Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الرعد 13:1 – إبراهيم 14:52
المحتويات
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:30
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:20
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:39
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- إبراهيم 14:51
- إبراهيم 14:52
الرعد 13:1
(p-٢٦٢)سُورَةُ الرَّعْدِ
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ مَعَ أنَّ [لَهُ] صَوْتًا وصِيتًا وإرْعابًا وإرْهابًا يَهْدِي بِالفِعْلِ، وتارَةً لا يَتَأثَّرُ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِلضَّلالِ والعَمى، وأنْسُبُ ما فِيها [لِهَذا] المَقْصِدِ الرَّعْدُ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ حَقًّا في نَفْسِهِ يَسْمَعُهُ الأعْمى والبَصِيرُ والبارِزُ والمُسْتَتِرُ، وتارَةً يَتَأثَّرُ عَنْهُ البَرْقُ والمَطَرُ وتارَةً لا، وإذا نَزَلَ المَطَرُ فَتارَةً يَنْفَعُ إذا أصابَ الأراضِيَ الطَّيِّبَةَ وسَلِمَتْ مِن عاهَةٍ، وتارَةً يَخِيبُ إذا نَزَلَ عَلى السِّباخِ الخَوّارَةِ وتارَةً يَضُرُّ بِالإغْراقِ أوِ الصَّواعِقِ أوِ البَرْدِ وغَيْرِها - واللَّهُ أعْلَمُ.
”بِسْمِ اللَّهِ“ الحُقُّ الَّذِي كَلُّ ما عَداهُ باطِلٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالرَّغْبَةِ والرَّهْبَةِ بِعُمُومِ رَحْمَتِهِ ”الرَّحِيم“الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِما يَرْضاهُ عَظِيمُ الوَهْيَةِ ﴿المر﴾ .
لَمّا خَتَمَ الَّتِي قَبْلَها بِالدَّلِيلِ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وأنَّهُ هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، بَعْدَ أنْ أشارَ إلى كَثْرَةِ ما يُحِسُّونَهُ مِن آياتِهِ في السَّماواتِ (p-٢٦٣)والأرْضِ مَعَ الإعْراضِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المُشَوِّشِ لِأنَّهُ أفْصَحُ لِلْبَداءَةِ في نَشْرِهِ بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ فَقالَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيِ الأنْباءُ المَتْلُوَّةُ والأقاصِيصُ المَجْلُوَّةُ المُفَصَّلَةُ بَدْرُ المَعانِي وبَدِيعُ الحِكَمِ وثابِتُ القَواعِدِ والمَبانِي العالِيَةِ المَراتِبِ ﴿آياتُ﴾ والآيَةُ: الدَّلالَةُ العَجِيبَةُ في التَّأْدِيَةِ إلى المَعْرِفَةِ ﴿الكِتابِ﴾ المُنَزَّلِ إلَيْكَ ”و“ جَمِيعُ ”الَّذِي“.
ولَمّا كانَ تَحَقُّقُ أنَّ هَذا الكِتابَ مِن عِنْدِ المَلِكِ أمْرًا لا يَطْرُقُهُ مُرِيهِ لِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ، وكَذا ما تَبِعَهُ مِن بَيانِهِ بِالسُّنَّةِ لِما لَهُ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا يَخَفَ عَلى [كُلِّ] عاقِلٍ، وكانَ [ما] تَحَقَّقَ أنَّهُ كَذَلِكَ يَعْلَمُ أنَّ الآتِيَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ كائِنٌ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ قَطْعًا أنَّهُ هو ﴿الحَقُّ﴾ أيِ المَوْضُوعُ كُلَّ شَيْءٍ مِنهُ في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، الواضِحُ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ مُطابَقَةِ الواقِعِ مِن بَعْثٍ ولا غَيْرِهِ، فَهو أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ وعْدَهُ بِالبَعْثِ سِحْرٌ، فَوَجَبَ [لِثُبُوتِ] حَقِّيَّتِهِ عَلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالعَقْلِ أنْ يُؤْمِنَ بِهِ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ (p-٢٦٤)أيِ الآنِسِينَ بِأنْفُسِهِمُ المُضْطَرِبِينَ في آرائِهِمْ،
﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ أصْلًا بِأنَّهُ الحَقُّ في نَفْسِهِ وأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وإنَّهُ تَخْيِيلٌ لَيْسَتْ مُعايَنَةً - كَما قُلْنا ﴿وما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣] فَلَيْسَ هُدًى لَهم كامِلًا ولا رَحْمَةً تامَّةً، هَذا التَّقْدِيرُ مُحْتَمَلٌ، ولَكِنَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ [ظاهِرُ] قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾ [الرعد: ١٩] أنَّ ”الَّذِي“ مُبْتَدَأٌ، و”مِن رَبِّك“ صِلَةُ ”أُنْزَلَ“ والخَبَرُ ”الحَقُّ“ والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هَذِهِ الآيَةُ، وهي وصْفُ المُنَزَّلِ بِأنَّهُ الحَقُّ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا تَمَّ [وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكَمٌ مُفَصَّلٌ مُبِينٌ، عَطْفُ الكَلامِ إلى تَفْصِيلِ أوَّلٍ] [سُورَةُ البَقَرَةِ]، والإيماءُ إلى أنَّهُ حانَ اجْتِناءُ الثَّمَرَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي بَعْدَها، ويَلْتَحِمُ بِذَلِكَ [وصْفُ] المُصَدِّقِينَ بِذَلِكَ - كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ في بُرْهانِهِ: هَذِهِ السُّورَةُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ في خاتِمَةِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ (p-٢٦٥)أوْ تَأْتِيَهم السّاعَةُ بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٧] ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي وسُبْحانَ اللَّهِ وما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨]
فَبَيانُ أيِ السَّماواتِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] وبَيانُ أيِ الأرْضِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] فَهَذِهِ أيِ السَّماواتُ والأرْضُ، وقَدْ زِيدَتْ بَيانًا في مَواضِعَ، ثُمَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الرعد: ٣] ما يَكُونُ مِنَ الآياتِ عَنْهُنَّ، لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَنْ جُرْمِ الأرْضِ، والضِّياءِ عَنْ نُورِ الشَّمْسِ وهي سَماوِيَّةٌ، ثُمَّ زادَ تَعالى آياتِ الأرْضِ بَيانًا وتَفْصِيلًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: ٤] ولَمّا كانَ إخْراجُ الثَّمَرِ بِالماءِ النّازِلِ [مِنَ السَّماءِ مِن أعْظَمِ آيَةٍ، ودَلِيلًا واضِحًا عَلى صِحَّةِ المَعادِ، ولِهَذا قالَ تَعالى] في الآيَةِ الأُخْرى ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ [الأعراف: ٥٧] وكانَ قَدْ ورَدَ هُنا أعْظَمُ جِهَةٍ في الِاعْتِبارِ مِن إخْراجِها مُخْتَلِفاتٍ في الطَّعُومِ والألْوانِ والرَّوائِحِ (p-٢٦٦)مَعَ اتِّحادِ المادَّةِ ”يُسْقى“ بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأكْلِ لِذَلِكَ ما أعْقَبَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] الآيَةُ [بِقَوْلِهِ] ﴿وإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهم أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ الصِّنْفَ القائِلَ بِهَذا وأنَّهُمُ الكافِرُونَ أهِلُ الخُلُودِ في النّارِ، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانٍ عَظِيمٍ حِلْمُهُ وعَفْوُهُ فَقالَ ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ [الرعد: ٦] - الآيَةُ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِما يَشْعُرُ بِالجَرْيِ [عَلى السَّوابِقِ] في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ثُمَّ بَيَّنَ عَظِيمَ مُلْكِهِ واطِّلاعِهِ عَلى دَقائِقَ ما أوْجَدَهُ مِن جَلِيلِ صُنْعِهِ واقْتِدارِهِ فَقالَ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ﴾ [الرعد: ٨] - الآياتُ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ثُمَّ خَوَّفَ عِبادَهُ وأنْذَرَهم ورَغَّبَهم ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾ [الرعد: ١٢] الآياتُ وكُلُّ ذَلِكَ راجِعٌ إلى ما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ، وفي ذَلِكَ أكْثَرُ أيِ السُّورَةِ ونَبَّهَ تَعالى عَلى الآيَةِ الكُبْرى والمُعْجِزَةِ العُظْمى فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ [الرعد: ٣١] والمُرادُ: لَكانَ هَذا القُرْآنُ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] والتَّنْبِيهُ بِعَظِيمِ هَذِهِ (p-٢٦٧)الآياتِ مُناسِبٌ لِمُقْتَضى السُّورَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِما أوْدَعَ تَعالى مِنَ الآياتِ في السَّماواتِ والأرْضِ، وكَأنَّهُ جَلَّ وتَعالى لَمّا بَيَّنَ لَهم عَظِيمَ ما أوْدَعَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ الآياتِ وبَسَطَ ذَلِكَ وأوْضَحَهُ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرى جامِعَةٍ لِلْآياتِ ومُتَّسِعَةٍ لِلِاعْتِباراتِ فَقالَ تَعالى
﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] فَهو مِن نَحْوِ ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣] ﴿وفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤] أيْ لَوْ فَكَّرْتُمْ في آياتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَأقَلَّتْكم وكَفَتْكم في بَيانِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ ولَوْ فَكَّرْتُمْ في أنْفُسِكم وما أوْدَعَ تَعالى فِيكم مِنَ العَجائِبِ لاكْتَفَيْتُمْ ”مِن عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ“ فَمِن قَبِيلِ هَذا الضَّرْبِ مِنَ الِاعْتِبارِ هو الواقِعُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مَن بَسْطِ [آياتِ] السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ ذَكَرَ القُرْآنَ وما يَحْتَمِلُ، فَهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الجَلِيلَةُ مِن بَسْطِ الآياتِ المُودَعَةِ في الأرْضِينَ والسَّماواتِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] فالَّذِينَ تَطْمَئِنُّ (p-٢٦٨)قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ هم أُولُو الألْبابِ المُتَذَكِّرُونَ التّامُّو الإيمانِ وهُمُ القَلِيلُ المُشارُ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ [ص: ٢٤] والمَقُولُ فِيهِمْ ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] ودُونَ هَؤُلاءِ طَوائِفُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا في دَرَجاتِهِمْ ولا بَلَغُوا يَقِينَهُمْ، وإلَيْهِمُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «الشِّرْكُ في أُمَّتِي أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ» فَهَذا بَيانُ ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٧] فَما عَجَّلَ لَهم مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] القاطِعُ دابِرَهُمْ، [و]المُسْتَأْصِلُ لِأمْرِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] الآيَةُ، فَقَدْ أوْضَحَتْ أيْ سُورَةُ الرَّعْدِ سَبِيلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيَّنَهُ بِما تَحَمَّلَتْهُ مِن عَظِيمِ التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلائِلِ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وما في العالَمِ بِجُمْلَتِهِ وما تَحَمَّلَهُ الكِتابُ المُبِينُ - كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ [قَدْ] تَعَرَّضَتِ السُّورَةُ لِبَيانِ جَلِيِّ سالِكِي تِلْكَ السَّبِيلِ الواضِحَةِ المُنْجِيَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] إلى آخِرِ ما حَلّاهم بِهِ أخْذًا وتَرْكًا، ثُمَّ عادَ الكَلامُ بَعْدُ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ (p-٢٦٩)والبَسْطِ وتَقْرِيعِ الكُفّارِ وتَوْبِيخِهِمْ وتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أمْرِهِمْ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلا﴾ [الرعد: ٤٣] والسُّورَةُ بِجُمْلَتِها غَيْرُ حائِدَةٍ عَنْ تِلْكَ الأغْراضِ المُجْمَلَةِ في الآياتِ الأرْبَعِ المَذْكُوراتِ مِن آخِرِ [سُورَةِ يُوسُفَ ]، ومُعْظَمُ السُّورَةِ وغالِبُ آيِها في التَّنْبِيهِ وبَسْطِ الدَّلالاتِ والتَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ ما أوْدَعَتْ مِنَ الآياتِ؛ ولَمّا كانَ هَذا شَأْنُها أعْقَبَتْ بِمُفْتَتَحِ [سُورَةِ إبْراهِيمَ] عَلَيْهِ السَّلامُ - انْتَهى.
الرعد 13:2
فَلَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِهَذا الكِتابِ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِكَوْنِهِ حَقًّا فَثَبَتَ أنَّهُ أعْظَمُ الأدِلَّةِ والآياتِ، شَرَعَ يُذَكِّرُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٥] مِنَ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِ آياتِ الكِتابِ حَقًّا بِما لَها في أنْفُسِها مِنَ الثَّباتِ، والدّالَّةِ، بِما لِفاعِلِها مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ - عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ حَقٌّ لِما لَهُ مِنَ الحِكْمَةِ، والدّالَّةِ - بِما لِلتَّعْبِيرِ عَنْها مِنَ الإعْجازِ - عَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبَدَأ بِما بَدَأ بِهِ في تِلْكَ مِن آياتِ السَّماواتِ لِشَرَفِها ولِأنَّها أدَلُّ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ (p-٢٧٠)وحَدَهُ ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ بَعْدَ إيجادِها مِن عَدَمٍ - كَما أنْتُمْ بِذَلِكَ مَقْرُونٌ؛ والرَّفْعُ: وضْعُ الشَّيْءِ في جِهَةِ العُلُوِّ سَواءٌ كانَ بِالنَّقْلِ أوْ بِالِاخْتِراعِ، كائِنَةً ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جَمْعُ عِمادٍ كَأُهُبٍ وإهابٍ [أوْ عَمُودٍ، والعَمُودُ: جِسْمٌ مُسْتَطِيلٌ يَمْنَعُ المُرْتَفَعَ أنْ يَمِيلَ، وأصْلُهُ مَنعُ المَيْلِ] ﴿تَرَوْنَها﴾ أيْ مَرْئِيَّةً حامِلَةً لِهَذِهِ الأجْرامِ العِظامِ الَّتِي مِثْلُها لا تَحْمِلُ في مَجارِي عاداتِكم إلّا بَعْدَ تَناسُبِها في العَظْمِ، هَذا عَلى أنَّ ﴿تَرَوْنَها﴾ صِفَةٌ، ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مِن كَأنَّهُ قالَ: ما دَلِيلُ أنَّها بِغَيْرِ عَمَدٍ؟ فَقِيلَ: المُشاهَدَةُ [الَّتِي] لا أجْلى مِنها.
[ولَمّا كانَ رَفْعُ السَّماواتِ بَعْدَ خَلْقِ الأرْضِ وقَبْلَ تَسْوِيَتِها، ذَكَرَ أنَّهُ شَرَعَ فِي] تَدْبِيرِ ما لِلْكَوْنَيْنِ مِنَ المَنافِعِ وما فِيهِما مِنَ الأعْراضِ والجَواهِرِ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ذَلِكَ التَّدْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ قالَ الرّازِيُّ في لَوامِعِ ”البُرْهانِ: وخَصَّ العَرْشَ لِأنَّهُ أعْلى خَلْقِهِ وصَفْوَتِهِ“ ومَنظَرُهُ الأعْلى ومَوْضِعُ تَسْبِيحِهِ ومَظْهَرُ مُلْكِهِ ومَبْدَأُ وحُيِهِ ومَحَلُّ قُرْبِهِ، ولَمْ يَنْسَبْ شَيْئًا مِن خَلْقِهِ كَنِسْبَتِهِ، فَقالَ (p-٢٧١)تَعالى: ﴿ذُو العَرْشِ﴾ [البروج: ١٥] كَما قالَ ﴿ذُو الجَلالِ﴾ [الرحمن: ٢٧] و”ذُو“ كَلِمَةٌ لِحَقٍّ واتِّصالٍ وظُهُورٍ ومَبْدَأٍ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والِاسْتِواءُ: الِاسْتِيلاءُ بِالِاقْتِدارِ ونُفُوذِ السُّلْطانِ، وأصْلُهُ: اسْتَوى التَّدْبِيرُ، كَما أنَّ أصْلَ القِيامِ الِانْتِصابُ، ثُمَّ يُقالُ: قائِمٌ بِالتَّدْبِيرِ - انْتَهى. وعَبَّرَ بـِ ”ثُمَّ“ لِبُعْدِ هَذِهِ [الرُّتْبَةِ] عَنِ الأطْماعِ وعُلُوِّها عَمّا يُسْتَطاعُ، فَلَيْسَ هُناكَ تَرْتِيبٌ ولا مُهْلَةٌ حَتّى يَفْهَمَ [أنَّ] ما قَبْلُ كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ أنَّهُ أخَذَ في التَّدْبِيرِ لِما خَلَقَ كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ إذا اسْتَوَوُا عَلى عُرُوشِهِمْ، أيْ لَمْ يَكُنْ لَهم مُدافِعٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ جُلُوسٌ أصْلًا، وذَلِكَ لِأنَّ رُوحَ المَلِكِ التَّدْبِيرُ وهو أعْدَلُ أحْوالِهِ واللَّهُ أعْلَمُ ﴿وسَخَّرَ﴾ أيْ ذَلَّلَ تَذْلِيلًا عَظِيمًا ﴿الشَّمْسَ﴾ أيِ الَّتِي [هِيَ آيَةُ النَّهارِ] ﴿والقَمَرَ﴾ [أيِ] الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ لِما فِيهِما مِنَ الحِكَمِ والمَنافِعِ والمَصالِحِ الَّتِي] بِها صَلاحُ البِلادِ والعِبادِ، ودَخَلَتِ اللّامُ فِيهِما وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما لا ثانِيَ لَهُ لِما في الِاسْمِ مِن مَعْنى الصِّفَةِ، إذًا لَوْ وجَدَ مِثْلَ لَهُما لَمْ يَتَوَقَّفْ في إطْلاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ، (p-٢٧٢)ولا كَذَلِكَ زَيْدٌ وعَمْرٌو. والتَّسْخِيرُ: التَّهْيِئَةُ لِذَلِكَ المَعْنى المُسَخَّرِ لَهُ لِيَكُونَ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مُعاناةِ صاحِبِهِ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ كَتَسْخِيرِ النّارِ لِلْإنْضاجِ والماءِ لِلْجَرَيانِ ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِنَ الكَوْكَبَيْنِ ﴿يَجْرِي﴾ .
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّدْبِيرِ، عُلِمَ أنَّ المُرادَ بِجَرْيِهِما لِذَلِكَ، وهو تَنَقُّلُهُما في المَنازِلِ والدَّرَجاتِ الَّتِي يَتَحَوَّلُ بِها الفُصُولُ، ويَتَغَيَّرُ النَّباتُ وتُضْبَطُ الأوْقاتُ، وكُلَّما كانَ التَّدْبِيرُ أسْرَعَ، عَلِمَ أنَّ صاحِبَهُ أعْلَمُ ولا سِيَّما إنْ كانَ أحْكَمَ، فَكانَ المَوْضِعُ لِلّامِ لا لِإلى، فَعَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِأجْلِ﴾ أيْ لِأجْلِ اخْتِصاصِهِ بِأجَلٍ ﴿مُسَمًّى﴾ هَذِي أجْلُها سَنَةٌ، وذاكَ أجَلُهُ شَهْرٌ؛ والأجَلُ: الوَقْتُ المَضْرُوبُ لِحُدُوثِ أمْرٍ وانْقِطاعِهِ.
ولَمّا كانَ كُلُّ مِن ذَلِكَ مُشْتَمِلًا مِنَ الآياتِ عَلى ما يَجِلُّ عَنِ الحَصْرِ مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الإحْكامِ، اسْتَأْنَفَ خَبَرًا هو كالتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيما مَضى مِنَ الحِكْمَةِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ بَعْدَ أنْ أشارَ إلى عَظَمَةِ هَذا الخَبَرِ بِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ الأوْصافِ العَظِيمَةِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ في المَعاشِ والمَعادِ وما يُنَظِّمُهُما بِأنْ يَفْعَلَ فِيهِ فِعْلَ مَن يَنْظُرُ في (p-٢٧٣)أدْبارِهِ وعَواقِبِهِ لِيَأْتِيَ مُحْكَمًا يَجِلُّ عَنْ أنْ يُرامَ بِنَقْضٍ، بَلْ هو بِالحَقِيقَةِ الَّذِي يَعْلَمُ أدْبارَ الأُمُورِ وعَواقِبَها، لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، مَعَ أنَّ هَذا العالَمَ - مِن أعْلى العَرْشِ إلى ما تَحْتَ الثَّرى - مُحْتَوٍ عَلى أجْناسٍ وأنْواعٍ وفُصُولٍ وأصْنافٍ وأشْخاصٍ لا يُحِيطُ بِها سِواهُ، وذَلِكَ دالٌّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ [سُبْحانَهُ] في ذاتِهِ وصِفاتِهِ مُتَعالٍ عَنْ مُشابَهَةِ المُحْدَثاتِ واحِدٌ أحَدٌ صَمَدٌ لَيْسَ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.
ولَمّا كانَ هَذا بَيانًا عَظِيمًا لا لَبْسَ فِيهِ، قالَ ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [أيِ] الَّتِي بَرَزَ إلى الوُجُودِ تَدْبِيرُها، الدّالَّةُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ، المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها مُبْدِعاتُهُ، فَيُفَرِّقُها ويُبايِنُ بَيْنَها مُبايَنَةً لا لَبْسَ فِيها، تَقْرِيبًا لِعُقُولِكم وتَدْرِيبًا لِفُهُومِكُمْ، لِتَعْلَمُوا أنَّها فِعْلُ الواحِدِ المُخْتارِ، لا فِعْلَ الطَّبائِعِ ولا غَيْرَها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أبْدَعَها، وإلّا فَكانَتْ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ، وجَمَعَها لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ إلى كَثْرَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] فَكَأنَّ هَذِهِ الألِفَ واللّامَ لِذَلِكَ المُنْكَرِ [هُناكَ].
(p-٢٧٤)ولَمّا كانَ هَذا التَّدْبِيرُ وهَذا التَّفْصِيلُ دالًّا عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وغايَةِ الحِكْمَةِ، وكانَ البَعْثُ لِفَصْلِ القَضاءِ والحُكْمِ بِالعَدْلِ وإظْهارِ العَظَمَةِ هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكُمْ﴾ أيْ لِتَكُونَ حالُكم حالَ مَن يُرْجى لَهُ بِما يَنْظُرُ مِنَ الدَّلالاتِ الإيقانُ بِلِقاءِ المُوجِدِ لَهُ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِجَمِيعِ ما يَحْتاجُهُ التَّرْبِيَةُ ﴿تُوقِنُونَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ شَكٍّ اسْتِدْلالًا بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ أهْوَنُ مِنَ الِابْتِداءِ وهو الإعادَةُ، وأنَّهُ لا تَتِمُّ الحِكْمَةُ إلّا بِذَلِكَ.
الرعد 13:3
ولَمّا انْقَضى ما أرادَ مِن آياتِ السَّماواتِ، ثَنّى بِما فِيما ثَنّى بِهِ في آيَةِ يُوسُفَ مِنَ الدَّلالاتِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾ ولَوْ شاءَ لَجَعَلَها كالجِدارِ أوِ الأزَجِ لا يُسْتَطاعُ القَرارُ عَلَيْها، وهَذا لا يُنافِي أنْ تَكُونَ كُرْيَةً، لِأنَّ الكُرَةَ إذا عَظُمَتْ كانَ كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها تُشاهَدُ كالسَّطْحِ، كَما أنَّ الجِبالَ أوْتادٌ والحَيَوانَ يَسْتَقِرُّ عَلَيْها ﴿وجَعَلَ فِيها﴾ جِبالًا مَعَ شُهُوقِها ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ ثَوابِتَ، واحِدُها راسِيَةٌ أيْ ثابِتَةٌ باقِيَةٌ في حَيِّزِها غَيْرِ مُنْتَقِلَةٍ عَنْ (p-٢٧٥)أماكِنِها لا تَتَحَرَّكُ، فَلا يَتَحَرَّكُ ما هي راسِيَةٌ فِيهِ. ولَمّا غَلَبَ عَلى الجِبالِ وصَفَها بِالرَّواسِي، صارَتِ الصِّفَةُ تُغْنِي عَنِ المَوْصُوفِ فَجُمِعَتْ جَمْعَ الِاسْمِ كَحائِطٍ وكاهِلٍ - قالَهُ أبُو حَيّانَ، ولَمّا كانَتْ طَبِيعَةُ الأرْضِ واحِدَةً كانَ حُصُولُ الجَبَلِ في جانِبٍ مِنها دُونَ آخَرَ ووُجُودُ المَعادِنِ المُتَخالِفَةِ فِيها تارَةً جَوْهَرِيَّةً، وتارَةً خامِيَّةً، وتارَةً نِفْطِيَّةً، وتارَةً كِبْرِيتِيَّةً - إلى غَيْرِ ذَلِكَ، دَلِيلًا عَلى اخْتِصاصِهِ تَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ لِأنَّ الجَبَلَ واحِدٌ في الطَّبْعِ كَما أنَّ تَأْثِيرَ الشَّمْسِ واحِدٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿وأنْهارًا﴾ أيْ وجَعَلَ فِيها خارِجَةً [مِنها]، وأكْثَرُ ما تَكُونُ الأنْهارُ مِنَ الجِبالِ، لِأنَّها أجْسامٌ صُلْبَةٌ عالِيَةٌ، وفي خِلالِ الأرْضِ أبْخِرَةٌ فَتَصاعَدَ تِلْكَ الأبْخِرَةُ المُتَكَوِّنَةُ في قَعْرِ الأرْضِ، ولا تَزالُ تُخْرَقُ حَتّى تَصِلَ إلَيْها فَتَحْتَبِسُ بِها فَلا تَزالُ تَتَكامَلُ حَتّى يَعْظُمَ تَكاثُفُها، فَإذا بَرُدَتْ صارَتْ ماءً فَيَحْصُلُ بِسَبَبِها مِياهٌ كَثِيرَةٌ كَما تَنْعَقِدُ الأبْخِرَةُ البُخارِيَّةُ المُتَكاثِفَةُ في أعالِي الحَمّاماتِ إذا بَرُدَتْ وتَتَقاطَرُ، فَإذا تَكامَلَ انْعِقادُ تِلْكَ المِياهِ وعَظُمَتْ شَقَّتْ أسافِلَ (p-٢٧٦)الجِبالِ أوْ غَيْرِها مِنَ الأماكِنِ الَّتِي تَسْتَضْعِفُها لِقُوَّتِها وقُوَّةِ الأبْخِرَةِ المُصاحِبَةِ لَها، فَإنْ كانَ لِتِلْكَ المِياهِ مَدَدٌ مِن جِهَةِ الفَواعِلِ والقَوابِلِ بِحَيْثُ كَلَّما نَبَعَ مِنها شَيْءُ حَدَثَ عَقِيبَهُ شَيْءٌ، وهَكَذا عَلى الِاتِّصالِ فَهي النَّهْرُ، والنَّهْرُ: المَجْرى الواسِعُ مِن مَجارِي الماءِ، وأصْلُهُ الِاتِّساعُ، ومِنهُ النَّهارُ - لِاتِّساعِ ضِيائِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ الأنْهارَ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنِ المِياهِ فَقالَ: ﴿ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، ثُمَّ يَكُونُ كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الأشْياءِ؟ فَقِيلَ: ﴿جَعَلَ فِيها﴾ أيِ الأرْضَ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى مِن كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الحَيَوانِ يَنْتَفِعُ بِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما بَعْدَهُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وجَعَلَ فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ذَكَرًا وأُنْثى تَنْتَفِعُ [الأُنْثى] بِلِقاحِها مِنَ الذَّكَرِ أوْ قَرَّبَهُ مِنها فَيَجُودُ ثَمَرُها؛ والثَّمَرَةُ طُعْمَةُ الشَّجَرَةِ، والزَّوْجُ: شَكْلٌ [لَهُ] قَرِينٌ مِن نَظِيرٍ أوْ نَقِيضٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي يُنْضِجُها؟ فَقالَ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ أيْ والنَّهارَ اللَّيْلَ، فَيَنْضَجُ هَذا بَحْرِّهِ ويُمْسِكُ هَذا بِبَرْدِهِ، فَيَعْتَدِلُ فِعْلُهُما عَلى ما قَدَّرَهُ تَعالى لَهُما في السَّيْرِ مِنَ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ لِلْحَرِّ والبَرْدِ لِلْإخْراجِ والإنْضاجِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ النّافِعَةِ في الدِّينِ والدُّنْيا الظّاهِرِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّها بِتَدْبِيرِهِ بِفِعْلِهِ (p-٢٧٧)واخْتِيارِهِ وقَهْرِهِ واقْتِدارِهِ.
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ مُفَصَّلَةً إلى أرْبَعٍ وكانَ فِيها دِقَّةٌ، جَمَعَها وناطَها بِالفِكْرِ فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي وقَعَ التَّحْدِيثُ عَنْهُ مِنَ الآياتِ مُتَعاطِفًا ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٌ واضِحاتٌ عَجِيباتٌ باهِراتٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُسْتَنِدٌ إلى قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ المَقامَ يَحْتاجُ إلى تَعَبٍ بِتَجْرِيدِ النَّفْسِ مِنَ الهَوى وتَحْكِيمِ العَقْلِ صَرْفًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ زائِدَةٍ عَلى القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ أيْ يَجْتَهِدُونَ في الفِكْرِ، قالَ الرُّمّانِيُّ: وهو تَصَرُّفُ القَلْبِ في طَلَبِ المَعْنى، ومَبْدَأُ ذَلِكَ مَعْنًى يُخْطِرُهُ اللَّهُ تَعالى عَلى بالِ الإنْسانِ فَيَطْلُبُ مُتَعَلِّقاتِهِ الَّتِي فِيها بَيانٌ عَنْهُ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ فِيهِ، والخَتْمُ بِالتَّفَكُّرِ إشارَةٌ إلى الِاهْتِمامِ بِإعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ في الرَّدِّ عَلى الفَلاسِفَةِ، فَإنَّهم يُسْنِدُونَ حَوادِثَ العالَمِ السُّفْلِيِّ إلى الِاخْتِلافاتِ الواقِعَةِ في الأشْكالِ الكَوْكَبِيَّةِ، وهو كَلامٌ ساقِطٌ لِمَن تَفَكَّرَ فِيما قَرَّرَهُ سُبْحانَهُ في الآيَةِ السّالِفَةِ مِن إسْقاطِ [وُرُودِهِ] مِن أنَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي أوْجَدَ الأشْياءَ كُلَّها مِن عَدَمٍ ثُمَّ أخَذَ في تَدْبِيرِها، فاخْتِصاصُ كُلِّ [شَيْءٍ] مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ بِطَبْعٍ وصِفَةٍ وخاصِّيَّةٍ إنَّما هو بِتَخْصِيصِ المُدَبِّرِ (p-٢٧٨)الحَكِيمِ الفاعِلِ بِالِاخْتِيارِ، فَصارَ وُجُودُ الحَوادِثِ السُّفْلِيَّةِ لَوْ سَلَّمَ أنَّهُ مُتَأثِّرٌ عَنِ الحَوادِثِ العُلْوِيَّةِ إنَّما يَكُونُ مُسْتَنِدًا إلَيْها بِاعْتِبارِ السَّبَبِيَّةِ، والسَّبَبُ والمُسَبِّبُ مُسْتَنِدٌ إلى الصّانِعِ القَدِيمِ المُدَبِّرِ الحَكِيمِ.
الرعد 13:4
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ - مَعَ وُضُوحِهِ - فِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، شَرَعَ تَعالى في شَيْءٍ مِن تَفْصِيلِ ما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي أبْيَنُ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا جِدًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ، فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ أيِ الَّتِي أنْتُمْ سُكّانُها، تُشاهِدُونَ ما فِيها مُشاهَدَةً لا تَقْبَلُ الشَّكَّ ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ فَهي مُتَّحِدَةُ البُقْعَةِ مُخْتَلِفَةُ الطَّبْعِ، طَيِّبَةٌ إلى سَبْخَةٍ، وكَرِيمَةٌ إلى زَهِيدَةٍ، وصُلْبَةٌ إلى رَخْوَةٍ، وصالِحَةٌ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ وعَكْسِها، ومَعَ انْتِظامِ الكُلِّ في الأرْضِيَّةِ ﴿وجَنّاتٌ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي البُسْتانُ الَّذِي تَجْنِهِ الأشْجارُ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ وكَأنَّهُ قَدَّمَها لِأنَّ أصْنافَها - الشّاهِدَةَ بِأنَّ صانِعَها إنَّما هو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ - لا تَكادُ تُحْصَرُ حَتّى أنَّهُ في الأصْلِ الواحِدِ يَحْصُلُ تَنَوُّعُ الثَّمَرَةِ ولِذَلِكَ جَمَعَها.
ولَمّا كانَ تَفاوُتُ ما أصْلُهُ الحُبُّ أعْجَبُ، قالَ: ﴿وزَرْعٌ﴾ أيْ (p-٢٧٩)مُنْفَرِدًا - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ، وفي خَلَلِ الجَنّاتِ - في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ.
ولَمّا كانَ ما جَمَعَهُ أصْلٌ واحِدٌ ظاهِرٌ أغْرَبُ أخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ونَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ فُرُوعٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلى أصْلٍ واحِدٍ ﴿وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِاعْتِبارِ افْتِراقِ مَنابِتِها وأُصُولِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والصِّنْوُ: الفَرْعُ يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ، وأصْلُهُ المَثَلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعَمِّ: صِنْوٌ وقالَ الرُّمّانِيُّ: والصِّنْوانُ: المُتَلاصِقُ، يُقالُ: هو ابْنُ أخِيهِ [صِنْوُ أبِيهِ] أيْ لَصِيقُ أبِيهِ في وِلادَتِهِ، وهو جَمْعُ صِنْوٍ، وقِيلَ: الصِّنْوانُ: النَّخْلاتُ الَّتِي أصْلُها واحِدٌ - عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصِّنْوانُ: النَّخْلَتانِ أصْلُهُما واحِدٌ - انْتَهى.
وهُوَ تَرْكِيبٌ لا فَرْقَ بَيْنَ مُثْنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا بِكَسْرِ النُّونِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وإعْرابُها مَعَ التَّنْوِينِ، وسَيَأْتِي في يس إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى سِرُّ تَسْمِيَةِ الكَرْمِ بِالعِنَبِ.
ولَمّا كانَ الماءُ بِمَنزِلَةِ الأبِ والأرْضُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، وكانَ الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الأبِ والأُمِّ أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى الإسْنادِ إلى المُوجِدِ المُسَبِّبِ، لا إلى شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ، قالَ: ﴿تُسْقى﴾ [الغاشية: ٥] أيْ أرْضِها الواحِدَةِ كُلِّها (p-٢٨٠)﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾ فَتَخْرُجُ أغْصانُها وثَمَراتُها في وقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ ولا يَتَقَدَّمُ بَعْدَ أنْ يَتَصَعَّدَ الماءُ فِيها عُلُوًّا ضِدَّ ما في طَبْعِهِ مِنَ التَّسَفُّلِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُ في كُلٍّ مِنَ الوَرَقِ والأغْصانِ والثِّمارِ بِقِسْطِهِ مِمّا فِيهِ صَلاحُهُ ﴿ونُفَضِّلُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلطّاعَةِ ﴿بَعْضَها﴾ أيْ بَعْضُ تِلْكَ الجَنّاتِ وبَعْضُ أشْجارِها ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأُكُلِ﴾ أيِ الثَّمَرِ المَأْكُولِ، ويُخالِفُ في المَطْعُومِ مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ وبَعْضِ الأُصُولِ، وخُصَّ الأكْلُ لِأنَّهُ أغْلَبُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، وهو مُنَبِّهٌ عَلى اخْتِلافِ غَيْرِهِ مِنَ اللِّيفِ والسَّعَفِ واللَّوْنِ لِلْمَأْكُولِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ والشَّكْلِ والرّائِحَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرِها مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الطَّبائِعِ والِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةَ إلى جَمِيعِ الثِّمارِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا سِيَّما إذا رَأيْتَ العُنْقُودَ الواحِدَ جَمِيعُ حَبّاتِهِ حُلْوَةٌ نَضِيجَةً كَبِيرَةً إلّا واحِدَةً فَإنَّها حامِضَةٌ صَغِيرَةٌ يابِسَةٌ.
ولَمّا كانَ المُرادُ في هَذا السِّياقِ - كَما تَقَدَّمَ - تَفْصِيلُ ما نَبَّهَ عَلى كَثْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] الآيَةُ، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي تَقَدَّمَ ﴿لآياتٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَإنَّها بِالنَّظَرِ إلى تَفْصِيلِها بِالعَطْفِ جَمْعٌ وإنْ كانَتْ بِالنَّظَرِ إلى الماءِ مُفْرَدَةً، وهَذا بِخِلافِ (p-٢٨١)ما يَأْتِي في النَّحْلِ لِأنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ هُناكَ الماءُ، وهُنا ما يَنْشَأُ عَنْهُ، فَلَمّا اخْتَلَفَ المُحَدِّثُ عَنْهُ كانَ الحَدِيثُ بِحَسَبِهِ، فالمَعْنى: دَلالاتٌ واضِحاتٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ مُخْتارٌ عَلِيمٌ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ ثُمَّ تَنْوِيعُهُ بَعْدَ إبْداعِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُفَصَّلَةُ أظْهَرُ مِن تِلْكَ المُجْمَلَةِ، فَكانَتْ مِنَ الوُضُوحِ بِحالٍ لا يَحْتاجُ ناظِرُهُ في الِاعْتِبارِ بِهِ إلى غَيْرِ العَقْلِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ في وجْهِ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا بِأنْ [يُقالَ] هَذِهِ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ حَدَثَتْ بِغَيْرِ مُحْدِثٍ، فَيُقالُ لِلْقائِلِ: وأنْتَ لا عَقْلَ لَكَ، لِأنَّ العِلْمَ بِافْتِقارِ الحادِثِ إلى المُحْدِثِ ضَرُورَةً، فَعَدَمُ العِلْمِ بِالضَّرُورِيِّ يَسْتَلْزِمُ [عَدَمَ] العَقْلِ.
الرعد 13:5
ولَمّا ثَبَتَ قِطَعًا بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ أنَّ هَذا إنَّما هو فِعْلٌ واحِدٌ قَهّارٌ مُخْتارٌ يُوجِدُ المَعْدُومَ ويُفاوِتُ بَيْنَ ما تَقْتَضِي الطَّبائِعُ اتِّحادَهُ، كانَ إنْكارُ شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ عَجَبًا، فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] مُشِيرًا إلى أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ أيْ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ أوْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ فاعْجَبْ مِن (p-٢٨٢)إنْكارِهِمُ البَعْثَ ﴿فَعَجَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا تَتَناهى دَرَجاتُهُ في العِظَمِ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ والدَّلالاتِ النّاطِقَةِ بِعَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُنْكِرِينَ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ واخْتَلَطَ التُّرابُ الَّذِي تُحَوِّلْنا إلَيْهِ بِالتُّرابِ الأصْلِيِّ فَصارَ لا يَتَمَيَّزُ، ثُمَّ كَرَّرُوا التَّعَجُّبَ والإنْكارَ بِالِاسْتِفْهامِ ثانِيًا فَقالُوا: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هَذا قَوْلُهم بَعْدَ أنْ فَصَّلْنا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ أنَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُوقِنُونَ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ الثّانِي مُفَسِّرٌ لِما نُصِبَ الأوَّلُ بِما فِيهِ مِن مَعْنًى ”أنْبَعَثَ“، والعَجَبُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ سَبَبُهُ عَنِ العادَةِ، والجَدِيدُ: المُهَيّا بِالقَطْعِ إلى التَّكْوِينِ قَبْلَ التَّصْرِيفِ في الأعْمالِ، وأصْلُ الصِّفَةِ القَطْعُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ قِيلَ: لا خَيْرَ فِيمَن لا يَتَعَجَّبُ مِنَ العَجَبِ، وأرْذَلُ مِنهُ مَن يَتَعَجَّبُ مِن غَيْرِ عَجَبٍ - انْتَهى، يَعْنِي: فالكُفّارُ تَعَجَّبُوا مِن غَيْرِ عَجَبٍ: ومَن تَعَجَّبَهم فَقَدْ تَعَجَّبَ مِنَ العَجَبِ.
ولَمّا كانَ هَذا إنْكارُ المَحْسُوسِ مِنَ القُدْرَةِ، اسْتَحَقُّوا ما يَسْتَحِقُّ مَن يَطْعَنُ في مَلِكِ المُلْكِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا أنْواعًا مِنَ البُعْدِ مَعَ كُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ غَطُّوا كُلَّ ما يَجِبُ (p-٢٨٣)إظْهارُهُ بِسَبَبِ الِاسْتِهانَةِ بِالَّذِي بَدَأ خَلْقَهم ثُمَّ رَبّاهم بِأنْواعِ اللُّطْفِ، فَإذا أنْكَرُوا مَعادَهم فَقَدْ أنْكَرُوا مَبْدَأهم ﴿وأُولَئِكَ﴾ [أيِ] البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿الأغْلالُ﴾ أيِ الحَدائِدِ الَّتِي تَجْمَعُ أيْدِي الأسْرى إلى أعْناقِهِمْ، ويُقالُ لَها: جَوامِعُ، وتارَةً تَكُونُ في الأعْناقِ فَقَطْ يُعَذَّبُ بِها النّاسُ؛ ولَمّا كانَ طَرَفا العُنُقِ غَلِيظَيْنِ، فَلا تَكُونُ إحاطَةُ الجامِعَةِ مِنها إذا كانَتْ ضَيِّقَةً إلّا بِالوَسَطِ، جَعَلَ الأعْناقَ ظُرُوفًا بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى بَعْضٍ مِنها، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ضِيقِها، فَقالَ: ﴿فِي أعْناقِهِمْ﴾ أيْ بِكُفْرِهِمْ وإنْ لَمْ تَكُنِ الأغْلالُ مُشاهَدَةً الآنَ، فَهي لِقُدْرَةِ المُهَدَّدِ بِها عَلى الفِعْلِ كَأنَّها مَوْجُودَةٌ، وهم مُنْقادُونَ لِما قَدَرَ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِها كَما يُقادُ المَغْلُولُ بِها إلى ما يُرِيدُ قائِدُهُ، والغِلُّ: طَوْقٌ تُقَيَّدُ بِهِ اليَدُ في العُنُقِ، وأصْلُهُ: انْغَلَّ في الشَّيْءِ - إذا انْتَشَبَ فِيهِ، وغَلَّ المالُ - إذا خانَ بِانْتِشابِهِ في [المالِ] الحَرامِ ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا خَسارَةَ أعْظَمُ مِن خَسارَتِهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ”هُمْ“ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيْ مُتَمَحِّضَةً لا يَخْلِطُها نَعِيمٌ ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ خُلُودُهم دائِمًا.
الرعد 13:6
ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ إثْباتَ القُدْرَةِ التّامَّةِ مَعَ ما سَبَقَ (p-٢٨٤)مِن أدِلَّتِها المَحْسُوسَةِ المُشاهَدَةِ، كانَ أيْضًا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ اسْتِهْزاءُهم بِها، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا؛ والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ التَّعْجِيلِ، وهو تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ الَّذِي يُقَدَّرُ لَهُ ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ مِنَ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ جُرْأةٌ مِنهم تُشِيرُ إلى أنَّهم لا يُبالُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ ولا يُوهِنُ قَوْلَهم شَيْءٌ ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي تُبَشِّرُهم بِهِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”قَدْ خَلَتْ“ ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ إنَّما كانَ في بَعْضِ الزَّمانِ، أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ [كَصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ]، وهي العُقُوباتُ الَّتِي تَزْجُرُ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَتْ لِأجْلِهِ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ بِهِمْ أخْبارُهُمْ، وخاطَبَتْهم بِعَظِيمِ ما اتَّفَقَ لَهم آثارُهم ودِيارُهُمْ، وما يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ إلّا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمُ الَّتِي ضَرَبَها لَهم مَعَ قُدْرَتِهِ التّامَّةِ عَلَيْهِمْ.
ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ما نَرى إلّا تَهْدِيدًا لا يَتَحَقَّقُ شَيْءٌ مِنهُ: قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ المَسارَ والمَضارَّ إنَّما هي عادَةُ الدَّهْرِ، عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ رَبَّكَ حَلِيمٌ لا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَسْتَعْجِلُ في الأخْذِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ (p-٢٨٥)أيْ عَظِيمَةٍ ثابِتَةٍ ﴿لِلنّاسِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ مُتَمَكِّنِينَ في الظُّلْمِ مُسْتَقِلِّينَ ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ وهو إيقاعُهُمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا يُؤاخِذُهم بِجَمِيعِ ما كَسَبُوا [ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] فَلِذَلِكَ يُقِيمُ النّاسُ دَهْرًا طَوِيلًا يَكْفُرُونَ ولا يُعاقَبُونَ حِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِآيَةِ النِّساءِ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً، فَإنَّ التّائِبَ لَيْسَ عَلى ظُلْمِهِ.
ولَمّا كانَ يُمْهِلُ سُبْحانَهُ ولا يُهْمِلُ [و] ذَكَرَ إمْهالَهُ، ذَكَرَ أخْذَهُ مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُوجِدَ لَكَ المُدَبِّرَ لِأمْرِكَ بِغايَةِ الإحْسانِ ﴿لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ لِلْكَفّارِ ولِمَن شاءَ مِن غَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَأْخُذُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ إذا جاءَ الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ.
الرعد 13:7
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم غَطُّوا آياتِ رَبِّهِمُ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ وغَيْرِها، عَجِبَ مِنهم عَجَبًا آخَرَ في طَلَبِهِمْ إنْزالَ الآياتِ مَعَ كَوْنِها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ وما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَلَمّا كَفَرُوا بِما أتاهم كانُوا جَدِيرِينَ بِالكُفْرِ بِما يَأْتِيهِمْ فَقالَ: ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِالقُدْرَةِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ بِإنْزالِ أيِّ كائِنٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ (p-٢٨٦)جاحِدِينَ عِنادًا لِما أتاهُ مِنَ الآياتِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ تَصْدِيقًا لَهُ.
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ راغِبًا في إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ لِشِدَّةِ التِفاتِهِ إلى أيْمانِهِمْ، كانَ كَأنَّهُ سَألَ في ذَلِكَ لِتَحْصُلَ لَهُمُ النَّجاةُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى - مُقَدِّمًا ما السِّياقُ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ لِبَيانِ أنَّ الأكْثَرَ لا يُؤْمِنُ -: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ نَبِيٌّ مُنْذِرٌ هادٍ لَهم تَهْدِيهِمْ بِبَيانِ ما أنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِمّا يُوقِعُ في الهَلاكِ أوْ يُوصِلُ إلى النَّجاةِ، سائِرٌ فِيهِمْ عَلى حَسَبِ ما أحَدَّهُ لَكَ، وأصْلُ الإنْذارِ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ [لِيُتَّقى]، لا أنَّكَ مُثْبِتٌ لِلْإيمانِ في الصُّدُورِ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ﴾ مِمَّنْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَبِيٌّ ﴿هادٍ﴾ أيْ داعٍ يَهْدِيهِمْ إلى مَراشِدِهِمْ ومُنْذِرٌ يُنْذِرُهم مِن مَغاوِيهِمْ، أيْ يُبَيِّنُ لَهم ما أرْسَلْنا بِهِ مِنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ، وأعْطى كُلَّ مُنْذِرٍ وهادٍ آياتٍ تَلِيقُ بِهِ وبِقَوْمِهِ عَلى مِثْلِها يُؤْمِنُ البَشَرُ، فَيَهْدِي اللَّهُ مَن يَعْلَمُ فِيهِ قابِلِيَّةَ الهُدى بِما نَصَبَ مِنَ الآياتِ المُشاهَداتِ، فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُقْتَرَحاتِ، ويَضِلُّ مَن يَعْلَمُ [فِيهِ] دَواعِي الضَّلالِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ، لِأنَّهُ الَّذِي جَبَلَهم عَلى طَبائِعِ الخَيْرِ والشَّرِّ (p-٢٨٧)﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وكَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المُنْذِرِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذِكْرُ الهادِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
الرعد 13:8
ولَمّا كانَ ما مَضى مُتَرَتِّبًا عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ ولا سِيَّما خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهادٍ، وكانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ إنْكارًا لِلنَّشْأةِ الأُولى، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ أنَّ إجابَتَهم إلى ما اقْتَرَحُوا غَيْرَ نافِعٍ لَهُمْ، لِأنَّهم مُتَعَنِّتُونَ لا مُسْتَرْشِدُونَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ - بَعْدَ الإعْراضِ عَنْ إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ - يُقَرِّرُ مِن أفْعالِهِ المَحْسُوسَةِ لَهُمُ المُقْتَضِيَةِ لِاتِّصافِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِما هو كالإعادَةِ سَواءٌ إشارَةً مِنهُ تَعالى إلى [أنَّ] إنْكارَ البَعْثِ [إنْ] كانَ لِاسْتِحالَةِ الإعادَةِ فَهي مِثْلُ البَداءَةِ، وإنْ كانَ لِاسْتِحالَةِ تَمْيِيزِ التُّرابِ الَّذِي كانَ مِنهُ الحَيَوانُ - بَعْدَ اخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ وتُفَرِّقِ أجْزائِهِ - فَتَمْيِيزُ الماءِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ مِنَ الماءِ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أعْجَبُ، لِأنَّ الماءَ أشَدُّ اخْتِلاطًا وأخْفى امْتِزاجًا، ومَعَ ذَلِكَ فَهو يَعْلَمُهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ [عِلْمًا] وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمًا قَدِيمًا في الأزَلِ بِما سَيُوجَدُ وعِلْمًا يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقُهُ بِحَسَبِ حُدُوثِ الحادِثاتِ (p-٢٨٨)عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما تَحْمِلُ﴾ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في رَحِمِها ﴿كُلُّ أُنْثى﴾ أيِ الماءِ الَّذِي يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ حَمْلًا ﴿وما تَغِيضُ﴾ أيْ تَنْقُصُ ﴿الأرْحامُ﴾ مِنَ الماءِ فَتُنَشِّفُهُ فَيَضْمَحِلُّ لِعَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِأنْ يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ، وأصْلُ الغَيْضِ - كَما قالَ الرُّمّانِيُّ: ذَهابُ المائِعِ في العُمْقِ الغامِضِ، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ لازِمٌ ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيِ الأرْحامِ مِنَ الماءِ عَلى الماءِ الَّذِي قَدَّرَ تَعالى كَوْنَهُ حَمْلًا فَيَكُونُ تَوْأمًا فَأكْثَرَ في جِماعٍ آخَرَ بَعْدَ حَمْلِ الأوَّلِ كَما صَرَّحَ بِإمْكانِ ذَلِكَ ابْنُ سِينا وغَيْرُهُ مِنَ الأطِبّاءِ، ووُلِدَتْ في زَمانِنا أتانٌ حِمارًا وبَغْلًا، [وذَلِكَ لِأنَّ] الزِّيادَةَ ضَمُّ شَيْءٍ إلى المِقْدارِ وكَثْرَتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيُقَدِّرُ ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا زِيادَتُهُ ولا نُقْصانُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَسْتَلْزِمُ الحِكْمَةَ فَلِذا خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ المُقْتَرِحاتِ وغَيْرِها ﴿عِنْدَهُ﴾ أيْ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ﴿بِمِقْدارٍ﴾ في كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ لا يَتَجاوَزُهُ ولا تُقَصِّرُ عَنْهُ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ وكَمِّيَّتِهِ عَلى الوَجْهِ المُفَصَّلِ المُبِينِ، فامْتَنَعَ وُقُوعُ اللَّبْسِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ وهو [قادِرٌ] عَلى ما يُرِيدُ مِنها، فالآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] مِن حَيْثُ بَيَّنَ [فِيها] تَرْبِيَتَهُ لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي هم لَهُ مُشاهِدُونَ وبِهِ مُعْتَرِفُونَ.
الرعد 13:9
ولَمّا كانَ هَذا عَيْبًا وكانَ عِلْمُهُ مُسْتَلْزَمًا لِعِلْمِ الشَّهادَةِ، وكانَ (p-٢٨٩)لِلتَّصْرِيحِ مَزِيَّةٌ لا تُخْفى، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ تِلْكَ الجُزَيْئاتِ وغَيْرِها فَقالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ ﴿والشَّهادَةِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: الغَيْبُ: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَخْفى عَنِ الحِسِّ، والشَّهادَةِ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لَهُ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ والحِكْمَةُ لا يَتِمّانِ إلّا بِكَمالِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿الكَبِيرُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَتَضاءَلُ عِنْدَهُ كُلُّ ما فِيهِ صِفاتٌ تَقْتَضِي الكِبَرَ، قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ: والكِبْرُ: ظُهُورُ التَّفاوُتِ في ظاهِرِ وباهِرِ القَدْرِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، ولِذَلِكَ كانَ فِطْرَةً لِلْخَلْقِ أنَّ اللَّهَ أكْبَرُ، ولَمّا كانَ لا ظاهِرَ قَدْرٍ لِلْخَلْقِ لِما عَلَيْهِمْ مِن بادِي الضَّرُورِيّاتِ والحاجاتِ المُعْلَنَةِ بِصَغِيرٍ بِالقَدْرِ، ومَن حاوَلَ مِنهم أنْ يَكْبُرَ بِسَطْوَةٍ أوْ تَسَلُّطٍ وفَسادٍ زادَ صِغارُ قَدْرِهِ بِما اكْتَسَبَ في أعْيُنِ أرْبابِ البَصائِرِ في الدُّنْيا، ويَبْدُو ذَلِكَ مِنهُ لِعُيُونِ جَمِيعِ الخَلْقِ في الأُخْرى «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأمْثالِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» فَلِذَلِكَ اخْتِصاصُ مَعْنى أنَّهُ لا كَبِيرَ إلّا اللَّهُ - انْتَهى.
﴿المُتَعالِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا يَدْنُو - مِن أوْجِ عُلُوِّهِ في ذاتٍ أوْ صِفَةٍ أوْ فِعْلٍ - عالٍ، وأخْرَجَهُ مَخْرَجُ التَّفاعُلِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى المَعْنى وأبْلَغَ فِيهِ؛ وقالَ (p-٢٩٠)أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والتَّعالِي: فَوَّتَ التَّناوُلَ والمَنالَ بِحُكْمٍ أوْ حُجَّةٍ، وأشْعَرَ التَّفاعُلَ بِما يَجْرِي مِن تَوَهُّمِ المُحْتَجِّينَ في أمْرِهِ بِأوْهامِ حُجَجٍ داحِضَةٍ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] فَهو تَعالى يَأْذَنُ في الِاحْتِجاجِ والجِدالِ ثُمَّ يَتَعالى بِما لَهُ مِنَ الحُجَّةِ البالِغَةِ [ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ] فَهو المُتَعالِي عِلْمًا وحُكْمًا وحُجَّةً، وحَقِيقَةُ المُتَعالِي الَّذِي لا يَتَعالى إلّا هو - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أشارَ إلى [أنَّ] ذَلِكَ عَلى ما تَحْتَمِلُهُ [العُقُولُ] وأنَّ الحَقَّ في وصْفِهِ الكِبَرُ المُطْلَقُ والتَّعالِي المُطْلَقُ، لِأنَّ العُقُولَ لا تَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
الرعد 13:10
ولَمّا كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِتَفاوُتِ العِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى السِّرِّ والجَهْرِ، والقُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَحَفِّظِ بِالحَرَسِ وغَيْرِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِما نُفِيَ هَذا الِاحْتِمالُ عَنْهُ عَلى وجْهِ الشَّرْحِ والبَيانِ لِاسْتِواءِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ في عِلْمِهِ ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ أيْ أخْفى مَعْناهُ في نَفْسِهِ ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ وفي عِلْمِهِ (p-٢٩١)”و“ قُدْرَتِهِ ”مَن هو مُسْتَخِفّ“ أيْ مُوجِدُ الخَفاءَ وطالِبٌ لَهُ أشَدَّ طَلَبٍ ﴿بِاللَّيْلِ﴾ في أخْفى الأوْقاتِ فَسارِبٌ أوْ كامِنٌ فِيهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِخْفاءَ يُغْنِيهِ مِنَ القُدْرَةِ ”و“ مَن هو ”سارِب“ أيْ ذاهِبٌ عَلى وجْهِهِ الأرْضَ ومُتَوَجِّهٌ جارٍ في تَوَجُّهِهِ إلى قَصْدِهِ بِسُرْعَةٍ ﴿بِالنَّهارِ﴾ مُتَجاهِرٌ بِسُرُوبِهِ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ أوَّلًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذَكَرَ ”سارِب“ ثانِيًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ أوْ مِثْلِهِ أوَّلًا
الرعد 13:11
﴿لَهُ﴾ أيْ لِذَلِكَ المُسْتَخْفِي أوِ السّارِبِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ أيْ أعْوانٌ وأنْصارٌ يَتَناوَبُونَ في أمْرِهِ بِأنْ يُخْلِفَ [ كُلُّ - ] واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ ويَكُونُ بَدَلًا مِنهُ.
ولَمّا كانَ حِفْظُ جِهَتِيِ القُدّامِ والخَلْفِ يَسْتَلْزِمُ حِفْظَ اليَمِينِ والشَّمالِ وكانَ مَلَأُ كُلٍّ مِنَ الجِهَتَيْنِ مِنَ الحَفَظَةِ عَلى المَخْلُوقِ مُتَعَذِّرًا، قالَ آتِيًا بِالجارِّ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ واسْتَأْنَفَ بَيانَ فائِدَةِ المُعَقِّباتِ فَقالَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ أيْ في زَعْمِهِ مَن كُلِّ شَيْءٍ يَخْشاهُ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ.
(p-٢٩٢)ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى غايَةَ القُدْرَةِ، وجَرَتْ عادَةُ المُتَمَكِّنِينَ مِن مُلُوكِ الأرْضِ بِالتَّعَدِّي عَلى جِيرانِهِمْ واسْتِلابِ مَمالِكِهِمْ والعَسْفِ في شَأْنِهِمْ، زِيادَةٌ في المُكْنَةِ وتَوَسُّعًا في المُلْكِ، ولا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الجارُّ ظانًّا مَعَ ضَعْفِهِ وعَجْزِهِ أنْ يَحْفَظَهُ مانِعٌ مِن أخْذِهِ، أخْبَرَ تَعالى مِن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ [ أنَّهُ - ] غَيَّرَ هَذا لِغِناهُ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ والكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ أيْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِمّا كانُوا يُزَيِّنُونَها بِهِ مِنَ التَّحَلِّي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والتَّخَلِّي مِن أخْلاقِ المُفْسِدِينَ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ غُيِّرَ [ ما - ] بِهِمْ إذا أرادَ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ.
ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا لا يَتَمَكَّنُونَ غالِبًا مِن جَمِيعِ مُراداتِهِمْ لِكَثْرَةِ المُعارِضِينَ مِنَ الأمْثالِ الصّالِحِينَ لِلْمُلْكِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإذا غَيَّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ أنْزَلَ بِهِمُ السُّوءَ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِقَوْمٍ﴾ أيْ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ﴿سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ مِن أحَدٍ سِواهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الآيَةِ في الأنْفالِ مَزِيدُ بَيانٍ.
(p-٢٩٣)ولَمّا كانَ كُلَّ أحَدٌ دُونَهُ في الرُّتْبَةِ لا إمْكانَ لَهُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وما لَهُمْ﴾ وبَيَّنَ سُفُولَ الرُّتَبِ كُلِّها عَنْ رُتْبَتِهِ فَقالَ: ”مِن دُون“ وأعْرَقَ في النَّفْيِ [ فَقالَ- ]: ﴿مِن﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في أنَّهُ لا مَنفَذَ لَهم مِمّا أرادَهُ، أتى بِصِيغَةِ فاعِلٍ مَنقُوصٍ إشارَةً إلى نَفْيِ أدْنى وُجُوهِ الوِلايَةِ فَكَيْفَ بِما فَوْقَها فَقالَ: ﴿والٍ﴾ أيْ [ مِن - ] مَلْجَأٍ يُعِيذُهُمْ، بِأنَّ الفِعْلَ مَعَهم مِنَ الإنْجاءِ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ ولِيِّهِ الأقْرَبِ إلَيْهِ،
الرعد 13:12
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأمْرٍ هو أدِلَّةُ ما قَبْلَهُ جامِعٌ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ وهو ألْطَفُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمٌ بِجَلِيلِ القُدْرَةِ في أنَّهُ إذا أرادَ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ودَقِيقُ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ مَظْهَرٌ واحِدٌ تُرْجى مِنهُ النِّعْمَةُ وتُخْشى مِنهُ النِّقْمَةُ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ [ أيْ - ] عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ دائِمًا ﴿البَرْقَ﴾ وهو لَمَعَ كَعَمُودِ النّارِ ﴿خَوْفًا﴾ أيْ لِأجْلِ إرادَةِ الخَوْفِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى جَعْلِهِ صَواعِقَ مُهْلِكَةً، والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الضُّرِّ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُمُ السَّبَبُ في إنْزالِ المَطَرِ، لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّجاءِ وقالَ: (p-٢٩٤)﴿وطَمَعًا﴾ أيْ ولِأجْلِ إرادَةِ طَمَعِكم في رَحْمَتِهِ بِأنْ يَكُونَ غَيْثًا نافِعًا، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّقْدِيرِ لِيَكُونا فِعْلَ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يُرِيكم ذَلِكَ إخافَةً وإطْماعًا فَتَخافُونَ خَوْفًا وتَطْمَعُونَ طَمَعًا، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: فِعْلُ الإراءَةِ دالٌّ عَلى الإخافَةِ والإطْماعِ، والخَوْفِ [ والطَّمَعِ - ] دالّانِ عَلى ”تَخافُونَ وتَطْمَعُونَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ ذَوِي خَوْفٍ وطَمَعٍ ﴿ويُنْشِئُ﴾ والإنْشاءُ: فِعْلُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُوَلَّدٍ ﴿السَّحابَ﴾ وهو غَيْمٌ يَنْسَحِبُ في السَّماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ سَحابَةٌ ﴿الثِّقالَ﴾ بِأنْهارِ الماءِ مَحْمُولَةً في الهَواءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ؛ والثِّقْلُ: الِاعْتِمادُ عَلى جِهَةِ الثِّقْلِ بِكَثافَةِ الأجْزاءِ
الرعد 13:13
﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ أيْ يُنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ تَنْزِيهًا مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أيْ بِوَصْفِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ [ وإنْ لَمْ يَصِحَّ أنَّهُ مَلَكٌ فَتَسْبِيحُهُ دَلالَتُهُ عَلى أنَّ مُوجِدَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مُحِيطٌ - ] أوْصافَ الكَمالِ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ تُسَبِّحُ ﴿مِن خِيفَتِهِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: (p-٢٩٥)والخِيفَةُ مُضَمَّنَةٌ بِالحالِ، كَقَوْلِكَ: هَذِهِ رُكْبَةٌ، أيْ حالٌ مِنَ الرُّكُوبِ حَسَنَةٌ، وكَذَلِكَ هَذِهِ خِيفَةٌ شَدِيدَةٌ، والخَوْفُ مَصْدَرٌ غَيْرُ مُضَمَّنٍ بِالحالِ.
﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ المُحْرِقَةَ مِن تِلْكَ السَّحائِبِ المَشْحُونَةِ بِالمِياهِ المُغْرِقَةِ؛ والصّاعِقَةِ - قالَ الرّازِّيُّ: نارٌ لَطِيفَةٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ بِحالٍ هائِلَةٍ.
﴿فَيُصِيبُ بِها﴾ أيِ الصَّواعِقِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَما أصابَ بِها أرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿يُجادِلُونَ﴾ والجِدالُ: فَتْلُ الخَصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الحُجّاجِ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِما يُؤَدِّي إلى الشَّكِّ [فِي] قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ. ولَمّا كانَ لا يُغْنِي مَن قَصَدَهُ بِالعَذابِ شَيْءٌ قالَ: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ لِأنَّ المُحالَ - كَكِتابِ: الكَيْدُ ورُومُ الأمْرِ بِالحِيَلِ والتَّدْبِيرِ والمَكْرِ والقُدْرَةِ والجِدالِ والعَذابِ والعِقابِ والعَداوَةِ والمُعاداةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ والهَلاكِ والإهْلاكِ، يَأْتِي أعْداءَهُ بِما يُرِيدُ مِن إنْزالِ [العَذابِ] بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وكُلُّها صالِحٌ [هُنا] حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والمُحالُ: الأخْذُ بِالعِقابِ مِن قَوْلِهِمْ: ما حِلْتُ فُلانًا - إذا فَتَلْتَهُ إلى هَلْكِهِ انْتَهى.
(p-٢٩٦)ومادَّةُ ”مَحَلَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها تَدُورُ عَلى صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ وعادَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ جِبِلَّتُهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ والقُوَّةَ والشِّدَّةَ، فالحامِلُ يُمْسِكُ المَحْمُولَ بِقُوَّتِهِ عَنْ أنْ يَهْوِيَ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، والحَمْلَةُ: الكُرَةُ في الحَرْبِ، ويَلْزَمُ الحَمْلُ المَشَقَّةَ، ومِنهُ تَحَمَّلَ الشَّيْءُ وحُمِلَ عَنْهُ أيْ حُلْمٍ فَهو حَمُولٌ: ذُو [حِلْمٍ]، والحَمِيلُ - كَأمِيرٍ: الدَّعِيُّ والغَرِيبُ - كَأنَّهُما مَحْمُولانِ لِحاجَتِهِما إلى ذَلِكَ، والكَفِيلُ، لِأنَّهُ حامِلٌ لِكُلِّ مَكْفُولٍ واحْتَمَلَ لَوْنَهُ - لِلْمَفْعُولِ: غَضِبَ وامْتَقَعَ - كَأنَّ الغَضَبَ صَرَفَهُ عَمّا كانَ مِن عادَتِهِ، والمَحْمَلُ - كَمُحْسِنٍ: المَرْأةُ [يَنْزِلُ] لَبَنُها مِن غَيْرِ حَبَلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، والحَمْلُ - مُحَرِّكَةٌ: الخَرُوفُ - لِسُهُولَةِ حَمْلِهِ، والحَلِيمُ: مَن يَحْبِسُ غَيْظَهُ بِقُوَّةِ حِلْمِهِ - أيْ عَقْلِهِ - عَنْ أنْ يَسْتَخِفَّهُ الغَضَبُ، والحِلْمُ - بِالكَسْرِ: الأناةُ والعَقْلُ، والحُلْمُ - بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ: الرُّؤْيا، لِأنَّها صَرْفُ النَّفْسِ عَمّا هي عَلَيْهِ، وهو مِن شَأْنِها مِنَ الغَفْلَةِ، ومِنهُ الحُلْمُ - بِالضَّمِّ - والِاحْتِلامُ لِلْجِماعِ في النَّوْمِ، والِاسْمُ الحُلْمُ - كَعُنُقٍ، وذَلِكَ يَكُونُ غالِبًا عِنْدَ فَراغِ البالِ عَنِ الهُمُومِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ حُلْمُ المالِ (p-٢٩٧)-بِالضَّمِّ: سَمْنُ، والصَّبِيُّ وغَيْرُهُ: أقْبَلَ شَحْمُهُ، أوْ هو مِنَ الحَلَمَةِ - مُحَرِّكَةُ: اللُّحْمَةِ النّاتِئَةِ وسَطَ الثَّدْيِ كالثُّؤْلُولِ - لِصَرْفِها لَوْنَ الثَّدْيِ وهَيْئَتَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وشَجَرُ السَّعْدانِ - لِأنَّهُ مَرْعى جَيِّدٌ يَسِمْنَ، والصَّغِيرَةُ مِنَ القِرْدانِ أوِ الضَّخْمَةِ - لِشَبَهِها بِحَلَمَةِ الثَّدْيِ ودُودٍ يَقَعُ في الجِلْدِ قَبْلَ الدَّبْغِ فَيَأْكُلُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُهُ عَنْ هَيْئَتِهِ، والحالُومِ: ضَرْبٌ مِنَ الأقَطِ، لِأنَّهُ لِحَرّاقَتِهِ يُغَيِّرُ اللِّسانَ، ودَمُ حُلامٍ: هَدَرَ، لِأنَّهُ خَرَجَ عَمّا عَلَيْهِ عادَةُ الدِّماءِ؛ والمِلْحُ يَصْرِفُ المَمْلُوحَ عَنِ الفَسادِ، وأمّا الماءُ المِلْحُ فَمُشَبَّهٌ [بِهِ] فى الطَّعْمِ، وكَذا المِلْحُ - مُحَرَّكًا - لِلَوْنٍ كالبَياضِ يُخالِطُهُ سَوادٌ، والمَلْحاءُ: شَجَرَةٌ سَقَطَ ورَقُها، شُبِّهَتْ بِأرْضِ المِلْحِ في عَدَمِ الإنْباتِ. ولَمّا عُرِفَ المِلْحُ بِالصَّلاحِ شُبِّهَ بِهِ العِلْمُ فَسُمِّيَ مِلْحًا، وكَذا الرِّضاعُ والحُسْنُ والشَّحْمُ والسَّمْنُ والحُرْمَةُ والذِّمامُ وخَفَقانُ الطّائِرِ بِجَناحَيْهِ يَصْلُحُ بِذَلِكَ طَيَرانُهُ ويَتَمَلَّحُ بِهِ اسْتِرْواحًا إلَيْهِ، ومَلَّحَ الشّاةَ: سَمَّطَها، والمَلّاحُ - كَكِتابِ: الرِّيحُ تَجْرِي ”بِها“ السَّفِينَةُ، وهي أيْضًا تَصْرِفُها عَمّا يَقْتَضِيهِ حالُها مِن عَدَمِ السَّيْرِ، ومُعالَجَةِ حَياءِ النّاقَةِ مِنهُ، ومِلْحُهُ عَلى رُكْبَتِهِ - أيْ لا وفاءَ لَهُ، (p-٢٩٨)لِأنَّ المِلْحَ لا يَثْبُتُ هُناكَ، أوْ هو سَمِينٌ أوْ حَدِيدٌ في غَضَبِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ، ومَلَحَهُ: اغْتابَهُ، شُبِّهَ بِمَن يَتَطَعَّمُ المِلْحَ لِيَعْدِلَ مِزاجَهُ، وكَذا المَلّاحُ - كَكِتابٍ، وهو هُبُوبُ الجَنُوبِ عَقِبَ الشَّمالِ، وكَذا المِلاحِيُّ - كَفَرابِيِّ وقَدْ يُشَدَّدُ، وهو عِنَبٌ أبْيَضٌ طَوِيلٌ، ونَوْعٌ مِنَ التِّينِ، ومِنَ الأراكِ ما فِيهِ بَياضٌ وحُمْرَةٌ، والمُلَحُ - بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِنَ الأحادِيثِ، وامْتَلَحَ: خَلَطَ كَذِبًا بِحَقٍّ، والمِلْحُ - مُحَرِّكَةُ: ورَمٌ في عُرْقُوبِ الفَرَسِ، صَرَفَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ المُعْتادَةِ، والمِلاحُ كَكِتابِ: سِنانُ الرُّمْحِ، لِتَهْيِئَتِهِ لَهُ بَعْدَ الوُقُوفِ لِلنُّفُوذِ، والسُّتْرَةُ، لِصَرْفِها البَصَرَ عَنِ النُّفُوذِ إلى ما وراءَها، وبَرْدُ الأرْضِ حِينَ يَنْزِلُ الغَيْثُ، لِأنَّهُ يَصْرِفُ حالَها الَّتِي كانَتْ عَلَيْها إلى أُخْرى، والمُلْحَةُ - بِالضَّمِّ: المَهابَةُ، لِصَرْفِها المُجْتَرِئِ عَنْ قَصْدِهِ ولِأنَّ سَبَبَها صَرَفَ النَّفْسَ عَنْ هَواها، والمَلْحاءُ: الكَثِيبَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ البَرَكَةُ، لِمَنعِها الماشِيَ عَنْ حالِهِ في المَشْيِ، ومِنهُ المَلْحَةُ - بِالفَتْحِ - لِلُجَّةِ البَحْرِ، ومِلْحانُ: الكانُونُ الثّانِي لِصَرْفِهِ بِقُوَّةِ بِرَدِّهِ الزَّمانَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ والنّاسَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، والمَلْحاءَ: لَحْمٌ في الصُّلْبِ مِنَ الكاهِلِ إلى العَجْزِ، لِمَنعِهِ مِن رُؤْيَةِ عِظامِ الصُّلْبِ ورُؤُوسِ الأضْلاعِ؛ والمَحَلُّ صَرْفُ ما في الزَّمانِ عَنْ عادَتِهِ (p-٢٩٩)بِعَدَمِ المَطَرِ والإنْباتِ ورَفاهَةِ العَيْشِ، وكَذا المَحَلُّ لِلْكَيْدِ والمَكْرِ والغُبارِ والشِّدَّةِ والمَحالِّ، لِما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِهِ، ومِنهُ ماحَلَهُ: قاواهُ، والمُتَماحِلُ: الطَّوِيلُ المُضْطَرِبُ الخُلُقَ، لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وتَمَحَّلَ لَهُ: احْتالَ، والمُمَحَّلُ - كَمُعَظَّمٍ - مِنَ اللَّبَنِ: الآخِذُ طَعْمَ حُمُوضَةٍ، والمَحالَةُ: البَكَرَةُ العَظِيمَةُ - لِصَرْفِها بِفَتْلِها الشَّيْءَ عَنْ وجْهِهِ، والفِقْرَةُ مِن فَقَرَ البَعِيرُ - لِمُشابَهَتِها والخَشَبَةُ الَّتِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْها الطَّيّانُونَ - لِحَمْلِها إيّاهم ومَنعِها لَهم مِنَ السُّقُوطِ، والمَحَلُّ - كَكَتِفَ: مَن طُرِدَ حَتّى أعْيا، لِأنَّهُ [صُرِفَ عَمّا كانَ مَن عادَتِهِ، ورَأيْتَهُ مُتَماحِّلًا: مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؛ واللَّمْحُ: صَرْفُ البَصَرِ عَمّا] كانَ عَلَيْهِ، ولَمْحُ البَرْقِ: لَمَعَ [بَعْدَ] كُمُونِهِ؛ واللَّحْمُ مِن لُحْمَةِ الثَّوْبِ - بِالضَّمِّ، كَأنَّهُ سَدَّ ما حَصَلَ بِالهُزالِ مِن فَرَجٍ، ومِنهُ: لَحَمَ كُلَّ شَيْءٍ: لَبَّهُ؛ ولَحَمَ الأمْرَ - كَمَنَعَ: أحْكَمَهُ، والصّائِغُ الفِضَّةُ: لِأُمِّها، وكَذا كُلُّ صَدْعٍ، ولَحْمُ - كَعِلْمٌ: نَشَبَ في المَكانِ، كَأنَّهُ وقَعَ فِيما يُشْبِهُ [اللَّحْمَ] فالتَصَقَ بِهِ فَأدْخَلَهُ وشَغَلَهُ، وهَذا لَحِيمِ هَذا، أيْ وفْقِهِ وشَكْلِهِ - وهو يَرْجِعُ إلى لُحْمَةِ الثَّوْبِ، واسْتَلْحَمَ الطَّرِيقَ: تَبِعَهُ (p-٣٠٠)أوْ تَبِعَ أوْسَعَهُ - كَأنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِثْلَ لُحْمَةِ السُّدى، واسْتَلْحَمَ الطَّرِيقَ: [ اتَّسَعَ- ]، كَأنَّهُ طَلَبَ ما يَلْحِمَهُ أيْ يَسُدُّهُ، وحَبْلٍ مُلاحَمٍ - بِفَتْحِ الحاءِ: شَدِيدِ الفَتْلِ، لِأنَّهُ سَدَّتْ فَرْجَهُ كَما تَسُدُّ اللُّحْمَةُ فَرْجَ الثَّوْبِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ - مِنَ القِتالِ، لِأنَّهُ ضَرَبَ اللَّحْمَ بِالسَّيْفِ، ومِنَ التَّأْلِيفِ كَما يَكُونُ عَنْ لُحْمَةِ الثَّوْبِ، لِأنَّ غايَةَ قِتالِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ [أعْظَمَ] خَيْرٍ وأُلِفَةُ، والتَحَمَ الجَرْحُ لِلْبُرْءِ: التَأمَ - مِن ذَلِكَ ومِنَ اللَّحْمِ أيْضًا لِأنَّهُ بِهِ التَأمَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
الرعد 13:14
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ما لَهُ مِنَ الآياتِ [ التّابِعَةِ - ] لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِالجَلالِ وأنَّهُ شَدِيدُ المِحالِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ ضَلالَهم في اشْتِراكِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [ بِما - ] هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ ما قَبْلَها مِن أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ، (p-٣٠١)فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ إنْ دَعاهُ أحَدٌ سَمِعَهُ فَأجابَهُ - إنْ شاءَ - بِما يَشاءُ، وإنْ دَعا هو أحَدًا دَعْوَةَ أمْرٍ، بَيْنَ الصَّوابِ بِما يَكْشِفُ الِارْتِيابَ، أوْ دَعْوَةَ حُكْمٍ لَبّى صاغِرًا وأجابَ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ يَدْعُو الكافِرُونَ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيِ اللَّهِ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ لا يُوجِدُونَ الإجابَةَ ”لَهُمْ“ أيِ الكافِرِينَ ﴿بِشَيْءٍ﴾ والِاسْتِجابَةُ: مُتابَعَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ بِمُوافَقَةِ إرادَتِهِ ﴿إلا كَباسِطِ﴾ أيْ إلّا إجابَةً كَإجابَةِ الماءِ لِباسِطِ ﴿كَفَّيْهِ﴾ تَثْنِيَةُ كَفٍّ، وهو مَوْضِعُ القَبْضِ بِاليَدِ، وأصْلُهُ مِن كَفِّهِ - إذا جَمَعَ أطْرافَهُ ﴿إلى الماءِ لِيَبْلُغَ﴾ أيِ الماءُ ”فاهُ“ دُونَ أنْ يَصِلَ كَفّاهُ إلى الماءِ- بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْدِيَةُ بِـ ”إلى“، فَما الماءُ بِمُجِيبٍ دُعاءَهُ في بُلُوغٍ فِيهِ ﴿وما هُوَ﴾ أيِ الماءِ ﴿بِبالِغِهِ﴾ أيْ فِيهِ، فَلِلْكافِرِينَ ”بِذَلِكَ دَعْوَةُ الباطِلِ كَما أنَّ الماءَ جَمادٌ لا يُحِسُّ بِدَعْوَةِ هَذا فَلا يُجِيبُهُ، فَأصْنامُهم كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ دُعاءَهُمْ“ مُنْحَصِرًا في الباطِلِ، قالَ في مَوْضِعٍ ”وما دُعاؤُهُمْ“ مُظْهِرًا تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ﴾ (p-٣٠٢)أيِ السّاتِرِينَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ بِمَعْبُوداتِهِمْ أوْ غَيْرِها ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ لِأنَّهُ لا يَجِدُ لَهم نَفْعًا، أمّا مَعْبُوداتِهم فَلا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وأمّا اللَّهُ فَلا يُجِيبُهم لِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ.
الرعد 13:15
ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الأمْرِ واضِحَةَ السُّبُلِ جَلِيَّةَ المَناهِجِ في جَمِيعِ كُتُبِهِ، وكُلُّها إلى النّاظِرَيْنِ وبَيَّنَ دَعْوَةَ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَسْجُدُ﴾ أيْ يَخْضَعُ ويَنْقادُ ويَتَذَلَّلُ كَما بَيَّنَ عِنْدِ قَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِجَمِيعِ أحْكامِهِ النّافِذَةِ وأقْضِيَتِهِ الجارِيَةِ ”طَوْعًا“ والطَّوْعُ: الِانْقِيادُ لِلْأمْرِ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ مِن قِبَلِ النَّفْسِ ﴿وكَرْهًا﴾ قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والكافِرُ في حُكْمِ السّاجِدِ وإنَّ أباهُ لِما بِهِ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى الخُضُوعِ، واعْلَمْ أنَّ سُجُودَ كُلِّ صِنْفٍ هو تَذَلُّلُهُ وتَسَخُّرُهُ وانْقِيادُهُ لِما أُرِيدُ لَهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ جَمادٌ وحَيَوانٌ عاقِلٌ وغَيْرُ عاقِلٍ ورُوحانِيٌّ وغَيْرُ رُوحانِيٍّ مُسَخَّرٍ لِأمْرِ مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ؛ وقالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينَ النَّوَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: أصْلُهُ - أيِ السُّجُودُ - الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وكُلُّ مَن تَذَلَّلَ وخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ، وسُجُودُ كُلِّ مُواتٍ في القُرْآنِ طاعَتُهُ لِما سُخِّرَ لَهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن وضَعَ جَبْهَتَهُ في الأرْضِ: سَجَدَ، لِأنَّهُ غايَةُ الخُضُوعِ.
(p-٣٠٣)ولَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُسَخَّرَةً لِما أرادَ سُبْحانَهُ، لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وظِلالُهُمْ﴾ أيْ أيْضًا تَسْجُدُ [ لَهُ - ] بِامْتِدادِها عَلى الأرْضِ، تَقْصُرُ تارَةً بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وتَطُولُ [أُخْرى - ] بِانْحِطاطِها، لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ ظِلالِهِمْ مِن ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لَهم ظِلالٌ، وذَلِكَ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ جَمْعُ غَداةَ، وهي البَكَرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ ﴿والآصالِ﴾ جَمْعُ أصِيلٍ، دائِمًا في جَمِيعِ البِلادِ، وفي وسَطِ النَّهارِ في بَعْضِ البِلادِ؛ والظِّلُّ: سِتْرُ الشَّخْصِ ما بِإزائِهِ، والفَيْءُ: الَّذِي يَرْجِعُ بَعْدَ ذَهابِ ضَوْئِهِ، والأصِيلُ: العَشِيُّ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ - كَأنَّهُ أصَّلَ اللَّيْلَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنهُ.
ومادَّةُ ”صِلا“ - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الأحَدَ عَشَرَ، وهِيَ: صَلَوَ، صَوَلَ، [لَصَوَ]، لَوَصَ، وصَلَ، صَلِيَ، صَيَلَ، لَصَيَ، لَيَصَ، أصَلَ، صَألَ - تَدُورُ عَلى الوَصالَةِ، فالصَّلاةُ وصْلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ سَواءٌ كانَتْ دُعاءً أوِ اسْتِغْفارًا أوْ رَحْمَةً أوْ حُسْنَ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ (p-٣٠٤)عَلى رَسُولِهِ، أوْ ذاتِ الأرْكانِ، وصَلَواتُ اليَهُودِ لِمُتَعَبَّداتِهِمْ مِن ذَلِكَ في الأصْلِ، والصَّلا: وسَطَ الظَّهْرِ مِنّا، أوْ مِن كُلِّ ذِي أرْبَعٍ، أوْ ما انْحَدَرَ مِنَ الوِرْكَيْنِ، [أوِ] الفُرْجَةِ بَيْنَ الجاعِرَةِ والذَّنَبِ - يَجُوزُ أنْ يَكُونَ [مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأعْضاءِ إذا انْثَنى الحَيَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ] شُبِّهَ بِالعُودِ المُعْوَجِّ الَّذِي يَقُومُ بِإصْلائِهِ النّارَ، وأصَلَتِ النّاقَةُ وصَلِيَتْ - إذا اسْتَرْخى صَلْواها لِقُرْبِ نِتاجِها، والمُصَلِّي مِن خَيْلِ الحَلْبَةِ: الَّذِي يَجِيءُ عَلى إثْرِ السّابِقِ، فَإنَّهُ يُواصِلُهُ، وصَلى الحِمارُ أُتُنَهُ: طَرَدَها وقَحَمَها الطَّرِيقَ - فَكَأنَّهُ بِذَلِكَ قَوَّمَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُعْوَجَّةً، أوْ أرادَ مُواصَلَتَها؛ صالَ الرَّجُلُ صَوْلَةً - إذا سَطا واسْتَطالَ، لِأنَّ ذَلِكَ مُواصَلَةٌ عَلى وجْهِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، [و] كَذا صالَ الفَحْلُ عَلى الإبِلِ - إذا قاتَلَها، والعِيرُ - إذا حَمَلَ عَلى العانَةِ فَشَلَّها، وصالَ عَلى كَذا: وثَبَ، وصاوَلَهُ: واثَبَهُ، والتَّصْوِيلُ: إخْراجُكَ الشَّيْءَ بِالماءِ، لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الخُلُوصِ، وإذا خَلَصَ الشَّيْءُ تَواصَلَتْ أجْزاؤُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ (p-٣٠٥)المَخْرَجَ كانَ حائِلًا بَيْنَها، والتَّصْوِيلُ - أيْضًا: كَنَسَ نُواحِي البَيْدَرِ، لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَواصُلِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، ومِن ذَلِكَ المُصُولِ - كَمِنبَرٍ: شَيْءٌ يُنْقَعُ فِيهِ الحَنْظَلُ لِتَذْهَبَ مَرارَتُهُ، وبَهاءُ: المِكْنَسَةُ، والصِّيلَةُ - بِالكَسْرِ: عُقْدَةُ العَذَبَةِ - لِتَواصِلَ مَحَلَّ العَقْدِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وبِهِ يَتَماسَكُ اتِّصالُ بَعْضِ العِمامَةِ بِبَعْضٍ، والجَرادُ يَصُولُ في مَشْواهُ، مِنَ التَّصْوِيلِ، أيْ يُساطُ، بِمَعْنى يُخْلَطُ بِالتَّقْلِيبِ فَيَتَواصَلُ مِنهُ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، وصالَ يَصِيلُ - لُغَةً في يَصُولُ، وصِيلَ لَهُ - كَذا بِالكَسْرِ: قَيَضَ وأُتِيحَ، لِأنَّهُ صارَ مُقارِنًا لَهُ، ولَصَوْتُ الرَّجُلَ عِبْتُهُ وقَذَفْتُهُ - لِأنَّكَ وصَلْتَ بِهِ العَيْبَ، وفُلانٌ لا يَلْصُو إلى رِيبَةٍ، أيْ لا يَنْضَمُّ إلَيْها ولا يَنْضافُ؛ واللَّوْصُ: اللَّمْحُ مِن خَلَلِ بابٍ ونَحْوِهِ كالمُلاوَصَةِ - كَأنَّهُ وصْلَةٌ بِالنَّظَرِ مِن مَوْضِعٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، أوْ لِأنَّهُ سَبَبُ الوَصْلَةِ إلى ما يُرادُ، ولاوَصَ: نَظَرَ كَأنَّهُ يَخْتَلُّ لِيَرُومَ أمْرًا، والشَّجَرَةُ: أرادَ أنْ يَقْطَعَها بِالفَأْسِ، (p-٣٠٦)فَلاوَصَ في نَظَرِهِ يَمْنَةً ويَسْرَةً كَيْفَ يَأْتِيها وكَيْفَ يَضْرِبُها - لِأنَّ حاصِلَ ذَلِكَ المُواصَلَةُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ كَما تَقَدَّمَ في صالَ عَلَيْهِ، وتَلَوَّصَ: تَلَوّى وتَقَلَّبَ، ومِنهُ أُلِيصَ - أيْ أرْعَشَ، وألاصَهُ عَلى الشَّيْءِ: أدارَهُ [عَلَيْهِ] وأرادَهُ مِنهُ - كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُ مُواصَلَتَهُ، واللَّواصُ - كَسَحابٍ: الفالُوذُ كالمُلَوَّصِ كَمُعَظَّمٍ، والعَسَلُ الصّافِي - لِأنَّهُ أهْلٌ لِلْمُواصَلَةِ، ولَوَصَ: أكَلَ، واللَّوْصُ: وجَعُ الأُذُنِ والنَّحْرِ، واللَّوْصَةُ؛ وجَعُ الظَّهْرِ - كَأنَّهُ لِشِدَّتِهِ لا مُواصِلَ لِلْبَدَنِ سِواهُ، ولاصَ: حادَ - أيْ سَلَبَ الوَصْلَةَ؛ والوَصْلَةُ - الَّتِي هي مَدارُ المادَّةِ وكَأنَّها الحَقِيقَةُ الَّتِي تَشَعَّبَتْ [مِنها] فُرُوعُها - هي الضَّمُّ وهي التِئامُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكُلُّ ما اتَّصَلَ بِشَيْءٍ [فالَّذِي] بَيْنَهُما وصْلَةٌ، وضِدُّها الفُرْقَةُ، والوَصْلُ: ضِدُّ القَطْعِ، والأوْصالُ: المَفاصِلُ ومُجْتَمَعُ العِظامِ، لِأنَّها مَوْضِعُ اتِّصالِ العَظْمِ بِالآخِرِ، والوَصْلانِ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ: طَبَقا الظَّهْرِ، ويُقالُ: هُما العَجْزُ والفَخْذُ، والوَصِيلَةُ: الشّاةُ تَلِدُ ذَكَرًا ثُمَّ تَلِدُ أُنْثى، فَتَصِلُ أخاها، وفِيها خِلافٌ كَثِيرٌ [كُلُّهُ] يَدُورُ عَلى الوَصْلَةِ، ووَصَلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: (p-٣٠٧)لِأُمِّهِ، ووَصَلَ الشَّيْءَ وإلى الشَّيْءِ: بَلَّغَهُ وانْتَهى إلَيْهِ، وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لَمْ يَنْقَطِعْ، ووَصَلَهُ وواصَلَهُ - كِلاهُما يَكُونُ في عَفافِ الحُبِّ ودِعارَتِهِ، والوَصائِلُ جَمْعُ وصِيلَةٍ - لِثِيابٍ حُمْرٍ مُخَطَّطَةٍ يَمَنِيِّةٍ يَتَّخِذُها النّاسُ دُرُوعًا يَشُقُّ مِن جانِبَيْها، كَأنَّهُ لِأنَّها تُوصَلُ بِغَيْرِها أوْ يُقْطَعُ بَعْضُها ثُمَّ يُوصَلُ بِها لِتَصِيرَ دُرُوعًا، والوَصِيلَةُ: العِمارَةُ والخَصْبُ والرُّفْقَةُ والسَّيْفُ - لِأنَّ ذَلِكَ أهْلٌ لِأنْ يُوَصَلَ، والوَصِيلَةُ: كُبَّةُ الغَزْلِ لِشِدَّةِ التِباسِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، والأرْضُ الواسِعَةُ - لِأنَّ اتِّصالَها لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ جِبالٌ، ولَيْلَةَ الوَصْلِ: آخِرُ لَيالِي الشَّهْرِ، لِأنَّها تَصِلُ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ، وحَرْفُ الوَصْلِ: الَّذِي بَعْدَ الرَّوِيِّ - لِأنَّهُ وصَلَ حَرَكَةَ حَرْفِ الرَّوِيِّ، ووَصِيلُكَ: مَن يَدْخُلُ ويَخْرُجُ مَعَكَ، وتَصِلُ: بِئْرٌ بِبِلادٍ هُذَيْلٍ، واتَّصَلَ الرَّجُلُ - إذا انْتَسَبَ، لِأنَّهُ وصَلَ نَفْسَهُ بِمَنِ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ: دابَّةٌ كالدُّبُرِ تَلْسَعُ النّاسَ، كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ؛ وصَلَيْتُ اللَّحْمَ: شَوَيْتُهُ - لِأنَّكَ وصَلْتَهُ بِالنّارِ، وصَلَيْتَهُ: ألْقَيْتَهُ في النّارِ لِلْإحْراقِ، والصِّلاءِ كَكِساءِ: (p-٣٠٨)الشِّواءِ أوِ النّارِ كالصَّلى فِيهِما، وكَأنَّ مِنهُ: صَلى عَصاهُ عَلى النّارِ،[أيْ] أحْماها لِيُقَوِّمَها - لِأنَّ كُلًّا مِنهُما وصَلَهُ بِالنّارِ لِلْإصْلاحِ، وأصْلَيْتُهُ النّارَ: أدْخَلْتُهُ إيّاها وأثْوَيْتُهُ فِيها، وصَلى يَدَهُ بِالنّارِ: سَخَّنَها - لِأنَّهُ وصَلَها بِها، وصَلِيَ النّارَ - كَرَضِيَ: قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُ فُلانًا: دِرايَتُهُ وخاتَلْتُهُ وخَدَعْتُهُ - كُلُّ ذَلِكَ لِإرادَةِ مُواصَلَتِهِ لِأمْرٍ، والصِّلايَةُ - ويَهْمِزُ: الجَبْهَةُ، لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأرْضَ في الصَّلاةِ، ومِدَقُّ الطِّيبِ - لِمُواصَلَةِ الدَّقِّ، وصَلَيْتُ لِلصَّيْدِ تَصْلِيَةً - إذا نَصَبْتَ لَهُ شَرَكًا لِيَقَعَ فِيهِ فَتَصِلَ إلَيْهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ ”[إنَّ] لِلشَّيْطانِ مَصالِيَ وفُخُوخًا“ جَمَعَ مِصْلاةٍ وفَخٍّ، والصِّلْيانُ - بِكَسْرٍ ثُمَّ تَشْدِيدٍ - قالَ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، وقالَ القَزّازُ: وهو شَجَرٌ لَهُ جَعْثَنٌ ضَخْمٌ، رُبَّما جَرَّدَ وسَطَهُ ونَبَتَ ما حَوْلَهُ، وهو مِن أفْضَلِ المَراعِي وهو خُبْزُ الإبِلِ، وقِيلَ: إنَّ الخَيْلَ تَأْكُلُهُ ولَوْنُهُ أصْهَبُ - انْتَهى.
فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُواصَلَةِ الإبِلِ [لَهُ]؛ ولِصِيتُ الرَّجُلَ (p-٣٠٩)كَرَمِيتُ ورَضِيتُ - إذا عِبْتُهُ وقَذَفْتُهُ بِالفُجُورِ، وقالَ القَزّازُ: وقِيلَ: هو أنْ يُضِيفَهُ إلى رَبِيَّةٍ، ولَصِيَ إلَيْهِ: انْضَمَّ إلَيْهِ لِرِيبَةٍ؛ ولاصَ يَلِيصُ: حادَ، ولُصْتُهُ أُلِيصُهُ وألَصْتُهُ - إذا أزْعَجْتُهُ أوْ حَرَّكْتُهُ لِتَنْتَزِعَهُ - كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ، وألَصْتُهُ عَنْ كَذا - إذا راوَدْتُهُ عَنْهُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلْبًا وأنْ يَكُونَ إيجابًا؛ والأصْلُ: أسْفَلُ كُلِّ شَيْءٍ - لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ واصَلَهُ إلَيْهِ، وأصَّلَ - كَكَرَمَ: صارَ ذا أصْلٍ أوْ ثَبَتَ أوْ رَسَخَ كَتَأصَّلَ، والرَّأْيُ: جادَ - كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالأصْلِ، والأصِيلُ: مَن لَهُ أصْلٌ، والعاقِبُ الثّابِتُ الرَّأْيِ، وقَدْ أصَلَ - كَكَرَمَ، والأصِيلُ: العَشِيُّ - لِأنَّهُ وصْلَةُ ما بَيْنَ النَّهارِ واللَّيْلِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا آذَنْ بِتَصَرُّمِ النَّهارِ كانَ كَأنَّهُ اجْتَثَّهُ مِن أصْلِهِ، ومِنهُ الأصِيلُ - لِلْهَلاكِ والمَوْتِ كالأصِيلَةِ فِيهِما، ولَقِيتُهم مُؤَصِّلًا أيْ بِالأصِيلِ، وأخَذَهُ بَأصْلَتِهِ - مُحَرَّكًا، وأصِيلَتُهُ أيْ كُلَّهُ بِأصْلِهِ، وأصِيلَتُكَ: جَمِيعُ مالِكَ أوْ نَخْلَتِكَ، والأصْلُ كَكَتِفِ: (p-٣١٠)المُسْتَأْصِلِ، وأصْلُهُ عِلْمًا: قَتَلَهُ - كَأنَّهُ أدامَ مُواصَلَتَهُ حَتّى أتْقَنَهُ، والأصَلَةُ - مُحَرِّكَةٌ: حَيَّةٌ قَصِيرَةٌ تُساوِرُ الإنْسانَ - قالَهُ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ، وفي القامُوسِ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ أوْ عَظِيمَةٌ تَهْلَكُ بِنَفْخِها، فَإنْ نَظَرَتْ إلى المُساوَرَةِ فَهو مِنَ المُواصَلَةِ - كَما تَقَدَّمَ في صالَ عَلَيْهِ، وإنْ نَظَرَتْ إلى الهَلاكِ فَهو مِنَ الِاسْتِئْصالِ، وأصْلُ الماءِ - كَفَرَحَ: أسِنَ مِن حَمْأةٍ، واللَّحْمُ: تَغَيَّرَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَصْلَةِ أيْ لِشِدَّةِ مُواصَلَةِ الحَمْأةِ لِلْماءِ والهَواءِ لِلَّحْمِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الأصِيلِ أيِ الهَلاكِ بِجُمْلَتِهِ وأصْلِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن سَلْبِ المُواصَلَةِ؛ وصَؤُلَ البَعِيرُ - كَكَرَمَ صَآلَةً: واثَبَ النّاسَ أوْ [صارَ] يَقْتُلُ النّاسَ ويَعْدُو عَلَيْهِمْ، وصَئِيلُ الفَرَسِ: صَهِيلُهُ - لِمُواصَلَةِ نَغَماتِهِ، هَذا وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في [سُورَةِ هُودٍ] عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] إشارَةً إلى هَذا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
الرعد 13:16
فَلَمّا تَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُدَبِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ القاهِرُ لِمَن (p-٣١١)فِيهِما، وتَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ المُخْتَصُّ بِرُبُوبِيَّتِهِما فَأمْرُهُ تَعالى أنْ يُوَجِّهَ السُّؤالَ نَحْوَهم عَنْ ذَلِكَ - رَدًّا عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلْحِدِينَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ هَذِهِ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ، مُقَرِّرًا لَهم ﴿مَن رَبُّ﴾ أيْ مُوجِدٍ ومُدَبِّرٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ وكُلُّ ما فِيهِما.
ولَمّا مَضى في غَيْرِ [آيَةٍ] أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُقِرُّونَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ ثُمَّ لَمَّ يَزَعْهم ذَلِكَ عَنِ الإشْراكِ، جَعَلُوا هُنا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ عِنادًا، فَلَمْ يَنْتَظِرْ جَوابَهم بَلْ أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُجِيبُونَ بِهِ، إشارَةً إلى أنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ التَّناقُضِ في اتِّباعِ الهَوى ولا تَصُونُهم عُقُولُهُمُ الجَلِيلَةُ وآراؤُهُمُ الأصْلِيَّةُ - بِزَعْمِهِمْ - عَنِ التَّساقُطِ في مُهاوِي الرَّدى، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَثَبَتَ حِينَئِذٍ أنْ لا ولِيَّ إلّا هُوَ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تُوَجُّهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اعْتِمادِ غَيْرِهِ، فَأمَرَهُ بِالإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبْتُمْ عَنِ انْفِرادِهِ بِرُبُوبِيَّتِكم أنْ أوْجَدْتُمُ الأخْذَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ، فَتَسَبَّبْتُمُ الإشْراكَ عَمّا يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ (p-٣١٢)بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لا يُساوُونَكم في التَّسَبُّبِ في الضُّرِّ والنَّفْعِ، بَلْ ﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ﴾ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ”نَفْعًا“ ونَكَّرَهُ لِيَعُمَّ، وقَدَّمَهُ لِأنَّ السِّياقَ لِطَلَبِهِمْ مِنهُمْ، والإنْسانُ إنَّما يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ [لا قُدْرَةَ] لِأحَدٍ عَلى أنْ يُؤَثِّرَ في [آخِرِهِ] أثَرًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ في نَفْسِهِ قالَ: ﴿ولا ضَرًّا﴾ فَثَبَتَ أنَّ مَن سَوّاهم بِاللَّهِ أضَلَّ الضّالِّينَ، لِأنَّهُ يَلْزُمُهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُتَضادّاتِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ والِاسْتِواءُ: اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ في جِهَةٍ واحِدَةٍ ﴿الأعْمى﴾ في عَيْنِهِ أوْ في قَلْبِهِ ﴿والبَصِيرُ﴾ كَذَلِكَ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ هَلْ أدَّتْهم عُقُولُهم إلى أنْ سَوَّوْا بَيْنَ هَذِهِ المُتَضادّاتِ الشَّدِيدَةِ الظُّهُورِ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ حَتّى سَوَّوْا مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فَجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا كَذَلِكَ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ [ الَّذِي - ] لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ (p-٣١٣)﴿شُرَكاءَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِهِ الشَّرِكَةَ، فَقالَ واصِفًا لَهُمْ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَشابَهَ﴾ والتَّشابُهُ: التَّشاكُلُ بِما يَلْتَبِسُ حَتّى لا يَفْصِلَ فِيهِ بَيْنَ [أحَدٍ] الشَّيْئَيْنِ والآخِرُ ﴿الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ الخُلُقُ الَّذِي خَلَقَهُ الشُّرَكاءُ سَبَبُ عُرُوضِ شُبْهَةٍ لَهُمْ، وساقَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ إعْلامًا بِأنَّهم أهْلُ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، لِكَوْنِهِمْ في عِدادِ البَهائِمِ لِقَوْلِهِمْ ما لا يَعْقِلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يَأْتِي قَرِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ فِيها نَوْعُ ظُهُورٍ لِبَعْضِ الأذْهانِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ جَوابَهم أنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ولَمْ يَمْنَعْهم ذَلِكَ مِن تَألُّهِ سِواهُ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم مُعْرِضًا عَنْ جَوابِهِمْ فَقالَ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم في أحْوالِهِمْ كالمُنْكِرِ لِذَلِكَ عِنادًا أوْ خَرْقًا لِسِياجِ الحَياءِ وهَتْكًا لِجِلْبابِ الصِّيانَةِ، وإذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ وجَبَ أنْ يُفْرِدَ بِالتَّألُّهِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الواحِدُ﴾ الَّذِي لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ، وكُلُّ ما (p-٣١٤)سِواهُ لا يَخْلُو عَنْ مُجانِسٍ يُماثِلُهُ، وأيْنَ رُتْبَةُ مَن يُماثِلُ مِن رُتْبَةِ مَن لا مِثْلَ لَهُ ﴿القَهّارُ﴾ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ بِأنْفُسِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو القادِرُ بِما لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَهُ غالِبٌ وهو لِكُلِّ شَيْءٍ غالِبٌ، وهَذا إشارَةٌ - كَما مَضى في مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ [ يُوسُفَ ] وغَيْرِها - إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ، فَإنَّ أرْبابَهم مُتَعَدِّدُونَ، فَلَوْ كانَتْ لَهم حَياةٌ وكانُوا مُتَصَرِّفِينَ في المُلْكِ لَأمْكَنَ بَيْنَهم تَمانُعٌ وكانَ [كُلٌّ] مِنهم مُعْرِضًا لِأنْ يَكُونَ مَقْهُورًا، فَكَيْفَ وهم جَمادٌ! فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ لا شَيْءَ [مِنهُمْ] يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والواحِدُ عَلى وجْهَيْنِ: شَيْءٌ] لا يَنْقَسِمُ أصْلًا، وشَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ في مَعْنى كالدُّنْيا.
الرعد 13:17
ولَمّا [ كانَ - ] حَمْلُ الماءِ في العُلُوِّ لا يُمْكِنُ إلّا عَنْ قَهْرٍ، وإنْزالُهُ في وقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ [ كَذَلِكَ- ]، أتْبَعَ هَذا الخَتْمَ قَوْلَهُ دَلِيلًا مُشاهِدًا عَلَيْهِ: ﴿أنْـزَلَ﴾ ولَمّا كانَ الإنْزالُ قَدْ يَتَجَوَّزُ بِهِ عَنْ إيجادِ ما يَعْظُمُ إيجادُهُ، حَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ مِنها أنْواعًا شَتّى قالَ: ﴿ماءً فَسالَتْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِهِ لِكَثْرَتِهِ (p-٣١٥)أنْ سالَتْ ﴿أوْدِيَةٌ﴾ أيْ مِياهُها مِنها الكَبِيرُ والصَّغِيرُ؛ والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ الَّذِي يُقابِلُهُ جَبَلٌ أوْ تَلٌّ فَيَجْتَمِعُ فِيهِ المَطَرُ، فَيَجْرِي في فَضائِهِ، ومِنهُ أُخِذَتِ الدِّيَةُ - لِجَمْعِ المالِ العَظِيمِ الَّذِي يُؤَدّى عَنِ القَتْلِ ﴿بِقَدَرِها﴾ والقَدْرُ: اتِّزانُ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، فالمَعْنى أنَّ المِياهَ مَلَأتِ الأوْدِيَةَ مَعَ ما ذَلِكَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّفَرُّدِ بِالرُّبُوبِيَّةِ مِمّا هو مِثالٌ لِلْحَقِّ والباطِلِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فاحْتَمَلَ﴾ والِاحْتِمالُ: رَفْعُ الشَّيْءِ عَلى الظَّهْرِ بِقُوَّةِ الحامِلِ لَهُ ﴿السَّيْلُ﴾ وهو ماءُ المَطَرِ الجارِي مِنَ الوادِي بِعَظْمٍ ﴿زَبَدًا رابِيًا﴾ أيْ عالِيًا بِانْتِفاخِهِ: والزُّبْدُ: الرَّغْوَةُ الَّتِي تَعْلُو الماءَ، ومَدارُ المادَّةِ عَلى الخِفَّةِ، ويَلْزَمُها العُلُوُّ، ومِنهُ زَبَدُ البَحْرِ والبَعِيرِ - لِلرَّغْوَةِ الخارِجَةِ مِن شِدْقِهِ، والغَضْبانِ، وزَبَدَتِ المَرْأةُ القُطْنَ - إذا نَفَشَتْهُ، والزَّبادُ - كَرُمّانٍ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبْتِ تَنْفَرِشُ أفْنانُهُ، وشاةٌ مُزْبِدَةٌ أيْ سَمِينَةٌ، ومِنهُ الزَّبادُ - لِلطِّيبِ المَعْرُوفِ وهو وسَخٌ يُشْبِهُ الرَّغْوَةَ يَجْتَمِعُ تَحْتَ ذَنَبِ نَوْعٍ مِنَ السَّنانِيرِ، (p-٣١٦)ومِنهُ الزُّبَدُ - بِضَمٍّ وسُكُونٍ - لِخالِصِ [ اللَّبَنِ - ] فَإنَّهُ أخَفُّهُ، يُقالُ مِنهُ: زَبَدْتُ فُلانًا أزَبْدُهُ - إذا أطْعَمْتُهُ الزَّبَدَ، ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ حَتّى قِيلَ لِمُطْلَقِ العَطِيَّةِ، ومِنهُ: «”نَهْيُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ زَبَدِ المُشْرِكِينَ“؛» ومِنهُ الزِّدْبُ - بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، وهو النَّصِيبُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن زُبْدِ اللَّبَنِ الزَّبادُ لِلنَّبْتِ، فَإنَّهُ مَرْعى ناجِعٌ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ أوْ لِأنَّهُ سَبَبُهُ، وكَذا شاةٌ مُزْبَدَةٌ [أيْ - ] سَمِينَةٌ ويَلْزَمُ الخِفَّةَ الإسْراعُ، يُقالُ: تُزْبِدُ اليَمِينَ - إذا أسْرَعَ إلَيْها، أوْ إنَّها شُبِّهَتْ بِالزُّبْدِ في سُهُولَةِ التِقامِهِ.
ولَمّا الزَّبَدُ أحْسَنُ مَثَلٍ لِمَعْبُوداتِهِمْ، وكانَ لا يَخْتَصُّ بِالماءِ الَّذِي هو مائِعٌ بِطَبْعِهِ بِجَمْعِ الأوْضارِ والأقْذارِ بِجَرْيِهِ، ذَكَرَ مَعَهُ ما يُشْبِهُهُ في النَّفْعِ مِنَ الجَوامِدِ الصَّلْبَةِ الَّتِي تُزْبِدُ عِنْدَ الإذابَةِ مَعَ كَوْنِها في حالِ الجُمُودِ في غايَةِ الصَّفاءِ والخُلُوصِ عَنِ الشَّوائِبِ عَلى ما يَظْهَرُ، فَقالَ: ﴿ومِمّا يُوقِدُونَ﴾ أيْ إيقادًا مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ لِلْإذابَةِ ﴿فِي النّارِ﴾ مِنَ المَعادِنِ ﴿ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ﴾ تَتَحَلَّوْنَ بِها مِنَ الأساوِرِ والحِلَقِ ونَحْوِها ﴿أوْ﴾ ابْتِغاءَ ﴿مَتاعٍ﴾ تَتَمَتَّعُونَ بِهِ مِنَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ والسُّيُوفِ (p-٣١٧)والأوانِي [ ونَحْوُها- ]، وأصْلُ المَتاعِ: التَّمَتُّعُ الحاضِرُ، فَهَذا تَقْسِيمٌ حاصِرٌ لِأنْواعِ الفِلِزِّ المُنَوَّهِ إلَيْها مَعَ إظْهارِ التَّهاوُنِ بِهِ وإنْ تَنافَسَ النّاسُ فِيهِ [كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ يُظْهِرُونَ المَجْدَ والفَخارَ بِالِاسْتِهانَةِ بِما يَتَنافَسُ النّاسُ فِيهِ] ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أيْ مِثْلُ زَبَدِ الماءِ يَكْشِطُ عَنْ وجْهِهِ أوْ يُعَلِّقُ بِأطْرافِ الإناءِ فَيَذْهَبُ ويَبْقى ذَلِكَ الجَوْهَرُ خالِصًا كالحَقِّ إذا زالَتْ عَنْهُ الشُّكُوكُ وانْزاحَتِ الشُّبَهُ.
ولَمّا كانَ هَذا في غايَةِ الحُسْنِ والِانْطِباقِ عَلى المَقْصُودِ، كانَ سامِعُهُ جَدِيرًا بِأنْ يَهْتَزَّ فَيَقُولُ: هَذا مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى سَوْقِهِ هَكَذا إلّا اللَّهُ تَعالى، فَيا لَهُ مِن مَثَلٍ! فَأُجِيبُ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الضَّرْبِ، العَلِيِّ الرُّتَبِ، الغَرِيبِ العَجَبِ، المَتِينِ السَّبَبِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الحَقَّ والباطِلَ﴾ [ أيْ - ] مِثْلَهُما؛ وضَرْبُ المَثَلِ: تَسْيِيرُهُ في البِلادِ يَتَمَثَّلُ بِهِ النّاسُ.
ولَمّا نَبَّهَ بِهَذا الفَصْلِ عَلى عُلُوِّ رُتَبِهِ هَذا المَثَلَ، شَرَعَ في شَرْحِهِ، فَقالَ مُبْتَدِئًا بِما هو الأهَمُّ في هَذا المَقامِ، وهو إبْطالُ الباطِلِ الَّذِي أضَلَّهُمْ، (p-٣١٨)وهُوَ في تَقْسِيمِهِ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ، فَقالَ: ﴿فَأمّا الزَّبَدُ﴾ أيِ الَّذِي [ هو - ] مَثَلٌ لِلْباطِلِ المُطْلَقِ ﴿فَيَذْهَبُ﴾ مُتَعَلِّقًا بِالأشْجارِ وجَوانِبِ الأوْدِيَةِ لِأنَّهُ يَطْفُو بِخِفَّتِهِ ويُعَلِّقُ بِالأشْياءِ الكَثِيفَةِ بِكَثافَتِهِ ﴿جُفاءً﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: أيْ مُضْمَحِلًّا مُتَلاشِيًا لا مَنفَعَةَ فِيهِ ولا بَقاءَ لَهُ؛ وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مُتَفَرِّقًا، مَن جَفَأتِ الرِّيحُ الغَيْمَ - إذا قَطَعَتْهُ، وجَفَأتِ الرَّجُلَ: صَرَعَتْهُ - انْتَهى. فَهَذا مَثَلُ الباطِلِ مِنَ الشُّكُوكِ والشُّبَهِ وما أثارَهُ أهْلُ العِنادِ، لا بَقاءَ لَهُ وإنْ جالَ جَوْلَةً - يَمْتَحِنُ اللَّهُ [بِها] عِبادَهُ لِيَظْهَرَ الثّابِتُ مِنَ المُزَلْزَلِ - ثُمَّ يَنْمَحِقُ سَرِيعًا؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: والجَفاءُ: بُنُوُّ مَكانِ الشَّيْءِ بِهِ حَتّى يَهْلَكَ ﴿وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ مِنَ الماءِ والفِلِزِّ الَّذِي هو مِثْلُ الحَقِّ ﴿فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ يَنْتَفِعُ النّاسُ بِالماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، والفِلِزُّ الَّذِي بِهِ التَّمامُ، فالماءُ والمَعْدِنُ مِثْلُ القُرْآنِ لِما فِيهِ مِن حَياةِ القُلُوبِ وبَقاءِ الشَّرْعِ كَما أنَّ الماءَ يُحْيِي الأراضِي المَيْتَةَ، والمَعادِنَ تُحْيِي مَواتِ العَيْشِ وتُنَظِّمُ المُعامَلاتِ المُقْتَضِيَةَ لِاخْتِلاطِ (p-٣١٩)بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ وائْتِلافِهِمْ بِالحاجَةِ، والأوْدِيَةِ والأوانِي مِثْلَ القُلُوبِ يُثْبِتُ مِنهُ فِيها ما تَحْتَمِلُهُ عَلى قَدْرِ سِعَةِ القَلْبِ وضِيقِهِ بِحَسَبِ الطَّهارَةِ وقُوَّةِ الفاهِمَةِ.
ولَمّا انْقَضى هَذا المَثَلُ عَلى هَذا البَيانِ الَّذِي يَعْجَزُ دُونَهُ الثَّقَلانِ، لِأنَّهُ أحْسَنُ شَيْءٍ مَعْنًى بِأوْجَرِ عِبارَةٍ وأوْضَحِ دَلالَةٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَبِينُ كُلُّ شَيْءٍ هَذا البَيانَ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ،
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الضَّرْبِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿الأمْثالَ﴾ فَيَجْعَلُها في غايَةِ الوُضُوحِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ الغُمُوضِ.
ومادَّةُ ”جَفا“ - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ، وهي جَفَأ جَأْفَ فَجَأ، جَفَيَ جِيَفَ فَيَجَ، جَفَوَ جَوَفَ فَوَجَ، فَجَوَ وجَفَ - تَدُورُ عَلى الطَّرْحِ: جَفَأ الوادِي والقَدَرِ: رَمْيًا بِالجَفاءِ [أيِ الزَّبَدِ] وجَفَأ القَدَرُ والوادِي: مَسَحَ غُثاءَهُ أيْ فَطَرْحَهُ - وجَفْأهُ: صَرَعَهُ، والبَرِمَةُ في القَصْعَةِ: كَفاها - أيْ طَرْحُ ما فِيها - والبابُ: أغْلَقَهُ وفَتَحَهُ - ضِدٌّ، لِأنَّهُ في كِلَيْهِما كالمَرْمِيِّ بِهِ، والبَقْلُ: قَلْعُهُ مِن أصْلِهِ، (p-٣٢٠)والجَفاءُ - كَعُزابُ: الباطِلُ، لِأنَّهُ أهْلٌ لِلْقَذْفِ بِهِ والطَّرْحِ، والسَّفِينَةُ الخالِيَةُ، لِأنّا بِمَعْرِضِ قَذْفِ الماءِ لَها.
وأجَفا ماشِيَتَهُ: أتْعَبَها بِالسَّيْرِ ولَمْ يَعْلِفْها أيْ سَيَّرَها سَيْرًا كَأنَّها يَقْذِفُ بِها، وجَفَأ بِهِ: طَرَحَهُ، وجَفاتُ البِلادِ: ذَهَبَ خَيْرُها، فَكانَتْ طَرْحَتُهُ أوْ صارَتْ هي أهْلًا لِأنْ تَطْرَحَ وتَبْعُدَ، والعامُ جَفَأتْ إبِلُنا، وهو أنْ يَنْتِجَ أكْثَرُها، لِأنَّها طَرَحَتْ أجِنَّتَها.
ومِن يائِيِّهِ: جَفَيْتُهُ أُجْفِيهِ: صَرَعْتُهُ، والجُفايَةُ - بِالضَّمِّ: السَّفِينَةُ الفارِغَةُ، والمُجْفِي: المَجْفُوُّ.
ومِن واوِيِّهِ: جَفا الشَّيْءُ يَجْفُو - إذا لَمْ يَلْزَمْ مَكانَهُ، كَأنَّهُ فُصِلَ مِن مَكانِهِ فَطَرَحَ بِهِ، والجَفاءُ والجَفْوَةُ: تَرَكَ الصِّلَةَ، واجْتَفَيْتُهُ: أزَلْتُهُ عَنْ مَكانِهِ، وجَفا عَلَيْهِ كَذا: ثَقُلَ، فَصارَ أهْلًا لِطَرْحِهِ والِانْفِصالِ مِنهُ، ورَجُلٌ جافِي الخِلْقَةِ والخُلُقِ: كَزٌّ غَلِيظٌ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا غِلُظَ لَمْ يَلْتَصِقِ التِصاقَ اللَّطِيفِ، وأجْفى الماشِيَةَ: أتْبَعَها ولَمْ يَدَعْها تَأْكُلُ، (p-٣٢١)وفِيهِ جَفْوَةٌ أيْ هو جافٍ، فَإنْ كانَ مَجْفُوًّا قِيلَ: بِهِ جَفْوَةٌ.
ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: جافَّةٌ: صَرَعَهُ وذَعَرَهُ أيْ قَذَفَ في قَلْبِهِ رُعْبًا: والشَّجَرَةُ: قَلَعَها مِن أصْلِها، والجَآفُ - كَشَدّادٍ: الصِّياحُ، كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِصَوْتِهِ، ورَجُلٌ مُجَأَّفٌ: لا ثَباتَ [لَهُ] كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِهِ مِن مَكانِهِ، والمَجْؤُوفُ: الجائِعُ والمَذْعُورُ، كَأنَّهُ مِنَ الجَوْفِ، وإنَّما هَمَزَتْ واوُهُ الأُولى لِانْضِمامِها مَعَ أنَّهُ يُمْكِنُ تَنْزِيلُهُ عَلى أنَّهُ قُذِفَ فِيهِ ذَلِكَ.
ومِن يائِيِّهِ: الجِيفَةُ: جُثَّةُ المَيِّتِ وقَدْ أراحَ، والجِيافُ - كَشِدادٍ: النَّبّاشُ، وجافَتْ تَجِيفُ: أنْتَنَتْ فَصارَتْ مُتَهَيِّئَةً لِلطَّرْحِ والتَّغْيِيبِ، وجَيَّفَهُ: ضَرَبَهُ، لِما رَآهُ أهْلًا لِلْبُعْدِ، وجَيَّفَ فُلانٌ في كَذا وجُيِّفَ أيْ فَزَعَ وأفْزَعَ أيْ طَرَحَ في قَلْبِهِ رُعْبٌ، فَصارَ لا تَسَعُهُ أرْضٌ، بَلْ يَقْذِفُ بِنَفْسِهِ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ.
ومِن واوِيِّهِ: الجَوْفُ: المُطَمْئِنُّ [مِنَ الأرْضِ]، لِأنَّهُ يَسَعُ (p-٣٢٢)ما يَطْرَحُ فِيهِ ويُمْسِكُهُ، ومَهْما طَرَحَ مِنَ الجِبالِ مِن شَيْءٍ اسْتَقَرَّ بِهِ، والجَوْفُ مِنكَ: بَطْنُكَ، لِافْتِقارِهِ إلى طَرْحِ الغِذاءِ فِيهِ، وأهْلُ الأغْوارِ يُسَمَّوْنَ فَساطِيطَ عُمّالِهِمُ الأجْوافَ - لِطَرْحِ أنْفُسِهِمْ وأمْتِعَتِهِمْ فِيها - وجَوْفُ اللَّيْلِ: وسَطُهُ - تَشْبِيهٌ بِالجَوْفِ، والأجْوَفانِ: البَطْنُ والفَرْجُ، والجَوْفُ - مُحَرِّكَةُ السِّعَةِ، والجَوْفاءُ مِنَ الدِّلاءِ: الواسِعَةُ، ومِنَ القَنا والشَّجَرِ: الفارِغَةُ، والجائِفَةُ: جِراحَةٌ تَبْلُغُ الجَوْفَ، وتَلْعُهُ جائِفَةٌ: قَعِيرَةٌ - لِأنَّها لِقَعْرِها بِالجَوْفِ أشْبَهُ مِنها بِالجَبَلِ، وجَوائِفُ النَّفْسِ: ما تَقَعَّرَ مِنَ الجَوْفِ في مُقارِّ الرُّوحِ، والمُجَوَّفُ - كَمُعَظَّمٍ: مَن لا قَلْبَ لَهُ - كَأنَّ قَلْبَهُ طَرَحَ مِن جَوْفِهِ فَصارَ خالِيًا. والجُوفانُ - بِالضَّمِّ: أيْرُ الحِمارِ - لِسِعَةِ جَوْفِهِ، وأجَفْتُ البابَ: رَدَدْتُهُ - كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ، لِأنَّكَ سَدَدْتَ جَوْفَ البَيْتِ، أوْ أنَّهُ شَبَّهَ الإغْلاقَ بِطَرْحِ البابِ.
ومِن مَقْلُوبِهِ مَهْمُوزًا: فَجِئْهُ الأمْرُ - كَسَمْعِهِ ومَنعِهِ: هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ، كَأنَّهُ قَذَفَ بِهِ إلَيْهِ، وفُجِئَتِ النّاقَةُ - كَفَرِحَ: عَظُمَ (p-٣٢٣)بَطْنُها، كَأنَّهُ قَذَفَ فِيهِ بِشَيْءٍ، وفَجَأ - كَمَنَعَ: جامَعَ، لِأنَّهُ طَرَحَها وطَرَحَ نَفْسَهُ عَلَيْها، والمُفاجِئُ: الأسَدُ، لِأنَّهُ يَخْرُجُ بَغْتَةً فَيَثِبُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: الفَجْوَةُ: المُتَّسَعُ مِنَ الأرْضِ والفُرْجَةُ - لِتَهَيُّئِها لِما يَطْرَحُ فِيها، والفَجْوَةُ - أيْضًا: ساحَةُ الدّارِ وما بَيْنَ حَوافِي الحَوافِرِ، أيْ مَيامِنِها ومَياسِرِها، وفَجًّا قَوْسَهُ: رَفَعَ وتَرَها عَنْ كَبِدِها فَهي فَجْواءُ، وفَجًّا بابَهُ: فَتَحَهُ، فَصارَ كالجَوْفِ، والفَجا: تَباعُدُ ما بَيْنَ الرُّكْبَتَيْنِ أوِ الفَخْذَيْنِ أوِ السّاقَيْنِ أوْ عُرْقُوبَيِ البَعِيرِ؛ فَجِيَ - كَرَضِيَ فَهو أفْجى، وعِظَمُ بَطْنِ النّاقَةِ، والفِعْلُ كالفِعْلِ، والتَّفْجِيَةِ: الكَشْفُ، لِأنَّكَ طَرَحْتَ الغِطاءَ، والتَّفْجِيَةُ - أيْضًا: التَّنْحِيَةُ، وهي واضِحَةٌ في الطَّرْحِ، وأفْجى: وسَّعَ النَّفَقَةَ عَلى عِيالِهِ - كَأنَّهُ يَقْذِفُ بِها قَذْفًا.
ومِن مَقْلُوبِهِ يائِيًّا: أفاجَ الرَّجُلُ - إذا أسْرَعَ، ومِنهُ الفَيْجُ - لِرَسُولِ السُّلْطانِ عَلى رِجْلَيْهِ - كَأنَّهُ لِسُرْعَتِهِ يَطْرَحُ بِهِ في الأرْضِ - هَذا (p-٣٢٤)هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي صَحَّحَهُ صاحِبُ العُبابِ، لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ بِيكَ، وقِيلَ: إنَّهُ واوِيٌّ، أصْلُهُ: فَيَوَجُّ، ثُمَّ قِيلَ: فَيَجَ - كَكَيَسَ، ثُمَّ خُفِّفَ، وجَمْعُهُ [الفُيُوجُ]، وقِيلَ: الفُيُوجُ: الَّذِينَ يَدْخُلُونَ السِّجْنَ ويَخْرُجُونَ ويَحْرُسُونَ، وأفاجَ في الأرْضِ: ذَهَبَ، والقَوْمُ: ذَهَبُوا وانْتَشَرُوا - كَأنَّهُ قَذَفَ بِهِمْ، والفَيْجُ: الوَهْدُ المُطْمَئِنُّ مِنَ الأرْضِ، لِأنَّهُ مَوْضِعٌ لِطَرْحِ ما في الأعالِي.
ومِن مَقْلُوبِهِ واوِيًّا: الفَوْجُ: الجَماعَةُ، كَأنَّهُمُ اقْتَطَعُوا مِنَ الجُمْهُورِ فَقَذَفَ بِهِمْ، وفاجَ المِسْكُ: فاحَ وسَطَعَ، أيِ انْتَشَرَتْ رائِحَتُهُ، والنَّهارُ: بَرْدٌ، إمّا بِمَعْنى طَرَحَ بَرْدَهُ عَلى ما فِيهِ، وإمّا لِإحْواجِهِ الحَيَوانَ إلى أنْ يَطْرَحَ عَلَيْهِ ما يُدْفِئُهُ، وأفاجَ: أسْرَعَ وعَدا وأرْسَلَ الإبِلَ عَلى الحَوْضِ قِطْعَةً [قِطْعَةً]، والفاتِجُ: البِساطُ الواسِعُ مِنَ الأرْضِ، لِتُهَيِّئَهُ لِما يَطْرَحُ فِيهِ، مِن تَسْمِيَةِ المَحَلِّ بِاسْمِ الحالِ، وأفاجَ في عَدْوِهِ: أبْطَأ. فَهو لِلسَّلْبِ، وفاجَتِ النّاقَةُ بِرَجِيلِها: نَفَحَتْ بِهِما مِن خَلْفِها، والفائِجَةُ: مُتَّسَعُ ما بَيْنَ كُلِّ مُرْتَفَعَيْنِ، كَأنَّهُ مَحَلُّ طَرْحِ ما يَنْزِلُ مِنهُما.
ومِن مَقْلُوبِهِ: وجَفَ يَجِفُ وجِيفًا: اضْطَرَبَ، والوَجْفُ ضَرْبٌ مِن سَيْرِ الإبِلِ والخَيْلِ، وجَفَ يَجِفُ وأوْجَفْتُهُ واسْتَوْجَفَ الحُبُّ فُؤادُهُ: ذَهَبَ بِهِ، كَأنَّهُ طَرَحَهُ مِنهُ.
الرعد 13:18
(p-٣٢٥)ولِما تَمَّ ما لِلْحَقِّ والباطِلِ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الثَّباتِ والِاضْطِرابِ، ذَكَرَ ما لِأهْلِهِما مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: [ما] لِمَن تَدَبَّرَ هَذِهِ الأمْثالَ، وأبْعَدَ عَمّا أشارَتْ إلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، أوْ حادَ عَمّا دَعَتْ إلَيْهِ ومالَ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا﴾ أيْ طَلَبُوا مِن أنْفُسِهِمُ الإجابَةَ وأوْجَدُوها ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ شُكْرًا لَهُ، الحالَةُ ﴿الحُسْنى﴾ أيِ العَظِيمَةُ في الحُسْنِ، وهي القَرارُ في الجَنَّةِ فَهو جَزاؤُهُمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وذَلِكَ هو النَّصْرُ في الدُّنْيا وما اخْتَصُّوا بِهِ مِن نِعَمِهِ تَعالى ودُخُولِ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ - انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ يُونُسَ ] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم يُزادُونَ ما لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا الَّذِي فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ عِقابِهِ ورَجاءَ ثَوابِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلطّائِعِينَ، أتْبَعُهُ جَزاءَ العاصِينَ، فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ أيْ يَرْغَبُوا في إيجادِ الإجابَةِ ”لَهُ“ وأخْبَرَ عَنْ هَذا الِابْتِداءِ قَوْلُهُ مُعْلِمًا بِأنَّ اسْتِعْجالَهم بِالعَذابِ بِاسْتِعْجالِهِمْ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ جَراءَةً مِنهم ناشِئَةً عَنْ جَهْلٍ صِرْفٍ تَزُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ، فَيُبَلِّغُونَ حِينَئِذٍ بِالِافْتِداءِ غايَةَ الذُّلِّ فَلا يُقْبَلُ مِنهم -: ﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾ (p-٣٢٦)أيْ [ في - ] مِلْكِهِمْ وتَحْتَ قُدْرَتِهِمْ ﴿ما في الأرْضِ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا ومِثْلَهُ﴾ وأوْضَحَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ أيْ جَعَلُوا فِكاكَ أنْفُسِهِمْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ، وأكَّدَهُ لِادِّعاءِ الكَفَرَةِ أنَّهم لا يَذِلُّونَ لِشَيْءٍ ولا يُوهِنُ قُواهم شَيْءٌ، والِافْتِداءُ: جَعْلُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ بَدَلًا مِنَ الآخَرِ عَلى جِهَةِ الِاتِّقاءِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي دَهاهم حَتّى كانَ هَذا حالَهُمْ؟ فَقِيلَ - دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا يَقْبَلُ مِنهُمُ الفِداءَ ولَوْ عَظُمَ -: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾ والحِسابُ: إحْصاءُ ما عَلى العَبْدِ ولَهُ، وسُوءُ المُؤاخَذَةِ، وعَدَمُ العَفْوِ عَنْ شَيْءٍ ﴿ومَأْواهُمْ﴾ أيْ مُسْتَقَرَّهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ. ولَمّا كانَ المَأْوى إنَّما يَأْوِي إلَيْهِ صاحِبُهُ لِلرّاحَةِ فِيهِ بِالِاتِّكاءِ عَلى فَرْشٍ ونَحْوِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِمَجْمَعِ المَذامِّ: ﴿وبِئْسَ المِهادُ﴾
الرعد 13:19
ولَمّا افْتَرَقَ حالُ ما أجابَ ومَن أعْرَضَ في الجَزاءِ، وكانَ ما مَضى مُسْتَوْفِيًا طَرَقَ البَيانَ بِإيضاحِ الأمْرِ بِالجُزَيْئاتِ والأمْثِلَةِ مَعَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ. فَكانَ جَدِيرًا بِتَرْتِيبِ الأثَرِ عَلَيْهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى (p-٣٢٧)مِن سَوّى بَيْنَ العالِمِ العامِلِ وغَيْرِهِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ [الرعد: ١٦] وسَوّى بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ التِفاتًا إلى قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ [الرعد: ١٧] فَحَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن﴾ بِفاءِ السَّبَبِ ﴿يَعْلَمُ﴾ عِلْمًا نافِعًا هو عامِلٌ بِهِ ﴿إنَّما﴾ أيِ الَّذِي ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ وجَدَ إنْزالَهُ وفَرَغَ مِنهُ ﴿إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِأحْسَنِ التَّدْبِيرِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ، فَهو نَيِّرُ العَيْنِ لِلْبَصَرِ والقَلْبِ لِلِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، يَهْتَدِي بِما يَعْلَمُ إلى طَرِيقِ الرُّشْدِ فَيَسْلُكُها، وإلى طَرِيقِ الغَيِّ فَيَتْرُكُها، ويَفْهَمُ الأُشاراتِ، ويَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ السّائِراتِ، كَما يُبَصِّرُ بِالبَصَرِ طَرِيقَ النَّجاةِ مِن طَرِيقِ الهَلاكِ ﴿كَمَن هو أعْمى﴾ لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ، لِأنَّهُ لا يَعْمَلُ وإنْ كانَ عالِمًا، فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالأمْثالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أصْلًا، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الإنْكارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ أيْ لِأنَّهُ إنَّما يَعْلَمُ ذَلِكَ بِالتَّذَكُّرِ، وإنَّما ﴿يَتَذَكَّرُ﴾ أيْ يَطْلُبُ الذِّكْرُ طَلَبًا عَظِيمًا فَيَعْمَلُ ﴿أُولُو﴾ أيْ أصْحابُ ﴿الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولِ الصّافِيَةِ الخالِصَةِ القابِلَةِ لِلتَّذَكُّرِ بِالتَّفَكُّرِ في أنَّ ما أُنْزِلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثابِتُ الأرْكانِ [راسِي القَواعِدِ، لا قَدَرَ لِأحَدٍ عَلى إزالَةِ مَعْنًى مِن مَعانِيهِ ولا هَدْمَ شَيْءٍ مِن مَبانِيهِ] (p-٣٢٨)و[ أنَّ - ] ما عَداهُ هَلْهَلُ النَّسْجِ رَثُّ القُوى، مُخَلْخَلُ الأرْكانِ، دارِسُ الرَّسْمِ، مُنْطَمِسُ الأعْلامِ، مَجْهُولُ المَسالِكِ، مُظْلِمُ الأرْجاءِ، جَمُّ المَهالِكِ، وأمّا القَلْبُ الَّذِي لا يَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ لِمِثْلِ هَذا البَيانِ فَكَأنَّهُ غَيْرُ قابِلٍ لِلذِّكْرى، فاسْتَحَقَّ أنْ يَعِدَ عَدَمًا، وأنْ يَخُصَّ التَّذَكُّرَ بِالقَلْبِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَسْتَوِي مَن لَهُ لُبٌّ [ومَن لا لُبَّ لَهُ]؛ واللُّبُّ والقَلْبُ: أجَلُّ ما في الشَّيْءِ وأخْلَصُهُ وأجْوَدُهُ.
الرعد 13:20
ولَمّا مَنَحَ سُبْحانَهُ مِن فِيهِمْ أهْلِيَّةَ التَّذَكُّرِ بِالعُقُولِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِهِ والِانْقِيادِ لِأوامِرِهِ، كانَ كَأنَّهُ عَهْدٌ في ذَلِكَ، فَقالَ يَصِفُ المُتَذَكِّرِينَ بِما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ لا لُبَّ لِسِواهُمْ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الوَفاءَ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ أيْ [بِسَبَبِ] العَقْدِ المُؤَكَّدِ مِنَ المَلِكِ الأعْلى بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَيَفْعَلُونَ كُلّا مِنهُما كَما رَسَمَهُ لَهم ولا يُوقِعُونَ شَيْئًا مِنهُما مَكانَ الآخَرِ؛ والعُهَدُ: العَقْدُ المُتَقَدِّمُ عَلى الأمْرِ بِما يَفْعَلُ أوْ يَجْتَنِبُ، والإيفاءُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ.
(p-٣٢٩)ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ مُحَتِّمًا لِلثَّباتِ عَلَيْهِ كَما أنَّ المِيثاقَ اللَّفْظِيَّ مُوجِبٌ لِلْوَفاءِ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ أيِ الإيثاقَ ولا الوِثاقَ ولا مَكانَهُ ولا زَمانَهُ؛ والنَّقْضُ: حَلُّ العَقْدِ بِفِعْلِ ما يُنافِيهِ ولا يُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ مَعَهُ، والمِيثاقُ: العَقْدُ المُحْكَمُ وهو الأوامِرُ والنَّواهِي المُؤَكَّدَةُ بِحُكْمِ العَقْلِ.
الرعد 13:21
ولَمّا كانَ أمْرُ اللَّهِ جارِيًا عَلى مِنهاجِ العَقْلِ وإنْ كانَ قاصِرًا عَنْهُ لا يُمْكِنُ نَيْلُهُ لَهُ مِن غَيْرِ مُرْشِدٍ، قالَ: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ أيْ مِن كُلِّ شَيْءٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ما أمَرَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ وقالَ: ﴿بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ دُونَ ”يُوصِلُهُ“ لِيَكُونَ مَأْمُورًا بِوَصْلِهِ مَرَّتَيْنِ، ويُفِيدَ تَجْدِيدَ الوَصْلِ كُلَّما قَطَعَهُ قاطِعٌ عَلى الِاسْتِمْرارِ لِما تَظافَرَ عَلى ذَلِكَ مِن دَلِيلَيِ العَقْلِ والنَّقْلِ؛ والوَصْلُ: ضَمٌّ الثّانِي إلى الأوَّلِ مِن غَيْرِ فَرْجٍ.
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ يُرْشِدُ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ قالَ: ﴿ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، مِن أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم إنْ خالَفُوا بِقَطْعِ الإحْسانِ. ولَمّا كانَ العَقْلُ دالًّا بَعْدَ تَنْبِيهِ الرُّسُلِ عَلى القُدْرَةِ عَلى المَعادِ بِالقُدْرَةِ عَلى المَبْدَأِ، وكانَ الخَوْفُ مِنهُ أعْظَمَ [ الخَوْفِ- ]، قالَ تَعالى: ﴿ويَخافُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَوْفَ إيجادًا مُسْتَمِرًّا (p-٣٣٠)﴿سُوءَ الحِسابِ﴾ وهو المُناقَشَةُ فِيهِ مِن غَيْرِ عَفْوٍ، ومَن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى أوَّلَ البَقَرَةِ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] مَعَ نَظَرِهِ إلى قَوْلِهِ آخِرَ يُوسُفَ ﴿ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى﴾ [يوسف: ١١١]
الرعد 13:22
ولَمّا كانَ الوَفاءُ بِالعَهْدِ في غايَةِ الشِّدَّةِ عَلى النَّفْسِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ مَعَ شُمُولِهِ لِغَيْرِهِ: ﴿والَّذِينَ صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى طاعاتِ اللَّهِ وعَنْ مَعاصِيهِ وفي كُلِّ ما يَنْبَغِي الصَّبْرُ فِيهِ، والصَّبْرُ: الحَبْسُ، وهو تَجَرُّعُ مَرارَةِ المَنعِ لِلنَّفْسِ عَمّا تُحِبُّ مِمّا لا يَجُوزُ فِعْلُهُ ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ طَلَبَ ﴿وجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ، وكَأنَّهُ ذَكَرَ الوَجْهَ إثارَةً لِلْحَياءِ وحَثًّا عَلَيْهِ لا لِيُقالَ: ما أجْلَدَهُ! ولا لِأنَّهُ يُعابُ بِالجَزَعِ، ولا لِأنَّهُ لا طائِلَ تَحْتَ الهَلَعِ ولا خَوْفَ الشَّماتَةِ.
ولَمّا كانَتْ أفْرادُ الشَّيْءِ قَدْ تَتَفاوَتُ في الشَّرَفِ، خَصَّ بِالذِّكْرِ أشْياءَ مِمّا دَخَلَ في العَهْدِ والمِيثاقِ تَشْرِيفًا لَها فَقالَ: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾ لِأنَّها في الوَصْلَةِ بِاللَّهِ كالمِيثاقِ في الوَصْلَةِ بِالمُوَثِّقِ لَهُ، وقالَ -: ﴿وأنْفَقُوا﴾ وخَفَّفَ عَنْهم بِالبَعْضِ فَقالَ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ - لِأنَّ الإنْفاقَ مِن أعْظَمِ سَبَبٍ يُوصِلُ إلى المَقاصِدِ، فَهَذا إنْفاقٌ مِنَ المالِ، وتِلْكَ إنْفاقٌ مِنَ القُوى، وقالَ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ إشارَةً إلى الحَثِّ عَلى اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ تَنْبِيهًا عَلى الإخْلاصِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالسِّرِّ ما يَنْبَغِي فِيهِ الإسْرارُ (p-٣٣١)كالنَّوافِلِ، وبِالعَلانِيَةِ ما يَنْدُبُ إلى إظْهارِهِ كالواجِبِ إلّا أنْ يَمْنَعَ مانِعٌ، وهَذا تَفْصِيلُ قَوْلِهِ تَعالى
﴿ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] وقالَ: ﴿ويَدْرَءُونَ﴾ أيْ يَدْفَعُونَ بِقُوَّةٍ وفِطْنَةٍ ﴿بِالحَسَنَةِ﴾ أيْ مِنَ القَوْلِ أوِ الفِعْلِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ إشارَةٌ إلى تَرْكِ المُجازاةِ أوْ يَتْبَعُونَها إيّاها فَتَمْحُوها، خَوْفًا ورَجاءً وحَثًّا عَلى جَمِيعِ الأفْعالِ الصّالِحَةِ، فَهي نَتِيجَةُ أعْمالِ البِرِّ ودَرَجَةِ المُقَرَّبِينَ.
ولَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِما يَدُلُّ عَلى ما بَعْدَ المَوْتِ تَرْهِيبًا، خَتَمَ هَذِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ تَرْغِيبًا فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم عُقْبى الدّارِ﴾
الرعد 13:23
وبَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ طَوِيلَةٍ - ومِنهُ المَعْدِنُ [وهِيَ أعْلى الجِنانِ]؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ تَمَكُّنِهِمْ فِيها فَقالَ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾
ولَمّا كانَتِ الدّارُ لا تَطِيبُ بِدُونِ الحَبِيبِ، قالَ عاطِفًا عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ إشارَةً إلى أنَّ النَّسَبَ الخالِيَ غَيْرَ نافِعٍ: ﴿ومَن صَلَحَ﴾ والصَّلاحُ: اسْتِقامَةُ الحالِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والشَّرْعُ ﴿مِن آبائِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا في إيجادِهِمْ ﴿وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا عَنْهُمْ؛ ثُمَّ زادَ في التَّرْغِيبِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ﴾ لِأنَّ الإكْثارَ مِن تَرْدادِ رُسُلِ المَلِكِ أعْظَمُ في الفَخْرِ وأكْثَرُ في السُّرُورِ والعِزِّ.
(p-٣٣٢)ولَمّا كانَ إتْيانُهم مِنَ الأماكِنِ المُعْتادَةِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى غَيْرِها أدَلُّ عَلى الأدَبِ والإكْرامِ، قالَ: ﴿مِن كُلِّ بابٍ﴾ يَقُولُونَ لَهُمْ:
الرعد 13:24
﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ والسَّلامُ: التَّحِيَّةُ بِالكَرامَةِ عَلى انْتِفاءِ كُلِّ شائِبٍ مِن مَضَرَّةٍ، وبَيْنَ أنَّ سَبَبَ هَذا السَّلامِ الصَّبْرُ فَقالَ: ﴿بِما صَبَرْتُمْ﴾ أيْ بِصَبْرِكُمْ، والَّذِي صَبَرْتُمْ لَهُ، والَّذِي صَبَرْتُمْ عَلَيْهِ، إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عِمادُ الدِّينِ كُلِّهِ. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ. تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنِعْمَ عُقْبى الدّارِ﴾ وهي المَسْكَنُ في قَرارِ، المُهَيَّأِ بِالأبْنِيَةِ الَّتِي يَحْتاجُ إلَيْها والمَرافِقِ الَّتِي يَنْتَفِعُ بِها؛ والعُقْبى: الِانْتِهاءُ الَّذِي يُؤَدِّي إلَيْهِ الِابْتِداءُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الرعد 13:25
ولَمّا ذَكَرَ ما لِلنّاجِينَ، ذَكَرَ مَآلَ الهالِكِينَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى فَيَعْمَلُونَ بِخِلافِ مُوجِبِهِ؛ والنَّقْضُ: التَّفْرِيقُ الَّذِي يَنْفِي تَأْلِيفَ البِناءِ. ولَمّا كانَ النَّقْضُ ضارًّا ولَوْ كانَ في أيْسَرِ جُزْءٍ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ أيِ الَّذِي أوْثَقَهُ عَلَيْهِمْ بِما أعْطاهم مِنَ العُقُولِ وأوْدَعَها مِنَ القُوَّةِ عَلى تَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لِلْمَقاصِدِ الصّالِحَةِ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ جَمِيعِ ما أخْبَرَتْ بِهِ رُسُلُهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ؛ والمِيثاقُ: إحْكامُ العَقْدِ بِأبْلَغِ ما يَكُونُ في مِثْلِهِ ﴿ويَقْطَعُونَ ما﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي ﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ أيْ غَيْرِ ناظِرِينَ إلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ، وعَدَلَ عَنْ [أنْ] (p-٣٣٣)يُوَصِّلَهُ لِما تَقَدَّمَ قَرِيبًا فَقالَ: ﴿بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ أيْ لِما لَهُ مِنَ المَحاسِنِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي هي عَيْنُ الصَّلاحِ ﴿ويُفْسِدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ الإفْسادَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في أيِّ جُزْءٍ كانَ مِنهم بِوَصْلِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يَقْطَعَ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، مُعْرِضِينَ عَنْ أدِلَّةِ عُقُولِهِمْ، مُسْتَهِينِينَ بِانْتِقامِ الكَبِيرِ المُتْعالِ. ولَمّا كانُوا كَذَلِكَ، اسْتَحَقُّوا ضِدَّ ما تَقَدَّمَ لِلْمُتَّقِينَ، وذَلِكَ هو الطَّرْدُ والعِقابُ والغَضَبُ والنَّكالُ وشُؤْمُ اللِّقاءِ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ أيِ الطَّرْدُ والبُعْدُ ﴿ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ أيْ أنْ يَكُونُ دارَهُمُ الآخِرَةُ سَيِّئَةً بِلِحاقِ ما يَسُوءُ فِيها دُونَ ما يَسُرُّ.
الرعد 13:26
ولَمّا تَقَدَّمَ الحَثُّ العَظِيمُ عَلى الإنْفاقِ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ مِن أوْثَقِ الأسْبابِ في الوَصْلَةِ لِجَمِيعِ أوامِرِ اللَّهِ، وخَتَمَ بِأنَّ لِلْكافِرِ البُعْدُ والطَّرْدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ والسُّوءُ، كانَ مَوْضِعُ أنْ يَقُولَ الكُفّارُ: ما لَنا يُوَسِّعُ عَلَيْنا مَعَ بَعْدَنا ويُضَيِّقُ عَلى المُؤْمِنِ مَعَ وصْلِهِ واتِّصالِهِ، وما [لَهُ] لا يَبْسُطُ لَهُ رِزْقُهُ لِيَتَمَكَّنَ مِن إنْفاذِ ما أمَرَ بِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا؟ فَقِيلَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ودَلَّ عَلى تَمامِ (p-٣٣٤)قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ - جَلَتْ قُدْرَتُهُ -: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ فَيُطِيعُ في رِزْقِهِ أوْ يَعْصِي ﴿ويَقْدِرُ﴾ عَلى مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُ رِزْقَهُ بِقَدْرِ ضَرُورَتِهِ فَيَصْبِرُ أوْ يَجْزَعُ لِحَكَمٍ دَقَّتْ عَنِ الأفْكارِ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما لِلْكافِرِ سَبَبًا في خِذْلانِهِ، وفَقْرُ المُؤْمِنِ مُوجِبًا لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، فَلَيْسَ الغِنى مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، ولا الفَقْرُ مِمّا يُذَمُّ [ بِهِ- ]، وإنَّما يَمْدَحُ ويَذُمُّ بِالآثارِ.
ولَمّا كانَتِ السِّعَةُ مَظِنَّةَ الفَرَحِ إلّا عِنْدَ مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، قالَ عائِبًا لِمَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها: ﴿وفَرِحُوا﴾ أيْ فَبَسَطَ لِهَؤُلاءِ الرِّزْقَ فَبَطَرُوا وكَفَرُوا وفَرِحُوا ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ بِكَمالِها؛ [والفَرَحُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى. ولَمّا كانَتِ الدُّنْيا مُتَلاشِيَةً في جَنْبِ الدّارِ الَّتِي خَتَمَ بِها لِلْمُتَّقِينَ، قالَ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ]: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ في جَنْبِها ﴿إلا مَتاعٌ﴾ [أيْ] حَقِيرَ مُتَلاشٍ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والمَتاعُ: ما يَقَعُ بِهِ الِانْتِفاعُ في العاجِلِ، وأصْلُهُ: التَّمَتُّعُ وهو التَّلَذُّذُ بِالأمْرِ الحاضِرِ.
الرعد 13:27
ولَمّا كانَ العَقْلُ أعْظَمَ الأدِلَّةِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى المُتَذَكِّرِينَ، إشارَةً إلى أنَّ مَن عَداهم بَقَرٌ سارِحَةٌ، وعُرِفَ أنَّ ما دَعا إلَيْهِ الشَّرْعُ (p-٣٣٥)هُوَ الصَّلاحُ، وضِدُّهُ هو الفَسادُ، وكانَ العَقْلُ إنَّما هو لِمَعْرِفَةِ الصَّلاحِ فَيُتَّبَعُ، والفَسادِ فَيُجْتَنَبُ، وكانَ الطّالِبُ لِإنْزالِ آيَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لا سِيَّما بَعْدَ آياتٍ مُتَكاثِرَةٍ ودَلالاتٍ ظاهِرَةٍ مَوْضِعًا لِأنْ يَعْجَبَ مِنهُ، قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وفَرِحُوا﴾ [الرعد: ٢٦] مُظْهِرًا لِما مِن شَأْنِهِ الإضْمارُ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّعَنُّتَ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَعَتْهم إلَيْهِ عُقُولُهم مِنَ الخَيْرِ وما لِلَّهِ مِنَ الآياتِ عِنادًا ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا.
ولَمّا كانَ ما تَحَقَّقَ أنَّهُ مِن عِنْدِ المَلِكِ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنِ الآتِي بِهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الرَّسُولُ ﷺ ﴿آيَةٌ﴾ أيْ عَلامَةً بَيِّنَةً ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِالإجابَةِ لِما يَسْألُهُ لِنَهْتَدِيَ بِها فَنُؤْمِنَ بِهِ، وأمَرَهُ بِالجَوابِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ: ما أشَدَّ عِنادَكم حَيْثُ قُلْتُمْ هَذا القَوْلَ الَّذِي تَضَمَّنَ إنْكارَكم لِأنْ يَكُونَ نَزَّلَ إلَيَّ آيَةً مَعَ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُوتِيَتْ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ إنْزالُ الآياتِ سَبَبًا لِلْيَمانِ بَلْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مِمَّنْ لَمْ يَنُبْ، بَلْ أعْرَضَ عَنْ دَلالَةِ العَقْلِ ونَقْضِ ما أحْكَمَهُ (p-٣٣٦)مِن مِيثاقِ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لِلْقَطْعِ بِحَقِّيَّةِ ما دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الغِلْظَةِ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ كُلُّ آيَةٍ، لِأنَّها كُلَّها مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدَّعْوَةِ إلى ما دَعا إلَيْهِ العَقْلُ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَدْ نَزَلَ قَبْلَ هَذا آياتٌ مُتَكاثِرَةٌ دَلالاتٌ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى المُرادِ ﴿ويَهْدِي﴾ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِينَ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ طاعَتِهِ. بِمُجَرَّدِ دَلِيلِ العَقْلِ مِن غَيْرِ طَلَبِ آيَةٍ ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ مَن كانَ قَلْبُهُ مَيّالًا مَعَ الأدِلَّةِ رَجّاعًا إلَيْها لِأنَّهُ شاءَ إنابَتُهُ كَأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ تَبِعَهُ مِنَ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهم بِالجَنَّةِ وغَيْرِهِمْ،
الرعد 13:28
ثُمَّ أبْدَلَ مِنهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ إلى الدَّلِيلِ بَعْدَ الِاضْطِرابِ بِالشُّكُوكِ لِإيجادِهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ بَعْدَ صِفَةِ الإيمانِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا دالًّا عَلى ثَباتِ إيمانِهِمْ لِتَرْكِ العِنادِ، وهَذا المُضارِعُ في هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا لا يُرادُ بِهِ حالٌ ولا اسْتِقْبالٌ، إنَّما يُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى المَعْنى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأزْمِنَةِ ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ في أنَّ المَذْكُورَ مُسْتَجْمِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المَشِيئَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذِكْرُ الإنابَةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ أنْ يَقُولَ المُعانِدُ: ومَن يَطْمَئِنُّ بِذَلِكَ؟ [قالَ]: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ، (p-٣٣٧)لا بِذِكْرِ غَيْرِهِ ﴿تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ فَتَسْكُنُ عَنْ طَلَبِ غَيْرِهِ آيَةُ غَيْرِهِ، والذِّكْرُ: حُضُورُ المَعْنى لِلنَّفْسِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَطْمَئِنُّ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ قَلْبٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ عَقْلٌ، بَلْ هو مِنَ الجَماداتِ، أوْ إلى أنَّ كُلَّ قَلْبٍ يَطْمَئِنُّ بِهِ، فَمَن أخْبَرَ عَنْ قَلْبِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ فَهو كاذِبٌ مُعانِدٌ، ومَن أذْعَنَ وعَمِلَ بِمُوجِبِ الطُّمَأْنِينَةِ فَهو مُؤْمِنٌ،
الرعد 13:29
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا لِهَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا وصْفَ الإيمانِ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ لِطُمَأْنِينَةِ قُلُوبِهِمْ إلى الذِّكْرِ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ أيْ خَيْرٌ وطِيبٌ وسُرُورٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِحالِ القَسَمِ الآخَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَطْمَئِنَّ أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ ولَمْ يُذْعِنْ بُؤْسِي لَهم وسُوءُ مَآبٍ.
الرعد 13:30
ولَمّا كانَ [فِي - ] ذَلِكَ فَطْمٌ عَنْ إنْزالِ المُقْتَرَحاتِ، وكانَ إعْراضُ المُقْتَرِحِينَ قَدْ طالَ، وطالَ البَلاءُ بِهِمْ والصَّبْرُ عَلى أذاهُمْ، كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ مِن كافِرٍ أوْ مُسْلِمٍ عَيْلُ صَبْرِهِ: أوَلَسْتَ مُرْسَلًا يُسْتَجابُ لَكَ كَما كانَ يُسْتَجابُ لِلرُّسُلِ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ إرْسالِ الرُّسُلِ الَّذِي قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ في آخِرِ [سُورَةِ يُوسُفَ ] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِنا ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي (p-٣٣٨)إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] -الآيَةُ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِنا ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ومِثْلُ هَذا الإرْسالِ البَدِيعِ [الأمْرُ] البَعِيدُ الشَّأْنِ، والَّذِي دَرَّبْناكَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن [أنَّ - ] المَرْجِعَ إلى اللَّهِ والكُلَّ بِيَدِهِ، فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى هُدًى ولا ضَلالٍ، لا بِإنْزالِ الآيَةِ ولا غَيْرِهِ ﴿أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي أُمَّةٍ﴾ وهي جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الحَيَوانِ تَرْجِعُ إلى مَعْنًى خاصٍّ لَها دُونَ غَيْرِها ﴿قَدْ خَلَتْ﴾
ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ لِمَن تَعُمُّ بِالفِعْلِ الزَّمانَ كُلَّهُ، قالَ: ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ طالَ أذاهم لِأنْبِيائِهِمْ ومَن آمَنَ بِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ في عَدَمِ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحاتِ وقَوْلِ كُلِّ أُمَّةٍ لِنَبِيِّها عِنادًا بَعْدَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الرعد: ٢٧] حَتّى كَأنَّهم تَواصَوْا بِهَذا القَوْلِ حَتّى فِعْلَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ- [فِي - ] إقْبالِهِمْ عَلى الدُّعاءِ وإعْراضِهِمْ عَمَّنْ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ - فِعْلُ الآئِسِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لِتَتْلُوَ﴾ أيْ أرْسَلْناكَ فِيهِمْ لِتَتْلُوَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أيْ تَقْرَأ؛ والتِّلاوَةُ: جَعْلُ الثّانِي يَلِي الأوَّلَ بِلا فَصْلٍ ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِن (p-٣٣٩)ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿يَكْفُرُونَ﴾ لا تُمَلُّ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالِ فَإنَّ لَنا في هَذا حُكْمًا وإنْ خَفِيَتْ، وما أرْسَلْناكَ ومِن قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ إلّا لِتِلاوَةِ ما يُوحى، لا لِطَلَبِ الإجابَةِ إلى ما يَقْتَرِحُ الأُمَمُ مِنَ الآياتِ ظَنًّا أنَّها تَكُونُ سَبَبًا لِإيمانِ أحَدٍ، نَحْنُ أعْلَمُ بِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ إشارَةً إلى كَثْرَةِ حِلْمِهِ وطُولِ أنّاتِهِ، وتَصْوِيرٍ لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ في مُقابَلَتِهِمُ الإحْسانَ بِالإساءَةِ والنِّعْمَةَ بِالكُفْرِ بِأوْضَحِ صُورَةٍ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ وأُبْعَدُهم مِنَ الكُفْرانِ. ولَمّا تَضَمَّنَ كُفْرُهم بِالرَّحْمَنِ كُفْرَهم بِالقُرْآنِ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ الكُفْرُ بِالمُنْعِمِ في غايَةِ القَباحَةِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أفْعَلُ حِينَئِذٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي؟ لا نَتَمَنّى إجابَتَهم إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ إلّا رَجاءَ إيمانِهِمْ، وكانَ جَوابُهم عَنِ الكُفْرِ بِالمُوحى أهَمَّ، بَدَأ بِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ إيمانًا بِهِ ﴿هُوَ﴾ أيِ الرَّحْمَنِ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿رَبِّي﴾ المُرَبِّي لِي بِالإيجادِ وإدْرارِ النِّعَمِ، المُحْسِنِ إلَيَّ لا غَيْرُهُ، لا أكْفُرُ إحْسانَهُ كَما كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ، بَلْ أقُولُ: إنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أنا بِهِ واثِقٌ في التَّرْبِيَةِ والنُّصْرَةِ وغَيْرِها.
(p-٣٤٠)ولَمّا كانَ تَفَرُّدُهُ بِالإلَهِيَّةِ عِلَّةً لِقِصَرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، قالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ والتَّوَكُّلُ: التَّوْثِيقُ في تَدْبِيرِ النَّفْسِ بِرَدِّهِ إلى اللَّهِ عَلى الرِّضى بِما يَفْعَلُ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَتابِ﴾ أيْ مَرْجِعِي، مَعْنى بِالتَّوْبَةِ وحِسًّا بِالمَعادِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ في أنَّ سَبَبَ كَفَرْتُمْ إنْكارُ يَوْمِ الدِّينِ.
الرعد 13:31
ولَمّا فَرَغَ مِنَ الجَوابِ عَنِ الكُفْرِ بِالمُوحى، عُطِفَ عَلى ”هُوَ رَبِّي“ الجَوابُ عَنِ الكُفْرِ بِالوَحْيِ فَقالَ: ﴿ولَوْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَعْتَقِدُ في القُرْآنِ ما هو أهْلُهُ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ في الرَّحْمَنِ، أيْ وقُلْ: لَوْ ﴿أنَّ قُرْآنًا﴾ كانَتْ بِهِ الآياتُ المَحْسُوساتُ بِأنَّ ﴿سُيِّرَتْ﴾ أيْ بِأدْنى إشارَةٍ مِن مُشِيرٍ ما ﴿بِهِ الجِبالُ﴾ أيْ فَأذْهَبَتْ عَلى ثِقَلِها وصَلابَتِها عَنْ وجْهِ الأرْضِ ﴿أوْ قُطِّعَتْ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ عَلى كَثافَتِها فَشَقَّقَتْ فَتَفَجَّرَتْ مِنها الأنْهارُ ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَسَمِعَتْ وأجابَتْ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، لِأنَّهُ آيَةٌ لا مِثْلَ لَها، فَكَيْفَ يَطْلُبُونَ آيَةَ غَيْرِهِ! أوْ يُقالُ: إنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ لَكانَ بِهِ - إقْرارًا لِأعْيُنِكم - إجابَةً إلى ما تُرِيدُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ تَجْرِ عادَةٌ لِقُرْآنٍ قَبْلَهُ بِأنْ يَكُونَ بِهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَذا القُرْآنِ، (p-٣٤١)لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ أمَرَ في خَرْقِ شَيْءٍ مِنَ العاداتِ، لا لِوَلِيٍّ ولا لِنَبِيٍّ ولا غَيْرِهِما حَتّى يَفْعَلَ لِأجْلِكم [ بِشَفاعَةٍ - ] أوْ بِغَيْرِها شَيْئًا لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ في الأزَلِ ﴿بَلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِن هَذا بِقُرْآنٍ يَوْمًا ما لَكانَ بِهَذا القُرْآنِ، فَكانَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلَّ مِن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا فَعَلَ ما شاءَ مِن ذَلِكَ، فَسَيَّرَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الجِبالِ إلى ما أرادَ مِنَ الأراضِي لِما رامَ مِنَ الأغْراضِ، وقَطَعَ بِهِ ما طَلَبَ مِنَ الأرْضِ أنْهارًا وجِنانًا وغَيْرِها، وكَلَّمَ بِهِ مَنِ اشْتَهى مِنَ المَوْتى، ثُمَّ إذا فَتَحَ هَذا البابَ فَلا فَرْقَ بَيْنَ القُدْرَةِ عَلى هَذا والقُدْرَةِ عَلى غَيْرِهِ، فَيَصِيرُ مَن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا قادِرًا عَلى شَيْءٍ، فَبَطَلَتْ حِينَئِذٍ حِكْمَةُ اخْتِصاصِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ مَن أرادَ مَن خَلَّصَ عِبادَهُ، وأدّى ذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ مَن أرادَ مِنَ الفَجَرَةِ أنَّ أمْرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ مَتى شاءَ، فَيَصِيرُ ادِّعاءَهُ مَقْرُونًا بِالفِعْلِ شُبْهَةً في الشِّرْكِ، ولِيَعْلَمَ قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ أحَدٍ أمْرٌ، بَلْ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿الأمْرُ﴾ وهو ما يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ ويَنْهى ﴿جَمِيعًا﴾ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، لا لِي ولا لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قُلْتُمْ (p-٣٤٢)إنِّي لَسْتُ أدْنى مَنزِلَةً مِنهُمْ، وأمّا الخَوارِقُ الَّتِي كانَتْ لَهم فَلَوْلا أنْ شاءَها لَما كانَتْ، فالأمْرُ إلَيْهِ وحْدَهُ، مَهْما شاءَ [ كانَ- ]، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وكَأنَّ هَذا جَوابٌ لِما حُكِيَ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ الكَفّارَ تَفَتَّنُوا بِهِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ إنِ الإسْلامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ في قَبائِلِ قُرَيْشٍ في الرِّجالِ والنِّساءِ، فاجْتَمَعَ أشْرافُهم فَأرْسَلُوا إلَيْهِ ﷺ فَكَلَّمُوهُ في الكَفِّ عَنْهم وعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ وغَيْرَ ذَلِكَ فَأبى وقالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلِيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا»، فَقالُوا: [ فَإنَّكَ - ] قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أضْيَقُ بَلَدًا ولا أقَلَّ ماءً ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، فَسَلْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي قَدْ ضُيِّقَتْ عَلَيْنا، ولِيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولِيُخْرِقْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ الشّامِ والعِراقِ - زادَ البَغَوِيُّ: فَلَسْتُ كَما زَعَمْتَ بِأهْوَنِ عَلى رَبِّكَ مِن داوُدَ حَيْثُ سَخَّرَ لَهُ الجِبالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ، أوْ سَخَّرَ لَنا الرِّيحَ فَنَرْكَبَها إلى الشّامِ لِمِيرَتِنا، ونَرْجِعُ في (p-٣٤٣)يَوْمِنا فَقَدْ سُخِّرَتِ الرِّيحُ لِسُلَيْمانَ كَما زَعَمْتَ - رَجَعَ إلى ابْنِ إسْحاقَ: ولِيَبْعَثْ لَنا مَن مَضى مِن آبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قَصِيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإنَّهُ [كانَ - ] شَيْخُ صَدَقَ، فَنَسْألُهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هو أمْ باطِلٌ! فَإنْ صَدَقُوكَ وصَنَعْتَ ما سَألْناكَ صَدَّقْناكَ وعَرَفْنا بِهِ مَنزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعَثَكَ إلَيْنا رَسُولًا كَما تَقَدَّمَ - زادَ البَغَوِيُّ: فَإنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، ولَسْتُ بِأهْوَنِ عَلى رَبِّكَ مِنهُ”فَكانَ سُؤالُهم هَذا مُتَضَمِّنًا لِادِّعائِهِمْ أنَّ دَعْواهُ إنْزالُ القُرْآنِ لا تَصِحُّ إلّا أنْ فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ إقْناطًا مِن حُصُولِ الإيمانِ لِأحَدٍ بِما يَقْتَرِحُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى مَن لَمْ يُفِدْ فِيهِ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ﴾ بِفاءِ السَّبَبِ ﴿يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن إيمانِ مُقْتَرِحِي الآياتِ بِما يَقْتَرِحُونَ لِعِلْمِهِمْ ﴿أنَّ﴾ أيْ بِأنَّهُ ﴿لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ - هِدايَةُ كُلِّ أحَدٍ مَشِيئَةً مُقْتَرِنَةً بِوُجُودِهِ ﴿لَهَدى النّاسَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ اللّامَ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ بِأيْسَرَ مَشِيئَةٍ، والعِلْمُ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ اليَأْسَ مِن خِلافِهِ، (p-٣٤٤)لَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ جَمِيعًا فَلَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَهُ، فَلا يَزالُ فَرِيقٌ مِنهم كافِرًا، فَقَدْ وضَّحَ أنَّ ﴿يَيْأسِ﴾ عَلى بابِها، وكَذا في البَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلى أنَّها بِمَعْنى“عَلِمَ" يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ألَمْ تَيْأسُوا عَنْ أذايَ أوْ عَنْ قَتْلِي عِلْمًا مِنكم بِأنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمَ، فَلا يَضِيعُ لِي ثَأْرٌ، وكَذا قِراءَةُ عَلَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أفَلَمْ - يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا - أيْ أنَّ أهْلَ الضَّلالِ لا يُؤْمِنُونَ لِآيَةٍ مِنَ الآياتِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّ الأمْرَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وأنَّ إيمانَهم لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلى غَيْرِ مَشِيئَتِهِ.
ولَمّا عَلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم لا يُؤْمِنُ، ضاقَتْ صُدُورُ المُؤْمِنِينَ (p-٣٤٥)لِذَلِكَ لَمّا يُعايِنُونَهُ مِن أذى الكُفّارِ فَأتْبَعَهُ ما يُسَلِّيهِمْ عاطِفًا عَلى ما قَدَّرَتْهُ مِن نَتِيجَةِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَقالَ:﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ضِياءَ عُقُولِهِمْ ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾ أيْ مِمّا مُرِّنُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ حَتّى صارَ لَهم طَبْعًا ﴿قارِعَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٍ تُزْعِجُهم بِالنِّقْمَةِ مِن بَأْسِهِ عَلى يَدِ مَن يَشاءُ، وهو مِنَ الضَّرْبِ بِالمِقْرَعَةِ ﴿أوْ تَحُلُّ﴾ أيْ تَنْزِلُ نُزُولًا ثانِيًا تِلْكَ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ أيْ فَتُوهِنُ أمْرَهم ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِفَتْحِ مَكَّةَ أوْ بِالنَّصْرِ عَلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يُبْقِي عَلى الأرْضِ كافِرًا، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأزْمانِ كَزَمَنِ فَتْحِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى خاصًّا بِالبَعْضِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ أيِ الوَعْدِ ولا زَمانُهُ ولا مَكانُهُ؛ والوَعْدُ: عَقْدُ الخَبَرِ بِتَضَمُّنِ النَّفْعِ، والوَعِيدُ: عَقْدُهُ بِالزَّجْرِ والضُّرِّ، والإخْلافُ: نَقْضُ ما تَضَمَّنَ الخَبَرُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
الرعد 13:32
ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالمُوحِي وما أوْحاهُ إلَيْهِ وما اشْتَدَّ (p-٣٤٦)تَعَلُّقُهُ بِهِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَأْسِيَةً بِالمُوحى إلَيْهِ ﷺ، لِأنَّ الحاثَّ عَلى تَمَيُّزِ الإجابَةِ إلى الآياتِ المُقْتَرَحاتِ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ مِن أدْنى الخَلْقِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِرُسُلٍ﴾
ولَمّا كانَ الإرْسالُ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الأزْمانِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ لِعَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالمُقْتَرَحاتِ؛ والِاسْتِهْزاءُ: طَلَبُ الهُزُوءِ، وهو الإظْهارُ خِلافُ الإضْمارِ لِلِاسْتِصْغارِ ﴿فَأمْلَيْتُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ ذَلِكَ أنِّي أمْلَيْتُ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أمْهَلْتُهم في خَفْضٍ وسِعَةٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها، أيْ يَمُدُّ في المَرْعى، ولَمْ أجْعَلْ ذَلِكَ سَبَبًا لِإجابَتِهِمْ إلى ما اقْتَرَحُوا ولا مُعاجَلَتَهم بِالعَذابِ فِعْلُ الضَّيِّقِ الفَطِنِ ”ثُمَّ“ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ ﴿أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ أخْذِ قَهْرٍ وانْتِقامٍ ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ فَكانَ أخْذِي لَهم سَبَبًا لِأنْ يُسْألَ مَن كانَ يَسْتَبْطِئُ رُسُلَنا أوْ يُظَنُّ بِنا تَهاوُنًا بِهِمْ، فَيُقالُ لَهُ: كَيْفَ ﴿كانَ عِقابِ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِمّا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ والتَّقْرِيرِ، [و - ] في ضِمْنِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
الرعد 13:33
(p-٣٤٧)فَلَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الثَّوابِ والعِقابِ وخَفَّضَهُ الأرْضِينَ ورَفَعَهُ السَّماواتِ ونَصَبَهُ الدَّلالاتِ بِباهِرِ الآياتِ البَيِّناتِ - أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ أمْرٌ ما، وتَحَرَّرَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ في قَبْضَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ ولَمّا كانَ القِيامُ دالًّا عَلى الِاسْتِعْلاءِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أيْ صالِحَةٍ وغَيْرِها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ - يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ وغَيْرِهِما - كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ، مِثْلَ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لَيْسَ لَها قِيامٌ عَلى شَيْءٍ [أصْلًا- ].
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ اسْتِعْظامًا لِهَذا السُّؤالِ: مَنِ الَّذِي تَوَهَّمَ أنَّ لَهُ مَثَلًا؟ فَقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا [ بِهِ - ] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شُرَكاءَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ لِـ ”مِن“ خَبَرَ مَعْناهُ: لَمْ يُوَحِّدُوهُ، ويَعْطِفْ عَلَيْهِ ﴿وجَعَلُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بِأسْمائِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ، فَإنَّهم إذا سَمُّوهم وعَرَفْتَ حَقائِقَهم أنَّها حِجارَةٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَرْكَزُ العَجْزِ ومَحَلُّ الفَقْرِ، عَرَفَ ما هم عَلَيْهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ورَكاكَةِ الآراءِ، ثُمَّ قُلْ لَهُمْ: أرْجَعْتُمْ عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْرارِ بِأنَّهم مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أيْ تُخْبِرُونَهُ إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مِن كَوْنِها آلِهَةً بِبُرْهانٍ قاطِعٍ.
(p-٣٤٨)﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ تُقالُ بِالفَمِ، وكُلُّ ما لا يَعْلَمُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا مَضى في قَوْلِهِ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] في أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ شَبَهَهُ فِيها ظُهُورُ ما، وهَذِهِ الأسالِيبُ مُنادِيَةٌ عَلى الخِلْقِ بِالعَجْزِ، وصادِحَةٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ قاطِعٌ ولا قَوْلٌ ظاهِرٌ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ أيْ وقَعَ التَّزْيِينُ بِأمْرِ [مَن - ] لا يُرَدُّ أمْرُهُ عَلى يَدِ مَن كانَ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ لَهُمْ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي دَلّاهم إلى اعْتِقادِ الباطِلِ، وهو سَتْرُ ما أدّى إلَيْهِ بُرْهانُ العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِدَلِيلِ النَّقْلِ ﴿مَكْرُهُمْ﴾ أيْ أمْرُهُمُ الَّذِي أرادُوا بِهِ ما يُرادُ بِالمَكْرِ مِن إظْهارِ شَيْءٍ وإبِطانِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم أظْهَرُوا أنَّ شُرَكاءَهم آلِهَةً حَقًّا، وهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِهِمْ في الباطِنِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ، وأظْهَرُوا أنَّهم يَعْبُدُونَها لِتَقَرُّبِهِمْ إلى اللَّهِ زُلْفى ولِتَشْفَعَ لَهُمْ، أوْ أنَّهم غَيَّرُوا في وجْهِ الحَقِّ بِما خَتَلُوا (p-٣٤٩)[بِهِ الضُّعَفاءَ] وتَمادى بِهِمُ الحالُ حَتّى اعْتَقَدُوهُ حَقًّا.
ومادَّةُ [مَكَرَ - ] بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ: مَكَرَ، رَكَمَ، رَمَكَ، كَرَمَ، كَمَرَ؛ تَدُورُ عَلى التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ، فالمَكْرُ: الخَدِيعَةُ، قالُوا: وهو الِاحْتِيالُ بِما لا يَظْهَرُ، فَإذا ظَهَرَ فَذَلِكَ الكَيْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِاجْتِهادُ في ضَمِّ أشْتاتِ الأمْرِ لِسَتْرِ ما يُرادُ، فَمِنَ الضَّمِّ المَكْرُ الَّذِي هو حُسْنُ خَدالَةِ السّاقِ أيِ امْتِلائِها، ويَلْزَمُ مِنهُ خَصْبُ البَدَنِ ونِعْمَتُهُ، وكانَ مِنهُ المَكْرُ - لِضَرْبٍ مِنَ النَّباتِ، والواحِدَةُ مَكْرَةٌ، سُمِّيَتْ مَكْرَةً لِارْتِوائِها، أبُو حَنِيفَةَ: المَكْرُ مِن عُشْبِ القَيْظِ، وهي عُشْبَةٌ غَبْراءُ لَيْسَ فِيها ورَقٌ، وهو يَنْبُتُ في السَّهْلِ والرَّمْلِ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالسّاقِ لِخُلُوِّهِ مِنَ الوَرَقِ أوْ لِأنَّهُ لَغَبْرَتِهِ وتَجَرُّدِهِ كالمَسْتُورِ، والمَكْرُ: طِينٌ أحْمَرُ يُشَبَّهُ بِالمَغْرَةِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الكَدِرَةِ، والمِكَرَّةِ مِنَ البَسْرِ: الَّتِي لَيْسَتْ بِرَطْبَةٍ ولَكِنَّ فِيها لِينٌ - كَأنَّها سُمِّيَتْ بِهِ لِكَوْنِ لَوْنِها حِينَئِذٍ يَأْخُذُ في الكَدِرَةِ؛ والرُّكَمُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَهو مَرْكُومٌ ورُكامٌ، وتَراكُمُ الشَّيْءِ - إذا تَكاثَفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مَظِنَّةُ الخَفاءِ، (p-٣٥٠)والرُّكَمَةُ: الطِّينُ المَجْمُوعُ وكَذا التُّرابُ المَجْمُوعُ، وقالَ: وجَزَّ عَنْ مَرَّتِكُمُ الطَّرِيقَ - يُرِيدُ المَحَجَّةَ، لِأنَّ تُرابَها [تَلَبَّدَ فاشْتَدَّ] تَلَبُّدُهُ، والرَّمَكُ والرُّمْكَةُ - بِالضَّمِّ - مِن ألْوانِ الإبِلِ وهو أكْدَرُ مِنَ الوَرَقَةِ وهو لَوْنٌ خالَطَتْ غُبْرَتُهُ سَوادًا، فَهو أرْمَكُ - لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخَفاءٍ ما فِيهِ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الرّامِكِ، وهو أخْلاطٌ تُخْلَطُ بِالمِسْكِ فَتُجْعَلُ سَكًّا، ورَمَكَ الرَّجُلُ بِالمَقامِ - إذا أقامَ بِهِ، لِأنَّهُ يَسْتُرُهُ بِنَفْسِهِ وأمْتِعَتِهِ ويَسْتَتِرُ هو فِيهِ، وأرْمَكَتْ غَيْرِي - إذا ألْزَمَتْهُ مَكانًا يُقِيمُ فِيهِ، والرَّمَكَةُ: الأُنْثى مِنَ البَراذِينِ - فارِسِيٌّ مُعْرِبٌ، لِأنَّها تَسْتُرُ أصالَةَ العَرَبِيِّ إذا ولَدَتْهُ، ورَمْكانٌ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ - مَعْرِفَةً، ويُقالُ: رَمَكَ الرَّجُلُ - إذا هَزَلَ وذَهَبَ ما في يَدِهِ فَسَتَرَ عَنْهُ أوْ صارَ هو مَسْتُورًا بَعْدَ أنْ كانَ بِحُسْنِ حالِهِ مَشْهُورًا، ورَمَكْتُ البازِي والصَّقْرَ تَرْمِيكًا - إذا أشَرْتُ إلَيْهِ بِالطَّيْرِ لِأنَّكَ سَلَبْتَ عَنْهُ السِّتْرَ؛ واليَرْمُوكُ: مَكانٌ بِهِ لَهَبٌ عَظِيمٌ، يَسْتُرُ ما يَكُونُ فِيهِ؛ والكِرِيمُ: ضِدُّ اللَّئِيمِ، وهو البَخِيلُ المَهِينُ النَّفْسِ، (p-٣٥١)والخَسِيسُ الآباءِ، فَإذا كانَ شَحِيحًا ولَمْ تَجْتَمِعْ [لَهُ - ] هَذِهِ الخِصالُ قِيلَ لَهُ: بَخِيلٌ، ولَمْ يَقُلْ: لَئِيمٌ، فالكَرِيمُ إذَنْ مِن سَتَرَ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها، وتَكَرَّمَ - إذا تَنَزَّهَ عَنِ الدَّناءَةِ ورَفْعَ نَفْسَهُ عَنْها، وأصْلُ الكَرَمِ في اللُّغَةِ: الفَصْلُ والرِّفْعَةُ، فَإذا قالُوا: فُلانٌ كَرِيمٌ، فَإنَّما يُرِيدُونَ رَفِيعًا فاضِلًا، فَيَلْزَمُ الكَرَمُ سِتْرُ العُيُوبِ، واللَّهُ الكَرِيمُ أيِ الفاضِلُ الرَّفِيعُ - كَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وقِيلَ: الصَّفُوحُ عَنِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَمُنُّ إذا أعْطى، وإذا قالُوا: فَلانٌ أكْرَمُ قَوْمِهِ، فَإنَّما يُرِيدُونَ: أرْفَعُهم مَنزِلَةً وأفْضَلُهم قَدْرًا، وكُلُّ هَذا يَلْزَمُ [مِنهُ - ] السَّخاءُ وسَتْرُ الذُّنُوبِ، ومِن هَذا قِيلَ: فَرَسٌ كَرِيمٌ، وشَجَرَةٌ كَرِيمَةٌ - إذا كانَتْ أرْفَعَ مِن نَظائِرِها وأفْضَلَ،
﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ رَفِيعٍ شَرِيفٍ - كَأنَّهُ أطْلَقَ هُنا عَلى ما فِيهِ مُجَرَّدُ فَضْلٍ تَشْبِيهًا بِالكَرِيمِ في جُزْءِ المَعْنى، وكارَمْتُ الرَّجُلَ: فَعَلَ كُلُّ مِنّا في حَقِّ صاحِبِهِ مُقْتَضى الكَرَمِ، والكَرْمُ: شَجَرُ العِنَبِ ولا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ، والكُرُومُ: قَلائِدٌ تَتَّخِذُها النِّساءُ كالمُخانِقِ، لِدَلالَتِها عَلى قَدْرِ صاحِبَتِها، والكَرامَةُ: طَبَقٌ يُوضَعُ عَلى رَأْسِ الحُبِّ - لِأنَّهُ غِطاءُهُ، ولا يُغَطّى إلّا ما لَهُ فَضْلٌ، و[ مِنهُ - ] يَقُولُونَ: لَكَ الحُبُّ والكَرامَةُ، والكَرَمُ: القَصِيرُ مِنَ (p-٣٥٢)الرِّجالِ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِطَبَقِ الحَبِّ؛ والكَمَرَةُ - مُحَرِّكَةٌ: طَرَفُ قَضِيبِ الإنْسانِ خاصَّةً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَتْرِها القُلْفَةُ، ورَجُلُ مَكْمُورٌ - إذا قَطَعَ الخاتِنُ كُمْرَتُهُ، وتَكامَرَ الرَّجُلانِ - إذا تَكابِرا بَأيِرِيهِما، وقالَ في القامُوسِ: وتَكامَرا: نَظَرا أيُّهُما أعْظَمُ كُمْرَةً، والكُمْرِي: الرَّطْبُ ما لَمْ يُرَطَّبْ عَلى شَجَرِهِ، بَلْ سَقَطَ بِسْرًا فَأُرَطَّبَ في الأرْضِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَكُونُ أكْدَرَ مِمّا يُرَطَّبُ عَلى الشَّجَرِ، وهو أيْضًا يُشْبِهُ الكُمْرَةَ في تَكْوِينِها، والكَمْرِي عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ: الرَّجُلُ القَصِيرُ، كَأنَّهُ شُبِّهِ بِالرَّطْبَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: وهو اسْمُ مَكانٍ.
ولَمّا ذَكَرَ تَزْيِينَ مَكْرِهِمْ، أتْبَعُهُ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وصُدُّوا﴾ أيْ فَلَزِمُوا ما زُيِّنَ لَهُمْ، أوْ فَمَكَرُوا بِهِ حَتّى ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وصَدُّوا غَيْرَهُمُ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ الَّذِي لا يُقالُ لِغَيْرِهِ سَبِيلٌ وهو المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ غَيْرَهُ جَوْرٌ وتِيهٌ وحَيْرَةٌ فَهو عَدَمٌ، بَلِ العَدَمُ أحْسَنُ مِنهُ، فَلَمْ يَسْلُكُوا السَّبِيلَ ولا تَرَكُوا غَيْرَهم يَسْلُكُهُ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا، لَيْسَ ذَلِكَ بِعَجَبٍ فَإنَّ اللَّهَ أضَلَّهم ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِإرادَةِ ضَلالِهِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
الرعد 13:34
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا لَهم عَلى ما فَعَلُوا مِن ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: (p-٣٥٣)﴿لَهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴿عَذابٌ﴾ وهو الألَمُ المُسْتَمِرُّ، ومِنهُ العَذْبُ لِأنَّهُ يَسْتَمِرُّ في الحَلْقِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ شاقٌّ، بِمُمانَعَةِ حِزْبِ اللَّهِ لَهم في صَدِّهِمْ عَنِ السَّبِيلِ إلى ما يَتَّصِلُ بِذَلِكَ مِن قَتْلٍ وأسْرٍ، ولَهم في الآخِرَةِ إنْ ماتُوا عَلى ذَلِكَ عَذابٌ ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَقُّ﴾ أيْ أشَدُّ في المَشَقَّةِ، وهي غِلَظُ الأمْرِ عَلى النَّفْسِ بِما يَكادُ يُصَدَّعُ القَلْبُ ﴿وما لَهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿مِن واقٍ﴾ أيْ مانِعٍ يَمْنَعُهم إذا أرادَ بِهِمْ سُوءًا في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ، والواقِي فاعِلُ الوِقايَةِ، وهي الحَجَرُ بِما يَدْفَعُ الأذِيَّةَ.
الرعد 13:35
ولِما تَوَعَّدَهم عَلى تَفْرِيطِهِمْ في جانِبِ اللَّهِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما لِأضْدادِهِمْ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لِمَن عاداهم في اللَّهِ؟ فَقِيلَ: الجَنَّةُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما هِيَ؟ فَقِيلَ: إنَّها في الجَلالِ، وعُلُوِّ الجِمالِ، وكَرَمِ الخِلالِ، مِمّا تَعالى عَنِ المَنالِ، إلّا بِضَرْبِ الأمْثالِ، فَقِيلَ: ما مِثْلُها؟ فَقِيلَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ حُصُولُ الوَعْدِ الصّادِقِ ولا سِيَّما وقَدْ عَلِمَ أنَّ الوَعْدَ هو اللَّهُ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ما أقُصُّ عَلَيْكُمْ، وهو أنَّها بَساتِينُ: قُصُورٌ وأشْجارٌ، (p-٣٥٤)فَقالَ الزَّجّاجُ: الخَبَرُ جَنَّةٌ مُخْبَرٌ عَنْها بِما ذَكَرَ لِيَكُونَ تَمْثِيلًا لِما غابَ عَنّا بِما نُشاهِدُ ﴿تَجْرِي﴾ ولِما كانَتْ - لَوْ عَمَّها الماءُ الجارِي - بَحْرًا لا بَساتِينَ، أدْخَلَ الجارَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ خاصٌّ بِبَعْضِ أرَضِيها فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ قُصُورِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾ وقِيلَ: هَذا المَذْكُورُ هو الخَبَرُ كَما تَقُولُ: صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ.
ولَمّا كانَ هَذا رَيًّا حَقِيقِيًّا في أرْضٍ هي في غايَةِ الخُلُوصِ والطِّيبِ، كانَ سَبَبًا لِدَوامِ ثَمَرِها واسْتِمْساكِ ورِقِها، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿أُكُلُها﴾ أيْ ثَمَرُها الَّذِي يُؤْكَلُ ﴿دائِمٌ﴾ لا يَنْقَطِعُ أبَدًا ﴿وظِلُّها﴾ لَيْسَ كَما في الدُّنْيا، لا يَنْسَخُ بِشَمْسٍ ولا غَيْرِها، قالَ أبُو حَيّانٍ: تَقُولُ: مَثَّلَتُ الشَّيْءَ - إذا وصَفَتْهُ وقَرَّبَتْهُ لِلْفَهْمِ، ولَيْسَ هَذا ضَرْبُ مَثَلٍ، فَهو كَقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] أيِ الصِّفَةِ العُلْيا - كَذا قالَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، ويَكُونُ هُناكَ مَحْذُوفٌ، وهو جَنَّةٌ مِن جِنانِ الدُّنْيا تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ - إلى آخِرِهِ، وهو مِن قَوْلِ الزَّجّاجُ.
ثُمَّ ابْتَدَأ إخْبارًا آخَرَ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها وتَفْخِيمًا لِأمْرِها في قَوْلِهِ تَعالى.
(p-٣٥٥)﴿تِلْكَ﴾ أيِ الجَنَّةُ العالِيَةُ الأوْصافِ ﴿عُقْبى﴾ أيْ آخِرِ أمْرٍ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ثُمَّ كَرَّرَ الوَعِيدَ لِلْكافِرِينَ فَقالَ: ﴿وعُقْبى﴾ أيْ مُنْتَهى أمْرٍ ﴿الكافِرِينَ﴾ بِالرَّحْمَنِ، المُتَضَمِّنُ لِلْكُفْرِ [بِالوَحْيِ] والمُوحى إلَيْهِ ﴿النّارُ﴾
الرعد 13:36
ولِما وصَفَ العالِمَيْنِ بِأنَّ المَنزِلَ إلَيْهِ هو الحَقُّ بِرَجاحَةِ العُقُولِ وأصالَةِ الأداءِ المُؤَدِّيَةِ إلى الصَّلاحِ المُوجِبِ لِكُلِّ سَعادَةٍ، والكافِرِينَ بِهِ بِضَعْفِ العُقُولِ الدّافِعِ إلى الفَسادِ المُوصِلِ إلى سُوءِ الدّارِ، ومَرَّ فِيما يُلائِمُهُ إلى أنْ خَتْمَهُ بِمِثْلِ ما خَتَمَ بِهِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ - ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اتِّصالُهُ بِما قَبْلَهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ الآيَةِ السّالِفَةِ، تَقْدِيرُهُ: لِأنَّهم ساءَهم ما أُنْزِلُ إلَيْهِ حَسَدًا وجَهْلًا -: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي اسْتَنْقَذَتْهم مِنَ الضَّلالِ ﴿الكِتابَ﴾ ولَمْ يَكْفُرُوا بِالرَّحْمَنِ ولا بِما أنْزَلَ ولا بِمَن أرْسَلَ ﴿يَفْرَحُونَ بِما﴾ ولَمّا كانَ المُنَزَّلُ دالاًّ بِإعْجازِهِ عَلى المَنزِلِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ مِن هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ لِمُوافَقَتِهِ تِلْكَ الكُتُبِ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ كُلَّهُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ، وتَخْصِيصَهم لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالكِتابِ دُونَ غَيْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ ما أُنْزِلَ إلّا إلَيْهِمْ، وهَذا العَطْفُ (p-٣٥٦)يُرَجِّحُ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ هُناكَ مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ ﴿ومِنَ الأحْزابِ﴾ مِن أهْلِ الأوْثانِ والكُتّابِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ كالتَّوْحِيدِ ونَعْتِ الإسْلامِ ونُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِمّا حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ، ويُرِيدُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ تابِعًا فِيهِ لِغَرَضِهِ، فالمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ أنْ يَمْدَحَ آلِهَتَهم في بَعْضِ الآياتِ أوْ أنْ يُسْقِطَ وصْفَها بِالعَيْبِ، واليَهُودُ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ ما يُوافِقُ فُرُوعَ التَّوْراةِ كَما أنْزَلَ ما وافَقَ الأُصُولِ، ويُنْكِرُونَ النَّسْخَ، وأهَّلُ الإنْجِيلِ يُرِيدُونَ أنْ يَنْزِلَ في المَسِيحِ ما يَهْوَوْنَ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ قالَ المُفَسِّرُونَ: كانُوا لا يُنْكِرُونَ الأقاصِيصَ وبَعْضَ الأحْكامِ والمَعْلِ مِمّا هو ثابِتٌ في كُتُبِهِمْ غَيْرَ مُحَرَّفٍ، فَلِكُفْرِهِمْ بِذَلِكَ البَعْضِ أمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم بِاعْتِقادِهِ كَفَرُوا أوْ شَكَرُوا فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أُمِرْتُ﴾ أيْ وقَعَ الأمْرُ الجازِمُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا تَغَيُّرَ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ مِثْلُهُ وحْدَهُ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ لا أفْعَلُ إلّا ما يَأْمُرُنِي بِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سِواهُ، دِينِي مَقْصُورٌ عَلى ما أنْكَرْتُمُوهُ ﴿إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿أدْعُو وإلَيْهِ﴾ خاصَّةً ﴿مَآبِ﴾ أيْ إيابِي (p-٣٥٧)ومَكانُهُ وزَمانُهُ، مَعْنى بِالتَّوْبَةِ عِنْدَ الفُتُورِ عَنِ القِيامِ بِحَقِّهِ، وحَسًّا بِالبَعْثِ لِلْجَزاءِ؛ والكِتابُ: الصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيها الخَطُّ - وهو الكِتابَةُ، وهي تَأْلِيفُ الحُرُوفِ الَّتِي تُقْرَأُ في الصَّحِيفَةِ، والفَرَحُ: لَذَّةُ القَلْبِ الَّتِي تَجْلِي الهَمَّ بِنِيلِ المُشْتَهى، والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّتِيِ تَقُومُ بِالنّائِبَةِ.
الرعد 13:37
ولَمّا بَيَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن مَراتِبِ الإعْجازِ ما بَيَّنَتْ، أتْبَعَ تَعالى ذِكْرَ ما أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ هَذا الإنْزالِ، البَدِيعُ المِثالِ، البَعِيدُ المَنالِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿كَذَلِكَ أرْسَلْناكَ﴾ [الرعد: ٣٠] أوْ مِثْلَ إنْزالِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ حالَ كَوْنِهِ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أيْ مُمْتَلِئًا حِكْمَةً تَقْضِي بِالحَقِّ، فائِقًا لِجَمِيعِ الكُتُبِ بِهَذا الوَصْفِ؛ والحُكْمُ: القَطْعُ بِالمَعْنى عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، وهو أيْضًا فَصْلُ الأمْرِ عَلى الحَقِّ؛ فالمَعْنى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِ شَيْءٍ مِنهُ، فَإنَّ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ هو الحُكْمُ، وما لَيْسَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحُكْمٍ، والعَرَبِيُّ: الجارِي عَلى مَذاهِبِ العَرَبِ في كَلامِها، فَلا تَلْتَفِتُ إلى ما تَدْعُوهم إلَيْهِ أهَوِيَتُهم فَيَقْتَرِحُونَهُ مِن تَأْيِيدِكَ بِمُلْكٍ أوْ إتْحافِكَ بِكَنْزٍ أوْ تَرْكِكَ لِبَعْضِ ما يُوحى إلَيْكَ مِن سَبْبِ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ (p-٣٥٨)وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن طَلَباتِهِمُ الَّتِي لَوْ أتَيْتُهم بِها لَمْ يَكُونُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ - هَذا في عُبّادِ الأوْثانِ، وكَذا في أهْلِ الكِتابِ فِيما يَدْعُونَ إلَيْهِ مِنَ العُودِ إلى قِبْلَتِهِمْ ونَحْوَهُ ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِنَ النَّسْخِ أوْ غَيْرِهِ في القِبْلَةِ أوْ غَيْرِها ولا سِيَّما مِمّا يَطْلُبُونَهُ مِنَ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهم وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٥] الآيَةُ. ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ في الزَّمانِ، نَزَعَ الجارَّ، وأتى بِـ ”ما“ لِأنَّها أعَمُّ مِنَ ”الَّذِي“ وأشَدُّ إبْهامًا، فَهي الخَفِيُّ مَعْنًى، فَناسَبَ سِياقَ الوَحْيِ الَّذِي هو غَيْبٌ، ومَعْناهُ غامِضٌ - إلّا لِبَعْضِ الأفْرادِ - في الأغْبِياءِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ الأوْلى فَإنَّها في المِلَّةِ الإبْراهِيمِيَّةِ المُدْرَكَةِ بِنُورِ العَقْلِ النّاشِئِ عَنْ نَظَرِ المَحْسُوساتِ فَقالَ: ﴿بَعْدَما جاءَكَ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ أنْعَمَ عَلَيْهِ ﷺ بِأشْياءَ غَيْرِ العِلْمِ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ أيْ بِالوَحْيِ بِأنَّ ذَلِكَ الِاتِّباعَ لا يَرُدُّهم سَواءٌ كانَ [ذَلِكَ] الِاتِّباعِ في أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أوْ فُرُوعِها خَفِيَّةً كانَتْ أوْ جَلِيَّةً.
(p-٣٥٩)ولَمّا كانَ المَشْرُوطُ اسْتِغْراقَ جَمِيعِ زَمانِ البُعْدِ بِاتِّباعِ الأهْواءِ، قالَ: ﴿ما لَكَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ ناصِرٍ يَتَوَلّى [مَن] نَصَرَكَ وجَمِيعُ أمْرِكَ ما يَتَوَلّاهُ القَرِيبُ مَعَ قَرِيبِهِ. ولَمّا كانَ مَدْلُولُ ”ما“ أعَمُّ مِن مَدْلُولِ ”الَّذِي“ لِشُمُولِها الظّاهِرَ والخَفِيَّ، وكانَ مَن خالَفَ الخَفِيَّ أعْذَرَ مِمَّنْ خالَفَ الظّاهِرَ، نَفى الأخَصَّ مِنَ النَّصِيرِ فَقالَ: ﴿ولا واقٍ﴾ أيْ يَقِيكَ بِنَفْسِهِ فَيَجْعَلُها دُونَ نَفْسِكَ، وقَدْ يُوجَدُ مِنَ الأنْصارِ مَن لا يَسْمَعُ بِذَلِكَ، وهَذا بَعْثٌ لِلْأُمَّةِ وتَهْيِيجٌ عَلى الثَّباتِ في الدِّينِ والتَّصَلُّبِ فِيهِ، والهَوى - مَقْصُورًا: مَيْلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، والعِلْمُ: تَبِينُ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ.
الرعد 13:38
ولَمّا حُسِمَتِ الأطْماعُ عَنْ إجابَتِهِمْ رَجاءَ الِاتِّباعِ أوْ خَشْيَةَ الِامْتِناعِ، وكانَ بَعْضُهم قَدْ قالَ: لَوْ كانَ نَبِيًّا شَغَلَتْهُ نُبُوَّتُهُ عَنْ كَثْرَةِ التَّزَوُّجِ، كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ الخَبَرِ عَمّا كانَ لِلرُّسُلِ في نَحْوِ ذَلِكَ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿رُسُلا﴾ ولَمّا كانَتْ أزْمانُ الرُّسُلِ غَيْرَ عامَّةٍ لِزَمانِ القَبْلِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ ولَمْ نَجْعَلْهم مَلائِكَةً بَلْ جَعَلْناهم بَشَرًا، ”و“ أثْقَلْنا ظُهُورَهم بِما يَدْعُو إلى (p-٣٦٠)المُداراةِ والمُسالَمَةِ بِإرْضاءِ الأُمَمِ في بَعْضِ أهْوائِهِمْ، أوْ فَصْلِ الأمْرِ عِنْدَ تَحَقُّقِ المُصارَمَةِ بِإنْجازِ الوَعِيدِ بِأنْ ”جَعْلنا“ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿لَهم أزْواجًا﴾ أيْ نِساءً يَنْكِحُونَهُنَّ؛ والزَّوْجُ: القَرِينُ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو هُنا الأُنْثى ”وذَرِّيَّةٌ“ وهي الجَماعَةُ المُتَفَرِّقَةُ بِالوِلادَةِ عَنْ أبٍ واحِدٍ في الجُمْلَةِ، وفَعَلَ بِهِمْ أُمَمُهم ما يُفْعَلُ بِكَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، فَما اتَّبَعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا مِن أهْواءِ أُمَّتِهِ ”و“ لَمْ نَجْعَلْ إلَيْهِمُ الإتْيانَ بِما يَقْتَرِحُ المُتَعَنِّتُونَ مِنَ الآياتِ تالِفًا لَهُمْ، بَلْ ﴿وما كانَ لِرَسُولٍ﴾ أيْ رَسُولٍ كانَ ﴿أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ مُقْتَرَحَةٍ أوْ آيَةٍ ناسِخَةٍ لِحُكْمٍ مِن أحْكامِ شَرِيعَتِهِ أوْ شَرِيعَةٍ مِن قَبْلِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَإنَّ الأُمُورَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ [عَلى] غَيْرِ نِظامٍ ولا مُفْرِطًا فِيها ولا ضائِعًا شَيْءٌ مِنها [بَلْ] ﴿لِكُلِّ أجَلٍ﴾ أيْ غايَةِ أمْرٍ قَدَّرَهُ وحْدَهُ لِأنْ يَكُونُ عِنْدَهُ أمْرُ مِنَ الأُمُورِ ”كِتابٌ“ قَدْ أثْبَتَ فِيهِ أنَّ أمْرَ كَذا يَكُونُ في وقْتِ كَذا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ والأحْكامِ والإيَتانِ بِالآياتِ وغَيْرِها، إثْباتًا ونَسْخًا عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، والحِكْمَةُ اقْتَضَتْ أنَّ النُّبُوَّةَ يَكْفِي في إثْباتِها مُعْجِزَةٌ واحِدَةٌ، وما زادَ عَلى ذَلِكَ فَهو إلى المَشِيئَةِ؛
الرعد 13:39
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ مَحْوِهِ (p-٣٦١)مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِها بِالنَّسْخِ فَيَرْفَعُهُ ﴿ويُثْبِتُ﴾ ما يَشاءُ إثْباتَهُ مِن ذَلِكَ بِأنْ يُقِرَّهُ ويَمْضِيَ حُكْمُهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] كُلُّ ذَلِكَ بِحَسَبِ المَصالِحِ التّابِعَةِ لِكُلِّ زَمَنٍ، فَإنَّهُ العالِمُ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في الرِّسالَةِ: يَمْحُو فَرْضَ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ فَرْضَ ما يَشاءُ. وإثْباتُ واوِ ”يَمْحُوا“ في جَمِيعِ المَصاحِفِ مُشِيرٌ - بِما ذَكَرَ أهْلُ اللَّهِ مِن أنَّ الواوَ مَعْناهُ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ - إلى أنَّ بَعْضَ المَمْحُواتِ تَبْقى آثارُها عالِيَةً، فَإنَّهُ قَدْ يَمْحُو عُمْرَ شَخْصٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ لَهُ آثارٌ جَمِيلَةٌ، فَيُبْقِيها سُبْحانَهُ ويَنْشُرُها ويُعْلِيها، وقَدْ يَمْحُو شَرِيعَةً يَنْسَخُها ويَبْقى مِنها آثارًا صالِحَةً تَدُلُّ عَلى ما أُثْبِتَ مِنَ الشَّرِيعَةِ النّاسِخَةِ لَها، وأمّا حَذْفُها بِاتِّفاقِ المَصاحِفِ أيْضًا في ﴿ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] في الشُّورى مَعَ أنَّهُ مَرْفُوعٌ أيْضًا، فَلِلْبِشارَةِ بِإزْهاقِ الباطِلِ إزْهاقًا هو النِّهايَةُ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِمُشابَهَةِ الفِعْلِ بِالأمْرِ المُقْتَضِي لِتَحَتُّمِ الإيقاعِ بِغايَةٍ الاتْقانِ والدِّفاعِ، وقالَ: ﴿وعِنْدَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ ”أُمُّ“ أيْ أصْلُ ﴿الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] لِمَن وهْمُهُ مُقَيِّدٌ بِأنَّ الحِفْظَ بِالكِتابَةِ، وهو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ الَّذِي هو أصْلٌ كُلِّ كِتابٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ (p-٣٦٢)غَيْرُ مَرَّةٍ أنَّهُ الكِتابُ المُبِينُ الَّذِي هو بِحَيْثُ يُبَيِّنُ كُلَّ ما طَلَبَ عِلْمَهُ مِنهُ كُلَّما طَلَبَ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هُما كِتابانِ: كِتابٌ سِوى أُمِّ الكِتابِ، يَمْحُو مِنهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ، وأُمُّ الكِتابِ الَّذِي لا يُغَيَّرُ مِنهُ شَيْءٌ - انْتَهى. والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ يَكُونُ في أُمِّ الكِتابِ أنّا نَفْعَلُ كَذا - وإنْ كانَ في الفَرْعِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى شَرِيعَةٍ دُونَ أُخْرى، فَإذا نَقَضَتِ الشَّرِيعَةُ الأُولى فَإنّا نَمْحُوهُ في أجْلِ كَذا، أوْ يَكُونُ المَعْنى: يَمْحُو ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ الكِتابِ بِأنْ يَعْدَمَ مَضْمُونَهُ بَعْدَ الإيجادِ، ويُثْبِتَ ما يَشاءُ بِأنْ يُوجِدَهُ مِنَ العَدَمِ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ؛ قالَ الرّازِّي في اللَّوامِعِ: وقَدْ أكْثَرُوا القَوْلَ فِيها، وعَلى الجُمْلَةِ فَكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ المَشِيئَةُ مِنَ الكائِناتِ فَهو بَيْنُ مَحْوٍ وإثْباتٍ، مَحْوٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الَّتِي ارْتَفَعَتْ، إثْباتٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الصُّورَةِ الثّانِيَةِ، والقَضاءُ الأزَلِيُّ، والمَشِيئَةُ الرَّبّانِيَّةُ مَصْدَرُ هَذا المَحْوِ والإثْباتِ، فَلِذَلِكَ هو القَضاءُ وهَذا هو القَدْرُ، فالقَضاءُ مَصْدَرُ القَدْرِ، والقَدْرُ مَظْهَرُ القَضاءِ، واللَّهُ تَعالى وصِفاتُهُ مُنَزَّةٌ عَنِ التَّغَيُّرِ.
الرعد 13:40
ولَمّا تَمَّ ما أرادَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِتَألُّفِهِمْ، وخَتَمَ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَفْعَلُ (p-٣٦٣)ما يَشاءُ مِن تَقْدِيمٍ وتَأْخِيرٍ ومَحْوٍ وإثْباتٍ، وكانَ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ وطَلَباتِهِمُ اسْتِهْزاءُ اسْتِعْجالِ السَّيِّئَةِ مِمّا تَوَعَّدُوا بِهِ، وكانَتِ النَّفْسُ رُبَّما تَمَنَّتْ وُقُوعَ ذَلِكَ لِلْبُعْضِ وإثْباتَهُ لِيُؤْمِنَ غَيْرُهُ تَقْرِيبًا لِفَصْلِ النِّزاعِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإنْ ما نُرِيَنَّكَ﴾ أكَّدَهُ لِتَأْكِيدِ الإعْلامِ بِأنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ في ضَلالَةِ مَن ضَلَّ [بَعْدَ] إبْلاغِهِ، نَفِيًا لِما يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ ﷺ شِدَّةُ رَحْمَتِهِ لَهم وشَفَقَتُهُ عَلَيْهِمْ مِن ظَنٍّ أنَّهُ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّهم إلى الحَقِّ حَتْمًا ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ وأنْتَ حَيٌّ مِمّا تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ أصْحابُكَ، فَصَلَ الأمْرَ بِهِ فَثَبَتَ وُقُوعُهُ إقْرارًا لِأعْيُنِكم قَبْلَ وفاتِكَ؛ والوَعْدُ: الخَبَرُ عَنْ خَيْرٍ مَضْمُونٍ، والوَعِيدُ: الخَبَرُ عَنْ شَرٍّ مَضْمُونٍ، والمَعْنى هاهُنا عَلَيْهِ، وسَمّاهُ وعْدًا لِتَنْزِيلِهِمْ إيّاهُ في طَلَبِ نُزُولِهِ مَنزِلَةَ الوَعْدِ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ أنْ نُرِيَكَ ذَلِكَ، وهو مَمْحُوُّ الأثَرِ لَمْ يَتَحَقَّقْ، فالَّذِي عَلَيْكَ والَّذِي إلَيْنا مُسْتَوٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كِلْتا الحالَتَيْنِ ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ﴾ وهو إمْرارُ الشَّيْءِ إلى مُنْتَهاهُ، وهو هُنا الرِّسالَةُ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تُحارِبَهم ولا أنْ تَأْتِيَهم بِالمُقْتَرَحاتِ ﴿وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ وهو جَزاءُ كُلِّ عامِلٍ بِما عَمِلَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَنا القُوَّةُ التّامَّةُ عَلَيْهِ؛ والآيَةُ (p-٣٦٤)مِنَ الِاحْتِباكِ - كَما مَضى بَيانُ ذَلِكَ في مِثْلِها مِن [سُورَةِ يُونُسَ] عَلَيْهِ السَّلامُ.
الرعد 13:41
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ في تَحْقِيقِ أنَّهُ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى الجَزاءِ لِمَن أرادَ: ألَمْ يَرَوْا أنا أهْلَكَنا مَن قَبِلَهم وكانُوا أقْوى مِنهم شَوْكَةً وأكْثَرَ عِدَّةً؟ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ الَّتِي هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ إتْيانٍ؟ فَقِيلَ: إتْيانُ البَأْسِ إذا أرَدْنا، والرَّحْمَةُ إذا أرَدْنا ﴿نَنْقُصُها﴾ والنَّقْصُ: أخْذُ شَيْءٍ مِنَ الجُمْلَةِ تَكُونُ بِهِ أقَلَّ ﴿مِن أطْرافِها﴾ بِما يَفْتَحُ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ مِمّا يَزِيدُ بِهِ في أرْضِ أهْلِ الإسْلامِ بِقَتْلِ بَعْضِ الكُفّارِ واسْتِسْلامِ البَعْضِ حَتّى يُبِيدَ أهْلَها عَلى حَسَبِ ما نُعْلِمُهُ حِكْمَةً مِن تَدْبِيرِ الأُمُورِ وتَقْلِيبِها حالًا إلى حالٍ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى مُسْتَقَرِّها بَعْدَ الحِسابِ في دارِ ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَغْزُونَ ما يَلِي المَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ مِن أطْرافِ بِلادِ الكُفّارِ كَما أرْشَدَ تَعالى إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فَيَفْتَحُونَها أوَّلًا فَأوَّلًا حَتّى دانَ العَرَبُ كُلُّهم طَوْعًا أوْ كَرْهًا بَعْدَ قَتْلِ السّادَةِ وذُلِّ القادَةِ - واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ والطَّرَفُ: (p-٣٦٥)المُنْتَهى، وهو مَوْضِعٌ مِنَ الشَّيْءِ لَيْسَ وراءَهُ مِنهُ شَيْءٌ، وأطْرافُ الأرْضِ: جَوانِبُها، وكانَ يُقالُ: [الأطْرافُ]: مَنازِلُ الأشْرافِ، يَطْلُبُونَ القُرْبَ عَلى الأضْيافِ؛ ثُمَّ أثْبَتَ لِنَفْسِهِ تَعالى أمْرًا كُلِّيًّا يَنْدَرِجُ ذَلِكَ فِيهِ، فَقالَ لافِتًا الكَلامَ مِن أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ بِالعَظَمَةِ إلى غَيْبَةٍ هي أعْظَمُ العَظَمَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَحْكُمُ﴾ ما يُرِيدُ لِأنَّهُ ﴿لا مُعَقِّبَ﴾ أيْ رادَّ، لِأنَّ التَّعْقِيبَ: رَدُّ الشَّيْءِ بَعْدَ فَصْلِهِ ﴿لِحُكْمِهِ﴾ وقَدْ حَكَمَ لِلْإسْلامِ بِالغَلَبِ والإقْبالِ، وعَلى الكُفْرِ بِالِانْتِكاسِ والإدْبارِ، وكُلُّ مِن حَكَمَ عَلى غَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ فَلَيْسَ بِحاكِمٍ، وذَلِكَ كافٍ في الخَوْفِ مِن سَطَواتِ قُدْرَتِهِ ﴿وهُوَ﴾ مَعَ تَمامِ القُدْرَةِ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ جَزاءُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ عَمَلٍ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَفُوتَهُ شَيْءٌ فَلا بُدَّ مِن لِقاءِ جَزائِهِ، وكُلُّ ما هو آتٍ سَرِيعٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ يَعُدُّ لِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن عَدْلٍ أوْ فَضْلٍ حِينَ صُدُورِهِ، لا يَحْتاجُ إلى زَمانٍ يَنْظُرُ فِيهِ ما جَزاءُهُ؟ ولا: هَلْ عَمِلَ أوْ لا؟ لِأنَّهُ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ والسُّرْعَةُ: عَمَلُ الشَّيْءِ في قِلَّةِ المُدَّةِ عَلى ما تَحُدُّهُ الحِكْمَةُ، والإبْطاءُ: عَمَلُهُ في طُولِ مُدَّةٍ خارِجَةٍ عَنِ الحِكْمَةِ، والسُّرْعَةُ مَحْمُودَةٌ، والعَجَلَةُ مَذْمُومَةٌ، وهو تَعالى قادِرٌ عَلى الكَفَرَةِ وإنْ كانُوا (p-٣٦٦)كالقاطِعِينَ بِأنَّهم يَغْلِبُونَ، لِما لَهم مِنَ القُوَّةِ والكَثْرَةِ، مَعَ جَوْدَةِ الآراءِ وحِدَّةِ الأفْكارِ والقُدْرَةِ بِالأمْوالِ وإنِ اشْتَدَّ مَكْرُهُمْ، فَهو لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، فَقَدْ مَكَرُوا بِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ ثُمَّ لَمْ أزِدْكَ إلّا عُلُوًّا
الرعد 13:42
﴿وقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بِالمَكَرَةِ إنَّما هو بَعْضُ النّاسِ في بَعْضِ الزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ بِالرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ، فَكانَ مَكْرُهم وبالًا عَلَيْهِمْ، فَطَوى في هَذِهِ الجُمْلَةِ مَكْرَهُمُ الَّذِي اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ [غَيْرَ] مَرَّةٍ وأتْقَنُوهُ بِزَعْمِهِمْ، فَكانَ سَبَبُ الرِّفْعَةِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ وذُلِّ الشِّرْكِ وأهْلِهِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ المَطْوِيُّ بِواوِ العَطْفِ في قَوْلِهِ ﴿وقَدْ﴾ وطَوى في الكَلامِ السّابِقِ إهْلاكَ الأُمَمِ الماضِيَةِ في الِاسْتِدْلالِ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى الجَزاءِ الَّذِي هو رُوحِ الحِسابِ ودَلَّ عَلَيْهِ بِواوِ العَطْفِ في ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ [الرعد: ٤١] فَتَأمَّلْ هَذا الإبْرازَ في قَوالِبِ الإعْجازِ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ: ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ خاصَّةً ﴿المَكْرُ جَمِيعًا﴾ والمَكْرُ: الفَتْلُ عَنِ البُغْيَةِ بِطَرِيقِ الحِيلَةِ، ويَلْزَمُهُ السَّتْرُ - كَما مَضى بَيانُهُ، ولا شَيْءَ أسْتُرُ عَنِ العِبادِ مِن أفْعالِهِ تَعالى: فَلا طَرِيقَ لَهم إلى عِلْمِها (p-٣٦٧)إلّا مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، وسُمِّي فِعْلُهُ مَكْرًا مَجازًا لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ مَكْرِهِمْ جَزاءً لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ عِلْمَ المَكْرِ مِنَ الماكِرِ مَكَّنَ حَيْثُ لا يَشْعُرُ أدَقَّ المَكْرِ ﴿ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِن مَكْرٍ وغَيْرِهِ، فَيُجازِيهِمْ إذا أرادَ بِأنْ يَنْتِجَ عَنْ كُلِّ سَبَبٍ أقامُوهُ مُسَبِّبًا يَكُونُ ضِدَّ ما أرادُوا، ولا تُمَكِّنُهم إرادَةَ شَيْءٍ إلّا بِإرادَتِهِ، فَسَتَنْظُرُونَ ماذا يَحِلُّ بِهِمْ مِن بَأْسِهِ بِواسِطَتِكم أوْ بِغَيْرِها حَتّى تَظْفَرُوا بِهِمْ فَتُبِيدُوهم أجْمَعِينَ ﴿وسَيَعْلَمُ الكُفّارُ﴾ أيْ كُلُّ كافِرٍ بِوَعْدٍ لا خَلَفَ فِيهِ، إنْ كانَ مِنَ الجَهْلِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُ الأشْياءَ إلّا بِالتَّصْرِيحِ أوِ الحِسِّ ﴿لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾ حِينَ نَأْتِيهِمْ ضِدَّ مُرادِهِمْ؛ والكَسْبُ: الفِعْلُ لِاجْتِلابِ النَّفْعِ أوْ دَفْعِ الضُّرِّ.
الرعد 13:43
ولَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الرعد: ٧] عَطْفٌ عَلَيْهِ - بَعْدَ شَرْحِ ما اسْتَتْبَعَهُ - قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الرعد: ٢٧] أيْ أوْجَدُوا الكُفْرَ ولَوْ عَلى أدْنى الرُّتَبِ، قَوْلًا عَلى سَبِيلِ التِّكْرارِ: ﴿لَسْتَ مُرْسَلا﴾ لِكَوْنِكَ لا تَأْتِي بِمُقْتَرَحاتِهِمْ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: إنَّهُ قادِرٌ عَلَيْها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما أقُولُ لَهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ كَفى﴾ (p-٣٦٨)والكِفايَةُ: وُجُودُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارِ الحاجَةِ؛ ومَعْنى الباءُ في ”بِاللَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ - التَّأْكِيدُ، لِأنَّ الفِعْلَ جازَ أنْ يُضافَ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ إذا أُمِرَ بِهِ أُزِيلَ هَذا الِاحْتِمالُ مِن وجْهَيْنِ: جِهَةُ الفاعِلِ وجِهَةُ صَرْفِ الإضافَةِ ”شَهِيدًا“ أيْ بَلِيغِ العِلْمِ في شَهادَتِهِ بالاطِّلاعِ عَلى ما ظَهَرَ وما بَطُنَ ﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ يَشْهَدُ بِتَأْيِيدِ رِسالَتِي وتَصْحِيحِ مَقالَتِي بِما أظْهَرَ لِي مِنَ الآيَةِ وأوْضَحَ مِنَ الدَّلالَةِ بِهَذا الكِتابِ، ويَشْهَدُ بِتَكْذِيبِكم بِادِّعائِكُمُ القُدْرَةَ عَلى المُعارَضَةِ وتَرْكِكم لَها عَجْزًا، وهَذا عَلى مَراتِبِ الشَّهادَةِ، لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ يُفِيدُ غَلَبَةَ الظَّنِّ بِأنَّ الأمْرَ كَما شُهِدَ بِهِ، والمُعْجِزَةَ فِعْلٌ مَخْصُوصٌ يُوجِبُ القَطْعَ بِأنَّ ما جاءَتْ لِأجْلِهِ كَما هو ﴿ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ مِمّا أنْزَلَهُ فِيهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ والخَبَرِ عَمّا كانَ يَكُونُ عَلى نَحْوٍ مَنِ الأسالِيبِ ونَمَطٍ مِنَ المَناهِجِ أخْرَسَ الفُصَحاءَ، وأبْكَمَ البُلَغاءَ، وأبْهَتَ الحُكَماءَ، وهو اللَّهُ تَعالى، تَأْيِيدًا وتَحْقِيقًا لِدَعْوايَ، ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ بِهِ ”اللَّهُ“ قِراءَةُ ”مِن“ عَلى أنَّها جارَةٌ، وفي سَوْقِهِ هَكَذا عَلى طَرِيقِ الإبْهامِ مِن تَرْوِيعِ النَّفْسِ [بِهَزِّها إلى تَطَلُّبِ المُتْصَفِ بِهَذا الوَصْفِ ما لَيْسَ في التَّعْيِينِ، فَهو إذَنْ كَدَعْوى الشَّيْءِ] مَقْرُونًا بِدَلِيلِهِ، فَقَدِ انْطَبَقَ هَذا الآخَرُ عَلى أوَّلِ السُّورَةِ في أنَّ المَنزِلَ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ وأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
إبراهيم 14:1
(p-٣٦٩)سُورَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ
”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالكَمالِ، وعَزَّ [عَنْ] أنْ يَكُونَ لَهُ كُفُوٌ أوْ مِثالٌ ”الرَّحْمَنُ“ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ بِكِتابٍ هو الغايَةُ في البَيانِ ”الرَّحِيمُ“ الَّذِي اخْتارَ مِن عِبادِهِ مَن ألْزَمَهم رُوحَ وِدادِهِ ﴿الر﴾ مَقْصُودُ السُّورَةِ التَّوْحِيدُ، وبَيانُ أنَّ هَذا الكِتابَ غايَةُ البَلاغِ إلى اللَّهِ، لِأنَّهُ كافِلٌ بِبَيانِ الصِّراطِ الدّالِّ عَلَيْهِ المُؤَدّى إلَيْهِ. ناقِلٌ - بِما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ - لِلْخَلْقِ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَرْفُ الرّاءِ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَرامِ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أمّا التَّوْحِيدُ فَواضِحٌ أمّا أمْرُ الكِتابِ فَلِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ دُعائِهِ لِذَرِّيَّتِهِ الَّذِينَ أسْكَنَهم عِنْدَ البَيْتِ المُحَرَّمِ مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ”﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]
ولَمّا خَتَمَ الرَّعْدَ بِأنَّهُ لا شَهادَةَ تُكافِئُ شَهادَةً مِن عِنْدِهِ، عِلْمُ الكِتابِ إشارَةٌ إلى أنَّ الكِتابَ هو الشّاهِدُ بِإعْجازِهِ بِبَلاغَتِهِ وما حَوى مِن (p-٣٧٠)فُنُونِ العُلُومِ، وأتى بِهِ في ذاكَ السِّياقِ مُعَرَّفًا لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ في البَقَرَةِ وغَيْرِها ثُمَّ تَكَرَّرَ وصْفُهُ في [سُورَةِ يُونُسَ وهُودٍ ويُوسُفَ والرَّعْدِ] بِأنَّهُ حَكِيمٌ مُحْكِمٌ مُفَصِّلٌ مُبِيِّنٌ، وأنَّهُ الحَقُّ الثّابِتُ الَّذِي تَزُولُ الجِبالُ الرَّواسِي وهو ثابِتٌ لا يَتَّعْتَعُ شَيْءٌ مِنهُ. ولا يُزَلْزَلُ مَعْنى مِن مَعانِيهِ، ذَكَرَهُ في أوَّلِ [هَذِهِ] السُّورَةِ مُنْكِرًا تَنْكِيرَ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿كِتابٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ في دَرَجاتٍ مِنَ العَظَمَةِ. لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكُمُ الإخْبارَ عَنْها بِغَيْرِ هَذا الوَصْفِ، ودَلَّ تَعْلِيلُ وصْفِهِ بِالمُبِينِ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ“إلَيْكَ" بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم.
ولَمّا اسْتَجْمَعَ التَّعْرِيفَ بِالأوْصافِ المُوجِبَةِ لِلْفَلاحِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ المُسْتَدِلِّ عَلَيْها بِكُلِّ بُرْهانٍ مُنِيرٍ وسُلْطانٍ مُبِينٍ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ عَنِ اجْتِناءِ ثَمَرَتِهِ مَن وقَفَ عَلى حَقائِقَ تِلْكَ النُّعُوتِ، شَوَّقَ إلى تِلْكَ الثَّمَرَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ ما في أوَّلِ البَقَرَةِ في الَّتِي قَبْلِها كَما مَضى بِما يُحِثُّ عَلَيْهِ ويُقْبِلُ بِقَلْبِ كُلِّ عاقِلٍ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ﴾ أيْ عامَّةِ قَوْمِكَ وغَيْرِهِمْ بِدُعائِكَ إيّاهم بِهِ وإنْ كانُوا ذَوِي اضْطِرابٍ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ الَّتِي هي أنْواعٌ كَثِيرَةٌ (p-٣٧١)مِنَ الضَّلالاتِ الَّتِي أدَّتْ إلَيْها الجَهالاتُ ﴿إلى النُّورِ﴾ الَّذِي هو واحِدٌ، وهو سَبِيلُ اللَّهِ المَدْعُو بِالهِدايَةِ إلَيْهِ في الفاتِحَةِ، أوْ لِتُبَيِّنَ لِلْعَرَبِ قَوْمَكَ لِأنَّهُ بِلِسانِهِمْ بَيانًا شافِيًا، فَتَجْعَلُهم - بِما تُقِيمُ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ السّاطِعَةِ، وتُوَضِّحُ لَهم مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ، وتَنْصُبُ لَهم مِنَ الأعْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَحْكُمُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ الباهِرَةِ - في مِثْلِ ضَوْءِ النَّهارِ بِما فَتَحَ مِن مُقْفَلِ أبْصارِهِمْ، وكَشَفَ عَنْ أغْطِيَةِ قُوبِهِمِ، فَيَكُونُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن أنْ يَخْرُجُوا مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ الَّتِي هي طُرُقُ الشَّيْطانِ إلى نُورِ الإيمانِ الَّذِي هو سَبِيلُهُ ﴿ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وشَبَّهَ الإيمانَ وما أرْشَدَ إلَيْهِ بِالنُّورِ، لِأنَّهُ عِصْمَةُ العَقْلِ مِنَ الخَطَأِ في الطَّرِيقِ إلى اللَّهِ كَما أنَّ النُّورَ عِصْمَةُ البَصَرِ مِنَ الضَّلالِ عَنِ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ، وإذا خَرَجُوا إلى النُّورِ كانُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يُخْرِجُوا جَمِيعَ النّاسِ ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ والإذْنُ: الإطْلاقُ في الفِعْلِ بِقَوْلٍ يُسْمَعُ بِالأُذُنِ، هَذا أصْلُهُ - قالَهُ الرُّمانِيُّ.
ولَمّا كانَ النُّورُ مُجْمَلًا، بَيَّنَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ أوِ البَدَلِ بِتَكْرِيرِ العامِلِ فَقالَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ﴾ الَّذِي تَعالى عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ (p-٣٧٢)فَعَزَّ [عَنْ] أنْ يَدْخُلَ أحَدٌ صِراطَهُ الَّذِي هو رَبُّهُ، أوْ يَتَعَرَّضُ [أحَدٌ] إلى سالِكِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ﴿الحَمِيدِ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكَمالِ، فَهو المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ لِذاتِهِ وبِما يَفِيضُ عَلى عِبادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يُرَبِّيهِمْ ويَتَحَمَّدُ إلَيْهِمْ بِها عَلى كُلِّ حالٍ، فَكَيْفَ إذا سَلَكُوا سَبِيلَهُ الواضِحَ الواسِعَ السَّهْلَ! .
إبراهيم 14:2
ولَمّا أضافَ طَرِيقَ النَّجاةِ إلى وصْفَيْنِ يَجُوزُ إطْلاقُ كُلٍّ مِنهُما عَلى الخَلْقِ، بَيْنَهُما بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ العِلْمِ عَلى الِاسْتِئْنافِ في قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ بِالرَّفْعِ. وعَلى أنَّهُ عَطْفُ بَيانٍ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ لِأنَّهُ جَرى مَجْرى الأسْماءِ الأعْلامِ لِاخْتِصاصِهِ بِالمَعْبُودِ بِحَقٍّ ووَصَفَهُ بِما اقْتَضى تَوْحِيدُهُ، فَقالَ: ”اللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْسامِ العالِيَةِ مِنَ الأراضِي وغَيْرِها. ولَمّا كانَ في سِياقِ الدَّلالَةَ عَلى الخالِقِ وإثْباتِ تَوْحِيدِهِ، أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ مَعَ صِلَتِهِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ فَوَيْلٌ لِمَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا مِنهُما أوْ فِيهِما، فَإنَّهُ لا أبْيَنُ مِن أنَّ ما كانَ مَمْلُوكًا لا يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ شَرِيكًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَوَأْلٌ ونَجاةٌ وسَلامَةٌ لِمَنِ اهْتَدى بِهِ فَخَرَجَ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ ”ووَيْلٌ“ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الهَلاكِ، يَنْصِبُ نَصْبَ المَصادِرِ ثُمَّ يَرْفَعُ (p-٣٧٣)رَفْعِها لِإفادَةِ أنَّ مَعْنى الهَلاكِ - وهو ضِدُّ الوَأْلِ الَّذِي هو النَّجاةُ - ثابِتٌ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ الَّذِينَ سَتَرُوا أدِلَّةَ عُقُولِهِمْ ﴿مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ تَتَضاعَفُ آلامُهُ وقُوَّتُهُ؛ والشِّدَّةُ: تَجَمُّعٌ يَصْعُبُ مَعَهُ التَّفْكِيكُ.
إبراهيم 14:3
ولَمّا أشارَ إلى ما لِلْكافِرِينَ، وصَفَهم بِما عاقَهم عَنْ قَبُولِ الخَيْرِ وتَرْكِهِمْ في أوْدِيَةِ الشَّرِّ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ أيْ يَطْلُبُونَ أنْ يُحِبُّوا أوْ يُوجِدُونَ المَحَبَّةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مُتابَعَةً لِلْهَوى ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وهي النَّشْأةُ الأُولى الَّتِي هي دارُ الِارْتِحالِ، مُؤْثِرِينَ لَها ﴿عَلى الآخِرَةِ﴾ أيِ النَّشْأةِ الأُخْرى الَّتِي هي دارُ المَقامِ، وذَلِكَ بِأنْ يُتابِعُوا أنْفُسَهم عَلى حُبِّها حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم طالِبُونَ لِذَلِكَ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ بِالإرادَةِ؛ والمَحَبَّةُ: مَيَّلُ الطِّباعِ إلى الشَّيْءِ بِالشَّهْوَةِ، فَهم يَمْتَنِعُونَ خَوْفًا عَلى دُنْياهُمُ الَّتِي مِنها رِئاسَتِهِمْ عَنْ سُلُوكِ الصِّراطِ ”و“ يَضُمُّونَ إلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَصُدُّونَ“ أيْ يُعْرِضُونَ بِأنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ والسَّبِيلُ: المَذْهَبُ المُهَيَّأُ لِلسُّلُوكِ ”و“ يَزِيدُونَ (p-٣٧٤)عَلى ذَلِكَ أنَّهم ”يَبْغُونَها“ أيْ يَطْلُبُونَ لَها، حَذَفَ الجارَّ وأوْصَلَ الفِعْلَ تَأْكِيدًا لَهُ ﴿عِوَجًا﴾ والعِوَجُ: مَيْلٌ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، وهو بِكَسْرِ العَيْنِ في الدِّينِ والأمْرِ والأرْضِ، وبِالفَتْحِ في كُلِّ ما كانَ قائِمًا كالحائِطِ والرُّمْحِ ونَحْوَهُما ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ عَنِ الحَقِّ، إسْنادٌ مَجازِيٌّ، لِأنَّ البَعِيدَ أهْلُ الضَّلالِ بِمَيْلِهِمْ عَنِ الباقِي إلى الفانِي وبِطَلَبِهِمُ العِوَجَ فِيما قَوَّمَهُ اللَّهُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا.
إبراهيم 14:4
ولَمّا قَدَّمَ [ما أفْهَمُ] أنَّهُ أرْسَلَهُ ﷺ بِلِسانِ قَوْمِهِ إلى النّاسِ كافَّةٍ لِأنَّ اللِّسانَ العَرَبِيَّ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأجْمَعُها وأفْصَحُها وأبْيَنُها، فَكانَ في غايَةِ العَدالَةِ، وخَتَمَ بِأنَّ السَّبِيلَ إلَيْهِ في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ والِاعْتِدالِ، دَلَّ عَلى شَرَفِ هَذا اللِّسانِ لِصَلاحِيَتِهِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِ لِسانِ كُلُّ مِنَ الرُّسُلِ بِقَوْمِهِ، فَلِذَلِكَ أتْبَعُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا في العَظَمَةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ ﴿إلا بِلِسانِ﴾ أيْ لُغَةِ ”قَوْمِهِ“ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِما يُرِيدُونَ ”لِيُبَيِّنَ“ أيْ بَيانًا شافِيًا ﴿لَهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ أنّا أرْسَلْناكَ بِكِتابٍ عَرَبِيٍّ بِلِسانِ قَوْمِكَ لِتُبَيِّنَ لَهم (p-٣٧٥)ولِجَمِيعِ الخُلُقِ، فَإنَّ لِسانَكَ أسْهَلُ الألْسِنَةِ وأعْذَبُها، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ [إبراهيم: ١] بِالتَّقْدِيرِ الَّذِي تَقَدَّمَ، فَإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّهُ لا مانِعَ حِينَئِذٍ لِأُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ عَلى هَذا الصِّراطِ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ ﴿فَيُضِلُّ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ يَضِلُّ ”اللَّهَ“ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿مَن يَشاءُ﴾ إضْلالَهُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ هَذا اهْتِمامًا بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ خالِقُ الشَّرِّ كَما أنَّهُ خالِقُ الخَيْرِ مَعَ أنَّ السِّياقَ لِذَمِّ الكافِرِينَ الَّذِينَ هم رُؤُوسُ أهْلِ الضَّلالِ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَتَهُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ هو المُضِلُّ الهادِي، وأمّا الرُّسُلُ فَمُبَيِّنُونَ مُلْزِمُونَ لِلْحُجَّةِ تَمْيِيزًا لِلضّالِّ مِنَ المُهْتَدِي ﴿”وهُوَ“﴾ أيْ وحْدُهُ ﴿”العَزِيزُ“﴾ الَّذِي لا يُرامُ ما عِنْدَهُ إلّا بِهِ، ولا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ ﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَنْقَضُّ ما دَبَّرَهُ، فَلِذَلِكَ دَبَّرَ بِحِكْمَتِهِ إرْسالُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ إلى الخَلْقِ كافَّةً بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، لِأنَّ المَقْصُودَ جَمْعُ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ، فَجَمَعَهم عَلى لِسانٍ واحِدٍ أنْسَبَ ما يَكُونُ لِذَلِكَ، ولَوْ أُنْزِلَ بِألْسِنَةِ كُلِّها لَكانَ مُنافِيًا لِهَذا المَقْصُودِ، وإنْ كانَ مَعَ الإعْجازِ بِكُلِّ لِسانٍ كانَ قَرِيبًا مِنَ الإلْجاءِ فَيَفُوتُ الإيمانُ بِالغَيْبِ، ويُؤَدِّي أيْضًا إلى ادِّعاءِ أهْلِ كُلِّ لِسانٍ (p-٣٧٦)أنَّ التَّعْبِيرَ [عَنْهُ] بِلِسانِهِمْ أعْظَمُ، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إلى المُفاخَرَةِ والعَصَبِيَّةِ المُؤَدِّي إلى أشَدِّ الفُرْقَةِ، وأنْسَبُ الألْسِنَةِ لِسانُ قَوْمِ الرَّسُولِ لِأنَّهُمْ، أقْرَبُ إلَيْهِ، فَيَكُونُ فَهْمُهم لِأسْرارِ شَرِيعَتِهِ [و]وُقُوفُهم عَلى حَقائِقِها أسْهَلَ، ويَكُونُونَ عَنِ الغَلَطِ والخَطَأِ أبْعَدَ، فَإذا فَهِمُوا عَنْهُ دَعَوْا مَن يَلِيهِمْ بِالتَّراجِمَةِ وهَلُمَّ جَرا، فانْتَشَرَ الأمْرُ وعَمَّ وسَهُلَ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ أبْعَدَ مِنَ التَّحْرِيفِ وأسْلَمَ مِنَ التَّنازُعِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا كانَتْ [سُورَةُ الرَّعْدِ] عَلى ما تُمَهِّدُ بِأنْ كانَتْ تِلْكَ الآياتُ والبَراهِينُ الَّتِي سَلَفَتْ فِيها لا يُبْقى مَعَها شَكٌّ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِها لِتَعْظِيمِ شَأْنِها وإيضاحِ أمْرِها، قالَ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١] أيْ إذا [هُمْ] تَذَكَّرُوا بِهِ واسْتَبْصَرُوا بِبَراهِينِهِ وتَدَبَّرُوا آياتِهِ ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ﴾ [الرعد: ٣١] ولَمّا كانَ هَذا الهُدى والضَّلالُ كُلُّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى مَشِيئَتِهِ سُبْحانَهُ وسابِقُ إرادَتِهِ وقَدْ قالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] قالَ تَعالى هُنا ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ [إبراهيم: ١] إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] تَمَّ (p-٣٧٧)بَسْطُها في [سُورَةِ الرَّعْدِ]، أعْلَمَ هُنا أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ لَهُ ومُلْكِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢] فالسَّماواتُ والأرْضُ بِجُمْلَتِهِما وما فِيهِما مِن عَظِيمِ ما أوْضَحَ لَكُمُ الِاعْتِبارُ بِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لَهُ مُلْكًا وخَلْقًا واخْتِراعًا،
﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣] ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢] لِعِنادِهِمْ مَعَ وُضُوحِ الأمْرِ وبَيانِهِ ﴿ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٣] مَعَ وُضُوحِ السَّبِيلِ وانْتِهاجِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ وكَأنَّ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وذَلِكَ أنَّ الكُفّارَ لَمّا حَمَلَهُمُ الحَسَدُ والعِنادُ وبَعُدَ الفَهْمُ بِما جُبِلَ عَلى قُلُوبِهِمْ وطُبِعَ عَلَيْها عَلى أنْ أنْكَرُوا كَوْنَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ حَتّى قالُوا: ﴿أبَشَرٌ يَهْدُونَنا﴾ [التغابن: ٦] ﴿ما أنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ [يس: ١٥] وحَتّى قالَتْ قُرَيْشٌ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨] ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] فَما كَثُرَ هَذا مِنهم وتَبَعَ خَلْفُهم في هَذا سَلَفَهُمْ، رَدَّ تَعالى أزْعامَهم وأبْطَلَ تَوَهُّمَهم في آياتٍ ورَدَتْ عَلى التَّدْرِيجِ (p-٣٧٨)فِي هَذا الغَرَضِ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَأوَّلُ الوارِدِ مِن ذَلِكَ في مَعْرِضِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وعَلى تَرْتِيبِ سُوَرِ الكِتابِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢] الآيَةُ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ تَعالى بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ والتَّدْبِيرِ والرُّبُوبِيَّةِ، وفي طَيٍّ ذَلِكَ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ لِأنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومُلْكُهُ، وأنَّهُ العَلِيمُ بِوَجْهِ الحِكْمَةِ في إرْسالِ الرُّسُلِ وكَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ، فَأرْغَمَ اللَّهُ تَعالى بِمَضْمُونِ هَذِهِ الآيِ كُلَّ جاحِدٍ مُعانِدٍ؛ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى في [سُورَةِ هُودٍ] قَوْلَ قَوْمِ نُوحٍ ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] الآيَةُ وجَوابَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨] أيْ أنِّي وإنْ كُنْتُ في البَشَرِيَّةِ مِثْلُكم فَقَدْ خَصَّنِي اللَّهُ بِفَضْلِهِ وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ وبُرْهانًا عَلى ما جِئْتُكم بِهِ عَنْهُ، وفي هَذِهِ [القِصَّةِ] أعْظَمُ عِظَةٍ، ثُمَّ جَرى هَذا لِصالِحٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، ودَيْدَنَ الأُمَمُ أبَدًا مَعَ أنْبِيائِهِمُ ارْتِكابَ هَذِهِ المَقالاتِ، وفِيها مِنَ الحَيْدِ والعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَتِهِمْ ما لا يَخْفى وما هو شاهِدٌ عَلى تَعَنُّتِهِمْ، ثُمَّ زادَ سُبْحانَهُ [تَعالى] (p-٣٧٩)نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيفًا بِأحْوالِ مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لِيَسْمَعَ ذَلِكَ مَن جَرى لَهُ مِثْلَ ما جَرى لَهم فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] وأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذا لا يَحُطُّ شَيْئًا مِن مَناصِبِهِمْ، بَلْ هو واقِعٌ في قِيامِ الحُجَّةِ عَلى العِبادِ. ثُمَّ تَلا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ﴾ أيْ لِيَكُونَ أبْلَغَ في الحُجَّةِ وأقْطَعَ لِلْعُذْرِ، فَرُبَّما كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ اخْتِلافِ الألْسِنَةِ: لا نَفْهَمُ عَنْهُمْ، إذْ قالُوا ذَلِكَ مَعَ اتِّفاقِ اللُّغاتِ، فَقَدْ قالَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] هَذا وهو عَلَيْهِ السَّلامُ يُخاطِبُهم بِلِسانِهِمْ فَكَيْفَ لَوْ كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ بَلْ لَوْ خالَفَتِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الأُمَمَ في التَّبَتُّلِ وعَدَمِ اتِّخاذِ الزَّوْجاتِ والأوْلادِ واسْتِعْمالِ الأغْذِيَةِ وغَيْرِها مِن مَأْلُوفاتِ البَشَرِ لَكانَ مُنْفِرًا، فَقَدْ بانَ وجْهُ الحِكْمَةِ في كَوْنِهِمْ مِنَ البَشَرِ [ولَوْ كانُوا مِنَ المَلائِكَةِ لَوَقَعَ النِّفارُ والشُّرُودُ لِافْتِراقِ الجِنْسِيَّةِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٩] أيْ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلَيْهِمْ لِئَلّا يَقَعَ تَنافُرٌ فَكَوْنُهم مِنَ البَشَرِ] أقْرَبُ وأقْوَمُ لِلْحُجَّةِ. ولَمّا كانَتْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ عامَّةً، كانَ (p-٣٨٠)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُخاطِبُ كُلَّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ العَرَبِ بِلِسانِها ويُكَلِّمُها بِما تَفْهَمُ، وتَأمَّلْ كَمْ بَيْنَ كِتابِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ لِأنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الصَّدَقَةِ وكِتابِهِ إلى وائِلِ بْنِ حَجَرٍ مَعَ اتِّحادِ الغَرَضِ، ولِلْكِتابَيْنِ نَظائِرٌ يُوقِفُ عَلَيْها في مَظانِّها، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى الجَمِيعِ، واسْتَمَرَّ باقِي [سُورَةِ إبْراهِيمَ ] عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى التَّعْرِيفِ بِحالِ مُكَذِّبِي الرُّسُلِ ووَعِيدِ مَن خالَفَهم وبَيانِ بَعْضِ أهْوالِ الآخِرَةِ وعَذابِها انْتَهى.
إبراهيم 14:5
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الرُّسُلُ بِما ذَكَرَهُ، تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ شَيْءٍ مِن أخْبارِهِمْ، فابْتَدَأ بِذِكْرٍ مِن كِتابِهِ أجَلُّ كِتابٍ بَعْدَ القُرْآنِ هُدًى لِلنّاسِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ، وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، وتَثْبِيتًا وتَصْبِيرًا عَلى أذى قَوْمِهِ، وإرْشادًا إلى ما فِيهِ الصَّلاحُ في مُكالَمَتِهِمْ، فَقالَ مَصْدَرًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى بِآياتِنا﴾ أيِ البَيِّناتِ؛ ثُمَّ فَسَّرَ الإرْسالَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ أيِ الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةً عَلى مُغالَبَةِ الأُمُورِ (p-٣٨١)﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ أيْ أنْواعِ الجَهْلِ ﴿إلى النُّورِ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ ﴿وذَكِّرْهُمْ﴾ أيْ تَذْكِيرًا عَظِيمًا ﴿بِأيّامِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ مِن وقائِعِهِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنحِ لِأوْلِيائِهِ والمِحَنِ لِأعْدائِهِ كَما أرْسَلْناكَ لِذَلِكَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ التَّذْكِيرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وعَظَمَتِهِ ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ أيْ بَلِيغِ الصَّبْرِ بِبَلاءِ اللَّهِ، قالَ في العَوارِفِ: وقالَ أبُو الحَسَنِ بْنِ سالِمٍ: هم ثَلاثَةٌ: مُتَصَبِّرٌ، وصابِرٌ، [وصَبّارٌ]، فالمُتَصَبِّرُ مَن صَبَرَ في اللَّهِ، فَمَرَّةً يَصْبِرُ ومَرَّةً يَجْزَعُ، والصّابِرُ مَن يَصْبِرُ في اللَّهِ [ولِلَّهِ] ولا يَجْزَعُ ولَكِنْ يَتَوَقَّعُ مِنهُ الشَّكْوى، وقَدْ يُمَكِّنُ مِنهُ الجَزَعُ، فَأمّا الصَّبّارُ فَذَلِكَ الَّذِي صَبَّرَهُ اللَّهُ في اللَّهِ ولِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَهَذا لَوْ وقَعَ عَلَيْهِ جَمِيعُ البَلايا لا يَجْزَعُ ولا يَتَغَيَّرُ مِن جِهَةِ الوُجُوبِ والحَقِيقَةِ، لا مِن جِهَةِ الرَّسْمِ (p-٣٨٢)والخَلِيقَةِ، وإشارَتُهُ في هَذا ظُهُورُ حُكْمِ العِلْمِ فِيهِ مَعَ ظُهُورِ صِفَةِ الطَّبِيعَةِ.
﴿شَكُورٍ﴾ أيْ عَظِيمِ الشُّكْرِ لِنَعْمائِهِ، فَإنَّ أيّامَهُ عِنْدَ أوْلِيائِهِ لا تَخْلُو مِن نِعْمَةٍ أوْ نِقْمَةٍ، وفي صِيغَةِ المُبالَغَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ عادَتَهُ تَعالى جَرَتْ بِأنَّهُ إنَّما يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ بَعْدَ طُولِ الِامْتِحانِ بِعَظِيمِ البَلاءِ لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ ﴿حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف: ١١٠] ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] وذَلِكَ أنَّهُ لا شَيْءَ أشَقُّ عَلى النُّفُوسِ مِن مُفارَقَةِ المَأْلُوفِ لا سِيَّما إنْ كانَ دَيْنًا ولا سِيَّما إنْ كانَ [قَدْ] دَرَجَ عَلَيْهِ [الأسْلافُ]، فَلا يَقُومُ بِالدُّعاءِ إلى الدِّينِ إلّا مَن بَلَغَ الذُّرْوَةَ في الصَّبْرِ.
إبراهيم 14:6
ولَمّا ذَكَرَ ما أمَرَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أمْرُهُ في الشَّرِيفِ إلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِالِاقْتِداءِ بِالأنْبِياءِ الَّذِينَ هو مِن رُؤُوسِهِمْ وأُولِي عَزْمِهِمْ، [كانَ] كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ أنْتَ لِلنّاسِ ما نَزَلْ إلَيْهِمْ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ اقْتِداءً بِأخِيكَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ”و“ اذْكُرْ لَهم خَبَرَهُ فَإنَّ أيّامَهُ مِن أعْظَمِ أيّامِ اللَّهِ: أشَدُّها مِحْنَةً وأجَلُّها مِنحَةً ﴿وإذْ قالَ مُوسى﴾ امْتِثالًا لِما أمَرْناهُ بِهِ ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مُذَكِّرًا لَهم بِأيّامِ اللَّهِ مَعَهم ثُمَّ أيّامِهِ مَعَ غَيْرِهِمْ.
(p-٣٨٣)ولَمّا كانَ المُرادُ بِالتَّذْكِيرِ بِالأيّامِ زِيادَةَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، أشارَ إلى [أنَّ] مَقامَ التَّرْهِيبِ هُنا أهَمُّ لِلْحَثِّ عَلى تَرْكِهِمُ الضَّلالَ بِتَرْكِ عادَتِهِ في التَّرَفُّقِ بِمِثْلِ ما في [البَقَرَةِ والمائِدَةِ] مِنَ الِاسْتِعْطافِ بِعاطِفَةِ الرَّحِمِ بِقَوْلِهِ: ”يا قوم“ فَأسْقَطَها هُنا إشارَةً إلى أنَّ المَقامَ يَقْتَضِي الإبْلاغَ في الإيجازِ في التَّذْكِيرِ لِلْخَوْفِ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ فَقالَ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، وعَبَّرَ بِالنِّعْمَةِ عَنِ الإنْعامِ حَثًّا عَلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”نِعْمَةِ“ قَوْلِهِ: ”إذْ“ وهو ظَرْفُ النِّعْمَةِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ طالَ صَبْرُهم جِدًّا بِما طالَ مِن بَلائِهِمْ مِن فِرْعَوْنَ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ في العادَةِ خَلاصُهم مِنهُ، وإنْ أمْكَنَ عَلى بُعْدٍ لَمْ يَكُنْ إلّا في أزْمِنَةٍ طِوالٍ جِدًّا بِتَعَبٍ شَدِيدٍ، أشارَ إلى إسْراعِهِ بِخَلاصِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ لَوْ جَرى عَلى مُقْتَضى العادَةِ جَزاءً لَهم عَلى طُولِ صَبْرِهِمْ، فَعَبَّرَ بِالإفْعالِ دُونَ التَّفْعِيلِ الَّذِي اقْتَضاهُ سِياقُ البَقَرَةِ فَقالَ:﴿أنْجاكم مِن﴾ بَلاءٍ ﴿آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ نَفْسِهِ وأتْباعِهِ اسْتِعْمالًا لِلْمُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، فَإنَّ الآلَ عَلى الشَّخْصِ نَفْسِهِ وعَلى أهْلِ الرَّجُلِ وأتْباعِهِ (p-٣٨٤)وأوْلِيائِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا لِما فِيهِ شَرَفٌ غالبًا، فَكَأنَّهم قالُوا: مَن أيِّ بَلائِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَكم ويُوَلُّونَكم عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهانَةِ والقَهْرِ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾ بِالِاسْتِعْبادِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلصَّبْرِ البَلِيغِ، اقْتَضى ذَلِكَ العَطْفَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُذَبِّحُونَ﴾ أيْ تَذْبِيحًا كَثِيرًا مُمِيتًا - بِما أفادَهُ تَعْبِيرُ الأعْرافِ بِالقَتْلِ، ومُعَرَّفًا بِإعادَةِ التَّعْبِيرِ بِالذَّبْحِ أنَّ المَوْتَ بِالسِّكِّينِ ﴿أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ﴾ أيْ يَطْلُبُوا أنْ يَحْيَوْا ﴿نِساءَكُمْ﴾ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ بَلاءً آخَرَ ”و“ الحالُ أنَّ ﴿فِي ذَلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٩] أيِ الأمْرِ الشَّدِيدِ المَشَقَّةِ مِنَ العَذابِ [المُتَقَدِّمِ] أوِ الإنْجاءِ أوْ هُما ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُرَبِّي لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم ﴿عَظِيمٌ﴾
إبراهيم 14:7
ولَمّا ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ الأمْنِ رَغَّبَهم فِيما يَزِيدُها، ورَهَّبَهم مِمّا يُزِيلُها فَقالَ: ”وإذْ“ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿تَأذَّنَ رَبُّكُمْ﴾ أيْ أعْلِمِ المُحْسِنَ إلَيْكم إعْلامًا بَلِيغًا يَنْتَفِي عَنْهُ الشُّكُوكُ قائِلًا: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِما لِلْأنْفُسِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِمِثْلِ ذَلِكَ لِاعْتِقادِها أنَّ الزِّيادَةَ بِالسَّعْيِ في الرِّزْقِ والنَّقْصِ بِالتَّهاوُنِ فِيهِ﴿لأزِيدَنَّكُمْ﴾ مِن نِعَمِي، فَإنَّ الشُّكْرَ قَيْدُ المَوْجُودِ وصَيْدُ المَفْقُودِ ”إنَّ عَطائِي لَعَتِيدٌ فَأرْجُوهُ“ (p-٣٨٥)﴿ولَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ النِّعْمَةَ فَلَمْ تُقَيِّدُوها بِالشُّكْرِ لِأنْقُصُنَّكم ولِأُعَذِّبُنَّكم ﴿إنَّ عَذابِي﴾ بِإزالَتِها وغَيْرِها ﴿لَشَدِيدٌ﴾ فَخافُوهُ، فالآيَةُ - كَما تَرى - مِنَ الِاحْتِباكِ.
إبراهيم 14:8
ولَمّا كانَ مَن حَثٍّ عَلى شَيْءٍ وأثابَ عَلَيْهِ أوْ [نَهى] عَنْهُ وعاقَبَ عَلى فِعْلِهِ يَكُونُ لِغَرَضٍ [لَهُ]، بَيَّنَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ [مُتَعالٍ] عَنْ أنْ يُلْحِقَهُ ضُرٌّ أوْ نَفْعٌ، وأنَّ ضُرَّ ذَلِكَ ونَفْعَهُ [خاصٌّ بِالعَبْدِ] فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ: ﴿وقالَ مُوسى﴾ مُرْهِبًا لَهم مُعَلِّمًا أنَّ وبالَ الكُفْرانِ خاصٌّ بِصاحِبِهِ ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ والكَفْرُ: تَضْيِيعُ حَقِّ النِّعْمَةِ بِجَحْدِها أوْ ما يَقُومُ في العَظْمِ مَقامِهِ ﴿أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ”جَمِيعًا“ فَضَرَرُهُ لاحِقٌ بِكم خاصَّةً غَيْرَ عائِدٍ عَلى اللَّهِ شَيْءٍ مِنهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿لَغَنِيٌّ﴾ أيْ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، والغِنى هُنا المُخْتَصُّ بِما يَنْفِي لَحاقَ الضَّرَرِ أوِ النَّقْصِ، والمُخْتَصُّ بِأنَّهُ قادِرٌ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، عالِمٌ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ بِنَفْسِهِ [لا بِشَيْءٍ] سِواهُ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ غَنِيًّا ﴿حَمِيدٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الِاسْتِحْقاقِ لِلْحَمْدِ بِما لَهُ مِن عَظِيمِ النِّعَمِ وبِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وكُلُّ مَخْلُوقٍ يَحْمَدُهُ بِذاتِهِ وأفْعالِهِ وجَمِيعِ أقْوالِهِ كائِنَةً ما كانَتْ، لِأنَّ إيجادَهُ لَها ناطِقٌ (p-٣٨٦)بِحَمْدِهِ سُبْحانَهُ.
ذَكَرَ التَّأذُّنَ بِذَلِكَ المُذْكَرِ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ:
قالَ في السِّفْرِ الخامِسِ: واخْتارَكُمُ اللَّهُ رَبُّكم أنْ تَكُونُوا لَهُ شَعْبًا حَبِيبًا مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ [الَّتِي عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَيْسَ لِأنَّكم أكْثَرُ مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ] أحَبَّكُمُ الرَّبُّ واخْتارَكُمْ، ولَكِنْ لِيُثَبِّتَ الأيْمانَ الَّتِي أقْسَمَ لِآبائِكُمْ، لِذَلِكَ أخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ مَنِيعَةٍ، وأنْقَذَكم مِنَ العُبُودِيَّةِ، وخَلَّصَكم مِن يَدَيْ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ، لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ رَبُّكم هو إلَهُ الحَقِّ، إلَهٌ مُهَيْمِنٌ يَحْفَظُ النِّعْمَةَ والعَهْدَ لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ وصِيَّتَهُ لِألْفِ حُقُبٍ، ويُكافِئُ شِنْأتَهُ في حَياتِهِمْ ويَجْزِيهِمْ بِالهَلاكِ والتَّلَفِ، احْفَظُوا السُّنَنَ والأحْكامَ والوَصايا الَّتِي آمُرُكم بِها اليَوْمَ فافْعَلُوها يَحْفَظُ اللَّهَ الرَّبُّ العَهْدَ والنِّعْمَةَ الَّتِي أقْسَمَ لِآبائِكُمْ، ويُحِبُّكم ويُبارِكُ عَلَيْكم ويُكْثِرُكُمْ، ويُبارِكُ في أوْلادِكم وفي ثَمَرَةِ أرْضِكم وفي بَرِّكم وخُبْزِكم وزَيْتِكُمْ، وفِيَّ أقْطاعِ بَقَرِكم وجُفُراتِ غَنَمِكُمْ، وتَكُونُوا (p-٣٨٧)مُبارَكِينَ مِن جَمِيعِ الشُّعُوبِ، ولا يَكُونُ فِيكم عاقِرٌ ولا عَقِيمٌ و[لا] في بَهائِمِكُمْ، ويَصْرِفُ اللَّهُ عَنْكم كُلَّ وجَعٍ، وجَمِيعُ الضَّرَباتِ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ بِأهْلِ مِصْرَ - كَما تَعْلَمُونَ - لا يُنْزِلُها [بِكُمْ] بَلْ يُنْزِلُها بِجَمِيعِ شَنِأتِكُمٍ، وتَأْكُلُونَ جَمِيعَ خَيْراتِ الشُّعُوبِ الَّتِي يُعْطِيكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ، ولا تُشْفِقُ أعْيُنُكم عَلَيْهِمْ، ولا تَعْبُدُوا آلِهَتَهم لِأنَّهم فِخاخٌ لَكُمْ، وإنْ قُلْتُمْ في قُلُوبِكُمْ: إنَّ هَذِهِ الشُّعُوبَ أكْثَرَ مِنّا فَكَيْفَ نُقَدِّرُ أنْ نُهْلِكَها! فَلا تُفَرِّقُوا مِنها ولَكِنِ اذْكُرُوا جَمِيعَ ما صَنَعَ اللَّهُ رَبُّكم بِفِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ وكُلِّ أصْحابِهِ، والبَلايا العَظِيمَةَ الَّتِي رَأيْتُمْ بِأعْيُنِكُمْ، والآياتِ والأعاجِيبَ واليَدَ المَنِيعَةَ والذِّراعَ العَظِيمَةَ، وكَيْفَ أخْرَجَكُمُ [اللَّهُ] رَبُّكُمْ! كَذَلِكَ يَفْعَلُ اللَّهُ رَبُّكم بِجَمِيعِ الشُّعُوبِ الَّتِي تَخافُونَها.
ويُسَلِّطُ اللَّهُ رَبُّكم عَلَيْهِمْ عاهاتٍ حَتّى يُهْلِكَهُمْ، والَّذِينَ يَبْقَوْنَ ويَخْتَفُونَ مِنكم لا تَخافُوهم لِأنَّ اللَّهَ رَبَّكم بَيْنَكُمُ. الإلَهُ العَظِيمُ المَرْهُوبُ، فَيُهْلِكُ اللَّهُ رَبُّكم هَذِهِ الشُّعُوبَ مِن بَيْنِ أيْدِيكم رُوَيْدًا رُوَيْدًا، لِأنَّكم لا تَقْوَوْنَ [أنْ تُهْلِكُوهُمْ] سَرِيعًا لِئَلّا يَكْثُرُ السِّباعُ، ولَكِنْ (p-٣٨٨)يَدْفَعُهُمُ اللَّهُ رَبُّكم إلَيْكم وتَضْرِبُونَهم ضَرْبَةً شَدِيدَةً حَتّى تُهْلِكُوهُمْ، ويَدْفَعَ مُلُوكَهم في أيْدِيكم وتُهْلِكُونَ أسْماءَهم مِن تَحْتِ السَّماءِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقُومَ بَيْنَ أيْدِيكم حَتّى تُهْلِكُوهم وتَحْرِقُوا آلِهَتَهُمُ المَنحُوتَةَ بِالنّارِ، ولا تَشْتَهُوا الفِضَّةَ والذَّهَبَ الَّذِي عَلَيْها وتَأْخُذُوهُ مِنها لِئَلّا تَتَنَجَّسُوا بِها، لِأنَّها مَرْذُولَةٌ عِنْدَ اللَّهِ رَبِّكُمْ، فَلا تُدْخِلُوا نَجاسَةً إلى بُيُوتِكم لِئَلّا تَكُونُوا مَنفِيِّينَ مِثْلَها، ولَكِنْ أرْذِلُوها ونَجَّسُوها وصَيِّرُوها نُفايَةً بَخْسَةً لِأنَّها حَرامٌ. ثُمَّ [قالَ]: انْظُرُوا!إنِّي أتْلُو عَلَيْكم دُعاءً ولَعْنًا، أمّا الدُّعاءُ فَتَصِيرُونَ إلَيْهِ إنْ أنْتُمْ حَفِظْتُمْ وصايا [اللَّهِ] رَبِّكُمْ، وأمّا اللَّعْنُ فَيُدْرِكَكم إنْ أنْتُمْ لَمَّ تَسْمَعُوا وصايا اللَّهِ رَبِّكُمْ، وزِغْتُمْ عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أمَرَكم بِهِ اليَوْمَ - وقَدْ مَضى كَثِيرٌ مِن أمْثالِ هَذا عَنِ التَّوْراةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا التَّرْغِيبَ والتَّرْهِيبَ والتَّذْكِيرَ لِلتَّحْذِيرِ كَما أنَّهُ كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَهو لِكُلٍّ مِن سَمْعِهِ مِنَ المُكَلَّفِينَ.
إبراهيم 14:9
(p-٣٨٩)ولَمّا حَذَّرَهُمُ انْتِقامَ اللَّهِ إنْ كَفَرُوا، ذَكَّرَهم أيّامَهُ في الأُمَمِ الماضِيَةِ، وعَيَّنَ مِنهُمُ الثَّلاثَةَ الأُولى لِأنَّهم كانُوا أشَدَّهم أبَدانًا، وأكْثَرَهم أعْوانًا، وأقْواهم آثارًا، وأطْوَلَهم أعْمارًا، لِأنَّ البَطْشَ إذا بَرَزَ إلى الوُجُودِ كانَ أهْوَلُ، لِأنَّ النَّفْسَ لِلْمَحْسُوسِ أقْبَلُ، [فَقالَ] دالًا عَلى ما أرْشَدَهم إلَيْهِ مِن غِناهُ سُبْحانَهُ وحَمْدِهِ مُخَوِّفًا لَهم مِن سَطَواتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾ أيْ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴿نَبَأُ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ لَمْ يَسْتَغْرِقُوا الزَّمانَ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثُمَّ أبْدَلُ مِنهم فَقالَ: ”قَوْمٌ“ أيْ نَبَأ قَوْمٍ ﴿نُوحٍ﴾ وكانُوا مِلْءَ الأرْضِ ”و“ نَبَّأ ”عادٍ“ وكانُوا أشَدَّ النّاسِ أبْدانًا وأثْبَتَهم جِنانًا ”و“ نَبَأ ”ثَمُودٍ“ وكانُوا أقْوى النّاسِ عَلى نَحْتِ الصُّخُورِ وبِناءِ القُصُورِ ”و“ نَبَأ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ البَعْضُ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ في الزَّمَنِ حالَ كَوْنِهِمْ في الكَثْرَةِ بِحَيْثُ ﴿لا يَعْلَمُهُمْ﴾ أيْ حَقِّ العِلْمِ عَلى التَّفْصِيلِ ﴿إلا اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، كَفَرُوا فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ ولَمْ يَزَلْ غَنِيًّا حَمِيدًا عِنْدَ أخْذِهِمْ وبُعْدِهِ كَما كانَ قَبْلَهُ،وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كَذَبَ النَّسّابُونَ. ثُمَّ فَصَلَ سُبْحانَهُ خَبِّرْهُمْ، فَقالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ (p-٣٩٠)نَبَأُهُمْ؟ ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ وتَرَكَ عَطْفَهُ لِشِدَّةِ التِباسِهِ بِالمُسْتَفْهِمِ عَنْهُ ﴿فَرَدُّوا﴾ أيِ الأُمَمِ عَقِبَ مَجِيءِ الرُّسُلِ مِن غَيْرِ تَأمُّلِ جامِعِينَ في تَكْذِيبِهِمْ بَيْنَ الفِعْلِ والقَوْلِ ﴿أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ وهو إشارَةٌ إلى السُّكُوتِ عَنْ ذَلِكَ والتَّسْكِيتِ، كَأنَّهُ لا يَلِيقُ أنْ يَتَفَوَّهَ ولَوْ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ؛ قالَ الرّازِّي في اللَّوامِعِ: حَكى أبُو عُبَيْدٍ: كَلِمَتْهُ في حاجَتِي فَرَدَّ يَدَهُ في فِيهِ - إذا سَكَتَ ولَمْ يُجِبْ. ”و“ بَعُدَ أنْ فَعَلُوا ذَلِكَ لِهَذِهِ الأغْراضِ الفاسِدَةِ ”قالُوا“ أيِ الأُمَمِ ﴿إنّا كَفَرْنا﴾ أيْ غَطَّيْنا مُرائِيَ عُقُولِنا مُسْتَهِينِينَ ﴿بِما﴾ ولَمّا كانَ رَدُّ الرِّسالَةِ جامِعًا لِلْكُفْرِ، وكانُوا غَيْرَ مُسَلِّمِينَ أنَّ المُرْسِلَ لَهم هو اللَّهُ، بَنَوْا لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُمْ: ﴿أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [أيْ] لِأنَّكم لَمْ تَأْتُونا بِما يُوجِبُ الظَّنَّ فَضْلًا عَنِ القَطْعِ، فَلِذا لا يَحْتاجُ رَدُّهُ إلى تَأمُّلٍ].
ولَمّا كانَ ما أتى بِهِ الرُّسُلَ يُوجِبُ القَطْعَ بِما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَكانُوا بِما قالُوهُ في مَظِنَّةِ الإنْكارِ، أكَّدُوا: ﴿وإنّا لَفي شَكٍّ﴾ أيْ مُحِيطٍ بِنا، وهو وُقُوفٌ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ مِن غَيْرِ تَرْجِيحِ أحَدُهِما، يَتَعاقَبُ (p-٣٩١)عَلى حالِ الذِّكْرِ ويُضادُ العِلْمَ والجَهْلَ.
ولَمّا كانَ الدُّعاءُ مُسْنَدًا إلى جَماعَةِ الرُّسُلِ، أثْبَتَ نُونَ الرَّفْعِ مَعَ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ بِخِلافِ ما مَضى في هُودٍ، فَقالُوا﴿مِمّا﴾ أيْ شَيْءٍ ﴿تَدْعُونَنا﴾ أيُّها الرُّسُلُ ”إلَيْهِ“ أيْ مِنَ الدِّينِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مُوجِبٌ لِلتُّهْمَةِ ومَوْقِعٌ في الشَّكِّ والِاضْطِرابِ والفَزَعِ، مِن أرابَ الرَّجُلُ: صارَ ذا رِيبَةٍ أيْ قَلَقٍ وتَزَلْزُلٍ.
إبراهيم 14:10
ولَمّا كانَ سامِعُ هَذا الكَلامِ يَشْتَدُّ تَشَوُّفُهُ إلى جَوابِهِ، وكانَ أصْلُ الدَّعْوَةِ في كُلِّ مِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وكانَ الشّاكُّ فِيهِ شاكًا في اللَّهِ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ حَكَّمَ عَقْلَهُ مُجَرَّدًا عَنِ الهَوى، ساغَ الإنْكارَ وإيرادَ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ مُعَرًّى مِنَ التَّقْيِيدِ مُبْهَمٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ﴾ ولَمّا كانَ ما شَكَوا فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ رَيْبٌ، أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ فِيهِ شَكٌّ، لِأنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ إنْكارَ شَكِّهِمْ وشَكِّ غَيْرِهِمْ فَقالُوا: ﴿أفِي اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَكٌّ﴾
ولَمّا كانَ الجَوابُ عامًّا لا يَخُصُّ ناسًا دُونَ ناسٍ، لَمْ يَأْتِ بِصِلَةٍ (p-٣٩٢)فَقالَ بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿إنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ﴾ [إبراهيم: ١١] ثُمَّ نَبَّهُوهم بِالمَصْنُوعِ عَلى مَقْصُودِ الدَّعْوَةِ مِن وُجُودِ الصّانِعِ وتَفَرُّدِهِ وظُهُورِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِادِّعاءِ [أنَّهُ] في غايَةِ الظُّهُورِ، لَمْ يَحْتَجْ [إلى تَأْكِيدٍ] بِإعادَةِ العامِلِ، فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ عَلى هَذا المِثالِ البَدِيعِ والنَّمَطِ الغَرِيبِ المُنْتَظِمِ الأحْوالِ، الجَمِيلِ العَوائِدِ، والمُتَّسِقِ الفُصُولِ؛ فَلَمّا أوْضَحُوا لَهُمُ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بَيَّنُوا لَهم بِأنَّ ثَمَرَةَ الدَّعْوَةِ خاصَّةٌ بِهِمْ، إنَّهُ لا يَأْباها مِن [لَهُ] أدْنى بَصِيرَةٍ، فَقالُوا: ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَتِنا ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾
ولَمّا كانَ الكافِرُ إنَّما يُدْعى أوَّلًا إلى الإيمانِ، وكانَ الإيمانُ إنَّما يَجِبُ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي مَعَهم بَيْنَهم وبَيْنَهُ دُونَ المَظالِمِ، قالَ: ﴿مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ ولَوْ عَمَّ بِالغُفْرانِ لِأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُدْعَوْنَ بَعْدَ الإيمانِ إلى عَمَلٍ أصْلًا ”و“ لا يُفْعَلُ بِكم فِعْلَ مَن تَعْهَدُونَ مِنَ المُلُوكِ في المُعاجَلَةِ بِالإهْلاكِ لِمَن خالَفَهُمْ، بَلْ ”يُؤَخِّرُكم“ وإنْ أخْطَأْتُمْ أوْ تَعَمَّدْتُمْ وتُبْتُمْ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ عِنْدَهُ سَبْقُ عِلْمِهِ بِهِ، وهو آجالُكم عَلى حَسَبِ التَّفْرِيقِ، ولا يَسْتَأْصِلُكم بِالعَذابِ في (p-٣٩٣)آنٍ واحِدٍ كَما فَعَلَ بِمَن ذَكَرَ مِنَ الأُمَمِ.
فَلَمّا بَيَّنَ لَهُمُ الأصِيلَ بِدَلِيلِهِ فَرَوَّعَ عَلَيْهِ ما لا رَيْبَ فِيهِ في قَصْرِ نَفْعِهِ عَلَيْهِمْ، عَلِمُوا أنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ لَهم عَنْ ذَلِكَ جَوابٌ فَأعْرَضُوا عَنْهُ إلى [أنْ] ”قالُوا“عِنادًا ”إنَّ“ أيْ ما ﴿أنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها الرُّسُلُ ﴿إلا بَشَرٌ﴾ وأكَّدُوا ما أرادُوا مِن نَفْيِ الِاخْتِصاصِ فَقالُوا: ”مِثْلُنا“ يُرِيدُونَ: فَما وجْهُ تَخْصِيصِكم بِالرِّسالَةِ دُونَنا؟ [ثُمَّ] كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقالُوا: ﴿تُرِيدُونَ أنْ تَصُدُّونا﴾ أيْ تَلْفِتُونا وتَصْرِفُونا ﴿عَمّا كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ، وأكَّدُوا هَذا المَعْنى لِلتَّذْكِيرِ بِالحالِ الماضِيَةِ بِالمُضارِعِ فَقالُوا: ﴿يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أيْ أنَّكم - لِكَوْنِكم مِنَ البَشَرِ الَّذِينَ يَقَعُ بَيْنَهُمُ التَّحاسُدُ - حَسَدْتُمُونا عَلى اتِّباعِ [الآباءِ] وقَصَدْتُمْ تَرْكَنا [لَهُ] لِنَكُونَ لَكم تَبْعًا ﴿فَأْتُونا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ - عَنْ كَوْنِنا لَمْ نَرَ لَكم فَضْلًا وإبْدائُنا مِن إرادَتِكم ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مانِعًا - أنْ نَقُولَ لَكُمُ: ائْتُونا لِنَتَّبِعَكم ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةً واضِحَةً تُلْجِئُنا إلى تَصْدِيقِكم مِمّا نَقْتَرِحُهُ عَلَيْكُمْ، وهَذا تَعَنُّتٌ مَحْضٌ فَإنَّهم جَدِيرُونَ (p-٣٩٤)بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ كُلِّ سُلْطانٍ يَأْتُونَهم بِهِ كائِنًا ما كانَ كَما ألْغَوْا ما أتَوْا هم بِهِ مِنَ البَيِّناتِ فَلَمْ يَعْتَدُّوا [بِهِ]،
إبراهيم 14:11
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ جَوابُ الرُّسُلِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ .
ولِما أرادُوا تَخْصِيصَهم بِرَدٍّ ما قالُوا، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهم رُسُلُهُمْ﴾ مُسْلِمِينَ أوَّلَ كَلامِهِمْ غَيْرَ فاعِلِينَ فِعْلَهم في الحَيْدَةِ عَنِ الجَوابِ ”إنَّ“ أيْ ما ﴿نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ما لَنا عَلَيْكم فَضْلٌ بِما يَقْتَضِيهِ ذَواتُنا غَيْرَ أنَّ التَّماثُلَ في البَشَرِيَّةِ لا يَمْنَعُ اخْتِصاصَ بَعْضِ البَشَرِ عَنْ بَعْضٍ بِفَضائِلَ؛ والمَثَلُ: ما يَسُدُّ مَسَدَّ غَيْرِهِ حَتّى لَوْ شاهَدَهُ مُشاهِدٌ ثُمَّ شاهَدَ الآخَرُ لَمْ يَقَعْ فَصْلٌ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَضَّلْنا عَلَيْكم لِأنَّهُ ﴿يَمُنُّ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ [أنْ] يَمُنُّ عَلَيْهِ ﴿مِن عِبادِهِ﴾ رَحْمَةً مِنهُ لَهُ، بِأنْ يُفَضِّلَهُ عَلى أمْثالِهِ بِما يُقَسِّمُهُ [لَهُ] مِنَ المَزايا كَما أنْتُمْ بِهِ عارِفُونَ، فَلَمْ يُصَرِّحُوا بِما تَمَيَّزُوا بِهِ مَن وصْفِ النُّبُوَّةِ، ولَمْ يَخُصُّوا أنْفُسَهم بِمَنِّ اللَّهِ بَلْ أدْرَجُوها في عُمُومِ مَن شاءَ اللَّهُ، كُلُّ ذَلِكَ تَواضُعًا مِنهم واعْتِرافًا بِالعُبُودِيَّةِ؛ والمَنُّ: نَفْعٌ يَقْطَعُ بِهِ عَنْ بُؤْسٍ، وأصْلُهُ القَطْعُ، ومِنهُ ”غَيْر مُمنَوَّن“، والمِنَّةُ قاطِعَةٌ عَنِ الدُّنْيا.
(p-٣٩٥)ولَمّا بَيَّنُوا وجْهَ المُفارَقَةِ، عَطَفُوا عَلَيْهِ بَيانَ العُذْرِ فِيما طَلَبُوهُ مِنهم فَقالُوا: ”وما“ أيْ فَما كانَ لَنا أنْ نَتَفَضَّلَ عَلَيْكم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَمْ يُؤْذَنْ [لَنا] فِيهِ، وما ”كانَ“ أيْ صَحَّ واسْتَقامَ ﴿لَنا أنْ نَأْتِيَكم بِسُلْطانٍ﴾ مِمّا تَقْتَرِحُونَهُ تَعَنُّتًا، وهو البُرْهانُ الَّذِي يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ المُخالِفِ لِلْحَقِّ غَيْرِ المُعْجِزَةِ الَّتِي يُثْبِتُ بِها النُّبُوَّةَ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ بِإطْلاقِ المَلِكِ الأعْظَمِ وتَسْوِيفِهِ، فَنَحْنُ نَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في أمْرِكم إنْ أذَنَ لَنا في الإتْيانِ بِسُلْطانٍ أوْ لَمْ يَأْذَنْ وافَقْتُمْ أوْ خالَفْتُمْ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ﴾ أيْ بِأمْرٍ حَتْمٍ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ فَكَيْفَ بِالأنْبِياءِ؛
إبراهيم 14:12
ثُمَّ بَيَّنُوا سَبَبَ وُجُوبِ التَّوَكُّلِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿وما﴾ أيْ وأيِّ شَيْءٍ ﴿لَنا﴾ في ﴿ألا نَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”قَدْ هَدانا سُبُلنا“ فَبَيَّنَ لَنا كُلَّ ما نَأْتِي وما نَذَرُ، فَلا مَحِيصَ لَنا عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَلْنَفْعَلُنَّ جَمِيعَ أوامِرِهِ، ولِنَنْتَهِيَنَ عَنْ جَمِيعِ مَناهِيهِ ”ولِنَصْبِرَنَّ“ أكَّدُوا لِإنْكارِ أنْ يَصْبِرَ الرَّسُولُ - مَعَ وحْدَتِهِ - عَلى أذاهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ ”عَلى ما“ وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّهم عَفَوا عَنْ أذاهم (p-٣٩٦)فِي الماضِي فَلا يُجازُونَهم بِهِ، فَهو اسْتِجْلابٌ إلى تَوْبَةِ أُولَئِكَ المُؤْذِينَ، وعَدَلُوا عَنِ المُضارِعِ لِأنَّهم يَنْتَظِرُونَ أمْرَ اللَّهِ [فِي الِاسْتِقْبالِ فَقَدْ يَأْمُرُهُمْ] بِالجِهادِ وقَدْ يَأْمُرُهم بِالصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿آذَيْتُمُونا﴾ أيْ في ذَلِكَ الَّذِي أمَرْنا بِهِ كائِنًا فِيهِ ما كانَ لِأنّا تَوَكَّلْنا عَلى اللَّهِ ونَحْنُ لا نَتَّهِمُهُ في قَضائِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ﴾ الَّذِينَ عَلِمُوا مِن أنْفُسِهِمُ العَجْزَ سَواءٌ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ لا، فَوَكَّلُوا أمْرًا مِن أُمُورِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ لِيَكْفِيَهم إيّاهُ، فَإنَّهُ مُحِيطُ العِلْمِ كامِلُ القُدْرَةِ، وكُلُّ مَن عَداهُ عاجِزٌ، والصَّبْرُ مِفْتاحُ الفَرَجِ، ومُطَّلِعُ الخَيِّراتِ المُطْلَقُ مِنَ الكَرْبِ، [والحَقُّ] لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ غالِبًا قاهِرًا، والباطِلُ لا بُدَّ وأنْ يَصِيرَ مَغْلُوبًا مَقْهُورًا وإنْ طالَ الِابْتِلاءُ.
إبراهيم 14:13
ولَمّا انْقَضَتْ هَذِهِ المُحاوَرَةُ وقَدْ عَلِمَ مِنها كُلُّ مُنْصِفٍ ما عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِنَ الحُلْمِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، وما عَلَيْهِ مُخالِفُهم مِنَ الضَّلالِ والجَهْلِ والعِنادِ، وكانَ في الكَلامِ ما رُبَّما أشْعَرَ بِانْقِضائِهِ، ابْتَدَأ تَعالى عَنْهم (p-٣٩٧)مُحاوَرَةً أُخْرى، عاطِفًا لَها عَلى ما مَضى، فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ﴾ مُسْتَهِينِينَ بِمَن قَصَرُوا التِجاءَهم عَلَيْهِ، مُؤَكِّدِينَ لِاسْتِشْعارِهِمْ بِإنْكارِ مَن رَأى مُدافَعَةَ اللَّهِ عَنْ أوْلِيائِهِ لِقَوْلِهِمْ: والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ! لِيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا﴾ أيِ الَّتِي لَنا الآنَ الغَلَبَةُ عَلَيْها ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ بِأنْ تَكُفُّوا عَنْ مُعارَضَتِنا كَما كُنْتُمْ دَعْوى الرِّسالَةِ، فَإطْلاقُ مَلَّتِهِمْ عَلى السُّكُوتِ عَنْهم مِن إطْلاقِ اسْمِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ عَلى زَعْمِهِمْ مَثَلٌ ﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [نوح: ٧] وهو مَجازٌ مُرْسَلٌ، فَصَبَرُوا عَلى ذَلِكَ كَما أخْبَرُوا بِهِ تَوَكُّلًا عَلى رَبِّهِمْ واسْتَمَرُّوا عَلى نَصِيحَتِهِمْ لَهم بِدُعائِهِمْ إلى اللَّهِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ كَلَّمَهم في خَفاءٍ بِسَبَبِ تَوَعُّدِ أُمَمِهِمْ لَهُمْ، مُخْتَصًّا لَهم بِذَلِكَ ”رَبُّهُمُ“ المُحْسِنُ إلَيْهِمُ الَّذِي تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ، تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ وتَسْلِيَةً لِنُفُوسِهِمْ، وأكَّدَ لَمّا - لِمَن يَنْظُرُ كَثْرَةَ الكُفّارِ وقُوَّتَهم - مِنَ التَّوَقُّفِ في مَضْمُونِ الخَبَرِ ولا سِيَّما إنْ كانَ كافِرًا، قائِلًا: ﴿لَنُهْلِكَنَّ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِنُفُوذِ الأمْرِ؛ والإهْلاكُ: إذْهابُ الشَّيْءِ إلى حَيْثُ لا يَقَعُ عَلَيْهِ الإحْساسُ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينِ في الظُّلْمِ، ورُبَّما تُبْنا عَلى بَعْضِ (p-٣٩٨)مِن أخْبَرْنا عَنْهُ بِأنَّهُ كُفْرٌ، وهو [مَن] لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في كُفْرِهِ الَّذِي هو أظْلَمُ الظُّلْمِ
إبراهيم 14:14
﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ﴾ أيْ دُونِهِمْ ﴿الأرْضَ﴾ أيْ مُطْلِقُها وخُصُوصُ أرْضِهِمْ، وأشارَ إلى عَدَمِ الخُلُودِ بِالجارِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ بِأنْ نُورِثَكُمُوها سَواءٌ قَدَّرْناهم عَلى إخْراجِكم أمْ لا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ ذَلِكَ خاصٌّ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: لا، [بَلْ] ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي المَرامِ ﴿لِمَن خافَ مَقامِي﴾ أيِ المَكانَ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ مَن أُحاسِبُهُ: ماذا تَكُونُ عاقِبَتُهُ فِيهِ، وهو أبْلَغُ مَن: خافَنِي،
﴿وخافَ وعِيدِ﴾ لا بُدَّ أنْ أهْلَكَ ظالِمُهُ وأسْكَنَهُ أرْضَهُ بَعْدَهُ، فاسْتَبْشِرُوا بِذَلِكَ الوَعْدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى
إبراهيم 14:15
﴿واسْتَفْتَحُوا﴾ عَلى أعْدائِهِمْ فَأفْلَحُوا وأنْجَحُوا ﴿وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ فَأهْلَكْناهم كُلُّهُمْ، وكانَ لَنا الغِنى والحَمْدُ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ كَما كانَ قَبْلَهُ؛ والعِنادِ: الِامْتِناعُ مِنَ الحَقِّ مَعَ العِلْمِ بِهِ كِبْرًا وبَغْيًا، مَن عَنَدَ عَنِ الحَقِّ عُنُودًا، والجَبْرِيَّةُ: طَلَبُ عُلُوِّ المَنزِلَةِ بِما لَيْسَ وراءَهُ غايَةً في الصِّفَةِ، فَهو ذَمٌّ لِلْعَبْدِ مِن حَيْثُ إنَّهُ طالِبٌ ما لَيْسَ لَهُ؛
إبراهيم 14:16
ثُمَّ أتْبَعُهُ ما هو كَدَلِيلٍ عَلى خَيْبَتِهِ مِن أنَّ سَيْرَهُ إلى ما أمامَهُ مِنَ العَذابِ، فَهو واقِعٌ فِيهِ لا مَحالَةَ وهو لا يَشْعُرُ، (p-٣٩٩)وعَبَّرَ عَنْ غَفْلَتِهِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أيْ لا بُدَّ أنَّهُ يَتَبَوَّأُها.
ولَمّا كانَ المَرْجِعُ وُجُودُ السَّقْيِ لِلصَّدِيدِ مُطْلَقًا، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ويُسْقى﴾ أيْ فِيها ﴿مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾ وهو غَسّالَةُ أهْلِ النّارِ كَقَيْحِهِمْ ودِمائِهِمْ
إبراهيم 14:17
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ بِلْعُهُ شَيْئًا فَشَيْئًا لِمَرارَتِهِ وحَرارَتِهِ، فَيَغَصُّ بِهِ ويَلْقى مِنهُ مِنَ الشِّدَّةِ ما [لا] يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ ﴿ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يَقْرُبُ مِن إساغَتِهِ، فَإنَّ الإساغَةَ جَرُّ الشَّيْءِ في الحَلْقِ عَلى تَقَبُّلِ النَّفْسِ ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ﴾ أيْ أسْبابِهِ الَّتِي لَوْ جاءَهُ سَبَبٌ مِنها في الدُّنْيا لَماتَ ﴿مِن كُلِّ مَكانٍ﴾ والمَكانُ: جَوْهَرٌ مُهَيَّأٌ لِلِاسْتِقْرارِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الشَّدائِدِ ما يُمِيتُ مَن قَضى بِمَوْتِهِ ﴿وما هو بِمَيِّتٍ﴾ أيْ بِثابِتٍ لَهُ المَوْتُ أصْلًا.
لِأنّا قَضَيْنا بِدَوامِ حَياتِهِ زِيادَةً في عَذابِهِ، والمَوْتُ: عَرَضَ يُضادُّ الإدْراكَ في البِنْيَةِ الحَيَوانِيَّةِ ﴿ومِن ورائِهِ﴾ أيْ هَذا الشَّخْصِ، بَعْدَ ذَلِكَ في يَوْمِ الجَزاءِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ إلّا مِن أجْلِهِ ﴿عَذابٌ غَلِيظٌ﴾ يَأْخُذُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ - مَعَ ما قَدَّمْتُهُ لَهُ في الدُّنْيا - وهو غافِلٌ عَنْهُ (p-٤٠٠)أخَذَ ما يَكُونُ مِن وراءٍ، فَيَكُونُ أشَدَّ كَما هو الحالُ الآتِي بَغْتَةً، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مِن بَعْدِ هَذا العَذابِ في جَهَنَّمَ عَذابًا آخَرَ، لا تَحْتَمِلُ عُقُولُكم وصَفُهُ بِأكْثَرِ مِنَ الغِلْظِ.
إبراهيم 14:18
فَلَمّا فَرَغَ مِن مُحاوَراتِهِمْ، وما تَبِعَها مِمّا بَيَّنَ فِيهِ أنَّهُ لا يُغْنِيهِمْ مِن بَطْشِهِ شَيْءٌ، ضَرَبَ لَهم [فِي] ذَلِكَ مَثَلًا فَقالَ: ﴿مَثَلُ﴾ وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلصِّفَةِ الَّتِي فِيها غَرابَةٌ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَهِينِينَ ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ مَثَّلَ مَن قَصَدَ أمْرًا ثُمَّ لَمْ يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ في السُّلُوكِ إلَيْهِ بَلِ اغْتَرَّ بِمَن جارَ بِهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَأُبْعِدَ كُلَّ البُعْدِ حَتّى وصَلَ إلى شِعابٍ لا يُمْكِنُ فِيها المَقامُ، ولا يَتَأتّى مِنها الرُّجُوعُ فَهَلَكَ ضَياعًا.
ولَمّا كانَ الفَرْقُ بَيْنَ الإنْسانِ والعَدَمِ إنَّما هو بِالعَمَلِ، ذَكَرَ ما عَلِمَ مِنهُ أنَّ المَثَلَ لِأعْمالِهِمْ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما مِثْلُهُمْ؟ فَقالَ: ﴿أعْمالُهُمْ﴾ أيِ المَكارِمِ الَّتِي كانُوا يَعْمَلُونَها في الدُّنْيا مِنَ الصِّلَةِ والعِتْقِ وفِداءِ الأسْرى والجُودِ ونَحْوَ ذَلِكَ، في يَوْمِ الجَزاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً ثانِيًا - كَما قالَ الحَوْفَيْ وابْنُ عَطِيَّةَ. وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، ولا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ لِأنَّهُ نَفْسُ المَثَلِ الَّذِي مَعْناهُ الصِّفَةُ ﴿كَرَمادٍ﴾ وهو ما سَحَقَهُ الِاحْتِراقُ سَحْقَ الغُبارِ (p-٤٠١)﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ أسْرَعَتْ بِالحَرَكَةِ عَلى عِظَمِ القُوَّةِ؛ والرِّيحُ: جِسْمٌ رَقِيقٌ مُثَبَّتٌ في الجَوِّ مِن شَأْنِهِ الهُبُوبُ، والرِّياحِ خَمْسٌ: شِمالٌ وجَنُوبٌ وصِبا ودَبُّورٌ ونَكْباءُ ﴿فِي يَوْمٍ عاصِفٍ﴾ أيْ شَدِيدِ الرِّيحِ، فَأطارَتْهُ في كُلِّ صَوْبٍ، فَصارُوا بِحَيْثُ ﴿لا يَقْدِرُونَ﴾ أيْ يَوْمَ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ هُنا مُتَمَحِّصًا لِلْأعْمالِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿مِمّا كَسَبُوا﴾ في الدُّنْيا مِن أعْمالِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ بَلْ ذَهَبَ هَباءً مَنثُورًا لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ، فَثَبَتَ بِمُقْتَضى ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ واسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ في ضَلالٍ بَعِيدٍ، بَلْ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ الشَّدِيدِ الشَّناعَةِ ”هُوَ“ [أيْ خاصَّةً] ﴿الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ الَّذِي لا يَقْدِرُ صاحِبُهُ عَلى تَدارُكِهِ.
إبراهيم 14:19
ولَمّا ذَكَرَ الآخِرَةَ في [أوَّلِ] السُّورَةِ، ذَكَرَ ما هو ثابِتٌ لا نِزاعَ فِيهِ، ثُمَّ [جَرَّ] الكَلامَ إلَيْهِ هُنا عَلى هَذا الوَجْهِ الغَرِيبِ، وأتْبَعَهُ مِثْلَ أعْمالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وعَلى أنَّهُ لا يُسَوِّغُ في الحِكْمَةِ في أعْمالِ الضَّلالِ إلّا الإبْطالَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ عَلى عِظَمِها وارْتِفاعِها ﴿والأرْضَ﴾ عَلى تَباعُدِ (p-٤٠٢)أقْطارِها واتِّساعِها ﴿بِالحَقِّ﴾ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِن وضْعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنها في مَوْضِعِهِ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ لا بِالخَيالِ والتَّمْوِيهِ كالسِّحْرِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُما ظَرْفٌ، ولا يَكُونُ المَظْرُوفُ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ إلّا مُثْلُ ظَرْفِهِ أوْ أعْلى مِنهُ، فَكَيْفَ يَظُنُّ أنَّهُ يَخْلُقُ شَيْئًا فِيهِما سُدى بِأنْ يَكُونَ باطِلًا فَلا يُبْطِلُهُ، أوْ حَقًّا فَلا يُحِقُّهُ، أمْ كَيْفَ يَتَوَهَّمُ أنَّهُ - مَعَ القُدْرَةِ عَلى إخْراجِهِما [مِنَ العَدَمِ] وهُما أكْبَرُ خَلْقًا [وأعْظَمُ] شَأْنًا - لا يَقْدِرُ عَلى إعادَةِ مِن فِيهِما وهم أضْعَفُ أمْرًا وأصْغَرُ قَدْرًا، أوْ خَلَقَهُما بِسَبَبِ الحَقِّ وهو إعادَةُ النّاسِ إعادَةً يَثْبُتُونَ بِها ويَبْقَوْنَ بَقاءً لا فَناءَ بَعْدَهُ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ عَظِيمُ القُدْرَةِ، فَهو بِحَيْثُ ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ الإذْهابِ: المَوْتُ أوْ غَيْرُهُ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ غَيْرُكم أوْ يَأْتِ بِكم بَعْدَ أنْ فَنِيتُمْ بِحَيْثُ تَعُودُونَ - كَما أنْتُمْ - خَلْقًا جَدِيدًا؛ والجَدِيدُ: المَقْطُوعُ عَنْهُ العَمَلِ في الِابْتِداءِ، وأصْلُهُ القَطْعُ، فالجِدِّ أبُ الأبِ، انْقَطَعَ عَنِ الوِلادَةِ بِالأبِ، والجَدُّ ضِدُّ الهَزْلِ، يَقْطَعُ بِهِ المَسافَةَ حَسًّا أوْ مَعْنًى
إبراهيم 14:20
﴿وما ذَلِكَ﴾ الإذْهابُ (p-٤٠٣)والإتْيانُ عَلى عِظَمِهِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿بِعَزِيزٍ﴾ وهو المُمْتَنِعُ بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الِامْتِناعِ لِأنَّهُ لَيْسَ مِثْلُ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ أعْظَمَ مِنهُ، فَلا وجْهَ لِقَوْلِكم ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ﴾ [سبإ: ٧] الآيَةُ [لِأنَّ] مَن قَدَّرَ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِمَقْدُورٍ دُونَ مَقْدُورٍ، فَثَبَتَ بِهَذا إبْعادَهم في الضَّلالِ المُوجِبِ لِهَلاكِ أعْمالِهِمِ - الَّتِي هي أسْبابُهُمُ - المُوجِبُ لِهَلاكِهِمْ.
إبراهيم 14:21
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ قُدْرَتَهُ عَلى الإعادَةِ بَعْدَ المَوْتِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَقْدِرُونَ مِمّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] قَوْلَهُ - بَيانًا لَهو أنَّ البَعْثَ عِنْدَهُ وسُهُولَتَهُ عَلَيْهِ -: ﴿وبَرَزُوا﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، عَبَّرَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ الَّذِي وُجِدَ وتَحَقَّقَ، لِأنَّ أخْبارَ المُلُوكِ يَجِبُ تَحَقُّقُها لِقُدْرَتِهِمْ وغِناهم عَنِ الكَذِبِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ! وفِيهِ مِن هَزِّ النَّفْسِ ورَوْعَتِها ما لَيْسَ في العِبارَةِ بِالمُضارِعِ لِمَن تَأمَّلَ المَعْنى حَقَّ التَّأمُّلُ ”لِلَّهِ“ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿جَمِيعًا﴾ فَكانُوا بِحَيْثُ لا يَخْفى مِنهم خافِيَةً عَلى ما هو مُتَعارِفُهُمْ، لِأنَّهُ لا ساتِرَ لَهُمْ، فَإنَّ البُرُوزَ خُرُوجٌ لِشَيْءٍ عَمّا كانَ مُلْتَبِسًا بِهِ إلى حَيْثُ يَقَعُ عَلَيْهِ الحِسُّ في نَفْسِهِ، وبَدا لَهم [مِنَ اللَّهِ] ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ مِنَ العَذابِ، فَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾ أيِ الأتْباعُ (p-٤٠٤)مِن أهْلِ الضَّلالِ بِسَبَبِ عِلْمِهِمْ أنَّهم في القَبْضَةِ لا مَلْجَأ لَهُمْ، تَبْكِيتًا لِرُؤَسائِهِمْ [وتَوْبِيخًا]، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧] ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ طَلَبُوا الكِبْرَ وادَّعَوْهُ فاسْتَتْبَعُوهم بِهِ حَتّى تَكَبَّرُوا عَلى الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ ولَمْ يَكُنْ لَهم ذَلِكَ.
﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿لَكم تَبَعًا﴾ أيْ تابِعِينِ أوْ ذَوِي تُبَّعٍ فَكُنْتُمْ سَبَبَ ضَلالِنا، وقَدْ جَرَتْ عادَةُ الأكابِرِ بِالدَّفْعِ عَنْ أتْباعِهِمُ المُساعِدِينَ لَهم عَلى أباطِيلِهِمْ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ أيْ دافِعُونَ ﴿عَنّا مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها فَلا يُطاقُ انْتِقامُهُ، وأبْلَغُوا بَعْدَ التَّبْعِيضِ بِـ ”مِنَ“ الأُولى في التَّقْلِيلِ، فَقالُوا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَأنَّ العَذابَ [كانَ] مُحْتاجًا إلى أخْذِهِمْ فَأغْنَوْهُ بِشَيْءِ غَيْرِهِمْ حَتّى يُجاوِزَهم لَوْ دَفَعُوهُ عَنْهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنْ ذَلِكَ لِعادَةِ الرُّؤَساءِ، فَماذا قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا طاقَةَ لَهم عَلى نَوْعٍ مِن أنْواعِ التَّصَرُّفِ: لا نُغْنِي عَنْكم شَيْئًا، بَلْ كُلٌّ مُجْزِي بِما فَعَلَ، عَلَيْنا إثْمُ ضَلالِنا في أنْفُسِنا وإضْلالِنا لَكُمْ، وعَلَيْكم ضَلالُكم وذَبُّكُمُ عَنّا وتَقْوِيَتُكم لِجانِبِنا حَتّى اسْتَكْبَرْنا (p-٤٠٥)فاسْتَغْرَقْنا في الضَّلالِ، ولَوْ أنَّ [اللَّهَ] هَداكم حَتّى تَبِعْتُمُ الأدِلَّةَ الَّتِي سَمِعْتُمُوها كَما سَمِعْناها وتَرَكْتُمُونا، لَكَسَرَ ذَلِكَ مِن شِدَّتِنا وأوْهى مِن شَوْكَتِنا، فَكانَ رُبَّما يَكُونُ سَبَبًا لِهِدايَتِنا كَما أنَّهُ ﴿لَوْ هَدانا اللَّهُ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لَهَدَيْناكُمْ﴾ فَكانَ يَكُونُ لَنا جَزاءَ اهْتِدائِنا وهِدايَتِنا لَكُمْ، ولَكم جَزاءُ اهْتِدائِكم وتَقْوِيَتِكم لَنا عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِنا فَضَلَلْنا وكُنْتُمْ لَنا تُبَّعًا فَأضْلَلْناكم.
ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِقَوْلِهِمْ هَذا الجَزَعَ، قالُوا: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا﴾ أيْ نَحْنُ وأنْتُمْ ﴿أجَزِعْنا﴾ والجَزَعُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِوُرُودِ ما يَغُمُّ ﴿أمْ صَبَرْنا﴾ لا فائِدَةَ [لَنا] في واحِدٍ مِنهُما لِأنَّ الأمْرَ أطَمُّ مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ يَصْلُحُ لِلْمَصْدَرِ والزَّمانِ والمَكانِ، أيْ مَحِيدٍ وزَوالٍ عَنِ المَكْرُوهِ عَلى كَلا التَّقْدِيرَيْنِ، فَلَمْ يَبْقَ في الجَزاءِ إلّا زِيادَةَ العَذابِ بِسُوءِ القالَةِ وانْتِشارِ السَّبَّةِ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ لَيْسَ عَلى بابِهِ، بَلِ المُرادُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ حالُهم مِمّا يَنْبَغِي السُّؤالُ عَنْهُ وتَرْدِيدُ الأمْرِ فِيهِ لِيَنْتَهِيَ عَنْ مَثَلِهِ.
إبراهيم 14:22
(p-٤٠٦)ولَمّا كانَ الشَّيْطانُ أعْظَمَ المُسْتَكْبِرِينَ، خُصَّ بِالإفْرادِ بِالجَوابِ فَقِيلَ: ﴿وقالَ﴾ أوَّلُ المَتْبُوعِينَ في الضَّلالِ ﴿الشَّيْطانُ﴾ الَّذِي هو رَأْسُ المُضِلِّينَ المُسْتَكْبِرِينَ المَقْضِيُّ بِبُعْدِهِ واحْتِراقِهِ ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾ بِتَعْيِنِ قَوْمٍ لِلْجَنَّةِ وقَوْمٍ لِلنّارِ، جَوابًا لِقَوْلِ الأتْباعِ مُذْعِنًا حَيْثُ لا يَنْفَعُ [الإذْعانُ]، ومُؤْمِنًا حَيْثُ فاتَ نَفْعُ الإيمانِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ بِأنْ أرْسَلَ إلَيْكم رُسُلًا وأنْزَلَ مَعَهم بَراهِينَ وكُتُبًا أخْبَرَكم فِيها بِأنَّهُ رَبُّكُمُ الواحِدُ القَهّارُ، ودَعاكم إلَيْهِ بَعْدَ أنْ أخابَتْكُمُ الشَّياطِينُ، وبَشَّرَ مَن أجابَ، وحَذَّرَ مَن أبى، بِما هو قادِرٌ أتَمُّ القُدْرَةِ، فَكُلُّ ما قالَهُ طابَقَهُ الواقِعُ - كَما تَرَوْنَ - فَصَّدَقَكم فِيهِ ووَفى لَكم ﴿ووَعَدْتُكُمْ﴾ أنا بِما زَيَّنْتُ لَكم بِهِ ”المَعاصِي مِنَ الوَساوِسِ“ وعْدُ الباطِلِ ﴿فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ فَلَمْ أقُلْ شَيْئًا إلّا كانَ زَيْغًا، فاتَّبَعْتُمُونِي مَعَ كَوْنِي عَدُّوكُمْ، وتَرَكْتُمْ رَبَّكم وهو رَبُّكم [ووَلِيُّكُمْ]؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ﴿وعْدَ الحَقِّ﴾ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ (p-٤٠٧)ثانِيًا، و”أخْلَفَتْكم“ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ”صِدْقِكُمْ“ أوَّلًا.
ولَمّا بَيَّنَ غُرُورَهُ، بَيَّنَ سُهُولَةَ اغْتِرارِهِمْ زِيادَةً في تَنْدِيمِهِمْ فَقالَ: ﴿وما كانَ﴾ لِي إلَيْكم في ذَلِكَ مِن ذَنْبٍ لِأنَّهُ ما كانَ ﴿لِي عَلَيْكُمْ﴾ وأبْلَغَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ كَبِيرٍ أوْ صَغِيرٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا أنْ﴾ أيْ بِأنْ ﴿دَعَوْتُكُمْ﴾ بِالوَسْوَسَةِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِتَقْوِيَةِ دَواعِيكم إلى الشَّرِّ ﴿فاسْتَجَبْتُمْ﴾ أيْ أوْجَدْتُمُ الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها، راغِبٌ فِيها ﴿لِي﴾ مُحَكِّمِينَ الشَّهَواتِ، مُعْرِضِينَ عَنْ مَناهِيجِ العُقُولِ ودُعاءِ النُّصَحاءِ، ولَوْ حَكَّمْتُمْ عُقُولَكم لَتَبِعْتُمُ الهُداةَ لِما في سَبِيلِهِمْ مِنَ النُّورِ الدّاعِي إلَيْها وما [فِي] سُبُلِ غَيْرِهِمْ مِنَ الظَّلامِ السّادِّ لَها، والمَهالِكِ الزّاجِرَةِ عَنْها دُنْيا وأُخْرى، وساقَهُ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ دُعاءُهُ مِنَ السُّلْطانِ في شَيْءٍ - لِأنَّ السُّلْطانَ أخَصُّ مِنَ البُرْهانِ إذْ مَعْناهُ بُرْهانٍ يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى إبْطالِ مَذْهَبِ الخَصْمِ إشارَةً إلى أنَّهم تَبِعُوهُ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى غَيْرِ هَذا الدُّعاءِ الَّذِي لا سُلْطانَ فِيهِ، وتَرَكُوا دُعاءَ مَن أنْزَلَ إلَيْهِمْ مِن كُلِّ سُلْطانٍ مُبِينٍ، مَعَ تَهْدِيدِهِمْ بِما هو قادِرٌ عَلى عَلَيْهِ وضَرْبِهِمْ بِبَعْضِهِ، وفاعِلٌ مِثْلَ ذَلِكَ لا لَوْمَ لَهُ عَلى غَيْرِ نَفْسِهِ ﴿فَلا﴾ [أيْ] فاذَّ [قَدْ] تَقَرَّرَ هَذا تَسَبَّبَ عَنْهُ أنِّي (p-٤٠٨)أقُولُ لَكُمْ: [لا] ﴿تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ لِأنَّكم مُؤاخَذُونَ بِكَسْبِكُمْ، لِأنَّهُ كانَتْ لَكم قُدْرَةٌ واخْتِيارٌ فاخْتَرْتُمُ الشَّرَّ عَلى الخَيْرِ، وعُلِمَ مِنهُ قَطْعًا أنَّ كُلاًّ مِنّا مَشْغُولٌ عَنْ صاحِبِهِ بِما جُزِيَ بِهِ، فَعُلِمَ أنِّي ﴿ما أنا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أيْ بِمُغِيثِكم فِيما يَخُصُّكم مِنَ العَذابِ، فَآتِيكم بِما يُزِيلُ صُراخَكم مِنهُ ﴿وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ فِيما يَخُصُّنِي مِنهُ لَتَقَطُّعِ الأسْبابِ، بِما دَهّى مِنَ العَذابِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي كَفَرْتُ﴾ مُسْتَهِينًا ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ﴾ [أيْ] بِاتِّخاذِكم [لِي] شَرِيكًا مَعَ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ إشْراكُهم لَمْ يَسْتَغْرِقِ الزَّمانَ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ ظُلْمٌ عَظِيمٌ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينِ في هَذا الوَصْفِ ﴿لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مَكْتُوبٌ لَكم مِنهم مِقْدارُهُ، لا يُغْنِي أحَدٌ مِنهم عَنِ الآخَرِ شَيْئًا، بَلْ كُلٌّ مَقْصُورٌ عَلى ما قُدِّرَ لَهُ، وحِكايَةُ هَذِهِ المُحاوَرَةِ لِتَنْبِيهِ السّامِعِينَ عَلى النَّظَرِ في العَواقِبِ والِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ اليَوْمِ قَبْلَ أنْ لا يَكُونُ إلّا النَّدَمَ وقَرْعَ السِّنِّ وعَضَّ اليَدَ.
إبراهيم 14:23
ولَمّا ذَكَرَ الظّالِمِينَ. أتْبَعَهُ ذَكْرَ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الدُّخُولَ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ: ﴿وأُدْخِلَ﴾ والإدْخالُ: النَّقْلُ إلى (p-٤٠٩)مُحِيطٍ - هَذا أصْلُهُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإيمانَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ وبَيَّنَ أنَّ الماءَ غَيْرُ عامٍّ لِجَمِيعِ أرْضِها بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَهي لا تَزالُ رَيًّا، لا يَسْقُطُ ورَقُها ولا ثَمَرُها فَداخِلُها لا يَبْغِي بِها بَدَلًا ﴿خالِدِينَ فِيها﴾
ولَمّا كانَتِ الإقامَةُ لا تَطِيبُ إلّا بِإذْنِ المالِكِ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الَّذِي أذِنَ لَهم - بِتَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ - في الخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وقُرِئَ ”وأدْخُلُ“ عَلى التَّكَلُّمِ فَيَكُونُ عَدْلٌ عَنْ أنْ يَقُولَ ”بِإذْنِي“ إلى ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ لِلْإعْلامِ بِالصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلرَّحْمَةِ كَما قالَ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ [الكوثر: ٢] ولَمْ يَقُلْ: لَنا - سَواءٌ، ومِن شَكْلِهِ ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢] فَلا تَنْبَغِي المُسارَعَةُ إلى إنْكارِ شَيْءٍ يُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ، بَلْ يَتَعَيَّنُ إمْعانُ النَّظَرِ، فَإنَّ الأمْرَ كَما قالَ الإمامُ أبُو الفَتْحِ بْنِ جَنِّي في كِتابِهِ المُحْتَسِبُ في تَوْجِيهِ ﴿لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] (p-٤١٠)أنَّ كَلامَ العَرَبِ لِمَن عَرَفَهُ [ومَنَ الَّذِي يَعْرِفُهُ؟] - ألْطَفُ مِنَ السِّحْرِ، وأنْقى ساحًى مِن مُشَوِّفِ الفِكْرِ، وأشَدُّ تَساقُطًا بَعْضًا عَلى بَعْضٍ، وأمَسُّ تَسانُدًا نَفْلًا إلى فَرْضٍ ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ أيْ فِيما بَيْنَهم وتَحِيَّةُ المَلائِكَةِ لَهُمْ؛ والتَّحِيَّةُ: التَّلَقِّي بِالكَرامَةِ في المُخاطَبَةِ، فَهي إظْهارٌ شَرَفِ المُخاطَبِ ﴿فِيها سَلامٌ﴾ أيْ عافِيَةٌ وسَلامَةٌ وبَقاءٌ، وقَوْلُ مَن كَلَّ مِنهم لِلْآخَرِ: أدامَ اللَّهُ سَلامَتَكَ، ونَحْوَ هَذا مِنَ الإخْبارِ بِدَوامِ العافِيَةِ، كَما أنَّ حالَ أهْلِ الباطِلِ في النّارِ عَطَبٌ وآلامٌ.
إبراهيم 14:24
ولَمّا تَقَرَّرَ بِما مَضى أنَّ الحَقَّ ما قالَهُ [اللَّهُ] أوْ فَعَلَهُ أوْ أذِنَ فِيهِ، وأنَّ الباطِلَ ما كانَ عَلى غَيْرِ أمْرِهِ مِمّا يُنْسَبُ إلى الشَّيْطانِ أوْ غَيْرِهِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وأنَّهُ لا يَصْلُحُ في الحِكْمَةِ أنْ يَنْفِيَ الحَقَّ ولا [أنْ] يُبْقِيَ الباطِلُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١] ﴿ويُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ [يونس: ٨٢] ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ [الأنفال: ٨] ]، وقَصَّ سُبْحانَهُ كَلامَ أوْلِيائِهِ الَّذِي هو مِن كَلامِهِ، فَهو أثْبَتُ الأشْياءَ وأطْيَبُها وأعْظَمُها ثَمَرَةً، (p-٤١١)وكَلامُ أعْدائِهِ الَّذِي هو مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، فَهو أبْطَلُ الأشْياءِ وأخْبَثُها، قَرَّبَ سُبْحانِهِ [ذَلِكَ] بِمِثْلٍ يَتَعارَفُهُ المُخاطِبُونَ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ يا مَن لا يَفْهَمُ عَنّا هَذا المَثَلَ حَقَّ الفَهْمِ سِواهُ! ﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿مَثَلا﴾ أيْ سَيْرِهِ بِحَيْثُ يَعُمُّ نَفْعُهُ؛ والمَثَلُ: قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ حالُ الثّانِي بِالأوَّلِ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ أيْ جَمَعَتْ أنْواعَ الكَرَمِ فَلَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِنَ الخُبْثِ، وتِلْكَ الكَلِمَةُ ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾
ولَمّا كانَتْ لا تَسْرِ إلّا بِالثَّباتِ، قالَ: ﴿أصْلُها ثابِتٌ﴾ أيْ راسِخٌ في الأرْضِ آمِنٌ مِنَ الِاجْتِثاثِ بِالرِّياحِ ونَحْوَها ﴿وفَرْعُها﴾ عالٍ صاعِدٌ مُهْتَزٌّ ”فِي“ جِهَةِ ﴿السَّماءِ﴾ لِحُسْنِ مَنبَتِها وطَيِّبِ عُنْصُرِها؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ ”ثابِتٍ“ أوَّلًا دالٌّ عَلى عالٍ صاعِدٍ ثانِيًا، وذِكْرُ ”السَّماءِ“ ثانِيًا دالٌّ عَلى الأرْضِ أوَّلًا.
إبراهيم 14:25
ولَمّا ذَكَرَ حالَها، ذَكَرَ ثَمَرَتَها فَقالَ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها﴾ أيْ ثَمَرَتَها بِحُسْنِ أرْضِها ودَوامِ رَيِّها ﴿كُلَّ حِينٍ﴾ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الإيتاءِ، لِأنَّ عُلُوَّها مَنَعَها مِن عُفُوناتِ [الأرْضِ] وقاذُوراتِ الأبْنِيَةِ، (p-٤١٢)فَكانَتْ ثَمَرَتُها نَقِيَّةً مِن شَوائِبِ الأدْناسِ.
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يَكْمُلُ إلّا بِكَمالِ مُرَبِّيهِ قالَ: ﴿بِإذْنِ رَبِّها﴾ فَهي بِحَيْثُ لا يَسْتَجِيزُ عاقِلٌ أنْ يَتَسَبَّبَ في إفْسادِها، ومَن سَعى في ذَلِكَ مَنَعَهُ أهْلُ العُقُولِ ولَوْ وصَلُوا إلى بَذْلِ النُّفُوسِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ كالرَّجُلِ المُسْلِمِ لا يَتَحاتَ ورَقُها ولا ولا ولا، تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ، قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: فَوَقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، ورَأيْتُ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ لا يَتَكَلَّمانِ، فَكَرِهْتُ أنْ أتَكَلَّمَ، فَلَمّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: هي النَّخْلَةُ، فَلَمّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ: يا أبَتاهُ! واللَّهُ لَقَدْ كانَ وقَعَ في نَفْسِي أنَّها النَّخْلَةُ، فَقالَ: ما مَنعُكَ أنْ تُكَلِّمَ؟ قالَ: لَمْ أرَكُمَ تُكَلِّمُونَ فَكَرِهْتُ [أنْ] أتَكَلَّمَ، قالَ عُمَرُ: لَأنْ تَكُونُ قِلَّتُها أحَبُّ إلَيَّ مِن كَذا وكَذا» .
ثُمَّ نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى عِظَمِ هَذا المَثَلِ لِيُقْبَلَ عَلى تَدَبُّرِهِ لِيُعْلَمَ المُرادُ (p-٤١٣)مِنهُ فَيُلْزَمُ، فَقالَ: ﴿ويَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿الأمْثالَ لِلنّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ لِاضْطِرابِ آرائِهِمْ، لِأنَّ في ضَرْبِها زِيادَةَ إفْهامٍ وتَصْوِيرٍ لِلْمَعانِي، لِأنَّ المَعانِيَ الصِّرْفَةَ إذا ذُكِرَ مُناسِبُها مِنَ المَحْسُوساتِ ارْتَسَمَتْ في الحِسِّ والخَيالِ والوَهْمِ، وتَصَوَّرَتْ فَتَرَكَتْ هَذِهِ [القُوى] المُنازَعَةَ فِيها، فَيَحْصُلُ الفَهْمُ التّامُّ والوُصُولُ إلى المَطْلُوبِ ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى لَهُ غايَةُ التَّذَكُّرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، فَهَذا مِثْلُ كَلامِ الأوْلِياءِ، فَكَلِمَتُهُمُ الطَّيِّبَةُ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ الَّتِي لا أطْيَبُ مِنها، وهي أصِلُ كُلَّ سَعادَةٍ راسِخَةٍ في قُلُوبِهِمْ، مُعَرَّقَةٌ في كُلِّ عَرَقٍ مِنهم أوْجَبَ إعْراقَها أنْ بُسِقَتْ فُرُوعُها الَّتِي هي الأعْمالُ الدِّينِيَّةُ مِن أعْمالِ القُلُوبِ والجَوارِحِ، فَصارَتْ كُلَّما [هُزَّتِ] اجْتَنى الهازُّ ثَمَراتَها الَّتِي لا نِهايَةَ لَها، عالِمًا بِأنَّها مِن فَتْحِ مَوْلاهُ لا صُنْعَ لَهُ فِيها بِوَجْهٍ، بَلْ لَهُ سُبْحانَهُ المَنَّ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ذَلِكَ وكَما أنَّ الشَّجَرَ لا تَتِمُّ إلّا [بِعَرَقٍ راسِخٍ وأصْلٍ قائِمٍ وفُرُوعٍ عالِيَةٍ، فَكَذَلِكَ الإيمانُ لا يَتِمُّ إلّا] بِمَعْرِفَةِ القَلْبِ وقَوْلِ اللِّسانِ وعَمَلِ الأرْكانِ،
إبراهيم 14:26
ثُمَّ أتْبَعُهُ مِثْلَ حالِ الأعْداءِ فَقالَ: ﴿ومَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ [أيْ (p-٤١٤)عَرِيقَةٍ في الخُبْثِ لا طَيِّبَ فِيها] ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾
ولَمّا كانَ مِن أنْفَعِ الأُمُورِ إعْدامُها والرّاحَةُ مِن وُجُودِها عَلى أيْ حالَةٍ كانَتْ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿اجْتُثَّتْ﴾ أيِ اسْتُؤْصِلَتْ بِقَلْعِ جُثَّتِها مَن أصِلُها ﴿مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾ بِرَأْيِ كُلِّ مِن لَهُ رَأْيٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿ما لَها﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَرارٍ﴾ أيْ عِنْدِ مَن لَهُ أدْنى لُبٍّ، لِأنَّهُ لا نَفْعَ لَها بَلْ وجُودَها ضارٌّ ولَوْ بِشَغْلِ الأرْضِ، فَكَذَلِكَ الكَلِمَةُ الخَبِيثَةُ الباطِلَةُ لا بَقاءَ لَها [أصْلًا] وإنْ عَلَتْ وقْتًا، لِأنَّ حُجَّتَها داحِضَةٌ فَجُنُودُها مُنْهَزِمَةٌ.
إبراهيم 14:27
فَلَمّا بَرَزَ الكَلامُ إلى هَذَيْنَ المِثالَيْنِ، حَصَلَ التَّعَجُّبُ مِمَّنْ يَتْرُكُ مَمْثُولَ الأوَّلِ ويَفْعَلُ مَمْثُولَ الثّانِي، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ بِفِعْلِ القاهِرِ، فَقالَ تَعالى - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ [قالَ]: إنَّ هَذا الصَّرِيحَ الحَقُّ، ثُمَّ إنّا نَجِدَ النُّفُوسَ مائِلَةً إلى الضَّلالِ، وطائِشَةً في أرْجاءِ المَحالِّ، فَكَيْفَ لَنا بِالِامْتِثالِ؟ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (p-٤١٥)أيْ أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ولَوْ عَلى أقَلِّ دَرَجاتِها ﴿بِالقَوْلِ الثّابِتِ﴾ أيِ الَّذِي [هُوَ] مُتابَعَةُ الدَّلِيلِ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِن مُحاوَلاتِ أنْبِيائِهِ ﴿وفِي الآخِرَةِ﴾ ويَهْدِيهِمْ عِنْدَ كُلِّ سُؤالٍ إلى أحْسَنِ الأقْوالِ حَيْثُ تَطِيشُ العُقُولُ وتُدْهَشُ الأفْكارُ لِشِدَّةِ الأهْوالِ ﴿ويُضِلُّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينِ في الظُّلْمِ، ويُزَلْزِلُهم لِتَقَلُّبِهِمْ في الظُّلُماتِ الَّتِي مِن شَأْنِ صاحِبِها الضَّلالُ والخَبْطُ، فَيَفْعَلُونَ ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الثَّباتَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والإضْلالُ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الهُدى أوَّلًا ﴿ويَفْعَلُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ﴿ما يَشاءُ﴾ لِأنَّ الكُلَّ بِحُكْمِهِ وقَضائِهِ وهو القادِرُ القاهِرُ، فَلا يَتَعَجَّبُ مِن شَيْءٍ، وفي هَذا إرْشادٌ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ وإلْقاءُ أزِمَّةِ الِافْتِقارِ إلَيْهِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ وغَيْرِهِ ومُسْلِمٌ في أواخِرِ صِفَةِ الجَنَّةِ والنّارِ عَنِ البَراءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ قالَ: ”المُسْلِمُ إذا سُئِلَ في القَبْرِ يَشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ“، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ﴾ الآيَةُ.
إبراهيم 14:28
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ هو الفاعِلُ وحْدَهُ، أتْبَعَهُ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ إضْلالِ الَّذِينَ بَدَّلُوا الكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِنَ التَّوْحِيدِ بِالإشْراكِ وزَلْزَلَتْهم واجْتِثاثِ كَلِمَتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ وأشارَ إلى بُعْدِهِمْ عَنْ مَقامِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٤١٦)وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ والتَّبْدِيلُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانَ غَيْرِهِ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي أسْبَغَها عَلَيْهِمْ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وما أوْرَثَهم مِن دِينِ أبِيهِمْ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومِن جَمِيعِ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ مَن أمْنِ البَلَدِ وتَيْسِيرِ الرِّزْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِأنْ جُعِلُوا مَكانَ شُكْرِها ﴿كُفْرًا﴾ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أشْكُرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ، وأعْلاهم هُمَمًا في الوَفاءِ، وأبْعَدَهم عَنِ الخَنّاءِ ﴿وأحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ بِذَلِكَ ﴿دارَ البَوارِ﴾ أيِ الهَلاكِ، مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أذْبُ النّاسِ عَنِ الجارِ فَضْلًا عَنِ الأهْلِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كُفّارُ أهْلِ مَكَّةَ. والبَوارُ: الهَلاكُ الزّائِدُ، والإحْلالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ في مَحَلٍّ، فَإنْ كانَ جَوْهَرًا فَهو إحْلالُ مُجاوِرَةٍ. وإنْ كانَ عَرَضًا فَهو إحْلالُ مُداخَلَةٍ.
إبراهيم 14:29
ولَمّا أفادَ أنَّها مُهْلَكَةٌ، بَيْنَها بِما يَفْهَمُ أنَّها تَلْقاهم بِالعَبُوسَةِ كَما كانُوا يَلْقَوْنَ أوْلِياءَ اللَّهِ مِنَ الرُّسُلِ وغَيْرِهِمْ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿جَهَنَّمَ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَصْلَوْنَها﴾ أيْ يُباشِرُونَ حَرَّها مَعَ انْغِماسِهِمْ فِيها بِانْعِطافِها عَلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَبِئْسَ الإحْلالُ أحَلُّوهُ أنْفُسَهم وقَوْمَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: (p-٤١٧)﴿وبِئْسَ القَرارُ﴾ ذَلِكَ المَحَلُّ الَّذِي أحَلُّوهم بِهِ.
إبراهيم 14:30
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ مَن لا عَقْلَ لَهُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ في خَلْقِهِمْ ولا في رِزْقِهِمْ لَأنَ لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿أنْدادًا﴾ وقالَ: ﴿لِيُضِلُّوا﴾ أيْ بِأنْفُسِهِمْ عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرُو، ويَعُمُّوا غَيْرَهم عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ”عَنْ سَبِيلِهِ“ لِأنَّهم [إنَّ] كانُوا عُقَلاءَ [فَإنَّهُمْ] يَعْلَمُونَ أنَّ هَذا لازِمٌ لِفِعْلِهِمْ فَهم قاصِدُونَ لَهُ، وإلّا فَلا عُقُولَ لَهُمْ، لِأنَّهُ لا يَقْدِمُ عَلى ما لا يُعْلَمُ عاقِبَتُهُ إلّا أبْلَهٌ، وهم يَقُولُونَ: إنَّهم أبْصَرُ النّاسِ قَوْبًا، وأصْفاهم عُقُولًا. وأنْفَذَهم أفْكارًا، وأمْتَنَهم آراءً، فَمَن ألْزَمَ مِنهم [بِطَرِيقِ النَّجاةِ] ومَن أحْذَرَ مِنهم لِطُرُقِ الهَلاكِ؟ مَعَ ما أوْقَعُوا أنْفُسَهم فِيهِ مِن هَذا الدّاءِ العِضالِ.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهم عَلى الضِّدِّ مِن جَمِيعِ ما يَدْعُونَهُ فَكانُوا بِذَلِكَ أهْلًا لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وكانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِمُعْرِضٍ أنْ يَقُولَ: فَماذا أفْعَلُ بِهِمْ وقَدْ أمَرْتَنِي بِإخْراجِهِمْ إلى صِراطِكَ؟ أمَرَهُ أنْ يَدُقَّ أعْناقَهم بِإخْبارِهِمْ أنَّ ما أضَلَّهم مِنَ النِّعَمِ إنَّما هو اسْتِدْراجٌ، فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ تَهْدِيدًا لَهم فَإنَّهم لا يَشْكُونَ في قَوْلِكَ وإنْ عانَدُوا: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ وبالِغُوا في فِعْلِ البَهائِمِ مَهْما قَدِرْتُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ ضائِرُكم (p-٤١٨)غَيْرُ نافِعِكم ﴿فَإنَّ مَصِيرَكُمْ﴾ أيْ صَيْرُورَتِكم ﴿إلى النّارِ﴾ بِسَبَبِ تَمَتُّعِكم عَلى هَذا الوَجْهِ.
إبراهيم 14:31
ولَمّا ذَكَرَ كُفْرَهم وضَلالَهم عَنِ السَّبِيلِ وما أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ يَقُولَ لَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا لِنَفْسِ السّامِعِ إلى الوُقُوفِ عَلى ما يُقالُ لِمَن خَلَعَ الأنْدادَ وكانَ أوْثَقَ عُرى السَّبِيلِ بَعْدَ الإيمانِ وأعَمَّها الصَّلاةُ النّاهِيَةُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، والنَّفَقَةِ الشّامِلَةِ لِوُجُوهِ البِرِّ، أمَرَهُ تَعالى أنْ يَنْدُبَ أوْلِياءَهُ إلى الإقْبالِ إلى [ما] أعْرَضَ [عَنْهُ] أعْداؤُهُ، والإعْراضُ عَمّا أقْبَلُوا بِالتَّمَتُّعِ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ، فَقالَ ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ فَوَصَفَهم بِأشْرَفِ أوْصافِهِمْ، وأضافَهم إلى ضَمِيرِهِ الشَّرِيفِ تَحْبِيبًا لَهم فِيهِ، ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الوَصْفَ ما يُناسِبُهُ مِن إذْعانِهِمْ لِسَيِّدِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أحْسَنَ قَوْلٍ، فَهو جالٍ لِصَدَأِ القُلُوبِ، ومُوجِبٌ لِتَهْذِيبِ النُّفُوسِ، قالَ جازِمًا: ﴿يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي زَكاةُ القُوَّةِ وصِلَةُ العَبْدِ بِرَبِّهِ ﴿ويُنْفِقُوا﴾ وخَفَّفَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ [أيْ] بِعَظَمَتِنا، فَهو لَنا (p-٤١٩)دُونَهُمْ، مِن أنْواعِ النَّفَقاتِ المُقَيِّمَةِ لِشَرائِعِهِ مِنَ الصَّدَقاتِ وغَيْرِها، إتْقانًا لِما بَيْنَهم وبَيْنَهُ [مِنَ الأسْبابِ] لِيُنْقِذُوا أنْفُسَهم مِنَ النّارِ، واقْتَصَرَ عَلى هاتَيْنِ الخَلَّتَيْنِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ في مَكَّةَ غَيْرُهُما مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن فَضْلِهِما وعُمُومِهِما، ولَعَلَّهُ سِيقَ سِياقَ الشَّرْطِ تَنْبِيهًا [لَهُمْ] عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أقْوى الأسْبابِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ إلّا يَتَخَلَّفُوا عَنْهُ أصْلًا؛ ثُمَّ أشارَ إلى المُداوَمَةِ عَلى هاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسِّرِّ النّافِلَةِ، وبِالعَلانِيَةِ الفَرْضُ؛ ثُمَّ رَهَّبَ مَن تَهاوَنَ في خِدْمَتِهِ مِنَ اليَوْمِ الَّذِي كانَ الإعْراضُ [عَنْهُ] سَبَبَ الضَّلالِ، فَقالَ مُشِيرًا بِالجارِّ إلى قِصَرِ مُدَّةِ أعْمالِهِمْ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا لَيْسَ هو كَشَيْءٍ مِنَ الأيّامِ الَّتِي تَعْرِفُونَها ﴿لا بَيْعٌ فِيهِ﴾ لِأسِيرٍ بِفِداءٍ ﴿ولا خِلالٌ﴾ أيْ مُخالّاتٍ [ومُوادّاتٍ] يَكُونُ عَنْها شَفاعَةٌ أوْ نَصْرٌ، جَمْعُ خِلَّةٍ كَقِلَّةٍ وقِلالٍ، أوْ هو مَصْدَرٌ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُما سَبَبًا لِخَلاصِ هالِكٍ.
إبراهيم 14:32
ولَمّا نَفى جَمِيعَ الأسْبابِ النّافِعَةِ في الدُّنْيا في ذَلِكَ [اليَوْمَ]، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمِنَ الحُكْمُ فِيهِ حَتّى أنَّهُ يَسِيرُ سَيْرَةً لا نَعْرِفُها؟ (p-٤٢٠)فَقِيلَ: ”اللَّهُ“ أيِ المَلِكُ الأعْلى المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِصِفاتٍ تَدُلُّ عَلى ما دَعا إلَيْهِ [الرُّسُلُ] مِن وحْدانِيَّتِهِ وما أُخْبِرُوا بِهِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، وعَلى المَعادِ وعَلى غِناهُ فَلا يُبايِعُ، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وهُما أكْبَرُ خَلْقًا مِنكم وأعْظَمُ شَأْنًا، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِأدَلِّ الأُمُورِ عَلى الإعادَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن عَظِيمِ المِنَّةِ بِأنَّ بِهِ الحَياةَ، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾
ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبُ النُّمُوِّ قالَ: ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾ أيِ بِالماءِ الَّذِي جَعَلَ مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيِ الشَّجَرِيَّةِ وغَيْرِهِما ﴿رِزْقًا لَكُمْ﴾ بَعْدَ يَبَسِ [الأرْضِ] وجَفافِ نَباتِها، ولَيْسَ ذَلِكَ بِدُونِ إحْياءِ المَوْتى؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ما ادَّخَرَهُ في الأرْضِ مِن مِياهِ البِحارِ والأنْهارِ، [وذَكَرَ أعَمَّ ما يَظْهَرُ مِنَ البِحارِ] فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ﴾ وعَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَجْرِيَ في البَحْرِ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ، بَيَّنَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ ولَمّا كانَتِ الأنْهارُ مِنَ النِّعَمِ الكِبارِ بَعْدَ نِعْمَةِ البِحارِ، قالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهارَ﴾
إبراهيم 14:33
ثُمَّ أتْبَعَهُ ما جَعَلَهُ سَبَبًا لِكَمالِ التَّصَرُّفِ وإنْضاجِ (p-٤٢١)الثِّمارِ المَسْقِيَّةِ بِالماءِ [النّازِلِ] مِنَ السَّماءِ والنّابِعِ مِنَ الأرْضِ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ حالَ كَوْنِهِما ﴿دائِبَيْنِ﴾ أيْ في سَيْرِهِما وإنارَتِهِما وما يَنْشَأُ عَنْهُما مِنَ الإصْلاحِ بِالطَّبْخِ والإنْضاجِ في المَعادِنِ والنَّباتِ والحَيَوانِ؛ قالَ الرُّمانِيُّ: والدَّؤُوبُ: مُرُورُ الشَّيْءِ في العَمَلِ عَلى عادَةٍ جارِيَةٍ فِيهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى ما يَنْشَأُ عَنْ وُجُودِ الشَّمْسِ وعَدَمِها فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ أيِ الَّذِي القَمَرُ آيَتُهُ ﴿والنَّهارَ﴾ [أيِ] الَّذِي الشَّمْسُ آيَتُهُ، يُوجَدُ كُلٌّ مِنهُما بَعْدَ تَصَرُّمِهِ، ولَوْ كانَ أحَدُهُما سَرْمَدًا لاخْتَلَّ الحالُ بِعَدَمِ النَّباتِ والحَيَوانِ كَما هو كَذَلِكَ حَيْثُ لا تَغْرُبُ الشَّمْسُ في الجَنُوبِ وحَيْثُ لا تَطْلَعُ في الشَّمالِ؛
إبراهيم 14:34
ثُمَّ عَمَّ [بَعْدَ] أنَّ خَصَّ فَقالَ: ﴿وآتاكُمْ﴾ .
ولَمّا كانَ الكَمالُ لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ قالَ: ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ ما أنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ فَأنْتُمْ سائِلُوهُ بِالقُوَّةِ؛ ثُمَّ حَقَّقَ وجْهَ العَظْمِ بِفَرْضِ ما يُوجِبُ العَجْزَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ أيُّها النّاسُ كُلُّكم ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ تَرُومُوا عَدَّ إنْعامِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ أوْ تَأْخُذُوا في عَدِّهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّعْمَةِ إرْشادًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ (p-٤٢٢)عَلى المُؤَثِّرِ ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تُحِيطُوا بِها ولا تَعْرِفُوا عَدَّ الحَصى المُقابَلَةِ لَها إنْ عَدَدْتُمُوها [بِها] كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ، أوْ لا [تَجِدُوا] مِنَ الحَصى ما يُوفِي بِعَدَدِها، هَذا في النِّعْمَةِ الواحِدَةِ فَكَيْفَ بِما زادَ! فَهَذا شَرْحُ قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢] وقَدْ ظَهَرَ بِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ [إلّا هو مِلْكُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُوجَدَ شَيْءٌ] يُدايِنُهُ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ يُماثِلُهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بَيْعَ ولا خِلالَ يَوْمَ دَيْنُونَةِ العِبادِ، وتَقْرِيبِ العَجْزِ عَنِ العَدِّ لِلْإفْهامِ أنَّ السَّلامَةَ مِن كُلِّ داءٍ ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ - عَلى كَثْرَتِها وطُولِها - نِعْمَةً عَلى العَبْدِ، وذَلِكَ مُتَعَسِّرُ الحَصْرِ، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ صَرِيحًا في جَنْبِ ما دَخَلَ تَحْتَ كُلِّيّاتِهِمْ تَلْوِيحًا - قَلِيلٌ، فَكَيْفَ بِما لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَهْدِهِمْ بِوَجْهٍ إلَيْهِ، هَذا في الجِسْمِ، وأمّا في العَقْلِ فالسَّلامَةُ مِن كُلِّ عَقْدٍ زائِغٍ، ودِينٍ باطِلٍ [وضَلالٍ] مائِلٍ، وذَلِكَ لا يُحْصِيهِ إلّا خالِقُ الفِكْرِ وفاطِرُ الفِطْرَ سُبْحانَهُ، ما أعَزَّهُ وأعْظَمَ شَأْنِهِ! .
ولَمّا كانَ أكْثَرُ هَذِهِ السُّورَةِ في بَيانِ الكَفَرَةِ وما لَهُمْ، وبَيانِ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالَكٌ مُعْرِضٌ عَمّا يَأْتِيهِ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ (p-٤٢٣)الدُّعاةُ إلى مَن لَهُ جَمِيعُ النِّعَمِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ بِسَعادَةِ الدّارِينَ، خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ ما اقْتَضى ذَلِكَ مِن صِفاتِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعِ لِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ، والنِّسْيانِ لِما يَنْفَعُهُ ويَضُرُّهُ، والِاضْطِرابُ بِسَبَبِ ما يَغُمُّهُ ويَسُرُّهُ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ أيْ بَلِيغِ الظُّلْمِ والكُفْرِ حَيْثُ يُهْمِلُ الشُّكْرَ، ويَتَعَدّاهُ إلى الكُفْرِ، وخَتَمَ مِثْلَ ذَلِكَ في [سُورَةِ النَّحْلِ] ب ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] لِأنَّ تِلْكَ سُورَةُ النِّعَمِ، بُدِئَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ أسْبَقُ، ومِنَ الرَّحْمَةِ إمْهالُ النّاسِ وإمْتاعُهم بِالمَنافِعِ، فالتَّقْدِيرُ إذَنْ هُناكَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ ولَكِنَّ رَبَّهُ لا يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَبُدِئَتْ بِأنَّ النّاسَ في الظُّلُماتِ.
إبراهيم 14:35
ولَمّا انْقَضى المَأْمُورُ بِهِ مِنَ القَوْلِ لِكافِرِ النِّعْمَةِ وشاكِرِها وسَبَبِ ذَلِكَ والدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وبانَ أنَّهُ خالِقُ المَوْجُوداتِ كُلِّها ورَبِّها، فَلا يَصْحُ أصْلًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها شَرِيكًا. أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ عِنْدَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَبْدِيلِهِمُ النِّعْمَةَ ظُلْمًا مِنهم وكُفْرًا، في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى البَعْثِ، مُشِيرًا إلى وُجُوبِ بَراءَتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ حَيْثُ كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ فِيها تَقْلِيدَ الآباءِ وهو (p-٤٢٤)أعْظَمُ آبائِهِمْ، وإلى ما سَنَّهُ لَهم مِن إقامَتِهِمُ الصَّلاةَ وشُكْرِهِمْ لِنِعَمِهِ بِالإنْفاقِ وغَيْرِهِ، فَقالَ ناعِيًا عَلَيْهِمْ - مَعَ المُخالَفَةِ لِصَرِيحِ العَقْلِ وقاطِعِ النَّقْلِ عُقُوقِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ، عَطْفًا عَلى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] أوْ عَلى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٦] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم مُذَكِّرًا بِأيّامِ اللَّهِ خَبَرَ إبْراهِيمَ إذْ ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإجابَةِ دُعائِي في جَعْلِ القَفْرِ الَّذِي وضَعَتْ بِهِ ولَدِي بَلَدًا عَظِيمًا.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإخْراجِ الرُّسُلِ مِن مَحالِّهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِأنَّ المَحَلَّ الَّذِي يَقَعُ الإخْراجُ مِنهُ بَلَدٌ يَسْكُنُ فِيهِ، واتَّبَعَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ المُتَعَرِّضِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ - بِما أسْكَنَ فِيهِ مِنَ الأمْنِ بَعْدَ جَعْلِهِ لَهُ بَلَدًا - بِما أحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الإخافَةِ لِخَيْرِ أهْلِهِ، ومِنَ الإنْذارِ لِمَن أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، كانَ الأنْسَبُ تَعْرِيفَهُ فَقالَ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ [أيِ] الَّذِي يُرِيدُونَ إخْراجَ الرَّسُولِ مِنهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ ذا أمْنٍ بِأمانِ أهْلِهِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ صَدَرَ مِنهُ بَعْدَ أنْ سَكَنَ النّاسُ مَكَّةَ وصارَتْ مَدِينَةً، والَّذِي في البَقَرَةِ كانَ حَيْثُ وضَعَ ابْنُهُ مَعَ أُمِّهِ وهي خالِيَةٌ عَنْ ساكِنٍ، فَدَعا أنْ يَجْعَلَها اللَّهُ بَلَدًا، وأنْ يَجْعَلَها بَعْدَ ذَلِكَ مَوْصُوفَةً (p-٤٢٥)بِالأمْنِ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ إلى زَوالِ الضُّرِّ.
ولَمّا دَعا بِالأمْنِ مِن فَسادِ الأمْوالِ والأبْدانِ، أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ بِالأمْنِ [مِن] فَسادِ الأدْيانِ، فَقالَ: ﴿واجْنُبْنِي﴾ أيِ اصْرِفْنِي ﴿وبَنِيَّ﴾ أيْ لِصُلْبِي، وأسْقَطَ البَناتَ إشارَةً إلى الِاسْتِقْلالِ، وإنَّما هُنَّ تابِعاتٌ دائِمًا ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ عِبادَةً مُسْتَمِرَّةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلنّارِ ﴿الأصْنامَ﴾ أيِ اجْعَلْنا في جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ عِبادَتِها، والصَّنَمُ: المَنحُوتُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، [وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ] فَهو وثَنٌ - قالَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ؛
إبراهيم 14:36
ثُمَّ بَيَّنَ زِيادَةَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الأصْنامِ بِإعادَةِ النِّداءِ، وأسْقَطَ الأداةَ - زِيادَةً في التَّمَلُّقِ بِكَوْنِهِ مِن أهْلِ القُرْبِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ بِإفْرادِ المُضافِ إلَيْهِ لِيَكُونَ الكَلامُ [الواحِدُ] عَلى نِظامٍ واحِدٍ ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ﴾ إسْنادٌ مَجازِيٌّ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ بُغْضِي لَهُنَّ أنْ أقُولَ: مَن ”تَبِعَنِي“ مِن جَمِيعِ النّاسِ في تَجَنُّبِها ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ مِن حِزْبِي لِكَوْنِهِ عَلى طَرِيقَتِي ودِينِي، فَأْتِنِي ما وعَدْتَنِي فِيهِ مِنَ الفَوْزِ ﴿ومَن عَصانِي﴾ فَضَلَ بِها فَقَدِ اسْتَحَقَّ النّارَ، فَإنْ عَذَّبْتَهُ فَهو عِبادُكُ، وإنْ غَفَرْتَ لَهُ فَأنْتَ لِذَلِكَ، لِأنَّ لَكَ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ بَعْدَ سَتْرِ الذُّنُوبِ؛ (p-٤٢٦)وأكَّدَ لِلْإعْلامِ بِزِيادَةِ رَغْبَتِهِ في العَفْوِ لِأنَّهُ لا يَنْقُصُ بِهِ شَيْءٌ مِن عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ ولا حِكْمَتِهِ - كَما أشارَ إلَيْهِ دُعاءُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المائِدَةِ.
إبراهيم 14:37
ولَمّا دَعا بِدَرْءِ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن نَوْعَيِ الإنْسانِ والشَّيْطانِ بِأمْنِ البَلَدِ وإيمانِهِ ذَكَرَ السَّبَبَ الحامِلَ لَهُ عَلى تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ مُسْتَجْلِبًا لِلْمَصالِحِ، فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ يا رَبِّ ورَبَّ مَن قَضَيْتَ أنَّهُ يَتْبَعُنِي بِتَرْبِيَتِكَ لَنا أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أخْبَرَهُ أنَّهُ يَكْثُرُ نَسْلُهُ حَتّى يَكُونُوا كالنُّجُومِ، وذَلِكَ بَعْدَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ وساقَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ عَلى وجْهٍ لا يَسْمَحُ بِهِ أحَدٌ - لا يَكادُ يَصْدُقُ، ولِلْإعْلامِ بِأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ ”بِوادٍ“ هو مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ لِكَوْنِها في فَضاءٍ مُنْخَفِضٍ بَيْنَ جِبالٍ تَجْرِي بِهِ السُّيُولُ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾
ولَمّا نَفى عَنْهُ الرِّفْدُ الدُّنْيَوِيُّ، أثْبَتَ لَهُ الأُخْرَوِيُّ، إشارَةً إلى أنَّ الدّارَيْنِ ضَرَّتانِ لا تَجْتَمِعانِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِنائِهِ البَيْتَ - كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِتَعْرِيفِ البَلَدِ، فَقالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي حَرَّمَتِ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ ومَنَعَتْهُ بِالهَيْبَةِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ سِواكَ، (p-٤٢٧)وجَعَلَ [لَهُ] حَرِيمَ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشُ والطَّيْرُ؛ والسُّكْنى: اتِّخاذُ مَأْوًى يَسْكُنُ إلَيْهِ مَتى شاءَ، والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأنْهارِ: أوْدِيَةٌ، لِأنَّ حافّاتِها كالجِبالِ لَها، والزَّرْعُ: نَباتٌ يَنْفَرِشُ مِن غَيْرِ ساقٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غَرَضَهُ مِن إسْكانِهِمْ هُناكَ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ما أسْكَنْتُهم في هَذا الوادِي المَوْصُوفِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ المُنافِي لِعِبادَةِ غَيْرِكَ، ولِأنَّ أوْلى النّاسِ بِإقامَتِها حاضِرُو البَيْتِ المُتَوَجِّهِ بِها إلَيْهِ.
ولَمّا كانَ اشْتِغالُهم بِالعِبادَةِ وكَوْنُهم في ذَلِكَ الوادِي أمْرَيْنِ بَعِيدَيْنِ عَنْ أسْبابِ المَعاشِ، تُسُبِّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً﴾ أيْ قُلُوبًا مُحْتَرِقَةً بِالأشْواقِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ مِن أفْئِدَةِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلِاضْطِرابِ، بِكَوْنِ احْتِراقِها بِالشَّوْقِ مانِعًا مِنَ اضْطِرابِها ﴿تَهْوِي﴾ أيْ تَقْصِدُهم فَتُسْرِعَ نَحْوَهم بِرَغْبَةٍ وشَوْقِ إسْراعِ مَن يَنْزِلُ مِن حالِقٍ؛ وزادَ المَعْنى وُضُوحًا وأكَّدَهُ بِحَرْفِ الغايَةِ الدّالِّ عَلى بُعْدٍ لِأنَّ الشَّيْءَ كُلَّما بَعُدَ مَدى (p-٤٢٨)مَرْماهُ اشْتَدَّ وقْعُهُ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ [ولَمّا دَعا لَهم بِالدِّينِ، دَعا لَهم بِالرِّزْقِ المُتَضَمِّنِ لِلدُّعاءِ لِجِيرانِهِمْ فَقالَ]: ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ عَلى يَدِ مَن يَهْوِي إلَيْهِمْ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيِ الَّتِي أنْبَتَها في بِلادِهِمْ؛ وبَيْنَ العِلَّةِ الصّالِحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهم لِما يَرَوْنَ مِن نِعْمِكَ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ البَعِيدِ عَنِ الفَضْلِ لَوْلا عِنايَتُكَ [فَيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِكَ لِإغْنائِكَ] لَهم وإحْسانِكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ؛ فالآيَةُ لِتَذْكِيرِ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ الَّذِي نَهى عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ.
إبراهيم 14:38
ولَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأهَمِّ مِنَ الإبْقاءِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى المُشَوِّقَةِ لِلْعَزائِمِ إلى العُكُوفِ في دارَةِ الأُنْسِ، ومِنَ الكِفايَةِ لَهُمُ المَعاشُ، المُنْتِجُ لِلشُّكْرِ بِإنْفاقِ الفَضْلِ، وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ أنَّهم خالَفُوا أعْظَمَ آبائِهِمْ في جَمِيعِ ما قَصَدَهُ [لَهُمْ] مِنَ المَصالِحِ، أتْبَعُهُ ما يَحُثُّ عَلى الإخْلاصِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ لَهُ ولِغَيْرِهِ لِيَكُونَ أنْجَحَ لِلْمُرادِ بِضَمانِ الإسْعادِ ولا سِيَّما مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ الدّالِّ عَلى مَزِيدِ التَّضَرُّعِ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا المالِكِ لِجَمِيعِ أُمُورِنا ﴿إنَّكَ تَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعِ ما (p-٤٢٩)﴿نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى عُمُومِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا. وبالَغَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ ولا غَيْرِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ المُبالَغَةَ، أعادَ النّافِي تَأْكِيدًا فَقالَ: ﴿ولا في السَّماءِ﴾ أيْ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْرِيفِ بِالدُّعاءِ، فالدُّعاءُ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، واسْمُ الجِنْسِ شامِلٌ لِما فَوْقَ الواحِدِ، ومِن فَوائِدِ التَّعْبِيرِ بِالإفْرادِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ [مَن] كانَ مُحِيطًا [بِكُلِّ ما في المُتَقابِلَيْنِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْجُبَهُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، كانَ مُحِيطًا] بِغَيْرِهِما كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ.
إبراهيم 14:39
ولَمّا تَمَّ ما دَعا بِهِ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ رَجاسَةِ الشِّرْكِ وتَبَيَّنَ بِتَقْدِيمِهِ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ البَراءَةُ مِنهُ، أتْبَعُهُ الحَمْدَ عَلى ما رَزَقَ مِنَ النِّعَمِ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوبِ الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي وهَبَ﴾ والهِبَةُ: هِبَةُ تَمْلِيكٍ مِن غَيْرِ عَقْدٍ، مِنّا مِنهُ ”لِي“ حالَ كَوْنِي [مُسْتَعْلِيًا] ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ عَلى يَأْسٍ مِنَ الوَلَدِ ”إسْماعِيلَ“ الَّذِي أسْكَنَتْهُ هُنا ”وإسْحاقَ“ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ فَهْمِي لَهُ مِن أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِناءِ البَيْتِ (p-٤٣٠)وطُمَأْنِينَتِهِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ سِنَّهُ كانَ عِنْدَ وِلادَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وعِنْدَ وِلادَةِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِائَةَ سَنَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.
ولَمّا كانَ إتْيانُ الوَلَدِ [لَهُ] في سِنٍّ لا يُولَدُ فِيهِ لِمِثْلِهِ، وجَمِيعِ ما دَعا [بِهِ] مِنَ الخَوارِقِ فَوُجُودُهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ إجابَةُ الدُّعاءِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ تَعْرِيضًا بِالأنْدادِ وإشارَةً إلى ما تَضَمَّنَهُ تَأسُّفُهُ عَلى العُقْمِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ] عَنِ التَّوْراةِ أنَّهُ لَمّا خَلُصَ ابْنُ أخِيهِ [ لُوطًا ] مِنَ الأسْرِ قالَ [لَهُ] اللَّهُ: يا إبْراهِيمُ ! أنا أُكاتِفُكَ وأُساعِدُكَ لِأنَّ ثَوابَكَ قَدْ جَزَلَ، فَقالَ إبْرَمُ: اللَّهُمَّ رَبِّي! ما الَّذِي تَنْحَلُنِي وأنا خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا بِلا نَسْلٍ ويَرِثُنِي اليَعازِرُ غُلامِي الدِّمَشْقِيُّ؟ فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: لا يَرِثُكَ هَذا، بَلِ ابْنُكَ (p-٤٣١)الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِكَ فَهو يَرِثُكَ، وقالَ لَهُ: انْظُرْ إلى السَّماءِ وأحْصِ النُّجُومَ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ أنْ تُحْصِيَها، فَكَذَلِكَ تَكُونُ ذُرِّيَّتُكَ، فَآمَنَ إبْرَمُ بِاللَّهِ.
إبراهيم 14:40
ولَمّا تَمَّ الحَمْدُ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالتَّخَلِّي مِن مُنافِي السَّعادَةِ وخَتْمِهِ بِالحَمْدِ عَلى إجابَةِ الدُّعاءِ، انْتَهَزَ الفُرْصَةَ في إتْباعِهِ الدُّعاءَ بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ العِبادَةِ الَّتِي أخْبَرَ أنَّها قَصْدُهُ بِإسْكانِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ إقامَتُها، إشارَةً إلى صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُوجِدُ لِي المالِكَ لِأمْرِي ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الدّالُّ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ، دائِمُ الإقامَةِ لَها، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكْفُرُ فَقالَ أدَبًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾
ولَمّا كانَتْ أعْظَمَ الأرْكانِ بَعْدَ الإيمانِ، أفْرادَ [الضَّمِيرَ] لِلدُّعاءِ بِها مُتَمَلِّقًا لِلَّهِ تَعالى بِما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُنْعِمْها عَلى أحَدٍ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ بِاسْمِ الرَّبِّ، [ثُمَّ زادَ] في التَّضَرُّعِ بِقَوْلِهِ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا، وجَمَعَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلى مَن تَبِعَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، أيْ رَبِّ ورَبَّ (p-٤٣٢)مَن وفَّقْتَهُ بِتَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ لِإقامَةِ الصَّلاةِ مِن ذُرِّيَّتِي ﴿وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ كُلُّهُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ، بِأنْ تَجْعَلَهُ مَقْبُولًا جَعَلَ مِن كَأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ مُفَتَّنٌ بِهِ.
إبراهيم 14:41
ولَمّا كانَ الإنْسانُ ولَوِ اجْتَهَدَ كُلَّ الِاجْتِهادِ - مَحَلُّ العَجْزِ المُوجِبِ لِلتَّقْصِيرِ المُفْتَقِرِ لِلسَّتْرِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المالِكُ لِأُمُورِنا المُدَبِّرُ لَنا ﴿اغْفِرْ لِي﴾ ثُمَّ أشْرَكَ مَعَهُ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ وأحَقَّهم بِشُكْرِهِ فَقالَ: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ لَهُما قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أباهُ ماتَ كافِرًا، وقَدْ عَلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ إذا كانَ وحْدَهُ أضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وإذا تَقَدَّمَ ما يُحْسِنُ جَمْعُهُ [مَعَهُ] جَمْعٌ إنْ كانَ ما بَعْدَهُ مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ كُلُّ مَن تَبِعَهُ في الدِّينِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الوَصْفِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أيْ يَظْهَرُ ويَتَحَقَّقُ عَلى أعْلى وُجُوهِهِ ﴿الحِسابُ﴾
إبراهيم 14:42
ولَمّا خَتَمَ دُعاءَهُ بِيَوْمِ الحِسابِ المُوجِبِ ذِكْرِهِ لِكُلِّ سَعادَةٍ ونِسْيانِهِ لِكُلِّ شَقاوَةٍ، ذَكَرَ بَعْضَ ما يَتَّفِقُ فِيهِ رُجُوعًا إلى ما مَضى مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، فَقالَ - عاطِفًا [عَلى قَوْلِهِ] ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وجَلَّ المَقْصِدُ تَهْدِيدُ أهِلِ الظُّلْمِ بِالإشْراكِ وغَيْرِهِ، وخاطَبَ [الرَّأْسَ] الَّذِي لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قَلْبِ (p-٤٣٣)غَيْرِهِ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ.
ولَمّا كانَ [اعْتِقادُ] تَرْكِ الحِسابِ يَلْزَمُ مِنهُ نِسْبَةُ الحاكِمِ إلى العَجْزِ أوِ السَّفَهِ أوِ الغَفْلَةِ، وكانَ قَدْ أثْبَتَ قُدْرَتَهُ وحِكْمَتَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها نُزْهَةً عَنِ الغَفْلَةِ لِيَنْتَبِهَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ مِن غَفْلَتِهِمْ فَقالَ: ”غافِلًا“ والغَفْلَةُ: ذَهابُ المَعْنى عَنِ النَّفْسِ ﴿عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَكانُوا عَرِيقِينَ في الظُّلْمِ وإنْ كانَ مُسْتَنَدُ ظُلْمِهِمْ شُبَهًا عِلْمِيَّةً يُقِيمُونَها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِي يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ حِسابَهم عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ سَواءٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ أيْ تُفَتَّحُ فَتَكُونُ بِحَيْثُ لا تَطَرُّفَ ﴿فِيهِ﴾ مِنهم ﴿الأبْصارُ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ
إبراهيم 14:43
﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ غايَةَ الإسْراعِ إلى حَيْثُ دَعَوْا [خَوْفًا] وجَزَعًا، مَعَ الإقْبالِ بِالبَصَرِ نَحْوَ الدّاعِي لا يَلْفِتُونَهُ إلى غَيْرِهِ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِيها وناصِبِيها ناظِرِينَ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهي جِهَةُ الدّاعِي، لا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا (p-٤٣٤)ولا شَمالًا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ أشَدِّ الذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُؤَكِّدُهُ فَقالَ مُصَرِّحًا بِمَعْنى الشُّخُوصِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانُوا في هَيْئَةِ الأعْيُنِ في الطَّرَفِ والسُّكُونِ قَرِيبًا مِنَ السَّواءِ، وحَّدَ فَقالَ: ﴿طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ أعْيُنُهم شاخِصَةٌ دائِمَةُ الفَتْحِ لا تَطْرُفُ كالمُحْتَضَرِ لِما بِأصْحابِها مِنَ الهَوْلِ ﴿وأفْئِدَتُهُمْ﴾ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ؛ قالَ في القامُوسِ: والتَّفَؤُّدُ: التَّحَرُّقُ والتَّوَقُّدُ، ومِنهُ الفُؤادُ لِلْقَلْبِ مُذَكَّرٌ، جَمْعُهُ أفْئِدَةٌ.
﴿هَواءٌ﴾ أيْ عَدَمٌ فارِغَةٌ لا شَيْءَ فِيها مِنَ الجُرْأةِ والأنَفَةِ الَّتِي يُظْهِرُونَها الآنَ كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
؎ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ
والهَواءُ: الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والنَّخْبُ: الجَبانُ، وكَذا الهَواءُ - قالَهُ في القامُوسِ. فَأنْذِرْهم [أهْوالَ] ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهُ لا يَبْقى مَعَهم فِيهِ شَيْءٌ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ
إبراهيم 14:44
﴿وأنْذِرِ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ ﴿النّاسَ﴾ جَمِيعًا، ما يَحِلُّ بِهِمْ ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ ويَنْكَشِفُ (p-٤٣٥)عَنْهُمُ الغِطاءُ بِالمَوْتِ أوِ البَعْثِ.
ولَمّا كانُوا [عِنْدَ] إتْيانِ العَذابِ قَبْلَ المَوْتِ لا يَنْكَسِرُونَ بِالكُلِّيَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم إذْ ذاكَ عَلى غَيْرِ هَذا، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”يَأْتِيهِمْ“: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ [مِنهُمْ] ومَن غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ إتْيانِهِ مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ، وقَدْ زالَ عَنْهم ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ والشَّمّاخَةِ والكِبْرِ لِما رَأوْا مِنَ الأهْوالِ الَّتِي لا قِبَلَ لَهم بِها ولا صَبْرَ عَلَيْها: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالخُلُقِ والرِّزْقِ والتَّرْبِيَةِ ”أخِّرْنا“ أيْ أمْهِلْنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَإنَّكَ إنْ تُؤَخِّرْنا إلَيْهِ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ اسْتِدْراكًا لِما فَرَّطْنا فِيهِ؛ والإجابَةُ: القَطْعُ عَلى مُوافَقَةِ الدّاعِي بِالإرادَةِ ﴿ونَتَّبِعِ﴾ أيْ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿الرُّسُلَ﴾ فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، أوَلَمْ تَكُونُوا تَقُولُونَ: إنَّ عُرى صَبْرِكم لا تَنْحَلُّ، وحَدَّ عَزائِمِكم لا يَفِلُّ؟ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا أنْتُمْ فِيهِ في غايَةِ المُكْنَةِ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ جَهْلًا وسَفَهًا أوْ أشَرًا وبَطَرًا.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ وقْتُ إقْسامِهِمْ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (p-٤٣٦)وبَيَّنَ الجَوابَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - حاكِيًا مَعْنى قَوْلِهِمْ لا لَفْظَهُ - لِيَكُونَ صَرِيحًا في المُرادِ مِن غَيْرِ احْتِمالٍ لِتَعَنُّتٍ لَوْ قِيلَ: ما لَنا؟: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن زَوالٍ﴾ عَمًّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ وعَدَمِ الإذْعانِ لِلْإيمانِ، أوْ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ مِن مَنازِلِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ بِها، كِنايَةً عَنْ ثَباتِ الأمْرِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالمُخالِفِ كائِنًا مَن كانَ
إبراهيم 14:45
”و“ الحالُ أنَّكم ﴿وسَكَنْتُمْ﴾ [أيْ] في الدُّنْيا ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ فَأحِلُّوا قَوْمَهم مِثْلَكم دارَ البُورِ ”وتَبَيَّنَ“ أيْ غايَةَ البَيانِ ”لَكُمْ“ بِالخَبَرِ والمُشاهَدَةِ.
ولَمّا كانَ [حالُ] أحَدِهِمْ في غايَةِ العَجَبِ، نَبَّهَ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا﴾ أيْ عَلى عَظَمَتِنا ”بِهِمْ“ حِينَ انْتَقَمْنا مِنهم [فَلَمْ] تَعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ ﴿وضَرَبْنا﴾ [أيْ] عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَكُمُ الأمْثالَ﴾ المُبِينَةِ أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَرَتْ - ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا - أنَّ الظّالِمِينَ كَما جَمَعَهُمُ [اسْمُ] الظُّلْمِ يَجْمَعُهم مِيسَمُ الهَلاكِ، فَجَمَعْنا لَكم بَيْنَ طَرِيقَيِ الِاعْتِبارِ: السَّمْعُ والبَصَرُ، ثُمَّ لَمْ تَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُما
إبراهيم 14:46
”و“ الحالُ أنَّهُ بانَ لَكم أنَّهم حِينَ (p-٤٣٧)فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أيِ الشَّدِيدِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم مَكْرٌ غَيْرُهُ في تَأْيِيدِ الكُفْرِ وإبْطالِ الحَقِّ؛ والمَكْرُ: الفَتْلُ إلى الضَّرَرِ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”عِنْدَ اللَّهِ“ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿مَكْرَهُمْ﴾ هو وحْدَهُ بِهِ عالِمٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ وإنَّ دَقَّ، وعَلى إبْطالِهِ قادِرٌ وإنْ جَلَّ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ مِنَ القُوَّةِ والضَّخامَةِ ”لِتَزُولَ“ أيْ لِأجْلِ أنْ تَزُولَ ﴿مِنهُ الجِبالُ﴾ والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الثّانِيَةِ: وإنْ كانَ بِحَيْثُ إنَّهُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: ”إنَّ“ نافِيَةً، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ والجِبالُ: الآياتُ والشَّرائِعُ، بَلْ هي أثْبَتُ.
إبراهيم 14:47
ولِما تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ -وهُوَ كَما تَقَدَّمَ في أنَّ المُرادَ الأُمَّةُ لِبُلُوغِ [الأمْرِ] مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، خُوطِبَ بِهِ الرَّأْسُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ (p-٤٣٨)أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَإنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ كانَ ناقِصَ العَقْلِ ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ في أنَّهُ يُعِزُّ أوْلِياءَهُ ويُذِلُّ أعْداءَهُ ويُهْلِكُهم بِظُلْمِهِمْ، ويُسْكِنُ أوْلِياءَهُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ كَثْرَةَ المُخالِفِينَ وقُوَّتَهم عَلى تَمادِي الأيّامِ تَعَرَّضَ السّامِعَ لِلْإنْكارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والإكْرامِ ”عَزِيزٌ“ أيْ يَقْدِرُ ولا يُقْدَرُ عَلَيْهِ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمَّنْ يُخالِفُ أمْرَهُ.
إبراهيم 14:48
ولَمّا تَقَرَّرَتْ عَظَمَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ، وكانَ أعْظَمَ يَوْمٍ [يَظْهَرُ] فِيهِ الِانْتِقامُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ أيْ تَبْدِيلًا غَرِيبًا عَظِيمًا ”الأرْضُ“ أيْ هَذا الجِنْسُ ﴿غَيْرَ الأرْضِ﴾ [أيِ] الَّتِي تَعْرِفُونَها ﴿والسَّماواتُ﴾ بَعْدَ انْتِشارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُئُونِها؛ والتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ أوْ صِفَتُهُ إلى بَدَلٍ ﴿وبَرَزُوا﴾ أيِ الظّالِمُونَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم لا يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْحِسابِ؛ والبُرُوزُ: ظُهُورُ الشَّخْصِ مِمّا كانَ مُلْتَبَسًا بِهِ ”لِلَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿الواحِدِ﴾ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ﴿القَهّارِ﴾ الَّذِي لا يُدافِعُهُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ، فَصارُوا بِذَلِكَ البُرُوزِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ لا يَخْفى مِنهم خافِيَةٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَزالُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ: (p-٤٣٩)رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ الآيَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ يَكُونُ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ».
إبراهيم 14:49
ولَمّا ذَكَرَ بُرُوزَهم [لَهُ] ذَكَرَ حالَهم في ذَلِكَ البُرُوزِ فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ﴾ [أيْ] وتَراهُمْ، ولَكِنَّهُ [أظْهَرَ] لِتَعَدُّدِ صِفاتِهِمُ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ الخِزْيَ؛ والإجْرامَ: قَطْعُ ما يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ بِفِعْلِ ما لا يَجُوزُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ العِظامُ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أيْ مَجْمُوعًا كُلٌّ مِنهم إلى نَظِيرِهِ، أوْ مَجْمُوعَةٌ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ جَمْعًا فِيهِ شِدَّةٌ وضِيقٌ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ أيِ القُيُودِ، والمُرادُ هُنا الأغْلالُ، أيِ السَّلاسِلُ الَّتِي تَجْمَعُ الأيْدِي [فِيها] إلى الأعْناقِ ويَقْرَنُونَ فِيها مَعَ أشْكالِهِمْ؛
إبراهيم 14:50
ثُمَّ بَيَّنَ لِباسَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ قُمُصُهُمُ السّابِغَةُ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وهو ما يَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ، ومِن شَأْنِهِ أنَّهُ سَرَعَ فِيهِ (p-٤٤٠)اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ.
ولَمّا كانَ هَذا اللِّباسُ مَعَ نَتْنِهِ وفَظاعَتِهِ شَدِيدَ الِانْفِعالِ بِالنّارِ، بَيَّنَ أنَّهُ يُسَلِّطُها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَغْشى﴾ ولَمّا كانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الحَيَوانِ، فَإهانَتُهُ إهانَةٌ عَظِيمَةٌ لِصاحِبِهِ، ذَكَرَهُ وقَدَّمَهُ تَعْجِيلًا لِإفْهامِ الإهانَةِ فَقالَ: ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُوها بِاشْتِعالِها، فَعُلِمَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن غَشَيانِها لَها اضْطِرامُها فِيما ضَمَّخَ بِالقَطْرانِ مِن بابِ الأُولى؛
إبراهيم 14:51
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ هَذِهِ الأفْعالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجَزاءِ والكَسْبِ الَّذِي [هُوَ] مَحَطُّ التَّكْلِيفِ وظَنُّ النَّفْعِ، لِاقْتِضاءِ سِياقِ القَهْرِ لَهُما: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ طائِعَةً أوْ عاصِيَةً. ولَمّا عَظُمَ الأمْرُ بِإسْنادِ الجَزاءِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الكَسْبِ هو الجَزاءَ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْدَعُ وأدَقُّ في الصُّنْعِ وأبْرَعُ بِأنْ يُصَوِّرَ بِما يَحِقُّ مِنَ الصُّوَرِ المَلِيحَةِ عِنْدَ إرادَةِ الثَّوابِ، والقَبِيحَةِ عِنْدَ إرادَةِ العِقابِ، فَلِذَلِكَ أسْقَطَ الباءَ - الَّتِي (p-٤٤١)سَتُذْكَرُ في ”حم المُؤْمِنُ“ وقالَ: ﴿ما كَسَبَتْ﴾ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ والكَسْبُ: فِعْلُ ما يُسْتَجْلَبُ بِهِ نَفْعٌ أوْ يُسْتَدْفَعُ بِهِ ضُرٌّ، ومِن جَزاءِ المُؤْمِنِ عُقُوبَةُ مَن عاداهُ في اللَّهِ.
ولَمّا كانَ حِسابُ كُلِّ نَفْسٍ جَدِيرًا بِأنْ يَسْتَعْظِمَ، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ لا يَشْغَلُهُ حِسابُ نَفْسٍ عَنْ حِسابِ أُخْرى ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.
إبراهيم 14:52
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى ما قَرَعَ سَمِعَكَ مِن هَذِهِ المَواعِظِ والأمْثالِ والحِكَمِ الَّتِي أبْكَمَتِ البُلَغاءَ، وأخْرَسَتِ الفُصَحاءَ، وبَهَرَتِ العُقُولَ، تَرْجَمَها سُبْحانَهُ بِما يَصْلُحُ عُنْوانًا لِجَمِيعِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿هَذا﴾ أيِ الكِتابِ الَّذِي يَخْرُجُ النّاسُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴿بَلاغٌ﴾ أيْ كافٍ غايَةَ الكِفايَةِ في الإيصالِ ﴿لِلنّاسِ﴾ لِيَصِلُوا بِهِ إلى اللَّهِ بِما يَتَحَلَّوْنَ بِهِ مِنَ المَزايا في سُلُوكِ صِراطِهِ القَوِيمِ، فَإنَّ مادَّةَ ”بَلَغَ“ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الوُصُولِ، وتارَةً تَلْزَمُها القُوَّةُ وتارَةً الإعْياءُ النّاشِئُ عَنِ الضَّعْفِ: (p-٤٤٢)بَلَغَ المَكانُ بُلُوغًا: وصَلَ إلَيْهِ؛ وبَلَغَ الرَّجُلُ - كَعَنِيَ: جَهِدَ، والبَلِيغُ: الفَصِيحُ يَبْلُغُ بِعِبارَتِهِ كُنْهَ ضَمِيرِهِ، والبَلاغُ - كَسَحابِ: الكِفايَةُ، لِأنَّها تُوصَلُ إلى القَصْدِ، وبالَغَ مُبالَغَةً - إذا اجْتَهَدَ ولَمْ يُقَصِّرْ، وتَبَلَّغَتْ بِهِ العِلَّةُ: اشْتَدَّتْ.
والغَلْباءُ: الحَدِيقَةُ المُتَكاثِفَةُ، ومِنَ القَبائِلِ: العَزِيزَةِ المُمْتَنِعَةِ، والأغْلَبُ: الأسَدُ.
ولَغَبَ: أعْيا - لِاجْتِهادِهِ في البُلُوغِ، واللَّغَبِ: ما بَيْنَ الثَّنايا مِنَ اللَّحْمِ، واللَّغَبُ - كَكَتِفَ: الكَلامُ الفاسِدُ - يَرْجِعُ إلى الإعْياءِ، وكَذا الضَّعِيفُ الأحْمَقُ، والسَّهْمُ الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ بِرَيِّهِ كاللُّغابِ - بِالضَّمِّ، والتَّغَلُّبُ: طُولُ الطَّرْدِ.
والبَغْلُ مِن أشَدِّ الحَيَوانِ وأبْلَغِها لِلْقَصْدِ، وبَغَلَ تَبْغِيلًا: بَلَدَ وأعْيا، والإبِلُ: مَشَتْ بَيْنَ الهَمْلَجَةِ والعُنُقِ.
ولَمّا كانَ مُتَعَلِّقُ البَلاغِ الَّذِي قُدْرَتُهُ بِالوُصُولِ يَتَضَمَّنُ البِشارَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ النِّذارَةَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ، لِأنَّ النّافِعَ مُطْلَقُ النِّذارَةِ، وكُلُّ أحَدٍ مُتَأهِّلٌ (p-٤٤٣)لِأنْ يَكُونَ واعِظًا بِهِ مَقْبُولًا، لِأنَّ مِن سَمِعَهُ فَكَأنَّما سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ لِتَمَيُّزِهِ بِإعْجازِهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ، فَقالَ: ﴿ولِيُنْذَرُوا﴾ أيْ مِن أيْ مُنْذِرٍ كانَ فَيَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ﴿بِهِ﴾ فَيَحْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ فَيَتَخَلَّوْا عَنِ الدَّنايا.
ولَمّا أشارَ إلى جَمِيعِ الفُرُوعِ فِعْلًا وتَرْكًا، مَعَ إشارَتِهِ إلى أصْلِ التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أوَّلُ الوُصُولِ، صَرَّحَ بِهِ عَلى حِدَّتِهِ لِجَلالَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هُوَ﴾ أيِ الإلَهُ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَيَكُونُ هَمُّهم واحِدًا.
ولَمّا تَمَّتِ الإشارَةُ إلى الدِّينِ أصْلًا وفَرْعًا، نَبَّهَ عَلى المَواعِظِ والأمْثالِ بِتَذَكُّرِ ما لَهُ مِنَ الآياتِ والمَصْنُوعاتِ، والبَطْشِ بِمَن خالَفَهُ مِنَ الأُمَمِ، وأشارَ إلى أنَّ أدِلَّةَ الوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ لا تَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَذَكُّرٍ، لِأنَّها في غايَةِ الوُضُوحِ ولا سِيَّما بَعْدَ تَنْبِيهِ الرُّسُلِ، فَأدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ، فَقالَ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ﴾ أيْ مِنهم ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ الصّافِيَةِ، والعُقُولِ الوافِيَةِ، فَيَفْتَحُوا عُيُونَ بَصائِرِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لا وُصُولَ لَهم مَعَ الغَفْلَةِ فَيَلْزَمُوا المُراقَبَةَ فَلا يَزالُوا في رِياضِ المُقارَبَةِ. ويَعْلَمُوا - بِما رَكَزَ في طَبائِعِهِمْ وجَرى مِن عَوائِدِهِمْ - أنَّ أقَلَّ حُكّامِهِمْ لا يَرْضى بِأنْ يَدَعَ رَعِيَّتَهُ يَتَهارَجُونَ (p-٤٤٤)لا يُنْصَفُ بَيْنَهم ولا يُجْزى أحَدًا مِنهم بِما كَسَبَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ انْسِلاخًا مِن رُتْبَةِ الحُكْمِ الَّتِي هي خاصَّتُهُ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ ذَلِكَ في أحْكَمِ الحاكِمِينَ، فَقَدْ تَكَفَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وجازَتِها [بِجَمِيعِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا، وعَلِمَ الحَقِيقَةَ نِهاياتٍ وشُرُوعًا، عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ -] وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، لِأنَّ هَذا عَيْنُ الخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِهَذا الكِتابِ الحامِلِ عَلى كُلِّ صَوابٍ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وحُسْنِ المَآبِ.