Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — هود 11:1 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. هود 11:1
  2. هود 11:2
  3. هود 11:3
  4. هود 11:4
  5. هود 11:5
  6. هود 11:6
  7. هود 11:7
  8. هود 11:8
  9. هود 11:9
  10. هود 11:10
  11. هود 11:11
  12. هود 11:12
  13. هود 11:13
  14. هود 11:14
  15. هود 11:15
  16. هود 11:16
  17. هود 11:17
  18. هود 11:18
  19. هود 11:19
  20. هود 11:20
  21. هود 11:21
  22. هود 11:22
  23. هود 11:23
  24. هود 11:24
  25. هود 11:25
  26. هود 11:26
  27. هود 11:27
  28. هود 11:28
  29. هود 11:29
  30. هود 11:30
  31. هود 11:31
  32. هود 11:32
  33. هود 11:33
  34. هود 11:34
  35. هود 11:35
  36. هود 11:36
  37. هود 11:37
  38. هود 11:38
  39. هود 11:39
  40. هود 11:40
  41. هود 11:41
  42. هود 11:42
  43. هود 11:43
  44. هود 11:44
  45. هود 11:45
  46. هود 11:46
  47. هود 11:47
  48. هود 11:48
  49. هود 11:49
  50. هود 11:50
  51. هود 11:51
  52. هود 11:52
  53. هود 11:53
  54. هود 11:54
  55. هود 11:55
  56. هود 11:56
  57. هود 11:57
  58. هود 11:58
  59. هود 11:59
  60. هود 11:60
  61. هود 11:61
  62. هود 11:62
  63. هود 11:63
  64. هود 11:64
  65. هود 11:65
  66. هود 11:66
  67. هود 11:67
  68. هود 11:68
  69. هود 11:69
  70. هود 11:70
  71. هود 11:71
  72. هود 11:72
  73. هود 11:73
  74. هود 11:74
  75. هود 11:75
  76. هود 11:76
  77. هود 11:77
  78. هود 11:78
  79. هود 11:79
  80. هود 11:80
  81. هود 11:81
  82. هود 11:82
  83. هود 11:83
  84. هود 11:84
  85. هود 11:85
  86. هود 11:86
  87. هود 11:87
  88. هود 11:88
  89. هود 11:89
  90. هود 11:90
  91. هود 11:91
  92. هود 11:92
  93. هود 11:93
  94. هود 11:94
  95. هود 11:95
  96. هود 11:96
  97. هود 11:97
  98. هود 11:98
  99. هود 11:99
  100. هود 11:100
  101. هود 11:101
  102. هود 11:102
  103. هود 11:103
  104. هود 11:104
  105. هود 11:105
  106. هود 11:106
  107. هود 11:107
  108. هود 11:108
  109. هود 11:109
  110. هود 11:110
  111. هود 11:111
  112. هود 11:112
  113. هود 11:113
  114. هود 11:114
  115. هود 11:115
  116. هود 11:116
  117. هود 11:117
  118. هود 11:118
  119. هود 11:119
  120. هود 11:120
  121. هود 11:121
  122. هود 11:122
  123. هود 11:123

هود 11:1

(p-٢٢٤)سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ في حالَتَيِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ المُقْتَضِي ذَلِكَ لِمُنَزِّلِهِ سُبْحانَهُ وضَعَ كُلِّ شَيْءٍ في أتَمِّ مَحالِّهِ وإنْفاذِهِ مَهْما أُرِيدَ المُوجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنْسَبُ ما فِيها لِهَذا المَقْصِدِ ما ذُكِرَ في سِياقِ قِصَّةٍ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أحْكامِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ بِالعاجِلِ والآجِلِ والتَّصْرِيحِ بِالجَزْمِ بِالمُعالَجَةِ بِالمُبادَرَةِ النّاظِرِ إلى أعْظَمِ مَداراتِ السُّورَةِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] والعِنايَةِ بِكُلِّ دابَّةٍ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ اللّازِمِ مِنهُ التَّفَرُّدُ بِالمُلْكِ. [وسَيَأْتِي في الأحْقافِ وجْهُ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِاسْمِهِما]. ”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِلْمِ وكَمالُ الحِكْمَةِ وجَمِيعُ القُدْرَةِ ”الرَّحْمَنِ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِعُمُومِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ لِأهْلِ وِلايَتِهِ بِالحِفْظِ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ ﴿الر﴾ . لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها - كَما تَرى - بِالحَثِّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ ولُزُومِهِ والصَّبْرِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن مَرائِرِ الضَّيْرِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَفاوِزِ الخَيْرِ اعْتِمادًا عَلى المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ. ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِوَصْفِهِ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ الإشارَةِ إلى إعادَةِ القَرْعِ بِالتَّحَدِّي عَلى ما سَلَفَ (p-٢٢٥)فِي البَقَرَةَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جامِعٌ لِكُلٍّ خَيْرِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ بَيانًا لِأنَّ إحْكامَهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ [عَلى أيْسَرِ وجْهٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ] وأُتْقِنَ إتْقانًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: أُتْقِنَتْ إتْقانًا لا نَقْصَ مَعَهُ فَلا يَنْقُصُها الَّذِي أنْزَلَها بِنَسْخِها كُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ ولا غَيْرِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ نَقْصَ شَيْءٍ مِنها ولا الطَّعْنَ في شَيْءٍ مِن بَلاغَتِها أوْ فَصاحَتِها بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، والمُرادُ بِ: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في آلِ عِمْرانَ عَدَمُ التَّشابُهِ. ولَمّا كانَ لِلتَّفْصِيلِ رُتْبَةٌ هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أُتِيَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: وبَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ في مَجْمُوعِها كِتابٌ جُعِلَتْ لَهُ رُتْبَةٌ أعْلى مِنها جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها كِتابٌ؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ لَها - مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى حَلالٍ وحَرامٍ وقَصَصٍ وأمْثالٍ - فَواصِلَ ونِهاياتٍ تَكُونُ بِها مُفارِقَةً لِما بَعْدَها و[ما] قَبْلَها، يُفْهَمُ مِنها عُلُومٌ جَمَّةٌ ومَعارِفُ مُهِمَّةٌ وإشاراتٌ إلى أحْوالٍ عالِيَةٍ، ومَوارِدَ عَذْبَةٍ صافِيَةٍ، ومَقاماتٍ مِن كُلِّ عِلَّةٍ شافِيَةٍ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، بَلْ هي مُدْمَجَةٌ إدْماجًا لا فَواصِلَ لَها كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن طالَعَها، ويَكْفِي في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ما سُقْتُهُ مِنها في تَضاعِيفِ هَذا الكِتابِ، (p-٢٢٦)وما أنْسَبَ خِتامَ هَذِهِ الآيَةِ لِلْإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ﴾ أيْ: نَزَلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً حالَ كَوْنِها مُبْتَدِئَةً مِن حَضْرَةٍ هي أغْرَبُ الحَضَراتِ الكائِنَةِ مِن إلَهٍ ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مُنْتَهِيَةً إلَيْكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ وصْفٍ فَلِذَلِكَ لا يُلْحَقُ إحْكامُها ولا تَفْصِيلُها، أرْسَلْناكَ بِهِ قائِلًا: ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ الإلَهَ الأعْظَمَ. ولَمّا كانَ هَذا مُعْظَمَ ما أُرْسِلَ بِهِ ﷺ ومَدارَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ [لِأجْلِ إنْكارِهِمْ] فَقالَ: ﴿إنَّنِي﴾ ولَمّا كانَ إرْسالُهُ ﷺ لِأجْلِ رَحْمَةِ العالَمِينَ، قَدَّمَ ضَمِيرَهم فَقالَ: ﴿لَكم مِنهُ﴾ أيْ: خاصَّةً، ثُمَّ أجْمَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ في وصْفَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: [مُقَدِّمًا ما هو أنْسَبُ لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها بِالصَّبْرِ]: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [كامِلٌ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ غايَةَ الكَمالِ]، وهَذا التَّقْدِيرُ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى أوَّلَ الَّتِي قَبْلَها: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] مَعَ إيضاحِهِ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي﴾ [هود: ٢٥] عَطَفْناهُ عَلَيْهِ، وإظْهارُهُ لِفائِدَةِ عَطْفِهِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُرَجِّحُ أنَّ ”لا“ ناهِيَةٌ جازِمَةٌ لِ: ”تَعْبُدُوا“ عَطْفُ ”أنِ اسْتَغْفِرُوا“ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَهَرَ مِن (p-٢٢٧)تَلْوِيحِ هَذا وتَصْرِيحِهِ وتَصْرِيحِ ما [فِي] بَقِيَّةِ السُّورَةِ أنَّ مَقْصُودَها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِما يُعْجِزُ الخَلْقَ؛ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَن هو شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ؛ فَهو بالِغُ الحِكْمَةِ يُعِيدُ الخَلْقَ لِلْجَزاءِ كَما بَدَأهم لِلْعَمَلِ فَوَجَبَ إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ وأنْ يُمْتَثَلَ جَمِيعُ أمْرِهِ، ولا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنهُ رَجاءَ إقْبالِ أحَدٍ ولا خَوْفَ إدْبارِهِ، ولا يُخْشى غَيْرُهُ. ولا يُرْكَنُ إلى سِواهُ، عَلى ذَلِكَ مَضى جَمِيعُ النَّبِيِّينَ ودَرَجَ سائِرُ المُرْسَلِينَ ﷺ أجْمَعِينَ.

هود 11:2

(p-٢٢٤)سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ في حالَتَيِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ المُقْتَضِي ذَلِكَ لِمُنَزِّلِهِ سُبْحانَهُ وضَعَ كُلِّ شَيْءٍ في أتَمِّ مَحالِّهِ وإنْفاذِهِ مَهْما أُرِيدَ المُوجِبُ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنْسَبُ ما فِيها لِهَذا المَقْصِدِ ما ذُكِرَ في سِياقِ قِصَّةٍ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أحْكامِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ بِالعاجِلِ والآجِلِ والتَّصْرِيحِ بِالجَزْمِ بِالمُعالَجَةِ بِالمُبادَرَةِ النّاظِرِ إلى أعْظَمِ مَداراتِ السُّورَةِ ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] والعِنايَةِ بِكُلِّ دابَّةٍ والقُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ المُقْتَضِي لِلْعِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ اللّازِمِ مِنهُ التَّفَرُّدُ بِالمُلْكِ. [وسَيَأْتِي في الأحْقافِ وجْهُ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنهُما بِاسْمِهِما]. ”بِسْمِ اللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِلْمِ وكَمالُ الحِكْمَةِ وجَمِيعُ القُدْرَةِ ”الرَّحْمَنِ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِعُمُومِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ لِأهْلِ وِلايَتِهِ بِالحِفْظِ في سُلُوكِ سَبِيلِهِ ﴿الر﴾ . لَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ الَّتِي قَبْلَها - كَما تَرى - بِالحَثِّ عَلى اتِّباعِ الكِتابِ ولُزُومِهِ والصَّبْرِ عَلى ما يَتَعَقَّبُ ذَلِكَ مِن مَرائِرِ الضَّيْرِ المُؤَدِّيَةِ إلى مَفاوِزِ الخَيْرِ اعْتِمادًا عَلى المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ. ابْتُدِئَتْ هَذِهِ بِوَصْفِهِ بِما يُرَغِّبُ فِيهِ، فَقالَ بَعْدَ الإشارَةِ إلى إعادَةِ القَرْعِ بِالتَّحَدِّي عَلى ما سَلَفَ (p-٢٢٥)فِي البَقَرَةَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جامِعٌ لِكُلٍّ خَيْرِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُحْكِمَتْ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ بَيانًا لِأنَّ إحْكامَهُ أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ [عَلى أيْسَرِ وجْهٍ عَنْهُ سُبْحانَهُ] وأُتْقِنَ إتْقانًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ﴿آياتُهُ﴾ أيْ: أُتْقِنَتْ إتْقانًا لا نَقْصَ مَعَهُ فَلا يَنْقُصُها الَّذِي أنْزَلَها بِنَسْخِها كُلِّها بِكِتابٍ آخَرَ ولا غَيْرِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ نَقْصَ شَيْءٍ مِنها ولا الطَّعْنَ في شَيْءٍ مِن بَلاغَتِها أوْ فَصاحَتِها بِشَيْءٍ يُقْبَلُ، والمُرادُ بِ: ﴿مُحْكَماتٌ﴾ [آل عمران: ٧] في آلِ عِمْرانَ عَدَمُ التَّشابُهِ. ولَمّا كانَ لِلتَّفْصِيلِ رُتْبَةٌ هي في غايَةِ العَظَمَةِ، أُتِيَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: وبَعْدَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العالِيَةِ الَّتِي لَمْ يُشارِكْهُ في مَجْمُوعِها كِتابٌ جُعِلَتْ لَهُ رُتْبَةٌ أعْلى مِنها جِدًّا بِحَيْثُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنها كِتابٌ؛ وذَلِكَ أنَّهُ ﴿فُصِّلَتْ﴾ أيْ: جُعِلَتْ لَها - مَعَ كَوْنِها مُفَصَّلَةً إلى حَلالٍ وحَرامٍ وقَصَصٍ وأمْثالٍ - فَواصِلَ ونِهاياتٍ تَكُونُ بِها مُفارِقَةً لِما بَعْدَها و[ما] قَبْلَها، يُفْهَمُ مِنها عُلُومٌ جَمَّةٌ ومَعارِفُ مُهِمَّةٌ وإشاراتٌ إلى أحْوالٍ عالِيَةٍ، ومَوارِدَ عَذْبَةٍ صافِيَةٍ، ومَقاماتٍ مِن كُلِّ عِلَّةٍ شافِيَةٍ، كَما تُفَصَّلُ القَلائِدُ بِالفَرائِدِ، وهَذا التَّفْصِيلُ لَمْ يُشارِكْهُ في شَيْءٍ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ السّالِفَةِ، بَلْ هي مُدْمَجَةٌ إدْماجًا لا فَواصِلَ لَها كَما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن طالَعَها، ويَكْفِي في مَعْرِفَةِ ذَلِكَ ما سُقْتُهُ مِنها في تَضاعِيفِ هَذا الكِتابِ، (p-٢٢٦)وما أنْسَبَ خِتامَ هَذِهِ الآيَةِ لِلْإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن لَدُنْ﴾ أيْ: نَزَلَتْ آياتُهُ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً حالَ كَوْنِها مُبْتَدِئَةً مِن حَضْرَةٍ هي أغْرَبُ الحَضَراتِ الكائِنَةِ مِن إلَهٍ ﴿حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ مُنْتَهِيَةً إلَيْكَ وأنْتَ أعْلى النّاسِ في كُلِّ وصْفٍ فَلِذَلِكَ لا يُلْحَقُ إحْكامُها ولا تَفْصِيلُها، أرْسَلْناكَ بِهِ قائِلًا: ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ الإلَهَ الأعْظَمَ. ولَمّا كانَ هَذا مُعْظَمَ ما أُرْسِلَ بِهِ ﷺ ومَدارَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِأنَّهُ أرْسَلَهُ سُبْحانَهُ مُؤَكِّدًا لَهُ [لِأجْلِ إنْكارِهِمْ] فَقالَ: ﴿إنَّنِي﴾ ولَمّا كانَ إرْسالُهُ ﷺ لِأجْلِ رَحْمَةِ العالَمِينَ، قَدَّمَ ضَمِيرَهم فَقالَ: ﴿لَكم مِنهُ﴾ أيْ: خاصَّةً، ثُمَّ أجْمَلَ القُرْآنَ كُلَّهُ في وصْفَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: [مُقَدِّمًا ما هو أنْسَبُ لِخِتامِ الَّتِي قَبْلَها بِالصَّبْرِ]: ﴿نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [كامِلٌ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ غايَةَ الكَمالِ]، وهَذا التَّقْدِيرُ يُرْشِدُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى أوَّلَ الَّتِي قَبْلَها: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ [يونس: ٢] مَعَ إيضاحِهِ لَمّا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي﴾ [هود: ٢٥] عَطَفْناهُ عَلَيْهِ، وإظْهارُهُ لِفائِدَةِ عَطْفِهِ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، ويُرَجِّحُ أنَّ ”لا“ ناهِيَةٌ جازِمَةٌ لِ: ”تَعْبُدُوا“ عَطْفُ ”أنِ اسْتَغْفِرُوا“ عَلَيْهِ، فَقَدْ ظَهَرَ مِن (p-٢٢٧)تَلْوِيحِ هَذا وتَصْرِيحِهِ وتَصْرِيحِ ما [فِي] بَقِيَّةِ السُّورَةِ أنَّ مَقْصُودَها وصْفُ الكِتابِ بِالإحْكامِ والتَّفْصِيلِ بِما يُعْجِزُ الخَلْقَ؛ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ مَن هو شامِلُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ؛ فَهو بالِغُ الحِكْمَةِ يُعِيدُ الخَلْقَ لِلْجَزاءِ كَما بَدَأهم لِلْعَمَلِ فَوَجَبَ إفْرادُهُ بِالعِبادَةِ وأنْ يُمْتَثَلَ جَمِيعُ أمْرِهِ، ولا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنهُ رَجاءَ إقْبالِ أحَدٍ ولا خَوْفَ إدْبارِهِ، ولا يُخْشى غَيْرُهُ. ولا يُرْكَنُ إلى سِواهُ، عَلى ذَلِكَ مَضى جَمِيعُ النَّبِيِّينَ ودَرَجَ سائِرُ المُرْسَلِينَ ﷺ أجْمَعِينَ.

هود 11:3

ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَشْمَلُ الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿ألا تَعْبُدُوا﴾ [هود: ٢] مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا مَعَ الإخْلاصِ في العِبادَةِ أنْ يَغْفِرَ لَكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ وأشارَ بِأداةِ التَّراخِي إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ، وأنْ لا سَبِيلَ إلى طَلَبِ الغُفْرانِ إلّا بِها فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيِ ارْجِعُوا بِالظّاهِرِ والباطِنِ رُجُوعًا لا رَجْعَةَ فِيهِ [وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ] ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ [أيْ يَمُدُّ في تَلْذِيذِكم بِالعَيْشِ مَدًّا، مِن مَتَعَ النَّهارُ: ارْتَفَعَ، والضُّحى: بَلَغَ غايَتَهُ، وأمْتَعَهُ اللَّهُ بِكَذا: أبْقاهُ وأنْشَأهُ إلى أنْ يَبْلُغَ شَبابَهُ]؛ و[لَمّا]، كانَ التَّمْتِيعُ - وهو المَتاعُ البالِغُ فِيهِ حَتّى لا يَكُونَ فِيهِ كَدَرٌ - لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ المَصْدَرُ ﴿مَتاعًا﴾ وأنَّهُ وضَعَ مَوْضِعَ ”تَمْتِيعًا“، هَذا المَصْدَرَ (p-٢٢٨)ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَسَنًا﴾ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ أنْهى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ الدّارِ، ولَقَدْ كانَ ما أُوتِيَهُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الظَّفَرِ بِالإهْداءِ وسَعَةِ الدُّنْيا ورَغَدِ العَيْشِ كَذَلِكَ ﴿إلى﴾ أيْ: مُمْتَدًّا إلى ﴿أجَلٍ مُسَمًّى﴾ أيْ: في عِلْمِهِ إمّا بِالمَوْتِ لِكُلِّ واحِدٍ أوْ بِانْقِضاءِ ما ضَرَبَهُ مِنَ الأجَلِ لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أيْ: عَمَلٍ فاضِلٍ ﴿فَضْلَهُ﴾ أيْ: جَزاءَ ما قَصَدَ بِعَمَلِهِ عَلى وجْهِ التَّفْضِيلِ مِنهُ سُبْحانَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَجِبُ لِأحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ التَّفْضِيلِ: الحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وهَلَكَ مَن غَلَبَتْ آحادُهُ عَشَراتِهِ. ولَمّا انْقَضى التَّبْشِيرُ مَجْزُومًا بِهِ، أتْبَعَهُ التَّحْذِيرَ مُخَوِّفًا مِنهُ لُطْفًا بِالعِبادِ واسْتِعْطافًا لَهم فَقالَ: ﴿وإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الفِطْرَةِ وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ مِنَ الإعْراضِ ولَوْ أدْنى دَرَجاتِهِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: والعاقِلُ مِن أبْعَدِ عَنِ المَخاوِفِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ أيْ: لِكِبَرِ ما فِيهِ مِنَ العَذابِ مِمَّنْ قَدَرَ عَلى إثْباتِكُمْ، وخَصَّ اسْمُ الرَّبِّ تَذْكِيرًا بِما لَهُ مِنَ النِّعَمِ في الإيجادِ والإنْشاءِ والتَّرْبِيَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِغْفارُ - وهو طَلَبُ الغُفْرانِ - مَطْلُوبًا في نَفْسِهِ لَكِنَّهُ لا يُعْتَبَرُ إلّا إذا قُرِنَ بِالتَّوْبَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ (p-٢٢٩)بِ: ”ثُمَّ“ إشارَةً إلى عَظِيمِ رُتْبَتِها وعَلى مَنزِلَتِها وإنْ كانَ المُرادُ بِها الدَّوامَ عَلَيْها فَجَلِيلُ رُتْبَتِهِ غَيْرُ خَفِيٍّ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ العَمَلِ بِالفَضْلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَمْ يَقَعِ التَّكْلِيفُ إلّا بِما في الوُسْعِ مَعَ أنَّهُ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، لِأنَّ الفَضْلَ في الأصْلِ ما فَضَلَ عَنِ الإنْسانِ وتُعانِيهِ مِن كَرِيمِ الشَّمائِلِ، وما كانَ كَذَلِكَ فَهو في الذُّرْوَةِ مِنَ الإحْكامِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ؛ والحَكِيمُ مِنَ الحِكْمَةِ وهي العِلْمُ بِما يَجْمَعُ عَلَيْهِ مِمّا يَمْنَعُ الفِعْلَ مِنَ الفَسادِ والنَّقْضِ، وبِها يُمَيَّزُ الحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ والفاسِدِ مِنَ الصَّحِيحِ، وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ الِاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ سَبَبُ السِّعَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] وأنَّ الإعْراضَ سَبَبُ الضِّيقِ، كَما قالَ ﷺ: ««إنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»». ﴿ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ إشارَةً إلى ثَوابِ الآخِرَةِ، فالتَّوْبَةُ سَبَبُ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في كِتابِهِ في مُناسَبَةِ هَذِهِ السُّورَةِ لِلَّتِي قَبْلَها: ولَمّا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ تَضَمَّنَتْ - مِن آيِ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ لِلْفِطَرِ ومِنَ العِظاتِ والتَّخْوِيفِ والتَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ (p-٢٣٠)والتَّرْغِيبِ وتَقْرِيعِ المُشْرِكِينَ والجاحِدِينَ والقَطْعِ بِهِمْ والإعْلامِ بِالجَرَيانِ عَلى حُكْمِ السَّوابِقِ ووُجُوبِ التَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ - ما لَمْ تَشْمَلْ عَلى مِثْلِهِ سُورَةٌ لِتَكَرُّرِ هَذِهِ الأغْراضِ فِيها، وسَبَبُ تَكَرُّرِ ذَلِكَ فِيها - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّها أُعْقِبَتْ بِها السَّبْعُ الطِّوالُ، وقَدْ مَرَّ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ سُورَةَ الأنْعامِ بِها وقْعُ اسْتِيفاءِ بَيانِ حالِ المُتَنَكِّبِينَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِهِمْ، ثُمَّ اسْتَوْفَتْ سُورَةُ الأنْعامِ ما وقَعَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ مِن أحْوالِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كَما تَقَدَّمَ وبَسَطَتْ ما أُجْمِلَ مِن أمْرِهِمْ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِخِطابِ المُسْتَجِيبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحَذَّرُوا وأنْذَرُوا، وكَشَفَ عَنْ حالِ مَن تَلَبَّسَ بِهِمْ مِن عَدُوِّهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، وتَمَّ المَقْصُودُ مِن هَذا في سُورَتَيِ الأنْفالِ وبَراءَةَ، ثُمَّ عادَ الخِطابُ إلى طَرِيقَةِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ والتَّحْذِيرِ مِن عَذابِهِ بَعْدَ بَسْطِ ما تَقَدَّمَ، فَكانَ مَظِنَّةَ تَأْكِيدِ التَّخْوِيفِ والتَّرْهِيبِ لِإتْيانِ ذَلِكَ بَعْدَ بَسْطِ حالٍ وإيضاحِ أدِلَّةٍ، فَلِهَذا كانَتْ سُورَةُ يُونُسَ مُضَمَّنَةً مِن هَذا ما لَمْ يُضَمَّنْ غَيْرُها، ألا تَرى افْتِتاحَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] الآياتِ. ومُناسِبَةُ هَذا الِافْتِتاحِ دُعاءُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] ثُمَّ قَدْ نُبِّهُوا هُنا كَما نُبِّهُوا هُناكَ فَقالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨] ثُمَّ تَأكَّدَتِ المَواعِظُ والزَّواجِرُ والإشاراتُ إلى أحْوالِ المُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ، (p-٢٣١)فَمِنَ التَّنْبِيهِ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [يونس: ٣] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ﴾ [يونس: ٥] ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] - إلى غَيْرِ هَذا، وعَلى هَذا السَّنَنِ تَكَرَّرَتِ العِظاتُ والأغْراضُ المُشارُ إلَيْها في هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] فَحَصَلَ مِن سُورَةِ الأعْرافِ والأنْفالِ وبَراءَةَ ويُونُسَ تَفْصِيلُ ما كانَ أُجْمِلَ فِيما تَقَدَّمَها كَما حَصَلَ مِمّا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ أحْوالِ السّالِكِينَ والمُتَنَكِّبِينَ، فَلَمّا تَقَرَّرَ هَذا كُلُّهُ أتْبَعَ المَجْمُوعَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وتَأمَّلْ مُناسَبَةَ الإتْيانِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ الكَرِيمَيْنِ وهُما ”الحَكِيمُ الخَبِيرُ“ ثُمَّ تَأمَّلْ تَلاؤُمَ صَدْرِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] وقَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧] فَأتْبَعَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ١٠٨] بِقَوْلِهِ في صَدْرِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] فَكَأنَّهُ في مَعْرِضِ بَيانِ الحَقِّ والمَوْعِظَةِ، وإذا كانَتْ مُحْكَمَةً مُفَصَّلَةً فَحُقَّ لَها أنْ تَكُونَ شِفاءً لِما في الصُّدُورِ وهُدًى ورَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وحُقَّ تَوْبِيخُهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ [يونس: ٣٩] والعَجَبُ في عَمَهِهِمْ مَعَ \ إحْكامِهِ وتَفْصِيلِهِ ولَكِنَّ (p-٢٣٢)﴿الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] وتَأمَّلْ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] فَكُلُّ الكِتابِ حَقٌّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى، وإنَّما الإشارَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِما أرادَ إلى ما تَقَرَّرَ الإيماءُ إلَيْهِ مِن كَمالِ بَيانِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ومُلْتَزَماتِ مُتَّبِعِيهِ أخْذًا وتَرْكًا، وذِكْرِ أحْوالِ المُتَنَكِّبِينَ عَلى شَتّى طُرُقِهِمْ، واخْتِلافِ أهْوائِهِمْ وغاياتِهِمْ وشَرُّهم إبْلِيسُ؛ فَإنَّهُ مُتَّبِعُهم والقائِلُ لِجَمِيعِهِمْ في إخْبارِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢] وقَدْ بُسِطَ مَن أمْرِهِ وقِصَّتِهِ في البَقَرَةِ والأعْرافِ ما يَسَّرَ عَلى المُؤْمِنِينَ الحَذَرَ مِنهُ وعَرَّفَهم بِهِ، وذُكِرَ اليَهُودُ والنَّصارى والمُشْرِكُونَ والصّابِئُونَ والمُنافِقُونَ وغَيْرُهُمْ، وفَصَّلَ مُرْتَكَبَ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهم كَما اسْتَوْعَبَ ذِكْرَ أهْلِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وفَصَّلَ أحْوالَهُمُ ابْتِداءً وانْتِهاءً والتِزامًا وتَرْكًا ما أوْضَحَ طَرِيقَهُمْ، وعَيَّنَ حِزْبَهم وفَرِيقَهم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٩٠] وذَكَرَ أحْوالَ الأُمَمِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ وأخْذَ كُلٍّ مِنَ الأُمَمِ بِذَنْبِهِ مُفَصَّلًا، وذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالَ المَلائِكَةِ في التَّسْلِيمِ والإذْعانِ وذَكَرَ فَرِيقَ الجِنَّ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وأمْرَ الآخِرَةِ وانْتِهاءَ حالِ الخَلائِقِ واسْتِقْرارَهُمُ الأُخْرَوِيَّ وتَكْرِيرَ دُعاءِ الخَلْقِ إلى اللَّهِ تَعالى طَمَعًا فِيهِ ورَحْمَةً وإعْلامَ الخَلْقِ بِما هو عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وما يَجِبُ (p-٢٣٣)لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العُلى والأسْماءِ الحُسْنى، ونَبَّهَ العِبادَ عَلى الِاعْتِبارِ وعَلِمُوا طُرُقَ الِاسْتِدْلالِ ورَغِبُوا ورَهِبُوا وبَشَّرُوا وأنْذَرُوا وأعْلَمُوا بِافْتِقارِ المَخْلُوقاتِ بِجُمْلَتِها إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما هو المُتَفَرِّدُ بِخَلْقِهِمْ إلى ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِمّا يَعْجِزُ الخَلائِقُ عَنْ حَصْرِهِ والإحاطَةِ بِهِ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] فَلَمّا تَقَدَّمَ هَذا كُلُّهُ في السَّبْعِ الطِّوالِ وما تَلاها أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ثُمَّ أتْبَعَ هَذا بِالإيماءِ إلى فُصُولٍ ثَلاثَةٍ عَلَيْها مَدارُ آيِ الكُتُبِ، وهي فَصْلُ الإلَهِيَّةِ، وفَصْلُ الرِّسالَةِ، وفَصْلُ التَّكالِيفِ، أمّا الأوَّلُ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ الرِّسالَةِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] وأمّا فَصْلُ التَّكالِيفِ فَأشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ وهَذِهِ الفُصُولُ الثَّلاثَةُ هي الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها آيُ القُرْآنِ وعَلَيْها مَدارُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَلَمّا حَصَلَ اسْتِيفاءُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِيما تَقَدَّمَ ولَمْ يَبْقَ وجْهُ شُبْهَةٍ لِلْمُعانِدِ ولا تَعَلُّقَ لِلْجاحِدِ واتَّضَحَ الحَقُّ وبانَ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] إشارَةً إلى كَمالِ المَقْصُودِ وبَيانِ المَطْلُوبِ واسْتِيفاءِ التَّعْرِيفِ بِوُضُوحِ الطَّرِيقِ وقَدْ وضَحَ مِن هَذا تِلاءُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ لِما تَقَدَّمَها، ومِمّا يَشْهَدُ لِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] وقَوْلُهُ تَعالى]: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] (p-٢٣٤)فَقَدْ وضَحَ طَرِيقُكَ وفازَ بِالفَلاحِ حِزْبُكَ وفَرِيقُكَ ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود: ١١٣] فَقَدْ عَرَفْتُمْ سَبِيلَهم ومَصِيرَهم فَقَدْ بانَ طَرِيقُ الحَقِّ، وكَيْفَ يَنْكِبُ مَن جَزَمَ سُلُوكَهُ مِنَ الخَلْقِ! ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾ [هود: ١٢٠] عَقِبَ ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] فَتَأمَّلْ [ذَلِكَ] واللَّهُ المُسْتَعانُ - انْتَهى.

هود 11:4

ولَمّا خُوِّفَ المُنْذَرُونَ بِاليَوْمِ الكَبِيرِ كانُوا كَأنَّهم قالُوا: ما هَذا اليَوْمُ؟ فَكانَ الجَوابُ: يَوْمَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، ولَمّا كانُوا رُبَّما حَمَلُوا الرُّجُوعَ عَلى مُجَرَّدِ المَوْتِ والصَّيْرُورَةِ تُرابًا، نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ المَعْنى الَّذِي يَتَوَهَّمُهُ بَلْ بِمَعْنى إعادَتِهِمْ كَما كانُوا فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا وحْدَهُ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: [رُجُوعُكم ووَقْتُهُ ومَكانُهُ لِأجْلِ الحِسابِ] لا إلى التُّرابِ ولا غَيْرِهِ، [وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ، ومِنهُ بَدْؤُكم لِأخْذِ الزّادِ لِلْمَعادِ]، وجَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ \ حَكَمًا عَلى المُرادِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مُمْكِنٍ ﴿قَدِيرٌ﴾ أيْ: بالِغُ القُدْرَةِ لِأنَّهم يُقِرُّونَ بِقُدْرَتِهِ عَلى أشْياءَ هي أعْظَمُ مِنَ الإعادَةِ، [فَهُوَ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ كَما قَدَرَ عَلى البُداءَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المَرْجِعَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المَبْدَأِ ثانِيًا، وتَمامَ القُدْرَةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى تَمامِ العِلْمِ أوَّلًا؛ لِأنَّهُما مُتَلازِمانِ].

هود 11:5

ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّخْوِيفِ والإطْماعِ ما هو مَظِنَّةٌ لِإقْبالِهِمْ ورَهَبِهِمْ (p-٢٣٥)عَلى التَّوَلِّي بِخُصُوصِهِ، فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: هَلْ أقْبَلُوا؟ فَقِيلَ: لا [قالَ] مُبَيِّنًا أنَّ التَّوَلِّيَ باطِنًا كالتَّوالِي ظاهِرًا؛ لِأنَّ الباطِنَ هو العُمْدَةُ، مُؤَكِّدًا لِأنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ أنْ يُصَدَّقَ، والتَّأْكِيدُ أقْعَدُ في تَبْكِيتِهِمْ: ﴿ألا إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارَ المُعانِدِينَ ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ أيْ: يَطْوُونَها ويَنْحَرِفُونَ عَنِ الحَقِّ عَلى غِلٍّ مِن غَيْرِ إقْبالٍ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلى الشَّيْءِ أقْبَلَ عَلَيْهِ بِصَدْرِهِ ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾ أيْ: يُرِيدُونَ أنْ يُوجِدُوا إخْفاءَ سِرِّهِمْ عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِن أمْرِهِ. فَإنْ كانَ مُرادُهم بِالثَّنْيِ الِاسْتِتارَ مِنَ اللَّهِ تَعالى فالأمْرُ في عَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ واضِحٌ، وإنْ كانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فالِاسْتِخْفاءُ مِنهُ اسْتِخْفاءٌ مِمَّنْ أرْسَلَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُغْنٍ عَنْهُمْ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّهم وعَلَنَهم في أخْفى أحْوالِهِمْ عِنْدَهُمْ، وهو حِينٌ اسْتِغْشائِهِمْ ثِيابَهُمْ، فَيُغَطُّونَ الوُجُوهَ الَّتِي تَسْتَقِرُّ عَنْ بَعْضِ ما في القُلُوبِ لِلْمُتَوَسِّمِينَ فَقالَ: ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ غِشْيانَها أيْ تَغْطِيَتَها لِرُؤُوسِهِمْ، لِاسْتِخْفاءِ كَراهِيَةٍ لِسَماعِ كَلامِ اللَّهِ وأخْبارِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إسْرارَهُ في أيِّ وقْتٍ كانَ ومِن أيِّ نَوْعٍ كانَ مِن غَيْرِ بُطْءٍ لِتَدَبُّرٍ أوْ تَأمُّلٍ، [ولَمّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ عِلْمِ السِّرِّ والعَلَنِ مُلازَمَةٌ لِاخْتِصاصِ العَلَنِ بِما يَكُونُ لِغَيْبَةٍ أوِ اخْتِلافٍ بِأصْواتٍ ولَفْظٍ أوِ اخْتِلافِ لُغَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ قالَ تَصْرِيحًا]: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ إعْلانَهُ لا تَفاوُتَ في (p-٢٣٦)عِلْمِهِ بَيْنَ إسْرارٍ وإعْلانٍ، فَلا وجْهَ لِاسْتِخْفائِهِمْ نِفاقًا، فَإنَّ سُوقَ نِفاقِهِمْ غَيْرُ نافِقٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو أدَقُّ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ مَعَ شُمُولِهِ لِلنَّوْعَيْنِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ جِدًّا ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِضَمائِرِ قُلُوبِهِمْ الَّتِي في دَواخِلِ صُدُورِهِمْ الَّتِي يَثْنُونَها مِن قَبْلِ أنْ يَقَعَ لَهم إضْمارُها، بَلْ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَهُمْ؛ وأصْلُ الثَّنْيِ العَطْفُ، ومِنهُ الِاثْنانِ - لِعَطْفِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، والثَّناءُ - لِعَطْفِ المَناقِبِ في المَدْحِ. ولِهَذا لِما قالَ العَبْدُ في الفاتِحَةِ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣] بَعْدَ الحَمْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى: أثْنى عَلَيَّ عَبْدِي - كَما في حَدِيثِ: ««قَسَّمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ»» والِاسْتِثْناءُ - لِعَطْفِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ بِالِاسْتِخْراجِ مِنهُ؛ والِاسْتِخْفاءُ: طَلَبُ خَفاءِ الشَّيْءِ.

هود 11:6

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ مَعًا فَقالَ: (p-٢٣٧)﴿وما﴾ وأغْرَقَ في العُمُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دابَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ الِانْتِفاعَ بِالأمْوالِ مَخْصُوصٌ بِأهْلِ العالَمِ السُّفْلِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ وحْدَهُ لا عَلى غَيْرِهِ ﴿رِزْقُها﴾ أيْ: قُوتُها وما تَنْتَفِعُ وتَعِيشُ بِهِ بِمُقْتَضى ما أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ، [تَحْقِيقًا لِوُصُولِهِ وحَمْلًا عَلى التَّوَكُّلِ فِيهِ]، لِأنَّ الإفْضالَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما لا تَعِيشُ إلّا بِهِ ولا يُلائِمُها إلّا هو مُدَّةَ حَيّاتِها أدَقُّ مِمّا مَضى في العِلْمِ مَعَ تَضَمُّنِهِ لِتَمامِ القُدْرَةِ، والآيَةُ مَعَ ذَلِكَ ناظِرَةٌ إلى تَرْغِيبِ آيَةِ: ﴿وأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٣] فالمُرادُ: أخْلِصُوا العِبادَةَ لَهُ ولا تَفْتُرُوا عَنْ عِبادَتِهِ لِلِاشْتِغالِ بِالرِّزْقِ فَإنَّهُ ضَمِنَهُ لَكم وهو عالِمٌ بِكُلِّ نَفْسٍ فَلا تَخْشَوْا مِن أنَّهُ يَنْسى أحَدًا. وقالَ: ”وفي الأرْضِ“ لِيَعُمَّ ما يَمْشِي عَلى وجْهِها وما في أطْباقِها مِنَ الدِّيدانِ ونَحْوِها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا هُوَ، لَقَدْ شاهَدْتُ داخِلَ حَصاةٍ مِن شاطِئِ بَحْرِ قُبْرُسَ شَدِيدَةِ الصَّلابَةِ كَأنَّها العَقِيقُ الأبْيَضُ دُودَةً عِنْدَها ما تَأْكُلُ، وأخْبَرَنِي الفاضِلُ عِزُّ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ التَّكْرُورِيُّ الكُتُبِيُّ أنَّهُ شاهَدَ غَيْرَ مَرَّةٍ في دَواخِلِ حِجارَةٍ تُقْطَعُ مِن جَبَلِ مِصْرَ الدُّودَ عِنْدَهُ ما يَأْكُلُ مِنَ الحَشِيشِ الأخْضَرِ وما يَشْرَبُ مِنَ الماءِ؛ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها﴾ أيْ: مَكانَها الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ ﴿ومُسْتَوْدَعَها﴾ أيْ: مَوْضِعَها الَّذِي تُودَعُ فِيهِ قَبْلَ الِاسْتِقْرارِ مِن صُلْبٍ أوْ رَحِمٍ أوْ بَيْضَةٍ أوْ بَعْدَهُ \ مِن قَبْرٍ أوْ فَلاةٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ عَلى ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِن تَفاصِيلِ (p-٢٣٨)السَّكَناتِ والحَرَكاتِ ما كانَ مِنها وما يَكُونُ مِن كُلِّ ذَلِكَ مِمّا يُحَيِّرُ الفِكْرَ ويُدْهِشُ الألْبابَ، ثُمَّ جَعَلَ فاصِلَةَ الآيَةِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَ الحَقِّ وهُوَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِن ذَلِكَ ﴿فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ فَإنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما يَعْلَمُهُ العَبْدُ يَقْدِرُ عَلى كِتابَتِهِ ولا كُلُّ ما يَكْتُبُهُ يَكُونُ مُبَيَّنًا بِحَيْثُ إنَّهُ كُلَّما أرادَ الكَشْفَ مِنهُ وجَدَ ما يُرِيدُهُ، وإذا وجَدَهُ كانَ مُفْهِمًا لَهُ؛ والدّابَّةُ: الحَيُّ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الدَّبِيبُ؛ والمُسْتَقَرُّ: المَوْضِعُ الَّذِي يَقِرُّ فِيهِ الشَّيْءُ، وهو قَرارُهُ ومَكانُهُ الَّذِي يَأْوِي إلَيْهِ؛ والمُسْتَوْدَعُ: المَعْنى المَجْعُولُ في قَرارِهِ كالوَلَدِ الَّذِي يَكُونُ في البَطْنِ والنُّطْفَةِ الَّتِي في الظَّهْرِ، وقَدْ جَعَلَ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ ما ذُكِرَ حُكْمًا مِنها ما لِلْمَلائِكَةِ فِيهِ مِنَ العِبْرَةِ عِنْدَ المُقابَلَةِ بِما يَكُونُ مِنَ الأُمُورِ المَكْتُوبَةِ قَبْلَ وُجُودِها.

هود 11:7

ولَمّا كانَ خَلْقُ ما مِنهُ الرِّزْقُ أعْظَمَ مِن خَلْقِ الرِّزْقِ وتَوْزِيعِهِ في شُمُولِ العِلْمِ والقُدْرَةِ مَعًا تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ أيْ: أوْجَدَ وقَدَّرَ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وحْدَهُ لَمْ يُشْرِكْهُ في ذَلِكَ أحَدٌ كَما أنْتُمْ مُعْتَرِفُونَ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ ولَمّا كانَ خَلْقُ العَرْشِ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَإنَّ جَمِيعَ السَّماواتِ والأرْضِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ. وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الماءِ الَّذِي لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ في العادَةِ إلّا في وِعاءٍ ضابِطٍ مُحْكَمٍ، تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ﴾ [أيْ] قَبْلَ خَلْقِهِ لِذَلِكَ ﴿عَرْشُهُ﴾ مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى الماءِ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ (p-٢٣٩)المُلاصَقَةُ كَما أنَّ السَّماءَ عَلى الأرْضِ مِن غَيْرِ مُلاصَقَةٍ. وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ الأرْضِ [خَلْقٌ] فَثَبَتَ أنَّهُ وما تَحْتَهُ مَحْمُولانِ بِمَحْضِ القُدْرَةِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ آخَرَ قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ قُدْرَتَهُ في دَرَجاتٍ مِنَ العَظَمَةِ لا تَتَناهى، وهَذا زِيادَةُ تَفْصِيلٍ لِما ذُكِرَ في سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ العَرْشِ لِأنَّ هَذِهِ سُورَةُ التَّفْصِيلِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُعَلِّقًا بِ: ”خَلَقَ“: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أيْ: [أنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ لَكم سَكَنًا كامِلًا بِمَهْدِهِ وسَقْفِهِ مِن أكْلِهِ وشُرْبِهِ وكُلِّ ما تَحْتاجُونَهُ فِيهِ وما يُصْلِحُكم وما يُفْسِدُكم ومَكَّنَكم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ و] الحِكْمَةُ في خَلْقِ ذَلِكَ أنَّهُ يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ، ودَلَّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ بِسَوْقِهِ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّكُمْ﴾ أيْ: أيُّها العِبادُ ﴿أحْسَنُ عَمَلا﴾ عَلى أنَّهُ فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ الهائِلَةَ لِأجْلِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي هم لَها مُسْتَهِينُونَ وبِها مُسْتَهْزِئُونَ، وعَلَّقَ فِعْلَ البَلْوى عَنْ جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ لِأنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»»، وقالَ: ««يَدُ اللَّهِ مَلْأى لا تُغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، وقالَ: أرَأيْتُمْ ما أنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ فَإنَّهُ لَمْ يَغِضْ ما في (p-٢٤٠)يَدِهِ، وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ، وبِيَدِهِ المِيزانُ يَخْفِضُ ويَرْفَعُ»». وفي الآيَةِ حَثٌّ عَلى مَحاسِنِ الأعْمالِ والتَّرَقِّي دائِمًا في مَراتِبِ الكَمالِ مِنَ العِلْمِ الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ [والعَمَلِ] الظّاهِرِ الَّذِي هو وظِيفَةُ الأرْكانِ. ولَمّا ثَبَتَ - بِيَدِهِ الخَلْقُ الَّذِي هم [بِهِ] مُعْتَرِفُونَ - القُدْرَةُ عَلى إعادَتِهِ، وثَبَتَ بِالِابْتِلاءِ أنَّهُ لا تَتِمُّ الحِكْمَةُ في خَلْقِ المُكَلَّفِينَ إلّا بِإعادَتِهِمْ لِيُجازِيَ كُلًّا مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِفِعالِهِ [وأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لِذَلِكَ]. عَجِبَ مِن إنْكارِهِمْ لَهُ وأكَّدَهُ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ما خَلَقْتُ هَذا الخَلْقَ العَظِيمَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ ﴿إنَّكم مَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: مَوْجُودُونَ، [بَعْثُكُمْ] ثابِتٌ قَطْعًا لا بُدَّ مِنهُ. ولَمّا كانَ زَمَنُ البَعْثِ بَعْضَ الزَّمَنِ قالَ: ﴿مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ الَّذِي هو في غايَةِ الِابْتِداءِ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ أكَّدَهُ دَلالَةً عَلى العِلْمِ بِالعَواقِبِ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ“ أيْ: ما ﴿هَذا﴾ أيِ القَوْلُ بِالبَعْثِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِثْلَ السِّحْرِ تَخْيِيلٌ باطِلٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ أوْ خَدّاعٌ يَصْرِفُ النّاسَ عَنِ الِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ لِلدُّخُولِ في طاعَةِ الأمْرِ.

هود 11:8

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ ومَضى مِنَ الأقْوالِ مَظِنَّةً لِمُعاجَلَتِهِمْ (p-٢٤١)بِالأخْذِ، \ وكانَ الواقِعُ أنَّهُ تَعالى يُعامِلُهم بِالإمْهالِ فَضْلًا مِنهُ وكَرَمًا، حَكى مَقالَتَهم في مُقابَلَةِ رَحْمَتِهِ لَهم فَقالَ: ﴿ولَئِنْ أخَّرْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَفُوتُها شَيْءٌ ﴿عَنْهُمُ﴾ أيِ الكُفّارِ ﴿العَذابَ﴾ أيِ المُتَوَعَّدَ بِهِ ﴿إلى أُمَّةٍ﴾ أيْ: مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ لَيْسَ فِيها كَدَرٌ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ: مَحْصُورَةِ الأيّامِ أيْ قَصِيرَةٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَنا حَتّى تُعَدَّ الأنْفاسُ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ أيِ العَذابَ عَنِ الوُقُوعِ اسْتِعْجالًا لَهُ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، وهو تَهْدِيدٌ لَهم بِأنَّهُ آتِيهِمْ عَنْ قَرِيبٍ فَلْيَعْتَدُّوا لِذَلِكَ. ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ قُدْرَتِهِ عَلى الدَّفْعِ، أعْرَضَ عَنْ جَوابِهِمْ وذَكَرَ لَهم أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ دِفاعِهِ عِنْدَ إيقاعِهِ إعْلامًا بِأنَّهم عَكَسُوا في السُّؤالِ، وتَحْقِيقًا لِأنَّ ما اسْتَهْزَؤُوا بِهِ لاحِقٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِشَدِيدِ إنْكارِهِمْ: ﴿ألا يَوْمَ﴾ وهو مَنصُوبٌ بِخَبَرِ ”لَيْسَ“ الدّالِّ عَلى جَوازِ تَقَدُّمِ الخَبَرِ ﴿يَأْتِيهِمْ لَيْسَ﴾ أيِ العَذابُ ﴿مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ [وقَدَّمَ الماضِيَ مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ تَحْقِيقًا ومُبالَغَةً في التَّهْدِيدِ فَقالَ]: ﴿وحاقَ بِهِمْ﴾ أيْ: أدْرَكَهم إذْ ذاكَ عَلى سَبِيلِ الإحاطَةِ ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ وسَيِّءِ طَبائِعِهِمْ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ إشارَةً إلى شِدَّةِ إقْبالِهِمْ عَلى الهُزْءِ بِهِ حَتّى كَأنَّهم لا يَهْزَؤُونَ بِغَيْرِهِ فَقالَ: ﴿بِهِ﴾ ولَمّا كانَ اسْتِعْجالُهُمُ اسْتِهْزاءً، وضَعَ مَوْضِعَ يَسْتَعْجِلُونَ قَوْلَهُ: (p-٢٤٢)﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أيْ: يُوجِدُونَ الهُزْءَ بِهِ إيجادًا عَظِيمًا حَتّى كَأنَّهم يَطْلُبُونَ ذَلِكَ.

هود 11:9

ولَمّا كانَ قَوْلُهم ذَلِكَ ناشِئًا عَنْ طَبْعِ الإنْسانِ عَلى الوُقُوفِ مَعَ الحالَةِ الرّاهِنَةِ والعَمى عَنِ الِاسْتِضاءَةِ بِنُورِ العَقْلِ فِيما يُزِيلُها في العاقِبَةِ، بَيَّنَ ذَلِكَ [لِيُعْلَمَ أنَّ طَبْعَهُ مُنافٍ لِما تَضَمَّنَهُ مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ الإحْكامِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ العِلْمِ. وبِعِلْمِ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِقْدارُ نِعْمَتِهِ عَلى مَن حَفِظَهُ عَلى ما فَطَرَهُ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ] بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ طَبْعُهُ كَذَلِكَ: ﴿ولَئِنْ أذَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعَ المُسْتَأْنِسَ بِنَفْسِهِ؛ ولَمّا كانَ مِن أقْبَحِ الخِلالِ اسْتَمْلاكُ المُسْتَعارِ. وكانَتِ النِّعَمُ عَوارِيَ مِنَ اللَّهِ يَمْنَحُها مَن شاءَ مِن عِبادِهِ، قَدَّمَ الصِّلَةَ دَلِيلًا عَلى العارِيَةِ فَقالَ: ﴿مِنّا رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً فَضْلًا مِنّا عَلَيْهِ لا بِحَوْلِهِ ولا بِقُوَّتِهِ [مِن جِهَةٍ لا يَرْجُوها بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أداةُ الشَّكِّ] ومَكَّنّاهُ مِنَ التَّلَذُّذِ بِها تَمْكِينَ الذّائِقِ مِنَ المَذُوقِ ﴿ثُمَّ نَـزَعْناها﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ ﴿مِنهُ﴾ أخْذًا لِحَقِّنا ﴿إنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ أيْ: شَدِيدُ اليَأْسِ مِن أنْ يَعُودَ لَهُ مِثْلُها ﴿كَفُورٌ﴾ أيْ: عَظِيمُ السَّتْرِ لِما سَلَفَهُ لَهُ مِنَ الإكْرامِ لِأنَّ شَأْنَهُ ذَلِكَ وخُلُقَهُ إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ

هود 11:10

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ مِن فَضْلِنا. ولَمّا كانَ اسْتَمْلاكُهُ العارِيَةَ طَبْعًا لَهُ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ اللَّهِ. دَلَّ عَلَيْهِ بِما أفْهَمَ أنَّهُ لَوْ كانَ طُولَ عُمْرِهِ في الضُّرِّ ثُمَّ نالَ حالَةً (p-٢٤٣)يَرْضاها عَقِبَ زَمَنِ الضُّرِّ سَواءٌ بادَرَ إلى اعْتِقادِ أنَّها هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لَهُ وأنَّها لا تُفارِقُهُ أصْلًا ولا يَشُوبُها نَوْعُ ضَرَرٍ ولا يُخالِطُ صَفْوَها شَيْءٌ مِن كَدَرٍ فَقالَ دالًّا عَلى اتِّصالِ زَمَنِ الضُّرِّ بِالقَوْلِ بِنَزْعِ الخافِضِ مِنَ الظَّرْفِ: ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ مُضِرٍّ بِبَدَنِهِ، ولَمْ يُسْنِدِ المَسَّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما فَعَلَ في النَّعْماءِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُ﴾ أيْ: بِما كَسَبَتْ يَداهُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالضَّرّاءِ خِفَّةً وطَيْشًا ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أيْ: كُلُّ ما يَسُوءُنِي ﴿عَنِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْإنْسانِ، المَعْنى أنَّ الإنْسانَ. فَهي كُلِّيَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِمُسْتَغْرَقٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أيْ: خارِجٌ عَنِ الحَدِّ في فَرَحِهِ شَدِيدُ الإفْراطِ في فَخْرِهِ عَلى غَيْرِهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها. [لا يَمْلِكُ ضُرَّ نَفْسِهِ ومَنعَها مِن ذَلِكَ] فَلِذا اتَّصَلَ [بِها] قَوْلُهُ مُسْتَثْنِيًا مِنَ الإنْسانِ المُرادِ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في وقْتِ الشَّدائِدِ وزَوالِ النِّعَمِ رَجاءً لِمَوْلاهم وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ بِسَبَبِ إيمانِهِمُ المُوجِبِ لِتَقَيُّدِهِمْ بِالشَّرْعِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [أيْ] مِن أقْوالِ الشُّكْرِ وأفْعالِهِ عِنْدَ حُلُولِ النِّعَمِ، فَهم دائِمًا مَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم شُكْرًا وصَبْرًا، [وهُمُ الَّذِينَ أتَمَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ نِعَمَهُ، وخَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ لِعَظِيمِ جِهادِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ (p-٢٤٤)فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وغَيْرِها وشَياطِينِهِمْ.] ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ! أنْتَجَ السِّياقُ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ إذا وقَعَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلى صَبْرِهِمْ وشُكْرِهِمْ؛ والذَّوْقُ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِالفَمِ لِإدْراكِ الطَّعْمِ كَما أنَّ الشَّمَّ مُلابَسَةُ الشَّيْءِ الأنْفَ لِإدْراكِ الرّائِحَةِ؛ والنَّزْعُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا كانَ مُشابِكًا لَهُ كالقَلْعِ \ والقَشْطِ؛ واليَأْسُ: القَطْعُ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ، وهو ضِدُّ الرَّجاءِ، ويَئُوسٌ: كَثِيرُ اليَأْسِ، وهو ذَمٌّ لِأنَّهُ لِلْجَهْلِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ المُوجِبَةِ لِقُوَّةِ الأمَلِ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الحِكْمَةِ فِعْلُهُ؛ والنَّعْماءُ: إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، كَما أنَّ الضَّرّاءَ مَضَرَّةٌ تَظْهَرُ الحالُ بِها، لِأنَّها أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ مِن حَمْراءَ وعَوْراءَ مَعَ ما في مَفْهُومِها مِنَ المُبالَغَةِ؛ والسَّيِّئَةُ: ما يَسُوءُ مِن جِهَةِ نُفُورِ طَبْعٍ أوْ عَقْلٍ، وهي هُنا المَرَضُ والفَقْرُ ونَحْوَهُ؛ والفَرَحُ: انْفِتاحُ القَلْبِ بِما يُلْتَذُّ بِهِ؛ وعِبارَةُ البَغَوِيِّ: هو لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى وهو أعْظَمُ مِن مَلاذِّ الحَواسِّ؛ والفَخْرُ: التَّطاوُلُ بِتَعْدِيدِ المَناقِبِ؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ [النَّفْسِ] عَنِ المُشْتَهى مِنَ المَحارِمِ ونَحْوِها، والصَّبْرُ عَلى مُرِّ الحَقِّ يُؤَدِّي إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن جَمالٍ في الدُّنْيا؛ والكَبِيرُ واحِدٌ يَقْصُرُ مِقْدارُ غَيْرِهِ عَنْهُ؛ والكَثِيرُ: جَمْعٌ يَزِيدُ عَلى عَدَدِ غَيْرِهِ.

هود 11:11

﴿ولَئِنْ أذَقْناهُ نَعْماءَ﴾ مِن فَضْلِنا. ولَمّا كانَ اسْتَمْلاكُهُ العارِيَةَ طَبْعًا لَهُ، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ شَدِيدَةٍ مِنَ اللَّهِ. دَلَّ عَلَيْهِ بِما أفْهَمَ أنَّهُ لَوْ كانَ طُولَ عُمْرِهِ في الضُّرِّ ثُمَّ نالَ حالَةً (p-٢٤٣)يَرْضاها عَقِبَ زَمَنِ الضُّرِّ سَواءٌ بادَرَ إلى اعْتِقادِ أنَّها هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لَهُ وأنَّها لا تُفارِقُهُ أصْلًا ولا يَشُوبُها نَوْعُ ضَرَرٍ ولا يُخالِطُ صَفْوَها شَيْءٌ مِن كَدَرٍ فَقالَ دالًّا عَلى اتِّصالِ زَمَنِ الضُّرِّ بِالقَوْلِ بِنَزْعِ الخافِضِ مِنَ الظَّرْفِ: ﴿بَعْدَ ضَرّاءَ﴾ أيْ: فَقْرٍ شَدِيدٍ مُضِرٍّ بِبَدَنِهِ، ولَمْ يُسْنِدِ المَسَّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ كَما فَعَلَ في النَّعْماءِ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ فَقالَ: ﴿مَسَّتْهُ﴾ أيْ: بِما كَسَبَتْ يَداهُ ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِالضَّرّاءِ خِفَّةً وطَيْشًا ﴿ذَهَبَ السَّيِّئاتُ﴾ أيْ: كُلُّ ما يَسُوءُنِي ﴿عَنِّي﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْإنْسانِ، المَعْنى أنَّ الإنْسانَ. فَهي كُلِّيَّةٌ مَشْهُورَةٌ بِمُسْتَغْرَقٍ، أيْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ ﴿لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ أيْ: خارِجٌ عَنِ الحَدِّ في فَرَحِهِ شَدِيدُ الإفْراطِ في فَخْرِهِ عَلى غَيْرِهِ بِكُلِّ نِعْمَةٍ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِها. [لا يَمْلِكُ ضُرَّ نَفْسِهِ ومَنعَها مِن ذَلِكَ] فَلِذا اتَّصَلَ [بِها] قَوْلُهُ مُسْتَثْنِيًا مِنَ الإنْسانِ المُرادِ بِهِ اسْمُ الجِنْسِ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ في وقْتِ الشَّدائِدِ وزَوالِ النِّعَمِ رَجاءً لِمَوْلاهم وحُسْنَ ظَنٍّ بِهِ بِسَبَبِ إيمانِهِمُ المُوجِبِ لِتَقَيُّدِهِمْ بِالشَّرْعِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [أيْ] مِن أقْوالِ الشُّكْرِ وأفْعالِهِ عِنْدَ حُلُولِ النِّعَمِ، فَهم دائِمًا مَشْغُولُونَ بِمَوْلاهم شُكْرًا وصَبْرًا، [وهُمُ الَّذِينَ أتَمَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ نِعَمَهُ، وخَلَقَهم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ لِعَظِيمِ جِهادِهِمْ لِنُفُوسِهِمْ (p-٢٤٤)فِيما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ وغَيْرِها وشَياطِينِهِمْ.] ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ! أنْتَجَ السِّياقُ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو المَراتِبِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ إذا وقَعَتْ مِنهم هَفْوَةٌ ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ عَلى صَبْرِهِمْ وشُكْرِهِمْ؛ والذَّوْقُ: تَناوُلُ الشَّيْءِ بِالفَمِ لِإدْراكِ الطَّعْمِ كَما أنَّ الشَّمَّ مُلابَسَةُ الشَّيْءِ الأنْفَ لِإدْراكِ الرّائِحَةِ؛ والنَّزْعُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا كانَ مُشابِكًا لَهُ كالقَلْعِ \ والقَشْطِ؛ واليَأْسُ: القَطْعُ بِأنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ، وهو ضِدُّ الرَّجاءِ، ويَئُوسٌ: كَثِيرُ اليَأْسِ، وهو ذَمٌّ لِأنَّهُ لِلْجَهْلِ بِسِعَةِ الرَّحْمَةِ المُوجِبَةِ لِقُوَّةِ الأمَلِ في كُلِّ ما يَجُوزُ في الحِكْمَةِ فِعْلُهُ؛ والنَّعْماءُ: إنْعامٌ يَظْهَرُ أثَرُهُ عَلى صاحِبِهِ، كَما أنَّ الضَّرّاءَ مَضَرَّةٌ تَظْهَرُ الحالُ بِها، لِأنَّها أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ الأحْوالِ الظّاهِرَةِ مِن حَمْراءَ وعَوْراءَ مَعَ ما في مَفْهُومِها مِنَ المُبالَغَةِ؛ والسَّيِّئَةُ: ما يَسُوءُ مِن جِهَةِ نُفُورِ طَبْعٍ أوْ عَقْلٍ، وهي هُنا المَرَضُ والفَقْرُ ونَحْوَهُ؛ والفَرَحُ: انْفِتاحُ القَلْبِ بِما يُلْتَذُّ بِهِ؛ وعِبارَةُ البَغَوِيِّ: هو لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى وهو أعْظَمُ مِن مَلاذِّ الحَواسِّ؛ والفَخْرُ: التَّطاوُلُ بِتَعْدِيدِ المَناقِبِ؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ [النَّفْسِ] عَنِ المُشْتَهى مِنَ المَحارِمِ ونَحْوِها، والصَّبْرُ عَلى مُرِّ الحَقِّ يُؤَدِّي إلى الفَوْزِ في الآخِرَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن جَمالٍ في الدُّنْيا؛ والكَبِيرُ واحِدٌ يَقْصُرُ مِقْدارُ غَيْرِهِ عَنْهُ؛ والكَثِيرُ: جَمْعٌ يَزِيدُ عَلى عَدَدِ غَيْرِهِ.

هود 11:12

(p-٢٤٥)ولَمّا اسْتَثْنى سُبْحانَهُ مِنَ الجارِينَ مَعَ الطَّبْعِ الطّائِشِينَ في الهَوى مَن تَحَلّى بِرَزانَةِ الصَّبْرِ النّاشِئِ عَنْ وقارِ العِلْمِ المُثْمِرِ لِصالِحِ العَمَلِ، وكانَ ﷺ رَأْسَ الصّابِرِينَ، وكانَ ما مَضى مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وتَثَنِّيهِمْ صُدُورَهم أسْبابًا لِضِيقِ صَدْرِهِ ﷺ، فَرُبَّما كانَتْ مَظِنَّةً لِرَجائِهِمْ تَرْكَهُ ﷺ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْهِ مِن عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ طَمَعًا في إقْبالِهِمْ أوْ خَوْفًا مِن إدْبارِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ما نَراهُ يَذْكُرُ مَن خالَفَ دِينَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى بِمِثْلِ الَّذِي يَذْكُرُنا بِهِ مِنَ الشَّرِّ، قالَ تَعالى مُسَبَّبًا عَنْ ذَلِكَ ناهِيًا في صِيغَةِ الخَبَرِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ﴾ أيْ: إشْفاقًا أوْ طَمَعًا ﴿بَعْضَ ما﴾ ولَمّا كانَ المُوحى قَدْ صارَ مَعْلُومًا لَهم وإنْ نازَعُوا فِيهِ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُوحى إلَيْكَ﴾ كالإنْذارِ وتَسْفِيهِ أحْلامِ آبائِهِمْ ﴿وضائِقٌ بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ البَعْضِ ﴿صَدْرُكَ﴾ مَخافَةَ رَدِّهِمْ لَهُ إذا بَلَّغْتَهُ لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ﴾ أيْ: مَخافَةَ أوْ لِأجْلِ أنْ ﴿يَقُولُوا﴾ تَعَنُّتًا ومُغالَبَةً؛ إذْ لَوْ كانُوا مُسْتَرْشِدِينَ لَكَفَتْهم آيَةٌ واحِدَةٌ ﴿لَوْلا﴾ أيْ: هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ﴾ يَسْتَغْنِي بِهِ ويَتَفَرَّغُ لِما يُرِيدُ، [وبَنَوْهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ مُطْلَقُ حُصُولِهِ]، وكانُوا يَتَهاوَنُونَ بِالقُرْآنِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ الآيَةُ العُظْمى فَكانُوا لا يَعُدُّونَهُ آيَةً عِنادًا ومُكابَرَةً ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ أيْ: لِيُؤَيِّدَ كَلامَهُ ولِيَشْهَدَ لَهُ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِمِثْلِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ ويَثْقُلُ عَلَيْهِ أنْ يُلْقِيَ إلَيْهِمْ ما لا يَقْبَلُونَهُ ويَضْحَكُونَ (p-٢٤٦)مِنهُ فَحَرَّكَهُ اللَّهُ بِهَذا لِأداءِ الرِّسالَةِ كائِنًا فِيها ما كانَ، فَكانَ المَعْنى: فَإذا تَقَرَّرَ أنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى نَحْوِ هَذا مِنَ التَّقَلُّباتِ، فَلا تَكُنْ مَوْضِعَ رَجائِهِمْ في أنْ تَكُونَ تارِكًا ما يَغِيظُهم مِمّا نَأْمُرُكَ بِهِ، [بَلْ كُنْ] مِنَ الصّابِرِينَ؛ قالَ أهْلُ السِّيَرِ: فَلَمّا بادى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالإسْلامِ وصَدَعَ بِهِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ لَمْ يَبْعُدْ [مِنهُ] قَوْمُهُ ولَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ حَتّى ذَكَرَ آلِهَتَهم وعابَها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ أعْظَمُوهُ وناكَرُوهُ وأجْمَعُوا خِلافَهُ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ائْتِنا بِكِتابٍ لَيْسَ فِيهِ سَبُّ آلِهَتِنا». ولَمّا أفْهَمَ هَذا السِّياقُ الإنْكارَ لِما يَفْتُرُ عَنِ الإنْذارِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ [لَهُ]: هَذا الرَّجاءُ المَرْجُوُّ مُنْكَرٌ، والمَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الرِّسالَةِ النِّذارَةُ لِأنَّها هي الشّاقَّةُ عَلى النُّفُوسِ، وأمّا البِشارَةُ فَكُلُّ مَن قامَ يَقْدِرُ عَلى إبْلاغِها فَلِذا قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ فَبَلِّغْهم ما أُرْسِلْتَ بِهِ فَيَقُولُونَ لَكَ ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ لَهم فَلا يَهُمَّنَّكَ [فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ] وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ تَتَوَصَّلُ إلى رَدِّهِمْ إلى الطّاعَةِ بِالقَهْرِ والغَلَبَةِ بَلِ الوَكِيلُ اللَّهُ الفاعِلُ لِما يَشاءُ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ. ولَمّا كانَ \ السِّياقُ لِإحاطَتِهِ سُبْحانَهُ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ومِن قَبُولِهِمْ ورَدِّهِمْ ومِن حِفْظِكَ مِنهم ومِن غَيْرِهِ ﴿وكِيلٌ﴾ [فَهُوَ يُدَبِّرُ الأُمُورَ عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنَ الحِكَمِ، فَإنْ شاءَ جاءَ (p-٢٤٧)بِما سَألُوا وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْتِ بِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ] فَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ وإنْ صَعُبَ، ولَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلى النِّذارَةِ لِأنَّ المَقامَ يَقْتَضِيها مِن أجْلِ أنَّهم أهْلٌ لَها وأنَّها هي الَّتِي يَطْعَمُونَ في تَرْكِها بِإطْماعِهِمْ في المُؤالَفَةِ بِالإعْراضِ عَمّا يُوجِبُ المُخالَفَةَ؛ والصَّدْرُ: مَسْكَنُ القَلْبِ، يُشَبَّهُ بِهِ رَئِيسُ القَوْمِ والعالِي المَجْلِسِ لِشَرَفِ مَنزِلَتِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ؛ والكَنْزُ: المَدْفُونُ، وقَدْ صارَ في الدِّينِ صِفَةَ ذَمٍّ لِكُلِّ مالٍ لَمْ يُخْرَجْ مِنهُ الواجِبُ مِنَ الزَّكاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا، [والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفى أوَّلًا قُدْرَتَهُ ﷺ عَلى الإتْيانِ بِما سَألُوا دَلِيلًا عَلى قُدْرَةِ مُرْسِلِهِ عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ ثانِيًا. وأثْبَتَ الوِكالَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِها أوَّلًا].

هود 11:13

ولَمّا كانَ ذَوُو الهِمَمِ العَوالِ، لا يُصَوِّبُونَ إلى الكُنُوزِ والأمْوالِ، وكانَ المُلْكُ إنَّما يُرادُ لِتَطْيِيبِ النَّفْسِ بِتَثْبِيتِ الأمْرِ. وكانَ فِيما يَشْهَدُ بِهِ إعْجازُ القُرْآنِ بِبَدِيعِ نَظْمِهِ وباهِرِ حِكَمِهِ وحُكْمِهِ [و] زاجِرِ غَرائِبِهِ ووافِرِ عِلْمِهِ ما يُغْنِي عَنْ ذَلِكَ، وكانَ في كُلِّ آيَةٍ مِنهُ ما يُبَيِّنُ لِلْفَهْمِ سَفْسافَ قَدْحِهِمْ في الرِّسالَةِ، كانَ مَوْضِعَ الإنْكارِ لَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَقُولُونَ ذَلِكَ تَعَنُّتًا مِنهم واقْتِراحًا وإعْراضًا عَنْ مُعْجِزِ القُرْآنِ فَأعْرِضْ عَنْهُ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ في وجْهِ الدَّلِيلِ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ [أيْ مُكَرِّرِينَ] ﴿افْتَراهُ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: نَعَمْ، إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ فَيَقْدَحُونَ في الدَّلِيلِ فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ ﴿فَأْتُوا﴾ يا مَعاشِرَ العَرَبِ فَإنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ واللِّسانِ (p-٢٤٨)والمَوْلِدِ والزَّمَنِ وفِيكم مَن يَزِيدُ عَلِيَّ بِالكِتابَةِ والقِراءَةِ ومُخالَطَةِ العُلَماءِ والتَّعَلُّمِ مِنَ الحُكَماءِ ونَظْمِ الشِّعْرِ واصْطِناعِ الخُطَبِ [و] النَّثْرِ وتَكَلُّفِ الأمْثالِ وكُلِّ ما يُكْسِبُ الشَّرَفَ والفَخْرَ ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ أيْ: قِطَعٍ، كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُحِيطُ بِمَعْنًى تامٍّ يُسْتَدَلُّ فِيها عَلَيْهِ ﴿مِثْلِهِ﴾ أيْ: تَكُونُ العَشْرُ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ في طُولِهِ وفي مِثْلِ احْتِوائِهِ عَلى أسالِيبِ البَلاغَةِ وأفانِينِ العُذُوبَةِ والمَتانَةِ والفُحُولَةِ والرَّشاقَةِ حالَ كَوْنِها ﴿مُفْتَرَياتٍ﴾ أيْ: أنَّكم قَدْ عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ أيْ قِطْعَةٍ واحِدَةٍ آيَةٍ أوْ آياتٍ مِن مِثْلِهِ فِيما هو عَلَيْهِ مِنَ البَلاغَةِ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ والحِكَمِ والأحْكامِ والوَعْدِ والوَعِيدِ والأمْثالِ وادَّعَيْتُمْ مُكابَرَةً أنَّهُ مُفْتَرًى فارِغٌ عَنِ الحِكَمِ فَأْتُوا بِعَشْرٍ مِثْلِهِ في مُجَرَّدِ البَلاغَةِ غَيْرَ مُلْزَمِينَ بِحَقائِقِ المَعانِي وصِحَّةِ المَبانِي - ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ عَنِ المُبَرِّدِ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ عِنْدَ: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] عَنِ الجاحِظِ وغَيْرِهِ ما يُؤَيِّدُهُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وشَأْنُ مَن يُرِيدُ تَعْجِيزَ شَخْصٍ أنْ يُطالِبَهُ أوَّلًا بِأنْ يَفْعَلَ أمْثالًا مِمّا يَفْعَلُ هُوَ، ثُمَّ إذا تَبَيَّنَ عَجْزُهُ قالَ: افْعَلْ مَثَلًا واحِدًا - انْتَهى. فَكَأنَّهم تُحُدُّوا أوَّلًا بِجَمِيعِ القُرْآنِ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤] أيْ: في التَّحَتُّمِ والتَّطْبِيقِ عَلى الوَقائِعِ وما يَحْدُثُ] ويَتَجَدَّدُ شَيْئًا في إثْرِ شَيْءٍ، ثُمَّ قَطَعَ بَعْدَ عَجْزِهِمْ بِدَوامِ عَجْزِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] - الآيَةَ. تَبْكِيتًا لَهم وإخْزاءً وبَعْثًا عَلى ذَلِكَ وإغْراءً، ثُمَّ تُحُدُّوا (p-٢٤٩)فِي سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ غَيْرَ مُعْتَنِينَ فِيها بِالتَّفْصِيلِ إلى السُّوَرِ تَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ واسْتِهانَةً بِأمْرِهِمْ، فَلَمّا عَجَزُوا [تُحُدُّوا بِعَشْرٍ مُفْتَراةٍ، ولَمّا خَفَّفَ عَنْهُمُ التَّقَيُّدَ بِصِدْقِ المَعْنى وحَقِيقَةِ المَبانِي، ألْزَمَهم بِما خَفَّفَهُ عَنْهم في يُونُسَ مِنَ التَّفْصِيلِ ولَمْ يُخْلِهِمْ مِنَ التَّخْفِيفِ إشارَةً إلى هَوانِ أمْرِهِمْ واحْتِقارِ شَأْنِهِمْ بِأنْ جَعَلَها إلى عَشْرٍ فَقَطْ، فَلَمّا عَجَزُوا] أُعِيدَ في المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ لِأجْلِ أهْلِ الكِتابِ تَحَدِّيهِمْ بِسُورَةٍ، أيْ قِطْعَةٍ واحِدَةٍ مَقْرُونًا ذَلِكَ بِالإخْبارِ بِدَوامِ عَجْزِهِمْ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في البَقَرَةِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] - الآيَةَ. فالمُتَحَدّى بِهِ في كُلِّ سُورَةٍ غَيْرُ المُتَحَدّى بِهِ في الأُخْرى، وقَدْ مَضى في يُونُسَ والبَقَرَةِ ويَأْتِي في سُبْحانَ والطُّورِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يَتِمُّ بِهِ فَهْمُ هَذا المَقامِ، والبَلاغَةُ ثَلاثُ طَبَقاتٍ: فَأعْلاها مُعْجِزٌ، وأوْسَطُها وأدْناها مُمْكِنٌ، والتَّحَدِّي وقَعَ بِالعُلْيا، ولَيْسَ هَذا أمْرًا بِالِافْتِراءِ لِأنَّهُ تَحَدٍّ فَهو لِلتَّعْجِيزِ، وقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: طَلَبْتُمْ أنْ يُطِيعَكم فَفَعَلَ، ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ كُلُّها تَحْتَ رُتْبَتِهِ تَعالى والعَرَبُ مُقِرَّةٌ بِذَلِكَ، \ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى. وأشارَ إلى عَجْزِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [وفِي ذَلِكَ] زِيادَةُ بَيانٍ وتَثْبِيتٍ لِلدَّلِيلِ، فَإنَّ كُلَّ ظَهِيرٍ مِن سِواهم دُونَهم في البَلاغَةِ، فَعَجْزُهم عَجْزٌ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ الأوْلى.

هود 11:14

ولَمّا كانَ أدْنى دَرَجاتِ الِافْتِراءِ إتْيانُ الإنْسانِ بِكَلامٍ غَيْرِهِ مِن (p-٢٥٠)غَيْرِ عِلْمِهِ، وكانَ عَجْزُهم عَنِ المُعارَضَةِ دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّهم لَمْ يَصِلُوا إلى شَيْءٍ مِن كَلامِهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمِهِ ولا وجَدُوا مُكافِئًا لَهُ يَأْتِيهِمْ بِمِثْلِهِ، ثَبَتَ قَطْعًا أنَّ هَذا القُرْآنَ غَيْرُ مُفْتَرًى، فَقالَ تَعالى مُخاطِبًا لِلْجَمِيعِ [بِخِلافِ ما في القَصَصِ] إشارَةً إلى وُضُوحِ الأمْرِ [لا سِيَّما في الِافْتِراءِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ] وأنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ وصَلُوا مِن ذُلِّ التَّبْكِيتِ بِالتَّحَدِّي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وزُورِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في ذَلِكَ المِضْمارِ كَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ إلى حَدٍّ مِنَ العَجْزِ لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى النُّطْقِ في ذَلِكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ: ﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أيْ: يَطْلُبُوا إجابَتَكم ويُوجِدُوها ﴿فاعْلَمُوا﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً ﴿أنَّما أُنْـزِلَ﴾ أيْ: [ما] وقَعَ إنْزالُ هَذا القُرْآنِ خاصَّةً [إلّا مُلْتَبِسًا] ﴿بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا بِمُقْتَضى أنَّ مُحَمَّدًا واحِدٌ مِنهم تَمْنَعُ العادَةُ أنْ يَعْثُرَ دُونَ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ عَلى ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ رَبُّهُ مِن كَلامِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ مُخْتَرِعًا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَسْتَجِيبُوا“ لِ ”مَن“ ”مَنِ اسْتَطَعْتُمْ“ و”لَكم“ لِلْمُشْرِكِينَ، وكَذا في قَوْلِهِ: فاعْلَمُوا و”أنْتُمْ“ ﴿وأنْ﴾ أيْ: واعْلَمُوا أنْ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ لَكافَأهُ في الإتْيانِ بِمِثْلِ كَلامِهِ وفِيهِ تَهْدِيدٌ وإقْناطٌ مِن أنْ يُجِيرَهم مِن بَأْسِ اللَّهِ آلِهَتُهم. ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلى ثُبُوتِ القُرْآنِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ (p-٢٥١)مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ: مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ.

هود 11:15

ولَمّا كانَ في هَذا مِنَ الحَثِّ عَلى الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ والدُّخُولِ فِيهِ والوَعِيدِ عَلى التَّقاعُسِ عَنْهُ ما مِن حَقِّ السّامِعِ أنْ يُبادِرَ إلَيْهِ، وكانَ حَقُّ المُسْلِمِ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا لِسُوءِ عاقِبَتِها، وكانَ أعْظَمُ المَوانِعِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ التَّصْدِيقِ اسْتِيلاءَ أحْوالِ الدُّنْيا عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ تَعَنَّتُوا بِالكَنْزِ، أشارَ إلى عَواقِبِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ أيْ: بِقَصْدِهِ وأعْمالِهِ مِنَ الإحْسانِ إلى النّاسِ وغَيْرِهِ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ: ورَضِيَ بِها مَعَ دَناءَتِها مِنَ الآخِرَةِ عَلى عُلُوِّها وشَرَفِها ﴿وزِينَتَها﴾ فَأخْلَدَ إلَيْها لِحُضُورِها ونَسِيَ ما يُوجِبُ الإعْراضَ عَنْها مِن فَنائِها [وكَدَرِها] ﴿نُوَفِّ﴾ مُوَصِّلِينَ ﴿إلَيْهِمْ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: جَزاءَها ﴿فِيها﴾ أيِ الدُّنْيا بِالجاهِ والمالِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وهم فِيها﴾ أيْ: في الأعْمالِ أوِ الدُّنْيا ﴿لا يُبْخَسُونَ﴾ أيْ: لا يُنْقَصُ شَيْءٌ مِن جَزائِهِمْ فِيها، وأمّا أبْدانُهم وأرْواحُهم وأدْيانُهم فَكُلُّها بَخْسٌ في الدّارَيْنِ مَعًا، وفي الجُمْلَتَيْنِ بَيانُ سَبَبِ حَبْسِ العَذابِ عَنْهم في مُدَّةِ إمْهالِهِمْ مَعَ سُوءِ أعْمالِهِمْ.

هود 11:16

ولَمّا بَيَّنَ حالَهم في الدُّنْيا، بَيَّنَ حالَهم في الأُخْرى مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّهم أهْلُ البُعْدِ واللَّعْنَةِ والطَّرْدِ في قَوْلِهِ نَتِيجَةً لِما قَبْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ﴾ أيْ: شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ ﴿فِي الآخِرَةِ إلا النّارُ﴾ أيْ: لِسُوءِ أعْمالِهِمْ واسْتِيفائِهِمْ جَزاءَها في الدُّنْيا ﴿وحَبِطَ﴾ [أيْ بَطَلَ وفَسَدَ] ﴿ما صَنَعُوا فِيها﴾ (p-٢٥٢)أيْ مَصْنُوعُهم أوْ صُنْعُهم أيْ لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ؛ ولَمّا كانَ تَقْيِيدُ الحُبُوطِ بِالآخِرَةِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ شَيْءٌ في نَفْسِهِ قالَ: ﴿وباطِلٌ﴾ أيْ: ثابِتُ البُطْلانِ في كُلٍّ مِنَ الدّارَيْنِ ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعْمُولُهم أوْ عَمَلُهم وإنْ دَأبُوا فِيهِ دَأْبَ مَن هو مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ صُورَةٌ لا مَعْنى لَها لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ؛ والزِّينَةُ: تَحْسِينُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن لُبْسَةٍ أوْ حِلْيَةٍ أوْ هَيْئَةٍ؛ والتَّوْفِيَةُ: تَأْدِيَةُ الحَقِّ عَلى تَمامٍ؛ وحُبُوطُ العَمَلِ: بُطْلانُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: حَبِطَ بَطْنُهُ - إذا فَسَدَ بِالمَأْكَلِ الرَّدِيءِ.

هود 11:17

ولَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَجُ وانْتَهَضَتِ الدَّلائِلُ فَأغْرَقَتْهم عَوالِي اللُّجَجِ، كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الإنْكارِ عَلى مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُهْتَدِي والمُعْتَدِي، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ إمّا بِاعْتِبارِ النَّظَرِ إلى الرِّئاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَفْلَةً مِن حَقائِقِ الأُمُورِ أوْ عِنادًا كَمَن قالَ مِنَ اليَهُودِ \ لِلْمُشْرِكِينَ: أنْتُمْ أهْدى مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ وحُجَّةٍ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ بِما آتاهُ مِن نُورِ البَصِيرَةِ وصَفاءِ العَقْلِ فَهو يُرِيدُ الآخِرَةَ ويَبْنِي أفْعالَهُ عَلى أساسٍ ثابِتٍ ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ: ويَتَّبِعُ هَذِهِ البَيِّنَةَ ﴿شاهِدٌ﴾ هو القُرْآنُ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن رَبِّهِ، أوْ تَأيَّدَ ذَلِكَ البُرْهانُ بِرِسالَةِ رَسُولٍ عَرَبِيٍّ بِكَلامٍ مُعْجِزٍ وكانَ ”مِن قَبْلِهِ“ أيْ: هَذا الشّاهِدِ مُؤَيِّدًا لَهُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ أيْ: شاهِدٌ [أيْضًا] وهو التَّوْراةُ حالَ كَوْنِهِ ﴿إمامًا﴾ يَحِقُّ الِاقْتِداءُ بِهِ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ. (p-٢٥٣)ولَمّا كانَ الجَوابُ ظاهِرًا حَذَفَهُ، وتَقْدِيرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: كَمَن هو عَلى الضَّلالَةِ فَهو يُرِيدُ الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُ مِنَ المَكارِمِ ما لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى أساسٍ صَحِيحٍ، فَيَكُونُ في دارِ البَقاءِ والسَّعادَةِ هَباءً مَنثُورًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي عَلى البَيِّنَةِ عَظِيمًا، ولَمْ يَكُنْ يُرادُ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِعُلُوِّ مَقامِهِ بِأداةِ الجَمْعِ بِشارَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ بِكَوْنِهِمْ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وتَأيَّدَ هُداهم بِشاهِدٍ مِن قَبْلِهِ وشاهِدٍ مِن بَعْدِهِ مُصَدِّقٍ لَهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ الَّذِي هو الشّاهِدُ ولا يَنْسُبُونَ الآتِيَ بِهِ إلى أنَّهُ افْتَراهُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا الشّاهِدِ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن جَمِيعِ الفِرَقِ وأهْلِ المِلَلِ سَواءً، سَوّى بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ جَهْلًا أوْ عِنادًا ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: وعِيدُهُ ومَوْضِعُ وعِيدِهِ يَصْلى سَعِيرَها ويُقاسِي زَمْهَرِيرَها. ولَمّا عَمَّ بِوَعِيدِ النّارِ، اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ لِما سُبِّبَ عَنْهُ فَقَرُبَ إزالَةُ ما حَمَلَتْ مِن ذَلِكَ بِالإيجازِ، فاقْتَضى الأمْرُ حَذْفَ نُونِ ”تَكُنْ“ فَقِيلَ: ﴿فَلا تَكُ﴾ أيْ: أيُّها المُخاطَبُ الأعْظَمُ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ: شَكٍّ عَظِيمٍ [ووَهْمٍ] ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ عَنْ إبْلاغِهِ، أوْ مِنَ الوَعْدِ الَّذِي هو النّارُ والخَيْبَةُ وإنْ أنْعَمْنا عَلى المُتَوَعَّدِ بِذَلِكَ ونَعَّمْناهُ في الدُّنْيا؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ القُرْآنَ (p-٢٥٤)أوِ المَوْعِدَ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ، وزادَ في التَّرْغِيبِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ عَلَيْكَ. ولَمّا كانَ كَوْنُهُ حَقًّا سَبَبًا يَعْلَقُ الأمَلُ بِإيمانِ كُلِّ مَن سَمِعَهُ، قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في حَيِّزِ الِاضْطِرابِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِأنَّهُ حَقٌّ لا لِكَوْنِ الرَّيْبِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بَلْ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّيْنِ ويَؤُولُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُعَدِّ لَهم مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ ولا يُنْسَبُ الظُّلْمُ إلَيْهِ، والقَصْدُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الحَثُّ عَلى ما حَثَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] مِنَ الإقْبالِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَخافَةِ عُقُولِ المُمْتَرِينَ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ.

هود 11:18

ولَمّا كانَ الكافِرُونَ قَدْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما أحْدَثُوهُ مِنَ الدِّينِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وما نَسَبُوا إلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ أنِ اخْتَلَقَ مُتَكَبِّرًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿كَذِبًا﴾ الآيَةَ. وهو مَوْضِعُ ضَمِيرٍ لَوْ أتى بِهِ لَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ ظُلْمًا مِنهُمْ، ومَن أظْلَمُ مِنهم أيْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، فَأتى بِهَذا الظّاهِرِ بَيانًا لِما كَفَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِّقَ الحُكْمُ بِالوَصْفِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عِلَّتُهُ. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ، أتْبَعَهُ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ المُسْتَحِقُّو البُعْدِ؛ ولَمّا كانَ نَفْسُ العَرَضِ مَخُوفًا، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: (p-٢٥٥)﴿يُعْرَضُونَ﴾ [أيْ] لِذَلِكَ ولِدَلالَةٍ عَلى أنَّهم عَلى صِفَةِ الهَوانِ ومُسْتَسْلِمُونَ لِكُلِّ عارِضٍ، فَعَرْضُهم في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، العالِمُ بِالخَفايا فَيُفْتَضَحُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِما قابَلُوا بِهِ إحْسانَهُ مِنَ اللَّوْمِ ﴿ويَقُولُ﴾ [عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ] ﴿الأشْهادُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالكُتُبِ الشّاهِدِ بَعْضُها لِبَعْضٍ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] والمَلائِكَةُ الَّذِينَ \ شَهِدُوا أعْمالَهم ومِن أعْضائِهِمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ بِأداةِ القُرْبِ إلى تَحْقِيرِهِمْ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ مُتَكَبِّرِينَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ في ادِّعاءِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ [بِما عَراهم مِن إحْسانِهِ وطُولِ حِلْمِهِ]، وفي الإتْيانِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، فَتَكَرَّرَتْ بِهَذا القَوْلِ فَضِيحَتُهم عِنْدَ جِنْسِهِمْ وبُعْدُهم عَنْ كُلِّ مَن سَمِعَ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّهُ لا أبْعَدَ عَنِ القُلُوبِ مِنَ الكاذِبِ فَكَيْفَ بِالمُجْتَرِئِ بِالكَذِبِ عَلى الرُّؤَساءِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي رَبّاهم وكُلٌّ مِن أهْلِ المَوْقِفِ مُرْتَقِبٌ بِرَّهُ خائِفٌ مِنَ انْتِقامِهِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم بَعْدَ هَذا العَذابِ العَظِيمِ بِهَذِهِ الفَضِيحَةِ؟ فَقِيلَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ وهي طَرْدُ المَلِكِ الأعْظَمِ وإبْعادُهُ، وانْظُرْ إلى تَهْوِيلِ الأمْرِ بِاسْمِ الذّاتِ ما أشَدَّهُ ﴿عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَكَيْفَ بِأظْلَمِ الظّالِمِينَ،

هود 11:19

ثُمَّ فَصَّلَ ظُلْمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ في أنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾ (p-٢٥٦)أيْ دِينِ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مَعَ أنَّهُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴿ويَبْغُونَها﴾ أيْ: يُرِيدُونَ بِطَرِيقِ الدِّينِ الواسِعَةِ السَّهْلَةِ ﴿عِوَجًا﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ والطَّعْنِ في الدَّلائِلِ مَعَ كَوْنِها في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ. ولَمّا كانَ النَّظَرُ شَدِيدًا إلى بَيانِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، بُولِغَ في تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالآخِرَةِ شَدِيدًا، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِالآخِرَةِ﴾ وأعادَ الضَّمِيرَ تَأْكِيدًا لِتَعْيِينِهِمْ وإثْباتِ غايَةِ الفَسادِ لِبَواطِنِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ الكُفْرِ [فَقالَ]: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ؛ والعَرْضُ: إظْهارُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُرى لِلتَّوْقِيفِ عَلى حالَةٍ؛ والصَّدُّ: المَنعُ بِالإغْراءِ الصّارِفِ عَنِ الأمْرِ؛ والبُغْيَةُ: طَلَبُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وهي إرادَةُ وِجْدانِ المَعْنى بِما يُطْمَعُ فِيهِ؛ والعِوَجُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، وهو في المَعْنى كالدِّينِ بِالكَسْرِ، وفي غَيْرِهِ كالعَوْدِ بِالفَتْحِ فَرْقًا بَيْنَ ما يُرى وما لا يُرى، جَعَلُوا السَّهْلَ لِلسَّهْلِ والصَّعْبَ لِلصَّعْبِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في النَّجْوى: ««يُدْنى المُؤْمِنُ مِن رَبِّهِ حَتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهُ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ يَقُولُ: أعْرِفُ رَبِّ أعْرِفُ - مَرَّتَيْنِ، ويَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا وأغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ، ثُمَّ يَطْوِي صَحِيفَةَ حَسَناتِهِ، وأمّا الآخَرُونَ أوِ الكُفّارُ فَيُنادى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]»

هود 11:20

(p-٢٥٧)ولَمّا هَدَّدَهم بِأُمُورِ الآخِرَةِ، أشارَ إلى بَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ في الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنْ حَضْرَةِ الرَّحْمَةِ ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ وأشارَ إلى عَجْزِهِمْ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى بُلُوغِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: ما كانَ الإعْجازُ - وهو الِامْتِناعُ مِن مُرادِ اللَّهِ - لَهم ولا هو في قُدْرَتِهِمْ، لِأنَّ قَدْرَهُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ. ولَمّا نَفى التَّعَذُّرَ بِأنْفُسِهِمْ، نَفاهُ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وما كانَ لَهُمْ﴾ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي [هِيَ] دُونَ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ مُتَكاثِرَةً جِدًّا، بَيَّنَ أنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ كُلٍّ مِنها بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ مَعَهم ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِن تَوَلِّي المَصالِحِ والحِمايَةِ مِنَ المَصائِبِ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الِامْتِناعِ وهو حَيٌّ لَمْ يَمْتَنِعْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿يُضاعَفُ﴾ أيْ: يُفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ مَن يُناظِرُ آخَرَ في الزِّيادَةِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَرْجِعَ وُجُودُ المُضاعَفَةِ مُطْلَقًا ﴿لَهُمُ العَذابُ﴾ [أيْ] بِما كانُوا يُضاعِفُونَ المَعاصِيَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ سَبَبَ المُضاعَفَةِ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهم سَمْعًا وبَصَرًا فَضَيَّعُوهُما بِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَعامِيهِمْ عَنْهُ، فَكَأنَّ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ فاقِدِهِما فَقالَ: ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِما لَهم مِن فَسادِ الجِبِلّاتِ (p-٢٥٨)﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ: يَقْدِرُونَ لِما غَلَبَ عَلى فِطَرِهِمُ الأُولى السَّلِيمَةِ بِانْقِيادِهِمْ لِلْهَوى مِنَ التَّخَلُّقِ \ بِنَقائِصِ الشَّهَواتِ عَلى أنْ تُوجَدَ طاعَتُهُ لَهم فَما كانُوا يَسْمَعُونَ ﴿وما كانُوا﴾ يَسْتَطِيعُونَ الإبْصارَ فَما كانُوا ﴿يُبْصِرُونَ﴾ حَتّى يُعْرِضُوا عَنِ الشَّهَواتِ فَتُوجَدُ اسْتِطاعَتُهم لِلسَّمْعِ [والإبْصارِ]، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ وأنَّ شِدَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْهُ وصَلَتْ إلى حَدٍّ صارَتْ فِيهِ تُوصَفُ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لَمّا تَشْتَدُّ كَراهَتُهُ لَهُ: هَذا مِمّا لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وتَكُونُ المُضاعَفَةُ بِالكُفْرِ والصَّدِّ، ونَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أعْرَقُ في العَيْبِ وأدَلُّ عَلى النَّقْصِ وأنْكَأُ مِن نَفْيِ السَّمْعِ لِأنَّهم قَدْ يَحْمِلُونَهُ عَلى الإجابَةِ، وأمّا نَفْيُ البَصَرِ فَغَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ النَّقْصِ سَواءٌ كانَ لِلْعَيْنِ أوْ لِلْقَلْبِ، هَذا إنْ لَمْ تُخَرَّجِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وإنْ خُرِّجَتْ عَلَيْهِ اسْتَوى الأمْرانِ، وصارَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أوَّلًا دالًّا عَلى نَفْيِها ثانِيًا، ونَفْيُ الإبْصارِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ السَّمْعِ أوَّلًا.

هود 11:21

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهم لا سَمْعَ ولا بَصَرَ، ثَبَتَ أنَّهم لا شَيْءَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي [هِيَ] سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلْخَيْرِ وصُعُوبَةُ الِانْقِيادِ لِلشَّرِّ؛ ولَمّا كانَ العاجِزُ رُبَّما نَفَعَهُ مَن كانَ يَخْدِمُهُ فَيُكْسِبُهُ قُوَّةً بَعْدَ الضَّعْفِ ونَشاطًا بَعْدَ العَجْزِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ النَّفْعِ مِمَّنْ عَذَرَهم أوَّلًا (p-٢٥٩)عَلى أحْسَنِ وجْهٍ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جُبِلُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِمّا ادَّعَوْا كَوْنَهم آلِهَةً، ولا شَكَّ أنَّ مَن خَسِرَ نَفْسَهُ ومَن خَسِرَها مِن أجْلِهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ شَرِيكٌ لِخالِقِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ كانَ أخْسَرَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: لا شَكَّ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في إنْكارِ الآخِرَةِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِالخَسارَةِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأخْسَرُونَ﴾ أيِ الأكْثَرُونَ خُسْرانًا مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالخُسْرانِ؛ والإعْجازُ: الِامْتِناعُ مِنَ المُرادِ بِما لا يُمْكِنُ مَعَهُ إيقاعُهُ؛ والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى المِقْدارِ بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ؛ والِاسْتِطاعَةُ: قُوَّةٌ يَنْطاعُ بِها الجَوارِحُ لِلْفِعْلِ؛ وأمّا ”لا جَرَمَ“ فَقَدِ اضْطَرَبَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِها، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والبُرْهانِ لِلسَّفاقِسِيِّ في إعْرابِهِ ما حاصِلُهُ: والغالِبُ بَعْدَ ”لا جَرَمَ“ الفَتْحُ، أيْ في ”أنْ“، فَ: ”لا“ إمّا رَدُّ الكَلامِ السّابِقِ - عَلى ما هو مَذْهَبُ الخَلِيلِ - أوْ زائِدَةٌ كَما في ”لا أُقْسِمُ“ لِأنَّ في «جَرَمَ» مَعْنى القَسَمِ، وهي فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُرَكَّبَةٌ مَعَ ”لا“، وجَعَلَها سِيبَوَيْهِ فِعْلًا بِمَعْنى حَقَّ، فَ ”أنْ“ ”فاعِلُهُ“، وقِيلَ: ”جَرَمَ“ بِمَعْنى حَقَّ، وهو اسْمُ «لا» و”أنَّهُمْ“ خَبَرُهُ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا صَدَّ ولا مَنعَ؛ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، ولا نَفْيَ لِما قِيلَ مِن أنَّ لَهم أصْنامًا تَنْفَعُهُمْ، وجَرَمَ - فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ (p-٢٦٠)مُضْمَرٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ، و”إنَّهم“ مَفْعُولُهُ؛ وقالَ الفَراهِيُّ: كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَعْنى لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، لِأنَّهُ يَرْوِي عَنِ العَرَبِ ”لا جُرْمَ“ - يَعْنِي بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، والفِعْلُ - يَعْنِي هَكَذا، والفِعْلُ - يَعْنِي مُحَرَّكًا، يَشْتَرِكانِ في المَصادِرِ كالرُّشْدِ والرَّعْدِ والبُخْلِ؛ والجَرَمُ: القَطْعُ، أيْ لا قَطْعَ مِن هَذا كَما أنَّهُ لا بُدَّ بِمَعْنى لا قَطْعَ، فَكَثُرَتْ وجَرَتْ عَلى ذَلِكَ حَتّى صارَتْ بِمَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، ولا جَرَمَ أنَّكَ قائِمٌ، فَمَن فَتَحَ فَلِلنَّظَرِ إلى أصْلِ ”لا جَرَمَ“ كَما نَقُولُ: لا بُدَّ أنْ نَفْعَلَ كَذا وأنَّكَ تَفْعَلُ، أيْ: مِن أنْ ومِن أنَّكَ تَفْعَلُ، ومَن كَسَرَ فَلِمَعْنى القَسَمِ العارِضِ فِي: ”لا جَرَمَ“ - انْتَهى. فَتَفْسِيرُهُ لَها بِالقَطْعِ نُظِرَ مِنهُ إلى أنَّ مادَّةَ ”جَرَمَ“ بِخُصُوصِها دائِرَةٌ عَلى القَطْعِ، والأصْنَعُ تَفْسِيرُها بِالظَّنِّ نَظَرًا إلى ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِن حَيْثُ هي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - مِن جَرَمَ [وجَمَرَ] ورَجَمَ ورَمَجَ ومَجَرَ ومَرَجَ، وإنَّما جَعَلْتُها كَذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: جَرَمَ النَّخْلَ: خَرَصَها، وأجْمَرَ النَّخْلَ أيْضًا: خَرَصَها، ورَجَمَ - إذا ظَنَّ، والمَجَرُ: العَقْلُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ اتِّقادُ الذِّهْنِ ومِنهُ جَمْرَةُ النّارِ، والجَرْمُ لِلْأرْضِ \ الشَّدِيدَةُ الجَرِّ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ أيْضًا اجْتِماعُ الفِكْرِ، ومِنهُ الجَمْرَةُ لِلْقَلْبِيَّةِ وكُلُّ ما شاكَلَها في الجَمْعِ، ومِنهُ الجِرْمُ بِالكَسْرِ وهو الجَسَدُ فَإنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِ، والصَّوْتِ أوْ جَهارَتِهِ فَإنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الحَلْقُ لِقَطْعِهِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا العَظَمَةُ، ومِنهُ أجْرَمَ - إذا عَظُمَ، (p-٢٦١)والجَمِيرُ كَأمِيرٍ: مُجْتَمَعُ القَوْمِ، ومِنَ الجَمْعِ الرِّياءُ والعَقْلُ، فَيَنْشَأُ مِنهُ الصَّفاءُ، ومِنهُ ﴿مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لا دُخانَ فِيهِ، ومِنهُ أجْرَمَ لَوْنُهُ: صَفا، ومِنَ الِاجْتِماعِ المَجَرُ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو أنْ يَمْلَأ بَطْنَهُ مِنَ الماءِ ولَمْ يَرْوَ، والكَسْبُ، جَرَمَ لِأهْلِهِ - إذا كَسَبَ، ومِنهُ الذَّنْبُ فَإنَّهُ كَسْبٌ خاصٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ صاحِبَهُ عَنِ الخَيْرِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا [الِاسْتِتارُ] ومِنهُ أجَمَرَتِ اللَّيْلَةُ - اسْتَتَرَ فِيها الهِلالُ، والمَجَرُ لِما في بُطُونِ الحَوامِلِ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، أوْ يَجْعَلُ هَذا مِمّا يَلْزَمُ نَفْسَ الظَّنِّ مِنَ الخَفاءِ، ومِنَ الِاجْتِماعِ الضُّمُورُ، أجَمَرَ الخَيْلَ: أضْمَرَها، وشاةٌ مُجْمَرَةٌ: مَهْزُولَةٌ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ الصَّلابَةُ والتَّمامُ، ومِنهُ حَوْلٌ مُجْرَمٌ كَمُعْظَمٍ: تامٌّ، فَيَنْشَأُ الِافْتِراقُ، ومِنهُ تَجَرَّمَ اللَّيْلُ: ذَهَبَ، وابْنا جَمِيرٍ كَأمِيرٍ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ القَطْعِ كَما يَأْتِي؛ ومِنَ الِاجْتِماعِ الرَّجْمُ الَّذِي هو الخَلِيلُ والنَّدِيمُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الفَصْلُ بَيْنَ الأشْياءِ، ومِنهُ جِرامُ النَّخْلِ لِصِرامِها؛ والجَمْرَةُ: الحَصاةُ، فَيَلْزَمُ مُطْلَقُ الرَّمْيِ فَيَنْشَأُ الرَّمْيُ بِالجِمارِ، وهي الحِجارَةُ فَيَنْشَأُ القَتْلُ لِلْمَرْجُومِ، وهو يَرْجِعُ أيْضًا إلى نَفْسِ القَطْعِ، فَإنَّهُ قَطْعُ النَّفْسِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، ويَلْزَمُ الفَصْلَ القَذْفُ والعَيْبُ؛ والرَّماجُ كَسَحابٍ: كُعُوبُ الرُّمْحِ لِانْفِصالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، والرَّمَجُ بِالفَتْحِ وهو إلْقاءُ الطَّيْرِ ذَرْقَهُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ [المُبالَغَةُ في النَّظَرِ فَتَأْتِي المُبالَغَةُ في الكَلامِ والعَزِيمَةِ، ومِنهُ المِرْجامُ لِلْمادِّ (p-٢٦٢)عُنُقَهُ في السَّيْرِ مِنَ الإبِلِ، وأجْمَرَ: أسْرَعَ في السَّيْرِ، وقَدْ يَلْزَمُ الظَّنَّ] الحَيْرَةُ، ومِنهُ حَدِيثٌ مُرْجَمٌ كَمُعْظَمٍ: لا يُوقَفُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ الذَّنْبُ والفَسادُ والقَلَقُ والِاضْطِرابُ، ومِنهُ أمْرَجَ العَهْدَ: لَمْ يَفِ بِهِ، أيْ: جَعَلَهُ مارِجًا مُزَلْزَلًا، وعَلى الِاضْطِرابِ تَدُورُ مادَّةُ ”مَرَجَ“ بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ، أوِ التَّرْمِيجُ: إفْسادُ سُطُورٍ بَعْدَ كَتْبَتِها، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الِاخْتِلاطُ، ومِنهُ الجِرْمُ لِلَّوْنِ لِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَوْبٍ، وأجْرَمَ الدَّمُ بِهُ: لَصَقَ، والإجْرامُ: مَتاعُ الرّاعِي، أوْ هي مِنَ الكَسْبِ، والجُرّامُ كَرُمّانٍ: السَّمَكُ؛ والمَرْجُ: مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ جَمِيعَ تَصارِيفِ المادَّةِ تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ وهو بَيِّنٌ في غَيْرِ العَقْلِ، وأمّا فِيهِ فَإنَّهُ يُقَدَّرُ العَقْلُ بِكَوْنِ اضْطِرابِ الرَّأْيِ لِأنَّ العاقِلَ كُلَّما أنْعَمَ النَّظَرَ انْفَتَحَ لَهُ ما كانَ مُغْلَقًا فَيَعْدِلُ إلَيْهِ، فَإذا ظَهَرَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى ”لا جَرَمَ“ أنَّهم لا ظَنَّ ولا اضْطِرابَ في أنَّهُمْ، ويَكُونُ نَفْيُ الظَّنِّ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ نَفْيًا لِجَمِيعِ ما يُقابِلُهُ إلّا العِلْمُ الَّذِي هو بِمَعْنى القَطْعِ كَما إذا قِيلَ: لا شَكَّ في كَذا ولا رَيْبَ، فاتَّضَحَ أنَّ تَفْسِيرَهم لَها بِ: ”حَقًّا“ تَفْسِيرُ مَعْنًى لِمَجْمُوعِ الكَلِمَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ الظَّنُّ ثَبَتَ اليَقِينُ والقَطْعُ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ بِلا حَقٍّ لِأنَّهُ يُرِيدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ لا صِلَةَ، ومَوْضُوعُها في الأصْلِ النَّفْيُ، فَهي نافِيَةٌ لِضِدِّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ (p-٢٦٣)قِيلَ: حَقَّ وثَبَتَ أنَّهم كَذا وانْتَفى كُلُّ ما يُضادُّهُ، فَهَذا وجْهُ كَوْنِها صِلَةً مُؤَكَّدَةً، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ في ”إنَّما“ نَحْوَ: إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، أيْ: أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، ما هو إلّا كَذَلِكَ، فَقَدْ بانَ أنَّ النّافِيَ مِثْلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

هود 11:22

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهم لا سَمْعَ ولا بَصَرَ، ثَبَتَ أنَّهم لا شَيْءَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي [هِيَ] سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلْخَيْرِ وصُعُوبَةُ الِانْقِيادِ لِلشَّرِّ؛ ولَمّا كانَ العاجِزُ رُبَّما نَفَعَهُ مَن كانَ يَخْدِمُهُ فَيُكْسِبُهُ قُوَّةً بَعْدَ الضَّعْفِ ونَشاطًا بَعْدَ العَجْزِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ النَّفْعِ مِمَّنْ عَذَرَهم أوَّلًا (p-٢٥٩)عَلى أحْسَنِ وجْهٍ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جُبِلُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِمّا ادَّعَوْا كَوْنَهم آلِهَةً، ولا شَكَّ أنَّ مَن خَسِرَ نَفْسَهُ ومَن خَسِرَها مِن أجْلِهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ شَرِيكٌ لِخالِقِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ كانَ أخْسَرَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: لا شَكَّ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في إنْكارِ الآخِرَةِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِالخَسارَةِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأخْسَرُونَ﴾ أيِ الأكْثَرُونَ خُسْرانًا مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالخُسْرانِ؛ والإعْجازُ: الِامْتِناعُ مِنَ المُرادِ بِما لا يُمْكِنُ مَعَهُ إيقاعُهُ؛ والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى المِقْدارِ بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ؛ والِاسْتِطاعَةُ: قُوَّةٌ يَنْطاعُ بِها الجَوارِحُ لِلْفِعْلِ؛ وأمّا ”لا جَرَمَ“ فَقَدِ اضْطَرَبَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِها، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والبُرْهانِ لِلسَّفاقِسِيِّ في إعْرابِهِ ما حاصِلُهُ: والغالِبُ بَعْدَ ”لا جَرَمَ“ الفَتْحُ، أيْ في ”أنْ“، فَ: ”لا“ إمّا رَدُّ الكَلامِ السّابِقِ - عَلى ما هو مَذْهَبُ الخَلِيلِ - أوْ زائِدَةٌ كَما في ”لا أُقْسِمُ“ لِأنَّ في «جَرَمَ» مَعْنى القَسَمِ، وهي فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُرَكَّبَةٌ مَعَ ”لا“، وجَعَلَها سِيبَوَيْهِ فِعْلًا بِمَعْنى حَقَّ، فَ ”أنْ“ ”فاعِلُهُ“، وقِيلَ: ”جَرَمَ“ بِمَعْنى حَقَّ، وهو اسْمُ «لا» و”أنَّهُمْ“ خَبَرُهُ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا صَدَّ ولا مَنعَ؛ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، ولا نَفْيَ لِما قِيلَ مِن أنَّ لَهم أصْنامًا تَنْفَعُهُمْ، وجَرَمَ - فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ (p-٢٦٠)مُضْمَرٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ، و”إنَّهم“ مَفْعُولُهُ؛ وقالَ الفَراهِيُّ: كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَعْنى لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، لِأنَّهُ يَرْوِي عَنِ العَرَبِ ”لا جُرْمَ“ - يَعْنِي بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، والفِعْلُ - يَعْنِي هَكَذا، والفِعْلُ - يَعْنِي مُحَرَّكًا، يَشْتَرِكانِ في المَصادِرِ كالرُّشْدِ والرَّعْدِ والبُخْلِ؛ والجَرَمُ: القَطْعُ، أيْ لا قَطْعَ مِن هَذا كَما أنَّهُ لا بُدَّ بِمَعْنى لا قَطْعَ، فَكَثُرَتْ وجَرَتْ عَلى ذَلِكَ حَتّى صارَتْ بِمَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، ولا جَرَمَ أنَّكَ قائِمٌ، فَمَن فَتَحَ فَلِلنَّظَرِ إلى أصْلِ ”لا جَرَمَ“ كَما نَقُولُ: لا بُدَّ أنْ نَفْعَلَ كَذا وأنَّكَ تَفْعَلُ، أيْ: مِن أنْ ومِن أنَّكَ تَفْعَلُ، ومَن كَسَرَ فَلِمَعْنى القَسَمِ العارِضِ فِي: ”لا جَرَمَ“ - انْتَهى. فَتَفْسِيرُهُ لَها بِالقَطْعِ نُظِرَ مِنهُ إلى أنَّ مادَّةَ ”جَرَمَ“ بِخُصُوصِها دائِرَةٌ عَلى القَطْعِ، والأصْنَعُ تَفْسِيرُها بِالظَّنِّ نَظَرًا إلى ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِن حَيْثُ هي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - مِن جَرَمَ [وجَمَرَ] ورَجَمَ ورَمَجَ ومَجَرَ ومَرَجَ، وإنَّما جَعَلْتُها كَذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: جَرَمَ النَّخْلَ: خَرَصَها، وأجْمَرَ النَّخْلَ أيْضًا: خَرَصَها، ورَجَمَ - إذا ظَنَّ، والمَجَرُ: العَقْلُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ اتِّقادُ الذِّهْنِ ومِنهُ جَمْرَةُ النّارِ، والجَرْمُ لِلْأرْضِ \ الشَّدِيدَةُ الجَرِّ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ أيْضًا اجْتِماعُ الفِكْرِ، ومِنهُ الجَمْرَةُ لِلْقَلْبِيَّةِ وكُلُّ ما شاكَلَها في الجَمْعِ، ومِنهُ الجِرْمُ بِالكَسْرِ وهو الجَسَدُ فَإنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِ، والصَّوْتِ أوْ جَهارَتِهِ فَإنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الحَلْقُ لِقَطْعِهِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا العَظَمَةُ، ومِنهُ أجْرَمَ - إذا عَظُمَ، (p-٢٦١)والجَمِيرُ كَأمِيرٍ: مُجْتَمَعُ القَوْمِ، ومِنَ الجَمْعِ الرِّياءُ والعَقْلُ، فَيَنْشَأُ مِنهُ الصَّفاءُ، ومِنهُ ﴿مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لا دُخانَ فِيهِ، ومِنهُ أجْرَمَ لَوْنُهُ: صَفا، ومِنَ الِاجْتِماعِ المَجَرُ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو أنْ يَمْلَأ بَطْنَهُ مِنَ الماءِ ولَمْ يَرْوَ، والكَسْبُ، جَرَمَ لِأهْلِهِ - إذا كَسَبَ، ومِنهُ الذَّنْبُ فَإنَّهُ كَسْبٌ خاصٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ صاحِبَهُ عَنِ الخَيْرِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا [الِاسْتِتارُ] ومِنهُ أجَمَرَتِ اللَّيْلَةُ - اسْتَتَرَ فِيها الهِلالُ، والمَجَرُ لِما في بُطُونِ الحَوامِلِ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، أوْ يَجْعَلُ هَذا مِمّا يَلْزَمُ نَفْسَ الظَّنِّ مِنَ الخَفاءِ، ومِنَ الِاجْتِماعِ الضُّمُورُ، أجَمَرَ الخَيْلَ: أضْمَرَها، وشاةٌ مُجْمَرَةٌ: مَهْزُولَةٌ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ الصَّلابَةُ والتَّمامُ، ومِنهُ حَوْلٌ مُجْرَمٌ كَمُعْظَمٍ: تامٌّ، فَيَنْشَأُ الِافْتِراقُ، ومِنهُ تَجَرَّمَ اللَّيْلُ: ذَهَبَ، وابْنا جَمِيرٍ كَأمِيرٍ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ القَطْعِ كَما يَأْتِي؛ ومِنَ الِاجْتِماعِ الرَّجْمُ الَّذِي هو الخَلِيلُ والنَّدِيمُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الفَصْلُ بَيْنَ الأشْياءِ، ومِنهُ جِرامُ النَّخْلِ لِصِرامِها؛ والجَمْرَةُ: الحَصاةُ، فَيَلْزَمُ مُطْلَقُ الرَّمْيِ فَيَنْشَأُ الرَّمْيُ بِالجِمارِ، وهي الحِجارَةُ فَيَنْشَأُ القَتْلُ لِلْمَرْجُومِ، وهو يَرْجِعُ أيْضًا إلى نَفْسِ القَطْعِ، فَإنَّهُ قَطْعُ النَّفْسِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، ويَلْزَمُ الفَصْلَ القَذْفُ والعَيْبُ؛ والرَّماجُ كَسَحابٍ: كُعُوبُ الرُّمْحِ لِانْفِصالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، والرَّمَجُ بِالفَتْحِ وهو إلْقاءُ الطَّيْرِ ذَرْقَهُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ [المُبالَغَةُ في النَّظَرِ فَتَأْتِي المُبالَغَةُ في الكَلامِ والعَزِيمَةِ، ومِنهُ المِرْجامُ لِلْمادِّ (p-٢٦٢)عُنُقَهُ في السَّيْرِ مِنَ الإبِلِ، وأجْمَرَ: أسْرَعَ في السَّيْرِ، وقَدْ يَلْزَمُ الظَّنَّ] الحَيْرَةُ، ومِنهُ حَدِيثٌ مُرْجَمٌ كَمُعْظَمٍ: لا يُوقَفُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ الذَّنْبُ والفَسادُ والقَلَقُ والِاضْطِرابُ، ومِنهُ أمْرَجَ العَهْدَ: لَمْ يَفِ بِهِ، أيْ: جَعَلَهُ مارِجًا مُزَلْزَلًا، وعَلى الِاضْطِرابِ تَدُورُ مادَّةُ ”مَرَجَ“ بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ، أوِ التَّرْمِيجُ: إفْسادُ سُطُورٍ بَعْدَ كَتْبَتِها، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الِاخْتِلاطُ، ومِنهُ الجِرْمُ لِلَّوْنِ لِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَوْبٍ، وأجْرَمَ الدَّمُ بِهُ: لَصَقَ، والإجْرامُ: مَتاعُ الرّاعِي، أوْ هي مِنَ الكَسْبِ، والجُرّامُ كَرُمّانٍ: السَّمَكُ؛ والمَرْجُ: مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ جَمِيعَ تَصارِيفِ المادَّةِ تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ وهو بَيِّنٌ في غَيْرِ العَقْلِ، وأمّا فِيهِ فَإنَّهُ يُقَدَّرُ العَقْلُ بِكَوْنِ اضْطِرابِ الرَّأْيِ لِأنَّ العاقِلَ كُلَّما أنْعَمَ النَّظَرَ انْفَتَحَ لَهُ ما كانَ مُغْلَقًا فَيَعْدِلُ إلَيْهِ، فَإذا ظَهَرَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى ”لا جَرَمَ“ أنَّهم لا ظَنَّ ولا اضْطِرابَ في أنَّهُمْ، ويَكُونُ نَفْيُ الظَّنِّ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ نَفْيًا لِجَمِيعِ ما يُقابِلُهُ إلّا العِلْمُ الَّذِي هو بِمَعْنى القَطْعِ كَما إذا قِيلَ: لا شَكَّ في كَذا ولا رَيْبَ، فاتَّضَحَ أنَّ تَفْسِيرَهم لَها بِ: ”حَقًّا“ تَفْسِيرُ مَعْنًى لِمَجْمُوعِ الكَلِمَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ الظَّنُّ ثَبَتَ اليَقِينُ والقَطْعُ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ بِلا حَقٍّ لِأنَّهُ يُرِيدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ لا صِلَةَ، ومَوْضُوعُها في الأصْلِ النَّفْيُ، فَهي نافِيَةٌ لِضِدِّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ (p-٢٦٣)قِيلَ: حَقَّ وثَبَتَ أنَّهم كَذا وانْتَفى كُلُّ ما يُضادُّهُ، فَهَذا وجْهُ كَوْنِها صِلَةً مُؤَكَّدَةً، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ في ”إنَّما“ نَحْوَ: إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، أيْ: أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، ما هو إلّا كَذَلِكَ، فَقَدْ بانَ أنَّ النّافِيَ مِثْلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

هود 11:23

ولَمّا تَوَعَّدَ الكافِرِينَ وأخْبَرَ عَنْ مَآلِهِمْ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما مَضى مِن وصْفِ الكافِرِينَ بَعْدَ مُطْلَقِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الإعْراضَ عَنْ رَبِّهِمْ والنُّفْرَةَ عَنِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ جَلافَةً وغِلْظَةً، وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإقْبالِ \ عَلَيْهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأخْبَتُوا﴾ أيْ: خَشَعُوا مُتَوَجِّهِينَ مُنْقَطِعِينَ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ فَشَكَرُوهُ فَوَفَّقَهم لِاسْتِطاعَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ. ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهم ذَكَرَ جَزاءَهم [عَلَيْهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانُوا مُخْتَصِّينَ بِها أوَّلَ أوْ بِالخُلُودِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هم فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً لا في غَيْرِها ﴿خالِدُونَ﴾

هود 11:24

ولَمّا اسْتَوْفى أوْصافَ الحِزْبَيْنِ وجَزاءَهُمْ، ضَرَبَ لِلْكُلِّ مَثَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وهو مِن بابِ [اللَّفِّ] (p-٢٦٤)والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، فَإنَّ الكافِرَ ذُكِرَ فِيما قَبْلُ أوَّلًا ﴿كالأعْمى﴾ أيِ العامِّ العَمى في بَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ﴿والأصَمِّ﴾ في سَمْعِهِ كَذَلِكَ، فَهَذا لِلْكافِرِينَ ﴿والبَصِيرِ﴾ بِعَيْنِهِ وقَلْبِهِ ﴿والسَّمِيعِ﴾ عَلى أتَمِّ أحْوالِهِما، وهَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي أفْرادِ المَثَلِ طِباقٌ أيْضًا ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ أيِ الفَرِيقانِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ المَثَلِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا لِمَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فَلا يَسْتَوِيانِ مَمْثُولًا، حَسُنَ تَسَبُّبُ الإنْكارِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ لَكم أدْنى تَذَكُّرٍ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ فَتَعْلَمُوا صِدْقَ ما وُصِفُوا بِهِ بِما تَرَوْنَهُ مِن أحْوالِهِمْ، وذَلِكَ ما قُدِّمَ في حَقِّ الكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] الآيَةَ. والإخْباتُ: الخُشُوعُ المُسْتَمِرُّ عَلى اسْتِواءٍ فِيهِ، وأصْلُهُ الِاسْتِواءُ مِنَ الخَبْتِ، وهو الأرَضُ المُسْتَوِيَةُ الواسِعَةُ، ولَعَلَّهُ وصَلَهُ بِ: «إلى» في مَوْضِعِ اللّامِ إشارَةً إلى الإخْلاصِ؛ أيْ: إخْباتًا يَنْتَهِي إلى رَبِّهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُحْجَبَ عَنْهُ؛ والمَثَلُ قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ حالُ الثّانِي بِحالِ الأوَّلِ، والأمْثالُ لا تُغَيَّرُ عَنْ صُورَتِها.

هود 11:25

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أوْضَحِ المَسالِكِ، وخُتِمَ بِالحَثِّ عَلى التَّذَكُّرِ، وكانَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ كِتابِ مُوسى مُحَرِّكًا لِتَوَقُّعِ ذِكْرِ نَبَئِهِ ونَبَأِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، عُطِفَ - مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ عَلى العامِلِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢٦٥)أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] وهو أحْسَنُ وأقْرَبُ - قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَلى لِسانِهِ؛ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القِصَصِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ هَذا المَثَلِ وتَثْبِيتًا وتَسْلِيَةً وتَأْيِيدًا وتَعْزِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُمِرَ بِإبْلاغِهِ حِرْصًا عَلى إيمانِ أحَدٍ وإنْ كانَ أقْرَبَ الخَلائِقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ويَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَوَضَحَ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ لِهَذا المَعْنى سِيقَتْ، وأنَّ سِياقَها في الأعْرافِ وغَيْرِها كانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ وأنَّ تَضَمُّنَ هَذا الغَرَضِ بَيانُ إهْلاكِ مَن كانُوا أشَدَّ مِنَ العَرَبِ قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وأمْكَنَ أمْرًا وأقْوى عِنادًا وأعْظَمَ فَسادًا وأحَدَّ شَوْكَةً وما اتَّفَقَ في دِيارِهِمْ مِنَ الطّامّاتِ والأهْوالِ المُفْظِعاتِ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِارْتِكابِ أفْعالِهِمْ، فَفَرْقٌ بَيْنَ ما يُساقُ لِلشَّيْءِ وما يَلْزَمُ مِنهُ الشَّيْءُ، ولِهَذا الغَرَضِ المَقْصُودِ هُنا طُوِّلَتْ قِصَّةُ نُوحٍ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لَمْ يُطَوَّلْهُ في غَيْرِها، وصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: قائِلًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالكَسْرِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ: مُلْتَبِسًا بِأنِّي ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ، أُبَيِّنُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ غايَةَ البَيانِ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ طالَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم وأنَّهُ لَمّا وضَحَ لَهُ أمْرُ اللَّهِ تَعَوَّذَ مِنَ السُّؤالِ فِيهِ وفي كُلِّ ما يُشْبِهُهُ، وخُلِّلَتْ (p-٢٦٦)قِصَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] خِطابًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وذُكِرَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ضُمِّنَتْهُ مِن أنَّهُ بُشِّرَ الوَلَدَ بِما لَمْ يَجْرِ بِمِثْلِهِ عادَةٌ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِيهِ، وأنَّهُ جادَلَ الرُّسُلَ في قَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، وأنَّهُ لَمّا تَحَقَّقَ حَتْمُ الأمْرِ وبَتَّ الحُكْمِ سَلَّمَ لِرَبِّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَلِيمًا أوّاهًا مُنِيبًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُومِئُ إلَيْهِ سِياقُ القَصَصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ أرْسَلْناكَ لِتُبَلِّغَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ وإنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وعِزَّتِنا لَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا مُنْذِرِينَ فَدَعَوْا إلى ما أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ وأنْذَرُوهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مِن بَأْسِنا امْتِثالًا لِأمْرِنا وما تَرَكُوا شَيْئًا مِنهُ خَوْفًا مِن إعْراضٍ ولا رَجاءٍ في إقْبالٍ عَلى أنَّ أُمَمَهم قالُوا لَهم ما قالَتْ لَكَ أُمَّتُكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١] - الآيَةَ. وقَدْ كانَ في المُخالِفِينَ مِن أُمَمِهِمُ القَرِيبُ مِنهم نَسَبُهُ والعَزِيزُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ مِنَ ابْنٍ وصاحِبَةٍ وغَيْرِهِما، هَذا مَعَ أنَّ قِصَصَهم دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وزَجْرٌ لَهم عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وتَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] - وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا الوَجْهِ في تَكْرِيرِ هَذِهِ القِصَصِ، وأنَّهُ في كُلِّ سُورَةٍ لِمَقْصِدٍ يُخالِفُ المَقْصِدَ في غَيْرِها وإنْ كانَ يُسْتَفادُ مِن (p-٢٦٧)ذَلِكَ فَوائِدُ أُخَرُ: مِنها إظْهارُ القُدْرَةِ في بَيانِ الإعْجازِ بِتَصْرِيفِ المَعْنى في الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ لِما في ذَلِكَ مِن عُلُوِّ الطَّبَقَةِ في البَلاغَةِ لِأنَّهُ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ عِنْدَ التَّحَدِّي: قَدِ اسْتَوْفى اللَّفْظَ البَلِيغَ عَلى الأُسْلُوبِ الأكْمَلِ البَدِيعِ في هَذِهِ القِصَصِ فَلَمْ تَبْقَ لَنا ألْفاظٌ نُعَبِّرُ بِها عَنْ هَذِهِ المَعانِي حَتّى نَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتى بِها ثانِيًا إظْهارًا لِعَجْزِهِ وقَطْعًا لِحُجَّتِهِ، ورُبَّما كُرِّرَتْ ثالِثًا ورابِعًا تَوْكِيدًا لِذَلِكَ وتَمْكِينًا لِلِاعْتِبارِ بِضُرُوبِ البَيانِ وتَصْبِيرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ حالًا فَحالًا، فَإنْ قِيلَ: فَما بالُها تَأْتِي تارَةً في غايَةِ البَسْطِ وتارَةً في غايَةِ الإيجازِ وتارَةً عَلى الوَسَطِ؟ قِيلَ: هَذا مِن أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ وأجَلِّ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَإنّا نَرى القِصَّةَ تُبْسَطُ في بَعْضِ السُّورِ غايَةَ البَسْطِ ثُمَّ تُوجَزُ في غَيْرِها غايَةَ الإيجازِ ويُؤْتِي فِيها ما لَمْ يُؤْتِ في المَبْسُوطَةِ كَما في العَنْكَبُوتِ فَإنَّهُ عَيَّنَ فِيها مِقْدارَ لُبْثِهِ وأنَّهُ كانَ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، فَلِمَ لا اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المَعانِي في المَوْضِعِ المَبْسُوطِ كَما هو الألْيَقُ بِمَقامِ البَسْطِ لا سِيَّما لِمَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَنْسى، وإذا وقَعَ حَذْفٌ كانَ في المُوجَزَةِ، قِيلَ: قالَ شَيْخُنا حافِظُ العَصْرِ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: إنَّ الإمامَ أبا حاتِمِ بْنِ حِبّانَ البَسْتِيَّ ذَكَرَ في كِتابِهِ: «التَّقاسِيمُ والأنْواعُ»: إنَّما لَمْ يُرَتِّبْهُ لِيُحْفَظَ؛ إذْ لَوْ رَتَّبَهُ تَرْتِيبًا سَهْلًا لاتَّكَلَ مَن يَكُونُ عِنْدَهُ عَلى سُهُولَةِ الكَشْفِ مِنهُ فَلا يَتَحَفَّظُهُ، وإذا وعِرَ طَرِيقُ الكَشْفِ (p-٢٦٨)كانَ أدْعى إلى حِفْظِهِ لِيَكُونَ عَلى ذُكْرٍ مِن جَمِيعِهِ، وذَكَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اقْتِداءً بِالكِتابِ العَزِيزِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما أتى بِالقِصَصِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، قالَ شَيْخُنا: ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ مِن أسْرارِ تَخْصِيصِ بَعْضِ المُوجَزاتِ بِما لَيْسَ في المَبْسُوطِ الحَثُّ عَلى حِفْظِ الجَمِيعِ - انْتَهى. وهَذِهِ فَوائِدُ يَنْبَغِي إهْمالُها بَلْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ أمْكَنَ، والعُمْدَةُ في المُناسَبَةِ الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أنَّها في كُلِّ سُورَةٍ لِمُناسَبَةٍ تَخُصُّ تِلْكَ السُّورَةَ، ثُمَّ يُراعِي في البَسْطِ وغَيْرِهِ المَعانِيَ المُناسِبَةَ لِلْمَقْصِدِ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ. واللّامُ في ”لَقَدْ“ لِلْقَسَمِ: قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسى الرُّمّانِيُّ: لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ والحَرْفِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالفِعْلِ مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ مَعَهُ. ولامُ الِابْتِداءِ لِلِاسْمِ خاصَّةً، ومَعْنى ”قَدْ“ تَوَقُّعُ الخَبَرِ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الحالِ، يُقالُ: قَدْ رَكِبَ الأمِيرُ - لِقَوْمٍ يَتَوَقَّعُونَ رُكُوبَهُ \ فَعَلى هَذا القَوْلِ جَرى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمْكِنُ إدْراكُهُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، فالإبانَةُ قَطْعُ المَعْنى مِن غَيْرِهِ لِيَظْهَرَ في نَفْسِهِ - انْتَهى.

هود 11:26

والمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ﴾ أيْ: نَذِيرٌ لِأجْلِ أنْ ﴿لا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: شَيْئًا أصْلًا ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ و[مَعْنى النِّذارَةِ] قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعِظَمَ العَذابِ المُحَذَّرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا فَما الظَّنُّ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ! فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ مِثْلَ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ بِشارَةً (p-٢٦٩)كَما تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] إرْشادًا إلى ما سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ مِن تَقْرِيرِ مَعْنى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِالألَمِ بِخِلافِ الأعْرافِ، وكَذا ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ مِن عَذابِ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهُما مُتَقارِبانِ؛ ثُمَّ ساقَ سُبْحانَهُ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ التَّسْلِيَةِ والمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ العَظِيمِ أنْ قالَ؛ ولَمّا كانَ هَذا بَعْدَ أنْ تَبِعَهُ بَعْضُهم قالَ: ﴿المَلأُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الجِدالَ مَعَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ الأشْرافُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّهُمُ أقارِبُ أعِزَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ لِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَةَ القِيامِ بِهِ ﴿ما نَراكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بَشَرًا﴾ أيْ آدَمِيًّا ﴿مِثْلَنا﴾ أيْ: في مُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لَسْتَ بِمَلَكٍ تَصْلُحُ لِما لا تَصْلُحُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهَذا قَوْلُ البَراهِمَةِ، وهو مَنعُ نُبُوَّةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ مَن يَحْسُدُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ ويَعْمى عَنْ جَلِيِّ حِكْمَتِهِ فَيَمْنَعُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا ويَجْعَلُ الإلَهَ حَجَرًا. ولَمّا كانَتِ العَظَمَةُ عِنْدَهم مُنْحَصِرَةً في عَظَمَةِ الأتْباعِ قالُوا: ﴿وما نَراكَ﴾ ولَمّا نَفَوُا الرُّؤْيَةَ عَنْهُ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم رُؤْيَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالُوا: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ أيْ (p-٢٧٠)تَكَلَّفَ اتِّباعَكَ ﴿إلا الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أراذِلُنا﴾ أيْ: كالحائِكِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ مِنّا رَذْلٌ غَيْرُهُمْ، وهو جَمْعُ أرْذُلٍ كَأكْلُبٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَكَلْبٍ، والرَّذْلُ: الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، وهَذا يَنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ أحَدٌ لَهُ قَدْرٌ؛ قالُوا: و”اتَّبَعَكَ“ عامِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وهو ظَرْفٌ أيِ اتَّبَعُوكَ بَدِيهَةً مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، فاتِّباعُهم لا يَدُلُّ عَلى سَدادٍ لِما اتَّبَعُوهُ مِن وجْهَيْنِ: رَذالَتُهم في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ، لَكِنْ يُضْعِفُهُ إيرادُ الِاتِّباعِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عِلاجٍ ومُجاذَبَةٍ، فالأحْسَنُ إسْنادُهُ - كَما قالُوهُ أيْضًا - إلى أراذِلٍ. أيْ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ ناظِرُهم عِنْدَ أوَّلِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهم سَفَلَةٌ أسْقاطٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بادِيَ رَأْيِكَ“ أيْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ. ولَمّا كانُوا لا يَعِظُونَ إلّا بِالتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، قالُوا: ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ ﴿عَلَيْنا﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: شَرَفٍ ولا مالٍ، وهَذا - مَعَ ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ - قَوْلَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ ولا يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا بِعَظَمَةِ مُتَّبِعِهِ في الدُّنْيا، وعَلى كَوْنِهِ باطِلًا بِحَقارَتِهِ فِيها، ومَجْمُوعُ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُرِيدُونَ: لَوْ صَحَّ كَوْنُ النُّبُوَّةِ في البَشَرِ لَكانَتْ في واحِدٍ مِمَّنْ أقَرُّوا لَهُ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ، وعَمَلُ ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في ﴿بادِيَ﴾ يَمْنَعُهُ تَمادِي (p-٢٧١)الِاتِّباعِ عَلى الإيمانِ، فانْتَفى الطَّعْنُ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ أيْ: لَكم هَذا الوَصْفُ لازِمًا دائِمًا لِأنَّكم لَمْ تَتَّصِفُوا بِما جَعَلْناهُ مَظِنَّةَ الِاتِّباعِ مِمّا يُوجِبُ العَظَمَةَ في القُلُوبِ والِانْقِيادَ لِلنُّفُوسِ بِالتَّقَدُّمِ في الدُّنْيا بِالمالِ والجاهِ؛ فَكانَ داؤُهم بَطَرَ الحَقِّ وغَمْطَ النّاسِ، وهو احْتِقارُهُمْ، وهَذا قَدْ سَرى إلى أكْثَرِ أهْلِ الإسْلامِ، فَصارُوا لا يُعَظِّمُونَ إلّا بِذَلِكَ، وهو أجْهَلُ الجَهْلِ لِأنَّ الرُّسُلَ أتَتْ لِلتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا وانْظُرْ إلى رِضاهم لِأنْفُسِهِمْ بِالعُدُولِ عَنِ البَيِّنَةِ إلى اتِّباعِ الظَّنِّ ما أرْدَأهُ! وهَذا أفْظَعُ مِمّا حَكى هُنا مِن قَوْلِقُرَيْشٍ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وأبْشَعُ؛ والبَشَرُ: الإنْسانُ لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أيْ ظاهِرِ جِلْدِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ سَتْرُها بِالصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ أوِ الوَبَرِ أوِ الرِّيشِ؛ والمَثَلُ: السّادُّ مَسَدَّ غَيْرِهِ في الحِسِّ بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لِلْمُشاهَدَةِ لَسَدَّ مَسَدَّهُ؛ والرَّذْلُ: الحَقِيرُ بِما عَلَيْهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ وجَمْعِهِ؛ والفَضْلُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ، والإفْضالُ: مُضاعَفَةُ الخَيْرِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ.

هود 11:27

والمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ﴾ أيْ: نَذِيرٌ لِأجْلِ أنْ ﴿لا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: شَيْئًا أصْلًا ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ و[مَعْنى النِّذارَةِ] قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعِظَمَ العَذابِ المُحَذَّرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا فَما الظَّنُّ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ! فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ مِثْلَ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ بِشارَةً (p-٢٦٩)كَما تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] إرْشادًا إلى ما سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ مِن تَقْرِيرِ مَعْنى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِالألَمِ بِخِلافِ الأعْرافِ، وكَذا ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ مِن عَذابِ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهُما مُتَقارِبانِ؛ ثُمَّ ساقَ سُبْحانَهُ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ التَّسْلِيَةِ والمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ العَظِيمِ أنْ قالَ؛ ولَمّا كانَ هَذا بَعْدَ أنْ تَبِعَهُ بَعْضُهم قالَ: ﴿المَلأُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الجِدالَ مَعَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ الأشْرافُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّهُمُ أقارِبُ أعِزَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ لِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَةَ القِيامِ بِهِ ﴿ما نَراكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بَشَرًا﴾ أيْ آدَمِيًّا ﴿مِثْلَنا﴾ أيْ: في مُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لَسْتَ بِمَلَكٍ تَصْلُحُ لِما لا تَصْلُحُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهَذا قَوْلُ البَراهِمَةِ، وهو مَنعُ نُبُوَّةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ مَن يَحْسُدُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ ويَعْمى عَنْ جَلِيِّ حِكْمَتِهِ فَيَمْنَعُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا ويَجْعَلُ الإلَهَ حَجَرًا. ولَمّا كانَتِ العَظَمَةُ عِنْدَهم مُنْحَصِرَةً في عَظَمَةِ الأتْباعِ قالُوا: ﴿وما نَراكَ﴾ ولَمّا نَفَوُا الرُّؤْيَةَ عَنْهُ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم رُؤْيَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالُوا: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ أيْ (p-٢٧٠)تَكَلَّفَ اتِّباعَكَ ﴿إلا الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أراذِلُنا﴾ أيْ: كالحائِكِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ مِنّا رَذْلٌ غَيْرُهُمْ، وهو جَمْعُ أرْذُلٍ كَأكْلُبٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَكَلْبٍ، والرَّذْلُ: الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، وهَذا يَنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ أحَدٌ لَهُ قَدْرٌ؛ قالُوا: و”اتَّبَعَكَ“ عامِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وهو ظَرْفٌ أيِ اتَّبَعُوكَ بَدِيهَةً مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، فاتِّباعُهم لا يَدُلُّ عَلى سَدادٍ لِما اتَّبَعُوهُ مِن وجْهَيْنِ: رَذالَتُهم في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ، لَكِنْ يُضْعِفُهُ إيرادُ الِاتِّباعِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عِلاجٍ ومُجاذَبَةٍ، فالأحْسَنُ إسْنادُهُ - كَما قالُوهُ أيْضًا - إلى أراذِلٍ. أيْ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ ناظِرُهم عِنْدَ أوَّلِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهم سَفَلَةٌ أسْقاطٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بادِيَ رَأْيِكَ“ أيْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ. ولَمّا كانُوا لا يَعِظُونَ إلّا بِالتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، قالُوا: ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ ﴿عَلَيْنا﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: شَرَفٍ ولا مالٍ، وهَذا - مَعَ ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ - قَوْلَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ ولا يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا بِعَظَمَةِ مُتَّبِعِهِ في الدُّنْيا، وعَلى كَوْنِهِ باطِلًا بِحَقارَتِهِ فِيها، ومَجْمُوعُ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُرِيدُونَ: لَوْ صَحَّ كَوْنُ النُّبُوَّةِ في البَشَرِ لَكانَتْ في واحِدٍ مِمَّنْ أقَرُّوا لَهُ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ، وعَمَلُ ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في ﴿بادِيَ﴾ يَمْنَعُهُ تَمادِي (p-٢٧١)الِاتِّباعِ عَلى الإيمانِ، فانْتَفى الطَّعْنُ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ أيْ: لَكم هَذا الوَصْفُ لازِمًا دائِمًا لِأنَّكم لَمْ تَتَّصِفُوا بِما جَعَلْناهُ مَظِنَّةَ الِاتِّباعِ مِمّا يُوجِبُ العَظَمَةَ في القُلُوبِ والِانْقِيادَ لِلنُّفُوسِ بِالتَّقَدُّمِ في الدُّنْيا بِالمالِ والجاهِ؛ فَكانَ داؤُهم بَطَرَ الحَقِّ وغَمْطَ النّاسِ، وهو احْتِقارُهُمْ، وهَذا قَدْ سَرى إلى أكْثَرِ أهْلِ الإسْلامِ، فَصارُوا لا يُعَظِّمُونَ إلّا بِذَلِكَ، وهو أجْهَلُ الجَهْلِ لِأنَّ الرُّسُلَ أتَتْ لِلتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا وانْظُرْ إلى رِضاهم لِأنْفُسِهِمْ بِالعُدُولِ عَنِ البَيِّنَةِ إلى اتِّباعِ الظَّنِّ ما أرْدَأهُ! وهَذا أفْظَعُ مِمّا حَكى هُنا مِن قَوْلِقُرَيْشٍ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وأبْشَعُ؛ والبَشَرُ: الإنْسانُ لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أيْ ظاهِرِ جِلْدِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ سَتْرُها بِالصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ أوِ الوَبَرِ أوِ الرِّيشِ؛ والمَثَلُ: السّادُّ مَسَدَّ غَيْرِهِ في الحِسِّ بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لِلْمُشاهَدَةِ لَسَدَّ مَسَدَّهُ؛ والرَّذْلُ: الحَقِيرُ بِما عَلَيْهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ وجَمْعِهِ؛ والفَضْلُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ، والإفْضالُ: مُضاعَفَةُ الخَيْرِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ.

هود 11:28

ولَمّا كانَ خِتامُ جَوابِهِمْ أشَدَّهُ، بَدَأ في جَوابِهِ بِرَدِّهِ مُبَيِّنًا لِضَلالاتِهِمْ مُغْضِيًا عَنْ شَناعاتِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ومَحَبَّةً لِنَجاتِهِمْ، فَقالَ تَعالى (p-٢٧٢)حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ وشَرَعَ يُكَرِّرُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كُلَّ قَلِيلٍ تَذْكِيرًا لَهم أنَّهُ مِنهم لِتَعْطِفَهُمُ الأرْحامُ وتَرُدَّهُمُ القَراباتُ عَنْ حَسَدٍ أوِ اتِّهامِهِ إلى قَبُولِ ما يُلْقِي إلَيْهِمْ مِنَ الكَلامِ، وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ - مَعَ قُرْبِهِمْ - إلى مُباعَدَتِهِمْ فِيما يَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ مِنكم والتَّقْدِيرِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ساطِعٍ، وزادَ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنِي وأحْسَنَ إلَيَّ بِالرِّسالَةِ وغَيْرِها يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ [شَهادَةً] لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها عِنْدَ المُنْصِفِ شُبْهَةٌ فَكَيْفَ بِالظَّنِّ! ﴿وآتانِي﴾ فَضْلًا مِنهُ عَلَيَّ لا لِمَعْنًى فِيَّ أزِيدُ عَلَيْكم بِهِ، بَلْ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: إكْرامًا بِالرِّسالَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ فِيها فَضْلٌ عَظِيمُ النُّورِ واضِحُ الظُّهُورِ. ولَمّا كانَتِ البَيِّنَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَخْصِيصِي بِها أنْ أظْلَمَتْ، ووَقَعَ ظَلامُها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها لِضَعْفِ عُقُولِكم ولَمْ يَقَعْ عَلَيْكم شَيْءٌ مِن نُورِها، وذَلِكَ أنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ أعْمى عادَ ضَرَرُهُ عَلى التّابِعِ بِالحَيْرَةِ والضَّلالِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَةً ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ مَعَ تَسْمِيَتِهِ لَها بَيِّنَةً - إشارَةً إلى أنَّها لَمْ تَعُمَّ ولا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ لِقُوَّةِ نُورِها وشَدَّةِ ظُهُورِها، وإنَّما هم مُعانِدُونَ في نَفْيِهِمْ لِفَضْلِهِ وفَضْلِ مَن تَبِعَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ (p-٢٧٣)واسْمِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ أفْعالَهم أفْعالٌ مِن كَراهَتِهِ لَها ثابِتَةٌ مُسْتَحْكَمَةٌ، وكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ كَما كانَ نَبِيُّنا ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّهم مُعانِدُونَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَأْمُورُونَ بِالمُجادَلَةِ لِلْمُعانِدِينَ إلى أنْ يُلْزِمُوهُمُ الحُجَّةَ، وهي لا تُفِيدُ إلّا الإلْزامَ في الظّاهِرِ مَعَ الإنْكارِ والكَراهَةِ في الباطِنِ، والدَّعْوَةِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ بِالحِكْمَةِ لِلْكامِلِينَ، وبِالمَوْعِظَةِ والخَطابَةِ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِي لا يُعانِدُونَ ويُحْسِنُونَ الظَّنَّ في الدّاعِي، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَنْفَعْكم لِشَكاسَةٍ واعْوِجاجٍ في طِباعِكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَوْعِظَةُ وهي لا تُفِيدُ [إلّا] مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ، وأمّا مَعَ الكَراهَةِ فَلا يَنْفَعُكُمُ النُّصْحُ، فَلا فائِدَةَ في المُجادَلَةِ إلّا الإلْزامُ، وهو مَعَ الكَراهَةِ غَيْرُ نافِعٍ لَكم.

هود 11:29

ولَمّا كانَ نَفْيُ ذَلِكَ عامًّا لِلْفَضْلِ الدُّنْيَوِيِّ، وكانَ الِاتِّصافُ بِقِلَّةِ ما في اليَدِ إنَّما يَكُونُ ضارًّا إذا كانَ صاحِبُهُ يَسْألُ غَيْرَهُ، نَفى عَنْهُ هَذا اللّازِمَ العائِبَ فَقالَ مُجِيبًا عَنْ نَفْيِهِمُ الفَضْلَ عَنْهُ وعَنْ أتْباعِهِ بِأنَّهُ قَدْ يُرِيدُ مِنهم عَلى ذَلِكَ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا: ﴿ويا قَوْمِ﴾ اسْتِعْطافًا لَهم ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ \ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ الإنْذارِ كَما يَأْخُذُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ بِكم بَعْضَ ما تَكْرَهُونَ (p-٢٧٤)فِي أُمُورِ دُنْياكم حَتّى تَكُونَ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ تَتَّهِمُونِي ﴿مالا إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَبِيَدِهِ الخَزائِنُ كُلُّها، ونَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا غَرَضَ لَهُ مِن عَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ يُنَفِّرُ المَدْعُوَّ عَنْهُ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ، وفِيهِ تَلْقِينٌ لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِ قُرَيْشٍ: لَوْلا أُلْقِي إلَيْهِ كَنْزٌ - كَما سَيَأْتِي بِأبْيَنَ مِن ذَلِكَ عَقِبَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] لِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ كالشَّيْءِ الواحِدِ مُتَتابِعَةً في بَيانِ حَقِّيَّةِ هَذا القُرْآنِ والتَّأْسِيَةِ في الِاقْتِداءِ بِالرُّسُلِ في الصَّبْرِ عَلى أداءِ جَمِيعِ الرِّسالَةِ مَعَ ما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ العِبَرِ وبَدِيعِ الحِكَمِ، فَلَمّا اتَّحَدَ الغَرَضُ مِنها مَعَ تَوالِيها اتَّحَدَتْ مُتَفَرِّقاتُها. ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِرَذالَةِ المُتَّبِعِ مِمّا يُنَفِّرُ أهْلَ الدُّنْيا عَنْ ذَلِكَ التّابِعِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ شَأْنَهُ غَيْرُ شَأْنِهِمْ وأنَّهُ رَقِيقٌ عَلى مَن آمَنَ بِهِ رَفِيقٌ بِهِ رَحِيمٌ لَهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الدُّنْيا مَحْرُومًا مِنها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ فِيهِ فَقالَ: ﴿وما أنا﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بَعْدَ إيجادِهِمْ وتَرْتِيبِهِمْ لِهِدايَتِهِمْ، فَلَوْ طَرَدْتُهم لَشَكَوْنِي إلَيْهِ فَلا أرى لَكم وجْهًا في الإشارَةِ إلى طَرْدِهِمْ ولا في شَيْءٍ مِمّا أجَبْتُمُونِي بِهِ ﴿ولَكِنِّي أراكُمْ﴾ أيْ: أعْلَمُكم عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [أيْ] تَفْعَلُونَ أفْعالَ أهْلِ الجَهْلِ فَتُكَذِّبُونَ (p-٢٧٥)الصّادِقَ وتُعَيِّرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما لا يَعْنِيهِمْ وتَنْسَوْنَ لِقاءَ اللَّهِ وتُوقِعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها، وفي تَعْبِيرِهِ بِ: ”تَجْهَلُونَ“ دُونَ ”جاهِلِينَ“ إشارَةً إلى أنَّ الجَهْلَ مُتَجَدِّدٌ لَهم وهو غَيْرُ عادَتِهِمُ اسْتِعْطافًا لَهم إلى الحِلْمِ،

هود 11:30

ثُمَّ عَطَفَ إلى صَرِيحِ الِاسْتِعْطافِ في سِياقٍ مُحَذِّرٍ مِن سَطَواتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ ولَوْ لَمْ يَشْكُونِي إلَيْهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى ما دَقَّ وجَلَّ: ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنِ ازْدِرائِهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ ما قالَهُ لَهم بِما يَجِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ولَوْ أدْنى تَذَكُّرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن طَرَدَ صَدِيقًا لَكم عادَيْتُمُوهُ وقَصَدْتُمُوهُ بِالأذى، فَتَرْجِعُوا عَمّا طَرَأ لَكم مِن جَهْلٍ إلى عادَتِكم مِنَ الحِلْمِ الباعِثِ عَلى التَّأمُّلِ المُوَقِّفِ عَلى الحَقِّ؛ والطَّرْدُ: إبْعادُ الشَّيْءِ عَلى جِهَةِ الهَوانِ؛ والقَوْمُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالأمْرِ، اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ؛ والتَّذْكِيرُ: طَلَبُ مَعْنًى قَدْ كانَ حاضِرًا لِلنَّفْسِ، والتَّفَكُّرُ طَلَبُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا.

هود 11:31

ولَمّا كانَ نَفْيُهم لِلْفَضْلِ شامِلًا لِلْأمْوالِ وعِلْمِ الغَيْبِ، أقَرَّهم عَلى ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِمْ فِيهِ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهم قَطُّ ما يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا“؛ ﴿ولا أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِها؛ (p-٢٧٦)ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِن خَزائِنِ الأرْزاقِ ونَحْوِها فَيَسُوغُ لَهُ أنْ يُطْلِقَ مِلْكَ ذَلِكَ مَجازًا، ولا يَجُوزَ أنْ يُمَكِّنَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لِأنَّهُ خاصَّتُهُ سُبْحانَهُ، قالَ عاطِفًا عَلى: ”أقُولُ“ لا عَلى المَقُولِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا فَأعْلَمُ وقْتَ ما تُوعَدُونَ بِهِ أوْ ما في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرْسالِ البَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَتَكُونُ قُوَّتِي أفْضَلَ مِن قُوَّتِكم أوْ خَلْقِي أعْظَمَ قَدْرًا مِن خَلْقِكم ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ الصُّورِيِّ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ هو الفَضْلَ، فَلا \ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ، وتَقَدَّمَ في الأنْعامِ سِرُّ إسْقاطِهِ ”لَكم“ . ولَمّا كانَ تَعْرِيضُهم بِنَفْيِ المَلَكِيَّةِ عَنْهُ مِن بابِ الإزْراءِ، أتْبَعَهُ تَأْكِيدَ قَبُولِهِ لِمَن آمَنَ كائِنًا مَن كانَ وإنِ ازْدَرَوْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الَّذِينَ ﴿تَزْدَرِي﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ ﴿أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تُقَصِّرُونَ بِهِ عَنِ الفَضْلِ عِنْدَ نَظَرِكم لَهُ وتَعِيبُونَهُ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿خَيْرًا﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَكَ لا تَقُولُ ذَلِكَ؟ أجابَ بِما تَقْدِيرُهُ: لِأنِّي أعْلَمَ ضَمائِرَهم ولا أحْكُمُ إلّا عَلى الظّاهِرِ: ﴿اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: حَتّى مِنهم ﴿بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَمَن كانَ في نَفْسِهِ خَيْرٌ جازاهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ (p-٢٧٧)أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ظُلْمَهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ]: ﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا قُلْتُ لَهم ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ والخَزائِنُ: أخْبِيَةُ المَتاعِ الفاخِرَةُ، [وخَزائِنُ اللَّهِ مَقْدُوراتُهُ لِأنَّهُ يُوجِدُ مِنها ما يَشاءُ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَلاغَةٌ]؛ والغَيْبُ: ذَهابُ الشَّيْءِ عَنِ الإدْراكِ، ومِنهُ الشّاهِدُ خِلافَ الغائِبِ، وإذا قِيلَ: عِلْمُ غَيْبٍ، كانَ مَعْناهُ: عِلْمٌ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ؛ والِازْدِراءُ: الِاحْتِقارُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الزِّرايَةِ، زَرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا عِبْتَهُ، وأزْرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا قَصَّرْتَ بِهِ؛ والمَلَكُ أصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ.

هود 11:32

فَلَمّا اسْتَوْفى نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ في زَعْمِهِمْ مِن جَوابِهِمْ عَلى غايَةِ الإنْصافِ واللِّينِ والِاسْتِعْطافِ، اسْتَأْنَفَ الحِكايَةَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ [أيْ] قَوْلَ مَن لَمْ يَجِدْ في رَدِّهِ شُبْهَةً يُبْدِيها ولا مَدْفَعًا يُغِيرُ بِهِ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ أرَدْتَ فَتْلَنا وصَرْفَنا عَنْ آرائِنا بِالحِجاجِ وأرَدْنا صَرْفَكَ عَنْ رَأْيِكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿فَأكْثَرْتَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ تَضَجُّرِنا] أنَّكَ أكْثَرْتَ ﴿جِدالَنا﴾ أيْ: كَلامَنا عَلى صُورَةِ الجِدالِ ﴿فَأْتِنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ] تَضَجُّرِنا أنْ نَقُولَ لَكَ: لَمْ يَصِحَّ (p-٢٧٨)عِنْدَنا دَعْواكَ، ائْتِنا ﴿بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ [فِي الصِّدْقِ في أنَّهُ يَأْتِينا] فَصَرَّحُوا بِالعِنادِ المُبْعِدِ مِنَ الإنْصافِ والِاتِّصافِ بِالسَّدادِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَسْمَحُوا بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: يا ابْنَ عَمِّنا، مَرَّةً واحِدَةً كَما كَرَّرَ لَهُمْ: يا قَوْمِ، فَكانَ المَعْنى أنّا غَيْرُ قابِلِينَ لِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُ وإنْ أكْثَرْتَ وأطَلْتَ - بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنهم بَلْ عِنادًا وكِبْرًا - فَلا تَتْعَبْ، بَلْ قَصِّرِ الأمْرَ مِمّا تَتَوَعَّدُنا بِهِ، وسَمَّوْهُ وعْدًا سُخْرِيَةً بِهِ، أيْ أنَّ هَذا الَّذِي جَعَلْتَهُ وعِيدًا هو عِنْدَنا وعْدٌ حَسَنٌ سارَ بِاعْتِبارِ أنّا نُحِبُّ حُلُولَهُ، المَعْنى أنَّكَ لَسْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ولا أنْتَ صادِقٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ حَقًّا فائْتِنا بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ جَرْيًا عَلى سَنَنِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ورَدَّ ذَلِكَ إلى] مَن هو لَهُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في إيقاعِهِ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ بِهِ إرْشادًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ [و] لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ [وإنْ كانَ لا يَقَعُ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ]؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم عَجْزَهم وخَطَأهم في تَعَرُّضِهِمْ لِلْهَلاكِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ بِكم سُبْحانَهُ؛ والإكْثارُ: الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والمُجادَلَةُ: المُقابَلَةُ بِما يَفْتِلُ الخَصْمَ عَنْ مَذْهَبِهِ بِحُجَّةٍ أوْ شُبْهَةٍ، وهو مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَطْلُوبُ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ المَذْهَبِ، والمَطْلُوبُ (p-٢٧٩)بِالحِجاجِ ظُهُورُ الحُجَّةِ، فَهو قَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا كالمِراءِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ في الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وحَيْثُ قُيِّدَ الجِدالُ بِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ الحَقِّ.

هود 11:33

فَلَمّا اسْتَوْفى نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ في زَعْمِهِمْ مِن جَوابِهِمْ عَلى غايَةِ الإنْصافِ واللِّينِ والِاسْتِعْطافِ، اسْتَأْنَفَ الحِكايَةَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ [أيْ] قَوْلَ مَن لَمْ يَجِدْ في رَدِّهِ شُبْهَةً يُبْدِيها ولا مَدْفَعًا يُغِيرُ بِهِ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ أرَدْتَ فَتْلَنا وصَرْفَنا عَنْ آرائِنا بِالحِجاجِ وأرَدْنا صَرْفَكَ عَنْ رَأْيِكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿فَأكْثَرْتَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ تَضَجُّرِنا] أنَّكَ أكْثَرْتَ ﴿جِدالَنا﴾ أيْ: كَلامَنا عَلى صُورَةِ الجِدالِ ﴿فَأْتِنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ] تَضَجُّرِنا أنْ نَقُولَ لَكَ: لَمْ يَصِحَّ (p-٢٧٨)عِنْدَنا دَعْواكَ، ائْتِنا ﴿بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ [فِي الصِّدْقِ في أنَّهُ يَأْتِينا] فَصَرَّحُوا بِالعِنادِ المُبْعِدِ مِنَ الإنْصافِ والِاتِّصافِ بِالسَّدادِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَسْمَحُوا بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: يا ابْنَ عَمِّنا، مَرَّةً واحِدَةً كَما كَرَّرَ لَهُمْ: يا قَوْمِ، فَكانَ المَعْنى أنّا غَيْرُ قابِلِينَ لِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُ وإنْ أكْثَرْتَ وأطَلْتَ - بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنهم بَلْ عِنادًا وكِبْرًا - فَلا تَتْعَبْ، بَلْ قَصِّرِ الأمْرَ مِمّا تَتَوَعَّدُنا بِهِ، وسَمَّوْهُ وعْدًا سُخْرِيَةً بِهِ، أيْ أنَّ هَذا الَّذِي جَعَلْتَهُ وعِيدًا هو عِنْدَنا وعْدٌ حَسَنٌ سارَ بِاعْتِبارِ أنّا نُحِبُّ حُلُولَهُ، المَعْنى أنَّكَ لَسْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ولا أنْتَ صادِقٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ حَقًّا فائْتِنا بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ جَرْيًا عَلى سَنَنِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ورَدَّ ذَلِكَ إلى] مَن هو لَهُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في إيقاعِهِ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ بِهِ إرْشادًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ [و] لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ [وإنْ كانَ لا يَقَعُ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ]؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم عَجْزَهم وخَطَأهم في تَعَرُّضِهِمْ لِلْهَلاكِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ بِكم سُبْحانَهُ؛ والإكْثارُ: الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والمُجادَلَةُ: المُقابَلَةُ بِما يَفْتِلُ الخَصْمَ عَنْ مَذْهَبِهِ بِحُجَّةٍ أوْ شُبْهَةٍ، وهو مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَطْلُوبُ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ المَذْهَبِ، والمَطْلُوبُ (p-٢٧٩)بِالحِجاجِ ظُهُورُ الحُجَّةِ، فَهو قَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا كالمِراءِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ في الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وحَيْثُ قُيِّدَ الجِدالُ بِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ الحَقِّ.

هود 11:34

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنَّما هم في قَبْضَتِهِ سُبْحانَهُ، زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ وأنَّ إرادَتَهُ تَضْمَحِلُّ مَعَها كُلُّ إرادَةٍ في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ بِذَلِكَ ناصِحٌ لَهم وأنَّ نُصْحَهُ خاصٌّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا لِما وهِمُوا مِن أنَّ جِدالَهُ لَهم كَلامٌ بِلا طائِلٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ وذَكَرَ إرادَتَهُ لِما يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَهُ مِن إرادَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنْ أرَدْتُ﴾ [أيْ جَمَعْتُ إلى فِعْلِ النُّصْحِ إرادَةَ] ﴿أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ بِإعْلامِ مَوْضِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى والرُّشْدِ لِيُتَّبَعَ، وجَزاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي ﴿إنْ كانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُضِلَّكم ويُرْكِبَكم غَيْرَ الصَّوابِ [فَإنَّهُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ تَغْلِبُ إرادَتِي وفِعْلِي مَعًا] لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ العَذابِ بِقُوَّةٍ فَتَكُونُوا غالِبِينَ، ولا بِطاعَةٍ فَتَكُونُوا مَحْبُوبِينَ مُقَرَّبِينَ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ إهْلاكَكم بِالإغْواءِ، وإنْ أرَدْتُ أنا نَجاتَكُمْ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ نَصَحْتُ لَكُمْ، إشارَةً إلى أنِّي لا أمْلِكُ إلّا إرادَتِي لِنُصْحِكُمْ، فَإذا أرَدْتُهُ فَغايَةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن فِعْلِي وُقُوعُ النُّصْحِ وإخْلاصُهُ لَكُمْ، وأمّا النَّفْعُ بِهِ فَلا شَيْءَ مِنهُ إلَيَّ، بَلْ هو تابِعٌ لِمُرادِ اللَّهِ، فَإنْ أرادَ غَوايَتَكم حَصَلَتْ (p-٢٨٠)لا مَحالَةَ، ولَمْ يَقَعْ ما قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلى النُّصْحِ مِن عَمَلِ المَنصُوحِ بِمُقْتَضاهُ المُسْتَجْلِبِ لِنَفْعِ المُسْتَدْفِعِ لِلضُّرِّ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم في إحْسانِهِ ورَهَّبَهم مِنَ انْتِقامِهِ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ ما لا يُرِيدُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أيِ المُوجِدُ لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم فَهو يَتَصَرَّفُ وحْدَهُ لِما يُرِيدُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِنهُ مَبْدَؤُكُمْ، عَطْفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ وأهْوَنِهِ بِالمَوْتِ ثُمَّ البَعْثِ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم كَما هي عادَةُ المُلُوكِ مَعَ عُمّالِهِمْ.

هود 11:35

ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] فَإنَّ النَّذِيرَ مَن يَنْصَحُ المُنْذَرَ، والوَكِيلَ [هُوَ] المَرْجُوعُ إلَيْهِ في أمْرِ الشَّيْءِ المَوْكُولِ إلَيْهِ، وما قَبْلَها تَعْرِيضٌ بِنِسْبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِافْتِراءِ، تَلاهُ بِما تَلا بِهِ ذاكَ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الِافْتِراءِ وإشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ القِصَصَ كُلَّها لِلتَّسْلِيَةِ في أمْرِ النِّذارَةِ والتَّأْسِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَقُولُونَ لَكَ مِثْلَ هَذِهِ الأقْوالِ فَقَدْ قالُوها لِنُوحٍ كَما تَرى، ثُمَّ والى عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْذارِ ما لَمْ يَطْعَمُوا مَعَهُ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَرْناهُ بِهِ أعْجَبَهم أوْ أغْضَبَهُمْ، فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ وحَسْبُكَ بِهِ قُدْوَةً في أنْ تَعُدَّ كَلامَهم عَدَمًا وتَقْبَلَ عَلى ما أرْسَلْناكَ بِهِ مِن بَذْلِ النَّصِيحَةِ بِالنِّذارَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ في القُرْآنِ ﴿افْتَراهُ﴾ إصْرارًا عَلى ما تَقَوَّلُوهُ فَدَمَغَهُ الدَّلِيلُ وأدْحَضَتْهُ الحُجَّةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ، [إنَّهُمْ] يَقُولُونَ ذَلِكَ، (p-٢٨١)فَقِيلَ: لا عَلَيْكَ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ يَقْصِدُونَ بِهِ مُجَرَّدَ العِنادِ وهم يَعْلَمُونَ خِلافَهُ بَعْدَ ما قامَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي وصَلُوا مَعَها إلى عَيْنِ اليَقِينِ فَلا يَهُمَّنَّكَ قَوْلُهم هَذا، فَإنَّهم يَجْعَلُونَهُ وسِيلَةً إلى تَرْكِكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ فَلا تَفْعَلْ، بَلْ ﴿قُلْ﴾ في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أيْ: قَطَعْتُ كَذِبَهُ ﴿فَعَلَيَّ﴾ أيْ: خاصًّا بِي ﴿إجْرامِي﴾ أيْ: وبالُهُ وعِقابُهُ دُونَكم وإذا اسْتَعْلى عَلَيَّ الإجْرامُ عُرِفَ ذَلِكَ لِأرْبابِ العُقُولِ وظَهَرَ ظُهُورًا أفْتَضِحُ بِهِ وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ بِأنِّي أبْعَدُ مِن ذَلِكَ مِمّا بَيْنَ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وارْتِفاعِ النَّقِيضَيْنِ لِما تَعْلَمُونَ مِنِّي مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ وعُلُوِّ الهِمَمِ وطِيبِ الذِّكْرِ وشَرِيفِ القَدْرِ وكَرِيمِ الأمْرِ، هَذا لَوْ كُنْتُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ وأنا وأنْتُمْ في العَجْزِ عَنْهُ سَواءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ﴾ أيْ: غايَةَ البَراءَةِ ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ: تُوجِدُونَ إجْرامَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ مِن إجْرامِكم عائِدُ ضَرَرٍ بَعْدَ أنْ أوْضَحْتُهُ لَكم وكَشَفْتُ عَنْكم غِطاءَ الشُّبَهِ، إنَّما ضَرَرُهُ عَلَيْكم فاعْمَلُوا عَلى تَذَكُّرِ هَذا المَعْنى فَإنَّ سَوْقَ جَوابِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْكى لَهم مِن إقامَةِ حُجَّةٍ أُخْرى لِأنَّهم يَعْلَمُونَ مِنهُ أنَّهُ إلْزامٌ لَهم بِالفَضِيحَةِ لِانْقِطاعِهِمْ لَدى مَن لَهُ وعْيٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَلِ انْتَبَهَ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ فَعَلِمُوا قُبْحَ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وأنَّها حالُ المُعانِدِينَ، فَرَجَعُوا تَكَرُّمًا عَنْ رُكُوبِ مِثْلِها \ واسْتِحْياءً ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: كَذَبَهُ مُتَعَمِّدًا اسْتِمْرارًا عَلى العِنادِ وتَمادِيًا في البِعادِ كَما تَمادى قَوْمُ نُوحٍ فَيَحِلُّ (p-٢٨٢)بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، أيْ: هَلْ رَجَعُوا بِهَذا المِقْدارِ مِن قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ أمْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما نَسَبُوكَ إلَيْهِ في أوائِلِ السُّورَةِ مِنَ افْتِرائِهِ فَيَحْتاجُونَ إلى تَكْمِيلِ القِصَّةِ بِما وقَعَ مِن عَذابِهِمْ لِيَخافُوا مِثْلَ مُصابِهِمْ؛ وافْتِراءُ الكَذِبِ: افْتِعالُهُ مِن قِبَلِ النَّفْسِ فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَقْلِيدًا لِلْغَيْرِ.

هود 11:36

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودُ بِهَذا السِّياقِ كُلِّهِ وإنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، رَجَعَ إلى إكْمالِها بَيانًا لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكاشِفُ قَوْمَهُ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْضِعَ رَجاءٍ لَهم في أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنهُ وتَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن سَمِعَ قِصَّتَهم مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وأُوحِيَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِي لا مُوحِيَ إلّا هو وهو مَلِكُ المُلُوكِ ﴿إلى نُوحٍ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الخُطُوبِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ بِما جِئْتُ بِهِ ﴿مِن قَوْمِكَ إلا مَن﴾ ولَمّا كانَ الَّذِي يُجِيبُ الإنْسانُ إلى ما يَسْألُهُ فِيهِ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ قَبْلَ الإجابَةِ يَتَوَقَّعُ السّائِلُ بِها الإجابَةَ، قالَ: ﴿قَدْ آمَنَ فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَمَّ شَقاؤُهم أنّا نَقُولُ لَكَ: [لا] ﴿تَبْتَئِسْ﴾ أيْ: يَحْصُلْ لَكَ بُؤْسٌ، أيْ شِدَّةٌ يَعْظُمُ عَلَيْكَ خَطْبُها بِكَثْرَةِ تَأمُّلِكَ في عَواقِبِها ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فَإنّا نَأْخُذُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنهم قَرِيبًا، وكَأنَّهُ كانَ أعْلَمَهُ أنَّهم [إنْ] لَمْ يُجِيبُوهُ أغْرَقَهم وأنْجاهُ ومَن مَعَهُ في فُلْكٍ يَحْمِلُهم فِيهِ عَلى مَتْنِ الماءِ فَقالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ حالَ (p-٢٨٣)كَوْنِكَ مَحْفُوظًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ نَحْفَظُكَ أنْ تَزِيغَ في عَمَلِها، وجُمِعَ مُبالَغَةً في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ ﴿ووَحْيِنا﴾ فَنَحْنُ نُلْهِمُكَ أصْلَحَ ما يَكُونُ مِن عَمَلِها وأنْتَ تَعْلَمُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ، فَلا تَهْتَمَّ بِكَوْنِكَ لا تَعْرِفُ صَنْعَتَها؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَهُ مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ - أيْ صَدْرِهِ. وأشارَ إلى شَفَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ وحُبِّهِ لِنَجاتِهِمْ كَما هو حالُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعِ مُخاطَبَةٍ وإنْ قَلَّتْ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الظُّلْمَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في أنْ أُنْجِيَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِأنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ [قَدِ] انْبَرَمَ فَقالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ قَدِ انْبَرَمَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ والِابْتِئاسُ: حُزْنٌ في اسْتِكانَةٍ، لِأنَّ أصْلَ البُؤْسِ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، وقَدْ يَكُونُ إفْهامًا مِن غَيْرِ كَلامٍ بِإشارَةٍ ونَحْوِها، وقَدْ يَكُونُ بِكَلامٍ خَفِيٍّ؛ والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وأصْلُهُ الإدارَةُ مِنَ الفَلْكَةِ.

هود 11:37

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودُ بِهَذا السِّياقِ كُلِّهِ وإنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، رَجَعَ إلى إكْمالِها بَيانًا لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكاشِفُ قَوْمَهُ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْضِعَ رَجاءٍ لَهم في أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنهُ وتَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن سَمِعَ قِصَّتَهم مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وأُوحِيَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِي لا مُوحِيَ إلّا هو وهو مَلِكُ المُلُوكِ ﴿إلى نُوحٍ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الخُطُوبِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ بِما جِئْتُ بِهِ ﴿مِن قَوْمِكَ إلا مَن﴾ ولَمّا كانَ الَّذِي يُجِيبُ الإنْسانُ إلى ما يَسْألُهُ فِيهِ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ قَبْلَ الإجابَةِ يَتَوَقَّعُ السّائِلُ بِها الإجابَةَ، قالَ: ﴿قَدْ آمَنَ فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَمَّ شَقاؤُهم أنّا نَقُولُ لَكَ: [لا] ﴿تَبْتَئِسْ﴾ أيْ: يَحْصُلْ لَكَ بُؤْسٌ، أيْ شِدَّةٌ يَعْظُمُ عَلَيْكَ خَطْبُها بِكَثْرَةِ تَأمُّلِكَ في عَواقِبِها ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فَإنّا نَأْخُذُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنهم قَرِيبًا، وكَأنَّهُ كانَ أعْلَمَهُ أنَّهم [إنْ] لَمْ يُجِيبُوهُ أغْرَقَهم وأنْجاهُ ومَن مَعَهُ في فُلْكٍ يَحْمِلُهم فِيهِ عَلى مَتْنِ الماءِ فَقالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ حالَ (p-٢٨٣)كَوْنِكَ مَحْفُوظًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ نَحْفَظُكَ أنْ تَزِيغَ في عَمَلِها، وجُمِعَ مُبالَغَةً في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ ﴿ووَحْيِنا﴾ فَنَحْنُ نُلْهِمُكَ أصْلَحَ ما يَكُونُ مِن عَمَلِها وأنْتَ تَعْلَمُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ، فَلا تَهْتَمَّ بِكَوْنِكَ لا تَعْرِفُ صَنْعَتَها؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَهُ مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ - أيْ صَدْرِهِ. وأشارَ إلى شَفَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ وحُبِّهِ لِنَجاتِهِمْ كَما هو حالُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعِ مُخاطَبَةٍ وإنْ قَلَّتْ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الظُّلْمَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في أنْ أُنْجِيَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِأنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ [قَدِ] انْبَرَمَ فَقالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ قَدِ انْبَرَمَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ والِابْتِئاسُ: حُزْنٌ في اسْتِكانَةٍ، لِأنَّ أصْلَ البُؤْسِ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، وقَدْ يَكُونُ إفْهامًا مِن غَيْرِ كَلامٍ بِإشارَةٍ ونَحْوِها، وقَدْ يَكُونُ بِكَلامٍ خَفِيٍّ؛ والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وأصْلُهُ الإدارَةُ مِنَ الفَلْكَةِ.

هود 11:38

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ (p-٢٨٤)سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ (p-٢٨٥)﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَ لَها غِطاءً - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - لِئَلّا تَمْتَلِئَ مِن شِدَّةِ الأمْطارِ، كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ فِيها بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ السُّفُنِ واضِحَةً؛ فَلِذَلِكَ قالَ]: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ، والزَّوْجُ فَرْدٌ يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ أيِ احْمِلْهُمْ، والأهْلُ: (p-٢٨٦)العِيالُ ﴿إلا مَن سَبَقَ﴾ غالِبًا ﴿عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنِّي أُغْرِقُهُ وهو امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ ﴿ومَن﴾ أيْ: واحْمِلْ فِيها مَن ﴿آمَنَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ؛ ثُمَّ سَلّى المُخاطَبَ بِهَذِهِ القِصَصِ ﷺ وذَكَّرَهُ نِعْمَتَهُ بِكَثْرَةِ مَنِ اتَّبَعَهُ مَعَ صَدْعِهِمْ بِمُؤْلِمِ الإنْذارِ عَلى قِصَرِ الزَّمانِ دُونَ نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿آمَنَ﴾ كائِنًا ﴿مَعَهُ﴾ أيْ: بِإنْذارِهِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ بِسَبَبِ تَقْدِيرِنا لا بِإغْضائِهِمْ بِما كُوفِحُوا بِهِ مِنَ الإنْذارِ؛ والتَّنُّورُ - قالَ أبُو حَيّانَ: وزْنُهُ فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ وهو أعْجَمِيٌّ، وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ تَفَعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنْوُورٌ، هُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَها، والزَّوْجُ قَدْ كَثُرَ عَلى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ امْرَأةٌ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ في ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] السَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ، والشِّتاءُ زَوْجٌ، والصَّيْفُ زَوْجٌ، واللَّيْلُ زَوْجٌ، والنَّهارُ زَوْجٌ، حَتّى يَصِيرَ الأمْرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأقَلُّ ما قِيلَ فِيمَن كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانِيَةٌ: نُوحٌ وامْرَأةٌ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، ونِساؤُهُمْ؛ وأكْثَرُ ما قِيلَ أنَّهم ثَمانُونَ - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

هود 11:39

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ (p-٢٨٤)سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ (p-٢٨٥)﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَ لَها غِطاءً - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - لِئَلّا تَمْتَلِئَ مِن شِدَّةِ الأمْطارِ، كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ فِيها بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ السُّفُنِ واضِحَةً؛ فَلِذَلِكَ قالَ]: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ، والزَّوْجُ فَرْدٌ يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ أيِ احْمِلْهُمْ، والأهْلُ: (p-٢٨٦)العِيالُ ﴿إلا مَن سَبَقَ﴾ غالِبًا ﴿عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنِّي أُغْرِقُهُ وهو امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ ﴿ومَن﴾ أيْ: واحْمِلْ فِيها مَن ﴿آمَنَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ؛ ثُمَّ سَلّى المُخاطَبَ بِهَذِهِ القِصَصِ ﷺ وذَكَّرَهُ نِعْمَتَهُ بِكَثْرَةِ مَنِ اتَّبَعَهُ مَعَ صَدْعِهِمْ بِمُؤْلِمِ الإنْذارِ عَلى قِصَرِ الزَّمانِ دُونَ نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿آمَنَ﴾ كائِنًا ﴿مَعَهُ﴾ أيْ: بِإنْذارِهِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ بِسَبَبِ تَقْدِيرِنا لا بِإغْضائِهِمْ بِما كُوفِحُوا بِهِ مِنَ الإنْذارِ؛ والتَّنُّورُ - قالَ أبُو حَيّانَ: وزْنُهُ فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ وهو أعْجَمِيٌّ، وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ تَفَعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنْوُورٌ، هُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَها، والزَّوْجُ قَدْ كَثُرَ عَلى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ امْرَأةٌ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ في ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] السَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ، والشِّتاءُ زَوْجٌ، والصَّيْفُ زَوْجٌ، واللَّيْلُ زَوْجٌ، والنَّهارُ زَوْجٌ، حَتّى يَصِيرَ الأمْرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأقَلُّ ما قِيلَ فِيمَن كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانِيَةٌ: نُوحٌ وامْرَأةٌ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، ونِساؤُهُمْ؛ وأكْثَرُ ما قِيلَ أنَّهم ثَمانُونَ - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

هود 11:40

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ (p-٢٨٤)سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ (p-٢٨٥)﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَ لَها غِطاءً - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - لِئَلّا تَمْتَلِئَ مِن شِدَّةِ الأمْطارِ، كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ فِيها بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ السُّفُنِ واضِحَةً؛ فَلِذَلِكَ قالَ]: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ، والزَّوْجُ فَرْدٌ يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ أيِ احْمِلْهُمْ، والأهْلُ: (p-٢٨٦)العِيالُ ﴿إلا مَن سَبَقَ﴾ غالِبًا ﴿عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنِّي أُغْرِقُهُ وهو امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ ﴿ومَن﴾ أيْ: واحْمِلْ فِيها مَن ﴿آمَنَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ؛ ثُمَّ سَلّى المُخاطَبَ بِهَذِهِ القِصَصِ ﷺ وذَكَّرَهُ نِعْمَتَهُ بِكَثْرَةِ مَنِ اتَّبَعَهُ مَعَ صَدْعِهِمْ بِمُؤْلِمِ الإنْذارِ عَلى قِصَرِ الزَّمانِ دُونَ نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿آمَنَ﴾ كائِنًا ﴿مَعَهُ﴾ أيْ: بِإنْذارِهِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ بِسَبَبِ تَقْدِيرِنا لا بِإغْضائِهِمْ بِما كُوفِحُوا بِهِ مِنَ الإنْذارِ؛ والتَّنُّورُ - قالَ أبُو حَيّانَ: وزْنُهُ فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ وهو أعْجَمِيٌّ، وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ تَفَعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنْوُورٌ، هُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَها، والزَّوْجُ قَدْ كَثُرَ عَلى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ امْرَأةٌ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ في ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] السَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ، والشِّتاءُ زَوْجٌ، والصَّيْفُ زَوْجٌ، واللَّيْلُ زَوْجٌ، والنَّهارُ زَوْجٌ، حَتّى يَصِيرَ الأمْرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأقَلُّ ما قِيلَ فِيمَن كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانِيَةٌ: نُوحٌ وامْرَأةٌ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، ونِساؤُهُمْ؛ وأكْثَرُ ما قِيلَ أنَّهم ثَمانُونَ - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

هود 11:41

(p-٢٨٧)ولَمّا أتاهُ الأمْرُ بِذَلِكَ، بادَرَ الِامْتِثالَ فَجَمَعَ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلى السَّفِينَةِ بَعْدَ أنْ هَيَّأها لَهم ﴿وقالَ﴾ أيْ: لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ ﴿ارْكَبُوا﴾ ولَمّا كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ أغْلَبَ عَلى السَّفِينَةِ قالَ: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ؛ ولَمّا أمَرَهم بِالرُّكُوبِ فَرَكِبُوا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ، أوْ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ قائِلِينَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ أيْ: إجْراؤُها وإرْساؤُها ومَحَلُّهُما ووَقْتُهُما، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ وإسْماعِيلُ بْنُ مُجالِدٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الرّاءِ والسِّينِ كَسْرًا خالِصًا بَعْدَهُ ياءانِ خالِصَتانِ عَلى أنَّ الِاسْمَيْنِ صِفَتانِ لِلْجَلالَةِ \؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَجاتَهم بِالإجْراءِ والإرْساءِ اعْتِرافًا بِأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِعَفْوِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما دَبَّرَ مِنِّي هَذا الأمْرَ وغَيْرَهُ، وزادَ في التَّأْكِيدِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَن مَعَهُ مُعَرِّفًا لَهم بِأنَّ أحَدًا لَنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وأنَّ العَبْدَ لا يَسَعُهُ إلّا الغُفْرانُ فَقالَ: ﴿لَغَفُورٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّتْرِ لِلزَّلّاتِ والهَفَواتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ، فَرَكِبُوها واسْتَمَرُّوا سائِرِينَ فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ

هود 11:42

﴿وهِيَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ الماءُ مُهَيِّئًا لِلْإغْراقِ، فَكانَ السَّيْرُ عَلى ظَهْرِهِ مِنَ الخَوارِقِ، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ونَبَّهَ عَلى عُلُوِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كالجِبالِ﴾ أيْ: في عِظَمِهِ وتَراكُمِهِ [وارْتِفاعِهِ]، فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فَرَكِبُوها المُقَدَّرِ؛ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ، وكانَ هَذِهِ الحالُ مَعَ (p-٢٨٨)أنَّ اسْتِدامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ إشارَةً إلى سُرْعَةِ امْتِلاءِ الأرْضِ مِنَ الماءِ وصَيْرُورَتِهِ فِيها أمْثالَ الجِبالِ عَقِبَ رُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ مِن غَيْرِ كَبِيرِ تَراخٍ، قالُوا: وكانَ أوَّلُ ما رَكِبَ مَعَهُ الذَّرَّةَ، وآخِرُ ما رَكِبَ مَعَهُ الحِمارَ، وتَعَلَّقَ إبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الدُّخُولَ حَتّى قالَ لَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ مَعَكَ - كَذا قالُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَنَعَ الحَيَّةَ والعَقْرَبَ وقالَ: إنَّكُما سَبَبُ الضُّرِّ، فَقالا: احْمِلْنا ولَكَ أنْ لا نَضُرَّ أحَدًا ذَكَرَكَ، فَمَن قالَ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] لَمْ تَضُرّاهُ. ولَمّا كانَ ابْتِداءُ الحالِ في تَفَجُّرِ الأرْضِ كُلِّها عُيُونًا وانْهِمارِ السَّماءِ انْهِمارًا - مُرْشِدًا إلى أنَّ الحالَ سَيَصِيرُ إلى ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن كَوْنِ المَوْجِ كالجِبالِ لا يُنْجِي مِنهُ إلّا السَّبَبُ الَّذِي أقامَهُ سُبْحانَهُ، تَلا ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ نُوحٍ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا﴾ [هود: ٤١] ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [أيْ] كَنْعانَ وهو لِصُلْبِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ ﴿وكانَ﴾ أيِ الِابْنُ ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ أيْ: عَنْ أبِيهِ في مَكانِهِ وفي دِينِهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ المَعْزِلَ كانَ عَلى بَعْضِ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ صَغَّرَهُ تَحَنُّنًا وتَعَطُّفًا ﴿ارْكَبْ﴾ كائِنًا ﴿مَعَنا﴾ - أيْ في السَّفِينَةِ لِتَكُونَ مِنَ النّاجِينَ ﴿ولا تَكُنْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: في دِينٍ ولا مَكانٍ إشارَةً إلى أنَّ حِرْصَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (p-٢٨٩)وشَفَقَتَهم - وإنْ كانَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الآياتِ العِظامِ والأُمُورِ الهائِلَةِ - لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِينِ القُلُوبِ وخُضُوعِ النُّفُوسِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ، انْظُرْ إلى اسْتِعْطافِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ”يا بُنَيَّ“ مُذَكِّرًا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ تَصْغِيرِ التَّحَنُّنِ والتَّراؤُفِ وفَظاظَةِ الِابْنِ مَعَ عَدَمِ سَماحِهِ بِأنْ يَقُولَ: يا أبَتِ، ولَمْ يَلِنْ مَعَ ما رَأى مِنَ الآياتِ العِظامِ ولا تَناهى لِشَيْءٍ مِنها عَنْ تَقَحُّمِ الجَهْلِ بَدَلًا مِنَ العِلْمِ وتَعَسُّفِ الشُّبْهَةِ بَدَلًا مِنَ الحُجَّةِ.

هود 11:43

ولَمّا كانَ الحالُ حالَ دَهَشٍ واخْتِلالٍ كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ لا يَصْبِرَ بَلْ يُبادِرَ إلى السُّؤالِ فَيَقُولَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ تَبَعًا لِمُرادِ اللَّهِ ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي﴾ أيْ: بِعُلُوِّهِ ﴿مِنَ الماءِ﴾ أيْ: فَلا أغْرَقُ ﴿قالَ﴾ أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ: لا مانِعَ مِن جَبَلٍ ولا غَيْرِهِ مَوْجُودٌ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: لِأحَدٍ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ، وهو حُكْمُهُ بِالغَرَقِ عَلى كُلِّ ذِي رُوحٍ [لا يَعِيشُ في الماءِ] ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ أيْ: إلّا مَكانٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ فَإنَّهُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ وهو السَّفِينَةُ، أوْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُهُ. ولَمّا رَكِبَ نُوحٌ ومَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وأرادَهُ. ولَمْ تَبْقَ حاجَةٌ في تَدَرُّجِ ارْتِفاعِ الماءِ، فَعَلا وطَما وغَلَبَ وعَتا فَهالَ الأمْرُ وزادَ عَلى الحَدِّ والقَدْرِ، [قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُهُ ذَلِكَ (p-٢٩٠)مِنهُ بَلْ عَصى أباهُ كَما عَصى اللَّهَ فَأوى إلى الجَبَلِ الَّذِي أرادَهُ فَعَلا الماءُ عَلَيْهِ ولَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّحاقُ بِأبِيهِ ولا الوُصُولُ إلَيْهِ]: ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ الِابْنِ والجَبَلِ أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿المَوْجُ﴾ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ [هود: ٤٢] ﴿فَكانَ﴾ أيِ [الِابْنُ] بِأهْوَنِ أمْرٍ ﴿مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ وهم كُلُّ مَن لَمْ يَرْكَبْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ]؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتْ لِمُراجَعَةٍ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغَرِقَ - انْتَهى. والرُّكُوبُ: العُلُوُّ عَلى ظَهْرِ الشَّيْءِ، رَكِبَ الدّابَّةَ والسَّفِينَةَ والبَرَّ والبَحْرَ؛ والجَرْيُ: مَرٌّ سَرِيعٌ؛ يُقالُ: هَذِهِ العِلَّةُ تَجْرِي في أحْكامِها، أيْ تَمُرُّ مِن غَيْرِ مانِعٍ، والمَوْجُ جَمْعُ مَوْجَةٍ - لِقِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الماءِ الكَثِيرِ تَرْتَفِعُ عَنْ حَمْلَتِهِ، وأعْظَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ إذا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ؛ والجَبَلُ: جِسْمٌ عَظِيمُ الغِلَظِ شاخِصٌ مِنَ الأرْضِ هو لَها كالوَتَدِ؛ والعِصْمَةُ: المَنعُ مِنَ الآفَةِ

هود 11:44

﴿وقِيلَ﴾ أيْ: بِأدْنى إشارَةٍ بَعْدَ هَلاكِ أهْلِ الأرْضِ وخُلُوِّها مِنَ الكافِرِينَ وتَدْمِيرِ مَن في السُّهُولِ والجِبالِ مِنَ الخاسِرِينَ، وهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ - وهو القَوْلُ - عَلى السَّبَبِ - وهو الإرادَةُ - لِتَصْوِيرِ أمْرٍ ومَأْمُورٍ هو في غايَةِ الطّاعَةِ فَإنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ. (p-٢٩١)ولَمّا كانَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ مَقامِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ بِأمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ اجْذِبِي مِن غَيْرِ مَضْغٍ إلى مَكانٍ خَفِيٍّ بِالتَّدْرِيجِ، وعَيَّنَ المَبْلُوعَ لِئَلّا يَعُمَّ فَتَبْتَلِعَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ ولَمْ يَجْمَعْ فَقالَ: ﴿ماءَكِ﴾ أيِ الَّذِي تَجَدَّدَ عَلى ظَهْرِكِ لِلْإغْراقِ لِيَكُونَ كالغِذاءِ لِلْآكِلِ الَّذِي يُقَوِّي بَدَنَهُ فَيَقْوى بِهِ عَلى الإنْباتِ وسائِرِ المَنافِعِ وجَعَلَهُ ماءَها لِاتِّصالِهِ بِها اتِّصالَ المِلْكِ بِالمالِكِ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنِ الإمْطارِ، فَفَعَلَتا مُبادِرَتَيْنِ لِأمْرِ المَلِكِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ شَيْءٌ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيِ المَعْهُودُ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالدَّبُوبِ في أعْماقِ الأرْضِ، مِنَ المُتَعَدِّي فَإنَّهُ يُقالُ: غاضَ الماءُ وغاضَهُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: نَقَضَ الشَّيْءُ ونَقَضْتُهُ أنا ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ وانْبَتَّ وانْبَرَمَ في إهْلاكِ مَن هَلَكَ ونَجاةِ مَن نَجا كَما أرادَ الجَلِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَحْبِسَهُ عَنْهم ولا أنْ يَصْرِفَهُ ولا أنْ يُؤَخِّرَهُ دَقِيقَةً ولا أصْغَرَ مِنها. فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ مَن أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ ولا يَقُلْ: ”ما يَحْبِسُهُ“ لِئَلّا يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتى هَؤُلاءِ أوْ مَن بَعْدَهم ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ اسْتَقَرَّتْ واعْتَدَلَتِ السَّفِينَةُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ إشارَةً بِاسْمِهِ إلى أنَّ الِانْتِقامَ العامَّ قَدْ مَضى، وما بَقِيَ إلّا الجُودُ بِالماءِ والخَيْرِ والخِصْبِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهو الجَبَلُ بِالمُوصِلِ بَعْدَ خَمْسَةِ أشْهُرٍ؛ قالَ قَتادَةُ: اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ (p-٢٩٢)لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ وكانَتْ في الماءِ خَمْسِينَ ومِائَةَ يَوْمٍ، واسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: إعْلامًا بِهَوانِ المُهْلَكِينَ والرّاحَةِ مِنهم ﴿بُعْدًا﴾ هو مِن بَعِدَ - بِالكَسْرِ مُرادًا بِهِ البُعْدُ مِن حَيْثُ الهَلاكُ، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ بُعْدٌ بَعِيدٌ لا يُرْجى مِنهُ عَوْدٌ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ لِتَعْلِيقِهِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ والِاخْتِصاصِ ﴿لِلْقَوْمِ﴾ [أيِ المَعْهُودِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي كانَ فِيها مِن شِدَّةِ القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ] ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ، وهَذِهِ الآيَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً فِيها أحَدٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ البَدِيعِ - عَدَّها أبُو حَيّانَ وقالَ: ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَها فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ. وذَكَرَ الرُّمّانِيُّ عِدَّةً مِن مَعانِيها، مِنها إخْراجُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِفاعِلِهِ مِن غَيْرِ مُعاناةٍ ولا لُغُوبٍ، ومِنها: حُسْنُ تَقابُلِ المَعانِي، ومِنها: حُسْنُ ائْتِلافِ الألْفاظِ، ومِنها: حُسْنُ البَيانِ في تَصْوِيرِ الحالِ، ومِنها الإيجازُ مِن غَيْرِ إخْلالٍ، ومِنها تَقَبُّلُ الفَهْمِ عَلى أتَمِّ الكَمالِ؛ والبَلْعُ: إجْراءُ الشَّيْءِ في الحَلْقِ إلى الجَوْفِ؛ والإقْلاعُ: إذْهابُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ؛ والغَيْضُ: غَيْبَةُ الماءِ في الأرْضِ عَلى جِهَةِ النَّشَفِ. وإبْرازُ الكَلامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أدَلُ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ لِلْفاعِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ غَيْرُهُ، ونَقَلَ (p-٢٩٣)الأصْبِهانِيُّ عَنْ صاحِبِ المِفْتاحِ فِيها كَلامًا أغْلى مِنَ الجَوْهَرِ.

هود 11:45

ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِن أهْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ امْرَأتُهُ فَقَطْ، فَتَكُونُ نَجاةُ ابْنِهِ جائِزَةً، وكانَ ما عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن فَرْطِ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ لا سِيَّما الأقارِبُ يَحْمِلُهم عَلى السَّعْيِ في صَلاحِهِمْ ما كانَ لِذَلِكَ وجْهٌ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لِأنَّ أجْنِحَةَ الخَلْقِ كَسِيرَةٌ وأيْدِيَهم قَصِيرَةٌ وأمْرَهم ضَعِيفٌ وحالَهم رَثٌّ، فَأدْنى هَوانٍ يُورِثُهُمُ الخُسْرانَ، وأمّا جَنابُ الحَقِّ فَفَسِيحٌ وشَأْنُهُ عَظِيمٌ وأمْرُهُ عَلِيٌّ، فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ ولا يُدانِيهِ ضَرَرٌ ولا يَعْتَرِي أمْرَهُ وهْنٌ، لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، سَألَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ نَجاةَ ولَدِهِ كَما أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [أيِ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ الجَزِيلِ]، ودَلَّ سُبْحانَهُ بِالعَطْفِ بِالفاءِ دُونَ أنْ يَأْتِيَ بِالِاسْتِئْنافِ المُفَسِّرِ لِلنِّداءِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ هُنا مِن نِداءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضُ نِدائِهِ وأنَّ هَذا المَذْكُورَ مُرَتَّبٌ مُعَقَّبٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ سابِقٌ عَلَيْهِ أقْرَبُهُ أنْ يَكُونَ ما أرْشَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ويَشْعُرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا جَوابًا لَهُ: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨] فَيَكُونُ (p-٢٩٤)تَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ: رَبِّ أنْزِلْنِي مَنزِلًا مُبارَكًا - وما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَلامِ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: عَقَبَةً لِما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ النُّبُوَّةِ وشَفَقَةِ الأُبُوَّةِ وسَجِيَّةِ البَشَرِ مُتَعَرِّضًا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ وعَواطِفِ العَفْوِ؛ أوِ الفاءُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ ”نادى“ مِثْلَ ما [فِي]: تَوَضَّأ فَغَسَلَ. ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي﴾ أيِ الَّذِي غَرِقَ ﴿مِن أهْلِي﴾ أيْ: وقَدْ أمَرْتَنِي بِحَمْلِ أهْلِي، وذَلِكَ الأمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلْإشارَةِ إلى إرادَةِ نَجاتِهِمْ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في نَجاتِهِمْ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، وقَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ في المَرْأةُ الكافِرَةُ ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهُمْ، ومَن كانَ أعْلَمَ كانَ أحْكَمَ فَتَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَصِحُّ بِاسْتِثْنائِها وحْدَها، فَإنْ كانَ ابْنِي مِمَّنْ نَجا فَأْتِنِي بِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا الدُّعاءُ عِنْدَ حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُما فالمَعْنى: فَلا تُهْلِكْهُ

هود 11:46

﴿قالَ يا نُوحُ﴾ وأكَّدَ في نَفْيِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ إثْباتَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [أيْ] المَحْكُومِ بِنَجاتِهِمْ لِإيمانِهِمْ وكُفْرِهِ، ولِهَذا عُلِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ﴾ أيْ: ذُو عَمَلٍ، [ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في نَفْسِ الوُجُودِ لا تَشْرُفُ إلّا بِآثارِها، فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أثَرٌ صالِحٌ أصْلًا، ويُثْبِتُ قِراءَةَ يَعْقُوبَ والكِسائِيِّ بِالفِعْلِ أنَّ مَن باشَرَ السُّوءَ مُطْلَقَ مُباشَرَةٍ وجَبَتِ البَراءَةُ مِنهُ، ولا سِيَّما لِلْأمْرِ فَلا يُواصَلُ إلّا بِإذْنٍ، وعَبَّرَ بِالعَمَلِ دُونَ الفِعْلِ لِزَعْمِهِ أنَّ أعْمالَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ، وأكَّدَهُ لِما لا يُخَصُّ مِن سُؤالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا] (p-٢٩٥)﴿غَيْرُ صالِحٍ﴾ بِعِلْمِي، وقَدْ حَكَمْتُ في هَذا الأمْرِ أنِّي لا أُنْجِي مِنهُ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّلاحِ وأنا عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وأنْتَ يَخْفى عَلَيْكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ فَرُبَّما ظَنَنْتَ الإيمانَ بِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِبِنائِكَ الأمْرَ عَلى ما نَراهُ مِن ظاهِرِهِ؛ وقَدْ نَقَلَ الرُّمّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُنافِقُ بِإظْهارِ الإيمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوافِقَ في الدِّينِ ألْصَقُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ في النَّسَبِ، [والمُخالِفَ فِيهِ أبْعَدُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ القُرْبِ في النَّسَبِ]. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الجَوابِ أنَّ تَرْكَ السُّؤالِ كانَ أوْلى، ذَكَرَ أمْرًا كُلِّيًّا يَنْدَرِجُ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّؤالِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَلا تَعْلَمُ أصَوابٌ السُّؤالُ فِيهِ أمْ لا، لِأنَّ اللّائِقَ بِأمْثالِكَ مِن أُولِي القُرْبِ بِناءُ أُمُورِهِمْ عَلى التَّحْقِيقِ وانْتِظارُ الإعْلامِ مِنّا، انْظُرْ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««وإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِها»». ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تِلْكَ النَّفْسَ كانَتْ كافِرَةً مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ بِمَواعِظِي كَراهِيَةَ ﴿أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا تَتَخَلَّقُ بِهِ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: في عِدادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالظَّنِّ لِأنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى الوُقُوفِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ مِن قِبَلِنا فَتَسْألُ مِثْلَ ما يَسْألُونَ.

هود 11:47

ولَمّا انْجَلى لِلسّامِعِ ما هو فِيهِ ﷺ مِن عُلُوِّ المَقامِ وعَظِيمِ (p-٢٩٦)الشَّأْنِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّوابِ فَتَشَوَّفَ لِلْجَوابِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُبادِرًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَهُ مِن كَمالِ الصِّفاتِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ دَلالَةً لِلسّامِعِينَ عَلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ﴾ أيْ: مِن أنْ ﴿أسْألَكَ﴾ [أيْ] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ تَأدُّبًا بِإذْنِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ وارْتِقاءً لِما رَقَّيْتَنِي إلَيْهِ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ورَفِيعِ المَنزِلَةِ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيِ الآنَ وفي المُسْتَقْبَلِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ: تَسْتُرْ زَلّاتِي وتَمْحُها وتُكْرِمْنِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قِيلَ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ الَّذِي تَكُونُ الأُمُورُ العَظِيمَةُ لِأجْلِهِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيْ: مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِنّا﴾ أيْ: ومَن سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلا هَلَكَ يَلْحَقُهُ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ عَظِيمَةٍ صالِحَةٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِكَوْنِهِمْ عَلى ما يُرْضِينا ولا نُمَتِّعُهم بِالدُّنْيا إلّا قَلِيلًا، ولَهم إذا رَجَعُوا إلَيْنا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا الكَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنهم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ عَلى وفْقِ عِلْمِنا وإرادَتِنا ولا بَرَكاتٌ عَلَيْهِمْ مِنّا ولا سَلامٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٢٩٧)ذَكَرَ البَرَكاتِ والسَّلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِما ثانِيًا، والمَتاعَ ثانِيًا، دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِجَرْيِهِمْ عَلى غَيْرِ هَدْيِنا وجُرْأتِهِمْ عَلى ما يُسْخِطُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وأُمَمٌ﴾ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، فَيَكُونُ المُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ كَوْنَ المَقامِ مَقامَ التَّفْضِيلِ؛ والعِياذُ: طَلَبُ النَّجاةِ بِما يَمْنَعُ مِنَ الشَّرِّ؛ والبَرَكَةُ: ثُبُوتُ الخَيْرِ بِنَمائِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأصْلُهُ الثُّبُوتُ، ومِنهُ البُرُوكُ والبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها. ذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارْدَ بْنِ مُهَلالِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في أوائِلِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها: وإنَّ آدَمَ طافَ نَحْوَ حَلِيلَتِهِ فَحَبِلَتْ ووَلَدَتِ ابْنًا فَسَمّاهُ شِيثَ وقالَ: الآنَ أخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قابِيلُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عاشَ آدَمُ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ شِيثُ مِائَةً وخَمْسَ سِنِينَ فَوُلِدَ لَهُ أنُوشُ، وكانَ (p-٢٩٨)جَمِيعُ حَياةِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعاشَ أنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ قِينانُ وكانَ جَمِيعُ حَياةِ أنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسَ سِنِينَ، وعاشَ قِينانُ سَبْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُهَلالِيلَ وكانَ جَمِيعُ [حَياةِ] قِينانَ تِسْعَمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعاشَ مُهْلالِيلُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ يارْدُ وكانَتْ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ بِهِ خَنُوخُ فَكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ يارْدَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ خَنُوخُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُتَوَشْلِحُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ خَنُوخَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ مُتَوَشْلِحُ مِائَةً وسَبْعًا وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ لَمَكُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ مُتَوَشْلِحَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ لَمَكُ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَسَمّاهُ نُوحًا، ثُمَّ قالَ: هَذا يُرِيحُنا مِن أعْمالِنا، وكَدِّ \ أيْدِينا في الأرْضِ الَّتِي قَدْ لَعَنَها اللَّهُ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ لَمَكَ سَبْعَمِائَةٍ وسَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ ونُوحٌ ابْنُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. فَوُلِدَ لِنُوحٍ بَنُونَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، فَلَمّا بَدَأ النّاسُ أنْ يَكْثُرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ ووُلِدَ لَهُمُ البَناتُ نَظَرَ بَنُو الأشْرافِ مِنهم بَناتِ العامَّةِ حِسانًا جِدًّا فَأخَذُوا مِنهُمُ النِّساءَ عَلى ما اخْتارُوا وأحَبُّوا، فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا تَحِلُّ عِنايَتِي وشَفَقَتِي عَلى هَؤُلاءِ النّاسِ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَ أهْواءَ الجَسَدِ واللَّحْمِ وكانَتْ عَلى الأرْضِ جَبابِرَةٌ في تِلْكَ الأيّامِ ومِن بَعْدِها، لِأنَّ بَنِي الأشْرافِ دَخَلُوا عَلى بَناتِ العامَّةِ فَوُلِدَ لَهم جَبابِرَةٌ مَذْكُورُونَ، فَرَأى الرَّبُّ أنَّ شَرَّ النّاسِ قَدْ كَثُرَ (p-٢٩٩)عَلى الأرْضِ وأنَّ هَوِيءَ فِكْرِهِمْ وحِقْدِهِمْ رَدِيءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَقالَ الرَّبُّ: أمَحَقُ الَّذِينَ خَلَقْتُ وأُبِيدُهم عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ مِنَ النّاسِ والبَهائِمِ حَتّى الهَوامِّ وطَيْرِ السَّماءِ؛ وظَفِرَ نُوحٌ مِنَ اللَّهِ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، وكانَ نُوحٌ رَجُلًا بارًّا تَقِيًّا في حِقَبِهِ فَأرْضى اللَّهَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وامْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا، فَرَأى الرَّبُّ الإلَهُ أنَّ الأرْضَ قَدْ فَسَدَتْ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: قَدْ وصَلَ إلَيَّ [أمْرُ] جَمِيعِ النّاسِ وسُوءُ أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأرْضَ قَدِ امْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا بِسُوءِ سِيرَتِهِمْ. فَهاأنَذا مُفْسِدُهم مَعَ الأرْضِ فاتَّخِذْ لَكَ أنْتَ تابُوتًا مُرَبَّعًا مِن خَشَبِ السّاجِ - وفي نُسْخَةٍ: الشِّمْشارِ - واجْعَلْ في التّابُوتِ عَلالِيَ. واطْلِها بِالقارِ مِن داخِلِها وخارِجِها، ولْيَكُنْ طُولُ الفُلْكِ ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ. وعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وسُمْكُهُ ثَلاثِينَ ذِراعًا، واجْعَلْ في التّابُوتِ كُوًى ولْيَكُنْ عَرْضُها مِن أعْلاها ذِراعًا واحِدًا، واجْعَلْ بابَ الفُلْكِ في جانِبِهِ، واجْعَلْ فِيهِ مَنازِلَ أسْفَلَ وأوْساطَ وعَلالِيَ. وهاأنَذا مُحَدِّرُ ماءِ الطُّوفانِ عَلى الأرْضِ لِأُفْسِدَ بِهِ كُلَّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ نَسَمَةُ الحَياةِ مِن تَحْتِ السَّماءِ، ويُبِيدُ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ. وتَدْخُلُ التّابُوتَ أنْتَ وبُنُوكَ وامْرَأتُكَ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ، ومَن كُلِّ حَيٍّ مِن ذَوِي اللُّحُومِ مَن كُلِّ صِنْفٍ اثْنانِ لِتَحْيا مَعَكَ، ولْتَكُنْ ذُكُورًا وإناثًا، مِن كُلِّ الطُّيُورِ كَأجْناسِها، (p-٣٠٠)ومِنَ الأنْعامِ لِأصْنافِها، ومَن كُلِّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِجَواهِرِها، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أدْخِلْ مَعَكَ مِن كُلِّها لِتَسْتَحْيِيَها ذَكَرًا وأُنْثى، واجْعَلْ مَن كُلِّ ما يُؤْكَلُ فاخْزُنْهُ مَعَكَ، ولْيَكُنْ مَأْكَلَكَ ومَأْكَلَها؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كُلَّ شَيْءٍ كَما أمَرَ اللَّهُ ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: ادْخُلْ أنْتَ وكُلُّ أهْلِ بَيْتِكَ إلى التّابُوتِ لِأنِّي إيّاكَ وجَدْتُ بارًّا تَقِيًّا في هَذا الحِقْبِ، ومَن كُلِّ الأنْعامِ الزَّكِيَّةِ أدْخِلْ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، ومِنَ الأنْعامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَكِيَّةٍ أدْخِلْ مَعَكَ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا. ومِنَ الطَّيْرِ الزَّكِيِّ سَبْعَةً سَبْعَةً ذُكُورًا وإناثًا، ومِنَ الطَّيْرِ الَّذِي لَيْسَ بِزَكِيٍّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا، لِيَحْيا مِنها نَسْلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، لِأنِّي مِنَ الآنِ إلى سَبْعَةِ أيّامٍ أُهْبِطُ القَطْرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيالِيَها، وأُبِيدُ كُلَّ ما خَلَقْتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كَما أمَرَهُ الرَّبُّ الإلَهُ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ بَعْدِ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أيّامٍ نَزَلَتْ مِياهُ الطُّوفانِ، تَفَجَّرَتْ [مِياهُ] الغَمْرِ وتَفَتَّحَتْ مَثاعِبُ السَّماءِ. وأقْبَلَتِ الأمْطارُ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ نَهارًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، [و] في هَذا اليَوْمِ دَخَلَ نُوحٌ وسامُ وحامُ ويافِثُ بَنُو نُوحٍ وامْرَأةُ نُوحٍ ونِساءُ بَنِيهِ الثَّلاثُ مَعَهُ الفُلْكَ هم وجَمِيعُ السِّباعِ لِأجْناسِها وجَمِيعُ الدَّوابِّ لِأصْنافِها وكُلُّ حَشَرَةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ بِجَواهِرِها وجَمِيعُ الطُّيُورِ لِأجْناسِها، ودَخَلَ مَعَ نُوحٍ التّابُوتُ مِن كُلِّ عُصْفُورٍ ومِن كُلِّ ذِي جَناحَيْنِ اثْنانِ اثْنانِ، ومِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ (p-٣٠١)رُوحُ الحَياةِ \ وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَ مِن ذَوِي اللُّحُومِ دَخَلُوا ذُكُورًا وإناثًا كَما أمَرَ اللَّهُ نُوحًا، ثُمَّ أغْلَقَ اللَّهُ الرَّبُّ البابَ عَلَيْهِ، وكانَ الطُّوفانُ عَلى الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَثُرَتِ المِياهُ حَتّى احْتَمَلَتِ التّابُوتَ فارْتَفَعَ عَنِ الأرْضِ، وغَزُرَتِ المِياهُ وكَثُرَتْ عَلى الأرْضِ جِدًّا [وجَعَلَ التّابُوتُ يَسِيرُ عَلى وجْهِ الماءِ واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ جِدًّا] جِدًّا. وتَوارَتْ جَمِيعُ الجِبالِ العالِيَةِ الشّاهِقَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّماءِ، وارْتَفَعَتِ المِياهُ مِن فَوْقِ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وبادَ كُلُّ ذِي لَحْمٍ عَلى الأرْضِ مِنَ الطُّيُورِ أجْمَعَ والسِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعِ الحَشَرَةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ وجَمِيعُ النّاسِ والبَهائِمِ، وماتَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ [فِيهِ] نَسَمَةُ الحَياةِ مِمّا في اليَبَسِ. وبَقِيَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ، واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى الأرْضِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا؛ وإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نُوحًا وكُلَّ السِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعَ الطُّيُورِ الَّتِي مَعَهُ في التّابُوتِ. فَأهاجَ اللَّهُ رِيحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ فَسَكَنَتِ المِياهُ والأمْطارُ. واشْتَدَّتْ يَنابِيعُ الغَمْرِ ومَيازِيبُ السَّماءِ، وغاضَتِ المِياهُ بَعْدَ مِائَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وسَكَنَ التّابُوتُ ووَقَفَ في الشَّهْرِ السّابِعِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ عَلى جِبالِ قُودِي وجَعَلَتِ المِياهُ تَنْصَرِفُ وتَنْتَقِصُ إلى الشَّهْرِ العاشِرِ، وظَهَرَتْ رُؤُوسُ الجِبالِ في أوَّلِ يَوْمِ الشَّهْرِ العاشِرِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأرْبَعِينَ (p-٣٠٢)يَوْمًا فَتَحَ نُوحٌ الكُوَّةَ الَّتِي عَمِلَها في التّابُوتِ فَأرْسَلَ الغُرابَ، فَخَرَجَ الغُرابُ مِن عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ حَتّى يَبِسَتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، [ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ مِن بَعْدِهِ لِيَرى هَلْ قَلَّتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ] فَلَمْ تَجِدِ الحَمامَةُ مَوْضِعًا لِمَوْطِئِ رِجْلَيْها فَرَجَعَتْ إلى التّابُوتِ لِأنَّ المِياهَ كانَتْ بَعْدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَمَدَّ يَدَهُ فَأخَذَها وأدْخَلَها إلَيْهِ وانْتَظَرَ سَبْعَةَ أيّامٍ أُخْرى، ثُمَّ عادَ فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَعادَتْ عِنْدَ المَساءِ وفي مِنقارِها ورَقَةُ زَيْتُونٍ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ غاضَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَصَبَرَ أيْضًا سَبْعَةَ [أيّامٍ] أُخَرَ، ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ أيْضًا، فَفَتَحَ نُوحٌ بابَ الفُلْكِ فَرَأى فَإذا وجْهُ الأرْضِ قَدْ ظَهَرَ وجَفَّتِ الأرْضُ. فَكَلَّمَ الرَّبُّ الإلَهُ نُوحًا وقالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنَ التّابُوتِ أنْتَ وامْرَأتُكَ وبُنُوكُ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ وكُلُّ السِّباعِ الَّتِي مَعَكَ مِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ والطُّيُورُ والدَّوابُّ، وأخْرِجْ كُلَّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ مَعَكَ، ولِتَتَوَلَّدَ وتَنْمُوَ في الأرْضِ وتَكْثُرَ وتَزْدادَ عَلى الأرْضِ. فَخَرَجَ نُوحٌ ومَن ذُكِرَ وبَنى لِلرَّبِّ مَذْبَحًا وأخَذَ مِن جَمِيعِ الدَّوابِّ والطُّيُورِ الزَّكِيَّةِ فَأصْعَدَ مِنها عَلى المَذْبَحِ قُرْبانًا لِلرَّبِّ الإلَهِ، فَقالَ الرَّبُّ الإلَهُ: لا أعُودُ ألْعَنُ الأرْضَ أبَدًا مِن أجْلِ أعْمالِ النّاسِ لِأنَّ هَوى قَلْبِ الإنْسانِ وحِقْدَهُ رَدِيءٌ مُنْذُ صِباهُ، ولا أعُودُ أيْضًا أُبِيدُ كُلَّ حَيٍّ كَما فَعَلْتُ، ومِنَ الآنِ جَمِيعُ أيّامِ الأرْضِ (p-٣٠٣)يَكُونُ فِيها الزَّرْعُ والحَصادُ والبَرْدُ والحَرُّ والقَيْظُ والشِّتاءُ، فَبارَكَ اللَّهُ عَلى نُوحٍ وبَنِيهِ وقالَ لَهُمُ: انْمُوا واكْثُرُوا وامْلَئُوا الأرْضَ، ولْيَغْشَ رُعْبُكم وخَوْفُكم جَمِيعَ السِّباعِ وبَهائِمَ الأرْضِ وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ وكُلَّ دابَّةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وجَمِيعُ حِيتانِ البُحُورِ [تَكُونُ] تَحْتَ أيْدِيكُمْ، وكُلُّ الدَّوابِّ الطّاهِرَةِ الحَيَّةِ تَكُونُ لِأكْلِكُمْ، وقَدْ جَعَلْتُ الأشْياءَ كُلَّها حَلالًا لَكم مِثْلَ عُشْبِ البَرِّيَّةِ خَضِرَها، وأمّا المَخْنُوقُ الَّذِي دَمُهُ فِيهِ فَلا تَأْكُلُوهُ فَإنَّ دَمَهُ نَفْسُهُ، وأمّا دِماؤُكم مِن أنْفُسِكم فَأطْلُبُها بِالنَّهْيِ مِن يَدِ جَمِيعِ الحَيَوانِ ومِن يَدِ جَمِيعِ النّاسِ، أيُّ إنْسانٍ قَتَلَ أخاهُ طالَبْتُهُ بِدَمِهِ، ومَن سَفَكَ دَمَ الإنْسانِ سُفِكَ دَمُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِصُورَتِهِ، وأنْتُمْ فانْمُوا واكْثُرُوا وتَوَلَّدُوا في الأرْضِ واكْثُرُوا فِيها؛ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ ولِبَنَيْهِ مَعَهُ: هاأنَذا مُثَبِّتٌ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم ومَعَ أنْسالِكم مِن بَعْدِهِمْ ومَعَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مِنكُمْ، \ ومَعَ الطُّيُورِ والدَّوابِّ ومَعَ كُلِّ سِباعِ الأرْضِ جَمِيعِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الفُلْكِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم فَلا يَبِيدُ كُلُّ ذِي لَحْمٍ أيْضًا بِماءِ الطُّوفانِ ولا يَهْبِطُ الطُّوفانُ أيْضًا لِيُفْسِدَ جَمِيعَ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: هَذِهِ عَلامَةٌ لِعَهْدَيِ الَّذِي أجْعَلَهُ بَيْنِي وبَيْنَكم وبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مَعَكم في جَمِيعِ أحْقابِ العالَمِ، قَدْ أظْهَرْتُ قَوْسِي في السَّحابِ فَهي أمارَةُ ذِكْرِ العَهْدِ [الَّذِي] (p-٣٠٤)بَيْنِي وبَيْنَكَ وبَيْنَ أهْلِ الأرْضِ، فَإذا أنْشَأتُ السَّحابَ في الأرْضِ وأظْهَرْتُ قَوْسَ السَّحابِ فاذْكُرُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وكانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ مِنَ التّابُوتِ سامَ وحامَ ويافِثَ، [وحامُ] يُكَنّى أبا كَنْعانَ، هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هم بَنُو نُوحٍ، وتَفَرَّقَ النّاسُ مِن هَؤُلاءِ في الأرْضِ كُلِّها؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ فَرَأى حامُ عُرْيَهُ فَأظْهَرَ ذَلِكَ لِأخَوَيْهِ، فَتَناوَلَ سامُ ويافِثُ رِداءً فَألْقَياهُ عَلى أكْتافِهِما ثُمَّ سَعَيا عَلى أعْقابِهِما مُدْبِرِينَ فَوارَيا عُرْيَ أبِيهِما، فَلَمّا عَلِمَ نُوحٌ ما صَنَعَ ابْنُهُ الأصْغَرُ دَعا عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِأخَوَيْهِ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ نُوحٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ؛ ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَهُ أرادُوا أنْ يَبْنُوا صَرْحًا لاحِقًا بِالسَّماءِ، واجْتَمَعَ جَمِيعُهم عَلى ذَلِكَ لِأنَّ لُغَتَهم كانَتْ واحِدَةً ورَأْيَهم واحِدٌ فَفَرَّقَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وفَرَّقَهم مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ وبُوبالَ مَعْناهُ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ، وما في تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنَّ عُوجَ بْنَ عُوقَ - بِضَمِّهِما كَما في القامُوسِ - كانَ [فِي] زَمَنِ نُوحٍ وسَلِمَ مِنَ الطُّوفانِ، وأنَّ الماءَ لَمْ يُجاوِزْ رُكْبَتَيْهِ ونَحْوَ هَذا كَذِبٌ بَحْتٌ مَنابِذٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ونَحْوِها، فَإنَّ (p-٣٠٥)كُلَّ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ ذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَتَلَهُ كافِرًا.

هود 11:48

ولَمّا انْجَلى لِلسّامِعِ ما هو فِيهِ ﷺ مِن عُلُوِّ المَقامِ وعَظِيمِ (p-٢٩٦)الشَّأْنِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّوابِ فَتَشَوَّفَ لِلْجَوابِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُبادِرًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَهُ مِن كَمالِ الصِّفاتِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ دَلالَةً لِلسّامِعِينَ عَلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ﴾ أيْ: مِن أنْ ﴿أسْألَكَ﴾ [أيْ] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ تَأدُّبًا بِإذْنِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ وارْتِقاءً لِما رَقَّيْتَنِي إلَيْهِ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ورَفِيعِ المَنزِلَةِ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيِ الآنَ وفي المُسْتَقْبَلِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ: تَسْتُرْ زَلّاتِي وتَمْحُها وتُكْرِمْنِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قِيلَ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ الَّذِي تَكُونُ الأُمُورُ العَظِيمَةُ لِأجْلِهِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيْ: مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِنّا﴾ أيْ: ومَن سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلا هَلَكَ يَلْحَقُهُ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ عَظِيمَةٍ صالِحَةٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِكَوْنِهِمْ عَلى ما يُرْضِينا ولا نُمَتِّعُهم بِالدُّنْيا إلّا قَلِيلًا، ولَهم إذا رَجَعُوا إلَيْنا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا الكَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنهم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ عَلى وفْقِ عِلْمِنا وإرادَتِنا ولا بَرَكاتٌ عَلَيْهِمْ مِنّا ولا سَلامٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٢٩٧)ذَكَرَ البَرَكاتِ والسَّلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِما ثانِيًا، والمَتاعَ ثانِيًا، دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِجَرْيِهِمْ عَلى غَيْرِ هَدْيِنا وجُرْأتِهِمْ عَلى ما يُسْخِطُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وأُمَمٌ﴾ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، فَيَكُونُ المُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ كَوْنَ المَقامِ مَقامَ التَّفْضِيلِ؛ والعِياذُ: طَلَبُ النَّجاةِ بِما يَمْنَعُ مِنَ الشَّرِّ؛ والبَرَكَةُ: ثُبُوتُ الخَيْرِ بِنَمائِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأصْلُهُ الثُّبُوتُ، ومِنهُ البُرُوكُ والبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها. ذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارْدَ بْنِ مُهَلالِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في أوائِلِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها: وإنَّ آدَمَ طافَ نَحْوَ حَلِيلَتِهِ فَحَبِلَتْ ووَلَدَتِ ابْنًا فَسَمّاهُ شِيثَ وقالَ: الآنَ أخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قابِيلُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عاشَ آدَمُ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ شِيثُ مِائَةً وخَمْسَ سِنِينَ فَوُلِدَ لَهُ أنُوشُ، وكانَ (p-٢٩٨)جَمِيعُ حَياةِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعاشَ أنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ قِينانُ وكانَ جَمِيعُ حَياةِ أنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسَ سِنِينَ، وعاشَ قِينانُ سَبْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُهَلالِيلَ وكانَ جَمِيعُ [حَياةِ] قِينانَ تِسْعَمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعاشَ مُهْلالِيلُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ يارْدُ وكانَتْ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ بِهِ خَنُوخُ فَكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ يارْدَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ خَنُوخُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُتَوَشْلِحُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ خَنُوخَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ مُتَوَشْلِحُ مِائَةً وسَبْعًا وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ لَمَكُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ مُتَوَشْلِحَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ لَمَكُ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَسَمّاهُ نُوحًا، ثُمَّ قالَ: هَذا يُرِيحُنا مِن أعْمالِنا، وكَدِّ \ أيْدِينا في الأرْضِ الَّتِي قَدْ لَعَنَها اللَّهُ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ لَمَكَ سَبْعَمِائَةٍ وسَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ ونُوحٌ ابْنُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. فَوُلِدَ لِنُوحٍ بَنُونَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، فَلَمّا بَدَأ النّاسُ أنْ يَكْثُرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ ووُلِدَ لَهُمُ البَناتُ نَظَرَ بَنُو الأشْرافِ مِنهم بَناتِ العامَّةِ حِسانًا جِدًّا فَأخَذُوا مِنهُمُ النِّساءَ عَلى ما اخْتارُوا وأحَبُّوا، فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا تَحِلُّ عِنايَتِي وشَفَقَتِي عَلى هَؤُلاءِ النّاسِ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَ أهْواءَ الجَسَدِ واللَّحْمِ وكانَتْ عَلى الأرْضِ جَبابِرَةٌ في تِلْكَ الأيّامِ ومِن بَعْدِها، لِأنَّ بَنِي الأشْرافِ دَخَلُوا عَلى بَناتِ العامَّةِ فَوُلِدَ لَهم جَبابِرَةٌ مَذْكُورُونَ، فَرَأى الرَّبُّ أنَّ شَرَّ النّاسِ قَدْ كَثُرَ (p-٢٩٩)عَلى الأرْضِ وأنَّ هَوِيءَ فِكْرِهِمْ وحِقْدِهِمْ رَدِيءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَقالَ الرَّبُّ: أمَحَقُ الَّذِينَ خَلَقْتُ وأُبِيدُهم عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ مِنَ النّاسِ والبَهائِمِ حَتّى الهَوامِّ وطَيْرِ السَّماءِ؛ وظَفِرَ نُوحٌ مِنَ اللَّهِ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، وكانَ نُوحٌ رَجُلًا بارًّا تَقِيًّا في حِقَبِهِ فَأرْضى اللَّهَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وامْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا، فَرَأى الرَّبُّ الإلَهُ أنَّ الأرْضَ قَدْ فَسَدَتْ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: قَدْ وصَلَ إلَيَّ [أمْرُ] جَمِيعِ النّاسِ وسُوءُ أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأرْضَ قَدِ امْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا بِسُوءِ سِيرَتِهِمْ. فَهاأنَذا مُفْسِدُهم مَعَ الأرْضِ فاتَّخِذْ لَكَ أنْتَ تابُوتًا مُرَبَّعًا مِن خَشَبِ السّاجِ - وفي نُسْخَةٍ: الشِّمْشارِ - واجْعَلْ في التّابُوتِ عَلالِيَ. واطْلِها بِالقارِ مِن داخِلِها وخارِجِها، ولْيَكُنْ طُولُ الفُلْكِ ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ. وعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وسُمْكُهُ ثَلاثِينَ ذِراعًا، واجْعَلْ في التّابُوتِ كُوًى ولْيَكُنْ عَرْضُها مِن أعْلاها ذِراعًا واحِدًا، واجْعَلْ بابَ الفُلْكِ في جانِبِهِ، واجْعَلْ فِيهِ مَنازِلَ أسْفَلَ وأوْساطَ وعَلالِيَ. وهاأنَذا مُحَدِّرُ ماءِ الطُّوفانِ عَلى الأرْضِ لِأُفْسِدَ بِهِ كُلَّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ نَسَمَةُ الحَياةِ مِن تَحْتِ السَّماءِ، ويُبِيدُ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ. وتَدْخُلُ التّابُوتَ أنْتَ وبُنُوكَ وامْرَأتُكَ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ، ومَن كُلِّ حَيٍّ مِن ذَوِي اللُّحُومِ مَن كُلِّ صِنْفٍ اثْنانِ لِتَحْيا مَعَكَ، ولْتَكُنْ ذُكُورًا وإناثًا، مِن كُلِّ الطُّيُورِ كَأجْناسِها، (p-٣٠٠)ومِنَ الأنْعامِ لِأصْنافِها، ومَن كُلِّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِجَواهِرِها، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أدْخِلْ مَعَكَ مِن كُلِّها لِتَسْتَحْيِيَها ذَكَرًا وأُنْثى، واجْعَلْ مَن كُلِّ ما يُؤْكَلُ فاخْزُنْهُ مَعَكَ، ولْيَكُنْ مَأْكَلَكَ ومَأْكَلَها؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كُلَّ شَيْءٍ كَما أمَرَ اللَّهُ ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: ادْخُلْ أنْتَ وكُلُّ أهْلِ بَيْتِكَ إلى التّابُوتِ لِأنِّي إيّاكَ وجَدْتُ بارًّا تَقِيًّا في هَذا الحِقْبِ، ومَن كُلِّ الأنْعامِ الزَّكِيَّةِ أدْخِلْ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، ومِنَ الأنْعامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَكِيَّةٍ أدْخِلْ مَعَكَ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا. ومِنَ الطَّيْرِ الزَّكِيِّ سَبْعَةً سَبْعَةً ذُكُورًا وإناثًا، ومِنَ الطَّيْرِ الَّذِي لَيْسَ بِزَكِيٍّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا، لِيَحْيا مِنها نَسْلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، لِأنِّي مِنَ الآنِ إلى سَبْعَةِ أيّامٍ أُهْبِطُ القَطْرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيالِيَها، وأُبِيدُ كُلَّ ما خَلَقْتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كَما أمَرَهُ الرَّبُّ الإلَهُ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ بَعْدِ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أيّامٍ نَزَلَتْ مِياهُ الطُّوفانِ، تَفَجَّرَتْ [مِياهُ] الغَمْرِ وتَفَتَّحَتْ مَثاعِبُ السَّماءِ. وأقْبَلَتِ الأمْطارُ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ نَهارًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، [و] في هَذا اليَوْمِ دَخَلَ نُوحٌ وسامُ وحامُ ويافِثُ بَنُو نُوحٍ وامْرَأةُ نُوحٍ ونِساءُ بَنِيهِ الثَّلاثُ مَعَهُ الفُلْكَ هم وجَمِيعُ السِّباعِ لِأجْناسِها وجَمِيعُ الدَّوابِّ لِأصْنافِها وكُلُّ حَشَرَةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ بِجَواهِرِها وجَمِيعُ الطُّيُورِ لِأجْناسِها، ودَخَلَ مَعَ نُوحٍ التّابُوتُ مِن كُلِّ عُصْفُورٍ ومِن كُلِّ ذِي جَناحَيْنِ اثْنانِ اثْنانِ، ومِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ (p-٣٠١)رُوحُ الحَياةِ \ وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَ مِن ذَوِي اللُّحُومِ دَخَلُوا ذُكُورًا وإناثًا كَما أمَرَ اللَّهُ نُوحًا، ثُمَّ أغْلَقَ اللَّهُ الرَّبُّ البابَ عَلَيْهِ، وكانَ الطُّوفانُ عَلى الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَثُرَتِ المِياهُ حَتّى احْتَمَلَتِ التّابُوتَ فارْتَفَعَ عَنِ الأرْضِ، وغَزُرَتِ المِياهُ وكَثُرَتْ عَلى الأرْضِ جِدًّا [وجَعَلَ التّابُوتُ يَسِيرُ عَلى وجْهِ الماءِ واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ جِدًّا] جِدًّا. وتَوارَتْ جَمِيعُ الجِبالِ العالِيَةِ الشّاهِقَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّماءِ، وارْتَفَعَتِ المِياهُ مِن فَوْقِ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وبادَ كُلُّ ذِي لَحْمٍ عَلى الأرْضِ مِنَ الطُّيُورِ أجْمَعَ والسِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعِ الحَشَرَةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ وجَمِيعُ النّاسِ والبَهائِمِ، وماتَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ [فِيهِ] نَسَمَةُ الحَياةِ مِمّا في اليَبَسِ. وبَقِيَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ، واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى الأرْضِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا؛ وإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نُوحًا وكُلَّ السِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعَ الطُّيُورِ الَّتِي مَعَهُ في التّابُوتِ. فَأهاجَ اللَّهُ رِيحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ فَسَكَنَتِ المِياهُ والأمْطارُ. واشْتَدَّتْ يَنابِيعُ الغَمْرِ ومَيازِيبُ السَّماءِ، وغاضَتِ المِياهُ بَعْدَ مِائَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وسَكَنَ التّابُوتُ ووَقَفَ في الشَّهْرِ السّابِعِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ عَلى جِبالِ قُودِي وجَعَلَتِ المِياهُ تَنْصَرِفُ وتَنْتَقِصُ إلى الشَّهْرِ العاشِرِ، وظَهَرَتْ رُؤُوسُ الجِبالِ في أوَّلِ يَوْمِ الشَّهْرِ العاشِرِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأرْبَعِينَ (p-٣٠٢)يَوْمًا فَتَحَ نُوحٌ الكُوَّةَ الَّتِي عَمِلَها في التّابُوتِ فَأرْسَلَ الغُرابَ، فَخَرَجَ الغُرابُ مِن عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ حَتّى يَبِسَتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، [ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ مِن بَعْدِهِ لِيَرى هَلْ قَلَّتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ] فَلَمْ تَجِدِ الحَمامَةُ مَوْضِعًا لِمَوْطِئِ رِجْلَيْها فَرَجَعَتْ إلى التّابُوتِ لِأنَّ المِياهَ كانَتْ بَعْدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَمَدَّ يَدَهُ فَأخَذَها وأدْخَلَها إلَيْهِ وانْتَظَرَ سَبْعَةَ أيّامٍ أُخْرى، ثُمَّ عادَ فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَعادَتْ عِنْدَ المَساءِ وفي مِنقارِها ورَقَةُ زَيْتُونٍ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ غاضَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَصَبَرَ أيْضًا سَبْعَةَ [أيّامٍ] أُخَرَ، ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ أيْضًا، فَفَتَحَ نُوحٌ بابَ الفُلْكِ فَرَأى فَإذا وجْهُ الأرْضِ قَدْ ظَهَرَ وجَفَّتِ الأرْضُ. فَكَلَّمَ الرَّبُّ الإلَهُ نُوحًا وقالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنَ التّابُوتِ أنْتَ وامْرَأتُكَ وبُنُوكُ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ وكُلُّ السِّباعِ الَّتِي مَعَكَ مِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ والطُّيُورُ والدَّوابُّ، وأخْرِجْ كُلَّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ مَعَكَ، ولِتَتَوَلَّدَ وتَنْمُوَ في الأرْضِ وتَكْثُرَ وتَزْدادَ عَلى الأرْضِ. فَخَرَجَ نُوحٌ ومَن ذُكِرَ وبَنى لِلرَّبِّ مَذْبَحًا وأخَذَ مِن جَمِيعِ الدَّوابِّ والطُّيُورِ الزَّكِيَّةِ فَأصْعَدَ مِنها عَلى المَذْبَحِ قُرْبانًا لِلرَّبِّ الإلَهِ، فَقالَ الرَّبُّ الإلَهُ: لا أعُودُ ألْعَنُ الأرْضَ أبَدًا مِن أجْلِ أعْمالِ النّاسِ لِأنَّ هَوى قَلْبِ الإنْسانِ وحِقْدَهُ رَدِيءٌ مُنْذُ صِباهُ، ولا أعُودُ أيْضًا أُبِيدُ كُلَّ حَيٍّ كَما فَعَلْتُ، ومِنَ الآنِ جَمِيعُ أيّامِ الأرْضِ (p-٣٠٣)يَكُونُ فِيها الزَّرْعُ والحَصادُ والبَرْدُ والحَرُّ والقَيْظُ والشِّتاءُ، فَبارَكَ اللَّهُ عَلى نُوحٍ وبَنِيهِ وقالَ لَهُمُ: انْمُوا واكْثُرُوا وامْلَئُوا الأرْضَ، ولْيَغْشَ رُعْبُكم وخَوْفُكم جَمِيعَ السِّباعِ وبَهائِمَ الأرْضِ وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ وكُلَّ دابَّةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وجَمِيعُ حِيتانِ البُحُورِ [تَكُونُ] تَحْتَ أيْدِيكُمْ، وكُلُّ الدَّوابِّ الطّاهِرَةِ الحَيَّةِ تَكُونُ لِأكْلِكُمْ، وقَدْ جَعَلْتُ الأشْياءَ كُلَّها حَلالًا لَكم مِثْلَ عُشْبِ البَرِّيَّةِ خَضِرَها، وأمّا المَخْنُوقُ الَّذِي دَمُهُ فِيهِ فَلا تَأْكُلُوهُ فَإنَّ دَمَهُ نَفْسُهُ، وأمّا دِماؤُكم مِن أنْفُسِكم فَأطْلُبُها بِالنَّهْيِ مِن يَدِ جَمِيعِ الحَيَوانِ ومِن يَدِ جَمِيعِ النّاسِ، أيُّ إنْسانٍ قَتَلَ أخاهُ طالَبْتُهُ بِدَمِهِ، ومَن سَفَكَ دَمَ الإنْسانِ سُفِكَ دَمُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِصُورَتِهِ، وأنْتُمْ فانْمُوا واكْثُرُوا وتَوَلَّدُوا في الأرْضِ واكْثُرُوا فِيها؛ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ ولِبَنَيْهِ مَعَهُ: هاأنَذا مُثَبِّتٌ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم ومَعَ أنْسالِكم مِن بَعْدِهِمْ ومَعَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مِنكُمْ، \ ومَعَ الطُّيُورِ والدَّوابِّ ومَعَ كُلِّ سِباعِ الأرْضِ جَمِيعِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الفُلْكِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم فَلا يَبِيدُ كُلُّ ذِي لَحْمٍ أيْضًا بِماءِ الطُّوفانِ ولا يَهْبِطُ الطُّوفانُ أيْضًا لِيُفْسِدَ جَمِيعَ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: هَذِهِ عَلامَةٌ لِعَهْدَيِ الَّذِي أجْعَلَهُ بَيْنِي وبَيْنَكم وبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مَعَكم في جَمِيعِ أحْقابِ العالَمِ، قَدْ أظْهَرْتُ قَوْسِي في السَّحابِ فَهي أمارَةُ ذِكْرِ العَهْدِ [الَّذِي] (p-٣٠٤)بَيْنِي وبَيْنَكَ وبَيْنَ أهْلِ الأرْضِ، فَإذا أنْشَأتُ السَّحابَ في الأرْضِ وأظْهَرْتُ قَوْسَ السَّحابِ فاذْكُرُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وكانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ مِنَ التّابُوتِ سامَ وحامَ ويافِثَ، [وحامُ] يُكَنّى أبا كَنْعانَ، هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هم بَنُو نُوحٍ، وتَفَرَّقَ النّاسُ مِن هَؤُلاءِ في الأرْضِ كُلِّها؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ فَرَأى حامُ عُرْيَهُ فَأظْهَرَ ذَلِكَ لِأخَوَيْهِ، فَتَناوَلَ سامُ ويافِثُ رِداءً فَألْقَياهُ عَلى أكْتافِهِما ثُمَّ سَعَيا عَلى أعْقابِهِما مُدْبِرِينَ فَوارَيا عُرْيَ أبِيهِما، فَلَمّا عَلِمَ نُوحٌ ما صَنَعَ ابْنُهُ الأصْغَرُ دَعا عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِأخَوَيْهِ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ نُوحٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ؛ ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَهُ أرادُوا أنْ يَبْنُوا صَرْحًا لاحِقًا بِالسَّماءِ، واجْتَمَعَ جَمِيعُهم عَلى ذَلِكَ لِأنَّ لُغَتَهم كانَتْ واحِدَةً ورَأْيَهم واحِدٌ فَفَرَّقَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وفَرَّقَهم مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ وبُوبالَ مَعْناهُ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ، وما في تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنَّ عُوجَ بْنَ عُوقَ - بِضَمِّهِما كَما في القامُوسِ - كانَ [فِي] زَمَنِ نُوحٍ وسَلِمَ مِنَ الطُّوفانِ، وأنَّ الماءَ لَمْ يُجاوِزْ رُكْبَتَيْهِ ونَحْوَ هَذا كَذِبٌ بَحْتٌ مَنابِذٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ونَحْوِها، فَإنَّ (p-٣٠٥)كُلَّ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ ذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَتَلَهُ كافِرًا.

هود 11:49

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى النَّحْوِ الوافِي بِبَيانِ اجْتِهادِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في إبْلاغِ الإنْذارِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ إقْبالٍ ولا إدْبارٍ، وكانَتْ مَعَ ذَلِكَ دالَّةً عَلى عِلْمٍ تامٍّ واطِّلاعٍ عَلى دَقائِقَ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا مِن جِهَةِ المَلِكِ العَلّامِ، فَهي عَلى إزالَةِ اللَّبْسِ عَنْ أمْرِهِ ﷺ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ البَدِيعَةُ الشَّأْنِ الغَرِيبَةُ الأمْرِ البَعِيدَةُ عَنْ طَوْقِ المَعارِضِ، العَلِيَّةِ الرُّتَبِ عَنْ يَدِ المُتَناوِلِ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: أخْبارِهِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ لا يَزالُ يُجَدِّدُ لَهُ أمْثالَها بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَعْلَمُ بَعْضَ تَفاصِيلِها، فَأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ مَجْمُوعُهُ غَيْبٌ وبِما يَعْلَمُونَهُ غَيْبٌ نِسْبِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أيْ: عَلى هَذا التَّفْصِيلِ ﴿أنْتَ﴾ ولَمّا كانَ خَفاؤُها عَنْ قَوْمِهِ دَلِيلًا عَلى خَفائِها عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم قالَ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ في القِيامِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وعَدَدًا كَثِيرًا، ومِنهم مَن يَكْتُبُ ويُخالِطُ العُلَماءَ. ولَمّا كانَ زَمانُ خَفاءِ ذَلِكَ عَنْهم - وإنْ كانَ عامًّا لَهم - بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن إيحائِي إلَيْكَ حَتّى يَطْرُقَ الوَهْمُ حِينَئِذٍ أنَّكَ تَعَلَّمْتَها مِن أحَدٍ مِنهم وإنْ كانَ يَعْلَمُ (p-٣٠٦)كَثِيرًا مِنها أهْلُ الكِتابِ كَما رَأيْتَ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ فَبانَ أنْ لا غَرَضَ لِقَوْمِكَ إلّا العِنادُ ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ذَلِكَ ولا تَفْتُرْ عَنِ الإنْذارِ، فَسَتَكُونُ لَكَ العاقِبَةُ كَما كانَتْ لِنُوحٍ لِأجْلِ تَقْواهُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ أيْ: آخِرَ الأمْرِ مِنَ الفَوْزِ والنَّصْرِ والسَّعادَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في مَخافَةِ اللَّهِ في كُلِّ زَمَنٍ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ أهْلِ الخَيْرِ والإيمانِ وأهْلِ الشَّرِّ والطُّغْيانِ \ مِنَ الِاعْتِبارِ بِالنَّبَأِ عَنِ الفَرِيقَيْنِ لِيَجْتَبِيَ حالَ هَؤُلاءِ ويَتَّقِيَ حالَ أُولَئِكَ لِسُوءِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

هود 11:50

ولَمّا تَمَّ مِن ذَلِكَ ما هو كَفِيلٌ بِغَرَضِ السُّورَةِ، وخُتِمَ بِأنَّ العاقِبَةَ دائِمًا لِلْمُتَّقِينَ، أتْبَعَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ الوَفاءِ بِما سِيقَتْ لَهُ قِصَّةُ نُوحٍ - عَلى جَمِيعِهِمُ السَّلامُ - مِنَ الحَثِّ عَلى المُجاهَرَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿عادٍ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿هُودًا﴾ ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ، اسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما قالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هو مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ لا؟ فاسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيَّ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ؛ ثُمَّ صَرَّحَ وعَلَّلَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ أيْ: مَعْبُودٍ بِحَقٍّ ﴿غَيْرُهُ﴾ فَدَعا إلى أصْلِ الدِّينِ كَما هو دَأْبٌ سائِرِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ؛ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِمُواجَهَتِهِمْ (p-٣٠٧)بِما يَسُوءُهم مِنَ الحَقِّ وما ثَناهُ عَنْ ذَلِكَ رَجاءٌ ولا خَوْفٌ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: [ما] ﴿أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ: مُتَعَمِّدُونَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ ما عَلى التَّوْحِيدِ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ غَيْرُ خافٍ عَلى عاقِلٍ فَكَيْفَ مَعَ تَنْبِيهِ النَّقْلِ! وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِمَن أشْرَكَ، أيْ فاحْذَرُوا عُقُوبَةَ المُفْتَرِي.

هود 11:51

ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ غَرَضٌ غَيْرُ نُصْحِهِمْ بِقَوْلِهِ [مَوْضِعَ: ”إنِّي ناصِحٌ لَكم بِهَذا الأمْرِ فَلا يَسُوءْكم مُواجَهَتِي لَكم فِيهِ بِما تَكْرَهُونَ]“ ﴿يا قَوْمِ﴾ مُكَرِّرًا لِاسْتِعْطافٍ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ كَما لَمْ أسْألْكم في الماضِي ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الإنْذارِ ﴿أجْرًا﴾ أيْ: فَلَسْتُ مَوْضِعَ تُهْمَةٍ ﴿إنْ﴾ [أيْ ما]؛ ﴿أجْرِيَ﴾ [ثُمَّ وصَفَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الكِفايَةِ فَعَلَيَّ وُجُوبُ شُكْرِهِ فَقالَ]: ﴿إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: ابْتَدَأ خَلْقِي ولَمْ يُشارِكْهُ فِيَّ أحَدٌ؛ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ لا أُوَجِّهُ رَغْبَتِي إلى غَيْرِهِ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ لِكَوْنِهِ فِطْرَةً. ولَمّا كانَ الخِلافُ الَّذِي لا حَظَّ فِيهِ جِهَةَ الدُّنْيا لا يَحْتاجُ الإنْسانُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مَلْجَأٌ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِهِ إلى غَيْرِ العَقْلِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

هود 11:52

ولَمّا دَعاهم مُشِيرًا إلى تَرْهِيبِهِمْ مُسْتَدِلًّا عَلى الصِّدْقِ بِنَفْيِ الغَرَضِ، رَغَّبَهم في إدامَةِ الخَوْفِ مِمّا مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ ومَن هم (p-٣٠٨)أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ولَهم قُدْرَةٌ عَلى ما طُلِبَ مِنهم ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا غُفْرانَهُ بِطاعَتِكم لَهُ لِما يَجِبُ لَهُ بِإحْسانِهِ إلَيْكم. وأشارَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَسَمُّوا عالِيَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِأنْ تَطْلُبُوا سَتْرَ اللَّهِ لِذُنُوبِكم ثُمَّ تَرْجِعُوا إلى طاعَتِهِ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ والِاسْتِمْرارِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ الماءَ النّازِلَ مِنها أوِ السَّحابَ بِالماءِ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: هاطِلَةً بِمَطَرٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً مَجْمُوعَةً ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”اسْتَغْفِرُوا“ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الِانْقِيادِ فَتُبالِغُوا في الإعْراضِ - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِأنْفُسِكم - بِبِناءِ أمْرِكم عَلى الظُّنُونِ الفاسِدَةِ عَنْ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

هود 11:53

ولَمّا مَحَّضَ لَهُمُ النُّصْحَ عَلى غايَةِ البَيانِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنَّ ﴿قالُوا﴾ أيْ: عادَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهم [ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ] مِنَ المُعْجِزاتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ ﴿يا هُودُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ غِلْظَةً وجَفاءً ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ فَأوْضَحُوا لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهم مُكابِرُونَ لِقَوِيمِ العَقْلِ وصَرِيحِ النَّقْلِ، فَهم مُفْتَرُونَ كَما كانَ العَرَبُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ أتاهم مِنَ الآياتِ عَلى يَدِهِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ ”لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ“ (p-٣٠٩)﴿وما نَحْنُ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ مُجاوِزِينَ لَها أوْ صادِرِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ وتَرْكِهِمْ لِلْعَطْفِ بِالفاءِ - المُؤْذِنَةِ بِأنَّ الأوَّلَ سَبَبُ الثّانِي أيِ الواوِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً، وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ - دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَرَكُوا اتِّباعَهُ عِنادًا، لا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ؛ [وإلى ذَلِكَ يُرْشِدُ أيْضًا تَعْبِيرُهم بِالِاسْمِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الثَّباتِ فَإذا نُفِيَ لَمْ يَنْتِفِ الأصْلُ]؛ والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ في الفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والبَيانُ \: فَصْلُ المَعْنى مِن غَيْرِهِ حَتّى يَظْهَرَ لِلنَّفْسِ مُحَرَّرًا مِمّا سِواهُ، والحامِلُ عَلى تَرْكِ البَيِّنَةِ بَعْدَ ظُهُورِها صَدُّ الشُّبْهَةِ عَنْها أوْ تَقْلِيدُ الرُّؤَساءِ في دَفْعِها واتِّهامُ مُورِدِها أوِ اعْتِقادُ أُصُولٍ فاسِدَةٍ تَدْعُو إلى جَحْدِها أوِ العِنادُ لِلْحَسَدِ ونَحْوِهِ، والجامِعُ لَهُ كُلِّهِ وُجُودُ الشُّبْهَةِ.

هود 11:54

ولَمّا قالُوا هَذا الكَلامَ البَيِّنَ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَقْضِ ما قالَ لَهم بِنَوْعِ شُبْهَةٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذا الَّذِي قُلْتُهُ لَكم وهو لا أبْيَنَ مِنهُ ولا أعْدَلَ، افْرِضُوا أنَّهُ ما ظَهَرَ لَكم صِحَّتُهُ فَما تَقُولُونَ إنَّهُ حَمَلَنِي عَلَيْهِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُنابِذَتَكم وأنْتُمْ أوْلادُ عَمِّي وأعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ؟ فَقالُوا: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ: أصابَكَ وغَشِيَكَ غِشْيانًا التَصَقَ بِكَ التِصاقَ العُرْوَةِ بِما هي فِيهِ مَعَ التَّعَمُّدِ والقُوَّةِ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ مِن نَحْوِ الجُنُونِ والخَبالِ فَذاكَ الحامِلُ لَكَ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها. (p-٣١٠)ولَمّا كانَ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ قاضِيًا بِأنَّ الإنْسانَ يَخْشى مِمَّنْ مَسَّهُ بِسُوءٍ وهو يَتَوَهَّمُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرَرِهِ فَلا يُواجِهُهُ بِما يَكْرَهُ، [وكانَ قَوْلُهم مُحَرِّكًا لِلسّامِعِ إلى الِاسْتِعْلامِ عَنْ جَوابِهِ لَهُمْ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿قالَ﴾ نافِيًا لِما قالُوا مُبَيِّنًا أنَّ آلِهَتَهم لا شَيْءَ ضامًّا لَهم مَعَها، وأكَّدَ لِأنَّهم بِحَيْثُ لا يَظُنُّونَ أنَّ أحَدًا [لا] يَقُولُ ما قالَهُ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ لِيَقُومَ عُذْرِي عِنْدَهُ [وعَدَلَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَقُولَ: وأُشْهِدُكم - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَسْوِيَةٌ - إلى صِيغَةِ الأمْرِ تَهاوُنًا بِهِمْ فَقالَ]: ﴿واشْهَدُوا﴾ [أيْ] أنْتُمْ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأيِّكم ويَبِينَ عَجْزُكم ويَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّكم بِحَيْثُ يُتَهاوَنُ بِكم وبِدِينِكم ولا يُبالِي بِكم ولا بِهِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] وبَيَّنَ سُفُولَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] كائِنًا ما كانَ ومَن كانَ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا جَمادًا

هود 11:55

﴿فَكِيدُونِي﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فُرادى إنْ شِئْتُمْ أوْ مُجْتَمِعِينَ أنْتُمْ وآلِهَتُكم. ولَمّا كانَتِ المُعاجَلَةُ في الحَرْبِ أهْوَلَ، وكانَ شَأْنُها أصْعَبَ وأخْطَرَ، بَيَّنَ عِظَمَها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ والكَيْدُ: طَلَبُ الغَيْظِ بِالسِّرِّ في مَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الواضِحَةِ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّ آلِهَتَنا لا شَيْءَ، فَما حَمَلَكَ عَلى الِاجْتِراءِ (p-٣١١)عَلى مُخالَفَتِنا نَحْنُ وأنْتَ كَثْرَتُنا وقُوَّتُنا وأنْتَ لا تَزِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ واحِدًا مِنّا؟ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: جَسَرْتُ عَلى ذَلِكَ لِأنِّي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ مُعْتَمِدًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المَلِكِ المَرْهُوبِ عِقابُهُ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وبَيَّنَ إحاطَةَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنا ودَبَّرَ أُمُورَنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنا فَعَلِمَ ما يَعْمَلُ كُلٌّ مِنّا في حَقِّ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا هو آخِذٌ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِناصِيَتِها﴾ أيْ: قادِرٌ عَلَيْها، وقَدْ صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ، لِأنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ مُرادِهِ لا مَعَ مُرادِهِمْ بَلْ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْ كَراهَةٍ لِبَعْضِ ما هو فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ مُرادِهِ وإنَّما هو بِمُرادٍ قاهِرٍ قَهَرَهُ عَلى ذَلِكَ وهو المَلِكُ الأعْلى سُبْحانَهُ؛ والنّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ومَن أخَذَ بِناصِيَتِهِ فَقَدِ انْقادَ لِأخْذِهِ لا يَسْتَطِيعُ مَيْلًا ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما أقامَنِي فِيهِ ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ لا لَبْسَ فِيهِ أصْلًا ولا خَلَلَ ولا اضْطِرابَ ولا اعْوِجاجَ بِوَجْهٍ، فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ مَن في الكَوْنِ يَتَألَّهُهُ ويَدْعُوهُ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ وإنِ اتَّخَذَ بَعْضُهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ، وأمّا ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ فَلا يُعَظِّمُهُ إلّا عابِدُهُ، وأمّا غَيْرُ عابِدِهِ فَإنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا؛ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ غالِبٌ (p-٣١٢)عَلى كُلِّ شَيْءٍ [غَلَبَةً] يَعْلَمُها كُلُّ مَوْجُودٍ مِن غَيْرِ خَفاءٍ أصْلًا، فَهو مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ بِخِلافِ مَعْبُوداتِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ يَلْزَمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الظُّهُورُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاخْتِلافِ لِانْتِفاءِ اللَّبْسِ، فَمَن كانَ عَلَيْهِ كانَ عَلِيَّ القَدْرِ شَهِيرَ الأمْرِ، بَصِيرًا بِما يُرِيدُ، مَعَ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ، مَرْهُوبَ العاقِبَةِ، مَقْصُودًا بِالِاتِّباعِ والمَحَبَّةِ، مَن لَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ ضَلَّ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ أُخِذَ لِكَثْرَةِ أعْوانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ، فَظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ عَلى عِصْمَةِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وعَجْزُ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، لِأنَّ نَواصِيَ الكُلِّ بِيَدِهِ وهو رَبُّها ورَبُّهم ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدِ انْطَبَقَ خِتامُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] رَدًّا لَهُ لِأنَّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْيَنَ مِن أمْرِهِ، وعَلى جَوابِهِ في تَوَكُّلِهِ وما في حَيِّزِهِ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ، وأصْلُها الِاتِّصالُ مِن قَوْلِهِمْ: مَفازَةٌ تَناصِي مَفازَةً - إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِها.

هود 11:56

﴿فَكِيدُونِي﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فُرادى إنْ شِئْتُمْ أوْ مُجْتَمِعِينَ أنْتُمْ وآلِهَتُكم. ولَمّا كانَتِ المُعاجَلَةُ في الحَرْبِ أهْوَلَ، وكانَ شَأْنُها أصْعَبَ وأخْطَرَ، بَيَّنَ عِظَمَها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ والكَيْدُ: طَلَبُ الغَيْظِ بِالسِّرِّ في مَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الواضِحَةِ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّ آلِهَتَنا لا شَيْءَ، فَما حَمَلَكَ عَلى الِاجْتِراءِ (p-٣١١)عَلى مُخالَفَتِنا نَحْنُ وأنْتَ كَثْرَتُنا وقُوَّتُنا وأنْتَ لا تَزِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ واحِدًا مِنّا؟ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: جَسَرْتُ عَلى ذَلِكَ لِأنِّي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ مُعْتَمِدًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المَلِكِ المَرْهُوبِ عِقابُهُ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وبَيَّنَ إحاطَةَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنا ودَبَّرَ أُمُورَنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنا فَعَلِمَ ما يَعْمَلُ كُلٌّ مِنّا في حَقِّ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا هو آخِذٌ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِناصِيَتِها﴾ أيْ: قادِرٌ عَلَيْها، وقَدْ صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ، لِأنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ مُرادِهِ لا مَعَ مُرادِهِمْ بَلْ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْ كَراهَةٍ لِبَعْضِ ما هو فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ مُرادِهِ وإنَّما هو بِمُرادٍ قاهِرٍ قَهَرَهُ عَلى ذَلِكَ وهو المَلِكُ الأعْلى سُبْحانَهُ؛ والنّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ومَن أخَذَ بِناصِيَتِهِ فَقَدِ انْقادَ لِأخْذِهِ لا يَسْتَطِيعُ مَيْلًا ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما أقامَنِي فِيهِ ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ لا لَبْسَ فِيهِ أصْلًا ولا خَلَلَ ولا اضْطِرابَ ولا اعْوِجاجَ بِوَجْهٍ، فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ مَن في الكَوْنِ يَتَألَّهُهُ ويَدْعُوهُ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ وإنِ اتَّخَذَ بَعْضُهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ، وأمّا ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ فَلا يُعَظِّمُهُ إلّا عابِدُهُ، وأمّا غَيْرُ عابِدِهِ فَإنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا؛ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ غالِبٌ (p-٣١٢)عَلى كُلِّ شَيْءٍ [غَلَبَةً] يَعْلَمُها كُلُّ مَوْجُودٍ مِن غَيْرِ خَفاءٍ أصْلًا، فَهو مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ بِخِلافِ مَعْبُوداتِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ يَلْزَمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الظُّهُورُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاخْتِلافِ لِانْتِفاءِ اللَّبْسِ، فَمَن كانَ عَلَيْهِ كانَ عَلِيَّ القَدْرِ شَهِيرَ الأمْرِ، بَصِيرًا بِما يُرِيدُ، مَعَ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ، مَرْهُوبَ العاقِبَةِ، مَقْصُودًا بِالِاتِّباعِ والمَحَبَّةِ، مَن لَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ ضَلَّ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ أُخِذَ لِكَثْرَةِ أعْوانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ، فَظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ عَلى عِصْمَةِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وعَجْزُ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، لِأنَّ نَواصِيَ الكُلِّ بِيَدِهِ وهو رَبُّها ورَبُّهم ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدِ انْطَبَقَ خِتامُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] رَدًّا لَهُ لِأنَّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْيَنَ مِن أمْرِهِ، وعَلى جَوابِهِ في تَوَكُّلِهِ وما في حَيِّزِهِ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ، وأصْلُها الِاتِّصالُ مِن قَوْلِهِمْ: مَفازَةٌ تَناصِي مَفازَةً - إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِها.

هود 11:57

ولَمّا اسْتَوْفى تَشْيِيدَهُ أمَرَهُ وهَدْمَ قَوْلِهِمْ، أخَذَ يُحَذِّرُهم فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ العُدُولَ عَمّا جاءَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا بِمُعالَجَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَوْ أدْنى تَوْلِيَةٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، فَعَلَيْكُمُ اللَّوْمُ دُونِي، لِأنِّي فَعَلْتُ ما عَلَيَّ ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنِّي قَدْ ﴿أبْلَغْتُكم ما﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ (p-٣١٣)﴿أُرْسِلْتُ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ إرْسالِي مِن عِنْدِ مَن لا مُرْسِلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿بِهِ إلَيْكُمْ﴾ كامِلًا لَمْ أدَعْ مِنهُ شَيْئًا رَجاءً لِإقْبالِكم ولا خَوْفًا مِن إعْراضِكُمْ، فَأبَيْتُمْ إلّا التَّكْذِيبَ لِي والِاسْتِكْبارَ عَمّا جِئْتُ بِهِ، فالَّذِي أرْسَلَنِي يَنْتَقِمُ مِنكم فَيُهْلِكَكم ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ أيْ: يُوجِدُ المُحْسِنُ إلَيَّ بِإقامَتِي فِيما يُرْضِيهِ ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكُمْ، فَتَكُونُونَ أعْداءَهُ، ويَكُونُ المُسْتَخْلَفُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِأنْ يَكُونُوا أوْلِياءَ [مَعَ كَوْنِهِمْ ذَوِي بَأْسٍ وقُوَّةٍ] فَيَخْتَصُّ الضَّرَرُ بِكم ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾ أيِ اللَّهَ بِإعْراضِكم ﴿شَيْئًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ وعِيدَهُ لَهم بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ العاصِيَ فاعِلٌ بِعِصْيانِهِ فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ غافِلٌ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ المُدَبِّرَ لِمَصالِحِي. ولَمّا كانَ الأهَمُّ في هَذا السِّياقِ بَيانَ اسْتِعْلائِهِ وقُدْرَتِهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ جَلِيلٍ أوْ حَقِيرٍ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [و] بالِغُ الحِفْظِ لَهُ، فَيَعْلَمُ ما يَعْمَلُ مَحْفُوظُهُ فَيُجازِيَهِ بِما يَسْتَحِقُّ مِن نِعَمِهِ ونِقَمِهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِخْلافِ غَيْرِهِمْ وتَنَزُّهِهِ عَنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ، لِأنَّ الحِفْظَ: الحِراسَةُ، ويَلْزَمُها العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَمِنَ القُدْرَةِ حافِظُ العَيْنِ، أيْ لا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ، والحَفِيظَةُ - لِلْحَمِيَّةِ والغَضَبِ، ومِنهُما مَعًا المُحافَظَةُ - لِلْمُواظَبَةِ عَلى الشَّيْءِ؛ والتَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ: الذَّهابُ إلى غَيْرِ جِهَتِهِ إعْراضًا عَنْهُ؛ والإبْلاغُ: إلْحاقُ الشَّيْءِ نِهايَتَهُ؛ (p-٣١٤)والِاسْتِخْلافُ: جَعْلُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ يَقُومُ مَقامَهُ؛ والضُّرُّ: إيجابُ الألَمِ بِفِعْلِهِ أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ.

هود 11:58

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَرْجِعُوا ولَمْ يَرْعَوُوا لِبَيِّنَةٍ ولا رَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ فَأنْزَلَنا بِهِمْ أمْرَنا ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ في الإيمانِ والنَّجاةِ مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ وإعْجابِهِمْ بِقُواهُمْ، ويُقالُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ [بِحَيْثُ] لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَتِهِ، فَإنَّ طاعَتَهُ نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ تَحْقِيقًا لِتَوَكُّلِ عَبْدِنا؛ ولَمّا بَيَّنَ إنْجاءَهم مِن قَوْمِهِمْ بَيَّنَ إنْجاءَهم مِمّا أهْلَكَهم بِهِ فَقالَ [مُكَرِّرًا ذِكْرَ التَّنْجِيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ عَذابَهم كانَ في غايَةِ الفَظاعَةِ]: ﴿ونَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وبَيَّنَ فَظاعَةَ ما أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: أهْلَكْنا بِهِ مُخالِفِيهِمْ وهو الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، وهَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] كَأنَّهم كانُوا إذا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَصَدُوا نَبِيَّهم ومَن آمَنَ بِهِ لِيُهْلِكُوهم قَبْلَهم كَما (p-٣١٥)صَرَّحَ بِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ؛ والنَّجاةُ: السَّلامَةُ مِنَ الهَلاكِ؛ وحَقِيقَةُ الغِلْظَةِ عِظَمُ الجُثَّةِ، فاسْتُعِيرَ لِلْعَذابِ لِثِقَلِهِ عَلى النَّفْسِ وطُولِ مُكْثِهِ.

هود 11:59

ولَمّا تَمَّتْ قِصَّتُهم عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ والأُسْلُوبِ \ المُطْرِبِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أيْ: قِصَّةُ القَوْمِ البُعَداءِ البُغَضاءِ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أنْتَ ولا قَوْمُكَ ولا أهْلُ الكِتابِ، وإنَّما نُفِيَتْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ما لَهُ أصْلٌ عَنْ أنْبِيائِهِمْ، وهَذِهِ وقِصَّةُ ثَمُودٍ لَيْسَتا في التَّوْراةِ ولا شَيْءَ مِن أسْفارِ أنْبِيائِهِمْ، وسَألْتُ بَعْضَ عُلَمائِهِمْ فَلَمْ أجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا مِن عِلْمِها ولا حَرْفًا واحِدًا ولا سَمِعَ بِعادٍ ولا هُودٍ، وتَلْخِيصُ قِصَّتِهِمْ أنَّهم ﴿جَحَدُوا﴾ أيْ: كَذَّبُوا عِنادًا واسْتِهانَةً ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ فَإنَّ مَن عَصى واحِدًا مِنهم فَقَدْ عَصى الكُلَّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ التَّساوِي في مُطْلَقِ المُعْجِزَةِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ أيْ: قاهِرٍ بَلِيغِ القَهْرِ يَجْبُرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ في أصْلِ الدِّينِ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّ الضَّمائِرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ [فَيُمْكِنُ كُلَّ أحَدٍ مُخالَفَةُ الجَبّارِ فِيهِ] ﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ: طاغٍ باغٍ لا يَقْبَلُ الحَقَّ بِوَجْهٍ، فَأُهْلِكُوا ولَمْ يَمْنَعْهم تَجَبُّرُهم ولا أغْنى عَنْهم عِنادُهم وتَكَبُّرُهُمْ

هود 11:60

﴿وأُتْبِعُوا﴾ جَمِيعًا بَعْدَ (p-٣١٦)إهْلاكِهِمْ بِأيْسَرِ وجْهٍ لِعَظِيمِ قُدْرَةِ المُتَّبِعِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ حَقَّرَها في هَذِهِ العِبارَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ مَعَ التَّصْغِيرِ، وبِما دَلَّ عَلى الدُّنُوِّ وبِأنَّ مَنِ اغْتَرَّ بِها فَهو مِمَّنْ وقَفَ مَعَ الشّاهِدِ لِما لَهُ مِنَ الجُمُودِ ﴿لَعْنَةً﴾ أيْ: طَرْدًا وبُعْدًا وإهْلاكًا ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ بَلْ أشَدُّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَما لِمُصِيبَتِهِمْ مِن تَلافٍ؟ فَقِيلَ: لا، ”ألّا“ مُفْتَتِحًا لِلْإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ الأداةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ إلّا بَيْنَ يَدَيْ كَلامٍ يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ ويَجِلُّ خَطْبُهُ، والتَّأْكِيدُ في الإخْبارِ بِكُفْرِهِمْ تَحْقِيقٌ لِحالِهِمْ، وفِيهِ مِن أدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ الرَّدُّ عَلى طائِفَةٍ قَدْ حَدَثَتْ بِالقُرْبِ مِن زَمانِنا يُصَوِّبُونَ جَمِيعَ المِلَلِ وخَصُّوا عادًا هَذِهِ لِكَوْنِها أغْناهم بِأنْ قالُوا: إنَّهم مِنَ المُقَرَّبِينَ إلى اللَّهِ وإنَّهم بِعَيْنِ الرِّضى مِنهُ، فاللَّهُ المَسْؤُولُ في الإدالَةِ عَلَيْهِمْ وشِفاءِ الصُّدُورِ مِنهُمْ، وهم أتْباعُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الكافِرِ العَنِيدِ أهْلِ الِاتِّحادِ، المُجاهِرُونَ بِعَظِيمِ الإلْحادِ، المُسْتَخِفُّونَ بِرَبِّ العِبادِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ بَيانًا لا خَفاءَ مَعَهُ: ﴿إنَّ عادًا كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَقْصُرِ الفِعْلَ، بَلْ عَدّاهُ إعْظامًا لِطُغْيانِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيْ: غَطَّوْا [جَمِيعَ أنْوارِ] الظّاهِرِ الَّذِي لا يَصِحُّ أصْلًا خَفاؤُهُ لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى مَخْلُوقٍ إلّا مِنهُ، [فَكانَ كُفْرُهم أغْلَظَ الكُفْرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْثَنِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ إبْلاغِهِمْ جَمِيعَ ما أُمِرَ بِهِ ولا تَرَكَ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وفِيهِمْ قُدْوَةٌ]، ومَن كَفَرَ مَن (p-٣١٧)أحْسَنَ إلَيْهِ بَعُدَ بُعْدًا لا قُرْبَ مَعَهُ. ولَمّا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا والخَطْبُ جَلِيلًا، كَرَّرَ الأداةَ الَّتِي تُقالُ عِنْدَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ فَقالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ [هُوَ] مِن بَعِدَ - بِكَسْرِ العَيْنِ إذا كانَ بُعْدُهُ بِالهَلاكِ، وبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ تَحْقِيقًا لَهم لِأنَّهم عادانِ: الأُولى والآخِرَةُ، وإيماءً إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْإبْعادِ بِما جَرى لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم مِنَ الإنْكارِ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهَلاكِ كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهم كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْهَلاكِ؛ والجَحْدُ: الخَبَرُ عَمّا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُها، وهو ضِدُّ الِاعْتِرافِ كَما أنَّ النَّفْيَ ضِدُّ الإثْباتِ، فَهو خَبَرٌ بِمُجَرَّدِ العَدَمِ فَهو أعَمُّ؛ والعِصْيانُ خِلافُ ما أُمِرَ بِهِ الدّاعِي عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؛ واللَّعْنَةُ: الدُّعاءُ بِالإبْعادِ، وأصْلُها الإبْعادُ مِنَ الخَيْرِ؛ والإتْباعُ: جَعْلُ الثّانِي عَلى أثَرِ الأوَّلِ، والإبْلاغُ أخَصُّ مِنهُ، والمُرادُ هُنا بُلُوغُها لَهُمْ؛ لِأنَّ الَّذِي قَضى بِذَلِكَ قادِرٌ وقَدْ ألْحَقَ بِهِمْ عَذابَ الدُّنْيا المُبْعِدَ لَهم مِن مَظانِّ الرَّحْمَةِ.

هود 11:61

ولَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ عادٍ عَلى ما أرادَ سُبْحانَهُ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن كانُوا عَقِبَهم في الزَّمَنِ ومِثْلَهم في سُكْنى أرْضِ العَرَبِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، والمُناسَبَةُ في الأمْرِ المُعَذَّبِ بِهِ؛ لِأنَّ المُوصِلَ لِلصَّيْحَةِ إلى الأسْماعِ هو الرِّيحُ (p-٣١٨)وفِي خَفاءِ أمْرِهِمْ، مُفَصَّلًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿ثَمُودَ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿صالِحًا﴾ ثُمَّ أخْرَجَ قَوْلَهُ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ فَقالَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا مَن \ يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءٌ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ وحْدَهُ لِأنَّ عِبادَتَكم لَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ أغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ في أصْلِ الدِّينِ، وهو إفْرادُ المُنْعِمِ بِالعِبادَةِ. ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ، ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ ونِعْمَتَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها بِغَيْرِ واسِطَةٍ وبِخَلْقِكم مِنَ المَنِيِّ [مِنَ الدَّمِ] وهو مِنَ الغِذاءِ وهو مِنَ النَّباتِ وهو مِنَ الأرْضِ كَما أنْشَأ أوْثانَكم مِنها ”و“ رَفَعَ مِقْدارَكم عَلَيْها بِأنِ ”اسْتَعْمَرَكم“ أيْ: أهَّلَكم لِما لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ الأوْثانَ مِن أنْ تَكُونُوا عُمّارًا ﴿فِيها﴾ فَلا تَنْسَوْا حَقَّ إلَهِكم وما فَضَّلَكم بِهِ مِن حَقِّ أنْفُسِكم بِخُضُوعِكم لِما لا يُساوِيكم فَكَيْفَ بِمَن أنْشَأكم وإيّاها؛ والإنْشاءُ: الِابْتِداءُ بِالإيجادِ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ. ولَمّا بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ عَظَمَتَهُ، وكانَ الشَّيْطانُ قَدْ شَبَّهَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ كَما هو حالُ المُلُوكِ وألْقى إلَيْهِمْ أنَّ الأوْثانَ (p-٣١٩)وسائِلُ، نَفى ذَلِكَ مُبَيِّنًا طَرِيقَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: فَأقْبِلُوا بِكُلِّ قُلُوبِكم عَلَيْهِ طالِبِينَ أنْ يَسْتُرَ ذُنُوبَكُمْ؛ وذَكَرَ شَرْطَ المَغْفِرَةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى عَظِيمِ المَنزِلَةِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ أيِ ارْجِعُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم ﴿إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وعَطْفِهِ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ إلَيْهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى إمْهالَهُ لِلْعُصاةِ يَظُنُّ الظُّنُونَ ومَن عَصاهُ كانَ عَمَلُهُ عَمَلَ مَن يُنْكِرُ قُرْبَهُ وإجابَتَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ الَّذِي أخْلَصْتُ لَهُ العِبادَةَ لِإحْسانِهِ إلَيَّ وأدْعُوكم إلى الإخْلاصِ لَهُ لِإحْسانِهِ إلَيْكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مِن كُلِّ مَن أقْبَلَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى مُعاناةِ مَشْيٍ ولا حَرَكَةٍ جارِحَةٍ ﴿مُجِيبٌ﴾ لِكُلِّ مَن ناداهُ لا كَمَعْبُوداتِكم في الأمْرَيْنِ مَعًا.

هود 11:62

ولَمّا دَعاهم إلى الحَقِّ ونَصَّبَ لَهم عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما هم بِهِ مُعْتَرِفُونَ وذَكَّرَهم نِعَمَهُ مُومِئًا إلى التَّحْذِيرِ مِن نِقَمِهِ، وسَهَّلَ لَهم طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنْ سَلَخُوهُ مِن طَوْرِ البَشَرِيَّةِ لِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: ثَمُودُ ﴿يا صالِحُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ قِلَّةَ أدَبٍ مِنهم وجَفاءً ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ: فِيما بَيْنَنا إذا تَذاكَرْنا أمْرَكَ ﴿مَرْجُوًّا﴾ أيْ: في حَيِّزِ مَن يَصِحُّ أنْ يُرْجى أنْ يَكُونَ فِيهِ خَيْرٌ وسُؤْدُدٌ ورُشْدٌ وصَلاحٌ، واسْتَغْرَقُوا الزَّمانَ فَحَذَفُوا الجارَّ وقالُوا: ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي دَعَوْتَنا إلَيْهِ فَأمّا بَعْدَ هَذا فانْسَلَخْتَ مِن هَذا العِدادِ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا ما أوْجَبَ سُقُوطَهُ عِنْدَهم بِقَوْلِهِمْ مُنْكِرِينَ إنْكارَ (p-٣٢٠)مُحْتَرِقٍ ﴿أتَنْهانا﴾ أيْ: مُطْلَقَ نَهْيٍ ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وعَبَّرُوا بِصِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ كَأنَّ آباءَهم مَوْجُودُونَ فَلا تَمْكُنُ مُخالَفَتُهم إجْلالًا لَهُمْ، فَأجَّلُوا مَن يَرَوْنَهُ سَبَبًا قَرِيبًا في وُجُودِهِمْ ولَمْ يَهابُوا مَن أوَجَدَهم وآباءَهم أوَّلًا مِنَ الأرْضِ وثانِيًا مِنَ النُّطَفِ، ثُمَّ خَوَّلَهم فِيما هم فِيهِ، ثُمَّ فَزِعُوا - في أصْلِ الدِّينِ بَعْدَ ذِكْرِ الحامِلِ لَهم عَلى الكُفْرِ المانِعِ لَهم مِن تَرْكِهِ - إلى البُهْتِ بِأنَّ ما يُوجِبُ القَطْعَ لِكُلِّ عاقِلٍ مِن آيَتِهِ الباهِرَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَهم إلّا ما هو دُونَ الظَّنِّ في تَرْكِ إجابَتِهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ شَكَّهم حَقِيقٌ بِأنْ يُنْكَرَ لِأنَّهُ في أمْرٍ واضِحٍ جِدًّا لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ أصْلًا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ [و] زادُوا التَّأْكِيدَ بِالنُّونِ واللّامِ وبِالإشارَةِ بِالظَّرْفِ إلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ ﴿مِمّا﴾ ولَمّا كانَ الدّاعِي واحِدًا وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُلْحِقْ بِالفِعْلِ غَيْرَ نُونٍ واحِدَةٍ هي ضَمِيرُهم بِخِلافِ ما في سُورَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ؛ والرَّجاءُ: تَعَلُّقُ النَّفْسَ لِمَجِيءِ الخَيْرِ عَلى \ جِهَةِ الظَّنِّ، ونَظِيرُهُ الأمَلُ والطَّمَعُ؛ والنَّهْيُ: المَنعُ مِنَ الفِعْلِ بِصِيغَةِ لا تَفْعَلْ.

هود 11:63

(p-٣٢١)ولَمّا أبْرَزُوا لَهُ أمْرَهم في قالَبِ الشَّكِّ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، قابَلَهم بِمِثْلِهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ [إنْصافًا لَهم لِئَلّا يُلائِمَ الخِطابُ حالَ المُخاطَبِينَ]، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: صالِحٌ نادِبًا لَهم إلى النَّظَرِ في أمْرِهِ بِرِفْقٍ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الشَّكِّ لِأنَّ خِطابَهُ لِلْجاحِدِينَ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ، لا شَكَّ عِنْدِي فِيها ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: أوامِرَ هي سَبَبُ الرَّحْمَةِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ التَّهْوِيلَ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ: إنَّ وُقُوعَكم في الشَّكِّ [عَلى زَعْمِكُمْ] حَمَلَكم عَلى هَيْئَةِ الإباءِ في التَّلَبُّسِ بِأعْمالِهِمْ مَعَ زَوالِهِمْ واضْمِحْلالِهِمْ لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ وعَصَيْتُمُوهم لَمْ تُبالُوا بِهِمْ، وأمّا أنا فالَّذِي أمَرَنِي بِعِبادَتِهِ حَيٌّ قادِرٌ عَلى جَزاءِ مَن يُطِيعُهُ أوْ يَعْصِيهِ، وأقَلُّ ما يَحْمِلُ عَلى طاعَتِهِ الشَّكُّ في عُقُوبَتِهِ، وهو كافٍ لِلْعاقِلِ في تَرْكِ الخَطَرِ ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَهْيِكم لِي عَنِ الدُّعاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّكم ما ﴿تَزِيدُونَنِي﴾ بِذَلِكَ شَيْئًا في عَمَلِي بِما تَرْمُونَهُ مِنِّي مِن عَطْفِي عَنْهُ بِاتِّباعِكم في عَمَلِكم أوِ الكَفِّ عَنْكم لِأصِيرَ في عِدادِ مَن يُرْجى عِنْدَكم مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ: إيقاعِي في الخَسارَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا تَطْمَعُوا في تَرْكِي لِشَيْءٍ مِن مُخالَفَتِكم ما دُمْتُمْ (p-٣٢٢)عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والآيَةُ كَما تَرى ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]

هود 11:64

ولَمّا أخْبَرَهم أنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ خُسْرانٌ، ذَكَّرَهم أمْرَ النّاقَةِ الَّتِي أخْرَجَها سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الأرْضِ شاهِدًا عَلى كَوْنِهِمْ مُساوِينَ لِلْأوْثانِ في كَوْنِهِمْ مِنها مُفَضَّلِينَ عَلَيْها بِالحَياةِ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَدِيدِ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ﴾ إشارَةً إلى حاضِرٍ، وذَلِكم بَعْدَ أنْ أخْرَجَها لَهم سُبْحانَهُ عِنْدَما دَعاهُ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وبَيَّنَ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى، ثُمَّ بَنى حالًا مِن ﴿آيَةً﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْها لِئَلّا يَكُونَ صِفَةً لَها فَقالَ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً لِنَظَرِكم إيّاها عِنْدَما خَرَجَتْ ولِكُلِّ مَن سَمِعَ بِها بَعْدَكُمْ، ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، أُشِيرَ إلَيْها حالَ كَوْنِها ﴿آيَةً﴾ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى أخْرَجَها لَكم مِن صَخْرَةٍ، وهي عُشَراءُ عَلى حَسَبِ ما اقْتَرَحْتُمْ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ وبِكَوْنِها تَنْفَرِدُ بِشُرْبِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُونَ كُلُّكم بِشُرْبِ يَوْمٍ وتَنْفَرِدُ بِرَعْيِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُ جَمِيعُ الحَيَواناتِ مِن دَوابِّكم ووُحُوشُ بِلادِكم بِرَعْيِ يَوْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أنْتُمْ لَهُ مُبْصِرُونَ وبِهِ عارِفُونَ ﴿فَذَرُوها﴾ أيِ اتْرُكُوها عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ تَرْكُكم لَها ﴿تَأْكُلْ﴾ [أيْ مِمّا أرادَتْ] ﴿فِي أرْضِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ الَّتِي خَلَقَها مِنها ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ والأكْلُ: مَضْغٌ يَقَعُ عِنْدَ بَلْعٍ؛ والمَسُّ مُطْلَقُ الإصابَةِ ويَكُونُ بَيْنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، واللَّمْسُ أخَصُّ مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الإدْراكِ (p-٣٢٣)﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَكم ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: مِن زَمَنِ إصابَتِكم لَها بِالسُّوءِ.

هود 11:65

ثُمَّ أشارَ إلى قُرْبِ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِهِ فِيها بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ومُعَقِّبًا: ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيِ النّاقَةَ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: [عِنْدَ] بُلُوغِهِ الخَبَرَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: [أنْتُمْ] تَعِيشُونَ ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ: دارِكم هَذِهِ، وهي بَلْدَةُ الحِجْرِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ زِيادَةٍ عَلَيْها، فانْظُرُوا ماذا يُغْنِي عَنْكم تَلَذُّذُكم وتَرَفُّهُكم وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ في هَذا الوَعِيدِ مَثْنَوِيَّةٌ، قالَ مُجِيبًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الوَعْدُ العالِي الرُّتْبَةِ في الصِّدْقِ والغَضَبِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ: فِيهِ؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ بِالمُدْرَكاتِ الحِسانِ مِنَ المَناظِرِ والأصْواتِ وغَيْرِها مِمّا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، وسُمِّيَتِ البِلادُ دارًا لِأنَّها جامِعَةٌ لِأهْلِها - كَما تَجْمَعُ الدّارُ - ويُدارُ فِيها،

هود 11:66

وأشارَ إلى تَعَقُّبِ العَذابِ لِلْأيّامِ وتَسَبُّبِهِ عَنِ الوَعِيدِ المُعَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ بِخِلافِ ما في قِصَّةِ هُودٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أيْ مَعَ مُضِيِّ الأيّامِ كانَ أوَّلَ ما فَعَلْنا أنْ ﴿نَجَّيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ أوْلِياءَنا ﴿صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن كَيْدِ قَوْمِهِمْ، [وبَيَّنَ أنَّ إحْسانَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا فَضْلًا مِنهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُونَ (p-٣٢٤)غَدًا يَوْمَ مُؤْنِسٍ - يَعْنِي الخَمِيسَ - ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ عُرُوبَةَ - يَعْنِي الجُمْعَةَ - ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِبارٍ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلَ - أيِ الأحَدَ - فَقالَ التِّسْعَةُ رَهْطٍ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، فَإنْ كانَ صادِقًا عَجَّلْناهُ قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا قَدْ [كُنّا] ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ، فَأتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ في أهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا أبَطُؤُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهُمْ! ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهم ولَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهُمْ: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ أبَدًا فَقَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ يَكُونُ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ وراءَ ما تُرِيدُونَ، فانْصَرَفُوا فَلَمّا أصْبَحَتْ وُجُوهُهم مُصْفَرَّةً عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهُمْ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَجاءَ إلى بَطْنٍ مِنهم يُقالُ لَهُ (بَنُو غُنْمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ [رَجُلٍ] فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ، فَعَدَوْا عَلى أصْحابِ صالِحٍ يُعَذِّبُونَهم لِيَدُلُّوهم عَلَيْهِ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّهم يُعَذِّبُونَنا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ، أفَنَدُلُّهُمْ؟ قالَ: (p-٣٢٥)نَعَمْ، فَدَلُّوهم عَلَيْهِ فَأتَوْهُ فَقالَ الغَنَمِيُّ: نَعَمْ عِنْدِي ولا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَتَرَكُوهُ وشَغَلَهم عَنْهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ [كَذا] ذَكَرَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ووَهْبٍ وغَيْرِهِما مُطَوَّلًا. ولَمّا ذَكَرَ نَجاتَهم مِن كُلِّ هَلَكَةٍ، ذَكَرَ نَجاتَهم مِن خُصُوصِ ما عُذِّبَ بِهِ قَوْمُهم فَقالَ: ﴿ومِن﴾ أيْ: ونَجَّيْناهم مِن ﴿خِزْيِ﴾ أيْ: ذُلِّ وفَضِيحَةِ ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمِ إذْ جاءَ أمْرُنا بِإهْلاكِهِمْ بِالصَّيْحَةِ وحَلَّ بِهِمْ دُونَهم فَرْقًا [بَيْنَ] أوْلِيائِنا [و] أعْدائِنا، [وحَذْفُ ”نَجَّيْنا“ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَذابَهم دُونَ عَذابِ عادٍ]؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِهِ إهْلاكًا وإنْجاءً بِاخْتِصاصِهِ بِصِفاتِ القَهْرِ والغَلَبَةِ والِانْتِقامِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ كَما أحْسَنَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القَوِيُّ﴾ فَهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى مَنعِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ، مِن عَزَّ الشَّيْءُ أيِ امْتَنَعَ، ومِنهُ العِزازُ - لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ المُمْتَنِعَةِ بِذَلِكَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحى مِن مِثْلِهِ.

هود 11:67

ثُمَّ بَيَّنَ إيقاعَهُ بِأعْدائِهِ بَعْدَ إنْجائِهِ لِأوْلِيائِهِ فَقالَ مُعَظِّمًا لِلْأخْذِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وأشارَ إلى عَظَمَةِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ (p-٣٢٦)بِإسْقاطِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وسَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ، وتَقَدَّمَ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالدِّيارِ مَعَ الصَّيْحَةِ والدّارِ مَعَ الرَّجْفَةِ في الأعْرافِ، وخُصَّتْ هُودٌ بِما ذُكِرَ فِيها لِأنَّ مَقْصُودَها أعْظَمُ نَظَرٍ إلى التَّفْصِيلِ، وكُلٌّ مِنَ الدِّيارِ والصَّيْحَةِ أقْرَبُ إلى ذَلِكَ.

هود 11:68

ولَمّا كانَ الجُثُومُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: يُقِيمُوا أغْنِياءَ لاهِينَ بِالغَناءِ ﴿فِيها﴾ ثُمَّ نَبَّهَ - عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ لِمَن لَعَلَّهُ يَغْفُلُ فَيَسْألُ - بِقَوْلِهِ مُفْتَتِحًا بِالأداةِ الَّتِي لا تُقالُ إلّا عِنْدَ الأُمُورِ الهائِلَةِ: ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ قِراءَةُ الصَّرْفِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ [لِطَيْشِهِمْ في المَعْصِيَةِ] ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّغْطِيَةَ والسَّتْرَ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْسالِ وهو الظّاهِرُ وبِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَلا يَخْفى عَلى أحَدٍ أصْلًا، [فَإيصالُ الفِعْلِ دُونَ قَصْرِهِ كَما في أكْثَرِ أضْرابِهِ بَيانٌ لِغِلْظَةِ كُفْرِهِمْ]؛ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لَهُ وإعْلامًا بِتَأْبِيدِ هَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ تَرَكَ صَرْفَهم في قِراءَةِ غَيْرِ الكِسائِيِّ إيذانًا بِدَوامِ لُبْثِهِمْ في الطَّرْدِ والبُعْدِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ \ عَظِيمٌ مِن فَمِ حَيٍّ، والجُثُومُ لِدَوامِ مَكانٍ واحِدٍ أوِ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، وقِيلَ: القُعُودُ عَلى الرُّكَبِ؛ وقالَ: ﴿أصْبَحُوا﴾ [المائدة: ١٠٢] زِيادَةً في التَّخْوِيفِ والتَّأْسِيفِ (p-٣٢٧)بِما وقَعَ لَهم مِنَ التَّحْسِيرِ لَوْ أدْرَكَهُ أحَدٌ مِنهم لَأنَّ الإنْسانَ يَفْرَحُ إذا أصْبَحَ بِقِيامِهِ مِن نَوْمِهِ مُسْتَرِيحًا قادِرًا عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الحَرَكاتِ لِلِاسْتِمْتاعِ بِما يَشْتَهِي مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فَأصْبَحَ هَؤُلاءِ - بَعْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ - خُفُوتًا أجْمَعِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا ونِساءً صِغارًا وكِبارًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا [أصْلًا، ولا أصْدَرُوا فَصْلًا ولا وصْلًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا] لِلْعُيُونِ قُرَّةً، ولَمْ يُعَدُّوا في الأحْياءِ مَرَّةً، كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا؛ أيْ: يُقِيمُوا لِانْقِطاعِ آثارِهِمْ إلّا ما بَقِيَ مِن أجْسادِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الخِزْيِ؛ والمَغانِي: المَنازِلُ، وأصْلُ الغَناءِ الِاكْتِفاءُ؛ ومَعْنى ”ألا“ التَّنْبِيهُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ”لا“ فالألِفُ تَقْتَضِي مَعْنًى، و”لا“ تَنْفِي مَعْنًى، فاقْتَضى الكَلامُ بِهِما مَعْنى التَّنْبِيهِ مَعَ نَفْيِ الغَفْلَةِ - انْتَهى. وكانَ حَقِيقَتَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”لا“ دَخَلَتْ عَلى ما بَعْدَها فَنَفَتْهُ، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ فَنَفَتْها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَرَجَعَ المَعْنى كَما كانَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ [التَّنْبِيهِ و] التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَعْنى بَعْدَ نَفْيِهِ آكَدُ مِن إثْباتِهِ عُرْيًا عَنِ النَّفْيِ ولا سِيَّما إذا كانَ المُفِيدُ لِذَلِكَ الإنْكارَ، وهَذا المَعْنى مُطَّرِدٌ في [ألا] العَرْضِيَّةِ وهَلا التَّخْصِيصِيَّةِ ونَحْوِهِما، ويَمْشِي في كُلِّ صِلَةٍ بِأنْ تَرُدَّها إلى أصْلِ مَدْلُولِها في اللُّغَةِ ثُمَّ تَتَصَرَّفُ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ - (p-٣٢٨)واللَّهُ الهادِي. ولَما جازَ الصَّرْفُ في ثَمُودَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ أبِي القَبِيلَةِ وعَدَمُهُ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى القَبِيلَةِ اخْتِيرَ الصَّرْفُ في النَّصْبِ فَقَطْ لِخِفَّتِهِ.

هود 11:69

ولَمّا انْقَضَتِ القِصَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّائِعِ، أتْبَعَها قِصَّةَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَتْ أشْهَرَ الوَقائِعِ بَعْدَها وهي أفْظَعُ مِنها وأرْوَعُ، وقَدَّمَ عَلَيْها ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَكَرَ بُشْراهُ لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّنْبِيهِ لِمَن تَعَنَّتَ بِطَلَبِ إنْزالِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَزِيزًا عَلَيْهِ. وقَدْ أكْثَرَ مِن فِعْلِهِ ولَكِنَّ نُزُولَهم مُرْهِبٌ، وأمْرَهم عِنْدَ المُكاشَفَةِ مُرْعِبٌ، وأمّا مَعَ السَّتْرِ فَلا يَقْطَعُ تَعَنُّتَهُمْ، هَذا مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُناسَبَةِ أمْرِ هَذا الوَلَدِ لِأمْرِ النّاقَةِ في تَكْوِينِ كُلٍّ مِنهُما بِخارِقٍ لِلْعادَةِ إشارَةً إلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ أمْرُ السُّورَةِ في إحْكامِ الكِتابِ وتَفْصِيلِهِ وتَناسُبِ جِدالَيْ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما شَفَقَةٌ عَلى الكافِرِينَ ورَجاءٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ العَذابِ بِحُسْنِ المَثابِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ ”لَقَدْ“ في صَدْرِها عَطْفًا عَلى ما في قِصَّةِ نُوحٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ الأغْراضِ، لِأنَّ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ فَجاءَتْ لِتُؤْذِنَ بِأنَّ السّامِعَ في حالِ تَوَقُّعٍ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا انْقَضَتْ قِصَّةُ الخَبَرِ عَمّا بَعْدَها فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: ودَخَلَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ كَما يُؤَكِّدُ (p-٣٢٩)القَسَمُ ﴿جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَمَتُهم مِن عَظَمَتِنا، قِيلَ: كانُوا جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿إبْراهِيمَ﴾ هو خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِالبُشْرى﴾ أيِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ البَشائِرِ وهي إكْرامُهُ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا لَهُ مِن زَوْجَتِهِ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، [جاءُوهُ] في الصِّفَةِ الَّتِي يُحِبُّها وهي صِفَةُ الأضْيافِ، فَلَمْ يَعْرِفْهم مَعَ أنَّهُ الخَلِيلُ بَلْ أنْكَرَهم كَما قالَ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] فَيُحْمَلُ إنْكارُهُ أوَّلًا عَلى الِاسْتِغْرابِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِمْ زِيَّ أهْلِ تِلْكَ البِلادِ ولا أثَرَ السَّفَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا عَظِيمًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ دائِمٌ عَلَيْكم لا زَوالَ لَهُ أبَدًا، فَلِلرَّفْعِ مَزِيَّةٌ عَلى النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ ثابِتٍ، والنَّصْبُ تَجْدِيدُ ما لَمْ يَكُنْ، فَصارَ مُنْدَرِجًا \ في ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] ثُمَّ أكْرَمَ نُزُلَهم وذَهَبَ يَفْعَلُ ما طَبَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَجايا الكَرَمِ وأفْعالِ الكِرامِ في أدَبِ الضِّيافَةِ مِنَ التَّعْجِيلِ مَعَ الإتْقانِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ: [فَتَسَبَّبَ عَنْ مَجِيئِهِمْ وتَعَقَّبَهُ أنَّهُ] ما تَأخَّرَ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ: مَشْوِيٍّ عَلى حِجارَةٍ مُحْماةٍ في أُخْدُودٍ [وفَوْقَهُ حِجارَةٌ مُحْماةٌ لِيَشْتَدَّ نُضْجُهُ، فَكانَ بَعْدَ الشَّيِّ] يَقْطُرُ دَسَمُهُ لِأنَّهُ سَمِينٌ، كُلُّ ذَلِكَ وهو لا يَعْرِفُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ هو قاطِعٌ بِأنَّهم مِمَّنْ يَأْكُلُ، وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ (p-٣٣٠)﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] الآيَةَ. أيْ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ المَعانِيَ في القُلُوبِ وناطَ بِها السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ، وقَدْ تَخْفى تِلْكَ المَعانِي كَما خَفِيَ عَلى أكْمَلِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ أنَّ ضَيْفَهُ مَلائِكَةٌ حَتّى خافَ مِنهم وقَدْ أتَوْهُ بِالبُشْرى، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْتَقِرَ أحَدًا إلّا بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ.

هود 11:70

ولَمّا وضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لَمْ يَلُمُّوا بِهِ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلِ [عَقِبَ الوَضْعِ سَواءٌ] ﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ: [إلى] العِجْلِ الَّذِي وضَعَهُ لِيَأْكُلُوهُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيِ اشْتَدَّتْ نَكارَتُهُ لَهم وانْفَعَلَ لِذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ نَكِرَ أبْلَغُ مِن أنْكَرَ ﴿وأوْجَسَ﴾ أيْ: أضْمَرَ مَخْفِيًّا في قَلْبِهِ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ [أيْ عَظِيمَةً] لِما رَأى مِن أحْوالِهِمْ وشاهَدَ مِن جَلالِهِمْ، [وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ]، والدَّلِيلُ - عَلى أنَّ خَوْفَهُ كانَ لِعِلْمِهِ بِالتَّوَسُّمِ أنَّهم مَلائِكَةٌ نَزَلُوا لِأمْرٍ يَكْرَهُهُ مِن تَعْذِيبِ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ أوْ نَحْوَ هَذا - أنَّهم ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أيْ: مِمَّنْ لا يُرَدُّ أمْرُهُ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَإنَّهم نَفَوُا الخَوْفَ عَنْهُ بِالإعْلامِ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ، لا بِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً، قالُوا ذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ

هود 11:71

﴿وامْرَأتُهُ﴾ أيْ: [جاءَتْهُ الرُّسُلُ بِالبُشْرى أيْ ذَكَرُوها لَهُ] والحالُ أنَّ زَوْجَةَ إبْراهِيمَ الَّتِي هي كامِلَةُ المُرُوءَةِ وهي سارَّةُ ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: عَلى بابِ الخَيْمَةِ [لِأجَلِ] ما لَعَلَّها (p-٣٣١)تَفُوزُ بِهِ مِنَ المُعاوَنَةِ عَلى خِدْمَتِهِمْ، فَسَمِعَتِ البِشارَةَ بِالوَلَدِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِيما مَضى قَوْلُهُ: ﴿بِالبُشْرى﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أيْ: تَعَجَّبَتْ مِن تِلْكَ البُشْرى لِزَوْجِها مَعَ كِبَرِهِ، ورُبَّما ظَنَّتْهُ مَن غَيْرِها لِأنَّها - مَعَ أنَّها كانَتْ عَقِيمًا - عَجُوزٌ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ [إشارَةً إلى أنَّهُ تَعَجُّبٌ عَظِيمٌ] ﴿فَبَشَّرْناها﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعَجُّبِها أنّا أعَدْنا لَها البُشْرى مُشافَهَةً بِلِسانِ المَلائِكَةِ تَشْرِيفًا لَها وتَحْقِيقًا أنَّهُ مِنها ﴿بِإسْحاقَ﴾ تَلِدُهُ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ: يَكُونُ يَعْقُوبُ ابْنًا لِإسْحاقَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى [ما] قُدَّرْتُهُ - مِن أنَّهم بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ قَبْلَ امْرَأتِهِ فَسَمِعَتْ فَعَجِبَتْ - ما يَأْتِي عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ، والحَكَمُ العَدْلُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] - الآيَةَ.

هود 11:72

ولَمّا شافَهُوها بِذَلِكَ، صَرَّحَتْ بِوَجْهِ العَجَبِ مِن أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ عَجَبَيْنِ في كَوْنِهِ مِنهُ ومِنها بِأنْ ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ وهي كَلِمَةٌ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ فَظِيعٍ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ ويَسْتَعْمِلْنَها إلى اليَوْمِ، لَكِنَّهُنَّ غَيَّرْنَ في لَفْظِها كَما غُيِّرَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ؛ والوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ والألِفُ في آخِرِهِ بَدَلَ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، كَنّى بِها هُنا عَنِ العَجَبِ الشَّدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ومُراجَمَةِ الظُّنُونِ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّ (p-٣٣٢)مَعْناها الإيذانُ بِوُرُودِ الأمْرِ الفَظِيعِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: يا لَلدَّواهِي! أيْ تَعالَيْنَ فَإنَّهُ مِن أحْيانِكِ فَحُضُورُ ما حَضَرَ مِن أشْكالِكِ. ولَمّا كانَ ما بُشِّرَتْ بِهِ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ بِحَسْبِ العادَةِ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا﴾ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿عَجُوزٌ وهَذا﴾ أيْ: مَن هو حاضِرِي ﴿بَعْلِي شَيْخًا﴾ ثُمَّ تَرْجَمَتْ ذَلِكَ بِما هو نَتِيجَتُهُ فَقالَتْ: [مُؤَكِّدَةً لِأنَّهُ - لِما لَهُ مِن خَرْقِ العَوائِدِ - في حَيِّزِ المُنْكَرِ عِنْدَ النّاسِ]: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الأمْرَ المُبَشَّرَ بِهِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَعَجِّبِينَ مِن تَعَجُّبِها ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وهو لا يَنْبَغِي لَكِ لِأنَّكِ مُعْتادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِما لَيْسَ لِغَيْرِكم مِنَ الخَوارِقِ، والعَجَبُ إنَّما يَكُونُ مِمّا خَرَجَ عَنْ أشْكالِهِ وخَفِيَ سَبَبُهُ، وأنْتِ - لِثَباتِ عِلْمِكِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحُضُورُهُ \ لَدَيْكِ مَعَ اصْطِفاءِ اللَّهِ لَكم وتَكَرُّرِ خَرْقِهِ لِلْعَوائِدِ في شُؤُونِكم - لَسْتِ كَغَيْرِكِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا إنْكارَهم لِتَعَجُّبِها بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَرامَةُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ الثّابِتَةُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَيَّنُوا خُصُوصِيَّتَهم بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ [مِدْحَةً لَهم فَقالَ]: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ قَدْ تَمَرَّنْتُمْ عَلى مُشاهَدَةِ العَجائِبِ لِكَثْرَةِ ما تَرَوْنَ مِن آثارِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ (p-٣٣٣)وغَيْرِهِ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا تَثْبِيتًا لِأصْلِ الكَلامِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ فَقالَ]: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: بِخُصُوصِ هَذا الإحْسانِ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [أيْ] كَثِيرُ التَّعَرُّفِ إلى مَن يَشاءُ مِن جَلائِلِ التَّعَمُّمِ وعَظِيمِ المَقْدُورِ بِما يُعْرَفُ أنَّهُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ عَلى المَجْدِ، وهو الكَرَمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُودُ،

هود 11:73

ولَمّا شافَهُوها بِذَلِكَ، صَرَّحَتْ بِوَجْهِ العَجَبِ مِن أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ عَجَبَيْنِ في كَوْنِهِ مِنهُ ومِنها بِأنْ ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ وهي كَلِمَةٌ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ فَظِيعٍ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ ويَسْتَعْمِلْنَها إلى اليَوْمِ، لَكِنَّهُنَّ غَيَّرْنَ في لَفْظِها كَما غُيِّرَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ؛ والوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ والألِفُ في آخِرِهِ بَدَلَ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، كَنّى بِها هُنا عَنِ العَجَبِ الشَّدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ومُراجَمَةِ الظُّنُونِ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّ (p-٣٣٢)مَعْناها الإيذانُ بِوُرُودِ الأمْرِ الفَظِيعِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: يا لَلدَّواهِي! أيْ تَعالَيْنَ فَإنَّهُ مِن أحْيانِكِ فَحُضُورُ ما حَضَرَ مِن أشْكالِكِ. ولَمّا كانَ ما بُشِّرَتْ بِهِ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ بِحَسْبِ العادَةِ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا﴾ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿عَجُوزٌ وهَذا﴾ أيْ: مَن هو حاضِرِي ﴿بَعْلِي شَيْخًا﴾ ثُمَّ تَرْجَمَتْ ذَلِكَ بِما هو نَتِيجَتُهُ فَقالَتْ: [مُؤَكِّدَةً لِأنَّهُ - لِما لَهُ مِن خَرْقِ العَوائِدِ - في حَيِّزِ المُنْكَرِ عِنْدَ النّاسِ]: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الأمْرَ المُبَشَّرَ بِهِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَعَجِّبِينَ مِن تَعَجُّبِها ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وهو لا يَنْبَغِي لَكِ لِأنَّكِ مُعْتادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِما لَيْسَ لِغَيْرِكم مِنَ الخَوارِقِ، والعَجَبُ إنَّما يَكُونُ مِمّا خَرَجَ عَنْ أشْكالِهِ وخَفِيَ سَبَبُهُ، وأنْتِ - لِثَباتِ عِلْمِكِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحُضُورُهُ \ لَدَيْكِ مَعَ اصْطِفاءِ اللَّهِ لَكم وتَكَرُّرِ خَرْقِهِ لِلْعَوائِدِ في شُؤُونِكم - لَسْتِ كَغَيْرِكِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا إنْكارَهم لِتَعَجُّبِها بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَرامَةُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ الثّابِتَةُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَيَّنُوا خُصُوصِيَّتَهم بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ [مِدْحَةً لَهم فَقالَ]: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ قَدْ تَمَرَّنْتُمْ عَلى مُشاهَدَةِ العَجائِبِ لِكَثْرَةِ ما تَرَوْنَ مِن آثارِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ (p-٣٣٣)وغَيْرِهِ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا تَثْبِيتًا لِأصْلِ الكَلامِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ فَقالَ]: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: بِخُصُوصِ هَذا الإحْسانِ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [أيْ] كَثِيرُ التَّعَرُّفِ إلى مَن يَشاءُ مِن جَلائِلِ التَّعَمُّمِ وعَظِيمِ المَقْدُورِ بِما يُعْرَفُ أنَّهُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ عَلى المَجْدِ، وهو الكَرَمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُودُ،

هود 11:74

فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ واطْمَأنُّوا، أخَذَ في قَصِّ ما كانَ بَعْدَهُ، فَقالَ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الإنْكارِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَزَعِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ﴾ بِانْكِشافِ الأمْرِ ﴿عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ الشَّدِيدُ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ فامْتَلَأ سُرُورًا ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ مَعَنا بِمُجادِلَةِ رُسُلِنا فِعْلَ المُجادِلِ الَّذِي يَكْثُرُ كَلامُهُ إرادَةً لِفَتْلِ مُخاطِبِهِ عَمّا يَقُولُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: يَسْألُنا في نَجاتِهِمْ سُؤالًا يَحْرِصُ فِيهِ حِرْصَ المُجادِلِ في صَرْفِ الشَّيْءِ، مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، ووَضَعَ المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي إشارَةً إلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ، أيْ: جادَلَنا فِيهِمْ جِدالًا كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ مُجادَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحُلْمِ، وهو إمْهالُ صاحِبِ الذَّنْبِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ﴿أوّاهٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ لِلتَّأوُّهِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ بِالسَّبْقِ في ارْتِقاءِ دَرَجِ القُرْبِ، فَهو - لِما عِنْدَهُ هَذِهِ المَحاسِنُ - لا يَزالُ يَتَوَقَّعُ الإقْلاعَ مِنَ العُصاةِ.

هود 11:75

فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ واطْمَأنُّوا، أخَذَ في قَصِّ ما كانَ بَعْدَهُ، فَقالَ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الإنْكارِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَزَعِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ﴾ بِانْكِشافِ الأمْرِ ﴿عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ الشَّدِيدُ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ فامْتَلَأ سُرُورًا ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ مَعَنا بِمُجادِلَةِ رُسُلِنا فِعْلَ المُجادِلِ الَّذِي يَكْثُرُ كَلامُهُ إرادَةً لِفَتْلِ مُخاطِبِهِ عَمّا يَقُولُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: يَسْألُنا في نَجاتِهِمْ سُؤالًا يَحْرِصُ فِيهِ حِرْصَ المُجادِلِ في صَرْفِ الشَّيْءِ، مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، ووَضَعَ المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي إشارَةً إلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ، أيْ: جادَلَنا فِيهِمْ جِدالًا كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ مُجادَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحُلْمِ، وهو إمْهالُ صاحِبِ الذَّنْبِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ﴿أوّاهٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ لِلتَّأوُّهِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ بِالسَّبْقِ في ارْتِقاءِ دَرَجِ القُرْبِ، فَهو - لِما عِنْدَهُ هَذِهِ المَحاسِنُ - لا يَزالُ يَتَوَقَّعُ الإقْلاعَ مِنَ العُصاةِ.

هود 11:76

ولَمّا كانَ أكْثَرُ المُجادَلَةِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ لِما لَهُ (p-٣٣٤)مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الأمْرَ قَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً أنَّ الرُّسُلَ قالَتْ لَهُ بَعْدَ طُولِ المُجادَلَةِ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي هي أُمُّ البابِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها عَظِيمُ الشَّأْنِ عالِي المَنزِلَةِ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ﴾ أيْ: بِكُلِّيَّتِكَ ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ السُّؤالِ في نَجاتِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّهُ بِمُجادَلَتِهِ في حَيِّزِ مَن يُنْكِرُ بَتَّ الأمْرِ: ﴿إنَّهُ قَدْ﴾ افْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّهُ مَوْضِعُهُ ﴿جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَكَ بِإحْسانِهِ الجَمِّ، فَلَوْلا أنَّهُ حَتَمَ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ لَأمْهَلَهم لِأجْلِكَ، ولِذا عَطَفَ عَلى العِلَّةِ قَوْلَهُ مُؤَكَّدًا إعْلامًا بِأنَّهُ أمْرٌ قَدِ انْبَرَمَ ومَضى: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ﴾ أيْ: إتْيانًا ثابِتًا ﴿عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مِن أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ؛ الإعْراضُ: الِانْصِرافُ، وحَقِيقَتُهُ الذَّهابُ عَنِ الشَّيْءِ في جِهَةِ العَرْضِ؛ والرَّدُّ: إذْهابُ الشَّيْءِ إلى ما جاءَ مِنهُ كالرَّجْعِ؛ والدَّفْعُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلى جِهَةِ القُدّامِ؛ فَلَّما عَلِمَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، قَدَّمَهُ عَلى مُرادِهِ ولَمْ يَنْطِقْ بَعْدَهُ بِبِنْتِ شَفَةٍ. ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ: واسْتَعْلَنَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ في مَرْجٍ - وفي نُسْخَةٍ: بَيْنَ بَلُّوطِ مُمْرى الأُمُورانِيِّ - وكانَ جالِسًا عَلى بابِ خَيْمَتِهِ إذِ اشْتَدَّ النَّهارُ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ فَإذا هو بِثَلاثَةِ رِجالٍ وُقُوفٍ عَلى رَأْسِهِ، فَلَمّا رَآهم أحْضَرَ إلَيْهِمْ مِن بابِ الخَيْمَةِ (p-٣٣٥)وسَجَدَ عَلى الأرْضِ وقالَ: يا رَبِّ - وفي نُسْخَةٍ: يا ولِيَّ اللَّهِ - إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ مَوَدَّةٌ فَلا تَبْعُدْ عَنْ عَبْدِكَ حَتّى آتِيَ بِما أغْسِلُ بِهِ أرْجُلَكُمْ، واتَّكَئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وأصِيبُوا شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ تُقِرُّونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ حِينَئِذٍ تَجُوزُونَ لِأنَّكم مَرَرْتُمْ بِعَبْدِكم بَغْتَةً فَقالُوا لَهُ: اصْنَعْ كَما قُلْتُ، فاسْتَعْجَلَ إبْراهِيمُ فَأحْضَرَ إلى الخَيْمَةِ إلى سارَّةَ وقالَ: عَجِّلِي بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن دَرْمَكٍ - وفي نُسْخَةٍ: دَقِيقٍ سَمِيدٍ - فاعْجِنِيهِ واخْبِزِي مِنهُ مَلِيلًا، وسَعى إلى قَطِيعِ البَقَرِ فَأخَذَ عِجْلًا سَمِينًا شابًّا فَدَفَعَهُ إلى الغُلامِ وأمَرَ بِتَعْجِيلِ صَنْعَتِهِ وأخَذَ سَمْنًا ولَبَنًا والعِجْلَ الَّذِي \ صُنِعَ لَهُ أيْضًا فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وكانَ هو واقِفًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ؟ فَقالَ: في الخَيْمَةِ، فَقالَ لَهُ: إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في مِثْلِ هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي في الحَياةِ ولَها مِنكَ ابْنٌ، فَسَمِعَتْ سارَّةُ وهي عَلى بابِ الخَيْمَةِ مُسْتَتِرَةً وكانَ هو خَلْفَها، وكانَ إبْراهِيمُ وسارَّةُ قَدْ شاخا وقَدِمَ سِنُّهُما وانْقَطَعَ عَنْ سارَّةَ سَبِيلُ النِّساءِ، فَضَحِكَتْ سارَّةُ في قَلْبِها وقالَتْ: أمِن بَعْدِ ما بَلِيتُ أرْجِعُ شابَّةً وسَيِّدِي قَدْ شاخَ؟ فَقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: لِمَ ضَحِكَتْ سارَّةُ وقالَتْ: أنّى لِي بِالوَلَدِ وقَدْ شِخْتُ؟ أيَعْسَرُ هَذا عَلى اللَّهِ؟ إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في [مِثْلِ] هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي حَيَّةٌ ولَها ابْنٌ، فَجَحَدَتْ سارَّةُ وقالَتْ: كَلّا ما ضَحِكْتُ، لِأنَّها فَزِعَتْ، فَقالَ: كَلّا! ولَكِنَّكِ قَدْ ضَحِكْتِ، ثُمَّ قامَ (p-٣٣٦)الرِّجالُ وتَعَمَّدُوا طَرِيقَ سَدُومَ وعامُورا، وانْطَلَقَ مَعَهم إبْراهِيمُ لِيُشَيِّعَهم. وقالَ اللَّهُ: أأكْتُمُ عَبْدِي إبْراهِيمَ شَيْئًا مِمّا أصْنَعُ؟ وإبْراهِيمُ يَكُونُ رَئِيسًا لِشُعَبٍ عَظِيمٍ كَبِيرٍ، وتَتَبارَكُ بِهِ شُعُوبُ الأرْضِ، لِأنِّي عالِمٌ أنَّهُ يُوصِي بَنِيهِ وأهْلَ بَيْتِهِ مِن بَعْدِهِ أنْ يَحْفَظُوا طُرُقَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا بِالبَرِّ والعَدْلِ، لِأنَّ الرَّبَّ يُكْمِلُ لِإبْراهِيمَ جَمِيعَ ما وعَدَهُ بِهِ. فَقالَ الرَّبُّ [ لِإبْراهِيمَ ]: لَقَدْ وصَلَ إلَيَّ حَدِيثُ سَدُومَ وعامُورا وقَدْ كَثُرَتْ خَطاياهم جِدًّا، ثُمَّ ولّى القَوْمُ ومَضَوْا إلى سَدُومَ، وكانَ إبْراهِيمُ بَعْدُ واقِفًا قُدّامَ الرَّبِّ، [فَدَنا إبْراهِيمُ ] وقالَ: يا رَبِّ! تُهْلِكُ الأبْرارَ مَعَ الفُجّارِ بِغَضَبٍ واحِدٍ؟ إنْ كانَ في القَرْيَةِ خَمْسُونَ بارًّا أتُهْلِكُهم بِغَضَبٍ واحِدٍ؟ حاشاكَ يا رَبِّ أنْ تَصْنَعَ هَذا الصَّنِيعَ وتُهْلِكَ البَرِيءَ مَعَ السَّقِيمِ، ويَكُونَ البَرِيءُ بِحالِ السَّقِيمِ، حاشا لَكَ يا حاكِمَ الأرْضِ كُلِّها! لا يَكُونُ هَذا مِن صَنِيعِكَ! فَقالَ الرَّبُّ: إنْ وجَدْتُ بِسَدُومَ خَمْسِينَ بارًّا في القَرْيَةِ عَفَوْتُ عَنْ جَمِيعِ البَلَدِ مِن أجْلِهِمْ، فَأجابَ إبْراهِيمُ وقالَ: إنِّي قَدْ بَدَأْتُ بِالكَلامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وإنَّما أنا تُرابٌ ورَمادٌ، فَإنْ نَقَصَ مِنَ الخَمْسِينَ بارًّا خَمْسَةٌ تُخَرِّبُ القَرْيَةَ كُلَّها مِن أجْلِ الخَمْسَةِ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وجَدْتُ بِها خَمْسَةً وأرْبَعِينَ بارًّا، فَعادَ إبْراهِيمُ وقالَ لَهُ: فَإنْ وُجِدَ فِيها أرْبَعُونَ؟ (p-٣٣٧)فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وُجِدَتْ فِيها أرْبَعِينَ، فَقالَ: لا يُمْكِنُ الرَّبُّ كَلامِي فَأتَكَلَّمُ، فَإنْ كانَ هُناكَ ثَلاثُونَ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وجَدْتُ فِيها ثَلاثِينَ، فَقالَ: إنِّي قَدْ أمْعَنْتُ في الكَلامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، فَإنْ وُجِدَ بِها عِشْرُونَ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها مِن أجْلِ العِشْرِينَ، فَقالَ: لا نَشُقَّنَّ عَلى الرَّبِّ، فَأتَكَلَّمُ هَذِهِ المَرَّةَ يا رَبِّ فَقَطْ، فَإنْ وُجِدَ بِها عَشَرَةُ رَهْطٍ؟ فَقالَ: لا أُفْسِدُها مِن أجْلِ العَشَرَةِ؛ فارْتَفَعَ اسْتِعْلانُ الرَّبِّ عَنْ إبْراهِيمَ لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن كَلامِهِ ورَجَعَ إبْراهِيمُ إلى مَوْضِعِهِ - انْتَهى. وقَدْ مَضى أمْرُ حَبَلِ سارَّةَ ووِلادِها في البَقَرَةِ.

هود 11:77

ولَمّا انْقَضى أمْرُ إنْبائِهِمْ بِبِشارَةِ الأوْلِياءِ وهَلاكِ الأعْداءِ، وعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِلْأُمُورِ الهائِلَةِ والأحْوالِ المُعْجِبَةِ، أخَذَ يَقُصُّ أمْرَهم مَعَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا مَعَ إبْراهِيمَ انْفِصالَهم عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذُكِرَ، ثُمَّ فارَقُوهُ نَحْوَ لُوطٍ، [ولَمْ يَذْكُرِ الحَرْفَ المَصْدَرِيَّ لِأنَّ سِياقَهُ ومَقْصُودَ السُّورَةِ لا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَما نُشِيرُ إلَيْهِ في العَنْكَبُوتِ]: ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا﴾ عَلى ما قارَنَهم مِن عَظَمَتِنا ﴿لُوطًا﴾ بَعْدَ انْفِصالِهِمْ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبَيْنَ البَلَدَيْنِ ثَمانِيَةُ أمْيالٍ، وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، اسْتَضافُوهُ فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا (p-٣٣٨)مِن قَبُولِهِمْ عَلى ما أوْصى اللَّهُ بِالضَّيْفِ مُطابِقًا لِعَوائِدِ [أهْلِ] المَكارِمِ، فَقَبِلَهم وأزْمَعَ المُقاتَلَةَ عَنْهم لِما رَأى مِن حُسْنِ أشْكالِهِمْ ورَوْنَقِ جَمالِهِمْ مَعَ ما يَعْلَمُ مِن قُبْحِ أفْعالِ قَوْمِهِ وخُبْثِ سَرائِرِهِمْ، ولَمّا جاؤُوهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أيْ: حَصَلَتْ لَهُ المَساءَةُ بِسَبَبِ \ مَجِيئِهِمْ إلى قَرْيَتِهِ لِما يُعْلَمُ مِن لُؤْمِ أهْلِها، والتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا المَعْنى بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ أحْضَرُ وأوْقَعُ في النَّفْسِ وأرْشَقُ ﴿وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أيْ: ذَرْعُهُ أيِ اتِّساعُهُ في كُلِّ [وقْتِ] قُوَّةٍ أُوتِيَها، وهو مَثَلٌ يُقالُ لِمَن لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ مُخَلِّصًا، ومادَّةُ ذَرَعَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاتِّساعِ لِأنَّهُ لا يُذْرَعُ إلّا الكَثِيرُ، وذَرَعَ الرَّمْلُ: اتَّسَعَ، ومَوْتٌ ذَرِيعٌ: فاشٍ، والمُذَرَّعُ: الَّذِي أُمُّهُ عَرَبِيَّةٌ وأبَوْهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ، فَهو أكْثَرُ انْتِشارًا مِمَّنِ انْحَصَرَ في أحَدِهِما؛ والذَّرِيعَةُ: ما يَخْتَلِي بِهِ الصَّيْدُ، فَهو يُوَسِّعُ لَهُ مِنَ الأمَلِ ما يَحْمِلُهُ عَلى الإقْدامِ، وحَلْقَةٌ يُتَعَلَّمُ عَلَيْها الرَّمْيُ، لِأنَّها تَسَعُ السَّهْمَ، أوْ لِأنَّ مُصِيبَها واسِعُ الأمْرِ في صِناعَةِ الرَّمْيِ، والوَسِيلَةُ لِأنَّها تُوَصِّلُ المُتَوَسِّلَ؛ والذُّعْرُ: الخَوْفُ، لِاتِّساعِ الفِكْرِ فِيهِ وتَجْوِيزِ أدْنى احْتِمالٍ؛ والعُذْرُ: إيساعُ الحِيلَةِ في وجْهٍ يُزِيلُ ما ظَهَرَ مِنَ التَّقْصِيرِ، مِنَ العَذَوَّرِ - لِلْحِمارِ الواسِعِ الجَوْفِ، وهو أيْضًا المَلِكُ لِسِعَتِهِ، والعِذارُ: أوْسَعُ ما في الوَجْهِ، وأعْذَرْتُ الغُلامَ: خَتَنْتَهُ، أيْ أوْسَعْتَ (p-٣٣٩)أُكْرَتَهُ، والإعْذارُ - لِطَعامِ الخِتانِ ونَحْوِهِ مِنهُ، وعُذْرَةُ الجارِيَةِ مُوجِبَةٌ لِعُذْرِها في النَّفْرَةِ لِلْخَوْفِ عَلى نَفْسِها، والعُذْرَةُ: وجَعٌ في الحَلْقِ، وهو سُقُوطُهُ حَتّى يَغْمِزَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِعُذْرَةِ البِكْرِ في سَدِّهِ الحَلْقَ بِما يُوجِبُ الغَمْزَ، وكَذا العُذْرَةُ - لِلنّاصِيَةِ لِبَذْلِ الجُهْدِ في المُدافَعَةِ عَنْها، والعَذْراءُ: نَجْمٌ إذا طَلَعَ اشْتَدَّ الحُرُّ فاتَّسَعَ بِساطُ الأرْضِ، والعَذِرَةُ - بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ: فِناءُ الدّارِ، وبِهِ سُمِّيَ الحَدَثُ، والعَذْراءُ: شَيْءٌ مِن حَدِيدٍ يُعَذَّبُ بِهِ الإنْسانُ، كَأنَّهُ سُمِّيَ لِأنَّهُ يُوَسِّعُ الخَوْفَ بِما يُجَنِّبُ ما يُوجِبُ الِاعْتِذارَ، فَلا تَزالُ تِلْكَ الحَدِيدَةُ بِكْرًا لا يُوجَدُ مَن يُعَذَّبُ بِها، وأمّا عَذَّرَ - بِالتَّشْدِيدِ - إذا قَصَّرَ فَهو لِلسَّلْبِ، أيْ فَعَلَ ما لا يُوجَدُ لَهُ عُذْرٌ، وكَذا تَعَذَّرَ الأمْرُ أيْ صَعُبَ، يَعْنِي أنَّهُ تَجَنَّبَ العُذْرَ فَلَمْ يَبْقَ لِسُهُولَتِهِ وجْهٌ، وأعْذَرَ - إذا كَثُرَتْ عُيُوبُهُ، أيْ دَخَلَ فِيما يَطْلُبُ لَهُ العُذْرَ كَأنْجَدَ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ، ذَكَرَ قالَهُ [بِقَوْلِهِ]: ﴿وقالَ﴾ أيْ: لُوطٌ ﴿هَذا﴾ أيِ اليَوْمُ ﴿يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أيْ: شَدِيدٌ جِدًّا لِما أعْلَمُ مِن جَهالَةِ مَن أنا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ العَصَبِ وهو أطْنابُ المَفاصِلِ ورَوابِطُها، ومَدارُهُ عَلى الشِّدَّةِ

هود 11:78

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، (p-٣٤٠)فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ (p-٣٤١)هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم (p-٣٤٢)مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ﴾ أيْ: عِلْمًا لا تَشُكُّ فِيهِ ﴿ما نُرِيدُ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكُورِ لِلتَّطَرُّقِ والتَّطَرُّفِ، فَحَمَلُوا عَرْضَهُ لِبَناتِهِ عَلى الحَقِيقَةِ خُبْثًا مِنهم وشَرَعُوا يَبْنُونَ عَلى ذَلِكَ بِوَقاحَةٍ وعَدَمِ مُبالاةٍ بِالعَظائِمِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ قَوْلِهِ لَهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ [أيْ] مُتَمَنِّيًا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِمْ طاقَةٌ لِيَرَوْا ما يَصْنَعُ مِنَ الإيقاعِ بِهِمْ مُتَفَجِّعًا عَلى فَواتِ ذَلِكَ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ﴾ أيْ: في دَفْعِكم ﴿قُوَّةً﴾ بِنَفْسِي ﴿أوْ﴾ لَوْ أنِّي ﴿آوِي﴾ مِنَ الأعْوانِ والأنْصارِ ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ هم كالرُّكْنِ المَوْصُوفِ بِالشِّدَّةِ لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ ما جِئْتُمْ لَهُ، وحَذْفُهُ أبْلَغُ لِذَهابِ النَّفْسِ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ والسُّوءُ: ما يَظْهَرُ مَكُرُوهُهُ لِصاحِبِهِ؛ والعَصِيبُ: الشَّدِيدُ في الشَّرِّ خاصَّةً كَأنَّهُ التَفَّ شَرُّهُ؛ والقُوَّةُ خاصَّةً يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِها الفِعْلُ وأنْ لا يَقَعَ؛ والرَّكْنُ: مُعْتَمَدُ البِناءِ بَعْدَ الأساسِ، والرُّكْنُ هُنا مَن هو مِثْلُهُ؛ والشَّدَّةُ: مَجْمَعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ الإمْكانُ، ووَصْفُهُ الرُّكْنَ بِالشِّدَّةِ وهو يَتَضَمَّنُها تَأْكِيدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمَهُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والجَلادَةِ، وأنَّهُ كانَ يَوَدُّ مُعاجَلَتَهم لَوْ قَدَرَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ (رَكَنَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى الرَّزانَةِ، مِن رَكُنَ - بِالضَّمِّ بِمَعْنى رَزُنَ، ويَلْزَمُهُما القُوَّةُ، ومِنهُ الرُّكْنُ لِلْجانِبِ الأقْوى والأمْرِ العَظِيمِ وما يُتَقَوّى بِهِ مِن مُلْكٍ وجُنْدٍ وغَيْرِهِ والعِزِّ (p-٣٤٣)والمَنَعَةِ، ومِن ذَلِكَ النُّكْرُ بِالضَّمِّ لِلدَّهاءِ والفِطْنَةِ، والنُّكْرُ لِلْمُنْكَرِ والأمْرِ الشَّدِيدِ وما يَخْرُجُ مِنَ الزَّحِيرِ مِن دَمٍ أوْ قَيْحٍ، ونَكِرَ الأمْرُ: صَعُبَ. وطَرِيقٌ يَنْكُورٌ: عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، والمُنْكَرُ ضِدَّ المَعْرُوفِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا جُهِلَ صَعُبَ أمْرُهُ، وتَناكَرَ القَوْمُ: تَعادَوْا، والتَّنَكُّرُ: التَّغَيُّرُ مِن حالٍ يَسُرُّ إلى حالٍ يُكْرَهُ، والمُكَنِّرُ - كَمُحَدِّثٍ: الضَّخْمُ السَّمِجُ، ويَلْزَمُ الرَّزانَةَ أيْضًا المَيْلُ والسُّكُونُ، ومِنهُ رَكَنَ إلَيْهِ - بِالفَتْحِ: مالَ وسَكَنَ، ورَكِنَ بِالمَنزِلِ - بِالكَسْرِ: أقامَ؛ والكِنّارَةُ - بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ: الشَّقَّةُ مِن ثِيابِ الكَتّانِ، لِأنَّهُ يُمالُ إلَيْهِ لِبَهْجَتِهِ، وكَذا الكَنّاراتُ لِلْعِيدانِ والطُّبُولِ، والكِرانُ كَكِتابٍ لِلْعُودِ أوِ الصَّنْجِ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ لِقُوَّةِ أصْواتِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:79

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، (p-٣٤٠)فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ (p-٣٤١)هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم (p-٣٤٢)مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ﴾ أيْ: عِلْمًا لا تَشُكُّ فِيهِ ﴿ما نُرِيدُ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكُورِ لِلتَّطَرُّقِ والتَّطَرُّفِ، فَحَمَلُوا عَرْضَهُ لِبَناتِهِ عَلى الحَقِيقَةِ خُبْثًا مِنهم وشَرَعُوا يَبْنُونَ عَلى ذَلِكَ بِوَقاحَةٍ وعَدَمِ مُبالاةٍ بِالعَظائِمِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ قَوْلِهِ لَهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ [أيْ] مُتَمَنِّيًا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِمْ طاقَةٌ لِيَرَوْا ما يَصْنَعُ مِنَ الإيقاعِ بِهِمْ مُتَفَجِّعًا عَلى فَواتِ ذَلِكَ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ﴾ أيْ: في دَفْعِكم ﴿قُوَّةً﴾ بِنَفْسِي ﴿أوْ﴾ لَوْ أنِّي ﴿آوِي﴾ مِنَ الأعْوانِ والأنْصارِ ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ هم كالرُّكْنِ المَوْصُوفِ بِالشِّدَّةِ لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ ما جِئْتُمْ لَهُ، وحَذْفُهُ أبْلَغُ لِذَهابِ النَّفْسِ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ والسُّوءُ: ما يَظْهَرُ مَكُرُوهُهُ لِصاحِبِهِ؛ والعَصِيبُ: الشَّدِيدُ في الشَّرِّ خاصَّةً كَأنَّهُ التَفَّ شَرُّهُ؛ والقُوَّةُ خاصَّةً يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِها الفِعْلُ وأنْ لا يَقَعَ؛ والرَّكْنُ: مُعْتَمَدُ البِناءِ بَعْدَ الأساسِ، والرُّكْنُ هُنا مَن هو مِثْلُهُ؛ والشَّدَّةُ: مَجْمَعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ الإمْكانُ، ووَصْفُهُ الرُّكْنَ بِالشِّدَّةِ وهو يَتَضَمَّنُها تَأْكِيدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمَهُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والجَلادَةِ، وأنَّهُ كانَ يَوَدُّ مُعاجَلَتَهم لَوْ قَدَرَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ (رَكَنَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى الرَّزانَةِ، مِن رَكُنَ - بِالضَّمِّ بِمَعْنى رَزُنَ، ويَلْزَمُهُما القُوَّةُ، ومِنهُ الرُّكْنُ لِلْجانِبِ الأقْوى والأمْرِ العَظِيمِ وما يُتَقَوّى بِهِ مِن مُلْكٍ وجُنْدٍ وغَيْرِهِ والعِزِّ (p-٣٤٣)والمَنَعَةِ، ومِن ذَلِكَ النُّكْرُ بِالضَّمِّ لِلدَّهاءِ والفِطْنَةِ، والنُّكْرُ لِلْمُنْكَرِ والأمْرِ الشَّدِيدِ وما يَخْرُجُ مِنَ الزَّحِيرِ مِن دَمٍ أوْ قَيْحٍ، ونَكِرَ الأمْرُ: صَعُبَ. وطَرِيقٌ يَنْكُورٌ: عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، والمُنْكَرُ ضِدَّ المَعْرُوفِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا جُهِلَ صَعُبَ أمْرُهُ، وتَناكَرَ القَوْمُ: تَعادَوْا، والتَّنَكُّرُ: التَّغَيُّرُ مِن حالٍ يَسُرُّ إلى حالٍ يُكْرَهُ، والمُكَنِّرُ - كَمُحَدِّثٍ: الضَّخْمُ السَّمِجُ، ويَلْزَمُ الرَّزانَةَ أيْضًا المَيْلُ والسُّكُونُ، ومِنهُ رَكَنَ إلَيْهِ - بِالفَتْحِ: مالَ وسَكَنَ، ورَكِنَ بِالمَنزِلِ - بِالكَسْرِ: أقامَ؛ والكِنّارَةُ - بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ: الشَّقَّةُ مِن ثِيابِ الكَتّانِ، لِأنَّهُ يُمالُ إلَيْهِ لِبَهْجَتِهِ، وكَذا الكَنّاراتُ لِلْعِيدانِ والطُّبُولِ، والكِرانُ كَكِتابٍ لِلْعُودِ أوِ الصَّنْجِ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ لِقُوَّةِ أصْواتِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:80

﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أيْ: كَأنَّهم يَحْمِلُهم عَلى ذَلِكَ حامِلٌ لا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: في غايَةِ الإسْراعِ فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ، (p-٣٤٠)فَهُوَ يَضْطَرِبُ لِذَلِكَ، أوْ لِأجْلِ الرُّعْبِ مِن لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ولَمّا كانَ وِجْدانُهم - فَكَيْفَ عِصْيانُهم - لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمَنَ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذا المَجِيءِ ﴿كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مَعَ الِاسْتِمْرارِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الفَواحِشَ الَّتِي تَسُوءُ غايَةَ المَساءَةِ فَضُرِبُوا بِها ومُرِّنُوا عَلَيْها حَتّى زالَ عِنْدَهُمُ اسْتِقْباحُها، فَهو يَعْرِفُ ما يُرِيدُونَ، وكَأنَّهم كانُوا لا يَدْعُونَ مَلِيحًا ولا غَيْرَهُ مِنَ الغُرَباءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ أنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ كانُوا عَلى هَيْئَةِ المُرْدِ الحِسانِ، ولا قُيِّدَ الذُّكْرانُ في قِصَّتِهِمْ في مَوْضِعٍ مِنَ المَواضِعِ بِالمُرُودِيَّةِ. فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾ حادِيًا لَهم إلى الحَياءِ والكَرَمِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما نَفْعَلُ بِهِنَّ؟ قالَ: ﴿هُنَّ﴾ ولَمّا كانَ في مَقامِ المُدافَعَةِ بِاللِّينِ، قالَ إرْخاءً لِلْعِنانِ في تَسْلِيمِ طَهارَةِ ما يَفْعَلُونَهُ عَلى زَعْمِهِمْ مُشِيرًا بِلَطافَةٍ إلى خُبْثِ ما يُرِيدُونَهُ: ﴿أطْهَرُ لَكُمْ﴾ ولَيْسَ المُرادُ مِن هَذا حَقِيقَتَهُ، بَلْ تَنْبِيهُ القَوْمِ عَلى أنَّهم لا يَصِلُونَ إلَيْهِمْ إلّا إنْ وصَلُوا إلى بَناتِهِ لِأنَّ الخِزْيَ فِيهِما عَلى حَدٍّ سَواءٍ أوْ في الضَّيْفِ أعْظَمُ، ومِثْلُ (p-٣٤١)هَذا أنْ يَشْفَعَ الإنْسانُ فِيمَن يُضْرَبُ، فَإذا عَظُمَ الأمْرُ ألْقى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَصُورَتُهُ أنَّهُ فَعَلَهُ لِيَقِيَهُ الضَّرْبَ بِنَفْسِهِ، ومَعْناهُ احْتِرامُهُ بِاحْتِرامِهِ، وعَلى هَذا يَدُلُّ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [الحجر: ٧١] وهُنا قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ في هَذا الأمْرِ الَّذِي تُرِيدُونَهُ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾ أيْ: تُوقِعُوا بِي الفَضِيحَةَ الَّتِي فِيها الذُّلُّ والهَوانُ والعارُ ﴿فِي ضَيْفِي﴾ إذْ لا يَشُكُّ ذُو مُسْكَةٍ مِن أمْرِهِ في أنَّ التَّقْوى إذا حَصَلَتْ مَنَعَتْ مِنَ الأمْرَيْنِ، وأنَّ الخِزْيَ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِها في البَناتِ أعْظَمُ؛ لِأنَّهُ عارٌ لازِمٌ لِلُزُومِ البَناتِ لِلْأبِ، وكُلُّ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَشُكُّ أنَّهم آدَمِيُّونَ ولَمْ يَلُمَّ بِخاطِرِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ، فَهو تَنْبِيهٌ لِلْكُفّارِ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ إلّا البارُّ الرّاشِدُ التّابِعُ لِلْحَقِّ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أشَدَّ الإنْكارِ حالَهم في أنَّهم لا يَكُونُ مِنهم رَشِيدٌ حَثًّا عَلى الإقْلاعِ عَنِ الغَيِّ ولُزُومِ سَبِيلِ الرُّشْدِ فَقالَ: ﴿ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ﴾ أيْ: كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ ﴿رَشِيدٌ﴾ كامِلُ الرُّشْدِ لِيَكُفَّكم عَنْ هَذا القَبِيحِ، فَلَمْ يَكُنْ مِنهم ذَلِكَ، بَلْ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ أيْ: يا لُوطُ مُجْرِينَ الكَلامَ عَلى حَقِيقَتِهِ غَيْرَ مُعَرِّجِينَ عَلى ما كَنّى بِهِ عَنْهُ ﴿ما لَنا في بَناتِكَ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿مِن حَقٍّ﴾ أيْ: حاجَةٍ ثابِتَةٍ، [ولَمْ يُرِيدُوا بِهِ ضِدَّ الباطِلِ؛ لِأنَّ البَناتِ والضَّيْفَ في نَفْيِ حَقِّهِمْ عَنْهم سَواءٌ]، وأكَّدُوا مُعْلِمِينَ بِما لَهم (p-٣٤٢)مِنَ الرَّغْبَةِ في الفُجُورِ وقاحَةً وجُرْأةً فَقالُوا: ﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ﴾ أيْ: عِلْمًا لا تَشُكُّ فِيهِ ﴿ما نُرِيدُ﴾ وهو إتْيانُ الذُّكُورِ لِلتَّطَرُّقِ والتَّطَرُّفِ، فَحَمَلُوا عَرْضَهُ لِبَناتِهِ عَلى الحَقِيقَةِ خُبْثًا مِنهم وشَرَعُوا يَبْنُونَ عَلى ذَلِكَ بِوَقاحَةٍ وعَدَمِ مُبالاةٍ بِالعَظائِمِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ قَوْلِهِ لَهم عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ [أيْ] مُتَمَنِّيًا أنْ يَكُونَ لَهُ بِهِمْ طاقَةٌ لِيَرَوْا ما يَصْنَعُ مِنَ الإيقاعِ بِهِمْ مُتَفَجِّعًا عَلى فَواتِ ذَلِكَ ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ﴾ أيْ: في دَفْعِكم ﴿قُوَّةً﴾ بِنَفْسِي ﴿أوْ﴾ لَوْ أنِّي ﴿آوِي﴾ مِنَ الأعْوانِ والأنْصارِ ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ أيْ: جَماعَةٍ هم كالرُّكْنِ المَوْصُوفِ بِالشِّدَّةِ لَحُلْتُ بَيْنَكم وبَيْنَ ما جِئْتُمْ لَهُ، وحَذْفُهُ أبْلَغُ لِذَهابِ النَّفْسِ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ والسُّوءُ: ما يَظْهَرُ مَكُرُوهُهُ لِصاحِبِهِ؛ والعَصِيبُ: الشَّدِيدُ في الشَّرِّ خاصَّةً كَأنَّهُ التَفَّ شَرُّهُ؛ والقُوَّةُ خاصَّةً يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ بِها الفِعْلُ وأنْ لا يَقَعَ؛ والرَّكْنُ: مُعْتَمَدُ البِناءِ بَعْدَ الأساسِ، والرُّكْنُ هُنا مَن هو مِثْلُهُ؛ والشَّدَّةُ: مَجْمَعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ الإمْكانُ، ووَصْفُهُ الرُّكْنَ بِالشِّدَّةِ وهو يَتَضَمَّنُها تَأْكِيدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمَهُ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ والجَلادَةِ، وأنَّهُ كانَ يَوَدُّ مُعاجَلَتَهم لَوْ قَدَرَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ (رَكَنَ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى الرَّزانَةِ، مِن رَكُنَ - بِالضَّمِّ بِمَعْنى رَزُنَ، ويَلْزَمُهُما القُوَّةُ، ومِنهُ الرُّكْنُ لِلْجانِبِ الأقْوى والأمْرِ العَظِيمِ وما يُتَقَوّى بِهِ مِن مُلْكٍ وجُنْدٍ وغَيْرِهِ والعِزِّ (p-٣٤٣)والمَنَعَةِ، ومِن ذَلِكَ النُّكْرُ بِالضَّمِّ لِلدَّهاءِ والفِطْنَةِ، والنُّكْرُ لِلْمُنْكَرِ والأمْرِ الشَّدِيدِ وما يَخْرُجُ مِنَ الزَّحِيرِ مِن دَمٍ أوْ قَيْحٍ، ونَكِرَ الأمْرُ: صَعُبَ. وطَرِيقٌ يَنْكُورٌ: عَلى غَيْرِ قَصْدٍ، والمُنْكَرُ ضِدَّ المَعْرُوفِ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا جُهِلَ صَعُبَ أمْرُهُ، وتَناكَرَ القَوْمُ: تَعادَوْا، والتَّنَكُّرُ: التَّغَيُّرُ مِن حالٍ يَسُرُّ إلى حالٍ يُكْرَهُ، والمُكَنِّرُ - كَمُحَدِّثٍ: الضَّخْمُ السَّمِجُ، ويَلْزَمُ الرَّزانَةَ أيْضًا المَيْلُ والسُّكُونُ، ومِنهُ رَكَنَ إلَيْهِ - بِالفَتْحِ: مالَ وسَكَنَ، ورَكِنَ بِالمَنزِلِ - بِالكَسْرِ: أقامَ؛ والكِنّارَةُ - بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ: الشَّقَّةُ مِن ثِيابِ الكَتّانِ، لِأنَّهُ يُمالُ إلَيْهِ لِبَهْجَتِهِ، وكَذا الكَنّاراتُ لِلْعِيدانِ والطُّبُولِ، والكِرانُ كَكِتابٍ لِلْعُودِ أوِ الصَّنْجِ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنَ الشِّدَّةِ لِقُوَّةِ أصْواتِها - واللَّهُ أعْلَمُ.

هود 11:81

فَلَمّا عَظُمَ الشِّقاقُ وضاقَ الخِناقُ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُ الرُّسُلُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ ودَلُّوا بِحَرْفِ النِّداءِ المَوْضُوعِ لِلْبُعْدِ عَلى أنَّهُ كانَ قَدْ خَرَجَ عَنِ الدّارِ وأجافَ بابَها وأنَّ الصِّياحَ كانَ شَدِيدًا ﴿يا لُوطُ﴾ إنَّكَ لِتَأْوِي إلى رُكْنٍ \ شَدِيدٍ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإحْسانِكَ وكُلِّ ما تَرى مِمّا يَسُوءُكَ ويَسُرُّكَ؛ ثُمَّ لَمّا ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ كانَ مِنَ المُحَقَّقِ أنَّهُ سَبَبٌ في ألّا يُدانِيَهُ مَعَهُ سُوءٌ فَأوْضَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾ مِن غَيْرِ احْتِياجٍ (p-٣٤٤)إلى الرَّبْطِ بِالفاءِ، أيْ ونَحْنُ مُهْلِكُوهم وقالِبُو مُدُنِهِمْ بِهِمْ ﴿فَأسْرِ﴾ أيْ: سِرْ بِاللَّيْلِ ماضِيًا ﴿بِأهْلِكَ﴾ مُوقِعًا ذَلِكَ السَّيْرَ والإسْراءَ ﴿بِقِطْعٍ﴾ أيْ: بِطائِفَةٍ، أيْ والحالُ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ عِنْدَ خُرُوجِكَ جانِبٌ ﴿مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ﴾ أيْ: يَنْظُرُ إلى ورائِهِ ولا يَتَخَلَّفُ ﴿مِنكم أحَدٌ﴾ أيْ: لا تَلْتَفِتْ أنْتَ ولا تَدَعْ أحَدًا مِن أهْلِكَ يَلْتَفِتُ ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ”أحَدٌ“ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ لِأنَّ المَنهِيَّ كالمَنفِيِّ في جَوازِ الوَجْهَيْنِ، والنَّهْيُ لَهُ ﷺ، فالفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ مَنهِيٌّ، وبِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ مَنفِيٌّ. ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أخْرَجَها مَعَهُ لِأنَّ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِالإسْراءِ بِها إلّا أنَّهُ مَنهِيٌّ عَنْهُ، واسْتِثْناؤُها مِنَ الِالتِفاتِ مَعَهم مُفْهِمٌ أنَّهُ لا حَجْرَ عَلَيْهِ في الإسْراءِ بِها، أوْ أنَّهُ خَلْفَها فَتَبِعَتْهم والتَفَتَتْ، فَيَكُونُ قِراءَةُ النَّصْبِ مِن ”أهْلَكَ“، وقِراءَةُ الرَّفْعِ مِن ”أحَدٌ“ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أمْرُها بِالِالتِفاتِ بَلْ مُخالَفَتُها لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ في عَدَمِ النَّهْيِ، ولِذَلِكَ عَلَّلُوا ما أفْهَمُهُ إهْمالُها مِنَ الإسْراءِ والنَّهْيُ مِن أنَّها تَلْتَفِتُ بِقَوْلِهِمْ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ تَعَلُّقَ الأمَلِ بِنَجاتِها شَدِيدُ رَحْمَةٍ لَها: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الشَّأْنَ ﴿مُصِيبُها﴾ (p-٣٤٥)لا مَحالَةَ ﴿ما أصابَهُمْ﴾ سَواءٌ التَفَتَتْ أوْ لا، تَخَلَّفَتْ أوْ لا، ثُمَّ ظَهَرَ لِي مِنَ التَّعْبِيرِ في حَقِّها بِاسْمِ الفاعِلِ وفي حَقِّهِمْ بِالماضِي أنَّهُ حَكَمَ بِإصابَةِ العَذابِ لَهم عِنْدَ هَذا القَوْلِ لِلُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ ذُنُوبَهم تَمَّتْ، وأمّا هي فَإنَّما يُبْرَمُ الحُكْمُ بِذَلِكَ في حَقِّها عِنْدَ تَمامِ ذُنُوبِها الَّتِي رُتِّبَتْ عَلَيْها الإصابَةُ وذَلِكَ عِنْدَ الِالتِفاتِ]. ولَمّا عَبَّرُوا بِالماضِي تَحْقِيقًا لِلْوُقُوعِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ تَقَدَّمَ دُخُولُها مَعَهم في أسْبابِ العَذابِ، كانَ مُنَبِّهًا لِأنْ يُقالَ: كانَ الإيقاعُ بِهِمْ قَدْ دَنا [بِهِمْ] جِدًّا؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، وأُكِّدَ تَحْقِيقًا لِلْوُقُوعِ تَلْذِيذًا بِهِ ولِأنَّهُ - لِقُرْبِ الوَقْتِ - بِحَيْثُ يُنْكَرُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ﴾ أيْ: لِابْتِداءِ الأخْذِ ﴿الصُّبْحُ﴾ وكَأنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ أبْطَأ في جَمِيعِ أهْلِهِ وما يُصْلِحُهُمْ، فَكانَ فِعْلُهُ فِعْلَ مَن يَسْتَبْعِدُ الصُّبْحَ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ أيْ: فَأسْرِعِ الخُرُوجَ بِمَن أُمِرْتَ بِهِمْ؛ والإسْراءُ: سَيْرُ اللَّيْلِ كالسُّرى.

هود 11:82

ولَمّا انْقَضى تَسْكِينُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ لِما مَضى في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّسْبِيبِ والتَّعْقِيبِ، أيْ: فَلَمّا خَرَجَ مِنها لُوطٌ بِأهْلِهِ جاءَنا أمْرُنا، ولَمّا جاءَ أمْرُنا الَّذِي هو عَذابُنا والأمْرُ بِهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عالِيَها﴾ أيْ: عالِيَ مُدُنِهِمْ وهم فِيها (p-٣٤٦)﴿سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى مُدُنِهِمْ بَعْدَ قَلْبِها مِن أجْلِهِمْ وسَيَأْتِي في سُورَةِ الحِجْرِ سِرُّ الإتْيانِ هُنا بِضَمِيرِ ”ها“ دُونَ ضَمِيرِ ”هُمْ“ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ: مُرْسَلَةً مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ ﴿مَنضُودٍ﴾ بِالحِجارَةِ هي فِيهِ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حالَ كَوْنِها ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِلْعَذابِ مِنَ السِّيما [والسُّومَةُ] وهي العَلامَةُ تُجْعَلُ لِلْإبِلِ السّائِمَةِ لِتَتَمَيَّزَ إذا اخْتَلَطَتْ في المَرْعى، وفي الذّارِياتِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ أصْلُها تُرابٌ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ بِواسِطَةِ الماءِ قابِلِيَّةً لِلِاسْتِحْجارِ كَما جَعَلَ فِيهِ قابِلِيَّةَ التَّحَوُّلِ إلى المَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ وغَيْرِها، فَبِاعْتِبارِ أصْلِهِ هو طِينٌ، وبِاعْتِبارِ أوَّلِهِ حَجَرٌ وكِبْرِيتٌ ونارٌ، ولَعَلَّ حَجَرَ الكِبْرِيتِ أثْقَلُ الحِجارَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن قُوَّةِ النّارِ وقُبْحِ الرِّيحِ؛ ثُمَّ فَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى كَثْرَةِ إحْسانِهِ وإلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما أمَرَهُ ﷺ بِالإنْذارِ رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها خَيْرَ الأُمَمِ وسَيَجْعَلُها أكْثَرَ الأُمَمِ، ولا يُهْلِكُها كَما أهْلَكَهُمْ؛ ومادَّةُ سَجَلَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، مِنَ الجَلْسِ لِما ارْتَفَعَ عَنِ الغَوْرِ وهو النَّجْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الغِلَظُ والعُلُوُّ، ومِنَ الغِلَظِ الجَلْسُ لِلْغَلِيظِ مِنَ الأرْضِ والجَمَلِ الوَثِيقِ، ويَلْزَمُ العُلُوَّ التَّصْوِيبُ ومِن جَلَسَ - إذا قَعَدَ؛ والسَّجْلُّ لِلدَّلْوِ العَظِيمَةِ، ويَكُونُ غالِبًا في مُقابَلَتِها أُخْرى، كُلَّما نَزَلَتْ واحِدَةٌ طَلَعَتِ الأُخْرى، فَتَأْتِي المُساجَلَةُ بِمَعْنى المُباراةِ والمُفاخَرَةِ، (p-٣٤٧)والسَّجْلُ: الضَّرْعُ العَظِيمُ، والسِّجِلُّ - بِالكَسْرِ وشَدِّ اللّامِ: الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ ما يَكُونُ بِهِ المُفاخَرَةُ والمُغالَبَةُ؛ وسَلَجَ الطَّعامَ: بَلَعَهُ، والسُّلَّجانُ: نَباتٌ رَخْوٌ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أغْصانَهُ [تَأْخُذُ] إلى أسْفَلَ لِرَخاوَتِها، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإمْطارِ، ولَفْظِ ”عَلى“، وسِجِّيلٍ. ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ لِيَعْظُمَ وقْعُها، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وما هِيَ﴾ عَلى شِدَّةٍ بَعْدَ مَكانِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ مِنَ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في ذَلِكَ الزَّمانِ ولا هَذا ولا زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاحْتِياجُ في وُصُولِها إلى المَرْمى بِها إلى زَمَنٍ طَوِيلٍ. ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ بَعْدَ ما مَضى في قِصَّةِ بُشْرى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأتى المَلَكانِ إلى سَدُومَ عِشاءً، وكانَ لُوطٌ جالِسًا عَلى بابِ سَدُومَ، فَنَظَرَ إلَيْهِما لُوطٌ فَتَلَقّاهُما، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ ساجِدًا عَلى الأرْضِ وقالَ: إنِّي طالِبٌ إلَيْكُما يا سَيِّدِي، اعْدِلا إلى مَنزِلِ عَبْدِكُما فَبِيتا فِيهِ واغْسِلا أقْدامَكُما وبَكِّرا فانْطَلِقا في طَرِيقِكُما، فَقالا: كَلّا! ولَكِنّا نَبِيتُ في السُّوقِ، فَألَحَّ عَلَيْهِما لُوطٌ إلْحاحًا شَدِيدًا فانْصَرَفا مَعَهُ ودَخَلا مُنْزِلَهُ فَأعَدَّ لَهُما طَعامًا، ومِن قَبْلِ وقْتِ الهُجُوعِ إذا أهْلُ القَرْيَةِ أهْلِ سَدُومَ قَدْ أحاطُوا بِالبابِ مِنَ الشُّبّانِ إلى المَشايِخِ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِأسْرِهِ، (p-٣٤٨)فَدَعَوْا بِلُوطٍ وقالُوا لَهُ: أيْنَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ أتَياكَ مُمْسِيَيْنِ أخْرِجْهُما إلَيْنا فَنَعْرِفْهُما - وفي نُسْخَةٍ: حَتّى نُواقِعَهُما - فَخَرَجَلُوطٌ إلَيْهِمْ وأغْلَقَ البابَ خَلْفَهُ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: لا تُسِيئُوا بِي يا إخْوَةُ! هَذا لِي بِنْتانِ لَمْ يَمَسَّهُما رَجُلٌ، أُخْرِجُهُما إلَيْكم فاصْنَعُوا بِهِما ما حَسُنَ في أعْيُنِكُمْ، ولا تَرْتَكِبُوا مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ شَيْئًا لِأنَّهُما ولَجا ظِلالَ بَيْتِي، فَقالُوا لَهُ: تَنَحَّ عَنّا، إنَّ واحِدًا أتى لِيَسْكُنَ بَيْتَنا فَصارَ يَحْكُمُ فِينا، فالآنَ نُسِيءُ إلَيْكَ أكْثَرَ مِنهُما، فَجاهَدَ لُوطٌ القَوْمَ جِدًّا فَدَنَوْا لِيَكْسِرُوا البابَ فَمَدَّ الرَّجُلانِ أيْدِيَهُما فَأدْخَلا لُوطًا إلَيْهِما إلى مَنزِلِهِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا بِالبابِ ضَرَبُوا بِالعَشِيِّ مِن كَبِيرِهِمْ حَتّى صَغِيرِهِمْ فَأُعْيُوا في طَلَبِ البابِ، فَقالَ المَلَكانِ لِلُوطٍ: ما تَصْنَعُ هاهُنا؟ اعْمَدْ إلى أخْتانِكَ وبَنِيكَ وبَناتِكَ وجَمِيعِ ما لَكَ في هَذِهِ القَرْيَةِ فَأخْرِجْهم مِن هَذِهِ البَلْدَةِ لِأنّا نُرِيدُ الخَسْفَ بِالبَلْدَةِ لِأنَّ فِعالَهم وخُبْثَ صَنِيعِهِمْ قَدْ بَلَغَ الرَّبَّ، فَأرْسَلَنا الرَّبُّ لِنُفْسِدَها، فَخَرَجَ لُوطٌ وكَلَّمَ أخْتانَهُ وأزْواجَ بَناتِهِ وقالَ لَهُمْ: قُومُوا فاخْرُجُوا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ؛ فَإنَّ الرَّبَّ مُزْمِعٌ لِخَرابِها، وكانَ عِنْدَ أخْتانِهِ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ، فَلَمّا كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ ألَحَّ المَلَكانِ عَلى لُوطٍ وقالا لَهُ: قُمْ فَأخْرِجِ امْرَأتَكَ وابْنَتَيْكَ اللَّتَيْنِ مَعَكَ لِكَيْلا تُبْتَلى بِخَطايا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَأبْطَأ لُوطٌ فَأخَذَ المَلَكانِ بِيَدِهِ وبِيَدِ امْرَأتِهِ وابْنَتَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ فَأخْرَجاهُ وصَيَّراهُ خارِجًا عَنِ القَرْيَةِ، فَلَمّا أخْرَجاهم خارِجًا (p-٣٤٩)قالا لَهُ: انْجُ بِنَفْسِكَ ولا تَلْتَفِتَنَّ إلى خَلْفِكَ ولا تَقِفْ في شَيْءٍ مِن جَمِيعِ القاعِ، والتَجِئْ إلى جَبَلٍ وخَلِّصْ نَفْسَكَ، فَقالَ لَهُما لُوطٌ: أطْلُبُ إلَيْكُما يا سَيِّدِي أنْ أظْفَرَ الآنَ لِأنَّ عَبْدَكُما بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ وكَثُرَتْ نِعْماكُما إلَيَّ لِتَحْيى نَفْسِي، لَسْتُ أقْدِرَ أنْ أنْجُوَ إلى الجَبَلِ، لَعَلَّ الشَّرَّ يُرْهِقُنِي فَأمُوتُ، وهَذِهِ القَرْيَةُ هي قَرِيبَةٌ لِلْهَرَبِ إلَيْها وهي صَغِيرَةٌ، أتَأْذَنانِ لِي بِالهَرَبِ إلَيْها لِأنَّها حَقِيرَةٌ، فَلْتُحْيِيا نَفْسِي، فَقالَ لَهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ في هَذا أيْضًا فَلا أقْلِبُ \ هَذِهِ القَرْيَةَ الَّتِي سَألْتَ، أسْرِعْ فَنَجِّ نَفْسَكَ إلى هُناكَ، لِأنّا لَسْنا نَقْدِرُ أنْ نَعْمَلَ شَيْئًا حَتّى تَدْخُلَها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِلْكَ القَرْيَةُ صاغارَ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَشَرِقَتِ الشَّمْسُ عَلى الأرْضِ وقَدْ دَخَلَ لُوطٌ صاغارَ، وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَأهْبَطَ الرَّبُّ عَلى سَدُومَ وعامُورا نارًا وكِبْرِيتًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّبِّ مِنَ السَّماءِ فَقَلَبَ هَذِهِ القُرى والقاعَ بِأسْرِهِ، وأهْلَكَ جَمِيعَ سُكّانِها وجَمِيعَ مَن فِيها وجَمِيعَ نَبْتِ الأرْضِ، فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ إلى خَلْفِها لِتَنْظُرَ فَصارَتْ نَصْبَةَ مِلْحٍ، فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ باكِرًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ فَمَدَّ بَصَرَهُ نَحْوَ سَدُومَ وعامُورا وإلى جَمِيعِ أرْضِ القاعِ فَنَظَرَ فَإذا دُخانُ القَرْيَةِ يَرْتَفِعُ كَدُخانِ الأُخْدُودِ، فَلَمّا خَسَفَ اللَّهُ قُرى القاعِ ذَكَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ فَأرْسَلَ لُوطًا مِنَ المَأْفُوكَةِ إذْ قَلَبَ اللَّهُ القُرى الَّتِي كانَ يَنْزِلُها لُوطٌ فَطَلَعَ [لُوطٌ] مِن (p-٣٥٠)صاغارَ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَسَكَنَ الجَبَلَ هو وابْنَتاهُ مَعَهُ لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَسْكُنَ صاغارَ، فَجَلَسَ في مَغارَةٍ.

هود 11:83

ولَمّا انْقَضى تَسْكِينُ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِ فِيما يَفْعَلُ، أخْبَرَ تَعالى عَنْ حالِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ لِما مَضى في قِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّسْبِيبِ والتَّعْقِيبِ، أيْ: فَلَمّا خَرَجَ مِنها لُوطٌ بِأهْلِهِ جاءَنا أمْرُنا، ولَمّا جاءَ أمْرُنا الَّذِي هو عَذابُنا والأمْرُ بِهِ ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عالِيَها﴾ أيْ: عالِيَ مُدُنِهِمْ وهم فِيها (p-٣٤٦)﴿سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى مُدُنِهِمْ بَعْدَ قَلْبِها مِن أجْلِهِمْ وسَيَأْتِي في سُورَةِ الحِجْرِ سِرُّ الإتْيانِ هُنا بِضَمِيرِ ”ها“ دُونَ ضَمِيرِ ”هُمْ“ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ: مُرْسَلَةً مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ ﴿مَنضُودٍ﴾ بِالحِجارَةِ هي فِيهِ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ حالَ كَوْنِها ﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلاماتٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُعَدَّةٌ لِلْعَذابِ مِنَ السِّيما [والسُّومَةُ] وهي العَلامَةُ تُجْعَلُ لِلْإبِلِ السّائِمَةِ لِتَتَمَيَّزَ إذا اخْتَلَطَتْ في المَرْعى، وفي الذّارِياتِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ أصْلُها تُرابٌ يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ بِواسِطَةِ الماءِ قابِلِيَّةً لِلِاسْتِحْجارِ كَما جَعَلَ فِيهِ قابِلِيَّةَ التَّحَوُّلِ إلى المَعْدِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ وغَيْرِها، فَبِاعْتِبارِ أصْلِهِ هو طِينٌ، وبِاعْتِبارِ أوَّلِهِ حَجَرٌ وكِبْرِيتٌ ونارٌ، ولَعَلَّ حَجَرَ الكِبْرِيتِ أثْقَلُ الحِجارَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن قُوَّةِ النّارِ وقُبْحِ الرِّيحِ؛ ثُمَّ فَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى كَثْرَةِ إحْسانِهِ وإلَيْهِ وأنَّهُ إنَّما أمَرَهُ ﷺ بِالإنْذارِ رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ الَّتِي جَعَلَها خَيْرَ الأُمَمِ وسَيَجْعَلُها أكْثَرَ الأُمَمِ، ولا يُهْلِكُها كَما أهْلَكَهُمْ؛ ومادَّةُ سَجَلَ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، مِنَ الجَلْسِ لِما ارْتَفَعَ عَنِ الغَوْرِ وهو النَّجْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الغِلَظُ والعُلُوُّ، ومِنَ الغِلَظِ الجَلْسُ لِلْغَلِيظِ مِنَ الأرْضِ والجَمَلِ الوَثِيقِ، ويَلْزَمُ العُلُوَّ التَّصْوِيبُ ومِن جَلَسَ - إذا قَعَدَ؛ والسَّجْلُّ لِلدَّلْوِ العَظِيمَةِ، ويَكُونُ غالِبًا في مُقابَلَتِها أُخْرى، كُلَّما نَزَلَتْ واحِدَةٌ طَلَعَتِ الأُخْرى، فَتَأْتِي المُساجَلَةُ بِمَعْنى المُباراةِ والمُفاخَرَةِ، (p-٣٤٧)والسَّجْلُ: الضَّرْعُ العَظِيمُ، والسِّجِلُّ - بِالكَسْرِ وشَدِّ اللّامِ: الكِتابُ؛ لِأنَّهُ يُذْكَرُ فِيهِ ما يَكُونُ بِهِ المُفاخَرَةُ والمُغالَبَةُ؛ وسَلَجَ الطَّعامَ: بَلَعَهُ، والسُّلَّجانُ: نَباتٌ رَخْوٌ، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ أغْصانَهُ [تَأْخُذُ] إلى أسْفَلَ لِرَخاوَتِها، وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ بِثَلاثَةِ أشْياءَ: الإمْطارِ، ولَفْظِ ”عَلى“، وسِجِّيلٍ. ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّها مِن مَكانٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ لِيَعْظُمَ وقْعُها، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وما هِيَ﴾ عَلى شِدَّةٍ بَعْدَ مَكانِها ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: مِن أحَدٍ مِنَ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في ذَلِكَ الزَّمانِ ولا هَذا ولا زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿بِبَعِيدٍ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ الِاحْتِياجُ في وُصُولِها إلى المَرْمى بِها إلى زَمَنٍ طَوِيلٍ. ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ بَعْدَ ما مَضى في قِصَّةِ بُشْرى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: فَأتى المَلَكانِ إلى سَدُومَ عِشاءً، وكانَ لُوطٌ جالِسًا عَلى بابِ سَدُومَ، فَنَظَرَ إلَيْهِما لُوطٌ فَتَلَقّاهُما، ثُمَّ خَرَّ عَلى وجْهِهِ ساجِدًا عَلى الأرْضِ وقالَ: إنِّي طالِبٌ إلَيْكُما يا سَيِّدِي، اعْدِلا إلى مَنزِلِ عَبْدِكُما فَبِيتا فِيهِ واغْسِلا أقْدامَكُما وبَكِّرا فانْطَلِقا في طَرِيقِكُما، فَقالا: كَلّا! ولَكِنّا نَبِيتُ في السُّوقِ، فَألَحَّ عَلَيْهِما لُوطٌ إلْحاحًا شَدِيدًا فانْصَرَفا مَعَهُ ودَخَلا مُنْزِلَهُ فَأعَدَّ لَهُما طَعامًا، ومِن قَبْلِ وقْتِ الهُجُوعِ إذا أهْلُ القَرْيَةِ أهْلِ سَدُومَ قَدْ أحاطُوا بِالبابِ مِنَ الشُّبّانِ إلى المَشايِخِ جَمِيعُ الشَّعْبِ بِأسْرِهِ، (p-٣٤٨)فَدَعَوْا بِلُوطٍ وقالُوا لَهُ: أيْنَ الرَّجُلانِ اللَّذانِ أتَياكَ مُمْسِيَيْنِ أخْرِجْهُما إلَيْنا فَنَعْرِفْهُما - وفي نُسْخَةٍ: حَتّى نُواقِعَهُما - فَخَرَجَلُوطٌ إلَيْهِمْ وأغْلَقَ البابَ خَلْفَهُ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: لا تُسِيئُوا بِي يا إخْوَةُ! هَذا لِي بِنْتانِ لَمْ يَمَسَّهُما رَجُلٌ، أُخْرِجُهُما إلَيْكم فاصْنَعُوا بِهِما ما حَسُنَ في أعْيُنِكُمْ، ولا تَرْتَكِبُوا مِن هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ شَيْئًا لِأنَّهُما ولَجا ظِلالَ بَيْتِي، فَقالُوا لَهُ: تَنَحَّ عَنّا، إنَّ واحِدًا أتى لِيَسْكُنَ بَيْتَنا فَصارَ يَحْكُمُ فِينا، فالآنَ نُسِيءُ إلَيْكَ أكْثَرَ مِنهُما، فَجاهَدَ لُوطٌ القَوْمَ جِدًّا فَدَنَوْا لِيَكْسِرُوا البابَ فَمَدَّ الرَّجُلانِ أيْدِيَهُما فَأدْخَلا لُوطًا إلَيْهِما إلى مَنزِلِهِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا بِالبابِ ضَرَبُوا بِالعَشِيِّ مِن كَبِيرِهِمْ حَتّى صَغِيرِهِمْ فَأُعْيُوا في طَلَبِ البابِ، فَقالَ المَلَكانِ لِلُوطٍ: ما تَصْنَعُ هاهُنا؟ اعْمَدْ إلى أخْتانِكَ وبَنِيكَ وبَناتِكَ وجَمِيعِ ما لَكَ في هَذِهِ القَرْيَةِ فَأخْرِجْهم مِن هَذِهِ البَلْدَةِ لِأنّا نُرِيدُ الخَسْفَ بِالبَلْدَةِ لِأنَّ فِعالَهم وخُبْثَ صَنِيعِهِمْ قَدْ بَلَغَ الرَّبَّ، فَأرْسَلَنا الرَّبُّ لِنُفْسِدَها، فَخَرَجَ لُوطٌ وكَلَّمَ أخْتانَهُ وأزْواجَ بَناتِهِ وقالَ لَهُمْ: قُومُوا فاخْرُجُوا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ؛ فَإنَّ الرَّبَّ مُزْمِعٌ لِخَرابِها، وكانَ عِنْدَ أخْتانِهِ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ، فَلَمّا كانَ عِنْدَ طُلُوعِ الصُّبْحِ ألَحَّ المَلَكانِ عَلى لُوطٍ وقالا لَهُ: قُمْ فَأخْرِجِ امْرَأتَكَ وابْنَتَيْكَ اللَّتَيْنِ مَعَكَ لِكَيْلا تُبْتَلى بِخَطايا أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ، فَأبْطَأ لُوطٌ فَأخَذَ المَلَكانِ بِيَدِهِ وبِيَدِ امْرَأتِهِ وابْنَتَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ فَأخْرَجاهُ وصَيَّراهُ خارِجًا عَنِ القَرْيَةِ، فَلَمّا أخْرَجاهم خارِجًا (p-٣٤٩)قالا لَهُ: انْجُ بِنَفْسِكَ ولا تَلْتَفِتَنَّ إلى خَلْفِكَ ولا تَقِفْ في شَيْءٍ مِن جَمِيعِ القاعِ، والتَجِئْ إلى جَبَلٍ وخَلِّصْ نَفْسَكَ، فَقالَ لَهُما لُوطٌ: أطْلُبُ إلَيْكُما يا سَيِّدِي أنْ أظْفَرَ الآنَ لِأنَّ عَبْدَكُما بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ وكَثُرَتْ نِعْماكُما إلَيَّ لِتَحْيى نَفْسِي، لَسْتُ أقْدِرَ أنْ أنْجُوَ إلى الجَبَلِ، لَعَلَّ الشَّرَّ يُرْهِقُنِي فَأمُوتُ، وهَذِهِ القَرْيَةُ هي قَرِيبَةٌ لِلْهَرَبِ إلَيْها وهي صَغِيرَةٌ، أتَأْذَنانِ لِي بِالهَرَبِ إلَيْها لِأنَّها حَقِيرَةٌ، فَلْتُحْيِيا نَفْسِي، فَقالَ لَهُ: قَدْ شَفَّعْتُكَ في هَذا أيْضًا فَلا أقْلِبُ \ هَذِهِ القَرْيَةَ الَّتِي سَألْتَ، أسْرِعْ فَنَجِّ نَفْسَكَ إلى هُناكَ، لِأنّا لَسْنا نَقْدِرُ أنْ نَعْمَلَ شَيْئًا حَتّى تَدْخُلَها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ تِلْكَ القَرْيَةُ صاغارَ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَشَرِقَتِ الشَّمْسُ عَلى الأرْضِ وقَدْ دَخَلَ لُوطٌ صاغارَ، وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَأهْبَطَ الرَّبُّ عَلى سَدُومَ وعامُورا نارًا وكِبْرِيتًا مِن بَيْنِ يَدَيِ الرَّبِّ مِنَ السَّماءِ فَقَلَبَ هَذِهِ القُرى والقاعَ بِأسْرِهِ، وأهْلَكَ جَمِيعَ سُكّانِها وجَمِيعَ مَن فِيها وجَمِيعَ نَبْتِ الأرْضِ، فالتَفَتَتِ امْرَأتُهُ إلى خَلْفِها لِتَنْظُرَ فَصارَتْ نَصْبَةَ مِلْحٍ، فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ باكِرًا إلى المَوْضِعِ الَّذِي كانَ يَقِفُ فِيهِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ فَمَدَّ بَصَرَهُ نَحْوَ سَدُومَ وعامُورا وإلى جَمِيعِ أرْضِ القاعِ فَنَظَرَ فَإذا دُخانُ القَرْيَةِ يَرْتَفِعُ كَدُخانِ الأُخْدُودِ، فَلَمّا خَسَفَ اللَّهُ قُرى القاعِ ذَكَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ فَأرْسَلَ لُوطًا مِنَ المَأْفُوكَةِ إذْ قَلَبَ اللَّهُ القُرى الَّتِي كانَ يَنْزِلُها لُوطٌ فَطَلَعَ [لُوطٌ] مِن (p-٣٥٠)صاغارَ - وفي نُسْخَةٍ: زَغَرَ - فَسَكَنَ الجَبَلَ هو وابْنَتاهُ مَعَهُ لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَسْكُنَ صاغارَ، فَجَلَسَ في مَغارَةٍ.

هود 11:84

ولَمّا انْتَهَتِ القِصَّةُ مُعْلِمَةً لِما قامَ بِهِ لُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أمْرِ اللَّهِ غَيْرَ وانٍ لِرَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ وبِما في إنْزالِ المَلائِكَةِ مِنَ الخَطَرِ، أُتْبِعَتْ أقْرَبَ القِصَصِ الشَّهِيرَةِ إلَيْها في الزَّمَنِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿مَدْيَنَ﴾ وهم قَبِيلَةُ أبِيهِمْ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أخاهم شُعَيْبًا﴾ فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: ما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما قالَ إخْوانُهُ مِنَ الأنْبِياءِ في البُداءَةِ بِأصْلِ الدِّينِ: ﴿يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم مُظْهِرًا غايَةَ الشَّفَقَةِ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْلى غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ شَيْئًا لِأنَّهُ واحِدٌ ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَلَقَدِ اتَّفَقَتْ - كَما تَرى - كَلِمَتُهم واتَّحَدَتْ إلى اللَّهِ وحْدَهُ دَعْوَتُهُمْ، وهَذا وحْدَهُ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلى صِدْقِ كُلٍّ مِنهم لِما عُلِمَ قَطْعًا مِن تَباعُدِ أعْصارِهِمْ وتَنائِي دِيارِهِمْ وأنَّ بَعْضَهم لَمْ يَلُمَّ بِالعُلُومِ ولا عَرَفَ أخْبارَ النّاسِ إلّا مِنَ الحَيِّ القَيُّومِ؛ قالَ الإمامُ شِهابُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّهَرْوَرْدِيُّ في كِتابِهِ ”رَشْفُ النَّصائِحِ الإيمانِيَّةِ وكَشْفُ الفَضائِحِ اليُونانِيَّةِ“ في ذِكْرِ الأنْبِياءِ: اتَّحَدَتْ مَصادِرُهم كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، عَبَّرُوا (p-٣٥١)بِألْسِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَنْتَهِي إلى بَحْرٍ مُتَّصِلٍ بِالقُلُوبِ مُتَحَدٍّ بِها يَسْتَمِدُّ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ بِعالَمَيِ الشَّهادَةِ والغَيْبِ، واخْتَلَفَ المَوارِدُ مِنَ الشَّرائِعِ بِحَسْبِ ما اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ مِن مَصْلَحَةِ أهْلِ كُلِّ زَمانٍ وكُلِّ مِلَّةٍ، فَما ضَرَّ اخْتِلافُهم في الفُرُوعِ مَعَ اتِّحادِهِمْ في الأُصُولِ، وقالَ قَبْلَ ذَلِكَ: إنَّ الفَلاسِفَةَ لَمّا لَمْ يَغْتَرِفُوا مِن بِحارِ الأنْبِياءِ وقَفَتْ بِهِمْ أفْراسُ أفْكارِهِمْ في عالَمِ الشَّهادَةِ، فَلَمّا حاوَلُوا الخَوْضَ في الإلَهِيّاتِ انْكَشَفَتْ عَوْرَةُ جَهْلِهِمْ وافْتَضَحُوا بِاضْطِرابِهِمْ واخْتِلافِهِمْ ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤] انْقَطَعَ بِهِمْ سَيْرُ الفِكْرِ في مُنْتَهى عالَمِ المُلْكِ والشَّهادَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ إسْكَنْدَرُ نَظَرَهم ظُلُماتِ عالَمِ الغُيُوبِ حَتّى يَظْفَرُوا بِعَيْنِ الحَياةِ الَّتِي مَن شَرِبَ مِنها لا يَمُوتُ - انْتَهى. ولَمّا دَعا إلى العَدْلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، دَعاهم إلى العَدْلِ فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ عَبِيدِهِ في أقْبَحِ ما كانُوا قَدِ اتَّخَذُوهُ بَعْدَ الشِّرْكِ دَيْدَنًا فَقالَ: ﴿ولا تَنْقُصُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ لا الكَيْلَ ولا آلَتَهُ ولا الوَزْنَ ولا آلَتَهُ؛ والكَيْلُ: تَعْدِيلُ الشَّيْءِ بِالآلَةِ في القِلَّةِ والكَثْرَةِ؛ والوَزْنُ: تَعْدِيلُهُ في الخِفَّةِ والثِّقَلِ، فالكَيْلُ لِلْعَدْلِ في الكَمِّيَّةِ والوَزْنُ لِلْعَدْلِ في الكَيْفِيَّةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ -: ﴿إنِّي أراكم بِخَيْرٍ﴾ أيْ: بِسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ البَخْسِ - مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا بِالإشارَةِ (p-٣٥٢)إلى أنَّ الكُفْرَ مُوجِبٌ لِلنِّقْمَةِ كَما أنَّ الشُّكْرَ مُوجِبٌ لِلنِّعْمَةِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ \ قِيلَ: فَإنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ الفَقْرَ بِالنَّقْصِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ: ﴿وإنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ بِهِ وبِالشِّرْكِ ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ بِكم صِغارًا وكِبارًا وبِأمْوالِكم طَيِّبًا وخَبِيثًا، أيْ مُهْلِكٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِما فِيهِ مِن عَذابٍ وغَيْرِهِ، والعَذابُ مُحِيطٌ بِالمُعَذَّبِ فَذِكْرُ المُحِيطِ [بِالمُحِيطِ] أهْوَلُ، وهو الدّائِرُ بِالشَّيْءِ مِن كُلِّ جانِبٍ، وذَلِكَ يَكُونُ بِالتِقاءِ طَرَفَيْهِ؛ والنُّقْصانُ: أخْذُ شَيْءٍ مِنَ المِقْدارِ كَما أنَّ الزِّيادَةَ ضَمُّ شَيْءٍ إلَيْهِ، وكِلاهُما خُرُوجٌ عَنِ المِقْدارِ؛ والوَزْنُ: تَعْدِيلُ الشَّيْءِ بِالمِيزانِ، كَما أنَّ الكَيْلَ تَعْدِيلُهُ بِالمِكْيالِ، ومِنَ الإحاطَةِ ما رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «لَمْ يَنْقُصْ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَمْنَعُوا زَكاةَ أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ، ولَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا».

هود 11:85

ولَمّا كانَ عَدَمُ النَّقْصِ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ التَّقْرِيبُ، أتْبَعَهُ بِما يَنْفِي هَذا الِاحْتِمالَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ [لا] يَكْفِي الكَفُّ عَنْ تَعَمُّدِ التَّطْفِيفِ، بَلْ يَلْزَمُ السَّعْيُ في الإيفاءِ ولَوْ بِزِيادَةٍ لا يَتَأتّى بِدُونِها، ولِأنَّ التَّصْرِيحَ (p-٣٥٣)بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ أوْكَدُ، فَقالَ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ مِنهم يَسُوءُهُ ما يَسُوءُهم وبِأنَّهم لِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ تَعاطِي سَفْسافِ الأخْلاقِ ورَذائِلِها: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيْ: أيُّها الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ في القِيامِ فِيما يَنُوبُهم ﴿أوْفُوا﴾ أيْ: أتِمُّوا إتْمامًا حَسَنًا ﴿المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [أيْ]، المَكِيلَ والمَوْزُونَ وآلَتَهُما؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ السَّوِيِّ، فَصارَ الوَفاءُ مَأْمُورًا بِهِ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِرارًا تَأْكِيدًا لَهُ وحِرْصًا عَلَيْهِ وإظْهارًا لِعُمُومِ نَفْعِهِ وشُمُولِ بَرَكَتِهِ، فَزالَ بِالمَجْمُوعِ تَوَهُّمُ المَجازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقَدْ مَضى في الأنْعامِ ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] أنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى ما قارَبَهُ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ أيْضًا بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ بِذَلِكَ وغَيْرِهِ في جَمِيعِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ أيْ: تَنْقُصُوا [عَلى وجْهِ الجَحْدِ والإهانَةِ] ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أفْعالَهم ثَمَرَةُ الهُجُومِ عَنْ غَيْرِ فِكْرٍ لِأنَّها لَيْسَتْ ناشِئَةً عَنْ شَرْعٍ فَأوَّلُها سَفَهٌ وآخِرُها فَسادٌ فَقالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: تَتَصَرَّفُوا وتَضْطَرِبُوا فِيها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا تَأمُّلٍ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ أيْ: فاعِلِينَ ما يَكُونُ فَسادًا في المَعْنى كَما كانَ فَسادًا في الصُّورَةِ، فَهو دُعاءٌ إلى تَقْدِيمِ التَّأمُّلِ والتَّرَوِّي عَلى كُلِّ فِعْلٍ [وذَلِكَ] لِأنَّ مادَّةَ ”عَثى“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ دائِرَةٌ عَلى الطَّلَبِ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، مِنَ العَيْثِ - لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، فَإنَّها لِسُهُولَتِها (p-٣٥٤)يُغْتَرُّ بِها فَيَسْلُكُها الغَبِيُّ بِلا دَلِيلٍ فَيَأْتِي الخَفاءَ والجَهْلَ، ومِنهُ التَّعْيِيثُ - لِطَلَبِ الأعْمى الشَّيْءَ؛ والأعْثى: الأحْمَقُ الثَّقِيلُ، واللَّوْنُ إلى السَّوادِ، والكَثِيرُ الشَّعْرِ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ اتِّباعَ الهَوى فَيَأْتِي الإفْسادُ والمُسارَعَةُ فِيهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى العُثِيِّ؛ قالَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ: عَثى وعاثَ: أفْسَدَ، وفي مُخْتَصِرِ العَيْنِ لِلزُّبَيْدِيِّ: عَثى في الأرْضِ بِمَعْنى عاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، وهو الإسْراعُ في الفَسادِ، فالمَعْنى عَلى ما قالَ الجُمْهُورُ: ولا تَفْعَلُوا الفَسادَ عَمْدًا وهو واضِحٌ، وعَلى ما قَدَّرْتُهُ مِن أصْلِ المَعْنى الَّذِي هو لِلْمَدارِ أوْضَحُ، وعَلى ما قالَ الزُّبَيْدِيُّ: ولا تُسْرِعُوا فِيهِ، فَلا يُظَنُّ أنَّهُ يَكُونُ الإسْراعُ حِينَئِذٍ قَيْدًا حَتّى يَنْصَبَّ النَّهْيُ إلَيْهِ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ الإقْدامُ بِلا تَأمُّلٍ إلّا كَذَلِكَ لِمُلاءَمَتِهِ لِلشَّهْوَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ والوَفاءُ: تَمامُ الحَقِّ؛ والبَخْسُ: النَّقْصُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الظُّلْمِ لِأنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

هود 11:86

ولَمّا كانَ نَظَرُهم بَعْدَ الشِّرْكِ مَقْصُورًا عَلى الأمْوالِ، وكانَ نَهْيُهُ عَمّا نَهى عَنْهُ مُوجِبًا لِمَحْقِها في زَعْمِهِمْ، كانُوا كَأنَّهم قالُوا: إنّا إذا اتَّبَعْناكَ فِيما قُلْتَ فَنِيَتْ أمْوالُنا أوْ قَلَّتْ فَتَضَعْضَعَتْ أحْوالُنا، فَلا يَبْقى لَنا شَيْءٌ؟ فَقالَ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَضْلُ المَلِكِ الأعْلى المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وبَرَكَتُهُ في أمْوالِكم وجَمِيعِ أحْوالِكم وإبْقاؤُهُ عَلَيْكم نَظَرَهُ إلَيْكُمُ المُوجِبَ (p-٣٥٥)لِعَفْوِهِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ اتِّباعِ أمْرِهِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَظُنُّونَهُ زِيادَةً بِالنَّقْصِ والظُّلْمِ، وذَلِكَ أنَّ بَقِيَّةَ الشَّيْءِ ما فَضَلَ مِنهُ، وتَكُونُ أيْضًا بِمَعْنى البُقْيا، مِن أبْقى عَلَيْهِ يُبْقِي إبْقاءً، واسْتَبْقَيْتُ فُلانًا - إذا عَفَوْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، كَأنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ أوْجَبَ فَناءَ وُدِّهِ أوْ فَناهَ عِنْدَكَ، فَإذا اسْتَبْقَيْتَهُ فَقَدْ تَرَكْتَ ما كانَ وجَبَ، ويَقُولُونَ: أراكَ تُبْقِي هَذا بِبَصَرِكَ - إذا كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ - قالَهُ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ بَيانُ ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ. ولَمّا كانَتْ خَيْرِيَّةُ ما يُبْقِيهِ العَدْلُ مِنَ الظُّهُورِ بِمَحَلٍّ لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَرَكَها وبَيَّنَ شَرْطَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّ خَيْرِيَّتَها لِغَيْرِ المُؤْمِنِ مَبْنِيَّةٌ عَلى غَيْرِ أساسٍ، فَهي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ إلّا في الدُّنْيا، فَهي عَدَمٌ لِسُرْعَةِ الزَّوالِ والنُّزُوحِ عَنْها والِارْتِحالِ، ودَلَّتِ الواوُ العاطِفَةُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ المَعْنى: فَآمِنُوا فاعِلِينَ ما أمَرْتُكم بِهِ لِتَظْفَرُوا بِالخَيْرِ فَإنَّما أنا نَذِيرٌ ﴿وما أنا﴾ وقَدَّمَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن قَصْدِهِ لِلِاسْتِعْلاءِ نافِيًا لَهُ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِحَفِيظٍ﴾ أعْلَمُ جَمِيعَ أعْمالِكم [وأحْوالِكُمْ] وأقْدِرُ عَلى كَفِّكم عَمّا يَكُونُ مِنها فَسادًا؛ وأصْلُ البَقِيَّةِ تَرْكُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ قَدْ مَضى.

هود 11:87

(p-٣٥٦)ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما دَعاهم إلَيْهِ تَرْكَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِنَ السَّفَهِ في حَقِّ الخالِقِ بِالشِّرْكِ والخَلائِقِ بِالخِيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ عِنْدَهم قَطِيعَةً وسَفَهًا، كانَ ذَلِكَ مِحَكًّا لِلْعُقُولِ ومَحَزًّا لِلْآراءِ يُعْرَفُ بِهِ نافِذُها مِن جامِدِها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ سَمَّوْهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً وأنْكَرُوا عَلَيْهِ مُسْتَهْزِئِينَ بِصَلاتِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ أيْ: تَفْعَلُ مَعَكَ فِعْلَ [مَن] كانَ يَأْمُرُ دائِمًا بِتَكْلِيفِنا ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ المُواظَبَةِ ﴿آباؤُنا أوْ﴾ نَتْرُكَ ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿فِي أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مِن قَطْعِ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ وإفْسادِ المُعامَلَةِ والمُقامَرَةِ ونَحْوِها مِمّا يَكُونُ إفْسادًا لِلْمالِ، يَعْنُونَ أنَّ ما تَأْمُرُنا بِهِ لا يَمْشِي عَلى مِنهاجِ العَقْلِ، فَما يَأْمُرُكَ بِهِ إلّا ما نَراكَ تَفْعَلُهُ مِن هَذا الشَّيْءِ الَّذِي تُسَمِّيهِ صَلاةً، أيْ أنَّهُ مِن وادِي: فِعْلُكَ لِلصَّلاةِ؛ ومادَّةُ صَلا - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها - تَدُورُ عَلى الوَصْلَةِ، فالصَّلاةُ لِصِلَةِ العَبْدِ بِرَبِّهِ، وكَذا الدُّعاءُ والِاسْتِغْفارُ، وصَلَواتُ اليَهُودِ: كَنائِسُهُمُ اللّاتِي تَجْمَعُهُمْ، والصَّلا: وسَطُ الظَّهْرِ ومَجْمَعُهُ وما حَوْلَ الذَّنَبِ أيْضًا، والمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ: التّابِعُ لِلسّابِقِ، وصالَ الفَحْلُ - إذا حَمَلَ عَلى العانَةِ، ولَصَوْتُ الرَّجُلَ ولَصَيْتُهُ: عِبْتَهُ، كَأنَّكَ ألْصَقْتَ بِهِ العَيْبَ، والواصِلَةُ واضِحَةٌ في ذَلِكَ، وكَأنَّها الحَقِيقَةُ الَّتِي تَفَرَّعَتْ مِنها جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] (p-٣٥٧)فِي سُورَةِ الرَّعْدِ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَمَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ: أمّا تُعانِيهِ مِنَ الصَّلَواتِ: الحَقِيقِيَّةِ ذاتِ الأرْكانِ، والمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وجَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ الحامِلَةِ عَلى أنْواعِ الوَصْلِ النّاهِيَةِ عَنْ كُلِّ قَطِيعَةٍ تَأْمُرُكَ بِمُجاهَرَتِنا لِآبائِنا بِالقَطِيعَةِ مَعَ تَقْدِيرِ حُضُورِهِمْ ومُشاهَدَتِهِمْ لِما نَفْعَلُ مِمّا يُخالِفُ أغْراضَهم وبِتَرْكِ التَّنْمِيَةِ لِأمْوالِنا بِالنَّقْصِ وهو مَعَ مُخالَفَةِ أفْعالِ الآباءِ تَبْذِيرٌ؛ فَهو سَفَهٌ - فَدارَتْ شُبْهَتُهم في الأمْرَيْنِ عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الغَلَطِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِأفْعالِهِمْ \ وجْهٌ مِنَ الصَّوابِ خَفِيَ عَنْهُمْ، وزادَتْ في الأمْوالِ بِظَنِّ التَّبْذِيرِ - فَقَدْ صِرْتَ بِدُعائِنا إلى كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ حِينَئِذٍ داعِيًا إلى ضِدِّ ما أنْتَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ ﴿إنَّكَ﴾ إذًا ﴿لأنْتَ﴾ وحْدَكَ ﴿الحَلِيمُ﴾ في رِضاكَ بِما يَغْضَبُ مِنهُ ذَوُو الأرْحامِ ﴿الرَّشِيدُ﴾ في تَضْيِيعِ الأمْوالِ، يُرِيدُونَ بِهَذا كَما زَعَمُوا - سَلْخَهُ مِن كُلِّ ما هو مُتَّصِفٌ بِهِ دُونَهم مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الفائِقَتَيْنِ بِما خَيَّلَ إلَيْهِمْ سَفَهُهم أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ قاطِعٌ، وعَنَوْا بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلى السَّفَهِ والغَيِّ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ.

هود 11:88

ولَمّا اتَّهَمُوهُ بِالقَطِيعَةِ والسَّفَهِ شَرَعَ في إبْطالِ ما قالُوا ونَفْيِ التُّهْمَةِ فِيهِنَّ وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما أجابَهم بِهِ؟ فَقِيلَ: (p-٣٥٨)﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِما بَيْنَهم مِن عَواطِفِ القَرابَةِ مُنَبِّهًا لَهم عَلى حُسْنِ النَّظَرِ فِيما ساقَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ لِيَكُونَ أدْعى إلى الوِفاقِ والإنْصافِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِما هو إحْسانٌ إلَيْكُمْ، وعَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ قَوْلَهُ: ”و“ قَدْ ”رَزَقَنِي“ وعَظَّمَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ جَلِيلًا ومالًا جَمًّا حَلالًا لَمْ أظْلِمْ فِيهِ أحَدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ: هَلْ يَسَعُ عاقِلًا أنْ يَنْسِبَنِي إلى السَّفَهِ بِتَبْذِيرِ المالِ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، أوْ يَسَعُنِي أنْ أحْلُمَ عَمَّنْ عَبَدَ غَيْرَهُ وأتْرُكَ دُعاءَكم إلى اللَّهِ، فَقَدْ بانَ بِهَذا أنِّي ما أمَرْتُكم بِما يَسُوءُكم مِن تَرْكِ ما ألِفْتُمْ وتَعَرَّضْتُ لِغَضَبِكم كُلِّكُمْ، وتَرَكْتُ مِثْلَ أفْعالِكم إلّا خَوْفًا مِن غَضَبِهِ ورَجاءً لِرِضاهُ، فَظَهَرَ أنْ لا تُهْمَةَ في شَيْءٍ مِن أمْرِي ولا خَطَأ، ما فَعَلْتُ قَطُّ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فِيما مَضى ﴿وما أُرِيدُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ أيْ: [بِأنْ] أذْهَبَ وحْدِي ﴿إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ في المُسْتَقْبَلِ، وما نَقَصَ مالٌ بِتَرْكِ مِثْلِ أفْعالِكُمْ، فَهو إرْشادٌ إلى النَّظَرِ في بابِ: ؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ ؎فابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَيْتَ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ (p-٣٥٩)[وقَدْ نَبَّهَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ أحَدَ حُقُوقٍ ثَلاثَةٍ؛ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ العِبادِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ في الكُلِّ] فَثَبَتَ بِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ مَعَ سَدادِ الأفْعالِ وحُسْنِ المَقاصِدِ - حِلْمُهُ ﷺ ورُشْدُهُ، فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما تَضَمَّنَ مَعْناهُ مُصَرَّحًا بِهِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أُرِيدُ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ وأقَرَّ بِالعَجْزِ فَقالَ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أيْ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلصَّلاحِ وهو كَما أرَدْتُ فَإنَّ مالِي - مَعَ اجْتِنابِي ما أنْتُمْ عَلَيْهِ - صالِحٌ، لَيْسَ بِدُونِ مالِ أحَدٍ مِنكُمْ، فَعُلِمَ، مُشاهَدَةً أنْ لا تَبْذِيرَ في العَدْلِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فَهو - مَعَ انْتِفاءِ التُّهْمَةِ عَنِّي فِيهِ - دُعاءٌ إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ الَّذِي لا خَيْرَ إلّا مِنهُ ولا مَحِيصَ عَنِ الرُّجُوعِ إلّا إلَيْهِ؛ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأسْنَدَ الأمْرَ إلى مَن هو لَهُ فَقالَ: ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ أيْ: فِيما اسْتَطَعْتُ مِن فِعْلِ الإصْلاحِ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ الأهْلُ لِأنَّ يُرْجى فَقالَ مُشِيرًا إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ولَمّا طَلَبَ التَّوْفِيقَ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ مِنَ اللَّهِ والِاسْتِعانَةَ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وحَسَمَ أطْماعَ الكُفّارِ عَنْهُ وأظْهَرَ الفَراغَ عَنْهم وعَدَمَ المُبالاةِ بِهِمْ، وكانَ في قَوْلِهِ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ (p-٣٦٠)إقْرارٌ بِأنَّهُ مَحَلُّ التَّقْصِيرِ، أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يَزالُ يُجَدِّدُ التَّوْبَةَ لِعِظَمِ الأمْرِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبارَةٍ صالِحَةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِن يَوْمِ البَعْثِ تَهْدِيدًا لَهم فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ لِيَكْمُلَ الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ مَعْنًى سَبْقِي لِلتَّوْبَةِ وحِسًّا تَيَقُّنِي بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ والتَّوْفِيقُ: خَلْقُ قُدْرَةِ ما هو وفْقَ الأمْرِ مِنَ الطّاعَةِ، مِنَ المُوافَقَةِ لِلْمُطابَقَةِ؛ والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَلى الرِّضاءِ بِتَدْبِيرِهِ مَعَ التَّمَسُّكِ بِطاعَتِهِ.

هود 11:89

ولَمّا بَيَّنَ لَهم عُذْرَهُ بِما انْتَفَتْ بِهِ تُهْمَتُهُ، \ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَقَّ وضَحَ لَهم وُضُوحًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا المُعانَدَةُ، فَحَذَّرَهم عَواقِبَها وذَكَّرَهم أمْرَ مَنِ ارْتَكَبَها فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ وأعَزَّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: يَحْمِلَنَّكم ﴿شِقاقِي﴾ [أيْ] شِقاقُكم لِي عَلى ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿مِثْلُ ما﴾ [أيِ العَذابِ الَّذِي] ﴿أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ بَعْدَ طُولِ أعْمارِهِمْ وتَنائِي أقْطارِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ عَلى شِدَّةِ أبْدانِهِمْ وتَمادِي أمانِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مَعَ نَحْتِهِمُ البُيُوتَ مِنَ الصُّخُورِ وتَشْيِيدِهِمْ عَوالِيَ القُصُورِ. ولَمّا كانَ لِلْمُقارَبَةِ أثَرُ المُشاكَلَةِ والمُناسَبَةِ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَعْظِيمًا لِلتَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ﴾ [أيْ] عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ وسُوءِ (p-٣٦١)حالِهِمْ وقُوَّةِ أخْذِهِمْ ووَبالِهِمْ ﴿مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [أيْ] لا في الزَّمانِ ولا في المَكانِ فَأنْتُمْ أجْدَرُ النّاسِ بِذِكْرِ حالِهِمْ لِلِاتِّعاظِ بِها، وإنَّما فَسَّرُتُ جَرَمَ بِحَمَلَ؛ لِأنَّ ابْنَ القَطّاعِ نَقَلَ أنَّهُ يُقالُ: جَرَمْتُ الرَّجُلَ: حَمَلْتَهُ عَلى الشَّيْءِ، وقَدْ عَزا الرُّمّانِيُّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ لِلْحَسَنِ وقَتادَةَ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِنَ القَطْعِ، أيْ: لا يَقْطَعَنَّكم شِقاقِي عَنِ اتِّباعِ ما أدْعُوكم إلَيْهِ خَوْفَ أنْ يُصِيبَكُمْ، وقَدْ جَوَّزَهُ الرُّمّانِيُّ.

هود 11:90

ولَمّا رَهَّبَهُمْ، أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ في سِياقٍ مُؤْذِنٍ بِأنَّهم إنْ لَمْ يُبادِرُوا إلى المَتابِ بادَرَهُمُ العَذابُ، بِقَوْلِهِ عاطِفًا لِهَذا الأمْرِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا سَتْرَ المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ونَبَّهَ عَلى مِقْدارِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَغَّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُخْتَصَّ لِي بِما تَرَوْنَ مِنَ الإحْسانِ دِينًا ودُنْيا ﴿رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِأنْ يَحْفَظَهُ عَلى ما يَرْضاهُ، بَلِيغُ التَّحَبُّبِ إلَيْهِ، ولَمْ يَبْدَأْهُ بِالِاسْتِعْطافِ عَلى عادَتِهِ بِقَوْلِهِ: يا قَوْمِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِي وقْتٌ آمَنُ فِيهِ وُقُوعَ العَذابِ حَتّى أشْتَغِلَ فِيهِ بِالِاسْتِعْطافِ، فَرُبَّما كانَ الأمْرُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ فاطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ بِأنْ تَجْعَلُوها غَرَضَكم ثُمَّ تَوَصَّلُوا إلَيْها بِالتَّوْبَةِ؛ فَ «ثُمَّ» عَلى بابِها في التَّرْتِيبِ، وأمّا التَّراخِي فَبِاعْتِبارِ عِظَمِ مِقْدارِ التَّوْبَةِ وعُلُوِّ رُتْبَتِها (p-٣٦٢)لِأنَّ الغُفْرانَ لا يَحْصُلُ بِالطَّلَبِ إلّا إنِ اقْتَرَنَ بِها، هَذا الشَّأْنُ في كُلِّ كَبِيرَةٍ مِن أنَّها لا تُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ المَفْعُولَةَ بَعْدَها يَكُونُ مِثْلُها كَبِيرَةً في جِنْسِ الطّاعاتِ [كَما أنَّ تِلْكَ كَبِيرَةٌ في جِنْسِ المَعاصِي فَلا تَقْوى الطّاعَةُ عَلى مَحْوِها، وتَكَرُّرُ] الطّاعاتِ يُقابِلُهُ تَكَرُّرُ المَعاصِي بِالإصْرارِ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ المَعْصِيَةِ في كُلِّ حالٍ،

هود 11:91

فَلَمّا رَأوْهُ لا يَنْزِعُ عَنْهم ولَمْ يَقْدِرُوا لِكَلامِهِ عَلى جَوابٍ، أيْأسُوهُ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بِأنْ أنْزَلُوا أنْفُسَهم عِنادًا في الفَهْمِ لِهَذا الكَلامِ الواضِحِ جِدًّا إلى عِدادِ البَهائِمِ، وهَدَّدُوهُ فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم [بِذَلِكَ] اسْتِئْنافًا في جَوابِ مَن يَقُولُ: ما قالُوا بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ الحَسَنِ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ مُنادِينَ لَهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً ﴿ما نَفْقَهُ﴾ أيِ الآنَ؛ لِأنَّ ”ما“ تَخُصُّ بِالحالِ ﴿كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ وإذا لَمْ يُفْهَمِ الكَثِيرُ مِنَ الكَلامِ لَمْ يُفْهَمْ مَقْصُودُهُ، يَعْنُونَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ واتْرُكْ كَلامَكَ فَإنّا لا نَفْهَمُهُ تَهاوُنًا [بِهِ] كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِخَصْمِهِ إذا نَسَبَهُ إلى الهَذَيانِ: أنا لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَمّا كانَ غَرَضُهم مَعَ العِنادِ قَطْعَ الأمْرِ، خَصُّوا عَدَمَ الفَهْمِ بِالكَثِيرِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الإمْكانِ، وكَأنَّهم - واللَّهُ أعْلَمُ - أشارُوا إلى أنَّهُ كَلامٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ فَلا حاصِلَ لَهُ ولا لِمَضْمُونِهِ وُجُودٌ في الخارِجِ. ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ضَعِيفُ العَقْلِ لِأنَّ كَلامَهُ مِثْلُ كَلامِ المَجانِينِ، (p-٣٦٣)أتْبَعُوهُ قَوْلَهُمْ: ﴿وإنّا لَنَراكَ﴾ أيْ: رُؤْيَةً مُجَدَّدَةً مُسْتَمِرَّةً ﴿فِينا ضَعِيفًا﴾ أيْ: في البَدَنِ وغَيْرِهِ، فَلا تَتَعَرَّضْ لِسُخْطِنا؛ فَإنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِن مَكْرُوهٍ نَحُلُّهُ بِكَ بِقُوَّةِ عَقْلٍ ولا جِسْمٍ ولا عَشِيرَةٍ، وأشارُوا إلى ضَعْفِ العَشِيرَةِ بِتَعْبِيرِهِمْ بِالرَّهْطِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ أيْ: قَتَلْناكَ شَرَّ قِتْلَةٍ - فَإنَّ الرَّهْطَ مِن ثَلاثَةٍ إلى عَشَرَةٍ، وأكْثَرُ ما قِيلَ: إنَّ فَخِذَهُ أرْبَعُونَ - فَما أنْتَ عَلَيْنا بِمُمْتَنِعٍ لِضَعْفِكَ وقِلَّةِ قَوْمِكَ ﴿وما أنْتَ﴾ أيْ: خاصَّةً، لِأنَّ ”ما“ لِنَفْيِ الحالِ اخْتِصاصٌ بِالزَّمانِ، والقِياسُ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُها فِعْلًا أوْ شِبْهَهُ، وحَيْثُ أُولِيَتِ الِاسْمَ لا سِيَّما الضَّمِيرُ دَلَّ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ والِاخْتِصاصِ ﴿عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ بِكَرِيمٍ مَوْدُودٍ، تَقُولُ: أعْزَزْتُ فُلانًا - إذا كانَ لَهُ عِنْدَكَ وُدٌّ، بَلْ قَوْمُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عِنْدَنا لِمُوافَقَتِهِمْ لَنا، ولَوْ كانَ المُرادُ: ما عَزَزْتَ عَلَيْنا، لَكانَ الجَوابُ: لِمْ لا أعِزُّ وقَدْ شَرَّفَنِيَ اللَّهُ - أوْ نَحْوَ هَذا، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالعَزِيزِ القَوِيُّ المُمْتَنِعُ، ويَصِيرُ إفْهامُهُ لِامْتِناعِ رَهْطِهِ مَحْمُولًا عَلى أنَّ المانِعَ لَهم مُوافَقَتُهم لَهم لا قُوَّتُهُمْ؛ والفِقْهُ: فَهْمُ الكَلامِ عَلى ما تَضَمَّنَ مِنَ المَعْنى، وقَدْ صارَ اسْمًا لِضَرْبٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ، وأصْلُ الرَّهْطِ: الشِّدَّةُ، مِنَ التَّرْهِيطِ لِشِدَّةِ الأكْلِ، ومِنهُ الرّاهِطاءُ: جُحْرُ اليَرْبُوعِ لِشِدَّتِهِ وتَوَثُّقِهِ لِيَخْبَأ فِيهِ ولَدُ.

هود 11:92

ولَمّا كانَ تَخْصِيصُهم نَفْيَ العِزَّةِ بِهِ يُفْهِمُ أنَّ رَهْطَهُ عَلَيْهِمْ أعِزَّةٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في سِياقِ مُهَدِّدٍ لَهم فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: ﴿قالَ﴾ (p-٣٦٤)أيْ شُعَيْبٌ ﴿يا قَوْمِ﴾ ولَمْ يَخْلُ الأمْرُ مِن جَذْبٍ واسْتِعْطافٍ بِذِكْرِ الرَّحِمِ العاطِفَةِ ﴿أرَهْطِي﴾ أيْ: أقارِبِي الأقْرَبُونَ مِنكم ﴿أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً حَتّى نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ فِيَّ لِقَرابَتِي مِنهم ولَمْ تَنْظُرُوا إلى اللَّهِ في قُرْبِي مِنهُ بِما ظَهَرَ عَلَيَّ مِن كَرامَتِهِ ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أيْ: [بِما] كَلَّفْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم مِمّا هو خِلافُ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿وراءَكُمْ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْهُ إعْراضَ مَن جَعَلَ الشَّيْءَ وراءَهُ؛ وحَقَّقَ مَعْنى الوَراءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ظِهْرِيًّا﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ الغائِبِ عَنْكُمُ المَنسِيِّ عِنْدَكُمُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ، ولَمْ تُراقِبُوهُ فِيَّ لِنِسْبَتِي إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ والعُبُودِيَّةِ. ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ لِأجْلِ الإنْكارِ: إنَّكم عَكَسْتُمْ في الفِعْلِ فَلَمْ تَعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ؛ إذْ كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ لا تَنْسَوُا اللَّهَ بَلْ تُراقِبُوهُ في كُلِّ أُمُورِكُمْ، حَسُنَ تَعْلِيلُ هَذا المَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِأعْمالِهِمْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ مِن جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، فَهو مُقْتَدِرٌ في كُلِّ فِعْلٍ مِن أفْعالِكم عَلى إنْفاذِهِ وإبْطالِهِ، فَهو مُحِيطٌ بِكم لا يَرُدُّهُ عَنْ نُصْرَتِي مِنكم والإيقاعِ بِكم مُراعاةُ أحَدٍ لِعِزَّةٍ ولا قُوَّةٍ، بَلْ لَكم عِنْدَهُ أجَلٌ هو مُؤَخِّرُكم إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَخْشى الفَوْتَ؛ والِاتِّخاذُ: أخْذُ الشَّيْءِ لِأمْرٍ يَسْتَمِرُّ في المُسْتَأْنَفِ كاتِّخاذِ البَيْتِ؛ والمُحِيطُ: المُدِيرُ عَلى الشَّيْءِ كالحائِطِ يَحْصُرُهُ بِحَيْثُ (p-٣٦٥)لا يَفُوتُهُ مِنهُ شَيْءٌ.

هود 11:93

ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِتَهْدِيدِهِمْ بِما بَيَّنَ أنَّ تَهْدِيدَهم لَهُ عَدَمٌ لا يُبالِي بِهِ، أتْبَعَهُ ما يُصَدِّقُهُ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِتارِكٍ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ مِمّا جُبِلُوا بِهِ، وزادَ في التَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا العَمَلَ لِكُلِّ ما تُرِيدُونَ قارِّينَ مُسْتَعْلِينَ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: حالِكُمُ الَّذِي تَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنَ العَمَلِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى ما صارَ لِي مَكانَةً، أيْ حالًا أتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ العَمَلِ لا أنْفَكُّ عَنْهُ ما أنا عامِلٌ مِن تَحْذِيرِي لِمَن كَفَرَ وتَبْشِيرِي لِمَن آمَنَ وقِيامِي بِكُلِّ ما أوْجَبَ عَلَيَّ المَلِكُ غَيْرَ هائِبٍ لَكم ولا خائِفٍ مِنكم ولا طامِعٍ في مُؤالَفَتِكم ولا مُعْتَمِدٍ عَلى سِواهُ. ولَمّا كانَتْ مُلازَمَتُهم لِأعْمالِهِمْ سَبَبًا لِوُقُوعِ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ [و] وُقُوعُهُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِمَن يُخْزِي لِمَن يَعْلَمُ أيَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يُرادُ، ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذا التَّهْدِيدِ فَحَسُنَ حَذْفُ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ زَمانُهُ، وسَوْقُهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما المُرادُ بِهَذا الأمْرِ بِالعَمَلِ المُبالَغِ قَبْلُ في النَّهْيِ عَنْهُ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُوَضِّحُهُ. وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] كَذِبُهم - في إخْراجِ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن هو مُنْصَبُّ الفِكْرِ كُلِّهِ إلى كَلامِهِ - قائِلٌ: ماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا وعَمِلْتَ؟ فَهَذا وصْلٌ خَفِيٌّ مُشِيرٌ إلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ ولَوْ ذَكَرَ الفاءَ لَكانَ (p-٣٦٦)وصْلًا ظاهِرًا، [وقَدْ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ العالِمِ بِالأسْبابِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُسَبَّباتِ المَأْمُورِ بِها أشْرَفُ خَلْقِهِ ﷺ في سُورَةِ الأنْعامِ والزُّمَرِ والكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ السُّورَةِ] ﴿مَن﴾ أيْ: أيُّنا أوِ الَّذِي ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ ولَمّا كانَ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ لِأنَّهُ التَّكَلُّمُ بِما لَيْسَ لَهُ نِسْبَةٌ في الواقِعِ تُطابِقُهُ، قالَ: ﴿ومَن هو كاذِبٌ﴾ أيْ: مِنِّي ومِنكُمْ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ كانَتْ ”مَن“ مَوْصُولَةً: سَتَعْلَمُونَ المُخْزى بِالعَذابِ والكَذِبِ أنا وأنْتُمْ، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وأيُّنا هو كاذِبٌ، فالزَمُوا مَكانَتَكم لا تَتَقَدَّمُوا عَنْها ﴿وارْتَقِبُوا﴾ أيِ انْتَظَرُوا ما يَكُونُ مِن عَواقِبِها. ولَمّا كانُوا يُكَذِّبُونَهُ ويُنْكِرُونَ قَوْلَهُ أكَّدَ فَقالَ: ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وإنَّما قَدَّرْتُ هَذا المَعْطُوفَ عَلَيْهِ لِفَصْلِ الكَلامِ [فِي قَوْلِهِ: ”سَوْفَ“ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ”اعْمَلُوا“ وجَرَّدَ ولَمْ يَقُلْ: مُرْتَقِبٌ، إشارَةً إلى أنَّ هَمَّهُ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ لِأنَّهُ مُبالِغٌ في ارْتِقابِ عاقَبْتِهِ مَعَهُمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ.

هود 11:94

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأخَذُوا الكَلامَ] عَلى ظاهِرِهِ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِصادِعِ وعِيدِهِ وباهِرِهِ، فاسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ إلى أنْ جاءَ أمْرُنا في الأجَلِ المَضْرُوبِ لَهُ، قالَ عاطِفًا عَلَيْهِ، وكانَ العَطْفُ بِالواوِ (p-٣٦٧)لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ وعِيدٌ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ - كَما في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ - يَتَسَبَّبُ عَنْهُ المَجِيءُ ويَتَعَقَّبُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: تَعَلُّقُ إرادَتِنا بِالعَذابِ ﴿نَجَّيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿شُعَيْبًا﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ مِنهم ومِمّا عَذَّبْناهم بِهِ، وكانَ إنْجاؤُنا لَهم ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ ولَمّا ذَكَرَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ، أتْبَعَهَ هَلاكَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الظُّلْمَ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿الصَّيْحَةُ﴾ وكَأنَّها كانَتْ دُونَ صَيْحَةِ ثَمُودَ لِأنَّهم كانُوا أضْعَفَ مِنهم فَلِذَلِكَ أبْرَزَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ في هَذِهِ دُونَ تِلْكَ. ولَمّا ذَكَرَ الصَّيْحَةَ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْها فَقالَ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ: في الوَقْتِ الَّذِي يَتَوَقَّعُ الإنْسانُ فِيهِ السُّرُورَ وكُلَّ خَيْرٍ ﴿فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: ساقِطِينَ لازِمِينَ لِمَكانِهِمْ.

هود 11:95

ولَمّا كانَ الجُثُومُ قَدْ لا يَكُونُ بِالمَوْتِ، أوْضَحَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أغْنِياءَ مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ مَعَ الغَوانِي لاهِينَ بِالغِناءِ؛ ولَمّا كانَ مَضْمُونُ ذَلِكَ الإبْعادَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ بُعْدًا مَعَ أنَّهُ بِمَعْنى ضِدِّ القُرْبِ مَعَهُ هَلاكٌ، فَهو مِن بَعِدَ بِالكَسْرِ، وأيَّدَ ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ أمْرَهم كانَ أخَفَّ مِن أمْرِ ثَمُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾

هود 11:96

ولَمّا كانَ شُعَيْبٌ خَتَنَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، كانَ ذِكْرُ قِصَّتِهِ هُنا (p-٣٦٨)مُتَوَقَّعًا مَعَ ما حَرَّكَ إلى تَوَقُّعِها مِن ذِكْرِ كِتابِهِ أوَّلَ السُّورَةِ وما في عَصا مُوسى مِن مُناسَبَةِ ناقَةِ مَن خُتِمَ بِالتَّشْبِيهِ بِحالِهِمْ، فَذَكَرَها بَعْدَها مُفْتَتِحًا لَها بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ فَعَلَ فِعْلَ قُرَيْشٍ في الإدْبارِ عَنِ الآياتِ العَظِيمَةِ ولَمْ يَتْرُكْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ مِن إنْذارِهِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أعادَ الفِعْلَ وأبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى باهِرِ مُعْجِزاتِهِ ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ المُعْجِزاتِ الَّتِي أظْهَرَها ﴿وسُلْطانٍ﴾ أيْ: أمْرٍ قاهِرٍ لِلْقِبْطِ، والظّاهِرُ أنَّهُ حِكايَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ عَلى ما كانَ لَهُ مِنَ السَّطْوَةِ والتَّحَرُّقِ عَلَيْهِ ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ: بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وهو في قُوَّةِ بَيانِهِ كَأنَّهُ مُبِينٌ لِغَيْرِهِ ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ، والآيَةُ تَعُمُّ الأمارَةَ والدَّلِيلَ القاطِعَ، والسُّلْطانُ يَخُصُّ القاطِعَ، والمُبِينُ [يَخُصُّ] ما فِيهِ جَلاءٌ

هود 11:97

﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ طاغِيَةِ القِبْطِ ﴿ومَلَئِهِ﴾ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ الَّذِينَ تَتَبَّعَهُمُ الأذْنابُ، لِأنَّ القَصْدَ الأكْبَرَ رَفْعُ أيْدِيهِمْ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ. ولَمّا كانَ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ مَن لا يَتْبَعُ أحَدًا إلّا فِيما يَعْلَمُ أنَّهُ صَوابٌ، قالَ مُعَجِّبًا مِنَ المَلَأِ مُشِيرًا إلى سُرْعَةِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَيِّناتِ واتِّباعِهِمْ فِيما ضَلالُهُ لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ مُسْكَةٌ: ﴿فاتَّبَعُوا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ الباهِرِ أنْ عَصى فِرْعَوْنُ وحَمَلَ مَلْؤُهُ أنْفُسَهم عَلى أنْ تَبِعُوا لِإرادَتِنا ذَلِكَ (p-٣٦٩)مِنهم ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [أيْ: كُلَّ ما يَفْهَمُونَ عَنْهُ أنَّهُ يَهْواهُ ويَأْمُرُهُ بِهِ] وتَبِعَهُمُ السَّفَلَةُ فَأطْبَقُوا عَلى المُنابَذَةِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ \ أيْ: سَدِيدٍ، مَعَ أنَّ في هَذا التَّعْقِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ ثَمُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِآيَتَيِ النّاقَةِ والعَصا إشارَةً إلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ المَذْكُورِ أوَّلَ السُّورَةِ المُوجِبِ خَوْفُهُ لِكُلِّ خَيْرٍ كَما أنَّ ذَلِكَ أيْضًا كانَ مِن فَوائِدِ تَعْقِيبِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ لِقِصَّةِ صالِحٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، واقْتَصَرَ هُنا عَلى ذِكْرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَصِ - كَما تَقَدَّمَ - التَّثْبِيتُ في المُكافَحَةِ بِإبْلاغِ الإنْذارِ وإنِ اشْتَدَّتْ كَراهِيَةُ المُبَلِّغِينَ وقَلَّ المُتَّبِعُ مِنهُمْ، وأنْ لا يُتْرَكَ شَيْءٌ مِنهُ خَوْفَ إصْرارِهِمْ أوْ إدْبارِهِمْ ولا رَجاءَ إقْبالِهِمْ وكَثْرَةِ مُؤْمِنِيهِمْ، وهَذِهِ حالُ آلِ فِرْعَوْنَ، وأمّا بَنُو إسْرائِيلَ فَإنَّهم لَمْ يَتَوَقَّفُوا إلّا خَوْفًا مِن فِرْعَوْنَ في أوَّلِ الأمْرِ، ثُمَّ أطْبَقَ كُلُّهم عَلى الإتْباعِ، ثُمَّ صارُوا بَعْدَ ذَلِكَ كُلَّ قَلِيلٍ يُبَدِّلُونَ لا كَراهِيَةً لِلْإنْذارِ بَلْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ وعَجائِبِ المَقْدُورِ كَما بُيِّنَ في قَصَصِهِمْ؛ والمَلَأُ: الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ الصُّدُورَ هَيْبَتُهم عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ؛ والِاتِّباعُ: طَلَبُ الثّانِي لِلتَّصَرُّفِ بِتَصَرُّفِ الأوَّلِ في أيِّ جِهَةِ أخْذٍ، وقَدْ يَكُونُ عَنْ كُرْهٍ بِخِلافِ الطّاعَةِ؛ والأمْرُ: الإيجابُ بِصِيغَةِ ”افْعَلْ“ وهو يَتَضَمَّنُ إرادَةَ المَأْمُورِ بِهِ في الجُمْلَةِ، وقَدْ لا يُرادُ امْتِثالُ عَيْنِ (p-٣٧٠)المَأْمُورِ؛ والرَّشِيدُ: القائِدُ إلى الخَيْرِ الهادِي إلَيْهِ.

هود 11:98

ثُمَّ أوْضَحَ عَدَمَ رُشْدِ أمْرِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ أيِ الَّذِينَ كانَ لَهم قُوَّةُ المُدافَعَةِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ويَكُونُونَ لَهُ تَبَعًا كَما كانُوا في الدُّنْيا، وأشارَ بِإيرادِ ما حَقُّهُ المُضارِعُ ماضِيًا إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ ومَضى فَقالَ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ أيْ: كَما أوْرَدَهم في الدُّنْيا غِطاءَها وهو البَحْرُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ الوارِدُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ الفِعْلِ والمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ كَما كانَ البَحْرُ إذْ ورَدُوهُ أقْبَحَ وِرْدٍ ورَدَهُ إنْسانٌ، لِأنَّ الوِرْدَ يُرادُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، وهَذا يُفِيدُ ضِدَّ ذاكَ.

هود 11:99

ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ مَوْصُوفًا بِعِظَمِ الحالِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ والأمْوالِ وضَخامَةِ المَمْلَكَةِ، حَقَّرَ تَعالى دُنْياهُ بِتَحْقِيرِ جَمِيعِ الدُّنْيا الَّتِي هي مِنها بِإسْقاطِها في الذِّكْرِ اكْتِفاءً بِالإشارَةِ إلَيْها ولَمْ يُثْبِتْها كَما في قِصَّةِ عادٍ فَقالَ: ﴿وأُتْبِعُوا﴾ بِبِنائِهِ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَنكِيَّ الفِعْلُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿فِي هَذِهِ﴾ أيِ الحَياةِ الخَسِيسَةِ ﴿لَعْنَةً﴾ فَهم يُلْعَنُونَ فِيها مِن كُلِّ لاعِنٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ مَن أهْلِ المِلَلِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن حَسَّنَ حالَهم وارْتَضى ضَلالَهم لِإضْلالِ العِبادِ مِن أهْلِ الإلْحادِ بِفِتْنَةِ الِاتِّحادِ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْضًا يَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ، حَتّى أهْلُ الِاتِّحادِ الأخِلّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلّا المُتَّقِينَ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَحِقُّ أنْ يَقُولَهُ سامِعُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ أيِ التَّبَعُ المَتْبُوعُ والعَوْنُ (p-٣٧١)المُعانُ، فَإنَّ اللَّعْنَةَ تابِعَةٌ لِعَذابِهِمْ في الدُّنْيا ومَتْبُوعَةٌ [بِاللَّعْنَةِ] في الآخِرَةِ والعَذابُ رِفْدٌ لَها وهي رِفْدٌ لَهُ، ومادَّةُ ”رَفَدَ“ تَدُورُ عَلى التَّبَعِ، أوْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ لَعْنَهم لا يَزالُ مُتَرادِفًا تابِعًا بَعْضُهُ لِبَعْضٍ، فَكُلُّ لَعْنَةٍ تابِعَةٍ لِشَيْءٍ مِنَ الخِزْيِ: عَذابٌ أوْ لَعْنٌ، مَتْبُوعَةٌ بِلَعْنَةٍ مُضافَةٍ إلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ رِفْدًا وهو حَقِيقَةُ العَوْنِ مِن بابِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. ومَعْنى ﴿يَقْدُمُ﴾ [هود: ٩٨] أنَّهُ يَكُونُ قُدّامَهم [غَيْرَ] سائِقٍ لَهُمْ، بَلْ هم عَلى أثَرِهِ مُتَلاحِقِينَ، فَيَكُونُ دُخُولُهم إلى النّارِ مَعًا؛ والقِيامَةُ: القَوْمَةُ مِنَ المَوْتِ لِلْحِسابِ؛ والإتْباعُ: طَلَبُ الثّانِي لِلَّحاقِ بِالأوَّلِ كَيْفَ تَصَرَّفَ؛ واللَّعْنُ مِنَ اللَّهِ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ بِالحُكْمِ بِذَلِكَ، ومِنَ العِبادِ: الدُّعاءُ بِهِ.

هود 11:100

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأخْبارُ عَلى غايَةٍ مِنَ التَّحْذِيرِ، لا يَعْرِفُهُ إلّا بالِغٌ في العِلْمِ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْتِ بِها إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِلْعِلْمِ المُشاهَدِ بِأنَّهُ لَمْ يُعانِ عِلْمًا ولا ألَمَّ بِعالِمٍ يَوْمًا، هَذا [مَعَ] ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن أنْواعِ البَلاغَةِ وتَضَمَّنَتْهُ مِن أنْحاءِ الفَصاحَةِ وأوْمَأتْ إلَيْهِ \ بِحُسْنِ سِياقاتِها مِن صُرُوفِ الحِكَمِ وإفادَةِ تَفْصِيلِها مِن فُنُونِ المَعارِفِ، فَلِذَلِكَ اسْتَحَقَّتْ أنْ يُشارَ إلَيْها بِأداةِ البُعْدِ إيماءً إلى بُعْدِ المَرْتَبَةِ وعُلُوِّ الأمْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأُ العَظِيمُ والخَطْبُ الجَسِيمُ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ (p-٣٧٢)وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِلَفْظِ النَّبَأِ لِأنَّهُ الخَبَرُ فِيهِ عَظِيمُ الشَّأْنِ، ومِنهُ النَّبِيُّ، وأشارَ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ إلى أنّا كَما قَصَصْناها عَلَيْكَ في هَذا الحالِ لِلْمَقْصِدِ المُتَقَدِّمِ سَنَقُصُّها عَلَيْكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ في فُنُونِ البَلاغَةِ وتَصارِيفِ الحُكْمِ كَما سَتَرى عِنْدَ قَصِّهِ؛ ثُمَّ أشارَ - بِما أخْبَرَ مِن حَلِّها بِقَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ أيِ القُرى ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ - إلى أنَّكَ مِثْلَ ما سَمِعْتَ ما قَصَصْنا [عَلَيْكَ] مِن أمْرِها بِأُذُنِكَ ووَعَيْتَهُ بِقَلْبِكَ تُحِسُّها بِعَيْنِكَ بِمُشاهَدَةِ أبْنِيَتِها وآثارِها قائِمَةً ومُسْتَحْصَدَةً، أيْ مُتَهَدِّمَةً لَمْ يَبْقَ مِن بُنْيانِها إلّا بَعْضُ جُدْرانِها.

هود 11:101

ولَمّا كانَ فِيما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ القِصَصِ أشَدُّ تَهْدِيدٍ وأعْظَمُ وعِيدٍ لِمَن لَهُ تَبْصِرَةٌ، صَرَّحَ لِغَلِيظِي الأكْبادِ بِأنَّ المُوجِبَ لِلْإيقاعِ بِهِمْ إنَّما هو الظُّلْمُ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى نَحْوِ أنْ يُقالَ: فَعَلْنا بِهِمْ وأنْبَأْناكَ بِهِ: ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِنهُ ﴿ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ واعْتَمَدُوا عَلى أنْدادِهِمْ مُعْرِضِينَ عَنْ جَنابِنا آمَنِينَ مِن عَذابِنا فَأخَذْناهم ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ اعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِنا أنَّهُ ما ﴿أغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي﴾ وصَوَّرَ حالَهُمُ الماضِيَةَ فَقالَ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ: دَعَوْها واسْتَمَرُّوا عَلى دُعائِهِمْ لَها إلى حِينِ الأخْذِ، [وبَيَّنَ خِسَّةَ رُتْبَتِها فَقالَ]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ (p-٣٧٣)صِفاتِ الكَمالِ؛ وذَكَرَ مَفْعُولَ ”أغْنَتْ“ مُعَرَّقًا في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ: وإنْ قَلَّ ﴿لَمّا جاءَ أمْرُ﴾ أيْ: عَذابُ ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَأْخِيرِ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ عَنْ أُمَّتِكَ وجَعَلَكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿وما زادُوهُمْ﴾ في أحْوالِهِمُ الَّتِي كانَتْ لَهم قَبْلَ عِبادَتِهِمْ إيّاها ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ أيْ: إهْلاكٍ وتَخْسِيرٍ، فَإنَّهم كانُوا في عِدادِ مَن يُرْجى فَلاحُهُ، فَلَمّا تَوَرَّطُوا في عِبادَتِها ونَشِبُوا في غَوايَتِها وبَعُدُوا عَنِ الِاسْتِقامَةِ بِضَلالَتِها خَسِرُوا أنْفُسَهُمُ الَّتِي هي رَأْسُ المالِ فَكَيْفَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالأرْباحِ؛ والقَصُّ: إتْباعُ الأثَرِ، فَهو هُنا الإخْبارُ بِالأُمُورِ الَّتِي يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الطّالِبِ الفِعْلَ مِن غَيْرِهِ، ونِداءُ الشَّيْءِ [بِاسْمِهِ] بِحَرْفِ النِّداءِ، وكِلا الأمْرَيْنِ مُرادانِ؛ و﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِن مَنزِلَةٍ أدْنى مِن مَنزِلَةِ عِبادَةِ اللَّهِ لِأنَّهُ مِنَ الأدْوَنِ، وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والتَّبُّ: الهَلَكُ والخُسْرُ.

هود 11:102

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذَلِكَ رَمْيَ قُلُوبِ العَرَبِ بِما فِيهِ مِن سِهامِ التَّهْدِيدِ لِيُقْلِعُوا عَمّا تَمَكَّنُوا فِيهِ مِن عَمى التَّقْلِيدِ، قالَ تَعالى مُعْلِمًا بِأنَّ الَّذِي أوْقَعَ بِأُولَئِكَ لِظُلْمِهِمْ [و] هو لِكُلِّ ظالِمٍ بِالمِرْصادِ سَواءٌ ظَلَمَ نَفْسَهُ أوْ غَيْرَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ العَظِيمِ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ (p-٣٧٤)ذَكَرَهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ ما لَهُ إلَيْهِ مِنَ البِرِّ لِئَلّا يَخافَ عَلى قَوْمِهِ مِن مِثْلِ هَذا الأخْذِ ﴿إذا أخَذَ القُرى﴾ أيْ: أهْلَها وإنْ كانُوا غَيْرَ مَن تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهم وإنْ عَظُمُوا وكَثُرُوا، ولَكِنَّ الإخْبارَ عَنْها أهْوَلُ لِأنَّهُ يُفْهِمُ أنَّهُ رُبَّما يَعُمُّها الهَلاكُ لِأجْلِهِمْ بِشِدَّةِ الغَضَبِ مِن فِعْلِهِمْ كَقُرى قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ». ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا الآخِذِ لا يُدانِيهِ مَخْلُوقٌ ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَلَكٌ، حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ إتْباعُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ قاطِعٌ لِلْآمالِ مالِئُ البَدَنِ والرُّوحِ والنَّفْسِ بِالنَّكالِ ﴿شَدِيدٌ﴾ أيْ: صَعْبٌ مُفَتِّتٌ لِلْقُوى، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ هَنا باسِمِ الرَّبِّ \ مُضِيفًا لَهُ إلى المُنَبَّأِ بِهَذِهِ الأنْباءِ مُكَرِّرًا لِذَلِكَ في هَذا المَقامِ الَّذِي رُبَّما سَبَقَ فِيهِ الوَهْمُ إلى أنَّهُ بِاسْمِ الجَبّارِ والمُنْتَقِمِ مَثَلًا ألْيَقُ، إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُرَبِّيكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ في إظْهارِكَ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وانْقِيادِ العُظَماءِ لِأمْرِكَ وذُلِّ الأعِزَّةِ لِسَطْوَتِكَ وخَفْضِ الرُّؤُوسِ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ، فَلا تَتَكَلَّفْ أنْتَ شَيْئًا مِن قَصْدِ إجابَتِهِمْ إلى إنْزالِ آيَةٍ أوْ تَرْكِ ما يَغِيظُ مِن إنْذارٍ ونَحْوِ ذَلِكَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

هود 11:103

ولَمّا كانَ مِمّا جَرَّ هَذِهِ القِصَصَ وهَذِهِ المَواعِظَ تَكْذِيبُهم لِما يُوعَدُونَ (p-٣٧٥)مِنَ العَذابِ النّاشِئِ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ﴾ [هود: ٧] - الآياتِ. أشارَ تَعالى إلى تَحَقُّقِ أمْرِ الآخِرَةِ وأنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ، وإعْلامًا بِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَحَقَّقَ إيقاعُهُ مِن عَذابِ هَذِهِ الأُمَمِ في القُدْرَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ جُحُودِهِمْ أنْ يَكُونَ في شَيْءٍ مِمّا مَضى دَلالَةٌ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأِ العَظِيمِ والقَصَصِ والوَعْظِ بِما يُذْكَرُ ﴿لآيَةً﴾ أيْ: لَعَلامَةً عَظِيمَةً ودَلالَةً بَتَّةً. ولَمّا كانَ وُجُودُ الشَّيْءِ عَدَمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما لا نَفْعَ لَهُ بِهِ، قالَ: ﴿لِمَن خافَ عَذابَ﴾ يَوْمِ الحَياةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ لِأنَّهُ نَفْعٌ خاصٌّ بِهِ، وإنَّما كانَ آيَةً لَهُ لِأنَّهُ إذا نَظَرَ إلى إهْلاكِهِ لِلظّالِمِينَ إهْلاكًا عامًّا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وإنْجائِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، عَلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُجازِيَ كُلًّا بِما فَعَلَ، فَإذا رَأى أنَّ ظُلْمَهُ كَثِيرِينَ يَمُوتُونَ بِغَيْرِ انْتِقامٍ عَلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن يَوْمٍ يُجازِيهِمْ فِيهِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي أخْبَرَتْ بِهِ عَنْهُ رُسُلُهُ، وزادَ في الإشارَةِ إلى تَهْوِيلِهِ بِإعادَةِ اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿يَوْمٌ﴾ وأشارَ - إلى يُسْرِ البَعْثِ وسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ وأنَّهُ [أمْرٌ ثابِتٌ] لا بُدَّ مِنهُ - بِاسْمِ المَفْعُولِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ﴾ أيْ: لِإظْهارِ العَدْلِ فِيهِ (p-٣٧٦)والفَضْلِ ﴿النّاسُ﴾ أيْ: كُلُّ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ التَّحَرُّكِ والِاضْطِرابِ، وما ثَمَّ يَوْمٌ غَيْرُهُ يَكُونُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ أصْلًا. ولَمّا لَمْ يَسْبِقُهُ يَوْمٌ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمِيعُ الخَلْقِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والمَلائِكَةِ وجَمِيعُ الحَيَواناتِ أحْياءً، وكانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِأنْ تُعَدَّ شَهادَةُ غَيْرِهِ عَدَمًا فَقالَ تَعالى: ﴿وذَلِكَ﴾ أيِ اليَوْمُ العَظِيمُ ﴿يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ أيْ: هو نَفْسُهُ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، فَيَكُونُ تَنْوِينُهُ لِلتَّعْظِيمِ بِدَلالَةِ المَقامِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُشْهَدَ، وتَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى حُضُورِهِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الأُمُورِ والأهْوالِ العِظامِ والمَواقِفِ الصَّعْبَةِ، فَلا يَكُونُ ثَمَّ شُغْلٌ إلّا نَظَرُ ما فِيهِ والإحاطَةُ بِحَوادِثِهِ خَوْفَ التَّلافِ ورَجاءَ الخَلاصِ؛ والآيَةُ: العَلامَةُ العَظِيمَةُ لِما فِيها مِنَ البَيانِ عَنِ الأمْرِ الكَبِيرِ؛ والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الشَّرِّ، وضِدُّهُ الأمْنُ وهو سُكُونُ النَّفْسِ بِتَوَقُّعِ الخَيْرِ؛ والعَذابُ: اسْتِمْرارُ الألَمِ.

هود 11:104

ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهم ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ: نَحْنُ قادِرُونَ عَلى تَعْجِيلِهِ، وهو - كَما أشَرْنا إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ - عِنْدَنا مَتى شِئْنا في غايَةِ السُّهُولَةِ: ﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيِ اليَوْمَ أوِ الجَزاءَ مَعَ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إيجادِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لأجَلٍ﴾ أيْ: لِأجْلِ انْتِهاءِ أجَلٍ ﴿مَعْدُودٍ﴾ سَبَقَ في الأزَلِ تَقْدِيرُهُ مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ وكُلُّ شَيْءٍ في حُكْمِهِ، فَهو لا يَخْشى الفَوْتَ؛ ومادَّةُ ”أجَلَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: أجَلَ وجَألَ وجَلَأ ولَجَأ تَدُورُ عَلى المُدَّةِ المَضْرُوبَةِ لِلشَّيْءِ، فالأجَلُ - مُحَرَّكَةً: مُدَّةُ الشَّيْءِ وغايَةُ الوَقْتِ في المَوْتِ وحُلُولِ الدَّيْنِ (p-٣٧٧)مِن تَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ، والتَّأْجِيلُ: تَحْدِيدُ الأجَلِ، ويَلْزَمُهُ التَّأْخِيرُ، ومِنهُ أجِلَ الشَّيْءُ كَفَرِحَ - إذا تَأخَّرَ، والآجِلَةُ: الآخِرَةُ، وأجَلَ الشَّيْءَ - بِالفَتْحِ: حَبْسَهُ ومَنَعَهُ، لِأنَّ الأجَلَ حابِسٌ ومانِعٌ لِلْمُؤَجَّلِ، ومِنهُ أجْلى كَجَمَزى، وهو مَرْعًى لَهم مَعْرُوفٌ كَأنَّهُ لِحُسْنِهِ يُحْبَسُ الرّاعِي فِيهِ، وأجَلَ الشَّرَّ عَلَيْهِمْ: حَناهُ وأثارَهُ وهَيَّجَهُ، ولِأهْلِهِ: كَسَبَ وجَمَعَ واحْتالَ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن لَوازِمِ ذِي الأجَلِ، أوِ المَعْنى أنَّهُ أوْجَدَ أجَلَ ذَلِكَ، وكَمَقْعَدٍ ومُعْظَمٍ: مُسْتَنْقَعُ الماءِ، لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِهِ إحاطَةَ الأجَلِ بِالمُؤَجَّلِ، وأجَلَّهُ فِيهِ تَأْجِيلًا: جَمَعَهُ فَتَأجَّلَ، والمَأْجَلُ: الحَوْضُ يُحْبَسُ فِيهِ الماءُ، وأجَّلُوا ما لَهُمْ: حَبَسُوهُ في المَرْعى، والأجِلُ - بِالكَسْرِ: قَطِيعٌ مِن بَقَرِ الوَحْشِ، تَشْبِيهًا لَهُ في اجْتِماعِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أحْصَنُ لَهُ بِالأجَلِ لِأنَّهُ - كَما قِيلَ - حِصْنٌ حَصِينٌ، والأجِلُ - بِالكَسْرِ أيْضًا: وجَعٌ في العُنُقِ، لِأنَّهُ مِن أسْبابِ حُلُولِ الأجَلِ، وأجَلَهُ: داواهُ مِنهُ، وبِالضَّمِّ جَمْعُ أجِيلٍ لِلْمُتَأخِّرِ ولِلْمُجْتَمِعِ مِنَ الطِّينِ يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ، لِإحاطَتِهِ بِها إحاطَةَ الأجَلِ وتَحْصِينَهُ لَها، وتَأجَّلَ القَوْمُ: تَجَمَّعُوا، لِأنَّ التَّجَمُّعَ أحْصَنُ لَهُمْ، وأجَلْ - بِفَتْحَتَيْنِ ثُمَّ سُكُونٍ: جَوابٌ كَنَعَمْ وزْنًا ومَعْنًى إلّا أنَّهُ أحْسَنُ مِنهُ في التَّصْدِيقِ، ونَعَمْ مِنهُ في الِاسْتِفْهامِ، وحَقِيقَةُ ذَلِكَ الإخْبارِ بِأنَّ أجَلَ - أيْ وقْتَ - ذَلِكَ الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المُسْتَفْهَمِ (p-٣٧٨)عَنْهُ قَدْ حَضَرَ، وفَعَلْتُ ذَلِكَ أجْلَكَ - مِن غَيْرِ ”مِن“ - ومِن أجْلِكَ، ومِن أجْلاكَ [ومِن أجَلالِكَ] ويُكْسَرُ في الكُلِّ، أيْ مِن جَلَلِكَ - قالَهُ في القامُوسِ، وقالَ في فَصْلِ الجِيمِ: وفَعَلْتُهُ مِن جُلِّكَ - بِالضَّمِّ - وجَلالِكَ وجَلَلِكَ - مُحَرَّكَةً - وتَجِلَّتِكَ وإجْلالِكَ - بِالكَسْرِ، ومِن أجْلِ إجْلالِكَ ومِن أجْلِكَ بِمَعْنًى - انْتَهى. وحَقِيقَتُهُ أنْ فَعَلِي مُبْتَدَأٌ مِن أجَلِكَ - بِالتَّحْرِيكِ، أوْ تَكُونُ ”مِن“ سَبَبِيَّةً، أيْ أجَلُكَ سَبَبٌ فِيهِ، ولَوْلا وُجُودُكَ ما فَعَلْتُهُ فَهو لِتَعْظِيمِكَ؛ والمَلْجَأُ واللَّجَأُ - مُحَرَّكَةً: المَعْقِلُ والمَلاذُ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالأجَلِ، ومِنهُ لَجَأ إلَيْهِ - كَمَنَعَ وفَرَحَ: لاذَ، وألْجَأ أمْرَهُ إلى اللَّهِ: أسْنَدَهُ، وألْجَأ فُلانًا إلى كَذا: اضْطَرَّهُ، والتَّلْجِئَةُ: الإكْراهُ، واللَّجَأُ - مُحَرَّكًا: الضُّفْدَعُ، لِالتِجائِها إلى الماءِ؛ ومِن ذَلِكَ الجَيْألُ - كَصَيْقَلٍ، وجَيْألُ وجَيْألَةُ مَمْنُوعَيْنِ، وجِيلَ بِلا هَمْزِ كُلُّهُ اسْمُ الضَّبْعِ لِكَثْرَةِ لَجائِها إلى وِجارِها، ومِنهُ جَئِلَ - كَفَرِحَ - جَألانًا: عَرِجَ، كَأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِمِشْيَتِها، لِأنَّ مِن أسْمائِها العَرْجاءَ، أوْ تَشْبِيهٌ بِمِشْيَةِ الرّاقِي في دُرْجِ المَلْجَأِ، أيِ الحِصْنِ، وكَذا الأُجَّلُ - كَقِنَّبٍ وقُبَّرٍ - وهو ذَكَرُ الأوْعالِ، لِأنَّ قُرُونَهُ كالحِصْنِ لَهُ، وجَيْألَةُ الجُرْحِ: غَثِيثُهُ، وهو مَرْيُهُ، لِأنَّهُ مِن أسْبابِ قُرْبِ الأجَلِ، وكَذا الِاجْئِلالُ - أيِ الفَزَعُ - رُبَّما كانَ سَبَبًا (p-٣٧٩)لِذَلِكَ، ورُبَّما كانَ سَبَبًا لِلْمُبادَرَةِ إلى الحِصْنِ، وجَألَ - كَمَنَعَ: ذَهَبَ وجاءَ، والصُّوفُ: جَمَعَهُ واجْتَمَعَ - لازِمٌ مُتَعَدٍّ، كُلُّهُ مِن لَوازِمِ الأجَلِ بِمَعْنى المُدَّةِ، وجَلَأ بِالرَّجُلِ - كَمَنَعَ: صَرَعَهُ، وبِثَوْبِهِ: رَماهُ، كَأنَّهُ جَعَلَهُ في قُوَّةٍ مَن حَضَرَ أجَلُهُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ في ضَبْطِ ذَلِكَ: إنَّ المادَّةَ - مَعَ دَوَرانِها عَلى المُدَّةِ - تارَةً تَنْظُرُ إلى نَفْسِ المُدَّةِ، وتارَةً إلى آخِرِها، وتارَةً [إلى] امْتِدادِها وتَأخُّرِها، وتارَةً إلى ما يُدْنِي مِنهُ، وتارَةً إلى مَنفَعَتِها، وتارَةً إلى ما يَلْزَمُ فِيها، فَمِنَ النَّظَرِ إلى نَفْسِ المَدَّةِ: التَّأْجِيلُ بِمَعْنى تَحْدِيدِ الأجَلِ، وهو مُدَّةُ الشَّيْءِ، وفَعَلْتُ هَذا مِن أجْلِكَ، أيْ لَوْلا وُجُودُكَ ما فَعَلْتُهُ، وأجَلْ بِمَعْنى نَعَمْ، أيْ حَضَرَتْ مُدَّةُ الفِعْلِ، ومِنَ النَّظَرِ إلى الآخِرِ: دَنا الأجَلُ - في المَوْتِ والدَّيْنِ، ومِنَ النَّظَرِ إلى التَّأخُّرِ: أجِلَ الشَّيْءُ - إذا تَأخَّرَ، والآجِلَةُ: الآخِرَةُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى السَّبَبِ المُدْنِي: الأجِلُ - بِالكَسْرِ - لِوَجَعٍ في العُنُقِ، وجَيْألَةُ الجُرْحِ - لِغَثِيثِهِ أيْ مَرْيِهِ، وجَلَأ بِالرَّجُلِ: صَرَعَهُ وبِثَوْبِهِ: رَماهُ، وأجَلَ الشَّرَّ عَلَيْهِمْ: جَناهُ، أوْ أثارَهُ وهَيَّجَهُ، والِاجْئِلالُ: الفَزَعُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى المَنفَعَةِ وهي أنَّ التَّأْجِيلَ الَّذِي هو تَحْدِيدُ الأجَلِ لِلشَّيْءِ مانِعٌ مِن أخْذِهِ دُونَ ما ضُرِبَ لَهُ مِنَ المُدَّةِ: الأجِلُ - بِالكَسْرِ - لِلْقَطِيعِ مِن بَقَرِ الوَحْشِ، وأجَّلَ الشَّيْءَ: حَبَسَهُ ومَنَعَهُ، وأجَلى كَجَمْزى: مَرْعًى (p-٣٨٠)لَهم مَعْرُوفٌ، وتَأجَّلَ القَوْمُ: تَجَمَّعُوا، وجَألَ الصُّوفَ جَمَعَهُ، واللَّجاءُ والمَلْجَأُ: المَعْقِلُ والمَلاذُ، والضُّفْدَعُ لِلُزُومِها مَلْجَأها مِنَ الماءِ، والجَيْألُ لِلضَّبْعِ لِلُزُومِها وِجارَها، ولِذَلِكَ تُسَمّى أُمَّ عامِرٍ، وجَئِلَ - كَفَرِحَ: عَرِجَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِمِشْيَتِها لِأنَّها تُسَمّى العَرْجاءَ، والأُجَّلُ كَقِنَّبٍ وقُبَّرٍ - لِذَكَرِ الأوْعالِ، لِتَحَصُّنِهِ بِقُرُونِهِ، والأُجُلُ - بِالضَّمِّ: المُجْتَمِعُ مِنَ الطِّينِ يُجْعَلُ حَوْلَ النَّخْلَةِ، والمَآجِلُ: الحَوْضُ يُحْبَسُ فِيهِ الماءُ، ومُسْتَنْقَعُ الماءِ مُطْلَقًا، وأجَّلَهُ تَأْجِيلًا: جَمَعَهُ، ومِنَ النَّظَرِ إلى ما يَلْزَمُ في المُدَّةِ: أجَّلَ لِأهْلِهِ: كَسِبَ وجَمَعَ وجَلَبَ واحْتالَ، وجَألَ - كَمَنَعَ: جاءَ وذَهَبَ؛ فَقَدْ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالأجَلِ هُنا الحِينُ.

هود 11:105

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ شِعْرِي ماذا يَكُونُ حالُ النّاسِ إذا أتى ذَلِكَ الأجَلُ وفِيها الجَبابِرَةُ والرُّؤَساءُ وذَوُو العَظَمَةِ والكُبَراءُ! أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأجَلُ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِامْتِناعِ بَلْ ولا عَلى مُطْلَقِ الكَلامِ، وحَذَفَ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ الياءَ اجْتِزاءً عَنْها بِالكَسْرَةِ كَما هو فاشٍ في لُغَةِ هُذَيْلٍ، وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّ شِدَّةَ هَوْلِهِ تَمْنَعُ أهْلَ المَوْقِفِ الكَلامَ أصْلًا في مِقْدارِ ثُلُثَيْهِ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهم في الكَلامِ في الثُّلْثِ الآخَرِ بِدَلالَةِ المَحْذُوفِ وقَرِينَةِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ العادَةَ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى أقَلَّ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾ ولَوْ أقَلَّ كَلامٍ بِدَلالَةِ حَذْفِ التّاءِ ﴿نَفْسٌ﴾ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ في ذَلِكَ اليَوْمِ (p-٣٨١)الَّذِي هو يَوْمُ الآخِرَةِ، وهو ظَرْفُ هَذا الأجَلِ وهو يَوْمٌ طَوِيلٌ جِدًّا ذُو ألْوانٍ وفُنُونٍ وأهْوالٍ وشُؤُونٍ، تارَةً يُؤْذَنُ فِيهِ في الكَلامِ، وتارَةً يَكُونُ عَلى الأفْواهِ الخِتامُ، وتارَةً يُسْكِتُهُمُ الخَوْفُ والحَسْرَةُ والآلامُ، وتارَةً يُنْطِقُهُمُ الجِدالُ والخِصامُ ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِإذْنِ رَبِّكَ المُكَرَّرِ ذِكْرُهُ في هَذِهِ الآياتِ إشارَةً إلى حُسْنِ التَّرْبِيَةِ وإحْكامِ التَّدْبِيرِ. ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ يَوْمُ عَظَمَةٍ وقَهْرٍ، سُبِّبَ عَنْ تِلْكَ العَظَمَةِ تَقْسِيمُ الحاضِرِينَ فَقالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾ أيِ الخَلائِقِ الحاضِرِينَ لِأمْرِهِ ﴿شَقِيٌّ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ الشَّقاوَةُ فَيُسِّرَ في الدُّنْيا لِأعْمالِها ﴿وسَعِيدٌ﴾ ثَبَتَتْ لَهُ السَّعادَةُ فَمَشى عَلى مِنوالِها؛ والتَّأْخِيرُ: الإذْهابُ عَنْ جِهَةِ الشَّيْءِ بِالإبْعادِ مِنهُ، وضِدُّهُ التَّقْدِيمُ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِوُقُوعِ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ واللّامُ تَدُلُّ عَلى العِلَّةِ والغَرَضِ والحِكْمَةِ بِخِلافِ ”إلى“؛ والشَّقاءُ: قُوَّةُ أسْبابِ البَلاءِ.

هود 11:106

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، بَدَأ تَعالى بِالأشْقِياءِ تَرْتِيبًا لِلنَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: أدْرَكَهُمُ العُسْرُ والشِّدَّةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ لَهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ الَّتِي هي النّارُ لَوْ عَلِمْتُمْ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿وشَهِيقٌ﴾ مِن زَفَرَ - إذا أخْرَجَ نَفَسَهُ بَعْدَ مَدِّهِ إيّاهُ، وشَهِيقٌ - إذا تَرَدَّدَ البُكاءُ في صَدْرِهِ - قالَهُ في القامُوسِ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ (p-٣٨٢)سُورَةِ الأنْبِياءِ: الزَّفِيرُ خُرُوجُ أنْفاسِهِمْ، والشَّهِيقُ: وُلُوجُ أنْفاسِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: الزَّفِيرُ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِن صَوْتِهِ إذا رَدَّهُ في جَوْفِهِ، وسَيَأْتِي كَلامُ الرُّمّانِيِّ في ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: بِلا انْقِطاعٍ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ ولَمّا كانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ وهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ [أيْ مُدَّةً شاءَها؛ فَإنَّهُ لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ فِيها فَلا يَدْخُلُونَها]. ولَمّا كانَ الحالُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا - كَما تَقَدَّمَ - لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِهَذِهِ القِصَصِ كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْسُنُ إلَيْهِ بِكُلِّ ما يَسُرُّ قَلْبَهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾ وقَدْ جَرى النّاسُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ظاهِرِهِ ثُمَّ أطالُوا الِاخْتِلافَ في تَعْيِينِ المُدَّةِ المُسْتَثْناةِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ الجَزْمُ بِالخُلُودِ في الدّارَيْنِ وأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ والإيمانَ مُوجِبٌ لِلْجَنَّةِ فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ كَما ظَنَّهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما إذا تُؤَمِّلُ القَطْعُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَ تَقْيِيدِ غَيْرِهِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (p-٣٨٣)جاءَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُعْلِمًا أنَّ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ في كُلِّها ما يَشاءُ وإنْ جَزَمَ القَوْلَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ غَيْرُ ما أخْبَرَ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ عُمْرَكَ إلّا ما شاءَ زَيْدٌ، وقَدْ لا يَشاءُ زَيْدٌ شَيْئًا، فَكَما أنَّ التَّعْلِيقَ بِدَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْرُ مُرادِ الظّاهِرِ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ لا يَشاءُ اللَّهُ قَطْعَ الخُلُودِ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وسَوْقُهُ هَكَذا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأعْظَمُ في تَقْلِيدِ المِنَّةِ، ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ أبا أحْمَدَ البَغَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا آخِرَ ما أوْرَدَهُ في تَفْسِيرِهِ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومَثَّلَهُ بِأنْ تَقُولَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إنْ أرى، وعَزِيمَتُكُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَزاهُ الطَّحاوِيُّ في بَيانِ المُشْكِلِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ. ولَمّا كانَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ مِنَ الحُكْمِ بِالقِسْطِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ مِن أكْبَرَ تَنْعِيمِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَوْهم في اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أوَّلَ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] كانَ رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَوْ أُخِذَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ إخْراجُهم مِنَ النّارِ حِينًا، نَفى هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ البَدْءُ بِالرُّجُوعِ عَمّا أرادَ ولا المَنعُ عَنْ مُرادِهِ ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ مَعَ كَثْرَةِ المُراداتِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ لِأحَدٍ شَيْءٌ، بَلْ لَهُ أنْ يُخَلِّدَ العاصِينَ في الجَنَّةِ ويُخَلِّدَ (p-٣٨٤)الطّائِعِينَ في النّارِ، ولَكِنَّهُ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ لِيُعْتَقَدَ لِكَوْنِهِ مِن صِفَةِ الكَمالِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ سُبْحانَهُ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ أيْضًا مَعَ أنَّ في خَتْمِ الآيَةِ بِذَلِكَ تَرْجِيَةٌ لِأهْلِ النّارِ في إخْراجِهِمْ مِنها زِيادَةً في عَذابِهِمْ.

هود 11:107

ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ هالِكًا مَعَ أنَّ المَقامَ مَقامُ تَهْدِيدٍ وتَهْوِيلٍ، بَدَأ تَعالى بِالأشْقِياءِ تَرْتِيبًا لِلنَّشْرِ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ أيْ: أدْرَكَهُمُ العُسْرُ والشِّدَّةُ ﴿فَفِي النّارِ﴾ أيْ: مَحْكُومٌ لَهم بِأنَّهم يَدْخُلُونَ النّارَ الَّتِي هي النّارُ لَوْ عَلِمْتُمْ ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا ﴿وشَهِيقٌ﴾ مِن زَفَرَ - إذا أخْرَجَ نَفَسَهُ بَعْدَ مَدِّهِ إيّاهُ، وشَهِيقٌ - إذا تَرَدَّدَ البُكاءُ في صَدْرِهِ - قالَهُ في القامُوسِ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ (p-٣٨٢)سُورَةِ الأنْبِياءِ: الزَّفِيرُ خُرُوجُ أنْفاسِهِمْ، والشَّهِيقُ: وُلُوجُ أنْفاسِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الزَّفِيرُ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ، والشَّهِيقُ: الصَّوْتُ الضَّعِيفُ، وعَنِ الضَّحّاكِ ومُقاتِلٍ: الزَّفِيرُ أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ آخِرُهُ حِينَ يَفْرَغُ مِن صَوْتِهِ إذا رَدَّهُ في جَوْفِهِ، وسَيَأْتِي كَلامُ الرُّمّانِيِّ في ذَلِكَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: بِلا انْقِطاعٍ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ جَرْيًا عَلى أسالِيبِ العَرَبِ: ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ ولَمّا كانَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ وهو قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما شاءَ﴾ [أيْ مُدَّةً شاءَها؛ فَإنَّهُ لا يَحْكُمُ لَهم بِذَلِكَ فِيها فَلا يَدْخُلُونَها]. ولَمّا كانَ الحالُ في هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا - كَما تَقَدَّمَ - لِتَسْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. مِن ضِيقِ صَدْرِهِ، ولِذَلِكَ أتى بِهَذِهِ القِصَصِ كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ يَحْسُنُ إلَيْهِ بِكُلِّ ما يَسُرُّ قَلْبَهُ ويَشْرَحُ صَدْرَهُ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾ وقَدْ جَرى النّاسُ في هَذا الِاسْتِثْناءِ عَلى ظاهِرِهِ ثُمَّ أطالُوا الِاخْتِلافَ في تَعْيِينِ المُدَّةِ المُسْتَثْناةِ، والَّذِي ظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا تَكَرَّرَ الجَزْمُ بِالخُلُودِ في الدّارَيْنِ وأنَّ الشِّرْكَ لا يُغْفَرُ والإيمانَ مُوجِبٌ لِلْجَنَّةِ فَكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ لا يُمْكِنُ غَيْرُ ذَلِكَ كَما ظَنَّهُ المُعْتَزِلَةُ لا سِيَّما إذا تُؤَمِّلُ القَطْعُ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] مَعَ تَقْيِيدِ غَيْرِهِ بِالمَشِيئَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] (p-٣٨٣)جاءَ هَذا الِاسْتِثْناءُ مُعْلِمًا أنَّ الأمْرَ فِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى كَغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ، لَهُ أنْ يَفْعَلَ في كُلِّها ما يَشاءُ وإنْ جَزَمَ القَوْلَ فِيهِ، لَكِنَّهُ لا يَقَعُ غَيْرُ ما أخْبَرَ بِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: اسْكُنْ هَذِهِ الدّارَ عُمْرَكَ إلّا ما شاءَ زَيْدٌ، وقَدْ لا يَشاءُ زَيْدٌ شَيْئًا، فَكَما أنَّ التَّعْلِيقَ بِدَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْرُ مُرادِ الظّاهِرِ كَذَلِكَ الِاسْتِثْناءُ لا يَشاءُ اللَّهُ قَطْعَ الخُلُودِ لِأحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، وسَوْقُهُ هَكَذا أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ وأعْظَمُ في تَقْلِيدِ المِنَّةِ، ثُمَّ رَأيْتُ الإمامَ أبا أحْمَدَ البَغَوِيَّ قَدْ ذَكَرَ مَعْنى هَذا آخِرَ ما أوْرَدَهُ في تَفْسِيرِهِ مِنَ الأقْوالِ في الآيَةِ وحُكِيَ نَحْوُهُ عَنِ الفَرّاءِ، ومَثَّلَهُ بِأنْ تَقُولَ: واللَّهِ لَأضْرِبَنَّكَ إلّا إنْ أرى، وعَزِيمَتُكُ أنْ تَضْرِبَهُ، وعَزاهُ الطَّحاوِيُّ في بَيانِ المُشْكِلِ إلى أهْلِ اللُّغَةِ مِنهُمُ الفَرّاءُ. ولَمّا كانَ تَخْلِيدُ الكُفّارِ مِنَ الحُكْمِ بِالقِسْطِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ لِأنَّهُ مِن أكْبَرَ تَنْعِيمِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ عادَوْهم في اللَّهِ كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ أوَّلَ سُورَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ [يونس: ٤] كانَ رُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَوْ أُخِذَ عَلى ظاهِرِهِ لَمْ يَكُنْ إخْراجُهم مِنَ النّارِ حِينًا، نَفى هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ أيْ: لا يَجُوزُ عَلَيْهِ البَدْءُ بِالرُّجُوعِ عَمّا أرادَ ولا المَنعُ عَنْ مُرادِهِ ولا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ مَعَ كَثْرَةِ المُراداتِ فَلا اعْتِراضَ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ لِأحَدٍ شَيْءٌ، بَلْ لَهُ أنْ يُخَلِّدَ العاصِينَ في الجَنَّةِ ويُخَلِّدَ (p-٣٨٤)الطّائِعِينَ في النّارِ، ولَكِنَّهُ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ لِيُعْتَقَدَ لِكَوْنِهِ مِن صِفَةِ الكَمالِ ثَبَتَ أنَّهُ لا يَفْعَلُ ذَلِكَ سُبْحانَهُ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ أيْضًا مَعَ أنَّ في خَتْمِ الآيَةِ بِذَلِكَ تَرْجِيَةٌ لِأهْلِ النّارِ في إخْراجِهِمْ مِنها زِيادَةً في عَذابِهِمْ.

هود 11:108

ولَمّا تَمَّ أمْرُ الأشْقِياءِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَسِيمَهم فَقالَ: ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ أيْ: فازُوا بِمَطالِبِهِمْ وتَيَسَّرَ أمْرُهم ﴿فَفِي الجَنَّةِ﴾ أيِ الَّتِي صارَتْ مَعْلُومَةً مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ دائِمًا أبَدًا ﴿ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ العَرَبِ في إرادَةِ التَّأْبِيدِ بِلا آخِرَ بِمِثْلِ هَذا ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما قُلْتُ في الِاسْتِثْناءِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً﴾ هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أيْ: مَقْطُوعٍ [ولا مَكْسُورٍ ولا مَفْصُولٍ - لِعَطاءٍ مِنَ الأُعْطِيَّةِ ولا مُفَرَّقٍ ولا مُسْتَهانٍ بِهِ]: لِأنَّهم لَوِ انْفَكُّوا مِنَ النَّعِيمِ حَقِيقَةً أوْ مَعْنًى ولَوْ لَحْظَةً لَكانَ مَقْطُوعًا [أوْ مَنقُوصًا]؛ وفي الخَتْمِ بِذَلِكَ مِنَ الجَزْمِ بِالدَّوامِ طُمَأْنِينَةٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ زِيادَةً في نَعِيمِهِمْ عَكْسَ ما كانَ لِأهْلِ النّارِ؛ قالَ أبُو الحَسَنِ الرُّمّانِيُّ: والزَّفِيرُ: تَرْدِيدُ النَّفَسِ مَعَ الصَّوْتِ حَتّى تَنْتَفِخَ الضُّلُوعُ، وأصْلُهُ الشِّدَّةُ مِنَ المَزْفُورِ الخَلْقِ، والزَّفْرُ: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ، لِشِدَّتِهِ، والزَّفْرُ: السَّيِّدُ لِأنَّهُ يُطِيقُ حَمْلَ الشَّدائِدِ، وزَفَرَتِ النّارُ - إذا سَمِعْتَ لَها صَوْتًا في شِدَّةِ تَوَقُّدِها، والشَّهِيقُ: صَوْتٌ فَظِيعٌ يَخْرُجُ مِنَ الجَوْفِ بِمَدِّ النَّفَسِ، وأصْلُهُ الطُّولُ المُفْرِطُ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ (p-٣٨٥)أيْ مُمْتَنِعٌ طُولًا؛ والخالِدُ: الكائِنُ في الشَّيْءِ أبَدًا، والدّائِمُ: الباقِي أبَدًا، ولِهَذا يُوصَفُ اللَّهُ تَعالى بِالدّائِمِ دُونَ الخالِدِ.

هود 11:109

ولَمّا أخْبَرَهُ تَعالى بِوُقُوعِ القَضاءِ بِتَمْيِيزِ النّاسِ في اليَوْمِ المَشْهُودِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ عَلى الحُكْمِ المَشْرُوحِ مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا، كانَ ذَلِكَ كافِيًا في الثَّباتِ عَلى أمْرِ اللَّهِ والمُضِيِّ لِإنْفاذِ جَمِيعِ ما أُرْسِلَ بِهِ وإنْ شَقَّ اعْتِمادًا عَلى النُّصْرَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِحَضْرَةِ تِلْكَ الجُمُوعِ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلنَّهْيِ عَنِ القَلَقِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وإنْ جَلَّ وقْعُهُ وتَعاظَمَ خَطْبُهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَلا﴾ ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا التَّقْسِيمُ أمْرًا عَظِيمًا وخَطْبًا جَسِيمًا، اقْتَضى عَظِيمَ تَشَوُّفِ النَّفْسِ وشَدِيدَ شَوْقِها لِعِلْمِ ما سُبِّبَ عَنْهُ، فاقْتَضى ذَلِكَ حَذْفَ النُّونِ مِن ”كانَ“ إيجازًا في الكَلامِ لِلْإسْراعِ بِالإيقافِ عَلى المُرادِ [والإبْلاغِ في نَفْيِ الكَوْنِ عَلى أعْلى الوُجُوهِ] فَقالَ: ﴿تَكُ﴾ [أيْ في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ] ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ والمِرْيَةُ: الشَّكُّ مَعَ ظُهُورِ الدَّلالَةِ لِلتُّهْمَةِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ ﴿مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ﴾ أيْ: لا تَفْعَلْ فِعْلَ مَن هو في مِرْيَةٍ بِأنْ تَضْطَرِبَ مِن أجْلِ ما يَعْبُدُونَ مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِمْ مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ [فِي] كُلِّ حَيٍّ فَتُنْجِعَ نَفْسَكَ في إرادَةِ مُبادَرَتِهِمْ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ في النُّزُوعِ عَنْ ذَلِكَ بِالكَفِّ عَنْ مُكاشَفَتِهِمْ بِغائِظِ الإنْذارِ (p-٣٨٦)والطَّلَبِ لِإجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ رَجاءَ الِازْدِجارِ كَما مَضى \ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وذَلِكَ أنَّ مادَّةَ مَرى - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ، وقَدْ يَلْزَمُهُ الطَّرْحُ والفَصْلُ: رَمى يَرْمِي رَمْيًا، والمِرْماةُ: ظِلْفُ الشّاةِ لِأنَّهُ يُطْرَحُ، والرَّمْيُ: قِطَعٌ مِنَ السَّحابِ رِقاقٌ؛ والرِّيمُ: البَراحُ، ما يَرِيمُ يَفْعَلُ كَذا: ما يَزالُ، والرِّيمُ: الدُّرْجُ لِلِاضْطِرابِ فِيها، والقَبْرُ لِنَبْذِهِ في جانِبٍ مِنَ الأرْضِ وطَرْحُ المَيِّتِ فِيهِ، ورِيمَ فُلانٌ بِالمَكانِ: أقامَ بِهِ مُجاوِزًا لِغَيْرِهِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ كَأنَّهُ رَمى بِنَفْسِهِ فِيهِ، ورَيَّمَتِ السَّحابَةُ - إذا دامَتْ فَلَمْ تُقْلِعْ، لِأنَّ مِن شَأْنِها رَمْيَ القَطْرِ، ومَرى الضَّرْعَ: مَسَحَهُ لِلْحَلْبِ، والرِّيحُ تُمْرِي السَّحابَ، والمَرْيُ: المَعِدَةُ لِقَذْفِها ما فِيها، والمِرْيَةُ: الشَّكُّ، أيْ تَزَلْزُلُ الِاعْتِقادِ، والمِيرَةُ: جَلْبُ الطَّعامِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعالى خَبَرًا هو بِمَنزِلَةِ العِلَّةِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ: يُوقِعُونَ العِبادَةَ عَلى وجْهِ الِاسْتِمْرارِ ﴿إلا كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ﴾ ولَمّا كانَتْ عِبادَتُهم في قَلِيلٍ مِنَ الزَّمَنِ الماضِي أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِشُبْهَةٍ إذا كُشِفَ عَنْها القِناعُ رَجَعُوا، بَلْ لِمَحْضِ تَقْلِيدِ الآباءِ مَعَ اسْتِحْضارِهِمْ لِتَلَبُّسِهِمْ بِالعِبادَةِ كَأنَّهم حاضِرُونَ لَدَيْهِمْ يُشاهِدُونَهم مَعَ العَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ كَما كانَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أخْبارَهم مِنَ الأُمَمِ في تَقْلِيدِ الآباءِ سَواءٌ بِسَواءٍ مَعَ عَظِيمِ شَكِيمَتِهِمْ وشِدَّةِ عَصَبَتِهِمْ لِلْأجانِبِ (p-٣٨٧)فَكَيْفَ بِالأقارِبِ! فَكَيْفَ بِالآباءِ! فَأقِمْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِإبْلاغِ جَمِيعِ ما نَأْمُرُكَ بِهِ كَما فَعَلَ مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ أنْباءَهم مِن إخْوانِكَ مِنَ الرُّسُلِ غَيْرَ مُخْطِرٍ في البالِ شَيْئًا مِمّا قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلى أنْ يَنْفُذَ ما نُرِيدُ مِن أوامِرِنا كَما سَبَقَ في العِلْمِ فَلا تَسْتَعْجِلْ فَإنّا نُدَبِّرُ الأمْرَ في سُفُولِ شَأْنِهِمْ وعُلُوِّ شَأْنِكَ كَما نُرِيدُ. ﴿وإنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مِنَ الآجالِ وغَيْرِها وما هو ثابِتٌ ثَباتًا لا يُفارَقُ أصْلًا؛ ولَمّا كانَتِ التَّوْفِيَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُجَرَّدِ الإعْطاءِ وقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ عَلى التَّقْرِيبِ، نَفى هَذا الِاحْتِمالَ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ والنَّصِيبُ: القِسْمُ المَجْعُولُ لِصاحِبِهِ كالحَظِّ؛ والمَنقُوصُ: المِقْدارُ المَأْخُوذُ جُزْءٌ مِنهُ؛ والنَّقْصُ: أخْذُ جُزْءٍ مِنَ المِقْدارِ.

هود 11:110

ولَمّا ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ إعْراضَهم عَنِ الإتْباعِ مَعَ ما أتى بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ وأُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ الكِتابِ، سَلّاهُ بِأخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِأنَّ الحالَ إذا عَمَّ خَفَّ، وابْتَدَأ ذِكْرَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ بِما دَعا إلى تَوَقُّعِهِ مِن قُرْبِ ذِكْرِهِ مَعَ فِرْعَوْنَ مَعَ ذِكْرِ كِتابِهِ أوَّلَ السُّورَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ [أيْ] بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ الجامِعَةَ لِلْخَيْرِ. ولَمّا كانَ الضّارُّ والمُسَلِّي نَفْسَ الِاخْتِلافِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿فاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ وكَفَرَ بِهِ آخَرُونَ مَعَ أنَّهُ إمامٌ ورَحْمَةٌ (p-٣٨٨)وكَتَبَ سُبْحانَهُ لَهُ فِيهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ، وكانَ مُعْجِبًا لِأهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ [كَما اخْتُلِفَ في كِتابِكَ مَعَ إعْجابِهِ لِأهْلِ هَذا الزَّمانِ] وبَيانِهِ لِلْهُدى أتَمَّ بَيانٍ، إشارَةً إلى أنَّ الخَلْقَ مَهْما جاءَهم عَنِ اللَّهِ، وهو لا يَكُونُ إلّا مَصْحُوبًا بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ نَأوْا عَنْهُ واخْتَلَفُوا فِيهِ، ومَهْما تَلَقَّفُوهُ عَنْ آبائِهِمْ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ وناضَلُوا عَنْهُ وسَمَحُوا فِيهِ بِالمُهَجِ وإنْ كانَ مُنابِذًا لِلْعُقُولِ، فَكانَ قَوْمُ مُوسى بِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ كُلَّ قَلِيلٍ يَأْبى فَرِيقٌ مِنهم بَعْضَ أحْكامِهِ ويُرِيدُونَ نَقْضَ إبْرامِهِ كَما سَلَفَ بَيانُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ وسِفْرِ يُوشَعَ إلى أنْ آلَ أمْرُهُمُ الآنَ إلى أنْ صارُوا ثَلاثَ فِرَقٍ: رَبّانِيِّينَ، وقَرابِينَ، وسامِرَةً؛ يُضَلِّلُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُعاجِلْهم بِالأخْذِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ كَما فُعِلَ بِمَن قُصَّ أمْرُهُ مِنَ الأُمَمِ لِما سَبَقَ مِن حُكْمِهِ بِتَأْخِيرِهِمْ إلى الأجَلِ المَعْدُودِ، وفَصَلَ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ مَعَ ما دَعا إلى تَقْدِيمِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ أوْقَعَ في التَّسْلِيَةِ وأبْلَغَ في التَّعْزِيَةِ والتَّأْسِيَةِ كَما هو شَأْنُ \ كُلِّ ما أُلْقِيَ إلى المُحْتاجِ شَيْئًا فَشَيْئًا ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ: عَظِيمَةٌ لا يُمْكِنُ تَغْيِيرُها لِأنَّها مِن كَلامِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ [أيْ] المُحْسِنِ إلَيْكَ وإلَيْهِمْ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ ﴿لَقُضِيَ﴾ أيْ: لَوَقَعَ القَضاءُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: بَيْنَ مَنِ اخْتَلَفَ في (p-٣٨٩)كِتابِ مُوسى عاجِلًا، ولَكِنْ سَبَقَتِ الكَلِمَةُ أنَّ القَضاءَ الكامِلَ إنَّما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ كَما قالَ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿فَما اخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ [يونس: ٩٣] - الآيَةَ. ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ الكُفْرِ بَيَّنَ أنَّهُ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ تُنْكِرُ شَكَّها فِيهِ وفِعْلُها فِعْلُ الشّاكِّ: ﴿وإنَّهم لَفي شَكٍّ﴾ أيْ: عَظِيمٍ مُحِيطٍ بِهِمْ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القَضاءِ أوِ الكِتابِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرَّيْبِ والتُّهْمَةِ والِاضْطِرابِ مَعَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الَّتِي مِنها سَماعُ كَلامِ اللَّهِ ورُؤْيَةُ ما كانَ يَتَجَلّى في جَبَلِ الطُّورِ مِنَ الجَلالِ ويَتَبَدّى لَهم في قُبَّةِ الزَّمانِ مِن خارِقِ الأحْوالِ

هود 11:111

﴿وإنَّ كُلا﴾ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في الحَقِّ مِن قَوْمِ مُوسى وغَيْرِهِمْ مِمَّنْ هو عَلى الحَقِّ ومِمَّنْ هو عَلى الباطِلِ؛ و”إنَّ“ عِنْدَ نافِعٍ وابْنٍ كَثِيرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ عامِلَةٌ مَعَ [تَخْفِيفِها] مِنَ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمُ اعْتِبارًا بِأصْلِها ”لَمّا“ هي في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وعاصِمٍ بِالتَّشْدِيدِ الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها - قالَ ابْنُ الحاجِبِ: وهو شائِعٌ فَصِيحٌ، وفي قِراءَةِ غَيْرِهِمْ بِالتَّخْفِيفِ مُرَكَّبَةٌ مِن لامِ الِابْتِداءِ و”ما“ المُؤَكَّدَةِ بِنَفْيِ نَقِيضِ ما أثْبَتَهُ الكَلامُ لِيَكُونَ ثُبُوتُهُ مَعَ نَفْيِ نَقِيضِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ. ولَمّا كانَ الشَّرْطُ في حَذْفِ الفِعْلِ بَعْدَ ”لَمّا“ الجازِمَةِ أنْ يَكُونَ مِمّا يُتَوَقَّعُ بِوُقُوعِ فِعْلٍ قَبْلَها يَدُلُّ عَلَيْهِ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَقْضِ بَيْنَهُمْ، وسَيَقْضِي (p-٣٩٠)وهُوَ مَعْنى ما قُرِنَ بَعْدَها بِلامِ القَسَمِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإقامَتِكَ عَلى المِنهاجِ الأعْدَلِ والفَضْلِ مِنَ العِبادِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ لا يَدْعُ مِنها شَيْئًا لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، والسِّياقُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ”ما“ في ”لَمّا“ في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ لِلتَّأْكِيدِ عَلى النَّحْوِ الَّذِي مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ النّافِيَ إذا زِيدَ في سِياقِ الإثْباتِ كانَ كَأنَّهُ نَفْيُ النَّقِيضِ تَأْكِيدًا لِمُثْبَتٍ. ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ قَدَّمَ الظَّرْفَ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ ﴿خَبِيرٌ﴾

هود 11:112

فَإذا عَلِمَتْ أنَّ شَأْنَكَ في أُمَّتِكَ شَأْنُ الرُّسُلِ في أُمَمِهِمْ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ في شَأْنِ الرَّسُولِ والكِتابِ كَما جَرَتْ بِذَلِكَ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ وأنَّ الجَزاءَ بِالأعْمالِ كُلِّها لا بُدَّ مِنهُ ﴿فاسْتَقِمْ﴾ أيْ: أوْجِدِ القَوْمَ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِسَبَبِ أنَّكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وأنَّ الَّذِي أرْسَلَكَ لا يَغْفُلُ عَنْ شَيْءٍ، ومَنِ اسْتَقامَ اسْتُقِيمَ لَهُ. ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ الآمِرَ لَهُ ﷺ مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿كَما أُمِرْتَ﴾ أيْ: كَما اسْتَقامَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ في جَمِيعِ الأُصُولِ والفُرُوعِ سَواءٌ كانَ في نَفْسِكَ أوْ في تَبْلِيغِ غَيْرِكَ مُعْتَدِلًا بَيْنَ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ وتَعَنُّتِهِمْ واقْتِراحِهِمْ لِلْآياتِ وإرادَتِهِمْ أنْ تَتْرُكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ مِنَ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ والعَيْبِ لِدِينِهِمْ بَلْ صارِحْهم بِالأمْرِ واتْرُكْهم وأهْواءَهُمْ، نَحْنُ نُدَبِّرُ الأمْرَ كَما نُرِيدُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ. (p-٣٩١)ولَمّا كانَ الفاصِلُ بَيْنَ [المَعْطُوفِ و] المَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَقُومُ مَقامَ تَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن﴾ أيْ: ولْيَسْتَقِمْ أيْضًا مَن ﴿تابَ﴾ عَنِ الكُفْرِ مُؤْمِنًا ﴿مَعَكَ﴾ عَلى ما أُمِرُوا تارِكِينَ القَلَقَ مِنَ اسْتِبْطائِهِمْ لِلنُّصْرَةِ كَما رَوى البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ خِبابِ بْنِ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً في ظِلِّ الكَعْبَةِ وقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً فَقُلْنا: ألا تَدْعُو اللَّهَ لَنا، فَقَعَدَ وهو مُحْمَرٌّ وجْهُهُ فَقالَ: كانَ الرَّجُلُ فِيمَن كانَ قَبْلَكم يُحْفَرُ لَهُ في الأرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ فَيُجاءُ بِالمِنشارِ فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيَشُقُّ بِاثْنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ [ويُمْشَطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمِهِ مِن عَظْمٍ أوْ عَصَبٍ وما يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ] واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذا الأمْرَ حَتّى يَسِيرَ الرّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ لا يَخافُ إلّا اللَّهَ والذِّئْبَ عَلى غَنَمِهِ ولَكِنَّكم تَسْتَعْجِلُونَ»؛ «وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةٌ أشَدُّ ولا أشَقُّ مِن هَذِهِ الآيَةِ». والِاسْتِقامَةُ: الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ واحِدَةٍ. ولَمّا كانَتْ وسَطًا بَيْنَ إفْراطٍ وتَفْرِيطٍ وكانَ التَّفْرِيطُ لا يَكادُ يَسْلَمُ مِنهُ إلّا الفَرْدُ النّادِرُ، وهو في الأغْلَبِ يُورِثُ انْكِسارَ النَّفْسِ واحْتِقارَها والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ، وكانَ الإفْراطُ يُورِثُ إعْجابًا، ورُبَّما (p-٣٩٢)أفْضى بِالإنْسانِ إلى ظَنِّ أنَّهُ شارِعٌ فَيَنْسَلِخُ لِذَلِكَ مِنَ الدِّينِ، طَوى التَّفْرِيطَ ونَهى عَنِ الإفْراطِ فَقالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا﴾ أيْ: تَتَجاوَزُوا الحَدَّ فِيما أُمِرْتُمْ بِهِ أوْ نُهِيتُمْ عَنْهُ بِالزِّيادَةِ إفْراطًا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى إنَّما أمَرَكم ونَهاكم لِتَهْذِيبِ نُفُوسِكم لا لِحاجَتِهِ إلى ذَلِكَ ولَنْ تُطِيقُوا أنْ تَقْدِرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ. والدِّينُ مَتِينٌ لَنْ يُشادَّهُ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ، فَقَدْ رَضِيَ مِنكم سُبْحانَهُ الِاقْتِصادَ في العَمَلِ مَعَ حُسْنِ المَقاصِدِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا تُبْطِرْكُمُ النِّعْمَةُ فَتُخْرِجْكم عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِقامَةِ يُمْنَةً أوْ يُسْرَةً.

هود 11:113

ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ وهو الزِّيادَةُ تَصْرِيحًا، فَأفْهَمَ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ، وهو النَّقْصُ عَنِ المَأْمُورِ تَلْوِيحًا مِن بابِ الأوْلى، عَلى ذَلِكَ مُؤَكَّدًا تَنْزِيلًا لِمَن يُفَرِّطُ أوْ يُفْرِطُ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١١٢] قَدَّمَ الظَّرْفَ لِما تَقَدَّمَ مِن تَأْكِيدِ الإبْصارِ ﴿بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ومادَّةُ ”طَغى“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى مُجاوَزَةِ الحَدِّ مَعَ العُلُوِّ، فالغِطاءُ: ما سُتِرَ بِهِ الشَّيْءُ عالِيًا عَلَيْهِ، ولا يَكُونُ ساتِرًا لِجَمِيعِهِ إلّا إذا فَضَلَ عَنْهُ فَتَجاوَزَ حَدَّهُ، وغَطّى اللَّيْلُ - إذا غَشى، وكُلُّ شَيْءٍ ارْتَفَعَ فَهو غاطٍ. وطَغى السَّيْلُ - إذا جاءَ بِماءٍ كَثِيرٍ، والبَحْرُ: هاجَتْ أمْواجُهُ، (p-٣٩٣)والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في العِصْيانِ، والغائِطُ والغَيْطُ: المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّ ما كانَ كَذَلِكَ وكانَتْ أرْضُهُ طَيِّبَةً كانَتْ لا تَزالُ رَيًّا فَيَعْلُو ما نَبَتَ فِيها ويَخْصُبُ فَيَتَجاوَزُ الحَدَّ في ذَلِكَ، ومِنهُ الغُوطَةُ - لِمَوْضِعٍ بِالشّامِ كَثِيرِ الماءِ والشَّجَرِ. ولَمّا نَهى عَنِ الإفْراطِ في الدِّينِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ التَّفْرِيطِ بِالتَّقْصِيرِ فِيهِ بِسُفُولِ الهِمَمِ [عَلى وجْهٍ عامٍّ، وكانَ الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ مِنهُ أوْثَقَ عُرى الإيمانِ، إشارَةً إلى ضِدِّهِ الَّذِي هو أوْثَقُ عُرى الشَّيْطانِ] فَقالَ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ أيْ: شَيْئًا مِن رُكُونٍ، وقالَ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ ولَمْ يَقُلِ الظّالِمِينَ، أيْ بِالمَيْلِ إلَيْهِمْ بِأنْ تَثاقَلَ أنْفُسُكم نَحْوَهم لِلْمَيْلِ إلى أعْمالِهِمْ ولَوْ بِالرِّضى بِهِ والتَّشَبُّهِ بِهِمْ والتَّزَيِّي بِزِيِّهِمْ، وحاصِلُ الآيَتَيْنِ: لا تَظْلِمُوا بِأنْفُسِكم ولا تَسْتَحْسِنُوا أفْعالَ الظّالِمِينَ، وفَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ الرُّكُونَ بِالمَيْلِ اليَسِيرِ، وهو حَسَنٌ مِن جِهَةِ المَعْنى لَكِنِّي لَمْ أرَهُ لِغَيْرِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ - وهو أقْرَبُ-: الرُّكُونُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ بِالمَحَبَّةِ والِانْصِبابُ إلَيْهِ، ونَقِيضُهُ النُّفُورُ عَنْهُ. وهو عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي في ﴿تَطْغَوْا﴾ [هود: ١١٢] مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، والآيَةُ مُلْتَفِتَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] (p-٣٩٤)﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ رُكُونِكم إلَيْهِمْ مَسُّها لَكم فَلا تَقْدِرُوا عَلى التَّخَلُّصِ مِنها بِنَوْعِ حِيلَةٍ مِن أنْفُسِكُمْ؛ [و] مِن إجْلالِ النَّبِيِّ ﷺ إفْرادُهُ بِالخِطابِ في الأمْرِ بِأفْعالِ الخَيْرِ، والإتْيانُ بِضَمِيرِ الجَمْعِ في النَّهْيِ عَنْ أفْعالِ الشَّرِّ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ. ولَمّا كانَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوى اللَّهِ في قَهْرِهِ وتَحْتَ أمْرِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وما لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ دُونَ رُتْبَتِهِ تَعالى مِنَ الرُّتَبِ والذَّواتِ ما لا يُحْصِيهِ غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، أدْخَلَ الجارَّ تَبْعِيضًا فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يُخَلِّصُونَكم مِن عَذابِهِ لِما تَقَرَّرَ أنَّ ﴿دُونِ﴾ مِنَ الأدْوَنِ وهو الأقْرَبُ إلى جِهَةِ السُّفْلِ؛ والوَلِيُّ: المُخْتَصُّ بِأنَّ مِن شَأْنِهِ تَوَلِّي \ المَعُونَةِ عِنْدَ الحاجَةِ، وأشارَ إلى أنَّ نَصْرَ مَن لا ناصِرَ لَهُ مِنَ اللَّهِ مُحالٌ بِأداةِ البُعْدِ وبِناءٍ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ: ثُمَّ إذا فاتَكم هَذا وذاكَ فَما أبْعَدَكم مِنَ النُّصْرَةِ!

هود 11:114

ولَمّا كانَ العِلْمُ حاصِلًا بِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ مِن أنَّ الآدَمِيَّ مَحَلُّ العَجْزِ والتَّقْصِيرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِأعْلى مُكَفِّرٍ لِما يُوجِبُهُ العَجْزُ ويَقْضِي بِهِ الفُتُورُ والوَهْنُ مِنَ الصَّغائِرِ وأعَمِّهِ وأجْلَبِهِ لِلِاسْتِقامَةِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّها بَعْدَ الإيمانِ أفْضَلُ العِباداتِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ (p-٣٩٥)أيِ اعْمَلْها عَلى اسْتِواءٍ ﴿طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ بِالصُّبْحِ والعَصْرِ كَما كانَ مَفْرُوضًا بِمَكَّةَ في أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ الإسْراءِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ مَعَ ذَلِكَ الظُّهْرُ لِأنَّها مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي ﴿وزُلَفًا﴾ أيْ: طَوائِفَ ودَرَجاتٍ وأوْقاتٍ، جَمْعُ زُلْفَةٍ ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ التَّهَجُّدَ، فَقَدْ كانَ مَفْرُوضًا في أوَّلِ الإسْلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ المَغْرِبُ والعِشاءُ مَعَ الوَتْرِ أوِ التَّهَجُّدِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الحَسَناتِ﴾ أيِ الطّاعاتِ كُلَّها الصَّلاةَ وغَيْرَها المَبْنِيَّةَ عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ الصَّغائِرَ، وأمّا الكَبائِرُ [الَّتِي يُعَبَّرُ عَنْها بِالفَواحِشِ ونَحْوِهِ] فَقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّةِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠] أنَّهُ لا يُكَفِّرُها إلّا التَّوْبَةُ لِما فِيها مِنَ الإشْعارِ بِالتَّهاوُنِ بِالدِّينِ، واجْتِنابُها لا يُكَفِّرُ إلّا إذا كانَ عَنْ نِيَّةٍ صالِحَةٍ كَما أفْهَمُهُ صِيغَةُ الِافْتِعالِ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا﴾ [النساء: ٣١] رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّ رَجُلًا أصابَ مِنَ امْرَأةٍ قُبْلَةً، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ - الآيَةَ. قالَ الرَّجُلُ: ألِي هَذِهِ؟ قالَ: لِمَن عَمِلَ بِها مِن أُمَّتِي». وهَذا الحَدِيثُ يُؤَيِّدُ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ المَدَنِيَّةِ. ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْلى والتَّرْتِيبِ الأوْلى، قالَ تَعالى (p-٣٩٦)مادِحًا لَهُ لِيُعْرَفَ مِقْدارُهُ فَيُلْزَمَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والتَّسْلِيَةِ وتَعْلِيمِ الدّاءِ والدَّواءِ لِلْخَلاصِ مِنَ الشَّقاءِ ﴿ذِكْرى﴾ أيْ: ذِكْرٌ عَظِيمٌ ﴿لِلذّاكِرِينَ﴾ أيْ: لِمَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الذِّكْرِ والِانْتِباهِ بِهِ بِحُضُورِ القَلْبِ وصَفاءِ الفِكْرِ ونُفُوذِ الفَهْمِ.

هود 11:115

ولَمّا كانَ الصَّبْرُ لِلَّهِ عَلى المَكارِهِ أعْلى الطّاعَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واصْبِرْ﴾ أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ صَبْرٌ عَلى الطّاعاتِ وعَنِ المَعاصِي ولا تَتْرُكْ إنْذارَهم بِما أُمِرْتَ بِهِ مَهْما كانَ ولا تَخَفْهُمْ، فَإنَّ العاقِبَةَ لَكَ إذا فَعَلْتَ؛ ولَمّا كانَ مَقامُ الصَّبْرِ صَعْبًا والِاسْتِقامَةُ عَلى المَحْمُودِ مِنهُ خاصَّةً خَطَرًا، وكانَتِ النَّفْسُ - لِما لَها مِنَ الجَزَعِ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْوالِ - كالمُنْكَرَةِ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ﴾ الصَّبْرَ هو الإحْسانُ كُلَّ الإحْسانِ وإنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وصْفِ الإحْسانِ بِحَيْثُ إنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، فَلِذَلِكَ يَهُونُ عَلَيْهِمُ الصَّبْرُ، ولِذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ كُلْفَةٌ فَلا تَكُونُ إلّا بِالصَّبْرِ، وكُلُّ ما عَداها فَهو هَوى النَّفْسِ لا صَبْرَ فِيهِ، فالدِّينُ كُلُّهُ صَبْرٌ «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ والنّارُ بِالشَّهَواتِ» ولِذا فُضِّلَ ثَوابُ الصّابِرِ ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠] والصَّبْرُ المَحْمُودُ: حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ (p-٣٩٧)الخُرُوجِ إلى ما لا يَجُوزُ مِن تَرْكِ الحَقِّ، ونَقِيضُهُ الجَزَعُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎إنْ تَصْبِرا فالصَّبْرُ خَيْرٌ مَغَبَّةً وإنْ تَجْزَعا فالأمْرُ ما تَرَيانِ وهُوَ مِنَ الصَّبْرِ الَّذِي هو المُرُّ المَعْرُوفُ لِأنَّهُ تَجَرُّعُ مَرارَةِ الحَقِّ بِحَبْسِ النَّفْسِ عَنِ الخُرُوجِ إلى المُشْتَهى مَعَ الزّاجِرِ المُعْتَبَرِ مِنَ الشَّرْعِ والعَقْلِ، فَهو أكْرَهُ شَيْءٍ إلى النَّفْسِ، والمُعِينُ عَلَيْهِ ما في اسْتِشْعارِ لُزُومِ الحَقِّ مِنَ العِزِّ والأجْرِ بِالطّاعَةِ والعِلْمِ بِما يَعْقُبُ مِنَ الخَيْرِ في كُلِّ وجْهٍ وعادَةِ النَّفْسِ لَهُ، وقَدْ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الحَقِّ حَتّى لا يَجُوزَ إطْلاقُهُ إلّا فِيهِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.

هود 11:116

ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ إيمانِ المُعانِدِينَ بِشَيْءٍ مِن تَدْبِيرٍ آدَمِيٍّ كَما تَكادُ القِصَصُ تَنْطِقُ بِهِ، وكَذا الإعْلامُ بِأنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِلتَّقْلِيدِ وبِاخْتِلافِ قَوْمِ مُوسى في كِتابِهِ الَّذِي هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا عَنْ طَلَبِ ما قَدْ يَهْجِسُ في الخاطِرِ مِن تَمَنِّي إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ أوِ الكَفِّ عَنْ بَعْضِ ما يَغِيظُ مِنَ الإنْذارِ، وكانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ البُعْدُ عَنِ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَواطِرِ إلّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ أُجِيبُوا إلى سُؤالِهِمْ لَرُبَّما رَجَعُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا هم فِيهِ، فَدَعاهم ذَلِكَ إلى الرَّشادِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ دَفْعًا لَهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسَبَتُها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إهْلاكَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ (p-٣٩٨)بِما مَضى إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الإحْسانِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَقَعَ في فِكْرِ الِاعْتِراضِ بِأنْ يُقالَ: ما المُوجِبُ لِذَلِكَ؟ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الهَلاكِ الإعْراضُ عَنْ نَهْيِ مُنْتَهِكِ الحُرُماتِ والمُجْتَرِئِ عَلى هَتْكِ الأسْتارِ الجَلِيلَةِ والرَّتْعِ في الحِمى مَعَ تَمَكُّنِهِمْ بِما أوْدَعَ فِيهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ القُوى والقُدْرَةِ عَلى اخْتِيارِ جانِبِ الخَيْرِ والإعْراضِ عَنْ جانِبِ الشَّرِّ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا﴾ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وفِيها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ لِاعْتِبارِ كُلِّ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيِ المُهْلَكِينَ الأشِدّاءِ الكائِنِينَ في زَمانٍ ما. ولَمّا كانَ المُرادُ القُرُونَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُ إهْلاكِها، وكانَتْ أزْمِنَتُهم بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكم أُولُو﴾ أيْ: أصْحابُ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ أيْ: حِفْظٍ وخَيْرٍ ومُراقَبَةٍ لِما يُصْلِحُهُمْ، لِأنَّ مادَّةَ ”بَقِيَ“ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويَلْزَمُهُ القُوَّةُ والثَّباتُ والحِفْظُ، مِن قَوْلِهِمُ: ابْقِهِ بِقُوَّتِكَ مالَكَ - وزْنَ ادْعُهُ - أيِ احْفَظْهُ حِفْظَكَ مالَكَ، ويَلْزَمُهُ النَّظَرُ والمُراقَبَةُ: بَقِيتُ الشَّيْءَ - إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ ورَصَدْتَهُ، ويَلْزَمُهُ الثَّباتُ: بَقِيَ بَقاءً - إذا دامَ، والخَيْرُ والجَوْدَةُ؛ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، ويُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمٍ، أيْ (p-٣٩٩)مِن خِيارِهِمْ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ النَّهْيَ في كُلِّ حِينٍ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُفْسِدِينَ ﴿عَنِ الفَسادِ﴾ [الكائِنِ] ﴿فِي الأرْضِ﴾ و”لَوْلا“ هُنا كالَّتِي في يُونُسَ تَوْبِيخِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما جَوَّزَهُما الرُّمّانِيُّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَخْصِيصِيَّةً كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويَكُونُ لِلسّامِعِ لا لِلْمُهْلَكِ، لِأنَّ الآيَةَ لِما تَضَمَّنَتْ إهْلاكَ المُقِرِّ عَلى الفَسادِ كانَ في ذَلِكَ أقْوى حَثٍّ لِغَيْرِهِمْ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ [و] أوْفى تَهْدِيدٍ زاجِرٍ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ حالِهِمُ المُوقِعِ في أضْعافِ نَكالِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ هَذِهِ الآيَةِ لِآيَةِ الصَّبْرِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الذُّرْوَةِ العُلْيا، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولَمّا كانَتِ المَعانِي الثَّلاثَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلنَّفْيِ، كانَ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ مِن يَفْعَلُ ذَلِكَ، فاتَّصَلَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: صالِحِينَ ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّ ”مِن“ بَيانِيَّةٌ، أيْ هُمُ الَّذِينَ أنْجَيْنا فَإنَّهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ، [وعَبَّرَ بِالإنْجاءِ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى الخَيْرِ الحامِلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الفَسادِ دُونَ التَّنْجِيَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْرِيجِ والإبْلاغِ في الإنْجاءِ فَلَوْ عَبَّرَ بِها فَسَدَ المَعْنى] ﴿واتَّبَعَ﴾ الأكْثَرُ وهم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (p-٤٠٠)أيْ أوْقَعُوا الظُّلْمَ بِتَرْكِ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ، وما أحْسَنَ إطْلاقَها عَنِ التَّقْيِيدِ بِ: ”مِنهم“ ﴿ما﴾ ولَمّا كانَ المُبْطِرُ لَهم نَفْسَ التَّرَفِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ حَتّى طَغَوْا وتَجَبَّرُوا ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُتَّصِفِينَ عَلى سَبِيلِ الرُّسُوخِ بِالإجْرامِ، وهو قَطْعُ حَبْلِ اللَّهِ عَلى الدَّوامِ، فَأهْلَكَهم رَبُّكَ لِإجْرامِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَ، فَإنَّ إهْلاكَهم عَلى تَقْدِيرِ الِانْفِكاكِ عَنِ الإجْرامِ يَكُونُ ظُلْمًا عَلى ما يَتَعارَفُونَ.

هود 11:117

ولَمّا لاحَ بِما مَضى أنَّ العِبْرَةَ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ لِلْأكْثَرِ، قَرَّرَهُ وأكَّدَهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ﴾ ذُكِرَ سُبْحانَهُ بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ تَثْبِيتًا [لَهُ] وتَأْمِينًا ﴿لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: إهْلاكًا عامًّا ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: أيِّ ظُلْمٍ كانَ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أيْ: في حالِ ظُلْمٍ بِأنْ يُوقِعَ إهْلاكَهم في حالِ إصْلاحِهُمُ الَّذِي هم عَرِيقُونَ فِيهِ، فَيَكُونُ الإهْلاكُ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ عَلى ما يَتَعارَفُ العِبادُ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ والإهْلاكُ: إيجابُ ما يُبْطِلُ الإحْساسَ، والهَلاكُ: ضَياعُ الشَّيْءِ وهو حُصُولُهُ بِحَيْثُ لا يُدْرى أيْنَ هُوَ؛ والإصْلاحُ: إيجابُ ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ.

هود 11:118

(p-٤٠١)ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، نَفى ذَلِكَ الوَهْمَ مُبَيِّنًا انْفِكاكَ المَشِيئَةِ عَنِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ إحْسانٍ يَزِيدُكَ رِفْعَةً ﴿لَجَعَلَ النّاسَ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الإصْلاحِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُصْلِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ فَلا يُهْلِكُهُمْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ اخْتِلافَهم والأمْرُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا اخْتِلافُهم لِكَوْنِهِمْ عَلى أدْيانٍ شَتّى ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهم في جَعْلِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِكَ فَإنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أُصُولِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لِمْ لَمْ يُقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إلى الهُدى ويَصْرِفْهم عَنْ مُوجِباتِ الرَّدى إذا كانَ قادِرًا؟ قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ولِذَلِكَ﴾ أيِ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ [أيِ اخْتَرَعَهم وأوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَهُمْ]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلى خَلائِقَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تَقْتَضِي الِاخْتِلافَ لِتَفاوُتِهِمْ فِيها، جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لَهُ فَجَرَوْا مَعَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الجَرْيُ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ العُقُولُ في أنَّ الِاتِّفاقَ رَحْمَةٌ والِاخْتِلافَ نِقْمَةٌ، فاسْتَحَقَّ فَرِيقٌ مِنهُمُ النّارَ وفَرِيقٌ الجَنَّةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (p-٤٠٢)بَلْ هو مِن شَكْلِهِ؛ أيْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَكَّبَهم عَلى العَجْزِ ومَنَحَهُمُ العُقُولَ مَعَ نَصْبِ الأدِلَّةِ، كانَ ذَلِكَ مُهَيِّئًا لِلْعِبادَةِ فَكانُوا كَأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لَها أيْ ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْرِفُونِ بِنُفُوذِ أقْضِيَتِي وتَصارِيفِي فِيهِمْ فَيَعْبُدُونَ، أيْ يَخْضَعُوا لِي؛ فَمَن كانَ مِنهم طائِعًا فَهو عابِدٌ حَقِيقَةً، ومَن كانَ عاصِيًا كانَ عابِدًا مَجازًا، أيْ: خاضِعًا لِلْأمْرِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وعَجْزِهِ عَنِ الِامْتِناعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] - الآيَةَ. فَقَدْ بانَ أنَّ خَلْقَهم لِلْعِبادَةِ فَقَطْ يُنافِي خَلْقَهم لِلِاخْتِلافِ، لِأنَّ جَرْيَهم في قَضائِهِ بِالِاخْتِلافِ عِبادَةٌ وسُجُودٌ لُغَةً، وذَلِكَ أنَّ مادَّتِي عَبَدَ وسَجَدَ تَدُورانِ عَلى الخُضُوعِ والذُّلِّ والِانْقِيادِ، وبِذَلِكَ كانَ الكُلُّ عَبِيدَ اللَّهِ، أوِ الإشارَةُ إلى مَجْمَعِ الِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى مَن ثَبَّتَهم ويَظْهَرُ عَدْلُهُ فِيمَن خَذَلَهم. ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ سَبَبَ الكُفْرِ الَّذِي أرْسَلَ رُسُلَهُ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو بِمُرادِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: فَبادَرُوا إلى ما خَلَقَهم لَهم مُعْرِضِينَ عَنْ أوامِرِهِ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم عُقُولُهُمْ، وتَمَّتْ حِينَئِذٍ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِقَهْرِ أعْدائِكَ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ وهي وعِزَّتِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ (p-٤٠٣)[أيْ] الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ فِيها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيْ: قَبِيلُ الجِنِّ، [قَدَّمَهم لِأنَّهم أصْلٌ في الشَّرِّ، ثُمَّ عَمَّ فَقالَ]: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فَمَشَوْا عَلى ما أرادَ ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَ عُقُولِهِمُ الجَيِّدَةِ الِاسْتِعْدادُ وقُواهُمُ الشِّدادِ غَيْرَ إلْقاءِ القِيادِ، فَمَن قالَ: إنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَهُ أوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى شَيْءٍ فَلْيَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بِأنْ يُخْبِرَ بِاتِّفاقِهِمْ ثُمَّ يَفْعَلُهُ لِيَتِمَّ قَوْلُهُ. وإلّا فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ فَيَسْمَعُ رِسالاتِ رَبِّهِ إلَيْهِ بِقالَبِهِ وقَلْبِهِ.

هود 11:119

(p-٤٠١)ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، نَفى ذَلِكَ الوَهْمَ مُبَيِّنًا انْفِكاكَ المَشِيئَةِ عَنِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ إحْسانٍ يَزِيدُكَ رِفْعَةً ﴿لَجَعَلَ النّاسَ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الإصْلاحِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُصْلِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ فَلا يُهْلِكُهُمْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ اخْتِلافَهم والأمْرُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا اخْتِلافُهم لِكَوْنِهِمْ عَلى أدْيانٍ شَتّى ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهم في جَعْلِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِكَ فَإنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أُصُولِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لِمْ لَمْ يُقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إلى الهُدى ويَصْرِفْهم عَنْ مُوجِباتِ الرَّدى إذا كانَ قادِرًا؟ قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ولِذَلِكَ﴾ أيِ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ [أيِ اخْتَرَعَهم وأوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَهُمْ]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلى خَلائِقَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تَقْتَضِي الِاخْتِلافَ لِتَفاوُتِهِمْ فِيها، جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لَهُ فَجَرَوْا مَعَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الجَرْيُ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ العُقُولُ في أنَّ الِاتِّفاقَ رَحْمَةٌ والِاخْتِلافَ نِقْمَةٌ، فاسْتَحَقَّ فَرِيقٌ مِنهُمُ النّارَ وفَرِيقٌ الجَنَّةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (p-٤٠٢)بَلْ هو مِن شَكْلِهِ؛ أيْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَكَّبَهم عَلى العَجْزِ ومَنَحَهُمُ العُقُولَ مَعَ نَصْبِ الأدِلَّةِ، كانَ ذَلِكَ مُهَيِّئًا لِلْعِبادَةِ فَكانُوا كَأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لَها أيْ ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْرِفُونِ بِنُفُوذِ أقْضِيَتِي وتَصارِيفِي فِيهِمْ فَيَعْبُدُونَ، أيْ يَخْضَعُوا لِي؛ فَمَن كانَ مِنهم طائِعًا فَهو عابِدٌ حَقِيقَةً، ومَن كانَ عاصِيًا كانَ عابِدًا مَجازًا، أيْ: خاضِعًا لِلْأمْرِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وعَجْزِهِ عَنِ الِامْتِناعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] - الآيَةَ. فَقَدْ بانَ أنَّ خَلْقَهم لِلْعِبادَةِ فَقَطْ يُنافِي خَلْقَهم لِلِاخْتِلافِ، لِأنَّ جَرْيَهم في قَضائِهِ بِالِاخْتِلافِ عِبادَةٌ وسُجُودٌ لُغَةً، وذَلِكَ أنَّ مادَّتِي عَبَدَ وسَجَدَ تَدُورانِ عَلى الخُضُوعِ والذُّلِّ والِانْقِيادِ، وبِذَلِكَ كانَ الكُلُّ عَبِيدَ اللَّهِ، أوِ الإشارَةُ إلى مَجْمَعِ الِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى مَن ثَبَّتَهم ويَظْهَرُ عَدْلُهُ فِيمَن خَذَلَهم. ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ سَبَبَ الكُفْرِ الَّذِي أرْسَلَ رُسُلَهُ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو بِمُرادِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: فَبادَرُوا إلى ما خَلَقَهم لَهم مُعْرِضِينَ عَنْ أوامِرِهِ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم عُقُولُهُمْ، وتَمَّتْ حِينَئِذٍ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِقَهْرِ أعْدائِكَ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ وهي وعِزَّتِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ (p-٤٠٣)[أيْ] الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ فِيها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيْ: قَبِيلُ الجِنِّ، [قَدَّمَهم لِأنَّهم أصْلٌ في الشَّرِّ، ثُمَّ عَمَّ فَقالَ]: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فَمَشَوْا عَلى ما أرادَ ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَ عُقُولِهِمُ الجَيِّدَةِ الِاسْتِعْدادُ وقُواهُمُ الشِّدادِ غَيْرَ إلْقاءِ القِيادِ، فَمَن قالَ: إنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَهُ أوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى شَيْءٍ فَلْيَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بِأنْ يُخْبِرَ بِاتِّفاقِهِمْ ثُمَّ يَفْعَلُهُ لِيَتِمَّ قَوْلُهُ. وإلّا فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ فَيَسْمَعُ رِسالاتِ رَبِّهِ إلَيْهِ بِقالَبِهِ وقَلْبِهِ.

هود 11:120

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِما فُعِلَ بِالقُرى الظّالِمَةِ، وحَذَّرَ كُلَّ مَن فَعَلَ أفْعالَهم بِسَطَواتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمَرَ بِاتِّباعِ أمْرِهِ والإعْراضِ عَنِ اخْتِلافِهِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وأرادَهُ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] قَوْلَهُ: ﴿وكُلا نَقُصُّ﴾ أيْ: ونَقُصُّ ﴿عَلَيْكَ﴾ كُلَّ نَبَأٍ؛ أيْ: خَبَرٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ مَعَ أُمَمِهِمْ: صالِحِيهِمْ وفاسِدِيهِمْ، فَعَمَّ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ، ولَمّا كانَ الَّذِي جَرَّ هَذِهِ \ القِصَصَ ما مَضى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وكانَ ساكِنُ الصَّدْرِ القَلْبَ، وهو الفُؤادُ الَّذِي بِهِ قِوامُ الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانِ، وهو أحَرُّ ما فِيهِ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهُ بِما اشْتُقَّ مِنَ الفَأْدِ وهو (p-٤٠٤)الحَرْقُ، وكانَ مِن لازِمِ الحَرارَةِ الِاضْطِرابُ والتَّقَلُّبُ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ القَلْبُ فَيَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، أبْدَلَ مِن ”كُلًّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما نُثَبِّتُ﴾ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا ﴿بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: فَيَسْكُنُ في مَوْضِعِهِ ويَطْمَئِنَّ أوْ يَزْدادَ يَقِينُهُ فَلا يَضِيقُ الصَّدْرُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] ونَحْوِهِ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ العامِّ خاصٌّ لِحُصُولِهِ المَقْصُودَ لَهُ، وهو التَّسْلِيَةُ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] لِأنَّ المُشارَكَةَ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ عَلى الإنْسانِ ما يَلْقى مِنَ الأذى، والإعْلامَ بِعُقُوباتِ المُكَذِّبِينَ فِيها تَأْنِيسٌ لِلْمَكْرُوبِ؛ والتَّثْبِيتُ: تَمْكِينُ إقامَةِ الشَّيْءِ؛ والفُؤادُ: العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ الحالِّ فِيهِ، مِنَ المُفْتَأدِ وهو المُسْتَوِي. ولَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما قُصَّ عَلَيْهِ مِن أخْبارِهِمْ يَسْتَلْزِمُ هَذا المَقْصُودَ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَما يُعَلَّلُ بِهِ غالِبًا مِنَ الأخْبارِ الفارِغَةِ والأحادِيثِ المُزَخْرَفَةِ الباطِلَةِ ولا مِمّا يَنْقُلُهُ المُؤَرِّخُونَ مَشُوبًا بِالتَّحْرِيفِ فَقالَ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ أيِ الأخْبارِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في الثَّباتِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، وفائِدَةُ الظَّرْفِ التَّأْكِيدُ لِعِظَمِ المَقْصُودِ مِن آيَةِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ [هود: ١٢] وصُعُوبَتِهِ. ولَمّا كانَ الحَقُّ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ عَرَّفَهُ ونَكَّرَ ما هو خاصٌّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَقالَ: ﴿ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: مُرَقِّقٍ لِلْقُلُوبِ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، وقَدْ (p-٤٠٥)تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الِاعْتِبارَ مِن قَصَصِ الرُّسُلِ بِما فِيها مِن حُسْنِ صَبْرِهِمْ عَلى أُمَمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ عَلى دُعائِهِمْ إلى عِبادَةِ اللَّهِ بِالحَقِّ وتَذْكِيرِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَدْعُو إلَيْهِ كُلٌّ مِنهُما مِن عاقِبَةِ النَّفْعِ والضُّرِّ لِلثَّباتِ عَلى ذَلِكَ جَمِيعِهِ اقْتِداءً بِهِمْ.

هود 11:121

ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَ هَذا الحَقِّ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعِظْهم بِذَلِكَ وذَكِّرْهم بِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ﴾ [هود: ١١٥] أيِ اصْبِرْ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ وحْيِنا وامْتِثالِهِ، وقُلْ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ فَهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ مُنْذِرًا لَهم ﴿اعْمَلُوا﴾ مُتَمَكِّنِينَ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: طَرِيقَتِكُمُ الَّتِي تَتَمَكَّنُونَ مِنَ العَمَلِ عَلَيْها. ولَمّا كانَ العَمَلُ واجِبًا عَلَيْهِ ﷺ وعَلى كُلِّ مَن تَبِعَهُ فَهم عامِلُونَ لا مَحالَةَ سَواءٌ عَمَلَ الكُفّارِ أوْ لا، قالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَدُومُوا عَلى العَمَلِ المُخالِفِ لَهم مَعَ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ لِأجْلِهِ مِنَ الضُّرِّ، مُعَرِّيًا لَهُ عَنْ فاءِ السَّبَبِ [لِذَلِكَ والِاسْتِئْنافِ]: ﴿إنّا﴾ [أيْ أنا ومَن مَعِي] ﴿عامِلُونَ﴾ [أيْ ثابِتٌ عَمَلُنا لا نَحُولُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما كانَ لِلَّهِ فَهو دائِمٌ بِدَوامِهِ سُبْحانَهُ]، وحَذَفَ النُّونَ (p-٤٠٦)الثّانِيَةَ اكْتِفاءً بِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ كافٍ في الإعْلامِ بِالجَزْمِ في النِّيَّةِ، وفِيهِ تَأدُّبٌ بِالإشارَةِ إلى أنَّ المُسْتَقْبَلَ أمْرٌ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُبَلِّغَ في التَّأْكِيدِ فِيهِ غَيْرَهُ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ فُصِّلَتْ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الكَفَرَةِ ﴿وانْتَظِرُوا﴾ أيْ: ما أنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ لَهُ مِن قَهْرِنا ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: ما وعَدَنا اللَّهُ في أمْرِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم ومُنْجِيكَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِغَيْبِ حالِكَ وحالِهِمْ وقادِرٌ عَلَيْكُمْ؛ والِانْتِظارُ: طَلَبُ الإدْراكِ لِما يَأْتِي مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُقْدَرُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ والتَّوَقُّعُ: طَلَبُ ما يُقَدَّرُ أنَّهُ يَقَعُ، وهُما يَكُونانِ في الخَيْرِ والشَّرِّ ومَعَ العِلْمِ والشَّكِّ، والتَّرَجِّي لا يَكُونُ إلّا مَعَ الخَيْرِ والشَّكِّ.

هود 11:122

ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَ هَذا الحَقِّ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعِظْهم بِذَلِكَ وذَكِّرْهم بِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ﴾ [هود: ١١٥] أيِ اصْبِرْ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ وحْيِنا وامْتِثالِهِ، وقُلْ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ فَهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ مُنْذِرًا لَهم ﴿اعْمَلُوا﴾ مُتَمَكِّنِينَ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: طَرِيقَتِكُمُ الَّتِي تَتَمَكَّنُونَ مِنَ العَمَلِ عَلَيْها. ولَمّا كانَ العَمَلُ واجِبًا عَلَيْهِ ﷺ وعَلى كُلِّ مَن تَبِعَهُ فَهم عامِلُونَ لا مَحالَةَ سَواءٌ عَمَلَ الكُفّارِ أوْ لا، قالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَدُومُوا عَلى العَمَلِ المُخالِفِ لَهم مَعَ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ لِأجْلِهِ مِنَ الضُّرِّ، مُعَرِّيًا لَهُ عَنْ فاءِ السَّبَبِ [لِذَلِكَ والِاسْتِئْنافِ]: ﴿إنّا﴾ [أيْ أنا ومَن مَعِي] ﴿عامِلُونَ﴾ [أيْ ثابِتٌ عَمَلُنا لا نَحُولُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما كانَ لِلَّهِ فَهو دائِمٌ بِدَوامِهِ سُبْحانَهُ]، وحَذَفَ النُّونَ (p-٤٠٦)الثّانِيَةَ اكْتِفاءً بِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ كافٍ في الإعْلامِ بِالجَزْمِ في النِّيَّةِ، وفِيهِ تَأدُّبٌ بِالإشارَةِ إلى أنَّ المُسْتَقْبَلَ أمْرٌ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُبَلِّغَ في التَّأْكِيدِ فِيهِ غَيْرَهُ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ فُصِّلَتْ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الكَفَرَةِ ﴿وانْتَظِرُوا﴾ أيْ: ما أنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ لَهُ مِن قَهْرِنا ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: ما وعَدَنا اللَّهُ في أمْرِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم ومُنْجِيكَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِغَيْبِ حالِكَ وحالِهِمْ وقادِرٌ عَلَيْكُمْ؛ والِانْتِظارُ: طَلَبُ الإدْراكِ لِما يَأْتِي مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُقْدَرُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ والتَّوَقُّعُ: طَلَبُ ما يُقَدَّرُ أنَّهُ يَقَعُ، وهُما يَكُونانِ في الخَيْرِ والشَّرِّ ومَعَ العِلْمِ والشَّكِّ، والتَّرَجِّي لا يَكُونُ إلّا مَعَ الخَيْرِ والشَّكِّ.

هود 11:123

ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا التَّهْدِيدُ العِلْمَ والقُدْرَةَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلِلَّهِ كُلُّ ما شُوهِدَ مِن أمْرِنا وأمْرِكم وأمْرِ عالِمِ [الغَيْبِ و] الشَّهادَةِ كُلِّهِ ما كانَ مِنَ ابْتِداءِ أُمُورِنا ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ وحْدَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مَعَ ذَلِكَ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما غابَ عِلْمُهُ عَنِ العِبادِ فَهو تامُّ العِلْمِ، [ومِنهُ ما يَنْهى عَنْهُ وإنْ ظَنَّ الجَهَلَةُ أنَّهُ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ لِما أُظْهِرَ مِنَ الزَّجْرِ عَنْهُ ومِن كَراهِيَتِهِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ ذَواتَهم ومَعانِيَهم لِلِاخْتِلافِ، وكانَ تَهْدِيدُهم عَلى المَعاصِي رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، فَكانَ رُبَّما قالَ جاهِلٌ: أنا بَرِيءٌ مِنَ المُخالِفِينَ لِأوْلِيائِهِ كَثِيرًا جِدًّا، وعادَةُ الخَلْقِ أنَّ مَن خالَفَهم خارِجٌ عَنْ أمْرِهِمْ، كانَ الجَوابُ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِهَذا الأمْرِ (p-٤٠٧)الظّاهِرِ: فَلَهُ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ ظاهِرًا وباطِنًا] ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُرْجَعُ﴾ [بَعْدَ أنْ كانَ ظَهَرَ لِلْجاهِلِ أنْ خَرَجَ عَنْهُ]؛ والرُّجُوعُ: ذَهابُ الشَّيْءِ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ مِنهُ ﴿الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في الحالِ عَلى لَبْسٍ وخَفاءٍ، وفي المالِ عَلى ظُهُورٍ واتِّضاحٍ وجَلاءٍ، فَهو شامِلُ القُدْرَةِ كَما هو شامِلُ العِلْمِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ أمْرُكَ وأمْرُ أعْدائِكَ، أيْ يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلَ مَن يَرْجِعُ إلَيْهِ الأمْرُ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ إسْنادِ الأُمُورِ كُلِّها [إلَيْهِ قَوْلَهُ]: ﴿فاعْبُدْهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ عِبادَةً لا شَوْبَ فِيها ﴿وتَوَكَّلْ﴾ مُعْتَمِدًا في أُمُورِكَ كُلِّها ﴿عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ القَوِيُّ المَتِينُ، وفي تَقْدِيمِ الأمْرِ \ بِالعِبادَةِ عَلى التَّوَكُّلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يَنْفَعُ العابِدَ. ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ العالِمَ قَدْ يَغْفُلُ، نَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ [نَفْسَهُ] فَقالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿وما رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِما يَعْمَلُهُ بِإحاطَةِ عِمْلِهِ إحْسانًا، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [ولا تَهْدِيدَ أبْلَغُ مِنَ العِلْمِ]، وهَذا بِعَيْنِهِ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]