Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — يوسف 12:1 – يوسف 12:111

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. يوسف 12:1
  2. يوسف 12:2
  3. يوسف 12:3
  4. يوسف 12:4
  5. يوسف 12:5
  6. يوسف 12:6
  7. يوسف 12:7
  8. يوسف 12:8
  9. يوسف 12:9
  10. يوسف 12:10
  11. يوسف 12:11
  12. يوسف 12:12
  13. يوسف 12:13
  14. يوسف 12:14
  15. يوسف 12:15
  16. يوسف 12:16
  17. يوسف 12:17
  18. يوسف 12:18
  19. يوسف 12:19
  20. يوسف 12:20
  21. يوسف 12:21
  22. يوسف 12:22
  23. يوسف 12:23
  24. يوسف 12:24
  25. يوسف 12:25
  26. يوسف 12:26
  27. يوسف 12:27
  28. يوسف 12:28
  29. يوسف 12:29
  30. يوسف 12:30
  31. يوسف 12:31
  32. يوسف 12:32
  33. يوسف 12:33
  34. يوسف 12:34
  35. يوسف 12:35
  36. يوسف 12:36
  37. يوسف 12:37
  38. يوسف 12:38
  39. يوسف 12:39
  40. يوسف 12:40
  41. يوسف 12:41
  42. يوسف 12:42
  43. يوسف 12:43
  44. يوسف 12:44
  45. يوسف 12:45
  46. يوسف 12:46
  47. يوسف 12:47
  48. يوسف 12:48
  49. يوسف 12:49
  50. يوسف 12:50
  51. يوسف 12:51
  52. يوسف 12:52
  53. يوسف 12:53
  54. يوسف 12:54
  55. يوسف 12:55
  56. يوسف 12:56
  57. يوسف 12:57
  58. يوسف 12:58
  59. يوسف 12:59
  60. يوسف 12:60
  61. يوسف 12:61
  62. يوسف 12:62
  63. يوسف 12:63
  64. يوسف 12:64
  65. يوسف 12:65
  66. يوسف 12:66
  67. يوسف 12:67
  68. يوسف 12:68
  69. يوسف 12:69
  70. يوسف 12:70
  71. يوسف 12:71
  72. يوسف 12:72
  73. يوسف 12:73
  74. يوسف 12:74
  75. يوسف 12:75
  76. يوسف 12:76
  77. يوسف 12:77
  78. يوسف 12:78
  79. يوسف 12:79
  80. يوسف 12:80
  81. يوسف 12:81
  82. يوسف 12:82
  83. يوسف 12:83
  84. يوسف 12:84
  85. يوسف 12:85
  86. يوسف 12:86
  87. يوسف 12:87
  88. يوسف 12:88
  89. يوسف 12:89
  90. يوسف 12:90
  91. يوسف 12:91
  92. يوسف 12:92
  93. يوسف 12:93
  94. يوسف 12:94
  95. يوسف 12:95
  96. يوسف 12:96
  97. يوسف 12:97
  98. يوسف 12:98
  99. يوسف 12:99
  100. يوسف 12:100
  101. يوسف 12:101
  102. يوسف 12:102
  103. يوسف 12:103
  104. يوسف 12:104
  105. يوسف 12:105
  106. يوسف 12:106
  107. يوسف 12:107
  108. يوسف 12:108
  109. يوسف 12:109
  110. يوسف 12:110
  111. يوسف 12:111

يوسف 12:1

(p-١)سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبِهِ الإعانَةُ آمِينَ [مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِالإبانَةِ لِكُلِّ ما يُوجِبُ الهُدى لِما ثَبَتَ فِيما مَضى، ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَمامِ عِلْمِ مَنزِلِهِ غَيْبًا وشَهادَةً وشُمُولِ قُدْرَتِهِ قَوْلًا وفِعْلًا، وهَذِهِ القِصَّةُ - كَما تَرى - أنْسَبُ الأشْياءِ لِهَذا المَقْصُودِ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ يُوسُفَ - واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي لَمْ يَدَعْ لَبْسًا لِعُمُومِ رَحْمَتِهِ في طَرِيقِ الهُدى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالإبْعادِ عَنْ مَوْطِئِ الرَّدى. لَمّا خَلَّلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ مِمّا خَلَّلَها بِهِ مِنَ القَصَصِ والآياتِ القاطِعَةِ بِأنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ [و] بِإذْنِهِ نَزَلَ، وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن شاءَ إيمانَهُ، وأنَّهُ مَهْما شاءَهُ كانَ، وبَيَّنَ عَظِيمَ قُدْرَتِهِ عَلى مِثْلِ ما عَذَّبَ بِهِ الأُمَمَ (p-٢)وعَلى التَّأْلِيفِ بَيْنَ مَن أرادَ وإيقاعَ الخِلافَ بَيْنَ مَن شاءَ، وأشارَ إلى أنَّهُ حَكَمَ بِالنُّصْرَةِ لِعابِدِيهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما أرادَ لِأنَّهُ إلَيْهِ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، تَلاها بِهَذِهِ السُّورَةِ لِبَيانِ هَذِهِ الأغْراضِ بِهَذِهِ القِصَّةِ العَظِيمَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي لَقِيَ فِيها يُوسُفُ عِلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما لَقِيَ مَن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ ومَن غَيْرِهِمْ ومِنَ الغُرْبَةِ وشَتاتِ الشَّمْلِ، ثُمَّ كانَتْ لَهُ العاقِبَةُ فِيهِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ لِما تَدَرَّعَ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى شَدِيدِ البَلاءِ والتَّفْوِيضِ لِأمْرِ اللَّهِ جَلَّ وعَلا تَسْلِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الأمِينِ وتَأْسِيَةً بِمَن مَضى مِن إخْوانِهِ المُرْسَلِينَ فِيما يَلْقى في حَياتِهِ مَن أقارِبِهِ الكافِرِينَ وبَعْدَ وفاتِهِ مِمَّنْ دَخَلَ مِنهم في الدِّينِ في آلِ بَيْتُهُ كَما وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَعْذِيبٍ عَقِبَهُ وعَقِبَ إخْوَتِهِ مِمَّنْ بالَغَ في الإحْسانِ إلَيْهِمْ، وقَدْ وقَعَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالفِعْلِ ما هَمَّ الكَفّارُ مِن أقارِبِ النَّبِيِّ ﷺ بِفِعْلِهِ بِهِ كَما حَكاهُ سُبْحانَهُ في قَوْلِهِ ﴿لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَنَجا مِنهم أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ بِأيْدِيهِمْ إلّا ما كانَ مِنَ الحَصْرِ في شِعَبِ أبِي طالِبٍ ومِنَ الهِجْرَةِ بِأمْرِ الحَكِيمِ العَلِيمِ، ثُمَّ نَصَرَ اللَّهُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى إخْوَتِهِ الَّذِينَ فَعَلُوا بِهِ ذَلِكَ ومَلَّكَهُ قِيادَهُمْ، فَكانَ في سَوْقِ قِصَّتِهِ عَقِبَ الإخْبارِ بِأنَّ المُرادَ بِهَذِهِ القِصَصِ تَثْبِيتِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ الفَتْحِ مِن مِلْكِ قِيادِهِمْ ورَدِّ عِنادِهِمْ ومَنِّهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ، وفي إشارَتِها بِشارَةٌ بِأنَّ المَحْسُودَ يُعانِي ويَعْلى إنْ عَمَلَ ما هو الأحْرى بِهِ والأُولى، ومِن فَوائِدِ ذِكْرِها التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الحَسَدَ داءٌ عَظِيمٌ شَدِيدُ التَّمَكُّنِ في النُّفُوسِ حَتّى أنَّهُ بِعَزْمِ تَمَكُّنِهِ وكَثْرَةِ مَكانِهِ وتَعَدُّدِ كائِنِهِ رُبَّما غَلَبَ أهْلَ الصَّلاحِ إلّا مَن بادَرَ مِنهم بِالتَّوْبَةِ داعِي الفَلّاحِ، وتَرَكَتْ إعادَتَها دُونَ غَيْرِها مِنَ القَصَصِ صَوْنًا لِلْأكابِرِ عَنْ ذِكْرِ ما رُبَّما أوْجَبَ اعْتِقادَ نَقْصٍ، أوْ تَوْجِيهَ طَعْنٍ أوْ غَمْصٍ، أوْ هَوْنِ داءِ الحَسَدِ، عِنْدَ ذِي تَهَوُّرٍ ولَدَدٍ، وخَلَّلَها سُبْحانَهُ بِبَلِيغِ الحِكَمِ [وخَتْمِها] بِما أنْتَجَتْ مِن ثُبُوتِ أمْرِ القُرْآنِ ونَفْيِ التُّهْمَةِ عَنْ هَذا النَّبِيِّ العَظِيمِ. هَذا مُناسَبَةُ ما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ، وأمّا مُناسَبَةُ الأوَّلِ لِلْآخَرِ فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ [فِي آخِرِ] تِلْكَ بِتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ أهْلُ السَّبْقِ مِنَ الفَصاحَةِ والفَوْتِ في البَلاغَةِ في أوَّلِ هَذِهِ بِما فَعَلَ في (p-٤)كَلامِهِ مِن أنَّهُ تَعالى يَقْدِرُ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِما تَذْهَبُ الأفْهامُ والعُقُولُ - عَلى كَرِّ الأزْمانِ وتَعاقُبِ الدُّهُورِ وتَوالِي الأيّامِ وتَمادِي اللَّيالِي - في مَعْناهُ كُلُّ مَذْهَبٍ وتَطَيُّرُ كُلِّ مَطارٍ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي واسْتِجْماعِ القُوى، ولا تَقِفُ مِن ذَلِكَ عَلى أمْرٍ مُحَقَّقٍ ولا مُرادٍ مَعْلُومٍ وعَلى أنْ يَأْتِيَ بِما يَفْهَمُ بِأوائِلِ النَّظَرِ أدْنى مَعْناهُ فَهْمًا يُوَثَّقُ بِأنَّهُ مُرادٌ، ثُمَّ لا يَزالُ يُبْرِزُ مِنهُ مِن دَقائِقِ المَعانِي كُلَّما كَرَّرَ التَّأمُّلَ وتَغَلْغَلَ الفَهْمُ إلى حَدٍّ يُعْلِمُ أنَّهُ مَعْجُوزٌ عَنْ كُلِّ ما فِيهِ مِن جَلِيلِ مَعانِيهِ ولَطِيفِ مَبانِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿الر﴾ قالَ الرُّومانِيُّ: لَمْ تُعَدَّ الفَواصِلُ لِأنَّها لا تُشاكِلُ رُؤُوسَ الآياتِ لِأنَّها عَلى حَرْفَيْنِ، فَأُجْرِيَتْ مَجْرى الأسْماءِ النّاقِصَةِ، وإنَّما يَؤُمُّ بِالفَواصِلِ التَّمامَ، وأمّا ”طَهَ“ فَيُعَدُّ لِأنَّهُ يُشْبِهُ رُؤُوسَ آيِها - انْتَهى. وهَذا قَوْلُ مَن ذَهَبَ سَهْوًا إلى أنَّ السَّجْعَ مَقْصُودٌ في القُرْآنِ، وهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ كَما مَضى القَوْلُ فِيهِ في آخِرِ سُورَةِ بَراءَةَ، فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى أنَّهُ شِعْرٌ وبَيْنَ نِسْبَتِهِ إلى أنَّهُ سَجْعٌ، لِأنَّ السَّجْعَ صُنْعُ الكُهّانِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى ادِّعاءِ أنَّهُ كِهانَةٌ وذَلِكَ كُفْرٌ لا شَكَّ فِيهِ، وقَدْ أطْنَبْتُ فِيهِ [فِي] كِتابِي مَصاعِدُ النَّظَرِ، وبَيَّنْتُ مَذاهِبَ (p-٥)العادِينَ لِلْآياتِ وأنَّ مَرْجِعُها التَّوْقِيفَ مِثْلَ نَقْلِ القِراءاتِ سَواءٌ - واللَّهُ الهادِي. ولَمّا ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ الماضِيَةُ بِأنَّ هَذا الكِتابَ مُحْكَمٌ، وخُتِمَتْ بِالحِكْمَةِ المَقْصُودَةِ مِن قَصِّ أنْباءِ الرُّسُلِ، وكانَ السِّياقُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ [بِهِ] في قَوْلِهِ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣] ودَلَّ عَلى أنَّهُ أُنْزِلَ بِعِلْمِهِ، ابْتُدِئَتْ هَذِهِ لِإتْمامِ تِلْكَ الدّالَّةِ بِالإشارَةِ إلى ما لَهُ مِن عُلُوِّ المَحَلِّ وبُعْدِ الرُّتْبَةِ، فَعَقَّبَ سُبْحانِهِ هَذِهِ المُشْكِلَةَ الَّتِي ألْقاها بِالأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ وبانَ أنَّها مَعَ إشْكالِها عِنْدَ التَّأمُّلِ واضِحَةٌ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ القُرْآنِ وإلى هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الآياتُ العَظِيمَةُ العالِيَةُ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعُ لِجَمِيعِ المُراداتِ. ولَمّا تَقَدَّمُ أوَّلَ سُورَتِي يُونُسَ وهُودَ وصْفُهُ بِالحِكْمَةِ والإحْكامِ والتَّفْصِيلِ، وُصِفَ هُنا بِأخَصِّ مِن ذَلِكَ فَقالَ تَعالى:﴿المُبِينِ﴾ أيِ البَيِّنِ في نَفْسِهِ أنَّهُ جامِعٌ مُعْجِزٌ لا يَشْتَبِهُ عَلى العَرَبِ بِوَجْهٍ، والمُوَضِّحِ لِجَمِيعِ ما حَوى، وهو جَمِيعُ المُراداتِ لِمَن أمْعَنَ التَّدَبُّرَ وأنْعَمَ التَّفْكِيرَ، ولِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: ١١١] و ﴿ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠] والبَيانُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يَفْصِلُهُ (p-٦)عَنْ غَيْرِهِ وهو غَرَضُ كُلِّ حَكِيمٍ في كَلامِهِ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ البُرْهانُ بِأنَّهُ إظْهارُ صِحَّةِ المَعْنى بِما يَشْهَدُ بِهِ، وأبانَ - لازِمٌ مُتَعَدٍّ؛

يوسف 12:2

ثُمَّ عَلَّلَ المُبِينَ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالإنْزالِ لِأنَّهُ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ بِخِلافِ ما عَبَّرَ فِيهِ بِالجَعْلِ كَما يَأْتِي في الزُّخْرُفِ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ أيِ الكِتابَ المُفَسَّرَ بِهَذِهِ السُّورَةِ أوْ بِالقُرْآنِ كُلِّهِ ﴿قُرْآنًا﴾ سُمِّي بَعْضُهُ بِذَلِكَ لِأنَّ القُرْآنَ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الكُلِّ والبَعْضِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ وعَلَّلَ إنْزالَهُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ أيْ لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَكُونُوا مِن ذَوِي العَقْلِ أوْ مِن أنْ تَعْقِلُوا ما يُرادُ مِنكُمْ؛ قالَ: أبُو حَيّانِ و”لَعَلَّ“ تَرَجٍّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ. وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أفْصَحُ الألْسِنَةِ وأوْسَعُها وأقْوامُها وأعْدَلُها، لِأنَّ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ القَوْلَ - وإنْ خُصَّ بِخِطابِهِ قَوْمٌ - يَكُونُ عامًّا لِمَن سِواهم.

يوسف 12:3

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ يَقُصُّ عَلَيْهِ [مِن] أنْباءِ الرُّسُلِ ما يُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَهُ، قالَ مُثْبِتًا ومُعَلِّلًا بِأنَّهُ الكِتابُ بِعِلَّةٍ أُخْرى مُشاهَدَةٍ هي أخَصُّ مِنَ الأُولى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ وعَظَّمَ هَذِهِ القِصَّةَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ أيِ الِاقْتِصاصِ (p-٧)أوِ المَقْصُوصِ بِأنْ نَتَّبِعَ بَعْضَ الحَدِيثِ كَما نُعَلِّمُهُ بَعْضًا فَنُبَيِّنُهُ أحْسَنَ البَيانِ - لِأنَّهُ مَن قَصِّ الأثَرِ - تَثْبِيتًا لِفُؤادِكَ وتَصْدِيقًا لِنُبُوَّتِكَ وتَأْيِيدًا عَلى أحْسَنِ تَرْتِيبٍ وأحْكَمِ نِظامٍ وأكْمَلِ أُسْلُوبٍ وأوْفى تَحْرِيرٍ وأبْدَعِ طَرِيقَةٍ مَعَ ما نُفَصِّلُها بِهِ مِن جَواهِرِ الحِكَمِ وبَدائِعِ المَعانِي مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ، وهي قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ هي في التَّوْراةِ في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ ورَقَةً لا يَضْبُطُها إلّا حُذّاقَ أحْبارِهِمْ، مَن تَأمَّلَ اقْتِصاصُها فِيها أوْ في غَيْرِها مِن تَوارِيخِهِمْ ذاقَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ حَتّى لَقَدْ أسْلَمَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ لِما رَأوْا مِن حُسْنِ اقْتِصاصِها، رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما «أنَّ حَبْرًا مِنَ اليَهُودِ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وكانَ قارِئًا لِلتَّوْراةِ فَوافَقَهُ وهو يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في التَّوْراةِ فَقالَ [لَهُ] الحَبْرُ: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ قالَ: اللَّهُ عَلَّمَنِيها، فَرَجَعَ إلى اليَهُودِ فَقالَ [لَهُمْ]: أتَعْلَمُونَ واللَّهِ أنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ القُرْآنَ كَما أُنْزِلَ في التَّوْراةِ! فانْطَلَقَ بِنَفَرٍ مِنهم حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرِفُوهُ بِالصِّفَةِ ونَظَرُوا إلى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إلى قِراءَتِهِ لِسُورَةِ يُوسُفَ، فَتَعَجَّبُوا مِنهُ وقالُوا: يا مُحَمَّدُ ! مَن عَلَّمَكَها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَّمَنِيها اللَّهُ، فَأسْلَمَ (p-٨)القَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ» . وقَدْ ضَمَّنَها سُبْحانَهُ مِنَ النُّكَتِ والعِبَرِ والحَكَمِ أمْرًا عَظِيمًا، وذَكَرَ فِيها حُسَنَ مُجاوَرَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِإخْوَتِهِ وصَبْرُهُ عَلى أذاهم وحِلْمَهُ عَنْهم وإغْضاءَهُ عِنْدَ لِقائِهِمْ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ وكَرَمَهُ في العَفْوِ، والأنْبِياءَ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةَ والشَّياطِينَ والإنْسَ والجِنَّ والأنْعامَ والطَّيْرَ وسِيَرَ المُلُوكِ والمَمالِيكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والجُهّالِ والرِّجالِ والنِّساءِ ومَكْرِهِنَّ والتَّوْحِيدَ والنُّبُوَّةَ والإعْجازَ والتَّعْبِيرَ والسِّياسَةَ والمُعاشَرَةَ وتَدْبِيرَ المَعاشِ وجَمِيعَ الفَوائِدِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وذَكَرَ الحَبِيبَ والمَحْبُوبَ، ولَمْ يُدْخِلْ فِيها شَيْئًا مِن غَيْرِها دُونَ سائِرِ القِصَصِ، وكانَ عِقابُها إلى خَيْرٍ وسَلامَةٍ واجْتِماعِ شَمْلٍ وعَفْوٍ مِنَ اللَّهِ وتَجاوُزٍ عَنِ الكُلِّ ﴿بِما أوْحَيْنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إيحائِنا ﴿إلَيْكَ﴾ ولَمّا كانَ إنْزالُ القُرْآنِ مَجْمَعَ الخَيِّراتِ، عَيَّنَ المُرادَ بِالإشارَةِ واسْمِ العَلَمِ فَقالَ: ﴿هَذا القُرْآنَ﴾ الَّذِي قالُوا فِيهِ: إنَّهُ مُفْتَرى، فَنَحْنُ نُتابِعُ فِيهِ القِصَصَ بَعْدَ قِصَّةٍ بَعْدَ قِصَّةِ والحِكَمَ حِكْمَةً في أثَرِ حِكْمَةٍ حَتّى لا يَشُكَّ شاكٌّ ولا يَمْتَرِيَ مُمْتَرٍ في أنَّهُ مِن عِنْدِنا وبِإذْنِنا ويَكُونُ أمْرُهُ في البُعْدِ مِنَ اللَّبْسِ أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ. ولَمّا كانُوا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ ﷺ عارِفِينَ بِأنَّهُ كانَ (p-٩)مُباعِدًا لِلْعِلْمِ والعُلَماءِ، وكانَ فِعْلُهم في التَّكْذِيبِ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ، قالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وإنَّ الشَّأْنَ والحَدِيثَ ﴿كُنْتَ﴾ ولَمّا كانَ كَوْنُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ الماضِيَ، أثْبَتَ الجارُ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ هَذا الكِتابِ أوْ إيحائِنا إلَيْكَ بِهِ ﴿لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ أيْ عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ وغَيْرِها، مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ، وهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ آخِرِها ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ أجْمَعُوا أمْرَهم وهم يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢] بَعْدَ التِفاتِهِ عَنْ كَثَبٍ إلى آخَرَ الَّتِي قَبِلَها ﴿وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٢٣] والحُسْنُ: مَعْنًى يَتَقَبَّلُهُ العَقْلُ ويَطْرُقُ إلى طَلَبِ المُتَّصِفِ بِهِ أنْواعَ الحِيَلِ، ومادَّةُ، غَفَلَ، بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى السَّتْرِ والحَجْبِ، مِنَ الغِلافِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ الشَّيْءُ فَلا يَنْظُرُ مِنهُ شَيْئًا ولا يَنْظُرُهُ شَيْءٌ ما دامَ فِيهِ، ومِنهُ الغَفْلَةُ - لِلْجِلْدَةِ الَّتِي عَلى الكَمَرَةِ، والغُفْلِ - بِالضَّمِّ: ما لا عَلاقَةَ [لَهُ] مِنَ الأرْضِ، ودابَّةٌ غُفْلٌ، لا سِمَةَ لَها، لِأنَّ عَدَمَ العَلّامَةِ مُؤْدٍ إلى الجَهْلِ بِها فَكَأنَّها في غِلافٍ لا يَنْظُرُ مِنهُ، ومِنهُ رَجُلٌ غُفْلٌ: لا حَسَبَ عِنْدِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى جَهْلِهِ، والتَّغَفُّلِ: الخَتْلُ، أيْ أخْذُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ، فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ وصْفُ الكِتابِ بَعْدَ الحِكْمَةِ والتَّفْصِيلِ بِالإبانَةِ عَنْ جَمِيعِ المَقاصِدِ المُنْزِلِ لَها؛ وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ مِن جُمْلَةِ ما قُصَّ (p-١٠)عَلَيْهِ ﷺ مِن أنْباءٍ الرُّسُلِ وأخْبارِ مِن تَقَدُّمَهُ مِمّا فِيهِ التَّثْبِيتُ المَمْنُوحُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] ومِمّا وقَعَتِ الإحالَةُ عَلَيْهِ في سُورَةِ الأنْعامِ - كَما تَقَدَّمَ - وإنَّما أُفْرِدَتْ عَلى حِدَّتِها ولَمْ تُنَسَّقْ عَلى قَصَصِ الرُّسُلِ مَعَ أنَّهم في سُورَةٍ واحِدَةٍ لِمُفارَقَةِ مَضْمُونِها تِلْكَ القَصَصِ، ألّا تَرى أنَّ تِلْكَ قَصَصُ إرْسالِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرَهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَيْفِيَّةَ تَلَقِّي قَوْمِهِمْ لَهم وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، أمّا هَذِهِ القِصَّةُ فَحاصِلُها فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ وتَعْرِيفٌ بِحُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ، فَإنَّهُ تَعالى امْتَحَنَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِفَقْدِ ابْنَيْهِ وبَصَرِهِ وشَتاتِ بَنِيهِ، وامْتَحَنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُبِّ والبَيْعِ وامْرَأةِ العَزِيزِ وفَقْدِ الأبِ والإخْوَةِ والسِّجْنِ، ثُمَّ امْتَحَنَ جَمِيعَهم بِشُمُولِ الضُّرِّ وقِلَّةِ ذاتِ اليَدِ ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٨٨] ثُمَّ تَدارَكَهُمُ اللَّهُ بِالفَهْمِ وجَمْعِ شَمْلِهِمْ ورَدِّ بَصَرِ أبِيهِمْ وائْتِلافِ قُلُوبِهِمْ ورَفْعِ ما نَزَعَ بِهِ الشَّيْطانُ وخَلاصِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كَيْدٍ كادَهُ واكْتِنافِهِ بِالعِصْمَةِ وبَراءَتِهِ عِنْدَ المَلِكِ والنَّسْوِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا أعْقَبَهُ جَمِيلُ الصَّبْرِ وجَلالُهُ اليَقِينِ في حُسْنِ تَلَقِّي الأقْدارِ بِالتَّفْوِيضِ والتَّسْلِيمِ عَلى تَوالِي الِامْتِحانِ وطُولِ المُدَّةِ، ثُمَّ انْجَرَّ في أثْناءِ هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ إنابَةُ (p-١١)امْرَأةِ العَزِيزِ ورُجُوعِها إلى الحَقِّ وشَهادَتِها لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما مَنَحَهُ اللَّهُ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ كُلِّ ما يَشِينُ، ثُمَّ اسْتِخْلاصِ العَزِيزِ إيّاهُ - إلى ما انْجَرَّ في هَذِهِ القِصَّةِ الجَلِيلَةِ مِنَ العَجائِبِ والعِبَرِ ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١] فَقَدِ انْفَرَدَتْ هَذِهِ القِصَّةُ بِنَفْسِها ولَمْ تُناسِبْ ما ذُكِرَ مِن قَصَصِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبَ ومُوسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما جَرى في أُمَمِهِمْ، فَلِهَذا فُصِلَتْ عَنْهُمْ، وقَدْ أشارَ في سُورَةٍ بِرَأْسِها إلى عاقِبَةِ مِن صَبَرَ ورَضى وسَلَّمَ لِيَتَنَبَّهَ المُؤْمِنُونَ عَلى ما في طَيِّ ذَلِكَ، وقَدْ صَرَّحَ لَهم مِمّا أجْمَلَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ [النور: ٥٥] - إلى قَوْلِهِ ”آمِنًا“ وكانَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِجُمْلَتِها أشْبَهُ شَيْءٍ بِحالِ المُؤْمِنِينَ في مُكابَدَتِهِمْ في أوَّلِ الأمْرِ وهِجْرَتِهِمْ وتَشَقُّقِهِمْ مَعَ قَوْمِهِمْ وقِلَّةِ ذاتِ أيْدِيهِمْ إلى أنْ جَمَعَ اللَّهُ شَمَلَهم ﴿واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣] وأوْرَثَهُمُ [اللَّهُ] الأرْضَ وأيَّدَهم ونَصَرَهُمْ، ذَلِكَ بِجَلِيلِ إيمانِهِمْ وعَظِيمِ صَبْرِهِمْ، فَهَذا ما أوْجَبَ تَجَرُّدَ هَذِهِ القِصَّةِ عَنْ تِلْكَ القَصَصِ - واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا تَأخُّرُ ذِكْرِها عَنْها فَمُناسِبٌ لِحالِها ولِأنَّها إخْبارٌ بِعاقِبَةِ مَن آمَنَ واتَّعَظَ ووَقَفَ عِنْدَ ما حَدَّ لَهُ، فَلَمْ يَضُرُّهُ (p-١٢)ما كانَ، ولَمْ تُذْكَرْ إثْرَ قَصَصِ الأعْرافِ لِما بَقِيَ مِنَ اسْتِيفاءِ تِلْكَ القَصَصِ الحاصِلِ ذَلِكَ في سُورَةِ هُودٍ؛ ثُمَّ إنَّ ذِكْرَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ مَعَ مَن كانَ مَعَهم مِنَ المُنافِقِينَ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِمْ مِمّا يَجِبُ أنْ يَتَقَدَّمَ ويُعَقِّبَ بِهَذِهِ القِصَّةِ مِن حَيْثُ عاقِبَةُ [الصَّبْرِ] والحَضُّ عَلَيْهِ - كَما مَرَّ، فَأُخِّرَتْ إلى عَقِبِ سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِمَجْمُوعِ هَذا - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ؛ ثُمَّ ناسَبَتْ سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْضًا أنْ تَذْكُرَ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] وقَوْلِهِ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] -الآيَةُ، وقَوْلِهِ ﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ [هود: ١٢١] ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [هود: ١٢٢] فَتَدَبَّرْ ذَلِكَ، إمّا نِسْبَتُها لِلْأوْلى فَإنَّ نَدَمَ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واعْتِرافَهم بِخَطّاءِ فِعْلِهِمْ وفَضْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمْ ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وإنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١] وعَفْوِهِ عَنْهم ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] ونَدَمِ امْرَأةِ العَزِيزِ وقَوْلِها ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ [يوسف: ٥١] - الآيَةُ، كُلُّ هَذا مِن بابِ إذْهابِ الحَسَنَةِ السَّيِّئَةِ، وكَأنَّ ذَلِكَ مِثالٌ (p-١٣)لِما عَرَفَ المُؤْمِنُونَ مِن إذْهابِ الحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ؛ وأمّا نِسْبَةُ السُّورَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] فَإنَّ هَذا أمْرٌ مِنهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ، فَأتْبَعَ بِحالِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كانَ مِن أمْرِهِما وصَبْرِهِما مَعَ طُولِ المُدَّةِ وتَوالى امْتِحانِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالجُبِّ ومُفارَقَةِ الأبِ والسِّجْنِ حَتّى خَلَّصَهُ اللَّهُ أجْمَلَ خَلاصٍ بَعْدَ طُولِ تِلْكَ المَشَقّاتِ، ألّا تَرى قَوْلَ نَبِيِّنا وقَدْ ذَكَّرَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَشَهِدَ لَهُ بِجَلالَةِ الحالِ وعَظِيمِ الصَّبْرِ فَقالَ «ولَوْ لَبِثْتُ في السِّجْنِ ما لَبِثَ أخِي يُوسُفَ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» فَتَأمَّلْ عُذْرَهُ لَهُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وشَهادَتَهُ بِعَظِيمِ قَدْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] لَمّا قِيلَ لَهُ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] أتَّبِعْ بِحالِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُحْسِنِينَ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] - إلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وقَدْ شَمِلَتِ الآيَةُ ذِكْرَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ أمَرَ بِالِاقْتِداءِ في الصَّبْرِ بِهِمْ، وقِيلَ لَهُ ﴿فاصْبِرْ (p-١٤)كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] ويُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أُولِي العَزْمِ؛ ثُمَّ إنَّ حالَ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في صَبْرِهِما ورُؤْيَةِ حُسْنِ عاقِبَةِ الصَّبْرِ في الدُّنْيا مَعَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهُما مِن عَظِيمِ الثَّوابِ - أنْسُبُ شَيْءٍ لِحالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في مُكابَدَةِ قُرَيْشٍ ومُفارَقَةِ وطَنِهِ، ثُمَّ تَعَقَّبَ ذَلِكَ بِظَفْرِهِ بِعَدْوِهِ وإعْزازِ دِينِهِ وإظْهارِ كَلِمَتِهِ ورُجُوعِهِ إلى بَلَدِهِ عَلى حالَةٍ قَرَّتْ بِها عُيُونُ المُؤْمِنِينَ وما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى أصْحابِهِ - فَتَأمَّلْ ذَلِكَ، ويُوَضِّحُ ما ذَكَرْنا خَتْمُ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا جاءَهم نَصْرُنا﴾ [يوسف: ١١٠] الآيَةُ فَحاصِلُ هَذا كُلِّهِ الأمْرُ بِالصَّبْرِ وحُسْنُ عَواقِبِ أوْلِياءِ اللَّهِ فِيهِ؛ وأمّا النِّسْبَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] فَلا أنْسَبُ لِهَذا ولا أعْجَبُ مِن حالِ إخْوَةٍ فُضَلاءَ لِأبٍ واحِدٍ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ تَعالى وصالِحِي عِبادِهِ جَرى بَيْنَهم مِنَ التَّشَتُّتِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ عِبْرَةً لِأُولِي الألْبابِ؛ وأمّا النِّسْبَةُ لِآيَةِ التَّهْدِيدِ فَبَيِّنَةٌ، وكَأنَّ الكَلامَ في قُوَّةٍ ”اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم - وانْتَظِرُوا“ (p-١٥)فَلَنْ نَصْبِرَ عَلَيْكم مُدَّةَ صَبْرِ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقَدْ وضَّحَ بِفَضْلِ اللَّهِ وجْهَ وُرُودِ هَذِهِ السُّورَةِ عَقِبَ سُورَةِ هُودٍ - واللَّهُ أعْلَمُ. انْتَهى.

يوسف 12:4

ولَمّا تَمَّ ما أرادَ تَعالى مِن تَعْلِيلِ الوَصْفِ [بِالمُبِينِ] أبْدَلَ مِن قَوْلِهِ ”أحْسَنُ القَصَصِ“ قَوْلَهُ: ﴿إذْ﴾ أيْ نَقُصُّ عَلَيْكَ خَبَرَ إذْ، أيْ خَبَرَ يُوسُفَ إذْ ﴿قالَ يُوسُفُ﴾ أيِ ابْنُ يَعْقُوبَ إسْرائِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لأبِيهِ﴾ وبَيِّنَ أدَبَهُ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى أنَّ أباهُ عالِي المَنزِلَةِ جِدًّا، وإلى أنَّ الكَلامَ الآتِيَ مِمّا لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ، فَيَنْبَغِي أنْ يَهْتَمَّ بِسَماعِهِ والجَوابِ عَلَيْهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾ تاءُهُ لِلتَّأْنِيثِ لِأنَّهُ يُوقَفُ عَلَيْها عِنْدَ بَعْضِ القُرّاءِ بِالهاءِ، وكَسْرَتُها عِنْدَ مَن كَسَرَ دالَّةٌ عَلى ياءِ الإضافَةِ الَّتِي عَوَّضَ عَنْها تاءُ التَّأْنِيثِ، واجْتِماعُ الكَسْرَةِ مَعَها كاجْتِماعِها مَعَ الياءِ، وفَتْحُها عِنْدَ مَن فَتْحَ عِوَضٌ عَنِ الألِفِ القائِمَةِ مَقامَ ياءِ الإضافَةِ. ولَمّا كانَ صَغِيرًا، وكانَ المَنامُ عَظِيمًا خَطِيرًا، اقْتَضى المَقامُ التَّأْكِيدَ فَقالَ: ﴿إنِّي رَأيْتُ﴾ أيْ في مَنامِي، فَهو مِنَ الرُّؤْيا الَّتِي هي رُؤْيَةٌ في المَنامِ، (p-١٦)فَرَّقَ بَيْنَ حالِ النَّوْمِ واليَقَظَةِ في ذَلِكَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ ﴿أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ أيْ نَجْمًا كَبِيرًا ظاهِرًا جِدًّا مُضِيئًا بَرّاقًا، وفي عَدَمِ تَكْرارِ هَذِهِ القِصَّةِ في القُرْآنِ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: كُرِّرَتْ قِصَصُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمْكِينًا لِفَصاحَتِها بِتَرادُفِ السِّياقِ، وفي تَكْرِيرِ قِصَصِهِمْ رَدٌّ عَلى مَن قالَ: إنَّ هَذِهِ لَمْ تُكَرَّرْ لِئَلّا تُفْتَرَ فَصاحَتُها، فَكَأنَّ عَدَمَ تَكْرِيرِها لِأنَّ مَقاصِدَ السُّورِ لَمْ تَقْتَضِ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ. ولَمّا كانَ لِلنَّيِّرَيْنِ اسْمانِ يَخُصّانِهِما هُما في غايَةِ الشُّهْرَةِ، قالَ مُعَظِّمًا لَهُما: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الحالِ الَّتِي رَآهم عَلَيْها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ حالٍ؟ وكانَتِ الرُّؤْيا باطِنَ البَصَرِ الَّذِي هو باطِنُ النَّظَرِ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِها لِلْإشارَةِ إلى غَرابَةِ هَذا الأمْرِ، زادَ في الإشارَةِ إلى ذَلِكَ بِإعادَةِ الفِعْلِ، وألْحَقَهُ ضَمِيرُ العُقَلاءِ لِتَكُوَنَ دَلالَتُهُ عَلى كُلٍّ مِن عَجِيبِ أمْرِ الرُّؤْيا ومِن فِعْلِ المَرْتى الَّذِي لا يَعْقِلُ فِعْلَ العُقَلاءِ مِن وجْهَيْنِ فَقِيلَ: ﴿رَأيْتُهم لِي﴾ (p-١٧)أيْ خاصَّةً ﴿ساجِدِينَ﴾ ]أجْراهم مَجْرى العُقَلاءِ لِفِعْلِ العُقَلاءِ].

يوسف 12:5

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ أبُوهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ عالِمًا بِأنَّ إخْوَتَهُ سَيَحْسُدُونَهُ عَلى ما تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الرُّؤْيا إنْ سَمِعُوها ﴿يا بُنَيَّ﴾ فَبَيَّنَ شَفَقَتَهُ عَلَيْهِ، وأكَّدَ النَّهْيَ بِإظْهارِ الإدْغامِ فَقالَ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ أيْ هَذِهِ ﴿عَلى إخْوَتِكَ﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ النَّهْيِ قَوْلُهُ: ﴿فَيَكِيدُوا﴾ أيْ: فَيُوقِعُوا ﴿لَكَ كَيْدًا﴾ أيْ: يَخُصُّكَ، فاللّامُ لِلِاخْتِصاصِ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا نَهْيَ عَنِ الغِيبَةِ لِلنَّصِيحَةِ، بَلْ هي مِمّا يُنْدَبُ إلَيْهِ؛ قالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا: تَصَوُّرُ المَعْنى في المَنامِ عَلى تَوَهُّمِ الإبْصارِ، وذَلِكَ أنَّ العَقْلَ مَغْمُورٌ بِالنَّوْمِ، فَإذا تَصَوَّرَ الإنْسانُ المَعْنى تَوَهَّمَ أنَّهُ يَراهُ؛ وقالَ الإمامُ الرّازِي في اللَّوامِعِ: هي رُكُودُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ عَنِ الإدْراكِ والإحْساسِ، وحَرَكَةِ المَشاعِرِ الباطِنَةِ إلى المَدارِكِ، فَإنَّ لِلنَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ حَواسَّ ظاهِرَةً ومَشاعِرَ باطِنَةً، فَإذا سَكَنَتِ الحَواسُّ الظّاهِرَةُ اسْتُعْمِلَتِ الحَواسُّ الباطِنَةُ في إدْراكِ الأُمُورِ الغائِبَةِ، فَرُبَّما تُدْرِكُها عَلى الصُّورَةِ الَّتِي هي عَلَيْها، فَلا يَحْتاجُ إلى تَعْبِيرٍ، ورُبَّما تَراها في صُورَةٍ مُحاكِيَةٍ مُناسِبَةٍ لَها فَيَحْتاجُ إلى التَّعْبِيرِ، مِثالُ الأوَّلِ رُؤْيا النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرامَ، (p-١٨)والثّانِي كَرُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هَذِهِ. وقالَ الرُّمانِيُّ: والرُّؤْيا الصّادِقَةُ لَها تَأْوِيلٌ، والرُّؤْيا الكاذِبَةُ لا تَأْوِيلَ لَها - انْتَهى. وهَذا لِمَن يَنامُ قَلْبُهُ وهم مِن عَدا الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ شَفَقَةَ الإخْوَةِ تَمْنَعُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ، عَلَّلَهُ تَقْرِيبًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ أيِ المُحْتَرِقَ المُبْعَدَ ﴿لِلإنْسانِ﴾ أيْ عامَّةٍ ولا سِيَّما الأكابِرُ مِنهم ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ واضِحُ العَداوَةِ ومُوَضِّحُها لِكُلِّ واعٍ فَيُوقِعُ العَداوَةَ بِما يُخَيِّلُهُ مِن فَوْتِ الحُظُوظِ بِتَرْكِها، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْرَ الرُّؤْيا مُشْكَلٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ تَقُصَّ إلّا عَلى شَفِيقٍ ناصِحٍ.

يوسف 12:6

ولَمّا عَلِمَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن هَذِهِ الرُّؤْيا ما سَيَصِيرُ إلَيْهِ ولَدُهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والمُلْكِ قالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ قَدِ اجْتَباكَ رَبُّكَ لِلِاطِّلاعِ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيا العَظِيمَةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفٍ وعِزٍّ، ومَثَّلَ ما اجْتَباكَ لَها ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ أيْ يَخْتارُكَ ويَجْمَعُ لَكَ مَعالِي الأُمُورِ ﴿رَبُّكَ﴾ المُرَبِّي لَكَ بِالإحْسانِ لِلْمُلْكِ والنُّبُوَّةِ ﴿ويُعَلِّمُكَ مِن﴾ أيْ بَعْضٍ ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ [مِنَ] الرُّؤْيا وغَيْرِها مَن كُتِبِ اللَّهِ وسُنَنِ الأنْبِياءِ وغَوامِضِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ المَخْلُوقاتُ الرُّوحانِيَّةُ والجُسْمانِيَّةُ، (p-١٩)لِأنَّ المُلْكَ والنُّبُوَّةَ لا يَقُومانِ إلّا بِالعِلْمِ والتَّأْوِيلِ المُنْتَهِي الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَعْنى، وذَلِكَ فِقْهُ الحَدِيثِ الَّذِي هو حِكْمَةٌ لِأنَّهُ إظْهارُ ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِمّا عَلَيْهِ مُعْتَمَدُ فائِدَتِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الرُّؤْيا ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ﴾ بِالنُّبُوَّةِ ﴿عَلَيْكَ﴾ بِالعَدْلِ ولُزُومِ المَنهَجِ السَّوِيِّ ﴿وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أيْ جَمِيعِ إخْوَتِكَ ومَن أرادَ اللَّهُ مِن ذُرِّيَّتِهِمْ، فَيَجْعَلُ نِعْمَتَهم في الدُّنْيا مَوْصُولَةً بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهم في هَذِهِ الرُّؤْيا بِالنُّجُومِ المُهْتَدِي بِها، ولا يُسْتَعْمَلُ الآلُ إلّا فِيمَن لَهُ خَطَرٌ وشَرَفٌ، وإضافَتُهُ مَقْصُورَةٌ عَلى إعْلامِ النّاطِقِينَ، قالَ الرّاغِبُ: وأمّا آلُ الصَّلِيبِ إنْ صَحَّ نَقْلُهُ فَشاذٌّ، ويُسْتَعْمَلُ فِيمَن لا خَطَرَ لَهُ الأهْلُ ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ﴾ ولَمّا كانَ وُجُودُهُما لَمْ يَسْتَغْرِقِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: [مِن] قَبْلَ هَذا الزَّمانِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ الأبَوَيْنِ بِجَدِّهِ وجِدِّ أبِيهِ فَقالَ: ﴿إبْراهِيمَ﴾ أيْ: بِالخَلَّةِ وغَيْرِها مِنَ الكَرامَةِ ”و“ ولَدُهُ ”إسْحاق“ بِالنُّبُوَّةِ وجَعَلَ الأنْبِياءَ والمُلُوكَ مِن ولَدِهِ، وإتْمامُ النِّعْمَةِ: الحُكْمُ بِدَوامِها عَلى خُلُوصِها مِن شائِبٍ فِيها بِنَقْصِها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا بِالعِلْمِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ الأسْبابِ لِيُقامَ مِنها ما يَصْلُحُ، والحِكْمَةُ الَّتِي بِها يَحْكُمُ ذَلِكَ السَّبَبَ عَنْ أنْ (p-٢٠)يُقاوِمْهُ سَبَبٌ غَيْرُهُ، وكانَ السِّياقُ بِالعِلْمِ أوْلى لِما ذَكَرَ مِن عِلْمِ التَّأْوِيلِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ آخِرَ تِلْكَ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [هود: ١٢٣] الآيَةُ وما شاكَلَ ذَلِكَ أوَّلَ هَذِهِ، قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ العِلْمِ ﴿حَكِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحِكْمَةِ، وهي وضْعُ الأشْياءِ في أتْقَنَ مَواضِعِها.

يوسف 12:7

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، تَوَقَّعَ السّامِعُ لَهُ ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ إخْوَتِهِ هَلْ يَكْتُمُهُمُ الرُّؤْيا أوْ يُعْلِمُهم بِها؟ وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ ما يَكُونُ؟ فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ - مُفْتَتَحًا لَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ والتَّحْقِيقِ بَعْدَ لامِ القَسَمِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وإعْلامًا بِأنَّهُ عَلى أتْقَنِ وجْهٍ -: ﴿لَقَدْ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو في أحْكَمِ مَواضِعِهِ ﴿فِي يُوسُفَ وإخْوَتِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذِهِ الرُّؤْيا وما كانَ مِن تَأْوِيلِها وأسْبابِ ذَلِكَ ﴿آياتٌ﴾ أيْ عَلاماتٌ عَظِيمَةٌ دالاتٍ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى ونُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ القِصَّةُ ﴿لِلسّائِلِينَ﴾ [أيِ] الَّذِينَ يَسْألُونَ عَنْها مِن قُرَيْشٍ واليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، وآياتُ عَظَمَةِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ في تَصْدِيقِ رُؤْيا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَجاتِهِ مِمَّنْ كادَهُ وعَصْمَتِهِ (p-٢١)وإعْلاءِ أمْرِهِ، والمُرادُ بِإخْوَتِهِ هُنا العِشْرَةُ الَّذِينَ هم مِن أبِيهِ وهُمْ: رُوبِيلُ وشَمْعانُ - بِمُعْجَمَةِ أوَّلُهُ، ولاوِي، ويَهُوذا، وزِيلُونُ - بِزايٍ ومُوَحَّدَةٌ، وإيساخارُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وتَحْتانِيَّةٍ وسِينٍ مُهْمَلَةٍ وخاءٍ مُعْجَمَةٍ، ودانُ - بِمُهْمَلَةٍ، وجادٌ بِجِيمٍ. بَيْنَها وبَيْنَ الكافِ، وآشِيرُ - بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ وشِينٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ تَحْتانِيَّةٍ ومُهْمَلَةٍ. ونَفْتالِي - بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وفاءٍ ساكِنَةٍ ومُثَنّاةٍ فَوْقانِيَّةٍ ولامٍ بَعْدَها ياءٌ. وشَقِيقُهُ بِنْيامِينُ - بِضَمِّ المُوَحِّدَةِ، هَكَذا ذَكَرَهم في التَّوْراةِ، وحَرَّرْتُ التَّلَفُّظَ بِهِمْ مِنَ العُلَماءِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في البَقَرَةِ بِزِيادَةٍ. والآيَةُ: الدَّلالَةُ عَلى ما كانَ مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ، ومِثْلُها العَلامَةُ والعِبْرَةُ، [و] الحُجَّةُ أخَصُّ مِنها، لِأنَّها مُعْتَمَدُ البَيِّنَةِ الَّتِي تُوجِبُ الثِّقَةَ بِصِحَّةِ المَعْنى الَّذِي فِيهِ أُعْجُوبَةٌ.

يوسف 12:8

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، ابْتَدَأ [بِذِكْرِ] الآياتِ الواقِعَةِ في ظَرْفِ هَذا الكَوْنِ فَقالَ: ﴿إذْ قالُوا﴾ أيْ: كانَ ذَلِكَ حِينَ قالَ الإخْوَةُ بَعْدَ أنْ قَصَّ الرُّؤْيا عَلَيْهِمْ وسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ - كَما ظَنَّ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مُقْسِمِينَ دَلالَةً عَلى غايَةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الكَلامِ، وأنَّهُ مِمّا حَرَّكَهم غايَةَ التَّحْرِيكِ، (p-٢٢)أوْ هي لامُ الِابْتِداءِ المُؤَكِّدَةُ المُحَقِّقَةُ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ ﴿لَيُوسُفُ وأخُوهُ﴾ أيْ شَقِيقِهِ بِنْيامِينَ ﴿أحَبُّ﴾ وحَدَّدا لِأنَّ أفْعَلُ ما يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ وما فَوْقَهُ مُذَكَّرًا كانَ أوْ مُؤَنَّثًا إذا لَمْ يُعَرِّفْ أوْ يُضِفْ ﴿إلى أبِينا مِنّا﴾ أيْ يُحِبُّهُما أكْثَرَ مِمّا يُحِبُّنا؛ والحُبُّ: مَيْلٌ يَدْعُو إلى إرادَةِ [الخَيْرِ] والنَّفْعُ لِلْمَحْبُوبِ بِخِلافِ الشَّهْوَةِ، فَإنَّها مَيْلُ النَّفْسِ ومُنازَعَتُها إلى ما فِيهِ لَذَّتُها ”و“ الحالُ أنا ”نَحْنُ عُصْبَة“ أيْ: أشِدّاءُ في أنْفُسِنا ويَشُدُّ بَعْضُنا بَعْضًا، وأمّا هُما فَصَغِيرانِ لا كِفايَةَ عِنْدَهُما؛ والعُصْبَةُ مِنَ العَشْرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ - عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونا أحَبَّ إلَيْهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَ أبِيهِما في الِاسْتِقامَةِ والهِدايَةِ داعٍ إلى تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ﴾ أيْ: ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ في ذَلِكَ ﴿مُبِينٍ﴾ حَيْثُ فَضَّلَهُما عَلَيْنا، والقُرْبُ المُقْتَضِي لِلْحُبِّ في كُلِّنا واحِدٌ، لِأنّا في البُنُوَّةِ سَواءٌ، ولَنا مَزِيَّةٌ تَقْتَضِي تَفْضِيلَنا، وهي أنّا عُصْبَةٌ، لَنا مِنَ النَّفْعِ لَهُ والذَّبِّ عَنْهُ والكِفايَةِ ما لَيْسَ لَهُما؛ قالَ الإمامُ أبُو حَيّانِ: وأحَبُّ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهو مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ (p-٢٣)شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ ”إلى“ لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“ وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهَ بِـ ”فِي“، تَقُولُ زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرُو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبَّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرُو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتُ: زَيْدٌ أحَبُّ في عَمْرُو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرُو هو المَحْبُوبُ، ومِن خالِدٍ - في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي المَثّالِ الثّانِي فاعِلٌ، قالَ: والضَّلالُ هُنا هو الهُدى - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - انْتَهى.

يوسف 12:9

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَ عِنْدَهم أنَّ الشّاغِلَ الأعْظَمَ لِأبِيهِمْ عَنْهم إنَّما هو حُبُّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحُبُّ أخِيهِ إنَّما هو تابِعٌ، كانَ كَأنَّهم تَراجَعُوا فِيما بَيْنَهم فَقالُوا: قَدْ تَقَرَّرَ هَذا، فَما أنْتُمْ صانِعُونَ؟ فَقالُوا أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِنهُمْ: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ أصْلُ القَتْلِ: إماتَةُ الحَرَكَةِ بِالسُّكُونِ ﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾ أوْصَلُوا الفِعْلَ بِدُونِ حَرْفٍ ونَكَّرُوها دَلالَةً عَلى أنَّها مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بِحَيْثُ يَهْلَكُ فِيها، وعَنى قائِلُهم بِذَلِكَ: إنْ تَوَرَّعْتُمْ عَنْ مُباشَرَةِ قَتْلِهِ بِأيْدِيكم. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْلُ لَكُمْ﴾ أيْ خاصًّا بِكم ﴿وجْهُ أبِيكُمْ﴾ أيْ قَصْدُهُ لَكم وتَوَجُّهُهُ إلَيْكم وقَصْدُكم (p-٢٤)ونِيَّتُكم. ولَمّا كانَ أهْلُ الدِّينِ لا يُهْمِلُونَ إصْلاحَ دِينِهِمْ لِأنَّهُ مَحَطُّ أمْرِهِمْ، قالُوا: ﴿وتَكُونُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ التَّمَكُّنِ، ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ المَوْتَ لا بُدَّ مِنهُ. فَهو مانِعٌ مِنَ اسْتِغْراقِهِمْ لِلزَّمانِ الآتِي، أدْخَلُوا الجارَّ فَقالُوا: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ ذَوِي نَشاطٍ وقُوَّةٍ عَلى مُحاوَلَةِ الأُمُورِ ﴿صالِحِينَ﴾ أيْ: عَرِيقَيْنِ في وصْفِ الصَّلاحِ مُسْتَقِيمِينَ عَلى طَرِيقَةٍ تَدْعُو إلى الحِكْمَةِ بِوُقُوعِ الأُلْفَةِ بَيْنَكم واسْتِجْلابِ مَحَبَّةِ الوالِدِ بِالمُبالَغَةِ في بَرِّهِ وبِالتَّوْبَةِ مِن ذَنْبٍ واحِدٍ يَكُونُ سَبَبًا لِزَوالِ المُوجِبِ لِداءِ الحَسَدِ المَلْزُومِ لِذُنُوبٍ مُتَّصِلَةٍ مِنَ البَغْضاءِ والمُقاطَعَةِ والشَّحْناءِ، فَعَزَمُوا عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ وُقُوعِ الذَّنْبِ

يوسف 12:10

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لِمَن أعْجَبِ العَجَبِ مِن مُطْلَقِ الأقارِبِ فَضْلًا عَنِ الإخْوَةِ، فَماذا قالُوا عِنْدَ سَماعِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَهو يُنْجِي مَن يَشاءُ بِما يَشاءُ، لَمْ يَتَعَلَّقِ القَصْدُ بِبَيانِ الَّذِي كانَتْ عَلى يَدِهِ النَّجاةُ، فَقالَ مُبْهِمًا إشْعارًا بِأنَّهُ يَجِبُ قَوْلُ النُّصْحِ مِن أيِّ قائِلٍ كانَ، وأنَّ الإنْسانَ لا يُحَقِّرُ نَفْسَهُ في بَذْلِ النُّصْحِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ: ﴿قائِلٌ﴾ ثُمَّ عَيَّنَهُ بَعْضُ التَّعْيِينِ فَقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ لا بِأيْدِيكم ولا بِالإلْقاءِ في المَهالِكِ، فَإنَّ القَتْلَ أكْبَرُ الكَبائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ، وكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ناحِيَتِهِمْ تِلْكَ غَيْرُ جُبٍّ واحِدٍ فَعَرَفَهُ فَقالَ: ﴿وألْقُوهُ﴾ وكَأنَّهُ كانَ فِيهِ ماءٌ (p-٢٥)ومَكانٌ يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِ ولا ماءَ بِهِ، فَأرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي غَيابَتِ الجُبِّ﴾ أيْ: غَوْرُهُ الغائِبُ عَنِ الأعْيُنِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في المَقْصُودِ، وإنَّكم إنْ تَفْعَلُوا ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو المُبالِغُ في السَّيْرِ، هَذا ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ ولا بُدَّ ﴿فاعِلِينَ﴾ ما أرَدْتُمْ مِن تَغْيِيبِهِ عَنْ أبِيهِ لِيَخْلُوَ لَكم وجْهُهُ؛ والجُبُّ: البِئْرُ الَّتِي لَمْ تَطْوِ، لِأنَّهُ قَطَعَ عَنْها تُرابَها حَتّى بَلَغَ الماءُ، وعَنْ أبِي عَمْرُو: إنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ،

يوسف 12:11

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَحَسَنٌ [مِن] حَيْثُ إنَّهُ صَرَفَهم عَنْ قَتْلِهِ، فَهَلِ اسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ أوْ قامَ مِنهم قائِمٌ في اسْتِنْزالِهِمْ عَنْهُ بِعاطِفَةِ الرَّحِمِ ووُدِّ القَرابَةِ؟ فَقِيلَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا لِأنَّهم ﴿قالُوا﴾ إعْمالًا لِلْحِيلَةِ في الوُصُولِ إلَيْهِ، مُسْتَفْهِمِينَ عَلى وجْهِ التَّعَجُّبِ لِأنَّهُ كانَ أحَسَّ مِنهُمُ الشَّرَّ، فَكانَ يُحَذِّرُهم عَلَيْهِ ﴿يا أبانا ما لَكَ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكَ في حالِ كَوْنِكِ ﴿لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ ”و“ الحالُ ”إنّا لَهُ لَناصِحُونَ“ والنُّصْحُ دَلِيلُ الأمانَةِ وسَبَبُها، ولِهَذا قِرْنا في قَوْلِهِ ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨] والأمْنُ: سُكُونُ النَّفْسِ إلى انْتِفاءِ الشَّرِّ، وسَبَبُهُ طُولُ الإمْهالِ في الأمْرِ الَّذِي يَجُوزُ قَطْعُهُ بِالمَكْرُوهِ فَيَقَعُ الِاغْتِرارُ بِذَلِكَ الإمْهالِ مِنَ الجُهّالِ، وضِدَّهُ الخَوْفُ، وهو (p-٢٦)انْزِعاجُ النَّفْسِ لِما يَتَوَقَّعُ مِنَ الضُّرِّ؛ والنُّصْحُ: إخْلاصُ العَمَلِ مِن فَسادٍ يُعَتَمَدُ، وضِدُّهُ الغِشُّ، وأجْمَعَ القُرّاءُ عَلى حَذْفِ حَرَكَةِ الرَّفْعِ في تَأْمَنِ وإدْغامِ نُونِهِ بَعْدَ إسْكانِهِ تَبَعًا لِلِرَّسْمِ، بَعْضُهم إدْغامًا مَحْضًا وبَعْضُهم مَعَ الإشْمامِ، وبَعْضُهم مَعَ الرُّومِ، دَلالَةً عَلى نَفْيِ سُكُونِ قَلْبِهِ عَلَيْهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأمْنِهِ عَلَيْهِ مِنهم عَلى أبْلَغَ وجْهٍ مَعَ أنَّهم أهْلٌ لِأنْ يَسْكُنَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ غايَةَ السُّكُونِ، ولَوْ ظَهَرَتْ ضَمَّةُ الرَّفْعِ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ القُرّاءِ فاتَ هَذا الإيماءُ إلى هَذِهِ النُّكْتَةِ البَدِيعَةِ.

يوسف 12:12

ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُقالَ: لِأيِّ غَرَضٍ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالُوا في جَوابِهِ: ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا﴾ إلى مَرْعانا، إنْ تُرْسِلْهُ [مَعَنا] ﴿يَرْتَعْ﴾ أيْ: نَأْكُلُ ونَشْرَبُ في الرِّيفِ ونَتَّسِعُ في الخِصْبِ ﴿ويَلْعَبْ﴾ أيْ: نَعْمَلُ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ مِنَ المُباحاتِ تارِكِينَ الجِدَّ، وهو كُلُّ ما فِيهِ كَلَفَةٌ ومَشَقَّةٌ، فَإنَّ ذَلِكَ لَهُ سارَ ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ أيْ: بَلِيغُونَ في الحِفْظِ؛ قالَ أبُو حَيّانٍ: وانْتَصَبَ ”غدًا“ عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفُ مُسْتَقْبَلٍ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وأصْلُ غَدَ غَدَوَ، فَحُذِفَتْ لامُهُ - انْتَهى.

يوسف 12:13

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا (p-٢٧)قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما زادَ صُدُورَهم تَوَغُّرًا لِأنَّ ما قالُوهُ لَهُ هو بِحَيْثُ يُسِرُّ بِهِ لِسُرُورِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ ﴿إنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ أيْ: حُزْنًا ظاهِرًا مُحَقَّقًا - بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ النُّونِ وإثْباتُهُ لامَ الِابْتِداءِ ﴿أنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ الذَّهابُ بِهِ مُطْلَقًا - لِأنِّي لا أُطِيقُ فِراقَهُ - ولا لَحْظَةً، وفَتْحَ لَهم بابًا يَحْتَجُّونَ بِهِ عِنْدَ فِعْلِ المُرادِ بِقَوْلِهِ جامِعًا بَيْنَ مَشَقَّتَيِ الباطِنِ، والبَلاءِ [كَما قالُوا] - مُؤَكَّلٌ بِالمَنطِقِ: ﴿وأخافُ﴾ أيْ: إذا ذَهَبْتُمْ بِهِ واشْتَغَلْتُمْ بِما ذَكَرْتُمْ ﴿أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ أيْ: هَذا النَّوْعُ كَأنَّهُ كانَ كَثِيرًا بِأرْضِهِمْ ﴿وأنْتُمْ عَنْهُ﴾ أيْ: خاصَّةٌ ﴿غافِلُونَ﴾ أيْ: غَرِيقُونَ في الغَفْلَةِ لِإقْبالِكم عَلى ما يَهُمُّكم مِن مَصالِحَ الرَّعْيُ؛ والحُزْنُ: [الم] القَلْبُ مِمّا كانَ مِن فِراقِ المَحْبُوبِ، ويَعْظُمُ إذا كانَ فِراقُهُ إلى ما يُبْغِضُ؛ والأكْلُ: تَقْطِيعُ الطَّعامِ بِالمَضْغِ الَّذِي بَعْدَهُ البَلْعُ؛

يوسف 12:14

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ تَلَقِّيهِمْ لِمِثْلِ هَذا لَعَجَبٌ، فَماذا قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ مُجِيبِينَ عَنِ الثّانِي بِما يَلِينَ الأبُ لِإرْسالِهِ، مُؤَكِّدِينَ لِيَطِيبَ خاطِرُهُ، دالِّينَ عَلى القَسَمِ بِلامِهِ: ﴿لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ﴾ أيْ: والحالُ أنّا ﴿عُصْبَةٌ﴾ أيْ: أشِدّاءُ تَعَصَّبَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ؛ وأجابُوا القَسَمَ بِما أغْنى عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: إذا كانَ هَذا ﴿لَخاسِرُونَ﴾ أيْ كامِلُونَ (p-٢٨)فِي الخَسارَةِ لِأنّا إذا ضَيَّعْنا أخانا فَنَحْنُ لِما سِواهُ مِن أمْوالِنا أشَدُّ تَضْيِيعًا؛ وأعْرَضُوا عَنْ جَوابِ الأوَّلِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا بِما يُوغِرُ صَدْرَهُ ويَعْرِفُ مِنهُ أنَّهم مِن تَقْدِيمِهِ في الحُبِّ عَلى غايَةٍ مِنَ الحَسَدِ لا تُوصَفُ، وأقَلُّهُ أنْ يَقُولُوا: ما وجْهِ الشُّحِّ بِفِراقِهِ يَوْمًا والسَّماحِ بِفِراقِنا كُلَّ يَوْمٍ، وذَلِكَ مِمّا يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ المُرادِ،

يوسف 12:15

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا الكَيْدَ عَظِيمٌ وخَطْبٌ جَسِيمٌ، فَما فَعَلَ أبُوهُمْ؟ فَقِيلَ: أجابَهم إلى سُؤْلِهِمْ فَأرْسَلَهُ مَعَهم ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا﴾ مُلْصِقِينِ ذَهابَهم ﴿بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: كُلُّهُمْ، وأجْمَعَ كُلُّ [واحِدٍ] مِنهم بِأنْ عَزَمَ عَزْمًا صادِقًا؛ والإجْماعُ عَلى الفِعْلِ: العَزْمُ عَلَيْهِ بِاجْتِماعِ الدَّواعِي كُلِّها ﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والجَعْلُ: إيجادٌ ما بِهِ يَصِيرُ الشَّيْءُ عَلى خِلافِ ما كانَ عَلَيْهِ، ونَظِيرُهُ التَّصْيِيرُ والعَمَلُ ﴿فِي غَيابَتِ الجُبِّ﴾ فَعَلُوا ذَلِكَ مِن غَيْرِ مانِعٍ، ولَكِنْ لَمّا كانَ هَذا الجَوابُ في غايَةِ الوُضُوحِ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ تُرِكَ لِأنَّهم إذا أجْمَعُوا عَلَيْهِ عَلِمَ أنَّهم لا مانِعَ لَهم مِنهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذا الجَوابِ المَحْذُوفِ لِكَوْنِهِ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ قَوْلُهُ: ﴿وأوْحَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا كانَ في حالِ النَّجاةِ مِنها بَعِيدَةٌ جِدًّا، أكَّدَ لَهُ قَوْلُهُ: (p-٢٩)﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ أيْ لِتُخْبِرْنَهم إخْبارًا عَظِيمًا عَلى وجْهٍ يَقِلُّ وُجُودُ مَثَلِهِ في الجَلالَةِ ﴿بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيِ الَّذِي فَعَلُوهُ بِكَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ - لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وكِبَرِ سُلْطانِكَ وبُعْدَ حالِكَ عَنْ أوْهامِهِمْ، ولِطُولِ العَهْدِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ المُغَيِّرِ لِلصُّوَرِ والأشْكالِ - أنَّكَ يُوسُفُ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما والحَسَنُ وابْنُ جُرَيْجٍ عَلى ما نَقَلَهُ الرُّمانِيُّ؛ والشُّعُورُ: إدْراكُ الشَّيْءِ مِثْلُ الشَّعْرَةِ في الدِّقَّةِ، ومِنهُ المَشاعِرُ في البَدَنِ، وكانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ ألْقَوْهُ في الجُبِّ ابْنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً - قالَهُ الحَسَنُ، قالُوا: وتَصْدِيقُ هَذا أنَّهم لَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدَيْهِ ثُمَّ نُقِرُّهُ فَطِنَ، فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ يُوسُفُ، وكانَ أبُوكم يُدْنِيهُ دُونَكُمْ، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في [غَيابَةِ -] الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكُمْ: أكَلَهُ الذِّئْبُ.

يوسف 12:16

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ إلّا الِاعْتِذارُ، عَطَفَ (p-٣٠)عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ قَوْلَهُ: ﴿وجاءُوا أباهُمْ﴾ دُونَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عِشاءً﴾ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ لِئَلّا يَتَفَرَّسَ أبِيهِمْ في وُجُوهِهِمْ إذا رَآها في ضِياءِ النَّهارِ ضِدَّ ما جاؤُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِذارِ، وقَدْ قِيلَ: لا تَطْلُبُ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرُ بِالنَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ. والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ البُكاءَ لا يَدُلُّ عَلى الصِّدْقِ لِاحْتِمالِ التَّصَنُّعِ ﴿يَبْكُونَ﴾ والبُكاءُ: جَرَيانُ الدَّمْعِ في العَيْنِ عِنْدَ حالِ الحُزْنِ،

يوسف 12:17

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم إذا بَكَوْا حَقَّ لَهُمُ البُكاءُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ وشَفَقَةً عَلى الأخِ، ولَكِنْ ماذا يَقُولُونَ إذا سَألَهم أبُوهم عَنْ سَبَبِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا أبانا﴾ . ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُصَدِّقُهم لِما لَهُ مِن نُورِ القَلْبِ وصِدْقِ الفَراسَةِ ولَما لَهم مِنَ الرِّيبَةِ، أكَّدُوا فَقالُوا: ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ نُوجِدُ المُسابَقَةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مِن كُلٍّ مِنّا في ذَلِكَ ﴿وتَرَكْنا يُوسُفَ﴾ أخانا ﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ ما كانَ مَعَنا مِمّا نَحْتاجُ إلَيْهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِن ثِيابٍ وزادٍ ونَحْوَهُ ﴿فَأكَلَهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ انْفِرادِهِ أنْ أكْلَهُ ﴿الذِّئْبُ وما﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ما ﴿أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ مِنَ التَّكْذِيبِ، أيْ بِمُصَدِّقٍ ﴿ولَوْ كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والأمانَةِ بِعِلْمِكَ، (p-٣١)لِأنَّكَ لَمْ تُجَرِّبْ عَلَيْنا قَطُّ كَذِبًا، ولا حَفِظْتُ عَنّا شَيْئًا مِنهُ جَدًّا ولا لَعِبًا.

يوسف 12:18

ولَمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا يُصَدِّقُهم مِن وُجُوهٍ مِنها ما هو عَلَيْهِ مِن صِحَّةِ الفِراسَةِ لِنُورِ القَلْبِ وقُوَّةِ الحَدْسِ، ومِنها أنَّ الكَذِبَ في نَفْسِهِ لا يَخْلُو عَنْ دَلِيلٍ عَلى بُطْلانِهِ، ومِنها أنَّ المُرْتابَ يَكادُ يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ في التَّأْكِيدِ بِما يُقَرِّبُ قَوْلَهم. فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُمْ: ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ﴾ أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أيْ مَكْذُوبٍ، أطْلَقَ عَلَيْهِ المَصْدَرَ مُبالَغَةً لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهُ دَمُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والواقِعُ أنَّهُ دَمُ سَخْلَةٍ ذَبَحُوها ولَطَّخُوهُ بِدَمِها - نَقْلَهُ الرُّمانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَنْ مُجاهِدٍ. قالَ: والدَّمُ: جِسْمٌ أحْمَرٌ سَيّالٌ، مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ في عُرُوقِ الحَيَوانِ، ولَهُ خَواصٌّ تُدْرَكُ بِالعِيانِ مِن تَرَجْرُجٍ وتَلَزُّجٍ وسَهُولَةٍ، [و-] رُوِيَ أنْ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَذَ القَمِيصَ مِنهم وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ وبَكى حَتّى خَضَّبَ وجْهَهُ بِدَمِ القَمِيصِ وقالَ: تاللَّهَ ما رَأيْتُ كاليَوْمِ ذَئِبًا أحْلَمُ مِن هَذا، أكَلَ ابْنِي ولَمْ يُمَزِّقْ قَمِيصَهُ، وكانَ (p-٣٢)فى القَمِيصِ ثَلاثُ آياتٍ: دَلالَتُهُ عَلى كَذِبِهِمْ، ودَلالَتُهُ عَلى صِدْقِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَدِّهِ مِن دُبُرٍ، وعُودُ البَصَرِ إلى أبِيهِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ صَدَّقَهُمْ؟ فَقِيلَ: لا! لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ في مَثْلِهِ أنَّهُ لا يَأْكُلُهُ كُلُّهُ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ يُعْرَفُ مَعَهُ أنَّهُ هُوَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأتَوْا بِهِ تَبْرِئَةً لِساحَتِهِمْ ولِيَدْفِنُوهُ في جَبّانَتِهِمْ مَعَ بَقِيَّةِ أسْلافِهِمْ، وقَدْ كانَ قادِرًا عَلى مُطالَبَتِهِمْ بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا بَعْدَ عَزْمٍ صادِقٍ عَلى أُمُورٍ لا تُطاقُ، فَخافَ مِن أنْ يَفْتَحَ البَحْثَ مِنَ الشُّرُورِ أكْثَرَ مِمّا جاؤُوا بِهِ مِنَ المَحْذُورِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٧] ونَحْوَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ بَلْ﴾ أيْ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، بَلْ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ، مِنَ السُّؤْلِ وهو الِاسْتِرْخاءُ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا أبْعَدْتُمْ بِهِ يُوسُفَ ﴿فَصَبْرٌ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الفادِحِ العَظِيمِ أنَّهُ يَكُونُ صَبْرٌ ﴿جَمِيلٌ﴾ مِنِّي، وهو الَّذِي لا شَكْوى مَعَهُ لِلْخَلْقِ ”واللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ ”عَلى“ احْتِمالِ ﴿ما تَصِفُونَ﴾ مِن هَلاكِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولا يُقالُ: إنَّهم بِهَذا أجْمَعُوا أوْصافَ المُنافِقِ «إذا وعَدَ (p-٣٣)أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذِبَ، وإذا أُؤْتُمِنَ خانَ» لِأنَّ هَذا وقْعَ مِنهم مَرَّةً، والمُنافِقُ يَكُونُ [ذَلِكَ -] فِعْلُهُ دائِمًا أوْ في أغْلَبِ أحْوالِهِ، ومادَّتا سَوَّلَ بِتَقالِيبِها [الخَمْسَةِ -]: ولَسَ وسَلا ووَسَلَ ولَوَسَ وسَوَلَ، وسَيَلَ بِتَقالِيبِها الخَمْسَةِ: لَسِي ويَسَلُ وسَيَلَ وسَلِي ولَيَسَ، تَدُورانِ عَلى ما يَطْمَعُ فِيهِ مِنَ المُرادِ، ويُلْزِمُهُ رَغَدَ العَيْشِ والزِّينَةَ وبَرْدَ القَلْبِ والشِّدَّةَ والرَّخاوَةَ والعِلاجَ والمُخادَعَةَ والمُلازَمَةَ، فَمِنَ الرَّجاءِ لِلْمُرادِ: السُّؤْلُ - بِالواوِ، وقَدْ يَهْمِزُ، وهو المَطْلُوبُ؛ والوَسِيلَةُ: الدَّرَجَةُ والمَنزِلَةُ عِنْدَ المَلِكِ، قالَ القَزّازُ: وقِيلَ: تَوَسَّلْتُ وتَوَصَّلْتُ - بِمَعْنى، والوَسِيلَةُ: الحاجَةُ، ووَسَلَ فُلانٌ - إذا طَلَبَ الوَسِيلَةَ؛ واللَؤَسَ: الظَّفْرُ؛ ومِنَ العَمَلِ والعِلاجِ: تَوَسُّلَ بِكَذا - أيْ تَقَرَّبَ، والَّلَوَسُ: الأكْلُ، ولَأسَ الشَّيْءُ في فِيهِ بِلِسانِهِ - إذا أدارَهُ، ووَلَسَتِ النّاقَةُ في مِشْيَتِها تَلِسُ ولِسانًا: تَضْرِبُ مِنَ العُنُقِ؛ ومِن رَغَدِ العَيْشِ: فُلانٌ في سَلْوَةٍ مِنَ العَيْشِ، أيْ رَغَدٍ يُسَلِّيهِ الهَمَّ، ومِنهُ السَّلْوى، وهي طائِرٌ مَعْرُوفٌ، وهي أيْضًا العَسَلُ، وأسْلى القَوْمُ: إذا أمِنُوا السَّبْعَ: (p-٣٤)ومِنَ الزِّينَةِ: سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ كَذا، أيْ زَيَّنَتْهُ فَطَلَبَهُ؛ ومِن بَرَدِ القَلْبِ: سَلَوْتُ عَنِ الشَّيْءِ: إذا تَرَكَهُ قَلْبُكَ وكانَ [قَدْ -] صَبا بِهِ، وسَقَيْتَنِي مِنكَ سَلْوَةً، أيْ طَيَّبْتَ نَفْسِي عَنْكَ، والَّلَيَسُ - مُحَرَّكًا: الغَفْلَةُ، والألْيَسُ: الدَّيُّوثُ لا يَغارُ، والحَسَنُ الخُلُقِ، وتَلايَسَ عَنْهُ: أغْمَضَ؛ ومِنَ الرَّخاوَةِ: السَّلْيُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الوَلَدُ، وهو يائِيٌّ تَقُولُ مِنهُ: سَلَّيْتُ الشّاةَ كَرِضى سَلِي: انْقَطَعَ سُلاها، ومِنهُ السَّوَلُ، وهو اسْتِرْخاءٌ في مَفاصِلِ الشّاةِ، والسَّحابُ الأسْوَلُ: الَّذِي فِيهِ اسْتِرْخاءٌ لِكَثْرَةِ مائِهِ، والأسْوَلُ: المُسْتَرْخِي، ومِنهُ: لَيْسَ أُخْتُ كانَ - لِأنَّ الشَّيْءَ إذا زادَ في الرَّخاوَةِ رُبَّما عُدَّ عَدَمًا، ومِنهُ: سالَ - بِمَعْنى: جَرى، والسّائِلَةُ مِنَ الغَرَرِ: المُعْتَدِلَةُ في قَصَبَةِ الأنْفِ، وأسالَ غِرارَ النَّصْلِ: أطالَهُ، والسِّيلانُ - بِالكَسْرِ: سَنَخٌ قائِمُ السَّيْفِ، و[السَّيّالَةُ -]: نَباتٌ لَهُ شَوْكٌ أبْيَضُ طَوِيلٌ، إذا نَزَعَ خَرَجَ مِنهُ اللَّبَنُ، أوْ ما طالَ مِنَ السَّمَرِ؛ ومِنَ المُخادَعَةِ: الوَلْسُ، وهي الخِيانَةُ، والمُوالَسَةُ: المُداهَنَةُ، والتَّوَسُّلُ: السَّرِقَةُ؛ ومِنَ اللُّزُومِ: اللَيَسُ - مُحَرَّكًا [والمُتَلايِسُ -]: البَطِيءُ، وهو أيْضًا مِنَ الرَّخاوَةِ، والألِيسُ: مَن لا يَبْرَحُ مَنزِلَهُ؛ ومِنَ الشِّدَّةِ: (p-٣٥)الَّلَيَسُ - مُحَرَّكًا -] وهو الشُّجاعَةُ، وهو ألَيْسُ، والألْيَسُ: البَعِيرُ يَحْمِلُ ما حَمَلَ، والأسَدُ، ووَقَعُوا في سَلى جَمَلٍ: أمْرٌ صَعْبٌ، لِأنَّ الجَمَلَ لا سَلى لَهُ، وانْقَطَعَ السَّلْيُ في البَطْنِ مِثْلُ كَبَلَغَ السِّكِّينُ العَظْمَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الشِّدَّةِ أيْضًا: اليَسْلُ - بِفَتْحٍ وسُكُونٍ - وهم يَدٌ أيْ جَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ الظَّواهِرِ، والبَسْلُ - بِالباءِ المُوَحَّدَةِ: اليَدُ الأُخْرى، ولَسا: أكَلَ أكْلًا شَدِيدًا.

يوسف 12:19

ولَمّا تَمَّ أمَرُهم هَذا وشَبُّوا عَلى أبِيهِمْ [عَلَيْهِ السَّلامُ ] نارَ الحُزْنِ، التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى الخَبَرِ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ [يوسف: ١٥] الآيَةُ، فَقالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ ذَلِكَ في أسْبابِهِ: ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ أيْ قَوْمٌ بَلِيغُو السَّيْرِ إلى الأرْضِ الَّتِي ألْقَوْا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جُبِّها ﴿فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ أيْ رَسُولَهُمُ الَّذِي يُرْسِلُونَهُ لِأجْلِ الإشْرافِ عَلى الماءِ إلى الجُبِّ لِيَسْتَقِيَ لَهم ﴿فَأدْلى﴾ فِيهِ ”دَلْوَهُ“ أيْ أرْسَلَها في البِئْرِ لِيَمْلَأُها - وأمّا ”دَلّى“ فَأخْرَجَها مَلاى - فاسْتَمْسَكَ بِها يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْرَجَهُ، فَكَأنَّهُ (p-٣٦)قِيلَ: ماذا قالَ حِينَ أدْلى لِلْماءِ فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِالحَبْلِ فَأطْلَعَهُ فَإذا هو بِإنْسانٍ أجْمَلَ ما يَكُونُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“ أيِ الوارِدِ يُعْلِمُ أصْحابَهُ بِالبُشْرى ﴿يا بُشْرى﴾ أيْ هَذا أوانُكِ فاحْضُرِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ تَدْعُوا البُشْرى؟ فَقالَ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾ فَأتى بِهِ إلى جَماعَتِهِ فَسُرُّوا بِهِ كَما سَرَّ ﴿وأسَرُّوهُ﴾ أيِ الوارِدُ وأصْحابُهُ ﴿بِضاعَةً﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِ مَتاعًا بِزَعْمِهِمْ يَتْجَرُونَ فِيهِ ”واللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ”عَلِيمٌ“ أيْ بالِغُ العِلْمِ ﴿بِما يَعْمَلُونَ﴾ وإنْ أسَرُّوهُ؛ قالَ أبُو حَيّانِ ونِعْمَ ما قالَ: وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ ”غُلامٍ“ تُرْجِعُ ذَلِكَ إذْ تُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ [انْتَهى -].

يوسف 12:20

ولِما كانَ سُرُورُهم بِهِ - مَعَ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَمالِ والهَيْبَةِ والجَلالِ - مُقْتَضِيًا لِأنْ يُنافِسُوا في أمْرِهِ ويُغالُوا بِثَمَنِهِ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنَّ جَمِيعَ أُمُورِهِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ في خَرْقِها (p-٣٧)لِلْعَوائِدِ فَقالَ: ﴿وشَرَوْهُ﴾ أيْ تَمادِي السَّيّارَةُ ولَجُوا في إسْرارِهِمْ إيّاهُ بِضاعَةً حَتّى باعُوهُ مِنَ العَزِيزِ، ولِمَعْنى التَّمادِي عَبَّرَ ب ”شَرى“ دُونَ ”باعَ“، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ”شَرى“ بِمَعْنى اشْتَرى، أيْ واشْتَراهُ السَّيّارَةُ مِن إخْوَتِهِ ﴿بِثَمَنٍ﴾ وهو البَدَلُ مِنَ الذَّهَبِ أوِ الفِضَّةِ، وقَدْ يُقالُ عَلى غَيْرِهِ تَشْبِيهًا بِهِ ﴿بَخْسٍ﴾ أيْ قَلِيلٍ، ومادَّةُ ”شَرى“ - يائِيَّةٌ بَتَقالِيبِها الثَّلاثَةِ: شَرى، وشَيَرَ، ورِيشَ، وواوِيَّةٌ بِتَراكِيبِها السِّتَّةِ: شَوْرَ، وشَرُوَ، ووَشَرَ، ووِرَشَ، ورَشَوَ، ورَوَشَ، ومَهْمُوزَةٌ بِتَراكِيبِها الثَّلاثَةِ: أرَشَ، وأشَرَ، ورَشَأ - تَدُورُ عَلى اللُّجاجَةِ، وهي التَّمادِي في الِانْتِشارِ، ويَلْزَمُهُ تَبْيِينُ ذَلِكَ الأمْرِ، ويَلْزَمُها القُوَّةُ تارَةً والضَّعْفُ أُخْرى، فَمِن مُطْلَقَةٌ: شَرَيْتُ الشَّيْءَ، بِمَعْنى مَلَكْتُهُ بِالبَيْعِ، وشَرَيْتُهُ، بِمَعْنى: أزَلْتُ مُلْكِي عَنْهُ بِهِ، وكَذا اشْتَرَيْتُ فِيهِما، والِاسْمُ الشِّراءُ بِالمَدِّ ويَقْصُرُ، فَحَصَلَ التَّمادِي والِانْتِشارُ تارَةً بِالإزالَةِ وتارَةً بِالتَّحْصِيلِ، وكُلُّ مَن تَرَكَ شَيْئًا وتَمَسَّكَ بِغَيْرِهِ فَقَدِ اشْتَراهُ، وشاراهُ [مُشاراةٌ -]: بايَعَهُ، وشَرَوى الشَّيْءَ: مَثْلُهُ واوُهُ [مُبَدَّلَةٌ -] مِن ياءٍ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن بَدَلِ المَبِيعِ لِأنَّهُ يَتَحَرّى فِيهِ المُماثِلَةَ، وهو أوْسَعُ مِمّا لَمْ يُوجَدْ لَهُ مَثَلٌ، وشَرى (p-٣٨)البَرْقُ: اسْتَطارَ، وزَيْدٌ: غَضِبَ ولَجَّ حَتّى اسْتِطارَ غَضَبًا، والفَرَسُ في سَيْرِهِ: بالِغٌ، واسْتَشْرى الرَّجُلُ: لَجَّ، والبَرْقُ: لَمَعَ، والمُشاراةُ: المِلاحَةُ [والمُجادَلَةُ -] والمُبايَعَةُ، والشَّرْيَةُ - كَغَنِيَّةٍ: الطَّرِيقَةُ والطَّبِيعَةُ، وكَأنَّ هَذا أصْلُ المَعْنى الَّذِي عَنْهُ تَفَرَّعَتْ أغْصانُهُ، لِأنَّ الطَّبْعَ مَظَنَّةُ اللَّجاجِ، وشَرى الثَّوْبَ واللَّحْمَ والإقْطَ: شَرَرَها، أيْ وضَعَها عَلى خُصْفَةٍ أوْ غَيْرِها مَنشُورَةً لِتَجِفَّ، وشَرى فُلانًا: سَخَرَ بِهِ أوْ أرْغَمَهُ، كَأنَّهُ تَمادى مَعَهُ حَتّى قَهَرَهُ، وشَرى بِنَفْسِهِ عَنِ القَوْمِ: تَقَدَّمَ بَيْنَ أيْدِيدِهِمْ فَقاتَلَ عَنْهُمْ، أوْ إلى السُّلْطانِ فَتَكَلَّمَ عَنْهُمْ، والشَّرى - كَعَلى: الجَبَلُ - لِانْتِشارِهِ عُلُوًّا، والطَّرِيقُ - لِلِانْتِشارِ فِيهِ، وطَرِيقٌ بِسَلْمى كَثِيرَةُ الأسْدِ، وجَبَلٌ بِتُهامَةٍ كَثِيرُ السِّباعِ - لِانْتَشارِها فِيهِ أوْ لِأنَّ السّاتِرَ فِيهِ أقْوى النّاسِ وألُجْهُمْ، وجَبَلٌ بِنَجْدِ لَطَيِّئٍ، والنّاحِيَةِ، ويَمُدُّ، وأشَراهُ: مَلّاهُ، وأمالَهُ - لِما يَلْزَمُ مِنَ انْتِشارٍ ما فِيهِ، وأشْرى الجُمَلَ: تَفَلَّقَتْ عَقِيقَتُهُ، أيْ صُوفِهِ، وبَيْنَهُمْ: أغْرى، وشَرى البَعِيرُ في سَيْرِهِ؛ أسْرَعَ، (p-٣٩)وشَرى الفَرَسَ [فِي -] لِجامِهِ - إذا جَذَبَهُ، والشَّرِيَّةُ كَغَنِيَّةٍ: مِنَ النِّساءِ اللّاتِي يَلِدْنَ الإناثَ، كَأنَّها تَمادَتْ في المَيْلِ مَعَ طَبْعِها: الأُنُوثَةُ، فَلَجَتْ فِيهِ، أوْ هو راجِعٌ إلى الضِّعْفِ اللّازِمِ لِلْحاجَةِ، والمُشْتَرِي: نَجْمٌ لَتَلَأْلُؤِهِ، وطائِرٌ - لِلَمْعِهِ بِجَناحِهِ وانْتِشارِهِ، واشْرَوْرى: اضْطَرَبَ، وشَرى زِمامُ النّاقَةِ: كَثُرَ اضْطِرابُهُ، هو مِنَ الِانْتِشارِ ومِنَ الضَّعْفِ، واسْتَشَرْتُ الأُمُورَ: تَفاقَمَتْ وعَظُمَتْ، وشَرى جِلْدُهُ: أصابَهُ بُثُورٌ صِغارٌ حُمْرٌ حُكاكَةٌ مُكْرِبَةٌ تَحْدُثُ دُفْعَةً غالِبًا وتَشْتَدُّ لَيْلًا، كَأنَّها سُمِّيَتْ لِانْتِشارِها في جَمِيعِ البَدَنِ وقُوَّتِها، وتَشَرّى القَوْمُ: افْتَرَقُوا، وتَشَرّى السَّحابُ: تَفَرَّقَ، والشَّرى: شَجَرُ الحَنْظَلِ أوِ الحَنْظَلُ نَفْسُهُ، والنَّخْلُ يَنْبُتُ مِنَ النَّواةِ، كَأنَّهُ لِنَباتِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ آدَمِيٍّ لَجُوجٍ، والشِّرْيانِ مِن شَجَرِ القِسِيِّ، كَأنَّهُ لِقُوَّتِهِ ونَشْرِهِ السِّهامَ إذا رُمِيَتْ عَنْهُ، وواحِدُ الشَّرايِينِ لِلْعَرُوفِ النّابِضَةِ، لِقُوَّتِها وانْتِشارِها؛ وشِيارِ - بِالكَسْرِ: يَوْمُ السَّبْتَ، لِأنَّهُ [أوَّلُ يَوْمٍ -] ابْتُدِئَتْ فِيهِ (p-٤٠)الخَلائِقُ، فَكَأنَّها انْتَشَرَتْ عَنْهُ؛ والرِّيشُ بِالكَسْرِ - مِنَ الطّائِرِ مَعْرُوفٌ كالرّاشِّ - لِأنَّهُ مُنْتَشِرٌ في جَمِيعِ بَدَنِهِ، ولَهُ قُوَّةُ نَشْرِهِ مَتى شاءَ، وهو سَبَبُ صَلاحِهِ وقُوَّتِهِ عَلى الِانْتِشارِ في الهَواءِ، ومِنهُ الرِّيشُ والرِّياشُ: اللِّباسُ الفاخِرُ، والخَصْبُ والمَعاشُ، وذاتُ الرِّيشِ: نَباتٌ كالقَيْصُومِ، وراشَ الصَّدِيقَ: أطْعَمَهَ وسَقاهُ وكَساهُ وأصْلَحَ حالَهُ، وكَلا رِيشٍ - كَهَيِّنٍ وهَيِّنٌ: كَثِيرُ الوَرَقِ، والرِّيشُ - مُحَرَّكًا: كَثْرَةُ الشَّعْرِ في الأُذُنَيْنِ والوَجْهِ، والمُرَيَّشُ - كَمُعَظَّمُ: البَعِيرُ الأزْبُ، ورَشَّتِ السَّهْمُ: فَوَّقَتْهُ، أيْ ألْزَقَتْ عَلَيْهِ الرِّيشُ عِنْدَ فَوْقِهِ، فَكانَ لَهُ بِذَلِكَ قُوَّةُ الِانْتِشارِ، ورُمْحٌ راشٍ: خُوارٌ شُبِّهَ بِالرِّيشِ صَعْفًا، والمُرَيَّشُ: الرَّجُلُ الضَّعِيفُ الصُّلْبُ، وهو أيْضًا: البَرْدُ المُوَشّى، لِتَلَوُّنِهِ كالرِّيشِ، وهو أيْضًا: القَلِيلُ اللَّحْمِ، وناقَةٌ مُرَيَّشَةٌ: قَلِيلَةُ اللَّحْمِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْوى لَها عَلى (p-٤١)السَّيْرِ، والمُرَيَّشُ أيْضًا: الهَوْدَجُ المُصَلَّحُ بِالقَدِّ، لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبَ قُوَّتِهِ، وهو لَهُ كالرِّيشِ والعَصَبِ، والشِوارُ والشُّورَةُ والشّارَةُ: الحُسْنُ والجَمالُ والهَيْئَةُ واللِّباسُ والسَّمْنُ والزِّينَةُ، واسْتَشارَ فَلانٌ: لَبِسَ لِباسًا حَسَنًا، كَأنَّهُ مِنَ الرِّيشِ، ولِأنَّها مَلْزُومَةُ اللَّجاجُ والِانْتِشارِ غالبًا، واسْتِشارَتِ الإبِلُ وأخَذَتْ مِشْوارَها: سَمِنَتْ، والمِشْوارُ - بِالكَسْرِ: المَكانُ تُعْرَضُ فِيهِ الدَّوابُّ، وشارَها: راضَها، أيِ انْتَشَرَ بِها لِتَقْوى عَلى ما يُرادُ مِنها، وشارَ العَسَلَ واسْتَشارَهُ: اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الوَقْبَةِ - لِلْمُبالِغَةِ في ذَلِكَ، والشَرَوُ - مُقَدَّمُ الرّاءِ بِالفَتْحِ ويُكْسَرُ: العَسَلُ، والمِشْوارُ: ما شارَهُ بِهِ، وما أبْقَتِ الدّابَّةُ مِن عَلَفِها - مُعَرَّبٌ، كَأنَّهُ شَبَّهَ بِما يَبْقى مِن مُشارِ العَسَلِ مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ، أوْ أصْلُهُ: نِشْوارٌ - بِالنُّونِ، فَأُبْدِلَتْ مِنها المِيمُ لِتَقارُبِهِما، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو نَشْرٌ، والشُوارُ - مُثَلَّثَةٌ: مَتاعُ البَيْتِ، لِانْتِشارِهِ فِيهِ، وذَكَرُ الرَّجُلِ وخِصَياهُ واسْتُهُ، لِما يَنْتَشِرُ مِن كُلٍّ مِنها، وشَوَرَ بِفُلانٍ: فَعَلَ بِهِ فِعْلًا يَسْتَحِي مِنهُ، كَأنَّهُ لَجَّ في ذَلِكَ حَتّى قَطَعَ انْتِشارَهُ في الِاعْتِذارِ، وتَشَوَّرَ الرَّجُلُ: خَجِلَ، (p-٤٢)كَأنَّهُ مُطاوِعُ شَوَّرْتُهُ، وشَوَرَ إلَيْهِ: أوْمَأ كَأشارَ - لِنَشْرِ ما أشارَ بِهِ، وأشارَ النّارَ: رَفَعَها، [و -] الشَوَرانُ: العَصْفَرُ - لِلَمْعِهِ، وجَبَلٌ قُرْبَ عَقِيقِ المَدِينَةِ، فِيهِ مِياهُ سَماءٍ كَثِيرَةٍ، لِقُوَّتِهِ عَلى إمْساكِها وقُوَّةِ مَن يُقِيمُ فِيهِ بِها عَلى الِانْتِشارِ فِيهِ، وخَيْلٌ شِيارٌ: سِمانٌ حِسانٌ، والشُورَةُ - بِالضَّمِّ النّاقَةُ السَّمِينَةُ، لِقُوَّتِها عَلى الِانْتِشارِ، وبِالفَتْحِ: الخَجِلَةُ، لِانْتِشارِها وعُلُوِّها، وأشَرْتُ عَلَيْهِ بِكَذا: أمَرْتُهُ لِلِانْتِشارِ في الكَلامِ قَبْلَ الإشارَةِ لِلْوُقُوعِ عَلى الرَّأْيِ، والِاسْمُ: المَشُورَةُ، أوْ هو مِنَ الإشارَةِ الَّتِي هي تَحْرِيكُ اليَدِ أوِ الحاجِبِ ونَحْوَهُما نَحْوَ المُشارِ إلَيْهِ، والرَّشْوَةِ - مُثَلَّثَةٌ: الجَعْلُ، ورَشاهُ: أعْطاهُ إيّاها، فَنَشَرَهُ لِلْفِعْلِ، ولا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا مَن لَجَّ في الأمْرِ، ويُمْكِنُ رَدُّهُ إلى الضَّعْفِ، والرّائِشُ: السَّفِيرُ بَيْنَ الرّاشِي والمُرْتَشِي، واسْتَرْشى: طَلَبَ الرِّشْوَةَ، والفَصِيلُ: طَلَبُ الرِّضاعِ، وأرْشِيَةُ اليَقْطِينِ والحَنْظَلُ: خُيُوطُهُما، (p-٤٣)لِانْتِشارِها، وشَبَّهَها بِالرِّشاءِ - بِالكَسْرِ والمَدِّ، وهو الحَبْلُ، والرِشى كَغِنى، الفَصِيلُ والبَعِيرُ يَقِفُ فَيَصِيحُ الرّاعِي: ارْشُهُ [ارْشُهُ -]، أوْ أرْشِهِ أرْشِهِ، فَيَحُكُّ خَوْرانُهُ، أيْ مِبْعَرُهُ بِيَدِهِ فَيَعْدُو، وقالَ ابْنُ فارِسٍ: والخَوْرانُ: مَجْرى الرَّوْثِ في الدّابَّةِ، وأرْشى: فَعَلَ ذَلِكَ، والقَوْمُ في دَمِهِ: شَرِكُوا، لِأنَّ ذَلِكَ انْتِشارٌ، وبِسِلاحِهِمْ فِيهِ: أشْرَعُوهُ، والرَّشاةُ: نَبَتٌ يُشْرَبُ لِلْمَشْيِ؛ ومِن مَهْمُوزِهِ: رَشَأ: جامَعَ، ولا ألَجَ مِنَ المُتَهَيِّئُ لِلْجِماعِ، وفِيهِ الِانْتِشارُ أيْضًا، ورَشَأتِ الظَّبْيَةُ: ولَدَتْ، والرَّشَأُ - بِالتَّحْرِيكِ اسْمٌ لِلِظَّبْيِ إذا قَوِيَ ومَشى مَعَ أُمِّهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أهْلًا لِلِانْتِشارِ واللَّجاجِ في الجَرْيِ، والرَّشَأُ أيْضًا: شَجَرَةٌ تَسْمُو فَوْقَ القامَةِ، وعُشْبَةٌ كالقَرْنُوَةِ، بِالقافِ، كَأنَّها شَدِيدَةُ الحَرافَةِ فَشُبِّهَتْ بِاللَّجُوجِ، لِأنَّ القَرْنُوَةَ يُدْبَغُ بِها - انْتَهى المَهْمُوزُ. ووَشَرَ الخَشَبَةَ بِالمِيشارِ - غَيْرُ مَهْمُوزٍ، لُغَةٌ فِي: أشَرَها - إذا نَشَرَها، أيْ فَرَقَها بِاثْنَيْنِ أوْ أكْثَرَ، والوَشْرُ أيْضًا: تَحْدِيدُ المَرْأةِ أسْنانَها وتَرْقِيقُها، (p-٤٤)وهُوَ مِنَ القُوَّةِ واللَّمَعانِ والتَّفْرِيقِ، والمُؤْتَشِرَةُ الَّتِي تَسْألُ أنْ يَفْعَلَ بِها ذَلِكَ، ومُوَشِّرُ العَضُدَيْنِ - ويَهْمِزُ: الجَعْلُ، لِأنَّ أعَضادَهُ كالمُنَشَّرَةِ حِزُوزًا؛ ومِن مَهْمُوزِهِ: أشِرُ - بِالكَسْرِ، أيْ مَرَحَ، أيِ ازْدَرى الخُلُقَ وعامَلَهم مُعامَلَةَ المُسْتَهِينِ بِهِمْ، فَظَلَمَهم ولَجَّ في عُتُوِّهِ، وناقَةٌ مُئَشَيِّرٌ: نَشِيطَةٌ، وأشَّرَ الأسْنانَ: تَحْرِيزُها - تَشْبِيهًا لَها بِأسْنانِ المِئْشارِ الَّذِي يَقْطَعُ بِهِ الخَشَبَ ونَحْوَهُ قَطْعًا سَرِيعًا، فَهو كَفِعْلِ اللَّجُوجِ - انْتَهى المَهْمُوزُ؛ ووِرَشَ الطَّعامَ: تَناوُلَهُ وأكَلَ شَدِيدًا حَرِيصًا، وطَمَعَ وأسَفَ لِمَداقِّ الأُمُورِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ [إلّا -] عَنْ تَمادٍ ولِجاجٍ، ووِرَشَ فُلانٌ بِفُلانٍ: أغْراهُ، ووَرِشَ عَلَيْهِمْ: دَخَلَ وهم يَأْكُلُونَ ولَمْ يَدَعْ، ووَرِشَ اسْمُ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنَ اللَّبَنِ، لِأنَّهُ انْتَشَرَ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِهِ، والوَرَشُ - بِالتَّحْرِيكِ: وجَعٌ في الجَوْفِ، وكَكَتِفٍ: النَّشِيطُ الخَفِيفُ مِنَ الإبِلِ وغَيْرِها، وهي بَهاءٍ، والتَّوْرِيشُ: التَّحْرِيشُ، والوِرْشانُ: طائِرٌ. ومِن (p-٤٥)مَهْمُوزِهِ الأرْشُ، وهي الدِّيَةُ، لِأنَّهُ يَلِجُ في طَلَبِها والرِّضى بِها وأكْثَرَ ما يَتَعاطى مِن أمْرِها، وهو أيْضًا الرَّشْوَةُ، وما نَقَصَ العَيْبُ مِنَ الشَّيْءِ - قالَ في القامُوسِ، لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلِأرْشِ والخُصُومَةِ، وبَيْنَهُما أرْشٌ، أيِ اخْتِلافٌ وخُصُومَةٌ، والأرْشُ: الإغْراءُ والإعْطاءُ، لِأنَّ المُعْطِيَ يَغْلِبُ نَفْسَهُ، فَكَأنَّهُ خاصَمَها فَلَجَّ حَتّى غَلَبَها، والأرْشُ: الخُلُقُ، لِأنَّهُ مَنشَأُ اللَّجاجِ، يُقالُ: ما أدْرِي أيُّ الأرْشِ هُوَ؟ أيُّ الخُلُقِ، والمَأْرُوشُ: المَخْلُوقُ، وآرِشٌ - كَصاحِبٍ: جَبَلٌ - انْقَضى المَهْمُوزُ. والرَّوْشُ: الأكْلُ الكَثِيرُ، والأكْلُ القَلِيلُ - ضِدٌّ، وفَهْوٌ مِنَ التَّمادِي والضَّعْفِ الَّذِي رُبَّما نَشَأ مِنَ التَّمادِي مَعَ شَبَهِهِ بِالرِّيشِ، وجَمَلٌ راشٍ: كَثِيرُ شَعْرِ الأُذُنِ؛ ومِنَ التَّبْيِينِ: شارَ الدّابَّةَ - إذا رَكِبَها عِنْدَ العَرْضِ عَلى مُشْتَرِيها، وشَوَّرَها: نَظَرَ كَيْفَ مِشْوارُها، أيْ سَيْرِها، أوْ بَلاها يَنْظُرُ ما عِنْدَها (p-٤٦)أوْ قَلَبَها وكَذا الأُمَّةُ، واسْتَشارَ الفَحْلُ النّاقَةَ: كَرَفِّها فَنَظَرَ إلَيْها ألاقِحٌ [هِيَ -] أمْ لا؟ واسْتَشارَ أمْرَ فُلانٍ: تَبَيَّنَ، والمُسْتَشِيرُ: مَن يَعْرِفُ الحائِلَ مَن غَيْرِها، وهو يَرْجِعُ إلى التَّمادِي، لِأنَّهُ لَوْلاهُ ما عَرَفَ الأمْرَ؛ ومِنَ الضَّعْفِ: راشاهُ: حاباهُ وصانَعَهُ، وتَرَشّاهُ: لايَنَهُ، وإنَّكَ لَمُسْتَرِشٍّ لِفُلانٍ: مُطِيعٌ لَهُ [تابِعٌ -] لِمَسَرَّتِهِ، وهو مِنَ الرَّشْوَةِ، وجَمَلٌ راشٍ: ضَعِيفُ الصُّلْبِ، وكَذا رُمْحٌ راشٍ، وهي بَهاءٍ، وراشَهُ المَرَضُ: ضَعَّفَهُ، كَأنَّهُ مِنَ الرِّيشِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ بَعْدَ التَّأمُّلِ إلى التَّمادِي - واللَّهُ أعْلَمُ. ومادَّةُ ”بَخَسَ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ مِن بَخَسَ وخَبَسَ وسَبَخَ وسَخَبَ تَدُورُ عَلى القِلَّةِ، ويُلْزِمُها الأخْذُ بِالكَفِّ: بَخَسَتْهُ حَقَّهُ: نَقَصَتْهُ فَجَعَلَتْهُ أقَلَّ مِمّا كانَ، والبَخْسُ: فَقْءُ العَيْنِ، فَهو نَقْصٌ خاصٌّ، والبَخْسُ: أرْضٌ تَنْبُتُ بِلا سَقْيٍ، كَأنَّهُ لِقِلَّةِ [ما نَبَتَ بِها بِالنِّسْبَةِ إلى أرْضِ السَّقْيِ، والبَخْسُ: المَكْسُ، وسَبَّخْتُ عَنْ فُلانٍ: خَفَّفَتْ عَنْهُ، والسَّبْخَةُ: أرْضٌ مِلْحَةٌ، لِقِلَّةِ -] نَبْتِها ونَفْعِها، وسَبَّخَتِ القُطْنَ - إذا قَطَعَتْهُ، (p-٤٧)فَصارَتْ جُمْلَتُهُ قَلِيلَةً؛ [و -] التَّسْبِيخُ: ما يُسْقِطُ مِن رِيشِ الطّائِرِ - لِنَقْصِهِ مِنهُ، والتَّسْبِيخُ: النَّوْمُ الشَّدِيدُ - لِنَقْصِهِ صاحِبِهِ وتَخْفِيفِهِ ما عِنْدَهُ مِنَ الثِّقَلِ؛ ومِن ذَلِكَ الخَبْسُ، وهو الأخْذُ بِالكَفِّ - وهو لازِمٌ لِلْقِلَّةِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأسَدِ: الخابِسُ، لِأخْذِهِ ما يُرِيدُهُ بِكَفِّهِ؛ والسِّخابُ: قِلادَةٌ مِن قَرَنْفُلٍ لَيْسَ فِيها جَوْهَرٌ ولا لُؤْلُؤٌ. ولِما كانَ البَخْسُ القَلِيلُ النّاقِصُ، أبْدَلَ مِنهُ - تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى تَسْفِيهًا لِرَأْيِهِمْ وتَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ - قَوْلُهُ: ﴿دَراهِمَ﴾ أيْ لا دَنانِيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ أيْ أهْلٍ لِأنْ تُعَدُّ، لِأنَّهُ لا كَثْرُهُ لَها يَعْسُرُ مَعَها ذَلِكَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها كانَتْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا ﴿وكانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿فِيهِ﴾ أيْ خاصَّةٍ دُونَ بَقِيَّةِ مَتاعِهِمِ، انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ فِيهِ قَبْلَ أنْ يُعَرَّفَ عَلَيْهِمْ فَيَنْزِعُ مِن أيْدِيهِمْ ﴿مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ أيْ كَمالِ الزُّهْدِ حَتّى رَغِبُوا عَنْهُ فَباعُوهُ بِما طُفْ، والزُّهْدُ: انْصِرافُ الرَّغْبَةِ عَنِ الشَّيْءِ إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ عِنْدَ الزّاهِدِ، وهَذا يُعَيِّنُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ لِأنَّ حالَ إخْوَتِهِ في أمْرِهِ فَوْقَ الزُّهْدِ بِمَراحِلَ، فَلَوْ كانَ لَهم لَقِيلَ: وكانُوا لَهُ مِنَ المُبْعَدِينَ أوِ المُبْغِضِينَ، ونَحْوَ ذَلِكَ.

يوسف 12:21

(p-٤٨)ولِما كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ القَنَّ يَمْتَهِنُ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ أكْرَمَهُ عَنْ هَذِهِ العادَةِ فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ شِراءَهُ كانَ بِمِصْرَ: ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ﴾ أيْ أخْذَهُ بِرَغْبَةٍ عَظِيمَةٍ، ولَوْ تَوَقَّفُوا عَلَيْهِ غالى في ثَمَنِهِ ﴿مِن مِصْرَ﴾ أيِ البَلْدَةِ المَعْرُوفَةِ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا دُونَ ما هو أخْصَرُ مِنهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ بَيْعَهُ ظُلْمٌ، وأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ في مُلْكِ أحَدٍ أصْلًا ﴿لامْرَأتِهِ﴾ آمِرًا لَها بِإكْرامِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿أكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أيْ مَوْضِعِ مَقامِهِ، وذَلِكَ أعْظَمُ مِنَ الأمْرِ بِإكْرامِهِ نَفْسِهِ، فالمَعْنى: أكْرِمِيهِ إكْرامًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَكُونُ مِمَّنْ يُكْرِمُ كُلُّ ما لابَسَهُ لِأجْلِهِ، لِيَرْغَبَ في المَقامِ عِنْدَنا. ولَمّا كانَتْ كَأنَّها قالَتْ: ما سَبَبُ إيصائِكَ [لِي -] بِهَذا دُونَ غَيْرِهِ؟ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿عَسى أنْ﴾ أيْ إنَّ حالَهُ خَلِيقٌ وجَدِيرٌ بِأنْ ﴿يَنْفَعَنا﴾ أيْ وهو عَلى اسْمِ المُشْتَرِي ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ﴾ أيْ بِرَغْبَةٍ عَظِيمَةٍ إنْ رَأيْناهُ أهْلًا ﴿ولَدًا﴾ فَأنا طامِعٌ في ذَلِكَ. ولِما أخْبَرَ تَعالى بِمَبْدَأِ أمْرِهِ، وكانَ [مِنَ -] المَعْلُومِ أنَّ هَذا إنَّما هو لَمّا مَكَّنَ لَهُ في القُلُوبِ مِمّا أوْجَبَ تَوْقِيرَهُ [وإجْلالَهُ وتَعْظِيمَهُ، أخْبَرَ تَعالى بِمُنْتَهى أمْرِهِ، مُشَبِّهًا لَهُ بِهَذا المَضْمُونِ المُعْلَمِ بِهِ -] فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ ما مَكَّنا لِيُوسُفَ بِتَزْهِيدِ السَّيّارَةِ: أهْلُ البَدْوِ تارَةٍ، وإكْرامُ مُشْتَرِيهِ ومُنافَسَتُهُ فِيهِ أُخْرى ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ (p-٤٩)أيْ أرْضِ مِصْرَ الَّتِي هي كالأرْضِ كُلِّها لِكَثْرَةِ مَنافِعِها بِالمُلْكِ فِيها لِتُمَكِّنُهُ مِنَ الحُكْمِ بِالعَدْلِ ”و“ بِالنُّبُوَّةِ ”لِنُعْلِمهُ“ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ أيْ بِتَرْجِيعِها مِن ظَواهِرِها إلى بَواطِنِها، فَأشارَ تَعالى إلى المُشَبَّهِ بِهِ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِهِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ السِّياقِ، وأثْبَتَ التَّمْكِينَ في الأرْضِ لِيَدُلَّ عَلى لازِمِهِ مِنَ المَلِكِ والتَّمْكِينِ مِنَ العَدْلِ، وذَكَرَ التَّعْلِيمَ لِيَدُلَّ عَلى مَلْزُومِهِ وهو النُّبُوَّةُ، فَدَلَّ أوَّلًا بِالمَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وثانِيًا بِاللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ وأُخْرى كافِرَةٌ﴾ [آل عمران: ١٣] فَهو احْتِباكٌ أوْ قَرِيبٌ مِنهُ. ولَمّا كانَ مِن أعْجَبِ العَجَبِ أنَّ مَن وقَعَ [لَهُ -] التَّمْكِينُ مِن أنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ هَذِهِ الأفْعالِ يَتَمَكَّنُ مِن أرْضَ هو فِيها مَعَ كَوْنِهِ غَرِيبًا مُسْتَبْعَدًا فَرْدًا لا عَشِيرَةَ لَهُ فِيها ولا أعْوانَ، قالَ تَعالى نافِيًا لِهَذا العَجَبِ: ”واللَّهِ“ أيِ المُلْكِ الأعْظَمِ ﴿غالِبٌ عَلى أمْرِهِ﴾ أيِ الأمْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ، [غَلِبُهُ -] ظاهِرُ أمْرِها لِكُلِّ مِن لَهُ بَصِيرَةً: أمَرَ يَعْقُوبُ يُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ (p-٥٠)والسَّلامُ أنْ [لا -] يَقُصُّ رُؤْياهُ حَذَرًا عَلَيْهِ مِن إخْوَتِهِ، فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ حَتّى وقَعَ ما حَذَّرَهُ، فَأرادَ إخْوَتُهُ قَتَلَهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ عَلَيْهِمْ، وأرادُوا أنْ يَلْتَقِطَهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ لِيَنْدَرِسَ اسْمُهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ وظَهْرَ اسْمُهُ واشْتَهَرَ، ثُمَّ باعُوهُ لِيَكُونَ مَمْلُوكًا فَغَلَبَ أمْرُهُ تَعالى حَتّى صارَ مَلِكًا وسَجَدُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ أرادُوا أنْ يُغْرُوا أباهم ويُطَيِّبُوا قَلْبَهُ حَتّى يَخْلُوَ لَهم وجْهَهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ تَعالى فَأظْهَرَهُ عَلى مَكْرِهِمْ، واحْتالَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِتَخْدَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ فَعَصَمَهُ حَتّى لَمْ يَهُمَّ بِسُوءٍ، بَلْ هَرَبَ مِنهُ غايَةَ الهَرَبِ، ثُمَّ بَذَلَتْ جُهْدَها في إذْلالِهِ وإلْقاءِ التُّهْمَةِ عَلَيْهِ فَأبى اللَّهُ إلّا إعْزازَهُ وبَراءَتَهُ، ثُمَّ أرادَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذِكْرَ السّاقِي لَهُ فَغَلَبَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ فَأنْساهُ ذِكْرَهُ حَتّى مَضى الأجَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ سُبْحانَهُ، وكَمْ مِن أمْرٍ كانَ في هَذِهِ القِصَّةِ وفي غَيْرِها يُرْشِدُ إلى أنَّ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ! ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلُ الِاضْطِرابِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ لِعَدَمِ التَّأمُّلِ أنَّهُ تَعالى عالٍ عَلى كُلِّ أمْرٍ، وأنَّ الحُكْمَ لَهُ وحْدَهُ، لِاشْتِغالِهِمْ بِالنَّظَرِ في الظَّواهِرِ لِلْأسْبابِ الَّتِي يُقِيمُها، فَهو سُبْحانُهُ مُحْتَجِبٌ عَنْهم بِحِجابٍ الأسْبابِ. ذَكَرَ ما مَضى مِن قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ: (p-٥١)قالَ في أواخِرِ السِّفْرِ الثّانِي مِنها: كانَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ ابْنُ سَبْعِ عَشْرَةَ سَنَةً، وكانَ يَرْعى الغَنَمَ مَعَ إخْوَتِهِ، وكانَ إسْرائِيلَ يُحِبُّ يُوسُفُ أكْثَرَ مِن حُبِّهِ إخْوَتَهُ، لِأنَّهُ وُلِدَ عَلى كِبَرِ سِنِّهِ، فاتَّخَذَ لَهُ قَمِيصًا ذا كُمَّيْنِ، فَرَأى إخْوَتُهُ أنَّ والِدَهم أشَدُّ حُبًّا لَهُ مِنهُمْ، فَأبْغَضُوهُ ولَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يُكَلِّمُوهُ بِالسَّلامِ، فَرَأى رُؤْيا قَصَّها عَلى إخْوَتِهِ فَقالَ لَهُمُ: اسْمَعُوا هَذِهِ الرُّؤْيا الَّتِي رَأيْتُ، رَأيْتُ كَأنّا نُحَزِّمُ حِزَمًا مِنَ الزَّرْعِ في الزِّراعَةِ، فَإذا حُزْمَتِي قَدِ انْتَصَبَتْ وقامَتْ، وإذا حِزَمُكم قَدْ أحاطَتْ بِها تَسْجُدُ لَها، قالَ لَهُ إخْوَتُهُ: أتُرى تَتَمَلَّكَنا وتَتَسَلَّطُ عَلَيْنا؟ وازْدادُوا لَهُ بُغْضًا لِرُؤْياهُ وكَلامِهِ، فَرَأى رُؤْيا أُخْرى فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ رُؤْيا أُخْرى، رَأيْتُ كَأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ وأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا يَسْجُدُونَ لِي، فَقَصَّها عَلى أبِيهِ وإخْوَتِهِ، فَزَجَرَهُ أبَوْهُ وقالَ [لَهُ -]: ما هَذِهِ الرُّؤْيا؟ هَلْ آتِيكَ أنا وأُمُّكَ وإخْوَتُكَ فَنَسْجُدُ لَكَ عَلى الأرْضِ؟ (p-٥٢)فَحَسَدَهُ إخْوَتُهُ، وكانَ أبُوهُ يَحْفَظُ هَذِهِ الأقاوِيلَ. وانْطَلَقَ إخْوَةُ يُوسُفَ يَرْعَوْنَ غَنَمَهم في نابْلُسَ فَقالَ إسْرائِيلُ لِيُوسُفَ: هو ذا إخْوَتُكَ يَرْعَوْنَ في نابْلُسَ، هَلُمَّ أرْسِلُكَ إلَيْهِمْ! فَقالَ: هَأنَذا! فَقالَ أبُوهُ: انْطَلِقْ فانْظُرْ كَيْفَ إخْوَتُكَ وكَيْفَ الغَنَمُ؟ وائْتِنِي بِالخَبَرِ، فَأرْسَلَهُ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قاعِ حَبِرُونَ، فَأتى إلى نابْلُسَ، فَوَجَدَهُ رَجُلٌ وهو يَطُوفُ في الحَقْلِ فَسَألَهُ الرَّجُلُ وقالَ: ما الَّذِي تَطْلُبُ في الحَقْلِ؟ فَقالَ أطْلُبُ إخْوَتِي، دَلَّنِي عَلَيْهِمْ أيْنَ يَرْعَوْنَ؟ قالَ لَهُ الرَّجُلُ: قَدِ ارْتَحَلُوا مِن هاهُنا، وسَمِعْتُهم يَقُولُونَ: نَنْطَلِقُ إلى دَوْثانَ، فَتَبِعَ يُوسُفُ إخْوَتَهُ فَوَجَدَهم بِدَوْثانَ، فَرَأوْهُ مِن بَعِيدٍ، ومِن قَبْلِ أنْ يَقْتَرِبَ إلَيْهِمْ [هَمُّوا -] بِقَتْلِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هو ذا حالِمُ الأحْلامِ قَدْ جاءَ، تَعالَوْا نَقْتُلُهُ ونَطْرَحُهُ في بَعْضِ الجِبابِ، ونَقُولُ: قَدِ افْتَرَسَهُ سَبْعٌ خَبِيثٌ، فَنَنْظُرُ ما يَكُونُ مِن أحْلامِهِ! فَسَمِعَ رُوبَيْلُ فَأنْقَذَهُ مِن أيْدِيهِمْ وقالَ [لَهم -]: لا تَقْتُلُوا نَفْسًا، ولا تَسْفِكُوا دَمًا، بَلْ ألْقَوْهُ في هَذا الجُبِّ الَّذِي في البَرِّيَّةِ، ولا تَمُدُّوا أيْدِيَكم إلَيْهِ، وأرادَ أنْ يُنْجِيَهُ مِن أيْدِيهِمْ ويَرُدَّهُ إلى أبِيهِ. فَلَمّا أتى يُوسُفُ إخْوَتَهُ خَلَعُوا عَنْهُ القَمِيصَ ذا الكُمَّيْنِ الَّذِي (p-٥٣)لَبِسَهُ، وأخَذُوهُ فَطَرَحُوهُ في الجُبِّ فارِغًا لا ماءَ فِيهِ، فَجَلَسُوا يَأْكُلُونَ خُبْزًا فَمَدُّوا أبْصارَهم فَرَأوْا فَإذا رُفْقَةٌ مِنَ العَرَبِ مُقْبِلَةٌ مِن جَلْعادٍ - وفي نُسْخَةٍ: مِنَ الجَرْشِ - وكانَتْ إبِلُهم مُوَقَّرَةً سَمْنًا ولَبَنًا وبَطْمًا، وكانُوا مُعْتَمِدِينَ إلى مِصْرَ فَقالَ يَهُوذا لِإخْوَتِهِ: ما مُتْعَتُنا بِقَتْلِ أخِينا وسَفْكِ دَمِهِ؟ تَعالَوْا نَبِيعُهُ مِنَ العَرَبِ، ولا نَبْسُطُ أيْدِيَنا إلَيْهِ لِأنَّهُ أخُونا: لَحْمُنا ودَمُنا، فَأطاعَهُ إخْوَتُهُ، فَمَرَّ بِهِمْ قَوْمٌ تُجّارٌ مَدِينِيُّونَ، فَأصْعَدُوا يُوسُفَ مِنَ الجُبِّ وباعُوهُ مِنَ الأعْرابِ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، فَأتَوْا بِهِ إلى مِصْرَ. فَرَجَعَ رُوبَيْلُ إلى الجُبِّ فَإذا لَيْسَ فِيهِ يُوسُفَ، فَشَقَّ ثِيابَهُ ورَجَعَ إلى إخْوَتِهِ وقالَ لَهُمْ: أيْنَ الغُلامُ؟ إلى أيْنَ أذْهَبُ أنا الآنَ؟ فَأخَذُوا قَمِيصَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَذَبَحُوا عَتُودًا مِنَ المُعِزِ ولَوَّثُوا القَمِيصَ بِدَمِهِ وأرْسَلُوا بِهِ مَعَ مَن أتى بِهِ أباهم وقالُوا: وجَدْنا هَذا، أثْبَتَّهُ هَلْ هو قَمِيصُ ابْنِكَ أمْ لا؟ فَعَرَفَهُ وقالَ: القَمِيصُ قَمِيصُ ابْنِي، سَبْعٌ خَبِيثٌ افْتَرَسَ ابْنِي يُوسُفَ افْتِراسًا، فَحَزِنَ عَلى ابْنِهِ أيّامًا كَثِيرَةً، فَقامَ جَمِيعُ بَنِيهِ وبَناتِهِ لِيُعَزُّوهُ فَأبى أنْ يَقْبَلَ العَزاءَ وقالَ: أنْزِلُ إلى القَبْرِ وأنا حَزِينٌ (p-٥٤)عَلى يُوسُفَ، فَبَكى عَلَيْهِ أبُوهُ. وباعَ المَدِينِيُّونَ يُوسُفَ مِن قُوطِيفِرَ الأمِيرِ صاحِبِ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ - انْتَهى، وفِيهِ ما يُخالِفُ ظاهِرَةَ القُرْآنِ ويُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

يوسف 12:22

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى يُوسُفَ عَمّا يُرِيدُ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِما خَتَمَهُ بِالإخْبارِ عَنْ قُدْرَتِهِ، أتْبَعَهُ الإعْلامُ بِإيجادِ ذَلِكَ الفِعْلِ دَلالَةً عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ فَقالَ: ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيْ مُجْتَمَعَ قُواهُ ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً أوْ مَلِكَةً يَكُفُّ بِها النَّفْسَ عَنْ هَواها، مِن حِكْمَةِ الفُرْسِ، فَلا يَقُولُ ولا يَفْعَلُ إلّا أمْرًا فَصْلًا تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والأصْلُ في الحُكْمِ تَبْيِينِ ما يَشْهَدُ بِهِ الدَّلِيلُ، لِأنَّ الدَّلِيلَ حِكْمَةٌ مِن أجْلِ أنَّهُ يَقُودُ إلى المَعْرِفَةِ ﴿وعِلْمًا﴾ أيْ تِبْيِينًا لِلشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ جَزاءً [لَهُ -] لِأنَّهُ مُحْسِنٌ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي جَزَيْناهُ بِهِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الإحْسانِ كُلِّهِمُ الَّذِينَ رَأسَهم مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي أُسْرِيَ بِهِ فَأعْلاهُ ما لَمْ يُعْلَ غَيْرُهُ؛ وعَنِ الحُسْنِ: مِن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في (p-٥٥)شَبِيبَتِهِ آتاهُ [اللَّهُ -] الحِكْمَةَ [فِي اكْتِهالِهِ -]، والأشُدُّ: كَمالُ القُوَّةِ، وهو جَمْعُ شِدَّةٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهَ مِثْلُ نِعْمَةٍ وأنْعُمٌ، وقالَ غَيْرُهُ: جَمْعُ شَدٍّ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: وبَعْضُهم يَقُولُ: لا واحِدَ لَها، ويُقالُ: واحِدُها شَدَّ - انْتَهى. [قِيلَ -]: وهَذا هو القِياسُ نَحْوَ ضَبٍّ وأضَبُّ، وصَكٍّ وأصَكُّ، وحَظٍّ وأحَظُّ، وضُرٍّ وأضَرُّ، وشَرٍّ وأشَرُّ قالَ الرُّمانِيُّ: قالَ الشّاعِرُ: ؎هَلْ غَيَّرَ أنْ كَثُرَ الأشَرُّ وأهْلَكَتْ .... حَرْبُ المُلُوكِ أكاثِرَ الأمْوالِ انْتَهى. واخْتَلَفُوا في حَدِّ الأشُدِّ فَقِيلَ: هو مِنَ الحُلُمِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ مِن عِشْرِينَ سَنَةٍ، ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ، والمادَّةُ تَدُورُ عَلى الصُّعُوبَةِ، وهي ضِدُّ الرَّخاوَةِ، ويَلْزَمُها القُوَّةُ، فالشَّدُّ عَلى العَدْوِ مِنها، وشَدَّ الحَبَلَ وغَيْرَهُ: أحْكُمُ فَتَلَهُ، والشَّدِيدُ والمُتَشَدِّدُ: البَخِيلُ - لِصُعُوبَةِ البَذْلِ عَلَيْهِ، والشِّدَّةُ: صُعُوبَةُ الزَّمانِ، وشَدُّ النَّهارِ: ارْتِفاعُهُ، وهو قُوتُهُ، وشَدَدْتُ فُلانًا: قَوَّيْتَ يَدَهُ ودَبَّرْتَ أمَرَهُ، وأشَدُّ القَوْمِ - إذا كانَتْ دَوابُّهم شِدادًا فَهم مُشِدُّونَ ضِدَّ مُضَعِّفِينَ.

يوسف 12:23

(p-٥٦)ولِما أخْبَرَ تَعالى أنَّ سَبَبَ [النِّعْمَةِ -] عَلَيْهِ إحْسانُهُ، أتْبَعُهُ دَلِيلُهُ فَقالَ: ﴿وراوَدَتْهُ﴾ أيْ راجَعَتْهُ الخِطابَ ودارَتْ عَلَيْهِ بِالحِيَلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ المُخادَعَةِ الَّتِي هي لازِمُ مَعْنى رادَ يُرَوِدُ - إذا جاءَ وذَهَبَ ﴿الَّتِي﴾ هي مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ غايَةَ المُكْنَةِ بِكَوْنِهِ ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ وهو في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ مُراوَدَةً لَمْ تَكُنْ لَها سَبَبٌ إلّا نَفْسِهِ، لِأنَّ المُراوَدَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَتَجاوَزُ نَفْسَهُ إلّا بَعْدَ مُخالَطَتِها - كَما تَقُولُ: كانَ هَذا عَنْ أمْرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ دارَتْ عَلَيْهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ ونَصَبَتْ لَهُ أشَراكَ الخِداعِ وأقامَتْ حِينًا تَفْتِلُ [لَهُ -] في الذُّرْوَةِ والغارِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ مادَّةَ ”رادَ“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها السَّبْعَةُ: رَوَدَ، ودَوَرَ، ووَرَدَ، ”ودَيَرَ“ ورَدى، وُرِيدَ، ودَرى - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، وهو الرُّجُوعُ إلى مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القَصْدُ والإتْيانُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ وإعْمالُ الحِيلَةِ وحُسْنُ النَّظَرِ، ورُبَّما يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَتَأْتِي مِنهُ الحَيْرَةُ فَيَلْزَمُ الفَسادَ والهَلاكَ، يُقالُ: دارَ فُلانٌ يَدُورُ - إذا مَشى عَلى هَيْئَةِ الخِلْقَةِ، والدَّهْرٌ دَوّارِيٌ - لِدَوَرانِهِ بَأهْلِهِ بِالرَّفْعِ والحَطِّ، والدُّوارُ: شِبْهُ دَوَرانٍ في الرَّأْسِ، ودارَّةُ القَمَرِ مَعْرُوفَةٌ، والدّائِرَةُ: الحَلْقَةُ والدّارُ (p-٥٧)تَجَمُّعُ العَرْصَةِ والبِناءِ - لِدَوَرانِ بِنائِها ولِلدَّوَرانِ فِيها ولِلذَّهابِ [مِنها -] والرُّجُوعِ إلَيْها، والدّارِيُ: المَلّاحُ الَّذِي يَلِي الشِّراعَ، وهو القَلْعُ - لِأنَّهُ يُدِيرُهُ عَلى عَمُودِ المَرْكِبِ، أوْ لِأنَّهُ يَلْزَمُ دارَ السَّفِينَةِ؛ والرّائِدُ: الَّذِي يَرْتادُ الكَلَأ، أيْ يَذْهَبُ ويَجِيءُ في طَلَبِهِ - لَمّا لَمْ يَكُنْ [لَهُ -] مَقْصِدٌ مِنَ الأرْضِ مُعَيَّنٌ كَأنَّهُ يَدُورُ فِيها، والَّذِي لا يَكْذِبُ أهْلَهُ، وكُلُّ طالِبِ حاجَةٍ - قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. وراوَدَتِ الرَّجُلَ: أرَدَتْهُ عَلى فِعْلٍ؛ ورائِدُ الرَّحى: يَدُها، أيِ العَوْدِ الَّذِي تُدارُ بِهِ ويَقْبِضُ عَلَيْهِ الطّاحِنُ، والرِّيادُ: اخْتِلافُ الإبِلِ في المَرْعى مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ، ورادَتِ المَرْأةُ - إذا اخْتَلَفَتْ إلى بُيُوتِ جاراتِها، ورادَ وسادَهُ - إذا لَمْ يَسْتَقِرْ، والرَّوَدُ: الطَّلَبُ والذَّهابُ والمَجِيءُ، وامْشِ عَلى رَوَدٍ - بِالضَّمِّ، أيْ مَهْلٍ، وتَصْغِيرُهُ رُوَيْدٍ، والمِرْوَدُ: الَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ، لِأنَّهُ يُدارُ في العَيْنِ، وحَدِيدَةٌ تَدُورُ في اللِّجامِ، ومِحْوَرُ البَكَرَةِ مِن حَدِيدٍ، والدَّيْرُ: مَعْرُوفٌ، ويُقالُ لِرَجُلٍ إذا كانَ رَأْسَ أصْحابِهِ: هو رَأْسُ الدَّيْرِ - كَأنَّهُ مِن إرادَةِ أصْحابِهِ [بِهِ -]، وتَرَدَّيْتُ بِالرِّداءِ وارْتَدَيْتُ - كَأنَّهُ مِنَ الإدارَةِ، والرِّداءُ: السَّيْفُ - لِأنَّهُ (p-٥٨)يَتَقَلَّدُ بِهِ في مَوْضِعِ الرَّدى، والرَّدَيانِ - مُحَرَّكًا: مَشى الحِمارُ بَيْنَ آرِيِهِ ومُتَمَعِّكِهِ، ورادَيْتُ فُلانًا، مِثْلُ: راوَدَتْهُ، ورَدَّتِ الجارِيَةُ - إذا رَفَعَتْ إحْدى رِجْلَيْها وقَفَزَتْ بِواحِدَةٍ، لِأتٍ مَشْيِها حِينَئِذٍ يُشَبِهُ الدَّوْرانِ، والرِّيدُ - بِالكَسْرِ: التِّرْبُ، لِأنَّهُ يُراوِدُكَ، أيْ يَمْشِي مَعَكَ مِن أوَّلِ زَمانِكَ؛ ومِنَ الإتْيانِ: الوُرُودُ، وهو إتْيانُ المَوْرِدِ مِن ماءٍ وطَرِيقٍ، والوارَدُ: الصّائِرُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ مِنهُ، وهو الَّذِي يَنْزِلُ إلى الماءِ لِيَتَناوَلَ مِنهُ، والوِرْدُ مَعْرُوفٌ، ونُورُ كُلِّ شَجَرَةٍ وِرْدٌ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ لِلشَّمِّ وغَيْرِهِ، ويَخْرُجُ هو مِنها فَهو وارِدٌ أيْ آتٍ، وهو أيْضًا مَعَ ذَلِكَ مُسْتَدِيرٌ، والوَرِدُ - بِالكَسْرِ: يَوْمُ الحِمى إذا أخَذَتْ صاحِبَها لِوَقْتٍ لِأنَّها تَأْتِيَهُ، وهو مِنَ الدَّوَرانِ أيْضًا لِأنَّها تَدُورُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِعَيْنِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَصْلُحُ لِلْإقْبالِ، ومِنهُ: أرْنَبَةٌ وارِدَةٌ، أيْ مُقْبِلَةٌ عَلى السَّبَلَةِ، والرَّيْدُ: أنِفُ الجَبَلِ - قالَهُ ابْنُ فارِسٍ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: والرَّيْدُ: الحَيِّدُ النّاتِئِ مِنَ الجَبَلِ، والجَمْعُ رُيُودٌ؛ وفي القامُوسِ: الحَيِّدُ مِنَ الجَبَلِ شاخِصٌ (p-٥٩)كَأنَّهُ جَناحٌ، ويُسَمّى الشُّجاعُ الوارِدَ، لِإقْبالِهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ واسْتِعْلائِهِ عَلَيْهِ، والوَرِيدانِ: عِرْقانِ مُكْتَنِفا صَفْحَتَيِ العُنُقِ مِمّا يَلِي مُقَدِّمَةَ غَلِيظانِ، والوِرْدُ: النَّصِيبُ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ بِالقِراءَةِ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ ويُدارُ عَلَيْهِ، ودَرَيْتُ الشَّيْءَ: عَلِمْتُهُ، فَأنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ وارِدٌ إلَيْهِ، والَّدَرِئَةُ - مَهْمُوزَةٌ: حَلْقَةٌ يَتَعَلَّمُ عَلَيْها الطَّعْنُ والرَّمْيُ، والدُّرِّيَّةُ - مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ: دابَّةٌ يَسْتَتِرُ بِها رامِي الصَّيْدِ فَيَخْتُلُهُ، فَهي مِنَ الإقْبالِ والخِداعِ، وإنْ بَنى فَلانٌ أدْوَرًا مَكانًا، أيِ اعْتَمَدُوا بِالغَزْوِ والغارَةِ، والدُّرِّيُّ: شَبِيهٌ بِمُدَرّى الثَّوْرِ وهو قَرْنُهُ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الشَّيْءَ ويُقْبِلُ بِهِ عَلى مُرادِهِ فَيُصْلِحُهُ بِهِ، وما أدْرِي أيْنَ رَدّى؟ [أيْ -] أيْنَ ذَهَبَ؟ والإرْوادُ: المُهْلَةُ في الشَّيْءِ؛ وامْشِ رُوَيْدًا: عَلى مَهْلٍ، والرّادَّةُ والرَّيْدَةُ: السَّهْلَةُ مِنَ الرِّياحِ، فَكَأنَّها تَأْتِي عَلى مَهْلٍ؛ [و -] مِنَ الحَيْرَةِ والفَسادِ والهَلاكِ: رَدِيَ الرَّجُلُ - إذا هَلَكَ، وأرْداهُ اللَّهُ، (p-٦٠)وتَرَدّى في هُوَّةٍ: [تَهَوَّرَ -] فِيها، ورَدَيْتُهُ بِالحِجارَةِ: رَمَيْتُهُ، والرَّداةُ: الصَّخْرَةُ، يَكْسِرُ بِها الشَّيْءَ، والمَرادِي: المَرامِي؛ ومِن حُسْنِ النَّظَرِ: أرْدَيْتُ عَلى الخَمْسِينَ: زِدْتُ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُسْنَ النَّظَرِ الزِّيادَةُ، وأرادَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِهِ، أيْ رَبا عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ المَهْمُوزِ مِن هَذِهِ المادَّةِ في ”سَنُراوِدُ“ مِن هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وغَلَّقَتِ﴾ أيْ تَغْلِيقًا كَثِيرًا ﴿الأبْوابَ﴾ زِيادَةٌ في المَكِنَةِ، قالُوا: وكانَتْ سَبْعَةٌ؛ والإغْلاقُ: إطْباقُ البابِ بِما يَعْسُرُ مَعَهُ فَتْحَهُ ﴿وقالَتْ هَيْتَ﴾ أيْ تَهَيَّأتْ وتَصَنَّعَتْ ﴿لَكَ﴾ خاصَّةً فَأقْبِلْ إلَيَّ وامْتَثِلْ أمْرِي؛ والمادَّةُ - عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ التّاءِ وزِيادَتِها بِجَمِيعِ تَقالِيبِها: يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ - تَدَوُرُ عَلى [إرادَةِ -] امْتِثالِ الأمْرِ: هَيْتَ لَكَ - مُثَلَّثَةُ الآخَرِ وقَدْ يُكْسَرُ أوُّلُهُ، [أيْ -] هَلُمَّ، وهَيَّتَ تَهْيِيتًا: صاحَ ودَعاهُ، وهاتِ - بِكَسْرِ التّاءِ أعْطِنِي - قالَ في القامُوسِ، والمُهايّاةُ مُفاعَلَةٌ مِنهُ، والهِيتُ: الغامِضُ مِنَ الأرْضِ، كَأنَّهُ يَدْعُو [ذا -] الهِمَّةَ إلى الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ، والتِّيهِ - بِالكَسْرِ: الكِبْرِياءُ والصَّلَفُ، فالتّائِهُ داعٍ بِالقُوَّةِ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، والمَفازَةُ، فَإنَّها تَقْهَرُ سالِكَها، والضَّلالُ مِنَ المَفازَةِ - تَسْمِيَةٌ لِلشَّيِّ بِاسْمِ مَوْضِعِهِ، ومِنهُ: تَها - بِمَعْنى غَفَلَ، ومِنهُ: مَضى تِهْواءٌ (p-٦١)مِنَ اللَّيْلِ - بِالكَسْرِ، أيْ طائِفَةٌ، لِأنَّها مَحَلُّ الغَفْلَةِ، أوْ لِأنَّها تَدْعُو ساهِرُها إلى النَّوْمِ ونائِمُها إلى الِانْتِباهِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ التّاءِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها زائِدَةٌ فَهاءَ بِنَفْسِهِ إلى المَعالِي: رَفَعَها، فَهو يَراهُ أهْلًا لِأنْ يَمْتَثِلُ أمْرَها، والهَوْءُ: الهِمَّةُ والأمْرُ الماضِي، والهَوْءُ أيْضًا: الظَّنُّ، ويَضُمُّ، وهُؤْتُ بِهِ: فَرِحْتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ [إلّا -] لِفِعْلِ ما يَشْتَهِي، فَكَأنَّهُ امْتَثَلَ أمْرَكَ، وهَوَئَ إلَيْهِ - كَفَرَحَ: هَمَّ، وهاءَ كَجاءَ: لَبّى، أيِ امْتَثَلَ الأمْرَ، وهاءَ - بِالكَسْرِ: هاتِ، وهاءَ - كَجاءَ، أيْ هاكَ، بِمَعْنى خُذْ، والهَيْئَةُ: حالَ الشَّيْءُ وكَيْفِيَّتُهُ الدّاعِيَةُ إلى تَرْكِهِ أوْ لُزُومِهِ، وتَهايَّؤُوا: تَوافَقُوا، وهاءَ إلَيْهِ: اشْتاقَ، فَكَأنَّهُ دَعاهُ إلى رُؤْيَتِهِ، وتَهَيَّأ لِلشَّيْءِ: أخَذَ لَهُ هَيْئَتَهُ، فَكَأنَّهُ صارَ قابِلًا لِلْأمْرِ، أوْ لِأنْ يَمْتَثِلُ أمْرَهُ، وهَيَّأهُ: أصْلَحَهُ، والهَيْءُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ: الدُّعاءُ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ ودُعاءُ الإبِلِ لِلشُّرْبِ، وإيهِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: [كَلِمَةٌ -] اسْتَزادَهُ واسْتَنَطاقَ، وبِإسْكانِ الهاءِ: زَجْرٌ بِمَعْنى حَسْبُكَ، وهَأْهَأ: قَهْقَهَ في ضَحِكِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمَنِ امْتَثَلَ مُرادَهُ. ولَمّا قالَتْ ما قالَتْ وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ، مَعَ ما هي عَلَيْهِ (p-٦٢)مِنَ القُدْرَةِ في نَفْسِها ولَها عَلَيْهِ مِنَ التَّسَلُّطِ وهو عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ والشَّبابِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَمَوْطِنٌ لا يَكادُ يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ، فَماذا كانَ مِنهُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“ أيْ يُوسُفُ مُسْتَعْمِلًا لِلْحُكْمِ بِالعِلْمِ ﴿مَعاذَ﴾ أيْ أعُوذُ مِن هَذا الأمْرِ مَعاذًا ﴿اللَّهِ﴾ أيْ ألْزَمَ حِصْنُ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، ومَلْجَأهُ الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِصامُ بِهِ واللِجاءُ إلَيْهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ اللَّهُ ﴿رَبِّي﴾ أيْ مُوجِدِي ومُدَبِّرِي والمُحْسِنُ إلَيَّ في كُلِّ أمْرٍ، فَأنا أرْجُو إحْسانَهُ في هَذا ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ بِأنْ جَعْلَ لِي في قَلْبِ سَيِّدِكَ مَكانَةً عَظِيمَةً حَتّى خَوَّلَنِي في جَمِيعِ ما يَمَلِكُ وائْتَمَنَنِي عَلى كُلِّ ما لَدَيْهِ، فَإنْ خالَفْتُ أمْرَ رُبِّيَ فَخُنْتُ مَن جَعَلَنِي مَوْضِعًا لِلْأمانَةِ كُنْتُ ظالِمًا واضِعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهَذا التَّقْدِيرُ - مَعَ كَوْنِهِ ألْيَقَ بِالصّالِحِينَ المُراقَبِينَ - أحْسَنُ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ نُصْحَ العَزِيزِ، ولَوْ أعَدْنا الضَّمِيرَ عَلى العَزِيزِ لَمْ يَسْتَلْزِمُ التَّقْوى. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ لِسانَ حالِها يَقُولُ: وإذا كانَ ظَلِمًا كانَ ماذا؟ قالَ ما تَقْدِيرُهُ: [إنِّي -] إذَنْ لا أُفْلِحُ، وعِلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ لا يَظْفَرُ بِمُرادِهِ أصْلًا ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ (p-٦٣)فِي الظُّلْمِ - وهو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ - الَّذِينَ صِرْتُ في عِدادِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ، فَيا لَهُ مِن دَلِيلٍ عَلى إحْسانِهِ وحُكْمِهِ وعِلْمِهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى المَقامَ الدَّحْضَ بادَرَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِ المُوجِبَ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ المُباعِدَ عَنِ الهَفَواتِ ثُمَّ مَقامَ الظُّلْمِ وما يُوجِبُ لِصاحِبِهِ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ الفَلاحِ.

يوسف 12:24

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لا يَتِمُّ حُسْنُهُ إلّا إذا كانَ عِنْدَ غَلَبَةِ الهَوى وتَرامِي الشَّهْوَةِ كَما هو شَأْنِ الرُّجُولِيَّةِ، قالَ تَعالى رَدًّا عَلى مَن يَتَوَهَّمُ ضِدَّ ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ أوْقَعَتِ الهَمَّ، وهو القَصْدُ الثّابِتُ والعَزْمُ الصّادِقُ المُتَعَلِّقُ بِمُواقَعَتِهِ، ولا مانِعَ لَها مِن دِينٍ ولا عَقْلٍ ولا عَجْزٍ فاشْتَدَّ طَلَبُها ﴿وهَمَّ بِها﴾ كَما هو شَأْنُ الفُحُولِ عِنْدَ تَوَفُّرِ الأسْبابِ ﴿لَوْلا أنْ رَأى﴾ أيْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ ﴿بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ، أيْ لَهَمَّ بِها، لَكِنَّهُ [لَمّا -] كانَ البُرْهانُ حاضِرًا لَدَيْهِ حُضُورَ مَن يَراهُ بِالعَيْنِ، لَمْ يُغَطِّهِ وُفُورُ شَهْوَةٍ ولا غَلَبَةُ هَوًى، فَلَمْ يَهِمُّ أصْلًا مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ لِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ مَعَ كَوْنِهِ في سِنِّ الشَّبابِ، فَلَوْلا المُراقَبَةُ لَهَمَّ بِها التَّوَفُّرُ الدَّواعِي غَيْرَ أنَّ نُورَ الشُّهُودِ مَحاها أصْلًا، وهَذا التَّقْدِيرُ هو اللّائِقُ بِمِثْلِ مَقامِهِ مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي تَدُلُّ (p-٦٤)عَلَيْهِ أسالِيبُ هَذِهِ الآياتِ مِن جَعْلِهِ مِنَ المُخْلِصِينَ والمُحْسِنِينَ المَصْرُوفِ عَنْهُمُ السُّوءُ، وأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، مَعَ قِيامِ القاطِعِ عَلى كَذِبِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] - الآيَةُ، مِن مُطْلَقِ الإرادَةِ، ومَعَ ما تُحَتِّمَ تَقْدِيرُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ”لَوْلا“ في خُصُوصِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ بَعْدَ كُلِّ شَرْطٍ مِن مَعْنى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [القصص: ١٠] أيْ لَأبْدَتْ بِهِ، وأمّا ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ مِمّا يُعارِضُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ عَنْ أحَدٍ مِنهم مَعَ [أنَّ -] الأقْوالَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهم إذا جُمِعَتْ تَناقَضَتْ فَتَكاذَبَتْ، ولا يُساعِدُ عَلى شَيْءٍ مِنها كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ ”لَوْلا“ المَحْذُوفَ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن سابِقِ الكَلامِ ولا لاحِقِهِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ وقالَ: إنَّ هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأشْبَعَ في إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلى هَذا بِما يُطْرِبُ الأسْماعَ، وقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ، وأنَّهُ ما مَنَعَهُ مِنهُ إلّا العِلْمُ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ إشارَةٌ إلى (p-٦٥)أنَّهُ لازِمٌ لَهُ كَما هو شَأْنُ العِصْمَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ نُثْبِتُهُ في كُلِّ أمْرٍ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ أيِ الهَمُّ بِالزِّنا وغَيْرِهِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ أيِ الزِّنا وغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ بِهِ هَذا؟ فَقِيلَ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَّمْناهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُخْلَصِينَ﴾ أيْ هو في عِدادِ الَّذِينَ هم خِيَّرٌ صَرْفٍ، لا يُخالِطُهم غِشٌّ، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ أيْضًا، وهَذا مَعَ قَوْلِ إبْلِيسَ [ ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] شَهادَةٌ مِن إبْلِيسَ -] أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرِيءٌ مِنَ الهَمِّ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ قالَ الإمامُ: فَمَن نَسَبَهُ إلى الهَمِّ إنْ كانَ مِن أتْباعِ دِينِ اللَّهِ فَلْيَقْبَلْ شَهادَةَ اللَّهِ، وإنْ كانَ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ فَلْيَقْبَلْ شَهادَةَ إبْلِيسَ بِطَهارَتِهِ، قالَ: ولَعَلَّهم يَقُولُونَ: كُنّا تَلامِذَةَ إبْلِيسَ ثُمَّ زِدْنا عَلَيْهِ - كَما قِيلَ: ؎وكُنْتُ فَتًى مِن جُنْدِ إبْلِيسٍ فارْتَقى .... مِنَ الأمْرِ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِيٍّ ؎فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أحْسَنَ بَعْدَهُ ∗∗∗ .... طَرايِيقُ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدُ

يوسف 12:25

(p-٦٦)ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبالَغَتَهُ في الِامْتِناعِ بِالجِدِّ في الهَرَبِ دَلِيلًا عَلى إخْلاصِهِ وأنَّهُ لَمْ يَهِمْ أصْلًا فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ أوْجَدَ المُسابَقَةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مِن كُلٍّ مِنهُما، هَذا لِلْهَرَبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ، فَأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ بِدُونٍ ”إلى“، دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما بَذَلَ أقْصى جُهْدَهُ في السَّبْقِ، فَلَحِقَتْهُ عِنْدَ البابِ الأقْصى مَعَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَها بِقُوَّةِ الرُّجُولِيَّةِ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ إلى الفِرارِ إلى اللَّهِ، ولَكِنْ عاقَّةُ إتْقانِها لِلْمَكْرِ بِكَوْنِ الأبْوابِ كانَتْ مُغْلَقَةً، فَكانَ يَشْتَغِلُ بِفَتْحِها فَتَعَلَّقَتْ بِأدْنى ما وصَلَتْ إلَيْهِ مِن قَمِيصِهِ، وهو ما كانَ مِن ورائِهِ خَوْفُ فَواتِهِ، فاشْتَدَّ تَعَلُّقُها بِهِ مَعَ إعْراضِهِ هو عَنْها وهَرَبِهِ مِنها، فَفَتَحَهُ وأرادَ الخُرُوجَ فَمَنَعَتْهُ ”و“ لَمْ تَزَلْ تُنازِعُهُ حَتّى ”قُدْت قَمِيصه“ وكانَ القَدْ ﴿مِن دُبُرٍ﴾ أيِ النّاحِيَةُ الخَلْفُ مِنهُ، وانْقَطَعَتْ مِنهُ قِطْعَةٌ فَبَقِيَتْ في يَدِها ﴿وألْفَيا﴾ أيْ وجَدا مَعَ ما بِهِما مِنَ الغُبارِ والهَيْئَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِما ﴿سَيِّدَها﴾ أيْ زَوْجُها، ولَمْ يَقُلْ: سَيِّدُهُما، لِأنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَدْخُلْ في رِقٍّ - كَما مَضى - لِأنَّ المُسْلِمَ لا يُمَلَّكُ وهو السَّيِّدُ ”لَدَ“ أيْ عِنْدِ ذَلِكَ ﴿البابَ﴾ أيِ الخارِجِ، عَلى كَيْفِيَّةٍ غَرِيبَةٍ جِدًّا، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَفْهَمَ هَذا المَقامَ لِأنَّ السَّيِّدَ لا يَقْدِرُ [عَلى -] (p-٦٧)فَتْحِهِ فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ لِتَغْلِيقِ الجَمِيعِ. ولِما عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُما ألْفَياهُ وهُما عَلى هَذِهِ الحالَةِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اتَّفَقَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ مُبادَرَةٌ مِن غَيْرِ حَياءٍ ولا تَلَعْثُمِ ”ما“ نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً ﴿جَزاءُ مَن أرادَ﴾ أيْ مِنهُ ومَن غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، لِما لَكَ مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أيْ ولَوْ أنَّهُ غَيْرُ الزِّنا ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ يُودَعُ في السِّجْنِ إلى وقْتٍ ما، لِيَحْكُمَ فِيهِ بِما يَلِيقُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ ثابِتٌ غَيْرَ السَّجْنِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما هو حَقُّهُ، هَذا كانَ حالُها عِنْدَ المُفاجَأةِ، وأمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَرى عَلى سَجايا الكِرامِ بِأنْ سَكَتَ سِتْرًا عَلَيْها وتَنَزُّهًا عَنْ ذِكْرِ الفَحْشاءِ،

يوسف 12:26

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ قَذَفَتْهُ بِهَذا؟ فَقِيلَ ﴿قالَ﴾ دافِعًا عَنْ نَفْسِهِ لا هاتِكًا لَها ”هِيَ“ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِاسْتِيحائِهِ عَنْ مُواجَهَتِها بِإشارَةٍ أوْ ضَمِيرِ خِطابٍ ﴿راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وما قالَ ذَلِكَ إلّا حِينَ اضْطَرَّتْهُ إلَيْهِ بِنِسْبَتِهِ إلى الخِيانَةِ، وصِدْقِهِ لَعَمُرِي فِيما قالَ لا يَحْتاجُ إلى بَيانِ أكْثَرِ مِنَ الحالِ الَّذِي كانا فِيهِ، وهو (p-٦٨)أنَّهُما عِنْدَ البابِ، ولَوْ كانَ الطَّلَبُ مِنهُ لَما كانا إلّا في مَحَلِّها الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ، وهو صَدْرُ البَيْتِ وأشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيهِ ﴿وشَهِدَ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ صالِحٍ لِلشَّهادَةِ كافِيًا، فَلَمْ تَدَعْ ضَرُورَةً إلى تَعْيِينِهِ، قالَ: ﴿شاهِدٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ ﴿مِن أهْلِها﴾ لِأنَّ الأهْلَ أعْظَمُ في الشَّهادَةِ، رَضِيعٌ بِبَراءَتِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَما شَهِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ صَبِيٌّ مِن أهْلِ اليَمامَةِ يَوْمَ وُلِدَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانَ يُدْعى: مُبارَكُ اليَمامَةِ. فَقالَ ذَلِكَ الشّاهِدَ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ حالِ المُراوَغَةِ ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ فِيما يَتَبَيَّنُ لَكم ”قَدَّ“ أيْ شَقَّ شَقًّا مُسْتَأصْلًا ﴿مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أقْبَلُ مِن جَسَدِهِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فِعْلِ التَّبَيُّنِ، لِأنَّ الشُّرُوطَ لا تَكُونُ مَعانِيها إلّا مُسْتَقْبَلَةً ولَوْ كانَتْ ألْفاظُها ماضِيَةً. ولَمّا كانَ صِدْقُها لَيْسَ قاطِعًا في مَنعِ صِدْقِهِ، قالَ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إقْبالُهُ - وهي تَدْفَعُهُ عَنْها أوْ تَهْرُبُ مِنهُ (p-٦٩)وهُوَ يَتْبَعُها ويَعْثُرُ في قَمِيصِهِ - ما كانَ القَدُّ مِنَ القُبُلِ

يوسف 12:27

﴿وإنْ كانَ﴾ أيْ فِيما يَظْهَرُ لَكم ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أدْبَرَ مِنهُ، وبَنى ”قُدَّ“ لِلْمَجْهُولِ لِلنِّزاعِ في القادِّ ﴿فَكَذَبَتْ﴾ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ كَذِبُها [فِي إرادَتِهِ -] السُّوءُ لا يُعَيِّنُ صِدْقَهُ في إرادَتِها لَهُ، [قالَ -]: ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إدْبارُهُ عَنْها وإقْبالُها عَلَيْهِ لَما وقَعَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ سَيِّدُها صِحَّةَ ذَلِكَ بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ مَعْنى ”إنَّ“ هُنا الشَّرْطُ في جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلْمَعْنى الَّذِي يُوجِبُ غَيْرَهُ لا عَلى الشَّكِّ، وقَدِمَ أمارَةَ صِدْقِها لِأنَّهُ مِمّا يُحِبُّهُ سَيِّدُها، فَهو في الظّاهِرِ اهْتِمامٌ بِها، وفي الحَقِيقَةِ تَقْرِيرٌ لِكَذِبِها مَرَّتَيْنِ: الأوْلى بِاللُّزُومِ، والثّانِيَةُ بِالمُطابَقَةِ.

يوسف 12:28

ولَمّا كانَ المَعْنى: فَنَظَرَ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيْ سَيِّدُها ﴿قَمِيصَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ﴾ لَها وقَدْ قَطَعَ بِصِدْقِهِ وكَذِبِها، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِها ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا القَذْفُ لَهُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مَعْشَرَ النِّساءِ؛ والكَيْدُ: طَلَبُ الإنْسانِ بِما يَكْرَهُهُ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ والعَظِيمُ: ما يَنْقُصُ مِقْدارَ غَيْرِهِ عَنْهُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، فاسْتَعْظَمَهُ لِأنَّهُ أدَقُّ مِن مَكْرِ الرَّجُلِ وألْطَفَ وأخْفى، لِأنَّ الشَّيْطانَ (p-٧٠)عَلَيْهِنَّ لِنُقْصِهِنَّ أقْدَرُ، وكَيْدُهُنَّ الَّذِي هو مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ أضْعَفُ ضَعِيفٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُدَبِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في إبْطالِهِ؛

يوسف 12:29

ثُمَّ قالَ العَزِيزُ آمِرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْقِطًا لِحَرْفِ النِّداءِ دَلالَةً عَلى أنَّ قُرْبَهُ مِن قَلْبِهِ عَلى حالِهِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ أيِ انْصَرِفْ بِكُلِّيَّتِكَ مُجاوِزًا ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ اجْعَلْهُ بِمَنزِلَةِ ما تَصْرِفُ وجْهَكَ عَنْهُ إلى جِهَةِ العَرْضِ بِأنْ لا تَذْكُرَهُ لِأحَدٍ ولا تَهْتَمَّ بِهِ، فَإنِّي لَمْ أتَأثَّرْ مِنكَ بِوَجْهٍ، لِأنَّ عُذْرَكَ قَدْ بانَ، وأقْبَلَ إلَيْها فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أيِ اطْلُبِي الغُفْرانَ ﴿لِذَنْبِكِ﴾ في أنْ لا يَحْصُلَ لَكَ عُقُوبَةً مِنِّي ولا مِنَ اللَّهِ؛ واسْتَأْنَفَ بَيانُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ أيْ كَوْنًا جِبِلِّيًّا ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في الخَطَأِ بِغايَةِ القُوَّةِ، يُقالُ: خَطِئَ يُخَطَّأُ - إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا.

يوسف 12:30

ولَمّا كانَ في هَذا مِن شَرَفِ العِفَّةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِصْمَةِ، وأكَّدَهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى تَسامِي حُسْنِهِ وتَعالِي جَمالِهِ ولُطْفِهِ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْضُهُ لِأحَدٍ كانَ مَظِنَّةً لِمَيْلِهِ، لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى المَيْلِ إلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ لِما شاعَ الحَدِيثُ؛ ولِما كانَتِ البَلْدَةُ كُلَّما عَظُمَتْ كانَ أهْلُها أعْقَلَ وأقْرَبَ إلى الحِكْمَةِ، قالَ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيِ الَّتِي فِيها امْرَأةُ العَزِيزِ ساكِنَةً ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ فَأضَفْنَها إلى زَوْجِها إرادَةَ الإشاعَةِ لِلْخَبَرِ، لِأنَّ النَّفْسَ (p-٧١)إلى سَماعِ أخْبارِ أُولى الأخْطارِ أمْيَلُ؛ والعَزِيزُ: المَنِيعُ بِقُدْرَتِهِ مِن أنْ يُضامَ، فالعِزَّةُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ القُدْرَةِ، وعَبَّرْنَ بِالمُضارِعِ في ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ أيْ عَبْدَها نازِلَةٌ مِنَ افْتِراشِ العَزِيزِ إلى افْتِراشِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ إفْهامًا لِأنَّ الإصْرارَ عَلى المُراوَدَةِ صارَ لَها كالسَّجِيَّةِ؛ والفَتى: الشّابُّ، وقَيَّدَهُ الرُّمّانِيُّ بِالقَوِيِّ، قالَ: وقالَ الزَّجّاجُ: وكانُوا يُسَمَّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى شَيْخًا كانَ أوْ شابًّا، فَفِيهِ اشْتِراكٌ عَلى هَذا ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ ذَلِكَ الفَتى ﴿حُبًّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الحُبِّ، قالَ الرُّمّانِيُّ: شَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ، وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، يُقالُ: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حَتّى أصابَ القَلْبَ، عَنِ السُّدِّيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، وعَنْ [ أبِي -] عَلَيٍّ: وسَطُ القَلْبِ -انْتَهى. والَّذِي قالَ في المُجْمَلِ وغَيْرِهِ أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، وأحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ أبِي عُبَيْدَةَ لَهُ أنَّ حُبَّهُ صارَ شِغافًا لَها، أيْ حِجابًا، أيْ ظَرْفًا مُحِيطًا بِها، وأمّا ”شَعْفُها“ - بِالمُهْمَلَةِ فَمَعْناهُ: غَشّى شَعَفَةَ قَلْبِها، وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: أيْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، مِن شَعْفِ الجِبالِ، وهي رُءُوسُها. ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقِيلَ - (p-٧٢)-وأكَّدَ لِأنَّ مَن رَآهُ عَذَرَها وقَطَعَ بِأنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ في مَحَلِّها عَمِلْنَ عَمَلَها ولَمْ يُضْلِلْنَ فَعْلَها-: ﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ نَعْلَمُ أمْرَها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِها ﴿مُبِينٍ﴾ لِرِضاها لِنَفْسِها بَعْدَ عِزِّ السِّيادَةِ بِالسُّفُولِ عَنْ رُتْبَةِ العَبْدِ،

يوسف 12:31

ودَلَّ بِالفاءِ عَلى أنَّ كَلامَهُنَّ نُقِلَ إلَيْها بِسُرْعَةٍ فَقالَ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ﴾ أيِ امْرَأةُ العَزِيزِ ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ وكَأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِهَذا الكَلامِ أنْ يَتَأثَّرَ عَنْهُ ما فَعَلَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِيُرِينَهُ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مَكْرًا ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ لِتُرِيَهُنَّ ما يَعْذُرْنَها بِسَبَبِهِ فَتَسْكُنُ قالَتُهُنَّ ﴿وأعْتَدَتْ﴾ أيْ هَيَّأتْ وأحْضَرَتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الفُرَشِ اللَّيِّنَةِ والوَسائِدِ الفاخِرَةِ، فَأتَيْنَها فَأجْلَسَتْهُنَّ عَلى ما أعَدَّتْهُ لَهُنَّ ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ﴾ عَلى العُمُومِ ﴿مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ لِيَقْطَعْنَ بِها ما يَحْتاجُ إلى القَطْعِ مِمّا يَحْضُرُ مِنَ الأطْعِمَةِ في هَذا المَجْلِسِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا، وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، إنَّما [كانُوا -] يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: لِيَقْطَعْنَ فاكِهَةً قُدِّمَتْ إلَيْهِنَّ - انْتَهى. هَذا الظّاهِرُ مِن عِلَّةِ إتْيانِهِنَّ وباطِنُهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِنَّ بِما لا يَجِدْنَ لَهُ مَدْفَعًا مِمّا يَتَأثَّرُ عَنْ ذَلِكَ ﴿وقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ فَتاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٧٣)﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فامْتَثَلَ لَهُ ما أمَرَتْهُ بِهِ كَما هو دَأْبُهُ [مَعَها ] في كُلِّ ما لا مَعْصِيَةَ فِيهِ، وبادَرَ الخُرُوجَ عَلَيْهِنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ أيِ النِّسْوَةِ ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ أعْظَمْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِدًّا إعْظامًا كَرَبِّهِنَّ ﴿وقَطَّعْنَ﴾ أيْ جُرِحْنَ جِراحاتٍ كَثِيرَةٍ ﴿أيْدِيَهُنَّ﴾ وعادَ لَوْمُهُنَّ عُذْرًا، والتَّضْعِيفُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ، فَكَأنَّ السِّكِّينَ كانَتْ تَقَعُ عَلى يَدِ إحْداهُنَّ فَتَجْرَحُها فَتَرْفَعُها عَنْ يَدِها بِطَبْعِها، ثُمَّ يَغْلِبُها الدَّهَشُ فَتَقَعُ عَلى مَوْضِعٍ آخَرَ وهَكَذا ﴿وقُلْنَ حاشَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا عَظِيمًا جِدًّا ”لِلَّهِ“ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ الَّتِي خَلَقَ بِها مِثْلَ هَذا. ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا التَّنْزِيهِ تَعْظِيمُهُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ لِأنَّهُ فاقَ البَشَرَ في الحُسْنِ جِدًّا، وأعْرَضَ عَنِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، نَراها مانِعَةً لَهُ [لِأنَّهُ -] في غايَةِ القُوَّةِ والفُحُولِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما هُوَ؟ فَقُلْنَ: ”إنَّ“ أيْ ما ”هَذا“ أيْ في هَذا الحُسْنِ والجَمالِ، وأعَدْنَ الإشارَةَ دَفْعًا لِإمْكانِ الغَلَطِ ﴿إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وذَلِكَ لَمّا رَكَّزَ في الطِّباعِ مِن نِسْبَةِ كُلِّ مَعْنًى فائِقٍ [إلى -] المَلائِكَةِ مِنَ الحُسْنِ والعِفَّةِ وغَيْرِهِما (p-٧٤)وإنْ كانُوا [غَيْرَ -] مَرْئِيَّيْنِ، كَما رَكَّزَ فِيها نِسْبَةً ضِدَّ ذَلِكَ إلى الجِنِّ والشَّياطِينِ،

يوسف 12:32

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَتْ لَهُنَّ امْرَأةُ العَزِيزِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ أيِ الفَتى العالِي الرُّتْبَةِ جِدًّا ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ولَمّا عَلِمَتْ أنَّهُنَّ عَذَرْنَها، قالَتْ مُؤَكِّدَةً اسْتِلْذاذًا بِالتَّهَتُّكِ في حُبِّهِ: ”ولَقَدْ“ أيْ أقُولُ هَذا والحالُ أنِّي واللَّهِ لَقَدْ تَحَقَّقَ أنِّي ﴿راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ لِأصِلَ إلَيْهِ بِما أُرِيدُ ”فاسْتَعْصَمَ“ أيْ فَأوْجَدَ العِصْمَةَ والِامْتِناعَ عَلَيَّ فاشْتَدَّ اعْتِصامُهُ، وما أنا بِراجِعَةٍ عَنْهُ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَتْهُ وهو يَسْمَعُ لِيَلِينَ، فَقالَتْ لَهُنَّ مُؤَكِّدَةً لِأنَّ حالَ حُبِّها يُوجِبُ الإنْكارَ لِأنْ تَفْعَلَ ما يُؤْذِي المَحْبُوبَ: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ﴾ أيْ هَذا الفَتى الَّذِي قامَ عُذْرِي عِنْدَكُنَّ [فِيهِ -] ﴿ما أمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] أيْ أمْرِي ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أيْ لِيَمْنَعْنَ مِنَ التَّصَرُّفِ بِالحَبْسِ بِأيْسَرَ سَعْيٍ مِنِّي. ولَمّا كانَ عَزْمُها عَلى السَّجْنِ أقْوى مِنَ العَزْمِ عَلى إيقاعِ الصِّغارِ بِهِ، أكَّدَتْهُ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ وقالَتْ: ﴿ولَيَكُونًا﴾ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أيِ الأذِلّاءِ، أوْ أنَّ الزِّيادَةَ في تَأْكِيدِ السَّجْنِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ إبْعادُهُ، وإبْعادُ الحَبِيبِ (p-٧٥)أوْلى بِالإنْكارِ مِن إهانَتِهِ، فَقالَ لَهُ النِّسْوَةُ: أطِعْها لِئَلّا تَسْجُنُكَ وتُهِينُكَ،

يوسف 12:33

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قال؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ يَهْتِفُ بِمَن فَنى بِشُهُودِهِ عَنْ كُلِّ مَشْهُودٍ، دافِعًا عَنْ نَفْسِهِ ما ورَدَ عَلَيْهِ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ في أمْرِ جَمالِها وأمْرِ رِئاسَتِها ومالِها، ومِن مَكْرِ النِّسْوَةِ اللّاتِي نَوَّعْنَ لَهُ القَوْلَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ عالِمًا بِأنَّ القُوَّةَ البَشَرِيَّةَ تَضْعُفُ عَنْ [حَمَلَ -] مِثْلِ هَذا إلّا بِتَأْيِيدٍ عَظِيمٍ، مُسْقِطًا لِلْأداةِ عَلى عادَةِ أهْلِ القُرْبِ: ﴿رَبِّ السِّجْنُ﴾ وهو مُحِيطٌ مانِعٌ مِنَ الِاضْطِرابِ فِيما خَرَجَ عَنْهُ ﴿أحَبُّ إلَيَّ﴾ أيْ أقَلَّ بُغْضًا ﴿مِمّا يَدْعُونَنِي﴾ أيْ هَؤُلاءِ النِّسْوَةُ كُلُّهُنَّ ”إلَيْهِ“ لِما عَلِمَ مِن سُوءِ عاقِبَةِ المَعْصِيَةِ بَعْدَ سُرْعَةِ انْقِضاءِ اللَّذَّةِ، وهَذِهِ العِبارَةُ تَدُلُّ عَلى غايَةِ البُغْضِ لِمُوافَقَتِها، فَإنَّ السِّجْنَ لا يَتَصَوَّرُ حُبُّهُ عادَةً، وإنَّما المَعْنى أنَّهُ لَوْ كانَ يَتَصَوَّرُ المَيْلَ إلَيْهِ كانَ مَيْلِي إلَيْهِ أكْثَرَ، لَكِنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ المَيْلَ إلَيْهِ لِأنَّهُ شَرٌّ مَحْضٌ، ومَعَ ذَلِكَ فَأنا أُوَثِّرُهُ عَلى ما دَعَوْنَنِي إلَيْهِ، لِأنَّهُ أخَفُّ الضَّرَرَيْنِ، والحاصِلُ أنَّهُ أطْلَقَ المَحَبَّةَ عَلى ما يُضادُّها في هَذا السِّياقِ مِنَ البُغْضِ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: السِّجْنُ أقَلُّ بُغْضًا إلى [مِمّا تَدْعُونَنِي إلَيْهِ -]، وذَلِكَ هو ضِدُّ ”أحَبَّ“ الَّذِي مَعْناهُ أكْثَرُ (p-٧٦)حُبًّا، ولَكِنْ حَوَّلَتِ العِبارَةُ لِيَكُونَ كَدَعْوى الشَّيْءِ مَقْرُونًا بِالدَّلِيلِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فُوضِلَ في المَحَبَّةِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ أحَدُهُما مَقْطُوعٌ بِبُغْضِهِ، فُهِمَ قَطْعًا أنَّ المُرادَ إنَّما هو أنَّ بُغْضَ هَذا البَغِيضِ دُونَ بُغْضِ المَفْضُولِ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ ذَلِكَ يَظُنُّ حُبَّهُ أبْغَضَ مِن هَذا المَقْطُوعِ بِبُغْضِهِ، وكَذا كُلُّ ما فُوضِلَ بَيْنَهُما في وصْفٍ يُمْنَعُ مِن حَمْلِهِ عَلى الحَقِيقَةِ كَوْنُ المُفَضَّلِ مُتَحَقِّقًا بِضِدِّهِ - واللَّهُ المُوَفَّقُ؛ والدُّعاءُ: طَلَبُ الفِعْلِ مِنَ المَدْعُوِّ، وصِيغَتُهُ كَصِيغَةِ الأمْرِ [إلّا أنَّ الدُّعاءَ لِمَن فَوْقُكَ، والأمْرُ لِمَن دُونُكَ -] ﴿وإلا تَصْرِفْ﴾ أيْ أنْتَ يا رَبُّ الآنَ وفِيما يَسْتَقْبِلُ مِنَ الزَّمانِ، مُجاوِزًا ﴿عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أيْ ما قَدِ التَبَسَ مِن مَكْرِهِنَّ وتَدْبِيرِهِنَّ الَّذِي يُرِدْنَ بِهِ الخُبْثَ احْتِيالًا عَلى الوُصُولِ إلى قَصْدِهِنَّ خَدِيعَةً وغُرُورًا ”أصُبُّ“ أيْ أمِلْ مَيْلًا عَظِيمًا ”إلَيْهِنَّ“ لِما جُبِلَ الآدَمِيُّ عَلَيْهِ مِنَ المَيْلِ النَّفْسانِيِّ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، ومَتى انْخَرَقَ سِياجُ صِيانَتِهِ بِواحِدَةٍ تَبِعَها أمْثالُها، واتَّسَعَ الخَرْقُ عَلى الرّاقِعِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وأكُنْ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيِ الغَرِيقَيْنِ في الجَهْلِ بِارْتِكابِ مِثْلِ أفْعالِهِمْ

يوسف 12:34

﴿فاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ أوْجَدَ المُحْسِنُ إلَيْهِ إيجادًا عَظِيمًا (p-٧٧)إجابَةُ دُعائِهِ الَّذِي تَضِمَّنَهُ هَذا الثَّناءُ، لِأنَّ الكَرِيمَ يُغْنِيهِ التَّلْوِيحُ عَنِ التَّصْرِيحِ - كَما قِيلَ: إذا أثْنى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا كَفاهُ مَن تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ وفَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى إكْرامًا لَهُ وتَحْقِيقًا لِما سَبَقَ مِن وعْدِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ [يوسف: ٢٤] الآيَةُ ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ أيْ لِلْأقْوالِ ﴿العَلِيمُ﴾ بِالضَّمائِرِ والنِّيّاتِ، فَيُجِيبُ ما صَحَّ فِيهِ القَصْدُ وطابَ مِنهُ العَزْمُ.

يوسف 12:35

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ مُوجِبَةً لِرِفْعَتِهِ، فَكانَ حِينَئِذٍ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ السِّجْنِ لَوْ كانَ النّاسُ مُتَمَكِّنِينَ مِن جَرْيِ أُمُورِهِمْ عَلى حَسَبِ السَّدِيدِ مِن عُقُولِهِمْ، أخْبَرَ تَعالى أنَّهم خالَفُوا داعِيَ السَّدادِ واسْتَبْدَلُوا الغَيَّ بِالرَّشادِ، لِحُكْمِهِ بِأنَّ السَّجْنَ سَبَبٌ عَظِيمٌ لِصَرْفِ كَيْدِهِنَّ عَنْهُ وإثْباتِ العِزِّ والمُكْنَةِ لَهُ، فَفَعَلُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ وسَفَهٌ - إجابَةٌ لِغالِبِ أمْرِ اللَّهِ وإظْهارًا لِعَلِيِّ قَدْرِهِ بِمُخالَفَةِ العَوائِدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وهَدْمُ سَدادِ الأسْبابِ كُرَةٌ إثْرَ كُرَةٍ؛ فَقالَ: ”ثُمَّ“ لِهَذا المَعْنى، وهو أنَّهم كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا [مِن -] سِجْنِهِ في (p-٧٨)غايَةِ البُعْدِ ”بَدا“ أيْ ظَهَرَ بَعْدَ الخَفاءِ كَما هي عادَتُهم ﴿لَهُمْ﴾ والبَداءُ في الرَّأْيِ: التَّلَوُّنُ فِيهِ لِظُهُورِ ما لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنهُ. ولَمّا كانَ [ذَلِكَ -] الظُّهُورُ في حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ تَلَوَّنُوا بَعْدَهُ إلى رَأْيٍ آخَرَ، أدْخَلَ الجارَ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما رَأوُا﴾ أيْ رُؤْيَتِهِمْ ﴿الآياتِ﴾ القاطِعَةُ بِبَراءَتِهِ القاضِيَةِ بِنَزاهَتِهِ مِن قَدِّ القَمِيصِ وشَهادَةِ الشّاهِدِ وغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ فاعِلُ ”بِداءَ“ رَأْيٍ، فَسَرَّهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا، لِأنَّهُ لا يُصَدِّقُ أنَّ الإنْسانَ يَفْعَلُ ما ظَهَرَ لَهُ المانِعُ مِنهُ:﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ فَيَمْكُثُ في السِّجْنِ ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى أنْ تَنْسى تِلْكَ الإشاعَةَ، ويُظْهِرَ النّاسُ أنَّها [لَوْ -] كانَتْ تُحِبُّهُ ما سَعَتْ في سِجْنِهِ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ الحِينَ سَبْعُ سِنِينَ، قِيلَ: كانَ سَبَبُ ذَلِكَ أنَّها قالَتْ لِلْعَزِيزِ: إنَّ هَذا قَدْ فَضَحَنِي في النّاسِ وهو يَعْتَذِرُ إلَيْهِمْ ويَصِفُ الأمْرَ كَما يُحِبُّ، وأنا مَحْبُوسَةٌ، فَإمّا أنْ تَأْذَنَ لِي فَأخْرَجَ فَأعْتَذِرُ كَما يَعْتَذِرُ، وإمّا أنْ تُسَوِّيَهُ بِي ] في السِّجْنِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (p-٧٩)فَأُمِرَ بِهِ فَحُمِلَ عَلى حِمارٍ وضُرِبَ أمامَهُ بِالطَّبْلِ، ونُودِيَ عَلَيْهِ في أسْواقِ مِصْرَ أنْ يُوسُفَ العِبْرانِيَّ أرادَ سَيِّدَتَهُ، فَهَذا جَزاءَهُ أنْ يُسْجَنَ! قالَ أبُو صالِحٍ: ما ذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما هَذا الحَدِيثَ إلّا بَكى - انْتَهى. وهَذا دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ في كِتابِ اللَّوامِعِ: وعَلى الجُمْلَةِ فَكُلُّ أحْوالِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لُطْفٌ في عُنْفٍ، ونِعْمَةٌ في طَيِّ بَلِيَّةٍ ونِقْمَةٍ، ويُسْرٍ في عُسْرٍ، ورَجاءٍ في يَأْسٍ، وخَلاصٍ بَعْدَ لاتَ مَناصٍ، وسائِقُ القَدَرِ رُبَّما يَسُوقُ القَدَرَ إلى المَقْدُورِ بِعُنْفٍ، ورُبَّما يَسُوقُهُ بِلُطْفٍ، والقَهْرُ والعُنْفُ أحْمَدُ عاقِبَةً وأقَلُّ تَبِعَةً - انْتَهى.

يوسف 12:36

ولَمّا ذَكَرَ السِّجْنَ، وكانَ سَبَبًا ظاهِرًا في الإهانَةِ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يَقُصُّ مِن أمْرِهِ فِيهِ ما حاصِلُهُ أنَّهُ جَعَلَهُ سَبَبَ الكَرامَةِ، كُلُّ ذَلِكَ بَيانًا لِلْغَلَبَةِ عَلى الأمْرِ والِاتِّصافِ بِصِفاتِ القَهْرِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن بَيانٍ تَحَقَّقَ ما تَقَدَّمَ بِهِ الوَعْدُ الوَفِيُّ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الحُكْمِ، فَقالَ تَعالى: ﴿ودَخَلَ﴾ أيْ فَسَجَنُوهُ كَما بَدا لَهم (p-٨٠)ودَخَلَ ﴿مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ خَبّازُ المَلِكِ وساقِيهِ، ورَفَعَ إلَيْهِ أنَّ الخَبّازَ أرادَ أنْ يَسِمَهُ، وظَنَّ أنَّ السّاقِيَ مالَأهُ عَلى ذَلِكَ، و”مَعَ“ تَدَلُّ عَلى الصُّحْبَةِ واسْتِحْداثِها، فَهي تَدُلُّ عَلى دُخُولِ الثَّلاثَةِ السِّجْنَ في آنٍ واحِدٍ - قالَهُ أبُو حَيّانَ، فَلَمّا دَخَلُوا السِّجْنَ كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْسِنُ إلى أهْلِهِ فَيُسَلِّي حَزِينَهُمْ، ويَعُودُ مَرِيضَهُمْ، ويَسْألُ لِفَقِيرِهِمْ، ويَهْدِيهِمْ إلى الخَيْرِ، ويُذَكِّرُهم بِاللَّهِ، فَمالَتْ إلَيْهِ القُلُوبُ وكَلَّفَتْ بِهِ النُّفُوسُ لِحُسْنِ حَدِيثِهِ ولِطِيَفٌ تَأْتِيهِ وما جَبّاهُ اللَّهُ [بِهِ -] مِنَ الفَضْلِ والنُّبْلِ وحُسْنِ الخُلُقِ والخَلْقِ، وكانَ في السِّجْنِ ناسٌ قَدِ انْقَطَعَ رَجاءَهم واشْتَدَّ بَلاءَهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْفُقُ بِهِمْ حَتّى قالُوا: بارَكَ اللَّهُ فِيكَ! ما أحْسَنَ وجْهَكَ وأحْسَنَ خَلْقَكَ وأحْسَنَ حَدِيثَكَ! لَقَدْ بُورِكَ لَنا في جِوارِكَ، ما نُحِبُّ أنّا كُنّا في غَيْرِ هَذا لِما تُخْبِرْنا بِهِ مِنَ الأجْرِ والكَفّارَةِ والثَّوابِ والطَّهارَةِ، مَن أنْتَ يا فَتى؟ فَأخْبَرَهم بِنَسَبِهِ الشَّرِيفِ، فَقالَ عامِلُ السِّجْنِ: لَوِ اسْتَطَعْتُ لَخَلَّيْتُ سَبِيلَكَ! ولَكِنْ سَأُحْسِنُ جِوارَكَ وإيثارَكَ، وأحَبَّهُ الفَتَيانِ ولَزِماهُ فَقالَ: أنْشُدُكَما اللَّهَ أنْ تُحِبّانِي، فَواللَّهِ ما أحَبَّنِي أحَدٌ قَطُّ إلّا دَخَلَ عَلَيَّ مِن جِهَتِهِ بَلاءٌ! لَقَدْ أحَبَّتْنِي عَمَّتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن جِهَتِها بَلاءٌ، ثُمَّ أحَبَّنِي أبِي فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن جِهَتِهِ بَلاءٌ، (p-٨١)ثُمَّ أحَبَّتْنِي زَوْجَةُ صاحِبِي [هَذا -] فَدَخَلَ عَلَيَّ مِن جِهَتِها بَلاءٌ، فَلا تُحِبّانِي، فَأبَيا إلّا حُبَّهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ شَيْءٍ اتَّفَقَ لَهُما بَعْدَ الدُّخُولِ مَعَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أحَدُهُما﴾ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَعَلَّ التَّأْكِيدَ إمّا لِأنَّهُ كانَتْ عادَتُهُما المَزْحَ، وإمّا لِأنَّهُما ما رَأيا شَيْئًا - كَما قالَ الشَّعْبِيُّ - وإنَّما صَنَّفا هَذا لِيَخْتَبِراهُ [بِهِ -] ﴿إنِّي أرانِي﴾ حَكى الحالَ الماضِيَةَ في المَنامِ ”أعْصِرُ“ والعَصْرُ: الِاعْتِمادُ عَلى ما فِيهِ مائِيَّةٌ لِيَحْتَلِبَ مِنهُ ﴿خَمْرًا﴾ أيْ عِنَبًا يَؤُلُ إلى الخَمْرِ ”وقالَ الآخَرُ“ مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى ﴿إنِّي أرانِي أحْمِلُ﴾ والحَمْلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ بِعِمادِ نَقْلِهِ ﴿فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ أيْ طَعامًا مُهَيَّأً لِلْأكْلِ بِالخُبْزِ، وهو عَمَلُ الدَّقِيقِ المَعْجُونِ بِالبَسْطِ واللَّزْقِ في حامٍ بِالنّارِ حَتّى يَصْلُحَ لِلْأكْلِ ﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ﴾ وسَيَأْتِي شَرْحُ الرُّؤْيا مِنَ التَّوْراةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا تُرِيدانِ مِنَ الإخْبارِ بِهَذا؟ فَقالا: ”نَبِّئْنا“ أيْ أخْبِرْنا إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ ما يَرْجِعُ أمْرُهُ ويَصِيرُ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما يُدْرِيكُما أنِّي أعْرِفُ تَأْوِيلَهُ؟ فَقالا: ﴿إنّا نَراكَ﴾ عَلى حالِ عِلْمِنا بِها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ أنَّكَ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في وصْفِ الإحْسانِ لِكُلِّ أمْرٍ تُعانِيهِ، فَلِذَلِكَ لاحَ لَنا أنَّكَ تُحْسِنُ التَّأْوِيلَ قِياسًا،

يوسف 12:37

فَلَمّا رَآهُما بَصِيرَيْنِ بِالأُمُورِ ﴿قالَ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ يَعْرِفُ (p-٨٢)ذَلِكَ وأدَقَّ مِنهُ، لِيَقْبَلا نُصْحَهُ فِيما هو [أهَمُّ ] المُهِمُّ لِكُلِّ أحَدٍ، - وهو ما خُلِقَ العِبادُ لَهُ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى اللَّهِ - لِتَفْرِيغِهِما لِلْفَهْمِ لِكَلامِهِ والقَبُولِ لِكُلِّ ما يُلْقِيهِ لِاحْتِياجِهِما إلى إفْتائِهِما، مُؤَكِّدًا ما وصَفاهُ بِهِ مِنَ الإحْسانِ بِما اتَّبَعَهُ مِن وصْفِ نَفْسِهِ بِالعِلْمِ، انْتِهازًا لِفُرْصَةِ النَّصِيحَةِ عِنْدَ هَذا الإذْعانِ بِأعْظَمِ ما يَكُونُ النُّصْحُ بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ في عِبادَةِ الخالِقِ والإعْراضِ عَنِ الشِّرْكِ، فَعَلى كُلِّ ذِي عِلْمٍ إذا احْتاجَ إلى سُؤالِهِ أحَدٌ أنْ يُقْدِمَ عَلى جَوابِهِ نُصْحَهُ بِما هو الأهَمُّ لَهُ، ويَصِفُ لَهُ نَفْسَهُ بِما يُرَغِّبُهُ في قَبُولِ عِلْمِهِ إنْ كانَ الحالُ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ التَّزْكِيَةِ [بَلْ -] مِنَ الإرْشادِ إلى الِائْتِمامِ بِهِ بِما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ فَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ: ﴿لا يَأْتِيكُما﴾ أيْ في اليَقَظَةِ ”طَعامٌ“ وبَيَّنَ أنَّهُ خاصٌّ بِهِما دُونَ أهْلِ السِّجْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿تُرْزَقانِهِ﴾ بَناهُ [لِلْمَفْعُولِ -] تَعْمِيمًا ﴿إلا نَبَّأْتُكُما﴾ أيْ أخْبَرَتْكُما إخْبارًا جَلِيلًا عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِهِ وبِما يَؤُولُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ أمْرُهُ. ولَمّا كانَ البَيانُ في جَمِيعِ الوَقْتِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ الطَّعامِ الَّذِي قَبْلَهُ، نَزَعَ الخافِضَ فَقالَ: ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾ أيْ أخْبَرْتُكُما بِأنَّهُ يَأْتِيكُما طَعامُ كَذا، فَيَكُونُ سَبَبًا لِكَذا، فَإنَّ المُسَبِّبَ النّاشِئَ عَنِ (p-٨٣)السَّبَبِ هو المالُ. ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ مِنَ العِلْمِ بِما يَدْعُو كُلُّ ذِي هِمَّةٍ إلى السَّعْيِ في الأسْبابِ الَّتِي حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ بِها لِيَصِيرَ مَثَلَهُ أوْ يَقْرُبَ مِنهُ، وكانَ مَحَلَّ أنْ يُقالَ: مَن عِلْمِكَ ذَلِكَ؟ قالَ مُرْشِدًا إلى اللَّهِ داعِيًا إلَيْهِ أحْسَنَ دُعاءٍ بِما تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الطَّمَعِ في الفَضْلِ: ﴿ذَلِكُما﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ؛ ونَبَّهَ عَلى غَزارَةِ عِلْمِهِ بِالتَّبْعِيضِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ أيِ المُوجِدِ لِي والمُرَبِّي لِي والمُحْسِنِ إلَيَّ، ولَمْ أقُلْهُ عَنْ تَكَهُّنٍ ولا تَنَجُّمٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لِغَيْرِكَ لا يَعْلَمُهُ مِثْلَ ما عَلَّمَكَ؟ فَقالَ مُعَلِّلًا لَهُ مُطْمِعًا كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهُ في فَضْلِ اللَّهِ، مُؤَكِّدًا إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ يَحِقُّ لِمِثْلِهِ أنْ يَفْعَلَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ﴾ أيْ وإنْ كانُوا أقْوِياءَ عَلى مُحاوَلَةِ ما يُرِيدُونَ، فَلِذَلِكَ قَدَرُوا عَلى أذايَ وسَجْنِي بَعْدَ رُؤْيَةِ الآياتِ الشّاهِدَةِ لِي، ونَبَّهَ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ إلّا مَن لا يَحْسَبُ العاقِبَةَ بِوَجْهٍ، فَقالَ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الإيمانَ لِما لَهم مِنَ العَراقَةِ في الكُفْرِ ”بِاللَّهِ“ أيِ المُلْكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا يَخْفى أمْرُهُ عَلى ذِي لُبٍّ مِن أهْلِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ؛ ثُمَّ لَوَّحَ إلى التَّحْذِيرِ مِن يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي (p-٨٤)لا يُغْنِي فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّ الكُفْرَ بِهِ هو القاطِعُ عَنِ العِلْمِ وعَنْ كُلِّ خَيْرٍ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَأْكِيدًا [عَظِيمًا -]، إشارَةً إلى أنَّ أمْرَهم يَنْبَغِي أنْ يُنْكِرَهُ كُلُّ مَن يَسْمَعُهُ، ولا يُصَدِّقُهُ، لِما عَلى الآخِرَةِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ جِدًّا المُوجِبَةِ لِئَلّا يُكَذِّبَ بِهِ أحَدٌ: ﴿وهم بِالآخِرَةِ﴾ أيِ الدّارُ الَّتِي لا بُدَّ مِنَ الجَمْعِ إلَيْها، لِأنَّها مَحَطُّ الحِكْمَةِ ”هُمْ“ أيْ بِضَمائِرِهِمْ كَما هم بِظَواهِرِهِمْ، وفي تَكْرِيرِ الضَّمِيرِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ اخْتَصُّوا بِهَذا الجَهْلِ، وأنَّ غَيْرَهم وقَفُوا عَلى الهُدى ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في التَّغْطِيَةِ لَها، فَلِذَلِكَ أظْلَمَتْ قُلُوبُهم فَكانُوا صُوَرًا لا مَعانِيَ لَها؛ والمِلَّةُ: مَذْهَبُ جَماعَةٍ يَحْمِي بَعْضُها لِبَعْضٍ في الدِّيانَةِ، وأصْلُهُ مِنَ المَلِيلَةِ، وهي حُمّى تَلْحَقُ الإنْسانَ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ. [و -] في القامُوسِ إنَّ المَلِيلَةَ: الحُرُّ الكامِنُ في العَظْمِ. وعَبَّرَ بِـ ”تَرَكَتْ“ مَوْضِعُ ”تَجَنَّبَتْ“ مَثَلًا مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُلابِسْ تِلْكَ المِلَّةِ قَطُّ، تَأْنِيسًا لَهُما واسْتِدْراجًا إلى تَرْكِهِما؛

يوسف 12:38

ثُمَّ [اتَّبَعَ -] ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى شَرَفِ أصْلِهِ وقَدَّمَ فَضْلَهُ بِأنَّهُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الفُتُوَّةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى قَبُولِ كَلامِهِ وإصابَةِ (p-٨٥)سِهامِهِ [وإفْضاءِ مَرامِهِ -]، فَقالَ: ﴿واتَّبَعْتُ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِي ورَغْبَتِي ﴿مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلُ اللَّهِ، وهو جَدُّ أبِيهِ ”وإسْحاقُ“ ابْنُهُ نَبِيُّ اللَّهِ وهو جَدُّهُ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ أبِيهِ إسْرائِيلُ: اللَّهُ. وهو أبُوهُ حَقِيقَةً، وتِلْكَ هي الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ الَّتِي هي المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ مِن غَيْرِ جُمُودٍ مَعَ هَوًى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّ النّاسِ أكْرَمُ؟ قالَ: أكْرَمُهم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاهُمْ، قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ. قالَ: [فَأكْرَمُ النّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ: ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ، قالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذا نَسْألُكَ، قالَ -]: فَعَنْ مَعادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فَخِيارُكم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُكم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا» فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما تِلْكَ المِلَّةُ؟ فَقالَ: ﴿ما كانَ لَنا﴾ أيْ ما صَحَّ وما اسْتَقامَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِما عِنْدَنا مِن نُورِ العِلْمِ الَّذِي لَمْ يَدَعْ عِنْدَنا لِبْسًا بِوَجْهٍ أصْلًا ﴿أنْ نُشْرِكَ﴾ أيْ نُجَدِّدُ في وقْتٍ ما شَيْئًا مِن إشْراكٍ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ [فَقالَ -]: (p-٨٦)﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ بِما شَرَعَهُ لَنا مِنَ الدِّينِ القَوِيمِ كانَتْ مِلَّتُنا التَّوْحِيدُ، ومِنَ التَّأْكِيدِ العُمُومُ في سِياقِ النَّفْيِ، لِيَعُمَّ ذَلِكَ كُلَّ شَيْءٍ مِن عاقِلِ مَلِكٍ أوْ إنْسِيٍّ أوْ جِنِيٍّ أوْ غَيْرِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما يَعْرِفُ بِهِ أنَّهُ كَما وجَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وجَبَ عَلى كُلِّ أحَدٍ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ كانَ هَذا الِانْتِفاءُ أوْ ذَلِكَ التَّشْرِيعُ - لِلْمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ وتَسْهِيلِها وجَعَلَ الفِطَرَ الأُولى مُنْقادَةً لَها مُقْبِلَةً عَلَيْها - العَلِيُّ الشَّأْنِ العَظِيمُ المِقْدارِ“مِن" أجْلِ ﴿فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿عَلَيْنا﴾ خاصَّةً ﴿وعَلى النّاسِ﴾ الَّذِينَ هم إخْوانُنا في النَّسَبِ عامَّةً، فَنَحْنُ وبَعْضُ النّاسِ شَكَرْنا اللَّهَ، فَقَبِلْنا ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْنا، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا؛ والفَضْلُ: النَّفْعُ الزّائِدُ عَلى مِقْدارِ الواجِبِ، فَكُلُّ عَطاءِ اللَّهِ فَضْلٌ، فَإنَّهُ لا واجِبَ عَلَيْهِ، فَكانَ لِذَلِكَ واجِبًا عَلى كُلِّ أحَدٍ إخْلاصُ التَّوْحِيدِ لَهُ شُكْرًا عَلى فَضْلِهِ لِما تَظافَرَ عَلَيْهِ دَلِيلا العَقْلِ والنَّقْلِ مِن أنَّ شُكْرَ المُنْعِمِ واجِبٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ [أيْ -] لِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ مَعَ الهَوى عَمُوا عَنْ هَذا الواجِبِ، فَهم ﴿لا يَشْكُرُونَ﴾ فَضْلَهُ بِإخْلاصِ العَمَلِ لَهُ ويُشْرِكُونَ بِهِ إكْراهًا لِفِطَرِهِمُ الأُولى، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ نَفْيَ الشِّرْكِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى وُجُودِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ نَفْيَ الشُّكْرِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى (p-٨٧)حَذْفِ إثْباتِهِ أوَّلًا.

يوسف 12:39

ولَمّا أقامَ لَهُمُ الدَّلِيلَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَنِيفِيِّ تَبَعًا لِخُلاصَةِ الخَلْقِ، بِما تَقَرَّرَ في الأذْهانِ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُنْعِمُ وحْدَهُ سُبْحانَهُ فَيَجِبُ شُكْرُهُ، بَعْدَ أنْ قَرَّرَ لَهم أمْرَ نُبُوَّتِهِ وأقامَ دَلِيلَها بِما يُخْبِرُهم بِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ، ودَعاهم إلى ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وهو الإسْلامُ، وكانَ أكْثَرَ الخَلْقِ إلّا الفَذُّ النّادِرُ يُقِرُّونَ بِالإلَهِ الحَقِّ، ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ بِهِ بَعْضَ خَلْقِهِ، أتْبَعَهُ بِرِهانَ التَّمانُعِ عَلى فَسادِ كُلِّ مِلَّةٍ غَيْرِ الإسْلامِ الَّذِي يُطابِقُ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ كُلُّهُمْ، تَأْيِيدًا لِأدِلَّةِ النَّقْلِ بِقاطِعِ العَقْلِ، [فَقالَ -] مُنادِيًا لَهُما بِاسْمِ الصُّحْبَةِ بِالأداةِ الَّتِي تُقالُ عِنْدَ ما لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ في النُّفُوسِ في المَكانِ الَّذِي تُخْلِصُ فِيهِ المَوَدَّةُ، وتُمَحَّضُ فِيهِ النَّصِيحَةُ، وتُصَفِّي فِيهِ القُلُوبَ، ويَتَعَمَّدُ الإخْلاصُ رَجاءَ الخَلاصِ -: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ والصُّحْبَةُ: مُلازَمَةُ اخْتِصاصٍ كَأصْحابِ الشّافِعِيِّ مَثَلًا، لِمُلازَمَةِ الِاخْتِصاصِ بِمَذْهَبِهِ، وهي خِلافُ مُلازَمَةِ الِاتِّصالِ. ولَمّا فَرَغَ أفْهامُهُما بِالنِّداءِ لِما يُلْقِيهِ، قَرْعُ أسْماعِهِما بِالإنْكارِ مَعَ التَّقْرِيرِ فَقالَ: ﴿أأرْبابٌ﴾ أيْ آلِهَةٌ ﴿مُتَفَرِّقُونَ﴾ مُتَبايِنُونَ بِالذَّواتِ والحَقائِقِ تُشاهِدُونَهم مُحْتاجِينَ إلى المَكانِ مَعَ كَوْنِهِمْ جَمادًا، ولَوْ كانُوا أحْياءً لَأمْكَنَ تَمانُعُهُمْ، فَأدّى إلى إمْكانِ عَجْزِ كُلٍّ مِنهُمُ القاطِعُ بِعَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِلْإلَهِيَّةِ (p-٨٨)﴿خَيْرٌ﴾ أيْ أعْظَمُ في صِفَةِ المَدْحِ وأوْلى بِالطّاعَةِ ﴿أمِ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿الواحِدُ﴾ بِالذّاتِ، فَهو لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ أصْلًا ﴿القَهّارُ﴾ لِكُلِّ شَيْءٍ، لا يَزالُ قَهْرُهُ يَتَكَرَّرُ أبَدًا، فَهَذا بُرْهانٌ لا خَطَأ بِهِ كَما ظَنَّ، وأبْرَزَهُ ﷺ عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ اسْتِجْلابًا لِلسّامِعِ بَرَدَ العَلَمُ إلَيْهِ، وسَمّاها أرْبابًا لِمِثْلِ ذَلِكَ بِناءً عَلى زَعْمِهِمْ، وكَذا المُشارَكَةُ في أفْعَلِ التَّفْضِيلِ، لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى الإنْصافِ، لِكَوْنِهِ ألْيَنَ في القَوْلِ، فَيَكُونُ أدْعى إلى القَبُولِ.

يوسف 12:40

ولَمّا كانَ الجَوابُ لِكُلِّ مَن يَعْقِلُ: اللَّهُ خَيْرٌ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِجَزْمِ القَوْلِ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِفْهامُ في سَلْبِ صَلاحِيَتِهِمْ قَبْلَ هَذا الإمْكانِ بِعَدَمِ حَياتِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ حَياتِهِمْ بِعَجْزِهِمْ، فَقالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ والعِبادَةُ: خُضُوعٌ بِالقَلْبِ في أعْلى مَراتِبِ الخُضُوعِ، وبَيْنَ حَقارَةِ مَعْبُوداتِهِمْ وسُفُولِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيِ [اللَّهُ -] الَّذِي قامَ بُرْهانُ التَّمانُعِ - الَّذِي هو البُرْهانُ الأعْظَمُ - عَلى إلَهِيَّةٍ وعَلى اخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ ﴿إلا أسْماءً﴾ وبَيَّنَ ما يُرِيدُ وأوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيْ ذَواتٍ أوْجَدْتُمْ لَها أسْماءَ ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ لا مَعانِيَ [لَها -]، لِأنَّهُ لا أرْواحَ لَها فَضْلًا عَنْ أنْ تَتَحَقَّقَ بِمَعْنى ما سَمَّيْتُمُوها بِهِ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وإنْ كانَ لَها أرْواحٌ فَهي مُنْتَفٍ عَنْها خاصَّةً الإلَهِيَّةُ، وهي الكَمالُ المُطْلَقُ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ (p-٨٩)إحاطَةَ العِلْمِ والقُدْرَةِ. ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ وصْفَ الكِتابِ بِالإبانَةِ لِلْهُدى، وكانَ نَفْيُ الإنْزالِ كافِيًا في الإبانَةِ، لِأنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ باطِلَةٌ، ولَمْ يَكُنْ في السِّياقِ كالأعْرافِ مُجادَلَةً تُوجِبُ مُماحَكَةً ومُماطَلَةً ومُعالَجَةً ومُطاوَلَةً، قالَ نافِيًا لِلْإنْزالِ بِأيِّ وصْفٍ كانَ: ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً. فَلا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ”بِها“ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ بُرْهانٍ تَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى تَعْظِيمِها، فانْتَفى تَعْظِيمُها لِذاتِها أوْ لِغَيْرِها، وصارَ حاصِلُ الدَّلِيلِ: لَوْ كانُوا أحْياءً يَحْكُمُونَ لَمْ يَصْلُحُوا لِلْإلَهِيَّةِ، لِإمْكانِ تَمانُعِهِمُ المُؤَدِّي إلى إمْكانِ عَجْزِ كُلٍّ مِنهُمُ المَلْزُومَ لِأنَّهم لا صَلاحِيَةَ فِيهِمْ لِلْإلَهِيَّةِ، لَكِنَّهم لَيْسُوا أحْياءً، فَهم أجْدَرُ بِعَدَمِ الصَّلاحِيَةِ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا حُكْمَ لِمَقْهُورٍ، وأنَّ كُلَّ مَن يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ثانٍ مَقْهُورٌ؛ فَأُنْتِجَ هَذا قَطْعًا أنَّ الحُكْمَ إنَّما هو لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، وهو لَمْ يَحْكم بِتَعْظِيمِها؛ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ”إنَّ“ أيْ ما ﴿الحُكْمُ إلا لِلَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ والحُكْمُ: فَصْلُ الأمْرِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ. ولَمّا انْتَقى الحُكْمُ عَنْ غَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ كافِيًا في وُجُوبِ تَوْحِيدِهِ، رَغْبَةً فِيما عِنْدَهُ، ورَهْبَةً مِمّا بِيَدِهِ، أتْبَعَهُ تَأْكِيدًا لِذَلِكَ وإلْزامًا بِهِ (p-٩٠)أنَّهُ حَكَمَ بِهِ، فَقالَ: ﴿أمَرَ ألا تَعْبُدُوا﴾ أيْ أيُّها الخَلْقُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا إيّاهُ﴾ أيْ وهو النّافِذُ الأمْرَ المُطاعَ الحَكَمَ. ولَمّا قامَ [هَذا -] الدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ البَيِّنِ، كانَ جَدِيرًا بِالإشارَةِ إلى فَضْلِهِ، فَأشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ، تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَقامِهِ وعَظِيمِ شَأْنِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الشَّأْنُ الأعْظَمُ، وهو تَوْحِيدُهُ وإفْرادُهُ عَنْ خَلْقِهِ ﴿الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [أيِ -] الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ فَيَأْتِيهِ الخَلَلُ مِن جِهَةِ عِوَجِهِ، الظّاهِرُ أمْرُهُ لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيْ لِما لَهُمُ الِاضْطِرابُ مَعَ الحُظُوظِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ، لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِعُقُولِهِمْ، فَكَأنَّهم في عِدادِ البَهائِمِ العَجَمِ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ هم لا يُفْرِدُونَ اللَّهَ بِالعِبادَةِ.

يوسف 12:41

ولِما تَمَّ نُصْحُهُ وعَلا قَدَحُهُ بِإلْقائِهِ إلَيْهِما ما كانَ أهَمَّ لَهُما لَوْ عَلِما لِمَآلِهِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والرِّفْعَةِ السَّرْمَدِيَّةِ. أقْبَلَ عَلى حاجَتِهِما تَمْكِينًا لِما ذَكَرَهُ وتَأْكِيدًا لِلَّذِي قَرَّرَهُ، فَناداهُما بِالأداةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ ما بَعْدَها كَلامٌ لَهُ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ لِتَجْتَمِعَ أنْفُسُهُما لِسَماعِ ما يُلْقى إلَيْهِما مِنَ التَّعْبِيرِ، فَقالَ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أيِ الَّذِي تَزُولُ فِيهِ الحُظُوظُ ويَحْصُلُ الِانْكِسارُ لِلنَّفْسِ والرِّقَّةِ في القَلْبِ فَتَتَخَلَّصُ فِيهِ المَوَدَّةُ. (p-٩١)ولِما كانَ في الجَوابِ ما يَسُوءُ الخَبّازَ، أبْهَمَ لِيُجَوِّزَ كُلُّ واحِدٍ أنَّهُ الفائِزُ، فَإنْ ألْجَأهُ إلى التَّعْيِينِ كانَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ في الخُرُوجِ عَنِ الألْيَقِ فَقالَ: ﴿أمّا أحَدُكُما﴾ وهو السّاقِي فَيُلَخِّصُ ويَقْرُبُ ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ أيْ سَيِّدُهُ الَّذِي في خِدْمَتِهِ ﴿خَمْرًا﴾ كَما كانَ ﴿وأمّا الآخَرُ﴾ وهو الخَبّازُ. ولَمّا كانَ الَّذِي لَهُ قُوَّةٌ أنْ يُصْلَبَ إنَّما هو المَلِكُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ”فَيَصْلُبُ“ ويَعْطَبُ ”فَتَأْكُلُ“ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ صُلْبِهِ أنَّهُ تَأْكُلُ ﴿الطَّيْرُ مِن رَأْسِهِ﴾ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرٌ مَلْزُومُ السَّلامَةِ والقُرْبِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى العَطَبِ ثانِيًا، ومَلْزُومُ العَطَبِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى السَّلامَةِ أوَّلًا، وسَيَأْتِي شَرْحُ تَعْبِيرِهِ مِنَ التَّوْراةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: انْظُرْ جَيِّدًا ما الَّذِي تَقُولُ! ورَوى أنَّهُما قالا: ما رَأيْنا شَيْئًا، إنَّما كُنّا نَلْعَبُ، فَقالَ مُشِيرًا بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى عَظَمَةِ اللَّهِ وسُهُولَةِ الأُمُورِ عَلَيْهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ وبَيْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ﴾ [أيْ -] لا في غَيْرِهِ ﴿تَسْتَفْتِيانِ﴾ أيْ تَطْلُبانِ الإفْتاءَ فِيهِ عَمَلًا بِالفَتْوَةِ، فَسَألْتُما عَنْ تَأْوِيلِهِ، وهو تَعْبِيرُ رُؤْياكُما كَذَّبْتُما أوْ صَدَّقْتُما، لَمْ أقُلْهُ عَنْ جَهْلٍ ولا غَلَطٍ. وما أحْسَنَ (p-٩٢)إيلاءَ هَذا العِلْمِ الثّابِتِ لِخَتْمِ الآيَةِ السّالِفَةِ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ، والأحَدُ: المُخْتَصُّ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ بِمُبْهَمٍ [لَهُ -] مِثْلُ صِفَةِ المُضافِ، ولا كَذَلِكَ ”البَعْضُ“ فَلا يُصَدِّقُ: رَأيْتُ أحَدَ الرَّجُلَيْنِ - إلّا بِرَجُلٍ مِنهُما، بِخِلافِ ”بَعْضٍ“ والفُتْيا: الجَوابُ بِحُكْمِ المَعْنى، وهو غَيْرُ الجَوابِ بِعِلَّتِهِ - ذَكَرَهُ الرُّمّانِيُّ. ولَعَلَّ رُؤْيَتَهُما تُشِيرانِ إلى ما تُشِيرُ إلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ، فالعَصِيرُ يُشِيرُ إلى السَّنابِلِ الخُضْرِ والبَقَرِ السِّمانِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ فَضْلٍ، والخُبْزُ - الَّذِي طارَتْ بِهِ الأطْيارُ، وسارَتْ بِرُوحِ صاحِبِهِ الأقْدارُ -يُشِيرُ إلى اليابِسَةِ والعِجافِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

يوسف 12:42

ولَمّا كانَ كُلُّ عِلْمٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ عَدَمًا، عَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ بِالظَّنِّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الظَّنُّ عَلى بابِهِ لِكَوْنِهِ قالَ ما مَضى اجْتِهادًا بِقَرائِنَ فَيُؤْخَذُ مِنهُ أنَّهُ يُسَوِّغُ الجَزْمَ بِما أدّى إلى ظَنٍّ، فَقالَ: ﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ مَعَ الجَزْمِ بِأنَّهُ أرادَ بِهِ العِلْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ [يوسف: ٤١] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”ظَنَّ“ لِلسّاقِي، فَهو حِينَئِذٍ عَلى بابِهِ ﴿أنَّهُ ناجٍ مِنهُما﴾ وهو السّاقِي ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (p-٩٣)أيْ سَيِّدُكَ مَلِكُ مِصْرَ، بِما رَأيْتَ مِنِّي مِن مَعالِي الأخْلاقِ وطَهارَةِ الشِّيَمِ الدّالَّةِ عَلى بُعْدِي مِمّا رُمِيتْ بِهِ، والمُرادُ بِالرَّبِّ هُنا غَيْرُ المُرادِ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ [يوسف: ٣٩] فَنَجا السّاقِي وصُلِبَ صاحِبُهُ وفْقَ ما قالَ لَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَأنْساهُ﴾ أيِ السّاقِي ﴿الشَّيْطانَ﴾ أيِ البَعِيدِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ ﴿ذَكَرَ﴾ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ﴿رَبِّهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ اعْتِمادِهِ عَلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿فَلَبِثَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِسَبَبِ هَذا النِّسْيانِ ﴿فِي السِّجْنِ﴾ مِن حِينِ دَخَلَ إلى أنْ خَرَجَ ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ لِيَعْلَمَ أنَّ جَمِيعَ الأسْبابِ إنَّما أثَرُها بِاللَّهِ تَعالى، وحَقِيقَةُ البِضْعِ مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، والمَرْوِيُّ هُنا أنَّهُ كانَ سَبْعًا. ذَكَرَ ما مَضى مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ قالَ بَعْدَ ما مَضى: فَأهْبَطَ المَدِينِيُّونَ يُوسُفَ إلى مِصْرَ، فاشْتَراهُ قُوطِيفَرُ الأمِيرُ صاحِبُ شُرْطَةِ فِرْعَوْنَ - رَجُلٌ مِصْرِيٌّ - مِن يَدِ الأعْرابِ الَّذِينَ أهْبَطُوهُ إلى هُناكَ، فَكانَ [الرَّبُّ -] سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَوْنِهِ مَعَ يُوسُفَ، وكانَ رَجُلًا مُنْجِحًا، وأقامَ في مَنزِلِ المِصْرِيِّ سَيِّدِهِ، فَرَأى (p-٩٤)سَيِّدُهُ أنَّ الرَّبَّ بِعَوْنِهِ مَعَهُ، وأنَّ الرَّبَّ يَنْجَحُ جَمِيعُ أفْعالِهِ، فَظَفَرَ يُوسُفُ مِنهُ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ فَخَدَمَهُ، وسَلَّطَهُ عَلى بَيْتِهِ، وخَوَّلَهُ جَمِيعُ ما لَهُ، ومِنَ اليَوْمِ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلى بَيْتِهِ وخَوَّلَهُ جَمِيعُ ما لَهُ بارَكَ الرَّبُّ في بَيْتِ المِصْرِيِّ مِن أجْلِ يُوسُفَ وفي سَبَبِهِ، فَحَلَّتْ بَرَكَةُ الرَّبِّ في جَمِيعِ ما لَهُ في البَيْتِ والحَقْلِ، فَخَوَّلَ كُلَّ شَيْءٍ لَهُ، ولَمْ [يَكُنْ ] يَعْلَمُ بِشَيْءٍ مِمّا لَهُ في يَدِهِ لِثِقَتِهِ بِهِ ما خَلا الخَبْزَ الَّذِي كانَ يَأْكُلُهُ، وكانَ يُوسُفُ حَسَنَ المَنظَرِ صَبِيحَ الوَجْهِ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ لَمَحَتِ امْرَأةٌ سَيِّدَهُ بِنَظَرِها إلى يُوسُفَ فَقالَتْ لَهُ: ضاجِعْنِي: فَأبى ذَلِكَ وقالَ لِامْرَأةِ سَيِّدِهِ: إنَّ سَيِّدِي لِثِقَتِهِ بِي لَيْسَ يَعْلَمُ ما في بَيْتِهِ، وقَدْ سَلَّطَنِي عَلى جَمِيعِ ما لَهُ، ولَيْسَ في هَذا البَيْتِ أعْظَمَ مِنِّي، ولَمْ يَمْنَعْنِي شَيْئًا ما خَلّاكَ أنْتَ لِأنَّكِ امْرَأتُهُ، فَكَيْفَ أرْتَكِبُ هَذا الشَّرَّ العَظِيمَ، فَأُخْطِئُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وإذا كانَتْ تُراوِدُهُ كُلَّ يَوْمٍ لَمْ يُطِعْها لِيُضاجِعَها ويَصِيرَ مَعَها، فَبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ دَخَلَ يُوسُفُ إلى البَيْتِ لِيَعْمَلَ عَمَلًا، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أهْلِ البَيْتِ هُناكَ، (p-٩٥)فَتَعَلَّقَتْ بِقَمِيصِهِ وقالَتْ لَهُ: ضاجِعْنِي، فَتَرَكَ قَمِيصَهُ في يَدِها وهَرَبَ، فَخَرَجَ إلى السُّوقِ، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُ قَدْ تَرَكَ قَمِيصَهُ في يَدِها وخَرَجَ هارِبًا إلى السُّوقِ، دَعَتْ بِأهْلِ بَيْتِها وقالَتْ لَهُمُ: انْظُرُوا، إنَّهُ أتانا رَجُلٌ عِبْرانِيٌّ لِيَفْضَحَنا، لِأنَّهُ دَخَلَ عَلَيَّ يُرِيدُ مُضاجَعَتِي، وهَتَفَتْ [بِصَوْتٍ ] عالٍ، فَلَمّا رَآنِي قَدْ رَفَعْتُ صَوْتِي وهَتَفْتُ، تَرَكَ قَمِيصَهُ في يَدِي وهَرَبَ إلى السُّوقِ. فَصَيَّرْتُ قَمِيصَهُ عِنْدَها حَتّى دَخَلَ سَيِّدُها البَيْتَ، فَقالَتْ: لَهُ مِثْلَ هَذِهِ الأقاوِيلِ: دَخَلَ عَلَيَّ هَذا العَبْدُ العِبْرانِيُّ الَّذِي جَلَبْتَهُ عَلَيْنا يُرِيدُ يَفْضَحُنِي، فَلَمّا رَفَعْتُ صَوْتِي فَصِحْتُ تَرَكَ قَمِيصَهَ في يَدِي وهَرَبَ فَخَرَجَ إلى السُّوقِ؛ فَلَمّا سَمِعَ سَيِّدُهُ كَلامَ امْرَأتِهِ اسْتَشاطَ غَيْظًا، فَأمَرَ بِهِ سَيِّدُهُ فَقُذِفَ في الحَبْسِ الَّذِي كانَ أسْرى المَلِكِ فِيهِ مَحْبُوسِينَ فَمَكَثَ هُناكَ في السِّجْنِ، وكانَ الرَّبُّ يُبْصِرُهُ، ورَزَقَهُ المَحَبَّةَ والرَّحْمَةَ، وألْقى لَهُ في قَلْبِ السَّجّانِ رَحْمَةً، فَوَلّى يُوسُفُ جَمِيعَ المَسْجُونِينَ الَّذِينَ في الحَبْسِ، وكُلُّ فِعْلٍ كانُوا يَفْعَلُونَهُ هُناكَ كانَ عَنْ أمْرِهِ، ولَمْ يَكُنْ رَئِيسَ السِّجْنِ (p-٩٦)يَضْرِبُ عَلى يَدَيْهِ في شَيْءٍ، لِأنَّ الرَّبَّ كانَ بِعَوْنِهِ مَعَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ كانَ يَفْعَلُهُ يُنْجِحُهُ الرَّبُّ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ، أذْنَبَ صاحِبُ شَرابِ مَلِكِ مِصْرَ والخَبّازُ - وفي نُسْخَةٍ مَوْضِعُ الخَبّازِ: ورَئِيسُ الطَّبّاخِينَ - بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِما مَلِكِ مِصْرَ، فَغَضِبَ فِرْعَوْنُ عَلى خادِمَيْهِ: عَلى رَئِيسِ أصْحابِ الشَّرابِ ورَئِيسِ الخَبّازِينَ - وفي نُسْخَةٍ: الطَّبّاخِينَ - فَأمَرَ بِحَبْسِهِما في سِجْنِ صاحِبِ الشَّرْطِ في الحَبْسِ الَّذِي كانَ فِيهِ يُوسُفُ، فَسَلَّطَ صاحِبُ السَّجْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِما فَخَدَمَهُما، فَلَبِثا في السِّجْنِ أيّامًا، فَرَأيا رُؤْيا جَمِيعًا، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما رُئِيا [بِكُلٍّ -] في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما أحَبَّ تَعْبِيرَ حِلْمِهِ: السّاقِي وخَبّازٌ - وفي نُسْخَةٍ: وطَبّاخٌ - مَلِكُ مِصْرَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِما يُوسُفُ بِالغَداةِ، فَرَآهُما عابِسَيْنِ مُكْتَئِبَيْنِ فَسَألَهُما وقالَ: ما بالُكُما يَوْمُكُما هَذا عابِسَيْنِ مُكْتَئِبَيْنَ؟ فَقالا لَهُ: إنّا رَأيْنا رُؤْيا ولَيْسَ لَها مُعَبِّرٌ، فَقالَ لَهُما يُوسُفُ: إنَّ عِلْمَ التَّعْبِيرِ عِنْدَ اللَّهِ، قُصّا عَلَيَّ. فَقَصَّ رَئِيسُ أصْحابِ الشَّرابِ عَلى يُوسُفَ وقالَ لَهُ: إنِّي رَأيْتُ في الرُّؤْيا كَأنَّ حَبْلَةً بَيْنَ يَدِي، في الحَبْلَةِ ثَلاثَةُ قُضْبانٍ، فَبَيْنا هي (p-٩٧)كَذَلِكَ إذْ فَرَّعَتْ ونَبَتَ ورَقُها، وأيْنَعَتْ عَناقِيدُها، فَصارَتْ عِنَبًا، وكَأنَّ كَأْسَ فِرْعَوْنَ في يَدِي، فَتَناوَلْتُ مِنَ العِنَبِ، فَعَصَرْتُهُ في كَأْسِ فِرْعَوْنَ، وناوَلَتِ الكَأْسَ فِرْعَوْنَ، فَقالَ لَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَذا تَفْسِيرُ رُؤْياكَ: الثَّلاثَةُ قُضْبانٍ هي ثَلاثَةُ أيّامٍ، ومِن بَعْدِ ثَلاثَةِ أيّامٍ يَذْكُرُكَ فِرْعَوْنُ [فَيَرُدَّكَ ] عَلى عَمَلِكَ، وتُناوِلُ فِرْعَوْنُ الكَأْسَ في يَدِهِ عَلى العادَةِ الأُولى الَّتِي لَمْ تَزَلْ تَسْقِيهِ، فاذْكُرْنِي حِينَئِذٍ إذا أنْعَمَ عَلَيْكَ، وأنْعَمَ عَلَيَّ بِالنِّعْمَةِ والقِسْطِ، فاذْكُرْنِي بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، وأخْرِجْنِي مِن هَذا الحَبْسِ، لِأنِّي إنَّما سَرَقْتُ مِن أرْضٍ العِبْرانِيِّينَ سَرِقَةً، وحَصَلْتُ في الحَبْسِ هَهُنا أيْضًا بِلا جُرْمٍ جاءَ مِنِّي. فَرَأى رَئِيسُ الخَبّازِينَ - وفي نُسْخَةٍ: الطَّبّاخِينَ - أنَّهُ قَدْ فَسَّرَ تَفْسِيرًا حَسَنًا فَقالَ لِيُوسُفَ: رَأيْتُ أنا أيْضًا في مَنامِي كَأنَّ ثَلاثَةَ أطْباقٍ فِيها [خُبْزٌ] دَرْمُكَ عَلى رَأْسِي، وفي الطَّبَقِ الأعْلى مِن كُلِّ مَآكِلِ فِرْعَوْنَ مِمّا يَصْنَعُهُ الخَبّازُ - وفي نُسْخَةٍ: عَمَلُ طَبّاخٍ حاذِقٍ - وكانَ السِّباعُ والطَّيْرُ تَأْكُلُها مِنَ الطَّبَقِ مِن فَوْقِ رَأْسِي؛ فَأجابَيُوسُفُ وقالَ لَهُ: هَذا تَفْسِيرُ رُؤْياكَ: ثَلاثَةُ أطْباقٍ هي ثَلاثَةُ أيّامٍ، وبَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ يَأْمُرُ فِرْعَوْنُ بِضَرْبِ عُنُقِكَ وصَلْبِكَ عَلى خَشَبَةٍ، ويَأْكُلُ الطَّيْرُ لَحْمَكَ. فَلَمّا كانَ اليَوْمُ الثّالِثُ - وهو يَوْمُ وِلادِ فِرْعَوْنَ - اتَّخَذَ فِرْعَوْنُ (p-٩٨)ولِيمَةً، فَجَمَعَ عَبِيدَهُ وافْتَقَدَ رَئِيسُ أصْحابِ الشَّرابِ ورَئِيسُ الخَبّازِينَ - وفي نُسْخَةٍ: الطَّبّاخِينَ - فَأمَرَ بِرَدِّ [رَئِيسِ] أصْحابِ الشَّرابِ عَلى مَوْضِعِهِ، وسَقى فِرْعَوْنُ الكَأْسَ كَعادَتِهِ، وأمَرَ بِصَلْبِ رَئِيسِ الخَبّازِينَ كالَّذِي فَسَّرَ لَهُما يُوسُفُ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَلَمْ يَذْكُرْ [رَئِيسَ] أصْحابِ الشَّرابِ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ونَسِيَهُ.

يوسف 12:43

ولَمّا بَطَلَ هَذا السَّبَبُ الَّذِي أمَرَ بِهِ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو تَذْكِيرُ الشَّرابِيِّ بِهِ، أثارَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سَبَبًا يُنَفِّذُ بِهِ ما أرادَ مِن رِئاسَتِهِ وقَضى بِهِ مِن سُجُودِ مَن دَلَّتْ عَلَيْهِ الكَواكِبُ فَقالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ: ﴿وقالَ المَلِكُ﴾ وهو شَخْصٌ قادِرٌ واسِعٌ المَقْدُورِ إلَيْهِ السِّياسَةُ والتَّدْبِيرُ، لِمَلاهَ وهُمُ السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ والحَزْرَةُ والقافَّةُ والحُكَماءُ، وأكَّدَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ في كَلامِهِ غَيْرَ مُمْتَحِنٍ: ﴿إنِّي أرى﴾ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ لِشِدَّةِ ما هالَهُ مِن ذَلِكَ ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ والسِّمَنُ: زِيادَةُ البَدَنِ مِنَ اللَّحْمِ والشَّحْمِ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ [أيْ -] بَقَراتٍ ﴿عِجافٌ﴾ والعَجْفُ: يَبَسُ الهُزالِ ”و“ إنِّي أرى ”سَبْعَ“. ولَمّا كانَ تَأْوِيلَ المَنامِ الجَدْبُ والقَحْطُ والشِّدَّةُ، أضافَ العَدَدَ إلى جَمْعِ القِلَّةِ بِخِلافِ ما كانَ في سِياقِ المُضاعَفَةِ في قَوْلِهِ ﴿أنْبَتَتْ سَبْعَ (p-٩٩)سَنابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١] فَقالَ: ﴿سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ ”و“ إنِّي أرى سَبْعَ سُنْبُلاتٍ ”أُخَر يابِسات“ التُّوتُ عَلى الخُضَرِ فَغَلَبَتْ عَلَيْها، وكَأنَّهُ حَذَفَ هَذا لِدَلالَةِ العِجافِ عَلَيْهِ؛ والسُّنْبُلَةُ: نَباتٌ كالقَصَبَةِ حَمْلَةُ حُبُوبٍ مُنْتَظِمَةٍ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقِيلَ: قالَ المَلِكُ: ﴿يا أيُّها المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافِ النُّبَلاءِ الَّذِينَ تَمْلَأُ العُيُونَ مَناظِرَهم والقُلُوبُ مُخابِرَهم ومَآثِرَهم ﴿أفْتُونِي﴾ أيْ أجِيبُونِي وبَيِّنُوا لِي كَرَمًا مِنكم بِقُوَّةٍ وفَهْمٍ ثاقِبٍ. ولَمّا كانَ مُرادُهُ أنْ لا يَخْرُجُوا بِالجَوابِ عَنِ القَصْدِ ولا يَبْعُدُوا بِهِ، عَبَّرَ بِما يَفْهَمُ الظَّرْفَ فَقالَ: ﴿فِي رُؤْيايَ﴾ ومَنَعَهم مِنَ الكَلامِ بِغَيْرِ عِلْمٍ [بِقَوْلِهِ -]: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا﴾ أيْ جِنْسِها ﴿تَعْبُرُونَ﴾ وعِبارَةُ الرُّؤْيا: تَأْوِيلُها بِالعُبُورِ مِن عَلَنِها إلى سِرِّها كَما تُعَبَّرُ، مِن عَبَرَ النَّهْرَ - أيْ شَطَّهُ - إلى عَبْرِهِ الآخَرِ، ومِثْلُهُ أُوِّلَتِ الرُّؤْيا - إذا ذَكَرْتَ مَآلَها ومَرْجِعَها المَقْصُودِ بِضَرْبِ المِثالِ. والمادَّةُ - بِتَراكِيبِها السِّتَّةِ: عَرَّبَ، وعَبَّرَ، ورَعَبَ، ورُبَعَ، وبَعَرَ، وبَرَعَ - تَدُورُ عَلى الجَوازِ مِن مَحَلٍّ إلى مَحَلٍّ ومِن حالٍ إلى حالٍ، وأكْثَرُ ذَلِكَ إلى أجْوَدُ، فالعَرَبُ سُمُّوا لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِمْ عَلى الِارْتِحالِ لِاسْتِجادَةِ المَنازِلِ، وأعْرَبَ - إذا أفْصَحَ، أيْ تَكَلَّمَ بِكَلامِ العَرَبِ فَأبانَ عَنْ مُرادِهِ، أيْ أجازَهُ مِنَ العُجْمَةِ والإبْهامِ إلى البَيانِ، وأعْرَبَ الفُرْسُ - إذا (p-١٠٠)خَلَصَتْ عَرَبِيَّتُهُ، فَكَأنَّهُ جازَ مَرْتَبَةَ الهَجْنِ إلى العَرَبِ، وكَذا الإبِلُ العِرابُ، والعُرُوبَةُ: يَوْمُ الجُمْعَةِ - لِعُلُوِّ قَدْرِها عَنْ بَقِيَّةِ الأيّامِ، والعُرُوبُ: المَرْأةُ الضّاحِكَةُ العاشِقَةُ لِزَوْجِها المُتَحَبِّبَةُ إلَيْهِ المُظْهِرَةُ لَهُ ذَلِكَ، وهي أيْضًا العاصِيَةُ لِزَوْجِها - لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ أفْعالُ العَرَبِ، فَهم أعْشَقُ النّاسِ وأقْدَرُهم عَلى الِاسْتِمالَةِ بِالكَلامِ العَذْبِ، وهم أعْصى النّاسِ وأجْفاهم إذا أرادُوا، والعَرَبُ - ويُحَرِّكُ: النَّشاطُ - لِأنَّهُ انْتِقالٌ عَنِ الكَسَلِ، وقَدْ عَرَّبَ - كَفَرِحَ - إذا نَشِطَ وإذا ورِمَ، لِأنَّ الوارِمَ يَتَجاوَزُ هَيْئَةَ غَيْرِهِ، وعَرَّبْتُ البِئْرَ: كَثُرَ ماءُها فارْتَفَعَ، وعَرَّبَ - كَضَرَبَ: أكَلَ، والعَرَبَةُ، مُحَرِّكَةٌ: النَّهْرِ الشَّدِيدِ الجَرْيِ، والنَّفْسُ - لِكَثْرَةِ انْتِقالِها بِالفِكْرِ، والعُرْبُونُ: ما عُقِدَ بِهِ المُبايَعَةُ مِنَ الثَّمَنِ، فَنَقَلَ السِّلْعَةَ مِن حالٍ إلى حالٍ، واسْتَعْرَبْتُ البَقَرَ: اشْتَهَتِ الفَحْلَ، إمّا مِنَ العُرُوبِ العاشِقَةِ لِزَوْجِها، وإمّا لِنَقْلِ الشَّهْوَةِ لَها مِن حالٍ إلى أُخْرى، وتُعْرِبُ: أقامَ بِالبادِيَةِ، مَعَ الأعْرابِ الَّذِينَ لا يُوَطِّنُونَ مَكانًا، وإنَّما (p-١٠١)هم [مَعَ -] الرَّبِيعِ، وعَرُوباءُ: اسْمُ السَّماءِ السّابِعَةِ - لِارْتِفاعِها عَنْ جَمِيعِ السَّماواتِ، فَكَأنَّها جازَتِ الكُلَّ، ولِأنَّ حَرَكَتَها حَرَكَةٌ لِلْكُلِّ، والعِرَبُ - بِالكَسْرِ: يَبِيسُ البَهْمِيِّ، لِأنَّهُ صارَ أهْلًا لِلنَّقْلِ ولَوْ بِتَطْيِيرِ الهَواءِ، والعَرَبِيُّ: شَعِيرٌ أبْيَضُ سُنْبُلُهُ حَرْفانِ - كَأنَّهُ نُسِبَ إلى العَرَبِ لِجَوْدَتِهِ، والإعْرابُ: إجْراءُ الفَرَسِ ومَعْرِفَتُكَ بِالفَرَسِ العَرَبِيِّ مِنَ الهَجِينِ - لِانْتِقالِ حالِ الجَهْلِ بِذَلِكَ إلى حالِ العِلْمِ، وأنْ لا يَلْحَنَ في الكَلامِ - كَأنَّهُ انْتَقَلَ بِذَلِكَ مِنَ العُجْمَةِ إلى العَرَبِيَّةِ، وعَرِبَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا أُتْخِمَ، وكَذا الفَرَسُ مِنَ العَلَفِ، ومَعِدَتُهُ: فَسَدَتْ، وجُرْحُهُ: بَقِيَ بِهِ أثَرٌ بَعْدَ البُرْءِ، كُلُّ ذَلِكَ ناقِلٌ مِن حالٍ إلى غَيْرِها، والتَّعْرِيبُ: تَهْذِيبُ المَنطِقِ مِنَ اللَّحْنِ - كَأنَّهُ رَفَعَ نَفْسَهُ إلى العَرَبِ، وقَطَعَ سَعَفَ النَّخْلِ - لِأنَّهُ نَقَلَها عَنْ حالِها إلى أصْلَحِ مِنهُ، وأنْ تَكُونَ الدّابَّةُ عَلى أشاعِرِها ثُمَّ تَبَزَّعَ بِمُبَزِّعٍ، والتَّعْرِيبُ أيْضًا والإعْرابُ: ما قَبُحَ مِنَ الكَلامِ، وتَقْبِيحُ قَوْلِ (p-١٠٢)القائِلِ كَأنَّهُ حُكْمٌ بِزَوالِ عَرَبِيَّتِهِ، وهُما أيْضًا الرَّدُّ عَنِ القَبِيحِ، وذَلِكَ إدْخالُهُ في خِصالِ العَرَبِ الَّتِي هي مَعالِي الأخْلاقِ، وهُما أيْضًا النِّكاحُ، أوِ التَّعْرِيضُ بِهِ لِأنَّ نَقْلَهُ مِن حالٍ إلى حالٍ وفِعْلٍ إلى فِعْلٍ قَوْلًا وعَمَلًا، والتَّعْرِيبُ: الإكْثارُ مِن شُرْبِ الماءِ الصّافِي، واتِّخاذِ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ، وسُمًا بِها عَرِيبٌ، أيْ أحَدٌ يُعْرِبُ؛ وعَبَرَ الرُّؤْيا - إذا فَسَّرَها وأخْبَرَ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُها، كَأنَّهُ جازَ ظاهِرَها إلى بَطْنٍ مِنها، وعَبَرْتُ الكِتابَ أعْبُرُهُ عَبْرًا: تَدَبَّرْتَهُ ولَمْ تَرْفَعْ بِهِ صَوْتَكَ، وعَبَرَتُ النَّهْرَ: قَطَعْتَهُ مِن عَبْرِهِ - أيْ شَطِّهِ - إلى عَبْرِهِ، والعَبَرُ أيْضًا: الجانِبُ، لِأنَّهُ يَعْبُرُ مِنهُ وإلَيْهِ، والمَعْبِرُ: سَفِينَةٌ يَعْبُرُ عَلَيْها [النَّهْرُ -] وشَطٌّ هِيِّئٌ لِلْعُبُورِ، وعَبَرُ القَوْمِ: ماتُوا، والعِبْرَةُ - بِالكَسْرِ: العَجَبُ، وبِالفَتْحِ: الدَّمْعَةُ قَبْلَ أنْ تَفِيضَ - كَأنَّ لَها قُوَّةُ الجَرْيِ، أوْ هي تُرَدِّدُ البُكاءَ في الصَّدْرِ أوِ الحُزْنِ بِلا بُكاءٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ جَرْيِ الدَّمْعِ؛ وفي مُخْتَصَرِ العَيْنِ: وعَبْرَةُ الدَّمْعِ: جَرْيُهُ، والعَبْرَةُ: الدَّمْعُ نَفْسُهُ. والعُبَرُ - بِالضَّمِّ ويُحَرِّكُ: سِخَةُ العَيْنِ، والكَثِيرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وبِالجَماعَةِ - لِأنَّ ذَلِكَ جَوازٌ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ، ولِأنَّهم (p-١٠٣)يُجِيزُونَ ما شاءُوا، ومَجْلِسٌ عَبَرٌ - بِالكَسْرِ والفَتْحِ: كَثِيرُ الأهْلِ - مِن ذَلِكَ، وأيْضًا هو أهْلٌ لِأنْ يَعْبُرَ بِجَماعَتِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، وبِامْرَأةٍ مُسْتَعْبِرَةٍ - وتُفْتَحُ الباءُ: غَيْرُ مَحْظِيَّةٍ، أيْ هي أهْلٌ لِجَرْيِ العِبْرَةِ، وناقَةٌ عَبْرَ أسْفارٍ - مُثَلَّثَةٍ [:قَوِيَّةٍ]، وعَبَّرَتْ عَنِ الرَّجُلِ فَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ - كَأنَّكَ عَبَرْتَ مِن خاطِرِهِ إلى خاطِرِ المُخاطَبِ، وعَبَرَتِ الدَّنانِيرُ تَعْبِيرًا: وزَنَتْها ولَمْ تُبالِغْ في وزْنِها - كَأنَّكَ عَبَّرْتَ مِنَ الجَهْلِ بِمِقْدارِها إلى الظَّنِّ، أوْ عابِرُ سَبِيلٍ، أيُّ مارٍّ؛ والشِّعْرى: العُبُورُ: نَجْمٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، والعُبُورُ: الجَذَعَةُ مِنَ الغَنَمِ - لِأنَّها جازَتْ سَنَةً وتَأهَّلَتِ العُبُورَ مَعَ الغَنَمِ وكانَتْ في عِدادِها، والعُبُورُ: لِأقْلَفَ - لِأنَّ كَمَرَّتِهِ عابِرَةٌ في قُلْفَتِهِ، وغُلامٌ مُعَبِّرٌ: لَمْ يُخْتَنْ، ورَجُلٌ عَبَرَ: كادَ أنْ يَحْتَلِمَ ولَمْ يُخْتَنْ بَعْدُ، أيْ كادَ أنْ يَصِيرَ إلى [خُذِ] البالِغِينَ عَلى هَذِهِ الحالِ، وهي أنْ كَمَرَّتِهِ عابِرَةٌ في قُلْفَتِهِ، وعَبَّرَ بِهِ الأمْرُ تَعْبِيرًا: اشْتَدَّ عَلَيْهِ - كَأنَّهُ جازَ مِن حالَةِ الرَّخاءِ إلى الشِّدَّةِ وعَبَّرَتْ بِهِ أهْلَكَتْهُ، والمَعْبَرَةُ - بِالتَّخْفِيفِ: ناقَةٌ لَمْ تُنْتِجْ ثَلاثَ سِنِينَ، فَيَكُونُ أصْلَبَ لَها - لِأنَّها صارَتْ أهْلًا لِأنْ يَعْبُرَ عَلَيْها في الأسْفارِ، والعَبِيرُ ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ - لِعُبُورِ رِيحِهِ، (p-١٠٤)والزَّعْفَرانُ - لِعُبُورِ لَوْنِهِ ورِيحِهِ، والعَبْرى: السِّدْرُ النَّهْرِيُّ - لِنَباتِهِ في عَبْرِ النَّهْرِ، والمَعْبَرُ مِنَ الجَمالِ: الكَثِيرُ الوَبَرِ، ومِنَ الشّاءِ: الَّتِي لَمْ تُجْزِ - كَأنَّهُ لِجَوازِ الصُّوفِ عَنْ حَدِّ جَلْدِهِما، وسَهْمُ مُعَبِّرٌ وعَبِيرٌ: كَثِيرُ الرِّيشِ - كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنْ حَدِّ العادَةِ، والعُبَرُ - بِالضَّمِّ: الثَّكْلى، لِأنَّها أهْلٌ لِإرْسالِ العَبْرَةِ، والسَّحابُ الَّتِي تَسِيرُ شَدِيدًا، والعُقابُ - لِقُوَّتِها عَلى قَطْعِ المَسافاتِ، ونَباتٌ عَبَرٌ: الكَذِبُ والباطِلُ - لِسُرْعَةِ زَوالِهِ؛ ورَعَبْتُ فُلانًا: أفْزَعْتُهُ، فَهو مَرْعُوبٌ - لِأنَّكَ أجَزْتَهُ مِنَ الأمْنِ إلى الخَوْفِ، وسَيْلٌ راعِبٌ: أيْ يَمْلَأُ الوادِي، وراعِبٌ: أرْضٌ، مِنها الحَمّامُ الرّاعِبِيَّةُ، والحَمّامُ أيْضًا لَها قُوَّةُ العُبُورِ بِالرَّسائِلِ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، ورَعَبَتِ الحَمامَةُ في صَوْتِها تَرْعِيبًا: رَفَعَتْهُ، ورَعَبَتِ السَّنامَ: قَطَعَتْهُ، والرُّعْبُوبَةُ: قِطْعَةٌ مِنهُ - لِأنَّها جازَتْ مَكانَها، وجارِيَةٌ رُعْبُوبَةٌ ورُعْبُوبٌ: حَسَنَةُ القَوامِ تامَّةٌ - كَأنَّها جازَتْ أقْرانَها حَسَنًا، والرُّعْبُ: القِصارُ، واحِدُهم رَعِيبٌ وأرْعَبُ، تَشْبِيهٌ بِالقِطْعَةِ مِنَ السَّنامِ؛ والبَعْرُ: رَجِيعُ الخُفِّ والظِّلْفِ إلّا البَقَرُ الأهْلِيَّةُ، لِأنَّها تُخْثى، والوَحْشِيَّةُ تَبْعَرُ بَعْرًا - (p-١٠٥)لِأنَّهُ يَجُوزُ مِن مَكانِهِ مِن غَيْرِ أنْ يُلَوِّثَهُ، فَلا يَبْقى مِنهُ بِهِ شَيْءٌ، والمُعَبِّرٌ، مَكانُهُ، والبَعِيرُ: الجَمَلُ البازِلُ أوِ الجِذْعُ، وقَدْ يَكُونُ الحِمارَ وكُلَّ ما يَحْمِلُ؛ وفي مُخْتَصَرِ العَيْنِ: وإذا رَأتِ العَرَبُ ناقَةً أوْ جَمَلًا مِن بَعِيدٍ قالُوا: هَذا بَعِيرٌ، فَإذا عَرَفُوا قالُوا لِلذِّكْرِ: جَمَلٌ، ولِلْأُنْثى: ناقَةٌ، والبَعْرَةُ - بِالتَّحْرِيكِ: الكَمْرَةُ، تَشْبِيهًا بِها، والرُّبْعُ: المَنزِلُ والدّارُ بِعَيْنِها، والمَحَلَّةِ - لِأنَّها يَخْرُجُ مِنها ويَدْخُلُ إلَيْها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ مُتَبَوَّأً، لِأنَّها يَتَبَوَّأُ إلَيْها، أيْ يَرْجِعُ، ورَبَعَ يُرَبِّعُ: أقامَ، وأرْبِعْ عَلى نَفْسِكَ: انْتَظَرَ، كَأنَّهُ مِنَ الرُّبْعِ، أيِ المَنزِلِ، لِأنَّهُ يُقامُ فِيهِ: ورَبُعَ - إذا أخْصَبَ - لِلِانْتِقالِ مِن حالٍ إلى حالٍ أُخْرى، وهم عَلى رِبَعاتِهِمْ، أيِ اسْتِقامَتِهِمْ وأمْرِهِمُ الأوَّلِ - كَأنَّهُ مِنَ المَنزِلِ، والرَّوْبَعُ - كَجَوْهَرٍ: الضَّعِيفُ الدَّنِيءُ - كَأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ مِنَ الإقامَةِ في المَنزِلِ، وبَهاءٌ: قَصِيرُ العُرْقُوبِ، والرَّجُلُ القَصِيرُ - كَأنَّهُ تَشْبِيهٌ بِالرَّبْعَةِ في مُطْلَقِ القَصْرِ عَنِ الطَّوِيلِ، ورُبْعُ الحَجَرِ: رَفْعُهُ، والحَمْلُ: رَفْعُهُ عَلى الدّابَّةِ، والمَرْبُوعُ: المَنعُوشُ (p-١٠٦)المُنَفِّسُ عَنْهُ - لِتَحَوُّلِ الحالِ في كُلِّ ذَلِكَ، والمُرَبَّعَةُ: خَشَبَةٌ يَرْفَعُ بِها العَدْلَ، والمُرابَعَةُ: أنْ تَأْخُذَ يَدَ صاحِبِكَ وتَرْفَعا الحَمْلَ عَلى الدّابَّةِ - كَأنَّهُ مَعَ النَّقْلِ مَأْخُوذٌ مِنَ الأرْبَعَةِ، وهي أيْضًا المُعادَلَةُ بِالرَّبِيعِ، ومِنهُ تَرَبَّعَتِ النّاقَةُ سَنامًا طَوِيلًا، أيْ حَمَلَتُهُ، ورَبِيعُ الشُّهُورِ: شَهْرانِ بَعْدَ صَفَرٍ، ورَبِيعُ الفُصُولِ اثْنانِ الَّذِي فِيهِ النُّورِ والكَمْأةِ، والَّذِي تُدْرَكُ فِيهِ الثِّمارَ - لِلِانْتِقالِ في كُلٍّ مِنهُما، والرُّبْعُ - كَصَرْدِ: الفَصِيلُ يَنْتِجُ في الرَّبِيعِ، وناقَةٌ مُرَبَّعٌ: ذاتُ رُبْعٍ، وأرْبَعَ القَوْمُ: صارُوا أرْبَعَةً، ودَخَلُوا في الرَّبِيعِ، وأقامُوا في المُرَبَّعِ، ورَبَعَتِ الأرْضُ: أصابَها مَطَرُ الرَّبِيعِ، والمَرابِيعُ: الأمْطارُ أوَّلَ الرَّبِيعِ، وأرْبَعَ الرَّجُلُ - إذا وُلِدَ لَهُ في شَبابِهِ، تَشْبِيهًا لِلشَّبابِ بِالرَّبِيعِ، وناقَةٌ مِرْباعٌ - إذا كانَتْ عادَتُها أنْ تَنْتِجَ في رَبْعِيَّةِ القَيْظِ، والرَّبْعِيَّةُ: أوَّلُ الشِّتاءِ، والرَّبِيعُ: الجَدْوَلُ - لِجَرْيِهِ وإنْباتِ ما حَوْلَهُ، وجَمْعُهُ أرْبِعاءُ، والحَجَرُ يَشِيلُونَهُ لِتَجْرِبَةِ القُوى، (p-١٠٧)والرّابِعُ تِلْوَ الثّالِثِ - لِأنَّهُ جازَ الجَمْعُ، ووَتَرٌ وحَبْلٌ مَرْبُوعٌ: مَفْتُولٌ عَلى أرْبَعِ قُوًى، ورَبَّعْتُ القَوْمَ أُرَبِّعُهُمْ: صِرْتُ رابِعَهُمْ، والأرْبِعاءُ: يَوْمٌ، [و] المِرْباعُ: رُبْعُ الغَنِيمَةِ [الَّذِي] كانَ يَأْخُذُهُ الرَّئِيسُ، والرُّباعِيَّةُ - كَثَمانِيَةٍ: السِّنُّ بَيْنَ الثَّنِيَّةِ والنّابِ، وعِدَّتُها أرْبَعٌ، وكُلُّ ما بَلَغَ الأرْبَعَةَ رُباعٌ كَثَمانٍ، وتَقُولُ لِلْغَنَمِ في الرّابِعَةِ ولِلْبَقَرِ والحافِرِ في الخامِسَةِ ولِلْخُفِّ في السّابِعَةِ: أرْبَعْتُ، كَأنَّهُ لا يَجُوزُ في كُلِّ نَوْعٍ مِن حَدِّ الصِّغَرِ إلى الكِبَرِ إلّا بِذَلِكَ، وأرْبَعَ الفَرَسُ: ألْقى رُباعِيَّتَهُ، وحُمّى رُبْعٍ: تَأْتِي في اليَوْمِ الرّابِعِ، وقَدْ رَبُعَ الرَّجُلُ وأرْبَعَ، وهو مَعْنى ما قالَ في القامُوسِ: ورَبَّعَتْهُ الحُمّى: أخَذَتْهُ الحُمّى يَوْمًا بَعْدَ يَوْمَيْنِ، لِأنَّ يَوْمَها الثّانِي هو رابِعُ يَوْمِها الأوَّلِ، والرَّبْعَةُ - بِالفَتْحِ: جَوْنَةُ العَطّارِ - لِتَضُوعَ رِيحُها، والرَّجُلُ بَيْنَ الطَّوِيلِ والقَصِيرِ - ويُحَرِّكَ - كالمَرْبُوعِ، لِجَوازِهِ حَدَّ كُلٍّ مِنهُما، هَذا إلى الطُّولِ، وهَذا إلى القَصْرِ، وارْتَبَعَ: صارَ رَبْعَةً، والرِّبْعَةُ - مُحَرَّكَةٌ: أشَدُّ عَدُوِّ الإبِلِ، والمَسافَةُ بَيْنَ أثافِي (p-١٠٨)القَدْرِ - لِعُبُورِ كُلٍّ مِنهُما عَنْ [مَحَلِّ] صاحِبَتِها، وأرْبَعَ ماءُ الرَّكِيَّةِ: كَثُرَ، فَجازَ عَنْ مَحَلِّهِ الأوَّلِ، وعَلى فُلانٍ: سَألَهُ ثُمَّ ذَهَبَ ثُمَّ عادُوهُ، وعَلى المَرْأةِ: كَرَّ إلى جِماعِها، والقَوْمُ إبِلُهم مَكانُ كَذا: رَعَوْها وأرْسَلُوها عَلى الماءِ تَرِدُ مَتى شاءَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا أيْضًا مِنَ الرَّبِيعِ، وأرْبَعَتِ النّاقَةُ - إذا اسْتَغْلَقَتْ رَحِمَها فَلَمْ تَقْبَلِ الماءَ، كَأنَّها أزالَتِ العُبُورَ، أيِ الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى أُخْرى، والرَّبِيعَةُ: البَيْضَةُ مِنَ السِّلاحِ - لِنَقْلِها صاحِبَها إلى الحَصانَةِ، والرَّوْضَةُ - لِجَوازِ النَّبْتِ فِيها عَنْ حَدِّ الأرْضِ، والمُرَبَّعُ: شِراعُ السَّفِينَةِ - لِأنَّهُ آلَةُ السَّيْرِ، والمُرَبَّعُ: الرَّجُلُ الكَثِيرُ النِّكاحِ - لِعُبُورِهِ عَنْ حالَةِ الأُولى، ولِجُلُوسِهِ بَيْنَ الشُّعَبِ الأرْبَعِ، وتَرَبَّعَ في جُلُوسِهِ ضِدَّ جَثا، إمّا لِأنَّهُ صارَ عَلى شَكْلِ المُرَبَّعِ، وإمّا أخْذًا مِنَ الرُّبْعِ إلى المَنزِلِ، لِأنَّها جَلْسَةُ المُقِيمِ في مَنزِلِهِ، وتَرَبَّعَتِ النَّخِيلُ: خَرَقَتْ وصَرُمَتْ - لِتَحَوُّلِ حالِها، واسْتَرْبَعَ الرَّمْلُ: تَراكُمْ، إمّا لِجَوازِهِ عَنْ حالِهِ الأُولى، وإمّا مِنَ الإقامَةِ في الرُّبْعِ، واسْتَرْبَعَ الغُبارُ، ارْتَفَعَ، والبَعِيرُ لِلْمَسِيرِ: قُوى عَلَيْهِ وصَبَرَ، (p-١٠٩)والرَّجُلُ بِالأمْرِ: اسْتَقَلَّ وصَبَرَ، وفُلانٌ يُقِيمُ رَبّاعَةَ قَوْمِهِ، أيْ شَأْنُهم وحالُهم أيْ يُجِيزُهم مِن حالٍ إلى أُخْرى، ومَضى مِن بَنِي فُلانٍ رُبُوعٌ بَعْدَ رُبُوعٍ، أيْ أحْياءٌ [بَعْدَ أحْياءٍ]، إمّا لِأنَّ ذَلِكَ جَوازٌ مِن دارٍ إلى دارٍ وحالٍ إلى حالٍ، وإمّا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ أهْلِ رُبُوعٍ أيْ مَنازِلَ، واليَرْبُوعُ: دابَّةٌ كالفَأْرَةِ، إمّا لِشَدَّةِ جَرْيِها، وإمّا لِجَعْلِها نافِقاءَيْنِ تَهْرُبُ مِن أيِّهِما شاءَتْ، فَهي عابِرَةٌ مُنْتَقِلَةٌ بِالقُوَّةِ وإنْ كانَتْ ساكِنَةً، واليَرْبُوعُ: لُحْمَةُ المَتْنِ - كَأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالدّابَّةِ؛ وبَرَعَ الرَّجُلُ - مُثَلَّثَةً: فاقَ أصْحابَهُ في عِلْمٍ أوْ غَيْرِهِ، أوْ تَمَّ في كُلِّ فَضِيلَةٍ وجَمالٍ، وهَذا أبْرَعُ مِنهُ: أضْخَمُ - لِأنَّهُ جازَ مِقْدارَهُ، والبارِعُ: الأصِيلُ الجَيِّدُ الرَّأْيِ، وتَبَرَّعَ بِالعَطاءِ: تَفَضَّلَ بِما لا يَجِبُ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ كَأنَّهُ جازَ رُتْبَةَ الواجِبِ - واللَّهُ أعْلَمُ. وفي الآيَةِ ما يُوجِبُهُ حالُ العُلَماءِ مِن حاجَةِ المُلُوكِ إلَيْهِمْ،

يوسف 12:44

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ هَذِهِ الرُّؤْيا ﴿أضْغاثُ﴾ أيْ أخْلاطٌ، جَمْعُ ضِغْثٍ - بِكَسْرِ الضّادِ وإسْكانِ (p-١١٠)الغَيْنِ المُعْجَمَةِ، وهو قَبْضُهُ حَشِيشَ مُخْتَلِطَةَ الرَّطْبِ بِاليابِسِ ﴿أحْلامٍ﴾ مُخْتَلِفَةً مُشْتَبِهَةً، جَمْعُ حُلْمٍ - بِضَمِّ الحاءِ وإسْكانِ اللّامِ وضَمِّهِ، وهو الرُّؤْيا - فَقَيَّدُوها بِالأضْغاثِ، وهو ما يَكُونُ مِنَ الرُّؤْيا باطِلًا - لِكَوْنِهِ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ أوْ وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، لِكَوْنِها تُشْبِهُ أخْلاطَ النَّباتِ الَّتِي لا تَناسُبَ بَيْنَها، لِأنَّ الرُّؤْيا تارَةً تَكُونُ مِنَ المَلِكِ وهي الصَّحِيحَةُ، وتارَةً تَكُونُ مِن تَحْرِيفِ الشَّيْطانِ وتَخْلِيطاتِهِ، وتارَةً مِن حَدِيثِ النَّفْسِ؛ [ثُمَّ] قالُوا: ﴿وما نَحْنُ﴾ أيْ بِأجْمَعِنا ”بِتَأْوِيلِ“ أيْ تَرْجِيعُ ”الأحْلامِ“ أيْ مُطْلَقُ الأضْغاثِ وغَيْرُها، وأعْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ”بِعالِمِينَ“ فَدَلَّسُوا مِن غَيْرِ وجْهٍ، جَمَعُوا - وهي حُلْمٌ واحِدٌ - لِيَجْعَلُوها أضْغاثًا لا مَدْلُولَ لَها، ونَفَوْا عَنْ أنْفُسِهِمُ ”العِلْمَ المُطْلَقَ“ المُسْتَلْزِمَ لِنَفِيِ ”العِلْمِ بِالمُقَيَّدِ“ بَعْدَ أنْ أتَوْا بِالكَلامِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، لِيُوهِمُوا أنَّهم ما جَهِلُوها إلّا لِكَوْنِها أضْغاثًا - واللَّهُ أعْلَمُ؛ والقَوْلُ: كَلامٌ مُتَضَمِّنٌ بِالحِكايَةِ في البَيانِ عَنْهُ، فَإذا ذَكَرَ أنَّهُ قالَ، اقْتَضى الحِكايَةَ لِما قالَ، وإذا ذَكَرَ أنَّهُ تَكَلَّمَ، لَمْ يَقْتَضِ حِكايَةً لِما تَكَلَّمَ بِهِ، ومادَّةُ ”حَلَمَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها تَدُورُ عَلى صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ وعادَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ الجِبِلَّةُ - كَما يَأْتِي في الرَّعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿شَدِيدُ المِحالِ﴾ [الرعد: ١٣]

يوسف 12:45

ولَمّا كانَ هَذا حالًا مُذَكَّرًا لِلسّاقِي بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - (p-١١١)أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ ذَكَرَهُ بَعْدَ نِسْيانِهِ، فَقالَ عادِلًا عَنِ الفاءِ إيذانًا بِأنَّهُ مِنَ المَلا: ﴿وقالَ الَّذِي نَجا﴾ أيْ خَلُصَ مِنَ الهَلاكِ ”مِنهُما“ أيْ مِن صاحِبَيِ السِّجْنِ، وهو السّاقِي ”و“ الحالُ أنَّهُ ”ادَّكَرَ“ - بِالمُهْمَلَةِ، أيْ طَلَبَ الذِّكْرَ - بِالمُعْجَمَةِ، وزْنُهُ افْتَعَلَ ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأزْمانِ، أيْ أزْمانٍ مُجْتَمِعَةٍ طَوِيلَةٍ ﴿أنا أُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ أُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ أيْ بِتَفْسِيرِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ مَعْنى هَذا الحِلْمِ وحْدَهُ كَما هو الحَقُّ، وسَبَبٌ عَنْ كَلامِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلُونِ﴾ أيْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ أعْلَمُ النّاسِ، فَأرْسِلُوهُ إلَيْهِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ولَمْ يَكُنِ السِّجْنُ في المَدِينَةِ،

يوسف 12:46

فَأتاهُ فَقالَ السّاقِي المُرْسَلُ بَعْدَ وُصُولِهِ إلَيْهِ مُنادِيًا لَهُ بِالنِّداءِ القُرْبِ تَحَبُّبًا إلَيْهِ: ﴿يُوسُفُ﴾ وزادَ في التَّحَبُّبِ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ أيِ البَلِيغُ في الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ لِما يَحِقُّ تَصْدِيقُهُ بِما جَرَّبْناهُ مِنهُ ورَأيْناهُ لائِحًا عَلَيْهِ ﴿أفْتِنا﴾ أيِ اذْكُرْ لَنا الحُكْمَ ”فِي سَبْعٍ“ ومَيِّزِ العَدَدَ بِجَمْعِ السَّلامَةِ الَّذِي هو لِلْقِلَّةِ - كَما مَضى لِما مَضى - فَقالَ: ﴿بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ (p-١١٢)أيْ رَآهُنَّ المَلِكُ ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ﴾ أيْ مِنَ البَقَرِ ﴿عِجافٌ﴾ أيْ مَهازِيلُ جِدًّا ”و“ في ”سَبْع سُنْبُلات“ جَمْعُ سُنْبُلَةٍ، وهي مَجْمَعُ الحُبِّ مِنَ الزَّرْعِ ”خُضْرٍ و“ في سَبْعٍ ”أُخَرَ“ [أيْ] مِنَ السَّنابِلِ ﴿يابِساتٍ﴾ وساقَ جَوابَ السُّؤالِ سِياقَ التَّرَجِّي إمّا جَرْيًا عَلى عَوائِدِ العُقَلاءِ في عَدَمِ البَتِّ في الأُمُورِ المُسْتَقْبِلَةِ، وإمّا لِأنَّهُ نَدِمَ بَعْدَ إرْسالِهِ خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ شَيْئًا لا يُواجِهُ بِهِ المَلِكَ، فَعَزَمَ عَلى الهَرَبِ - عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، وإمّا اسْتِعْجالًا لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإفْتاءِ لِيُسْرِعَ في الرُّجُوعِ، فَإنَّ النّاسَ في غايَةِ التَّلَفُّتِ إلَيْهِ، فَقالَ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ﴾ قَبْلَ مانِعٍ يَمْنَعُنِي. [ولَمّا كانَ تَصْدِيقُهم لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِلْمُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ وعَمَلِهِمْ بِما أمَرَهم بِهِ مَظْنُونًا، قالَ]: ﴿لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لِيَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَعْلَمُوا فَضْلَكَ أوْ ما يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ فَيَعْلَمُوا لِكُلِّ حالٍ ما يُمْكِنُهم عَمَلُهُ،

يوسف 12:47

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ لَهُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“: تَأْوِيلُهُ أنَّكم ﴿تَزْرَعُونَ﴾ أيْ تُوجِدُونَ الزِّراعَةَ. فَهو إخْبارٌ بِمَغِيبٍ، فَهو أقْعَدُ في مَعْنى الكَلامِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بِمَعْنى الأمْرِ (p-١١٣)﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾ أيْ دائِبِينَ مُجْتَهِدِينَ - والدَّأْبُ: اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ عَلى عادَتِهِ - كَما أشارَتْ إلَيْهِ رُؤْياكَ بِعَصْرِ الخَمْرِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الكِفايَةِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ لِلْبَقَراتِ السِّمانِ والسَّنابِلِ الخُضْرِ، والتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ السَّبْعَ تَكُونُ - كَما تَعْرِفُونَ - مِن أغْلَبِ أحْوالِ الزَّمانِ في تَوَسُّطِهِ بِخِصْبِ أرْضٍ وجَدْبِ أُخْرى، وعَجْزِ الماءِ عَنْ بُقْعَةٍ وإغْراقِهِ لِأُخْرى - كَما أشارَ إلَيْهِ الدَّأْبُ: ثُمَّ أرْشَدَهم إلى ما يَتَقَوَّوْنَ بِهِ [عَلى] ما يَأْتِي مِنَ الشَّرِّ، فَقالَ: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ بِسَبَبِ ذَلِكَ الزَّرْعِ - والحَصْدُ: قَطْعُ الزَّرْعِ بَعْدَ اسْتِوائِهِ - في تِلْكَ [السَّبْعِ] الخِصْبَةِ ﴿فَذَرُوهُ﴾ أيِ اتْرُكُوهُ عَلى كُلِّ حالٍ ﴿فِي سُنْبُلِهِ﴾ لِئَلّا يَفْسَدَ بِالسُّوسِ أوْ غَيْرِهِ ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: أشارَ بِرَأْيٍ نافِعٍ بِحَسَبِ طَعامِ مِصْرَ وحِنْطَتِها الَّتِي لا تَبْقى عامَيْنِ بِوَجْهٍ إلّا بِحِيلَةِ إبْقائِها في السُّنْبُلِ - انْتَهى.

يوسف 12:48

ولَمّا أتَمَّ المَشُورَةَ، رَجَعَ إلى بَقِيَّةِ عِبارَةِ الرُّؤْيا، فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ الإتْيانَ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ لِزَمانِ البُعْدِ، أتى بِالجارِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ، وهي السَّبْعُ الَّتِي تَعْمَلُونَ (p-١١٤)فِيها هَذا العَمَلَ ”سَبْعَ“ أيْ سُنُونَ ﴿شِدادٌ﴾ بِالقَحْطِ العَظِيمِ، وهُنَّ ما أشارَتْ إلَيْهِ رُؤْيا صاحِبِكَ الَّذِي طارَ بِرِزْقِهِ الطُّيُورُ، وسارَ بِرُوحِهِ غالِبَ المَقْدُورِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ رُؤْيا المَلِكِ مِنَ البَقَراتِ العِجافِ والسَّنابِلِ اليابِساتِ ﴿يَأْكُلْنَ﴾ أسْنَدَ الأكْلَ إلَيْهِنَّ مَجازًا عَنْ أكْلِ أهْلِهِنَّ تَحْقِيقًا لِلْأكْلِ ﴿ما قَدَّمْتُمْ﴾ أيْ بِالِادِّخارِ مِنَ الحُبُوبِ ”لَهُنَّ“ والتَّقْدِيمُ: التَّقْرِيبُ إلى جِهَةِ القُدّامِ، وبَشَّرَهم بِأنَّ الشِّدَّةَ تَنْقَضِي ولَمْ يَفْرَغْ ما أعَدُّوهُ، فَقالَ: ﴿إلا قَلِيلا مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ والإحْصانُ: الإحْرازُ، وهو إلْقاءُ الشَّيْءِ فِيما هو كالحِصْنِ المَنِيعِ - هَذا تَعْبِيرُ الرُّؤْيا،

يوسف 12:49

ثُمَّ زادَهم عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي﴾ وعَبَّرَ بِالجارِّ لِمِثْلِ ما مَضى فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيِ الجَدْبُ العَظِيمُ ”عامٌ“ وهو اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، ونَظِيرُهُ الحَوْلُ والسَّنَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ العُلُومِ - لِما لِأهِلِهِ [فِيهِ] مِنَ السَّبْحِ الطَّوِيلِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ. والتَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ مُرادَفاتِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَكُونُ فِيهِ - مِنَ السِّعَةِ بِعُمُومِ الرَّيِّ وظُهُورِ الخِصْبِ وغَزِيرِ البَرَكَةِ - أمْرٌ عَظِيمٌ، ولِذا اتَّبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ”فِيهِ“. ولَمّا كانَ المُتَشَوِّفُ إلَيْهِ الإغاثَةُ، عَلى أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، قالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿يُغاثُ النّاسُ﴾ مِنَ الغَيْثِ وهو المَطَرُ، أوْ مِنَ الغَوْثِ وهو الفَرَجُ، فَفي الأوَّلِ يَجُوزُ بِناءَهُ مِن ثُلاثِيٍّ ومِن رُباعِيٍّ، (p-١١٥)يُقالُ غاثَ اللَّهُ الأرْضَ وأغاثَها: أمْطَرَها، وفي الثّانِي هو رُباعِيٌّ خاصَّةً، يُقالُ: اسْتَغاثَ بِهِ فَأغاثَهُ، مِنَ الغَوْثِ وهو واوِيٌّ، ومَعْناهُ النَّفْعُ الَّذِي يَأْتِي عَلى شَدَّةِ حاجَتِهِ بِنَفْيِ المَضَرَّةِ، والغَيْثُ يائِيٌّ وهو المَطَرُ الَّذِي يَأْتِي في وقْتِ الحاجَةِ ﴿وفِيهِ﴾ أيْ ذَلِكَ العامُ الحَسَنُ. ولَمّا كانَ العَصْرُ لِلْأدْهانِ وغَيْرِها لا يَكُونُ إلّا عَنْ فَضْلِهِ، قالَ: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ أيْ يُخْرِجُونَ عُصاراتِ الأشْياءِ وخُلاصاتِها، وكَأنَّهُ أخَذَ مِنَ انْتِهاءِ القَحْطِ ابْتِداءَ الخِصْبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ العَصْرُ في رُؤْيا السّائِلِ، والخُضْرَةُ والسَّمْنُ في رُؤْيا المَلِكِ فَإنَّهُ ضِدُّ القَحْطِ، وكُلُّ ضِدَّيْنِ انْتِهاءُ أحَدِهِما ابْتِداءُ الآخَرِ لا مَحالَةَ، فَجاءَ الرَّسُولُ فَأخْبَرَ المَلِكَ بِذَلِكَ، فَأعْجَبَهُ ووَقَعَ في نَفْسِهِ صِدْقَهُ

يوسف 12:50

﴿وقالَ المَلِكُ﴾ أيِ الَّذِي العَزِيزُ في خِدْمَتِهِ ﴿ائْتُونِي بِهِ﴾ لِأسْمَعَ ذَلِكَ مِنهُ وأُكْرِمَهُ، فَأتاهُ الرَّسُولُ لِيَأْتِيَ بِهِ إلى المَلِكِ ﴿فَلَمّا جاءَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ قُرْبٍ مِنَ الزَّمانِ ﴿الرَّسُولُ﴾ بِذَلِكَ وهو السّاقِي ﴿قالَ﴾ لَهُ يُوسُفُ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾ أيْ سَيِّدِكَ المَلِكِ ﴿فاسْألْهُ﴾ بِأنْ تَقُولَ لَهُ مُسْتَفْهِمًا ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ﴾ ولَوَّحَ بِمَكْرِهِنَّ بِهِ ولَمْ يُصَرِّحْ، ولا ذَكَرَ امْرَأةَ العَزِيزِ كَرَمًا وحَياءً فَقالَ: ﴿اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ أيْ ما خَبَرُهُنَّ في مَكْرِهِنَّ الَّذِي (p-١١٦)خالَطَنِي، فاشْتَدَّ بِهِ بَلائِي فَإنَّهُنَّ يَعْلَمْنَ أنَّ امْرَأةَ العَزِيزِ ما دَعَتْهُنَّ إلّا بَعْدَ شَهادَتِهِنَّ بِأنَّها راوَدَتْنِي، ثُمَّ اعْتَرَفَتْ لَهُنَّ بِأنَّها راوَدَتْنِي، وأنِّي عَصَيْتُها أشَدَّ عِصْيانٍ، فَإذا سَألَهُنَّ بانَ الحَقُّ، فَإنَّ رَبَّكَ جاهِلٌ بِأمْرِهِنَّ. ولَمّا كانَ هَذا مَوْطِنًا يَسْألُ فِيهِ عَنْ عِلْمِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ، قالَ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا لِأنَّهم عَمِلُوا في ذَلِكَ الأمْرِ بِالجَهْلِ عَمَلَ المُكَذِّبِ بِالحِسابِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ العِلْمِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُدَبِّرُ لِي والمُحْسِنُ إلَيَّ بِكُلِّ ما أتَقَلَّبُ فِيهِ مِن شِدَّةٍ ورَخاءٍ ﴿بِكَيْدِهِنَّ﴾ لِي حِينَ دَعَوْنَنِي إلى طاعَةِ امْرَأةِ العَزِيزِ ﴿عَلِيمٌ﴾ وأنا لا أخْرُجُ مِنَ السِّجْنِ حَتّى يَعْلَمَ رَبُّكَ ما خَفَيَ عَنْهُ أمْرَهُنَّ الَّذِي عَلِمَهُ رَبِّي، لِتَظْهَرَ بَراءَتِي عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ مِمّا وصَمُونِي بِهِ مِنَ السِّجْنِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَكُونَ إلّا عَنْ جُرْمٍ، وإنْ لَمْ تَظْهَرْ بَراءَتِي لَمْ يَنْقَطِعْ عَنِّي كَلامُ الحاسِدِينَ، ويُوشِكُ أنْ يَسْعَوْا في حَطِّ مَنزِلَتِي عِنْدَ المَلِكِ، ولِئَلّا يَقُولُوا: ما لَبِثَ هَذا السَّجْنَ إلّا لِذَنْبٍ عَظِيمٍ فَيَكُونُ في ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ العارِ لا يَخْفى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَّعْيَ في بَراءَةِ العَرْضِ حَسَنٌ، بَلْ واجِبٌ، وأخْرَجَ الكَلامَ عَلى سُؤالِ المَلِكِ عَنْ أمْرِهِنَّ - لا عَلى سُؤالِهِ [فِي] أنْ يَفْحَصَ عَنْ أمْرِهِنَّ - لِأنَّ سُؤالَ الإنْسانِ عَنْ عِلْمٍ ما لَمْ يَعْلَمْ يُهَيِّجُهُ (p-١١٧)ويُلْهِبُهُ إلى البَحْثِ عَنْهُ، بِخِلافِ سُؤالِهِ في أنْ يُفَتِّشَ لِغَيْرِهِ، لِيَعْلَمَ ذَلِكَ الغَيْرُ، فَأرادَ بِذَلِكَ حَثَّهُ لِأنْ يَجِدَ في السُّؤالِ حَتّى يَعْلَمَ الحَقَّ، لِيَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ جَمِيعَ ما حَدَّثَهُ بِهِ؛ والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ في إيصالِ الضَّرَرِ. وإنَّما فُسِّرَتْ ”بالُ“ بِذَلِكَ لِأنَّ مادَّتَهُ - يائِيَّةٌ بِتَراكِيبِها الخَمْسَةِ: بَلى، وبَيَلَ، ولَبّى، ولَيَبَ، ويَلَبَ، وواوِيَّةٌ بِتَراكِيبِها السِّتَّةِ: بَوَلَ، وبَلَوَ، ووَلَبَ، ووَبَلَ، ولَوَبَ، ولَبَوَ، ومَهْمُوزَةٌ - بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: لَبَأ، وبَألَ، وأبَلَ وألَبَ - تَدُورُ عَلى الخُلْطَةِ المُحِيلَةِ المُمِيلَةِ، وكَأنَّ حَقِيقَتَها [البَلاءُ] بِمَعْنى الِاخْتِبارِ والِامْتِحانِ والتَّجْرِبَةِ، ويَكُونُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، أيْ خالَطَهُ بِشَيْءٍ يَعْرِفُ مِنهُ خَفِيَّ أمْرِهِ؛ قالَ القَزّازُ: والفِتْنَةُ تَكُونُ في الشَّرِّ خاصَّةً، والبَلاءُ: النِّعْمَةُ، مِن قَوْلِكَ: أبْلَيْتُهُ خَيْرًا - إذا اصْطَنَعْتَهُ عِنْدَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ الأنْفالِ] شَيْءٌ مِن مَعانِي المادَّةِ، وناقَةٌ بَلَوَ سَفَرٍ وبَلى سَفَرٍ - إذا أنَضاها السَّفَرُ، وإذا كانَتْ قَوِيَّةً عَلَيْهِ، والبَلْوى: البَلِيَّةُ، وأبْلَيْتُ فُلانًا عُذْرًا، أيْ جِئْتُ فِيما بَيْنِي وبَيْنَهُ ما لا لَوْمَ فِيهِ، أيْ خالَطْتُهُ بِشَيْءٍ أزالَ اللَّوْمَ، والبَلِيَّةُ: دابَّةٌ كانَتْ تُشَدُّ في الجاهِلِيَّةِ عِنْدَ قَبْرِ صاحِبِها ولا تُعْلَفُ ولا تُسْقى حَتّى تَمُوتَ، ويُقالُ: النّاسُ بِذِي بَلى وبِذِي بَلِيانِ، أيْ مُتَفَرِّقِينَ، كَأنَّ حَقِيقَتَهُ أنَّهُ حَلَّ (p-١١٨)بِهِمْ صاحِبُ خُلْطَةٍ شَدِيدَةٍ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمْ، وبِلى الشَّيْءِ - بِالكَسْرِ بَلى مَقْصُورًا وبَلاءٌ مَمْدُودًا - إذا فَنى وعَطَبَ، وبُلِيَ فُلانٌ بِكَذا - مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وابْتَلى بِهِ - إذا أصابَهُ ذَلِكَ؛ والبَوْلُ: ولَدُ الرَّجُلِ، والعَدَدُ الكَثِيرُ، والِانْفِجارُ، وضِدُّ الغائِطِ، ولا رَيْبَ أنَّ كُلًّا مِن ذَلِكَ إذا خالَطَهُ الحَيَوانُ أحالَ حالَهُ؛ والبالُ: الِاكْتِراثُ والفِكْرُ والهَمُّ، ومِن ذَلِكَ عِنْدِي: ما بالَيْتُ بِهِ: لَمْ أكْتَرِثْ بِهِ، وكَذا ما أُبالِيهِ بالَةً، وهي مَصْدَرٌ مِنهُ، ولَمْ أُبالِ بِهِ، ولَمْ أبُلْ، ولَكِنَّهم قَلَبُوهُ مِن: باوَلْتُ بِهِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ بِالبَوْلِ - واللَّهُ أعْلَمُ، وحَقِيقَتُهُما: ما اسْتَعْمَلْتُ بالِي الَّذِي هو فِكْرِي فِيهِ وإنْ أعْمَلَ هو فِكْرَهُ في أمْرِي، أيْ إنَّهُ أقَلُّ مِن أنْ يُفَكِّرَ في أمْرِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الفِكْرَ مَحَلُّ الخُلْطَةِ المُمِيلَةِ، والبالُ: المُرُّ الَّذِي يَعْتَمِلُ بِهِ في أرْضِ الزَّرْعِ - لِمَشَقَّةِ العَمَلِ بِهِ، والبالُ: سَمَكَةٌ غَلِيظَةٌ تُسَمّى جَمَلُ البَحْرِ - لِأنَّ مَن خالَطَتْهُ أحالَتْ أمْرَهُ، والبالُ: رَخاءُ العَيْشِ، والحالُ، والبالَةُ: القارُورَةُ - كَأنَّها مِنَ البَوْلِ، (p-١١٩)والجِرابِ، ووِعاءِ الطِّيبِ، والوَلَبُ: الوَصْلُ، ولُبْتُ الشَّيْءَ: وصَلْتُهُ، ووَلَبَ هُوَ: وصَلَ ودَخَلَ وأسْرَعَ، والَوالِبُ: الذّاهِبُ في وجْهِهِ - كَأنَّهُ خالَطَهُ مِنَ الهَمِّ ما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ، ووَلَبَ الزَّرْعُ - إذا صارَتْ لَهُ والِبَةٌ، وهي أفْراخٌ تَوَلَّدَتْ مِن أُصُولِهِ، والوالِبَةُ: نَسْلُ القَوْمِ، ونَسْلُ المالِ، والوالِبَةُ: سَرِيعُ النَّباتِ؛ ولابَ يَلُوبُ - إذا عَطِشَ، واللّابَّةُ: الحُرَّةُ، وهي مَكانٌ ذُو حِجارَةٍ سُودٍ كَبِيرَةٍ مُتَّصِلَةٍ صَلْبَةٍ حَسَنَةٍ، فَمَن خالَطَها أتْعَبَتْهُ وأعْطَشَتْهُ، وبِها سُمِّيَتِ الإبِلُ السُّودُ المُجْتَمِعَةُ، والصَّمّانُ، واللّابَةُ: شَقْشَقَةُ البَعِيرِ، وهي شَيْءٌ كالرِّئَةِ يُخْرِجُهُ البَعِيرُ مِن فِيهِ إذا هاجَ - كَأنَّها هي الَّتِي أهاجَتْهُ، والمَلابُ: ضَرْبٌ مِنَ الطِّيبِ، والزَّعْفَرانِ، والمُلَوَّبُ - كَمُعَظَّمٍ - مِنَ الحَدِيدِ: المَلْوى، واللُّوبُ - بِالضَّمِّ: البِضْعَةُ الَّتِي تَدُورُ في القَدِّ - لِأنَّها تُغَيِّرُ ما في القِدْرِ بِدَوَرانِها، [واللُّوابُ] أيْضًا: اللُّعابُ، والأبُ: عَطِشَتْ إبِلُهُ، واللَّبْوَةُ: أُنْثى الأسَدِ؛ والوابِلُ: المَطَرُ الكَثِيرُ الشَّدِيدُ الوَقْعُ الضَّخْمُ القَطْرِ، والوابِلَةُ: نَسْلُ الإبِلِ (p-١٢٠)والغَنَمِ، ورَأْسِ العَضُدِ الَّذِي في الحَقِّ، وما التَفَّ مِن لَحْمِ الفَخْذِ، والمُوابَلَةُ: المُواظَبَةُ، والمِيبَلُ: ضَفِيرَةٌ مِن قَدٍّ مُرَكَّبَةٌ في عُودٍ تُضْرَبُ بِهِ الإبِلُ، وُوبِلَ الصَّيْدُ: طَرْدٌ حَثِيثٌ شَدِيدٌ، بِالنَّعْجَةِ وبَلَّةٌ شَدِيدَةٌ - إذا أرادَتِ الفَحْلَ، والوَبالُ: الشِّدَّةُ وسُوءُ العاقِبَةِ، وهو مِنَ الشَّدَّةِ والثِّقَلِ، وأصابَهُ وبَلُ الجُوعِ، أيْ جُوعٌ شَدِيدٌ، والوَبِيلُ: المَرْعى الوَخِيمُ، واسْتَوْبَلَتِ الأرْضُ - إذا لَمْ تُوافِقُكَ في مَطْعَمِكَ وإنْ كُنْتَ مُحَبًّا لَها، وهي مِنَ الوَبِيلِ - لِلطَّعامِ الَّذِي لا يَشْتَهِي، والوَبِيلُ مِنَ العُقُوبَةِ: الشَّدِيدَةُ، وهو أيْضًا العَصا، وخَشَبَةُ القِصارِ الَّتِي يَدُقُّ بِها الثِّيابَ بَعْدَ الغَسْلِ، وخَشَبَةٌ صَغِيرَةٌ يَضْرِبُ بِها النّاقُوسُ، والحُزْمَةُ مِنَ الحَطَبِ؛ وبَلى: حَرْفٌ يُجابُ بِها الِاسْتِفْهامُ الدّاخِلُ عَلى كَلامٍ مَنفِيٍّ فَتُحِيلُهُ إلى الإثْباتِ بِخِلافِ ”نَعَمْ“ فَإنَّهُ يُجابُ بِها الكَلامُ المُوجِبُ، وتَأْتِي ”بَلى“ في النَّفْيِ مِن غَيْرِ اسْتِفْهامٍ، يُقالُ: ما أعْطَيْتَنِي دِرْهَمًا، فَتَقُولُ: بَلى؛ ولِبى مِنَ الطَّعامِ - كَرِضى: أكْثَرُ مِنهُ، واللُّبايَةُ - بِالضَّمِّ: شَجَرُ الأمْطى؛ واللَّيابُ - بِتَقْدِيمِ التَّحْتانِيَّةِ وُزْنُ سَحابٍ: أقَلُّ مِن مِلْءِ الفَمِ؛ واليَلَبُ - (p-١٢١)مُحَرَّكَةٌ: التِّرْسَةُ، ويُقالُ: الدَّرَقُ، والدُّرُوعُ مِنَ الجُلُودِ، أوْ جُلُودُ يَخْرُزُ بَعْضُها إلى البَعْضِ، تَلْبَسُ عَلى الرُّؤُوسِ خاصَّةً، والعَظِيمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، والجِلْدُ؛ والأبِيلُ - كَأمِيرٍ: العَصا، والحَزِينُ - بِالسُّرْيانِيَّةِ، ورَئِيسُ النَّصارى، أوِ الرّاهِبُ، أوْ صاحِبُ النّاقُوسِ، صَنِيعٌ مُخْتَصَرُ العَيْنِ يَقْتَضِي أنَّ هَمْزَتَهُ زائِدَةٌ، وصَنِيعُ القامُوسِ أنَّها أصْلِيَّةٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ هو مِن مَدارِ المادَّةِ، فَإنَّ مَن خالَطَتْهُ العَصا غَيَّرَتْهُ، وكَذا الرَّئِيسُ؛ ومِن مَهْمُوزَةُ اللِّبَأِ - كَضِلْعٍ: أوَّلُ اللَّبَنِ، وهو أحَقُّ الأشْياءِ بِالإحالَةِ، وألْبَأ الفَصِيلُ: شِدَّةٌ إلى رَأْسِ الخَلَفِ - أيْ حَلَمَةُ ضَرْعِ النّاقَةِ - لِيَرْضَعَ اللِّبَأ، ولَبَأتْ وهي مُلْبِئٌ: وقَعَ اللِّبَأُ في ضَرْعِها، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِما يُخالِطُها، فَيُحِيلُ ذَلِكَ مِنها، واللَّبْءُ - بِالفَتْحِ: أوَّلُ السَّقْيِ، وهو أشَدُّ مِمّا في الأثْناءِ في الخَلْطَةِ والإحالَةِ، وبَهاءٌ: الأسْدَةُ، وخَلْطَتُها مُحِيلَةٌ لِلذُّكُورِ مِن نَوْعِها، ولِغَيْرِها بِالنَّفْرَةِ مِنها، وكَذا اللَّبْوَةُ - (p-١٢٢)بِالواوِ، وعِشارٌ مُلابِيٌ - كَمَلاقِحَ: دَنا نِتاجُها، وهو واضِحٌ في الإحالَةِ: ولَبَأتِ الشّاةُ ولَدَها وألْبَأتْهُ: أرْضَعَتْهُ اللِّبَأ، ولَبَأتِ الشّاةُ والتَبَأتْها: حَلَبَتْ لَبْأها؛ والبَئِيلُ - كَأمِيرٍ: الصَّغِيرُ الضَّعِيفُ، بَؤُلَ - كَكَرُمَ، ويُقالُ ضَئِيلٌ بَئِيلٌ؛ والإبْلُ - بِكَسْرَتَيْنِ وتَسْكُنُ الباءُ - مَعْرُوفٌ، واحِدٌ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، لَيْسَ بِجَمْعٍ ولا اسْمَ جَمْعٍ، جَمْعُهُ آبالٌ، الإحالَةُ في خَلْطَتِها بِالرُّكُوبِ والحَمْلِ وغَيْرِهِ واضِحَةٌ، والإبِلُ: السَّحابُ الَّذِي يَحْمِلُ ماءَ المَطَرِ، وهو ظاهِرٌ في ذَلِكَ، وتَأبَّلَ عَنِ امْرَأتِهِ: امْتَنَعَ عَنْ غِشْيانِها - مِنَ الإزالَةِ، ونَسَكَ: أيِ امْتَنَعَ عَنْ خَلْطَةِ الدُّنْيا المُحِيلَةِ، وبِالعَصا: [ضَرْبٌ]، ومَن خالَطَتْهُ العَصا أحالَتْهُ، وأبَلَ العُشْبُ أُبُولًا: طالَ، فاسْتَمْكَنَ مِنهُ الإبِلُ، وهو ظاهِرٌ في الإحالَةِ، والإبالَةُ - كالإجّانَةِ: القِطْعَةُ مِنَ الطَّيْرِ والخَيْلِ والإبِلِ [أوِ] المُتَتابِعَةُ مِنها، مَن نَظَرَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ أحالَهُ عَنْ حالِهِ، وكَأمِيرٍ: العَصا، ورَئِيسِ النَّصارى، أوِ الرّاهِبِ، أوْ صاحِبِ النّاقُوسِ، وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في الإحالَةِ، والأبُلُ - بِالضَّمِّ الباءُ: (p-١٢٣)الحُزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ، وخَلْطَتُها مُحِيلَةٌ لِما يَأْكُلُها، والإبالَةُ - كَكِتابَةٍ: السِّياسَةُ، وهي في غايَةِ الإحالَةِ لِمَن خُولِطَ بِها، والأبْلَةُ - كَفَرْحَةٍ: الحاجَةُ والطُّلْبَةُ، وهي مَعْرُوفَةٌ في ذَلِكَ، والمُبارَكَةُ في الإبِلِ، وإنَّهُ لا يَأْتَبِلُ: لا يُثْبِتُ عَلى رَعِيَّةِ الإبِلِ ولا يُحْسِنُ مِهْنَتَها، أوْ لا يَثْبُتُ عَلَيْها راكِبًا، أيْ إنَّهُ سَرِيعُ التَّأثُّرِ والإحالَةُ مَن خَلَطَتْها، وتَأْبِيلُ الإبِلِ: تَسْمِينُها، أيْ مُخالَطَتُها بِما أحالَها، والإبْلَةُ - بِالكَسْرِ: العَداوَةُ، وإحالَتُها مَعْرُوفَةٌ، بِالضَّمِّ - العاهَةُ، وهي كَذَلِكَ، وبِالفَتْحِ أوْ بِالتَّحْرِيكِ: الثِّقَلُ والوَخامَةُ والإثْمُ كَذَلِكَ، وتَأْبِيلُ المَيِّتِ: تَأْبِينُهُ، أيِ الثَّناءُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وهو يُهَيِّجُ الحُزْنَ عَلَيْهِ، وجاءَ في إبالَتِهِ - بِالكَسْرِ، وأُبُّلْتُهُ - بِضَمَّتَيْنِ مُشَدَّدَةٍ: أصْحابُهُ، ولا شَكَّ أنَّ مَن جاءَ كَذَلِكَ أحالَ مَن أتاهُ، وضَغَثَ عَلى إبّالَةٍ كَإجّانَةٍ ويُخَفِّفُ: بَلِيَةٌ عَلى أُخْرى، أوْ خِصَّبٌ عَلى خِصْبٍ - كَأنَّهُ ضِدٌّ، وهو واضِحُ الإحالَةِ، وأبِلَتِ الإبِلُ تَأْبُلُ وتَأْبُلُ أُبُولًا وأبِلًا: جَزَأتْ - أيِ اكْتَفَتْ - بِالرَّطْبِ عَنِ الماءِ، والرُّطُبُ بِضَمَّتَيْنِ: الأخْضَرُ مِنَ البَقْلِ والشَّجَرِ أوْ جَماعَةٍ العُشْبِ الأخْضَرِ، والأُبُولُ: (p-١٢٤)الإقامَةُ في المَرْعى، ولا شَكَّ [فِي] أنَّ مَن خالَطَهُ ذَلِكَ أحالَهُ؛ وألَّبَ إلَيْهِ القَوْمُ: أتَوْهُ مِن كُلِّ جانِبٍ، وذَلِكَ مُحِيلٌ، وألَّبَ الإبِلَ: ساقَها، والإبِلُ: انْساقَتْ وانْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، والحِمارُ طَرِيدَتُهُ: طَرَدَها شَدِيدًا، وجَمَعَ، واجْتَمَعَ، وأسْرَعَ، وعادَ، والإحالَةُ في كُلِّ ذَلِكَ ظاهِرَةٌ، والسَّماءُ: دامَ مَطَرُها، أيْ فَأحالَ الأرْضَ وأهَّلَها، والتَّأْلَبُ كَثَعْلَبٍ: المُجْتَمَعُ مِنّا ومِن حُمُرِ الوَحْشِ والوَعْلِ، وهي بَهاءٌ، وما كانَ كَذَلِكَ أحالَ ما خالَطَهُ، والإلْبُ - بِالكَسْرِ: الفَتْرُ، وشَجَرَةٌ كالأُتْرُجِّ سُمٌّ، وذَلِكَ ظاهِرٌ في الإحالَةِ، وبِالفَتْحِ: نَشاطُ السّاقِي، ومَيْلُ النَّفْسِ إلى الهَوى، والعَطَشِ، والتَّدْبِيرِ عَلى العَدُوِّ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُ، ومِسْكُ السَّخْلَةِ، والسُّمُّ، والطَّرْدُ الشَّدِيدُ، وشَدَّةُ الحُمّى والحُرِّ، وابْتِداءُ بُرْءِ الدُّمَّلِ، وكُلُّ ذَلِكَ ظاهِرُ الإحالَةِ، ورِيحٌ ألُوبٌ: بارِدَةٌ تُسْفِي التُّرابَ، ورَجُلٌ ألُوبٌ: سَرِيعُ إخْراجِ الدَّلْوِ، أوْ نَشِيطٌ، فَمَن (p-١٢٥)خالَطَهُ أحالَهُ، وهم عَلَيْهِ ألْبٌ وإلْبٌ واحِدٌ: مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ بِالظُّلْمِ والعَداوَةِ، وذَلِكَ مُحِيلٌ لا شَكَّ فِيهِ، والأُلْبَةُ بِالضَّمِّ: المَجاعَةُ، وبِالتَّحْرِيكِ: اليَلَبَةُ، والتَّأْلِيبُ: التَّحْرِيضُ والإفْسادُ، وكُلُّ ذَلِكَ ظاهِرٌ في الإحالَةِ، وكَذا المِئْلَبُ - لِلسَّرِيعِ، والألْبُ: الصَّفْوُ، وهو مُحِيلٌ، والألَبُ - بِالتَّحْرِيكِ: اليَلَبُ، وقَدْ مَضى أنَّها التِّرْسَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

يوسف 12:51

ولَمّا قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ذَلِكَ وأبى أنْ يَخْرُجَ مِنَ السِّجْنِ قَبْلُ تَبَيَّنَ الأمْرَ، رَجَعَ الرَّسُولُ إلى المَلِكِ فَأخْبَرَهُ بِما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلَ المَلِكُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“ لِلنِّسْوَةِ بَعْدَ أنْ جَمَعَهُنَّ: ﴿ما خَطْبُكُنَّ﴾ أيْ شَأْنُكُنَّ العَظِيمُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿إذْ راوَدْتُنَّ﴾ أيْ خادَعْتُنَّ بِمَكْرٍ ودَوَرانٍ ومُراوَغَةٍ ﴿يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ بَراءَتَهُ كانَتْ مُتَحَقِّقَةً عِنْدَ كُلِّ مَن عَلِمَ القِصَّةَ، فَكَأنَّ المَلِكَ وبَعْضَ النّاسِ - وإنْ عَلِمُوا مُراوَدَتَهُنَّ وعِفَّتَهُ - ما كانُوا يَعْرِفُونَ المُراوَدَةَ هَلْ [هِيَ] لَهُنَّ كُلُّهُنَّ أوْ لِبَعْضِهِنَّ، فَكَأنَّهُ (p-١٢٦)قِيلَ: ما قُلْنَ؟ فَقِيلَ: مَكَرْنَ في جَوابِهِنَّ إذْ سَألَهُنَّ عَمّا عَمِلْنَ مِنَ السُّوءِ مَعَهُ فَأعْرَضْنَ عَنْهُ وأجَبْنَ بِنَفْيِ السُّوءِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُنَّ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾ أيْ عِياذًا بِالمَلِكِ الأعْظَمِ وتَنْزِيهًا لَهُ مِن هَذا الأمْرِ، فَأوْهَمْنَ بِذَلِكَ بَراءَتَهُنَّ مِنهُ؛ ثُمَّ فَسَّرْنَ هَذا العِياذَ بِأنْ قُلْنَ تَعَجُّبًا مِن عِفَّتِهِ الَّتِي لَمْ يَرَيْنَ مِثْلَها، ولا وقْعَ في أوْهامِهِنَّ أنْ تَكُونَ لِآدَمِيٍّ وإنْ بَلَغَ ما بَلَغَ: ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأعْرَقْنَ في النَّفْيِ فَقُلْنَ: ﴿مِن سُوءٍ﴾ فَخَصَّصْنَهُ بِالبَراءَةِ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ المَلَأِ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [يوسف: ٤٤] هَذا وهو جَوابٌ لِلْمَلِكِ الَّذِي تُبْهِرُ رُؤْيَتُهُ وتَخْشى سَطْوَتُهُ، فَكانَ مِن طَبْعِ البَلَدِ عَدَمُ الإفْصاحِ في المَقالِ - حَتّى لا يَنْفَكَّ عَنْ طُرُوقِ احْتِمالٍ فَيَكُونُ لِلتَّفَصِّي فِيهِ مَجالٌ - وعِبادَةُ المُلُوكِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَتِ الَّتِي هي أصْلُ هَذا (p-١٢٧)الأمْرِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ مُصَرِّحَةً بِحَقِيقَةِ الحالِ: ﴿الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾ أيْ حَصَلَ عَلى أمْكَنِ وُجُوهِهِ، وانْقَطَعَ عَنِ الباطِلِ بِظُهُورِهِ، مِن: حَصَّ شَعْرَهُ. إذا اسْتَأْصَلَ قَطْعَهُ بِحَيْثُ ظَهَرَ ما تَحْتَهُ، ومِنهُ الحِصَّةُ: القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، ونَظِيرُهُ: كَبَّ وكَبْكَبَ، وكَفَّ وكَفْكَفَ، فَهَذِهِ زِيادَةُ تَضْعِيفٍ، دَلَّ عَلَيْهِ الِاشْتِقاقُ وهو قَوْلُ الزَّجّاجِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ. ووافَقَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ وقالَ: وقالَ الأزْهَرِيُّ: هو مَن حَصْحَصَ البَعِيرُ: أثَّرَتْ ثَفِناتُهُ في الأرْضِ إذا بَرَكَ حَتّى تَسْتَبِينَ آثارُها فِيهِ ﴿أنا راوَدْتُهُ﴾ أيْ خادِعَتِهِ وراوَدَتْهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ وأكَّدَتْ ما أفْصَحَتْ بِهِ مَدْحًا ونَفْيًا لِكُلِّ سُوءٍ بِقَوْلِها مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن إنْكارِها: ﴿وإنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في هَذا الوَصْفِ في نِسْبَةِ المُراوَدَةِ إلَيَّ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ، فَقَدْ شَهِدَ النِّسْوَةُ كُلُّهُنَّ بِبَراءَتِهِ، وإنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنهُ ما يُنْسَبُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ السُّوءِ إلَيْهِ، فَمَن نَسَبَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ هَمًّا أوْ غَيْرَهُ فَهو تابِعٌ لِمُجَرَّدِ الهَوى في نَبِيٍّ مِنَ المُخْلِصِينَ.

يوسف 12:52

ولَمّا انْجَلى الأمْرُ، أمَرَ المَلِكُ بِإحْضارِهِ، لِيَسْتَعِينَ بِهِ فِيما إلَيْهِ مِنَ المَلِكِ، لَكِنْ لَمّا كانَتْ بَراءَةُ الصَّدِيقِ أهَمَّ مِن ذَلِكَ - وهي المَقْصُودُ مِن رَدِّ (p-١٢٨)الرَّسُولِ - قَدَّمَ بَقِيَّةَ الكَلامِ فِيها عَلَيْهِ، ولِيَكُونَ كَلامُهُ في بَراءَتِهِ مُتَّصِلًا بِكَلامِ النِّسْوَةِ في ذَلِكَ، والَّذِي دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كَلامَهُ ما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُها في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ، فَقالَ - بِناءً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمّا رَجَعَ الرَّسُولُ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرَهُ بِشَهادَتِهِنَّ بِبَراءَتِهِ قالَ -: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الخُلُقُ العَظِيمُ في تَثَبُّتِي في السِّجْنِ إلى أنَّ تَبَيُّنَ الحَقِّ ”لِيَعْلَمَ“ العَزِيزُ عِلْمًا مُؤَكَّدًا ﴿أنِّي لَمْ أخُنْهُ﴾ أيْ في أهْلِهِ ولا في غَيْرِها ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ والحالُ أنَّ كُلًّا مِنّا غائِبٌ عَنْ صاحِبِهِ ”و“ لِيَعْلَمَ بِإقْرارِها وهي في الأمْنِ والسِّعَةِ، وتَثَبُّتِي وأنا في مَحَلِّ الضِّيقِ والخَوْفِ ما مِن شَأْنِهِ الخَفاءُ عَنْ كُلِّ مَن لَمْ يُؤَيِّدْهُ اللَّهُ بِرَوْحٍ مِنهُ مِن ”إنَّ اللَّهَ“ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لا يَهْدِي﴾ أيْ يُسَدِّدُ ويَنْجَحُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿كَيْدَ الخائِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخِيانَةِ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُقِيمَ سَبَبًا لِظُهُورِ الخِيانَةِ وإنِ اجْتَهَدَ الخائِنُ في التَّعْمِيَةِ؛ والخِيانَةُ: مُخالَفَةُ الحَقِّ بِنَقْضِ العَهْدِ العامِّ. وضِدُّها الأمانَةُ، والغَدْرُ: نَقْضُهُ خاصًّا، والمَعْنى أنِّي لَمّا كُنْتُ بَرِيئًا سَدَّدَ اللَّهُ أمْرِي، وجَعَلَ عاقِبَتِي إلى خَيْرٍ كَبِيرٍ وبَراءَةٍ تامَّةٍ، ولَمّا كانَ غَيْرِي خائِنًا، أنْطَقَهُ اللَّهُ بِالإقْرارِ بِها.

يوسف 12:53

(p-١٢٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ إلى الإعْجابِ، قالَ: ﴿وما أُبَرِّئُ﴾ أيْ تَبْرِئَةً عَظِيمَةً ﴿نَفْسِي﴾ عَنْ مُطْلَقِ الزَّلَلِ وإنْ غَلَبَهُ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أيْ لَمْ أقْصِدْ بِالبَراءَةِ عَمّا تَقَدَّمَ مُجَرَّدَ التَّزْكِيَةِ لِلنَّفْسِ، وعَلَّلَ عَدَمَ التَّبْرِئَةِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِما لِأكْثَرِ النّاسِ مِنَ الإنْكارِ، أوْ لِأنَّ اتِّباعَهم لِأهْوِيَتِهِمْ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ فِعْلَ الأمّارَةِ -: ﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿لأمّارَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ الأمْرِ ﴿بِالسُّوءِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ دائِمًا لِطَبْعِها عَلى ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿إلا ما﴾ أيْ وقْتَ أنْ ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾ بِكَفِّها عَنِ الأمْرِ بِهِ أوْ بِسَتْرِهِ بِكَفِّها عَنْ فِعْلِهِ بَعْدَ إطْلاقِها عَلى الأمْرِ بِهِ، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ رَبِّي مِنَ النُّفُوسِ فَلا يَأْمُرُ بِسُوءٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِلذُّنُوبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ.

يوسف 12:54

ولَمّا أتَمَّ ما قَدَّمَهُ مِمّا هو الأهَمُّ - مِن نَزاهَةِ الصَّدِيقِ، وعَلِمَ المَلِكُ بِبَراءَتِهِ وما يُتْبِعُها - عَلى ما كانَ قَلْبُهُ مِن أمْرِ المَلِكِ بِإحْضارِهِ إلَيْهِ، أتْبَعُهُ إيّاهُ عاطِفًا لَهُ عَلى ما كانَ في نَسَقِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ [يوسف: ٥١] فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ﴾ صَرَّحَ بِهِ ولَمْ يَسْتَغْنِ بِضَمِيرِهِ كَراهِيَةَ الإلْباسِ لِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَوابِ امْرَأةِ العَزِيزِ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ كانَ الكُلُّ مِن كَلامِها لاسْتَغْنى بِالضَّمِيرِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى (p-١٣٠)إبْرازِهِ ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أيْ أطْلُبُ وأُوجِدُ خُلُوصَهُ ﴿لِنَفْسِي﴾ أيْ فَلا يَكُونُ لِي فِيهِ شَرِيكٌ، قَطْعًا لِطَمَعِ العَزِيزِ عَنْهُ، ودَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ هَذا [هُوَ] مُرادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّلَبُّثِ في السِّجْنِ إلى انْكِشافِ الحالِ، خَوْفًا مِن أنْ يَرْجِعَ إلى العَزِيزِ فَتَعُودُ المَرْأةُ إلى حالِها الأُولى فَيَزْدادُ البَلاءُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَجَعَ رَسُولُ المَلِكِ إلَيْهِ فَأخْبَرَهُ أنَّ المَلِكَ سَألَ النِّسْوَةَ [فَقُلْنَ] ما مَضى، وأمَرَ بِإحْضارِهِ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وأجابَ أمْرَ المَلِكِ فَأتى إلَيْهِ بَعْدَ أنْ دَعا لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! عَطَفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ [ولا تَعُمُّ عَلَيْهِمُ الأخْبارُ]، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وبُيُوتُ الأحْزانِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ. ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا وقَصَدَ إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ - دَلِيلًا عَلى إسْراعِهِ في ذَلِكَ - قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وشاهَدَ المَلِكُ فِيهِ ما شاهَدَ مِن جَلالِ النُّبُوَّةِ وجَمِيلِ الوِزارَةِ وخِلالِ السِّيادَةِ ومَخايِلِ السَّعادَةِ ﴿قالَ﴾ مُؤَكِّدًا (p-١٣١)تَمْكِينًا لِقَوْلِهِ دَفْعًا لِمَن يَظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ السِّجْنِ وما قارَبَهُ لا يَرْفَعُهُ هَذِهِ الرِّفْعَةَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ﴾ وعَبَّرَ بِما هو لِشِدَّةِ الغَرابَةِ تَمْكِينًا لِلْكَلامِ أيْضًا فَقالَ: ﴿لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ شَدِيدُ المُكْنَةِ، مِنَ المَكانَةِ، وهي حالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن مُرادِهِ ﴿أمِينٌ﴾ مِنَ الأمانَةِ، وهي حالٌ يُؤْمَنُ مَعَها نَقْضُ العَهْدِ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَلِكَ كانَ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا [فَكَلَّمَهُ بِها، فَعَرَّفَها كُلَّها، ثُمَّ دَعا لِلْمَلِكِ بِالعِبْرانِيِّ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ المَلِكُ فَقالَ لَهُ: ما هَذا اللِّسانُ؟ قالَ: لِسانُ ] آبائِي، فَعَظُمَ عِنْدَهُ جِدًّا،

يوسف 12:55

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الصِّدِّيقُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعْيِ في صَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا ”اجْعَلْنِي“ قَيِّمًا ﴿عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي هي لِكَثْرَةِ خَيْرِها كَأنَّها الأرْضُ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو مَقْصُودُ المُلُوكِ الَّذِي لا يَكادُونَ يَقِفُونَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ضَبْطِ ما إلَيَّ أمِينٌ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِوُجُوهِ صَلاحِهِ واسْتِنْمائِهِ فَأخْبَرَ بِما جَمَعَ اللَّهُ [لَهُ] مِن أداتَيِ الحِفْظِ والفَهْمِ، مَعَ (p-١٣٢)ما يَلْزَمُ الحِفْظَ مِنَ القُوَّةِ والأمانَةِ، لِنَجاةِ العِبادِ مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ السُّوءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَدِّهِمْ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

يوسف 12:56

ولَمّا سَألَ ما تَقَدَّمَ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّهُ أُجِيبَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ما مَكَّنّا لِيُوسُفَ في قَلْبِ المَلِكِ مِنَ المَوَدَّةِ والِاعْتِقادِ الصّالِحِ وفي قُلُوبِ جَمِيعِ النّاسِ، ومِثْلُ ما سَألَ مِنَ التَّمْكِينِ ”مَكَّنّا“ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ مُطْلَقًا لا سِيَّما أرْضُ مِصْرَ بِتَوْلِيَةِ مَلِكِها إيّاهُ عَلَيْها ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ أيْ يَتَّخِذُ مَنزِلًا يَرْجِعُ إلَيْهِ، مِن باءَ - إذا رَجَعَ ﴿مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِإنْجاحِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِ، لِدُخُولِها كُلِّها تَحْتَ سُلْطانِهِ. لِتَبْقى أنْفُسُ أهْلِ المَمْلَكَةِ وما ولّاها عَلى يَدِهِ، فَيَجُوزُ الأجْرُ وجَمِيلُ الذِّكْرِ مَعَ [ما] يَزِيدُ بِهِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وفَخامَةِ القَدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ كانَ هَذا؟ فَقالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ لَنا الأمْرَ كُلَّهُ ”نُصِيبُ“ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ ﴿بِرَحْمَتِنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ مِن مُسْتَحِقٌّ فِيما تَرَوْنَ وغَيْرَهُ، لا نَسْألُ عَمّا نَفْعَلُ، وقَدْ شِئْنا إصابَةَ يُوسُفَ بِهَذا، والثّانِي أنَّهُ مُحْسِنٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فانِيًا عَنْ جَمِيعِ الأغْيارِ ”و“ نَحْنُ ”لا نُضَيِّعُ“ (p-١٣٣)بِوَجْهٍ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تِلْكَ الصِّفَةِ وإنْ كانَ لَنا أنْ نَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ رَوى أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في أوَّلِ فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ، والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا، وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ! وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ ثُمَّ قالَ: قالَ عُثْمانُ - يَعْنِي ابْنُ صالِحٍ - وغَيْرُهُ في حَدِيثِهِما: فَلَمّا اسْتَنْطَقَهُ وسايَلَهُ عَظُمَ في عَيْنِهِ، وجَلَّ أمْرُهُ في قَلْبِهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ خاتِمَهُ ووَلّاهُ ما خَلْفَ بابِهِ - ورَجَعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وضُرِبَ بِالطَّبْلِ بِمِصْرَ أنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةَ المَلِكِ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِيُوسُفَ: قَدْ سَلَّطَتُكَ عَلى مِصْرَ غَيْرَ أنِّي أُرِيدُ أنْ أجْعَلَ كُرْسِيَّ أطْوَلَ مِن كُرْسِيِّكَ بِأرْبَعِ أصابِعَ! قالَ يُوسُفُ: نَعَمْ.

يوسف 12:57

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النّاسُ في الدُّنْيا، وكانَ عِزُّها لا يُعَدُّ في الحَقِيقَةِ إلّا إنْ كانَ مَوْصُولًا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، نَبَّهَ عَلى ما لَهُ في الآخِرَةِ مِمّا لا يُعَدُّ هَذا في جَنْبِهِ شَيْئًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ: ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ سِياقُ الأحْكامِ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِتَعْلِيقِها بِأوْصافٍ يَكُونُ السِّياقُ مَرْغُوبًا فِيها أوْ مُرْهِبًا مِنها أحْسَنَ وأبْلَغَ، (p-١٣٤)قالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿وكانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ واتِّخاذِ الوَقاياتِ مِنهُ إيجادًا مُسْتَمِرًّا، وهو مِن أجْلِهِمْ حَظًّا وأعْلاهم كَعْبًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ إيمانِهِ وتَقْواهُ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن هَذِهِ صِفاتُهُ يَقُومُ بِما ولِيَهُ أتَمَّ قِيامٍ ويَنْظُرُ فِيهِ أحْسَنَ نَظَرٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَعَلَهُ المَلِكَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ فَدَبَّرَها بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وعَلَّمَهُ حَتّى صَلَحَ الأمْرُ وجاءَ الخَيْرُ وذَهَبَ الشَّرُّ، وإنَّما طَوى هَذا لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَوازِمِهِ مِن قِصَّةِ إخْوَتِهِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - كَما سَيَأْتِي، وقَدْ فُهِمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الغالِبَ عَلى طَبْعِ مِصْرَ الرَّداءَةُ: بِغَضِّ الغَرِيبِ، واسْتِذْلالِ الضَّعِيفِ، والخُضُوعِ لِلْقَوِيِّ، فَإنَّهم أساؤُوا إلَيْهِ بِالسَّجْنِ بَعْدَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ، ثُمَّ عَفا عَنْهم وأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِما اسْتَبْقى [بِهِ] مُهَجَهُمْ، ثُمَّ أعْتَقَهم بَعْدَ أنِ اسْتَرَقَّهُمْ، ورَدَّ إلَيْهِمْ أمْوالَهم بَعْدَ أنِ اسْتَأْصَلَها بِما عِنْدَهُ مِنَ الغِلالِ، فَجَزُّوهُ عَلى ذَلِكَ بِأنِ اسْتَعْبَدُوا أوْلادَهُ وأوْلادَ إخْوَتِهِ بَعْدَهُ وسامُوهم سُوءَ العَذابِ، وأدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ هَذا طَبْعُ البَلَدِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخَلَّصَهم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ الذُّلِّ وشَرَّفَهم بِما شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ والكِتابِ المُبِينِ، كانُوا كُلٌّ قَلِيلٌ (p-١٣٥)يَنْكُثُونَ مُجْتَرِئِينَ عَلى ما لا يُطاقُ الِاجْتِراءُ عَلَيْهِ، وإذا أمَرَهم عَنِ اللَّهِ بِأمْرٍ جَنَّبُوا عَنْهُ - كَما مَضى ذَلِكَ عَنِ التَّوْراةِ في [الأعْرافِ والبَقَرَةِ] وغَيْرِهِما، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالتِّيهِ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ الجِيلَ المُعْوَجَّ - لِما عَلِمَ مِن سُوءِ طِباعِهِمْ، حَتّى ماتَ كُلُّ مَن نَشَأ بِأرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ صارَ أوْلادُهم يَمْتَثِلُونَ الأوامِرَ حَتّى مَلَكُوا ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ [آباءَهُمْ] مِنَ البِلادِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في زَبُورِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنها في المَزْمُورِ الرّابِعِ والتِّسْعِينَ: هَلُمُّوا نَسْجُدُ ونَرْكَعُ ونَخْضَعُ أمامَ الرَّبِّ خالِقِنا، لِأنَّهُ إلَهُنا ونَحْنُ شُعَبُ رَعِيَّتِهِ، وضَأْنُ ماشِيَتِهِ، اليَوْمَ إذا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلا تَقْسُو قُلُوبُكم وتَسْخَطُوهُ كَمَثَلِ السُّخْطِ يَوْمَ التَّجْرِبَةِ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آباؤُكُمْ، فَأحْصَوْا أعْمالِي ونَظَّرُوها، أرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتَ ذَلِكَ الجِيلَ وقُلْتُ: هو شَعْبٌ في كُلِّ حِينٍ يَطْغَوْنَ بِقُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا لِسَلْبِي كَما أقْسَمْتُ بِرِجْزِي أنَّهم لا يَدْخُلُونَ راحَتِي. آباؤُنا بِمِصْرَ لَمْ يَفْهَمُوا عَجائِبَكَ، ولَمْ يَذْكُرُوا كَثْرَةَ رَحْمَتِكَ حِينَ أغْضَوْكَ وهم صاعِدُونَ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ، فَنَجَّيْتَهم بِاسْمِكَ لِتُظْهِرَ عَجائِبَكَ، زَجَرَ البَحْرُ الأحْمَرُ فَجَفَّ، أجازَهم في اللُّجَجِ كَأنَّهم في البَرِّ، خَلَّصَهم مِن أيْدِي الأعْداءِ، وأنْقَذَهم مِن أيْدِي (p-١٣٦)المُبْغِضِينَ، وأُطْلِقَ الماءُ عَلى مُبْغَضِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم واحِدٌ، فَآمَنُوا بِكَلامِهِ، ومَجَّدُوا بِسُبْحَتِهِ. ثُمَّ أسْرَعُوا فَنَسُوا أعْمالَهُ، ولَمْ يَنْتَظِرُوا إرادَتَهُ، اشْتَهَوْا شَهْوَةً في البَرِّيَّةِ، جَرَّبُوا اللَّهَ حَيْثُ لا ماءَ، فَأعْطاهم سُؤْلَهُمْ، وأرْسَلَ شِبَعًا لِنُفُوسِهِمْ، أغْضَبُوا مُوسى في المُعَسْكَرِ وهارُونَ قِدِّيسَ الرَّبِّ، انْفَتَحَتِ الأرْضُ، وابْتَلَعَتْ داثانَ، وانْطَبَقَتْ عَلى جَماعَةِ بِيرُونَ، واشْتَعَلَتِ النّارُ في مَحافِلِهِمْ، وأحْرَقَ اللَّهِيبُ الخَطَأةَ، صَنَعُوا عَجَلًا في حُورِيبَ، وسَجَدُوا لِلْمَنحُوتِ، وبَدَّلُوا مَجْدَهم بِشِبْهِ عِجْلٍ يَأْكُلُ عُشْبًا، ونَسُوا اللَّهَ الَّذِي نَجّاهُمْ، وصَنَعَ العَظائِمَ بِمِصْرَ والعَجائِبَ في أرْضِ حامٍ، والمَهُولاتِ في البَحْرِ الأحْمَرِ، قالَ: إنَّهُ يُهْلِكُهم لَوْلا مُوسى صَفِيَّهُ قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَصْرِفَ سُخْطَهُ، لِئَلّا يَسْتَأْصِلَهُمْ، ورَذَلُوا الأرْضَ الشَّهِيهَ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِكَلِمَتِهِ، وتَقَمْقَمُوا في مَضارِبِهِمْ، ولَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّبِّ، فَرَفَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم في البَرِّيَّةِ، ويُفَرِّقَ ذُرِّيَّتَهم في الأُمَمِ، ويُبِدِّدَهم في (p-١٣٧)البُلْدانِ، لِأنَّهم قَرَّبُوا لِباعِلَ فاغُورَ، وأكَلُوا ضَحايا مَيْتَةٍ، وأسْخَطُوهُ بِأعْمالِهِمْ، وكَثُرَ المَوْتُ فِيهِمْ بَغْتَةً، فَقامَ فِنْحاسُ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فارْتَفَعَ المَوْتُ عَنْهُمْ، فَحَسْبُ ذَلِكَ بَرًّا لِجِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ إلى الأبَدِ، ثُمَّ أسْخَطُوهُ عَلى ماءِ الخِصامِ، وتَألَّمَ مُوسى لِأجْلِهِمْ، وأغْضَبُوا رُوحَهُ، وخالَفُوا كَلامَ شَفَتَيْهِ، ولَمْ يَسْتَأْصِلُوا الأُمَمَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ الرَّبُّ، واخْتَلَطُوا بِالشُّعُوبِ وتَعَلَّمُوا [أعْمالَهُمْ]، فَكانَتْ عِشْرَةً لَهُمْ، ذَبَحُوا بَنِيهِمْ وبَناتِهِمْ لِلشَّياطِينِ، وضَحُّوا لِأصْنامِ كَنْعانَ، ودَنَّسُوا الأرْضَ بِالدِّماءِ، وتَنَجَّسُوا بِأعْمالِهِمْ، وزَنَوْا بِأفْعالِهِمْ، فاشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ عَلى شَعْبِهِ، ورَذَلَ مِيراثُهُ، فَأسْلَمَهم في أيْدِي الشُّعُوبِ، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَناتِهِمْ، واسْتَعْبَدَهم أعْداؤُهم وخَضَعُوا تَحْتَ أيْدِيهِمْ، مِرارًا كَثِيرَةً بِجاهِمَ، وهم يَسْخَطُونَهُ بِأفْكارِهِمْ، وذَلُّوا بِسَيِّئاتِهِمُ - انْتَهى؛ عَلى أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِي كَعْبَ الغَرِيبِ الَّذِي يَسْتَذِلُّونَهُ ويَحِلُّ سَعْدَهُ ويُؤَثِّلُ مَجْدَهُ - كَما فَعَلَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ السِّجْنِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ الِاسْتِعْبادِ، (p-١٣٨)وهُوَ نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ! فَلْيَحْذَرِ السّاكِنُ بِها مِن أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ طَبْعُها فَيَتَّصِفَ بِكُلِّ ذَلِكَ مِن قِلَّةِ الغَيْرَةِ وبُغْضِ الغَرِيبِ، والجُرْأةِ في الباطِلِ اسْتِصْناعًا ومُداهَنَةً، والجُبْنُ في الحَقِّ، وكَمالُ الذُّلِّ لِلْجَبّارِينَ، [والمَجْمَجَةِ] في الكَلامِ، بِأنْ لا يَزالُ يَتَعَهَّدُ نَفْسَهُ بِأوامِرِ اللَّهِ ويَحْمِلُها عَلى طاعَتِهِ، واتِّباعِ رَسُولِهِ ومَحَبَّتِهِ، والنَّظَرِ في سِيرَتِهِ وسِيَرِ أتْباعِهِ، والتَّعَشُّقِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، حَتّى يَصِيرَ لَهُ طَبْعًا يَسْلَخُهُ مِن طَبْعِ البَلَدِ، كَما فَعَلَ عُبّادُها، وأهْلُ الوَرَعِ مِنها وزُهّادُها - أعاذَنا اللَّهُ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا، و[نَسْألُهُ] أنْ يَخْتِمَ لَنا بِالصّالِحاتِ، وأنْ يَجْعَلَنا مِنَ الَّذِينَ لا خَوْفَ عَلَيْهِمْ أبَدًا. ذَكَرَ ما مَضى بَعْدَما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ: فَلَمّا كانَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ رَأى فِرْعَوْنُ رُؤْيا كَأنَّهُ واقِفٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ صَعِدْنَ مِن بَحْرِ النِّيلِ حَسَناتِ المُنَظِّرِ سَمِيناتِ اللُّحُومِ، يَرْعَيْنَ في المَرَجِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ صَعِدْنَ خَلْفَهُنَّ مِنَ النِّيلِ قَبِيحاتِ المَنظَرِ وحَشِيّاتٍ مَهْزُولاتِ اللُّحُومِ، فَوَقَفْنَ إلى جانِبِ البَقَراتِ السِّمانِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، فابْتَلَعَ البَقَراتِ القَبِيحاتِ الحَسَناتِ المَنظَرِ السَّمِيناتِ، (p-١٣٩)فَهَبَّ فِرْعَوْنُ مِن سَنَتِهِ، ورَقَدَ أيْضًا فَرَأى ثانِي مَرَّةٍ كَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ طَلَعْنَ في قَصَبَةٍ واحِدَةٍ مُمْتَلِئَةٍ سِمانًا، وكَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَهْزُولاتٍ ضَرَبَهُنَّ رِيحُ السَّمُومِ - وفي نُسْخَةٍ: القَبُولُ - نَبَتْنَ بَعْدَهُنَّ، فَبَلَغَ السُّنْبُلُ المَهْزُولُ السَّبْعَ سُنْبُلاتٍ المُمْتَلِئاتِ، فاسْتَيْقَظَ فِرْعَوْنُ فَآذَتْهُ رُؤْياهُ، فَلَمّا كانَ بِالغَداةِ كَرُبَتْ نَفْسُ فِرْعَوْنَ، فَأرْسَلَ فَدَعا جَمِيعَ السَّحَرَةِ وكُلَّ حُكَماءِ مِصْرَ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْياهُ، فَلَمْ يُوجَدْ إنْسانٌ يُفَسِّرُها لِفِرْعَوْنَ. فَتَكَلَّمَ رَئِيسُ أصْحابِ الشَّرابِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وقالَ: إنِّي ذَكَرْتُ يَوْمِي هَذا ذَنْبِي عِنْدَ غَضَبِ فِرْعَوْنَ عَلى عَبْدِهِ، فَقَذَفَنِي في مَحْبِسِ صاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَحُبِسْتُ أنا ورَئِيسُ الخَبّازِينَ - وفي نُسْخَةٍ: الطَّبّاخِينَ - فَرَأيْنا جَمِيعًا رُؤْيا في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، رَأى كُلُّ امْرِئٍ مِنّا كَتَفْسِيرِ رُؤْياهُ، وكانَ مَعَنا هُناكَ [فِي الحَبْسِ] فَتًى عِبْرانِيٌّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّرْطَةِ فَقَصَصْنا عَلَيْهِ فَفَسَّرَ أحْلامَنا، وعَبَّرَ لِكُلٍّ مِنّا عَلى قَدْرِ رُؤْياهُ، وكُلُّ الَّذِي فَسَّرَ لَنا كَذَلِكَ أصابَنا، أمّا أنا فَرَدَّنِي المَلِكُ إلى مَوْضِعِي، وأمّا ذَلِكَ فَأمَرَ بِصَلْبِهِ. (p-١٤٠)فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ فَدَعا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأحْضَرُوهُ مِنَ السِّجْنِ، فَحَلَقَ شَعْرَهُ وغَيَّرَ ثِيابَهُ، ودَخَلَ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي رَأيْتُ رُؤْيا ولَيْسَ لِي مَن يُفَسِّرُها، وقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَسْمَعُ الرُّؤْيا فَتُفَسِّرُها بِأحْسَنِ تَأْوِيلٍ! فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لِفِرْعَوْنَ: ألَعَلَّكَ تَخالُ أنِّي أُجِيبُ فِرْعَوْنَ بِسَلامٍ عَنْ غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: إنِّي رَأيْتُ في الرُّؤْيا كَأنِّي واقِفٌ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ طَلَعْنَ مِنَ النَّهْرِ حَسَناتِ المَنظَرِ سَمِيناتِ اللَّحْمِ، يَرْعَيْنَ في المَرَجِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ طَلَعْنَ مِنَ النَّهْرِ بَعْدَهُنَّ سَمِجاتٍ قَبِيحاتِ المَنظَرِ مَهْزُولاتِ اللَّحْمِ جِدًّا، لَمْ أرَ عَلى هُزالِها في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فابْتَلَعَتِ البَقَراتُ المَهْزُولاتُ الضَّعِيفاتُ القَبِيحاتُ أُولَئِكَ [السَّبْعَ] بَقَراتٍ السِّمانِ، فَدَخَلْنَ أجْوافَهُنَّ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ دُخُولُهُنَّ، وكَأنَّ مَنظَرَهُنَّ قَبِيحًا كالَّذِي كانَ مِن قَبْلُ، فانْتَبَهَتْ فاضْطَجَعَتْ فَرَأيْتُ [أيْضًا] (p-١٤١)فِي الرُّؤْيا كَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ حَسَناتٍ في قَصَبَةٍ واحِدَةٍ مُمْتَلِئَةٍ سِمانًا حِسانًا، وكَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَهْزُولاتٍ ضَرَبَهُنَّ رِيحُ السَّمُومِ نَبَتْنَ خَلْفَهُنَّ، فابْتَلَعَ السُّنْبُلُ [المَهْزُولُ] الضَّعِيفُ السَّبْعَ سُنْبُلاتٍ المُمْتَلِئاتِ الحِسانَ، فَقَصَصْتُ ذَلِكَ عَلى السَّحَرَةِ، فَلَمْ أجِدْ مَن يُبَيِّنُ. فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِفِرْعَوْنَ: الرُّؤْيا يا فِرْعَوْنُ واحِدَةٌ، أطْلَعَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ عَلى ما هو مُزِيعٌ أنْ يَفْعَلَهُ، السَّبْعُ بَقَراتٍ الحِسانُ والسَّبْعُ سُنْبُلاتٍ الحِسانُ هي سَبْعُ سِنِينَ: خَيْرٌ، الرُّؤْيا واحِدَةٌ، والسَّبْعُ بَقَراتٍ الضَّعِيفاتِ المَهْزُولاتِ اللّاتِي صَعَدا بَعْدَهُنَّ والسَّبْعُ سُنْبُلاتٍ [المَهْزُولاتِ] اللّاتِي ضَرَبَها رِيحُ السَّمُومِ تَكُونُ سَبْعَ سِنِينَ: جُوعٌ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قُلْتُ لِفِرْعَوْنَ. إنَّ اللَّهَ أظْهَرَ ما هو مُزْمِعٌ عَتِيدٌ أنْ يَفْعَلَهُ، وها هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ يَأْتِي الشِّبَعُ والخِصْبُ العَظِيمُ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ، ويَأْتِي بَعْدَها سَبْعُ سِنِينَ أُخَرُ يَكُونُ فِيها الجُوعُ، ويَنْسى جَمِيعَ الشِّبَعِ، والخِصْبُ الَّذِي كانَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فَيُبِيدُ أهْلَ الأرْضِ مِنَ الجُوعِ مِن أجْلِ الغَمِّ الَّذِي يَأْتِي مِن بَعْدُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، وإنَّما أُعِيدَتِ الرُّؤْيا لِفِرْعَوْنَ ثانِي مَرَّةً، لِأنَّ الأمْرَ مُعَدٌّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، واللَّهُ مُعَجِّلٌ فِعْلَهُ. (p-١٤٢)والآنَ فَلْيَنْظُرْ فِرْعَوْنُ رَجُلًا حَكِيمًا فَهِمًا. فَيُوَلِّيهِ أرْضَ مِصْرَ، فَيُقاسِمُ أهْلَ مِصْرَ عَلى الخَمْسِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَيَجْمَعُوا جَمِيعَ أفْقالِ هَذِهِ السِّنِينَ الخِصْبَةِ الآتِيَةِ، ويُخَزِّنُوا الأفْقالَ تَحْتَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، ويَحْفَظُ القَمْحَ في القُرى، ولْيَكُنُ الفَقْلُ مُعَدًّا مَحْفُوظًا لِأهْلِ مِصْرَ لِسَبْعِ سِنِي الجُوعِ المُزْمَعِ أنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، ولا يُبِيدُ أهْلَ الأرْضِ بِالجُوعِ. فَحَسُنَ هَذا القَوْلُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ عَبِيدِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِقُوّادِهِ: هَلْ يُوجَدُ مِثْلُ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي رُوحُ اللَّهِ حالٌّ فِيهِ؟ ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا أطْلَعَكَ اللَّهُ عَلى هَذا كُلِّهِ، لَيْسَ أحَدٌ فَهِمًا مِثْلُكَ، أنْتَ المُسَلَّطُ عَلى بَيْتِي، وعَنْ أمْرِكَ وقَوْلِي فِيكَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الشَّعْبِ، وإنَّما أنا أعْظَمُ مِنكَ بِالمِنبَرِ فَقَطْ، وقالَ فِرْعَوْنُ ليُوسُفَ: انْظُرْ فَقَدْ ولَّيْتُكَ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ، وخَلَعَ فِرْعَوْنُ خاتَمَهُ (p-١٤٣)مِن خِنْصَرِهِ، فَوَضَعَهُ في خِنْصَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وألْبَسَهُ ثِيابَ كِتّانٍ، وطَوَّقَهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، وحَمَلَهُ عَلى بَعْضِ مَراكِبِهِ، ونادى بَيْنَ يَدَيْهِ: هَذا أبٌ ومُسَلَّطٌ، وسُلْطانُهُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي قَدْ أمَرْتُ أنْ لا يَكُونُ أحَدٌ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ أوْ يَخْطُو بِقَدَمَيْهِ دُونَ أمْرِكَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ. ودَعا فِرْعَوْنُ اسْمَ يُوسُفَ: مُوَضِّحَ الخَفايا، وزَوَّجَهُ بِأسِنَّةَ - وفي نُسْخَةٍ: بِأسَناتَ - بِنْتِ قُوطِفِيرَعَ إمامِ إسْكَنْدَرِيَّةَ - وفي نُسْخَةٍ: حُبِرَ وانَ - فَخَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِيًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، وكانَ قَدْ أتى عَلى يُوسُفَ ثَلاثُونَ سَنَةً إذْ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، فَطافَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ. وأغَلَّتِ الأرْضُ في جَمِيعِ السَّبْعِ سِنِي الخِصْبِ، مَلَأ الخَزائِنَ وجَمَعَ الأقْفالَ في القُرى، جَمَعَ قَمْحِ حُقُولِ كُلِّ قَرْيَةٍ وما أحاطَ بِها فَخَزَنَةٌ فِيها، [وخَزَّنَ] يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الأقْفالِ (p-١٤٤)مِثْلُ كَثِيبٍ - وفي نُسْخَةٍ: رَمْلُ البَحْرِ - كَثِيرًا جِدًّا حَتّى أعْيى إحْصاءَ ذَلِكَ فَصارَ غَيْرَ مُحْصًى. فَوُلِدَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنانِ قَبْلَ دُخُولِ سَنَةِ الجُوعِ، وُلِدَتْ لَهُ أسِنَةُ - وفي نُسْخَةٍ: أسَناتُ – بِنْتُ قُوطِيفِرِعَ حِبْرَ وانَ - وفي نُسْخَةٍ: إمامُ إسْكَنْدَرِيَّةَ - فَدَعا يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْمَ ابْنِهِ بَكْرَ مَنشا، لِأنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْسانِي جَمِيعُ تَعَبِي - وفي نُسْخَةٍ: شَقائِي - وما كانَ مِنهُ في بَيْتِ أبِي، وسَمّى الآخَرُ أفْراثِيمَ، وقالَ: لِأنَّ اللَّهَ كَثَّرَنِي في أرْضِ تَعَبُّدِي، فَنَفِدَتْ سُنُو الشِّبَعِ الَّذِي كانَ في أرْضِ مِصْرَ، وبَدَأتْ سُنُو الجُوعِ لِيَأْتِيَ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ الجُوعُ في [جَمِيعِ] أرْضِ مِصْرَ، ولَمْ يُوجَدِ الخُبْزُ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فَجاعَ جَمِيعُ أهْلِ مِصْرَ، فَضَجَّ الشَّعْبُ عَلى فِرْعَوْنَ مِن [أجْلِ] الخُبْزِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِجَمِيعِ المِصْرِيِّينَ: انْطَلَقُوا إلى يُوسُفَ (p-١٤٥)عَلَيْهِ السَّلامُ فافْعَلُوا جَمِيعَ ما يَأْمُرُكم بِهِ.

يوسف 12:58

ولَمّا كانَ المَعْنى - كَما تَقَدَّمَ: فَجَعَلَ إلَيْهِ خَزائِنَ الأرْضِ، فَجاءَتِ السُّنُونُ المُخَصِّبَةُ، فَدَبَّرَها بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ جاءَتِ السُّنُونُ المُجْدِبَةُ فَأجْدَبَتْ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ وما والاها مِن بِلادِ الشّامِ وغَيْرِها، فَأخْرَجَ ما كانَ ادَّخَرَهُ مِن غِلالٍ سَبْعِ سِنِينَ بِالتَّدْرِيجِ أوَّلًا فَأوَّلًا - كَما حَدَّ لَهُ ”العَلِيم الحَكِيم“ فَتَسامَعَ بِهِ النّاسُ فَجاءُوا لِلِامْتِيارِ مِنهُ مِن كُلِّ أوْبٍ ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ العَشْرَةُ لِذَلِكَ، وحَلِفَ أبُوهم بِنْيامِينُ أخا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأُمِّهِ عِنْدَهُ، ودَلَّ عَلى تَسْهِيلِهِ إذْنَهم بِالفاءِ [فَقالَ]: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ يُباشِرُ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ كَما هو فِعْلُ الكُفاةِ الحُزْمَةِ، لا يَثِقُ فِيهِ بِغَيْرِهِ ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لِأنَّهُ كانَ مُرْتِقَبًا لِحُضُورِهِمْ لِعِلْمِهِ بِجَدْبِ بِلادِهِمْ وعَقْدِ هِمَّتِهِ بِهِمْ. مَعَ كَوْنِهِ يَعْرِفُ هَيْئاتِهِمْ في لِباسِهِمْ [وغَيْرِهِ]، ولَمْ يَتَغَيَّرْ [عَلَيْهِ] كَبِيرٌ مِن حالِهِمْ. لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثابِتُ إنْكارِهِمْ عَرِيقٌ فِيهِمْ وصْفُهم بِهِ، لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِبالِهِمْ لِطُولِ العَهْدِ، مَعَ ما تَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ مِن هَيْئَتِهِ بِالسِّنِّ وانْضافَ إلَيْهِ مِنَ الحَشَمِ والخَدَمِ واللِّباسِ وهَيْئَةِ البَلَدِ وهَيْبَةِ المَلِكِ (p-١٤٦)وعِزِّ السُّلْطانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُ مَعَهُ المَعْرُوفَ، ويَسْتَوْحِشُ لِأجْلِهِ مِنَ المَأْلُوفِ، وفْقَ ما قالَ تَعالى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] والدُّخُولُ: الِانْتِقالُ إلى مُحِيطٍ، والمَعْرِفَةُ: تُبَيِّنُ الشَّيْءَ بِالقَلْبِ بِما لَوْ شُوهِدَ لَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمّا لَيْسَ عَلى خاصِّ صِفَتِهِ.

يوسف 12:59

ولَمّا كانَ المَعْنى في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَطَلَبُوا مِنهُ المِيرَةَ فَباعَهم بَعْدَ أنِ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أمْرِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: لَعَلَّكم جَواسِيسُ؟ وسَألَهم عَنْ جَمِيعِ حالِهِمْ. فَأخْبَرُوهُ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِنهُ، لِيَعْلَمَ صَلاحَهم ولا يَظُنَّ أنَّهم جَواسِيسُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ الَّذِي جاءُوا لَهُ وقَدْ أحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ والجِهازُ: فاخِرُ المَتاعِ الَّذِي يُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ”قالَ“ أيْ لَهم ﴿ائْتُونِي﴾ أيُّها العِصابَةُ ﴿بِأخٍ لَكُمْ﴾ كائِنٌ ﴿مِن أبِيكُمْ﴾ يَأْتِي بِرِسالَةٍ مِن أبِيكُمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ حَتّى أُصَدِّقَكُمْ، أوْ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ لِأخِيهِمْ حَمْلًا، فَأظْهَرَ أنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ، وطَلَبَ إحْضارَهُ لِيُعْطِيَهُ، فَإنَّهُ كانَ يُوَزِّعُ الطَّعامَ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم بِإطْماعِهِمْ في مِثْلِ ما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الإحْسانِ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ نُزُلَهُمْ، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم [بِما رَأوْا مِنهُ]: (p-١٤٧)﴿ألا تَرَوْنَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ دائِمًا عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ أضَعُ الشَّيْءَ في أُولى مَنازِلِهِ.

يوسف 12:60

ولَمّا رَغَّبَهُمْ، رَهِبَهم فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ أيْ بِأخِيكم أوَّلَ قَدْمَةٍ تُقَدِّمُونَها ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ﴾ وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ،

يوسف 12:61

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَنُراوِدُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ حِينَ نَصِلَ ﴿عَنْهُ أباهُ﴾ أيْ نُكَلِّمُهُ فِيهِ ونُنازِعُهُ الكَلامَ ونَحْتالُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَتَلَطَّفُ في ذَلِكَ، ولا نَدْعُ جُهْدًا؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ - بَعْدَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُصَدِّرَةِ بِالسِّينِ - بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَفاعِلُونَ﴾ أيْ ما أمَرَتْنا بِهِ والتَزْمَناهُ، وقَدْ مَضى عِنْدَ ﴿وراوَدَتْهُ﴾ [يوسف: ٢٣] أنَّ المادَّةَ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ بِهَمْزٍ وبِغَيْرِ هَمْزٍ - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، ومِن لَوازِمِهِ القَصْدُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ، وقَدْ مَضى بَيانُ غَيْرُ المَهْمُوزِ، وأمّا المَهْمُوزُ فَمِنهُ دَرَأهُ، أيْ دَفْعَهُ - لِأنَّ المَدْفُوعَ يَرُدُّ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أتى مِنهُ، [والمُدارَأةُ]: المُدافَعَةُ والمُنازَعَةُ مُطْلَقًا، أيْ سَواءٌ كانَتْ بِرِفْقٍ أوْ بِعُنْفٍ، ثُمَّ كَثُرَتْ فَقَصَرَتْ (p-١٤٨)عَلى المُلايَنَةِ، ويَلْزَمُ مِنَ الدَّفْعِ حُلُولُ المَدْفُوعِ في مَوْضِعٍ لا يُرِيدُهُ بَغْتَةً، ومِنهُ: دَرَأ عَلَيْنا، أيْ خَرَجَ مُفاجَأةً، قالَ القَزّازُ: وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: جاءَ السَّيْلُ دَرَأً، أيْ يَدْرَأُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وهو الَّذِي يَأْتِي مِن مَكانٍ لا يَعْلَمُ بِهِ، وانْدَرَأ فُلانٌ عَلَيْنا بِالشَّرِّ - إذا أتى بِهِ مِن حَيْثُ لَمْ نَدْرِ، والدَّرْءُ: النُّشُوزُ، وهو مِنَ الدَّفْعِ، وكَوْكَبُ دُرِّئٌ: مُتَوَقِّدٌ مُتَلَأْلِئٌ - كانَ نُورُهُ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، ومِنهُ دَرَأتِ النّارُ: أضاءَتْ، وانْدَرَأ الحَرِيقُ: انْتَشَرَ، ودَرَأ الشَّيْءُ: بَسَطَهُ - لِأنَّ المَبْسُوطَ لا يَخْلُو عَنْ دَفْعٍ، وتَدارَءُوا: تَدافَعُوا في الخُصُومَةِ. ودَرَأ البَعِيرُ: أغْدُ، ومَعَ الغُدَّةِ ورَمٌ في ظَهْرِهِ، وناقَةٌ دارِئٌ: مَغْدَةٌ، وذَلِكَ لِأنَّ الغُدَّةَ مَلْزُومَةٌ لِلدَّفْعِ، لا تَنْفَكُّ عَنْهُ بِالقَتْبِ والرَّكْبِ وغَيْرِهِما، وكُلُّ ناتِئٍ في الجَسَدِ هَذا شَأْنُهُ، ومِنهُ الدَّرْءُ: لِقِطْعَةٍ مِنَ ”الجَبَلِ مُشْرِقَةٍ“، وناقَةٌ مُدْرِئٌ: أنْزَلَتِ اللَّبَنَ وأرْخَتْ ضَرْعَها عِنْدَ النِّتاجِ - كَأنَّها دَفَعَتْهُما، وادَّرَأتْ (p-١٤٩)الصَّيْدَ - عَلى ”افْتَعَلَتْ“: اتَّخَذَتْ لَهُ دُرِّيئَةً، [وقَدْ تَقَدَّمَتْ ”الدُّرِّيَّةُ“ في الواوِيِّ، ومِنهُ: ادَّرَأْتُ فُلانًا - ذا اعْتَمَدَتْهُ، والدَّرْءُ:] المَيْلُ والعِوَجُ - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُدْفَعَ لِيَقُومَ، وطَرِيقٌ ذُو دُرُوءٍ، أيْ كُورٍ وأخاقِيقَ أيْ شُقُوقٍ - فَكَأنَّها تَدْفَعُ صاحِبَها عَنِ القَصْدِ، وتَدَرُّؤًا عَلَيْهِمْ: تَطاوَلُوا - لِأنَّ ذَلِكَ لا يَخْلُو عَنْ مُدافَعَةٍ كالنُّشُوزِ، ويَلْزَمُ الدَّفْعُ القُوَّةَ، ومِنهُ رَجُلُ ذُو تَدِرَّأٍ، أيْ مَنعَةٍ وقُوَّةٍ، ورادَّتْهُ بِكَذا - بِتَقْدِيمِ الرّاءِ: جَعَلَتْهُ قُوَّةً لَهُ وعِمادًا يُدافِعُ عَنْهُ، والرَّدْءُ: العَوْنُ والمادَّةُ والعَدْلُ الثَّقِيلُ - لِأنَّهُ يُدافِعُ لِيَعْتَدِلَ، ورَدَأ الحائِطَ: دَعَمَهُ، ورَدَأهُ بِحَجَرٍ: رَماهُ [بِهِ]، لِأنَّهُ إذا أصابَهُ دَفَعَهُ، والإبِلُ: أحْسَنُ القِيامِ عَلَيْها، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِمُدافَعَةٍ، وأرْدَأ السِّتْرَ: أرْخاهُ، بِدَفْعِهِ لَهُ مِنَ المَكانِ الَّذِي كانَ بِهِ، وأرْدَأ الوَلَدَ: سَكَنَهُ وأنِسَهُ، فَدَفَعَ الهَمَّ عَنْهُ، وأرْدَأ الشَّيْءَ: أقَرَّهُ - كَأنَّهُ لِسَلْبِ الدَّفْعِ، (p-١٥٠)وكَذا أرْدَأهُ أيْ أفْسَدَهُ، إمّا بِأنَّهُ لَمْ يُدافِعْهُ بِإحْسانِ القِيامِ عَلَيْهِ فَأفْسَدَهُ، أوْ أنَّهُ زادَ في الدَّفْعِ حَتّى فَسَدَ، ومِن ذَلِكَ أرْدَأ - إذا فَعَلَ رَدِيئًا، أيْ فَعَلا فاسِدًا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وكَأنَّ مِن ذَلِكَ الأُدْرَةَ - بِالضَّمِّ ساكِنَةً وتُحَرَّكُ - وهي عِظَمُ الخِصْيَتَيْنِ في النّاسِ والخَيْلِ؛ [و] مِنَ التَّدافُعِ: تَرَأَّدَتِ الحَيَّةُ: اهْتَزَّتْ في انْسِيابِها ورَفَعَتْ رَأْسَها، والرِّيحُ: اضْطَرَبَتْ - فَكَأنَّ بَعْضَها يَدْفَعُ بَعْضًا، ومِنهُ رَأْدُ الضُّحى: ارْتِفاعُهُ، وتَرَأَّدَ الضُّحى: ارْتَفَعَ، وكَذَلِكَ الجارِيَةُ الرَّأْدَةُ والرُّؤْدُ - بِالضَّمِّ، أيِ النّاعِمَةِ، وقالَ القَزّازُ: السَّرِيعَةُ الشَّبابِ مَعَ حُسْنِ غِذاءٍ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: جارِيَةٌ رَأْدَةٌ - غَيْرُ مَهْمُوزٍ: كَثِيرَةُ المَجِيءِ والذَّهابِ، فَإذا قُلْتَ: جارِيَةٌ رُؤْدَةٌ فَهي النّاعِمَةُ. فَإذا فُسِّرَتْ بِالذَّهابِ والمَجِيءِ فَهو مِنَ الدَّوَرانِ الَّذِي هو المَدارُ، وإذا فُسِّرَتْ بِالنّاعِمَةِ فَهو مِنَ الِاضْطِرابِ اللّازِمِ لَهُ، وغُصْنُ رُؤْدٍ - بِالضَّمِّ: رَطْبٍ - مِن ذَلِكَ، قالَ القَزّازُ: وأحْسَبُ الجارِيَةَ النّاعِمَةَ إنَّما سُمِّيَتْ رُؤْدًا مِن هَذا، وتَرَأَّدَ: اهْتَزَّ نِعْمَةً، وزَيْدٌ: قامَ فَأخَذَتْهُ رِعْدَةٌ، والغُصْنُ: تَفَيَّأ، والعُنُقُ: التَوى - كُلُّهُ (p-١٥١)مِنَ الدَّوْرانِ وما يَلْزَمُهُ مِنَ الِاضْطِرابِ، ورِئْدُ الإنْسانِ: صَدِيقُهُ، لِأنَّهُ يُراوِدُهُ ويُداوِرُهُ، والرَّأْدَةُ: أصْلُ اللِّحى، وهو أصُولُ مَنبَتِ الأسْنانِ، وهو العَظَمُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ طَرَفا اللِّحْيَيْنِ مِمّا يَلِي الصُّدْغَيْنِ؛ ومِنَ الرِّفْقِ والمُهْلَةِ: الرُّؤْدَةُ - بِالضَّمِّ، وهي التُّؤَدَةُ.

يوسف 12:62

ولَمّا أعْلَمَنا سُبْحانَهُ أنَّهُ رَغَّبَهم في شَأْنِ أخِيهِ، ورَهَّبَهم بِالقَوْلِ، أعْلَمَنا بِأنَّهُ رَغَّبَهم فِيهِ بِالفِعْلِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ الماضِي لَهُمْ: ”وقالَ“ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَفَقَةً عَلى إخْوَتِهِ وإرادَةً لِنُصْحِهِمْ فِيما سَألَهم فِيهِ: ﴿لِفِتْيانِهِ﴾ أيْ غِلْمانِهِ، وأصْلُ الفَتى: الشّابُّ القَوِيُّ، وسَيَأْتِي شَرْحُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما بَضَعُوهُ أيْ قَطَعُوهُ مِن مالِهِمْ لِلتِّجارَةِ وأخَذْناهُ مِنهم ثَمَنًا لِطَعامِهِمُ الَّذِي دَفَعْناهُ لَهم ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ أيْ عُدُولِهِمْ؛ والرَّحْلُ: ما أُعِدَّ لِلرَّحِيلِ مِن وِعاءٍ أوْ مَرْكِبٍ ﴿لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها﴾ أيْ بِضاعَتَهُمْ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ تَفاؤُلًا لَهم بِالسَّلامَةِ، أوْ ظَنًّا، أوْ عِلْمًا بِالوَحْيِ، فَقالَ: ﴿إذا انْقَلَبُوا﴾ راجِعِينَ ﴿إلى أهْلِهِمْ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّها هي بِعَيْنِها، رَدَدْتُها (p-١٥٢)عَلَيْهِمْ إحْسانًا [إلَيْهِمْ]، ويَجْزِمُونَ بِذَلِكَ، ولا يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ أخْلَفَ عَلَيْهِمْ مِثْلَها نَظَرًا إلى حالِهِمْ وكَرامَةً لِأبِيهِمْ، ويَعْرِفُونَ هَذِهِ النِّعْمَةَ لِي ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم وحالُ مَن يَرْجِعُ إلَيْنا إذا عَرَفُوها، لِرَدِّها تَوَرُّعًا، أوْ لِلْمِيرَةِ بِها إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم غَيْرُها، أوْ طَمَعًا في مِثْلِ هَذا، وإنَّما لَمْ يُبادِرْ إلى تَعْرِيفِهِمْ بِنَفْسِهِ والتَّعْجِيلِ بِإدْخالِ السُّرُورِ عَلى أبِيهِ، لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ عادَةً - لِما يَأْتِي مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ والتَّدْبِيرِ المَتِينِ، ودَلَّ عَلى إسْراعِهِمْ في الرُّجُوعِ بِالفاءِ فَقالَ:

يوسف 12:63

﴿فَلَمّا رَجَعُوا﴾ أيْ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلى أبِيهِمْ﴾ حَمَلَهم ما رَأوْا - مِن إحْسانِ الصَّدِيقِ وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ وتَبْرِئَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ عَنْ أنْ يَكُونُوا جَواسِيسَ - عَلى أنْ ﴿قالُوا يا أبانا﴾ ولَمّا كانَ المَضارُّ لَهم مُطْلَقُ المَنعِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ لِأخِينا بِنْيامِينَ عَلى بَعِيرِهِ لِغَيْبَتِهِ، ولَنا كُلُّنا بَعْدَ هَذِهِ المَرَّةِ إنْ لَمْ نَذْهَبْ بِهِ مَعَنا لِيَظْهَرَ صِدْقُنا؛ والمَنعُ: إيجادُ ما يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلى القادِرِ الفِعْلِ. وضِدُّهُ: التَّسْلِيطُ، وأمّا العَجْزُ فَضِدُّهُ القُدْرَةُ ”فَأرْسَلَ“ أيْ بِسَبَبِ إزالَةِ هَذا المَنعِ ﴿مَعَنا أخانا﴾ إنَّكَ إنْ تُرْسِلْهُ مَعَنا ”نَكْتَلْ“ أيْ لِنَفْسِهِ كَما يَكْتالُ كُلُّ واحِدٍ مِنّا لِنَفْسِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ (p-١٥٣)بالتَّحْتانِيَّةِ، ولِنُؤَوِّلَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ - مِنَ المِيرَةِ ما وظَّفَهُ العَزِيزُ، وهو لِكُلِّ واحِدٍ حَمْلٌ، وأكَّدُوا لِما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا يُوجِبُ الِارْتِيابَ بِهِمْ، فَقالُوا: ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لَحافِظُونَ﴾ أيْ عَنْ أنْ يَنالَهُ مَكْرُوهٌ حَتّى نَرُدَّهُ إلَيْكَ، عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ في هَذا بَعْدَ ما فَعَلُوا إذْ أرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟ قِيلَ: عَزَمَ عَلى إرْسالِهِ مَعَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ اللِّجاءَ إلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِهِ غَيْرَ قانِعٍ بِوَعْدِهِمُ المُؤَكَّدِ في حِفْظِهِ، لِما سَبَقَ مِنهم مِن مِثْلِهِ في يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ

يوسف 12:64

﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ﴾ أيْ أقْبَلُ مِنكُمُ الآنَ وفي مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ تَأْمِينُكم لِي فِيهِ مِمّا يَسُوءُنِي تَأْمِينًا مُسْتَعْلِيًا ”عَلَيْهِ“ أيْ بِنْيامِينُ ﴿إلا كَما أمِنتُكُمْ﴾ أيْ في الماضِي ﴿عَلى أخِيهِ﴾ أيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا كانَ لَمْ يَطْلُعْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى خِيانَةٍ قَبْلَ ما فَعَلُوا بِهِ، وكانَ ائْتِمانُهُ لَهم عَلَيْهِ إنَّما هو زَمانٌ يَسِيرٌ، أثْبَتَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ فَإنَّكم أكَّدْتُمْ غايَةَ التَّأْكِيدِ فَلَمْ تَحْفَظُوهُ لِي ولَمْ تَرُدُّوهُ إلَيَّ - والأمْنُ: اطْمِئْنانُ القَلْبِ إلى سَلامَةِ النَّفْسِ - فَأنا في هَذا لا آمِنٌ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ ﴿فاللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَيْرٌ حافِظًا﴾ مِنكم ومِن كُلِّ أحَدٍ ”وهُوَ“ أيْ باطِنًا وظاهِرًا ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (p-١٥٤)فَهُوَ أرْحَمُ بِي مِن أنْ يُفْجِعَنِي بِهِ بَعْدَ مُصِيبَتِي بِأخِيهِ؛

يوسف 12:65

فَأرادُوا تَفْرِيغَ ما قَدِمُوا بِهِ مِنَ المِيرَةِ ﴿ولَمّا فَتَحُوا﴾ أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مَتاعَهُمْ﴾ أيْ أوْعِيَتَهُمُ الَّتِي حَمَلُوها مِن مِصْرَ ﴿وجَدُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ أيْ ما كانَ مَعَهم مِن كَنْعانَ بِشِراءِ القُوتِ. ولَمّا كانَ المُفْرِحُ مُطْلَقَ الرَّدِّ. بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾ والوِجْدانُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ لِلنَّفْسِ بِحاسَّةٍ أوْ ما يُغْنِي عَنْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ أيْ لِأبِيهِمْ ﴿يا أبانا ما﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ ﴿نَبْغِي﴾ أيْ نُرِيدُ، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: ما الخَبَرُ؟ فَقالُوا بَيانًا لِذَلِكَ وتَأْكِيدًا لِلسُّؤالِ في اسْتِصْحابِ أخِيهِمْ: ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا﴾ ثُمَّ بَيَّنُوا مَضْمُونَ الإشارَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رُدَّتْ إلَيْنا﴾ هَلْ فَوْقَ هَذا مِن إكْرامٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَرْجِعُ بِها إلَيْهِ بِأخِينا، فَيَظْهَرُ لَهُ نُصْحُنا وصِدْقُنا، [بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ]: ﴿ونَمِيرُ أهْلَنا﴾ أيْ نَجْلِبُ إلَيْهِمُ المِيرَةَ بِرُجُوعِنا إلَيْهِ؛ والمِيرَةُ: الأطْعِمَةُ الَّتِي تُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ﴿ونَحْفَظُ أخانا﴾ فَلا يُصِيبُهُ شَيْءٌ مِمّا يَخْشى عَلَيْهِ، تَأْكِيدًا لِلْوَعْدِ بِحِفْظِهِ وبَيانًا لِعَدَمِ ضَرَرٍ في سَفَرِهِ، ويَدُلُّ عَلى ما في التَّوْراةِ - مِن أنَّهُ كانَ سِجْنَ أحَدِهِمْ لِيَأْتُوا بِأخِيهِمُ الأصْغَرَ - قَوْلُهُ: ﴿ونَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ أيْ فَيَكُونُ جُمْلَةَ ما نَأْتِي بِهِ (p-١٥٥)بَعْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ اثْنَيْ عَشَرَ حَمْلًا، لِكُلٍّ مِنّا حِمْلٌ، ولِلْمَسْجُونِ حِمْلانِ - لِكَرَّتِهِ الأُولى والثّانِيَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ لا يُعْطِي إلّا حِمْلًا لِكُلِّ رَأْسٍ، فَكَأنَّهُ ما أعْطاهم لِما جَهَّزَهم غَيْرَ تِسْعَةِ أحْمالٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَلْ يُجِيبُكم إلى ذَلِكَ في هَذِهِ الأزْمَةِ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، لِأنَّ ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى ما رَأيْنا مِن كَرَمِ شَمائِلِهِ وضَخامَةِ مُلْكِهِ وفَخامَةِ هِمَّتِهِ،

يوسف 12:66

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ﴾ أيْ بِنْيامِينَ كائِنًا ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿حَتّى تُؤْتُونِ﴾ مِنَ الإيتاءِ وهو الإعْطاءُ، أيْ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الأخْذِ ﴿مَوْثِقًا﴾ وهو العَقْدُ المُؤَكَّدُ. ولَمّا كانَ مُرادُهُ مُوَثَّقًا رَبّانِيًّا، وكانَ المُوَثِّقُ الرَّبّانِيُّ - وهو ما كانَ بِأسْمائِهِ تَعالى لِكَوْنِهِ أذِنَ سُبْحانَهُ فِيهِ وأمَرَ بِالوُثُوقِ بِهِ - كَأنَّهُ مِنهُ، قالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِأيْمانٍ عَظِيمَةٍ: واللَّهِ ”لِتَأْتُنَّنِي“ كُلُّكم ”بِهِ“ مِنَ الإيتانِ، وهو المَجِيءُ في كُلِّ حالٍ ﴿إلا﴾ في حالِ ﴿أنْ يُحاطَ﴾ أيْ تَحْصُلَ الإحاطَةُ بِمُصِيبَةٍ مِنَ المَصائِبِ، لا طاقَةَ لَكم بِها ﴿بِكُمْ﴾ فَتَهْلَكُوا مِن عِنْدِ آخِرِكُمْ، كُلُّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في التَّوْثِيقِ، لِما حَصَلَ لَهُ مِنَ المُصِيبَةِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ كانَ الِاعْتِمادُ في حِفْظِهِ إنَّما هو عَلى اللَّهِ، وهَذا مِن بابِ ”اعْقِلْها وتَوَكَّلْ“ فَأجابُوهُ إلى (p-١٥٦)جَمِيعِ ما سَألَ ﴿فَلَمّا آتَوْهُ﴾ أيْ أعْطاهُ بَنُوهُ ﴿مَوْثِقَهم قالَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾ هو القادِرُ عَلى الوَفاءِ بِهِ المَرْجُوُّ لِلتَّصَرُّفِ فِيهِ بِالغِبْطَةِ، لا أنْتُمْ.

يوسف 12:67

ولَمّا سُمِحَ لَهم بِخُرُوجِهِ مَعَهُمْ، أتْبَعَ تَعالى ذَلِكَ الخَبَرَ عَنْ أمْرِهِ لَهم بِالِاحْتِياطِ مِنَ المَصائِبِ لِأنَّهم أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ أهْلِ جَمالٍ وبَسْطَةٍ، وكانُوا قَدْ شُهِرُوا عِنْدَ المِصْرِيِّينَ بَعْضَ الشُّهْرَةِ، بِسَبَبِ ما دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الكَلامِ في المَرَّةِ الأوْلى، فَكانُوا مَظِنَّةً لِأنْ تَرْمُقَهُمُ الأبْصارُ ويُشارُ إلَيْهِمْ بِالأصابِعِ، فَيُصابُوا بِالعَيْنِ، ولَمْ يُوصِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، لِأنَّهم كانُوا مَجْهُولِينَ، مَعَ شَغْلِ النّاسِ بِما هم فِيهِ مِنَ القَحْطِ، فَقالَ حِكايَةً عَنْهُ: ”وقالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِبَنِيهِ عِنْدَما أرادُوا السَّفَرَ: ﴿يا بَنِيَّ﴾ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَرِّ الحَسَدِ والعَيْنِ - ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ إذا قَدِمْتُمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن بابٍ واحِدٍ﴾ مِن أبْوابِها؛ والواحِدُ عَلى الإطْلاقِ: الَّذِي لا يَنْقَسِمُ، وأمّا المُقَيَّدُ بِإجْرائِهِ عَلى مَوْصُوفٍ كَبابٍ واحِدٍ، فَهو ما لا يَنْقَسِمُ في مَعْنى ذَلِكَ المَوْصُوفِ ﴿وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ﴾ واحْتَرِزْ مِن أنْ (p-١٥٧)تَكُونَ مُتَلاصِقَةً أوْ مُتَقارِبَةً جِدًّا، فَقالَ: ﴿مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أيْ تَفَرُّقًا كَبِيرًا، وهَذا حُكْمُ التَّكْلِيفِ لِئَلّا يُصابُوا بِالعَيْنِ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ وقَتادَةَ والضِّحاكِ والسُّدِّيِّ، فَإنَّ العَيْنَ حَقٌّ، وهي مِن قَدَرِ اللَّهِ، وقَدْ ورَدَ شَرْعُنا بِذَلِكَ، فَفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ”العَيْنُ حَقٌّ»“ وفي رِوايَةٍ عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ: «يَحْضُرُها الشَّيْطانُ وحَسَدُ ابْنِ آدَمَ» ولِمُسْلِمٍ والتِّرْمِذِيِّ والنِّسائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «العَيْنُ حَقٌّ، ولَوْ شَيْءٌ سابَقَ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ، وإذا اسْتَغْسَلْتُمْ فاغْسِلُوا» ولِأبِي نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ قالَ: «إنَّ العَيْنَ لَتُدْخِلُ الجُمَلَ القِدْرَ والرَّجُلَ القَبْرَ» ولِأبِي داوُدَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «وإنَّما لِتُدْرِكَ الفارِسَ فَتُدَعْثِرَهُ» (p-١٥٨)ولِأحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ كانَ شَيْءٌ سابَقٌ القَدَرَ لَسَبَقَتْهُ العَيْنُ» قالَ الإمامُ الرّازِيُّ: ومَنشَأُ إصابَةِ العَيْنِ تَوَهُّمُ النَّفْسِ الخَبِيثَةِ هَلاكَ مَن تُصِيبُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى ذَلِكَ في رِوايَةِ أحْمَدَ وابْنِ ماجَةَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَعَ انْضِمامِ حُضُورِ الشَّيْطانِ، وهَذا الِاحْتِياطُ مِن بابِ الأخْذِ بِالأسْبابِ المَأْمُورِ بِها، لِأنَّها مِنَ القَدَرِ، لا مِن بابِ التَّحَرُّزِ مِنَ القَدَرِ، كَما رَوى مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الضَّعِيفِ، وفي كُلِّ خَيْرٍ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ بِاللَّهِ ولا تَعْجَزْ، وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا تَقُلْ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا وكَذا، ولَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، فَإنَّ ”لَوْ“ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ» مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: افْعَلْ فِعْلَ الأقْوِياءِ، ولا تَفْعَلْ فِعْلَ العَجَزَةِ، وذَلِكَ بِأنَّ تُنْعِمَ النَّظَرَ، تُمْعِنُ في التَّأمُّلِ وتَتَأنّى، حَتّى تَعْلَمَ المَصادِرَ والمَوارِدَ، فَلا تَدْعُ شَيْئًا يُحْتَمَلُ أنْ يَنْفَعَكَ في الأمْرِ الَّذِي أنْتَ مُقْبِلٌ (p-١٥٩)عَلَيْهِ ولا يَضُرُّكَ إلّا فِعْلَتُهُ، ولا تَدَعْ أمْرًا يُمْكِنُ أنْ يَضُرَّكَ إلّا تَرَكْتَهُ واحْتَرَزْتَ مِنهُ جُهْدَكَ، فَإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ [وأتى أمْرٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِخِلافِ مُرادِكَ كُنْتَ جَدِيرًا بِأنْ لا تَقُولَ في نَفْسِكَ: لَوْ أنِّي فَعَلْتُ كَذا]، فَإنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا، وأمّا إذا فَعَلْتَ فِعْلَ العَجَزَةِ، وتَرَكْتَ الجَزْمَ فَما أوْشَكَ أنْ تُؤْتى مِن قِبَلِ تَرْكِ الأسْبابِ، فَما أقْرَبَكَ إلى أنْ تَقُولَ ما يَفْتَحُ عَمَلُ الشَّيْطانِ مِن ”لَوْ“ . ولَمّا خافَ أنْ يَسْبِقَ مِن أمْرِهِ هَذا إلى بَعْضِ الأوْهامِ أنَّ الحَذَرَ يُغْنِي مِنَ القَدَرِ، نَفى ذَلِكَ مُبَيِّنًا أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ غَيْرَ تَعاطِي الأسْبابِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ وأنَّ الأمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَيْهِ: إنْ شاءَ سَبَّبَ عَنِ الأسْبابِ مُسَبِّباتَها، وإنْ شاءَ أبْطَلَ تِلْكَ الأسْبابَ وأقامَ أسْبابًا تُضادَّها ويَتَأثَّرُ عَنْها المَحْذُورُ، فَقالَ: ﴿وما أُغْنِي﴾ أيْ أجْزِي وأسُدُّ وأنُوبُ ﴿عَنْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ بَعْضِ أمْرِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وعَمَّمَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ أيْ إنْ أرادَ بِكُمْ، سَواءٌ كُنْتُمْ مُفْتَرِقِينَ أوْ مُجْتَمِعِينَ، وهَذا حُكْمُ التَّقْدِيرِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِ﴾ أيْ ما ﴿الحُكْمُ﴾ وهو (p-١٦٠)فَصْلُ الأمْرِ بِما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ ”إلّا الله“ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ سِواهُ عَلى التَّقَصِّي عَنْ شَيْءٍ مِن مُرادِهِ والفِرارِ مِن شَيْءٍ مِن قَدَرِهِ، ولِهَذا المَعْنى - وهو أنَّهُ لا يَنْفَعُ أصْلًا سَبَبٌ إلّا بِاللَّهِ - أنْزَلَ اللَّهُ التَّسْمِيَةَ مَقْرُونَةً بِهاءِ السَّبَبِ أوَّلَ كِتابِهِ، وأمَرَ بِها أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ؛ ورَوى أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ في تَرْجَمَةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ بِسَنَدِهِ إلَيْهِ ثُمَّ إلى عَلَيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ يَوْمًا فَقالَ في خُطْبَتِهِ: وأعْجَبُ ما في الإنْسانِ قَلْبُهُ، ولَهُ مَوادٌّ مِنَ الحِكْمَةِ وأضْدادٌ مِن خِلافِها، فَإنْ سَنَحَ لَهُ الرَّجاءُ أوْلَهَهُ الطَّمَعُ. وإنْ هاجَ بِهِ الطَّمَعُ أهْلَكَهُ الحِرْصُ، وإنْ مَلَكَهُ اليَأْسُ قَتَلَهُ الأسَفُ، وإنْ عَرَضَ لَهُ الغَضَبُ اشْتَدَّ بِهِ الغَيْظُ، وإنْ أسْعَدَ بِالرِّضى نَسِيَ التَّحَفُّظَ وإنْ نالَهُ الخَوْفُ شَغَلَهُ الحُزْنُ، وإنْ أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قَصَمَهُ الجَزَعُ، وإنْ أفادَ مالًا أطْغاهُ الغِنى، وإنْ عَضَّتْهُ فاقَةٌ شَغَلَهُ البَلاءُ، وإنْ أجْهَدَهُ الجُوعُ قَعَدَ بِهِ الضَّعْفُ، وإنْ أفْرَطَ بِهِ الشِّبَعُ كَظَّتْهُ البِطْنَةُ، فَكُلُّ تَقْصِيرٍ بِهِ مُضِرٌّ. وكُلُّ إفْراطٍ [لَهُ] مُفْسِدٌ. قالَ: فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ شَهِدَ مَعَهُ الجُمَلَ، فَقالَ: (p-١٦١)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ: [بَحْرٌ عَمِيقٌ فَلا تَلِجْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ بَيْتٌ مُظْلِمٌ فَلا تَدْخُلْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ]: سِرُّ اللَّهِ فَلا تَتَكَلَّفُهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! أخْبِرْنا عَنِ القَدَرِ، فَقالَ: أمّا إذا أبَيْتَ فَإنَّهُ أمِرٌ بَيْنَ أمْرَيْنِ، لا جَبْرَ ولا تَفْوِيضَ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنَّ فُلانًا يَقُولُ بِالِاسْتِطاعَةِ وهو حاضِرُكَ، فَقالَ: عَلَيَّ بِهِ! فَأقامُوهُ، فَلَمّا رَآهُ سَلَّ مِن سَيْفِهِ قَدْرَ أرْبَعِ أصابِعَ فَقالَ: الِاسْتِطاعَةُ تَمْلِكُها مَعَ اللَّهِ أوْ مِن دُونِ اللَّهِ؟ وإيّاكَ أنْ تَقُولَ أحَدُهُما فَتَرْتَدَّ فَأضْرِبُ عُنُقَكَ! فَقالَ: فَما أقُولُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ؟ قالَ: قُلْ: أمْلِكُها بِاللَّهِ الَّذِي إنْ شاءَ مَلَّكَنِيها. وسَيَأْتِي إنْ شاءَ [اللَّهُ تَعالى] في [سُورَةِ الحَجِّ] عِنْدَ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [الحج: ١٨] ما يَتَّصِلُ بِهَذا. ولَمّا قَصَرَ الأمْرُ كُلُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وجَبَ رَدُّ كُلِّ أمْرٍ إلَيْهِ، وقَصَرَ النَّظَرَ عَلَيْهِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ الَّذِي لَيْسَ الحُكْمُ (p-١٦٢)إلّا لَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ أيْ جَعَلْتُهُ وكِيلِي فَرَضِيتُ بِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ ﴿وعَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ أيِ الثّابِتُونَ في بابِ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ الواجِباتِ، مَن فَعَلَهُ فازَ، ومَن أغْفَلَهُ خابَ،

يوسف 12:68

ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ صَدَقَ يَعْقُوبَ فِيما قالَ، مُؤَكِّدًا لِما أشارَ إلى اعْتِقادِهِ، فَقالَ: ﴿ولَمّا﴾ وعَطْفُهُ بِالواوِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ خَوْفًا مِن أنْ يَقُولَ لَهُمْ: لَمْ يَفْرَغْ ما عِنْدَكم حَتّى تَضْطَرُّوا إلى الِاسْتِبْدالِ بِهِ، والزَّمانُ زَمانُ رِفْقٍ، لا زَمانُ تَبَسُّطٍ ﴿دَخَلُوا﴾ أيْ أُخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إلى مِصْرَ ﴿مِن حَيْثُ أمَرَهُمْ﴾ أيْ بِهِ ﴿أبُوهُمْ﴾ مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ، قالُوا: وكانَ لِمِصْرَ أرْبَعَةُ أبْوابٍ ﴿ما كانَ﴾ ذَلِكَ الدُّخُولُ ”يُغْنِي“ أيْ يَدْفَعَ ويَجْزِي ﴿عَنْهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”إلّا حاجَةً“ أيْ شَيْئًا غَيْرَ أتَمِّ حاجَةٍ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ وهو الدُّخُولُ عَلى ما أمَرَ بِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ”قَضاها“ يَعْقُوبُ، وأبْرَزَها مِن نَفْسِهِ إلى أوْلادِهِ، فَعَمِلُوا فِيها بِمُرادِهِ فَأغْنى عَنْهم ذَلِكَ الإخْلاصُ مِن عُقُوقِ أبِيهِمْ فَقَطْ، [فَإنَّهُمُ ابْتُلُوا في هَذِهِ السُّفْرَةِ بِأمْرٍ عَظِيمٍ لَمْ يَجِدُوا مِنهُ خَلاصًا، وهو نَسَبُهم إلى السَّرِقَةِ، وأسْرُ أخِيهِمْ مِنهُمْ]، قالَ أبُو حَيّانَ: وفِيهِ حُجَّةٌ لِمَن زَعَمَ أنَّ ”لَمّا“ حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، لا ظَرْفَ زَمانٍ بِمَعْنى ”حِينَ“، إذًا (p-١٦٣)لَوْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ ما جازَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِما ”بَعْدَ“ ما النّافِيَةِ - انْتَهى. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ لا فائِدَةَ في الِاحْتِياطِ، أشارَ تَعالى إلى رَدِّهِ بِمَدْحِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ في التَّسَبُّبِ مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [مَعَ] أمْرِهِ لِبَنِيهِ بِذَلِكَ ﴿لَذُو عِلْمٍ﴾ أيْ مَعْرِفَةٍ بِالحُكْمَيْنِ: حُكْمُ التَّكْلِيفِ، وحُكْمُ التَّقْدِيرِ، واطِّلاعٌ عَلى الكَوْنَيْنِ عَظِيمٌ ”لِما“ أيْ لِلَّذِي ﴿عَلَّمْناهُ﴾ إيّاهُ مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَذُو عِلْمٍ لِأجْلِ تَعْلِيمِنا أيّاهُ. فاقْتَدَوْا بِهِ في الِاحْتِياطِ في تَعاطِي الأسْبابِ، مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لا أثَرَ لَها إلّا أنْ أمْضاها الواحِدُ القَهّارُ، فَبِهَذا التَّقْدِيرِ يَتَبَيَّنُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وفائِدَةُ إبْرازِهِ - في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ عِنْدَ مَن جَعَلَهُ مُنْقَطِعًا - الإشارَةُ إلى تَعْظِيمِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّهُ جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ ما يَأْمُرُ بِهِ مُغْنِيًا، لِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَلَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ يُغْنِي مِن قَدَرِ اللَّهِ لَأغْنى ما أشارَ بِهِ، وإنَّما فُسِّرَتْ ”يُغْنِي“ بِـ ”يَدْفَعُ“ لِأنَّ مادَّةَ ”غَنِيَ“ - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الإقامَةِ، فَيَكُونُ أغْنى لِلسَّلْبِ، وهو مَعْنى لِلدَّفْعِ، بَيانُهُ أنَّ غِنًى بِمَعْنى أقامَ، وعاشَ، ولَقِيَ، ومَغْنى الدّارِ: مَوْضِعُ الحُلُولِ، ويَلْزَمُ مِنَ الإقامَةِ الكِفايَةُ والتَّمَوُّلُ، (p-١٦٤)لِأنَّ الفَقِيرَ مُنْزَعِجٌ مُضْطَرِبٌ، والغَنِيُّ - كَإلى: التَّزَوُّجُ، وإذا فَتَحَ مَدَّ، والِاسْمُ الغَنِيَّةُ - بِالضَّمِّ، وذَلِكَ لِأنَّ التَّزَوُّجَ لازِمُ الإقامَةِ، والغانِيَةُ: المَرْأةُ تُطْلَبُ ولا تَطْلُبُ، أوِ الغَنِيَّةُ بِحُسْنِها عَنِ الزِّينَةِ، أوِ الشّابَّةِ المُتَزَوِّجَةِ، أوِ الشّابَّةِ العَفِيفَةِ ذاتِ زَوْجٍ كانَتْ أمْ لا، ومِثْلُها يَلْزَمُ المَنزِلَ ويَقْصُرُ في الخِيامِ، وأغْنى عَنْهُ غِناءَ فُلانٍ: نابَ عَنْهُ مَنابَهُ وأجْزَأ مَجْزَأهُ، وحَقِيقَتُهُ جَعَلَ إقامَةَ كَذا مُتَجاوِزَةً عَنْهُ، فالمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَإذا قالَ مَثَلًا: فُلانٌ أغْنى عَنِّي في الحَرْبِ، كانَ المَعْنى: أغْنى عَنِّي ضَرْبَ الأبْطالِ أوْ شِدَّةَ الحَرْبِ، [أيْ] أزالَ إقامَةَ ذَلِكَ عَنِّي فَجَعَلَهُ مُتَجاوِزًا، ولا شَكَّ أنَّ مَعْنى ذَلِكَ: دَفْعُهُ عَنِّي، وكَذا كُلُّ ما كانَ مِن ذَلِكَ، وما فِيهِ غِناءُ ذاكَ، أيْ إقامَتُهُ والِاضْطِلاعُ بِهِ، ويَلْزَمُ أيْضًا - مِنَ الإقامَةِ الَّتِي هي المَدارُ والكِفايَةُ الَّتِي هي سَبَبُها - الغِناءُ - بِالكَسْرِ والمَدِّ، وهو التَّطْرِيبُ بِالصَّوْتِ، والغِناءُ أيْضًا: الرَّمْلُ - لِإقامَتِهِ، وغَنِيَ بِالمَرْأةِ: تَغَزَّلَ، أيْ نَظَمَ فِيها الغَزَلَ، وغَنِيَ بِزَيْدٍ: مَدَحَهُ أوْ هَجاهُ - مِن لَوازِمِ الإقامَةِ والكِفايَةِ، ومِنهُ غِنى الحَمامِ: صَوْتٌ؛ ونَغى - كَرَمى: تَكَلَّمَ (p-١٦٥)بِكَلامٍ يُفْهَمُ - لِأنَّ ذَلِكَ يَسْكُنُ الخاطِرَ عَنِ القَلَقِ، ومِنهُ المُناغاةُ - وهي تَكْلِيمُ الصَّبِيِّ بِما يَهْوِي، ونَغَيْتُ إلَيْهِ نَغْيَةً، أيْ ألْقَيْتُ إلَيْهِ كَلِمَةً، والنَّغْيَةُ - كالنَّغْمَةِ: أوَّلُ الخَبَرِ قَبْلَ أنْ تَسْتَثْبِتَهُ، مِن تَسْمِيَةِ الجُزْءِ بِاسْمِ الكُلِّ، وناغاهُ: داناهُ، ومِنهُ المَوْجُ يُناغِي السَّماءَ - إذا ارْتَفَعَ، وناغاهُ: باراهُ أيْ عارَضَهُ، والمَرْأةُ: غازَلَها، أيْ حادَثَها - كُلُّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الإقامَةِ؛ والغَيْنُ: حَرْفُ هِجاءٍ مَجْهُورٌ مُسْتَعْلٍ - كَأنَّها لِقُوَّتِها مُقِيمَةٌ في مَخْرَجِها غَيْرِ مُتَزَعْزِعَةٍ عَنْهُ كالرّاءِ والحُرُوفِ الهَوائِيَّةِ وغَيْرِها، والغَيْنُ: العَطَشُ - لِأنَّهُ الأصْلُ لِاقْتِضاءِ الحَرارَةِ لَهُ والرِّيِّ حادِثٌ، والغَيْنُ: الغَيْمُ - لِإقامَتِهِ في الهَواءِ، والغَيْنَةُ: أرْضٌ - لِأنَّها مَوْضِعُ الإقامَةِ، والأشْجارِ المُلْتَفَّةِ بِلا ماءٍ، هي أيْضًا مَوْضِعٌ لِذَلِكَ، لِأنَّها ظَلِيلَةٌ ولا ماءَ بِأرْضِها يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِشَيْءٍ مِن ظِلِّها، والغَيْناءُ: الخَضْراءُ مِنَ الشَّجَرِ، وبِئْرٍ، وبِالقَصْرِ: قُنَّةُ ثَبِيرِ مِنَ الأثْبَرَةِ السَّبْعَةِ - لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَوْضِعٌ (p-١٦٦)لِلْإقامَةِ، ولَعَلَّ قُنَّةَ هَذا الجَبَلِ كَثِيرَةُ الشَّجَرِ فَتَرْجِعُ إلى الشَّجَرَةِ، والأغْيَنُ: الطَّوِيلُ - إمّا تَشْبِيهٌ بِقُنَّةِ الجَبَلِ، أوْ بِالشَّجَرَةِ، والغانَةُ: حَلْقَةُ رَأْسِ الوَتَرِ في القَوْسِ، وغَيْنٌ عَلى قَلْبِهِ: غَطّى عَلَيْهِ أيْ أقامَ عَلَيْهِ ساتِرًا لَهُ فَصارَ كالسَّماءِ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْمِ، ومِنهُ غَيْنٌ عَلَيْهِ - إذا تَغَشَتْهُ الشَّهْوَةُ وألْبَسَ أوْ غَشِيَ عَلَيْهِ، أوْ أحاطَ بِهِ الرَّيْنُ وهو الطَّبْعُ والدَّنَسُ، والغِينَةُ - بِالكَسْرِ: الصَّدِيدُ وما سَلَّ مِنَ المَيِّتِ - كَأنَّهُ مِن سَلْبِ الإقامَةِ، وكَذا الغِينُ بِالكَسْرِ - لِمَوْضِعٍ كَثِيرِ الحُمّى، [و] غانَتْ نَفْسِي تَغِينُ: غَثَّتْ، والإبِلُ: غامَتْ، أيْ حَصَلَ لَها داءٌ كالقَلّابِ غَيْرَ أنَّهُ لا يَقْتُلُ - انْتَهى. ولَمّا كانَ قَدْ يَظُنُّ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكُونُ كَذَلِكَ، أيْ يَعْلَمُ ما [عَلِمَهُ]، نَفى ذَلِكَ سُبْحانَهُ [بِقَوْلِهِ]: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيْ لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسُوا بِذَوِي عِلْمٍ [لِما عَلَّمْناهُمْ] لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ واسْتَفْرَغَ قُواهم في الِاهْتِمامِ بِما وقَعَ (p-١٦٧)التَّكَفُّلُ لَهم بِهِ مِن أحْوالِ الدُّنْيا، ومُغالَبَةِ فِطَرِهِمُ القَوِيمَةِ السَّلِيمَةِ بِرَدِّها إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحُظُوظُ والشَّهَواتُ حَتّى لا يَكُونَ فِيها طِبُّ مَخْلُوقٍ.

يوسف 12:69

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ دُخُولِهِمْ إلى البَلَدِ، أخْبَرَ عَنْ دُخُولِهِمْ لِحاجَتِهِمْ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقاتَلَ: ﴿ولَمّا دَخَلُوا﴾ أيْ بَنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ في هَذِهِ القَدْمَةِ الثّانِيَةِ ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ شَقِيقُهُ بِنْيامِينَ بَعْدَ أنْ قالُوا لَهُ: هَذا أخُونا الَّذِي أمَرْتَنا بِهِ قَدْ أحْضَرْناهُ، فَقالَ: أصَبْتُمْ، وسَتَجِدُونَ ذَلِكَ عِنْدِي؛ والإيواءُ: ضَمُّ النَّفْسِ بِالتَّصْيِيرِ إلى مَوْضِعِ الرّاحَةِ، وسَبَبِ إيوائِهِ إلَيْهِ أنَّهُ أمْرُ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهم أنْ يَأْكُلُوا عَلى حِدَةٍ، فَبَقِيَ بِنْيامِينُ بِلا ثانٍ، فَقالَ: هَذا يَأْكُلُ مَعِي، ثُمَّ قالَ لَيًّا: [و] كُلُّ اثْنَيْنِ مِنكم في بَيْتٍ مِن خَمْسَةِ أبْياتٍ أفْرَدَها لَهُمْ، وهَذا الوَحِيدُ يَكُونُ مَعِي في بَيْتِي، وهَذا التَّفْرِيقُ مُوافِقٌ لِما أمَرَهم بِهِ أبُوهم في تَفْرِيقِ الدُّخُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ، هَلْ أعْلَمَهُ بِنَفَسِهِ أوْ كَتَمَ ذَلِكَ عَنْهُ كَما فَعَلَ بِسائِرِ إخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: بَلْ ﴿قالَ﴾ مُعْلِمًا لَهُ، لِأنَّهُ لا سَبَبَ يَقْتَضِي الكَتْمَ [عَنْهُ ]- كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، مُؤَكِّدًا لِما لِلْأخِ مِن إنْكارِهِ لِطُولِ غَيْبَتِهِ وتَغَيُّرِ أحْوالِهِ وقَطْعِ (p-١٦٨)الرَّجاءِ مِنهُ: ﴿إنِّي أنا أخُوكَ﴾ يُوسُفُ: ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ أيْ تَجْتَلِبُ البُؤْسَ. وهو الكَراهَةُ والحُزْنُ ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ سائِرُ الإخْوَةِ، كَوْنًا هم راسِخُونَ فِيهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ مِمّا يَسُوءُنا وإنْ زَعَمُوا أنَّهم بَنَوْا ذَلِكَ العَمَلَ عَلى عِلْمٍ، وقَدْ جَمَعْنا لَهُ خَيْرَ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الِاجْتِماعُ، ولا تُعْلِمُهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ مَلَأ لَهم أوْعِيَتَهم كَما أرادُوا.

يوسف 12:70

وكَأنَّهُ في المَرَّةِ الأوْلى أيْضًا في تَجْهِيزِهِمْ لِيَتَعَرَّفَ أخْبارَهم في طُولِ المُدَّةِ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَعْطِفْ بِالفاءِ، وأسْرَعَ في تَجْهِيزِهِمْ في هَذِهِ المَرَّةِ قَصْدًا إلى انْفِرادِهِ بِأخِيهِ مِن غَيْرِ رَقِيبٍ بِالحِيلَةِ الَّتِي دَبَّرَها. فَلِذَلِكَ أتَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ أعْجَلُ جِهازٍ وأحْسَنُهُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ”فِلْمًا جاءَ أمْرنا“ في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما مَضى في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿جَعَلَ﴾ أيْ بِنَفْسِهِ أوْ بِمَن أمَرَهُ ﴿السِّقايَةَ﴾ الَّتِي لَهُ. وهي إناءٌ يَسْقِي بِهِ ﴿فِي رَحْلِ أخِيهِ﴾ شَقِيقِهِ، لِيَحْتالَ بِذَلِكَ عَلى إبْقائِهِ عِنْدَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ البَصِيرَ لا يَقْضِي بِسَرِقَتِهِ بِذَلِكَ، مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ الصُّواعُ دُسَّ في رَحْلِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ كَما فَعَلَ بِبِضاعَتِهِمْ في المَرَّةِ الأُولى، وأمّا غَيْرُ البَصِيرِ فَضَرَرُ ثُبُوتِ ذَلِكَ في ذِهْنِهِ مُفْتَقِرٌ لِأنَّهُ يَسِيرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَتَرَتَّبُ (p-١٦٩)عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ مَن أُلْفِ إخْوَتِهِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وزَوالُ وحْشَتِهِمْ مِنهُ بِإقامَتِهِ عِنْدَهُ - كَما سَيَأْتِي مَعَ مَزِيدِ بَيانٍ - هَذا مَعَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ عَنْ قُرْبٍ، فَهو مِن بابِ ارْتِكابِ أخَفِّ الضَّرَرَيْنِ، ثُمَّ أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ فَحُبِسُوا ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ انْطِلاقِهِمْ وإمْعانِهِمْ في السَّيْرِ ﴿أذَّنَ﴾ أيْ أعْلَمَ فِيهِمْ بِالنِّداءِ ﴿مُؤَذِّنٌ﴾ قائِلًا بِرَفِيعِ صَوْتِهِ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُرْبِ مِنهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ إسْقاطُ الأداةِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ﴾ أيْ أهْلُها، وأكَّدَ لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ ﴿إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ لَكم ذَلِكَ لا مَحالَةَ حَقِيقَةً بِما فَعَلْتُمْ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ مَجازًا بِأنَّكم فاعِلُونَ فِعْلَ السّارِقِ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ آنِفًا، مَعَ أنَّ هَذا النِّداءَ لَيْسَ مِن قَوْلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويُحْتَمَلُ أنْ لا يَكُونُ بِأمْرِهِ حَتّى يَحْتاجَ إلى تَصْحِيحِهِ، بَلْ يَكُونُ قائِلُهُ فَهِمَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: صَواعِي مَعَ الرَّكْبِ، أوْ كَأنَّهم أخَذُوا صَواعِي فاذْهَبْ فَآتِنِي بِهِ أوْ بِهِمْ - ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا هو حُقٌّ في نَفْسِهِ؛ والعِيرُ: القافِلَةُ الَّتِي فِيها الأحْمالُ، والأصْلُ فِيها الحَمِيرُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى أطْلَقَ عَلى كُلِّ قافِلَةٍ تَشْبِيهًا بِها، وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ التَّلَطُّفُ في بُلُوغِ المُرادِ مِن إيقاعِ الأسْبابِ الَّتِي تُؤَدِّي إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ بِظاهِرٍ جَمِيلٍ وباطِنٍ حَقٍّ مِمّا يَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَوْقِعُهُ، ويُشْكِلُ عَلَيْهِ وجْهُهُ، لِأنَّهُ أنْفَذُ لَهُ وأنْجَحُ لِلْمَطْلُوبِ مِنهُ،

يوسف 12:71

(p-١٧٠)فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ لَتُهْمَةٌ عَظِيمَةٌ، فَما قالُوا في جَوابِها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ في جَوابِ الَّذِينَ لَحِقُوهم ”و“ الحالُ أنَّ آلَ إسْرائِيلَ ”أقْبَلُوا“ ودَلَّ - عَلى أنَّ الَّذِينَ لَحِقُوهم كانُوا جَماعَةَ المُؤَذِّنِ أحَدُهُمْ، كَما هو شَأْنُ ذَوِي الرِّئاسَةِ إذا أُرْسِلُوا في مُهِمٍّ - بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى جَماعَةِ المَلِكِ: المُنادِي وغَيْرِهِ ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ مِمّا يُمْكِنُنا أخْذُهُ

يوسف 12:72

﴿قالُوا نَفْقِدُ﴾ وكَأنَّ السِّقايَةَ كانَ لَها اسْمانِ، فَعَبَّرُوا هُنا بِقَوْلِهِمْ: ﴿صُواعَ المَلِكِ﴾ والصُّواعُ: الجامُ يُشْرَبُ فِيهِ ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ﴾ أيْ أظْهَرَهُ ورَدَّهُ مِن غَيْرِ تَفْتِيشٍ ولا عَناءٍ ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ وهو بِالكَسْرِ: قِدْرٌ مِنَ المَتاعِ مُهَيَّأٌ لِأنْ يُحْمَلَ عَلى الظَّهْرِ، وأمّا الحِمْلُ في البَطْنِ فَبِالفَتْحِ ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ أيْ ضامِنٌ وكَفِيلٌ أُودِيهِ إلَيْهِ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ تارَةً وجَمْعُهُ أُخْرى دَلِيلٌ عَلى أنَّ القاتِلَ واحِدٌ، وأنَّهُ نُسِبَ إلى الكُلِّ لِرِضاهم بِهِ، وفي الآيَةِ البَيانُ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ بَهْتِ الإنْسانِ لِلتَّثَبُّتِ في الأمْرِ وتَرْكِ الإسْراعِ إلى ما [لا] يَجُوزُ مِنَ القَوْلِ،

يوسف 12:73

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ إخْوَةُ يُوسُفَ ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ قَوْلُ البَرِيءِ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأقْسَمُوا قَسَمًا مَقْرُونًا بِالتّاءِ، لِأنَّها يَكُونُ فِيها التَّعَجُّبُ غالِبًا، قالَ الرُّمّانِيُّ: لِأنَّها لَمّا كانَتْ نادِرَةً في أدَواتِ القَسَمِ جُعِلَتْ لِلنّادِرِ مِنَ المَعانِي، [و النّادِرُ مِنَ المَعانِي] يَتَعَجَّبُ مِنهُ، وقالَ: إنَّها بَدَلٌ مِنَ الواوِ، (p-١٧١)و[الواوُ] بَدَلٌ مِنَ الباءِ، فَهي بَدَلٌ مِن بَدَلٍ، فَلِذَلِكَ ضَعُفَتْ عَنِ التَّصْرِيفِ في سائِرِ الأسْماءِ، ثُمَّ أكَّدُوا بَراءَتَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ أيْ بِما جَرَّبْتُمْ مِن أمانَتِنا قَبْلَ هَذا في كَرَّتَيْ مَجِيئِنا ﴿ما جِئْنا﴾ وأكَّدُوا النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالُوا: ”لِنُفْسِدَ“ أيْ نُوقِعَ الفَسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ”و“ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ”ما كُنّا“ [أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ] ﴿سارِقِينَ﴾ أيْ مَوْصُوفِينَ بِهَذا الوَصْفِ قَطُّ، بِما رَأيْتُمْ مِن أحْوالِنا: مَن رَدَّنا بِضاعَتَنا الَّتِي وجَدْناها في رِحالِنا وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا عايَنْتُمْ مِن شَرَفِ فِعالِنا مَعَ عِلْمِنا بِأنَّها خَلْقٌ لَنا لا تُصْنَعَ يَظْهَرُ لِبَعْضِ الأذْكِياءِ بِأدْنى تَأمُّلٍ،

يوسف 12:74

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الَّذِينَ مِن جِهَةِ العَزِيزِ؟ قِيلَ: ”قالُوا“ قَوْلٌ واثِقٌ بِأنَّهُ في رِحالِهِمْ: ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ الصُّواعُ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في تَبَرُّئِكم مِنَ السَّرِقَةِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ

يوسف 12:75

﴿قالُوا﴾ وُثُوقًا مِنهم بِالبَراءَةِ وإخْبارًا بِالحُكْمِ عِنْدَهم ”جَزاؤُهُ“ أيِ الصُّواعُ ”مِن“. ولَمّا كانَ العِبْرَةُ بِنَفْسِ الوِجْدانِ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ ولِتَحَقُّقِهِمُ البَراءَةَ عَلَّقُوا الحُكْمَ عَلى مُجَرَّدِ الوِجْدانِ لا السَّرِقَةِ؛ ثُمَّ أكَّدُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أيْ لَيْسَ غَيْرُ، (p-١٧٢)فَكَأنَّهُ قِيلَ: [هَلْ] هَذا أمْرٌ أحْدَثْتُمُوهُ الآنَ أوْ هو مَشْرُوعٌ لَكُمْ؟ فَقالُوا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ [بَلْ] هو سُنَّةٌ لَنا، مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ بِالظُّلْمِ دائِمًا، نُرَقِّهِ في سَرِقَتِهِ؛

يوسف 12:76

فَحِينَئِذٍ فَتَّشَ أوْعِيَتَهم ﴿فَبَدَأ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ بَدَأ المُؤَذِّنُ أوْ غَيْرُهُ مِمَّنْ أمَرَ بِذَلِكَ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ ولَمّا لَمْ يَكُنْ - بَيْنَ فَتْحِ أوْعِيَتِهِمْ وفَتْحِ وِعاءِ أخِيهِ - فاصِلٌ يُعَدُّ فاصِلًا، فَكانَتْ بُداءَتُهُ بِأوْعِيَتِهِمْ مُسْتَغْرِقَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ الزَّمانِ، لَمْ يَأْتِ بِجارٍ، فَقالَ ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ أخِي يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَقِيقُهُ، إبْعادًا عَنِ التُّهْمَةِ ”ثُمَّ“ [أيْ بَعْدَ تَفْتِيشِ أوْعِيَتِهِمْ والتَّأنِّي في ذَلِكَ] ﴿اسْتَخْرَجَها﴾ أيْ أوْجَدَ إخْراجَ السِّقايَةِ الَّتِي تَقَدَّمَ أنَّهُ جَعَلَها في وِعاءِ أخِيهِ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾ ولَمّا كانَ هَذا كَيْدًا عَظِيمًا في أخْذِ أخِيهِ بِحُكْمِهِمْ، مَعَ ما تَوَثَّقَ مِنهم أبُوهُمْ، عَظَّمَهُ تَعالى بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ والإسْنادِ إلَيْهِ [فَقالَ]: ”كَذَلِكَ“ أيْ مِثْلِ هَذا الكَيْدِ العَظِيمِ ﴿كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ خاصَّةً بِأنْ عَلَّمْناهُ إيّاهُ جَزاءً لَهم عَلى كَيْدِهِمْ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِذَلِكَ صَنَعْنا جَمِيعَ الصَّنائِعِ الَّتِي أعْلَتْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْجَأتْ (p-١٧٣)إخْوَتُهُ الَّذِينَ كادُوهُ بِما ظَنُّوا أنَّهُ أبْطَلَ أمْرَهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ إلى أنْ كانَ آخِرُها حُكْمَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما حَكَمُوا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ﴾ أوْ هو اسْتِئْنافُ تَفْسِيرٍ لِلْكَيْدِ، و[أكَّدَ] النَّفْيَ بِاللّامِ فَقالَ: ﴿لِيَأْخُذَ أخاهُ﴾ ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي دِينِ المَلِكِ﴾ يَعْنِي مَلِكُ مِصْرَ، عَلى حالَةٍ مِنَ الحالاتِ، لِأنَّ جَزاءَ السّارِقِ عِنْدَهم غَيْرُ هَذا ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ذَلِكَ بِسَبَبٍ يُقِيمُهُ كَهَذا السَّبَبِ الَّذِي هو حُكْمُ السّارِقِ وأهْلُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ مِنَ المَلِكِ إلّا تَخْلِيَتُهم وما حَكَمُوا بِهِ عَلى نُفُوسِهِمْ. ومادَّةُ ”سَرَقَ“ بِتَراكِيبِها الأرْبَعَةِ: سَرَقَ، وسَقَرَ، وقَسَرَ، وقَرَسَ - تَدُورُ عَلى الغَلَبَةِ المُحْرِقَةِ والمُوجِعَةِ، وتارَةً تَكُونُ بِحَرٍّ، وتارَةً بِبَرْدٍ، وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ، وتَلازُمِها القُوَّةُ والضَّعْفُ والكَثْرَةُ والقِلَّةُ والمُخادَعَةُ، فَيَأْتِي الخَفاءُ واللَّيْلُ، فَمِن مُطْلَقِ الغَلَبَةِ: القَسْرُ، وهو الغَلَبَةُ والقَهْرُ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: القَسْرُ: الأخْذُ بِالغَلَبَةِ والِاضْطِهادِ، والقَسْوَرَةُ: الأسَدُ، والعَزِيزُ كالقَسْوَرِ، والرُّماةِ مِنَ الصَّيّادِينَ، واحِدُهُ قَسْوَرٌ، (p-١٧٤)ونَباتٌ سَهْلِيٌّ - كَأنَّهُ يَكْثُرُ فِيهِ الصَّيْدُ، فَتَنْتابُهُ القَساوِرَةُ، وقَسْوَرُ النَّبْتِ: كَثُرُ، ورَكَزُ النّاسِ، أيْ صَوْتِهِمُ الخَفِيِّ وحِسِّهِمْ - لِأنَّ الصَّيّادِينَ يَتَخافَتُونَ؛ والسَّقَرُ لُغَةً في الصَّقْرِ - لِطَيْرٍ يَصِيدُ؛ وقَسْرُ: جَبَلُ السَّراةِ - كَأنَّهُ مَوْضِعُ الصَّيْدِ والقَسْرِ والغَلَبَةِ، والقَيْسَرِيُّ: الكَثِيرُ - لِأنَّهُ مَلْزُومٌ لِلْغَلَبَةِ، وضَرْبٌ مِنَ الجُعْلانِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ لِمُطْلَقِ الكَثْرَةِ ولِأذاهُ بِما يُعانِيهِ مِنَ النَّجاساتِ، والقَيْسَرِيُّ - أيْضًا مِنَ الإبِلِ: العَظِيمُ أوِ الصُّلْبُ أوِ الضَّخْمُ الشَّدِيدُ؛ وجَمَلٌ قُراسِيَةٌ - بِالضَّمِّ وتَخْفِيفِ الياءِ: ضَخْمٌ، والقِرْسُ - بِالكَسْرِ: صِغارُ البَعُوضِ؛ والقَسْوَرَةُ أيْضًا مِنَ الغِلْمانِ: الشّابُّ القَوِيُّ، والرّامِي - لِأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَغْلِبَ، ولِقَسْوَرٍ أيْضًا: الصَّيّادُ مُطْلَقًا؛ ويَلْزَمُهُ المُخادَعَةُ والِاسْتِخْفاءُ، ومِنهُ القَسْوَرَةُ: نِصْفُ اللَّيْلِ أوْ أوَّلُهُ أوْ مُعْظَمُهُ - لِأنَّهُ مَحَلُّ الِاسْتِخْفاءِ والمَقاهَرَةِ؛ ومِنهُ السَّرَقُ، وهو الأخْذُ في خُفْيَةٍ، وعِبارَةُ القَزّازِ: في خَتْلٍ وغَفْلَةٍ، وسَرَقَ - كَفَرِحَ: خَفِيَ، والسَّوارِقُ: الزَّوائِدُ في فِراشِ القُفْلِ - لِغَرابَتِها وخَفاءِ (p-١٧٥)أمْرِها، أوْ لِسَلْبِها السَّرِقَةَ بِمَنعِها السّارِقَ مِن فَتْحِ القُفْلِ، والمُسْتَرِقُ: المُسْتَمِعُ مُخْتَفِيًا، وانْسَرَقَ عَنْهُمْ: خَنِسَ لِيَذْهَبَ، ويَلْزَمُ المُخادَعَةَ والِاخْتِفاءَ نَوْعُ ضَعْفٍ، ومِنهُ: سُرِقَتْ مَفاصِلُهُ - كَفَرِحَ: ضَعُفَتْ، والمُسْتَرِقُ: النّاقِصُ الضَّعِيفُ الخَلْقِ؛ وانْسَرَقَ: فَتَرَ وضَعُفَ - إمّا مِنهُ وإمّا مِنَ السَّلْبِ، لِأنَّ مَن فَتَرَ أوْ ضَعُفَ يَكُفُّ عَنِ السَّرِقَةِ والأذى؛ وقُسُورُ الرَّجُلِ: أسِنَ، وكانَ مِنهُ القارِسُ والقَرِيسُ أيِ القَدِيمُ، ومُسْتَرِقُ العُنُقِ: قَصِيرُها - كَأنَّهُ سُرِقَ مِنها شَيْءٌ، وهو يُسارِقُ النَّظَرَ إلَيْهِ، أيْ يَطْلُبُ غَفْلَتَهُ لِيَنْظُرَ إلَيْهِ، وتَسْرِقُ: [سَرَقَ] شَيْئًا فَشَيْئًا، وسَرَّقَ - كَسَكَّرَ - كانَ اسْمُهُ الحَبّابُ فابْتاعَ مِن بَدَوِيٍّ راحِلَتَيْنِ، ثُمَّ أجْلَسَهُ عَلى بابِ دارٍ لِيَخْرُجَ إلَيْهِ بِثَمَنِهِما فَخَرَجَ مِنَ البابِ الآخَرِ فَهَرَبَ بِهِما، فَسَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَرِقًا، وكانَ لا يُحِبُّ أنْ يُسَمّى بِغَيْرِهِ، والسَّرَقُ - مُحَرَّكًا: أجْوَدُ الحَرِيرِ [أوِ الحَرِيرُ] الأبْيَضُ، أوِ الحَرِيرُ عامَّةً، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ أصْلُهُ سِرُّهُ، قالَ القَزّازُ: ومَعْناهُ: جَيِّدٌ، لِأنَّهُ (p-١٧٦)أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَ بِالسَّرِقَةِ لِخِفَّةٍ مَحْمِلِهِ وكَثْرَةِ تَمَنِهِ، والسِّرْقِينَ مُعَرَّبُ سِرْكِينَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الضَّعْفِ، ولَعَلَّ المُعَرَّبَ يَكُونُ خارِجًا عَنْ أصْلِ المادَّةِ، لِأنَّهُ لا أصْلَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ؛ ومِنَ الأذى بِالحَرِّ السَّفَرُ: حَرُّ الشَّمْسِ وأذاهُ، يُقالُ: سَقَرَتْهُ الشَّمْسُ - بِالسِّينِ والصّادِ - إذا آلَمَتْ دِماغَهُ، ومِنهُ اشْتِقاقُ سَقَرَ، وهو اسْمُ إحْدى طَبَقاتِ النّارِ، والسَّقَرُ: القِيادَةُ عَلى الحَرَمِ، والسَّقَرُ: ما يَسِيلُ مِنَ الرُّطَبِ - مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ السَّبَبِ، لِأنَّ الحَرَّ سَبَّبَهُ، والقَوْسَرَةُ: القَوْصَرَةُ - ويُخَفَّفانِ - لِأنَّهُ يُوضَعُ فِيهِ التَّمْرُ الَّذِي قَدْ يَكُونُ مِنهُ السَّقَرُ، والسّاقِرُ: الكافِرُ واللَّعّانُ لِغَيْرِ المُسْتَحِقِّينَ - لِكَثْرَةِ الأذى، أوْ لِاسْتِحْقاقِ الكَوْنِ في سَقَرَ، والسّاقُورُ: الحُرُّ والحَدِيدَةُ يُكْوى بِها الحِمارُ؛ ومِنَ الأذى بِالبَرْدِ: القَرْسُ - وهو البَرْدُ الشَّدِيدُ والبارِدُ، والقَرْسُ - ويُحَرِّكُ: أبْرَدُ الصَّقِيعِ وأكْثَفُهُ، والقَرَسُ - بِالتَّحْرِيكِ: الجامِدُ، وأقْرَسَ العُودَ جَمَّدَ ماءَهُ، ومِنهُ القَرِيسُ - لِسَمَكٍ طُبِخَ وتُرِكَ حَتّى جَمُدَ، وقَرَسَ الماءُ: جَمُدَ، والبَرْدُ: اشْتَدَّ كَقَرِسَ كَفَرِحَ، وآلَ قَرايِسَ ويُقالُ: نَباتٌ قَراسٌ - (p-١٧٧)كَسَحابٍ: أجُبِلَ بارِدَةٌ أوْ هِضابٌ بِناحِيَةِ السَّراةِ، وقَرَسْنا الماءَ: بَرَدْناهُ. إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَتَصْحِيحُ قَوْلِ المُؤَذِّنِ ”إنَّكم لَسارِقُونَ“ إنْ نَظَرَ إلى الغَلَبَةِ في خَفاءٍ فَلا شَكَّ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِذَلِكَ لِأخْذِهِمْ يُوسُفَ مِن أبِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى هَذِهِ الحالَةِ، وإنْ نَظَرَ إلى مُطْلَقِ الأخْذِ في [خَفاءٍ] فَيَكُونُ إطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجازًا، لِأنَّ مَعَهم - في حالِ نِدائِهِ لَهم وهم سائِرُونَ - شَيْئًا لَيْسَ هو لَهم هم ذاهِبُونَ بِهِ في خَفاءٍ، أيْ أنْتُمْ في هَذِهِ الحالَةِ فاعِلُونَ فِعْلَ السّارِقِ، ويُقَوِّي إرادَةَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] كَما سَيَأْتِي. ولَمّا كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وتَمَكُّنِهِ ورِفْعَتِهِ، بَعْدَ ما كانَ فِيهِ عِنْدَهم مِنَ الصَّغارِ، كانَ ذَلِكَ مَحَلُّ عَجَبٍ، فَقالَ تَعالى - التِفاتًا إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ تَقْوِيَةً لِلْكَلامِ بِمَقامِ الغَيْبَةَ والتَّكَلُّمِ، وزادَهُ إشْعارًا بِعَظَمَةِ، هَذا الفِعْلِ بِصَوْغِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ مُنَبِّهًا لِمَن قَدْ يَغْفُلُ: ﴿نَرْفَعُ﴾ أيْ لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وكانَ الأصْلُ: دَرَجاتِهِ، ولَكِنَّهُ عَمَّمَ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ، فَكانَ ألْيَقَ بِمَظْهَرِها (p-١٧٨)فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ كانَ حَصَلَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الهَضْمِ ما ظَنَّ كَما ظَنَّ أنَّهُ لا يَرْتَفِعُ بَعْدَهُ: ﴿دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ أيْ بِالعِلْمِ. ولَمّا كانَ سَبَبُ الرِّفْعَةِ هو الأعْلَمِيَّةُ بِالأسْبابِ، وذَلِكَ أنَّ الخَلْقَ لَوِ اجْتَهَدُوا في خَفْضِ أحَدٍ فَنَصَبُوا لَهُ كُلَّ سَبَبٍ عَلِمُوهُ وقَدِرُوا عَلَيْهِ، وأرادَ اللَّهُ ضِدَّ ذَلِكَ، لَقَيَّضَ بِعِلْمِهِ سَبَبًا واحِدًا إنْ شاءَ فَأبْطَلَ جَمِيعَ تِلْكَ الأسْبابِ وقَضى بِرِفْعَتِهِ، نَبَّهْ تَعالى عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ أيْ مِنَ الخَلْقِ ”عَلِيمٌ“ عَظِيمُ العِلْمِ، لا تَكْتَنِهُ عَظَمَةَ عِلْمِهِ العُقُولُ، ولا تَتَخَيَّلُها الفُهُومُ، فَهو يُسَبِّبُ مِنَ الأسْبابِ ما تَطِيحُ لَهُ أسْبابُ العُلَماءِ وتَحَيَّرَ لَهُ ألْبابُ العُقَلاءِ البُصَراءِ، وهو اللَّهُ تَعالى - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحُسْنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ.

يوسف 12:77

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ انْتِزاعَ أخِيهِمْ مِنهم - بَعْدَ تِلْكَ المَواثِيقِ الَّتِي أكَّدُوها لِأبِيهِمْ - لِداهِيَةٍ تَطِيشُ لَها الحُلُومُ، فَماذا كانَ فِعْلُهم عِنْدَها؟ فَقِيلَ: ”قالُوا“ تَسْلِيَةً لِأنْفُسِهِمْ ودَفْعًا لِلْعارِ عَنْ خاصَّتِهِمْ ﴿إنْ يَسْرِقْ﴾ فَلَمْ يَجْزِمُوا بِسَرِقَتِهِ، لِعِلْمِهِمْ بِأمانَتِهِ، وظَنِّهِمْ هَذا الصُّواعَ دَسَّ في رَحْلِهِ وهو لا يَشْعُرُ، كَما دَسَّتْ بِضاعَتُهم في رِحالِهِمْ (p-١٧٩)وإنَّما أوْهى ظَنَّهم هَذا سُكُوتُ أخِيهِمْ عَنِ الِاعْتِذارِ بِهِ، عَلى أنَّهُ قَدْ ورَدَ أنَّهم لامُوهُ فَقالَ لَهُمْ: وضَعَهُ في رَحْلَيِ الَّذِي وضَعَ البِضاعَةَ في رِحالِهِمْ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أخٌ﴾ أيْ شَقِيقٌ ﴿لَهُ﴾ ولَمّا كانَ ما ظَنُّوهُ كَذَلِكَ في زَمَنٍ يَسِيرٍ، أدْخَلُوا الجارَ فَقالُوا: ﴿مِن قَبْلُ﴾ يَعْنُونَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَمَّتَهُ كانَتْ لا تَصْبِرُ عَنْهُ، وكانَ أبُوهُ لا يَسْمَحُ بِمُكْثِهِ عِنْدَها، لِأنَّهُ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، فَحَزَمَتْهُ مِن تَحْتِ ثِيابِهِ بِمِنطَقَةِ أبِيها إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَتْ عِنْدَها، ثُمَّ قالَتْ: فَقَدْتُ مِنطِقَةَ أبِي، فاكْشِفُوا أهْلَ البَيْتِ، فَوَجَدُوها مَعَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَسَمَحَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَئِذٍ لَها بِبَقائِهِ عِنْدَها ﴿فَأسَرَّها﴾ أيْ إجابَتُهم عَنْ هَذِهِ القَوْلَةِ القَبِيحَةِ ﴿يُوسُفُ في نَفْسِهِ﴾ عَلى تَمَكُّنِهِ مِمّا يُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ. ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ بَكَتْهم بِها بَعْدَ ذَلِكَ، نَفى هَذا الظَّنُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَمْ يُبْدِها﴾ أيْ أصْلًا ﴿لَهُمْ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قَوْلَتُهُ الَّتِي أسَرَّها في نَفْسِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ مِن يُوسُفَ وأخِيهِ، لِأنَّ ما نُسِبَ إلَيْهِما مِنَ الشَّرِّ إنَّما هو ظاهِرًا لِأمْرِ خَيْرٍ اقْتَضاهُ، وأمّا أنْتُمْ فَفِعْلَتُكم بِيُوسُفَ شَرُّ مَقْصُودٍ مِنكم ظاهِرًا وباطِنًا، ونِسْبَةُ الشَّرِّ إلى (p-١٨٠)مَكانِهِمْ أعْظَمَ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ، وإنَّما قَدَّمَ الإخْبارَ بِالإسْرارِ مَعَ اقْتِرانِهِ بِالإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، لِئَلّا يَظُنُّ بادِئَ بَدْءٍ أنَّهم سَمِعُوا ما وصَفَهم بِهِ مِنَ الشَّرِّ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ مِنكُمْ، وأنَّهُ لَيْسَ كَما قُلْتُمْ؛ والوَصْفُ: كَلِمَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن أصْلِ [مِنَ] الأُصُولِ لِتَجْرِيَ عَلى مَذْكُورٍ فَتَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ النَّقِيضِ كالفَرْقِ بَيْنَ العالِمِ والجاهِلِ ونَحْوِهِما،

يوسف 12:78

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ القَوْلَ عَلى فُحْشِهِ لَيْسَ مُغْنِيًا عَنْهم ولا عَنْ أبِيهِمْ شَيْئًا، فَهَلِ اقْتَصَرُوا عَلَيْهِ؟ فَقِيلَ: لا، بَلْ ﴿قالُوا﴾ التِماسًا لِما يُغْنِيهِمْ: ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ فَخاطَبُوهُ بِما يَلِيقُ بِالأكابِرِ لِيَرِقَّ لَهم ﴿إنَّ لَهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي وجَدَ الصُّواعَ في رَحْلِهِ ﴿أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ أيْ في سِنِّهِ وقَدَرِهِ وهو مُغْرَمٌ بِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى فِراقِهِ ولا يَصْبِرُ عَنْهُ ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ﴾ وأحْسَنَ إلى أبِيهِ بِإرْسالِهِ إلَيْهِ ﴿إنّا نَراكَ﴾ أيْ نَعْلَمُكَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ أوْ بِحَسَبِ ما رَأيْناهُ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في صِفَةِ الإحْسانِ، فَأجْرِ في أمْرِنا عَلى عادَةِ إحْسانِكَ،

يوسف 12:79

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أجابَهُمْ؟ قِيلَ: ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ﴾ أيْ نَعُوذُ بِالَّذِي لا مِثْلَ مُعاذًا عَظِيمًا ﴿أنْ نَأْخُذَ﴾ أيْ لِأجْلِ هَذا الأمْرِ ﴿إلا مَن﴾ أيِ الشَّخْصِ الَّذِي ﴿وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: سَرَقَ مَتاعَنا، لِأنَّهُ - كَما أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ في الصُّواعِ فِعْلَ السّارِقِ - لَمْ يَقَعْ مِنهُ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُصَحِّحُ إطْلاقَ الوَصْفِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ إذا أخَذْنا أحَدًا مَكانَهُ ﴿لَظالِمُونَ﴾ أيْ عَرِيقُونَ في الظُّلْمِ في دِينِكُمْ، (p-١٨١)فَلِمَ تَطْلُبُونَ ما هو ظُلْمٌ عِنْدِكم. ذَكَرَ بَعْدَ ما سَلَفَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ قالَ: وكانَ القَهَمُ - وفي نُسْخَةٍ: الجُوعُ - والإرْجافُ عَلى جَمِيعِ وجْهِ الأرْضِ، فَفَتَحَ يُوسُفُ الأهْراءَ، وأقْبَلَ يَبِيعُ المِصْرِيِّينَ، واشْتَدَّ الجُوعُ بِأرْضِ مِصْرَ، وأقْبَلَ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ يَأْتُونَ لِلِامْتِيارِ مِن يُوسُفَ. فَبَلَغَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّ بِمِصْرَ طَعامُ مِيرَةَ، فَقالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِبَنِيهِ: لا خَوْفَ عَلَيْكُمْ، لِأنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّ بِمِصْرَ مِيرَةً فاهْبِطُوا إلى هُناكَ، فامْتارُوا لَنا فُنْحِيِي ولا نَمُوتُ. فَهَبَطَ بَنُو يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [العَشْرَةُ لِيَمْتارُوا مِيرَةً مِن مِصْرَ، فَأمّا بِنْيامِينُ أخُو يُوسُفَ فَلَمْ يُرْسِلْهُ يَعْقُوبُ ] مَعَ إخْوَتِهِ، لِأنَّهُ قالَ: لَعَلَّهُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ عارِضٌ، فَأتى بَنُو إسْرائِيلَ لِيَمْتارُوا مَعَ الَّذِينَ كانُوا يَنْطَلِقُونَ، لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ في أرْضِ كَنْعانَ، وكانَ يُوسُفُ هو المُسَلَّطُ عَلى الأرْضِ، وكانَ يُمَيِّزُ جَمِيعَ شَعْبِ الأرْضِ، فَأتى إخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ (p-١٨٢)الصَّلاةُ والسَّلامُ فَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا عَلى الأرْضِ، فَرَأى يُوسُفُ إخْوَتَهُ فَأثْبَتَهم وتَناكَرَ عَلَيْهِمْ وكَلَّمَهم بِفَظاظَةٍ وقَساوَةٍ، وقالَ لَهُمْ: مَن أيْنَ أنْتُمْ؟ فَقالُوا: أتَيْنا مِن أرْضِ كَنْعانَ لِنَمْتارَ مِيرَةً، فَذَكَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الرُّؤْيا الَّتِي قَصَّها عَلَيْهِمْ وقالَ لَهُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، وإنَّما أتَيْتُمْ لِتَفْحَصُوا وتَطَّلِعُوا الأرْضَ. فَقالُوا: كَلّا يا سَيِّدَنا! إنَّ عَبِيدَكَ إنَّما أتَوْا لِيَمْتارُوا، نَحْنُ أجْمَعُونَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ، ونَحْنُ أبْرِياءُ، ولَيْسَ عَبِيدُكَ بِطَلائِعَ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: [لَيْسَ] الأمْرُ كَما تَقُولُونَ، بَلْ إنَّما أتَيْتُمْ لَتَجَسَّسُوا أرْضَنا. فَقالُوا لَهُ: نَحْنُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا إخْوَةُ عَبِيدِكَ بَنُو رَجُلٍ واحِدٍ بِأرْضِ كَنْعانَ، والآخِرُ هو عِنْدَ أبِينا يَوْمُنا هَذا، والآخَرُ فَقَدْناهُ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: إنِّي إنَّما قُلْتُ لَكُمْ: إنَّكم جَواسِيسُ، مِن أجْلِ هَذا بِهَذِهِ تُمْتَحَنُونَ، وحَقُّ فِرْعَوْنَ! لا أُخْرِجَنَّكم مِن هاهُنا حَتّى يَأْتِيَ أخُوكُمُ الأصْغَرُ إلى (p-١٨٣)هاهُنا. فَنَفْحَصُ عَنْ أقاوِيلِكم إنْ كُنْتُمْ نَطَقْتُمْ بِالحَقِّ والقِسْطِ، وإلّا وحَقُّ فِرْعَوْنَ! إنَّكم طَلائِعُ، فَقَذَفَهم في الحَبْسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ودَعا بِهِمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اليَوْمِ الثّالِثِ، وقالَ لَهُمُ: افْعَلُوا ما آمُرُكم بِهِ فَتُحَيُّوا، فَإنِّي أُراقِبُ اللَّهَ فِيكُمْ، إنْ كُنْتُمْ أبْرِياءَ فَلْيَحْبِسْ أحَدُكم في مَحْبِسِكم وانْطَلِقُوا أنْتُمْ بِالمِيرَةِ لِلْجُوعِ الَّذِي في بُيُوتِكُمْ، فائْتُونِي بِأخِيكُمُ الأصْغَرِ فَأصَّدَّقَ قَوْلَكم ولا تَمُوتُوا، فَفَعَلُوا كَما أمَرَهُمْ، فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ [مِنهُمْ] لِصاحِبِهِ: حَقًّا إنّا قَدِ اسْتَوْجَبْنا السَّجْنَ عَلى أخِينا إذْ رَأيْنا كَرْبَ نَفْسِهِ إذا كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْنا فَلَمْ نَرْحَمْهُ ولَمْ نَتَراءَفْ عَلَيْهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ نَزَلَتْ بِنا هَذِهِ البَلِيَّةُ والشَّرُّ، فَأجابَ رُوبَيْلُ وقالَ لَهُمْ: ألَمْ أقُلْ لَكُمْ: لا تَأْثَمُوا بِالغُلامِ، فَلَمْ تَقْبَلُوا، وهو ذا الآنَ نَحْنُ مُطالَبُونَ بِدَمِهِ. ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ يُوسُفَ يَفْهَمُ كَلامَهُمْ، لِأنَّهُ أوْقَفَ تُرْجُمانًا بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، فَتَنَحّى عَنْهم فَبَكى، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ يُكَلِّمُهُمْ، ثُمَّ أخَذَ مِنهم شَمْعُونُ فَأوْثَقَهُ تُجاهَهم. وأمَرَ يُوسُفُ بِمَلْءِ أوْعِيَتِهِمْ مِيرَةً، وأمَرَ بَرَدِّ ورِقِ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم في وِعائِهِ، وأنْ يُزَوِّدُوا زادًا لِلطَّرِيقِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ كَما أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَمَلُوا مِيرَتَهم عَلى حَمِيرِهِمْ وانْطَلَقُوا، فَفَتَحَ بَعْضُهم وِعاءَهُ (p-١٨٤)لِيُلْقِيَ قَضِيمًا لِحِمارِهِ في مَبِيتِهِمْ. فَرَأى ورَقَهُ مَوْضُوعًا عَلى طَرَفِ حُمُولَتِهِ. فَقالَ لِإخْوَتِهِ: ورِقِي رَدُّ إلَيَّ وهو ذا عَلى طَرَفِ حُمُولَتِي، فارْتَجَفَتْ قُلُوبُهم وفَزِعَتْ نُفُوسُهُمْ، وتَعَجُّبَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهُمْ، فَقالُوا: يا لَيْتَ شِعْرِي ما هَذا الَّذِي صَنَعَهُ اللَّهُ بِنا! فَأتَوْا يَعْقُوبَ أباهم إلى أرْضِ كَنْعانَ، فَأخْبَرُوهُ بِجَمِيعِ ما عَرَضَ لَهم وقالُوا: إنَّ الرَّجُلَ سَيِّدُ الأرْضِ كَلَّمَنا بِفَظاظَةٍ وقَساوَةٍ. وحَسِبْنا بِمَنزِلَةِ الجَواسِيسِ أتَيْنا لِنُطالِعَ الأرْضَ، فَقُلْنا: إنّا أبْرِياءُ عُدُولٌ، فَلَسْنا بِطَلائِعَ، فَنَحْنُ اثْنا عَشَرَ أخًا بَنُو أبٍ واحِدٍ، فَقَدَ واحِدٌ مِنّا والآخَرُ عِنْدَ أبِينا يَوْمِنا هَذا بِأرْضِ كَنْعانَ، فَقالَ لَنا الرَّجُلُ سَيِّدُ الأرْضِ ورَئِيسُها: بِهَذا أعْلَمُ أنَّكم أبْرارٌ عُدُولٌ، خَلَّفُوا عِنْدِي أحَدَ إخْوَتِكُمْ، واحْمِلُوا مِيرَةً لِلْجُوعِ الَّذِي في بُيُوتِكم. وانْصَرِفُوا فائْتُونِي بِأخِيكُمُ الأصْغَرِ مَعَكُمْ، فَأعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّكم لَسْتُمْ بِطَلائِعَ، بَلْ أنْتُمْ أبْرِياءُ عُدُولٌ، وآمُرُ بِدَفْعِ أخِيكم إلَيْكُمْ، وتَتَّجِرُونَ في الأرْضِ، فَبَيْنَما هم يُفْرِغُونَ أوْعِيَتَهم فَإذا هم بِصُرَّةِ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم عَلى طَرَفِ وِعائِهِ فَرَأوْا ورِقَهم مَصُرُورًا فَفَزِعُوا هم وأبُوهم. فَقالَ لَهم أبُوهُمْ: إنَّكم قَدْ أثْكَلْتُمُونِي ولَدِي وأفْقَدْتُمُونِي إيّاهُما، لِأنْ يُوسُفَ فَقَدَتْهُ. وشَمْعانُ مَحْبُوسٌ، (p-١٨٥)وتَنْطَلِقُونَ بِبِنْيامِينَ أيْضًا وقَدْ كَمُلَتْ عَلَيَّ المَصائِبُ كُلُّها، فَقالَ رُوبِيلُ لِأبِيهِ: ثَكَلْتُ بَنِيَّ جَمِيعًا إنْ لَمْ آتِكَ بِهِ! ادْفَعْهُ إلَيَّ وأنا أرُدُّهُ إلَيْكَ، فَقالَ: لا يَهْبِطُ ابْنِي مَعَكُمْ، لِأنَّ أخاهُ يُوسُفَ تُوَفِّيَ وهو وحْدُهُ الباقِيَ لِأُمِّهِ، فَتَعَرَّضَ لَهُ آفَةٌ في الطَّرِيقِ الَّذِي تَسْلُكُونَهُ فَتَنْزِلُونَ [شَيْبَتِي] إلى الجَدَثِ بِالشَّقاءِ والشَّحَبِ. فاشْتَدَّ الجُوعُ عَلى الأرْضِ، فَلَمّا أكَلُوا الَّذِي أتَوْا بِهِ مِن مِصْرَ وأفْنَوْهُ قالَ لَهم يَعْقُوبُ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ: اهْبِطُوا فامْتارُوا لَنا شَيْئًا مِن قَمْحٍ، فَقالَ [لَهُ] يَهُوذا: إنَّ الرَّجُلَ أنْذَرَنا وتَقَدَّمَ إلَيْنا وقالَ: لا تُعايِنُوا وجْهِي إلّا وأخُوكم مَعَكُمْ، فَإنْ أنْتَ أرْسَلْتَ أخانا مَعَنا فَإنّا نَهْبِطُ فَنَمْتارُ، وإنْ لَمْ تَبْعَثْهُ لَمْ نَنْطَلِقْ، فَقالَ لَهم أبُوهُمْ: ولِمَ أسَأْتُمْ إلَيَّ فَأخْبَرْتُمُ الرَّجُلَ أنَّ لَكم أخًا؟ فَقالُوا: الرَّجُلُ سَألَ عَنّا وعَنْ رَهْطِنا وقالَ: إنَّ أباكم في الحَياةِ بَعْدُ؟ وهَلْ لَكَمَ أخٌ؟ فَأخْبَرْناهُ مِن أجْلِ هَذا الكَلامِ، أكُنّا نَعْلَمُ أنَّهُ يَقُولُ: اهْبِطُوا مَعَكم بِأخِيكُمْ؟ وقالَ يَهُوذا لِإسْرائِيلَ أبِيهِ: سَرِّحِ الغُلامَ فَنَنْطَلِقَ فَنَحْيى ولا نَمُوتُ [نَحْنُ] وأنْتَ أيْضًا وحَشَمُنا، أنا أكْفُلُ بِهِ. فَإنْ لَمْ آتِكَ بِهِ فَأُقِيمُهُ بَيْنَ يَدَيْكَ فَأنا مُخْطِئٌ (p-١٨٦)بَيْنَ يَدَيْ أبِي جَمِيعِ الأيّامِ. فَقالَ أبُوهم إسْرائِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ هَكَذا فافْعَلُوا ما آمُرُكم بِهِ: احْمِلُوا في أوْعِيَتِكم مِن ثِمارِ هَذِهِ الأرْضِ شَيْئًا مِن صَنَوْبَرَ وعَسَلٍ وعَلَّكَ البُطْمِ وخَرُّوبٍ وحُبِّ السَّرْوِ وبُطْمٍ ولَوْزٍ، وخُذُوا مِنَ الوَرِقِ ضِعْفُ الَّذِي في أوْعِيَتِكُمْ، لَعَلَّ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ وهْمًا مِنهُمْ، وانْطَلِقُوا بِأخِيكم إلى الرَّجُلِ، وارْجِعُوا إلَيَّ كُلُّكُمْ، وإلَهُ المَواعِيدِ يُظْفِرُكم مِنَ الرَّجُلِ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، فَيُرْسِلُ بِأخِيكُمُ الآخَرِ مَعَكم وبِنْيامِينَ أيْضًا، فَأخَذَ القَوْمُ هَذِهِ الهَدِيَّةَ وضَعْفًا مِنَ الفِضَّةِ، وانْطَلَقُوا مَعَهم بِبِنْيامِينَ وأتَوْا يُوسُفَ فَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ. فَرَأى يُوسُفُ بِنْيامِينَ مَعَهم فَقالَ لِحاجِبِهِ: أدْخِلِ القَوْمَ إلى المَنزِلِ، واذْبَحْ ذَبِيحًا، وهِيِّئِ الغَداءَ، لِأنَّ القَوْمَ يَتَغَدَّوْنَ مَعِي ظُهْرًا، فَفَعَلَ العَبْدُ كَما أمَرَهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأدْخَلَ القَوْمُ إلى مَنزِلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالُوا: إنَّهم إنَّما يُدْخِلُونَنا لِسَبَبِ الوَرِقِ الَّذِي وجَدْنا في أعْدالِنا مِن قَبْلُ، فَيُرِيدُونَ أنْ يَتَطاوَلُوا عَلَيْنا ويَمْكُرُوا بِنا، فَيَجْعَلُونا عَبِيدًا ودَوابُّنا مِلْكًا، فَدَنَوْا مِنَ الرَّجُلِ حاجِبٌ - وفي نُسْخَةٍ: خازِنٌ - يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ. فَكَلَّمُوهُ عَلى بابِ المَنزِلِ، وقالُوا لَهُ: إنّا نَطْلُبُ إلَيْكَ يا سَيِّدَنا أنّا هَبَطْنا أوَّلًا إلى هاهُنا فامْتَرْنا قَمْحًا، فَلَمّا (p-١٨٧)طَلَعْنا وصِرْنا في البَيْتِ إذا نَحْنُ بِوَرِقِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا في عَدْلِهِ، فَقَدْ رَدَدْنا أوْراقَنا بِوَزْنِها مَعَنا وأتَيْنا مَعَها بِأوْراقٍ أُخَرَ لِنَمْتارَ بِها، ولا نَعْلَمُ مِنَ الَّذِي صَيَّرَ أوْراقَنا في أوْعِيَتِنا؟ فَقالَ لَهُمُ: السَّلامُ لَكُمْ، لا تَخافُوا ولا تَسْتَوْفِضُوا، إلَهُكم إلَهُ المَواعِيدِ إلَهُ أبِيكم ذُخْرٌ لَكم هَذِهِ الذَّخِيرَةُ في أوْعِيَتِكُمْ، لِأنَّ ورِقَكم قَدْ صارَ في قَبْضَتِي، وأخْرَجَ إلَيْهِمْ شَمْعُونَ، فَأدْخَلَ العَبْدُ القَوْمَ إلى مَنزِلِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأتاهم بِماءٍ فَغَسَلُوا أيْدِيَهم وأقْدامَهُمْ، وألْقى قَضْمِيا لِدَوابِّهِمْ، فَأعَدَّ القَوْمُ هَدِيَّتَهم قَبْلَ دُخُولِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقْتَ القائِلَةِ لِأنَّهُ بَلَّغَهم أنَّ غَداءَهم يَكُونُ هُناكَ، فَدَخَلَ يُوسُفُ إلى مَنزِلِهِ، فَأدْخَلُوا هَدِيَّتَهم فَوَضَعُوها بَيْنَ يَدَيْهِ في مَنزِلِهِ، وخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا عَلى الأرْضِ، فَسَألَهم عَنْ سَلامَتِهِمْ وقالَ: أسالِمُ هُوَ؟ أبُوكُمُ الَّذِي أخْبَرْتُمُونِي عَنْهُ أنَّهُ الحَياةُ هو بَعْدُ؟ فَقالُوا: إنَّ أبانا عَبَدَكَ سالِمٌ، ثُمَّ جَثَوْا فَسَجَدُوا فَرَفَعَ بَصَرَهُ فَأبْصَرَ بِنْيامِينَ أخاهُ ابْنُ أُمِّهِ فَقالَ لَهُمْ: هَذا أخُوكُمُ الَّذِي أخْبَرْتُمُونِي عَنْهُ؟ فَقالُوا: نَعَمْ؟ فَقالَ لَهُ: اللَّهُ يَتَرَأَّفُ عَلَيْكم يا بَنِيَّ، فاسْتَعْجَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ (p-١٨٨)السَّلامَ لِأنَّهُ رَقَّ لَهُ وتَحَنَنَّ عَلَيْهِ فَأرادَ البُكاءَ، فَدَخَلَ [إلى] مَكانِهِ فَبَكى هُناكَ، ثُمَّ غَسَلَ وجْهَهُ وخَرَجَ فَصَبَرَ نَفْسَهُ، فَأمَرَ أنْ يَأْتُوهم بِالغَداءِ، فَوَضَعُوا بَيْنَ يَدَيْهِ وحْدَهُ، وقَرُبُوا إلَيْهِمْ وحْدَهُمْ، لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أهْلَ مِصْرَ أنْ يَأْكُلُوا مَعَ العِبْرانِيِّينَ، لِأنَّ هَذِهِ نَجاسَةٌ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ، فَأمَرَ فاتَّكَأ الأكْبَرُ عَلى قَدْرِ سِنِّهِ والأصْغَرُ عَلى قَدْرِ سِنِّهِ، فَتَعَجَّبَ القَوْمُ ومَكَثُوا مُحَيَّرِينَ مَشْدُوهِينَ، فَأعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم مِن بَيْنَ يَدَيْهِ جُزْءًا، وأعْطى بِنْيامِينُ أكْثَرَ مِنهُمْ: خَمْسَةُ أنْصِبَةٍ، فَشَرِبُوا. فَأمَرَ خازِنَهُ وقالَ لَهُ: أوْقِرُ أوْعِيَةَ القَوْمِ مِنَ البَرِّ ما أمْكَنَهم حَمْلَهُ، وصَيَّرَ ورِقَ كُلِّ امْرِئٍ مِنهم عَلى طَرَفِ وِعائِهِ، وخُذْ طاسِي [طاسَ] الفِضَّةِ وصَيِّرْهُ في وِعاءِ الأصْغَرِ مَعَ ورِقِ مِيرَتِهِ، فَفَعَلَ العَبْدُ كَما أمَرَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ مِنَ الغَدِ سَرَّحُ القَوْمُ لِيَنْطَلِقُوا [هم وحَمِيرُهُمْ]، فَخَرَجُوا مِنَ القَرْيَةِ، وقَبْلَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها قالَ يُوسُفُ لِخازِنِهِ: قُمْ فامْضِ في طَلَبِ القَوْمِ وألْحَقُهم وقُلْ لَهُمْ: لِمَ كافَيْتُمُ الشَّرَّ بَدَلَ الخَيْرِ، فَأخَذْتُمُ الطّاسَ الَّذِي يَشْرَبُ فِيهِ سَيِّدِي ويَعْتافُ فِيهِ اعْتِيافًا، فَأسَأْتُمْ فِيما جاءَ مِنكُمْ، فَلَحِقَهم وقالَ لَهم هَذِهِ الأقاوِيلَ، فَقالُوا لَهُ: (p-١٨٩)لا تَقُولَنَّ يا سَيِّدَنا هَذِهِ الأقاوِيلَ، مَعاذَ اللَّهُ أنْ يَفْعَلَ عَبِيدُكَ هَذِهِ الفِعالَ! نَحْنُ رَدَدْنا أوْراقَنا الَّتِي وجَدْنا في أوْعِيَتِنا مِن أرْضِ كَنْعانَ، فَكَيْفَ نَسْرِقُ مِن بَيْتِ سَيِّدِكَ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً، مَن وجَدَ عِنْدَهُ مِن عَبِيدِكَ فَلْيَمُتْ ونَكُنْ نَحْنُ عَبِيدًا لِسَيِّدِنا! قالَ لَهُمْ: هو عَلى ما تَقُولُونَ، مِن وجَدَ عِنْدَهُ فَهو يَكُونُ لِي عَبْدًا، وأنْتُمْ تَكُونُونَ فَلِحِينَ طاهِينَ، فاسْتَعْجَلَ كُلٌّ مِنهم وِعاءَهُ، فَفَتَّشُوا ابْتِداءً بِالأكْبَرِ وانْتِهاءً إلى الأصْغَرِ، فَوَجَدُوا الطّاسَ في وِعاءِ بِنْيامِينَ، فَمَزَّقُوا ثِيابَهم وخَرَقُوها. وحَمَلَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم وِعاءَهُ عَلى حِمارِهِ، ورَجَعُوا إلى القَرْيَةِ، فَدَخَلَ يَهُوذا وإخْوَتُهُ عَلى يُوسُفَ وكانَ في مَنزِلِهِ بَعْدُ، فَخَرَجُوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلى الأرْضِ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ما هَذا الفِعْلُ الَّذِي جاءَ مِنكُمْ؟ أما تَعْلَمُونَ أنَّ رَجُلًا مِثْلِي يَعْتافُ - وفي نُسْخَةٍ: يَمْتَحِنُ - بِكَأْسٍ اعْتِيافًا؟ لِمَ تَتَعَدَّوْنَ عَلَيْهِ وتَأْخُذُونَهُ؟ فَقالَ يَهُوذا: بِماذا نُكَلِّمُ سَيِّدَنا! وبِماذا نَنْطِقُ! وبِماذا نَفْلَحُ - وفي نُسْخَةٍ: نَحْتَجُّ - مِن عِنْدِ اللَّهِ نَزَلَتْ هَذِهِ الخَطِيئَةُ بِعَبِيدِكَ، هُوذا نَحْنُ عَبِيدٌ لِسَيِّدِنا نَحْنُ ومَن أُصِيبَ الكَأْسُ عِنْدَهُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ (p-١٩٠)أنْ أفْعَلَ هَذا! بَلِ الرَّجُلُ الَّذِي وجَدَ الكَأْسَ عِنْدَهُ يَكُونُ لِي عَبْدًا، وأنْتُمْ فاصْعَدُوا بِسَلامٍ إلى أبِيكم. فَدَنا مِنهُ يَهُوذا فَقالَ: أنا أطْلُبُ إلَيْكَ يا سَيِّدِي أنْ تَأْذَنَ لِعَبْدِكَ بِالكَلامِ بَيْنَ يَدَيْكَ، يا سَيِّدِ! ولا تُشْعِلْ غَضَبَكَ عَلى عَبِيدِكَ، لِأنَّكَ مِثْلَ فِرْعَوْنَ، سَألَ سَيِّدِي عَبِيدَهُ فَقالَ لَهُمْ: هَلْ لَكم أبٌ أوْ أخٌ؟ فَقُلْنا لِسَيِّدِنا: إنَّ لَنا أبًا شَيْخًا وابْنًا لَهُ صَغِيرًا وُلِدَ عَلى كِبَرِ سِنِّهِ، وإنَّ أخاهُ ماتَ، وهو الباقِي وحْدَهُ لِأُمِّهِ، وأبُوهُ يُحِبُّهُ، وأمَرْتُ عَبِيدَكَ وقُلْتَ: اهْبِطُوا بِهِ إلَيَّ حَتّى أعْرِفَهُ وأُعايِنَهُ، فَقُلْنا لِسَيِّدِنا: لا يَقْدِرُ الغُلامُ عَلى مُفارَقَةِ أبِيهِ، لِأنَّهُ إنْ فارَقَهُ أبُوهُ تُوُفِّيَ، فَقُلْتُ لِعَبِيدِكَ: إنَّهُ لَمْ يَهْبِطْ أخُوكُمُ الأصْغَرُ مَعَكم فَلا تُعَوِّدُوا أنْ تُعايِنُوا وجْهِي، فَلَمّا صَعِدْنا إلى عَبْدِكَ أبِينا أخْبَرْناهُ بِقَوْلِ سَيِّدِنا فَقالَ لَنا عَبْدُكَ أبُونا: ارْجِعُوا فامْتارُوا شَيْئًا [مِن بُرٍّ]، فَقُلْنا لِأبِينا: لا نَقْدِرُ عَلى الهُبُوطِ إلى أنْ [نَهْبِطُ] بِأخِينا الأصْغَرِ مَعَنا، لِأنّا لا نَقْدِرُ عَلى مُعايَنَةِ وجْهِ الرَّجُلِ إنْ لَمْ يَكُنْ أخُونا مَعَنا، فَقالَ [لَنا] عَبَدُكَ أبُونا: أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ امْرَأتِي ولَدَتْ لِيَ ابْنَيْنِ، فَخَرَجَ واحِدٌ مِن عِنْدِي فَقُلْتُمْ: إنَّهُ قُتِلَ قَتْلًا، فَلَمْ أُعايِنْهُ إلى يَوْمِ النّاسِ هَذا، فَتَحْمِلُونَ أيْضًا هَذا مِن عِنْدِي فَيَعْرِضُ لَهُ صَيْدٌ (p-١٩١)فَتَهْبِطُونَ بِشَيْخُوخَتِي بِحُزْنٍ وشَرِّ القَبْرِ، والآنَ إذا نَحْنُ انْطَلَقْنا إلى عَبْدِكَ أبِينا ولَيْسَ الغُلامُ مَعَنا ونَفْسُهُ حَبِيبَةٌ إلَيْهِ، فَإذا عَلِمَ أنَّ الغُلامَ لَيْسَ هو مَعَنا يَمُوتُ فَيَهْبِطُ عَبْدُكَ شَيْبَةُ أبِينا بِالشَّقاءِ والتَّشْحِيبِ، لِأنَّ عَبْدَكَ ضَمِنَ الغُلامَ لِأبِينا، وقُلْتُ: إنِّي إذا لَمْ آتِكَ بِهِ أُخْطِئُ باقِي جَمِيعِ الأيّامِ، والآنَ فَلْيَبْقَ عَبْدُكَ بَدَلُ الغُلامِ عَبْدًا لِسَيِّدِي، ولِيَصْعَدِ الغُلامُ مَعَ إخْوَتِهِ، لِأنِّي أُفَكِّرُ كَيْفَ أصْعَدُ إلى أبِي ولَيْسَ الغُلامُ مَعِي كَيْلا أُعايِنَ الشَّرَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِأبِي.

يوسف 12:80

ولَمّا أياسَهم بِما قالَ عَنْ إطْلاقِ بِنْيامِينَ، حَكى اللَّهُ تَعالى ما أثْمَرَ لَهم ذَلِكَ مِنَ الرَّأْيِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا﴾ دالًّا بِالفاءِ عَلى قُرْبِ زَمَنِ تِلْكَ المُراجَعاتِ ﴿اسْتَيْأسُوا مِنهُ﴾ أيْ تَحَوَّلَ رَجاؤُهم لِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِ لِما رَأوْا مِن إحْسانِهِ ولُطْفِهِ ورَحْمَتِهِ يَأْسًا شَدِيدًا بِما رَأوْا مِن ثَباتِهِ عَلى أخْذِهِ بِعَيْنِهِ وعَدَمِ اسْتِبْدالِهِ ﴿خَلَصُوا﴾ أيِ انْفَرِدُوا مِن غَيْرِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿نَجِيًّا﴾ أيْ ذَوِي نَجْوى يُناجِي بَعْضُهم بَعْضًا، مِنَ المُناجاةِ وهي رَفْعُ المَعْنى مِن كُلِّ واحِدٍ إلى صاحِبِهِ في خَفاءٍ، مِنَ النَّجْوِ وهو الِارْتِفاعُ [مِنَ الأرْضِ] - قالَهُ الرُّمّانِيُّ، أوْ تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِإفاضَتِهِمْ فِيهِ (p-١٩٢)بِجِدٍّ كَأنَّهم صُورَةُ التَّناجِي، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السِّنِّ وهو رُوبِيلُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا﴾ مُقَرَّرًا لَهم بِما يَعْرِفُونَهُ مَعَ قُرْبِ الزَّمانِ لِيَشْتَدَّ تَوَجُّهُهم في بَذْلِ الجُهْدِ في الخَلاصِ مِن غَضَبِ أبِيهِمْ ﴿أنَّ أباكُمْ﴾ أيِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ الَّذِي فَجَعْتُمُوهُ في أحَبِّ ولَدِهِ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ المَقامُ بِالتَّقْرِيرِ ومَعْرِفَةِ صُورَةِ الحالِ لِتَوَقُّعِ ما يَأْتِي مِنَ الكَلامِ، قالَ: ﴿قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يُعْطِيَكم هَذا الوَلَدَ الآخَرَ ﴿مَوْثِقًا﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي شَرَعَهُ - كَما مَضى - كانَ كَأنَّهُ مِنهُ، فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ أيْمانُ المَلِكِ الأعْظَمِ: لَتَأْتُنَّهُ بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكم ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ بِتَرْكِ التَّقَدُّمِ بِما يَحِقُّ لَكم في ظَنِّ أبِيكم أوْ فِيما ادَّعَيْتُمْ لِأبِيكم تَفْرِيطًا عَظِيمًا، فَإنَّ زِيادَةَ ”ما“ تَدُلُّ عَلى إرادَتِهِ لِذَلِكَ ”فِي“ ضَياعِ ﴿يُوسُفَ﴾ فَلا يُصَدِّقُكم أبُوكم أصْلًا، بَلْ يَضُمُّ هَذِهِ إلى تِلْكَ فَيَعْلَمُ بِها خِيانَتَكم قَطْعًا، وأصْلُ مَعْنى التَّفْرِيطِ،: التَّقَدُّمُ، مِن قَوْلِهِ ﷺ: «أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ» . ولَمّا كانَ المَوْضِعُ مَوْضِعَ التَّأسُّفِ والتَّفَجُّعِ والتَّلَهُّفِ، أكَّدَهُ بِـ ”ما“ النّافِيَةِ لِنَقِيضِ المُثْبِتِ كَما سَلَفَ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ أنَّ فِعْلَكم في يُوسُفَ ما كانَ إلّا تَفْرِيطًا لا شَكَّ فِيهِ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ﴾ أيْ أُفارِقَ هَذِهِ (p-١٩٣)﴿الأرْضَ﴾ بِسَبَبِ هَذا، وإيصالُهُ الفِعْلَ بِدُونِ حَرْفٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ صارَ شَدِيدَ الِالتِصاقِ بِها ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ في الذَّهابِ مِنها ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ووَثِقْنا بِهِ ”لِي“ بِخَلاصِ أخِي أوْ بِالذَّهابِ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي يَعْلَمُها ويَقْدِرُ عَلى التَّسَبُّبِ لَها ﴿وهُوَ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذا أرادَ أمْرًا بَلَّغَهُ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، وجَعْلِهِ عَلى أحْسَنِ الوُجُودِ وأتْقَنِها،

يوسف 12:81

فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا ما رَأى أنْ يَفْعَلَ في نَفْسِهِ، فَماذا رَأى لِإخْوَتِهِ؟ فَقِيلَ: أمَرَهم بِالرُّجُوعِ لِيَعْلَمُوا أباهم لِإمْكانِ أنْ يُرِيدَ القُدُومَ إلى مِصْرَ لِيَرى ابْنَهُ أوْ يَكُونُ عِنْدَهُ رَأْيٌ فِيهِ فَرَجٌ، فَقالَ: ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكُمْ﴾ أيْ دُونِي ”فَقُولُوا“ أيْ لَهُ مُتَلَطِّفِينَ في خِطابِكم ﴿يا أبانا﴾ وأكَّدُوا مَقالَتَكم فَإنَّهُ يُنْكِرُها [لَكُمْ] فَقُولُوا: ﴿إنَّ ابْنَكَ﴾ أيْ شَقِيقُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو أكْمَلُنا في البُنُوَّةِ عِنْدَكَ ﴿سَرَقَ﴾ ولَمّا كانُوا في غايَةِ الثِّقَةِ مِن أنَّ أحَدًا مِنهم لا يُلِمُّ بِمِثْلِ ذَلِكَ، أشارُوا إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما شَهِدْنا﴾ أيْ في ذَلِكَ ﴿إلا بِما عَلِمْنا﴾ ظاهِرًا مِن رُؤْيَتِنا الصُّواعُ يَخْرُجُ مِن وِعائِهِ؛ والشَّهادَةُ: الخَبَرُ عَنْ إحْساسِ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وتَجُوزُ الشَّهادَةُ بِما أدّى إلَيْهِ الدَّلِيلُ القَطْعِيُّ ﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ﴾ أيِ الأمْرُ الَّذِي غابَ عَنّا ﴿حافِظِينَ﴾ فَلَعَلَّ حِيلَةً دُبِّرَتْ في ذَلِكَ غابَ (p-١٩٤)عَنّا عِلْمُها كَما صَنَعَ في رَدِّ بِضاعَتِنا

يوسف 12:82

﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ أيْ أهْلَها وجُدْرانَها إنْ كانَتْ تَنْطِقُ ﴿الَّتِي كُنّا فِيها﴾ وهي مِصْرُ، عَمّا أخْبَرْناكَ بِهِ يُخْبِرُوكَ بِصِدْقِنا، فَإنَّ الأمْرَ قَدِ اشْتَهَرَ عِنْدَهم ”و“ اسْألِ ”العِيرَ“ أيْ أصْحابَها وهم قَوْمٌ مِن كَنْعانَ جِيرانُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ والسُّؤالُ: طَلَبُ الإخْبارِ بِأداتِهِ مِنَ الهَمْزَةِ وهَلْ ونَحْوُهُما، والقَرْيَةُ: الأرْضُ الجامِعَةُ لِحُدُودٍ فاصِلَةٍ، وأصْلُها مَن قَرَيْتُ الماءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، وسَيَأْتِي شَرْحُ لَفْظِها آخِرَ السُّورَةِ، والعِيرُ: قافِلَةُ الحَمِيرِ، مِنَ العِيرِ - بِالفَتْحِ، وهو الحِمارُ، هَذا الأصْلُ - كَما تَقَدَّمَ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في غَيْرِ الحَمِيرِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ جَدِيرًا بِالإنْكارِ لِما يَتَحَقَّقُ مِن كَرَمِ أخِيهِمْ، أكَّدُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وإنّا﴾ أيْ واللَّهِ ﴿لَصادِقُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ وقالُوا ما قالَ لَهم كَبِيرُهُمْ،

يوسف 12:83

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ بَلْ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ تَصِحَّ نِسْبَةُ ابْنِي إلى السَّرِقَةِ ظاهِرًا ولا باطِنًا، أيْ [لَمْ] يَأْخُذُ شَيْئًا مِن صاحِبِهِ في خَفاءٍ بَلْ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ زَيَّنَتْ تَزْيِينًا فِيهِ غَيٌّ ﴿لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ أيْ حَدَّثْتُكم بِأمْرٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، والأمْرُ: الشَّيْءُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ تَأْمُرَ (p-١٩٥)النَّفْسُ بِهِ، وكِلا الأمْرَيْنِ صَحِيحٌ، أمّا النَّفْيُ فَواضِحٌ، لِأنَّ بِنْيامِينَ لَمْ يَسْرِقِ الصُّواعَ ولا هَمَّ بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْسُبُهُ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولا مُنادِيهِ إلى ذَلِكَ بِمُفْرَدِهِ، وأمّا الإثْباتُ فَأوْضَحُ، لِأنَّهُ لَوْلا فِعْلُهم بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَما سَوَّلَتْ لَهم فِيهِ أنْفُسُهم لَمْ يَقَعْ هَذا الأمْرُ لِبِنْيامِينَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ مِنِّي، لِأنَّ ظَنِّي في اللَّهِ جَمِيلٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ﴾ أيْ بِيُوسُفَ وشَقِيقِهِ بِنْيامِينَ ورُوبِيلَ ﴿جَمِيعًا﴾ ما يَدُلُّ الفَطِنُ عَلى أنَّهُ تَفَرَّسَ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ نَشَأتْ عَنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ الأمْرَ إلى سَلامَةٍ واجْتِماعٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ بِما خَفِيَ عَلَيْنا مِن ذَلِكَ، فَيَعْلَمُ أسْبابَهُ المُوصِلَةَ إلى المَقاصِدِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ في إحْكامِ الأُمُورِ في تَرْتِيبِ الأسْبابِ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ ما أبْرَمَهُ مِنها، وتَرْتِيبِ الوَصْفَيْنِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ - كَما تَرى - لِأنَّ الحالَ داعٍ إلى العِلْمِ بِما غابَ مِنَ الأسْبابِ أكْثَرُ مِن دُعائِهِ إلى مَعْرِفَةِ حِكْمَتِها؛ قالَ هَذِهِ المَقالَةَ

يوسف 12:84

﴿وتَوَلّى﴾ أيِ انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ لِما تَفاقَمَ عَلَيْهِ مِنَ الحُزْنِ، وبَلَغَ بِهِ مِنَ الجُهْدِ، وهاجَ [بِهِ] (p-١٩٦)بِاجْتِماعِ حُزْنٍ إلى حُزْنٍ مِنَ الحَرْقِ [كَراهِيَةً] لِما جاءُوا بِهِ وإقْبالًا عَلى مَن إلَيْهِ الأمْرُ ﴿وقالَ﴾ مُشْتَكِيًا إلى اللَّهِ لا غَيْرِهِ، فَهو تَعْرِيضٌ بِأشَدِّ التَّصْرِيحِ والدُّعاءِ: ﴿يا أسَفى﴾ أيْ يا أشَدَّ حُزْنِي، والألِفُ بَدَلٌ عَنْ ياءِ الإضافَةِ لِتَدُلَّ عَلى بُلُوغِ الأسَفِ إلى ما لا حَدَّ لَهُ، وجِناسُ ”الأسَفِ“ مَعَ ”يُوسُفَ“ مِمّا لَمْ يُتَعَمَّدْ، فَيَكُونُ مَطْبُوعًا، فَيْصَلُ إلى نِهايَةِ الإبْداعِ، وأمْثالُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ ﴿عَلى يُوسُفَ﴾ هَذا أوانُكَ الَّذِي مَلَأنِي بِكَ فَنادِمْنِي كَما أُنادِمُكَ /، وخَصَّهُ لِأنَّهُ قاعِدَةُ إخْوانِهِ، انْبَنى عَلَيْها وتَفَرَّعَ مِنها ما بَعْدَها ﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ﴾ أيِ انْقَلَبَ سَوادُهُما إلى حالِ البَياضِ كَثْرَةَ الِاسْتِعْبارِ، فَعَمى البَصَرُ ﴿مِنَ الحُزْنِ﴾ الَّذِي هو سَبَبُ البُكاءِ الدّائِمِ الَّذِي هو سَبَبُ البَياضِ، فَذَكَرَ السَّبَبَ الأوَّلَ، يُقالُ: بَلَغَ حُزْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حُزْنَ سَبْعِينَ ثَكْلى وما ساءَ ظَنُّهُ قَطُّ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ﴾ أيْ بِسَبَبِ الحُزْنِ ﴿كَظِيمٌ﴾ أيْ شَدِيدُ الكَظْمِ لِامْتِلائِهِ مِنَ الكَرْبِ، مانِعٌ نَفْسَهُ مِن عَمَلِ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ مِنَ الرَّعُوناتِ بِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ أشَدُّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ وأقْوى ما يَكُونُ لِلْحُزْنِ، فَهو فَعِيلٌ ”بِمَعْنى مَفْعُولٌ“، وهو (p-١٩٧)أبْلَغُ مِنهُ، مِن كَظْمِ السِّقاءِ - إذا شَدَّهُ عَلى مَلَئِهِ. ومادَّةُ ”كَظَمَ“ تَدُورُ عَلى المَنعِ مِنَ الإظْهارِ، يَلْزَمُهُ الكَرْبُ - لِأنَّهُ مِن شَأْنِ المَمْنُوعِ مِمّا قَدِ امْتَلَأ مِنهُ، ويَلْزَمُهُ الِامْتِلاءُ، لِأنَّ ما دَوَّنَهُ لَيْسَ فِيهِ قُوَّةُ الظُّهُورِ، كَظَمَ غَيْظَهُ -إذا سَكَتَ بَعْدَ امْتِلائِهِ مِنهُ، وكَظَمَتِ السِّقاءُ - إذا مَلَأْتَهُ وسَدَدْتَهُ، وكَظَمَ البَعِيرُ جَرَّتَهُ - إذا رَدَّها وكَفَّ، والكَظْمُ: مَخْرَجُ النَّفْسِ، لِأنَّهُ بِهِ يَمْنَعُ مِنَ الجَرْيِ في هَواهُ؛ والكَظامَةُ: حَبَلٌ يُشَدُّ بِهِ خُرْطُومُ البَعِيرِ، لِمَنعِهِ مِمّا يُرِيدُ، وأيْضًا يُوصِلُ بِوَتَرِ القَوْسِ العَرَبِيَّةِ ثُمَّ يُدارُ بِطَرَفِ السِّيَةِ العُلْيا، مَنعًا لَهُ مِنَ الِانْحِلالِ وأيْضًا قَناةٌ في باطِنِ الأرْضِ يَجْرِي فِيهِما الماءُ، لِأنَّهُ يَمْنَعُ الماءَ مِن أنْ يَأْخُذَ في هَواهُ فَيَرْتَفِعَ في مَوْضِعِ النَّبْعِ فَيَظْهَرُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وخَرْقٌ يَجْرِي فِيهِ الماءُ مِن بِئْرٍ إلى بِئْرٍ، لِأنَّهُ لا يَصْنَعُ إلّا عِنْدَ ضِعْفِ إحْدى البِئْرَيْنِ، فَلَوْلاهُ لَفاضَتِ القَوِيَّةُ، فَهو تَصْرِيفٌ لِمائِها في غَيْرِ وجْهِهِ، وكَظامَةُ المِيزانِ: المِسْمارُ الَّذِي يَدُورُ فِيهِ اللِّسانُ، لِأنَّهُ يَرْبُطُهُ فَيَمْنَعُهُ (p-١٩٨)مِنَ الِانْفِكاكِ، ويُقالُ: ما زِلْتُ كاظِمًا يَوْمِي كُلِّهِ، أيْ مُمْسِكًا عَنِ الأكْلِ وقَدِ امْتَلَأتْ جُوعًا، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ المَنبَعِ، [ومِنهُ] كاظِمَةٌ - لِقَرْيَةٍ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، لِأنَّ البَحْرَ قَدْ كَظَمَها عَنِ الِانْفِساحِ وكَذا هي مَنعَتُهُ عَنِ الِانْسِياحِ.

يوسف 12:85

فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ قَدْ فاتَهم ما ظَنُّوا أنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ ذَهابِ يُوسُفَ مِن صَلاحِ الحالِ مَعَ أبِيهِمْ بِقَصْرِ الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، ووَقَعَ لِأبِيهِمْ هَذا الفادِحُ العَظِيمُ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى قَوْلِهِمْ لَهُ، فاسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ”قالُوا“ أيْ حَنَقًا مِن ذَلِكَ ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ، يَمِينًا فِيها تَعَجُّبٌ ﴿تَفْتَأُ﴾ أيْ ما تَزالُ ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ حَرِيصًا عَلى ذِكْرِهِ قَوِيًّا عَلَيْهِ حِرْصَ الفَتى الشّابِّ الجِلْدِ الصَّبُورِ عَلى مُرادِهِ ”حَتّى“ أيْ إلى أنْ ﴿تَكُونَ حَرَضًا﴾ أيْ حاضِرُ الهَلاكِ مُشْرِفًا عَلَيْهِ مُتَهِيِّئًا لَهُ بِدَنَفِ الجِسْمِ وخَبَلِ العَقْلِ - كَما مَضى بَيانُهُ في الأنْفالِ عِنْدَ ﴿حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿أوْ تَكُونَ﴾ أيْ كَوْنًا لازِمًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿مِنَ الهالِكِينَ﴾

يوسف 12:86

(p-١٩٩)ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما كانَ عَنْهُ بَعْدَ ما رَأى مِن غَلْطَةِ بَنِيهِ، شَفى عِيَّها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنَّما﴾ أيْ نَعَمْ لا أزالُ كَذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ لِلْإنْسانِ، لِدَلالَتِهِ عَلى الرِّقَّةِ والوَفاءِ، وإنَّما يَكُونُ مَذْمُومًا إذا كانَ عَلى وجْهِ الشِّكايَةَ إلى الخَلْقِ وأنا لا أشْكُو إلى مَخْلُوقٍ، إنَّما ﴿أشْكُو بَثِّي﴾ والبَثُّ أشَدُّ الحُزْنِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِن صُعُوبَتِهِ لا يُطاقُ حَمْلُهُ فَيُباحُ بِهِ ويُنْشَرُ ﴿وحُزْنِي﴾ مُطْلَقًا وإنْ كانَ سَبَبُهُ خَفِيفًا يَقْدِرُ الخُلُقُ عَلى إزالَتِهِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً تَعَرُّضًا لِنَفَحاتِ كَرَمِهِ، لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وهَذا - الَّذِي سَمِعْتُوهُ مِنِّي فَقَلِقْتُمْ لَهُ - قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ. ولَمّا كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونُوا صادِقِينَ في أنَّهم لَمْ يَجِدُوا إلّا قَمِيصَ يُوسُفَ مُلَطَّخًا دَمًا، وأنْ يَكُونَ قَطْعُهم بِأكْلِ الذِّئْبِ لَهُ مُسْتَنِدًا إلى ذَلِكَ، وكانَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ أنَّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَيٌّ ويُظَنُّ في اللَّهِ أنْ يَجْمَعَ شَمْلَهُ بِهِ، قالَ: ﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مِنَ اللُّطْفِ بِنا أهْلَ هَذا البَيْتِ ومِنَ التَّفْرِيجِ عَنِ المَكْرُوبِينَ والتَّفْرِيحِ لِلْمَغْمُومِينَ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (p-٢٠٠)ومادَّةُ ”فَتا“ يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ ومَهْمُوزَةٍ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ وهي فَتَأ، وفَأتْ وتَفَأ وأفَتَ، وفَتى وفَوَتَ وتَوَفَ [وتَفَوُ] تَدُورُ عَلى الشَّبابِ، وتَلْزَمُهُ القُوَّةُ وشِدَّةُ العَزِيمَةِ وسَلامَةُ الِانْقِيادِ: ما فَتَأ يَفْعَلُ كَذا - مُثَلَّثَةَ العَيْنِ: ما زالَ كَما أفَتا، أيْ إنَّهُ ما زالَ فاعِلًا في ذَلِكَ فِعْلَ الشّابِّ الجَلْدِ الماضِي العَزْمِ، وما فَتِئَ أنْ فَعَلَ، ما بَرِحَ أيْ أنَّهُ بادَرَ إلى ذَلِكَ بِسُهُولَةِ انْقِيادٍ وشِدَّةِ عَزِيمَةٍ، وحَقِيقَتُهُ: ما فَتِئَ عَنْ فِعْلِ كَذا، أيْ ما تَجاوَزَهُ إلى غَيْرِهِ وما نَسِيَهُ بَلْ قَصَرَ فِتاءَهُ وهِمَّتَهُ وجَلْدَهُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ في جَمْعِ اللُّغاتِ المُشَكَّلَةِ وعَزاهُ لِلْفَرّاءِ - وصَحَّحَهُ في القامُوسِ: فَتَأ - كَمَنَعَ: كَسَرَ وأطْفَأ، وهو واضِحٌ في القُوَّةِ، وفَتِئَ عَنْهُ - كَسَمِعَ: نَسِيَهُ وانْقَذَعَ عَنْهُ، أيِ انْكَفَّ أوْ خاصَّ بِالجَحْدِ، أيْ بِأنْ يَكُونَ قَبْلَهُ حَرْفُ نَفْيٍ، ومَعْناهُ أنَّ قُوَّتَهُ تَجاوَزَتْهُ فَلَمْ تُخالِطْهُ؛ ومِن يائِيِّهِ: الفِتاءُ - كَسَماءٍ: الشَّبابُ، وكَأنَّهُ (p-٢٠١)أصْلُ المادَّةِ، والفَتِيُّ - بِالقَصْرِ؛ السَّخِيُّ والكَرِيمُ، أيِ الجَوادُ الشَّرِيفُ النَّفْسِ، والفَتى: السَّيِّدُ الشُّجاعُ - لِأنَّ ذَلِكَ يُلْزِمُ الشَّبابَ غالِبًا، والفَتى: المَمْلُوكُ وإنْ كانَ بَخِيلًا أوْ شَيْخًا - لِأنَّهُ غالِبًا لا يَشْتَرِي إلّا الشَّبابَ، والفَتى: التِّلْمِيذُ، والتّابِعُ كَذَلِكَ، والفَتى - كَغِنى: الشّابِّ أيْضًا، والفُتُوَّةُ: الكَرَمُ، وقَدْ تُفْتى وتَفاتى، وفُتُوَّتُهُمْ: غَلَبَتْهم فِيها، وأفْتاهُ في الأمْرِ: أبانَهُ لَهُ، والفُتْيا - بِالضَّمِّ والفَتْوى - ويَفْتَحُ: ما أفْتى بِهِ الفَقِيهُ، وهو يَرْجِعُ إلى الجُودِ وحُسْنِ الخُلُقِ، والفَتَيانِ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، ولِذَلِكَ يُسَمَّيانِ الجَدِيدَيْنِ، وفَتِيَتِ البِنْتُ تَفْتِيَةً: مَنَعَتِ اللَّعِبَ مَعَ الصِّبْيانِ، فَهو مِن سَلْبِ الشَّبابِ، أيْ فِعْلِهِ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: افْتَأتَ عَلَيَّ الباطِلَ: اخْتَلَقَهُ، وبِرَأْيِهِ: اسْتَبَدَّ، وكِلاهُما يَدُلُّ عَلى جُرْأةٍ وطَيْشٍ، وهو بِالشّابِّ الَّذِي لَمْ يُحَنِّكْهُ الدَّهْرُ أجْدَرُ، وافْتُئِتَ - عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ: ماتَ فَجْأةً - كَأنَّ ذَلِكَ أشَدُّ المَوْتِ؛ ومِن واوِيَّةٍ: فاتَ الشَّيْءُ فَوْتًا وفَواتًا: ذَهَبَ فَسَبَقَ فَلَمْ يُدْرِكْ، وفاتَهُ وافْتاتَهُ: ذَهَبَ عَنْهُ فَسَبَقَهُ، (p-٢٠٢)وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى قُوَّةِ السّابِقِ، وبَيْنَهُما فَوْتٌ، أيْ بَوْنٌ - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما سابِقٌ لِلْآخَرِ، وتَفاوَتَ الشَّيْئانِ وتَفَوَّتا: تَباعَدَ ما بَيْنَهُما، ويَلْزَمُ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ والِاضْطِرابُ، ويَلْزَمُهُ العَيْبُ ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] مِن عَيْبٍ، يَقُولُ النّاظِرُ: لَوْ كانَ كَذا كانَ أحْسَنَ، ومَوْتُ الفَواتِ: الفَجْأةُ، وهو فَوْتُ رُمْحِهِ ويَدِهِ، أيْ حَيْثُ يَراهُ ولا يَصِلُ إلَيْهِ، والفَوْتُ: الفُرْجَةُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ، وافْتَأتَ عَلَيْهِ بِرَأْيِهِ: سَبَقَهُ بِهِ، وفاتَهُ بِهِ وعَلَيْهِ: غَلَّبَهُ، [ولا يَفْتاتُ عَلَيْهِ] أيْ لا يَعْمَلُ دُونَ أمْرِهِ، أيْ لا أحَدَ أشَدُّ مِنهُ فَيَسْبِقُهُ، وافْتاتَ الكَلامَ: ابْتَدَعَهُ - كَما تَقَدَّمَ في المَهْمُوزِ، وافْتاتَ عَلَيْهِ: حَكَمَ - لِقُوَّتِهِ، والفُوَيْتُ - كَزُبَيْرٍ: المُنْفَرِدُ بِرَأْيِهِ - لِلْمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وذَلِكَ لِعِدَّةِ نَفْسِهِ شَدِيدًا، وتُفُوِّتَ عَلَيْهِ في مالِهِ: فاتَهُ بِهِ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: تَفِئَ كَفَرِحَ: احْتَدَّ وغَضِبَ - وذَلِكَ لِشِدَّتِهِ، وتَفِيئَةُ الشَّيْءِ: حِينُهُ وزَمانُهُ، وذَلِكَ أحْسَنُ أحْوالِهِ، ودَخَلَ عَلى تَفِيئَتِهِ أيْ أثَرِهِ أيْ لَمْ يَسْبِقْهُ بِكَثِيرٍ، وذَلِكَ أشَدُّ لَهُ؛ (p-٢٠٣)ومِن واوِيَّةٍ: التُّفَةُ كَقُفُةُ: عِناقُ الأرْضِ وهي تَصِيدُ، وفِيها خِلافٌ يُبَيَّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٣] مِن سُورَةِ سُبْحانَ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: تافَ بَصَرُهُ يَتُوفُ: تاهَ - كَأنَّهُ لِسَلْبِ الشِّدَّةِ أوِ المَعْنى أنَّهُ وقَعَ في تَوَقَةٍ، أيْ شِدَّةٍ، وما فِيهِ تُوفَةٌ - بِالضَّمِّ - ولا تافَةٌ: عَيْبٌ أوْ مَزِيدٌ أوْ حاجَةٌ وأبْطَأ وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى شِدَّتِهِ، وطَلَبَ عَلَيَّ تَوْفَةٌ- بِالفَتْحِ،: عَثْرَةٌ وذَنْبًا - مِن ذَلِكَ لِأنَّ العَثْرَةَ والذَّنْبَ لا يُصِيبانِ شَيْئًا إلّا عَنْ شِدَّتِهِما وضَعْفِهِ؛ ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: الأفَتُ - بِالفَتْحِ: النّافَّةُ الَّتِي عِنْدَها مِنَ الصَّبْرِ والبَقاءِ ما لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِها، والسَّرِيعُ الَّذِي يَغْلِبُ الإبِلَ عَلى السَّيْرِ، والكَرِيمُ مِنَ الإبِلِ - ويَكْسِرُ - والدّاهِيَةُ والعَجَبُ، وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في القُوَّةِ، والإفِتُ - بِالكَسْرِ: الأوَّلُ - لِأنَّهُ أصْلُ كُلِّ مَعْدُودٍ، وأُفْتُهُ عَنْ ”كَذا: صَرَفَهُ“.

يوسف 12:87

ولَمّا أخْبَرَهم عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ عِلْمَهُ فَوْقَ عِلْمِهِمْ، أتْبَعَهُ اسْتِئْنافًا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا﴾ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ [هَذا] الذَّهابِ (p-٢٠٤)وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾ أيْ بِجَمِيعِ جُهْدِكم ﴿مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيِ اطْلُبُوا مِن أخْبارِهِما بِحَواسِّكم لَعَلَّكم تَظْفَرُونَ بِهِما، وهَذا يُؤَكِّدُ ما تَقَدَّمَ مِنَ احْتِمالِ ظَنِّهِ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَيُوسُفُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ ما عِنْدَهُ، قالَ: ﴿ولا تَيْأسُوا﴾ أيْ تَقْنَطُوا ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ والرُّوحُ - قالَ الرُّمّانِيُّ - يَقَعُ بِرِيحٍ تَلَذُّ، وكَأنَّ هَذا أصْلُهُ فالمُرادُ: مِن رَحْمَتِهِ وفَرَجِهِ وتَيْسِيرِهِ ولُطْفِهِ في جَمْعِ الشَّتاتِ وتَيْسِيرِ المُرادِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ﴾ أيْ لا يَقْنَطُ ﴿مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إلا القَوْمُ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ المُحاوَلَةِ ﴿الكافِرُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الكُفْرِ،

يوسف 12:88

فَأجابُوهُ إلى ما أرادَ. فَتَوَجَّهُوا إلى مِصْرَ لِذَلِكَ ولِقَصْدِ المِيرَةِ لَمّا كانَ اشْتَدَّ بِهِمْ مِنَ القَحْطِ، وقَصَدُوا العَزِيزَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ بِالفاءِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أسْرَعُوا الكَرَّةَ في هَذِهِ المَرَّةِ ”قالُوا“ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تُنَبِّهُ عَلى أنَّ ما بَعْدَها لَهُ وقْعٌ عَظِيمٌ ﴿يا أيُّها العَزِيزُ﴾ ولَمّا تَلَطَّفُوا بِتَعْظِيمِهِ، تَرَقَّقُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَسَّنا﴾ أيْ أيَّتُها العِصابَةُ الَّتِي تَراها ﴿وأهْلَنا﴾ أيِ الَّذِينَ تَرَكْناهم في بِلادِنا ﴿الضُّرُّ﴾ أيْ لابَسَنا (p-٢٠٥)مُلابَسَةً نُحِسُّها ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أيْ تافِهَةً غَيْرَ مَرْغُوبٍ فِيها بِوَجْهٍ، ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ هَذا الِاعْتِرافِ - لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى رَحْمَةِ أهْلِ الكَرَمِ - قَوْلُهُمْ: ﴿فَأوْفِ لَنا﴾ أيْ شَفَقَةً عَلَيْنا بِسَبَبِ ضَعْفِنا ﴿الكَيْلَ وتَصَدَّقْ﴾ أيْ تَفْضِيلُ ﴿عَلَيْنا﴾ زِيادَةٌ عَلى الوَفاءِ كَما عَوَّدْتَنا بِفَضْلٍ تَرْجُو ثَوابَهُ. ولَمّا رَأوْا أفْعالَهُ تَدُلُّ عَلى تَمَسُّكِهِ بِدِينِ اللَّهِ، عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ مُطْلَقًا وإنْ أظْهَرْتَ - بِما أفادَ الإظْهارَ - وإنْ كانَتْ عَلى غَنِيٍّ قَوِيٍّ، فَكَيْفَ إذا كانَتْ عَلى أهْلِ الحاجَةِ والضَّعْفِ.

يوسف 12:89

فَلَمّا رَأى أنَّ الأمْرَ بَلَغَ الغايَةَ ولَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يَتَخَوَّفُهُ، عَرَّفَهم بِنَفْسِهِ فاسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ﴾ مُقَرَّرًا لَهم بَعْدَ أنِ اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ واسْتَأْنَسُوا بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا كانَ بِغَيْرِ تُرْجُمانِ ”ما“ أيْ قُبْحِ الَّذِي ﴿فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ﴾ أيْ أخِيكُمُ الَّذِي حِلْتُمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿وأخِيهِ﴾ في جَعْلِكم إيّاهُ فَرِيدًا مِنهُ ذَلِيلًا بَيْنَكُمْ، ثُمَّ [فِي] قَوْلِكم لَهُ لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِهِ: لا يَزالُ يَأْتِينا البَلاءُ (p-٢٠٦)مِن قَبْلِكم يا بَنِي راحِيلَ! وأعْلَمَهم بِأنَّ ظَنَّهُ فِيهِمُ الآنَ جَمِيلٌ تَسْكِينًا لَهم فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ فِعْلَهم - تَلْوِيحًا [لَهُمْ] إلى مَعْرِفَتِهِ وتَذْكِيرًا بِالذَّنْبِ لِيَتُوبُوا، [و] تَلَطُّفًا مَعَهم في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي يَتَنَفَّسُ فِيهِ المَكْرُوبُ، ويَنْفُثُ فِيهِ المَصْدُورُ، ويَشْتَفِي فِيهِ المُغِيظُ المُحْنَقُ، ويُدْرِكُ ثَأْرَهُ المَوْتُورُ، بِتَخْصِيصِ جَهْلِهِمْ - بِمُقْتَضى ”إذا“ - بِذَلِكَ الزَّمانِ إفْهامًا لَهم أنَّهُمُ الآنَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ،

يوسف 12:90

فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ قَدْ قَرَّبَ لَهُمُ الكَشْفَ عَنْ أمْرِهِ، لِأنَّهُ لا يَسْتَفْهِمُ مَلِكٌ مِثْلُهُ - لَمْ يَنْشَأْ بَيْنَهم ولا تَتْبَّعَ أحْوالَهم ولَيْسَ مِنهم - هَذا الِاسْتِفْهامُ ولا سِيَّما وقَدْ رَوى أنَّهُ لَمّا قالَ هَذا تَبَسَّمَ، وكانَ في تَبَسُّمِهِ أمْرٌ مِنَ الحُسْنِ لا يَجْهَلُهُ مَعَهُ مَن رَآهُ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً، فَهَلْ عَرَفُوهُ؟ فَقِيلَ: ظَنُّوهُ ظَنًّا غالِبًا، ولِذَلِكَ ﴿قالُوا﴾ مُسْتَفْهِمِينَ ﴿أإنَّكَ﴾ وأكَّدُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لأنْتَ يُوسُفُ﴾ ولَمّا كانَ المُتَوَقَّعُ مِن مِثْلِهِ فِيما هو فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ أنْ يُجازِيَهم عَلى سُوءِ صَنِيعِهِمْ إلَيْهِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَ كَرَمِهِ فَقالَ: ﴿قالَ أنا يُوسُفُ﴾ وزادَهم قَوْلَهُ: ﴿وهَذا أخِي﴾ أيْ بِنْيامِينَ شَقِيقِي لِذِكْرِهِ لَهم في قَوْلِهِ ﴿وأخِيهِ﴾ [يوسف: ٨٩] ولِيَزِيدَهم ذَلِكَ مَعْرِفَةً لَهُ، وثْبَتَها في أمْرِهِ بِتَصْدِيقِهِ لَهُ مَعَ (p-٢٠٧)مُكْثِهِ عِنْدَهُ مُدَّةَ ذَهابِهِمْ وإيابِهِمْ، ولِيَبْنِيَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿عَلَيْنا﴾ بِأنْ جَمَعَ بَيْنِنا عَلى خَيْرٍ حالَ تَكُونُ؛ ثُمَّ تَعْلِيلِيَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مَن يَتَّقِ﴾ وهو مَجْزُومٌ لِأنَّهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، وأثْبَتَ قَنْبَلٌ - بِخِلافِهِ عَنْهُ - ياءَهُ في الحالَيْنِ مُعامِلًا لَهُ مُعامَلَةً الصَّحِيحِ إشارَةً إلى وصْفِ التَّقْوى بِالصِّحَّةِ الكامِلَةِ والمُكْنَةِ الزّائِدَةِ والمُلازِمَةِ لَها في كُلِّ حالٍ ﴿ويَصْبِرْ﴾ أيْ يُوفِهِ اللَّهُ أجَرَهُ لِإحْسانِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ ﴿لا يُضِيعُ﴾ أيْ أدْنى إضاعَةً - أجْرَهُ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما يَعْرِفُ أنَّ التَّقْوى والصَّبْرَ مِنَ الإحْسانِ، فَقالَ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ والتَّقْوى: دَفْعُ البَلاءِ بِسُلُوكِ طَرِيقِ الهُدى؛ والصَّبْرُ: حَبْسُ النَّفْسِ بِتَجَرُّعِ مَرارَةِ المَنعِ عَمّا يَشْتَهِي، ولَعَلَّهُ إنَّما سَتَرَ أمْرَهُ عَنْهم إلى هَذا الحَدِّ لِأنَّهُ لَوْ أرْسَلَ إلى أبِيهِ يُخْبِرُهُ قَبْلَ المَلِكِ لَمْ يَأْمَن كَيْدَ إخْوَتِهِ، ولَوْ تَعَرَّفَ إلَيْهِمْ بَعْدَهُ أوْ أوَّلَ (p-٢٠٨)ما رَآهم لَمْ يَأْمَن مِن أنْ تَقْطَعَ أفْئِدَتُهم عِنْدَ مُفاجَأتِهِمْ بِانْكِشافِ الأمْرِ وهو فِيما هو [فِيهِ] مِنَ العِزِّ، فَإنَّهم فَعَلُوا بِهِ فِعْلَ القاتِلِ مِن غَيْرِ ذَنْبٍ قَدَّمَهُ إلَيْهِمْ، فَهم لا يَشُكُّونَ في أنَّهُ إذا قَدَرَ عَلَيْهِمْ يُهْلِكُهم لِما تَقَدَّمَ لَهم إلَيْهِ مِن سُوءِ الصَّنِيعَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ سَلامَتِهِمْ لا يَأْمَنُونَهُ وإنَّ بالِغَ في إكْرامِهِمْ، فَإنَّ الأُمُورَ العِظامَ - إنْ لَمْ تَكُنْ بِالتَّدْرِيجِ - عَظُمَ خَطَرُها، وتَعَدّى ضَرَرُها، فَإنْ أرْسَلَهم لِيَأْتُوا بِأبِيهِمْ خِيفَ أنْ يَخْتَلُوا أباهُما مِن مَلِكِ مِصْرَ ويُحْسِنُوا لَهُ الإبْعادَ عَنْ بِلادِهِ، فَيَذْهَبُوا إلى حَيْثُ لا يَعْلَمُهُ، وإنْ أرْسَلَ مَعَهم ثِقاتٍ مِن عِنْدِهِ لَمْ يُؤْمَن أنْ يَكُونَ بَيْنَهم شَرٌّ، وإنْ سَجَنَهم وأرْسَلَ إلى أبِيهِ مَن يَأْتِي بِهِ لَمْ يَحْسُنْ مَوْقِعُ ذَلِكَ مِن أبِيهِ، ويَحْصُلْ لَهُ وحْشَةٌ بِحَبْسِ أوْلادِهِ، وتَعْظُمُ القالَةُ بَيْنَ النّاسِ مِن أهْلِ مِصْرَ وغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ، فَفَعَلَ مَعَهم ما تَقَدَّمَ لِيَظْهَرَ لَهم إحْسانُهُ وعَدْلُهُ ودِينُهُ وخَيْرُهُ، وكَفُّهُ عَنْهم وعَفْوُهُ عَنْ فِعْلِهِمْ بِالتَّدْرِيجِ، ويَقِفُوا عَلى ذَلِكَ مِنهُ قَوْلًا وفِعْلًا مِن أخِيهِ الَّذِي رَبّى مَعَهم وهم بِهِ آنِسُونَ ولَهُ ألِفُونِ، فَتَسْكُنُ رَوْعَتُهُمْ، وتَهُونُ زَلَّتُهُمْ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا انْتَفى عَنْ أخِيهِ بِنْيامِينَ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِمّا ذَكَرَ، تَعَرَّفَ إلَيْهِ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِ ونَهاهُ أنْ يُخْبِرَهم بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وشَرَعَ يَمُدُّ في ذَلِكَ لِتَسْتَحْكِمَ الأسْبابُ الَّتِي (p-٢٠٩)أرادَها، فَلَمّا ظَنَّ أنَّ الأمْرَ قَدْ بَلَغَ مَداهُ، لَوَّحَ لَهم فَعَرَفُوهُ وقَدْ أنْسَهم حُسْنَ عَقْلِهِ وبَدِيعَ جِمالِهِ وشَكْلِهِ ورائِعَ قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَكانَ مَوْضِعَ الوَجَلِ والخَجَلِ، ومَوْضِعَ اليَأْسِ الرَّجاءُ، فَحَصَلَ المُرادُ عَلى وفْقِ السَّدادِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِمَن قِيلَ لَهم أوَّلُ السُّورَةِ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] عَلى الِاقْتِداءِ بِأفْعالِ الهُداةِ المَهْدِيِّينَ في التَّأنِّي والِاتِّئادِ وتَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى الحَكِيمِ، وأنْ لا يَسْتَعْجِلُوهُ في أمْرٍ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّ سُنَّتَهُ الإلَهِيَّةَ جَرَتْ بِأنَّ الأُمُورَ الصِّعابَ لا تُنَفَّذُ إلّا بِالمُطاوَلَةِ لِتُرَتِّبَ الأسْبابَ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى وجْهِ الإحْكامِ، وفي ذَلِكَ فَوائِدُ مِن أجْلِها امْتِحانُ أُولى الطّاعَةِ والعِصْيانِ - كَما سَتَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ آخِرَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ؛ ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] الآيَةُ واللَّهُ أعْلَمُ.

يوسف 12:91

ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لَقَدْ أتاهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ [مُتَعَجِّبِينَ غايَةَ التَّعَجُّبِ. ولِذَلِكَ أقْسَمُوا بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ: ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ] ﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ جَعَلَ لَكَ أثَرًا يُغَطِّي آثارَنا بِعُلُوِّهِ فالمَعْنى: فَضَّلَكَ عَلَيْنا أيْ بِالعِلْمِ والعَقْلِ والحِكَمِ والحُسْنِ والمُلْكِ والتَّقْوى (p-٢١٠)وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وإنْ﴾ خَفَّفُوها مِنَ الثَّقِيلَةِ تَأْكِيدًا بِالإيجازِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاهْتِمامِ بِالإبْلاغِ في الِاعْتِذارِ في أسْرَعِ وقْتٍ ﴿كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَنا ﴿لَخاطِئِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخَطَأِ، وهو تَعَمُّدُ الإثْمِ،

يوسف 12:92

فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهم عَلى قُدْرَتِهِ وتَمَكُّنِهِ مَعَ ما سَلَفَ مِن إساءَتِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلُ الكِرامِ اقْتِداءً بِإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿لا تَثْرِيبَ﴾ أيْ لا لَوْمَ ولا تَعْنِيفَ ولا هَلاكَ ﴿عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ وإنْ كانَ هَذا الوَقْتُ مَظِنَّةَ اللَّوْمِ والتَّأْنِيبِ، فَإذا انْتَفى ذَلِكَ فِيهِ فَما الظَّنُّ بِما بَعْدَهُ! ومادَّةُ ”ثَرَبَ“ تَدُورُ عَلى البَرْثِ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ، وهو أسْهَلُ الأرْضِ وأحْسَنُها؛ ولِثَبْرَةَ - بِتَقْدِيمِ المُثَلَّثَةِ: أرْضٌ ذاتُ حِجارَةٍ بِيضٍ، فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الإخْلادُ، والدَّعَةُ، ومِنهُ: ثابَرَ عَلى الأمْرِ: دَوامَ، والمُثَبَّرُ - كَمَنزِلٍ: لِمَسْقَطِ الوَلَدِ أيْ مَوْضِعِ وِلادَتِهِ، والمَقْطَعُ والمَفْصِلُ، فَيَأْتِي الكَسَلُ واللِّينُ فَيَأْتِي الفَسادُ، ومِنهُ الثُّبُورُ لِلْهَلاكِ، [والبَثَرُ] بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ: خَراجٌ مَعْرُوفٌ: والماءُ البَثْرُ: الَّذِي بَقى مِنهُ عَلى الأرْضِ شَيْءٌ قَلِيلٌ؛ والرَّبْثُ - بِتَقْدِيمِ المُوَحِّدَةِ أيْضًا: حَبْسُ الإنْسانِ، (p-٢١١)وهُوَ يَرْجِعُ إلى الإقامَةِ والدَّوامِ أيْضًا؛ والتَّثْرِيبِ: التَّقْرِيرُ بِالذَّنْبِ، فَهو إزالَةُ ما عَلى الإنْسانِ مِن ساتِرِ العَفْوِ، مِنَ الثَّرْبِ وهو شَحْمٌ يَغْشى الكَرِشَ والأمْعاءَ ويَسْتُرُهُما، وهو مِن لَوازِمِ الأرْضِ السَّهْلَةِ لِما يَلْزَمُ مَن خَصْبِها، فالتَّثْرِيبُ إزالَتُهُ، وذَلِكَ لِلْقَحْطِ النّاشِئِ عَنْهُ الهَلاكُ، فَأغْلَبُ مَدارِ المادَّةِ الهَلاكُ. ولَمّا أعْفاهم مِنَ التَّرْثِيبِ، كانُوا في مَظِنَّةِ السُّؤالِ عَنْ كَمالِ العَفْوِ المُزِيلِ لِلْعِقابِ مِنَ اللَّهِ، فَأتْبَعَهُ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ بِالدُّعاءِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ”لَكُمْ“ أيْ ما فَرَّطَ مِنكم وما لَعَلَّهُ يَكُونُ بَعْدَ هَذا؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ في هَذا الدُّعاءِ بِالمُضارِعِ إرْشادًا لَهم إلى إخْلاصِ التَّوْبَةِ، ورَغَّبَهم في ذَلِكَ ورَجّاهم بِالصِّفَةِ الَّتِي هي سَبَبُ الغُفْرانِ، فَقالَ: ”وهُوَ“ أيْ وحْدُهُ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ أيْ لِجَمِيعِ العِبادِ ولا سِيَّما التّائِبُ، فَهو جَدِيرٌ بِإدْرارِ النِّعَمِ بَعْدَ الإعاذَةِ مِنَ النِّقَمِ، ورَوى أنَّهم أرْسَلُوا إلَيْهِ أنَّكَ لَتَدْعُوَنا إلى طَعامِكَ وكَرامَتِكَ بُكْرَةً وعَشِيًّا ونَحْنُ نَسْتَحِي لِما فَرَّطَ مِنّا، فَقالَ: إنَّ أهِلَ مِصْرَ يَنْظُرُونَنِي - وإنْ مَلَكْتُ فِيهِمْ - بِعَيْنِ العُبُودِيَّةِ فَيَقُولُونَ: سُبْحانَ مَن بَلَغَ عَبْدًا [بِيعَ] بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا ما بَلَغَ، ولَقَدْ شُرِّفْتُ الآنَ (p-٢١٢)بِكَمٍّ وعُظِّمْتُ في العُيُونِ حَيْثُ عَلِمَ النّاسُ أنَّكم إخْوَتِي، وأنِّي مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

يوسف 12:93

ولَمّا أقَرَّ أعْيُنَهم بَعْدَ اجْتِماعٍ شَمِلَهم بِإزالَةِ ما يَخْشَوْنَهُ دُنْيا وأُخْرى، بَقِيَ ما يَخُصُّ أباهم مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ وقَعَ السُّؤالُ عَنْهُ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي﴾ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في أفْهامِهِمْ قَمِيصَهُ الَّذِي سَلَبُوهُ إيّاهُ، احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا فَألْقُوهُ﴾ أيْ عَقِبَ وُصُولِكم ﴿عَلى وجْهِ أبِي يَأْتِ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلى ما كانَ ﴿بَصِيرًا﴾ أوْ يَأْتِ إلى حالَةِ كَوْنِهِ بَصِيرًا، فَإنَّهُ إذا رَدَّ إلَيْهِ بَصَرَهُ وعَلِمَ مَكانِي لَمْ يَصْبِرْ عَنِ القَصْدِ إلَيَّ لِما عِنْدَهُ مِن وُفُورِ المَحَبَّةِ وعَظِيمِ الشَّوْقِ، وكَوْنِهِ قَمِيصًا مِن مَلابِسِ يُوسُفَ المُعْتادَةِ أدْخَلُ في الغَرابَةِ وأدَلُّ عَلى الكَرامَةِ؛ والقَمِيصُ ألْصَقُ الثِّيابِ بِالجِسْمِ، فَإظْهارُ الكَرامَةِ بِهِ أدَلُّ عَلى كَمالِ دِينِ صاحِبِهِ وعَراقَتِهِ في أُمُورِ الإيمانِ، وهو يُؤَوَّلُ في المَنامِ بِالدِّينِ، وذَلِكَ أدْخَلُ في كَمالِ السُّرُورِ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿وأْتُونِي﴾ أيْ بِأبِي وأنْتُمْ ﴿بِأهْلِكُمْ﴾ أيْ مُصاحِبِينَ لَهم ﴿أجْمَعِينَ﴾ لا يَتَخَلَّفُ مِنهم أحَدٌ، فَرَجَعُوا بِالقَمِيصِ لِهَذا القَصْدِ، قِيلَ: كانَ يَهُوذا هو الَّذِي حَمَلَ قَمِيصَهُ لَمّا لَطَّخُوهُ بِالدَّمِ، فَقالَ: لا يَحْمِلُ هَذا غَيْرِي (p-٢١٣)لِأُفْرِحَهُ كَما أحْزَنْتُهُ، فَحَمَلَهُ وهو حافٍ حاسِرٌ مِن مِصْرَ إلى كَنْعانَ وبَيْنَهُما ثَمانُونَ فَرْسَخًا

يوسف 12:94

﴿ولَمّا فَصَلَتِ العِيرُ﴾ مِنَ العَرِيشِ آخِرَ بِلادِ مِصْرَ إلى بِلادِ الشّامِ ﴿قالَ أبُوهُمْ﴾ لِوَلَدِ ولَدِهِ ومَن حَوْلَهُ مِن أهْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِعِلْمِهِ أنَّهم يُنْكِرُونَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي لأجِدُ﴾ أيْ لِأقُولَ: إنِّي لَأجِدُ ﴿رِيحَ يُوسُفَ﴾ وصَدَّهم عَنْ مُواجَهَتِهِ بِالإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [أيْ] لَقُلْتُ غَيْرَ مُسْتَحٍ ولا مُتَوَقِّفٍ، لِأنَّ التَّفْنِيدَ لا يَمْنَعُ الوِجْدانَ، وهو كَما تَقُولُ لِصاحِبِكَ: لَوْلا أنْ تَنْسِبَنِي إلى الخِفَّةِ لَقُلْتُ كَذا، أيْ إنِّي قائِلٌ بِهِ مَعَ عِلْمِي بِأنَّكَ لا تُوافِقُنِي عَلَيْهِ، ”وفَصْلٌ“ هُنا لازِمٌ يُقالُ: فَصَلَ مِنَ البَلَدِ يَفْصِلُ فُصُولًا، والفَصْلُ: القَطْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ بِحاجِزٍ، والوِجْدانُ: ظُهُورٌ مِن جِهَةِ إدْراكٍ يَسْتَحِيلُ مَعَهُ انْتِفاءُ الشَّيْءِ، والرِّيحُ: عَرَضٌ يُدْرَكُ بِحاسَّةِ الأنْفِ أيِ الشَّمِّ، والتَّفْنِيدِ: تَضْعِيفُ الرَّأْيِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَنَدِ، وهو الخَوْفُ وإنْكارُ العَقْلِ مِن هَرِمَ، يُقالُ: شَيْخٌ مُفَنِّدٌ، ولا يُقالُ: عَجُوزٌ مُفَنِّدَةٌ، لِأنَّها لَمْ تَكُنْ في شَبِيبَتِها ذاتَ رَأْيٍ فَيُفَنِّدُها كِبْرُها؛

يوسف 12:95

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ حِكايَةَ جَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ السّامِعُونَ لَهُ ما ظَنَّهُ بِهِمْ، مُقْسِمِينَ بِما دَلَّ عَلى تَعَجُّبِهِمْ، وهو ﴿تاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأكَّدُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ أنَّهُ يُنْكِرُ كَلامَهم وكَذا كُلُّ مَن يَعْرِفُ كَمالَهُ ﴿إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ﴾ أيْ بِحَيْثُ صارَ ظَرْفًا لَكَ (p-٢١٤)﴿القَدِيمِ﴾ أيْ خَطَئُكَ في ظَنِّ حَياةِ يُوسُفَ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والضَّلالُ: الذَّهابُ عَنْ جِهَةِ الصَّوابِ.

يوسف 12:96

فَصَحَّحَ اللَّهُ قَوْلَهُ وحَقَّقَ وِجْدانَهُ، وعَجَّلُوا إلَيْهِ بَشِيرًا فَأسْرَعَ بَعْدَ الفُصُولِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالفاءِ في ﴿فَلَمّا﴾ وزِيدَتْ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ مَجِيئِهِ عَلى تِلْكَ الحالِ وزِيادَتُها قِياسٌ مُطَّرِدٌ ﴿جاءَ البَشِيرُ﴾ وهو يَهُوذا بِذَلِكَ، مَعَهُ القَمِيصُ ﴿ألْقاهُ﴾ أيِ القَمِيصُ حِينَ وصَلَ إلى يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ فاصِلٍ ما بَيْنَ أوَّلِ المَجِيءِ وبَيْنَهُ كَما أفادَتْهُ زِيادَةُ ”أنَّ“ لِتَأْكِيدِ ما تُفِيدُهُ ”لَمّا“ مِن وُقُوعِ الفَصْلِ الثّانِي وهو هُنا الإلْقاءُ عَقِبَ الأوَّلِ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ وهو هُنا المَجِيءُ ﴿عَلى وجْهِهِ﴾ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فارْتَدَّ﴾ مِن حِينِهِ ﴿بَصِيرًا﴾ والِارْتِدادُ: انْقِلابُ الشَّيْءِ إلى حالٍ كانَ عَلَيْها، فالتَفَتَ الخاطِرُ إلى حالِهِ مَعَ فَنْدِهِ، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ”قالَ“ أيْ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ألَمْ أقُلْ لَكُمْ﴾ إنِّي أجِدُ رِيحَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا التَّقْرِيرَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأنَّ قَوْلَهم قَوْلُ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنِّي أعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لِما خَصَّنِي بِهِ تَعالى مِن أنْواعِ المَواهِبِ، وهو عامٌّ لِأخْبارِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وغَيْرِها، وهو مِنَ التَّحْدِيثِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ.

يوسف 12:97

(p-٢١٥)ولَمّا كانَ ذَلِكَ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى عِلْمِ ما يَقَعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أوْلادِهِ في ذَلِكَ، فَدَفَعَ عَنْها هَذا العَناءَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا أبانا﴾ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ العَظِيمِ بِما بَعْدَها لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الوَقْعِ: ﴿اسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَنا ذُنُوبَنا﴾ ورَدَّ كُلَّ ضَمِيرٍ مِن هَذِهِ الضَّمائِرِ إلى صاحِبِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَرِّحْ بِصاحِبِهِ. ولَمّا سَألُوهُ الِاسْتِغْفارَ لِذُنُوبِهِمْ، عَلَّلُوهُ بِالِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ، لِأنَّ الِاعْتِرافَ شَرْطُ التَّوْبَةِ - كَما قالَ ﷺ: «إنَّ العَبْدَ إذا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ تَحْقِيقًا لِلْإخْلاصِ في التَّوْبَةِ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ أيْ مُتَعَمِّدِينَ لِلْإثْمِ بِما ارْتَكَبْنا في أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛

يوسف 12:98

ثُمَّ حَكى جَوابَهُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قالَ﴾ أيْ أبُوهم عَلَيْهِ السَّلامُ مُؤَكِّدًا لِكَلامِهِ: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ﴾ أيْ أطْلُبُ أنْ يَغْفِرَ ﴿لَكم رَبِّي﴾ [أيِ] الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيَّ ويُرَبِّينِي أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ، فَهو الجَدِيرُ بِأنْ يَغْفِرَ لِبَنِيَّ حَتّى لا يُفَرِّقَ بَيْنِي وبَيْنَهم في دارِ البَقاءِ؛ والرُّبُوبِيَّةُ: مُلْكٌ هو أتَمُّ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، وهو مُلْكُ اللَّهِ تَعالى لِإنْشاءِ الأنْفُسِ بِاخْتِراعِها وتَصْرِيفِها أتَمَّ التَّصْرِيفِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ والتَّقْلِيبِ مِن حالٍ إلى حالٍ في جَمِيعِ الأُمُورِ مِن غَيْرِ تَعَبٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ كُلُّ (p-٢١٦)ذَلِكَ تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ وتَصْحِيحًا لِرَجائِهِمْ لِيَقْوى أمَلُهُمْ، فَيَكُونُ تَعالى عِنْدَ ظَنِّهِمْ بِتَحْقِيقِ الإجابَةِ وتَنْجِيزًا لِطَلَبِهِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِـ ”سَوْفَ“ لِتَقْدِيمِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ عَلى المَسْألَةِ لِما ذَكَرَتْهُ مِنَ الأغْراضِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ أخَّرَ الدُّعاءَ إلى صَلاةِ اللَّيْلِ، وقِيلَ: إلى لَيْلَةِ الجُمْعَةِ؛ وقِيلَ: يُؤْخَذُ مِنها أنَّ طَلَبَ الحَوائِجِ إلى الشَّبابِ أسْهَلُ مِنهُ إلى الشُّيُوخِ.

يوسف 12:99

ولَمّا وقَعَ ما ذَكَرَ، وكانَ قَدْ أرْسَلَ مَعَهم مِنَ الدَّوابِّ والمالِ والآلاتِ ما يَتَجَهَّزُونَ بِهِ، أقْبَلُوا عَلى التَّجْهِيزِ كَما أمَرَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [ثُمَّ] قَدِمُوا مِصْرَ وهُمُ اثْنانِ وسَبْعُونَ نَفْسًا مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، وكَأنَّهم أسْرَعُوا في ذَلِكَ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ ﴿دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ في المَكانِ الَّذِي تَلْقّاهم إلَيْهِ في وُجُوهِ أهْلِ مِصْرَ وضَرَبَ بِهِ مَضارِبَهُ ﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾ إكْرامًا لَهُما بِما يَتَمَيَّزانِ بِهِ، قِيلَ: هو المُعانَقَةُ، والظّاهِرُ أنَّها أُمُّهُ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وابْنُ إسْحاقَ - كَما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ وأبُو حَيّانَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها خالَتُهُ، وغَلَبَ الأبُ في هَذِهِ التَّثْنِيَةِ لِذُكُورَتِهِ كَما غَلَبَ ما هو مُفْرَدٌ في أصْلِهِ عَلى المُضافِ في العُمْرَيْنِ ﴿وقالَ﴾ مُكْرِمًا لِلْكُلِّ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ (p-٢١٧)أيِ البَلَدَ المَعْرُوفَ، وأتى بِالشَّرْطِ لِلْأمْنِ لا لِلدُّخُولِ، فَقالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿آمِنِينَ﴾ مِن جَمِيعِ ما يَنُوبُ حَتّى مِمّا فَرَطْتُمُوهُ في حَقِّي وحَقِّ أخِي.

يوسف 12:100

ولَمّا ذَكَرَ الأمْنَ الَّذِي هو مَلاكُ العافِيَةِ الَّتِي بِها لَذَّةُ العَيْشِ، أتْبَعَهُ الرِّفْعَةَ الَّتِي بِها كَمالُ النَّعِيمِ، فَقالَ: ﴿ورَفَعَ أبَوَيْهِ﴾ أيْ بَعْدَما اسْتَقَرَّتْ بِهِمُ الدّارُ بِدُخُولِ مِصْرَ مُسْتَوِيِينَ ﴿عَلى العَرْشِ﴾ أيِ السَّرِيرِ الرَّفِيعِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: أصْلُهُ الرَّفْعُ. ﴿وخَرُّوا﴾ أيِ انْحَطُّوا ﴿لَهُ سُجَّدًا﴾ الأبَوانِ والإخْوَةُ تَحْقِيقًا لِرُؤْياهُ مِمَّنْ هو غالِبٌ عَلى كُلِّ أمْرٍ، والسُّجُودُ - وأصْلُهُ: الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ - كانَ مُباحًا في تِلْكَ الأزْمِنَةِ ﴿وقالَ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يا أبَتِ﴾ مُلَذِّذًا لَهُ بِالخِطابِ بِالأُبُوَّةِ ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ مِنَ السُّجُودِ ﴿تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ الَّتِي رَأيْتُها، ودَلَّ عَلى قَصْرِ الزَّمَنِ الَّذِي رَآها فِيهِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي رَبّانِي بِما أوْصَلَنِي إلَيْها ﴿حَقًّا﴾ أيْ بِمُطابَقَةِ الواقِعِ لِتَأْوِيلِها، وتَأْوِيلِ ما أخْبَرْتَنِي بِهِ أنْتَ تُحَقِّقُ [أيْضًا] مَنِ اجْتِبائِي وتَعْلِيمِي وإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيَّ؛ والتَّأْوِيلُ: تَفْسِيرُ (p-٢١٨)ما يُؤُولُ إلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ؛ وعَنْ سَلْمانَ \رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ما بَيْنَ تَأْوِيلِها ورُؤْياها أرْبَعُونَ سَنَةً. ﴿وقَدْ أحْسَنَ﴾ أيْ أوْقَعَ إحْسانَهُ ﴿بِي﴾ تَصْدِيقًا لِما بَشَّرَتْنِي بِهِ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ، [وتَعْدِيَةِ ﴿أحْسَنَ﴾ بِالباءِ أدُلُّ عَلى القُرْبِ مِنَ المُحْسِنِ مِنَ التَّعْدِيَةِ بِـ ”إلى“ وعَبَّرَ بِقَوْلِهِ:-] ﴿إذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ مُعْرِضًا عَنْ لَفْظِ ”الجُبِّ“ حَذَرًا مِن إيحاشِ إخْوَتِهِ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ احْتِمالًا خَفِيًّا ﴿وجاءَ بِكُمْ﴾ وقِيلَ: إنَّهم كانُوا أهْلُ عُمَدٍ وأصْحابُ مَواشٍ، يَتَنَقَّلُونَ في المِياهِ والمَناجِعِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِنَ البَدْوِ﴾ مِن أطْرافِ بادِيَةِ فِلَسْطِينَ، وذَلِكَ مِن أكْبَرِ النِّعَمِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ ”مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يَنْقُلْهُ مِنَ البادِيَةِ إلى الحاضِرَةِ“ والبَدْوُ: بَسِيطٌ مِنَ الأرْضِ يُرى فِيهِ الشَّخْصُ مِن بَعِيدٍ، وأصْلُهُ مِنَ الظُّهُورِ، وأنِسَ إخْوَتُهُ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ لِأنَّ مَجِيئَهم في بَعْضِ أزْمانِ البُعْدِ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ نَـزَغَ﴾ عَبَّرَ بِالماضِي لِيَفْهَمَ أنَّهُ انْقَضى ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيْ أفْسَدَ البَعِيدَ المُحْتَرِقَ بِوَسْوَسَتِهِ الَّتِي هي كالنَّخْسِ ﴿بَيْنِي وبَيْنَ إخْوَتِي﴾ حَيْثُ قَسَّمَ النَّزْعَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولَمْ يُفَضِّلْ أحَدًا مِنَ (p-٢١٩)الفَرِيقَيْنِ فِيهِ، ولَمْ يُثْبِتِ الجارُّ إشارَةً إلى عُمُومِ الإفْسادِ لِلْبَنِينِ، كُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحَقُّقٍ ما بَشَّرَ بِهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن إتْمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِ العِلْمِ والحِكْمَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإحْسانَ إلَيْهِمْ أجْمَعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ عَلى وُجُوهٍ فِيها خَفاءٌ ﴿لَطِيفٌ﴾ - أيْ يَعْلَمُ دَقائِقَ المَصالِحِ وغَوامِضَها، ثُمَّ يَسْلُكُ - في إيصالِها [إلى] المُسْتَصْلَحِ - سَبِيلَ الرِّفْقِ دُونَ العُنْفِ، فَإذا اجْتَمَعَ الرِّفْقُ في الفِعْلِ واللُّطْفِ في الإدْراكِ فَهو اللَّطِيفُ - قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ. وهو سُبْحانُهُ فاعِلُ اللُّطْفِ في تَدْبِيرِهِ ورَحْمَتِهِ ﴿لِما يَشاءُ﴾ لا يُعْسَرُ عَلَيْهِ أمْرٌ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ العِلْمِ لِلدَّقائِقِ والجَلائِلِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ البَلِيغُ الإتْقانِ لِما يَصْنَعُهُ طِبْقَ ما خَتَمَ بِهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بُشْراهُ في أوَّلِ السُّورَةِ، أيْ هو مُنْفَرِدٌ بِالِاتِّصافِ بِذَلِكَ لا يُدانِيهِ أحَدٌ في عِلْمٍ لِيَتَعَرَّضَ إلى إبْطالِ ما يُقِيمُهُ مِنَ الأسْبابِ، ولا في حِكْمَةٍ لِيَتَوَقَّعَ الخَلَلُ في شَيْءٍ مِنها.

يوسف 12:101

ولَمّا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، تَذَكَّرَ ما وقَعَ لَهُ بِهِما مِنَ الأسْبابِ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَقامُ الشُّهُودِ وازْدادَتْ نَفْسُهُ عَنِ الدُّنْيا عُزُوفًا، فَقالَ مُخاطِبًا: (p-٢٢٠)﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي﴾ وافْتَتَحَ بِـ ”قَدْ“ لِأنَّ الحالَ حالُ تَوَقُّعِ السّامِعِ لِشَرْحِ مَآلِ الرُّؤْيا ﴿مِنَ المُلْكِ﴾ أيْ بَعْضُهُ بَعُدَ بُعْدِي مِنهُ جِدًّا، وهو مَعْنى رُوحِهِ تَمامُ القُدْرَةِ ﴿وعَلَّمْتَنِي﴾ وقَصَرَ دَعْواهُ تَواضُعًا بِالإتْيانِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ طِبْقَ ما بَشَّرَنِي بِهِ أبِي وأخْبَرْتُ بِهِ أنْتَ مِنَ التَّمْكِينِ والتَّعْلِيمِ قَبْلَ قَوْلِكَ، واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ ثُمَّ ناداهُ بِوَصْفٍ جامِعٍ لِلْعِلْمِ والحِكْمَةِ فَقالَ: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ ثُمَّ أعْلَمَهُ بِما هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ مِن أنَّهُ لا يَعُولُ عَلى غَيْرِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَقالَ \: ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾ أيِ الأقْرَبُ إلَيَّ باطِنًا وظاهِرًا ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ لا ولِيَّ لِي غَيْرُكَ، والوَلِيُّ يَفْعَلُ لِمَوْلاهُ الأصْلَحَ والأحْسَنَ، فَأحْسَنَ بِي في الآخِرَةِ أعْظَمُ ما أحْسَنْتَ بِي في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِ لِلَّهِ لا يَتِمُّ إلّا بِتَوَلِّي اللَّهِ لَهُ، أتْبَعَهُ بِما يُفِيدُهُ فَقالَ: ﴿تَوَفَّنِي﴾ أيِ اقْبِضْ رُوحِي وافِيًا تامًّا في جَمِيعِ أمْرِي حِسًّا ومَعْنى حالَ كَوْنِي ﴿مُسْلِمًا﴾ ولَمّا كانَ المُسْلِمُ حَقِيقَةَ مَن كانَ عَرِيقًا في الإخْلاصِ، حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فَتَوَفّاهُ اللَّهُ كَما سَألَ؛ قالُوا: وتَخاصَمَ أهْلُ مِصْرَ فِيهِ، كُلُّهم يَرْجُو أنْ يُدْفَنَ في مَحَلَّتِهِ يَرْجُو بَرَكَتَهُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلى أنْ عَمِلُوا لَهُ صُنْدُوقًا مِن رُخامٍ ودَفَنُوهُ في وسَطِ النِّيلِ، (p-٢٢١)لِيَفْتَرِقَ الماءُ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ فَتَنالُها بِرْكَتُهُ وتُخَصَّبُ كُلُّها عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ويَكُونُوا كُلُّهم في الماءِ سَواءٌ. ذَكَرَ ما بَقِيَ مِنَ القِصَّةِ عَنِ التَّوْراةِ: قالَ بَعْدَما مَضى: فَلَمْ يَقْدِرْ يُوسُفُ عَلى الصَّبْرِ - يَعْنِي عَلى تَرَفُّقِ إخْوَتِهِ - فَأمَرَ بِإخْراجِ جَمِيعِ مَن كانَ عِنْدَهُ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ أحَدٌ حَيْثُ ظَهَرَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ، فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَبَكى حَتّى سَمِعَ المِصْرِيُّونَ فَأخْبَرُوا في آلِ فِرْعَوْنَ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: أنا أخُوكم يُوسُفُ، هَلْ أبِي باقٍ؟ فَلَمْ يَقْدِرْ إخْوَتُهُ عَلى إجابَتِهِ لِأنَّهم رَهِبُوهُ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: ادْنُوا مِنِّي [فَدَنَوْا] فَقالَ لَهُمْ: أنا يُوسُفُ الَّذِي بِعْتُمُونِي لِمَن ورَدَ إلى مِصْرَ، والآنَ فَلا تَحْزَنُوا، ولا يَشُقَّنَّ عَلَيْكم ذَلِكَ، ولا يَشْتَدَّنَّ عَلَيْكم بَيْعُكم إيّايَ إلى ما هُنا، لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي أمامَكم لِأُعِدَّ لَكُمُ القُوتَ، لِأنَّ لِلْجُوعِ مُذْ أتى سَنَتَيْنِ، وسَتَأْتِي خَمْسُ سِنِينَ أُخَرُ لا يَكُونُ فِيها زَرْعٌ ولا حَصادٌ، فَأرْسَلَنِي الرَّبُّ أمامَكم لِأصِيرَ لَكم بَقاءً في الأرْضِ وأخْلَصَكم (p-٢٢٢)وأسْتَنْقِذُكُمْ، لِتَحْيَوْا وتَسْتَبْشِرُوا عَلى الأرْضِ، والآنَ فَلَسْتُمْ أنْتُمُ الَّذِينَ بَعَثْتُمُونِي إلى هاهُنا بَلِ اللَّهُ أرْسَلَنِي وجَعَلَنِي أبًا لِفِرْعَوْنَ وسَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ بَيْتِهِ، ومُسَلِّطًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فاصْعَدُوا الآنَ عِجِلِينَ عَلَيَّ بِأبِي وقُولُوا لَهُ: هَكَذا يَقُولُ ابْنُكَ يُوسُفُ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي سَيِّدًا لِجَمِيعِ أهْلِ مِصْرَ، فاهْبِطْ إلَيَّ ولا تَتَأخَّرْ، وانْزِلْ إلى أرْضِ السَّدِيرِ - وفي نُسْخَةٍ: خَشّانَ - فَكُنْ قَرِيبًا مِنِّي أنْتَ وبُنُوكَ وأهْلُ بَيْتِكَ وعَمَّتُكَ وبَقَرُكَ وجَمِيعُ مالِكَ، فَأُمَوِّنُكم هُناكَ، لِأنَّهُ قَدْ بَقِيَ خَمْسُ سِنِينَ جُوعًا، لِئَلّا تَهْلَكَ أنْتَ وأهْلُ بَيْتِكَ وكُلُّ مالِكٍ، وهَذِهِ أعْيُنُكم تُبْصِرُ وعَيْنا أخِي بِنْيامِينَ، إنِّي أُكَلِّمُكم مُشافَهَةً، وأخْبِرُوا أبِي بِجَمِيعِ كَرامَتِي ووَقارِي في أرْضِ مِصْرَ، وبِجَمِيعِ ما رَأيْتُمْ، وأسْرِعُوا واهْبِطُوا بِأبِي إلى ما هاهُنا، فاعْتَنَقَ أخاهُ بِنْيامِينُ أيْضًا وبَكى، وقَبِلَ جَمِيعُ إخْوَتِهِ وبَكى، ومِن بَعْدِ ذَلِكَ كَلَّمَهُ إخْوَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ وقِيلَ لَهُ: إنَّ إخْوَةَ يُوسُفَ قَدْ أتَوْهُ، فَسُرَّ ذَلِكَ فِرْعَوْنُ وعَبِيدُهُ - وفي نُسْخَةِ: وجَمِيعُ قُوّادِهِ - فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: قُلْ لِإخْوَتِكَ فَلْيَفْعَلُوا هَكَذا، أوَقِرُوا دَوابَّكم مِيرَةً، وانْطَلِقُوا بِها إلى أرْضِ كَنْعانَ، وأقْبَلُوا بِأبِيكم وأهْلِ بُيُوتاتِكم [وائْتُونِي] فَأنْحِلُكم (p-٢٢٣)خَيْراتِ أرْضِ مِصْرَ وخَصْبِها، وكُلُوا خَصْبَ الأرْضِ، وهَذا أنْتَ المُسَلَّطُ، فَأْمُرْ إخْوَتَكَ أنْ يَفْعَلُوا هَذا الفِعْلَ، احْمِلُوا مِن أرْضِ مِصْرَ عَجَلًا لِنِسائِكم وحَشَمِكُمْ، وأظْعِنُوا بِأبِيكم فَأقْبِلُوا، ولا تُشْفِقَنَّ عَلى أمْتِعَتِكُمْ، لِأنَّ جَمِيعَ خَيْراتِ مِصْرَ وأرْضِها وخَصْبِها هو لَكُمْ، فَفَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ كَما أمَرَ فِرْعَوْنُ، ودَفَعَ إلَيْهِمْ يُوسُفُ عِجْلًا عَنْ أمْرِ فِرْعَوْنَ، وزَوَّدَهم جَمِيعَ أزْوِدَةِ الطَّرِيقِ، وخَلَعَ عَلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهم خَلْعَةً، فَأمّا بِنْيامِينُ فَأجازَهُ بِثَلاثِمِائَةِ دِرْهَمٍ - وفي نُسْخَةٍ: مِثْقالُ فِضَّةٍ - وخَلَعَ عَلَيْهِ خَمْسَ خِلَعٍ، وبَعَثَ إلى أبِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ أيْضًا وعَشْرَةَ حَمِيرٍ مُوَقَّرَةٍ مِنَ البُرِّ والطَّعامِ وأزْوِدَةٍ لِأبِيهِ لِلطَّرِيقِ وأرْسَلَهُمْ، فانْطَلَقُوا، وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ [وقالَ لَهُمْ]: لا تَقَعُ المُشاجَرَةُ فِيما بَيْنَكم في الطَّرِيقِ، فَظَعَنُوا مِن مِصْرَ فَأتَوْا أرْضَ كَنْعانَ إلى يَعْقُوبَ أبِيهِمْ، فَأخْبَرُوهُ وقالُوا لَهُ: إنَّ يُوسُفَ بَعْدُ في الحَياةِ، وهو المُسَلَّطُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، ورَأى يَعْقُوبُ العِجْلَ الَّذِي بُعِثَ يُوسُفُ لِحَمْلِهِ فاطْمَأنَّتْ نَفْسُهُ وقالَ: إنَّ هَذا لَعَظِيمٌ عِنْدِي، إذْ كانَ ابْنِي يُوسُفُ بَعْدَ الحَياةِ، أنْطَلِقُ الآنَ (p-٢٢٤)أنْظُرُ إلَيْهِ قَبْلَ المَوْتِ. فَظَعَنَ إسْرائِيلُ وجَمِيعُ ما لَهُ، فَأتى بِئْرَ السَّبْعِ، وقَرَّبَ قُرْبانًا لِإلَهِ إسْحاقَ أبِيهِ، فَكَلَّمَ اللَّهُ إسْرائِيلَ في الرُّؤْيا وقالَ لَهُ: يا يَعْقُوبُ ! فَقالَ: هاأنَذا! فَقالَ: إنِّي أنا إيَّلُ إلَهُ أبِيكَ، لا تَخَفْ مِنَ الحُدُورِ إلى مِصْرَ، لِأنِّي أجْعَلُكَ هُناكَ إلى شَعْبٍ عَظِيمٍ - وفي نُسْخَةٍ: لِأنِّي أصِيرُ مِنكَ أُمَّةً عَظِيمَةً - أنا أهْبِطُ مَعَكَ، وأنا أصَعَدُكَ، ويُوسُفُ يَضَعُ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْكَ، فَنَهَضَ يَعْقُوبُ مِن بِئْرِ السَّبْعِ وظَعَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِيَعْقُوبَ أبِيهِمْ وبِحَشَمِهِمْ ونِسائِهِمْ عَلى العِجْلِ الَّذِي بَعَثَ فِرْعَوْنُ لِحَمْلِهِ، وساقُوا دَوابَّهم ومَواشِيَهُمُ الَّتِي اسْتَفادُوها بِأرْضِ كَنْعانَ، فَأتَوْا بِها مِصْرَ يَعْقُوبُ وجَمِيعُ نَسْلِهِ وبَنُوهُ مَعَهُ وبَنُو بَنِيهِ [وبَناتُهُ] وبَناتُ بَناتِهِ، وأدْخَلَ إلى مِصْرَ كُلَّ نَسْلِهِ، ثُمَّ سَمّاهم واحِدًا [واحِدًا]، ثُمَّ قالَ: فَجَمِيعُ بَنِي يَعْقُوبَ الَّذِينَ دَخَلُوا مِصْرَ سَبْعُونَ إنْسانًا، ثُمَّ بَعَثَ يَعْقُوبُ يَهُوذا بَيْنَ يَدَيْهِ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِيَدُلَّهُ عَلى السَّدِيرِ - وفي نُسْخَةٍ: خَشانُ - فَألْجَمَ يُوسُفُ مَراكِبَهُ، وصَعِدَ لِلِقاءِ إسْرائِيلَ أبِيهِ إلى خِشانَ - وفي نُسْخَةٍ: السَّدِيرُ - فَتَلَقّاهُ واعْتَنَقَهُ وبَكى إذِ اعْتَنَقَهُ، فَقالَ إسْرائِيلُ لِيُوسُفَ. (p-٢٢٥)أتَوَفّى الآنَ بُعْدَ نَظَرِي إلَيْكَ يا بُنَيَّ، فَأنْتَ في الحَياةِ بَعْدُ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ وآلِ أبِيهِ: أصْعَدُ فَأُخْبِرُ فِرْعَوْنَ وأقُولُ: إنَّ إخْوَتِي وآلَ أبِي الَّذِينَ كانُوا بِأرْضِ كَنْعانَ [قَدْ] أتَوْنِي والقَوْمَ رِعاءُ غَنَمٍ، لِأنَّهم أصْحابُ مَواشٍ وقَدْ أتَوْا بِغَنَمِهِمْ وبَقَرَهِمْ وبِكُلِّ شَيْءٍ لَهُمْ، فَإذا دَعاكم فَقُولُوا لَهُ: إنّا عَبِيدُكَ أصْحابُ ماشِيَةٍ مُنْذُ صِبانا، وحَتّى الآنَ نَحْنُ وآباؤُنا مِن قَبْلُ أيْضًا، لِكَيْ تَنْزِلُوا أرْضَ خِشانَ - وفي نُسْخَةٍ: السَّدِيرُ - لِأنَّ رُعاةَ الغَنَمِ هم مَرْذُولُونَ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ.فَأنّى يُوسُفُ فَأخْبَرَ فِرْعَوْنَ وقالَ لَهُ: إنَّ أبِي وإخْوَتِي أتَوْنِي وغَنَمَهم وبَقَرُهم وجَمِيعَ ما لَهم في أرْضِ كَنْعانَ، وهو ذاهم حُلُولٌ بِأرْضِ السَّدِيرِ، وحَمَلَ مِن إخْوَتِهِ خَمْسَةَ رَهْطٍ، فَأدْخَلَهم عَلى فِرْعَوْنَ فَوَقَفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِإخْوَةِ يُوسُفَ: ما صَنْعَتُكُمْ؟ فَقالُوا: إنَّ عَبِيدَكَ رِعاءُ غَنَمٍ نَحْنُ مُنْذُ صِبانا، وآباؤُنا أيْضًا مِن قَبْلُ. وقالُوا لِفِرْعَوْنَ: إنّا أتَيْنا لِنَسْكُنَ هَذِهِ الأرْضَ لِأنَّهُ فَقَدَ الحَشِيشَ والعُشْبَ والكَلَأ مِن مَرابِعِ غَنَمِ عَبِيدِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ في أرْضِ كَنْعانَ، فَأْمُرْ عَبِيدَكَ أنْ يَنْزِلُوا بِأرْضِ السَّدِيرِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: إنَّ أباكَ وإخْوَتَكَ قَدْ أتَوْا، وهَذِهِ أرْضُ مِصْرَ (p-٢٢٦)بَيْنَ يَدَيْكَ، فَأسْكِنْ أباكَ وإخْوَتَكَ في أحْسَنِ الأرْضِ وأخْصَبِها لِيَنْزِلُوا أرْضَ السَّدِيرِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ فِيهِمْ قَوْمًا ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ [ونَفاذٍ] فَوَلِّهِمْ جَمِيعَ مالِي، فَأدْخَلَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباهُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى فِرْعَوْنَ فَأقامَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: كَمْ عَدَدِ سِنِي حَياتِكَ؟ فَقالَ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِفِرْعَوْنَ: مَبْلَغُ حَياتِي مِائَةٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، وإنَّ أيّامَ حَياتِي لَناقِصَةٌ، ولَمْ أبْلُغْ سِنِي حَياةِ آبائِي في أيّامِ حَياتِهِمْ، فَبارَكَ يَعْقُوبُ فِرْعَوْنَ ودَعا لَهُ، وخَرَجَ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، فَأسْكَنَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أباهُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإخْوَتَهُ وأعْطاهم وِراثَةً في أرْضِ مِصْرَ في أخْصَبِ الأرْضِ وأحْسَنِها في أرْضِ رَعْمَسِيسَ - وفي نُسْخَةٍ: أرْضُ عَيْنِ شَمْسِ - كَما أمَرَ فِرْعَوْنُ، فَقاتَ يُوسُفُ أباهُ وإخْوَتَهُ وجَمِيعَ أهْلِ بَيْتِهِ بِالمِيرَةِ عَلى قَدْرِ الحَشَمِ، ولَمْ تَكُنْ مِيرَةً في جَمِيعِ الأرْضِ كُلِّها لِأنَّ الجُوعَ اشْتَدَّ جِدًّا، فَخَرَجَتْ جَمِيعُ أرْضِ مِصْرَ و[أرْضِ] كَنْعانَ، فَصارَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كُلُّ ورَقٍ ألْفَيْ في (p-٢٢٧)[أرْضِ] مِصْرَ وأرْضِ كَنْعانَ، وذَلِكَ ثَمَنُ البُرِّ الَّذِي كانُوا يَبْتاعُونَهُ، فَأوْرَدَ يُوسُفُ الوَرِقَ بَيْتَ مالِ فِرْعَوْنَ، ونَفِدَ الوَرِقُ مِن أرْضِ مِصْرَ وأرْضِ كَنْعانَ، فَأتى جَمِيعَ المِصْرِيِّينَ إلى يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالُوا لَهُ: أعْطِنا مِنَ القَمْحِ حاجَتَنا فَنَحْيى ولا نَمُوتُ، لِأنَّ ورِقَنا قَدْ نَفَذَ، فَقالَ لَهم يُوسُفُ: ادْفَعُوا إلَيَّ مَواشِيَكم إنْ كانَتِ الأوْراقُ قَدْ نَفِدَتْ، فَأقْوَتْكم بِمَواشِيكُمْ، فَأتَوْهُ بِمَواشِيهِمْ فَأعْطاهم يُوسُفُ مِنَ المِيرَةِ بِخَيْلِهِمْ وبِمَواشِي الغَنَمِ وماشِيَةِ البَقَرِ والحَمِيرِ، وقاتَهم سَنَتَهم تِيكَ بِجَمِيعِ مَواشِيهِمْ، فَأتَوْهُ في السَّنَةِ الأُخْرى وقالُوا لَهُ: لَسْنا نَكْتُمُ سَيِّدَنا أمْرَنا، لِأنَّ أوْراقَنا وماشِيَتَنا ودَوابَّنا قَدْ نَفِدَتْ وصارَتْ عِنْدَ سَيِّدِنا، ولَمْ يَبْقَ بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِنا غَيْرُ أنْفُسِنا وأرْضِنا، فَلَمْ نَهْلَكْ بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فابْتَعْنا وأراضِينا بِإطْعامِكَ إيّانا الخُبْزَ، فَنَصِيرُ نَحْنُ عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ وأرْضُنا مِلْكًا لَهُ، وأعْطِنا البَذْرَ فَنَحْيا ولا نَمُوتُ، ولا تَخْلُو الأرْضُ وتَخْرُبُ لِفَقْدِ سُكّانِها، فابْتاعَ يُوسُفُ لِفِرْعَوْنَ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ، فَصارَتِ الأرْضُ لِفِرْعَوْنَ، فَنَقَلَ الشَّعْبُ مِن قَرْيَةٍ إلى قَرْيَةٍ وحَوْلَهم مِن أقاصِي الأرْضِ نَحْوُ مِصْرَ إلى أقْطارِها ما خَلا أرْضُ الأجْنادِ - وفي نُسْخَةٍ: أئِمَّتُهم - فَإنَّهُ لَمْ يَبْتَعْها، لِأنَّهُ كانَ يَجْرِي عَلى الأجْنادِ - وفي رِوايَةٍ: (p-٢٢٨)أئِمَّتُهم - وظِيفَةً ونُزُلًا مِن عِنْدِ فِرْعَوْنَ، وكانُوا يَأْكُلُونَ بُرَّهُمُ المُوَظَّفَ لَهم مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَبِيعُوا أرْضَهُمْ، فَقالَ يُوسُفُ لِلشَّعْبِ: إنِّي قَدِ اشْتَرَيْتُكُمُ اليَوْمَ وأرْضَكم لِفِرْعَوْنَ، وهاأنَذا مُعْطِيكُمُ البَذْرَ لِتَزْرَعُوا في الأرْضِ، فَإذا دَخَلَتِ الغَلَّةُ فَأعْطُوا فِرْعَوْنَ الخُمْسَ مِنها، وتَكُونُ لَكم لِزِراعَةِ الحَقْلِ أرْبَعَةُ أخْماسٍ، ولِمَأْكَلِ أهْلِ بُيُوتاتِكم وإطْعامِ حَشَمِكُمْ، فَقالُوا لَهُ: لَقَدْ أحْيَيْتَنا، فَلْنَظْفَرْ مِن سَيِّدِنا بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، ونَكُونُ عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ، فَسَنَّ يُوسُفُ هَذِهِ السُّنَّةَ عَلى أرْضِ مِصْرَ إلى يَوْمِ النّاسِ هَذا، فَصارَ [الخُمْسُ] لِفِرْعَوْنَ ما خَلا أرْضَ أئِمَّتِهِمْ - وفي رِوايَةٍ: الأجْنادُ - فَإنَّها لَمْ تَكُنْ لِفِرْعَوْنَ. فَسَكَنَ إسْرائِيلُ [أرْضَ] مِصْرَ وأرْضَ السَّدِيرَ، فَعَظُمُوا واعْتَزُّوا فِيها واسْتَيْسَرُوا وتَماجَدُوا، وعاشَ يَعْقُوبُ في أرْضِ مِصْرَ سَبْعَ عَشْرَةَ [سَنَةً]، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ يَعْقُوبَ مِائَةً وسَبْعًا وأرْبَعِينَ سَنَةً، ودَنَتْ أيّامُ وفاةِ إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَدَعا يُوسُفُ (p-٢٢٩)ابْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ لَهُ: إنْ ظَفَرْتُ مِنكَ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، فَضَعْ يَدَكَ تَحْتَ ظَهْرِي حَتّى أسْتَحْلِفَكَ بِاللَّهِ وأُقْسِمُ عَلَيْكَ بِهِ، وأنْعَمَ عَلَيَّ بِالنِّعْمَةِ والقِسْطِ، لا تَدْفِنِّي بِمِصْرَ، بَلْ أضْطَجِعُ مَعَ آبائِي، احْمِلْنِي مِن مِصْرَ فادْفِنِّي في مَقْبَرَتِهِمْ، فَقالَ يُوسُفُ: أنا فاعِلٌ ذَلِكَ كَقَوْلِكَ وأمْرِكَ، فَقالَ لَهُ: أُقْسِمْ لِي، فَأقْسَمَ لَهُ فَتَوَكَّأ إسْرائِيلُ عَلى عَصاهُ وسَجَدَ شُكْرًا. فَلَمّا كانَ بَعْدَ هَذِهِ الأقاوِيلِ بَلَغَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ أباهُ قَدْ مَرِضَ، فانْطَلَقَ بِابْنَيْهِ مَعَهُ: مَنَشّا وإفْرايِمَ، فَبَلَغَ يَعْقُوبُ وقِيلَ لَهُ: إنَّ ابْنَكَ يُوسُفَ قَدْ أتاكَ، فَتَقْوّى إسْرائِيلُ وجَلَسَ عَلى أرِيكَتِهِ، فَقالَ إسْرائِيلُ لِيُوسُفَ: إنَّ إلَهَ المَواعِيدِ اعْتَلَنَ لِي بِلَوْزٍ في أرْضِ كَنْعانَ، فَبارَكَنِي وقالَ لِي: هاأنَذا مُبارِكُكَ ومُكَثِّرُكَ، وأجْعَلُكَ أبًا لِجَمِيعِ الشُّعُوبِ، وأُعْطِي نَسْلَكَ مِن بَعْدِكَ هَذِهِ الأرْضَ مِيراثًا إلى الأبَدِ، وأنا (p-٢٣٠)إذْ كُنْتُ مُقْبِلًا مِن فَدانَةِ أرامَ تُوُفِّيَتْ عَنِّي راحِيلُ أُمُّكَ في أرْضِ كَنْعانَ في الطَّرِيقِ، وكانَ بَيْنِي وبَيْنَ الدُّخُولِ إلى إفْراثِ قَدْرَ مَسِيرَةِ مِيلٍ - وفي نُسْخَةٍ: - فَرْسَخٌ - فَدَفَنْتُها هُناكَ في طَرِيقِ إفْراثَ - وهي بَيْتُ لَحْمٍ - ونَظَرَ إسْرائِيلُ إلى ابْنَيْ يُوسُفَ فَقالَ لَهُ: مَن هَذانُ؟ فَقالَ: ابْنايَ اللَّذانِ رَزَقَنِي اللَّهُ هاهُنا، فَقالَ أدْنِهِما مِنِّي، فَقَبَّلَهُما واعْتَنَقَهُما وقالَ: ما كُنْتُ أرْجُو النَّظَرَ إلى وجْهِكَ فَقَدْ أرانِي اللَّهُ نَسْلَكَ أيْضًا، وقالَ إسْرائِيلُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ: هاأنَذا مُتَوَفٍّ، ويَكُونُ اللَّهُ بِنَصْرِهِ وعَوْنِهِ مَعَكُمْ، ويَرُدُّكم إلى أرْضِ آبائِكُمْ، وهَأنَذا قَدْ فَضَّلْتُكَ عَلى إخْوَتِكَ بِسَهْمٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي غَلَبَتْ عَلَيْها الأمُورانِيُّونَ بِسَيْفِي وقَوْسِي، ثُمَّ إنَّ يَعْقُوبَ دَعا بَنِيهِ وقالَ؛ اجْتَمَعُوا إلَيَّ فَأُبَيِّنَ لَكم ما هو كائِنٌ مِن أمْرِكم في آخِرِ الأيّامِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: وهَذا ما أخْبَرَهم بِهِ يَعْقُوبُ أبُوهُمْ، نَبَّأهم بِذَلِكَ وبارَكَ عَلَيْهِمْ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم (p-٢٣١)عَلى قَدْرِهِ، ثُمَّ أوْصاهم وقالَ لَهُمْ: إنَّنِي أنْتَقِلُ إلى شَعْبِي فادْفِنُونِي إلى جانِبِ آبائِي في المَغارَةِ الَّتِي في حَقْلِ عَفْرُونَ الحِيثانِيِّ، في المَغارَةِ الَّتِي في الرَّوْضَةِ المُضاعَفَةِ إلى جانِبِ مَمَرِّي بِأرْضِ كَنْعانَ الَّتِي ابْتاعَها إبْراهِيمُ: رَوْضَةٌ مَن عَفْرُونَ الحِيثانِيِّ وِراثَةُ المَقْبَرَةِ، هُنالِكَ دُفِنَ إبْراهِيمُ وسارَّةُ حَلِيلَتُهُ، وفِيها دُفِنَ إسْحاقُ ورَفِقا حَلِيلَتَهُ، وهُنالِكَ دُفِنَتْ لِيا في الرَّوْضَةِ المُبْتاعَةِ والمَغارَةِ الَّتِي فِيها مِن بَنِي حاثَّ. فَلَمّا فَرَغَ يَعْقُوبُ مِن وصِيَّتِهِ لِبَنِيهِ بَسَطَ رِجْلَيْهِ عَلى أرِيكَتِهِ فَماتَ ونُقِلَ إلى شَعْبِهِ. فَوَقَعَ يُوسُفُ عَلَيْهِ [فَقَبَّلَهُ] وبَكى عَلَيْهِ، فَأمَرَ عَبِيدَهُ الأطِبّاءَ بِتَحْنِيطِهِ، فَحَنَّطَ الأطِبّاءُ إسْرائِيلَ وتَمَّتْ لَهُ أرْبَعُونَ لَيْلَةً، لِأنَّهُ هَكَذا تُكْمَلُ أيّامُ المُحَنِّطِينَ، وناحَ المِصْرِيُّونَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ يَوْمًا، فَقالَ يُوسُفُ لِآلِ فِرْعَوْنَ: إنْ ظَفَرْتُ مِنكم بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ فَأخْبِرُوا فِرْعَوْنَ أنَّ أبِي أحْلَفَنِي وأقْسَمَ عَلَيَّ وقالَ لِي: هاأنا مُتَوَفٍّ، فاقْبُرْنِي في القَبْرِ الَّذِي ابْتَعْتَهُ في أرْضِ كَنْعانَ، فَيَأْذَنُ لِي فَأصْعَدُ فَأدْفِنُ [أبِي] ثُمَّ أرْجِعُ، فَقالَ لَهُ (p-٢٣٢)فِرْعَوْنُ: اصْعَدْ فادْفِنْ أباكَ كَما أقْسَمَ عَلَيْكَ، فَصَعِدَ يُوسُفُ لِيَدْفِنَ أباهُ، وصَعِدَ مَعَهُ جَمِيعُ عَبِيدِ فِرْعَوْنَ وأشْياخُ بَيْتِهِ وجَمِيعُ أشْياخِ مِصْرَ وجَمِيعُ أهْلِ بَيْتِ يُوسُفَ، وصَعِدَ مَعَهُ إخْوَتُهُ [و]آلُ أبِيهِ، وأمّا حَشَمُهم وبَقَرُهم وغَنَمُهم فَخَلَّفُوها بِأرْضِ خِشانَ - وفي نُسْخَةٍ: السَّدِيرُ - وأصْعَدَ المَراكِبُ والفَرَسانُ أيْضًا، فَصارَ في عَسْكَرٍ عَظِيمٍ مَنِيعٍ، فَأتَوْا إلى بَيادِرَ أُطُرا - وفي نُسْخَةٍ: أنْدَرُ العَوْسَجَ - الَّتِي في مَجازِ الأُرْدُنِ، فَرَنَوْا هُناكَ وناحُوا نُوحًا عَظِيمًا مُرًّا، فَنَظَرَ سُكّانُ أرْضِ كَنْعانَ إلى التَّأبُّلِ والنُّواحِ في أجْرانَ العَوْسَجَ، فَقالُوا: إنَّ هَذا التَّأبُّلَ عَظِيمٌ لِلْمِصْرِيِّينَ، ولِذَلِكَ دُعِيَ ذَلِكَ المَوْضِعُ ”تَأبُّلُ مِصْرَ“، الَّذِي في مَجازِ الأُرْدُنِّ، فَفَعَلَ بَنُو إسْرائِيلَ كَما أمَرَهُمْ، وحَمَلُوهُ وانْطَلَقُوا بِهِ إلى أرْضِ كَنْعانَ فَدَفَنُوهُ ثُمَّ في المَغارَةِ المُضاعَفَةِ الَّتِي في الرَّوْضَةِ الَّتِي ابْتاعَها إبْراهِيمُ وِراثَةُ المَقْبَرَةِ مَن عَفْرُونَ الحَيْثانِيِّ وهي أمامُ مَمَرى. (p-٢٣٣)ثُمَّ رَجَعَ يُوسُفُ إلى مِصْرَ هو وإخْوَتُهُ وجَمِيعُ مَن صَعِدَ مَعَهُ في دَفْنِ أبِيهِ، ومِن بَعْدِ ما دَفَنَ أباهُ نَظَرَ إخْوَةُ يُوسُفَ إلى أبِيهِمْ قَدْ تُوُفِّيَ، فَفُرِّقُوا وقالُوا: لَعَلَّ يُوسُفَ أنْ يُؤْذِيَنا ويَنْكَأنا ولَعَلَّهُ أنْ يُكافِئَنا عَلى جَمِيعِ الشَّرِّ الَّذِي ارْتَكَبْنا مِنهُ، فَدَنَوْا مِن يُوسُفَ وقالُوا لَهُ: إنَّ أباكَ أوْصى قَبْلَ وفاتِهِ وقالَ: هَكَذا قُولُوا لِيُوسُفَ: نَطْلُبُ إلَيْكَ أنْ تَعْفُوَ عَنْ جَهْلِ إخْوَتِكَ وعَنْ خَطاياهم بِارْتِكابِهِمُ الشَّرَّ مِنكَ، فالآنَ نَطْلُبُ إلَيْكَ أنْ تَعْفُوَ عَنْ ذَنْبِ عَبِيدِ إلَهِ أبِيكَ، فَبَكى يُوسُفُ لَمّا قالُوا ذَلِكَ، فَدَنا إخْوَتُهُ فَخَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ سُجَّدًا وقالُوا لَهُ: هُوذا نَحْنُ لَكَ عَبِيدٌ، فَقالَ لَهُمْ: لا تَخافُونِي لِأنِّي أخافُ اللَّهَ، أمّا أنْتُمْ فَهَمَمْتُمْ بِي شَرًّا فَصَيَّرَهُ اللَّهُ لِي خَيْرًا كَما فَعَلَ بِي يَوْمُنا هَذا، فَأُحْيِي عَلى يَدَيْ خَلْقًا عَظِيمًا، والآنَ فَلا خَوْفَ عَلَيْكُمْ، أنا أقْوَتُكم وحَشَمُكُمْ، فَعَزّاهم ومَلَأ قُلُوبَهم خَيْرًا. ثُمَّ أقامَ يُوسُفُ بِمِصْرَ هو وآلُ بَيْتِهِ، فَعاشَ يُوسُفُ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ ورَأى يُوسُفُ ولَدَ ولَدِهِ، فَقالَ يُوسُفُ لِإخْوَتِهِ: هاأنَذا مُتَوَفٍّ، واللَّهُ سَيَذْكُرُكم ويُخْرِجُكم مِن هَذِهِ الأرْضِ إلى الأرْضِ الَّتِي أقْسَمَ بِها لِإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، فَأقْسَمَ [ يُوسُفُ ] عَلى بَنِي إسْرائِيلَ (p-٢٣٤)وقالَ: [إنَّ] اللَّهَ سَيَذْكُرُكُمْ، فَأصْعِدُوا عِظامِي مَعَكُمْ، فَتُوُفِّيَ يُوسُفُ وهو ابْنُ مِائَةً وعَشْرَ سِنِينَ، فَحَنَّطُوهُ ووَضَعُوهُ في صُنْدُوقٍ بِأرْضِ مِصْرَ - وسَيَأْتِي ما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ اسْتِعْبادِهِمْ وما يَتْبَعُهُ في [سُورَةِ القَصَصِ] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَ مِنَ القِصَّةِ في التَّوْراةِ مُصَدِّقٌ لِما في القُرْآنِ وشاهِدٌ بِإعْجازِهِ، غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَرْحَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] في أنَّهُ بَعْدَ أخْذِ الصُّواعِ مِن رَحْلِ أخِيهِ تَرَكَهم مِن غَيْرِ تَعْرِيفٍ لَهم [بِنَفْسِهِ] فَمَضَوْا إلى أبِيهِمْ فَأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عادُوا مَرَّةً أُخْرى لِلْمِيرَةِ والطَّلَبِ لِيُوسُفَ وأخِيهِ فَعَرَّفَهم يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَفْسِهِ وجَلا لَهُمُ الأمْرَ في هَذِهِ القَدْمَةِ الثّالِثَةِ، فَكَأنَّهم أسْقَطُوا ما في التَّوْراةِ مِن ذَلِكَ تَدْلِيسًا وتَلْبِيسًا، وهو لا يَضُرُّ غَيْرَهُمْ، فَإنَّ ما صارَ في كِتابِهِمْ لا يَتَمَشّى عَلى قَوانِينِ العَقْلِ لِمَن تَدَبَّرَ، فَلَمْ يَفِدْهم ذَلِكَ غَيْرُ التَّحَقُّقِ لِخِيانَتِهِمْ وجَهْلِهِمْ - واللَّهُ الهادِي ”إلى الصَّوابِ“. (p-٢٣٥)

يوسف 12:102

ولَمّا تَمَّ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ الأحْكَمِ والصِّراطِ الأقْوَمِ مِنَ ابْتِدائِهِ إلى انْتِهائِهِ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ دَلِيلٌ كافٍ في تَصْحِيحِ دَعْوى النُّبُوَّةِ مُخاطِبًا لِمَن لا يَفْهَمُ هَذا الحَقَّ فَهْمَهُ غَيْرُهُ، مُسَلِّيًا لَهُ مُثَّبِتًا لِفُؤادِهِ وشارِحًا لِصَدْرِهِ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي السُّؤالُ عَنْهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ النَّبَأِ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي قَصَصْناهُ قَصًّا يُعْجِزُ البُلَغاءَ مِن حَمَلَتِهِ ورُواتِهِ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ أخْبارِهِ الَّتِي لَها شَأْنٌ عَظِيمٌ ﴿نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِ الإيحاءِ الشَّرِيفِ وإشارَةً إلى أنَّهُ لا يَزالُ مَعَهُ يَكْشِفُ لَهُ ما يُرِيدُ ”و“ الحالُ أنَّكَ ”ما كُنْت لَدَيْهِمْ“ أيْ عِنْدِ إخْوَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في هَذا النَّبَأِ الغَرِيبِ جِدًّا ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أجْمَعُوا أمْرَهُمْ﴾ عَلى رَأْيٍ واحِدٍ في إلْقاءِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [فِي الجُبِّ] بَعْدَ أنْ كانَ مُقْسِمًا ﴿وهم يَمْكُرُونَ﴾ أيْ يُدَبِّرُونَ الأذى في خُفْيَةٍ، مِنَ المَكْرِ وهو القَتْلُ - لِتَعْرِفَ ذَلِكَ بِالمُشاهَدَةِ، وانْتِفاءِ تَعَلُّمِكَ لِذَلِكَ مِن بَشَرٍ مِثْلِ انْتِفاءِ كَوْنِكَ لَدَيْهِمْ في ذَلِكَ الحِينِ، ومِنَ المُحَقَّقِ لَدى كُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا عِلْمَ إلّا بِتَعْلِيمٍ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا مُعَلِّمَ لَكَ إلّا اللَّهُ كَما عَلِمَ إخْوانُكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [فَيا لَهُ] مِن دَلِيلٍ جَلَّ عَنْ مَثِيلٍ، وهَذا (p-٢٣٦)[مَنَ] المَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو إيرادُ حُجَّةٍ تَكُونُ بَعْدَ تَسْلِيمِ المُقَدِّماتِ مُسْتَلْزَمَةً لِلْمَطْلُوبِ، وهو تَهَكُّمٌ عَظِيمٌ مِمَّنْ كَذَبَ النَّبِيَّ ﷺ.

يوسف 12:103

ولَمّا سَألَتْ قُرَيْشٌ واليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ [ ابْنِ] الأنْبارِيِّ - عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَنَزَلَتْ مَشْرُوحَةً هَذا الشَّرْحَ الشّافِيَ، مُبَيِّنَةً هَذا البَيانَ الوافِيَ، فَأمَلَ ﷺ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبُ [إسْلامِهِمْ] فَخالَفُوا تَأْمِيلَهُ، عَزّاهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ نُوحِيهِ إلَيْكَ عَلى هَذا الوَجْهِ المُقْتَضِي لِإيمانِهِمْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿أكْثَرُ النّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ مَعَ ذَلِكَ لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ ﴿ولَوْ حَرَصْتَ﴾ أيْ عَلى إيمانِهِمْ ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ واصِفِينَ اللَّهَ بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ، فَلا تَظُنَّ أنَّهم يُؤْمِنُونَ لِإنْزالِ ما يَقْتَرِحُونَ [مِنَ] الآياتِ، أوْ لِتَرْكِ ما يَغِيظُهم مِنَ الإنْذارِ؛ والكَثِيرُ - قالَ الرُّمّانِيُّ: العُدَّةُ الزّائِدَةُ عَلى مِقْدارِ غَيْرِها، والأكْثَرُ: القَسَمُ الزّائِدُ عَلى القَسَمِ الآخَرِ مِنَ الجُمْلَةِ، ونَقِيضُهُ الأقَلُّ؛ والنّاسُ: جَماعَةُ الإنْسانِ، وهو مِن ناسَ يَنُوسُ - إذا تَحَرَّكَ يَمِينًا وشِمالًا مِن نَفْسِهِ لا بِجَرِّ غَيْرِهِ.

يوسف 12:104

(p-٢٣٧)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ذَكَرَ ما يَعْجَبُ [مَعَهُ] مِنهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ هم عَلى ذَلِكَ والحالُ أنَّ مُوجِبَ إيمانِهِمْ مَوْجُودٌ، وذَلِكَ أنَّكَ - مَعَ دُعائِهِمْ إلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وإيتانِكَ عَلَيْهِ بِأوْضَحِ الدَّلائِلِ ما ﴿تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أجْرٍ﴾ حَتّى يَكُونَ سُؤالُكَ سَبَبًا لِأنْ يَتَّهِمُوكَ أوْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ سُؤالِنا. ولَمّا نَفى عَنْهم سُؤالَهُمُ الأجْرَ، نَفى عَنْ هَذا الذِّكْرِ كُلَّ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَقالَ: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ هَذا الكِتابِ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والذِّكْرُ: حُضُورُ المَعْنى لِلنَّفْسِ، والعالَمُ: جَماعَةُ الحَيَوانِ الكَثِيرَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعْلَمَ، لِأنَّهُ أخَذَ مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ مَعْنى التَّكْثِيرِ، وقَدْ يُقالُ: عالَمُ الفَلَكِ وما حَواهُ عَلى طَرِيقِ التَّبَعِ لِلْحَيَوانِ الَّذِي نَنْتَفِعُ بِهِ وهو مَجْعُولٌ لِأجْلِهِ.

يوسف 12:105

ولَمّا كانَ القُرْآنُ العَظِيمُ أعْظَمَ الآياتِ بِما أنْبَأ فِيهِ عَنِ الأخْبارِ الماضِيَةِ والكَوائِنِ الآتِيَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مُضَمَّنَةً مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ، في أسالِيبِ البَلاغَةِ الَّتِي لا تُرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ما لا يُحْصَرُ بِنِظامٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ هَذا رُبَّما لا يَعْلَمُهُ إلّا الرّاسِخُونَ (p-٢٣٨)فِي العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهُ تَعالى غَيْرَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا تَحْتاجُ لِوُضُوحِها إلى أكْثَرِ مِنَ العَقْلِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ عَلامَةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ كالنَّيِّرَيْنِ وسائِرِ الكَواكِبِ والسَّحابِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿والأرْضِ﴾ مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ العَدُّ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مُفَصَّلًا ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ مُشاهَدَةً بِالحِسِّ ظاهِرَةً غَيْرَ خَفِيَّةٍ ﴿وهم عَنْها﴾ أيْ خاصَّةً لا عَنْ مَلاذِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِها ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ دَلالَتِها عَلى السَّعادَةِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وما يَتْبَعُها.

يوسف 12:106

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: كَيْفَ يُوصَفُونَ بِالإعْراضِ وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ تِلْكَ الآياتِ، بَيَّنَ أنَّ إشْراكَهم مُسْقِطٌ لِذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيِ النّاسُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ إلّا وهو داعٍ إلى الإيمانِ بِهِ، لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ، كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وكَذا المُنافِقُونَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرانَ، وكَذا أهْلُ الكِتابَيْنِ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ ويُقَلِّدُونَ عُلَماءَهم (p-٢٣٩)فِي الكُفْرِ بِغَيْرِهِ، فَعَلِمَ أنَّ إذْعانَهم بِهَذا الإيمانِ غَيْرُ تابِعٍ لِدَلِيلٍ، وهو مَحْضُ تَقْلِيدٍ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، لِما سَبَقَ فِيهِ مِن عَلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ فَأفْسَدَهُ بِما شابَهَهُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ، والآيَةُ صالِحَةٌ لِإرادَةِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ [الَّذِي] أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”الشِّرْكُ أخْفى في أُمَّتِي [مِن] دَبِيبِ النَّمْلِ“ وهو شِرْكُ الأسْبابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ وُصُولَ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ بِواسِطَتِها، فَقُلْ مَن يَتَخَطّى مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها! قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وقالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما هو شَكٌّ وشِرْكٌ فالشَّكُّ ضِيقُ الصَّدْرِ عِنْدَ النَّوائِبِ، ومِنهُ ثَوْبٌ مَشْكُوكٌ، والشِّرْكُ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالشَّيْءِ وإنَّما يُوَسِّعُ الصَّدْرَ نُورُ اليَقِينِ، وإنَّما يَتَخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَعِنْدَ هَذا يَتَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ الواسِطِيُّ: إلّا وهم مُشْرِكُونَ: في مُلاحَظَةِ الخَواطِرِ والحَرَكاتِ.

يوسف 12:107

ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ ارْتِباكِهِمْ في أشْراكِ إشْراكِهِمْ، وأنَّهم يَتَعامَوْنَ عَنِ الأدِلَّةِ في الدُّنْيا، وكانَ الأكْثَرُ المُبْهَمُ القَطْعَ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مِن تَوْجِيهِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحَثِّ والزَّجْرِ إلى الجَمِيعِ وهم (p-٢٤٠)فِي غِمارِهِمْ، وكانَ بَعْضُ النّاسُ كالحِمارِ لا يَنْقادُ إلّا بِالعَذابِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أفَأمِنُوا﴾ إنْكارًا فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ ﴿أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُغَطِّيهِمْ ويَبْرُكَ عَلَيْهِمْ ويُحِيطُ بِهِمْ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في الدُّنْيا كَما أتى مِن ذِكْرِنا قِصَصَهم مِنَ الأُمَمِ. ولَمّا كانَ العاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ الحَذَرُ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ وإنْ كانَ لا يُقَرِّبُهُ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ وأشارَ إلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ عَلى القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ وهم عَنْها في غايَةِ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ تَوَقُّعِها أصْلًا؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قالَ يَزِيدُ بْنُ مُقْسِمٍ الثَّقَفِيُّ: ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أدْرِ بَغْتَةً وأفْظَعَ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَئُوكَ البَغْتَ ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى مَهُولًا، أكَّدَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ ولَوْ أنَّهُ كالشَّعْرَةِ، إعْلامًا بِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ في أنَّ حالَهم حالُ مَن هو في غايَةِ الأمْنِ مِمّا أقَلَّ أحْوالَهُ أنَّهُ مُمْكِنٌ، لِأنَّ الشُّعُورَ إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَلْطُفُ كَدِقَّةِ الشَّعْرِ، وإنَّما قُلْتُ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ، لِأنَّهُ (p-٢٤١)مَعْنى البَغْتَةِ؛ قالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: البَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: فاجَأْتُ الرَّجُلَ مُفاجَأةً - إذا جِئْتَهُ عَلى غَفْلَةٍ مُغافَصَةً، ثُمَّ قالَ: وفاجَأْتُهُ مُفاجَأةً - إذا لَقِيتَهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِكَ، وفي تَرْتِيبِ المُحْكَمِ: فَجِئَهُ الأمْرُ [وفَجَأهُ] وفاجَأهُ مُفاجَأةً: هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ، ويَلْزَمَ ذَلِكَ الإسْراعُ وهو مَدارُ هَذِهِ المادَّةِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ أيْضًا التَّغَبَ - بِتَقْدِيمِ المُثَنّاةِ مُحَرِّكًا وهو الهَلاكُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ إذْ هو الأصْلُ في حالِ الحَدَثِ، والسَّلامَةُ فِيهِ هي العَجَبِ، والتَّغَبِ أيْضًا: الوَسَخُ والدَّرَنُ، وتَغِبَ - بِكَسْرِ الغَيْنِ: صارَ فِيهِ عَيْبٌ، ويُقالُ لِلْقَحْطِ: تِغْبَةً - بِالتَّحْرِيكِ، والتَّغْبُ - ساكِنًا: القَبِيحُ والرِّيبَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ أسْرَعُ إلى الإنْسانِ مِن أضْدادِهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ هَذِهِ الدّارَ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ.

يوسف 12:108

ولَمّا وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ ﷺ أكْثَرَ النّاسِ بِما وصَفَ مِن سُوءِ الطَّرِيقَةِ لِلتَّقْلِيدِ الَّذِي مَنشَؤُهُ الإعْراضُ عَنِ الأدِلَّةِ المُوجِبَةِ (p-٢٤٢)لِلْعِلْمِ، أمَرَ أنْ يُذْكَرَ طَرِيقَ الخُلَّصِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أعْلى الخَلْقِ وأصْفاهم وأعْظَمَهم نُصْحًا وإخْلاصًا: ﴿هَذِهِ﴾ أيِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ عَلى ما دَعا إلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّنُهُ ﷺ ﴿سَبِيلِي﴾ القَرِيبَةُ المَأْخَذِ، الجَلِيَّةُ الأمْرِ، الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ، الواسِعَةُ الواضِحَةُ جِدًّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقالَ: ﴿أدْعُو﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ دُعاؤُهُ ﴿إلى اللَّهِ﴾ الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ حالَ كَوْنِي ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ واضِحَةٍ مِن أمْرِي بِنَظَرَيِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وتَرْكِ التَّقْلِيدِ الدّالِّ عَلى الغَباوَةِ والجُمُودِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ المُعَرَّفَةَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ دِينًا ودُنْيا بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ يُبَصِّرُ المَعْنى بِالعَيْنِ. ولَمّا كانَ المَوْضِعُ في غايَةِ الشَّرَفِ، أكَّدَ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ تَعْيِينًا وتَنْبِيهًا عَلى التَّأهُّلِ لِظُهُورِ الإمامَةِ، فَقالَ: ﴿أنا ومَنِ﴾ أيْ ويَدْعُو كَذَلِكَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِي﴾ لا كَمَن هو عَلى عَمًى جائِرٍ عَنِ القَصْدِ، حائِرٍ في ضَلالِ التَّقْلِيدِ، فَهو لا يَزالُ في غَفْلَةٍ هَدَفًا لِلْحُتُوفِ؛ والِاتِّباعِ: طَلَبُ الثّانِي اللَّحاقَ بِالأوَّلِ لِلْمُوافَقَةِ في مَكانِهِ أوْ في أمْرِهِ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، ومِمّا دَخَلَ تَحْتَ ”قُلْ“ عَطْفًا عَلى ”أدَعَوْ“ قَوْلُهُ: مُنَبِّهًا عَلى أنَّ شَرْطَ كُلِّ دَعْوَةٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اقْتِرانُها بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ - ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ (p-٢٤٣)أيْ وأسْبَحُ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ سُبْحانًا، أيْ أُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَأثْبَتَ لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وأُنَزِّهُهُ عَمّا هو مُتَعالٍ عَنْهُ تَنْزِيهًا يَعْلَمُ هم أنَّهُ يَلِيقُ بِجَلالَةٍ ويَرْضى بِهِ، وفي تَخْصِيصِ اللَّهِ بِذَلِكَ عَقِبَ ما أثْبَتَ لَهُ ولِأتْباعِهِ تَلْوِيحٌ بِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِمْ تَواضُعًا، واعْتِذارًا عَمّا يَلْحَقُهم مِنَ الوَهْنِ وطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهُ ﴿وما أنا﴾ وعَدَلَ عَنْ ”مُشْرِكًا“ إلى أبْلَغَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِأنِّي عَلِمْتُ بِما آتانِي مِنَ البَصِيرَةِ أنَّهُ مَنعُوتٌ بِنُعُوتِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ سِماتِ النَّقْصِ، مُتَعالٍ عَنْها، وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ واجِبٍ لِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي جَلَّ عَنِ المُجانَسَةِ، القَهّارُ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ، وفُسِّرَتْ ”سُبْحانَ“ بِما تَقَدَّمَ لِأنَّ مادَّةَ ”سَبَحَ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى القَدَرِ والشِّدَّةِ والِاتِّساعِ؛ وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ ومِنهُ الحَسَبُ: مِقْدارُ الشَّيْءِ. وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ فَيَلْزَمُهُ الحَصْرُ ومِنهُ: أحْسَبَنِي الشَّيْءَ: كَفانِي، واحْتِسابُ الأجْرِ: الِاكْتِفاءُ بِهِ، والحِسابُ: مَعْرِفَةُ المِقْدارِ، والحَسَبُ بِمَعْنى الظَّنِّ راجِعٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا، والأحْسَبُ: الَّذِي ابْيَضَّتْ جِلْدَتُهُ مِن داءٍ وفَسَدَتْ (p-٢٤٤)شَعْرَتُهُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدّاءَ كَفاهُ في الفَسادِ عَنْ كُلِّ داءٍ كَأنَّهُ ما بَقِيَ يَسَعُ مَعَهُ داءٌ، والتَّحْسِيبُ: التَّكْفِينُ بِما يَسَعُ المَيِّتَ، وهو كِفايَةٌ لَهُ لا يَحْتاجُ بَعْدَهُ إلى شَيْءٍ، ومِنهُ الحَبْسُ وهو المَنعُ مِن مُجاوَزَةِ الكِفايَةِ؛ وتَتَجاوَزُ الكِفايَةُ فَيَسْبَحُ ويَتَّسِعُ مَداهُ فَلا يَنْحَصِرُ ومِنهُ: الحَسَبُ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو الشَّرَفُ؛ ومِنهُ السَّحْبُ وبِهِ سُمِّيَ السَّحابُ لِانْسِياحِهِ في الهَواءِ؛ ومِنهُ السَّبْحُ في الماءِ، ومَدَّ الفَرَسُ يَدَيْهِ في الجَرْيِ، والسُّبْحَةُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ - لِأنَّهُ لا حَدَّ لَها يَحْصُرُها، ولِأنَّها تَجاوَزَتِ الفَرْضَ، والسَّبْحُ: الفَراغُ - لِلتَّمَكُّنِ مَعَهُ مِنَ الِانْبِساطِ، والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ - لِأنَّهُ الإبْعادُ عَنِ النَّقْصِ، قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ البَراءَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: وسُبْحانَ اللَّهِ مَعْناهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنَ الصَّحابَةِ والوَلَدِ، وتَبْرِئَةً مِنَ السُّوءِ - هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ وبِذَلِكَ جاءَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ سِيبَوَيْهِ: زَعَمَ أبُو الخَطّابِ أنَّ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ كَقَوْلِكَ بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، [كَأنَّهُ يَقُولُ: أبْرِئْ بَراءَةَ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ]، وزَعَمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ (p-٢٤٥)قَوْلُ الأعْشى: ؎أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ .... سُبْحانَ مَن عَلْقَمَهُ الفاخِرُ أيْ بَراءَةً مِنهُ، وبِهَذا [اسْتَدَلَّ] عَلى أنَّ سُبْحانَ مَعْرِفَةً إذْ لَوْ كانَ نَكِرَةً لانْصَرَفَ، قالَ: وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ مُنَوَّنًا نَكِرَةً، قالَ أُمَيَّةُ: ؎سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا يَعُودُ لَهُ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَحَ الجُودِيُّ والجَمْدُ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: سُبْحانَ اسْمٌ عَلَمٌ لِمَعْنى البَراءَةِ والتَّنْزِيهِ بِمَنزِلَةِ عُثْمانَ وحِمْرانَ، اجْتَمَعَ في سُبْحانَ التَّعْرِيفُ والألِفُ والنُّونُ، وكِلاهُما عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ - انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ قَوْلَهُ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ تَبْرِئَةً لِلَّهِ مِنَ السُّوءِ»، وأهْلُ اللُّغَةِ كَذَلِكَ يَقُولُونَ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِما فِيهِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ولَكِنَّ تَفْسِيرَهُ يَجْمَعُونَ عَلَيْهِ، وقَدْ سَبَحَ الرَّجُلُ: قالَ سُبْحانَ اللَّهِ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وسَبَّحَ لُغَةٌ في سَبَحَ، وحَكى ثَعْلَبٌ: [سَبَّحَ] تَسْبِيحًا وسُبْحانًا، قالَ (p-٢٤٦)ابْنُ سِيدَهْ: وعِنْدِي أنا سُبْحانًا لَيْسَ مَصْدَرًا لِسَبَّحَ، إنَّما هو مَصْدَرُ سَبَّحَ، وقالَ النَّضِرُ: سُبْحانَ اللَّهِ مَعْناهُ السُّرْعَةُ إلَيْهِ والخِفَّةُ في طاعَتِهِ، وسَبُوحَةٌ - بِفَتْحِ السِّينِ: البَلَدُ الحَرامُ، وسَبّاحُ عِلْمُ الأرْضِ المَلْساءِ عِنْدَ مَعْدِنِ بَنِي سَلِيمٍ، وسَبَحاتُ وجْهِ اللَّهِ: أنْوارُهُ، والسُّبْحَةُ: الدُّعاءُ، وأيْضًا صَلاةُ التَّطَوُّعِ - انْتَهى. وكُلُّهُ راجِعٌ إلى الإبْعادِ عَنِ السُّوءِ، والسُّبْحانُ: النَّفْسُ، وكُلُّ أحَدٍ يُبَرِّئُ نَفْسَهُ ويَرْفَعُها عَنِ السُّوءِ.

يوسف 12:109

ولَمّا أوْضَحَ إبْطالُ ما تَعَنَّتُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ”لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ“ أتْبَعُهُ ما يُوَضِّحُ تَعَنُّتَهم في قَوْلِهِمْ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] بِذِكْرِ المُرْسَلِينَ، وأهْلِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ، فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.ولَمّا كانَ الإرْسالُ لِشَرَفِهِ لا يَتَأتّى عَلى ما جَرَتْ بِهِ الحِكْمَةُ في كُلِّ زَمَنٍ كَما أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ كُلُّ أحَدٍ، وكانَ السِّياقُ لِإنْكارِ التَّأْيِيدِ بِمَلَكٍ في قَوْلِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] كالَّذِي في النَّحْلِ، لا لِإنْكارِ رِسالَةِ البَشَرِ، أدْخَلَ الجارَّ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ إلى المُكَلَّفِينَ ﴿إلا رِجالا﴾ (p-٢٤٧)أيْ مِثْلُ ما أنَّكَ رَجُلٌ، لا مَلائِكَةَ ولا إناثًا - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والرَّجُلُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَشْيِ عَلى الرَّجُلِ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ مِثْلَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ مَثَلُ ما أنَّكَ مِن أهْلِ القُرى، أيِ الأماكِنُ المَبْنِيَّةُ بِالمَدَرِ والحَجَرِ ونَحْوِهِ، لِأنَّها مُتَهَيِّئَةٌ لِلْإقامَةِ والِاجْتِماعِ وانْتِيابِ أهْلِ الفَضائِلِ، وذَلِكَ أجْدَرُ بِغَزارَةِ العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ وحِدَّةِ الذِّهْنِ وتَوْلِيدِ المَعارِفِ مِنَ البَوادِي، ومَكَّةُ أُمُّ القُرى في ذَلِكَ لِأنَّها مَجْمَعٌ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ لِما أمَرُوا بِهِ مِن حَجِّ البَيْتِ، وكانَ العَرَبُ كُلُّهم يَأْتُونَها؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ الجِنِّ ولا مِنَ النِّساءِ - انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ المُدُنَ مَواضِعُ الحِكْمَةِ، والبَوادِي مُواطِنُ لِظُهُورِ الكَلِمَةِ، ولَمّا كانَتْ مَكَّةُ أوِ القُرى مَدِينَةً، وهي مَعَ ذَلِكَ في بِلادِ البادِيَةِ، جَمَعَتِ الأمْرَيْنِ وفازَتْ بِالأثَرَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ المُرْسَلَ إلَيْها جامِعٌ لِكُلِّ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وخاتَمٌ لِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. ومادَّةُ ”قُرى“ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الخَمْسَةَ عَشَرَ - تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويُلْزِمُهُ الإمْساكَ، ورُبَّما كانَ عَنْهُ (p-٢٤٨)الِانْتِشارُ، فالقَرْيَةُ - بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ: المُصِرُّ الجامِعُ، وأقْرى: لَزِمَ القَرْيَةَ، والقارِيُّ: ساكِنُها، والقارِّيَّةُ: الحاضِرَةُ الجامِعَةُ، وطَيْرٌ أخْضَرُ، إمّا لِلُزُومِها، وإمّا لِجَمْعِ لَوْنِهِ لِلْبَصَرِ، والقَرْيَتَيْنِ - مُثَنّى وأكْثَرُ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ بِالياءِ: مَكَّةُ والطّائِفُ، وقَرْيَةُ النَّمْلِ: مُجْتَمَعُ تُرابِها، وقَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، والمِقْراةُ: شِبْهُ حَوْضٍ، وكُلُّ ما اجْتَمَعَ فِيهِ ماءٌ، والقَرْيُ: ماءٌ مُسْتَجْمِعٌ، والمُدَّةُ تَقَرّى في الجُرْحِ - أيْ تَجْتَمِعُ، والقَوارِي: الشُّهُودُ - لِجَمْعِهِمُ الأُمُورَ، والقَوارِي: النّاسُ الصّالِحُونَ - كَأنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنَ المَهْمُوزِ، وقَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرى بِالكَسْرِ والقَصْرِ، وبِالفَتْحِ والمَدِّ: أضَفْتُهُ كاقْتَرَيْتُهُ، والمِقْراةُ: الجَفْنَةُ يَقْرى فِيها الضَّيْفُ، والمَقارِي: القُدُورُ، [وقُرى البَعِيرَ وكُلَّ ما اجْتَرَّ: جَمْعُ جَرَّتِهِ في شِدْقِهِ، وقَرَتِ النّاقَةُ: ورِمَ شِدْقاها مِن وجَعِ الأسْنانِ] كَأنَّها لا تَقْدِرُ مَعَ ذَلِكَ عَلى جَمْعِ الجَرَّةِ، فَيَكُونُ مِنَ السَّلْبِ، وقَرى البِلادَ: تَتَبَّعَها يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ كاقْتَراها واسْتَقْرَها - لِجَمْعِهِ بَيْنَها، وقَرِيَ الماءُ كَغَنِيَ: مَسِيلُهُ مِنَ (p-٢٤٩)التِّلاعِ، أوْ مَوْقِعُهُ مِنَ الرَّبْوِ إلى الرَّوْضَةِ - لِأنَّهُ مَكانُ اجْتِماعِهِ، وقُرى الخَيْلِ: وادٍ - كَأنَّها اجْتَمَعَتْ فِيهِ، والقَرْيَةُ - كَغَنِيَّةُ: العَصا لِأنَّ الرّاعِيَ يَجْمَعُ بِها ما يَرْعاهُ. وبِها يَجْمَعُ كُلَّ ما يُرادُ جَمْعُهُ، وأعْوادٌ فِيها فَرْضٌ يَجْعَلُ فِيها رَأْسَ عَمُودِ البَيْتِ، لِأنَّهُ بِها يُقامُ فَيَجْمَعُ مَن يُرادُ، وُعُودُ الشِّراعِ الَّذِي في عَرْضِهِ مِن أعْلاهُ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ الشِّراعَ مَلْفُوفًا ومَنشُورًا، وقَرَيْتُ الصَّحِيفَةَ لُغَةً في قَرَأْتُها - إذا تَلَوْتُها فَجَمَعْتُ عِلْمَها وكَلامَها، والقارِّيَّةُ: أسْفَلُ الرُّمْحِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ زَجَّهُ، أوْ أعْلاهُ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ عالِيَتَهُ، وحَدُّ الرُّمْحِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ مُرادَ صاحِبِهِ، وكَذا حَدُّ السَّيْفِ، والقارِّيَّةُ - بِالتَّشْدِيدِ: طائِرٌ أخْضَرُ إذا رَأوْهُ اسْتَبْشَرُوا بِالمَطَرِ - كَأنَّهُ رَسُولُ الغَيْثِ أوْ مُقَدِّمَةُ السَّحابِ، جَمْعُهُ قَوارِي، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ جَمْعِ الهَمِّ لِلْمَطَرِ؛ والقِيرِ والقارِ: شَيْءٌ أسْوَدُ تُطْلى بِهِ السُّفُنُ، والإبِلُ، والحَبابُ، والزُّقاقُ، أوْ هُما الزِّفْتُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هو سادَ لِلشُّقُوقِ والمَسامِّ فَكانَ الجامِعُ بَيْنَ أجْزاءِ السَّفِينَةِ وغَيْرِها، وهَذا أقْيَرُ مِن [هَذا] أشَدُّ مَرارَةً - تَشْبِيهٌ بِالقِيرِ الطَّعْمِ، والمُرُّ أيْضًا (p-٢٥٠)يُجْمَعُ الفَمُّ نَحْوَهُ بِالقَبْضِ، والقَيُّورُ - كَتَنُّورِ: الخامِلُ النَّسَبُ، شَبَّهَ بِهِ أيْضًا لِأنَّ القِيرَ لَمّا قَلَّ احْتِياجُ أكْثَرِ النّاسِ إلَيْهِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ صارَ قَلِيلَ الذِّكْرِ - وهَذا مَعْنى الخُمُولِ، والقَيّارُ كَشَدّادُ: صاحِبُ القِيرِ، وبِئْرٌ لِبَنِي عِجْلٍ قُرْبَ واسِطٍ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ لِجَمْعِها إيّاهُمْ، وقَيّارٌ اسْمُ فَرَسٍ، كَأنَّهُ لِجَوْدَتِهِ يَجْمَعُ لِصاحِبِهِ ما يُرِيدُ، والقارَّةُ: الدُّبَّةُ كَذَلِكَ، والقارَّةُ: حَيٌّ مِنَ العَرَبِ سُمُّوا لِأنَّ ابْنَ الشَّدّاخِ أرادَ أنْ يُفَرِّقَهم في كِنانَةَ فَقالَ شاعِرُهُمْ: ؎دَعَوْنا قارَّةً لا تَجْفَلُونا فَنَجْفَلَ مِثْلَ إجْفالِ الظَّلِيمِ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرُ العَيْنِ هُنا وغَيْرُهُ في الواوِ، واقَتارَ الحَدِيثُ اقْتِيارًا: بَحَثَ عَنْهُ - لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِجَمْعِهِ، والقَيْرُ - كَهَيِّنُ: الأسْوارُ مِنَ الرُّماةِ الحاذِقِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ بِذَلِكَ ما يُرِيدُ؛ ورَقَيْتُ الرَّجُلَ بِالفَتْحِ رُقْيَةً: عَوَّذْتُهُ، ونَفَثْتُ في عَوْذَتِهِ - لِأنَّ الرّاقِيَ يَجْمَعُ رِيقَهُ ويَنْفُثُ، ورَقَيْتُ في الشَّيْءِ رَقْيًا - إذا صَعَدْتُ عَلَيْهِ - كَأنَّكَ جَمَعْتَ بَيْنَ دُرْجِهِ، والمُرْقاةُ بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ: الدَّرَجَةُ، لِأنَّ العُلُوَّ مِن آثارِ الجَمْعِ، ورَقّى عَلَيْهِ كَلامًا تَرْقِيَةً: رَفَعَ، لِأنَّهُ جَمَعَهُ عَلَيْهِ، ومُرَقِّيًا الأنْفَ: حَرْفاهُ لِأنَّهُما الجامِعانِ لَهُ؛ (p-٢٥١)والرّائِقُ مِنَ الماءِ: الخالِصُ، لِأنَّهُ إذا خَلُصَ اشْتَدَّ تَلاصُقُ أجْزائِهِ لِزَوالِ ما كانَ يَتَخَلَّلُها مِنَ الغَبَرِ، وراقَ الماءَ يُرِيقُ - إذا انْصَبَّ، إمّا لِأنَّهُ اجْتَمَعَ إلى المَحَلِّ الَّذِي انْصَبَّ إلَيْهِ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّلْبِ كَأراقَهُ بِمَعْنى صَبَّهُ، وراقَ السَّرابَ يُرِيقُ وتُرِيقُ يَتَرَيَّقُ - إذا تَضَحْضَحَ فَوْقَ الأرْضِ أيْ تَرَدَّدَ، إمّا مِنَ السَّلْبِ، وإمّا تَشْبِيهٌ بِالمُجْتَمَعِ، والرِّيقُ: تَرَدُّدُ الماءِ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الضِّحْضاحِ أيْ لِيَسِيرٍ ونَحْوِهِ، لِأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ إلّا وهو مُجْتَمِعٌ، والرِّيقُ: أوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ وأفْضَلُهُ مِنَ الرّائِقِ بِمَعْنى الخالِصِ، ولِأنَّ الأوَّلَ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، والأفْضَلُ يَجْمَعُ ما يُرادُ، والرِّيقُ أيْضًا: الباطِلُ، كالرُّيُوقِ كَتَنُّورٍ - تَشْبِيهًا بِالسَّرابِ، ورِيقُ الفَمِ مَعْرُوفٌ، لِاجْتِماعِهِ، والرِّيقُ: القُوَّةُ، لِجَمْعِها المُرادُ، والرِّيقُ الرّائِقُ: الخالِصُ وكُلُّ ما أُكِلَ أوْ شُرِبَ عَلى الرِّيقِ، ومَن لَيْسَ في يَدِهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ خَلَصَ عَنِ العَلائِقِ فاجْتَمَعَ هَمُّهُ، ومَن هو عَلى الرِّيقِ كَرِيقِيٍّ كَكَيِّسٍ، وهو يُرِيقُ بِنَفْسِهِ: يَجُودُ بِها عِنْدَ المَوْتِ، مِن راقَ الماءَ: انْصَبَّ، والمُرِيقُ - كَمُعْظَمٍ: مَن لا يَزالُ يُعْجِبُهُ شَيْءٌ، ولَعَلَّهُ مَن راقَهُ يَرُوقُهُ - إذا أعْجَبَهُ، (p-٢٥٢)فَجَمَعَ هَمَّهُ إلَيْهِ؛ واليارِقُ: ضَرْبٌ مِنَ الأسْوِرَةِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ المِعْصَمَ، واليَرَقانِ - ويَسْكُنُ: الِاسْتِقامَةُ والطَّرِيقَةُ وآفَةٌ لِلزَّرْعِ. ومَرَضٌ مَعْرُوفٌ، وسَيَذْكُرُ في ”أرَقَّ“ في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. ولَمّا كانَ الِاعْتِبارُ بِأحْوالِ مَن سَلَفَ لِلنَّجاةِ مِمّا حَلَّ بِهِمْ أهُمُّ المُهِمِّ، اعْتَرَضَ بِالحَثِّ عَلَيْهِ بَيْنَ الغايَةِ ومُتَعَلِّقِها، فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ يُوقِعُ السَّيْرَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في هَذا الجِنْسِ الصّادِقِ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ. ولَمّا كانَ المُرادُ سَيْرَ الِاعْتِبارِ سَبَّبَ عَنْهُ [قَوْلُهُ] ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ أيْ عَقِبَ سَيْرِهِمْ وبِسَبَبِهِ، ونَبَّهَ عَلى [أنَّ] ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ بِذِكْرِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ فَقالَ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخِرَ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الَّذِينَ يُعْتَبَرُ بِحالِهِمْ - لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ - في بَعْضِ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وكانَ المُخاطَبُونَ بِهَذا القُرْآنِ لا يُمْكِنُهُمُ الإحاطَةَ بِأهْلِ الأرْضِ وإنْ كانَ في حالِ كُلٍّ مِنهم عِظَةٌ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ في الرِّضى بِأهْوائِهِمْ في تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ في [سُورَةِ يُونُسَ] مِن أنَّ الآياتِ [لا تُغْنِي] عَمَّنْ خَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الماضِينَ مِن هَلاكِ العاصِينَ ونَجاةِ الطّائِعِينَ، والِاعْتِراضِ بَيْنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ (p-٢٥٣)فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْضَبُ مِمَّنْ أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّر آياتِهِ؛ والسَّيْرُ: المُرُورُ المُمْتَدُّ في جِهَةٍ، ومِنهُ أخْذُ السَّيْرِ، وأخْذُ السُّيُورِ مِنَ الجِلْدِ؛ والنَّظَرُ: طَلَبُ إدْراكِ المَعْنى بِالعَيْنِ أوِ القَلْبِ، وأصْلُهُ مُقابَلَةُ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ لِإدْراكِهِ. ولَمّا كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَدَّعِيَ مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ أنَّهُ كانَ لَهم نَوْعٌ خَيِّرٌ، قالَ عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ: ﴿ولَدارُ﴾ أيِ السّاعَةِ أوِ الحالَةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ أيِ الَّتِي وقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها بِأُمُورٍ تَفُوتُ الحَصْرَ مِنها دارَ الدُّنْيا فَإنَّهُ لا تَكُونُ دُنْيا إلّا بِقُصْيا ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ حَمَلَهُمُ الخَوْفُ عَلى جَعْلِ الِائْتِمارِ والِانْزِجارِ وِقايَةً مِن حَياةٍ أهْوَنَ مَآلِها المَوْتُ، وإنْ فَرَضَ فِيها مِنَ المُحالِ أنَّها امْتَدَّتْ ألْفَ عامٍ، وكانَ عَيْشُها كُلُّهُ رَغَدًا مِن غَيْرِ آلامٍ. ولَمّا كانَ تَسْلِيمُ هَذا لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى أكْثَرَ مِنَ العَقْلِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ [مُنْكِرًا] عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَيَتْبَعُوا الدّاعِيَ إلى هَذا السَّبِيلِ الأقْوَمِ.

يوسف 12:110

ولَمّا كانَ المَعْنى مَعْلُومًا مِن هَذا السِّياقِ تَقْدِيرُهُ: فَدَعا الرِّجالَ [المُرْسَلُونَ] إلى اللَّهِ واجْتَهَدُوا في إنْذارِ قَوْمِهِمْ لِخَلاصِهِمْ مِنَ الشَّقاءِ، (p-٢٥٤)وتَوَعَّدَهم عَنِ اللَّهِ بِأنْواعِ العُقُوباتِ إنْ لَمْ يَتْبَعُوهُمْ، وطالَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ وتَراخى النَّصْرُ وهم يُكَذِّبُونَهم في تِلْكَ الإيعاداتِ ويُبَكِّتُونَهم ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ، واسْتَمَرَّ ذَلِكَ مِن حالِهِمْ وحالِهِمْ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ أيْ يَئِسُوا مِنَ النَّصْرِ يَأْسًا عَظِيمًا كَأنَّهم أوْجَدُوهُ أوْ طَلَبُوهُ واسْتَجْلَبُوهُ مِن أنْفُسِهِمْ ﴿وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾ أيْ فَعَلُوا فِعْلَ اليَأْسِ [العَظِيمِ اليَأْسِ] الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ قَدْ أخْلَفَ وعْدَهُ مِنَ الإقْبالِ عَلى التَّحْذِيرِ والتَّبْشِيرِ والجَوابِ - لِمَنِ اسْتَهْزَأ بِهِمْ وقالَ: ما يَحْبِسُ ما وعَدْتُمُونا بِهِ - بِأنَّ ذَلِكَ أمْرُهُ إلى اللَّهِ، إنْ [شاءَ] أنْجَزَهُ، وإنْ شاءَ أخَّرَهُ، لَيْسَ عَلَيْنا مِن أمْرِهِ شَيْءٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ أنَّهم لَمَنِ اسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ وضَجِرُوا مِمّا يُقاسُونَ مِن أذى الأعْداءِ، واسْتِبْطاءِ الأوْلِياءِ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة: ٢١٤] -كَما يَقُولُ الآئِسُ ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، عَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ ذَلِكَ بِما هُنا - نَقَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ والرّازِيُّ في اللَّوامِعِ مَعْناهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، هَذا عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ فالتَّقْدِيرُ: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كَذَّبَهم أتْباعُهم حَتّى لَقَدْ أنْكَرَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قِراءَةَ التَّخْفِيفِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ (p-٢٥٥)وغَيْرُهُ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ سَألَها عَنِ القِراءَةِ: أهِيَ بِالتَّشْدِيدِ أمْ بِالتَّخْفِيفِ؟ فَقالَتْ: إنَّها بِالتَّشْدِيدِ، قالَ قُلْتُ: فَقَدِ اسْتَيْقَنُوا أنَّ قَوْمَهم كَذَّبُوهم فَما هو بِالظَّنِّ، قالَتْ: أجِلْ، لَعَمْرِي لَقَدِ اسْتَيْقَنُوا بِذَلِكَ! فَقُلْتُ لَها: وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا أيْ بِالتَّخْفِيفِ - قالَتْ: مَعاذَ اللَّهِ! لَمْ تَكُنِ الرُّسُلُ تَظُنُّ ذَلِكَ بِرَبِّها، قُلْتُ: فَما هَذِهِ الآيَةُ؟ قالَتْ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ [الَّذِينَ] آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وصَدَّقُوهُمْ، فَطالَ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، واسْتَأْخَرَ عَنْهُمُ النَّصْرُ، حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِمَّنْ كَذَّبَهم مِن قَوْمِهِمْ وظَنُّوا أنَّهم أتْباعُهم قَدْ كَذَّبُوهم جاءَهم نَصْرُ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. ﴿جاءَهم نَصْرُنا﴾ لَهَمَّ بِخِذْلانِ أعْدائِهِمْ ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾ مِنهم ومِن أعْدائِهِمْ ﴿ولا يُرَدُّ بَأْسُنا﴾ أيْ عَذابُنا لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَنِ القَوْمِ﴾ أيْ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ﴿المُجْرِمِينَ﴾ الَّذِينَ حُتِّمْنا دَوامَهم عَلى القَطِيعَةِ كَما قُلْنا ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وحَقَّقْنا بِمَن ذَكَرْنا مُصارِعَهم مِنَ الأُمَمِ، وكُلِّ ذَلِكَ إعْلامٌ بِأنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ بِأنَّهُ يُطِيلُ الِامْتِحانَ، ويَمُدُّ زَمانَ الِابْتِلاءِ والِاعْتِبارِ، حَثًّا لِلْأتْباعِ عَلى الصَّبْرِ وزَجْرًا لِلْمُكَذِّبِينَ عَنِ التَّمادِي في الِاسْتِهْزاءِ. (p-٢٥٦)ومادَّةُ ”كَذَبَ“ تَدُورُ عَلى ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، وأكْثَرُ [تَصارِيفِها] واضِحٌ في ذَلِكَ، ويُسْتَعْمَلُ في غَيْرِ الإنْسانِ، قالُوا: كَذَبَ البَرْقُ والحُلْمُ والرَّجاءُ والطَّمَعُ والظَّنُّ، وكَذَبَتِ العَيْنُ: خانَها حِسُّها، وكَذَبَ الرَّأْيَ: تَبَيَّنُ الأمْرُ بِخِلافِ ما هو بِهِ، وكَذَّبَتْهُ نَفْسُهُ: مُنْتَهٍ غَيْرَ الحَقِّ، والكَذُوبُ: النَّفْسُ، لِذَلِكَ، وأكْذَبَتِ النّاقَةُ وكَذَبَتْ - إذا ضَرَبَها الفَحْلُ فَتَشُولُ أيْ تَرَفَعُ ذَنَبَها ثُمَّ تَرْجِعُ حائِلًا، لِأنَّها أخْلَفَتْ ظَنَّ حِمْلِها، وكَذا إذا ظُنَّ بِها لَبَنٌ ولَيْسَ بِها، ويُقالُ لِمَن يُصاحُ بِهِ وهو ساكِنٌ يَرى أنَّهُ نائِمٌ: قَدْ أكْذَبَ، أيْ عُدَّ ذَلِكَ الصِّياحُ عَدَمًا، والمَكْذُوبَةُ [مِنَ النِّساءِ: الضَّعِيفَةُ، لِأنَّهُ لَمّا اجْتَمَعَ فِيها ضَعْفُ النِّساءِ وضَعْفُها عُدَّتْ عَدَمًا، والمَكْذُوبَةُ] عَلى القَلْبِ: المَرْأةُ الصّالِحَةُ - كَأنَّها لِعِزَّةِ الصَّلاحِ في النِّساءِ جُعِلَتْ عَدَمًا، وكَذَبَ الوَحْشِيُّ - إذا جَرى ثُمَّ وقَفَ يَنْظُرُ ما وراءَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْ بِالَّذِي أنْفَرَهُ، ومِنهُ: كَذَبَ عَنْ كَذا - إذا أحْجَمَ عَنْهُ بَعْدَ أنْ أرادَهُ، أوْ لِأنَّهُ كَذَبَ (p-٢٥٧)ما ظَنَّهُ عِنْدَ الحَمْلَةِ مِن قَتْلِ الأقْرانِ، وكَذَبَكَ الحَجُّ أيْ أمْكَنَكَ وكَذَبَكَ الصَّيْدُ [مِثْلُهُ، وهو يَؤُولُ إلى الحَثِّ لِأنَّ المَعْنى أنَّ الحَجَّ لِعِظَمِ مَشَقَّتِهِ وطُولِ شُقَّتِهِ تَنْفِرُ النَّفْسُ عَنْهُ، فَيَكادُ أنْ لا يُوجَدَ، وكَذا الصَّيْدُ] لِشِدَّةِ فِرارِهِ وسُرْعَةِ نِفارِهِ وعِزَّةِ اسْتِقْرارِهِ يَكادُ أنْ لا يَتَمَكَّنَ مِنهُ فَيَكُونُ صَيْدُهُ كالكَذِبِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَقَدْ تَبَيَّنَ حِينَئِذٍ وجْهُ كَوْنِ ”كَذَبَ“ بِمَعْنى الإغْراءِ ولاحَ أنَّ قَوْلَهُ ”ثَلاثَةُ أسْفارٍ كَذَبْنَ عَلَيْكُمُ: الحَجُّ والعُمْرَةُ والجِهادُ“ مَعْناهُ أنَّها لِشِدَّةِ الصُّعُوبَةِ لا تَكادُ تُمَكِّنُ مَن أرادَها مِنها، مَعَ أنَّهُ - لِقُوَّةِ داعِيَتِهِ لِكَثْرَةِ ما يُرى فِيها مِنَ التَّرْغِيبِ بِالأجْرِ - يَكُونُ كالظّافِرِ بِها، ويُؤَيِّدُهُ ما قالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ عَنِ الأخْفَشِ: الحَجُّ مَرْفُوعٌ ومَعْناهُ نُصِبَ، لِأنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالحَجِّ كَما يُقالُ: أمْكَنَكَ الصَّيْدُ، يُرِيدُ: ارْمِهِ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ (p-٢٥٨)فِي الحَجَّةِ في قَوْلِ عَنْتَرَةَ: ؎كَذَبَ العَتِيقُ وماءُ شَنٍّ بارِدٍ إنْ كُنْتَ سائِلَتِي غَبُوقًا فاذْهَبِي وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: إنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُها في الإغْراءِ بِالشَّيْءِ والبَعْثِ عَلى طَلَبِهِ وإيجادِهِ صارَ كَأنَّهُ قالَ بِقَوْلِهِ لَها: عَلَيْكَ العَتِيقُ، أيِ الزَمِيهِ، ولا يُرِيدُ نَفْيَهُ ولَكِنَّ إضْرابَها عَمّا عَداهُ، فَيَكُونُ العَتِيقُ في المَعْنى مَفْعُولًا بِهِ إنْ كانَ لَفْظُهُ مَرْفُوعًا، مِثْلُ ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ“ ونَحْوُهُ مِمّا يُرادُ بِهِ الدُّعاءُ واللَّفْظُ عَلى الرَّفْعِ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ السِّرِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ بَعْضِ أهْلِ اللُّغَةِ في ”كَذَبَ العَتِيقُ“ أنَّ مُضَرَ تُنْصَبُ بِهِ وأنَّ اليَمَنَ تُرْفَعُ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ ذَلِكَ - انْتَهى. وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ جِدًّا وأسْهَلُ تَناوُلًا وأخْذًا أنَّ الإنْسانَ لا يَزالُ مَنِيعَ الجَنابِ مَصُونَ الحِجابِ ما كانَ لازِمًا لِلصِّدْقِ فَإذا كَذَبَ فَقَدْ أمْكَنَ مِن نَفْسِهِ وهانَ أمْرُهُ، فَمَعْنى "ثَلاثَةُ أسْفارٍ كَذَبْنَ عَلَيْكم أمْكَنَتْكم مَن أنْفُسِها، الحَجُّ كُلَّ سَنَةٍ بِزَوالِ مانِعِ الكُفّارِ عَنْهُ، (p-٢٥٩)والعُمْرَةُ كُلَّ السَّنَةِ بِزَوالِ المُفْسِدِينَ بِالقَتْلِ وغَيْرِهِ في أشْهُرِ الحِلِّ، والجِهادُ كُلَّ السَّنَةِ أيْضًا لِإباحَتِهِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ وغَيْرِها، وتَخْرِيجُ مِثْلِ: كَذَبَتْكَ الظَّهائِرُ، وغَيْرُهُ عَلى هَذا بَيْنَ الظُّهُورِ ولا وقْفَةَ فِيهِ ولِكَوْنِ الكاذِبِ يُبادِرُ إلى المَعاذِيرِ ويُحاوِلُ التَّخَلُّصَ كانَ التَّعْبِيرُ [بِهَذا] مِن بابِ الإغْراءِ، أيِ انْتَهَزَ الفُرْصَةَ وبادَرَ تَعَسُّرَ هَذا الإمْكانِ.

يوسف 12:111

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ القِصَصَ كَما كانَتْ، وحَثَّ عَلى الِاعْتِبارِ [بِها] بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [يوسف: ١٠٩] وأشارَ إلى أنَّهُ بِذَلِكَ أجْرى سُنَّتَهُ وإنْ طالَ المَدى، أتْبَعَهُ الجَزْمَ بِأنَّ في أحادِيثِهِمْ أعْظَمَ عِبْرَةٍ، فَقالَ حَثًّا عَلى تَأمُّلِها والِاسْتِبْصارِ بِها: ﴿لَقَدْ كانَ﴾ [أيْ] كَوْنًا هو في غايَةِ المُكْنَةِ ﴿فِي قَصَصِهِمْ﴾ أيِ الخَبَرِ العَظِيمِ الَّذِي تُلِي عَلَيْكَ تَتَبُّعًا لِأخْبارِ الرُّسُلِ الَّذِينَ طالَ بِهِمُ البَلاءُ حَتّى اسْتَيْأسُوا مِن نُوحٍ إلى يُوسُفَ ومَن بَعْدَهُ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ ﴿عِبْرَةٌ﴾ أيْ عِظَةً عَظِيمَةً وذِكْرى شَرِيفَةً ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾ أيْ (p-٢٦٠)لِأهْلِ العُقُولِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ الكَدَرِ يُعَبِّرُونَ بِها إلى ما يُسْعِدُهم بِعِلْمِ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما قَصَّ مِن أمْرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ قادِرٌ عَلى أنْ يُعِزَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ويُعْلِي كَلِمَتَهُ ويَنْصُرُهُ عَلى مَن عاداهُ كائِنًا مَن كانَ كَما فَعَلَ بِيُوسُفَ وغَيْرِهِ - إلى غَيْرِ مِمّا تُرْشِدُ إلَيْهِ قِصَصُهم مِنَ الحُكْمِ وتَعُودُ إلَيْهِ مِن نَفائِسِ العِبَرِ؛ والقِصَصُ: الخَبَرُ بِما يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا، مِن قَصَّ الأثَرَ، والألْبابُ: العُقُولُ، لِأنَّ العَقْلَ أنْفَسُ ما في الإنْسانِ وأشْرَفُ. ولَمّا كانَ مِن أجْلِ العِبْرَةِ في ذَلِكَ القَطْعِ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ لِما بَيَّنَهُ مِن حَقائِقِ أحْوالِهِمْ وخَفايا أُمُورِهِمْ ودَقائِقِ أخْبارِهِمْ عَلى هَذِهِ الأسالِيبِ الباهِرَةِ والتَّفاصِيلِ الظّاهِرَةِ والمَناهِيجِ المُعْجِزَةِ القاهِرَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ سُؤالٍ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ هَذا القُرْآنُ العَرَبِيُّ المُشْتَمِلُ عَلى قِصَصِهِمْ وغَيْرِهِ ﴿حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ كَما قالَ المُعانِدُونَ - عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”أُمّ يَقُولُونَ افْتَراهُ“، والِافْتِراءُ: القَطْعُ بِالمَعْنى عَلى خِلافِ ما هو بِهِ في الإخْبارِ عَنْهُ، مِن: فَرَيْتُ الأدِيمَ ﴿ولَكِنْ﴾ كانَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي﴾ كانَ مِنَ الكُتُبِ وغَيْرِها ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ قَبْلَهُ الَّذِي هو كافٍ في الشَّهادَةِ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ ”و“ زادَ عَلى (p-٢٦١)ذَلِكَ بِكَوْنِهِ ”تَفْصِيل كُلِّ شَيْء“ أيْ يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ؛ والتَّفْصِيلُ: تَفْرِيقُ الجُمْلَةِ بِإعْطاءِ كُلِّ قِسْمٍ حَقَّهُ ﴿وهُدًى ورَحْمَةً﴾ وبَيانًا وإكْرامًا \. ولَمّا كانَ الَّذِي لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ لا يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ مِنهُ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يَقَعُ الإيمانُ مِنهم وإنْ كانَ بِمَعْنًى: يُمْكِنُ إيمانُهُمْ، فَهو عامٌّ، وما جَمَعَ هَذِهِ الخِلالَ فَهو أبْيَنُ البَيانِ، فَقَدِ انْطَبَقَ هَذا الآخَرُ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ في أنَّهُ الكِتابُ المُبِينُ، وانْطَبَقَ ما تَبِعَ هَذِهِ القِصَصَ - مِنَ الشَّهادَةِ بِحَقِّيَّةِ القُرْآنِ، وأنَّ الرُّسُلَ لَيْسُوا مَلائِكَةً [ولا مَعَهم مَلائِكَةٌ] لِلتَّصْدِيقِ يَظْهَرُونَ لِلنّاسِ، وأنَّهم لَمْ يَسْألُوا عَلى الإبْلاغِ أجْرًا - عَلى سَبَبِ ما تَبِعَتْهُ هَذِهِ القِصَصُ، وهو مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةُ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وقَوْلُهُمْ: [إنَّهُ] افْتَراهُ، عَلى تَرْتِيبِ ذَلِكَ، مَعَ اعْتِناقِ هَذا الآخَرِ لِأوَّلِ الَّتِي تَلِيهِ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ مُعْجِزًا باهِرًا، وقاضِيًا بِالحَقِّ لا يَزالُ ظاهِرًا، وكَيْفَ لا وهو العَلِيمُ الحَكِيمُ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.