Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الأنعام 6:89 – الأنعام 6:165

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. الأنعام 6:89
  2. الأنعام 6:90
  3. الأنعام 6:91
  4. الأنعام 6:92
  5. الأنعام 6:93
  6. الأنعام 6:94
  7. الأنعام 6:95
  8. الأنعام 6:96
  9. الأنعام 6:97
  10. الأنعام 6:98
  11. الأنعام 6:99
  12. الأنعام 6:100
  13. الأنعام 6:101
  14. الأنعام 6:102
  15. الأنعام 6:103
  16. الأنعام 6:104
  17. الأنعام 6:105
  18. الأنعام 6:106
  19. الأنعام 6:107
  20. الأنعام 6:108
  21. الأنعام 6:109
  22. الأنعام 6:110
  23. الأنعام 6:111
  24. الأنعام 6:112
  25. الأنعام 6:113
  26. الأنعام 6:114
  27. الأنعام 6:115
  28. الأنعام 6:116
  29. الأنعام 6:117
  30. الأنعام 6:118
  31. الأنعام 6:119
  32. الأنعام 6:120
  33. الأنعام 6:121
  34. الأنعام 6:122
  35. الأنعام 6:123
  36. الأنعام 6:124
  37. الأنعام 6:125
  38. الأنعام 6:126
  39. الأنعام 6:127
  40. الأنعام 6:128
  41. الأنعام 6:129
  42. الأنعام 6:130
  43. الأنعام 6:131
  44. الأنعام 6:132
  45. الأنعام 6:133
  46. الأنعام 6:134
  47. الأنعام 6:135
  48. الأنعام 6:136
  49. الأنعام 6:137
  50. الأنعام 6:138
  51. الأنعام 6:139
  52. الأنعام 6:140
  53. الأنعام 6:141
  54. الأنعام 6:142
  55. الأنعام 6:143
  56. الأنعام 6:144
  57. الأنعام 6:145
  58. الأنعام 6:146
  59. الأنعام 6:147
  60. الأنعام 6:148
  61. الأنعام 6:149
  62. الأنعام 6:150
  63. الأنعام 6:151
  64. الأنعام 6:152
  65. الأنعام 6:153
  66. الأنعام 6:154
  67. الأنعام 6:155
  68. الأنعام 6:156
  69. الأنعام 6:157
  70. الأنعام 6:158
  71. الأنعام 6:159
  72. الأنعام 6:160
  73. الأنعام 6:161
  74. الأنعام 6:162
  75. الأنعام 6:163
  76. الأنعام 6:164
  77. الأنعام 6:165

الأنعام 6:89

وزادَ في التَّرْهِيبِ مِنَ التَّوانِي في السَّيْرِ والزَّيْغِ عَنْ سُوءِ القَصْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ الَّذِينَ قَدَّمْنا ذِكْرَهم وأخْبَرْنا أنَّهم لَوْ أشْرَكُوا سَقَطَتْ أعْمالُهم ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، فَمَن مَلَكَ ما فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ حَكَمَ عَلى البَواطِنِ، وذَلِكَ لِأنَّ النّاسَ يُحِبُّونَهُ فَيَنْقادُونَ لَهُ بِبَواطِنِهِمْ ﴿والحُكْمَ﴾ أيْ: العَمَلَ المُتْقَنَ بِالعِلْمِ، ومِنهُ نُفُوذُ الكَلِمَةِ عَلى الظَّواهِرِ بِالسَّلْطَنَةِ وإنْ كَرِهَتْ البَواطِنُ ﴿والنُّبُوَّةَ﴾ أيْ: العِلْمَ المُزَيَّنَ بِالحُكْمِ وهي وضْعُ كُلِّ شَيْءٍ في أحَقِّ مَواضِعِهِ، فَهي جامِعَةٌ لِلْمَرْتَبَتَيْنِ الماضِيَتَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ كانَ الأنْبِياءُ يَحْكُمُونَ عَلى البَواطِنِ بِما عِنْدَهم (p-١٨٢)مِنَ العِلْمِ، وعَلى الظَّواهِرِ بِما يَظْهَرُ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ تَعْظِيمِها بِذَلِكَ تَعْظِيمَها بِأنَّها لا تَبُورُ، فَقالَ تَسْلِيَةً عَنِ المُصِيبَةِ بِطَعْنِ الطّاعِنِينَ فِيها وإعْراضِ الجاهِلِينَ عَنْها، وتَرْجِيَةً عِنْدَما يُوجِبُ اليَأْسُ مِن نُفْرَةِ أكْثَرِ المَدْعُوِّينَ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ العَظِيمَةُ ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ الَّذِينَ أنْتَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقَدْ حَبَوْناهم بِها عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ وأعْلاهُ وأجْمَلِهِ، وأنْتَ تَدْعُوهم إلى أنْ يَكُونُوا سُعَداءَ بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى وهم عَنْهُ مُعْرِضُونَ، ولَعَلَّ الإشارَةَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِتَحْقِيرِهِمْ ﴿فَقَدْ وكَّلْنا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ ﴿بِها قَوْمًا﴾ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ عَلى القِيامِ بِالأُمُورِ بِالإيمانِ بِها والحِفْظِ لِحُقُوقِها ﴿لَيْسُوا﴾ وقَدَّمَ الجارَّ اهْتِمامًا فَقالَ: ﴿بِها بِكافِرِينَ﴾ أيْ: بِساتِرِينَ الشَّيْءَ مِمّا ظَهَرَ مِن شُمُوسِ أدِلَّتِها، وهم الأنْبِياءُ ومَن تَبِعَهم، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ - ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ! فَقَدْ جاءَ في هَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ العُلَماءِ الأخْيارِ والرّاسِخِينَ الأحْبارِ مَن لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ.

الأنعام 6:90

ولَمّا كانَ المُرادُ بِسَوْقِهِمْ هَكَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ كُلًّا مِنهم بادَرَ بَعْدَ الهِدايَةِ إلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والغَيْرَةِ عَلى جَلالِهِ مِنَ الإشْراكِ، لَمْ يُشْغِلْ (p-١٨٣)أحَدًا مِنهم عَنْ ذَلِكَ سَرّاءٌ ولا ضَرّاءٌ بِمُلْكٍ ولا غَيْرِهِ مِن مَلِكٍ أوْ غَيْرِهِ بَلْ لازَمُوا الهُدى والدُّعاءَ إلَيْهِ عَلى كُلِّ حالٍ - قالَ مُسْتَأْنِفًا لِتَكْرارِ أمْداحِهِمْ بِما يَحْمِلُ عَلى التَّحَلِّي بِأوْصافِهِمْ، مُؤَكِّدًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: العالُو المَراتِبِ ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ أيْ: المُلْكُ الحائِزُ لِرُتَبِ الكَمالِ، الهُدى الكامِلُ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ مَدْحِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَبِهُداهُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً في واجِباتِ الإرْسالِ وغَيْرِها ﴿اقْتَدِهِ﴾ وأشارَ بِهاءِ السَّكْتِ الَّتِي هي أمارَةُ الوُقُوفِ - وهي ثابِتَةٌ في جَمِيعِ المَصاحِفِ - إلى أنَّ الِاقْتِداءَ بِهِمْ كانَ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الهُدى بِمُعْظَمِ أسْبابِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِمَن تَدْعُوهم كَما كانُوا يَقُولُونَ مِمّا يَنْفِي التُّهْمَةَ ويُمَحِّصُ النَّصِيحَةَ فَيُوجِبُ الِاتِّباعَ إلّا مَن شَقِيَ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المَدْعُوُّونَ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الدُّعاءِ ﴿أجْرًا﴾ فَإنَّ الدَّواعِيَ تَتَوَفَّرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عَلى الإقْبالِ إلى الدّاعِي والِاسْتِجابَةِ لِلْمُرْشِدِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿هُوَ﴾ أيْ: هَذا الدُّعاءُ الَّذِي أدْعُوكم بِهِ ﴿إلا ذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ بَلِيغٌ مِن كُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في المَعاشِ والمَعادِ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ: الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ دائِمًا، لا يَنْقَضِي دُعاؤُهُ ولا يَنْقَطِعُ نِداؤُهُ، وفي التَّعْبِيرِ بِالِاقْتِداءِ إيماءٌ إلى تَبْكِيتِ كُفّارِ العَرَبِ حَيْثُ اقْتَدَوْا بِمَن لا يَصْلُحُ لِلْقُدْوَةِ مِن آبائِهِمْ، وتَرَكُوا مَن يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِ.

الأنعام 6:91

ولَمّا حَصَرَ الدُّعاءَ في الذِّكْرى، وكانَ ذَلِكَ نَفْعًا لَهم ورِفْقًا بِهِمْ، لا تَزِيدُ طاعَتُهم في مُلْكِ اللَّهِ شَيْئًا ولا يُنْقِصُ (p-١٨٤)إعْراضُهم مِن عَظَمَتِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ؛ بَنى حالًا مِنهم، فَقالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرِّسالَةِ بِالإنْكارِ عَلى مَن جَحَدَها وإلْزامًا لَهم بِما هم مُعْتَرِفُونَ بِهِ، أمّا أهْلُ الكِتابِ فَعِلْمًا قَطْعِيًّا، وأمّا العَرَبُ فَتَقْلِيدًا لَهم؛ ولِأنَّهم سَلَّمُوا لَهم العِلْمَ وجَعَلُوهم مَحَطَّ سُؤالِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿وما﴾ أيْ: فَقُلْنا ذَلِكَ لَهم خاصَّةً والحالُ أنَّهم ما ﴿قَدَرُوا﴾ أيْ: عَظَّمُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: تَعْظِيمِهِ في جَحْدِهِمْ لِذِكْراهم وصَدِّهِمْ عَنْ بُشْراهم ومُقابَلَتِهِمْ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ لَهُ؛ قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ قَدَرَ الشَّيْءَ - إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ وأرادَ أنْ يَعْلَمَ مِقْدارَهُ - يَقْدُرُهُ - بِالضَّمِّ - قَدْرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «( فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فاقْدُرُوا لَهُ )»، أيْ: فاطْلُبُوا أنْ تَعْرِفُوهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن عَرَفَ شَيْئًا: هو يَقْدُرُ قَدْرَهُ، وإذا لَمْ يَعْرِفْهُ بِصِفاتِهِ: إنَّهُ لا يَقْدُرُ قَدْرَهُ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قالُوا﴾ أيْ: اليَهُودُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وقُرَيْشٌ في قَبُولِهِمْ لِقَوْلِهِمْ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَكِّيَّةً، ويَكُونُ قَوْلُهم هَذا حِينَ أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْشٌ تَسْألُهم عَنْهُ ﷺ في أمْرِ رِسالَتِهِ واحْتِجاجِهِ عَلَيْهِمْ بِإرْسالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْزالِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيْ: ناسِينَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ لِأنَّ (p-١٨٥)مَن نَسَبَ مَلِكًا تامَّ المُلْكِ إلى أنَّهُ لَمْ يُثْبِتْ أوامِرَهُ في رَعِيَّتِهِ بِما يُرْضِيهِ لِيَفْعَلُوهُ وما يُسْخِطُهُ لِيَجْتَنِبُوهُ، فَقَدْ نَسَبَهُ إلى نَقْصٍ عَظِيمٍ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ تِلْكَ النِّسْبَةُ كَذِبًا! وهَذا وإنْ كانَ ما قالَهُ إلّا بَعْضُ العالَمِينَ بَلْ بَعْضُ أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ هم بَعْضُ العالَمِينَ، أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، لِأنَّهم لَمْ يَرُدُّوا عَلى قائِلِهِ ولَمْ يُعاجِلُوهُ بِالأخْذِ تَفْظِيعًا لِلشَّأْنِ وتَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وبَيانًا لِأنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ بِآيَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ أنْ يَسْعى إلَيْها ويَتَعَرَّفَ أمْرَها، فَإذا تَحَقَّقَهُ فَمَن طَعَنَ فِيها أخَذَ عَلى يَدِهِ بِما يَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَتُهُ، كَما أنَّهُ كَذَلِكَ كانَ يَفْعَلُ لَوْ كانَ ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ أبِيهِ أوْ أحَدٍ مِمَّنْ يَكُونُ فَخْرُهُ بِهِ مِن أبْناءِ الدُّنْيا، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ عِمادُ الأُمُورِ كُلِّها، مَن فَرَّطَ فِيهِ هَلَكَ وأهْلَكَ؛ رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ بِغَيْرِ سَنَدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - ومُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى - يَعْنِي: هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ اليَهُودَ قائِلُو ذَلِكَ، ومُلْزِمًا بِالِاعْتِرافِ بِالكَذِبِ أوْ المُساواةِ لِلْأُمِّيِّينَ في التَّمَسُّكِ بِالهَوى دُونَ كِتابٍ، مُوَبِّخًا لَهم ناعِيًا عَلَيْهِمْ سُوءَ جَهْلِهِمْ وعَظِيمَ بُهْتِهِمْ وشِدَّةَ وقاحَتِهِمْ وعَدَمَ حَيائِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ السُّفَهاءِ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلى هَذِهِ المَقالَةِ غَيْرَ ناظِرِينَ في عاقِبَتِها وما يَلْزَمُ مِنها تَوْبِيخًا لَهم وتَوْقِيفًا عَلى (p-١٨٦)مَوْضِعِ جَهْلِهِمْ ﴿مَن أنْـزَلَ الكِتابَ﴾ أيْ: الجامِعِ لِلْأحْكامِ والمَواعِظِ وخَيْرَيْ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ أيْ: الَّذِي أنْتُمْ تَزْعُمُونَ التَّمَسُّكَ بِشَرْعِهِ، حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الكِتابِ ﴿نُورًا﴾ أيْ: ذا نُورٍ يُمْكِنُ الأخْذُ بِهِ مِن وضْعِ الشَّيْءِ في حاقِّ مَوْضِعِهِ ﴿وهُدًى لِلنّاسِ﴾ أيْ: ذا هُدًى لَهم كُلِّهِمْ، أمّا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَبِالتَّقَيُّدِ بِهِ، وأمّا عِنْدُ إنْزالِ الإنْجِيلِ فَبِالأخْذِ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ مِن اتِّباعِهِ، وكَذا عِنْدَ إنْزالِ القُرْآنِ، فَقَدْ بانَ أنَّهُ هُدًى في كُلِّ زَمانٍ، تارَةً بِالدُّعاءِ إلى ما فِيهِ وتارَةً بِالدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم أخْفَوْا مِنهُ ما هو نَصٌّ وصَرِيحٌ في الدُّعاءِ إلى غَيْرِهِ اتِّباعًا مِنهم لِلْهَوى ولُزُومًا لِلْعَمى، فَقالَ: ﴿تَجْعَلُونَهُ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ ﴿قَراطِيسَ﴾ أيْ أوْراقًا مُفَرَّقَةً لِتَتَمَكَّنُوا بِها مِن إخْفاءِ ما أرَدْتُمْ ﴿تُبْدُونَها﴾ أيْ: تُظْهِرُونَها لِلنّاسِ ﴿وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ أيْ: مِنها ما تُرِيدُونَ بِهِ تَبْدِيلَ الدِّينِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالغَيْبَةِ هو التِفاتٌ مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مُشِيرٌ إلى أنَّ ما قالُوهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِهِ فَكَيْفَ بِفِعْلِهِ ! ثُمَّ التَفَتْ إلَيْهِمْ لِلزِّيادَةِ في تَبْكِيتِهِمْ إعْلامًا بِأنَّهم مُتَساوُونَ لِبَقِيَّةِ الإنْسانِ في أصْلِ الفِطْرَةِ، بَلْ العَرَبُ أزْكى مِنهم وأصَحُّ أفْهامًا، فَلَوْلا ما أتاهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما فاقُوهم بِفَهْمٍ، ولا زادُوا عَلَيْهِمْ في عِلْمٍ، فَقالَ: ﴿وعُلِّمْتُمْ﴾ أيْ: أيُّها اليَهُودُ بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى مُوسى ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ﴾ أيْ (p-١٨٧)أيُّها اليَهُودُ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿ولا آباؤُكُمْ﴾ أيْ: الأقْدَمُونَ الَّذِينَ كانُوا أعْلَمَ مِنكم. ولَمّا كانُوا قَدْ وصَلُوا في هَذِهِ المَقالَةِ إلى حَدٍّ مِنَ الجَهْلِ عَظِيمٍ، قالَ مُشِيرًا إلى عِنادِهِمْ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: أنْتَ في الجَوابِ عَنْ هَذا السُّؤالِ غَيْرَ مُنْتَظِرٍ لِجَوابِهِمْ فَإنَّهم أجْلَفُ النّاسِ وأعْتاهم ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي أنْزَلَ ذَلِكَ الكِتابَ ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ أنْ تَقُولَ ذَلِكَ لا تَسْمَعْ لَهم شَيْئًا بَلْ ﴿ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ أيْ: قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ المُثَبَّتَيْنِ عَلى الجَهْلِ المَبْنِيَّيْنِ عَلى أنَّهم في ظَلامِ الضَّلالِ كالخائِضِ في الماءِ يَعْمَلُونَ ما لا يَعْلَمُونَ ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ فِعْلَ اللّاعِبِ، وهو ما لا يَجُرُّ لَهم نَفْعًا ولا يَدْفَعُ عَنْهم ضُرًّا مَعَ تَضْيِيعِ الزَّمانِ.

الأنعام 6:92

ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ تَكْمِيلًا لِإثْباتِ الرِّسالَةِ بِدَلِيلِ عِلْمِ اليَهُودِ دُونَ مَن لا كِتابَ لَهم - عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِإثْباتِها وتَقْرِيرًا: ﴿وهَذا﴾ أيْ: القُرْآنِ الَّذِي هو حاضِرٌ الآنَ في جَمِيعِ الأذْهانِ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِخَيْرَيْ الدّارَيْنِ، وكانَ السِّياقُ لِأنْ يُقالَ: أنْزَلَ اللَّهُ، ولَكِنَّهُ أتى بِنُونِ العَظَمَةِ، لِأنَّها أدَلُّ عَلى تَعْظِيمِهِ، فَقالَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: ولَيْسَ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ ﷺ (p-١٨٨)مِن نَفْسِهِ، وإنَّما هو بِإنْزالِنا إيّاهُ إلَيْهِ وإرْسالِنا لَهُ بِهِ ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ: كَثِيرُ الخَيْرِ ثابِتُ الأمْرِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى إنْكارِهِ لِإعْجازِهِ، لِتَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ خُصُوصًا حَقِيقَتَهُ بِتَصْدِيقِهِ لِكِتابِهِمْ لِأنَّهُ ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: كُلَّهُ مِن كُتُبِهِمْ وغَيْرِها، فَيَكُونُ أجْدَرَ لِإيمانِهِمْ بِهِ، وتَعْلَمَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ عُمُومًا ذَلِكَ بِذَلِكَ وبِإعْجازِهِ ﴿ولِتُنْذِرَ﴾ أيْ: بِهِ ﴿أُمَّ القُرى﴾ أيْ: مَكَّةَ؛ لِأنَّها أعْظَمُ المُدُنِ بِما لَها مِنَ الفَضائِلِ ﴿ومَن حَوْلَها﴾ مِمَّنْ لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ فَهو لا يُؤْمِنُ بِهِ مِن أهْلِ الأرْضِ كُلِّها مِن جَمِيعِ البُلْدانِ والقُرى؛ لِأنَّها أُمُّ الكُلِّ، وهم في ضَلالَتِهِمْ مُفَرِّطُونَ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: فِيهِمْ قابِلِيَّةُ الإيمانِ بِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، مِن أهْلِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها بِكُلِّ خَيْرٍ يَنْشُرُونَ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِالكِتابِ بِالفِعْلِ لِأنَّ الإيمانَ بِها داعٍ إلى كُلِّ خَيْرٍ بِالخَوْفِ والرَّجاءِ، والكُفْرِ بِها حامِلٌ عَلى كُلِّ بِشْرٍ. ولَمّا تَكَرَّرَ وصْفُ المُنافِقِينَ بِالتَّكاسُلِ عَنِ الصَّلاةِ جَعَلَ المُحافَظَةَ عَلَيْها عَلَمًا عَلى الإيمانِ فَقالَ: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: يَحْفَظُونَها غايَةَ الحِفْظِ، فالآيَةُ مِن عَجِيبِ فَنِّ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإنْدارِ والأُمِّ أوَّلًا دالًّا عَلى حَذْفِهِما ثانِيًا، وإثْباتُ الإيمانِ والصَّلاةِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى نَفْيِهِما أوَّلًا.

الأنعام 6:93

(p-١٨٩)ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ: ( ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١] صَرِيحُ الكَذِبِ وتَضَمَّنَ تَكْذِيبَهُ - وحاشاهُ ﷺ ! أمّا مِنَ اليَهُودِ فَبِالفِعْلِ، وأمّا مِن قُرَيْشٍ فَبِالرِّضا، وكانَ بَعْضُ الكَفَرَةِ قَدْ ادَّعى الإيحاءَ إلى نَفْسِهِ إرادَةً لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ - قالَ تَعالى مُهَوِّلًا لِأمْرِ الكَذِبِ، لا سِيَّما عَلَيْهِ، لا سِيَّما في أمْرِ الوَحْيِ، عاطِفًا عَلى مَقُولِ ( ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ﴾ [الأنعام: ٩١] مُبْطِلًا لِلتَّنَبُّؤِ بَعْدَ تَصْحِيحِ أمْرِ الرِّسالَةِ وإثْباتِها إثْباتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ، فَكانَتْ بَراهِينُ إثْباتِها أدِلَّةً عَلى إبْطالِ التَّنَبُّؤِ وكَذِبِ مُدَّعِيهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: بِالفِعْلِ كاليَهُودِ والرِّضى كَقُرَيْشٍ ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أيْ: أيَّ كَذِبٍ كانَ، فَضْلًا عَنْ إنْكارِ الإنْزالِ عَلى البَشَرِ ﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾ فَهَذا تَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ كَعادَةِ القُرْآنِ المَجِيدِ، يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن اتَّصَفَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَمُسَيْلِمَةَ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ وغَيْرِهِما، ثُمَّ رَأيْتُ في كِتابِ: ( غايَةِ المَقْصُودِ في الرَّدِّ عَلى النَّصارى واليَهُودِ ) لِلسَّمَوْألِ بْنِ يَحْيى المَغْرِبِيِّ الَّذِي كانَ مِن أجَلِّ عُلَمائِهِمْ في حُدُودِ سَنَةِ سِتِّينَ وخَمْسِمِائَةٍ، ثُمَّ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ، وكانَتْ لَهُ يَدٌ طُولى في الحِسابِ والهَنْدَسَةِ والطِّبَّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العُلُومِ، فَأظْهَرَ (p-١٩٠)بَعْدَ إسْلامِهِ فَضائِحَهم أنَّ الرَّبّانِيِّينَ مِنهم زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ كانَ يُوحِي إلى جَمِيعِهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ مَرّاتٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ أنْ قَسَّمَهم إلى قَرّائِينَ ورَبّانِيِّينَ: إنَّ الرَّبّانِيِّينَ أكْثَرُهم عَدَدًا، وقالَ: وهم الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ كانَ يُخاطِبُهم في كُلِّ مَسْألَةٍ بِالصَّوابِ، قالَ: وهَذِهِ الطّائِفَةُ أشَدُّ اليَهُودِ عَداوَةً لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ ﴿ومَن قالَ سَأُنْـزِلُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ كالنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ ونَحْوِهِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا في كُلِّ مُنْصِفٍ: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، بَلْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ رَأيْتَهم وقَدْ حاقَ بِهِمْ جَزاءُ هَذا الظُّلْمِ كَرَدِّ وُجُوهِهِمْ مُسْوَدَّةً وهم يُسْحَبُونَ في السَّلاسِلِ عَلى وُجُوهِهِمْ، وجَهَنَّمُ تَكادُ تَتَمَيَّزُ عَلَيْهِمْ غَيْظًا، وهم قَدْ هَدَّهم النَّدَمُ والحَسْرَةُ، وقَطَعَ بِهِمْ الأسَفُ والحَيْرَةُ لَرَأيْتَ أمْرًا يَهُولُ مَنظَرُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ مَذاقُهُ ومَخْبَرُهُ ! فَعَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أقْرَبُ مِنهُ، فَقالَ كالمُفَصِّلِ لِإجْمالِ ذَلِكَ التَّهْدِيدِ مُبْرِزًا بَدَلَ ضَمِيرِهِمْ الوَصْفَ الَّذِي أدّاهم إلى ذَلِكَ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ: يَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ فِيما هو دُونَ ذَلِكَ ﴿إذِ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: لِأجْلِ مُطْلَقِ الظُّلْمِ فَكَيْفَ بِما ذُكِرَ مِنهُ! واللّامُ لِلْجِنْسِ الدّاخِلِ فِيهِ هَؤُلاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا ﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾ أيْ: شَدائِدِهِ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْهم كَما يَغْمُرُ البَحْرُ الخِضَمُّ مَن يَغْرَقُ فِيهِ، فَهو يَرْفَعُهُ ويَخْفِضُهُ ويَبْتَلِعُهُ ويَلْفِظُهُ، لا بُدَّ لَهُ (p-١٩١)مِنهُ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ: الَّذِينَ طَلَبُوا - جَهْلًا مِنهم - إنْزالَ بَعْضِهِمْ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ لَهم، وأخْبَرْناهم أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِفَصْلِ الأُمُورِ وإنْجازِ المَقْدُورِ ﴿باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: إلَيْهِمْ بِالمَكْرُوهِ لِنَزْعِ أرْواحِهِمْ وسَلِّها وافِيَةً مِن أشْباحِهِمْ كَما يُسَلُّ السَّفُّودُ المُشَعَّبُ مِنَ الحَدِيدِ مِنَ الصُّوفِ المُشْتَبِكِ المَبْلُولِ، لا يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ تَمْيِيزُها مِنَ الجَسَدِ، ولا يَخْفى عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنها في شَيْءٍ مِنهُ، قائِلِينَ تَرْوِيعًا لَهم وتَصْوِيرًا لِلْعُنْفِ والشِّدَّةِ في السِّياقِ والإلْحاحِ والتَّشْدِيدِ في الإزْهاقِ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ وإمْهالٍ، وأنَّهم يَفْعَلُونَ بِهِمْ فِعْلَ الغَرِيمِ المُسَلَّطِ المُلازِمِ ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾ فَكَأنَّهم قالُوا: لِماذا يا رُسُلَ رَبِّنا؟ فَقالُوا: ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: هَذِهِ السّاعَةُ، وكَأنَّهم عَبَّرُوا بِهِ لِتَصْوِيرِ طُولِ العَذابِ ﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ أيْ: العَذابَ الجامِعَ بَيْنَ الإيلامِ العَظِيمِ والهَوانِ الشَّدِيدِ والخِزْيِ المَدِيدِ بِالنَّزْعِ وسَكَراتِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ في البَرْزَخِ - إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ﴾ أيْ: تُجَدِّدُونَ القَوْلَ دائِمًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ أيْ: غَيْرَ القَوْلِ المُتَمَكِّنِ غايَةَ التَّمَكُّنِ في دَرَجاتِ الثَّباتِ، ولَوْ قالَ بَدَلَهُ: باطِلًا، لَمْ يُؤَدِّ هَذا المَعْنى، ولَوْ قالَ: الباطِلَ، لَقَصُرَ عَنِ المَعْنى أكْثَرَ، وقَدْ مَضى في المائِدَةِ ما يَنْفَعُ هُنا، وإذا نَظَرْتَ إلى أنَّ السِّياقَ لِأُصُولِ الدِّينِ ازْدادَ المُرادُ وُضُوحًا ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ: وبِما كُنْتُمْ ﴿عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (p-١٩٢)أيْ: تَطْلُبُونَ الكِبْرَ لِلْمُجاوَزَةِ عَنْها، ومَن اسْتَكْبَرَ عَنْ آيَةٍ واحِدَةٍ كانَ مُسْتَكْبِرًا عَنِ الكُلِّ، أيْ: لَوْ رَأيْتَ ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا وحالًا هائِلًا شَنِيعًا، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ.

الأنعام 6:94

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنْ يُحِسَّ المَيِّتُ شَيْئًا بَعْدَ المَوْتِ أوْ يَفْهَمَ كَلامًا، وكانَ التَّقْدِيرُ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: فَتَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِهِمْ، فَيَقُولُ لَهم: قَدْ رَأيْتُمْ مَلائِكَتَنا الَّذِينَ أخْبَرْناكم أوَّلَ السُّورَةِ أنَّهم إذا أُبْصِرُوا كانَ القَضاءَ الفَصْلَ والأمْرَ البَتَّ الحَتْمَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مُهْلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُشِيرًا إلى ما كانَ سَبَبَ اسْتِكْبارِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الضَّلالِ والتَّقْوى بِالأمْوالِ: ﴿ولَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِالمَوْتِ الَّذِي هو دالٌّ عَلى شُمُولِ عِلْمِنا وتَمامِ قُدْرَتِنا قَطْعًا، ودَلَّ عَلى تَمامِ العَظَمَةِ وأنَّ المُرادَ مَجِيئُهم بِالمَوْتِ قَوْلُهُ: ﴿فُرادى﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، لَيْسَ أحَدٌ مِنكم مَعَ أحَدٍ، ومُنْفَرِدِينَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ صَدَّكم عَنْ اتِّباعِ رُسُلِنا ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: بِتِلْكَ العَظَمَةِ الَّتِي أمَتْناكم بِها بِعَيْنِها ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في الِانْفِرادِ والضَّعْفِ والفَقْرِ، فَأيْنَ جَمْعُكم الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَكْبِرُونَ! ﴿وتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ أيْ: مَلَّكْناكم مِنَ المالِ ومَكَّنّاكم مِن إصْلاحِهِ نِعْمَةً عَلَيْكم لِتَتَوَصَّلُوا بِهِ إلى رِضانا، فَظَنَنْتُمْ أنَّهُ لَكم بِالأصالَةِ، وأعْرَضْتُمْ عَنّا وبَدَّلْتُمْ ما دَلَّ (p-١٩٣)عَلَيْهِ مِن عَظَمَتِنا بِضِدٍّ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِهانَةِ بِأوامِرِنا ﴿وراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ فَما أغْنى عَنْكم ما كُنْتُمْ مِنهُ تَسْتَكْبِرُونَ. ولَمّا كانُوا يَعُدُّونَ الأصْنامَ آلِهَةً، ويَرْجُونَ شَفاعَتَها، إمّا اسْتِهْزاءً، وإمّا في الدُّنْيا، وإمّا في الآخِرَةِ - عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِصِحَّةِ البَعْثِ - قالَ تَهَكُّمًا بِهِمْ واسْتِهْزاءً بِشَأْنِهِمْ: ﴿وما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ﴾ أيْ: الَّتِي كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِيها ما تَقُولُونَ ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ: كَذِبًا وجَراءَةً وفُجُورًا ﴿أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾ أيْ: أنَّ لَهم فِيكم نَصِيبًا مَعَ اللَّهِ حَتّى كُنْتُمْ تَعْبُدُونَهم في وقْتِ الرَّخاءِ وتَدْعُونَهُ في وقْتِ الشِّدَّةِ، أرُوناهم لَعَلَّهم سَتَرَهم عَنّا ساتِرٌ أوْ حَجَبَنا عَنْهم حاجِبٌ؛ ثُمَّ دَلَّ عَلى بُهْتِهِمْ في جَوابِ هَذا الكَلامِ الهائِلِ المُرْعِبِ حَيْرَةً وعَجْزًا ودَهَشًا وذُلًّا بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ﴾ أيْ: تَقَطُّعًا كَثِيرًا. ولَمّا كانَ ذِكْرُ البَيْنِ في شَيْءٍ يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ في الجُمْلَةِ وحُضُورِهِ ولَوْ في الذِّهْنِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: بَيْنِي وبَيْنَ كَذا كَذا، وكانَ فُلانٌ بَيْنَنا، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ - قالَ مُنَبِّهًا عَلى زَوالِ ذَلِكَ حَتّى بِالمُرُورِ بِالبالِ والخُطُورِ في الذِّهْنِ لِشِدَّةِ الِاشْتِغالِ ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فَأسْنَدَ القَطْعَ المُبالَغَ فِيهِ إلى البَيْنِ، وإذا انْقَطَعَ البَيْنُ تَقَطَّعَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي كانَتْ تُسَبِّبُ الِاتِّصالَ، فَلَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ مِنهم اتِّصالٌ (p-١٩٤)بِالآخَرِ؛ لِأنَّ ما بَيْنَهُما صارَ كالخَنْدَقِ بِانْقِطاعِ نَفْسِ البَيْنِ، فَلا يَتَأتّى مَعَهُ الوُصُولُ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ، وهَذا المِثالُ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ ولَمّا رَجَعَ المَعْنى إلى تَقَطُّعِ الوَصْلَ، بَيْنَ سَبَبِ ذَلِكَ، وهو زَوالُ المُسْتَنَدُ الَّذِي كانُوا يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿وضَلَّ عَنْكُمْ﴾ أيْ: ذَهَبَ وبَطَلَ ﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأباطِيلِ كُلِّها.

الأنعام 6:95

ولَمّا ثَبَتَتْ الوَحْدانِيَّةُ والنُّبُوَّةُ والرِّسالَةُ وتَقارِيعُ مِن تَقارِيعِها، وانْتَهى الكَلامُ هُنا إلى ما تَجَلّى بِهِ مَقامُ العَظَمَةِ، وانْكَشَفَ لَهُ قِناعُ الحِكْمَةِ وتَمَثَّلَ نُفُوذُ الكَلِمَةِ، فَتَهَيَّأ السّامِعُ لِتَأمُّلِهِ، وتَفَرَّغَ فَهْمُهُ لِتَدَبُّرِهِ - قالَ دالًّا عَلَيْهِ مُشِيرًا إلَيْهِ، مُعْلِمًا أنَّ ما مَضى أنْتَجَهُ وأظْهَرَهُ لا بُدَّ وأبْرَزَهُ، مُذَكِّرًا بِآياتِهِ ﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ٩٢] وبِمُحاجَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصَرِّفًا ما مَضى أوَّلَ السُّورَةِ مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ عَلى أوْجُهٍ أُخْرى، إعْلامًا بِأنَّ دَلائِلَ الجَلالِ تَفُوقُ عَدَدَ الرِّمالِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ القَصْدَ بِالذّاتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِذاتِهِ وصِفاتِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿فالِقُ الحَبِّ﴾ أيْ: فاطِرُهُ وشاقُّهُ عَنِ الزُّرُوعِ والنَّباتِ، وعَبَرَ بِذَلِكَ لِأنَّ الشَّيْءَ قَبْلَ وُجُودِهِ كانَ مَعْدُومًا، والعَقْلُ يَتَوَهَّمُ ويَتَخَيَّلُ مِنَ العَدَمِ ظُلْمَةً مُتَّصِلَةً، (p-١٩٥)فَإذا خَرَجَ مِنَ العَدَمِ المَحْضِ والفَناءِ الصِّرْفِ فَكَأنَّهُ بِحَسَبِ التَّخَيُّلِ والتَّوَهُّمِ شَقَّ ذَلِكَ العَدَمَ ﴿والنَّوى﴾ أيْ: وهو ما يَكُونُ داخِلَ الثِّمارِ المَأْكُولَةِ كالتَّمْرِ، ولا يَكُونُ مَقْصُودًا لِذاتِهِ بِفَلْقِها عَنِ الأشْجارِ، وفي ذَلِكَ حِكَمٌ وأسْرارٌ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، وتَدُلُّ عَلى كَمالِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ ما حاصِلُهُ: إنْ النَّواةَ والحَبَّةَ تَكُونُ في الأرْضِ الرَّطْبَةِ مُدَّةً، فَيُظْهِرُ اللَّهُ فِيها شَقًّا في أعْلاها وآخَرَ في أسْفَلِها، وتَخْرُجُ الشَّجَرَةُ مِنَ الأعْلى فَتَعْلُو وتَهْبِطُ مِنَ الأسْفَلِ شَجَرَةٌ أُخْرى في أعْماقِ الأرْضِ، هي العُرُوقُ، وتِلْكَ الحَبَّةُ أوْ النَّواةُ سَبَبٌ واصِلٌ بَيْنَ الشَّجَرَتَيْنِ: الصّاعِدَةُ والهابِطَةُ، فَيَشْهَدُ الحِسُّ والعَقْلُ بِأنَّ طَبْعَ الصّاعِدَةِ والهابِطَةِ مُتَعاكِسٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ قَطْعًا بِمُقْتَضى الطَّبْعِ والخاصِّيَّةِ، بَلْ بِالإيجادِ والِاخْتِراعِ والتَّكْوِينِ والإبْداعِ، ولا شَكَّ أنَّ العُرُوقَ الهابِطَةَ في غايَةِ اللَّطافَةِ والرِّقَّةِ بِحَيْثُ لَوْ دُلِكَتْ بِاليَدِ بِأدْنى قُوَّةٍ صارَتْ كالماءِ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَقْوى عَلى النُّفُوذِ في الأرْضِ الصُّلْبَةِ الَّتِي لا يَنْفُذُ فِيها المِسَلَّةُ والسِّكِّينُ الحادَّةُ إلّا بِإكْراهٍ عَظِيمٍ، فَحُصُولُ هَذا النُّفُوذِ لِهَذِهِ الأجْرامِ اللَّطِيفَةِ لا يَكُونُ قَطْعًا إلّا لِقُوَّةِ الفاعِلِ المُخْتارِ، لا سِيَّما إذا تَأمَّلْتَ ظُهُورَ شَجَرَةٍ مِن نَواةٍ صَغِيرَةٍ، ثُمَّ تَجْمَعُ الشَّجَرَةُ طَبائِعَ مُخْتَلِفَةً في قِشْرِها ثُمَّ فِيما تَحْتَهُ مِن جِرْمِ الخَشَبَةِ، وفي وسَطِ تَدْوِيرِ الخَشَبَةِ جِرْمٌ ضَعِيفٌ كالعِهْنِ المَنفُوشِ، ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن ساقِها أغْصانُها، ومِنَ الأغْصانِ أوْراقُها (p-١٩٦)أوَّلًا ثُمَّ أنْوارُها وأزْهارُها ثانِيًا، ثُمَّ الفاكِهَةُ ثالِثًا، ثُمَّ قَدْ يَحْصُلُ لِلْفاكِهَةِ أرْبَعَةُ أنْواعٍ مِنَ القُشُورِ، مِثْلَ الجَوْزِ واللَّوْزِ قِشْرُهُ الأعْلى ذَلِكَ الجِرْمُ الأخْضَرُ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالخَشَبِ، وتَحْتَهُ القِشْرُ الَّذِي كالغِطاءِ الرَّقِيقِ المُحِيطِ بِاللُّبَّةِ، وتَحْتَهُ اللُّبُّ المُشْتَمِلُ عَلى جِرْمٍ كَثِيفٍ هو أيْضًا كالقِشْرَةِ، وعَلى جِرْمٍ لَطِيفٍ هو الزَّهْرُ، وهو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، فَتَوَلُّدُ هَذِهِ الأجْسامِ المُخْتَلِفَةِ طَبْعًا وصِفَةً ولَوْنًا وشَكْلًا وطَعْمًا مَعَ تَساوِي تَأْثِيراتِ الطَّبائِعِ والنُّجُومِ والعَناصِرِ والفُصُولِ الأرْبَعَةِ - دالٌّ عَلى القادِرِ المُخْتارِ بِتَلَوُّهٍ في الفَرْحَةِ، وقَدْ تَجْتَمِعُ الطَّبائِعُ الأرْبَعَةُ في الفاكِهَةِ الواحِدَةِ كالأُتْرُجِّ، قِشْرُهُ حارٌّ يابِسٌ ونُورُهُ حارٌّ يابِسٌ، وكَذَلِكَ العِنَبُ قِشْرُهُ وعَجَمُهُ يابِسٌ حارٌّ رَطْبٌ مَعَ أنَّكَ تَجِدُ أحْوالَها مُخْتَلِفَةً، بَعْضُها لُبُّهُ في داخِلِهِ وقِشْرُهُ في خارِجِهِ كالجَوْزِ واللَّوْزِ، وبَعْضُها يَكُونُ المَطْلُوبُ مِنهُ في الخارِجِ وخَشَبُهُ في الدّاخِلِ كالخَوْخِ والمِشْمِشِ، وبَعْضُهُ لا لُبَّ لِنَواهُ كالتَّمْرِ، وبَعْضُهُ يَكُونُ كُلُّهُ مَطْلُوبًا كالتِّينِ، واخْتِلافُ هَذِهِ الطَّبائِعِ والأحْوالِ المُتَضادَّةِ والخَواصِّ المُتَنافِرَةِ حَتّى في الحَبَّةِ الواحِدَةِ لا يَكُونُ عَنْ طَبِيعَةٍ، بَلْ عَنِ الواحِدِ المُخْتارِ، والحُبُوبُ مُخْتَلِفَةُ الألْوانِ والأشْكالِ والصُّوَرِ، فَشَكْلُ الحِنْطَةِ كَأنَّهُ نِصْفُ مَخْرُوطٍ، وشَكْلُ الشَّعِيرِ كَأنَّهُ مَخْرُوطانِ اتَّصَلا بِقاعِدَتَيْهِما وشَكْلُ الحِمَّصِ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وأوْدَعَ - سُبْحانَهُ - في كُلِّ نَوْعٍ مِنها خاصِّيَّةً ومَنفَعَةً غَيْرَ ما في الآخَرِ، وقَدْ تَكُونُ الثَّمَرَةُ غِذاءً لِحَيَوانٍ (p-١٩٧)وسُمًّا لِحَيَوانٍ آخَرَ، فَهَذا الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الطَّبائِعِ وتَأْثِيراتِ الكَواكِبِ دالٌّ عَلى أنَّها إنَّما حَصَلَتْ بِالفاعِلِ المُخْتارِ، ثُمَّ إنَّكَ تَجِدُ في ورَقَةِ الشَّجَرَةِ خَطًّا في وسَطِها مُسْتَقِيمًا نِسْبَتُهُ لِتِلْكَ الوَرَقَةِ نِسْبَةَ النُّخاعِ إلى بَدَنِ الإنْسانِ، يَنْفَصِلُ عَنْهُ خُيُوطٌ مُخْتَلِفَةٌ، وعَنْ كُلٍّ واحِدٍ مِنها خُيُوطٌ أُخْرى أدَقُّ مِنَ الأُولى، ولا يَزالُ عَلى هَذا النَّهْجِ حَتّى تَخْرُجَ الخُيُوطُ عَنِ الحِسِّ والبَصَرِ، كَما أنَّ النُّخاعَ يَتَفَصَّلُ مِنهُ أعْصابٌ كَثِيرَةٌ يَمْنَةً ويَسْرَةً في البَدَنِ، ثُمَّ لا يَزالُ يَتَفَصَّلُ عَنْ كُلِّ شُعْبَةٍ أُخْرى، ولا يَزالُ يَسْتَدِقُّ حَتّى تَلَطَّفَ عَنِ الحِسِّ، فَعَلَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ في الوَرَقَةِ لِتَقْوى القُوى المَذْكُورَةَ في جِرْمِ تِلْكَ الوَرَقَةِ عَلى جَذْبِ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ الأرْضِيَّةِ في تِلْكَ المَجارِي الضَّيِّقَةِ، فَهَذا يُعَلِّمُكَ أنَّ عِنايَتَهُ - سُبْحانَهُ - في اتِّخاذِ جُمْلَةِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ أكْمَلُ، فَعِنايَتُهُ في تَكْوِينِ جُمْلَةِ النَّباتِ أكْمَلُ، وهو إنَّما خَلَقَ جُمْلَةَ النَّباتِ لِمَصْلَحَةِ الحَيَوانِ فَعِنايَتُهُ في تَخْلِيقِ الحَيَوانِ أكْمَلُ، والمَقْصُودُ مِن تَخْلِيقِ جُمْلَةِ الحَيَوانِ هو الإنْسانُ فَعِنايَتُهُ في تَخْلِيقِهِ أكْمَلُ، وهو – سُبْحانُهُ - إنَّما خَلَقَ الحَيَوانَ والنَّباتَ في هَذا العالَمِ لِيَكُونَ غِذاءً ودَواءً لِلْإنْسانِ بِحَسَبِ جَسَدِهِ، والمَقْصُودُ مِن جَسَدِهِ حِفْظُ تَرْكِيبِهِ لِأجْلِ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ والعُبُودِيَّةِ، فَسَبِيلُكَ أنْ تَنْظُرَ في ورَقَةِ الشَّجَرَةِ وتَتَأمَّلَ في تِلْكَ الأوْتارِ ثُمَّ تَتَرَقّى مِنها إلى أوْجِ تَخْلِيقِ الشَّجَرَةِ ثُمَّ إلى ما فَوْقَها رُتْبَةً رُتْبَةً لِتَعْلَمَ أنَّ المَقْصُودَ الأخِيرَ مِنها حُصُولُ المَعْرِفَةِ والمَحَبَّةِ في الأرْواحِ البَشَرِيَّةِ، وحِينَئِذٍ يَنْفَتِحُ لَكَ بابٌ مِنَ المُكاشَفاتِ لا آخِرَ لَهُ، ويَظْهَرُ لَكَ أنَّ نِعَمَ اللَّهِ في خَلْقِكَ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ [إبراهيم: ٣٤] واللَّهُ الهادِي. (p-١٩٨)ولَمّا كانَ فَلْقُهُما عَنِ النَّباتِ مِن جِنْسِ الإحْياءِ؛ لِما فِيهِ مِنَ النُّمُوِّ فَسَّرَ مَعْنى الفَلْقِ وبَيَّنَهُ إشارَةً إلى الِاعْتِناءِ بِهِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يُخْرِجُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ تَثْبِيتًا لِأمْرِ البَعْثِ ﴿الحَيَّ﴾ أيْ: كالنَّجْمِ والشَّجَرِ والطَّيْرِ والدَّوابِّ ﴿مِنَ المَيِّتِ﴾ مِنَ الحَبِّ والنَّوى والبَيْضِ والنُّطَفِ فَكَيْفَ تُنْكِرُونَ قُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ؛ ولَمّا انْكَشَفَ مَعْناهُ وبانَ مَغْزاهُ بِإخْراجِ الأشْياءِ مِن أضْدادِها لِئَلّا يُتَوَهَّمَ - لَوْ كانَ لا يَخْرُجُ عَنْ شَيْءٍ إلّا مِثْلُهُ - أنَّ الفاعِلَ الطَّبِيعَةُ والخاصِّيَّةُ - عَطَفَ عَلى ”فالِق“ زِيادَةً في البَيانِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا باسِمِ الفاعِلِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ لِأنَّهُ لا مُنازَعَةَ لَهم فِيهِ، فَلَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ: ﴿ومُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ أيْ: مِنَ الحَبِّ وما مَعَهُ ﴿مِنَ الحَيِّ﴾ أيْ: مِنَ النَّجْمِ وما مَعَهُ. ولَمّا تَقَرَّرَتْ لَهُ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأوْصافُ الَّتِي لا قُدْرَةَ أصْلًا لِأحَدٍ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى غَلَطِهِمْ في إشْراكِهِمْ، إعْلامًا بِأنَّ كُلَّ شَرِيكٍ يَنْبَغِي أنْ يُساوِيَ شَرِيكَهُ في شَيْءٍ ما مِنَ الأمْرِ المُشْرَكِ فِيهِ، ولا مُكافِئَ لَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَلا شَرِيكَ لَهُ بِوَجْهٍ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيْ: العالِي المَراتِبِ المَنِيعِ المَراقِي هو ﴿اللَّهَ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ فَلا يَحِقُّ الإلَهِيَّةُ إلّا لَهُ؛ ولَمّا كانَ هَذا (p-١٩٩)مَعْنى الكَلامِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾ أيْ: تُصْرَفُونَ وتُقْلَبُونَ عَمّا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ.

الأنعام 6:96

ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ مِن فَلْقِ الجَواهِرِ بِما اقْتَضى حَتْمًا اتِّصافَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وقَدَّمَهُ لِكَوْنِهِ مِن أظْهَرِ أدِلَّةِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هَذا أُسْلُوبُهُ، مَعَ الإلْفِ لَهُ بِقُرْبِهِ ومُعالَجَتِهِ، أتْبَعَهُ ما هو مِثْلُهُ في الدِّلالَةِ عَلى الإحْياءِ لَكِنَّهُ في المَعانِي وهو سَماوِيٌّ، شارِحًا لِما أشارَ إلَيْهِ الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في مُحاجَّةِ قَوْمِهِ مِن إبْطالِ إلَهِيَّةِ كُلٍّ مِنَ النُّورِ والظُّلْمَةِ والكَواكِبِ الَّتِي هي مَنشَأُ ذَلِكَ، فَقالَ تَرْقِيَةً مِنَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ أيْ: مُوجِدُهُ، وحَقِيقَتُهُ: فالِقُ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ عَنِ الصَّباحِ، لَكِنَّهُ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ وأمِنَ اللَّبْسَ فِيهِ أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الصُّبْحِ، كَما يُقالُ: انْفَجَرَ الصُّبْحُ، وانْفَجَرَ عَنْهُ اللَّيْلُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالفَلْقِ الكَشْفُ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ مِنَ المَفْلُوقِ ما كانَ خَفِيًّا، فَعَبَّرَ عَنِ المُسَبَّبِ الَّذِي هو الإظْهارُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو الفَلْقُ، وعَبَّرَ عَنِ الصَّباحِ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي يُقالُ المَدْخُولُ في الصُّبْحِ لِتَصْلُحَ لِإرادَةِ فَلْقِ السُّكُونِ بِالنُّورِ أوْ غَيْرِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِالحَرَكَةِ المُرَتَّبَةِ عَلى الدُّخُولِ في الصُّبْحِ، فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى وجاعِلُ الإصْباحِ حَرَكَةً وسادِلُ اللَّيْلِ ﴿وجَعَلَ اللَّيْلَ﴾ بِما يَكُونُ مِن إظْلامِهِ ﴿سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ النّاسُ فِيهِ وإلَيْهِ ويَسْتَرِيحُونَ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ مِنَ الأوَّلِ الحَرَكَةَ ودَلَّ (p-٢٠٠)عَلَيْها بِالسَّكَنِ، وحَذَفَ مِنَ الثّانِي السَّدْلَ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالفَلْقِ، وهَذا الفَلْقُ مِن أعْظَمِ الدَّلائِلِ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - وفِيهِ دِلالَتانِ؛ لِأنَّ الإصْباحَ يَشْمَلُ الفَجْرَ الكاذِبَ والصّادِقَ، والأوَّلُ أقْوى دِلالَةً لِأنَّ مَرْكَزَ الشَّمْسِ إذا وصَلَ إلى دائِرَةِ نِصْفِ اللَّيْلِ فالمَوْضِعُ - الَّذِي تَكُونُ تِلْكَ الدّائِرَةُ أُفُقًا لَهُ - تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِن مَشْرِقِهِ، فَيُضِيءُ في ذَلِكَ المَوْضِعِ نِصْفَ كُرَةِ الأرْضِ، فَيَحْصُلُ الضَّوْءُ في الرُّبْعِ الشَّرْقِيِّ مِن بَلْدَتِكَ، ويَكُونُ ذَلِكَ الضَّوْءُ مُنْتَشِرًا مُسْتَطِيرًا في جَمِيعِ الجَوِّ، ويَجِبُ أنْ يَقْوى لَحْظَةً فَلَحْظَةً، فَلَوْ كانَ الأوَّلُ مِن قُرْصِ الشَّمْسِ لامْتَنَعَ أنْ يَكُونَ خَطًّا مُسْتَطِيلًا، بَلْ كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مُسْتَطِيرًا في الأُفُقِ مُنْتَشِرًا مُتَزايِدًا لَحْظَةً فَلَحْظَةً، لَكِنْ لَيْسَ هو كَذَلِكَ، فَإنَّهُ يَبْدُو كالخَيْطِ الأبْيَضِ الصّاعِدِ حَتّى شَبَّهَتْهُ العَرَبُ بِذَنَبِ السَّرْحانِ ثُمَّ يَحْصُلُ عَقِبَهُ ظُلْمَةٌ خالِصَةٌ، ثُمَّ يَكُونُ الثّانِي الصّادِقَ المُسْتَطِيرَ فَكانَ الأوَّلُ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ ابْتِداءً تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأنْوارَ لَيْسَ لَها وُجُودٌ إلّا بِإبْداعِهِ، والظُّلُماتُ لَيْسَ لَها ثَباتٌ إلّا بِتَقْدِيرِهِ. ولَمّا ذَكَرَ الضِّياءَ والظُّلْمَةَ - ذَكَرَ مَنشَأهُما وضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى مَحَلٍّ ”اللَّيْلِ“ لِأنَّ جاعِلًا لَيْسَ بِمَعْنى المُضِيءِ فَقَطْ لِتَكُونَ الإضافَةُ حَقِيقِيَّةً، بَلْ المُرادُ اسْتِمْرارُهُ في الأزْمِنَةِ كُلِّها: ﴿والشَّمْسَ﴾ أيْ: الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها كُلٌّ مِنهُما، هَذا عَنْ غُرُوبِها وهَذا عَنْ شُرُوقِها (p-٢٠١)﴿والقَمَرَ﴾ أيْ: الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ: ذَوِي حُسْبانٍ وعَلَمَيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ الحِسابَ يُعْلَمُ بِدَوْرِهِما وسَيْرِهِما، وبِسَبَبِ ذَلِكَ نَظَمَ - سُبْحانَهُ - مَصالِحَ العالَمِ في الفُصُولِ الأرْبَعَةِ، فَيَكُونُ عَنْ ذَلِكَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن نُضْجِ الثِّمارِ وحُصُولِ الغَلّاتِ، وعَبَّرَ عَنْهُما بِالمَصْدَرِ المَبْنِيِّ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ البَلِيغَةِ إشارَةً إلى أنَّ الحِسابَ بِهِما أمْرٌ عَظِيمٌ كَبِيرُ النَّفْعِ كَثِيرُ الدُّخُولِ، مَعَ ما لَهُ مِنَ الدُّنْيا في أبْوابِ الدِّينِ فَهو جُلُّ نَفْعِهِما الَّذِي وقَعَ التَّكْلِيفُ بِهِ، فَكَأنَّهُ لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ - كانَ حَقِيقَتَهُما الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْهُما بِها، وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ مِن مَنافِعِهِما فَلا مَدْخَلَ لِلْعِبادِ فِيهِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا ووَصْفًا قاهِرًا - أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّقْدِيرُ العَظِيمُ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الفَلْقِ وما بَعْدَهُ ﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُغالَبُ فَهو الَّذِي قَهَرَهُما عَلى ما سَيَّرَهُما فِيهِ، وغَلَبَ العِبادَ عَلى ما دَبَّرَ مِن أمْرِهِمْ بِهِما، فَلَوْ أرادَ أحَدٌ أنْ يَجْعَلَ ما جَعَلَهُ مِنَ النَّوْمِ يَقَظَةً واليَقَظَةَ نَوْمًا، أوْ يَجْعَلَ مَحَلَّ السَّكَنِ لِلْحَرَكَةِ أوْ بِالعَكْسِ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أشارَتْ إلَيْهِ الآيَةُ لَأعْياهُ ذَلِكَ ﴿العَلِيمِ﴾ أيْ: الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ عَلى مِنهاجٍ لا يَتَغَيَّرُ ومِيزانٍ قَوِيمٍ لا يَزِيغُ.

الأنعام 6:97

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ مَنفَعَةً أُخْرى تَعُمُّهُما مَعَ غَيْرِهِما مُبَيِّنًا ما أذِنَ (p-٢٠٢)فِيهِ مِن عِلْمِ النُّجُومِ ومَنافِعِها، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ ولَمّا كانَتْ العِنايَةُ بِنا أعْظَمَ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لَكُمُ النُّجُومَ﴾ أيْ: كُلَّها سائِرَها وثابِتَها وإنْ كانَ عِلْمُكم يَقْصُرُ عَنْها كُلِّها كَما يَقْصُرُ عَنِ الرُّسُوخِ والبُلُوغِ في عِلْمِ السَّيْرِ لِلسَّيّارَةِ مِنهُ ﴿لِتَهْتَدُوا﴾ أيْ: لِتُكَلِّفُوا أنْفُسَكم عِلْمَ الهِدايَةِ ﴿بِها﴾ لِتَعْلَمُوا القِبْلَةَ وأوْقاتَ الصَّلَواتِ والصِّيامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مَنافِعِكم دُنْيا ودِينًا. ولَمّا كانَتْ الأرْضُ والماءُ لَيْسَ لَهُما مِن نَفْسِهِما إلّا الظُّلْمَةُ، وانْضَمَّتْ إلى ذَلِكَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، قالَ: ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ﴾ أيْ: الَّذِي لا عِلْمَ فِيهِ، وإنْ كانَتْ لَهُ أعْلامٌ فَإنَّها قَدْ تَخْفى ﴿والبَحْرِ﴾ فَإنَّهُ لا عِلْمَ بِهِ، والإضافَةُ إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ أوْ تَشْبِيهِ المُلْبِسِ مِنَ الطُّرُقِ وغَيْرِها بِالظُّلْمَةِ؛ رَوى الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ البَغْدادِيُّ في جُزْءٍ جَمَعَهُ في النُّجُومِ مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الأُشْنانِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ( تَعَلَّمُوا مِنَ النُّجُومِ ما تَهْتَدُونَ في البَرِّ والبَحْرِ ثُمَّ انْتَهُوا، وتَعَلَّمُوا مِنَ الأنْسابِ ما تَصِلُونَ بِهِ أرْحامَكم وتَعْرِفُونَ ما يَحِلُّ لَكم ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِنَ النِّساءِ ثُمَّ انْتَهُوا ) . وفِيهِ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الإمامِ أحْمَدَ في زِياداتِهِ عَلى المُسْنَدِ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( يا عَلِيٌّ ! أسْبِغْ الوُضُوءَ وإنْ شَقَّ عَلَيْكَ، ولا تَأْكُلْ الصَّدَقَةَ ولا تُنْزِ الحَمِيرَ عَلى (p-٢٠٣)الخَيْلِ، ولا تُجالِسْ أصْحابَ النُّجُومِ )» وفِيهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «( لا تَسْألُوا عَنِ النُّجُومِ، ولا تُفَسِّرُوا القُرْآنَ بِرَأْيِكم، ولا تَسُبُّوا أصْحابِي؛ فَإنَّ ذَلِكَ الإيمانَ المَحْضَ )» وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهى عَنِ النَّظَرِ في النُّجُومِ» - رَواهُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ؛ وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - مِثْلُهُ سَواءٌ، وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( إذا ذُكِرَ أصْحابِي فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتْ النُّجُومُ فَأمْسِكُوا )» - رَواهُ مِن طُرُقٍ وأسْنَدَ عَنْ قَتادَةَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْهارًا وسُبُلا﴾ [النحل: ١٥] قالَ: طُرُقًا ﴿وعَلاماتٍ﴾ [النحل: ١٦] قالَ: هي النُّجُومُ، قالَ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما خَلَقَ هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلاثِ خِصالٍ: جَعَلَها زِينَةً لِلسَّماءِ، وجَعَلَها يُهْتَدى بِها، وجَعَلَها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، فَمَن تَعاطى فِيها [شَيْئًا] غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أخْطَأ حَظَّهُ وقالَ رَأْيَهُ وأضاعَ نَصِيبَهُ وتَكَلَّفَ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ - في كَلامٍ طَوِيلٍ حَسَنٍ، [وهَذا الأثَرُ الَّذِي عَنْ قَتادَةَ أخْرَجَهُ عَنْهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ]، وقالَ صاحِبُ ( كَنْزِ اليَواقِيتِ في اسْتِيعابِ المَواقِيتِ ) في مُقَدِّمَةِ الكِتابِ: واعْلَمْ أنَّ العِلْمَ مِنهُ مَحْمُودٌ، ومِنهُ مَذْمُومٌ لا يُذَمُّ لِعَيْنِهِ، إنَّما يُذَمُّ في حَقِّ العِبادِ لِأسْبابٍ ثَلاثَةٍ: أوَّلُها: أنْ يَكُونَ مُؤَدِّيًا إلى ضَرَرٍ كَعِلْمِ السِّحْرِ (p-٢٠٤)والطَّلْسَماتِ وهو حَقٌّ إذْ شَهِدَ القُرْآنُ بِهِ وأنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وسُحِرَ النَّبِيِّ ﷺ ومَرِضَ بِسَبَبِهِ، حَتّى أخْبَرَهُ جَبْرَئِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأخْرَجَ السِّحْرَ مِن تَحْتِ حَجَرٍ في قَعْرِ بِئْرٍ - كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ؛ ومَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْرِفَةٌ لَيْسَ مَذْمُومًا، أوْ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا لِإضْرارٍ بِالخَلْقِ يَكُونُ مَذْمُومًا. والوَسِيلَةُ إلى الشَّرِّ شَرٌّ. الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُضِرًّا بِصاحِبِهِ في غالِبِ الأمْرِ كالقِسْمِ الثّانِي مِن عِلْمِ النُّجُومِ الإحْكامِيِّ المُسْتَدَلِّ بِهِ عَلى الحَوادِثِ بِالأسْبابِ كاسْتِدْلالِ الطَّبِيبِ بِالنَّبْضِ عَلى ما يَحْدُثُ مِنَ المَرَضِ، وهو مَعْرِفَةُ مَجارِي سُنَّةِ اللَّهِ وعادَتِهِ في خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ ذَمَّهُ الشَّرْعُ وزَجَرَ عَنْهُ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يَضُرُّ بِأكْثَرِ النّاسِ فَإنَّهُ إذا قِيلَ: هَذا الأمْرُ لِسَبَبِ سَيْرِ الكَواكِبِ، وقَرَّ في نَفْسِ الضَّعِيفِ العَقْلِ أنَّهُ مُؤَثِّرٌ، فَيَنْمَحِي ذِكْرُ اللَّهِ عَنْ قَلْبِهِ، فَإنَّ الضَّعِيفَ يَقْصُرُ نَظَرَهُ عَلى الوَسائِطِ بِخِلافِ العالِمِ الرّاسِخِ، فَإنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ مُسَخَّراتٍ، وفَرْقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ مَن يَقِفُ مَعَ الأسْبابِ وبَيْنَ مَن يَتَرَقّى إلى مُسَبِّبِ الأسْبابِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما حاصِلُهُ أنَّ السَّبَبَ الثّانِيَ في النَّهْيِ عَنْهُ أنَّهُ تَخْمِينٌ لا يَصِلُ إلى القَطْعِ؛ والثّالِثُ أنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ، فَهو خَوْضٌ في (p-٢٠٥)فُضُولٍ، وأنَّ السَّبَبَ الثّالِثَ مِمّا يُذَمُّ بِهِ ما يُذَمُّ مِنَ العُلُومِ أنَّهُ مِمّا لا تَبْلُغُهُ عُقُولُ أكْثَرِ النّاسِ ولا يُسْتَقَلُّ بِهِ، ولا يُنْكَرُ كَوْنُ العِلْمِ ضارًّا لِبَعْضِ الأشْخاصِ كَما يَضُرُّ لَحْمُ الطَّيْرِ بِالرَّضِيعِ. انْتَهى. ورَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَهْ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «( مَن اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زادَ )» [وقالَ صاحِبُ كِتابِ: ( الزِّينَةِ ) في آخِرِ كِتابِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ العِيافَةَ والزَّجْرَ ونَحْوَهُما، ويَأْتِي أكْثَرُهُ عَنْهُ في سُورَةِ الصّافّاتِ: ورُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: «( إيّاكم والنُّجُومَ ! فَإنَّها تَدْعُو إلى الكِهانَةِ )،» قالَ: هَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها لَها أصْلٌ صَحِيحٌ، فَمِنها ما كانَتْ مِن عُلُومِ الأنْبِياءِ مِثْلَ النُّجُومِ والخَطِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، ولَوْلا الأنْبِياءُ الَّذِينَ أدْرَكُوا عِلْمَ النُّجُومِ وعَرَفُوا مَجارِيَ الكَواكِبِ في البُرُوجِ وما لَها مِنَ السَّيْرِ في اسْتِقامَتِها ورُجُوعِها، وما قَدْ ثَبَتَ وصَحَّ مِنَ الحِسابِ في ذَلِكَ بِما لا ارْتِيابَ فِيهِ - لَما قَدَرَ النّاسُ عَلى إدْراكِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إلى أنْبِيائِهِمْ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - وقَدْ رُوِيَ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن عَلِمَ النُّجُومَ، ورُوِيَ في الخَطِّ أنَّهُ كانَ عِلْمُ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما أدْرَكَ النّاسُ هَذِهِ اللَّطائِفَ ولا عَرَفُوها] . ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ قَدْ بَلَغَتْ في البَيانِ حَدًّا عَلا عَنْ (p-٢٠٦)طَوْقِ الإنْسانِ والمَلائِكَةِ والجانِّ لِكَوْنِها صِفَةَ الرَّحْمَنِ، فَكانَتْ فَخْرًا يُتَوَقَّعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ [فَقالَ]: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ أيْ: بَيَّنّا بَيانًا شافِيًا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ واحِدَةً في إثْرِ واحِدَةٍ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ المَنِيعِ والمِثالِ الرَّفِيعِ. ولَمّا كانَتْ مِنَ الوُضُوحِ في حَدٍّ لا يَحْتاجُ إلى كَثِيرِ تَأمُّلٍ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَهم قِيامٌ فِيما إلَيْهِمْ، ولَهم قابِلِيَّةُ العِلْمِ لِيَسْتَدِلُّوا بِها بِالشّاهِدِ عَلى الغائِبِ.

الأنعام 6:98

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - بَعْضَ هَذا المَلَكُوتِ الأرْضِيِّ والسَّماوِيِّ، أتْبَعَهُ - كَما مَضى في أوَّلِ السُّورَةِ - الخَلْقَ المُفْرَدَ الجامِعَ لِجَمِيعِ المَلَكُوتِ، وهو الإنْسانُ، دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ، مُبْطِلًا بِمُفاوَتَةِ أوَّلِ الإبْداعِ وآخِرِ الآجالِ ما اعْتَقَدُوا في النُّورِ والظُّلْمَةِ والشَّمْسِ والقَمَرِ وغَيْرِهِما؛ لِأنَّ واحِدًا مِنها لا اخْتِيارَ لَهُ في شَيْءٍ يَصْدُرُ عَنْهُ، بَلْ هو مُسَخَّرٌ ومَقْهُورٌ كَما هو مَحْسُوسٌ ومَشْهُورٌ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ في غايَةِ التَّفاوُتِ في الطُّولِ والقَدِّ واللَّوْنِ والشَّكْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْراضِ الَّتِي دَبَّرَها - سُبْحانَهُ - عَلى ما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ ثُمَّ اقْتَطَعَ مِنها زَوْجَها ثُمَّ فَرَّعَكم مِنهُما. ولَمّا كانَ أغْلَبُ النّاسِ في الحَياةِ [الدُّنْيا] يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَحُولُ ولا يَزُولُ، لا يَكُونُ عَلى شَرَفِ الزَّوالِ ما دامَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ (p-٢٠٧)[مِن] حَياةٍ، [قالَ]: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ: فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ مِنكم مُسْتَقِرٌّ عَلى الأرْضِ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عُمَرَ وبِكَسْرِ القافِ اسْمُ فاعِلٍ، والمَعْنى في قِراءَةِ الباقِينَ بِفَتْحِهِ اسْمُ مَكانٍ ﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] ولَمّا كانَ مَن في البَرْزَخِ قَدْ كُشِفَ عَنْهم الغِطاءُ فَهم مُوقِنُونَ بِالسّاعَةِ غَيْرُ عامِلِينَ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وكَذا مَن في الصُّلْبِ والرَّحِمِ - عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِقْرارِ، فَقالَ: ﴿ومُسْتَوْدَعٌ﴾ أيْ: في الأصْلابِ أوْ الأرْحامِ أوْ في بَطْنِ الأرْضِ، [فَدَلَّتْ المُفاوَتَةُ مِن كُلٍّ مِنهُما - مَعَ أنَّ الكُلَّ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ - عَلى القادِرِ المُخْتارِ]، لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَعْكِسَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، وكُلُّ ذَلِكَ مَضْمُونُ الآيَتَيْنِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وقَدَّمَ الإصْباحَ واللَّيْلَ ومُتَعَلِّقَهُما لِتَقَدُّمِهِما في الخَلْقِ، ثُمَّ تَلاهُ بِخَلْقِ الإنْسانِ عَلى حَسَبِ ما مَرَّ أوَّلَ السُّورَةِ، وذَكَرَ [هُنا أنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ الطِّينَ نَفْسًا واحِدَةً فَرَّعَ الإنْسَ كُلَّهم مِنها مَعَ تَفاوُتِهِمْ فِيما] هُناكَ وُفِيَ غَيْرِهِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا المُفْرَدَ الجامِعَ، وفَصَّلَهُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُعْجِبَةِ، كانَ مَحَلًّا لِتَوَقُّعِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿الآياتِ﴾ [الأنعام: ٩٧] أيْ: أكْثَرْنا بَيانَها في هَذا المُفْرَدِ الجامِعِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الصَّنْعَةِ، تارَةً بِأنْ يَكُونَ مِنَ التُّرابِ بَشَرٌ، وأُخْرى بِأنْ يُخْرِجَ الأُنْثى مِنَ الذَّكَرِ، (p-٢٠٨)وتارَةً بِأنْ يُفَرِّعَ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى ما لا يُحِيطُ بِهِ العَدُّ ولا يَجْمَعُهُ الخَبَرُ مِنَ النُّطْفَةِ إلى الوِلادَةِ إلى الكِبَرِ. ولَمّا كانَ إنْشاءُ النّاسِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وتَصْرِيفَهم عَلى تِلْكَ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ جِدًّا ألْطَفَ وأدَقَّ صَنْعَةٍ، فَكانَ ذَلِكَ مُحْتاجًا إلى تَدَبُّرٍ واسْتِعْمالِ فِطْنَةٍ وتَدْقِيقِ نَظَرٍ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لَهم أهْلِيَّةُ الفِقْهِ والفِطْنَةِ.

الأنعام 6:99

ولَمّا ذَكَرَ وُجُوهَ الإبْداعِ التَّفْرِيعِيِّ مِن هَذَيْنَ الكَوْنَيْنِ وأسْبابَ البَقاءِ لَهُ بِما يَنْشَأُ [عَنْهُ] الفُصُولُ وغَيْرُها، أتْبَعَهُ سَبَبَهُ القَرِيبَ، وهو الماءُ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، فَقالَ مُفَصِّلًا ما أجْمَلَهُ في الحَبِّ والنَّوى، سائِقًا لَهُ مَساقَ الإحْسانِ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدَّلائِلِ، فَإنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الإحْسانِ ومُذَكِّرًا بِالإنْعامِ كانَ تَأْثِيرُهُ في القَلْبِ عَظِيمًا، فَيَنْبَغِي لِلْمُشْتَغِلِ بِدَعْوَةِ الخَلْقِ أنْ يَسْلُكَ هَذا المَسْلَكَ [لِيَكُونَ لِلْقُلُوبِ أمْلَكَ]: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾ أيْ: بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي تَعْرِفُونَها كَما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العِبارَةِ وما أشْبَهَها مِن ذُكُورِ الحَيَوانِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ ﴿ماءً﴾ أيْ: مُنْهَمِرًا ودافِقًا. ولَمّا كانَ تَفْرِيعُ الخَلْقِ مِنَ الماءِ بِمَكانٍ مِنَ العَظَمَةِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ - نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالِانْتِقالِ إلى التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ: عَلى (p-٢٠٩)ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِيها أحَدٌ ﴿بِهِ﴾ أيْ: الماءِ ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مُخْتَلِفَةٍ طَعُومُهُ وألْوانُهُ ورَوائِحُهُ وطَبائِعُهُ ومَنافِعُهُ وهو بِماءٍ واحِدٍ، فالسَّبَبُ واحِدٌ والمُسَبَّباتُ كَثِيرَةٌ مُنْفَتَّةٌ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ النَّباتُ حَقِيقِيًّا مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ، أوْ مَجازِيًّا مِنَ الأُنْثى والذَّكَرِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الحَقِيقِيِّ لِظُهُورِهِ قَوْلَهُ دالًّا عَلى العَظَمَةِ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ﴾ أيْ: النَّباتِ ﴿خَضِرًا﴾ أيْ: شَيْئًا أخْضَرَ غَضًّا طَرِيًّا، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ؛ ثُمَّ زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿نُخْرِجُ﴾ أيْ: حالَ كَوْنِنا مُقَدِّرِينَ أنْ نُخْرِجَ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ الخَضِرِ ﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ أيْ: في السُّنْبُلِ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضًا [ويَحْرُسُهُ مِن أنْ يَلْتَقِطَهُ الطَّيْرُ بَعْدَ سَتْرِهِ بِالقِشْرِ بِحَسَكٍ طَوِيلٍ لَطِيفٍ جِدًّا كالإبَرِ خَشِنٍ]، بَعْدَ أنْ كانَ أصْلُهُ حَبَّةً واحِدَةً عَلى صُورَتِها، أوْ مُنْفَتَّةً في التُّرابِ بَعْدَ أنْ طَوَّرَهُ - سُبْحانَهُ - في عِدَّةِ أطْوارٍ، إنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لَقادِرٌ مُخْتارٌ. ولَمّا كانَ نِسْبَةُ الإخْراجِ والإبْداعِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - وحْدَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ خُصُوصًا وعُمُومًا، فَعُلِمَ أنَّ الكُلَّ مِنهُ، وصارَ الحالُ في حَدٍّ مِنَ الوُضُوحِ جَدِيرٍ بِأنْ يُؤْمَنَ مِن نِسْبَةِ شَيْءٍ إلى غَيْرِهِ لا سِيَّما الَّذِي هم لَهُ مُعالِجُونَ، وبِالعَجْزِ عَنْ إبْداعِهِ عالِمُونَ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ أوَّلًا في آيَةِ الفَلَقِ مِنَ الحَبِّ؛ ثَنّى بِما مِنَ النَّوى، فَقالَ مُعَبِّرًا لِذَلِكَ الأُسْلُوبِ: ﴿ومِنَ النَّخْلِ﴾ وتَقْدِيمُ الحَبِّ عَلَيْهِ هُنا وفِيما قَبْلُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزَّرْعَ أفْضَلُ مِنهُ، فَإنَّهُ قُوتٌ في أكْثَرِ البِلادِ ولِأغْلَبِ الحَيَواناتِ [والغِذاءُ (p-٢١٠)مُقَدَّمٌ عَلى الفاكِهَةِ]؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن طِينَةِ آدَمَ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِمّا أجْمَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا: ﴿مِن طَلْعِها﴾ أيْ: النَّخْلِ، وهو أوَّلُ ما يَخْرُجُ مِنها في أكْمامِهِ ﴿قِنْوانٌ﴾ جَمْعُ قِنْوٍ، وهو العِذْقُ بِالكَسْرِ لِلشِّمْراخِ وهو الكِباسَةُ، والعُرْجُونُ عُودُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ البُسْرُ ﴿دانِيَةٌ﴾ أيْ: قَرِيبَةُ التَّناوُلِ وإنْ طالَ أصْلُها بِما عَلَّمَكم وسَهَّلَ لَكم مِن صَنْعَةِ الوُصُولِ إلَيْها. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم مِن مُعالَجَةِ الأعْنابِ وغَيْرِها ما لَهم مِن مُعالَجَةِ النَّخِيلِ، عَطَفَ عَلى ( نَباتٍ) مُنَبِّهًا لَهم عَلى أنَّها - كالنَّخِيلِ - هو - سُبْحانَهُ - المُتَفَرِّدُ بِإبْداعِها [كَما تَقَدَّمَ، فَقالَ: ﴿وجَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ وجَمَعَها لِكَثْرَةِ أنْواعِها]، وبَدَأ بِهاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ لِفَضْلِهِما - كَما تَقَدَّمَ - عَلى غَيْرِهِما؛ لِأنَّ ثَمَرَهُما فاكِهَةٌ وقُوتٌ، وقَدَّمَ الأوَّلَ لِأنَّهم لَهُ أكْثَرُ مُلابَسَةً، وإنْ كانَ العِنَبُ أشْرَفَ أنْواعِ الفَواكِهِ، فَإنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ مِن أوَّلِ ظُهُورِهِ لِأنَّهُ [أوَّلًا] يَكُونُ لَهُ خُيُوطٌ خُضْرٌ دَقِيقَةٌ حامِضَةٌ لَذِيذَةٌ، ثُمَّ تَكُونُ الحِصْرِمَ، وهو طَعامُ شَرِيفٌ لِلْأصِحّاءِ والمَرْضى، وقَدْ يُتَّخَذُ مِنهُ رَبُّ الحِصْرِمِ وأشْرِبَةٌ لَطِيفَةُ المَذاقِ نافِعَةٌ لِأصْحابِ الصَّفْراءِ، ويُطْبَخُ مِنهُ ألَذُّ الأطْعِمَةِ الحامِضَةِ، وهو - عِنَبًا - ألَذُّ الفَواكِهِ وأشْهاها، ويُدَّخَرُ عِنَبًا قَرِيبًا مِن سَنَةٍ، ويَكُونُ زَبِيبُهُ غِذاءً، ويَكُونُ مِنهُ الدِّبْسُ والخَلُّ وغَيْرُ ذَلِكَ، وأحْسَنُ ما فِيهِ عَجَمُهُ، وهو يُتَّخَذُ مِنهُ جَوارِشاتٌ عَظِيمَةُ النَّفْعِ لِلْمَعِدَةِ الضَّعِيفَةِ الرَّطْبَةِ (p-٢١١)[وقَدَّمَ النَّخِيلَ لِأنَّها قُوتٌ لِلْعَرَبِ، وبَيْنَها وبَيْنَ الإنْسانِ مُشابَهَةٌ في خَواصَّ كَثِيرَةٍ لا تُوجَدُ في النَّباتِ؛ ولِذا جاءَ في الحَدِيثِ: «( أكْرِمُوا عَمَّتَكم النَّخْلَةَ؛ فَإنَّها خُلِقَتْ مِن طِينَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَيْسَ مِنَ الشَّجَرِ يُلَقِّحُ غَيْرُها)» - رَواهُ أبُو يَعْلى وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- وأتْبَعَهُما ما يَلِيهِما في الفَضِيلَةِ، فَقالَ: ﴿والزَّيْتُونَ﴾ [و] قَدَّمَهُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ، ويَنْفَصِلُ مِنهُ دُهْنٌ عَظِيمُ النَّفْعِ في الأكْلِ والضِّياءِ وسائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمالِ ﴿والرُّمّانَ﴾ خَتَمَ بِهِ لِحُسْنِهِ وعَظِيمِ نَفْعِهِ، وهو مُرَكَّبٌ مِن أرْبَعَةِ أشْياءَ: قِشْرِهِ وشَحْمِهِ وعَجَمِهِ ومائِهِ، فالثَّلاثَةُ الأُوَلُ بارِدَةٌ يابِسَةٌ أرْضِيَّةٌ كَثِيفَةٌ عَفْصِيَّةٌ فائِضَةٌ جِدًّا، والماءُ بِضِدِّها وهو ألَذُّ الأشْرِبَةِ وألْطَفُها وأقْرَبُها إلى الِاعْتِدالِ وأشَدُّها مُناسَبَةً لِلطَّبْعِ المُعْتَدِلِ، وفي ذَلِكَ تَقْوِيَةٌ لِلْمِزاجِ الضَّعِيفِ، وهو غِذاءٌ مِن وجْهٍ ودَواءٌ مِن وجْهٍ. ولَمّا ذَكَرَ الأقْواتَ مِنَ الثِّمارِ والحُبُوبِ والأدْهانِ وأشْرَفِ الفَواكِهِ وأعَمِّها، وكانَتْ أشْبَهَ شَيْءٍ بِالآدَمِيِّ في نَشْـئِهِ وبَعْثِهِ واتِّفاقِهِ واخْتِلافِهِ، وكانَ اشْتِباهُ بَعْضِها واخْتِلافُ بَعْضِها - مَعَ كَوْنِها تُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وفي أرْضٍ واحِدَةٍ - دالًّا عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وكانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِإثْباتِ كَمالِ القُدْرَةِ الَّتِي هي مَنفِيَّةٌ عَنْ غَيْرِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُشابِهًا (p-٢١٢)لِشَرِيكِهِ كَمالَ المُشابَهَةِ فِيما وقَعَتْ الشَّرِكَةُ فِيهِ، ولِلْبَعْثِ فَكانَ المُرادُ التَّفَكُّرَ في ظَواهِرِها وتَقَلُّباتِها مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وبَعْدَ الوُجُودِ، ولِمُحاجَّةِ أهْلِ الكِتابِ المَوْسُومِينَ بِالعِلْمِ المَنسُوبِينَ إلى حِدَّةِ الأذْهانِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الفِرَقِ، وكانَ افْتَعَلَ يَأْتِي لِلتَّعْرِيفِ، وهو المُبالَغَةُ في إثْباتِ أصْلِ الفِعْلِ والِاجْتِهادُ في تَحْصِيلِهِ والِاعْتِمالُ، فَكانَ حُصُولُهُ إذا حَصَلَ أكْمَلَ، قالَ بانِيًا حالًا مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ: ﴿مُشْتَبِهًا﴾ أيْ: في غايَةِ الشَّبَهِ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ حَتّى لا يَكادُ يَتَمَيَّزُ، فَلَوْ قُطِعَ ثَمَرَتا شَجَرَتَيْنِ مِنهُ لَمْ يَتَمَيَّزْ ثَمَرَةُ هَذِهِ مِن ثَمَرَةِ هَذِهِ، فَلا يُقابِلُهُ حِينَئِذٍ نَفْيُ التَّفاعُلِ، فَإنَّهُ لِمُجَرَّدِ مُشارِكَةِ أمْرَيْنِ أوْ أكْثَرَ في أصْلِ الفِعْلِ، فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وغَيْرُ مُشْتَبَهٍ ومُتَشابِهًا، ثُمَّ لَمّا كانَ رُبَّما تَمَسَّكَ القائِلُ بِالطَّبائِعِ بِهَذِهِ العِبارَةِ - نَفى ما رُبَّما ظُنَّ مِن أنَّ لِهَذِهِ الأشْياءِ عَمَلًا في اشْتِباهِ بَعْضِها بِبَعْضٍ فَقالَ: ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ: غَيْرَ طالِبٍ لِلِاشْتِباهِ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن شَبَهٍ ما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الِاشْتِباهَ دِلالَةً عَلى نَفْيِ ضِدِّهِ، وهو عَدَمُ التَّشابُهِ، ولِأجْلِ أنَّ الِاشْتِباهَ أبْلَغُ مِنَ التَّشابُهِ - عَلَّقَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ الَّذِي هو أثْبَتُ الحَواسِّ، ودِلالَةً عَلى أنَّ (p-٢١٣)المُرادَ إنَّما هو ظاهِرُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كانَ في الدِّلالَةِ عَلى البَعْثِ والتَّوْحِيدِ الَّذِي هَذا سِياقُهُ، فَقالَ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾ وهَذا بِخِلافِ الحَرْفِ الثّانِي، فَإنَّهُ في سِياقِ الرَّدِّ عَلى العَرَبِ فِيما يَجْعَلُونَ مِن خَلْقِهِ لِأصْنامِهِمْ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالإذْنِ لَهم في الأكْلِ مِنهُ لِلِانْتِهاءِ عَمّا كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِنهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وبِالأمْرِ بِالتَّصَدُّقِ عَلى مَن أُمِرَ بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، وأمّا الباطِنُ الَّذِي هو الأكْلُ فَسَيَأْتِي. ثُمَّ نَبَّهَ عَلى تَعْمِيمِ النَّظَرِ في جَمِيعِ حالاتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا أثْمَرَ﴾ أيْ: حِينَ يَبْدُو مِن كِمامِهِ ضَعِيفًا قَلِيلَ النَّفْعِ أوْ عَدِيمَهُ ﴿ويَنْعِهِ﴾ أيْ: وانْظُرُوا إلى إدْراكِهِ إذْ أُدْرِكَ وحانَ قِطافُهُ، ويُعْلَمُ مِن ذَلِكَ النَّظَرِ فِيما بَيْنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن مُراقَبَةِ الأوَّلِ والآخِرِ، فَيُعْلَمُ اسْتِحالَةُ ألْوانِهِ ومَقادِيرِهِ وطَعُومِهِ وأشْكالِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ وأحْوالِهِ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أيْضًا النَّظَرُ إلى أشْجارِهِ لِيُعْلَمَ تَفاوُتُ بَعْضِها واشْتِباهُ البَعْضِ الآخَرِ في الطُّولِ والقِصَرِ والصِّغَرِ والكِبَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن سائِرِ الأحْوالِ، كَما أنَّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ في التَّمْرِ، فاسْتِنادُ هَذِهِ التَّبَدُّلاتِ والتَّغَيُّراتِ لَيْسَ إلّا إلى الفاعِلِ المُخْتارِ؛ لِأنَّ نِسْبَتَهُ إلى الطَّبائِعِ والفُصُولِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، فَلَوْ اسْتَنَدَتْ إلَيْها لَمْ تَتَغَيَّرْ. ولَمّا كانَ اتِّخاذُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ أوَّلًا والمُخالَفَةُ بَيْنَ أشْكالِها ومَقادِيرِها وألْوانِها ثانِيًا دالًّا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ المُسْتَلْزِمِ لِلْوَحْدانِيَّةِ، دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ ومِيمِ الجَمْعِ: ﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ (p-٢١٤)أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ العالِي الرُّتْبَةِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ: عَلاماتٍ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ واخْتِيارِهِ. ولَمّا كانَتْ الآياتُ لا تُغْنِي عَمَّنْ أُرِيدَتْ شَقاوَتُهُ قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: حُكِمَ بِأنَّهم - بِحَذْقِهِمْ ونَشاطِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ - يُجَدِّدُونَ الإيمانَ كُلَّما تَأمَّلُوا في مَصْنُوعاتِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - الدّالَّةِ عَلَيْهِ المُشِيرَةِ بِكُلِّ لِسانٍ إلَيْهِ.

الأنعام 6:100

ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ عَلى أصْنافٍ: مِنهم عِدَّةُ أصْنامٍ، شُرِكُوا في العُبُودِيَّةِ لا في الخَلْقِ، ومِنهم آزَرُ الَّذِي حاجَّهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنهم عَبَدَةُ الكَواكِبِ وهم فَرِيقانِ: مِنهم مَن قالَ: هي واجِبَةُ الوُجُودِ، ومِنهم مَن قالَ: مُمْكِنَةٌ، خَلَقَها اللَّهُ وفَوَّضَ إلَيْها تَدْبِيرَ هَذا العالَمِ الأسْفَلِ، وهم الَّذِينَ حاجَّهم الخَلِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأُفُولِ، ومِنهم مَن قالَ: لِهَذا العالَمِ كُلِّهِ إلَهانِ: فاعِلُ خَيْرٍ، وفاعِلُ شَرٍّ، وقالُوا: إنَّ اللَّهَ وإبْلِيسَ أخَوانِ، فاللَّهُ خالِقُ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ، وإبْلِيسُ خالِقُ السِّباعِ والحَيّاتِ والعَقارِبِ والشُّرُورِ، ويُلَقِّبُونَ الزَّنادِقَةَ وهم المَجُوسُ؛ لِأنَّ الكِتابَ الَّذِي زَعَمَ زردشت أنَّهُ نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُمِّيَ بِالزِّنْدِ، فالمَنسُوبُ إلَيْهِ زِنْدِيٌّ، ثُمَّ عُرِّبَ فَقِيلَ: زِنْدِيقٌ، وكانَ هَذا كُلُّهُ في قَوْلِهِ (p-٢١٥)﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] شَرْحًا لِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] دِلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لِلدِّلالَةِ عَلى البَعْثِ - حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ العَوْدُ إلى تَقْبِيحِ حالِ المُشْرِكِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِنهم في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿فالِقُ﴾ [الأنعام: ٩٥] أوْ غَيْرِهِ مِمّا تَقَدَّمَ، فَقالَ تَعالى شارِحًا أمْرَ هَذا الصِّنْفِ؛ لِأنَّ أمْرَ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ: ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ: هو سُبْحانَهُ فَعَلَ هَذا الَّذِي لا يَدَعُ لَبْسًا في تَمامِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ والحالُ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِهِمْ قَدْ ( جَعَلُوا ) وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ وقَدَّمَهُ اسْتِعْظامًا لِأنْ يَعْدِلَ بِهِ شَيْئًا ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ. ولَمّا كانَ الشِّرْكُ في غايَةِ الفَظاعَةِ والشَّناعَةِ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿شُرَكاءَ﴾ يَعْنِي: وما كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ مُطْلَقًا؛ لِأنَّ الصِّفَةَ إذا ذُكِرَتْ مُجَرَّدَةً غَيْرَ مُجْراةٍ عَلى شَيْءٍ كانَ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ النَّفْيِ عامًّا في كُلِّ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَهُ الصِّفَةُ، وحُكْمُ الإنْكارِ حُكْمُ النَّفْيِ. ولَمّا اهْتَزَّ السّامِعُ مِن هَذا التَّقْدِيمِ لِزِيادَةِ المَعْنى مِن غَيْرِ زِيادَةِ اللَّفْظِ، تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ النَّوْعِ الَّذِي كانَ مِنهُ الشُّرَكاءُ فَبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الجِنَّ﴾ أيْ: الَّذِينَ هم أجْرَأُ (p-٢١٦)المَوْجُوداتِ عَلَيْهِمْ وأعْداهم لَهم، فَأطاعُوهم كَما يُطاعُ الإلَهُ فَكانَ عِبادَةً لَهم وتَشْرِيكًا، وقَدْ رَأيْتَ ما لِلْبَيانِ بَعْدَ الِانْتِهاءِ مِمّا يَحْسُنُ لِلنّاظِرِينَ ﴿وخَلَقَهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ خَلَقَهم أيْ: قَدَّرَهم بِعِلْمٍ وتَدْبِيرٍ، فَلِذَلِكَ كانَ خَلْقُهُ لَهم مُحْكَمًا ﴿وخَرَقُوا﴾ أيْ: العابِدُونَ ﴿لَهُ بَنِينَ﴾ أيْ: كَعُزَيْرٍ والمَسِيحِ ﴿وبَناتٍ﴾ أيْ: مِنَ المَلائِكَةِ، فَجَمَعُوا لِذَلِكَ جَهالاتٍ هي غايَةٌ في الضَّلالاتِ: وصْفُ المَلائِكَةِ بِالأُنُوثَةِ والِاجْتِراءُ عَلى مَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ بِالحاجَةِ، وتَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِما لا يَرْضَوْنَهُ لِأنْفُسِهِمْ بِوَجْهٍ؛ ومادَّةُ ( خَرَقَ ) تَدُورُ عَلى النُّفُوذِ والِاتِّساعِ والإطْلاقِ والتَّقْدِيرِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ولا مَعْرِفَةٍ لِيَحْدُثَ عَنْهُ الفَسادُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِمَن لا يُحْسِنُ العَمَلَ: خَرِقٌ؛ ولِلْمَرْأةِ: خَرْقاءُ، يَعْنِي أنَّهم كَذَّبُوا واخْتَلَفُوا واتَّسَعُوا في هَذا القَوْلِ الكَذِبِ، وأبْعَدُوا بِهِ في هَذِهِ المُجاوَزَةِ عَنْ حَقِيقَتِهِ، اتِّساعَ مَن سارَ في خَرْقٍ أيْ: بَرِّيَّةٍ واسِعَةٍ بَهْماءَ وسُوفَةٍ جَوْفاءَ مُتَباعِدَةِ الأرْجاءِ إلى حَيْثُ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ بَشَرٌ، فَضَلَّ عَنِ الجادَّةِ ضَلالًا لا تُرْجى مَعَهُ هِدايَتُهُ إلّا عَلى بُعْدٍ شَدِيدٍ، فَصارَ جَدِيرًا بِالهَلاكِ، وإلى ذَلِكَ يَرْجِعُ مَعْنى ما قُرِئَ في الشّاذِّ: وحَرَّفُوا - بِالمُهْمَلَةِ والفاءِ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِمْ أصْلًا حَقِيقَةٌ ولا شُبْهَةٌ، [وكانَ الخَرْقُ التَّقْدِيرَ (p-٢١٧)بِغَيْرِ عِلْمٍ]، دَلَّ عَلى ذَلِكَ [مُصَرِّحًا بِما أفْهَمَهُ مُحَقِّقًا لَهُ] تَنْبِيهًا عَلى الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ في اجْتِياحِ قَوْلِهِمْ مِن أصْلِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَوْلٌ لا حُجَّةَ لَهُ، ومَسائِلُ أُصُولِ الدِّينِ لا يُصارُ إلى شَيْءٍ مِنها إلّا بِقاطِعٍ، وذَلِكَ بِنَكِرَةٍ في سِياقِ النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَةَ تَنْبِيهًا عَلى ما يَجِبُ قَوْلُهُ عَلى كُلِّ مَن سَمِعَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ - سُبْحانًا - يَلِيقُ بِجَلالِهِ أنْ يُضافَ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ مَعْنى التَّسْبِيحِ الإبْعادُ عَنِ النَّقْصِ، وكانَ المَقامُ يَقْتَضِي كَوْنَهُ في العُلُوِّ - صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وتَعالى﴾ أيْ: تَباعَدَ أمْرُ عُلُوِّهِ إلى حَدٍّ لا حَدَّ لَهُ ولا انْتِهاءَ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾

الأنعام 6:101

ولَمّا خَتَمَ بِالتَّنْزِيهِ عَمّا قالُوا مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ، اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ التَّنْزِيهِ بِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ، مُحِيطٌ بِهِمْ عِلْمُهُ، ولَنْ يَكُونَ المَصْنُوعُ كالصّانِعِ، فَقالَ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مُبْدِعُهُما، ولَهُ صِفَةُ الإبْداعِ، أيْ: القُدْرَةِ عَلى الِاخْتِراعِ ثابِتَةٌ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَنِيٌّ عَنِ التَّوْلِيدِ؛ فَلِذا حَسُنَ التَّعَجُّبُ في قَوْلِهِ: ﴿أنّى﴾ أيْ: كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وزادَ في التَّعْجِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ﴾ أيْ: الحالُ أنَّهُ لَمْ ﴿تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ والحالُ أنَّهُ ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مَقْدُورٍ مُمْكِنٍ مِن كُلِّ صاحِبَةٍ تُفْرَضُ، وكُلِّ ولَدٍ يُتَوَهَّمُ، وكُلِّ شَرِيكٍ يُدَّعى، فَكَيْفَ يَكُونُ المُبْدِعُ مُحْتاجًا إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّوْلِيدِ أوْ غَيْرِهِ. (p-٢١٨)ولَمّا كانَتْ القُدْرَةُ لا تَتِمُّ إلّا بِشُمُولِ العِلْمِ قالَ: ﴿وهُوَ﴾ ولَمْ يُضْمِرْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عُمُومَ العِلْمِ لا تَخْصِيصَ فِيهِ كالخَلْقِ فَقالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أيْ: فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لِأنَّ شُمُولَ العِلْمِ يَلْزَمُهُ تَمامُ القُدْرَةِ - كَما يَأْتِي بُرْهانُهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في ( طَهَ )، ومَن كانَ لَهُ ولَدٌ لَمْ يَكُنْ مُحِيطَ العِلْمِ ولا القُدْرَةِ، بَلْ يَكُونُ مُحْتاجًا إلى التَّوْلِيدِ.

الأنعام 6:102

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ بِما ذَكَرَ مِن صِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وبَيَّنَ فَسادَ أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وفَصَّلَ مَذاهِبَهم عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ، وبَيَّنَ فَسادَ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِأمْتَنِ الحُجَجِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ ما افْتَتَحَ السُّورَةَ بِهِ مِن إحاطَتِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ - قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِمُبْتَدَإ خَبَرٍ بَعْدَهُ أخْبارٌ: ﴿ذَلِكُمُ﴾ أيْ: العالِي الأوْصافِ جِدًّا الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ إلى شَيْءٍ، وكُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُوجِدُ لَكم والمُحْسِنُ بِجَمِيعِ أنْواعِ الإحْسانِ، فَهي فَذْلَكَةُ ما قَبْلَها وثَمَرَتُهُ؛ لِأنَّ مَن اتَّصَفَ بِذَلِكَ كانَ هو رَبَّ الكُلِّ وحْدَهُ [والخالِقَ لِلْجَمِيعِ واسْتَحَقَّ العِبادَةَ وحْدَهُ] فَلِذا أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّوْحِيدِ اللّازِمِ لِلْإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ الَّتِي هي مَعْنى الحَمْدِ المُفْتَتَحِ بِهِ السُّورَةُ، وساقَ قَوْلَهُ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الَّذِي هو مَطْلَعُ ما بَعْدَهُ مَساقَ التَّعْلِيلِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ، (p-٢١٩)فَلَمّا أقامَ الدَّلِيلَ سَبَّبَ عَنْهُ الأمْرَ بِالعِبادَةِ، فَقالَ: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ؛ لِأنَّ مَن أشْرَكَ بِهِ لَمْ يَعْبُدْهُ؛ لِأنَّهُ الغِنى المُطْلَقُ، ومَن كانَ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ لا يَحْسُنُ أنْ يَقْبَلَ مُشْرِكًا، وخَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِنَفْيِ احْتِياجِهِ إلى شَيْءٍ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ إشارَةً إلى أنَّ الوَلَدَ أوْ الشَّرِيكَ إنَّما يَحْتاجُهُ العاجِزُ المُفْتَقِرُ، وأمّا هو فَهو القادِرُ، ومَن سِواهُ عاجِزٌ، وهو الغَنِيُّ ومَن سِواهُ فَقِيرٌ، فَكَيْفَ يَحْتاجُ القَدِيرُ [الغَنِيُّ] إلى العاجِزِ الفَقِيرِ، هَذا ما لا يَكُونُ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ الظُّنُونُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ العابِدَ يَنْبَغِي أنْ يَتَفَرَّغَ لِعِبادَتِهِ ويَقْطَعَ أُمُورَهُ عَنْ غَيْرِ وِكالَتِهِ، فَإنَّهُ يَكْفِيهِ بِفَضْلِهِ عَمَّنْ سِواهُ.

الأنعام 6:103

ولَمّا كانَ كُلُّ والِدٍ وكُلُّ شَرِيكٍ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُجانِسًا لِوَلَدِهِ وشَرِيكِهِ بِوَجْهٍ، وصَلَ بِذَلِكَ مَن وصْفُهُ ما اقْتَضاهُ المَقامُ مِن تَنْزِيهِهِ، فَقالَ: ﴿لا تُدْرِكُهُ﴾ أيْ: حَقَّ الإدْراكِ بِالإحاطَةِ ﴿الأبْصارُ﴾ أيْ: أنَّ مَن جَعَلْتُمُوهُ ولَدَهُ أوْ شَرِيكَهُ هو مُدْرَكٌ بِأبْصارِكم كَعِيسى وعُزَيْرٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - والأوْثانُ والنُّجُومُ والظُّلْمَةُ والنُّورُ، وأمّا المَلائِكَةُ والجِنُّ فَإنْ كانَ حُكْمُكم عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ عَنْ مُشاهَدَةٍ فَهم كَمَن تَقَدَّمَهم، وإنْ كانَ (p-٢٢٠)عَنْ إخْبارٍ فَهو عَنِ الأنْبِياءِ لَيْسَ غَيْرُ، وكُلٌّ مِنهم مُخْبِرٌ بِأنَّهم عِبادُ اللَّهِ كَغَيْرِهِمْ، وأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ شَرِيكٍ ووَلَدٍ، وهَذِهِ كُتُبُهم وصِحاحُ أخْبارِهِمْ شاهِدَةٌ بِذَلِكَ، [و] وراءَ ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهم بِحَيْثُ يُدْرَكُونَ بِالأبْصارِ في الجُمْلَةِ، لَيْسَ إدْراكُهم مُسْتَحِيلًا، وأمّا هَذا الإلَهُ العُزَيْزُ فَهو غَيْرُ مُدْرَكٍ لَكم بِالبَصَرِ كَما يُدْرَكُ غَيْرُهُ إدْراكًا تامًّا، فَيَتَأمَّلُهُ ناظِرُهُ فَيَزِنُهُ ويَنْقُدُهُ بِالخِبْرَةِ بِما فِيهِ مِن رِضًى وغَضَبٍ وغَيْرِهِما، بِما أبْدَتْهُ الفِراسَةُ وأوْضَحَهُ التَّوَسُّمُ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - مُتَعالٍ عَنْ أنْ يُحاطَ بِهِ، هَذا عَلى أنَّهُ مِن عُمُومِ السَّلْبِ، وإنْ كانَ مِن سَلْبِ العُمُومِ فالمَعْنى أنَّهُ عَزِيزٌ لا يَراهُ كُلُّ أحَدٍ، بَلْ يَراهُ الخَواصُّ إذا أرادَ فَكَشَفَ لَهم الحِجابَ وأوْجَدَ لَهم الأسْبابَ ﴿وهُوَ﴾ مَعَ ذَلِكَ يُدْرِكُكم، بَلْ و﴿يُدْرِكُ﴾ ما لا تُدْرِكُونَهُ مِن أنْفُسِكم ﴿الأبْصارُ﴾ وهي القُوى المُودَعَةُ في عَصَبَةِ العَيْنِ لِتُدْرِكَ بِها المُبْصَراتِ ﴿وهُوَ اللَّطِيفُ﴾ عَنْ أنْ يُحِيطَ بِهِ الأبْصارُ؛ لِأنَّهُ يَمْنَعُ الأسْبابَ عَنْ أنْ يَنْشَأ عَنْها مُسَبَّباتِها، ويُوجِدَ أدَقَّ الأسْبابِ وأغْرَبَها، فَلا يُسْتَغْرَبُ عَلَيْهِ إدْراكُ المَعانِي لِأنَّهُ الَّذِي أوْجَدَها ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] وأصْلُ اللُّطْفِ دِقَّةُ النَّظَرِ في الأشْياءِ ﴿الخَبِيرُ﴾ أيْ: المُحِيطُ بِالأبْصارِ فَإحاطَتُهُ بِأصْحابِها أجْدَرُ، ويَتَحَقَّقُ مَعْنى الِاسْمَيْنِ لِتَحَقُّقِ المَعْنى؛ قالَ الحرالي في شَرْحِ الأسْماءِ: اللُّطْفُ إخْفاءُ التَّوَسُّلِ إلى الشَّيْءِ بِإظْهارِ ما يُضادُّهُ، ولا يَتِمُّ إلّا بِخِبْرَةٍ؛ ولِذَلِكَ نُظِمَ بِاسْمِهِ ﴿الخَبِيرُ﴾ (p-٢٢١)لِأنَّهُ أخْفى حِكْمَتَهُ في ظاهِرٍ يُضادُّها، فاللُّطْفُ مَخْبَرَةٌ في حِكْمَةٍ، وبِاسْمِهِ تَعالى ( اللَّطِيفِ ) أقامَ أمْرَ حِكْمَتِهِ ما بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِذَلِكَ أقامَ أمْرَ أهْلِ وِلايَتِهِ في الدُّنْيا لِما جَمَعَ لَهم مِن أمْرِهِ فِيها، فَيَبْدُو عِزُّهم مِن وراءِ ذُلٍّ، ويَتَراءى ذُلُّهم ومِن دُونِهِ [عِزٌّ]، فَيَسْبِقُ عِزُّهم إلى القُلُوبِ مَعَ تَذَلُّلِهِمْ في الحَواسِّ، ويَؤُولُ مَحْسُوسُهم إلى عِزٍّ في عُقْبى الدُّنْيا، ومُبادَرَةِ الآخِرَةِ مَعَ تَأنُّسِ القُلُوبِ بِهِمْ، ﴿إنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ [يوسف: ١٠٠] لَمّا أرادَ أنْ يُمَلِّكَهُ مِصْرَ وجَعَلَ وسِيلَةَ ذَلِكَ اسْتِبْعادَهُ بِها، وبِحُصُولِ مَعْناهُ بِتَمامِ الخِبْرَةِ والحِكْمَةِ - وتِلْكَ إبْداءُ الشَّيْءِ في ضِدِّهِ - يَتَّضِحُ اخْتِصاصُهُ بِالحَقِّ، فَهو الَّذِي أطْعَمَ مِن جُوعٍ وآمَنَ مِن خَوْفٍ، الَّذِي جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا، فَهو - تَعالى - اللَّطِيفُ الَّذِي لا لَطِيفَ إلّا هو، ثُمَّ قالَ: الخِبْرَةُ إدْراكُ خَبايا الأشْياءِ وخَفاياها بِحَيْثُ لا يَبْدُو مِنهُ خَبِيثَةُ أمْرٍ إلّا كانَ إدْراكُ الخَبِيرِ سابِقًا لِبُدُوِّها، وذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا لِمُبْدَيْها الَّذِي هو يُخْرِجُ خَبَأها، وهو الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومَخْبَرَةُ الخَلْقِ لا بُدَّ فِيها مِن إظْهارٍ بادٍ يُنْبِئُ عَنِ الخَبْءِ بِمُقْتَضى التَّجْرِيَةِ، وإلّا لَمْ يَصِحَّ لَهم الخِبْرَةُ، كَما قِيلَ: مَخْبَرَةُ المَرْءِ فِيما يَبْدُو (p-٢٢٢)مِن نُطْقِهِ وما يُظْهِرُهُ اليَوْمَ واللَّيْلَةَ مِن عَمَلِهِ، والخَبِيرُ الحَقُّ خَبِيرٌ بِالشَّيْءِ دُونَ بادٍ يَرى الظّاهِرُ خَبِيثَةَ أمْرِهِ، [فَهُوَ] بِالحَقِيقَةِ الَّذِي لا خَبِيرَ إلّا هو. [انْتَهى] .

الأنعام 6:104

ولَمّا أكْثَرَ لَهم مِن إقامَةِ الأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وخَتَمَها بِهَذا الدَّلِيلِ المَحْسُوسِ الَّذِي مَعْناهُ أنَّ [كُلَّ شَرِيكٍ وكُلَّ ابْنٍ يُدْرِكُ شَرِيكَهُ وأباهُ، وهو مُتَناهٍ عَنْ أنْ يُدْرِكَهُ، أيْ: يُحِيطَ بِهِ] أحَدٌ، ناسَبَ أنْ يَعِظَهم ويَمْدَحَ الأدِلَّةَ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِها، وجَعَلَ ذَلِكَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ إشارَةً إلى أنَّهُ - لِنُورِ قَلْبِهِ وكَمالِ عَقْلِهِ وصَفاءِ لُبِّهِ وغَزارَةِ عِلْمِهِ وشَرِيفِ أخْلاقِهِ واسْتِقامَةِ غَرائِزِهِ وبُعْدِ مَدى هِمَّتِهِ عَنْ أنْ يُنْسَبَ إلى جَوْرٍ أوْ يُرْمى بِعِنادٍ - حَقِيقٌ بِأنْ يَقُولَ بَعْدَ إقامَتِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ تَقْرِيرًا لِأمْرِ دَعْوَتِهِ بَعْدَ تَقْرِيرِ المَطالِبِ العالِيَةِ الإلَهِيَّةِ: ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ . ولَمّا كانَتْ الآياتُ - لِقُوَّتِها وجَلالَتِها الَّتِي أشارَ إلَيْها تَذْكِيرُ الفِعْلِ - تُوجِبُ المَعْرِفَةَ فَتَكُونُ سَبَبًا لِانْكِشافِ الحَقائِقِ الَّذِي هو كالنُّورِ في جَلاءِ المَحْسُوساتِ، قالَ: ﴿بَصائِرُ﴾ أيْ: أنْوارٌ هي لِقُلُوبِكم بِمَنزِلَةِ الضِّياءِ المَحْسُوسِ لِعُيُونِكم ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم بِكُلِّ إحْسانٍ، فَلا إحْسانَ أصْلًا لِغَيْرِهِ عِنْدَكم، فاصْعَدُوا عَنِ النَّظَرِ بِالأبْصارِ إلى الِاعْتِبارِ (p-٢٢٣)بِالبَصائِرِ، ولا تَهْبِطُوا في حَضِيضِ التَّقْلِيدِ إلى أنْ تَصِلُوا إلى حَدٍّ لا تَفْهَمُونَ مَعَهُ إلّا ما يُحَسُّ بِالأبْصارِ بَلْ تَرَقَّوْا في أوْجِ المَعْرِفَةِ إلى سَماواتِ الِاجْتِهادِ وجَرِّدُوا لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ صَوارِمَ البَصائِرِ، فَإنَّكم إنْ رَضِيتُمْ بِالدُّونِ لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكم، وإنْ نافَسْتُمْ في المَعالِي فَإيّاها نَفَعْتُمْ. ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هَذا النُّورِ الباهِرِ والسِّرِّ الظّاهِرِ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن أبْصَرَ﴾ أيْ: عَمِلَ بِالأدِلَّةِ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ أيْ: خاصَّةِ إبْصارِهِ لِأنَّهُ خَلَّصَها مِنَ الضَّلالِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ ﴿ومَن عَمِيَ﴾ أيْ: لَمْ يَهْتَدِ بِالأدِلَّةِ ﴿فَعَلَيْها﴾ أيْ: خاصَّةِ عَماهُ لِأنَّهُ يَضِلُّ فَيَعْطَبُ. ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ لِي ولا لِغَيْرِي مِن إبْصارِهِ شَيْءٌ يُنْقِصُهُ شَيْئًا، ولا عَلَيَّ ولا غَيْرِي شَيْءٌ مِن عَماهُ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّما أنا بَشِيرٌ ونَذِيرٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وما أنا﴾ وأشارَ إلى أنَّ حَقَّ الآدَمِيِّ التَّواضُعُ وإسْلامُ الجَبَرُوتِ والقَهْرِ لِلَّهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِحَفِيظٍ﴾ أيْ: أقُودُكم قَسْرًا إلى ما يُنْجِيكم، وأمْنَعُكم قَهْرًا مِمّا يُرْدِيكم.

الأنعام 6:105

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ التِفاتًا إلى مَقامِ العَظَمَةِ إعْلامًا بِأنَّ القَضاءَ كُلَّهُ بِيَدِهِ لِئَلّا يُظَنَّ نَقْصٌ في نُفُوذِ الكَلِمَةِ: فانْظُرُوا ما صَرَّفْنا لَكم في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الآياتِ وأوْضَحْنا بِها مِن شَرِيفِ الدِّلالاتِ، لَقَدْ أتَيْنا فِيها بِعَجائِبِ التَّصارِيفِ وكَشَفْنا عَنْ غَرائِبِ التَّعارِيفِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٢٢٤)﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ هَذا التَّصْرِيفِ العَظِيمِ ﴿نُصَرِّفُ﴾ أيْ: نَنْقُلُ جَمِيعَ ﴿الآياتِ﴾ مِن حالٍ إلى حالٍ في المَعانِي المُتَنَوِّعَةِ سالِكِينَ مِن وُجُوهِ البَراهِينِ ما يَفُوتُ القُوى ويُعْجِزُ القُدَّرَ لِتَحِيرَ ألْبابُ المارِقِينَ وتَنْطَلِسَ أفْكارُ المانِعِينَ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم عَجَزَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يُدانِيها [فَتَلْزَمُهم الحُجَّةُ] ﴿ولِيَقُولُوا﴾ اعْتِداءً لا عَنْ ظُهُورِ عَجْزِهِمْ ﴿دَرَسْتَ﴾ أيْ: غَيْرَكَ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ غَيْرَهم في هَذا حَتّى انْتَظَمَ لَكَ هَذا الِانْتِظامُ وتَمَّ لَكَ هَذا التَّمامُ، فَيَأْتُوا بِبُهْتانٍ بَيِّنٍ عَوارُهُ ظاهِرَةٍ أسْرارُهُ، مَهْتُوكَةٍ أسْتارُهُ، فَيَكُونُوا كَأنَّهم قالُوا: إنَّكَ أتَيْتَ بِهِ عَنْ عِلْمٍ ونَحْنُ جاهِلُونَ لا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَيَعْلَمُ كُلُّ مُوَفَّقٍ أنَّهم ما رَضُوهُ لِأنْفُسِهِمْ مَعَ ادِّعاءِ الصِّدْقِ والمُنافَسَةِ في البُعْدِ عَنْ أوْصافِ الكَذِبِ إلّا لِفَرْطِ الحَيْرَةِ وتَناهِي الدَّهْشَةِ وإعْوازِ القادِحِ، والحاصِلُ أنَّهُ أتى بِهِ عَلى هَذا المِنهاجِ الغَرِيبِ والأُسْلُوبِ العَجِيبِ لِيَعْمى ناسٌ عَنْ بَيِّنَةٍ ويُبْصِرَ آخَرُونَ، وهم المُرادُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِنُبَيِّنَهُ﴾ أيْ: القُرْآنَ لِأنَّهُ المُرادُ بِالآياتِ المَسْمُوعَةِ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّ المُرادَ مِنَ الإبْلاغِ في البَيانِ أنْ يَزْدادَ الجَهَلَةُ بِهِ جَهْلًا، ويَهْتَدِيَ مَن كانَ لِلْعِلْمِ أهْلًا، فَلا يَقُولُونَ: ( دَرَسْتَ) بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ادِّعاءِ المُدارَسَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِها (p-٢٢٥)ثانِيًا، وإثْباتُ العِلْمِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ أوَّلًا، وهي مِن مَعْنى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]

الأنعام 6:106

ولَمّا انْكَشَفَ بِهَذا في أثْناءِ الأدِلَّةِ وتَضاعِيفِ البَراهِينِ أنَّ القُرْآنَ كَنْزٌ لا يُلْقى مِثْلُهُ كَنْزٌ، وعِزٌّ لا يُدانِيهِ عِزٌّ، وأنَّهُ في الذُّرْوَةِ الَّتِي تَضاءَلَتْ دُونَها سَوابِحُ الأفْكارِ، وكَلَّتْ عَنِ التِماعِها نَوافِذُ الأبْصارِ، وخَتَمَ بِأنَّ المُرادَ بِالبَيانِ العُلَماءُ، ناسَبَ لَهُ أنْ يُنَبِّهَ عَلى ذَلِكَ لِئَلّا يَفْتُرَ عَنْهُ طَعْنُهم بِقَوْلِهِمْ ( دَرَسْتَ) ونَحْوَهُ، فَقالَ مُخَصِّصًا لَهُ ﷺ بِالخِطابِ إعْلامًا بِأنَّهُ العالِمُ عَلى الحَقِيقَةِ: ﴿اتَّبِعْ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن تَبِعَكَ ﴿ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ أيْ: فالزَمْ العَمَلَ بِهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ مَدْحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذا البَيانِ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ: فَلا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُتَّبَعَ لَهُ أمْرٌ، ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ في نَفْعٍ ولا ضُرٍّ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: بِغَيْرِ التَّبْلِيغِ، فَإنَّهُ ما عَلَيْكَ غَيْرُهُ، ومَزِيدُ حِرْصِكَ عَلى إيمانِهِمْ لا يَزِيدُ مَن أُرِيدَتْ شَقْوَتُهُ إلّا تَمادِيًا في إشْراكِهِ وارْتِباكًا في قُيُودِ أشْراكِهِ.

الأنعام 6:107

ولَمّا كانَ الحَبِيبُ أسَرَّ شَيْءٍ بِما يَزِيدُهُ حَبِيبُهُ، قالَ مُسَلِّيًا لَهُ ﷺ عَنْ اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ ورَدِّهِمْ لِقَوْلِهِ، عاطِفًا عَلى (p-٢٢٦)ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما خالَفُوكَ ولا تَكَلَّمُوا فِيكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِنهم إشْراكٌ أصْلًا، فَقَدْ أرادَ لَكَ مِنَ الوُقُوعِ فِيكَ ما أرادَهُ لِنَفْسِهِ، فَلْيَكُنْ لَكَ في ذَلِكَ مَسْلاةٌ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ سُبْحانَهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْناكَ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا، وأشارَ إلى أنَّ العُلُوَّ لَيْسَ بِغَيْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: تَحْفَظُ أعْمالَهم لِئَلّا يَكُونَ مِنها ما لا يُرْضِينا فَتَرُدُّهم عَنْهُ قَسْرًا ﴿وما أنْتَ﴾ وقَدَّمَ ما هو أعَمُّ مِن نَفْيِ التَّحَقُّقِ بِالعُلُوِّ المُحِيطِ القاهِرِ الَّذِي هو خاصٌّ بِالإلَهِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ أيْ: فَتَأْخُذُ الحَقَّ مِنهم قَهْرًا، وتُعامِلُهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ خَيْرًا أوْ شَرًّا، إنَّما أنْتَ مُبَلِّغٌ عَنّا، ثُمَّ الأمْرُ في هِدايَتِهِمْ وإضْلالِهِمْ إلَيْنا.

الأنعام 6:108

ولَمّا طالَ التَّنْفِيرُ عَمّا اتَّخَذَ مِن دُونِهِ مِنَ الأنْدادِ والبَناتِ؛ لِأنَّها أقَلُّ مِن ذَلِكَ وأحْقَرُ - كانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ داعِيَةً إلى سَبِّها، فَنَهى عَنْهُ لِمَفْسَدَةٍ يَجُرُّها السَّبُّ كَبِيرَةٌ جِدًّا، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٠٦] غَيْرَ مُواجِهٍ لَهُ وحْدَهُ ﷺ إكْرامًا لَهُ: ﴿ولا تَسُبُّوا﴾ ولَمّا كانَتْ الأصْنامُ لا تَعْقِلُ، وكانَ المُشْرِكُونَ (p-٢٢٧)يَزْعُمُونَ بِها العَقْلَ والعِلْمَ، ويُسْنِدُونَ إلَيْها الأفْعالَ، أجْرى الكَلامَ عَلى زَعْمِهِمْ لِأنَّهُ في الكَفِّ عَنْها، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ مِنَ الأصْنامِ أوْ غَيْرِهِمْ بِذِكْرِ ما فِيهِمْ مِنَ النَّقْصِ، ثُمَّ بَيَّنَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ إكْرامِهِمْ أنَّهم في سُفُولٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ عَدْلًا، بِعِلْمٍ مِنكم بِما لَهم مِنَ المَعايِبِ، بَلْ أعْرَضُوا عَنْ غَيْرِ دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ حَتّى عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ بِما تَسْتَحِقُّهُ، فَإنّا زَيَّنّا لَهم أعْمالَهم فَغَرِقُوا مَعَ غَزارَةِ عُقُولِهِمْ فِيما لا يَرْتَضِيهِ عاقِلٌ، وكَذَّبُوا بِجَمِيعِ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ، فَرُبَّما جَرَّهم سَبُّكم لَها - لِما عِنْدَهم مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ - إلى ما لا يَلِيقُ ﴿فَيَسُبُّوا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَسُبُّوا ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي تَدْعُونَهُ ولَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وأظْهَرَ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وإعْظامًا لِهَذا وتَهْوِيلًا لَهُ وتَنْفِيرًا مِنهُ. ولَمّا كانَ الخنو يُوجِبُ الإسْراعَ - أشارَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿عَدْوًا﴾ أيْ: جَرْيًا إلى السَّبِّ؛ ولَمّا كانَ العَدْوُ قَدْ يَكُونُ مَعَ عِلْمٍ، قالَ مُبَيِّنًا لِأنَّهُ يُرادُ بِهِ مَعَ الإسْراعِ أنَّهُ مُجاوِزٌ لِلْحَدِّ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ لِأنّا زَيَّنّا لَهم عَمَلَهم، فالطّاعَةُ إذا اسْتَلْزَمَتْ وُجُودَ مُنْكَرٍ عَظِيمٍ احْتُرِزَ مِنهُ ولَوْ أدّى الحالُ إلى تَرْكِها وقْتًا ما، لِتَحْصُلَ القُوَّةُ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ المُنْكَرِ، فَحُكْمُ الآيَةِ باقٍ ولَيْسَ بِمَنسُوخٍ. (p-٢٢٨)ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ ضائِقًا بِهِ الصَّدْرُ، اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: هَلْ هَذا التَّزْيِينُ مُخْتَصٌّ بِهَؤُلاءِ المُجْرِمِينَ أمْ كانَ لِغَيْرِهِمْ مِنَ الأُمَمِ مِثْلُهُ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: بَلْ كانَ لِغَيْرِهِمْ، فَإنّا مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ الَّذِي زَيَّنّا لِهَؤُلاءِ ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: طائِفَةٍ عَظِيمَةٍ مَقْصُودَةٍ ﴿عَمَلَهُمْ﴾ أيْ: القَبِيحَ الَّذِي أقْدَمُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما خَلَقَهُ في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَحَبَّةِ لَهُ، رَدًّا مِنّا لَهم بَعْدَ العَقْلِ الرَّصِينِ أسْفَلَ سافِلِينَ، حَتّى رَأوْا حَسَنًا ما لَيْسَ بِالحَسَنِ لِتَبِينَ قُدْرَتُنا؛ فَكانَ في ذَلِكَ أعْظَمُ تَسْلِيَةٍ وتَأْسِيَةٍ وتَعْزِيَةٍ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وإثْباتُ التَّزْيِينِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا. ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - طَوِيلَ الأناةِ عَظِيمَ الحِلْمِ، وكانَ الإمْهالُ رُبَّما كانَ مِن جَهْلٍ بِعَمَلِ العاصِي - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الإمْهالِ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالحِلْمِ عَنْهم وهم يَتَقَوَّوْنَ بِنِعَمِهِ عَلى مَعاصِيهِ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾ أيْ: بِالحَشْرِ الأعْظَمِ ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُهم إخْبارًا عَظِيمًا بَلِيغًا ﴿بِما﴾ أيْ: بِجَمِيعِ ما ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ [وإنْ ادَّعَوْا أنَّهم عامِلُونَ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ] .

الأنعام 6:109

(p-٢٢٩)ولَمّا نَصَبَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الدِّلالاتِ في هَذِهِ الآياتِ البَيِّناتِ حَتّى خَتَمَها بِما عَلِمَ مِنهم مِنَ الإسْراعِ إلى سَبٍّ مَن أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِأنْ أوَجَدَهم وأوْجَدَ لَهم كُلَّ ما في الكَوْنِ، وما مِن نِعْمَةٍ عَلَيْهِمْ إلّا وهي مِنهُ، عَجِبَ مِنهم في الوَعْدِ بِالإيمانِ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ بِما يَأْتِيهِمْ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا زُيِّنَ لَهم مِن عَمَلِهِمْ، وهي أُمْنِيَةٌ كاذِبَةٌ ويَمِينٌ حانِثَةٌ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ﴿وأقْسَمُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ: باذِلِينَ فِيها جُهْدَهم حَتّى كَأنَّها هي جاهِدَةٌ، ووَطَّأ لِلْقَسَمِ فَقالَ: ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ أيْ: مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، وتَلَقّى القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ ولَمّا كانُوا بِهَذا ظالِمِينَ مِن أجْلِ أنَّهم طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ ما لَيْسَ إلَيْهِ بَعْدَ إتْيانِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ بِما أزالَ مَعاذِيرَهم، وأوْجَبَ عَلَيْهِمْ الِاتِّباعَ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلْ﴾ أيْ: رَدًّا لِتَعَنُّتِهِمْ ﴿إنَّما الآياتُ﴾ أيْ: هَذا الجِنْسُ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، ولَيْسَ إلَيَّ ولا إلى غَيْرِي شَيْءٌ مِن هَذا الجِنْسِ لِيُفِيدَ الِاقْتِراحَ شَيْئًا غَيْرَ إغْضابِهِ. ولَمّا كانَ العَبْدُ لِعَجْزِهِ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ أصْلًا، فَلا يَصِحُّ لَهُ أنْ يَحْكُمَ عَلى آتٍ أصْلًا لا مِن أفْعالِهِ ولا مِن أفْعالِ غَيْرِهِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُلْتَفِتًا إلى خِطابِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم حَقِيقُونَ بِالمُواجَهَةِ بِالتَّبْكِيتِ: ﴿وما﴾ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ أيْ: أدْنى شُعُورٍ بِما (p-٢٣٠)أقْسَمْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مَجِيئِها حَتّى يَتَوَهَّمُوهُ أدْنى تَوَهُّمٍ فَضْلًا عَنِ الظَّنِّ فَكَيْفَ بِالجَزْمِ ولا سِيَّما عَلى هَذا الوَجْهِ! ثُمَّ عَلَّلَ الِاسْتِفْهامَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا أنَّهُ لا فائِدَةَ في الإتْيانِ بِالآيَةِ المُقْتَرَحَةِ: ﴿أنَّها﴾ بِالفَتْحِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وشُعْبَةَ في رِوايَةٍ عَنْهُ وحَفْصٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أنْكَرْتُ عَلَيْكم لِأنَّها ﴿إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِالخِطابِ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ لِلْإعْلامِ بِأنَّهم بَعِيدُونَ مِنَ الإيمانِ فَهم أهْلٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم لِما اسْتَحَقُّوا مِنَ الغَضَبِ، والتَّعْلِيلِ عِنْدَ مَن كَسَرَ ( أنَّها ) واضِحٌ.

الأنعام 6:110

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنّا نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ونُزَيِّنُ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونُقَلِّبُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أفْئِدَتَهُمْ﴾ أيْ: قُلُوبَهم حَتّى لا يَهْتَدُوا بِها ﴿وأبْصارَهُمْ﴾ حَتّى لا يَنْفَعَهم الإبْصارُ بِها، فَلا يَعْتَبِرُونَ فَلا يُؤْمِنُونَ ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾ أيْ: بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: عِنْدَ إتْيانِ الآياتِ الَّتِي قَبْلَ تِلْكَ ﴿ونَذَرُهُمْ﴾ أيْ: نَتْرُكُهم ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ أيْ: تَجاوُزِهِمْ لِلْحُدُودِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ: يُدِيمُونَ التَّحَيُّرَ عَلى أنَّ الحالَ لِما فِيهِ مِنَ الدِّلالَةِ لا يَقْتَضِي حَيْرَةً بِوَجْهٍ.

الأنعام 6:111

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ آيَةٍ مُقْتَرِحَةٍ عَمَّمَ عَلى وجْهٍ مُفَصَّلٍ لِإجْمالِ ما قَبْلَهُ فَقالَ: (p-٢٣١)﴿ولَوْ أنَّنا﴾ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا البالِغَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ النُّوناتِ ﴿نَـزَّلْنا﴾ أيْ: عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ أيْ: كُلَّهم فَرَأوْهم عِيانًا ﴿وكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: [بِما] لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ جَمْعُ قَبِيلٍ جَمْعُ قَبِيلَةٍ [فِي قِراءَةِ مَن ضَمَّ القافَ والباءَ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ]، أيْ: جاءَهم ذَلِكَ المَحْشُورُ كُلُّهُ قَبِيلَةً [قَبِيلَةً] تَتْرى ومُواجَهَةً ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ أيْ: عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَتِهِ لِإيمانِهِمْ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، فَإذَنْ لا عِبْرَةَ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، فالآيَةُ دامِغَةٌ لِأهْلِ القَدَرِ، ولا مَدْخَلَ لِآيَةٍ ولا غَيْرِها في ذَلِكَ، فَلا يَطْمَعُ أحَدٌ في إيمانِهِمْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَقْرُبُ عِنْدِي - وإنْ بَعُدَ المَدى - أنْ يَكُونَ ﴿وأقْسَمُوا﴾ [الأنعام: ١٠٩] مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧] وهَذا مِنَ المُتَعارَفِ في كَلامِ البُلَغاءِ أنْ يَحْكِيَ الإنْسانُ جُمْلَةً مِن كَلامِ خَصْمِهِ، ثُمَّ يَشْرَعُ في تَوْهِينِها، ويَخْرُجُ إلى أُمُورٍ - يَجُرُّها المَقامُ - كَثِيرَةُ الأنْواعِ طَوِيلَةُ الذُّيُولِ جِدًّا، ثُمَّ يَحْكِي جُمْلَةً أُخْرى فَيَقُولُ مُعْجِّبًا مِنهُ: وقالَ كَذا وكَذا، ثُمَّ يَشْرَعُ فِيما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنَ النَّقْدِ والرَّدِّ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ تَوْحِيدُ خَتْمِهِما، فَخَتْمُ الأُولى ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧] وخَتْمُ هَذِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ أيْ: أهْلُ جَهْلٍ (p-٢٣٢)مَطْبُوعُونَ فِيهِ، يُقْسِمُونَ عَلى الإيمانِ عِنْدَ مَجِيءِ آيَةٍ مُقْتَرَحَةٍ ولا يَشْعُرُونَ أنَّ المانِعَ لَهم مِنَ الإيمانِ إنَّما هو المَشِيئَةُ وإلّا لَآمَنُوا بِما جاءَهم مِنَ الآياتِ، فَإنَّهُ كِفايَةٌ في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، والآياتُ كُلُّها مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدِّلالَةِ عَلى صِدْقِ الدّاعِي بِخَرْقِ العادَةِ والعَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها.

الأنعام 6:112

ولَمّا كانَ مَضْمُونَ ما تَقَدَّمَ إثْباتُ عَداوَةِ الكُفّارِ لِلنَّبِيِّ ﷺ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَسْلِيَةً لَهُ وتَثْبِيتًا لِفُؤادِهِ: فَقَدْ جَعَلْناهم أعْداءً لَكَ لِأنَّكَ عالِمٌ، والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما جَعَلْنا لَكَ أعْداءً مِن كُفّارِ الإنْسِ والجِنِّ ﴿جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ﴾ أيْ: مِمَّنْ كانَ قَبْلَكَ، وعَبَّرَ عَنِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ - والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ - إشارَةً إلى أنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ في العَداوَةِ، فَقالَ: ﴿عَدُوًّا﴾ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ، وأنَّهم أهْلُ الشَّرِّ فَقالَ مُبْدِلًا: ﴿شَياطِينَ﴾ أيْ: أشْرارَ ﴿الإنْسِ والجِنِّ﴾ المُتَمَرِّدِينَ مِنهم، ورُبَّما اسْتَعانَ شَيْطانُ الجِنِّ شَيْطانَ الإنْسِ لِقُرْبِ قَلْبِهِ مِنهُ، أمْ يَكُونُ نَوْعُهُ إلَيْهِ أمْيَلُ، وأشارَ إلى هَوانِ أمْرِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ﴾ أيْ: الشَّياطِينِ مِنَ النَّوْعَيْنِ ﴿إلى بَعْضٍ﴾ أيْ: يُكَلِّمُهُ في خَفاءٍ ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾ أيْ: مُزَيَّنِهِ ومُنَمَّقِهِ. ولَمّا كانَ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ لا حَقِيقَةَ لَهُ - لَوْلا الزَّخْرَفَةُ ما قِيلَ - زادَهُ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿غُرُورًا﴾ أيْ: لِأجْلِ أنْ يَغُرُّوهم بِذَلِكَ، أيْ: يَخْدَعُوهم فَيَصِيرُوا لِقَبُولِهِمْ كَلامِهِمْ كالغافِلِينَ الَّذِينَ شَأْنُهم عَدَمُ التَّحَفُّظِ، (p-٢٣٣)والغَرُورُ هو الَّذِي يُعْتَقَدُ فِيهِ النَّفْعُ ولَيْسَ بِنافِعٍ. ولَمّا كانَ أوَّلُ الآيَةِ مُعْلِمًا أنَّ هَذا كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وجَعْلِهِ - أيَّدَ ذَلِكَ ومَكَّنَهُ في آخِرِها بِأنَّهُ لَوْ شاءَ ما كانَ، وكُلُّ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ وتَنْزِيهًا لِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَخْرُجَ شَيْءٌ عَنْها فَيَدُلُّ عَلى الوَهَنِ، ويَجُرُّ قَطْعًا إلى اعْتِقادِ العَجْزِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ أعْدائِهِ ﷺ والمُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ - أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لِإكْرامِهِ وإعْزازِهِ، لا لِهَوانِهِ، فَقالَ ﴿رَبُّكَ﴾ أيْ: بِما لَهُ إلَيْكَ مِن حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وغَزِيرِ الإحْسانِ مَعَ ما لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، أنْ لا يَفْعَلُوهُ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي أنْبَأْتُكَ بِهِ مِن عَداوَتِهِمْ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها. ولَمّا قَرَّرَ أنَّ هَذا مِن بابِ التَّرْبِيَةِ فَعاقِبَتُهُ إلى خَيْرٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيْ: اتْرُكْهم عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ ﴿وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ واخْتِلافَهُ، واذْكُرْ ما لِرَبِّكَ عَلَيْكَ مِنَ العاطِفَةِ لِتَعْلَمَ أنَّ الَّذِي سَلَّطَهم عَلى هَذا في غايَةِ الرَّأْفَةِ بِكَ والرَّحْمَةِ لَكَ وحُسْنِ التَّرْبِيَةِ كَما لا يَخْفى عَلَيْكَ، فَثِقْ بِهِ واعْلَمْ أنَّ لَهُ في هَذا لَطِيفَ سَرِيرَةٍ تَدُقُّ عَنِ الأفْكارِ، بِخِلافِ الآياتِ الآتِيَةِ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِاسْمِ الجَلالَةِ، فَإنَّها في عَظِيمِ تَجَرُّئِهِمْ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ.

الأنعام 6:113

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ذَرْهم لِتُعْرِضَ عَنْهم قُلُوبُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ (p-٢٣٤)ولِيُسْخِطُوهُ، ولِيَعْلَمُوا ما هم لَهُ مُبْصِرُونَ [و] بِهِ عارِفُونَ، فَتُرْفَعُ بِذَلِكَ دَرَجاتُهم - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَصْغى﴾ أيْ: تَمِيلُ مَيْلًا قَوِيًّا تُعْرِضُ بِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: كَذِبِهِمْ وما في حَيِّزِهِ ﴿أفْئِدَةُ﴾ أيْ: قُلُوبُ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: لَيْسَ في طَبْعِهِمْ الإيمانُ بِها لِأنَّها غَيْبٌ، وهم لِبَلادَتِهِمْ واقِفُونَ مَعَ الوَهْمِ، ولِذَلِكَ اسْتَوْلَتْ عَلَيْهِمْ الدُّنْيا الَّتِي هي أصْلُ الغُرُورِ ﴿ولِيَرْضَوْهُ﴾ أيْ: بِما تَمَكَّنَ مِن مَيْلِهِمْ إلَيْهِ ﴿ولِيَقْتَرِفُوا﴾ أيْ: يَفْعَلُوا بِجُهْدِهِمْ ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ وهَذِهِ الجُمَلُ - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ - عَلى غايَةِ الفَصاحَةِ؛ لِأنَّهُ أوَّلًا يَكُونُ الخِداعُ فَيَكُونُ المَيْلُ فَيَكُونُ الرِّضى فَيَكُونُ فِعْلُ الِاقْتِرافِ، فَكَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَهُ.

الأنعام 6:114

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْ مَغِيبٍ، وهو أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ دُعاءَ الأعْداءِ والمُخالِفِينَ إلى حاكِمٍ يَفْصِلُ بَيْنَهم، وكانُوا إنَّما يَفْزَعُونَ في الأُمُورِ المُغَيَّبَةِ إلى الكُهّانِ لِما كانُوا يَكْشِفُونَ لَهم بِما يَقْذِفُ إلَيْهِمْ إخْوانُهم مِنَ الجانِّ مِمّا يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ، فَيَزِيدُونَهُ كَذِبًا كَثِيرًا، ثُمَّ لا يَضُرُّهم ذَلِكَ عِنْدَهم لِذَلِكَ القَلِيلِ الَّذِي يَصْدُقُونَ فِيهِ - كَما ابْتُلِينا بِهِ في هَذا الزَّمانِ مِنَ الِافْتِتانِ بِمَن يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ مِنَ المَجانِينِ والمُتَشَبِّهِينَ بِهِمْ، وكانَتْ الآياتُ الَّتِي فَرَغَ مِنها (p-٢٣٥)قَدْ أثْبَتَتْ أنَّ اتِّخاذَهم غُرُورٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبَ نَفْيِ اتِّخاذِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ لِما اتَّصَفَ بِهِ مِن إيحاءِ ما خالَفَ إيحاءَهم، فَفاتَ القُوى في إخْبارِهِ عَنْ حَقائِقِ الأُمُورِ مُفَصَّلَةً أحْسَنَ تَفْصِيلٍ في أسالِيبَ قَصُرَتْ دُونَها سَوابِقُ الأفْكارِ، وكَعَّتْ عَنْها نَوافِذُ الأفْهامِ، فَثَبَتَتْ بِهِ نُبُوَّتُهُ ووَضَحَتْ رِسالَتُهُ، فَكانَ اقْتِراحُهم ظاهِرًا في كَوْنِهِ تَعَنُّتًا؛ لِأنَّهم كَذَّبُوا بِأعْظَمِ الآياتِ: القُرْآنِ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وطَعَنُوا فِيهِ بِما زادَهم فَضائِحَ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في إجابَتِهِمْ إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ، فَكانَ الجَوابُ - عَمّا اقْتَضاهُ لِسانُ حالِهِمْ مِن طَلَبِ التَّحاكُمِ إلى أوْلِيائِهِمْ بِبَلِيغِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ [بِقَوْلِهِ]: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ - عَلى غايَةٍ مِنَ البَلاغَةِ لا تُدْرَكُ، والفاءُ فِيهِ لِلسَّبَبِ، وإنَّما تَقَدَّمَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ لِاقْتِضائِها الصَّدْرَ ﴿أبْتَغِي﴾ أيْ: أطْلُبُ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الغَيْرِ ﴿حَكَمًا﴾ أيْ: يَحْكُمُ بَيْنِي وبَيْنَكم ويَفْصِلُ نِزاعَنا؛ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى هَذا الإنْكارِ بِتَفْصِيلِ الكِتابِ هَذا التَّفْصِيلَ المُعْجِزَ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ إلَيْكُمُ﴾ أيْ: خاصَّةٍ نِعْمَةً عَلَيَّ بِالقَصْدِ الأوَّلِ [وعَلَيْكم بِالقَصْدِ الثّانِي] ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: الأكْمَلَ المُعْجِزَ، وهو هَذا القُرْآنُ الَّذِي هو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ (p-٢٣٦)﴿مُفَصَّلا﴾ أيْ: مُمَيَّزًا فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأحْكامِ، مَعَ ما تُفِيدُهُ فَواصِلُ الآياتِ مِنَ اللَّطائِفِ والمَعارِفِ الكاشِفَةِ لِحَقائِقِ البِداياتِ والنِّهاياتِ، ولَقَدْ اشْتَدَّ الِاعْتِناءُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّفْصِيلِ لِوُقُوعِ العِلْمِ مِن أرْبابِ البَصائِرِ في الصَّنائِعِ بِأنَّ مَن لا يُحْسِنُ التَّفْصِيلَ لا يُتْقِنُ التَّرْكِيبَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتُمْ وجَمِيعُ أرْبابِ البَلاغَةِ تَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ بِتَفْصِيلِهِ والعَجْزِ عَنْ مَثِيلِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً حالِيَّةً ﴿آتَيْناهُمُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَعْرِفُونَها ويَعْرِفُونَ بِها الحَقَّ مِنَ الباطِلِ ﴿الكِتابَ﴾ أيْ: المَعْهُودَ إنْزالُهُ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لِما لَهم مِن سَوابِقِ الأُنْسِ بِالكُتُبِ الإلَهِيَّةِ ﴿أنَّهُ مُنَـزَّلٌ﴾ ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَلالَةِ الشَّرِيفَةِ في ( حاقَ ) مَوْضِعَهُ في سِياقِ الحُكْمِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ التَّفَرُّدِ بِالكَمالِ، وكانَ هَذا المَقامُ بِسِياقِ الإنْزالِ يَقْتَضِي الإحْسانَ - لَمْ يُضْمِرْ، بَلْ قالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما خَصَّكَ بِهِ في هَذا الكِتابِ مِن أنْواعِ الفَضائِلِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ: الأكْمَلِ لِما عِنْدَهم بِهِ مِنَ البَشائِرِ في كُتُبِهِمْ ولِما لَهُ مِن مُوافَقَتِها في ذِكْرِ الأحْكامِ المُحْكَمَةِ والمَواعِظِ الحَسَنَةِ وكَثْرَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى وُجُوهٍ تُرَقِّقُ القُلُوبَ (p-٢٣٧)وتُفِيضُ الدُّمُوعَ وتُصَدِّعُ الصُّدُورَ، مَعَ ما يَزِيدُ بِهِ عَلى كُتُبِهِمْ مِنَ التَّفْصِيلِ بِما يُفْهِمُ مَعارِفَ الإلَهِيَّةِ والمَقاماتِ الصُّوفِيَّةِ في ضِمْنِ الأحْكامِ السِّياسِيَّةِ والإعْجازِ بِكُلِّ آيَةٍ. ولَمّا كانَ أهْلُ الكِتابِ يُخْفُونَ ما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، ويَقُولُونَ لِلْمُشْرِكِينَ: إنَّهم أهْدى سَبِيلًا، بِما قَدْ يُوهِمُ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ بُطْلانَهُ، أوْ أنَّ الأمْرَ مُلْبِسٌ عَلَيْهِمْ، سَبَّبَ عَنْ إخْبارِهِ - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ عَلى طَرِيقِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ [أيْ انْفِ نَفْيًا مُؤَكَّدًا جِدًّا أنْ تَكُونَ في وقْتٍ ما] ﴿مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ أيْ: العامِلِينَ عَمَلَ الشّاكِّ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ وإنْ زادَ إخْفاؤُهم لَهُ وإظْهارُهم لِما يُوهِمُ خِلافَهُ؛ وإذا حارَبْتَهم في ذَلِكَ وأنْتَ أفْطَنُ النّاسِ وأعْرَفُهم بِما يُظْهِرُهُ المُجاوَزاتُ مِن خَفايا الأسْرارِ - تَحَقَّقَتْ ما قُلْناهُ وإنْ اجْتَهَدُوا في الكِتْمانِ، كَما كَشَفَتْ عَنْهُ قِصَّةُ المُناشَدَةِ في أمْرِ الزّانِيَيْنِ وغَيْرِها؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، وإنْ شِئْتَ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ - فَنَزَلَتْ.

الأنعام 6:115

ولَمّا دَلَّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ صَرِيحًا وأهْلِ اللِّسانِ تَلْوِيحًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ آخَرَ شُهُودِيٍّ، وهو أنَّهُ ما قالَ شَيْئًا إلّا كانَ عَلى وفْقِ ما قالَ، وأنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ - ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ - مَنعَ شَيْءٍ مِمّا أخْبَرَ بِهِ ولا تَعْوِيقَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ ولا أقَلَّ ولا أكْثَرَ (p-٢٣٨)بِقَوْلِهِ تَعالى مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ، لِتَذْكِيرِهِ ﷺ بِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ الإحْسانِ، والتَّنْبِيهِ عَلى ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ التَّشْرِيفِ والإكْرامِ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: نَفَذَتْ وتَحَقَّقَتْ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١١٩] أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ حالَ كَوْنِها ﴿صِدْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبْدِيَ في شَيْءٍ مِنها حَدِيثًا بِتَخَلُّفٍ ما عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ. ولَمّا كانَ الصِّدْقُ غَيْرَ مُنافٍ لِلْجَوْرِ - قالَ: ﴿وعَدْلا﴾ ولَمّا كانَ الصِّدْقُ العَدْلُ قَدْ لا يَتِمُّ مَعَهُ مُرادُ القائِلِ، ولا يَنْفُذُ فِيهِ كَلامُ الآمِرِ لِمَنعِ مَن هو أقْوى مِنهُ، أخْبَرَ أنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَ مَطْلَعُ الآيَةِ مِنَ التَّمامِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَبَرُّكًا وتَلْذِيذًا فَقالَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ أيْ: مِن حَيْثُ إنَّها كَلِماتُهُ مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ بِنَوْعٍ ما، بَلْ كُلُّ ما أخْبَرَتْ بِهِ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ، رَضِيَ مَن رَضِيَ وسَخِطَ مِن سَخِطَ. ولَمّا كانَ المُغَيِّرُ لِشَيْءٍ إنَّما يَتِمُّ لَهُ ما يُرِيدُ مِنَ التَّغْيِيرِ بِكَوْنِ المُغَيَّرِ عَلَيْهِ لا يَعْلَمُ الأسْبابَ المُنْجِحَةَ لِما أرادَ لِيَحْكُمَها، والمَوانِعَ العائِقَةَ لِيُبْطِلَها - قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿السَّمِيعُ﴾ أيْ: البالِغُ السَّمْعِ لِجَمِيعِ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيْ: البالِغُ العِلْمِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ، فَهو إذَنْ الكامِلُ القُدْرَةِ النّافِذُ الأمْرِ في جَمِيعِ الأسْبابِ والمَوانِعِ، فَلا يَدَعُ أحَدًا يُغَيِّرُ شَيْئًا مِنها وإنْ (p-٢٣٩)دَلَّسَ أوْ شَبَّهَ.

الأنعام 6:116

ولَمّا أجابَ عَنْ شُبَهاتِ الكُفّارِ، وبَيَّنَ صِحَّةَ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَرَعَ في الحَثِّ عَلى الإعْراضِ عَنْ جَهْلِ الجُهّالِ، والإقْبالِ عَلى ذِي الجَلالِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أطَعْتَهُ فِيما أمَرَكَ بِهِ اهْتَدَيْتَ إلى صِراطِ اللَّهِ الَّذِي يَتِمُّ لَكَ بِسُلُوكِهِ جَمِيعُ ما وعَدَكَ بِهِ - عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُطِعْ﴾ ولَمّا كانَتْ أكْثَرُ الأنْفُسِ مُتَقَيِّدَةً بِالأكْثَرِ، أشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا جاهِلٌ مُخْلِدٌ إلى التَّقْلِيدِ فَقالَ: ﴿أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ أيْ: تُوجَدُ طاعَتُكَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ بَعْدَ أنْ عَلِمْتَ أنَّ أكْثَرَهم إنَّما يَتَّبِعُ الهَوى، وأنَّ أكْثَرَهم فاسِقُونَ لا يَعْلَمُونَ لا يَشْكُرُونَ ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾ أيْ: لِأنَّهم ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ في أُمُورِهِمْ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ [أيْ] كَما يَظُنُّ هَؤُلاءِ جَهْلًا أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ مَن يَجْزِمُ بِالأُمُورِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ ظَنُّهُ كَذِبًا، وكانَ الخارِصُ يُقالُ عَلى الكاذِبِ والمُخَمِّنِ الحازِرِ - قالَ: ﴿وإنْ هُمْ﴾ أيْ: بِصَمِيمِ ضَمائِرِهِمْ ﴿إلا يَخْرُصُونَ﴾ أيْ: يَجْزِمُونَ بِالأُمُورِ بِحَسَبِ ما يُقَدِّرُونَ، فَيُكْشَفُ الأمْرُ عَنْ أنَّها كَذِبٌ، فَيُعْرَفُ الفَرْقُ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في تَمامِ [الكَلامِ] ونُفُوذِهِ نُفُوذَ السِّهامِ، أوْ تَخَلُّفِهِ عَنِ التَّمامِ ونُكُوصِهِ (p-٢٤٠)كالسَّيْفِ الكَهامِ، فَلا يَبْقى شُبْهَةٌ في أمْرِ المُحِقِّ والمُبْطِلِ.

الأنعام 6:117

ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْعِلْمِ الكاشِفِ لِلْحَقائِقِ المُبَيِّنِ لِما يُتَّبَعُ وما يُجْتَنَبُ - قالَ مُعَلِّلًا لِهَذا الإخْبارِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ الكاشِفِ لِلِارْتِيابِ الهادِي إلى الصَّوابِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ﴾ ولِكَوْنِ الحالِ شَدِيدَ الِاقْتِضاءِ لِلْعِلْمِ، قَطَعَهُ عَمّا بَعْدَهُ لِيَسْبِقَ إلى الفَهْمِ أنَّهُ أعْلَمُ مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ العِلْمُ مُطْلَقًا، ثُمَّ قالَ: ﴿مَن﴾ أيْ: يَعْلَمُ مَن ﴿يَضِلُّ﴾ أيْ: يَقَعُ مِنهُ ضَلالٌ يَوْمًا ما ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أيْ: الَّذِي بَيَّنَهُ بِعِلْمِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ كَما أنَّهُ أعْلَمُ بِالضّالِّينَ، فَمَن أمَرَكم بِاتِّباعِهِ فاتَّبِعُوهُ، ومَن نَهاكم عَنْهُ فاجْتَنِبُوهُ، فَمَن ضَلَّ أرْداهُ، ومَن اهْتَدى أنْجاهُ، فاسْتَمْسِكُوا بِأسْبابِهِ حَذَرًا [مِن] وبِيلِ عِقابِهِ يَوْمَ حِسابِهِ.

الأنعام 6:118

ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - ما مَضى مِنَ السَّوائِبِ وما مَعَها وفي المائِدَةِ مِمّا يَدِينُ بِهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ في أكْلِ الحَيَوانِ الَّذِي جَرَّ إلَيْهِ الشِّرْكُ، وأتْبَعَهُ بَيانَ أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى أهْلِ الإيمانِ مِن دِينِ أهْلِ الضَّلالِ إذا اهْتَدَوْا، وأتْبَعَ ذَلِكَ ما لاءَمَهُ، وانْتَظَمَ في سِلْكِهِ ولاحَمَهُ، حَتّى ظَهَرَ أيْ: ظُهُورَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، فَوَجَبَ شُكْرُهُ وحْدَهُ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ قَدْ كَفَرُوا نِعَمَهُ تَعالى فاتَّخَذُوا مَعَهُ شُرَكاءَ ولَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ حَتّى جَعَلُوا لَها مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا، (p-٢٤١)فَكانُوا بِذَلِكَ المانِعِينَ الحَقَّ عَنْ أهْلِهِ، ومانِحِينَ ما خَوَّلَهم فِيهِ مِن لَهُ المُلْكُ لِما لا يَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا، وتارِكِينَ بَعْضَ ما أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ صاحِبُ الحَقِّ رِعايَةً لِمَن لا حَقَّ لَهُ ولا حُرْمَةَ، وكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى قَدْ جَرَتْ بِأنَّهُ يَذْكُرُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِالوَحْدانِيَّةِ. ويُسْتَدَلُّ عَلى ذَلِكَ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما أوْدَعَ فِيهِما لَنا مِنَ المَنافِعِ وما أبْدَعَ مِنَ المَرافِقِ والمَصانِعِ، ثُمَّ يَعْجَبُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالأكْلِ مِمّا خَلَقَ تَذْكِيرًا بِالنِّعْمَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ داعِيَةً لِكُلِّ ذِي لُبٍّ إلى شُكْرِهِ، كَما قالَ تَعالى في البَقَرَةِ عَقِبَ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] ثُمَّ قالَ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ثُمَّ قالَ ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] أجْرى هَذِهِ السُّنَّةَ الجَلِيلَةَ في هَذِهِ السُّورَةِ أيْضًا، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] بَعْدَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ﴾ [الأنعام: ٧٩] ثُمَّ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ودَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في مِلْكِهِ ولا مُلْكِهِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ لا حَكَمَ سِواهُ يُنازِعُهُ في حُكْمِهِ أوْ يُبارِيهِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، وبَيَّنَ أنَّ مِن [آيِها] الهِدايَةُ الَّتِي جَعَلَها شَرْطًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ مِن دِينِ أهْلِ الشِّرْكِ؛ فَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: وقْتَ الذَّبْحِ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ (p-٢٤٢)الإحاطَةُ الكامِلَةُ فَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: كَأنَّ قائِلًا لِذَلِكَ سَواءٌ ذُكِرَ بِالفِعْلِ أوْ لا، وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِما جَعَلْتُهُ المُرادَ لِيُفْهَمَ أنَّ الذِّكْرَ بِالفِعْلِ مَندُوبٌ إلَيْهِ، ولا يَكُونُوا مِمَّنْ بَنى دِينَهُ عَلى اتِّباعِ الأهْوِيَةِ والظُّنُونِ الكاذِبَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اتَّبِعُوا مَن يَعْرِفُ الحَقَّ لِأهْلِهِ فَإنَّهُ مُهْتَدٍ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ ضالٌّ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ، فَكُلُوا مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَكم حَلالًا شاكِرِينَ لِنِعْمَتِهِ، وإنَّما أطالَ هُنا - دُونَ البَقَرَةِ - ما بَيْنَ الجُمَلِ الكَلامَ تَقْرِيرًا لِمَضامِينِها وما يَسْتَتْبِعُهُ واحْتِجاجًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّها سُورَةُ التَّفْصِيلِ، وأتى بِالذِّكْرِ والمُرادُ قَبُولُ المَأْكُولِ لَهُ، أيْ: كُلُوا مِمّا يَقْبَلُ أنْ يُسَمّى عَلَيْهِ عَلى مُقْتَضى ما شَرَعَهُ، وذَلِكَ هو الَّذِي أحَلَّهُ مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ سَواءٌ كانَ مِمّا جَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ أوْ لا، دُونَ ما ماتَ مِنَ الحَيَوانِ حَتْفَ أنْفِهِ، أوْ ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ أوْ كانَ مِمّا حَرُمَ أكْلُهُ وإنْ ذُبِحَ وذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّحْلِيلَ بِالتَّسْمِيَةِ، فالتَّسْمِيَةُ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لِوُرُودِ النُّصُوصِ بِالتَّحْرِيمِ، ولا تَتَّبِعُوا المُشْرِكِينَ في مَنعِهِمْ أنْفُسَهم مِن خَيْرٍ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ لَهم مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ بِتَسْمِيَتِهِمْ إيّاهُ لِآلِهَتِهِمْ الَّتِي لا غِناءَ عِنْدِها، ويَكُونُ [ذَلِكَ] حَثًّا عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى جَمِيعِ المَأْكُولِ الحَلالِ، فَتَكُونُ الآيَةُ كَآيَةِ البَقَرَةِ [بِزِيادَةٍ] . ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ لا يَقْبَلُهُ إلّا مَن زالَ دِينُ الشِّرْكِ وجَمِيعُ تَوابِعِهِ مِن قَلْبِهِ - قالَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: بِما لَكم مِنَ ا لْجِبِلَّةِ الصّالِحَةِ ﴿بِآياتِهِ﴾ (p-٢٤٣)أيْ: عامَّةً، الَّتِي مِنها آياتُ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ،

الأنعام 6:119

وقَدْ لاحَ بِذَلِكَ حُسْنُ انْتِظامِ قَوْلِهِ: ﴿وما لَكُمْ﴾ أيْ: أيِّ شَيْءٍ يَكُونُ لَكم في ﴿ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ﴾ أيْ: يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ فَإنَّ التَّسْمِيَةَ قائِمَةٌ مَقامَ إذْنِهِ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿فَصَّلَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ ذَلِكَ والخَلْقُ خَلْقُهُ والأمْرُ أمْرُهُ ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ تَفْصِيلًا واضِحَ البَيانِ ظاهِرَ البُرْهانِ ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: فَإنَّ الضَّرُورَةَ تُزِيلُ التَّفْصِيلَ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّفْصِيلِ؛ فَيَصِيرُ الكُلُّ حَلالًا لا تَفْصِيلَ فِيهِ، والمُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِينَ، فَأمّا مَن خُوطِبَ بِها وقْتَ الإنْزالِ فالمُرادُ بِالتَّفْصِيلِ الَّذِي آتاهُ الآيَةُ الآتِيَةُ أخِيرَ هَذِهِ فَإنَّها نَزَلَتْ جُمْلَةً، وكَذا كُلُّ ما شاكَلَها مِمّا أُنْزِلَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذا ما أخْبَرَ بِهِ ﷺ في وحْيٍ مَتْلُوٍّ إذْ ذاكَ، ولَعَلَّهُ نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ وبَقِيَ حُكْمُهُ، أوْ وحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ مِن جَمِيعِ الأحادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلى هَذِهِ السُّورَةِ، وأمّا مَن خُوطِبَ بِها بَعْدَ تَرْتِيبِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ فالمُرادُ في حَقِّهِ [كَما] في البَقَرَةِ والمائِدَةِ وغَيْرِهِما مِنَ السُّوَرِ الماضِيَةِ - مِنَ الحَلالِ والحَرامِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الأوامِرِ اهْتَدى بِما نالَ مِنَ العِلْمِ وهم قَلِيلٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ كَثِيرًا﴾ أيْ: مِنَ النّاسِ ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ (p-٢٤٤)أيْ: يَقَعُ مِنهم الضَّلالُ فَيُوقِعُونَ غَيْرَهم فِيهِ بِنُكُوبِهِمْ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ أوامِرُ اللَّهِ وهَدى إلَيْهِ بَيانُهُ، فَيَكُونُونَ بِمَعْرِضِ العَطَبِ ﴿بِأهْوائِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى؛ ولَمّا كانَ الهَوى - وهو مَيْلُ النَّفْسِ - رُبَّما كانَ مُوافِقًا لِما أدّى إلَيْهِ العِلْمُ بِصَحِيحِ الفِكْرِ وصَرِيحِ العَقْلِ قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: دَعا إلى ذَلِكَ [مِمَّنْ لَهُ العِلْمُ] مِن شَرِيعَةٍ ماضِيَةٍ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ. ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ هَذا، أثْبَتَ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ ما هو مُسَلَّمٌ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ وقالَ دَلِيلًا عَلى صِحَّةِ ما أخْبَرَ بِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ شاهِدًا لَكَ بِإعْجازِهِ بِالتَّصْدِيقِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ﴾ وكانَ المَوْضِعُ لِلْإضْمارِ فَأُظْهِرَ لِلتَّعْمِيمِ والتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿بِالمُعْتَدِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَتَجاوَزُونَ الحُدُودَ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ.

الأنعام 6:120

ولَمّا كانَ مِمّا يَقْبَلُ في نَفْسِهِ - في الجُمْلَةِ - أنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ما يَحْرُمُ لِكَوْنِهِ مِلْكًا لِلْغَيْرِ أوْ فِيهِ شُبْهَةٌ، نَهى عَنْهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ( ﴿فَكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿وذَرُوا﴾ أيْ: اتْرُكُوا عَلى أيِّ حالَةٍ اتَّفَقَتْ وإنْ كُنْتُمْ تَظُنُّونَها غَيْرَ صالِحَةٍ ﴿ظاهِرَ الإثْمِ﴾ أيْ: المَعْلُومَ الحُرْمَةِ مِن هَذا وغَيْرِهِ ﴿وباطِنَهُ﴾ مِن كُلِّ ما فِيهِ شُبْهَةٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ والعَقائِدِ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُ في القَلْبِ عَلامَةً، وهو أنْ يَضْطَرِبَ عِنْدَهُ (p-٢٤٥)ولا يَسْكُنَ كَما قالَ ﷺ: «( والإثْمُ ما حاكَ في القَلْبِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ)» - أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾ أيْ: ولَوْ بِأخْفى أنْواعِ الكَسْبِ، بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَجْرِيدُ الفِعْلِ، وهو الِاعْتِقادُ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ. [ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن خافَ مِن مُطْلَقِ الجَزاءِ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ]: ﴿سَيُجْزَوْنَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ بِفاسِدِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿يَقْتَرِفُونَ﴾ أيْ: يَكْتَسِبُونَ اكْتِسابًا يُوجِبُ الفَرْقُ وهو أشَدُّ الخَوْفِ ويُزِيلُ الرِّفْقَ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ أفْعالَ الشَّرِّ إنَّما تَكُونُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ.

الأنعام 6:121

[ولَمّا] أمَرَهم بِالأكْلِ مِمّا يَنْفَعُهم ويُعِينُهم عَلى شُكْرِهِ مُحَذِّرًا مِن أكْلِ ما يَعِيشُ مَرْأى بَصائِرِهِمْ - أتْبَعَهُ نَهْيَهم نَهْيًا جازِمًا خاصًّا عَنِ الأكْلِ مِمّا يَضُرُّهم في أبْدانِهِمْ وأخْلاقِهِمْ، وهو ما ضادَّ الأوَّلَ في خُلُوِّهِ [عَنِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ] فَقالَ ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ أيْ: مِمّا لا يَقْبَلُ أنْ يُذْكَرَ ﴿اسْمُ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا يُؤْخَذُ شَيْءٌ إلّا مِنهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ فَلَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، وأشارَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إلى الإخْلاصِ ونَفْيِ الإشْراكِ، فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: لِكَوْنِ اللَّهِ قَدْ حَرَّمَهُ فَصارَ نَجِسَ العَيْنِ أوْ المَعْنى: فَصارَ مُخْبِثًا لِلْبَدَنِ والنَّفْسِ مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِهِ – سُبْحانَهُ - (p-٢٤٦)بِما دَلَّ عَلَيْهِ [مِن] تَسْمِيَتِهِ فِسْقًا، وتَفْسِيرُ الفِسْقِ في آيَةٍ أُخْرى بِما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ وكَذا ما كانَ في مَعْناهُ مِمّا ماتَ أوْ كانَ حَرامًا بِغَيْرِ ذَلِكَ، واسْمُهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُذْكَرَ عَلى غَيْرِ الحَلالِ، فَإنْ ذُكِرَ عَلَيْهِ كانَ مُلاعِبًا فَلَمْ يُطَهِّرْهُ، وأمّا ما كانَ حَلالًا ولَمْ يُذْكَرْ عَلَيْهِ [اسْمُ اللَّهِ ولا غَيْرُهُ] فَهو حَلالٌ، كَما في الصَّحِيحِ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - قالَتْ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ هُنا أقْوامًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِشِرْكٍ يَأْتُونَنا بِلُحْمانٍ لا نَدْرِي يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ أمْ لا! قالَ: (اذْكُرُوا أنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وكُلُوا)» قالَ البَغَوِيُّ: ولَوْ كانَتْ التَّسْمِيَةُ شَرْطًا لِلْإباحَةِ لَكانَ الشَّكُّ في وُجُودِها مانِعًا مِن أكْلِها كالشَّكِّ في أصْلِ الذَّبْحِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ خَبِيثٌ في نَفْسِهِ مُخْبِثٌ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ: الأكْلَ مِنهُ أوْ هو نَفْسُهُ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ ﴿لَفِسْقٌ﴾ فَجَعَلَهُ نَفْسَ الفِسْقِ - وهو الخُرُوجُ عَمّا يَنْبَغِي إلى ما لا يَنْبَغِي - لِأنَّهُ عَرِيقٌ جِدًّا في كَوْنِهِ سَبَبَهُ لِما تَأصَّلَ عِنْدَهم مِن أمْرِهِ وانْتَشَرَ مِن شَرِّهِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى ما أوَّلْتُ بِهِ لِأنَّ النِّسْيانَ [لَيْسَ] بِسَبَبِ الفِسْقِ، والَّذِي تُرِكَتْ التَّسْمِيَةُ عَلَيْهِ نِسْيانًا لَيْسَ بِفِسْقٍ، والنّاسِي لَيْسَ بِفاسِقٍ - كَما قالَهُ البُخارِيُّ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما رَواهُ «عَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ قَوْمًا قالُوا (p-٢٤٧)لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ قَوْمًا يَأْتُونا بِاللَّحْمِ، لا نَدْرِي أذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أمْ لا ! فَقالَ: ( سَمُّوا عَلَيْهِ أنْتُمْ وكُلُوهُ)، قالَتْ: وكانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالكُفْرِ» . انْتَهى. فَهَذا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إنَّما هو كَوْنُهُ مِمّا يَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ، ولَيْسَ المُرادُ اشْتِراطَ التَّسْمِيَةِ بِالفِعْلِ. ولَمّا كانَتْ الشُّبَهُ رُبَّما زَلْزَلَتْ ثابِتَ العَقائِدِ، قالَ مُحَذِّرًا مِنها: ﴿وإنَّ الشَّياطِينَ﴾ أيْ: أخابِثَ المَرَدَةِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ البَعِيدِينَ مِنَ الخَيْرِ المُهَيَّئِينَ لِلشَّرِّ المُحْتَرِقِينَ بِاللَّعْنَةِ مِن مَرَدَةِ الجِنِّ والإنْسِ ﴿لَيُوحُونَ﴾ أيْ: يُوَسْوِسُونَ وسْوَسَةً بالِغَةً سَرِيعَةً ﴿إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ أيْ: المُقارِبِينَ لَهم في الطِّباعِ المُهَيَّئِينَ لِقَبُولِ كَلامِهِمْ ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ أيْ: لَيَفْتِلُوكم عَمّا أمَرَكم بِهِ بِأنْ يَقُولُوا لَكم: ما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ بِالأكْلِ مِمّا قَتَلْتُمُوهُ أنْتُمْ وجَوارِحُكم - ونَحْوَ ذَلِكَ، وأهْلُ الحَرَمِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقِفُوا في غَيْرِهِ، والغَرِيبُ لا يَنْبَغِي أنَّ يُساوِيَهم في الطَّوافِ في ثِيابِهِ، والنَّذْرُ لِلْأصْنامِ كالنَّذْرِ لِلْكَعْبَةِ، ونَحْوَ هَذا مِن خُرافاتِهِمْ الَّتِي بَنَوْا أمْرَهم فِيها عَلى الهَوى الَّذِي هم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ مُضِلٌّ مُضِرٌّ، ومُبالِغُونَ في الذَّمِّ بِاتِّباعِهِ والمَيْلِ إلَيْهِ، ويَكْفِي في هَدْمِ جَمِيعِ شُبَهِهِمْ إجْمالًا أنَّ صاحِبَ الدِّينِ ومالِكَ المُلْكِ مَنَعَ مِنها. (p-٢٤٨)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ أطَعْتُمُوهم تَرَكْتُمْ الهُدى وتَبِعْتُمْ الهَوى، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الهَوى يَعُودُ إلى الشِّرْكِ - عَطَفَ عَلى هَذا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: المُشْرِكِينَ تَدَيُّنًا بِما يَقُولُونَهُ في تَرْكِ الأكْلِ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ والأكْلِ مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوْ في شَيْءٍ مِمّا جادَلُوكم فِيهِ ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ أيْ: فَأنْتُمْ وهم في الإشْراكِ سَواءٌ كَما إذا سَمَّيْتُمْ غَيْرَ اللَّهِ عَلى ذَبائِحِكم عَلى وجْهِ العِبادَةِ؛ لِأنَّ مَن اتَّبَعَ أمْرَ غَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِاللَّهِ كَما قالَ ﷺ في حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] مِن أنَّ عِبادَتَهم لَهم تَحْلِيلُهم ما أحَلُّوا وتَحْرِيمُهم ما حَرَّمُوا، فَنَبَّهَ ﷺ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الأسْماءَ تَتْبَعُ المَعانِيَ؛ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ الشّافِعِيُّ في بابِ الضَّحايا مِن كِتابِ الرَّوْضَةِ: حُكِيَ في الشّامِلِ وغَيْرِهِ عَنْ نَصِّ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لَوْ كانَ لِأهْلِ الكِتابِ ذَبِيحَةٌ يَذْبَحُونَها بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ كالمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ؛ وفي كِتابِ القاضِي ابْنِ كَجٍّ أنَّ اليَهُودِيَّ لَوْ ذَبَحَ لِمُوسى والنَّصْرانِيَّ لِعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - أوْ لِلصَّلِيبِ حَرُمَتْ ذَبِيحَتُهُ، وأنَّ المُسْلِمَ لَوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنْبَغِي أنْ يُقالَ: تَحْرُمُ؛ لِأنَّهُ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، قالَ: (p-٢٤٩)وخَرَّجَ أبُو الحَسَنِ وجْهًا آخَرَ [أنَّها] تَحِلُّ لِأنَّ المُسْلِمَ يَذْبَحُ لِلَّهِ ولا يَعْتَقِدُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما يَعْتَقِدُهُ النَّصْرانِيُّ في عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . قالَ: وإذا ذَبَحَ لِلصَّنَمِ لَمْ تُؤْكَلْ ذَبِيحَتُهُ سَواءٌ كانَ الذّابِحُ مُسْلِمًا أوْ نَصْرانِيًّا، وفي تَعْلِيقِهِ لِلشَّيْخِ إبْراهِيمَ المَرْوَزِيِّ أنَّ ما يُذْبَحُ عِنْدَ اسْتِقْبالِ السُّلْطانِ تَقَرُّبًا إلَيْهِ أفْتى أهْلُ بُخارى بِتَحْرِيمِهِ لِأنَّهُ مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ الذَّبْحَ لِلْمَعْبُودِ بِاسْمِهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ السُّجُودِ لَهُ. وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ المَخْصُوصَةِ بِاللَّهِ تَعالى الَّذِي هو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَمَن ذَبَحَ لِغَيْرِهِ مِن حَيَوانٍ أوْ جَمادٍ كالصَّنَمِ عَلى وجْهِ التَّعْظِيمِ والعِبادَةِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، وكانَ فِعْلُهُ كُفْرًا كَمَن سَجَدَ لِغَيْرِهِ سَجْدَةَ عِبادَةٍ، وكَذا لَوْ ذَبَحَ لَهُ ولِغَيْرِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَأمّا إذا ذَبَحَ لِغَيْرِهِ لا عَلى هَذا الوَجْهِ - بِأنْ ضَحّى أوْ ذَبَحَ لِلْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لَها لِأنَّها بَيْتُ اللَّهِ تَعالى أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهَذا لا يَجُوزُ أنَّ يَمْنَعَ حِلَّ الذَّبِيحَةِ، وإلى هَذا المَعْنى يَرْجِعُ قَوْلُ القائِلِ: أهْدَيْتُ لِلْحَرَمِ أوْ لِلْكَعْبَةِ، ومِن هَذا القَبِيلِ الذَّبْحُ عِنْدَ اسْتِقْبالِ السُّلْطانِ، فَإنَّهُ اسْتِبْشارٌ بِقُدُومِهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ذَبْحِ العَقِيقَةِ لِوِلادَةِ المَوْلُودِ، ومِثْلُ هَذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، وكَذا السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وخُضُوعًا، فَعَلى هَذا إذا قالَ الذّابِحُ: بِسْمِ اللَّهِ واسْمِ مُحَمَّدٍ، وأرادَ: أذْبَحُ بِاسْمِ اللَّهِ وأتَبَرَّكُ باسِمِ مُحَمَّدٍ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَحْرُمَ، وقَوْلُ مَن قالَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، يُمْكِنُ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّ اللَّفْظَ مَكْرُوهٌ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ يَصِحُّ نَفْيُ الجَوازِ والإباحَةِ المُطْلَقَةِ عَنْهُ، وحَكى الرّافِعِيُّ أنَّهُ وقَعَتْ في هَذا مُنازَعَةٌ بَيْنَ أهْلِ قَزْوِينَ أفْضَتْ إلى فِتْنَةٍ في أنَّهُ تَحِلُّ ذَبِيحَتُهُ وهَلْ يَكْفُرُ (p-٢٥٠)بِذَلِكَ! قالَ: والصَّوابُ ما بَيَّنّا؛ قالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ: ومِمّا يُؤَيِّدُ ما قالَهُ - أيْ: الرّافِعِيُّ - ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ إبْراهِيمُ المَرْوَزِيُّ في تَعْلِيقِهِ: قالَ: حَكى صاحِبُ التَّقْرِيبِ عَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ النَّصْرانِيَّ إذا سَمّى غَيْرَ اللَّهِ كالمَسِيحِ لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَتُهُ، قالَ صاحِبَ التَّقْرِيبِ: مَعْناهُ أنْ يَذْبَحَها لَهُ. فَأمّا إنْ ذَكَرَ المَسِيحَ عَلى مَعْنى الصَّلاةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجائِزٌ، قالَ: وقالَ الحَلِيمِيُّ: تَحِلُّ مُطْلَقًا وإنْ سَمّى المَسِيحَ - واللَّهُ أعْلَمُ، ثُمَّ قالَ في المَسائِلِ المَنثُورَةِ: الثّالِثَةُ: قالَ ابْنُ كَجٍّ: مَن ذَبَحَ شاةً وقالَ: أذْبَحُ لِرِضى فُلانٍ، حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ إلَيْهِ بِخِلافِ مَن تَقَرَّبَ بِالذَّبْحِ إلى الصَّنَمِ؛ وقالَ الرُّويانِيُّ: إنَّ مَن ذَبَحَ لِلْجِنِّ وقَصَدَ بِهِ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى لِيَصْرِفَ شَرَّهم عَنْهُ فَهو حَلالٌ، وإنْ قَصَدَ الذَّبْحَ لَهم فَحَرامٌ؛ ومِمّا يُوَضِّحُ لَكَ سِرَّ هَذا الِانْتِظامِ ويَزِيدُهُ حُسْنًا أنَّ هَذِهِ الآياتِ كُلَّها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى آخِرِ السُّورَةِ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] فَلَمّا ذَكَرَ إبْداعَهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ [الأنعام: ٩٥] ونَحْوَهُ، وأنْكَرَ اتِّخاذَ مَن دُونَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] وما نَحا نَحْوَهُ، قالَ ﴿فَكُلُوا﴾ [الأنعام: ١١٨] إشارَةً إلى ﴿وهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] ونَحْوِهِما إشارَةً إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] وقَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ [الأنعام: ٢٢] ونَحْوُهُ مُشِيرٌ إلى: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام: ١٥] (p-٢٥١)ولَمّا انْقَضى التَّفْصِيلُ عِنْدَ قَوْلِهِ ”فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ شَرَعَ في تَفْصِيلِها ثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] إلى آخِرِها، والسِّرُّ في الإعادَةِ أنَّ الشَّيْءَ إذا أُثْبِتَ أوْ نُفِيَ، وأُقِيمَتْ الدَّلائِلُ عَلى إثْباتِ ما ثَبَتَ مِنهُ ونَفْيِ ما نُفِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ ذَلِكَ في أُسْلُوبٍ آخَرَ، كانَ أثْبَتَ في النَّفْسِ وألْصَقَ بِالقَلْبِ، لا سِيَّما إنْ كانَ في الأُسْلُوبِ الثّانِي - كَما هي عادَةُ القُرْآنِ - زِيادَةٌ في البَيانِ وتَنْبِيهٌ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ أوَّلًا، ولا سِيَّما إنْ كانَتْ العِبارَةُ فائِقَةً والألْفاظُ عَذْبَةً رائِقَةً وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا كُلَّهُ دَأْبُ القُرْآنِ في أسالِيبِ الِافْتِنانِ؛ قالَ الغَزالِيُّ في أوائِلِ كِتابِ: (الجَواهِرِ) في الفَصْلِ الَّذِي فِيهِ اشْتِمالُ الفاتِحَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْسامٍ: وقَوْلُهُ ثانِيًا ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] إشارَةً إلى الصِّفَةِ مَرَّةً أُخْرى، ولا تَظُنُّ أنَّهُ مُكَرَّرٌ، فَلا مُكَرَّرَ في القُرْآنِ، إذْ حَدُّ المُكَرَّرِ ما لا يَنْطَوِي عَلى مَزِيدِ فائِدَةٍ، وذِكْرُ الرَّحْمَةِ بَعْدَ ذِكْرِ ”العالَمِينَ“، وقَبْلَ ذِكْرِ ”العالَمِينَ“، وقَبْلَ ذِكْرِ ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤] يَنْطَوِي عَلى فائِدَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ في تَفْصِيلِ مَجارِي الرَّحْمَةِ ثُمَّ ذِكْرُ ما حاصِلُهُ أنَّ إحْداهُما مُلْتَفِتٌ إلى خَلْقِ كُلِّ عالَمٍ مِنَ العالَمِينَ عَلى أكْمَلِ أنْواعِهِ وأفْضَلِها وإيتائِهِ كُلَّ ما احْتاجَ إلَيْهِ، والثّانِيَةَ مُلْتَفِتٌ إلى ما بَعْدَهُ بِالإشارَةِ إلى الرَّحْمَةِ في المَعادِ يَوْمَ الجَزاءِ عِنْدَ الإنْعامِ بِالمُلْكِ المُؤَبَّدِ، قالَ: وشَرْحُ ذَلِكَ يَطُولُ والمَقْصُودُ (p-٢٥٢)أنَّهُ [لا] مُكَرَّرَ في القُرْآنِ، وإنْ رَأيْتَ شَيْئًا مُكَرَّرًا مِن حَيْثُ الظّاهِرِ فانْظُرْ إلى سَوابِقِهِ ولَواحِقِهِ لِيَنْكَشِفَ لَكَ مَزِيدُ الفائِدَةِ في إعادَتِهِ. انْتَهى. وفي ذَلِكَ نُكْتَةٌ أُخْرى، وهي أنَّ الرَّحْمَنَ مُشِيرٌ إلى ما قالَ مِن جِهَةِ الرُّبُوبِيَّةِ في الإيجادَيْنِ: الأوَّلِ والثّانِي، والرَّحِيمُ مُشِيرٌ بِخُصُوصِهِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ إلى الإيجادِ الثّانِي والإبْقاءِ الثّانِي بِالرَّحْمَةِ الجَزائِيَّةِ وإلى ما يَفْهَمُهُ الخُصُوصُ مِنَ النِّعْمَةِ بِمَن لَمْ يَخُصَّهُ الرَّحْمَةُ - كَما مَضَتْ الإشارَةُ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ.

الأنعام 6:122

ولَمّا كانَ مَعْنى التَّحْذِيرِ مِن طاعَةِ المُشْرِكِينَ أنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ كُنْتُمْ قَدْ رَدَدْتُمْ أنْفُسَكم إلى ظَلامِ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ مُنِحْتُمْ نُورَ الهِدايَةِ - فَكانَ التَّقْدِيرُ: أفَمَن كانَ هَكَذا كانَ كَمَن نَصَحَ لِنَفْسِهِ بِاتِّباعِ الأدِلَّةِ وتَوَقِّي الشُّبَهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ أيْ: بِالغَرَقِ في أمْواجِ ظَلامِ الكُفْرِ، لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا الجَمادِيَّةُ بَلْ العَدَمِيَّةُ ﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِإشْراقِ أنْوارِ الإيمانِ عَلى قَلْبِهِ الَّذِي إنْ صَلَحَ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا عَلى وجْهِ الخُصُوصِ ﴿لَهُ نُورًا﴾ أيْ: بِالهِدايَةِ إلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿يَمْشِي﴾ مُسْتَضِيئًا ﴿بِهِ في النّاسِ﴾ فَيَعْرِفُونَ أفْعالَهُ وأخْلاقَهُ وأقْوالَهُ ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾ أيْ: الَّذِي يُمَثَّلُ بِهِ، وهو ما يَنْكَشِفُ بِوَجْهِ الشَّبَهِ رُوحُ لُبِّهِ وخُلاصَةُ حالِ قَلْبِهِ (p-٢٥٣)حالَ قَلْبِهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: صِفَتُهُ أنَّهُ ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ أيْ: ما لَهُ مِن نَفْسِهِ مِن ظُلْمَةِ الجَهْلِ وظُلْمَةِ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الهَوى وظُلْمَةِ ما نَشَأ عَنِ الهَوى مِنَ الكُفْرِ، وإذا كانَ المَثَلُ الَّذِي هو الأعْلى مِنَ المَمْثُولِ في شَيْءٍ كانَ المَمْثُولُ عَرِيقًا فِيهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَثَلُ ﴿مِنها﴾ أيْ: الظُّلُماتِ بِما زُيِّنَ لَهُ مِن سُوءِ أعْمالِهِ حَتّى صارَتْ أحَبَّ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ، وإذا لَمْ يَخْرُجُ المَثَلُ مِن شَيْءٍ لَمْ يَخْرُجْ المَمْثُولُ مِنهُ وإلّا لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُما مُماثَلَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ زُيِّنَ لَهُ عَمَلُهُ، وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وبُكْمٌ في الظُّلُماتِ﴾ [الأنعام: ٣٩] ولَمّا كانَ إيحاءُ الشَّياطِينَ إلى أوْلِيائِهِمْ مِمّا يُوجِبُ لُزُومَ العَمى لَيْسَ إلّا تَزْيِينًا لِلْقَبائِحِ، فَكانَ حالُهم مِمّا يَشْتَدُّ العَجَبُ مِنهُ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا رُؤْيَتُنا لِحالِهِمْ ما صَدَّقْنا أنَّ عاقِلًا يَرْضى ما فَعَلُوهُ بِأنْفُسِهِمْ، فَهَلْ وقَعَ لِأحَدٍ قَطُّ مِثْلُ حالِهِمْ؟ فَقِيلَ: نَعِمَ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ ﴿زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: كُلِّهِمْ ﴿ما كانُوا﴾ بِما جَبَلْناهم عَلَيْهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ فَهَمْ أبَدًا في الظُّلُماتِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا كَوْنَهُ في الظُّلُماتِ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ (p-٢٥٤)ثانِيًا، وثانِيًا التَّزْيِينَ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِهِ أوَّلًا.

الأنعام 6:123

ولَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّ عَداوَتَهم لَهُ ﷺ المُشارَ إلَيْها بُقُولِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ [الأنعام: ١١٢] الآيَةُ، لا يَقُومُ بِها إلّا أكابِرُ النّاسِ، لِما كانَ عَلَيْهِ ﷺ مِن جَلالَةِ المَنصِبِ وشَرَفِ العَشِيرَةِ وكَثْرَةِ الأقارِبِ وأنَّهُ لا يَتَمادى عَلَيْها إلّا جاهِلٌ مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ مُزَيَّنٌ لَهُ قَبِيحُ أعْمالِهِ - عَطَفَ تَعالى عَلى التَّزْيِينِ لِلْكافِرِينَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما زَيَّنّا لِلْكافِرِينَ سُوءَ أعْمالِهِمْ، فَكانَ أكابِرُ أهْلِ مَكَّةَ يَمْكُرُونَ فَيَتَّبِعُ غَيْرُهم مَكْرَهم ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في إقامَةِ الأسْبابِ لِما يُعْلِي كَلِمَةَ الإنْسانِ أوْ يَجْعَلُهُ حَقِيرَ الشَّأْنِ ﴿فِي كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ أيْ: بَلَدٍ جامِعٍ، [ولَمّا كانَ الكِبَرُ مُخْتَلِفَ الأنْواعِ بِاخْتِلافِ أشْخاصِ المُجْرِمِينَ، طابَقَ بِأفْعالِ التَّفْضِيلِ المَقْصُودِينَ لَها في الجَمْعِ عَلى إحْدى اللُّغَتَيْنِ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجَمْعِ دِلالَةً عَلى تَناهِيهِمْ في الكَثْرَةِ فَقالَ]: ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ. ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الإنْسانِ اسْتِجْلابُ أسْبابِ الرِّفْعَةِ لِنَفْسِهِ، وكانَ لا يَصِلُ إلى ذَلِكَ في دارِ رَبْطِ المُسَبَّباتِ بِحِكْمَةِ الأسْبابِ إلّا بِالمَكْرِ، وكانَ الأكابِرُ أقْدَرَ عَلى إنْفاذِ المَكْرِ وتَرْوِيجِ الأباطِيلِ بِما لِأغْلَبِ النّاسِ مِنَ السَّعْيِ في رِضاهم طَمَعًا فِيما عِنْدَهم، وكانَ الإنْسانُ كُلَّما تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ أمْعَنَ فِيهِ، وكانَ الكَبِيرُ إنَّما يَصِلُ إلى ما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ (p-٢٥٥)لَهُ؛ كانَ بِما قُدِّرَ لَهُ مِن ذَلِكَ كَأنَّهُ خَلَقَهُ لَهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجَعْلِ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْيِيرِ والتَّسْبِيبِ: ﴿لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ أيْ: يَخْدَعُوا أصاغِرَهم ويُغْرُوهم بِما يُلْبِسُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ حَتّى يَتَّبِعُوهم فَيُعادُوا لَهم حِزْبَ اللَّهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِعًا وغائِظًا مُحْزِنًا، قالَ تَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ وتَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم [ما] ﴿يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ لِأنَّ عَمَلَهم بِالمَكْرِ وبالٌ عَلَيْهِمْ مَوْبِقٌ لَهم، ولِأنَّ مَكْرَهم بِأوْلِياءِ اللَّهِ إنَّما هو مَكْرٌ بِاللَّهِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَأتٍّ ولا كائِنٍ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وكَيْفَ يَتَأتّى مَكْرُ مَن لا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ بِمَن يَعْلَمُ جَمِيعَ الغَيْبِ! ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أيْ: وما لَهم نَوْعُ شُعُورٍ بِأنَّ مَكْرَهم عائِدٌ عَلى نُفُوسِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ سِرَّهم وجَهْرَهم يَجْعَلُ بِما يُزَيِّنُ لَهم تَدْمِيرَهم في تَدْبِيرِهِمْ، وإنَّما أجْرى سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ بِذَلِكَ لِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، فَإنَّ غَلَبَةَ شَخْصٍ واحِدٍ - بِمُفْرَدِهِ أوْ بِاتِّباعِ كَثِيرٍ مِنهم مِمَّنْ لا يُؤْبَهُ لَهم مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ وضَعْفِ المَدَدِ لِرُؤَساءِ النّاسِ وأقْوِيائِهِمْ مَعَ طُولِ مُكْثِهِ بَيْنَهم مُنابِذًا لَهم مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ دِينَكم يُمْحى ودِينِي يَظْهَرُ وإنْ كَرِهْتُمْ - مِن خَوارِقِ العاداتِ وبِواهِرِ الآياتِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١] ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣] في أمْثالِ ذَلِكَ.

الأنعام 6:124

(p-٢٥٦)ولَمّا قَرَّرَ هَذا، أتْبَعَهُ بِمَقالَةٍ لَهم تَدُلُّ عَلى تَعْظِيمِهِمْ وتَكَبُّرِهِمْ فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ فِيما زُيِّنَ لَهم مِن ضَلالِهِمْ، وتَصْدِيقًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ؛ وتَحْقِيقًا لِما في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن مَكْرِهِمْ لِغَيْرِهِمْ وعَوْدِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ: ﴿وإذا جاءَتْهُمْ﴾ أيْ: الكافِرِينَ مِن أكابِرِ المُجْرِمِينَ وأتْباعِهِمْ ﴿آيَةٌ قالُوا﴾ حَسَدًا لِمَن خَصَّهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ لِكَوْنِهِمْ أكابِرَ مُؤَكِّدِينَ لِلنَّفْيِ [لِما لِمُعْجِزاتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - مِنَ العِبَرِ المُوجِبِ لِظَنِّ الإذْعانِ لِأعْتى أهْلِ الكُفْرانِ] ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أيْ: أبَدًا ﴿حَتّى نُؤْتى﴾ لِما لَنا مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِأنْ لا يَخْتَصُّ أحَدٌ عَنّا بِشَيْءٍ ﴿مِثْلَ ما﴾ ولَمّا كانَ نَظَرُهم مَقْصُورًا عَلى عالَمِ الحِسِّ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى جانِبِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ غَيْبًا بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهم: ﴿أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: حَتّى يُوحى إلَيْنا لِئَلّا يَكُونُوا أعْظَمَ مِنّا - كَما قالَ تَعالى -: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] وكَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ عَنْ أبِي جَهْلٍ أنَّهُ قالَ: تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مَنافٍ الشَّرَفَ حَتّى إذا كُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ، (p-٢٥٧)ويْحَكَ! مَتى نُدْرِكُ هَذا ؟ واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا. وأنْ يَكُونَ المُرادُ إتْيانَهُ ﷺ بِمِثْلِ آياتِ الأوَّلِينَ مِن شَقِّ البَحْرِ واليَدِ والعَصا وإحْياءِ المَوْتى ونَحْوِها، [وسَمَّوْهم تَنَزُّلًا واسْتِهْزاءً، وعَبَّرُوا بِالجَلالَةِ إشارَةً إلى القُدْرَةِ التّامَّةِ فَلا عُذْرَ] . ولَمّا ذَكَرَ اسْمَ الجَلالَةِ إيذانًا بِعَظِيمِ ما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ لِعَماهم - بِما طَمَسَ عَلى أنْوارِ قُلُوبِهِمْ مِن ظُلُماتِ الهَوى - عَمّا لِلرُّسُلِ مِنَ الجَلالِ الَّذِي يَخْضَعُ لَهُ شَوامِخُ الأُنُوفِ - أعادَها أيْضًا تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَنْبِيهًا عَلى ما هُناكَ مِن عَظِيمِ القَدْرِ، فَقالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ فِيما تَضَمَّنَ قَوْلُهم مِن دَعْوى التَّعَلُّمِ بِالحِكْمَةِ والِاعْتِراضِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهِ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ مِنهُ عِلْمٌ ﴿حَيْثُ يَجْعَلُ﴾ أيْ: يَصِيرُ بِما يُسَبِّبُ مِنَ الأُمُورِ ﴿رِسالَتَهُ﴾ أيْ: كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الخَلْقِ فَهو لا يَضَعُ شَيْئًا مِنها بِالتَّشَهِّي. ولَمّا كَشَفَ هَذا النَّظْمَ عَنْ أنَّهم اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ، وأنَّهم أصَرُّوا عَلى أقْبَحِ المَعاصِي الكُفْرِ، لا لِطَلَبِ الدَّلِيلِ بَلْ لِداءِ الحَسَدِ - تاقَتْ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَحِلُّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا: ﴿سَيُصِيبُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، (p-٢٥٨)وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ أيْ: قَطَعُوا ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ ﴿صَغارٌ﴾ أيْ: رِضًى بِالذُّلِّ لِعَدَمِ النّاصِرِ؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ تَعْظُمُ بِعَظَمَةِ مَحَلِّهِ ومَن كانَ مِنهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ قالَ: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: الجامِعِ لِصِفاتِ العَظَمَةِ ﴿وعَذابٌ﴾ أيْ: مَعَ الصِّغارِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والخِزْيِ وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا يَمْكُرُونَ﴾

الأنعام 6:125

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِمَن طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَنْفَكُّ عَنِ الضَّلالِ، ومَن يَقْبَلُ الهِدايَةَ في الحالِ أوْ المَآلَ، وأنَّ مَكْرَ المُجْرِمِينَ إنَّما هو بِإرادَتِهِ ونافِذِ قُدْرَتِهِ - عُلِمَ أنَّ الأمْرَ أمْرُهُ، والقُلُوبَ بِيَدِهِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الهِدايَةَ في قَلْبِهِ مِن أكابِرَ المُجْرِمِينَ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: يُوَسِّعُهُ بِأنْ يَجْعَلَهُ مُهَيَّئًا قابِلًا بِالنُّورِ ﴿لِلإسْلامِ﴾ قالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: رُوِيَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: (يا رَسُولَ اللَّهِ! وهَلْ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ؟ فَقالَ: نَعِمْ، يَدْخُلُ القَلْبَ نُورٌ، فَقالَ: وهَلْ لِذَلِكَ مِن عَلامَةٍ؟ فَقالَ ﷺ: التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والِاسْتِعْدادُ (p-٢٥٩)لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ)،» وفي رِوايَةٍ: الفَوْتِ ﴿ومَن يُرِدْ﴾ أيْ: اللَّهُ، ولَمْ يُظْهِرْ هُنا إشارَةً إلى أنَّ الضَّلالَ عَلى مُقْتَضى الطَّبْعِ ﴿أنْ يُضِلَّهُ﴾ أيْ: يَخْلُقَ الضَّلالَ ويُدِيمَهُ في قَلْبِهِ ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ﴾ أيْ: الَّذِي هو مَسْكَنُ قَلْبِهِ الَّذِي هو مَعْدِنُ الأنْوارِ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ فَيَكُونُ مُرْتَجِسًا أيْ: مُضْطَرِبًا، رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحْضَرَ أعْرابِيًّا مِن كِنانَةَ مِن بَنِي مُدْلِجٍ فَقالَ لَهُ: ما الحَرِجَةُ؟ فَقالَ: شَجَرَةٌ لا تَصِلُ إلَيْها وحْشِيَّةٌ ولا راعِيَةٌ، وساقَ البَغَوِيُّ القِصَّةَ ولَفْظُهُ: وقالَ: الحَرِجَةُ فِينا الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ الَّتِي لا تَصِلُ إلَيْها راعِيَةٌ لا وحْشِيَّةٌ ولا شَيْءٌ - ثُمَّ اتَّفَقا - فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: كَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الإيمانِ والخَيْرِ؛ وزادَ البَغَوِيُّ: قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَرَجُ - بِالفَتْحِ المَصْدَرُ، ومَعْناهُ: ذا حَرَجٍ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ وهو أشَدُّ الضِّيقِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: هُنا الحَرَجُ الشَّدِيدُ الضِّيقُ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ، وقالَ في النِّساءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: ضِيقًا، وإلى هَذا المَعْنى يَرْجِعُ قَوْلُ مُجاهِدٍ: إنَّهُ الشَّكُّ، وقَوْلُ الضَّحّاكِ: إنَّهُ الإثْمُ، كَأنَّهُ ضِيقُ شَكٍّ أوْ ضِيقُ إثْمٍ؛ وقالَ (p-٢٦٠)النَّحّاسُ: ﴿حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] أيْ: شَكًّا وضِيقًا، وأصْلُ الحَرَجِ الضِّيقُ. انْتَهى. وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ هُنا فِيها - - بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالإتْيانِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ دُونَ فاعِلٍ- تَأْكِيدٌ آخَرُ إمّا بِالمَصْدَرِ أوْ بِاسْمِ الفاعِلِ، فَأفادَ زِيادَةً عَلى أصْلِ الفِعْلِ وهي الشِّدَّةُ فِيهِ، فَمَعْنى الفَتْحِ: ضِيقًا - بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ [الياءِ] ومَعْناهُ - إنْ كَسَرْتَ (حَرَجًا) - ضَيِّقًا، بِإعادَةِ اسْمِ الفاعِلِ، ومادَّةُ (حرج) بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ تَدُورُ عَلى المَكانِ الضَّيِّقِ الكَثِيرِ الشَّجَرِ، ويَلْزَمُهُ الشُّخُوصُ عَلى وجْهِ الأرْضِ والِارْتِفاعِ والجَمْعِ والمَنعِ والشِّدَّةِ والحَيْرَةِ والحَرِّ والبَرْدِ، وهي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ وهي خَمْسَةٌ: (حرج) (جحر) (رجح) (حجر) (جرح) - تَدُورُ عَلى الحَجَرِ الَّذِي هو الجِسْمُ المَعْرُوفُ، ويُلْزِمُهُ الثِّقَلُ والمَنعُ والحِدَّةُ والشُّخُوصُ والصَّلابَةُ الَّتِي هي القَسْوَةُ ويَلْزَمُها الضِّيقُ، فَيَرْجِعُ إلى الصَّلابَةِ الحَرَجُ بِمَعْنى الضِّيقِ، والحَرَجَةُ لِلْغَيْضَةِ، والحَرَجُ لِلْقِلادَةِ مِنَ الوَدَعِ، والحُرْجُوجُ لِلرِّيحِ الشَّدِيدَةِ البارِدَةِ، والنّاقَةُ الحُرْجُوجُ لِلْوَقّادَةِ القَلْبِ، ويَجُوزُ رُجُوعُها إلى الحِدَّةِ، والجرح لِسَرِيرِ المَوْتى لِضِيقِ الصَّدْرِ مِن ذِكْرِهِ، ولِضِيقِهِ (p-٢٦١)عَنْ أسِرَّةِ الأحْياءِ، ومِنهُ أيْضًا جُحْرُ الضَّبِّ ونَحْوُهُ لِلثُّقْبِ المُحْتَفَرِ في الأرْضِ، ويَرْجِعُ إلى الثِّقَلِ الحَرَجُ بِمَعْنى الإثْمِ، ويَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ البَعْثُ المُفْضِي إلى الحَيْرَةِ، ومِنهُ حَرَجَتْ عَيْنُهُ - أيْ: حارَتْ - فَلا تَطْرِفُ، ويَلْزَمُ الثِّقْلُ أيْضًا الجُرْحُ بِمَعْنى الطَّعْنِ النّافِذِ في البَدَنِ، ومِن ذَلِكَ اجْتَرَحَ - إذا اكْتَسَبَ مالًا؛ لِأنَّهُ مِن آثارِهِ، ومِنهُ الرُّجْحانُ بِمَعْنى الثِّقَلِ، والحُكْمِ الرّاجِحِ الَّذِي يُوجِبُ رَزانَةَ صاحِبِهِ، ومِنهُ الأُرْجُوحَةُ لِأنَّ كُلًّا مِن طَرَفَيْها يَرْجَحُ بِالآخَرِ، ويَرْجِعُ إلى المَنعِ الحَجَرُ بِمَعْنى العَقْلِ وبِمَعْنى الحُضْنِ والحَرامُ والفَرَسُ الأُنْثى لِأنَّها قَدْ تُمْنَعُ مِنَ الرُّكُوبِ لِلْحَمْلِ أوْ الوَلَدِ، والحَجْرُ في المالِ، والحُجْرَةُ لِلنّاحِيَةِ القَرِيبَةِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَعُدَ عَنْكَ - ولَوْ قَدْرَ باعٍ - امْتَنَعَ مِنكَ، وكانَ التَّأْنِيثُ فِيهِ لِقُرْبِهِ، ويَرْجِعُ إلى الشُّخُوصِ الحَرَجُ لِلنّاقَةِ الطَّوِيلَةِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ بْنُ جِنِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِهِ (المُحْتَسِبِ في تَوْجِيهِ القِراءاتِ الشَّواذِّ) عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ (وحَرْثٌ حِرْجٌ) فِيمَن قَرَأ بِتَقْدِيمِ الرّاءِ: إنَّ جَمِيعَ تَراكِيبِ هَذِهِ المادَّةِ الخَمْسَةِ تَلْتَقِي مَعانِيها في الضِّيقِ والشِّدَّةِ والِاجْتِماعِ، وإذا أنْعَمْتَ النَّظَرَ وتَرَكْتَ المَلَلَ والضَّجَرَ وجَدْتَ الأمْرَ كَما قالَ (p-٢٦٢)- واللَّهُ أعْلَمُ - نَحْوَ الحَجَرِ واسْتَحْجَرَ الطِّينُ والحُجْرَةُ وبَقِيَّتُهُ، وكُلُّهُ إلى التَّماسُكِ والضِّيقِ، ومِنهُ الحَرَجُ لِلضِّيقِ والجُرْحُ مِثْلُهُ، والحَرَجَةُ ما التَفَّ مِنَ الشَّجَرِ فَلَمْ يُمْكِنْ دُخُولُهُ، ومِنهُ الحِجْرُ وبابُهُ لِضِيقِهِ، ومِنهُ الجَرْحُ لِمُخالَطَةِ الحَدِيدِ لِلَّحْمِ وتَلاحُمِهِ عَلَيْهِ، ومِنهُ رَجَحَ المِيزانُ - لِأنَّهُ مالَ أحَدُ شِقَّيْهِ نَحْوَ الأرْضِ فَقَرُبَ مِنها وضاقَ ما كانَ واسِعًا بَيْنَهُ وبَيْنَها، فَإنْ قُلْتَ: فَإنَّهُ إذا مالَ أحَدُهُما إلى الأرْضِ فَقَدْ بَعُدَ الآخَرُ؟ قِيلَ: كَلامُنا عَلى الرّاجِحِ والرّاجِحُ هو الَّذِي إلى الأرْضِ، فَأمّا الآخَرُ فَلا يُقالُ لَهُ: راجِحٌ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ - وقَدْ ثَبَتَ - فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] في مَعْنى (حِجْرٍ)، مَعْناهُ عِنْدَهم أنَّها مَمْنُوعَةٌ مَحْجُورَةٌ لَنْ يَطْعَمُها إلّا مَن يَسْألُونَ أنْ يُطْعِمُوهُ إيّاها بِزَعْمِهِمْ. انْتَهى. ولَمّا كانَ صاحِبُ هَذا الصَّدْرِ لا يَكادُ الهِدايَةُ تَصِلُ إلَيْهِ، وإنْ وصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنها عَلى لِسانِ واعِظٍ ومِن طَرِيقِ مُرْشِدٍ ناصِحٍ لَمْ تَجِدْ مَسْلَكًا فَنَكَصَتْ، وهَكَذا لا تَزالُ في اضْطِرابٍ وتَرَدُّدٍ أبَدًا؛ كانَتْ تَرْجَمَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ أيْ: يَتَكَلَّفُ هَذا الشَّخْصُ - في قَبُولِ الهِدايَةِ - الصُّعُودَ ﴿فِي السَّماءِ﴾ في خَفاءٍ وحَياءٍ مِن مُزاوَلَةِ ما لا يُمْكِنُ، بِما أشارَ إلَيْهِ قِراءَةُ مَن أدْغَمَ التّاءَ في الصّادِ، فَكُلَّما أصْعَدَتْهُ حَرَكَتُهُ الِاخْتِيارِيَّةُ أهْبَطَتْهُ (p-٢٦٣)حَرَكَتُهُ الطَّبِيعِيَّةُ القَسْرِيَّةُ، كَما نَرى بَعْضَ الحَشَراتِ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا ويَصْعَدُ بِهِ في جِدارٍ أمْلَسَ، فَيَصِيرُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ فَيَقَعُ، ثُمَّ يَتَكَلَّفُ الصُّعُودَ أيْضًا فَرُبَّما وصَلَ إلى مَكانِهِ الأوَّلِ وسَقَطَ، ورُبَّما سَقَطَ دُونَهُ، فَهو مِمّا يَمْتَنِعُ عادَةً، فَلا يَزالُ مُرْتَجِسًا أيْ: مُضْطَرِبًا ومَجامِعُ الِاضْطِرابِ عَقِبَهُ بِما بَعْدَهُ - كَما يَأْتِي - . ولَمّا كانَ ما وصَفَ بِهِ صَدْرَ الضّالِّ مِمّا يَنْفِرُ مِنهُ، وكانَ الرِّجْسُ في الأصْلِ لِما يُسْتَقْذَرُ، والمُسْتَقْذَرُ يُنْفَرُ مِنهُ، وكانَ هَذا الكَلامُ رُبَّما أثارَ سُؤالًا، وهو أنْ يُقالَ: هَلْ هَذا - وهو جَعْلُ الضّالِّ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ - خاصٌّ بِأهْلِ هَذا الزَّمانِ، أُجِيبَ بِما حاصِلُهُ: لا، ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ما جَعَلَ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى مَن أرادَ ضَلالَهُ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿الرِّجْسَ﴾ أيْ: الِاضْطِرابَ والقَذَرَ ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ مِن أهْلِ كُلِّ زَمانٍ لِإرادَتِهِ - سُبْحانَهُ - دَوامَ ضَلالِهِمْ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الضَّلالَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ الرِّجْسَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، والآيَةُ نَصٌّ في أنَّ اللَّهَ يُرِيدُ هُدى المُؤْمِنِ وضَلالَ الكافِرِ.

الأنعام 6:126

ولَمّا ذَكَرَ ما ألْزَمَهُ لِأهْلِ الضَّلالِ بِلَفْظِ ما يُسْتَقْذَرُ، كانَ في غايَةِ الحُسْنِ تَعْقِيبُهُ بِالصِّراطِ، فَإنَّهُ مِمّا يُعْشَقُ لِاسْتِقامَتِهِ وإضافَتِهِ إلى الرَّبِّ الَّذِي (p-٢٦٤)لَهُ - مَعَ اسْتِجْماعِ الكِمالاتِ كُلِّها - صِفَةُ العَطْفِ والإحْسانِ واللُّطْفِ، وإضافَةُ الرَّبِّ إلى هَذا الرَّسُولِ الَّذِي يَعْشَقُ خَلْقَهُ وخُلُقَهُ كُلُّ مَن يَراهُ أوْ يَسْمَعُ بِهِ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ وأمْتَنُ أنَّ مادَّةَ (رجس ) تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ المَلْزُومِ لِلضَّلالِ المانِعِ مِنَ الإيمانِ، فَلَمّا مَثَّلَ - سُبْحانَهُ - حالَ الضّالِّ بِحالِ المُضْطَرِبِ، وأخْبَرَ أنَّهُ ألْزَمَ هَذا الِاضْطِرابَ كُلَّ مَن لا يُؤْمِنُ، أتْبَعَهُ وصْفَ سَبِيلِهِ بِالِاسْتِقامَةِ الَّتِي هي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الِاضْطِرابِ المَلْزُومِ لِلْعِوَجِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: فَهَذا حالُ أهْلِ الضَّلالِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهَذا﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الشَّرائِعِ الهادِيَةِ في هَذا القُرْآنِ الَّتِي خَتَمْناها بِأنَّ الهادِيَ المُضِلَّ هو اللَّهُ وحْدَهُ، لا الإتْيانُ بِالمُقْتَرَحاتِ ولَوْ جاءَتْ كُلُّ آيَةٍ ﴿صِراطُ﴾ أيْ: طَرِيقُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ حالَ كَوْنِ هَذا الصِّراطِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: لا عِوَجَ فِيهِ أصْلًا، بَلْ هو عَلى مِنهاجِ الفِطْرَةِ الأوْلى الَّتِي هي في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ بِالعَقْلِ السَّلِيمِ الَّذِي لَمْ يَشُبْهُ هَوًى ولَمْ يَشُبْهُ خَلَلٌ في أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ لِكَيْلا يَزالَ الإنْسانُ خائِفًا مِنَ اللَّهِ وراجِيًا لَهُ لِأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأمّا غَيْرُهُ فَلا قُدْرَةَ لَهُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ لِأنَّهُ خَلَقَ القُوى والقُدَرَ عِنْدَنا وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، فَلْتَكُنْ الجُزْئِيّاتُ كَذَلِكَ لِأنَّ الخُلُقَ لا يُتَصَوَّرُ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ولَيْسَ غَيْرَ اللَّهِ مُحِيطُ العِلْمِ؛ قالَ الإمامُ: فالآيَةُ الَّتِي قَبْلَها مِنَ المُحْكَماتِ، فَيَجِبُ إجْراؤُها عَلى ظاهِرِها، ويَحْرُمُ التَّصَرُّفُ فِيها بِالتَّأْوِيلِ. (p-٢٦٥)ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما في هَذا الصِّراطِ عَلى مِنهاجِ العَقْلِ لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ خارِجًا عَنْهُ وإنْ كانَ فِيهِ ما لا يَسْتَقِلُّ بِإدْراكِهِ العَقْلُ، بَلْ لا بُدَّ لَهُ فِيهِ مِن إرْشادِ الهُداةِ مِنَ الرُّسُلِ الآخِذِينَ عَلى اللَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا لِمَدْحِهِ مُرْشِدًا إلى انْتِظامِهِ مَعَ العَقْلِ: ﴿قَدْ فَصَّلْنا﴾ أيْ: غايَةَ التَّفْصِيلِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الآياتِ﴾ أيْ: كُلَّها فَصْلًا فَصْلًا بِحَيْثُ تَمَيَّزَتْ تَمَيُّزًا لا يَخْتَلِطُ واحِدٌ مِنها بِالآخَرِ ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أيْ: يُجْهِدُونَ أنْفُسَهم في التَّخَلُّصِ مِن شَوائِبِ العَوائِقِ لِلْعَقْلِ مِنَ الهَوى وغَيْرِهِ - ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِ الِاجْتِهادِ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - لِيَذَّكَّرُوا [أنَّهُ قالَ: ما مِن شَيْءٍ ذَكَرْناهُ إلّا وقَدْ أوْدَعَنا في عُقُولِهِمْ شاهِدًا عَلَيْهِ.

الأنعام 6:127

ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ] عِنْدَ الآياتِ لا يَكُونُ إلّا مِن أهْلِ العِناياتِ في طُرُقِ الهِداياتِ - قالَ مُرَغِّبًا في التَّذَكُّرِ فَإنَّهُ سَبَبُ الفَيْضِ الإلَهِيِّ عَلى القُلُوبِ المُهَيَّأةِ لَهُ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: المُتَذَكِّرِينَ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ أيْ: الجَنَّةُ، أضافَها - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ؛ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ فِيها، وخَصَّ هَذا الِاسْمَ الشَّرِيفَ لِأنَّهُ لا يُلِمُّ بِها شَيْءٌ مِن عَطَبٍ ولا خَوْفٍ ولا نَصَبٍ؛ ثُمَّ زادَ التَّرْغِيبَ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: [فِي] ضَمانِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وحَضْرَتِهِ بِما هَيَّأهم لَهُ ويَسَّرَهُ لَهم ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدُهُ ﴿ولِيُّهُمْ﴾ أيْ: المُتَكَفِّلُ بِتَوَلِّي أُمُورِهِمْ، لا يَكِلُهم إلى أحَدٍ سِواهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى قُرْبِهِ مِنهم، (p-٢٦٦)والعِنْدِيَّةُ تَدُلُّ عَلى قُرْبِهِمْ مِنهُ لِما شَرَحَ مِن صُدُورِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما قُصِرَ عَلى التَّذَكُّرِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ مِنهُ التَّأْدِيَةُ إلى الأعْمالِ فَإنَّها مِعْيارُ الصِّدْقِ ومِيزانُهُ فَقالَ: ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: كَما جَبَلَهم عَلَيْهِ، فَما كانَ ذَلِكَ إلّا بِفَضْلِهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾

الأنعام 6:128

ولَمّا فَصَّلَ - سُبْحانَهُ - أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ، وحَضَّ عَلى التَّذَكُّرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِمّا يَهْدِي إلَيْهِ العَقْلُ، وذَكَرَ مَآلَ المُتَذَكِّرِينَ فَأفْهَمَ أنَّ غَيْرَهم إلى عَطَبٍ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا ما يَضُرُّهم لِأنَّهم تَبِعُوا شَهَواتِهِمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَعْبُدُونَ غَيْرَ مالِكِهِمْ، وأنَّهُ ما مِن عَبْدٍ يَخْدِمُ غَيْرَ سَيِّدِهِ بِغَيْرِ أمْرِ سَيِّدِهِ إلّا عاتَبَهُ أوْ عاقَبَهُ، هَذا مَرْكُوزٌ في كُلِّ عَقْلٍ - ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما يَتَقَدَّمُ ذَلِكَ المَآلَ مِنَ الأهْوالِ في الأجَلِ المُسَمّى الَّذِي أخْفاهُ عِنْدَهُ وجَعَلَهُ مِن أعْظَمِ مَبانِي هَذِهِ السُّورَةِ، وأبْهَمَهُ في أوَّلِها، وبَيَّنَ في أثْنائِها بَعْضَ أحْوالِهِ مِرارًا في وُجُوهٍ مِن أفانِينِ البَيانِ، وهو يَوْمُ الحَشْرِ، فَذَكَرَ هُنا – سُبْحانَهُ - بَعْضَ أحْوالِ الغافِلِينَ وبَعْضَ ما يَقُولُ لَهم فِيهِ وما يَفْعَلُهُ مَعَهم مِن عِتابٍ وعِقابٍ، لُطْفًا بِهِمْ واسْتِعْطافًا إلى المَتابِ، فَقالَ جامِعًا الفَرِيقَيْنِ ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ: اذْكُرْ في (p-٢٦٧)تَذَكُّرِكَ يَوْمَ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ وِلايَتِنا وأهْلَ عَداوَتِنا ﴿جَمِيعًا﴾ لا نَذَرُ مِنهم أحَدًا ﴿يا﴾ أيْ: فَنَقُولُ عَلى لِسانِ مَن نَشاءُ مِن جُنُودِنا لِأهْلِ عَداوَتِنا تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا حِينَ لا يَكُونُ لَهم مُدافَعَةٌ أصْلًا: ﴿مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ أيْ: المُسْتَتِرِينَ المُوحِشِينَ مِن مَرَدَةِ الشَّياطِينِ المُسَلَّطِينَ عَلى الإنْسِ، وهم يَرَوْنَهم مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهم ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ﴾ أيْ: [طَلَبْتُمْ] وأوْجَدْتُمْ الكَثْرَةَ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ أيْ: مِن إغْواءِ [المُؤْنِسِينَ الظّاهِرِينَ] حَتّى صارَ أكْثَرُهم أتْباعَكم، [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى السَّتْرِ أوَّلًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ - وهو الظُّهُورُ - ثانِيًا، وبِما مَعْناهُ الِاسْتِئْناسُ والسُّكُونُ ثانِيًا دِلالَةً عَلى ضِدِّهِ وهو الإيحاشُ والنُّفْرَةُ أوَّلًا] . ﴿وقالَ﴾ هو عَطْفٌ عَلى جَوابِ الجِنِّ المُسْتَتِرِ [عَنْ] العامِلِ في (يا مَعْشَرَ) الَّذِي تَقْدِيرُهُ كَما يَهْدِي إلَيْهِ الآياتُ [الَّتِي] تَأْتِي في السُّورَةِ الآتِيَةِ في تَفْصِيلِ هَذِهِ المُحاوَرَةِ: فَقالُوا: رَبَّنا هم ضَلُّوا؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَمِعُونَ بِنا في نُفُوذِهِمْ وسَماعِهِمْ الأخْبارَ الغَرِيبَةَ مِنّا، فاسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمُفْرَدِهِمْ، وسَتَرَ جَوابَ الجِنِّ لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ لا يَخْفى لِدِلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ - مُناسِبٌ لِحالِهِمْ في الِاسْتِتارِ مَعَ شُهْرَتِهِمْ، [وذَكَرَهُ] بِلَفْظِ الماضِي إشارَةً إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ لِأنَّهُ خَبَرُ مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ، والمُرادُ بِهَذِهِ المُحاوَرَةِ ضَرْبٌ مِمّا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] (p-٢٦٨)الآيَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾ [إبراهيم: ٢١] - الآيَةُ ﴿أوْلِياؤُهُمْ﴾ أيْ: الجِنُّ ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ [أيْ] الَّذِينَ تَوَلَّوْهم بِالِاتِّباعِ والطّاعَةِ فِيما دَعَوْهم إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، مُعْتَرِفِينَ مُسْتَعْطِفِينَ ﴿رَبَّنا﴾ [أيُّها المُرَبِّي لَنا المُحْسِنُ إلَيْنا] ﴿اسْتَمْتَعَ﴾ أيْ: طَلَبَ المَتاعَ وأوْجَدَهُ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ نَحْنُ بِهِمْ فِيما قالُوا، وهم بِنا في طاعَتِنا لَهم وعِياذِنا بِهِمْ ﴿وبَلَغْنا﴾ أيْ: نَحْنُ وهم ﴿أجَلَنا﴾ وأحالُوا الأمْرَ عَلى القَدَرِ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو المَوْتُ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَيْنا وسَوَّيْتَ بَيْنَنا في سَوْطِ قَهْرِهِ وتَجَرُّعِ كُؤُوسِ حَرِّهِ وقَرِّهِ، ثُمَّ هَذا اليَوْمَ الَّذِي كُنّا مُشْتَرِكِينَ في التَّكْذِيبِ بِهِ، فاسْتَوْجَبْنا العَذابَ كُلُّنا. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ [قِيلَ: فَما] قالَ اللَّهُ لَهم بَعْدَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي هي ضَرْبٌ مِن كَلامِ أهْلِ الباطِنِ في الدُّنْيا لَجْلَجٌ مُضْطَرِبٌ لا حاصِلَ لَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ: المُخاطِبُ لَهم عَنِ اللَّهِ ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُكم جَمِيعًا مِن غَيْرِ أنْ تَنْفَعَكم الإحالَةُ عَلى القَدَرِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: إلى ما لا آخِرَ لَهُ؛ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيَّةِ وقَدْ كُنْتُمْ عَلى عَزْمٍ ثابِتٍ أنَّكم عَلى هَذا الكُفْرِ ما بَقِيتُمْ ولَوْ [إلى] ما لا آخِرَ لَهُ، فالجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ. (p-٢٦٩)ولَمّا كانَ [مِن] المُقَرِّرِ أنَّهُ لا تَمامَ لِمُلْكِ مَن يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ويَلْزَمُهُ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ - بَيَّنَ – سُبْحانَهُ - أنَّ مُلْكَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو عَلى غايَةِ الكَمالِ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ كُلُّ فِعْلِهِ جَمِيلٌ، وجَمِيعُ ما يَبْدُو مِنهُ حَسَنٌ، فَعَلَّقَ دَوامَ عَذابِهِمْ عَلى المَشِيئَةِ، فَقالَ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ ولَمّا كانَ القَصْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى إظْهارِ العَظَمَةِ لِلْغَيْرَةِ عَلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ - عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ رِداءُ الكِبَرِ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ ولا أنْ يَهُمَّ بِذَلِكَ، هَيْهاتَ هَيْهاتَ! انْقَطَعَتْ دُونَ ذَلِكَ الآمالُ، فَظَلَّتْ ناكِسَةً أعْناقُ الرِّجالِ، وبِيَدِهِ إزارُ العِزِّ، فَمَن اخْتَلَجَ في سِرِّهِ أنْ يَرْفَعَ ناكِسَ عُنُقِهِ ضَرَبَهُ بِمَقامِعَ الذُّلِّ، وأنْزَلَهُ في مَهاوِي الخِزْيِ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَشاءُ انْقِطاعَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، ونَطَقَ الكِتابُ بِذَلِكَ في صَرائِحِ الأقْوالِ، وفي سَوْقِهِ مُعَلَّقًا هَكَذا مَعَ ما تَقَدَّمَ زِيادَةً في عَذابِهِمْ بِتَعْلِيقِ رَجائِهِمْ مِن انْقِطاعِ بَلائِهِمْ بِما لا مَطْمَعَ فِيهِ. ولَمّا كانَ في إظْهارِ الجَلالِ في هَذا الحالِ مِن عَظِيمِ الأهْوالِ ما لا يَسَعُهُ المَقالُ - أتْبَعَهُ اللُّطْفَ بِالمُخاطَبِ بِهِ ﷺ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِرَفْعِ أوْلِيائِكَ وخَفْضِ أعْدائِكَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ - في مِثْلِ هَذِهِ المُقاوَلَةِ في مَجْمَعِ الحُكْمِ - لِلْحِكْمَةِ والعِلْمِ، وكانَ النَّظَرُ إلى الحِكْمَةِ في تَنْزِيلِ كُلِّ شَيْءٍ مَنزِلَةً أعْظَمَ - قَدَّمَ (p-٢٧٠)وصْفَها فَقالَ: ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: فَلا يُعَذِّبُ المُخْلِصَ ويَتْرُكُ المُشْرِكَ ولا يُعَذِّبُ بَعْضَ مَن أشْرَكَ ويَتْرُكُ بَعْضًا ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِدَقائِقِ الأُمُورِ وجَلائِلِها مِنَ الفَرِيقَيْنِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ عَمَلُ أحَدٍ فَيُهْمِلَهُ لِذَلِكَ.

الأنعام 6:129

ولَمّا اسْتَبانَ بِهَذا أنَّهُ ولّى الكَفَرَةَ مِن ظالِمِي الجِنِّ ظالِمِي الإنْسِ وسَلَّطَهم عَلَيْهِمْ - أخْبَرَ - تَعالى - أنَّ هَذا عَمَلُهُ مَعَ كُلِّ ظالِمٍ مِن أيِّ قَبِيلٍ كانَ، سَواءٌ كانَ كافِرًا أوْ لا فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ تِلْكَ التَّوْلِيَةِ الَّتِي سَلَّطْنا بِها الجِنَّ عَلى الإنْسِ بِما زادَ عَذابَ الفَرِيقَيْنِ ﴿نُوَلِّي﴾ أيْ: نُتْبِعُ في جَمِيعِ الأزْمانِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الغَرِيقِينَ في الظُّلْمِ ﴿بَعْضًا﴾ أيْ: بِأنْ نَجْمَعَ بَيْنَ الأشْكالِ، في الأوْصافِ الباطِنَةِ والخِصالِ، ونُسَلِّطَ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الضَّلالِ والإضْلالِ، والأوْجاعِ والأنْكالِ ﴿بِما كانُوا﴾ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَكْسِبُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ اجْتِماعِهِمْ في الطِّباعِ الَّتِي طَبَعْناهم عَلَيْها يَجْتَمِعُونَ ويَنْقادُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، بِحَسَبِ ما سَبَّبْنا مِنَ الأسْبابِ المُلائِمَةِ لِذَلِكَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسَّرْناهُ لَهم، حَتّى صارَتْ أعْمالُهم كُلُّها في غَيْرِ مَواضِعِها، فَيَظْلِمُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُهْلِكُ بَعْضُهم بَعْضًا، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا الِالتِئامَ حَتّى يَسْتَحِقَّ الكُلُّ ما كَتَبْنا لَهم مِن عَذابٍ. رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ: أنْتَقِمُ مِمَّنْ (p-٢٧١)أبْغَضُ بِمَن أبْغَضُ ثُمَّ أُصَيِّرُ كُلًّا إلى النّار)» وعَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: رَأيْتُ في بَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: أُفْنِي أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي. أوْ يُقالُ: فَقَدْ أُخْبِرْنا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ولّى المُؤْمِنِينَ بِسَبَبِ مَحاسِنِ أعْمالِهِمْ، ومِثْلَ ما ولّاهم لِيُعِزَّهم يُوَلِّي بَعْضَ الظَّلَمَةِ بَعْضًا لِيُهِينَهم بِسَبَبِ ما كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ مِن مَساوِئِ الأعْمالِ ورَدِيءِ الخِلالِ وغَثِّ الخِصالِ فَيُؤَدِّيهِمْ إلى مَهْلَكِ الأوْجاعِ والأوْجالِ، أوْ يُقالُ: فَقَدْ بانَ أنَّ كُلًّا مِن ظالِمِي الإنْسِ والجِنِّ كانَ ولِيًّا لِكُلٍّ، وكَما جَعَلْنا بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ في الدُّنْيا نَفْعَلُ إذا حَشَرْناهم في النّارِ فَنَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءً - أيْ: أتْباعَ بَعْضٍ، لِيَسْتَمْتِعَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ ويَنْصُرَ بَعْضُهم بَعْضًا إنْ قَدَرُوا، وهَيْهاتَ مِنهم ذَلِكَ هَيْهاتَ! شَغَلَهُمُ البُكاءُ والعَوِيلُ والنَّدَمُ والنَّحِيبُ.

الأنعام 6:130

ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ وما أنْتَجَتْهُ مِن بَغِيضِ المُوالاةِ والمُجاوَرَةِ وكانَ حاصِلُها أنَّها مُوالاةُ مَن ضَرَّتْ مُوالاتُهُ، أتْبَعَها - سُبْحانَهُ - بِمُحاوَرَةٍ أُخْرى حاصِلُها مُعاداةُ مَن ضَرَّتْ مُعاداتُهُ - فَقالَ مُبْدِلًا مِنَ الأُولى إتْمامًا لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ والتَّشْنِيعِ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾ قَدَّمَهم لِأنَّ السِّياقَ لِبَيانِ غَلَبَتِهِمْ ﴿والإنْسِ﴾ وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لِلسّامِعِينَ الآنَ ومُسْتَعْطِفًا لَهم (p-٢٧٢)إلى التَّوْبَةِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ﴾ ولَمّا صارَ القَبِيلانِ بِتَوْجِيهِ الخِطابِ نَحْوَهم دُفْعَةً كالشَّيْءِ الواحِدِ قالَ: ﴿مِنكُمْ﴾ وإنْ كانَ الرُّسُلُ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً. ولَمّا كانَ النَّظَرُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى العِلْمِ غالِبًا لِإثْباتِ تَمامِ القُدْرَةِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِهِ بِدَلِيلِ ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ [الأنعام: ٣] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] ﴿وعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] وغَيْرِها، ولِذَلِكَ أكْثَرَ فِيها مِن ذِكْرِ التَّفْصِيلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا لِلْعالِمِ، كانَ القَصُّ - الَّذِي هو تَتَبُّعُ الأثَرِ - أنْسَبَ لِذَلِكَ فَقالَ ﴿يَقُصُّونَ﴾ بِالتِّلاوَةِ والبَيانِ لِمَواضِعَ الدَّلائِلِ ﴿عَلَيْكم آياتِي﴾ أيْ: يَتَّبِعُونَ بِالعَلاماتِ الَّتِي يَحِقُّ لَها بِما لَها مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ أنْ تُنْسَبَ إلى مَواضِعِ شُبَهِكم، فَيُحِلُّونَها حَلًّا مَقْطُوعًا بِهِ ﴿ويُنْذِرُونَكُمْ﴾ أيْ: يُخَوِّفُونَكم ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ أيْ: بِما قالُوا لَكم إنَّهُ يَطْلُبُكم طَلَبًا حَثِيثًا وأنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ في سُفُنِ الأيّامِ ومَراكِبِ الآثامِ وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ سَيْرًا سَرِيعًا ﴿قالُوا﴾ مُعْذِرِينَ مِن أنْفُسِهِمْ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ ﴿شَهِدْنا﴾ بِما فَعَلْتَ بِنا أنْتَ – سُبْحانَكَ - مِنَ المَحاسِنِ وما فَعَلْنا نَحْنُ مِنَ القَبائِحِ ﴿عَلى أنْفُسِنا﴾ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْنا ونَصِيحَتِهِمْ لَنا بِدَلِيلِ الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] وبَيَّنَ أنَّ ضَلالَهم كانَ بِأرْدَإ الوُجُوهِ وأسْخَفِها الدُّنْيا، بِحَيْثُ إنَّهم اغْتَرُّوا بِها مَعَ دَناءَتِها لِحُصُورِها عَنِ الآخِرَةِ مَعَ شَرَفِها لِغِيابِها، فَقالَ: ﴿وغَرَّتْهُمُ﴾ (p-٢٧٣)أيْ: شَهِدُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ والحالُ أنَّهم قَدْ غَرَّتْهم ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾ أيْ: الحاضِرَةُ عِنْدَهم إذْ ذاكَ الدَّنِيَّةُ في نَفْسِها لِفَنائِها، عَنْ اتِّباعِ الرُّسُلِ دَأْبَ الجاهِلِ في الرِّضى بِالدُّونِ والدّابَّةِ في القَناعَةِ بِالحاضِرِ، فَشَهادَتُهم ضارَّةٌ بِهِمْ، ولَكِنْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمانَها، بَلْ ﴿وشَهِدُوا﴾ أيْ: في هَذا المَوْطِنِ مِن مَواطِنِ القِيامَةِ الطِّوالِ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أيْضًا بِما هو أصْرَحُ في الضَّرَرِ عَلَيْهِمْ مِن هَذا، وهو ﴿أنَّهم كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿كافِرِينَ﴾ أيْ: غَرِيقِينَ في الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ بِأنَّهم ظَنُّوا أحْوالَ الآخِرَةِ تَمْشِي عَلى ما كانُوا يَأْلَفُونَهُ في الدُّنْيا مِن أنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والتَّكَلُّمَ بِالصِّدْقِ قَدْ يَنْفَعُ المُذْنِبَ ويَكُفُّ مِن سورة المُغْضَبِ حَتّى يَتْرُكَ العِقابَ ويَصْفَحَ عَنِ الجَرِيمَةِ، فَلِذَلِكَ شَهِدُوا بِإتْيانِ الرُّسُلِ إلَيْهِمْ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ، فَما زادَهم ذَلِكَ إلّا وبالًا وحُزْنًا ونَكالًا.

الأنعام 6:131

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - إقامَةَ الحُجَّةِ عَلى الكافِرِ في المَعادِ بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ السَّلامُ - عَلَّلَ إرْسالَهم تَرْغِيبًا وحَثًّا في اتِّباعِهِمْ في أيّامِ المُهْلَةِ بَعْدَ تَرْهِيبٍ، وتَنْبِيهًا وإرْشادًا في صادِعِ تَخْوِيفٍ وتَأْدِيبٍ، فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الجَدْوى هو أنْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ ﴿أنْ﴾ أيْ: لِأجْلِ أنَّهُ ﴿لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِتَشْرِيفِ قَوْمِكَ ﴿مُهْلِكَ﴾ أيْ: ثابِتًا إهْلاكُهُ ﴿القُرى بِظُلْمٍ﴾ (p-٢٧٤)أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ ارْتَكَبُوهُ ﴿وأهْلُها غافِلُونَ﴾ أيْ: غَرِيقُونَ في الغَفْلَةِ عَمّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِمّا لا تَسْتَقِلُّ بِهِ عُقُولُهم، أيْ: بِما رُكِّبَ فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ وغَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّذّاتِ، فَأوْقَفَ عُقُولَهم عَنْ نافِذِ المَعْرِفَةِ بِما يُرادُ بِهِمْ، فَأرْسَلَنا إلَيْهِمْ الرُّسُلَ حَتّى أيْقَظُوهم مِن رَقْدَتِهِمْ وأنْبَهُوهم مِن غَفْلَتِهِمْ، فَصارَ تَعْذِيبُهم بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ هو الحَقَّ الواجِبَ والعَدْلَ الصّائِبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُهْلِكُهم ظالِمًا، فَيَكُونُ المَنفِيُّ مِنَ الظُّلْمِ كالمَنفِيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وعَلى الأوَّلِ المَنفِيُّ ظُلْمُهم.

الأنعام 6:132

ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ دارَ السَّلامِ، والآخَرِ دارَ المَلامِ - قالَ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ﴿ولِكُلٍّ﴾ أيْ: [عامِلٍ مِنَ] الفَرِيقَيْنِ صالِحٍ أوْ طالِحٍ [فِي قَبِيلَيِ الجِنِّ والإنْسِ] في الدّارَيْنِ ﴿دَرَجاتٌ﴾ أيْ: يُعْلِيهِمْ اللَّهُ بِها ﴿مِمّا﴾ أيْ: مِن أجْلِ ما ﴿عَمِلُوا﴾ ودَرَكاتٌ يُهْوِيهِمْ فِيها كَذَلِكَ. ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ تَعالى لا يُهْلِكُ المُجْرِمِينَ إلّا بَعْدَ الإعْذارِ إلَيْهِمْ، وتَضَمَّنَ ذَلِكَ إمْهالَهم، وخَتَمَ أحْوالَهم بِأنَّهم مَوْضِعٌ لِثُبُوتِ الغَفْلَةِ ودَوامِها - نَفى أنْ يَسْلَمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِجَنابِ عَظَمَتِهِ عَلى وجْهٍ أثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ إحاطَةَ العِلْمِ بِجَمِيعِ أعْمالِهِمْ، فَقالَ: ﴿وما رَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإعْلاءِ أوْلِيائِكَ وإسْفالِ أعْدائِكَ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ لِإثْباتِ مَزِيدِ العِلْمِ فَقالَ: (p-٢٧٥)﴿بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: عَنْ شَيْءٍ يَعْمَلُهُ أحَدٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، بَلْ هو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ وبِما يَسْتَحِقُّهُ العامِلُ قادِرٌ عَلى جَزائِهِ، فَلا يَقَعُ في وهْمِ أنَّ الإمْهالَ لِخَفاءِ الِاسْتِحْقاقِ بِخَفاءِ المُوجِبِ لَهُ، [فالآيَةُ مِنَ النُّصُوصِ في كِتابَةِ الصّالِحِينَ مِنَ الجِنِّ] .

الأنعام 6:133

ولَمّا كانَ طَلَبُ العِبادَةِ لِلِائْتِمارِ والِانْتِهاءِ رُبَّما أوْهَمَ الحاجَةَ إلَيْها لِنَفْعٍ في الطّاعَةِ أوْ ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ المَعْصِيَةِ، وكانَ الإمْهالُ مَعَ المُبارَزَةِ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ عَنْ عَجْزٍ - قالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ، وحَصَرَ الخَبَرَ في المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ: ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ: وحْدَهُ الغَنِيُّ المُطْلَقُ عَنْ كُلِّ عابِدٍ وعِبادَتِهِ، فَلْيَعْمَلْ العامِلُ لِنَفْعِ نَفْسِهِ أوْ ضُرِّها ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيْ: وحْدُهُ بِالإمْهالِ والإرْسالِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهُ بِالغِنى والرَّحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ إلّا مِنهُ ولا غِنًى إلّا عَنْهُ، وأنَّهُ ما رَتَّبَ الثَّوابَ والعِقابَ إلّا رَحْمَةً مِنهُ وجُودًا - اسْتَأْنَفَ بَيانَ ذَلِكَ، وأخْبَرَ عَنْ هَذا المُبْتَدَإ بِوَصْفَيْهِ عِنْدَ مَن جَعَلَها وصْفَيْنِ بِقَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما أفادَهُ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: جَمِيعًا بِالإهْلاكِ، فَلا يَقَعُ في ظَنِّ أحَدٍ مِنكم أنَّ الإهْلاكَ مُتَوَقِّفٌ عَلى شَيْءٍ (p-٢٧٦)غَيْرِ مَشِيئَتِهِ، ولَكِنَّهُ قَضى بِإمْهالِكم إلى آجالِكم رَحْمَةً لَكم وإكْرامًا لِنَبِيِّكم ﷺ ثُمَّ قالَ تَحْقِيقًا لِغِناهُ أيْضًا: ﴿ويَسْتَخْلِفْ﴾ ولَمّا كانَ لَمْ يَجْعَلْ لِأحَدٍ الخُلْدَ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَلاكِكم ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ: يُبْدِعُ غَيْرَكم مِنَ الخَلْقِ مِن جِنْسِكم [أوْ غَيْرِ جِنْسِكُمْ] كَما أبْدَعَ أباكم آدَمَ مِنَ التُّرابِ والتُّرابُ مِنَ العَدَمِ وفَرَّعَكم مِنهُ ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ﴾ أيْ: نَسْلِ ﴿قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ أيْ: بَعْدَ أنْ أهْلَكَهم أجْمَعِينَ، وهم أهْلُ السَّفِينَةِ وقَدْ كُنْتُمْ نُطَفًا في أصْلابِهِمْ، لَمْ يَكُنْ في واحِدَةٍ مِنها [حَياةٌ] .

الأنعام 6:134

ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ لَهُ الوَصْفَيْنِ المَلْزُومَيْنِ لِلْقُدْرَةِ - أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ جَوابًا لِاسْتِعْجالِهِمْ بِالعَذابِ اسْتِهْزاءً: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ ﴿لآتٍ﴾ أيْ: لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ ولا كُفُؤَ لَهُ يُعارِضُهُ فِيهِ ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: بِثابِتٍ لَكم الإتْيانُ بِشَيْءٍ يَعْجِزُ عَنْهُ الخَصْمُ، فَتَمَهَّدَ الأمْرُ مِن جِهَتِهِ ومِن جِهَتِكم لِوُجُودِ المُقْتَضِي وانْتِفاءِ المانِعِ، وفي ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِأمْرِ رَحْمَتِهِ لِأنَّ القادِرَ إذا أرادَ النِّقْمَةَ أخَذَ عَلى غِرَّةٍ ولَمْ يُهَدِّدْ، وإذا أرادَ الرَّحْمَةَ تَقَدَّمَ بِالوَعِيدِ لِيَحْذَرَ الفائِزُونَ ويَسْتَسْلِمَ الخاسِرُونَ.

الأنعام 6:135

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِنَ التَّهْدِيدِ عَلى إنْكارِ البَعْثِ وتَحَرَّرَ، فَأنْتَجَ (p-٢٧٧)الِاجْتِهادَ لِلْعاقِلِ - ولا بُدَّ - في العَمَلِ، وكانَ أكْثَرَ الخَلْقِ - أحَقَّ أمْرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّصِيحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا أقْرَبَ الخَلْقِ إلَيَّ وأعَزَّهم عَلَيَّ ومَن لَهم قِيامٌ في الأُمُورِ وكِفايَةٌ عِنْدَ المُهِمّاتِ ﴿اعْمَلُوا﴾ وأشارَ إلى مَزِيدِ القُوَّةِ بَعْدَ التَّعْبِيرِ بِالقَوْمِ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ، فَقالَ: ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: عَلى ما لَكم مِنَ القُدْرَةِ عَلى العَمَلِ والمُكْنَةِ قَبْلَ أنْ تَأْتِيَ الدَّواهِي وتَسْبِقَكم القَواصِمُ بِخُفُوقِ الأجَلِ، وفِيهِ مَعَ النَّصِيحَةِ تَخْوِيفٌ أشَدُّ مِمّا قَبْلَهُ؛ لِأنَّ تَهْدِيدَ الحاضِرِ عَلى لِسانِ الغَيْرِ مَعَ الإعْراضِ أشَدُّ مِن مُواجَهَتِهِ بِالتَّهْدِيدِ، أيْ: أنَّكم إنْ لَمْ تَقْبَلُوا بِذَلِكَ التَّهْدِيدِ الأوَّلِ كُنْتُمْ أهْلًا لِلْإعْراضِ والبُعْدِ. ولَمّا كانَ أدَلُّ شَيْءٍ عَلى النَّصِيحَةِ مُبادَرَةَ النّاصِحِ إلى مُباشَرَةِ ما نَصَحَ بِهِ ودَعا إلَيْهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ أيْ: عَلى مَكانَتِي وبِقَدْرِ اسْتِطاعَتِي قَبْلَ الفَوْتِ بِحادِثِ المَوْتِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَمَحِّضًا لِلتَّهْدِيدِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اعْمَلُوا بِما أنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ الآنَ مِن مُخالَفَتِي بِغايَةِ ما لَكم مِنَ القُوَّةِ، إنِّي كَذَلِكَ أعْمَلُ فِيما جِئْتُ بِهِ. ولَمّا كانَ وُقُوعُ المُتَوَعَّدِ بِهِ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِالعاقِبَةِ، [وكانَ السِّياقُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وغُرُورِهِمْ وقِلَّةِ فِطْنَتِهِمْ]، حَسَّنَ إثْباتَ الفاءِ في قَوْلِهِ: [دُونَ إسْقاطِها لِأنَّ الِاسْتِئْنافَ يَتَعَطَّفُ لِلسُّؤالِ فَقالَ]: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: يَقَعُ لَكم بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ العِلْمُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ عِلْمٍ ؟ فَقِيلَ: (p-٢٧٨)﴿مَن تَكُونُ لَهُ﴾ كَوْنًا كَأنَّهُ جُبِلَ عَلَيْهِ ﴿عاقِبَةُ الدّارِ﴾ أيْ: بَيْنِي وبَيْنَكم، وهَذا في إثْباتِ الفاءِ بِخِلافِ ما في قِصَّةِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سُورَةِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - [فِي حَذْفِها]؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ جَوابًا لِما تَقَرَّرَ مِن سُؤالِهِمْ: عاقِبَةَ الدّارِ لِلْعامِلِ العَدْلِ - اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيْ: الغَرِيقُونَ في الظُّلْمِ كائِنِينَ مَن كانُوا، فَلا يَكُونُ لَهم عاقِبَةُ الدّارِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ العاقِبَةِ أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذِكْرُ الظُّلْمِ ثانِيًا [دَلِيلٌ] عَلى حَذْفِ العَدْلِ أوَّلًا.

الأنعام 6:136

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ الآياتُ مِن قُبْحِ طَرِيقَتِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ وحُسْنِ طَرِيقَةِ الإسْلامِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والمِثالِ البَعِيدِ المَنالِ الرَّفِيعِ وخَتَمَتْ بِحالِ الظّالِمِ - شَرَعَ في تَفْصِيلِ قَوْلِهِ ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] عَلى أُسْلُوبٍ آخَرَ ابْتَدَأهُ بِبَيانِ ظُلْمِهِمْ وجَهالاتِهِمْ وأباطِيلِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى سَخافَةِ عُقُولِهِمْ تَنْفِيرًا عَنْهم بِوَضْعِهِمْ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها وإخْراجِها عَمَّنْ هي لَهُ ونِسْبَتِها إلى مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا، وقَتْلِ الأوْلادِ وتَسْيِيبِ الأنْعامِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٠] ﴿وجَعَلُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ (p-٢٧٩)الأوْثانَ ﴿لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ أيْ: خَلَقَ وأنْشَأ وبَثَّ ولَمْ يُشْرِكْهُ في خَلْقِهِ أحَدٌ ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ نَصِيبًا﴾ أيْ: وجَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ نَصِيبًا؛ ولَمّا كانَ الجَعْلُ لا يُعْرَفُ إلّا بِالقَوْلِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقالُوا﴾ أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ بَعْدَ أنْ قالُوا بِأفْئِدَتِهِمْ ﴿هَذا لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْلى ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: ادِّعائِهِمْ الباطِلَ وتَصَرُّفِهِمْ بِكَذِبِ ادِّعائِهِمْ التَّخْصِيصَ بِاللَّهِ؛ ولِذا أسْقَطَ الزَّعْمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ أيْ: ولَيْسَ لَهم سَنَدٌ في هَذِهِ القِسْمَةِ إلّا أهْواؤُهم. ولَمّا كانَ هَذا سَفَهًا بِتَسْوِيَتِهِمْ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا بِمَن يَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ - بَيَّنَ مِن فِعْلِهِمْ ما هو أشَدُّ سَفَهًا مِنهُ بِشَرْحِ ما لَوَّحَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالزَّعْمِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ ومُفَرِّعًا: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ﴾ أيْ: بِزَعْمِهِمْ أنَّهم شُرَكاءُ ﴿فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي هو المالِكُ مَعَ اتِّصافِهِ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿وما كانَ لِلَّهِ﴾ أيْ: عَلى ما لَهُ مِنَ الكِبْرِ والعَظَمَةِ والجَلالِ والعِزَّةِ ﴿فَهُوَ يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ فَإذا هَلَكَ ما سَمَّوْا لِشُرَكائِهِمْ أوْ أجْدَبَ وكَثُرَ ما لِلَّهِ قالُوا: لَيْسَ لِآلِهَتِنا بُدٌّ مِن نَفَقَةٍ، فَأخَذُوا ما لِلَّهِ فَأنْفَقُوهُ عَلى آلِهَتِهِمْ، وإذا أجْدَبَ الَّذِي لِلَّهِ وكَثُرَ ما لِآلِهَتِهِمْ قالُوا: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأزْكى الذُّلَّ لَهُ، فَلا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِمّا لِلْآلِهَةِ. ولَمّا بَلَغَ هَذا غايَةَ السَّفَهِ قالَ: ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: حُكْمُهم هَذا أسْوَأُ حُكْمٍ. ذَكَرَ الإمامُ أبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمانُ بْنُ سالِمٍ الكَلاعِيُّ في سِيرَتِهِ «فِي (p-٢٨٠)وفْدِ خَوْلانَ أنَّهُ كانَ لَهم صَنَمٌ يُسَمّى: (عَمَّ أنَسٍ )، وأنَّهم لَمّا وفَدُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرُوا لَهُ أنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ مِن أنْعامِهِمْ وحُرُوثِهِمْ جُزْءًا لَهُ وجُزْءًا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ، قالُوا: كُنّا نَزْرَعُ الزَّرْعَ فَنَجْعَلُ لَهُ وسَطَهُ فَنُسَمِّيهِ لَهُ ونُسَمِّي زَرْعًا آخَرَ حُجْرَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَإذا مالَتْ الرِّيحُ بِالَّذِي سَمَّيْناهُ لِلَّهِ جَعَلْناهُ لِعَمِّ أنَسٍ، وإذا مالَتْ الرِّيحُ بِالَّذِي جَعَلْناهُ لِعَمِّ أنَسٍ لَمْ نَجْعَلْهُ لِلَّهِ، فَذَكَرَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْزَلَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الآيَةُ، قالُوا: وكُنّا نَتَحاكَمُ إلَيْهِ فَيَتَكَلَّمُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (تِلْكَ الشَّياطِينُ تُكَلِّمُكُمْ)، قالُوا: فَأصْبَحْنا بِرَسُولِ اللَّهِ وقُلُوبُنا تَعْرِفُ أنَّهُ كانَ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَذْرِي مِن عَبْدِهِ مِمَّنْ لَمْ يَعْبُدْهُ». وقالَ ابْنُ هِشامٍ في مُقَدِّمَةِ السِّيرَةِ إنَّهم كانُوا يَقْسِمُونَ لَهُ، فَما دَخَلَ في حَقٍّ عَمَّ أنَسٍ مِن حَقِّ اللَّهِ الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ، وما دَخَلَ في حَقِّ اللَّهِ مِن حَقَّ عَمِّ أنَسٍ رَدُّوهُ عَلَيْهِ، قالَ: وهم بَطْنٌ مِن خَوْلانَ يُقالُ لَهم الأدِيمُ. وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانُوا يَعْزِلُونَ مِن أمْوالِهِمْ شَيْئًا فَيَقُولُونَ: هَذا لِلَّهِ وهَذا لِأصْنامِهِمْ، فَإنْ ذَهَبَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ (p-٢٨١)يُخالِطُ شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ رَدُّوهُ، وإنَّ ذَهَبَ شَيْءٌ مِمّا [جَعَلُوهُ لِلَّهِ يُخالِطُ شَيْئًا مِمّا جَعَلُوهُ لِشُرَكائِهِمْ تَرَكُوهُ، وإنْ أصابَتْهم سَنَةٌ أكَلُوا مِمّا جَعَلُوا لِلَّهِ وتَرَكُوا ما] جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ وقالَ البَغَوِيُّ: كانُوا يَجْعَلُونَ لِلَّهِ مِن حُرُوثِهِمْ وأنْعامِهِمْ وثِمارِهِمْ وسائِرِ أمْوالِهِمْ نَصِيبًا [ولِلْأوْثانِ نَصِيبًا]، فَما جَعَلُوهُ لِلَّهِ صَرَفُوهُ لَلضِّيفانِ والمَساكِينِ، وما جَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ أنْفَقُوهُ عَلى الأصْنامِ وخَدَمِها، فَإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ في نَصِيبِ الأوْثانِ تَرَكُوهُ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ هَذا، وإنْ سَقَطَ شَيْءٌ مِن نَصِيبِ الأوْثانِ فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ رَدُّوهُ إلى الأوْثانِ وقالُوا: إنَّها مُحْتاجَةٌ، وكانَ إذا هَلَكَ أوْ انْتُقِصَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يُبالُوا بِهِ، وإذا هَلَكَ أوْ انْتُقِصَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلُوهُ لِلْأصْنامِ جَبَرُوهُ بِما جَعَلُوهُ [لِلَّهِ] .

الأنعام 6:137

ولَمّا كانَ هَذا مُتَضَمَّنًا لِأنَّهم نَقَصُوا أمْوالَهم بِأنْفُسِهِمْ في غَيْرِ طائِلٍ فَجَعَلُوها لِمَن لا يَسْتَحِقُّها - نَبَّهَ تَعالى عَلى أنَّ ذَلِكَ تَزْيِينُ مَن أضَلَّهم مِنَ الشَّياطِينِ مِن سَدَنَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ المُتَكَلِّمِينَ مِن أجْوافِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم زَيَّنُوا لَهم ما هو أبْيَنُ مِنهُ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ما زَيَّنَ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ تَضْيِيعَ أمْوالِهِمْ والكَفْرَ بِرَبِّهِمْ شُرَكاؤُهم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ (p-٢٨٢)ولَمّا كانَ المُزَيِّنُ لِخِسَّتِهِ أهْلٌ لِأنْ لا يُقْبَلَ تَزْيِينُهُ ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ - فَكانَ امْتِثالُ قَوْلِهِ غَرِيبًا، وكانَ الإقْدامُ عَلى فِعْلِ الأمْرِ المُزَيَّنِ أشَدَّ غَرابَةً - قَدَّمَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ أيْ: بِالوَأْدِ خَشْيَةَ الإمْلاقِ والنَّحْرِ لِآلِهَتِهِمْ، وشَتّانَ بَيْنَ مَن يُوجِدُ لَهم الوَلَدَ ويَرْزُقُهُ والرِّزْقَ ويَخْلُقُهُ وبَيْنَ مَن لا يَكُونُ إلّا سَبَبًا في إعْدامِهِ؛ ولَمّا كانَ في هَذا غايَةُ الغَرابَةِ تَشَوَّفَتْ النَّفْسُ إلى فاعِلِ التَّزْيِينِ، فَقالَ: ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾ أيْ: وهم أقَلُّ مِنهم بِما يُخاطَبُونَ بِهِ مِن أجْوافِ الأصْنامِ وبِما يُحَسِّنُ لَهم السَّدَنَةُ والأهْوِيَةُ بِسَبَبِ الأصْنامِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُعْجِبًا، كانَ الأمْرُ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ المَوْلُودِ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ المَشْمُولِ بِبَرَكَةِ ذَلِكَ العَصْرِ، الآخِذِ عَنْ جُلَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، المَوْصُوفِ بِغَزارَةِ العِلْمِ ومَتانَةِ الدِّينِ وقُوَّةِ الحِفْظِ والضَّبْطِ وحُجَّةِ النَّقْلِ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ - أعْجَبَ، وفُصِلَ بَيْنَ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ بِالمَفْعُولِ - وهو الأوْلادُ - لِأنَّ وُقُوعَ القَتْلِ فِيهِمْ - كَما تَقَدَّمَ - أعْجَبُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ لِفائِدَةٍ اسْتُهِينَ لَها هَذا الفِعْلُ العَظِيمُ - ذَكَرَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ فائِدَةٌ إلّا الهَلاكُ في الدُّنْيا والدِّينِ الَّذِي هو هَلاكٌ في الآخِرَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْجَبَ فَقالَ: ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ أيْ: لِيُهْلِكُوهم هَلاكًا لا فائِدَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿ولِيَلْبِسُوا﴾ أيْ: يَخْلِطُوا ويُشْبِهُوا ﴿عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ (p-٢٨٣)أيْ: وهو دِينُ إبْراهِيمَ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِذَبْحِ ولَدِهِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَما أقْدَمَ عَلَيْهِ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ ثُمَّ إنَّهُ فَداهُ ولَمْ يُمْضِ ذَبْحَهُ، فَخالَفَ هَؤُلاءِ عَنْ أمْرِ الشُّرَكاءِ الأمْرَيْنِ مَعًا فَجَمَعُوا لَهم بِذَلِكَ بَيْنَ إهْلاكَيْنِ: في النَّفْسِ والدِّينِ، فَإنَّ القَتْلَ في نَفْسِهِ عَظِيمٌ جِدًّا، ووُقُوعُهُ تَدَيُّنًا بِغَيْرِ أصْلٍ ولا شُبْهَةٍ أعْظَمُ، فَلا أضَلُّ مِمَّنْ تَبِعَ مَن كانَ سَبَبًا لِإهْلاكِ نَفْسِهِ ودِينِهِ. ولَمّا كانَ العَرَبُ يَدَّعُونَ الأذْهانَ الثّاقِبَةَ والأفْكارَ الصّافِيَةَ والآراءَ الصّائِبَةَ والعُقُولَ الوافِرَةَ النّافِذَةَ - ذَكَرَ لَهم ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ؛ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، يَعْنِي: أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ لِهَذِهِ العِلَّةِ فَلَمْ يَفْطَنُوا بِهِمْ ولَمْ يُدْرِكُوا ما أرادُوا بِكم مَعَ أنَّهم حِجارَةٌ، فَأنْتُمْ أسْفَلُ مِنهُمْ؛ ولَمّا أثْبَتَ لِلشُّرَكاءِ فِعْلًا هو التَّزْيِينُ، وكانَ قَدْ نَفى سابِقًا عَنْهم وعَنْ سائِرِ أعْداءِ الأنْبِياءِ الِاسْتِقْلالَ بِهِ، وأناطَ الأمْرَ هُناكَ - لِأنَّ السِّياقَ لِلْأعْداءِ - بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْحِياطَةِ والعِنايَةِ، وكانَ الكَلامُ هُنا في خُصُوصِ الشُّرَكاءِ - عَلَّقَ الأمْرَ بِاسْمِ الذّاتِ الدّالِّ عَلى الكَمالِ المُقْتَضِي لِلْعَظَمَةِ والجَبَرُوتِ والكِبْرِ وسائِرِ الأسْماءِ الحُسْنى عَلى وجْهِ الإحاطَةِ والجَلالِ، فَقالَ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعُلُوِّ عَنِ الأنْدادِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الشُّرَكاءِ والأوْلادِ أنْ لا يَفْعَلَهُ المُشْرِكُونَ ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الَّذِي زُيِّنَ لَهم، بَلْ ذَلِكَ إنَّما هو بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ احْتِراسًا مِن ظَنِّ أنَّهم يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ اسْتِقْلالًا، وتَسْلِيَةً (p-٢٨٤)لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَخْفِيفًا، وأكَّدَ التَّسْلِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَقَوَّلُونَ مِنَ الكَذِبِ ويَتَعَمَّدُونَهُ.

الأنعام 6:138

ولَمّا ذَكَرَ إقْدامَهم عَلى ما قَبَّحَهُ الشَّرْعُ، ولامَهُ عَلى تَقْبِيحِهِ العَقْلُ مِن قَتْلِ الأوْلادِ، أتْبَعَهُ إحْجامَهم عَمّا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ مِن ذَبْحِ بَعْضِ الأنْعامِ لِنَفْعِهِمْ، وضَمَّ إلَيْهِ جُمْلَةً مِمّا مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنهُ ودانُوا بِهِ لِمُجَرَّدِ أهْوائِهِمْ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ سَفَهًا وجَهْلًا ﴿هَذِهِ﴾ إشارَةً إلى قِطْعَةٍ مِن أمْوالِهِمْ عَيَّنُوها لِآلِهَتِهِمْ ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أيْ: حَرامٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فَلا يَصِلُ أحَدٌ إلَيْهِ، وهو وصْفٌ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ والمُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ؛ لِأنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ ﴿لا يَطْعَمُها﴾ أيْ: يَأْكُلُ مِنها ﴿إلا مَن نَشاءُ﴾ أيْ: مِنَ السَّدَنَةِ ونَحْوِهِمْ ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ أيْ: بِتَقَوُّلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الهَوى مِن غَيْرِ سَنَدٍ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَلَكُوتُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهم كاذِبُونَ في هَذا الزَّعْمِ في أصْلِ التَّحْرِيمِ وفي نُفُوذِ المَنعِ، فَلَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ تُؤْكَلَ لَأُكِلَتْ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى مَنعٍ ﴿وأنْعامٌ﴾ ولَمّا كانَ ذَمُّهم عَلى مُجَرَّدِ التَّجْرِيمِ لا عَلى كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ، بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنِي: البَحائِرَ وما مَعَها فَلا تُرْكَبُ ﴿وأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُتَقَوِّلُونَ عَلى اللَّهِ ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ: في الذَّبْحِ أوْ غَيْرِهِ ﴿افْتِراءً﴾ أيْ: تَعَمُّدًا لِلْكَذِبِ ﴿عَلَيْهِ﴾ (p-٢٨٥)ولَمّا كانَ هَذا لِعِظَمِهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ تَعَمُّدٌ لِلْكَذِبِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ [مَوْضِعَ] تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى ما يَكُونُ عَنْهُ - اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِما﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ مِنَ الكَذِبِ، أمّا بَعْدَ إظْهارِ الحَقِّ فَواضِحٌ، وأمّا قَبْلَهُ فَلِكَوْنِهِ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن ظُهُورِ الفَسادِ.

الأنعام 6:139

ولَمّا ذَكَرَ مِن سَفَهِهِمْ ما فِيهِ إقْدامٌ مَحْضٌ وما فِيهِ إحْجامٌ خالِصٌ محت - أتْبَعَهُ ما هو مُخْتَلِطٌ مِنهُما فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ أيْ: المُشْرِكُونَ أوْ بَعْضُهم وأقَرَّهُ الباقُونَ ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ﴾ [إشارَةً إلى ما اقْتَطَعُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، وبَيَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ]: ﴿الأنْعامِ﴾ أيْ: مِنَ الأجِنَّةِ ﴿خالِصَةٌ﴾ أيْ: خُلُوصًا لا شَوْبَ فِيهِ، أنَّثَ لِلْحَمْلِ عَلى مَعْنى الأجِنَّةِ، أوْ تَكُونُ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ أوْ تَكُونُ مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، أيْ: ذُو خالِصَةٍ ﴿لِذُكُورِنا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ العَراقَةَ في كُلِّ صِفَةٍ، أتى بِالواوِ فَقالَ: ﴿ومُحَرَّمٌ﴾ وحَذَفَ الهاءَ إمّا حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ أوْ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُرادَ بِـ (خالِصَةٌ) المُبالَغَةُ ﴿عَلى أزْواجِنا﴾ أيْ: إناثِنا، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالأزْواجِ بَيانًا لِمَوْضِعِ السَّفَهِ بِكَوْنِهِنَّ شَقائِقَ الرِّجالِ، هَذا إنْ وُلِدَ حَيًّا ﴿وإنْ يَكُنْ﴾ أيْ: ما في بُطُونِها ﴿مَيْتَةً﴾ وكَأنَّهُ أثْبَتَ هاءَ التَّأْنِيثِ مُبالَغَةً، وأنَّثَ الفِعْلَ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ حَمْلًا عَلى مَعْنى: (ما) ورَفَعَ الِاسْمَ عَلى التَّمامِ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو جَعْفَرٍ وابْنُ عامِرٍ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّ (p-٢٨٦)التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ونَصَبَ الباقُونَ عَلى جَعْلِها ناقِصَةً مَعَ التَّذْكِيرِ حَمْلًا عَلى لَفْظِ (: ما) ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: ذُكُورُهم وإناثُهم ﴿فِيهِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الكائِنِ الَّذِي في البُطُونِ ﴿شُرَكاءُ﴾ أيْ: عَلى حَدٍّ سَواءٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ وصْفًا مِنهم لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها الَّتِي يُحِبُّها اللَّهُ قالَ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ يَضَعَ العَذابَ الألِيمَ في كُلِّ مَوْضِعٍ يَكْرَهُونَ وصْفَهُ فِيهِ، حَتّى يَكُونَ مِثْلَ وصْفِهِمْ الَّذِي لَمْ يَزالُوا يُتابِعُونَ الهَوى فِيهِ حَتّى صارَ خُلُقًا لَهم ثابِتًا فَهو يُرِيهِمْ وخِيمَ أثَرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾ أيْ: لا يُجازِي عَلى الشَّيْءِ إلّا بِمِثْلِهِ ويَضَعُهُ في أحَقِّ مَواضِعِهِ وأعْدَلِها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِالمُماثَلَةِ ومَن يَسْتَحِقُّها وعَلى أيِّ وجْهٍ يُفْعَلُ، وعَلى أيِّ كَيْفِيَّةٍ يَكُونُ أتَمَّ وأكْمَلَ، وفي ذَلِكَ أتَمُّ إشارَةٍ إلى أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الحِكْمَةِ، فَهو مُتَعالٍ عَنْ أنْ يَكُونَ شَرَعَها وهي سَفَهٌ مَحْضٌ لا يَفْعَلُها إلّا ظالِمٌ جاهِلٌ.

الأنعام 6:140

ولَمّا ذَكَرَ - تَعالى - تَفاصِيلَ سَفَهِهِمْ، وأشارَ إلى مَعانِيها، جَمَعَها - وصَرَّحَ بِما أثْمَرَتْهُ مِنَ الخَيْبَةِ - في سَبْعِ خِلالٍ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها سَبَبٌ تامٌّ في حُصُولِ النَّدَمِ فَقالَ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ قَتَلُوا﴾ قَرَأها ابْنُ عامِرٍ وابْنُ كَثِيرٍ بِالتَّشْدِيدِ لِإرادَةِ التَّكْثِيرِ والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ ﴿أوْلادَهم سَفَهًا﴾ أيْ: خِفَّةً إلى (p-٢٨٧)الفِعْلِ المَذْمُومِ وطَيْشًا، تَؤُزُّهم الشَّياطِينُ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ عَلى ألْسِنَةِ الأصْنامِ أوْ سَدَنَتِها إلى ذَلِكَ أزًّا. ولَمّا كانَ السَّفَهُ مُنافِيًا لِرَزانَةِ العِلْمِ الَّذِي لا يَكُونُ الفِعْلُ النّاشِئُ عَنْهُ إلّا عَنْ تَأنٍّ وتَدَبُّرٍ وتَفَكُّرٍ وتَبَصُّرٍ، قالَ مُصَرِّحًا بِما أفْهَمَهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: وأمّا مَن قَتَلَ ولَدَهُ بِعِلْمٍ - كَما إذا كانَ كافِرًا أوْ قاتِلًا أوْ مُحْصَنًا زانِيًا - فَلَيْسَ حُكْمُهُ كَذَلِكَ. ولَمّا ذَكَرَ عَظِيمَ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ - ذَكَرَ جَلِيلَ ما أحْجَمُوا عَنْهُ فَقالَ: ﴿وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ رَحْمَةً لَهم، مِن تِلْكَ الأنْعامِ والغَلّاتِ، بِغَيْرِ شَرْعٍ ولا نَفْعٍ بِوَجْهٍ ﴿افْتِراءً﴾ أيْ: تَعَمُّدًا لِلْكَذِبِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ. ولَمّا كانُوا قَدْ خَسِرُوا ثَلاثَ خَسْراتٍ مَعَ ادِّعائِهِمْ غايَةَ البَصَرِ بِالتِّجاراتِ: النَّفْسِ بِقَتْلِ الأوْلادِ، والمالِ بِتَحْرِيمِ ما رَزَقَهم اللَّهُ، فَأفادَهم ذَلِكَ خَسارَةَ الدِّينِ - كانَتْ نَتِيجَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ أيْ: جاوَزُوا وحادُوا عَنِ الحَقِّ وجارُوا. ولَمّا كانَ الضّالُّ قَدْ تَكُونُ ضَلالَتُهُ فَلْتَةً عارِضَةً لَهُ، وتَكُونُ الهِدايَةُ وصْفًا أصِيلًا فِيهِ، نَبَّهَ عَلى أنَّ الضَّلالَ وصْفُهم الثّابِتُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِن هَذا مِن خُلُقٍ مِنَ الأخْلاقِ ﴿مُهْتَدِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ في كَوْنِهِمْ وصْفُ الهِدايَةِ، بَلْ زادُوا بِذَلِكَ ضَلالًا. قالَ البُخارِيُّ في (المَناقِبِ) مِن صَحِيحِهِ: حَدَّثَنا (p-٢٨٨)أبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ أبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: إذا سَرَّكَ أنْ تَعْلَمَ جَهْلَ العَرَبِ فاقْرَأْ ما فَوْقَ الثَّلاثِينَ ومِائَةٍ في سُورَةِ الأنْعامِ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا﴾ - إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ولَهُ في وفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ مِنَ المَغازِي عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا رَجاءٍ العُطارِدِيَّ يَقُولُ: كُنّا نَعْبُدُ الحَجَرَ فَإذا وجَدْنا حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ ألْقَيْناهُ فَأخَذْنا الآخَرَ، وإذا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنا جَثْوَةً مِن تُرابٍ ثُمَّ جِئْنا بِالشّاةِ فَحَلَبْنا عَلَيْهِ ثُمَّ طُفْنا بِهِ، فَإذا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنا: مُنَصِّلُ الأسِنَّةِ، فَلا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ ولا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إلّا نَزَعْناهُ فَألْقَيْناهُ [شَهْرَ رَجَبٍ] .

الأنعام 6:141

ولَمّا كانَ مَدارُ القُرْآنِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وتَوابِعِها والمَعادِ والقَضاءِ والقَدَرِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وأتْقَنَ تَقْرِيرَ هَذِهِ الأُصُولِ لا سِيَّما في هَذِهِ السُّورَةِ، وانْتَهى إلى شَرْحِ أحْوالِ السُّعَداءِ والأشْقِياءِ، وعَجَّبَ - سُبْحانَهُ - مِمَّنْ أشْرَكَ وأنْكَرَ البَعْثَ وفَعَلَ أفْعالَ المُشْرِكِينَ تَعْجِيبًا بَعْدَ تَعْجِيبٍ، وهَجَّنَ طَرِيقَتَهم ووَبَّخَهم تَوْبِيخًا في إثْرِ تَوْبِيخٍ بِتَكْذِيبِهِمْ لِلدّاعِي مِن غَيْرِ حُجَّةٍ، وحَكى أقْوالَهم الباطِلَةَ ودَعاوِيَهم الفاسِدَةَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم (p-٢٨٩)أنْصَفُ النّاسِ، ومُخالَفَتِهِمْ لِلْهادِي بِغَيْرِ ثَبْتٍ ولا بَيِّنَةٍ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ، وبِطَلَبِهِمْ لِلْآياتِ تَعَنُّتًا مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ، وإخْلاصِهِمْ في الشِّدَّةِ وإشْراكِهِمْ في الرَّخاءِ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ، وعِبادَتِهِمْ لِلْجِنِّ وتَعَوُّذِهِمْ بِهِمْ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أشْجَعُ النّاسِ - إلى أنْ عَجَّبَ مِنهم فِيما شَرَعُوهُ لِأنْفُسِهِمْ فِيما رَزَقَهُمُوهُ - سُبْحانَهُ - مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ ومَضَوْا عَلَيْهِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ، تَنْبِيهًا عَلى ضَعْفِ عُقُولِهِمْ وقِلَّةِ عُلُومِهِمْ تَنْفِيرًا لِلنّاسِ عَنِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ والِاغْتِرارِ بِأقْوالِهِمْ، قالَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ [الأنعام: ١٣٦] مُبَيِّنًا عَظِيمَ مُلْكِهِ وشُمُولَ قُدْرَتِهِ وباهِرَ اخْتِيارِهِ وعَظَمَتِهِ، زِيادَةً في التَّعْجِيبِ مِنهم في تَصَرُّفِهِمْ في مُلْكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ [سُبْحانَهُ] وشَرْعِهِمْ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ في سِياقٍ كافِلٍ بِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى تَقْرِيرِ التَّوْحِيدِ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ وعَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ؛ لِأنَّهُ المَدارُ الأعْظَمُ والأصْلُ الأقْوَمُ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأ﴾ أيْ: مِنَ العَدَمِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: مِنَ العِنَبِ وغَيْرِهِ ﴿مَعْرُوشاتٍ﴾ [أيْ: مَرْفُوعاتٍ عَنِ الأرْضِ عَلى الخَشَبِ ونَحْوِهِ]، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَعْرُوشَةً، ومَتى لَمْ تُرْفَعْ عَنِ الأرْضِ تَلِفَ ثَمَرُها ﴿وغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ أيْ: غَيْرَ مَرْفُوعاتٍ عَلى الخَشَبِ، أيْ: لا تَصْلُحُ إلّا مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ مُثْقَلَةً بِما يُحْكِمُ وُصُولَها إلَيْها، ومَتى ارْتَفَعَتْ (p-٢٩٠)عَنِ الأرْضِ تَلِفَتْ، فَما ذَلِكَ لِطَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها وإلّا لاسْتَوَتْ الجَنّاتُ كُلُّها لِأنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ والأرْضِ واحِدَةٌ، فَما اخْتَلَفَ إلّا بِفاعِلٍ مُخْتارٍ واحِدٍ لا شَرِيكَ لَهُ، لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ. ولَمّا ذَكَرَ الجَنّاتِ الجامِعَةَ، خَصَّ أفْضَلَها [وأدَلَّها عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، وبَدَأ بِأشْهَرِها عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآياتِ] فَقالَ: ﴿والنَّخْلَ﴾ أيْ: وأنْشَأ النَّخْلَ ﴿والزَّرْعَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أيْ: أُكُلُ أحَدِ النَّوْعَيْنِ، وهو ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ بِالنِّسْبَةِ إلى الآخَرِ، وأُكُلُ كُلِّ نَوْعٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْجارِ وغَيْرِها في الحَمْلِ والطَّعْمِ وغَيْرِهِ، بَلْ ويُوجَدُ في العِذْقِ الواحِدِ الِاخْتِلافُ، وأمّا اخْتِلافُ مِقْدارِهِ بِكَوْنِ هَذا في غايَةِ الطُّولِ وهَذا في غايَةِ القِصَرِ فَأمْرٌ واضِحٌ جِدًّا ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ [ولَمّا كانَ مُعْظَمُ القَصْدِ في هَذا السِّياقِ نَفْيُ الشَّرِيكِ وإثْباتُ الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، لَمْ يَدْعُ الحالُ إلى ذِكْرِ كَمالِ الشَّبَهِ فاكْتَفى بِأصْلِ الفِعْلِ فَقِيلَ]: ﴿مُتَشابِهًا﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أيْ: في اللَّوْنِ والطَّعْمِ والفَسادِ وعَدَمِهِ والتَّفَكُّهِ والِاقْتِياتِ والدُّهْنِ والماءِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ وكَيْفِيّاتٍ لا يُحِيطُ بِها حَقَّ الإحاطَةِ إلّا بارِئُها - سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ - ولَعَلَّهُ جَمَعَ الأوَّلَيْنِ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يُدَّخَرُ لِلِاقْتِياتِ ولا يُسْرِعُ فَسادُهُ مَعَ المُفارَقَةِ في الشَّكْلِ، والِاخْتِلافِ في النَّوْعِ بِالشَّجَرِ والنَّجْمِ، والتَّفاوُتِ العَظِيمِ في المِقْدارِ، والأخِيرَيْنِ لِأنَّ الأوَّلَ لا يَفْسَدُ بِوَجْهٍ، والثّانِي يُسْرِعُ (p-٢٩١)فَسادُهُ، ويُدَّخَرُ كُلٌّ مِنهُما عَلى غَيْرِ الهَيْئَةِ الَّتِي يُدَّخَرُ عَلَيْها الآخَرُ مَعَ كَوْنِهِما مِنَ الأشْجارِ وتَقارُبِهِما في المِقْدارِ وتَفاوُتِ ثَمَرَتِهِما في الشَّكْلِ والقَدْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ [الأنعام: ٩٩] في سِياقِ الِاسْتِدْلالِ عَلى أنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ، أمَرَ فِيهِ بِالنَّظَرِ إلى الثَّمَرِ واليَنْعِ لِيُعْتَبَرَ بِحالِهِما، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِياقِ التَّعْنِيفِ لِمَن حَرَّمَ ما رَزَقَهُ اللَّهُ والأمْرِ بِالأكْلِ مِن حَلالِ ما أنْعَمَ بِهِ والنَّهْيِ عَنْ تَرْكِهِ تَدَيُّنًا، فَقالَ تَعالى هُنا: ﴿كُلُوا﴾ وقَدَّمَ الأُولى المُسْتَدَلَّ بِها عَلى وُجُودِ البارِئِ وتَفَرُّدِهِ بِالأمْرِ لِأنَّ اعْتِقادَ ذَلِكَ سَعادَةٌ رُوحانِيَّةٌ أبَدِيَّةٌ. وقالَ أبُو حَيّانَ في (النَّهْرِ): لَمّا كانَ مَجِيءُ تِلْكَ الآيَةِ في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ والحَشْرِ وإعادَةِ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ بَعْدَ العَدَمِ وإبْرازِ الجَسَدِ وتَكْوِينِهِ مِن [العَظْمِ] الرَّمِيمِ وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، قالَ ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] إشارَةً إلى الإيجادِ [أوَّلًا] وإلى غايَتِهِ، وهُنا لَمّا كانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ وإظْهارِ الإحْسانِ بِما خَلَقَ لَنا قالَ: [كُلُوا]، ودَلَّ عَلى أنَّ الرِّزْقَ أكْثَرُ مِن خَلْقِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ثَمَرِهِ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ لِلْإباحَةِ لا لِلْإرادَةِ - قَيَّدَهُ لِئَلّا يَقْتَضِيَ إيجادَ الثَّمَرِ في كُلِّ جَنَّةٍ في كُلِّ وقْتٍ، فَقالَ: ﴿إذا أثْمَرَ﴾ فَحَصَلَ بِمَجْمُوعِها الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والحَياةُ (p-٢٩٢)الدُّنْياوِيَّةُ السَّرِيعَةُ الِانْقِضاءِ وتَقَدَّمَ النَّظَرُ وهو الفِكْرُ عَلى الأكْلِ لِهَذا السَّبَبِ. انْتَهى. وعَبَّرَ بِـ (إذا) دُونَ (إنْ) تَحْقِيقًا لِرَجاءِ النّاسِ في الخِصْبِ وتَسْكِينًا لِآمالِهِمْ رَحْمَةً لَهم ورِفْقًا بِهِمْ إعْلامًا أنَّهُ إنْ وقَعَ جَدْبٌ كانَ في ناحِيَةٍ دُونَ أُخْرى وفي نَوْعٍ دُونَ آخَرَ، وإباحَةً لِلْأكْلِ في جَمِيعِ أحْوالِ الثَّمَرَةِ نَضِيجَةً وغَيْرَ نَضِيجَةٍ. ولَمّا كانَ في الآياتِ الحاكِيَةِ مَذاهِبَ الكُفّارِ تَقْبِيحُ أنْ يَجْعَلُوا شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ لِأحَدٍ بِأهْوائِهِمْ - أشارَ هُنا إلى أنَّهُ فَرَضَ فِيها حَقًّا وجَعَلَ لَهُ مَصارِفَ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا حَقَّهُ﴾ ولَمّا أباحَ - سُبْحانَهُ - أكْلَهُ ابْتِداءً وانْتِهاءً، بَيَّنَ أنَّهُ خَفَّفَ عَنْهم الوُجُوبَ قَبْلَ الِانْتِهاءِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أيْ: قَطْعِهِ جُذاذًا كانَ أوْ حَصادًا، فَكَذَلِكَ أوَّلُ وقْتِ نِصابِ الأمْرِ وهو مُوَسَّعٌ، والحَقُّ أعَمُّ مِنَ الواجِبِ والمَندُوبِ، فَإنْ أُرِيدَ النَّدْبُ عَمَّ الأنْواعَ الخَمْسَةَ الماضِيَةَ: العِنَبَ المُشارَ إلَيْهِ بِالعَرْشِ وما بَعْدَهُ، وإنْ أُرِيدَ الوُجُوبُ فَقَدْ أُشِيرَ بِالتَّعْبِيرِ بِالحَصادِ إلى أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ الحُبُوبُ المُقْتاتَةُ، وأمّا غَيْرُها فَتابِعٌ عِلْمُهُ بِبَيانِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ الحَصادُ مَجازًا. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ بِالأكْلِ مِن ثَمَرِهِ وبِإيتاءِ حَقِّهِ - نَهى عَنْ مُجاوَزَةِ الحَدِّ في البَسْطِ أوْ القَبْضِ فَقالَ: ﴿ولا تُسْرِفُوا﴾ وهَذا النَّهْيُ يَتَضَمَّنُ أفْرادَ الإسْرافِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الإسْرافُ في أكْلِ الثَّمَرَةِ حَتّى لا يَبْقى شَيْءٌ مِنها لِلزَّكاةِ، والإسْرافُ في الصَّدَقَةِ حَتّى لا يُبْقِيَ لِنَفْسِهِ ولا لِعِيالِهِ شَيْئًا، (p-٢٩٣)ويُؤَيِّدُهُ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾ أيْ: لا يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُحِبِّ فَلا يُكْرِمُهم، وقِيلَ لِحاتِمٍ الطّائِيِّ: لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: ولا سَرَفَ في الخَيْرِ.

الأنعام 6:142

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمَآكِلِ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ مِن حَلالٍ وحَرامٍ، وفَرَغَ مِن تَقْرِيرِ أمْرِ الحَرْثِ الَّذِي قَدَّمَ في الجُمْلَةِ الأُولى لِأنَّهُ مادَّةُ الحَيَوانِ - قالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ: وأنْشَأ مِن ﴿الأنْعامِ حَمُولَةً﴾ أيْ: ما يَحْمِلُ الأثْقالَ ﴿وفَرْشًا﴾ أيْ: وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ أوْ لِلتَّوْلِيدِ، ويُعْمَلُ مِن وبَرِهِ وشَعَرِهِ فَرْشٌ. ولَمّا اسْتَوْفى القَسَمَيْنِ أمَرَ بِالأكْلِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ غَيْرَهُ مُخالَفَةً لِلْكُفّارِ، فَقالَ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَسُوغُ رَدُّ عَطِيَّتِهِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا﴾ [ولَعَلَّهُ شَدَّدَ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنْ صَغِيرَةٍ إذا ذُكِّرَ الإنْسانُ فِيها رَجَعَ ولَمْ يُعْتَدَّ في هَواهُ] ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: طَرِيقَهُ في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ كَما قالَ في البَقَرَةِ ﴿كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ مِن مادَّةِ الخَطِيئَةِ دالٌّ عَلى أنَّ شَرائِعَهُ شَرِيعَةُ الِانْدِراسِ، لَوْلا مَزِيدُ الِاعْتِناءِ مِنَ الفَسَقَةِ بِالتَّتَبُّعِ في كُلِّ خُطْوَةٍ حالَ تَأْثِيرِها لَبادَرَ إلَيْها المَحْوُ لِبُطْلانِها في نَفْسِها، فَلا أمْرَ مِنَ اللَّهِ يُحْيِيها ولا كِتابَ يُبْقِيها، وإنَّما أسْقَطَ هُنا ”حلالًا طيبًا“ لِبَيانِهِ سابِقًا في قَوْلِهِ ﴿فَكُلُوا (p-٢٩٤)مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] ﴿ولا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ولاحِقًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] ثُمَّ عَلَّلَ نَهْيَهُ عَنْ اتِّباعِهِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ﴾ أيْ: فَهو لِذَلِكَ لا يَأْمُرُكم بِخَيْرٍ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ لِأنَّ أمْرَهُ مَعَ أبِيكم شَهِيرٌ.

الأنعام 6:143

ولَمّا رَدَّ دِينَ المُشْرِكِينَ وأثْبَتَ دِينَهُ، وكانُوا قَدْ فَصَّلُوا الحُرْمَةَ بِالنِّسْبَةِ إلى ذُكُورِ الآدَمِيِّ وإناثِهِ، ألْزَمَهم تَفْصِيلَها بِالنِّسْبَةِ إلى ذُكُورِ الأنْعامِ وإناثِهِ، فَفَصَّلَ أمْرَها في أُسْلُوبٍ أبانَ فِيها أنَّ فِعْلَهم رَثُّ القُوى هَلْهَلُ النَّسِيجِ بَعِيدٌ مِن قانُونِ الحِكْمَةِ، فَهو مَوْضِعٌ لِلِاسْتِهْزاءِ وأهْلٌ لِلتَّهَكُّمِ، فَقالَ بَيانًا لِـ ﴿حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ أيْ: أصْنافٍ، لا يَكْمُلُ صِنْفٌ مِنها إلّا بِالآخَرِ، أنْشَأها بِزَواجِ كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى الآخَرَ، ولَحِقَ بِتَسْمِيَتِهِمْ الفَرْدَ بِالزَّوْجِ - بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ آخَرَ مِن جِنْسِهِ - تَسْمِيَتُهم الزُّجاجَةَ كَأْسًا بِشَرْطِ أنْ يَكُونَ فِيها خَمْرٌ. ولَمّا كانَ الزَّوْجُ يُطْلَقُ عَلى الِاثْنَيْنِ وعَلى ما مَعَهُ آخَرُ مِن نَوْعِهِ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ هَذا هو المُرادُ لا الِاثْنانِ مُفَصِّلًا لِهَذِهِ الثَّمانِيَةِ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ﴾ جَمْعُ ضائِنٍ وضائِنَةٍ كَصاحِبٍ وصَحْبٍ ﴿اثْنَيْنِ﴾ أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى كَبْشًا ونَعْجَةً ﴿ومِنَ المَعْزِ﴾ جَمْعُ ماعِزٍ وماعِزَةٍ كَخادِمٍ وخَدَمٍ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ، وتاجِرٍ وتَجَرٍ في (p-٢٩٥)قِراءَةِ غَيْرِهِمْ ﴿اثْنَيْنِ﴾ أيْ: زَوْجَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَيْسًا وعَنْزًا. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما المُرادُ بِهَذا التَّفْصِيلِ قَبْلَ سُؤالِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ - قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم مُسْتَفْهِمًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ والإنْكارِ، أتى فِيهِ بِـ (أم) الَّتِي هي مَعَ الهَمْزَةِ قَبْلَها بِمَعْنى (أيّ) لِيَتَفَهَّمَ بِها عَمّا يُعْلَمُ ثُبُوتُ بَعْضِهِ وإنَّما يُطْلَبُ تَعْيِينُهُ، فَقالَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ المَعْدُوداتِ تَأْكِيدًا لِلتَّوْبِيخِ؛ لِأنَّ الِاعْتِراضاتِ لا تُساقُ إلّا لِلتَّأْكِيدِ: ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ بِنَصْبِهِ ما بَعْدَهُ لا ما قَبْلَهُ، قالَ: ﴿حَرَّمَ﴾ أيْ: اللَّهُ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ لَزِمَكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الذُّكُورِ ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ لِيَلْزَمَكم تَحْرِيمُ جَمِيعِ الإناثِ، واسْتَوْعَبَ جَمِيعَ ما يُفْرَضُ مِن سائِرِ الأقْسامِ في قَوْلِهِ: ﴿أمّا﴾ أيْ: أمْ حَرَمَ ما ﴿اشْتَمَلَتْ﴾ أيْ: انْضَمَّتْ ﴿عَلَيْهِ﴾ وحَمَلَتْهُ ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ لَزِمَكم تَحْرِيمُ الكُلِّ فَلَمْ تَلْزَمُوا شَيْئًا مِمّا أوْجَبَهُ هَذا التَّقْسِيمُ، فَلَمْ تَمْشُوا عَلى نِظامٍ. ولَمّا عَلِمَ أنَّهُ لا نِظامَ لَهم فَعَلِمَ أنَّهم جَدِيرُونَ بِالتَّوْبِيخِ - زادَ في تَوْبِيخِهِمْ فَقالَ: ﴿نَبِّئُونِي﴾ أيْ: أخْبِرُونِي عَمّا حَرَّمَ اللَّهُ مِن هَذا إخْبارًا جَلِيلًا عَظِيمًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الإخْبارُ المَوْصُوفُ لا يَكُونُ بِشَيْءٍ فِيهِ شَكٌّ، قالَ: ﴿بِعِلْمٍ﴾ أيْ: أمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ لا مَطْعَنَ فِيهِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: إنْ كانَ لَكم هَذا الوَصْفُ.

الأنعام 6:144

(p-٢٩٦)ولَمّا فَصَّلَ الغَنَمَ إلى ضَأْنٍ ومَعْزٍ، أغْنى ذَلِكَ عَنْ تَنْوِيعِ الإبِلِ إلى العِرابِ والبُخْتِ والبَقَرِ إلى العِرابِ والجَوامِيسِ، [ - ولِأنَّ هَذِهِ يَتَناتَجُ بَعْضُها مِن بَعْضٍ بِخِلافِ الغَنَمِ فَإنَّها لا يَطْرُقُ أحَدُ نَوْعَيْها الآخَرَ - نَقَلَهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ الزَّرْكَشِيُّ في كِتابِ (الوَصايا) مِن شَرْحِ المِنهاجِ عَنْ كِتابِ الأعْدادِ لِابْنِ سُراقَةَ ] فَقالَ: ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: ذَكَرًا وأُنْثى ﴿ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ اخْتَلَقُوا جَهْلًا وسَفَهًا ما تَقَدَّمَ عَنْهم ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ أيْ: مِن هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ ﴿حَرَّمَ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما اللَّهُ ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما ﴿أمّا﴾ أيْ: الَّذِي ﴿اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: ذَلِكَ المُحَرَّمُ عَلى زَعْمِكم ﴿أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ أيْ: حَرَّمَهُما اللَّهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أجاءَكم هَذا عَنِ اللَّهِ الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ عَلى لِسانِ نَبِيٍّ؟ عادَلَهُ تَوْبِيخًا لَهم وإنْكارًا عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ أيْ: حاضِرِينَ ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لا مَلِكَ غَيْرُهُ فَلا حُكْمَ لِسِواهُ ﴿بِهَذا﴾ أيْ: كَما جَزَمْتُمْ عَلَيْهِ بِهِ، أوْ جَزَمْتُمْ بِالحُرْمَةِ فِيما حَرَّمْتُمُوهُ والحِلِّ فِيما أحْلَلْتُمُوهُ، ولا مُحَرِّمَ ولا مُحَلِّلَ غَيْرُ اللَّهِ، فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ ناسِبِينَ الحُكْمَ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما أنْتَجَهُ السِّياقُ: لَقَدْ كَذَبْتُمْ عَلى اللَّهِ حَيْثُ نَسَبْتُمْ إلَيْهِ ما لَمْ تَأْخُذُوهُ عَنْهُ لا بِواسِطَةٍ ولا بِغَيْرِ واسِطَةٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ (p-٢٩٧)مُعَمِّمًا لِيُعْلَمَ أنَّ هَذا إذا كانَ في التَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ كانَ الكَذِبُ في أُصُولِ الدِّينِ أشَدَّ: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ ووَضَعَ مَوْضِعَ (مِنكُمْ) قَوْلَهُ مُعَمِّمًا ومُعَلِّقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ لِأنَّهُ مَلِكُ المُلُوكِ ﴿كَذِبًا﴾ كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ الَّذِي غَيَّرَ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكُلِّ مَن فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ. ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِن شَرْعِهِمْ لِهَذِهِ الأُمُورِ إضْلالُ مَن تَبِعَهم فِيها عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ، وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أفْطَنُ النّاسِ وأعْرَفُهم بِدَقائِقِ الأُمُورِ في بِداياتِها ونِهاياتِها وما يَلْزَمُ عَنْها - جَعَلَ غايَةَ فِعْلِهِمْ مَقْصُودًا لَهم تَهَكُّمًا بِهِمْ، فَقالَ: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ ولَمّا كانَ الضَّلالُ قَدْ يَقَعُ مِنَ العالِمِ الهادِي خَطَأً - قالَ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ولَمّا كانَ هَذا مَحَلَّ عُجْبٍ مِمَّنْ يَفْعَلُ هَذا - كَشَفَهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ وهو الَّذِي لا حُكْمَ لِأحَدٍ سِواهُ لا يَهْدِيهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا بِما هو أعَمُّ مِن وصْفِهِمْ لِيَكُونَ الحُكْمُ عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها فَكَيْفَ بِالأظْلَمِينَ! وما أحْسَنَ هَذا الخَتْمِ لِأحْكامِهِمْ وأنْسَبَهُ لِما بَناها عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥]

الأنعام 6:145

ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ( ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٣٨] افْتِراءً عَلى اللَّهِ والتَّعْبِيرُ في ذَلِكَ كُلِّهِ (p-٢٩٨)بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ لَيْسَ إلّا مِنَ اللَّهِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لَيْسَ مَوْضِعًا لِلشَّكِّ لِأنَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ولا حُكْمَ لِغَيْرِ المَلِكِ، ومَن حَكَمَ عَنْ غَيْرِ أمْرِهِ عُذِّبَ -حَسُنَ بَعْدَ إبْطالِ دِينِهِمْ [والبَيانِ لِأنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا بِالتَّشَهِّي مُضِلٌّ وظالِمٌ] قَوْلُهُ مُبَيِّنًا البَيانَ الصَّحِيحَ لِما يَحِلُّ ويَحْرُمُ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما الَّذِي حَرَّمَهُ - سُبْحانَهُ - وما الَّذِي أحَلَّهُ: ﴿قُلْ﴾ مُعَلِّمًا بِأنَّ التَّحْرِيمَ لا يَثْبُتُ إلّا بِوَحْيٍ [مِن] اللَّهِ ﴿لا أجِدُ﴾ أيْ: الآنَ ولا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، فَإنَّ (لا) كَلِمَةٌ لا تَدْخُلُ عَلى مُضارِعٍ إلّا وهو بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ ﴿فِي ما﴾ ولَمّا كانَ ما آتاهُ ﷺ قَدْ ثَبَتَ بِعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ:﴿أُوحِيَ إلَيَّ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ شَيْئًا مِمّا تَقَدَّمَ مِمّا حَرَّمْتُمُوهُ مُطْلَقًا أوْ عَلى حالٍ دُونَ حالٍ وعَلى ناسٍ دُونَ آخَرِينَ طَعامًا ﴿مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ﴾ أيْ: طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى ﴿يَطْعَمُهُ﴾ أيْ: يَتَناوَلُهُ أكْلًا وشُرْبًا أوْ دَواءً أوْ غَيْرَ ذَلِكَ ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ ﴿مَيْتَةً﴾ أيْ: شَرْعًا، والمَيْتَةُ الشَّرْعِيَّةُ هي ما لا يَقْبَلُ التَّذْكِيَةَ، [وهُوَ كُلُّ ما زالَتْ حَياتُهُ بِغَيْرِ ذَكاةٍ شَرْعِيَّةٍ] ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ أيْ: مُراقًا مِن شَأْنِهِ السَّيَلانُ لا مِن شَأْنِهِ الجُمُودُ كالكَبِدِ والطِّحالِ. ولَمّا كانَ النَّصارى قَدْ اتَّخَذُوا أكْلَ الخِنْزِيرِ دِينًا - نَصَّ عَلَيْهِ وإنْ كانَ داخِلًا في قَوْلِهِ (مَيْتَةً) عَلى ما قَرَّرْتُهُ في المُرادِ بِها، وقالَ: (p-٢٩٩)﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ لِيُفِيدَ تَحْرِيمَهُ عَلى كُلِّ حالٍ سَواءٌ ذُبِحَ أمْ لا، ولَوْ قِيلَ: أوْ خَنْزِيرًا لاحْتَمَلَ أنْ يُرادَ تَحْرِيمُ ما أُخِذَ مِنهُ حَيًّا فَقَطْ، وقالَ: ﴿فَإنَّهُ﴾ أيْ: الخِنْزِيرَ ﴿رِجْسٌ﴾ لِيُفِيدَ نَجاسَةَ عَيْنِهِ وهو حَيٌّ، فَلَحْمُهُ وكَذا سائِرُ أجْزائِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى، [وكُلُّ ما وافَقَهُ في هَذِهِ العِلَّةِ كانَ نَجِسًا، لا يُعادُ الضَّمِيرُ عَلى اللَّحْمِ لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَتْ نَجاسَتُهُ مِن تَحْرِيمِهِ لِعَيْنِهِ، فَلَوْ عادَ عَلَيْهِ كانَ تِكْرارًا] . ولَمّا ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعَيْنِهِ ذَكَرَ المُحَرَّمَ لِعارِضٍ، فَقالَ مُبالِغًا في النَّفْيِ عَنْهُ بِأنْ جَعَلَهُ نَفْسَ المَعْنى الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ لِأجْلِهِ: ﴿أوْ فِسْقًا﴾ أيْ: أوْ كانَ الطَّعامُ خُرُوجًا مِمّا يَنْبَغِي القَرارُ فِيهِ مِن فَسِيحِ جَنابِ اللَّهِ الَّذِي مَن تَوَطَّنَهُ أمِنَ واهْتَدى وسَلِمَ مِن ضِيقِ الهَوى في ذِكْرِ الغَيْرِ الَّذِي مَن خَرَجَ إلَيْهِ خافَ وضَلَّ، وهَلَكَ وتَوى؛ ثُمَّ قالَ مُفَسِّرًا لَهُ [مُقَدِّمًا لِما هو داخِلٌ في الفِسْقِ مِنَ الِالتِفاتِ إلى الغَيْرِ]: ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ ﴿بِهِ﴾ أيْ: ذُكِرَ غَيْرُ اسْمِهِ عَلَيْهِ بِأنْ ذُبِحَ لَهُ تَدَيُّنًا. ثُمَّ ذَكَرَ لُطْفَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ في إباحَتِهِ لَهم في حالِ الضَّرُورَةِ كُلَّ مُحَرِّمٍ رَحْمَةً مِنهُ لَهم وسَتْرًا لِتَقْصِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ أيْ: حَصَلَ لَهُ جُوعٌ خَشِيَ مِنهُ التَّلَفَ، وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المُعْتَبَرَ حُصُولُ الِاضْطِرارِ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ، ومِنَ التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ تُؤْخَذُ حُرْمَةُ ما زادَ (p-٣٠٠)عَلى سَدِّ الرَّمَقِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا يَكُونُ مُضْطَرًّا ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ بِمَكِيدَةٍ ﴿ولا عادٍ﴾ أيْ: عَلى غَيْرِهِ بِقُوَّتِهِ ولا مُتَجاوِزَ حَدِّ الضَّرُورَةِ ﴿فَإنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ وإلى أُمَّتِكَ الضَّعِيفَةِ بِجَعْلِ دِينِها الحَنِيفِيَّةَ السَّمْحَةَ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: يَمْحُو الذَّنْبَ إذا أرادَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يُكْرِمُ المُذْنِبَ بَعْدَ الغُفْرانِ بِأنْواعِ الكَراماتِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَمْحُوَ عَنْ هَذا المُضْطَرِّ أثَرَ تِلْكَ الحُرْمَةِ الَّتِي كَدَّرَها ويُكْرِمَهُ بِأنْ يَجْعَلَ لَهُ - في حِفْظِهِ بِذَلِكَ لِنَفْسِهِ إذا صَحَّتْ فِيهِ نِيَّتُهُ - أجْرًا عَظِيمًا، وقَدْ تَكَلَّفَتْ الآيَةُ عَلى وجازَتِها بِجَمِيعِ المُحَرَّماتِ مِنَ المَأْكُولاتِ مَعَ الإشارَةِ بِلَفْظِ الرِّجْسِ والفِسْقِ إلى جَمِيعِ أصْنافِ المُحَرَّماتِ وإلى أنَّ ارْتِكابَها مُوجِبٌ لِلْخُبْثِ والِانْسِلاخِ مِنَ الخَيْرِ، وذَلِكَ هو سَبَبُ تَحْرِيمِها؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحرالي في كِتابِ: (العُرْوَةِ): وجْهُ إنْزالِ هَذا الحَرْفِ - أيْ: حَرْفِ الحَرامِ - طُهْرَةُ الخَلْقِ مِن مَضارِّ أبْدانِهِمْ ورَجاسَةِ نُفُوسِهِمْ ومَجْهَلَةِ قُلُوبِهِمْ، فَما اجْتَمَعَتْ فِيهِ كانَ أشَدَّ تَحْرِيمًا وما وُجِدَ فِيهِ شَيْءٌ مِنها كانَ تَحْرِيمُهُ بِحَسَبِ تَأكُّدِ الضَّرُورَةِ إلى طُهْرَتِهِ، وكَما اخْتَلَفَ أحْوالُ بَنِي آدَمَ بِحَسَبِ اخْتِلافِ طِينَتِهِمْ مِن بَيْنِ خَبِيثٍ وطَيِّبٍ وما بَيْنَ ذَلِكَ - اخْتَلَفَ أحْوالُهم فِيما بِهِ تَجَدُّدُ خَلْقِهِمْ مِن رِزْقِهِمْ، فَمَن اغْتَذى بَدَنُهُ مِن شَيْءٍ ظَهَرَتْ أخْلاقُ نَفْسِ ذَلِكَ المُغْتَذى بِهِ وأوْصافُهُ في نَفْسِهِ، ورِينٌ عَلى القَلْبِ أوْ صَفاءٌ، لِتَقَوِّيهِ بِما يُسَمّى عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ أوْ كُفْرٍ بِهِ (p-٣٠١)بِذِكْرِ غَيْرِهِ، وجامِعُ مُنْزِلِهِ عَلى حَدِّهِ مِن اسْتِثْناءِ قَلِيلِهِ مِن مُتَّسَعِ الحَلالِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ هَذا لِمَضَرَّتِهِ بِالبَدَنِ ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾ وهَذا لِتَخْبِيثِهِ لِلنَّفْسِ وتَرْجِيسِهِ لَها - كَما قالَ تَعالى -: ﴿فَإنَّهُ رِجْسٌ أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وهَذا لِرِينِهِ عَلى القَلْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ وأثْبَتَها تَعالى في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ إشْعارًا بِأنَّ التَّحْرِيمَ كانَ مُسْتَحَقًّا في أوَّلِ الدِّينِ ولَكِنْ أُخِّرَ إلى حِينِ اجْتِماعِ جُمَّةِ الإسْلامِ بِالمَدِينَةِ؛ تَأْلِيفًا لِقُلُوبِ المُشْرِكِينَ وتَيْسِيرًا عَلى ضُعَفاءِ [الدِّينِ] الَّذِينَ آمَنُوا، واكْتِفاءً لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وعَمّا يُشْبِهُهُ اسْتِبْصارًا مِنهم، حَتّى إنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ [عَلى نَفْسِهِ] في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ لِما رَأى فِيها مِن نَزْفِ العَقْلِ، فَكَيْفَ بِأحْوالِهِمْ بَعْدَ الإسْلامِ! وأُلْحِقَ بِها في سُورَةِ: ”الَّذِينَ آمَنُوا“ ما كانَ قَتْلُهُ سَطْوَةً مِن غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ المُنْخَنِقَةِ والمَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وما أكَلَ السَّبْعُ إلّا ما أُدْرِكَ بِالتَّذْكِيَةِ المُنْهِرَةِ لِلدَّمِ المُوصِلِ في التَّحْرِيمِ لِفَسادِ مَسْفُوحِهِ بِما هو خارِجٌ عَنْ حَدِّ الطَّعامِ في الِابْتِداءِ والأعْضاءِ في الِانْتِهاءِ المُسْتَدْرِكَةِ - بِبَرَكَةِ التَّسْمِيَةِ - أثَرَ ما أصابَها مِن مُفاجَأةِ السَّطْوَةِ، وأُلْحِقَ بِها أيْضًا في هَذِهِ السُّورَةِ (p-٣٠٢)تَحْرِيمُ الخَمْرِ لِرِجْسِها كالخِنْزِيرِ، كَما أُلْحِقَتْ المَقْتُولَةُ بِالمَيْتَةِ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ ما فِيهِ جِماعُ الرِّجْسِ مِنَ الخِنْزِيرِ وجِماعُ الإثْمِ مِنَ الخَمْرِ - حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما كانَ فِيهِ حَظٌّ مِن ذَلِكَ، فَألْحَقَ بِالخِنْزِيرِ السِّباعَ حِمايَةً مِن سُورَةِ غَضَبِها لِشِدَّةِ المَضَرَّةِ في ظُهُورِ الغَضَبِ مِنَ العَبِيدِ؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا لِسَيِّدِهِمْ، وحَرَّمَ الحُمْرَ الأهْلِيَّةَ حِمايَةً مِن بَلادَتِها وحِرانِها الَّذِي هو عِلْمُ غَرِيزَةِ الخَرْقِ في الخَلْقِ، وألْحَقَ ﷺ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ الَّتِي سُكْرُها مَطْبُوعٌ تَحْرِيمَ المُسْكِرِ الَّذِي سُكْرُهُ مَصْنُوعٌ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ ما يَغُرُّ العَبْدَ في ظاهِرِهِ وباطِنِهِ حَرَّمَ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ما يَقْطَعُهُ عَنْهُ مِن أكْلِ الرِّبا، [والرِّبا] بِضْعٌ وسَبْعُونَ بابًا والشِّرْكُ مِثْلُ ذَلِكَ، وجامِعُ مَنزِلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] إلى انْتِهاءِ ذِكْرِهِ إلى ما يَنْتَظِمُ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أضْعافًا مُضاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] - الآيَةُ ما يَلْحَقُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا﴾ [الروم: ٣٩] - الآيَةُ، هَكَذا قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وهو - مَعَ كَوْنِي لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ - مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآيَةُ. (p-٣٠٣)ولَمّا كانَ تَحْرِيمُ الرِّبا بَيْنَ الرَّبِّ والعَبْدِ - كانَ فِيهِ الوَعِيدُ بِالإيذانِ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ؛ ولِذَلِكَ حَمَتْ الأئِمَّةُ ذَرائِعَهُ أشَدَّ الحِمايَةِ، وكانَ أشَدُّهم في ذَلِكَ عالِمُ المَدِينَةِ حَتّى إنَّهُ حَمى مِن صُورَتِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِسَلامَةِ الباطِنِ مِنهُ، وعَمِلَ بِضِدٍّ ذَلِكَ في مُحَرَّماتِ ما بَيْنَ العَبْدِ ونَفْسِهِ، وكَما حَرَّمَ اللَّهُ الرِّبا فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ مِن هَذا الوَجْهِ الأعْلى كَذَلِكَ حَرَّمَ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ فِيما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الطَّرَفِ الأدْنى، وجامِعُ مَنزِلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] - الآيَةُ. إلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] إلى ما يَنْتَظِمُ بِهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] - الآياتُ في أمْوالِ اليَتامى، فَحَرَّمَهُ تَعالى مِن جِهَةِ الأعْلى والمَثِيلِ والأدْنى، وانْتَظَمَ التَّحْرِيرَ في ثَلاثَةِ أُصُولٍ: مِن جِهَةِ ما بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبْدِهِ ومِن جِهَةِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ومِن جِهَةِ ما بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، مِمّا تُسْتَقْرَأُ جُمْلَةُ آيَةٍ في القُرْآنِ وأحادِيثِهِ في السُّنَّةِ ومَسائِلِهِ في فِقْهِ الأئِمَّةِ؛ ولَمّا كانَ لَهُ مُتَّسَعٌ، وقَعَ فِيما بَيْنَ الحَلالِ البَيِّنِ والحَرامِ (p-٣٠٤)البَيِّنِ أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ؛ لِأنَّها تُشْبِهُ الحَلالَ مِن وجْهٍ وتُشْبِهُ الحَرامَ مِن وجْهٍ، فَلِوُقُوعِها بَيْنَهُما يُخْتَلَفُ فِيها ولِعَرْضِهِ في الأُولى، وعَنْ حِمايَةِ اللَّهِ عِبادَهُ عَنْ وبِيلِ الحَرامِ تَحَقَّقَ لَهم اسْمُهُ (الطَّيِّبُ)، فَلَمْ يَتَطَبَّبْ بِطِبِّ اللَّهِ مَن لَمْ يَحْتَمِ عَنْ مُحَرَّماتِهِ ومُتَشابِهاتِها، وهو الوَرَعُ الَّذِي هو مِلاكُ الدِّينِ - ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ -. ثُمَّ قالَ فِيما تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ [حَرْفِ] الحَرامِ تَمامًا في العِلْمِ والحالِ والعَمَلِ: اعْلَمْ أنَّ الإنْسانَ لَمّا كانَ خَلْقًا جامِعًا كانَتْ فِيهِ بِزْرَتانِ: بِزْرَةٌ لِلْخَيْرِ وبِزْرَةٌ لِلشَّرِّ، وبِحَسَبِ تَطَهُّرِهِ وتَخَلُّصِهِ مِن مُزاحَمَةِ نَباتِ بِزْرَةِ الشَّرِّ تَنْمُو فِيهِ وتَزْكُو بِزْرَةُ الخَيْرِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ البِزْرَتَيْنِ مَنبَتٌ في جِسْمِهِ ونَفْسِهِ وفُؤادِهِ، فَأوَّلُ الحُرُوفِ في التَّرْتِيبِ العَمَلُ، والأساسُ لِما بَعْدَهُ هو قِراءَةُ حَرْفِ الحَرامِ، لِتَحْصُلَ بِهِ طُهْرَةُ البَدَنِ الَّذِي هو السّابِقُ في وُجُودِ الإنْسانِ فَمَن غُذِّيَ بِالحَرامِ في طُفُولَتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلى اجْتِنابِ الآثامِ في كُهُولَتِهِ إلّا أنْ يُطَهِّرَ اللَّهُ بِما شاءَ مِن نارِ الوُرُودِ في الدُّنْيا مِنَ الأمْراضِ والضَّرّاءِ، فَهو الأساسُ الَّذِي يَنْبَنِي عَلَيْهِ تَطَهُّرُ النَّفْسِ مِنَ المَناهِي وتَطَهُّرُ الفُؤادِ مِنَ العَمَهِ والمَجاهِلِ، والَّذِي تَحْصُلُ بِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ هو الوَرَعُ الحاجِزُ عَمّا يَضُرُّ بِالجِسْمِ ويُؤْذِي النَّفْسَ وما يَكْرَهُ الخَلْقُ (p-٣٠٥)وما يُغْضِبُ الرَّبَّ، فَمَن أصابَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولَمْ يُبادِرْ إلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ عُذِّبَ بِكُلِّ آيَةٍ قَرَأها وهو مُخالِفٌ لِحُكْمِها «(مَن لَمْ يُبالِ مِن أيِّ بابٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ لَمْ يُبالِ اللَّهُ مِن أيِّ بابٍ أدْخَلَهُ النّارَ)» . ولَمّا كانَ الوَرَعُ كَفَّ اليَدِ ظاهِرًا عَنِ الشَّيْءِ الضّارِّ، وكانَتْ الجَوارِحُ لا تَنْقادُ إلّا عَنْ تَأثُّرٍ مِنَ النَّفْسِ، لَمْ يَصِحَّ الوَرَعُ ظاهِرًا إلّا أنْ يَقَعَ في النَّفْسِ رَوْعَةُ باطِنِهِ مِن تَناوُلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ ولَمّا كانَتْ النَّفْسُ لا تَتَأثَّرُ إلّا عَنْ تَبَصُّرِ القَلْبِ في الضّارِّ كَما لا يَنْكَفُّ اليَدُ إلّا عِنْدَ تَقَذُّرِ النَّفْسِ لِما تُدْرِكُ العَيْنُ قَذَرَهُ حَتّى إنَّ النَّفْسَ الرَّضِيَّةَ تَأْنَفُ مِنَ المُحَرَّماتِ كَما يَأْنَفُ المُسْتَنْظِفُ مِنَ المُسْتَقْذَراتِ، فَأكَلَةُ الحَرامِ هم دُودُ جِيفَةِ الدُّنْيا يَسْتَقْذِرُهم أهْلُ البَصائِرِ كَما يَسْتَقْذِرُونَ هم دُودَ جِيَفِ المَزابِلِ. ولَمّا كانَ الحَرامُ ما يَضُرُّ العَبْدَ في نَفْسِهِ كالمَيْتَةِ، تَيَسَّرَ عَلى المُسْتَبْصِرِ كَفُّ يَدِهِ عَنْها لِما يَدْرِي مِن مَضَرَّتِها بِجِسْمِهِ، وكَذَلِكَ الدَّمُ المَسْفُوحُ لِأنَّهُ مَيْتَةٌ بِانْفِصالِهِ عَنِ الحَيِّ ومُفارَقَتِهِ لِرُوحِ الحَياةِ الَّتِي تُخالِطُهُ في العُرُوقِ، قُلْتُ: وسَيَأْتِي قَرِيبًا تَعْلِيلُهُ في التَّوْراةِ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ أكْثَرُ فِعْلًا في النَّفْسِ وتَطْبِيعًا لَها بِخَلْقِ ما هو دَمُهُ مِنَ اللَّحْمِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وكَذَلِكَ ما يَضُرُّ بِنَفْسِهِ كَلَحْمِ الخِنْزِيرِ لِأنَّهُ رِجْسٌ، والرِّجْسُ هو خَبائِثُ الأخْلاقِ الَّتِي [هِيَ] عِنْدَ العُقَلاءِ أقْبَحُ مِن خَبائِثِ الأبْدانِ، وذَلِكَ لِأنَّ (p-٣٠٦)مَن اغْتَذى جِسْمُهُ بِلَحْمِ حَيَوانٍ اغْتَذَتْ نَفْسُهُ بِنَفْسانِيَّةِ ذَلِكَ الحَيَوانِ وبِخُلُقٍ مِن أخْلاقِهِ، وفي نَفْسِ الخِنْزِيرِ مَجامِعُ رَذائِلِ الأخْلاقِ مِنَ الإباءِ والحِرانِ والمَكْرِ والإقْدامِ عَلى ما يُعانِيهِ فِيهِ الهَلاكَ ومُتابَعَةِ الفَسادِ، والِانْكِبابِ عَلى ما تَقَبَّلَ عَلَيْهِ في أدْنى الأشْياءِ عَلى ما ظَهَرَتْ في خِلْقَتِهِ آياتُهُ فَإنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِشْرافٌ كَذَواتِ الأعْناقِ، وكَذَلِكَ ما يَضُرُّ بِهِما وبِالعَقْلِ كالخَمْرِ في نَزْفِها لِلْعَقْلِ وتَصْدِيعِها لِلرَّأْسِ وإيقاعِها العَداوَةَ والبَغْضاءَ في خُلُقِ النَّفْسِ؛ ولِذَلِكَ هي جِماعُ الإثْمِ، فالمُتَبَصِّرُ في المُحَرَّماتِ يَأْنَفُ مِنها لِما يَدْرِي مِن مَضَرَّتِها وأذاها في الوَقْتِ الحاضِرِ وفي مَعِيبِها في يَوْمِ الدُّنْيا إلى ما أخْبَرَ بِهِ مِن سُوءِ عُقْباها في يَوْمِ الدِّينِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ وماتَ ولَمْ يَتُبْ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ، وهي عُصارَةُ أهْلِ النّارِ، ولَوْ هَدَّدَ شارِبَها في الدُّنْيا مَن لَهُ أمْرٌ بِأنْ يَسْقِيَهُ مِن بَوْلِهِ ورَجِيعِهِ - لَوَجَدَ مِنَ الرَّوْعِ ما تَحْمِلُهُ عَلى الوَرَعِ عَنْها، وإذا اسْتَبْصَرَ ذُو دِرايَةٍ فِيما يَضُرُّهُ في ذاتِهِ فَأنِفَ مِنهُ رِعايَةَ نَفْسِهِ لَحَقَّ لَهُ بِذَلِكَ التِزامُ رِعايَتِها عَمّا يَتَطَرَّقُ لَهُ مِنهُ دَرْكٌ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ فَيَتَوَرَّعُ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ لِما يَدْرِي مِنَ المُؤاخَذَةِ عَلَيْها في العاجِلِ وما أُخْبِرَ بِهِ مِنَ المُعاقَبَةِ عَلَيْها في الآجِلِ، ولَها في ذاتِهِ مَضَرَّةٌ في الوَقْتِ بِتَعَرُّفِها مِن مَوارِدَ القُرْآنِ بِنُورِ الإيمانِ (p-٣٠٧)﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠] وإنْ لَمْ يُحِسَّ بِها، ولَيْسَ تَأْوِيلُهُ الوَعْدَ بِالنّارِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ إنْباءٌ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وكَذَلِكَ إذا أنِفَ مِمّا يَضُرُّهُ في نَفْسِهِ وخافَ مِمّا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ضُرُّهُ مِن غَيْرِهِ - أعْظَمَ أنْ يَقْرَبَ حِمى ما يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ السَّطْوَةُ مِن رَبِّهِ لِأجْلِهِ، وذَلِكَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِ حِمايَةً لِعَظِيمِ مُلْكِهِ وعَدَمِ التَّفاوُتِ في أمْرِ رَحْمانِيَّتِهِ في مُحَرَّمِ الرِّبا، ولِما فِيهِ أيْضًا مِن مَضَرَّةِ وقْتِهِ الحاضِرِ الَّتِي يُقَيِّدُها بِالإيمانِ مِن تَعْرِيفِ رَبِّهِ، فَإنَّهُ تَعالى كَما عَرَّفَ أنَّ أكْلَ مالِ الغَيْرِ بِالباطِلِ نارٌ في البَطْنِ، عَرَّفَ أنَّ أكْلَ مالِ الرِّبا جُنُونٌ في العَقْلِ وخَبالٌ في النَّفْسِ ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ.لِعَرائِهِ عَنْ اسْمِهِ عِنْدَ إزْهاقِ رُوحِهِ؛ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، وما أُخِذَ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ كانَ أكْلُهُ فِسْقًا وكُفْرًا لِأنَّهُ تَناوَلَ الرُّوحَ مِن يَدِ مَن لا يَمْلِكُها؛ ولِذَلِكَ فُرِضَتْ التَّسْمِيَةُ في التَّذْكِيَةِ ونُفِلَتُ فِيما سِوى ذَلِكَ، فَلا تَصِحُّ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ إلّا بِتَبْصِرَةِ القَلْبِ فِيهِ ورَوْعَةِ النَّفْسِ مِنهُ ووَرَعِ اليَدِ عَنْهُ، وإلّا فَهو مِنَ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ حُرُوفَهُ ويُضَيِّعُونَ حُدُودَهُ، الَّذِينَ قالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «(كَثُرَ هَؤُلاءِ مِنَ القُرّاءِ - لا كَثَّرَهم اللَّهُ - !)» ومَن لَمْ تَصِحَّ لَهُ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ لَمْ تَصِحَّ لَهُ قِراءَةُ حَرْفٍ سِواهُ (p-٣٠٨)ولا تَصِحُّ لَهُ عِبادَةٌ وهو الَّذِي لا يَزِيدُهُ صَلاتُهُ مِنَ اللَّهِ إلّا بُعْدًا ولا يُقْبَلُ مِنهُ دُعاؤُهُ «(الرَّجُلُ يَطْلُبُ اللَّهَ مَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، يَقُولُ: يا رَبِّ! يا رَبِّ! فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ! )» فَهَذِهِ قِراءَةُ هَذا الحَرْفِ وشَرْطُهُ - واللَّهُ ولِيُّ التَّوْفِيقِ.

الأنعام 6:146

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿طاعِمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥] نَكِرَةً في سِياقِ النَّفْيِ، يَعُمُّ كُلَّ طاعِمٍ مِن أهْلِ شَرْعِنا وغَيْرِهِمْ، وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ حَرَّمَ عَلى اليَهُودِ أشْياءَ غَيْرَ ما تَقَدَّمَ - اقْتَضَتْ إحاطَةُ العِلْمِ أنْ قالَ مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ في قَوْلِهِمْ: لَمْ يُحَرِّمْ اللَّهُ عَلَيْنا شَيْئًا، إنَّما حَرَّمْنا عَلى أنْفُسِنا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: اليَهُودِ ﴿حَرَّمْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تُدافَعُ ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أيْ: عَلى ما هو - كالإصْبَعِ لِلْآدَمِيِّ - مِنَ الإبِلِ والسِّباعِ والطُّيُورِ الَّتِي تَتَقَوّى بِأظْفارِها ﴿ومِنَ البَقَرِ والغَنَمِ﴾ أيْ: الَّتِي هي ذَواتُ الأظْلافِ ﴿حَرَّمْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ أيْ: الصِّنْفَيْنِ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ أيْ: مِنَ الشُّحُومِ مِمّا عَلَقَ بِالظَّهْرِ والجَنْبِ مِن داخِلِ بُطُونِهِما ﴿أوِ الحَوايا﴾ وهي الأمْعاءُ الَّتِي هي مُتَعاطِفَةٌ مُتَلَوِّيَةٌ، جَمْعُ حَوِيَّةٍ فَوَزْنُها فَعائِلُ كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ، وقِيلَ: جَمْعُ حاوِيَةٍ أوْ حاوِياءَ كَقاصِعاءَ ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ﴾ أيْ: [مِن] الشُّحُومِ (p-٣٠٩)﴿بِعَظْمٍ﴾ مِثْلَ شَحْمِ الألْيَةِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ، وهَذا السِّياقُ بِتَقَدُّمِ الجارِّ وبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما عَدا المَذْكُورَ مِنَ الصِّنْفَيْنِ حَلالٌ لَهم. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الطَّيِّباتِ؟ قِيلَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: التَّحْرِيمُ العَظِيمُ والجَزاءُ الكَبِيرُ [وهُوَ تَحْرِيمُ الطَّيِّباتِ] ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِبَغْيِهِمْ﴾ أيْ: في أُمُورِهِمْ الَّتِي تَجاوَزُوا فِيها الحُدُودَ، [و] في إيلاءِ هَذِهِ الآيَةِ - الَّتِي فِيها ما حُرِّمَ عَلى اليَهُودِ - لِما قَبْلَها مَعَ الوَفاءِ بِالمَقْصُودِ مِن حَصْرِ مُحَرَّماتِ المَطاعِمِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ وغَيْرِها أمْرانِ جَلِيلانِ: أحَدُهُما بَيانُ اطِّلاعِهِ ﷺ عَلى تَفْصِيلِ ما أُوحِيَ إلَيَّ مِن تَقَدُّمِهِ ولَمّا يُشامِمْ أحَدًا مِن أتْباعِهِمْ ولا دارَسَ عالِمًا ولا دَرَسَ عِلْمًا قَطُّ، فَلا دَلِيلَ عَلى صِدْقِهِ عَلى اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، والثّانِي تَفْضِيلُهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِأنَّهُ أحَلَّ لَها الخَبائِثَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ رَحْمَةً لَهم، وأزالَ عَنْها في تِلْكَ الحالَةِ ضُرَّها ولَمْ يَفْعَلْ بِها كَما فَعَلَ بِاليَهُودِ في أنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ طائِفَةً مِنَ الطَّيِّباتِ ولَمْ يُحِلَّها لَهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ عُقُوبَةً لَهم، وفي ذَلِكَ أتَمُّ تَحْذِيرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن أنْ يَبْغُوا فَيُعاقَبُوا كَما عُوقِبَ مَن قَبْلَهم عَلى ما نَبَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] فَبانَ الصِّدْقُ وحَصْحَصَ الحَقُّ ولَمْ يَبْقَ لِمُتَعَنِّتٍ كَلامٌ، فَحَسَنٌ جِدًّا خَتْمُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ صِدْقُنا أزَلًا وأبَدًا كَما اقْتَضاهُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،

الأنعام 6:147

وتَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ﴾ أيْ: وتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإيحاءِ الجامِعِ الوَجِيزِ (p-٣١٠)الدّالِّ عَلى الصِّدْقِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ أنّا نَقُولُ ذَلِكَ: ﴿كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ والتَّعْبِيرُ بِأداةِ الشَّكِّ مُشِيرٌ إلى أنَّ الحالَ يَقْتَضِي أنْ يُسْتَبْعَدَ أنْ يَقَعَ مِنهم تَكْذِيبٌ بَعْدَ هَذا ﴿رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِالبَيانِ والإمْهالِ [مَعَ كُلِّ امْتِنانٍ ﴿ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ أيْ: فَهو مَعَ اقْتِدارِهِ قَضى أنَّهُ يَحْلُمُ عَنْكم بِالإمْهالِ] إلى أجَلٍ يَعْلَمُهُ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ رَحْمَتِهِ، نَوَّهَ بِعَظِيمِ سَطْوَتِهِ فَقالَ: ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ أيْ: إذا أرادَ الِانْتِقامَ ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ: القاطِعِينَ لِما يَنْبَغِي وصْلُهُ، فَلا يَغْتَرَّ أحَدٌ بِإمْهالِهِ في سُوءِ أعْمالِهِ وتَحْقِيقِ ضَلالِهِ، وفي [هَذِهِ الآيَةِ مِن شَدِيدِ التَّهْدِيدِ مَعَ لَطِيفِ الِاسْتِعْطافِ ما هو مَسْبُوكٌ عَلى الحَدِّ] الأقْصى مِنَ البَلاغَةِ.

الأنعام 6:148

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ فَعُلِمَ أنَّ إقْدامَهم عَلى الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أصْلًا - اقْتَضى الحالُ أنْ يُقالَ: [قَدْ] بَطَلَ بِالعَقْلِ والنَّقْلِ جَمِيعُ ما قالُوهُ في التَّحْرِيمِ عَلى وجْهٍ أبْطَلَ شِرْكَهم، فَهَلْ بَقِيَ لَهم مَقالٌ؟ فَأخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِشُبْهَةٍ يَقُولُونَها اعْتِذارًا عَنْ جَهْلِهِمْ عَلى وجْهٍ [هُوَ وحْدَهُ] كافٍ في الدِّلالَةِ عَلى حَقِّيَّةِ ما يَقُولُهُ مِنَ الرِّسالَةِ، فَوَقَعَ طِبْقُ ما قالَ عَنْ أهْلِ الضَّلالِ، فَقالَ مُخْبِرًا بِما سَيَقُولُونَهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ دِلالَةً عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ وكَذِبِ المُشْرِكِينَ فِيما يُخالِفُونَهم فِيهِ: ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ وتَبْكِيتًا لَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ (p-٣١١)تَكْذِيبًا مِنهم ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ عَدَمَ إشْراكِنا وتَحْرِيمِنا ﴿ما أشْرَكْنا﴾ أيْ: بِصَنَمٍ ولا غَيْرِهِ ﴿ولا آباؤُنا﴾ أيْ: ما وقَعَ مِن إشْراكٍ ﴿ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: ما تَقَدَّمَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والزُّرُوعِ وغَيْرِها أيْ: ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ التَّرْكَ وشاءَ الفِعْلَ فَفَعَلْنا طَوْعَ مَشِيئَتِهِ، وهو لا يَشاءُ إلّا الحَقَّ والحِكْمَةَ لِأنَّهُ قادِرٌ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَقًّا يَرْضاهُ لَمَنَعَنا مِنهُ، وهو لَمْ يَمْنَعْنا مِنهُ فَهو حَقٌّ. ولَمّا كانَ هَذا عِنادًا مِنهم ظاهِرًا بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ بِما أقامَ عَلى صِدْقِ رُسُلِهِ مِنَ البَيِّناتِ - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ - تَعَجُّبًا مِنهم -: هَلْ فَعَلَ أحَدٌ غَيْرُهم مِثْلَ فِعْلِهِمْ هَذا أوْ قالَ مِثْلَ ما قالُوا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ التَّكْذِيبُ عامًّا أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِما أوْقَعُوا مِن نَحْوِ هَذِهِ المُجادَلَةِ في قَوْلِهِمْ إذا كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ كانَ التَّكْلِيفُ عَبَثًا، فَكانَتْ دَعْوى الأنْبِياءِ باطِلَةً، وهَذا القَوْلُ مِنَ المُشْرِكِينَ عِنادٌ بَعْدَ ثُبُوتِ الرِّسالاتِ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارِ الرُّسُلِ بِأنَّهُ يَشاءُ الشَّيْءَ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ لِأنَّ مُلْكَهُ تامٌّ ومِلْكَهُ عامٌّ، فَهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وتَمادى بِهِمْ غُرُورُ التَّكْذِيبِ ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أيْ: عَذابَنا لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، فَإنَّ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، فَلَمْ يَنْفَعْهم عِنادُهم عِنْدَ ذَوْقِ البَأْسِ، بَلْ انْحَلَّتْ عَزائِمُ هَمِّهِمْ فَخَضَعُوا لَنا وآمَنُوا بِرُسُلِنا، (p-٣١٢)فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ أوَّلًا الإشْراكَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وثانيًا التَّكْذِيبَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا، وسَيَأْتِي تَوْجِيهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَضْلِيلِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ المُتَعانِدَتَيْنِ وإنْ كانَ الكُلُّ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ مِن إتْيانِ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ. ولَمّا كانَ ما قالُوهُ شُبْهَةً بَعِيدَةً عَنِ العِلْمِ، أعْلى دَرَجاتِها أنْ يَكُونَ مِن أنْواعِ الخَطابَةِ فَتُفِيدُ الظَّنَّ في أعْظَمِ مَسائِلِ عِلْمِ الأُصُولِ الَّذِي لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ فِيهِ إلّا عَلى القَواطِعِ - أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ما يُنَبِّهُهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَلَقَّوْا ما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في سُورَةِ الحَجِّ - تَهَكُّمًا بِهِمْ في بُعْدِهِمْ عَنِ العِلْمِ وجِدالِهِمْ بَعْدَ نُهُوضِ الحُجَجِ ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ﴾ أيُّها الجَهَلَةُ، وأغْرَقُ في السُّؤالِ فَقالَ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أيْ: يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ الضَّنْكِ ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أيْ: لِي ولِأتْباعِي وإنْ كانَ مِمّا يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَكْنُونًا مَضْنُونًا بِهِ عَلى غَيْرِ أهْلِهِ مَخْزُونًا، فَهو تَهَكُّمٌ بِهِمْ. ولَمّا كانَ جَوابُهم عَنْ هَذا: السُّكُوتُ؛ لِأنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم - قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿تَتَّبِعُونَ﴾ أيْ: في قَوْلِكم هَذا وغالِبِ أُمُورِكم ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيْ: في أُصُولِ دِينِكم وهي لا يَحِلُّ فِيها قَوْلٌ إلّا بِقاطِعٍ ﴿وإنْ﴾ أيْ: وما ﴿أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ أيْ: تَقُولُونَ تارَةً (p-٣١٣)بِالحَزْرِ والتَّخْمِينِ وتارَةً بِالكَذِبِ المَحْضِ اليَقِينِ.

الأنعام 6:149

ولَمّا انْتَفى أنْ يَكُونَ لَهم حُجَّةٌ، وثَبَتَ أنَّ الأمْرَ إنَّما هو لِلَّهِ - ثَبَتَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالحُجَّةِ الواضِحَةِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ﴾ أيْ: الإلَهِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ أيْ: الَّتِي بَلَغَتْ أعْلى دَرَجاتِ الحَقِّ قُوَّةً ومَتانَةً وبَيانًا ووُضُوحًا ورَصانَةً بِسَبَبِ أنَّهُ شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ كَما أقْرَرْتُمْ بِذَلِكَ حِينَ قُلْتُمْ: و﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وإنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوهُ عَلى سَبِيلِ الإلْزامِ والعِنادِ لا لِأجْلِ التَّدَيُّنِ والِاعْتِقادِ ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ أيْ: اللَّهُ ﴿لَهَداكُمْ﴾ أيْ: أنْتُمْ ومُخالِفِيكم ﴿أجْمَعِينَ﴾ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ هِدايَةَ بَعْضٍ وضَلالَ آخَرِينَ، فَوَقَعَ ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي شاءَهُ، فَلَزِمَ عَلى قَوْلِكم أنْ يَكُونَ الفَرِيقانِ مُحِقِّينَ، فَيَكُونُ الشَّيْءُ الواحِدُ حَقًّا وغَيْرَ حَقٍّ في حالٍ واحِدٍ، وهَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، ويَلْزَمُكم عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنْ تُوالُوا أخْصامُكم ولا تُعادُوهم وإنْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا؛ لِأنَّهُ حَقُّ رِضى اللَّهِ لِأنَّهُ بِمَشِيئَتِهِ وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ ذَلِكَ، فَبَطَلَ قَوْلُكم فَثَبَتَ أنَّهُ قَدْ يَشاءُ الباطِلَ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ويُرْسِلُ الرُّسُلَ إلَيْكم لِإزالَتِهِ لِيُقِيمَ بِهِمْ الحُجَّةَ عَلى مَن يُرِيدُ عِقابَهُ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهم، ووُرُودُ الأمْرِ عَلى خِلافِ الإرادَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ.

الأنعام 6:150

ولَمّا صَدَقَ الحَقُّ، وانْكَسَرَ جُنْدُ الباطِلِ وانْدَقَّ بِبُطْلانِ (p-٣١٤)جَمِيعِ شُبَهِهِمْ، ونَطَقَتْ الدَّلائِلُ وأُفْحِمَ المُجادِلُ، فَبانَ أنَّهُ لا شاهِدَ لَهم بِحَقٍّ لِأنَّهُ لا حَقَّ لَهم - كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ لَهم: ها أنا قَدْ شَهِدَ لِي بِما قُلْتُهُ مَن لا تُرَدُّ شَهادَتُهُ وزَكّانِي الَّذِي لا يُقْبَلُ إلّا تَزْكِيَتُهُ بِهَذا الكِتابِ الَّذِي كانَ عَجْزُكم عَنِ الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ شاهِدًا بِأنَّهُ قَوْلُهُ، فَهَلْ لَكَمَ أنْتُمْ مِن شاهِدٍ يُقْبَلُ! ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم شاهِدٌ غَيْرُ مُتَخَرِّصِيهِمْ، فَإنَّ المُبْطِلَ يَظْهَرُ باطِلُهُ عِنْدَ المُحاقَقَةِ سُنَّةً مِنَ اللَّهِ مُسْتَمِرَّةً، فَيَظْهَرُ لِلْمَشْهُودِ لَهم بِما يَلُوحُ مَن بُهْتِهِمْ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ - أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَأْمُرَهم بِدُعائِهِمْ لِيَظْهَرَ خِزْيُهم وتَشْتَهِرَ فَضِيحَتُهم، فَقالَ: ﴿قُلْ هَلُمَّ﴾ أيْ: أحْضِرُوا، وهي كَلِمَةُ دَعْوَةٍ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والواحِدُ والجَمْعُ عِنْدَ الحِجازِيِّينَ ﴿شُهَداءَكُمُ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شُهَداءٍ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ الشَّهادَةَ عَلى ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: الَّذِي لا حُكْمَ لِغَيْرِهِ ﴿حَرَّمَ هَذا﴾ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتُمُوهُ مِن قَبْلُ، وإضافَةُ الشُّهَداءِ إلَيْهِمْ ووَصْفُهم بِـ (الَّذِينَ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مَعْرُوفُونَ مَوْسُومُونَ بِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ بِالباطِلِ، ولَوْ قالَ: (شُهَداءَ) - مِن غَيْرِ إضافَةٍ لَأفْهَمَ أنَّ المَطْلُوبَ مَن يَشْهَدُ بِالحَقِّ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ أُقِيمَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ عَلى أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهم وأنَّ الحُجَّةَ (p-٣١٥)لِلَّهِ عَلى خِلافِ ما ادَّعَوْهُ، فَبَطَلَ قَطْعًا أنْ يَكُونَ أحَدٌ يَشْهَدُ عَلى ذَلِكَ بِحَقٍّ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهم إذا أُحْضِرُوا لا يَقْدِرُونَ - إنْ كانَ لَهم عَقْلٌ أوْ فِيهِمْ حَياءٌ - عَلى النُّطْقِ إذا سَمِعُوا هَذا الحَقَّ، بُنِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ﴾ اجْتَرَؤُوا بِوَقاحَةٍ ﴿شَهِدُوا﴾ أيْ: كَذِبًا وزُورًا بِذَلِكَ الَّذِي أبْطَلْناهُ بِالأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ أيْ: فاتْرُكْهم ولا تُسَلِّمْ لَهم، فَإنَّهم عَلى ضَلالٍ ولَيْسَتْ شَهادَتُهم مُسْتَنِدَةً إلّا إلى الهَوى ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَ﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ دِلالَةً عَلى أنَّ القائِدَ إلى التَّكْذِيبِ وكُلِّ رَدًى إنَّما هو الهَوى، وأنَّ مَن خالَفَ ظاهِرَ الآياتِ إنَّما هو صاحِبُ هَوًى، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ الظُّهُورِ بِما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِإضافَتِها إلَيْنا. ولَمّا وصَفَهم بِالتَّكْذِيبِ - أتْبَعَهُ الوَصْفَ بِعَدَمِ الإيمانِ، ودَلَّ بِالنَّسَقِ بِالواوِ عَلى العَراقَةِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ، فَإنَّهم لَوْ جَوَّزُوها ما اجْتَرَؤُوا عَلى الفُجُورِ ﴿وهم بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ: الَّذِينَ لا نِعْمَةَ عَلَيْهِمْ ولا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا وهو مِنهُ وحْدَهُ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أيْ: يَجْعَلُونَ غَيْرَهُ عَدِيلًا لَهُ، وسَيَعْلَمُونَ حِينَ يَقُولُونَ لِشُرَكائِهِمْ وهم في جَهَنَّمَ يَخْتَصِمُونَ ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٩٧] ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]

الأنعام 6:151

(p-٣١٦)ولَمّا أبْطَلَ دِينَهم كُلَّهُ أُصُولًا وفُرُوعًا في التَّحْرِيمِ والإشْراكِ، وبَيَّنَ فَسادَهُ بِالدَّلائِلِ النَّيِّرَةِ - ناسَبَ أنْ يُخْبِرَهم بِالدِّينِ الحَقِّ مِمّا حَرَّمَهُ المَلِكُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ ومَن غَيْرُهُ، فَلَيْسَ التَّحْرِيمُ لِأحَدٍ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ أيْ: أقْبِلُوا إلَيَّ صاعِدِينَ مِن حَضِيضِ الجَهْلِ والتَّقْلِيدِ وسُوءِ المَذْهَبِ إلى أوْجِ العِلْمِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ. قالَ صاحِبُ (الكَشّافِ): هو مِنَ الخاصِّ الَّذِي صارَ عامًّا، يَعْنِي: حَتّى صارَ يَقُولُهُ الأسْفَلُ لِلْأعْلى ﴿أتْلُ﴾ أيْ: أقْرَأُ، مِنَ التِّلاوَةِ وهي إتْباعُ بَعْضِ الحُرُوفِ بَعْضًا. ولَمّا كانَ القَصْدُ عُمُومَ كُلِّ أحَدٍ بِالتِّلاوَةِ [وإنَّما خَصَّ المُخاطَبِينَ بِالذِّكْرِ لِاعْتِقادِهِمْ خِلافَ ذَلِكَ]، وكانَ المُحَرَّمُ أهَمَّ - قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ فَسَخِطَهُ مِنكم، وما وصّاكم بِهِ إقْدامًا وإحْطامًا فَرَضِيَهُ لَكم مِن قَبِيلَيِ الأُصُولِ والفُرُوعِ. ثُمَّ فَسَّرَ فِعْلَ التِّلاوَةِ ناهِيًا عَنِ الشِّرْكِ، وما بَعْدَهُ مِن مَضْمُونِ الأمْرِ إنَّما عُدِّيَ عَنْها، فَقالَ: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ الآياتُ. مُرَتِّبًا جُمَلَها أحْسَنَ تَرْتِيبٍ، فَبَدَأ بِالتَّوْحِيدِ في صَرِيحِ البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشارَةً إلى أنَّ التَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذائِلِ قَبْلَ التَّحَلِّي بِالفَضائِلِ، فَإنَّ التَّقِيَّةَ بِالحَمِيَّةِ قَبْلَ الدَّواءِ، وقَرَنَ بِهِ البِرَّ لِأنَّهُما مِن بابِ شُكْرِ المُنْعِمِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِ العُقُوقِ، ثُمَّ أوْلاهُ القَتْلَ الَّذِي هو أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وبَدَأهُ بِقَتْلِ الوَلَدِ؛ِ لِأنَّهُ أفْحَشُهُ وأفْحَشُ مِن مُطْلَقِهِ (p-٣١٧)فِعْلُهُ خَوْفَ القِلَّةِ، فَلَمّا وصّى بِأوَّلِ واجِبٍ لِلْمُنْعِمِ الأوَّلِ المُوجِدِ مِنَ العَدَمِ - أتْبَعَهُ ما لِأوَّلِ مُنْعِمٍ بَعْدَهُ بِالتَّسَبُّبِ في الوُجُودِ، فَقالَ ناهِيًا عَنِ الإساءَةِ في صُورَةِ الأمْرِ بِالإحْسانِ عَلى أوْكَدِ وجْهٍ لِما لِلنُّفُوسِ مِنَ التَّهاوُنِ في حَقِّهِما، وكَذا جَمِيعُ المَأْمُوراتِ ساقَها هَذا السِّياقَ المُفْهِمَ لِأنَّ أضْدادَها مَنهِيٌّ عَنْها لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِها مَنهِيًّا عَنْ أضْدادِها، فَيَكُونُ ذَلِكَ أوْكَدَ لَها وأضْخَمَ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ﴾ أيْ: افْعَلُوا بِهِما ﴿إحْسانًا﴾ ولَمّا أوْصى بِالسَّبَبِ في الوُجُودِ - نَهى عَنِ التَّسَبُّبِ في الإعْدامِ وبَدَأ بِأشَدِّهِ فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ النَّهْيُ عامًّا، وكانَ رُبَّما وجَبَ عَلى الوَلَدِ قَتْلٌ - خَصَّ لِبَيانِ الجِهَةِ فَقالَ: ﴿مِن إمْلاقٍ﴾ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ حاصِلٍ بِكم، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ، ولِأجْلِ أنَّ الظّاهِرَ هو حُصُولُ الفَقْرِ قَدَّمَ الآباءَ، فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ﴾ بِالخِطابِ، أيْ: أيُّها الفُقَراءُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الأبْناءَ فَقالَ: ﴿وإيّاهُمْ﴾ وظاهِرُ قَوْلِهِ في الإسْراءِ: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] أنَّ الآباءَ مُوسِرُونَ ولَكِنَّهم يَخْشَوْنَ مِن إطْعامِ الأبْناءِ - الفَقْرَ، فَبَدَأ بِالأوْلادِ فَقالَ: (نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ) ثُمَّ عَطَفَ الآباءَ فَقالَ (وإيّاكُمْ) - نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ. ولَمّا كانَ قَتْلُهم أفْحَشَ الفَواحِشِ بَعْدَ الشِّرْكِ - أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ مُطْلَقِ الفَواحِشِ، وهي ما غَلُظَتْ قَباحَتُهُ، وعَظُمَ أمْرُها بِالنَّهْيِ عَنْ (p-٣١٨)القُرْبانِ فَضْلًا عَنِ الغَشَيانِ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها تَأْكِيدًا لِلتَّعْمِيمِ قَوْلَهُ: ﴿ما ظَهَرَ مِنها﴾ أيْ: الفَواحِشِ ﴿وما بَطَنَ﴾ ثُمَّ صَرَّحَ مِنها بِمُطْلَقِ القَتْلِ تَعْظِيمًا لَهُ بِالتَّخْصِيصِ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَقالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ أيْ: المَلِكُ الأعْلى عَلَيْكم قَتْلَها ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ أيْ: الكامِلِ، ولا يَكُونُ كامِلًا إلّا وهو كالشَّمْسِ وُضُوحًا لا شُبْهَةَ فِيهِ، فَصارَ قَتْلُ الوَلَدِ مَنهِيًّا عَنْهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ. ثُمَّ أكَّدَ المَذْكُورَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ في هَذِهِ المَذْكُوراتِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ شَدِيدَةً عَلى النَّفْسِ، خَتَمَها بِما لا يَقُولُهُ إلّا المُحِبُّ الشَّفُوقُ لِيَتَقَبَّلَها القَلْبُ، فَقالَ: ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أمْرًا ونَهْيًا؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ لِعَظِيمِ خَطَرِها وجَلالَةِ وقْعِها في النُّفُوسِ لا تَحْتاجُ إلى مَزِيدِ فِكْرٍ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِنَ المَشْيِ عَلى مِنهاجِ العُقَلاءِ، فَعُلِمَ مِن ذِكْرِ الوَصِيَّةِ أنَّ هَذِهِ المَذْكُوراتِ هي المُوصى بِها والمُحَرَّماتِ أضْدادُها، فَصارَ شَأْنُها مُؤَكَّدًا مِن وجْهَيْنِ: التَّصْرِيحِ بِالتَّوْصِيَةِ بِها، والنَّهْيِ عَنْ أضْدادِها.

الأنعام 6:152

ولَمّا كانَ المالُ عَدِيلَ الرُّوحِ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا قِوامَ لَها إلّا بِهِ - ابْتَدَأ الآيَةَ الَّتِي تَلِيها بِالأمْوالِ، ولَمّا كانَ أعْظَمُها خَطَرًا وحُرْمَةً مالُ اليَتِيمِ لِضَعْفِهِ وقِلَّةِ ناصِرِهِ - ابْتَدَأ بِهِ فَنَهى عَنْ قُرْبِهِ فَضْلًا عَنْ أكْلِهِ أوْ شُرْبِهِ (p-٣١٩)فَقالَ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أيْ: بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ القُرْبانِ - عَمَلٍ فِيهِ أوْ غَيْرِهِ - ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ مِنَ الخِصالِ مِنَ السَّعْيِ في تَنْمِيَتِهِ وتَثْمِيرِهِ ولِيَسْتَمِرَّ ذَلِكَ ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ وهو سِنٌّ يَبْلُغُ بِهِ أوانُ حُصُولِ عَقْلِهِ عادَةً وعَقْلٌ يَظْهَرُ بِهِ رُشْدُهُ؛ ثُمَّ ثَنّى بِالمَقادِيرِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ، فَقالَ: ﴿وأوْفُوا﴾ أيْ: أتِمُّوا ﴿الكَيْلَ والمِيزانَ﴾ لِأنَّهُما الحَكَمُ في أمْوالِ الأيْتامِ وغَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ رُبَّما أُطْلِقَ عَلى ما قارَبَهُ نَحْوَ ”قَدْ قامَتْ الصَّلاةُ“ أيْ: قَرُبَ قِيامُها، وهَذا وقْتُ كَذا - وإذا قَرُبَ جِدًّا، أُزِيلُ هَذا الِاحْتِمالُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ: إيفاءٍ كائِنًا بِهِ مِن غَيْرِ إفْراطٍ ولا تَفْرِيطٍ. ولَمّا كانَتْ المَقادِيرُ لا تَكادُ تَتَساوى لا سِيَّما المِيزانُ فَإنَّهُ أبْعَدُها مِن ذَلِكَ، وأقْرَبُها الذَّرْعُ وهو داخِلٌ في الكَيْلِ، فَإنَّهُ يُقالُ: كالَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: قاسَهُ - أشارَ إلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى المُكَلَّفِ المَبْنِيِّ أمْرُهُ عَلى العَجْزِ لِلضَّعْفِ إلّا الجُهْدُ، فَقالَ: ﴿لا نُكَلِّفُ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ وما وراءَ الوُسْعِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ؛ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالعَدْلِ في القَوْلِ لِأنَّهُ الحَكَمُ عَلى الأمْوالِ وغَيْرِها، وقَدَّمَ عَلَيْهِ الفِعْلَ لِأنَّهُ دالٌّ عَلَيْهِ، فَصارَ الفِعْلُ مُوصًى بِهِ مَرَّتَيْنِ، فَقالَ: ﴿وإذا قُلْتُمْ﴾ أيْ: في شَهادَةٍ أوْ في حُكْمٍ أوْ تَوْفِيقٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿فاعْدِلُوا﴾ أيْ: تَوْفِيقًا بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ. ولَمّا كانَتْ النُّفُوسُ مَجْبُولَةً عَلى الشَّفَقَةِ عَلى القَرِيبِ - قالَ: (p-٣٢٠)﴿ولَوْ كانَ﴾ أيْ: المَقُولُ في حَقِّهِ لَهُ أوْ عَلَيْهِ بِشَهادَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿ذا قُرْبى﴾ ولا تُحابُوهُ طَمَعًا في مُناصَرَتِهِ أوْ خَوْفًا مِن مُضارَّتِهِ؛ ثُمَّ خَتَمَ بِالعَهْدِ لِجَمْعِهِ الكُلَّ في القَوْلِ والفِعْلِ فَقالَ: ﴿وبِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ خاصَّةً ﴿أوْفُوا﴾ وهَذا يَشْمَلُ كُلَّ ما عَلى الإنْسانِ ولَهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ شَيْئًا بِغَيْرِ تَقَدُّمٍ فِيهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعْظِيمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ المُعْتَنى بِهِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ أيْ: رَبُّكم المُحْسِنُ إلَيْكم. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ والأقْوالُ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ العَدْلُ فِيها لِكَوْنِها شَهَواتٍ - تَقَدَّمَ بِالتَّرْغِيبِ فِيها والتَّرْهِيبِ مِنها بِأنَّ كُلَّ مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِنها مَعَ غَيْرِهِ يُوشِكُ أنْ يُفْعَلَ مَعَهُ مِثْلُهُ؛ فَلِذَلِكَ حَضَّ عَلى التَّذَكُّرِ في الوَصِيَّةِ بِها ولِأنَّها خَفِيَّةٌ تَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَدَبُّرٍ، فَقالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَكم التَّذَكُّرُ - ولَوْ عَلى وجْهٍ خَفِيٍّ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ - فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُكم مِن مَحَبَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ لَكم، فَتَحْكُمُوا لِغَيْرِكم بِما تَحْكُمُونَ بِهِ لِأنْفُسِكم.

الأنعام 6:153

ولَمّا قَرَّرَ هَذِهِ الشَّرائِعَ، نَبَّهَ عَلى تَعْظِيمِها بِالخُصُوصِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ ما ذُكِرَ في السُّورَةِ بَلْ وفي غَيْرِها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ - عَطْفًا عَلى المَنهِيّاتِ وأضْدادِ المَأْمُوراتِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ سائِرَ الشَّرِيعَةِ -: ولا تَزِيغُوا عَنْ سَبِيلِي: ﴿وأنَّ﴾ أيْ: ولِأنَّ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ، أيْ: اتَّبِعُوهُ لِذَلِكَ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ بِالكَسْرِ هو ابْتِداءٌ (p-٣٢١)﴿هَذا﴾ أيْ: الَّذِي شَرَعْتُهُ لَكم ﴿صِراطِي﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكم؛ لِأنَّهُ الجامِعُ لِلْعِبادِ عَلى الحَقِّ الَّذِي فِيهِ كُلُّ خَيْرٍ. ولَمّا كانَ الأمْرُ بِاتِّباعِهِ مُتَضَمِّنًا لِلنَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ، فَقالَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ أيْ: المُنْشَعِبَةَ عَنِ الأهْوِيَةِ المُفَرِّقَةِ بَيْنَ العِبادِ؛ ولِذا قالَ مُسَبَّبًا ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ أيْ: تِلْكَ السُّبُلُ الباطِلَةُ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ولَمّا مَدَحَهُ آمِرًا بِهِ ناهِيًا عَنْ غَيْرِهِ مُبَيِّنًا لِلْعِلَّةِ في ذَلِكَ - أكَّدَ مَدْحَهُ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ مِن اتِّباعِهِ ﴿وصّاكم بِهِ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ حَذَّرَ مِنَ الزَّلَلِ عَنْهُ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن ضَلَّ عَنِ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وقَعَ في المَهالِكِ، وكانَ كُلُّ مَن يَتَخَيَّلُ أنَّهُ يَقَعُ في مَهْلَكٍ يَخافُ - قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ: اتَّبِعُوهُ واتْرُكُوا غَيْرَهُ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ أنْ يَخافَ مِن أنْ يَزِلَّ فَيَضِلَّ فَيَهْلِكَ، وهَذا كَما مَدَحَهُ - سُبْحانَهُ - سابِقًا في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٢٦] ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٦] وفَصَّلَ ما هُنا مِنَ الأحْكامِ في ثَلاثِ آياتٍ، وخَتَمَ كُلَّ آيَةٍ لِذَلِكَ بِالوَصِيَّةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ آكَدَ في القَوْلِ فَيَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ، وخَتَمَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها بِما خَتَمَ لِأنَّهُ إذا كانَ العَقْلُ دَعا إلى التَّذْكِيرِ فَحَمَلَ عَلى التَّقْوى.

الأنعام 6:154

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ وافِيَةً بِالآياتِ العَشْرِ الَّتِي كَتَبَها اللَّهُ (p-٣٢٢)لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى لَوْحَيِ الشَّهادَةِ في أوَّلِ ما أوْحى إلَيْهِ في طُورِ سَيْناءَ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١] وبَنى عَلَيْها التَّوْراةَ وأمَرَهُ أنْ يُودِعَها في تابُوتِ العَهْدِ لِتَكُونَ شَهادَةً عَلَيْهِمْ وعَلى أعْقابِهِمْ كَما هو مَذْكُورٌ في وسَطِ السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ وقَدْ مَضى بَيانُهُ في البَقَرَةِ ويَأْتِي في آخِرِ هَذِهِ المَقُولَةِ وزائِدَةٍ عَلَيْها مِنَ الأحْكامِ والمَحاسِنِ ما شاءَ اللَّهُ - حَسُنَ أنْ تُذْكَرَ بَعْدَها التَّوْراةُ، فَقالَ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى كُلٍّ مِنَ التَّرْتِيبِ والتَّعْظِيمِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَقْتَضِي تَعْظِيمَ ما كانَ مِن عِنْدِنا ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ: المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] - وهي - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] لِأنَّهُ تَعالى بَعْدَ أنْ أعْطى مُوسى العَشْرَ الآياتِ واعَدَهُ إلى الجَبَلِ مُواعَدَةً ثانِيَةً، فَشَرَعَ لَهُ بَعْضَ الأحْكامِ وأمَرَهُ بِنَصْبِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي يُوحى إلَيْهِ فِيها ويُصَلُّونَ إلَيْها، وبِبَعْضِ ما يَتَّخِذُ مِن آلاتِها كَما مَضى في البَقَرَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ في أوائِلِ السِّفْرِ الثّالِثِ وهو سِفْرُ الكَهَنَةِ، وفِيهِ تَلْخِيصُ أمْرِ القَرابِينِ: ودَعا الرَّبُّ مُوسى وكَلَّمَهُ في قُبَّةِ الأمَدِ، وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: كُلُّ إنْسانٍ مِنكم إذا قَرَّبَ لِلرَّبِّ قُرْبانًا مِنَ البَهائِمِ فَلْتَكُنْ قَرابِينُكم مِنَ البَقَرِ ومِنَ الغَنَمِ - إلى (p-٣٢٣)أنْ قالَ: ويُقَرِّبُ قُرْبانًا [لِلرَّبِّ الحِجابَ المَبْسُوطَ عَلى الأحْشاءِ وكُلَّ الثَّوْبِ الَّذِي عَلى الأكْشاحِ والكُلْيَتَيْنِ] والشَّحْمَ الَّذِي عَلَيْهِما وعَلى الجَنْبِ - إلى أنْ قالَ: وقالَ: الشُّحُومُ لِلرَّبِّ عَهْدُ الأبَدِ، ولا تَأْكُلُوا دَمًا ولا شَحْمًا، ثُمَّ قالَ: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وقالَ لَهُ: كَلِّمْ بَنِي إسْرائِيلَ وقُلْ لَهم: لا تَأْكُلُوا شَحْمَ البَقَرِ ولا شَحْمَ الغَنَمِ: الضَّأْنِ والماعِزِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ كُلَّ مَن أكَلَ شَحْمَ بَهِيمَةٍ ويُقَرِّبُ قُرْبانًا لِلرَّبِّ، تَهْلِكُ تِلْكَ النَّفْسُ مَن شَعْبِها، ولا تَأْكُلُوا دَمًا حَيْثُ ما سَكَنْتُمْ، لا دَمَ البَهائِمِ ولا دَمَ الطَّيْرِ، وأيَّةُ نَفْسٍ أكَلَتْ دَمًا تَهْلِكُ تِلْكَ النَّفْسُ مِن شَعْبِها، وقالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: فَأمّا الدَّمُ فَلا تَأْكُلُوا ولَكِنْ ادْفُقُوهُ عَلى الأرْضِ مِثْلَ الماءِ، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ: وكُلُوا في قُراكم مِن كُلِّ شَهَواتِ أنْفُسِكم، ولَكِنْ إيّاكم أنْ تَأْكُلُوا دَمًا؛ لِأنَّ دَمَ البَهِيمَةِ هو في نَفْسِها، فَلا تَأْكُلُوا النَّفْسَ مَعَ اللَّحْمِ لِيُحْسِنَ إلَيْكم وإلى أوْلادِكم مَن بَعْدَكم إذا عَمِلْتُمْ الحَسَنَةَ أمامَ اللَّهِ رَبِّكم. رَجَعَ إلى السِّفْرِ الثّالِثِ ثُمَّ قالَ: ودَخَلَ مُوسى وهارُونُ إلى قُبَّةِ الزَّمانِ وخَرَجا ودَعَوْا الشَّعْبَ، فَظَهَرَ مَجْدُ الرَّبِّ أمامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ، ونَزَلَتْ نارٌ مِن قِبَلِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْ الشَّحْمَ والذَّبِيحَةَ الكامِلَةَ لَهُ عَلى المَذْبَحِ، وعايَنَ ذَلِكَ جَمِيعُ الشَّعْبِ وحَمِدُوا اللَّهَ، وخَرَّ (p-٣٢٤)الشَّعْبُ كُلُّهُ عَلى وجْهِهِ. ثُمَّ ذَكَرَ عَقِبَ ذَلِكَ بِيَسِيرٍ مُحَرَّماتِ الحَيَوانِ، وكَذا ذَكَرَ في السِّفْرِ الخامِسِ وقَدْ جَمَعْتُ بَيْنَهُما ومُعْظَمُ السِّياقِ لِلْخامِسِ: قالَ: لا تَأْكُلُوا شَيْئًا نَجِسًا، هَذا! كُلُوا مِن جَمِيعِ البَهائِمِ: الثَّوْرِ والحَمَلِ والنَّعْجَةِ والمَعْزِ والأيِّلِ والظَّبْيِ والجَوْذَرِ والرُّخِّ والرِّئْمِ والوَعِلِ والثَّيْثَلِ كُلِّ بَهِيمَةٍ ذاتِ ظِلْفٍ، مَقْسُومٍ ظِلْفُها تَجْتَرُّ - كُلُوها، وحَرِّمُوا مِنَ الَّتِي لا تَجْتَرُّ، ومِنَ الَّتِي لَها ظُلُوفٌ مَقْسُومَةٌ ولا تَجْتَرُّ الجَمَلُ والأرْنَبُ والوَبَرُ الَّتِي تَجْتَرُّ ولَيْسَ لَها أظْلافٌ مَقْسُومَةٌ هي نَجِسَةٌ لَكم، وفي الثّالِثِ: وحَرِّمُوا مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لَيْسَتْ لَها أظْلافٌ الَّتِي تَجْتَرُّ: الجَمَلَ الَّذِي يَجْتَرُّ ولَيْسَ لَهُ أظْلافٌ هو نَجِسٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم، والأرْنَبُ الَّذِي يَجْتَرُّ ولَيْسَ لَهُ أظْلافٌ مُنَجَّسٌ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم. رَجَعَ والخِنْزِيرُ الَّذِي لَهُ أظْلافٌ ولا يَجْتَرُّ هو نَجِسٌ، لا تَأْكُلُوا مِن لُحُومِ هَذِهِ ولا تَقْرُبُوا إلى أجْسادِها. وقالَ في الثّالِثِ: ولا تَمَسُّوا لُحُومَها؛ لِأنَّها نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْكم. وقالَ في الخامِسِ مِن تَرْجَمَةِ الِاثْنَيْنِ والسَّبْعِينَ: وإيّاكم أنْ تَأْكُلُوا كُلَّ نَجِسٍ، ويَكُونُ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ مِنَ الدَّوابِّ العِجْلَ مِنَ البَقَرِ والخَرُوفَ مِنَ الغَنَمِ والجَدْيَ مِنَ المَعْزِ أوْ الأيِّلَ والغَزالَ والعَيْنَ (p-٣٢٥)والوَعِلَ وعَنْزَ الجَبَلِ واليَحْمُورَ وناقَةَ القَمَرِ والزَّرافَةَ، وكُلُّ دابَّةٍ مَشْقُوقَةِ الظِّلْفِ وهي تُنْبِتُ أظافِيرَ في كُلِّ ظِلْفِها واجْتَرَّ مِنَ الدَّوابِّ. فَإيّاهُ فَكُلُوا، والَّذِي لا تَأْكُلُونَ مِنهُ مِنَ الَّذِي يَجْتَرُّ ومِنَ المَشْقُوقِ الظِّلْفِ الَّذِي يَنْبُتُ لَهُ أظافِيرُ الجَمَلُ والأرْنَبُ واليَرْبُوعُ، فَإنَّ ذَلِكَ يَجْتَرُّ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مَشْقُوقِ الظِّلْفِ، وهو لا يَحِلُّ لَكم، والخِنْزِيرُ أيْضًا فَإنَّ ظِلْفَهُ مَشْقُوقٌ ويَنْبُتُ في ظِلْفِهِ أظافِيرُ غَيْرَ أنَّهُ لا يَجْتَرُّ، وما لا يَجْتَرُّ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكم فَلا تَأْكُلُوا مِن لُحُومِها ولا تَقْرَبُوا أجْسادَها؛ وقالَ في الثّالِثِ مِنها: وكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسى وهارُونَ وقالَ لَهُما: كَلِّما بَنِي إسْرائِيلَ وقُولا لَهُما: إنَّ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ مِنَ المَواشِي مِن جَمِيعِ الأنْعامِ الَّتِي عَلى الأرْضِ كُلُّ بَهِيمَةٍ قَدْ شُقَّ ظِلْفُها وهي تُخْرِجُ أظْفارًا في كِلا ظِلفَيْها وتَجْتَرُّ، فَذَلِكَ الَّذِي تَأْكُلُونَهُ مِنَ الأنْعامِ، والَّذِي لا يَحُلُّ مِمّا يَجْتَرُّ ولَمْ يُشَقَّ ظِلْفُهُ الجَمَلُ الَّذِي يَجْتَرُّ وظِلْفُهُ غَيْرُ مَشْقُوقٍ فَإنَّهُ غَيْرُ طاهِرٍ لَكم، واليَرْبُوعُ - وفي نُسْخَةٍ: السِّنْجابُ - الَّذِي يَجْتَرُّ وظِلْفُهُ غَيْرُ مَشْقُوقٍ فَإنَّهُ غَيْرُ طاهِرٍ لَكم لَمْ يَطْهُرْ لَكم، والأرْنَبُ الَّذِي يَجْتَرُّ وظِلْفُهُ غَيْرُ مَشْقُوقٍ فَإنَّهُ لا يَطْهُرُ لَكم والخِنْزِيرُ فَإنَّهُ مَشْقُوقُ الظِّلْفِ ويُخْرِجُ أظْفارًا في ظِلْفِهِ وهو لا يَجْتَرُّ فَإنَّهُ لا يَطْهُرُ لَكم فَلا تَأْكُلُوا مِن لُحُومِها ولا تَمَسُّوا ما ماتَ مِنها، فَإنَّ (p-٣٢٦)ذَلِكَ لا يَطْهُرُ لَكم. رَجَعَ إلى نُسْخَتِي، ثُمَّ ذَكَرَ في الطَّيْرِ ودَوابِّ البَرِّ قَرِيبًا مِمّا في شَرْعِنا إلى أنْ قالَ: ولا تَأْكُلُوا أشْياءَ نَجِسَةً بَلْ ادْفَعُوها إلى السُّكّانِ الَّذِينَ في قُراكم يَأْكُلُونَها أوْ يَبِيعُونَها مِنَ الغُرَباءِ، لِأنَّكَ شَعْبٌ طاهِرٌ لِلَّهِ رَبِّكَ لا تَطْبُخُوا جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ؛ وقالَ في تَرْجَمَةِ الِاثْنَيْنِ والسَّبْعِينَ: ولا تَطْبُخْ الخَرُوفَ بِلَبَنِ أُمِّهِ؛ وقالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: وكُلُوا مِنَ الطَّيْرِ ما كانَ زَكِيًّا وحَرِّمُوا هَذِهِ الَّتِي أصِفُ لَكم، لا تَأْكُلُوا مِنها شَيْئًا: النَّسْرَ والحِداءَ - وذَكَرَ نَحْوًا مِمّا عِنْدَنا، وقالَ في نُسْخَتِي في الثّالِثِ: فَمَن مَسَّ شَيْئًا مِن هَذِهِ - أيْ: المُحَرَّماتِ - يَكُونُ نَجِسًا إلى المَساءِ، ومَن حَمَلَ مِنها شَيْئًا فَلْيَغْسِلْ ثِيابَهُ ويَكُونُ نَجِسًا إلى اللَّيْلِ. انْتَهى. الظَّبْيُ - بِالمُعْجَمَةِ المُشارِكَةِ - مَعْرُوفٌ، والجَوْذَرُ - بِفَتْحِ الجِيمِ والذّالِ المُعْجَمَةِ والرّاءِ: البَقَرَةُ الوَحْشِيَّةُ، والرِّئْمُ - بِكَسْرِ المُهْمِلَةِ: الظَّبْيُ الخالِصُ البَياضِ، والثَّيْثَلُ - بِمُثَلَّثَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُما ياءٌ تَحْتانِيَّةٌ ساكِنَةٌ: بَقَرُ الوَحْشِ، والأيِّلُ - بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِ التَّحْتانِيَّةِ المُشَدَّدَةِ، الوَعِلُ - بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ المُهْمِلَةِ - وهو تَيْسُ الجَبَلِ، والحَمَلُ - بِفَتْحِ المُهْمَلَةِ: الرَّضِيعُ مِن أوْلادِ الضَّأْنِ. وقَوْلُهُ: لا تَطْبُخُوا جَدْيًا بِلَبَنِ أُمِّهِ، الظّاهِرُ أنَّ مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ أكْلِهِ ما دامَ يَرْضَعُ، وما بَعْدَ الَّذِي في الثّالِثِ هو مُعْظَمُ التَّوْراةِ، والَّذِي في الخامِسِ إنَّما هو إعادَةٌ لِما في الثّالِثِ، فَإنَّ الخامِسَ تَلْخِيصٌ لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَهُ مِنَ القَصَصِ والأحْكامِ مَعَ زِياداتٍ، فَصَدَقَ أنَّ إيتاءَ الكِتابِ أتى مُعْظَمُهُ بَعْدَ (p-٣٢٧)تَحْرِيمِ ما حَرَّمَ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ كَما وصّى بَنِي إسْرائِيلَ في الفَصْلِ الَّذِي نِسْبَتُهُ مِنَ التَّوْراةِ كَنِسْبَةِ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ القُرْآنِ، وذَلِكَ هي العَشْرُ الآياتُ الَّتِي هي أوَّلُ ما كَتَبَهُ اللَّهُ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهي أوَّلُ التَّوْراةِ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّها أوَّلُ الأحْكامِ، وما قَبْلَها فَهو قَصَصٌ وحاصِلُ هَذِهِ العَشْرِ [آياتٍ]: الرَّبُّ إلَهُكَ الَّذِي أصْعَدَكَ مِن أرْضِ مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ، لا يَكُونَنَّ لَكَ إلَهٌ غَيْرِي، لا تُقْسِمْ بِاسْمِي كَذِبًا، احْفَظْ يَوْمَ السَّبْتِ، أكْرِمْ والِدَيْكَ، لا تَقْتُلْ، لا تَزْنِ، لا تَسْرِقْ، لا تَشْهَدْ بِالزُّورِ، لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما في أيْدِي النّاسِ، فالمَعْنى: ذَلِكَ وصَّيْناكم بِهِ كَما وصَّيْنا بَنِي إسْرائِيلَ بِهِ في العَشْرِ الآياتِ وبَعْضِ ما آتَيْنا مُوسى مِنَ التَّوْراةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لِكَوْنِ هَذِهِ الآياتِ مُحْكَمَةً في كُلِّ الشَّرائِعِ لَمْ تُنْسَخْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ولا تُنْسَخُ، وصّاكم بِهِ يا بَنِي آدَمَ في الزَّمَنِ الأقْدَمِ، ولَمْ يَزْدَدْ الأمْرُ بِها في التَّوْصِيَةِ إلّا شِدَّةً ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيْ: جَمِيعَهُ وهي فِيهِ، حالَ كَوْنِهِ ﴿تَمامًا﴾ لَمْ يَنْقُصْ عَمّا يُصْلِحُهم شَيْئًا ﴿عَلى﴾ الوَجْهِ ﴿الَّذِي أحْسَنَ﴾ أيْ: أتى بِالإحْسانِ فَأثْبَتَ الحُسْنَ وجَمَعَهُ بِما بَيَّنَ (p-٣٢٨)مِنَ الشَّرْعِ وبِما حَمى طَوائِفَ أهْلِ الأرْضِ بِهِ مِنَ الإهْلاكِ بِعامِهِ، فَإنَّهُ نَقَلَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا هَلاكًا عامًّا بَعْدَ إنْزالِ التَّوْراةِ ﴿وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الفَصْلِ المُحْتَوِي عَلى الكَلِماتِ الحاوِيَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما أنَّ القُرْآنَ تَفْصِيلٌ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الجَوامِعِ السَّبْعِ الَّتِي حَوَتْها أُمُّ القُرْآنِ الحاوِيَةُ لِمَصالِحِ الدّارَيْنِ، وفي هَذَيْنَ الِاحْتِمالَيْنِ المُقْتَضِيَيْنِ لِكَوْنِ (ثُمَّ) عَلى حَقِيقَتِها مِنَ التَّرْتِيبِ والمُهْلَةِ عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وهو الِاطِّلاعُ عَلى أنَّ العَشْرَ الآياتِ وتَحْرِيمَ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بِالبَغْيِ في أوائِلِ ما أُوحِيَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَ إغْراقِ فِرْعَوْنَ وأنَّ مُعْظَمَ التَّوْراةِ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ، وهَذا لا يَعْرِفُهُ إلّا أحْبارُهم ﴿وهُدًى﴾ أيْ: بَيانًا ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: إكْرامًا لِمَن يَقْبَلُهُ ويَعْمَلُ بِهِ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: الَّذِي أخْرَجَهم مِن مِصْرَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والرِّقِّ بِقُوَّتِهِ العَظِيمَةِ وكَلِماتِهِ التّامَّةِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بَعْدَ إنْزالِ الكِتابِ - لِما يَرَوْنَ مَن حُسْنِ شَرائِعِهِ وفَخامَةِ كَلامِهِ وجَلالَةِ أمْرِهِ - حالَ مَن يُرْجى أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في كُلِّ وقْتٍ بِلِقاءِ رَبِّهِ لِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ الَّذِي الإيمانُ بِهِ نِهايَةَ تَصْدِيقِ الأنْبِياءِ؛ لِأنَّهُ لا تَسْتَقِلُّ بِهِ العُقُولُ، وإنَّما يَثْبُتُ بِالسَّمْعِ مَعَ تَجْوِيزِ العَقْلِ لَهُ، فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ كَما أنَّ كَلامَهُ لا يُشْبِهُهُ كَلامٌ فَلا يَبْغُوا بِاتِّخاذِ عِجْلٍ غايَةً (p-٣٢٩)أمْرُهُ خُوارٌ لا يُفْهَمُ ومَجْمَجَةٌ لا تُفِيدُ.

الأنعام 6:155

فَلَمّا بَيَّنَ أنَّ إنْزالَ الكُتُبِ رَحْمَةٌ مِنهُ لِأنَّ غايَتَها الدِّلالَةُ عَلى مَنزِلِها فَتُمْتَثَلُ أوامِرُهُ وتُتَّقى مَناهِيهِ وزَواجِرُهُ - بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَخُصَّ تِلْكَ الأُمَمِ بِذَلِكَ، بَلْ أنْزَلَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ كِتابًا ولَمْ يَرْضَ لَها كَوْنُهُ مِثْلَ تِلْكَ الكُتُبِ، بَلْ جَعَلَهُ أعْظَمَها بَرَكَةً وأبْيَنَها دِلالَةً، فَقالَ: ﴿وهَذا﴾ أيْ: القُرْآنُ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا إلَيْكم بِلِسانِكم حُجَّةً عَلَيْكم ﴿مُبارَكٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ كُلُّ ما فِيهِ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وخَيْرٍ وغَيْرِهِ ثَباتًا لا تُمْكِنُ إزالَتُهُ مَعَ اليُمْنِ والخَيْرِ. ولَمّا كانَ هَذا مَعْناهُ: وكانَ داعِيًا إلَيْهِ مَحَبَّبًا فِيهِ - سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ أيْ: لِيَكُونَ جَمِيعُ أُمُورِكم ثابِتَةً مَيْمُونَةً، ولَمّا أمَرَ بِاتِّباعِهِ وكانَ الإنْسانُ رُبَّما تَبِعَهُ في الظّاهِرِ - أمَرَ بِإيقاعِ التَّقْوى المُصَحِّحَةِ لِلْباطِنِ إيقاعًا عامًّا؛ ولِذَلِكَ حَذَفَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿واتَّقُوا﴾ أيْ: ومَعَ ذَلِكَ فَأوْقِعُوا التَّقْوى، وهي إيجادُ الوِقايَةِ مِن كُلِّ مَحْذُورٍ، فَإنَّ الخَطَرَ الشَّدِيدَ والسَّلامَةَ عَلى غَيْرِ القِياسِ، فَلا تُزايِلُوا الخَوْفَ مِن مَنزِلِهِ بِجُهْدِكم، فَإنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ أنْ يَحْمِلَكم عَلى تَمامِ الِاتِّباعِ وإخْلاصِهِ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ الإكْرامُ بِالعَطايا الجِسامِ، والآيَتانِ ناظِرَتانِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾ [الأنعام: ٩١] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿وهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢]

الأنعام 6:156

ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ مِن إنْزالِهِ (p-٣٣٠)وهُوَ إقامَةُ الحُجَّةِ البالِغَةِ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ أيْ: لِأنَّ لا ﴿تَقُولُوا﴾ أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا أيَّتُها الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ ﴿إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ﴾ أيْ: الرَّبّانِيُّ المَشْهُورُ ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ وقَرَّبَ الزَّمَنَ وبَعَّضَهُ بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِنا﴾ أيْ: اليَهُودِ والنَّصارى ﴿وإنْ﴾ أيْ: وأنّا - أوْ: وأنَّ الشَّأْنَ - ﴿كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ أيْ: قِراءَتِهِمْ لِكِتابِهِمْ قِراءَةً مُرَدَّدَةً. ولَمّا كانَتْ هي المُخَفَّفَةَ أتى بِاللّامِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ فَقالَ: ﴿لَغافِلِينَ﴾ أيْ: لا نَعْرِفُ حَقِيقَتَها ولا ثَبَتَتْ عِنْدَنا حَقِّيَّتُها [ولا هي بِلِسانِنا]

الأنعام 6:157

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ أيْ: أيُّها العَرَبُ: لَمْ نَكُنْ عَنْ دِراسَتِهِمْ غافِلِينَ بَلْ كُنّا عالِمِينَ بِها، ولَكِنَّهُ لا يَجِبُ اتِّباعُ الكِتابِ إلّا عَلى المَكْتُوبِ إلَيْهِ فَلَمْ نَتَّبِعْهُ، و ﴿لَوْ أنّا﴾ أُهِّلْنا لِما أُهِّلُوا لَهُ حَتّى ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ أيْ: جِنْسُهُ أوْ الكِتابُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن عِنْدِ رَبِّنا ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ أيْ: لِما لَنا مِنَ الِاسْتِعْدادِ بِوُفُورِ العَقْلِ وحِدَّةِ الأذْهانِ واسْتِقامَةِ الأفْكارِ واعْتِدالِ الأمْزِجَةِ والإذْعانِ لِلْحَقِّ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هاتَيْنِ العِلَّتَيْنِ قَوْلَهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ وذَكَرَ الفِعْلَ مَدْحًا لِهَذا القُرْآنِ وتَفْضِيلًا وتَشْرِيفًا لَهُ عَلى كُلِّ ما تَقَدَّمَهُ [وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ بَيانَ هَذِهِ السُّورَةِ في النِّهايَةِ لِأنَّها سُورَةُ أُصُولِ الدِّينِ] ﴿بَيِّنَةٌ﴾ أيْ: حُجَّةٌ ظاهِرَةٌ بِلِسانِكم ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكم عَلى لِسانِ رَجُلٍ [مِنكُمْ] تَعْرِفُونَ أنَّهُ أوْلاكم بِذَلِكَ ﴿وهُدًى﴾ أيْ: بَيانٌ لِمَن تَدَبَّرَهُ عَظِيمٌ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ أيْ: إكْرامٌ لِمَن قَبِلَهُ، (p-٣٣١)فَكَذَّبْتُمْ بِها. ولَمّا قامَتْ عَلَيْهِمْ الحُجَّةُ، حَسُنَ وُقُوعُ [تَحْذِيرِ] التَّقْرِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِكم أنَّهُ يُقالُ - بَيانًا لِأنَّكم أظْلَمُ النّاسِ -: مَن ﴿أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ [أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ] ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ فَلا أعْظَمَ مِن آياتِهِ؛ لِأنَّ الأثَرَ عَلى قَدْرِ المُؤَثِّرِ ﴿وصَدَفَ﴾ أيْ: أعْرَضَ إعْراضًا صارَ بِهِ كَأنَّهُ في صَفَدٍ - أيْ: سَدٍّ - عَنْ سُهُولَةِ الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ ﴿عَنْها﴾ [بَعْدَ ما عَرَفَ صِحَّتَها] . ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِتَوَقُّعِ ما يُجازى بِهِ، قالَ: ﴿سَنَجْزِي﴾ أيْ: بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وأظْهَرَ ما أصْلُهُ الإضْمارُ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ الإعْراضَ ولا يَتُوبُونَ ﴿عَنْ آياتِنا﴾ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ أيْ: الَّذِي يَسُوءُ نَفْسَهُ ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ الَّذِي كانَ عادَةً لَهم.

الأنعام 6:158

ولَمّا كانَ أسْوَأُ السُّوءِ حُقُوقَ العَذابِ، وكانَ حُقُوقُهُ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ - فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ مُهَوِّنًا لَهُ ومُسَهِّلًا بِتَجْرِيدِ الفِعْلِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ أدْنى انْتِظارٍ وأقْرَبَهُ وأيْسَرَهُ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾ [أيْ: حالَ تَكْذِيبِهِمْ] ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ: بِالأمْرِ الفَيْصَلِ مِن عَذابِهِمْ (p-٣٣٢)كَما هي عادَتُها في إتْيانِها المُكَذِّبِينَ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ أيْ: ظُهُورُ أمْرِ المُحْسِنِ إلَيْكَ أتَمَّ ظُهُورٍ بِجَمِيعِ الآياتِ الَّتِي تَحْمِلُها العُقُولُ وذَلِكَ يَوْمَ الجَزاءِ ﴿أوْ يَأْتِيَ﴾ وأبْهَمَ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا، فَقالَ: ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: أشْراطُ السّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها ظُهُورُهُ التّامُّ وإحْسانُهُ إلَيْكَ الأعْظَمُ مِثْلَ دابَّةِ الأرْضِ الَّتِي تُمَيِّزُ الكافِرَ مِنَ المُؤْمِنِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها المُؤْذِنِ بِإغْلاقِ بابِ التَّوْبَةِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرُهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «( لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا رَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ )، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ» . ولَمّا كانَ إتْيانُ المَلائِكَةِ - أيْ: كُلِّهِمْ أمْرًا لا يَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَ عَظَمَتِهِ، ولا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ - فَإنَّهُ لَوْ وقَعَ عَلى صُورَتِهِمْ لَتَقَطَّعَتْ أوْصالُهم ولَمْ يَحْتَمِلْهُ قُواهم فَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ، وأمّا تَجَلِّي الرَّبِّ – سُبْحانَهُ - وعَزَّ اسْمُهُ وجَلَّتْ عَظَمَتُهُ. فالأمْرُ أعْظَمُ مِن مَقالَةِ قائِلٍ. إنْ رَقَّقَ البُلَغاءُ أوْ إنْ فَخَّمُوا تَرْكَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وقالَ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ [أيْ: يُكْشَفُ ويَظْهَرُ] ﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالإتْيانِ بِذَلِكَ تَصْدِيقًا لَكَ وتَرْوِيعًا وتَدْمِيرًا لِمُخالِفِيكَ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا﴾ أيْ: كافِرَةً ﴿إيمانُها﴾ أيْ: إذْ ذاكَ، ولا نَفْسًا مُؤْمِنَةً كَسْبُها الخَيْرَ إذْ ذاكَ في إيمانِها المُتَقَدِّمِ عَلى تِلْكَ الآيَةِ [بِالتَّوْبَةِ فَما وراءَها]، ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ واصِفًا نَفْسًا: ﴿لَمْ تَكُنْ﴾ (p-٣٣٣)أيْ: الكافِرَةُ ﴿آمَنَتْ﴾ ويَسَّرَ الأمْرَ بِبَعْضِ زَمانِ القَبْلِ، ولَمْ يُكَلِّفْ بِاسْتِغْراقِهِ بِالإيمانِ، فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلِ مَجِيءِ الآيَةِ في زَمَنٍ مُتَّصِلٍ بِمَجِيئِها. ولَمّا ذَكَرَ الكافِرَةَ، أتْبَعَها المُؤْمِنَةَ فَقالَ عاطِفًا عَلى (آمَنَتْ): ﴿أوْ﴾ لَمْ تَكُنْ المُؤْمِنَةُ العاصِيَةُ ﴿كَسَبَتْ﴾ [أيْ: مِن قَبْلُ] ﴿فِي إيمانِها﴾ أيْ: السّابِقِ عَلى مَجِيءِ الآيَةِ ﴿خَيْرًا﴾ أيْ: تَوْبَةً، وبِعِبارَةٍ أُخْرى: نَفْسًا كافِرَةً إيمانَها المُجَدَّدَ بَعْدَ مَجِيءِ الآيَةِ، وهو مَعْنى ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ أوْ نَفْسًا مُؤْمِنَةً كَسْبَها الخَيْرَ بَعْدَ مَجِيءِ الآيَةِ ما لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانِها السّابِقِ عَلى الآيَةِ خَيْرًا، والحاصِلُ أنَّهُ لا يُقْبَلُ عِنْدَ ذَلِكَ إيمانُ كافِرٍ ولا تَوْبَةُ فاسِقٍ - كَما قالَهُ البَغَوِيُّ - لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّصْدِيقِ والتَّوْبَةِ الإيمانُ بِالغَيْبِ وقَدْ فاتَ بِالآيَةِ المُلْجِئَةِ، فَيَكُونُ فاعِلُ الفِعْلِ المُقَدَّرِ في (كَسَبَتْ) مَحْذُوفًا، والتَّقْدِيرُ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ لَمْ تَكُنْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا إيمانُها وكَسْبُها، فالإيمانُ راجِعٌ إلى مَن لَمْ يُؤْمِن، والكَسْبُ راجِعٌ إلى مَن لَمْ يَكْسِبْ، وهو ظاهِرٌ، والتَّهْدِيدُ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ مَجِيءِ الآيَةِ أعْظَمُ دَلِيلٍ عَلى ما ذَكَرْتُهُ مِنَ التَّقْدِيرِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ إيمانِها أوَّلًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ كَسْـبِها مِنَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وذِكْرُ جُمْلَتَيْ آمَنَتْ وكَسَبَتْ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ كافِرَةٍ ومُؤْمِنَةٍ أوَّلًا. ولَمّا كانَ هَذا تَهْدِيدًا - كَما تَرى - هائِلًا، أتْبَعَهُ ما هو أشَدُّ مِنهُ لِلتَّنْبِيهِ (p-٣٣٤)عَلى أنَّ أهْلَ الإيمانِ سالِمُونَ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكم أيُّها المُكَذِّبُونَ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ بِجُهْدِنا، وسَتَعْلَمُونَ لِمَن تَكُونُ العاقِبَةُ.

الأنعام 6:159

ولَمّا نَهى عَنْ اتِّباعِ السُّبُلِ لِأنَّها سَبَبُ التَّفَرُّقِ عَنِ الحَقِّ، وكانَ قَدْ كَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ نَصْبَ الحُجَجِ وإنارَةَ الأدِلَّةِ وإزاحَةَ الشُّكُوكِ ومَحْوَ آثارِ الشُّبَهِ، وأشْرَفَتْ السُّورَةُ عَلى الِانْقِضاءِ. وكانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الحَقَّ - مِن حَيْثُ هو حَقٌّ - شَدِيدُ التَّأْثِيرِ في إزْهاقِ الباطِلِ فَكَيْفَ إذا كانَ كَلامُ المَلِكِ الَّذِي لا يُخالَفُ أمْرُهُ ولا يُخْرَجُ عَنْ إرادَتِهِ - اشْتَدَّ اسْتِشْرافُ النَّبِيِّ ﷺ إلى رُؤْيَةِ ذَلِكَ الأثَرِ مَعَ ما عِنْدَهُ مِنَ الحِرْصِ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ لِما طَبَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ عُمُومًا وعَلَيْهِمْ خُصُوصًا، وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ الأثَرُ بِإيجادِ هِدايَتِهِمْ ومَحْوِ غِوايَتِهِمْ، فَلَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِهَذَيْنِ التَّهْدِيدَيْنِ العَظِيمَيْنِ الدّالَّيْنِ عَلى غَشاوَتِهِمْ - فَإنَّهُ ﷺ مِمّا كانَ رَجاهُ مِن هِدايَتِهِمْ أمْرٌ كَأنَّهُ كانَ قَدْ حَصَلَ، وذَلِكَ مُورِثٌ لِلشُّفُوقِ مِنَ الأسَفِ عَلى ما لا يَدْرِي قَدْرَهُ ولا يُوصَفُ خَبَرُهُ، فَثَبَّتَهُ - سُبْحانَهُ - وسَلّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا﴾ أيْ: بَعْدَ إبْلاغِكَ إيّاهم ﴿دِينَهُمْ﴾ أيْ: بِتَكْذِيبِهِمْ بِبَعْضِ آياتِ اللَّهِ وصُدُوفِهِمْ عَنْها وإيمانِهِمْ بِبَعْضِها فَفارَقُوهُ؛ لِأنَّ الكُفْرَ بَعْضُهُ كُفْرٌ بِكُلِّهِ، وأُضِيفَ الدِّينُ إلَيْهِمْ لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ ومُقاتَلَتِهِمْ عَلَيْهِ (p-٣٣٥)﴿وكانُوا شِيَعًا﴾ كُلُّ فِرْقَةٍ تُشايِعُ وتُشَيِّعُ إمامَها كالعَرَبِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا أحْزابًا بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ الأصْنامِ، فَكانَ في كُلِّ قُطْرٍ لَهم مَعْبُودٌ أوْ اثْنانِ فَأكْثَرُ، وكَأهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ ابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ بِدَعًا أوْصَلَتْهم إلى تَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وآمَنُوا بِبَعْضِ الأنْبِياءِ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ، وكالمَجُوسِ الَّذِينَ مَزَّقُوا دِينَهم بِاعْتِقادِ أنَّ الإلَهَ اثْنانِ: النُّورُ والظُّلْمَةُ، وعَبَدُوا الأصْنامَ والنُّجُومَ وجَعَلُوا لِكُلِّ نَجْمٍ صَنَمًا يُتَوَسَّلُ بِهِ - في زَعْمِهِمْ - إلَيْهِ ﴿لَسْتَ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن حِسابِهِمْ ولا مِن عِقابِهِمْ ولا مِن خَلْقِ الهِدايَةِ في قُلُوبِهِمْ ﴿فِي شَيْءٍ﴾ وفي هَذا غايَةُ الحَثِّ عَلى الِاجْتِماعِ ونِهايَةُ التَّوَعُّدِ عَلى الِافْتِراقِ. . ولَمّا خَفَّفَ عَنْهُ ﷺ بِتَبْرِئَتِهِ مِنهم، أسْنَدَ إلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ ما يَحِقُّ لَهُ في إحاطَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَإلى مَن يَكُونُ أمْرُهُمْ؟: ﴿إنَّما أمْرُهُمْ﴾ أيْ: في ذَلِكَ كُلِّهِ وفي كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمْ مِمّا لا يَحْصُرُهُ حَدٌّ ولا يُحْصِيهِ عَدٌّ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ غَيْرَهُ، فَمَن شاءَ هَداهُ ومَن شاءَ أعْماهُ، ومَن شاءَ أهْلَكَهُ ومَن شاءَ أبْقاهُ لِأنَّ لَهُ كَمالَ العَظَمَةِ. . ولَمّا كانَ الحَشْرُ مُتَراخِيًا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ في الرُّتْبَةِ وفي الزَّمانِ، لا تَبْلُغُ كُنْهُ عَظَمَتِهِ العُقُولُ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي والتَّنْبِيهِ (p-٣٣٦)بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ بَعْدَ اسْتِيفاءِ ما ضَرَبَ لَهم مِنَ الآجالِ ﴿يُنَبِّئُهُمْ﴾ أيْ: تَنْبِئَةً عَظِيمَةً جَلِيلَةً مُسْتَقْصاةً بَعْدَ أنْ يَحْشُرَهم إلَيْهِ داخِرِينَ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَفْعَلُونَ﴾ أيْ: مِن تِلْكَ الأشْياءِ القَبِيحَةِ الَّتِي كانَ لَهم إلَيْها أتَمُّ داعِيَةٍ غَيْرَ مُتَوَقِّفِينَ في إصْدارِها عَلى عِلْمٍ مَعَ ادِّعاءِ التَّدَيُّنِ بِها، والآيَةُ - مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن مُقْتَضَياتِها - تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]

الأنعام 6:160

ولَمّا أخْبَرَ أنَّ أمْرَهم لَيْسَ إلّا إلَيْهِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ حِينَئِذٍ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن جاءَ﴾ أيْ: مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ: الكامِلَةِ بِكَوْنِها عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿فَلَهُ﴾ مِنَ الحَسَناتِ ﴿عَشْرُ أمْثالِها﴾ كَرَمًا وإحْسانًا وجُودًا وامْتِنانًا، يُجازِيهِ بِذَلِكَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وهَذا المُحَقَّقُ لِكُلِّ أحَدٍ ويَزْدادُ البَعْضُ وُضُوحًا بِحَسَبِ النِّيّاتِ، وذَكَرَ العَشْرَ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحَسَنَةِ، وهو مُضافٌ إلى ضَمِيرِها. ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ [الأنعام: ١٥٢] مَعَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢] الإشارَةَ إلى أنَّ المُساواةَ في الجَزاءِ مِمّا يَنْقَطِعُ دُونَهُ أعْناقُ الخَلْقِ - أخْبَرَ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ لِأنَّ عَمَلَهُ شامِلٌ وقُدْرَتَهُ كامِلَةٌ بِقَوْلِهِ: (p-٣٣٧)﴿ومَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أيْ: أيِّ شَيْءٍ كانَ مِن هَذا الجِنْسِ ﴿فَلا يُجْزى﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ ﴿إلا مِثْلَها﴾ [إذا جُوزِيَ، ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ] . ولَمّا كانَتْ المُماثَلَةُ لا يَلْزَمُ كَوْنُها مِن كُلِّ وجْهٍ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في ذَلِكَ لا سِيَّما في هَذِهِ العِبارَةِ، صَرَّحَ بِما هو ظاهِرُهُ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِلنَّفْسِ وأسْكَنُ لِلرَّوْعِ - فَقالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ أيْ: بِكَوْنِها مِثْلَها في الوَحْدَةِ وإنْ كانَتْ أكْبَرَ أوْ مِن جِنْسٍ أشَدَّ مِن جِنْسِها ونَحْوَ ذَلِكَ، بَلْ المُماثَلَةُ مَوْجُودَةٌ في الكَمِّ والكَيْفِ، فَلا يُنْقَصُ أحَدٌ في ثَوابٍ ولا يُزادُ في عِقابٍ.

الأنعام 6:161

ولَمّا تَضَمَّنَ ما مَضى تَصْحِيحَ التَّوْحِيدِ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ وتَحْقِيقَ أمْرِ القَضاءِ والقُدْرَةِ وإبْطالَ جَمِيعِ أدْيانِ الضَّلالِ ووَصْفِها بِتَفَرُّقِ أهْلِها الدّالِّ عَلى بُطْلانِها واعْوِجاجِها، وخَتَمَ بِهَذا التَّحْذِيرِ الَّذِي لا شَيْءَ أقْوَمَ مِنهُ ولا أعْدَلَ - أمَرَهُ ﷺ بِالإعْلانِ بِأمْرِهِ وأنْ يَصِفَ دِينَهُ الَّذِي شَرَعَهُ لَهُ وهَداهُ إلَيْهِ بِما فِيهِ مِنَ المَحاسِنِ تَحْبِيبًا فِيهِ وحَثًّا عَلَيْهِ ولِأنَّ ذَلِكَ مِن نَتِيجَةِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأكَّدَ بِالإتْيانِ بِالنُّونَيْنِ، فَقالَ: ﴿إنَّنِي هَدانِي﴾ أيْ: بَيانًا وتَوْفِيقًا ﴿رَبِّي﴾ أيْ: المُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ خَيْرٍ لا سِيَّما هَذا الَّذِي أوْحاهُ إلَيَّ وأنْزَلَهُ عَلَيَّ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ، ثُمَّ مَدَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ أيْ: بالِغَ الِاعْتِدالِ والِاسْتِقامَةِ ثابِتَها، هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ (p-٣٣٨)القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ المَكْسُورَةِ، وهو في قِراءَةِ الباقِينَ بِكَسْرِ القافِ وفَتْحِ الياءِ الخَفِيفَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ وصَفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ، وزادَهُ مَدْحًا بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا لَهم - لِتَقْلِيدِهِمْ الآباءَ - بِأنَّهُ دِينُ أبِيهِمْ الأعْظَمِ: ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ والمِلَّةُ ما أظْهَرُهُ نُورُ العَقْلِ مِنَ الهُدى في ظُلَمِ ما التَزَمَهُ النّاسُ مِن عَوائِدِ أمْرِ الدُّنْيا - أفادَهُ الحرالي. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿حَنِيفًا﴾ أيْ: لَيِّنًا هَيِّنًا سَهْلًا قابِلًا لِلِاسْتِقامَةِ لِكَوْنِهِ مَيّالًا مَعَ الدَّلِيلِ غَيْرَ جافٍّ ولا كَزٍّ واقِفٍ مَعَ التَّقْلِيدِ عَمِيٍّ عَنْ نُورِ الدَّلِيلِ - كَما تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: الجامِدِينِ مَعَ أوْهامِهِمْ في ادِّعاءِ شَرِيكٍ لِلَّهِ مَعَ رُؤْيَتِهِمْ لَهُ في كَوْنِهِ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ولا يَصْلُحُ لِشَرِكَةِ آدَمِيٍّ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ، لا يَنْقادُونَ لِدَلِيلٍ ولا يُصْغُونَ إلى قِيلٍ، فَكانَ هَذا مَدْحًا لِهَذا الدِّينِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ ﷺ وبَيانًا لِأنَّهُ الَّذِي اخْتارَهُ - سُبْحانَهُ - لِخَلِيلِهِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رُجُوعًا إلى ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤] الَّذِي بُنِيَتْ السُّورَةُ في الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ، وأُلْقِيَتْ أزْمَةُ أطْرافِها إلَيْهِ، وتَرْغِيبًا في هَذا الدِّينِ لِأنَّ جَمِيعَ المُخالِفِينَ يَتَشَبَّثُونَ بِأذْيالِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: العَرَبُ وأهِلَ الكِتابَيْنِ بِنِسْبَةِ الأُبُوَّةِ، والمَجُوسُ بِنِسْبَةِ البَلَدِ والأُخُوَّةِ، وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ فَهِمَ ما حاجَّ بِهِ أبُوهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ وقَبِلَهُ، فَلَمْ يُنْسَبْ (p-٣٣٩)كَغَيْرِهِ إلى جُمُودٍ ولا عِنادٍ.

الأنعام 6:162

ولَمّا كانَ كَأنَّ سائِلًا قالَ: وما هَذِهِ المِلَّةُ الَّتِي تَكَرَّرَ مَدْحُها والدُّعاءُ إلَيْها؟ أجابَ بِقَوْلِهِ لِيَتَأسّى بِهِ أهْلُ الإيمانِ، فَيَلْتَزِمُوا جَمِيعَ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي﴾ أيْ: الَّتِي هي لُبابُ الدِّينِ وصَفاوَتُهُ ﴿ونُسُكِي﴾ أيْ: جَمِيعُ عِبادَتِي مِنَ الذَّبائِحِ وغَيْرِها ﴿ومَحْيايَ﴾ أيْ: حَياتِي وكُلُّ ما تَجْمَعُهُ مِن زَمانٍ ومَكانٍ وفِعْلٍ ﴿ومَماتِي لِلَّهِ﴾ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ أمْرِهِ؛ ولَمّا عَلَّمَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ لِذاتِهِ - أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مِن كُلِّ أحَدٍ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ وإنْعامِهِ عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾ المُوجِدِ والمُدَبِّرِ والمُوعِي لَهم.

الأنعام 6:163

ولَمّا أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ لِذاتِهِ ووَصْفِهِ، أعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ وحْدَهُ، فَقالَ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ أيْ: لِيَكُونَ لِشَرِيكِهِ - عَلى زَعْمِكم - شَيْءٌ مِنَ العِبادَةِ لَمّا كانَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ، فَأبانَ بِهَذا أنَّ وجْهَهُ ﷺ ووَجْهَ مَن تَبِعَهُ واحِدٌ لا افْتِراقَ فِيهِ، وهو قَصْدُ اللَّهِ وحْدَهُ عَلى سَبِيلِ الإخْلاصِ كَما أنَّهُ يُوَحَّدُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُوَحَّدَ بِالعِبادَةِ. ولَمّا دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِبُرْهانِ العَقْلِ - أتْبَعَهُ بِجازِمِ النَّقْلِ فَقالَ [عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: إلى ذَلِكَ أرْشَدَنِي دَلِيلُ العَقْلِ]: ﴿وبِذَلِكَ﴾ أيْ: الأمْرِ العالِي مِن تَوْجِيهِ أُمُورِي إلَيْهِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ. (p-٣٤٠)ولَمّا كانَ لَهُ سُبْحانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ - فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ آمِرًا بِالتَّوْحِيدِ بِلِسانِ حالِهِ أوْ ناطِقِ قالِهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُمِرْتُ﴾ أيْ: يَعْنِي أنَّ هَذا الدِّينَ لَوْ لَمْ يَرِدْ بِهِ أمْرٌ كانَ يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَدِينَ بِهِ ولا يَعْدِلَ عَنْهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وانْتِشارِ نُورِهِ بِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ ودَرَجَ عَلى اتِّباعِهِ مِنَ الأفاضِلِ والأماثِلِ، فَكَيْفَ إذا بَرَزَتْ بِهِ الأوامِرُ الإلَهِيَّةُ ودَعَتْ إلَيْهِ الدَّواعِي الرَّبّانِيَّةُ ؟ ﴿وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ أيْ: المُنْقادِينَ لِما يَدْعُو إلَيْهِ داعِي اللَّهِ في هَذا الدِّينِ، لا اخْتِيارَ لِي أصْلًا، بَلْ أنا مَسْلُوبُ الِاخْتِيارِ فِيهِ مُنْقادٌ أتَمَّ انْقِيادٍ، وهَذِهِ الأوَّلِيَّةُ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ في الزَّمانِ والرُّتْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى أُمَّتِهِ ﷺ وفي الرُّتْبَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وهَذا أيْضًا مِن بابِ الإحْسانِ في الدُّعاءِ بِالتَّقَدُّمِ إلى ما يَدْعُو إلَيْهِ وأنْ يُحِبَّ لِلْمَدْعُوِّ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ لِيَكُونَ أُنْفى لِلتُّهْمَةِ وأدَلَّ عَلى النَّصِيحَةِ فَيَكُونُ أدْعى لِلْقَبُولِ.

الأنعام 6:164

ولَمّا حاجُّوهُ في الشِّرْكِ في هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَما حاجَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمُهُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ أنْ دَعاهم ﷺ إلى تِلاوَةِ ما أنْزَلَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - في تَحْرِيمِ الشِّرْكِ وشَرْحِ دِينِهِ القَيِّمِ، ثُمَّ كَرَّرَ هُنا ذَمَّهم بِالتَّفَرُّقِ الدّالِّ عَلى الضَّلالِ ولا بُدَّ، ومَدْحِ دِينِ الرُّسُلِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم لَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ أصْلًا، وأيْأسَ الكُفّارَ مِن مُوافَقَتِهِ ﷺ لَهم نَوْعًا مِنَ المُوافَقَةِ ومَيْلِهِ مَعَهم شَيْئًا مِنَ المَيْلِ - أمَرَهُ (p-٣٤١)- سُبْحانَهُ - بَعْدَ أنْ ثَبَتَ بِأوَّلِ السُّورَةِ وأثْنائِها وآخِرَها أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ - بِالإنْكارِ عَلى مَن يُرِيدُ مِنهُ مَيْلًا إلى غَيْرِ مَن تَفَرَّدَ بِمَحْياهُ ومَماتِهِ - فَكانَ لَهُ التَّفَرُّدُ بِما بَيْنَهُما وما بَعْدَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ، والتَّوْبِيخُ الشَّدِيدُ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَطْمَعُونَ أنْ تَطْرُدَ أصْحابَكَ مِن أجْلِهِمْ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أبْغِي﴾ أيْ: أطْلُبُ وأُرِيدُ بِالإشْراكِ فَإنَّ الغِنى المُطْلَقَ لا يُقْبَلُ مِمَّنْ أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا ﴿رَبًّا﴾ أيْ: مُنْعِمًا يَتَوَلّى مَصالِحِي كَما بَغَيْتُمْ أنْتُمْ، فَهو تَعْرِيضٌ بِهِمْ وتَنْبِيهٌ لَهم، والإسْنادُ إلَيْهِ ﷺ والمُرادُ جَمِيعُ الخَلْقِ - مِن بابِ الإنْصافِ في المُناظَرَةِ لِلِاسْتِعْطافِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كَما ثَبَتَ بِالقَواطِعِ ورَكَزَ في العُقُولِ الثَّوابِتِ وطَبَعَ في أنْوارِ الأفْكارِ اللَّوامِعِ ﴿رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مُوجِدُهُ ومُرَبِّيهِ، أفَيَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَدِينَ لِغَيْرِ سَيِّدِهِ وذَلِكَ الغَيْرُ مَرْبُوبٌ مِثْلُهُ لِسَيِّدِهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ لِنَفْسِهِ. ولَمّا أنْكَرَ عَلى مَن يَجْنَحُ إلى غَيْرِهِ مَعَ عُمُومِ بِرِّهِ وخَيْرِهِ - أتْبَعَهُ التَّرْوِيعَ مِن قَوِيمِ عَدْلِهِ في عَظِيمِ ضُرِّهِ، فَقالَ: ﴿ولا﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا ﴿تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: ذَنْبًا وإنْ قَلَّ مَعَ التَّصْمِيمِ والعَزْمِ القَوِيِّ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُصَدِّقُهُ العَمَلُ - كَما مَضى في آيَةِ البَقَرَةِ: ﴿إلا عَلَيْها﴾ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ باطِلًا لا عَلَيْها ولا عَلى غَيْرِها، وإذا كانَ عَلَيْها (p-٣٤٢)لا يُمْكِنُ أنْ يُحاسِبَ بِهِ - سُبْحانَهُ - سِواها لِأنَّهُ عَدْلٌ حَكِيمٌ فَكَيْفَ أدْعُو غَيْرَهُ دُعاءً جَلِيًّا أوْ خَفِيًّا وذَلِكَ أعْظَمُ الذُّنُوبِ! ولِلتَّنْفِيرِ مِنَ الشِّرْكِ الخَفِيِّ بِالرِّياءِ وكُلِّ مَعْصِيَةٍ وإنْ صَغُرَتْ - جَرَّدَ الفِعْلَ عَنِ الِافْتِعالِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ لا يَكُونُ عَلَيْها إلّا ما بالَغَتْ فِيهِ، والسِّياقُ هُنا واضِحٌ في أنَّ الكَسْبَ مُقَيَّدٌ بِالذَّنْبِ فَإنَّهُ في دُعاءِ غَيْرِ اللَّهِ وآيَةُ البَقَرَةِ لِلْإيماءِ إلى الذَّنْبِ الَّذِي لا يَقَعُ إلّا بِشَهْوَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ النَّفْسِ لَهُ لِطَبْعِها عَلى النَّقائِصِ، فَهي لا تُنافِي هَذِهِ لِأنَّ ما كَسَبَتْهُ مِنَ الذُّنُوبِ قَدْ عُلِمَ مِن ثَمَّ أنَّهُ اكْتِسابٌ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: ولَمّا كانَ المَعْنى أنِّي إنْ بَغَيْتُ رَبًّا غَيْرَهُ وكَلَنِي إلى ما تَوَلَّيْتُهُ، وأنا إنْسانٌ والإنْسانُ مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ فَهَلَكْتُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مُجَرِّدًا لِلْفِعْلِ لِقَصْدِ العُمُومِ: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ بِما هي نَفْسٌ ناظِرَةٌ في نَفاسَتِها مُعْرِضَةٌ عَنْ رَبِّها مَوْكُولَةٌ إلى حَوْلِها وقُوَّتِها ﴿إلا عَلَيْها﴾ ولا يَحْمِلُ عَنْها غَيْرُها شَيْئًا مِن وِزْرِها؛ ولَمّا كانَ رُبَّما حَمَلَ أحَدٌ عَنْ غَيْرِهِ شَيْئًا مِن أثْقالِهِ مُساعَدَةً لَهُ - نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾ أيْ: تَحْمِلُ حامِلَةٌ ولَوْ كانَتْ والِدًا أوْ ولَدًا ﴿وِزْرَ﴾ أيْ: إثْمَ ﴿أُخْرى﴾ ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلا يَجْمُلُ بِعاقِلٍ أنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ بِحَمْلِ شَيْءٍ مِن غَضَبِ هَذا المَلِكِ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ وإلَيْهِ المَرْجِعُ (p-٣٤٣)وإنْ طالَ المَدى. ولَمّا عَمَّ في الكَسْبِ وحَمْلِ الوِزْرِ لِئَلّا يَقُولُ مُتَعَنِّتٌ إنَّ خُصَّ هَذا لَكَ لا لَنا - عَمَّ في المَرْجِعِ أيْضًا لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقالَ مُهَدِّدًا لَهم بَعْدَ كَمال الإيضاحِ عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ الإنْكارُ مِنَ النَّفْيِ في نَحْوِ أنْ يُقالَ: إنِّي لا أفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، لا أبْغِي رَبًّا غَيْرَ رَبِّي أصْلًا، وأمّا أنْتُمْ فافْعَلُوا ما أنْتُمْ فاعِلُونَ فَإنَّ رَبَّكم عالِمٌ بِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ [أيْ: بَعْدَ طُولِ الإمْهالِ] لَكم لُطْفًا مِنهُ بِكم ﴿إلى رَبِّكُمْ﴾ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكم بِكُلِّ نِعْمَةٍ، لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: بِالحَشْرِ وإنْ عَمَّرْتُمْ كَثِيرًا أوْ بَقِيتُمْ طَوِيلًا ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكم إخْبارًا جَلِيلًا عَظِيمًا مُسْتَوْفًى. ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهم فَرَّقُوا دِينَهم، قالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ الجارَّ لِيُفِيدَ الِاهْتِمامَ بِهِ لِقُوَّةِ داعِيَتِهِمْ إلَيْهِ مِن غَيْرِ إكْراهٍ ولا ذُهُولٍ ولا نِسْيانٍ فَقالَ: ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ: مَعَ رَسُولٍ وغَيْرِهِ، ويُدِينُكم عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ بِما تَسْتَحِقُّونَهُ، وحالُكم جَدِيرٌ بِأنْ يَعْظُمَ عِقابُكم لِأنَّكم كَفَرْتُمْ نِعْمَتَهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: حَكى النَّقّاشُ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ الكُفّارَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ارْجِعْ يا مُحَمَّدُ إلى دِينِنا واعْبُدْ آلِهَتَنا واتْرُكْ ما أنْتَ عَلَيْهِ ونَحْنُ نَتَكَفَّلُ لَكَ بِكُلِّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ في دُنْياكَ وآخِرَتِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. انْتَهى.

الأنعام 6:165

ولَمّا قَدَّمَ أنَّهُ المُحْسِنُ إلى كُلِّ شَيْءٍ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وخَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ بِالحَشْرِ، (p-٣٤٤)أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِتَخْصِيصِهِمْ بِالإحْسانِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿وهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] مُسْتَعْطِفًا لَهم إلَيْهِ بِالتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾ أيْ: أيُّها الإنْسُ ﴿خَلائِفَ الأرْضِ﴾ أيْ: تَفْعَلُونَ فِيها فِعْلَ الخَلِيفَةِ مُتَمَكِّنِينَ مِن كُلِّ ما تُرِيدُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِذَلِكَ العَرَبُ، ويَكُونَ ظاهِرُ الكَلامِ أنَّ المُرادَ بِالأرْضِ ما هم فِيهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ، وباطِنُهُ البِشارَةُ بِإعْلاءِ دِينِهِمْ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وغَلَبَتِهِمْ عَلى أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ في هَذِهِ الأزْمانِ وعَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ في آخِرِ الزَّمانِ ﴿ورَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في مَراقِي العَقْلِ والعِلْمِ والدِّينِ والمالِ والجاهِ والقُوَّةِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ أيْ: مَعَ كَوْنِكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، ورُبَّما كانَ الوَضِيعُ أعْقَلَ مِنَ الرَّفِيعِ ولَمْ يَنْفَعْهُ عَقْلُهُ فَيَدُلُّ ذَلِكَ دِلالَةً واضِحَةً عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّما هو فِعْلُ الواحِدِ القَهّارِ، لا بِعَجْزٍ ولا جَهْلٍ ولا بُخْلٍ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: يَفْعَلُ مَعَكم فِعْلَ المُخْتَبِرِ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْكم وهو أعْلَمُ بِكم مِنكم ﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ فَيَنْظُرُ هَلْ يَرْحَمُ الجَلِيلُ الحَقِيرَ، ويَرْضى الفَقِيرُ بِعَطائِهِ اليَسِيرِ، ويَشْكُرُ القَوِيُّ، ويَصْبِرُ الضَّعِيفُ! . . ولَمّا ذَكَرَ عُلُوَّ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وكانَ مِن طَبْعِ الآدَمِيِّ التَّجَبُّرُ - أتْبَعَهُ التَّهْدِيدَ لِلظّالِمِ والِاسْتِعْطافَ لِلتّائِبِ بِما يُشِيرُ - بِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ - إلى ضَعْفِ العالِي مِنهم وعَجْزِهِ عَنْ عِقابِ السّافِلِ بِمَن يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مِن شَفِيعٍ وناصِرٍ وبِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن (p-٣٤٥)تَمْهِيدِ الأسْبابِ، مُحَذِّرًا مِنَ البَغْيِ والعِصْيانِ، فَقالَ مُوَجِّهًا الخِطابَ إلى أكْمَلِ الخَلْقِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ إعْلامًا بِأنَّهُ رَبّاهُ - سُبْحانَهُ - أجْمَلَ تَرْبِيَةٍ وأدَّبَهُ أحْسَنَ تَأْدِيبٍ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ ﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾ أيْ: لِمَن يُرِيدُ عِقابَهُ مِمَّنْ يَكْفُرُ نِعْمَتَهُ لِكَوْنِهِ لا حائِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مَن يُرِيدُ عِقابَهُ ولا يَحْتاجُ إلى اسْتِحْضارِ آلاتِ العِقابِ، بَلْ كُلُّ ما يُرِيدُ حاضِرٌ لَدَيْهِ عَتِيدٌ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] وفي ذَلِكَ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ لِمَن لا يَتَّعِظُ. ولَمّا هَدَّدَ وخَوَّفَ - رَجى مَن أرادَ التَّوْبَةَ واسْتَعْطَفَ، فَقالَ: ﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُعْلِمًا بِأنَّهُ - عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْهِماكِهِمْ فِيما يُوجِبُ الإهْلاكَ - بَلِيغُ المَغْفِرَةِ لَهم عَظِيمُ الرَّحْمَةِ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] حَثًّا عَلى عَفْوِ الرَّفِيعِ مِنَ الوَضِيعِ، وتَأْكِيدُهُ الثّانِي دُونَ الأوَّلِ ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ١٢] (إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي) لِأنَّهُ في سِياقِ التَّأْدِيبِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ والتَّذْكِيرِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِالِاسْتِخْلافِ، وسَيَأْتِي في الأعْرافِ بِتَأْكِيدِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ في حِكايَةِ ما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن إسْراعِهِمْ في الكُفْرِ ومُبادَرَتِهِمْ إلَيْهِ واسْتِحْقاقِهِمْ عَلى ذَلِكَ العُقُوبَةَ، وجاءَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ عَلى تَقْدِيرِ أنَّ قائِلًا قالَ: حِينَئِذٍ (p-٣٤٦)يُسْرِعُ العالِي إلى عُقُوبَةِ السّافِلِ! فَأُجِيبَ بِأنَّ اللَّهَ فَوْقَ الكُلِّ وهو أسْرَعُ عُقُوبَةً، فَهو قادِرٌ عَلى أنَّ يُسَلِّطَ الوَضِيعَ أوْ أحْقَرَ مِنهُ عَلى الرَّفِيعِ فَيُهْلِكَهُ. ثُمَّ رَغَّبَ بَعْدَ هَذا التَّرْهِيبِ في العَفْوِ بِأنَّهُ عَلى غِناهُ عَنِ الكُلِّ أسْبَلَ ذَيْلَ غُفْرانِهِ ورَحْمَتَهُ بِإمْهالِهِ العُصاةَ وقَبُولِهِ اليَسِيرَ مِنَ الطّاعاتِ بِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ مَنافِعَ لَهم ثُمَّ هم بِهِ يَعْدِلُونَ! ولَوْلا غُفْرانُهُ ورَحْمَتُهُ لَأسْرَعَ عِقابُهُ لِمَن عَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ فَأسْقَطَ عَلَيْهِمْ السَّماواتِ وخَسَفَ بِهِمْ الأرَضِينَ الَّتِي أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِالخِلافَةِ فِيها وأذْهَبَ عَنْهم النُّورَ وأدامَ الظَّلامَ، فَقَدْ خَتَمَ السُّورَةَ بِما بِهِ ابْتَدَأها، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢] وقَوْلَهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] هو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] واللَّهُ المُوَفِّقُ.