِمُونَهُ بِدَعْواهُ الرِّسالَةَ دَعْوى المَلائِكَةِ لِيُلْزِمُوهُ بِذَلِكَ ادِّعاءَ ما هو ظاهِرُ البُطْلانِ، قالَ: ﴿ولا أقُولُ﴾ أيْ: بِدَعْوى الرِّسالَةِ؛ ولَمّا كانَ ﷺ أعْلى الأنْبِياءِ صَفاءً وأنْوَرَهم قَلْبًا وأشَدَّهم في كُلِّ هُدًى إضاءَةً وأنْقاهم مِن نَقائِصِ البَشَرِ، وكانَ هَذا أمْرًا مِنَ اللَّهِ لَهُ - قُيِّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ إفْهامًا لِأنَّهُ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ، بَلْ لَوْ قالَهُ كانَ صادِقًا، (p-١٢٤)ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في مُجازاتِهِمْ ومَجارِي عاداتِهِمْ [فِي مُحاوَراتِهِمْ]، وأمّا إسْقاطُ ( لَكم ) في قِصَّةِ نُوحٍ مِن سُورَةِ هُودٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَتَواضُعًا مِنهُ؛ لِكَوْنِهِ مِن قَوْلِهِ، مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِإسْنادِ الأمْرِ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿إنِّي مَلَكٌ﴾ فَأقْوى عَلى الأفْعالِ الَّتِي تَقْوى عَلَيْها المَلائِكَةُ مِنَ التَّحَرُّزِ عَنِ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ وغَيْرِهِما مِن أفْعالِ المَلائِكَةِ.
فَلَمّا انْتَفى عَنْهُ ما ألْزَمُوهُ بِهِ و[ما] ظَنُّوهُ فِيهِ مِن كَوْنِهِ إلَهًا أوْ مَلَكًا - انْحَصَرَ الأمْرُ في أنَّهُ رَسُولٌ واقِفٌ عِنْدَ ما حَدَّهُ لَهُ مُرْسِلُهُ، فَقالَ عَلى وجْهِ النَّتِيجَةِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أتَّبِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ جَهْدِي ﴿إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما رُتْبَتِي إلّا امْتِثالُ ما يَأْمُرُنِي بِهِ رَبِّي في هَذا القُرْآنِ الَّذِي هو - بِعَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ - أعْظَمُ شاهِدٍ لِي، ولَمْ يُوحَ إلَيَّ فِيهِ أنْ أقُولَ شَيْئًا مِمّا تَقَدَّمَ نَفْيُهُ، وأوْحى إلَيَّ لِأُنْذِرَكم بِهِ خُصُوصًا، وأُنْذِرَ بِهِ كُلَّ مَن بَلَغَهُ عُمُومًا، وذَلِكَ غَيْرُ مُنْكَرٍ في العَقْلِ ولا مُسْتَبْعَدٍ بَلْ قَدْ وقَعَ الإرْسالُ لِكَثِيرٍ مِنَ البَشَرِ، وقَدْ قامَ عَلى ثُبُوتِهِ لِي واضِحُ الدَّلائِلِ وثابِتُ الحُجَجِ وقاطِعُ البَراهِينِ، فَإنْ كانَ فِيهِ الإذْنُ لِي بِإبْرازِ خارِقٍ أبْرَزْتُهُ، وإنْ كانَ فِيهِ الإعْلامُ بِمُغَيَّبٍ أبْدَيْتُهُ، وإلّا اقْتَصَرْتُ عَلى الإبْلاغِ (p-١٢٥)مَعَ التَّحَدِّي، وهو مُخْبِرٌ بِأنَّ اللَّهَ - الَّذِي ثَبَتَ بِعَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ أنَّهُ قَوْلُهُ - شاهِدٌ لِي بِصِحَّةِ الرِّسالَةِ وصِدْقِ المَقالَةِ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهم عُمْيُ الأبْصارِ والبَصائِرِ، لا يَهْتَدُونَ إلى ما يَنْفَعُهم، ولا يَقْدِرُونَ عَلى إفْحامِ خَصْمٍ ولا التَّفَصِّي عَنْ وهْمٍ ولا وصْمٍ، بَلْ هم كالسّالِكِ بَيْنَ المَهالِكِ، يَتَبَيَّنُ بادِئَ بَدْئِهِ في دَعْواهُ الحِكْمَةَ زُورُهُ وكَذِبُهُ وفُجُورُهُ لِأتْباعِ الهَوى الَّذِي هو أدْوَأُ [أدْواءٍ]، وأنَّهُ ﷺ أبْصَرُ البُصَراءِ وأحْكَمُ الحُكَماءِ لِأتْباعِهِ عَلّامُ الغُيُوبِ، وكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: ما يُوحى إلَيْكَ في هَذا المَقامِ ؟ قالَ عَلى وجْهِ التَّبْكِيتِ لَهم: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِكُلِّ مَن يَسْمَعُ قَوْلَكَ بَعْدَ هَذا البَيانِ الفائِتِ لِقُوى الإنْسانِ ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾ أيْ: يَكُونُ سَواءً مِن غَيْرِ مِرْيَةٍ ﴿الأعْمى والبَصِيرُ﴾ فَإنْ قالُوا: نَعَمْ، كابَرُوا الحِسَّ، وإنْ قالُوا: لا، قِيلَ: فَمَن تَبِعَ هَذِهِ الآياتِ الجَلِيّاتِ فَهو البَصِيرُ، ومَن أعْرَضَ عَنْها فَهو العَمى، ومَن سَوّى بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ فَهو أعْمى العَمى؛ ثُمَّ أمَرَهُ بَعْدَ الإنْكارِ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما بِأنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ فَسادَ نَظَرِهِمْ وعَمى فِكْرِهِمْ، بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ: فَيَرُدُّكم فِكْرُكم عَنْ هَذِهِ الضَّلالاتِ.
الأنعام 6:51
ولَمّا أمَرَهُ بِتَوْبِيخِهِمْ أمَرَهُ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ( قُلْ ) - بِالإنْذارِ عَلى وجْهٍ مُخْزٍ لَهم أيْضًا، فَقالَ: ﴿وأنْذِرْ بِهِ﴾ أيْ: بِما يُوحى إلَيْكَ، ولَيْسَ المُرادُ تَخْصِيصَ الإنْذارِ بِالخائِفِ، بَلْ الإشارَةُ إلى جَلافَتِهِمْ وعَظِيمِ بَلادَتِهِمْ (p-١٢٦)وكَثافَتِهِمْ في عَدَمِ تَجْوِيزِ الجائِزِ الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ يَخافُهُ كُلُّ واحِدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أيْ: تَجْوِيزًا لِلْجائِزِ عَقْلًا وعادَةً.
ولَمّا كانَ المَرْهُوبُ الحَشْرَ نَفْسَهُ، لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ - بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يُحْشَرُوا﴾ أيْ: يُجْمَعُوا وهم كارِهُونَ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ التَّقْصِيرِ في الشُّكْرِ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ وأشارَ إلى تَحْقِيرِ ما سِواهُ وسُفُولِهِ بِالجارِّ، فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ: مِنَ المَنزِلَةِ الَّتِي هي تَحْتَ مَنزِلَتِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِ عَظَمَتِهِ ومُتَضائِلٌ عَنْ رُتْبَتِهِ، لَيْسَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ أوْ التَّوَسُّلِ ﴿ولِيٌّ﴾ يَتَوَلّى أُمُورَهم فَيُنْقِذُهم قَهْرًا مِمّا يَخافُونَ ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يُنْقِذُهم بِحُسْنِ سِفارَتِهِ وعَظِيمِ رُتْبَتِهِ وتَرْتِيبِهِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَذابِ اللَّهِ وِقايَةً.
الأنعام 6:52
ولَمّا أمَرَهُ بِدُعاءِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ ومُجاهَرَتِهِ - أمَرَهُ بِحِفْظِ مَن تَبِعَهُ ومُلاطَفَتِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ وهم الفُقَراءُ مِنَ المُسْلِمِينَ ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْهِ عَكْسَ ما عَلَيْهِ الكُفّارُ في دُعاءِ مَن لا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ مِن حالِهِمْ مِنَ المُلازَمَةِ ما يَقْتَضِي الإخْلاصَ، فَقالَ: ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ أيْ: في طَرَفَيْ النَّهارِ مُطْلَقًا (p-١٢٧)أوْ بِصَلاتَيْهِما أوْ يَكُونُ كِنايَةً عَنِ الدَّوامِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ فَقالَ مُعَبِّرًا عَنِ الذّاتِ بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفَ - عَلى ما نَتَعارَفُهُ - وتَذَكُّرُهُ يُوجِبُ التَّعْظِيمَ ويُورِثُ الخَجَلَ مِنَ التَّقْصِيرِ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لَوْ كانَ رِياءً لاضْمَحَلَّ عَلى طُولِ الزَّمانِ وتَناوُبِ الحَدَثانِ بِاخْتِلافِ الشَّأْنِ.
ولَمّا كانَ أكابِرُ المُشْرِكِينَ وأغْنِياؤُهم قَدْ وعَدُوهُ ﷺ الِاتِّباعَ إنْ طَرَدَ مَن تَبِعَهُ مِمَّنْ يَأْنَفُونَ مِن مُجالَسَتِهِمْ، وزَهَّدُوهُ فِيهِمْ بِفَقْرِهِمْ وبِأنَّهم غَيْرُ مُخْلِصِينَ في اتِّباعِهِ؛ إنَّما دَعاهم إلى ذَلِكَ الحاجَةُ - بَيَّنَ لَهُ تَعالى أنَّهُ لا حَظَّ لَهُ في طَرْدِهِمْ ولا في اتِّباعِ أُولَئِكَ بِهَذا الطَّرِيقِ إلّا مِن جِهَةِ الدُّنْيا الَّتِي هو مَبْعُوثٌ لِلتَّنْفِيرِ عَنْها، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما مَضى أوْ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما عَلَيْكَ﴾ قَدَّمَ الأهَمَّ عِنْدَهُ وهو تَحَمُّلُهُ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: لَيْسَ لَكَ إلّا ظاهِرُهم، ولَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن حِسابِهِمْ، حَتّى تُعامِلَهم بِما يَسْتَحِقُّونَ في الباطِنِ مِنَ الطَّرْدِ إنْ كانُوا غَيْرَ مُخْلِصِينَ ﴿وما مِن حِسابِكَ﴾ قَدَّمَ أهَمَّ ما إلَيْهِ أيْضًا ﴿عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ولَيْسَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن حِسابِكَ فَتَخْشى أنْ يَحِيفُوا عَلَيْكَ فِيهِ عَلى تَقْدِيرِ غِشِّهِمْ، أوْ لَيْسَ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِمْ (p-١٢٨)شَيْءٌ فَيُثْقِلُوا بِهِ عَلَيْكَ، وما مِن رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَيَضْعُفُوا عَنْهُ لِفَقْرِهِمْ، بَلْ الرّازِقُ لَكَ ولَهم اللَّهُ؛ ثُمَّ أجابَ النَّفْيَ مُسَبَّبًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ أيْ ٠: فَتَسَبَّبَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ طَرْدُكَ لَهم لِيُقْبِلَ عَلَيْكَ الأغْنِياءُ فَلا يُكَلِّفُوكَ ما كانَ أُولَئِكَ يُكَلِّفُونَكَ، وإنْ كَلَّفْتَهم ما كانَ أُولَئِكَ عاجِزِينَ عَنْهُ أطاقُوهُ؛ والحاصِلُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى جُمْلَتَيْ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ﴾ - إلى آخِرِهِما راجِعًا إلى آيَةِ الكَهْفِ
﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] فَيَكُونُ المَعْنى ناظِرًا إلى الرِّزْقِ، يَعْنِي: أنَّ دُعاءَكَ إلى اللَّهِ إنَّما مَدارُهُ الأمْرُ الأُخْرَوِيُّ، فَلَيْسَ شَيْءٌ مِن رِزْقِ هَؤُلاءِ عَلَيْكَ حَتّى تَسْتَنْفِرَ بِهِمْ وتَرْغَبَ في الأغْنِياءِ، ولا شَيْءَ مِن رِزْقِكَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهُ، وفي اللَّفْظِ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ ما يَقْبَلُ هَذا المَعْنى؛ قالَ صاحِبُ القامُوسِ وغَيْرِهِ: الحِسابُ: الكافِي، ومِنهُ ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦] وحَسِبَ فُلانٌ فُلانًا: أطْعَمَهُ وسَقاهُ حَتّى شَبِعَ ورَوِيَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ: يُقالُ: أعْطَيْتُهُ فَأحْسَبْتُهُ، أيْ: أعْطَيْتُهُ الكِفايَةَ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقَوْلُهُ: ”يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِساب“ أيْ: بِغَيْرِ تَقْتِيرٍ وتَضْيِيقٍ، وفي حَدِيثِ سِماكٍ: ما حَسِبُوا ضَيْفَهم، (p-١٢٩)أيْ: ما أكْرَمُوهُ، وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: وأحْسَبْتُهُ: أعْطَيْتُهُ ما يُرْضِيهِ، وحَسَّبْتُهُ أيْضًا، وأحْسَبَنِي الشَّيْءَ: كَفانِي.
ولَمّا نَهاهُ عَنْ طَرْدِهِمْ مُبَيِّنًا أنَّهُ ضَرَرٌ لِغَيْرِ فائِدَةٍ، سَبَّبَ عَنْ هَذا النَّهْيِ قَوْلَهُ ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِوَضْعِكَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، فَإنَّ طَرْدَكَ هَؤُلاءِ لَيْسَ سَبَبًا لِإيمانٍ أُولَئِكَ، ولَيْسَ هِدايَتُهم إلّا إلَيْنا، وقَدْ طَلَبُوا مِنّا فِيكَ لَمّا فَتَنّاهم بِتَخْصِيصِكَ بِالرِّسالَةِ ما لَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ونَحْوِهِ مِمّا أرادُوا بِهِ الصَّرْفَ عَنْكَ، فَكَما لَمْ نَقْبَلْهم فِيكَ فَلا تَقْبَلْهم أنْتَ في أوْلِيائِنا، فَإنّا فَتَنّاهم بِكَ حَتّى سَألُوا فِيكَ ما سَألُوا وتَمَنَّوْا [ما تَمَنَّوْا]
الأنعام 6:53
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما فَتَنّاهم بِإرْسالِكَ ﴿فَتَنّا﴾ أيْ: فَعَلْنا فِعْلَ المُخْتَبِرِ قَسْرًا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ بِالتَّخْصِيصِ بِالإيمانِ والغِنى والفَقْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿لِيَقُولُوا﴾ أيْ: إنْكارًا لِأنَّ تَفَضُّلَ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ احْتِقارًا لَهم واسْتِصْغارًا ﴿أهَؤُلاءِ﴾ أيْ: الَّذِينَ لا يُساوُونَنا بَلْ لا يُقارِبُونَنا في خَصْلَةٍ مِن خِصالِ الدُّنْيا ﴿مَنَّ اللَّهُ﴾ أيْ: عَلى جَلالِهِ وعِظَمِهِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ وما يُسْعِدُهم عِنْدَهُ وهم فِيما نَرى مِنَ الحَقارَةِ ﴿مِن بَيْنِنا﴾ فالآيَةُ ناظِرَةٌ إلى ما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]
(p-١٣٠)ولَمّا كانَ الإنْكارُ لا يَسُوغُ إلّا مَعَ نِهايَةِ العِلْمِ بِمَراتِبِ المُفَضَّلِينَ، وأنَّ المُفَضَّلَ لا يَسْتَحِقُّ التَّفْضِيلَ مِنَ الوَجْهِ المُفَضَّلِ بِهِ، أنْكَرَ إنْكارَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ، فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ﴿بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ أنْ يُفَضَّلُوا لِشُكْرِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ لِكُفْرِهِمْ.
الأنعام 6:54
ولَمّا نَهاهُ ﷺ عَنْ طَرْدِهِمْ، عَلَّمَهُ كَيْفَ يُلاطِفُهم، فَقالَ: [عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وإذا جاءَكَ الَّذِينَ يَحْتَقِرُونَ الضُّعَفاءَ مِن عِبادِي فَلا تَحْفَلْ بِهِمْ]: ﴿وإذا جاءَكَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ دِلالَةً عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِإكْرامِهِمْ وتَعْمِيمًا لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: هم أوْ غَيْرُهم أغْنِياءَ كانُوا أوْ فُقَراءَ، وأشارَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أنَّهم آمَنُوا بِما هو جَدِيرٌ بِالإيمانِ بِهِ فَقالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا ﴿فَقُلْ﴾ أيْ: لَهم بادِئًا بِالسَّلامِ إكْرامًا لَهم وتَطْيِيبًا لِخَواطِرِهِمْ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: سَلامَةٌ مِنِّي ومِنَ اللَّهِ، ونَكَّرَهُ لِما يَلْحَقُهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم ﴿عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ [بِقَوْلِهِ] واسْتَأْنَفَ بِما حاصِلُهُ أنَّهُ عَلِمَ مِنَ الإنْسانِ النُّقْصانَ؛ لِأنَّهُ طَبَعَهُ عَلى طَبائِعَ الخُسْرانِ إلّا مَن جَعَلَهُ مَوْضِعَ الِامْتِنانِ، فَقالَ: ﴿أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا﴾ أيْ: أيِّ سُوءٍ كانَ (p-١٣١)مُلْتَبِسًا ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: بِسَفَهٍ أوْ بِخِفَّةٍ وحَرَكَةٍ أخْرَجَتْهُ عَنِ الحَقِّ والعِلْمِ حَتّى كانَ كَأنَّهُ لا يَعْلَمُ شَيْئًا ﴿ثُمَّ تابَ﴾ أيْ: رَجَعَ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ وإنْ طالَ الزَّمانُ، ولِذا أدْخَلَ الجارَّ، فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ العَمَلِ ﴿وأصْلَحَ﴾ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى الخَيْرِ ”فَإنَّهُ“ أيْ: رَبَّكم - بِسَبَبِ هَذِهِ التَّوْبَةِ - يَغْفِرُ لَهُ؛ لِأنَّهُ دائِمًا ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّتْرِ والمَحْوِ لِما كانَ مِن ذَلِكَ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُكْرِمُ مَن تابَ هَذِهِ التَّوْبَةَ بِأنْ يَجْعَلَهُ كَمَن أحْسَنَ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ بِالغَفْرِ كَمَن لَمْ يُذْنِبْ، ومَن أصَرَّ وأفْسَدَ فَإنَّهُ يُعاقِبُهُ؛ لِأنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، ورُبَّما كانَتْ الآيَةُ ناظِرَةً إلى [ما] قَذَفَهم بِهِ المُشْرِكُونَ مِن عَدَمِ الإخْلاصِ، ويَكُونُ حِينَئِذٍ مُرَشَّحًا لِأنَّ المُرادَ بِالحِسابِ المُحاسَبَةُ عَلى الذُّنُوبِ.
الأنعام 6:55
ولَمّا أتى في هَذِهِ السُّورَةِ وما قَبْلَها بِما أتى مِن عَجائِبِ التَّفاصِيلِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ مُتَضَمِّنَةً واضِحَ الدِّلالاتِ وباهِرَ الآياتِ البَيِّناتِ - قالَ عاطِفًا عَلى ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا﴾ [الأنعام: ٥٣] عَطْفًا لِلضِّدِّ عَلى ضِدِّهِ، فَإنَّ في الِاخْتِبارِ نَوْعَ خَفاءٍ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ الفِتَنِ بِإيرادِ بَعْضِ ما فِيهِ دِقَّةٌ وخَفاءٌ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ لِنُضِلَّ مَن نَشاءُ، فَيَتَمَيَّزُ الضّالُّ مِنَ المُهْتَدِي﴿نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ الَّتِي نُرِيدُ بَيانَها لِيَتَّضِحَ سَبِيلُ المُصْلِحِينَ فَيُتَّبَعُ ﴿ولِتَسْتَبِينَ﴾ أيْ: تَظْهَرَ ظُهُورًا بَيِّنًا ﴿سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ فَتُجْتَنَبُ، وخَصَّ هَذا بِالذِّكْرِ وإنْ كانَ يَلْزَمُ مِنهُ بَيانُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ.
الأنعام 6:56
(p-١٣٢)ولَمّا كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ في السُّؤالِ طَرْدَ الضُّعَفاءِ قَصْدَ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ مُبايِنٌ لَهم - لَمّا بَيَّنَ لَهُ بِالبَيانِ الواضِحِ مِن سُوءِ عاقِبَةِ سَبِيلِهِمْ - مُبايَنَةً لا يُمْكِنُ مَعَها اتِّباعُ أهْوائِهِمْ، وهي المُبايَنَةُ في الدِّينِ، فَقالَ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ أيْ: مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ: تَعْبُدُونَ بِناءً مِنكم عَلى مَحْضِ الهَوى والتَّقْلِيدِ في أعْظَمِ أُصُولِ الدِّينِ، و[حَقَّرَ أمْرَهم و] بَيَّنَ سُفُولَ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَقَدْ وقَعْتُمْ في تَرْكِ الأعْظَمِ ولُزُومِ الدُّونِ الَّذِي هو دُونُكم في أعْظَمِ الجَهْلِ المُؤْذِنِ بِعَمى القَلْبِ مَعَ الكُفْرِ بِالمُحْسِنِ، فَمُبايَنَتِي مَبْناها عَلى المُقاطَعَةِ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ في مُتابَعَةٍ ! ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِأمْرٍ آخَرَ دالٍّ عَلى أنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم في عِبادَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ أيْ: عِوَضًا عَمًّا أنا عَلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ البالِغَةِ المُؤَيَّدَةِ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الهَوى لا يَدْعُو إلى هُدًى، بَلْ إلى غايَةِ الرَّدى - حَقَّقَ ما أفْهَمَتْهُ هَذِهِ الجُمْلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ أيْ: إذا اتَّبَعْتُ أهْواءَكُمْ؛ ولَمّا كانَ الضّالُّ قَدْ يَرْجِعُ - بَيَّنَ أنَّ هَذا لَيْسَ كَذَلِكَ، لِعَراقَتِهِمْ في الضَّلالِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ: (p-١٣٣)﴿وما أنا﴾ أيْ: إذْ ذاكَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الهِدايَةِ لِأُعَدَّ ﴿مِنَ المُهْتَدِينَ﴾
الأنعام 6:57
ولَمّا كانَ طَلَبُهم لِلْآياتِ - أيْ: العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى الصِّدْقِ تارَةً بِالرَّحْمَةِ في إنْزالِ الأنْهارِ والكُنُوزِ وإراحَةِ الحَياةِ، وتارَةً بِالعَذابِ مِن إيقاعِ السَّماءِ عَلَيْهِمْ كِسَفًا ونَحْوِ ذَلِكَ - لَيْسَ في يَدِهِ ولا عِنْدَهُ تَعَيُّنُ وقْتُ نُزُولِهِ، وأمَرَهُ هُنا أنْ يُصَرِّحَ لَهم بِالمُبايَنَةِ ويُؤْيِسَهم مِنَ المُلايَنَةِ ما دامُوا عَلى المُداهَنَةِ، أمَرَهُ بِأنْ يُخْبِرَهم بِما هو مُتَمَكِّنٌ فِيهِ مِنَ النُّورِ وما هم فِيهِ مِنَ العَمى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي﴾ وأشارَ إلى تَمَكُّنِهِ في الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ والحُجَجِ القاهِرَةِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: إنَّ العَدُوَّ إنَّما يُصانِعُ عَدُوَّهُ إمّا لِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِ وتَعْذِيبِهِ بِعَداوَتِهِ، وإمّا لِعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ، وأمّا أنا فَواثِقٌ بِكِلا الأمْرَيْنِ ﴿مِن رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ بِإرْسالِي بَعْدَ الكَشْفِ التّامِّ لِي عَنْ سِرِّ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ”و“ الحال أنَّكم ”كَذَّبْتُمْ بِهِ“ أيْ: رَبِّي حَيْثُ رَدَدْتُمْ رِسالَتَهُ فَهو مُنْتَقِمٌ مِنكم لا مَحالَةَ.
ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، فُرِضَ أنَّ لِسانَ حالِهِمْ قالَ: فائْتِنا بِهَذِهِ البَيِّنَةِ ! فَقالَ: إنْ رَبِّيَ تامُّ القُدْرَةِ، فَلا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَعْجَلُ، وأمّا أنا فَعَبْدٌ ﴿ما عِنْدِي﴾ أيْ: [فِي] قُدْرَتِي وإمْكانِي ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: في قَوْلِكم ( أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) ونَحْوِهِ حَتّى أحْكُمَ فِيكم بِما يَقْتَضِيهِ (p-١٣٤)طَبْعُ البَشَرِ مِنَ العَجَلَةِ ﴿إنِ﴾ أيْ: ما ﴿الحُكْمُ﴾ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، هَذا وغَيْرُهُ ﴿إلا لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا كُفُؤَ لَهُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْتِي بِالأمْرِ في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ عَلى ما هو الألْيَقُ بِهِ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ لِأحَدٍ غَيْرِهِ عَلى تَقْدِيمٍ ولا تَأْخِيرٍ فَقالَ: ﴿يَقُصُّ﴾ أيْ: يُفَصِّلُ ويُنْفِذُ بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ الحَرَمِيِّينَ وعاصِمٍ ( يَقُصُّ ) أيْ: يَقْطَعُ القَضاءَ أوْ القَصَصَ ﴿الحَقَّ﴾ ويُظْهِرُهُ فَيُفَصِّلُهُ مِنَ الباطِلِ ويُوَضِّحُهُ، لِيَتَّبِعَهُ مَن قَضى بِسَعادَتِهِ، ويَتَنَكَّبَ عَنْهُ مِن حَكَمَ بِشَقاوَتِهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ لِأنَّهُ إذا أرادَ ذَلِكَ لَمْ يَدْعُ لَبْسًا لِمَن يُرِيدُ هِدايَتَهُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ الظّاهِرِ سَبَبًا لِمَن يُرِيدُ ضَلالَتَهُ؛
الأنعام 6:58
ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ لِمَن زادَ قَلْبُهُ في الجَلافَةِ مُبَيِّنًا ما في غَيْرِهِ مِن وخِيمِ العاقِبَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ أيْ: مِنَ العَذابِ ﴿لَقُضِيَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَخُوفَ إنَّما هو الإهْلاكُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ أيْ: فَكُنْتُ أُهْلِكُ مَن خالَفَنِي غَضَبًا لِرَبِّي بِما ظَهَرَ لِي مِنهُ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ مَن كُتِبَ في دِيوانِ السُّعَداءِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الأمْرُ (p-١٣٥)إلَيَّ لِأنِّي لا أعْلَمُ الظّالِمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن غَيْرِهِ، فَلَيْسَ الأمْرُ إلّا إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِالمُنْصِفِينَ فَيُنْجِيهِمْ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: المَكْتُوبِينَ في دِيوانِ الظَّلَمَةِ فَيُهْلِكُهم.
الأنعام 6:59
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ مُثْبِتَةً لِجُزْئِيّاتٍ مِن عِلْمِهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وكانَ خِتامُها العِلْمَ بِالظّالِمِ وغَيْرِهِ - أتْبَعَها الِاخْتِصاصَ بِما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهو عِلْمُ مَفاتِحِ الغَيْبِ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ إلّا مَن حازَها، إذْ لا يَطَّلِعُ عَلى الخَزائِنِ إلّا مَن فَتَحَها، ولا يَفْتَحُها إلّا مِن حازَ مَفاتِيحَها وعَلِمَ كَيْفَ يَفْتَحُ بِها، فَإثْباتُ ذَلِكَ في هَذا الأُسْلُوبِ مِن بابِ التَّرْقِيَةِ في مَراقِي الِاعْتِقادِ مِن دَرَجَةٍ كامِلَةٍ إلى أكْمَلَ مِنها، فَقالَ عاطِفًا عَلى مَعْنى ما سَبَقَ، وهو: فَعِنْدَهُ خاصَّةً جَمِيعُ ذَلِكَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ أيْ: الَّتِي لا يُدْرِكُ الغَيْبَ إلّا مَن عَلِمَها.
ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ الِاخْتِصاصُ - صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ وتَخْصِيصُها بِالنَّفْيِ دُونَ الخَزائِنِ دالٌّ عَلى ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ التَّقْيِيدَ [فِيها] بِـ ( لَكم ) يُفْهِمُ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ نَقُولَ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
ولَمّا ذَكَرَ عِلْمَ الغَيْبِ، أتْبَعَهُ عِلْمَ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ القَضايا العَقْلِيَّةَ المَحْضَةَ يَصْعُبُ تَحْصِيلُ العِلْمِ بِها عَلى سَبِيلِ التَّمامِ إلّا لِلْكُمَّلِ مِنَ الأنامِ (p-١٣٦)الَّذِينَ تَجَرَّدُوا فَتَعَوَّدُوا اسْتِحْضارَ المَعْقُولاتِ المُجَرَّدَةِ، والقُرْآنُ إنَّما أُنْزِلَ لِنَفْعِ جَمِيعِ الخَلْقِ: الذَّكِيُّ مِنهم والغَبِيُّ، فَكانَ ذِكْرُ المَحْسُوساتِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ القَضِيَّةِ العَقْلِيَّةِ الكُلِّيَّةِ مُعِينًا عَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ المَعْقُولِ ورُسُوخِهِ في القَلْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْقُولِ الكُلِّيِّ المُجَرَّدِ بِمِثالٍ داخِلٍ تَحْتَهُ يَجْرِي مَجْرى المَحْسُوسِ، وعَطَفَهُ بِالواوِ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ إشارَةً إلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿ويَعْلَمُ ما في البَرِّ﴾ وقَدَّمَهُ لِأنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ مُلابَسَةً لَهُ بِما فِيهِ مِنَ القُرى والمُدُنِ والمَفاوِزِ والجِبالِ والتِّلالِ وكَثْرَةِ ما بِها مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ النَّجْمِ وذِي السّاقِ والمَعادِنِ ﴿والبَحْرِ﴾ وأخَّرَهُ لِأنَّ إحاطَةَ العَقْلِ بِأحْوالِهِ أقَلُّ وإنْ كانَ الحِسُّ يَدُلُّ عَلى أنَّ عَجائِبَها أكْثَرُ، وطُولَها وعَرْضَها أعْظَمُ، وما فِيها مِنَ الحَيَواناتِ وأجْناسِ المَخْلُوقاتِ أعْجَبُ، فَكانَ هَذا الأمْرُ المَحْسُوسُ مُقَوِّيًا لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الأمْرِ المَعْقُولِ.
ولَمّا ذَكَرَ ما يَعُمُّ الثّابِتَ والمُنْتَقِلَ: خَصَّ المُنْتَقِلَ تَنْصِيصًا عَلى الجُزْئِيّاتِ وتَعْظِيمًا لِلْعِلْمِ بِتَعْظِيمِ المَعْلُوماتِ، فَقالَ: ﴿وما تَسْقُطُ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ورَقَةٍ﴾ ونَكَّرَها إتْمامًا لِلتَّعْمِيمِ ﴿إلا يَعْلَمُها﴾ ولَمّا كانَ هَذا مَعَ عِظَمِهِ ظاهِرًا، ذَكَرَ ما هو أدَقُّ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ولا﴾ أيْ: (p-١٣٧)وما مِن ﴿حَبَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الأرْضَ لَيْسَ لَها مِن نَفْسِها نُورٌ تَنْبِيهًا عَلى ما أُودِعَ هَذا الآدَمِيُّ المُكَوَّنُ مِنها مِنَ الغَرائِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ في أقْصى بَطْنِها، فَكَيْفَ بِما هو في النُّورِ وهو أكْبَرُ مِنَ الحَبَّةِ.
ولَمّا خَصَّ، رَجَعَ إلى التَّعْمِيمِ رَدًّا لِلْآخِرِ عَلى الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ أيْ: وُجِدَ أوْ لَمْ يُوجَدْ أوْ سَيُوجَدُ ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُوَضِّحٍ لِأحْوالِهِ وأعْيانِهِ وكُلِّ أُمُورِهِ وأحْيانِهِ، فَثَبَتَ أنَّهُ فاعِلٌ لِجَمِيعِ العالَمِ بِجَواهِرِهِ وأعْراضِهِ عَلى سَبِيلِ الإحْكامِ والإتْقانِ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ومَن اخْتَصَّ بِعِلْمِ جَمِيعِ المَعْلُوماتِ كانَ مُخْتَصًّا بِصُنْعِ جَمِيعِ المَصْنُوعاتِ قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ.
الأنعام 6:60
ولَمّا كانَ مِن مَفاتِحِ الغَيْبِ المَوْتُ والبَعْثُ الَّذِي يُنْكِرُونَهُ، وكانَ مِن أدِلَّتِهِ العَظِيمَةِ النَّوْمُ والإيقاظُ مِنهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإحْسانِ المُتَكَرِّرِ، وكانَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِكَمالِ القُدْرَةِ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ لِكَمالِ العِلْمِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم كامِلَةً بِحَيْثُ لا يَبْقى عِنْدَكم شُعُورٌ أصْلًا، فَيَمْنَعُكم التَّصَرُّفَ بِالنَّوْمِ كَما يَمْنَعُكم بِالمَوْتِ، وذَكَرَ الأصْلَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِاللَّيْلِ ويَعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ يَعْلَمُ ﴿ما جَرَحْتُمْ﴾ أيْ: كَسَبْتُمْ ﴿بِالنَّهارِ﴾ أيْ: الَّذِي (p-١٣٨)تَعَقَّبَهُ النَّوْمُ، مِنَ الذُّنُوبِ المُوجِبَةِ لِلْإهْلاكِ، ويُعامِلُكم فِيها بِالحِلْمِ بَعْدَ العِلْمِ ولا يَعْجَلُ عَلَيْكم، وهو مَعْنى ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ﴾ أيْ: يُوقِظُكم بَعْدَ ذَلِكَ النَّوْمِ المُسْتَغْرِقِ، فَيُصَرِّفُكم فِيما يَشاءُ ﴿فِيهِ﴾ أيْ: في النَّهارِ الَّذِي تَعَقَّبَ ذَلِكَ النَّوْمَ بَعْدَ اسْتِحْقاقِكم لِلِانْتِقامِ ﴿لِيُقْضى﴾ أيْ: يَتِمَّ ﴿أجَلٌ مُسَمًّى﴾ كَتَبَهُ لِلْمَوْتَةِ الكُبْرى.
ولَمّا تَمَهَّدَ بِهَذا النَّشْرِ بَعْدَ ذاكَ الطَّيِّ في المَوْتَةِ الصُّغْرى القُدْرَةُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ في المَوْتَةِ الكُبْرى، وكانَ فِيهِ تَقْرِيبٌ عَظِيمٌ لَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ﴾ يَبْعَثُكم مِن تِلْكَ المَوْتَةِ كَما بَعَثَكم مِن هَذِهِ، ويَكُونُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: حِسًّا بِالحَشْرِ إلى دارِ الجَزاءِ، ومَعْنًى بِانْقِطاعِ الأسْبابِ عَلى ما عُهِدَ في الدُّنْيا ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ تِلْكَ المَواقِفِ الطِّوالِ والزَّلازِلِ والأهْوالِ، ويُمْكِنُ أنْ تُشِيرَ أداةُ التَّراخِي إلى عَظَمَةِ العِلْمِ بِذَلِكَ، وإلَيْهِ يُرْشِدُ أكْثَرُ ما قَبْلَهُ مِنَ السِّياقِ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا جَلِيلًا مُسْتَقْصًى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، ولِعِلْمِهِ عَبَّرَ بِالعَمَلِ لِأنَّ الحِسابَ يَكُونُ عَلى المُكَلَّفِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلِيَّةُ العِلْمِ، فَتَقَرَّرَ - مَعَ كَمالِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى اخْتِراعِ هَذِهِ الأشْياءِ والعِلْمِ بِها - اسْتِقْلالُهُ بِحِفْظِها في كُلِّ حالٍ وتَدْبِيرِها عَلى (p-١٣٩)أحْسَنِ وجْهٍ.
الأنعام 6:61
ولَمّا أخْبَرَ بِتَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ - أخْبَرَ بِغالِبِ سَلْطَنَتِهِ وعَظِيمِ جَبَرُوتِهِ وأنَّ أفْعالَهُ هَذِهِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ لا يُسْتَطاعُ مُخالَفَتُها، فَلَوْ بالَغَ أحَدٌ في الِاجْتِهادِ في أنْ يَنامَ في غَيْرِ وقْتِهِ ما قَدَرَ، أوْ أنْ يَقُومَ وقْتَ النَّوْمِ لَعَجَزَ، أوْ أنْ يُحْيِيَ وقْتَ المَوْتِ لَمْ يَسْتَطِعْ ... إلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ بِما لَهُ مِن غَيْبِ الغَيْبِ وحُجُبِ الكِبْرِياءِ ﴿القاهِرُ﴾ وصَوَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَ عِبادِهِ﴾ أيْ: في الإحاطَةِ بِالعِلْمِ والفِعْلِ، أمّا قَهْرُهُ لِلْعَدَمِ فَبِالتَّكْوِينِ والإيجادِ، وأمّا قَهْرُهُ لِلْوُجُودِ فَبِالإفْناءِ والإفْسادِ بِنَقْلِ المُمْكِنِ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ تارَةً ومِنَ الوُجُودِ إلى العَدَمِ أُخْرى، فَيَقْهَرُ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ والظُّلْمَةَ بِالنُّورِ، والنَّهارَ بِاللَّيْلِ واللَّيْلَ بِالنَّهارِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن ضُرُوبِ الكائِناتِ وصُرُوفِ المُمْكِناتِ ﴿ويُرْسِلُ﴾ ورَجَعَ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أصْرَحُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مِن مَلائِكَتِهِ ﴿حَفَظَةً﴾ أيْ: يَحْفَظُونَ عَلَيْكم كُلَّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ لِتَسْتَحْيُوا مِنهم وتَخافُوا عاقِبَةَ كِتابَتِهِمْ. ويَقُومَ عَلَيْكم بِشَهادَتِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَجارِي عاداتِكم، وإلّا فَهو - سُبْحانُهُ - غَنِيٌّ عَنْهم؛ لِأنَّهُ العالَمُ القادِرُ فَيَحْفَظُونَكم عَلى حَسَبِ مُرادِهِ فِيكم ﴿حَتّى إذا جاءَ﴾ (p-١٤٠)ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ أخْوَفَ قالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَحِيدَ لَهُ عَنْهُ ولا مَحِيصَ ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ أيْ: أخَذَتْ رُوحَهُ كامِلَةً ﴿رُسُلُنا﴾ مِن مَلَكِ المَوْتِ وأعْوانِهِ عَلى ما لَهم مِنَ العَظَمَةِ بِالإضافَةِ إلَيْنا ﴿وهم لا يُفَرِّطُونَ﴾ في نَفَسٍ واحِدٍ ولا ما دُونَهُ ولا ما فَوْقَهُ بِالتَّوانِي عَنْهُ لِيَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ وقْتِهِ أوْ يَتَأخَّرَ.
الأنعام 6:62
ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى قُوَّتِهِ بِالجُنُودِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ - وإنْ كانَ عَنْهم غَنِيًّا بِصِفَةِ القَهْرِ - نَبَّهَ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ إلى اسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ وشامِلِ جَبَرُوتِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ حَبْسِهِمْ في قَيْدِ البَرْزَخِ ﴿رُدُّوا﴾ أيْ: رَدَّهم رادٌّ مِنهُ لا يَسْتَطِيعُونَ دِفاعَهُ أصْلًا ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا تُحَدُّ عَظَمَتُهُ ولا تُعَدُّ جُنُودُهُ وخَدَمَتُهُ ﴿مَوْلاهُمُ﴾ أيْ: مُبْدِعُهم ومُدَبِّرُ أُمُورَهم كُلُّها ﴿الحَقِّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الوِلايَةِ، وكُلُّ وِلايَةٍ غَيْرُ وِلايَتِهِ مِنَ الحَفَظَةِ وغَيْرِهِمْ عَدَمٌ؛ لِأنَّ الحَفَظَةَ لا يَعْلَمُونَ إلّا ما ظَهَرَ لَهم، وهو - سُبْحانُهُ - يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى.
ولَمّا اسْتَحْضَرَ المُخاطَبُ عِزَّتَهُ وقَهْرَهُ، وتَصَوَّرَ جَبَرُوتَهُ وكِبْرَهُ، فَتَأهَّلَ قَلْبُهُ وسَمْعُهُ لِما يُلْقى إلَيْهِ ويُتْلى عَلَيْهِ - قالَ: ﴿ألا لَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ حَقًّا ﴿الحُكْمُ﴾ ولَمّا كانَ الِانْفِرادُ بِالحُكْمِ بَيْنَ جَمِيعِ الخَلْقِ أمْرًا يُحَيِّرُ الفِكْرَ، ولا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوَهْمِ، قالَ مُحَقِّرًا في جَنْبِ قُدْرَتِهِ: (p-١٤١)﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ في أسْرَعَ مِنَ اللَّمْحِ كَما أنَّهُ يُقَسِّمُ أرْزاقَهم في الدُّنْيا في مِثْلِ ذَلِكَ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَنْفَكَّ عَنْ عِقابِهِ بِمُطاوَلَةٍ في الحِسابِ ولا مُغالَطَةٍ في ثَوابٍ ولا عِقابٍ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ ولا عَقْدٍ ولا كِتابَةٍ، فَلا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ ولا شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ.
الأنعام 6:63
ولَمّا تَعَرَّفَ بِأفْعالِهِ وشُؤُونِهِ حَتّى اتَّضَحَتْ وحْدانِيَّتُهُ وثَبَتَتْ فَرْدانِيَّتُهُ - ذَكَّرَهم أحْوالَهم في إقْرارِ تَوْحِيدِهِ وقْتَ الشَّدائِدِ والرُّجُوعِ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ الإنْجاءِ مِنها، فَكانُوا كَمَن طَلَبَ مِن شَخْصٍ شَيْئًا وأكَّدَ لَهُ المِيثاقَ عَلى الشُّكْرِ، فَلَمّا أحْسَنَ إلَيْهِ بِإعْطائِهِ سُؤْلَهُ نَقَضَ عَهْدَهُ وبالَغَ في الكُفْرِ، وذَلِكَ عِنْدَهم في غايَةٍ مِنَ القَبائِحِ لا تُوصَفُ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ مَحاسِنَ الأعْمالِ ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ أيْ: كَثِيرًا وعَظِيمًا ﴿مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ أيْ: حَيْثُ لا هِدايَةَ لَكم بِنَجْمٍ ولا جَبَلٍ ولا غَيْرِهِما، أوْ عَبَّرَ بِالظُّلُماتِ عَنِ الكُرُوبِ الَّتِي بَلَغَتْ شِدَّتَها إلى أنَّ صاحِبَها يَكُونُ كَأنَّهُ في أشَدِّ ظَلامٍ، فَهو بِحَيْثُ إنَّهُ لا يَهْتَدِي فِيها إلى وجْهِ حِيلَةٍ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ ﴿تَدْعُونَهُ﴾ أيْ: عَلى وجْهِ الإخْلاصِ لَهُ والتَّوْحِيدِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ شِرْكٍ وشَرِيكٍ لِزَوالِ الحُظُوظِ عِنْدَ إحاطَةِ الرُّعْبِ (p-١٤٢)واسْتِيلائِهِ عَلى مَجامِعِ القَلْبِ، فَلا يَبْقى إلّا الفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ: ( الواعِي ): ﴿تَضَرُّعًا﴾ أيْ: مُظْهِرِينِ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ، وحَقِيقَتُهُ الخُشُوعُ ”و“ قَوْلُهُ: ”خَفِيَّة“ أيْ: تُخْفُونَ في أنْفُسِكم مِثْلَ ما تُظْهِرُونَ؛ قالَ شِمْرٌ: يُقالُ: ضَرَعَ لَهُ وهو ضارِعٌ بَيِّنُ الضَّراعَةِ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ ضُرَّعٌ، أيْ: أذِلّاءُ، وهم ضَرَعَةٌ أيْ: مُتَضَرِّعُونَ، والتَّضَرُّعُ إلى اللَّهِ: التَّخَشُّعُ إلَيْهِ والتَّذَلُّلُ، وإذا كانَ الرَّجُلُ مُخْتَلُّ الجِسْمِ قُلْتَ: إنَّهُ لَضارِعُ الجِسْمِ بَيِّنُ الضُّرُوعِ، وفي الذُّلِّ بَيِّنُ الضَّراعَةِ. انْتَهى.
ولَمّا بَيَّنَ وصْفَهم وقْتَ الدُّعاءِ، بَيَّنَ قَوْلَهم إذْ ذاكَ فَقالَ: ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ﴾ فَأكَّدُوا وخَصُّوا وبَيَّنُوا غايَةَ البَيانِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أيْ: العَرِيقِينَ في الشُّكْرِ؛
الأنعام 6:64
ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو اللَّهُ، ولَكِنَّهم يَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، عُدُّوا مُنْكِرِينَ فَأمَرَهُ بِالجَوابِ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ لِجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿يُنَجِّيكم مِنها﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ ﴿ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ (p-١٤٣)أيْ: وقَعْتُمْ فِيهِ، وما أعْظَمَ مَوْقِعَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾ مَعَ التِزامِ الإخْلاصِ في وقْتِ الكَرْبِ ومَعَ التِزامِ الشُّكْرِ ﴿تُشْرِكُونَ﴾ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ نَقْضِهِمْ بِأداةِ التَّراخِي مَعَ ما فِيهِ مِنَ الجِناسِ لِما كانَ يَنْبَغِي لَهم مِن أنَّهم يَشْكُرُونَ.
الأنعام 6:65
ولَمّا كانُوا بِإشْراكِهِمْ كَأنَّهم يَظُنُّونَ أنَّ الشِّدَّةَ زالَتْ عَنْهم زَوالًا لا يَعُودُ، وكانَ اللّائِقُ بِهِمْ دَوامَ التَّذَلُّلِ إمّا وفاءً وإمّا خَوْفًا - أخْبَرَهم تَرْهِيبًا لَهم مِن سَطْوَتِهِ وتَحْذِيرًا مِن بالِغِ قُدْرَتِهِ أنَّ شِدَّتَهم تِلْكَ الَّتِي أذَلَّتْهم لَمْ تَزَلْ في الحَقِيقَةِ، فَإنَّ قُدْرَةَ المَلِكِ عَلَيْها حالَةَ الرَّخاءِ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْها في وقْتِها سَواءٌ، فَإنَّهُ خالِقُ الحالَتَيْنِ وأسْبابُهُما وما فِيهِما، ولَكِنَّهم عُمْيُ الأبْصارِ أجْلافُ الطَّبائِعِ، فَقالَ: ﴿قُلْ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القادِرُ﴾ ولَمْ يَصُغْهُ صِيغَةَ مُبالَغَةٍ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ إنَّما كانُوا يَدَّعُونَ المُشارَكَةَ الَّتِي نَفاها بِالتَّخْصِيصِ، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ يُفِيدُ بِهِ المُبالَغَةَ ﴿عَلى أنْ يَبْعَثَ﴾ أيْ: في أيِّ وقْتٍ يُرِيدُهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: في كُلِّ حالَةٍ ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ بِإسْقاطِ السَّماءِ قِطَعًا أوْ شَيْءٍ مِنها كالحِجارَةِ الَّتِي حَصَبَ بِها قَوْمَ لُوطٍ وأصْحابَ الفِيلِ أوْ بِتَسْلِيطِ أكابِرِكم (p-١٤٤)﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أيْ: بِالخَسْفِ أوْ إثارَةِ الحَيّاتِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأرْضِ كَما وقَعَ لِبَعْضِ مَن سَلَفَ، أوْ بِتَسْلِيطِ سَفَلَتِكم وعَبِيدِكم عَلَيْكم ﴿أوْ يَلْبِسَكُمْ﴾ أيْ: يَخْلِطُ بَيْنَكم حالَ كَوْنِكم ﴿شِيَعًا﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، كُلُّ شِيعَةٍ عَلى هَوًى، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلسَّيْفِ ﴿ويُذِيقَ بَعْضَكُمْ﴾ أيْ: بَعْضَ تِلْكَ الشِّيَعِ ﴿بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فَيُساوِي في ذَلِكَ بَيْنَ الحَرَمِ وغَيْرِهِ، ويَصِيرُ التَّخَطُّفُ بِالنَّهْبِ والغاراتِ عامًّا، وسَوْقُ هَذا الكَلامِ هَكَذا يُفْهِمُ إيقاعَهُ في وقْتٍ ما لِناسٍ ما؛ لِأنَّ كَلامَ المُلُوكِ يُصانُ عَنْ أنْ لا يَكُونُ لَهُ صُورَةٌ تُوجَدُ وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْطِ ونَحْوِهِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ عَلّامِ الغُيُوبِ ! ولِلتَّدْرِيبِ عَلى مِثْلِ هَذا الفَهْمِ في كَلامِ اللَّهِ تَعالى قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أما إنَّها كائِنَةٌ ولَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُها بَعْدُ» .
وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وسَيَأْتِي لِهَذا مَزِيدُ بَسْطٍ وتَحْقِيقٍ في قَوْلِهِ تَعالى في الفُرْقانِ ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان: ١٠]
ولَمّا كانَ هَذا بَيانًا عَظِيمًا - أشارَ إلى عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ﴾ وعَظَّمَهُ تَعْظِيمًا آخَرَ بِالِاسْتِفْهامِ فَقالَ ﴿كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ أيْ: نُكَرِّرُها مُوَجَّهَةً في جَمِيعِ الوُجُوهِ البَدِيعَةِ النّافِعَةِ البَلِيغَةِ ﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى فَهْمُهُ وانْتِفاعُهُ بِهِ، كانَ هَذا
الأنعام 6:66
و الحالُ أنَّهُ ﴿وكَذَّبَ بِهِ﴾ أيْ: هَذا العَذابِ (p-١٤٥)أوْ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى الوَعْدِ والوَعِيدِ والأسْبابِ المُبَيِّنَةِ لِلْخَلْقِ جَمِيعَ ما يَنْفَعُهم لِيَلْزَمُوهُ وما يَضُرُّهم لِيَحْذَرُوهُ ﴿قَوْمُكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَقُومُوا بِجَمِيعِ أمْرِكَ ويُسَرُّوا بِسِيادَتِكَ؛ فَإنَّ القَبِيلَةَ إذا سادَ أحَدُها عَزَّتْ بِهِ، فَإنَّ عِزَّهُ عِزُّها وشَرَفَهُ شَرَفُها، ولا سِيَّما إذا كانَ مِن بَيْتِ الشَّرَفِ ومَعْدِنِ السِّيادَةِ، وإذا سَفَلَ أحَدُها اهْتَمَّتْ بِهِ غايَةَ الِاهْتِمامِ وسَتَرَتْ عُيُوبَهُ مَهْما أمْكَنَها فَإنَّ عارَهُ لاحِقٌ بِها، فَهو مِن عَظِيمِ التَّوْبِيخِ لَهم ودَقِيقِ التَّقْرِيعِ، وزادَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيْ: الثّابِتُ الَّذِي لا يَضُرُّهُ التَّكْذِيبُ بِهِ ولا يُمْكِنُ زَوالُهُ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما حَصَلَ لَهُ اللَّوْمُ بِسَبَبِ قَوْمِهِ كانَ ﷺ في هَذا المَقامِ بِمَعْرِضِ أنْ يَخافَ عاقِبَةَ ذَلِكَ ويَقُولَ: فَماذا أصْنَعُ بِهِمْ ؟ فَقالَ - تَعالى - مُعَلِّمًا: إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ مِن تَكْذِيبِهِمْ: ﴿قُلْ لَسْتُ﴾ وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مُعَبِّرًا بِالأداةِ الدّالَّةِ عَلى القَهْرِ والغَلَبَةِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: حَفِيظٍ ورَقِيبٍ لِأقْهَرَكم عَلى الرَّدِّ عَمّا أنْتُمْ فِيهِ.
الأنعام 6:67
ولَمّا كانُوا بِصَدَدِ أنْ يَقُولُوا تَهَكُّمًا: كُنْ كَذَلِكَ، فَلا عَلَيْنا مِنكَ ! قالَ مُهَدِّدًا: ﴿لِكُلِّ﴾ وأشارَ إلى جَلالَةِ خَبَرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ أخْبَرْتُكم بِهِ مِن هَذِهِ الأخْبارِ العَظِيمَةِ، ومَعْنى ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ (p-١٤٦)مَوْضِعٌ ووَقْتُ قَرارٍ مِن صِدْقٍ أوْ كَذِبٍ، أيْ: لا بُدَّ أنْ يَحُطَّ الخَبَرُ عَلى واحِدٍ مِنهُما، لا يَنْفَكُّ خَبَرٌ مِنَ الأخْبارِ عَنْ ذَلِكَ ﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: مَحَطَّ خَبَرِهِ العَظِيمِ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ وُقُوعُهُ.
الأنعام 6:68
ولَمّا أمَرَهُ بِما يَقُولُ جَوابًا لِتَكْذِيبِهِمْ، تَقَدَّمَ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ وقْتَ خَوْضِهِمْ في التَّكْذِيبِ، فَقالَ: ﴿وإذا رَأيْتَ﴾ خاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ والمُرادُ غَيْرُهُ لِيَكُونَ أرْدَعَ ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ أيْ: يَتَكَلَّمُونَ ﴿فِي آياتِنا﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَأمُّلٍ ولا بَصِيرَةٍ بَلْ طَوْعَ الهَوى، كَما يَفْعَلُ خائِضُ الماءِ في وضْعِهِ لِرِجْلِهِ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِسَتْرِ مَواضِعِ الخُطا وبِغَيْرِ تَمامِ الِاخْتِيارِ لِغَلَبَةِ الماءِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ المُجالَسَةِ أوْ ما يَقُومُ مَقامَها؛ ولَمّا كانَ الخَوْضُ في الآياتِ دالًّا عَلى قِلَّةِ العَقْلِ قالَ: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ فَحَكَمَ عَلى حَدِيثِهِمْ فِيما سِوى ذَلِكَ أيْضًا بِالخَوْضِ؛ لِأنَّ فِيهِ الغَثَّ والسَّمِينَ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِنِظامِ الشَّرْعِ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى - ولَهُ الحَمْدُ - قَدْ رَفَعَ حُكْمَ النِّسْيانِ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، قالَ مُؤَكِّدًا: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ أيْ: إنْساءً عَظِيمًا إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ جَدِيرٌ بِأنْ لا يُنْسى ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أيْ: (p-١٤٧)التَّذَكُّرِ لِهَذا النَّهْيِ ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا ودِلالَةً عَلى الوَصْفِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَوْضِ، وهو الكَوْنُ في الظَّلامِ.
الأنعام 6:69
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةً، وكانُوا إذْ ذاكَ عاجِزِينَ عَنِ الإنْكارِ بِغَيْرِ القَلْبِ - قالَ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ فَلا يُكَذِّبُونَ بِآياتِهِ في مُجالَسَةِ الكَفَرَةِ ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ أيْ: الخائِضِينَ إذا كانُوا أقْوى مِنهم ﴿مِن شَيْءٍ﴾ وما نَهَيْنا عَنِ المُجالَسَةِ لِأنَّ عَلَيْهِمْ فِيها - والحالَةُ هَذِهِ - إثْمًا ﴿ولَكِنْ﴾ نَهَيْنا لِتَكُونَ المُفارَقَةُ إظْهارًا لِلْكَراهَةِ ﴿ذِكْرى﴾ لِلْخائِضِينَ لِاسْتِحْيِائِهِمْ مِن أذى الجَلِيسِ ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بِذَلِكَ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ التَّقْوى، فَيَجْتَنِبُ الخَوْضَ في الآياتِ إكْرامًا لِلْجَلِيسِ.
الأنعام 6:70
ولَمّا أبْرَزَ هَذا الأمْرَ في صِيغَةِ النَّهْيِ - أعادَهُ بِصِيغَةِ الأمْرِ اهْتِمامًا بِهِ وتَأْكِيدًا لَهُ، وأظْهَرَ لَهم وصْفًا آخَرَ هو غايَةُ الوَصْفِ الأوَّلِ مَعَ ما ضُمَّ إلَيْهِ مِنَ الإرْشادِ إلى الإنْقاذِ مِنَ المَعاطِبِ فَقالَ: ﴿وذَرِ﴾ أيْ: اتْرُكْ أيَّ تَرْكٍ كانَ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الوُجُوهِ ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم في اتِّباعِ الهَوى بِمُخالَفَةِ العَقْلِ المُسْتَقِيمِ والطَّبْعِ الفِطْرِيِّ السَّلِيمِ بِأنْ أخَذُوا ﴿دِينَهُمْ﴾ عَلى نَمَطِ الأسْخَفِ مِن دُنْياهُمْ؛ ولَمّا كانَ (p-١٤٨)الدِّينُ مَلَكَةً راسِخَةً في النَّفْسِ، ولا شَيْءَ مِن كَيْفِيّاتِ النَّفْسِ أرْسَخُ مِنها ولا أثْبَتُ، وهو أشْرَفُ ما عِنْدَ الإنْسانِ، وكانَ اللَّعِبُ ضِدَّهُ لا شَيْءَ أسْرَعُ مِن انْقِضائِهِ ولا أوْهى مِن بِنائِهِ - قالَ ذامًّا لَهم بِأنَّهم بَدَّلُوا مَقْصُودَ هَذِهِ السُّورَةِ - الَّذِي هو مِنَ الِاسْتِدْلالِ عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي لا أشْرَفَ مِنهُ مُطْلَقًا ولا أعْلى ولا أنْفَسَ بِوَجْهٍ ولا أحْلى - بِما لا أدْنى مِنهُ ولا أوْهى ولا أمْحَقَ لِلْمُرُوءَةِ ولا أدْهى: ﴿لَعِبًا﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهم إذا انْقَضى اللَّعِبُ عادُوا إلى الِاشْتِغالِ بِالدِّينِ، أتْبَعَهُ الباعِثَ عَلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ كُلَّما مَلُّوا اللَّعِبَ بَعَثُوا النُّفُوسَ إلَيْهِ بِاللَّهْوِ كَما تَرى الرّاقِصَ كُلَّما فَتَرَ في رَقْصِهِ بَعَثُوهُ عَلَيْهِ بِتَقْوِيَةِ اللَّهْوِ أوْ الِانْتِقالِ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ مِن فُنُونِهِ وشَأْنٍ بَدِيعٍ مِن شُؤُونِهِ، فَقالَ: ﴿ولَهْوًا﴾ أيْ: في الِاسْتِهْزاءِ بِالدِّينِ الحَقِّ بِالمُكاءِ والتَّصْدِيَةِ وبِالبَحائِرِ والسَّوائِبِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا تُبالِ بِهِمْ ولا يُشْغَلْ قَلْبُكَ بِهِمْ ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ أيْ: خَدَعَتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ الَّتِي هم مِن أعْرَفِ النّاسِ بِزَوالِها، وأنَّ كُلَّ مَن بِها هالِكٌ، فَمِنَّتُهم النِّعَمُ الَّتِي مَنَّ عَلَيْهِمْ - سُبْحانَهُ - بِها فِيما لا يَنالُونَهُ مِنَ السَّعادَةِ إلّا بِاتِّباعِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ نَواهِيهِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما أفْهَمَ ذَلِكَ تَرْكَهم في كُلِّ حالَةٍ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْ بِهِ﴾ أيْ: تَحْدِيثِ الآياتِ، وهي القُرْآنُ المُتَجَدِّدُ إنْزالُهُ، (p-١٤٩)والضَّمِيرُ في الحَقِيقَةِ لِلْآياتِ، أيْ: دَعْهم يَفْعَلُوا ما أرادُوا، لا تُبالِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا تَتْرُكْ وعْظَهم بِهَذا القُرْآنِ، أيْ: ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، لَمْ نُكَلِّفْكَ في هَذِهِ الحالَةِ أكْثَرَ مِنهُ ﴿أنْ تُبْسَلَ﴾ قالَ في ( المُجْمَلِ ): البَسْلُ: النَّخْلُ، وأبْسَلْتُهُ: أسْلَمْتُهُ لِلْهَلَكَةِ، فالمَعْنى: كَراهَةَ أنْ تُخْلى وتُسْلَمَ ﴿نَفْسٌ بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كَسَبَتْ﴾ في دُنْياها كائِنَةً ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنْفَرِدِ بِالعَظَمَةِ ﴿ولِيٌّ﴾ أيْ: يَتَوَلّى نَصْرَها ﴿ولا شَفِيعٌ﴾ يُنْقِذُها بِشَفاعَتِهِ.
ولَمّا كانَ الفِداءُ مِن أسْبابِ الخَلاصِ - قالَ: ﴿وإنْ تَعْدِلْ﴾ أيْ: تِلْكَ النَّفْسُ لِأجْلِ التَّوَصُّلِ إلى الفِكاكِ ﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ يُظَنُّ أنَّهُ يَعْدِلُها ولَوْ كانَ أنْفَسَ شَيْءٍ؛ ( ولَمّا ) كانَ الضّارُّ عَدَمَ الأخْذِ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ ولَمّا أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا أنَّ مَن هَذا حالُهُ هالِكٌ، قالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: الَّذِينَ عَمِلُوا هَذِهِ الأعْمالَ البَعِيدَةَ عَنِ الخَيْرِ ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا﴾ أيْ: أُسْلِمُوا ﴿بِما كَسَبُوا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ أيْ: هو غايَةُ الحَرِّ يُصْهَرُ بِهِ (p-١٥٠)ما في بُطُونِهِمْ بِما اعْتَقَدُوا في الآياتِ ما ظَهَرَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ ﴿وعَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: يَعُمُّ دائِمًا ظَواهِرَهم وبَواطِنَهم بِما ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ بَعْدَ ما بَطَنَ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ مِن تَغْطِيَةِ الآياتِ.
الأنعام 6:71
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَمْنَعُ مِنَ اللَّهِ بِنَوْعٍ، لا آلِهَتُهم الَّتِي زَعَمُوا أنَّها شُفَعاؤُهم ولا غَيْرُها - ثَبَتَ أنَّهم عَلى غايَةِ البَيِّنَةِ مِن أنَّ كُلَّ ما سِواهُ لا يَنْفَعُ شَيْئًا ولا يَضُرُّ، فَكانَ في غايَةِ التَّبْكِيتِ لَهم قَوْلُهُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: بَعْدَ ما أقَمْتَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ مَعَ اللَّهِ أمْرٌ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم ﴿أنَدْعُو﴾ أيْ: دُعاءِ عِبادَةٍ، وبَيَّنَ حَقارَةَ مَعْبُوداتِهِمْ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُنْفَرِدِ بِجَمِيعِ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِتَعْدادِ النِّعَمِ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] ﴿خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] ﴿يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] ﴿ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] ﴿اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ [الأنعام: ٦٤] - قَدَّمَ النَّفْعَ في قَوْلِهِ: ﴿ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، لِيَكُونُوا عَلى غايَةِ اليَأْسِ مِن اتِّباعِ حِزْبِ اللَّهِ لَهم، وهَذا كالتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٥٦]
ولَمّا ذَكَرَ عَدَمَ المَنفَعَةِ في دُعائِهِمْ - أشارَ إلى وُجُودِ الخَسارَةِ في (p-١٥١)رَجائِهِمْ - فَقالَ: ﴿ونُرَدُّ﴾ أيْ: بِرُجُوعِنا إلى الشِّرْكِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُنْكَرَ الرَّدُّ نَفْسُهُ مِن أيِّ رادٍّ كانَ ﴿عَلى أعْقابِنا﴾ أيْ: فَنَأْخُذُ في الوَجْهِ المُخالِفِ لِقَصْدِنا فَنَصِيرُ كُلَّ وقْتٍ في خَسارَةٍ بِالبُعْدِ عَنِ المَقْصُودِ ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا خَيْرَ إلّا وهو عِنْدُهُ ولا ضُرَّ إلّا وهو قادِرٌ عَلَيْهِ، إلى التَّوَجُّهِ نَحْوَ المَقْصِدِ، ووَفَّقَنا لَهُ وأنْقَذَنا مِنَ الشِّرْكِ.
ولَمّا صَوَّرَ حالَهم، مَثَّلَهُ فَقالَ: ﴿كالَّذِي﴾ أيْ: نُرَدُّ مِن عُلُوِّ القُرْبِ إلى المَقْصُودِ إلى سُفُولِ البُعْدِ عَنْهُ رَدًّا كَرَدِّ الَّذِي ﴿اسْتَهْوَتْهُ﴾ أيْ: طَلَبَتْ نُزُولَهُ عَنْ دَرَجَتِهِ ﴿الشَّياطِينُ﴾ فَأنْزَلَتْهُ عَنْ أُفُقِ مَقْصِدِهِ إلى حَضِيضِ مَعْطَبِهِ، شَبَّهَ حالَهُ بِحالِ مَن سَقَطَ مِن عالٍ في مَهْواةٍ مُظْلِمَةٍ فَهو في حالِ هُوِيِّهِ في غايَةِ الِاضْطِرابِ وتَحَقُّقِ التَّلَفِ والعَمى عَنِ الخَلاصِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿حَيْرانَ﴾ تائِهًا ضالًّا لا يَهْتَدِي لِوَجْهِهِ ولا يَدْرِي كَيْفَ يَسْلُكُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي هَوى ﴿أصْحابٌ﴾ أيْ: عِدَّةٌ، ولَكِنَّهُ لِتَمَكُّنِ الحَيْرَةِ مِنهُ لا يَقْبَلُ ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ وبَيَّنَ دُعاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ائْتِنا﴾ وهو قَدْ اعْتَسَفَ المُهِمَّةَ تابِعًا لِلشَّياطِينِ، لا يُجِيبُهم ولا يَأْتِيهِمْ لِأنَّهُ قَدْ غُلِبَ عَلى نَفْسِهِ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبَرِ والنَّزَوانِ.
(p-١٥٢)ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَعْرِفُونَهُ وشاهَدُوهُ مِرارًا، وكانُوا عالِمِينَ بِأنَّ دُعاءَ أصْحابِهِ لَهُ في غايَةِ النَّصِيحَةِ والخَيْرِ، وأنَّهُ إنْ تَبِعَهم نَجا، وإلّا هَلَكَ هَلاكًا لا تَدارُكَ لَهُ، فَكانَ جَوابُهم: إنَّ دُعاءَ أصْحابِهِ بِهِ لَهُدًى، بَيَّنَ أنَّهُ مُضْمَحِلٌّ تافِهٌ جِدًّا بِحَيْثُ إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ هُدًى بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا الَّذِي يَدْعُوهم إلَيْهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الهُدى﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ كَدُعاءِ أصْحابِ المُسْتَهْوِي، بَلْ ذاكَ الهُدى مَعَ إنْقاذِهِ مِنَ الهَلاكِ إلى جَنْبِ هَذا الهُدى كَلا شَيْءٍ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ هو المُوصِلُ إلى سَعادَةِ الأبَدِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ أمَرْنا أنْ نَلْزَمَهُ ونَتْرُكَ كُلَّ ما عَداهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا عامًّا فَقالَ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ﴾ أيْ: ورُدَّ عَلَيْنا الأمْرُ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ بِكُلِّ ما يُرْضِيهِ لِأنْ نُسْلِمَ، بِأنْ نُوقِعَ الإسْلامَ وهو الِانْقِيادُ التّامُّ فَنَتَخَلّى عَنْ كُلِّ هَوًى، وأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ بِأنْ نُوقِعَها بِجَمِيعِ حُدُودِها الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ فَنَتَحَلّى بِفِعْلِها أشْرَفَ حِلًى ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: لِإحْسانِهِ إلى كُلِّ أحَدٍ بِكُلِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؛
الأنعام 6:72
ثُمَّ فَسَّرَ المَأْمُورُ بِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أنْ أسْلِمُوا ﴿وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ لِوَجْهِهِ ﴿واتَّقُوهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ، أيْ: افْعَلُوها لا عَلى وجْهِ الهُزْءِ واللَّعِبِ، بَلْ عَلى وجْهِ التَّقْوى والمُراقَبَةِ لِيَدُلَّ ما ظَهَرَ مِنها عَلى ما بَطَنَ مِنَ الإسْلامِ لِلْمُحْسِنِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم مِن طِينٍ فَإذا أنْتُمْ بَشَرٌ مُصَوَّرُونَ، وجَعَلَكم أحْياءً فَبِقُدْرَتِهِ عَلى مَدى الأيّامِ تَنْتَشِرُونَ، عَطَفَ (p-١٥٣)عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي إلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ بَعْدَ بَعْثِكم مِنَ المَوْتِ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ فَأتى بِالبَعْثِ الَّذِي هم لَهُ مُنْكِرُونَ لِكَثْرَةِ ما أقامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ مِمّا لا مَجالَ لِلْخِلافِ فِيهِ، وأنَّ النَّظَرَ إنَّما هو فِيما وراءَ ذَلِكَ، وهو أنَّ عَمَلَهم لِلْباطِلِ سَوَّغَ تَنْزِيلَهم مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّهُ يُحْشَرُ إلى غَيْرِهِ – سُبْحانَهُ - مِمَّنْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى جَزائِهِمْ، فَأخْبَرَهم أنَّ الحَشْرَ إلَيْهِ لا إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا كَلامَ هُناكَ لِسِواهُ، فَلا عَلَقَ بَيْنَ المَحْشُورِينَ ولا تَناصُرَ كَما في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ مَعَ ذَلِكَ كالتَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، وقَدْ بانَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ، فَإنَّهُ حَذَفَ الصَّلاةَ أوَّلًا لِدَلالَةِ ذِكْرِها ثانِيًا، والإسْلامَ ثانِيًا لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ أوَّلًا.
الأنعام 6:73
ولَمّا كانُوا بِعِبادَةِ غَيْرِهِ تَعالى - مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّهُ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضَ - في حالِ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ ذَلِكَ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِهِ هو الَّذِي خَلَقَهُما، أوْ شارَكا فِيهِما. فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى حَشْرِ مَن في مَمْلَكَتِهِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا لَهم مِن غَفْلَتِهِمْ ومُوقِظًا مِن رَقْدَتِهِمْ مُعِيدًا الدَّلِيلَ الَّذِي ذَكَرَهُ أوَّلَ السُّورَةِ عَلى وجْهٍ آخَرَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ: أوْجَدَ واخْتَرَعَ وقَدَّرَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أيْ: عَلى عِظَمِهِما وفَوْتِ ما فِيهِما مِنَ الحِكَمِ والمَنافِعِ الحَصْرَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ، وأنْتُمْ تَرَوْنَ أنَّهُ غَيْرُ قائِمٍ في هَذِهِ الدّارِ ولا هو قَرِيبٌ مِنَ القِيامِ، فَوَجَبَ عَلى كُلِّ مَن يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَكِيمٌ (p-١٥٤)خَبِيرٌ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن بِعْثَةِ العِبادَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ - كَما وعَدَ بِذَلِكَ - لِيُظْهِرَ العَدْلَ بَيْنَهم، فَيُبْطِلَ كُلَّ باطِلٍ ويُحِقَّ كُلَّ حَقٍّ، ويُظْهِرَ الحِكَمَ لِجَمِيعِ الخَلْقِ.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ إقامَةَ الحَقِّ هي المُرادُ - قَرَّرَ قُدْرَتَهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَقُولُ﴾ أيْ: لِلْخَلْقِ ولِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ في هَذِهِ الدّارِ وتِلْكَ الدّارِ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ أيْ: فَهو يَكُونُ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا.
ولَمّا قَرَّرَ أنَّهُ لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ، عَلَّلَهُ فَقالَ: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ أيْ: لا قَوْلَ غَيْرَهُ؛ لِأنَّ أكْثَرَ قَوْلِ غَيْرِهِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ شَيْئًا فَلا يَكُونُ ما أرادَ؛ ولَمّا كانَ في مَقامِ التَّرْهِيبِ مِن سَطْوَتِهِ، قالَ مُكَرِّرًا لِقَوْلِهِ: ( وهو الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ): ﴿ولَهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿المُلْكُ يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْظِيمَ النَّفْخَةِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ لِانْقِطاعِ العَلائِقِ بَيْنَ الخَلائِقِ، لا كَما تَرَوْنَ في هَذِهِ الدّارِ مِن تَواصُلِ الأسْبابِ، وقَوْلُهُ -: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ - سُبْحانَهُ - ﴿والشَّهادَةِ﴾ وهو ما صارَ بِحَيْثُ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الخَلْقُ - مَعَ كَوْنِهِ عِلَّةً لِما قَبْلَهُ مِن تَمامِ القُدْرَةِ كَما سَيَأْتِي - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في ( طَهَ ) مِن تَمامِ التَّرْهِيبِ، أيْ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ (p-١٥٥)مِن أحْوالِكم، فاحْذَرُوا جَزاءَهُ يَوْمَ تَنْقَطِعُ الأسْبابُ، ويَذْهَبُ التَّعاضُدُ والتَّعاوُنُ، وهو عَلى عادَتِهِ - سُبْحانَهُ - في أنَّهُ ما ذَكَرَ أحْوالَ البَعْثِ إلّا قَرَّرَ فِيهِ أصْلَيْنِ: القُدْرَةَ عَلى جَمِيعِ المُمَكَّناتِ، والعِلْمَ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى البَعْثِ إلّا مَن جَمَعَ الوَصْفَيْنِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيْ: التّامُّ الحِكْمَةِ، فَلا يَضَعُ شَيْئًا في غَيْرِ مَحَلِّهِ ولا عَلى غَيْرِ إحْكامٍ، فَلا مُعَقِّبَ لِأمْرِهِ، فَلا بُدَّ مِنَ البَعْثِ ﴿الخَبِيرُ﴾ بِجَمِيعِ المَوارِدِ والمَصادِرِ، فَلا خَفاءَ لِشَيْءٍ مِن أفْعالِ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ عَلَيْهِ في ظاهِرٍ ولا باطِنٍ لِيُهْمِلَهم عَنِ الحِسابِ.
الأنعام 6:74
ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الآياتِ مَضْمُونَ الآياتِ الثَّلاثِ المُفْتَتَحِ بِها السُّورَةُ الهادِمَةُ لِمَذْهَبِ الثَّنَوِيَّةِ، وهم أهْلُ فارِسٍ قَوْمُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَعْرِفُ بِفَضْلِهِ جَمِيعَ الطَّوائِفِ؛ لِأنَّ أكْثَرَهم مِن نَسْلِهِ كاليَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ، والمُسْلِمُونَ لِما يَعْلَمُونَ مِن إخْلاصِهِ لِلَّهِ تَعالى وانْتِصابِهِ لِمُحاجَّةِ مَن أشْرَكَ بِهِ واحْتِمالِ الأذى فِيهِ - سُبْحانَهُ - تَلاها بِمُحاجَّتِهِ لَهم بِما أبْطَلَ مَذْهَبَهم وأدْحَضَ حُجَجَهم فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ: اذْكُرْ ذَلِكَ المُتَقَدِّمَ كُلَّهُ لَهم في الدَّلائِلِ عَلى اخْتِصاصِنا بِالخَلْقِ وتَمامِ القُدْرَةِ، ما أعْظَمَهُ وما أجَلَّهُ وأضْخَمَهُ! وتَفَكَّرْ في عَجائِبِهِ وتَدَبَّرْ في دَقائِقِهِ وغَرائِبِهِ تَجِدْ ما لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا اللَّهُ، واذْكُرْ إذْ ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ أيْ: اذْكُرْ قَوْلَهُ، وحِكْمَةُ (p-١٥٦)التَّذْكِيرِ بِوَقْتِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ هَذا لَمْ يَزَلْ ثابِتًا مُقَرَّرًا عَلى ألْسِنَةِ جَمِيعِ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الدُّهُورِ، وكانَ في هَذِهِ المُحاجَّةِ التَّصْرِيحُ بِما لَوَّحَ إلَيْهِ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ مِن إبْطالِ هَذا المَذْهَبِ، وانْعَطَفَ هَذا عَلى ذاكَ أيَّ انْعِطافٍ ! وصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ الأصْنامَ والنُّجُومَ والنُّورَ والظُّلْمَةَ، فَنَبِّهْهم يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ غَيْرُنا، اذْكُرْ لَهم أنِّي أنا الَّذِي خَلَقْتُهم وخَلَقْتُ جَمِيعَ ما يُشاهِدُونَ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ، فَإنْ تَنَبَّهُوا فَهو حَظُّهم، وإلّا فاذْكُرْ لَهم مُحاجَّةَ خَلِيلِنا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذْ قالَ ﴿لأبِيهِ﴾ ثُمَّ بَيَّنَهُ في قِراءَةِ الجَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿آزَرَ﴾ وناداهُ في قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالضَّمِّ؛ قالَ البُخارِيُّ في ( تارِيخِهِ الكَبِيرِ ): إبْراهِيمُ بْنُ آزَرَ، وهو في التَّوْراةِ: تارَحُ. انْتَهى.
وقَدْ مَضى ذَلِكَ عَنِ التَّوْراةِ في البَقَرَةِ، فَلَعَلَّ أحَدَها لَقَبٌ، وكانَ أهْلُ تِلْكَ البِلادِ وهم الكَلْدانِيُّونَ، ويُقالُ لَهم أيْضًا الكَسْدانِيُّونَ - بِالمُهْمِلَةِ مَوْضِعَ اللّامِ - يَعْتَقِدُونَ إلَهِيَّةَ النُّجُومِ في السَّماءِ والأصْنامِ في الأرْضِ ويَجْعَلُونَ لِكُلِّ نَجْمٍ صَنَمًا، إذا أرادُوا التَّقَرُّبَ إلى ذَلِكَ النَّجْمِ عَبَدُوا ذَلِكَ الصَّنَمَ لِيَشْفَعَ لَهم - كَما زَعَمُوا - إلى النَّجْمِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِ مُنَبِّهًا لَهُ عَلى ظُهُورِ فَسادِ ما هو مُرْتَكِبُهُ: ﴿أتَتَّخِذُ﴾ أيْ: أتُكَلِّفُ نَفْسَكَ (p-١٥٧)إلى خِلافِ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأوْلى بِأنْ تَجْعَلَ ﴿أصْنامًا آلِهَةً﴾ أيْ: تَعْبُدُها وتَخْضَعُ لَها ولا نَفْعَ فِيها ولا ضُرَّ، فَنَبَّهَهُ بِهَذا الإنْكارِ عَلى أنَّ مَعْرِفَةَ بُطْلانِ ما هو مُتَدَيِّنٌ بِهِ لا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ تَأمُّلٍ، بَلْ هو أمْرٌ بَدِيهِيٌّ أوْ قَرِيبٌ مِنهُ، فَإنَّهم يُباشِرُونَ أمْرَها بِجَمِيعِ جَوانِبِهِمْ ويَعْلَمُونَ أنَّها مَصْنُوعَةٌ ولَيْسَتْ بِصانِعَةٍ، وكَثْرَتُها تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّتِها بِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢]
ولَمّا خَصَّ بِالنَّصِيحَةِ أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيْهِ، عَمَّ بَقِيَّةَ أقارِبِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ أيْ: في اتِّفاقِكم عَلى هَذا ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ: بُعْدٍ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: ظاهِرٍ جِدًّا بِبَدِيهَةِ العَقْلِ مَعَ مُخالَفَتِهِ لِكُلِّ نَبِيٍّ نَبَّأهُ اللَّهُ تَعالى مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَن بَعْدَهُ، فَهو مَعَ ظُهُورِهِ في نَفْسِهِ مُظْهِرٌ لِلْحَقِّ مِن أنَّ الإلَهَ لا يَكُونُ إلّا كافِيًا لِمَن يَعْبُدُهُ، وإلّا كانَ فَقِيرًا إلى تَألُّهِ مَن يَكْفِيهِ.
الأنعام 6:75
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بَصَّرْنا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا التَّبْصِيرَ في هَذا الأمْرِ الجَرِيءِ مِن بُطْلانِ الأصْنامِ، قالَ عاطِفًا عَلَيْهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ هَذا التَّبْصِيرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وحَكى الحالَ الماضِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿نُرِي﴾ أيْ: بِالبَصَرِ والبَصِيرَةِ عَلى مَرِّ الزَّمانِ وكَرِّ الشُّهُورِ والأعْوامِ إلى ما لا (p-١٥٨)آخِرَ لَهُ بِنَفْسِهِ والصُّلَحاءِ مِن أوْلادِهِ ﴿إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ﴾ أيْ: باطِنَ مُلْكِ التَّوْحِيدِ فَيَعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مِن صَنَمٍ وغَيْرِهِ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ في ضَلالٍ، كَما عَلِمَ ذَلِكَ في قَوْمِهِ في الأصْنامِ ﴿ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ أيْ: الرّاسِخِينَ في وصْفِ الإيقانِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ كُلِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ الجُزْئِيّاتِ لِما أرَيْناهُ بِبَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ، فَتَأمَّلَ فِيهِ حَتّى وقَعَ فِيهِ بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ عَلى عَيْنِ اليَقِينِ بَلْ حَقِّ اليَقِينِ.
الأنعام 6:76
ولَمّا كانَتْ الأُمُورُ السَّماوِيَّةُ مُشاهَدَةً لِجَمِيعِ الخَلْقِ: دانِيهِمْ وقاصِيهِمْ، وهي أشْرَفُ مِنَ الأرْضِيَّةِ، فَإذا بَطَلَتْ صَلاحِيَتُها لِلْإلَهِيَّةِ بَطَلَتْ الأرْضِيَّةُ مِن بابِ الأوْلى؛ نَصَبَ لَهم الحِجاجَ في أمْرِها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الإراءَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ أيْ: سَتَرَ وأظْلَمَ، وقَصَرَهُ - وإنْ كانَ مُتَعَدِّيًا - دِلالَةً عَلى شِدَّةِ ظَلامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أيْ: وقَعَ السِّتْرُ عَلَيْهِ، فَحَجَبَ مَلَكُوتِ الأرْضِ فَشَرَعَ يَنْظُرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ أيْ: قَدْ بَزَغَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا (p-١٥٩)فَعَلَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ فَكَأنَّهُ مِن بَصَرِهِ أنْ أتى بِهَذا الكَلامِ الصّالِحِ لِأنْ يَكُونُ خَبَرًا واسْتِفْهامًا، لِيُوهِمَهم أنَّهُ مُخْبَرٌ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أنْفى لِلْغَرَضِ وأنْجى مِنَ الشُّعَبِ، فَيَكُونُ أشَدَّ اسْتِجْلابًا لَهم إلى إنْعامِ النَّظَرِ وتَنْبِيهًا عَلى مَوْضِعِ الغَلَطِ وقَبُولِ الحُجَّةِ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ أيْ: غابَ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهُورِ الَّذِي كانَ آيَةَ سُلْطانٍ ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ لِأنَّ الأُفُولَ حَرَكَةٌ، والحَرَكَةُ تَدُلُّ عَلى حُدُوثِ المُتَحَرِّكِ وإمْكانِهِ، ولا نَظُنُّ أنْ يُظَنَّ بِهِ أنَّهُ قالَ ما قالَهُ أوَّلًا عَنْ اعْتِقادِ رُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ دَلَّ عَلى بُطْلانِ هَذا التَّوَهُّمِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ أراهُ مَلَكُوتَ الخافِقَيْنِ وجَعَلَهُ مُوقِنًا، فَأسْنَدَ الأمْرَ إلى نَفْسِهِ تَنْبِيهًا لَهم، واسْتَدَلَّ بِالأُفُولِ لِأنَّ دِلالَتَهُ لِزَوالِ سُلْطانِهِ وحَقارَةِ شَأْنِهِ أتَمُّ، ولَمْ يَسْتَدِلَّ بِالطُّلُوعِ لِأنَّهُ - وإنْ كانَ حَرَكَةً دالَّةً عَلى الحُدُوثِ والنُّقْصانِ - شَرَفٌ في الجُمْلَةِ وسُلْطانٌ، فالخَواصُّ يَفْهَمُونَ مِنَ الأُفُولِ الإمْكانَ، والمُمْكِنُ لا بُدَّ لَهُ مِن مُوجِدٍ واجِبِ الوُجُودِ، يَكُونُ مُنْتَهى الآمالِ ومَحَطَّ الرِّحالِ ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] والأوْساطُ يَفْهَمُونَ مِنهُ الحُدُوثَ لِلْحَرَكَةِ، فَلا بُدَّ مِنَ الِاسْتِنادِ إلى قَدِيمٍ، (p-١٦٠)والعَوامُّ يَفْهَمُونَ أنَّ الغارِبَ كالمَعْزُولِ لِزَوالِ نُورِهِ وسُلْطانِهِ، وأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، وخَصَّ الأُفُولَ أيْضًا لِأنَّ قَوْمَهُ الفُرْسَ كانُوا مُنَجِّمِينَ، ومَذْهَبَهم أنَّ الكَوْكَبَ إذا كانَ صاعِدًا مِنَ المَشْرِقِ إلى وسَطِ السَّماءِ كانَ قَوِيًّا عَظِيمَ التَّأْثِيرِ، فَإذا كانَ نازِلًا إلى المَغْرِبِ كانَ ضَعِيفَ الأثَرِ، والإلَهُ هو مَن لا يَتَغَيَّرُ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ بُرْهانٌ في أنَّ أصْلَ الدِّينِ مَبْنِيٌّ عَلى الحُجَّةِ دُونَ التَّقْلِيدِ.
الأنعام 6:77
ولَمّا بَصَّرَهم قُصُورَ صَغِيرِ الكَواكِبِ، رَقّى النَّظَرَ إلى أكْبَرَ مِنهُ، فَسَبَّبَ عَنِ الإعْراضِ عَنِ الكَواكِبِ لِقُصُورِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾ أيْ: طالِعًا أوَّلَ طُلُوعِهِ؛ قالَ الأزْهَرِيُّ: كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ البَزْغِ الَّذِي هو الشَّقُّ، كَأنَّهُ بِنُورِهِ يَشُقُّ الظُّلْمَةَ شَقًّا ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ دَأْبُهُ في الأُولى.
ولَمّا كانَ تَأمَّلَ أنَّ الكَوْكَبَ مَحَلُّ الحَوادِثِ بِالأُفُولِ قَدْ طَرَقَ أسْماعَهم فَخالَجَ صُدُورَهم، قالَ: ﴿فَلَمّا أفَلَ قالَ﴾ مُؤَكِّدًا غايَةَ التَّأْكِيدِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ أيْ: الَّذِي قَدَرَ عَلى الإحْسانِ إلَيَّ بِالإيجادِ والتَّرْبِيَةِ لِكَوْنِهِ لا يَتَغَيَّرُ ولا شَرِيكَ لَهُ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِي، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الهِدايَةَ لَيْسَتْ إلى غَيْرِهِ، ولا تُحْمَلُ عَلى نَصْبِ الأدِلَّةِ، لِأنَّها مَنصُوبَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ، ولا عَلى مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلالِ فَإنَّهُ عارِفٌ بِهِ (p-١٦١)﴿لأكُونَنَّ﴾ أيْ: بِعِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَكانَتْ هَذِهِ أشَدَّ مِنَ الأُولى وأقْرَبَ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ الرُّبُوبِيَّةِ عَنِ الكَواكِبِ وإثْباتِ أنَّ الرَّبَّ غَيْرُها، مَعَ المُلاطَفَةِ وإبْعادِ الخَصْمِ عَمّا يُوجِبُ عِنادَهُ.
الأنعام 6:78
ولَمّا كانَ قَدْ نَفى عَنِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ ما رُبَّما يَضِلُّ بِهِ الخَصْمُ قالَ: ﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيْ: بِعَيْنِهِ ﴿الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أيْ: عِنْدِ طُلُوعِ النَّهارِ وإشْراقِ النُّورِ الَّذِي ادَّعَوْا فِيهِ ما ادَّعَوْا ﴿قالَ﴾ مُبَيِّنًا لِقُصُورِ ما هو أكْبَرُ مِنَ النُّورِ وهو ما عَنْهُ النُّورُ ﴿هَذا﴾ مُذَكِّرًا إشارَتَهُ لِوُجُودِ المُسَوِّغِ، وهو تَذْكِيرُ الخَبَرِ إظْهارًا لِتَعْظِيمِها إبْعادًا عَنِ التُّهْمَةِ، وتَنْبِيهًا مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ المُؤَنَّثَ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ ﴿رَبِّي﴾ كَما قالَ فِيما مَضى؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بَيانًا لِلْوَجْهِ الَّذِي فارَقَ فِيهِ ما مَضى فَأُورِثُ شُبْهَةً، فَقالَ: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ ﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ أيْ: غَرَبَتْ فَخَفِيَ ظُهُورُها وغَلَبَ نُورُها وهَزَمَهُ جَيْشُ الظَّلامِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ العَلّامِ ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ فَصَرَّحَ بِأنَّ الكَلامَ لَهم أجْمَعِينَ، ونادى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ.
ولَمّا كانَتْ القُلُوبُ قَدْ فَرَغَتْ بِما أُلْقِيَ مِن هَذا الكَلامِ المُعْجِبِ لِلْحُجَّةِ، وتَهَيَّأتْ لِقَبُولِ الحَقَّ - خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مِن هَذا وغَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، فَصَرَّحَ بِالمَقْصُودِ لِأنَّهُ لَمْ يَبْقَ في المَحْسُوسِ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ كَوْكَبٌ أكْبَرُ مِنَ الشَّمْسِ ولا أنْوَرُ،
الأنعام 6:79
فَلَمّا أبْطَلَ (p-١٦٢)بِذَلِكَ جَمِيعَ مَذْهَبِهِمْ أظْهَرَ التَّوَجُّهَ إلى الإلَهِ الحَقِّ، وأنَّهُ قَدْ انْكَشَفَ لَهُ الصَّوابُ بِهَذا النَّظَرِ، والمُرادُ هم، ولَكِنَّ سَوْقَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أدْعى لِقَبُولِهِمْ إيّاهُ، فَقالَ مُسْتَنْتِجًا عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ في المَلَكُوتِ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ﴾ أيْ: أخْلَصْتُ قَصْدِي غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، فَعَبَّرَ بِذَلِكَ عَنِ الِانْقِيادِ التّامِّ؛ لِأنَّ مَن انْقادَ لِشَيْءٍ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، ودَلَّ عَلى كَمالِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالكَمالِ مُبْدِعاتُهُ، وعَبَّرَ بِـ ( اللّامِ ) دُونَ ( إلى ) لِئَلّا يُوهِمَ الحَيِّزَ، فَقالَ: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ أيْ: لِأجْلِ عُبُودِيَّةِ مَن شَقَّ وأخْرَجَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَخَتَمَ الدَّلِيلَ بِما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ: ( ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ١] وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَ - أنِّي فَسَّرْتُ الحَنَفَ بِهِ مِن أنَّهُ المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ سُهُولَةً ولَطافَةً عَلى ما هو دَأْبُ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النّاسَ عَلَيْها - قَوْلُهُ بَعْدَ نَصْبِ هَذا الدَّلِيلِ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: سَهْلًا هَيِّنًا لَيِّنًا لَطِيفًا مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ غَيْرَ كَزٍّ جافٍّ جامِدٍ عَلى التَّقْلِيدِ دَأْبُ الغَلِيظِ البَلِيدِ، وأكَّدَ البَراءَةَ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: مِنكم، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ المُقْتَضِي لِلْبَراءَةِ والتَّعْمِيمِ، أيْ: لا أُعَدُّ في عِدادِكم بِشَيْءٍ أُقارِبُكم بِهِ.
الأنعام 6:80
(p-١٦٣)ولَمّا أبْدى هَذِهِ الأدِلَّةَ في إبْطالِ الضَّلالِ بِالكَواكِبِ والشَّمْسِ الَّتِي هي أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، عَطَفَ عَلَيْها الإخْبارَ بِأنَّهم لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ بَلْ حاجُّوهُ، فَقالَ: ﴿وحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ بِأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْ عِبادَتِها لِأنَّهم وجَدُوا آباءَهم كَذَلِكَ، وأنَّهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الكَلامِ فِيها أصابَتْهُ بِبَعْضِ النَّوازِلِ، وذَلِكَ مِن أعْظَمِ التَّسْلِيَةِ لِهَذا النَّبِيِّ العَرَبِيِّ الكَرِيمِ - عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ - .
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مُحاجَّتَهم بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ في غايَةٍ مِنَ السُّقُوطِ - سَفَلَتْ عَنِ الحَضِيضِ، نَزَّهَ المَقامَ عَنْ ذِكْرِها، إشارَةً إلى أنَّها بِحَيْثُ لا يَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ، وبَيَّنَ جَوابَهُ لِما فِيهِ مِنَ الفَوائِدِ الجَمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: بَقَوْلٍ، مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم: ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ وصَرَّحَ بِاسْمِ الرَّبِّ العَلَمِ الأعْظَمِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيُّ شَيْءٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ لا سِيَّما التَّوْحِيدُ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿هَدانِي﴾ أيْ: أرْشَدَنِي بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ إلى مَعْرِفَةِ كُلِّ ما يَثْبُتُ لَهُ ويُنْفى عَنْهُ، أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ، فَبَيَّنَ أنَّهُ تَعالى قَدْ أحْسَنَ إلَيْهِ، فَهو يَرْجُوهُ لِمِثْلِ ذَلِكَ الإحْسانِ، ويَخافُهُ مِن عَواقِبِ العِصْيانِ؛ لِأنَّ مَن رُجِيَ خَيْرُهُ خِيفَ ضَيْرُهُ، ومَن كانَ بِيَدِهِ النَّفْعُ والضُّرُّ والهِدايَةُ والإضْلالُ فَهو مِن وُضُوحِ الأمْرِ وظُهُورِ الشَّأْنِ بِحَيْثُ لا تُوَجَّهُ نَحْوَهُ (p-١٦٤)المُحاجَّةُ، وأتْبَعُهُ بَيانَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ مَسْلُوبٌ عَنْها ما يُوَجَّهُ إلَيْهِ الهِمَمَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأنا أرْجُوهُ وأخافُهُ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ ولا أرْجُوهُ لِهِدايَةٍ ولا إضْلالٍ ولا غَيْرِهِما لِأنَّهُ عاجِزٌ، فَأثْبَتَ لِلَّهِ القُدْرَةَ بِالهِدايَةِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ، وطَوى الإضْلالَ لِدِلالَتِها ودِلالَةِ ما نُفِيَ في جانِبِ الشُّرَكاءِ عَلَيْهِ، وأثْبَتَ لِآلِهَتِهِمْ العَجْزَ بِنَفْيِ الخَوْفِ المُسْتَلْزِمِ لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَلى الضُّرِّ. وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلٌ لِأنْ يُخافَ مِنهُ. كُلُّ ذَلِكَ تَلْوِيحًا لَهم بِأنَّ العاقِلَ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُخالِفَ إلّا مَن يَأْمَنُ ضُرَّهُ، فَهم في مُخالَفَتِهِمْ لِلَّهِ في غايَةٍ مِنَ الخَطَرِ، لا يَرْتَكِبُها عاقِلٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ.
ولَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ خَوْفَ آلِهَتِهِمْ أبَدًا في الحالِ والِاسْتِقْبالِ، وكانَ مِنَ الأمْرِ البَيِّنِ في الدِّينِ الحَقِّ أنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ إلّا مَعَ الإقْرارِ بِخَفاءِ العَواقِبِ عَلى العِبادِ وإثْباتِ العِلْمِ بِها لِلَّهِ تَسْلِيمًا لِمَفاتِيحِ الغَيْبِ إلَيْهِ، وقَصْرِها عَلَيْهِ؛ قالَ مُسْتَثْنِيًا مِن سَبَبِ النَّفْيِ، وهو أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ في حالِ الضُّرِّ كَما هو مُحْسِنٌ في حالِ النَّفْعِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: مِن تَسْلِيطِها بِأنْفُسِها أوْ بِاتِّباعِها؛ لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، فَإنْ أرادَ أنْطَقَ الجَمادَ وأقْدَرَهُ، وأخْرَسَ النّاطِقَ الفَصِيحَ وأعْجَزَهُ، فَأنا لا أخافُ في الحَقِيقَةِ غَيْرَهُ.
(p-١٦٥)ولَمّا كانَ هَذا في صُورَةِ التَّعْلِيقِ، وكانَ التَّعْلِيقُ وما شابَهَهُ مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَصْدُرَ إلّا مِن مُتَرَدِّدٍ، فَيَكُونُ مَوْضِعَ إطْماعٍ لِلْخَصْمِ فِيهِ، عَلَّلَهُ بِما أزالُ هَذا الخَيالَ، فَقالَ: ﴿وسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أيْ: فَأحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً، فَهو إذا أرادَ إقْدارَ العاجِزِ أزالَ عَنْهُ كُلَّ مانِعٍ مِنَ القُدْرَةِ، وأثْبَتَ لَهُ كُلَّ مُقْتَضٍ لَها، وذَلِكَ ثَمَرَةُ شُمُولِ العِلْمِ - كَما سَيَأْتِي بُرْهانُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - في سُورَةِ ( طَهَ )، فالمُرادُ أنِّي ما تَرَكْتُ الجَزْمَ لِشَكٍّ عِنْدِي، وإنَّما تَرَكْتُهُ لِعَدَمِ عِلْمِي بِالعَواقِبِ إعْلامًا بِأنَّ تِلْكَ رُتْبَةٌ لا تَصْلُحُ إلّا لِلَّهِ الَّذِي وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى هَذا اتِّباعُهُ لَهُ بِإنْكارِهِ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الإبْلاغِ في التَّذَكُّرِ بِقَوْلِهِ مُظْهِرًا تاءَ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّ في جِبِلّاتِهِمْ أصْلُ التَّذَكُّرِ الصّادُّ عَنِ الشِّرْكِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنكم تَذَكُّرٌ، فَتُمَيِّزُوا بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِأنْ تَذْكُرُوا مَآلَكم مِن أنْفُسِكم بِأنَّ مَن غابَ عَنْ مَرْبُوبِهِ فَسَدَ أوْ كادَ، وأنَّ هَذِهِ الجَماداتِ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وأنَّها مَصْنُوعُكم،
الأنعام 6:81
وتَعَجَّبَ مِنهم في ظَنِّهِمْ خَوْفَهُ مِن مَعْبُوداتِهِمْ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ أيْ: مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَعَ أنَّها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ (p-١٦٦)﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم أنْتُمْ لا ﴿تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ عَلى العَذابِ والنِّقْمَةِ.
ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ قالَ: ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ﴾ أيْ: بِإشْراكِهِ؛ ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ - أثْبَتَ الجارَّ والمَجْرُورَ وقَدَّمَهُ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ أيْ: حُجَّةً تَكُونُ مانِعَةً مِن إنْزالِهِ الغَضَبَ بِكم، والحاصِلُ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْقَعَ الأمْنَ في مَوْضِعِهِ وهم أوْقَعُوهُ في مَوْضِعِ الخَوْفِ، فَعَجِبَ مِنهم لِذَلِكَ فَبانَ أنَّ هَذا وقَوْلَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأعْرافِ ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾ [الأعراف: ٨٩] الآيَةُ، وقَوْلَهُ تَعالى في الكَهْفِ: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ؛ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ المَنفِيُّ هُنا إنَّما هو خَوْفُ الضَّرَرِ مِن آلِهَتِهِمْ، وكانَ حُصُولُ الضَّرَرِ لِمُخالِفِها بِواسِطَةِ أتْباعِها أوْ غَيْرِهِمْ مِن سُنَنِ اللَّهِ الجارِيَةِ في عِبادِهِ - اقْتَصَرَ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى صِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والكِفايَةِ والحِمايَةِ، وقَدْ وقَعَ في قِصَّتِهِ الأمْرانِ: إمْكانُهم مِن أسْبابِ ضَرَرِهِ بِإيقادِ النّارِ وإلْقائِهِمْ لَهُ فِيها، ورَحْمَتِهِ بِجَعْلِها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا. ولَمّا كانَ المَحْذُورُ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - العَوْدُ في مِلَّتِهِمْ - زادَ الإتْيانَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ المُنَزَّهِ عَنْ جَمِيعِ النَّقائِصِ المُقْتَضِي لِاسْتِحْضارِ الجَلالِ والعَظَمَةِ والتَّفَرُّدِ والكِبْرِ المانِعِ مِن دُنُوِّ ساحاتِ الكُفْرِ، (p-١٦٧)واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا بانَ كالشَّمْسِ بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ أنَّهُ أحَقُّ بِالأمْنِ مِنهم، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى تَقْرِيرًا لَهم: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيْ: حِزْبِ اللَّهِ وحِزْبِ ما أشْرَكْتُمْ بِهِ، ولَمْ يَقُلْ: فَأيُّنا، تَعْمِيمًا لِلْمَعْنى ﴿أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ وألْزَمَهم بِالجَوابِ حَتْمًا بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم عِلْمٌ فَأخْبِرُونِي عَمّا سَألْتُكم عَنْهُ؛
الأنعام 6:82
ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ دِلالَةً عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا لِيُخْبِرُوا عَمّا سُئِلُوا عَنْهُ قَوْلَهُ مُسْتَأْنِفًا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذا الفِعْلَ ﴿ولَمْ﴾ أيْ: وصَدَّقُوا دَعْواهم بِأنَّهم لَمْ ﴿يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ أيْ: يُخالِطُوهُ ويَشُوبُوهُ ﴿بِظُلْمٍ﴾
ولَمّا كانَ المَعْنى: أحَقُّ بِالأمْنِ، عَدَلَ عَنْهُ إلى قَوْلِهِ مُشِيرًا إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأمْنُ﴾ أيْ: لِما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِمْ ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾ أيْ: وأنْتُمْ ضالُّونَ، فَأنْتُمْ هالِكُونَ لِإشْرافِكم عَلى المَهالِكِ ( وتَفْسِيرُ النَّبِيِّ ﷺ فِيما أخْرَجَ الشَّيْخانِ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِهَذا الظُّلْمِ المُطْلَقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ بِالشِّرْكِ ) الَّذِي هو ظُلْمٌ مَوْصُوفٌ بِالعِظَمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] تَنْبِيهٌ لِلصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - عَلى أنَّ هَذا التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ، ولِأنَّهم أهْلُ اللِّسانِ المَطْبُوعُونَ فِيهِ صَفَوْا بِذَلِكَ واطْمَأنُّوا إلَيْهِ، ولا شَكَّ أنَّ السِّياقَ كُلَّهُ في التَّنْفِيرِ عَنِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ دالٌّ عَلى الحَثِّ عَلى التَّبَرِئِ (p-١٦٨)عَنْ قَلِيلِ الشِّرْكِ وكَثِيرِهِ، فَآلَ الأمْرُ إلى أنَّ المُرادَ: ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِشَيْءٍ مِنَ الشِّرْكِ، فالتَّنْوِينُ حِينَئِذٍ لِلتَّحْقِيرِ كَما هو لِلتَّعْظِيمِ، فَهو مِن اسْتِعْمالِ الشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ أوْ في مَعْنَيْهِ المُشْتَرِكِ فِيهِما لَفْظُهُ مَعًا - واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:83
ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ انْتَصَبَ لِإظْهارِ حُجَّةِ اللَّهِ في التَّوْحِيدِ والذَّبِّ عَنْها، وكانَ التَّقْدِيرُ -تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى حُسْنِ ما مَضى نَدْبًا لِتَدَبُّرِهِ -: هَذِهِ مُقاوَلَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ وقَوْمِهِ -عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَدِّدًا وُجُوهَ نِعَمِهِ عَلَيْهِ وإحْسانِهِ إلَيْهِ، دالًّا عَلى إثْباتِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ إثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ: ﴿وتِلْكَ﴾ أيْ: وهَذِهِ الحُجَّةُ العَظِيمَةُ الشَّأْنِ الَّتِي تَلَوْناها عَلَيْكم، وهي ما حاجَّ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ قَوْمَهُ، وعَظَّمَهُ بِتَعْظِيمِها فَقالَ: ﴿حُجَّتُنا﴾ أيْ: الَّتِي يَحِقُّ لَها - بِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ - أنْ تُضافَ إلَيْنا؛ لِأنَّها مِن أشْرَفِ النِّعَمِ وأجَلِّ العَطايا ﴿آتَيْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ وأوْقَفْناهُ عَلى حَقِيقَتِها وبَصَّرْناهُ بِها، ونَبَّهَ عَلى ارْتِفاعِ شَأْنِها بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ مُضَمِّنًا لِـ ( آتَيْنا ) ( أقَمْنا )، فَقالَ: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ أيْ: مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِمْ غالِبًا لَهم قائِمَةٌ عَلَيْهِمْ الحُجَّةُ الَّتِي نَصَبَها، ثُمَّ زادَ في الإعْلامِ بِفَضْلِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿نَرْفَعُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ كَما رَفَعْنا (p-١٦٩)دَرَجَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى جَمِيعِ أهْلِ ذَلِكَ العَصْرِ.
ولَمّا كانَتْ مُحاجَّتُهُ لَهم عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي نَسَبُوا الخَلْقَ والتَّدْبِيرَ بِالنُّورِ والظُّلْمَةِ إلَيْهِ، وكانَ في خِتامِ مُحاجَّتِهِ لَهم أنَّ الجارِيَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ أنَّ المَلِكَ الحَقَّ لا يُهِينُ جُنْدَهُ فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ في الِاسْتِدْلالِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ؛ كانَ الأنْسَبُ أنْ يُقَدِّمَ في خَتْمِ الآيَةِ وصْفَ الحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: خاصًّا لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالمُخاطَبَةِ بِاسْمِ الإحْسانِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حَجْبَهُ الدَّلِيلَ عَمَّنْ يَشاءُ لِحِكَمٍ أرادَها - سُبْحانَهُ - فَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يَفْعَلُ بِحِزْبِهِ إلّا ما ظَنَّهُ بِهِ خَلِيلُهُ ﷺ مِمّا يُقِرُّ أعْيُنَهم، إمّا في الدُّنْيا وإمّا في الآخِرَةِ وإمّا فِيهِما ﴿عَلِيمٌ﴾ فَلا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَيَفْعَلُ بِهِ ما يَحِلُّ بِالحِكْمَةِ.
الأنعام 6:84
ولَمّا أشارَ إلى رِفْعَتِهِ بِأنَّهُ بَصَّرَهُ بِالحُجَّةِ حَتّى كانَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ، وأنَّهُ عَلا عَلى المُخالِفِينَ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما دَلَّ عَلَيْها وعَلى حِكْمَتِهِ بِعِلْمِهِ بِالعَواقِبِ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّهُ جَعَلَهُ عَزِيزًا في الدُّنْيا لِأنَّ (p-١٧٠)أشْرَفَ النّاسِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ، وهم مِن نَسْلِهِ وذُرِّيَّتِهِ، ورَفَعَ ذِكْرَهُ أبَدًا لِأجْلِ قِيامِهِ بِالذَّبِّ عَنْ تَوْحِيدِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ: لِخَلِيلِنا - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إسْحاقَ﴾ ولَدًا لَهُ عَلى الكِبَرِ حَيْثُ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ ولا لِمِثْلِ زَوْجَتِهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ أيْ: ولَدَ ولَدٍ، وابْتَدَأ - سُبْحانَهُ - بِهِما لِأنَّ السِّياقَ لِلِامْتِنانِ عَلى الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو أشَدُّ سُرُورًا بِابْنِهِ الَّذِي مُتِّعَ بِهِ ولَمْ يُؤْمَرْ بِفِراقِهِ وابْنِ ابْنِهِ الَّذِي أكْثَرُ الأنْبِياءِ الدّاعِينَ إلى اللَّهِ مِن نَسْلِهِ ومِن خَواصِّهِ، وهو المُوجِبُ الأعْظَمُ لِلْبَداءَةِ أنَّ أبْناءَهُ طَهَّرُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي هي مُهاجَرُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومُخْتارُهُ لِلسُّكْنى بِنَفْسِهِ ونَسْلِهِ، بَلْ مُخْتارُ اللَّهِ لَهُ ولَهم بَعْدَهُ بِمَدَدِ طَهُورِها مِنَ الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، ودَعَوْا إلى اللَّهِ ونَوَّرُوا الأرْضَ بِعِبادَتِهِ.
ولَمّا كانَتْ النِّعْمَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالهِدايَةِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ لِيَشْمَلَ الكَلامُ إيّاهُما: ﴿كُلا﴾ أيْ: مِنهُما ومِن أبِيهِما ﴿هَدَيْنا﴾ ثُمَّ أتْبَعُ ذَلِكَ المُهْتَدِينَ قَدِيمًا وحَدِيثًا تَأْكِيدًا لِأنَّ هَذا المَذْهَبَ لَمْ يَزَلْ خُلَّصُ العِبادَ دُعاةً إلَيْهِ في قَدِيمِ الزَّمانِ وجَدِيدِهِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَ دِينَكم؛ لِأنَّهُ (p-١٧١)عِنْدَكم حَقٌّ، فَقَدْ تَبَيَّنَ لَكم بُطْلانُهُ، وأنَّ الحَقَّ إنَّما هو التَّوْحِيدُ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِقِدَمِهِ فَهَذا الدِّينُ - الَّذِي - دَعاكم إلَيْهِ رَسُولِي مَعَ وُضُوحِ الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّتِهِ - هو القَدِيمُ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ نُوحٌ ومَن تَلاهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى إبْراهِيمَ أبِيكم الأعْظَمِ ومَن بَعْدَهُ مِن خُلَّصِ ذُرِّيَّتِهِ إلى عِيسى، ثُمَّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى - عَلى الكُلِّ أبْلَغُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ - فَهو أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مِن جِهَةِ الحَقِّيَّةِ والأقْدَمِيَّةِ، وإنْ كُنْتُمْ تَلْزَمُونَهُ لِمُجَرَّدِ اتِّباعِ الآباءِ فَلَيْسَ في آبائِكم مِثْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ تَلَوْتُ عَلَيْكم في كَلامِي الَّذِي أقَمْتُ الدَّلِيلَ القَطْعِيَّ بِعَجْزِكم عَنْهُ عَلى صِحَّةِ نِسْبَتِهِ إلى ما حاجَّ بِهِ أباهُ وقَوْمَهُ في إبْطالِ الأوْثانِ الَّتِي أضَلَّتْكم، فَهو أوْلى آبائِكم أنْ تَعْتَدُّوا بِهِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّ هِدايَةَ كُلٍّ مِن إسْحاقَ وابْنِهِ بِتَرْبِيَةِ أبِيهِ، ذَكَرَ العاشِرَ مِن آباءِ الخَلِيلِ وهو نُوحٌ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِدَفْعِ ذَلِكَ، ولِأنَّ السِّياقَ لِإنْكارِ الأوْثانِ، وهو أوَّلُ مَن نَهى عَنْ عِبادَتِها، وهو أجَلُّ آباءِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ونُوحًا هَدَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مِن بَيْنِ ذَلِكَ الجِيلِ الأعْوَجِ.
ولَمّا كانَتْ لَمْ تَتَجاوَزْ مِنهُ، وكانَ زَمَنُهُ بَعْضَ الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ -أثْبَتَ الجارَّ وقَطَعَهُ عَنِ الإضافَةِ لِتَراخِي زَمانِهِمْ كَثِيرًا عَنْ زَمانِهِ فَقالَ: (p-١٧٢)﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: ولَمْ تَكُنْ هِدايَتُهُ إلّا بِنا في زَمانٍ كانَ أهْلُهُ مِن شِدَّةِ الضَّلالِ ولُزُومِ الظُّلْمِ في مِثْلِ اسْتِقْبالِ اللَّيْلِ، كُلَّما امْتَدَّ احْلَوْلَكَ ظَلامُهُ واشْتَدَّ، وطالَما دَعاهم إلى اللَّهِ ورَبّاهم فَلَمْ يَرْجِعْ مِنهم كَثِيرًا أحَدٌ حَتّى لَقَدْ خالَفَهُ زَوْجُهُ وبَعْضُ ولَدِهِ، ولِمِثْلِ ذَلِكَ فَصَلَ بَيْنَ إسْماعِيلَ وأبِيهِ ويُوسُفَ وأبِيهِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - إشارَةً إلى فِراقِ كُلٍّ مِنهُما لِأبِيهِ في الحَياةِ، وأنَّهُ ما حَفِظَ كُلًّا مِنهُما عَلى سُنَنِ الهُدى طُولَ المَدى - إلّا اللَّهُ؛ ثُمَّ ابْتَدَأ المَذْكُورِينَ بَعْدُ بِمَن بَنى عَلى يَدِهِ ويَدِ ابْنِهِ مَسْجِدًا هو بَعْدُ المَسْجِدُ الَّذِي بَناهُ إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَقالَ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ كُلُّهُ لِمَدْحِ الخَلِيلِ، وكانَ المَذْكُورُونَ - إلّا لُوطًا - مِن نَسْلِهِ، وكانَ التَّغْلِيبُ مُسْتَعْمَلًا شائِعًا في لِسانِ العَرَبِ، لا سِيَّما ولُوطٌ ابْنُ أخِيهِ ومِثْلُ ولَدِهِ - حَكَمَ بِأنَّ الضَّمِيرَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ مِن نَسْلِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ هو مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهو أحَدُ مَن ذُكِرَ في سِفْرِ الأنْبِياءِ، وسَيَأْتِي خَبَرُهُ مِنَ السِّفْرِ المَذْكُورِ في سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] - إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - وقَدْ صَرَّحَ أبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الكِسائِيُّ في قَصَصِ الأنْبِياءِ أنَّهُ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، واقْتَضى كَلامُهُ أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، كَما اقْتَضى ذَلِكَ (p-١٧٣)كَلامُ البَغَوِيِّ في سُورَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وأمّا أيُّوبُ فَرُوِيَ مِن نَسْلِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - ﴿داوُدَ﴾ أيْ: هَدَيْناهُ ﴿وسُلَيْمانَ﴾ أيْ: اللَّذَيْنِ بَنَيا بَيْتَ المَقْدِسِ بِأمْرِ اللَّهِ: داوُدُ بِخَطِّهِ وتَأْسِيسِهِ، وسُلَيْمانُ بِإكْمالِهِ وتَشْيِيدِهِ.
وما كانَ مَعَ ذَلِكَ مَلَكَيْنِ، تَلاهُما بِمَن شابَهَهُما في المُلْكِ أوْ الحُكْمِ عَلى المُلُوكِ فَقالَ: ﴿وأيُّوبَ﴾ وقَدَّمَهُ لِمُناسَبَةِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ سُلَيْمانَ في أنَّ كُلًّا مِنهُما ابْتُلِيَ بِأخْذِ كُلِّ ما في يَدِهِ ثُمَّ رَدِّ اللَّهِ إلَيْهِ ﴿ويُوسُفَ﴾ وكُلٌّ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، واغْتَنى فَشَكَرَ، وأيُّوبُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا فَقَدْ كانَتْ ثَرْوَتُهُ غَيْرَ مُقَصِّرَةٍ عَنْ ثَرْوَةِ المُلُوكِ، عَلى أنَّ بَعْضَ الطَّلَبَةِ أخْبَرَنِي عَنْ تَفْسِيرِ الهَكّارِيِّ - فِيما أظُنُّ - أنَّهُ صَرَّحَ بِأنَّهُ مَلِكٌ، وأيْضًا فالِاثْنانِ الأوَّلانِ كانا سَبَبَ إصْلاحِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَسادِ واسْتِنْقاذِهِمْ مِن ذُلٍّ الفِلِسْطِينِ، والِاثْنانِ الباقِيانِ كُلٌّ مِنهُما ابْتُلِيَ بِفِراقِ أهْلِهِ ثُمَّ رُدُّوا عَلَيْهِ: أيُّوبُ بَعْدَ أنْ ماتُوا، ويُوسُفُ قَبْلَ المَوْتِ، (p-١٧٤)وأيْضًا فَداوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شارَكَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنَّهُ كانَ سَبَبَ سَلامَتِهِ مِن مَلِكِ زَمانِهِ الِاخْتِفاءُ في غارٍ، وذَلِكَ أنَّ نُمْرُودَ بْنَ الكَنْعانِ كانَ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وأطْمَعَ فِيها، وقالَ لَهُ مُنَجِّمُوهُ: يُولَدُ في بَلَدِكَ هَذا العامَ غُلامٌ يُغَيِّرُ دِينَ أهْلِ الأرْضِ، ويَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدِهِ، فَأمَرَ بِذَبْحِ كُلِّ غُلامٍ في ناحِيَتِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ، وأمَرَ بِعَزْلِ الرِّجالِ عَنِ النِّساءِ، وحَمَلَتْ أُمُّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ في تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَمّا وجَدَتْ الطَّلْقَ خَرَجَتْ لَيْلًا إلى غارٍ قَرِيبٍ مِنها فَوَلَدَتْ فِيهِ إبْراهِيمَ وأصْلَحَتْ مِن شَأْنِهِ، ثُمَّ سَدَّتْ فَمَ الغارِ ورَجَعَتْ، ثُمَّ كانَتْ تُطالِعُهُ فَتَجِدُهُ يَمْتَصُّ إبْهامَهُ، وكانَ يَشِبُّ في اليَوْمِ كالشَّهْرِ وفي الشَّهْرِ كالسَّنَةِ؛ وأمّا داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ لَمّا قَتَلَ جالُوتَ وزَوَّجَهُ طالُوتُ ابْنَتَهُ، وناصَفَهُ مُلْكَهُ - عَلى ما كانَ شَرَطَ لِمَن قَتَلَ جالُوتَ - مالَ إلَيْهِ النّاسُ وأحَبُّوهُ، فَحَسَدَهُ فَأرادَ قَتْلَهُ، فَطَلَبَهُ فَهَرَبَ مِنهُ، فَدَخَلَ غارًا فَنَسَجَتْ عَلَيْهِ العَنْكَبُوتُ، فَقالَطالُوتُ: لَوْ دَخَلَ هُنا لَخَرَقَ بِناءَ العَنْكَبُوتِ، فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنهُ؛ وتَلاهُ بِسُلَيْمانَ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن أهْلِ المُلْكِ والبَلاءِ شارَكَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في إبْطالِ عِبادَةِ الشَّمْسِ في قِصَّةِ بِلْقِيسَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - وقِصَّةُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في إبْطالِ عِبادَةِ الأوْثانِ شَهِيرَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]
(p-١٧٥)ولَمّا كانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمَّنْ أعْلى اللَّهُ كَلِمَتَهُ عَلى كَلِمَةِ مَلِكِ مِصْرَ وأعَزَّ مُلْكَها وأهْلَها وأحْياهم بِهِ - أتْبَعَهُ مَن أعْلى اللَّهُ كَلِمَتَهُما عَلى كَلِمَةِ مَلِكِ مِصْرَ وأهْلِها وأهْلَكَهم بِهِما، فَكَأنَّ بَعْضَ قَصَصِهِمْ وِفاقٌ، وبَعْضَها تَقابُلٌ وطِباقٌ، فَقالَ: ﴿ومُوسى وهارُونَ﴾ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: هَدَيْناهم جَزاءً لِإحْسانِهِمْ بِاهْتِدائِهِمْ في أنْفُسِهِمْ ودُعائِهِمْ لِغَيْرِهِمْ إلى الهُدى، لَمْ يَشْغَلْ أحَدًا مِنهم مِنحَةُ السَّرّاءِ ولا مِحْنَةُ الضَّرّاءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلِ ما جَزَيْناهم ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيْ: كُلَّهم، فَفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وهي أنَّهم مِن أهْلِ السَّرّاءِ المُطْفِئَةِ والضَّرّاءِ المُسْنِيَةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أحْسَنُوا ولَمْ يَفْتَرُوا ولَمْ يَنُوا.
الأنعام 6:85
ولَمّا كانَ المَذْكُورانِ قَبْلَهُ مِمَّنْ سَلَّطَهُما عَلى المُلُوكِ، أتْبَعَهُما مَن سَلَّطَ المُلُوكَ عَلَيْهِما بِالقَتْلِ فَقالَ: ﴿وزَكَرِيّا ويَحْيى﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُما مَن عانَدَهُما المُلُوكُ ولَمْ يُسَلَّطُوا عَلَيْهِما وأدامَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - حَياتَهُما إلى أنْ يُرِيدَ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿وعِيسى وإلْياسَ﴾ ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ الأرْبَعَةُ مِنَ الصّابِرِينَ، قالَ مادِحًا لَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّ مَن قَبْلَهم: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِنَ المَذْكُورِينَ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾
الأنعام 6:86
ثُمَّ أتْبَعَهم مَن لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما وبَيْنَ المُلُوكِ (p-١٧٦)أمْرٌ، وهَدى بِهِما مَن كانَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِ، فَقالَ: ﴿وإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هَذا إنْ كانَ اليَسَعُ هو ابْنَ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ خَلِيفَةُ إلْياسَ، كَما ذَكَرَ البَغَوِيُّ في سُورَةِ الصّافّاتِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أرْسَلَ إلى إلْياسَ - وهو مِن سَبْطِ لاوِي مِن نَسْلِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَسًا مِن نارٍ فَرَكِبَهُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ وقَطَعَ عَنْهُ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ، وكَساهُ الرِّيشَ، فَكانَ إنْسِيًّا مَلَكِيًّا أرْضِيًّا سَماوِيًّا، وسَلَّطَ اللَّهُ عَلى آجب - يَعْنِي: المَلِكَ الَّذِي سَلَّطَ عَلى إلْياسَ - عَدُوًّا فَقَتَلَهُ ونَبَّأ اللَّهُ اليَسَعَ وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأيَّدَهُ فَآمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا يُعَظِّمُونَهُ وإنْ كانَ اليَسَعُ هو يُوشَعَ بْنَ نُونٍ - كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ - فالمُناسَبَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - أنَّ كُلًّا مِنهُما كانَ صادِقَ الوَعْدِ؛ لِأنَّ يُوشَعَ أحَدُ النَّقِيبَيْنِ اللَّذَيْنِ وفَّيا لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ بَعَثَهم يَجُسُّونَ بِلادَ بَيْتِ المَقْدِسِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢] وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] وأيْضًا فَكُلٌّ مِنهُما كانَ سَبَبَ عِمارَةِ بَلَدِ اللَّهِ الأعْظَمِ بِالتَّوْحِيدِ، فَإسْماعِيلُ سَبَبُ عِمارَةِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، ويُوشِعُ سَبَبُ عِمارَةِ البَلْدَةِ المُقَدَّسَةِ - كَما سَيَأْتِي (p-١٧٧)فِي سُورَةِ يُونُسَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى - .
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ واليَسَعُ مِمَّنْ هَدى اللَّهُ بِهِما قَوْمَهُما مِن غَيْرِ عَذابٍ، أتْبَعَهُما مَن هَدى اللَّهُ قَوْمَهُ بِالعَذابِ وأنْجاهم بَعْدَ إتْيانِ مَخايِلِهِ فَقالَ: ﴿ويُونُسَ﴾ أيْ: هَدَيْناهُ. ولَمّا انْقَضَتْ ذُرِّيَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَتَمَ بِابْنِ أخِيهِ الَّذِي ضَلَّ قَوْمُهُ فَهَلَكُوا بَغْتَةً، فَبَيْنَ قِصَّتَيْ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ طِباقٌ مِن جِهَةِ الهَلاكِ والنَّجاةِ، ووِفاقٌ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما أُرْسِلَ إلى غَيْرِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ ثُمَّ وصَفَهم بِما يَعُمُّ مَن قَبْلَهم، فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ: مِمَّنْ ذَكَرْنا ﴿فَضَّلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِتَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾ فَكُلُّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ بِهُداهُ وجاهَدَ في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ، وبَدَأهم تَعالى بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وخَتَمَهم بِابْنِ أخِيهِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى هَذِهِ المُناسَبَةِ الحَسَنَةِ؛ وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أهْلَكَ قَوْمَ إبْراهِيمَ - نُمْرُودَ وجُنُودَهُ - بَعْدَ هِجْرَتِهِ، فَإنْ صَحَّ ذَلِكَ تَمَّتْ المُناسَبَةُ في هَلاكِ كُلٍّ مِن قَوْمِهِ وقَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ بَعْدَ خُرُوجِ نَبِيِّهِمْ عَنْهم، فَيَكُونُ بَيْنَهُما وِفاقٌ كَما كانَ بَيْنَ قِصَّتِهِ وقِصَّةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طِباقٌ.
ومِن لَطائِفَ تَرْتِيبِهِمْ هَكَذا أيْضًا أنَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُوازِي نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ رابِعٌ في العَدِّ لِهَذا العِقْدِ إذا عَدَدْتَهُ مِن آخِرِهِ، كَما أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - رابِعُهُ إذا عَدَدْتَهُ مِن أوَّلِهِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَهُما أنَّ (p-١٧٨)نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَرَ اللَّهُ مِنهُ الآدَمِيِّينَ حَتّى كانَ مِنهم إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ أبًا لِلْأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - نَشَرَ اللَّهُ مِنهُ العَرَبَ الَّذِينَ هم خُلاصَةُ الخَلْقِ حَتّى كانَ مِنهم مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ خاتَمَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، فَهَذا كانَ بِدايَةً وهَذا كانَ نِهايَةً، وأنَّ المَذْكُورِينَ قَبْلَ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وبَعْدَها - وهُما نُوحٌ ولُوطٌ عَلَيْهِما السَّلامُ - أهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ كُلٍّ مِنهُما عامَّةً، وغَيَّبَ هَؤُلاءِ في جامِدِ الأرْضِ كَما أغْرَقَ أُولَئِكَ في مانِعِ الماءِ، وأشْقى بِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَتَهُ، بَيانًا لِأنَّ الرُّسُلَ كَما يَكُونُونَ لِناسٍ رَحْمَةً يَكُونُونَ عَلى قَوْمٍ نِقْمَةً، وأنَّهُ لا نَجاةَ بِهِمْ ولا انْتِفاعَ إلّا بِحُسْنِ الِاتِّباعِ، وأنَّ ابْنَ عِمْرانَ اشْتَرَكَ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - في أنَّ كُلًّا مِن مَلِكَيْ زَمانِهِمْ أمَرَ بِقَتْلِ الغِلْمانِ خَوْفًا مِمَّنْ يُغَيِّرُ دِينَهُ ويَسْلُبُهُ مُلْكَهُ، وكَما أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْجى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وابْنَ أخِيهِ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مَلِكِ زَمانِهِما المُدَّعِي لِلْإلَهِيَّةِ فَكَذَلِكَ أنْجى مُوسى وأخاهُ هارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن مَلِكِ زَمانِهِما المُدَّعِي لِلْآلِهَةِ، وأنْجى ذُرِّيَّةَ إبْراهِيمَ بِهِما، فَإذا جَعَلْتَ إبْراهِيمَ وابْنَ أخِيهِ لُوطًا - لِكَوْنِهِ تابِعًا لَهُ - واحِدًا، ومُوسى وأخاهُ هارُونَ واحِدًا لِمِثْلِ ذَلِكَ، ونَظَمْتَ أسْماءَ جَمِيعِ هَذِهِ (p-١٧٩)الأنْبِياءِ في سِلْكِ النَّقِيِّ: لُوطٍ مَعَ إبْراهِيمَ كَمُوسى مَعَ هارُونَ، وكانَ الأرْبَعَةُ واسِطَةَ عُقْدَةٍ، فَبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى حِينَئِذٍ سَبْعَةٌ كَما أنَّ بَيْنَ هارُونَ ولُوطٍ سَبْعَةٌ، وإذا ضَمَمْتَ إلَيْهِمْ المَقْصُودَ بِالذّاتِ المُخاطَبَ بِهَذِهِ الآياتِ المَأْمُورَ بِقَوْلِهِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] كانَ مَنزِلُهُ في السِّلْكِ بَيْنَ ابْنِ عَمِّهِ لُوطٍ وأبِيهِ إبْراهِيمَ، ويَكُونُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ تِسْعَةٌ، ومِن خَلْفِهِ تِسْعَةٌ، فَمِن إبْراهِيمَ إلى مُوسى تِسْعَةٌ، ومِن لُوطٍ إلى هارُونَ كَذَلِكَ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واسِطَ العِقْدِ ومُكَمِّلَ العِقْدِ، فَإنَّهُ العاشِرُ مِن كُلِّ جانِبٍ، فَبِهِ تَكْمُلُ الهُدى وإيجابُ الرَّدى، وذَلِكَ طِبْقَ قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
«( مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بَيْتًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَعْجَبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، فَأنا اللَّبِنَةُ وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ)» ولِلْبُخارِيِّ نَحْوُهُ عَنْ جابِرٍ، هَذا مَعَ اقْتِرانِهِ بِأقْرَبِ أُولِي العَزْمِ رُتْبَةً ونَسَبًا صاحِبِ القِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ جَعَلْتَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَشَيْءٍ واحِدٍ كانا واسِطَةً مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَإنْ عَدَدْتَ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما ثَمانِيَةٌ، وإنْ عَدَدْتَ (p-١٨٠)مِن جِهَةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ كَذَلِكَ.
الأنعام 6:87
ولَمّا نَصَّ - سُبْحانَهُ - عَلى هَؤُلاءِ، وخَتَمَ بِتَفْضِيلِ كُلٍّ عَلى العالَمِينَ - أتْبَعَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ أنَّ غَيْرَهم كانَ مَهْدِيًّا، وأنَّ فَضْلَ هَؤُلاءِ عِلَّةُ النَّصِّ لَهم عَلى أسْمائِهِمْ، فَقالَ تَرْغِيبًا في سُلُوكِ هَذا السَّبِيلِ بِكَثْرَةِ سالِكِيهِ وحَثًّا عَلى مُنافَسَتِهِمْ في حُسْنِ الِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ والسُّلُوكِ فِيهِ: ﴿ومِن﴾ أيْ: وهَدَيْنا أوْ: وفَضَّلْنا مِن ﴿آبائِهِمْ﴾ أيْ: أُصُولِهِمْ ﴿وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: مِن فُرُوعِهِمْ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ﴿وإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: فُرُوعِ أُصُولِهِمْ، وعَطَفَ عَلى العامِلِ المُقَدَّرِ قَوْلَهُ: ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ أيْ: واخْتَرْناهم، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ ما هُدُوا إلَيْهِ حَثًّا لَنا عَلى شُكْرِهِ عَلى ما زادَنا مِن فَضْلِهِ فَقالَ: ﴿وهَدَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما تَقَدَّمَ مِنَ الهِدايَةِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وأمّا الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ فَخَصَصْناكم بِهِ وأقَمْناكم عَلَيْهِ، فاعْرِفُوا نِعْمَتَنا عَلَيْكم واذْكُرُوا تَفْضِيلَنا لَكم.
الأنعام 6:88
ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ تَنْكِيرَهُ نَقْصًا فِيهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا بَيانًا لِكَمالِهِ وتَعْظِيمًا لِفَضْلِهِ وإفْضالِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الهُدى العَظِيمُ الرُّتْبَةِ ﴿هُدى اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَهْدِي﴾ أيْ: يَخْلُقُ الهِدايَةَ ﴿بِهِ﴾ أيْ: بِواسِطَةِ الإقامَةِ عَلَيْهِ ﴿مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ: سَواءٌ كانَ لَهُ أبٌ (p-١٨١)يُعَلِّمُهُ أوْ كانَ لَهُ مَن يَحْمِلُهُ عَلى الضَّلالِ أوَّلًا؛ ولَمّا بَيَّنَ فَضْلَ الهُدى ونَصَّ عَلى رُؤُوسِ أهْلِهِ، تَهَدَّدَ مَن تَرَكَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَقالَ مُظْهِرًا لِعِزِّ الإلَهِيَّةِ بِالغِنى المُطْلَقِ مُنَزِّهًا نَفْسَهُ عَمّا لُوحِظَ فِيهِ غَيْرُهُ ولَوْ بِأدْنى لَحْظٍ: ﴿ولَوْ أشْرَكُوا﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنا مِن مَدْحِهِمْ ما سَمِعْتَ وبَيَّنّا مِن اخْتِصاصِنا لَهم ما عَلِمْتَ - شَيْئًا مِن شِرْكٍ وقَدْ أعاذَهم اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وأقامَ بِهِمْ مُعْوَجَّ المَسالِكِ، وأنارَ بِهِمْ ظَلامَ الأرْضِ بِطُولِها والعَرْضِ ﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَسَدَ وسَقَطَ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: وإنْ كانَ في غايَةِ الإتْقانِ بِقَوانِينِ العِلْمِ،