Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الحجر 15:1 – النحل 16:128
المحتويات
- الحجر 15:1
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:5
- الحجر 15:6
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:33
- الحجر 15:34
- الحجر 15:35
- الحجر 15:36
- الحجر 15:37
- الحجر 15:38
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:43
- الحجر 15:44
- الحجر 15:45
- الحجر 15:46
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:51
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:58
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:61
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:64
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:67
- الحجر 15:68
- الحجر 15:69
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:81
- الحجر 15:82
- الحجر 15:83
- الحجر 15:84
- الحجر 15:85
- الحجر 15:86
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:90
- الحجر 15:91
- الحجر 15:92
- الحجر 15:93
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:96
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:11
- النحل 16:12
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:17
- النحل 16:18
- النحل 16:19
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:22
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:29
- النحل 16:30
- النحل 16:31
- النحل 16:32
- النحل 16:33
- النحل 16:34
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:38
- النحل 16:39
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:50
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:65
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:85
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:93
- النحل 16:94
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:117
- النحل 16:118
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
الحجر 15:1
(p-١)سُورَةُ ”الحِجْرِ“
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ في الذِّرْوَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي الواضِحَةِ لِلْحَقِّ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا؛ وأشْكَلُ ما فِيها وأمْثَلُهُ في هَذا المَعْنى قِصَّةُ أصْحابِ الحِجْرِ؛ فَإنَّ وُضُوحَ آيَتِهِمْ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ كُلِّ مَن شاهَدَها؛ أوْ سَمِعَ بِها؛ كَوُضُوحِ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ في أمْرِ الكِتابِ عِنْدَ جَمِيعِ العَرَبِ؛ لا سِيَّما قُرَيْشٌ؛ وأيْضًا آيَتُهم في غايَةِ الإيضاحِ لِلْحَقِّ؛ والجَمْعِ لِمَعانِيهِ الدّائِرَةِ عَلى التَّوْحِيدِ المُقْتَضِي لِلِاجْتِماعِ عَلى الدّاعِي؛ ومِن هُنا يَتَّضِحُ ويَتَأيَّدُ ما اخْتَرْتُهُ مِنَ الإعْرابِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿”كَما أنْزَلْنا (p-٢)عَلى المُقْتَسِمِينَ“؛﴾ مِن تَعْلِيقِي لَهُ بِـ ﴿”فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ“؛﴾ [الحجر: ٨١] المُقْتَضِي لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ بَيْنَ شَأْنِهِمْ في كُفْرِهِمْ؛ وشَأْنِ قُرَيْشٍ في مِثْلِ ذَلِكَ - كَما سَتَراهُ -؛ عَلى أنَّ لَفْظَ ”الحِجْرِ“؛ يَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ مِنَ الجَمْعِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ الَّتِي رُوحُها الإحاطَةُ المُمَيِّزَةُ لِلْمُحاطِ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ بِلا لَبْسٍ أصْلًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الواحِدِ الأحَدِ؛ الجامِعِ لِما شُتِّتَ مِن بَدَدٍ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَمَعَ خَلْقَهُ في رَحْمَةِ البَيانِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ الأبْرارَ بِما أباحَهُمُ الرِّضْوانَ.
لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِعُنْوانِ الكِتابِ؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِشَرْحِ ذَلِكَ العُنْوانِ؛ وأوَّلُهُ وصْفُهُ بِأنَّهُ جامِعٌ؛ والخَيْرُ كُلُّهُ في الجَمْعِ؛ والشَّرُّ كُلُّهُ في الفُرْقَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الر تِلْكَ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الآياتُ العالِيَةُ المَقامِ؛ النَّفِيسَةُ المَرامِ؛ ﴿آياتُ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الكامِلِ غايَةَ الكَمالِ؛ الَّذِي لا كِتابَ عَلى الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ الجامِعُ لِجَمِيعِ ما يَقُومُ بِهِ الوُجُودُ مِنَ الخَيْراتِ؛ القاطِعُ في قَضائِهِ مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ ولا تَرَدُّدٍ؛ الغالِبُ بِأحْكامِهِ القاهِرَةِ؛ في وعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وأحْكامِهِ؛ في إعْجازِهِ لِجَمِيعِ مَن يُعانِدُهُ. (p-٣)ولَمّا كانَ الغالِبُ في هَذِهِ السُّورَةِ القَطْعَ؛ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الكِتابِ؛ قَدَّمَهُ؛ وذَلِكَ أنَّهُ قَطْعٌ بِأمْرِ الأجَلِ؛ والمَلائِكَةِ؛ وحِفْظِ الكِتابِ؛ والرَّمْيِ بِالشُّهُبِ؛ وكِفايَةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ فَكانَ كَما قالَ - سُبْحانَهُ - ”و“؛ آياتُ؛ ”قُرْآنٍ“؛ أيْ: قُرْآنٍ جامِعٍ؛ ناشِرٍ؛ مُفَصَّلٍ؛ واصِلٍ؛ إذِ التَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ لِجَمِيعِ ما يَجْمَعُ الهِمَمَ عَلى اللَّهِ؛ فَيُوصِلُ إلى السَّعادَةِ؛ وهَذِهِ الإبانَةُ - الَّتِي لَمْ تَدَعْ لَبْسًا - هو مُتَّصِفٌ بِها؛ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِلْأُصُولِ؛ ناشِرًا لِلْفُرُوعِ؛ لا خَلَلَ فِيهِ يُدْخَلُ مِنهُ عَلَيْهِ؛ ولا فَصْمَ يُؤْتى مِنهُ إلَيْهِ؛ فاعْجَبْ لِأمْرٍ حاوٍ لِجَمْعٍ؛ وفَرْقٍ؛ وفَصْلٍ؛ ووَصْلٍ.
والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمَيِّزُهُ عَنْ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ أصْلَ الإبانَةِ الفَصْلُ؛ فَهَذا شَرْحُ كَوْنِهِ بَلاغًا؛ فَمَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ اعْتِقادُ كَوْنِ القُرْآنِ بَلاغًا جامِعًا لِلْأُمُورِ المُوصِلَةِ إلى اللَّهِ؛ مُغْنِيًا عَنْ جَمِيعِ الأسْبابِ؛ فَلا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى شَيْءٍ سِواهُ؛ ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا﴾ [الحجر: ٣] ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكانَ الجَمْعُ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ الدّالِّ كُلٍّ مِنهُما عَلى الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في جَعْلِهِمُ القُرْآنَ عِضِينَ؛ وأنَّ قَوْلَهم شَدِيدُ المُباعَدَةِ لِمَعْناهُ؛ مَعَ أنَّ المَفْهُومَيْنِ - مَعَ تَصادُقِهِما عَلى شَيْءٍ واحِدٍ - مُتَغايِرانِ؛ فالكِتابُ: ما يُدَوَّنُ في الطُّرُوسِ؛ والقُرْآنُ: (p-٤)ما يُقْرَأُ بِاللِّسانِ؛ فَكَأنَّ الأوَّلَ إشارَةٌ إلى حِفْظِهِ في الطُّرُوسِ بِالكِتابَةِ؛ والثّانِيَ إلى حِفْظِهِ في الصُّدُورِ بِالدِّراسَةِ؛ وسَيَأْتِي قَوْلُهُ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]؛ مُؤَيِّدًا لِذَلِكَ؛ وكُلٌّ مِن مادَّتَيْ ”كَتَبَ“؛ و”قَرَأ“؛ بِجَمِيعِ التَّقالِيبِ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ.
أمّا ”كَتَبَ“ - وتَنْقَلِبُ إلى ”كَبَتَ“؛ و”تَبَكَ“؛ و”بَكَتَ“؛ و”بَتَكَ“ -؛ فَقالَ في ”المُجْمَلُ“: ”كَتَبْتُ الكِتابَ؛ أكْتُبُهُ“؛ وهو مِن ”الجَمْعُ“؛ والكِتابُ أيْضًا: الدَّواةُ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ ما هو آلَتُهُ؛ و”المُكْتَبُ“ - كَـ ”مُعْظَمٌ“ -: العُنْقُودُ أُكِلَ بَعْضُ ما فِيهِ؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِالمَكْتُوبِ؛ والكَتِيبَةُ: الجَيْشُ؛ والجَماعَةُ المُسْتَحِيزَةُ مِنَ الخَيْلِ إذا أغارَتْ؛ مِنَ المِائَةِ إلى الألْفِ؛ انْتَهى؛ و”كَتَبَتِ البَغْلَةُ“؛ إذا جَمَعَتْ بَيْنَ شَفْرَيْ رَحِمِها بِحَلْقَةٍ؛ وقالَ القَزّازُ: وأصْلُهُ - أيْ: الكِتابِ - ضَمُّكَ الشَّيْءَ إلى الشَّيْءِ؛ فَكَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِضَمِّ الحُرُوفِ؛ بَعْضِها إلى بَعْضٍ؛ ”كَتَبْتُ المَزادَةَ“؛ إذا خَرَّزْتُها؛ (p-٥)يَعْنِي: فَضَمَمْتُ بَعْضَها إلى بَعْضٍ.
والكُتْبَةُ؛ بِالضَّمِّ: السَّيْرُ يُخَرَّزُ بِهِ؛ وما يُكْتَبُ بِهِ حَياءُ النّاقَةِ لِئَلّا يُنْزى عَلَيْها؛ والإكْتابُ: شَدَّ رَأْسِ القِرْبَةِ؛ والكَتِيبَةُ: جَماعَةٌ تَكَتَّبُوا؛ أيْ: تَجَمَّعُوا؛ و”تَكَبَّتَ الرَّجُلُ“؛ بِتَقْدِيمِ المُوَحَّدَةِ؛ إذا تَقَبَّضَ؛ ومِنهُ ”الكُتابُ“؛ بِضَمِّ الكافِ؛ وتَخْفِيفِ التّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ لِسَهْمٍ صَغِيرٍ؛ يَتَعَلَّمُ بِهِ الصِّبْيانُ الرَّمْيَ؛ كَذا قالَ القَزّازُ: إنَّهُ مُخَفَّفٌ؛ وفي القامُوسِ: وزْنُهُ كَـ ”رُمّانٌ“؛ وزادَ أنَّهُ مُدَوَّرُ الرَّأْسِ؛ و”كَتَبْتُ النّاقَةَ تَكْتِيبًا“: صَرَرْتُها؛ و”اكْتَتَبَ بَطْنُهُ“: أمْسَكَ؛ و”المُكْتَوْتِبُ“: المُمْتَلِئُ؛ والمُنْتَفِخُ؛ ويَلْزَمُ الجَمْعُ القَطْعَ والغَلَبَةَ؛ الَّتِي هي مِن لَوازِمِ القُدْرَةِ؛ فَمِنَ القَطْعِ: ”الكِتابُ“؛ بِمَعْنى الفَرْضِ؛ والحُكْمِ؛ والقَدَرِ؛ و”البَتْكُ“: القَطْعُ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِلسَّيْفِ: باتِكٌ؛ أيْ: قاطِعٌ؛ ومِنَ الغَلَبَةِ والقُدْرَةِ: ”الكِتابُ“؛ بِمَعْنى القَدَرِ؛ قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: و”الكاتِبُ“؛ عِنْدَهُمْ: العالِمُ؛ وقالَ القَزّازُ: و”الكاتِبُ“: الحافِظُ؛ وهَذانَ يَرْجِعانِ أيْضًا إلى نَفْسِ الجَمْعِ - لِجَمْعِ الحافِظِ المَحْفُوظَ؛ والعالِمِ المَعْلُومَ؛ و”كَبَتَ اللَّهُ العَدُوَّ“؛ بِتَقْدِيمِ المُوَحَّدَةِ: صَرَفُهُ ذَلِيلًا؛ وهو مِن ”تَكَبَّتَ الرَّجُلُ“؛ إذا تَقَبَّضَ”؛ وعِبارَةُ (p-٦)القَزّازِ:“كَبَتَ أعْداءَهُ”: رَدَّهم بِغَيْظِهِمْ؛ أيْ: فانْقَمَعُوا؛ وانْجَمَعُوا عَمّا كانُوا انْتَشَرُوا لَهُ؛ و“كَبَتَ الرَّجُلَ”؛ إذا صَرَعَهُ عَلى وجْهِهِ؛ و“بَكَّتَهُ تَبْكِيتًا”؛ إذا أنَّبَهُ؛ أوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا؛ أوْ سَيْفٍ؛ ونَحْوِهِما؛ لِما يَلْزَمُهُ مِن تَصاغُرِ نَفْسِهِ؛ وتَقَبُّضِها.
وأمّا“قَرَأ”؛ مَهْمُوزًا - ويَنْقَلِبُ إلى“رَقَأ”؛ و“أرَقَ”؛ و“أقَرَ”-؛ وغَيْرَ مَهْمُوزٍ؛ يائِيًّا؛ وتَراكِيبُهُ خَمْسَةٌ:“قَرَيَ”؛ و“قَيَرَ”؛ و“رَقَيَ”؛ و“رَيَقَ”؛ و“يَرَقَ”؛ وواوِيًّا؛ وتَراكِيبُهُ سِتَّةٌ:“قَرَوَ”؛ و“قَوَرَ”؛ و“رَقَوَ”؛ و“رَوَقَ”؛ و“وقَرَ”؛ و“ورَقَ”؛ فَهو لِلْجَمْعِ أيْضًا؛ ويَلْزَمُهُ الإمْساكُ؛ ورُبَّما كانَ عَنْهُ الِانْتِشارُ؛ فَمِنَ الجَمْعِ:“قَرَأْتُ القُرْآنَ”؛ أيْ: تَلَوْتُهُ؛ فَجَعَلْتُ بَعْضَ حُرُوفِهِ؛ وكَلِماتِهِ؛ وآياتِهِ تالِيًا لِبَعْضٍ؛ مُتَّصِلًا بِهِ؛ مَجْمُوعًا مَعَهُ؛ ويَلْزَمُ القِراءَةَ النُّسُكُ؛ ومِنهُ“القارِئُ”؛ و“المُتَقَرِّئُ”؛ و“القُرّاءُ”- كَـ“رُمّانٌ”-؛ أيْ: النّاسِكُ؛ ويَلْزَمُ عَنْهُ الفِقْهُ؛ ولِذا قِيلَ:“تَقَرَّأ”؛ إذا تَفَقَّهَ؛ وهو مِنَ الجَمْعِ نَفْسِهِ أيْضًا؛ لِأنَّ النّاسِكَ جَمَعَ النُّسُكَ إلى القِراءَةِ؛ وانْجَمَعَ هَمُّهُ؛ والفَقِيهَ جَمَعَ الفِقْهَ إلَيْها؛ قالَ في“المُجْمَلُ”: و“القُرْآنُ”؛ مِن“القَرْءُ”؛ وهو الجَمْعُ؛ أيْ: وزْنًا ومَعْنًى؛ وفي القامُوسِ: و“قَرَأ عَلَيْهِ السَّلامَ”: أبْلَغَهُ؛ كَـ“أقْرَأهُ”؛ ولا يُقالُ: أقْرَأهُ؛ إلّا إذا (p-٧)كانَ السَّلامُ مَكْتُوبًا؛ وقالَ الزُّبَيْدِيُّ؛ في مُخْتَصَرِ“العَيْنُ”: و“قَرَأتِ المَرْأةُ قُرْءًا”؛ إذا رَأتْ دَمًا؛ و“أقْرَأتْ”؛ إذا حاضَتْ؛ فَهي مُقْرِئٌ؛ انْتَهى؛ فَكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الدَّمِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ أنَّ المَرْأةَ جَمَعَتْهُ إلّا بِرُؤْيَتِهِ؛ وهو مِنَ الِانْتِشارِ؛ الَّذِي قَدْ يَلْزَمُ الجَمْعَ؛ أوْ يَكُونُ“فَعَلَ”هُنا لِلْإزالَةِ؛ فَمَعْناهُ: أزالَتْ إمْساكَ الدَّمِ؛ كَما أنَّ هَذا مَعْنى“أقَرَأتْ”؛ فَإنَّ“فَعَلَ”- لِخِفَّتِهِ وكَثْرَةِ دَوْرِهِ - يَتَصَرَّفُ في مَعانِي جَمِيعِ الأبْوابِ؛ وقالَ في“المُجْمَلُ”: و“أقْرَأتِ المَرْأةُ”: خَرَجَتْ مِن طُهْرٍ إلى حَيْضٍ؛ أوْ حَيْضٍ إلى طُهْرٍ؛ قُلْتُ: فالأوَّلُ يَكُونُ فِيهِ“أفْعَلَ”؛ لِلْإزالَةِ؛ والثّانِي لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ؛ كَما تَقُولُ:“أتْهَمَ الرَّجُلُ؛ وأنْجَدَ”؛ إذا دَخَلَ في“تِهامَةَ”؛ أوْ“نَجْدٍ”؛ قالَ: و“القُرْءُ”: وقْتٌ يَكُونُ لِلطُّهْرِ مَرَّةً؛ ولِلْحَيْضِ مَرَّةً؛ قُلْتُ: فالأوَّلُ لِلْجَمْعِ نَفْسِهِ؛ والثّانِي لِأنَّهُ دَلِيلُ الجَمْعِ؛ قالَ: والجَمْعُ“قُرُوءٌ”؛ ويُقالُ:“القُرْءُ”؛ هو الطُّهْرُ؛ وذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ الطّاهِرَةَ كانَ الدَّمُ اجْتَمَعَ وامْتَسَكَ في بَدَنِها؛ فَهو مِن:“قَرَيْتُ الماءَ”؛ و“قَرى الآكِلُ الطَّعامَ في شِدْقِهِ”؛ وقَدْ يَخْتَلِفُ اللَّفْظانِ؛ فَيُهْمَزُ أحَدُهُما؛ ولا يُهْمَزُ الآخَرُ؛ (p-٨)والمَعْنى واحِدٌ؛ إذا كانَ الأصْلُ واحِدًا؛ وقَوْمٌ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ القُرْءَ: الحَيْضُ؛ وفي القامُوسِ: والقُرْءُ - ويُضَمُّ -: الحَيْضُ؛ والطُّهْرُ؛ ضِدٌّ - وقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُ ذَلِكَ -؛ والوَقْتُ؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِما فِيهِ؛ والقافِيَةُ؛ لِأنَّها جامِعَةٌ لِشَمْلِ الأبْياتِ؛ جَمْعُهُ“أقْرُؤٌ”؛ و“قُرُوءٌ”؛ وجَمْعُ الحَيْضِ“أقْراءٌ”؛ وكَأنَّ العِلَّةَ في ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ جَمْعُ الكَثْرَةِ هو الأصْلَ في الجَمْعِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِالجَمْعِ نَفْسِهِ الكَثْرَةُ؛ فَكُلَّما كانَ أكْثَرَ؛ كانَ بِهِ أجْدَرَ؛ لَمّا كانَ الأصْلُ كَذَلِكَ؛ وكانَ“القُرْءُ”؛ بِمَعْنى“الطُّهْرُ”؛ هو الأصْلَ في مَدْلُولِ الجَمْعِ؛ كانَ أحَقَّ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ؛ الَّذِي هو أعْرَقُ في الجَمْعِ؛ ولَمّا كانَ“القُرْءُ”؛ بِمَعْنى“الحَيْضُ”؛ فَرْعًا؛ كانَ لَهُ جَمْعُ القِلَّةِ؛ الَّذِي هو فَرْعٌ في بابِ الجَمْعِ؛ و“أقْرَأتْ”: حاضَتْ؛ وطَهُرَتْ؛ و“أقْرَأتِ الرِّياحُ”: هَبَّتْ لِوَقْتِها؛ لِأنَّ هُبُوبَها دالٌّ عَلى اجْتِماعِها؛ كَظُهُورِ دَمِ الحَيْضِ؛ و“قَرَأ الشَّيْءَ”: جَمَعَهُ؛ وضَمَّهُ؛ والحامِلُ: ولَدَتْ؛ لِأنَّ ظُهُورَ الوَلَدِ هو المُحَقِّقُ لِجَمْعِها إيّاهُ في بَطْنِها؛ و“أقْرَأ”: رَجَعَ؛ ودَنا؛ وأخَّرَ؛ واسْتَأْخَرَ؛ وغابَ؛ وانْصَرَفَ؛ (p-٩)وتَنَسَّكَ كَـ“تَقَرَّأ”؛ بَعْضُهُ لِلْإيجابِ؛ وبَعْضُهُ لِلسَّلْبِ؛ و“المُقَرَّأةُ”؛ كَـ“مُعَظَّمَةٌ”: الَّتِي يُنْتَظَرُ بِها انْقِضاءُ أقْرائِها؛ و“قَدْ قُرِئَتْ”: حُبِسَتْ لِذَلِكَ؛ و“أقْراءُ الشِّعْرِ”: أنْواعُهُ؛ وأنْحاؤُهُ؛ لِأنَّها جامِعَةٌ لِلْأجْزاءِ؛ و“القِرْءَةُ”؛ بِالكَسْرِ: الوَباءُ؛ لِجَمْعِهِ الهَمَّ؛ و“اسْتَقْرَأ الجَمَلُ النّاقَةَ”: تارَكَها لِيَنْظُرَ ألَقُحَتْ أمْ لا؛ مِنَ التَّتَبُّعِ؛ والسَّبْرِ؛ وهو بِمَعْنى جَمْعِ الأدِلَّةِ؛ و“قَرَأتِ النّاقَةُ”؛ إذا حَمَلَتْ؛ فَهي قارِئٌ؛ أيْ: جَمَعَتْ في بَطْنِها ولَدًا؛ و“أقْرَأتْ”؛ إذا اسْتَقَرَّ الماءُ في رَحِمِها؛ ومِنَ الإمْساكِ:“رَقَأ الدَّمُ؛ والدَّمْعُ؛ رُقُوءًا”؛ إذا انْقَطَعا؛ قالَ أبُو زَيْدٍ: و“الرَّقُوءُ”؛ أيْ: بِالفَتْحِ: ما يُوضَعُ عَلى الدَّمِ فَيَسْكُنُ؛ و“رَقَأ بَيْنَهُمْ”: أصْلَحَ؛ وأفْسَدَ؛ وفي الدَّرَجَةِ: صَعِدَ؛ وهي المَرْقاةُ؛ وتُكْسَرُ؛ و“رَقَأ العَرَقُ”: ارْتَفَعَ؛ مِنهُ ما هو بِمَعْنى الجَمْعِ؛ ومِنهُ ما هو بِمَعْنى الِانْتِشارِ والعُلُوِّ؛ الَّذِي رُبَّما لَزِماهُ؛ ومِنَ الإمْساكِ:“الأرَقُ”؛ وهو السَّهَرُ؛ لِأنَّهُ يُمْسِكُ النَّوْمَ؛ والإرْقانُ: دُودٌ يَكُونُ في الزَّرْعِ؛ فَكَأنَّهُ يُوجِبُ الهَمَّ؛ الَّذِي يَكُونُ عَنْهُ الأرَقُ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الِانْتِشارِ؛ الَّذِي (p-١٠)رُبَّما يَلْزَمُ الجَمْعَ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ الجَمْعِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ الهَمَّ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ وفي القامُوسِ: و“الإرْقانُ”؛ بِالكَسْرِ: شَجَرٌ أحْمَرُ؛ والحِنّاءُ؛ والزَّعْفَرانُ؛ ودَمُ الأخَوَيْنِ؛ كَأنَّهُ سَبَبٌ لِلْعُكُوفِ عَلَيْهِ بِالِاسْتِرْواحِ إلَيْهِ؛ أوْ أنَّهُ يَجْمَعُ بِصَبْغِهِ لَوْنًا إلى لَوْنٍ؛ و“الإرْقانُ”؛ أيْضًا: آفَةٌ تُصِيبُ الزَّرْعَ؛ والنّاسَ؛ كَـ“الأرَقانُ”؛ مُحَرَّكَةً؛ وبِكَسْرَتَيْنِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ وضَمِّ الرّاءِ؛ و“الأرَقُ”؛ و“الأرَقانُ”؛ بِفَتْحِهِما؛ و“الأُراقُ”؛ كَـ“غُرابٌ”؛ و“اليَرَقانُ”؛ مُحَرَّكَةً؛ وهَذِهِ أشْهَرُ داءٍ يَتَغَيَّرُ مِنهُ لَوْنُ البَدَنِ فاحِشًا إلى صُفْرَةٍ؛ أوْ سَوادٍ؛ كَأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ سَبَبَ الأرَقِ كانَ هو الأرَقَ البَلِيغَ؛ و“زَرْعٌ مَأْرُوقٌ؛ ومَيْرُوقٌ”: مَؤُوفٌ؛ و“الأُقُرُ”؛ بِضَمَّتَيْنِ: وادٍ واسِعٌ مَمْلُوءٌ حِمْضًا ومِياهًا؛ وهو واضِحٌ في مَعْنى الجَمْعِ؛ قَدْ مَضى مِن هَذِهِ المادَّةِ جُمْلَةٌ في آخِرِ سُورَةِ“يُوسُفَ”- عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]؛ وتَأْتِي بَقِيَّتُها - إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) - في سُورَةِ“سُبْحانَ"؛ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]
الحجر 15:2
(p-١١)ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا القُرْآنَ بِما وصَفَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ والإبانَةِ لِجَمِيعِ المَقاصِدِ؛ الَّتِي مِنها سُؤالُ الكَفَرَةِ - عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ - التَّأْخِيرَ لِلطّاعَةِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يُبَيِّنْ لِلْكَفَرَةِ سُوءَ عاقِبَتِهِمْ بَيانًا يَرُدُّهُمْ؟ فَقالَ - سُبْحانَهُ - باسِطًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] -: ﴿رُبَما يَوَدُّ﴾؛ أشارَ (تَعالى) بِكَوْنِهِ مُضارِعًا إلى أنَّ ودَّهم لِذَلِكَ يَكُونُ كَثِيرًا جِدًّا؛ مُتَكَرِّرًا؛ وإيلاءَهُ لِـ ”رُبَما“ - وإنَّما يَلِيها في الأغْلَبِ الماضِي - مُعْلِمٌ بِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ كَما يُقْطَعُ بِالماضِي الَّذِي تَحَقَّقَ؛ ووَقَعَ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: ولَوْ وقْتًا ما؛ والوَدُّ: التَّمَنِّي؛ وهو تَقْدِيرُ المَعْنى في النَّفْسِ لِلِاسْتِمْتاعِ؛ وإظْهارِ مَيْلِ الطِّباعِ لَهُ إلَيْهِ؛ وفِيهِ اشْتِراكٌ بَيْنَ التَّمَنِّي والحُبِّ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ؛ وهو هُنا لِلتَّمَنِّي؛ فَإنَّهُ بَيَّنَ مَوْدُودَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿مُسْلِمِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في وصْفِ الإسْلامِ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ إلى آخِرِهِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والإسْلامُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ عَلى حالِ سَلامَةٍ؛ كَإسْلامِ الثَّوْبِ إلى مَن يُقَصِّرُهُ؛ وإسْلامِ الصَّبِيِّ إلى مَن يُعَلِّمُهُ؛ فالإسْلامُ (p-١٢)الَّذِي هو الإيمانُ - إعْطاءُ مَعْنى الحَقِّ في الدِّينِ بِالإقْرارِ؛ والعَمَلِ بِهِ؛ انْتَهى؛ وقَدْ كانَ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فَقَدْ نَدِمَ كُلُّ مَن أسْلَمَ مِنَ الصَّحابَةِ عَلى تَأْخِيرِ إسْلامِهِ؛ لَمّا عَلِمُوا فَضْلَ الإسْلامِ؛ ورَأوْا فَضائِلَ السّابِقِينَ - كَما هو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وفُتُوحِ البُلْدانِ؛ وسَيَكُونُ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ في القِيامَةِ؛ وما قَبْلَها؛ فالمَعْنى أنَّكم إنْ كَذَّبْتُمْ في القَطْعِ - في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ الآيَةَ - بِأنَّكم تَرْجِعُونَ عَنْ هَذا الشَّمَمِ؛ وتَتَبَرَّؤُونَ مِن هَذِهِ السَّجايا والهِمَمِ؛ فَتَسْألُونَ اللَّهَ (تَعالى) في الطّاعَةِ؛ وقَدْ فاتَ الفَوْتُ بِحُلُولِ حادِثِ المَوْتِ إلى غَيْرِهِ؛ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يَكُونَ عِنْدَكم شَكٌّ في الأُمُورِ الَّتِي يَجُوزُ كَوْنُها؛ ولا يَنْبَغِي حِينَئِذٍ لِلْعاقِلِ تَرْكُ الِاهْتِمامِ بِالِاسْتِعْدادِ عَلى تَقْدِيرِ هَذا الِاحْتِمالِ؛ هَذا - أعْنِي التَّقْلِيلَ - مَدْلُولُ ”رُبَّ“؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها قَدْ تَرِدُ لِلتَّكْثِيرِ؛ وقالَ الجَمالُ (p-١٣)ابْنُ هِشامٍ في كِتابِ ”المُغْنِي“: إنَّهُ أغْلَبُ أحْوالِها؛ واسْتَدَلَّ بِشَواهِدَ لا تَدُلُّ عِنْدَ التَّأمُّلِ؛ ولا يَصِحُّ قَوْلُ مَن نَسَبَ إلى الكَشّافِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلامَهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّجّاجِ؛ وعِبارَةُ الزَّجّاجِ - كَما نَقَلَها الإمامُ جَمالُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ المُكَرَّمِ؛ في كِتابِهِ ”لِسانُ العَرَبِ“؛ ومِن خَطِّهِ نَقَلْتُ: مَن قالَ: إنَّ ”رُبَّ“؛ يُعْنى بِها التَّكْثِيرُ؛ فَهو ضِدُّ ما تَعْرِفُهُ العَرَبُ؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ جازَتْ في قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ و”رُبَّ“؛ لِلتَّقْلِيلِ؟ فالجَوابُ أنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْلَمُهُ في التَّهْدِيدِ؛ والرَّجُلُ يَتَهَدَّدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ: ”لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ“؛ وهو لا يَشُكُّ أنَّهُ يَنْدَمُ؛ ويَقُولُ: ”رُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ مِن مِثْلِ ما صَنَعْتَ“؛ وهو يَعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ يَنْدَمُ كَثِيرًا؛ ولَكِنَّ مَجازَهُ أنَّ هَذا لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ؛ أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ أنْ يَنْدَمَ عَلى الشَّيْءِ؛ لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ مَعْنى التَّهْدِيدِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا (p-١٤)ويَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]؛ انْتَهى.
فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّهم يُطْلِقُونَها بِمَعْنى القِلَّةِ فِيما يَعْلَمُونَ أنَّهُ كَثِيرٌ؛ إرْخاءً لِلْعِنانِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الأخْذِ بِالأحْوَطِ؛ وذَلِكَ واقِعٌ في التَّهْدِيدِ؛ وفارِقٌ كَبِيرٌ بَيْنَ ما يُعْلَمُ أنَّهُ كَثِيرٌ مِن أمْرٍ خارِجٍ عَنِ العِبارَةِ المُخْبَرِ بِها عَنْهُ؛ وبَيْنَ ما تُعْرَفُ كَثْرَتُهُ مِن تِلْكَ العِبارَةِ؛ وزِيدَتْ ”ما“؛ فِيها تَأْكِيدًا؛ مِن حَيْثُ إنَّها تُفْهِمُ أنَّ الأمْرَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ؛ ولِتَهْيِئَتِها لِمَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَها؛ قالَ الإمامُ أبُو حَيّانَ: والظّاهِرُ أنَّ ”ما“؛ في ”رُبَّ“؛ مُهَيِّئَةٌ؛ وذَلِكَ أنَّها مِن حَيْثُ هي حَرْفُ جَرٍّ - عَلى خِلافٍ فِيهِ - لا يَلِيها إلّا الأسْماءُ؛ فَجِيءَ بِها مُهَيِّئَةً لِمَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَها؛ وعَلى كَثْرَةِ مَجِيءِ ”رُبَّ“؛ في كَلامِ العَرَبِ لَمْ تَجِئْ في القُرْآنِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ؛ انْتَهى؛ ودَخَلَتْ هَهُنا عَلى المُضارِعِ - وهي لِلْماضِي - لِأنَّهُ لِصِدْقِ الوَعْدِ؛ كَأنَّهُ عِيانٌ؛ قَدْ كانَ؛ أوْ لِأنَّ ”ما“؛ إذا لَحِقَتْها سَوَّغَتْ دُخُولَها عَلى المُسْتَقْبَلِ؛ كَما تَدْخُلُ عَلى (p-١٥)المَعْرِفَةِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ:
الحجر 15:3
ولَمّا طَرَقَ لَهم - سُبْحانَهُ - الِاحْتِمالَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَوَّزُوهُ فَأخَذُوا في الِاسْتِعْدادِ لَهُ؟ فَقِيلَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ مُلْتَفِتًا إلى ما أشارَ إلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“؛ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٣]؛ مِنَ المانِعِ لَهم عَنِ الإذْعانِ -: ﴿ذَرْهُمْ﴾؛ يا أعَزَّ الخَلْقِ عِنْدَنا؛ كالبَهائِمِ؛ ﴿يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا﴾؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ؛ وهو طَلَبُ اللَّذَّةِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ كالتَّقَرُّبِ في أنَّهُ طَلَبُ القُرْبِ حالًا بَعْدَ حالٍ؛ ﴿ويُلْهِهِمُ﴾؛ أيْ: يَشْغَلْهم عَنْ أخْذِ حَظِّهِمْ مِنَ السَّعادَةِ؛ ﴿الأمَلُ﴾؛ أيْ: رَجاؤُهم طُولَ العُمْرِ؛ وبُلُوغَ ما يُقَدِّرُهُ الوَهْمُ مِنَ المَلاذِ؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُهَيِّئٍ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يَشْتَغِلُ بِهِ إلّا أحْمَقُ؛ سَبَّبَ عَنْهُ التَّهْدِيدَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما يَحِلُّ بِهِمْ بَعْدَ ما فَسَحْنا لَهم مِن زَمَنِ التَّمَتُّعِ؛ وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ؛ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ مِن وعِيدِ الكُفّارِ ما تَضَمَّنَهُ الآيُ المُخْتَتَمُ بِها سُورَةُ ”إبْراهِيمَ“؛ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ إلى خاتِمَتِها؛ أعْقَبَ ذَلِكَ (p-١٦)بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ أيْ: عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأحْوالِ الجَلائِلِ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى) - تَأْكِيدًا لِذَلِكَ الوَعِيدِ -: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ ثُمَّ أعْقَبَ (تَعالى) هَذا بِبَيانِ ما جَعَلَهُ سُنَّةً في عِبادِهِ؛ مِنَ ارْتِباطِ الثَّوابِ والعِقابِ؛ مُعَجَّلَةً؛ ومُؤَجَّلَةً؛ بِأوْقاتٍ وأحْيانٍ؛ لا انْفِكاكَ لَها عَنْها؛ ولا تَقَدُّمَ ولا تَأخُّرَ؛ إذِ اسْتِعْجالُ البَطْشِ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ يَخافُ الفَوْتَ؛ والعالَمُ؛ بِجُمْلَتِهِمْ؛ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وفي قَبْضَتِهِ؛ لا يَفُوتُهُ أحَدٌ مِنهُمْ؛ ولا يُعْجِزُهُ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ وكانَ هَذا يَزِيدُ إيضاحًا قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]؛ وقَوْلَهُ: ﴿وأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ [إبراهيم: ٤٤]؛ وقَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]؛ الآيَةَ؛ وتَأمَّلْ نُزُولَ قَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ عَلى هَذا؛ وعَظِيمَ مَوْقِعِهِ في اتِّصالِهِ بِهِ؛ ووُضُوحَ ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وأمّا افْتِتاحُ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ فَإحالَةٌ عَلى أمْرَيْنِ واضِحَيْنِ: أحَدُهُما ما نَبَّهَ بِهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الدَّلائِلِ والآياتِ؛ كَما يُفَسَّرُ؛ والثّانِي ما بَيَّنَهُ القُرْآنُ المَجِيدُ؛ وأوْضَحَهُ؛ وانْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والغُيُوبِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ وتَصْدِيقِ بَعْضِ ذَلِكَ بَعْضًا؛ فَكَيْفَ لا يَكُونُ (p-١٧)المُتَوَعَّدُ بِهِ في قُوَّةِ الواقِعِ المُشاهَدِ؛ لِشِدَّةِ البَيانِ في صِحَّةِ الوُقُوعِ؟ فالعَجَبُ مِنَ التَّوَقُّفِ والتَّكْذِيبِ! ثُمَّ أعْقَبَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]؛ انْتَهى.
الحجر 15:4
ولَمّا هُدِّدُوا بِآيَةِ التَّمَتُّعِ وإلْهاءِ الأمَلِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ جِدًّا مِن أحْوالِهِمْ الِاسْتِعْجالُ بِالعَذابِ؛ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً؛ كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَقالُوا: يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ؛ عَجِّلْ لَنا ما تَتَوَعَّدُنا بِهِ؛ وكانَ هَذا غائِظًا؛ مُوجِعًا؛ حامِلًا عَلى تَمَنِّي سُرْعَةِ الإيقاعِ بِهِمْ؛ فَقِيلَ في الجَوابِ: إنَّ لَهم أجَلًا بِكِتابٍ مَعْلُومٍ؛ لا بُدَّ مِن بُلُوغِهِمْ لَهُ؛ لِأنَّ المُتَوَعِّدَ لا يَخافُ الفَوْتَ؛ فَهو يُمْهِلُ ولا يُهْمِلُ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَلْيَسْتَعِدُّوا؛ فَإنَّ الأمْرَ غَيْبٌ؛ فَما مِن لَحْظَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِأنْ يُتَوَقَّعَ فِيها العَذابُ؛ فَإنّا لا نُهْلِكُهم إلّا إذا بَلَغُوا كِتابَهُمُ المَعْلُومَ؛ ﴿وما﴾؛ جَعَلْنا هَذا خاصًّا بِهِمْ؛ بَلْ هو عادَتُنا؛ ﴿ما أهْلَكْنا﴾ [القصص: ٤٣]؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾؛ أيْ: مِنَ القُرى.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإهْلاكِ؛ واسْتِعْجالِهِمْ؛ واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ؛ وكانَ (p-١٨)تَقْدِيرُهُ - سُبْحانَهُ - وكُتُبُهُ مِن عالَمِ الغَيْبِ؛ اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مَحْتُومٌ؛ مَفْرُوغٌ مِنهُ؛ سابِقٌ تَقْدِيرُهُ عَلى زَمَنِ الإهْلاكِ؛ فَأتى بِالواوِ لِأنَّ الحالَ بِدُونِ الواوِ كالجُزْءِ مِن سابِقِها كالخَبَرِ؛ والنَّعْتِ؛ الَّذِي لا يَتِمُّ المَعْنى بِدُونِهِ؛ والَّتِي بِالواوِ هي زِيادَةٌ في الخَبَرِ السّابِقِ؛ ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى الرَّبْطِ بِالواوِ؛ كَما يُرْبَطُ بِها في العَطْفِ؛ فَقالَ: ﴿إلا ولَها﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَها في الإهْلاكِ؛ أوْ لِإهْلاكِها؛ ﴿كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: أجَلٌ مَضْرُوبٌ؛ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ إذا جاءَهُمُ العَذابُ في الأجَلِ الَّذِي كَتَبْناهُ لَهُمْ: هَلْ يَوَدُّونَ الإسْلامَ؛ أمْ لا؛
الحجر 15:5
ثُمَّ بَيَّنَ الآيَةَ السّابِقَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ﴾؛ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ الأجَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجَلَها﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّرْناهُ لَها؛ ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ ولَمْ يَقُلْ: تَسْتَأْخِرُ؛ حَمْلًا عَلى اللَّفْظِ؛ كالماضِي؛ لِئَلّا يَصْرِفُوهُ إلى خِطابِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَعَنُّتًا؛
الحجر 15:6
ثُمَّ لَمّا أجابَهم بِهَذا الجَوابِ الدّالِّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ العِلْمِ؛ الدّالَّيْنِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ عَطَفَ عَلى ما تَقَدَّمَ أنَّهُ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ؛ قَوْلَهُ (p-١٩)- دالًّا عَلى تَرْكِهِمُ الجَوابَ إلى التَّعَنُّتِ؛ والسَّفَهِ -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: لَمْ يُجَوِّزُوا أنَّهم يَوَدُّونَ ذَلِكَ؛ بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى العِنادِ؛ وقالُوا: ﴿يا أيُّها الَّذِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالتَّنْزِيلِ نَفْسِهِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿نُـزِّلَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: بِزَعْمِهِ؛ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ وبَيَّنُوا أنَّهم ما سَمَّوْهُ تَنْزِيلًا إلّا تَهَكُّمًا؛ فَقالُوا - مُؤَكِّدِينَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأنَّ قَوْلَهم مُنْكَرٌ -: ﴿إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ادِّعائِكَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ ذِكْرًا؛ والَّذِي تَراهُ جِنِّيٌّ يُلْقِي إلَيْكَ تَخْلِيطًا؛ فَكانَ هَذا دَلِيلًا عَلى عِنادِهِمْ؛ فَإنَّهم أقامُوا الشَّتْمَ مَقامَ الجَوابِ عَمّا مَضى؛ صَنْعَةَ المَغْلُوبِ المَقْطُوعِ في المُناظَرَةِ؛
الحجر 15:7
تَمَّ أتْبَعُوهُ ما زَعَمُوا أنَّهُ دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِمْ؛ فَقالُوا: ﴿لَوْ ما﴾؛ أيْ: هَلّا؟ ولِمَ لا ﴿تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ ؟ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكَ؛ إمّا لِلشَّهادَةِ لَكَ؛ وإمّا لِإهْلاكِ مَن خالَفَكَ؛ ﴿إنْ كُنْتَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾؛ فِيما تَقُولُ؛ أيْ: ما وجْهُ اخْتِصاصِكَ عَنّا بِنُزُولِ المَلائِكَةِ عَلَيْكَ؛ ورُؤْيَتِكَ إيّاهُمْ؛ وأنْتَ مِثْلُنا في الإنْسانِيَّةِ؛ والنَّسَبِ؛ والبَلَدِ؟ هَذا بَعْدَ أنْ قامَتْ عَلى صِدْقِهِ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ؛ والبَراهِينُ السّاطِعَةُ؛ الَّتِي أعْظَمُها القُرْآنُ؛ الدّاعِي لَهم إلى المُبارَزَةِ كُلَّ حِينٍ؛ المُبَكِّتُ لَهم بِالعَجْزِ عَنِ المُساجَلَةِ كُلَّ وقْتٍ.
الحجر 15:8
(p-٢٠)ولَمّا كانَ في قَوْلِهِمْ أمْرانِ؛ أجابَ عَنْ كُلٍّ مِنهُما عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: رُبَّما إذًا أجابَهُمْ؛ فَقِيلَ: أجابَ عَنِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ ﴿إلا﴾؛ تَنَزُّلًا مُلْتَبِسًا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ عَمَلِ الأمْرِ الثّابِتِ؛ وهو مَعْنى ما قالَ البُخارِيُّ؛ في كِتابِ التَّوْحِيدِ: قالَ مُجاهِدٌ: بِالرِّسالَةِ؛ والعَذابِ؛ وأمّا عَلى الرُّسُلِ فَبِالحَقِّ مِنَ الأقْوالِ؛ وأمّا عَلى المُنْذِرِينَ فَبِالحَقِّ مِنَ الأفْعالِ؛ مِنَ الهَلاكِ؛ والنَّجاةِ؛ فَلَوْ نُزِّلُوا عَلَيْهِمْ - كَما اقْتَرَحُوا - لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ؛ فَهَلَكُوا؛ ﴿وما كانُوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿إذًا﴾؛ أيْ: إذْ تَأْتِيهِمُ المَلائِكَةُ؛ ﴿مُنْظَرِينَ﴾؛ أيْ: حاصِلًا لَهُمُ الإنْظارُ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ لِأنَّ الأمْرَ الثّابِتَ يَلْزَمُهُ نَجاةُ الطّائِعِ؛ وهَلاكُ العاصِي في الحالِ؛ مِن غَيْرِ إمْهالٍ؛ وكانَ حِينَئِذٍ يَفُوتُ ما قَضَيْنا بِهِ مِن تَأْخِيرِهِمْ؛ وإخْراجِ مَن أرَدْنا إيمانَهُ مِن أصْلابِهِمْ؛
الحجر 15:9
وأجابَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ -: ﴿إنّا نَحْنُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ (p-٢١)لا غَيْرُنا مِن جِنٍّ؛ ولا إنْسٍ؛ ﴿نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ؛ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةَ؛ والشَّرَفَ؛ ﴿وإنّا لَهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ وإنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ الحاسِدِينَ؛ ﴿لَحافِظُونَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ بِقُدْرَتِنا؛ وعِلْمِنا؛ لِما في سُورَةِ ”هُودٍ“؛ مِن أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِلْحِفْظِ؛ فانْتَفى حِينَئِذٍ جَوازُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى مَجْنُونٍ؛ مُخَلِّطٍ؛ لا سِيَّما وهو عَلى هَذِهِ الأسالِيبِ البَدِيعَةِ؛ والمَناهِجِ الرَّفِيعَةِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: أرْسَلْناكَ بِهِ حالَ كَوْنِكَ بَشَرًا؛ لا مَلَكًا؛ قَوِيًّا سَوِيًّا؛ يَعْلَمُونَ أنَّكَ أكْمَلُهم عَقْلًا؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأيْقَنُهم فِكْرًا؛ وأتْقَنُهم أمْرًا وأوْثَقُهم رَأْيًا؛ وأصْلَبُهم عَزِيمَةً؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ؛ وعِنْدَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنّاسِ - وفي رِوايَةٍ: بِقُرّاءِ القُرْآنِ - وإنِّي أخْشى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرّاءِ في المَواطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ؛ إلّا أنْ (p-٢٢)تَجْمَعُوهُ؛ وإنِّي لَأرى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِيهِ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي؛ ورَأيْتُ الَّذِي رَأى عُمَرُ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وعُمَرُ جالِسٌ عِنْدَهُ لا يَتَكَلَّمُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ؛ عاقِلٌ؛ ولا نَتَّهِمُكَ؛ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ؛ فَواللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ؛ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِن جَمْعِ القُرْآنِ؛ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ أزَلْ أُراجِعُهُ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ؛ وعُمَرَ؛ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ؛ والأكْتافِ؛ والعَسْبِ؛ وصُدُورِ الرِّجالِ؛ حَتّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ - أوْ أبِي خُزَيْمَةَ - الأنْصارِيِّ؛ لَمْ أجِدْهُما -؛ أيْ: مَكْتُوبَتَيْنِ - عِنْدَ أحَدٍ غَيْرِهِ؛ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ إلى آخِرِها؛ (p-٢٣)وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وساقَ هَذا الأثَرَ أيْضًا في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ بَعْدَهُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ عَلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ يُغازِي أهْلَ الشّامِ في فَتْحِ أرْمِينِيَّةَ؛ وآذَرْبِيجانَ؛ مَعَ أهْلِ العِراقِ؛ فَأفْزَعَ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اخْتِلافُهم في القِراءَةِ؛ فَقالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَأرْسَلَ عُثْمانُ إلى حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنْ أرْسِلِي إلَيْنا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْها في المَصاحِفِ؛ ثُمَّ نَرُدَّها إلَيْكِ؛ فَأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إلى عُثْمانَ؛ فَأمَرَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ؛ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ وسَعِيدَ بْنَ العاصِ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَنَسَخُوها في المَصاحِفِ؛ وقالَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ؛ فَإنَّما نَزَلَ بِلِسانِهِمْ؛ فَفَعَلُوا؛ حَتّى إذا (p-٢٤)نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصاحِفِ؛ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ؛ وأرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمّا نَسَخُوا؛ وأمَرَ بِما سِواهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ؛ أوْ مُصْحَفٍ؛ أنْ يُحْرَقَ؛ ولَهُ عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَمّا نَسَخْنا الصُّحُفَ في المَصاحِفِ فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ ”الأحْزابِ“؛ كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُها؛ لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ؛ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ - وفي رِوايَةٍ: فالتَمَسْناها؛ فَوَجَدْناها مَعَ خُزَيْمَةَ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ فَألْحَقْناها في سُورَتِها في المُصْحَفِ؛ وفي الأثَرِ الأوَّلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ - لَمّا أمَرَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يَكْتُبُ شَيْئًا إلّا إذا وجَدَ ما كانَ قَدْ كُتِبَ مِنهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وأمْرِهِ؛ وقابَلَهُ مَعَ ذَلِكَ عَلى المَحْفُوظِ في صُدُورِ الرِّجالِ؛ وفي الأخِيرِ دَلِيلٌ مِن قَوْلِهِ: نَسَخْنا المُصْحَفَ في المَصاحِفِ؛ إلى آخِرِهِ؛ أنَّهُ أعادَ التَّتَبُّعَ كَما فَعَلَ أوَّلًا؛ لِيَصِحَّ (p-٢٥)قَوْلُهُ: فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ ”الأحْزابِ“.
لِأنَّ افْتِقادَها فَرْعُ العِلْمِ بِها؛ ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا يَقْرَأُها؛ ولا يَحْفَظُها؛ ولا سِيَّما وهو مَذْكُورٌ فِيمَن جَمَعَ القُرْآنَ في حَياةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ والظّاهِرُ مِن مِثْلِ هَذا التَّتَبُّعِ الَّذِي لا يُجَوِّزُ لِمَن مارَسَ أمْثالَ هَذِهِ الهِمَمِ أنْ يَفْهَمَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ لا يَنْقُلُ آيَةً إلّا إذا وجَدَ مِن حُفّاظِها عَلى حَسَبِ ما هي مَكْتُوبَةٌ عَدَدَ التَّواتُرِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:10
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ الَّذِي قالُوهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - شاقًّا؛ ولَهُ غائِظًا مُوجِعًا؛ قالَ (تَعالى) - تَسْلِيَةً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ رادٍّ عَلَيْهِمْ -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والجَلالِ؛ والهَيْبَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ غَيْرَ عامٍّ لِلزَّمانِ كُلِّهِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ؛ ﴿فِي شِيَعِ﴾؛ أيْ: فِرَقٍ؛ سُمُّوا شِيَعًا لِمُتابَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأحْوالِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها في الزَّمَنِ الواحِدِ؛ مِن مَمْلَكَةٍ (p-٢٦)أوْ عِمارَةٍ أوْ دِيانَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجارِيَةِ في العادَةِ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾؛ كُلِّهِمْ؛ فَما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى؛ مِثْلَكَ؛ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ولَمْ نُرْسِلْ مَعَ أحَدٍ مِنهم مَلائِكَةً تَراها أُمَمُهُمْ؛ بَلْ جَعَلْنا مُكاشَفَةَ المَلائِكَةِ أمْرًا خاصًّا بِالرُّسُلِ؛ فَكَذَّبُوا رُسُلَهُمْ؛
الحجر 15:11
﴿وما يَأْتِيهِمْ﴾؛ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ؛ إيذانًا بِما يُوجِبُ مِنَ الغَضَبِ؛ فَإنَّ ”ما“ تَجْعَلُ المُضارِعَ حالًا؛ والماضِيَ قَرِيبًا مِنهُ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ؛ ﴿إلا كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ دائِمًا؛ فَكَأنَّهم تَواصَوْا بِمِثْلِ هَذا؛ ولَمْ يَنْقُصْ هَذا مِن عَظَمَتِنا شَيْئًا؛ فَلا تَبْتَئِسْ بِما يَفْعَلُونَ بِكَ؛ و”الِاسْتِهْزاءُ“؛ في الأصْلِ: طَلَبُ الهُزُؤِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - الهُزْءُ؛ وهو إظْهارُ ما يُقْصَدُ بِهِ العَيْبُ؛ عَلى إيهامِ المَدْحِ؛ كاللَّعِبِ؛ والسُّخْرِيَةِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسِّينِ المُفْهِمَةِ لِلطَّلَبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ رَغْبَتَهم فِيهِ لا تَنْقَضِي؛ كَما هو شَأْنُ الطّالِبِ لِلشَّيْءِ؛ مَعَ أنَّهم لا يَقَعُونَ عَلى مُرادِهِمْ في حَقِّ أهْلِ اللَّهِ أصْلًا؛ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ مِن ذَلِكَ فِعْلًا إلّا كانَ ظاهِرَ البُعْدِ عَمّا يُرِيدُونَ؛ لِظُهُورِ ما يَدْعُو إلَيْهِ حِزْبُ اللَّهِ؛ وثَباتُهُ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ كَطالِبِ (p-٢٧)ما لَمْ يَقَعْ؛ وإنَّما كانَ النّاسُ إلى ما يُوجِبُهُ الجَهْلُ مِنَ الاسْتِهْزاءِ ونَحْوِهِ أسْرَعُ مِنهم إلى ما يُوجِبُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْذِ بِالحَزْمِ؛ والنَّظَرِ في العَواقِبِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَعَجُّلِ الرّاحَةِ؛ واللَّذَّةِ؛ وإسْقاطِ الكُلْفَةِ بِإلْزامِ النَّفْسِ الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.
الحجر 15:12
ولَمّا كانَتْ قُلُوبُ أهْلِ الضَّلالِ مَوْصُوفَةً بِالضِّيقِ؛ والحَرَجِ؛ كانَ الدّاخِلُ إلَيْها لا يَدْخُلُ إلّا بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أهَذا خاصٌّ بِهَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: لا؛ بَلْ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا السَّلْكِ العَجِيبِ الشَّأْنِ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ مَعَ التَّجَدُّدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ؛ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِها؛ فَقالَ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ أيْ: الذِّكْرَ؛ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الإجْرامِ في كُلِّ زَمَنٍ؛ كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ والرُّمْحُ ونَحْوُهُ؛ فِيما يُنْظَمُ فِيهِ؛ مِن مَخِيطٍ وغَيْرِهِ؛ بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلا يَتَّسِعُ لَهُ المَحَلُّ؛ فَلا يَنْفَعُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛
الحجر 15:13
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّ صُدُورَهم لا تَنْشَرِحُ لَهُ؛ كَما رَأيْتَ سُنَّتَنا بِذَلِكَ في قَوْمِكَ؛ ﴿وقَدْ خَلَتْ﴾؛ أيْ: مَضَتْ مِن قَبْلِ هَذا؛ ﴿سُنَّةُ﴾؛ أيْ: طَرِيقَةُ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾ (p-٢٨)بِذَلِكَ؛ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى فِعْلِ ما نُرِيدُ مِن تِلْكَ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ مِن إهْلاكٍ؛ وتَيْسِيرِ إيمانٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ والغَرَضُ بَيانُ أنَّهُ (تَعالى) يُعْمِي بَعْضَ الأبْصارِ عَنِ الجَلْيِ؛ ويُبَصِّرُ بَعْضَها بِالخَفِيِّ؛ إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ بِإنْفاذِ الأمْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ.
الحجر 15:14
ولَمّا أخْبَرَهُ بِهَذِهِ الأسْرارِ؛ مُنْبِئَةً عَنْ أحْوالِهِمْ؛ وكانَتِ النَّفْسُ أشَدَّ شَيْءٍ طَلَبًا لِقَطْعِ حُجَّةِ المُتَعَنِّتِ بِإجابَةِ سُؤْلِهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُخْبِرًا بِتَحْقِيقِ ما خَتَمَ بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِلْخَوارِقِ؛ ولَوْ رَأوْا أعْجَبَ مِنَ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ -: ﴿ولَوْ فَتَحْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى مَن قالَ: لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ؛ ﴿بابًا﴾؛ يُناسِبُ عَظَمَتَنا؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ حالُهم - ولَوْ كانُوا في أجْلى الأوْقاتَ؛ وهو النَّهارُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فَظَلُّوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ البابِ العالِي؛ ﴿يَعْرُجُونَ﴾؛ أيْ: يَصْعَدُونَ ماشِينَ في الصُّعُودِ؛ مِشْيَةَ الفَرَحِ؛
الحجر 15:15
﴿لَقالُوا﴾ عِنادًا؛ وإبْعادًا عَنِ الإيمانِ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ﴾؛ أيْ: سُدَّتْ؛ وغُشِيَتْ؛ ﴿أبْصارُنا﴾؛ أيْ: حَتّى ظَنَنّا ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا؛ ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ لَنا غايَةُ القُوَّةِ عَلى ما نُرِيدُ مُحاوَلَتَهُ؛ ﴿مَسْحُورُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ (p-٢٩)وُقُوعُ السِّحْرِ عَلَيْنا؛ حَتّى صِرْنا نَرى الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ؛ ونُثْبِتُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ و”السَّكْرُ“: السَّدُّ؛ بِإدْخالِ اللَّطِيفِ في المَسامِّ؛ فَيَمْنَعُ الشَّيْءَ كَمالَ ما كانَ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ السُّكْرُ بِالشَّرابِ؛ و”السِّحْرُ“: حِيلَةٌ خَفِيَّةٌ؛ تُوهِمُ مَعْنى المُعْجِزَةِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ.
الحجر 15:16
ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ السَّماوِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في الجَوابِ عَنْ إنْكارِهِمُ النُّبُوَّةَ؛ دَلِيلًا عَلى مُرُودِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثُبُوتَ النُّبُوَّةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ الفَهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَهُ (تَعالى) مِنَ الآياتِ المُحَقَّقَةِ الوُجُودِ؛ المُشاهَدَةِ؛ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ؛ فَأتْبَعَها بِذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ بِما لَهُ مِنَ المَصْنُوعاتِ؛ شَرْحًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ ودَلِيلًا عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالخَوارِقِ؛ وابْتَدَأ بِالسَّماوِيّاتِ؛ لِظُهُورِها لِكُلِّ أحَدٍ؛ وشَرَفِها؛ وظُهُورِ أنَّها مِنَ الخَوارِقِ بِعَدَمِ مُلابَسَتِها؛ والوُصُولِ إلَيْها؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوانا؛ مِمّا هو مُغْنٍ عَنْ فَتْحِ بابٍ ونَحْوِهِ؛ ﴿فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾؛ أيْ: مَنازِلَ لِلْقَمَرِ؛ جَمْعُ ”بُرْجٌ“؛ وهو في الأصْلِ القَصْرُ العالِي؛ أوَّلُها الحَمَلُ؛ وآخِرُها الحُوتُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها؛ وهي (p-٣٠)مُخْتَلِفَةُ الطَّبائِعِ؛ فَسَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِكُلٍّ مِنها يُؤَثِّرُ ما لا يُوَثِّرُهُ الآخَرُ؛ فاخْتِلافُها في ذَلِكَ - مَعَ أنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ واحِدَةٌ - دَلِيلٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ الواحِدِ؛ والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِها؛ وبِاخْتِلافِها؛ ومادَّةُ ”بَرَجَ“؛ بِكُلِّ تَقْلِيبٍ؛ تَدُورُ عَلى الظُّهُورِ المَلْزُومِ لِلْعُلُوِّ؛ المَلْزُومِ لِلْقُوَّةِ؛ وقَدْ يُفَرِّطُ فَيَلْزَمُهُ الضَّعْفُ؛ فَمِن مُطْلَقِ الظُّهُورِ: ”بُرُوجُ السَّماءِ“؛ قالَ القَزّازُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِأنَّها بُيُوتُ الكَواكِبِ؛ فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لَها؛ وقِيلَ: سُمِّيَتْ لِارْتِفاعِها؛ وكُلُّ حِصْنٍ مُرْتَفِعٍ فَهو بُرْجٌ؛ و”البَرَجُ“؛ أيْ: مُحَرَّكًا: سَعَةُ بَياضِ العَيْنِ؛ وصَفاءُ سَوادِها؛ وقِيلَ: ”البَرَجُ“؛ في العَيْنِ؛ هو أنْ يَكُونَ البَياضُ مُحْدِقًا بِالسَّوادِ؛ يَظْهَرُ في نَظَرِ الإنْسانِ؛ فَلا يَغِيبُ مِن سَوادِ العَيْنِ شَيْءٌ؛ و”تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ“: أبْدَتْ مَحاسِنَها؛ و”الجِرْبِياءُ“: الشَّمالُ؛ لِعُلُوِّها؛ و”الجَرِيبُ“: الوادِي؛ لِظُهُورِهِ؛ و”الجَرِيبُ“: مِكْيالُ أرْبَعَةِ أقْفِزَةٍ؛ و”جَرِيبُ الأرْضِ“؛ مَعْرُوفٌ؛ وهو ساحَةٌ مُرَبَّعَةٌ؛ كُلُّ جانِبٍ مِنها سِتُّونَ ذِراعًا؛ ومِنهُ ”الجِرابُ“؛ لِوِعاءٍ مِن جُلُودٍ؛ و”الجَوْرَبُ“؛ لِلِفافَةِ الرِّجْلِ؛ لِأنَّهُما ظاهِرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فِيهِما؛ وكَذا ”الجُرُبّانُ“؛ لِغِلافِ السَّيْفِ؛ و”جِرابُ البِئْرِ“: جَوْفُها؛ و”الأرْجابُ“: الأمْعاءُ؛ شَبَهًا (p-٣١)بِالجِرابِ؛ و”البارِجَةُ“: سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُتَّخَذُ لِلْقِتالِ؛ و”البُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في البَطْنِ؛ و”العُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في الجَسَدِ؛ و”البُجْرَةُ“: السُّرَّةُ النّاتِئَةُ؛ وسُرَّةُ البَعِيرِ؛ عَظُمَتْ؛ أوْ لا؛ و”البُجْرُ“؛ و”البُجْرِيُّ“: الأمْرُ العَظِيمُ؛ و”جاءَ فُلانٌ بِالبُجارَةِ“؛ وهي الدّاهِيَةُ؛ وفِيهِ ما جَمَعَ إلى الظُّهُورِ القُوَّةَ؛ ومِن ذَلِكَ ”رَجَبٌ“: اسْمُ شَهْرٍ؛ و”رَجِبْتُ الرَّجُلَ“: عَظَّمْتُهُ؛ و”الرُّجْبَةُ“؛ مِن وصْفِ الأدْوِيَةِ؛ و”الرَّجْبُ“: الحَياءُ؛ والعَفْوُ؛ و”الرَّجْبُ“: الهَيْبَةُ؛ و”المُجَرِّبُ“: الَّذِي بُلِيَ بِالشَّدائِدِ؛ و”رَجَبْتُ النَّخْلَ تَرْجِيبًا“: بَنَيْتُ مِن جانِبِها بِناءً لِئَلّا يَسْقُطَ؛ و”الجَبْرُ“: خِلافَ الكَسْرِ؛ والمَلِكُ؛ لِوُجُودِ الجَبْرِ بِهِ؛ لِقُوَّتِهِ؛ و”جَبَرْتُ العَظْمَ“؛ و”الجَبارَةُ“: ما يُوضَعُ عَلى الكَسْرِ لِيَنْجَبِرَ؛ و”جَبَرْتُ الرَّجُلَ“: أحْسَنْتُ إلَيْهِ؛ و”أجْبَرْتُهُ“: ضَمَمْتُهُ إلى ما يُرِيدُ؛ و”أجْبَرْتُهُ عَلى كَذا“: قَهَرْتُهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: أزَلْتُ جَبْرَهُ؛ و”الجَرَبَّةُ“: العانَةُ مِنَ الحَمِيرِ؛ وهي أيْضًا الأقْوِياءُ مِنَ النّاسِ؛ و”الجَبّارُ مِنَ النَّخْلِ“: الطَّوِيلُ الفَتِيُّ؛ و”الجَبّارُ“: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ و”الجَبّارُ“: كُلُّ عاتٍ؛ وكُلُّ ما فاتَ اليَدَ؛ والعَظِيمُ القَوِيُّ الطَّوِيلُ؛ والمُتَكَبِّرُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا؛ و”المُتَجَبِّرُ“: الأسَدُ؛ و”جُبارٌ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا: يَوْمُ الثُّلاثاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) خَلَقَ المَكْرُوهَ فِيهِ؛ (p-٣٢)كَما في الصَّحِيحِ؛ ومِنَ الضَّعْفِ: ”الجُبارُ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا؛ وهو الهَدْرُ مِنَ الدِّماءِ؛ والحُرُوبِ؛ وغَيْرِها؛ وقَدْ يَكُونُ مِن جَبْرِ الكَسْرِ؛ لِأنَّهُ جُبِرَ بِهِ المُهْدَرُ عَنْهُ؛ وقَوِيَ بِهِ؛ وأُحْسِنَ إلَيْهِ؛ وكُلُّ ما أفْسَدَ؛ وأهْلَكَ؛ فَهو جَبّارٌ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالجَبِيرَةِ الَّتِي تُفْسِدُ لِإصْلاحِ الكَسْرِ؛ و”الجَبْرُ“: العَبْدُ؛ لِضَعْفِهِ؛ واحْتِياجِهِ إلى التَّقْوِيَةِ؛ ومِنَ الضَّعْفِ أيْضًا ”الجَرِبُ“؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَحِلُّ بِهِ؛ وهو مِنَ القُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِهِ؛ ومِنَ الظُّهُورِ والِانْتِشارِ أيْضًا؛ و”الجَرْباءُ“: السَّماءُ؛ تَشْبِيهًا بِالأجْرَبِ؛ و”أرْضٌ جَرْباءُ“: مَقْحُوطَةٌ؛ و”التَّرَبُّجُ“: التَّجَبُّرُ؛ و”الرَّوْبَجُ“: دِرْهَمٌ صَغِيرٌ؛ قالَ الزُّبَيْدِيُّ: وهو دَخِيلٌ؛ ومادَّةُ ”جَبَرَ“؛ مِنها بِخُصُوصِ تَرْتِيبِها؛ تَدُورُ عَلى النَّفْعِ؛ وتارَةً تَنْظُرُ إلى ما يَلْزَمُهُ مِن عَدَمِ الضُّرِّ؛ مِثْلَ ”الجُبارُ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا؛ لِما هُدِرَ؛ وتارَةً تَنْظُرُ إلى ما يَلْزَمُ النَّفْعَ مِنَ التَّكَبُّرِ؛ والقَهْرِ.
ولَمّا ذَكَرَ البُرُوجَ؛ وصَفَ - سُبْحانَهُ - السَّماءَ؛ المُشْتَمِلَةَ عَلَيْها؛ فَقالَ: ﴿وزَيَّنّاها﴾؛ أيْ: السَّماءَ؛ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها بِالكَواكِبِ؛ ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ مَن لَهُ أُهْبَةُ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ؛ لا عائِقَ لَهُ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا عَدَمُ صَرْفِهِ النَّظَرَ إلَيْهِ بِالبَصَرِ؛ أوْ بِالبَصِيرَةِ؛
الحجر 15:17
﴿وحَفِظْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾؛ أيْ: بَعِيدٍ مِنَ الخَيْرِ؛ مُحْتَرِقٍ؛ ﴿رَجِيمٍ﴾ (p-٣٣)مُسْتَحِقٍّ لِلرَّجْمِ - وهو رَمْيُ الشَّيْءِ بِالِاعْتِمادِ؛ مِن غَيْرِ آلَةٍ مُهَيَّأةٍ لِلْإصابَةِ؛ كالقَوْسِ؛ فَإنَّها لِلرَّمْيِ؛ لا لِلرَّجْمِ - ومُسْتَحِقٍّ لِلشَّتْمِ؛ لِأنَّهُ قَوّالٌ بِالظَّنِّ؛ وما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛
الحجر 15:18
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ مِنهُمْ؛ فَإنّا لَمْ نُرِدْ تَمامَ الحِفْظِ مِنهُ؛ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾؛ أيْ: تَبِعَهُ تَبَعَ مَن هو حاثٌّ لِنَفْسِهِ؛ سائِقٌ لَها؛ ﴿شِهابٌ﴾؛ وهو عَمُودٌ مِن نُورٍ؛ يَمْتَدُّ بِشِدَّةِ ضِيائِهِ؛ كالنّارِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ يَراهُ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الرُّؤْيَةِ حِينَ يُرْجَمُ بِهِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إذا قُضِيَ الأمْرُ في السَّماءِ؛ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ؛ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ؛ يَنْفُذُهم ذَلِكَ؛ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ: الحَقَّ؛ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ؛ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ ومُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ هَكَذا واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - ووَصَفَ سُفْيانُ بِيَدِهِ؛ فَفَرَّجَ بَيْنَ أصابِعِهِ اليُمْنى؛ نَصَبَها بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّما أدْرَكَ الشِّهابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أنْ يَرْمِيَ بِها إلى صاحِبِهِ؛ فَيُحْرِقَهُ؛ ورُبَّما لَمْ يُدْرِكْهُ حَتّى يَرْمِيَ بِها (p-٣٤)إلى الَّذِي يَلِيهِ؛ إلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ؛ حَتّى يُلْقُوها إلى الأرْضِ - ورُبَّما قالَ سُفْيانُ: حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ -؛ فَتُلْقى عَلى فَمِ السّاحِرِ؛ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كَذْبَةٍ؛ فَيَصْدُقُ؛ فَيَقُولُونَ: ألَمْ يُخْبِرْنا يَوْمَ كَذا وكَذا يَكُونُ كَذا وكَذا؛ فَوَجَدْناهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ“».
قالَ المُفَسِّرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: كانَتِ الشَّياطِينُ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّماواتِ؛ فَيُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنها إلى الكَهَنَةِ؛ فَلَمّا وُلِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ؛ فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها؛ هَكَذا رَأيْتُ ”وُلِدَ“؛ ولَعَلَّهُ ”بُعِثَ“؛ فَإنَّ في الصَّحِيحِ أنَّ الَّذِي مَنَعَهم نُزُولُ القُرْآنِ.
الحجر 15:19
ولَمّا ذَكَرَ آيَةَ السَّماءِ؛ ثَنّى بِآيَةِ الأرْضِ؛ فَقالَ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ في الأبْعادِ الثَّلاثَةِ: الطُّولِ؛ والعَرْضِ؛ والعُمْقِ؛ عَلى الماءِ؛ ﴿وألْقَيْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ جِبالًا؛ ﴿رَواسِيَ﴾؛ أيْ: ثَوابِتَ؛ لِئَلّا تَمِيلَ بِأهْلِها؛ ولِتَكُونَ لَهم عَلاماتٍ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِما أنْعَمَ بِهِ في الأرْضِ؛ بِقِياسٍ جَلِيٍّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ولا سِيَّما الجِبالَ؛ بِقُوَّتِنا الباهِرَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (p-٣٥)أيْ: مُقَدَّرٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ؛ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ؛
الحجر 15:20
﴿وجَعَلْنا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْعامًا مِنّا عَلَيْكُمْ؛ ﴿فِيها مَعايِشَ﴾؛ وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ؛ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ جَمْعُ ”مَعِيشَةٌ“؛ وهي ما يَحْصُلُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ومَن لَسْتُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الأقْوِياءُ الرُّؤَساءُ؛ ﴿لَهُ بِرازِقِينَ﴾؛ مِثْلُكم في ذَلِكَ؛ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَعايِشَ؛ مِنَ العِيالِ؛ والخَدَمِ؛ وسائِرِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَنْتَفِعُونَ بِها؛ وإنْ ظَنَنْتُمْ أنَّكم تَرْزُقُونَهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى رِزْقِ أنْفُسِكُمْ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِكُمْ؟! فَلَمّا ظَهَرَ كالشَّمْسِ كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ بَيَّنَ أنَّهُ - كَما كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عِنْدَهُ بِحِسابٍ؛ قَدَّرَهُ عَلى حِكْمَةٍ دَبَّرَها - كانَ غَيْرُها كَذَلِكَ؛ فَذَلِكَ هو المانِعُ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِما يَهْزَؤُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ:
الحجر 15:21
﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وما؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِمّا ذُكِرَ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ؛ وهي لا نِهايَةَ لَها؛ ﴿إلا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ ﴿خَزائِنُهُ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقَرَّرٌ عِنْدَكُمْ؛ لا تُنازَعُونَ فِيهِ؛ قالَ في الكَشّافِ: ذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ؛ ﴿وما نُنَـزِّلُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لا بِقَيْدِ (p-٣٦)عَدَمِ التَّناهِي؛ فَإنَّ كُلَّ ما يُبْرَزُ إلى الوُجُودِ مُتَناهٍ؛ فَهو اسْتِخْدامُ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ كَما تَرَوْنَهُ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: لَيْسَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُهُ؛ ويُقَدِّرُهُ في الأرْضِ كَيْفَ يَشاءُ؛ عامًا هَهُنا؛ وعامًا هَهُنا؛ ورُبَّما كانَ في البَحْرِ؛ فَهَذا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلى أنَّ الفاعِلَ المُخَصِّصَ لَهُ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ؛ وأرْضٍ دُونَ أُخْرى؛ فاعِلٌ واحِدٌ مُخْتارٌ.
الحجر 15:22
فَلَمّا تَمَّ ما أرادَ مِن آيَتَيِ السَّماءِ؛ والأرْضِ؛ وخَتَمَهُ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ عَنْهُما مِمّا هو بَيْنَهُما مُودَعًا في خَزائِنِ قُدْرَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿وأرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ التَّصْرِيفِ الباهِرِ؛ ﴿الرِّياحَ﴾؛ جَمْعُ ”رِيحٌ“؛ وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ؛ مُنْبَثٌّ في الجَوِّ؛ سَرِيعُ المَرِّ؛ ﴿لَواقِحَ﴾؛ أيْ: حَوامِلَ؛ تَحْمِلُ النَّدى؛ ثُمَّ تَمُجُّهُ في السَّحابِ الَّتِي تُنْشِئُها؛ فَهي حَوامِلُ لِلْماءِ؛ لَواحِقُ بِالجَوِّ؛ قُوَّتُهُ عَلى ذَلِكَ عالِيَةٌ حِسًّا؛ ومَعْنًى؛ و”الرِّيحُ“: هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ؛ وحَرَكَتُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ساكِنًا لا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ؛ ولَيْسَ هو نَفْسَ كَوْنِهِ هَواءً؛ ولا شَيْئًا مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؛ وإلّا دامَتْ حَرَكَتُهُ؛ (p-٣٧)فَلَيْسَتْ إلّا بِتَحْرِيكِ الفاعِلِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ ﴿فَأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِسَبَبِ تِلْكَ السَّحائِبِ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّياحُ؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ؛ أوْ جِهَتِها؛ أوِ السَّحابِ؛ لِأنَّ الأسْبابَ المُتَراقِيَةَ بِسَنَدِ الشَّيْءِ تارَةً إلى القَرِيبِ مِنها؛ وتارَةً إلى البَعِيدِ؛ وأُخْرى إلى الأبْعَدِ؛ ﴿ماءً﴾؛ وهو جِسْمٌ مائِعٌ سَيّالٌ؛ بِهِ حَياةُ كُلِّ حَيَوانٍ مِن شَأْنِهِ الِاغْتِذاءُ؛ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾؛ جَعَلْناهُ لَكم سَقْيًا؛ يُقالُ: ”سَقَيْتُهُ ماءً“؛ أيْ: لِيَشْرَبَهُ؛ و”أسْقَيْتُهُ“؛ أيْ: مَكَّنْتُهُ مِنهُ لِيَسْقِيَ بِهِ ماشِيَتَهُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ ونَفى - سُبْحانَهُ - عَنْ غَيْرِهِ ما أثْبَتَهُ أوَّلًا لِنَفْسِهِ؛ فَقالَ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الماءِ؛ ﴿بِخازِنِينَ﴾؛ و”الخَزْنُ“: وضْعُ الشَّيْءِ في مَكانٍ مُهَيَّإٍ لِلْحِفْظِ؛ فَثَبَتَ أنَّ القادِرَ عَلَيْهِ واحِدٌ مُخْتارٌ.
ومادَّةُ ”لَقَحَ“؛ بِتَقالِيبِها السِّتِّ؛ تَدُورُ عَلى اللَّحاقِ؛ وتُلْزِمُهُ القُوَّةَ؛ والعُلُوَّ؛ حِسًّا؛ أوْ مَعْنًى؛ فَـ ”اللِّقاحُ“: اسْمُ ماءِ الفَحْلِ؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُ الأُنْثى فَتَحَمِلَهُ؛ و”قَدْ ألْقَحَ الفَحْلُ النّاقَةَ“؛ و”لَقُحَتْ لِقاحًا“: حَمَلَتْ؛ و”المَلْقُوحُ“: ما لَقَحَتْهُ مِنَ الفَحْلِ؛ أيْ: أخَذَتْهُ؛ وهي المَلاقِيحُ؛ يَعْنِي: الأجِنَّةُ؛ (p-٣٨)و”اللِّقْحَةُ“: النّاقَةُ الحَلُوبُ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يَلْحَقَها جائِعٌ؛ و”ألْقَحَ القَوْمُ النَّخْلَ“؛ و”لَقَّحُوها“؛ إذا ألْحَقُوها بِالفِحالَةِ؛ فَعَلَّقُوها عَلَيْها.
و”القاحِلُ“: اليابِسُ مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّ أجْزاءَهُ تَلاحَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ؛ فَضَمُرَتْ؛ ومِنهُ ”شَيْخٌ قاحِلٌ“؛ و”اللَّحَقُ“: كُلُّ شَيْءٍ لَحِقَ شَيْئًا؛ أيْ: أدْرَكَهُ؛ و”المُلْحَقُ“: الدَّعِيُّ؛ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِأنَّهُ يَسْتَلْحِقُهُ كُلُّ مَن يُرِيدُهُ؛ و”المِلْحاقُ“: النّاقَةُ الَّتِي لا يَفُوتُها الإبِلُ: قالَ الزُّبَيْدِيُّ في ”مُخْتَصَرُ العَيْنِ“: وفي القُنُوتِ: ”إنَّ عَذابَكَ بِالكُفّارِ مُلْحِقٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ أيْ: لاحِقٌ؛ لُغَةٌ.
و”الحَقْلُ“: القِراحُ الطَّيِّبُ؛ لِتَهَيُّئِها لِمَن يَلْحَقُ بِها؛ وقِيلَ: هو الزَّرْعُ إذا تَشَعَّبَ ورَقُهُ؛ وهو مِن ذَلِكَ أيْضًا؛ ومِن لُحُوقِهِ بِالحَصادِ؛ فَيَصِيرُ كالمَحْلُوقِ؛ و”الحَقِيلُ“: نَبْتٌ؛ و”الحَقِيلَةُ“: الماءُ الرَّطْبُ؛ أيْ: الأخْضَرُ مِنَ البَقْلِ؛ والشَّجَرِ؛ في الأمْعاءِ مِنهُ؛ و”الحَقِيلَةُ“: حُشافَةُ التَّمْرِ؛ لِلَحاقِ كُلِّ مَن أرْداهُ بِهِ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: الغُرْمُولُ اللِّيِّنُ؛ كَأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالنَّبْتِ الأخْضَرِ؛ أوْ لِإمْكانِ تَثَنِّيهِ كُلَّ وقْتٍ؛ ولُحُوقِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ؛ و”الحَوْقَلُ“: (p-٣٩)الشَّيْخُ الضَّعِيفُ النِّكاحِ؛ كَأنَّهُ مِنهُ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: سُرْعَةُ المَشْيِ؛ و”حَقَلَ الفَرَسُ“؛ إذا وُجِعَ مِن أكْلِ التُّرابِ؛ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن ”الحَقْلُ“؛ و”حَوْقَلَ الشَّيْخُ“: اعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ عَلى خَصْرِهِ إذا تَمَشّى؛ كَأنَّهُ لِلَحاقِ يَدَيْهِ خَصْرَهُ.
و”الحَلْقُ“: مَساغُ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ و”حُلُوقُ الأرْضِ“: أوْدِيَتُها؛ ومَجارِيها؛ لِلَحاقِ المِياهِ بِها؛ ولِشَبَهِها بِالحُلُوقِ؛ و”الحَلْقُ“: حَلْقُ الشَّعْرِ بِالمُوسى؛ مِنَ اللَّحاقِ؛ والقُوَّةِ؛ و”المَحالِقُ“: الأكْسِيَةُ الخَشِنَةُ الَّتِي تَحْلِقُ الشَّعْرَ مِن خُشُونَتِها؛ و”الحالِقُ“: المَشْؤُومُ؛ الَّذِي يَحْلِقُ قَوْمَهُ؛ و”الحَلْقُ“: ضَرْبٌ مِنَ النَّباتِ؛ لِوَرَقِهِ حُمُوضَةٌ؛ كَأنَّهُ لِسُرْعَةِ لَحاقِ الماشِيَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كالفاكِهَةِ لَها؛ و”الحَلْقَةُ“: الخاتَمُ بِلا فَصٍّ؛ لِتَلاحُقِ أجْزائِها بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ ومِنهُ ”حَلْقَةُ القَوْمِ“؛ و”الحَلْقَةُ“: السِّلاحُ كُلُّهُ؛ إمّا مِن هَذا لِأنَّ مِنها الدُّرُوعَ ذاتُ الحِلَقِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ؛ وإمّا مِنَ القُوَّةِ؛ والعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ؛ لِما يَلْزَمُ عَنْها؛ و”الحَلْقُ“: المالُ الكَثِيرُ؛ إمّا مِن ذَلِكَ؛ وإمّا مِن لَحاقِ صاحِبِهِ بِمُرادِهِ؛ و”الحالِقُ“: الجَبَلُ المَنِيفُ؛ لِظُهُورِهِ؛ وعُلُوِّهِ؛ ولَحاقِهِ بِالجَوِّ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: القارُورَةُ الطَّوِيلَةُ العُنُقِ؛ و”حَلَّقَ الطّائِرُ“: ارْتَفَعَ في الهَواءِ؛ مِن هَذا؛ و”اللِّقْحَةُ“: الغُرابُ؛ و”الحالِقُ“؛ مِنَ الكَرْمِ؛ والشَّرى: ما تَعَلَّقَ مِنهُ بِالقُضْبانِ؛ فَهو ظاهِرٌ في اللَّحاقِ؛ و”حَلَقَ الضِّرْعُ“؛ إذا ارْتَفَعَ إلى البَطْنِ؛ وانْضَمَّ؛ فَهو مِنَ العُلُوِّ؛ (p-٤٠)واللَّحاقِ؛ وقِيلَ: إذا كَثُرَ لَبَنُهُ فَهو إذًا مِنَ اللَّحاقِ؛ و”تَحَلَّقَ القَمَرُ“: صارَتْ حَوْلَهُ دارَةٌ؛ و”حَلَقَ قَضِيبُ الفَرَسِ حَلْقًا“؛ إذا تَقَشَّرَ؛ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِما حُلِقَ شَعْرُهُ؛ و”حَيٌّ لَقاحٌ“: لَمْ يُمْلَكُوا قَطُّ؛ كَأنَّهُ مِنَ القُوَّةِ؛ والعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ؛ و”القَلَحُ“: صُفْرَةٌ تَعْلُو الأسْنانَ؛ فَهو مِنَ اللَّحاقِ؛ مَعَ العُلُوِّ؛ ويُسَمّى الجَعْلُ ”أقْلَحَ“؛ مِن هَذا.
الحجر 15:23
فَلَمّا تَقَرَّرَ تَفْصِيلُ الخَبَرِ عَمّا هو سَبَبٌ لِلْإحْياءِ في الجُمْلَةِ؛ فَتَهَيَّأتِ النَّفْسُ لِلِانْتِقالِ مِنهُ إلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ قِياسًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ؛ فَنُحْيِي بِها ما نَشاءُ مِنَ الحَيَوانِ؛ بِرُوحِ البَدَنِ؛ ومِنَ الرُّوحِ بِالمَعارِفِ؛ ومِنَ النَّباتِ بِالنُّمُوِّ؛ وإنْ كانَ أحَدُها حَقِيقَةً؛ والآخَرانِ مَجازًا؛ إلّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما جائِزٌ؛ ﴿ونُمِيتُ﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ؛ فَنُبْرِزُ بِها مِن عَظَمَتِنا ما نَشاءُ؛ ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾؛ أيْ: الإرْثَ التّامَّ؛ إذا ماتَ الخَلائِقُ؛ الباقُونَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ؛ كَما كُنّا ولا شَيْءَ؛ لَيْسَ لِأحَدٍ فِينا تَصَرُّفٌ بِإماتَةٍ؛ ولا إحْياءٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الوَحْدانِيَّةُ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ؛
الحجر 15:24
فَلَمّا ثَبَتَ بِهَذا كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وكانَتْ آثارُ القُدْرَةِ لا تَكُونُ مُحْكَمَةً إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ المُعْجِزَةِ؛ ﴿المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾؛ وهم مَن قَضَيْنا بِمَوْتِهِ أوَّلًا؛ فَيَكُونُ في مَوْتِهِ كَأنَّهُ يُسارِعُ إلى التَّقَدُّمِ (p-٤١)إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ هو - وكُلٌّ مِن أهْلِهِ - مُجْتَهِدًا بِالعِلاجِ في تَأْخِيرِهِ؛ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ نَمُدُّ في أعْمارِهِمْ؛ فَنُؤَخِّرُ مَوْتَهم حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم يُسابِقُونَ إلى ذَلِكَ؛ وإنْ عالَجُوا المَوْتَ بِشُرْبِ سُمٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ أوْ عالَجَهُ لَهم غَيْرُهم بِضَرْبِهِمْ بِالسَّيْفِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَعُرِفَ بِذَلِكَ قَطْعًا أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مُخْتارٌ؛ وكَذا كُلُّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ؛ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ غَيْرِ المَوْتِ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: فَنَحْنُ لا نُمِيتُ أحَدًا قَبْلَ أجَلِهِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُونا بِالوَعِيدِ؛ وتَهَيَّؤُوا لِدِفاعِهِ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلَ لَدَيَّ.
الحجر 15:25
ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ ثَبَتَ قَطْعًا إحْياءُ المَوْتى؛ لِانْتِفاءِ المانِعِ مِن جِهَةِ القُدْرَةِ؛ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ مِن جِهَةِ العِلْمِ؛ لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ بِالمُقابَلَةِ عَلى الصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالِانْتِقامِ لَكَ مِمَّنْ يُعادِيكَ؛ وإقْرارِ عَيْنِكَ مِن مُخالِفِيكَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُهم إلى أرْضِ القِيامَةِ بَعْدَ إعادَتِهِمْ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ جَمْعُ الحَيَوانِ إلى (p-٤٢)مَكانٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ ما يَسْتَلْزِمُ الإنْكارَ -: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُ الأشْياءَ في أتَمِّ مَواضِعِها؛ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِها؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بالِغُ العِلْمِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وهو يُرِيدُ أنْ تُرى حِكْمَتُهُ بِكَشْفِ الغِطاءِ؛ عِنْدَ تَمْيِيزِ أهْلِ السَّعادَةِ؛ والشَّقاءِ؛ و”الحِكْمَةُ“: العِلْمُ الَّذِي يَصْرِفُ عَمّا لا يَنْبَغِي؛ وأصْلُها المَنعُ.
الحجر 15:26
ولَمّا جَرَتْ سُنَّتُهُ الإلَهِيَّةُ أنَّهُ يَذْكُرُ ابْتِداءَ الخَلْقِ دَلِيلًا عَلى الإعادَةِ؛ سابِقًا ولاحِقًا؛ وابْتَدَأ هُنا بِذِكْرِ الحَشْرِ؛ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ بِإحْياءِ الأرْضِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ الَّذِي هو أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ؛ بَعْدَ إجْمالِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ [الحجر: ٢٣]؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ ﴿الإنْسانَ﴾؛ أيْ: الآنِسَ بِنَفْسِهِ؛ النّاسِي لِغَيْرِهِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ يابِسٍ؛ لَهُ عِنْدَ النَّقْرِ صَلْصَلَةٌ؛ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مُتَرَدِّدٌ في الهَواءِ؛ فَإنْ كانَ فِيهِ مَدٌّ مِن غَيْرِ تَرْجِيعٍ فَهو ”صَلَلٌ“؛ فالمُرادُ: شَدِيدٌ يَبَسُهُ؛ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوخٍ؛ وأمّا (p-٤٣)المَطْبُوخُ فَهو فَخّارٌ: ثُمَّ بَيَّنَ أصْلَ الصَّلْصالِ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ؛ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مَصْبُوبٍ مُهَيَّإٍ لِعَمَلِ ما يُرادُ مِنهُ بِالدَّلْكِ؛ والتَّحْسِينِ؛ مِنَ الذَّهابِ؛ والِاضْطِرابِ؛ والجَعْلِ عَلى طَبْعٍ وطَرِيقَةٍ مُسْتَوِيَةٍ؛ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ؛ والطَّواعِيَةِ؛ والهَوانِ؛ فَذَكَرَ أصْلَ الإنْسانِ؛ وما وقَعَ لَهُ مِن إبْلِيسَ - الَّذِي هو أصْلُ الجِنِّ؛ كَما أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبُو البَشَرِ - مِنَ الكَيْدِ؛ حَتّى أخْرَجَهُ مِن دارِ الصَّفاءِ إلى دارِ الكَدَرِ؛ لِيَحْذَرَهُ العُقَلاءُ مِن بَنِي آدَمَ؛ وفي التَّنْبِيهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى وُصُولِ البَشَرِ إلى أصْلٍ - كانَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ - مُخالِفٍ لَهم في التَّكْوِينِ بَيْنَ أبَوَيْنِ؛ وانْتِهاءُ الجِنِّ إلى أصْلٍ لَيْسَ خَلْقُهُ كَخَلْقِهِمْ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى انْتِهاءِ المَوْجُوداتِ إلى مَوْجُودٍ لا يُجانِسُهُمْ؛ بَلْ هو خالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ -؛ وفي خَلْقِهِ مِنَ الماءِ - الَّذِي هو كالأبِ - والطِّينِ - الَّذِي هو كالأُمِّ - بِمُساعَدَةِ النّارِ؛ والهَواءِ؛ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِما في هَذا العالَمِ؛ فَيَكُونَ بَقاؤُهُ بِذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ في مَأْكَلِهِ ومَشْرَبِهِ؛ ومَلْبَسِهِ؛ وسائِرِ أُمُورِهِ؛ وذَلِكَ أدَلُّ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ؛ وعِلْمِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. (p-٤٤)ومادَّةُ ”صَلَلَ“؛ تَدُورُ عَلى الصَّلْصالِ؛ الَّذِي هو الطِّينُ مُطْلَقًا؛ أوِ الطِّينُ الحُرُّ يُخْلَطُ بِالرَّمْلِ؛ أوِ الطِّينُ ما لَمْ يُجْعَلْ خَزَفًا؛ ويَتَفَرَّعُ جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ مِنهُ؛ لِأنَّ مِن لَوازِمِهِ في أوَّلِهِ الماءُ؛ واللِّينُ بِنَداوَتِهِ؛ وسُهُولَةِ خَلْطِهِ لِغَيْرِهِ؛ فَيَأْتِي الخَفاءُ لِأنَّهُ يُغْرَزُ فِيهِ بِغَيْرِ صَوْتٍ؛ ومِنها قَبُولُ التَّصْفِيَةِ مِنَ الغِشِّ؛ ومِنها في آخِرِهِ الصَّلابَةُ لِشِدَّةِ اليُبْسِ؛ فَيَلْزَمُ تَضامُّ الأجْزاءِ؛ وتَضايُقُها عَلى انْتِظامٍ؛ أوْ غَيْرِ انْتِظامٍ؛ والصَّوْتُ؛ وشِدَّةُ الِانْفِصالِ بِالتَّشَقُّقِ؛ ومِن لَوازِمِهِ التَّغَيُّرُ بِالنُّتْنِ؛ فَيَأْتِي الخُبْثُ والفَسادُ؛ ومِن لَوازِمِهِ شِدَّةُ الِاخْتِلاطِ؛ بِحَيْثُ إذا نَشِبَ فِيهِ شَيْءٌ عَسِرَ خَلاصُهُ؛ ومِن لَوازِمِهِ تَمَيُّزُهُ عَمّا عَداهُ؛ ومَحَلٌّ يُصْنَعُ فِيهِ؛ فَمِنَ الصَّوْتِ واليُبْسِ: صَلِيلُ الحَدِيدِ؛ والإبِلِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ يُقالُ: ”صَلَّ الحَدِيدُ؛ واللِّجامُ“: امْتَدَّ صَوْتُهُ؛ فَإنْ تُوُهِّمَ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ قِيلَ: ”صَلْصَلَ“؛ و”صَلَّ البَيْضُ“: سُمِعَ لَهُ طَنِينٌ عِنْدَ القِراعِ؛ و”المِسْمارُ صَلِيلًا“: ضُرِبَ فَأُكْرِهَ أنْ يَدْخُلَ في الشَّيْءِ؛ و”الإبِلُ صَلِيلًا“: يَبِسَتْ أمْعاؤُها مِنَ العَطَشِ؛ فَسُمِعَ لَها صَوْتٌ عِنْدَ الشُّرْبِ؛ (p-٤٥)ومِنَ الصَّوْتِ: ”صَلْصَلَ“: أوْعَدَ وتَهَدَّدَ؛ وقَتَلَ سَيِّدَ العَسْكَرِ؛ لِظُهُورِ الصَّيْتِ بِذَلِكَ؛ و”صَلْصَلَ الرَّعْدُ“: صَفا صَوْتُهُ؛ و”الكَلِمَةَ“: أخْرَجَها مُتَحَذْلِقًا؛ وطائِرٌ؛ أوِ الفاخِتَةُ؛ والرّاعِي الحاذِقُ؛ و”المُصَلِّلُ“؛ كَـ ”مُحَدِّثٌ“: السَّيِّدُ الكَرِيمُ الحَسِيبُ؛ والخالِصُ النَّسَبِ؛ والأسْكَفُ؛ وهو الإسْكافُ عِنْدَ العامَّةِ؛ و”تَصَلْصَلَ الغَدِيرُ“: جَفَّتْ حَمْأتُهُ؛ فَتَهَيَّأ لِأنْ يُصَوِّتَ يُبْسُهُ؛ و”الحُلِيُّ“: صَوَّتَ؛ و”حِمارٌ صُلْصُلٌ؛ وصُلاصِلٌ“؛ بِضَمِّهِما؛ و”صَلْصالٌ؛ ومُصَلْصِلٌ“: مُصَوِّتٌ؛ ومِنَ النُّتْنِ: ”صُلُولُ اللَّحْمِ والماءِ“؛ يُقالُ: ”صَلَّ اللَّحْمُ صُلُولًا“: أنْتَنَ؛ والماءُ: أجِنَ؛ و”الصِّلِّيانُ“؛ بِكَسْرَتَيْنِ؛ مُشَدَّدَةَ اللّامِ: ما تَغَيَّرَ مِنَ اللَّحْمِ؛ و”الصُّلَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الرِّيحُ المُنْتِنَةُ؛ (p-٤٦)ومِنَ اليُبْسِ: الصِّلَّةُ؛ وهي الجِلْدُ اليابِسُ؛ قَبْلَ الدِّباغِ؛ والنَّعْلُ؛ والأرْضُ؛ أوِ اليابِسَةُ؛ و”صَلَّ السِّقاءُ صَلِيلًا“: يَبِسَ؛ أوْ أرْضٌ لَمْ تُمْطَرْ بَيْنَ مَمْطُورَتَيْنِ؛ و”الصِّلُّ“؛ بِالكَسْرِ: القَرْنُ؛ وشَجَرٌ؛ والسَّيْفُ القاطِعُ؛ ومِنَ النَّداوَةِ: ”الصِّلَّةُ“؛ وهي التُّرابُ النَّدِيُّ؛ ومِنَ الماءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كَثِيرًا؛ أوْ قَلِيلًا؛ ”الصِّلَّةُ“؛ لِلْمَطِرَةِ الواسِعَةِ؛ والمُتَفَرِّقَةِ القَلِيلَةِ؛ و”الصُّلَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: بَقِيَّةُ الماءِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكَذا الصَّلْصَلَةُ والصَّلْصَلُ؛ بِضَمِّهِما: بَقِيَّةُ الماءِ في الغَدِيرِ؛ وكَذا مِنَ الدُّهْنِ والزَّيْتِ؛ وأمّا التَّفَرُّقُ فَمِنَ التَّشَقُّقِ؛ و”الصِّلَةُ“: القِطْعَةُ مِنَ العُشْبِ؛ سُمِّيَتْ بِاسْمِ المَطَرِ؛ تَسْمِيَةً لِلْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ؛ ومِنَ اللِّينِ: ”الصَّلّالَةُ“؛ بِالكَسْرِ؛ لِبِطانَةِ الخُفِّ؛ أوْ ساقِها؛ و”الصُّلْصُلُ“؛ كَـ ”هُدْهُدٌ“: ناصِيَةُ الفَرَسِ؛ ويُفْتَحُ؛ أوْ بَياضٌ في شَعْرِ مَعْرِفَتِهِ؛ وما ابْيَضَّ مِن شَعْرِ ظَهْرِهِ؛ وهَذا مِنَ التَّمْيِيزِ أيْضًا؛ ومِنَ المَحَلِّ: القَدَحُ؛ أوِ الصَّغِيرُ مِنهُ؛ و”المِصْلَةُ“؛ بِالكَسْرِ: الإناءُ يُصَفّى فِيهِ الشَّرابُ؛ ومِنَ الخُبْثِ: ”الصِّلُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ لِلْحَيَّةِ مُطْلَقًا؛ أوِ الدَّقِيقَةِ الصَّفْراءِ؛ والدّاهِيَةِ؛ (p-٤٧)والسَّيْفِ القاطِعِ؛ شُبِّهَ بِذَلِكَ لِإهْلاكِهِ؛ و”إنَّهُ لَصُلُّ أصْلالٍ“: داهٍ؛ مُنْكَرٌ في الخُصُومَةِ وغَيْرِها؛ و”صَلَتْهُمُ الصّالَّةُ“: أصابَتْهُمُ الدّاهِيَةُ؛ وهَذا أيْضًا مِن شِدَّةِ الِانْتِشابِ؛ ومِنَ التَّشَقُّقِ: ”الصّالُّ“؛ وهو الماءُ يَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُشَقَّقُ؛ ومِنَ التَّصْفِيَةِ: ”صَلَلْنا الحَبَّ المُخْتَلِطَ بِالتُّرابِ“: صَبَبْنا فِيهِ ماءً؛ فَعَزَلْنا كُلًّا عَلى حِيالِهِ؛ و”صَلَّ الشَّرابَ صَلًّا“: صَفّاهُ؛ و”المِصْلَةُ“؛ بِالكَسْرِ: الإناءُ يُصَفّى فِيهِ؛ ومِن تَضامِّ الأجْزاءِ وتَضايُقِها؛ وقَدْ يَكُونُ مَعَ الِانْتِظامِ؛ ومِنهُ: ”تَلْصِيصُ البُنْيانِ“؛ أيْ: تَرْصِيصُهُ؛ وقَدْ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِانْتِظامُ؛ ومِنهُ: ”التَصَّ“؛ بِمَعْنى: التَزَقَ؛ و”اللَّصُّ“؛ وهو تَقارُبُ المَنكِبَيْنِ؛ وتَقارُبُ الأضْراسِ؛ وتَضامُّ مَرْفِقَيِ الفَرَسِ إلى زَوْرِهِ؛ و”اللَّصّاءُ“؛ مِنَ الجِباهِ: الضَّيِّقَةُ؛ والمَرْأةُ المُلْتَزِقَةُ الفَخِذَيْنِ؛ لا فُرْجَةَ بَيْنَهُما؛ والزِّنْجِيُّ؛ ألَصُ الألْيَتَيْنِ؛ (p-٤٨)وإغْلاقُ البابِ؛ ومِن إطْلاقِهِ عَلى ما لَيْسَ مُنْتَظِمًا وإنْ لَمْ يَكُنْ تَقارُبٌ: ”اللَّصّاءُ مِنَ الغَنَمِ“؛ وهي ما أقْبَلَ أحَدُ قَرْنَيْها وأدْبَرَ الآخَرُ؛ ومِنَ الخَفاءِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الطِّينِ وهو نَدِيٌّ: ”اللَّصُّ“؛ بِالفَتْحِ؛ وهو فِعْلُ الشَّيْءِ في سَتْرٍ؛ والسّارِقُ؛ ويُثَلَّثُ.
ومادَّةُ ”سَنَنَ“؛ تَدُورُ عَلى الدَّلْكِ؛ ويَلْزَمُهُ التَّحْسِينُ؛ فَمِنَ الدَّلْكِ: ”السِّنُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ وهو الضِّرْسُ؛ والحَبَّةُ مِنَ الثُّومِ؛ تُشَبَّهُ بِهِ؛ والثَّوْرُ الوَحْشِيِّ؛ وسِنانُ الرُّمْحِ؛ ومَكانُ البَرْيِ مِنَ القَلَمِ؛ والأكْلُ الشَّدِيدُ؛ والقَرْنُ؛ وشُعْبَةُ المِنجَلِ؛ ومِقْدارُ العُمْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا مَرَّ عَلى صاحِبِهِ كانَ كَأنَّهُ دَلَكُهُ؛ و”المَسانُّ“؛ مِنَ الإبِلِ: الكِبارُ؛ و”سُنُّ السِّكِّينِ“؛ وغَيْرُهُ؛ فَهو مَسْنُونٌ؛ و”المِسَنُّ“؛ بِالكَسْرِ: آلَةُ السَّنِّ؛ وسَنَّنَ رُمْحَهُ إلَيْهِ: سَدَّدَهُ؛ وسَنَّ الأضْراسَ: سَوَّكَها؛ والإبِلَ: ساقَها سَرِيعًا؛ لِتَدالُكِها عِنْدَ الِازْدِحامِ؛ و”سَنَّ الأمْرَ“: بَيَّنَهُ؛ فَكَأنَّهُ هَيَّأهُ لِأنْ يُرْكَبَ فَيُدَلَّكَ بِالأفْكارِ؛ أوْ غَيْرِها؛ و”سَنَّ الطِّينَ“: عَمِلَهُ فَخّارًا؛ و”فُلانًا“: طَعَنَهُ بِالسِّنانِ؛ أوْ عَضَّهُ بِالأسْنانِ؛ و”الفَحْلُ النّاقَةَ“: كَبَّها عَلى وجْهِها؛ و”عَلَيْهِ (p-٤٩)الدِّرْعَ؛ أوِ الماءَ“: صَبَّهُ؛ و”الطَّرِيقَةَ“: سارَها؛ و”اسْتَنَّ“: اسْتاكَ؛ و”الفَرَسُ“: قَمَصَ؛ و”السَّرابُ“: اضْطَرَبَ؛ و”السِّنَّةُ“؛ بِالكَسْرِ: الفَأْسُ لَها خَلْفانِ؛ و”السُّنَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: السِّيرَةُ؛ أوِ الطَّبِيعَةُ؛ كَأنَّها عُولِجَتْ حَتّى انْقادَتْ؛ و”السُّنَّةُ“؛ مِنَ اللَّهِ: حُكْمُهُ؛ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ؛ و”سُنُنُ الطَّرِيقِ“؛ مُثَلَّثَةً؛ وبِضَمَّتَيْنِ: نَهْجُهُ وجِهَتُهُ؛ و”جاءَتِ الرِّيحُ سَناسِنَ“: عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ؛ و”الحَمَأُ المَسْنُونُ“: المُنْتِنُ؛ لِأنَّهُ تَهَيَّأ لِأنْ يُدَلَّكَ بِالآلَةِ جِبِلًّا؛ حَتّى يَصْلُحَ لِما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ؛ و”الفَحْلُ يُسانُّ النّاقَةَ“: يَكْدِمُها؛ ويَطْرُدُها؛ حَتّى يُنَوِّخَها لِيَسْفِدَها؛ و”السَّنِينُ“؛ كَـ ”أمِيرٌ“: ما يَسْقُطُ مِنَ الحَجَرِ إذا حَكَكْتَهُ؛ والأرْضُ الَّتِي أُكِلَ نَباتُها؛ كالمَسْنُونَةِ؛ و”السِّنْسِنُ“؛ بِالكَسْرِ: العَطَشُ؛ كَأنَّهُ سَنَّ الأمْعاءَ حَتّى أحْرَقَها؛ ورَأْسُ المَحالَةِ؛ أيْ: البَكَرَةِ العَظِيمَةِ؛ وحَرْفُ فَقارِ الظَّهْرِ؛ كالسَّنِّ والسَّنْسَنَةِ؛ ورَأْسُ عِظامِ الصَّدْرِ؛ أوْ طَرَفُ الضِّلْعِ الَّتِي في الصَّدْرِ؛ و”المُسْتَسَنُّ“: الطَّرِيقُ المَسْلُوكُ؛ و”المُسْتَنُّ“: الأسَدُ؛ و”السَّنَنُ“؛ مُحَرَّكَةً: (p-٥٠)الإبِلُ تَسْتَنُّ في عَدْوِها؛ و”السَّنِينَةُ“؛ كَـ ”سَفِينَةٌ“: الرَّمْلُ المُرْتَفِعُ المُسْتَطِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ وهو مِنَ المَسْنُونِ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: و”سَنَّنِي هَذا الشَّيْءَ“: شَهّى إلَيَّ الطَّعامَ؛ كَأنَّهُ سَنَّ المَعِدَةَ حَتّى قَطَعَتْ بَعْدَ كَلالِها؛ و”تَسانَّتِ الفُحُولُ“: تَكادَمَتْ؛ و”النَّسُّ“: سُرْعَةُ الذَّهابِ؛ ويَلْزَمُهُ تَدالُكُ الأعْضاءِ؛ و”نَسِيسُ الإنْسانِ“: مَجْهُودُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ أشَدِّ الِاضْطِرابِ؛ و”النَّسِيسَةُ“: الحُشاشَةُ؛ وهي بَقِيَّةُ الرُّوحِ مِنَ المَرِيضِ؛ والجَرِيحِ؛ كَأنَّها صُدِمَتْ حَتّى ذَهَبَ أكْثَرُها؛ و”نَسَّ اللَّحْمُ“: ذَهَبَ بَلَلُهُ مِن شِدَّةِ الطَّبْخِ؛ لِأنَّ إحْراقَ النّارِ أعْظَمُ دَلْكٍ؛ وكَذا ”نَسَّ الحَطَبُ“؛ إذا أخْرَجَتِ النّارُ زَبَدَهُ عَلى رَأْسِهِ؛ لِقِيامِ الإحْراقِ مَقامَ الرَّضْخِ فِيما يُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ؛ و”نَسَّ مِنَ العَطَشِ“: جَفَّ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِنَ التَّحْسِينِ: ”سَنَّنَ المَنطِقَ“؛ إذا حَسَّنَهُ؛ و”سَنَّ الأمْرَ“: بَيَّنَهُ؛ و”الطِّينَ“: عَمِلَهُ فَخّارًا؛ و”المالَ“: أرْسَلَهُ في الرَّعْيِ؛ أوْ أحْسَنَ القِيامَ عَلَيْهِ؛ حَتّى (p-٥١)كَأنَّهُ صَقَلَهُ؛ و”الشَّيْءَ“: صَوَّرَهُ؛ و”السُّنَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الوَجْهُ؛ أوْ حَرُّهُ؛ أوْ دائِرَتُهُ؛ أوِ الصُّورَةُ؛ أوِ الجَبْهَةُ؛ و”رَجُلٌ مَسْنُونُ الوَجْهِ“: مُمَلَّسُهُ؛ حَسَنُهُ؛ سَهْلُهُ؛ أوْ في وجْهِهِ وأنْفِهِ طُولٌ؛ وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الدَّلْكِ أيْضًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”المَسْنُونُ“: الرَّطْبُ؛ ومَعْناهُ: المَصْبُوبُ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَصْبُوبًا إلّا وهو رَطْبٌ؛ وقالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: وهَذا إشارَةٌ إلى دَرَجاتِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَراتِبِهِ؛ وأشارَ اللَّهُ (تَعالى) إلى ذَلِكَ في مَواضِعَ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ؛ فَقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ إشارَةً إلى المَبْدَإ الأوَّلِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]؛ إشارَةً إلى الجَمْعِ بَيْنَ الماءِ والتُّرابِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ إشارَةً إلى الطِّينِ المُتَغَيِّرِ؛ المُسْتَقِرِّ عَلى حالَةٍ مِنَ الاعْتِدالِ تَصْلُحُ لِقَبُولِ الصُّورَةِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ إشارَةً إلى يَبَسِهِ؛ وسَماعِ صَلْصَلَةٍ مِنهُ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]؛ وهو الَّذِي قَدْ أُصْلِحَ بِأثَرٍ مِنَ النّارِ؛ فَصارَ كالخَذِفِ؛ وبِهَذِهِ القُوَّةِ النّارِيَّةِ حَصَلَ في الإنْسانِ أثَرٌ مِنَ الشَّيْطَنَةِ؛ انْتَهى؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآياتُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ تَقْلِيبُ الحَيَوانِ مِن حالٍ إلى حالٍ؛ (p-٥٢)مِن جاعِلٍ قادِرٍ؛ قَلَّبَهُ مِن أصْلٍ هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالِ الحَيَوانِ؛ إلى الحَيَوانِ؛ وقالَ: إنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِهِ مِنَ الحَمْأةِ العِبْرَةُ في أنَّهُ قُلِبَ مِن تِلْكَ الحالِ الحَقِيرَةِ في الصِّفَةِ؛ إلى هَذِهِ الحالِ الجَلِيلَةِ.
الحجر 15:27
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الإنْسانِ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما خَلَقَهُ قَبْلَهُ مِنَ الجانِّ؛ فَقالَ: ﴿والجانَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو لِلْجِنِّ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنّاسِ: وقِيلَ: هو إبْلِيسُ؛ ﴿خَلَقْناهُ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْ تَقْلِيلِ زَمانِ سَبْقِ خَلْقِهِ؛ وتَقْرِيبِهِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ خَلْقِ الإنْسانِ؛ ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾؛ أيْ: الحَرِّ الشَّدِيدِ؛ قِيلَ: هي نارٌ لا دُخانَ لَها؛ يَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ؛ وهي بَيْنَ السَّماءِ؛ وبَيْنَ الحِجابِ؛ فَإذا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) خَرَقَتِ الحِجابَ؛ فَهَدَّتْ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ؛ فالهَدَّةُ الَّتِي يَسْمَعُها النّاسُ هي خَرْقُ ذَلِكَ الحِجابِ؛ وقالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: نارٌ لَطِيفَةٌ؛ تَناهَتْ في الغَلَيانِ في أُفُقِ الهَواءِ؛ وهي بِالإضافَةِ إلى النّارِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ (تَعالى) مَتاعًا كالجَمَدِ إلى الماءِ؛ والحَجَرِ إلى التُّرابِ؛ انْتَهى؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ السَّمُومُ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ (p-٥٣)الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ مِنها الجانَّ؛ وهي مَأْخُوذَةٌ مِن دُخُولِها بِلُطْفِها في مَسامِّ البَدَنِ؛ ومِنهُ السُّمُّ القاتِلُ؛ انْتَهى.
الحجر 15:28
ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الإيجادِ كافِيَةً في إخْلاصِ العِبادَةِ لِلْمُوجِدِ؛ ثُمَّ لَمْ يَعْتَبِرْها أهْلُ الضَّلالِ؛ أشارَ (تَعالى) إلى نِعْمَةٍ هي أكْبَرُ مِنها؛ وهي التَّفْضِيلُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَبَبِ الضَّلالِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”اذْكُرْ هَذا فَإنَّهُ كافٍ في المُرادِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ“ -: ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ قَوْلَ رَبِّكَ إذْ؛ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِتَشْرِيفِ أبِيكَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَشْرِيفِكَ؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيهِ؛ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أيْ: حَيَوانًا غَيْرَ مُلْبَسِ البَشَرَةِ بِما جَعَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبِيعَةِ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ شَدِيدِ اليُبْسِ؛ ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مُصَوَّرٍ بِصُورَةِ الآدَمِيِّ في تَجْوِيفِهِ؛ وأعْضائِهِ؛ كَأنَّهُ مَصْبُوبٌ في قالَبٍ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: ”عَلى سَنَنٍ واحِدٍ“؛
الحجر 15:29
﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أيْ: عَدَّلْتُهُ؛ وأتْمَمْتُهُ؛ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ تَهْيِئَةً قَرِيبَةً مِنَ الفِعْلِ؛ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾؛ أيْ: خَلَقْتُ الحَياةَ فِيهِ؛ (p-٥٤)كَما تَعْلَقُ النّارُ بِالفَتِيلَةِ بِالنَّفْخِ؛ وهو تَمْثِيلٌ؛ وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا؛ وهو ما يَصِيرُ بِهِ الجِسْمُ حَيًّا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ الرُّوحُ عالِمًا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ العالِمُ عامِلًا خاشِعًا؛ ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾؛ أيْ: تَعْظِيمًا؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿ساجِدِينَ﴾؛ أيْ: اسْجُدُوا لَهُ سُجُودَ مَن كانَ في مُبادَرَتِهِ بِهِ؛ وسُهُولَةِ انْقِيادِهِ؛ كَأنَّهُ وقَعَ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ؛
الحجر 15:30
﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ لَمّا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي أمَرْتُهم فِيهِ لِذَلِكَ البَشَرِ؛ وهو أبُوكم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنْتُمْ في صُلْبِهِ ﴿كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾
الحجر 15:31
ولَمّا أبْلَغَ في تَأْكِيدِ ما أفْهَمَهُ الجَمْعُ؛ اسْتَثْنى؛ فَقالَ: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾؛ قِيلَ: (وقِيلَ: بَلْ - لِكَوْنِهِ كانَ واحِدًا بَيْنَهُمْ؛ مُنْضافًا إلَيْهِمْ؛ عامِلًا بِأعْمالِهِمْ - كانَ مَعْمُورًا فِيهِمْ؛ فَكانَ كَأنَّهُ مِنهُمْ؛ فَصَحَّ اسْتِثْناؤُهُ لِذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ؟ فَقِيلَ - اسْتِعْظامًا لِمُخالَفَتِهِ -: ﴿أبى أنْ يَكُونَ﴾؛ أيْ: لِشَكاسَةٍ في جِبِلَّتِهِ؛ ﴿مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أوْ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَأبى - بِالعَطْفِ -؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ؛ فَإنَّ إبْلِيسَ مِن نارٍ؛ والمَلائِكَةَ مِن نُورٍ؛ وهم لا يَأْكُلُونَ؛ ولا يَشْرَبُونَ؛ ولا يَنْكِحُونَ؛ بِخِلافِهِ؛
الحجر 15:32
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلَ بِهِ المَلِكُ؟ فَقِيلَ: لَمْ يُعاجِلْهُ بِالعُقُوبَةِ؛ بَلْ (p-٥٥)أخَّرَهُ إلى أجْلِهِ المَحْكُومِ بِهِ في الأزَلِ؛ كَما أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْكم لِذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ لَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ لَهُ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الخَلائِقِ ظاهِرًا؛ كَما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في العِلْمِ باطِنًا: ﴿يا إبْلِيسُ﴾؛ اخْتارَ هَذا الِاسْمَ هُنا؛ لِأنَّ الإبْلاسَ مَعْناهُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ والسُّكُونُ والِانْكِسارُ؛ والحُزْنُ والتَّحَيُّرُ؛ وانْقِطاعُ الحُجَّةِ؛ والنَّدَمُ؛ ﴿ما لَكَ﴾؛ أيُّ شَيْءٍ لَكَ مِنَ الأعْذارِ في ﴿ألا تَكُونَ﴾؛ أيْ: بِقَلْبِكَ وقالَبِكَ؛ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾؛ لِمَن أمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا أنا عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ ما لا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الخَلْقِ؟
الحجر 15:33
﴿قالَ لَمْ أكُنْ﴾؛ وأكَّدَ إظْهارًا لِلْإصْرارِ؛ والإضْرارِ بِالكِبْرِ؛ فَقالَ: ﴿لأسْجُدَ لِبَشَرٍ﴾؛ أيْ: ظاهِرِ البَدَنِ؛ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى التَّشَكُّلِ؛ والتَّطَوُّرِ؛ ﴿خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ يابِسٍ؛ لا مَنعَةَ فِيهِ؛ بَلْ إذا نُقِرَ أجابَ بِالتَّصْوِيتِ؛ ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ مُتَغَيِّرٍ؛ أسْوَدَ كَدِرٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مُصَوَّرٍ بِصُورَةِ الفَخّارِ مُتَهَيِّئٌ لِلدَّلْكِ؛ لا يَرُدُّ يَدَ لامِسٍ؛ وأنا خَيْرٌ مِنهُ؛ لِأنَّكَ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ نافِعَةٍ بِالإشْراقِ؛ مُمْتَنِعَةٍ مِمَّنْ يُرِيدُها بِالإحْراقِ؛ فَخُضُوعِي لَهُ مُنافٍ لِحالِي؛ ومُمْتَنِعٌ مِنِّي؛ وإلْزامِي بِهِ جَوْرٌ؛
الحجر 15:34
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أُجِيبَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ فاخْرُجْ﴾؛ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ كِبْرِكَ (p-٥٦)أنِّي أقُولُ لَكَ: اخْرُجْ ﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِن دارِ القُدْسِ؛ قِيلَ: السَّماءِ؛ وقِيلَ: الجَنَّةِ؛ ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ أيْ: مَطْرُودٌ؛ إذِ (لا يَكُونُ إلّا لِمَن هو بَعِيدٌ يُرادُ الزِّيادَةُ في إبْعادِهِ؛ بَلْ إهْلاكِهِ؛ وعِلَّةُ الإخْراجِ أنَّها دارٌ لا يُقِيمُ بِها مُتَكَبِّرٌ عاصٍ بِمُخالَفَةِ أمْرِي؛ فَإنَّ لِيَ الحُكْمَ النّافِذَ؛ والعَظَمَةَ التّامَّةَ؛ المُقْتَضِيَةَ لِوُجُوبِ الطّاعَةِ؛ لا يَنْبَغِي لِمَن أمَرْتُهُ بِما مَرَّ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أمْرِي؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَضْرِبَ لِيَ الأمْثالَ؛ ويُواجِهَنِي بِالجِدالِ؛ طاعِنًا فِيما لِيَ مِنَ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛
الحجر 15:35
ثُمَّ أكَّدَ بُعْدَهُ بِالإخْبارِ بِاسْتِمْرارِهِ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿اللَّعْنَةَ﴾؛ أيْ: الكامِلَةَ؛ لِلْقَضاءِ بِالمُباشَرَةِ لِأسْبابِ البُعْدِ؛ ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أيْ: إلى يَوْمِ انْقِطاعِ التَّكْلِيفِ؛ وطُلُوعِ صُبْحِ الجَزاءِ؛ بِفَناءِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ؛ وفَواتِ الأمَدِ الَّذِي تَصِحُّ فِيهِ التَّوْبَةُ؛ الَّتِي هي سَبَبُ القُرْبِ؛ فَذَلِكَ إيذانٌ بِدَوامِ الطَّرْدِ؛ وتَوالِي البُعْدِ والمَقْتِ؛ فَلا يُتَمَكَّنُ في هَذا الأمَدِ مِن عَمَلٍ يَكُونُ سَبَبًا لِلْقُرْبِ مِن حَضْرَةِ الأُنْسِ؛ وجَنابِ القُدْسِ؛ ومَن (فِي وقْتِها يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ؛ فَهو مُعَذَّبٌ أبَدًا.
الحجر 15:36
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا دَوامُ لَعْنِهِ؛ لِأنَّهُ مُنِعَ التَّقَرُّبَ في دارِ العَمَلِ؛ (p-٥٧)وما بَعْدَ ذَلِكَ مَحَلُّ الجَزاءِ لا العَمَلِ؛ وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِإنْظارِهِ إلى ذَلِكَ الحَدِّ؛ وكانَ ظاهِرُهُ أنَّ لَعْنَهُ مَعْنِيٌّ بِهِ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ ذاكِرًا صِفَةَ الإحْسانِ؛ والتَّسَبُّبِ في سُؤالِ الإنْظارِ: ﴿رَبِّ﴾؛ فاعْتَرَفَ بِالعُبُودِيَّةِ؛ والإحْسانِ إلَيْهِ؛ ولَمْ يَحْمِلْهُ ذَلِكَ عَلى التَّوْبَةِ لِلْحُكْمِ بِدَوامِ لَعْنِهِ؛ فَلا يَطْمَعُ طامِعٌ في إيمانِ مَن خُتِمَ بِكُفْرِهِ بِالإجابَةِ إلى ما يَقْتَرِحُ؛ وأتى بِفاءِ السَّبَبِ؛ لِما فُهِمَ مِنَ الإمْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿فَأنْظِرْنِي﴾؛ والإنْظارُ: تَأْخِيرُ المُحْتاجِ لِلنَّظَرِ في أمْرِهِ؛ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ فَحَمَلَ يَوْمَ الدِّينِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وأرادَ التَّصْرِيحَ بِالإنْظارِ إلَيْهِ؛ لِيَأْمَنَ المَوْتَ؛
الحجر 15:37
فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قِيلَ لَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ لَهُ رَبُّهُ: ﴿فَإنَّكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الحُكْمِ؛ ﴿مِنَ المُنْظَرِينَ﴾؛
الحجر 15:38
وقَطَعَ عَلَيْهِ ما دَبَجَ بِهِ مِنَ المَكْرِ؛ فَقالَ: ﴿إلى﴾؛ ولَمّا كانَ ”اليَوْمُ“ ما يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ؛ وكانَتِ الأيّامُ الهائِلَةُ ثَلاثَةٌ: زَمانَ مَوْتِ الأحْياءِ الخارِجِينَ مِن دارِ الخُلْدِ؛ ثُمَّ بَعْثَ الأمْواتِ؛ ثُمَّ الفَصْلَ بَيْنَهم بِإحْلالِ كُلِّ فَرِيقٍ في دارِهِ؛ قالَ: ﴿يَوْمِ﴾؛ ولَمّا كانَ الوَقْتُ أدَلَّ ألْفاظِ الزَّمانِ عَلى الأجَلِ؛ قالَ: ﴿الوَقْتِ﴾؛ ولَمّا كانَ قَدْ دَبَجَ في سُؤالِهِ هَذا تَدْبِيجًا أوْهَمَ تَجاهُلَهُ بِتَحَتُّمِ (p-٥٨)المَوْتِ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ مِمّا لا يُجْهَلُ؛ فَقالَ: ﴿المَعْلُومِ﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّرْتُ عَلَيْكَ المَوْتَ فِيهِ؛ وهو النَّفْخَةُ الأُولى؛ وما يَتْبَعُها مِن مَوْتِ كُلِّ مَخْلُوقٍ لَمْ يَكُنْ في دارِ الخُلْدِ.
الحجر 15:39
ولَمّا أفْهَمُ ما تَقَدَّمَ - كَما قُلْنا - الحُكْمَ بِإغْوائِهِ؛ كانَ السّامِعُ كَأنَّهُ قالَ: فَماذا قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ مَنسُوبًا نَفْسُهُ بِالمَعْبُودِ العَلِيِّ - الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ وكُلُّ أفْعالِهِ عَدْلٌ وحِكْمَةٌ - بَعْدَ أنْ رَفَعَ نَفْسَهُ عَلى العَبْدِ البَشَرِيِّ: ﴿رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُوجِدُ؛ والمُرَبِّي لِي؛ وعِزَّتِكَ؛ ﴿بِما أغْوَيْتَنِي﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ إغْوائِكَ لِي مِن أجْلِهِمْ؛ ولِلِاهْتِمامِ بِهَذا السَّبَبِ قَدَّمَهُ عَلى جَوابِ القَسَمِ الدّالِّ عَلى المُقْسَمِ بِهِ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾؛ أيْ: تَزْيِينًا عَظِيمًا؛ المَعاصِيَ؛ والمُباحاتِ الجارَّةَ إلَيْها؛ الشّاغِلَةَ عَنِ الطّاعَةِ؛ الصّارِفَةَ عَنْها؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي مَحَلُّ الغَفْلَةِ؛ وهم مِنها؛ والشَّيْءُ إلى ما هو مِنهُ أمْيَلُ؛ فَهي بِهَذا التَّقْدِيرِ (p-٥٩)مُساوِيَةٌ لِآيَةِ ”ص“؛ ”فَبِعِزَّتِكَ“؛ والتَّزْيِينُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مُتَقَبَّلًا في النَّفْسِ؛ مِن جِهَةِ الطَّبْعِ؛ والعَقْلِ؛ بِحَقٍّ؛ أوْ بِباطِلٍ؛ ﴿ولأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِالإضْلالِ عَنِ الطَّرِيقِ الحَمِيدَةِ؛ ﴿أجْمَعِينَ﴾؛ انْتِقامًا لِنَفْسِي؛
الحجر 15:40
﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ﴾؛ أيْ: المُشَرَّفِينَ بِالإضافَةِ إلَيْكَ؛ فَهم لِذَلِكَ لا يَمِيلُونَ عَنْكَ إلى شَيْءٍ سِواكَ؛ فَلِذَلِكَ أبْدَلَ مِنهم ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ فَزادَ بِهَذا الكَلامِ في الضَّلالِ؛ ولَمْ يَقْدِرْ أنْ يَقُولَ بَدَلَ ذَلِكَ: رَبِّ تُبْ عَلَيَّ؛ ونَحْوَهُ مِنَ الِاسْتِعْطافِ؛ كَما قالَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا حَفَّهُ اللُّطْفُ ودارَكَهُ العَفْوُ؛ فارْعَوْا هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ و”الإخْلاصُ“: إفْرادُ الشَّيْءِ عَمّا يَشُوبُهُ مِن غَيْرِهِ؛
الحجر 15:41
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَبِماذا أُجِيبَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ اللَّهُ؛ في جَوابِهِ؛ رادًّا عَلى ما أوْهَمَهُ كَلامُهُ مِن أنْ لَهُ فِعْلًا يَسْتَقِلُّ بِهِ؛ مُكَذِّبًا لَهُ: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي ذَكَرْتَهُ مِن حالِ المُسْتَثْنى؛ والمُسْتَثْنى مِنهُ؛ ﴿صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ لِأنِّي قَضَيْتُ بِهِ؛ ولَوْ لَمْ تَقُلْهُ أنْتَ؛ وحَكَمْتُ بِهِ عَلَيْكَ وعَلَيْهِمْ؛ فَلا مَحِيصَ لَكم عَنْهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيَّ إقامَتُهُ؛ أوْ هو وارِدٌ عَلَيَّ ألّا عِوَجَ لِسالِكِيهِ عَنِ الرُّجُوعِ إلَيَّ؛ والمُرُورِ عَلَيَّ؛ يَعْنِي أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَعْمَلَ شَيْئًا (p-٦٠)بِغَيْرِ إرادَتِي؛ فَإنِّي بِالمِرْصادِ؛
الحجر 15:42
ثُمَّ شَرَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُضِيفًا جَمِيعَ العِبادِ إلَيْهِ؛ كَما هو الحَقِيقَةُ؛ نافِيًا ما قَدْ يُوهِمُهُ الكَلامُ مِن أنَّ لِإبْلِيسَ عَمَلًا مُسْتَقِلًّا -: ﴿إنَّ عِبادِي﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾؛ أيْ: لِتَرُدَّهم كُلَّهم عَمّا يُرْضِينِي؛ ﴿إلا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾؛ أيْ: بِتَعَمُّدٍ مِنهُ؛ ورَغْبَةٍ في اتِّباعِكَ؛ ﴿مِنَ الغاوِينَ﴾؛ وماتَ عَنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ؛ فَإنِّي جَعَلْتُ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانًا بِالتَّزْيِينِ؛ والإغْواءِ؛ وقِيلَ؛ وهو ظاهِرٌ: إنَّ الإضافَةَ لِلتَّشْرِيفِ؛ فَلا تَشْمَلُ إلّا الخُلَّصَ؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ وفائِدَةُ سَوْقِهِ بِصُورَةِ الِاسْتِثْناءِ - عَلى تَقْدِيرِ الِانْقِطاعِ - التَّرْغِيبُ في رُتْبَةِ التَّشَرُّفِ؛ بِالإضافَةِ إلَيْهِ؛ والرُّجُوعِ عَنِ اتِّباعِ العَدُوِّ؛ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ذَوِي الأنْفُسِ الأبِيَّةِ؛ والهِمَمِ العَلِيَّةِ؛ يُنافِسُونَ في ذَلِكَ المَقامِ؛ ويَرَوْنَهُ - كَما هو الحَقُّ - أعْلى مَرامٍ؛
الحجر 15:43
﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾؛ أيْ: الغاوِينَ؛ مِن إبْلِيسَ ومَن شايَعَهُ؛ ﴿أجْمَعِينَ﴾؛
الحجر 15:44
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم مُتَفاوِتُونَ فِيها؛ فَقالَ: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ﴾؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وهي أطْباقٌ؛ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والحَسَنِ؛ وقَتادَةَ؛ وابْنِ جُرَيْجٍ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -؛ ﴿لِكُلِّ بابٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: الغاوِينَ خاصَّةً؛ لا يُشارِكُهم (p-٦١)فِيهِ مُخْلَصٌ؛ ﴿جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾؛ مَعْلُومٌ لَنا مِنَ القِدَمِ؛ لِتَقْدِيرِنا إيّاهُ؛ لا يَزِيدُ شَيْئًا؛ ولا يَنْقُصُ شَيْئًا؛ فَلا فِعْلَ فِيهِ بِغَيْرِ التَّسَبُّبِ الَّذِي أظْهَرْناهُ؛ لِنَرْبِطَ بِهِ الأحْكامَ عَلى ما يَقْتَضِيهِ عُقُولُكُمْ؛ ومَجارِي عاداتِكُمْ؛ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ العُلْيا جَهَنَّمُ؛ ثُمَّ لَظى؛ ثُمَّ الحُطَمَةُ؛ ثُمَّ السَّعِيرُ؛ ثُمَّ سَقَرٌ؛ ثُمَّ الجَحِيمُ؛ ثُمَّ الهاوِيَةُ؛ وفي نُسْخَةٍ تَقْدِيمُ سَقَرٍ عَلى لَظى؛ وعَنِ الضِّحاكِ أنَّ العُلْيا لِأهْلِ التَّوْحِيدِ؛ ثُمَّ يَخْرُجُونَ؛ والثّانِيَةَ لِلنَّصارى؛ والثّالِثَةَ لِلْيَهُودِ؛ والرّابِعَةَ لِلصّائِبَةِ؛ والخامِسَةَ لِلْمَجُوسِ؛ والسّادِسَةَ لِمُشْرِكِي العَرَبِ؛ والسّابِعَةَ لِلْمُنافِقِينَ؛ والسَّبَبُ في تَصاعُدِها اخْتِلافُ أنْواعِ الكُفْرِ في الغِلَظِ والخِفَّةِ؛ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]؛ رَحْمَةً مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ ولَعَلَّها كانَتْ سَبْعَةً بِاعْتِبارِ أصْنافِ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم إمّا مُعَطِّلَةٌ؛ أوْ مُثْبِتَةٌ؛ والمُثْبِتَةُ إمّا يَهُودٌ؛ أوْ صابِئَةٌ؛ أوْ نَصارى؛ أوْ مَجُوسٌ؛ أوْ عُبّادُ أوْثانٍ؛ والكُلُّ إمّا مُصارِحُونَ؛ أوْ مُنافِقُونَ؛ ولَمّا كانَ المُنافِقُ لا يُعْرَفُ ظاهِرًا مِن أيُّها هُوَ؟ عُدَّ قِسْمًا واحِدًا؛ ووُكِلَ أمْرُهُ في مَيْزِهِ إلى العَلِيمِ الخَبِيرِ؛ ولَمّا كانَ الكُلُّ عامِلِينَ بِما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ؛ كانُوا في حُكْمِ المُعَطِّلَةِ؛ لِوَصْفِهِمُ اللَّهَ بِغَيْرِ صِفَتِهِ؛ فَرَجَعَتِ (p-٦٢)الأقْسامُ إلى سِتَّةٍ؛ فَأُضِيفَتْ إلَيْها العُصاةُ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ؛ فَجُعِلَتْ جُزْءُ الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنَ النّارِ مُقابِلَةً لِقِسْمِ المُنافِقِينَ مِن كُلِّ أُمَّةٍ؛ لِعَمَلِهِمْ أعْمالَ الكُفّارِ؛ مَعَ الإيمانِ؛ كَما أنَّ عَمَلَ المُنافِقِينَ عَمَلُ المُؤْمِنِينَ؛ مَعَ الكُفْرانِ؛ فَكانُوا أخْفى الكُفّارِ؛ فَكانَ لَهُمُ الدَّرْكُ الأسْفَلُ مِنَ النّارِ؛ ثُمَّ رَأيْتُ في ”رَشْفُ النَّصائِحِ الإيمانِيَّةِ وكَشْفُ الفَضائِحِ اليُونانِيَّةِ“؛ لِلْعارِفِ بِاللَّهِ (تَعالى) شِهابِ الدِّينِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّهْرَوَرْدِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّها جُعِلَتْ سَبْعَةً عَلى وفْقِ الأعْضاءِ السَّبْعَةِ؛ مِنَ العَيْنِ؛ والأُذُنِ؛ واللِّسانِ؛ والبَطْنِ؛ والفَرْجِ؛ واليَدِ؛ والرِّجْلِ؛ لِأنَّها مَصادِرُ السَّيِّئاتِ؛ فَكانَتْ مَوارِدُها الأبْوابَ السَّبْعَةَ - وهو مَأْخُوذٌ مِن كِتابِ ”المُحاسَبَةُ“؛ مِن كِتابِ الإحْياءِ لِلْإمامِ الغَزالِيِّ - ولَمّا كانَتْ هي بِعَيْنِها مَصادِرَ الحَسَناتِ؛ بِشَرْطِ النِّيَّةِ؛ والنِّيَّةُ مِن أعْمالِ القَلْبِ؛ زادَتِ الأعْضاءُ واحِدًا؛ فَجُعِلَتْ أبْوابُ الجِنانِ ثَمانِيَةً؛ هَذا مَعْنى قَوْلِهِ؛ قالَ: وأعْمالُ القُلُوبِ مِنَ السَّيِّئاتِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِها.
الحجر 15:45
ولَمّا ذَكَرَ الكافِرِينَ؛ وما جَرَّهم إلى الضَّلالِ؛ وجَرَّأهم عَلى قَبائِحِ الأعْمالِ؛ ذَكَرَ المُخْلَصِينَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ المُكَذِّبِينَ بِالبَعْثِ -: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ و”المُتَّقِي“: مَن جَعَلَ (p-٦٣)الإيمانَ بِإخْلاصِهِ حاجِزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ العِقابِ؛ ﴿فِي جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾
الحجر 15:46
ولَمّا كانَ المُنْزَلُ لا يَحْسُنُ إلّا بِالسَّلامَةِ؛ والأُنْسِ؛ والأمْنِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ادْخُلُوها﴾؛ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ؛ ﴿بِسَلامٍ﴾؛ أيْ: سالِمِينَ مِن كُلِّ آفَةٍ؛ مُرَحَّبًا بِكُمْ؛ ومُسَلَّمًا عَلَيْكم حالَ الدُّخُولِ؛ ﴿آمِنِينَ﴾؛ مِن ذَلِكَ دائِمًا.
الحجر 15:47
ولَمّا كانَ الأُنْسُ لا يَكْمُلُ إلّا بِالجِنْسِ؛ مَعَ كَمالِ المَوَدَّةِ؛ وصَفاءِ القُلُوبِ عَنِ الكَدَرِ؛ قالَ: ﴿ونَـزَعْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾؛ أيْ: حِقْدٍ يَنْغُلُ؛ أيْ: يَنْغَرِزُ في القَلْبِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿إخْوانًا﴾؛ أيْ: مُتَصافِينَ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿عَلى سُرُرٍ﴾؛ جَمْعُ ”سَرِيرٌ“؛ وهو مَجْلِسٌ رَفِيعٌ مُوَطَّأٌ لِلسُّرُورِ؛ ﴿مُتَقابِلِينَ﴾؛ لا يَرى بَعْضُهم قَفا بَعْضٍ؛ في آخِرِ الثَّقَفِيّاتِ؛ عَنِ الجُنَيْدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”ما أحْلى الِاجْتِماعَ مَعَ الأصْحابِ! وما أمَرَّ الِاجْتِماعَ مَعَ الأضْدادِ!“؛
الحجر 15:48
ولَمّا كانَ النَّظَرُ في الدَّوامِ والمَآلِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ قالَ: ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾؛ أيْ: إعْياءٌ؛ وتَعَبٌ؛ وجُهْدٌ؛ ومَشَقَّةٌ؛ ﴿وما هم مِنها﴾؛ ولَمّا كانَ المُنَكّى في كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هو الإكْراهُ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿بِمُخْرَجِينَ﴾
الحجر 15:49
ولَمّا كانَ المَفْهُومُ مِن هَذا السِّياقِ أنَّ النّاجِيَ إنَّما هو المُتَّقِي المُخْلَصُ؛ (p-٦٤)الَّذِي لَيْسَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ؛ وكانَ مَفْهُومُ المُخْلَصِ: مَن لا شائِبَةَ فِيهِ؛ وكانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النُّقْصانِ؛ وكانَ وُقُوعُهُ في النَّقْصِ مُنافِيًا لِلْوَفاءِ بِحَقِّ التَّقْوى؛ والإخْلاصِ؛ وكانَ رُبَّما أيْأسَهُ ذَلِكَ مِنَ الإسْعادِ؛ فَأوْجَبَ لَهُ التَّمادِيَ في البِعادِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما حالُ مَن لَمْ يَقُمْ بِحَقِّ التَّقْوى؟ -: ﴿نَبِّئْ عِبادِي﴾؛ أيْ: أخْبِرْهم إخْبارًا جَلِيلًا؛ ﴿أنِّي أنا﴾؛ أيْ: وحْدِي؛ ﴿الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ مَحْوُهُ لِلذُّنُوبِ؛ وإكْرامُهُ لِمَن يُرِيدُ بِجَمِيعِ ما يُرِيدُ؛ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ.
الحجر 15:50
ولَمّا كانَ ذَلِكَ - رُبَّما - سَبَبًا لِلِاغْتِرارِ المُوجِبِ لِلْإصْرارِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وأنَّ عَذابِي هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿العَذابُ الألِيمُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الإيلامِ؛ فَعُلِمَ أنَّ الأوَّلَ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ؛ والثّانِي لِمَن أصَرَّ؛ وعُرِفَ مِن ذَلِكَ أنَّ المُتَّقِينَ إنَّما دَخَلُوا الجَنَّةَ بِعَفْوِهِ؛ والغاوِينَ إنَّما عُذِّبُوا بِعَدْلِهِ؛ فَهو ”لَفٌّ ونَشْرٌ“ مُشَوَّشٌ؛ عَلى ما هو الأفْصَحُ.
الحجر 15:51
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - شَرْحَ قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ وما تَبِعَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ؛ شَرَعَ في شَرْحِ ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ بِقِصَّةِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وما بَعْدَها؛ مَعَ الوَفاءِ بِذِكْرِ المَعادِ؛ تارَةً تَلْوِيحًا؛ (p-٦٥)وتارَةً تَصْرِيحًا؛ والزَّجْرِ عَنْ الِاجْتِراءِ عَلى طَلَبِ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والِالتِفاتِ إلى قَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وهَبَ لِي عَلى الكِبَرِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ [إبراهيم: ٣٩]؛ في أُسْلُوبٍ شارِحٍ لِما تَعَقَّبَتْهُ هَذِهِ القِصَّةُ؛ فَإنَّ حُصُولَ القُنُوطِ سَبَبٌ لِآيَةِ المَغْفِرَةِ؛ والإخْبارَ بِعَذابِ الأُمَمِ تَمْثِيلٌ لِآيَةِ العَذابِ؛ لِيَزْدَجِرَ المُخاطَبُونَ؛ وأفْرَدَ لَهم ذِكْرَ مَن هو أقْرَبُ إلى بِلادِهِمْ مِمَّنْ يَعْرِفُونَهُ مِنَ المُعَذَّبِينَ؛ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ونَبِّئْهُمْ﴾؛ أيْ: خَبِّرْهم إخْبارًا عَظِيمًا؛ ﴿عَنْ ضَيْفِ إبْراهِيمَ﴾؛ و”الضَّيْفُ“؛ هو المُنْضَمُّ إلى غَيْرِهِ لِطَلَبِ القِرى؛ فَهَؤُلاءِ سُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهم عَلى صُورَةِ الضَّيْفِ؛ فَهو مِن دَلالَةِ التَّضَمُّنِ؛
الحجر 15:52
﴿إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿فَقالُوا﴾؛ أيْ: عَقِبَ الدُّخُولِ؛ ﴿سَلامًا﴾
ولَمّا كانَ طَلَبُهم في هَذِهِ الصُّورَةِ لِلْمَلائِكَةِ؛ عَلى وجْهٍ أوْكَدَ مِمّا في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أشارَ لَهم إلى ما في رُؤْيَةِ المَلائِكَةِ مِنَ الخَوْفِ؛ ولَوْ كانُوا مُبَشِّرِينَ؛ وفي أحْسَنِ صُورَةٍ مِن صُوَرِ البَشَرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ بِلِسانِ الحالِ؛ أوِ المَقالِ: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: أنا ومَن عِنْدِي؛ ﴿مِنكم وجِلُونَ﴾؛ وأسْقَطَ ذِكْرَ جَوابِهِ بِالسَّلامِ؛ ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيما في سُورَةِ ”هُودٍ“؛ وغَيْرِها (p-٦٦)مِن ذِكْرِهِ؛ فَإنَّ ”إذْ“ ظَرْفُ زَمانٍ؛ بِمَعْنى ”حِينَ“؛ و”الحِينُ“؛ قَدْ يَكُونُ واسِعًا؛ فَيُذْكَرُ ما فِيهِ تارَةً جَمِيعُهُ عَلى تَرْتِيبِهِ؛ وأُخْرى عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ وتارَةً بَعْضُهُ؛ مَعَ إسْقاطِ البَعْضِ؛ مَعَ صِدْقِ جَمِيعِ وُجُوهِ الإخْبارِ؛ لِكَوْنِهِ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى الجَمِيعِ؛ وتَكُونُ هَذِهِ التَّصَرُّفاتُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ لِمَعانٍ يَسْتَخْرِجُها مَن أرادَ اللَّهُ.
الحجر 15:53
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ أخْبَرَهم بِوَجَلِهِ مِنهُمْ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾؛ مُرِيدِينَ أمْنَهُ: ﴿لا تَوْجَلْ﴾؛ والوَجَلُ: اضْطِرابُ النَّفْسِ لِتَوَقُّعِ ما يُكْرَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ لِقَلْعِ ما في نَفْسِهِ مِنَ الوَجَلِ المُنافِي لِلْبُشْرى -: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ﴾؛ أيْ: ولَدٍ؛ ذَكَرٍ؛ هو في غايَةِ القُوَّةِ؛ ولَيْسَ هو كَأوْلادِ الشُّيُوخِ ضَعِيفًا؛ ولَمّا كانَ خَوْفُهُ لِخَفاءِ أمْرِهِمْ عَلَيْهِ؛ كانَ لِلْوَصْفِ بِالعِلْمِ في هَذا السِّياقِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ؛ فَقالُوا: ﴿عَلِيمٍ﴾؛
الحجر 15:54
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾؛ مُظْهِرًا لِلتَّعَجُّبِ؛ إرادَةَ تَحْقِيقِ الأمْرِ؛ وتَأْكِيدِهِ: ﴿أبَشَّرْتُمُونِي﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ ﴿عَلى أنْ مَسَّنِيَ الكِبَرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا حَرَكَةَ مَعَهُ يَأْتِي مِنها ولَدٌ؛ أمْ عَلى أنْ أعُودَ شابًّا؟ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾؛ بَيِّنُوا لِي ذَلِكَ بَيانًا شافِيًا؛
الحجر 15:55
(p-٦٧)﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ المَقْطُوعِ بِهِ؛ الواقِعِ لا مَحالَةَ؛ الَّذِي يُطابِقُ خَبَرَنا؛ ﴿فَلا تَكُنْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَبْشِيرِنا لَكَ بِالحَقِّ؛ ﴿مِنَ القانِطِينَ﴾؛ أيْ: الآيِسِينَ؛ الَّذِينَ رَكَنُوا إلى يَأْسِهِمْ؛ لِقَوْلِكَ نَحْوَ أقْوالِهِمْ.
الحجر 15:56
فَلَمّا ألْهَبُوهُ بِهَذا النَّهْيِ ﴿قالَ﴾؛ مُنْكِرًا لِأنْ يَكُونَ مِنَ القانِطِينَ: ﴿ومَن يَقْنَطُ﴾؛ أيْ: يَيْأسُ هَذا اليَأْسَ؛ ﴿مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ إحْسانُهُ دارًّا عَلَيْهِ؛ ﴿إلا الضّالُّونَ﴾؛ أيْ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ في رَبِّهِمْ؛ مِن تَمامِ القُدْرَةِ؛ وأنَّهُ لا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ؛ ولا تَنْفَعُهُ طاعَةٌ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهُ ما كانَ قانِطًا؛ وإنَّما كانَ مُرِيدًا لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ وفي هَذا تَلْوِيحٌ إلى أمْرِ المَعادِ.
الحجر 15:57
فَلَمّا تَحَقَّقَ البُشْرى؛ ورَأى إتْيانَهم مُجْتَمِعِينَ عَلى غَيْرِ الصِّفَةِ الَّتِي يَأْتِي عَلَيْها المَلَكُ لِلْوَحْيِ؛ وكانَ هو وغَيْرُهُ مِنَ العارِفِينَ بِاللَّهِ؛ عالِمِينَ بِأنَّهُ ما تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ يَسْألَهم عَنْ أمْرِهِمْ؛ لِيَزُولَ وجَلُهُ كُلُّهُ؛ فَلِذَلِكَ ﴿قالَ فَما﴾؛ بِفاءِ السَّبَبِ؛ ﴿خَطْبُكُمْ﴾؛ قالَ أبُو حَيّانَ: و”الخَطْبُ“؛ لا يَكادُ يُقالُ إلّا في الأمْرِ الشَّدِيدِ؛ انْتَهى؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّهُ الأمْرُ الجَلِيلُ؛ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾؛ فَإنَّكم ما جِئْتُمْ إلّا لِأمْرٍ عَظِيمٍ؛ يَكُونُ فَيْصَلًا بَيْنَ هالِكٍ؛ وناجٍ؛
الحجر 15:58
﴿قالُوا إنّا﴾؛ ولَمّا كانَ عالِمًا بِمُرْسِلِهِمْ بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ (p-٦٨)قَوْلَهُمْ: ﴿أُرْسِلْنا﴾؛ أيْ: بِإرْسالِ العَزِيزِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي أنْتَ أعْرَفُ النّاسِ في هَذا الزَّمانِ بِهِ؛ ﴿إلى قَوْمٍ﴾؛ أيْ: ذَوِي مَنعَةٍ؛ ﴿مُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الإجْرامِ؛ كُلِّهِمْ.
الحجر 15:59
ولَمّا كانَ إرْسالُهم لِلْعَذابِ؛ قالُوا مُسْتَثْنِينَ مِنَ الضَّمِيرِ في ”مُجْرِمِينَ“؛ أيْ: قَدْ أجْرَمُوا كُلُّهم إجْرامًا عَظِيمًا؛ ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾؛ فاسْتَثْنَوْهم مِن أنْ يَكُونُوا مُجْرِمِينَ؛ المُسْتَلْزِمَ لِكَوْنِهِمْ ما أُرْسِلُوا لِتَعْذِيبِهِمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا لِلنَّفْسِ إلى السُّؤالِ عَنْ حالِهِمْ؛ فَإنَّهم مِمَّنْ وقَعَ الإرْسالُ بِسَبَبِهِ؛ فَأجابُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَمُنَجُّوهُمْ﴾؛ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً؛ بِتَدْرِيجِ الأسْبابِ عَلى العادَةِ؛ ﴿أجْمَعِينَ﴾
الحجر 15:60
﴿إلا امْرَأتَهُ﴾؛ فَلَمّا اسْتَثْنَوْها مِن أنْ يُنَجُّوها؛ فَكانَ أمْرُها مُحْتَمِلًا لِأنْ تُعَذَّبَ؛ ولِأنْ يُنْجِيَها اللَّهُ (تَعالى)؛ بِسَبَبِ غَيْرِهِمْ؛ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ لِلْوُقُوفِ عَلى ما قَضى اللَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَقِيلَ - بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى أنْفُسِهِمْ؛ لِما لَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالمُقَدِّرِ - سُبْحانَهُ -: ﴿قَدَّرْنا﴾؛ ولَمّا كانَ فِعْلُ التَّقْدِيرِ مُتَضَمِّنًا لِلْعِلْمِ؛ عَلَّقَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّها﴾؛ أيْ: امْرَأتَهُ؛ وأكَّدَ لِأجْلِ ما أُشِيرُ إلَيْهِ هُنا مِن عَظِيمِ تَشَوُّفِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى مَعْرِفَةِ أمْرِهِمْ؛ (p-٦٩)وتَشْدِيدِ سُؤالِهِ؛ في نَجاةِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وجَمِيعِ آلِهِ - كَما مَضى التَّصْرِيحُ بِهِ في ”هُودٍ“؛ - فَطْمًا لَهُ عَنِ السُّؤالِ في نَجاتِها؛ بِخِلافِ ما في ”النَّمْلِ“؛ فَإنَّ سِياقَها عارٍ عَنْ ذَلِكَ؛ ﴿لَمِنَ الغابِرِينَ﴾؛ أيْ: الباقِينَ؛ الَّذِينَ لا يَنْجُونَ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَلْ تَكُونُ في الهَلاكِ؛ والعِبْرَةِ؛ و”الآلُ“؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: أهْلُ مَن يَرْجِعُونَ إلى وِلايَتِهِ؛ ولِهَذا يُقالُ: ”أهْلُ البَلَدِ“؛ ولا يُقالُ: ”آلُ البَلَدِ“؛ والتَّقْدِيرُ: ”جُعِلَ الشَّيْءُ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ؛ لِتَظْهَرَ المُساواةُ والمُبايَنَةُ“؛ و”الغابِرُ“: الباقِي فِيمَن يَهْلِكُ.
الحجر 15:61
فَلَمّا تَمَّ ما أُرِيدَ الإخْبارُ عَنْهُ مِن تَحاوُرِهِمْ مَعَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أخْبَرَ عَنْ أمْرِهِمْ مَعَ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقالَ: ﴿فَلَمّا﴾؛ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى سُرْعَةِ وُصُولِهِمْ إلَيْهِ؛ وكَأنَّهُ ما اشْتَدَّ إنْكارُهُ لَهم إلّا بَعْدَ الدُّخُولِ إلى مَنزِلِهِ؛ إمّا لِخَوْفِهِ عَلَيْهِمْ؛ وهم لا يَخافُونَ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ لا تُشْبِهُ أحْوالَ البَشَرِ؛ فَلِذا قالَ: ﴿جاءَ آلَ لُوطٍ﴾؛ أيْ: في مَنزِلِهِ؛ ﴿المُرْسَلُونَ﴾؛ أيْ: لِإهْلاكِ قَوْمِهِ؛
الحجر 15:62
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ﴾؛ أيْ: أقْوِياءُ؛ ﴿مُنْكَرُونَ﴾؛ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ عَنْ إتْيانِكم إلى هَذِهِ البَلْدَةِ (p-٧٠)شَرٌّ كَبِيرٌ لِأحَدٍ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ وهو مَعْنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ [هود: ٧٧]؛ الآيَةِ؛ فَقَدَّمَ حِكايَةَ إنْكارِهِ إيّاهُمْ؛ وإخْبارِهِمْ عَنِ العَذابِ؛ لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِنَ الزَّجْرِ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ المُحْتَمِلِ لِإرادَةِ جَمِيعِ المَلائِكَةِ؛ ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الحجر: ٧]؛ تَعْرِيفًا لَهم بِأنَّ بَعْضَ المَلائِكَةِ أتَوْا مَن كانا أكْمَلَ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ؛ عَلى أجْمَلِ صُوَرِ البَشَرِ؛ مُبَشِّرِينَ لَهُما؛ ومَعَ ذَلِكَ خافَهم كُلٌّ مِنهُما؛ فَكَيْفَ لَوْ كانَ مِنهم جَمْعٌ كَثِيرٌ؟ أمْ كَيْفَ لَوْ كانُوا عَلى صُوَرِهِمْ؟ أمْ كَيْفَ لَوْ كانَ الرّائِي لَهم غَيْرَهُما؟ أمْ كَيْفَ لَوْ كانَ كافِرًا؟ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَهم هَذِهِ المَقالَةَ إنَّما كانَ عِنْدَ إخْبارِهِمْ لَهُ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ؛ ويَكُونَ المَعْنى حِينَئِذٍ: إنَّكم لَسْتُمْ عَلى صِفَةِ الآتِي بِالوَحْيِ؛ فَقَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ أمْرُكُمْ؛ لِكَوْنِي لا أعْرِفُكُمْ؛ مَعَ (p-٧١)الِاسْتِيحاشِ مِنكُمْ؛ وذَلِكَ بَعْدَ مُحاوَرَتِهِ لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ مُقارَعَتِهِمْ عَنْهُمْ؛ فَكانَ خائِفًا عَلَيْهِمْ؛ فَلَمّا أخْبَرُوهُ أنَّهم مَلائِكَةٌ؛ خافَ مِنهم أنْ يَكُونُوا أتَوْا بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا أنَّ الإخْبارَ عَمّا كانَ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ لا يَضُرُّ تَقْدِيمُ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ؛ ولا إسْقاطُ بَعْضٍ؛ وذِكْرُ آخَرَ؛ ولَمْ يَزِدْ هُنا الحَرْفَ الَّذِي أصْلُهُ المَصْدَرُ؛ وهو ”أنْ“؛ كَما في ”العَنْكَبُوتِ“؛ لِأنَّ اسْتِنْكارَهُ لَهُمْ؛ وإنْ كانَ مُرَتَّبًا عَلى مَجِيئِهِمْ؛ إلّا أنَّهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِأوَّلِهِ؛ بِخِلافِ المَساءَةِ.
الحجر 15:63
ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ المُنْكَرِ ما خَرَجَ عَنْ عادَةِ أشْكالِهِ؛ ولَمْ يَكُنْ عَلى طَرِيقَةِ أمْثالِهِ؛ أضْرَبُوا عَنْ قَوْلِهِ؛ وكانَ جَوابُهم أنْ ﴿قالُوا بَلْ﴾؛ أيْ: لَسْنا مُنْكَرِينَ؛ لِأنّا ﴿جِئْناكَ﴾؛ لِنُفَرِّجَ عَنْكَ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ إيقاعِ ما ﴿كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾؛ بِما جَرَتْ عادَتُنا أنْ نَأْتِيَ بِمِثْلِهِ مِنَ العَذابِ؛ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ فِيهِ شَكًّا عَظِيمًا؛ يَحْمِلُونَ نُفُوسَهم عَلَيْهِ؛ ويُكَذِّبُونَ بِهِ؛ والجاهِلُ يُوصَفُ بِالشَّكِّ؛ وإنْ كانَ مُكَذِّبًا مِن جِهَةِ ما يَعْرِضُ لَهُ مِنهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَرْجِعُ إلى ثِقَةٍ فِيما هو عَلَيْهِ؛
الحجر 15:64
﴿وأتَيْناكَ بِالحَقِّ﴾؛ الفاصِلِ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ؛ الواقِعِ بِهِمْ مُطابِقًا لِإخْبارِنا؛ و”الإتْيانُ“: الِانْتِقالُ إلى جِهَةِ الشَّيْءِ؛ و”الذَّهابُ“: الِانْتِقالُ عَنْهُ؛ (p-٧٢)﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾؛ في الإخْبارِ بِما يُطابِقُ الواقِعَ.
الحجر 15:65
ولَمّا أخْبَرُوهُ بِوُقُوعِ العَذابِ بِهِمْ؛ أمَرُوهُ بِما يَكُونُ سَبَبًا فِيما أُمِرُوا بِهِ مِن إنْجائِهِ؛ فَقالُوا: ﴿فَأسْرِ﴾؛ فَأتَوْا بِالفاءِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مُسَبَّبٌ عَمّا قَبْلَها؛ ﴿بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ﴾؛ أيْ: طائِفَةٍ؛ ﴿مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ﴾؛ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ أنْ تَتَّبِعَ ﴿أدْبارَهُمْ﴾؛ لِتَكُونَ أقْرَبَهم إلَيْنا وإلى مَحَلِّ العَذابِ؛ لِأنَّكَ أثْبَتُهم قَلْبًا؛ وأعْرَفُهم بِاللَّهِ؛ والشَّرُّ مِن ورائِكُمْ؛ وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الكُبَراءِ أنْ يَكُونُوا أدْنى جَماعَتِهِمْ إلى الأمْرِ المَخُوفِ؛ سَماحًا بِأنْفُسِهِمْ؛ وتَثْبِيتًا لِغَيْرِهِمْ؛ وعِلْمًا مِنهم بِأنَّ مُداناةَ ما فِيهِ وجَلٌ لا يُقَرِّبُ مِن أجَلٍ؛ وضِدَّهُ لا يُغْنِي مِن قَدَرٍ؛ ولا يُباعِدُ مِن ضَرَرٍ؛ ولِئَلّا يَشْتَغِلَ قَلْبُكَ بِمَن خالَفَكَ؛ ولِيَحْتَشِمُوكَ فَلا يَلْتَفِتُوا؛ أوْ يَتَخَلَّفَ أحَدٌ مِنهُمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ؛ و”الدُّبُرُ“: جِهَةُ الخَلْفِ؛ وهو ضِدُّ ”القُبُلُ“؛ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿مِنكم أحَدٌ﴾؛ إذْ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ لِأنَّ المُلْتَفِتَ غَيْرُ ثابِتٍ؛ لِأنَّهُ إمّا غَيْرُ مُسْتَيْقِنٍ لَخَبَرِنا؛ أوْ مُتَوَجِّعٍ لَهُمْ؛ فَمَنِ التَفَتَ نالَهُ العَذابُ؛ وذَلِكَ أيْضًا أجَدُّ في الهِجْرَةِ؛ وأسْرَعُ في السَّيْرِ؛ (p-٧٣)وأدَلُّ عَلى إخْراجِ ما خَلَّفُوهُ مِن مَنازِلِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ مِن قُلُوبِهِمْ؛ وعَلى أنَّهم لا يَرِقُّونَ لِمَن غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ مَعَ أنَّهم رُبَّما رَأوْا ما لا تُطِيقُهُ أنْفُسُهُمْ؛ ﴿وامْضُوا حَيْثُ﴾؛ وتَعْبِيرُهُ بِالمُضارِعِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ يَكُونُ مَعَهم بَعْضُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿تُؤْمَرُونَ﴾
الحجر 15:66
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا أمْرُ إهْلاكِهِمْ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ؛ ولا تَعْيِينٍ لِوَقْتٍ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وقَضَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مُوحِينَ ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿ذَلِكَ الأمْرَ﴾؛ وأشارَ إلى تَعْظِيمِهِ بِالإشارَةِ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ دابِرَ﴾؛ أيْ: آخِرَ؛ ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيرِينَ عِنْدَ قُدْرَتِنا؛ وأشارَ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ إلى عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ - وسُهُولَةِ الأمْرِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَقْطُوعٌ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ ولا يُقْطَعُ الدّابِرُ حَتّى يُقْطَعَ ما دُونَهُ؛ لِأنَّ العَدُوَّ يَكُونُ مُسْتَقْبِلًا لِعَدُوِّهِ؛ فَهو كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِئْصالِ بِأنَّ آخِرَهُمْ؛ وأوَّلَهم في الأخْذِ سَواءٌ؛ لِأنَّ الآخِذَ قادِرٌ؛ لا كَما يَفْعَلُ بَعْضُ النّاسِ مَعَ بَعْضٍ؛ مِن أنَّهم يَمَلُّونَ في آخِرِ الوَقائِعِ؛ فَيَفُوتُهُمُ البَعْضُ.
الحجر 15:67
فَلَمّا تَمَّ ما دارَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرُّسُلِ؛ مُقَدِّمًا لِما بَيَّنَ؛ أتْبَعَهُ البَيانَ عَنْ (p-٧٤)حالِ قَوْمِهِ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَلائِكَةَ إنْ كانُوا بِصِفاتِ البَشَرِ لَمْ يَعْرِفْهُمُ الكَفَرَةُ؛ وإنْ كانُوا بِصِفاتِهِمْ؛ أوْ بِإظْهارِ شَيْءٍ مِن خَوارِقِهِمْ؛ لَمْ تَحْتَمِلْهُ قُواهُمْ؛ فَلا نَفْعَ لَهم في مُكاشَفَتِهِمْ في حالَةٍ مِنَ الحالاتِ؛ فَسُؤالُهُمُ الإتْيانَ بِهِمْ جَهْلٌ عَظِيمٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجاءَ أهْلُ المَدِينَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَ هَذا الأمْرُ فِيها - قالُوا: وهي سَدُومُ - لِإرادَةِ عَمَلِ الفاحِشَةِ بِالأضْيافِ؛ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أيْ: يَلُوحُ عَلى بَشَراتِهِمُ السُّرُورُ؛ فَهم يُوجِدُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ إيجادَ مَن هو شَدِيدُ الرَّغْبَةِ في طَلَبِهِ؛
الحجر 15:68
فَكانَ حالُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ ﴿قالَ﴾ لَهُمْ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الأقْرِباءَ مِنِّي؛ ﴿ضَيْفِي﴾؛ ولَمّا كانَ إكْرامُ الضَّيْفِ إكْرامًا لِمَن هو عِنْدَهُ؛ وإهانَتُهُ إهانَتَهُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما أشارَ إلَيْهِ الكَلامُ؛ فَقالَ: ﴿فَلا تَفْضَحُونِ﴾؛ في إصابَتِهِمْ بِفاحِشَةٍ؛ وكانَ ذَلِكَ قَبْلَ مَعْرِفَتِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ؛
الحجر 15:69
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ ﴿ولا تُخْزُونِ﴾؛ أيْ: بِإهانَةِ ضَيْفِي؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ عارًا عَلَيَّ مَدى الدَّهْرِ؛
الحجر 15:70
فَلَمْ يَكْفِهِمْ ذَلِكَ؛ بَلْ ﴿قالُوا﴾؛ بِفَظاظَةٍ؛ عاطِفِينَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”ألَمْ تَعْلَمْ أنّا لا نَتْرُكُ هَذا الأمْرَ لِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ“: ﴿أوَلَمْ نَنْهَكَ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا؛ ﴿عَنِ العالَمِينَ﴾؛ أنْ تُجِيرَ عَلَيْنا (p-٧٥)أحَدًا مِنهُمْ؛
الحجر 15:71
فَلَمّا وصَلُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ الوَقاحَةِ؛ ذَكَرَ لَهُمُ الحَرِيمَ؛ لِيَحْمِلَهم ذَلِكَ عَلى الحَياءِ؛ لِأنَّهُ دَأْبُ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ؛ ولا سِيَّما ذِكْرَ الأبْكارِ؛ في سِياقٍ يَكادُ يُصَرِّحُ بِمُرادِهِ؛ بِأنْ ﴿قالَ هَؤُلاءِ﴾؛ مُشِيرًا إلى بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ بَناتُهُ ﷺ؛ ورَضِيَ عَنْهُنَّ -؛ ﴿بَناتِي إنْ كُنْتُمْ﴾؛ ولا بُدَّ؛ ﴿فاعِلِينَ﴾؛ أيْ: قَدْ عَزَمْتُمْ عَزْمًا ماضِيًا عَلى هَذا الفِعْلِ؛ إشارَةً بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ هَذا الفِعْلَ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ؛ يَعْنِي وأنْتُمْ عالِمُونَ بِأنِّي لا أُسْلِمُ بَناتِي أبَدًا؛ فَعُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ وُصُولَكم إلى أضْيافِي دُونَ هَلاكِي مُحالٌ.
الحجر 15:72
ولَمّا ذَكَرَ ما ذَكَرَ مِن أُمُورِهِمْ؛ وعَظِيمِ فُجُورِهِمْ؛ وهم قَدْ فُرِغَ مِن أمْرِهِمْ؛ وقُضِيَ بِاسْتِئْصالِهِمْ؛ كانَ كُلُّ مَن يَعْلَمُ ذَلِكَ قاضِيًا بِأنَّهم لا عُقُولَ لَهُمْ؛ فَأتْبَعَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَمْرُكَ﴾؛ أيْ: وحَياتِكَ؛ يا كَرِيمَ الشَّمائِلِ؛ وأكَّدَ لِأنَّ الحالَ قاضٍ في ذَلِكَ الحِينِ اسْتِبْعادَ رَدِّهِمْ؛ ولِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ ضَلالٌ مِنهم صِرْفٌ؛ وتَعَنُّتٌ مَحْضٌ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ﴾؛ أيْ: غَوايَتِهِمُ الجاهِلِيَّةِ؛ ﴿يَعْمَهُونَ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ طَرِيقَ الرُّشْدِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ قَوْلَ النَّصُوحِ؛ فَإنْ كانَ المُخاطَبُ لُوطًا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كانَ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ (p-٧٦)لِقَوْمِهِ؛ وإنْ كانَ المُخاطَبُ نَبِيَّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو الظّاهِرُ - كانَ الضَّمِيرُ لِقَوْمِهِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ أنَّهم في خَبْطٍ بَعِيدٍ عَنِ السُّنَنِ في طَلَبِهِمْ إتْيانَ المَلائِكَةِ كَما كانَ قَوْمُ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَقْصِدُونَ الِالتِذاذَ بِالفاحِشَةِ بِمَن مُكِّنَ مِن هَلاكِهِمْ؛ فَشَتّانَ ما بَيْنَ القَصْدَيْنِ! وهَيْهاتَ لِما بَيْنَ الفِعْلَيْنِ! فَصارَ المَعْنى أنَّ ما قَذَفُوكَ بِهِ - أوَّلَ السُّورَةِ - بِهِمْ؛ لا بِكَ؛ لِأنَّ مَن يَطْلُبُ إتْيانَ المَلائِكَةِ - مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ حالُهُ حالَ قَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ إتْيانِهِمْ - هو المَجْنُونُ؛ و”العَمْرُ“؛ بِالفَتْحِ: العُمْرُ؛ بِالضَّمِّ؛ وهو مُدَّةُ بَقاءِ الشَّيْءِ حَيًّا؛ لَكِنَّهُ لا يُقالُ في القَسَمِ إلّا بِالفَتْحِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ مَعَ كَثْرَةِ دَوْرِ القَسَمِ؛ ولِذَلِكَ حَذَفُوا الَّذِي تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي؛ والسَّكْرَةُ: غُمُورُ السَّهْوِ لِلنَّفْسِ.
الحجر 15:73
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ؛ سَبَّبَ عَنِ القَضاءِ بِقَطْعِ دابِرِهِمْ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: أخْذَ انْتِقامٍ وغَلَبَةٍ؛ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي لِعِظَمِها وهَوْلِها هي الصَّيْحَةُ؛ وغَيْرُها عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها؛ والأخْذُ: فِعْلٌ يَصِيرُ بِهِ الشَّيْءُ في جِهَةِ الفاعِلِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ يَخْرُجُ مِنَ الفَمِ بِشِدَّةٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مُشْرِقِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الإشْراقِ؛ وهو ضِياءُ الشَّمْسِ؛ (p-٧٧)عِنْدَ بُزُوغِها؛ وتَبَيَّنَ بِهِ أنَّ وقْتَهُ يُسَمّى صُبْحًا لُغَةً؛ فَإنَّ الصُّبْحَ؛ والصَّباحَ؛ والإصْباحَ؛ أوَّلُ النَّهارِ؛ ولَعَلَّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ إلى وقْتِ الغَداءِ؛ أوِ الزَّوالِ؛ أوْ تَكُونُ الصَّيْحَةُ وقْتَ الإشْراقِ آخِرَ أمْرِهِمْ؛ وقَلْعُ المَدائِنِ مِن أماكِنِها وقْتَ الصُّبْحِ ابْتِداءَ أمْرِهِمْ؛
الحجر 15:74
ثُمَّ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - ما تَسَبَّبَ عَنِ الصَّيْحَةِ؛ مُتَعَقِّبًا لَها؛ فَقالَ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها﴾؛ أيْ: مَدائِنَهُمْ؛ ﴿سافِلَها وأمْطَرْنا﴾؛ ولَمّا كانَ الزَّجْرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أعْظَمَ مِنَ الزَّجْرِ في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِطَلَبِهِمْ أنْ يَأْتِيَ بِجَمِيعِ المَلائِكَةِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى المُعَذَّبِينَ؛ لا عَلى مُدُنِهِمْ - كَما مَضى في سُورَةِ ”هُودٍ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ هَذا أصْرَحُ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ المَدائِنِ الَّتِي قُلِبَتِ المَدائِنُ لِأجْلِهِمْ؛ ﴿حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾؛
الحجر 15:75
ثُمَّ حَقَّقَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ شَرْحٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ جِدًّا؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عِدَّةً؛ مِن جِهَةِ غَمْرِها بِالماءِ بَعْدَ خَسْفِها؛ ومِن جِهَةِ كَوْنِهِ مُخالِفًا لِمِياهِ الأرْضِ بِالنُّتْنِ والخَباثَةِ؛ وعَدَمِ عَيْشِ الحَيَوانِ فِيهِ؛ وعَدَمِ النَّفْعِ بِهِ؛ ومِن جِهَةِ فَظاعَةِ مَنظَرِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِ؛ ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾؛ جَمْعُ ”مُتَوَسِّمٌ“؛ وهو النّاظِرُ في السِّمَةِ الدّالَّةِ؛ وهي الأثَرُ الدّالُّ في الوَجْهِ؛ والقَرائِنِ القاضِيَةِ بِالخَيْرِ؛ (p-٧٨)والشَّرِّ؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَهو إلْهابٌ لَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ؛
الحجر 15:76
ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ خَفِيٍّ عَنْهُمْ؛ ولا بَعِيدٍ عَمَّنْ أرادَ الِاتِّعاظَ بِهِ؛ فَقالَ - جَعْلًا لَهم - لِعَدَمِ اعْتِبارِهِمْ بِها مَعَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها في كُلٍّ حِينٍ - في عِدادِ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنَّها﴾؛ أيْ: هَذِهِ المَدائِنَ؛ ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾؛ أيْ: ثابِتٍ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ مُبِينٌ؛ فالِاعْتِبارُ بِها في غايَةِ السُّهُولَةِ لِقَوْمِكَ؛ وكانُوا يَمُرُّونَ عَلَيْها في بَعْضِ أسْفارِهِمْ إلى الشّامِ.
الحجر 15:77
ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّوَسُّمِ؛ الدّالِّ - بِما هي عَلَيْهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِسائِرِ مِياهِ الأرْضِ العَذْبَةِ الوارِدَةِ إلَيْها عَلى كَثْرَتِها؛ ومَعَ أنَّ البِلادَ الَّتِي هي بِها مِن أبْهَجِ البِلادِ في عُذُوبَةِ المِياهِ؛ وطَراوَةِ الأرْضِ؛ وحُسْنِ الأشْجارِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ - عَلى أنَّ لَها نَبَأً هو في غايَةِ الغَرابَةِ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ سُهُولَةَ الوُصُولِ إلَيْها؛ حَثًّا عَلى إتْيانِها بِقَصْدِ نَظَرِها؛ والِاعْتِبارِ بِها؛ والسُّؤالِ عَنْ سَبَبِ كَوْنِها كَذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى زِيادَةِ الحَثِّ بِالتَّأْكِيدِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ مِن حالِها؛ ﴿لآيَةً﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً في الدَّلالَةِ عَلَيْنا؛ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في الصِّدْقِ؛ والتَّصْدِيقِ؛ فَإذا أُخْبِرُوا أنَّ سَبَبَ كَوْنِها هَكَذا أنَّ اللَّهَ أمَرَ بَعْضَ جُنْدِهِ فَرَفَعَها؛ ثُمَّ قَلَبَها؛ ثُمَّ أتْبَعَها الحِجارَةَ؛ ثُمَّ خَسَفَ بِها؛ وغَمَرَها (p-٧٩)بِهَذا الماءِ - الَّذِي هو في القَذارَةِ؛ وعَدَمِ الثَّمَرَةِ مُناسِبٌ لِأفْعالِ أهْلِها - لِأجْلِ عِصْيانِهِمْ رَسُولَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ آمَنُوا؛ حَذَرًا مِن مِثْلِ هَذا العَذابِ؛ إيمانًا بِالغَيْبِ.
الحجر 15:78
ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِصَّةَ؛ ضَمَّ إلَيْها ما هو عَلى طَرِيقِها مِمّا عَذَّبَ قَوْمَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ العَذابِ؛ يُشابِهُ عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ في كَوْنِهِ نارًا مِنَ السَّماءِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ عَذابُهم لِأجْلِ التَّكْذِيبِ؛ أوْ عَدًّا لَهُمْ؛ لِأجْلِ تَمادِيهِمْ عَلى الغَوايَةِ مَعَ العِلْمِ بِهِ؛ عِدادَ المُنْكِرِينَ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وإنَّهُ؛ ﴿كانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿أصْحابُ الأيْكَةِ﴾؛ وهم قَوْمُ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ و”الأيْكَةُ“: الشَّجَرَةُ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ وجَمْعُهُ ”الأيْكُ“؛ كَـ ”شَجَرَةٌ“ و”شَجَرٌ“؛ وقِيلَ: ”الأيْكَةُ“: الشَّجَرُ المُلْتَفُّ؛ ﴿لَظالِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ؛
الحجر 15:79
﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ البَلَدَيْنِ؛ لِتَقارُبِهِما في العَذابِ؛ والمَكانِ؛ وكَوْنِهِما عَلى طَرِيقٍ واحِدَةٍ مِن طُرُقِ مَتاجِرِ قُرَيْشٍ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّهُما﴾؛ أيْ: قُرى قَوْمِ لُوطٍ؛ ومَحالَّ أصْحابِ الأيْكَةِ؛ ﴿لَبِإمامٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ يُؤَمُّ ويُتَّبَعُ؛ ويُهْتَدى بِهِ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ واضِحٍ لِمَن أرادَهُ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ مِن شِدَّةِ وُضُوحِهِ مُوَضِّحٌ لِعَظَمَةِ اللَّهِ؛ (p-٨٠)وانْتِصارِهِ لِأنْبِيائِهِ مِمَّنْ يُكَذِّبُهُمْ؛ وهو - مَعَ وُضُوحِهِ - مُقِيمٌ في مَكانِهِ؛ لَمْ تَنْدَرِسْ أعْلامُهُ؛ ولَمْ تَنْطَمِسْ آثارُهُ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ في الأُولى ”مُقِيمٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ ثانِيًا؛ وفي الثّانِيَةِ ”مُبِينٍ“؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
الحجر 15:80
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّهُ لَوْ كانَ لِأصْحابِ الأيْكَةِ بُيُوتٌ مُتْقَنَةٌ لِمَنَعَتْهم مِنَ العَذابِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِمْ مَن هم عَلى طَرِيقٍ أُخْرى مِن مَتاجِرِهِمْ إلى الشّامِ؛ وكانُوا قَدْ طالَ اغْتِرارُهم بِالأمَلِ حَتّى اتَّخَذُوا الجِبالَ بُيُوتًا؛ وكانَتْ آيَتُهم في غايَةِ الوُضُوحِ؛ فَكَذَّبُوا بِها؛ تَحْقِيقًا لِأنَّ المُتَعَنِّتِينَ لَوْ رَأوْا كُلَّ آيَةٍ لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا؛ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ كَذَّبَ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ وما وقَعَ لَهم بِتَكْذِيبِهِمْ؛ قَدَّمَ الفاعِلَ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى إتْقانِ بُيُوتِهِمْ -: ﴿أصْحابُ الحِجْرِ﴾؛ وهم ثَمُودُ؛ قَوْمُ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودِيارُهم بَيْنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ؛ والشّامِ؛ ﴿المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ؛ كَما كَذَّبَ هَؤُلاءِ المُرْسَلِينَ؛ بِتَكْذِيبِكَ؛ لِأنَّ الرُّسُلَ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ بِالصِّدْقِ؛ فَمَن كَذَّبَ واحِدًا مِنهم فَقَدْ كَذَّبَ الجَمِيعَ؛ وهم في إثْباتِ الرِّسالَةِ بِالمُعْجِزَةِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛
الحجر 15:81
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وآتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عَلى يَدِ رَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-٨١)﴿آياتِنا﴾؛ أيْ: كُلَّها؛ بِإيتاءِ النّاقَةِ؛ وسَقْيِها؛ ودَرِّها؛ وشِرْبِها؛ لِأنَّ المُمْكِناتِ كُلَّها بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فَمَن كَذَّبَ بِواحِدَةٍ مِنها فَقَدْ كَذَّبَ بِالجَمِيعِ؛ ﴿فَكانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ؛ ﴿عَنْها﴾؛ أيْ: الآياتِ كُلِّها خاصَّةً؛ لا عَنْ زِينَةِ الدُّنْيا الَّتِي تَجُرُّ إلى الباطِلِ؛ ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: راسِخِينَ في الإعْراضِ؛ لَمْ يُؤْمِنُوا بِها؛ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [الحجر: ١٤]؛ الآيَتَيْنِ؛ وتَمْثِيلًا لَهُ؛ رَدًّا لِلْمَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ؛
الحجر 15:82
ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهم كانُوا مِثْلَ هَؤُلاءِ في الأمْنِ مِنَ العَذابِ؛ والغَفْلَةِ عَمّا يُرادُ بِهِمْ؛ مَعَ أنَّهم كانُوا أشَدَّ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وكانُوا يَنْحِتُونَ﴾؛ و”النَّحْتُ“: قَلْعُ جُزْءٍ بَعْدَ جُزْءٍ؛ مِنَ الجِسْمِ؛ عَلى سَبِيلِ المَسْحِ؛ ﴿مِنَ الجِبالِ﴾؛ الَّتِي تَقَدَّمَ أنّا جَعَلْناها رَواسِيَ؛ ﴿بُيُوتًا آمِنِينَ﴾؛ عَلَيْها مِنَ الِانْهِدامِ؛ وبِها مِن لَحاقِ ما يُكْرَهُ؛ لا كَبُيُوتِكُمُ الَّتِي لا بَقاءَ لَها عَلى أدْنى دَرَجَةٍ؛
الحجر 15:83
﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنْ أخَذَتْهم أخْذَ العَذابِ والِانْتِقامِ ﴿الصَّيْحَةُ﴾؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الصُّبْحِ؛
الحجر 15:84
﴿فَما﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ (p-٨٢)الصَّيْحَةِ أنَّهُ ما ﴿أغْنى﴾؛ أيْ: أجْزَأ؛ ﴿عَنْهم ما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ مِنَ البُيُوتِ؛ والأعْمالِ؛ والعُدَدِ؛ والآلاتِ الخَبِيثَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُنا شَيْءٌ؛ لِأنَّهُ لا كُلْفَةَ عَلَيْنا فِيما نَفْعَلُ؛ إنَّما نَقُولُ لَهُ كُنْ؛ فَيَكُونُ؛ وفَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا عَلى باطِلٍ؛ فَكانَ تَعْذِيبُنا لَهم حَقًّا.
الحجر 15:85
ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ رُبَّما قالَ: ما لَهُ يَخْلُقُهم ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ؛ وهو عالِمٌ حِينَ خَلَقَهم أنَّهم يُكَذِّبُونَ؟ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُلْتَفِتَةً - مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ الأرْضِ - إلى تِلْكَ الَّتِي أتْبَعَها ذِكْرَ الخافِقَيْنِ؛ اسْتِدْلالًا عَلى السّاعَةِ؛ قالَ - عَلى ذَلِكَ النَّمَطِ -: ﴿وما خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ العُلُوِّ والسَّعَةِ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى ما بِها مِنَ المَنافِعِ؛ والغَرائِبِ؛ ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ مِن هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ؛ وعَذابِهِمْ؛ ومِنَ المِياهِ؛ والرِّياحِ؛ والسَّحابِ - المُسَبَّبِ عَنْهُ النَّباتُ -؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ﴿إلا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ؛ فَيَتَفَكَّرُ فِيهِ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ؛ فَيَعْلَمُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ بِهَذِهِ النَّشْأةِ الأُولى؛ أوْ بِسَبَبِ الحَقِّ مِن إثْباتِ ثَوابِتِ الأُمُورِ؛ ونَفْيِ مُزَلْزَلِها؛ لِتَظْهَرَ عَظَمَتُنا بِإنْصافِ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ؛ وإثابَةِ الطّائِعِ؛ وعِقابِ العاصِي في يَوْمِ الفَصْلِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ (p-٨٣)الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١]؛ فَمَن أمْهَلْناهُ في الدُّنْيا أخَذَنا مِنهُ الحَقَّ بَعْدَ قِيامِ السّاعَةِ؛ فَلا بُدَّ مِن فِعْلِ ذَلِكَ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾؛ لِأجْلِ إقامَةِ الحَقِّ؛ لا شَكَّ في إتْيانِها لِحُكْمِ عِلْمِها - سُبْحانَهُ - فَيَظْهَرُ فِيها كُلُّ ذَلِكَ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ؛ وما فَعَلْنا ذَلِكَ إلّا بِالأمْرِ مِن قَوْلِنا“كُنْ”وهو الحَقُّ“؛ ”وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ“؛ أيْ: بِالأمْرِ؛ ”ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ“؛ يَعْنِي أنَّهُ لا مَشَقَّةَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وسَنُعْدِمُ ذَلِكَ بِالحَقِّ؛ إذا أرَدْنا قِيامَ السّاعَةِ؛ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛ لِأنّا قَدْ وعَدْنا بِذَلِكَ؛ ولَيْسَ بَيْنَكم وبَيْنَ كَوْنِها إلّا أنْ نُرِيدَ؛ فَتَكُونَ؛ كَما كانَ غَيْرُها مِمّا أرَدْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ﴾؛ أيْ: فَأعْرِضْ - بِسَبَبِ تَحَقُّقِ الأخْذِ بِثَأْرِكَ - الإعْراضَ ﴿الجَمِيلَ﴾؛ بِالحِلْمِ؛ والإغْضاءِ؛ وسَعَةِ الصَّدْرِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ مِنهم بِالحَقِّ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَكَ نُصْرَةٌ إلّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَكانَتْ كافِيَةً؛
الحجر 15:86
ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ الآمِرَ لَكَ بِهَذا؛ ﴿هُوَ﴾ (p-٨٤)؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الخَلاقُ﴾؛ المُتَكَرِّرُ مِنهُ هَذا الفِعْلُ في كُلِّ وقْتٍ؛ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ؛ فَلا عَجَبَ في إيجادِ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ مِن إبْداعِ السّاعَةِ؛ أوْ غَيْرِها؛ وهو لِذَلِكَ عالِمٌ بِأحْوالِكم أجْمَعِينَ؛ وما يَكُونُ مِنها صَلاحًا لَكَ؛ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ لِأنَّ المُصَوِّرَ أعْلَمُ بِالصُّورَةِ مِن ناظِرِها؛ والمُتَبَصِّرِ فِيها؛ وصانِعُ الشَّيْءِ أدْرى بِهِ مِن مُشْتَرِيهِ؛ وبانِي البَيْتِ أخْبَرُ بِهِ مِن ساكِنِهِ؛ وهو الَّذِي خَلَقَ كُلَّ ما تَراهُ مِنهُمْ؛ فَهو فِعْلُهُ؛ فَسَلِّمْ لَهُ.
ولَمّا كانَ إحْكامُ المَصْنُوعاتِ لا يَتِمُّ إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿العَلِيمُ﴾؛ أيْ: البالِغُ العِلْمِ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ؛ فَلا تَرى أفْعالَهم وأقْوالَهم إلّا مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِأنَّهُ خالِقُها؛ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لا يَضِيعُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ؛ فاعْتَمِدَ عَلَيْهِ في أخْذِ حَقِّكَ؛ فَإنَّهُ نِعْمَ المَوْلى؛ ونِعْمَ النَّصِيرُ؛ ولا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلى ما قُلْتُهُ آيَةُ ”يـس“: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى وهو الخَلاقُ العَلِيمُ﴾ [يس: ٨١]؛ أوْ يُقالُ: فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ شَيْئًا مِمّا أرَدْنا مِنَ الحَقِّ؛ لِأنّا ما خَلَقْنا عَذابَهم إلّا بِالحَقِّ؛ كَما خَلَقْناهم بِالحَقِّ؛ فَلَمْ يَمْتَنِعْ عَلَيْنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ أيْ: بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ؛ وإظْهارِ أمْرِنا في العَدْلِ؛ ولَوْلا أنْ سَلَّطْنا بَعْضَ النّاسِ عَلى بَعْضٍ لَمْ يَظْهَرْ (p-٨٥)لَهم مِنّا هَذِهِ الصِّفَةُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ فَنَحْنُ نُعَجِّلُ - مِنَ الحَقِّ؛ الَّذِي خَلَقْنا ذَلِكَ بِسَبَبِهِ؛ عَلى قِيامِ السّاعَةِ - ما شِئْنا مِنَ الابْتِلاءِ؛ والِانْتِقامِ؛ كَما فَعَلْنا بِمَن قَصَصْنا أمْرَهُمْ؛ ونُؤَخِّرُ مِن ذَلِكَ ما بَقِيَ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ﴿وإنَّ السّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ لا شَكَّ فِيها؛ فَلا نَدَعُ هُناكَ شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ إلّا أقَمْناهُ؛ ﴿فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]؛ فَلا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ بِحَقِّكَ؛ إمّا في الدُّنْيا؛ وإمّا في الآخِرَةِ؛ ﴿إنَّ﴾؛ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبَّكَ هو الخَلاقُ﴾؛ أيْ: الفاعِلُ لِلْخَلْقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ لا تَنْفَدُ قُدْرَتُهُ؛ ولا تُهَنُّ كَلِمَتُهُ؛ ﴿العَلِيمُ﴾؛ التّامُّ العِلْمِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ عالِمٌ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ فِيهِ؛ في وقْتِهِ؛ وكَيْفِيَّتِهِ؛ فَهو يُعِيدُ الخَلائِقَ في السّاعَةِ كَما بَدَأهُمْ؛ ويَسْتَوْفِي إذْ ذاكَ جَمِيعَ الحُقُوقِ؛ ويُؤْتِيكَ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما يُقِرُّ بِهِ عَيْنَكَ.
الحجر 15:87
ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ العِلْمِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ أتْبَعَها ما آتاهُ في هَذِهِ الدّارِ مِن مادَّةِ العِلْمِ؛ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ؛ مِمّا دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾؛ مِمّا يَدُلُّ عَلى عِلْمِنا؛ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾؛ وهي الفاتِحَةُ؛ الجامِعَةُ - عَلى وجازَتِها - جَمِيعَ مَعانِي القُرْآنِ؛ فَتُثَنّى في النُّزُولِ؛ فَإنَّها نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ؛ وتُثَنّى في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ وهي ثَناءٌ عَلى اللَّهِ؛ (p-٨٦)والصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ؛ وهي مَقْسُومَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وعَبْدِهِ؛ وتُثَنّى فِيهِ مَقاصِدُها؛ ويُورَدُ كُلُّ مَعْنًى مِن مَعانِيها فِيهِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ في إيضاحِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ في قَوالِبِ الألْفاظِ؛ وجَواهِرِ التَّراكِيبِ الهادِيَةِ إلَيْهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ ﴿والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾؛ أيْ: الحاوِيَ لِجَمِيعِ عُلُومِ الأوَّلِينَ؛ والآخِرِينَ؛ مِمّا في جَمِيعِ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وغَيْرِهِ.
الحجر 15:88
ولَمّا كانَ ما أُوتِيَهُ؛ وما سَيُؤْتاهُ؛ أعْظَمَ ما أُوتِيَهُ مَخْلُوقٌ؛ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾؛ أيْ: مَدًّا عَظِيمًا؛ بِالتَّمَنِّي والِاشْتِهاءِ المُصَمِّمِ؛ ولِذَلِكَ ثَنّى العَيْنَ احْتِزازًا عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ؛ ﴿إلى ما مَتَّعْنا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿بِهِ أزْواجًا﴾؛ أيْ: أصْنافًا؛ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلِ الدُّنْيا؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ إنَّما هو التَّبْلِيغُ بِدارِ الفَناءِ إلى دارِ البَقاءِ؛ المُؤَكَّدِ إتْيانُها في الآيَةِ السّابِقَةِ؛ وكانَ القُرْآنُ - كَما تَقَدَّمَ - كَفِيلًا بِذَلِكَ؛ وسَلّاهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَمّا يُؤْذُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ؛ وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ عُلُوُّ دَرَجَتِهِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ ذِكْرَ ما (p-٨٧)أسْبَغَ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - أوْ يُقالُ: إنَّهُ لَمّا أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِالصَّبْرِ عَلى أذاهُمْ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما مَعْناهُ أنَّهم خَلْقُهُ؛ وأنَّهُ مُنْفَرِدٌ بِالخَلْقِ؛ وهو بَلِيغُ العِلْمِ بِأفْعالِهِمْ؛ مُرِيدٌ لَها؛ فَلَيْسَ الفِعْلُ في الحَقِيقَةِ إلّا لَهُ؛ وعَلى المُحِبِّ أنْ يَرْضى بِفِعْلِ حَبِيبِهِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ فِعْلُهُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ؛ وعَلِمَ قَبْلَ خَلْقِهِمْ ما يَفْعَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ – صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قَوْلَهُ -: ﴿ولَقَدْ آتَيْناكَ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ كَما آتَيْنا صالِحًا ما تَقَدَّمَ؛ ﴿سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾ [الحجر: ٨٧]؛ يَكُونُ كُلُّ سَبْعٍ مِنها كَفِيلًا بِإغْلاقِ بابٍ مِن أبْوابِ النِّيرانِ السَّبْعَةِ؛ وهي أُمُّ القُرْآنِ؛ الجامِعَةُ لِجَمِيعِ مَعانِي القُرْآنِ؛ الَّتِي أُمِرْنا بِإعادَتِها في كُلِّ رَكْعَةٍ؛ زِيادَةً في حِفْظِها؛ وتَبَرُّكًا بِلَفْظِها؛ وتَذَكُّرًا لِمَعانِيها؛ تَخْصِيصًا لَها عَنْ بَقِيَّةِ الذِّكْرِ؛ الَّذِي تَكَفَّلْنا بِحِفْظِهِ؛ ”و“؛ آتَيْناكَ ”القُرْآنَ العَظِيمَ“؛ الجامِعَ لِجَمِيعِ مَعانِي الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ المُتَكَفِّلَةِ بِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ مَعَ زِياداتٍ لا تُحْصى؛ المُشارَ إلى عَظَمَتِهِ أوَّلَ السُّورَةِ بِالتَّنْوِينِ؛ ووَصْفِهِ بِأنَّهُ مُبِينٌ لِلْبَراهِينِ السّاطِعَةِ عَلى نَبُوَّتِكَ؛ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى رِسالَتِكَ؛ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ؛ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ؛ والآيَةُ مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى العِلْمِ المُخْتَتَمِ بِهِ ما قَبْلَها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أعْمَلُ؟ (p-٨٨)فَقِيلَ - في مَعْنى ”ذَرْهم يَأْكُلُوا“ -: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾؛ اكْتِفاءً بِهَذا البَلاغِ العَظِيمِ؛ الَّذِي مَن تَحَلّى بِهِ وأُشْرِبَهُ قَلْبُهُ أراهُ مَعايِبَ هَذِهِ الدّارِ؛ فَبَغَّضَهُ فِيها؛ وأشْرَفَ بِهِ عَلى ما أمامَهُ؛ ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَيُخَلِّصُوا أنْفُسَهم مِنَ النّارِ؛ ويَقْوى بِهِمْ جانِبُ الإسْلامِ؛ وكَأنَّ هَذا هو الصَّفْحُ المَأْمُورُ بِهِ؛ وهو الإعْراضُ عَنْهم أصْلًا ورَأْسًا؛ إلّا في أمْرِ البَلاغِ.
ولَمّا أمَرَهُ في عِشْرَتِهِمْ بِما أمَرَ؛ أتْبَعَهُ أمْرَهُ بِعِشْرَةِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - بِالرِّفْقِ؛ واللِّينِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واخْفِضْ﴾؛ أيْ: طَأْطِئْ؛ ﴿جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَهُمْ؛ واكْتَفِ بِهِمْ؛ فَإنَّ اللَّهَ جاعِلٌ فِيهِمُ البَرَكَةَ؛ وناصِرُكَ؛ ومُعِزُّ دِينِكَ بِهِمْ؛ وغَيْرُ مُحْوِجِكَ إلى غَيْرِهِمْ؛ فَمَن أرادَ شِقْوَتَهُ فَلا تَلْتَفِتْ إلَيْهِمْ؛ وهَذا كِنايَةٌ عَنِ اللِّينِ؛ وأصْلُهُ أنَّ الطّائِرَ إذا ضَمَّ الفَرْخَ إلَيْهِ بَسَطَ جَناحَهُ؛ ثُمَّ قَبَضَهُ عَلَيْهِ؛ قالَهُ أبُو حَيّانَ؛ وفي الجُزْءِ العاشِرِ؛ مِنَ الثَّقَفِيّاتِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى (p-٨٩)آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ”المُؤْمِنُ لَيِّنٌ؛ حَتّى تَخالَهُ مِنَ اللِّينِ أحْمَقَ“».
الحجر 15:89
ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى الخُلُقِ التَّقْصِيرَ؛ قالَ لَهُ: ﴿وقُلْ﴾؛ أيْ: لِلْفَرِيقَيْنِ - مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ولِما لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِن طِيبِ النَّفْسِ -: ﴿إنِّي أنا﴾؛ أيْ: لا غَيْرِي مِنَ المُنْذِرِينَ بِالأعْداءِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ﴿النَّذِيرُ المُبِينُ﴾؛ لِمَن تَعَمَّدَ التَّقْصِيرَ؛ إنْذارِي مُنْقِذٌ لَهُ مِن ورْطَتِهُ؛ لِأنَّهُ مُحْتَفٌّ بِالأدِلَّةِ القاطِعَةِ.
الحجر 15:90
ولَمّا ذَكَرَ ما التَحَمَ بِقِصَّةِ أصْحابِ الحِجْرِ المُقْتَسِمِينَ عَلى قَتْلِ رَسُولِهِمْ؛ وخَتَمَهُ بِالإنْذارِ الَّذِي هم أهْلُهُ؛ عادَ إلى تَتْمِيمِ أمْرِهِمْ؛ فَشَبَّهَهم بِمَن كَذَّبَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؛ فَقالَ: ﴿كَما﴾؛ أيْ: كَذَّبَ أُولَئِكَ؛ وآتَيْناهم آياتِنا فَأعْرَضُوا عَنْها؛ فَفَعَلْنا بِهِمْ مِنَ العَذابِ ما هم أهْلُهُ؛ مِثْلَما ﴿أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا مِنَ الآياتِ؛ ﴿عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾؛ أيْ: مِثْلِهِمْ؛ مِن قُرَيْشٍ؛ حَيْثُ اقْتَسَمُوا شِعابَ مَكَّةَ؛ يُنَفِّرُونَ النّاسَ عَنْكَ؛ ويُفَرِّقُونَ القَوْلَ في القُرْآنِ؛ فَلا تَأْسَ عَلَيْهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ؛ وعِنادِهِمْ؛ مَعَ رُؤْيَتِهِمُ الآياتِ البَيِّناتِ؛ فَإنَّ سُنَّتَنا جَرَتْ بِذَلِكَ فِيمَن أرَدْنا شِقْوَتَهُ؛ كَقَوْمِ صالِحٍ؛
الحجر 15:91
ثُمَّ قالَ: ﴿الَّذِينَ﴾؛ أيْ: مَعَ أنَّهم تَقاسَمُوا عَلى قَتْلِكَ؛ واقْتَسَمُوا طُرُقَ مَكَّةَ لِلتَّنْفِيرِ عَنْكَ؛ ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ﴾؛ بِأقْوالِهِمْ؛ ﴿عِضِينَ﴾؛ أيْ: قَسَّمُوا القَوْلَ فِيهِ والحالُ (p-٩٠)أنَّهُ جامِعُ المَعانِي؛ لا مُتَفَرِّقُ المَبانِي؛ مُنْتَظِمُ التَّأْلِيفِ أشَدَّ انْتِظامٍ؛ مُتَلائِمُ الِارْتِباطِ أحْكَمَ التِئامٍ؛ كَما قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ بِتَسْمِيَتِهِ كِتابًا؛ وقُرْآنًا؛ وخَتَمْنا بِأنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإبانَةِ لا خَفاءَ فِيهِ؛ فَقَوْلُهم كُلُّهُ عِنادٌ؛ فَقالُوا: سِحْرٌ؛ وقالُوا: شِعْرٌ؛ وقالُوا: كَهانَةٌ؛ وقالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ آياتِنا البَيِّناتِ؛ وأدِلَّتَنا الواضِحاتِ؛ فَأعْرَضُوا عَنْها؛ واشْتَغَلُوا بِما لا يَنْفَعُهم مِنَ التَّعَنُّتِ وغَيْرِهِ؛ دَأْبَ أُولَئِكَ؛ فَلْيَرْتَقِبُوا مِثْلَ ما حَلَّ بِهِمْ؛ ومِثْلُهم كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في القُرْآنِ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ مِمّا لا يَنْبَغِي مِنَ العَرَبِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾؛ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ: اليَهُودُ؛ والنَّصارى؛ جَزَّؤُوهُ أجْزاءَ؛ فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ؛ وسَيَأْتِي مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ؛
الحجر 15:92
﴿فَوَرَبِّكَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا أنّا نُقْسِمُ بِالمُوجِدِ لَكَ؛ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ؛ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ؛ ﴿لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ؛ وأُولَئِكَ؛
الحجر 15:93
﴿عَمّا كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهُمْ؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِن تَعْضِيَةِ القُرْآنِ وغَيْرِها؛ لِأنّا نَسْألُ كُلًّا عَمّا صَنَعَ؛
الحجر 15:94
﴿فاصْدَعْ﴾؛ (p-٩١)؛ أيْ: اجْهَرْ بِعُلُوٍّ وشِدَّةٍ؛ فارِقًا بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿بِما تُؤْمَرُ﴾؛ بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ وكِتابٍ مُبِينٍ؛ ﴿وأعْرِضْ﴾؛ أيْ: إعْراضَ مَن لا يُبالِي؛ ﴿عَنِ المُشْرِكِينَ﴾؛ بِالصَّفْحِ الجَمِيلِ عَنِ الأذى؛ والِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ؛ ويُؤَيِّدُ أنَّ قَوْلَهُ: ”كَما“؛ راجِعٌ إلى قِصَّةِ صالِحٍ؛ ومُتَعَلِّقٌ بِها - وإنْ لَمْ أرَ مَن سَبَقَنِي إلَيْهِ - ذِكْرُ الوَصْفِ الَّذِي بِهِ تَناسَبَتِ الآيَتانِ؛ وهو الِاقْتِسامُ؛ ثُمَّ وصْفِ المُقْتَسِمِينَ بِالَّذِينِ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ تَقاسَمُوا في بَياتِ صالِحٍ؛ أيْ: آتَيْنا أُولَئِكَ الآياتِ المُقْتَضِيَةَ لِلْإيمانِ فَما كانَ مِنهم إلّا التَّكْذِيبُ والتَّقاسُمُ؛ كَما أنْزَلْنا عَلى هَؤُلاءِ الآياتِ؛ فَما كانَ مِنهم إلّا ذَلِكَ؛ وإنَّما عَبَّرَ في أُولَئِكَ بِـ ”آتَيْناهُمْ“؛ لِأنَّ آياتِهِمُ النّاقَةُ؛ ووَلَدُها؛ والبِئْرُ؛ وهي مُعْطاةٌ؛ مَحْسُوسَةٌ؛ لا مُنْزَلَةٌ مَعْقُولَةٌ؛ وقالَ في هَؤُلاءِ: ”أنْزَلْنا“؛ إشارَةً إلى القُرْآنِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ؛ أوْ إلى الجَمِيعِ؛ وغَلَّبَ عَلَيْها القُرْآنَ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُها؛ وإلى أنَّهم مُبْطِلُونَ في جَحْدِهِمْ؛ وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَتَداخَلَهم نَوْعُ شَكٍّ في أنَّهُ مُنْزَلٌ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن تِلْكَ الآياتِ؛ مَعَ كَوْنِها مَحْسُوساتٍ؛ وأمّا اعْتِراضُ ما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ فَمِن أعْظَمِ أفانِينِ البَلاغَةِ؛ فَإنَّهُ لَمّا أتَمَّ قِصَّةَ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلِمَ أنَّ المُتَعَنِّتِينَ رُبَّما قالُوا: لِأيِّ شَيْءٍ يَخْلُقُهم ثُمَّ يُهْلِكُهُمْ؛ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَمِ (p-٩٢)إجابَتِهِمْ؟ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ ما خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما؛ مِن هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ؛ ومِن أفْعالِهِمْ؛ وعَذابِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلّا بِالحَقِّ؛ وأنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ؛ فَيَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالعِيانِ مَن يَشُكُّ فِيهِ الآنَ؛ وذَلِكَ حِينَ يُكْشَفُ الغِطاءُ عَنِ البَصائِرِ؛ والأبْصارِ؛ فاصْفَحْ عَنْهُمْ؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الأخْذِ لَكَ بِحَقِّكَ؛ إنْ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا فَفي يَوْمِ الجَمْعِ؛ ثُمَّ أكَّدَ التَّصَرُّفَ بِالحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو الخَلاقُ العَلِيمُ؛﴾ [الحجر: ٨٦] ثُمَّ سَلّاهُ عَمّا يُضَيِّقُونَ بِهِ صَدْرَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالسّاعَةِ؛ وأنَّ الوَعْدَ بِها إنَّما هو سِحْرٌ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ؛ ومِنَ افْتِخارِهِمْ بِأمْوالِهِمْ؛ ونِسْبَتِهِ إلى الحاجَةِ إلى المَشْيِ بِالأسْواقِ؛ بِما آتاهُ مِن كُنُوزِ القُرْآنِ؛ وأمَرَهُ بِأنْ يَزِيدَ في التَّواضُعِ؛ واللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِتَطِيبَ نُفُوسُهُمْ؛ فَلا يَأْسَوْا عَلى ما فاتَهم مِنَ الدُّنْيا؛ وأنْ يُنْذِرَ الجَمِيعَ؛ ويُحَذِّرَهم مِن سَطْواتِ اللَّهِ؛ أمْثالِ ما أنْزَلَ بِالأقْدَمِينَ؛ ثُمَّ عادَ إلَيْهِمْ؛ فَشَبَّهَهم بِهَؤُلاءِ في التَّكْذِيبِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهم أجْدَرُ مِنهم بِالعَذابِ؛ لِأنَّهم مُشَبَّهٌ بِهِمْ؛ والمُشَبَّهُ بِهِ أعْلى مِنَ المُشَبَّهِ؛ وذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ كُفْرًا؛ لِأنَّ نَبِيَّهم أعْظَمُ؛ وآياتُهُ أجَلُّ وأكْثَرُ؛ وأجْلى وأبْهَرُ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ (p-٩٣)سَبَبَ اشْتِدادِ حَذَرِهِمْ؛ ولَكَ أنْ تَقُولَ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ -: إنَّهُ (تَعالى) لَمّا ذَكَرَ أنَّ ثَمُودَ سَكَنُوا الأرْضَ سُكْنى الآمِنِينَ.
فَأزْعَجَتْهم عَنْها صَيْحَةٌ سَلَبَتْ أرْواحَهُمْ؛ وقَلَبَتْ أشْباحَهُمْ؛ كَما سَيَكُونُ لِأهْلِ الأرْضِ قاطِبَةً بِنَفْخَةِ الصُّورِ؛ عِنْدَ نُفُوذِ المَقْدُورِ؛ وكانَ قَدْ قَدِمَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الآياتِ والعِبَرِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦]؛ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ وغَيْرِهِما؛ مِمّا جَعَلَ ذِكْرَ اخْتِراعِهِ دَلِيلًا عَلى السّاعَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ أنَّ سَبَبَ خَلْقِ ذَلِكَ كُلِّهِ وما حَواهُ مِنَ الخافِقَيْنِ؛ إنَّما هو السّاعَةُ؛ فَقالَ: ﴿”وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ“؛﴾ [الحجر: ٨٥] أيْ: بِالأمْرِ الثّابِتِ؛ لا بِالتَّمْوِيهِ والسِّحْرِ؛ كَما أنْتُمْ تُشاهِدُونَ؛ أوْ بِسَبَبِ إقامَةِ الحَقِّ وإبانَتِهِ مِنَ الباطِلِ إبانَةً لا شَكَّ فِيها؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ ومِن إقامَةِ الحَقِّ تَنْعِيمُ الطّائِعِ وتَعْذِيبُ العاصِي؛ وذَلِكَ بَعْدَ إتْيانِ السّاعَةِ بِنَفْخَتَيِ الصُّورِ؛ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ بِالحَقِّ أيْضًا؛ ولَيْسَتْ سِحْرًا كَما تَظُنُّونَ؛ ولَمّا كانَ إتْيانُها لِهَذا الغَرَضِ مِمّا يَشْفِي القَلْبَ؛ لِإدْراكِ الثَّأْرِ؛ وهو حَقٌّ لا بُدَّ مِنهُ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ”فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ“. (p-٩٤)ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ بِخَبَرِ الأعْلَمِ أوْثَقَ؛ وكانَ صانِعُ الشَّيْءِ أعْلَمَ بِهِ مِن غَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ تامَّ العِلْمِ؟ قالَ اللَّهُ (تَعالى) - مُعَلِّلًا لِذَلِكَ -: إنَّ رَبَّكَ؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ وهو الخَلّاقُ؛ أيْ: التّامُّ القُدْرَةِ عَلى الإيجادِ والإعْدامِ؛ الفَعّالُ لِذَلِكَ؛ العَلِيمُ؛ البالِغُ العِلْمِ؛ ولَمّا خَتَمَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ بَعْدَ تَقَدُّمِ الإخْبارِ عَمّا أُوتِيَ أهْلُ الحِجْرِ مِنَ الآياتِ؛ وأنَّهُ خَلَقَ الوُجُودَ بِالحَقِّ؛ لا بِالتَّمْوِيهِ؛ وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتَوَقُّعِ الإخْبارِ عَمّا أُوتِيَ هَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ مِنها؛ لِإرْشادِ أُمَّتِهِ؛ وكانَتِ الآياتُ إمّا أنْ تَكُونَ مِن قِسْمِ الخَلْقِ؛ كَآيَةِ صالِحٍ؛ أوْ مِن قِسْمِ الأمْرِ الَّذِي هو مَدارُ العِلْمِ؛ أشارَ إلى تَفْضِيلِهِ ﷺ بِفَضْلِ آيَتِهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ذَلِكَ - ولَقَدْ آتَيْناكَ؛ أيْ: إنْ كُنّا أتَيْنا صالِحًا أوْ غَيْرَهُ آيَةً مَضَتْ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلّا ذِكْرُها؛ فَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي؛ وهي الفاتِحَةُ؛ الَّتِي خُصِصْتَ بِها؛ ثَنّى فِيها البَسْمَلَةَ لِلْمَبادِئِ؛ والحَمْدَلَةَ لِلْكَمالاتِ؛ والرَّحْمانِيَّةَ والرَّحِيمِيَّةَ فِيها لِلْإبْداعِ الأوَّلِ؛ والمَرْضِيِّ مِنَ الأعْمالِ؛ ومُلْكَ الدُّنْيا المُسَمّى بِالرُّبُوبِيَّةِ؛ لِكَوْنِهِ مَسْتُورًا؛ ومُلْكَ يَوْمِ الدِّينِ؛ وبَيْنَهُما رَحْمانِيَّةُ الإيجادِ الثّانِي بِالمَعادِ؛ ورَحِيمِيَّةُ الثَّوابِ لِلْمَرَضِيِّ مِنَ الأسْبابِ؛ (p-٩٥)والعِبادَةَ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا مَعَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ والِاسْتِعانَةَ النّاظِرَةَ إلى العَجْزِ عَنْ كَمالِ الِاقْتِدارِ؛ والهِدايَةَ بِالهادِي والمَهْدِيِّ؛ والضَّلالَ في مُقابِلِ ذَلِكَ بِالمُضَلِّ والضّالِّ؛ وفي ذَلِكَ أسْرارٌ لا تَسَعُها الأفْكارُ؛ والقُرْآنَ الكَرِيمَ؛ الجامِعَ لِجَمِيعِ الآياتِ؛ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا ثابِتًا؛ لا سِحْرًا وخَيالًا؛ بَلْ هو آيَةٌ باقِيَةٌ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ؛ مُسْتَمِرٌّ أمْرُها؛ دائِمٌ تِلاوَتُها وذِكْرُها؛ تَفْنى الجِبالُ الرَّواسِي وهي باقِيَةٌ؛ وتَزُولُ السَّماواتُ والأراضِي وهي جَدِيدَةٌ؛ إذا اصْطَفَّ عَسْكَرُ الفَجَرَةِ قالَتْ كُلُّ آيَةٍ مِنها: هَلْ مِن مُبارِزٍ؟ وإنْ رامَ عَدُوٌّ مُطاوَلَةً لِتَحَقُّقِهِ بِالضَّعْفِ صاحَتْ لِدَوامِ قُوَّتِها: إنِّي أُناجِزُ؛ فَلا يَقُومُ لَها قائِمٌ؛ ولا يَحُومُ حَوْلَ حِماها حائِمٌ؛ ولا يَرُومُ خَوْضَ بَحْرِها رائِمٌ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِصاحِبِها مُغْنِيَةً؛ ولِمَن فازَ بِقَبُولِها مُعْجِبَةً مُرْضِيَةً؛ حَسُنَ كُلُّ الحُسْنِ إتْباعُها بِقَوْلِهِ: ﴿”لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ“؛﴾ [الحجر: ٨٨] ولَمّا كانَ كُفْرُهم بَعْدَ بَيانِها إنَّما هو عِنادٌ؛ قالَ (تَعالى): ﴿”ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ“؛﴾ [الحجر: ٨٨] ولَمّا كانَ الغَنِيُّ بِها رُبَّما ظَنَّ حُسْنَ أنَفَةِ الغِنى؛ عَقَّبَهُ قَوْلُهُ: ﴿”واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ“؛﴾ [الحجر: ٨٨] ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ تِلاوَتَها تُغْنِي عَنِ الدُّعاءِ؛ لا سِيَّما لِمَن أعْرَضَ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿”وقُلْ إنِّي أنا النَّذِيرُ (p-٩٦)المُبِينُ“؛﴾ تَحْرِيضًا عَلى الِاجْتِهادِ في التَّحْذِيرِ؛ وتَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وإرْغامًا لِلْمُعانِدِينَ؛ واسْتِجْلابًا لِمَن أرادَ اللَّهُ إسْعادَهُ مِنَ الكافِرِينَ؛ إعْلامًا بِأنَّ القُلُوبَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِيَدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ فَلا وُثُوقَ مَعَ ذَلِكَ بِمُقْبِلٍ؛ ولا يَأْمَنُ عَنْ مُدْبِرٍ.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا النَّظْمِ الرَّصِينِ؛ والرَّبْطِ الوَثِيقِ المَتِينِ؛ التَفَتَ الخاطِرُ إلى حالِ مَن يُنْذِرُهُمْ؛ وكانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ - في تَقْسِيمِهِمُ القَوْلَ في القُرْآنِ؛ واقْتِسامِهِمْ طُرُقَ مَكَّةَ لِإشاعَةِ ذَلِكَ البُهْتانِ؛ تَنْفِيرًا لِمَن أرادَ الإيمانَ - أشْبَهَ شَيْءٍ بِالمُقْتَسِمِينَ عَلى صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَ (تَعالى): ”كَما“؛ أيْ: آتَيْنا أُولَئِكَ المُقْتَسِمِينَ آياتِنا؛ فَكانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ؛ مِثْلَما أنْزَلْنا آياتِنا عَلى المُقْتَسِمِينَ؛ أيْ: الَّذِينَ تَقاسَمُوا بِرَغْبَةٍ كَبِيرَةٍ واجْتِهادٍ في ذَلِكَ؛ الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ؛ أيْ: ذا أعْضاءٍ؛ أيْ: أجْزاءٍ مُتَفاصِلَةٍ؛ مُتَبايِنَةٍ؛ مِثْلِ أعْضاءِ الجَزُورِ إذا قُطِّعَتْ؛ جَمْعُ ”عِضَةٌ“؛ مِثْلُ ”عِدَةٌ“؛ وأصْلُها ”عِضْوَةٌ“؛ ﴿”فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ“؛﴾ [الحجر: ٩٢] أيْ: لا يَمْتَنِعُ عَلَيْنا مِنهم أحَدٌ؛ ”عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ فاصْدَعْ“؛ أيْ: بِسَبَبِ أمْرِنا لَكَ بِالإنْذارِ؛ وإخْبارِكَ أنّا نَسْألُ كُلَّ واحِدٍ عَمّا عَمِلَ؛ ﴿بِما تُؤْمَرُ وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾
الحجر 15:95
(p-٩٧)ولَمّا كانَ هَذا الصَّدْعُ في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لِكَثْرَةِ ما يَلْقى عَلَيْهِ الأذى؛ خَفَّفَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - مُعَلِّلًا لَهُ -: ﴿إنّا كَفَيْناكَ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿المُسْتَهْزِئِينَ﴾؛ أيْ: شَرَّ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الِاسْتِهْزاءِ بِكَ؛ وبِما جِئْتَ بِهِ؛ فَأقْرَرْنا عَيْنَكَ بِإهْلاكِهِمْ؛ وزالَ عَنْكَ ثِقْلُ ما آذَوْكَ بِهِ؛ وبَقِيَ لَكَ أجْرُهُ؛ وسَنَكْفِيكَ غَيْرَهم كَما كَفَيْناكَهُمْ؛
الحجر 15:96
ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مَعَ ما رَأوْا مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى جَلالِهِ؛ وعَظِيمِ إحاطَتِهِ؛ وكَمالِهِ؛ ﴿إلَهًا﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَعِيَّةُ تُفْهِمُ الغَيْرِيَّةَ؛ ولا سِيَّما مَعَ التَّعْبِيرِ بِالجَعْلِ؛ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مِنهم مُتَعَنِّتٌ بِاحْتِمالِ التَّهْدِيدِ عَلى تَألُّهِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى سَبِيلِ التَّجْرِيدِ؛ أوْ عَلى دُعائِهِ بِاسْمٍ غَيْرِ الجَلالَةِ؛ لِما ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]؛ الآيَةَ؛ آخِرَ ”سُبْحانَ“؛ زادَ في الصَّراحَةِ بِنَفْيِ كَمالِ كُلِّ احْتِمالٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِمَكَّةَ ذاتَ لَيْلَةٍ فَجَعَلَ يَقُولُ في سُجُودِهِ: ”يا اللَّهُ؛ يا رَحْمَنُ“؛ (p-٩٨)فَقالَ أبُو جَهْلٍ: إنَّ مُحَمَّدًا يَنْهانا عَنْ آلِهَتِنا وهو يَدْعُو إلَهَيْنِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ؛ يَعْنِي آيَةَ ”سُبْحانَ“؛» وتَسَبَّبَ عَنْ أخْذِنا لِلْمُسْتَهْزِئِينَ - وكانُوا أعْتاهم - أنْ يُهَدَّدَ الباقُونَ بِقَوْلِنا: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: يُحِيطُ عِلْمَهم بِشِدَّةِ بَطْشِنا وقُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ؛ لِيَكُونَ وازِعًا لِغَيْرِهِمْ؛ أوْ يَعْلَمُ المُسْتَهْزِئُونَ وغَيْرُهم عاقِبَةَ أُمُورِهِمْ في الدّارَيْنِ.
الحجر 15:97
ولَمّا كانَ صَدْعُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِذَلِكَ عَلى حَدٍّ مِنَ المَشَقَّةِ عَظِيمٍ؛ وإنْ أُرِيحَ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ؛ لِكَثْرَةِ مَن بَقِيَ مِمَّنْ هو عَلى مِثْلِ رَأْيِهِمْ؛ قالَ - يُسَلِّيهِ ويُسَخِّي بِنَفْسِهِ فِيهِ -: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: تَحَقَّقَ وُقُوعُ عِلْمِنا؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أنَّكَ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَكَ مِنَ الحِلْمِ وسَعَةِ البِطانِ؛ ﴿يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ ضِيقُهُ؛ ويَتَجَدَّدُ؛ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾؛ عِنْدَ صَدْعِكَ لَهم بِما تُؤْمَرُ؛ في حَقِّكَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ“؛ إلى آخِرِهِ؛ وفي حَقِّ الَّذِي أرْسَلَكَ؛ مِنَ الشِّرْكِ؛ والصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛
الحجر 15:98
﴿فَسَبِّحْ﴾؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: نَزِّهْهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ؛ الَّتِي مِنها الغَفْلَةُ عَمّا يَعْمَلُ (p-٩٩)الظّالِمُونَ؛ مُثْبِتًا لَهُ صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي مِنها إعْزازُ الوَلِيِّ؛ وإذْلالُ العَدُوِّ؛ ﴿وكُنْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ لا انْفِكاكَ لَهُ؛ ﴿مِنَ السّاجِدِينَ﴾ لَهُ؛ أيْ: المُصَلِّينَ؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الخُضُوعِ الدّائِمِ لَهُ بِالصَّلاةِ؛ الَّتِي هي أعْظَمُ الخُضُوعِ لَهُ؛ وغَيْرِها مِن عِبادَتِهِ؛ لِيَكْفِيَكَ ما أهَمَّكَ؛ فَإنَّهُ لا كافِيَ غَيْرُهُ؛ فَلا مَلْجَأ إلى سِواهُ؛ وعَبَّرَ عَنْها بِالسُّجُودِ إشارَةً إلى شَرَفِهِ؛ وما يَنْبَغِي مِنَ الدُّعاءِ فِيهِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ الشَّدائِدِ؛ فَقَدْ قالَ (تَعالى): ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]؛ ورُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ؛» ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ بِغَيْرِ سَنَدٍ؛ وهو في مُسْنَدِ أحْمَدَ؛ وسُنَنِ أبِي داوُدَ عَنْ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى؛» وفي سُنَنِ النِّسائِيِّ الكُبْرى؛ ومُسْنَدِ أحْمَدَ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ بَدْرٍ وما فِينا إنْسانٌ إلّا نائِمٌ؛ إلّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - فَإنَّهُ كانَ يُصَلِّي إلى شَجَرَةٍ؛ ويَدْعُو؛ حَتّى أصْبَحَ؛» وفي لَفْظٍ لِأحْمَدَ: «لَقَدْ رَأيْتُنا وما فِينا إلّا نائِمٌ إلّا رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَحْتَ (p-١٠٠)شَجَرَةٍ يُصَلِّي؛ ويَبْكِي؛ حَتّى أصْبَحَ؛» ولِأحْمَدَ؛ ومُسْلِمٍ؛ وأبِي يَعْلى؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: ”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ“».
الحجر 15:99
ولَمّا أمَرَهُ بِعِبادَةٍ خاصَّةٍ؛ أتْبَعَهُ بِالعامَّةِ؛ فَقالَ: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: دُمْ عَلى عِبادَةِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذا القُرْآنِ؛ الَّذِي هو البَلاغُ؛ بِالصَّلاةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾؛ بِما يَشْرَحُ صَدْرَكَ مِنَ المَوْتِ؛ أوْ ما يُوعَدُونَ بِهِ؛ مِنَ السّاعَةِ؛ أوْ غَيْرِها مِمّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مَعَهُ لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ؛ قالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ شَرَفَ العَبْدِ في العُبُودِيَّةِ؛ وأنَّ العِبادَةَ لا تَسْقُطُ عَنِ العَبْدِ بِحالٍ؛ ما دامَ حَيًّا؛ انْتَهى؛ وقالَ البَغَوِيُّ: وهَذا مَعْنى ما في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ - عَلَيْها السَّلامُ - ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]؛ فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ - في الأمْرِ بِاتِّخاذِ القُرْآنِ بَلاغًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ والإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ - عَلى أوَّلِها؛ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ واعْتَنَقَ كُلٌّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ؛ الآخَرِ والأوَّلِ؛ أيَّ اعْتِناقٍ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
النحل 16:1
(p-١٠١)سُورَةُ ”النَّحْلِ“
مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ (تَعالى) تامُّ القُدْرَةِ والعِلْمِ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ مُنَزَّهٌ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ؛ وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَعْنى أمْرُ النَّحْلِ؛ لِما ذَكَرَ مِن شَأْنِها مِن دِقَّةِ الفَهْمِ في تَرْتِيبِ بُيُوتِها؛ ورَعْيِها؛ وسائِرِ أمْرِها؛ مِنَ اخْتِلافِ ألْوانِ ما يَخْرُحُ مِنها مِن أعْسالِها؛ وجَعْلِهِ شِفاءً؛ مَعَ أكْلِها مِنَ الثِّمارِ النّافِعَةِ؛ والضّارَّةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ؛ ووَسْمُها بِالنِّعَمِ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ المُحِيطِ بِدائِرَةِ الكَمالِ؛ فَما شاءَ فَعَلَ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ جَلِيلَ خَلْقِهِ؛ وحَقِيرَهُ؛ وصَغِيرَهُ وكَبِيرَهُ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ مِمّا يُسْخِطُهُ بِما يَرْضاهُ.
لَمّا خَتَمَ ”الحِجْرَ“؛ بِالإشارَةِ إلى إتْيانِ اليَقِينِ؛ وهو صالِحٌ لِمَوْتِ الكُلِّ؛ ولِكَشْفِ الغِطاءِ بِإتْيانِ ما يُوعَدُونَ مِمّا يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛ اسْتِهْزاءً مِنَ العَذابِ (p-١٠٢)فِي الآخِرَةِ؛ بَعْدَ ما يَلْقَوْنَ في الدُّنْيا؛ ابْتَدَأ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ سَواءً؛ غَيْرَ أنَّهُ خَتَمَ تِلْكَ بِاسْمِ الرَّبِّ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ؛ لُطْفًا بِالمُخاطَبِ؛ وافْتَتَحَ هَذِهِ بِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ ألْيَقُ بِمَقامِ التَّهْدِيدِ؛ ولِما سَتَعْرِفُهُ مِنَ المَعانِي المُتَنَوِّعَةِ في أثْناءِ السُّورَةِ؛ وسَيُكَرَّرُ هَذا الِاسْمُ فِيها تَكْرِيرًا تُعْلَمُ مِنهُ صِحَّةُ هَذِهِ الدَّعْوى؛ وعَبَّرَ عَنِ الآتِي بِالماضِي؛ إشارَةً إلى تَحَقُّقِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ ومَضى؛ وإلى أنَّ كُلَّ آتٍ ولا بُدَّ قَرِيبٌ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى؛ والصِّفاتُ العُلا؛ بِما يُذِلُّ الأعْداءَ؛ ويُعِزُّ الأوْلِياءَ؛ ويَشْفِي صُدُورَهُمْ؛ ويُقِرُّ أعْيُنَهم.
ولَمّا كانَتِ العَجَلَةُ نَقْصًا؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنْ هَذا الإخْبارَ -: ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾؛ أيُّها الأعْداءُ اسْتِهْزاءً؛ وأيُّها الأوْلِياءُ اسْتِكْفاءً واسْتِشْفاءً؛ وذَلِكَ مِثْلُ ما أفْهَمَهُ العَطْفُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤]؛ كَما تَقَدَّمَ؛ والضَّمِيرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلَّهِ؛ وأنْ يَكُونَ لِلْأمْرِ.
ولَمّا كانَ الجَزْمُ بِالأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ لا يَلِيقُ إلّا عِنْدَ نُفُوذِ الأمْرِ؛ ولا نُفُوذَ إلّا لِمَن لا كُفُؤَ لَهُ؛ وكانَتِ العَجَلَةُ - وهي الإتْيانُ بِالشَّيْءِ (p-١٠٣)قَبْلَ حِينِهِ الأوْلى بِهِ - نَقْصًا ظاهِرًا؛ لا يُحْمَلُ عَلَيْها إلّا في ضِيقِ الفِطَنِ؛ وكانَ التَّأْخِيرُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ مُنازِعٍ مُشارِكٍ؛ نَزَّهَ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - تَنْزِيهًا مُطْلَقًا؛ جامِعًا؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ الِاسْتِعْجالِ؛ وعَنْ جَمِيعِ صِفاتِ النَّقْصِ؛ ﴿وتَعالى﴾؛ أيْ: تَعالِيًا عَظِيمًا جِدًّا؛ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: يَدَّعُونَ أنَّهُ شَرِيكٌ لَهُ؛ فَلا مانِعَ مِمّا يُرِيدُ فِعْلَهُ؛ وساقَهُ في غَيْرِ قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ؛ إظْهارًا لِلْإعْراضِ الدّالِّ عَلى شِدَّةِ الغَضَبِ؛ وهي ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ - آخِرَ الَّتِي قَبْلَها -: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤]؛ وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦]؛ وقَدْ آلَ الأمْرُ في نَظْمِ الآيَةِ إلى أنْ صارَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لا يَعْجَلُ؛ لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ؛ ولا بُدَّ مِن إنْفاذِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَعالٍ عَنِ الكُفُؤِ؛ أوْ يُقالُ: لا تَسْتَعْجِلُوهُ لِأنَّهُ تَنَزَّهَ عَنِ النَّقْصِ؛ فَلا يَعْجَلُ؛ وتَعالى عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ كُفُؤٌ يَدْفَعُ ما يُرِيدُ؛ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛ فَهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِصَدْرِ الآيَةِ؛ كَما أنَّ صَدْرَ الآيَةِ تَعْلِيلٌ لِآخِرِ سُورَةِ ”الحِجْرِ“.
النحل 16:2
ولَمّا تَقَرَّرَ بِذَلِكَ تَنَزُّهُهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ: شِرْكٍ وغَيْرِهِ؛ شَرَعَ يَصِفُ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - بِصِفاتِ الكَمالِ؛ مِنَ الأمْرِ؛ والخَلْقِ؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ أقْدَمَ؛ وأعْلى؛ بَدَأ بِهِ؛ ولَمّا كانَ مِن أمْرِهِ إنْزالُ المَلائِكَةِ عَلى الصُّورَةِ الَّتِي (p-١٠٤)طَلَبُوها في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ [الحجر: ٧]؛ وقَصَّ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما يَتَرَتَّبُ عَلى إنْزالِهِمْ مُجْتَمِعِينَ؛ وفُهِمَ مِنهُ أنَّ لَهم في نُزُولِهِمْ حالَةً أُخْرى؛ لا تُنْكِرُها الرُّسُلُ؛ وهي حالَةُ الإتْيانِ إلَيْهِمْ بِالعِلْمِ؛ الَّذِي نِسْبَتُهُ إلى الأرْواحِ نِسْبَةُ الأرْواحِ إلى الأشْباحِ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أثارَ لَهُمُ اعْتِراضًا يَطْلُبُونَ بِهِ الفَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ دُونَهم - كَما تَقَدَّمَ في ”الحِجْرِ“ -؛ وكانَ ما يُشْرِكُونَ بِهِ لا تَصَرُّفَ لَهُ أصْلًا؛ بِإنْزالٍ ولا غَيْرِهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّ الوَحْيَ بِواسِطَةِ المَلَكِ؛ وأنَّ النُّبُوَّةَ عَطائِيَّةٌ؛ لا كَسْبِيَّةٌ -: ﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ﴾؛ الَّذِينَ هُمُ المَلَأُ الأعْلى؛ ﴿بِالرُّوحِ﴾؛ أيْ: المَعْنى الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو لِلْأرْواحِ بِمَنزِلَةِ الأرْواحِ لِلْأشْباحِ؛ ﴿مِن أمْرِهِ﴾؛ الَّذِي هو كَلامُهُ المُشْتَمِلُ عَلى الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]؛ وهو مِمّا تَمَيَّزَ بِهِ؛ لِحَقِّيَّتِهِ؛ وإعْجازِهِ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ فَكَيْفَ بِما لا يَعْقِلُ مِنها؛ كالأصْنامِ؟ (p-١٠٥)﴿عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾؛ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ فِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ وأبْدَلَ مِن ”الرُّوحَ“؛ أوْ فَسَّرَ الإنْزالَ بِالوَحْيِ؛ لِأنَّهُ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى القَوْلِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ أنْذِرُوا﴾؛ أيْ: النّاسَ سَطْواتِي؛ فَإنَّها لا مَحالَةَ نازِلَةٌ بِمَن أُرِيدُ إنْزالَها بِهِ؛ بِسَبَبِ ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾؛ وعَبَّرَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى المُرادِ؛ لِكَوْنِهِ أعْرَفَ؛ وسَبَّبَ عَنْ وحْدانِيَّتِهِ؛ الَّتِي هي مُنْتَهى كَمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ؛ قَوْلَهُ - آمِرًا بِما هو أقْصى كَمالِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ -: ﴿فاتَّقُونِ﴾؛ أيْ: فَلْيَشْتَدَّ خَوْفُكم مِنِّي؛ وأخْذُكم لِما يَكُونُ وِقايَةً لَكم مِن عَذابِي؛ فَإنَّهُ لا مانِعَ مِمّا أُرِيدُ؛ فَمَن عَلِمْتُ أنَّهُ أهْلٌ لِلنِّقْمَةِ أنْزَلْتُها بِهِ؛ ومَن عَلِمْتُهُ أهْلًا لِتَلَقِّي الرُّوحِ مَنَحْتُهُ إيّاهُ.
النحل 16:3
ولَمّا وحَّدَ نَفْسَهُ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - شارِحًا لِإيجادِهِ أُصُولَ العالَمِ؛ وفُرُوعَهُ؛ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ -: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي السَّقْفُ المُظِلُّ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي البِساطُ المُقِلُّ؛ (p-١٠٦)﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِالأمْرِ المُحَقَّقِ الثّابِتِ؛ لا بِالتَّمْوِيهِ والتَّخْيِيلِ؛ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ المُسْتَلْزِمَةِ لِنَفْيِ النَّقائِصِ؛ وكانَ قاطِعًا في التَّنَزُّهِ عَنِ الشَّرِيكِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ؛ لَزِمَ إمْكانُ المُمانَعَةِ؛ فَلَزِمَ العَجْزُ عَنِ المُرادِ؛ أوْ وُجُودُ الضِّدَّيْنِ المُرادَيْنِ لَهُما؛ وكُلٌّ مِنهُما مُحالٌ؛ فَإمْكانُ الشَّرِيكِ مُحالٌ؛ ولِأنَّهُما؛ وكُلُّ ما فِيهِما مِلْكُهُ؛ وفي تَصَرُّفِهِ؛ لا نِزاعَ لِمَن أثْبَتَ الإلَهَ في ذَلِكَ؛ تَلاهُ بِقَوْلِهِ - نَتِيجَةً لِذَلِكَ؛ دالَّةً عَلى أنَّهُ (تَعالى) لَيْسَ مِن قَبِيلِ الأجْرامِ -: ﴿تَعالى﴾؛ أيْ: تَعالِيًا فاتَ الوَصْفَ؛ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ - عَزْيًا عَنِ افْتِتاحِهِ بِالتَّنْزِيهِ كالأُولى.
النحل 16:4
ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ غَيْبًا؛ لِتَقَدُّمِهِ؛ وكانَ خَلْقُ الإنْسانِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ شَهادَةً؛ مَعَ كَوْنِهِ أدَلَّ عَلى ذَلِكَ مِن حَيْثُ إنَّهُ أشْرَفُ مِن كُلِّ ما يَعْبُدُهُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ولَنْ يَكُونَ الرَّبُّ أدْنى مِنَ العَبْدِ أصْلًا؛ قالَ - مُعَلِّلًا -: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ الَّذِي خَلَقَهُ أدَلَّ ما يَكُونُ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ ما في (p-١٠٧)العالَمِ السُّفْلِيِّ مِنَ الأجْسامِ؛ لِمُشارَكَتِهِ لِلْحَيَوانِ؛ الَّذِي هو أشْرَفُ مِن غَيْرِهِ بِالقُوى الشَّرِيفَةِ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ والشَّهْوَةِ والغَضَبِ؛ واخْتِصاصِهِ بِالنُّطْقِ؛ الَّذِي هو إدْراكُ الكُلِّيّاتِ؛ والتَّصَرُّفُ فِيها بِالقِياساتِ؛ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن مُطْلَقِ الماءِ؛ ومَن تَفَرَّعَ مِنهُ بَعْدَ زَوْجِهِ مِن ماءٍ مُقَيَّدٍ بِالدَّفْقِ.
ولَمّا كانَ - مَعَ مُشارَكَتِهِ لِغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ؛ في كَوْنِهِ مِن نُطْفَةٍ - مُتَمَيِّزًا بِالنُّطْقِ المُسْتَنِدِ إلى ما في نَفْسِهِ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ؛ ولَطائِفِ الإدْراكِ؛ كانَ ذَلِكَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الفاعِلِ؛ واخْتِيارِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإذا هُوَ﴾؛ أيْ: الإنْسانُ المَخْلُوقُ مِنَ الماءِ المَهِينِ؛ ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أيْ: مِنطِيقٌ؛ عارِفٌ بِالمُجادَلَةِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنُ القُدْرَةِ عَلى الخِصامِ؛ ومُوَضِّحٌ لِما يُرِيدُهُ غايَةَ الإيضاحِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ ما لا حِسَّ بِهِ؛ ولا حَرَكَةَ اخْتِيارِيَّةً عِنْدَهُ بِوَجْهٍ؛ أفَلا يَقْدِرُ الَّذِي ابْتَدَأ ذَلِكَ عَلى إعادَتِهِ؟!
النحل 16:5
ولَمّا صارَ التَّوْحِيدُ بِذَلِكَ كالشَّمْسِ؛ وكانَ كُلَّ ما في الكَوْنِ - مَعَ أنَّهُ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ - نِعْمَةً عَلى الإنْسانِ؛ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُها؛ شَرَعَ يُعَدِّدُ ذَلِكَ؛ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ بِالتَّبَرُّؤِ مِنَ الكُفْرِ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا الحَيَواناتِ؛ لِأنَّها أشْرَفُ مِن غَيْرِها؛ وقَدَّمَ مِنها ما يَنْفَعُ الإنْسانَ؛ لِأنَّهُ (p-١٠٨)أجَلُّ مِن غَيْرِهِ؛ مُبْتَدِئًا بِما هو أوْلاها بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أجَلُّها مَنفَعَةً في ضَرُوراتِ المَعِيشَةِ؛ وألْزَمُها لِمَن أُنْزِلَ الذِّكْرُ بِلِسانِهِمْ -: ﴿والأنْعامَ﴾؛ أيْ: الأزْواجَ الثَّمانِيَةَ: الضَّأْنَ؛ والمَعِزَ؛ والإبِلَ؛ والبَقَرَ؛ ﴿خَلَقَها﴾؛ غَيْرَ ناطِقَةٍ؛ ولا مُبِينَةٍ؛ مَعَ كَوْنِها أكْبَرَ مِنكم خَلْقًا؛ وأشَدَّ قُوَّةً.
ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُمْكِنُ أنْ يَلْقى الإنْسانُ عادَةً مِن نِعَمِها اللِّباسَ؛ بَدَأ بِهِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ -: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾؛ أيْ: ما يُدْفَأُ بِهِ؛ فَيَكُونُ مِنهُ حَرٌّ مُعْتَدِلٌ؛ مِن حَرِّ البَدَنِ الكائِنِ بِالدِّثارِ؛ يَمْنَعُ البَرْدَ؛ وثَنّى بِما يَعُمُّ جَمِيعَ نِعَمِها؛ الَّتِي مِنها اللَّبَنُ؛ فَقالَ: ﴿ومَنافِعُ﴾؛ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالأكْلِ؛ لِكَوْنِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾؛ وقَدَّمَ الظَّرْفَ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ الأكْلَ مِن غَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى الأكْلِ مِنها مِمّا لا يُعْتَدُّ بِهِ؛
النحل 16:6
ثُمَّ تَلاهُ بِالتَّجَمُّلِ؛ لِأنَّهُ النِّهايَةُ؛ لِكَوْنِهِ لِلرِّجالِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ خاصَّةً؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأنْعامِ؛ ﴿جَمالٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ.
ولَمّا كانَ القُدُومُ أجَلَّ نِعْمَةً؛ وأبْهَجَ مِنَ النُّزُوحِ؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾؛ بِالعَشِيِّ؛ مِنَ المَراعِي؛ وهي عَظِيمَةُ الضُّرُوعِ؛ طَوِيلَةُ الأسْنِمَةِ؛ ﴿وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾؛ بِالغَداةِ؛ مِنَ المَراحِ إلى المَراعِي؛ فَيَكُونُ (p-١٠٩)لَها في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ مِنَ الحَرَكاتِ؛ مِنها ومِن رُعاتِها؛ ومِنَ الحَلْبِ؛ والتَّرَدُّدِ لِأجْلِهِ؛ وتَجاوُبِ الثُّغاءِ والرُّغاءِ أمْرٌ عَظِيمٌ؛ وأُنْسٌ لِأهْلِها كَبِيرٌ.
النحل 16:7
ولَمّا كانَتِ الأسْفارُ بَعْدَ ذَلِكَ؛ تَلاهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتَحْمِلُ﴾؛ أيْ: الأنْعامُ؛ ﴿أثْقالَكُمْ﴾؛ أيْ: أمْتِعَتَكُمْ؛ مَعَ المَشَقَّةِ؛ ﴿إلى بَلَدٍ﴾؛ أيْ: غَيْرِ بَلَدِكُمْ؛ أرَدْتُمُ السَّفَرَ إلَيْهِ؛ ﴿لَمْ تَكُونُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ؛ قادِرِينَ عَلى حَمْلِها إلَيْهِ؛ وتُبَلِّغُكم - بِحَمْلِها لَكم - إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا ﴿بالِغِيهِ﴾؛ بِغَيْرِ الإبِلِ؛ ﴿إلا بِشِقِّ﴾؛ أيْ: بِجُهْدِ؛ ومَشَقَّةِ؛ وكُلْفَةِ ﴿الأنْفُسِ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَمْ تَبْلُغُوهُ بِها؛ فَكَيْفَ لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً؟ و”الشِّقُّ“: أحَدُ نِصْفَيِ الشَّيْءِ؛ كَأنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ ذَهابِ نِصْفِ القُوَّةِ؛ لِما يَلْحَقُ مِنَ الجُهْدِ؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ حَمْلَ الأثْقالِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَمْلِ الأنْفُسِ ثانِيًا؛ وذَكَرَ مَشَقَّةَ البُلُوغِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى مَشَقَّةِ الحَمْلِ أوَّلًا.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ مِنَ الإحْسانِ في التَّرْبِيَةِ؛ ولا يُسَخِّرُهُ لِلضَّعِيفِ إلّا البَلِيغُ في الرَّحْمَةِ؛ وكانَ مِنَ النّاسِ مَن لَهُ مِن أعْمالِهِ سَبَبٌ لِرِضا رَبِّهِ؛ ومِنهم مَن أعْمالُهُ كُلُّها فاسِدَةٌ؛ (p-١١٠)قالَ: ﴿إنَّ رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدَ لَكُمْ؛ والمُحْسِنَ إلَيْكُمْ؛ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِما يُرْضِيهِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ؛ بِسَبَبٍ؛ وبِغَيْرِ سَبَبٍ.
النحل 16:8
ولَمّا كانَتِ الأنْعامُ أكْثَرَ أمْوالِهِمْ؛ مَعَ أنَّ مَنافِعَها أكْثَرُ؛ بَدَأ بِها؛ ثُمَّ ثَنى بِما هو دُونَها؛ مُرَتِّبًا لَهُ عَلى الأشْرَفِ فالأشْرَفِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والخَيْلَ﴾؛ أيْ: الصّاهِلَةَ؛ ﴿والبِغالَ﴾؛ أيْ: المُتَوَلِّدَةَ بَيْنَها؛ وبَيْنَ الحُمُرِ؛ ﴿والحَمِيرَ﴾؛ أيْ: النّاهِقَةَ.
ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ فِعْلَ المُخاطَبِينَ؛ وهو المَقْصُودُ بِالمَنفَعَةِ؛ ذَكَرَهُ بِاللّامِ؛ الَّتِي هي الأصْلُ في التَّعْلِيلِ؛ فَقالَ: ﴿لِتَرْكَبُوها﴾؛ ولَمّا كانَتِ الزِّينَةُ تابِعَةً لِلْمَنفَعَةِ؛ وكانَتْ فِعْلًا لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلِّلِ؛ نُصِبَتْ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ما قَبْلَها؛ فَقالَ: ﴿وزِينَةً﴾
ولَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ بِما ذَكَرَ في سِياقِ الِامْتِنانِ؛ دَلَّ عَلى أنَّها لا تَتَناهى في ذَلِكَ السِّياقِ؛ فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ لَهم أُمُورًا لَوْ عَدَّها لَهم لَمْ يَفْهَمُوا المُرادَ مِنها؛ لِجَهْلِهِمْ بِها؛ ولَعَلَّها أجَلُّ مَنافِعَ مِمّا ذُكِرَ؛ فَقالَ: ﴿ويَخْلُقُ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ؛ في الدُّنْيا (p-١١١)والآخِرَةِ؛ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ فَلا تَعْلَمُونَ لَهُ مُوجِدًا غَيْرَهُ ولا مُدَبِّرًا سِواهُ.
النحل 16:9
ولَمّا كانُوا في أسْفارِهِمْ؛ واضْطِرابِهِمْ في المَنافِعِ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ؛ وغَيْرِها؛ يَقْصِدُونَ أسْهَلَ الطُّرُقِ؛ وأقْوَمَها؛ وأوْصَلَها إلى الغَرَضِ؛ ومَن عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ كانَ عِنْدَهم ضالًّا؛ سَخِيفَ العَقْلِ؛ غَيْرَ مُسْتَحِقٍّ لِلْعَدِّ في عِدادِ النُّبَلاءِ؛ نَبَّهَهم عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَدْ بَيَّنَ الطَّرِيقَ الأقْوَمَ المُوصِلَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِتَكَفُّلِهِ بِبَيانِ أنَّهُ واحِدٌ قادِرٌ عالِمٌ مُخْتارٌ؛ وأنَّهُ هو المُنْعِمُ؛ فَوَجَبَ اخْتِصاصُهُ بِالعِبادَةِ؛ وأخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - أنَّهُ أوْجَبَ هَذا البَيانَ عَلى نَفْسِهِ؛ فَضْلًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى﴾؛ أيْ: قَدْ بَيَّنَ لَكُمُ الطَّرِيقَ الأمَمَ؛ وعَلى ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿قَصْدُ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: بَيانُ الطَّرِيقِ العَدْلِ؛ وعَلى اللَّهِ بَيانُ الطَّرِيقِ الجائِرِ؛ حَتّى لا يُشَكَّ في شَيْءٍ مِنهُما؛ فَإنَّ الطَّرِيقَ المَعْنَوِيَّةَ كالحِسِّيَّةِ؛ مِنها مُسْتَقِيمٌ؛ مَن سَلَكَهُ اهْتَدى؛ ﴿ومِنها جائِرٌ﴾؛ مَن سَلَكَهُ ضَلَّ عَنِ الوُصُولِ؛ فَهَلَكَ؛ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهُمْ﴾ [التوبة: ١١٥]؛ الآيَةَ؛ ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ أنَّ عَلَيْهِ بَيانَ القَصْدِ أوَّلًا؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ أنَّ عَلَيْهِ بَيانَ الجائِرِ ثانِيًا؛ وذَكَرَ أنَّ مِنَ الطُّرُقِ (p-١١٢)الجائِرَ ثانِيًا دَلالَةً عَلى حَذْفِ أنَّ مِنها المُسْتَقِيمَ أوَّلًا؛ وتَعْبِيرُ الأُسْلُوبِ لِبَيانِ أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ إنَّما هو بَيانُ النّافِعِ؛ ومادَّةُ ”قَصَدَ“؛ تَدُورُ عَلى العَدْلِ السَّواءِ؛ ومِنهُ ”القَصْدُ“؛ أيْ: الِاسْتِقامَةُ؛ واسْتِقامَةُ الطَّرِيقِ مِن غَيْرِ تَعْرِيجٍ؛ وضِدُّ الإفْراطِ؛ كَـ ”الِاقْتِصادُ“؛ ورَجُلٌ لَيْسَ بِالجَسِيمِ؛ ولا بِالضَّئِيلِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ إرادَةٍ وتَوَجُّهٍ؛ فَإطْلاقُ القَصْدِ عَلى العَزْمِ؛ مُسْتَقِيمًا كانَ أوْ جائِرًا؛ إذا قُلْتَ: ”قَصَدْتُهُ“؛ بِمَعْنى أتَيْتُهُ؛ أوْ أمَمْتُهُ؛ ونَوَيْتُهُ؛ مِن دَلالَةِ الِالتِزامِ؛ وكَذا ”القَصْدُ“؛ بِمَعْنى ”الكَسْرُ“؛ بِأيِّ وجْهٍ كانَ؛ وقِيلَ: لا يُقالُ: ”قَصَدَ“؛ إلّا إذا كانَ بِالنِّصْفِ؛ و”القَصِيدُ“: ما تَمَّ شَطْرُ أبْياتِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أعْدَلُ حالاتِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ثَلاثَةُ أبْياتٍ فَصاعِدًا؛ أوْ سِتَّةَ عَشَرَ فَصاعِدًا؛ وقالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ عُثْمانُ بْنُ جِنِّيٍّ؛ في آخِرِ كِتابِهِ ”المَغْرِبُ في شَرْحِ القَوافِي“: فالبَيْتُ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: قَصِيرٍ؛ ورَمَلٍ؛ ورَجَزٍ؛ فَأمّا القَصِيدُ فالطَّوِيلُ التّامُّ؛ والبَسِيطُ التّامُّ؛ والكامِلُ التّامُّ؛ والمَدِيدُ التّامُّ؛ والوافِرُ التّامُّ؛ والرَّجَزُ التّامُّ؛ والخَفِيفُ التّامُّ؛ وهو كُلُّ ما تَغَنّى بِهِ الرُّكْبانُ؛ ومَعْنى قَوْلِنا: المَدِيدُ التّامُّ؛ والوافِرُ التّامُّ؛ (p-١١٣)نُرِيدُ أتَمَّ ما جاءَ مِنهُما في الِاسْتِعْمالِ؛ أعْنِي الضَّرْبَيْنِ الأوَّلَيْنِ مِنهُما؛ فَأمّا أنْ يَجِيئا عَلى أصْلِ وضْعِهِما في دائِرَتَيْهِما؛ فَذَلِكَ مَرْفُوضٌ مُطَّرَحٌ؛ و”القَصِيدُ“: المُخُّ السَّمِينُ؛ أوْ دُونَهُ؛ والعَظْمُ المُمِخُّ؛ والنّاقَةُ السَّمِينَةُ بِها نِقْيٌ؛ والسَّمِينُ مِنَ الأسْنِمَةِ؛ لِأنَّ بِهَذا الحالِ اسْتِقامَةَ كُلِّ ما ذُكِرَ؛ وكَذا ”القاصِدُ“: القَرِيبُ؛ و”بَيْنَنا وبَيْنَ الماءِ لَيْلَةٌ قاصِدَةٌ“؛ أيْ: هَيِّنَةُ السَّيْرِ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الِاسْتِقامَةِ؛ ومِنهُ ”قَصَدْتُ كَذا“؛ إذا اعْتَمَدْتُهُ؛ وأمَمْتُهُ؛ وتَوَجَّهْتُ إلَيْهِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ عَدْلًا أوْ جَوْرًا؛ و”انْقَصَدَ الرُّمْحُ“؛ إذا انْكَسَرَ؛ عَلى السَّواءِ؛ كَأنَّهُ مُطاوِعُ قَصْدِهِ؛ والواحِدَةُ مِن تِلْكَ الكِسَرِ ”قِصْدَةٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”رُمْحٌ قَصِدٌ“؛ كَـ ”كَتِفٌ“: مُتَكَسِّرٌ؛ و”القَصَدُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ: العَوْسَجُ؛ لِأنَّهُ سَرِيعُ التَّكَسُّرِ؛ والجُوعُ؛ لِأنَّ الجائِعَ قاصِدٌ لِما يَأْكُلُهُ؛ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ؛ و”القَصَدُ“: مَشْرَةُ العِضاهِ؛ تُخْرِجُ في أيّامِ الخَرِيفِ لَدْنَةً تَتَثَنّى في أطْرافِ الأغْصانِ؛ وهي خُوصَةٌ تَخْرُجُ (p-١١٤)فِيها؛ وفي كَثِيرٍ مِنَ الشَّجَرِ في تِلْكَ الأيّامِ؛ أوْ هي الأغْصانُ؛ أوْ هي الأغْصانُ الرَّطْبَةُ قَبْلَ أنْ تَتَلَوَّنَ وتَشْتَدُّ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخُرُوجِها؛ وتَوَجُّهِها إلى مَنظَرِ العَيْنِ؛ أوْ تَوَجُّهِ النَّظَرِ إلَيْها لِلسُّرُورِ بِها؛ و”القَصِيدُ“: العَصا؛ لِأنَّها تَقْصِدُ؛ ويُقْصَدُ بِها؛ و”أقْصَدَ السَّهْمُ“: أصابَ؛ فَقَتَلَ مَكانَهُ؛ و”أقْصَدَ فُلانًا“: طَعَنَهُ فَلَمْ يُخْطِئْهُ؛ و”الحَيَّةُ“: لَدَغَتْ فَقَتَلَتْ؛ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِقامَةِ؛ لِأنَّ قَصْدَ فاعِلِهِ القَتْلُ؛ فَكَأنَّهُ اسْتَقامَ قَصْدُهُ بِنُفُوذِهِ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ السَّلْبِ؛ أيْ أنَّهُ أزالَ الِاسْتِقامَةَ؛ لِأنَّ مَن ماتَ فَقَدْ زالَتِ اسْتِقامَةُ حَياتِهِ؛ ومِنهُ ”المُقْصَدُ“؛ كَـ ”مُخْرَجٌ“؛ وهو مَن يَمْرَضُ ويَمُوتُ سَرِيعًا؛ و”القَصِيدُ“؛ بِمَعْنى اليابِسِ مِنَ اللَّحْمِ؛ ”فَعِيلٌ“؛ بِمَعْنى ”مُفْعَلٌ“؛ أيْ: أُقْصِدَ فَزالَتِ اسْتِقامَتُهُ؛ بِأنْ هَلَكَ جَفافًا؛ يُبْسًا.
و”الصِّدْقُ“: ضِدُّ الكَذِبِ؛ وهو مِن أعْدَلِ العَدْلِ؛ وأقْوَمِ القَصْدِ؛ و”الصِّدْقُ“: الشِّدَّةُ؛ إذْ بِها يُمْتَحَنُ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ؛ ومِنهُ ”رَجُلُ صِدْقٍ“؛ أيْ: يُصَدِّقُ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ؛ أوْ يَقُولُهُ؛ بِفِعْلِهِ؛ فَهو شَدِيدُ العَزْمِ؛ سَدِيدُ الأمْرِ؛ و”الصَّدِيقُ“؛ كَـ ”أمِيرٌ“: الحَبِيبُ الَّذِي يُصَدِّقُ قَوْلَهُ في الحُبِّ بِفِعْلٍ؛ و”المُصادَقَةُ“؛ و”الصِّداقُ“؛ بِالكَسْرِ: المُخالَّةُ؛ كالتَّصادُقِ؛ و”الصَّيْدَقُ“؛ كَـ ”صَيْقَلٌ“: (p-١١٥)الأمِينُ؛ لِأنَّهُ مُصَدَّقٌ في قَوْلِهِ؛ والمَلِكُ؛ لِأنَّ مَحَلَّهُ يَقْتَضِي الصِّدْقَ؛ لِعَدَمِ حاجَتِهِ إلى الكَذِبِ؛ والقُطْبُ؛ لِأنَّهُ أصْدَقُ النُّجُومِ دَلالَةً لِثَباتِهِ؛ وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ: هو اسْمٌ لِلسُّها؛ وهو النَّجْمُ الخَفِيُّ الَّذِي مَعَ بَناتِ نَعْشٍ؛ و”الصَّدْقُ“؛ بِالفَتْحِ: الصُّلْبُ المُسْتَوِي مِنَ الرِّماحِ؛ لِأنَّهُ صَدَّقَ ظَنَّ الطّاعِنِ بِهِ؛ وكَذا مِنَ الرِّجالِ؛ والكامِلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؛ ورَجُلٌ صِدْقُ اللِّقاءِ والنَّظَرِ؛ و”مِصْداقُ الشَّيْءِ“: ما يُصَدِّقُهُ؛ و”شُجاعٌ ذُو مِصْدَقٍ“؛ كَـ ”مِنبَرٌ“: صادِقُ الحَمْلَةِ؛ أيْ: شَدِيدُها؛ و”الصَّدَقَةُ“؛ مُحَرَّكَةً: ما أعْطَيْتَهُ في ذاتِ اللَّهِ؛ لِأنَّها تُصَدِّقُ دَعْوى الإيمانِ؛ لِدَلالَتِها عَلى شِدَّةِ العَزْمِ فِيهِ؛ و”الصَّدُْقَةُ“؛ بِضَمِّ الدّالِ وسُكُونِها: مَهْرُ المَرْأةِ؛ لِأنَّهُ يَصْدُقُ العَزْمُ فِيهِ؛ وكَـ ”سِكِّيتٌ“: الكَثِيرُ الصِّدْقِ؛ و”صَدَقْتُ اللَّهَ حَدِيثًا إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا“؛ يَمِينٌ لَهُمْ؛ أيْ: لا صَدَقْتُ؛ و”فَعَلَهُ غِبَّ صادِقَةٍ“؛ أيْ: بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُ الأمْرُ؛ و”صَدَّقَهُ تَصْدِيقًا“؛ ضِدَّ كَذَّبَهُ؛ و”الوَحْشِيُّ“: عَدا ولَمْ يَلْتَفِتْ لِما حَمَلَ عَلَيْهِ؛ و”المُصْدَقُ“؛ كَـ ”مُحْدَثٌ“: آخِذُ الصَّدَقاتِ؛ و”المُتَصَدِّقُ“: مُعْطِيها.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ ضالًّا؛ كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ خارِجٌ عَنِ الإرادَةِ؛ فَنَفى هَذا التَّوَهُّمَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَن شاءَ هَداهُ قَصْدَ السَّبِيلِ؛ ومَن شاءَ أسْلَكَهُ الجائِرَ“؛ وهو قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ (p-١١٦)مِنَ الهِدايَةِ والإضْلالِ -: ﴿ولَوْ شاءَ﴾؛ هِدايَتَكُمْ؛ ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قُلُوبِكُمْ؛ بَعْدَ بَيانِ الطَّرِيقِ القَصْدِ؛ ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ فَجَعَلَكم قِسْمَيْنِ.
النحل 16:10
ولَمّا كانَ ما مَضى كَفِيلًا بِبَيانِ أنَّهُ الواحِدُ المُخْتارُ؛ شَرَعَ يُوَضِّحُ ذَلِكَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ إيضاحًا يَدَعُهُ في أتَمِّ انْكِشافٍ في سِياقٍ مُعَدِّدٍ لِلنِّعَمِ؛ مُذَكِّرٍ بِها؛ داعٍ إلى شُكْرِها؛ فَقالَ - بَعْدَ ما دَلَّ بِهِ؛ مِنَ الإنْسانِ؛ وما يَلِيهِ في الشَّرَفِ مِنَ الحَيَوانِ؛ مُبْتَدِئًا بِما يَلِيهِما في الشَّرَفِ مِنَ النَّباتِ؛ الَّذِي هو قِوامُ حَياةِ الإنْسانِ؛ وما بِهِ قِوامُ حَياتِهِ مِنَ الحَيَوانِ -: ﴿هُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ مِمّا تُدَّعى فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾؛ أيْ: بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ قِيلَ: نَفْسِها؛ وقِيلَ: جِهَتِها؛ وقِيلَ: السَّحابِ - كَما هو مُشاهَدٌ -؛ ﴿ماءً﴾؛ أيْ: واحِدًا تُحِسُّونَهُ بِالذَّوْقِ؛ والبَصَرِ؛ ﴿لَكم مِنهُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿شَرابٌ﴾؛ ظاهِرٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ مِنَ العُيُونِ؛ والأنْهارِ؛ والغُدْرانِ؛ وغَيْرِها. (p-١١٧)ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُقِيمُ الآدَمِيَّ شَرابَ اللَّبَنِ النّاشِئِ عَنِ الماءِ؛ فَقَدَّمَهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ مِنهُ أشْرَفُ أغْذِيَتِهِ؛ وهو الحَيَوانِيُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِنهُ شَجَرٌ﴾؛ لِسَرَيانِهِ في الأرْضِ الواحِدَةِ؛ واخْتِلاطِهِ بِها؛ فَيَنْعَقِدُ مِن ذَلِكَ نَباتٌ؛ ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾؛ أيْ: تَرْعَوْنَ؛ عَلى سَبِيلِ الإطْلاقِ؛ لَيْلًا ونَهارًا؛ ما خَلَقَ لَكم مِنَ البَهائِمِ؛ والشَّجَرُ هُنا - بِما أفْهَمَتْهُ الإسامَةُ - عامٌّ لِما يَبْقى في الشِّتاءِ حَقِيقَةً؛ ولِغَيْرِهِ مَجازًا؛ قالَ القَزّازُ: ”الشَّجَرُ“: ما بَقِيَ لَهُ ساقٌ في الشِّتاءِ إلى الصَّيْفِ؛ ثُمَّ يُورِقُ؛ و”البَقْلُ“: ما لا يَبْقى لَهُ ساقٌ؛ قالَ الخَلِيلُ: ”جِلُّ الشَّجَرِ“: عِظامُهُ؛ وما يَبْقى مِنهُ في الشِّتاءِ؛ و”دِقُّهُ“؛ صِنْفانِ؛ أحَدُهُما تَبْقى لَهُ أرُومَةٌ في الأرْضِ في الشِّتاءِ؛ ويَنْبُتُ في الرَّبِيعِ؛ ومِنهُ ما يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ كَما تَنْبُتُ البَقْلَةُ؛ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ البَقْلِ أنَّ الشَّجَرَ يَبْقى لَهُ أرُومَةٌ عَلى الشِّتاءِ؛ ولا يَبْقى لِلْبَقْلِ؛ وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّباتَ ثَلاثَةُ أقْسامٍ: شَجَرٌ؛ وهو ما يَبْقى في الشِّتاءِ؛ ولا يَذْهَبُ فَرْعُهُ؛ ولا أصْلُهُ؛ وما نَبَتَ في بَزْرٍ؛ ولَمْ يَنْبُتْ في أرُومَةٍ ثابِتَةٍ؛ فَهو البَقْلُ؛ وما نَبَتَ في أرُومَةٍ - أيْ: أصْلٍ - وكانَ مِمّا يَهْلِكُ فَرْعُهُ وأصْلُهُ في الشِّتاءِ؛ فَهو الجَنْبَةُ؛ لِأنَّهُ فارِقُ الشَّجَرِ الَّذِي (p-١١٨)يَبْقى فَرْعُهُ وأصْلُهُ؛ و”البَقْلُ“: الَّذِي يَبِيدُ فَرْعُهُ وأصْلُهُ؛ فَكانَ جَنْبَةً بَيْنَهُما.
النحل 16:11
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ عامًّا؛ شَرَعَ - سُبْحانَهُ - يَفْصِلُهُ تَنْوِيعًا لِلنِّعَمِ؛ وتَذْكِيرًا بِالتَّفاوُتِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الفِعْلَ بِالِاخْتِيارِ؛ فَقالَ - مُبْتَدِئًا بِالأنْفَعِ في القُوتِيَّةِ؛ والِائْتِدامِ؛ والتَّفَكُّهِ -: ﴿يُنْبِتُ﴾؛ أيْ: هو - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿بِهِ﴾؛ مَعَ كَوْنِهِ واحِدًا في أرْضٍ واحِدَةٍ؛ ﴿الزَّرْعَ﴾؛ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ؛ مِن أقَلِّ الشَّجَرِ مُكْثًا؛ وأصْغَرِهِ قَدْرًا؛ ﴿والزَّيْتُونَ﴾؛ الَّذِي تَرَوْنَهُ؛ مِن أطْوَلِ الأشْجارِ عُمْرًا؛ وأعْظَمِها قَدْرًا.
ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ كَثِيرَةً في شَجَرِ التَّمْرِ؛ سَمّاهُ بِاسْمِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والنَّخِيلَ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَنفَعَةُ في الكَرْمِ بِغَيْرِ ثَمَرَتِهِ تافِهَةً؛ قالَ (تَعالى): ﴿والأعْنابَ﴾؛ وهُما مِن أوْسَطِ ذَلِكَ؛ ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ وأمّا كُلُّها فَلا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ؛ وهَذا الَّذِي في الأرْضِ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ الكُلِّ؛ مُذَكِّرٌ بِهِ؛ ومُشَوِّقٌ إلَيْهِ؛ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الماءِ العَظِيمِ؛ المُحَدَّثِ عَنْهُ؛ وعَنْ فُرُوعِهِ؛ أوْ في إنْزالِهِ عَلى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ بَيِّنَةً؛ عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ تامُّ القُدْرَةِ؛ يَقْدِرُ عَلى الإعادَةِ؛ كَما قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ؛ (p-١١٩)وأنَّهُ مُخْتارٌ؛ يَفْعَلُ ذَلِكَ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمَّنْ يُحِسُّ؛ وكانَ شُغْلُ الحَواسِّ بِمَنفَعَتِهِ - لِقُرْبِهِ؛ وسُهُولَةِ مُلابَسَتِهِ - رُبَّما شَغَلَ عَنِ الفِكْرِ في المُرادِ بِهِ؛ فَكانَ التَّفَطُّنُ لِدَلالَتِهِ يَحْتاجُ إلى فَضْلِ تَأمُّلٍ؛ ودِقَّةِ نَظَرٍ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في أنَّ وحْدَتَهُ؛ وكَثْرَةَ ما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ؛ دَلِيلٌ عَلى وحْدَةِ صانِعِهِ؛ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ وأفْرَدَ الآيَةَ لِوَحْدَةِ المُحَدَّثِ عَنْهُ؛ وهو الماءُ - كَما قالَ (تَعالى) - في آيَةِ: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤]؛ وسَيَأْتِي في آيَةِ النَّحْلِ كَلامُ الإمامِ أبِي الحَسَنِ الحَرالِّيِّ في هَذا.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ السُّورَةُ في التِحامِها بِسُورَةِ ”الحِجْرِ“؛ مِثْلُ ”الحِجْرِ“ بِسُورَةِ ”إبْراهِيمَ“؛ مِن غَيْرِ فارِقٍ؛ لَمّا قالَ (تَعالى): ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]؛ وقالَ (تَعالى) - بَعْدَ ذَلِكَ في وعِيدِ المُسْتَهْزِئِينَ -: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٩٦]؛ أعْقَبَ هَذا بِبَيانِ تَعْجِيلِ الأمْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]؛ وزادَ هَذا بَيانًا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١]؛ فَنَزَّهَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ عَمّا فاهُوا بِهِ في اسْتِهْزائِهِمْ؛ وشِرْكِهِمْ؛ وعَظِيمِ بُهْتِهِمْ؛ وأتْبَعُ ذَلِكَ تَنْزِيهًا وتَعْظِيمًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿خَلَقَ السَّماواتِ (p-١٢٠)والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣]؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ ابْتِداءِ خَلْقِ الإنْسانِ؛ وضَعْفِ جِبِلَّتِهِ؛ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]؛ ثُمَّ أبْلَغَهُ (تَعالى) حَدًّا يَكُونُ فِيهِ الخِصامُ والمُحاجَّةُ؛ كُلُّ ذَلِكَ ابْتِلاءً مِنهُ؛ واخْتِبارًا؛ لِيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ؛ وأعْقَبَ هَذا بِذِكْرِ بَعْضِ ألْطافِهِ في خَلْقِ الأنْعامِ؛ وما جَعَلَ فِيها مِنَ المَنافِعِ المُخْتَلِفَةِ؛ وما هو - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ مِنَ الرَّأْفَةِ؛ والرَّحْمَةِ؛ اللَّتَيْنِ بِهِما أخَّرَ العُقُوبَةَ عَنْ مُسْتَوْجِبِها؛ وهَدى مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ الهِدايَةَ بِذاتِهِ؛ بَلْ كُلُّ هِدايَةٍ فَبِرَأْفَةِ الخالِقِ؛ ورَحْمَتِهِ؛ ثُمَّ أعْقَبَ ما ذَكَرَهُ بَعْدُ؛ مِن خَلْقِ الخَيْلِ؛ والبِغالِ؛ والحَمِيرِ؛ وما في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [النحل: ٩]؛ فَبَيَّنَ أنَّ كُلَّ الواقِعِ؛ مِن هِدايَةٍ وضَلالٍ؛ خَلْقُهُ وفِعْلُهُ؛ وأنَّهُ أوْجَدَ الكُلَّ مِن واحِدٍ؛ وابْتَدَأهُمُ ابْتِداءً واحِدًا؛ ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ [النحل: ٤]؛ فَلا بُعْدَ في اخْتِلافِ غاياتِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أرانا - سُبْحانَهُ - مِثالَ هَذا الفِعْلِ؛ ونَظِيرَهُ؛ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ﴾ [النحل: ١٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ انْتَهى.
النحل 16:12
(p-١٢١)ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ بَعْضُ الضُّلّالِ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مُسْتَنِدَةٌ إلى تَأْثِيرِ الأفْلاكِ؛ نَبَّهَ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ؛ بِكَوْنِها مُتَغَيِّرَةً؛ فَلا بُدَّ لَها مِن قاهِرٍ أثَّرَ فِيها التَّغَيُّرَ؛ ولا يَزالُ الأمْرُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى واحِدٍ؛ قَدِيمٍ؛ فاعِلٍ بِالِاخْتِيارِ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن بُطْلانِ التَّسَلْسُلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ لِإصْلاحِ أحْوالِكُمْ؛ ﴿اللَّيْلَ﴾؛ لِلسُّكْنى؛ ﴿والنَّهارَ﴾؛ لِلِابْتِغاءِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ آيَةَ النَّهارِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والشَّمْسَ﴾؛ أيْ: لِمَنافِعَ اخْتَصَّها بِها؛ ثُمَّ ذَكَرَ آيَةَ اللَّيْلِ؛ فَقالَ: ﴿والقَمَرَ﴾؛ لِأُمُورٍ عَلَّقَها بِهِ؛ ﴿والنُّجُومُ﴾؛ أيْ: لِآياتٍ نَصَبَها لَها؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى تَغَيُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿مُسَخَّراتٌ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ التَّغَيُّرِ لِما خَلَقَها لَهُ؛ عَلى أوْضاعٍ دَبَّرَها؛ ﴿بِأمْرِهِ﴾؛ سَبَبًا لِصَلاحِكُمْ؛ وصَلاحِ ما بِهِ قِوامُكُمْ؛ دَلالَةً عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ ولَوْ شاءَ لَأقامَ أسْبابًا غَيْرَها؛ أوْ أغْنى عَنِ الأسْبابِ.
ولَمّا كانَ أمْرُها - مَعَ كَوْنِهِ مَحْسُوسًا - لَيْسَ فِيهِ مِنَ المَنافِعِ القَرِيبَةِ الأمْرِ؛ السَّهْلَةِ المُلابَسَةِ ما يَشْغَلُ عَنِ الفِكْرِ فِيهِ؛ لَمْ يُحِلْ أمْرَهُ إلى غَيْرِ مُطْلَقِ العَقْلِ؛ إشارَةً إلى وُضُوحِهِ؛ وإنْ كانَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اسْتِعْمالِ القُوَّةِ المُفَكِّرَةِ؛ ولِأنَّ الآثارَ العُلْوِيَّةَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ؛ وأبْيَنُ شَهادَةٍ لِلْكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: التَّسْخِيرِ (p-١٢٢)العَظِيمِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: كَثِيرَةً؛ مُتَعَدِّدَةً؛ عَظِيمَةً؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ وجَمَعَ الآياتِ لِظُهُورِ تَعْدادِها بِالتَّحْدِيثِ عَنْها مُفَصَّلَةً.
النحل 16:13
ولَمّا كانَ ما مَضى مَوْضِعًا لِلتَّفَكُّرِ المُنْتِجِ لِلْعِلْمِ بِوَحْدَةِ الصّانِعِ؛ واخْتِيارِهِ؛ وكانَ التَّفَكُّرُ في ذَلِكَ مُذَكِّرًا بِما بَعْدَهُ مِن سِرِّ التَّفاوُتِ في اللَّوْنِ الَّذِي لا يُمْكِنُ ضَبْطُ أصْنافِهِ عَلى التَّحْرِيرِ؛ وكانَ في ذَلِكَ تَمامُ إبْطالِ القَوْلِ بِتَأْثِيرِ الأفْلاكِ والطَّبائِعِ؛ لِأنَّ نِسْبَتَها إلى جَمِيعِ أجْزاءِ الوَرَقَةِ الواحِدَةِ؛ والحَبَّةِ الواحِدَةِ؛ واحِدَةٌ؛ قالَ (تَعالى) - عَطْفًا عَلى ”اللَّيْلَ“ -: ﴿وما ذَرَأ﴾؛ أيْ: خَلَقَ؛ وبَثَّ؛ وفَرَّقَ التُّرابَ والماءَ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ فاشْكُرُوهُ؛ واعْلَمُوا أنَّهُ ما خَصَّكم بِهَذا التَّدْبِيرِ العَظِيمِ إلّا لِحِكَمٍ كَبِيرَةٍ؛ أجَلُّها إظْهارُ جَلالِهِ يَوْمَ الفَصْلِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: مِمّا ذَكَرَ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾؛ حَتّى في الوَرَقَةِ الواحِدَةِ؛ فَتَرى أحَدَ وجْهَيْها - بَلْ بَعْضَهُ - في غايَةِ الحُمْرَةِ؛ والآخَرَ في غايَةِ السَّوادِ؛ أوِ الصُّفْرَةِ؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَوْ كانَ المُؤَثِّرُ مُوجِبًا بِالذّاتِ لامْتَنَعَ حُصُولُ هَذا التَّفاوُتِ في الآثارِ؛ فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ إنَّما هو قادِرٌ؛ مُخْتارٌ؛ ولَمْ يَذْكُرِ (p-١٢٣)اخْتِلافَ الصُّوَرِ؛ لِأنَّ دَلالَتَها - لِأجْلِ اخْتِلافِ أشْكالِ النُّجُومِ؛ مِنَ السَّماءِ؛ وصُوَرِ الجِبالِ؛ والرَّوابِي؛ والوِهادِ مِنَ الأرْضِ - لَيْسَتْ عَلى إبْطالِ الطَّبِيعَةِ كَدَلالَةِ اخْتِلافِ اللَّوْنِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ - وإنْ كانَ خارِجًا عَنِ الحَدِّ في الِانْتِشارِ - واحِدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ لَوْنًا؛ وحَّدَ الآيَةَ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ الَّذِي ذَرَأهُ في هَذِهِ الحالِ؛ عَلى هَذا الوَجْهِ العَظِيمِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ ولَمّا نَبَّهَ في الَّتِي قَبْلَها عَلى أنَّ الأمْرَ وصَلَ في الوُضُوحِ إلى حَدٍّ لا يُحْتاجُ مَعَهُ إلى غَيْرِ بَدِيهَةِ العَقْلِ؛ نَبَّهَ هُنا عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ طَرَأ عَلَيْهِ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ؛ حَثًّا عَلى بَذْلِ الجُهْدِ في تَأمُّلِ ذَلِكَ؛ وإشارَةً إلى أنَّ دَلالَتَهُ عَلى المَقْصُودِ في غايَةِ الوُضُوحِ؛ فَقالَ: ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾؛ ولَوْ لَمْ يُمْعِنُوا؛ بِما أفادَهُ الإدْغامُ؛ و”التَّذَكُّرُ“: طَلَبُ المَعْنى بِالتَّفَكُّرِ في مُتَعَلِّقِهِ؛ فَلا بُدَّ مِن حُضُورِ مَعْنًى يُطْلَبُ بِهِ غَيْرُهُ؛ وقَدْ رَتَّبَ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ أبْدَعَ تَرْتِيبٍ؛ فَذَكَرَ الأجْسامَ المُرَكَّبَةَ عُمُومًا؛ ثُمَّ خَصَّ الحَيَوانَ؛ ثُمَّ مُطْلَقَ الجِسْمِ النّامِي؛ وهو النَّباتُ؛ ثُمَّ البَسائِطَ؛ مِنَ الماءِ ونَحْوِهِ؛ ثُمَّ الأعْراضَ؛ مِنَ الألْوانِ.
النحل 16:14
ولَمّا دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ - سُبْحانَهُ - دَلالَةً عَلى القُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ؛ لا سِيَّما السّاعَةَ؛ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ الَّذِي هو أكْبَرُ (p-١٢٤)مِن خَلْقِ النّاسِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ ما في المَكْشُوفِ مِنَ الأرْضِ؛ المُحِيطَ بِهِ الهَواءُ؛ مِنَ التَّفاوُتِ الدّالِّ عَلى تَفَرُّدِ الصّانِعِ؛ واخْتِيارِهِ؛ وخَتَمَهُ بِاللَّوْنِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالمَغْمُورِ بِالماءِ؛ الَّذِي لا لَوْنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ ضِمْنَهُ - مِنَ المَنافِعِ والحَيَواناتِ؛ الَّتِي لَها مِنَ المَقادِيرِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ والأشْكالِ؛ والألْوانِ البَدِيعَةِ التَّخْطِيطِ؛ الغَرِيبَةِ الصِّباغِ - ما هو أدَلُّ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ؛ ﴿الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ﴾؛ أيْ: ذَلَّلَهُ؛ وهَيَّأهُ لِعَيْشِ ما فِيهِ مِنَ الحَيَوانِ؛ وتَكَوُّنِ الجَواهِرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ؛ والمُرادُ بِهِ السَّبْعَةُ الأبْحُرُ الكائِنَةُ في الرُّبْعِ المُرْتَفِعِ عَنِ الماءِ؛ وهو المَسْكُونُ مِن كُرَةِ الأرْضِ؛ المادَّةِ مِنَ البَحْرِ المُحِيطِ الغامِرِ لِثَلاثَةِ أرْباعِ الأرْضِ؛ فَجَعَلَهُ بِالتَّسْخِيرِ؛ بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ النّاسُ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ بِالرُّكُوبِ؛ والغَوْصِ؛ وغَيْرِهِما؛ ﴿لِتَأْكُلُوا مِنهُ﴾؛ أيْ: بِالِاصْطِيادِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن لُحُومِ الأسْماكِ؛ ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ لا تَجِدُ أنْعَمَ مِنهُ؛ ولا ألْيَنَ؛ وهو أرْطَبُ اللُّحُومِ؛ فَيُسْرِعُ إلَيْهِ الفَسادُ؛ فَيُبادَرُ إلى أكْلِهِ عَذْبًا لَذِيذًا؛ مَعَ نَشْبِهِ في مِلْحٍ زُعاقٍ؛ ﴿وتَسْتَخْرِجُوا مِنهُ﴾؛ أيْ: بِجُهْدِكم في الغَوْصِ؛ وما يَتْبَعُهُ؛ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ (p-١٢٥)أيْ: نِساؤُكُمْ؛ وهُنَّ بَعْضُكم لَكُمْ؛ فَكَأنَّ اللّابِسَ أنْتُمْ؛ وهي مِنَ الحِجارَةِ الَّتِي لا تَرى أصْلَبَ مِنها؛ ولا أصْفى؛ مِنَ اللُّؤْلُؤِ؛ وكَذا مِنَ المَرْجانِ؛ وغَيْرِهِ؛ مَعَ نِسْبَةِ هَذا الصُّلْبِ؛ وذاكَ الطَّرِيِّ؛ إلى الماءِ؛ فَلَوْ أنَّهُ فاعِلٌ بِطَبْعِهِ لاسْتَوَيا.
ولَمّا ذَكَرَ المَنافِعَ العامَّةَ؛ مُخاطِبًا لَهم بِها؛ وكانَ المَخْرُ - وهو أنْ تَجْرِيَ السَّفِينَةُ مُسْتَقْبِلَةً الرِّيحَ؛ فَتَشُقَّ الماءَ؛ فَيُسْمَعَ لِجَرْيِها صَوْتٌ مُعْجِبٌ؛ وذَلِكَ مَعَ الحِمْلِ الثَّقِيلِ - آيَةً عَظِيمَةً؛ لا يَتَأمَّلُها إلّا أرْبابُ القُلُوبِ؛ خَصَّ بِالخِطابِ أعْلى أُولِي الألْبابِ؛ ومَن قارَبَهُ في ابْتِغاءِ الصَّوابِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى تَعْدادِ النِّعَمِ هُنا أتَمَّ مِنهُ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“؛ قَدَّمَ المَخْرَ في قَوْلِهِ: ﴿مَواخِرَ فِيهِ﴾؛ أيْ: جَوارِيَ تَشُقُّ الماءَ مَعَ صَوْتٍ؛ لِتَرْكَبُوها؛ فَتَسْتَدِلُّوا - بِعَدَمِ رُسُوبِها فِيهِ؛ مَعَ مُيُوعِهِ؛ ورِقَّتِهِ؛ وشِدَّةِ لَطافَتِهِ - عَلى وحْدانِيَّةِ الإلَهِ؛ وقُدْرَتِهِ.
ولَمّا عَلَّلَ التَّسْخِيرَ بِمَنفَعَةِ البَحْرِ نَفْسِهِ؛ مِنَ الأكْلِ وما تَبِعَهُ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ النَّفْعِ بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِتَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا (p-١٢٦)طَلَبًا عَظِيمًا بِرُكُوبِهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِالتَّوَصُّلِ بِها إلى البُلْدانِ الشّاسِعَةِ لِلْمَتاجِرِ وغَيْرِها؛ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي أنْتُمْ عاجِزُونَ عَنْها لَوْلا تَسْخِيرُهُ؛ و”المَخْرُ“: شَقُّ الماءِ عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ؛ وهو أيْضًا صَوْتُ هُبُوبِ الرِّيحِ؛ إذا اشْتَدَّ هُبُوبُها؛ وقَدِ ابْتُدِئَ فِيهِ بِما يَغُوصُ تارَةً؛ ويَطِفُّ أُخْرى بِالِاخْتِيارِ؛ وثَنّى بِما طَبْعُهُ الرُّسُوبُ؛ وثَلَّثَ بِما مِن طَبْعِهِ الطُّفُوفُ.
النحل 16:15
ولَما ذَكَرَ الأغْوارَ الهابِطَةَ؛ الضّابِطَةَ لِلْبِحارِ؛ أتْبَعَها الأنْجادَ الشِّدادَ؛ الَّتِي هي كالأوْتادِ؛ تَذْكِيرًا بِما فِيها مِنَ النِّعَمِ؛ فَقالَ: ﴿وألْقى في الأرْضِ﴾؛ أيْ: وضَعَ فِيها وضْعًا؛ كَأنَّهُ قَذَفَهُ فِيها قَذْفًا؛ جِبالًا؛ ﴿رَواسِيَ﴾؛ مُماسَّةً لَها؛ ومُزَيِّنَةً لِنَواحِيها؛ كَراهَةَ ﴿أنْ تَمِيدَ﴾؛ أيْ: تَمِيلَ مُضْطَرِبَةً يَمِينًا وشِمالًا؛ أيْ: فَيَحْصُلَ لَكُمُ المَيْدُ؛ وهو دُوارٌ يَعْتَرِي راكِبَ البَحْرِ؛ ﴿بِكُمْ﴾؛ فَهي ثابِتَةٌ لِأجْلِ ذَلِكَ الإلْقاءِ؛ ثابِتَةٌ مَعَ اقْتِضائِها بِالكُرِّيَّةِ التَّحَرُّكَ.
ولَمّا ذَكَرَ الأوْهادَ؛ وأتْبَعَها الأوْتادَ؛ تَلاها بِما تَفَجُّرُهُ غالِبًا مِنها؛ عاطِفًا عَلى ”رَواسِيَ“؛ لِما تَضَمَّنَهُ العامِلُ مِن مَعْنى ”جَعَلَ“؛ فَقالَ: ﴿وأنْهارًا﴾؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ثَباتِ الأرْضِ ما سَبَقَها مِن ذِكْرِ البِحارِ؛ ولَحِقَها مِنَ الحَدِيثِ عَنِ الأنْهارِ؛ فَإنَّها لَوْ تَحَرَّكَتْ؛ ولَوْ بِمِقْدارِ شَعْرَةٍ في كُلِّ يَوْمٍ؛ لَأغْرَقَتِ البِحارُ مَن إلى جانِبِ الِانْخِفاضِ؛ وتَعاكَسَتْ مَجارِي الأنْهارُ؛ (p-١٢٧)فَعادَتْ مَنافِعُها أشَدَّ المَضارِّ؛ ولَوْ زادَتِ البِحارُ؛ بِما تَصُبُّ فِيها الأنْهارُ؛ عَلى مَرِّ اللَّيْلِ؛ وكَرِّ النَّهارِ؛ لَأغْرَقَتِ الأرْضَ؛ ولَكِنَّهُ (تَعالى) دَبَّرَ الأمْرَ بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيرًا تَعْجِزُ عَنْ الِاطِّلاعِ عَلى كُنْهِهِ أفْكارُ الحُكَماءِ؛ بِأنْ سَلَّطَ حَرارَةَ الشَّمْسِ عَلى الأرْضِ في جَمِيعِ مُدَّةِ الصَّيْفِ؛ وبَعْضِ غَيْرِهِ مِنَ الفُصُولِ؛ فَسَرَتْ في أغْوارِها؛ وحَمِيَتْ في أعْماقِها في الشِّتاءِ؛ فَأسْخَنَتْ مِياهَ البِحارِ وغَيْرَها؛ فَتَصاعَدَتْ مِنها بُخاراتٌ؛ كَما يَتَصاعَدُ مِنَ القِدْرِ المَغْلِيِّ؛ بِقَدْرِ ما صَبَّتْ فِيها الأنْهارُ؛ فانْعَقَدَتْ تِلْكَ البُخاراتُ في الجَوِّ مِياهًا لَمّا بَرُدَتْ؛ فَنَزَلَ مِنها المَطَرُ؛ فَأحْيا الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها؛ وتَخَلَّلَ أعْماقَها مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ؛ فَأمَدَّ الأنْهارَ؛ ولِذَلِكَ تَزِيدُ بِزِيادَةِ المَطَرِ؛ وتَنْقُصُ بِنَقْصِهِ؛ وهَكَذا في كُلِّ عامٍ؛ فَأوْجَبَ ذَلِكَ بَقاءَ البَحْرِ عَلى حالِهِ؛ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ؛ فَسُبْحانَ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ العَزِيزِ العَلِيمِ؛ ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ؛ أتْبَعَهُ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَنافِعِ كُلٍّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسُبُلا﴾
ولَمّا كانَتِ الجِبالُ؛ والبِحارُ؛ والأنْهارُ أدِلَّةً عَلى السُّبُلِ الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ الِاهْتِداءُ؛ فَتَهْتَدُوا إلى مَقاصِدِكم.
النحل 16:16
ولَمّا كانَتِ الأدِلَّةُ في الأرْضِ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ فِيها؛ قالَ: ﴿وعَلاماتٍ﴾؛ (p-١٢٨)أيْ: مِنَ الجِبالِ وغَيْرِها؛ جَمْعُ ”عَلامَةٌ“؛ وهي صُورَةٌ يُعْلَمُ بِها المَعْنى؛ مِن خَطٍّ؛ أوْ لَفْظٍ؛ أوْ إشارَةٍ؛ أوْ هَيْئَةٍ؛ وقَدْ تَكُونُ عَلامَةً وضْعِيَّةً؛ وقَدْ تَكُونُ بُرْهانِيَّةً.
ولَمّا كانَتِ الدَّلالَةُ بِالنَّجْمِ أنْفَعَ الدَّلالاتِ وأعَمَّها؛ وأوْضَحَها بَرًّا؛ وبَحْرًا؛ لَيْلًا ونَهارًا؛ نَبَّهَ عَلى عِظَمِها بِالِالتِفاتِ إلى مَقامِ الغَيْبَةِ؛ لِإفْهامِ العُمُومِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُخاطَبَ مَخْصُوصٌ؛ وأنَّ الأمْرَ لا يَتَعَدّاهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وبِالنَّجْمِ هُمْ﴾؛ أيْ: أهْلُ الأرْضِ كُلُّهُمْ؛ وأوْلى النّاسِ بِذَلِكَ أوَّلُ المُخاطَبِينَ؛ وهم قُرَيْشٌ؛ ثُمَّ العَرَبُ كُلُّها؛ لِفَرْطِ مَعْرِفَتِهِمْ بِالنُّجُومِ؛ ﴿يَهْتَدُونَ﴾؛ وقَدَّمَ الجارَّ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ دَلالَةَ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سافِلَةٌ.
النحل 16:17
ولَمّا لَمْ يَبْقَ - بِذِكْرِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ عَلى الوَجْهِ الأكْمَلِ؛ والتَّرْتِيبِ الأحْسَنِ؛ والنَّظْمِ الأبْلَغِ - شُبْهَةٌ في أنَّ الخالِقَ إنَّما هو اللَّهُ؛ لِما ثَبَتَ مِن وحْدانِيَّتِهِ؛ وتَمامِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ وكَمالِ حِكْمَتِهِ؛ لِجَعْلِهِ تِلْكَ (p-١٢٩)الدَّلائِلَ نِعَمًا عامَّةً؛ ومِنَنًا تامَّةً؛ مَعَ اتِّضاحِ العَجْزِ في كُلِّ ما يَدَّعُونَ فِيهِ الإلَهِيَّةَ مِن دُونِهِ؛ واتِّضاحِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - في جَمِيعِ صُنْعِهِ مُخْتارٌ؛ لِلْمُفاوَتَةِ في الوُجُودِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ بَيْنَ ما لا مُقْتَضى لِلتَّفاوُتِ فِيهِ غَيْرُ الِاخْتِيارِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِما يُرِيدُ؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُ ذَلِكَ حَيْثُ أرادَ؛ ومَتى أرادَ؛ فَلا يُمْكِنُ عَجْزُهُ بِوَجْهٍ؛ لِتَمَكُّنِ شَرِكَتِهِ؛ ﴿كَمَن﴾؛ شَرِكَتُهُ مُمْكِنَةٌ؛ فَهو أصْلٌ في ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ أنَّهُ ﴿لا يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ ذَلِكَ مِنهُ وقْتًا ما؛ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ في العَجْزِ عَنِ الإتْيانِ بِما يَقُولُهُ؛ المُسْتَلْزِمِ لِأنْ يَكُونَ مُمْكِنًا مَخْلُوقًا؛ ولَوْ كانَ التَّشْبِيهُ مَعْكُوسًا - كَما قِيلَ - لَمْ يُفِدْ ما أفادَ هَذا التَّقْدِيرُ مِنَ الإبْلاغِ في ذَمِّهِمْ؛ بِإنْزالِ الأعْلى عَنْ دَرَجَتِهِ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مَن“؛ لِأنَّهم سَمَّوْها آلِهَةً؛ وأنْهى أمْرِها أنْ تَكُونَ عاقِلَةً؛ فَإذا انْتَفى عَنْها وصْفُ الإلَهِيَّةِ مَعَهُ لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ انْتَفى بِدُونِهِ مِن بابِ الأوْلى.
ولَمّا سَبَّبَ عَنْ هَذِهِ الأدِلَّةِ إنْكارَ تَسْوِيَتِهِمُ الخالِقَ بِغَيْرِهِ في العَجْزِ؛ (p-١٣٠)سَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ إنْكارَ تَذَكُّرِهِمْ؛ حَثًّا لَهم عَلى التَّذَكُّرِ المُفِيدِ لِتَرْكِ الشِّرْكِ؛ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ بِما تُشاهِدُونَهُ مِن ذَلِكَ ولَوْ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ - بِما أفادَهُ الإدْغامُ - لِتَذْكُرُوا ما يَحِقُّ اعْتِقادُهُ.
النحل 16:18
ولَمّا كانَتِ المَقْدُوراتُ لا تُحْصَرُ؛ وأكْثَرُها نِعَمٌ عَلى العِبادِ؛ مُذَكِّرَةٌ لَهم بِخالِقِهِمْ؛ قالَ (تَعالى) - مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ بِإحْسانِهِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مِنهم -: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾؛ أيْ: كُلُّكُمْ؛ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إنْعامَ المَلِكِ؛ الَّذِي لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ عَلَيْكُمْ؛ وإنْ كانَ في واحِدَةٍ؛ فَإنَّ شُعَبَها تَفُوتُ الحَصْرَ؛ ﴿لا تُحْصُوها﴾؛ أيْ: لا تَضْبِطُوا عَدَدَها؛ ولا تَبْلُغُهُ طاقَتُكُمْ؛ مَعَ كُفْرِها وإعْراضِكم جُمْلَةً عَنْ شُكْرِها؛ فَلَوْ شَكَرْتُمْ لَزادَكم مِن فَضْلِهِ.
ولَمّا كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِسَلْبِ النِّعَمِ بِالإعْراضِ عَنِ التَّذَكُّرِ؛ والعَمى عَنِ التَّبَصُّرِ؛ أشارَ إلى سَبَبِ إدْرارِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ والِانْتِقامِ؛ ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فَلِذَلِكَ هو يُدِرُّ عَلَيْكم نِعَمَهُ؛ وأنْتُمْ مُنْهَمِكُونَ فِيما يُوجِبُ نِقَمَهُ.
النحل 16:19
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المَكْفُورَ إحْسانُهُ يُبادِرُ إلى قَطْعِهِ عِنْدَ عِلْمِهِ بِالكُفْرِ؛ فَكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ سَبَبَ مُواتَرَةِ الإحْسانِ عَدَمُ العِلْمِ بِالكُفْرانِ؛ أوْ عَدَمُ العِلْمِ بِكُفْرانٍ؛ لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَغْفِرَةِ؛ قالَ (p-١٣١)- مُهَدِّدًا؛ مُبْرِزًا لِلضَّمِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ لِلْفَصْلِ بِالفَرْقِ بَيْنَ الخالِقِ وغَيْرِهِ؛ ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَقَيُّدُ التَّهْدِيدِ بِحَيْثِيَّةِ المَغْفِرَةِ؛ إيماءً إلى أنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ ما مَضى -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ والِانْتِقامِ؛ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أيْ: عَلى الإطْلاقِ؛ ﴿ما تُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُ؛ ولَمّا كانَ الإسْرارُ رُبَّما حُمِلَ عَلى حالَةِ الخَلْوَةِ؛ فَلَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ دالًّا عَلى الإعْلانِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وما تُعْلِنُونَ﴾؛ لِيُعْلَمَ مِقْدارُ المُضاعَفَةِ لِمُوجِباتِ الشُّكْرِ؛ وقَباحَةِ الكُفْرِ؛ وأمّا الأصْنامُ فَلا تَعْلَمُ شَيْئًا فَلا أسْفَهَ مِمَّنْ عَبَدَها.
النحل 16:20
ولَمّا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ (تَعالى) كَمالَ القُدْرَةِ؛ وتَمامَ العِلْمِ؛ وأنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ؛ شَرَعَ يُقِيمُ الأدِلَّةَ عَلى بُعْدِ ما يُشْرِكُونَهُ بِهِ مِنَ الإلَهِيَّةِ؛ بِسَلْبِ تِلْكَ الصِّفاتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى مُدَّعٍ في شَيْءٍ أنَّهُ لا يَخْلُقُ؛ ولا يُخْلَقُ؛ قالَ: ﴿وهم يُخْلَقُونَ﴾
النحل 16:21
(p-١٣٢)ولَمّا كانَ مِنَ المَخْلُوقاتِ المَيِّتُ والحَيُّ؛ وكانَ المَيِّتُ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنْ صِفَةِ الإلَهِ؛ قالَ - نافِيًا عَنْها الحَياةَ؛ بَعْدَ أنْ نَفى القُدْرَةَ؛ والعِلْمَ؛ المُسْتَلْزِمَ لِأنْ يَكُونَ عَبَدَتُها أشْرَفَ مِنها؛ المُسْتَلْزِمَ لِأنَّهم بِخُضُوعِهِمْ لَها في غايَةِ السَّفَهِ -: ﴿أمْواتٌ﴾؛ ولَمّا كانَ الوَصْفُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ المُلْتَبِسِ بِهِ؛ مَجازًا عَنْ عَدَمِ نَفْعِهِ بِضِدِّهِ؛ وإنْ كانَ قائِمًا بِهِ؛ عَرِيقًا فِيهِ؛ قالَ: ﴿غَيْرُ أحْياءٍ﴾؛ مُبَيِّنًا أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ حَقِيقَةُ سَلْبِ الحَياةِ؛ عَلى ضِدِّ ما عَلَيْهِ اللَّهُ - ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ﴾ [الأعراف: ٥٤] - مِن كَوْنِهِ حَيًّا لا يَمُوتُ؛ ولَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلى وصْفِهِمْ - مَعَ أنَّهم مَواتٌ - بِأنَّهم أمْواتٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كافِيًا في المَقْصُودِ مِنَ السِّياقِ - وهو إبْعادُهم عَنِ الإلَهِيَّةِ - يَكُونُ صالِحًا لِكُلِّ مَخْلُوقٍ ادُّعِيَ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ وإنِ اتَّصَفَ بِالحَياةِ؛ لِأنَّ حَياتَهُ زائِلَةٌ يَعْقُبُها المَوْتُ؛ ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ بَعِيدًا عَنْ صِفَةِ الإلَهِيَّةِ.
ولَمّا كانُوا - مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ الأصْنامَ حِجارَةٌ لا حَياةَ لَها - يُخاطَبُونَ مِن أجْوافِها بِألْسِنَةِ الشَّياطِينِ - كَما هو مَذْكُورٌ في السِّيَرِ؛ وغَيْرِها مِنَ الكُتُبِ المُصَنَّفَةِ في هَواتِفِ الجانِّ؛ فَصارُوا يَظُنُّونَ أنَّ لَها عِلْمًا بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّها تَضُرُّ؛ وتَنْفَعُ؛ احْتِيجَ إلى نَفْيِ العِلْمِ عَنْها؛ ولَمّا كانُوا يُخْبَرُونَ عَلى ألْسِنَتِها بِبَعْضِ ما يَسْتَرِقُونَهُ مِنَ السَّمْعِ؛ (p-١٣٣)فَيَكُونُ كَما أخْبَرُوا؛ لَمْ يَنْفِ عَنْها مُطْلَقَ العِلْمِ؛ بَلْ نَفى ما لا عِلْمَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ بِهِ؛ لِأنَّهم لا يُخْبِرُونَ عَنْهُ بِخَبَرٍ إلّا بانَ كَذِبُهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - عادًّا لِلْبَعْثِ عِدادَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ -: ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ؛ كَما هو مَدْلُولُ ”ما“؛ ﴿أيّانَ﴾؛ أيْ: أيَّ حِينٍ؛ ﴿يُبْعَثُونَ﴾؛ فَنَفى عَنْهم مُطْلَقَ الشُّعُورِ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ العِلْمِ؛ فَيَنْتَفِي كُلُّ ما هو أخَصُّ مِنهُ.
النحل 16:22
ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ البَعْثِ قَدْ ثَبَتَ قِيامُها؛ واتَّضَحَتْ أعْلامُها؛ وعَلا مَنارُها؛ وانْتَشَرَتْ أنْوارُها؛ ساقَ الكَلامَ فِيها مَساقَ ما لا خِلافَ إلّا في العِلْمِ بِوَقْتِهِ؛ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى أصْلِهِ؛ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِ التَّكْلِيفِ؛ ولَمّا اتَّضَحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَجْزُ شُرَكائِهِمْ؛ أشارَ إلى أنَّ مَنشَأ العَجْزِ قَبُولُ التَّعَدُّدِ؛ إرْشادًا إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ لِأنَّهُ نَتِيجَةُ ما مَضى قَطْعًا -: ﴿إلَهُكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الخَلْقُ؛ كُلِّكُمُ؛ المَعْبُودُ بِحَقٍّ؛ ﴿إلَهٌ﴾؛ أيْ: مُتَّصِفٌ بِالإلَهِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ؛ وكُلِّ زَمانٍ؛ وكُلِّ مَكانٍ؛ ﴿واحِدٌ﴾؛ لا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ - الَّذِي هو مَثارُ النَّقْصِ - بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ التَّمانُعِ المُسْتَلْزِمِ لِلْعَجْزِ؛ المُسْتَلْزِمِ (p-١٣٤)لِلْبُعْدِ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ﴿فالَّذِينَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنَّ الَّذِينَ ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾؛ أيْ: دارِ الجَزاءِ؛ ومَحَلِّ إظْهارِ الحُكْمِ؛ الَّذِي هو ثَمَرَةُ المُلْكِ؛ والعَدْلِ؛ الَّذِي هو مَدارُ العَظْمَةِ؛ ﴿قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ﴾؛ أيْ: جاهِلَةٌ بِأنَّهُ واحِدٌ؛ لِما لَها مِنَ القَسْوَةِ؛ لا لِاشْتِباهِ الأمْرِ - لِما تَقَدَّمَ في ”هُودٍ“؛ مِن أنَّ مادَّةَ ”نَكَرَ“ تَدُورُ عَلى القُوَّةِ؛ وهي تَسْتَلْزِمُ الصَّلابَةَ؛ فَتَأْتِي القَسْوَةُ -؛ ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهم بِسَبَبِ إنْكارِ الآخِرَةِ؛ ﴿مُسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أيْ: صِفَتُهم الِاسْتِكْبارُ عَنْ كُلِّ ما لا يُوافِقُ أهْواءَهُمْ؛ وهو طَلَبُ التَّرَفُّعِ بِالِامْتِناعِ مِن قَبُولِ الحَقِّ أنَفَةً مِن أهْلِهِ؛ فَصارُوا بِذَلِكَ إلى حَدٍّ يَخْفى عَلَيْهِمْ مَعَهُ الشَّمْسُ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]؛ ورُبَّما دَلَّ ”مُسْتَكْبِرُونَ“؛ عَلى أنَّ ”مُنْكِرَةٌ“؛ بِمَعْنى: جاحِدَةٌ ما هي بِهِ عارِفَةٌ.
النحل 16:23
ولَمّا كانُوا - لِكَوْنِ الإنْسانِ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا - رُبَّما أنْكَرُوا الِاسْتِكْبارَ؛ وادَّعَوْا أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ لَأنابُوا؛ قالَ - عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: إنَّهم لا يَأْبَوْنَ اسْتِكْبارًا ما لا يَشُكُّونَ مَعَهُ في أنَّ هَذا كَلامُ اللَّهِ -: ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا ظَنَّ في ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ عِلْمًا غَيْبِيًّا؛ وشَهادِيًّا؛ ﴿ما يُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: (p-١٣٥)يُخْفُونَ مُطْلَقًا أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ النّاسِ؛ ولَمّا كانَ عِلْمُ السِّرِّ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الجَهْرِ - كَما مَضى غَيْرَ مَرَّةٍ - قالَ: ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾؛ فَهو ما أخْبَرَ بِذَلِكَ إلّا عَنْ أمْرٍ قَطْعِيٍّ لا يَقْبَلُ المِراءَ.
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ مَعْنى التَّهْدِيدِ؛ لِأنَّ المُرادَ: فَلَيُجازِيَنَّهم عَلى دِقِّ ذَلِكَ وجِلِّهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَغْفِرَ مِنهُ شَيْئًا - كَما يَأْتِي التَّصْرِيحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً﴾ [النحل: ٢٥] -؛ عَلَّلَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾؛ أيْ: العالِمَ بِالسِّرِّ؛ والعَلَنِ؛ ﴿لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾؛ أيْ: عَلى الحَقِّ؛ كائِنًا ما كانَ.
النحل 16:24
ولَمّا كانَ الطَّعْنُ في القُرْآنِ - بِما ثَبَتَ مِن عَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ - دَلِيلَ الِاسْتِكْبارِ؛ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”قُلُوبُهم مُنْكِرَةٌ“ -: ﴿وإذا قِيلَ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ولَوْ تَكَرَّرَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِمُنْكِرِي الآخِرَةِ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ﴿أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكُمُ؛ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكُمْ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُكابِرِينَ في إنْزالِهِ؛ عادِّينَ ”ذا“ مَوْصُولَةً؛ لا مُؤَكِّدَةً لِلِاسْتِفْهامِ: الَّذِي تَعْنُونَ أنَّهُ مُنْزَلٌ لَيْسَ مُنْزَلًا؛ بَلْ هو ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾؛ مَعَ عَجْزِهِمْ بَعْدَ تَحَدِّيهِمْ عَنْ مُعارَضَةِ (p-١٣٦)سُورَةٍ مِنهُ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ أفْصَحُ النّاسِ؛ وأنَّهُ لا يَكُونُ مِن أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ مُتَقَدِّمٍ؛ أوْ مُتَأخِّرٍ؛ قَوْلٌ إلّا قالُوا أبْلَغَ مِنهُ.
النحل 16:25
ولَمّا كانَ الكِتابُ هو الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ المُنْقِذَ مِنَ الهَلاكِ؛ وكانَ قَوْلُهم هَذا صَدًّا عَنْهُ؛ فَكانَ - مَعَ كَوْنِهِ ضَلالًا - إضْلالًا؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن ضَلَّ كانَ عَلَيْهِ إثْمُ ضَلالِهِ؛ ومَن أضَلَّ كانَ عَلَيْهِ وِزْرُ إضْلالِهِ؛ هَذا ما لا يَخْفى عَلى ذِي عَقْلٍ صَحِيحٍ؛ فَلَمّا كانَ هَذا بَيِّنًا؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ بِالخَفِيّاتِ؛ فَكَيْفَ بِالجَلِيّاتِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾؛ فَإنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا لازِمٌ لَهم قَطْعًا؛ وإنْ قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ غَيْرَهُ؛ أوْ يُقالُ: إنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّ الجَهْلَ أوْلى لَهم مِنهُ - أخَفُّ أحْوالِهِمْ؛ لِأنَّهم إمّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّهم فَعَلُوا بِهَذا الطَّعْنِ ما لَيْسَ لَهُمْ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي هم أجْهَلُ النّاسِ؛ وعَلى الأوَّلِ فَإمّا أنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أنَّهم يُؤْخَذُونَ بِهِ؛ أوْ لا؛ فَعَلى الثّانِي يَكُونُ الخَلْقُ سُدًى؛ ولَيْسَ هو مِنَ الحِكْمَةِ في شَيْءٍ؛ فَمُعْتَقِدُ هَذا مِنَ الجَهْلِ بِمَكانٍ عَظِيمٍ؛ وعَلى الأوَّلِ فَهم يُشاهِدُونَ كَثِيرًا مِنَ الظَّلَمَةِ لا يُجازَوْنَ في الدُّنْيا؛ فَيُلْزِمُهم في الحِكْمَةِ اعْتِقادَ الآخِرَةِ؛ لِيُجازى بِها المُحْسِنُ والمُسِيءُ؛ وهَذا أخَفُّ الأحْوالِ المُتَقَدِّمَةِ؛ ولا يَخْفى ما في الإقْدامِ (p-١٣٧)عَلى مِثْلِهِ مِنَ الغَباوَةِ المُناقِضَةِ لِادِّعائِهِمْ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ؛ فَقَدْ آلَ الأمْرُ إلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم نُسِبُوا إلى عِلْمٍ؛ الجَهْلُ خَيْرٌ مِنهُ؛ ﴿أوْزارَهُمْ﴾؛ الَّتِي باشَرُوها؛ لِنُكُوبِهِمْ عَنِ الحَقِّ تَكَبُّرًا؛ لا عَنْ شُبْهَةٍ.
ولَمّا كانَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ يُكَفِّرُ عَنْ أهْلِ الإيمانِ صَغائِرَهم بِالطّاعاتِ؛ وبِاجْتِنابِ الكَبائِرِ؛ فَكانَ التَّكْفِيرُ مَشْرُوطًا بِالإيمانِ؛ وكانَ هَؤُلاءِ قَدْ كَفَرُوا بِالتَّكْذِيبِ بِالكِتابِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿كامِلَةً﴾؛ لا يَنْقُصُ مِنها وِزْرُ شَيْءٍ مِمّا أسَرُّوا؛ ولا مِمّا أعْلَنُوا؛ لِخَفاءٍ؛ ولا ذُهُولٍ بِتَكْفِيرٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ مِن دُونِ خَلَلٍ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”تامَّةً“؛ لِأنَّ التَّمامَ قَدْ يَكُونُ في العِدَّةِ مَعَ خَلَلٍ في بَعْضِ الوَصْفِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ؛ ولا مَحِيصَ عَنْ إتْيانِهِ؛ ”و“؛ لِيَحْمِلُوا؛ ”مِن“؛ مِثْلِ؛ ﴿أوْزارِ﴾؛ الجَهَلَةِ الضُّعَفاءِ؛ ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾؛ فَيَضِلُّونَ بِهِمْ؛ كَما بَيَّنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا؛ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ يَحْمِلُونَ مِن أوْزارِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُباشِرُوها؛ لِما لَهم فِيها مِنَ التَّسَبُّبِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِن أوْزارِ الضّالِّينَ بِهِمْ شَيْءٌ؛ وإنْ كانُوا جَهَلَةً؛ لِأنَّ لَهم عُقُولًا هي بِحَيْثُ تَهْدِي إلى سُؤالِ أهْلِ الذِّكْرِ؛ وفِطَرًا أُولى تَنْفِرُ مِنَ الباطِلِ؛ أوَّلَ ما يُعْرَضُ عَلَيْها؛ فَضَيَّعُوها؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ التَّنْبِيهَ (p-١٣٨)عَلى عَظِيمِ ما يَحْصُلُ لَهم مِن مُرْتَكَبِهِمْ مِنَ الضَّرَرِ؛ وعِيدًا لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾؛ فَأدْخَلَ هَمْزَةَ الإنْكارِ عَلى حَرْفِ النَّفْيِ؛ فَصارَ إثْباتًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ.
النحل 16:26
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذا الِاسْتِكْبارِ مَحْوَ الحَقِّ؛ وإخْفاءَ أمْرِهِ؛ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِالعِنادِ - بَلْ مَعَ إقامَةِ شَبَهٍ رُبَّما راجَتْ - وإنِ اشْتَدَّ ضَعْفُها - عَلى عُقُولٍ هي أضْعَفُ مِنها؛ وكَأنَّ هَذا حَقِيقَةُ المَكْرِ؛ الَّتِي هي التَّغْطِيَةُ والسَّتْرُ؛ كَما بَيَّنَ في ”الرَّعْدِ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ [الرعد: ٣٣]؛ شَرَعَ يُهَدِّدُ الماكِرِينَ؛ ويُحَذِّرُهم وُقُوعَ ما وقَعَ بِمَن كانُوا أكْثَرَ مِنهم عَدَدًا؛ وأقْوى يَدًا؛ ويُرَجِّي المُؤْمِنِينَ في نَصْرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ القُوَّةِ؛ وشَدِيدِ السَّطْوَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالإخْبارِ ناسًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِمَّنْ رَأوْا آثارَهُمْ؛ ودَخَلُوا دِيارَهُمْ؛ ﴿فَأتى اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ ﴿بُنْيانَهُمْ﴾؛ أيْ: إتْيانَ بَأْسٍ وانْتِقامٍ؛ ﴿مِنَ القَواعِدِ﴾؛ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْها مَكْرَهُمْ؛ ﴿فَخَرَّ﴾؛ أيْ: سَقَطَ مَعَ صَوْتٍ عَظِيمٍ لِهَدَّتِهِ؛ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَقُولُ: ”خَرَّ عَلَيْنا سَقْفٌ؛ ووَقَعَ عَلَيْنا حائِطٌ“؛ (p-١٣٩)إذا كانَ يَمْلِكُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ وقَعَ عَلَيْهِ؛ كَما نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ؛ قالَ (تَعالى) - صَرْفًا عَنْ هَذا إلى حَقِيقَةِ السُّقُوطِ المُقَيَّدِ بِالجارِّ -: ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ وكانُوا تَحْتَهُ؛ فَهَلَكُوا؛ كَما هو شَأْنُ البُنْيانِ إذا زالَتْ قَواعِدُهُ.
ولَمّا كانَ المَكْرُ هو الضُّرُّ في خُفْيَةٍ؛ لِأنَّهُ القَتْلُ بِالحِيلَةِ إلى جِهَةٍ مُنْكَرَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ ما حَصَلَ لَهم مِنَ العَذابِ هو مِن بابِ ما فَعَلُوا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ الرُّسُلِ عَلى الوَعِيدِ بِهِ لِمَن أبى؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِأنَّ السَّبَبَ الَّذِي أعَدُّوهُ لِنَصْرِهِمْ كانَ بِعَيْنِهِ سَبَبَ قَهْرِهِمْ؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ عَلى الحَقِيقَةِ فِيما بَناهُ نَمْرُودُ مِنَ الصَّرْحِ.
ذِكْرُ قِصَّتِهِ مِنَ التَّوْراةِ:
قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها؛ في تَعْدادِ أوْلادِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: وكُوشٌ - يَعْنِي ابْنَ حامِ بْنِ نُوحٍ - ولَدَ نَمْرُودَ؛ وكانَ أوَّلَ جَبّارٍ في الأرْضِ؛ وهو كانَ مَخُوفًا؛ ذا صَيْدٍ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: (p-١٤٠)”هَذا مِثْلُ نَمْرُودَ الجَبّارِ القَنّاصِ“؛ فَكانَ مَبْدَأُ مُلْكِهِ بابِلَ؛ والكُوشَ؛ والأهْوازَ؛ والكُوفَةَ؛ الَّتِي بِأرْضِ شِنْعارَ؛ ومِن تِلْكَ الأرْضِ خَرَجَ المَوْصِلِيُّ؛ فابْتَنى نِينَوى؛ ورَحُبُوتَ القَرْيَةَ - وفي نُسْخَةٍ: قَرْيَةَ الرَّحُبَةَ - والإيَّلَةَ؛ والمَدائِنَ؛ ثُمَّ قالَ - بَعْدَ أنْ عَدَّ أحْفادَ نُوحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَمالِكَهم -: هَؤُلاءِ قَبائِلُ بَنِي نُوحٍ؛ وأوْلادُهُمْ؛ وخُلُوفُهُمْ؛ وشُعُوبُهُمْ؛ ومِن هَؤُلاءِ تَفَرَّقَتِ الشُّعُوبُ في الأرْضِ بَعْدَ الطُّوفانِ؛ وإنَّ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم كانَتْ لُغَتُهم واحِدَةً؛ ومَنطِقُهم واحِدًا؛ فَلَمّا ظَعَنُوا في المَشْرِقِ انْتَهَوْا إلى قاعٍ في أرْضِ شِنْعارَ - وفي نُسْخَةٍ: العِراقِ - فَسَكَنُوهُ؛ فَقالَ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم لِصاحِبِهِ: هَلُمَّ بِنا نُلَبِّنِ اللَّبِنَ ونَحْرِقْهُ بِالنّارِ؛ فَيَصِيرَ اللَّبِنُ مِثْلَ الحِجارَةِ؛ ويَصِيرَ الجَصُّ بَدَلَ الطِّينِ لِلْمِلاطِ؛ ثُمَّ قالَ: هَلُمُّوا نَبْنِ لَنا قَرْيَةً نَتَّخِذْها؛ وصَرْحًا مَشِيدًا لاحِقًا بِالسَّماءِ؛ ونَخْلُفْ لَنا شَيْئًا نُذْكَرُ بِهِ؛ لَعَلَّنا ألّا نَتَفَرَّقَ عَلى الأرْضِ كُلِّها؛ فَنَظَرَ الرَّبُّ القَرْيَةَ والصَّرْحَ الَّذِي يَبْنِيهِ النّاسُ؛ فَقالَ الرَّبُّ: إنِّي أرى هَذا الشَّعْبَ رَأْيُهم واحِدٌ؛ ولُغَتُهم واحِدَةٌ؛ (p-١٤١)وقَدْ هَمُّوا أنْ يَصْنَعُوا هَذا الصَّنِيعَ؛ فَهُمُ الآنَ غَيْرُ مُقَصِّرِينَ فِيما هَمُّوا أنْ يَفْعَلُوهُ؛ فَلْأُورِدْ أمْرًا أُشَتِّتُ بِهِ لُغَتَهُمْ؛ حَتّى لا يَفْهَمَ المَرْءُ مِنهم لُغَةَ صاحِبِهِ؛ ثُمَّ فَرَّقَهُمُ الرَّبُّ مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ كُلِّها؛ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِبِنائِها؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ؛ لِأنَّ هُنالِكَ فَرَّقَ الرَّبُّ لُغَةَ أهْلِ الأرْضِ كُلِّها؛ انْتَهى.
قالَ لِي بَعْضُ عُلَماءِ اليَهُودِ: إنَّ ”بابِلَ“ مُعَرَّبُ ”بُوبالَ“؛ ومَعْنى ”بُوبالَ“؛ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ؛ هَذا ما في التَّوْراةِ؛ وأمّا المُفَسِّرُونَ فَإنَّهم ذَكَرُوا أنَّ الصَّرْحَ بُنِيَ عَلى هَيْئَةٍ طَوِيلَةٍ؛ في الطُّولِ والإحْكامِ؛ وأنَّ اللَّهَ (تَعالى) هَدَمَهُ؛ فَكانَتْ لَهُ رَجَّةٌ؛ تَفَرَّقَتْ لِعِظَمِ هَوْلِها لُغَةُ أهْلِ الأرْضِ إلى أنْحاءَ كَثِيرَةٍ؛ لا يُحْصِيها إلّا خالِقُها؛ فاللَّهُ أعْلَمُ.
النحل 16:27
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - حالَ المَكَرَةِ المُتَمَرِّدِينَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ أخَذَ يَذْكُرُ حالَهم في الآخِرَةِ؛ تَقْرِيرًا لِلْآخِرَةِ؛ وبَيانًا لِأنَّ عَذابَهم غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى الدُّنْيَوِيِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ (تَعالى)؛ الَّذِي فَعَلَ بِهِمْ في الدُّنْيا ما تَقَدَّمَ؛ خِزْيًا يَشْهَدُهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ (p-١٤٢)الوُقُوفِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَيَحْصُلُ لَهم مِنَ الذُّلِّ - جَزاءً عَلى تَكَبُّرِهِمْ - ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وعَطْفُهُ بِـ ”ثُمَّ“؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ لَهُ؛ ولِما لَهُ مِنَ الهَوْلِ والعَظَمَةِ؛ الَّتِي يُسْتَصْغَرُ لَها كُلُّ هَوْلٍ؛ ﴿ويَقُولُ﴾؛ أيْ: لَهم في ذَلِكَ الجَمْعِ؛ تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ﴾؛ عَلى ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ؛ وأضافَ - سُبْحانَهُ - إلى نَفْسِهِ المُقَدَّسِ؛ لِأنَّهُ أقْطَعُ في تَوْبِيخِهِمْ؛ وأدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ؛ ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ؛ ﴿تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾؛ أوْلِيائِي؛ فَتَكُونُونَ بِمُخالَفَتِهِمْ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِمْ؛ فَتَخْضَعُونَ لِما لا يَنْبَغِي الخُضُوعُ لَهُ؛ وتَتَكَبَّرُونَ عَلى مَن لا يَنْبَغِي الإعْراضُ عَنْهُ؛ ما لَهم لا يَحْضُرُونَكُمْ؛ ويَدْفَعُونَ عَنْكم في هَذا اليَوْمِ؟ وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ؛ لِأنَّ مُشاقَقَةَ المَأْمُورِ مُشاقَقَةُ الآمِرِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْجَلالِ والعَظَمَةِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِزِيادَةِ الهَيْبَةِ؛ الَّتِي يَلْزَمُ (p-١٤٣)عَنْها غالِبًا خَرَسُ المُخْزى عَنْ جَوابِهِ؛ لَوْ كانَ لَهُ جَوابٌ؛ وكانَ مِن أجَلِّ المَقاصِدِ في تَعْذِيبِهِمُ العَدْلُ بِتَفْرِيحِ الأوْلِياءِ؛ وإشْماتِهِمْ بِهِمْ؛ جَزاءً لِما كانُوا يَعْمَلُونَ بِهِمْ في الدُّنْيا؛ وكانَتِ الشَّماتَةُ أعْلى مَحْبُوبٍ لِلشّامِتِ؛ وأعْظَمَ مَرْهُوبٍ لِلْمَشْمُوتِ فِيهِ؛ وأعْظَمَ مُسَلٍّ لِلْمَظْلُومِ؛ دَلَّ عَلى سُكُوتِهِمْ رَغَبًا عَنِ المُبادَرَةِ بِالجَوابِ بِتَأْخِيرِ الخَبَرِ عَنْهُ؛ وتَقْدِيمِ الخَبَرِ عَنْ شَماتَةِ أعْدائِهِمْ فِيهِمْ؛ في سِياقِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِ مَن قالَ: هَلْ عَلِمَ بِذَلِكَ المُؤْمِنُونَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ العِلْمُ شَرَفًا لِلْعالِمِ مُطْلَقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾؛ أيْ: انْتَفَعُوا بِهِ في سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ؛ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ومَن أطاعَهم مِن أُمَمِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّ الهالِكَ يَصِحُّ سَلْبُ العِلْمِ عَنْهُ؛ وإنْ كانَ أعْلَمَ النّاسِ؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”أعْداؤُهُمْ“؛ أوْ ”المُؤْمِنُونَ“؛ ونَحْوَهُ؛ إجْلالًا لَهم بِوَصْفِهِمْ بِالعِلْمِ؛ الَّذِي هو أشْرَفُ الصِّفاتِ؛ لِكَوْنِهِ مَنشَأ كُلِّ فَضِيلَةٍ؛ وتَعْرِيضًا بِأنَّ الحامِلِ لِلْكُفّارِ عَلى الِاسْتِكْبارِ الجَهْلُ؛ الَّذِي هو سَبَبُ كُلِّ رَذِيلَةٍ؛ ﴿إنَّ الخِزْيَ﴾؛ أيْ: البَلاءَ المُذِلَّ؛ ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: يَوْمَ الفَصْلِ؛ الَّذِي يَكُونُ لِلْفائِزِ فِيهِ العاقِبَةُ المَأْمُونَةُ؛ ﴿والسُّوءَ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما يَسُوءُ؛ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ الَّذِينَ (p-١٤٤)تَكَبَّرُوا في غَيْرِ مَوْضِعِ التَّكَبُّرِ؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ؛
النحل 16:28
ثُمَّ رَغَّبَهم في التَّوْبَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ بِالفَوْقِيَّةِ؛ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ مُؤَنَّثٌ؛ وبِالتَّحْتِيَّةِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ لِأنَّ المَجْمُوعَ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ؛ وكانَ وفاتُهم عَلى وجْهَيْنِ: وجْهٍ خَفِيفٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ؛ لِخِفَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ وآخَرَ ثَقِيلٍ شَدِيدٍ؛ لِشِدَّةِ كُفْرِ صاحِبِهِ؛ ولَمْ يُحْذَفْ شَيْءٌ مِنَ التّاءَيْنِ؛ لِلْإشارَةِ إلى نُقْصانِ حالِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ خَيْرُها لِمَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ بِخِلافِ ما تَقَدَّمَ في تارِكِ الهِجْرَةِ في ”النِّساءِ“؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: المُوَكَّلُونَ بِالمَوْتِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ بِوَضْعِها مِنَ الِاسْتِكْبارِ عَلى المَلِكِ الجَبّارِ غَيْرَ مَوْضِعِها.
فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ؛ والأُسْلُوبِ الرَّفِيعِ المَنِيعِ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ بِحالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَألْقَوُا﴾؛ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ؛ عَقِبَ قَوْلِ الأوْلِياءِ؛ وبِسَبَبِ سُؤالِ ذِي الكِبْرِياءِ؛ ﴿السَّلَمَ﴾؛ أيْ: المَقادَةَ؛ والخُضُوعَ؛ بَدَلَ ذَلِكَ التَّكَبُّرِ؛ والعُلُوِّ؛ قائِلِينَ (p-١٤٥)- ارْتِكابًا لِلْكَذِبِ مِن غَيْرِ احْتِشامٍ -: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن سُوءٍ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَبُهْتانٌ عَظِيمٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ الجَلِيلِ؛ فَماذا قِيلَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿بَلى﴾؛ قَدْ عَمِلْتُمْ أعْظَمَ السُّوءِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ تَكْذِيبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ مِن كُلِّ وجْهٍ؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الضَّلالِ؛ والإضْلالِ؛ فَلا يَسَعُكُمُ الإنْكارُ؛ أفَما آنَ لَكم أنْ تَنْزِعُوا عَنِ الجَهْلِ فِيما يَضُرُّكم ولا يَنْفَعُكُمْ؛ ويَخْفِضُكم ولا يَرْفَعُكُمْ؟!
النحل 16:29
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ؛ مَعَ هَذا العِلْمِ؛ سَبَبًا لِدُخُولِ جَهَنَّمَ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُقامَ لَهم وزْنٌ؛ لِأنَّهُ لا وزْنَ لِما ضُيِّعَ أساسُهُ؛ قالَ - مُعَقِّبًا؛ مُسَبِّبًا -: ﴿فادْخُلُوا﴾؛ أيْ: أيُّها الكَفَرَةُ؛ ﴿أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: أبْوابَ طَبَقاتِها؛ ودَرَكاتِها؛ ﴿خالِدِينَ﴾؛ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلْدَ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: في جَهَنَّمَ؛ الَّتِي دَأْبُها تَجَهُّمُ مَن دَخَلَها.
ولَمّا كانَ هَذا المَقامُ لِلْمُشاقَقَةِ؛ وكانَ أمْرُها زائِدَ القَباحَةِ؛ كانَ هَذا الدُّخُولُ أقْبَحَ دُخُولٍ؛ وكانَ سَبَبًا لِأنْ يُقالُ: ﴿فَلَبِئْسَ﴾؛ بِالأداةِ الجامِعَةِ لِمَجامِعِ الذَّمِّ ﴿مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ وبَيانِ الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ؛ لِتَقَدُّمِ كَذِبِهِمْ في قَوْلِهِمْ؛ ”ما كُنّا (p-١٤٦)نَعْمَلُ مِن سُوءٍ“؛ تَعْرِيضًا بِأنَّهم جَدِيرُونَ - لِغايَةٍ ما لَهم مِنَ البَلادَةِ - أنْ يَسْتَحْسِنُوا النّارَ؛ كَما كَذَّبُوا مَعَ العِلْمِ التّامِّ بِأنَّهُ لا يَرُوجُ في ذَلِكَ اليَوْمِ كَذِبٌ.
النحل 16:30
ولَمّا تَمَّ الخَبَرُ عَنِ المُنْكِرِ لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ؛ مِنَ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إنْكارًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَكَبُّرًا بِما لَيْسَ لَهُمْ؛ بِالِاعْتِراضِ عَلى خالِقِهِمُ؛ ابْتَدَأ الخَبَرَ عَنِ المُقِرِّينَ تَصْدِيقًا لِهُداتِهِمْ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ؛ وتَسْلِيمًا لِمَن هم عَبِيدُهُ؛ في تَفْضِيلِ مَن يَشاءُ؛ مُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم الِاعْتِرافَ بِالحَقِّ؛ فَقالَ - حاذِفًا لِـ ”إذا“؛ دَلالَةً عَلى الرِّضا بِأيْسَرِ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ؛ والمَدْحِ عَلَيْهِ؛ ولَوْ لَمْ يَتَكَرَّرْ -: ﴿وقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: خافُوا عِقابَ اللَّهِ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ؛ ﴿أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكم مِن رُوحِهِ؛ المُحْيِي لِلْأرْواحِ؛ عَلى رَسُولِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُعْتَرِفِينَ بِالإنْزالِ؛ غَيْرَ مُتَوَقِّفِينَ في المَقالِ؛ فاهِمِينَ أنَّ ”ذا“ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ؛ لا بِمَعْنى ”الَّذِي“: أنْزَلَ ﴿خَيْرًا﴾؛ وإنَّما أطْبَقَ القُرّاءُ عَلى نَصْبِ هَذا؛ ورَفْعِ الأوَّلِ؛ فَرْقًا بَيْنَ جَوابَيِ المُقِرِّ؛ والجاحِدِ؛ بِمُطابَقَةِ المُقِرِّ بَيْنَ الجَوابِ؛ والسُّؤالِ؛ وعُدُولِ الجاحِدِ بِجَوابِهِ (p-١٤٧)عَنِ السُّؤالِ؛ ثُمَّ أخَذَ يُرَغِّبُ بِما لَهم مِن حُسْنِ المَآلِ؛ عَلى وجْهِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم عَلى ذَلِكَ؟ فَقِيلَ - مُظْهِرًا مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ مَدْحًا لَهُمْ؛ وتَعْمِيمًا لِمَنِ اتَّصَفَ بِوَصْفِهِمْ -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ فَبَيَّنَ أنَّ اعْتِرافَهم بِذَلِكَ إحْسانٌ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً لَهم عَلى إحْسانِهِمْ - ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ سَرِيعَةَ الزَّوالِ؛ أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿ولَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾؛ أيْ: جَزاءً ومَصِيرًا؛ ثُمَّ مَدَحَها؛ ومَدَحَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ مُرَغِّبًا في الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبَ حِيازَتِهِمْ لَها؛ وهو الخَوْفُ؛ المُنافِي لِما وصَفَ بِهِ الأشْرارَ؛ مِنَ الِاسْتِكْبارِ؛ بِإظْهارِهِ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ وحَذْفِ المَخْصُوصِ بِالمَدْحِ؛ لِتَقَدُّمِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ؛ وهو صالِحٌ لِتَقْدِيرِ الدُّنْيا - أيْ: لِمَن عَمِلَ فِيها بِالتَّقْوى - ولِتَقْدِيرِ الآخِرَةِ؛ وهو واضِحٌ.
النحل 16:31
ولَمّا كانَ هَذا المَدْحُ مُشَوِّفًا لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ؛ قِيلَ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ؛ لا ظَعْنَ فِيها؛ ﴿يَدْخُلُونَها﴾؛ حالَ كَوْنِها؛ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾؛ أيْ: مِن تَحْتِ غُرَفِها؛ ﴿الأنْهارُ﴾؛ ثُمَّ أُجِيبَ مَن كَأنَّهُ سَألَ عَمّا فِيها مِنَ (p-١٤٨)الثِّمارِ وغَيْرِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم فِيها﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا في شَيْءٍ سِواها؛ مِن غَيْرِ أنْ يُجْلَبَ إلَيْهِمْ مِن غَيْرِها؛ ﴿ما يَشاءُونَ﴾؛ ثُمَّ زادَ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿يَجْزِي اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في صِفَةِ التَّقْوى؛
النحل 16:32
ثُمَّ حَثَّ عَلى مُلازَمَةِ التَّقْوى بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ العِبْرَةَ بِحالِ المَوْتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ﴾؛ أيْ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وافِيَةً مِن نَقْصِ شَيْءٍ مِنَ الرُّوحِ؛ أوِ المَعانِي - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءَيْنِ؛ والإظْهارُ -؛ ﴿المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾؛ أيْ: طاهِرِينَ مِن ظُلْمِ أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ؛ مُتَحَلِّينَ بِحِلْيَةِ الإيمانِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَقُولُ لَهُمُ المَلائِكَةُ؟ فَقِيلَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: مُكَرِّرِينَ؛ لِلتَّأْكِيدِ؛ تَسْكِينًا لِما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ جَلالِ اللَّهِ بِالتَّقْوى؛ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾؛ ويُقالُ لَهم لِتَحَقُّقِ فَوْزِهِمْ: ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾؛ أيْ: دارَ التَّفَكُّهِ؛ الَّتِي لا مِثْلَ لَها؛ ﴿بِما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ تَرْغِيبًا لَهم في الأعْمالِ الَّتِي لا يَسْتَطِيعُونَها إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ بِتَوْفِيقِهِمْ لَها.
النحل 16:33
(p-١٤٩)ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) عَنْ أحْوالِ الكُفّارِ؛ السّائِلِينَ في نُزُولِ المَلائِكَةِ؛ بَعْدَ أنْ وهّى شُبَهَهُمْ؛ وأخْبَرَ عَنْ تَوَفِّي المَلائِكَةِ لَهُمْ؛ ولِأضْدادِهِمُ المُؤْمِنِينَ؛ مُشِيرًا بِذَلِكَ إلى أنَّ سُنَّتَهُ جَرَتْ بِأنَّهم لا يَنْزِلُونَ إلّا لِإنْزالِ الرُّوحِ مِن أمْرِهِ؛ عَلى مَن يَخْتَصُّهُ لِذَلِكَ؛ أوْ لِأمْرٍ فَيْصَلٍ؛ لا مُهْلَةَ فِيهِ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الكُفّارُ؛ في تَقاعُسِهِمْ عَنْ تَصْدِيقِ الرُّسُلِ في الإخْبارِ بِما أنْزَلَ رَبُّهُمْ؛ وجَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى قُرْبِ ما يَنْتَظِرُونَهُ؛ ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ﴾؛ أيْ: بِأمْرِ اللَّهِ؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ وهم لا يَأْتُونَهم إلّا بِمِثْلِ ما أتَوْا بِهِ مَن قَبْلَهُمْ؛ مِمَّنْ قَصَصْنا أمْرَهم مِنَ الظّالِمِينَ إنْ لَمْ يَتُوبُوا؛ ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ؛ بِأمْرٍ يَفْصِلُ النِّزاعَ مِن غَيْرِ واسِطَةِ مَلَكٍ؛ أوْ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُفْزِعًا؛ كانَ مُوجِبًا لِمَن لَهُ فَهُمٌ أنْ يَقُولَ: هَلْ فَعَلَ هَذا أحَدٌ غَيْرُ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الفِعْلِ البَعِيدِ - لِبَشاعَتِهِ - عَنْ مَناهِجِ العُقَلاءِ؛ مَكْرًا في تَدْبِيرِ الأذى؛ (p-١٥٠)واعْتِقادًا؛ وقَوْلًا؛ ﴿فَعَلَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الفاعِلُونَ مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ في التَّكْذِيبِ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ؛ أُدْخِلَ الجارُّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلِهِمْ وما﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ في تَقْدِيرِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ المالِكُ المُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ والمَلِكُ الَّذِي لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ فاسْتَحَقُّوا العِقابَ؛ لِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ عَلى السَّنَنِ الَّذِي جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكُمْ؛ فِيمَن باشَرَ سُوءًا مِن غَيْرِ أنْ يُكْرَهَ عَلَيْهِ إكْراهًا ظاهِرًا؛ وهَذا بِعَيْنِهِ هو العِلَّةُ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ ونَصْبِ الشَّرائِعِ؛ والمِلَلِ؛
النحل 16:34
﴿فَأصابَهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ أنْ أصابَهُمْ؛ ﴿سَيِّئاتُ﴾؛ أيْ: عُقُوباتُ - أوْ جَزاءُ - سَيِّئاتِ ﴿ما عَمِلُوا وحاقَ﴾؛ أيْ: أحاطَ إحاطَةً ضابِطَةً؛ ﴿بِهِمْ﴾؛ مِنَ العَذابِ؛ والمُرْسَلِ بِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ ﴿ما كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ تَكَبُّرًا عَنْ قَبُولِ الحَقِّ.
ومادَّةُ ”حاقَ“ - واوِيَّةً؛ ويائِيَّةً؛ بِتَراكِيبِها السِّتِّ: ”حَوَقَ“؛ ”حَقَوَ“؛ ”قَحَوَ“؛ ”قَوَحَ“؛ ”وقَحَ“؛ ”حَيَقَ“ - تَدُورُ عَلى الإحاطَةِ؛ ويَلْزَمُها صَلابَةُ المُحِيطِ؛ ولِينُ المُحاطِ بِهِ: ”حاقَ بِهِ الشَّيْءُ“؛ إذا نَزَلَ بِهِ فَأحاطَ؛ و”الحَيْقُ“: (p-١٥١)ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ؛ و”حاقَ فِيهِ السَّيْفُ“: حاكَ؛ أيْ: ”عَمِلَ“؛ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ الجُزْءِ؛ ولِأنَّهُ في الأغْلَبِ يَكُونُ في عَمَلِهِ المَوْتُ؛ المُحِيطُ بِالأجَلِ؛ و”حاقَ بِهِمُ الأمْرُ“: لَزِمَهُمْ؛ ووَجَبَ عَلَيْهِمْ؛ ونَزَلَ بِهِمْ؛ و”الحَيْقَةُ“: شَجَرَةٌ كالشِّيحِ؛ يُؤْكَلُ بِها التَّمْرُ؛ كَأنَّهُ يُحِيطُ بِالتَّمْرَةِ؛ و”حايَقَهُ“: حَسَدَهُ؛ وأبْغَضَهُ؛ لِإحاطَةِ ذَلِكَ.
و”الحُوقُ“؛ بِالضَّمِّ: ما أحاطَ بِالكَمَرَةِ مِن حُرُوفِها؛ وبِالضَّمِّ والفَتْحِ مَعًا: اسْتِدارَةٌ في الذَّكَرِ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ فَقَطْ: الإحاطَةُ؛ و”الأحْوَقُ“؛ و”المُحَوَّقُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: الكَمَرَةُ؛ كَأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ لِكِبَرِها؛ ومِنهُ ”فَيْشَلَةٌ حَوْقاءُ“: عَظِيمَةٌ؛ كَأنَّها لِعِظَمِها هي الَّتِي ظَهَرَ حَرْفُها دُونَ غَيْرِها؛ و”أرْضٌ مَحُوقَةٌ“؛ بِضَمِّ الحاءِ: قَلِيلَةُ النَّبْتِ لِقِلَّةِ المَطَرِ؛ كَأنَّهُ تَشَبَّهَ بِالكَمَرَةِ في مَلاسَتِها؛ و”تُرِكَتِ النَّخْلَةُ حَوْقاءَ“؛ إذا أُشْعِلَ في الكَرانِيفِ؛ لِاسْتِدارَةِ النّارِ بِها؛ أوْ لِشَبَهِها بَعْدَ حَرِيقِ السَّعَفِ بِالذَّكَرِ؛ أوْ رَأْسِهِ؛ و”الحَوْقَةُ“؛ بِالفَتْحِ: الجَماعَةُ المُمَخْرَقَةُ؛ لِأنَّ الجَماعَةَ لَها قُوَّةُ الِاسْتِدارَةِ؛ والمُمَخْرَقُ إنْ كانَ مِنَ الكَذِبِ فَمَن لازَمَهُ العِوَجُ؛ وإنْ كانَ مِنَ المِخْراقِ - وهو المَندِيلُ الَّذِي يُلَفُّ لِلَّعِبِ بِهِ - فاللَّعِبُ بِهِ عَلى هَيْئَةِ الِاسْتِدارَةِ؛ و”حَوَقَ (p-١٥٢)عَلَيْهِ؛ تَحْوِيقًا“: عَوَّجَ عَلَيْهِ الكَلامَ؛ و”الحَوْقُ“؛ بِالفَتْحِ أيْضًا: الكَنْسُ؛ والدَّلْكُ؛ والتَّمْلِيسُ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنها تَرُدُّ فِيهِ اليَدِ إلى قَرِيبٍ مِن مَكانِها؛ فَيُشْبِهُ الإحاطَةَ؛ ولَوْ بِالتَّعْوِيجِ.
و”الحَقْوُ“: الكَشْحُ؛ وهو ما بَيْنَ عَظْمِ رَأْسِ الوِرْكِ؛ إلى الضِّلْعِ؛ الخَلْفُ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ إحاطَةِ الإزارِ؛ والإزارُ نَفْسُهُ ”حَقْوٌ“؛ لِأنَّهُ آلَتُهُ؛ أوْ ”الحَقْوُ“؛ مَعْقِدُ الإزارِ؛ و”الحَقْوُ“: مَوْضِعٌ غَلِيظٌ؛ مُرْتَفِعٌ عَنِ السَّيْلِ؛ مِنَ الصَّلابَةِ؛ والِاسْتِدارَةِ؛ لِأنَّ السَّيْلَ يُحِيطُ بِهِ؛ أوْ يَكادُ؛ و”مِنَ السَّهْمِ“: مَوْضِعُ الرِّيشِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الحَقْوَ في اسْتِدارَتِهِ؛ وغِلَظِ بَعْضٍ؛ ودِقَّةِ بَعْضٍ؛ وفي إحاطَةِ الرِّيشِ بِهِ؛ ومِنَ الثَّنِيَّةِ: جانِباها؛ مِنَ الإحاطَةِ؛ أوْ مُطْلَقِ العِوَجِ؛ و”الحَقْوَةُ“: وجَعٌ في البَطْنِ مِن أكْلِ اللَّحْمِ؛ لِلُحُوقِ وجَعِهِ الحَقْوَ؛ و”الأُقْحُوانُ“: نَبْتٌ يَسْتَدِيرُ بِهِ زَهْرُهُ؛ وأقاحِي الأمْرِ: تَباشِيرُهُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِهِ غالِبًا؛ و”قَحا المالُ“: أخَذَهُ؛ لِما يَلْزَمُهُ مِنَ الإحاطَةِ؛ و”المِقْحاةُ“: المِجْرَفَةُ؛ لِأنَّها تُحِيطُ بِالمَجْرُوفِ.
ومِنَ اللِّينِ: ”قاحَ الجُرْحُ؛ يَقُوحُ“: صارَتْ فِيهِ مِدَّةٌ خالِصَةٌ؛ لا يُخالِطُها (p-١٥٣)دَمٌ؛ كَـ ”قاحَ؛ يَقِيحُ“ - واوِيَّةً ويائِيَّةً -؛ ولِما يَلْزَمُهُ مِنَ الاسْتِدارَةِ غالِبًا؛ و”قَوَحَ الجُرْحُ“: انْتَبَرَ؛ إمّا مِنَ المَوْضِعِ الغَلِيظِ المُرْتَفِعِ عَنِ السَّيْلِ؛ وإمّا مِنَ اسْتِدارَتِهِ؛ و”قاحَ البَيْتَ“: كَنَسَهُ؛ كَـ ”قَوَحَهُ“؛ و”القاحَةُ“: السّاحَةُ؛ لِاسْتِدارَتِها غالِبًا؛ و”أقاحَ“: صَمَّمَ عَلى المَنعِ بَعْدَ السُّؤالِ؛ إمّا مِنَ الإزالَةِ؛ أيْ: أزالَ اللِّينَ؛ وإمّا مِنَ الصَّلابَةِ.
ومِنَ الصَّلابَةِ: ”الوَقاحُ“؛ لِلْحافِرِ الصُّلْبِ؛ وهو مِنَ الِاسْتِدارَةِ أيْضًا؛ و”رَجُلٌ وقاحُ الوَجْهِ“: قَلِيلُ الحَياءِ؛ مِنهُ؛ و”المُوَقَّحُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: المُجَرِّبُ؛ و”تَوْقِيحُ الحَوْضِ“: إصْلاحُهُ بِالمُدِرِّ والصَّفائِحِ؛ لِلِاسْتِدارَةِ؛ والصَّلابَةِ.
النحل 16:35
ولَمّا تَمَّ ما هو عَجَبٌ مِن مَقالِهِمْ؛ ومَآلِهِمْ؛ في سُوءِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَهْدِيدِهِمْ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ“؛ مُوجِبًا آخَرَ لِلتَّهْدِيدِ؛ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: الرّاسِخُ مِنهم في هَذا الوَصْفِ؛ والتّابِعُ لَهُ؛ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ عَلى مَن يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ؛ مِن نَبِيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِالقَدَرِ؛ عِنادًا مِنهُمْ؛ ومُعْتَرِضِينَ عَلى مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ بِأنَّهُ - لِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ - (p-١٥٤)غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى بَعْثِ الرُّسُلِ؛ فَإرْسالُهم عَبَثٌ - تَعالى اللَّهُ الحَكِيمُ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ فَهو قَوْلُ مَن يَطْلُبُ العِلَّةَ في أحْكامِهِ (تَعالى)؛ وفي أفْعالِهِ -؛ وهو قَوْلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - الفَعّالُ لِما يُرِيدُ؛ سَواءٌ أطَلَعَ العِبادَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ أمْ لا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ عَدَمَ عِبادَتِنا لِغَيْرِهِ؛ ﴿ما عَبَدْنا﴾؛ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ كُلُّها مُتَقاصِرَةً عَنْ رُتْبَتِهِ؛ وكانَتْ مُتَفاوِتَةً؛ وكانَ ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ في أدْناها رُتْبَةً؛ أدْخَلُوا الجارَّ؛ فَقالُوا: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾؛ مِن قَبْلِنا؛ ولَمّا ذَكَرُوا الأصْلَ؛ أتْبَعُوهُ الفَرْعَ فَقالُوا: ﴿ولا حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: عَلى أنْفُسِنا؛ ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: دُونَ أمْرِهِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ لِأنَّ ما يَشاءُ لا يَتَخَلَّفُ؛ عَلى زَعْمِكُمْ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَإ العَدَمَ؛ فَقَدْ شاءَ وُجُودَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ فَنَحْنُ نَتَّبِعُ ما شاءَهُ؛ لا نَتَغَيَّرُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ؛ وضَلَّ عَنِ الأشْقِياءِ - بِكَلِمَتِهِمْ هَذِهِ؛ الحَقِّ الَّتِي أرادُوا بِها الباطِلَ - أنَّ مَدارَ السَّعادَةِ؛ والشَّقاوَةِ؛ إنَّما هو مُوافَقَةُ الأمْرِ؛ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ؛ فَما كانَ مِنَ الفِعْلِ؛ والكَفِّ؛ عَلى وفْقِ الأمْرِ؛ سُعِدَ فاعِلُهُ؛ وما خالَفَهُ قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى فاعِلِهِ؛ عَلى (p-١٥٥)ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ النّاسِ؛ فَشُقِيَ.
فَلَمّا انْتَهَكَ سِتْرُ هَذِهِ المَقالَةِ المُمَوَّهَةِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ - اسْتِبْعادًا لَها -: هَلْ قالَها غَيْرُهُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَعِيدِ مِنَ السَّدادِ؛ والقَوْلِ الخارِجِ عَنِ الهِدايَةِ؛ والرَّشادِ؛ وهو الِاعْتِراضُ عَلى رَبِّهِمْ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ مانِعِينَ لِجَوازِ الإرْسالِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الضَّعِيفَةِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) يُرِيدُ إظْهارَ ثَمَرَةِ المُلْكِ بِالحُكْمِ؛ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ؛ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ وإنْ كانَتْ بِقَضائِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَسْتُورٌ عَنِ العِبادِ؛ ﴿فَعَلَ﴾؛ أيْ: كَذَّبَ بِدَلِيلِ الإنْعامِ؛ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ودَلَّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِغْراقِ لِلزَّمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ وكانَ تَكْذِيبًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُمُ اقْتَضى أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِمّا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ والرُّسُلُ يَقُولُونَ: لا يَرْضاهُ؛ ولا يَرْضى إلّا ما أُخْبِرُوا بِأنَّ صاحِبَهُ مُثابٌ عَلَيْهِ؛ أوْ غَيْرُ مُعاقَبٍ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ﴾؛ أيْ: فَما؛ ﴿عَلى الرُّسُلِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا رُسُلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُمْ؛ وهُمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِدُعاءِ العِبادِ؛ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ (p-١٥٦)بِمَعْنى النَّفْيِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ صُوِّرَ بِصُورَتِهِ؛ لِيَكُونَ كَدَعْوى الشَّيْءِ بِدَلِيلِها؛ فَقالَ: ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ وقَدْ بَلَّغُوكُمْ؛ وأوْضَحُوا لَكُمْ؛ فَصارَ وبالُ العِصْيانِ خاصًّا بِكم.
النحل 16:36
ولَمّا كانَ جَمْعُ الرُّسُلِ مُفْهِمًا لِتَوْزِيعِهِمْ عَلى الأُمَمِ؛ كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ؛ فَقالَ - دافِعًا لِكَرْبِ هَذا الِاسْتِشْرافِ؛ نافِيًا لِطُرُوقِ احْتِمالٍ؛ دالًّا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ السّابِقَ مُنْصَبٌّ إنْكارُهُ بِالذّاتِ إلى اعْتِراضِهِمْ عَلى الإرْسالِ؛ ومُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وحاثًّا لَهم عَلى الِاعْتِبارِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَقَدْ بَعَثْناكَ في أُمَّتِكَ هَذِهِ؛ لِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ؛ ويَجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛ فَمِنهم مَن هَدَيْنا؛ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ؛ فَكانَ - مِن غَيْرِ شَكٍّ - بَعْضُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ؛ وبَعْضُهم مُغْضِبًا لَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حُكْمُ المُتَنافِيَيْنِ واحِدًا أبَدًا“ -: ﴿ولَقَدْ﴾؛ أيْ: واللَّهِ؛ لَقَدْ ﴿بَعَثْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْها أُخِذَ؛ ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ ﴿رَسُولا﴾؛ فَما بَقِيَ في الأرْضِ أحَدٌ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ؛ ولِأجْلِ أنَّ (p-١٥٧)الرُّسُلَ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ كَلُوطٍ؛ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ في أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مِن سائِرِ مَن وصَلَ إلَيْهِ حُكْمُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ لَمْ يُقَيِّدْ بِـ ”مِنهُمْ“؛ ولَمّا كانَ البَعْثُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ؛ كانَ المَعْنى: فَذَهَبُوا إلَيْهِمْ قائِلِينَ: ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ وحْدَهُ؛ ﴿واجْتَنِبُوا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ جُهْدِكُمْ؛ ﴿الطّاغُوتَ﴾؛ كَما أمَرَكم رَسُولُنا؛ ﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ أنْ كانَتِ الأُمَمُ قِسْمَيْنِ: مِنهم ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ لِلْحَقِّ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الهِدايَةُ؛ فَأبْصَرَ الحَقَّ؛ وعَمِلَ بِهِ بِاتِّباعِ الدُّعاةِ الهُداةِ؛ فِيما أمَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الجَنَّةُ؛ ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ﴾؛ أيْ: ثَبَتَتْ غايَةَ الثَّباتِ؛ ﴿عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾؛ بِأنْ أضَلَّهُ اللَّهُ؛ فَنابَذَ الأمْرَ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ وعَمِلَ بِمُقْتَضى الإرادَةِ؛ فَإنَّ الأمْرَ قَدْ لا يَكُونُ ما تَعَلَّقَ بِهِ؛ والإرادَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ مُوافِقُها عامِلًا بِالضَّلالَةِ؛ فَحَقَّ عَلَيْهِ عَذابُها؛ فَحَقَّتْ لَهُ النّارُ؛ فَهَلَكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ؛ فَلَوْ كانَ كُلُّ ما شاءَهُ (p-١٥٨)حَقًّا كانَ الفَرِيقانِ مُحِقَّيْنِ؛ فَلَمْ يُعَذَّبْ أحَدُهُما؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ عَذَّبَ العاصِيَ؛ ونَجّى الطّائِعَ في كُلِّ أُمَّةٍ؛ عَلى حَسَبِ ما قالَ الرُّسُلُ؛ وهَذا هو مَعْنى رِضا اللَّهِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ وكَذِبِ مُخالِفِيهِمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ الهِدايَةِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الضَّلالِ ثانِيًا؛ وحُقُوقَ الضَّلالَةِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حُقُوقِ الهِدايَةِ أوَّلًا.
ثُمَّ التَفَتَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ؛ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ في نَظَرِ البَصِيرَةِ؛ إلّا الدَّلِيلُ المَحْسُوسُ لِلْبَصَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَسِيرُوا﴾؛ أيْ: فَإنْ كُنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ في شَكٍّ مِن إخْبارِ الرُّسُلِ؛ فَسِيرُوا ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ﴿فانْظُرُوا﴾؛ أيْ: إذا سِرْتُمْ؛ ومَرَرْتُمْ بِدِيارِ المُكَذِّبِينَ؛ وآثارِهِمْ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالفاءِ المُشِيرَةِ إلى التَّعَقُّبِ؛ دُونَ تَراخٍ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلِاسْتِدْلالِ المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ؛ الَّذِي تَجِبُ المُبادَرَةُ إلى الإقْلاعِ عَنْهُ؛ بِخِلافِ ”ثُمَّ انْظُرُوا“؛ في ”الأنْعامِ“؛ لِما تَقَدَّمَ؛ وأشارَ بِالِاسْتِفْهامِ إلى أنَّ أحْوالَهم مِمّا يَجِبُ أنْ يُسْألَ عَنْهُ؛ لِلِاتِّعاظِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا قُدْرَةَ عَلى الخَلاصِ مِنهُ؛ ﴿عاقِبَةُ﴾؛ أيْ (p-١٥٩)آخِرُ أمْرِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾؛ أيْ: مِن عادٍ؛ ومَن بَعْدَهُمُ؛ الَّذِينَ تَلَقَّيْتُمْ أخْبارَهم عَمَّنْ قَلَّدْتُمُوهم في الكُفْرِ مِن أسْلافِكُمْ؛ فَإنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِيما أمَرْتُهم بِإبْلاغِهِ؛ مُخالَفَةً لِأمْرِي؛ وعَمَلًا بِمَشِيئَتِي؛ فَأوْقَعْتُ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خالَفُوا أمْرِي بِاخْتِيارِهِمْ؛ مَعَ جَهْلِهِمْ بِإرادَتِي؛ فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ؛ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهم.
النحل 16:37
ولَمّا كانَ المُحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإيصالِ في الِاسْتِدْلالِ إلى الأمْرِ المَحْسُوسِ؛ إلّا العِنادُ؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ مُلْتَفِتًا إلى الرَّؤُوفِ بِهِمُ؛ الشَّفِيقِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُسَلِّيًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾؛ فَتَطْلُبْهُ بِغايَةِ جِدِّكَ؛ واجْتِهادِكَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أيْ: هُوَ؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الدّالِ -؛ و”مِن هادٍ ما؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ“؛ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿مَن يُضِلُّ﴾؛ أيْ: مَن يَحْكُمُ بِضَلالِهِ؛ وهو الَّذِي أضَلَّهُمْ؛ فَلا يُمْكِنُ غَيْرَهُ أنْ يَهْدِيَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا غالِبَ لِأمْرِهِ؛ وقُرِئَ شاذًّا بِفَتْحِ الياءِ؛ مِن ”ضَلَّ“؛ بِمَعْنى نَسِيَ؛؛ أيْ: فَلا تُمْكِنُ هِدايَةُ مَن نَسِيَهُ؛ أيْ (p-١٦٠)تَرَكَهُ مِنَ الهِدايَةِ؛ تَرْكَ المَنسِيِّ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في يَدِ غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ ونَقَلَ الصَّغانِيُّ في ”مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ“؛ أنَّهُ يُقالُ: ”ضَلَّ فَلانٌ البَعِيرَ“؛ أيْ: أضَلَّهُ؛ و”الضَّلالُ“؛ عِنْدَ العَرَبِ: سُلُوكُ غَيْرِ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِسُلُوكِ البَعِيرِ غَيْرَ المَقْصُودِ؛ فَمَعْنى الآيَةِ: لا يَهْدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ؛ - بِفَتْحِ الياءِ -؛ أيْ: يَكُونُ سَبَبًا لِسُلُوكِهِ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فَلا تَحْزَنْ؛ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِنُصْحِكَ؛ وإخْلاصِكَ في الدُّعاءِ؛ ولا يَقَعْ في فِكْرِكَ أنَّ في دُعائِكَ نَقْصًا؛ إنَّما النَّقْصُ في مَرائِيهِمُ العَمْياءِ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما لَهُمْ﴾؛ - أيْ: هَؤُلاءِ؛ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ؛ وجَمِيعِ مَن يُضِلُّهُ؛ ﴿مِن ناصِرِينَ﴾؛ أيْ: يَنْصُرُونَهم عِنْدَ مُجازاتِهِمْ عَلى الضَّلالِ؛ لِيُنْقِذُوهم مِمّا لَحِقَهم عَلَيْهِ مِنَ الوَبالِ؛ كَما فُعِلَ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ - عَطْفٌ عَلى نَتِيجَةِ ما قَبْلَهُ؛ وهُوَ: فَلا هادِيَ لَهُمْ؛ ما أرادَ اللَّهُ ضَلالَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَقْرِيعٌ؛ وحَثٌّ؛ وتَهْيِيجٌ عَلى أنْ يَقُومُوا بِأنْفُسِهِمْ؛ ويَسْتَعِينُوا بِمَن شاؤُوا عَلى نَصْبِ دَلِيلِ ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهم أتْبَعُ النّاسِ لِلْحَقِّ؛ إمّا بِأنْ يُبَرْهِنُوا عَلى صِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ؛ أوْ يُعِينُوهم عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ؛ أوْ يَكُفُّوا عَنْهُمُ العَذابَ إذا حاقَ بِهِمْ.
النحل 16:38
(p-١٦١)ولَمّا كانَ مِن حَقِّهِمْ - بَعْدَ قِيامِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وبُلُوغِ حِكْمَتِهِ في إبْداعِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ مِمّا نَعْلَمُ؛ وما لا نَعْلَمُ؛ عَلى أبْدَعِ تَرْتِيبٍ؛ وأحْسَنِ نِظامٍ - تَصْدِيقُ الهُداةِ في إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُعِيدُهم لِلْبَعْثِ؛ وأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا؛ ولا طَرَقُوا لِذَلِكَ احْتِمالًا؛ بَلْ حَلَفُوا عَلى نَفْيِهِ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُمْ؛ ولا إخْبارٍ عَنْ عِلْمٍ وصَلَ إلَيْهِمْ؛ فِعْلَ الجِلْفِ الجافِي الغَبِيِّ العاسِيِّ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَعْجِيبًا آخَرَ مِن حالِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهم في ذَلِكَ؛ دالًّا عَلى أنَّ اعْتِقادَهم مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى قَوْلِ الأُولى؛ وما تَفَرَّعَ مِنها -: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ جُعِلَتِ الأيْمانُ جاهِدَةً؛ لِكَثْرَةِ ما بالَغُوا فِيها؛ ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿مَن يَمُوتُ﴾؛ أيْ: لا يُحْيِي أحَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ اسْتِنادًا مِنهم إلى مُجَرَّدِ اسْتِبْعادِ ما لَمْ تَجْرِ بِهِ – نَفْسِهِ - عِنْدَهم عادَةٌ؛ جُمُودًا مِنهم عَنْ حَلِّها بِأنَّ النَّشْأةَ الأُولى كانَتْ مِن غَيْرِ عادَةٍ؛ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ وأحَدُّهم أذْهانًا؛ وأثْقَبُهم أفْهامًا.
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلى﴾؛ أيْ: لَيَبْعَثَنَّهُمْ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ (p-١٦٢)مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ وعَدَ بِهِ ﴿وعْدًا﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ وزادَهُ تَأْكِيدًا؛ في مُقابَلَةِ اجْتِهادِهِمْ في أيْمانِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ؛ وهو لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَصارَ واجِبًا في الحِكْمَةِ كَوْنُهُ؛ وأمْرُ البَعْثِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ سَمِعَ أقْوالَ الهُداةِ؛ تارِكًا لِهَواهُ؛ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾؛ أيْ: بِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا عِلْمَ لَهم يُوصِلُهم إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عالِمِ الغَيْبِ؛ لا يُمْكِنُ عُقُولَهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ إرْشادٍ مِنَ اللَّهِ؛ ولا هم يَقْبَلُونَ أقْوالَ الدُّعاةِ إلَيْهِ؛ الَّذِينَ أيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ؛ لِتَقَيُّدِهِمْ بِما تُوَصِّلُهم إلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ وهي مَقْصُورَةٌ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ لا يُمْكِنُها التَّرَقِّي مِنهُ إلى عالَمِ الغَيْبِ بِغَيْرِ وساطَةٍ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَلِذَلِكَ تَرى الإنْسانَ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ؛ اسْتِبْعادًا لِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مَعْقُولٌ لا يَصِلُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ؛ وهو خَصِيمٌ مُبِينٌ.
النحل 16:39
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ؛ لِسَبْقِ الوَعْدِ بِهِ مِنَ القادِرِ؛ بَيَّنَ حِكْمَتَهُ بِأمْرٍ مُبِينٍ؛ أنَّهُ لا يُسَوِّغُ تَرْكَهُ بِوَجْهٍ؛ وهو أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنَّ أحَدًا - مَلِكًا؛ فَما دُونَهُ - يَأْمُرُ عَبِيدَهُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يُهْمِلُهم فَلا يَسْألُهُمْ؛ ولا سِيَّما إنِ اخْتَلَفُوا؛ ولا سِيَّما إنْ أدّى اخْتِلافُهم إلى المُقاطَعَةِ؛ والمُقاتَلَةِ؛ (p-١٦٣)فَكَيْفَ إنْ كانَ حاكِمًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ حَكِيمًا؟! فَكَيْفَ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ؟! فَقالَ - مُعَلِّقًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”بَلى“ -: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: فَعَلَهُ؛ ووَعَدَ بِهِ؛ فَهو يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِلنّاسِ؛ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ اخْتِلافُهم ﴿فِيهِ﴾؛ مِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويَجْزِي كُلًّا بِما عَمِلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ؛ الَّذِي هو فِعْلُهُ؛ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: جَهِلُوا الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهم سَتَرُوها؛ لِأنَّها لِظُهُورِها لا تُجْهَلُ؛ ﴿أنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿كاذِبِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الكَذِبِ؛ في إنْكارِهِمْ لِلْمَعادِ؛ وزَعْمِهِمْ أنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالمَفازِ؛ عِلْمَ اليَقِينِ؛ وعَيْنَ اليَقِينِ؛ وحَقَّ اليَقِينِ.
النحل 16:40
ولَمّا بَيَّنَ تَحَتُّمَهُ وحِكْمَتَهُ؛ بَيَّنَ إمْكانَهُ؛ ويُسْرَهُ عَلَيْهِ؛ وخِفَّتَهُ لَدَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما قَوْلُنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِشَيْءٍ﴾؛ إبْداءً؛ وإعادَةً؛ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾؛ أيْ: أرَدْنا كَوْنَهُ؛ ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَحْكِيَّ القَوْلِ النَّفْسِيِّ؛ فَقالَ - بانِيًا مِن ”كانَ“؛ التّامَّةِ؛ ما دَلَّ عَلى مُوافَقَةِ الأشْياءِ المُرادَةِ مُوافَقَةَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ المُطاعِ -: ﴿كُنْ﴾؛ أيْ: احْدُثْ؛ ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ أنَّهُ يَكُونُ؛ حِينَ تُعَلَّقُ القُدْرَةُ بِهِ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ فَنَحْنُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِنَأْمُرَهُمْ؛ ونَنْهاهم.
النحل 16:41
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَفْصِيلًا لِفَرِيقَيِ المُبَيَّنِ لَهُمْ؛ وتَرْغِيبًا في الهِجْرَةِ؛ لِأنَّها بَعْدَ الإيمانِ أوْثَقُ عُرى الإسْلامِ -: ”فالَّذِينَ كَفَرُوا (p-١٦٤)واغْتَرُّوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ العَرَضِ الفانِي؛ لَنُخْزِيَنَّهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولَنُجازِيَنَّهم بِجَمِيعِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا المُهاجَرَةَ؛ فِرارًا بِدِينِهِمْ؛ فَهَجَرُوا آباءَهُمْ؛ وأبْناءَهُمْ؛ وأقارِبَهُمْ؛ مِنَ الكُفّارِ؛ ودِيارَهُمْ؛ وجَمِيعَ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بَعْدَما تَمادى المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ عَلى إيذائِهِمْ؛ فَتَرَكُوا لَهم بِلادَهم.
ولَمّا كانَتْ هِجْرَتُهم لَمْ تَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ لِمَوْتِ بَعْضِ مَن هَجَرُوهُ؛ وإسْلامِ آخَرِينَ؛ بَعْدَ احْتِمالِهِمْ لِظُلْمِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾؛ أيْ: وقَعَ ظُلْمُهم مِنَ الكُفّارِ؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَحْذُورَ وُقُوعُ الظُّلْمِ؛ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: نُوجِدُ لَهم مُنْزَلًا؛ هو أهْلٌ لِأنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ؛ بِما لَنا مِنَ المَلائِكَةِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ الجُنُودِ؛ وجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ مَباءَةً؛ ﴿حَسَنَةً﴾؛ كَبِيرَةً؛ عَظِيمَةً؛ جَزاءً لَهم عَلى خِدْمَتِنا؛ بِأنْ نُعْلِيَ أمْرَهُمْ؛ وإنْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ؛ كَما يَراهُ مَن يَتَدَبَّرُ؛ بِمَنعِي لِأوْلِيائِي؛ عَلى قِلَّتِهِمْ؛ وسَيَنْكَشِفُ الأمْرُ عَمّا قَرِيبٍ؛ انْكِشافًا (p-١٦٥)لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ؛ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى ما قَبْلَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَنُبَوِّئَنَّهم في الآخِرَةِ أجْرًا كَبِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ﴾؛ المُعَدُّ لَهُمْ؛ ﴿أكْبَرُ﴾؛ مِمّا جَعَلْتُهُ لَهم في الدُّنْيا؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفّارُ لَهم - بِجِبِلّاتِهِمْ - عِلْمٌ؛ بِأنْ يَكُونَ لَهم عَقْلٌ يَتَدَبَّرُونَ بِهِ؛ لَعَلِمُوا - بِإحْسانِي إلى أوْلِيائِي في الدُّنْيا؛ مِن مَنعِي لَهم مِنهُمْ؛ في عِنادِهِمْ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ وقِلَّتِهِمْ؛ وإسْباغِي لِنِعَمِي عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما في الأماكِنِ الَّتِي هاجَرُوا إلَيْها مِنَ الحَبَشَةِ؛ والمَدِينَةِ؛ وغَيْرِهِما؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في مَنعِها عَنْهم - أنِّي أجْمَعُ لِأوْلِيائِي الدّارَيْنِ؛ وأنَّ إحْسانِي إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ أعْظَمُ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: ”خُذْ؛ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ؛ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا؛ وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرُ وأفْضَلُ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
النحل 16:42
ولَمّا نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ وكانَ فِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ نَوْعُ غُمُوضٍ؛ لِظُهُورِ الكَفَرَةِ في بادِي الرَّأْيِ؛ وصَفَهم بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِجْلابِ لِتَمامِهِ؛ حَثًّا؛ وإلْهابًا؛ فَقالَ (تَعالى) - واصِفًا لِلْمُهاجِرِينَ؛ بَيانًا لِأصْلِ ما حَمَلَهم (p-١٦٦)عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ هَذا الأجْرَ الجَزِيلَ -: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ أيْ: اسْتَعْمَلُوا الصَّبْرَ عَلى ما نابَهم مِنَ المَكارِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في الإقامَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مُدَّةً؛ ثُمَّ في الهِجْرَةِ؛ بِمُفارَقَةِ الوَطَنِ؛ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ؛ المُشْرَبُ حُبُّهُ لِكُلِّ قَلْبٍ؛ فَكَيْفَ بِقُلُوبِ مَن هو مَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ؛ ومَأْلَفُ أبْدانِهِمْ؛ ونُفُوسِهِمْ؛ وفي بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ما يَحْمِلُ عَلى التَّوَكُّلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإيجادِهِمْ؛ وهِدايَتِهِمْ؛ وحْدَهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ في كُلِّ حالَةٍ يُرِيدُونَها؛ رِضًا بِقَضاءِ اللَّهِ (تَعالى).
النحل 16:43
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ؛ وكانَ عاقِبَةُ مَن كَذَّبَهُمُ الهَلاكَ؛ بِدَلالَةِ آثارِهِمْ؛ وكانُوا قَدْ قَدَحُوا في الرِّسالَةِ؛ بِكَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ ثُمَّ بِكَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَلَكٌ يُؤَيِّدُهُ؛ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِهِ أفْهَمَهم عَنْهُ؛ مَعَ أنَّهُ أجَلُّ مَن تَوَكَّلَ وصَبَرَ؛ عائِدًا إلى مَظْهَرِ الجَلالِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ يُظْهِرُ مَن يَشاءُ عَلى مَن يَشاءُ -: ﴿وما أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ إنَّما كانَ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ (p-١٦٧)بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ إلى الأُمَمِ مِن طَوائِفِ البَشَرِ؛ ﴿إلا رِجالا﴾؛ لا مَلائِكَةً؛ بَلْ آدَمِيِّينَ؛ هم في غايَةِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّوَكُّلِ؛ والصَّبْرِ؛ الَّذِي هو مَحَطُّ الرِّجْلَةِ؛ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾؛ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ؛ وما أحْسَنَ تَعْقِيبَ ذَلِكَ لِلصّابِرِينَ! لِأنَّ الرُّسُلَ أصْبَرُ النّاسِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ فَزِعُوا إلى سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ في بَعْضِ الأُمُورِ؛ وكانُوا قَدْ أُوتُوا عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ سَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ الأمْرَ بِسُؤالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لَهُمْ؛ ولِكُلٍّ مَن أرادَ الِاسْتِثْباتَ مِن غَيْرِهِمْ -: ﴿فاسْألُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ ومَن أرادَ؛ مِن سِواهُمْ؛ ﴿أهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أيْ: العِلْمِ بِالكِتابِ؛ سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّ الذِّكْرَ - الَّذِي هو ضِدُّ السَّهْوِ - بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْهِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ كَأنَّ الجاهِلَ ساهٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ ساهِيًا؛ وكَذا الذِّكْرُ - الَّذِي هو الكَلامُ المَذْكُورُ - سَبَبٌ لِلْعِلْمِ.
ولَمّا كانَ عِنْدَهم حِسٌّ مِن ذَلِكَ؛ بِسَماعِ أخْبارِ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أوْ هو التَّنْفِيرُ مِنَ الرِّضا بِالجَهْلِ.
النحل 16:44
ولَمّا كانَتْ رُسُلُ المُلُوكِ تَقْتَرِنُ بِما يُعَرِّفُ بِصِدْقِهِمْ؛ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ دَلالَةٍ أُرْسِلُوا؟ -: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ المُعَرِّفَةِ بِصِدْقِهِمْ؛ (p-١٦٨)﴿والزُّبُرِ﴾؛ أيْ: الكُتُبِ الهادِيَةِ إلى أوامِرِ مُرْسِلِهِمْ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ الأدِلَّةِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِهِ؛ مَدْلُولًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ بِواوِ العَطْفِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وكَذَلِكَ أرْسَلْناكَ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ“ -: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُوجِبَ لِلذِّكْرِ؛ المُعْلِيَ لِلْقَدْرِ؛ المُوصِلَ إلى مَنازِلِ الشَّرَفِ؛ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾؛ كافَّةً؛ بِما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الفَهْمِ؛ الَّذِي فُقْتَ فِيهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ واللِّسانِ الَّذِي هو أعْظَمُ الألْسِنَةِ؛ وأفْصَحُها؛ وقَدْ أوْصَلَكَ اللَّهُ فِيهِ إلى رُتْبَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْها أحَدٌ؛ ﴿ما نُـزِّلَ﴾؛ أيْ: وقَعَ تَنْزِيلُهُ ﴿إلَيْهِمْ﴾؛ مِن هَذا الشَّرْعِ الحادِي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ بِتَبْيِينِ المُجْمَلِ؛ وشَرْحِ ما أُشْكِلَ؛ مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ الَّذِي رَأْسُهُ التَّوْحِيدُ؛ ومِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وهو شامِلٌ لِبَيانِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ لِأهْلِها؛ لِيَدُلَّهم عَلى ما نُسِخَ؛ وعَلى ما بَدَّلُوهُ فَمُسِخَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَعَلَّهم بِحُسْنِ بَيانِكَ يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بَيانًا (p-١٦٩)لِشَرَفِ العِلْمِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ إذا نَظَرُوا أسالِيبَهُ الفائِقَةَ؛ ومَعانِيَهُ العالِيَةَ الرّائِقَةَ؛ فَيَصِلُوا بِالفِكْرِ فِيهِ - بِسَبَبِ ما فَتَحْتُ لَهم مِن أبْوابِ البَيانِ - إلى حالاتِ المَلائِكَةِ؛ بِأنْ تَغْلِبَ أرْواحُهم عَلى أشْباحِهِمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ (تَعالى) واحِدٌ؛ قادِرٌ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ وأنَّهُ يُقِيمُ النّاسَ لِلْجَزاءِ؛ فَيُطِيعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً؛ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ شَرَفَيِ الطّاعَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها الأرْواحُ؛ والِانْكِفافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْها النُّفُوسُ بِواسِطَةِ الأشْباحِ.
النحل 16:45
ولَمّا نَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى التَّفَكُّرِ؛ وكانَ داعِيًا لِلْعاقِلِ إلى تَجْوِيزِ المُمْكِنِ؛ والبُعْدِ مِنَ الخَطَرِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ إنْكارَ الأمْنِ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أفَأمِنَ﴾؛ أيْ: أتَفَكَّرُوا؛ فَتابُوا؛ أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى عُتُوِّهِمْ؟ أفَأمِنَ ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا﴾؛ بِالِاحْتِيالِ في قَتْلِ الأنْبِياءِ؛ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ؛ الَّذِي أرْسَلَهم بِهِ؛ المَكْراتِ ﴿السَّيِّئاتِ أنْ﴾؛ يُجازَوْا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ؛ بِأنْ ﴿يَخْسِفَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿بِهِمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الأرْضَ﴾؛ فَإذا هم في بَطْنِها؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ تَقَلُّبٍ بِمُدافَعَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ كَما فُعِلَ بِقارُونَ وأصْحابِهِ؛ وبِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِن قَبْلِهِمْ؛ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾؛ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ بِهِ في حالَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ شُعُورًا ما؛ وهم في حالِ سُكُونٍ؛ ودَعَةٍ؛ بِنَوْمٍ؛ أوْ غَفْلَةٍ؛
النحل 16:46
﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ (p-١٧٠)؛ أيْ: اللَّهُ؛ بِعَذابِهِ؛ ﴿فِي﴾؛ حالَ ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ وتَصَرُّفُهُمْ؛ ومَشاعِرُهم حاضِرَةٌ وقُواهم مُسْتَجْمَعَةٌ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ مَفْرُوضَةً في حالِ أمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ وكانَ الأمْنُ مِنَ العَدُوِّ يَكُونُ عَنْ ظَنِّ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أيْ: في حالَةٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ؛ سَواءٌ عَلَيْنا غَفْلَتُهُمْ؛ ويَقَظَتُهُمْ؛
النحل 16:47
ولَمْ يُعَلِّلْ ما بَعْدَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُتَخَوَّفَ مُجَوِّزٌ لِلْعَجْزِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ أخْذَ غَضَبٍ؛ ﴿عَلى تَخَوُّفٍ﴾؛ مِنهم مِنَ العَذابِ؛ وتَحَفُّظٍ مِن أنْ يَقَعَ بِهِمْ ما وقَعَ بِمَن قَبْلَهُمْ؛ مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما مَضى عَذابُ الِاسْتِئْصالِ؛ وبِهَذا الأخْذُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ فَإنَّ التَّخَوُّفَ التَّنَقُّصُ عِنْدَ هُذَيْلٍ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَألَ النّاسَ عَنْها؛ فَسَكَتُوا؛ فَأجابَهُ شَيْخٌ مِن هُذَيْلٍ بِأنَّهُ التَّنَقُّصُ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها؟“؛ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ شاعِرُنا؛ (p-١٧١)أبُو كَثِيرٍ الهُذَلِيُّ؛ يَصِفُ ناقَةً:
؎تَخَوَّفَ الرَّحْلُ مِنها تامِكًا قَرِدًا ∗∗∗ كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ
فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”أيُّها النّاسُ؛ عَلَيْكم بِدِيوانِكم لا يَضِلَّ“؛ قالُوا: وما دِيوانُنا؟ قالَ: ”شِعْرُ الجاهِلِيَّةِ؛ فَإنَّ فِيهِ تَفْسِيرَ كِتابِكُمْ؛ ومَعانِيَ كَلامِكُمْ“.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَمْ يَأْمَنُوا ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ“؛ ولَكِنَّ جَهْلَهم بِاللَّهِ - لِطُولِ أناتِهِ؛ وحِلْمِهِ – غَرَّهُمْ"؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ - التِفاتًا إلى الخِطابِ؛ اسْتِعْطافًا -: ﴿فَإنَّ رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم بِإهْلاكِ مَن يُرِيدُ؛ وإبْقاءِ مَن يُرِيدُ؛ ﴿لَرَءُوفٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الرَّحْمَةِ لِمَن يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِنَوْعِ وسِيلَةٍ؛ وكَذا لِمَن قاطَعَهُ أتَمَّ مُقاطَعَةٍ؛ وإلَيْهِ أشارَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): (p-١٧٢)﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إمْهالِهِ لَهم في كُفْرِهِمْ؛ وطُغْيانِهِمْ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِمُ؛ العِلْمُ بِأنَّ تَرْكَهُ لِمُعاجَلَتِهِمْ ما هو إلّا لِرَأْفَتِهِ؛ ورَحْمَتِهِ.
النحل 16:48
ولَمّا خَوَّفَهُمْ؛ دَلَّ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ عَلى ذَلِكَ وغَيْرِهِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”أوَلَمْ يَرَوْا إلى عَجْزِهِمْ عَمّا يُرِيدُونَ؛ وقَسْرِهِ لَهم عَلى ما لا يُرِيدُونَ؛ فَيَعْلَمُوا بِذَلِكَ قُدْرَتَهُ وعَجْزَهُمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّ عَفْوَهُ عَنْ جَرائِمِهِمْ إحْسانٌ مِنهُ إلَيْهِمْ؛ ولُطْفٌ بِهِمْ“ -: ﴿أوَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ حَقُّهُمُ المُبادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ تَخْوِيفًا فَقالَ (تَعالى): ﴿يَرَوْا﴾؛ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ؛ بِالخِطابِ؛ عَلى نَسَقِ ما قَبْلَهُ؛ أيْ: يَنْظُرُوا بِعُيُونِ الإبْصارِ؛ مُتَفَكِّرِينَ بِالبَصائِرِ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إلى ما خَلَقَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: لَهُ ظِلٌّ؛ ﴿يَتَفَيَّأُ﴾؛ أيْ: تَتَرَجَّعُ إلى جِهَةِ الشّاخِصِ؛ ﴿ظِلالُهُ﴾؛ وهو ما سَتَرَهُ الشّاخِصُ عَنِ الشَّمْسِ؛ مُتَجاوِزَةً لَهُ؛ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾؛ وهي ما عَلى يَمِينِ المُسْتَدِيرِ لِلشِّمالِ؛ المُسْتَقْبِلِ لِلْجَنُوبِ؛ الَّذِي هو ناحِيَةُ الكَعْبَةِ لِمَن في بِلادِ الشّامِ؛ الَّتِي هي مَسْكَنُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأفْرَدَ لِأنَّ (p-١٧٣)الظِّلَّ يَكُونُ أوَّلَ ما تُشْرِقُ الشَّمْسُ مُسْتَقِيمًا إلى تِلْكَ الجِهَةِ؛ عَلى اسْتِواءٍ؛ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿والشَّمائِلِ﴾؛ لِأنَّ الشَّمْسَ كُلَّما ارْتَفَعَتْ تَحَوَّلَ ذَلِكَ الظِّلُّ راجِعًا إلى جِهَةِ ما وراءَ الشّاخِصِ؛ ولا يَزالُ كَذَلِكَ إلى أنْ يَنْتَصِبَ عِنْدَ الغُرُوبِ إلى جِهَةِ يَسارِهِ؛ قَصْدًا عَلى ضِدِّ ما كانَ انْتَصَبَ إلَيْهِ عِنْدَ الشُّرُوقِ؛ فَلَمّا كانَ بَعْدَ انْتِصابِهِ إلى جِهَةِ اليَمِينِ طالِبًا في تَفَيُّئِهِ جِهَةَ اليَسارِ؛ سُمِّيَتْ تِلْكَ الجِهاتُ الَّتِي تَفَيَّأ فِيها بِاسْمِ ما هو طالِبُهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى قِلَّةِ الجَيِّدِ المُسْتَقِيمِ؛ وكَثْرَةِ المُنْحَرِفِ الرَّدِيءِ.
ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الخاضِعِينَ أدَلَّ عَلى القَهْرِ؛ وأهْيَبَ؛ جَمَعَ؛ بِالنَّظَرِ إلى مَعْنى ”ما“؛ في قَوْلِهِ: ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ خُضَّعًا ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ بِما فِيهِمْ مِنَ الحاجَةِ إلى مُدَبِّرِهِمْ.
ولَمّا كانَ امْتِدادُ الظِّلِّ قَسْرِيًّا لا يُمْكِنُ أحَدًا الِانْفِصالُ عَنْهُ؛ قالَ - جامِعًا بِالواوِ والنُّونِ؛ تَغْلِيبًا -: ﴿وهم داخِرُونَ﴾؛ ذُلًّا وصَغارًا؛ لا يَمْتَنِعُ شَيْءٌ مِنهم عَلى تَصْرِيفِهِ؛ وخَصَّ الظِّلَّ بِالذِّكْرِ؛ لِسُرْعَةِ تَغَيُّرِهِ؛ والتَّغَيُّرُ دالٌّ عَلى المُغَيِّرِ.
النحل 16:49
ولَمّا حَكَمَ عَلى الظِّلالِ بِما عَمَّ أصْحابَها مِن جَمادٍ؛ وحَيَوانٍ؛ وكانَ الحَيَوانُ (p-١٧٤)أشْرَفَ مِنَ الجَمادِ؛ رَقّى الحُكْمَ إلَيْهِ بِخُصُوصِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يَسْجُدُ﴾؛ أيْ: يَخْضَعُ بِالِانْقِيادِ لِلْمَقادِيرِ؛ والجَرْيِ تَحْتَ الأقْضِيَةِ؛ وعَبَّرَ بِما هو ظاهِرٌ في غَيْرِ العُقَلاءِ؛ مَعَ شُمُولِهِ لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْمُبالَغَةِ في إثْباتِ الحُكْمِ عَلى الطّائِعِ؛ والعاصِي؛ أعادَ المَوْصُولَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما في الأرْضِ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: عاقِلَةٍ؛ وغَيْرِ عاقِلَةٍ.
ولَمّا كانَ المُقَرَّبُ قَدْ يَسْتَهِينُ بِمَن يُقَرِّبُهُ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِخُضُوعِ المُقَرَّبِينَ؛ تَخْصِيصًا لَهُمْ؛ وإنْ كانَ الكَلامُ قَدْ شَمِلَهم -: ﴿والمَلائِكَةُ﴾
ولَمّا كانَ الخاضِعُ قَدْ يُحْكَمُ بِخُضُوعِهِ؛ وإنْ كانَ باطِنُهُ مُخالِفًا لِظاهِرِهِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أنَّ في غَيْرِهِمْ مَن يَسْتَكْبِرُ؛ فَيَكُونُ انْقِيادُهُ لِلْإرادَةِ كَرْهًا؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّجُودَيْنِ: المُوافِقِ لِلْأمْرِ والإرادَةِ طَوْعًا؛ والمُوافِقِ لِلْإرادَةِ؛ المُخالِفِ لِلْأمْرِ كَرْهًا؛ بِلَفْظٍ واحِدٍ؛ لِأنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ مَفْهُومَيِ المُشْتَرَكِ؛ والحَقِيقَةِ والمَجازِ بِلَفْظٍ -: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: المَلائِكَةُ؛ ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛
النحل 16:50
ثُمَّ عَلَّلَ خُضُوعَهم بِقَوْلِهِ - دَلالَةً عَلى أنَّهم كَغَيْرِهِمْ في الوُقُوفِ بَيْنَ الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ -: ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدَ لَهُمْ؛ المُدَبِّرَ لِأُمُورِهِمْ؛ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ خَوْفًا مُبْتَدِئًا ﴿مِن فَوْقِهِمْ﴾؛ إشارَةً إلى عُلُوِّ الخَوْفِ عَلَيْهِمْ؛ وغَلَبَتِهِ لَهُمْ؛ أوْ حالَ كَوْنِ رَبِّهِمْ؛ مَعَ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ لَهُ العُلُوُّ والجَبَرُوتُ؛ فَهو المَخُوفُ المَرْهُوبُ؛ (p-١٧٥)فَهم عَمّا نُهُوا عَنْهُ يَنْتَهُونَ؛ ﴿ويَفْعَلُونَ﴾؛ أيْ: بِداعِيَةٍ عَظِيمَةٍ؛ عِلْمًا مِنهم بِما عَلَيْهِمْ لِرَبِّهِمْ مِنَ الحَقِّ؛ مَعَ عَدَمِ مُنازِعٍ مِن حَظٍّ؛ أوْ شَهْوَةٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهم مُكَلَّفُونَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما يُؤْمَرُونَ﴾؛ فَهم لِرَحْمَتِهِ لَهم يَرْجُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ الخَوْفِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الرَّجاءِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الفِعْلِ ثانِيًا دالٌّ عَلى الِانْتِهاءِ أوَّلًا.
النحل 16:51
ولَمّا كانَ التَّوْحِيدُ أعْظَمَ المَأْمُوراتِ؛ وكانَ العِصْيانُ فِيهِ أعْظَمَ العِصْيانِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أكْثَرَ التَّخْوِيفَ مِن عِصْيانِهِ؛ أبْلَغَ الأمْرَ إلى نِهايَتِهِ؛ بِالإخْبارِ بِأنَّ المَلائِكَةَ تَخافُهُ؛ وكانَ المَلائِكَةُ مِن أعْظَمِ المُوَحِّدِينَ؛ كَما كانُوا مِن أعْظَمِ السّاجِدِينَ؛ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِينَ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن أعْظَمِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ أتْبَعَها - عَطْفًا عَلى ”وأنْزَلَ إلَيْكَ الذِّكْرَ“؛ لِيَتَضافَرَ عَلى ذَلِكَ أدِلَّةُ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ وتَسْلِيكًا بِأحْوالِ المَلائِكَةِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وقالَ اللَّهُ﴾؛ فَعَبَّرَ لِأجْلِ تَعْظِيمِ المَقامِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الخاصِّ؛ الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا﴾؛ أيْ: لا تُكَلِّفُوا فِطَرَكُمُ الأُولى السَّلِيمَةَ المَجْبُولَةَ عَلى مَعْرِفَةِ أنَّ الإلَهَ واحِدٌ؛ إلى أنْ تَأْخُذَ في اعْتِقادِها ﴿إلَهَيْنِ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما عُلِمَ مِنَ المُقَدِّماتِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]؛ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ وهِيَ: ﴿إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]؛ لِاحْتِمالِ أنْ يَقُولَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنا (p-١٧٦)بِذَلِكَ؛ وإنْ دَلَّتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ؛ ويَجُوزُ - وهو أقْرَبُ - أنْ يُعْطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ [النحل: ٣٥]؛ تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ بِأنَّهُمُ احْتَجُّوا بِحُكْمِهِ؛ ولَمْ يُبادِرُوا إلى امْتِثالِ أمْرِهِ.
ولَمّا كانَ قَدْ فُهِمَ المُرادُ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما قالَ المُتَعَنِّتُ: إنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ تَكْثِيرُ الأسْماءِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ ومُحَقِّقًا -: ﴿اثْنَيْنِ﴾؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأُلُوهِيَّةَ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِإمْكانِ التَّنازُعِ المَلْزُومِ لِلْعَجْزِ؛ المُنافِي لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ؛ مُطْلَقُ العَدَدِ يُنافِي المَنِيفَةَ الشَّمّاءَ؛ وفي ذَلِكَ أيْضًا - مَعَ كَوْنِ مَعْبُوداتِهِمْ كانَتْ كَثِيرَةً - إشارَةٌ إلى أنَّ ما يُسَمّى آلِهَةً - وإنْ زادَ عَدَدُهُ - يَرْجِعُ بِالحَقِيقَةِ إلى اثْنَيْنِ: خالِقٍ ومَخْلُوقٍ؛ ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ المَخْلُوقَ غَيْرُ صالِحٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ؛ فانْحَصَرَ الأمْرُ في الخالِقِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ الخالِقُ كانَ مُنْقَسِمًا؛ لا مَحالَةَ؛ وأقَلُّ ما يَنْقَسِمُ إلى اثْنَيْنِ؛ وبابُ الِاتِّخاذِ إذا كانَ مَفْعُولُهُ نَكِرَةً؛ اكْتُفِيَ بِواحِدٍ؛ كَما تَقُولُ: ”اتَّخَذْتُ بَيْتًا“؛ و”اتَّخَذْتُ زَوْجَةً“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ النَّهْيَ بِما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما هُوَ﴾؛ أيْ: الإلَهُ المَفْهُومُ مِن لَفْظِ ”إلَهَيْنِ“؛ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُهُ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ هَذا الضَّمِيرُ إلّا مَجازًا؛ لِأنَّهُ لا يُطْلَقُ إطْلاقًا حَقِيقِيًّا إلّا عَلى ما وجَدُوهُ مِن ذاتِهِ؛ ﴿إلَهٌ﴾؛ أيْ: يَسْتَحِقُّ هَذا الوَصْفَ عَلى الإطْلاقِ؛ (p-١٧٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ مُفْهِمًا لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ مِنَ النَّهْيِ عَنِ التَّثْنِيَةِ؛ وكانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ بِأنَّ المُرادَ إثْباتُ الإلَهِ؛ الدّالُّ عَلى الجِنْسِ؛ قالَ - رافِعًا لِكُلِّ شُبْهَةٍ -: ﴿واحِدٌ﴾؛ أيْ: لا يُمْكِنُ أنْ يُثَنّى بِوَجْهٍ؛ ولا أنْ يُجَزَّأ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ واحْتِياجِ كُلِّ شَيْءٍ إلَيْهِ؛ فَكُونُوا مِمَّنْ يَسْجُدُ لَهُ طَوْعًا؛ ولا تَكُونُوا مِمَّنْ لا يَسْجُدُ لَهُ إلّا كَرْهًا.
ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ لا يُعَيِّنُ الإلَهَ في المُتَكَلِّمِ؛ التَفَتَ إلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَإيّايَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الواحِدُ أنا؛ وحْدِي؛ لا شَرِيكَ لِي؛ فَمَن لَمْ يُوَحِّدْنِي أوْقَعْتُ بِهِ بِقُوَّتِي ما لا يُطِيقُهُ؛ لِعَجْزِهِ؛ ولَمّا كانَتِ الوَحْدانِيَّةُ مِمّا لا يَخْفى عَلى عاقِلٍ؛ وكانَتْ مَرْكُوزَةً في كُلِّ فِطْرَةٍ؛ بِدَلِيلِ الِاضْطِرابِ عِنْدَ المِحَنِ؛ والشَّدائِدِ؛ والفِتَنِ؛ وكانَتِ الرَّهْبَةُ - كَما مَضى عَنِ الحَرالِّيِّ في ”البَقَرَةِ“ - خاصَّةً بِالخَوْفِ مِمّا خالَفَ العاصِي فِيهِ العِلْمَ؛ عَبَّرَ بِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فارْهَبُونِ﴾؛ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ؛ ولا تَخافُوا شَيْئًا غَيْرِي؛ مِن صَنَمٍ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ قُدْرَةٌ؛ وإنْ أوْدَعْتُهُ فَإنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن إنْفاذِها؛ فالأمْرُ كُلُّهُ إلَيَّ وحْدِي.
النحل 16:52
(p-١٧٨)ولَمّا كانَ أُسْلُوبُ الغَيْبَةِ مِنَ الحاضِرِ دالًّا عَلى التَّرَدِّي بِحِجابِ الكِبَرِ؛ المُؤْذِنِ بِشِدَّةِ البَطْشِ؛ وسُرْعَةِ الِانْتِقامِ؛ وبُعْدِ المَقامِ؛ رَجَعَ إلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَهُ﴾؛ فَأعادَ الضَّمِيرَ عَلى اللَّهِ؛ الِاسْمِ العَلَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ﴿ما في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ قَدْ تَأكَّدَ وتَأطَّدَ؛ وظَهَرَ المُرادُ مِنهُ غايَةَ الظُّهُورِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إلى تَأْكِيدِهِ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: مِمّا تَعْبُدُونَهُ؛ وغَيْرِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلَهًا؛ وهو مِلْكُهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُحْتاجًا إلى الزَّمانِ؛ والمَكانِ؛ وغَيْرِهِما؛ ﴿ولَهُ الدِّينُ﴾؛ أيْ: الخُضُوعُ؛ والتَّذَلُّلُ مِن كُلِّ ما فِيهِما؛ ومَن فِيهِما؛ بِالطَّوْعِ؛ والكَرْهِ؛ بِإنْفاذِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ بِالصِّحَّةِ؛ والسُّقْمِ؛ والغِنى؛ والفَقْرِ؛ والحَياةِ؛ والمَوْتِ؛ والإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ والإذْلالِ؛ والإعْزازِ؛ والإقْبالِ؛ والإعْراضِ - كَما بَيَّنَ آنِفًا -؛ ولَهُ الدَّيْنُونَةُ بِالمُجازاةِ؛ ﴿واصِبًا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ ثابِتًا؛ عامًّا؛ لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ تَنْقَطِعُ مَمالِكُهم مَعَ خُصُوصِها؛ والمَعْبُوداتِ الَّتِي تَنْقَطِعُ عِبادَتُها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ (p-١٧٩)فَتَصِيرُ كاسِدَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ رابِحَةً؛ وإنْ طالَ المَدى؛ مَعَ خُصُوصِها بِناسٍ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ ولا يَخْلُو يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ لِمَلِكٍ غَيْرِهِ مِن جَرْيِ أُمُورٍ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ؛ وإنْ عَظُمَ سُلْطانُهُ؛ وعَلا شَأْنُهُ؛ وكَثُرَتْ أعْوانُهُ؛ فَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ مَن لَهُ أدْنى بَصَرٍ أنْ يَكُونَ غَيْرُهُ إلَهًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ فِي: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]؛ في ”هُودٍ“؛ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا الدَّلِيلُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ وكانَ مِن مَفْهُوماتِ الدِّينِ الجَزاءُ؛ النّاظِرُ إلى الأفْعالِ الواقِيَةِ مِمّا يَضُرُّ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ الشَّدِيدَ عَلى مَن يَلْتَفِتُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِهِ إلى غَيْرِهِ؛ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ دائِمٌ لا يَزُولُ؛ وأنَّ كُلَّ ما سِواهُ زائِلٌ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالتَّقْوى؛ الَّتِي هي نَتِيجَةُ الرَّهْبَةِ -: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿تَتَّقُونَ﴾؛
النحل 16:53
وأتْبَعَ ذَلِكَ ما يُوجِبُ تَعْظِيمَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَعَلَّقَ خَوْفٌ؛ ولا رَجاءٌ؛ إلّا بِهِ -: ﴿وما بِكُمْ﴾؛ أيْ: التَبَسَ بِكم أيُّها النّاسُ عامَّةً؛ مُؤْمِنِكُمْ؛ وكافِرِكُمْ؛ ﴿مِن نِعْمَةٍ﴾؛ أيْ: جَلِيلَةٍ؛ أوْ حَقِيرَةٍ؛ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ وحْدَهُ؛ لا مِن غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ إخْلاصُهم لَهُ - مَعَ ادِّعائِهِمْ أُلُوهِيَّةَ غَيْرِهِ - أمْرًا مُسْتَبْعَدًا؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي؛ والبُعْدِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ﴾؛ أيْ: أدْنى مَسٍّ؛ (p-١٨٠)﴿الضُّرُّ﴾؛ بِزَوالِ نِعْمَةٍ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ؛ ﴿فَإلَيْهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿تَجْأرُونَ﴾؛ أيْ: تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِعانَةِ؛ لِما رَكَزَ في فِطَرِكُمُ الأوَّلِيَّةِ السَّلِيمَةِ مِن أنَّهُ لا مَلْجَأ ولا مَنجى مِنهُ إلّا إلَيْهِ.
النحل 16:54
ولَمّا كانَ الرُّجُوعُ إلى الإشْراكِ بَعْدَ الإخْلاصِ مُسْتَبْعَدًا أيْضًا؛ لِاسْتِهْجانِهِمْ سُرْعَةَ الِاسْتِحالَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إذا كَشَفَ﴾؛ سُبْحانَهُ عَمّا تُشْرِكُونَ؛ ﴿الضُّرَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي مَسَّكُمْ؛ ﴿عَنْكُمْ﴾؛ ونَبَّهَ عَلى مُسارَعَةِ الإنْسانِ في الكُفْرانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إذا فَرِيقٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ هم أهْلُ فُرْقَةٍ وضَلالٍ؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيُّها العِبادُ؛ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾؛ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الإشْراكَ بِهِ؛ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ؛ تَغَيُّرًا مِنهم عَمّا كانُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الِاسْتِغاثَةِ بِهِ في الشِّدَّةِ؛ فَكانَ مُنْطَبِقًا عَلَيْهِمْ ما ضَرَبُوا المَثَلَ بِكَراهَتِهِ بِقَوْلِهِمْ:
؎وإذا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعى لَها ∗∗∗ وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدْعى جُنْدُبُ
وهَذا أجْهَلُ الجَهْلِ.
النحل 16:55
ولَمّا كانَ هَذا مَلْزُومًا بِجَحْدِ النِّعْمَةِ؛ وكانَ مِن شَأْنِ العاقِلِ البَصِيرِ (p-١٨١)بِالأُمُورِ - كَما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ - أنْ يَغْفُلَ عَنْ شَيْءٍ مِن لَوازِمِ ما يُقْدِمُ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿لِيَكْفُرُوا﴾؛ أيْ: يُوقِعُوا التَّغْطِيَةَ لِأدِلَّةِ التَّوْحِيدِ؛ الَّتِي دَلَّتْهم عَلَيْها غَرائِزُ عُقُولِهِمْ؛ ﴿بِما آتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ النِّعْمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم ما أقْدَمُوا عَلى ذَلِكَ الشِّرْكِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ؛ إحْلالًا لَهم مَحَلَّ العُقَلاءِ البُصَراءِ؛ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أعْلاهُمْ؛ ورَفْعًا لَهم عَنْ أحْوالِ مَن يُقْدِمُ عَلى ما لا يَعْلَمُ عاقِبَتَهُ؛ ولا خِزْيَ أعْظَمُ مِن هَذا؛ لِأنَّهُ أنْتَجَ أنَّ الجُنُونَ خَيْرٌ مِن عَقْلٍ يَكُونُ هَذا مَآلُهُ؛ فَهو مِن بابِ التَّهَكُّمِ؛ ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا أنْ يُقْبِلَ عَلى هَذا الفَرِيقِ إقْبالَ عالِمٍ قادِرٍ عَلَيْهِ؛ قائِلًا: تَمَتَّعُوا؛ ﴿فَسَوْفَ﴾؛ أيْ: فَإنَّ تَمَتُّعَكم عَلى هَذا الحالِ سَبَبٌ لِأنْ يُقالُ لَكم - تَهْدِيدًا -: سَوْفَ ﴿تَعْلَمُونَ﴾؛ غَبَّ تَمَتُّعِكُمْ؛ فَهو إقْبالُ الغَضَبِ؛ والتَّهْدِيدِ بِسُوءِ المُنْقَلَبِ؛ وحَذْفُ المُتَهَدَّدِ بِهِ أبْلَغُ؛ وأهْوَلُ لِذَهابِ النَّفْسِ في تَعْيِينِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
النحل 16:56
ولَمّا هَدَّدَهم بِإشْراكِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِكُفْرِ النِّعْمَةِ؛ أتْبَعَهُ عَجَبًا آخَرَ مِن أمْرِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ [النحل: ٣٨] -: (p-١٨٢)﴿ويَجْعَلُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرِيرِ؛ ﴿لِما لا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِمّا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ في نَفْسِهِ؛ وعَدَمًا مَحْضًا بِما وصَفُوهُ بِهِ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ﴾ [الرعد: ٣٣] -؛ ﴿نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِنَ الحَرْثِ؛ والأنْعامِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ تَقَرُّبًا إلَيْها؛ كَما مَضى شَرْحُهُ في ”الأنْعامِ“؛ ولَكَ أنْ تَعْطِفَهُ - وهو أقْرَبُ - عَلى ”يُشْرِكُونَ“؛ فَيَكُونَ داخِلًا في حَيِّزِ ”إذا“؛ أيْ: فاجَؤُوا مُقابَلَةَ نِعْمَتِهِ في الإنْجاءِ بِالإشْراكِ؛ والتَّقَرُّبِ بِرِزْقِهِ إلى ما الجَهْلُ بِهِ خَيْرٌ مِنَ العِلْمِ بِهِ؛ لِأنَّهُ عَدَمٌ؛ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهُ؛ ولا نَفْعَ في المَقامِ الَّذِي أقامُوهُ فِيهِ؛ ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِمُ التِفاتًا مُؤْذِنًا بِما يُسْتَحَقُّ عَلى هَذا الفِعْلِ مِنَ الغَضَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿لَتُسْألُنَّ﴾؛ يَوْمَ الجَمْعِ؛ ﴿عَمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو في جِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿تَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: تَتَعَمَّدُونَ في الدُّنْيا مِن هَذا الكَذِبِ؛ سُؤالَ تَوْبِيخٍ؛ وهو الَّذِي لا جَوابَ لِصاحِبِهِ إلّا بِما فِيهِ فَضِيحَتُهُ.
النحل 16:57
ولَمّا بَيَّنَ سَفَهَهم في صَرْفِهِمْ مِمّا آتاهم إلى ما هو في عِدادِ العَدَمِ؛ الَّذِي لا يُعْلَمُ؛ بَيَّنَ لَهم سَفَهًا هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ بِجَعْلِهِمْ لِمالِكِ المُلْكِ؛ ومَلِكِهِ؛ أحْقَرَ ما يُعِدُّونَهُ مِمّا أوْجَدَهُ لَهُمْ؛ لِافْتِقارِهِمْ إلَيْهِ؛ وغِناهُ عَنْهُ؛ عَلى وجْهِ (p-١٨٣)التَّوالُدِ المُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ؛ مَعَ كَراهَتِهِ لِأنْفُسِهِمْ؛ فَصارَ ذَلِكَ أعْجَبَ العَجَبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مَعْلُومَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ؛ لِاسْتِجْماعِهِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ تَقْرِيعَهُمْ؛ وكانَتِ الأُنُوثَةُ رُبَّما أُطْلِقَتْ عَلى كَرائِمِ الأشْجارِ؛ نَصَّ عَلى المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿البَناتِ﴾؛ فَلا أعْجَبَ مِنهُمْ؛ حَيْثُ يَجْعَلُونَ الوُجُودَ لِلْمَعْدُومِ المَجْهُولِ؛ ويَجْعَلُونَ العَدَمَ لِلْمَوْجُودِ المَعْلُومِ؛ ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ مُعَجِّبًا مِن وُقُوعِهِ مِن عاقِلٍ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سُبْحانَهُ﴾
ولَمّا ذَكَرَ ما جَعَلُوا لَهُ؛ مَعَ الغِنى المُطْلَقِ؛ بَيَّنَ ما نَسَبُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ مَعَ لُزُومِ الحاجَةِ؛ والضَّعْفِ؛ فَقالَ: ﴿ولَهم ما يَشْتَهُونَ﴾؛ مِنَ البَنِينَ؛ وذَلِكَ في جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ؛ مَدْلُولُها الثَّباتُ؛ لِيَكُونَ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِالفَضِيحَةِ؛ لِأنَّهم لا يَبْقَوْنَ لِأبْنائِهِمْ؛ ولا يَبْقى أبْناؤُهم لَهُمْ؛ وقَدْ يَكُونُونَ أعْدى أعْدائِهِمْ؛
النحل 16:58
ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم إذا حَصَلَ لَهم نَوْعُ ما جَعَلُوهُ لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا﴾؛ أيْ: جَعَلُوا كَذا؛ والحالُ أنَّهُ إذا ﴿بُشِّرَ أحَدُهُمْ﴾؛ ولَمّا تَعَيَّنَ وزالَ المَحْذُورُ؛ جَمَعَ بَيْنَ الخَساسَتَيْنِ؛ كَما بَيَّنَ آخِرَ ”الصّافّاتِ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿بِالأُنْثى﴾؛ أيْ: قابَلَ هَذِهِ البُشْرى (p-١٨٤)الَّتِي تَسْتَحِقُّ السُّرُورَ بِحُصُولِ نَسَمَةٍ تَكُونُ سَبَبًا لِزِيادَةِ هَذا النَّوْعِ؛ وقَدْ تَكُونُ سَبَبَ سَعادَتِهِ؛ دالَّةٍ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ؛ بِضِدِّ ما تَسْتَحِقُّ؛ مِمّا لا يُفِيدُهُ شَيْئًا؛ بِأنْ ﴿ظَلَّ وجْهُهُ﴾؛ وكَنّى عَنِ العُبُوسِ؛ والتَّكَدُّرِ؛ والغَبَرَةِ؛ بِما يَفُورُ فِيهِ مِنَ الغَيْظِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مُسْوَدًّا﴾؛ أيْ: مِنَ الغَمِّ؛ والكَراهَةِ؛ ولَعَلَّهُ اخْتِيرَ لَفْظُ ”ظَلَّ“؛ الَّذِي مَعْناهُ العَمَلُ نَهارًا؛ وإنْ كانَ المُرادُ العُمُومَ في النَّهارِ وغَيْرِهِ؛ دَلالَةً عَلى شُهْرَةِ هَذا الوَصْفِ شُهْرَةَ ما يُشاهَدُ نَهارًا؛ ﴿وهُوَ كَظِيمٌ﴾؛ مُمْتَلِئٌ غَيْظًا عَلى المَرْأةِ؛ ولا ذَنْبَ لَها بِوَجْهٍ؛ و”البِشارَةُ“؛ في أصْلِ اللُّغَةِ: الخَبَرُ الَّذِي يُغَيِّرُ البَشَرَةَ مِن حُزْنٍ؛ أوْ سُرُورٍ؛ ثُمَّ خُصَّ في عُرْفِ اللُّغَةِ بِالسُّرُورِ؛ ولا تَكُونُ إلّا بِالخَبَرِ الأوَّلِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا اللَّفْظِ تَنْبِيهًا عَلى تَعْكِيسِهِمْ لِلْأُمُورِ؛ في جَعْلِهِمْ؛ وسُرُورِهِمْ؛ وحُزْنِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ.
النحل 16:59
ولَمّا كانَ سَوادُ الوَجْهِ؛ والكَظْمُ؛ قَدْ لا يَصْحَبُهُ الخِزْيُ؛ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿يَتَوارى﴾؛ أيْ: يَسْتَخْفِي؛ بِما يَجْعَلُهُ في مَوْضِعٍ كَأنَّهُ الوَراءُ؛ لا اطِّلاعَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ؛ ﴿مِنَ القَوْمِ﴾؛ أيْ: الرِّجالِ؛ الَّذِينَ هو (p-١٨٥)فِيهِمْ؛ ﴿مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾؛ لِعَدِّهِ لَهُ خِزْيًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحَيْرَةِ في الفِكْرِ عِنْدَ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ﴾؛ أيْ: ذُلٍّ؛ وسُفُولِ أمْرٍ؛ ولَمّا كانُوا يُغَيِّبُونَ المَوْءُودَةَ في الأرْضِ؛ عَلى غَيْرِ هَيْئَةِ الدَّفْنِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّسِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ﴾؛ قالَ ابْنُ مَيْلَقٍ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا أدْرَكَها المَخاضُ احْتَفَرَتْ حُفَيْرَةً؛ وجَلَسَتْ عَلى شَفِيرِها؛ فَإنْ وضَعَتْ ذَكَرًا أظْهَرَتْهُ؛ وظَهَرَ السُّرُورُ عَلى أهْلِهِ؛ وإنْ وضَعَتْ أُنْثى اسْتَأْذَنَتْ مُسْتَوْلِدَها؛ فَإنْ شاءَ أمْسَكَها عَلى هُونٍ؛ وإنْ شاءَ أمَرَ بِإلْقائِها في الحُفَيْرَةِ؛ ورَدَّ التُّرابَ عَلَيْها وهي حَيَّةٌ؛ لِتَمُوتَ؛ انْتَهى؛ قالُوا: وكانَ الوَأْدُ في مُضَرَ؛ وخُزاعَةَ؛ وتَمِيمٍ.
ولَمّا كانَ حُكْمُهم هَذا بالِغًا في القَباحَةِ؛ وصَفَهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِقُبْحِهِ -: ﴿ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ ما يَكْرَهُونَهُ لِمَوْلاهُمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ؛ وجَعْلِ ما يَخْتارُونَهُ لَهم خاصًّا بِهِمْ.
النحل 16:60
ولَمّا كانَ شَرْحُ هَذا أنَّهم تَكَلَّمُوا بِالباطِلِ في جانِبِهِ (تَعالى)؛ وجانِبِهِمْ؛ بَيَّنَ ما هو الحَقُّ في هَذا المَقامِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما يُقالُ في ذَلِكَ؟ مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ الإقْدامَ عَلى الأباطِيلِ مِن غَيْرِ خَوْفٍ -: (p-١٨٦)﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يُوجِدُونَ الإيمانَ أصْلًا؛ ﴿بِالآخِرَةِ مَثَلُ﴾؛ أيْ: حَدِيثُ ﴿السَّوْءِ﴾؛ مِنَ الضَّعْفِ؛ والحاجَةِ؛ والذُّلِّ؛ والرُّعُونَةِ؛ ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿المَثَلُ﴾؛ أيْ: الحَدِيثُ؛ أوِ المِقْدارُ؛ أوِ الوَصْفُ؛ أوِ القِياسُ؛ ﴿الأعْلى﴾؛ مِنَ الغِنى؛ والقُوَّةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ بِحَيْثُ لا يَلْحَقُهُ حاجَةٌ؛ ولا ضَعْفٌ؛ ولا شائِبَةُ نَقْصٍ أصْلًا؛ وأعْدَلُ العِباراتِ عَنْ ذَلِكَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ ويَتَأتّى تَنْزِيلُ المَثَلِ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما سَيَأْتِي إيضاحُهُ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في سُورَةِ ”الرُّومِ“.
ولَمّا كانَ أمْرُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أجَلَّ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ؛ وتَصِلُ إلَيْهِ الأفْهامُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ فَلا نَظِيرَ لَهُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي لا يُوقِعُ شَيْئًا إلّا في مَحَلِّهِ؛ فَلَوْ عامَلَهم بِما يَسْتَحِقُّونَهُ مِن هَذِهِ العَظائِمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَنْهُمْ؛ لَأخْلى الأرْضَ مِنهُمْ؛
النحل 16:61
﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿النّاسَ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحِكْمَةِ؛ وكانَ الظُّلْمُ - الَّذِي هو إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ - شَدِيدَ المُنافاةِ لَها؛ وكانَ الشِّرْكُ - الَّذِي هَذا سِياقُهُ - (p-١٨٧)أظْلَمَ الظُّلْمِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالوَصْفِ الشّامِلِ لِما وقَعَ مِنهم مِنهُ بِالفِعْلِ؛ ولِما هم مُنْطَوُونَ عَلَيْهِ؛ وهو وصْفٌ لَهُمْ؛ ولَمْ يُباشِرُوهُ إلى الآنَ بِالفِعْلِ؛ قالَ -: ﴿بِظُلْمِهِمْ﴾؛ أيْ: يُعامِلُهم مُعامَلَةَ النّاظِرِ لِخَصْمِهِ؛ المَعامِلِ لَهُ بِمَحْضِ العَدْلِ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الفَضْلِ؛ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّ دَلالَتَها عَلى المُناقَشَةِ أبْلَغُ؛ ﴿ما تَرَكَ﴾؛ ولَمّا اقْتَضى الحالُ ذِكْرَ الظُّلْمِ؛ وكانَ سِياقُ هَذِهِ الآيَةِ أغْلَظَ مِن سِياقِ ”فاطِرٍ“؛ عَبَّرَ بِما يَشْمَلُ كُلَّ مَحْمُولِ الأرْضِ؛ سَواءٌ كانَ عَلى الظَّهْرِ؛ أوْ في البَطْنِ؛ مَغْمُورًا بِالماءِ؛ أوْ لا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿عَلَيْها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ المَعْلُومِ أنَّها مُسْتَقَرُّهُمُ؛ المَدْلُولُ عَلَيْها بِالتُّرابِ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: نَفْسٍ تَدِبُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ لِأنَّ الكُلَّ إمّا ظالِمٌ يُعاقَبُ بِظُلْمِهِ؛ وإمّا مِن مَصالِحِ الظّالِمِ؛ فَيُهْلِكُهُ عُقُوبَةً لِلظّالِمِ؛ أوْ لِأنَّهُ ما خَلَقَهم إلّا لِلْبَشَرِ؛ فَإذا أهْلَكَهُمْ؛ أهْلَكَهُمْ؛ كَما وقَعَ قَرِيبٌ مِنهُ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لا يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ؛ فَهو ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ إمْهالًا بِحِكْمَتِهِ؛ وحِلْمِهِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ ضَرَبَهُ لَهم في الأزَلِ. (p-١٨٨)ولَمّا قَطَعَ العِلْمَ بِالغايَةِ عَمّا يَكُونُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإعْلامِ بِما يَكُونُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾؛ الَّذِي حَكَمَ بِأخْذِهِمْ عِنْدَهُ؛ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾؛ أيْ: عَنْهُ؛ ﴿ساعَةً﴾؛ أيْ: وقْتًا هو عامُّ التَّعارُفِ بَيْنَكُمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ مِن أوَّلِها قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ الأجَلِ شَيْئًا.
النحل 16:62
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ أمارَةً عَلى كَراهَتِهِمْ لِما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بَعْدَ التَّلْوِيحِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾؛ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ؛ مِنَ البَناتِ؛ والأمْوالِ؛ والشُّرَكاءِ في الرِّئاسَةِ؛ ومِنَ الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِمْ؛ وجُنُودِهِمْ؛ والتَّهاوُنِ بِرِسالاتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَ جَراءَتَهم مَعَ ذَلِكَ؛ الكائِنَةَ في مَحَلِّ الخَوْفِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ التَّأمُّلِ اللّازِمِ لِعَدَمِ العَقْلِ؛ فَقالَ: ﴿وتَصِفُ﴾؛ أيْ: تَقُولُ مُعْتَقِدَةً مَعَ القَوْلِ الصَّفاءَ؛ ولَمّا كانَ قَوْلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ بِوَجْهٍ؛ أسْنَدَهُ إلى اللِّسانِ؛ فَقالَ: ﴿ألْسِنَتُهُمُ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ عاقِلٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾؛ أيْ: عِنْدَهُ؛ ولا جَهْلَ أعْظَمُ؛ ولا حُكْمَ أسْوَأُ مِن أنْ تَقْطَعَ بِأنَّ مَن تَجْعَلُ لَهُ ما تَكْرَهُ يَجْعَلُ لَكَ ما تُحِبُّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم (p-١٨٩)عِنْدَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا ظَنَّ؛ ولا تَرَدُّدَ في ﴿أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾؛ الَّتِي هي جَزاءُ الظّالِمِينَ؛ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾؛ أيْ: مُقَدَّمُونَ؛ مُعَجَّلُونَ إلَيْها؛ بِتَقْدِيمِ مَن يَسُوقُهم وإعْجالِهِ لَهُمْ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: مَتْرُوكُونَ فِيها؛ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ”ما أفْرَطْتُ ورائِي أحَدًا“؛ أيْ: ما خَلَّفْتُ؛ ولا تَرَكْتُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ والكَسْرِ؛ أيْ: مُبالِغُونَ في الإسْرافِ؛ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ.
النحل 16:63
ولَمّا بَيَّنَ مَآلَهُمْ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ لَهم مَن يُشَفَّعُ فِيهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ مِن حالِهِمْ؛ بِالقِياسِ عَلى أشْكالِهِمْ؛ تَهْدِيدًا؛ وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ رُسُلًا مِنَ الماضِينَ؛ ﴿إلى أُمَمٍ﴾؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ كَما أرْسَلْناكَ إلى هَؤُلاءِ؛ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ بِالغَضَبِ؛ المَطْرُودُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿أعْمالَهُمْ﴾؛ كَما زَيَّنَ لِهَؤُلاءِ؛ فَضَلُّوا كَما ضَلُّوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾؛ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في النّارِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى نَصْرِهِمْ؛ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى نَصْرِهِمْ لَما أسْلَمَهم لِلْهَلاكِ؛ وقَدْ أطاعُوهُ؛ بَلْ لَوْ عُدِمُوا وِلايَتَهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى لَهُمْ؛ فَهو نَفْيٌ لَأنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ؛ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
النحل 16:64
(p-١٩٠)ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى الخِلافَ؛ والضَّلالَ؛ والنِّقْمَةَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ لَهُمْ؛ وخَوِّفْهُمْ؛ لِيَرْجِعُوا؛ فَإنّا ما أرْسَلْناكَ إلّا لِذَلِكَ؛ ﴿وما أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ هُدًى؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الدُّعاءِ؛ والبَيانِ؛ عَبَّرَ بِما يَقْتَضِي الإيجابَ؛ فَقالَ: ﴿إلا لِتُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: غايَةَ البَيانِ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِمَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ وهُمُ الخَلْقُ كافَّةً؛ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ مِن جَمِيعِ الأُمُورِ؛ دِينًا ودُنْيا؛ لِكَوْنِكَ أغْزَرَهم عِلْمًا؛ وأثْقَبَهم فَهْمًا؛ وعَطَفَ عَلى مَوْضِعِ ”لِتُبَيِّنَ“؛ ما هو فِعْلُ المُنْزِلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: بَيانًا شافِيًا؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: وإكْرامًا بِمَحَبَّةٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما شَمِلَهُمْ؛ وهم عَلى ضَلالِهِمْ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ والتَّبْيِينُ: مَعْنًى يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالشَّيْءِ؛ مُنْفَصِلًا عَنْ غَيْرِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنِ المَعْنى نَفْسِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنْ صِحَّتِهِ؛ والبُرْهانُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ صِحَّتِهِ؛ فَهو أخَصُّ؛ والِاخْتِلافُ: ذَهابُ كُلٍّ إلى غَيْرِ جِهَةِ صاحِبِهِ؛ والهُدى: بَيانُ طَرِيقِ العِلْمِ المُؤَدِّي إلى الحَقِّ.
النحل 16:65
(p-١٩١)ولَمّا انْقَضى الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قُلُوبَهم مُنْكِرَةٌ اسْتِكْبارًا؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وخَتَمَهُ بِما أحْيا بِهِ القُلُوبَ بِالإيمانِ؛ والعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها بِالكُفْرِ؛ والجَهْلِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ القُرْآنِ تَقْرِيرَ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ؛ والنُّبُوّاتِ؛ والمَعادِ؛ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وكانَ أجَلُّ هَذِهِ المَقاصِدِ الإلَهِيّاتِ؛ شَرَعَ في أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ عَلى وجْهٍ غَيْرِ المُتَقَدِّمِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ أدِلَّةَ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أوْراقِ الأشْجارِ؛ وأجْلى مِن ضِياءِ النَّهارِ؛ فَعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]؛ قَوْلَهُ - جامِعًا في الدَّلِيلِ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ؛ والعالَمِ السُّفْلِيِّ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ؛ ﴿ماءً﴾؛ بِالمَطَرِ؛ والثَّلْجِ؛ والبَرَدِ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ الغَبْراءَ؛ ولَمّا كانَتْ عادَتُهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرَّةً؛ وكانَ السِّياقُ لِإثْباتِ دَعائِمِ الدِّينِ؛ وكانَ الإحْياءُ بِالماءِ لا يَزالُ أثَرُهُ قائِمًا في زَرْعٍ؛ أوْ شَجَرٍ؛ في بَعْضِ الأراضِي؛ أعْرى الظَّرْفَ مِنَ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ أبْلَغُ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاليُبُوسَةِ؛ والجُدْبِ؛ وتَفَتُّتِ النَّباتِ أصْلًا؛ ورَأْسًا.
ولَمّا كانَ ما أقامَهُ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأدِلَّةِ قَدْ صارَ إلى (p-١٩٢)حَدٍّ لا يَحْتاجُ مَعَهُ السّامِعُ العاقِلُ إلى أكْثَرَ مِنَ السَّماعِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ الماءِ المُؤَثِّرِ؛ بِتَدْبِيرِهِ؛ هَذا الأثَرَ العَظِيمَ؛ ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ هَذا التَّنْبِيهُ في هَذا الأُسْلُوبِ المُتَضَمِّنِ لِما مَضى مِنَ التَّشْبِيهِ؛ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ يُنَزِّلُ مِن أمْرِهِ ما يُرِيدُهُ؛ فَيُحْيِي بِهِ أجْسادَ العِبادِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ كَما أحْيا أجْسادَ النَّباتِ بِالماءِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ وأرْواحَ الأشْباحِ بِالعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ لا تَحْتاجُ مَعَ الحِسِّ إلى كَبِيرِ عَمَلٍ بِالقَلْبِ؛ غَيْرِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ؛ وتَرْكِ العِنادِ والجَهْلِ؛ فَهو مِن سَماعِ الأُذُنِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الإجابَةِ؛ اسْتِعْمالًا لِلشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يَخْتِمْها بِـ ”يُبْصِرُونَ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ البَصِيرَةِ؛ فَيُظَنَّ أنَّهُ يَحْتاجُ فِيها إلى كَبِيرِ فِكْرٍ؛ فَيَفُوتَ ما أُرِيدَ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الوُضُوحِ.
النحل 16:66
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَذا الأمْرَ العامَّ؛ ونَبَّهَ عَلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الصُّنْعِ؛ الَّذِي غُفِلَ عَنْهُ لِشِدَّةِ الإلْفِ بِهِ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن تَفاصِيلِ الأُمُورِ؛ المُحْتَوِيَةِ عَلى عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ وبَدَأ بِأعَمِّها؛ وأشَدِّها مُلابَسَةً لَهُمْ؛ وأكْثَرِها في نَفْسِهِ؛ وأعْظَمِها مَنفَعَةً ودَخَلًا في قِوامِ عَيْشِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُخاطَبُونَ المَغْمُورُونَ في النِّعَمِ؛ ﴿فِي الأنْعامِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الأدِلَّةُ يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ (p-١٩٣)إلى العِلْمِ؛ قالَ: ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقِيلَ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ بِضَمِّ النُّونِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ مِن ”أسْقاهُ“؛ إذا أعَدَّ لَهُ ما يَشْرَبُهُ دائِمًا؛ مِن نَهْرٍ؛ أوْ لَبَنٍ؛ وغَيْرِهِما؛ وبِالفَتْحِ؛ في قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ في رِوايَةِ شُعْبَةَ: مِن ”سَقاهُ“؛ إذا ناوَلَهُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ.
ولَمّا كانَ ”الأنْعامُ“؛ اسْمَ جَمْعٍ؛ فَكانَ مُفْرَدًا؛ كَما نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ؛ وذَكَرَ المَسْقِيَّ؛ وهو اللَّبَنُ؛ لِما اقْتَضاهُ سِياقُ السُّورَةِ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ؛ فَتَعَيَّنَتْ إرادَةُ الإناثِ لِذَلِكَ؛ فانْتَفى الِالتِباسُ مَعَ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِمّا﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ الَّذِي؛ ﴿فِي بُطُونِهِ﴾؛ فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأمْنِ اللَّبْسِ؛ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المَعْنى؛ لِكَوْنِها سُورَةُ النِّعَمِ؛ بِخِلافِ ما في ”المُؤْمِنُونَ“.
ولَمّا كانَ مَوْضِعُ العِبْرَةِ تَخْلِيصُ اللَّبَنِ مِن غَيْرِهِ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾؛ وهو الثُّفْلُ الَّذِي يَنْزِلُ إلى الكِرْشِ؛ فَإذا خَرَجَ مِنهُ لَمْ يُسَمَّ فَرْثًا؛ ﴿ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾؛ مِن مُخالِطٍ مِنهُما؛ أوْ مِن غَيْرِهِما؛ (p-١٩٤)يَبْغِي عَلَيْهِ بِلَوْنٍ أوْ رائِحَةٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إذا أكَلَتِ البَهِيمَةُ العَلَفَ؛ واسْتَقَرَّ في كِرْشِها؛ طَبَخَتْهُ؛ فَكانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا؛ وأوْسَطُهُ لَبَنًا؛ وأعْلاهُ دَمًا؛ والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تُقَسِّمُها؛ فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ؛ واللَّبَنُ في الضَّرْعِ؛ ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ؛ ﴿سائِغًا﴾؛ أيْ: سَهْلَ المُرُورِ في الحَلْقِ؛ ﴿لِلشّارِبِينَ﴾؛
النحل 16:67
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أنْفَسُ مِنهُ عِنْدَهُمْ؛ وأقْرَبُ إلَيْهِ في المَعانِي المَذْكُورَةِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَلِّقًا بِـ ”نُسْقِيكُمْ“ -:﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾؛ ولَمّا كانَ لَهم مُدْخَلٌ في اتِّخاذٍ ما ذُكِرَ مِنهُ؛ بِخِلافِ اللَّبَنِ الَّذِي لا صُنْعَ لَهم بِهِ أصْلًا؛ أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِمْ؛ ولِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى كَراهَةِ السُّكْرِ؛ وتَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾؛ أيْ: بِاصْطِناعٍ مِنكُمْ؛ وعِلاجٍ؛ ولِأجْلِ اسْتِئْنافِ هَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ لا بُدَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِن مائِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّكْرِ (p-١٩٥)بِالمَصْدَرِ؛ إبْلاغًا في تَقْبِيحِهِ؛ وزادَ في الإبْلاغِ بِالتَّعْبِيرِ بِأثْقَلِ المَصْدَرَيْنِ؛ وهو المُحَرَّكُ؛ يُقالُ: ”سَكَرَ سُكْرًا؛ وسَكَرًا“؛ مِثْلَ ”رَشَدَ رُشْدًا؛ ورَشَدًا“؛ و”نَحَلَ نَحْلًا؛ ونَحَلًا“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سَكَرًا﴾؛ أيْ: ذا سُكْرٍ؛ مُنَشِّيًا؛ مُطْرِبًا؛ سادًّا لِمَجارِي العَقْلِ؛ قَبِيحًا؛ غَيْرَ مُسْتَحْسَنٍ لِلرِّزْقِ؛ ﴿ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ لا يَنْشَأُ عَنْهُ ضَرَرٌ في بَدَنٍ؛ ولا عَقْلٍ؛ مِنَ الخَلِّ؛ والدِّبْسِ؛ وغَيْرِهِما؛ ولا يَسُدُّ شَيْئًا مِنَ المَجارِي؛ بَلْ رُبَّما فَتَحَها؛ كالحَلالِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ يُنِيرُ القَلْبَ؛ ويُوَسِّعُ العَقْلَ؛ والأدْهانُ كُلُّها تَفْتَحُ سَدَدَ البَدَنِ؛ وهَذا كَما مَنَحَكم - سُبْحانَهُ - العَقْلَ الَّذِي لا أحْسَنَ مِنهُ؛ فاسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ عَلى صَوابِهِ في الوَحْدانِيَّةِ؛ وعَكَسَ آخَرُونَ فَدَنَّسُوهُ بِالإشْراكِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قِيلَ: ”السَّكَرُ“: ما حُرِّمَ مِنَ الشَّرابِ؛ و”الرِّزْقُ الحَسَنُ“: ما أُحِلَّ مِنهُ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وأبِي رَزِينٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ و”السَّكَرُ“؛ في اللُّغَةِ؛ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: ما أسْكَرَ؛ الثّانِي: ما أُطْعِمَ مِنَ الطَّعامِ؛ الثّالِثُ: السُّكُونُ؛ (p-١٩٦)الرّابِعُ: المَصْدَرُ مِنَ السُّكْرِ؛ وأصْلُهُ انْسِدادُ المَجارِي مِمّا يُلْقى فِيها؛ ومِنهُ ”السِّكْرُ“؛ يَعْنِي بِكَسْرٍ؛ ثُمَّ سُكُونٍ؛ ومَن حَمَلَ السَّكَرَ عَلى السُّكْرِ؛ قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”المائِدَةِ“؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما يُفْهِمُ سَدَّ المَجارِي يُفْهِمُ كَراهَتَهُ عِنْدَما كانَ حَلالًا؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرَ السَّكَرِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الفَتْحِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الحَسَنِ دالٌّ عَلى القَبِيحِ أوَّلًا؛ فالآيَةُ أدَلُّ ما في القُرْآنِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الرِّزْقَ يُطْلَقُ عَلى الحَرامِ؛ ولِتَقارُبِ آيَتَيِ الأنْعامِ؛ والأشْجارِ جَمَعَهُما - سُبْحانَهُ - فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن هَذِهِ المَنافِعِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ ولِوُضُوحِ أمْرِهِما في كَمالِ قُدْرَةِ الخالِقِ؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
النحل 16:68
ولَمّا كانَ أمْرُ النِّحَلِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ أعْجَبَ مِمّا تَقَدَّمَ وأنْفَسَ؛ ثَلَّثَ بِهِ؛ وأخَّرَهُ؛ لِأنَّهُ أقَلُّ الثَّلاثَةِ عِنْدَهُمْ؛ وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ؛ وجَعَلَهُ مِن وحْيِهِ؛ إيماءً إلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الأمْرِ؛ وبَدِيعِ الشَّأْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْحى رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ بِجَعْلِ العَسَلِ في مَفاوِزِ البَرارِي المُقْفِرَةِ؛ المُفْرِطَةِ المَرارَةِ؛ وغَيْرِها (p-١٩٧)مِنَ الأماكِنِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ؛ الدّالِّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وتَمامِ الِاقْتِدارِ؛ ﴿إلى النَّحْلِ﴾؛ أيْ: بِالإلْهامِ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: فاللَّهُ (تَعالى) أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى؛ فَبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ المُجَرَّدِ؛ كالجَماداتِ؛ وبَعْضُها بِالإلْهامِ؛ والتَّسْخِيرِ؛ كالنَّحْلِ؛ والسُّرْفَةِ -؛ أيْ: بِضَمٍّ وسُكُونٍ؛ وهي دُوَيْبَةٌ تَتَّخِذُ بَيْتًا مِن دِقاقِ العِيدانِ؛ فَتَدْخُلُهُ؛ وتَمُوتُ - والعَنْكَبُوتِ؛ وبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ؛ والإلْهامِ؛ والعَقْلِ المُتَّفِقِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ؛ كالمَلائِكَةِ؛ وبَعْضُها بِكُلِّ ذَلِكَ؛ والفِكْرِ؛ والتَّمْيِيزِ؛ والأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الفِكْرِ؛ كالإنْسانِ.
ولَمّا كانَ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ؛ أتى بِـ ”أنْ“؛ المُفَسِّرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾؛ أيْ: افْعَلِي ما يَفْعَلُهُ المُتَكَلِّفُ؛ مِن أنْ يَأْخُذَ ﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾؛ أيَّ بُيُوتٍ! ما أعْجَبَها! ﴿ومِنَ الشَّجَرِ﴾؛ أيْ: الصّالِحَةِ لِذَلِكَ؛ في الغِياضِ؛ والجِبالِ؛ والصَّحارِي؛ ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾؛ أيْ: يَرْفَعُ النّاسُ مِنَ السُّقُوفِ؛ والجُدْرانِ؛ وغَيْرِها؛ وبَدَأ بِالبُيُوتِ لِأنَّها مِن عَجَبِ الدَّهْرِ في حُسْنِ الصَّنْعَةِ؛ وبَداعَةِ الشَّكْلِ؛ وبَراعَةِ الإحْكامِ؛ وتَمامِ التَّناسُبِ.
النحل 16:69
(p-١٩٨)ولَمّا كانَ أهَمُّ شَيْءٍ لِلْحَيَوانِ؛ بَعْدَ الرّاحَةِ مِن هَمِّ المَقِيلِ؛ الأكْلَ؛ ثَنّى بِهِ؛ ولَمّا كانَ عامًّا في كُلِّ ثَمَرٍ؛ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى عَجِيبِ الصُّنْعِ في ذَلِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ كُلِي﴾؛ وأشارَ إلى كَثْرَةِ الرِّزْقِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ قالُوا: مِن أجْزاءٍ لَطِيفَةٍ تَقَعُ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ مِنَ الظِّلِّ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: مِن نَفْسِ الأزْهارِ والأوْراقِ.
ولَمّا أذِنَ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ عادَةً أنَّ تَعاطِيَهُ لا يَكُونُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ في مُعاناةِ السَّيْرِ إلَيْهِ؛ نَبَّهَ عَلى خَرْقِهِ لِلْعادَةِ في تَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فاسْلُكِي﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الإذْنِ في الأكْلِ الإذْنُ في السَّيْرِ إلَيْهِ؛ ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكِ بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ العَظِيمَةِ؛ لِأجْلِ الأكْلِ؛ ذاهِبَةً إلَيْهِ وراجِعَةً إلى بُيُوتِكِ؛ حالَ كَوْنِ السُّبُلِ ﴿ذُلُلا﴾؛ أيْ: مُوَطَّأةً لِلسُّلُوكِ؛ مُسَهَّلَةً؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ [الملك: ١٥]؛ وأشارَ بِاسْمِ الرَّبِّ إلى أنَّهُ لَوْلا عَظِيمُ إحْسانِهِ في تَرْبِيَتِها لَما اهْتَدَتْ إلى ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يَكُونُ عَنْ هَذا كُلِّهِ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾؛ بِلَفْتِ الكَلامِ؛ لِعَدَمِ قَصْدِها إلى هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ ﴿شَرابٌ﴾؛ أيُّ شَرابٍ! وهو العَسَلُ؛ لِأنَّهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن أجَلِّ المَآكِلِ؛ هو مِمّا يُشْرَبُ؛ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ (p-١٩٩)مِن أبْيَضَ؛ وأحْمَرَ؛ وأصْفَرَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ اخْتِلافًا دالًّا عَلى أنَّ فاعِلَهُ - مَعَ تَمامِ قُدْرَتِهِ - مُخْتارٌ؛ ثُمَّ أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الثِّمارِ النّافِعَةِ؛ والضّارَّةِ؛ ﴿شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: إذِ المَعْجُوناتُ كُلُّها بِالعَسَلِ؛ وقالَ إمامُ الأوْلِياءِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها ذَلَّتْ لِلَّهِ؛ مُطِيعَةً؛ وأكَلَتْ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: حُلْوِها؛ ومُرِّها؛ مَحْبُوبِها؛ ومَكْرُوهِها؛ تارِكَةً لِشَهَواتِها؛ فَلَمّا ذَلَّتْ لِأمْرِ اللَّهِ؛ صارَ هَذا الأكْلُ لِلَّهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ شِفاءً لِلْأسْقامِ؛ فَكَذَلِكَ إذا ذَلَّ العَبْدُ لِلَّهِ مُطِيعًا؛ وتَرَكَ هَواهُ؛ صارَ كَلامُهُ شِفاءً لِلْقُلُوبِ السَّقِيمَةِ؛ انْتَهى.
وكَوْنُهُ شِفاءً - مَعَ ما ذُكِرَ - أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ مِنَ اخْتِلافِ الألْوانِ؛ لا جَرَمَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن أمْرِها كُلِّهِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ وكَما أشارَ في ابْتِداءِ الآيَةِ إلى غَرِيبِ الصُّنْعِ في أمْرِها؛ أشارَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ في الخَتْمِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ؛ واللَّطائِفِ الخَفِيَّةِ بِالبُيُوتِ المُسَدَّسَةِ؛ والِاهْتِداءِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ (p-٢٠٠)مِن أطْرافِ الأشْجارِ؛ والأوْراقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الغَرائِبِ؛ حَيْثُ ناطَهُ بِالفِكْرِ المُبالَغِ فِيهِ مِنَ الأقْوِياءِ؛ تَأْكِيدًا لِفَخامَتِهِ؛ وتَعْظِيمًا لِدِقَّتِهِ؛ وغَرابَتِهِ في دَلالَتِهِ عَلى تَمامِ العِلْمِ؛ وكَمالِ القُدْرَةِ؛ وقَدْ كَثُرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إضافَةُ الآياتِ إلى المُخاطَبِينَ؛ تارَةً بِالإفْرادِ؛ وتارَةً بِالجَمْعِ؛ ونَوْطُها تارَةً بِالعَقْلِ؛ وتارَةً بِالفِكْرِ؛ وتارَةً بِالذِّكْرِ؛ وتارَةً بِغَيْرِها.
وقَدْ جَعَلَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ؛ في كِتابِهِ ”المِفْتاحُ“؛ لِذَلِكَ بابًا؛ بَعْدَ أنْ جَعَلَ أسْنانَ الألْبابِ مِثْلَ أسْنانِ الأجْسادِ؛ ما بَيْنَ تَمْيِيزٍ؛ واحْتِلامٍ؛ وشَبابٍ؛ وكُهُولَةٍ؛ وغَيْرِها؛ كَما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]؛ فَقالَ: البابُ التّاسِعُ في وُجُوهِ إضافاتِ الآياتِ؛ واتِّساقِ الأحْوالِ لِأسْنانِ القُلُوبِ؛ في القُرْآنِ -؛ أيْ: فَإنَّ لِذَلِكَ مَراتِبَ في العِلْمِ؛ والأفْهامِ -: اعْلَمْ أنَّ الآياتِ والأحْوالَ تُضافُ؛ وتَتَّسِقُ لِمَنِ اتَّصَفَ بِما بِهِ أدْرَكَ مَعْناها؛ ويُؤَنَّبُ عَلَيْها مَن تَقاصَرَ عَنْها؛ ويَنْفِي مَنالَها عَمَّنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْها؛ وهي أطْوارٌ؛ أظْهَرُها (p-٢٠١)آياتُ الِاعْتِبارِ البادِيَةُ لِأُولِي الأبْصارِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ إنَّما هو عَلَمٌ لِلِاعْتِبارِ مِنهُ؛ لا أنَّهُ مَوْجُودٌ لِلِاقْتِناعِ بِهِ؛ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨]؛ اتَّخَذُوا ما خُلِقَ لِلْعِبْرَةِ بِهِ إلى رَبِّهِ كَسْبًا لِأنْفُسِهِمْ؛ حَتّى صارَ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ أتْباعِهِمْ آيَتَهُمْ؛ لا آيَةَ خالِقِهِ؛﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ ثُمَّ يَلِي آياتِ الِاعْتِبارِ ما يَنالُ إدْراكَ آيَتِهِ العَقْلُ الأدْنى بِبَداهَةِ نَظَرِهِ؛ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]؛ جَمَعَ الآياتِ لِتَعَدُّدِ وُجُوهِها في مَقْصِدِ البَيانِ؛ ثُمَّ يَلِي ما يُدْرَكُ بِبَداهَةِ العَقْلِ ما يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ يُثِيرُهُ العَقْلُ الأدْنى؛ لِشَغْلِ الحَواسِّ بِمَنفَعَتِهِ عَنِ التَّفَكُّرِ في وجْهِ آيَتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]؛ أفْرَدَ الآيَةَ لِاسْتِنادِ كَثْرَتِهِ إلى وحْدَةِ الماءِ ابْتِداءً؛ ووَحْدَةِ الِانْتِفاعِ انْتِهاءً؛ ثُمَّ يَلِي ما يُدْرَكُ بِفِكْرِ العَقْلِ الأدْنى ما يَقْبَلُ (p-٢٠٢)بِالإيمانِ؛ ويَكُونُ آيَةَ أمْرٍ قائِمٍ عَلى خَلْقٍ؛ وهو مِمّا يُدْرَكُ سَمْعًا؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَرْئِيٌّ؛ والأمْرَ مَسْمُوعٌ: ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]؛ هَذِهِ آيَةُ حَياةِ القُلُوبِ بِنُورِ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ الَّذِي أخَذَ سَمْعًا عِنْدَ تَقَرُّرِ الإيمانِ؛ وعِنْدَ هَذا الحَدِّ يَتَناهى العَقْلُ إلى فِطْرَةِ الأشَدِّ؛ وتَعْلُو بَداهَتُهُ وتَتَرَقّى فِطَرُهُ إلى نَظَرِ ما يَكُونُ آيَةً في نَفْسِ النّاظِرِ؛ لِأنَّ مَحارَ غَيْبِ الكَوْنِ يُرَدُّ إلى وِجْدانِ نَقْصِ النّاظِرِ؛ وكَما أنَّ الماءَ آيَةُ حَياةِ القُلُوبِ؛ صارَ الشَّرابانِ - اللَّبَنُ والخَمْرُ - آيَتَيْنِ؛ عَلى أحْوالٍ تَخُصُّ القُلُوبَ بِما يَغْذُوها مِنَ اللَّهِ غِذاءَ اللَّبَنِ؛ ويُنَشِّيها نَشْوَةَ السُّكْرِ؛ مُنْبَعِثًا مِن بَيْنِ فَرْثٍ؛ ودَمٍ؛ ونُزُولَ الخَلْقِ المَقامَ عَنِ الأمْرِ القائِمِ عَلَيْهِ؛ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦]؛ الآيَتَيْنِ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]؛ وهَذا العَقْلُ الأعْلى؛ وأفْرَدَ الآيَةَ لِانْفِرادِ مَوْرِدِها في وجْدِ القَلْبِ؛ (p-٢٠٣)وكَما لِلْعَقْلِ الأدْنى فِكْرَةٌ تُنْبِئُ عَنْ بَداهَتِهِ؛ فَكَذَلِكَ لِلْعَقْلِ الأعْلى فِكْرَةٌ تُنْبِئُ عَنْ عَلِيِّ فِطْرَتِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: ٦٨]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ وهَذا العَقْلُ الأعْلى هو اللُّبُّ؛ الَّذِي عَنْهُ يَكُونُ التَّذَكُّرُ بِالأدْنى مِنَ الخَلْقِ لِلْأعْلى مِنَ الأمْرِ؛ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣]؛ وفي مُقابَلَةِ كُلٍّ مِن هَذِهِ الأوْصافِ أضْدادٌ يَرِدُ البَيانُ فِيها بِحَسَبِ مُقابَلَتِها؛ وكَذَلِكَ حُكْمُ وصْفِ المُسْلِمِينَ فِيها يُظْهِرُ أنْ ”لا أنْجى لِلْعَبْدِ مِن إسْلامِهِ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ“؛ ووَصْفِ المُحْسِنِينَ فِيما يَظْهَرُ قِيامُ ظاهِرِ العَبْدِ بِرَبِّهِ؛ ووَصْفِ المُوقِنِينَ فِيما وجَدَ يَقِينَهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ؛ أوْ عايَنَ ابْتِداءَهُ بِظاهِرِ حِسِّهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ مَنِ اسْتَغْنى بِما عِنْدَهُ مِن وجْدٍ؛ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِقَبُولِ غَيْبٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] (p-٢٠٤)(فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)؛ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ ولِجُمْلَةِ هَذِهِ الأوْصافِ أيْضًا أضْدادٌ يَرِدُ بَيانُ القُرْآنِ فِيها؛ بِحَسَبِ تَقابُلِها؛ ويَجْرِي مَعَها إفْهامُهُ؛ وما أوْصَلَهُ خَفاءُ المَسْمَعِ والمَرْأى إلى القَلْبِ هو فِقْهُهُ؛ ومَن فَقَدَ ذَلِكَ وُصِفَ سَمْعُهُ بِالصَّمَمِ؛ وعَيْنُهُ بِالعَمى؛ ونَفى الفِقْهَ عَنْ قَلْبِهِ؛ ونُسِبَ إلى البَهِيمِيَّةِ؛ ومَن لَمْ تَنَلْ فِكْرَتُهُ أعْلامَ ما غابَ عَنْهُ عِيانُهُ نُفِيَ عَنْهُ العِلْمُ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] ﴿يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]؛ الآيَةَ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]؛ نُفِيَ العِلْمُ فِيما ظَهَرَتْ أعْلامُهُ؛ والفِقْهُ فِيما خَفِيَ أمْرُهُ؛ ومُرادُ البَيانِ عَنْ أضْدادِها؛ هَذِهِ الأوْصافِ؛ بِحَسَبِ تَقابُلِها؛ وهَذا البابُ لِمَن يَسْتَفْتِحُهُ مِن أنْفَعِ فَواتِحِ (p-٢٠٥)الفَهْمِ في القُرْآنِ؛ انْتَهى.
النحل 16:70
ولَمّا أيْقَظَهم مِن رَقْدَتِهِمْ؛ ونَبَّهَهم عَلى عَظِيمِ غَفْلَتِهِمْ؛ عَنْ عُمُومِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ المُقْتَضِي لِلْفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُحَقِّقِ لِلْبَعْثِ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُهُ - سُبْحانَهُ - بِبَعْضِ آياتِهِ المَبْثُوثَةِ في الآفاقِ؛ مِن جَمادٍ؛ ثُمَّ حَيَوانٍ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِما هو شِفاءٌ؛ ثَنّى بِبَعْضِ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ مُذَكِّرًا بِمَراتِبِ عُمْرِ الإنْسانِ الأرْبَعِ؛ وهي سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ والنُّمُوِّ؛ ثُمَّ سِنُّ الشَّبابِ؛ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ انْتِهائِهِ الوُقُوفُ؛ ثُمَّ سِنُّ الكُهُولَةِ؛ وفِيهِ يَكُونُ الِانْحِطاطُ؛ مَعَ بَقاءِ القُوَّةِ؛ ثُمَّ سِنُّ الِانْحِطاطِ مَعَ ظُهُورِ الضَّعْفِ؛ وهو الشَّيْخُوخَةُ؛ مُضَمَّنًا ما لا يُغْنِي عَنْهُ دَواءٌ؛ حَثًّا عَلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ؛ والتَّعَقُّلِ لَها قَبْلَ حُلُولِ ذَلِكَ الحادِثِ؛ فَيَفُوتَ الفَوْتُ؛ ويَنْدَمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ فَجَعَلَكم بَعْدَ العَدَمِ أحْياءً؛ فُهَّمًا؛ خِصَّمًا؛ ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾؛ عَلى اخْتِلافِ الأسْنانِ؛ فَلا يَقْدِرُ الصَّغِيرُ عَلى أنْ يُؤَخِّرَ؛ ولا الكَبِيرُ عَلى أنْ يُقَدِّمَ؛ فَمِنكم مَن يَمُوتُ حالَ قُوَّتِهِ؛﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ﴾؛ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنّا؛ لا يَقْدِرُ عَلى مُخالَفَتِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾؛ لِأنَّهُ يَهْرَمُ؛ فَيَصِيرُ إلى مِثْلِ حالِ الطُّفُولِيَّةِ (p-٢٠٦)فِي الضَّعْفِ؛ مَعَ اسْتِقْذارِ غَيْرِهِ لَهُ؛ ولا يُرْجى بَعْدَهُ؛ ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةَ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ وكانَ السِّياقُ هُنا لِذَلِكَ أيْضًا؛ بِدَلِيلِ خَتْمِ الآيَةِ؛ نَزَعَ الخافِضَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِغْراقِ الجَهْلِ لِزَمَنِ ما بَعْدَ العِلْمِ؛ فَيَتَّصِلُ بِالمَوْتِ؛ ولا يَنْفَعُ فِيهِ دَواءٌ؛ ولا تُجْدِي مَعَهُ حِيلَةٌ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾؛ لا يُوجَدُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِنْدَ إحْلالِهِ شِفاءٌ؛ ولا يَمْنَعُهُ دَواءٌ: فَبادِرُوا إلى التَّفَكُّرِ؛ والِاعْتِبارِ؛ قَبْلَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ شامِلُ القُدْرَةِ؛ فَمَهْما أرادَ؛ كانَ؛ ومَهْما أرادَ غَيْرُهُ ولَمْ يُرِدْهُ هُوَ؛ أحاطَ بِهِ عِلْمُهُ؛ فَسَبَّبَ لَهُ بِقُدْرَتِهِ ما يَمْنَعُهُ.
النحل 16:71
ولَمّا ذَكَرَ المُفاوَتَةَ في الأعْمارِ؛ المُنادِيَةِ بِإبْطالِ الطَّبائِعِ؛ المُوجِبَةِ لِلْمُسابَقَةِ إلى الِاعْتِبارِ لِأُولِي الأبْصارِ؛ لِلْخَوْفِ كُلَّ لَحْظَةٍ مِن مُصِيبَةِ المَوْتِ؛ ثَنّى بِالمُفاوَتَةِ في الأرْزاقِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ (p-٢٠٧)﴿فَضَّلَ بَعْضَكُمْ﴾؛ أيُّها النّاسُ؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ التَّفْضِيلِ كَثِيرَةً؛ وكانَ التَّفْضِيلُ في المَعاشِ؛ الَّذِي يَظُنُّ الإنْسانُ أنَّ لَهُ قُدْرَةً عَلى تَحْصِيلِهِ؛ وكانَتِ المُفاوَتَةُ فِيهِ أدَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فِي الرِّزْقِ﴾؛ أيْ: ولَرُبَّما جَعَلَ الضَّعِيفَ العاجِزَ الجاهِلَ أغْنى مِنَ القَوِيِّ المُحْتالِ العالِمِ؛ فاتَّقُوا اللَّهَ؛ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ؛ وأقْبِلُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم عَلى ما يَنْفَعُكم مِنَ الِاسْتِبْصارِ؛ قالَ الإمامُ أبُو نُعَيْمٍ؛ في الحِلْيَةِ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ أحْمَدَ ثَنا أحْمَدُ ثَنا أحْمَدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الخَلّالُ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أبِي عُمَرَ يَقُولُ: كُنّا عِنْدَ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَذَكَرُوا الفَضْلَ بْنَ الرَّبِيعِ ودَهاءَهُ؛ فَأنْشَأ سُفْيانُ يَقُولُ:
؎كَمْ مِن قَوِيٍّ قَوِيٌّ في تَقَلُّبِهِ ∗∗∗ مُهَذَّبُ الرَّأْيِ عَنْهُ الرِّزْقُ مُنْحَرِفُ
؎ومِن ضَعِيفٍ ضَعِيفُ العَقْلِ مُخْتَلِطٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كَأنَّهُ مِن خَلِيجِ البَحْرِ يَغْتَرِفُ
وعَنْ نَوادِرِ أبِي عَلِيٍّ القالِيِّ أنَّهُ قالَ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وحَدَّثَنِي (p-٢٠٨)أبِي قالَ: بَعَثَ سُلَيْمانُ المُهَلَّبِيُّ إلى الخَلِيلِ بْنِ أحْمَدَ بِمِائَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ؛ وطالَبَهُ بِصُحْبَتِهِ؛ فَرَدَّ عَلَيْهِ المِائَةَ ألْفٍ؛ وكَتَبَ إلَيْهِ هَذِهِ الأبْياتَ:
؎أبْلِغْ سُلَيْمانَ أنِّي عَنْهُ في سَعَةٍ ∗∗∗ وفي غِنًى غَيْرَ أنِّي لَسْتُ ذا مالِ
؎سَخّى بِنَفْسِيَ أنِّي لا أرى أحَدًا ∗∗∗ يَمُوتُ هُزْلًا ولا يَبْقى عَلى حالِ
؎فالرِّزْقُ عَنْ قَدَرٍ لا العَجْزُ يَنْقُصُهُ ∗∗∗ ولا يَزِيدُكَ فِيهِ حَوْلُ مُحْتالِ
؎والفَقْرُ في النَّفْسِ لا في المالِ تَعْرِفُهُ ∗∗∗ ومِثْلُ ذاكَ الغِنى في النَّفْسِ لا المالِ
ولَمّا كانَ جَعْلُ المَمْلُوكِ في رُتْبَةِ المالِكِ مِمّا يَتَعاظَمُهم في حُقُوقِهِمْ؛ مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لا مِلْكَ؛ ولا مُلْكَ؛ فَلا يَدِينُونَ لِذَلِكَ؛ ولا يُدانُونَهُ؛ وإنْ جَلَّ الخَطْبُ؛ وأدّى إلى ذَهابِ الأرْواحِ؛ بَلْ مَن كانَتْ أُمُّهُ مَمْلُوكَةً حَطُّوا رُتْبَتَهُ؛ وإنْ كانَ أبُوهُ مَن كانَ؛ وإنْ كانَتِ العِبْرَةُ عِنْدَهم في (p-٢٠٩)النِّسَبِ بِالأبِ؛ وهَذا هو الَّذِي أحْوَجَ عَنْتَرَةَ إلى قَوْلِهِ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمِنصَلِ
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا كانَ يَعْتَذِرُ بِهِ عَنْ جِهَةِ أُمِّهِ؛ نَبَّهَهم - سُبْحانَهُ - عَلى ما وقَعُوا فِيهِ في حَقِّهِ مِن ذَلِكَ؛ بِسَبَبِ الإشْراكِ؛ مَعَ أنَّهُ مالِكُ المُلْكِ؛ ومَلِكُ المُلُوكِ؛ بَعْدَما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ في تَفْضِيلِ أنْفُسِهِمْ في نِسْبَةِ البَناتِ إلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا﴾؛ أيْ: في الرِّزْقِ؛ ﴿بِرادِّي رِزْقِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتُصُّوا بِهِ؛ ﴿عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾؛ وإنْ جَلَّ نَفْعُهُمْ؛ وتَعاظَمَ عِنْدَهم وقْعُهُمْ؛ ﴿فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾؛ أيْ: فَيَكُونُ بِذَلِكَ الرَّدِّ المالِكُ والمَمْلُوكُ سَواءً؛ فَهو جَوابٌ لِلنَّفْيِ - نَقَلَهُ الرَّمّالُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
ولَمّا وضَحَ ذَلِكَ وُضُوحَ الشَّمْسِ؛ وظَهَرَ حَتّى ما بِهِ أصْلًا نَوْعُ لَبْسٍ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ في قَوْلِهِ - عَلى وجْهِ الإعْراضِ عَنْ خِطابِهِمُ (p-٢١٠)المُؤْذِنِ بِالمَقْتِ -: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا رَبَّ غَيْرُهُ؛ ﴿يَجْحَدُونَ﴾؛ في جَعْلِهِمْ لَهُ شُرَكاءَ يُضِيفُونَ إلَيْهِمْ بَعْضَ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ؛ فَيُسَوُّونَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ في ذَلِكَ؛ وبِنِعْمَتِهِمْ يَعْتَرِفُونَ؛ ولَها يَحْفَظُونَ؛ في إنْزالِ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم عَنْهم في المَراتِبِ؛ والأمْوالِ.
النحل 16:72
ولَمّا ذَكَرَ الخَلْقَ والرِّزْقَ؛ أتْبَعَهُما الألْذاذَ بِالتَّأنُّسِ بِالجِنْسِ مِنَ الأزْواجِ؛ والأوْلادِ؛ وغَيْرِهِما؛ اللّازِمِ لَهُ القِيامُ بِالمَصالِحِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ وكَمالُ العِلْمِ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الأزْواجُ مِنَ الجِنْسِ؛ قالَ: ﴿مِن أنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّ الشَّيْءَ آلَفُ لِنَوْعِهِ؛ وأقْرَبُ إلى جِنْسِهِ؛ ﴿أزْواجًا﴾؛ أيْ: تَتَوالَدُونَ بِها؛ ويَكُونُ السُّكُونُ إلَيْها سَبَبًا لِبَقاءِ نَوْعِكُمْ؛ ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ الَّذِينَ يُوَجِّهُونَ رَغَباتِهِمْ إلى غَيْرِهِ؛ ﴿مِن أزْواجِكم بَنِينَ﴾؛ ولَعَلَّهُ قَدَّمَهم لِلشَّرَفِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ ما هو أعَمُّ؛ فَقالَ: ﴿وحَفَدَةً﴾؛ أيْ: مِنَ البَناتِ؛ والبَنِينَ؛ وأوْلادِهِمْ؛ والأصْهارِ؛ والأخْتانِ؛ جَمْعُ ”حافِدٌ“؛ يَخِفُّونَ في أعْمالِكُمْ؛ ويُسْرِعُونَ في خَدْمِكُمْ؛ طاعَةً ومُوالاةً؛ لا كَما يَفْعَلُ الأجانِبُ؛ وبَعْضُ العاقِّينَ؛ وهَذا مَعْنى ما نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ فَسَّرَهم بِالخُدّامِ؛ والأعْوانِ؛ وهو الصَّوابُ؛ لِأنَّ مادَّةَ ”حَفَدَ“؛ (p-٢١١)تَدُورُ عَلى الإسْراعِ؛ والخِفَّةِ: ”حَفَدَ“: خَفَّ في العَمَلِ؛ وأسْرَعَ؛ و”الحَفَدُ“؛ مُحَرَّكَةً: الخَدَمُ؛ لِخِفَّتِهِمْ؛ ومَشْيٌ دُونَ الخَبَبِ؛ و”الحَفَدَةُ“: البَناتُ؛ وأوْلادُ الأوْلادِ؛ أوِ الأصْهارِ؛ لِذَلِكَ؛ وصُنّاعُ الوَشْيِ؛ لِإسْراعِهِمْ فِيهِ؛ وإسْراعِ لابِسِهِ إلى لُبْسِهِ مُنْبَسِطَ النَّفْسِ؛ و”المَحْفِدُ“؛ كَـ ”مَجْلِسٌ“؛ و”مِنبَرٌ“: شَيْءٌ يُعْلَفُ فِيهِ الدَّوابُّ؛ لِإسْراعِها إلَيْهِ؛ وكَـ ”مِنبَرٌ“: طَرَفُ الثَّوْبِ؛ لِإسْراعِ حَرَكَتِهِ؛ وقَدَحٌ يُكالُ بِهِ؛ لِخِفَّتِهِ؛ وكَـ ”مَجْلِسٌ“: الأصْلُ؛ لِدَوَرانِ الأُمُورِ عَلَيْهِ؛ وإسْراعِها إلَيْهِ؛ و”سَيْفٌ مُحْتَفِدٌ“: سَرِيعُ القَطْعِ؛ و”أحْفَدَهُ“: حَمَلَهُ عَلى الإسْراعِ؛ و”الفادِحَةُ“: النّازِلَةُ؛ و”فَوادِحُ الدَّهْرِ“؛ خُطُوبُهُ؛ لِإسْراعِها بِالمَكْرُوهِ؛ وإسْراعِ المَنزُولِ بِهِ؛ ومَن يُهِمُّهُ شَأْنُهُ؛ إلى مُدافَعَتِها؛ ومِن ذَلِكَ ”فَدَحَهُ الأمْرُ“: أثْقَلُهُ؛ لِأنَّ المَكْرُوهَ يُسْرِعُ فَيُثْقِلُ؛ فَيَكْثُرُ اضْطِرابُ المَنزُولِ بِهِ. (p-٢١٢)ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ -؛ أتْبَعُ ما لا يَطِيبُ العَيْشُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ورَزَقَكُمْ﴾؛ أيْ: لِإقامَةِ أوَدِكُمْ؛ وإصْلاحِ أحْوالِكُمْ؛ ولَمّا كانَ كُلُّ النَّعِيمِ إنَّما هو في الجَنَّةِ؛ بَعَّضَ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾؛ بِجَعْلِهِ مُلائِمًا لِلطِّباعِ؛ شَهِيًّا لِلْأرْواحِ؛ نافِعًا لِلْإشْباعِ؛ فَعُلِمَ مِن هَذا قَطْعًا أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الأفْعالِ؛ هو المُخْتَصُّ بِالجَلالِ؛ ومَن أنْكَرَ شَيْئًا مِن حَقِّهِ فَقَدْ ضَلَّ أبْعَدَ الضَّلالِ؛ فَكَيْفَ بِمَن أنْكَرَ خَيْرَهُ؛ وعَبَدَ غَيْرَهُ؛ وهو بِاسْمِ العَدَمِ أحَقُّ مِنهُ بِاسْمِ الوُجُودِ؟! فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ - مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ إعْراضَ المُغْضَبِ -: ﴿أفَبِالباطِلِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ؛ وما جَعَلُوا لَهم مِنَ النَّصِيبِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿وبِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٦٧]؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿هُمْ﴾؛ ولَهُ عَلَيْهِمْ خاصَّةً - غَيْرَ ما يُشارِكُونَ فِيهِ النّاسَ - مِنَ المِنَنِ ما لَهُ؛ ﴿يَكْفُرُونَ﴾؛ حَتّى إنَّهم يَجْعَلُونَ مِمّا أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ السّائِبَةِ؛ والوَصِيلَةِ؛ والحامِي؛ وغَيْرِها؛ لِأصْنامِهِمْ؛ وذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِكُفْرانِ النِّعْمَةِ الكائِنَةِ مِنهُ؛ ومُتَضَمِّنٌ لِنِسْبَتِها إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهم في شَيْءٍ مِمّا حَرَّمُوهُ؛ (p-٢١٣)ولا يَحِلُّ التَّصَرُّفُ في مالِ المالِكِ إلّا بِإذْنِهِ؛
النحل 16:73
ثُمَّ قالَ - عَطْفًا عَلى ما أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ هُناكَ -: ﴿ويَعْبُدُونَ﴾؛ وأشارَ إلى سُفُولِ المَراتِبِ كُلِّها عَنْ رُتْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ مَن لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِمّا هو في غايَةِ السُّفُولِ؛ مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ما لا يَمْلِكُ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿لَهم رِزْقًا﴾؛ تارِكِينَ مَن بِيَدِهِ جَمِيعُ الرِّزْقِ؛ وهو ذُو العُلُوِّ المُطْلَقِ؛ الَّذِي رَزَقَهم مِنَ الطَّيِّباتِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ الرِّزْقِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ تَعْمِيمَ هَذا النَّفْيِ بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن ”رِزْقًا“؛ مُبَيِّنًا أنَّ تَنْوِينَهُ لِلتَّحْقِيرِ -: ﴿شَيْئًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ - جامِعًا؛ لِأنَّ ما عَجَزَ عِنْدَ الِاجْتِماعِ فَهو عِنْدَ الِانْفِرادِ أعْجَزُ -: ﴿ولا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم نَوْعُ اسْتِطاعَةٍ أصْلًا؛ ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مَعْطُوفًا عَلى ما مَضى مِنَ المُعَجَّبِ مِنهُ مِن أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ”ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ“؛ ونَحْوِهِ.
النحل 16:74
ولَمّا دَحَضَ بِهَذِهِ الحُجَّةِ جَمِيعَ ما أقامُوهُ مِنَ الشُّبَهِ؛ وضَرَبُوهُ مِنَ الأمْثالِ فِيما ارْتَكَبُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ المَلِكَ لا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا (p-٢١٤)بِأعْوانٍ؛ مِن حاجِبٍ؛ ونائِبٍ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ولا يُتَوَصَّلُ إلَيْهِ إلّا بِأنْواعِ القُرْبانِ؛ فَعَبَدُوا الأصْنامَ؛ وفَعَلُوا لَها ما يُفْعَلُ لَهُ؛ تَشْبِيهًا بِهِ - عَزَّ شَأْنُهُ؛ وتَعالى سُلْطانُهُ -؛ لِأنَّ الفارِقَ أنَّ مُلُوكَ الدُّنْيا المَقِيسَ عَلَيْهِمْ؛ إنَّما أقامُوا مَن ذُكِرَ لِحاجَتِهِمْ؛ وضَعْفِ مُلْكِهِمْ؛ ومِلْكِهِمْ؛ فَحالُهم مُخالِفٌ لِوَصْفِ مَن لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ ولا نَوْمٌ؛ ولا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ؛ وكُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿الأمْثالَ﴾؛ أيْ: فَتُشَبِّهُوهُ؛ تَشْبِيهًا بِغَيْرِهِ؛ وإنْ ضَرَبَ لَكم هو الأمْثالَ؛ قالَ أبُو حَيّانَ؛ وغَيْرُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: أيْ: لا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ؛ انْتَهى. وهو - كَما قالَ في ”الكَشّافُ“ - تَمْثِيلٌ لِلْإشْراكِ بِاللَّهِ؛ والتَّشْبِيهِ بِهِ؛ لِأنَّ مَن يَضْرِبُ الأمْثالَ مُشَبِّهٌ حالًا بِحالٍ؛ وقِصَّةً بِقِصَّةٍ؛ انْتَهى؛ وهَذا النَّهْيُ عامٌّ في كُلِّ مَثَلٍ؛ لِخَطَرِ الأمْرِ؛ خَشْيَةَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَثَلُ غَيْرَ لائِقٍ بِمِقْدارِهِ؛ وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ؛ لا سِيَّما في هَذا؛ لِأنَّ الخَطَأ فِيهِ كُفْرٌ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ تَعْلِيلُ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿يَعْلَمُ﴾ (p-٢١٥)أيْ: لَهُ جَمِيعُ صِفَةِ العِلْمِ؛ فَإذا ضَرَبَ مَثَلًا أتْقَنَهُ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يُبْدِيَ فارِقًا ما بَيْنَ المُمَثِّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ؛ في الأمْرِ المُمَثَّلِ لَهُ؛ ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَكم عِلْمٌ أصْلًا؛ فَلِذَلِكَ تُعْمَوْنَ عَنِ الشَّمْسِ؛ وتَلَبَّسَ عَلَيْكم ما لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ؛ وهَذا المَقامُ عالٍ؛ ومَسْلَكُهُ وعِرٌ؛ وسالِكُهُ عَلى غايَةٍ مِنَ الخَطَرِ.
النحل 16:75
ولَمّا خَتَمَ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ تَأْكِيدًا لِإبْطالِ مَذْهَبِ عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ بِسَلْبِ العِلْمِ؛ الَّذِي هو مَناطُ السَّدادِ؛ عَنْهُمْ؛ حَسُنَ أنْ يَصِلَ بِهِ قَوْلَهُ - إقامَةً لِلدَّلِيلِ عَلى عِلْمِهِ بِأنَّ أمْثالَهُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها الطَّعْنُ؛ ولا يَتَوَجَّهُ نَحْوَها الشُّكُوكُ -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كَمالُ العِلْمِ؛ وتَمامُ القُدْرَةِ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ بِالأحْرارِ؛ والعَبِيدِ؛ لَهُ؛ ولِما عَبَدْتُمُوهُ مَعَهُ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”مَثَلًا“: ﴿عَبْدًا﴾؛ ولَمّا كانَ العَبْدُ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ (تَعالى): ﴿مَمْلُوكًا﴾؛ لا مُكاتَبًا؛ ولا فِيهِ شائِبَةٌ لِلْحُرِّيَّةِ؛ ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ بِإذْنِ سَيِّدِهِ؛ ولا غَيْرِهِ؛ وهَذا مَثَلُ شُرَكائِهِمْ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ”عَبْدًا“؛ قَوْلَهُ: ﴿ومَن رَزَقْناهُ مِنّا﴾؛ مِنَ الأحْرارِ؛ ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾؛ واسِعًا طَيِّبًا؛ ﴿فَهُوَ يُنْفِقُ مِنهُ﴾؛ دائِمًا؛ وهو مَعْنى ﴿سِرًّا وجَهْرًا﴾؛ وهَذا مَثَلُ الإلَهِ؛ ولَهُ المَثَلُ الأعْلى؛ ثُمَّ بَكَّتَهم إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): (p-٢١٦)﴿هَلْ يَسْتَوُونَ﴾؛ أيْ: هَذانِ الفَرِيقانِ؛ المُمَثَّلِ بِهِما؛ لِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ؛ فَإذا كانَ لا يَسُوغُ في عَقْلٍ أنْ يُسَوّى بَيْنَ مَخْلُوقَيْنِ: أحَدُهُما حُرٌّ مُقْتَدِرٌ؛ والآخَرُ مَمْلُوكٌ عاجِزٌ؛ فَكَيْفَ يُسَوّى بَيْنَ حَجَرٍ مَواتٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وبَيْنَ اللَّهِ؛ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؟
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا؛ وعُلِمَ أنَّ الفاضِلَ ما كانَ مِثالًا لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَلى أنَّ مَن سَوّى بَيْنَهُما أوْ فَعَلَ ما يَؤُولُ إلى التَّسْوِيَةِ؛ أجْهَلُ الجَهَلَةِ.
فَثَبَتَ مَضْمُونُ ”إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ“؛ وأنَّ غَيْرَهُ (تَعالى) لا يُساوِي شَيْئًا؛ فَثَبَتَ بِلا رَيْبٍ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمَثَلِ الأعْلى؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: لَهُ الإحاطَةُ بِالعِلْمِ؛ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها اخْتِصاصُهُ بِالشُّكْرِ؛ لِكَوْنِهِ هو المُنْعِمَ؛ ولَيْسَ لِغَيْرِهِ إحاطَةٌ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: نَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ؛ فَقِيلَ: ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: في الظّاهِرِ؛ والباطِنِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإضْمارُ -؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لِكَوْنِهِمْ يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ؛ ومَن نَفى عَنْهُ العِلْمَ - الَّذِي هو أعْلى صِفاتِ الكَمالِ - كانَ في عِدادِ الأنْعامِ؛ فَهم لِذَلِكَ يُشَبِّهُونَ بِهِ ما ذُكِرَ؛ ويَضْرِبُونَ الأمْثالَ الباطِلَةَ؛ ويُضِيفُونَ نِعَمَهُ إلى ما لا يُعَدُّ؛ ولَعَلَّهُ أتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِقَصْرِ ذَلِكَ عَلى مَن خَتَمَ بِمَوْتِهِ عَلى الضَّلالِ؛ أوْ يُقالُ - وهو أرْشَقُ -: لَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا يَسْتَوُونَ؛ والفاضِلُ مِثالُكَ؛ فَقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّ لَكَ المَثَلَ الأعْلى؛ فَتَرْجَمَ عَنْ وصْفِهِ (p-٢١٧)بِقَوْلِهِ ”الحَمْدُ لِلَّهِ“؛ أيْ: الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ لِلْمَلِكِ الأعْظَمِ؛ وعَنْ نِسْبَتِهِمْ إلى عِلْمِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ“؛ أيْ: لَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِشَيْءٍ أصْلًا؛ لِأنَّهم يَعْمَلُونَ في هَذا بِالجَهْلِ؛ فَنِسْبَتُهم إلى الغَباوَةِ أحْسَنُ في حَقِّهِمْ مِن نِسْبَتِهِمْ إلى الضَّلالِ عَلى عِلْمٍ؛ وسَيَأْتِي في سُورَةِ ”لُقْمانَ“؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) ما يَكُونُ نافِعًا في هَذا المَقامِ؛ وإنَّما فُسِّرَتْ ”الحَمْدُ“؛ بِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ قَدْ مَضى في سُورَةِ ”الفاتِحَةِ“؛ أنَّ مادَّةَ ”حَمَدَ“؛ تَدُورُ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ؛ ويَلْزَمُ مِنهُ الِاتِّساعُ؛ والإحاطَةُ؛ والِاسْتِدارَةُ؛ فَيَلْزَمُها مُطَأْطَأةُ الرَّأْسِ؛ وقَدْ يَلْزَمُ الغايَةَ الرِّضا؛ فَيَلْزَمُهُ الشُّكْرُ؛ وبَيانُهُ أنَّ الحَمْدَ بِمَعْنى الرِّضا؛ والشُّكْرِ؛ لِأنَّهُما يَكُونانِ غالِبًا مِن غايَةِ الإحْسانِ؛ ويَرْجِعُ إلى ذَلِكَ ”الحَمْدُ“ بِمَعْنى: ”الجَزاءُ“؛ و”قَضاءُ الحَقِّ“؛ و”حُماداكَ“؛ بِالضَّمِّ؛ أيْ: غايَتُكَ؛ و”يَوْمٌ مُحْتَمِدٌ“: شَدِيدُ الحَرِّ؛ و”حَمَدُ النّارِ“؛ مُحَرَّكَةً: صَوْتُ التِهابِها؛ وأمّا ”يَتَحَمَّدُ عَلَيَّ“؛ بِمَعْنى يَمْتَنُّ؛ فَأصْلُهُ: يَذْكُرُ ما يَلْزَمُ مِنهُ حَمْدُهُ؛ ومِنهُ ”المَدْحُ“: وهو حُسْنُ الثَّناءِ؛ و”تَمَدَّحَ“؛ بِمَعْنى: تَكَلَّفَ أنْ يَمْدَحَ؛ وافْتَخَرَ؛ (p-٢١٨)وتَشَبَّعَ بِما لَيْسَ عِنْدَهُ؛ فَإنَّهُ في كُلِّ ذَلِكَ بَذَلَ جُهْدَهُ؛ و”دَحَمَهُ“؛ كَـ ”مَنَعَ“: دَفَعَهُ شَدِيدًا؛ و”المَرْأةَ“: نَكَحَها؛ لِما في ذَلِكَ مِن بُلُوغِ الغايَةِ في الشَّهْوَةِ؛ وما يَلْزَمُها مِنَ الدَّفْعِ؛ ونَحْوِهِ؛ و”الدِّحْمُ“؛ بِالكَسْرِ: الأصْلُ؛ لِأنَّهُ غايَةُ الشَّيْءِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ؛ و”حَدْمُ النّارِ“؛ ويُحَرَّكُ: شِدَّةُ احْتِراقِها؛ وحَمْيِها؛ و”احْتَدَمَ الدَّمُ“: اشْتَدَّتْ حُمْرَتُهُ حَتّى يَسْوَدَّ؛ و”الحَدَمَةُ“؛ مُحَرَّكَةً: النّارُ؛ لِأنَّها غايَةُ الحَرِّ؛ و”الحَدَمَةُ“ أيْضًا: صَوْتُها؛ لِدَلالَتِهِ عَلى قُوَّةِ التِهابِها؛ ومِن ذَلِكَ ”الحَدَمَةُ“؛ أيْضًا؛ لِصَوْتِ جَوْفِ الحَيَّةِ؛ أوْ صَوْتٍ في الجَوْفِ؛ كَأنَّهُ تَغَيُّظٌ؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى غايَةِ التِهابِ الباطِنِ؛ و”الحَدْمَةُ“؛ كَـ ”فَرْحَةٌ“: السَّرِيعَةُ الغَلْيِ مِنَ القُدُورِ؛ ومِنَ الِاتِّساعِ: ”تَمَدَّحَتِ الأرْضُ؛ أيْ: اتَّسَعَتْ؛ ومِنَ الِاسْتِدارَةِ:“الدّاحُومُ”؛ لِحِبالَةِ الثَّعْلَبِ؛ لِأنَّها بَلَغَتِ الغايَةَ مِن مُرادِ الصّائِدِ؛ ولِأنَّهُ لَمّا لَمْ يَقْدِرْ عَلى الخَلاصِ مِنها كانَتْ كَأنَّها قَدْ أحاطَتْ بِهِ؛ و“الدَّمَحْمَحُ”: المُسْتَدِيرُ المُلَمْلَمُ؛ و“دَمَحَ؛ تَدْمِيحًا": طَأْطَأ رَأْسَهُ؛ لِأنَّ الِانْعِطافَ مَبْدَأُ الِاسْتِدارَةِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - المُوَفِّقُ.
النحل 16:76
ولَمّا انْقَضى هَذا المَثَلُ كافِيًا في المُرادِ؛ مُلْزِمًا لَهم لِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ الأصْنامَ عَبِيدُ اللَّهِ؛ في قَوْلِهِمْ: ”لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ؛ لا شَرِيكَ لَكَ؛ (p-٢١٩)إلّا شَرِيكًا هو لَكَ؛ تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ“؛ وكانَ رُبَّما كابَرَ مُكابِرٌ فَقالَ: إنَّهم لَيْسُوا مِلْكًا لَهُ؛ أتْبَعَهُ مَثَلًا آخَرَ؛ لا تُمْكِنُ المُكابَرَةُ فِيهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ أيْضًا؛ ﴿مَثَلا﴾؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ ﴿رَجُلَيْنِ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِما أجْمَلَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أحَدُهُما أبْكَمُ﴾؛ أيْ: وُلِدَ أخْرَسَ؛ ثُمَّ تَرْجَمَ بُكْمَتَهُ الَّتِي أُرِيدَ بِها أنَّهُ لا يَفْهَمُ؛ ولا يُفْهِمُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ ﴿وهُوَ كَلٌّ﴾؛ أيْ: ثِقْلٌ؛ وعِيالٌ؛ والأصْلُ فِيهِ الغِلَظُ؛ الَّذِي يَمْنَعُ مِنَ النُّفُوذِ؛ ”كَلَّتِ السِّكِّينُ كُلُولًا“؛ إذا غَلُظَتْ شَفْرَتُها؛ فَلَمْ تَقْطَعْ؛ و”كَلَّ لِسانُهُ“؛ إذا لَمْ يَنْبَعِثْ في القَوْلِ؛ لِغِلَظِهِ وذَهابِ حَدِّهِ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ ﴿عَلى مَوْلاهُ﴾؛ الَّذِي يَلِي أمْرَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ﴾؛ أيْ: يُرْسِلْهُ؛ ويَصْرِفْهُ؛ ذَلِكَ المَوْلى؛ ﴿لا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾؛ وهَذا مَثَلُ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ هم عِيالٌ؛ ووَبالٌ عَلى عَبَدَتِهِمْ. (p-٢٢٠)ولَمّا انْكَشَفَ ضَلالُهم في تَسْوِيَتِهِمُ الأنْدادَ - الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى شَيْءٍ ما - بِاللَّهِ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ تَوْبِيخُهُمْ؛ والإنْكارُ عَلَيْهِمْ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا المَذْكُورُ؛ ﴿ومَن﴾؛ أيْ: ورَجُلٌ آخَرُ عَلى ضِدِّ صِفَتِهِ؛ فَهو عالِمٌ؛ فَطِنٌ؛ قَوِيٌّ؛ خَبِيرٌ؛ مُبارَكُ الأمْرِ؛ مَيْمُونُ النَّقِيبَةِ؛ ﴿يَأْمُرُ﴾؛ بِما لَهُ مِنَ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ ﴿بِالعَدْلِ﴾؛ أيْ: بِبَذْلِ النَّصِيحَةِ لِغَيْرِهِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ في نَفْسِهِ؛ ظاهِرًا وباطِنًا؛ ﴿عَلى صِراطٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ واضِحٍ؛ واسِعٍ؛ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: عامِلٌ بِما يَأْمُرُ بِهِ؛ وهَذا مِثالٌ لِلْمَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ الَّذِي يَكْفِي عابِدَهُ جَمِيعَ المُؤَنِ؛ وهو دالٌّ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ.
النحل 16:77
ولَمّا تَمَّ هَذانِ المَثَلانِ؛ الدّالّانِ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ والقاضِيانِ بِأنَّ غَيْرَهُ عَدَمٌ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ“؛ قَوْلَهُ - مُصَرِّحًا بِتَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ -: ﴿ولِلَّهِ﴾؛ أيْ: هَذا عِلْمُ اللَّهِ في المُشاهَداتِ؛ الَّذِي عُلِمَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ؛ ولِذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ كَما أنَّ لَهُ وحْدَهُ شَهادَتَهُما؛ فَما أرادَ (p-٢٢١)مِن ذَلِكَ كانَتْ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ كَقُدْرَتِهِ عَلى الشَّهادَةِ مِنَ السّاعَةِ الَّتِي تُنْكِرُونَها اسْتِعْظامًا لَها؛ ومِن غَيْرِهِما بِما فَصَّلَهُ لَكم مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا؛ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وما فِيهِما؛ ﴿وما أمْرُ السّاعَةِ﴾؛ وهي الوَقْتُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ البَعْثُ؛ عَلى اعْتِقادِكم أنَّها لا تَكُونُ اسْتِبْعادًا لَها؛ واسْتِصْعابًا لِأمْرِها في سُرْعَتِهِ عِنْدَ النّاسِ لَوْ رَأوْهُ؛ ولِذا عَبَّرَ عَنْهُ بِالسّاعَةِ؛ ﴿إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾؛ أيْ: كَرَجْعِ الطَّرْفِ؛ المَنسُوبِ إلى البَصَرِ؛ أيِّ بَصَرٍ كانَ؛ ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾؛ وإذا الخَلْقُ قَدْ قامُوا مِن قُبُورِهِمْ مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِي - هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِمْ وقِياسِهِمْ؛ وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - فَأمْرُهُ في الجَلالَةِ والعِظَمِ؛ والسُّرْعَةِ؛ والإتْقانِ؛ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وتَقْصُرُ عَنْهُ العُقُولُ؛ ولا شَكَّ فِيهِ؛ ولا تَرَدُّدَ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مُمْكِنٍ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾
النحل 16:78
ولَمّا انْقَضى تَوْبِيخُهم عَلى إيمانِهِمْ بِالباطِلِ؛ وكُفْرانِهِمْ بِالحَقِّ؛ وما اسْتَتْبَعَهُ؛ وخَتَمَ بِأمْرِ السّاعَةِ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ”واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا“؛ ما هو مِن أدِلَّةِ السّاعَةِ؛ وكَمالِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ مِنَ النَّشْأةِ الأُولى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها (p-٢٢٢)﴿أخْرَجَكُمْ﴾؛ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ ﴿مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ والَّذِي أخْرَجَكم مِنها قادِرٌ عَلى إخْراجِكم مِن بَطْنِ الأرْضِ؛ بِلا فارِقٍ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ حالَ كَوْنِكم عِنْدَ الإخْراجِ؛ ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ مِنَ الأشْياءِ؛ قَلَّ أوْ جَلَّ؛ وعَطَفَ عَلى ”أخْرَجَكُمْ“؛ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلَ لَكُمُ﴾؛ بِذَلِكَ أيْضًا؛ ﴿السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾؛ آلاتٍ؛ لِإزالَةِ الجَهْلِ؛ الَّذِي وقَعَتِ الوِلادَةُ عَلَيْهِ؛ وفَتَقَ مَواضِعَها؛ وسَوّاها؛ وعَدَّلَها وأنْتُمْ في البُطُونِ؛ حَيْثُ لا تَصِلُ إلَيْهِ يَدَهُ؛ ولا يَتَمَكَّنُ مِن شَقِّ شَيْءٍ مِنهُ بِآلَةٍ؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ في البُطُونِ إبْداعًا؛ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ في بَطْنِ الأرْضِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَهُما دُونَ السَّمْعِ؛ لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيهِما أكْثَرُ مِنَ التَّفاوُتِ فِيهِ؛ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ؛ و”الأفْئِدَةُ“؛ هي القُلُوبُ؛ الَّتِي هَيَّأها لِلْفَهْمِ؛ وإصْلاحِ البَدَنِ؛ بِما أوْدَعَها مِنَ الحَرارَةِ اللَّطِيفَةِ؛ القابِلَةِ لِلْمَعانِي الدَّقِيقَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: لِتَصِيرُوا - بِمَعارِفِ القُلُوبِ الَّتِي وهَبَكُمُوها؛ إذا سَمِعْتُمُ المَواعِظَ وأبْصَرْتُمُ الآياتِ - في حالٍ يُرْجى فِيها شُكْرُكُمْ؛ لَمّا أفاضَ عَلَيْكم مِن لَطائِفِ صُنْعِهِ؛ بِأنْ تَعَرَّفُوا ما لَهُ مِنَ العِلْمِ؛ والقُدْرَةِ؛ وحُسْنِ التَّعَرُّفِ؛ فَتَعْتَرِفُوا لَهُ بِجَمِيعِ ما أتَتْكم بِهِ رُسُلُهُ؛ وأهَمُّهُ (p-٢٢٣)الَّذِي تُبْنى عَلَيْهِ جَمِيعُ مَقاصِدِ الأُصُولِ؛ أنَّ المُنْعِمَ عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ إلَهٌ واحِدٌ؛ عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ وأنَّ الطَّبائِعَ مِن جُمْلَةِ مَقْدُوراتِهِ؛ لا فِعْلَ لَها إلّا بِتَصْرِيفِهِ.
النحل 16:79
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن تَعْدادِ هَذِهِ النِّعَمِ الإعْلامَ بِأنَّهُ الفاعِلُ بِالِاخْتِيارِ وحْدَهُ؛ لا الطَّبائِعُ؛ ولا غَيْرُها؛ دَلَّهم عَلى ذَلِكَ مَضْمُونًا إلى ما مَضى؛ بِقَوْلِهِ - مُقَرِّرًا لَهم -: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾؛ بِالخِطابِ؛ والغَيْبَةِ - عَلى اخْتِلافِ القِراءَتَيْنِ -؛ لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ وسِباقَهُ يَحْتَمِلُ المُقْبِلَ؛ والمُعْرِضَ؛ بِخِلافِ سِياقِ المُلْكِ؛ فَإنَّهُ لِلْمُعْرِضِ فَقَطْ؛ فَلِذا اخْتَلَفَ القُرّاءُ هُنا؛ وأجْمَعُوا هُناكَ؛ ﴿إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ﴾؛ أيْ: مُذَلَّلاتٍ لِلطَّيَرانِ؛ بِما أقامَهُنَّ اللَّهُ فِيهِ مِنَ المَصالِحِ؛ والحِكَمِ؛ بِالطَّيَرانِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿فِي جَوِّ السَّماءِ﴾؛ في الهَواءِ؛ بَيْنَ الخافِقَيْنِ؛ بِما لا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِكم لَها في السَّمْعِ؛ والبَصَرِ؛ وزِيادَتِكم عَلَيْها بِالعُقُولِ؛ فَعُلِمَ قَطْعًا ما وصَلَ بِذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾؛ أيْ: في الجَوِّ عَنِ الوُقُوعِ. (p-٢٢٤)ولَمّا كانَ لِلسِّياقِ هُنا مُدْخَلٌ عَظِيمٌ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الطَّبائِعِ؛ وهُمُ الفَلاسِفَةُ؛ ولَهم وقْعٌ عَظِيمٌ في قُلُوبِ النّاسِ؛ عَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقْوى عَلى رَدِّ شُبَهِهِمْ إلّا مَن أحاطَ عِلْمًا بِمَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى؛ فَكانَ مُتَمَكِّنًا مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ فَقالَ: ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ لِأنَّ نِسْبَتَكم وإيّاها إلى الطَّبِيعَةِ واحِدَةٌ؛ فَلَوْ كانَ ذَلِكَ فِعْلَها لاسْتَوَيْتُمْ؛ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن إخْراجِكم عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ؛ والإنْعامِ عَلَيْكم بِما لَيْسَ لَها؛ وتَقْدِيرِها عَلى ما لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِ مَعَ نَقْصِها عَنْكُمْ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ ولَمّا كانَ مَن لَمْ يَنْتَفِعْ بِالشَّيْءِ كَأنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: هَيَّأهُمُ الفاعِلُ المُخْتارُ لِلْإيمانِ.
النحل 16:80
ولَمّا ذَكَّرَهم - سُبْحانَهُ - بِنِعْمَةِ الإدْراكِ؛ بَعْدَ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ وأتْبَعَهُ ما مَنَّ بِهِ عَلى الطَّيْرِ مِنَ الِارْتِفاعِ الحامِي لَها مِنَ الحَرِّ؛ أتْبَعَهُ ما يَسْكُنُونَ إلَيْهِ فَيُظِلُّهُمْ؛ ويَجْمَعُهُمْ؛ لِأنَّهُ أهَمُّ الأشْياءِ لِلْحَيَوانِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ؛ والقُدْرَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الغافِلُونَ؛ ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾؛ أصْلُ ”البَيْتُ“: المَأْوى لَيْلًا؛ ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ؛ ﴿سَكَنًا﴾؛ هو (p-٢٢٥)مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى ”مَفْعُولٌ“؛ ولَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْكم فِيها الحَشَراتِ؛ والوُحُوشَ؛ كَما سَلَّطَكم عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ما يَخُصُّ الحَضَرَ ما يَصْلُحُ لَهُ؛ ولِلسَّفَرِ بِما مَيَّزَهم بِهِ عَنِ الطَّيْرِ؛ وغَيْرِها مِن سائِرِ الحَيَواناتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْعامًا عَلَيْكُمْ؛ ﴿مِن جُلُودِ الأنْعامِ﴾؛ الَّتِي سَلَّطَكم عَلَيْها.
ولَمّا كانَتِ الخِيامُ؛ الَّتِي مِن جُلُودِ الأنْعامِ؛ في ظِلِّها الظَّلِيلِ؛ تُقارِبُ بُيُوتَ القُرى؛ جَمَعَها جَمْعًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿بُيُوتًا﴾؛ فَإنَّهم قالُوا: إنَّ هَذا الجَمْعَ بِالمَسْكَنِ أخَصُّ؛ والأبْياتُ بِالشَّعْرِ أخَصُّ؛ ﴿تَسْتَخِفُّونَها﴾؛ أيْ: تُطالِبُونَ بِالِاصْطِناعِ خِفَّها؛ فَتَجِدُونَها كَذَلِكَ؛ ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾؛ أيْ: وقْتَ ارْتِحالِكُمْ؛ وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ في النَّهارِ أكْثَرُ؛ ﴿ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما بِهِ كَمالُ السَّكَنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ومِن أصْوافِها﴾؛ أيْ: الضَّأْنِ مِنها؛ ﴿وأوْبارِها﴾؛ وهي لِلْإبِلِ كالصُّوفِ لِلْغَنَمِ؛ ﴿وأشْعارِها﴾؛ وهي ما كانَ مِنَ المَعِزِ؛ ونَحْوِهِ مِنَ المَساكِنِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَفارِشِ؛ والأخْبِيَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿أثاثًا﴾؛ أيْ: مَتاعًا مِن مَتاعِ البَيْتِ كَثِيرًا؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”شَعْرٌ أثِيثٌ“؛ أيْ: كَثِيرٌ؛ و”أثَّ النَّبْتُ“؛ إذا كَثُرَ؛ ﴿ومَتاعًا﴾؛ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ؛ (p-٢٢٦)﴿إلى حِينٍ﴾؛ أيْ: وقْتٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ؛ بِحَسَبِ كُلِّ إنْسانٍ في فَقْدٍ ذَلِكَ؛ وأعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ الحَرِيرِ؛ والكَتّانِ؛ والقُطْنِ؛ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ مِن صِناعَتِهِمْ؛ وإشارَةً إلى الِاقْتِصادِ؛ وعَدَمِ الإسْرافِ.
النحل 16:81
ولَمّا ذَكَرَ ما يَخُصُّهم أتْبَعَهُ ما يُشارِكُونَ فِيهِ سائِرَ الحَيَواناتِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ ﴿جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ حاجَةٍ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾؛ مِنَ الأشْجارِ؛ والجِبالِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ غِناهُ المُطْلَقِ؛ ﴿مِنَ الجِبالِ أكْنانًا﴾؛ جَمْعُ ”كِنٌّ“؛ وهو ما يُسْتَكَنَّ بِهِ -؛ أيْ: يُسْتَتَرُ - مِنَ الكُهُوفِ؛ ونَحْوِها؛ ولَوْ كانَ الخالِقُ غَيْرَ مُخْتارٍ؛ لَكانَتْ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ لا ظِلالَ؛ ولا أكْنانَ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ ما هَداهم إلَيْهِ؛ عِوَضًا مِمّا جَعَلَهُ لِسائِرِ الحَيَوانِ؛ فَقالَ: ﴿وجَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَنًّا مِنهُ عَلَيْكُمْ؛ ﴿سَرابِيلَ﴾؛ أيْ: ثِيابًا؛ ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾؛ وهي كُلُّ ما لُبِسَ؛ مِن قَمِيصٍ؛ وغَيْرِهِ؛ كَما قالَ الزَّجّاجُ.
ولَمّا كانَتِ السَّرابِيلُ نَوْعًا واحِدًا؛ لَمْ يُكَرِّرْ ”جَعَلَ“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَرابِيلَ﴾؛ أيْ: دُرُوعًا؛ ومَغافِرَ؛ وغَيْرَها؛ ﴿تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾؛ أضافَهُ إلَيْهِمْ إفْهامًا لِأنَّهُ الحَرْبُ؛ وذَلِكَ كَما جَعَلَ لِبَقِيَّةِ الحَيَوانِ - مِنَ الأصْوافِ؛ ونَحْوِها؛ والأنْيابِ؛ والأظْفارِ؛ ونَحْوِها - ما هو نَحْوُ ذَلِكَ؛ يَمْنَعُ (p-٢٢٧)مِنَ الحَرِّ؛ والبَرْدِ؛ ومِن سِلاحِ العَدُوِّ؛ ولَمْ يَذْكُرْ - سُبْحانَهُ - هُنا وِقايَةَ البَرْدِ لِتَقَدُّمِها في قَوْلِهِ (تَعالى): ”لَكم فِيها دِفْءٌ“؛ ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: نَبَّهَنا - سُبْحانَهُ - بِهَذا الكَلامِ عَلى تَمامِ نِعْمَةِ الإيجادِ؛ فَهَلْ بَعْدَها مِن نِعْمَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: كَما أتَمَّ نِعْمَةَ الإيجادِ عَلَيْكم هَذا الإتْمامَ العَظِيمَ بِهَذِهِ الأُمُورِ؛ ونَبَّهَكم عَلَيْها؛ ﴿يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ في الدُّنْيا والدِّينِ؛ بِالهِدايَةِ؛ والبَيانِ لِطَرِيقِ النَّجاةِ؛ والمَنافِعِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى دَقائِقِ ذَلِكَ؛ بَعْدَ جَلائِلِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم - بِما تَرَوْنَ مِن كَثْرَةِ إحْسانِهِ؛ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ؛ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ - حالَ مَن يُرْجى مِنهُ إسْلامُ قِيادِهِ لِرَبِّهِ؛ فَلا يَسْكُنُ؛ ولا يَتَحَرَّكُ؛ إلّا في طاعَتِهِ.
النحل 16:82
فَلَمّا صارَ هَذا البَيانُ؛ إلى أجْلى مِنَ العِيانِ؛ كانَ رُبَّما وقَعَ في الوَهْمِ أنَّهم إنْ لَمْ يُجِيبُوا لَحِقَ الدّاعِي - بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ - حَرَجٌ؛ فَقالَ (تَعالى) - نافِيًا لِذَلِكَ؛ مُعْرِضًا عَنْهم إعْراضَ المُغْضَبِ؛ مُقْبِلًا عَلَيْهِ (p-٢٢٨)- صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - إقْبالَ المُسَلِّي؛ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ ”التَّفَعُّلِ“؛ المُفْهِمَةِ لِأنَّ الفِطَرَ الأُولى داعِيَةٌ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ؛ فَلا يُعْرِضُ صاحِبُها عَمّا يُرْضِيهِ - سُبْحانَهُ - إلّا بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ -: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمُ الإعْراضَ؛ ومُتابَعَةَ الأهْواءِ؛ فَلا تَقْصِيرَ عَلَيْكَ بِسَبَبِ تَوَلِّيهِمْ؛ ولا حَرَجَ؛ ﴿فَإنَّما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ إنَّما ﴿عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَرُدَّهم عَنِ العِنادِ؛
النحل 16:83
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ كانَ إعْراضُهم عَنْ جَهْلٍ؛ أوْ عِنادٍ؟ فَقِيلَ فِيهِمْ؛ وفِيهِمْ؛ ﴿يَعْرِفُونَ﴾؛ أيْ: كُلُّهُمْ؛ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّتِي تَقَدَّمَ عَدُّ بَعْضِها في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾؛ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ المُنْعِمِ بِها؛ أوْ بِتَكْذِيبِ الآتِي بِالتَّنْبِيهِ عَلَيْها؛ بَعْضُهم لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ؛ وبَعْضُهم عِنادًا؛ وكانَ بَعْضُهم يَقُولُ: هي مِنَ اللَّهِ؛ ولَكِنْ بِشَفاعَةِ آلِهَتِنا؛ ﴿وأكْثَرُهُمُ﴾؛ أيْ: المَدْعُوِّينَ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ؛ الَّذِينَ أدْرَكَتْهم دَعْوَتُهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ﴿الكافِرُونَ﴾؛ أيْ: المُعانِدُونَ؛ الرّاسِخُونَ في الكُفْرِ.
النحل 16:84
ولَمّا كانَ مِن أجَلِّ المَقاصِدِ بِهَذِهِ الأسالِيبِ التَّخْوِيفُ مِنَ البَعْثِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ البَيانِ؛ والإصْرارِ عَلى كُفْرانِ المَعْرُوفِ مِنَ الإحْسانِ؛ إلّا المُجازاةُ؛ لِأنَّ الحَكِيمَ يُمْهِلُ؛ ولا يُهْمِلُ؛ (p-٢٢٩)قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ثَمَرَةِ ”فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ“؛ وهِيَ: فَبَلِّغْهُمْ؛ وبَيِّنْ لَهُمْ؛ ولا تَيْأسْ مِن رُجُوعِهِمْ -:﴿ويَوْمَ﴾؛ أيْ: وخَوِّفْهم يَوْمَ ﴿نَبْعَثُ﴾؛ بَعْدَ البَعْثِ؛ ﴿مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾؛ يَحْكُمُ بِقَوْلِهِ المَلِكُ إجْراءً لِلْأمْرِ عَلى ما يَتَعارَفُونَ؛ وإنْ كانَ غَنِيًّا عَنْ شَهِيدٍ؛ ولَمّا كانَ الإذْنُ لَهم في الِاعْتِذارِ في بَعْضِ المَواقِفِ الطَّوِيلَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ مُتَعَذِّرًا؛ عَبَّرَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - بِأداةِ البُعْدِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ لا يُؤْذَنُ﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ إذْنٌ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: بَعْدَ شَهادَةِ الشُّهَداءِ؛ في الِاعْتِذارِ؛ كَما يُؤْذَنُ في هَذِهِ الدّارِ لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ عِنْدَ السُّؤالِ في الإعْذارِ؛ لِأنَّهُ لا عُذْرَ هُناكَ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿ولا هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾؛ أيْ: ولا يُطْلَبُ مِنهُمُ الإعْتابُ المُؤْثِرُ لِلرِّضا؛ وهو إزالَةُ العَتْبِ؛ وهو المَوْجِدَةُ؛ المُعَبَّرُ بِها عَنِ الغَضَبِ؛ المُعَبَّرِ بِهِ عَنْ آثارِهِ مِنَ السَّطْوَةِ والِانْتِقامِ؛ وأخْذِ العَذابِ لِأهْلِ الإجْرامِ؛ مِن قَبِيحِ ما ارْتَكَبُوا؛ لِأنَّ تِلْكَ الدّارَ لَيْسَتْ بِدارِ تَكْلِيفٍ؛
النحل 16:85
ثُمَّ وصَلَ بِهِ أنَّ ما يُوجِبُهُ الغَضَبُ يَدُومُ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى (p-٢٣٠)ما بَعْدَ ”ثُمَّ“ -: ﴿وإذا رَأى﴾؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ فَعَبَّرَ بِالوَصْفِ المُوجِبِ لِلْعَذابِ؛ ﴿العَذابَ﴾؛ بَعْدَ المَوْقِفِ؛ وشَهادَةِ الشُّهَداءِ؛ وجَزاءُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما قُرِنَ بِالفاعِلِيَّةِ؛ تَقْدِيرُهُ: ”لابَسَهُمْ“؛ ﴿فَلا يُخَفَّفُ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ تَخْفِيفٌ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ؛ ولا بِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ شَيْءٌ مِنهُ؛ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾؛ بِالتَّأْخِيرِ؛ ولا لَحْظَةً؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ مِن أحَدٍ ما.
النحل 16:86
ولَمّا بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - حاصِلَ أمْرِهِمْ في البَعْثِ؛ وما بَعْدَهُ؛ وكانَ مِن أهَمِّ المُهِمِّ أمْرُهم في المَوْقِفِ مَعَ شُرَكائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا يَتَرَجَّوْنَهُمْ؛ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وإذا رَأى﴾؛ أيْ: بِالعَيْنِ؛ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ﴿الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ فَأظْهَرَ أيْضًا الوَصْفَ المُناسِبَ لِلْمَقامِ؛ ﴿شُرَكاءَهُمْ﴾؛ أيْ: الآلِهَةَ الَّتِي كانُوا يَدْعُونَها شُرَكاءَ؛ ﴿قالُوا رَبَّنا﴾؛ يا مَن أحْسَنَ إلَيْنا؛ ورَبّانا؛ ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا﴾؛ أضافُوهم إلى أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا حَقِيقَةَ لِشَرِكَتِهِمْ سِوى تَسْمِيَتِهِمْ لَها؛ المُوجِبَةِ لِضُرِّهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا﴾؛ أيْ: نَعْبُدُ.
ولَمّا كانَتِ المَراتِبُ مُتَكَثِّرَةً دُونَ رُتْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - لِأنَّ عُلُوَّهُ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن دُونِكَ﴾؛ لِيُقَرِّبُونا إلَيْكَ؛ فَأكْرِمْنا لِأجْلِهِمْ؛ (p-٢٣١)جَرْيًا عَلى مِنهاجِهِمْ في الدُّنْيا في الجَهْلِ؛ والغَباوَةِ؛ فَخافَ الشُّرَكاءُ مِن عَواقِبِ هَذا القَوْلِ؛ والإقْرارِ عَلَيْهِ؛ سَطْواتِ الغَضَبِ؛ ﴿فَألْقَوْا﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءُ؛ ﴿إلَيْهِمُ﴾؛ أيْ: المُشْرِكِينَ؛ ﴿القَوْلَ﴾؛ أيْ: بادَرُوا بِهِ؛ حَتّى كانَ إسْراعُهُ إلَيْهِمْ إسْراعَ شَيْءٍ ثَقِيلٍ يُلْقى مِن عُلُوٍّ؛ وأكَّدُوا قَوْلَهُمْ؛ لِأنَّهُ مُطاعَنَةٌ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ؛ فَقالُوا: ﴿إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾؛ في جَعْلِنا شُرَكاءَ؛ وأنّا نَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ أوْ نَشْفَعُ؛ أوْ يَكُونُ لَنا أمْرٌ نَسْتَحِقُّ بِهِ أنْ نُذْكَرَ؛
النحل 16:87
﴿وألْقَوْا﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءُ؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ؛ إذْ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا؛ ﴿السَّلَمَ﴾؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ والِاسْتِسْلامَ؛ بِما عَلِمَ بِهِ الكُفّارُ أنَّهم مِن جُمْلَةِ العَبِيدِ؛ لا أمْرَ لَهم أصْلًا؛ فَأُصْلِدَ زَنْدُهُمْ؛ وخابَ قَصْدُهُمْ؛ وقَيَّدَ بِذَلِكَ اليَوْمِ لِأنَّهم كانُوا في الدُّنْيا - بِتَزْيِينِ الشَّياطِينِ لِأُمُورِهِمْ؛ ونُطْقِهِمْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ - بِحَيْثُ يَظُنُّ عابِدُوهم أنَّ لَهم مَنعَةً؛ وبِهِمْ قُوَّةً؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”ألْقَوْا“؛ لِلْمُشْرِكِينَ؛ ﴿وضَلَّ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الكُفّارِ؛ ﴿ما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ؛ مِن دَعْوى النَّفْعِ لَهُمْ؛ والضُّرِّ؛ كَذِبًا وفُجُورًا؛
النحل 16:88
فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا لِلَّذِينِ أشْرَكُوا؛ فَما لِلَّذِينِ كانُوا دُعاةً إلى الشِّرْكِ؛ مانِعِينَ مِنَ الِانْتِقالِ عَنْهُ؟ فَقِيلَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا (p-٢٣٢)الكُفْرَ في أنْفُسِهِمْ؛ ﴿وصَدُّوا﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ غَيْرَهُمْ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ كُلُّها؛ ﴿زِدْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ بِصَدِّهِمْ غَيْرَهُمْ؛ ﴿عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾؛ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ عَلى مُطْلَقِ الشِّرْكِ؛ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿يُفْسِدُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الفَسادَ ويُجَدِّدُونَهُ؛
النحل 16:89
ثُمَّ كَرَّرَ التَّحْذِيرَ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ عَلى وجْهٍ يَزِيدُ عَلى ما أفْهَمَتْهُ الآيَةُ السّالِفَةُ؛ وهو أنَّ الشَّهادَةَ تَقَعُ عَلى الأُمَمِ؛ لا لَهُمْ؛ وتَكُونُ بِحَضْرَتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَوْمَ﴾؛ أيْ: وخَوِّفْهم يَوْمَ ﴿نَبْعَثُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ؛ ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: هو في أعْلى رُتَبِ الشَّهادَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَتْ بِعْثَةُ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - خاصَّةً بِقَوْمِهِمْ؛ إلّا قَلِيلًا؛ قالَ: ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ وهو نَبِيُّهم.
ولَمّا كانَ لِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ التَّحَقُّقِ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ وكَذا شَهادَةُ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ وإلى أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَمْ يَزَلْ مِن حِينِ بَعْثِهِ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَةِ العَلِيَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وجِئْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بِكَ شَهِيدًا﴾؛ أيْ: شَهادَةً هي مُناسِبَةٌ لِعَظَمَتِنا؛ ﴿عَلى هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ بَعَثْناكَ (p-٢٣٣)إلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ الأرْضِ؛ وأكْثَرُهم لَيْسَ مِن قَوْمِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيِّدْ بِعْثَتَهُ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ لا إعْذارَ في شُهَدائِهِ؛ فَإنَّهُ لا حُجَّةَ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ اليَوْمَ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - أزاحَ العِلَلَ؛ وتَرَكَ الأمْرَ عَلى بَيْضاءَ نَقِيَّةٍ؛ لَيْلُها كَنَهارِها؛ لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”وما أنْزَلَنا عَلَيْكَ الكِتابَ“؛ الآيَةَ؛ المُتَعَقِّبِ لِقَوْلِهِ: ”لا جَرَمَ“؛ الآيَتَيْنِ -: ﴿ونَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ والتَّنْجِيمِ؛ ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ الجامِعَ لِلْهُدى؛ ﴿تِبْيانًا﴾؛ أيْ: لِأجْلِ البَيانِ التّامِّ؛ قالُوا: وهو اسْمٌ؛ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ؛ كَـ ”تِلْقاءُ“؛ ﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾؛ ورَدَّ عَلَيْكَ مِن أسْئِلَتِهِمْ؛ ووَقائِعِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو في أعْلى طَبَقاتِ البَيانِ؛ كَما أنَّهُ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ أسْرَعُ إلى الأفْهامِ؛ وأظْهَرُ في الإدْراكِ؛ والنَّفْسُ أشَدُّ تَقَبُّلًا لَهُ لِما هو عَلَيْهِ مِن حُسْنِ النِّظامِ؛ والقُرْبِ إلى الأفْهامِ؛ وإنَّما احْتِيجَ إلى تَفْسِيرِهِ؛ مَعَ أنَّهُ في نِهايَةِ البَيانِ؛ لِتَقْصِيرِ الإنْسانِ في العِلْمِ بِمَذاهِبِ العَرَبِ الَّذِينَ هُمُ الأصْلُ في هَذا اللِّسانِ؛ وتَقْصِيرِ العَرَبِ عَنْ جَمِيعِ مَقاصِدِهِ؛ كَما قَصَّرُوا عَنْ دَرَجَتِهِ في البَلاغَةِ؛ فَرَجَعَتِ الحاجَةُ إلى تَقْصِيرِ الفَهْمِ؛ لا إلى تَقْصِيرِ الكَلامِ في البَيانِ؛ ولِهَذا تَفاوَتَ النّاسُ في فَهْمِهِ لِتَفاوُتِهِمْ في دَرَجاتِ البَلاغَةِ؛ ومَعْرِفَةِ طُرُقِ العَرَبِ في جَمِيعِ أسالِيبِها؛ قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ (p-٢٣٤)- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في آخِرِ خُطْبَةِ الرِّسالَةِ؛ بَعْدَ أنْ دَعا اللَّهَ (تَعالى) أنْ يَرْزُقَهُ فَهْمًا في كِتابِهِ؛ ثُمَّ في سُنَّةِ نَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: فَلَيْسَتْ تَنْزِلُ بِأحَدٍ مِن أهْلِ دِينِ اللَّهِ نازِلَةٌ إلّا وفي كِتابِ اللَّهِ الدَّلِيلُ عَلى سَبِيلِ الهُدى فِيها - واحْتَجَّ بِآياتٍ؛ مِنها هَذِهِ -؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - بَيَّنَ فِيهِ التَّوْحِيدَ؛ والمَبْدَأ؛ والمَعادَ؛ والأمْرَ؛ والنَّهْيَ؛ والحَلالَ؛ والحَرامَ؛ والحُدُودَ؛ والأحْكامَ؛ بِالنَّصِّ عَلى بَعْضِها؛ وبِالإحالَةِ عَلى السُّنَّةِ في الآخَرِ؛ وعَلى الإجْماعِ في نَحْوِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]؛ وعَلى الِاقْتِداءِ بِالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ؛ في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ”عَلَيْكم بِسُنَّتِي؛ وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ مِن بَعْدِي“؛ وبِالِاقْتِداءِ بِجَمِيعِ أصْحابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ في قَوْلِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ”أصْحابِي كالنُّجُومِ؛ بِأيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ“؛ وقَدِ اجْتَهَدُوا؛ وقاسُوا؛ ووَطَّؤُوا طُرُقَ القِياسِ والِاجْتِهادِ؛ ولَمْ يَخْرُجْ أحَدٌ مِنهم عَنِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ فَهو مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ في كَوْنِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - شَهِيدًا؛ لِكَوْنِهِ ما أخْبَرَ عَنْهم إلّا بِما هم أهْلُهُ. (p-٢٣٥)ولَمّا كانَ التِّبْيانُ قَدْ يَكُونُ لِلضَّلالِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: مُوصِلًا إلى المَقْصُودِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ورَحْمَةً﴾؛ ولَمّا كانَ الإكْرامُ قَدْ لا يَكُونُ بِما هو في أعْلى طَبَقاتِ السُّرُورِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿وبُشْرى﴾؛ أيْ: بِشارَةً عَظِيمَةً جِدًّا؛ ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ“؛ وهو رَسُولُهُمُ الَّذِي أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ ”وجِئْنا بِكَ شَهِيدًا عَلى هَؤُلاءِ“؛ لِكَوْنِنا أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ؛ وجَعَلْناكَ أمِينًا عَلَيْهِمْ”؛ ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ“؛ فَلا عُذْرَ لَهُمْ؛ فَيَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ما دَلَّ الكَلامُ السّابِقُ دَلالَةً واضِحَةً عَلى تَقْدِيرِهِ.
النحل 16:90
ولَمّا بَيَّنَ (تَعالى) فَضْلَ هَذا القُرْآنِ؛ بِما يَقْطَعُ حُجَّتَهُمْ؛ وكانَ قَدْ قَدَّمَ فَضْلَ مَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ؛ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ أخَذَ يُبَيِّنُ اتِّصافَ القُرْآنِ بِبَيانِ كُلِّ شَيْءٍ؛ وتَضَمُّنَهُ لِذَلِكَ الطَّرِيقِ الأقْوَمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - جامِعًا لِما يَتَّصِلُ بِالتَّكالِيفِ؛ فَرْضًا ونَفْلًا؛ وما يَتَّصِلُ بِالأخْلاقِ والآدابِ؛ عُمُومًا وخُصُوصًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ المُسْتَجْمِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾؛ وهو الإنْصافُ؛ الَّذِي لا يُقْبَلُ عَمَلٌ بِدُونِهِ؛ (p-٢٣٦)وأوَّلُ دَرَجاتِهِ التَّوْحِيدُ؛ الَّذِي بُنِيَتِ السُّورَةُ عَلَيْهِ؛ والعَدْلُ يُعْتَبَرُ تارَةً في المَعْنى؛ فَيُرادُ بِهِ هَيْئَةٌ في الإنْسانِ تُطْلَبُ بِها المُساواةَ؛ وتارَةً في العَقْلِ؛ فَيُرادُ بِهِ التَّقْسِيطُ القائِمُ عَلى الِاسْتِواءِ؛ وتارَةً يُقالُ: هو الفَضْلُ كُلُّهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الفَضائِلِ عَنْهُ؛ وتارَةً يُقالُ: هو أكْمَلُ الفَضائِلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ صاحِبَهُ يَقْدِرُ عَلى اسْتِعْمالِهِ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ وهو مِيزانُ اللَّهِ المُبَرَّأُ مِن كُلِّ زَلَّةٍ؛ وبِهِ يَسْتَتِبُّ أمْرُ العالَمِ؛ وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ؛ وهو وسَطٌ؛ كُلُّ أطْرافِهِ جَوْرٌ؛ وبِالجُمْلَةِ الشَّرْعُ مَجْمَعُ العَدْلِ؛ وبِهِ تُعْرَفُ حَقائِقُهُ؛ ومَنِ اسْتَقامَ عَلى نَهْجِ الحَقِّ فَقَدِ اسْتَتَبَّ عَلى مَنهَجِ العَدْلِ؛ ذَكَرَهُ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“؛ وفِيهِ تَلْخِيصٌ؛ وفي آخِرِ الجُزْءِ الخامِسَ عَشَرَ مِنَ الثَّقَفِيّاتِ أنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: صِفْ لِيَ العَدْلَ؛ فَقالَ: كُنْ لِصَغِيرِ النّاسِ أبًا؛ ولِكَبِيرِهِمُ ابْنًا؛ ولِلْمِثْلِ أخًا؛ ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ؛ وعاقِبِ النّاسَ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ؛ عَلى قَدْرِ أجْسامِهِمْ؛ ولا تَضْرِبَنَّ (p-٢٣٧)لِغَضَبِكَ سَوْطًا واحِدًا فَتَعْدِيَ فَتَكُونَ مِنَ العادِينَ؛ انْتَهى.
﴿والإحْسانِ﴾؛ وهو فِعْلُ الطّاعَةِ عَلى أعْلى الوُجُوهِ؛ فالعَدْلُ فَرْضٌ؛ والإحْسانُ فَضْلٌ؛ وهو مُجاوَزَةُ النَّصَفَةِ إلى التَّحامُلِ عَلى النَّفْسِ؛ لِأنَّهُ رُبَّما وقَعَ في الفَرْضِ نَقْصٌ فَجُبِرَ بِالنَّفْلِ؛ وهو في التَّوْحِيدِ الِارْتِقاءُ عَنْ أوَّلِ الدَّرَجاتِ؛ ومِن أعْلاهُ الغِنى عَنِ الأكْوانِ؛ وتَكُونُ الأكْوانُ في غَيْبَتِها عِنْدَ انْبِساطِ نُورِ الحَقِّ؛ كالنُّجُومِ في انْطِماسِها عِنْدَ انْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ؛ وغايَتُهُ الفَناءُ؛ حَتّى عَنْ هَذا الغِنى؛ وشُهُودُ اللَّهِ وحْدَهُ؛ وهو التَّوْحِيدُ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «”الإحْسانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ“؛» وهو رُوحُ الإنْسانِيَّةِ؛ فَفي الجُزْءِ الثّامِنِ مِنَ الثَّقَفِيّاتِ؛ عَنْ عاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ الجَرْمِيِّ قالَ: «حَدَّثَنِي أبِي كُلَيْبٌ أنَّهُ شَهِدَ مَعَ أبِيهِ جِنازَةً شَهِدَها رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ قالَ: وأنا غُلامٌ أعْقِلُ وأفْهَمُ؛ قالَ: فانْتَهى بِالجِنازَةِ إلى القَبْرِ؛ ولَمّا يُمَكَّنْ لَها؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ – يَقُولُ: ”سَوِّ ذا“؛ أوْ: ”خُذْ ذا“؛ قالَ: حَتّى ظَنَّ النّاسُ أنَّها سُنَّةٌ؛ فالتَفَتَ إلَيْهِمْ فَقالَ: ”إنَّ هَذا لا يَنْفَعُ المَيِّتَ؛ ولا يَضُرُّهُ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُحِبُّ مِنَ العامِلِ إذا (p-٢٣٨)عَمِلَ أنْ يُحْسِنَ“».
﴿وإيتاءِ ذِي القُرْبى﴾؛ فَإنَّهُ مِنَ الإحْسانِ؛ وهو أوْلى النّاسِ بِالبَرِّ؛ وذَلِكَ جامِعٌ لِلْإحْسانِ في صِلَةِ الرَّحِمِ.
ولَمّا أمَرَ بِالمَكارِمِ؛ نَهى عَنِ المَساوِئِ؛ والمَلائِمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ﴾؛ وهي ما اشْتَدَّ تَقْصِيرُهُ عَنِ العَدْلِ؛ فَكانَ ضِدَّ الإحْسانِ؛ ﴿والمُنْكَرِ﴾؛ وهو ما قَصَّرَ عَنِ العَدْلِ في الجُمْلَةِ؛ ﴿والبَغْيِ﴾؛ وهو الِاسْتِعْلاءُ عَلى الغَيْرِ ظُلْمًا؛ وقالَ البَيْضاوِيُّ في سُورَةِ ”الشُّورى“: هو طَلَبُ تَجاوُزِ الِاقْتِصادِ فِيما يَتَجَزَّأُ؛ كَمِّيَّةً؛ أوْ كَيْفِيَّةً؛ وهو مِنَ المُنْكَرِ؛ صَرَّحَ بِهِ اهْتِمامًا؛ وهو أخُو قَطِيعَةِ الرَّحِمِ؛ ومُشارِكٌ لَها في تَعْجِيلِ العُقُوبَةِ: ”ما مِن ذَنْبٍ أحْرى أنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصاحِبِهِ العُقُوبَةَ؛ مَعَ ما يَدَّخِرُ لَهُ في الآخِرَةِ؛ مِنَ البَغْيِ؛ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ“؛ رَواهُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ؛ والتِّرْمِذِيُّ؛ عَنْ أبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ورَفَعَهُ؛ وأصْلُ البَغْيِ: الإرادَةُ؛ كَأنَّهُ صارَ - بِفَهْمِ هَذا المَعْنى المَحْظُورِ - المَحْذُورَ؛ عِنْدَ حَذْفِ مَفْعُولِهِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ - لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلى النُّقْصانِ - لا يَكادُ يَصْلُحُ مِنهُ إرادَةٌ؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَكُونَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيارِ؛ مَعَ المَلِكِ الجَبّارِ؛ الواحِدِ القَهّارِ؛ فَتَكُونَ إرادَتُهُ تابِعَةً لِإرادَتِهِ؛ واخْتِيارِهِ؛ مِن وراءِ طاعَتِهِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الخُلُقَيْنِ (p-٢٣٩)الأوَّلَيْنِ ما تَرَكا طاعَةً إلّا جَمْعاها؛ والأخِيرَيْنِ ما تَرَكا مَعْصِيَةً إلّا جَمَعاها.
ولَمّا دَعا هَذا الكَلامُ؛ عَلى وجازَتِهِ؛ إلى أُمَّهاتِ الفَضائِلِ الَّتِي هي العِلْمُ؛ والعَدْلُ؛ والعِفَّةُ؛ والشَّجاعَةُ؛ وزادَ مِنَ الحُسْنِ ما شاءَ؛ فَإنَّ الإحْسانَ مِن ثَمَراتِ العِفَّةِ؛ والنَّهْيَ عَنِ البَغْيِ؛ الَّذِي هو مِن ثَمَراتِ الشَّجاعَةِ المَذْمُومَةِ؛ إذَنْ فِيما سِواهُ مِنها؛ ولا يَقُومُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِالعِلْمِ؛ وكانَ هَذا أبْلَغَ وعْظٍ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَعِظُكُمْ﴾؛ أيْ: يَأْمُرُكم بِما يُرَقِّقُ قُلُوبَكم مِن مُصاحَبَةِ ثَلاثَةٍ؛ ومُجانَبَةِ ثَلاثَةٍ؛ ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى تَذَكُّرُهُ؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ المَعالِي بِما وهَبَ اللَّهُ مِنَ العَقْلِ؛ الدّاعِي إلى كُلِّ خَيْرٍ؛ النّاهِي عَنْ كُلِّ ضَيْرٍ؛ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ؛ مِن طِفْلٍ وغَيْرِهِ؛ يَكْرَهُ أنْ يُفْعَلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ؛ فَمَن كانَ لَهُ عَقْلٌ؛ واعْتَبَرَ بِعَقْلِهِ؛ عَلِمَ أنَّ غَيْرَهُ يَكْرَهُ مِنهُ ما يَكْرَهُ هو مِنهُ؛ ويَعْلَمُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَكُفَّ عَنْ فِعْلِ ما يَكْرَهُ أخُوهُ؛ وقَعَ التَّشاجُرُ؛ فَيَحْصُلَ الفَسادُ المُؤَدِّي إلى خَرابِ الأرْضِ؛ هَذا في الفِعْلِ مَعَ أمْثالِهِ مِنَ المَخْلُوقِينَ؛ فَكَيْفَ بِالخالِقِ بِأنْ يَصِفَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ اسْمُهُ؛ وتَعالى جَدُّهُ؛ وعَظُمَ أمْرُهُ.
النحل 16:91
(p-٢٤٠)ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الجُمَلُ؛ الَّتِي جَمَعَتْ - بِجَمْعِها لِلْمَأْمُوراتِ؛ والمَنهِيّاتِ -؛ ما تَضِيقُ عَنْهُ الدَّفاتِرُ والصُّدُورُ؛ وشَهِدَ لَها المُعانِدُونَ مِن بُلَغاءِ العَرَبِ أنَّها بَلَغَتْ قامُوسَ البَحْرِ؛ وتَعالَتْ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ السِّياقُ - مِن نَحْوِ: ”فَتَذَكَّرُوا“؛ أوْ ”فالزَمُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ونابِذُوا ما نُهِيتُمْ عَنْهُ“ - بَعْضَ ما أجْمَلَتْهُ؛ وبَدَأ بِما هو مَعَ جَمْعِهِ أهَمُّ؛ وهو الوَفاءُ بِالعَهْدِ؛ الَّذِي يَفْهَمُ مِنهُ العُلَماءُ بِاللَّهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ مِنَ الحُجَجِ القاطِعَةِ بِالتَّوْحِيدِ؛ وصِدْقِ الرُّسُلِ؛ ووُجُوبِ اتِّباعِهِمْ؛ فَكانَتْ أعْظَمَ العُهُودِ؛ ويَفْهَمُ مِنهُ غَيْرُهم ما يَتَعارَفُونَهُ مِمّا يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ المَواثِيقِ؛ فَإذا سارُوا فِيها بِما أمَرَ - سُبْحانَهُ - وتَحَرَّوْا رِضاهُ؛ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ العَدْلُ؛ قادَهم ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ الأوَّلِينَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْفُوا﴾؛ أيْ: أوْقِعُوا الوَفاءَ؛ الَّذِي لا وفاءَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي عاهَدَكم عَلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ وغَيْرِهِ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ وفُرُوعِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] ﴿وما يُضِلُّ بِهِ إلا الفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧] ﴿إذا عاهَدْتُمْ﴾؛ بِتَقَبُّلِكم لَهُ؛ بِإذْعانِكم لِأمْثالِهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فِيما عُرِفَ مِن عَوائِدِكُمْ؛ وصَرَّحْتُمْ بِهِ (p-٢٤١)عِنْدَ شَدائِدِكُمْ؛ ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾ [النحل: ٥٣]؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو مِن جِنْسِهِ؛ وأخَصُّ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَنْقُضُوا الأيْمانَ﴾؛ واحْتَرَزَ عَنْ لَغْوِ اليَمِينِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾؛ وحَذَفَ الجارَّ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو اسْتِغْراقُ زَمانِ البُعْدِ بِالنَّقْضِ؛ وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالكَذِبِ الشّامِلِ لَهُ كُلِّهِ؛ بَعْضُهُ بِالقُوَّةِ؛ وبَعْضُهُ بِالفِعْلِ؛ ولَعَلَّهُ جَمَعَ إشارَةً إلى أنَّ المَذْمُومَ اسْتِهانَتُها مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى كَفّارَةٍ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ ولَوْ في واحِدَةٍ؛ كانَ فاعِلًا ذَلِكَ في الجَمِيعِ؛ بِخِلافِ مَن يَنْقُضُ ما نَقَضَهُ - خَيْرٌ - بِالكَفّارَةِ؛ فَإنَّهُ ناقِضٌ لِلْبَعْضِ لا لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُ دائِرٌ مَعَ الخَيْرِ؛ والأوَّلُ دائِرٌ مَعَ الهَوى؛ ثُمَّ حَذَّرَهم مِنَ النَّقْضِ بِأنَّهُ مُطَّلِعٌ قادِرٌ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُقَبِّحًا حالَهم إذْ ذاكَ -: ﴿وقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿عَلَيْكم كَفِيلا﴾؛ أيْ: شاهِدًا ورَقِيبًا.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الرَّقِيبِ حِفْظُ أحْوالِ مَن يُراقِبُهُ؛ قالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾؛ فَلَمْ تَفْعَلُوا شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ فَكانَتْ كَفالَتُهُ مَجْعُولَةً بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالجَعْلِ؛ فَمَتى نَقَضْتُمْ فَعَلَ بِكم فِعْلَ الكَفِيلِ القادِرِ؛ (p-٢٤٢)بِالمَكْفُولِ المُماطِلِ؛ مِن أخْذِ الحَقِّ؛ والعُقُوبَةِ.
النحل 16:92
ولَمّا أمَرَ بِالوَفاءِ؛ ونَهى عَنِ النَّقْضِ؛ شَرَعَ في تَأْكِيدِ وُجُوبِ الوَفاءِ؛ وتَحْرِيمِ النَّقْضِ؛ وتَقْبِيحِهِ؛ تَنْفِيرًا مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَكُونُوا﴾؛ أيْ: في نَقْضِكم لِهَذا الأمْرِ المَعْنَوِيِّ؛ ﴿كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها﴾؛ ولَمّا كانَ النَّقْضُ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾؛ عَظِيمَةٍ حَصَلَتْ لَهُ؛ ﴿أنْكاثًا﴾؛ أيْ: أنْقاضًا؛ جَمْعُ ”نِكْثٌ“؛ وهو كُلُّ شَيْءٍ نُقِضَ بَعْدَ الفَتْلِ؛ سَواءٌ كانَ حَبْلًا أوْ غَزْلًا؛ فَهو مَصْدَرٌ مَجْمُوعٌ مِن ”نَقَضَتْ“؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى: ”نَكَثَتْ“؛ قالَ في القامُوسِ: ”النِّكْثُ“؛ بِالكَسْرِ: أنْ تُنْقَضَ أخْلاقُ الأكْسِيَةِ لِتُغْزَلَ ثانِيَةً؛ فَيَكُونُ مِثْلَ ”جَلَسْتُ قُعُودًا“؛ أيْ: فَتَكُونُوا بِفِعْلِكم ذَلِكَ كَهَذِهِ المَرْأةِ الَّتِي ضَرَبْتُمُ المَثَلَ بِها في الخَرْقِ؛ مَعَ ادِّعائِكم أنَّهُ يُضْرَبُ بِأدْناكُمُ المَثَلُ في العَقْلِ؛ ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما يُعَرِّفُ أنَّهم أسَفُهُ مِن تِلْكَ المَرْأةِ؛ بِسَبَبِ أنَّ ضَرَرَها لا يَتَعَدّاها؛ وأمّا الضَّرَرُ بِفِعْلِهِمْ فَإنَّهُ مُفْسِدٌ لِذاتِ البَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ (p-٢٤٣)أيْ: بِتَكْلِيفِ الفِطْرَةِ الأُولى ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ مِنَ الوَفاءِ؛ ﴿أيْمانَكم دَخَلا﴾؛ أيْ: فَيَضْمَحِلُّ كَوْنُها أيْمانًا؛ إلى كَوْنِها ذَرِيعَةً إلى الفَسادِ؛ بِالخِداعِ؛ والغُرُورِ؛ ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ مِن حَيْثُ إنَّ المَحْلُوفَ لَهُ يَطْمَئِنُّ؛ فَيَفْجَأُهُ الضَّرَرُ؛ ولَوْ كانَ عَلى حَذَرٍ لَما نِيلَ مِنهُ؛ ولا جُسِرَ عَلَيْهِ؛ وكُلُّ ما أُدْخِلَ في الشَّيْءِ عَلى فَسادٍ فَهو دَخَلٌ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: تَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنْ ﴿تَكُونَ أُمَّةٌ﴾؛ أيْ: وهي الخادِعَةُ؛ أوِ المَخْدُوعَةُ؛ لِأجْلِ سَلامَتِها؛ ﴿هِيَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أرْبى﴾؛ أيْ: أزْيَدَ؛ وأعْلى؛ ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ في القُوَّةِ؛ أوِ العَدَدِ؛ فَإذا وجَدَتْ نَفادًا لِزِيادَتِها غَدَرَتْ.
ولَمّا عَظَّمَ عَلَيْهِمُ النَّقْضَ؛ وبَيَّنَ أنَّ مِن أسْبابِهِ الزِّيادَةَ؛ حَذَّرَهم غَوائِلَ البَطَرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما يَبْلُوكُمُ﴾؛ أيْ: يَخْتَبِرُكُمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ بِالأيْمانِ؛ والزِّيادَةِ؛ لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ تَمَسُّكُكم بِالوَفاءِ؛ أوِ انْخِلاعُكم مِنهُ؛ اعْتِمادًا عَلى كَثْرَةِ أنْصارِكُمْ؛ وقِلَّةِ أنْصارِ مَن نَقَضْتُمْ عَهْدَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ مَعَ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى ما يُرِيدُ؛ فَيُوشِكُ أنْ يُعاقِبَ بِالمُخالَفَةِ؛ فَيُضْعِفَ القَوِيَّ؛ ويُقَلِّلَ (p-٢٤٤)الكَثِيرَ؛ ﴿ولَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: إذا تَجَلّى لِفَصْلِ القَضاءِ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ مَعَ هَذا كُلِّهِ؛ ﴿ما كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ فاحْذَرُوا يَوْمَ العَرْضِ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ بِحَضْرَةِ الرُّؤَساءِ؛ والمُلُوكِ؛ وجَمِيعِ المَعْبُوداتِ؛ والكُلُّ بِحَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ داخِرُونَ؛ ولَدَيْهِ صاغِرُونَ؛ ومَن نُوقِشَ الحِسابَ يَهْلِكُ.
النحل 16:93
ولَمّا أمَرَ ونَهى؛ وخَوَّفَ مِنَ العَذابِ في القِيامَةِ؛ وكانَ رُبَّما ظَنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ - وهُمُ الأكْثَرُ - مِن كَثْرَةِ التَّصْرِيحِ بِالحِوالَةِ عَلى القِيامَةِ نَقْصَ القُدْرَةِ في هَذِهِ الدّارِ؛ صَرَّحَ بِنَفْيِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لا خِلافَ بَيْنَكم في أُصُولِ الدِّينِ؛ ولا فُرُوعِهِ؛ ﴿لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾؛ مُتَّفِقَةً عَلى أمْرٍ واحِدٍ؛ لا تَؤُمُّ غَيْرَهُ؛ مَنفِيًّا عَنْها أسْبابُ الخِلافِ؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ وشاءَ اخْتِلافَكُمْ؛ فَهو ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾؛ عَدْلًا مِنهُ؛ لِأنَّهُ تامُّ المُلْكِ؛ عامُّ المِلْكِ؛ ولَوْ كانَ الَّذِي أضَلَّهُ عَلى أحْسَنِ الحالاتِ؛ ﴿ويَهْدِي﴾؛ بِفَضْلِهِ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ ولَوْ كانَ عَلى أخَسِّ الأحْوالِ؛ (p-٢٤٥)فَبِذَلِكَ يَكُونُونَ مُخْتَلِفِينَ في المَقاصِدِ؛ يَؤُمُّ هَذا غَيْرَ ما يَؤُمُّهُ هَذا؛ فَيَأْتِي الخِلافُ؛ مَعَ تَأْدِيَةِ العَقْلِ إلى أنَّ الِاجْتِماعَ خَيْرٌ مِنَ الِافْتِراقِ؛ فالِاخْتِلافُ؛ مَعَ هَذا؛ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ.
ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذا أنَّ الكُلَّ فِعْلُهُ وحْدَهُ؛ فَلا فِعْلَ لِغَيْرِهِ أصْلًا؛ كانَ رُبَّما أُوقِعَ في الوَهْمِ أنَّهُ لا حَرَجَ عَلى أحَدٍ في شَيْءٍ يَفْعَلُهُ؛ بَيَّنَ أنَّ السُّؤالَ يَكُونُ عَنِ المُباشَرَةِ ظاهِرًا عَلى ما يَتَعارَفُ النّاسُ في إسْنادِ الفِعْلِ إلى مَن ظَهَرَ اكْتِسابُهُ لَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُرَغِّبًا؛ مُرَهِّبًا؛ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ فَضْلًا عَمّا يَنْشَأُ عَنْهُ -: ﴿ولَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ؛ ﴿تَعْمَلُونَ﴾؛ وإنْ دَقَّ؛ فَيُجازِي كُلًّا مِنكم عَلى عَمَلِهِ؛ وإنْ كانَ غَنِيًّا عَنِ السُّؤالِ؛ فَهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
النحل 16:94
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الكَذِبَ؛ وما جَرَّ إلَيْهِ؛ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وأبْعَدُ الأشْياءِ عَنِ المَكارِمِ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الخِلافِ؛ فَكانَ أمْرُهُ جَدِيرًا بِالتَّأْكِيدِ؛ أعادَ الزَّجْرَ عَنْهُ؛ بِأبْلَغَ مِمّا مَضى؛ بِصَرِيحِ النَّهْيِ؛ مُرَهِّبًا مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالِافْتِعالِ؛ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ لا يُفْعَلُ (p-٢٤٦)إلّا بِعِلاجٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّفْسِ؛ لِأنَّ الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ يَشْتَدُّ نِفارُها مِنهُ -: ﴿ولا تَتَّخِذُوا أيْمانَكم دَخَلا﴾؛ أيْ: فَسادًا؛ ومَكْرًا؛ وداءً؛ وخَدِيعَةً؛ ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: في داخِلِ عُقُولِكُمْ؛ وأجْسامِكُمْ؛ ﴿فَتَزِلَّ﴾؛ أيْ: فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَزِلَّ ﴿قَدَمٌ﴾؛ هي في غايَةِ العَظَمَةِ؛ بِسَبَبِ الثَّباتِ؛ ﴿بَعْدَ ثُبُوتِها﴾؛ عَنْ مَرْكَزِها الَّذِي كانَتْ بِهِ؛ مِن دِينٍ؛ أوْ دُنْيا؛ فَلا يَصِيرَ لَها قَرارٌ؛ فَتَسْقُطَ عَنْ مَرْتَبَتِها؛ وزَلَلُ القَدَمِ تَقَوَّلَهُ العَرَبُ لِكُلِّ ساقِطٍ في ورْطَةٍ بَعْدَ سَلامَةٍ؛ ﴿وتَذُوقُوا السُّوءَ﴾؛ مَعَ تِلْكَ الزَّلَّةِ؛ ﴿بِما صَدَدْتُمْ﴾؛ أيْ: أنْفُسَكُمْ؛ ومَنَعْتُمْ غَيْرَكم بِأيْمانِكُمُ الَّتِي أرَدْتُمْ بِها الإفْسادَ؛ لِإخْفاءِ الحَقِّ؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ يَتَجَدَّدُ لَكم هَذا الفِعْلُ؛ ما دُمْتُمْ عَلى هَذا الوَصْفِ؛ ﴿ولَكُمْ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ ثابِتٌ؛ غَيْرُ مُنْفَكٍّ؛ إذا مُتُّمْ عَلى ذَلِكَ.
النحل 16:95
ولَمّا كانَ هَذا خاصًّا بِالأيْمانِ؛ أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ الخِيانَةِ في عُمُومِ العَهْدِ تَأْكِيدًا بَعْدَ تَأْكِيدٍ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى عَظِيمِ النَّقْضِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَشْتَرُوا﴾؛ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم لِجاجًا؛ وتَرْكًا لِلنَّظَرِ في (p-٢٤٧)العَواقِبِ أنْ تَأْخُذُوا؛ وتَسْتَبْدِلُوا؛ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ أيْ: مِن حُطامِ الدُّنْيا؛ وإنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَهُ كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ قِلَّتَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مِن ثَوابِ الدّارَيْنِ؛ ﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ ولا يَعْدِلُ عَنِ الخَيْرِ إلى ما دُونَهُ إلّا لَجُوجٌ ناقِصُ العَقْلِ؛ ثُمَّ شَرَطَ عِلْمَ خَيْرِيَّتِهِ بِكَوْنِهِمْ مِن ذَوِي العِلْمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِكُمْ؛ ﴿تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ؛ ولَمْ تَكُونُوا في عِدادِ البَهائِمِ؛ فَصارَ العَهْدُ الشّامِلُ لِلْأيْمانِ مَبْدُوءًا في هَذِهِ الآياتِ بِالأمْرِ بِالوَفاءِ بِهِ؛ ومَخْتُومًا بِالنَّهْيِ عَنْ نَقْضِهِ؛ والأيْمانُ الَّتِي هي أخَصُّ مِنهُ وسَطٌ بَيْنَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ المُتَعَلِّقَيْنِ بِهِ؛ فَصارَ الحَثُّ عَلَيْها عَلى غايَةٍ مِنَ التَّأْكِيدِ عَظِيمَةٍ؛ ورُتْبَةٍ مِنَ التَّوْثِيقِ جَلِيلَةٍ؛
النحل 16:96
ثُمَّ بَيَّنَ خَيْرِيَّتَهُ؛ وكَثْرَتَهُ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ -: ﴿ما عِنْدَكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أعْراضِ الدُّنْيا؛ وهو الَّذِي تَتَعاطَوْنَهُ بِطِباعِكُمْ؛ ﴿يَنْفَدُ﴾؛ أيْ: يَفْنى؛ فَصاحِبُهُ مُنَغَّصُ العَيْشِ؛ أشَدَّ ما يَكُونُ بِهِ؛ اغْتِباطًا بِانْقِطاعِهِ؛ أوْ بِتَجْوِيزِ انْقِطاعِهِ؛ إنْ كانَ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ؛ ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي (p-٢٤٨)لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِنَ الثَّوابِ؛ ﴿باقٍ﴾؛ فَلَيُؤْتِيَنَّكم مِنهُ إنْ ثَبَتُّمْ عَلى عَهْدِهِ؛ ثُمَّ لَوَّحَ بِما في ذَلِكَ مِنَ المَشَقَّةِ؛ عَطْفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ -: ﴿ولَنَجْزِيَنَّ﴾؛ أيْ: ”اللَّهُ“ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالياءِ - و”نَحْنُ“ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وعاصِمٍ؛ بِالنُّونِ؛ التِفاتًا إلى التَّكَلُّمِ؛ لِلتَّعْظِيمِ -؛ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ عَلى الوَفاءِ بِما يُرْضِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ ﴿أجْرَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كُرَماءُ المُلُوكِ يُوَفُّونَ الأُجُورَ بِحَسَبِ الأعْمالِ؛ مِنَ الأحْسَنِ؛ وما دُونَهُ؛ أخْبَرَ بِأنَّهُ يَعْمَدُ إلى الأحْسَنِ؛ فَيَرْفَعُ الكُلَّ إلَيْهِ؛ ويُسَوِّي الأدْوَنَ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَهُمْ؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾
النحل 16:97
ولَمّا وعَدَ؛ بَعْدَ أنْ تَوَعَّدَ؛ أتْبَعَهُ ما يُبَيِّنُ أنَّ ذَلِكَ لا يَخُصُّ شَرِيفًا ولا وضِيعًا؛ وإنَّما هو دائِرٌ مَعَ الوَصْفِ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ فِيما مَضى؛ بِالعَدْلِ تارَةً؛ وبِالعَهْدِ أُخْرى؛ وهو الإيمانُ؛ فَقالَ (تَعالى) - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا خاصٌّ بِأحَدٍ دُونَ أحَدٍ؛ مُرَغِّبًا في عُمُومِ شَرائِعِ الإسْلامِ -: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا﴾؛ ولَمّا كانَتْ عامَّةً؛ وكانَتْ رُبَّما خَصَّتِ الذُّكُورَ؛ بَيَّنَ المُرادَ مِن عُمُومِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾؛ فَعَمَّمَ؛ ثُمَّ قَيَّدَ؛ مُشِيرًا بِالإفْرادِ إلى قِلَّةِ الرّاسِخِينَ؛ (p-٢٤٩)بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾
ولَمّا كانَ الإنْسانُ كُلَّما عَلا في دَرَجِ الإيمانِ؛ كانَ جَدِيرًا بِالبَلاءِ؛ والِامْتِحانِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّ ذَلِكَ لا يُنافِي سَعادَتَهُ؛ ولِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾؛ دَفْعًا لِما يَتَوَهَّمُهُ المُسْتَدْرِجُونَ بِما يُعَجِّلُ لَهم طَيِّباتِهِمْ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ ﴿حَياةً طَيِّبَةً﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِما نُؤْتِيهِ مِن ثَباتِ القَدَمِ؛ وطَهارَةِ الشِّيَمِ؛ ﴿ولَنَجْزِيَنَّهُمْ﴾؛ كُلَّهُمْ؛ ﴿أجْرَهُمْ﴾؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿بِأحْسَنِ ما كانُوا﴾؛ أيْ: كَوْنًا جِبِلِّيًّا؛ ﴿يَعْمَلُونَ﴾؛ قالَ العُلَماءُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: المُطِيعُ في عِيشَةٍ هَنِيئَةٍ؛ إنْ كانَ مُوسِرًا فَلا كَلامَ فِيهِ؛ وإنْ كانَ مُعْسِرًا فَبِالقَناعَةِ؛ والرِّضا؛ بِحُكْمِ النَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ؛ والفاجِرُ بِالعَكْسِ؛ إنْ كانَ مُعْسِرًا فَواضِحٌ؛ وإنْ كانَ مُوسِرًا فَحِرْصُهُ لا يَدَعُهُ يَتَهَنَّأُ؛ فَهو لا يَزالُ في عِيشَةٍ ضَنْكٍ.
النحل 16:98
ولَمّا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الأحْكامُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ الجَلِيلَةِ؛ وأشارَتْ بِحُسْنِ ألْفاظِها؛ وشَرَفِ سِياقِها إلى أغْراضٍ هِيَ؛ مَعَ جَلالَتِها؛ غامِضَةٌ دَقِيقَةٌ؛ فَلاحَ بِذَلِكَ أنَّ القُرْآنَ تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ في حَقِّ مَن سَلِمَ مِن غَوائِلِ الهَوى؛ وحَبائِلِ الشَّيْطانِ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالحَثِّ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ؛ وكانَ القُرْآنُ؛ تِلاوَةً وتَفَكُّرًا؛ وعَمَلًا بِما ضُمِّنَ؛ (p-٢٥٠)أجَلَّ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الأمْرِ بِأنَّهُ إذا قُرِئَ هَذا القُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلى مِثْلِ تِلْكَ الأسالِيبِ الفائِقَةِ؛ يُسْتَعاذُ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِئَلّا يَحُولَ بِوَساوِسِهِ بَيْنَ القارِئِ؛ وبَيْنَ مِثْلِ تِلْكَ الأغْراضِ؛ والعَمَلِ بِها؛ وحاصِلُهُ الحَثُّ عَلى التَّدَبُّرِ؛ وصَرْفِ جَمِيعِ الفِكْرِ إلى التَّفَهُّمِ؛ والِالتِجاءِ إلَيْهِ (تَعالى)؛ في كُلِّ عَمَلٍ صالِحٍ؛ لِئَلّا يُفْسِدَهُ الشَّيْطانُ بِوَساوِسِهِ؛ أوْ يَحُولَ بَيْنَ الفَهْمِ؛ وبَيْنَهُ؛ بَيانًا لِقَدْرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ وحَثًّا عَلى الإخْلاصِ فِيها؛ وتَشْمِيرِ الذَّيْلِ عِنْدَ قَصْدِها؛ لا سِيَّما أفْعالَ القُلُوبِ؛ الَّتِي هي أغْلَبُ ما تَقَدَّمَ هُنا؛ فَقالَ (تَعالى) - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ؛ لِيَفْهَمَ غَيْرُهُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَيَكُونَ أبْلَغَ في حَثِّهِ؛ وأدْعى إلى اتِّباعِهِ -: ﴿فَإذا قَرَأْتَ﴾؛ أيْ: أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ؛ مِثْلَ: ”وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا“؛ ﴿القُرْآنَ﴾؛ الَّذِي هو قِوامُ العَمَلِ الصّالِحِ؛ والدّاعِي إلَيْهِ؛ والحاثُّ عَلَيْهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ يَشْمَلُ القَلِيلَ مِنهُ؛ والكَثِيرَ؛ ﴿فاسْتَعِذْ﴾؛ أيْ: إنْ شِئْتَ جَهْرًا؛ وإنْ شِئْتَ سِرًّا؛ قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ: والإسْرارُ أوْلى في الصَّلاةِ؛ وفي قَوْلٍ: يَجْهَرُ كَما يَفْعَلُ خارِجَ الصَّلاةِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: سَلِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ أنْ يُعِيذَكَ؛ ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقِ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿الرَّجِيمِ﴾؛ أيْ: المَطْرُودِ عَنِ الرَّحْمَةِ؛ مِن أنْ يَصُدَّكَ بِوَساوِسِهِ عَنِ اتِّباعِهِ؛ فَإنَّهُ لا عائِقَ (p-٢٥١)عَنِ الإذْعانِ؛ لِأسالِيبِهِ الحِسانِ؛ إلّا خِذْلانُ الرَّحْمَنِ؛ بِوَساوِسِ الشَّيْطانِ؛ فَقُلْ: ”أعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ“؛ لِأنَّ ذَلِكَ أوْفَقُ لِلْقُرْآنِ؛ وقَدْ ورَدَ بِهِ بَعْضُ الأخْبارِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا؛ وهو المَشْهُورُ؛ ونَصَّ عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ والصّارِفُ لِهَذا الأمْرِ عَنِ الوُجُوبِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ؛ فِيها القِراءَةُ بِدُونِ ذِكْرِ تَعَوُّذٍ؛ كَحَدِيثِ البُخارِيِّ؛ وغَيْرِهِ؛ «عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ لَهُ: ”ما مَنَعَكَ أنْ تُجِيبَنِي؟“؛ قالَ: كُنْتُ أُصَلِّي؛ قالَ: ”ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]“؛ ثُمَّ قالَ: ”لَأُعَلِّمَنَّكَ سُورَةً هي أعْظَمُ سُورَةٍ في القُرْآنِ؛ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]»“؛ وفي رِوايَةِ المُوَطَّإ «أنَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - نادى أُبَيًّا؛ وأنَّهُ قالَ: ”كَيْفَ تَقْرَأُ إذا افْتَتَحْتَ الصَّلاةَ؟“؛ قالَ أُبَيٌّ: فَقَرَأْتُ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]؛ حَتّى أتَيْتُ عَلى آخِرِها».
ومَن طالَعَ كِتابِي ”مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّورِ“؛ رَأى مِثْلَ هَذا أحادِيثَ كَثِيرَةً جِدًّا؛ مِن أحْسَنِها حَدِيثُ (p-٢٥٢)نُزُولِ سُورَةِ ”الكَوْثَرِ“؛ وقِيلَ: التَّعَوُّذُ بَعْدَ القِراءَةِ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ؛ وخِتامُ القُرْآنِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ مُوافِقٌ لِهَذا القَوْلِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الحالِ؛ والقَوْلُ الأوَّلُ الصَّحِيحُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما نُدِبَ إلَيْهِ المُرْتَحِلُ مِن قِراءَةِ ”الفاتِحَةِ“ وأوَّلِ ”البَقَرَةِ“.
النحل 16:99
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما هو أوْهَمَ تَعْظِيمَهُ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ لَهُ سُلْطانٌ؟ -: ﴿إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ﴾؛ أيْ: بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ المُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ لَهُمْ؛ ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهُ لَمّا تَقَرَّرَ في الأذْهانِ أنَّهُ لا نَجاةَ مِنَ الشَّيْطانِ؛ لِأنَّهُ سُلِّطَ عَلَيْنا بِأنَّهُ يَرانا مِن حَيْثُ لا نَراهُ؛ ويَجْرِي فِينا مُجْرى الدَّمِ؛ وكانَتْ فائِدَةُ الِاسْتِعاذَةِ الإعاذَةَ؛ أُشِيرَ إلى حُصُولِها؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ -: ”إنَّهُ“؛ أيْ: اسْتَعِذْ بِاللَّهِ يُعِذْكَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ؛ لِيَرُدَّهم كُلَّهم عَمّا (p-٢٥٣)يُرْضِي اللَّهَ؛ وعَلى رَبِّهِمْ وحْدَهُ يَتَوَكَّلُونَ؛
النحل 16:100
ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما أفْهَمَهُ مِن أنْ لَهُ سُلْطانًا عَلى غَيْرِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما سُلْطانُهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ غايَةَ التَّمَكُّنِ؛ بِإمْكانِ اللَّهِ لَهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾؛ أيْ: تَوَلَّوْهُ؛ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ بِتَجْدِيدِ وِلايَتِهِ كُلَّ حِينٍ؛ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِالشَّيْطانِ؛ ﴿مُشْرِكُونَ﴾؛ دائِمًا؛ لِأنَّهم إذا تَبِعُوا وساوِسَهُ؛ وأطاعُوا أوامِرَهُ؛ فَقَدْ عَبَدُوهُ؛ فَجَعَلُوهُ بِذَلِكَ شَرِيكًا؛ فَهم لا يَتَأمَّلُونَ دَقائِقَ القُرْآنِ؛ بَلْ ولا يَفْهَمُونَ ظَواهِرَهُ؛ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ لِما أعْماهم بِهِ الشَّيْطانُ مِن وساوِسِهِ؛ وحَبَسَهم بِهِ عَنْ هَذِهِ الأسالِيبِ مِن مَحابِسِهِ؛ فَهم لا يَزالُونَ يَطْعَنُونَ فِيهِ بِقُلُوبٍ عَمِيَةٍ؛ وألْسِنَةٍ بَذِيَّةٍ؛
النحل 16:101
ثُمَّ عَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ - الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ - ما أنْتَجَهُ تَسَلُّطُ الشَّيْطانِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذا بَدَّلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِالنَّسْخِ؛ ﴿آيَةً﴾؛ سَهْلَةً؛ كالعِدَّةِ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ وعَشْرٍ؛ وقِتالِ الواحِدِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاثْنَيْنِ مِنَ الكُفّارِ؛ أوْ شاقَّةً كَتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ وإيجابِ صَلَواتٍ خَمْسٍ؛ فَجَعَلْناها؛ (p-٢٥٤)﴿مَكانَ آيَةٍ﴾؛ شاقَّةٍ؛ كالعِدَّةِ بِحَوْلٍ؛ ومُصابَرَةِ عَشَرَةٍ مِنَ الكُفّارِ؛ أوْ سَهْلَةٍ؛ كالآياتِ المُتَضَمِّنَةِ لِإباحَةِ الخَمْرِ؛ وإيجابِ رَكْعَتَيْنِ أوَّلَ النَّهارِ؛ ورَكْعَتَيْنِ آخِرَهُ؛ فَكانَتِ الثّانِيَةُ مَكانَ الأُولى؛ وبَدَلًا مِنها؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: نَسَخْنا آيَةً صَعْبَةً فَجَعَلْنا مَكانَها آيَةً سَهْلَةً؛ والتَّبْدِيلُ: رَفْعُ الشَّيْءِ؛ مَعَ وضْعِ غَيْرِهِ مَكانَهُ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾؛ مِنَ المَصالِحِ؛ بِحَسَبِ الأوْقاتِ؛ والأحْوالِ؛ بِنَسْخٍ؛ أوْ بِغَيْرِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿إنَّما أنْتَ﴾؛ أيْ: يا مُحَمَّدُ؛ ﴿مُفْتَرٍ﴾؛ أيْ: فَإنَّكَ تَأْمُرُ اليَوْمَ بِشَيْءٍ؛ وغَدًا تَنْهى عَنْهُ وتَأْمُرُ بِضِدِّهِ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الكُفْرِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ؛ بَلْ هم في عِدادِ البَهائِمِ؛ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ العُقُولِ؛ لِانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الشَّيْطانِ؛ حَتّى زَلَّتْ أقْدامُهم في هَذا الأمْرِ الواضِحِ بَعْدَ إقامَةِ البُرْهانِ بِالإعْجازِ؛ عَلى أنَّ كُلَّ ما كانَ مُعْجِزًا كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ سَواءٌ كانَ ناسِخًا؛ أوْ مَنسُوخًا؛ أوْ لا؛ فَصارَتْ مَعْرِفَةُ أنَّ هَذا قُرْآنٌ؛ وهَذا غَيْرُ قُرْآنٍ؛ بِعَرْضِهِ عَلى هَذا البُرْهانِ؛ مِن أوْضَحِ الأُمُورِ وأسْهَلِها تَناوُلًا؛ لِمَن أرادَ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ مِن فُرْسانِ البَلاغَةِ؛
النحل 16:102
(p-٢٥٥)فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أقُولُ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾؛ لِمَن واجَهَكَ بِذَلِكَ مِنهُمْ: ﴿نَـزَّلَهُ﴾؛ أيْ: القُرْآنَ؛ بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ لِأجْلِ اتِّباعِ المَصالِحِ؛ لِإحاطَةِ عِلْمِ المُتَكَلِّمِ بِهِ؛ ﴿رُوحُ القُدُسِ﴾؛ الَّذِي هو رُوحٌ كُلُّهُ؛ لَيْسَ فِيهِ داعٍ إلى هَوًى؛ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ فِيما يُنَزِّلُهُ افْتِراءٌ؛ لا سِيَّما مَعَ إضافَتِهِ إلى الطُّهْرِ البالِغِ؟ فَهو يُنَزِّلُهُ ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيُّها المُخاطَبُ؛ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ ثُمَّ بِتَبْدِيلِهِ؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ كَما أحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ بِالنَّقْلِ مِن حالٍ إلى حالٍ؛ لا يَصْلُحُ في واحِدَةٍ مِنها ما يَصْلُحُ في غَيْرِها؛ مِنَ الظَّهْرِ إلى البَطْنِ؛ ثُمَّ مِنَ الرَّضاعِ إلى الفِطامِ؛ فَما بَعْدَهُ؛ فَكَيْفَ تُنْكِرُ تَبْدِيلَ الأحْكامِ لِلْمَصالِحِ؛ ولا تُنْكِرُ تَبْدِيلَ الأحْوالِ لِذَلِكَ؟ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الإنْزالِ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي جَلَّ عَنْ دَعْوى الِافْتِراءِ بِأنَّهُ لا يُسْتَطاعُ نَقْضُهُ؛ ﴿لِيُثَبِّتَ﴾؛ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ في دِينِهِمْ؛ بِما يَرَوْنَ مِن إعْجازِ البَدَلِ؛ والمُبْدَلِ؛ مَعَ تَضادِّ الأحْكامِ؛ وما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ بِحَسَبِ تِلْكَ الأحْوالِ - مَعَ ما كانَ في المَنسُوخِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ؛ بِحَسَبِ الأحْوالِ السّالِفَةِ - ولِيَتَمَرَّنُوا عَلى حُسْنِ الِانْقِيادِ؛ ويُعْلَمَ بِسُرْعَةِ انْقِيادِهِمْ في تَرْكِ الألْفِ تَمامُ اسْتِسْلامِهِمْ؛ وخُلُوصِهِمْ عَنْ شَوائِبِ الهَوى؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى مَحَلِّ ”لِيُثَبِّتَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: بَيانًا واضِحًا؛ ﴿وبُشْرى﴾؛ أيْ: بِما فِيهِ مِن تَجَدُّدِ العَهْدِ (p-٢٥٦)بِالمَلِكِ الأعْلى؛ وتَرَدُّدِ الرَّسُولِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ؛ بِوَساطَةِ نَبِيِّهِمْ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ﴿لِلْمُسْلِمِينَ﴾؛ المُنْقادِينَ المُبَرَّئِينَ مِنَ الكِبْرِ الطّامِسِ لِلْأفْهامِ؛ المُعَمِّي لِلْأحْلامِ؛ ولَوْلا مِثْلُ هَذِهِ الفَوائِدِ لَفاتَتْ حِكْمَةُ تَنْجِيمِهِ.
النحل 16:103
ولَمّا نَقَضَ شُبْهَتَهم هَذِهِ؛ إشارَةً؛ وعِبارَةً؛ بِما فَضَحَهُمْ؛ نَقَضَ لَهم شُبْهَةً أُخْرى بِأوْضَحَ مِن ذَلِكَ؛ وأفْضَحَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ﴾؛ أيْ: عِلْمًا مُسْتَمِرًّا؛ ﴿أنَّهم يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: أيْضًا؛ قَوْلًا مُتَكَرِّرًا؛ لا يَزالُونَ يَلْهَجُونَ بِهِ؛ ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ سَفْسافٌ مِنَ القَوْلِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الرَّدَّ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِسانُ﴾؛ أيْ: لُغَةُ وكَلامُ؛ ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾؛ أيْ: يَمِيلُونَ؛ أوْ يُشِيرُونَ ﴿إلَيْهِ﴾ بِأنْ عَلَّمَهُ إيّاهُ؛ مائِلِينَ عَنِ القَصْدِ؛ جائِرِينَ؛ عادِلِينَ عَنِ الحَقِّ؛ ظالِمِينَ؛ ﴿أعْجَمِيٌّ﴾؛ أيْ: غَيْرُ لُغَةِ العَرَبِ؛ وهو مَعَ ذَلِكَ ألْكَنُ في النّادِيَةِ؛ غَيْرُ بَيِّنٍ؛ وهو غُلامٌ كانَ نَصْرانِيًّا لِبَعْضِ قُرَيْشٍ؛ اخْتُلِفَ في اسْمِهِ؛ وهَذا التَّرْكِيبُ وُضِعَ في لِسانِ العَرَبِ لِلْإبْهامِ؛ والإخْفاءِ؛ ومِنهُ ”عَجَمَ الزَّبِيبُ“؛ لِاسْتِتارِهِ؛ و”العَجْماءُ“: البَهِيمَةُ؛ لِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى إيضاحِ ما في نَفْسِها؛ وأمّا ”أعْجَمْتُ الكِتابَ“؛ فَهو لِلْإزالَةِ. (p-٢٥٧)﴿وهَذا﴾؛ أيْ: القُرْآنُ؛ ﴿لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: هو مِن شِدَّةِ بَيانِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ أنَّهُ ذُو بَيانٍ عَظِيمٍ؛ فَلَوْ أنَّ المُعَلِّمَ عَرَبِيٌّ لَلَزِمَهم ألّا يَعْجِزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ ما عَلَّمَ؛ فَكَيْفَ وهو أعْجَمِيٌّ؟!
النحل 16:104
فَلَمّا بانَتْ بِهَذا فَضِيحَتُهُمْ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ مِنَ العَجَبِ إقْدامُهم عَلى مِثْلِ هَذا العارِ؛ وهم يَدَّعُونَ النَّزاهَةَ؛ فَأجابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: يُصَدِّقُونَ كُلَّ تَصْدِيقٍ؛ مُعْتَرِفِينَ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ ﴿لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ الغِنى المُطْلَقُ؛ بَلْ يُضِلُّهم عَنِ القَصْدِ؛ فَلِذَلِكَ يَأْتُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الخُرافاتِ؛ فَأبْشِرْ لِمَن بالَغَ في العِنادِ؛ بِسَدِّ بابِ الفَهْمِ والسَّدادِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّهُ لِكَوْنِهِ هو المُضِلَّ لا يُتَوَجَّهُ اللَّوْمُ عَلَيْهِمْ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ؛ لِمُباشَرَتِهِمْ لَهُ؛ مَعَ حَجْبِ المُرادِ عَنْهُمْ؛ وخَلْقِ القُدْرَةِ لَهُمْ؛ إجْراءً عَلى عَوائِدِ بَعْضِ الخَلْقِ مَعَ بَعْضٍ.
النحل 16:105
ولَمّا زَيَّفَ شُبَهَهُمْ؛ أثْبَتَ لَهم ما قَذَفُوهُ بِهِ؛ وهو بَرِيءٌ مِنهُ؛ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما يَفْتَرِي﴾؛ أيْ: يَتَعَمَّدُ؛ ﴿الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ مِنهُمُ الإيمانُ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَإنَّ رَدَّهم لِمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ حَقٌّ؛ وعَجَزُوا (p-٢٥٨)عَنْهُ؛ تَعَمُّدٌ مِنهم لِلْكَذِبِ؛ ثُمَّ قَصَرَ الكَذِبَ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الكاذِبُونَ﴾؛ أيْ: العَرِيقُونَ في الكَذِبِ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا.
النحل 16:106
ولَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ مُطْلَقًا؛ أتْبَعَهم صِنْفًا مِنهم هم أشَدُّهم كُفْرًا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَن﴾؛ أيْ: أيُّ مَخْلُوقٍ وقَعَ لَهُ أنَّهُ ﴿كَفَرَ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بِأنْ قالَ؛ أوْ عَمِلَ ما يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمّا كانَ الكُفْرُ كُلُّهُ ضارًّا؛ وإنْ قَصُرَ زَمَنُهُ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾؛ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ؛ لَمّا قامَ عَلى الإيمانِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي أوْصَلَتْهُ إلى حَدٍّ لا يَلْبِسُ؛ فَصارَ اسْتِكْبارُهُ عَنِ الإيمانِ ارْتِدادًا عَنْهُ؛ وُجَوابُ الشَّرْطِ دَلَّ ما قَبْلَهُ؛ وما بَعْدَهُ؛ عَلى أنَّهُ: ”فَهُوَ الكاذِبُ“؛ أوْ ”فَعَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ“؛ ﴿إلا مَن أُكْرِهَ﴾؛ أيْ: وقَعَ إكْراهُهُ عَلى قَوْلِ كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ ﴿وقَلْبُهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ قَلْبَهُ؛ ﴿مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وأجْمَعُوا - مَعَ إباحَةِ ذَلِكَ لَهُ - أنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّكَلُّمُ بِالكُفْرِ؛ بَلْ إنْ ثَبَتَ كانَ ذَلِكَ أرْفَعَ دَرَجَةً؛ والآيَةُ نَزَلَتْ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٢٥٩)أكْرَهُوهُ؛ فَتابَعَهُمْ؛ وهو كارِهٌ؛ فَأُخْبِرَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِأنَّهُ كَفَرَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: «”كَلّا؛ إنَّ عَمّارًا مَلِيءٌ إيمانًا؛ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ؛ واخْتَلَطَ الإيمانُ بِلَحْمِهِ؛ ودَمِهِ“؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَبْكِي؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ؛ ويَقُولُ: ”إنْ عادُوا فَعُدْ لَهم بِمِثْلِ ما قُلْتَ“؛» ﴿ولَكِنْ مَن شَرَحَ﴾؛ أيْ: فَتَحَ فَتْحًا صارَ يَشْرَحُ بِهِ ﴿بِالكُفْرِ صَدْرًا﴾؛ أيْ: مِنهُ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ بِالتَّسَبُّبِ فِيهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ؛ والكُفْرِ؛ تَتَعَلَّقُ بِالقَلْبِ؛ دُونَ اللِّسانِ؛ وإنَّما اللِّسانُ مُعَبِّرٌ؛ وتُرْجُمانٌ؛ مُعَرِّفٌ بِما في القَلْبِ؛ لِتَوَقُّعِ الأحْكامِ الظّاهِرَةِ؛ ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾؛ لِرِضاهم بِهِ؛ ﴿غَضَبٌ﴾؛ أيُّ غَضَبٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ عِظَمِهِ؛ بِكَوْنِهِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ؛ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ لِارْتِدادِهِمْ عَلى أعْقابِهِمْ.
النحل 16:107
ولَمّا كانَ مَن يَرْجِعُ إلى الظُّلُماتِ؛ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها إلى النُّورِ؛ جَدِيرًا بِالتَّعَجُّبِ مِنهُ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَفْعَلُونَ؟ أوْ: لِمَ يَفْعَلُ (p-٢٦٠)بِهِمْ ذَلِكَ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ﴾؛ الِارْتِدادُ؛ أوِ الوَعِيدُ العَظِيمُ؛ ﴿بِأنَّهُمُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُمْ؛ ﴿اسْتَحَبُّوا﴾؛ أيْ: أحَبُّوا حُبًّا عَظِيمًا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الدَّنِيئَةَ الحاضِرَةَ الفانِيَةَ؛ فَآثَرُوها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾؛ الباقِيَةِ الفاخِرَةِ؛ لِأنَّهم رَأوْا ما فِيهِ المُؤْمِنُ مِنَ الضِّيقِ؛ والكافِرُ مِنَ السَّعَةِ؛ ”و“بِسَبَبِ ”أنَّ اللَّهَ“؛ أيْ: المَلِكَ الَّذِي لَهُ الغِنى الأكْبَرُ؛ ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾؛ الَّذِينَ عَلِمَ اسْتِمْرارَهم عَلَيْهِ؛ بَلْ يَخْذُلُهُمْ؛ ويُسَلِّطُ الشَّيْطانَ عَلَيْهِمْ؛ يَحْتالُهم عَنْ دِينِهِمْ.
النحل 16:108
ولَمّا كانَ اسْتِمْرارُهم عَلى الكُفْرِ أعْجَبَ مِنَ ارْتِدادِهِمْ؛ أتْبَعَهُ سَبَبَهُ فَقالَ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ﴾؛ أيْ: خَتَمَ خَتْمًا؛ هو كَفِيلٌ بِالعَطَبِ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّفاوُتُ في السَّمْعِ نادِرًا؛ وحَّدَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾؛ فَصارُوا - لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهَذِهِ المَشاعِرِ - كَأنَّهم لا يَفْهَمُونَ؛ ولا يَسْمَعُونَ؛ ولا يُبْصِرُونَ؛ ﴿وأُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿هُمُ الغافِلُونَ﴾؛ أيْ: الكامِلُو الغَفْلَةِ؛
النحل 16:109
ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ جَزاءَهم (p-٢٦١)عَلَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا شَكَّ؛ ﴿أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الخاسِرُونَ﴾؛ أيْ: أكْمَلَ خَسارَةٍ؛ لِأنَّهم خَسِرُوا رَأْسَ المالِ؛ وهو نُفُوسُهُمْ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ.
النحل 16:110
ولَمّا قَدَّمَ الفاتِنَ؛ والمَفْتُونَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ حُكْمِهِما؛ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ فَقالَ (تَعالى) - بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى تَقاصُرِ رُتْبَتِهِما عَنْ رُتْبَةِ مَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ -: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالعَفْوِ عَنْ أُمَّتِكَ؛ وتَخْفِيفِ الآصارِ عَنْهم في قَبُولِ تَوْبَةِ مَنِ ارْتَدَّ بِلِسانِهِ؛ أوْ قَلْبِهِ؛ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أهْلَ الكُفْرِ؛ بِالنُّزُوحِ مِن بِلادِهِمْ؛ تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى) مِمّا كانُوا فِيهِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّ الفِتْنَةَ بِالأذى - وإنْ كانَ بالِغًا - غَيْرُ قادِحَةٍ في الهِجْرَةِ؛ وما تَبِعَها؛ فَيُفِيدُ ذَلِكَ في الهِجْرَةِ بِدُونِها مِن بابِ الأوْلى؛ ﴿مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ -؛ لِأنَّ المُضِرَّ هو الفِتْنَةُ مُطْلَقًا؛ ولِلْفاعِلِ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ -؛ أيْ: ظَلَمُوا؛ بِأنْ فَتَنُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ حِينَ كانُوا كُفّارًا؛ (p-٢٦٢)أوْ أعْطَوُا الفِتْنَةَ مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَفَتَنُوها بِأنْ أطاعُوا في كَلِمَةِ الكُفْرِ؛ أوْ في الرُّجُوعِ مَعَ مَن رَدَّهم إلى بِلادِ الكُفْرِ بَعْدَ الهِجْرَةِ؛ مِن بَعْدِ إيمانِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ جاهَدُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جِهادَ الكُفّارِ؛ مَعَ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ﴿وصَبَرُوا﴾؛ عَلى ذَلِكَ؛ إلى أنْ ماتُوا عَلَيْهِ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْخِيرِ مَن هَذِهِ صِفاتُهم لَكَ.
ولَمّا كانَ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْ يَغْفِرَ الذُّنُوبَ كُلَّها؛ ما عَدا الشِّرْكَ؛ وأنْ يُعَذِّبَ عَلَيْها كُلِّها؛ وعَلى بَعْضِها؛ وأنْ يَقْبَلَ الصّالِحَ كُلَّهُ؛ وأنْ يَرُدَّ بَعْضَهُ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأفْعالِ الصّالِحَةِ؛ الواقِعَةِ بَعْدَ تِلْكَ الفاسِدَةِ؛ وهي الفِتْنَةُ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ المَحْوِ لِلذُّنُوبِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ فَهو يَغْفِرُ لَهُمْ؛ ويَرْحَمُهم.
النحل 16:111
ولَمّا تَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنَ التَّحْذِيرِ؛ والتَّبْشِيرِ؛ وتَقَدَّمَ أنَّهُ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا؛ ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِانْحِصارِ الخَسارِ في الكُفّارِ؛ بَيَّنَ اليَوْمَ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ تِلْكَ الآثارُ؛ ووَصَفَهُ بِغَيْرِ الوَصْفِ المُقَدَّمِ؛ بِاعْتِبارِ المَواقِفِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبْدِلًا مِن ”يَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا“ -: (p-٢٦٣)﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾؛ أيْ: فِيهِ؛ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: إنْسانٍ؛ وإنْ عَظُمَ جِرْمُها؛ ﴿تُجادِلُ﴾؛ أيْ: تَعْتَذِرُ؛ وعَبَّرَ بِالمُجادَلَةِ إفْهامًا لِلدَّفْعِ بِأقْصى ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ وأظْهَرَ في قَوْلِهِ: ﴿عَنْ نَفْسِها﴾؛ أيْ: ذاتِها؛ بِمُفْرَدِها؛ لا يُهِمُّها غَيْرُ ذَلِكَ؛ لِما يُوهِمُ الإضْمارُ مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُجادِلُ عَنْ جَمِيعِ الأنْفُسِ؛ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الجَزاءِ مَخُوفًا؛ مُقْلِقًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ صالِحَةٍ؛ وغَيْرِ صالِحَةٍ؛ ﴿ما عَمِلَتْ﴾؛ أيْ: جَزاءً مِن جِنْسِهِ؛ ﴿وهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ المَرْهُوبُ مُطْلَقَ الظُّلْمِ؛ وكانَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ أبْلَغَ جَزاءٍ في نَفْيِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ عَلَيْهِمْ ظُلْمٌ؛ لا ظاهِرًا؛ ولا باطِنًا؛ لِيُعْلَمَ بِإبْدالِ ”يَوْمَ“؛ مِن ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ؛ أنَّ الخَسارَةَ بِإقامَةِ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ لا بِمُجَرَّدِ إسْكاتِهِمْ.
النحل 16:112
ولَمّا عَقَّبَ - سُبْحانَهُ - ما ضَرَبَ سابِقًا مِنَ الأمْثالِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ“؛ وتَلاهُ بِذِكْرِ السّاعَةِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ”وما أمْرُ السّاعَةِ“؛ إلى آخِرِهِ؛ واسْتَمَرَّ فِيما مَضَتْ مُناسَباتُهُ آخِذًا بَعْضُهُ بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ حَتّى خَتَمَ بِالسّاعَةِ؛ وآمَنَ مِنَ الظُّلْمِ فِيها؛ وبَيَّنَ أنَّ الأعْمالَ هُناكَ هي مَناطُ الجَزاءِ؛ عَطَفَ عَلى ما مَضى - مِنَ الأمْثالِ المَفْرُوضَةِ؛ المُقَدَّرَةِ؛ المُرَغِّبَةِ - مَثَلًا مَحْسُوسًا؛ مَوْجُودًا؛ مُبَيِّنًا أنَّ الأعْمالَ في هَذِهِ (p-٢٦٤)الدّارِ أيْضًا مَناطُ الجَزاءِ؛ مُرَهِّبًا مِنَ المُعاجَلَةِ فِيها بِسَوْطٍ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ لَكم أيُّها المُعانِدُونَ؛ ﴿مَثَلا قَرْيَةً﴾؛ مِن قُرى الماضِينَ؛ الَّتِي تَعْرِفُونَها؛ كَقَرْيَةِ هُودٍ؛ أوْ صالِحٍ؛ أوْ لُوطٍ؛ أوْ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كانَ حالُها كَحالِهِمْ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها مَكَّةُ؛ ﴿كانَتْ آمِنَةً﴾؛ أيْ: ذاتَ أمْنٍ؛ يَأْمَنُ بِهِ أهْلُها في زَمَنِ الخَوْفِ؛ ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾؛ أيْ: تارَةً بِأهْلِها؛ لا يَحْتاجُونَ فِيها إلى نُجْعَةٍ؛ وانْتِقالٍ؛ بِسَبَبِ زِيادَةِ الأمْنِ؛ بِكَثْرَةِ العَدَدِ؛ وقُوَّةِ المَدَدِ؛ وكَفِّ اللَّهِ النّاسَ عَنْها؛ ووُجُودِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ أهْلُها؛ ﴿يَأْتِيها﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ ﴿رِزْقُها رَغَدًا﴾؛ أيْ: واسِعًا طَيِّبًا؛ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾؛ بَرًّا؛ وبَحْرًا؛ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ (تَعالى) لَهم ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتِ السَّعَةُ تَجُرُّ إلى البَطَرِ غالِبًا؛ نَبَّهَ (تَعالى) عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَكَفَرَتْ﴾؛ ونَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى سَعَةِ فَضْلِهِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ الدّالِّ عَلى أنَّ كَثْرَةَ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ تافِهَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿بِأنْعُمِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ كَما كَفَرْتُمْ؛ ﴿فَأذاقَها اللَّهُ﴾ (p-٢٦٥)أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿لِباسَ الجُوعِ﴾؛ بَعْدَ رَغَدِ العَيْشِ؛ ﴿والخَوْفِ﴾؛ بَعْدَ الأمْنِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ حَتّى صارَ لَهم ذَلِكَ - بِشُمُولِهِ لَهم - لِباسًا؛ وبِشِدَّةِ عَرْكِهِمْ ذَواقًا؛ فَكَأنَّ النَّظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَهُ؛ وهو هُنا أبْلَغُ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى الإحاطَةِ؛ والذَّوْقِ؛ ولَوْ نَظَرَ إلى المُسْتَعارِ لَقالَ: فَكَساها؛ فَكانَ يَفُوتُ الذَّوْقَ؛ وذَلِكَ كَما نَظَرَ إلَيْهِ كُثَيِّرٌ؛ في قَوْلِهِ:
؎غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّمَ ضاحِكًا ∗∗∗ غَلِقَتْ لِضِحْكَتِهِ رِقابُ المالِ
اسْتَعارَ الرِّداءَ لِلْمَعْرُوفِ؛ لِأنَّهُ يَصُونُ صَوْنَ الرِّداءِ؛ لِما يُلْقى عَلَيْهِ؛ ووَصَفَهُ بِالغَمْرِ؛ الَّذِي هو وصْفُ المَعْرُوفِ والنَّوالِ؛ لا وصْفُ الرِّداءِ؛ الَّذِي هو المُسْتَعارُ؛ ولَوْ نَظَرَ إلَيْهِ لَوَصَفَهُ بِالسَّعَةِ؛ أوِ الطُّولِ؛ مَثَلًا؛ كَما نَظَرَ إلَيْهِ مَن قالَ - ذاكِرًا السَّيْفَ الَّذِي يَصُونُ بِهِ الإنْسانُ نَفْسَهُ -:
؎يُنازِعُنِي رِدائِي عَبْدُ عَمْرٍو ∗∗∗ رُوَيْدَكَ يا أخا بَكْرِ بْنَ عَمْرِو
؎لِيَ الشَّطْرُ الَّذِي مَلَكَتْ يَمِينِي ∗∗∗ ودُونَكَ فاعْتَجِرْ مِنهُ بِشَطْرِ
(p-٢٦٦)فَنَظَرَ إلى المُسْتَعارِ؛ وهو الرِّداءُ؛ في لَفْظِ الِاعْتِجارِ؛ فَبانَتْ فَضِيحَةُ ابْنِ الرّاوِنْدِيِّ في زَنْدَقَتِهِ؛ إذْ قالَ لِابْنِ الأعْرابِيِّ: هَلْ يُذاقُ اللِّباسُ؟ فَقالَ لَهُ: لا بَأْسَ يا أيُّها النِّسْناسُ؛ هَبْ أنَّ مُحَمَّدًا ما كانَ نَبِيًّا؛ أما كانَ عَرَبِيًّا؟ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَصْنَعُونَ﴾؛ مِنَ الكُفْرِ والكِبْرِ؛ قَدْ مَرَنُوا عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ المُداوَمَةِ؛ مُرُونَ الإنْسانِ عَلى صَنْعَتِهِ.
النحل 16:113
ولَمّا كانَ (تَعالى) لا يُعَذِّبُ حَتّى يَبْعَثَ رَسُولًا؛ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ جاءَهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ؛ ﴿رَسُولٌ مِنهُمْ﴾؛ كَما وقَعَ لَكُمْ؛ ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ كَما فَعَلْتُمْ؛ ﴿فَأخَذَهُمُ العَذابُ﴾؛ كَما سَمِعْتُمْ؛ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَكَّةَ؛ فالمُرادُ بِهِ الجُوعُ؛ الَّذِي دَعا عَلَيْهِمْ بِهِ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لَمّا قالَ: «”اللَّهُمَّ أعِنِّي بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ“؛» وأمّا الخَوْفُ فَما كانَ مِن جِهادِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - لَهُمْ؛ ﴿وهم ظالِمُونَ﴾؛ أيْ: عَرِيقُونَ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ لِأنَّهُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ مَعَ الجُوعِ؛ وسَألُوا النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - في الإغاثَةِ؛ فَدَعا لَهم.
النحل 16:114
(p-٢٦٧)ولَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن أدِلَّةٍ - التَّوْحِيدُ؛ فَثَبَتَ ثَباتًا لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شَكٌّ أنَّ اللَّهَ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ كَما أنَّهُ هو الرّازِقُ وحْدَهُ؛ ونَبَّهَهم عَلى دَقائِقَ في تَقْدِيرِهِ لِلْأرْزاقِ؛ تَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ واخْتِيارِهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهم ظالِمُونَ فِيما جَعَلُوا لِلْأصْنامِ مِن رِزْقِهِ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَحَرَّكَ إلّا بِأمْرِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِهَذا المَثَلِ المُحَذِّرِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ؛ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى) - صادًّا لَهم عَنْ أفْعالِ الجاهِلِيَّةِ -: ﴿فَكُلُوا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ جَمِيعِ ما مَضى أنْ يُقالَ لَهُمْ: كُلُوا؛ ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ؛ مِمّا عَدَّهُ لَكم في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿حَلالا طَيِّبًا﴾؛ أيْ: لا شُبْهَةَ فِيهِ؛ ولا مانِعَ بِوَجْهٍ؛ ﴿واشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ حَذَرًا مِن أنْ يُحِلَّ بِكم ما أحَلَّ بِالقَرْيَةِ المُمَثَّلِ بِها؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ كَما اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الأدِلَّةُ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَرْزُقُكُمْ؛ وإلّا عاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ العِنادِ عَنِ البَيانِ إلّا الِانْتِقامُ؛ فَصارَ الكَلامُ في الرِّزْقِ؛ والتَّقْرِيعُ عَلى عَدَمِ الشُّكْرِ؛ مُكْتَنِفًا الأمْثالَ قَبْلُ؛ وبَعْدُ.
النحل 16:115
(p-٢٦٨)ولَمّا كانَ الإذْنُ إنَّما هو في بَعْضِ الرِّزْقِ؛ في الحالِ المَذْكُورِ؛ فاحْتِيجَ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ وكانَتِ المُباحاتُ أكْثَرَ مِنَ المَحْظُوراتِ؛ حَصَرَ القَلِيلَ؛ لِيُعْلَمَ مِنهُ الكَثِيرُ؛ لِأنَّ كُلَّ ضِدَّيْنِ مَعْرُوفَيْنِ إجْمالًا؛ عُيِّنَ أحَدُهُما؛ عُرِفَ مِن تَعْيِينِهِ الآخَرُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما حَرَّمَ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾؛ الَّتِي بُيِّنَتْ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - أنَّها مَيْتَةٌ؛ وإنْ ذُكِّيَتْ؛ ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْـزِيرِ﴾؛ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ في المَيْتَةِ؛ لِاتِّخاذِ النَّصارى أكْلَهُ كالدِّينِ؛ ﴿وما أُهِلَّ﴾؛ أيْ: بِأيِّ إهْلالٍ كانَ؛ مِن أيِّ مُهِلٍّ كانَ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ لِبَيانِ الكَمالِ؛ كانَ تَقْدِيمُ غَيْرِهِ لِتَقْبِيحِ حالِ المُعْتَنى بِهِ أوْلى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ؛ ﴿بِهِ﴾
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُضْطَرُّ إلى أكْلِ كُلِّ ما يُمْكِنُ أكْلُهُ؛ بَيَّنَ لَهم أنَّهُ رَفُقَ بِهِمْ؛ فَأباحَ لَهم سَدَّ الرَّمَقِ مِنَ الحَرامِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: كَيْفَما وقَعَ لَهُ الِاضْطِرارُ؛ ﴿غَيْرَ باغٍ﴾؛ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ؛ ﴿ولا عادٍ﴾؛ سَدَّ الرَّمَقِ.
ولَمّا كانَ الإذْنُ في الأكْلِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ حالَ الضَّرُورَةِ (p-٢٦٩)إنَّما هو رُخْصَةٌ؛ وكانَتِ الشَّهْوَةُ داعِيَةً إلى ما فَوْقَ المَأْذُونِ فِيهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِسَبَبِ تَناوُلِهِ مِنها عَلى ما حَدَّهُ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فَمَن زادَ عَلى ما أذِنَ لَهُ فِيهِ فَهو جَدِيرٌ بِالِانْتِقامِ.
النحل 16:116
ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الآيَةِ - كَما مَضى تَقْرِيرُهُ في ”الأنْعامِ“ - جَمِيعُ المُحَرَّمِ أكْلُهُ مِنَ الحَيَواناتِ؛ فَعُلِمَ بِذَلِكَ جَهْلُهم فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ لِأجْلِ أصْنامِهِمْ؛ صَرَّحَ بِالنَّهْيِ عَنْهُ؛ إبْلاغًا في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الحَصْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَقُولُوا﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ في وقْتٍ ما؛ ولَمّا كانَ تَحْلِيلُهُمْ؛ وتَحْرِيمُهُمْ؛ قَوْلًا فارِغًا لَيْسَ لَهُ حَقِيقَةٌ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِأنَّهُ وصْفٌ بِاللِّسانِ؛ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَدْخُلَ إلى القَلْبِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿لِما تَصِفُ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ الَّذِي تَصِفُهُ؛ ﴿ألْسِنَتُكُمُ﴾؛ أيْ: مِنَ الأنْعامِ؛ والحُرُوثِ؛ والزُّرُوعِ؛ ولَمّا حَرَّكَ النَّفْسَ إلى مَعْرِفَةِ ما يُقالُ لِأجْلِ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ مَقُولَ ذَلِكَ القَوْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿الكَذِبَ﴾؛ أيْ: القَوْلَ الَّذِي هو عَيْنُ الكَذِبِ.
ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تَعْيِينِ ذَلِكَ المَقُولِ؛ أبْدَلَ مِنهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الكَذِبَ“؛ مَفْعُولَ ”تَصِفُ“؛ فَتَكُونَ ”ما“؛ مَصْدَرِيَّةً؛ أيْ: لِوَصْفِها إيّاهُ؛ فَكَأنَّ (p-٢٧٠)حَقِيقَةَ الكَذِبِ كانَتْ مَجْهُولَةً؛ فَلَمْ تُعْرَفْ إلّا بِوَصْفِ ألْسِنَتِهِمْ لَها؛ فَهو مُبالَغَةٌ في وصْفِ كَلامِهِمْ بِالكَذِبِ؛ وما بَعْدَهُ مَقُولُ القَوْلِ.
ولَمّا كانُوا - كَما تَقَدَّمَ يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ فَكانَ اللّائِقُ بِهِمْ - إرْخاءً لِلْعِنانِ - النِّسْبَةَ إلى مَعْرِفَةِ اللَّوازِمِ عِنْدَ الإقْدامِ عَلى المَلْزُوماتِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِتَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ لِأنَّ مَن قالَ عَلى أحَدٍ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ؛ كانَ قَوْلُهُ كَذِبًا؛ وكانَ كَذِبُهُ لِقَصْدِ افْتِراءِ الكَذِبِ؛ وإلّا لَكانَ في غايَةِ الجَهْلِ؛ فَدارَ أمْرُهم في مِثْلِ هَذا بَيْنَ الغَباوَةِ المُفْرِطَةِ؛ أوْ قَصْدِ ما لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ؛ وهَذا بابٌ مِنَ التَّهَكُّمِ عَجِيبٌ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يَسْتَحِقُّونَ عَلى ذَلِكَ؟ فَأجابَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: يَقْتَطِعُونَ عَمْدًا؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾
النحل 16:117
ولَمّا كانَ الفَلاحُ عِنْدَهم هو العَيْشَ الواسِعَ في هَذِهِ الدُّنْيا؛ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَإنّا نَنْظُرُهم بِنِعْمَةٍ ورَفاهَةٍ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾؛ أيْ: ما هم فِيهِ؛ لِفَنائِهِ؛ وإنِ امْتَدَّ ألْفَ عامٍ؛ ﴿ولَهُمْ﴾؛ بَعْدَهُ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ ومِن ألَمِهِ العَظِيمِ دَوامُهُ؛ فَأيُّ مَتاعٍ هَذا؟!
النحل 16:118
ولَمّا بَيَّنَ لَهم نِعْمَتَهُ بِتَوْسِعَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِما ضَيَّقُوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم نِعْمَةً أُخْرى؛ بِتَمْيِيزِهِمْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَقالَ (تَعالى): (p-٢٧١)﴿وعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ ﴿حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ بِعُدْوانِهِمْ؛ وكَذِبِهِمْ عَلى رَبِّهِمْ؛ ﴿ما قَصَصْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي كانَ المَقْصُوصُ بِها مُعْجِزًا؛ ﴿عَلَيْكَ﴾
ولَمّا لَمْ يَكُنْ قَصُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُسْتَغْرِقًا زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: في ”الأنْعامِ“؛ ﴿وما ظَلَمْناهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الهَوْدُ؛ بِتَحْرِيمِنا عَلَيْهِمْ ما حَرَّمْنا؛ ﴿ولَكِنْ كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ طَبْعًا لَهُمْ؛ وخُلُقًا مُسْتَمِرًّا؛ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿يَظْلِمُونَ﴾؛ أيْ: بِالبَغْيِ؛ والكُفْرِ؛ فَضَيَّقْنا عَلَيْهِمْ مُعامَلَةً بِالعَدْلِ؛ وعامَلْناكم أنْتُمْ - حَيْثُ ظَلَمْتُمْ - بِالفَضْلِ؛ فاشْكُرُوا النِّعْمَةَ؛ واحْذَرُوا غَوائِلَ النِّقْمَةِ.
النحل 16:119
ولَمّا بَيَّنَ هَذِهِ النِّعْمَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ؛ عَطَفَ عَلَيْها نِعْمَةً هي أكْبَرُ مِنها جِدًّا؛ اسْتِجْلابًا لِكُلِّ ظالِمٍ؛ وبَيَّنَ عَظَمَتَها بِحَرْفِ التَّراخِي؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ ﴿لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ﴾؛ وهو كُلُّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ؛ وهو ما لا يَنْبَغِي فِعْلُهُ؛ ﴿بِجَهالَةٍ﴾؛ كَما عَمِلْتُمْ؛ وإنْ عَظُمَ فِعْلُهُمْ؛ وتَفاحَشَ جَهْلُهُمْ؛ ﴿ثُمَّ تابُوا﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ اليَسِيرَ مِنَ العَمَلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الذَّنْبِ؛ ولَوْ كانَ عَظِيمًا؛ فاقْتَصَرُوا عَلى ما أذِنَ (p-٢٧٢)فِيهِ خالِقُهُمْ؛ ﴿وأصْلَحُوا﴾؛ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِتَسْهِيلِ دِينِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ ولَمّا كانَ إنَّما يَغْفِرُ بَعْدَ التَّوْبَةِ ما عَدا الشِّرْكَ الواقِعَ بَعْدَها؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: التَّوْبَةِ؛ وما تَقَدَّمَها مِن أعْمالِ السُّوءِ؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ السَّتْرِ لِما عَمِلُوا مِنَ السُّوءِ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: مُحْسِنٌ بِالإكْرامِ؛ فَضْلًا ونِعْمَةً.
النحل 16:120
ولَمّا دَعاهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ؛ ونَهاهم عَنْ مَساوِئِها؛ بِقَبُولِهِ لِمَن أقْبَلَ إلَيْهِ؛ وإنْ عَظُمَ جُرْمُهُ؛ إجابَةً لِدَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]؛ أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَهُ؛ تَرْغِيبًا في اتِّباعِهِ في التَّوْحِيدِ؛ والمَيْلِ مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ إقْدامًا؛ وإحْجامًا؛ إنْ كانُوا مِمَّنْ يَتْبَعُ الحَقَّ؛ أوْ يُقَلِّدُ الآباءَ؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أباكُمُ الأعْظَمَ؛ إمامَ المُوَحِّدِينَ؛ ﴿كانَ أُمَّةً﴾؛ فِيهِ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ والأُخْرَوِيَّةِ؛ ما يُوجِبُ أنْ يَؤُمَّهُ ويَقْصِدَهُ كُلُّ أحَدٍ يُمْكِنُ انْتِفاعُهُ بِهِ؛ ﴿قانِتًا﴾؛ أيْ: مُخْلِصًا؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الهَوى؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ مَيّالًا مَعَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ بِنَسْخٍ أوْ بِغَيْرِهِ؛ فَكُونُوا حُنَفاءَ؛ أتْباعًا لِلْحَقِّ؛ (p-٢٧٣)لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ واسْتِنانًا بِأعْظَمِ آبائِكم.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الكَمالِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتِ الأوْصافُ الثُّبُوتِيَّةُ قَرِيبَةَ المَأْخَذِ؛ سَرِيعَةَ الوُصُولِ إلى الفَهْمِ؛ وأتى بَعْدَها وصْفٌ سَلْبِيٌّ بِجُمْلَةٍ؛ حَذَفَ نُونَ ”يَكُنْ“؛ مِنها إيجازًا؛ وتَقْرِيبًا لِلْفَهْمِ؛ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ؛ وحِفْظًا لَهُ مِن أنْ يَذْهَبَ قَبْلَ تَمامِها إلى غَيْرِ المُرادِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الفِعْلَ مَنفِيٌّ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أبْلَغِ وُجُوهِ النَّفْيِ؛ لا يُنْسَبُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ؛ ولَوْ قَلَّ؛ فَقِيلَ: ﴿ولَمْ يَكُ﴾؛ ولَمّا كانُوا مُشْرِكِينَ؛ هم وكَثِيرٌ مِن أسْلافِهِمْ؛ قَبَّحَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ بِأنَّ أعْظَمَ مَن يَعْتَقِدُونَ عَظَمَتَهُ مِن آبائِهِمْ لَيْسَ مِن ذَلِكَ القَبِيلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ الواقِفِينَ مَعَ الهَوى؛ فَلا تَكُونُوا مِنهُمْ؛
النحل 16:121
ثُمَّ بَيَّنَ حالَهُ؛ فَقالَ: ﴿شاكِرًا﴾؛ ولَمّا كانَ لِلَّهِ عَلى مَن جَعَلَهُ أُمَّةً مِنَ النِّعَمِ ما لا يُحْصى؛ بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَلِيلٌ في جَنْبِ فَضْلِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ وإلى أنَّ الشّاكِرَ عَلى القَلِيلِ يَشْكُرُ إذا أتاهُ الكَثِيرُ مِن بابِ الأوْلى -: ﴿لأنْعُمِهِ﴾؛ فَهو لا يَزالُ يَزِيدُهُ مِن فَضْلِهِ؛ فَتَقَبَّلَ دُعاءَهُ لَكُمْ؛ (p-٢٧٤)فاشْكُرُوا اللَّهَ اقْتِداءً بِهِ؛ لِيَزِيدَكُمْ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أثابَهُ عَلى ذَلِكَ؟ أوْ عَلَّلَ ما قَبْلُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿اجْتَباهُ﴾؛ أيْ: اخْتارَهُ اخْتِيارًا تامًّا؛ ﴿وهَداهُ﴾؛ أيْ: بِالبَيانِ الأعْظَمِ؛ والتَّوْفِيقِ الأكْمَلِ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ وهو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ؛ فَكانَ مِمَّنْ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ؛ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ وكانَ مُخالِفًا لِلْأبْكَمِ المَوْصُوفِ في المَثَلِ السّابِقِ؛
النحل 16:122
ثُمَّ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ بِلِسانِ الصِّدْقِ؛ والثَّناءِ الجَمِيلِ؛ الَّذِي ذَلَلْنا لَهُ ألْسِنَةَ الخَلْقِ؛ ﴿حَسَنَةً﴾؛ ونَبَّهَ بِالتَّعْبِيرِ عَنِ المُعْطِي بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى جَلالَتِهِ؛ حَيْثُ جَعَلَهُ إمامًا مُعَظَّمًا لِجَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ؛ فَجَمَعَ القُلُوبَ عَلى مَحَبَّتِهِ؛ وجَعَلَ لَهُ فِيهِمْ لِسانَ صِدْقٍ؛ ورَزَقَهُ في أوْلادِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ والصَّلاحِ؛ والمُلْكِ؛ والكَثْرَةِ؛ ما هو مَشْهُورٌ.
ولَمّا كانَتْ عَظَمَةُ الدُّنْيا لا تُعْتَبَرُ إلّا مَقْرُونَةً بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: لَهُ ما لَهم مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ؛ مُعَبِّرًا بِـ ”مِن“؛ تَعْظِيمًا لِمَقامِ الصَّلاحِ؛ وتَرْغِيبًا فِيهِ.
النحل 16:123
ولَمّا قَرَّرَ مِن عَظَمَتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ما هو داعٍ إلى اتِّباعِهِ؛ صَرَّحَ بِالأمْرِ بِهِ؛ تَنْبِيهًا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ؛ بِأمْرٍ مُتَباعِدٍ في الرُّتْبَةِ عَلى سائِرِ النُّعُوتِ الَّتِي أثْنى عَلَيْهِ بِها؛ وذَلِكَ كَوْنُهُ صارَ مُقْتَدًى لِأفْضَلِ ولَدِ آدَمَ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي الدّالِّ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ؛ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ مَن أمَرَ بِاتِّباعِهِ فِيما مَهَّدَهُ؛ مِمّا أمَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ والطَّرِيقِ الواضِحِ (p-٢٧٥)السَّهْلِ؛ فَقالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا﴾؛ أيْ: ثُمَّ زِدْناهُ تَعْظِيمًا؛ وجَلالَةً بِأنْ أوْحَيْنا؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ؛ وفَسَّرَ الإيحاءَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَرْغِيبًا في تَلَقِّي هَذا الوَحْيِ؛ أحْسَنَ التَّلَقِّي؛ بِاقْتِفاءِ الأبِ الأعْظَمِ -: ﴿أنِ اتَّبِعْ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكَ؛ ونِهايَةِ هِمَّتِكَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ أصْلَ الدِّينِ؛ وحُسْنَ الِاقْتِضاءِ فِيهِ؛ بِسُهُولَةِ الِانْقِيادِ والِانْسِلاخِ مِن كُلِّ باطِلٍ؛ والدَّعْوَةِ بِالرِّفْقِ؛ مَعَ الصَّبْرِ؛ وتَكْرِيرِ الإيرادِ لِلدَّلائِلِ؛ وكُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ الصِّرْفُ؛ والفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ؛ عَبَّرَ بِالمِلَّةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ ولا بُعْدَ في أنْ يُفْهِمَ ذَلِكَ الهِجْرَةَ أيْضًا.
ولَمّا كانَتِ الحَنِيفِيَّةُ أشْرَفَ أخْلاقِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَكانَتْ مَقْصُودَةً بِالذّاتِ؛ صَرَّحَ بِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: الحالُ كَوْنُكَ؛ أوْ كَوْنُهُ شَدِيدَ الِانْجِذابِ؛ مَعَ الدَّلِيلِ الحَقِّ؛ ورَغَّبَ العَرَبَ في التَّوْحِيدِ؛ ونَفَّرَهم مِنَ الشِّرْكِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛
النحل 16:124
ولَمّا دَعا - سُبْحانَهُ - فِيها إلى مَعالِي الشِّيَمِ؛ وعَدَمِ الِاعْتِراضِ؛ وخَتَمَ بِالأمْرِ بِالمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هي سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ؛ وعَدَمُ الكَوْنِ مَعَ الجامِدِينَ؛ اقْتِداءً بِالأبِ (p-٢٧٦)الأعْظَمِ؛ وكانَ الخِلافُ والعُسْرُ مُخالِفًا لِمِلَّتِهِ؛ فَكانَ لا يَجُرُّ إلى خَيْرٍ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ حَدَثَ بَعْدَهُ لَيْسَ مِن مِلَّتِهِ؛ وكانَ اليَهُودُ يَزْعُمُونَ جَهْلًا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ وكانَ السَّبْتُ مِن أعْظَمِ شَعائِرِهِمْ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - جَوابًا لِمَن قَدْ يَدَّعِي مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ وتَحْذِيرًا مِنَ العُقُوبَةِ عَلى الِاخْتِلافِ في الحَقِّ؛ بِالتَّشْدِيدِ في الأمْرِ؛ ﴿إنَّما جُعِلَ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ مَن لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿السَّبْتُ﴾؛ أيْ: تَحْرِيمُهُ؛ واحْتِرامُهُ؛ أوْ وبالُهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ حِينَ أمَرَهم نَبِيُّهم بِالجُمُعَةِ؛ فَقَبِلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؛ وأرادَ السَّبْتَ آخَرُونَ؛ فَبَدَّلُوا بِالجُمُعَةِ السَّبْتَ؛ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِهِ؛ انْتِقامًا مِنهُمْ؛ بِما تُفْهِمُهُ التَّعْدِيَةُ بِـ ”عَلى“؛ فَكانَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ؛ وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ التَّيْسِيرِ عَلَيْنا؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الكَلْبِيُّ: أمَرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُمُعَةِ؛ فَقالَ: ”تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا؛ فاعْبُدُوهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا لِصَنْعَتِكُمْ؛ وسِتَّةَ أيّامٍ لِصِناعَتِكُمْ“؛ فَأبَوْا إلّا شِرْذِمَةً مِنهُمْ؛ وقالُوا: (p-٢٧٧)لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ؛ يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلَيْهِمْ؛ وشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ ثُمَّ جاءَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِيَوْمِ الجُمُعَةِ؛ فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا؛ فَأخَذُوا الأحَدَ؛ فَأعْطى اللَّهُ الجُمُعَةَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَقَبِلُوها؛ وبُورِكَ لَهم فِيها.
وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنِي مُعَمَّرٌ؛ أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ مُجاهِدًا يَقُولُ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ -؛ فَقالَ: رَدُّوا الجُمُعَةَ؛ وأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَهُ؛ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا؛ وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ؛ فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ؛ فَهم لَنا فِيهِ تَبَعٌ؛ فاليَهُودُ غَدًا؛ والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ“».
ولَمّا كانَ الإشْراكُ واضِحًا في أمْرِ النَّصارى؛ اسْتَغْنى بِنَفْيِهِ عَنْهُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِمْ؛ ثُمَّ حَذَّرَ مِنَ الاخْتِلافِ؛ مُثْبِتًا أمْرَ البَعْثِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِطَواعِيَةِ أصْحابِكَ لَكَ؛ ﴿لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ (p-٢٧٨)المُخْتَلِفِينَ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ واجْتِماعِ جَمِيعِ الخَلائِقِ ﴿فِيما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ مِن قَبُولِ الجُمُعَةِ؛ ورَدِّها؛ ومِنَ الإذْعانِ لِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ؛ وإبائِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَيُجازى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
النحل 16:125
ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ السُّورَةِ حِكايَةَ كَثِيرٍ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وتَكْذِيبِهِمْ لِرُسُلِهِ؛ عَلى أبْشَعِ وجْهٍ؛ والتَّفْتِيرِ عَنْ حُرْقَةِ الحِرْصِ عَلَيْهِمُ؛ المُفْضِي إلى شِدَّةِ التَّأسُّفِ عَلى ضَلالِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُبَّما أيْأسَ مِنهُمْ؛ فَأقْعَدَ عَنْ دُعائِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ ضَرْبَ الأمْثالِ؛ ونَصْبَ الجِدالِ - عَلى تِلْكَ المَناهِجِ المُعْجِزَةِ؛ بِما يَسْبِقُ مِن ظَواهِرِها إلى الفَهْمِ عِنْدَ قَرْعِ السَّمْعِ مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ؛ والمَقاصِدِ الجَمِيلَةِ - لِعامَّةِ الخَلْقِ؛ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وإذا تَأمَّلَها الخَواصُّ وجَدُوا فِيها مِن دَقائِقِ الحَقائِقِ؛ ومَشارِعِ الرَّقائِقِ؛ ومُحْكَمِ الدَّلائِلِ؛ ومُتْقَنِ المَقاصِدِ والوَسائِلِ؛ ما يُوَضِّحُ - بِتَفاوُتِ الأفْهامِ؛ وتَبايُنِ الأفْكارِ - أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ ولا قَرارَ؛ ولا مُنْتَهى لِما تَسْتَخْرِجُ مِنهُ الأنْظارُ؛ وخَتَمَ بِاتِّباعِ الأبِ الأعْظَمِ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ؛ وأمَرَ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو السَّمِيعُ المُطِيعُ؛ أنْ يَسْتَنَّ بِآثارِهِ؛ ويَقْتَدِيَ بِإضْمارِهِ وإظْهارِهِ؛ فَسَّرَ (p-٢٧٩)لَهُ تِلْكَ المِلَّةَ الَّتِي أمَرَهُ بِاتِّباعِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ادْعُ﴾؛ أيْ: كُلَّ مَن تُمْكِنُ دَعْوَتُهُ؛ ﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ بِتَسْهِيلِ السَّبِيلِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؛ واتِّساعِهِ؛ وهو الإسْلامُ؛ الَّذِي هو المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ؛ ﴿بِالحِكْمَةِ﴾؛ وهي المُعَرِّفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ في الحُسْنِ؛ والقُبْحِ؛ والصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ وقِيلَ لَها ”حِكْمَةٌ“؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ المانِعِ مِنَ الفَسادِ؛ وما لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتارَ؛ فالحَكِيمُ هو العالِمُ بِما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ وهي في الحَقِيقَةِ الحَقُّ الصَّرِيحُ؛ فَمَن كانَ أهْلًا لَهُ دَعا بِهِ؛ ﴿والمَوْعِظَةِ﴾؛ بِضَرْبِ الأمْثالِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ مَعَ خَلْطِ الرَّغْبَةِ بِالرَّهْبَةِ؛ والإنْذارِ بِالبِشارَةِ؛ ﴿الحَسَنَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي يَسْهُلُ عَلى كُلِّ فَهْمٍ ظاهِرُها؛ ويَرُوقُ كُلَّ نِحْرِيرٍ ما ضَمَّنَتْهُ سَرائِرُها؛ مَعَ اللِّينِ في مَقْصُودِها؛ وتَأْدِيَتِها هَذا لِمَن لا يَحْتَمِلُ إلّا ذَلِكَ؛ ﴿وجادِلْهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ افْتِلْهم عَنْ مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ إلى مَذْهَبِكَ الحَقِّ بِطَرِيقِ الحِجاجِ؛ ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾؛ مِنَ الطُّرُقِ؛ بِالتَّرَفُّقِ؛ واللِّينِ؛ والوَقارِ؛ والسَّكِينَةِ؛ ولا تُعْرِضْ عَنْهُمْ؛ (p-٢٨٠)يَأْسًا مِنهُمْ؛ ولا تُجازِهِمْ بِسَيِّئِ مَقالِهِمْ؛ وقَبِيحِ فِعالِهِمْ؛ صَفْحًا عَنْهُمْ؛ ورِفْقًا بِهِمْ؛ فَهو بَيانٌ لِأصْنافِ الدَّعْوَةِ؛ بِحَسَبِ عُقُولِ المَدْعُوِّينَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَأْمُورُونَ بِأنْ يُخاطِبُوا النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ؛ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ إنْ كانَتْ لِتَقْرِيرِ الدِّينِ وتَثْبِيتِ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ أهْلِهِ - وهي مَعَ ذَلِكَ يَقِينِيَّةٌ مُطَهَّرَةٌ عَنِ احْتِمالِ نَقِيضٍ - فَهي الحِكْمَةُ؛ وهي لِطالِبِ الحَقِّ المُذْعِنِ إنْ كانَ مُسْتَعِدًّا لِلْقَبُولِ بِفِكْرِهِ الثّاقِبِ؛ وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً لِاحْتِمالِ النَّقِيضِ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ والإقْناعِ؛ فَهي المَوْعِظَةُ؛ وهي لِلْمُذْعِنِ الَّذِي لا اسْتِعْدادَ لَهُ؛ وإنْ كانَتْ لِإلْزامِ الجاحِدِينَ؛ وإفْحامِ المُعانِدِينَ؛ فَهي المُجادَلَةُ؛ فَإنْ كانَتْ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتِ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ أوْ عِنْدَ الخَصْمِ فَقَطْ؛ فَهي الحَسَنَةُ؛ وإنْ كانَتْ مِن مُقَدِّماتٍ كاذِبَةٍ غَيْرِ مُسَلَّمَةٍ يُرادُ تَرْوِيجُها بِالحِيَلِ الباطِلَةِ؛ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ؛ فَهي السَّيِّئَةُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُنْصِفٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ المُلازَمَةَ لِدُعائِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْكَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ عِلْمٌ؛ ﴿بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الضَّلالِ - وهو أعْلَمُ بِالضّالِّينَ؛ الرّاسِخِينَ في الجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ - (p-٢٨١)فَلا انْفِكاكَ لَهُ عَنِ الضَّلالِ؛ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى لِسَبِيلِهِ؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الهِدايَةِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم في النِّهايَةِ مِنها؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا ”مَن ضَلَّ“؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ و”المُهْتَدِينَ“؛ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِمْ أوَّلًا.
وأمّا أنْتَ فَلا عِلْمَ لَكَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إلّا بِإعْلامِنا؛ وقَدْ ألْزَمْناكَ البَلاغَ المُبِينَ؛ فَلا تَفْتُرْ عَنْهُ مُعْرِضًا عَنِ الحِرْصِ المُهْلِكِ؛ واليَأْسِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم.
النحل 16:126
ولَمّا بَيَّنَ أمْرَ الدَّعْوَةِ؛ وأوْضَحَ طُرُقَها؛ وقَدَّمَ أمْرَ الهِجْرَةِ؛ والإكْراهِ في الدِّينِ؛ والفَتْنِ فِيهِ؛ المُشِيرِ إلى ما سَبَّبَ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ؛ والبَلاءِ مِنَ الكُفّارِ؛ ظُلْمًا؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالرِّفْقِ بِهِمْ؛ عَمَّ؛ بَعْدَ ما خَصَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالرِّفْقِ؛ بِالأمْرِ لِأشْياعِهِ بِالعَدْلِ؛ والإحْسانِ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ولَوْ مَعَ أعْدى الأعْداءِ؛ والنَّهْيِ عَنْ مُجازاتِهِمْ إلّا عَلى وجْهِ العَدْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾؛ أيْ: كانَتْ لَكم عاقِبَةٌ عَلَيْهِمْ؛ تَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أذاهُمْ؛ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما﴾ (p-٢٨٢)ولَمّا كانَ الأمْرُ عامًّا في كُلِّ فِعْلٍ؛ مِنَ المُعاقَبَةِ مِن أيِّ فاعِلٍ كانَ؛ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَعْيِينِ الفاعِلِ غَرَضٌ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ - عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ المُلُوكِ في كَلامِهِمْ - إلى إدالَتِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وإسْلامِهِمْ في يَدَيْهِمْ؛ وجَعْلِهِ بِأداةِ الشَّكِّ إقامَةً بَيْنَ الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ.
ولَمّا أباحَ لَهم دَرَجَةَ العَدْلِ؛ رَقّاهم إلى رُتْبَةِ الإحْسانِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾؛ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ؛ ﴿لَهُوَ﴾؛ أيْ: الصَّبْرُ؛ ﴿خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ.
النحل 16:127
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاصْبِرُوا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ؛ إفْرادًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِالأمْرِ؛ إجْلالًا لَهُ؛ وتَسْلِيَةً فِيما كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ؛ مِنَ التَّمْثِيلِ بِعَمِّهِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وتَنْوِيهًا بِعِظَمِ مَقامِ الصَّبْرِ؛ زِيادَةً في حَثِّ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ أمْرَ الرَّئِيسِ أدْعى لِامْتِثالِ أتْباعِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واصْبِرْ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَحُثُّ عَلى دَوامِ الِالتِجاءِ إلَيْهِ؛ المُنْتِجِ لِلْمُراقَبَةِ؛ والفَناءِ عَنِ الأغْيارِ؛ ثُمَّ الفَناءِ عَنِ الفَناءِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ لِأحَدٍ فِعْلًا مُسْتَقِلًّا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما صَبْرُكَ﴾؛ أيْ: أيُّها الرَّسُولُ (p-٢٨٣)الأعْظَمُ؛ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي شَرَعَ لَكَ هَذا الشَّرْعَ الأقْوَمَ؛ وأنْتَ قائِمٌ في نَصْرِهِ؛ ولَقَدْ قابَلَ هَذا الأمْرَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْلى مَقاماتِ الصَّبْرِ؛ وذَلِكَ أنَّهم مَثَّلُوا بِقَتْلى المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ إلّا حَنْظَلَةَ الغَسِيلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَإنَّ أباهُ كانَ مَعَهُمْ؛ فَتَرَكُوهُ لَهُ؛ «فَلَمّا وقَفَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عَمِّهِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَجَدَهم قَدْ جَدَعُوا أنْفَهُ؛ وقَطَعُوا أُذُنَيْهِ؛ وجَبُّوا مَذاكِيرَهُ؛ وبَقَرُوا بَطْنَهُ؛ نَظَرَ إلى شَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ قَطُّ إلى أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ؛ فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإنَّكَ كُنْتَ فَعّالًا لِلْخَيْرِ؛ وصُولًا لِلرَّحِمِ؛ ولَوْلا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ لَسَرَّنِي أنْ أدَعَكَ حَتّى تُحْشَرَ مِن أجْوافٍ شَتّى؛ أما واللَّهِ؛ لَئِنْ أظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهُمْ“؛» وقالَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: لَنَزِيدَنَّ عَلى صَنِيعِهِمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ بادَرَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - الِامْتِثالَ؛ وكانَ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا نَهى عَنِ المُثْلَةِ؛ وأحْسَنَ يَوْمَ الفَتْحِ بِأنْ نَهى عَنْ قِتالِهِمْ؛ بَعْدَ أنْ صارُوا في قَبْضَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ؛ وشُرِّفَ؛ وكُرِّمَ؛ وبُجِّلَ وعُظِّمَ دائِمًا أبَدًا. (p-٢٨٤)ولَمّا كانَ - بَعْدَ تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى الصَّبْرِ؛ وتَفْرِيغِ القَلْبِ مِنَ الإحْنَةِ - يُرْجَعُ إلى الأسَفِ عَلى إهْلاكِهِمْ أنْفُسِهِمْ بِتَمادِيهِمْ عَلى العُتُوِّ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: في شِدَّةِ كُفْرِهِمْ؛ فَتُبالِغْ في الحِرْصِ الباخِعِ لِلنَّفْسِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - في مَقامِ التَّبْشِيرِ؛ بِالمَحَلِّ الكَبِيرِ؛ والمَوْطِنِ الخَطِيرِ؛ الَّذِي ما حازَهُ قَبْلَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بَشِيرٌ ولا نَذِيرٌ؛ وذَلِكَ هو الإسْراءُ إلى المَلَكُوتِ الأعْلى؛ والمَقامِ الأسْمى مِنَ السَّماواتِ العُلا؛ في حَضَراتِ القُدْسِ؛ ومَحالِّ الأُنْسِ؛ ووَطَّأ لِذَلِكَ في سُورَةِ النِّعَمِ؛ بِمَقاماتِ الكَرَمِ؛ إلى أنْ قارَبَ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ أوْجَزَ في العِبارَةِ بِحَذْفِ حَرْفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ دَلالَةً عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَكُ﴾؛ بِحَذْفِ النُّونِ؛ إشارَةً إلى ضِيقِ الحالَةِ عَنْ أدْنى إطالَةٍ:
؎وأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ∗∗∗ إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ
وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ ”النَّمْلِ“؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿فِي ضَيْقٍ﴾؛ ولَوْ قَلَّ - كَما لَوَّحَ إلَيْهِ تَنْوِينُ التَّحْقِيرِ؛ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَذْفُ النُّونِ؛ فَإنَّ أذى الكُفّارِ؛ الَّذِي السِّياقُ لِلتَّسْلِيَةِ عَنْهُ؛ لا يَضُرُّكَ في المَقْصُودِ الَّذِي بُعِثْتَ لِأجْلِهِ؛ وهو إظْهارُ الدِّينِ؛ وقَمْعُ المُفْسِدِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ اسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ بِكَ؛ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى (p-٢٨٥)يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكَأنَّكَ بِهِ؛ وقَدْ أتى؛ فاصْبِرْ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) مُعِزُّكَ؛ ومُظْهِرٌ دِينَكَ؛ وإنْ كَرِهُوا؛
النحل 16:128
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِلُطْفِهِ؛ وعَوْنِهِ؛ ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَكانُوا في أوَّلِ مَنازِلِ التَّقْوى؛ وهو مَعَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ كانُوا في النِّهايَةِ مِنها؛ فَعَدَلُوا في أفْعالِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ؛ عَمَلًا بِأمْرِ اللَّهِ في الكِتابِ؛ الَّذِي هو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو مَعَ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ وكانُوا في أوَّلِ دَرَجاتِ الإحْسانِ؛ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ؛ وظَواهِرِهِمْ؛ ﴿مُحْسِنُونَ﴾؛ أيْ: صارَ الإحْسانُ صِفَةً لَهم غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنْهُمْ؛ فَهم في حَضَراتِ الرَّحْمَنِ؛ وأنْتَ رَأْسُ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ؛ فاللَّهُ مَعَكَ؛ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ كانَ غالِبًا؛ وصَفْقَتُهُ رابِحَةٌ؛ وحالَتُهُ صالِحَةٌ؛ وأمْرُهُ عالٍ؛ وضِدُّهُ في أسْوَإ الأحْوالِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُوا قَلَقًا؛ كَما اسْتَعْجَلَ الكُفّارُ اسْتِهْزاءً؛ تَخَلُّقًا في التَّأنِّي والحِلْمِ بِصِفَةِ مَن تَنَزَّهَ عَنْ نَقْصِ الِاسْتِعْجالِ؛ وتَعالى عَنِ ادِّعاءِ الأكْفاءِ والأمْثالِ؛ فَقَدْ عانَقَ آخِرُها أوَّلَها؛ ووافَقَ مَقْطَعُها مَطْلَعَها؛ وآخِرُها احْتِباكٌ: ذَكَرَ ”الَّذِينَ اتَّقَوْا“؛ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ”الَّذِينَ أحْسَنُوا“؛ ثانِيًا؛ والمُحْسِنِينَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المُتَّقِينَ أوَّلًا؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.