Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الكهف 18:1 – مريم 19:98
المحتويات
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:4
- مريم 19:5
- مريم 19:6
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:13
- مريم 19:14
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:18
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:24
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:28
- مريم 19:29
- مريم 19:30
- مريم 19:31
- مريم 19:32
- مريم 19:33
- مريم 19:34
- مريم 19:35
- مريم 19:36
- مريم 19:37
- مريم 19:38
- مريم 19:39
- مريم 19:40
- مريم 19:41
- مريم 19:42
- مريم 19:43
- مريم 19:44
- مريم 19:45
- مريم 19:46
- مريم 19:47
- مريم 19:48
- مريم 19:49
- مريم 19:50
- مريم 19:51
- مريم 19:52
- مريم 19:53
- مريم 19:54
- مريم 19:55
- مريم 19:56
- مريم 19:57
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:60
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:64
- مريم 19:65
- مريم 19:66
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:79
- مريم 19:80
- مريم 19:81
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
الكهف 18:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[سُورَةُ الكَهْفِ]
مَقْصُودُها وصْفُ الكِتابِ بِأنَّهُ قَيِّمٌ، لِكَوْنِهِ زاجِرًا عَنِ الشَّرِيكِ الَّذِي هو خِلافُ ما قامَ عَلَيْهِ [الدَّلِيلُ -] ”سُبْحانَ“ مِن أنَّهُ لا وكِيلَ دُونَهُ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، وقاصًّا بِالحَقِّ أخْبارَ قَوْمٍ قَدْ فُضِّلُوا في أزْمانِهِمْ وفْقَ ما وقَعَ الخَبَرُ بِهِ في ”سُبْحانَ“ مِن أنَّهُ يُفَضِّلُ مَن يَشاءُ، ويَفْعَلُ ما يَشاءُ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصِدِ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ لِأنَّ خَبَرَهم أخْفى ما فِيها مِنَ القِصَصِ مَعَ أنَّ سَبَبَ فِراقِهِمْ لِقَوْمِهِمُ الشِّرْكُ، وكانَ (p-٢)أمْرُهم مُوجِبًا - بَعْدَ طُولِ رُقادِهِمْ - لِلتَّوْحِيدِ وإبْطالِ الشِّرْكِ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ولا شَرِيكَ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي أقامَ عِبادَهُ عَلى أوْضَحِ الطُّرُقِ بِقِيَمِ الكِتابِ ”الرَّحِيمِ“ بِتَفْضِيلِ مَنِ اخْتَصَّهُ بِالصَّوابِ.
* *
لَمّا خُتِمَتْ تِلْكَ بِأمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالحَمْدِ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ لِكَوْنِهِ أعْلَمَ الخَلْقِ بِذَلِكَ، بُدِئَتْ هَذِهِ بِالإخْبارِ بِاسْتِحْقاقِهِ سُبْحانَهُ الحَمْدَ عَلى صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها البَراءَةُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، مُنَبِّهًا بِذَلِكَ عَلى وُجُوبِ حَمْدِهِ بِما شَرَعَ مِنَ الدِّينِ عَلى هَذا الوَجْهِ الأحْكَمِ بِهَذا الكِتابِ القَيِّمِ الَّذِي خَضَعَتْ لِجَلالِهِ العُلَماءُ الأقْدَمُونَ، وعَجَزَ عَنْ مُعارَضَتِهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، الَّذِي هو الدَّلِيلُ عَلى ما خُتِمَتْ بِهِ تِلْكَ مِنَ العَظَمَةِ والكَمالِ، والتَّنَزُّهِ والجَلالِ، فَقالَ مُلَقِّنًا لِعِبادِهِ حَمْدَهُ، مُعْلِمًا لَهم كَيْفَ يُثْنُونَ عَلَيْهِ، مُفَقِّهًا لَهم في اخْتِلافِ العِباراتِ بِاخْتِلافِ المَقاماتِ: ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ ”لِلَّهِ“ أيِ المُسْتَحِقِّ لِذَلِكَ لِذاتِهِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِاسْتِحْقاقِهِ ذَلِكَ لِذاتِهِ، أخْبَرَ بِأنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ أيْضًا لِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِي﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ وصْفَ جُمْلَةِ الكِتابِ (p-٣)بِالإعْجازِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّفْرِيقِ والتَّدْرِيجِ، عَبَّرَ بِالإنْزالِ دُونَ التَّنْزِيلِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ﴾ وعَدَلَ عَنِ الخِطابِ بِأنْ يَقُولَ: عَلَيْكَ، كَما يَقُولُ: فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ، كَما في ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالعُبُودِيَّةِ والإضافَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ الإعْلامِ بِتَشْرِيفِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ والتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ تَخْصِيصِهِ بِالإنْزالِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ]، فَقالَ- مُقَدِّمًا لَهُ عَلى المُنْزَلِ لِأنَّ المُرادَ الدَّلالَةُ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ بِما لا يَحْتاجُ فِيهِ قُرَيْشٌ إلى سُؤالِ اليَهُودِ ولا غَيْرِهِمْ مِن تَخْصِيصِهِ بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ-: ”عَلى عَبْدِهِ“ وإشارَةٌ إلى أنَّهُ الَّذِي أسْرى بِهِ إلى حَضاراتِ مَجْدِهِ لِيُرِيَهُ مِن آياتِهِ ”الكِتابَ“ الجامِعَ لِمَعانِي الكُتُبِ المُشارَ إلَيْهِ في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ كَما آتى مُوسى التَّوْراةَ الآمِرَةَ بِالعَدْلِ في الأحْكامِ، وداوُدَ الزَّبُورَ الحادِيَ إلى الزُّهْدِ والإحْسانِ، عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في ”سُبْحانَ“.
ولَمّا كانَ الجامِعُ لا يَخْلُو مِن عِوَجٍ أوْ قابِلِيَّةٍ لَهُ إلّا أنْ كانَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ، نَفى القابِلِيَّةَ والإمْكانَ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِهِ لِيَنْتَفِيَ [العِوَجُ-٧] بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ تَعالى: ﴿ولَمْ﴾ أيْ والحالُ [أنَّهُ لَمْ ٧] ﴿يَجْعَلْ لَهُ﴾ ولَمْ يَقُلْ: فِيهِ ﴿عِوَجًا﴾ أيْ شَيْئًا مِن عِوَجٍ، أيْ بَلْ هو مُسْتَقِيمٌ في جَمِيعِ مَعانِيهِ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا، هادٍ إلى كُلِّ (p-٤)صَوابٍ، لِأنَّ العِوَجَ - بِالكَسْرِ: فَقْدُ الِاسْتِقامَةِ في المَعانِي، وبِالفَتْحِ في الأعْيانِ؛
الكهف 18:2
وأتْبَعَهُ حالًا أُخْرى لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ تَصْرِيحًا بِاللّازِمِ تَأْكِيدًا لَهُ، ومُقَيِّدًا أنَّهُ مُهَيْمِنٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ مُقَيِّمٌ لِغَيْرِهِ، وقَدْ مَضى في الفاتِحَةِ ثُمَّ في الأنْعامِ عَنِ الإمامِ سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّ كُلَّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ [بِالحَمْدِ-٤] فَلِلْإشارَةِ إلى نِعْمَةٍ مِن أُمَّهاتِ النِّعَمِ الَّتِي هي إيجادٌ وإبْقاءٌ أوَّلًا، وإيجادٌ وإبْقاءٌ ثانِيًا، وأنَّهُ أُشِيرَ في الفاتِحَةِ لِكَوْنِها أُمَّ الكِتابِ إلى الأرْبَعِ، وفي الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ وهو ظاهِرٌ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ، فَإنَّ نِظامَ العالَمِ وبَقاءَ النَّوْعِ الإنْسانِيِّ يَكُونُ بِالنَّبِيِّ والكِتابِ- انْتَهى. ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ذَكَرَ أنَّهُ انْتُظِمَ بِأهْلِ الكَهْفِ أمْرُ مَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ ثُمَّ بِالخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرٌ مِنَ الأحْوالِ، ثُمَّ بِذِي القَرْنَيْنِ أمْرُ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِما يُسِّرَ لَهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي مِنها السَّدُّ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَ ياجُوجَ وماجُوجَ الَّذِينَ يَكُونُ بِهِمْ- إذا أخْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعالى - فَسادُ الأرْضِ كُلِّها، ثُمَّ ذَكَرَ في الَّتِي تَلِيها مِن أهْلِ وُدِّهِ واصْطِفائِهِ مَنِ اتَّبَعَهم لِنِظامِ العالَمِ بِما وفَّقَهم لَهُ مِن طاعَتِهِ، وبَصَّرَهم بِهِ مِن مَعْرِفَتِهِ، واسْتَمَرَّ كَذَلِكَ في أكْثَرِ السُّوَرِ حَتّى ذَكَرَ السُّورَةَ الَّتِي أشارَ فِيها إلى الإيجادِ الثّانِي، وأتْبَعَها بِالَّتِي أشارَ فِيها إلى الإبْقاءِ الثّانِي. ولَمّا كانَ إبْقاءُ الأوَّلِ يَقْتَضِي مُهْلَةً لِبُلُوغِ حَدِّ التَّكْلِيفِ [وإجْراءِ القَلَمِ] (p-٥)ثُمَّ مُهْلَةً أُخْرى يَكُونُ فِيها العَمَلُ والِاسْتِعْدادُ لِما لِأجْلِهِ كانَ هَذا الوُجُودُ مِنَ العَرْضِ عَلى الرَّحْمَنِ، لِلْجَزاءِ بِالإساءَةِ أوِ الإحْسانِ، ومُهْلَةً أُخْرى يُحْبَسُ فِيها السّابِقُ مِنَ الخَلائِقِ إلى وُرُودِ مَشْرَعِ المَوْتِ لِانْتِظارِ اللّاحِقِ، إلى بُلُوغِ ما ضَرَبَ سُبْحانَهُ مِنَ الآجالِ، لِأزْمانِ الإمْهالِ، وقِيامِ النّاسِ أجْمَعِينَ، لِرَبِّ العالَمِينَ، وهو البَرْزَخُ وكانَ ما قَبْلَ التَّكْلِيفِ شَبِيهًا بِالعَدَمِ إلّا في تَعَلُّمِ /الكِتابِ والتَّوْحِيدِ والِاجْتِماعِ عَلى أهْلِ الدِّينِ والوَفاءِ بِما تَقَدَّمُوا فِيهِ بِالعَهْدِ [مِنَ الأحْكامِ]، ودُرِّبُوا عَلَيْهِ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، أُشِيرَ إلَيْهِ بِما بَيْنَ الفاتِحَةِ والأنْعامِ الَّتِي هي سُورَةُ الإيجادِ الأوَّلِ مِنَ السُّوَرِ الأرْبَعِ، وكَأنَّ سِنَّ الِاحْتِلامِ كانَ أوَّلَ الإيجادِ مِنَ الإعْدامِ، وأُشِيرَ إلى بَقِيَّةِ العُمْرِ -وهُوَ زَمانُ التَّكْلِيفِ- بِما بَيْنَ الأنْعامِ وهَذِهِ السُّورَةِ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها مَصارِعُ الأوَّلِينَ وأخْبارُ الماضِينَ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ أحْوالِهِمْ، لِمَن نَسَجَ عَلى مِنوالِهِمْ، وخُتِمَتْ بِالتَّحْمِيدِ مُقْتَرِنًا بِالتَّوْحِيدِ [إشارَةً] إلى أنَّهُ يَجِبُ الِاجْتِهادُ في أنْ يُخْتَمَ الأجَلُ في أعْلى ما يَكُونُ مِن خِصالِ [الدِّينِ]، وأُشِيرَ إلى مُهْلَةِ البَرْزَخِ بِما بَيْنَ هَذِهِ وسُورَةِ الإيجادِ الثّانِي مِنَ السُّوَرِ الَّتِي ذَكَرَ في غالِبِها مِثْلَ ذَلِكَ، وأكْثَرَ فِيها [كُلِّها مِن] ذِكْرِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ مِنَ البَرْزَخِ الَّذِي يَكُونُ لِانْقِطاعِ [العَلائِقِ] بِاجْتِماعِ الخَلائِقِ، لِأجْلِ التَّجَلِّي في رَدِّ العَظَمَةِ، والكَشْفِ البَلِيغِ عَنْ نُفُوذِ الكَلِمَةِ، (p-٦)والتَّحَلِّي بِالحُكْمِ بِاسْتِقْرارِ الفَرِيقَيْنِ في دارِ النَّعِيمِ أوْ غارِ الجَحِيمِ، وأكْثَرَ فِيما بَيْنَ هَذِهِ وبَيْنَ سَبَأٍ مِن أمْرِ البَعْثِ كَثْرَةً لَيْسَتْ فِيما مَضى حَتّى صَدَّرَ بَعْضَها بِهِ، وبَناها عَلَيْهِ كَسُورَتَيِ الأنْبِياءِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] والحَجِّ ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] ولَمّا [لَمْ] يَكُنْ بَيْنَ البَعْثِ وما بَعْدَهُ مُهْلَةٌ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، عَقَّبَ سُورَةَ الإيجادِ الثّانِي بِسُورَةِ الإبْقاءِ الثّانِي مِن غَيْرِ فاصِلٍ ولا حاجِزٍ ولا حائِلٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا وصَفَ الكِتابَ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ في جَمِيعِ ما مَضى مِن أوْصافِهِ مِنَ الحِكْمَةِ والإحْكامِ، والتَّفْصِيلِ والبَيانِ، والحَقِّيَّةِ، والإخْراجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، والجَمْعِ لِكُلِّ مَعْنىً والتِّبْيانِ لِكُلِّ شَيْءٍ، أتْبَعَهُ ذِكْرَ فائِدَتِهِ مُقَدِّمًا ما هو الأهَمُّ مِن دَرْءِ المَفْسَدَةِ بِالإنْذارِ، لِأنَّهُ مَقامُهُ كَما هو ظاهِرٌ مِن ”سُبْحانَ“ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾ وقَصَرَهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن يَصِحُّ قَبُولُهُ الإنْذارَ ولَوْ تَقْدِيرًا، ولِيُفِيدَ أنَّ الغَرَضَ بَيانُ المُنْذَرِ بِهِ لا المُنْذِرِ ﴿بَأْسًا شَدِيدًا﴾ كائِنًا ﴿مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ أغْرَبِ ما عِنْدَهُ مِنَ الخَوارِقِ بِما في هَذا الكِتابِ مِنَ الإعْجازِ لِمَن خالَفَ أمْرَهُ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ كَوَقْعَةِ بَدْرٍ وغَيْرِها المُفِيدِ لِإدْخالِ الإسْلامِ (p-٧)عَلَيْهِمْ وهم كارِهُونَ، بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ القُوَّةِ وهو مِنَ الضَّعْفِ ﴿ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ وهو ما أمَرَ بِهِ خالِصًا [لَهُ]، وذَلِكَ مِن أسْنانِ مِفْتاحِ الإيمانِ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ مِن حَيْثُ هم عامِلُونَ ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ وهو النَّعِيمُ، حالَ كَوْنِهِمْ
الكهف 18:3
﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ بِلا انْقِطاعٍ أصْلًا، فَإنَّ الأبَدَ زَمانٌ لا آخِرَ لَهُ، فَجَمَعَتْ هاتانِ العِلَّتانِ جَمِيعَ مَعانِي الكِتابِ فَإنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ جَمَعَ أيْضًا جَمِيعَ شَرائِعِ الدِّينِ وأمْرِ المَعاشِ [وأمْرِ المَعادِ] وما يَعْنِيهِمْ فِعْلُهُ أوْ تَرْكُهُ أوِ اعْتِقادُهُ، وما يَتْبَعُ ذَلِكَ، وذَلِكَ هو القَيِّمُ، أيِ المُسْتَقِيمُ في نَفْسِهِ، المُقِيمُ لِغَيْرِهِ.
الكهف 18:4
ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى الإنْسانِ المُخالَفَةَ لِلْأوامِرِ، لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ، كانَ الإنْذارُ أهَمَّ فَأعادَهُ لِذَلِكَ ولِأنَّ المَقامَ لَهُ كَما مَضى، ذاكِرًا فِيهِ بَعْضَ المُتَعَلِّقِ المَحْذُوفِ مِنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها، تَبْكِيتًا لِلْيَهُودِ المُضِلِّينَ لِهَؤُلاءِ العَرَبِ ولِمَن قالَ بِمَقالَتِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ويُنْذِرَ﴾ (p-٨)واقْتَصَرَ هُنا عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِيَذْهَبَ الفِكْرُ في الثّانِي الَّذِي عَبَّرَ عَمّا يُحْتَمَلُ تَقْدِيرُهُ [بِهِ] فِيما مَضى بِـ ﴿لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] - كُلَّ مَذْهَبٍ فَيَكُونَ أهْوَلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ أيْ تَكَلَّفَ ذُو العَظَمَةِ الَّتِي لا تُضاهى كَما يَتَكَلَّفُ غَيْرُهُ أنْ أخَذَ ﴿ولَدًا﴾ وهم بَعْضُ اليَهُودِ والنَّصارى والعَرَبِ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وعادَةُ القُرْآنِ [جارِيَةٌ] بِأنَّهُ إذا ذَكَرَ قِصَّةً كُلِّيَّةً عَطَفَ عَلَيْها بَعْضَ جُزْئِيّاتِها تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِ ذَلِكَ لِبَعْضِ أعْظَمِ جُزْئِيّاتِ ذَلِكَ الكُلِّ، ولَمْ أجْعَلِ الآيَةَ مِنَ الاحْتِباكِ لِنَقْصِ المَعْنى،
الكهف 18:5
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ مُعَلِّلًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما لَهم خُصُّوا بِهَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيِ القَوْلِ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ أصْلًا لِأنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ أنْ يَعْلَقَ العِلْمُ بِهِ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ ولا يُمْكِنُ وُجُودُهُ، ثُمَّ قَرَّرَ هَذا المَعْنى وأكَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ هم مُغْتَبِطُونَ بِتَقْلِيدِهِمْ في الدِّينِ حَتّى في هَذا الَّذِي لا يَتَخَيَّلُهُ عاقِلٌ، ولَوْ أخْطَؤُوا في تَصَرُّفٍ دُنْيَوِيٍّ لَمْ يَتْبَعُوهم فِيهِ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ عَلى اللَّهِ تَعالى ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، ولا سِيَّما في أُصُولِ الدِّينِ، ثُمَّ هَوَّلَ أمْرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ﴾ أيْ مَقالَتُهم هَذِهِ ”كَلِمَةً“ (p-٩)أيْ ما أكْبَرَها مِن كَلِمَةٍ! وصَوَّرَ فَظاعَةَ اجْتِرائِهِمْ عَلى النُّطْقِ بِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ أيْ لَمْ يَكْفِهِمْ خُطُورُها في نُفُوسِهِمْ، وتَرَدُّدُها في صُدُورِهِمْ، حَتّى تَلَفَّظُوا بِها، وكانَ تَلَفُّظُهم بِها عَلى وجْهِ التَّكْرِيرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما أفْهَمَهُ الكَلامُ مِن أنَّهُ كَما أنَّهم لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ لا عِلْمَ لِأحَدٍ بِهِ أصْلًا، لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ﴾ [أيْ ما] ﴿يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ أيْ قَوْلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: مِنَ الثّابِتِ المَشْهُورِ أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا إلى اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ يَسْألُونَهم في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، فَأجابَتْ يَهُودُ بِسُؤالِهِ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ، [قالُوا]: فَإنْ أجابَهم فَهو نَبِيٌّ، وإنْ عَجَزَ فالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ فارْؤَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ، وهي الرُّوحُ، وفِتْيَةٌ ذَهَبُوا في الدَّهْرِ الأوَّلِ وهم أهْلُ الكَهْفِ، وعَنْ رَجُلٍ طَوّافٍ [بَلَغَ] مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ جَوابَ ما سَألُوهُ، وبَعْضُهُ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] الآيَةِ، واسْتَفْتَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى سُورَةَ الكَهْفِ بِحَمْدِهِ، وذِكْرِ نِعْمَةِ الكِتابِ (p-١٠)وما أنْزَلَ بِقُرَيْشٍ وكُفّارِ العَرَبِ مِنَ البَأْسِ يَوْمَ بَدْرٍ وعامَ الفَتْحِ، وبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ [بِذَلِكَ] وما مَنَحَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، وإنْذارِ القائِلِينَ بِالوَلَدِ مِنَ النَّصارى وعَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ وشَناعَةِ قَوْلِهِمْ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلا كَذِبًا﴾ وتَسْلِيَةِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ في أمْرِ جَمِيعِهِمْ ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦] والتَحَمَتِ الآيُ أعْظَمَ التِحامٍ، وأحْسَنَ التِئامٍ، إلى ذِكْرِ ما سَألَ عَنْهُ الكُفّارُ مِن أمْرِ الفِتْيَةِ ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] ثُمَّ بَسَطَتِ الآيُ قِصَّتَهُمْ، وأوْضَحَتْ أمْرَهُمْ، واسْتَوْفَتْ خَبَرَهُمْ؛ ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أمْرَ ذِي القَرْنَيْنِ وطَوافَهُ وانْتِهاءَ أمْرِهِ، فَقالَ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] -الآياتِ، وقَدْ فُصِلَتْ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ بِمَواعِظَ وآياتٍ مُسْتَجِدَّةٍ عَلى أتَمِّ ارْتِباطٍ، وأجَلِّ اتِّساقٍ، ومِن جُمْلَتِها قِصَّةُ الرَّجُلَيْنِ وجَنَّتَيْ أحَدِهِما وحُسْنِ الجَنَّتَيْنِ وما بَيْنَهُما وكُفْرِ صاحِبِهِما واغْتِرارِهِ، وهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَهُما قِصَّةٌ، وقَدْ أفْصَحَتْ هَذِهِ الآيُ مِنها بِاغْتِرارِ أحَدِهِما بِما لَدَيْهِ ورُكُونِهِ إلى تَوَهُّمِ البَقاءِ، وتَعْوِيلِ صاحِبِهِ عَلى ما عِنْدَ رَبِّهِ ورُجُوعِهِ إلَيْهِ وانْتِهاءِ أمْرِهِ - بَعْدَ المُحاوَرَةِ الواقِعَةِ في الآياتِ بَيْنَهُما - إلى إزالَةِ ما تَخَيَّلَ المَفْتُونُ بَقاءَهُ، ورَجْعِ ذَلِكَ كَأنْ لَمْ يَكُنْ، ولَمْ يَبْقَ بِيَدِهِ إلّا النَّدَمُ، ولا صَحَّ لَهُ مِن جَنَّتِهِ بَعْدَ عَظِيمِ تِلْكَ البَهْجَةِ سِوى التَّلاشِي والعَدَمِ، وهَذِهِ حالُ مَن رَكَنَ [إلى ما] سِوى المالِكِ، ومَن كُلُّ شَيْءٍ إلّا وجْهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فانٍ وهالِكٌ ﴿إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] (p-١١)ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِضَرْبِ مَثَلِ الحَياةِ الدُّنْيا لِمَنِ اعْتَبَرَ واسْتَبْصَرَ، وعَقَّبَ تِلْكَ الآياتِ بِقِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما [السَّلامُ] إلى تَمامِها، وفي كُلِّ ذَلِكَ مِن تَأْدِيبِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِ مُرْتَكَبِهِمْ في تَوَقُّفِهِمْ عَنِ الإيمانِ وتَعْنِيفِهِمْ في تَوَهُّمِهِمْ عِنْدَ فَتْواهم لِكُفّارِ قُرَيْشٍ بِسُؤالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ القِصَصِ [الثَّلاثِ] أنْ قَدْ حازُوا العِلْمَ وانْفَرَدُوا بِالوُقُوفِ عَلى ما [لا] يَعْلَمُهُ غَيْرُهُمْ، فَجاءَ جَوابُ قُرَيْشٍ بِما يُرْغِمُ الجَمِيعَ ويَقْطَعُ دابِرَهُمْ، وفي ذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى والخَضِرِ إشارَةٌ لَهم لَوْ عَقَلُوا، وتَحْرِيكٌ لِمَن سَبَقَتْ لَهُ مِنهُمُ السَّعادَةُ، وتَنْبِيهٌ لِكُلِّ مُوَفَّقٍ في تَسْلِيمِ الإحاطَةِ لِمَن هو العَلِيمُ الخَبِيرُ، وبَعْدَ تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ عادَ الكَلامُ إلى بَقِيَّةِ سُؤالِهِمْ فَقالَ تَعالى ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٣] إلى آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ بَسْطُ هَذِهِ القِصَصِ مِن مَقْصُودِنا وقَدْ حَصَلَ، ولَمْ يَبْقَ إلّا السُّؤالُ عَنْ وجْهِ انْفِصالِ جَوابِهِمْ ووُقُوعِهِ في السُّورَتَيْنِ مَعَ أنَّ السُّؤالَ واحِدٌ، وهَذا لَيْسَ مِن شَرْطِنا فَلْنَنْسَأْهُ بِحَوْلِ اللَّهِ إلى مَوْضِعِهِ إنْ قَدَّرَ بِهِ - انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ مِنَ الجَوابِ [عَنْ هَذا أنَّ] الرُّوحَ ضُمَّتْ إلَيْها، لِأنَّهُ مِن سِرِّ المَلَكُوتِ كالإسْراءِ، وبَقِيَ أنَّهُ لَمّا أجْمَلَ سُبْحانَهُ أمْرَها لِما ذَكَرَ مِن عَظِيمِ السِّرِّ، وعِيبَ عَلَيْهِمُ اشْتِغالُهم بِالسُّؤالِ وتَرْكِ ما هو مِن عالَمِها، وهو أعْظَمُ مِنها ومِن كُلِّ ما بَرَزَ إلى الوُجُودِ مِن ذَلِكَ العالَمِ مِنَ الرُّوحِ (p-١٢)المَعْنَوِيِّ الَّذِي بِهِ صَلاحُ الوُجُودِ كُلِّهِ، وهو القُرْآنُ العَظِيمُ، وعَظَّمَ أمْرَهُ بِما ذَكَرَ في الإسْراءِ إلى أنِ اقْتَضى [الحالُ] في إنْهاءِ عَظَمَتِهِ أنْ يَدُلَّ عَلى إصْلاحِ الوُجُودِ بِهِ بِما حَرَّرَهُ وفَصَّلَهُ وقَرَّرَهُ مِن أمْرِ السُّؤالَيْنِ الباقِيَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن ظاهِرِ المُلْكِ فِيما ضُمَّ إلَيْهِما مِمّا تَمَّ بِهِ الأمْرُ، واتَّضَحَ بِهِ [ما لَهُ] مِن جَلِيلِ القَدْرِ، كانَ الأكْمَلُ في ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما انْتَظَمَ بِهِ ذَلِكَ سُورَةً عَلى حِدَتِها، ولَمّا كانَ أمْرُ أهْلِ الكَهْفِ مِن حِفْظِ الرُّوحِ في الجَسَدِ عَلى ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ ثُمَّ إفاضَتِها، قَدَّمَ الجَوابَ عَنِ السُّؤالِ عَنْهم لِيَلِيَ أمْرَ الرُّوحِ، وخَتَمَ بِذِي القَرْنَيْنِ لِإحاطَةِ أمْرِهِ بِما طافَ مِنَ الأرْضِ، ولِما جَعَلَ مِنَ السَّدِّ عَلَمًا عَلى انْقِضاءِ شَأْنِ هَذِهِ الدّارِ وخِتامِ أمْرِها، وطَيِّ ما بَرَزَ مِن نَشْرِها- واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
الكهف 18:6
ولَمّا كانَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ وغَيْرَةً عَلى المَقامِ الإلَهِيِّ الَّذِي مَلَأ قَلْبَهُ تَعْظِيمًا لَهُ، خَفَّضَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا، المُبايِنِ جِدًّا لِما تُرِيدُ لَهُمُ، المُوجِبِ لِإعْراضِهِمْ عَنْكَ أنَّكَ تُشْفِقُ أنْتَ ومَن يَراكَ عَلى تِلْكَ الحالَةِ مِن أتْباعِكَ مِن أنْ تَكُونَ قاتِلًا ”نَفْسَكَ“ مِن شِدَّةِ الغَمِّ والوَجْدِ، وأشارَ إلى شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ وسُرْعَةِ مُفارَقَتِهِمْ وعَظِيمِ مُباعَدَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ أيْ حِينَ تَوَلَّوْا (p-١٣)عَنْ إجابَتِكَ فَكانُوا كَمَن قَوَّضُوا خِيامَهم وأذْهَبُوا أعْلامَهم ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
ولَمّا صَوَّرَ بُعْدَهُمْ، صَوَّرَ قُرْبَ ما دَعاهم إلَيْهِ ويَسَّرَ تَناوُلَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القَيِّمِ المُتَجَدِّدِ تَنْزِيلُهُ عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ ﴿أسَفًا﴾ مِنكَ عَلى ذَلِكَ، والأسَفُ: أشَدُّ الحُزْنِ والغَضَبِ؛
الكهف 18:7
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ إرْشادِهِ إلى الإعْراضِ عَنْهم بِغَيْرِ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ بِأنَّهم لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ مُرادِهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ الإيمانَ لا يَقْدِرُ عَلى إدْخالِهِ قُلُوبَهم غَيْرُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا﴾ أيْ لا نَفْعَلُ ذَلِكَ لِأنّا ﴿جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما عَلى الأرْضِ﴾ مِنَ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ: الحَيَوانِ والمَعْدِنِ والنَّباتِ ﴿زِينَةً لَها﴾ بِأنْ حَسَّنّاهُ في العُيُونِ، وأبْهَجْنا بِهِ النُّفُوسَ، ولَوْلا مَضَرَّةُ الحَيَواناتِ المُؤْذِيَةِ مِنَ الحَشَراتِ وغَيْرِها كانَتِ الزِّينَةُ بِها ظاهِرَةً، والظّاهِرُ أنَّهُ لَوْ أطاعَ النّاسُ كُلُّهم لَذَهَبَتْ مَضَرَّتُها فَبَدَتْ زِينَتُها، كَما يَكُونُ عَلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَيْثُ تَصِيرُ لَعِبًا لِلْوِلْدانِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِتَزْيِينِها، أخْبَرَ بِعِلَّتِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ أيْ نُعامِلَهم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ الَّذِي يَسْألُ لِخَفاءِ الأمْرِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ أيْ بِإخْلاصِ الخِدْمَةِ لِرَبِّهِ، فَيَصِيرُ ما كُنّا نَعْلَمُهُ مِنهم ظاهِرًا بِالفِعْلِ (p-١٤)تُقامُ بِهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهم بِأنَّ مَن أظْهَرَ مُوافَقَةَ الأمْرِ فِيما نالَ مِنَ الزِّينَةِ حازَ المَثُوبَةَ، ومَنِ اجْتَرَأ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ بِما آتَيْناهُ مِنها فَعَمِلَ عَلى أنَّها لِلتَّنَعُّمِ بِها فَقَطِ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ. ولَمّا كانَ دُعاءُ الزِّينَةِ إلى حَقِيقَةِ الحَياةِ الدُّنْيا مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ ظاهِرًا لِمُوافَقَتِهِ لِما [طُبِعَتْ] عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ الهَوى لَمْ يَحْتَجْ إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أكْثَرَ مِن لَفْظِ الزِّينَةِ.
الكهف 18:8
ولَمّا كانَ دُعاؤُها إلى الزُّهْدِ فِيها والإعْراضِ عَنْها جُمْلَةً والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى تَمامِ عِلْمِ صانِعِها وشُمُولِ قُدْرَتِهِ عَلى إعادَةِ الخَلائِقِ كَما ابْتَدَأهم وغَيْرِ ذَلِكَ خَفِيًّا، لِكَوْنِهِ مَسْتُورًا عَنِ العُقُولِ بِهَوى النُّفُوسِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ثابِتٌ لَنا هَذا الوَصْفُ دائِمًا ﴿ما عَلَيْها﴾ مِن جَمِيعِ تِلْكَ الزِّينَةِ لا يَصْعُبُ عَلَيْنا شَيْءٌ مِنهُ ﴿صَعِيدًا﴾ أيْ تُرابًا بِأنْ نُهْلِكَ تِلْكَ الزِّينَةَ بِإزالَةِ اخْضِرارِها فَيَزُولَ المانِعُ مِنَ اسْتِيلاءِ التُّرابِ عَلَيْها ثُمَّ نُسَلِّطُ عَلَيْها الشُّمُوسَ والرِّياحَ فَيَرُدُّها بِذَلِكَ إلى أصْلِها تُرابًا ﴿جُرُزًا﴾ أيْ يابِسًا لا يُنْبِتُ شَيْئًا بِطَبْعِهِ، وكَذا نَفْعَلُ بِمَن سَبَّبَ تَسْلِيطَ البَلاءِ عَلَيْهِ مِنَ الحَيَوانِ آدَمِيًّا كانَ أوْ غَيْرَهُ سَواءٌ. ولَمّا كانَ مِنَ المُشاهَدِ إعادَةُ النَّباتِ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى بِإنْزالِ الماءِ عَلَيْهِ إلى الصُّورَةِ النَّباتِيَّةِ الَّتِي هي الدَّلِيلُ عَلى إحْياءِ المَوْتى مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ما دامَتِ (p-١٥)الأرْضُ مَوْجُودَةً عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ، طُوِيَ ذِكْرُ ذَلِكَ سَتْرًا لِهَذا البُرْهانِ المُنِيرِ عَنِ الأغْبِياءِ المَشْغُولِينَ بِالظَّواهِرِ، عِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ بِظُهُورِهِ لِأُولِي البَصائِرِ.
الكهف 18:9
ولَمّا كانَ هَذا مِنَ العَجائِبِ [الَّتِي تَضاءَلَ عِنْدَها العَجائِبُ]، والغَرائِبِ الَّتِي تَخْضَعُ لَدَيْها الغَرائِبُ، وإنْ صارَتْ مَأْلُوفَةً بِكَثْرَةِ التَّكْرارِ، والتَّجَلِّي عَلى الأبْصارِ، هَذا إلى ما لَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَزِيدُ عَلى العَدِّ، ولا يُحْصَرُ بِحَدٍّ، مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وتَسْخِيرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ - وغَيْرِ ذَلِكَ، حَقَّرَ آيَةَ أصْحابِ الكَهْفِ - وإنْ كانَتْ مِن أعْجَبِ العَجَبِ - لِاضْمِحْلالِها في جَنْبِ ذَلِكَ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ كَذَلِكَ كَثُرَ إلْفُهُ فَلَمْ يَعُدْ عَجَبًا، فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أعَلِمْتَ أنَّ هَذا وغَيْرَهُ مِن عَجائِبِ قُدْرَتِنا؟: ﴿أمْ حَسِبْتَ﴾ عَلى ما لَكَ مِنَ العَقْلِ الرَّزِينِ والرَّأْيِ الرَّصِينِ ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ﴾ أيِ الغارِ الواسِعِ المَنقُورِ في الجَبَلِ كالبَيْتِ ﴿والرَّقِيمِ﴾ أيِ القَرْيَةِ أوِ الجَبَلِ ﴿كانُوا﴾ هم فَقَطْ ﴿مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ عَلى ما لَزِمَ مِن تَهْوِيلِ السّائِلِينَ مِنَ الكَفَرَةِ مِنَ اليَهُودِ والعَرَبِ، والواقِعُ أنَّهم - وإنْ كانُوا مِنَ العَجائِبِ - لَيْسُوا بِعَجَبٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كَثْرَةِ آياتِنا، وبِالنِّسْبَةِ إلى هَذا العَجَبِ [النَّباتِيِّ] الَّذِي أعْرَضْتُمْ عَنْهُ بِإلْفِكم لَهُ مِن كَثْرَةِ تَكَرُّرِهِ فِيكُمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أخْرَجَ نَباتَ الأرْضِ عَلى تَبايُنِ (p-١٦)أجْناسِهِ، واخْتِلافِ ألْوانِهِ وأنْواعِهِ، وتَضادِّ طَبائِعِهِ، مِن مادَّةٍ واحِدَةٍ، يَهْتَزُّ بِاليَنْبُوعِ، يُبْهِجُ النّاظِرِينَ ويَرُوقُ المُتَأمِّلِينَ، ثُمَّ يُوقِفُهُ ثُمَّ يَرُدُّهُ بِاليُبْسِ والتَّفَرُّقِ إلى التُّرابِ فَيَخْتَلِطُ بِهِ حَتّى لا يُمَيِّزَهُ عَنْ بَقِيَّةِ التُّرابِ، ثُمَّ يُرْسِلُ الماءَ فَيَخْتَلِطُ بِالتُّرابِ فَيَجْمَعُهُ أخْضَرَ يانِعًا يَهْتَزُّ بِالنُّمُوِّ عَلى أحْسَنِ ما كانَ، وهَكَذا كُلَّ سَنَةٍ، فَهَذا بِلا شَكٍّ أعْجَبُ حالًا مِمَّنْ حُفِظَتْ أجْسامُهم مُدَّةً [عَنِ التَّغَيُّرِ] ثُمَّ رُدَّتْ أرْواحُهم فِيها، وقَدْ كانَ في سالِفِ الدَّهْرِ يُعَمَّرُ بَعْضُ [النّاسِ] أكْثَرَ [مِن مِقْدارِ] ما لَبِثُوا، وهَذا الكَهْفُ - قِيلَ: [هُوَ في جِبالٍ] بِمَدِينَةِ طَرْسُوسَ وهو المَشْهُورُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ: هو في الرُّومِ، وقِيلَ: في الشّامِ، وقِيلَ: في الأنْدَلُسِ، قالَ: في جِهَةِ غَرْناطَةَ بِقُرْبِ قَرْيَةٍ [تُسَمّى] لُوشَةَ كَهْفٌ فِيهِ مَوْتى ومَعَهم كَلْبٌ [رِمَّةٌ، وأكْثَرُهُمْ] قَدِ انْجَرَدَ لَحْمُهُ، وبَعْضُهم مُتَماسِكٌ وقَدْ مَضَتِ القُرُونُ [السّالِفَةُ] ولَمْ نَجِدْ مَن عَرَفَ شَأْنَهُمْ، ويَزْعُمُ ناسٌ أنَّهم أصْحابُ الكَهْفِ، ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ قالَ: دَخَلْتُ إلَيْهِمْ سَنَةَ أرْبَعٍ وخَمْسِمِائَةٍ فَرَأيْتُهم بِهَذِهِ الحالَةِ وعَلَيْهِمْ مَسْجِدٌ وقَرِيبٌ مِنهم بِناءٌ رُومِيٌّ يُسَمّى الرَّقِيمَ، [وهُوَ] في فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، وبِأعْلى حَضْرَةِ غَرْناطَةَ مِمّا يَلِي القِبْلَةَ آثارُ مَدِينَةٍ قَدِيمَةٍ يُقالُ لَها مَدِينَةُ دَقْيُوسَ، ونَقَلَ أبُو حَيّانَ (p-١٧)عَنْ أبِيهِ أنَّهُ حِينَ كانَ بِالأنْدَلُسِ كانَ النّاسُ يَزُورُونَ هَذا الكَهْفَ ويَذْكُرُونَ أنَّهم يَغْلَطُونَ في عِدَّتِهِمْ إذا عَدُّوهم وأنَّ مَعَهم كَلْبًا، قالَ: وأمّا ما ذَكَرْتُ مِن مَدِينَةِ دَقْيُوسَ الَّتِي بِقِبْلِيِّ غَرْناطَةَ، فَقَدْ مَرَرْتُ عَلَيْها مِرارًا لا تُحْصى، قالَ: ويَتَرَجَّحُ كَوْنُ أصْحابِ الكَهْفِ بِالأنْدَلُسِ - انْتَهى مُلَخَّصًا. قُلْتُ: وفِيهِ نَظَرٌ، والَّذِي يُرَجِّحُ المَشْهُورَ ما نَقَلَ البَغْوِيُّ [وغَيْرُهُ] عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: غَزَوْنا مَعَ مُعاوِيَةَ بَحْرَ الرُّومِ فَمَرَرْنا بِالكَهْفِ [الَّذِي فِيهِ أصْحابُ الكَهْفِ] فَإنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَصِلْ إلى بِلادِ الأنْدَلُسِ واللَّهُ أعْلَمُ.
الكهف 18:10
ولَمّا صَغَّرَ أمْرَهم بِالنِّسْبَةِ إلى جَلِيلِ آياتِهِ وعَظِيمِ بَيِّناتِهِ وغَرِيبِ مَصْنُوعاتِهِ، لَخَّصَ قِصَّتَهُمُ الَّتِي عَدُّوها عَجَبًا وتَرَكُوا الِاسْتِبْصارَ عَلى وحْدانِيَّةِ الواحِدِ القَهّارِ بِما هو العَجَبُ العَجِيبُ، والنَّبَأُ الغَرِيبُ، فَقالَ تَعالى: ﴿إذْ أوى﴾ أيْ كانُوا عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ حِينَ أوَوْا، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ الضَّمِيرَ لِبَيانِ أنَّهم شُبّانٌ لَيْسُوا بِكَثِيرِي العَدَدِ فَلَيْسَتْ [لَهُمْ] أسْنانٌ اسْتَفادُوا بِها مِنَ التَّجارِبِ والتَّعَلُّمِ ما اهْتَدَوْا إلَيْهِ مِنَ الدِّينِ والدُّنْيا، (p-١٨)ولا كَثْرَةٌ حُفِظُوا بِها مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ أيْقاظًا ورُقُودًا فَقالَ تَعالى: ﴿الفِتْيَةُ﴾ وهو أصْحابُ الكَهْفِ المَسْؤُولُ عَنْهُمْ، والشُّبّانُ أقْبَلُ لِلْحَقِّ وأهْدى لِلسَّبِيلِ مِنَ الشُّيُوخِ ﴿إلى الكَهْفِ﴾ المُقارِبِ لِقَرْيَتِهِمُ المَشْهُورِ بِبَلْدَتِهِمْ فِرارًا بِدِينِهِمْ كَما أوَيْتَ أنْتَ والصِّدِّيقُ إلى غارِ ثَوْرٍ فِرارًا بِدِينِكُما ﴿فَقالُوا﴾ عَقِبَ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا﴾ ولَمّا كانَتِ المَوْجُوداتُ - كَما مَضى عَنِ الحَرالِّيِّ في آلِ عِمْرانَ - عَلى ثَلاثِ رُتَبٍ: حُكْمِيّاتٍ جارِيَةٍ عَلى قَوانِينِ العاداتِ، وعِنْدِيّاتٍ خارِقَةٍ لِلْمُطَّرِداتِ ولَدُنِيّاتٍ مُسْتَغْرِقَةٍ في الأُمُورِ الخارِقاتِ، طَلَبُوا أعْلاها فَقالُوا: ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ مِن مُسْتَبْطَنِ الأُمُورِ الَّتِي عِنْدَكَ ومُسْتَغْرَبِها ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ إكْرامًا تُكْرِمُنا بِهِ كَما يَفْعَلُ الرّاحِمُ بِالمَرْحُومِ ﴿وهَيِّئْ لَنا﴾ أيْ جَمِيعًا لا تُخَيِّبْ مِنّا أحَدًا ﴿مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ أيْ وجْهًا تُرْشِدُنا فِيهِ إلى الخَلاصِ في الدّارَيْنِ، لا جَرَمَ صارَتْ قِصَّتُهم عَلى حَسَبِ ما أجابَهم رَبُّهم بَدِيعَةَ الشَّأْنِ فَرِدَةً في الزَّمانِ، يُتَحَدَّثُ بِها في سائِرِ البُلْدانِ، في كُلِّ حِينٍ وأوانٍ.
الكهف 18:11
ولَمّا أجابَهم سُبْحانَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا﴾ أيْ عَقِبَ هَذا القَوْلِ وبِسَبَبِهِ ﴿عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ سَدَدْناها وأمْسَكْناها عَنِ (p-١٩)السَّمْعِ، وكانَ أصْلُهُ؛ ضَرَبْنا عَلَيْها حِجابًا بِنَوْمٍ ثَقِيلٍ لا تُزْعِجُ مِنهُ الأصْواتُ، لِأنَّ مَن كانَ مُسْتَيْقِظًا أوْ نائِمًا نَوْمًا خَفِيفًا وسَمْعُهُ صَحِيحٌ سَمِعَ الأصْواتَ ﴿فِي الكَهْفِ﴾ أيِ المَعْهُودِ.
ولَمّا كانَتْ مُدَّةُ لَبْثِهِمْ نَكِرَةً بِما كانَ لِأهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ مِنَ الشِّرْكِ، عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى النَّكِرَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿سِنِينَ﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ ذَكَرَ السِّنِينَ لِلْمُبالَغَةِ لِأجْلِ بُعْدِ هَذا النَّوْمِ عَنِ العادَةِ، حَقَّقَ الأمْرَ بِأنْ قالَ مُبْدِلًا مِنها مُعَرَّفًا لِأنَّ المُرادَ بِجَمْعِ القِلَّةِ هُنا الكَثْرَةُ: ﴿عَدَدًا﴾ أيْ مُتَكاثِرَةً؛ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ مِمّا يُعَدُّ إذا ذُكِرَ فِيهِ العَدَدُ ووُصِفَ أُرِيدَ كَثْرَتُهُ لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُ عَدَدِهِ بِدُونِ التَّقْدِيرِ فَلَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُعَدَّ.
الكهف 18:12
﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾ أيْ نَبَّهْناهم مِن ذَلِكَ النَّوْمِ ﴿لِنَعْلَمَ﴾ عِلْمًا مُشاهَدًا لِغَيْرِنا كَما كُنّا نَعْلَمُ غَيْبًا ما جَهِلَهُ مَن يَسْألُ فَيَقُولُ: ﴿أيُّ الحِزْبَيْنِ﴾ هم أوْ مَن عَثَرَ عَلَيْهِمْ مِن أهْلِ زَمانِهِمْ ﴿أحْصى﴾ أيْ حَسَبَ وضَبَطَ ﴿لِما﴾ أيْ لِأجْلِ [عِلْمِ] ما (p-٢٠)﴿لَبِثُوا أمَدًا﴾ أيْ وقَعَ إحْصاؤُهُ لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ [فَإنَّهم هم أحْصَوْا لَبْثَهُمْ] فَقالُوا: لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ، ثُمَّ تَبَرَّؤُوا مِن [عِلْمِ] ذَلِكَ [ورَدُّوهُ إلى عالِمِهِ وأهْلِ البَلَدِ، أحْصَوْا ذَلِكَ بِضَرْبِ النَّقْدِ الَّذِي وُجِدَ مَعَهم أوْ غَيْرِ ذَلِكَ] مِنَ القَرائِنِ الَّتِي دَلَّتْهم عَلَيْهِ، ولَكِنَّهم وإنْ صادَقَ قَوْلُهم ما في نَفْسِ الأمْرِ أوْ قَرِيبًا مِنهُ فَعَلى سَبِيلِ الظَّنِّ والتَّقْرِيبِ، لا القَطْعِ والتَّحْدِيدِ، بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] فَإذا عُلِمَ بِجَهْلِ كُلٍّ مِنَ الحِزْبَيْنِ بِأمْرِهِمْ [أنَّ] اللَّهَ هو المُخْتَصُّ بِعِلْمِ ذَلِكَ، عُلِمَ أنَّهُ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وأنَّهُ لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا، ولا لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ، وأنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ ما يَقَعُ في الوَهْمِ.
الكهف 18:13
ولَمّا كانَ الكَلامُ عَلى اخْتِلافٍ وقَعَ في مُدَّتِهِمْ، وكانَ الحِزْبانِ مَعًا هم ومَن خالَفَهم مُتَقارِبَيْنِ في الجَهْلِ بِإحْصائِهِ عَلى سَبِيلِ القَطْعِ وكانَ اليَهُودُ الَّذِينَ أمَرُوا قُرَيْشًا بِالسُّؤالِ عَنْ أمْرِهِمْ تَشْكِيكًا في الدِّينِ لا يَعْلَمُونَ أمْرَهم عَلى الحَقِيقَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أيُّهُما أحْصاهُ؟: ﴿نَحْنُ﴾ أوْ يُقالُ: [و]لَمّا أخْبَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ مَسْألَةِ قُرَيْشٍ الثّانِيَةِ، وهي قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ، مُجْمِلًا لَها بَعْضَ الإجْمالِ بَعْدَ إجْمالِ الجَوابِ عَنِ المَسْألَةِ الأُولى، وهي الرُّوحُ، (p-٢١)كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ تَسْتَشْرِفَ نَفْسُهُ إلى بَيانِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَيَضِيقَ صَدْرُهُ خَشْيَةَ الِاقْتِصارِ عَلى ما وقَعَ مِن ذَلِكَ مِنَ الأخْبارِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أسْألُ الإيضاحَ وبَيانَ الحَقِّ مِن خِلافِ الحِزْبَيْنِ: نَحْنُ ﴿نَقُصُّ﴾ أيْ نُخْبِرُ إخْبارًا تابِعًا لِآثارِهِمْ قَدَمًا فَقَدَمًا ﴿عَلَيْكَ﴾ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ ﴿نَبَأهم بِالحَقِّ﴾ أيْ خَبَرَهُمُ العَظِيمَ [ولَيْسَ أحَدٌ غَيْرُنا إلّا] قَصًّا مُلْتَبِسًا بِباطِلٍ: زِيادَةٍ أوْ نَقْصٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ نَبَأهُمْ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّهم فِتْيَةٌ﴾ أيْ شُبّانٌ ﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ النّاظِرِ في مَصالِحِهِمُ الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِمْ ورِزْقِهِمْ، وهَداهم بِما وهَبَ لَهم في أصْلِ الفِطْرَةِ مِنَ العُقُولِ الجَيِّدَةِ النّافِعَةِ.
ولَمّا دَلَّ عَلى الإحْسانِ بِاسْمِ الرَّبِّ، وكانَ في فِعْلِهِ مَعَهم مِن باهِرِ القُدْرَةِ ما لا يَخْفى، التَفَتَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاهْتَدَوْا بِإيمانِهِمْ: ﴿وزِدْناهُمْ﴾ بَعْدَ أنْ آمَنُوا ﴿هُدًى﴾ بِما قَذَفْنا في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَعارِفِ، وشَرَحْنا لَهم صُدُورَهم مِنَ المَواهِبِ الَّتِي حَمَلَتْهم عَلى ارْتِكابِ المَعاطِبِ، والزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ إلَيْهِ
الكهف 18:14
﴿ورَبَطْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ قَوَّيْناها، فَصارَ ما فِيها مِنَ القُوى مُجْتَمِعًا غَيْرَ مُبَدَّدٍ، فَكانَتْ حالُهم في الجَلْوَةِ كَحالِهِمْ (p-٢٢)فِي الخَلْوَةِ ﴿إذْ قامُوا﴾ لِلَّهِ تَعالى حَقَّ القِيامِ في ذَلِكَ [الجِيلِ] الكافِرِينَ بَيْنَ يَدَيْ طاغِيَتِهِمْ دَقْيانُوسَ ﴿فَقالُوا﴾ مُخالِفِينَ لَهُمْ: ﴿رَبُّنا﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ نُفْرِدَهُ بِالعِبادَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِتَدْبِيرِنا، هو ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُوجِدُهُما ومُدَبِّرُهُما ﴿لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا﴾ بَعْدَ أنْ ثَبَتَ عَجْزُ كُلِّ مَن سِواهُ، واللَّهِ ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا﴾ [أيْ] إذا دَعَوْنا مِن دُونِهِ غَيْرَهُ ﴿شَطَطًا﴾ أيْ قَوْلًا ذا بُعْدٍ مُفْرِطٍ عَنِ الحَقِّ جِدًّا؛ ثُمَّ شَرَعُوا يَسْتَدِلُّونَ عَلى كَوْنِهِ شَطَطًا بِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا لَمّا قالُوا ذَلِكَ عَرَضَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بِشُبْهَةِ التَّقْلِيدِ فَقالُوا مُجِيبِينَ عَنْها: ﴿هَؤُلاءِ﴾ [الكهف: ١٥] وأنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ لِلْمَلِكِ إنْقاذًا لَهُ مِن شَرَكِ الجَهْلِ، وبَيَّنَ المُشارَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قَوْمُنا﴾ [الكهف: ١٥] أيْ وإنْ كانُوا أسَنَّ مِنّا وأقْوى وأجَلَّ في الدُّنْيا ﴿اتَّخَذُوا﴾ [الكهف: ١٥] أيْ مُخالِفِينَ مَعَ مِنهاجِ العَقْلِ داعِيَ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ [الكهف: ١٥] أشْرَكُوهم [مَعَهُ] لِشُبْهَةٍ واهِيَةٍ اسْتَغْواهم بِها الشَّيْطانُ؛
الكهف 18:15
ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا عَلى طَرِيقِ التَّخْصِيصِ ما يُنَبِّهُ عَلى أنَّهم مِن حِينِ عِبادَتِهِمْ إلى الآنَ لَمْ يَأْتُوا عَلى ذَلِكَ بِدَلِيلٍ، فَقالُوا مُنَبِّهِينَ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في أُصُولِ الدِّينِ وأنَّهُ لا مُقْنِعَ فِيهِ بِدُونِ القَطْعِ: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ﴿يَأْتُونَ﴾ الآنَ.
(p-٢٣)ولَمّا كانُوا بِعِبادَتِهِمْ لَهم قَدْ أحَلُّوهم مَحَلَّ العُلَماءِ، قالَ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاهُمْ، وحَقَّقُوا ما أرادُوا مِنَ الاسْتِعْلاءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِسُلْطانٍ﴾ أيْ دَلِيلٍ قاهِرٍ ﴿بَيِّنٍ﴾ مِثْلِ ما نَأْتِي نَحْنُ عَلى تَفَرُّدِ مَعْبُودِنا بِالأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ، والبَراهِينِ الباهِرَةِ، فَإنَّ مِثْلَ هَذا الأمْرِ لا يُقْنَعُ [فِيهِ-] بِدُونِ ذَلِكَ، وقَدْ جَمَعْنا الأدِلَّةَ كُلَّها في الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ بِأنَّهُ تَفَرَّدَ بِخَلْقِ الوُجُودِ، فَتَسَبَّبَ عَنْ عَجْزِهِمْ عَنْ دَلِيلٍ أنَّهم أظْلَمُ الظّالِمِينَ لِافْتِعالِهِمُ الكَذِبَ عَنْ مَلِكِ المُلُوكِ ومالِكِ المُلْكِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿كَذِبًا﴾ فالآيَةُ دالَّةٌ عَلى فَسادِ التَّقْلِيدِ في الوَحْدانِيَّةِ.
الكهف 18:16
ولَمّا اسْتَدَلُّوا عَلى مُعْتَقَدِهِمْ، وعَلِمُوا سَفَهَ مَن خالَفَهُمْ، وهم قَوْمٌ لا يَدانِ لَهم بِمُقاوَمَتِهِمْ، لِكَثْرَتِهِمْ وقِلَّتِهِمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ هِجْرَتُهم لِيَسْلَمَ لَهم دِينُهُمْ، فَقالَ تَعالى شارِحًا لِما بَقِيَ مِن أمْرِهِمْ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وقالُوا أوْ مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم حِينَ خَلَصُوا مِن قَوْمِهِمْ نَجِيًّا: لا تَرْجِعُوا إلى قَوْمِكم أبَدًا ما دامُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ، هَذا إنْ كانَ المُرادُ قِيامَهم [بَيْنَ يَدَيْ دَقْيانُوسَ، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ القِيامِ-] الِانْبِعاثَ بِالعَزْمِ الصّادِقِ لَمْ يُحْتَجْ إلى هَذا التَّقْدِيرِ: ﴿وإذِ﴾ أيْ حِينَ ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ (p-٢٤)أيْ قَوْمَكم ﴿وما﴾ أيْ واعْتَزَلْتُمْ ما ﴿يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا سَمَّوْا الِانْقِيادَ كَرْهًا لِمَشِيئَتِهِ والخُضُوعَ بِزَعْمِهِمْ لِأقْضِيَتِهِ عِبادَةً ﴿فَأْوُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذا الِاعْتِزالِ، وهَذا دَلِيلُ العامِلِ في ”إذْ“ ﴿إلى الكَهْفِ﴾ أيِ الغارِ الَّذِي في الجَبَلِ ﴿يَنْشُرْ﴾ أيْ يُحْيِي ويَبْعَثْ ﴿لَكم رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيْكم ﴿مِن رَحْمَتِهِ﴾ ما يَكْفِيكم بِهِ مِنَ المُهِمِّ مِن أمْرِكم ﴿ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكُمْ﴾ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُهِمَّكم ﴿مِرْفَقًا﴾ تَرْتَفِقُونَ بِهِ، وهو بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبِفَتْحِها وكَسْرِ الفاءِ لِلنّافِعِ وابْنِ عامِرٍ، وهَذا الجَزْمُ مِن آثارِ الرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ بِما عَلِمُوا مِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وحِمايَتِهِ مَن لاذَ بِهِ ولَجَأ إلَيْهِ وعَبَدَهُ وتَوَكَّلَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَفَعَلَ اللَّهُ ما رَجَوْهُ فِيهِ، فَجَعَلَ لَهم أحْسَنَ مِرْفَقٍ بِأنْ أنامَهم ثُمَّ أقامَهم بَعْدَ [مُضِيِّ-] قُرُونٍ ومُرُورِ دُهُورٍ، وهَدى بِهِمْ ذَلِكَ الجِيلَ الَّذِي أقامَهم فِيهِ
الكهف 18:17
﴿وتَرى﴾ لَوْ رَأيْتَ كَهْفَهم ﴿الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ﴾
ولَمّا كانَ حالُهم خَفِيًّا، وكَذا حالُ انْتِقالِ الشَّمْسِ عِنْدَ مَن لَمْ يُراقِبْهُ، (p-٢٥)أدْغَمَ تاءَ التَّفاعُلِ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو، وأسْقَطَها عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، فَقالَ تَعالى: ﴿تَزاوَرُ﴾ أيْ تَتَمايَلُ وتَتَحَرَّفُ، ولَعَلَّ قِراءَةَ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ (تَزْوَرُّ) بِوَزْنِ تَحْمَرُّ ناظِرَةٌ إلى الحالِ عِنْدَ نِهايَةِ المَيْلِ ﴿عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ بِتَقَلُّصِ شُعاعِها بِارْتِفاعِها إلى أنْ تَزُولَ ﴿ذاتَ اليَمِينِ﴾ إذا كُنْتَ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ وأنْتَ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِ أوْ مُسْتَقْبِلًا الشَّمْسَ فَيُصِيبُهم مِن حَرِّها ما يَمْنَعُ عَنْهُمُ التَّعَفُّنَ ويَمْنَعُ سَقْفُ الكَهْفِ شِدَّةَ الحَرارَةِ المُفْسِدَةَ في بَقِيَّةِ النَّهارِ ﴿وإذا غَرَبَتْ﴾ أيْ أخَذَتْ في المَيْلِ إلى الغُرُوبِ ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ أيْ تَعْدِلُ في مَسِيرِها عَنْهم ﴿ذاتَ الشِّمالِ﴾ كَذَلِكَ، لِئَلّا يَضُرَّهم شِدَّةُ الحَرارَةِ، ويُصِيبَهم مِن مَنافِعِها مِثْلُ ما كانَ عِنْدَ الطُّلُوعِ، فَلا يَزالُ كَهْفُهم رَطْبًا، ويَأْتِيهِ مِنَ الهَواءِ الطَّيِّبِ والنَّسِيمِ المُلائِمِ ما يَصُونُهم عَنِ التَّعَفُّنِ والفَسادِ، فَتَحَرَّرَ بِذَلِكَ أنَّ بابَ الغارِ مُقابِلٌ لِبَناتِ نَعْشٍ، وأنَّ الجَبَلَ الَّذِي هم فِيهِ شَمالِيَّ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ يَمِينَ مَن يَخْرُجُ مِنَ الكَهْفِ وشِمالَهُ، فَلا يَلْزَمُ ذَلِكَ، [و-] قالَ الأصْبَهانِيُّ: قِيلَ: إنَّ بابَ ذَلِكَ كانَ مَفْتُوحًا (p-٢٦)إلى جانِبِ الشِّمالِ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَنْ يَمِينِ الكَهْفِ، وإذا غَرَبَتْ كانَتْ عَلى شِمالِهِ.
ومادَّةُ قَرَضَ، ولَيْسَ لَها إلّا هَذا التَّرْكِيبُ - تَدُورُ عَلى القَطْعِ، ويَلْزَمُهُ المَيْلُ عَنِ الشَّيْءِ والعُدُولُ والِازْوِرارُ عَنْهُ، قَرَضْتُ الشَّيْءَ، - بِالفَتْحِ - أقْرِضُهُ - بِالكَسْرِ: قَطَعْتُهُ بِالمِقْراضِ أوْ بِغَيْرِهِ - لِأنَّكَ إذا وصَلْتَ إلَيْهِ فَقَدْ حاذَيْتَهُ فَإذا قَطَعْتَهُ تَجاوَزْتَهُ فانْحَرَفْتَ عَنْهُ، والقَرْضُ: قَوْلُ الشِّعْرِ خاصَّةً - لِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ الكَلامِ يُشْبِهُهُ فَهو مَقْطُوعٌ مِنهُ مائِلٌ عَنْهُ بِما خُصَّ بِهِ مِنَ المِيزانِ، وهَلْ مَرَرْتَ بِمَكانِ كَذا؟ فَتَقُولُ: قَرَضْتُهُ ذاتَ اليَمِينِ لَيْلًا، أيْ كانَ عَنْ يَمِينِي، والقَرْضُ: ما تُعْطِيهِ مِنَ المالِ لِتُقْضاهُ - لِأنَّكَ قَطَعْتَهُ مِن مالِكَ، والقِرْضُ - بِالكَسْرِ: لُغَةٌ فِيهِ عَنِ الكِسائِيِّ، والقَرْضُ: ما سَلَّفْتَ مِن إحْسانٍ أوْ إساءَةٍ - عَلى التَّشْبِيهِ، والتَّقْرِيضُ: المَدْحُ والذَّمُّ - لِأنَّهُ يُمَيِّزُ الكَلامَ فِيهِ تَمْيِيزًا ظاهِرًا، وهُما يَتَقارَضانِ كَذا - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما مُقْرِضٌ لِصاحِبِهِ ومُوفٍ لَهُ عَلى ما أقْرَضَهُ، والمُقارَضَةُ: المُضارَبَةُ - لِأنَّ صاحِبَ المالِ قَطَعَ مِن مالِهِ، والعامِلَ قَطَعَ مِن عَمَلِهِ حِصَّةً لِهَذا المالِ، قَرَضَ فُلانٌ الرِّباطَ - إذا ماتَ، (p-٢٧)لِأنَّهُ إذا انْقَطَعَتْ حَياتُهُ انْقَطَعَ كُلُّ رِباطٍ لَهُ في الدُّنْيا، وجاءَ فُلانٌ وقَدْ قَرَضَ رِباطَهُ - إذا جاءَ مَجْهُودًا قَدْ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ - كَأنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِلْمُقارَبَةِ، والمُقارَضَةُ: المُشاتَمَةُ - لِقَطْعِها العِرْضَ وما بَيْنَ المُتَشاتِمِينَ، والِاقْتِراضُ: الِاغْتِيابُ - مِن ذَلِكَ ومِنَ القَرْضِ أيْضًا، لِأنَّ مَنِ اغْتابَ اغْتِيبَ، وقَرِضَ - بِالكَسْرِ - إذا زالَ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ - لِأنَّهُ بِوَصْلِ الثّانِي قَطَعَ الأوَّلَ، وقَرَضَ - إذا ماتَ، والمَقارِضُ: الزَّرْعُ القَلِيلُ - إمّا لِلْإزالَةِ عَلى الضِّدِّ مِنَ الكَثِيرِ، أوْ تَشْبِيهٌ بِمَواضِعِ الِاسْتِقاءِ في البِئْرِ القَلِيلَةِ الماءِ، فَإنَّ المَقارِضَ أيْضًا المَواضِعُ الَّتِي يَحْتاجُ المُسْتَقِي إلى أنْ يَقْرِضَ مِنها الماءَ، أيْ يَمِيحَ، أيْ يُدْخِلَ الدَّلْوَ في البِئْرِ فَيَمْلَأها لِقِلَّةِ الماءِ - لِأنَّها مَواضِعُ قَطْعِ الماءِ بِرَفْعِهِ عَنِ البِئْرِ والمَقارِضُ أيْضًا: الجِرارُ الكِبارُ - كَأنَّها لِكِبَرِها وقَطْعِها كَثِيرًا مِنَ الماءِ هي الَّتِي قَطَعَتْ دُونَ الصِّغارِ، وما عَلَيْهِ قِراضٌ، أيْ ما يَقْرِضُ عَنْهُ العُيُونَ فَيَسْتُرُهُ لِتَعْدِلَ عَنْهُ العُيُونُ - لِعَدَمِ نُفُوذِها إلى جِلْدِهِ، والقَرْضُ في السَّيْرِ هو أنْ تَعْدِلَ عَنِ الشَّيْءِ في مَسِيرِكَ، فَإذا عَدَلْتَ عَنْهُ فَقَدْ قَرَضْتَهُ، والمَصْدَرُ القَرْضُ وأصْلُهُ مِنَ القَطْعِ، وابْنُ مِقْرَضٍ - كَمِنبَرٍ: دُوَيْبَةٌ تَقْتُلُ الحَمامَ - كَأنَّها سُمِّيَتْ لِقَطْعِها حَياةَ الحَمامِ، وقَرَضَ البَعِيرُ جِرَّتَهُ: (p-٢٨)مَضَغَها فَهي قَرِيضٌ - لِتَقْطِيعِها بِالمَضْغِ ولِقَطْعِها مِن بَطْنِهِ بِرَدِّها إلى حَنَكِهِ لِلْمَضْغِ.
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ حَفِظَهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، بَيَّنَ أنَّهُ أنْعَشَهم بِرَوْحِ الهَواءِ، وألْطَفَهم بِسَعَةِ المَوْضِعِ في فَضاءِ الغارِ فَقالَ: ﴿وهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾ أيْ في وسَطِ الكَهْفِ ومُتَّسَعِهِ. ولَمّا شَرَحَ هَذا الأمْرَ الغَرِيبَ، والنَّبَأ العَجِيبَ، وصَلَ بِهِ نَتِيجَتَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورُ العَظِيمُ مِن هِدايَتِهِمْ، وما دَبَّرُوا لِأنْفُسِهِمْ، وما دُبِّرَ لَهم مِن هَذا الغارِ المُسْتَقْبِلِ لِلنَّسِيمِ الطَّيِّبِ المَصُونِ عَنْ كُلِّ مُؤْذٍ، وما حَقَّقَ بِهِ رَجاءَهم مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، وإنْ كانَ إذا قِيسَ إلى هَذا القُرْآنِ القَيِّمِ وغَيْرِهِ مِمّا خُصَّتْ بِهِ هَذِهِ الأُمَّةُ كانَ يَسِيرًا.
ولَمّا كانَ انْفِرادُهم بِالهُدى عَنْ أهْلِ ذَلِكَ القَرْنِ كُلِّهِمْ عَجَبًا، وصَلَ بِهِ ما إذا تُؤُمِّلَ زالَ عَجَبُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿مَن يَهْدِ﴾ ولَوْ أيْسَرَ هِدايَةٍ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ الياءِ في الرَّسْمِ ”اللَّهُ“ أيِ [الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في قَلْبِهِ لِلنَّظَرِ في آياتِهِ الَّتِي لا تُعَدُّ والِانْتِفاعِ بِها ”فَهُوَ“ (p-٢٩)خاصَّةً ﴿المُهْتَدِ﴾ في أيِّ زَمانٍ كانَ، فَلَنْ تَجِدَ لَهُ مُضِلًّا مُغْوِيًا ﴿ومَن يُضْلِلْ﴾ إضْلالًا ظاهِرِيًّا بِما دَلَّ عَلَيْهِ الإظْهارُ-] بِإعْمائِهِ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، فَهو لا غَيْرُهُ الضّالُّ ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ﴾ أصْلًا مِن دُونِهِ، لِأجْلِ أنَّ اللَّهَ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أضَلَّهُ ﴿ولِيًّا مُرْشِدًا﴾ فَتَجِدُهُ يَرى الآياتِ بِعَيْنِهِ، ويَسْمَعُها بِأُذُنِهِ، ويُحِسُّها بِجَمِيعِ حَواسِّهِ، ولا يَعْلَمُ أنَّها آياتٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَدَبَّرَها ويَنْتَفِعَ بِها، فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاهْتِداءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الضَّلالِ ثانِيًا، والمُرْشِدَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المُضِلِّ أوَّلًا.
الكهف 18:18
ولَمّا نَبَّهَ سُبْحانَهُ هَذا التَّنْبِيهَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وتَثْبِيتًا أنْ يَبْخَعَ نَفْسَهُ، عَطَفَ عَلى ما مَضى بَقِيَّةَ أمْرِهِمْ [فَقالَ -]: ﴿وتَحْسَبُهم أيْقاظًا﴾ لِانْفِتاحِ أعْيُنِهِمْ لِلْهَواءِ لِيَكُونَ أبْقى لَها، ولِكَثْرَةِ حَرَكاتِهِمْ ﴿وهم رُقُودٌ ونُقَلِّبُهُمْ﴾ بِعَظَمَتِنا في حالِ نَوْمِهِمْ تَقْلِيبًا كَثِيرًا بِحَسَبِ ما يَنْفَعُهم كَما يَكُونُ النّائِمُ ﴿ذاتَ﴾ أيْ في الجِهَةِ الَّتِي هي صاحِبَةُ ﴿اليَمِينِ﴾ مِنهم ﴿وذاتَ الشِّمالِ﴾ لِيَنالَ رَوْحُ النَّسِيمِ جَمِيعَ أبْدانِهِمْ ولا يَتَأثَّرَ ما يَلِي الأرْضَ مِنها بِطُولِ المُكْثِ ﴿وكَلْبُهم باسِطٌ﴾ وأعْمَلَ اسْمَ الفاعِلِ هَذا، لِأنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنى الماضِي بَلْ هو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ فَقالَ: ﴿ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾ أيْ بِبابِ الكَهْفِ وفِنائِهِ كَما هي عادَةُ الكِلابِ، وذِكْرُ هَذا الكَلْبِ عَلى [طُولِ -] الآبادِ (p-٣٠)بِجَمِيلِ هَذا الرُّقادِ مِن بَرَكَةِ صُحْبَةِ الأمْجادِ.
ولَمّا كانَ هَذا مُشَوِّقًا إلى رُؤْيَتِهِمْ، وصَلَ بِهِ ما يَكُفُّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم عَلى تِلْكَ الحالِ ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ أيْ حالَ وُقُوعِ بَصَرِكَ عَلَيْهِمْ ﴿ولَمُلِئْتَ﴾ في أقَلِّ وقْتٍ بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿مِنهم رُعْبًا﴾ لِما ألْبَسَهُمُ اللَّهُ مِنَ الهَيْبَةِ، وجَعَلَ لَهم مِنَ الجَلالَةِ، وتَدْبِيرًا مِنهُ لِما أرادَ مِنهُمْ
الكهف 18:19
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ فِعْلِنا بِهِمْ هَذا مِن آياتِنا مِنَ النَّوْمِ وغَيْرِهِ، ومِثْلِ ما فَعَلْناهُ بِهِمْ ﴿بَعَثْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِيَتَساءَلُوا﴾ وأظْهَرَ بِالِافْتِعالِ إشارَةً إلى أنَّهُ في غايَةِ الظُّهُورِ. ولَمّا كانَ المُرادُ تَساؤُلًا عَنْ أخْبارٍ لا تَعْدُوهم قالَ تَعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ عَنْ أحْوالِهِمْ في نَوْمِهِمْ ويَقَظَتِهِمْ فَيَزْدادُوا إيمانًا، وثَباتًا وإيقانًا، بِما يَنْكَشِفُ لَهم مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، والأحْوالِ الغَرِيبَةِ فَيُعْلَمَ أنَّهُ لا عِلْمَ لِأحَدٍ غَيْرِنا، ولا قُدْرَةَ لِأحَدٍ سِوانا، وأنَّ قُدْرَتَنا تامَّةٌ، وعِلْمَنا شامِلٌ، فَلْيَعْلَمْ ذَلِكَ مَن أنْكَرَ قُدْرَتَنا عَلى البَعْثِ وسَألَ اليَهُودَ البُعَداءَ البُغَضاءَ عَنْ نَبِيِّهِ الحَبِيبِ الَّذِي أتاهم بِالآياتِ، وأراهُمُ البَيِّناتِ، فَإنْ كانُوا يَسْتَنْصِحُونَ اليَهُودَ فَلْيَسْألُوهم عَمّا قَصَصْنا (p-٣١)مِن هَذِهِ القِصَّةِ، فَإنِ اعْتَرَفُوا [بِهِ -] لَزِمَهم جَمِيعًا الإيمانُ والرُّجُوعُ عَنِ الغَيِّ والعُدْوانِ، وإنْ لَمْ يُؤْمِنُوا عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا يُؤْمِنُ إلّا مَن أرَدْنا هِدايَتَهُ بِالآياتِ البَيِّناتِ كَأهْلِ الكَهْفِ وغَيْرِهِمْ، لا بِإنْزالِ الآياتِ المُقْتَرَحاتِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يُقالَ: ما كانَ تَساؤُلُهُمْ؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾ مُسْتَفْهِمًا مِن إخْوانِهِ: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ نائِمِينَ في هَذا الكَهْفِ مِن لَيْلَةٍ أوْ يَوْمٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ هَذا القائِلَ اسْتَشْعَرَ طُولَ لَبْثِهِمْ بِما رَأى مِن هَيْئَتِهِمْ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأماراتِ؛ ثُمَّ وصَلَ [بِهِ -] في ذَلِكَ الأُسْلُوبِ أيْضًا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا الجَوابَ مَبْنِيٌّ عَلى الظَّنِّ بِقَوْلِهِ دالًّا حَيْثُ أقَرَّهم عَلَيْهِ سُبْحانَهُ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ والقَوْلِ بِالظَّنِّ المُخْطِئِ، وأنَّهُ لا يُسَمّى كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ كَما تَظُنُّونَ أنْتُمْ عِنْدَ قِيامِكم مِنَ القُبُورِ إنْ لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا، لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ صِدِّيقٍ وزِنْدِيقٍ في الجَهْلِ بِما غَيَّبَهُ اللَّهُ تَعالى: فَكَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ اسْتَقَرَّ أمْرُهم في ذَلِكَ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهم رَدُّوا الأمْرَ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم إنْكارًا عَلى أنْفُسِهِمْ ووافَقَ الباقُونَ بِما عِنْدَهم [مِنَ -] التَّحابِّ في اللَّهِ والتَّوافُقِ [فِيهِ -] فَهم في الحَقِيقَةِ إخْوانُ الصَّفا (p-٣٢)وخِلّانُ الأُلْفَةِ والوَفا ﴿رَبُّكُمْ﴾ المُحْسِنُ إلَيْكم ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿بِما لَبِثْتُمْ فابْعَثُوا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إسْنادِ العِلْمِ إلى اللَّهِ تَعالى أنْ يُقالَ: اتْرُكُوا الخَوْضَ في هَذا واشْتَغِلُوا بِما يَنْفَعُكم بِأنْ تَبْعَثُوا ﴿أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾ أيْ فِضَّتِكم ﴿هَذِهِ﴾ الَّتِي جَمَعْتُمُوها لِمِثْلِ هَذا ﴿إلى المَدِينَةِ﴾ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنها وهي طَرْسُوسُ لِيَأْتِيَنا بِطَعامٍ فَإنّا جِياعٌ ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها﴾ أيْ أيُّ أهْلِها ﴿أزْكى﴾ أيْ أطْهَرُ وأطْيَبُ ﴿طَعامًا فَلْيَأْتِكُمْ﴾ ذَلِكَ الأحَدُ ﴿بِرِزْقٍ مِنهُ﴾ لِنَأْكُلَ ﴿ولْيَتَلَطَّفْ﴾ في التَّخَفِّي بِأمْرِهِ حَتّى لا يَتَفَطَّنُوا لَهُ ﴿ولا يُشْعِرَنَّ﴾ أيْ هَذا المَبْعُوثُ مِنكم في هَذا الأمْرِ ﴿بِكم أحَدًا﴾ أنْ فَطِنُوا [لَهُ -] فَقَبَضُوا عَلَيْهِ، وإنَّ المَعْنى: لا يَقُولَنَّ ولا يَفْعَلَنَّ ما يُؤَدِّي مِن غَيْرِ قَصْدٍ مِنهُ إلى الشُّعُورِ بِكم فَيَكُونُ قَدْ أشْعَرَ بِما كانَ مِنهُ مِنَ السَّبَبِ، وفي قِصَّتِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّ حَمْلَ المُسافِرِ ما يُصْلِحُهُ مِنَ المَنفَعَةِ رَأْيُ المُتَوَكِّلِينَ لا المُتَآكِلِينَ المُتَّكِلِينَ عَلى الإنْفاقاتِ عَلى ما في أوْعِيَةِ القَوْمِ مِنَ النَّفَقاتِ، وفِيها صِحَّةُ الوَكالَةِ؛ ومادَّةُ ورَقَ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها الخَمْسَةَ عَشَرَ قَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ سُبْحانَ وغَيْرِها أنَّها [تَدُورُ -] عَلى الجَمْعِ، فالوَرْقُ مُثَلَّثَةً وكَكَتِفٍ (p-٣٣)وجَبَلٍ: الدَّراهِمُ المَضْرُوبَةُ - تَشْبِيهًا بِالوَرَقِ في الشَّكْلِ وفي الجَمالِ، وبِها جَمْعُ حالِ الإنْسانِ، وحالُها مُقْتَضٍ لِلْجَمْعِ، والوَرّاقُ: الكَثِيرُ الدَّراهِمِ وهو أيْضًا مُوَرِّقُ الكُتُبِ، وحِرْفَتُهُ الوِراقَةُ، وما زِلْتُ مِنكَ مُوارِقًا، أيْ قَرِيبًا مُدانِيًا - أيْ كالَّذِي يُساجِلُكَ في قِطافِ الوَرَقِ مِن شَجَرَةٍ واحِدَةٍ فَهو يَأْخُذُ مِن ناحِيَةٍ وأنْتَ مِن أُخْرى، والمُداناةُ: أوَّلُ الجَمْعِ والوَرَقُ - مُحَرَّكَةً: جَمالُ الدُّنْيا وبَهْجَتُها - لِأنَّها تَجْمَعُ ألْوانًا وأنْواعًا، ولَعَلَّ مِنهُ الوُرْقَةَ، قالَ [فِي -] مُخْتَصَرِ العَيْنِ: إنَّها سَوادٌ في غُبْرَةٍ.
وحَمامَةٌ ورْقاءُ - أيْ مِنهُ، وفي القامُوسِ: والأوْرَقُ مِنَ الإبِلِ: ما في لَوْنِهِ بَياضٌ إلى سَوادٍ، ورَأى رَجُلٌ الغُولَ عَلى جَمَلٍ أوْرَقَ فَقالَ: جاءَ بِأُمِّ الرُّبَيْقِ عَلى أُرَيْقٍ، [أيْ -] بِالدّاهِيَةِ العَظِيمَةِ، صَغَّرَ الأوْرَقَ كَسُوَيْدٍ في أسْوَدٍ، والأصْلُ وُرَيْقٌ فَقُلِبَتْ واوُهُ هَمْزَةً، والأوْرَقُ أيْضًا: الرَّمادُ وعامٌ "لا مَطَرَ فِيهِ واللَّبَنُ ثُلُثاهُ ماءٌ- كُلُّ ذَلِكَ جامِعٌ لِلَوْنَيْنِ فَأكْثَرَ، والوَرَقُ مُحَرَّكَةً أيْضًا مِنَ الكِتابِ والشَّجَرِ مَعْرُوفٌ - لِأنَّكَ لا [تَكادُ -] تَحُدُّ واحِدَةً مِنهُ عَلى لَوْنٍ واحِدٍ، ولِأنَّهُ يَجْمَعُ الواحِدَةَ مِنهُ إلى الأُخْرى ويَجْمَعُ مَعْنى [ما -] يَحْمِلُهُ، قالَ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: والوَرَقُ: أُدْمٌ [رِقاقٌ -] مِنهُ ورَقُ المُصْحَفِ، والوَرَقُ أيْضًا: الخَبَطُ - (p-٣٤)لِأنَّهُ لَمّا كانَتِ الإبِلُ تُعْلَفُهُ كانَ كَأنَّهُ هو الوَرَقُ لا غَيْرُهُ، والوَرَقُ: الحَيُّ مِن كُلِّ حَيَوانٍ - لِأنَّ الحَياةَ هي الجَمالُ، وبِها جِماعُ الأُمُورِ، ولِأنَّ الوَرَقَ دَلِيلٌ عَلى حَياةِ الحَيِّ مِنَ الشَّجَرِ، فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ الدّالِّ عَلى المَدْلُولِ، والوَرَقُ أيْضًا: ما اسْتَدارَ مِنَ الدَّمِ عَلى الأرْضِ، أوْ ما سَقَطَ مِنَ الجِراحَةِ - لِأنَّ الِاسْتِدارَةَ أجْمَعُ الأشْكالِ، وهو تَشْبِيهٌ بِوَرَقِ الشَّجَرِ في الشَّكْلِ، والوَرَقُ: المالُ مِن إبِلٍ ودَراهِمَ وغَيْرِها - لِأنَّ جِماعَ حَياةِ الإنْسانِ وكَمالَها بِذَلِكَ كَما أنَّ كَمالَ حَياةِ الشَّجَرِ بِالوَرَقِ، ولِرَعْيِ المالِ مِنَ الحَيَوانِ الوَرَقُ، والوَرَقُ: حُسْنُ القَوْمِ وجَمالُهم - مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ أمْرَهم ويَجْمَعُ إلَيْهِمْ غَيْرَهُمْ، والوَرَقُ [مِنَ القَوْمِ -]: أحْداثُهم أوِ الضِّعافُ مِنَ الفِتْيانِ - تَشْبِيهٌ بِالوَرَقِ لِأنَّهُ لا يُقِيمُ [غالِبًا-] أكْثَرَ مِن عامٍ، ولِأنَّهُ ضَعِيفٌ في نَفْسِهِ، وضَعِيفُ النَّفْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّمَرِ، والوَرَقَةُ - بِهاءٍ: الخَسِيسُ والكَرِيمُ، ضِدٌّ - لِلنَّظَرِ تارَةً إلى كَوْنِهِ نافِعًا لِلْمَرْعى ودالًّا عَلى الحَياةِ، وإلى كَوْنِهِ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ أُخْرى، ورَجُلٌ ورَقٌ وامْرَأةٌ ورَقَةٌ: خَسِيسانِ أيْ لا ثَمَرَةَ لَهُما، ومِن ذَلِكَ أوْرَقَ الصّائِدُ - إذا رَمى فَأخْطَأ أيْ لَمْ يَقَعْ (p-٣٥)عَلى غَيْرِ الوَرَقِ، أيْ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ ثَمَرَةٌ، بَلْ وقَعَ عَلى شَجَرَةٍ غَيْرِ مُثْمِرَةٍ، وكَذا أوْرَقَ القَوْمُ: أخْفَقُوا في حاجَتِهِمْ، أيْ رَجَعُوا بِلا ثَمَرَةٍ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا أوْرَقُوا: كَثُرَ مالُهم ودَراهِمُهم - ضِدٌّ، هَذا بِالنَّظَرِ إلى أنَّ في الوَرَقِ جَمالَ الشَّجَرِ وحَياتَهُ، والتِّجارَةُ مُؤْرِقَةٌ لِلْمالِ كَمُجْلِبَةٍ أيْ مُكَثِّرَةٌ؛ ومِنهُ قَوْلُ القَزّازِ في دِيوانِهِ: هَذا رَجُلٌ مُؤْرِقٌ لَهُ دَراهِمُ، والمُؤْرِقُ: الَّذِي لا شَيْءَ لَهُ - ضِدٌّ، أوْ أنَّهُ تارَةً يَكُونُ لِلْإيجابِ والصَّيْرُورَةِ نَحْوَ أغَدَّ البَعِيرُ، وتارَةً لِلسَّلْبِ نَحْوَ أشْكَيْتُهُ، والوِراقُ كَكِتابٍ: وقْتُ خُرُوجِ [الوَرَقِ -] مِنَ الشَّجَرِ، وشَجَرَةٌ ورِيقَةٌ ووَرِقَةٌ: كَثِيرَةُ الوَرَقِ، والوارِقَةُ: الشَّجَرَةُ الخَضْراءُ الوَرَقِ الحَسَنَتُهُ، والوَراقُ - كَسَحابٍ: خُضْرَةُ الأرْضِ مِنَ الحَشِيشِ، ولَيْسَ مِنَ الوَرَقِ في شَيْءٍ، وذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الخُضْرَةَ لا تَخْلُو عَنْ لَوْنٍ آخَرَ، والرِّقَةُ - كَعِدَةٍ: أوَّلُ نَباتِ النَّصِيِّ والصِّلِّيانِ وهُما نَباتانِ أفْضَلُ مَراعِي الإبِلِ، لِأنَّهُما سَبَبٌ لِجَمْعِ المالِ لِلرَّعْيِ، والرِّقَةُ: الأرْضُ الَّتِي يُصِيبُها المَطَرُ في الصَّفَرِيَّةِ - أيْ أوَّلِ الخَرِيفِ - أوْ في القَيْظِ فَتُنْبِتُ (p-٣٦)فَتَكُونُ خَضْراءَ - كَأنَّ ذَلِكَ النَّباتَ يَكُونُ أقَلَّ خُضْرَةً مِن نَباتِ الرَّبِيعِ، ويَكُونُ اخْتِلاطُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الألْوانِ أكْثَرَ مِمّا في الرَّبِيعِ، وفي القَوْسِ ورْقَةٌ - بِالفَتْحِ: عَيْبٌ، والوَرْقاءُ: الذِّئْبَةُ - مِن أجْلِ أنَّ الوَرَقَ الخالِيَ عَنِ الثَّمَرِ تَقِلُّ الرَّغْبَةُ في شَجَرِهِ وهو دُونَ المُثْمِرِ، ولِأنَّ الوَرَقَ مُخْتَلِطُ اللَّوْنِ، والِاخْتِلاطُ في كُلِّ شَيْءٍ عَيْبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الخالِصِ، وتَوَرَّقَتِ النّاقَةُ: أكَلَتِ الوَرَقَ. وقارَ الرَّجُلُ يَقُورُ: مَشى عَلى أطْرافِ قَدَمَيْهِ لِئَلّا يُسْمَعَ صَوْتُهُما - لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ جَدِيرٌ بِالوُصُولِ إلى ما أرادَ مِمّا يَجْمَعُ شَمْلَهُ، ومِنهُ قارَ الصَّيْدَ: خَتَلَهُ - لِأنَّ أهْلَ الخِداعِ أوْلى بِالظَّفَرِ، ألا تَرى الأُسُودَ تُصادُ بِهِ، ولَوْ غُولِبَتْ عَزَّ أخْذُها، وقارَ الشَّيْءَ: قَطَعَهُ مِن وسَطِهِ خَرْقًا مُسْتَدِيرًا كَقَوَّرَهُ - لِأنَّ الثَّوْبَ يَصِيرُ بِذَلِكَ الخَرْقِ يَجْمَعُ [ما يُرادُ -] مِنهُ، والِاسْتِدارَةُ أجْمَعُ الأشْكالِ كَما سَلَفَ، والقُوارَةُ - كَثُمامَةٍ: ما قُوِّرَ مِنَ الثَّوْبِ وغَيْرِهِ، أوْ يُخَصُّ بِالأدِيمِ، وما قَطَعْتَ مِن جَوانِبِ الشَّيْءِ، والشَّيْءُ الَّذِي قُطِعَ مِن جَوانِبِهِ - ضِدٌّ، وهو مِن تَسْمِيَةِ [مَوْضِعِ -] الشَّيْءِ بِاسْمِهِ، والقارَةُ: الجَبَلُ الصَّغِيرُ الصُّلْبُ المُنْقَطِعُ عَنِ الجِبالِ - لِشِدَّةِ اجْتِماعِ أجْزائِهِ بِالصَّلابَةِ (p-٣٧)واجْتِماعِهِ في نَفْسِهِ بِانْقِطاعِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِمّا لَوْ خالَطَهُ لَفَرَّقَهُ، ولَمْ يُعْرَفْ حَدُّهُ عَلى ما هُوَ، والقارَةُ: الصَّخْرَةُ العَظِيمَةُ، والأرْضُ ذاتُ الحِجارَةِ السُّودِ - لِاجْتِماعِها في نَفْسِها بِتَمَيُّزِها عَنْ غَيْرِها [بِتِلْكَ الحِجارَةِ -]، ودارٌ قَوْراءُ: واسِعَةٌ - تَشْبِيهًا بِقُوارَةِ الثَّوْبِ، ولِأنَّها كُلَّما اتَّسَعَتْ كانَتْ أجْمَعَ، والقارُ: الإبِلُ أوِ القَطِيعُ الضَّخْمُ مِنها، والِاقْوِرارُ: تَشَنُّجُ الجِلْدِ وانْحِناءُ الصُّلْبِ هُزالًا وكِبَرًا - لِأنَّ كُلًّا مِنَ التَّشَنُّجِ والِانْحِناءِ اجْتِماعٌ، والِاقْوِرارُ: الضُّمْرُ - لِأنَّ الضّامِرَ اجْتَمَعَتْ أجْزاؤُهُ، والِاقْوِرارُ: السِّمَنُ - ضِدٌّ، لِأنَّ السَّمِينَ جَمَعَ اللَّحْمَ والشَّحْمَ، والِاقْوِرارُ: ذَهابُ نَباتِ الأرْضِ - لِأنَّها تَصِيرُ بِذَلِكَ قَوْراءَ فَتَصِيرُ أجْدَرَ بِأنْ تَسَعَ الجُمُوعَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاقْوِرارُ كُلُّهُ مِنَ السَّلْبِ إلّا ما لِلسِّمَنِ، والقَوْرُ: القُطْنُ الحَدِيثُ أوْ ما زُرِعَ مِن عامِهِ [لِأنَّهُ -] يُلْبَسُ فَيَجْمَعُ البَدَنَ، ولَقِيتُ مِنهُ الأقْوَرِينَ - بِكَسْرِ الرّاءِ، والأقْوَرِيّاتِ أيِ الدَّواهِيَ القاطِعَةَ - تَشْبِيهًا بِما قُوِّرَ مِنَ الثَّوْبِ، فَهي لِلسَّلْبِ، والقَوَرُ - مُحَرَّكَةً: العَيْنُ - لِأنَّ مَحَلَّها يُشْبِهُ القُوارَةَ، والمُقَوَّرُ - كَمُعَظَّمٍ: المَطْلِيُّ بِالقَطِرانِ - لِاجْتِماعِ أجْزائِهِ بِذَلِكَ، واقْتارَ: احْتاجَ، أيْ صارَ أهْلًا لِأنْ يَجْمَعَ، (p-٣٨)وتَقَوَّرَ اللَّيْلُ: تَهَوَّرَ، أيْ مَضى، مِنَ القَطْعِ، وتَقَوَّرَتِ الحَيَّةُ: تَثَنَّتْ أيْ تَجَمَّعَتْ، والقارُ: شَجَرٌ مُرٌّ - كَأنَّهُ الَّذِي تُطْلى بِهِ السُّفُنُ، وهَذا أقْيَرُ مِن هَذا: أشَدُّ مَرارَةً - لِأنَّ المَرارَةَ تَجْمَعُ اللَّهَواتِ عِنْدَ الذَّوْقِ، والقارَةُ قَبِيلَةٌ - لِأنَّ ابْنَ الشَّدّاخِ أرادَ أنْ يُفَرِّقَهم فَقالَ شاعِرُهُمْ:
؎دَعَوْنا قارَةً لا تُذْعِرُونا ∗∗∗ فَنُجْفِلَ مِثْلَ إجْفالِ الظَّلِيمِ
فَسُمُّوا القارَةَ بِهَذا وكانُوا رُماةً، وفي المَثَلِ: قَدْ أنْصَفَ القارَةَ مَن راماها.
والرَّقْوَةُ: فُوَيْقُ الدِّعْصِ مِنَ الرَّمْلِ، ويُقالُ رَقْوٌ، بِلا هاءٍ - كَأنَّهُ لِجَمْعِهِ الكَثِيرَ مِنَ الرَّمْلِ، أوْ لِجَمْعِهِ مَن يَطْلُبُ الإشْرافَ عَلى الأماكِنِ البَعِيدَةِ بِالعُلُوِّ عَلَيْهِ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الكهف 18:20
ولَمّا نَهَوْا رَسُولَهم عَنِ الإشْعارِ بِهِمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿إنَّهُمْ﴾ أيْ أهْلَ المَدِينَةِ ﴿إنْ يَظْهَرُوا﴾ أيْ يَطَّلِعُوا عالِينَ ﴿عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾ أيْ يَقْتُلُوكم أخْبَثَ قِتْلَةٍ إنِ اسْتَمْسَكْتُمْ بِدِينِكم ﴿أوْ يُعِيدُوكُمْ﴾ قَهْرًا (p-٣٩)﴿فِي مِلَّتِهِمْ﴾ إنْ لِنْتُمْ لَهم ﴿ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا﴾ أيْ إذا عُدْتُمْ فِيها مُطْمَئِنِّينَ بِها، لِأنَّكم وإنْ أُكْرِهْتُمْ رُبَّما اسْتَدْرَجَكُمُ الشَّيْطانُ بِذَلِكَ إلى الإجابَةِ حَقِيقَةً ﴿أبَدًا﴾ [أيْ -] فَبَعَثُوا أحَدَهم فَنَظَرَ الأزْكى وتَلَطَّفَ في الأمْرِ، فاسْتَرابُوا مِنهُ لِأنَّهم أنْكَرُوا ورِقَهُ لِكَوْنِها مِن ضَرْبِ مَلِكٍ لا يَعْرِفُونَهُ فَجَهَدُوا بِهِ فَلَمْ يُشْعِرْ بِهِمْ أحَدًا مِنَ المُخالِفِينَ، وإنَّما أشْعَرَ بِهِمُ المَلِكَ لَمّا رَآهُ مُوافِقًا لَهم في الدِّينِ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ النَّهْيُ عَنْهُ
الكهف 18:21
﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ الأمْرَ العَظِيمَ مِنَ الرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والسَّتْرِ لِأخْبارِهِمْ والحِمايَةِ مِنَ الظّالِمِينَ والحِفْظِ لِأجْسامِهِمْ عَلى مَرِّ الزَّمانِ، وتَعاقُبِ الحَدَثانِ، ومِثْلُ ما فَعَلْنا بِهِمْ ذَلِكَ ﴿أعْثَرْنا﴾ أيْ أظْهَرْنا إظْهارًا اضْطِرارِيًّا، أهْلَ البَلَدِ وأطْلَعْناهُمْ، وأصْلُهُ أنَّ الغافِلَ عَنِ الشَّيْءِ يَنْظُرُ إلَيْهِ إذا عَثَرَ بِهِ نَظَرَ إلَيْهِ فَيَعْرِفُهُ، فَكانَ العِثارُ سَبَبًا لِعِلْمِهِ بِهِ فَأُطْلِقَ اسْمُ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ ﴿عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا﴾ أيْ أهْلُ البَلَدِ بَعْدَ أنْ كانَ حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ شَكٌّ في حَشْرِ [الأجْسادِ -] لِأنَّ اعْتِقادَ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّ البَعْثَ إنَّما هو لِلرُّوحِ فَقَطْ ﴿أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ بِالبَعْثِ لِلرُّوحِ والجَسَدِ مَعًا (p-٤٠)﴿حَقٌّ﴾ لِأنَّ قِيامَهم بَعْدَ نَوْمِهِمْ نَيِّفًا وثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ مَعَ خَرْقِ العادَةِ بِحِفْظِ أبْدانِهِمْ عَنِ الفَناءِ مِن غَيْرِ أكْلٍ ولا شُرْبٍ مِثْلُ قِيامِ مَن ماتَ بِجِسْمِهِ الَّذِي كانَ سَواءً عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّوْمِ دالٌّ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ ”عِلْمُكَ بِاليَقَظَةِ بَعْدَ النَّوْمِ عِلْمٌ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والبَرْزَخُ واحِدٌ غَيْرَ أنَّ لِلرُّوحِ بِالجِسْمِ في النَّوْمِ تَعَلُّقًا لا يَكُونُ بِالمَوْتِ، وتَسْتَيْقِظُ عَلى ما نِمْتَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ تُبْعَثُ عَلى ما مِتَّ عَلَيْهِ“ .
ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ ما قَدْ يُداخِلُهُ شَكٌّ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولِيَعْلَمُوا أنَّ ﴿السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها﴾ مُبَيِّنًا أنَّها لَيْسَتْ مَوْضِعَ شَكٍّ أصْلًا لِما قامَ عَلَيْها مِن أدِلَّةِ العَقْلِ، المُؤَيَّدِ في كُلِّ عَصْرٍ بِقَواطِعِ النَّقْلِ، ومَن طالَعَ تَفْسِيرَ ”الزَّيْتُونِ“ مِن كِتابِي هَذا حَصَلَ لَهُ هَذا ذَوْقًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ هَذا الإعْثارَ أتاهم بِعِلْمٍ نافِعٍ حالَ تَجاذُبٍ وتَنازُعٍ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ لِيَعْلَمُوا ذَلِكَ، وأعْثَرْنا حِينَ ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أيْ أهْلُ المَدِينَةِ.
ولَمّا كانَ التَّنازُعُ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ ما بَيْنَ الأجانِبِ، وكانَ تَنازُعُ هَؤُلاءِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ كانَ الأهَمُّ بَيانَ مَحَلِّهِ فَقَدَّمَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾ أيْ أمْرَ أنْفُسِهِمْ في الحَشْرِ فَقائِلٌ يَقُولُ: تُحْشَرُ الأرْواحُ مُجَرَّدَةً، وقائِلٌ يَقُولُ: بِأجْسادِها، أوْ أمْرَ الفِتْيَةِ فَقائِلٌ يَقُولُ: ناسٌ صالِحُونَ، وناسٌ يَقُولُونَ: لا نَدْرِي مِن أمْرِهِمْ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ تَعالى (p-٤١)أرادَ هِدايَتَنا بِهِمْ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإعْثارِ أوِ التَّنازُعِ أنْ قالَ أكْثَرُهُمْ: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ﴾ عَلى كُلِّ حالٍ ﴿بُنْيانًا﴾ يَحْفَظُهُمْ، واتْرُكُوا التَّنازُعَ فِيهِمْ، ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِهِدايَتِهِمْ وحِفْظِهِمْ وهِدايَةِ النّاسِ بِهِمْ ﴿أعْلَمُ بِهِمْ﴾ إنْ كانُوا صالِحِينَ أوْ لا، وأمّا أنْتُمْ فَلا طَرِيقَ لَكم إلى عِلْمِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا فَعَلُوا؟ فَقالَ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى﴾ أيْ وقَعَ أنْ كانُوا غالِبِينَ عَلى ﴿أمْرَهُمْ﴾ أيْ ظَهَرُوا [عَلَيْهِ -] وعَلِمُوا أنَّهم ناسٌ صالِحُونَ فَرُّوا بِدِينِهِمْ مِنَ الكُفّارِ وضَعْفِ مَن يُنازِعُهُمْ؛ ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِأهْلِ البَلَدِ أوْ لِلْغالِبِينَ أنْفُسِهِمْ، إشارَةً إلى أنَّ الرُّؤَساءَ مِنهم وأهْلَ القُوَّةِ كانُوا أصْلَحَهم [إيماءً -] إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أصْلَحَ بِهِمْ [أهْلَ -] ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ ذَلِكَ البُنْيانَ الَّذِي اتَّفَقْنا عَلَيْهِ ﴿مَسْجِدًا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهم حِينَ ظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وكَلَّمُوهم أماتَهُمُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا أنَّ لَهم مُدَّةً طَوِيلَةً لا يَعِيشُ مِثْلَها أحَدٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ، وقَبْلَ أنْ يَسْتَقْصُوا جَمِيعَ أمْرِهِمْ، وفي قِصَّتِهِمْ تَرْغِيبٌ في الهِجْرَةِ.
الكهف 18:22
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى تَنازُعَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ [اللَّهُ -] بِهِمْ، ذَكَرَ ما يَأْتِي مِن إفاضَةِ مَن عَلَّمَ قُرَيْشًا أنْ تَسْألَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ مِنهم في الفُضُولِ الَّذِي لَيْسَ لَهم إلَيْهِ سَبِيلٌ، ولا يَظْفَرُونَ (p-٤٢)فِيهِ [بِدَلِيلٍ -] عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ فَقالَ تَعالى: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيْ أهْلُ الكِتابِ ومَن وافَقَهم في الخَوْضِ في ذَلِكَ بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ بِما قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِن نَبَئِهِمْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ: هم ﴿ثَلاثَةٌ﴾ أشْخاصٍ ﴿رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾ ولا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ، ولِذَلِكَ أعْراهُ عَنِ الواوِ فَدَلَّ إسْقاطُها عَلى أنَّهم لَيْسُوا ثَلاثَةً ولَيْسَ الكَلْبُ رابِعًا ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ وسَيَقُولُونَ أيْضًا: ﴿خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهُمْ﴾
ولَمّا تَغَيَّرَ قَوْلُهم حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾ أيْ رَمْيًا بِالأمْرِ الغائِبِ عَنْهُمُ الَّذِي لا اطِّلاعَ لَهم عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْضًا دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ: ﴿سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾ وتَأْخِيرُ هَذا عَنِ الرَّجْمِ - وإنْ كانَ ظَنًّا - مُشْعِرٌ بِأنَّهُ حَقٌّ، ويُؤَيِّدُهُ هَذِهِ الواوُ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ كَما تَدْخُلُ الواوُ حالًا عَنِ المَعْرِفَةِ في نَحْوِ ﴿إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] فَإنَّ فائِدَتَها تَوْكِيدُ لُصُوقِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، والدَّلالَةُ عَلى أنَّ اتِّصافَ المَوْصُوفِ بِالصِّفَةِ أمْرٌ ثابِتٌ مُسْتَقِرٌّ، فَدَلَّتْ هَذِهِ الواوُ عَلى أنَّ أهْلَ هَذا القَوْلِ قالُوهُ عَنْ ثَباتِ عِلْمٍ وطُمَأْنِينَةِ نَفْسٍ، ولَمْ يَرْجُمُوا بِالظَّنِّ، وفي بَراءَةِ، (p-٤٣)كَلامٍ نَفِيسٍ عَنِ اتِّباعِ الوَصْفِ تارَةً بِواوٍ وتارَةً مُجَرَّدًا عَنْها. فَلَمّا ظَهَرَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُقالُ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ بِإعْلامِي بِأمْرِهِمْ وغَيْرِهِ ﴿أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [أيِ -]الَّتِي لا زِيادَةَ فِيها ولا نَقْصَ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ فُهِمَ مِن صِيغَةِ ”أعْلَمُ“ أنَّ مِنَ الخَلْقِ مَن يَعْلَمُ أمْرَهم فَقِيلَ: ﴿ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾ أيْ مِنَ الخَلْقِ وهو مُؤَيِّدٌ لِأنَّهم أصْحابُ القَوْلِ الغالِبِ، وهُوَ، قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكانَ يَقُولُ: أنا مِن ذَلِكَ القَلِيلِ.
﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَكَ عَلى سَبِيلِ البَتِّ الدّاخِلِ تَحْتَ النَّهْيِ عَنْ قَفْوِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ: لا ﴿تُمارِ﴾ أيْ تُجادِلْ وتُراجِعْ ﴿فِيهِمْ﴾ أحَدًا مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِغَيْرِ ما أخْبَرْتُكَ بِهِ ﴿إلا مِراءً ظاهِرًا﴾ أدِلَّتُهُ، وهو ما أوْحَيْتُ إلَيْكَ بِهِ ولا تَفْعَلْ فِعْلَهم مِنَ الرَّجْمِ بِالغَيْبِ ﴿ولا تَسْتَفْتِ﴾ أيْ تَسْألْ سُؤالَ مُسْتَفِيدٍ ﴿فِيهِمْ﴾ أيْ أهْلِ الكَهْفِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ العِلْمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ غَيْرِهِمْ ﴿أحَدًا﴾
الكهف 18:23
ولَمّا كانَ نَهْيُهُ عَنِ اسْتِفْتائِهِمْ مُوجِبًا لِقَصْرِ هِمَّتِهِ عَلى رَبِّهِ سُبْحانَهُ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ إذا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، التَفَتَتْ نَفْسُهُ إلى تَعَرُّفِهِ مِن قِبَلِهِ، فَرُبَّما قالَ لِما يَعْلَمُ مِن إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وكَرَمِهِ لَدَيْهِ: سَأُخْبِرُكم بِهِ [غَدًا-]، كَما وقَعَ مِن هَذِهِ القِصَصِ، عَلَّمَهُ اللَّهُ ما يَقُولُ في كُلِّ أمْرٍ (p-٤٤)مُسْتَقْبَلٍ يَعْزِمُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أيْ لِأجْلِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي يُعْزَمُ عَلَيْها جَلِيلِها وحَقِيرِها،عَزَمْتَ عَلى فِعْلِهِ: عَزْمًا صادِقًا مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ وإنْ كُنْتَ عِنْدَ نَفْسِكَ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ: ﴿إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ﴾ أيِ الشَّيْءَ وإنْ كانَ مُهِمًّا ﴿غَدًا﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ
الكهف 18:24
﴿إلا﴾ قَوْلًا كائِنًا مَعَهُ ﴿أنْ يَشاءَ﴾ في المُسْتَقْبَلِ ذَلِكَ الشَّيْءَ ”اللَّهُ“ أيْ مَقْرُونًا بِمَشِيئَةِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ أنْ يُقْطَعَ شَيْءٌ دُونَهُ واعْتِرافًا بِأنَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ، ولِأنَّهُ إنْ قِيلَ ذَلِكَ دُونَ اسْتِثْناءٍ فاتَ قَبْلَ الفِعْلِ أوْ عاقَهُ عَنْهُ عائِقٌ كانَ كَذِبًا مُنَفِّرًا عَنِ القائِلِ.
ولَمّا كانَ النِّسْيانُ مِن شَأْنِ الإنْسانِ وهو غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِ قالَ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِرَفْعِ المُؤاخَذَةِ حالَ النِّسْيانِ ﴿إذا نَسِيتَ﴾ الِاسْتِثْناءَ بِالِاسْتِعانَةِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ بِأنْ تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ونَحْوَها في أيِّ وقْتٍ تَذَكَّرْتَ؛ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ في تَرْجَمَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الحارِثِ الجُبَيْلِيِّ - بِضَمِّ الجِيمِ وفَتْحِ المُوَحَّدَةِ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذا خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنّا أنْ يَسْتَثْنِيَ إلّا بِصِلَةِ اليَمِينِ. ثُمَّ عَطَفَ (p-٤٥)عَلى ما أفْهَمَهُ الكَلامُ وهُوَ: فَقُلْ إذا نَسِيتَ: إنِّي فاعِلٌ [ذَلِكَ -]غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ - ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ التَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ ولا مَشِيئَةَ لِأحَدٍ مَعَهُ [قَوْلَهُ -]: ﴿وقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿لأقْرَبَ﴾ أيْ إلى أشَدَّ قُرْبًا ﴿مِن هَذا﴾ أيِ الَّذِي عَزَمْتُ عَلى فِعْلٍ ونَسِيتُ الِاسْتِثْناءَ فِيهِ فَقَضاهُ اللَّهُ ولَمْ يُؤاخِذْنِي، أوْ فاتَنِي أوْ تَعَسَّرَ عَلَيَّ لِكَوْنِي لَمْ أقْرِنِ العَزْمَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ اللَّهِ ﴿رَشَدًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الرُّشْدِ بِأنْ يُوَفِّقَنِي لِلِاسْتِثْناءِ فِيهِ عِنْدَ العَزْمِ عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ أجْوَدَ أثَرًا وأجَلَّ عُنْصُرًا فَأكُونَ كُلَّ يَوْمٍ في تَرَقٍّ بِالأفْعالِ الصّالِحَةِ في مَعارِجِ القُدْسِ، و”أقْرَبْ“ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِن قَرُبَ - بِضَمِّ الرّاءِ - مِنَ الشَّيْءِ، لازِمٌ، لا مِنَ المَكْسُورِ الرّاءِ المُتَعَدِّي نَحْوِ ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢] ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ [الإسراء: ٣٤] الآيَةِ، والأقْرَبُ مِن رَشَدِ الِاسْتِدْلالِ بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ الَّتِي الحَدِيثُ عَنْها عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ونَحْوِ ذَلِكَ، الِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ الصّانِعِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ بِالأُمُورِ الكُلِّيَّةِ أوِ الجُزْئِيّاتِ القَرِيبَةِ المُتَكَرِّرَةِ، لا بِهَذا الأمْرِ الجُزْئِيِّ النّادِرِ المُتْعِبِ ونَحْوِ هَذا مِنَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ.
الكهف 18:25
(p-٤٦)ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ التَّرْبِيَةِ في أثْناءِ القِصَّةِ وخَتَمَها بِالتَّرْجِيَةِ في الهِدايَةِ لِلْأرْشَدِ، وكانَ عِلْمُ مُدَّةِ لَبْثِهِمْ أدَقَّ وأخْفى مِن عِلْمِ عَدَدِهِمْ، شَرَعَ في إكْمالِها مُبَيِّنًا لِهَذا الأخْفى، عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا رَبُّكم أعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩] أوْ عَلى ”فَأْوُوا إلَيْهِ“ الَّذِي أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ قَوْلُهُمْ: ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾ [الكهف: ١٦] كَما مَضى، المَخْتُومُ بِنَشْرِ الرَّحْمَةِ وتَهْيِئَةِ المِرْفَقِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ [الكهف: ١٠] المَخْتُومِ بِقَوْلِهِمْ ﴿وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠] فَقالَ بَيانًا لِإجْمالِ ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾ [الكهف: ١١] مُحَقِّقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦] ﴿ولَبِثُوا في كَهْفِهِمْ﴾ نِيامًا ﴿ثَلاثَ﴾ [أيْ ] مُدَّةَ ثَلاثِ ﴿مِائَةٍ سِنِينَ﴾ شَمْسِيَّةً بِحِسابِ اليَهُودِ الآمِرِينَ بِهَذا السُّؤالِ، وعَبَّرَ بِلَفْظِ السَّنَةِ إشارَةً إلى ذَمِّها بِما وقَعَ فِيها مِن عُلُوِّ أهْلِ الكُفْرِ وطُغْيانِهِمْ بِما أوْجَبَ خَوْفَ الصِّدِّيقِينَ وهِجْرَتَهم وإنْ كانَ وقَعَ فِيها خِصْبٌ في النَّباتِ وسَعَةٌ في الرِّزْقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى اسْتِغْراقِ الكُفْرِ لِمُدَّةِ نَوْمِهِمْ.
ولَمّا كانَ المُباشِرُونَ لِلسُّؤالِ هُمُ العَرَبَ قالَ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ [أيْ -] مِنَ السِّنِينَ القَمَرِيَّةِ إذا حُسِبَ الكُلُّ بِحِسابِ القَمَرِ، لِأنَّ تَفاوُتَ ما بَيْنَ السَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ والقَمَرِيَّةِ عَشْرَةُ أيّامٍ وإحْدى وعِشْرُونَ ساعَةً وخُمْسا ساعَةٍ كَما تَقَدَّمَ في النَّسِيءِ مِن بَراءَةٍ، فَإذا حُسِبَتْ زِيادَةُ السِّنِي القَمَرِيَّةِ عَلى الثَّلاثِمِائَةِ الشَّمْسِيَّةِ بِاعْتِبارِ نَقْصِ أيّامِها (p-٤٧)عَنْها كانَتْ تِسْعَ سِنِينَ، وكَأنَّ مُدَّةَ لَبْثِهِمْ كانَتْ عِنْدَ اليَهُودِ أقَلَّ مِن ذَلِكَ أوْ أكْثَرَ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِسُؤالِ مَن يَقُولُ: فَإنْ قالَ أحَدٌ غَيْرَ هَذا فَما يُقالُ لَهُ؟
الكهف 18:26
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿أعْلَمُ﴾ مِنكم ﴿بِما لَبِثُوا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَعْلَمُهُ كُلَّهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولا يَنْسى شَيْئًا مِنَ الماضِي ولا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الحاضِرِ، ولا يَعْجِزُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الآتِي، فَلا رَيْبَ فِيما يُخْبِرُ بِهِ.
ولَمّا كانَ السَّمْعُ والبَصَرُ مَناطَيِ العِلْمِ، وكانَ مُتَّصِفًا مِنهُما بِما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ غَيْرُهُ، عَجِبَ [مِن ذَلِكَ -]بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ ولَمّا كانَ القائِمُ [بِشَيْءٍ -]قَدْ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقامَهُ إمّا بِقَهْرٍ أوْ شِرْكٍ، نَفى ذَلِكَ فانْسَدَّ بابُ العِلْمِ عَنْ غَيْرِهِ إلّا مِن جِهَتِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ما لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ السّائِلِينَ ولا المَسْؤُولِينَ الرّاجِمِينَ بِالغَيْبِ مِن أصْحابِ الكَهْفِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ وأعْرَقَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ يُجِيرُهم مِنهُ أوْ بِغَيْرِ ما أخْبَرَ بِهِ ﴿ولا يُشْرِكُ﴾ أيِ اللَّهُ ﴿فِي حُكْمِهِ أحَدًا﴾ فَيَفْعَلُ شَيْئًا بِغَيْرِ أمْرِهِ أوْ يُخْبِرُ بِشَيْءٍ مِن غَيْرِ طَرِيقِهِ.
الكهف 18:27
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّهُ لا شَكَّ في قَوْلِهِ: ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِما (p-٤٨)يُماثِلُهُ فَكَيْفَ بِما يُنافِيهِ مَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا بِتَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ﴾ [الكهف: ٢٦] ﴿واتْلُ﴾ أيِ اقْرَأْ عَلى وجْهِ المُلازَمَةِ ﴿ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وهو عَلى القَطْعِ بِأنَّ المُوحِيَ إلَيْهِ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿مِن كِتابِ رَبِّكَ﴾ الَّذِي أحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ وغَيْرِها، عَلى مَن رَغِبَ فِيهِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى غَيْرِهِ واتَّبَعُوا ما فِيهِ واثِقِينَ بِوَعْدِهِ ووَعِيدِهِ وإثْباتِهِ ونَفْيِهِ وعَلى غَيْرِهِمْ.
ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الكَفِّ عَنْ إبْلاغِ رِسالَةِ المُرْسَلِ وِجْدانَ مَن يَنْقُضُها أوْ عُمِّيَ عَلى المُرْسَلِ، قالَ تَعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ فَلا شَكَّ في وُقُوعِها فَلا عُذْرَ في التَّقْصِيرِ في إبْلاغِها، والنَّسْخُ لَيْسَ بِتَبْدِيلٍ بِهَذا المَعْنى بَلْ هو غايَةٌ لِما كانَ ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ أدْنى مَنزِلَةٍ مِن رُتْبَتِهِ الشَّمّاءِ إلى آخِرِ المَنازِلِ ﴿مُلْتَحَدًا﴾ أيْ مَلْجَأً ومُتَحَيَّزًا تَمِيلُ إلَيْهِ فَيَمْنَعُكَ مِنهُ إنْ قَصَّرْتَ في ذَلِكَ.
الكهف 18:28
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ كَثِيرَ الأسَفِ عَلى تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ يَكادُ يَبْخَعُ نَفْسَهُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ وكانُوا يَقُولُونَ [لَهُ -] إذا رَأوْا مِثْلَ هَذا الحَقِّ الَّذِي لا يَجِدُونَ لَهُ مَدْفَعًا: (p-٤٩)لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الفُقَراءَ وأبْعَدْتَهم عَنْكَ مِثْلَ عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وبِلالٍ فَإنَّهُ يُؤْذِينا رِيحُ جِبابِهِمْ ونَأْنَفُ مِن مُجالَسَتِهِمْ جَلَسْنا إلَيْكَ وسَمِعْنا مِنكَ ورَجَوْنا أنْ نَتْبَعَكَ، قالَ يُرَغِّبُهُ في أتْباعِهِ مُزَهِّدًا فِيمَن عَداهم كائِنًا مَن كانَ، مُعْلِمًا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِمْ مَلْجَأٌ لِمَن خالَفَ أمْرَ اللَّهِ وأنَّهم لا يُرِيدُونَ إلّا تَبْدِيلَ كَلِماتِ اللَّهِ فَسَيُذِلُّهم عَنْ قَرِيبٍ ولا يَجِدُونَ لَهم مُلْتَحَدًا: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ أيِ احْبِسْها وثَبِّتْها في تِلاوَتِهِ وتَبْيِينِ مَعانِيهِ ﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ شُكْرًا لِإحْسانِهِ، واعْتِرافًا بِامْتِنانِهِ، وكَنّى عَنِ المُداوَمَةِ [بِما -] يَدُلُّ عَلى البَعْثِ الَّذِي كانَتْ قِصَّةُ أهْلِ الكَهْفِ دَلِيلًا [عَلَيْهِ -] فَقالَ تَعالى: ﴿بِالغَداةِ﴾ أيِ [الَّتِي -]الِانْتِقالُ فِيها مِنَ النَّوْمِ إلى اليَقَظَةِ كالِانْتِقالِ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ ﴿والعَشِيِّ﴾ أيِ [الَّتِي -] الِانْتِقالُ فِيها مِنَ اليَقَظَةِ إلى [النَّوْمِ كالِانْتِقالِ مِنَ الحَياةِ إلى -] المَوْتِ؛ ثُمَّ مَدَحَهم بِقَوْلِهِ تَعالى مُعَلِّلًا لِدُعائِهِمْ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ بِذَلِكَ ﴿وجْهَهُ﴾ لا غَيْرَ ذَلِكَ في رَجاءِ ثَوابٍ أوْ خَوْفِ عِقابٍ وإنْ كانُوا في غايَةِ الرَّثاثَةِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلْمَعْنى لِقَصْرِ الفِعْلِ وتَضْمِينِهِ فِعْلًا آخَرَ: ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ﴾ عُلُوًّا ونُبُوءًا وتَجاوُزًا (p-٥٠)﴿عَنْهُمْ﴾ إلى غَيْرِهِمْ، أيْ لا تُعْرِضْ عَنْهُمْ، حالَ كَوْنِكَ ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي قَدَّمْنا في هَذِهِ السُّورَةِ أنّا زَيَّنّا بِها الأرْضَ لِنَبْلُوَهم بِذَلِكَ، فَإنَّهم وإنْ كانُوا اليَوْمَ عِنْدَ هَؤُلاءِ مُؤَخَّرِينَ فَهم عِنْدَ المَلِكِ الأعْلى مُقَدَّمُونَ، ولَيَكُونُنَّ عَنْ قَرِيبٍ - إذا بَعَثْنا مَن نُرِيدُ مِنَ العِبادِ بِالحَياةِ مِن بَرْزَخِ الجَهْلِ - في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِن أهْلِ العِزِّ، وأمّا بَعْدَ البَعْثِ الحَقِيقِيِّ فَلَتَكُونَنَّ لَهم مَواكِبُ يُهابُ الدُّنُوُّ مِنها كَما كانَ لِأهْلِ الكَهْفِ بَعْدَ بَعْثِهِمْ مِن هَذِهِ الرَّقْدَةِ بَعْدَ أنْ كانُوا في حَياتِهِمْ قَبْلَها هارِبِينَ مُسْتَخْفِينَ في غايَةِ الخَوْفِ والذُّلِّ، وأمّا إنْ عَدَتِ العَيْنانِ أحَدًا لِما غَفَلَ عَنْهُ مِنَ الذِّكْرِ، وأحَلَّ بِهِ مِنَ الشُّكْرِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ في شَيْءٍ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ [بِهِ -] إلّا الآخِرَةَ.
ولَمّا بالَغَ في أمْرِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ بِمُجالَسَةِ المُسْلِمِينَ، نَهاهُ عَنِ الالتِفاتِ إلى الغافِلِينَ، وأكَّدَ الإعْراضَ عَنِ النّاكِبِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿قَلْبَهُ﴾ أيْ جَعَلْناهُ غافِلًا، لِأنَّ الفِعْلَ فِيهِ لَنا لا لَهُ ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ بِتِلْكَ الزِّينَةِ. (p-٥١)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَغَفَلَ، لِأنَّ عَظَمَتَنا لا يَغْلِبُها شَيْءٌ فَلا يَكُونُ إلّا ما نُرِيدُ، عَطَفَ عَلى فِعْلِ المُطاوَعَةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ بِالمَيْلِ إلى ما اسْتَدْرَجْناهُ بِهِ مِنها والأنَفَةِ مِن مُجالَسَةِ أوْلِيائِنا الَّذِينَ أكْرَمْناهم بِالحِمايَةِ مِنها لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مَطْلَعُ الأنْوارِ، فَإذا أفَلَتِ الأنْوارُ تَراكَمَتِ الظُّلْمَةُ فَجاءَ الهَوى فَأقْبَلَ عَلى الخَلْقِ ﴿وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ أيْ مُتَجاوِزًا لِلْحَدِّ مُسْرِفًا فِيهِ مُتَقَدِّمًا عَلى الحَقِّ، فَيَكُونُ الحَقُّ مَنبُوذًا بِهِ [وراءَ -] الظَّهْرِ مُفَرَّطًا فِيهِ بِالتَّقْصِيرِ فَإنَّ رَبَّكَ سُبْحانَهُ سَيُنْجِي [أتْباعَكَ -]عَلى ضَعْفِهِمْ مِنهم كَما أنْجى أصْحابَ الكَهْفِ، ويَزِيدُكَ بِأنْ يُعْلِيَهم عَلَيْهِمْ ويَدْفَعَ الجَبابِرَةَ في أيْدِيهِمْ لِأنَّهم مُقْبِلُونَ عَلى اللَّهِ مُعْرِضُونَ عَمّا سِواهُ، وغَيْرُهم مُقْبِلٌ عَلى غَيْرِهِ مُعْرِضٌ عَنْهُ.
الكهف 18:29
ولَمّا رَغَّبَهُ في أوْلِيائِهِ، وزَهَّدَهُ في أعْدائِهِ، تَرْضِيَةً بِقَدْرِهِ بَعْدَ [أنْ] قَصَّ الحَقَّ مِن قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ لِلْمُتَعَنِّتِينَ، عَلَّمَهُ ما يَقُولُ لَهم عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم ويَعُمُّ غَيْرَهم ويَعُمُّ القِصَّةَ وغَيْرَها فَقالَ تَعالى مُهَدِّدًا ومُتَوَعِّدًا - كَما نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وكَذا عَنْ غَيْرِهِ: (p-٥٢)﴿وقُلِ﴾ أيْ لَهم ولِغَيْرِهِمْ: هَذا الَّذِي جِئْتُكم بِهِ مِن هَذا الوَحْيِ العَرَبِيِّ العَرِيِّ عَنِ العِوَجِ، الظّاهِرِ الإعْجازِ، الباهِرِ الحُجَجِ ﴿الحَقُّ﴾ كائِنًا ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ المُحْسِنِ [إلَيْكم -] في أمْرِ أهْلِ الكَهْفِ [وغَيْرِهِمْ -] مِن صَبْرِ نَفْسِي مَعَ المُؤْمِنِينَ، والإعْراضِ عَمَّنْ سِواهم وغَيْرِ ذَلِكَ، لا ما قُلْتُمُوهُ في أمْرِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الحَقُّ مُبْتَدَأً ﴿فَمَن شاءَ﴾ أيْ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿فَلْيُؤْمِن﴾ بِهَذا الَّذِي قَصَصْناهُ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ، فَهو مَقْبُولٌ مَرْغُوبٌ فِيهِ وإنْ كانَ فَقِيرًا زَرِيَّ الهَيْئَةِ ولَمْ يَنْفَعْ إلّا نَفْسَهُ ﴿ومَن شاءَ﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ فَهو أهْلٌ لِأنْ يُعْرَضُ عَنْهُ ولا يُلْتَفَتَ إلَيْهِ وإنْ كانَ أغْنى النّاسِ وأحْسَنَهم هَيْئَةً، وإنْ تَعاظَمَتْ هَيْبَتُهُ لِما اشْتَدَّ مِن أذاهُ، وأفْرَطَ مِن ظُلْمِهِ، وسَنَشْفِي قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ في الدّارَيْنِ بِالِانْتِقامِ مِنهُ، والآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الكُفْرِ والإيمانِ مَوْقُوفٌ عَلى المَشِيئَةِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّ الفِعْلَ الِاخْتِيارِيَّ يَمْتَنِعُ حُصُولُهُ بِدُونِ القَصْدِ إلَيْهِ وذَلِكَ القَصْدُ إنْ كانَ بِقَصْدٍ آخَرَ يَتَقَدَّمُهُ لَزِمَ أنْ (p-٥٣)يَكُونَ كُلُّ قَصْدٍ مَسْبُوقًا بِقَصْدٍ آخَرَ إلى غَيْرِ النِّهايَةِ وهو مُحالٌ، فَوَجَبَ أنْ تَنْتَهِيَ [تِلْكَ -] القُصُودُ إلى قَصْدٍ يَخْلُقُهُ اللَّهُ في العَبْدِ عَلى سَبِيلِ الضَّرُورَةِ يَجِبُ بِهِ الفِعْلُ، فالإنْسانُ مُضْطَرٌّ في صُورَةِ مُخْتارٍ، فَلا دَلِيلَ لِلْمُعْتَزِلَةِ في هَذِهِ الآيَةِ.
ولَمّا هَدَّدَ السّامِعِينَ بِما حاصِلُهُ: لِيَخْتَرْ كُلُّ امْرِئٍ لِنَفْسِهِ ما يَجِدُهُ غَدًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أتْبَعَ هَذا التَّهْدِيدَ تَفْصِيلًا لِما أعَدَّ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنَ الوَعْدِ [والوَعِيدِ -] لَفًّا ونَشْرًا مُشَوَّشًا - بِما يَلِيقُ بِهَذا الأُسْلُوبِ المُشِيرِ إلى أنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ مِن نُونِ العَظَمَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَهْيِئَةً قَرِيبَةً جِدًّا، وأحْضَرْنا عَلى وجْهٍ ضَخْمٍ شَدِيدٍ تامِّ التَّقْدِيرِ ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ أيْ لِمَن لَمْ يُؤْمِن، ولَكِنَّهُ وصْفُ إشارَةٍ إلى تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ ﴿نارًا﴾ جَعَلْناها مُعَدَّةً لَهم ﴿أحاطَ بِهِمْ﴾ كُلِّهِمْ ﴿سُرادِقُها﴾ أيْ حائِطُها الَّذِي يُدارُ حَوْلَها كَما يُدارُ الحَظِيرُ حَوْلَ الخَيْمَةِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ.
ولَمّا كانَ المَحْرُورُ شَدِيدَ الطَّلَبِ لِلْماءِ قالَ تَعالى: ﴿وإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ مِن حَرِّ النّارِ فَيَطْلُبُوا الغَيْثَ - وهو ماءُ المَطَرِ - والغَوْثَ بِإحْضارِهِ لَهُمْ؛ وشاكَلَ اسْتِغاثَتَهم تَهَكُّمًا بِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿يُغاثُوا بِماءٍ﴾ لَيْسَ كالماءِ الَّذِي قَدَّمْنا الإشارَةَ إلى أنّا نُحْيِي بِهِ الأرْضَ بَعْدَ صَيْرُورَتِها صَعِيدًا جُرُزًا، (p-٥٤)[بَلْ -] ﴿كالمُهْلِ﴾ وهو القَطِرانُ الرَّقِيقُ وما ذابَ مِن صُفْرٍ أوْ حَدِيدٍ [والزَّيْتُ -] أوْ دُرْدِيُّهُ - قالَهُ في القامُوسِ. وشَبَّهَهُ بِهِ مِن أجْلِ تَناهِي الحَرِّ مَعَ كَوْنِهِ ثَخِينًا، وبَيَّنَ وجْهَ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ أيْ إذا قُرِّبَ إلى الفَمِ فَكَيْفَ بِالفَمِ والجَوْفِ! ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ذَمَّهُ فَقالَ تَعالى: ﴿بِئْسَ الشَّرابُ﴾ أيْ هُوَ، فَإنَّهُ أسْوَدُ مُنْتِنٌ غَلِيظٌ حارٌّ، وعَطَفَ عَلَيْهِ ذَمَّ النّارِ المُعَدَّةِ [لَهم -] فَقالَ تَعالى: ﴿وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أيْ مَنزِلًا يُعَدُّ لِلِارْتِفاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لِمَن آمَنَ؟ فَقالَ تَعالى:
الكهف 18:30
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الإيمانُ هو الإذْعانَ لِلْأوامِرِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُحَقِّقُ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ثُمَّ عَظَّمَ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِما يَقْتَضِيهِ عَظَمَتُنا ﴿أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ مُشِيرًا بِإظْهارِ ضَمِيرِهِمْ إلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا بِذَلِكَ الوَصْفَ بِالإحْسانِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهُمْ؟ فَقالَ مُفَصِّلًا لِما أجْمَلَ مِن وعْدِهِمْ:
الكهف 18:31
﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم فِيها؟ فَقِيلَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ﴾ أيْ تَحْتِ مَنازِلِهِمْ ﴿الأنْهارُ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ ماذا؟ فَقِيلَ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ (p-٥٥)وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ القَصْدَ وُجُودُ التَّحْلِيَةِ، وهي لِعِزَّتِها إنَّما يُؤْتى بِها مِنَ الغَيْبِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى.
ولَمّا كانَ [اللَّهُ أعْظَمَ مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَكانَتْ نِعَمُهُ لا يُحْصى نَوْعٌ مِنها، قالَ تَعالى مُبَعِّضًا: ﴿مِن أساوِرَ﴾ جَمْعِ أسْوِرَةٍ جَمْعِ سَوارٍ، كَما يَلْبَسُ ذَلِكَ مُلُوكُ الدُّنْيا مِن جَبابِرَةِ الكَفَرَةِ في بَعْضِ الأقالِيمِ كَأهْلِ فارِسَ. ولَمّا كانَ لِمَقْصُودِها نَظَرٌ إلى التَّفْضِيلِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ عَلى الإطْلاقِ، وقَعَ التَّرْغِيبُ في طاعَتِهِ بِما [هُوَ -] أعْلى مِنَ الفِضَّةِ فَقالَ مُبَعِّضًا أيْضًا: ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ أيْ ذَهَبٍ هو في غايَةِ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ اللِّباسُ جَزاءَ [العَمَلِ -] وكانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُمْ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿ويَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا﴾ ثُمَّ وصَفَها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ ﴿وإسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظَ مِنهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الوَصْفَ عَنْ حالِ جُلُوسِهِمْ فِيها بِأنَّهُ جُلُوسُ المُلُوكِ المُتَمَكِّنِينَ مِنَ النَّعِيمِ فَقالَ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ أيْ لِأنَّهم في غايَةِ الرّاحَةِ ﴿عَلى الأرائِكِ﴾ أيِ الأسِرَّةِ عَلَيْها [الحَجَلُ -]، ثُمَّ مَدَحَ هَذا فَقالَ تَعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوابُ﴾ أيْ هو لَوْ لَمْ يَكُنْ لَها وصْفٌ غَيْرُ ما سَمِعْتُمْ فَكَيْفَ ولَها مِنَ الأوْصافِ (p-٥٦)ما لا يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى! وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَسُنَتْ﴾ أيِ الجَنَّةُ كُلُّها، ومَيَّزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُرْتَفَقًا﴾
الكهف 18:32
ولَمّا كانَ إنَّما مَحَطُّ حالِ المُشْرِكِينَ العاجِلُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهم ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩١] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها﴾ [الكهف: ٧] الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: في حَقِّ فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَقَذَّرُوهم ﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٢٨] -الآيَةُ واسْتَمَرَّ إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّ جَنّاتِ المُؤْمِنِينَ عَظِيمٌ حُسْنُها مِن جِهَةِ الِارْتِفاقِ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الكهف: ٢٩] قَوْلَهُ تَعالى كاشِفًا بِضَرْبِ المَثَلِ أنَّ ما فِيهِ الكُفّارُ مِنَ الارْتِفاقِ العاجِلِ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يُفْتَخَرَ بِهِ لِأنَّهُ إلى زَوالٍ: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الضُّعَفاءِ والمُتَجَبِّرِينَ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويَطْلُبُونَ طَرْدَهم لِضَعْفِهِمْ وفَقْرِهِمْ: ﴿مَثَلا﴾ لِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، فاعْتَمَدُوا عَلَيْهِ ورَكَنُوا إلَيْهِ ولَمْ يَشْكُرُوا مَن آتاهم إيّاهُ عَلَيْهِ، بَلْ أدّاهم إلى الِافْتِقارِ والتَّكَبُّرِ عَلى مَن زَوى ذَلِكَ [عَنْهُ -] إكْرامًا لَهُ وصِيانَةً عَنْهُ ﴿رَجُلَيْنِ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما مَثَلُهُما؟ فَقِيلَ: ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لأحَدِهِما﴾ وهو المَجْعُولُ مَثَلًا لَهم ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ أيْ بَساتِينَ يَسْتُرُ ما (p-٥٧)فِيهِما مِنَ الأشْجارِ مَن يَدْخُلُهُما عَلى أيِّ وضْعٍ مِنَ الأوْضاعِ كانَتا، ومِن جُمْلَةِ الأوْضاعِ أنْ تَكُونَ إحْداهُما مِنَ السَّهْلِ والأُخْرى في الجَبَلِ، لِيَبْعُدَ عُمُومُ عاهَةٍ لَهُما لِأنَّها إمّا مِن بَرْدٍ أوْ حَرٍّ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ لِأنَّها مِن أشْجارِ البِلادِ البارِدَةِ وتَصْبِرُ عَلى الحَرِّ، وهي فاكِهَةٌ وقُوتٌ بِالعِنَبِ والزَّبِيبِ والخَلِّ وغَيْرِها ﴿وحَفَفْناهُما﴾ أيْ حَطَطْناهُما بِعَظَمَتِنا ﴿بِنَخْلٍ﴾ لِأنَّها [مِن -] أشْجارِ البِلادِ الحارَّةِ، وتَصْبِرُ عَلى البَرْدِ، ورُبَّما مَنَعَتْ عَنِ الأعْنابِ بَعْضَ أسْبابِ العاهاتِ، وثَمَرُها فاكِهَةٌ بِالبُسْرِ والرُّطَبِ وقُوتٌ بِالتَّمْرِ والخَلِّ فَكَأنَّ النَّخْلَ كالإكْلِيلِ مِن وراءِ العِنَبِ، و[هُوَ -] مِمّا يُؤْثِرُهُ الدَّهاقِينُ لِأنَّهُ في غايَةِ البَهْجَةِ والمَنفَعَةِ ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُما﴾ أيْ أرْضَيِ الجَنَّتَيْنِ ﴿زَرْعًا﴾ لِبُعْدِ شُمُولِ الآفَةِ لِلْكُلِّ، لِأنَّ زَمانَ الزَّرْعِ ومَكانَهُ غَيْرُ زَمانِ أثْمارِ الشَّجَرِ المُقَدَّمِ ومَكانِهِ، وذَلِكَ هو العُمْدَةُ في القُوتِ، فَكانَتِ الجَنَّتانِ أرْضًا جامِعَةً لِخَيْرِ الفَواكِهِ وأفْضَلِ الأقْواتِ، وعِمارَتُهُما مُتَواصِلَةً مُتَشابِكَةً لَمْ يَتَوَسَّطْها ما يَقْطَعُها ويَفْصِلُ بَيْنَها، مَعَ سَعَةِ الأطْرافِ، وتَباعُدِ الأكْنافِ، وحُسْنِ الهَيْئاتِ والأوْصافِ.
الكهف 18:33
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ قَدْ يَكُونُ فاسِدًا مِن جِهَةِ أرْضِهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما حالُ أرْضِهِما المُنْتِجُ لِزَكاءِ ثَمَرِهِما؟: (p-٥٨)﴿كِلْتا﴾ أيْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ ﴿الجَنَّتَيْنِ﴾ المَذْكُورَتَيْنِ ﴿آتَتْ أُكُلَها﴾ أيْ ما يُطْلَبُ مِنها ويُؤْكَلُ مِن ثَمَرٍ وحَبٍّ، كامِلًا غَيْرَ مَنسُوبٍ شَيْءٌ مِنهُما إلى نَقْصٍ ولا رَداءَةٍ، وهو مَعْنى: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ﴾ أيْ تَنْقُصْ حِسًّا ولا مَعْنىً كَمَن يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ ﴿مِنهُ شَيْئًا﴾
ولَمّا كانَ الشَّجَرُ رُبَّما أضَرَّ بِدَوامِهِ قِلَّةُ السَّقْيِ قالَ تَعالى: ﴿وفَجَّرْنا﴾ أيْ تَفْجِيرًا يُناسِبُ عَظَمَتَنا ﴿خِلالَهُما نَهَرًا﴾ أيْ يَمْتَدُّ فَيَتَشَعَّبُ فَيَكُونُ كالأنْهارِ لِتَدُومَ طَراوَةُ الأرْضِ ويُسْتَغْنى عَنِ المَطَرِ عِنْدَ القَحْطِ؛
الكهف 18:34
ثُمَّ زادَ في ضَخامَةِ هَذا الرَّجُلِ فَبَيَّنَ أنَّ لَهُ غَيْرَ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ [والزَّرْعِ -] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ لَهُ﴾ أيْ صاحِبِ الجَنَّتَيْنِ ﴿ثَمَرٌ﴾ أيْ مالٌ مُثْمِرٌ غَيْرُ ما [تَقَدَّمَ -]كَثِيرٌ، ذُو أنْواعٍ لِيَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنَ العِمارَةِ بِالأعْوانِ والآلاتِ وجَمِيعِ ما يُرِيدُ ﴿فَقالَ﴾ أيْ هَذا الكافِرُ ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أيِ المُسْلِمِ المَجْعُولِ مَثَلًا لِفُقَراءِ المُؤْمِنِينَ ﴿وهُوَ﴾ أيْ صاحِبُ الجِنانِ ﴿يُحاوِرُهُ﴾ أيْ يُراجِعُهُ الكَلامَ، [مِن -] حارَ يَحُورُ - إذا رَجَعَ افْتِخارًا عَلَيْهِ وتَقْبِيحًا لِحالِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، والمُسْلِمُ (p-٥٩)يُحاوِرُهُ بِالوَعْظِ وتَقْبِيحِ الرُّكُونِ إلى الدُّنْيا: ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا﴾ لِما تَرى مِن جِنانِي وثِمارِي ﴿وأعَزُّ نَفَرًا﴾ أيْ ناسًا يَقُومُونَ مَعِي في المُهِمّاتِ، ويَنْفِرُونَ عِنْدَ الضَّرُوراتِ، لِأنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِكَثْرَةِ المالِ
الكهف 18:35
﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ وحَّدَ لِإرادَةِ الجِنْسِ ودَلالَةً عَلى ما أفادَهُ الكَلامُ مِن أنَّهُما لِاتِّصالِهِما كالجَنَّةِ الواحِدَةِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ لا جَنَّةَ لَهُ غَيْرُها لِأنَّهُ لا حَظَّ لَهُ في الآخِرَةِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ [أنَّهُ -] ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالِاعْتِمادِ عَلى مالِهِ والإعْراضِ عَنْ رَبِّهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ ظُلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ لِما اسْتَوْلى عَلَيْهِ مِن طُولِ أمَلِهِ وشِدَّةِ حِرْصِهِ وتَمادِي غَفْلَتِهِ واطِّراحِهِ لِلنَّظَرِ في العَواقِبِ بِطُولِ المُهْلَةِ وسُبُوغِ النِّعْمَةِ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ﴾ أيْ تَهْلِكَ هَلاكًا ظاهِرًا مُسْتَوْلِيًا ﴿هَذِهِ أبَدًا﴾
الكهف 18:36
ثُمَّ زادَ في الطُّغْيانِ والبَطَرِ بِقَصْرِ النَّظَرِ عَلى الحاضِرِ فَقالَ: ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ اسْتِلْذاذًا بِما هو فِيهِ وإخْلادًا [إلَيْهِ -] واعْتِمادًا عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَجْبُولًا عَلى غَلَبَةِ الرَّجاءِ عَلَيْهِ، فَإذا حَصَلَ لَهُ مِن دَواعِي الغِنى وطُولِ الرّاحَةِ وبُلُوغِ المَأْمُولِ والِاسْتِدْراجِ بِالظَّفَرِ بِالسُّؤالِ ما يُرْبِيهِ، ويُثَبِّتُ أُصُولَهُ ويُقَوِّيهِ، اضْمَحَلَّ الخَوْفُ فَلَمْ يَزَلْ يَتَضاءَلُ حَتّى يَتَلاشى فَكانَ عَدَمًا، فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْ هَذا الكافِرِ (p-٦٠)ما أثْمَرَ لَهُ الرَّجاءُ مِن أمانِهِ مِن سُوءِ ما يَأْتِي بِهِ القَدَرُ مُقْسِمًا: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ﴾ [أيْ رَدَّنِي رادٌّ -] ﴿إلى رَبِّي﴾ المُحْسِنِ إلَيَّ في هَذِهِ الدّارِ، في السَّعَةِ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها الَّذِي يَسْتَعْمِلُ في فَرْضِهِ أداةَ الشَّكِّ ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾ أيْ هَذِهِ الجَنَّةِ؛ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ بِالتَّثْنِيَةِ لِلْجَنَّتَيْنِ ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الِانْقِلابِ وزَمانِهِ ومَكانِهِ، لِأنَّهُ ما أعْطانِي ذَلِكَ إلّا بِاسْتِحْقاقِي، وهو وصْفٌ لِي غَيْرُ مُنْفَكٍّ في الدّارَيْنِ، وإنْ لَمْ يَقُولُوا [نَحْوَ ] هَذا بِألْسِنَةِ مَقالِهِمْ فَإنَّ ألْسِنَةَ أحْوالِهِمْ ناطِقَةٌ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَفي عِدادِ البَهائِمِ حَيْثُ قَصَرَ النَّظَرَ عَلى الجُزْئِيّاتِ، ولَمْ يُجَوِّزْ أنْ يَكُونَ التَّمْوِيلُ اسْتِدْراجًا، فَما قالَ لَهُ الآخَرُ؟ فَقِيلَ:
الكهف 18:37
﴿قالَ لَهُ صاحِبُهُ وهُوَ﴾ أيْ والحالُ إنَّ ذَلِكَ الصّاحِبَ ﴿يُحاوِرُهُ﴾ مُنْكِرًا [عَلَيْهِ -]: ﴿أكَفَرْتَ﴾
ولَمّا كانَ كُفْرُهُ بِإنْكارِ البَعْثِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ﴾ بِخَلْقِ أصْلِكَ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ مُتَوَلِّدَةٍ مِن أغْذِيَةٍ أصْلُها تُرابٌ ﴿ثُمَّ سَوّاكَ﴾ بَعْدَ أنْ أوْلَدَكَ وطَوَّرَكَ في أطْوارِ النَّشْأةِ (p-٦١)﴿رَجُلا﴾ حَيْثُ نَفَيْتَ إعادَتَهُ لِمَنِ ابْتَدَأ خَلْقَهم عَلى هَذا الوَجْهِ تَكْذِيبًا لِلرُّسُلِ واسْتِقْصارًا لِلْقُدْرَةِ، ولَمْ تُثْبِتْ لَها في الإعادَةِ ما ثَبَتَ لَها بِعِلْمِكَ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ لَمْ تُجَوِّزْها بَعْدَ القَطْعِ بِالنَّفْيِ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ بِأداةِ الشَّكِّ، وهي مِن دَعائِمِ أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي لا يُقْتَنَعُ [فِيهِ -] إلّا بِالقَطْعِ، ونَسَبْتَهُ إلى العَبَثِ الَّذِي لا يَرْضاهُ عاقِلٌ إذْ جَعَلْتَ غايَةَ هَذا الخَلْقِ البَدِيعِ في هَذا التَّطْوِيرِ العَظِيمِ المَوْتَ [الَّذِي -] لَوْ كانَ غايَةً - كَما زَعَمْتَ - لَفَوَّتَ عَلى المُطِيعِ الثَّوابَ، وعَلى العاصِي العِقابَ.
الكهف 18:38
ولَمّا أنْكَرَ عَلى صاحِبِهِ، أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ بِما يُضادُّ اعْتِقادَ صاحِبِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ صاحِبِهِ مُسْتَدْرِكًا لِأجْلِ كُفْرانِهِ: ﴿لَكِنّا﴾ لَكِنْ أنا. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ ولا شَيْءَ أبْطَنُ مِنهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ جَمِيعًا بِإضْمارِهِ قَبْلَ الذِّكْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ أيِ الظّاهِرُ أتَمَّ ظُهُورٍ فَلا يَخْفى أصْلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّذِي خَلَقَكَ ”اللَّهُ“ أيِ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿رَبِّي﴾ وحْدَهُ، لَمْ يُحْسِنْ إلَيَّ خَلْقًا ورِزْقًا أحَدٌ غَيْرُهُ، هَذا اعْتِقادِي في الماضِي والحالِ (p-٦٢)﴿ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي﴾ المُحْسِنِ إلَيَّ في عِبادَتِي ﴿أحَدًا﴾ كَما لَمْ يُشارِكْهُ في إحْسانِهِ إلَيَّ أحَدٌ، فَإنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ وعَبِيدُهُ، وأنّى يَكُونُ العَبْدُ شَرِيكًا لِلرَّبِّ! فَإنِّي لا أرى الغِنى والفَقْرَ إلّا مِنهُ، وأنْتَ - لَمّا اعْتَمَدْتَ عَلى مالِكَ - كُنْتَ مُشْرِكًا بِهِ.
الكهف 18:39
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى طَرِيقِ الأنْبِياءِ في إرادَةِ الخَيْرِ والإرْشادِ إلى سَبِيلِ النَّجاةِ وعَدَمِ الحِقْدِ عَلى أحَدٍ بِشَرٍّ أسْلَفَهُ وجَهْلٍ قَدَّمَهُ، قالَ لَهُ مُصَرِّحًا بِالتَّعْلِيمِ بَعْدَ أنْ لَوَّحَ لَهُ بِهِ فِيما ذَكَرَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ: ﴿ولَوْلا إذْ﴾ أيْ وهَلّا حِينَ ﴿دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ ما يَدُلُّ عَلى تَفْوِيضِكَ الأمْرَ فِيها وفي غَيْرِها إلى اللَّهِ تَعالى كَما تَقَدَّمَ الإرْشادُ إلَيْهِ في آيَةِ ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] تارِكًا لِلِافْتِخارِ بِها، ومُسْتَحْضِرًا لِأنَّ الَّذِي وهَبَكَها قادِرٌ عَلى سَلْبِكَ إيّاها لِيَقُودَكَ ذَلِكَ إلى التَّوْحِيدِ وعَدَمِ الشِّرْكِ، فَلا تَفْرَحَ بِها ولا بِغَيْرِها مِمّا يَفْنى لِأنَّهُ لا يَنْبَغِي الفَرَحُ إلّا بِما يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الزَّوالُ ﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، كانَ، سَواءٌ كانَ حاضِرًا أوْ ماضِيًا أوْ مُسْتَقْبَلًا، ولِذَلِكَ أعْراها عَنِ الجَوابِ، لا ما يَشاؤُهُ غَيْرُهُ [ولا يَشاؤُهُ -] هو سُبْحانَهُ؛ [ثُمَّ -] عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا قُوَّةَ﴾ أيْ لِأحَدٍ عَلى بُسْتانٍ وغَيْرِهِ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾ (p-٦٣)[أيِ -] المُتَوَحِّدِ بِالكَمالِ، فَلا شَرِيكَ لَهُ، وأفادَتْ هَذِهِ الكَلِمَةُ إثْباتَ القُوَّةِ لِلَّهِ وبَراءَةَ العَبْدِ مِنها، والتَّنْبِيهَ عَلى أنَّهُ لا قُدْرَةَ [لِأحَدٍ -]مِنَ الخَلْقِ إلّا بِتَقْدِيرِهِ، فَلا يَخافُ مِن غَيْرِهِ، والتَّنْبِيهَ عَلى فَسادِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ في الطَّبائِعِ مِن أنَّها مُؤَثِّرَةٌ بِنَفْسِها.
ولَمّا قَدَّمَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ في نَفْسِهِ مُنَبِّهًا بِهِ لِصاحِبِهِ، ثُمَّ ما يَجِبُ عَلَيْهِ [مِنَ -] التَّصْرِيحِ بِالإرْشادِ في أُسْلُوبٍ مُقَرِّرٍ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، لا شَيْءَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنْ تَرَنِ﴾ أيْ أيُّها المُفْتَخِرُ بِما لَهُ عَلَيَّ! ﴿أنا﴾ ولَمّا ذَكَرَ ضَمِيرَ الفَصْلِ، ذَكَرَ مَفْعُولَ ”تَرى“ الثّانِيَ فَقالَ: ﴿أقَلَّ مِنكَ﴾ ومَيَّزَ القَلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿مالا ووَلَدًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ المالِ والوَلَدِ الَّذِي هو أعَزُّ نَفَرِ الإنْسانِ.
الكهف 18:40
ولَمّا أقَرَّ هَذا المُؤْمِنُ بِالعَجْزِ والِافْتِقارِ، في نَظِيرِ ما أبْدى الكافِرُ مِنَ التَّقَوِّي والِافْتِخارِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ [فِي -] كُلِّ جَزاءٍ، داعِيًا بِصُورَةِ التَّوَقُّعِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَعَسى رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أنْ يُؤْتِيَنِي﴾ مِن خَزائِنِ رِزْقِهِ ﴿خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾ فَيُحْسِنَ إلَيَّ بِالغِنى كَما أحْسَنَ إلَيَّ بِالفَقْرِ المُقْتَرِنِ بِالتَّوْحِيدِ، المُنْتِجِ لِلسَّعادَةِ ﴿ويُرْسِلَ عَلَيْها﴾ (p-٦٤)أيْ جَنَّتِكَ ﴿حُسْبانًا﴾ أيْ مَرامِيَ مِنَ الصَّواعِقِ والبَرْدِ الشَّدِيدِ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾
ولَمّا كانَتِ المُصابَحَةُ بِالمُصِيبَةِ أنْكى ما يَكُونُ، قالَ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحَ﴾ بَعْدَ كَوْنِها قُرَّةً لِلْعَيْنِ بِما تَهْتَزُّ بِهِ مِنَ الأشْجارِ والزُّرُوعِ ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ أيْ أرْضًا يُزْلَقُ عَلَيْها لِمَلاسَتِها بِاسْتِئْصالِ نَباتِها، فَلا يَنْبُتُ فِيها نَباتٌ، ولا يَثْبُتُ فِيها قَدَمٌ
الكهف 18:41
﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾ وصَفَ بِالمَصْدَرِ لِأنَّهُ أبْلَغُ ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ أنْتَ ﴿لَهُ طَلَبًا﴾
الكهف 18:42
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا المُؤْمِنَ المُخْلِصَ بِعَيْنِ الرِّضى، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: فاسْتُجِيبَ لِهَذا الرَّجُلِ المُؤْمِنِ، أوْ: فَحُقِّقَ لَهُ ما تَوَقَّعَهُ فَخَيَّبَ ظَنَّ المُشْرِكِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِيطَ﴾ أيْ أُوقِعَتِ الإحاطَةُ بِالهَلاكِ، [بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ -] لِأنَّ الفِكْرَ حاصِلٌ بِإحاطَةِ الهَلاكِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى فاعِلٍ مَخْصُوصٍ، ولِلدَّلالَةِ عَلى سُهُولَتِهِ ﴿بِثَمَرِهِ﴾ أيِ الرَّجُلِ المُشْرِكِ، كُلِّهِ فاسْتُؤْصِلَ هَلاكًا [ما -] في السَّهْلِ مِنهُ وما في الجَبَلِ، وما يَصْبِرُ مِنهُ عَلى البَرْدِ والحَرِّ وما لا يَصْبِرُ ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ نَدَمًا، ويَضْرِبُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى تَحَسُّرًا ﴿عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ لِعِمارَتِها ونَمائِها ﴿وهِيَ خاوِيَةٌ﴾ أيْ (p-٦٥)ساقِطَةٌ مَعَ الخُلُوِّ ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ دَعائِمِها الَّتِي كانَتْ تَحْمِلُها فَسَقَطَتْ عَلى الأرْضِ وسَقَطَتْ هي فَوْقَها ﴿ويَقُولُ﴾ تَمَنِّيًا لِرَدِّ ما فاتَ لِحَيْرَتِهِ وذُهُولِ عَقْلِهِ ودَهْشَتِهِ: ﴿يا لَيْتَنِي﴾ تَمَنِّيًا لِاعْتِمادِهِ عَلى اللَّهِ مِن غَيْرِ إشْراكٍ بِالِاعْتِمادِ عَلى الفانِي ﴿لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أحَدًا﴾ كَما قالَ لَهُ صاحِبُهُ، فَنَدِمَ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُ النَّدَمُ عَلى ما فَرَّطَ في الماضِي لِأجْلِ ما فاتَهُ مِنَ الدُّنْيا، لا حِرْصًا عَلى الإيمانِ لِحُصُولِ الفَوْزِ في العُقْبى، لِقُصُورِ عَقْلِهِ ووُقُوفِهِ مَعَ المَحْسُوساتِ المُشاهَداتِ
الكهف 18:43
﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ لا مِن نَفَرِهِ الَّذِينَ اعْتَزَّ بِهِمْ ولا مِن غَيْرِهِمْ ﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ مِمّا وقَعَ فِيهِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [أيْ بِغَيْرِ عَوْنٍ مِنَ -] المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿وما كانَ﴾ هو ﴿مُنْتَصِرًا﴾ بِنَفْسِهِ، بَلْ لَيْسَ الأمْرُ في ذَلِكَ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ.
الكهف 18:44
ولَمّا أنْتَجَ هَذا المَثَلُ قَطْعًا أنَّهُ لا أمْرَ لِغَيْرِ اللَّهِ المَرْجُوِّ لِنَصْرِ أوْلِيائِهِ بَعْدَ ذُلِّهِمْ، ولِإغْنائِهِمْ بَعْدَ فَقْرِهِمْ، [ولِإذْلالِ أعْدائِهِ بَعْدَ عِزِّهِمْ وكِبْرِهِمْ -]، وإفْقارِهِمْ بَعْدَ إغْنائِهِمْ وجَبْرِهِمْ، وأنَّ غَيْرَهُ إنَّما هو كالخَيالِ لا حَقِيقَةَ لَهُ، صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في مِثْلِ هَذِهِ الشَّدائِدِ العَظِيمَةِ ﴿الوَلايَةُ﴾ أيِ النُّصْرَةُ - عَلى قِراءَةِ الفَتْحِ، والسُّلْطانُ - عَلى الكَسْرِ، [وهِيَ قِراءَةُ حَمْزَةَ (p-٦٦)والكِسائِيِّ، والفَتْحُ لِغَيْرِهِما، وهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وهو المَصْدَرُ كَما صَدَرَ بِهِ في القامُوسِ-]. ”لِلَّهِ“ [أيِ -] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿الحَقِّ﴾ [أيِ -] الثّابِتِ الَّذِي لا يَحُولُ يَوْمًا ولا يَزُولُ، ولا يَغْفُلُ ساعَةً ولا يَنامُ، ولا وِلايَةَ لِغَيْرِهِ بِوَجْهٍ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالجَرِّ [عَلى الوَصْفِ -] وهو في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ والقَطْعِ تَقْلِيلًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فَزَعَهم في مِثْلِ هَذِهِ الأزَماتِ إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ بُرْهانٌ قاطِعٌ عَلى أنَّهُ الحَقُّ وما سِواهُ باطِلٌ، وأنَّ الفَخْرَ بِالعَرَضِ الزّائِلِ مِن أجْهَلِ الجَهْلِ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَعِيبُهم فَقْرُهم ولا يَسُوغُ طَرْدُهم لِأجْلِهِ، وأنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَعُودَ فَقْرُهم غِنىً وضَعْفُهم قُوَّةً.
ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ آخِذٌ بِأيْدِي عَبِيدِهِ [الأبْرارِ -] وعَلى أيْدِي عُصاتِهِ الأشْرارِ، قالَ تَعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا﴾ لِمَن أثابَهُ ﴿وخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أيْ عاقِبَةً عَظِيمَةً، فَإنَّ فُعُلًا - بِضَمَّةٍ وبِضَمَّتَيْنِ - مِن صِيَغِ جُمُوعِ الكَثْرَةِ فَيُفِيدُهُ ذَلِكَ مُبالَغَةً وإنْ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا، والمَعْنى (p-٦٧)أنَّهُ [أيْ ثَوابَهُ -] -لِأوْلِيائِهِ خَيْرُ ثَوابٍ وعُقْباهُ خَيْرُ عُقْبى.
الكهف 18:45
ولَمّا أتَمَّ المَثَلَ لِدُنْياهُمُ الخاصَّةِ [بِهِمُ الَّتِي -] أبْطَرَتْهُمْ، فَكانَتْ سَبَبَ إشْقائِهِمْ وهم يَحْسَبُونَ أنَّها عَيْنُ إسْعادِهِمْ ضَرَبَ لِدارِ الدُّنْيا العامَّةِ لِجَمِيعِ النّاسِ في قِلَّةِ بَقائِها وسُرْعَةِ فَنائِها، وأنَّ مَن تَكَبَّرَ بِها كانَ أخَسَّ مِنها فَقالَ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ المُغْتَرِّينَ بِالعَرَضِ الفانِي، المُفْتَخِرِينَ بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وعِزَّةِ النَّفَرِ ﴿مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الَّتِي صِفَتُها - الَّتِي هم بِها ناطِقُونَ - تَدُلُّ عَلى أنَّ ضِدَّها الأُخْرى، في يُنُوعِها ونَضْرَتِها، واخْتِلابِها لِلنُّفُوسِ بِبَهْجَتِها، واسْتِيلائِها عَلى الأهْواءِ بِزَهْرَتِها، واخْتِداعِها لِذَوِي الشَّهَواتِ بِزِينَتِها، ثُمَّ اضْمِحْلالِها وسُرْعَةِ زَوالِها، أفْرَحَ ما كانُوا بِها، وأرْغَبَ ما كانُوا [فِيها -] مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، عَلى مَرِّ الأيّامِ و[كَرِّ-] الشُّهُورِ، وتَوالِي الأعْوامِ وتَعاقُبِ الدُّهُورِ، بِحَيْثُ نادَتْ عَلى نَفْسِها بِالتَّحْذِيرِ مِنها والتَّنْفِيرِ عَنْها لِلْعاقِلِ اللَّقِنِ، والكَيِّسِ الفَطِنِ، رَغْبَةً إلى الباقِي الَّذِي (p-٦٨)يَدُومُ سُرُورُهُ، ويَبْقى نَعِيمُهُ وحُبُورُهُ، وذَلِكَ المَثَلُ ﴿كَماءٍ أنْـزَلْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا واقْتِدارِنا بَعْدَ يُبْسِ الأرْضِ وجَفافِ ما فِيها وزَوالِهِ، وبِقَلْعِهِ كَما تُشاهِدُونَهُ واسْتِئْصالِهِ، وقالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى بَلِيغِ القُدْرَةِ في إمْساكِهِ في العُلُوِّ وإنْزالِهِ في وقْتِ الحاجَةِ عَلى الوَجْهِ النّافِعِ ﴿فاخْتَلَطَ﴾ أيْ فَتُعُقِّبَ وتَسَبَّبَ عَنْ إنْزالِهِ أنَّهُ اخْتَلَطَ ﴿بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾ أيِ التُّرابُ الَّذِي كانَ نَباتًا ارْفَتَّ بِطُولِ العَهْدِ في بَطْنِها، فاجْتَمَعَ بِالماءِ والتَفَّ وتَكاثَفَ، فَهَيَّأْناهُ بِالتَّخْمِيرِ والصُّنْعِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِوانا حَتّى أخْرَجْناهُ مِنَ الأرْضِ أخْضَرَ يَهْتَزُّ عَلى ألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ ومَقادِيرَ مُتَفاوِتَةٍ ثُمَّ أيْبَسْناهُ ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا﴾ أيْ يابِسًا مُكَسَّرًا مُفَتَّتًا ﴿تَذْرُوهُ﴾ أيْ تُثِيرُهُ وتُفَرِّقُهُ وتَذْهَبُ بِهِ ﴿الرِّياحُ﴾ حَتّى يَصِيرَ عَمّا قَلِيلٍ كَأنَّهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَكُنْ ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ إنْشاءً وإفْناءً وإعادَةً ﴿مُقْتَدِرًا﴾ أزَلًا وأبَدًا، فَلا تَظُنُّوا أنَّ ما تُشاهِدُونَهُ مِن قُدْرَتِهِ حادِثٌ.
الكهف 18:46
ولَمّا تَبَيَّنَ بِهَذَيْنِ المَثَلَيْنِ وغَيْرِهِما أنَّ الدُّنْيا - الَّتِي أوْرَدَتْ أهْلَها [المَوارِدَ -] وأحَلَّتْهم أوْدِيَةَ المَعاطِبِ - سَرِيعَةُ الزَّوالِ، وشِيكَةُ الِارْتِحالِ، (p-٦٩)مَعَ كَثْرَةِ الأنْكادِ، ودَوامِ الأكْدارِ، مِنَ الكَدِّ والتَّعَبِ، والخَوْفِ والنَّصَبِ كالزَّرْعِ سَواءٌ، تُقْبِلُ أوَّلًا في غايَةِ النَّضْرَةِ والبَهْجَةِ، تَتَزايَدُ نَضْرَتُها وبَهْجَتُها شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ تَأْخُذُ في الِانْتِقاصِ والِانْحِطاطِ إلى أنْ تَنْتَهِيَ إلى الفَناءِ، فَهي جَدِيرَةٌ لِذَلِكَ بِالزُّهْدِ فِيها والرَّغْبَةِ عَنْها، وأنْ لا يَفْتَخِرَ بِها عاقِلٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يُكاثِرَ بِها غَيْرَهُ، قالَ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ﴾ الفانِيانِ الفاسِدانِ وهُما أجَلُّ ما في هَذِهِ الدّارِ مِن مَتاعِها ﴿زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الَّتِي لَوْ عاشَ الإنْسانُ جَمِيعَ أيّامِها لَكانَ حَقِيقًا لِصَيْرُورَةِ ما هو فِيهِ [مِنها -] إلى زَوالٍ بِالإعْراضِ عَنْها والبُغْضِ لَها، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما في تَحْصِيلِهِما مِنَ التَّعَبِ، وما لَهُما بَعْدَ الحُصُولِ مِن سُرْعَةِ العَطَبِ، وهُما مَعَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونانِ خَيْرًا إنْ عُمِلَ فِيهِما بِما يُرْضِي اللَّهَ، وقَدْ يَكُونانِ شَرًّا ويَخِيبُ الأمَلُ فِيهِما، وقَدْ يَكُونُ كُلٌّ مِنهُما سَبَبَ هَلاكِ صاحِبِهِ وكَدَرِهِ، وسُوءِ حَياتِهِ وضَرَرِهِ ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ﴾ وهي أعْمالُ الخَيْرِ المُجَرَّدَةُ الَّتِي يُقْصَدُ بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى الَّتِي رَغَّبَنا فِيها بِقَوْلِهِ
﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ [الكهف: ٧] وما بَعْدَهُ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ مِنَ الزِّينَةِ الفانِيَةِ. ولَمّا كانَ أهَمُّ ما إلى مَن حَصَّلَ (p-٧٠)النَّفائِسَ لِكِفايَتِهِ مَن يَحْفَظُها لَهُ لِوَقْتِ حاجَتِهِ قالَ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ الجَلِيلِ المَواهِبِ، العالِمِ بِالعَواقِبِ، وخَيْرٌ مِنَ المالِ والبَنِينَ في العاجِلِ والآجِلِ ﴿ثَوابًا وخَيْرٌ﴾ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿أمَلا﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما يَرْجُو فِيها مِنَ الثَّوابِ ويَرْجُو فِيها مِنَ الأمَلِ، لِأنَّ ثَوابَها إلى بَقاءٍ، وأمَلَها كُلَّ ساعَةٍ في تَحْقِيقٍ وعُلُوٍّ وارْتِقاءٍ، وأمَلَ المالِ والبَنِينَ يَخْتانُ أحْوَجَ ما يَكُونُ إلَيْهِما.
الكهف 18:47
ولَمّا ذَكَرَ المَبْدَأ ونَبَّهَ عَلى زَوالِهِ، وخَتَمَ بِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ الِاخْتِبارُ لِلرِّفْعَةِ بِالثَّوابِ أوِ الضَّعَةِ بِالعِقابِ، وكانَ الخِزْيُ والصَّغارُ، أعْظَمَ شَيْءٍ تَرْهَبُهُ النُّفُوسُ الكِبارُ، لا سِيَّما إذا عَظُمَ الجَمْعُ واشْتَدَّ الأمْرُ، فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ الفَقْرُ فَكَيْفَ إذا صاحَبَهُما الحَبْسُ وكانَ يَوْمُ الحَشْرِ يَوْمًا يُجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقُ، فَهو بِالحَقِيقَةِ المَشْهُودُ، وتَظْهَرُ فِيهِ العَظَمَةُ فَهو وحْدَهُ المَرْهُوبُ، عَقَّبَ ذِكْرَ الجَزاءِ ذِكْرَهُ، لِأنَّهُ أعْظَمُ يَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿واضْرِبْ﴾ [الكهف: ٤٥] ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم يَوْمَ ﴿نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ عَنْ وجْهِ الأرْضِ بِعَواصِفِ القُدْرَةِ كَما يَسِيرُ نَباتُ الأرْضِ - بَعْدَ أنْ صارَ هَشِيمًا - بِالرِّياحِ ﴿وتَرى الجِبالَ (p-٧١)تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] ﴿وتَرى الأرْضَ﴾ بِكَمالِها ﴿بارِزَةً﴾ لا لا غارَ فِيها ولا صَدْعَ ولا جَبَلَ ولا نَبْتَ ولا شَجَرَ ولا ظِلَّ ”و“ الحالُ أنّا قَدْ حَشَرْناهم أيِ الخَلائِقَ بِعَظَمَتِنا قَبْلَ التَّسْيِيرِ بِتِلْكَ الصَّيْحَةِ، قَهْرًا إلى المَوْقِفِ الَّذِي يَنْكَشِفُ فِيهِ المُخَبَّآتُ، وتَظْهَرُ الفَضائِحُ والمُغَيَّباتُ، ويَقَعُ الحِسابُ فِيهِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، والنّافِذُ فِيهِ بَصِيرٌ، فَيَنْظُرُونَ ويَسْمَعُونَ زَلازِلَ الجِبالِ عِنْدَ زَوالِها، وقَعاقِعَ الأبْنِيَةِ والأشْجارِ في هَدِّها وتَبايُنِ أوْصالِها، وفَنائِها بَعْدَ عَظِيمِ مَرْآها واضْمِحْلالَها ﴿فَلَمْ نُغادِرْ﴾ أيْ نَتْرُكْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ ﴿أحَدًا﴾ لِأنَّهُ لا ذُهُولَ ولا عَجْزَ.
الكهف 18:48
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حَشْرَهُمْ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لِلْعَرْضِ، ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ العَرْضِ، فَقالَ بانِيًا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ، ولِأنَّ المُخَوَّفَ العَرْضُ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ: ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِرَفْعِ أوْلِيائِكَ وخَفْضِ أعْدائِكَ ﴿صَفًّا﴾ لِاتِّساعِ الأرْضِ والمُسايَقَةِ إلى دارِهِ، لِعَرْضِ أذَلِّ شَيْءٍ وأصْغَرِهِ، وأطْوَعِهِ وأحْقَرِهِ، يُقالُ لَهم تَنْبِيهًا عَلى مَقامِ العَظَمَةِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ أحْياءً سَوِيِّينَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا ﴿كَما خَلَقْناكُمْ﴾ بِتِلْكَ العَظَمَةِ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مُنْعَزِلِينَ مِن (p-٧٢)كُلِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَجْمَعُونَهُ وتُفاخِرُونَ بِهِ مُنْقادِينَ مُذْعِنِينَ فَتَقُولُونَ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] فَيُقالُ لَكُمْ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ أيِ ادَّعَيْتُمْ جَهْلًا بِعَظَمَتِنا ”أنَّ“ أيْ أنّا ”لَنْ نَجْعَلَ لَكم“ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ مَكانًا ووَقْتًا نَجْمَعُكم فِيهِ هَذا الجَمْعَ فَنُنْجِزُ ما وعَدْناكم بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ
الكهف 18:49
﴿ووُضِعَ﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ بَعْدَ العَرْضِ المُسْتَعْقِبِ لِلْجَمْعِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿الكِتابُ﴾ المَضْبُوطُ فِيهِ دَقائِقُ الأعْمالِ وجَلائِلُها عَلى وجْهٍ بَيِّنٍ لا يَخْفى عَلى قارِئٍ ولا غَيْرِهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ﴾ لِتَقَرَّ عَيْنُكَ مِنهم بِشَماتَةٍ لا خَيْرَ بَعْدَها ﴿مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ﴾ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ، وسَيِّئِ أفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ أيْ خائِفِينَ دائِمًا خَوْفًا عَظِيمًا مِن عِقابِ الحَقِّ والفَضِيحَةِ عِنْدَ الخَلْقِ ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ ويُكَرِّرُونَ قَوْلَهُمْ: ﴿يا ويْلَتَنا﴾ كِنايَةً عَنْ أنَّهُ لا نَدِيمَ لَهم إذْ ذاكَ إلّا الهَلاكَ ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لَهُ حالَ كَوْنِهِ عَلى غَيْرِ حالِ الكُتُبِ في الدُّنْيا، ورَسْمُ لامِ الجَرِّ وحْدَهُ إشارَةٌ إلى أنَّهم صارُوا مِن قُوَّةِ الرُّعْبِ وشِدَّةِ الكَرْبِ يَقِفُونَ عَلى بَعْضِ الكُتُبِ، وفَسَّرُوا حالَ الكِتابِ الَّتِي أفْظَعَتْهم وسَألُوا عَنْها بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا يُغادِرُ﴾ أيْ يَتْرُكُ [أيْ يَقَعُ -] مِنهُ غَدْرٌ، أيْ عَدَمُ وفاءٍ (p-٧٣)[وهُوَ مِن غادَرَ الشَّيْءَ: تَرَكَهُ - كَأنَّ كُلًّا مِنهُما يُرِيدُ غَدْرَ الآخَرِ، أيْ عَدَمَ الوَفاءِ بِهِ، مِنَ الغَدِيرِ - لِقِطْعَةٍ مِنَ -] الماءِ يَتْرُكُها السَّيْلُ كَأنَّهُ لَمْ يُوفِ لَهُما بِأخْذِ ما مَعَهُ، وكَذا الغَدِيرَةُ لِناقَةٍ تَرَكَها الرّاعِي ”صَغِيرَةً“ أيْ مِن أعْمالِنا.
ولَمّا هالَهم إثْباتُ جَمِيعِ الصَّغائِرِ، بَدَؤُوا بِها، وصَرَّحُوا بِالكَبائِرِ - وإنْ كانَ إثْباتُ الصَّغائِرِ يُفْهِمُها - تَأْكِيدًا لِأنَّ المَقامَ لِلتَّهْوِيلِ وتَعْظِيمِ التَّفَجُّعِ، وإشارَةً إلى أنَّ الَّذِي جَرَّهم إلَيْها هو الصَّغائِرُ - كَما قالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالُوا: ﴿ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ ولَمّا كانَ الإحْصاءُ قَدْ لا يَسْتَلْزِمُ اطِّلاعَ صاحِبِ الكِتابِ وجَزاءَهُ عَلَيْهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ كِتابَةً وجَزاءً مِن غَيْرِ أنْ يَظْلِمَهم [سُبْحانَهُ -] أوْ يَظْلِمَ مَن عادُوهم فِيهِ ﴿ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ بِخُلُقِ القُرْآنِ ﴿أحَدًا﴾ مِنهم ولا مِن غَيْرِهِمْ في كِتابٍ ولا عِقابٍ ولا ثَوابٍ، بَلْ يُجازِي الأعْداءَ بِما يَسْتَحِقُّونَ، تَعْذِيبًا لَهم وتَنْعِيمًا لِأوْلِيائِهِ الَّذِينَ عادُوهم فِيهِ لِلْعَدْلِ بَيْنَهُمْ؛ رَوى الإمامُ أحْمَدُ في المُسْنَدِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّهُ سافَرَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَسِيرَةَ شَهْرٍ فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ قالَ: فَخَرَجَ يَطَأُ ثَوْبَهُ فاعْتَنَقَنِي واعْتَنَقْتُهُ، قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ سَمِعْتَهُ مِن (p-٧٤)رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ في القِصاصِ، فَخَشِيتُ أنْ تَمُوتَ قَبْلَ أنْ أسْمَعَهُ، فَقالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ:
”يَحْشُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النّاسَ - أوْ قالَ: العِبادَ - حُفاةً عُراةً بُهْمًا قُلْتُ: وما بُهْمًا؟ [قالَ -]: لَيْسَ مَعَهم شَيْءٌ، ثُمَّ يُنادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ: أنا المَلِكُ أنا الدَّيّانُ، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ [مِن أهْلِ النّارِ أنْ يَدْخُلَ النّارَ ولَهُ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ حَقٌّ حَتّى أقُصَّهُ مِنهُ، ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ -] أنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ولَهُ عِنْدَ أحَدٍ مِن أهْلِ النّارِ حَقٌّ حَتّى أقُصَّهُ مِنهُ [حَتّى اللَّطْمَةُ -]، قالَ: قُلْنا: كَيْفَ وإنَّما [نَأْتِي اللَّهَ -] حُفاةً عُراةً بُهْمًا؟ قالَ: بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ“» .
الكهف 18:50
ولَمّا ذَكَرَ البَعْثَ وخَتَمَهُ بِإحْسانِهِ بِالعَدْلِ المُثْمِرِ لِإعْطاءِ كُلِّ أحَدٍ ما يَسْتَحِقُّهُ، أتْبَعَهُ - بِما لَهُ مِنَ الفَضْلِ - بِابْتِداءِ الخَلْقِ الَّذِي هو دَلِيلُهُ، في سِياقٍ مُذَكِّرٍ بِوِلايَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ، وعَداوَةِ الشَّيْطانِ المُوجِبَةِ لِلْإدْبارِ عَنْهُ، مُبَيِّنٍ لِما قابَلُوا بِهِ عَدْلَهُ فِيهِمْ وفي عَدُوِّهِمْ مِنَ الظُّلْمِ بِفِعْلِهِمْ كَما فَعَلَ مِنَ التَّكَبُّرِ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأصْلِهِ، فَتَكَبَّرُوا عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ بِأصْلِهِمْ وأمْوالِهِمْ وعَشائِرِهِمْ، فَكانَ فِعْلُهم فِعْلَهُ سَواءً، فَكانَ (p-٧٥)قُدْوَتَهم وهو عَدُوُّهُمْ، ولَمْ يَقْتَدُوا بِخَيْرِ خَلْقِهِ وهو ولِيُّهم وهو أعْرَفُ النّاسِ بِهِ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿واضْرِبْ﴾ [الكهف: ٤٥] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم إذْ ﴿قُلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ الَّذِينَ هم أطْوَعُ شَيْءٍ لِأوامِرِنا وإبْلِيسُ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وذَلِكَ أنَّهُ كانَ قَدْ تَرَسَّمَ بِأفْعالِ المَلائِكَةِ وتَشَبَّهَ بِهِمْ وتَعَبَّدَ وتَنَسَّكَ، ولِهَذا دَخَلَ في خِطابِهِمْ وعَصى بِالمُخالَفَةِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أبِيهِمْ نِعْمَةً مِنّا عَلَيْهِ يَجِبُ عَلَيْهِمْ شُكْرُنا فِيها ﴿فَسَجَدُوا﴾ كُلُّهم ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ لَمْ يَسْجُدْ؟ فَقِيلَ: ﴿كانَ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ ﴿مِنَ الجِنِّ﴾ المَخْلُوقِينَ مِن نارٍ، ولَعَلَّ النّارَ لَمّا كانَتْ نَيِّرَةً وإنْ كانَتْ نُورانِيَّتُها مَشُوبَةً بِكُدُورَةٍ وإحْراقٍ، عُدَّ مِنَ المَلائِكَةِ لِاجْتِماعِ العُنْصُرَيْنِ في مُطْلَقِ النُّورِ، مَعَ ما كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ العِبادَةِ، فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ - وفي رِوايَةٍ: إبْلِيسُ - مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُمْ» وفي مَكائِدِ الشَّيْطانِ لِابْنِ أبِي الدُّنْيا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ الجِنَّ كانَتْ قَبِيلَةً مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ الجِنِّ مُفْسِدًا، رُجُوعًا إلى الأصْلِ الَّذِي هو (p-٧٦)النّارُ المُحْرِقَةُ لِما لاصَقَها، المُفْسِدَةُ لَهُ، سَبَّبَ فِسْقَهُ عَنْ كَوْنِهِ مِنهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَفَسَقَ﴾ أيْ خَرَجَ، يُقالُ: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ مِن جُحْرِها - إذا خَرَجَتْ لِلْعَيْثِ والفَسادِ.
﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ أيْ سَيِّدِهِ ومالِكِهِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِإبْداعِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اصْطِناعِهِ، في شَأْنِ أبِيكُمْ، إذْ تَكَبَّرَ عَلَيْهِ فَطَرَدَهُ رَبُّهُ مِن أجْلِكُمْ، فَلا تَسْتَنُّوا بِهِ في الِافْتِخارِ والتَّكَبُّرِ عَلى الضُّعَفاءِ، فَإنَّ مَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في كِبْرٍ لَمْ يَكُنْ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ومَن كانَتْ خَطِيئَتُهُ في مَعْصِيَةٍ كانَ صَلاحُهُ مَرْجُوًّا، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا ما هو جَدِيرٌ بِالإنْكارِ فَقالَ تَعالى في أُسْلُوبِ الخِطابِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِي الغَضَبِ وأوْجَعُ في التَّبْكِيتِ، والتَّكَلُّمِ لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى المَقْصُودِ مِنَ التَّوْحِيدِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ أيْ أيَفْسُقُ بِاسْتِحْقارِكم فَيَطْرُدُهُ لِأجْلِكم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَتَّخِذُوهُ ﴿وذُرِّيَّتَهُ﴾ شُرَكاءَ لِي ﴿أوْلِياءَ﴾ لَكم ﴿مِن دُونِي﴾ أيِ اتِّخاذًا مُبْتَدِئًا مِن غَيْرِي أوْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتْبَتِي، لِيَعُمَّ الِاتِّخاذُ اسْتِقْلالًا وشِرْكَةً، ولَوْ كانَ المَعْنى: مِن دُونِ - أيْ غَيْرِ - اتِّخاذِي، لَأفادَ الِاسْتِقْلالَ فَقَطْ، ولَوْ كانَ الِاتِّخاذُ مُبْتَدِئًا مِنهُ بِأنْ كانَ هو الآمِرَ بِهِ لَمْ يَكُنْ مَمْنُوعًا، وأنا ولِيُّكُمُ المُفْضِلُ عَلَيْكم (p-٧٧)﴿وهم لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ بِناءُ فَعُولٍ لِلْمُبالَغَةِ ولا سِيَّما وهو شَبِيهٌ بِالمُغالاةِ في نَحْوِ القَوْلِ، أغْنى عَنْ صِيغَةِ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿عَدُوٌّ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم في شِدَّةِ العَداوَةِ عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ أجْدَرَ شَيْءٍ بِالذَّمِّ، وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِئْسَ﴾ وكانَ الأصْلُ: لَكُمْ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَ هَذا الضَّمِيرَ لِتَعْلِيقِ الفِعْلِ بِالوَصْفِ والتَّعْمِيمِ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾ إذا اسْتَبْدَلُوا مَن لَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ الأمْرِ وهم لَهم عَدُوٌّ بِمَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ وهو لَهم ولِيٌّ.
الكهف 18:51
ولَمّا كانَ الشَّرِيكُ لا يَسْتَأْثِرُ بِفِعْلِ أمْرٍ عَظِيمٍ في المُشْتَرَكِ فِيهِ مِن غَيْرِ عِلْمٍ لِشَرِيكِهِ بِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِلذَّمِّ عَلى هَذا الظُّلْمِ بِما يَدُلُّ عَلى حَقارَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، عادِلًا في أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ إلى التَّجْرِيدِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِئَلّا يَتَعَنَّتَ مِن أهْلِ الإشْراكِ مُتَعَنِّتٌ كَما عَدَلَ في ﴿دُونِي﴾ [الكهف: ٥٠] لِذَلِكَ: ﴿ما أشْهَدْتُهُمْ﴾ أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ ﴿خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ نَوْعًا مِن أنْواعِ الإشْهادِ ﴿ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم مَخْلُوقُونَ وأنَّهُ لا يَصِحُّ في عَقْلِ عاقِلٍ أنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ شَرِيكًا لِخالِقِهِ أصْلًا ﴿وما كُنْتُ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا مُتَّخِذَهُمْ، هَكَذا الأصْلُ ولَكِنَّهُ أبْرَزَ إرْشادًا إلى أنَّ المُضِلَّ لا يُسْتَعانُ بِهِ، لِأنَّهُ مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِ يَضُرُّ، فَقالَ تَعالى: ﴿مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُؤْسَفُ عَلى فَواتِ (p-٧٨)إسْلامِ أحَدٍ، فَإنَّ مَن عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا أسْمَعَهُ، ومَن لَمْ يُسْمِعْهُ فَهو مُضِلٌّ لَيْسَ أهْلًا لِنُصْرَةِ الدِّينِ.
الكهف 18:52
ولَمّا أقامَ البُرْهانَ القاطِعَ عَلى بُعْدِ رُتْبَتِهِمْ عَنِ المَنزِلَةِ الَّتِي أحَلُّوهم بِها مِنَ الشِّرْكِ، أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِأنَّهم مَعَ عَدَمِ نَفْعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا يَتَخَلَّوْنَ عَنْهم في الآخِرَةِ أحْوَجَ ما يَكُونُونَ إلَيْهِمْ تَخْيِيبًا لِظَنِّهِمْ أنَّهم يُقَرِّبُونَهم إلى اللَّهِ زُلْفى، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿وإذْ قُلْنا﴾ [الكهف: ٥٠] عادِلًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ، إشارَةً إلى بُعْدِهِمْ عَنْ حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ وتَعالِيهِ عَمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ [الكهف: ٤٨] في حَجْبِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وجَرى حَمْزَةُ في قِراءَتِهِ بِالنُّونِ عَلى أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ الَّذِي كانَ فِيهِ مَعَ زِيادَةِ العَظَمَةِ: ﴿ويَوْمَ﴾ أيْ واذْكُرْ يَوْمَ ﴿يَقُولُ﴾ اللَّهُ لَهم تَهَكُّمًا بِهِمْ: ﴿نادُوا شُرَكائِيَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ عَلى حَقِيقَتِها، بَلْ هي تَوْبِيخٌ لَهم فَقالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنَّهم شُرَكاءُ ﴿فَدَعَوْهُمْ﴾ تَمادِيًا في الجَهْلِ والضَّلالِ ﴿فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ أيْ لَمْ يَطْلُبُوا ويُرِيدُوا أنْ يُجِيبُوهم إعْراضًا عَنْهُمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ واشْتِغالًا بِأنْفُسِهِمْ فَضْلًا عَنْ أنْ يُعِينُوهم.
ولَمّا كانُوا في غايَةِ الِاسْتِبْعادِ لِأنْ يُحالَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَعْبُوداتِهِمْ، قالَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ والشُّرَكاءِ ﴿مَوْبِقًا﴾ (p-٧٩)أيْ هَلاكًا أوْ مَوْضِعَ هَلاكٍ، فاصِلًا حائِلًا بَيْنَهُمْ، مُهْلِكًا قَوِيًّا ثابِتًا حَفِيظًا، لا يَشِذُّ عَنْهُ مِنهم أحَدٌ، وإنَّما فَسَّرْتُهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] أيْ بِالقُلُوبِ أيْ جَعَلْنا ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوَصْلَةِ عَداوَةً، ومِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] ﴿هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] ونَحْوِهِ، لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّهُ يُبَدِّلُ ما كانَ بَيْنَهم مِنَ الوُدِّ في الدُّنْيا والوَصْلَةِ بِبُغْضٍ وقَطِيعَةٍ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَطْلُبُ لِلْآخَرِ الهَلاكَ، فاقْتَضى ذَلِكَ اجْتِماعَ الكُلِّ فِيهِ، هَذا ما يُرْشِدُ إلى المَعْنى مِن آياتِ الكِتابِ، ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: هو وادٍ عَمِيقٌ فَرَّقَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْنَ أهْلِ الهُدى وأهْلِ الضَّلالَةِ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: عَداوَةً.
وأمّا أخْذُهُ مِنَ اللَّفْظِ فَلِأنَّ مادَّةَ وبَقَ - يائِيَّةً وواوِيَّةً مَهْمُوزَةً وغَيْرَ مَهْمُوزَةٍ، ولَها أحَدَ عَشَرَ تَرْكِيبًا: واحِدٌ يائِيٌّ: بَقَيَ، وسِتَّةٌ واوِيَّةٌ: قَبَوَ، قَوَبَ، بَقَوَ، بَوَقَ، وقَبَ، وبَقَ، وأرْبَعَةٌ مَهْمُوزَةٌ: قَبَأ، قَأبَ، بَأقَ، أبَقَ - كُلَّها تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، وخُصُوصًا تَرْتِيبَ وبَقَ (p-٨٠)يَدُورُ عَلى الحائِلِ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، ويَلْزَمُهُ القُوَّةُ والثَّباتُ والحِفْظُ والهَلاكُ قُوَّةً أوْ فِعْلًا، لِأنَّ مَن حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ فَقَدْ هَلَكَ بِفَقْدِ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالفِعْلِ إنْ كانَ الحائِلُ مَوْتًا، وبِالقُوَّةِ إنْ كانَ غَيْرَهُ، يُقالُ: قَبا الشَّيْءَ: جَمَعَهُ بِأصابِعِهِ، والبِناءَ: رَفَعَهُ، والزَّعْفَرانَ: جَناهُ، والقَبا - بِالقَصْرِ: نَبْتٌ - لِأنَّهُ سَبَبُ الِاجْتِماعِ لِرَعْيِهِ والِانْتِفاعِ بِهِ وهو يُجْمَعُ أيْضًا، والقَبا: تَقْوِيسُ الشَّيْءِ - لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى اجْتِماعِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ، والقَبْوَةُ: انْضِمامُ ما بَيْنَ الشَّفَتَيْنِ، ومِنهُ القَباءُ مِنَ الثِّيابِ، وقَبّاهُ تَقْبِيَةً: عَبّاهُ، أيْ جَمَعَهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ في مَكانٍ مَقْبُوٍّ، وقَبّى عَلَيْهِ تَقْبِيَةً: عَدا عَلَيْهِ في أمْرِهِ - لِأنَّهُ كانَ كَأنَّهُ أوْقَعَهُ في حُفْرَةٍ، والثَّوْبَ: جَعَلَ مِنهُ قَباءً، وتَقَبّى القَباءَ: لَبِسَهُ، وزَيْدًا: أتاهُ مِن قَفاهُ - لِأنَّ مَن يُرِيدُ رَمْيَ أحَدٍ في حُفْرَةٍ كَذَلِكَ يَأْتِيهِ مُخاتَلَةً، وتَقَبّى الشَّيْءُ: صارَ كالقُبَّةِ، وامْرَأةٌ قابِيَةٌ: تَلْقُطُ العُصْفُرَ وتَجْمَعُهُ، والقابِياءُ: اللَّئِيمُ - لِأنَّهُ بِناءُ مُبالَغَةٍ، فَيَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الجَمْعِ والحِرْصِ اللّازِمَيْنِ لِلُّؤْمِ، وبَنُو قابِياءَ: المُجْتَمِعُونَ لِشُرْبِ الخَمْرِ - لِأنَّها حالَةٌ تُظْهِرُ لُؤْمَ اللِّئامِ، وقُباءُ - بِالضَّمِّ ويُذَكَّرُ ويُقْصَرُ – (p-٨١)مَوْضِعٌ قُرْبَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، ومَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ والبَصْرَةِ، وانْقَبى: اسْتَخْفى، وقَبى قَوْسَيْنِ وقِباءَ قَوْسَيْنِ - كَكِساءٍ: قابَ قَوْسَيْنِ، والمُقَبِّي: الكَثِيرُ الشَّحْمِ - كَأنَّهُ جَمَعَ لِنَفْسِهِ مِنهُ بِالرّاحَةِ ما صارَ كالبِناءِ، والقَبايَةُ: المَفازَةُ - لِأنَّها تَجْمَعُ ما فِيها كَما تَجْمَعُ القُبَّةُ والقَباءُ والوَقْبَةُ ما فِيها. ومِن مَهْمُوزِهِ: قَبَأ الطَّعامَ - كَجَمَعَ: أكَلَهُ، ومِنَ الشَّرابِ: امْتَلَأ، والقَباءَةُ: حَشِيشَةٌ تُرْعى - لِأنَّ المالَ يَجْتَمِعُ عَلى رَعْيِها.
ومِنَ الواوِيِّ: قابَ الأرْضَ يَقُوبُها وقَوَّبَها: حَفَرَ فِيها شِبْهَ التَّقْوِيرِ - لِأنَّ الدّائِرَةَ أجْمَعُ ما يَكُونُ لِغَيْرِها وفي نَفْسِها، لِأنَّهُ لا زَوايا فِيها فاصِلَةٌ، وقَوَّبْتُ الأرْضَ: أثَرْتُ فِيها، والقُوبَةُ: ما يَظْهَرُ في الجَسَدِ ويَخْرُجُ عَلَيْهِ - لِأنَّهُ يَكُونُ غالِبًا عَلى هَيْئَةِ الدّائِرَةِ، وتَقَوَّبَ جِلْدُهُ: تَقَلَّعَ عَنْهُ الجَرَبُ، وانْحَلَقَ عَنْهُ الشَّعْرُ - إمّا مِنَ الإزالَةِ، وإمّا لِأنَّ آثارَهُ تَكُونُ كالدَّوائِرِ، وقَوَّبَ الشَّيْءَ: قَلَعَهُ مِن أصْلِهِ - لِأنَّ أثَرَهُ إذا انْقَلَعَ يَكُونُ حَفْرًا مُسْتَدِيرًا، وتَقَوَّبَ هُوَ: تَقَلَّعَ، والقائِبَةُ والقابَةُ: البَيْضَةُ - لِأنَّها لِتَدْوِيرِها تُشْبِهُ ذَلِكَ الحَفْرَ، والقَوْبُ - بِالفَتْحِ: (p-٨٢)فَلْقُ الطَّيْرِ بَيْضَهُ، وبِالضَّمِّ: الفَرْخُ - لِأنَّهُ مِنها، وفي المَثَلِ: تَخَلَّصَتْ قائِبَةٌ مِن قُوبٍ - يُضْرَبُ لِمَنِ انْفَصَلَ مِن صاحِبِهِ، والقُوبِيُّ: المُولَعُ بِأكْلِ الأقْوابِ أيِ الفِراخِ، والقُوَبُ - كَصُرَدٍ: قُشُورُ البَيْضِ، وتَقَوَّبَتِ البَيْضَةُ: انْقابَتْ أيِ انْحَفَرَتْ، وأُمُّ قَوْبٍ: الدّاهِيَةُ - لِجَمْعِها ما تَأْتِي عَلَيْهِ كَأنَّهُ ابْتَلَعَهُ حَفْرٌ، وقابَ: قَرُبَ - لِأنَّ القُرْبَ مَبْدَأُ الجَمْعِ، وقابَ: هَرَبَ، أيْ سُلِبَ القُرْبَ - ضِدٌّ، وقابَ: فَلَقَ، أيْ شَقَّ الجَمْعَ فَهو مِنَ الإزالَةِ أيْضًا، وقابُ قَوْسٍ وقِيبُهُ، أيْ قَدْرُهُ - لِأنَّ القَوْسَ شِبْهُ نِصْفِ دائِرَةٍ مِن ذَلِكَ الحَفْرِ، والقابُ: ما بَيْنَ المِقْبَضِ والسِّيَةِ - لِأنَّهُ بَعْضُ ذَلِكَ، ولِكُلِّ قَوْسٍ قابانِ، والأسْوَدُ المُتَقَوِّبُ: الَّذِي انْسَلَخَ جِلْدُهُ مِنَ الحَيّاتِ - لِتَدَوُّرِ ذَلِكَ الجِلْدِ وشَبَهِهِ بِالحُفْرَةِ، واقْتابَ الشَّيْءَ: اخْتارَهُ، أيْ جَمَعَهُ إلَيْهِ، ورَجُلٌ مَلِيءٌ قُوَبَةٌ - كَهُمَزَةٍ: ثابِتُ الدّارِ مُقِيمٌ - مِنَ الثَّباتِ الَّذِي هو لازِمُ الجَمْعِ، وقَوِبَ مِنَ الغُبارِ: اغْبَرَّ - إمّا لِأنَّ مَن يَحْفِرُ ذَلِكَ يَغْبَرُّ، وإمّا لِأنَّ الغُبارَ كَثُرَ عَلَيْهِ حَتّى غَطّاهُ فَصارَ لَهُ مِثْلُ تِلْكَ الحُفْرَةِ.
ومِن مَهْمُوزِهِ: قَأبَ الطَّعامَ - كَمَنَعَ: أكَلَهُ، والماءَ: شَرِبَهُ كَقَئِبَهُ - كَفَرِحَ، أوْ شَرِبَ كُلَّ ما في الإناءِ، وقَئِبَ مِنَ الشَّرابِ: تَمَلَّأ، وهو مِقْأبٌ - كَمِنبَرٍ: كَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْماءِ، وإناءٌ قَوْأبٌ: كَثِيرُ الأخْذِ (p-٨٣)لِلْماءِ - فَهو كَما تَرى جَمْعٌ مَخْصُوصٌ بِالأكْلِ والشُّرْبِ، أوْ أنَّهُ جَمَعَهُ في وقْبَةِ بَطْنِهِ.
ومِنَ الواوِيِّ: بَقاهُ بِعَيْنِهِ: نَظَرَ إلَيْهِ - فَهو مِنَ الحِفْظِ اللّازِمِ لِلْجَمْعِ، وابْقُهْ بَقْوَتَكَ مالَكَ، وبَقاوَتَكَ مالَكَ أيِ احْفَظْهُ حِفْظَكَ مالَكَ، وبَقَوْتُهُ: انْتَظَرْتُهُ - وهو يَرْجِعُ إلى الثَّباتِ والمُراقَبَةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى الحِفْظِ، ويَلْزَمُ الحِفْظَ الثَّباتُ. ومِنَ اليائِيِّ: بَقِيَ الشَّيْءُ بَقاءً: ثَبَتَ ودامَ ضِدُّ فَنِيَ، والِاسْمُ البَقْوى - كَدَعْوى، ويُضَمُّ، والبُقْيا - بِالضَّمِّ والبَقِيَّةُ، وقَدْ تُوضَعُ الباقِيَةُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ.
ومِن واوِيِّهِ: البُوقَةُ: الجَمْعُ والدُّفْعَةُ مِنَ المَطَرِ الشَّدِيدِ أوِ المُنْكَرَةُ تَنْباقُ - أنَّها نَزَلَتْ مِن وقْبَةٍ لِشِدَّتِها، والبَوائِقُ: العَوائِدُ - لِأنَّها جامِعَةٌ لِمَنِ اعْتادَها، والبَوائِقُ: الشَّرُّ - لِأنَّهُ مُهْلِكٌ، فَكَأنَّهُ مُوقِعٌ في المَهالِكِ، والبُوقُ - بِالضَّمِّ: شِبْهُ مِنقابٍ يَنْفُخُ فِيهِ الطَّحّانُ، أوِ الَّذِي يُنْفَخُ فِيهِ مُطْلَقًا ويُزْمَرُ - لِأنَّهُ لِتَجْوِيفِهِ يُشْبِهُ الوَقْبَةَ، والبُوقُ أيْضًا: الباطِلُ والزُّورُ - لِأنَّ صَوْتَهُ أشْبَهُ شَيْءٍ بِذَلِكَ، والمُبَوَّقُ - كَمُعَظَّمٍ: الكَلامُ الباطِلُ، والبُوقُ - ويُفْتَحُ: مَن لا يَكْتُمُ السِّرَّ - لِأنَّ البُوقَ مَتى نُفِخَ فِيهِ صَوَّتَ، والبُوقَةُ: شَجَرَةٌ دَقِيقَةٌ - لِأنَّها لِدِقَّتِها يُسْرِعُ إلَيْها الهَلاكُ كَمَن وقَعَ في وقْبَةٍ، (p-٨٤)والبائِقَةُ: الدّاهِيَةُ - كَأنَّها تَدْفَعُ مَن أتَتْهُ في الوَقْبَةِ، وانْباقَتْ عَلَيْهِ بائِقَةٌ: انْفَتَقَتْ، وباقَ: جاءَ بِالشَّرِّ والخُصُوماتِ - مِن ذَلِكَ، وكَذا باقَ، أيْ تَعَدّى عَلى إنْسانٍ، وانْباقَ بِهِ: ظَلَمَهُ، والبائِقَةُ القَوْمَ: أصابَتْهُمْ، كانْباقَتْ عَلَيْهِمْ، أيْ خَرَجَتْ لِشِدَّتِها مِن وقْبَةٍ، والباقَةُ: الحُزْمَةُ مِن بَقْلٍ - لِاجْتِماعِها، وباقَ بِكَ: طَلَعَ عَلَيْكَ مِن غَيْبَةٍ - كَأنَّهُ كانَ في حُفْرَةٍ فَخَرَجَ، ومِنهُ باقَ فُلانٌ: هَجَمَ عَلى قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ، وباقَ القَوْمَ: سَرَقَهُمْ، وباقَ بِهِ: حاقَ بِهِ، أيْ - أحاطَ كَما تُحِيطُ الوَقْبَةُ، وباقَ القَوْمُ عَلَيْهِ: اجْتَمَعُوا فَقَتَلُوهُ ظُلْمًا، وباقَ المالُ: فَسَدَ وبارَ - كَحالِ مَن وقَعَ في حُفْرَةٍ، ومِنهُ مَتاعٌ بائِقٌ: لا ثَمَنَ لَهُ، وتَبَوَّقَ في الماشِيَةِ: وقَعَ فِيها المَوْتُ وفَشا، والخاقِ باقِ: صَوْتُ الفَرْجِ عِنْدَ الجِماعِ - لِأنَّهُ مِنَ الجَمْعِ، ولِأنَّ الفَرْجَ وقْبَةٌ، ومِن مَهْمُوزِهِ: بَأقَتْهُمُ الدّاهِيَةُ بَؤُوقًا: أصابَتْهُمْ، وانْبَأقَ عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ: هَجَمَ عَلَيْهِمْ بِالدّاهِيَةِ.
ومِنَ الواوِيِّ، الوَقْبَةُ: كُوَّةٌ عَظِيمَةٌ فِيها ظِلٌّ، والوَقْبُ والوَقْبَةُ: نَقْرَةٌ في الصَّخْرَةِ يَجْتَمِعُ فِيها الماءُ، وقِيلَ: هي نَحْوُ البِئْرِ في الصَّفا تَكُونُ قامَةً أوْ قامَتَيْنِ يَسْتَنْقِعُ فِيها ماءُ السَّماءِ، وكُلُّ نَقْرٍ في الجَسَدِ وقْبٌ كَنَقْرِ العَيْنِ والكَتِفِ، والوَقْبانِ مِنَ الفَرَسِ: هَزْمَتانِ فَوْقَ عَيْنَيْهِ، ووَقْبُ (p-٨٥)المَحالَةِ: الثَّقْبُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ المِحْوَرُ، ووَقْبَةُ الدُّهْنِ: أُنْقُوعَتُهُ، وكَذا وقْبَةُ الثَّرِيدِ، ووَقَبَ الشَّيْءُ: دَخَلَ في الوَقْبِ، وأوْقَبَ الشَّيْءَ: أدْخَلَهُ فِيهِ، ورَكِيَّةٌ وقْباءُ: غامِرَةُ الماءِ، وامْرَأةٌ مِيقابٌ: واسِعَةُ الفَرْجِ وبَنُو المِيقابِ نُسِبُوا إلى أُمِّهِمْ، يُرِيدُونَ سَبَّهم بِذَلِكَ، والمِيقابُ: الرَّجُلُ الكَثِيرُ الشُّرْبِ لِلْماءِ، والحَمْقاءُ أوِ المُحْمِقَةُ، وسَيْرُ المِيقابِ: أنْ تُواصِلَ سَيْرَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ - كَأنَّ ذَلِكَ سَيْرُ الأحْمَقِ الَّذِي لا يُبْقِي عَلى ظَهْرِهِ، ووَقَبَ القَمَرُ وُقُوبًا: دَخَلَ في الظِّلِّ الَّذِي يَكْسِفُهُ - كَأنَّهُ حُفْرَةٌ ابْتَلَعَتْهُ، ووَقَبَتِ الشَّمْسُ وُقُوبًا: غابَتْ كَذَلِكَ، وقِيلَ: كُلُّ ما غابَ فَقَدْ وقَبَ، ووَقَبَ الظَّلامُ، أقْبَلَ. أيْ فَصارَ كالوَقْبَةِ، فابْتَلَعَ الضِّياءَ أوِ ابْتَلَعَ ما في الكَوْنِ فَحَجَبَهُ عَنِ الضِّياءِ، ورَجُلٌ وقْبٌ: أحْمَقٌ - كَأنَّهُ وِعاءٌ لِكُلِّ ما يَسْمَعُ، لا أهْلِيَّةَ لَهُ في تَمْيِيزِ جَيِّدِهِ مِن رَدِيئِهِ، والأُنْثى: وقْبَةٌ، وقالَ ثَعْلَبُ: الوَقْبُ: الدَّنِيءُ، أيْ لِأنَّهُ يُتْبِعُ نَفْسَهُ هَواها فَيَصِيرُ كَأنَّهُ الوَقْبَةُ لا تَرُدُّ شَيْئًا مِمّا يُلْقى فِيها، ووَقَبَ الفَرَسُ وقْبًا وهو صَوْتُ قُنْبِهِ، أيْ وِعاءِ قَضِيبِهِ، وقِيلَ: صَوْتُ تَقَلْقُلِ جُرْدانِ الفَرَسِ في قُنْبِهِ - لِأنَّ وِعاءَ جُرْدانِهِ كالوَقْبَةِ، فَهو مِن إطْلاقِ اسْمِ المَحَلِّ عَلى ما فِيهِ، والقِبَةُ - (p-٨٦)كَعِدَةٍ: الإنْفَحَةُ إذا عَظُمَتْ مِنَ الشّاةِ، قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: ولا يَكُونُ ذَلِكَ في غَيْرِ الشّاءِ - لِأنَّ شَبَهَ الإنْفَحَةِ بِالوَقْبَةِ ظاهِرٌ، والوَقْباءُ: مَوْضِعٌ يُمَدُّ ويُقْصَرُ، والوَقَبى: ماءٌ لِبَنِي مازِنٍ - لِأنَّهُ يَجْمَعُهم كَما تَجْمَعُ الوَقْبَةُ ما فِيها، والأوْقابُ: قُماشُ البَيْتِ كالبُرْمَةِ والرَّحَيَيْنِ والعُمُدِ - لِأنَّ البَيْتَ لَها كالوَقْبَةِ لِجَمْعِها أوْ لِأنَّها جامِعَةٌ لِشَمْلِ مَن فِيهِ، والمِيقَبُ: الوَدَعَةُ، وأوْقَبَ القَوْمُ: جاعُوا، أيْ تَهَيَّؤُوا لِإدْخالِ الطَّعامِ في وقْبَةِ الجَوْفِ، وذَكَرٌ أوْقَبُ: ولّاجٌ في الهَناتِ - لِأنَّها كالأوْقابِ أيِ الحُفَرِ، والوَقْبُ: الإقْبالُ والمَجِيءُ، وهو سَبَبُ الجَمْعِ.
ووَبَقَ - كَوَعَدَ ووَجِلَ ووَرِثَ وُبُوقًا ومَوْبِقًا: هَلَكَ، أيْ وقَعَ في وقْبَةٍ، أيْ حُفْرَةٍ كاسْتَوْبَقَ، وكَمَجْلِسٍ: المَهْلِكُ والمَحْبِسُ، ووادٍ في جَهَنَّمَ، وكُلُّ شَيْءٍ حالَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ - لِأنَّ الوَقْبَةَ تَحُولُ بَيْنَ ما فِيها وبَيْنَ غَيْرِهِ.
ومِنهُ قِيلَ لِلْمَوْعِدِ: مَوْبِقٌ، وأوْبَقَهُ: حَبَسَهُ أوْ أهْلَكَهُ.
ومِن مَهْمُوزِهِ: أبِقَ العَبْدُ - كَسَمِعَ وضَرَبَ ومَنَعَ - أبْقًا (p-٨٧)ويُحَرَّكُ - وإباقًا - كَكِتابٍ: ذَهَبَ بِلا خَوْفٍ ولا كَدِّ عَمَلٍ، أوِ اسْتَخْفى ثُمَّ ذَهَبَ - وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى جَعْلِهِ كَأنَّهُ نَزَلَ في وقْبَةٍ، ومِن شَأْنِهِ حِينَئِذٍ أنْ يَخْفى، ومِنهُ تَأبَّقَ: اسْتَتَرَ أوِ احْتَبَسَ، وتَأبَّقَ الشَّيْءَ: أنْكَرَهُ - لِأنَّ سَبَبَ الإنْكارِ الخَفاءُ، وتَأبَّقَ: تَأثَّمَ، أيْ جانَبَ الإثْمَ، فَهو لِسَلْبِ الجَمْعِ أوْ لِسَلْبِ الهَلاكِ في الوَقْبَةِ، والأبَقُ - مُحَرَّكَةً: القِنَّبُ - لِشَبَهِهِ لِتَجْوِيفِهِ بِالوَقْبَةِ، والأبَقُ: قِشْرُهُ - لِقُوَّتِهِ اللّازِمَةِ لِلْجَمْعِ أوْ لِأنَّهُ خُيُوطٌ مُجْتَمِعَةٌ.
الكهف 18:53
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ ما لَهم مَعَ شُرَكائِهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في اسْتِمْرارِ جَهْلِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿ورَأى المُجْرِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ في الإجْرامِ ﴿النّارَ﴾ أيْ ورَأوْا، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالوَصْفِ ﴿فَظَنُّوا﴾ ظَنًّا ﴿أنَّهم مُواقِعُوها ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لَمْ ﴿يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾ أيْ مَكانًا يَنْصَرِفُونَ إلَيْهِ، فالمَوْضِعُ مَوْضِعُ التَّحَقُّقِ، ولَكِنَّ ظَنَّهم جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ في الجَهْلِ كَما قالُوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] بِغَيْرِ عِلْمٍ، و﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ [الكهف: ٣٥] ﴿وما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦] ﴿إنْ نَظُنُّ إلا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا رَيْبَ فِيها.
الكهف 18:54
ولَمّا كانَ الكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: صَرَّفْنا هَذِهِ الأخْبارَ بِما أشارَتْ (p-٨٨)إلَيْهِ مِنَ الأسْرارِ الكِبارِ، فَقامَتْ دَلائِلُ الشَّرِيعَةِ الجَلائِلُ، وأضاءَتْ بِها جَواهِرُ المَعانِي الزَّواهِرِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في وصْفِ الكِتابِ، اقْتَضى الِاهْتِمامُ بِهِ تَقْدِيمَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾ أيِ القَيِّمِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ، مَعَ جَمْعِهِ لِلْمَعانِي ونَشْرِهِ الفارِقِ بَيْنَ المُلْبِساتِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيِ المُزَلْزَلِينَ فَضْلًا عَنِ الثّابِتِينَ ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أيْ حَوَّلْنا الكَلامَ وطَرَقْناهُ في كُلِّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ المَعانِي وألْبَسْناهُ مِنَ العِباراتِ الرّائِقَةِ، والأسالِيبِ المُتَناسِقَةِ، ما سارَ بِها في غَرابَتِهِ كالمَثَلِ، يَقْبَلُهُ كُلُّ مَن يَسْمَعُهُ، وتُضْرَبُ بِهِ آباطُ الإبِلِ في سائِرِ البِلادِ، بَيْنَ العِبادِ، فَتَبْشَرُ بِهِ قُلُوبُهُمْ، وتَلْهَجُ بِهِ ألْسِنَتُهُمْ، فَلَمْ يَتَقَبَّلُوهُ وجادَلُوا فِيهِ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ﴾ الَّذِي جُعِلَ خَصِيمًا وهو آنَسُ بِنَفْسِهِ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿أكْثَرَ شَيْءٍ﴾ ومَيَّزَ الأكْثَرِيَّةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَدَلا﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الجَدَلِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، الَّذِي أضاءَ جَمِيعَ الأكْوانِ.
الكهف 18:55
ولَمّا بَيَّنَ إعْراضَهُمْ، بَيَّنَ مُوجِبَهُ عِنْدَهم فَقالَ: ﴿وما مَنَعَ﴾ ولَمّا كانَ النّاسُ تَبَعًا لِقُرَيْشٍ قالَ: ﴿النّاسَ﴾ أيِ الَّذِينَ جادَلُوا بِالباطِلِ، الإيمانَ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ هَذا المَفْعُولِ الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: (p-٨٩)﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ لِيُفِيدَ التَّجْدِيدَ وذَمَّهم عَلى التَّرْكِ ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿جاءَهُمُ الهُدى﴾ بِالكِتابِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ، وعَطَفَ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي - مُعَبِّرًا بِمِثْلِ ما مَضى لِما مَضى - قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغًا، أتى بِالفاعِلِ فَقالَ تَعالى: ﴿إلا أنْ﴾ أيْ طَلَبُ أنْ ﴿تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ في إجابَتِهِمْ إلى ما اقْتَرَحُوهُ عَلى رُسُلِهِمُ، المُقْتَضِي لِلِاسْتِئْصالِ لِمَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الضَّلالِ، ومِن ذَلِكَ طَلَبُهم أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ مَلَكًا، وذَلِكَ نِقْمَةٌ في صُورَةِ نِعْمَةٍ وإتْيانٌ بِالعَذابِ دَبْرًا، أيْ مَسْتُورًا ﴿أوْ﴾ طَلَبُ أنْ ﴿يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾ أيْ مُواجَهَةً ومُعايَنَةً ومُشاهَدَةً مِن غَيْرِ سَتْرٍ لَهُ، هو في قِراءَةِ مَن كَسَرَ القافَ وفَتَحَ الباءَ واضِحٌ، مِن قَوْلِهِمْ: لَقِيتُ فُلانًا قِبَلًا، أيْ مُعايَنَةً، وكَذا في قِراءَةِ مَن ضَمَّهُما، مِن قَوْلِهِمْ: أنا آتِيكَ قُبُلًا لا دُبُرًا، أيْ مُواجَهَةً (p-٩٠)مِن جِهَةِ وجْهِكَ لا مِن جِهَةِ قَفاكَ، قالَ تَعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ﴾ [يوسف: ٢٦] ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِهَذِهِ القِراءَةِ الجَماعَةُ، لِأنَّ المُرادَ بِالعَذابِ [الجِنْسُ -] أيْ يَأْتِيهِمْ أصْنافًا مُصَنَّفَةً صِنْفًا صِنْفًا ونَوْعًا نَوْعًا، وقَدْ مَضى في الأنْعامِ بَيانُهُ، وهَذا الشِّقُّ قَسِيمُ الإتْيانِ بِسُنَّةِ الأوَّلِينَ، فَمَعْناهُ: مِن غَيْرِ أنْ يُجابُوا إلى ما اقْتَرَحُوا كَما تَقَدَّمَ في الَّتِي قَبْلَها ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ [الإسراء: ٨٩] ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] الآيَةِ وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ ﴿سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّها ثانِيًا، وذِكْرُ المُكاشَفَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى المُساتَرَةِ أوَّلًا.
الكهف 18:56
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لَيْسَ إلى الرَّسُولِ، إنَّما هو إلى الإلَهِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نُرْسِلُ﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَنا فِيها ﴿المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ﴾ بِالخَيْرِ عَلى أفْعالِ الطّاعَةِ ﴿ومُنْذِرِينَ﴾ بِالشَّرِّ عَلى أفْعالِ المَعْصِيَةِ، فَيَطْلُبُ مِنهُمُ الظّالِمُونَ مِن أُمَمِهِمْ ما لَيْسَ إلَيْهِمْ مِن فَصْلِ الأمْرِ ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الجِدالَ كُلَّما (p-٩١)أتاهم أمْرٌ مِن قِبَلِنا ﴿بِالباطِلِ﴾ مِن قَوْلِهِمْ: لَوْ كُنْتُمْ صادِقِينَ لَأتَيْتُمْ بِما نَطْلُبُ مِنكُمْ، مَعَ أنَّ [ذَلِكَ -] لَيْسَ كَذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ أيْ لِيُزْلِقُوا فَيُزِيلُوا ويُبْطِلُوا ﴿بِهِ الحَقَّ﴾ الثّابِتَ مِنَ المُعْجِزاتِ المُثْبِتَةِ لِصِدْقِهِمْ.
ولَمّا كانَ لِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَقالٍ [حَدٌّ و-] حالٌ، فَأتى في الجِدالِ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ، وكانَ اتِّخاذُ الِاسْتِهْزاءِ أمْرًا واحِدًا، أتى بِهِ ماضِيًا فَقالَ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا﴾ أيْ كَلَّفُوا أنْفُسَهم أنْ أخَذُوا ﴿آياتِي﴾ بِالبِشاراتِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِكُلِّ ذِي رُوحٍ ﴿وما أُنْذِرُوا﴾ مِن آياتِي، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْرُوفٌ والمُخِيفَ الإنْذارُ ﴿هُزُوًا﴾ مَعَ بُعْدِهِما جِدًّا عَنْ ذَلِكَ، فَلا بِالرَّغْبَةِ أطاعُوا، ولا لِلرَّهْبَةِ ارْتاعُوا، فَكانُوا شَرًّا مِنَ البَهائِمِ.
الكهف 18:57
ولَمّا حَكى عَنْهم هَذا الجِدالَ، والِاسْتِهْزاءَ والضَّلالَ، وصَفَهم بِما يُوجِبُ الخِزْيَ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكانُوا بِذَلِكَ أظْلَمَ الظّالِمِينَ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ مِنهُمُ - اسْتِفْهامًا عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيرِ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلْإنْكارِ عَلى مَن شَكَّ في أنَّهم أظْلَمُ. فَقالَ تَعالى: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ ”بِآياتِ“ أيْ عَلاماتِ ﴿رَبِّهِ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِها؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: وهَذا مِن أفْصَحِ (p-٩٢)التَّقْرِيرِ أنْ يُوقَفَ الرَّجُلُ عَلى ما لا جَوابَ فِيهِ إلّا الَّذِي يُرِيدُ خَصْمُهُ.
ولَمّا كانَ التَّذْكِيرُ سَبَبًا لِلْإقْبالِ فَعَكَسُوا فِيهِ قالَ تَعالى: ﴿فَأعْرَضَ عَنْها﴾ تارِكًا لِما يَعْرِفُ مِن تِلْكَ العَلاماتِ العَجِيبَةِ وما يُوجِبُهُ ذَلِكَ [الإحْسانُ -] مِنَ الشُّكْرِ ﴿ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ مِنَ الفَسادِ الَّذِي هو عارِفٌ - لَوْ صَرَفَ عَقْلَهُ إلى الفِكْرِ فِيما يَنْفَعُهُ - أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي جَزاءَهُ عَلَيْهِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في جَمِيعِ هَذا عَلى لَفْظِ ”مِن“ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ مِثْلَ هَذا - ولَوْ أنَّهُ واحِدٌ - كانَ هَكَذا، والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّهم لَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا اليَهُودَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ عِنْدَ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] فَأمَرُوهم بِسُؤالِهِ عَمّا جَعَلُوهُ أمارَةً عَلى صِدْقِهِ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِيهِمْ، واسْتَمَرُّوا بَعْدَ إخْبارِهِ بِالحَقِّ عَلى التَّكْذِيبِ، شَرَحَ حالَهم بِالتَّعْقِيبِ بِالفاءِ، فَكانَ المَعْنى: مَن أظْلَمُ مِنهُمْ، لِأنَّهم ذُكِّرُوا فَأعْرَضُوا ونَسُوا ما اعْتَقَدُوا أنَّهُ دَلِيلُ الصِّدْقِ، وأنَّهُ لا جِدالَ بَعْدَهُ، وسَيَأْتِي لِمَوْقِعِ الفاءِ في آخِرِ السَّجْدَةِ مَزِيدُ بَيانٍ، وإسْنادُ الفِعْلِ في الإعْراضِ وما بَعْدَهُ إلَيْهِمْ حَقِيقَةٌ مِمّا لَهم مِنَ [الكَسْبِ كَما أنَّ إسْنادَ الجَعْلِ وما بَعْدَهُ إلى اللَّهِ حَقِيقَةٌ بِما لَهُ مِنَ -]الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم فَعَلُوا ذَلِكَ؟ أيَجْهَلُ قُبْحَ هَذا أحَدٌ؟ قِيلَ: (p-٩٣)﴿إنّا جَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى إعْماءِ البَصائِرِ والأبْصارِ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ فَجَمَعَ رُجُوعًا إلى أُسْلُوبِ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ [الكهف: ٥٦] لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى ذَمِّ كُلِّ واحِدٍ ”أكِنَّةً“ أيْ أغْطِيَةً مُسْتَعْلِيَةً عَلَيْها اسْتِعْلاءً يَدُلُّ سِياقُ العَظَمَةِ عَلى أنَّهُ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ يَصِلُ إلَيْها، فَهي لا تَعِي شَيْئًا مِن آياتِنا، ودَلَّ بِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ القُرْآنُ فَقالَ تَعالى: ﴿أنْ﴾ أيْ كَراهَةَ أنْ ﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أيْ يَفْهَمُوهُ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ أيْ ثِقَلًا فَهم لا يَسْمَعُونَ حَقَّ السَّمْعِ، ولا يَعُونَ حَقَّ الوَعْيِ ﴿وإنْ تَدْعُهُمْ﴾ أيْ تُكَرِّرْ دُعاءَهم كُلَّ وقْتٍ ﴿إلى الهُدى﴾ لِتُنْجِيَهم بِما عِنْدَكَ مِنَ الحِرْصِ عَلى ذَلِكَ والجِدِّ ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ أيْ كُلُّهم بِسَبَبِ دُعائِكَ ﴿إذًا﴾ أيْ إذا دَعَوْتَهم ”أبَدًا“ لِأنَّ مَن لَهُ العَظَمَةُ التّامَّةُ - وهو الَّذِي إذا عَبَّرَ عَنْ نَفْسِهِ بِنُونِها كانَتْ عَلى حَقِيقَتِها - حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ، أيْ أنَّهُ لا يَكُونُ الدُّعاءُ وحْدَهُ هادِيًا لِأكْثَرِهِمْ، بَلْ لا بُدَّ مَعَهُ مِنَ السَّيْفِ كَما سَنَأْمُرُكَ بِهِ فَتَقْطَعَ الرُّؤُوسَ فَيَذِلَّ غَيْرُهُمْ، وقَدْ يَكُونُ المُرادُ أنَّ مَن كانَ هَكَذا مُعانِدًا عَلى هَذا الوَجْهِ مُؤَبَّدُ الشَّقاءِ، وقَدْ نَفى (p-٩٤)آخِرَ هَذِهِ الآيَةِ الفِعْلَ عَنِ العِبادِ وأثْبَتَهُ لَهم أوَّلَها، وقَلَّما نَجِدُ في القُرْآنِ آيَةً تُسْنِدُ الفِعْلَ إلَيْهِمْ إلّا قارَنَتْها أُخْرى تُثْبِتُهُ لِلَّهِ وتَنْفِيهِ عَنْهُمُ، ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ لِعِبادِهِ لِيَتَمَيَّزَ الرّاسِخُ - الَّذِي يَنْسُبُ لِلْمُكَلَّفِينَ الكَسْبَ المُفِيدَ لِأثَرِ التَّكْلِيفِ، ولِلَّهِ الخَلْقُ المُفِيدُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ في خَلْقٍ ولا غَيْرِهِ - مِنَ الطّائِشِ الَّذِي يَقُولُ بِالجَبْرِ أوِ التَّفْوِيضِ.
الكهف 18:58
ولَمّا كانَ هَذا مُقْتَضِيًا لِأخْذِهِمْ، عَطَفَ عَلى ما اقْتَضاهُ السِّياقُ مِمّا ذَكَرْتُهُ مِنَ العِلَّةِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ورَبُّكَ﴾ مُشِيرًا بِهَذا الِاسْمِ إلى ما اقْتَضاهُ الوَصْفُ مِنَ الإحْسانِ بِأخْذِ مَن يَأْخُذُ مِنهم وإمْهالِ غَيْرِهِ لِحُكْمِ دُبُرِها؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِما ناسَبَ ذَلِكَ مِن أوْصافِهِ فَقالَ: ﴿الغَفُورُ﴾ أيْ هو وحْدَهُ الَّذِي يَسْتُرُ الذُّنُوبَ إمّا بِمَحْوِها وإمّا بِالحِلْمِ عَنْها إلى وقْتٍ ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ أيِ [الَّذِي -] يُعامِلُ - وهو قادِرٌ - مَعَ مُوجِباتِ الغَضَبِ مُعامَلَةَ الرّاحِمِ بِالإكْرامِ؛ ثُمَّ اسْتَشْهَدَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يُؤاخِذُهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عادُوكَ وآذَوْكَ، وهو عالِمٌ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لَوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُؤاخِذِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ حِينَ كَسْبِهِمْ ﴿لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذابَ﴾ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ولَكِنَّهُ لا يُعَجِّلُ لَهم ذَلِكَ ﴿بَلْ لَهم مَوْعِدٌ﴾ يُحِلُّهُ بِهِمْ فِيهِ، ودَلَّ عَلى أنَّ مَوْعِدَهُ لَيْسَ كَمَوْعِدِ غَيْرِهِ (p-٩٥)مِنَ العاجِزِينَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ﴾ [أيِ -] المَوْعِدِ ﴿مَوْئِلا﴾ أيْ مَلْجَأً يُنْجِيهِمْ مِنهُ، فَإذا [جاءَ -] مَوْعِدُهم أهْلَكْناهم فِيهِ بِأوَّلِ ظُلْمِهِمْ وآخِرِهِ.
الكهف 18:59
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ سُنَّتَهُ في القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ الخالِيَةِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿لَهم مَوْعِدٌ﴾ [الكهف: ٥٨] مُرَوِّعًا لَهم بِالإشارَةِ إلى دِيارِهِمُ المُصَوِّرَةِ لِدَمارِهِمْ: ﴿وتِلْكَ القُرى﴾ أيِ الماضِيَةُ مِن عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ وقَوْمِ لُوطٍ وأشْكالِهِمْ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ حَكَمْنا بِإهْلاكِهِمْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ أيْ أوَّلَ ما ظَلَمُوا، أوْ أهْلَكْناهم بِالفِعْلِ حِينَ ظُلْمِهِمْ لَكِنْ لا في أوَّلِهِ، بَلْ أمْهَلْناهم إلى حِينِ تَناهِيهِ وبُلُوغِهِ الغايَةَ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ مِثْلَ ذَلِكَ ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أيْ إهْلاكِهِمْ بِالفِعْلِ ﴿مَوْعِدًا﴾ أيْ وقْتًا نُحِلُّهُ بِهِمْ فِيهِ ومَكانًا لَمْ نُخْلِفْهُ، كَما أنّا جَعَلْنا لِهَؤُلاءِ مَوْعِدًا في الدُّنْيا بِيَوْمِ بَدْرٍ والفَتْحِ وحُنَيْنٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وفي الآخِرَةِ لَنْ نُخْلِفَهُ، وكَذا كُلُّ أمْرٍ يَقُولُهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ عَنّا لا يَقَعُ فِيهِ خُلْفٌ وإنْ كانَ يَجُوزُ لَنا ذَلِكَ، بِخِلافِ ما يَقُولُهُ مِن نَفْسِهِ غَيْرَ مُسْنَدٍ إلَيْنا فَإنَّهُ يُمْكِنُ وُقُوعُ الخُلْفِ فِيهِ، كَما (p-٩٦)وقَعَ في الوَعْدِ بِالإخْبارِ عَنْ هَذِهِ المَسائِلِ التَّخَلُّفُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً أوْ ما دُونَها عَلى حَسَبِ فَهْمِهِمْ أنَّ ”غَدًا“ عَلى حَقِيقَتِهِ.
الكهف 18:60
ولَمّا قَدَّمَ الكَلامَ عَلى البَعْثِ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ أحْوالِهِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِما ضَرَبَ لِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِنَ الأمْثالِ، وصَرَّفَ مِن وُجُوهِ الِاسْتِدْلالِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ يُمْهِلُ عِنْدَ المَساءَةِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ كَذَلِكَ يَفْعَلُ عِنْدَ المَسَرَّةِ، فَلِكُلِّ شَيْءٍ عِنْدَهُ كِتابٌ، وكُلُّ قَضاءٍ بِقَدْرٍ وحِسابٍ، فَذَكَرَ قِصَّةَ مُوسى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ وما اتَّفَقَ لَهُ في طَلَبِهِ، وجَعْلَهُ سُبْحانَهُ لَهُ الحُوتَ آيَةً ومَوْعِدًا لِلِقائِهِ، ولَوْ أرادَ سُبْحانَهُ لَقَرَّبَ المَدى ولَمْ يُحْوِجْ إلى عَناءٍ، مَعَ ما فِيها مِنَ الخارِقِ الدّالِّ عَلى البَعْثِ، ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَن ثَبَتَ فَضْلُهُ [وعِلْمُهُ -] لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ إلّا مَن كانَ عَلى ثِقَةٍ مِمّا يَقُولُهُ مِن رَبِّهِ ولا أنْ يُمْتَحَنَ، [ومِنَ -]الإرْشادِ إلى ذَمِّ الجَدَلِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، ووُجُوبِ الِانْقِيادِ لِلْحَقِّ عِنْدَ بَيانِهِ، وظُهُورِ بُرْهانِهِ، ومِن إرْشادِ مَنِ اسْتَنْكَفَ أنْ يُجالِسَ فَقَراءَ المُؤْمِنِينَ بِما اتَّفَقَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أنَّهُ - وهو كَلِيمُ اللَّهِ - اتَّبَعَ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَقْتَبِسَ مِن عِلْمِهِ، ومِن تَبْكِيتِ اليَهُودِ بِقَوْلِهِمْ لِقُرَيْشٍ لَمّا أمَرُوهم بِسُؤالِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ”إنْ (p-٩٧)لَمْ يُخْبِرْكم فَلَيْسَ بِنَبِيٍّ“ المُوهِمِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا أنَّ مِن شَرْطِ النَّبِيِّ [أنْ لا -] يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ، مَعَ ما يَعْلَمُونَ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ خَفِيَ عَلَيْهِ جَمِيعُ ما فَعَلَهُ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإلى نَحْوِ هَذا أشارَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ إذْ وقَعَ العُصْفُورُ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ ونَقَرَ مِنَ البَحْرِ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ: ”ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ يا مُوسى مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا العُصْفُورُ مِنَ البَحْرِ. وبِإعْلامِهِمْ بِما يَعْلَمُونَهُ مِن أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَعَلَ نَفْسَهُ تابِعًا لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ، تَكْذِيبًا لَهم في ادِّعائِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أعْلى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ اتِّباعُ غَيْرِهِ، ومِن جَوابِهِمْ عَمّا لَعَلَّهم يَقُولُونَ لِلْعَرَبِ بَهْتًا وحَسَدًا“لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قالَ: أُخْبِرُكم غَدًا، وتَأخَّرَ عَنْ ذَلِكَ”بِما اتَّفَقَ لِمُوسى في وعْدِهِ الخَضِرَ عَلَيْهِما السَّلامُ بِالصَّبْرِ، وبِما خَفِيَ عَلَيْهِ مِمّا اطَّلَعَ عَلَيْهِ الخَضِرُ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَقالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ [الكهف: ٥٠] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم حِينَ ﴿قالَ مُوسى﴾ أيِ ابْنُ عِمْرانَ المُرْسَلُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، أيْ [قَوْلَهُ -]الَّذِي كانَ في ذَلِكَ الحِينِ“لِفَتاهُ" يُوشَعَ بْنِ نُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ: ﴿لا أبْرَحُ﴾ أيْ لا أزالُ سائِرًا في طَلَبِ العَبْدِ الَّذِي أعْلَمَنِي رَبِّي بِفَضْلِهِ - كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي ﴿حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾ (p-٩٨)أيْ مُلْتَقاهُما ومَوْضِعَ اخْتِلاطِهِما الَّذِي سَبَقَ إلَيْهِ فَهْمِي، فَتَعَيَّنَتِ البُداءَةُ بِهِ فَألْقاهُ ثَمَّ ﴿أوْ أمْضِيَ حُقُبًا﴾ إنْ لَمْ أظْفَرْ بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ الَّذِي جَعَلَهُ رَبِّي مَوْعِدًا [لِي في لِقائِهِ -]؛ والحُقُبُ - قالَ في القامُوسِ - ثَمانُونَ سَنَةً أوْ أكْثَرُ والدَّهْرُ والسَّنَةُ أوِ السِّنُونَ - انْتَهى. وما أنْسَبَ التَّوْقِيتَ بِمَجْمَعِ بَحْرَيِ الماءِ بِمَجْمَعِ بَحْرَيِ العِلْمِ وتَزَوُّدَهُما بِالنُّونِ الَّذِي قَرَنَهُ [اللَّهُ -] بِالقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ، وعَيْنِ الحَياةِ لِأنَّ العِلْمَ حَياةُ القُلُوبِ، فَسارا وتَزَوَّدا حُوتًا مَشْوِيًّا في مِكْتَلٍ كَما أُمِرا بِهِ، فَكانا يَأْكُلانِ مِنهُ إلى أنْ بَلَغا المَجْمَعَ
الكهف 18:61
﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾ أيِ البَحْرَيْنِ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ بَيْنٌ أصْلًا لِصَيْرُورَتِهِما شَيْئًا واحِدًا ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾ فَلَمْ يَعْلَمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ شَيْئًا مِن حالِهِ ونَسِيَ أنْ يَسْألَ عَنْهُ، وعَلِمَ يُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضَ حالِهِ فَنَسِيَ أنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ لَهُ ﴿فاتَّخَذَ﴾ أيِ الحُوتُ مُعْجِزَةً في مُعْجِزَةٍ ﴿سَبِيلَهُ﴾ أيْ طَرِيقَهُ الواسِعَ الواضِحَ ﴿فِي البَحْرِ سَرَبًا﴾ أيْ خَرْقًا في الماءِ غَيْرَ مُلْتَئِمٍ، مِنَ السَّرَبِ الَّذِي [هُوَ -] جُحْرُ الوَحْشِيِّ، والحَفِيرُ تَحْتَ الأرْضِ، والقَناةُ يَدْخُلُ مِنها الماءُ الحائِطَ. وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِهِ في الصَّحِيحِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أحْياهُ وأمْسَكَ عَنْ مَوْضِعِ جَرْيِهِ في (p-٩٩)الماءِ، فَصارَ طاقًا لا يَلْتَئِمُ. ويُوشَعُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْظُرُ ذَلِكَ، وكَأنَّ المَجْمَعَ كانَ مُمْتَدًّا، فَظَنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ المَطْلُوبَ أمامَهُ أوْ ظَنَّ أنَّ المُرادَ مَجْمَعٌ آخَرُ فَسارَ
الكهف 18:62
﴿فَلَمّا جاوَزا﴾ أيْ مُوسى وفَتاهُ عَلَيْهِما السَّلامُ ذَلِكَ المَوْضِعَ مِنَ المَجْمَعِ تَعِبَ، ولَمْ يَتْعَبْ حَتّى جاوَزَ المَكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُعْجِزَةً أُخْرى، فَلَمّا جاعَ وتَعِبَ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا﴾ أيْ أحْضِرْ لَنا ﴿غَداءَنا﴾ أيْ لِنَتَقَوّى [بِهِ -]عَلى ما حَصَلَ لَنا مِنَ الإعْياءِ، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا﴾ أيِ الَّذِي سافَرْناهُ في هَذا اليَوْمِ خاصَّةً، ولِذَلِكَ أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ القُرْبِ فَقالَ تَعالى: ﴿هَذا نَصَبًا﴾ وكانَ الحُوتُ زادَهم فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما كانَ عَنْ أمْرِهِ؟ فَقِيلَ:
الكهف 18:63
﴿قالَ﴾ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعَجِّبًا لَهُ: ﴿أرَأيْتَ﴾ ما دَهانِي؟ ﴿إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾ الَّتِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ ﴿فَإنِّي﴾ أيْ [بِسَبَبِ أنِّي -] ﴿نَسِيتُ الحُوتَ﴾ أيْ نَسِيتُ أنْ أذْكُرَ لَكَ أمْرَهُ الَّذِي كانَ هُناكَ؛ ثُمَّ زادَ التَّعْجِيبَ مِن هَذا النِّسْيانِ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ الإخْبارِ بِهِ مُجْمَلًا وبَيْنَ تَفْصِيلِ أمْرِهِ وبِإيقاعِ النِّسْيانِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلى ذِكْرِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وما أنْسانِيهُ﴾ مَعَ كَوْنِهِ عَجِيبًا ﴿إلا الشَّيْطانُ﴾ بِوَساوِسِهِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّدْرِيبِ في عَظِيمِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى [فِي القُلُوبِ -] بِإثْباتِ العِلْمِ ونَفْيِهِ وإنْ كانَ ضَرُورِيًّا، ذَكَرَ نِسْيانَهُ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ضَمِيرِهِ (p-١٠٠)قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾ لَكَ فَإنَّهُ عاشَ فانْسابَ مِنَ المِكْتَلِ في البَحْرِ ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ﴾ أيْ طَرِيقَهُ الَّذِي ذَهَبَ فِيهِ ﴿فِي البَحْرِ عَجَبًا﴾ وذِكْرُهُ [لَهُ -] الآنَ مانِعٌ مِن أنْ يَكُونَ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِ سُلْطانٌ عَلى أنَّ هَذا الإنْساءَ لَيْسَ مُفَوِّتًا لِطاعَةٍ، بَلْ فِيهِ تَرْقِيَةٌ لَهُما في مَعارِجِ المَقاماتِ العالِيَةِ لِوِجْدانِ التَّعَبِ بَعْدَ المَكانِ الَّذِي فِيهِ البُغْيَةُ، وحِفْظِ الماءِ مُنْجابًا عَلى طُولِ الزَّمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آياتِ الإيقانِ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ [النحل: ١٠٠] مُبَيِّنٌ أنَّ السُّلْطانَ الحَمْلُ عَلى المَعاصِي، وقَدْ كانَ في هَذِهِ [القِصَّةِ -] خَوارِقُ حَياةِ الحُوتِ وإيجادُ ما كانَ أُكِلَ مِنهُ، وإمْساكُ الماءِ عَنْ مَدْخَلِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ نَفْسِهِ أوْ أتْباعِهِ بِبَرَكَتِهِ مِثْلُ ذَلِكَ.
أمّا إعادَةُ ما أُكِلَ مِنَ الحُوتِ المَشْوِيِّ - وهو جَنْبُهُ - فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ إلى الحَجَّةِ الَّتِي حَجَّها حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ الرَّوْحاءِ - فَذَكَرَ قِصَّةَ المَرْأةِ الَّتِي أبْرَأ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ولَدَها مِنَ الجُنُونِ إلى أنْ قالَ: فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ حَجَّتَهُ انْصَرَفَ حَتّى إذا نَزَلَ بِبَطْنِ الرَّوْحاءِ (p-١٠١)أتَتْهُ تِلْكَ المَرْأةُ بِشاةٍ قَدْ شَوَتْها، فَأمَرَ بِأخْذِ تِلْكَ الشّاةِ مِنها ثُمَّ قالَ: يا أُسَيْمُ - وكانَ إذا دَعاهُ رَخَّمَهُ! ناوِلْنِي ذِراعًا، وكانَ أحَبَّ الشّاةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ مُقَدَّمُها، ثُمَّ قالَ: يا أُسَيْمُ! ناوِلْنِي ذِراعًا! فَناوَلْتُهُ، ثُمَّ قالَ: [يا أُسَيْمُ! ناوِلْنِي ذِراعًا! فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّما هُما ذِراعانِ وقَدْ ناوَلْتُكَ، فَقالَ -]: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ سَكَتَّ [ما زِلْتَ تُناوِلُنِي ذِراعًا ما قُلْتُ لَكَ: ناوِلْنِي ذِراعًا -]» [فَقَدْ أخْبَرَ ﷺ أنَّهُ لَوْ سَكَتَ -] أوْجَدَ اللَّهُ لَها ذِراعًا ثُمَّ ذِراعًا وهَكَذا، وقَوْلُهُ الحَقُّ الَّذِي لا فَرْقَ [بَيْنَهُ -] وهو في عالَمِ الغَيْبِ وبَيْنَ ما وُجِدَ في عالَمِ الشَّهادَةِ.
وأمّا حَياةُ [الحُوتِ -] المَشْوِيِّ فَقَدْ مَضى عِنْدَ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ في قِصَّةِ الشّاةِ المَشْوِيَّةِ المَسْمُومَةِ، وهو أنَّ ذِراعَها أخْبَرَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ [أنَّهُ مَسْمُومٌ -] فَهو أعْظَمُ مِن عَوْدِ الحَياةِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ، وكَذا حَنِينُ الجِذْعِ، وسَلامُ الحَجَرِ، وتَسْبِيحُ الحَصا، وتَأْمِينُ أُسْكُفَّةِ [البابِ -] وحَوائِطِ (p-١٠٢)البَيْتِ ونَحْوُ ذَلِكَ أعْظَمُ مِن عَوْدِ الحَياةِ إلى ما كانَ حَيًّا، فَقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَوادٍ قالَ: قالَ لِي الشّافِعِيُّ: ما أعْطى اللَّهُ نَبِيًّا ما أعْطى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أعْطى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إحْياءَ المَوْتى؟ فَقالَ: أعْطى مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ الجِذْعَ - الَّذِي كانَ يَخْطُبُ إلى جَنْبِهِ حَتّى هُيِّئَ لَهُ المِنبَرُ، فَلَمّا هُيِّئَ لَهُ المِنبَرُ حَنَّ الجِذْعُ حَتّى سُمِعَ صَوْتُهُ - فَهَذا أكْبَرُ مِن ذاكَ - انْتَهى. عَلى أنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ وفي آخِرِ البَقَرَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْياءُ مِن إحْياءِ المَوْتى لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ ولِبَعْضِ أُمَّتِهِ.
وأمّا آيَةُ الماءِ فَمَرْجِعُها إلى صَلابَتِهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ جُمُودِهِ بِعَدَمِ الِالتِئامِ بَعْدَ الِانْخِراقِ وبَيْنَ جُمُودِهِ وصَلابَتِهِ بِالِامْتِناعِ مِنَ الانْخِراقِ، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ في ذَلِكَ ما فِيهِ آيَةٌ مِنَ الإحْياءِ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ عَنْ (p-١٠٣)أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا في الصُّفَّةِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ [مُهاجِرَةٌ -] ومَعَها ابْنٌ لَها [قَدْ بَلَغَ -] فَأضافَ المَرْأةَ إلى النِّساءِ وأضافَ ابْنَها إلَيْنا، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَهُ وباءُ المَدِينَةِ فَمَرِضَ أيّامًا ثُمَّ قُبِضَ فَغَمَّضَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وأمَرَ بِجَهازِهِ، [فَلَمّا -] أرَدْنا أنْ نَغْسِلَهُ قالَ: ائْتِ أُمَّهُ فَأعْلِمْها، فَجاءَتْ حَتّى جَلَسَتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ فَأخَذَتْ بِهِما، ثُمَّ قالَتِ: اللَّهُمَّ [إنِّي أسْلَمْتُ لَكَ طَوْعًا، وخَلَعْتُ الأوْثانَ زُهْدًا، وهاجَرْتُ إلَيْكَ رَغْبَةً، اللَّهُمَّ -] لا تُشْمِتْ بِي عَبَدَةَ الأوْثانِ، ولا تُحَمِّلْنِي مِن هَذِهِ المُصِيبَةِ ما لا طاقَةَ لِي بِحَمْلِها، قالَ: فَواللَّهِ ما تَقَضّى كَلامُها حَتّى حَرَّكَ قَدَمَيْهِ، وألْقى الثَّوْبَ عَنْ وجْهِهِ، [وعاشَ -] حَتّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وحَتّى هَلَكَتْ أُمُّهُ؛ ثُمَّ جَهَّزَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَعْنِي جَيْشًا، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ العَلاءَ بْنَ الحَضْرَمِيِّ، قالَ: وكُنْتُ في غُزاتِهِ، فَأتَيْنا مَغازِينا فَوَجَدْنا القَوْمَ قَدْ تَدَرَّوْا بِنا، فَعَفَّوْا آثارَ الماءِ، قالَ: و[كانَ -] حَرٌّ شَدِيدٌ، فَجَهَدَنا العَطَشُ ودَوابَّنا، وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلَمّا مالَتِ الشَّمْسُ لِغُرُوبِها صَلّى بِنا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وما نَرى في السَّماءِ شَيْئًا، فَواللَّهِ ما حَطَّ [يَدَهُ -] حَتّى بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا وأنْشَأ سَحابًا فَأفْرَغَتْ حَتّى مَلَأتِ الغُدُرَ والشِّعابَ، فَشَرِبْنا وسَقَيْنا واسْتَقَيْنا (p-١٠٤)ثُمَّ أتَيْنا عَدُوَّنا وقَدْ جاوَزُوا خَلِيجًا في البَحْرِ إلى جَزِيرَةٍ، فَوَقَفَ عَلى الخَلِيجِ وقالَ: يا عَلِيُّ يا عَظِيمُ يا حَلِيمُ يا كَرِيمُ! ثُمَّ قالَ: أجِيزُوا بِاسْمِ اللَّهِ! فَأجَزْنا ما يَبُلُّ الماءُ حَوافِرَ دَوابِّنا، فَأصَبْنا العَدُوَّ غِيلَةً فَقَتَلْنا وأسَرْنا وسَبَيْنا ثُمَّ أتَيْنا الخَلِيجَ فَقالَ مِثْلَ مَقالَتِهِ فَأجَزْنا ما يَبُلُّ الماءُ حَوافِرَ دَوابِّنا». وأخْبَرَنا أبُو الحُسَيْنِ بْنُ بِشْرانَ أنا إسْماعِيلُ الصَّفّارُ نا الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَفّانَ [أنْبَأنا -] ابْنُ نُمَيْرٍ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ بَعْضِ أصْحابِهِ، قالَ: انْتَهَيْنا إلى دِجْلَةَ وهي مادَّةٌ، والأعاجِمُ خَلْفَها، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أقْحَمَ فَرَسَهُ فانْدَفَعَ عَلى الماءِ، فَقالَ النّاسُ: بِسْمِ اللَّهِ بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اقْتَحَمُوا فارْتَفَعُوا عَلى الماءِ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمُ [الأعاجِمُ -] قالُوا: دِيوانُ دِيوانُ، ثُمَّ ذَهَبُوا عَلى وُجُوهِهِمْ، فَما فَقَدُوا إلّا قَدَحًا كانَ مُعَلَّقًا بِعَذَبَةِ سَرْجٍ، فَلَمّا خَرَجُوا أصابُوا الغَنائِمَ فاقْتَسَمُوها. أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أنا أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ السِّمِذِيُّ ثَنا أبُو العَبّاسِ السَّرّاجُ ثَنا الفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ وهارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالا: ثَنا سُلَيْمانُ بْنُ المُغِيرَةِ أنَّ أبا مُسْلِمٍ الخَوْلانِيَّ جاءَ إلى الدِّجْلَةِ وهي تَرْمِي بِالخَشَبِ مِن مَدِّها، فَمَشى عَلى الماءِ والتَفَتَ إلى أصْحابِهِ وقالَ: هَلْ تَفْقِدُونَ مِن مَتاعِكم شَيْئًا (p-١٠٥)فَنَدْعُو اللَّهَ - قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ.
الكهف 18:64
وفي هَذا الأمْرِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ قاصِمَةٌ لِلسّائِلِينَ والآمِرِينَ لَهم بِالسُّؤالِ، لِأنَّ المُرادَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذا الأمْرَ وقَعَ لِنَبِيِّ هَؤُلاءِ المُضِلِّينَ، فَمُرْ قُرَيْشًا أنْ يَسْألُوهم عَنْ هَذِهِ القِصَّةِ، فَإنْ أخْبَرُوهم عَنْها بِمِثْلِ ما أخْبَرْتَهم فَصَدَّقُوهُمْ، لَزِمَهم أنْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ لِأمْرِ هَذا الحُوتِ الَّذِي أحْياهُ اللَّهُ بَعْدَ أنْ كانَ مَشْوِيًّا وصارَ كَثِيرٌ مِنهُ في البُطُونِ، وإنْ لَمْ يُصَدِّقُوهم في هَذا وصَدَّقُوهم في غَيْرِهِ مِمّا يَتَعَنَّتُونَ بِهِ عَلَيْكَ فَهو تَحَكُّمٌ، وإنْ كانُوا يَتَّهِمُونَهم في كُلِّ أمْرٍ كانَ سُؤالُهم [لَهم -] عَبَثًا، لَيْسَ [مِن -] أفْعالِ مَن يَعْقِلُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: [فَما -] قالَ مُوسى حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الشَّيْطانِ، وإنَّما هو إغْفالٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِغَيْرِ واسِطَةٍ لِيَجِدا العَلامَةَ الَّتِي أخْبَرَهُ اللَّهُ بِها كَما قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «إنِّي لَأنْسى - أيْ يُنْسِينِي اللَّهُ تَعالى - لِأسُنَّ» ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ مِن فَقْدِ الحُوتِ ﴿ما كُنّا نَبْغِ﴾ (p-١٠٦)أيْ نُرِيدُ مِن هَذا الأمْرِ المُغَيَّبِ عَنّا، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ مَوْعِدًا لِي في لِقاءِ الخَضِرِ ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما﴾ يَقُصّانِها ﴿قَصَصًا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ كانَتْ رَمْلًا، لا عَلَمَ فِيها، فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ مَجْمَعُ النِّيلِ والمِلْحِ الَّذِي عِنْدَ دِمْياطَ، أوْ رَشِيدٍ مِن بِلادِ مِصْرَ، ويُؤَيِّدُهُ نَقْرُ العُصْفُورِ في البَحْرِ الَّذِي رَكِبا في سَفِينَتِهِ لِلتَّغْذِيَةِ - كَما في الحَدِيثِ، فَإنَّ الطَّيْرَ لا يَشْرَبُ مِنَ المِلْحِ، ومِنَ المَشْهُورِ في بِلادِ رَشِيدٍ أنَّ الأمْرَ كانَ عِنْدَهُمْ، وأنَّ عِنْدَهم سَمَكًا ذاهِبَ الشَّقِّ يَقُولُونَ: أنَّهُ مِن نَسْلِ تِلْكَ السَّمَكَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ. فاسْتَمَرّا يَقُصّانِ حَتّى انْتَهَيا إلى مَوْضِعِ فَقْدِ الحُوتِ
الكهف 18:65
﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا﴾ مُضافًا إلى حَضْرَةِ عَظَمَتِنا وهو الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿آتَيْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ”رَحْمَةً“ أيْ وحْيًا ونُبُوَّةً، وكَوْنُهُ نَبِيًّا قَوْلُ الجُمْهُورِ، ”مِن عِنْدِنا“ أيْ مِمّا لَمْ يَجْرِ عَلى قَوانِينِ العاداتِ غَيْرَ أنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَغْرَبٍ عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ﴿وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَبْطَنَةِ المُسْتَغْرَبَةِ الَّتِي عِنْدَنا مِمّا لَمْ يَحْدُثْ عَنِ الأسْبابِ المُعْتاداتِ، فَهو مُسْتَغْرَبٌ عِنْدَ أهْلِ الِاصْطِفاءِ ﴿عِلْمًا﴾ قَذَفْناهُ في قَلْبِهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ [و -] قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ: ”عِنْدَ“ في لِسانِ العَرَبِ لِما ظَهَرَ، و”لَدُنْ“ لِما بَطَنَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالرَّحْمَةِ ما ظَهَرَ مِن كَراماتِهِ، وبِالعِلْمِ الباطِنَ الخَفِيَّ المَعْلُومَ قَطْعًا أنَّهُ خاصٌّ بِحَضْرَتِهِ سُبْحانَهُ، فَأهْلُ (p-١٠٧)التَّصَوُّفِ سَمَّوُا العِلْمَ بِطَرِيقِ المُكاشَفَةِ العِلْمَ اللَّدُنِيَّ، فَإذا سَعى العَبْدُ في الرِّياضِيّاتِ يَتَزَيَّنُ الظّاهِرُ بِالعِبادَةِ، وتَتَخَلّى النَّفْسُ عَنِ الأخْلاقِ الرَّذِيلَةِ، وتَتَحَلّى بِالأخْلاقِ الجَمِيلَةِ، وتَصِيرُ القُوى الحِسِّيَّةُ والخَيالِيَّةُ والوَهْمِيَّةُ في غايَةِ القُوَّةِ، [وحِينَئِذٍ تَصِيرُ القُوَّةُ -] العَقْلِيَّةُ قَوِيَّةً [صافِيَةً، ورُبَّما كانَتِ النَّفْسُ بِحَسَبِ أصْلِ الفِطْرَةِ نُورانِيَّةً إلَهِيَّةً عُلْوِيَّةً قَلِيلَةَ التَّعَلُّقِ -] بِالحَوادِثِ البَدَنِيَّةِ، شَدِيدَةَ الِاسْتِعْدادِ لِقَبُولِ الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، فَتُشْرِقُ فِيها الأنْوارُ الإلَهِيَّةُ وتَفِيضُ عَلَيْها مِن عالِمِ القُدُسِ عَلى وجْهِ الكَمالِ فَتَحْصُلُ المَعارِفُ والعُلُومُ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ وتَأمُّلٍ، فَهَذا هو العِلْمُ اللَّدُنِيُّ.
الكهف 18:66
ثُمَّ أوْرَدَ سُبْحانَهُ وتَعالى القِصَّةَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ عَنْ كُلِّ كَلامٍ يُرْشِدُ إلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وذَلِكَ أنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الطّالِبَ لِلشَّخْصِ إذا لَقِيَهُ كَلَّمَهُ، لَكِنْ لا يُعْرَفُ عَيْنُ ذَلِكَ الكَلامِ فَقالَ لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ طالِبًا مِنهُ عَلى سَبِيلِ التَّأدُّبِ والتَّلَطُّفِ بِإظْهارِ ذَلِكَ في قالَبِ الِاسْتِئْذانِ: ﴿هَلْ أتَّبِعُكَ﴾ أيِ اتِّباعًا بَلِيغًا حَيْثُ تَوَجَّهْتَ؛ والِاتِّباعُ: الإتْيانُ لِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ آتِيًا بِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَطْلُبُ مِنهُ غَيْرَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي﴾ (p-١٠٨)وزادَ في التَّلَطُّفِ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ لا يَطْلُبُ جَمِيعَ ما عِنْدَهُ لِيَطُولَ عَلَيْهِ الزَّمانُ بَلْ جَوامِعَ مِنهُ يَسْتَرْشِدُ بِها إلى باقِيهِ فَقالَ: ﴿مِمّا عُلِّمْتَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ - لِكَوْنِهِمْ مِنَ الخُلَّصِ - بِأنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولِلْإشارَةِ إلى سُهُولَةِ كُلِّ أمْرٍ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿رُشْدًا﴾ أيْ عِلْمًا يُرْشِدُنِي إلى الصَّوابِ فِيما أقْصِدُهُ، ولا نَقْصَ في تَعَلُّمِ نَبِيٍّ مِن نَبِيٍّ حَتّى يُدَّعى أنَّ مُوسى هَذا لَيْسَ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ كَوْنُهُ ابْنَ عِمْرانَ في الصَّحِيحِ، وأتى صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ في سُؤالِهِ [لَهُ -] بِهَذِهِ الأنْواعِ مِنَ الآدابِ والإبْلاغِ في التَّواضُعِ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ، لِأنَّ كُلَّ مَن كانَتْ إحاطَتُهُ بِالعُلُومِ أكْثَرَ، كانَ عِلْمُهُ بِما فِيها مِنَ البَهْجَةِ والسَّعادَةِ أكْثَرَ، فَكانَ طَلَبُهُ لَها أشَدَّ، فَكانَ تَعْظِيمُهُ لِأرْبابِ العُلُومِ أكْمَلَ.
الكهف 18:67
ولَمّا أتَمَّ العِبارَةَ عَنِ السُّؤالِ، اسْتَأْنَفَ جَوابَهُ [لَهُ -] بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ يا مُوسى ﴿مَعِيَ صَبْرًا﴾ أيْ هو مِنَ العَظَمَةِ عَلى ما أُرِيدُ لِما يَحُثُّكَ عَلى عَدَمِ الصَّبْرِ مِن ظاهِرِ الشَّرْعِ الَّذِي أُمِرْتَ [بِهِ -]، فالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ بِما تُؤْذِنُ بِهِ تاءُ الِاسْتِفْعالِ، وآكَدُ لِما في سُؤالِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّلَطُّفِ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ يَصْبِرُ (p-١٠٩)عَلَيْهِ ولا يُخالِفُهُ في شَيْءٍ أصْلًا، ويُؤْخَذُ مِنهُ أنَّ العالِمَ إنْ رَأى في التَّغْلِيظِ عَلى المُتَعَلِّمِ ما يُفِيدُهُ نَفْعًا وإرْشادًا إلى الخَيْرِ كانَ عَلَيْهِ ذِكْرُهُ، فَإنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ يُوقِعُ المُتَعَلِّمَ في الغُرُورِ والنَّخْوَةِ، وذَلِكَ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّعَلُّمِ.
الكهف 18:68
ولَمّا كانَ المَقامُ صَعْبًا جِدًّا لِأنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى أوامِرِ اللَّهِ تَعالى، بَيَّنَهُ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ مِن نَفْيِ الأخَصِّ، وهو الصَّبْرُ البَلِيغُ، بِالتَّعْجِيبِ مِن مُطْلَقِ [الصَّبْرِ -] مُعْتَذِرًا عَنْ مُوسى في الإنْكارِ، وعَنْ نَفْسِهِ في الفِعْلِ، بِأنَّ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الظّاهِرِ والباطِنِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكَيْفَ تَتَّبِعُنِي الِاتِّباعَ البَلِيغَ: ﴿وكَيْفَ تَصْبِرُ﴾ يا مُوسى ﴿عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العِلْمِ بِهِ ظاهِرًا وباطِنًا، فَأشارَ بِالإحاطَةِ إلى أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى صَوابٍ، ولَكِنْ تَجْوِيزًا لا يُسْقِطُ عَنْهُ وُجُوبَ الأمْرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَعْلِيلًا لِما [قَبْلَهُ -]، فَيَكُونَ الصَّبْرُ الثّانِي هو الأوَّلَ، والمَعْنى أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ [الصَّبْرَ الَّذِي أُرِيدُهُ -] لِأنَّكَ لا تَعْرِفُ فِعْلِي عَلى ما هو عَلَيْهِ فَتَراهُ فاسِدًا
الكهف 18:69
﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، آتِيًا بِنِهايَةِ التَّواضُعِ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ، إرْشادًا لِما يَنْبَغِي في طَلَبِ العِلْمِ رَجاءَ تَسْهِيلِ اللَّهِ لَهُ (p-١١٠)والنَّفْعِ بِهِ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ فَأكَّدَ الوَعْدَ بِالسِّينِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَوّى تَأْكِيدَهُ بِالتَّبَرُّكِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى لِعِلْمِهِ بِصُعُوبَةِ الأمْرِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ الحَثُّ عَلَيْهِ في هَذِهِ [السُّورَةِ -] في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ﴾ [الكهف: ٢٣] الآيَةِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ مِنهاجُ الأنْبِياءِ وسَبِيلُ الرُّسُلِ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ”صابِرًا“ عَلى ما يَجُوزُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ زادَ التَّأْكِيدَ بِقَوْلِهِ عَطْفًا بِالواوِ عَلى ”صابِرًا“ لِبَيانِ التَّمَكُّنِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ: ﴿ولا أعْصِي﴾ أيْ وغَيْرَ عاصٍ ﴿لَكَ أمْرًا﴾ تَأْمُرُنِي بِهِ غَيْرَ مُخالِفٍ لِظاهِرِ أمْرِ اللَّهِ
الكهف 18:70
﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ يا مُوسى اتِّباعًا بَلِيغًا ﴿فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ﴾ أقُولُهُ أوْ أفْعَلُهُ ﴿حَتّى أُحْدِثَ لَكَ﴾ خاصَّةً ﴿مِنهُ ذِكْرًا﴾ يُبَيِّنُ لَكَ وجْهَ صَوابِهِ، فَإنِّي لا أُقْدِمُ عَلى شَيْءٍ إلّا وهو صَوابٌ جائِزٌ في نَفْسِ الأمْرِ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ غَيْرَ ذَلِكَ.
الكهف 18:71
ولَمّا تَشارَطا وتَراضَيا عَلى الشَّرْطِ سَبَّبَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فانْطَلَقا﴾ أيْ مُوسى والخَضِرُ عَلَيْهِما السَّلامُ عَلى السّاحِلِ، يَطْلُبانِ سَفِينَةً يَرْكَبانِ فِيها واسْتَمَرّا ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ﴾ وأجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَرَقَها﴾ وعَرَّفَها لِإرْشادِ السِّياقِ بِذِكْرِ مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ إلى أنَّ (p-١١١)انْطِلاقَهُما [كانَ -] لِطَلَبِ سَفِينَةٍ، فَكانَتْ لِذَلِكَ كَأنَّها مُسْتَحْضَرَةٌ في الذِّهْنِ، ولَمْ يَقْرِنْ ”خَرَقَ“ بِالفاءِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُسَبَّبًا عَنِ الرُّكُوبِ ولا كانَ في أوَّلِ أحْيانِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُنْكِرًا لِذَلِكَ لِما في ظاهِرِهِ مِنَ الفَسادِ بِإتْلافِ المالِ المُفْضِي إلى فَسادٍ أكْبَرَ مِنهُ بِإهْلاكِ النُّفُوسِ، [ناسِيًا -] لِما عَقَدَ عَلى نَفْسِهِ لِما دَهَمَهُ مِمّا عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ - وهو الإلَهُ العَظِيمُ - مِنَ العَهْدِ الوَثِيقِ المُكَرَّرِ في جَمِيعِ أسْفارِ التَّوْراةِ بَعْدَ إثْباتِهِ في لَوْحَيِ الشَّهادَةِ في العَشْرِ كَلِماتٍ الَّتِي نِسْبَتُها مِنَ التَّوْراةِ كَنِسْبَةِ الفاتِحَةِ مِنَ القُرْآنِ بِالأمْرِ القَطْعِيِّ أنَّهُ لا يُقِرُّ عَلى مُنْكَرٍ، ومِنَ المُقَرَّرِ أنَّ النَّهْيَ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ، عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْسَ لَمْ يَتْرُكِ الإنْكارَ، كَما فَعَلَ عِنْدَ قَتْلِ الغُلامِ، لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ غَيْرُ داخِلٍ في الوَعْدِ، لِأنَّ المُسْتَثْنى شَرْعًا كالمُسْتَثْنى وضْعًا، فَفي الأُولى نَسِيَ الشَّرْطَ، وفي الثّانِيَةِ نَسِيَ - لِما دَهَمَهُ مِن فَظاعَةِ القَتْلِ الَّذِي لَمْ [يَعْلَمْ -] فِيهِ مِنَ اللَّهِ أمْرًا - أنَّهُ يَنْبَغِي تَقْلِيدُهُ لِثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ: ﴿أخَرَقْتَها﴾ وبَيَّنَ عُذْرَهُ في الإنْكارِ بِما في غايَةِ الخَرْقِ مِنَ الفَظاعَةِ فَقالَ: ﴿لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾ واللَّهِ! ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا [مُنْكَرًا عَجِيبًا شَدِيدًا -]
الكهف 18:72
﴿قالَ﴾ أيِ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ أقُلْ إنَّكَ﴾ يا مُوسى! (p-١١٢)﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ فَذَكَّرَهُ بِما قالَ لَهُ عِنْدَ الشَّرْطِ
الكهف 18:73
﴿قالَ﴾ مُوسى: ﴿لا تُؤاخِذْنِي﴾ يا خَضِرُ ﴿بِما نَسِيتُ﴾ مِن ذَلِكَ الِاشْتِراطِ ﴿ولا تُرْهِقْنِي﴾ أيْ تُلْحِقْنِي بِما لا أُطِيقُهُ وتُعْجِلْنِي عَنْ مُرادِي بِاتِّباعِكَ عَلى وجْهِ القَهْرِ ناسِبًا لِي إلى السَّفَهِ والخِفَّةِ ورُكُوبِ الشَّرِّ ﴿مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ بِالمُؤاخَذَةِ عَلى النِّسْيانِ، فَكُلٌّ مِنهُما صادِقٌ فِيما قالَ، مُوفٍ بِحَسَبِ ما عِنْدَهُ، أمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِأنَّهُ ما خَطَرَ [لَهُ -] قَطُّ أنْ يُعاهِدَ عَلى أنْ لا يَنْهى عَمّا يَعْتَقِدُهُ [مُنْكَرًا -]، وأمّا الخَضِرُ فَإنَّهُ عَقَدَ عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلى مُنْكَرٍ، ومَعَ ذَلِكَ فَما نَفى [إلّا -] الصَّبْرَ البَلِيغَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بِزِيادَةِ تاءِ الِاسْتِفْعالِ، وقَدْ حَصَلَ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ صَبْرٌ. لِأنَّهُ لَمّا ذَكَّرَهُ كَفَّ عَنْهُ لِما تَذَكَّرَ بِثَناءِ اللَّهِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَفْعَلُ باطِلًا، ولَمْ يَحْصُلِ الصَّبْرُ البَلِيغُ الَّذِي في نَفْسِ الخَضِرِ بِالسُّكُوتِ في أوَّلِ الأمْرِ وآخِرِهِ
الكهف 18:74
﴿فانْطَلَقا﴾ بَعْدَ نُزُولِهِما مِنَ السَّفِينَةِ وسَلامَتِها مِنَ الغَرَقِ والغَصْبِ ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا﴾ لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ وهو في غايَةِ القُوَّةِ ﴿فَقَتَلَهُ﴾ حِينَ لَقِيَهُ - كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفاءُ العاطِفَةُ عَلى الشَّرْطِ. ثُمَّ أجابَ الشَّرْطَ بِقَوْلِهِ مُشْعِرًا بِأنَّ شُرُوعَهُ في الإنْكارِ في هَذِهِ أسْرَعُ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أقَتَلْتَ﴾ يا خَضِرُ ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (p-١١٣)بِكَوْنِها عَلى الفِطْرَةِ الأُولى مِن غَيْرِ أنْ تُدَنَّسَ بِخَطِيئَةٍ تُوجِبُ القَتْلَ ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قَتَلَتْها لِيَكُونَ قَتْلُكَ لَها قَوَدًا؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ بالِغًا حَتّى إذا قَتَلَ قَتِيلًا أمْكَنَ قَتْلُهُ بِهِ إلّا أنْ يَكُونَ شَرْعُهم لا يَشْتَرِطُ البُلُوغَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ﴾ في قَتْلِكَ إيّاها ﴿شَيْئًا﴾ وصَرَّحَ [بِالإنْكارِ -] في قَوْلِهِ: ﴿نُكْرًا﴾ لِأنَّهُ مُباشَرَةٌ. والخَرْقُ تَسَبُّبٌ لا يَلْزَمُ مِنهُ الغَرَقُ.
الكهف 18:75
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ ثانِيَةً ﴿قالَ﴾ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ألَمْ أقُلْ﴾ وزادَ قَوْلَهُ: ﴿لَكَ إنَّكَ﴾ يا مُوسى ﴿لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿صَبْرًا﴾
الكهف 18:76
﴿قالَ﴾ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حَياءً مِنهُ لَمّا أفاقَ بِتَذَكُّرٍ مِمّا حَصَلَ مِن فَرْطِ الوَجْدِ لِأمْرِ اللَّهِ فَذَكَرَ أنَّهُ ما تَبِعَهُ إلّا بِأمْرِ اللَّهِ: ﴿إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾ يا أخِي! وأعْلَمَ بِشِدَّةِ نَدَمِهِ عَلى الإنْكارِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ بَلْ فارِقْنِي؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قَدْ بَلَغْتَ﴾ وأشارَ إلى أنَّ ما وقَعَ مِنهُ مِنَ الإخْلالِ بِالشَّرْطِ مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ الَّتِي اضْطُرَّ إلَيْها فَقالَ: ﴿مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾ بِاعْتِراضِي مَرَّتَيْنِ واحْتِمالِكَ لِي فِيهِما. وقَدْ أخْبَرَنِي اللَّهُ بِحُسْنِ حالِكَ في غَزارَةِ عِلْمِكَ
الكهف 18:77
﴿فانْطَلَقا﴾ بَعْدَ قَتْلِهِ ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ﴾ عَبَّرَ عَنْها هُنا بِالقَرْيَةِ دُونَ المَدِينَةِ (p-١١٤)لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الذَّمِّ، لِأنَّ مادَّةَ قَرا تَدُورُ عَلى الجَمْعِ الَّذِي يَلْزَمُهُ الإمْساكُ كَما تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ثُمَّ وصَفَها لِيُبَيِّنَ [أنَّ -] لَها مَدْخَلًا في لُؤْمِ أهْلِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اسْتَطْعَما﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ في قَوْلِهِ: ﴿أهْلَها﴾ لِأنَّ الِاسْتِطْعامَ لِبَعْضِ مَن أتَوْهُ، أوْ كُلٌّ مِنَ الإتْيانِ والِاسْتِطْعامِ لِبَعْضٍ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مُتَّحِدٍ، وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ هو المُوافِقُ لِلْعادَةِ.
قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في كِتابِهِ مِفْتاحُ البابِ المُقْفَلِ لِفَهْمِ القُرْآنِ المُنْزَلِ: ولِتَكْرارِ الأسْماءِ بِالإظْهارِ والإضْمارِ بَيانُ سِنِينَ الأفْهامِ في القُرْآنِ: اعْلَمْ أنَّ لِوُقُوعِ الإظْهارِ والإضْمارِ في بَيانِ القُرْآنِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما يَتَقَدَّمُ فِيهِ الإظْهارُ وهو خِطابُ المُؤْمِنِينَ بِآياتِ الآفاقِ وعَلى نَحْوِهِ هو خِطابُ الخَلْقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ لا يُضْمِرُونَ إلّا بَعْدَ أنْ يُظْهِرُوا، والثّانِي يَتَقَدَّمُ فِيهِ الإضْمارُ وهو خِطابُ المُوقِنِينَ بِآيَةِ الأنْفُسِ، ولَمْ يَصِلْ إلَيْهِ تَخاطُبُ الخَلْقِ. فَإذا كانَ البَيانُ عَنْ إحاطَةٍ، تَقَدَّمَ الإضْمارُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وإذا كانَ عَنِ اخْتِصاصٍ، تَقَدَّمَ [الإظْهارُ -] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] وإذا رَدَّ عَلَيْهِ بَيانٌ عَلى حِدَةٍ أضْمَرَ ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] -] أيْ هَذا الَّذِي عُمَّ بِأحَدِيَّتِهِ وخُصَّ بِصَمَدِيَّتِهِ، وإذا (p-١١٥)أحاطَ البَيانُ بَعْدَ اخْتِصاصٍ اسْتُؤْنِفَ لَهُ إحاطَةٌ بِاسْتِئْنافِ إظْهارٍ مُحِيطٍ أوْ بِإضْمارٍ، أوْ بِجَمْعِ المُضْمَرِ والمُظْهَرِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١] ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج: ١٢] ﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ [البروج: ١٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ [الحشر: ٢٢] والتَّفَطُّنُ لِما اخْتُصَّ بِهِ بَيانُ القُرْآنِ عَنْ بَيانِ الإنْسانِ مِن هَذا النَّحْوِ مِن مَفاتِيحِ أبْوابِ الفَهْمِ، ومِن نَحْوِهِ ﴿أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ اسْتَأْنَفَ لِلْمُسْتَطْعِمَيْنِ إظْهارًا غَيْرَ إظْهارِ المَأْتِيِّينَ - انْتَهى. [وجَعَلَ السُّبْكِيُّ الإتْيانَ لِلْبَعْضِ، والِاسْتِطْعامَ لِلْكُلِّ، لِأنَّهُ أشَدُّ ذَمًّا لِأهْلِ القَرْيَةِ وأدَلُّ عَلى شَرِّ طَبْعِها، ومَن قالَ بِالأوَّلِ مُؤَيَّدٌ بِقَوْلِ الشّافِعِيِّ في كِتابِ الرِّسالَةِ في بابِ ما نَزَلَ مِنَ الكِتابِ عامًّا يُرادُ بِهِ العامُّ ويُدْخِلُها الخُصُوصَ وهو بَعْدَ البَيانِ الخامِسِ في قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها﴾ وفي هَذِهِ الآيَةِ أدَلُّ دَلالَةٍ عَلى أنَّهُ لَمْ يَسْتَطْعِما كُلَّ أهْلِ القَرْيَةِ وفِيها خُصُوصٌ - انْتَهى، وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ نَكِرَةً إذا أُعِيدَتْ كانَتِ الثّانِيَةُ غَيْرَ الأُولى، وإذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةٌ كانَتْ عَيْنًا في الأغْلَبِ.
ولَمّا أسْنَدَ (p-١١٦)الإتْيانَ إلى أهْلِ القَرْيَةِ كانَ ظاهِرُهُ تَناوُلَ الجَمِيعِ، فَلَوْ قِيلَ: اسْتَطْعَماهم لَكانَ المُرادُ بِالضَّمِيرِ عَيْنَ المَأْتِيِّينَ، فَلَمّا عَدَلَ عَنْهُ - مَعَ أنَّهُ أخْصَرُ - إلى الظّاهِرِ ولا سِيَّما إنْ جَعَلْناهُ نَكِرَةً كانَ غَيْرَ الأُولى وإلّا لَمْ يَكُنْ لِلْعُدُولِ فائِدَةٌ، وقَدْ كانَ الظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ لِلْجَمِيعِ فَكانَ الثّانِي لِلْبَعْضِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ ولا كانَ لِلْعُدُولِ فائِدَةٌ -]. ”فَأبَوْا“ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِطْعامِهِما أنْ أبى المُسْتَطْعَمُونَ مِن أهْلِ القَرْيَةِ ﴿أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾ أيْ يُنْزِلُوهُما ويُطْعِمُوهُما فانْصَرَفا عَنْهم ﴿فَوَجَدا فِيها﴾ أيِ القَرْيَةِ، ولَمْ يَقُلْ: فِيهِمْ، إيذانًا بِأنَّ المُرادَ وصْفُ القَرْيَةِ بِسُوءِ الطَّبْعِ ”جِدارًا“ مُشْرِفًا عَلى السُّقُوطِ، وكَذا قالَ مُسْتَعِيرًا لِما لا يَعْقِلُ صِفَةَ ما يَعْقِلُ: ﴿يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ أيْ يَسْقُطَ سَرِيعًا فَمَسَحَهُ الخَضِرُ بِيَدِهِ ”فَأقامَهُ“.
ولَمّا انْقَضى وصْفُ القَرْيَةِ وما تَسَبَّبَ عَنْهُ أجابَ ”إذا“ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ﴾ لِكَوْنِنا لَمْ يَصِلْ إلَيْنا مِنهم شَيْءٌ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى إقامَةِ الجِدارِ ﴿أجْرًا﴾ نَأْكُلُ بِهِ، فَلَمْ يَعْتَرِضْ عَلَيْهِ في هَذِهِ المَرَّةِ لِعَدَمِ ما يُنْكَرُ فِيها، وإنَّما ساقَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِن ثَمَرَتِها مَساقَ العَرْضِ والمَشُورَةِ غَيْرَ أنَّهُ يَتَضَمَّنُ السُّؤالَ
الكهف 18:78
﴿قالَ﴾ (p-١١٧)الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”هَذا“ أيِ الوَقْتُ أوِ السُّؤالُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبَ الفِراقِ أوْ مَحَلَّهُ، سَمّاهُ بِهِ مُبالَغَةً فَقالَ: ﴿فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ يا مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ البَيْنانِ بَيْنًا واحِدًا لِاتِّصالِهِما فَلا بَيْنَ، فَهو في الحَقِيقَةِ فَوْقَ ما كانَ مُتَّصِلًا مِن بَيْنِهِما، أوْ فِراقُ التَّقاوُلِ الَّذِي كانَ بَيْنَنا، أيِ الفِراقُ الَّذِي سَبَّبَهُ السُّؤالُ، وإذا نَزَلَ عَلى الِاحْتِباكِ ازْدادَ ظُهُورًا، تَقْدِيرُهُ: فِراقُ بَيْنِي مِن بَيْنِكَ كَما أخْبَرْتَ، وفِراقُ بَيْنِكَ مِن بَيْنِي كَما شَرَطْتُ، وقَدْ أثْبَتَتْ هَذِهِ العِبارَةُ [الفِراقَ -] عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا وقَعَ فِراقُ بَيْنِي مِن بَيْنِكَ بِحائِلٍ يَحُولُ بَيْنَهُما فَقَدْ وقَعَ مِنكَ بِطَرِيقِ الأوْلى، وحَقِيقَتُهُ أنَّ البَيْنَ هو الفَراغُ المُنْبَسِطُ الفاصِلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ وهو مُوَزَّعٌ بَيْنَهُما، فَبَيْنُ كُلٍّ مِنهُما مِن مُنْتَصَفِ ذَلِكَ الفَراغِ إلَيْهِ، فَإذا دَخَلَ في ذَلِكَ الفَراغِ شَيْءٌ فَصَلَ بَيْنَهُما، وصارَ بَيْنُ كُلٍّ مِنهُما يُنْسَبُ إلَيْهِ، لِأنَّهُ صارَ بَيْنَ ما يُنْسَبُ إلى كُلٍّ مِنهُما مِنَ البَيْنَيْنِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ بَيْنُهُما مُبايَنَةً، أيْ أنَّ [بَيْنَ -] كُلٍّ مِنهُما غَيْرُ بَيْنِ الآخَرِ ومَن قالَ: إنَّ مَعْنى ”هَذا فِراقُ بَيْنِنا“ زَوالُ الفَصْلِ ووُجُودُ الوَصْلِ، كَذَّبَهُ أنَّ مَعْنى ”هَذا اتِّصالُ بَيْنِنا“ المُواصَلَةُ، فَلَوْ كانَ هَذا مَعْنى ذاكَ أيْضًا لاتَّحَدَ مَعْنى ما يَدُلُّ عَلى الوَصْلِ بِمَعْنى ما يَدُلُّ عَلى الفَصْلِ، وقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ (p-١١٨)وتَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في تَفْسِيرِ الأصْبَهانِيِّ وغَيْرِهِ - بِما فَعَلَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ما وقَعَ لَهُ هو مِن مِثْلِهِ سَواءً بِسَواءٍ، فَنَبَّهَهُ - بِخَرْقِ السَّفِينَةِ الَّذِي ظاهِرُهُ هُلْكٌ وباطِنُهُ نَجاةٌ مِن يَدِ الغاصِبِ [عَلى التّابُوتِ الَّذِي أُطْبِقَ عَلَيْهِ وأُلْقِيَ في اليَمِّ خَوْفًا عَلَيْهِ مِن فِرْعَوْنَ الغاصِبِ -] فَكانَ ظاهِرُهُ [هُلْكًا -] وباطِنُهُ نَجاةً، وبِقَتْلِ الغُلامِ عَلى أنَّهُ كانَ مَعْصُومَ الحَرَكَةِ في نَفْسِ الأمْرِ في قَتْلِهِ القِبْطِيَّ وإنْ لَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ يَعْلَمُهُ لِكَوْنِهِ لَمْ يُنَبَّأْ، وبِإقامَةِ الجِدارِ مِن غَيْرِ أجْرٍ عَلى سَقْيِهِ لِبَناتِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن غَيْرِ أجْرٍ مَعَ احْتِياجِهِ لِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ شِدَّةُ اسْتِشْرافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الوُقُوفِ عَلى باطِنِ هَذِهِ الأُمُورِ، قالَ مُجِيبًا لَهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ: ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ يا مُوسى بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ إنْباءً عَظِيمًا ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ أيْ بِتَرْجِيعِ ﴿ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ لِمُخالَفَتِهِ عِنْدَكَ الحِكْمَةَ [إلى الحِكْمَةِ -] وهو أنَّ عِنْدَ تَعارُضِ الضَّرَرَيْنِ يَجِبُ ارْتِكابُ الأدْنى لِدَفْعِ الأقْوى بِشَرْطِ التَّحَقُّقِ، وأثْبَتَ تاءَ الِاسْتِفْعالِ هُنا وفِيما قَبْلَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ (p-١١٩)ما نَفى إلّا القُدْرَةَ البَلِيغَةَ عَلى الصَّبْرِ، إشارَةً إلى صُعُوبَةِ ما حَمَلَ مُوسى مِن ذَلِكَ، لا مُطْلَقَ القُدْرَةِ عَلى الصَّبْرِ
الكهف 18:79
﴿أمّا السَّفِينَةُ﴾ الَّتِي أحْسَنَ إلَيْنا [أهْلُها -] فَخَرَقْتُها ﴿فَكانَتْ لِمَساكِينَ﴾ وهو دَلِيلٌ لِلشّافِعِيِّ عَلى أنَّ الفَقِيرَ أسْوَأُ حالًا مِنَ المِسْكِينِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ يَمْلِكُونَ سَفِينَةً ”يَعْمَلُونَ في البَحْرِ“ لِيَسْتَعِينُوا بِذَلِكَ عَلى مَعاشِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّعْيِيبُ مِن فِعْلِهِ، أسْنَدَهُ إلَيْهِ خاصَّةً، تَأدُّبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ فَإنَّ تَفْوِيتَ مَنفَعَتِها [بِذَلِكَ-] ساعَةً مِن نَهارٍ وتَكْلِيفَ أهْلِها لَوْحًا يَسُدُّونَها بِهِ أخَفُّ ضَرَرًا مِن تَفْوِيتِهِمْ مَنفَعَتَها أخْذًا ورَأْسًا بِأخْذِ المَلِكِ لَها، ولَمْ أُرِدْ إغْراقَ أهْلِها كَما هو المُتَبادِرُ إلى الفَهْمِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ عِلَّةَ فِعْلِهِ فَقالَ: ﴿وكانَ وراءَهُمْ﴾ أيْ أمامَهُمْ، [ولَعَلَّهُ -] عَبَّرَ بِلَفْظِ (وراءَ كِنايَةً عَنِ الإحاطَةِ بِنُفُوذِ الأمْرِ في كُلِّ وِجْهَةٍ وارَتْهم ووارَوْها، وفَسَّرَهُ الحَرالِّيُّ في [سُورَةِ البَقَرَةِ] بِأنَّهُ وراءَهم في غَيْبَتِهِ عَنْ عِلْمِهِمْ وإنْ كانَ أمامَهم في وِجْهَتِهِمْ، لِأنَّهُ فَسَّرَ الوَراءَ بِما لا يَنالُهُ الحِسُّ ولا العِلْمُ حَيْثُما كانَ مِنَ المَكانِ، قالَ: فَرُبَّما اجْتَمَعَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، وراءً مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُعْلَمُ، ويَكُونُ أمامًا في المَكانِ.
﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ﴾ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ لَيْسَ فِيها عَيْبٌ ﴿غَصْبًا﴾ مِن أصْحابِها ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ أصْحابِها عِلْمٌ بِهِ.
الكهف 18:80
(p-١٢٠)ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الغَصْبِ والمَسْكَنَةِ سَبَبًا لِفِعْلِهِ، قَدَّمَها عَلى الغَصْبِ، إشارَةً إلى أنَّ أقْوى السَّبَبَيْنِ الحامِلَيْنِ عَلى فِعْلِهِ الرَّأْفَةُ بِالمَساكِينِ ﴿وأمّا الغُلامُ﴾ أيِ الَّذِي قَتَلْتُهُ ﴿فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ وكانَ هو مَطْبُوعًا عَلى الكُفْرِ - كَما يَأْتِي في حَدِيثِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَ يُحْتَمَلُ عِنْدَ الخَضَرِ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَكُونَ هَذا الغُلامُ مَعَ كُفْرِهِ في نَفْسِهِ سَبَبًا لِكُفْرِ أبَوَيْهِ إنْ كَبِرَ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ لَهُ بِقَتْلِهِ مِثْلَ فِعْلِ مَن يَخْشى ذَلِكَ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِما في قَوْلِهِ: ﴿فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما﴾ أيْ يُغْشِيَهُما ويُلْحِقَهُما إنْ كَبِرَ بِمَحَبَّتِهِما لَهُ أوْ بِجَراءَتِهِ وقَساوَتِهِ ﴿طُغْيانًا﴾ أيْ تَجاوُزًا في الظُّلْمِ وإفْراطًا فِيهِ ﴿وكُفْرًا﴾ لِنِعْمَتِهِما فَيُفْسِدُ دُنْياهُما أوْ يَحْمِلُهُما حُبُّهُما لَهُ عَلى الطُّغْيانِ والكُفْرِ بِاللَّهِ طاعَةً فَيُفْسِدُ دِينَهُما، رَوى مُسْلِمُ في القَدَرِ وأبُو داوُدَ في السُّنَّةِ والتِّرْمِذِيُّ في (p-١٢١)التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ الغُلامَ الَّذِي قَتَلَهُ الخَضِرُ طُبِعَ كافِرًا، ولَوْ عاشَ لَأرْهَقَ أبَوَيْهِ طُغْيانًا وكُفْرًا"» وهَذا حَدِيثُ: «اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذابَ - عَلى ما لَوْ وُجِدَ شَرْطُهُ لَوَقَعَ - إنَّما يَكُونُ عَلى ما كانَ جِبِلَّةً وطَبْعًا، لا ما كانَ عارِضًا، وإلّا لَعُذِّبَ الأبَوانِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المَعْلُومُ مِنَ الكُفْرِ مِنهُما.
الكهف 18:81
ولَمّا ذَكَرَ ما يَلْزَمُ عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِ مِنَ الفَسادِ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأرَدْنا﴾ أيْ بِقَتْلِهِ وإراحَتِهِما مِن شَرِّهِ، ولَمّا كانَ التَّعْوِيضُ عَنْ هَذا الوَلَدِ لِلَّهِ وحْدَهُ، أسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِما بِإعْطائِهِ وأخْذِهِ ﴿خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ طَهارَةً وبَرَكَةً، [أيْ -] مِن جِهَةِ كَوْنِهِ كانَ ظاهِرَ الزَّكاءِ في الحالِ، وأمّا في المَآلِ فَلَوْ عاشَ كانَ فِيهِ خَبِيثًا ظاهِرَ الخُبْثِ، وهَذا البَدَلُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الصَّبْرَ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولَدًا آخَرَ، وهو المَنقُولُ وأنَّها كانَتْ بِنْتًا ﴿وأقْرَبَ رُحْمًا﴾ بِرًّا بِهِما وعَطْفًا عَلَيْهِما ورَحْمَةً لَهُما فَكانَ الضَّرَرُ اللّاحِقُ لَهُما بِالتَّأسُّفِ عَلَيْهِ أدْنى مِنَ الضَّرَرِ اللّاحِقِ لَهُما عِنْدَ (p-١٢٢)كِبَرِهِ بِإفْسادِ دِينِهِما أوْ دُنْياهُما
الكهف 18:82
﴿وأمّا الجِدارُ﴾ الَّذِي أشَرْتَ بِأخْذِ الأجْرِ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ لِغُلامَيْنِ﴾ ودَلَّ عَلى كَوْنِهِما دُونَ البُلُوغِ بِقَوْلِهِ ﴿يَتِيمَيْنِ﴾
ولَمّا كانَتِ القَرْيَةُ لا تُنافِي التَّسْمِيَةَ بِالمَدِينَةِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِالقَرْيَةِ أوَّلًا ألْيَقَ، لِأنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن مَعْنى الجَمْعِ، فَكانَ ألْيَقَ بِالذَّمِّ في تَرْكِ الضِّيافَةِ لِإشْعارِهِ بِبُخْلِهِمْ حالَةَ الِاجْتِماعِ وبِمَحَبَّتِهِمْ لِلْجَمْعِ والإمْساكِ، وكانَتِ المَدِينَةُ بِمَعْنى الإقامَةِ، فَكانَ التَّعْبِيرُ بِها ألْيَقَ لِلْإشارَةِ بِهِ إلى أنَّ النّاسَ يُقِيمُونَ فِيها، فَيَنْهَدِمُ الجِدارُ وهم مُقِيمُونَ فَيَأْخُذُونَ الكَنْزَ، قالَ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ فَلِذَلِكَ أقَمْتُهُ احْتِسابًا ﴿وكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ﴾ أيْ مالٌ مَدْخُورٌ ”لَهُما“ لَوْ وقَعَ لَكانَ أقْرَبَ إلى ضَياعِهِ ﴿وكانَ أبُوهُما صالِحًا﴾ يَنْبَغِي مُراعاتُهُ وخَلَفُهُ في ذُرِّيَّتِهِ بِخَيْرٍ.
ولَمّا كانَ الإبْلاغُ إلى حَدِّ البُلُوغِ والِاسْتِخْراجِ فِعْلَ اللَّهِ وحْدَهُ، أُسْنِدَ إلَيْهِ خاصَّةً فَقالَ: ﴿فَأرادَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ، إشارَةً إلى ما فَعَلَ بِكَ مِن مِثْلِها قَبْلَ النُّبُوَّةِ كَما بُيِّنَ ﴿أنْ يَبْلُغا﴾ أيِ الغُلامانِ ﴿أشُدَّهُما﴾ أيْ رُشْدَهُما وقُوَّتَهُما ﴿ويَسْتَخْرِجا كَنْـزَهُما﴾ لِيَنْتَفِعا بِهِ ويَنْفَعا الصّالِحِينَ ﴿رَحْمَةً﴾ بِهِما ﴿مِن رَبِّكَ﴾ (p-١٢٣)أيِ الَّذِي أحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وأنْتَ في حُكْمِ [اليَتِيمِ -] فَكانَ التَّعَبُ في إقامَةِ الجِدارِ مَجّانًا أدْنى مِنَ الضَّرَرِ اللّازِمِ مِن سُقُوطِهِ لِضَياعِ الكَنْزِ وفَسادِ الجِدارِ، وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ صَلاحَ الآباءِ داعٍ إلى العِنايَةِ بِالأبْناءِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ لِبَعْضِ الخَوارِجِ [فِي كَلامٍ -] جَرى بَيْنَهُما: بِمَ حَفِظَ اللَّهُ كَنْزَ الغُلامَيْنِ؟ قالَ: بِصَلاحِ أبِيهِما، قالَ فَأبِي وجَدِّي خَيْرٌ مِنهُ، قالَ أنْبَأنا اللَّهُ أنَّكم قَوْمٌ خَصِمُونَ.
﴿وما فَعَلْتُهُ﴾ أيْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ﴿عَنْ أمْرِي﴾ بَلْ عَنْ أمْرِ مَن لَهُ الأمْرُ، وهو اللَّهُ.
ولَمّا بانَ سِرُّ تِلْكَ القَضايا، قالَ مُقَدِّرًا لِلْأمْرِ: ”ذَلِكَ“ أيِ الشَّرْحُ العَظِيمُ ﴿تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ﴾ يا مُوسى ﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وحَذَفَ تاءَ الِاسْتِطاعَةِ هُنا لِصَيْرُورَةِ ذَلِكَ - بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ - في حَيِّزِ ما يُحْمَلُ فَكانَ مُنْكِرُهُ غَيْرَ صابِرٍ أصْلًا لَوْ كانَ عِنْدَهُ مَكْشُوفًا مِن أوَّلِ الأمْرِ، وسَقَطَ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - بِما قَرَّرَتْهُ في هَذِهِ القِصَّةِ ما يُقالُ مِن أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أخْبَرَ في قَوْلِ سُلَيْمانَ (p-١٢٤)عَلَيْهِ السَّلامُ المُخْرَجِ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى مِائَةِ امْرَأةٍ كُلُّهُنَّ تَلِدُ فارِسًا [يُجاهِدُ -] في سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَمْ تَلِدْ مِنهُنَّ إلّا واحِدَةً جاءَتْ بِشَقِّ آدَمِيٍّ”أنَّهُ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لَجاهَدُوا فُرْسانًا أجْمَعُونَ» فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ نَبِيٍّ اسْتَثْنى في خَبَرِهِ صَدَّقَهُ اللَّهُ تَعالى كَما وقَعَ لِلذَّبِيحِ أنَّهُ قالَ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] فَوَفى، فَما لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو مِن أُولِي العَزْمِ - فَعَلَ مَعَ الِاسْتِثْناءِ ما فَعَلَ؟ فَإنَّ الذَّبِيحَ صَبَرَ عَلى ما هو قاطِعٌ بِأنَّهُ بِعَيْنِهِ أمْرُ اللَّهِ، بِخِلافِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ يُنْكِرُ ما ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ قَبْلَ العِلْمِ بِأنَّهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، فَإذا نُبِّهَ صَبَرَ، وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «يَرْحَمِ اللَّهُ أخِي مُوسى! ودِدْنا لَوْ أنَّهُ صَبَرَ حَتّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» فَمَعْناهُ: صَبْرٌ عَنِ الإذْنِ لِلْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُفارَقَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾ [الكهف: ٧٦] ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ في رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى مُوسى! لَوْلا أنَّهُ عَجِلَ لَرَأى العَجَبَ ولَكِنَّهُ (p-١٢٥)أخَذَتْهُ [مِن صاحِبِهِ -] ذِمامَةٌ»“قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي”. فَتَحَرَّرَ أنَّهُ وفى بِمَقامِ الشَّرْعِ الَّذِي أقامَهُ اللَّهُ [فِيهِ -] فَلَمْ يُخِلَّ بِمَقامِ الصَّبْرِ الَّذِي [لَيْسَ -] فِيهِ ما يُخالِفُ ما يَعْرِفُ ويَسْتَحْضِرُ مِنَ الشَّرْعِ، وكَيْفَ لا وهو مِن أكابِرِ أُولِي العَزْمِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى لِأشْرَفِ [خَلْقِهِ -] في التَّسْلِيكِ بِسَيْرِهِمْ ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما خَرَّجَهُ الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أُوذِيَ مِن بَعْضِ مَن كانَ مَعَهُ في حُنَيْنٍ فَتَلَوَّنَ وجْهُهُ وقالَ:“يَرْحَمِ اللَّهُ أخِي مُوسى! لَقَدْ أُوذِيَ بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ”». وعُلِمَ أنَّ في قِصَّتِهِ هَذِهِ حَثًّا كَثِيرًا عَلى المُجاهَرَةِ بِالمُبادَرَةِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والمُصابَرَةِ عَلَيْهِ، وأنْ لا يُراعى فِيهِ كَبِيرٌ ولا صَغِيرٌ إذا كانَ المَرْءُ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ في الظّاهِرِ بِما عِنْدَهُ في ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ عَنِ اللَّهِ ورَسُولِهِ وأئِمَّةِ دِينِهِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ العِلْمِ اللَّدُنِيِّ - سَواءٌ كانَ صاحِبُهُ نَبِيًّا أوْ ولِيًّا - مَعْرِفَةُ كُلِّ شَيْءٍ كَما يَدَّعِيهِ أتْباعُ بَعْضِ الصُّوفِيَّةِ، لِأنَّ الخَضِرَ سَألَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ: (p-١٢٦)مَن أنْتَ؟ وهَلْ هو مُوسى نَبِيُّ بَنِي إسْرائِيلَ - كَما سَيَأْتِي. رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن رِواياتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «“مُوسى رَسُولُ اللَّهِ - عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - ذَكَّرَ النّاسَ [يَوْمًا -] حَتّى إذا فاضَتِ العُيُونُ ورَقَّتِ القُلُوبُ ولّى فَأدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقالَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ في الأرْضِ [أحَدٌ -] أعْلَمُ مِنكَ؟ قالَ: لا! فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إلَيْهِ، فَأوْحى إلَيْهِ: بَلى! عَبْدٌ مِن عِبادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ، قالَ: أيْ رَبِّ! كَيْفَ السَّبِيلُ إلَيْهِ؟ [قالَ -]: تَأْخُذُ حُوتًا في مِكْتَلٍ فَحَيْثُ ما فَقَدْتَهُ فاتْبَعْهُ - وفي رِوايَةٍ: خُذْ نُونًا مَيِّتًا حَيْثُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ - فَخَرَجَ ومَعَهُ فَتاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونَ حَتّى انْتَهَيا إلى الصَّخْرَةِ، فَوَضَعَ مُوسى رَأْسَهُ فَنامَ في ظِلِّ الصَّخْرَةِ في مَكانِ ثَرْيانَ إذْ تَضْرِبُ الحُوتَ - وفي رِوايَةٍ: [و -] في أصْلِ تِلْكَ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقالُ لَهُ الحَياةُ لا يُصِيبُ مِن مائِها شَيْءٌ إلّا حَيِيَ، فَأصابَ الحُوتُ مِن ماءِ تِلْكَ العَيْنِ فانْسَلَّ مِنَ المِكْتَلِ فَدَخَلَ البَحْرَ - فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ (p-١٢٧)البَحْرِ حَتّى كانَ أثَرُهُ في حَجَرٍ، فَقالَ فَتاهُ: لا أُوقِظُهُ، حَتّى إذا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أنْ يُخْبِرَهُ، فَذَكَرَ سَفَرَهُما وقَوْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَقَدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هَذا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢] قالَ: قَدْ قَطَعَ اللَّهُ عَنْكَ النَّصَبَ، فَرَجَعا فَوَجَدا خَضِرًا عَلى طِنْفِسَةٍ خَضْراءَ عَلى كَبِدِ البَحْرِ مُسَجّىً بِثَوْبِهِ، قَدْ جَعَلَ طَرَفَهُ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، وطَرَفَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسى فَكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ وقالَ: هَلْ بِأرْضِي مِن سَلامٍ؟ مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى! قالَ: مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: نَعَمْ! قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ: جِئْتُ لِتُعَلِّمَنِي، قالَ: أما يَكْفِيكَ أنَّ التَّوْراةَ بِيَدَيْكَ وأنَّ الوَحْيَ [يَأْتِيكَ -]؟ يا مُوسى! إنَّ لِي عِلْمًا لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْلَمَهُ، وإنَّ لَكَ عِلْمًا لا يَنْبَغِي لِي أنْ أعْلَمَهُ - أيْ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْمَلَ بِالباطِنِ ولا يَنْبَغِي [لِي أنا -] أنْ أقِفَ مَعَ الظّاهِرِ، أطْلَقَ العِلْمَ عَلى العَمَلِ لِأنَّهُ سَبَبُهُ - فانْطَلَقا يَمْشِيانِ عَلى السّاحِلِ، فَوَجَدُوا مَعابِرَ صِغارًا تَحْمِلُ أهْلَ هَذا السّاحِلِ إلى أهْلِ السّاحِلِ الآخَرِ، فَعُرِفَ الخَضِرُ فَقالُوا: عَبْدُ اللَّهِ الصّالِحُ! لا تَحْمِلْهُ بِأجْرٍ، فَحَمَلُوهم في سَفِينَتِهِمْ بِغَيْرِ نَوْلٍ: بِغَيْرِ أجْرٍ - فَرَكِبا السَّفِينَةَ، ووَقَعَ عُصْفُورٌ عَلى حَرْفِ السَّفِينَةِ فَغَمَسَ مِنقارَهُ في البَحْرِ؛ وفي رِوايَةٍ: فَأخَذَ بِمِنقارِهِ مِنَ البَحْرِ، (p-١٢٨)وفِي رِوايَةٍ: فَنَقَرَ نَقْرَةً أوْ نَقْرَتَيْنِ فَقالَ: واللَّهِ ما نَقَصَ عِلْمِي وعِلْمُكَ مِن عِلْمِ اللَّهِ إلّا كَما نَقَصَ هَذا مِنَ البَحْرِ، فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسى إلّا الخَضِرُ عَمَدَ إلى قَدُومٍ فَخَرَقَ السَّفِينَةَ ووَتَدَ فِيها وتِدًا فَذَكَرَ إنْكارَهُ وجَوابَهُ ثُمَّ قالَ: وكانَتِ الأُولى مِن مُوسى نِسْيانًا، والوُسْطى شَرْطًا، والثّالِثَةُ عَمْدًا - فَذَكَرَ القِصَّةَ، وقالَ في آخِرِها: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ودِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتّى يُقَصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» .
الكهف 18:83
ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي حاصِلُها أنَّها طَوافٌ في الأرْضِ لِطَلَبِ العِلْمِ، عَقَّبَها بِقِصَّةِ مَن طافَ الأرْضَ لِطَلَبِ الجِهادِ، وقَدَّمَ الأُولى إشارَةً إلى عُلُوِّ دَرَجَةِ العِلْمِ لِأنَّهُ أساسُ كُلِّ سَعادَةٍ، وقِوامُ كُلِّ أمْرٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ويُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ﴾ [الكهف: ٥٦] ﴿ويَسْألُونَكَ عَنْ﴾ الرَّجُلِ الصّالِحِ المُجاهِدِ ﴿ذِي القَرْنَيْنِ﴾ سُمِّيَ لِشَجاعَتِهِ أوْ لِبُلُوغِهِ قَرْنَيْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ ومَشْرِقِها، أوْ لِانْقِراضِ قَرْنَيْنِ مِنَ النّاسِ في زَمانِهِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ لَهُ ضَفِيرَتانِ مِنَ الشَّعْرِ أوْ لِتاجِهِ [قَرْنانِ -]، وهو الإسْكَنْدَرُ الأوَّلُ - نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الأزْرَقِيِّ أنَّهُ كانَ عَلى زَمَنِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وطافَ مَعَهُ بِالبَيْتِ، ومِنَ المُناسَباتِ الصُّوَرِيَّةِ (p-١٢٩)أنَّ في قِصَّةِ كُلٍّ مِنهُما ثَلاثَةَ أشْياءَ آخِرُها بِناءُ جِدارٍ لا سَقْفَ لَهُ، وإنَّما هو لِأجْلِ حِفْظِ ما يُهْتَمُّ بِهِ خَوْفَ المُفْسِدِ، وصَدَّرَها بِالإخْبارِ عَنْ سُؤالِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَسْألُوا عَنِ الَّتِي قَبْلَها عَلى ما فِيها مِنَ العَجائِبِ واللَّطائِفِ، والأسْرارِ والمَعارِفِ، تَبْكِيتًا لِلْيَهُودِ في إغْفالِ الأمْرِ بِالسُّؤالِ عَنْها إنْ كانَ مَقْصُودُهُمُ [الحَقَّ -]، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا لَهم كانُوا بِالتَّبْكِيتِ أجْدَرَ، أوْ تَكُونُ مَعْطُوفَةً عَلى مَسْألَتِهِمُ الأُولى وهي الرُّوحُ، وصَدَّرَها بِالإخْبارِ بِالسُّؤالِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ لِطُولِ الفَصْلِ، إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مُرْتَبِطٌ بِجَوابِهِمُ ارْتِباطَ الدُّرِّ بِالسِّلْكِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَقُولُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: فَبِماذا أُجِيبُهُمْ؟ قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ: ﴿سَأتْلُو﴾ أيْ أقُصُّ قَصًّا مُتَتابِعًا في مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ إنْ أعْلَمَنِي اللَّهُ بِهِ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ وأهْلُ الكِتابِ المُعْلِمُونَ لَهم مُقَيِّدًا بِإنْ شاءَ اللَّهُ كَما سَلَفَ لَكَ الأمْرُ بِهِ ﴿مِنهُ ذِكْرًا﴾ كافِيًا لَكم في تَعَرُّفِ أمْرِهِ، جامِعًا لِمَجامِعِ ذِكْرِهِ.
الكهف 18:84
ولَمّا كانَتْ قِصَّتُهُ مِن أدَلِّ دَلِيلٍ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، جَلّاها في ذَلِكَ المَظْهَرِ فَقالَ: ﴿إنّا﴾ مُؤَكِّدًا لِأنَّ المُخاطَبِينَ بِصَدَدِ التَّعَنُّتِ والإنْكارِ ﴿مَكَّنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، قِيلَ: بِالمُلْكِ وحْدَهُ، وقِيلَ مَعَ (p-١٣٠)النُّبُوَّةِ، لِأنَّ ما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ والإحْسانِ جَدِيرٌ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى النِّهايَةِ لا سِيَّما إذا عَبَّرَ عَنْهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ ﴿لَهُ في الأرْضِ﴾ مَكِنَةً يَصِلُ بِها إلى جَمِيعِ مَسْلُوكِها، ويَظْهَرُ بِها عَلى سائِرِ مُلُوكِها ﴿وآتَيْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحْتاجُ إلَيْهِ في ذَلِكَ ﴿سَبَبًا﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُ السَّبَبِ الحَبْلُ، ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ حَتّى صارَ يُطْلَقُ عَلى ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقْصُودِ. فَأرادَ بُلُوغَ المَغْرِبِ، ولَعَلَّهُ بَدَأ بِهِ لِأنَّ بابَ التَّوْبَةِ فِيهِ
الكهف 18:85
﴿فَأتْبَعَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو بِالتَّشْدِيدِ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِقَطْعِ الهَمْزَةِ وإسْكانِ الفَوْقانِيَّةِ: ألْحَقَ بَعْضَ الأسْبابِ بِبَعْضٍ، وذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِقِراءَةِ التَّشْدِيدِ ”سَبَبًا“ يُوَصِّلُهُ إلَيْهِ، واسْتَمَرَّ مُتَّبِعًا لَهُ
الكهف 18:86
﴿حَتّى إذا بَلَغَ﴾ في ذَلِكَ المَسِيرِ ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ أيِ الحَدَّ الَّذِي لا يَتَجاوَزُهُ آدَمِيٌّ في جِهَةِ الغَرْبِ ”وجَدَها“ فِيما يُحِسُّ بِحاسَّةِ لَمْسِهِ ”تَغْرُبُ“ كَما أحَسَّهُ بِحاسَّةِ بَصَرِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَّصِلٌ بِما وصَلَ إلَيْهِ بِيَدِهِ، لا حائِلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ ﴿فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أيْ ذاتِ حَمْأةٍ أيْ طِينٍ أسْوَدَ، وهي مَعَ ذَلِكَ حارَّةٌ كَما يَنْظُرُ مَن في وسَطِ البَحْرِ أنَّها تَغْرُبُ فِيهِ وتَطْلُعُ مِنهُ وعِنْدَهُ القَطْعُ بِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ﴿ووَجَدَ عِنْدَها﴾ أيْ عَلى السّاحِلِ المُتَّصِلِ بِتِلْكَ العَيْنِ ”قَوْمًا“ كُفّارًا لَهم قُوَّةٌ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ومَنَعَةٌ، (p-١٣١)فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُمِرَ فِيهِمْ؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ”قُلْنا“ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ: ﴿يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ إعْلامًا بِقُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا ما أمَرَهُ بِهِ، إمّا بِواسِطَةِ المَلَكِ إنْ كانَ نَبِيًّا - وهو أظْهَرُ الِاحْتِمالاتِ، أوْ بِواسِطَةِ نَبِيِّ زَمانِهِ، أوْ بِاجْتِهادِهِ في شَرِيعَتِهِ الِاجْتِهادَ المُصِيبَ،
﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ أيْ هَؤُلاءِ القَوْمَ بِبَذْلِ السَّيْفِ فِيهِمْ بِكُفْرِهِمْ ﴿وإمّا أنْ تَتَّخِذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكَ ﴿فِيهِمْ حُسْنًا﴾ أمْرًا لَهُ حُسْنٌ عَظِيمٌ، وذَلِكَ هو البُداءَةُ بِالدُّعاءِ، إشارَةً إلى أنَّ القَتْلَ وإنْ كانَ جائِزًا فالأوْلى أنْ لا يُفْعَلَ إلّا بَعْدَ اليَأْسِ مِنَ الرُّجُوعِ عَنْ مُوجِبِهِ
الكهف 18:87
﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ﴾ بِاسْتِمْرارِهِ عَلى الكُفْرِ فَإنّا نَرْفُقُ بِهِ حَتّى نَيْأسَ مِنهُ [ثُمَّ -] نَقْتُلُهُ، وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ طُولِ الدُّعاءِ والتَّرَفُّقِ ﴿ثُمَّ يُرَدُّ﴾ بَعْدَ الحَياةِ بِالمَوْتِ، أوْ بَعْدَ البَرْزَخِ بِالبَعْثِ، رَدًّا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿إلى رَبِّهِ﴾ الَّذِي تَفَرَّدَ بِتَرْبِيَتِهِ ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾ شَدِيدًا جِدًّا لَمْ يَعْهَدْ مِثْلَهُ لِكُفْرِهِ لِنِعْمَتِهِ، وبَذْلِ خَيْرِهِ في عِبادَةِ غَيْرِهِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ بِالتَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ لِلْيَهُودِ الغارِّينَ لِقُرَيْشٍ، وإرْشادٌ لِقُرَيْشٍ إلى أنْ يَسْألُوهم عَنْ قَوْلِهِ هَذا، لِيَكُونَ قائِدًا [لَهم -] إلى الإقْرارِ بِالبَعْثِ
الكهف 18:88
﴿وأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾ تَصْدِيقًا لِما أخْبَرَ بِهِ مِن تَصْدِيقِهِ (p-١٣٢)﴿فَلَهُ﴾ في الدّارَيْنِ ﴿جَزاءً﴾ طَرِيقَتُهُ ﴿الحُسْنى﴾ مِنّا ومِنَ اللَّهِ بِأحْسَنَ [مِنها -] ﴿وسَنَقُولُ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ اخْتِبارِهِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿لَهُ﴾ أيْ لِأجْلِهِ ﴿مِن أمْرِنا﴾ الَّذِي نَأْمُرُ بِهِ فِيهِ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ قَوْلًا غَيْرَ شاقٍّ مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ والخَراجِ والجِهادِ وغَيْرِها، وهو ما يُطِيقُهُ ولا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَشَقَّةً كَبِيرَةً
الكهف 18:89
﴿ثُمَّ أتْبَعَ﴾ لِإرادَتِهِ بُلُوغَ مَشْرِقِ الشَّمْسِ ﴿سَبَبًا﴾ مِن جِهَةِ الجَنُوبِ يُوصِلُهُ إلى المَشْرِقِ واسْتَمَرَّ فِيهِ لا يَمَلُّ ولا تَغْلِبُهُ أُمَّةٌ مَرَّ عَلَيْها
الكهف 18:90
﴿حَتّى إذا بَلَغَ﴾ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أيِ المَوْضِعَ الَّذِي تَطْلُعُ عَلَيْهِ أوَّلًا مِنَ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ ﴿وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ﴾ عَلى ساحِلِ البَحْرِ لَهم قُوَّةٌ شَدِيدَةٌ ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ﴾ [ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ -]: ﴿مِن دُونِها﴾ أيْ مِن أدْنى الأماكِنِ إلَيْهِمْ أوَّلَ ما تَطْلُعُ ”سِتْرًا“ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ المَحَلِّ الَّذِي [يُرى -] طُلُوعُها مِنهُ [مِنَ البَحْرِ -] مِن جَبَلٍ ولا أبْنِيَةٍ ولا شَجَرٍ ولا غَيْرِها.
الكهف 18:91
ولَمّا كانَ أمْرُهُ مُسْتَغْرَبًا في نَفْسِهِ وفي الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ لا سِيَّما عِنْدَ القُرْبِ، قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ أمْرُهُ كَما ذَكَرْنا لَكم عَلى (p-١٣٣)سَبِيلِ الِاقْتِصارِ ﴿وقَدْ أحَطْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ،
﴿بِما لَدَيْهِ﴾ أيْ كُلِّهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي [هِيَ -] أغْرَبُ المُسْتَغْرَبِ ”خُبْرًا“ أيْ مِن جِهَةِ بَواطِنِ أُمُورِهِ فَضْلًا عَنْ ظَواهِرِها، فَلا يُسْتَغْرَبُ إخْبارُنا عَنْ ذَلِكَ ولا عَنْ أمْرِ أصْحابِ الكَهْفِ، ولا يُظَنُّ أنَّ تَفْصِيلَ أمْرِ الرُّوحِ خَفِيٌّ عَنّا، لِأنّا مُطَّلِعُونَ عَلى خَفايا الأُمُورِ وظَواهِرِها، شَواهِدِها وغَوائِبِها، وكَيْفَ لا ونَحْنُ أوْجَدْناها ولَكِنّا لا نَذْكُرُ مِن ذَلِكَ إلّا [ما نُرِيدُ عَلى -] ما تَدْعُو إلَيْهِ الحِكْمَةُ، فَلَوْ شِئْنا لَبَسَطْنا هَذِهِ القِصَّةَ وقِصَّةَ أهْلِ الكَهْفِ وفَصَّلْنا أمْرَ الرُّوحِ [تَفْصِيلًا -] يَعْجِزُ عَنْ حِفْظِهِ الألِبّاءُ
الكهف 18:92
﴿ثُمَّ أتْبَعَ﴾ في إرادَتِهِ ناحِيَةَ السَّدِّ مَخْرَجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ﴿سَبَبًا﴾ مِن جِهَةِ الشَّمالِ، واسْتَمَرَّ أخْذًا فِيهِ
الكهف 18:93
﴿حَتّى إذا بَلَغَ﴾ في مَسِيرِهِ ذَلِكَ ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أيِ الجَبَلَيْنِ المانِعَيْنِ مَن وراءَهُما مِنَ الوُصُولِ مِنهُما إلى مَن أمامَهُما وهُما بِمُنْقَطِعِ أرْضِ التُّرْكِ مِمّا يَلِي بِلادَ أرْمِينِيَّةَ وآذْرَبَيْجانَ، أمْلَسانِ يَزْلَقُ عَلَيْهِما كُلُّ شَيْءٍ؛ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ، والباقُونَ بِضَمِّهِما، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وقِيلَ: المَضْمُومُ مِن فِعْلِ اللَّهِ، والمَفْتُوحُ مِن فِعْلِ النّاسِ.
﴿وجَدَ مِن دُونِهِما﴾ أيْ بِقُرْبِهِما مِنَ الجانِبِ الَّذِي هو أدْنى مِنهُما إلى الجِهَةِ الَّتِي أتى مِنها ذُو القَرْنَيْنِ (p-١٣٤)﴿قَوْمًا﴾ أيْ أقْوِياءَ لُغَتُهم في غايَةِ البُعْدِ مِن لُغاتِ بَقِيَّةِ النّاسِ لِبُعْدِ بِلادِهِمْ مِن بَقِيَّةِ البِلادِ، فَهم لِذَلِكَ ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾ أيْ لا يَقْرُبُونَ مِن أنْ يَفْهَمُوهُ مِمَّنْ مَعَ ذِي القَرْنَيْنِ فَهْمًا جَيِّدًا كَما يَفْهَمُ غَيْرُهُمْ، ودَلَّ وصْفُهم بِما يَأْتِي عَلى أنَّهم يَفْهَمُونَ فَهْمًا ما بَعْدَ بُعْدٍ ومُحاوَلَةٍ طَوِيلَةٍ، لِعَدَمِ ماهِرٍ بِلِسانِهِمْ مِمَّنْ مَعَ ذِي القَرْنَيْنِ، وعَدَمِ ماهِرٍ مِنهم بِلِسانِ أحَدٍ مِمَّنْ مَعَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ بَيْنَهم وبَيْنَ بَقِيَّةِ سُكّانِ الأرْضِ غَيْرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ بَرارِيَ شاسِعَةً، وفَيافِيَ واسِعَةً، مَنَعَتْ مِنَ اخْتِلاطِهِمْ بِهِمْ، وأنَّ تَطَيُّعَهم بِلِسانِ غَيْرِهِمْ بَعِيدٌ جِدًّا لِقِلَّةِ حِفْظِهِمْ لِخُرُوجِ بِلادِهِمْ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ، أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، ويَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنَّهم لا يَكادُونَ يُفْهِمُونَ غَيْرَهم شَيْئًا مِن كَلامِهِمْ، وذَلِكَ مَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِضَمِّ التَّحْتانِيَّةِ وكَسْرِ القافِ، ودَلَّ عَلى [أنَّ -] عَدَمَ فَهْمِهِمْ وإفْهامِهِمْ مُقَيَّدٌ بِما مَضى قَوْلُهُ:
الكهف 18:94
﴿قالُوا﴾ أيْ مُتَرْجِمُوهم أوْ جِيرانُهُمُ - الَّذِينَ مِن دُونِهِمْ - كَما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ بَعْضَ كَلامِهِمْ، أوْ بِالإشارَةِ كَما يُخاطَبُ إلَيْكُمْ: ﴿يا ذا القَرْنَيْنِ﴾ مَسَّنا (p-١٣٥)الضُّرُّ ﴿إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ﴾ وهُما قَبِيلَتانِ مِنَ النّاسِ مِن أوْلادِ يافِثَ، لا يُطاقُ أمْرُهُمْ، ولا يُطْفَأُ جَمْرُهُمْ، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ بَعْثِ النّارِ أنَّهم مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾ بِأنْواعِ الفَسادِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ نُخْرِجُهُ لَكَ مِن أمْوالِنا - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وزادَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ألِفًا، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنىً واحِدٍ، وقِيلَ: بَلِ الخَرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ، والخَراجُ بِالألِفِ ما لَزِمَكَ.
﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ﴾ في جَمِيعِ ما ﴿بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ﴾ مِنَ الأرْضِ الَّتِي يُمْكِنُ تَوَصُّلُهم إلَيْنا مِنها بِما آتاكَ اللَّهُ مِنَ المَكِنَةِ ”سَدًّا“ يَصِلُ بَيْنَ هَذَيْنِ الجَبَلَيْنِ
الكهف 18:95
﴿قالَ﴾ بِعِفَّةٍ ودِيانَةٍ وقَصْدٍ لِلْخَيْرِ: ﴿ما مَكَّنِّي﴾
ولَمّا كانَ لِمَكِنَتِهِ حالَتانِ: إحْداهُما ظاهِرَةٌ، وهي ما شُوهِدَ مِن فِعْلِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وباطِنَةٌ ولا يَقَعُ أحَدٌ عَلَيْها بِحَدْسٍ ولا تَوَهُّمٍ، لِأنَّها مِمّا لَمْ يُؤْلَفْ مِثْلُهُ، فَلا يَقَعُ المُتَوَسِّمُ عَلَيْهِ، قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِإظْهارِ النُّونِ في ”مَكَّنَنِي“ وغَيْرُهُ بِالإدْغامِ، إشارَةً إلَيْهِما. ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى ما يَقَعُ المَكِنَةُ [فِيهِ -] أكْثَرَ، قَدَّمَ ضَمِيرَهُ فَقالَ: ﴿فِيهِ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ بِما تَرَوْنَ مِنَ الأمْوالِ والرِّجالِ، والفَهْمِ في إتْقانِ (p-١٣٦)الأُمُورِ، والتَّوَصُّلِ إلى جَمِيعِ المُمْكِنِ لِلْمَخْلُوقِ ”خَيْرٌ“ أيْ مِن خَرْجِكُمُ الَّذِي تُرِيدُونَ بَذْلَهُ لِمَكِنَتِي كَما قالَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ ”فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمّا آتاكُمْ“ ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ آلاتٍ وعُمّالٍ أتَقَوّى بِها في فِعْلِ ذَلِكَ، فَإنَّ أهْلَ البِلادِ أخْبَرُ بِما يَصْلُحُ في هَذا العَمَلِ مِن بِلادِهِمْ وما مَعِي إنَّما هو لِلْقِتالِ وما يَكُونُ مِن أسْبابِهِ، لا لِمِثْلِ هَذا ﴿أجْعَلْ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَ ما تَخْتَصُّونَ بِهِ ﴿وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ أيْ حاجِزًا حَصِينًا مُوَثَّقًا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، مَعَ التَّلاصُقِ المُتَلاحِمِ المُوجِبِ لِأنْ لا يُمَيَّزَ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ وهو أعْظَمُ مِنَ السَّدِّ؛ قالَ البَغْوِيُّ فَحَفَرَ لَهُ الأساسَ حَتّى بَلَغَ الماءَ [و -] جَعَلَ حَشْوَهُ الصَّخْرَ وطِينَهُ النُّحاسَ يُذابُ فَيُصَبُّ عَلَيْهِ فَصارَ كَأنَّهُ عِرْقٌ مِن جَبَلٍ تَحْتَ الأرْضِ.
الكهف 18:96
﴿آتُونِي﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ومَدِّها عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ [أيْ أعْطُونِي -] وبِهَمْزَةِ وصْلٍ، وهَمْزَةٍ بَعْدَها ساكِنَةٍ أيْ جِيئُونِي وتَعالَوْا إلَيَّ فَقَدْ أجَبْتُكم إلى سُؤالِكُمْ، ثُمَّ ابْتَدَأ مُغْرِيًا عَلى هَذِهِ القِراءَةِ فَقالَ: ﴿زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ أيْ عَلَيْكم بِهِ فَأحْضِرُوا إلَيَّ قِطْعَةً، فَأتَوْهُ (p-١٣٧)بِذَلِكَ فَرَدَمَ ما فَوْقَ الأساسِ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ صَفًّا مِنَ الحَدِيدِ وصَفًّا مِنَ الحَطَبِ، قالَ البَغْوِيُّ: فَلَمْ يَزَلْ يَجْعَلُ قِطَعَ الحَدِيدِ عَلى الحَطَبِ والحَطَبَ عَلى الحَدِيدِ.
﴿حَتّى إذا ساوى﴾ أيْ بِذَلِكَ البِناءِ ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أيْ أعْلى مُنْقَطَعِ الجَبَلَيْنِ المَوْصُوفَيْنِ، سُمِّيا لِتَصادُفِهِما - أيْ تَقابُلِهِما وتَقارُبِهِما - بِالبِناءِ عَلى تِلْكَ الحالَةِ عَرْضًا وطُولًا، وقِراءَةُ مَن فَتَحَ الصّادَ والدّالَ - وهم نافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ [دالَّةٌ -]عَلى أنَّ تَقابُلَهُما في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، فَكَأنَّهُما جِدارٌ فُتِحَ فِيهِ بابٌ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ بِضَمِّهِما دالَّةٌ عَلى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ في غايَةِ القُوَّةِ حَتّى أنَّ أعْلاهُ وأسْفَلَهُ سَواءٌ، وقِراءَةُ شُعْبَةٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ وإسْكانِ الدّالِ عَلى أشَدِّ ثَباتٍ وأتْقَنِهِ في كُلٍّ مِنهُما، فَلا يُنْتَخَرُ شَيْءٌ مِنهُما عَلى طُولِ الزَّمانِ بِرِيحٍ ولا غَيْرِها مِن فَسادٍ في أحَدِ الجانِبَيْنِ بِرَخاوَةٍ مِن سِياخٍ أوْ غَيْرِهِ ﴿قالَ﴾ أيْ لِلصُّنّاعِ: ﴿انْفُخُوا﴾ في الأكْوارِ فَنَفَخُوا فَأضْرَمَ فِيهِ النّارَ، واسْتَمَرَّ كَذَلِكَ ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ﴾ (p-١٣٨)أيْ كُلَّهُ ﴿نارًا قالَ﴾ لِلْقَوْمِ: ﴿آتُونِي﴾ بِالنُّحاسِ ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ﴾ أيِ الحَدِيدِ المَحْمِيِّ ﴿قِطْرًا﴾ مِنهُ بَعْدَ إذابَتِهِ، فَإنَّ القِطْرَ: النُّحاسُ الذّائِبُ، هَذا في قِراءَةِ حَمْزَةَ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ ومَدِّها بِمَعْنى أعْطُونِي النُّحاسَ.
فَفَعَلُوا ذَلِكَ فاخْتَلَطَ والتَصَقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وصارَ جَبَلًا صَلْدًا،
الكهف 18:97
ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أكْمَلَ عَمَلَهُ وأحْكَمَهُ ما ﴿اسْطاعُوا﴾ أيْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وغَيْرُهم ﴿أنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أيْ يَعْلُوا ظَهْرَهُ لِعُلُوِّهِ ومَلاسَتِهِ ﴿وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ لِثِخَنِهِ وصَلابَتِهِ، وزِيادَةُ التّاءِ هُنا تَدُلُّ عَلى أنَّ العُلُوَّ عَلَيْهِ أصْعَبُ مِن نَقْبِهِ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ والتِحامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حَتّى صارَ سَبِيكَةً واحِدَةً مِن حَدِيدٍ ونُحاسٍ في عُلُوِّ الجَبَلِ، وقَدْ حَكى ابْنُ خَرْداذْبَهْ عَنْ سَلامٍ التَّرْجُمانِ الَّذِي أرْسَلَهُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الواثِقُ إلَيْهِ حَتّى رَآهُ أنَّ ارْتِفاعَهُ مَدُّ البَصَرِ، (p-١٣٩)ولِأنَّهم لَوِ احْتالُوا بِبِناءِ دَرَجٍ مِن جانِبِهِمْ أوْ وضْعِ تُرابٍ حَتّى ظَهَرُوا عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْهم [ذَلِكَ -] لِأنَّهُ لا حِيلَةَ لَهم عَلى النُّزُولِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهم يَخْرُجُونَ في آخِرِ الزَّمانِ بِنَقْبِهِ لا بِظُهُورِهِ، ولا يُنافِي نَفْيَ الِاسْتِطاعَةِ لِنَقْبِهِ ما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ وابْنُ ماجَهْ في الفِتَنِ عَنْ أبِي رافِعٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لَيَحْفِرُنَّ السَّدَّ كُلَّ يَوْمٍ حَتّى إذا كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا، فَيَعُودُونَ إلَيْهِ كَأشَدِّ ما كانَ حَتّى [إذا-] بَلَغَتْ مُدَّتُهم وأرادَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَهم عَلى النّاسِ حَفَرُوا حَتّى [إذا -] كادُوا يَرَوْنَ شُعاعَ الشَّمْسِ قالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إنْ شاءَ اللَّهُ فَيَسْتَثْنِي فَيَعُودُونَ إلَيْهِ وهو كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ فَيَحْفِرُونَهُ ويَخْرُجُونَ عَلى النّاسِ» - الحَدِيثَ. وفي حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ (p-١٤٠)عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ: «"فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذا، وحَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ» ورَوَياهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وفِيهِ: «مِثْلُ هَذا وعَقَدَ تِسْعِينَ»
الكهف 18:98
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ حِينَ أفْرَغَهُ؟ قِيلَ: ﴿قالَ هَذا﴾ أيِ السَّدُّ ﴿رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإقْدارِي عَلَيْهِ ومَنعِ الفَسادِ بِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ بِقُرْبِ قِيامِ السّاعَةِ ﴿جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ بِإقْدارِهِمْ عَلى نَقْبِهِ وهَدْمِهِ وتَسْهِيلِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِالمَصْدَرِ المُنَوَّنِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في دَكِّهِ هو الَّذِي أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الكُوفِيِّينَ بِالمَدِّ مَمْنُوعًا مِنَ الصَّرْفِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُسْتَعْظَمًا خارِقًا لِلْعادَةِ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي﴾ الَّذِي وعَدَ بِهِ في خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ واخْتِراقِهِمُ الأرْضَ وإفْسادِهِمْ لَها ثُمَّ قِيامِ السّاعَةِ ﴿حَقًّا﴾ كائِنًا لا مَحالَةَ، فَلِذَلِكَ أعانَ عَلى هَدْمِهِ، وعَنْ قَتادَةَ قالَ: «"ذُكِرَ لَنا أنَّ (p-١٤١)رَجُلًا - وفي رِوايَةٍ: عَنْ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَأيْتُ سَدَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، قالَ انْعَتْهُ لِي، قالَ: كالبُرْدِ المُحَبَّرِ: طَرِيقَةٌ سَوْداءُ وطَرِيقَةٌ حَمْراءُ، وفي رِوايَةٍ: طَرِيقَةٌ حَمْراءُ مِن حَدِيدٍ وطَرِيقَةٌ سَوْداءُ مِن نُحاسٍ، وفي رِوايَةٍ أنَّهُ قالَ: انْتَهَيْتُ إلى أرْضٍ لَيْسَ لَهم إلّا الحَدِيدُ يَعْمَلُونَهُ -» رَواهُ الطَّبَرِيُّ وابْنُ أبِي عُمَرَ والطَّبَرانِيُّ في مُسْنَدِ الشّامِيِّينَ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ والبَزّارُ مِن وجْهٍ آخَرَ مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرَ ذَلِكَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ، وفي حَدِيثِ فَتْحِ البابِ مِن سِيرَةِ الحافِظِ أبِي الرَّبِيعِ بْنِ سالِمٍ الكَلاعِيِّ وشَيْخِهِ ابْنِ حُبَيْشٍ - وكانَ أمِيرَ تِلْكَ الجُيُوشِ الَّتِي بِها عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ رَبِيعَةَ في أيّامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ما نَصُّهُ: وحَدَّثَ مَطَرُ بْنُ ثَلْجٍ التَّمِيمِيُّ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالبابِ وشَهْرَبَرازُ عِنْدَهُ - يَعْنِي: وكانَ مَلِكَ البابِ مِن جِهَةِ آلِ كِسْرى فَأقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ شُحُوبَةٌ حَتّى جَلَسَ إلى شَهْرَبَرازَ فَتَساءَلا، ثُمَّ إنَّ شَهْرَبَرازَ قالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أيُّها الأمِيرُ! أتَدْرِي مِن أيْنَ جاءَ هَذا الرَّجُلُ؟ إنِّي بَعَثْتُهُ مُنْذُ سِنِينَ نَحْوَ السَّدِّ لِيَنْظُرَ لِي ما حالُهُ ومَن دُونَهُ، (p-١٤٢)وزَوَّدْتُهُ مالًا عَظِيمًا، وكَتَبْتُ لَهُ إلى مَن يَلِينِي وأهْدَيْتُ لَهُ وسَألْتُهُ أنْ يَكْتُبَ إلى مَن وراءَهُ، وزَوَّدْتُهُ لِكُلِّ مَلِكٍ هَدِيَّةً، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِكُلِّ مَلِكٍ بَيْنِي وبَيْنَهُ حَتّى انْتَهى إلى المَلِكِ الَّذِي السَّدُّ في ظَهْرِ أرْضِهِ، فَكَتَبَ لَهُ إلى عامِلِهِ عَلى ذَلِكَ البَلَدِ، فَأتاهُ فَبَعَثَ مَعَهُ بازْيارَهُ ومَعَهُ عُقابُهُ، فَذَكَرَ أنَّهُ أحْسَنَ إلى البازْيارِ، قالَ: فَتَشَكَّرَ لِيَ البازْيارُ فَلَمّا انْتَهَيْنا إذا جَبَلانِ بَيْنَهُما سَدٌّ مَسْدُودٌ حَتّى ارْتَفَعَ عَلى الجَبَلَيْنِ بَعْدَ ما اسْتَوى بِهِما، وإذا دُونَ السَّدِّ خَنْدَقٌ أشَدُّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ لِبُعْدِهِ، فَنَظَرْتُ إلى ذَلِكَ وتَفَرَّسْتُ فِيهِ، ثُمَّ ذَهَبْتُ لِأنْصَرِفَ فَقالَ لِيَ البازْيارُ: عَلى رِسْلِكَ! أكافِيكَ أنَّهُ لا يَلِي مَلِكٌ بَعْدَ مَلِكٍ إلّا تَقَرَّبَ إلى اللَّهِ تَعالى بِأفْضَلِ ما عِنْدَهُ مِنَ الدُّنْيا فَيَرْمِي بِهِ في هَذا اللِّهْبِ، فَشَرَحَ بَضْعَةَ [لَحْمٍ -] مَعَهُ فَألْقاها في ذَلِكَ الهَواءِ وانْقَضَّتْ عَلَيْها العُقابُ وقالَ: إنْ أدْرَكَتْها قَبْلَ أنْ تَقَعَ فَلا شَيْءَ، وإنْ لَمْ تُدْرِكْها حَتّى تَقَعَ فَذَلِكَ شَيْءٌ، فَخَرَجَتْ عَلَيْنا بِاللَّحْمِ في مَخالِبِها وإذا فِيهِ ياقُوتَةٌ فَأعْطانِيها، وهي هَذِهِ، فَتَناوَلَها مِنهُ شَهْرَ بَرازُ وهي حَمْراءُ فَناوَلَها عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَنَظَرَ إلَيْها ثُمَّ رَدَّها إلَيْهِ فَقالَ شَهْرَ بَرازُ: هَذِهِ خَيْرٌ مِن هَذِهِ البَلْدَةِ - يَعْنِي البابَ - وايْمِ اللَّهِ! لَأنْتُمْ أحَبُّ إلَيَّ مَلَكَةً مِن آلِ كِسْرى، ولَوْ كُنْتُ في سُلْطانِهِمْ ثُمَّ بَلَغَهم خَبَرُها (p-١٤٣)لانْتَزَعُوها مِنِّي، وايْمِ اللَّهِ! لا يَقُومُ لَكم شَيْءٌ ما وفَيْتُمْ أوْ وفى مَلِكُكُمُ الأكْبَرُ، فَأقْبَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلى الرَّسُولِ وقالَ: ما حالُ الرَّدْمِ وما شَبَهُهُ؟ فَقالَ: هَذا الثَّوْبُ الَّذِي عَلى هَذا الرَّجُلِ، وأشارَ إلى مَطَرِ بْنِ ثَلْجٍ وكانَ عَلَيْهِ قَباءٌ بَرُودٌ يَمَنِيَّةٌ أرْضُهُ حَمْراءُ ووَشْيُهُ أسْوَدُ، أوْ وشْيُهُ أحْمَرُ وأرْضُهُ سَوْداءُ، فَقالَ مَطَرٌ: صَدَقَ واللَّهِ الرَّجُلُ! لَقَدْ نَفَّذَ ورَأى، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أجَلْ! ووَصَفَ صِفَةَ الحَدِيدِ والصُّفْرِ وقَرَأ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦] إلى آخِرِ الآيَةِ، وقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لِشَهْرَ بَرازَ: كَمْ كانَتْ هَدِيَّتُكَ؟ قالَ: قِيمَةَ مِائَةِ ألْفٍ في بِلادِي هَذِهِ، وثَلاثَةِ آلافِ [ألْفٍ -] أوْ أكْثَرَ في تِلْكَ البُلْدانِ - انْتَهى. وقَدْ ظَهَرَ أنَّ [ما -] تَعَنَّتُوا بِهِ مِن قِصَّتَيْ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ وما أُدْرِجَ بَيْنَهُما تَبْكِيتًا لِلْيَهُودِ الآمِرِينَ بِذَلِكَ - دالٌّ [مِن قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -]عَلى قِيامِ السّاعَةِ فَصارَ كُلُّهُ أعْظَمَ مُلْزِمٍ لَهم إنْ قَبِلُوهُ، وأوْضَحَ فاضِحٍ لِعِنادِهِمْ إنْ تَرَكُوهُ.
الكهف 18:99
ولَمّا انْقَضى ما سَألُوا عَنْهُ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ في أبْلَغِ سِياقٍ وأبْدَعِ تَناسُبٍ، وأدْرَجَ في خِلالِهِ ما أدْرَجَ مِنَ التَّذْكِيرِ والوَعْظِ، والأمْرِ والنَّهْيِ، (p-١٤٤)والوَعْدِ والوَعِيدِ، والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، والتَّبْكِيتِ لِلْكاتِمِينَ لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ، النّاكِبِينَ عَمّا اسْتَبانَ لَهم مِنَ الطَّرِيقِ اللّاحِبِ والمَنهَجِ الواضِحِ صُنْعَ القادِرِ الحَكِيمِ الَّذِي لا يَسْتَخِفُّهُ ضَجَرٌ فَيَسْتَعْجِلُ، ولا يَعِيبُهُ أمْرٌ فَيَسْتَمْهِلُ، وخَتَمَهُ بِما هو عِلْمٌ عَظِيمٌ لِلسّاعَةِ، ذَكَرَ ما يَكُونُ إذْ ذاكَ وما يَكُونُ بَعْدَهُ إلى حُصُولِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في دارِهِ ومَحَلِّ اسْتِقْرارِهِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا عَظِيمًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِالنُّونِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَقَدْ بانَ أمْرُ ذِي القَرْنَيْنِ أيَّ بَيانٍ، وصَدَقَ في قَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي﴾ [الكهف: ٩٨] فَإنَّهُ إذا جاءَ وعْدُنا جَعَلْناهُ بِقُدْرَتِنا الَّتِي نُؤْتِيها لِيَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ دَكّاءَ فَأخْرَجْناهم عَلى النّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجّالِ: ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهُمْ﴾ أيْ بَعْضَ مَن خَلْفَ السَّدِّ ومَن أمامَهُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ جَعَلْنا السَّدَّ دَكّاءَ وخَرَجُوا مُقَدِّمَتُهم بِالشّامِ وساقِطَتُهم بِخُراسانَ، وهم - كَما قالَ اللَّهُ تَعالى - ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] ”يَمُوجُ“ أيْ يَضْطَرِبُ ﴿فِي بَعْضٍ﴾ كَما يَمُوجُ البَحْرُ، فَأهْلَكُوا ما مَرُّوا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ إلّا ما أرادَ اللَّهُ، ثُمَّ أبادَهُمُ الَّذِي خَلَقَهم وبِقُرْبِ ذَلِكَ أفْنى الخَلائِقَ أجْمَعِينَ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾ أيِ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿فَجَمَعْناهُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفاءُ الفَصِيحَةَ فَيَكُونَ المُرادُ النَّفْخَةَ الأُولى، أوْ ونُفِخَ [فِي الصُّورِ -] فَماتَ الخَلائِقُ (p-١٤٥)كُلُّهُمْ، فَبَلِيَتْ أجْسامُهُمْ، وتَفَتَّتَتْ عِظامُهُمْ، كَما كانَ مَن تَقَدَّمَهُمْ، ثُمَّ نُفِخَ [فِيهِ -] النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ فَجَمَعْناهم مِنَ التُّرابِ بَعْدَ تَمَزُّقِهِمْ فِيهِ، وتَفَرُّقِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ بِالسُّيُولِ والرِّياحِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿جَمْعًا﴾ فَأقَمْناهم دَفْعَةً واحِدَةً كَلَمْحِ البَصَرِ، وحَشَرْناهم إلى المَوْقِفِ لِلْحِسابِ ثُمَّ العِقابِ أوِ الثَّوابِ
الكهف 18:100
﴿وعَرَضْنا﴾ أيْ أظْهَرْنا ﴿جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ جَمَعْناهم لِذَلِكَ ﴿لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ظاهِرًا لَهم كُلَّ ما فِيها مِنَ الأهْوالِ وهم لا يَجِدُونَ عَنْها مَصْرِفًا؛
الكهف 18:101
ثُمَّ وصَفَهم بِما أوْجَبَ سَجْنَهم فِيها وتَجَهُّمَها لَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ﴾ كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَهم ﴿أعْيُنُهُمْ﴾ الوَجْهِيَّةُ والقَلْبِيَّةُ ﴿فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ بِعَدَمِ النَّظَرِ فِيما جَعَلْنا عَلى الأرْضِ مِن زِينَةٍ دَلِيلًا عَلى السّاعَةِ بِإفْنائِهِ إثْرَ إحْيائِهِ وإعادَتِهِ بَعْدَ إبْدائِهِ ﴿وكانُوا﴾ بِما جَبَلْناهم عَلَيْهِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ اسْتِطاعَةً عَظِيمَةً تُسْعِدُهُمْ، لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وغَرَقِ اسْتِبْصارِهِمْ في فُضُولِهِمْ ”سَمْعًا“ لِآياتِي الَّتِي تُسْمِعُ الصُّمَّ وتُبَصِّرُ الكُمْهَ، وهو أبْلَغُ في التَّبْكِيتِ بِالغَباوَةِ والتَّقْرِيعِ بِالبَلادَةِ مِن مُجَرَّدِ نَفْيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْفِي الِاسْتِطاعَةَ؛
الكهف 18:102
ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفْهَمَهُ ذَلِكَ (p-١٤٦)قَوْلَهُ مُوَبِّخًا لَهم ومُبَكِّتًا: ﴿أفَحَسِبَ﴾ أيْ أغَطُّوا أعْيُنَهم عَنْ آياتِي وأصَمُّوا أسْماعَهم عَنْ كَلِماتِي، وعَبَدُوا عِبادِي فَحَسِبُوا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ، وإنَّما قالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ دَلالَةً عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ ﴿أنْ يَتَّخِذُوا﴾ أيْ ولَوْ بَذَلُوا الجُهْدَ ﴿عِبادِي﴾ مِنَ الأحْياءِ كالمَلائِكَةِ وعُزَيْرٍ والمَسِيحِ، والأمْواتِ كالأصْنامِ.
ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ سُبْحانَهُ، وكانَ لا يَسْتَغْرِقُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ جَمِيعَ ما دُونَ رُتْبَتِهِ مِنَ المَراتِبِ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾ أيْ مُبْتَدِئِينَ اتِّخاذَهم مِن دُونِ إذْنِي، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ حَسَب مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: يَنْصُرُونَهم ويَدْفَعُونَ عَنْهم ويَجْعَلُونَ بَعْضَهم ولَدًا ولا أُعَذِّبُهم. ولَمّا كانَتْ غايَةُ اتِّخاذِ الوَلِيِّ أنْ يَفْعَلَ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِنَ النَّصْرِ والحِمايَةِ مِن كُلِّ مُؤْذٍ، جازَ كَوْنُ هَذا سادًّا مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ”حَسِبَ“ لِأنَّ مَعْناهُ: أحَسِبُوا اتِّخاذَهم مانِعَهم مِنِّي؟ ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ: لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ أصْلَدَ زَنْدُهُمْ، وخابَ جَدُّهُمْ، وغابَ سَعْدُهُمْ، حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي تَقَدَّمَ أنّا عَرَضْناها لَهم ﴿لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾ نُقَدِّمُها لَهم أوَّلَ قُدُومِهِمْ كَما يُعَجَّلُ لِلضَّيْفِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مَنعِها عَنْهُمْ، ولَهم وراءَها ما يُحْتَقَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَما هو شَأْنُ ما بَعْدَ النُّزُلِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ.
الكهف 18:103
(p-١٤٧)ولَمّا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ أنَّهم خَسِرُوا خَسارَةً لا رِبْحَ مَعَها، وخابَ ما كانُوا يُؤَمِّلُونَ، أمَرَهُ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ نُخْبِرُكم أنا وكُلُّ عَبْدٍ لِلَّهِ لَيْسَتْ عَيْنُهُ في غِطاءٍ عَنِ الذِّكْرِ، ولا في سَمْعِهِ عَجْزٌ عَنِ الوَعْيِ، إخْبارًا عَظِيمًا أيُّها التّارِكُونَ مَن لا خالِقَ ولا رازِقَ لَهم سِواهُ، والمُقْبِلُونَ عَلى مَن لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ مِن خَلْقٍ ولا رِزْقٍ ولا غَيْرِهِ ﴿بِالأخْسَرِينَ﴾ ولَمّا كانَتْ أعْمالُهم مُخْتَلِفَةً، فَمِنهم مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ النُّجُومَ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ بَعْضَ الأنْبِياءِ، ومِنهم مَن يَعْبُدُ الأوْثانَ، ومِنهم مَن يَكْفُرُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، جَمَعَ المُمَيَّزَ فَقالَ: ﴿أعْمالا﴾
الكهف 18:104
ثُمَّ وصَفَهم بِضِدِّ ما يَدَّعُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مِن نَجاحِ السَّعْيِ وإحْسانِ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أيْ حادَ عَنِ القَصْدِ فَبَطَلَ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالإعْراضِ عَمَّنْ لا يَنْفَعُهم ولا يَضُرُّهم إلّا هُوَ، والإقْبالِ عَلى ما لا نَفْعَ فِيهِ ولا ضُرَّ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ ظُهُورِ ذَلِكَ كالشَّمْسِ ﴿يَحْسَبُونَ﴾ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ ﴿أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ أيْ فِعْلًا هو في غايَةِ الإحْكامِ وهم في غايَةِ الدُّرْبَةِ بِهِ؛ ورَوى البُخارِيُّ في (p-١٤٨)التَّفْسِيرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ الأخْسَرِينَ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَ: أمّا اليَهُودُ فَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وأمّا النَّصارى فَكَفَرُوا بِالجَنَّةِ وقالُوا: لا طَعامَ [فِيها -] ولا شُرْبَ - انْتَهى. قُلْتُ: وكَذا قالَ اليَهُودُ لِأنَّ الفَرِيقَيْنِ أنْكَرُوا الحَشْرَ الجِسْمانِيَّ وخَصُّوهُ بِالرُّوحانِيِّ.
الكهف 18:105
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ أنَّهم عَلى ذَلِكَ، لِمُلازَمَتِهِمْ لِكَثِيرٍ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ، البَعِيدَةِ عَنِ الضَّلالِ، بَيَّنَ لَهُمُ السَّبَبَ في بُطْلانِ سَعْيِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [أيِ -] البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا السَّتْرَ والتَّغْطِيَةَ لِما مِن حَقِّهِ أنْ يُظْهَرَ ويُشْهَرَ، مُسْتَهِينِينَ ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ مِن كَلامِهِ وأفْعالِهِ، وبَيَّنَ سَبَبَ هَذا الكُفْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِقائِهِ﴾ أيْ فَصارُوا لا يَخافُونَ فَلا يَرُدُّهم شَيْءٌ عَنْ أهْوائِهِمْ ﴿فَحَبِطَتْ﴾ أيْ سَقَطَتْ وبَطَلَتْ وفَسَدَتْ بِسَبَبِ جَحْدِهِمْ لِلدَّلائِلِ ﴿أعْمالُهُمْ﴾ لِعَدَمِ بِنائِها عَلى أساسِ الإيمانِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ سُقُوطِها أنّا لا ﴿نُقِيمُ لَهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ المانِعَيْنِ مِنَ اعْتِراضِ أحَدٍ عَلَيْنا أوْ شَفاعَتِهِ بِغَيْرِ إذْنِنا لَدَيْنا ﴿يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ أيْ لا نَعْتَبِرُهم لِكَوْنِهِمْ جَهِلُوا أمْرَنا الَّذِي لا شَيْءَ أظْهَرُ مِنهُ، وأمِنُوا مَكْرَنا ولا شَيْءَ أخْطَرُ مِنهُ.
الكهف 18:106
(p-١٤٩)ولَمّا كانَ هَذا السِّياقُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهم جَهَنَّمَ أوْضَحَ مِنَ الشَّمْسِ قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي بَيَّنّاهُ مِن وعِيدِهِمْ ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ لَكِنْ لَمّا كانَ حاكِمًا بِضَلالِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، بَيَّنَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَهَنَّمُ﴾ وصَرَّحَ بِالسَّبَبِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِما كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّغْطِيَةَ لِلدَّلائِلِ ﴿واتَّخَذُوا آياتِي﴾ الَّتِي هي مَعَ إنارَتِها أجَدُّ الجِدِّ وأبْعَدُ شَيْءٍ عَنِ الهَزْلِ ﴿ورُسُلِي﴾ المُؤَيَّدِينَ بِباهِرِ أفْعالِي مَعَ ما لَهم مِنَ الشَّهامَةِ والفَضْلِ ﴿هُزُوًا﴾ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِالكُفْرِ الَّذِي هو طَعْنٌ في الإلَهِيَّةِ حَتّى ضَمُّوا إلَيْهِ الهُزْءَ الَّذِي هو أعْظَمُ احْتِقارٍ.
الكهف 18:107
ولَمّا بَيَّنَ ما لِأحَدِ قِسْمَيْ أهْلِ الجَمْعِ تَنْفِيرًا عَنْهُمْ، بَيَّنَ ما لِلْآخَرِ عَلى تَقْدِيرِ الجَوابِ لِسُؤالٍ تَقْتَضِيهِ الحالُ تَرْغِيبًا في اتِّباعِهِمْ والِاقْتِداءِ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ باشَرُوا الإيمانَ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ مِنَ الخِصالِ ﴿كانَتْ لَهُمْ﴾ لِبِناءِ أعْمالِهِمْ عَلى الأساسِ ﴿جَنّاتُ﴾ أيْ بَساتِينُ ﴿الفِرْدَوْسِ﴾ أيْ أعْلى الجَنَّةِ، وأصْلُهُ البُسْتانُ الَّذِي هو الجَنَّةُ بِالحَقِيقَةِ لِانْخِفاضِ ما دُونَهُ عَنْهُ، وسَتْرِ مَن يَدْخُلُهُ بِكَثْرَةِ أشْجارِهِ ﴿نُـزُلا﴾ كَما كانَ السَّعِيرُ والأغْلالُ لِأُولَئِكَ نُزُلًا، يُعَدُّ لَهم حِينَ الدُّخُولِ
الكهف 18:108
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ بَعْدَ دُخُولِهِمْ ﴿لا يَبْغُونَ﴾ أيْ يُرِيدُونَ أدْنى إرادَةٍ (p-١٥٠)﴿عَنْها حِوَلا﴾ [أيْ تَحَوُّلًا -] لِأنَّهُ لا مَزِيدَ عَلَيْها، دَفْعًا لِما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ الأمْرَ كَما في الدُّنْيا مِن أنَّ كُلَّ أحَدٍ في أيِّ نَعِيمٍ كانَ يَشْتَهِي ما هو أعْلى مِنهُ لِأنَّ طُولَ الإقامَةِ قَدْ يُورِثُ السَّآمَةَ، بَلْ هم في غايَةِ الرِّضى بِها، لِما فِيها مِن أنْواعِ المَلاذِّ الَّتِي لا حَصْرَ لَها ولا انْقِضاءَ، لا يَشْتَهِي أحَدٌ مِنهم غَيْرَ ما عِنْدَهُ سَواءٌ كانَ في الفِرْدَوْسِ أوْ فِيما دُونَهُ، وهو تَعْرِيضٌ بِالكَفَرَةِ في أنَّهم يَصْطَرِخُونَ في النّارِ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها﴾ [المؤمنون: ١٠٧] وذَلِكَ عَكْسُ ما كانَ في الدُّنْيا مِن رُكُونِ الكُفّارِ إلَيْها، ومَحَبَّتِهِمْ في طُولِ البَقاءِ فِيها، وعُزُوفِ المُؤْمِنِينَ عَنْها، وشَوْقِهِمْ إلى رَبِّهِمْ بِمُفارَقَتِها.
الكهف 18:109
ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ أسْئِلَتِهِمْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ مُخَلَّلًا بِما تَراهُ مِنَ الحُجَجِ البَيِّنَةِ والنَّفائِسِ المُلْزِمَةِ لَهم بِفَصْلِ النِّزاعِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِقَصِّ الأمْرِ الَّذِي بِإغْفالِهِ تَجَرَّؤُوا عَلى الكُفْرِ، وهو أمْرُ البَعْثِ إلى أنْ خَتَمَهُ بِما يَقْتَضِي أنَّ مَعْلُوماتِهِ لا تُحَدُّ، لِأنَّ مَقْدُوراتِهِ في تَنْعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ لا آخِرَ لَها فَلا تُعَدُّ، وكانَ اليَهُودُ قَدِ اعْتَرَضُوا عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِها ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٨٥] بِأنَّهم أُوتُوا التَّوْراةَ، وكانَ لِكُلِّ ما سَألُوا عَنْهُ مِنَ الفُصُولِ الطَّوِيلَةِ الذُّيُولِ أُمُورٌ تَهُولُ، [وكانَ رُبَّما -] قالَ قائِلٌ: ما لَهُ لا يَزِيدُ ذَلِكَ شَرْحًا؟ قالَ تَعالى آمِرًا (p-١٥١)بِالجَوابِ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمًا لَهم بِأنَّهم لا يُمْكِنُهُمُ الوُقُوفُ عَلى تَمامِ شَرْحِ شَيْءٍ مِن مَعْلُوماتِهِ، وآخِرِ اسْتِفْصالِ شَيْءٍ مِن مَقْدُوراتِهِ، قَطْعًا لَهم عَنِ السُّؤالِ، وتَقْرِيبًا إلى أفْهامِهِمْ بِضَرْبٍ مِنَ المِثالِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ لَهُمْ: ﴿لَوْ كانَ البَحْرُ﴾ أيْ ماؤُهُ عَلى عَظَمَتِهِ عِنْدَكم ﴿مِدادًا﴾ وهو اسْمٌ لِما يُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ مِنَ الحِبْرِ ﴿لِكَلِماتِ﴾ أيْ لِكَتْبِ كَلِماتِ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ في وصْفِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا تَعَنَّتُّمُوهُ في السُّؤالِ عَمّا سَألْتُمْ عَنْهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿لَنَفِدَ﴾ أيْ فَنِيَ مَعَ الضَّعْفِ فَناءً لا تَدارُكَ لَهُ ﴿البَحْرُ﴾ لِأنَّهُ جِسْمٌ مُتَناهٍ.
ولَمّا كانَتِ المَخْلُوقاتُ - لِكَوْنِها مُمْكِنَةً - لَيْسَ لَها مِن ذاتِها إلّا العَدَمُ، وكانَتِ الكَلِماتُ مِن صِفاتِ اللَّهِ، وصِفاتُ اللَّهِ واجِبَةُ الوُجُودِ، فَكانَ نَفادُها مُحالًا، فَكانَ نَفادُ المُمْكِنِ مِنَ البَحْرِ وما يَمُدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها مُسْتَغْرِقًا لِلْأزْمِنَةِ كُلِّها، جَرَّدَ الظَّرْفَ مِن حَرْفِ الجَرِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ﴾ أيْ تَفْنى وتَفْرَغَ ﴿كَلِماتُ رَبِّي﴾ لِأنَّها لا تَتَناهى لِأنَّ مَعْلُوماتِهِ ومَقْدُوراتِهِ لا تَتَناهى، وكُلٌّ مِنها لَهُ شَرْحٌ طَوِيلٌ، وخَطْبٌ جَلِيلٌ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ غَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلى إمْدادِ البَحْرِ قالَ: ﴿ولَوْ جِئْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَكُونُ لِغَيْرِنا ﴿بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أيْ لَهُ يُكْتَبُ مِنهُ لَنَفِدَ أيْضًا، وهَذا كُلُّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ النَّفادِ، لِأنَّهُ تَعْلِيقٌ (p-١٥٢)عَلى مُحالٍ عادَةً كَقَوْلِهِمْ: لا تَزالُ عَلى كَذا ما بَلَّ بَحْرٌ صُوفَةً وما دَجى اللَّيْلُ، ونَحْوِ هَذا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِجَمْعِ السَّلامَةِ إشارَةً إلى أنَّ قَلِيلَها بِهَذِهِ الكَثْرَةِ فَكَيْفَ بِما هو أكْثَرُ مِنهُ، وذَلِكَ أمْرٌ لا يَدْخُلُ تَحْتَ وصْفٍ، وعَبَّرَ بِالقَبْلِ دُونَ أنْ يُقالَ ”ولَمْ تَنْفَدْ“ ونَحْوُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ كافٍ في قَطْعِهِمْ عَنِ الِاسْتِقْصاءِ في السُّؤالِ ولِأنَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ رُبَّما فَتَحَ بابًا مِنَ التَّعَنُّتِ وهو أنْ يَجْعَلُوا الواوَ لِلْحالِ فَيَجْعَلُوا النَّفادَ مُقَيَّدًا بِذَلِكَ، وأمّا [سُورَةُ لُقْمانَ] فاقْتَضى سِياقُها في تَأْسِيسِ ما فِيها عَلى ﴿الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] ومَقْصُودُها أنْ يَكُونَ التَّعْبِيرُ فِيها بِغَيْرِ ما هاهُنا، فَما في كُلِّ سُورَةٍ أبْلَغُ بِالنِّسْبَةِ إلى سِياقِهِ، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في إفْصاحِ واحِدَةٍ مِنهُما ما يَدُلُّ عَلى نَفادِ الكَلِماتِ ولا عَدَمِهِ، [و -] في إفْهامِ كُلٍّ مِنهُما بِتَدَبُّرِ القَرائِنِ في السِّياقِ وغَيْرِهِ ما يَقْطَعُ بِعَدَمِ نَفادِها، ولا تَخالُفَ بَيْنَ الآيَتَيْنِ وإنْ كانَ التَّعْبِيرُ في هَذِهِ السُّورَةِ أدْخَلَ في التَّشابُهِ، ويُجابُ عَنْهُ بِما قالُوا في مِثْلِ قَوْلِ الشّاعِرِ ”عَلى لاحِبٍ لا يَهْتَدِي بِمَنارِهِ“ مِن أنَّ ما في حَيِّزِ السَّلْبِ لا يَقْتَضِي الوُجُودَ، ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الفِتَنِ المُمَيِّزَةِ بَيْنَ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ وبَيْنَ الرّاسِخِ الَّذِي يَرُدُّ المُتَشابِهَ إلى المُحْكَمِ، وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ البُرْهانُ القاطِعُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لا نِهايَةَ لِذاتِهِ، ولا لِشَيْءٍ مِن (p-١٥٣)صِفاتِهِ، بَلْ هو الأوَّلُ والآخِرُ الباقِي بِلا زَوالٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.
الكهف 18:110
ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ما لَكَ لا تُحَدِّثُنا مِن هَذِهِ الكَلِماتِ بِكُلِّ ما نَسْألُكَ عَنْهُ حَيْثُما سَألْناكَ؟ وكانُوا قَدِ اسْتَنْكَرُوا كَوْنَ النَّبِيِّ بَشَرًا، وجَوَّزُوا كَوْنَ الإلَهِ حَجَرًا، وغَيَّوْا إيمانَهم بِهِ بِأُمُورٍ سَألُوهُ في الإتْيانِ بِها كَما تَقَدَّمَ بَعْدَ أوَّلِ مَسائِلِهِمْ، وهي الرُّوحُ آخِرَ ”سُبْحانَ“، وكانَ قَدْ ثَبَتَ بِإجابَتِهِمْ عَنِ المَسائِلِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّهُ رَسُولٌ، أمَرَهُ سُبْحانَهُ أنْ يُجِيبَهم عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ غَلَطَهُمْ، ويَفْضَحُ شُبَهَهُمْ، إرْشادًا لَهم إلى أهَمِّ ما يَعْنِيهِمْ مِنَ الحَرْفِ الَّذِي النِّزاعُ كُلُّهُ دائِرٌ عَلَيْهِ وهو التَّوْحِيدُ فَقالَ: ﴿قُلْ إنَّما أنا﴾ أيْ في الِاسْتِمْدادِ بِالقُدْرَةِ عَلى إيجادِ المَعْدُومِ والإخْبارِ بِالمَغِيبِ ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ لا أمْرَ لِي ولا قُدْرَةَ إلّا عَلى ما يُقَدِّرُنِي عَلَيْهِ رَبِّي، ولا اسْتِبْعادَ لِرِسالَتِي مِنَ اللَّهِ فَإنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ فِيمَن قَبْلِي ﴿يُوحى إلَيَّ﴾ [أيْ -] مِنَ اللَّهِ الَّذِي خَصَّنِي بِالرِّسالَةِ كَما أوْحى إلى الرُّسُلِ قَبْلِي ما لا غِنى لِأحَدٍ عَنْ عِلْمِهِ واعْتِقادِهِ ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ (p-١٥٤)وأشارَ إلى أنَّ إلَهِيَّتَهُ بِالإطْلاقِ لا بِالنَّظَرِ إلى جَعْلِ جاعِلٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ لا يَنْقَسِمُ بِمُجانَسَةٍ ولا غَيْرِها، قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ، لا مُنازِعَ لَهُ، لَمْ يُؤَخِّرْ جَوابَ ما سَألْتُمُونِي عَنْهُ مِن عَجْزٍ ولا جَهْلٍ ولا هَوانٍ [بِي -] عَلَيْهِ - هَذا هو الَّذِي يَعْنِي كُلَّ أحَدٍ عِلْمُهُ، وأمّا ما سَألْتُمْ عَنْهُ مِن أمْرِ الرُّوحِ والقِصَّتَيْنِ تَعَنُّتًا فَأمْرٌ لَوْ جَهِلْتُمُوهُ ما ضَرَّكم جَهْلُهُ، وإنِ اتَّبَعْتُمُونِي عَلِمْتُمُوهُ الآنَ وما دَلَّ عَلَيْهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ إيمانًا بِالغَيْبِ عِلْمَ اليَقِينِ، وعَلِمْتُمُوهُ بَعْدَ المَوْتِ بِالمُشاهَدَةِ عَيْنَ اليَقِينِ، وبِالمُباشَرَةِ حَقَّ اليَقِينِ، وإنْ لَمْ تَتَّبِعُونِي لَمْ يَنْفَعْكم عِلْمُهُ ﴿فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ وحْدَتِهِ المُسْتَلْزِمَةِ لِقُدْرَتِهِ أنَّهُ مَن ﴿كانَ يَرْجُو﴾ أيْ يُؤْمِنُ بِمُجازاتِهِ لَهُ عَلى أعْمالِهِ في الآخِرَةِ بِرُؤْيَتِهِ وغَيْرِها، وإنَّما قالَ: ﴿لِقاءَ رَبِّهِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ هو المُحْسِنُ إلى كُلِّ أحَدٍ بِالتَّفَرُّدِ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى قِياسِ ما نَعْلَمُهُ مِن أنَّهُ لا مالِكَ إلّا وهو قاهِرٌ لِمَمْلُوكِهِ عَلى لِقائِهِ، مُصَرِّفٌ لَهُ في أوامِرِهِ في صَباحِهِ ومَسائِهِ.
ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، كانَ الواجِبُ عَلى العَبْدِ الإخْلاصَ في عَمَلِهِ، كَما كانَ عَمَلُ رَبِّهِ في تَرْبِيَتِهِ بِالإيجادِ وما بَعْدَهُ، فَقالَ: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾ وأكَّدَهُ لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مَعَ التَّصْدِيقِ مِنَ الإقْرارِ فَقالَ: ﴿عَمَلا﴾ أيْ ولَوْ كانَ قَلِيلًا ﴿صالِحًا﴾ وهو ما يَأْمُرُهُ بِهِ (p-١٥٥)مِن أُصُولِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ مِن أعْمالِ القَلْبِ والبَدَنِ والمالِ لِيَسْلَمَ مِن عَذابِهِ ﴿ولا يُشْرِكْ﴾ أيْ ولْيَكُنْ ذَلِكَ العَمَلُ مَبْنِيًّا عَلى الأساسِ وهو أنْ لا يُشْرِكَ ولَوْ بِالرِّياءِ ﴿بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ فَإذا عَمِلَ [ذَلِكَ -] فازَ فَحازَ عُلُومَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِوَصْفِ كَلِماتِ اللَّهِ ثُمَّ ما يُوحِي إلَيْهِ، وكُلٌّ مِنهُما أعَمُّ مِنَ الكِتابِ بِالأقْوَمِيَّةِ لِلدُّعاءِ إلى الحالِ الأسْلَمِ، في الطَّرِيقِ الأقْوَمِ، وهو التَّوْحِيدُ عَنِ الشَّرِيكِ الأعَمِّ مِنَ الوَلَدِ وغَيْرِهِ، والإحْسانُ في العَمَلِ، مَعَ البِشارَةِ لِمَن آمَنَ، والنِّذارَةِ لِمَن أعْرَضَ عَنِ الآياتِ والذِّكْرِ، فَبانَ بِذَلِكَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى - بِوَحْدانِيَّتِهِ وتَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ صِفاتِ - الكَمالِ، فَصَحَّ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ الحَمْدِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى إتْمامِ سُورَةِ الكَهْفِ مِن كِتابِ نَظْمِ الدُّرَرِ مِن تَناسُبِ الآيِ والسُّوَرِ.
مريم 19:1
(p-١٥٦)سُورَةُ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ
مَقْصُودُها بَيانُ اتِّصافِهِ سُبْحانَهُ بِشُمُولِ الرَّحْمَةِ بِإفاضَةِ النِّعَمِ عَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ، المُسْتَلْزِمِ لِلدَّلالَةِ عَلى اتِّصافِهِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ القُدْرَةِ عَلى إبْداعِ المُسْتَغْرَبِ، المُسْتَلْزِمِ [لِتَمامِ القُدْرَةِ -] المُوجِبِ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الوَلَدِ [لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ، ولا يَكُونُ إلّا مِثْلَ الوالِدِ -]، ولا سَمِيَّ لَهُ سُبْحانَهُ فَضْلًا عَنْ مَثِيلٍ، وعَلى هَذا دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِمَرْيَمَ، لِأنَّ قِصَّتَها أدَلُّ ما فِيها عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ، لِأنَّ أغْرَبَ ما في المَخْلُوقاتِ وأجْمَعَهُ خَلْقًا الآدَمِيُّ، وأعْجَبُ أقْسامِ تَوْلِيدِهِ [الأرْبَعَةِ - ] - بَعْدَ كَوْنِهِ آدَمِيًّا - ما كانَ مِن أُنْثى بِلا تَوَسُّطِ ذَكَرٍ، لِأنَّ أضْعَفَ الأقْسامِ، وأغْرَبَ ذَلِكَ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنها عَلى ضَعْفِها أقْوى النَّوْعِ وهو الذَّكَرُ، ولا سِيَّما إنْ أُوتِيَ قُوَّةَ الكَلامِ والعِلْمَ والكِتابَ في حالِ الطُّفُولِيَّةِ، وأنْ يُخْبِرَ بِسَلامَتِهِ الكامِلَةِ فَيَكُونَ الأمْرُ كَذَلِكَ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ - مَعَ كَثْرَةِ الأعْداءِ - عَلى أنْ يَمَسَّهُ بِشَيْءٍ مِن أذىً، هَذا إلى ما جَمَعَتْهُ مِن (p-١٥٧)إخْراجِ الرُّطَبِ في غَيْرِ حِينِهِ مِن يابِسِ الحَطَبِ، ومِن إنْباعِ الماءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وعَلى مِثْلِ ذَلِكَ أيْضًا دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِما في أوَّلِها مِنَ الحُرُوفِ، بَيانُ ذَلِكَ أنَّ مَخْرَجَ الكافِ مِن أقْصى اللِّسانِ مِمّا يَلِي الحَلْقَ ويُحاذِيهِ مِن أسْفَلِ الحَنَكِ، وهي أدْنى مِن مَخْرَجِ القافِ قَلِيلًا إلى مُقَدَّمِ الفَمِ، ولَها مِنَ الصِّفاتِ الهَمْسُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ والخَفاءُ، ومَخْرَجُ الهاءِ مِن أقْصى الحَلْقِ لَكِنَّها أدْنى مِنَ الهَمْزَةِ إلى جِهَةِ اللِّسانِ قَلِيلًا، ولَها مِنَ الصِّفاتِ [الهَمْسُ والرَّخاوَةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ والخَفاءُ ومَخْرَجُ الياءِ مِن وسَطِ اللِّسانِ والحَنَكِ الأعْلى، ولَها مِنَ الصِّفاتِ الجَهْرُ والرَّخاوَةُ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ، وهو أغْلَبُ صِفاتِها، ومَخْرَجُ العَيْنِ مِن وسَطِ الحَلْقِ، ولَها مِنَ الصِّفاتِ -] الجَهْرُ وبَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ والِانْفِتاحُ والِاسْتِفالُ، ومَخْرَجُ الصّادِ مِن طَرَفِ اللِّسانِ وبَيْنَ أُصُولِ الثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلَيَيْنِ، ولَهُ مِنَ الصِّفاتِ الهَمْسُ والرَّخاوَةُ والإطْباقُ والِاسْتِعْلاءُ والصَّفِيرُ، فالِافْتِتاحُ بِهَذِهِ الأحْرُفِ هُنا إشارَةٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - إلى أنَّ أهْلَ اللَّهِ عامَّةً - مَن ذُكِرَ مِنهم في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرَهم – يَكُونُ أمْرُهم عِنْدَ المُخالِفِينَ أوَّلًا - كَما تُشِيرُ إلَيْهِ الكافُ - ضَعِيفًا مَعَ شِدَّةِ انْفِتاحٍ كَما كانَ حالُ النَّبِيِّ ﷺ أوَّلَ ما دَعا، فَإنَّهُ اشْتَهَرَ أمْرُهُ ولَكِنَّهُ كانَ ضَعِيفًا بِإنْكارِ قَوْمِهِ إلّا أنَّهم لَمْ يُبالِغُوا في الإنْكارِ، ثُمَّ يَصِيرُ الأمْرُ في أوائِلِ العِراكِ - كَما تُشِيرُ إلَيْهِ الهاءُ - إلى اسْتِفالٍ، (p-١٥٨)ثُمَّ يَزْدادُ بِتَمالُؤِ المُسْتَكْبِرِينَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وخَفاءً، وإلى هَذا تُشِيرُ قِراءَتُها بِالإمالَةِ، ولا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن نَوْعِ ظُهُورٍ - كَما يُشِيرُ إلَيْهِ انْفِتاحُ الهاءِ وإلَيْهِ تُشِيرُ قِراءَةُ الفَتْحِ، وهَذا كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ صَرَّحَ بِسَبِّ آلِهَتِهِمْ وتَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ فَقامُوا عَلَيْهِ إلْبًا واحِدًا، فَهاجَرَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم إلى الحَبَشَةِ، وخافَ أبُو طالِبٍ دَهْماءَ العَرَبِ فَقالَ قَصِيدَتَهُ اللّامِيَّةَ في ذَلِكَ، وتَمادى الحالُ حَتّى ألْجَأتْهم قُرَيْشٌ إلى الشِّعْبِ، وتَكُونُ في وسَطِ أمْرِهِمْ - كَما تُشِيرُ إلَيْهِ الياءُ وقِراءَتُها بِالفَتْحِ، لَهم قُوَّةٌ مَعَ رَخاوَةٍ واشْتِهارٍ واسْتِفالٍ، وهو الأغْلَبُ عَلَيْهِمْ ظاهِرًا كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ الإمالَةِ، فَيَكُونُ ذُلُّهم مِن وراءِ عِزٍّ وعِزُّهم في ثَوْبِ ذُلٍّ، يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن عاناهُ، ونَظَرَ إلَيْهِ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ واجْتَلاهُ، وهَذا كَما كانَ عِنْدَ قِيامِ مَن قامَ مِن قُرَيْشٍ في نَقْضِ الصَّحِيفَةِ الظّالِمَةِ وإخْراجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ، ثُمَّ عِنْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وأبِي طالِبٍ، وخَرَجَ ﷺ إلى الطّائِفِ فَرَدُّوهُ - بِأبِي هو وأُمِّي ونَفْسِي ووَلَدِي وعَيْنِي، فَلَمّا قَرُبَ مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لَمْ يَسْتَطِعْ دُخُولَها بِغَيْرِ جِوارٍ، فاخْتَفى في غارِ حِراءٍ وأرْسَلَ [إلى -] مَن يُجِيرُهُ، ثُمَّ أرْسَلَ حَتّى أجارَهُ المُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، ولَبِسَ السِّلاحَ هو ومَن أطاعَهُ وأدْخَلَهُ ﷺ حَتّى طافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ قَضى سُبْحانَهُ أنْ قُتِلَ المُطْعِمُ في بَدْرٍ كافِرًا - بَعْدَ اجْتِهادِ النَّبِيِّ ﷺ [فِي سَلامَتِهِ -] والإيصاءِ بِهِ أنْ لا يُقْتَلَ - لِيُعْلَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ (p-١٥٩)مُخْتارٌ في عُمُومِ رَحْمَتِهِ وخُصُوصِها، لِئَلّا يَيْأسَ عاصٍ أوْ يَأْمَنَ طائِعٌ، ثُمَّ إذا عَلا أمْرُهم عَنِ الوَسَطِ صاعِدًا قَوِيَ - كَما تُشِيرُ إلَيْهِ العَيْنُ، فَصارَ بَيْنَ الشِّدَّةِ والرَّخاوَةِ، وفِيهِ انْفِتاحٌ بِشُهْرَةٍ مَعَ اسْتِفالٍ في بَعْضِ الأمْرِ كَما كانَ حالُهُ ﷺ عِنْدَ مُبايَعَةِ الأنْصارِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وأمّا آخِرُ أمْرِهِمْ فَهو وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الضَّعْفِ، وضَرْبٌ مِنَ الرَّخاوَةِ واللِّينِ كَما كانَ في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ والطّائِفِ، فَإنَّهُ تَعْقُبُهُ قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ بِالإطْباقِ، واسْتِعْلاءٌ واشْتِهارٌ يَمْلَأُ الآفاقَ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ الصَّفِيرُ - هَذا في أهْلِ اللَّهِ عامَّةً المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِهِمْ، وأمّا ما يَخُصُّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي هو صُورَةُ سُورَتِها ومَطْمَحُ إشارَتِها [وسِيرَتِها -] فَجَعْلُ الحُرُوفِ اللِّسانِيَّةِ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ أغْلَبَها ثَلاثَةَ أحْرُفٍ مِنها إشارَةٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما أُعْطِيَ في نَفْسِهِ وفي ذُرِّيَّتِهِ ولِسانِ الصِّدْقِ المَذْكُورِ بِهِ هو لِسانُ هَذا الوُجُودِ، وأنَّ دَوْلَةَ آلِهِ الَّذِينَ.[عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أعْيانِهِمْ هي وسَطُ هَذا الوُجُودِ حَقِيقَةً وخِيارًا -]، فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ أصْحابُ شَرائِعِهِمْ بِمَنزِلَةِ القافِ الَّتِي هي مِن أقْصى اللِّسانِ ولَهُ حَظٌّ كَبِيرٌ مِنها، فَإنَّهُ مِن أجْلِهِ قُتِلَ أبْناءُ بَنِي إسْرائِيلَ ووُلِدَ في سَنَةِ القَتْلِ، وكانَ سَبَبُ هِجْرَتِهِ وابْتِداءِ سَيْرِهِ إلى اللَّهِ تَعالى قَتْلَهُ القِبْطِيَّ، وقُرِّبَ نَجِيًّا، ومِن (p-١٦٠)صِفاتِها الجَهْرُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ، والِاسْتِعْلاءُ والقَلْقَلَةُ، وهو عَرِيقٌ في كُلٍّ مِن خَيْراتِ ذَلِكَ، وداوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثانِي ذَوِي كُتُبِهِمْ بِمَنزِلَةِ الهَمْزَةِ الَّتِي هي أبْعَدُ مِن مَخْرَجِ الهاءِ إحْدى هَذِهِ الحُرُوفِ، وهو أوَّلُ مَن جَمَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَيْنَ المُلْكِ والنُّبُوَّةِ، ولَهُ حَظٌّ مِن صِفاتِها: الجَهْرُ والشِّدَّةُ والِانْفِتاحُ، بِما كانَ فِيهِ مِنَ المُلْكِ والظُّهُورِ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ وعَجائِبِ المَقْدُورِ، ولَهُ حَظٌّ مِن وصْفِها بِالِاسْتِفالِ في أوَّلِ أمْرِهِ وفي آخِرِهِ بِما كانَ مِن بُكائِهِ وتَواضُعِهِ وإخْباتِهِ لِرَبِّهِ وصَلاحِهِ، فالكافُ هُنا إشارَةٌ إلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو ثانِي الشّارِعَيْنِ في الوُجُودِ، والهاءُ عِبارَةٌ عَنْ أنَّهُ مِن عَقِبِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكُلٌّ مِنهُما لَهُ حَظٌّ مِن صِفاتِ الحَرْفِ المُشِيرِ إلَيْهِ الدّالِّ عَلَيْهِ، والصّادُ الَّتِي هي مِن طَرَفِ اللِّسانِ وهي خاتِمَةُ هَذِهِ الحُرُوفِ إشارَةٌ بِما فِيها مِنَ الإطْباقِ المُشِيرِ [إلى تَطْبِيقِ الرِّسالَةِ لِجَمِيعِ الوُجُوهِ، ومِنَ الاسْتِعْلاءِ المُشِيرِ -] إلى نِهايَةِ العَظَمَةِ، والصَّفِيرِ المُشِيرِ إلى غايَةِ الِانْتِشارِ والشُّهْرَةِ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وإلى مُقَرِّرِ دِينِهِ ومُجَدِّدِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، [وتُشِيرُ الكافُ أيْضًا بِما فِيها مِنَ الصِّفاتِ إلى أنَّ أوَّلَ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ -] يَكُونُ فِيهِ مَعَ الشِّدَّةِ ضَعْفٌ، ثُمَّ تُشِيرُ أيْضًا الهاءُ - الَّتِي هي مِن أقْصى الحَلْقِ - إلى أنَّ أمْرَهُ يَبْطُنُ بَعْدَ ذَلِكَ الظُّهُورِ ويَخْفى بِارْتِفاعِهِ إلى السَّماءِ، ويَدُلُّ الِاسْتِفالُ عَلى أنَّها قَرِيبَةٌ إلى السُّفْلى، وهو (p-١٦١)كَذَلِكَ فَإنَّهُ في الثّانِيَةِ بِدَلالَةِ رُتْبَةِ الكافِ والهاءِ في مَخْرَجَيْهِما، وتُشِيرُ الياءُ بِجَهْرِها إلى ظُهُورِهِ بِنُزُولِهِ، وتَدُلُّ بِكَوْنِها مِن وسَطِ اللِّسانِ عَلى تَمَكُّنِهِ في أُمُورِهِ، وبِاعْتِلائِها عَلى شَيْءٍ في ذَلِكَ وهو ضَعْفُ الأتْباعِ وحَصْرُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ، وتَدُلُّ بِانْفِتاحِها ورَخاوَتِها عَلى ظُهُورِهِ عَلى الدَّجّالِ في أُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ قَدْ جَهِدَهُمُ البَلاءُ عِنْدَ نُزُولِهِ، ومَسَّهُمُ الضُّرُّ قَبْلَ حُلُولِهِ، وتُلِيحُ غَلَبَةُ الِاسْتِفالِ عَلَيْها إلى أمْرِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ لِما يُوحِيهِ اللَّهُ إلَيْهِ ”إنِّي قَدْ أخْرَجْتُ عِبادًا لِي لا يَدانِ لِأحَدٍ بِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبادِي إلى الطُّورِ“ وتَدُلُّ العَيْنُ بِكَوْنِها مِن وسَطِ الحَلْقِ عَلى انْحِصارِهِمْ، وبِجَهْرِها عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلْعَدُوِّ عَلَيْهِمْ ولا وُصُولَ بِوَجْهٍ إلَيْهِمْ، وبِما فِيها مِنَ البَيْنِيَّةِ والِاسْتِفالِ عَلى جُهْدِهِمْ مَعَ حُسْنِ العاقِبَةِ، وتُبَشِّرُ - بِما فِيها مِنَ الانْفِتاحِ - بِحُصُولِ الفَتْحِ الَّذِي لَيْسَ وراءَهُ فَتْحٌ، وتَدُلُّ الصّادُ بِمَخْرَجِها عَلى القُوَّةِ الزّائِدَةِ، وبِالهَمْسِ والرَّخاوَةِ عَلى أنَّها قُوَّةٌ لا بَطْشَ فِيها، وبِالإطْباقِ والِاسْتِعْلاءِ عَلى عُمُومِ الدِّينِ جَمِيعَ النّاسِ، وبِالصَّفِيرِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ وراءَ ذَلِكَ إلّا النَّفْخُ في الصُّورِ لِعُمُومِ الهَلاكِ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مَفْطُورٍ، ثُمَّ لِبَعْثَرَةِ القُبُورِ، وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ، وكُلُّ هَذا مِن تَرْتِيبِ سُنَّتِهِ سُبْحانَهُ في المُصْطَفَيْنَ مِن عِبادِهِ عَلى (p-١٦٢)هَذا النَّحْوِ البَدِيعِ، وتَرْتِيبِ هَذِهِ الحُرُوفِ عَلى هَذا النَّظْمِ الدّالِّ عَلَيْهِ دائِرٌ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ، رَحِمَهم سُبْحانَهُ بِأنْ نَكَّبَهم طَرِيقَ الجَبّارِينَ الَّتِي أوْصَلَتْهم إلى القَسْوَةِ، وجَنَّبَهم سَنَنَ المُسْتَكْبِرِينَ الَّتِي تُلْجِئُ ولا بُدَّ إلى الشِّقْوَةِ، فَجَعَلَ نَصْرَهم في لَوامِعِ انْكِسارٍ، وكَسْرَهم في جَوامِعِ انْتِصارٍ، وحَماهم مِن فَخامَةٍ دائِمَةٍ تَجُرُّ إلى بَذَخٍ وعُلُوٍّ واسْتِكْبارٍ، ومِن رِقَّةٍ ثابِتَةٍ تَحْمِلُ عَلى ذُلٍّ وسُفُولٍ وصَغارٍ، فَلَقَدِ انْطَبَقَ الِاسْمانِ عَلى المُسَمّى، واتَّضَحا غايَةَ الِاتِّضاحِ في أمْرِهِ ونَمّا، وهَذا مَعْنى ما قالَ الكَلْبِيُّ: هو ثَناءٌ أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلى نَفْسِهِ. بِسْمِ اللَّهِ المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، القادِرِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ نَوالُهُ سائِرَ مَخْلُوقاتِهِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي اخْتَصَّ الصّالِحِينَ مِن عِبادِهِ، بِما يُسْعِدُ مِن مُرادِهِ.
لَمّا كانَ مَقْصُودُ الَّتِي قَبْلَها الدَّلالَةَ عَلى أنَّ القُرْآنَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ، وبِهِ تَمامُ الِانْتِظامِ في نِعْمَةِ الإبْقاءِ الأوَّلِ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ ساقَ المَسْؤُولَ عَنْهُ مِنَ القِصَصِ أحْسَنَ سَوْقٍ، وكَشَفَ عَنْ مُخَبَّأتِهِ القِناعَ أبْدَعَ كَشْفٍ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا خَلَّلَهُ بِهِ مِن بَدائِعِ الحِكَمِ وغَرائِبِ (p-١٦٣)المَعانِي فاضِحَةً لِمَنِ ادَّعى لِلَّهِ سُبْحانَهُ ولَدًا، وخَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن وصْفِ الكِتابِ والتَّوْحِيدِ - النّافِي لِقَبُولِ التَّعَدُّدِ بِوَلَدٍ أوْ غَيْرِهِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ - والعَمَلِ الصّالِحِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِالكَشْفِ عَنْ أغْرَبِ مِن تِلْكَ القِصَصِ، تَحْقِيقًا لِآيَةِ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] بِسِياقٍ غَيْرِ ما تَقَدَّمَ فِيما مَضى مِنَ السُّوَرِ، وجُزْئِيّاتٍ لَمْ تُذْكَرْ إلّا فِيها مَعَ عَدَمِ المُخالَفَةِ لِما مَضى، تَأْيِيدًا لِأنَّ كَلِماتِهِ لا تَنْفَدُ، وعَجائِبَهُ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ، وأنَّهُ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِهِ لاخْتَلَفَ، مَعَ أنَّ أهْلَها سادَةُ المُوَحِّدِينَ، وقادَةُ المُصْلِحِينَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ، ونَفَوُا الشِّرْكَ وشَرَعُوا ذَلِكَ لِلنّاسِ، فَرَحِمَهم رَبُّهم سُبْحانَهُ، وكُلُّهم مِمَّنْ يَعْتَقِدُهُ اليَهُودُ الآمِرُونَ لِقُرَيْشٍ بِالسُّؤالِ عَنْ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ تَعَنُّتًا، أمّا مَن عَدا عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَواضِحٌ، وأمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ما أتى بَعْدُ وأنَّهُ سَيَأْتِي، ويَكُونُ النّاسُ في أيّامِهِ عَلى دِينٍ واحِدٍ تَصْدِيقًا لِوَعْدِ التَّوْراةِ الآتِي بَيانُهُ، وذَلِكَ عَلى وجْهٍ مُسْتَلْزِمٍ في أكْثَرِها تَنَزُّهَهُ تَعالى عَنِ الوَلَدِ، وقُدْرَتَهُ عَلى البَعْثِ، وبَدَأها بِقِصَّةِ مَن خَرَقَ لَهُ العادَةَ في الوَلَدِ عَلى وجْهٍ مُبِينٍ أنَّهُ لا يَحْتاجُهُ إلّا فانٍ حِسًّا أوْ مَعْنىً يُرِيدُ أنْ يَخْلُفَهُ فِيما تَعَسَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُهُ أوْ تَعَذَّرَ، وكانَ تَقْدِيمُ قِصَّتِهِ أوْلى لِأنَّ التَّبْكِيتَ بِهِ أعْظَمُ لِمُباشَرَتِهِمْ لِقَتْلِهِ وقَتْلِ ابْنِهِ يَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وإشارَةً إلى أنَّ العَمَلَ الصّالِحَ المُؤَسَّسَ عَلى التَّوْحِيدِ ضامِنٌ لِإجابَةِ الدُّعاءِ وإنْ كانَ فِيهِ خَرْقُ العادَةِ، وثَنّى بِأمْرِ مَن نَسَبُوهُ إلَيْهِ وافْتَرَوْهُ عَلَيْهِ وقَصَدُوا قَتْلَهُ عَلى (p-١٦٤)وجْهٍ مُعْرِبٍ عَنْ شَأْنِهِ غايَةَ الإعْرابِ، مُبَيَّنٍ فِيهِ وجْهُ الصَّوابِ، مُتَمِّمًا لِتَبْكِيتِ اليَهُودِ الآمِرِينَ لِقُرَيْشٍ بِالتَّعَنُّتِ بِالسُّؤالِ بِالإشارَةِ إلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وادِّعاءِ صَلْبِ المَسِيحِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ، وهُمُ الآنَ يَنْتَظِرُونَهُ ويَدَّعُونَ أنَّهم أخَصُّ النّاسِ بِهِ، وقَذْفِ أُمِّهِ - وحاشاها - دالًّا بِذَلِكَ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، قالَ في التَّوْراةِ في آخِرِ السِّفْرِ الأوَّلِ: إنَّ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أُخْبِرَ بِقُرْبِ وفاتِهِ وقالَ لِبَنِيهِ: اجْتَمِعُوا إلَيَّ فَأُبَيِّنَ لَكم ما هو كائِنٌ مِن أمْرِكم في آخِرِ الأيّامِ، اجْتَمِعُوا واسْمَعُوا يا بَنِي يَعْقُوبَ! أنْصِتُوا لِإسْرائِيلَ أبِيكم ثُمَّ قالَ: يا يَهُوذا لَكَ يَعْتَرِفُ إخْوَتُكَ بِتَعالِي يَدِكَ عَلى رِقابِ أعْدائِكَ، ولْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أبِيكَ، شِبْلُ اللَّيْثِ يَهُوذا، كَما أنَّهُ خَلَّصَ ابْنِي مِنَ القَتْلِ رَبَضَ وجَثَمَ مِثْلَ الضِّرْغامِ ومِثْلَ شِبْلِ اللَّيْثِ، مَن ذا يُقِيمُهُ عَنْ فَرِيسَتِهِ، لا يَزُولُ القَضِيبُ مِن آلِ يَهُوذا، لا يَعْدِمُ سِبْطُ يَهُوذا مَلِكًا مُسَلَّطًا وأفْخاذُهُ نَبِيًّا مُرْسَلًا حَتّى يَأْتِيَ الَّذِي لَهُ المُلْكُ - وفي نُسْخَةٍ: الكُلُّ - وإيّاهُ تَنْتَظِرُ الشُّعُوبُ، يَرْبِطُ بِالحَبْلَةِ جَحْشَهُ عَيْناهُ أشَدُّ شُهُولَةً مِنَ الخَمْرِ، وأسْنانُهُ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ - هَذا نَصُّهُ، وعِنْدَ اليَهُودِ أنَّهُ المَسِيحُ، ويُسَمُّونَهُ مَعَ ذَلِكَ المُنْتَظَرَ والمَهْدِيَّ، وعِنْدَهم أنَّهُ يَنْصُرُهم ويُخَلِّصُهم (p-١٦٥)مِمّا هم فِيهِ مِنَ الذُّلِّ، فَقُلْتُ لِبَعْضِهِمْ: أشْهَدُ أنَّهُ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ الَّذِي أتى وتَبِعَهُ النَّصارى وعادَيْتُمُوهُ حَتّى رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى، [فَقالَ -] الَّذِي في التَّوْراةِ أنَّهُ يَكُونُ لَهُ الكُلُّ، وعِيسى ما كانَ كَذَلِكَ، فَقُلْتُ: إنَّهُ يَكُونُ لَهُ الكُلُّ حِينَ يَنْزِلُ تابِعًا لِدِينِنا مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَقْبَلُ إلّا الإسْلامَ، فَيُطْبِقُ أهْلُ الأرْضِ عَلى اتِّباعِهِ عَلَيْهِ، ويَسْعَدُ بِهِ مِنكم مَن يَتَّبِعُهُ، ويَزُولُ عَنْهُ الذُّلُّ، هَذا لا يُنافِي كَلامَ التَّوْراةِ فَإنَّهُ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِساعَةِ إتْيانِهِ. فَلَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ أتى إلَيَّ يَوْمًا بِكِتابٍ مِن كُتُبِهِمْ في شَرْحِ سِفْرِ الأنْبِياءِ فَقالَ في الكَلامِ عَلى البَشائِرِ المُتَعَلِّقَةِ بِالمَسِيحِ ”ولا يَبْعُدُ أنْ يَبْدُوَ لِإسْرائِيلَ ثُمَّ يَخْتَفِيَ ثُمَّ يَظْهَرَ فَيَكُونَ لَهُ الكُلُّ“ فَقُلْتُ لَهُ: انْظُرْ وتَبَصَّرْ ! هَذا عَيْنُ ما ذَكَرْتُهُ لَكَ مِن قَبْلُ. فَبُهِتَ لِذَلِكَ فَقُلْتُ: أطِعْنِي وأسْلِمْ ! فَفَكَّرَ ثُمَّ قالَ: حَتّى يُرِيدَ اللَّهُ تَعالى.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا قالَ تَعالى ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾ [الكهف: ٩] ثُمَّ أوْرَدَ خَبَرَهم وخَبَرَ الرَّجُلَيْنِ ومُوسى والخَضِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ وقِصَّةَ ذِي القَرْنَيْنِ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِقِصَصٍ تَضَمَّنَتْ مِنَ العَجائِبِ [ما هو أشَدُّ عَجَبًا ] وأخْفى سَبَبًا، فافْتَتَحَ سُورَةَ مَرْيَمَ بِيَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وبِشارَةِ زَكَرِيّا بِهِ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ وقَطْعِ الرَّجاءِ وعُقْرِ الزَّوْجِ حَتّى سَألَ زَكَرِيّا مُسْتَفْهِمًا ومُتَعَجِّبًا ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] (p-١٦٦)فَأجابَهُ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ، وأنَّهُ يَجْعَلُ ذَلِكَ آيَةً لِلنّاسِ، وأمْرُ هَذا أعْجَبُ مِنَ القِصَصِ المُتَقَدِّمَةِ، فَكَأنْ قَدْ قِيلَ: أمْ حَسِبْتَ يا مُحَمَّدُ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا، نَحْنُ نُخْبِرُكَ [بِخَبَرِهِمْ ونُخْبِرُكَ -] بِما هو أعْجَبُ وأغْرَبُ وأوْضَحُ آيَةً، وهو قِصَّةُ زَكَرِيّا في ابْنِهِ يَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِصَّةُ عِيسى في كَيْنُونَتِهِ بِغَيْرِ أبٍ، لِيُعْلَمَ أنَّ الأسْبابَ في الحَقِيقَةِ لا يَتَوَقَّفُ عَلَيْها شَيْءٌ مِن مُسَبَّباتِها إلّا بِحَسَبِ سُنَّةِ اللَّهِ، وإنَّما الفِعْلُ لَهُ سُبْحانَهُ لا بِسَبَبٍ، وإلى هَذا أشارَ قَوْلُهُ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ بِشارَةَ زَكَرِيّا بِيَحْيى بِإيتائِهِ الحُكْمَ صَبِيًّا، ثُمَّ بِذِكْرِ مَرْيَمَ وابْنِها عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَعَلَّقَتِ الآيُ بَعْدُ إلى انْقِضاءِ السُّورَةِ انْتَهى.
* *
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تالِيَةً لِلسُّورَةِ الواصِفَةِ لِلْكِتابِ - الَّذِي بِهِ نِعْمَةُ الإبْقاءِ الأوَّلِ - بِالِاسْتِقامَةِ البالِغَةِ، افْتَتَحَها بِالأحْرُفِ المُقَطَّعَةِ، كَما افْتَتَحَ السُّورَةَ الَّتِي تَلِي أُمَّ الكِتابِ، الدّاعِيَةَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، الواصِفَةَ الكِتابَ بِالهُدى الضّامِنِ لِلِاسْتِقامَةِ، والَّتِي تَلِي واصِفَتَهُ،و[الَّتِي ] (p-١٦٧)تَلِي الأنْعامَ المُشِيرَةَ إلى نِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ، فَقالَ: ﴿كهيعص﴾ وهي خَمْسَةُ أحْرُفٍ عَلى عَدَدِها مَعَ تِلْكَ السُّوَرِ، وهي جامِعَةُ النِّعَمِ، وواصِفَةُ الكِتابِ، وذاتُ النِّعْمَةِ الأُولى، وذاتُ النِّعْمَةِ الثّانِيَةِ، كَما افْتُتِحَتِ الأعْرافُ التّالِيَةُ لِذاتِ النِّعْمَةِ الأُولى بِأرْبَعَةٍ عَلى عَدَدِها مَعَ [ما قَبْلَها مِنَ -] الأُمِّ [الجامِعَةِ -] والواصِفَةِ [وذاتِ النِّعْمَةِ الأُولى، وكَما افْتُتِحَتْ [آلُ عِمْرانَ ] التّالِيَةُ لِلْواصِفَةِ بِثَلاثَةٍ عَلى عَدَدِها مَعَ الأُمِّ والواصِفَةِ -]
مريم 19:2
﴿ذِكْرُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي أتْلُوهُ عَلَيْكم ذِكْرُ ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [أيِ -] المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالتَّأْيِيدِ بِكَشْفِ الغَوامِضِ وإظْهارِ الخَبْءِ ﴿عَبْدَهُ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ”رَحْمَةِ“، لِأنَّها مَصْدَرٌ بُنِيَ عَلى التّاءِ، لا أنَّها دالَّةٌ عَلى الوَحْدَةِ ﴿زَكَرِيّا﴾ [أيِ -] ابْنُ ماثانَ، جَزاءً لَهُ عَلى تَوْحِيدِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَيْهِ الرَّجاءُ لِلِقاءِ رَبِّهِ، والرَّحْمَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ المَعُونَةُ والإجابَةُ والإيصالُ إلى المُرادِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن ثَمَراتِ الرَّحْمَةِ المُتَّصِفِ بِها العِبادُ
مريم 19:3
﴿إذْ نادى﴾ (p-١٦٨)ظَرْفُ الرَّحْمَةِ ﴿رَبَّهُ﴾
ولَمّا قَدَّمَ تَشْرِيفَهُ بِالذِّكْرِ والرَّحْمَةِ والِاخْتِصاصِ بِالإضافَةِ إلَيْهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى كَمالِ القُرْبِ، قالَ: ﴿نِداءً خَفِيًّا﴾ أيْ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ القَرِيبُ مَعَ حَبِيبِهِ المُقْبِلِ عَلَيْهِ في قَصْدِ خِطابِ السِّرِّ الجامِعِ بَيْنَ شَرَفِ المُناجاةِ ولَذاذَةِ الِانْفِرادِ بِالخَلْوَةِ، فاطَّلَعَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ النِّدا؟ فَقِيلَ:
مريم 19:4
﴿قالَ رَبِّ﴾ بِحَذْفِ الأداةِ لِلدَّلالَةِ عَلى غايَةِ القُرْبِ ﴿إنِّي وهَنَ﴾ أيْ ضَعُفَ جِدًّا ﴿العَظْمُ مِنِّي﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ الَّذِي هو أقْوى ما في بَدَنِي، وهو أصْلُ بِنائِهِ، فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ! [ولَوْ جَمَعَ لَأوْهَمَ أنَّهُ وهَنَ مَجْمُوعُ عِظامِهِ لا جَمِيعُها -] ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ أيْ شَعْرُهُ مِنِّي ﴿شَيْبًا ولَمْ أكُنْ﴾ فِيما مَضى قَطُّ مَعَ صِغَرِ السِّنِّ ﴿بِدُعائِكَ﴾ أيْ بِدُعائِي إيّاكَ ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ فَأْجُرْنِي في هَذِهِ المَرَّةِ أيْضًا عَلى عَوائِدِ فَضْلِكَ، فَإنَّ المُحْسِنَ يُرْبِي أوَّلَ إحْسانِهِ بِآخِرِهِ وإنْ كانَ ما أدْعُو بِهِ في غايَةِ البُعْدِ في العادَةِ، لَكِنَّكَ فَعَلْتَ مَعَ أبِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِثْلَهُ، فَهو دُعاءٌ وشُكْرٌ واسْتِعْطافٌ؛
مريم 19:5
ثُمَّ عَطَفَ (p-١٦٩)عَلى ﴿إنِّي وهَنَ﴾ [مريم: ٤] قَوْلَهُ: ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ﴾ أيْ فِعْلَ الأقارِبِ أنْ يُسِيئُوا الخِلافَةَ ﴿مِن ورائِي﴾ أيْ في بَعْضِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ مَوْتِي ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ لا تَلِدُ [أصْلًا - بِما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ -] ﴿فَهَبْ لِي﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ - عَنْ شَيْخُوخَتِي وضَعْفِي وتَعْوِيدِكَ [لِي -] بِالإجابَةِ، وخَوْفِي مِن سُوءِ خِلافَةِ أقارِبِي، ويَأْسِي عَنِ الوَلَدِ عادَةً بِعُقْمِ امْرَأتِي، وبُلُوغِي مِنَ الكِبَرِ حَدًّا لا حَراكَ بِي مَعَهُ - أنِّي أقُولُ لَكَ يا قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ: هَبْ لِي ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أيْ مِنَ الأُمُورِ المُسْتَبْطَنَةِ المُسْتَغْرَبَةِ الَّتِي عِنْدَكَ، لَمْ تُجْرِها عَلى مَناهِجِ العاداتِ والأسْبابِ المُطَّرِداتِ، لا مِن جِهَةِ سَبَبٍ أعْرِفُهُ، فَإنَّ أسْبابَ ذَلِكَ عِنْدِي مَعْدُومَةٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في [آلِ عِمْرانَ ] لِذَلِكَ مَزِيدُ بَيانٍ ﴿ولِيًّا﴾ [أيْ -] مِن صُلْبِي بِدَلالَةِ ”ذُرِّيَّة“ في السُّورَةِ الأُخْرى
مريم 19:6
﴿يَرِثُنِي﴾ في جَمِيعِ ما أنا فِيهِ مِنَ العِلْمِ والنُّبُوَّةِ والعَمَلِ ﴿ويَرِثُ﴾ زِيادَةً عَلى ذَلِكَ ﴿مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ جَدِّنا مِمّا خَصَصْتَهم بِهِ مِنَ المِنَحِ، وفَضَّلْتَهم بِهِ مِنَ النِّعَمِ، مِن مَحاسِنِ الأخْلاقِ ومَعالِي الشِّيَمِ، وخَصَّ اسْمَ يَعْقُوبَ اقْتِداءً بِهِ نَفْسِهِ إذْ قالَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٦] ولِأنَّ إسْرائِيلَ صارَ عَلَمًا عَلى الأسْباطِ كُلِّهِمْ، (p-١٧٠)وكانَتْ قَدْ غَلَبَتْ عَلَيْهِمُ الأحْداثُ؛ وقَدِ اسْتَشْكَلَ القاضِي العَضُدُ في ”الفَوائِدِ الغِياثِيَّةِ“ كَوْنَ ”يَرِثُ“ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ صِفَةً بِأنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ عَدَمُ إجابَةِ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ قُتِلَ في حَياتِهِ، ولا يَكُونُ وارِثًا إلّا إذا تَخَلَّفَ بَعْدَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ [الأنبياء: ٩٠] قالَ: فَتُجْعَلُ اسْتِئْنافِيَّةً، ولا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ إلّا خُلْفُ ظَنِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ - هَكَذا نُقِلَ لِي عَنْهُ، وأنا أُجِلُّهُ عَنْ ذَلِكَ، لِأنَّهُ [لا -] يَلْزَمُ تَخَلُّفُ دُعائِهِ ولا يَتَجَرَّأُ عَلى عَلِيِّ مَقامِهِ بِإخْلافِ ظَنِّهِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ قَتْلِهِ قَبْلَهُ إنْ كانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّ السَّنَدُ، كانَ [تَسْمِيَةُ -] العِلْمِ الَّذِي أخَذَهُ عَنْهُ في حَياتِهِ إرْثًا مَجازًا مُرْسَلًا بِاعْتِبارِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ في الجُمْلَةِ، لا سِيَّما مَعَ جَوازِ أنْ يَكُونَ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَّمَهُ لِمَن عاشَ بَعْدَ أبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمّى العِلْمَ إرْثًا عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ» ولا شَكَّ أنَّ مِن ضَرُورَةِ تَعَلُّمِ العِلْمِ حَياةَ المَأْخُوذِ عَنْهُ، ولَمْ يَرِدْ مَنعٌ مِن تَسْمِيَتِهِ إرْثًا حالَ الأخْذِ، هَذا إذا صَحَّ (p-١٧١)أنَّ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ قَبْلَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِينَئِذٍ يُؤَوَّلُ ﴿مِن ورائِي﴾ [مريم: ٥] بِما غابَ عَنْهُ، أيْ عَجَزْتُ عَنْ تَتَبُّعِ أفْعالِ المَوالِي بِنَفْسِي في حالِ الكِبَرِ، وخِفْتُ سُوءَ فِعْلِهِمْ إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِي وغابُوا عَنِّي، فَهَبْ لِي ولَدًا يَكُونُ مُتَّصِفًا بِصِفاتِي، فَكانَ ما سَألَهُ، وإنْ لَمْ يَصِحَّ مَوْتُهُ قَبْلَهُ بِالطَّرِيقِ المَذْكُورِ لَمْ يَصِحَّ أصْلًا، ويَنْتَفِي الِاعْتِراضُ رَأْسًا، فَإنَّ التَّوارِيخَ القَدِيمَةَ إنَّما هي عَنِ اليَهُودِ فَهي لا شَيْءَ، مَعَ أنَّ البَغْوِيَّ نَقَلَ في أوَّلِ [تَفْسِيرِ -] سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَقْتَضِي مَوْتَ زَكَرِيّا قَبْلَ يَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّهُ قالَ: آخِرُ مَن بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ مِن أنْبِيائِهِمْ زَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانُوا مِن بَيْتِ آلِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَماتَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قُتِلَ، فَلَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ وقَتَلُوا يَحْيى ابْتَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بابِلَ يُقالُ لَهُ خُرْدُوشُ فَسارَ إلَيْهِمْ بِأهْلِ بابِلَ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمُ الشّامَ، فَلَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ أمَرَ رَأْسًا مِن رُؤُوسِ جُنُودِهِ يُدْعى بَيُوزَرْدانَ صاحِبَ الفِيلِ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ قَدْ حَلَفْتُ بِإلَهِي: لَئِنْ أنا ظَهَرْتُ (p-١٧٢)عَلى أهْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ لَأُقَتِّلَنَّهم حَتّى تَسِيلَ دِماؤُهم في وسَطِ عَسْكَرِي إلّا أنْ لا أجِدَ أحَدًا أقْتُلُهُ، فَأمَرَهُ أنْ يَقْتُلَهم حَتّى يَبْلُغَ ذَلِكَ مِنهُمْ، وأنَّ بَيُوزَرْدانَ دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقامَ في البُقْعَةِ الَّتِي كانُوا يُقَرِّبُونَ فِيها قُرْبانَهُمْ، فَوَجَدَ فِيها دَمًا يَغْلِي فَقالَ: يا بَنِي إسْرائِيلَ! ما شَأْنُ هَذا الدَّمِ [يَغْلِي -]؟ قالُوا: هَذا دَمُ قُرْبانٍ لَنا قَرَّبْناهُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: ما صَدَقْتُمُونِي، قالُوا: لَوْ كانَ كَأوَّلِ زَمانِنا لَتُقُبِّلَ مِنّا، ولَكِنْ قَدِ انْقَطَعَ مِنّا المُلْكُ والوَحْيُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَذَبَحَ مِنهم بَيُوزَرْدانُ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعَمِائَةٍ وسَبْعِينَ رَجُلًا مِن رُؤُوسِهِمْ فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأتى بِسَبْعِمِائَةِ غُلامٍ مِن غِلْمانِهِمْ فَذَبَحَهم عَلى الدَّمِ فَلَمْ يَهْدَأْ، فَأمَرَ بِسَبْعَةِ آلافٍ مِن شِيبِهِمْ وأزْواجِهِمْ فَذَبَحَهم عَلى الدَّمِ فَلَمْ يَبْرُدْ، فَلَمّا رَأى بَيُوزَرْدانُ أنَّ الدَّمَ لا يَهْدَأُ قالَ لَهُمْ: يا بَنِي إسْرائِيلَ! ويْلَكُمُ! اصْدُقُونِي واصْبِرُوا عَلى أمْرِ رَبِّكُمْ، فَقَدْ طالَ ما مَلَكْتُمُ الأرْضَ تَفْعَلُونَ فِيها ما شِئْتُمْ قَبْلَ أنْ لا أتْرُكَ مِنكم نافِخَ نارِ أُنْثى ولا ذَكَرٍ إلّا قَتَلْتُهُ، فَلَمّا رَأوُا الجِدَّ وشِدَّةَ القَتْلِ [صَدَقُوا الخَبَرَ -] فَقالُوا: إنَّ هَذا دَمُ نَبِيٍّ كانَ يَنْهانا عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن سُخْطِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَوْ أطَعْناهُ فِيها لَكانَ أرْشَدَ لَنا (p-١٧٣)وكانَ يُخْبِرُنا بِأمْرِكم فَلَمْ نُصَدِّقْهُ فَقَتَلْناهُ فَهَذا دَمُهُ، فَقالَ لَهم بَيُوزَرْدانُ: ما كانَ اسْمُهُ؟ قالُوا: يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، قالَ: الآنَ صَدَقْتُمُونِي، بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ مِنكم رَبُّكُمْ، فَلَمّا رَأى بَيُوزَرْدانُ أنَّهم صَدَقُوهُ خَرَّ ساجِدًا وقالَ لِمَن حَوْلَهُ: أغْلِقُوا أبْوابَ المَدِينَةِ وأخْرِجُوا مَن كانَ هَهُنا مِن جَيْشِ خُرْدُوشَ، وخَلا في بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا! قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما قَدْ أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ وما قُتِلَ مِنهم فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ لا أُبْقِي مِن قَوْمِكَ أحَدًا، فَهَدَأ الدَّمُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، ورَفَعَ بَيُوزَرْدانُ عَنْهُمُ القَتْلَ وقالَ: آمَنتُ بِالَّذِي آمَنَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأيْقَنْتُ أنَّهُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ خُرْدُوشَ أمَرَنِي أنْ أقْتُلَ مِنكم حَتّى تَسِيلَ دِماؤُكم وسَطَ عَسْكَرِهِ، وإنِّي لَسْتُ أسْتَطِيعُ أنْ أعْصِيَهُ، قالُوا لَهُ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ، فَأمَرَهم فَحَفَرُوا خَنْدَقًا وأمَرَ بِأمْوالِهِمْ مِنَ الخَيْلِ والبِغالِ والحَمِيرِ والإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فَذَبَحَها حَتّى سالَ الدَّمُ في العَسْكَرِ، وأمَرَ بِالقَتْلى الَّذِينَ قُتِلُوا قَبْلَ ذَلِكَ فَطُرِحُوا عَلى ما قَتَلَ مِن مَواشِيهِمْ، فَلَمْ يَظُنَّ خُرْدُوشُ إلّا أنَّ ما في الخَنْدَقِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا بَلَغَ الدَّمُ عَسْكَرَهُ أرْسَلَ إلى بَيُوزَرْدانَ أنِ ارْفَعْ عَنْهُمُ القَتْلَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى بابِلَ وقَدْ أفْنى بَنِي إسْرائِيلَ أوْ كادَ. (p-١٧٤)فَهَذا كَما تَرى ظاهِرٌ في أنَّ يَحْيى تَخَلَّفَ بَعْدَ أبِيهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا ما تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ عَنِ الإنْجِيلِ في قِصَّةِ وِلادَتِهِ.
ولَمّا خَتَمَ دُعاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ﴾ [أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ -] ﴿رَضِيًّا﴾ أيْ بِعَيْنِ الرِّضا مِنكَ دائِمًا حَتّى يَلْقاكَ عَلى ذَلِكَ، قِيلَ في جَوابِ مِن كَأنَّهُ قالَ: ماذا قالَ لَهُ رَبُّهُ الَّذِي أحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ؟:
مريم 19:7
﴿يا زَكَرِيّا إنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُبَشِّرُكَ﴾ إجابَةً لِدُعائِكَ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ غَيْرِ حَمْزَةَ بِالتَّشْدِيدِ أوْفَقُ مِن قِراءَةِ حَمْزَةَ لِلتَّأْكِيدِ الَّذِي جِيءَ بِهِ، لِأنَّ المُبَشَّرَ بِهِ لِغَرابَتِهِ جَدِيرٌ بِالإنْكارِ ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ ثُمَّ وصَفَهُ بِما عُرِفَ بِهِ أنَّ مِمّا شَرَّفَهُ بِهِ أنِ ادَّخَرَ لَهُ هَذا الِاسْمَ فَقالَ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ﴾ فِيما مَضى، ولَعَلَّهُ أتى بِالجارِّ الدّالِّ عَلى التَّبْعِيضِ تَخْصِيصًا لِزَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمِهِ [فَقالَ -]: ﴿مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ في جَوابِ هَذِهِ البِشارَةِ العُظْمى؟ فَقِيلَ:
مريم 19:8
﴿قالَ﴾ عالِمًا بِصِدْقِها طالِبًا لِتَأْكِيدِها، والتَّلْذِيذِ بِتَرْدِيدِها، وهَلْ ذَلِكَ مِنَ امْرَأتِهِ أوْ غَيْرِها؟ وهَلْ إذا كانَ مِنها يَكُونانِ عَلى حالَتِهِما مِنَ الكِبَرِ أوْ غَيْرِها غَيْرَ طائِشٍ ولا عَجِلٍ ﴿رَبِّ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإجابَةِ دُعائِي دائِمًا ﴿أنّى﴾ أيْ (p-١٧٥)مِن أيْنَ وكَيْفَ وعَلى أيِّ حالٍ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ يُولَدُ لِي عَلى غايَةِ القُوَّةِ والنَّشاطِ والكَمالِ في الذُّكُورَةِ ﴿وكانَتِ﴾ [أيْ -] والحالُ أنَّهُ كانَتِ ﴿امْرَأتِي﴾ إذْ كانَتْ شابَّةً ﴿عاقِرًا﴾ غَيْرَ قابِلَةٍ لِلْوَلَدِ عادَةً وأنا وهي شابّانِ فَلَمْ يَأْتِنا ولَدٌ لِاخْتِلالِ أحَدِ السَّبَبَيْنِ فَكَيْفَ بِها وقَدْ أسَنَّتْ! ﴿وقَدْ بَلَغْتُ﴾ أنا ﴿مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أيْ أمْرًا [فِي اليُبْسِ -] مُجاوِزًا لِلْحَدِّ هو غايَةٌ في الكِبَرِ ما بَعْدَها غايَةٌ، وقَدْ حَصَلَ مِن ذَلِكَ مِنَ الضَّعْفِ ويُبْسِ الأعْضاءِ وقَحْلِها ما يَمْنَعُ في العادَةِ مِن حُصُولِ الوَلَدِ مُطْلَقًا لِاخْتِلالِ السَّبَبَيْنِ مَعًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَصْلُحَ لِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِغُلامٍ؛ قالَ [ البَغْوِيُّ -] في [آلِ عِمْرانَ ]: وقالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ ابْنَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ بِنْتَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً؛ وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: إنَّ هَذا عَلى الِاسْتِخْبارِ أيُعْطِيهِ اللَّهُ الوَلَدَ بِتِلْكَ الحالِ أمْ يَقْلِبُهُ شابًّا؟ ولِلَّهِ تَعالى في كُلِّ صُنْعٍ تَدْبِيرانِ: أحَدُهُما المَعْرُوفُ الَّذِي يَسْلُكُهُ النّاسُ مِن (p-١٧٦)تَوْجِيهِ الأسْبابِ إلى المُسَبَّباتِ، والآخَرُ يَتَعَلَّقُ بِالقُدْرَةِ المَحْضَةِ، ولا يَعْرِفُهُ إلّا أهْلُ الِاسْتِبْصارِ - انْتَهى.
مريم 19:9
﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ [أيِ -] الَّذِي عَوَّدَكَ بِالإحْسانِ، [وذَكَرَ مَقُولَ القَوْلِ فَقالَ -]: ﴿هُوَ﴾ أيْ خَلْقُ يَحْيى مِنكُما عَلى هَذِهِ الحالَةِ ﴿عَلَيَّ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿هَيِّنٌ﴾ لا فَرْقَ عِنْدِي بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ أيْ قَدَّرْتُكَ وصَوَّرْتُكَ [وأوْجَدْتُكَ -].
ولَمّا كانَ القَصْدُ تَشْبِيهَ حالِهِ بِالإتْيانِ مِنهُ بِوَلَدٍ عَلى ضَعْفِ السَّبَبِ بِتَقْدِيرِهِ مِنَ النُّطْفَةِ عَلى ضَعْفِ سَبَبِيَّتِها [لِكَوْنِها -] تارَةً تُثْمِرُ وتارَةً لا، وهو الأغْلَبُ، أتى بِالجارِّ إشارَةً إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ [أيْ قَبْلَ -] هَذا الزَّمانِ ﴿ولَمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ لَمْ. ولَمّا كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَدِيدَ التَّشَوُّفِ لِما يُلْقى عَلَيْهِ مِنَ المَعْنى في هَذِهِ البُشْرى، أوْجَزَ لَهُ حَتّى بِحَذْفِ النُّونِ [ولِيُثْبِتَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ المَحْضُ، ويَنْفِيَ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن ذاتِهِ وُجُودٌ ولَوْ عَلى أقَلِّ دَرَجاتِ الكَوْنِ لِاقْتِضاءِ حالِهِ في هَذا التَّعَجُّبِ لِتَذْكِيرِهِ في ذَلِكَ فَقالَ -]: ﴿تَكُ شَيْئًا﴾ (p-١٧٧)أيْ [يُعْتَدُّ بِهِ -]، ثُمَّ أبْرَزْتُكَ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ حِينَ أرَدْتُ، فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّهُ مِنَ امْرَأتِهِ هَذِهِ العاقِرِ في حالِ كَوْنِهِما شَيْخَيْنِ،
مريم 19:10
ثُمَّ قِيلَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما قالَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِذَلِكَ؟: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ [أيُّها -] المُحْسِنُ إلَيَّ بِالتَّقْرِيبِ! ﴿اجْعَلْ لِي﴾ عَلى ذَلِكَ ﴿آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً تَدُلُّنِي عَلى وُقُوعِهِ ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ: ﴿آيَتُكَ﴾ عَلى وُقُوعِ ذَلِكَ ﴿ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أيْ لا تَقْدِرَ عَلى كَلامِهِمْ.
ولَمّا بُدِئَتِ السُّورَةُ بِالرَّحْمَةِ، وكانَ اللَّيْلُ مَحَلَّ تَنَزُّلِها «يَنْزِلُ رَبُّنا كُلَّ لَيْلَةٍ إلى السَّماءِ الدُّنْيا فَيَقُولُ» - الحَدِيثُ، قالَ: ﴿ثَلاثَ لَيالٍ﴾ [أيْ بِأيّامِها - كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالأيّامِ في آلِ عِمْرانَ -] حالَ كَوْنِكَ ﴿سَوِيًّا﴾ مِن غَيْرِ خَرَسٍ ولا مَرَضٍ ولا حُبْسَةٍ عَنْ مُطْلَقِ الكَلامِ، بَلْ تُناجِي رَبَّكَ فِيها بِتَسْبِيحِهِ وتَحْمِيدِهِ وتِلاوَةِ كِتابِهِ وكُلِّ ما أرَدْتَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ وكَذا مَن عَدا النّاسِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِن صالِحِ عِبادِ اللَّهِ، وجُعِلَتِ الآيَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ سُكُوتًا عَنْ غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ دَلالَةً عَلى إخْلاصِهِ وانْقِطاعِهِ بِكُلِّيَّتِهِ إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ
مريم 19:11
﴿فَخَرَجَ﴾ عَقِبَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ بِهَذا ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ [أيْ عالِيًا عَلى العِلْيَةِ مِنهم -] ﴿مِنَ المِحْرابِ﴾ الَّذِي كانَ فِيهِ وهو صَدْرُ الهَيْكَلِ وأشْرَفُ ما فِيهِ، وهو مُنْطَلِقُ اللِّسانِ بِذِكْرِ اللَّهِ مُنْحَبِسُهُ (p-١٧٨)عَنْ كَلامِ النّاسِ ﴿فَأوْحى إلَيْهِمْ﴾ أيْ أشارَ بِشَفَتَيْهِ مِن غَيْرِ نُطْقٍ: قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الرُّمّانِيُّ في [آلِ عِمْرانَ ]: والرَّمْزُ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الإيماءِ بِالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ واليَدَيْنِ، والأوَّلُ أغْلَبُ؛ قالَ: وأصْلُهُ الحَرَكَةُ. وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَقالَ: وأمّا الرَّمْزُ فَإنَّ الأغْلَبَ مِن مَعانِيهِ عِنْدَ العَرَبِ الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الإيماءِ بِالحاجِبَيْنِ والعَيْنَيْنِ أحْيانًا، وذَلِكَ غَيْرُ كَثِيرٍ فِيهِمْ، وقَدْ يُقالُ لِلْخَفِيِّ مِنَ الكَلامِ الَّذِي مِثْلُ الهَمْسِ بِخَفْضِ الصَّوْتِ [الرَّمْزُ -]. ثُمَّ نَقَلَ أنَّ المُرادَ بِهِ هُنا تَحَرُّكُ الشَّفَتَيْنِ عَنْ مُجاهِدٍ - انْتَهى. وهو ظاهِرٌ أيْضًا في الوَحْيِ لِأنَّهُ مُطْلَقُ الإشارَةِ والكِنايَةِ والكَلامِ الخَفِيِّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ وحْيُهُ بِكُلٍّ مِنهُما، لا يَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ في مُخاطَبَتِهِ لِلنّاسِ، فَإذا تَوَجَّهَ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ سُبْحانَهُ انْطَلَقَ أحْسَنَ انْطِلاقٍ ﴿أنْ سَبِّحُوا﴾ أيْ أوْجِدُوا التَّنْزِيهَ والتَّقْدِيسَ لِلَّهِ تَعالى بِالصَّلاةِ وغَيْرِها ﴿بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ فَحَمَلَتِ امْرَأتُهُ كَما قُلْنا فَوَلَدَتْ ولَدًا فَسَمّاهُ يَحْيى كَما بَشَّرْناهُ بِهِ فَكَبِرَ حَتّى مَيَّزَ فَقُلْنا:
مريم 19:12
﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿بِقُوَّةٍ﴾
ولَمّا كانَتِ النُّبُوَّةُ لا يُسْتَضْلَعُ بِأمْرِها ويُقْوى عَلى حَمْلِها إلّا عِنْدَ اسْتِحْكامِ العَقْلِ بِبُلُوغِ الأشُدِّ. وكانَ التَّطْوِيقُ عَلى أمْرِها قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ، دَلَّ عَلَيْهِ النُّونُ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ (p-١٧٩)العَظَمَةِ ﴿الحُكْمَ﴾ أيِ النُّبُوَّةَ [والفَهْمَ لِلتَّوْراةِ ] ﴿صَبِيًّا﴾ لِغَلَبَةِ الرُّوحِ عَلَيْهِ، وهَذِهِ الخارِقَةُ لَمْ تَقْتَضِ الحِكْمَةُ أنْ تَكُونَ لِنَبِيِّنا ﷺ لِأنَّ قَوْمَهُ لا عَهْدَ لَهم بِالنُّبُوَّةِ، فَكانُوا إذا كَذَّبُوا لا يَكُونُ لَهم مِن أنْفُسِهِمْ ما يَلْزَمُهم مِنَ التَّناقُضِ، فَعُوِّضَ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ بِغَرائِزِ الصِّدْقِ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ تَسْمِيَتَهُ بِالأمِينِ لِيَكُونُوا بِذَلِكَ مُكَذِّبِينَ لِأنْفُسِهِمْ في تَكْذِيبِهِمْ لَهُ. وبِمَزِيدِ إبْقاءِ مُعْجِزَتِهِ القُرْآنِيَّةِ بَعْدَهُ تَدْعُو النّاسَ إلى دِينِهِ [دُعاءً لا مَرَدَّ لَهُ -]
مريم 19:13
”و“ آتَيْناهُ ”حنانًا“ أيْ رَحْمَةً وهَيْبَةً ووَقارًا ورِقَّةَ قَلْبٍ ورِزْقًا وبَرَكَةً ﴿مِن لَدُنّا﴾ مِن مُسْتَقْرَبِ المُسْتَغْرَبِ مِن عَظَمَتِنا بِلا واسِطَةِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ﴿وزَكاةً﴾ أيْ طَهارَةً في نِيَّتِهِ تَفِيضُ عَلى أفْعالِهِ وأقْوالِهِ ﴿وكانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَقِيًّا﴾ خَوّافًا لِلَّهِ تَعالى
مريم 19:14
﴿وبَرًّا﴾ أيْ واسِعَ الأخْلاقِ مُحْسِنًا ﴿بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿جَبّارًا﴾ عَلَيْهِما ولا عَلى غَيْرِهِما؛ ثُمَّ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَصِيًّا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ يَفْعَلُ فِعْلَ الجَبّارِينَ مِنَ الغِلْظَةِ والقَتْلِ والبَطْشِ بِمَن يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى لِخاتَمِ النَّبِيِّينَ ﷺ ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] فَكانَ مُطِيعًا لِلَّهِ قائِمًا بِحُقُوقِهِ وحُقُوقِ عِبادِهِ عَلى ما يَنْبَغِي، فَهَنِيئًا لَهُ ما أعْطاهُ مِن (p-١٨٠)هَذِهِ الخِلالِ القاضِيَةِ بِالكَمالِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ يُفْهِمُ أنَّ المَنفِيَّ الجَبْلُ عَلَيْها، وما دُونَها يُذْهِبُهُ اللَّهُ بِغَسْلِ القَلْبِ أوْ غَيْرِهِ
مريم 19:15
﴿وسَلامٌ﴾ [أيْ -] أيُّ سَلامٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ مِنّا ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ مِن كُلِّ سُوءٍ يَلْحَقُ بِالوِلادَةِ وما بَعْدَها في شَيْءٍ مِن أمْرِ الدِّينِ ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ مِن كَرْبِ المَوْتِ وما بَعْدَهُ، ولَعَلَّهُ نَكَّرَ السَّلامَ لِأنَّهُ قُتِلَ فَما سَلِمَ بَدَنُهُ بِخِلافِ ما يَأْتِي في عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ويَوْمَ يُبْعَثُ﴾ مِن كُلِّ ما يُخافُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿حَيًّا﴾ حَياةً هي الحَياةُ لِلِانْتِفاعِ بِها، إجابَةً لِدَعْوَةِ أبِيهِ في أنْ يَكُونَ رَضِيًّا، وخَصَّ هَذِهِ الأوْقاتَ لِأنَّ مَن سَلِمَ فِيها سَلِمَ في غَيْرِها لِأنَّها أصْعَبُ مِنهُ؛ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «كُلُّ بَنِي آدَمَ يَلْقى [اللَّهَ -] يَوْمَ القِيامَةِ بِذَنْبٍ وقَدْ يُعَذِّبُهُ عَلَيْهِ إنْ شاءَ أوْ يَرْحَمُهُ إلّا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ كانَ سَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، وأهْوى النَّبِيُّ ﷺ إلى قَذاةٍ مِنَ الأرْضِ فَأخَذَها وقالَ: ذَكَرُهُ مِثْلُ هَذِهِ القَذاةِ»
قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ حَجّاجُ بْنُ سُلَيْمانَ الرُّعَيْنِيُّ وثَّقَهُ ابْنُ حِبّانَ [وغَيْرُهُ وضَعَّفَهُ أبُو زُرْعَةَ وغَيْرُهُ، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ -]، وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ (p-١٨١)ذِكْرُ الذَّكَرِ، ولَفْظُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُنْتُ في حَلْقَةٍ [فِي -] المَسْجِدِ نَتَذاكَرُ فَضائِلَ الأنْبِياءِ - فَذَكَرَهُ حَتّى قالَ: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ أحَدٌ خَيْرًا مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ! وكَيْفَ ذاكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعُوا اللَّهَ كَيْفَ نَعَتَهُ في القُرْآنِ؟ ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ [مريم: ١٢] - إلى قَوْلِهِ: [حَيًّا -]،
﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ٣٩] لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً ولَمْ يَهُمَّ بِها». ورَواهُ أيْضًا البَزّارُ وفِيهِ عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ ضَعَّفَهُ الجُمْهُورُ - وقَدْ [وُثِّقَ -]، وبَقِيَّةُ رِجالِهِ ثِقاتٌ. وأشارَ سُبْحانَهُ بِالتَّنَقُّلِ في هَذِهِ الأطْوارِ إلى مَوْضِعِ الرَّدِّ عَلى مَنِ ادَّعى لِلَّهِ ولَدًا مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ قاضٍ عَلى الوَلَدِ نَفْسِهِ وعَلى أبِيهِ بِالحاجَةِ، وذَلِكَ مانِعٌ لِكُلٍّ مِنَ الوَلَدِ والوالِدِ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِمَرْتَبَةِ الإلَهِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنِ الحاجَةِ، وقَدْ مَضى في آلِ عِمْرانَ ما تَجِبُ مُراجَعَتُهُ.
مريم 19:16
ولَمّا كانَ حاصِلُ القِصَّةِ أنَّهُ ولَدٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ سَبَبٍ هو في ضَعْفِهِ قَرِيبٌ مِنَ العَدَمِ، أمّا مِن جِهَتِهِ فَبُلُوغُهُ إلى حَدٍّ مِنَ السِّنِّ وحالٍ في المِزاجِ لا يَقْبَلُ حَرَكَةَ الجِماعِ عادَةً، وأمّا مِن جِهَةِ زَوْجَتِهِ فَلِزِيادَتِها مَعَ يَأْسِها بِبُلُوغِها إلى نَحْوِ ذَلِكَ السِّنِّ بِكَوْنِها عاقِرًا لَمْ تَقْبَلْ حَبَلًا قَطُّ، (p-١٨٢)أتْبَعَهُ بِقِصَّةٍ هي أغْرَبُ مِن قِصَّتِهِ بِكَوْنِها لَيْسَ فِيها إلّا سَبَبٌ واحِدٌ وهو المَرْأةُ، وعُدِمَ فِيها سَبَبُ الذُّكُورِيَّةِ أصْلًا، إشارَةً إلى أنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ ما يَشاءُ تارَةً بِسَبَبٍ قَوِيٍّ، وتارَةً بِسَبَبٍ ضَعِيفٍ، وتارَةً بِلا سَبَبٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ كانَ مُسْتَغْنِيًا عَنِ الوَلَدِ؛ ولَمّا كانَ عَلى اليَهُودِ الآمِرِينَ بِالسُّؤالِ تَعَنُّتًا عَنْ قِصَّتَيْ أصْحابِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ أنْ يَنْصَحُوا العَرَبَ بِالإعْلامِ بِأنَّ دِينَهم باطِلٌ لِشِرْكِهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا فَكانُوا جَدِيرِينَ بِالتَّبْكِيتِ، وكانَتْ قِصَّةُ زَكَرِيّا أعْظَمَ في تَبْكِيتِهِمْ بِمُباشَرَتِهِمْ لِقَتْلِهِ وقَتْلِ ولَدِهِ يَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، قَدَّمَها في الذِّكْرِ، وتَوْطِئَةً لِأمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما مَضى بَيانُهُ في [آلِ عِمْرانَ ] إلْزامًا لَهم بِالِاعْتِرافِ بِهِ، ولِلنَّصارى بِالِاعْتِرافِ بِأنَّهُ عَبْدٌ، كَما اعْتَرَفَ كُلٌّ مِنهُما بِأمْرِ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ بِما جَمَعَ بَيْنَهُما مِن خَرْقِ العادَةِ، وكانَتْ قِصَّةُ يَحْيى أوْلى مِن قِصَّةِ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ لِما تَقَدَّمَ، ولِمُشاهَدَةِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِأمْرِهِ وأمْرِ يَحْيى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما لَهُما مِنَ الاتِّحادِ في الزَّمَنِ مَعَ ما لَهُما مِن قُرْبِ النَّسَبِ، ولَمّا كانَتْ قِصَّةُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أغْرَبَ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ هَذا لَهُمْ: ﴿واذْكُرْ﴾ - بِلَفْظِ الأمْرِ ﴿فِي الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ ابْنَةَ عِمْرانَ خالَةَ يَحْيى - كَما في الصَّحِيحِ (p-١٨٣)مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ [عَنْ مالِكِ -] بْنِ صَعْصَعَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَدِيثِ الإسْراءِ: «فَلَمّا خَلُصْتُ فَإذا يَحْيى وعِيسى وهُما ابْنا خالَةٍ» ثُمَّ أبْدَلَ مِن ﴿مَرْيَمَ﴾ بَدَلَ اشْتِمالٍ قَوْلَهُ: ﴿إذِ﴾ أيِ اذْكُرْ ما اتَّفَقَ لَها حِينَ ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أيْ كَلَّفَتْ نَفْسَها أنِ اعْتَزَلَتْ وانْفَرَدَتْ ﴿مِن أهْلِها﴾ حالَّةً ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ عَنْ مَكانِهِمْ، فَكانَ انْفِرادُها في جِهَةِ مَطالِعِ الأنْوارِ إشارَةً إلى ما يَأْتِيها مِنَ الرُّوحِ الإلَهِيِّ
مريم 19:17
﴿فاتَّخَذَتْ﴾ أيْ أخَذَتْ بِقَصْدٍ وتَكَلُّفٍ، ودَلَّ عَلى قُرْبِ المَكانِ بِالإتْيانِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ أيْ أدْنى مَكانٍ في مَكانِهِمْ لِانْفِرادِها لِلِاغْتِسالِ أوْ غَيْرِهِ ﴿حِجابًا﴾ يَسْتُرُها ﴿فَأرْسَلْنا﴾ لِأمْرٍ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِنا ﴿إلَيْها رُوحَنا﴾ جِبْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيُعْلِمَها بِما يُرِيدُ اللَّهُ بِها مِنَ الكَرامَةِ بِوِلادَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن غَيْرِ أبٍ، لِئَلّا يَشْتَبِهَ عَلَيْها الأمْرُ، [و -] يَتَشَعَّبَ بِها الفِكْرُ، فَتَقْتُلَ نَفْسَها غَمًّا ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ أيْ تَشَبَّحَ وهو رُوحانِيٌّ بِصُورَةِ الجِسْمانِيِّ ﴿بَشَرًا سَوِيًّا﴾ في خَلْقِهِ حَسَنَ الشَّكْلِ لِئَلّا تَشْتَدَّ نَفْرَتُها [ورَوْعُها -] مِنهُ؛ ثُمَّ أخْرَجَ القِصَّةَ مَخْرَجَ الِاسْتِئْنافِ فَقالَ دالًّا عَلى حَزْمِها وخُلُوصِ تَعَبُّدِها لِلَّهِ والتِجائِها إلَيْهِ وشُهُودِها لَهُ بِحَيْثُ لا تَرْكَنُ إلى سِواهُ:
مريم 19:18
﴿قالَتْ﴾ (p-١٨٤)ولَمّا كانَ عَلى أنْهى ما يَكُونُ مِنَ الجَمالِ والخِلالِ الصّالِحَةِ والكَمالِ، فَكانَ بِحَيْثُ يُسْتَبْعَدُ غايَةَ الِاسْتِبْعادِ أنْ يُتَعَوَّذَ مِنهُ أكَّدَتْ فَقالَتْ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ﴾ رَبِّي الَّذِي رَحْمَتُهُ عامَّةٌ لِجَمِيعِ عِبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَهُ بِنا خُصُوصِيَّةٌ في إسْباغِ الرَّحْمَةِ وإتْمامِ النِّعْمَةِ ﴿مِنكَ﴾ ولَمّا تَفَرَّسَتْ فِيهِ - بِما أنارَ اللَّهُ مِن بَصِيرَتِها وأصْفى [مِن -] سَرِيرَتِها - التَّقْوى، ألْهَبَتْهُ وهَيَّجَتْهُ لِلْعَمَلِ بِمَضْمُونِ هَذِهِ الِاسْتِعاذَةِ بِقَوْلِها: ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾
مريم 19:19
﴿قالَ﴾ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُجِيبًا لَها بِما مَعْناهُ: إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ تَخْشَيْنَ [أنْ يَكُونَ مُتَّهَمًا -]، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اسْتِعاذَتِها،
﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أيِ الَّذِي عُذْتِ بِهِ أيْ فَأنا [لَسْتُ مُتَّهَمًا -]، مُتَّصِفٌ بِما ذَكَرْتِ وزِيادَةِ الرِّسَلِيَّةِ، وعَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ لُطْفًا بِها، ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مُصَدَّرَةٌ بِالرَّحْمَةِ، ومِن أعْظَمِ مَقاصِدِها تَعْدادُ النِّعَمِ عَلى خُلَّصِ عِبادِهِ ﴿لأهَبَ﴾ بِأمْرِهِ أوْ لِيَهَبَ هو عَلى القِراءَةِ الأُخْرى ﴿لَكِ﴾ وقَدَّمَ المُتَعَلِّقَ تَشْوِيقًا إلى المَفْعُولِ لِيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ مُعَبِّرًا بِما هو أكْثَرُ خَيْرًا وأقْعَدُ في بابِ البُشْرى وأنْسَبُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ مَعَ أنَّهُ لا يُنافِي ما ذَكَرَ في [آلِ عِمْرانَ ] بِقَوْلِهِ: (p-١٨٥)﴿غُلامًا﴾ أيْ ولَدًا ذَكَرًا في [غايَةِ -] القُوَّةِ والرُّجُولِيَّةِ ﴿زَكِيًّا﴾ طاهِرًا مِن كُلِّ ما يُدَنِّسُ البَشَرَ: نامِيًا عَلى الخَيْرِ والبَرَكَةِ
مريم 19:20
﴿قالَتْ﴾ مَرْيَمُ: ﴿أنّى﴾ أيْ مِن أيْنَ وكَيْفَ ﴿يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ألِدُهُ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ بِنِكاحٍ أصْلًا حَلالٍ ولا غَيْرِهِ بِشُبْهَةٍ ولا غَيْرِها.
ولَمّا هالَها هَذا الأمْرُ، أدّاها الحالُ إلى غايَةِ الإسْراعِ في إلْقاءِ ما تُرِيدُ مِنَ المَعانِي لَها [لَعَلَّها -] تَسْتَرِيحُ مِمّا تَصَوَّرَتْهُ، فَضاقَ عَلَيْها المَقامُ، فَأوْجَزَتْ حَتّى بِحَذْفِ النُّونِ مِن ”كانَ“ ولِتُفْهِمَ أنَّ هَذا المَعْنى مَنفِيٌّ كَوْنُهُ عَلى أبْلَغِ وُجُوهِهِ فَقالَتْ ﴿ولَمْ أكُ﴾ ولَمّا كانَ المَوْلُودُ سِرَّ مَن يَلِدُهُ، وكانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما هو مِن مادَّةِ الغُلْمَةِ دالًّا عَلى غايَةِ الكَمالِ في الرُّجُولِيَّةِ المُقْتَضِي لِغايَةِ القُوَّةِ في أمْرِ النِّكاحِ نَفَتْ أنْ يَكُونَ فِيها شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَقالَتْ: ﴿بَغِيًّا﴾ أيْ [لِيَكُونَ -] دَأْبِي الفُجُورَ، ولَمْ يَأْتِ ”بَغِيَّةً“ لِغَلَبَةِ إيقاعِهِ عَلى النِّساءِ، فَكانَ مِثْلَ حائِضٍ وعاقِرٍ في عَدَمِ الإلْباسِ [ولِأنَّ بَغِيَّةً، لا يُقالُ إلّا لِلْمُتَلَبِّسَةِ بِهِ -]
مريم 19:21
﴿قالَ﴾ [أيْ -] جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كَذَلِكِ﴾ القَوْلُ الَّذِي قُلْتُ [لَكِ -] يَكُونُ.
(p-١٨٦)ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ قائِلًا: كَيْفَ يَكُونُ بِغَيْرِ سَبَبٍ؟ أجابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ ولَمّا بُنِيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى الرَّحْمَةِ واللُّطْفِ والإحْسانِ بِعِبادِ الرَّحْمَنِ، عَبَّرَ بِاسْمِ الرَّبِّ الَّذِي صُدِّرَتْ بِهِ بِخِلافِ سُورَةِ التَّوْحِيدِ [آلِ عِمْرانَ ] المُصَدَّرَةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿رَبُّكِ هُوَ﴾ أيِ المَذْكُورُ وهو إيجادُ الوَلَدِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ ﴿عَلَيَّ﴾ أيْ وحْدِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ [أحَدٌ غَيْرِي ﴿هَيِّنٌ﴾ [أيْ -] خَصَصْناكِ بِهِ لِيَكُونَ شَرَفًا بِهِ [لَكِ -].
ولَمّا كانَ [ذَلِكَ -] مِن أعْظَمِ الخَوارِقِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالنُّونِ في قَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا أفْهَمَهُ السِّياقُ: ﴿ولِنَجْعَلَهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿آيَةً لِلنّاسِ﴾ أيْ عَلامَةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ أدَلَّ مِنَ الآيَةِ في يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، وبِهِ تَمامُ القِسْمَةِ الرُّباعِيَّةِ في خَلْقِ البَشَرِ، فَإنَّهُ أوْجَدَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، وحَوّاءَ مِن ذَكَرٍ بِلا أُنْثى وآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى، وبَقِيَّةَ أوْلادِهِ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مَعًا ﴿ورَحْمَةً مِنّا﴾ لِمَن آمَنَ بِهِ في أوَّلِ زَمانِهِ، ولِأكْثَرِ الخَلْقِ بِالإيمانِ والإنْجاءِ مِنَ المِحَنِ في آخِرِ زَمانِهِ، لا كَآيَةِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّها كانَتْ آيَةَ اسْتِئْصالٍ لِأهْلِ الضَّلالِ ﴿وكانَ﴾ ذَلِكَ كُلُّهُ ﴿أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أيْ مَحْكُومًا بِهِ مَبْتُوتًا هو في غايَةِ السُّهُولَةِ لا مانِعَ مِنهُ أصْلًا، ونَبَّهَ (p-١٨٧)عَلى سُرْعَةِ تَسْبِيبِ الحَمْلِ عَنْ هَذا القَوْلِ وإنْ كانَ التَّقْدِيرُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ: فَنَفَخَ في دِرْعِها فَوَصَلَ النَّفْخُ إلى جَوْفِها
مريم 19:22
﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ وعَقَّبَ بِالحَمْلِ قَوْلَهُ: ﴿فانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أيْ فاعْتَزَلَتْ - وهو في بَطْنِها - حالَّةً ﴿مَكانًا قَصِيًّا﴾ أيْ بَعِيدًا مِن أهْلِها أوْ مِنَ المَكانِ الشَّرْقِيِّ، وأشارَ إلى قُرْبِ الوِلادَةِ مِنَ الحَمْلِ بِفاءِ التَّعْقِيبِ في قَوْلِهِ:
مريم 19:23
﴿فَأجاءَها﴾ أيْ فَأتى بِها وألْجَأها ﴿المَخاضُ﴾ وهو تَحَرُّكُ الوَلَدِ في بَطْنِها لِلْوِلادَةِ ﴿إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وهو ما بَرَزَ [مِنها -] مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَبْلُغِ الأغْصانَ، وكانَ تَعْرِيفُها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في تِلْكَ البِلادِ البارِدَةِ غَيْرُها، فَكانَتْ كالعَلَمِ لِما فِيها مِنَ العَجَبِ، لِأنَّ النَّخْلَ مِن أقَلِّ الأشْجارِ صَبْرًا عَلى البَرْدِ، ولَعَلَّها أُلْجِئَتْ إلَيْها دُونَ غَيْرِها مِنَ الأشْجارِ عَلى كَثْرَتِها لِمُناسَبَةِ حالِ النَّخْلَةِ لَها، لِأنَّها لا تَحْمِلُ إلّا بِإلْقاحٍ مِن ذُكُورِ النَّخْلِ، فَحَمْلُها بِمُجَرَّدِ هَزِّها أنْسَبُ شَيْءٍ لِإتْيانِها بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ والِدٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ! فَكَيْفَ إذا كانَتْ يابِسَةً! مَعَ ما لَها فِيها مِنَ المَنافِعِ بِالِاسْتِنادِ إلَيْها والِاعْتِمادِ عَلَيْها، وكَوْنِ رُطَبِها خُرْسَةً لِلنُّفَساءِ وغايَةً في نَفْعِها وغَيْرِ ذَلِكَ. (p-١٨٨)ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا صَعْبًا عَلَيْها جِدًّا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: يا لَيْتَ شِعْرِي! ما كانَ حالُها؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ لِما حَصَلَ عِنْدَها مِن خَوْفِ العارِ: ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ﴾ ولَمّا كانَتْ كَذَلِكَ أشارَتْ إلى اسْتِغْراقِ الزَّمانِ بِالمَوْتِ بِمَعْنى عَدَمِ الوُجُودِ فَقالَتْ مِن غَيْرِ جارٍّ: ﴿قَبْلَ هَذا﴾ [أيِ -] الأمْرِ العَظِيمِ ﴿وكُنْتُ نَسْيًا﴾ أيْ شَيْئًا مِن شَأْنِهِ أنْ يُنْسى ﴿مَنسِيًّا﴾ أيْ مَتْرُوكًا بِالفِعْلِ لا يَخْطُرُ عَلى بالٍ، فَوَلَدَتْهُ
مريم 19:24
﴿فَناداها مِن تَحْتِها﴾ وهو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ألا تَحْزَنِي﴾ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والأصَحُّ أنَّ مُدَّةَ حَمْلِها لَهُ ووِلادَتِهِ ساعَةٌ لِأنَّهُ كانَ مُبْدَعًا، ولَمْ يَكُنْ مِن نُطْفَةٍ تَدُورُ في أدْوارِ الخِلْقَةِ - انْتَهى. ونَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وقالَ: غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ في كِتابِنا ولا عَنْ نَبِيِّنا ﷺ أنَّهم أنْكَرُوا عَلَيْها زَمَنَ الحَمْلِ، ولَوْ عَلِمُوا بِهِ لَأنْكَرُوهُ [ولَوْ أنْكَرُوهُ -] لَنُقِلَ كَما نُقِلَ إنْكارُ الوِلادَةِ.
ولَمّا أنْكَرُوا الوِلادَةَ فَكَأنَّها قالَتْ: لِمَ لا أحْزَنُ؟ [وتَوَقَّعَتْ ما يُعَلِّلُ بِهِ -]؟ قالَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ﴾ [أيِ -] المُحْسِنُ إلَيْكِ ﴿تَحْتَكِ﴾ في هَذِهِ الأرْضِ الَّتِي لا ماءَ جارِيًا بِها ﴿سَرِيًّا﴾ جَدْوَلًا مِنَ (p-١٨٩)الماءِ جَلِيلًا آيَةً لَكِ تُطِيبُ نَفْسَكِ
مريم 19:25
﴿وهُزِّي إلَيْكِ﴾ أيْ أوْقِعِي الهَزَّ وهو جَذْبٌ بِتَحْرِيكٍ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّهْوِيلَ لِصَرْفِ فِكْرِها عَمّا دَهَمَها مِنَ الهَمِّ جَعَلَهُ قاصِرًا فَكَأنَّها قالَتْ: ما أهُزُّ؟ إذْ لَمْ يَكُنْ في الجِذْعِ ما يُتَوَقَّعُ نَفْعُهُ بِهَزِّهِ، فَقالَ مُصَرِّحًا بِالمَهْزُوزِ: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [الَّتِي أنْتِ تَحْتَها مَعَ يُبْسِها وكَوْنِ الوَقْتِ لَيْسَ وقْتَ حَمْلِها فَكَأنَّها قالَتْ: ولِمَ ذاكَ؛ فَقالَ -]: ﴿تُساقِطْ عَلَيْكِ﴾ مِن أعْلاها ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ طَرِيًّا آيَةً أُخْرى عَظِيمَةً تُطِيبُ النَّفْسَ وتَذْهَبُ بِالحُزْنِ، وتَدُلُّ عَلى البَراءَةِ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ [فِي قِراءَةِ الجَماعَةِ وحَمْزَةَ -] لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ -] التَّمْرَ يَسْقُطُ مِنها، ومِن حَقِّهِ أنْ يَكُونَ مُنْتَفِيًا لِأنَّها غَيْرُ مُتَأهِّلَةٍ لِذَلِكَ، فَهو ظاهِرٌ في أنَّهُ عَلى وجْهٍ خارِقٍ لِلْعادَةِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالإدْغامِ تُشِيرُ [مَعَ ذَلِكَ -] إلى أنَّهُ مَعَ شِدَّتِهِ يَكادُ أنْ يُخْفِيَ كَوْنَهُ مِنها لِيُبْسِها وعَدَمِ إقْنائِها، وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ تُشِيرُ إلى سُهُولَةِ تَساقُطِهِ وكَثْرَتِهِ، وقِراءَةُ حَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالضَّمِّ وكَسْرِ القافِ مِن فاعِلٍ، (p-١٩٠)تَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ وأنَّهُ ظاهِرٌ في كَوْنِهِ مِن فِعْلِها.
مريم 19:26
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّها هَزَّتْ فَتَساقَطَ الرُّطَبُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَكُلِي﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْكِ بِالماءِ والرُّطَبِ أنْ يُقالَ لَكِ تَمْكِينًا مِن كُلٍّ مِنهُما كُلِي مِنَ الرُّطَبِ ﴿واشْرَبِي﴾ مِن ماءِ السَّرِيِّ ﴿وقَرِّي﴾ أيِ اسْتَقِرِّي ﴿عَيْنًا﴾ بِالنَّوْمِ، فَإنَّ المَهْمُومَ لا يَنامُ، والعَيْنُ لا تَسْتَقِرُّ ما دامَتْ يَقْظى، وعَنِ الأصْمَعِيِّ أنَّ المَعْنى: ولْتَبْرُدْ دَمْعَتُكِ، لِأنَّ دَمْعَةَ [الفَرَحِ بارِدَةٌ ودَمْعَةَ -] الحُزْنِ حارَّةٌ، واشْتِقاقُ ”قَرِّي“ مِنَ القَرُورِ، وهو الماءُ البارِدُ - انْتَهى.
وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: وحَكى الفَرّاءُ أنَّ قُرَيْشًا ومَن حَوْلَهم يَقُولُونَ: قَرِرْتُ بِهِ عَيْنًا - أيْ بِكَسْرِ العَيْنِ - أقَرُّ، وأنَّ أسَدًا وقَيْسًا وتَمِيمًا يَقُولُونَ: قَرَرْتُ بِهِ عَيْنًا - أيْ بِالفَتْحِ [أقِرُّ، قالَ - يَعْنِي الفَرّاءَ: فَمَن قالَ: قَرِرْتُ - أيْ بِالكَسْرِ - قَرًّا، وقَرِّي عَيْنًا - أيْ بِالفَتْحِ -]، وهي القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ، ومَن قالَ: قَرَرْتُ، - أيْ بِالفَتْحِ قَرَأ وقِرِّي عَيْنًا - بِكَسْرِ القافِ أيْ وهي [الشّاذَّةُ، قالَ - أيِ القَزّازُ: هي -] لُغَةُ [كُلِّ -] مَن لَقِيتُ مِن أهْلِ نَجْدٍ، والمَصْدَرُ قُرَّةٌ وقُرُورٌ. (p-١٩١)وسَيَأْتِي في القِصَصِ ما يَنْفَعُ هُنا، وهو [عَلى كُلِّ حالٍ -] كِنايَةٌ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ وتَأهُّلِها لِأنْ تَنامَ بِالكِفايَةِ في الدُّنْيا بِطَعامِ البَدَنِ وغِذاءِ الرُّوحِ بِكَوْنِهِ آيَةً باهِرَةً، والآخِرَةِ بِالكَرامَةِ [وذَلِكَ عَلى أنْفَعِ الوُجُوهِ، قِيلَ: ما لِلنُّفَساءِ خَيْرٌ مِنَ الرُّطَبِ ولا لِلْمَرِيضِ خَيْرٌ مِنَ العَسَلِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إيذانًا بِأنَّ أكْثَرَ رُؤْيَتِها في تِلْكَ الأوْقاتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ -] ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ﴾ [أيْ -] يا مَرْيَمُ ﴿مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾ لا تَشُكِّينَ أنَّهُ مِنَ البَشَرِ يُنْكِرُ عَلَيْكِ ﴿فَقُولِي﴾ لِذَلِكَ المُنْكِرِ جَوابًا لَهُ مَعَ التَّأْكِيدِ تَنْبِيهًا عَلى البَراءَةِ لِأنَّ البَرِيءَ يَكُونُ ساكِنًا لِاطْمِئْنانِهِ والمُرْتابَ يَكْثُرُ كَلامُهُ وحَلِفُهُ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَأدْخَلَنِي فِيها عَلى ضَعْفِي وخَصَّنِي بِما رَأيْتَ مِنَ الخَوارِقِ ﴿صَوْمًا﴾ أيْ صَمْتًا [يُنْجِي مِن كُلِّ وصْمَةٍ -] وإمْساكًا عَنِ الكَلامِ ﴿فَلَنْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ النَّذْرِ أنِّي لَنْ ﴿أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ فَإنَّ كَلامِي يَقْبَلُ الرَّدَّ والمُجادَلَةَ [ -] ولَكِنْ يَتَكَلَّمُ عَنِّي المَوْلُودُ الَّذِي كَلامُهُ لا يَقْبَلُ الدَّفْعَ، وأمّا أنا فَأُنَزِّهُ نَفْسِي عَنْ مُجادَلَةِ السُّفَهاءِ فَلا أُكَلِّمُ إلّا المَلائِكَةَ أوِ الخالِقَ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ وسائِرِ أنْواعِ الذِّكْرِ، قالُوا: ومِن أذَلِّ النّاسِ سَفِيهٌ لَمْ يَجِدْ مُسافِهًا، ومِنَ (p-١٩٢)الدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِالصَّمْتِ عَنْ كَلامِ النّاسِ مَعَ ما تَقَدَّمَ الإشارَةُ إلى أنَّهُ رَدْعٌ مُجَرَّدٌ
مريم 19:27
﴿فَأتَتْ﴾ أيْ فَلَمّا سَمِعَتْ هَذا الكَلامَ اشْتَدَّ قَلْبُها، وزالَ حُزْنُها، وأتَتْ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِعِيسى ﴿قَوْمَها﴾ [وإنْ كانَ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ لِكُلِّ ما يُرِيدُونَهُ إتْيانَ البَرِيءِ المُوقِنِ بِأنَّ اللَّهَ مَعَهُ -] ﴿تَحْمِلُهُ﴾ [غَيْرَ مُبالِيَةٍ بِأحَدٍ ولا مُسْتَخْفِيَةٍ -] فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ﴾ ما هَذا؟ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَها في إتْيانِها يَقْتَضِي إنْكارَ كَلامِهِمْ ﴿لَقَدْ جِئْتِ﴾ بِما نَراهُ ﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قَطِيعًا مُنْكَرًا
مريم 19:28
﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ في زُهْدِهِ ووَرَعِهِ وعِفَّتِهِ [وهُوَ صالِحٌ كانَ في زَمانِها أوْ أخُو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -] ﴿ما كانَ أبُوكِ﴾ [أيْ -] عِمْرانُ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾ لِنَقُولَ: نَزَعَكِ عِرْقٌ مِنهُ ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿بَغِيًّا﴾ [أيْ ذاتَ بَغْيٍ أيْ عَمْدٍ -] لِتَتَأسَّيْ بِها
مريم 19:29
﴿فَأشارَتْ﴾ امْتِثالًا لِما أُمِرَتْ بِهِ ﴿إلَيْهِ﴾ [أيْ عِيسى لِيُكَلِّمُوهُ فَيُجِيبَ عَنْها -] ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ يا مَرْيَمُ ﴿مَن كانَ في المَهْدِ﴾ أيْ قَبِيلَ إشارَتِكِ ﴿صَبِيًّا﴾ لَمْ يَبْلُغْ سِنَّ [هَذا -] الكَلامِ، [الَّذِي لا يَقُولُهُ إلّا الأكابِرُ العُقَلاءُ بَلِ الأنْبِياءُ -] والتَّعْبِيرُ بِـ ”كانَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حِينَ الإشارَةِ إلَيْهِ لَمْ يُحْوِجْهم إلى أنْ يُكَلِّمُوهُ، بَلْ حِينَ سَمِعَ المُحاوَرَةَ وتَمَّتِ الإشارَةُ بَدا مِنهُ قَوْلٌ (p-١٩٣)خارِقٌ لِعادَةِ الرُّضَعاءِ [والصِّبْيانِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ تامَّةً مُشِيرَةً إلى تَمَكُّنِهِ في حالِ ما دُونَ سِنِّ الكَلامِ، ونَصْبُ ﴿صَبِيًّا﴾ عَلى الحالِ -]، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُؤْذِنَةً بِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ:
مريم 19:30
﴿قالَ﴾ [أيْ -] واصِفًا نَفْسَهُ بِما يُنافِي أوْصافَ الأخابِثِ، مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أمْرَهُ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ لا أتَعَبَّدُ لِغَيْرِهِ، إشارَةً إلى الِاعْتِقادِ الصَّحِيحِ فِيهِ، وأنَّهُ لا يَسْتَعْبِدُهُ شَيْطانٌ ولا هَوىً ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والزَّبُورَ وغَيْرَها مِنَ الصُّحُفِ عَلى صِغَرِ سِنِّي ﴿وجَعَلَنِي﴾ أيْ في عِلْمِهِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُ بِما يُرِيدُ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ، وقِيلَ في ذَلِكَ: فَأُنْبِئُكم بِهِ
مريم 19:31
﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ بِأنْواعِ البَرَكاتِ ﴿أيْنَ ما﴾ في أيِّ مَكانٍ ﴿كُنْتُ﴾ فِيهِ.
ولَمّا سَبَقَ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُدَّعى في عِيسى الإلَهِيَّةُ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ لَهُ طُهْرَةً لِلنَّفْسِ ﴿والزَّكاةِ﴾ طُهْرَةً لِلْمالِ فِعْلًا في نَفْسِي وأمْرًا لِغَيْرِي ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلى مَن أطْراهُ لِأنَّهُ لا شُبْهَةَ في أنَّ مَن يُصَلِّي لِإلَهٍ لَيْسَ بِإلَهٍ
مريم 19:32
﴿وبَرًّا﴾ أيْ [و -] جَعَلَنِي بَرًّا، أيْ واسِعَ الخُلُقِ طاهِرَهُ. (p-١٩٤)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِبَراءَتِها فَبَيِّنُ الحَقِّ في وصْفِهِ، صَرَّحَ بِبَراءَتِها فَقالَ: ﴿بِوالِدَتِي﴾ أيِ الَّتِي أكْرَمَها اللَّهُ بِإحْصانِ الفَرْجِ والحَمْلِ بِي مِن غَيْرِ ذَكَرٍ، فَلا والِدَ لِي غَيْرَها ﴿ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ بِأنْ أفْعَلَ فِعْلَ الجَبّارِينَ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ، إنَّما أفْعَلُ ذَلِكَ بِمَن يَسْتَحِقُّ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ التَّجَبُّرَ المَذْمُومَ فِعْلُ أوْلادِ الزِّنا، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَشْعِرُ ما عِنْدَهُ مِنَ النَّقْصِ فَيُرِيدُ أنْ يَجْبُرَهُ بِتَجَبُّرِهِ،
مريم 19:33
ثُمَّ أخْبَرَ بِما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِنَ الكَرامَةِ الدّائِمَةِ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَضُرُّهُ [عَدُوٌّ -]، وإلى أنَّهُ عَبْدٌ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ إلَهًا وإلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿والسَّلامُ﴾ أيْ جِنْسُهُ ﴿عَلَيَّ﴾ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ضَرَرِي ﴿يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ فَلَمْ يَضُرَّنِي الشَّيْطانُ ومَن يُولَدُ لا يَكُونُ إلَهًا ﴿ويَوْمَ أمُوتُ﴾ كَذَلِكَ أمُوتُ كامِلَ البَدَنِ والدِّينِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى انْتِقاصِهِما مِنِّي كائِنًا مَن كانَ ﴿ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ [فِي -] يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، إشارَةً إلى أنَّهُ في البَشَرِيَّةِ مِثْلُهُ سَواءٌ لَمْ يُفارِقْهُ أصْلًا إلّا في كَوْنِهِ مِن [غَيْرِ -] ذَكَرٍ، وإذا كانَ جِنْسُ السَّلامِ عَلَيْهِ كانَ اللَّعْنُ عَلى أعْدائِهِ، فَهو بِشارَةٌ لِمَن صَدَّقَهُ فَإنَّهُ مِنهُ، ونِذارَةٌ لِمَن كَذَّبَهُ، ولَمْ يَكُنْ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ مِثْلُ هَذِهِ الخارِقَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ حالُهُ بِالكُهّانِ، لِأنَّ قَوْمَهُ لا عَهْدَ لَهم بِالخَوارِقِ إلّا عِنْدَهُمْ، (p-١٩٥)وإذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ مِنَ الصِّغَرِ صَعُبَ زَوالُهُ، ولَمْ يَكُنْ هُناكَ ما يَنْفِيهِ حالَ الصِّغَرِ، فَعُوِّضَ عَنْ ذَلِكَ إنْطاقَ الرُّضَعاءِ كَمُبارَكِ اليَمامَةِ وغَيْرِهِ، وإنْطاقَ الحَيَواناتِ العُجْمِ، بَلْ والجَماداتِ كالحِجارَةِ وذِراعِ الشّاةِ المَسْمُومَةِ والجِذْعِ [اليابِسِ -] وغَيْرِها.
مريم 19:34
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ مِن أقْوالِ عِيسى وأحْوالِهِ - المُنادِيَةِ بِالحاجَةِ لِلتَّنَقُّلِ في أطْوارِ غَيْرِهِ مِنَ البَشَرِ والكَرامَةِ مِنَ اللَّهِ - أعْظَمُ البَيانِ عَنْ بُعْدِهِ عَمّا ادَّعى فِيهِ النَّصارى مِنَ الإلَهِيَّةِ واليَهُودُ مِن أنَّهُ لِغَيْرِ رُشْدِهِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ مُشِيرًا إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ مُبْتَدِئًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الوَلَدُ العَظِيمُ الشَّأْنِ، العَلِيُّ الرُّتْبَةِ، الَّذِي هَذِهِ أحْوالُهُ وأقْوالُهُ البَعِيدَةُ عَنْ صِفَةِ الإلَهِ [وصِفَةِ مَنِ ارْتابَ في أمْرِهِ -]؛ ثُمَّ بَيَّنَ اسْمَ الإشارَةِ أوْ أخْبَرَ فَقالَ: ﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ أيْ وحْدَها لَيْسَ لِغَيْرِها فِيهِ بُنُوَّةٌ أصْلًا، وهي مِن أوْلادِ آدَمَ، فَهو كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَظَّمَ هَذا البَيانَ تَعْظِيمًا آخَرَ فَقالَ: ﴿قَوْلَ﴾ أيْ هو - أيْ نِسْبَتُهُ إلى مَرْيَمَ فَقَطْ - قَوْلُ ﴿الحَقِّ﴾ أيِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، أوْ يَكُونُ القَوْلُ عِيسى نَفْسَهُ كَما أطْلَقَ عَلَيْهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ ”كَلِمَةً“ مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ وهو عَلى هَذِهِ (p-١٩٦)القِراءَةِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ أوْ بَدَلٌ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، [وعَلى قِراءَةِ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ بِالنَّصْبِ، هو إغْراءٌ، أيِ الزَمُوا ذَلِكَ وهو نِسْبَتُهُ إلى مَرْيَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وحْدَها -] ثُمَّ عَجِبَ مِن ضَلالِهِمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أيْ يَشُكُّونَ [شَكًّا يَتَكَلَّفُونَهُ ويُجادِلُونَهُ بِهِ -] مَعَ أنَّ أمْرَهُ في غايَةِ الوُضُوحِ، لَيْسَ مَوْضِعًا لِلشَّكِّ أصْلًا؛
مريم 19:35
ثُمَّ دَلَّ عَلى كَوْنِهِ حَقًّا في كَوْنِهِ ابْنَ مَرْيَمَ لا غَيْرِها بِقَوْلِهِ رَدًّا عَلى مَن ضَلَّ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ ما صَحَّ ولا تَأتّى ولا تُصُوِّرَ في العُقُولِ ولا يَصِحُّ ولا يَتَأتّى لِأنَّهُ مِنَ المُحالِ لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنهُ الحاجَةُ ﴿لِلَّهِ﴾ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿أنْ يَتَّخِذَ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ يَقْتَضِي النَّفْيَ العامَّ، أكَّدَهُ بِـ ”مِن“ فَقالَ: ﴿مِن ولَدٍ﴾
ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ مِنَ النَّقائِصِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّنْزِيهِ العامِّ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ مِنَ احْتِياجٍ إلى ولَدٍ أوْ غَيْرِهِ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا قَضى أمْرًا﴾ أيَّ أمْرٍ كانَ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ﴾ أيْ يُرِيدُهُ ويُعَلِّقُ قُدْرَتَهُ بِهِ ﴿فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى شَيْءٍ أصْلًا، (p-١٩٧)فَكَيْفَ يُنْسَبُ إلى الِاحْتِياجِ إلى الإحْبالِ والإيلادِ والتَّرْبِيَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا كَما أشارَ إلَيْهِ الِاتِّخاذُ.
مريم 19:36
ولَمّا كانَ لِسانُ الحالِ ناطِقًا عَنْ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يَقُولَ: وقَدْ قَضانِي اللَّهُ فَكُنْتُ كَما أرادَ، فَأنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ فاعْتَقِدُوا ذَلِكَ ولا تَعْتَقِدُوا سِواهُ مِنَ الأباطِيلِ، عَطَفَ عَلَيْهِ في قِراءَةِ الحَرَمِيِّينَ وأبِي عَمْرٍو قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ أيْ أحْسَنَ إلى كُلٍّ مِنّا بِالخَلْقِ والرِّزْقِ، لا فَرْقَ بَيْنَنا في أصْلِ ذَلِكَ ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ وحْدَهُ لِتَفَرُّدِهِ بِالإحْسانِ كَما أعْبُدُهُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالكَسْرِ عَلى [أنَّهُ -] مَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الماضِي، ويَكُونُ اعْتِراضُ ما تَقَدَّمَ مِن كَلامِ اللَّهِ بَيْنَهُما لِلتَّأْكِيدِ والِاهْتِمامِ.
ولَمّا كانَ اشْتِراكُ الخَلائِقِ في عِبادَةِ الخالِقِ بِعَمَلِ القَلْبِ والجَوارِحِ عِلْمًا وعَمَلًا أعْدَلَ الأشْياءِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي أمَرْتُكم بِهِ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لِأنّا بَذَلْنا الحَقَّ لِأهْلِهِ بِالِاعْتِقادِ الحَقِّ (p-١٩٨)والعَمَلِ الصّالِحِ، ولَمْ يَتَفَضَّلْ أحَدٌ مِنّا فِيهِ عَلى صاحِبِهِ.
مريم 19:37
ولَمّا كانَ المَنهَجُ القَوِيمُ بِحَيْثُ يَكُونُ سَبَبًا لِلِاجْتِماعِ عِنْدَ كُلِّ صَحِيحِ المِزاجِ، عَجِبَ مِنهم في اسْتِثْمارِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنهُ فَقالَ: ﴿فاخْتَلَفَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا السَّبَبِ لِلِاجْتِماعِ أنَّهُ اخْتَلَفَ ﴿الأحْزابُ﴾ الكَثِيرُونَ. ولَمّا كانَ الِاخْتِلافُ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ المَسائِلِ الَّتِي في شَرْعِهِمْ [قالَ -]: ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ المُخاطَبِينَ بِذَلِكَ خاصَّةً لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ فِرْقَةٌ مِن غَيْرِهِمْ في هَذِهِ المَقالَةِ القَوِيمَةِ الَّتِي لا تَنْبَغِي لِمَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ أنْ يَتَوَقَّفَ في قَبُولِها، فَمِنهم مَن عَلِمَ أنَّها الحَقُّ فاتَّبَعَها ولَمْ يَحِدْ عَنْ صَوابِها، ومِنهم مَن أبْعَدَ في الضَّلالِ عَنْها بِشُبَهٍ لا شَيْءَ أوْهى مِنها؛ رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ اجْتَمَعَ مِن أحْبارِ بَنِي إسْرائِيلَ أرْبَعَةٌ: يَعْقُوبُ ونُسْطُورُ ومَلْكا وإسْرائِيلُ، فَقالَ يَعْقُوبُ: عِيسى هو اللَّهُ نَزَلَ إلى الأرْضِ فَكَذَّبَهُ الثَّلاثَةُ واتَّبَعَهُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقالَ نُسْطُورُ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ فَكَذَّبَهُ الِاثْنانِ واتَّبَعَهُ النُّسْطُورِيَّةُ، وقالَ مَلْكا: عِيسى أحَدُ (p-١٩٩)ثَلاثَةٍ: اللَّهُ إلَهٌ، ومَرْيَمُ إلَهٌ، وعِيسى إلَهٌ، فَكَذَّبَهُ الرّابِعُ واتَّبَعَهُ طائِفَةٌ، وقالَ إسْرائِيلُ: عِيسى عَبْدُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، فاتَّبَعَهُ فَرِيقٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ثُمَّ اقْتَتَلَ الأرْبَعَةُ فَغُلِبَ المُؤْمِنُونَ وقُتِلُوا وظَهَرَتِ اليَعْقُوبِيَّةُ عَلى الجَمِيعِ - ذَكَرَ مَعْناهُ أبُو حَيّانَ وابْنُ كَثِيرٍ ورَواهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اخْتِلافِهِمْ أنّا نَقُولُ: ويْلٌ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ﴿مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في جَمْعِهِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ، وما فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والقَوارِعِ.
مريم 19:38
ولَمّا كانَ ذَلِكَ المَشْهَدُ عَظِيمَ الجَمْعِ، شَدِيدَ الزِّحامِ، مُسْتَوى الأرْضِ، بَعِيدَ الأرْجاءِ، كانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَطَّلِعُوا عَلى غَيْرِ ما يَلِيهِمْ مِن أهْوالِهِ، فَقالَ في جَوابِ مَن يَقُولُ: وما عَسى أنْ يَسْمَعُوا أوْ يُبْصِرُوا فِيهِ، مُعْلِمًا بِأنَّ حالَهم في شِدَّةِ السَّمْعِ والبَصَرِ جَدِيرَةٌ بِأنْ يُعْجَبَ مِنها: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ أيْ ما أشَدَّ سَمْعَهم وما أنْفَذَ بَصَرَهُمْ! ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ سامِعِينَ لِكُلِّ أهْوالِهِ، مُبْصِرِينَ لِسائِرِ أحْوالِهِ، فَيَطَّلِعُونَ بِذَلِكَ عَلى جَمِيعِ ما أدّى عَمَلُهُ في الدُّنْيا إلى ضُرِّهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وجَمِيعِ ما كانَ يَنْفَعُهم لَوْ عَمِلُوهُ، فَيَنْدَمُونَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، ويَتَمَنَّوْنَ المُحالَ مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا ونَحْوِهِ لِيَتَدارَكُوا فَلا يُجابُونَ إلى ذَلِكَ، بَلْ يَسْلُكُ بِهِمْ في كُلِّ (p-٢٠٠)ما يُؤْذِيهِمْ ويُهْلِكُهم ويُرْدِيهِمْ، فَيَكُونُونَ بِسُلُوكِ ذَلِكَ - وهم يَعْلَمُونَ ضَرَرَهُ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا، لِأنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِمَدارِكِهِمْ كَما كانُوا في الدُّنْيا كَذَلِكَ، لَكِنَّهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ، وإنَّما أظْهَرَ فَقالَ: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أحَلَّهم ذَلِكَ المَحَلَّ ﴿اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لا -] يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ.
مريم 19:39
ولَمّا كانَ هَذا [الَّذِي -] تَقَدَّمَ إنْذارًا بِذَلِكَ المَشْهَدِ، كانَ التَّقْدِيرُ: أنْذِرْ قَوْمَكَ ذَلِكَ المَشْهَدَ وما يَسْمَعُونَهُ فِيهِ ويُبْصِرُونَهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ نَفْسَهُ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ، يَوْمَ تَزِلُّ القَدَمُ، ولا يَنْفَعُ النَّدَمُ، لِلْمُسِيءِ عَلى إساءَتِهِ، ولِلْمُحْسِنِ عَلى عَدَمِ ازْدِيادِهِ مِنَ الإحْسانِ.
[ولَمّا كانَ يَوْم مَفْعُولًا، لا ظَرْفًا، أبْدَلَ مِنهُ، أوْ عَلَّلَ الإنْذارَ فَقالَ -]: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ، أوْ لِأنَّهُ، [وعَبَّرَ عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِالماضِي، إيذانًا بِأنَّهُ أمْرُ حَتْمٍ لا بُدَّ مِنهُ فَقالَ -]: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ أمْرُهُ وفَرَغَ مِنهُ بِأيْسَرِ شَأْنٍ وأهْوَنِ أمْرٍ، وقَطَعْنا أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ ﴿وهُمْ﴾ حالٌ مِن ﴿أنْذَرَهُمْ﴾ [القمر: ٣٦] أيْ والحالُ أنَّهُمُ [الآنَ -] ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ عَمّا قَضَيْنا [أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ] مِن أمْرِهِ، لا شُعُورَ لَهم بِشَيْءٍ مِنهُ، (p-٢٠١)بَلْ يَظُنُّونَ أنَّ الدَّهْرَ هَكَذا حَياةٌ ومَوْتٌ بِلا آخِرٍ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ؛ [وفِي -] الصَّحِيحِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ الحَسْرَةِ حِينَ يُذْبَحُ المَوْتُ فَقَدْ رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «"يُجاءُ بِالمَوْتِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُ كَبْشٌ أمْلَحُ فَيُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ ويَقُولُونَ: نَعَمْ! هَذا المَوْتُ، ويُقالُ: يا أهْلَ النّارِ! هَلْ تَعْرِفُونَ هَذا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ ويَقُولُونَ: نَعَمْ! هَذا المَوْتُ، فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يُقالُ: يا أهْلَ الجَنَّةِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ! خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي رِوايَةٍ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ الآيَةُ».
وأمّا الغَفْلَةُ فَفي الدُّنْيا، رَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ﴾ قالَ في الدُّنْيا. قالَ المُنْذِرِيُّ: وهو في مُسْلِمٍ بِمَعْناهُ في آخِرِ حَدِيثٍ.
ولَمّا كانَ الإرْثُ هو حَوْزَ الشَّيْءِ بَعْدَ مَوْتِ أهْلِهِ، وكانَ سُبْحانَهُ (p-٢٠٢)قَدْ قَضى بِمَوْتِ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ، وأنَّهُ يَبْقى وحْدَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإرْثِ مُقَرِّرًا بِهِ مَضْمُونَ الكَلامِ السّابِقِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الدَّهْرَ لا يَزالُ هَكَذا، حَياةٌ لِقَوْمٍ ومَوْتٌ لِآخَرِينَ
مريم 19:40
﴿إنّا نَحْنُ﴾ بِعَظَمَتِنا الَّتِي اقْتَضَتْ ذَلِكَ ولا بُدَّ، وأفادَ [الأصْبَهانِيُّ أنَّ -] تَأْكِيدَ اسْمِ ”إنَّ“ [أفادَ -] أنَّ الإسْنادَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لا إلى أحَدٍ مِن جُنْدِهِ ﴿نَرِثُ الأرْضَ﴾ فَلا نَدَعُ بِها عامِرًا مِن عاقِلٍ ولا غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ العاقِلُ أقْوى مِن غَيْرِهِ، صَرَّحَ بِهِ بَعْدَ دُخُولِهِ فَقالَ: ﴿ومَن عَلَيْها﴾ أيْ مِنَ العُقَلاءِ، بِأنْ نَسْلُبَهم جَمِيعَ ما في أيْدِيهِمْ ﴿وإلَيْنا﴾ لا إلى غَيْرِنا مِنَ الدُّنْيا وجَبابِرَتِها [إلى غَيْرِ ذَلِكَ -] ﴿يُرْجَعُونَ﴾ مَعْنىً في الدُّنْيا [وحِسًّا -] بَعْدَ المَوْتِ.
مريم 19:41
ولَمّا ذَمَّ الضّالِّينَ في أمْرِ المَسِيحِ، وعَلَّقَ تَهْدِيدَهم بِوَصْفٍ دَخَلَ فِيهِ مُشْرِكُو العَرَبِ، فَأنْذَرَهم بِصَرِيحِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، وغَيْرَهم بِأنَّهم لِسُوءِ أعْمالِهِمْ كالمُكَذِّبِينَ بِهِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الوارِثُ وأنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ الإرْثِ بِغَلَبَةِ أنْبِيائِهِ وأتْباعِهِمْ عَلى أكْثَرِ أهْلِ (p-٢٠٣)الأرْضِ بِرُجُوعِ أهْلِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلَيْهِمْ حَتّى يَعُمَّ ذَلِكَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَثْرَةِ أوْلادِهِ مِنَ العَرَبِ والرُّومِ وأهْلِ الكِتابَيْنِ وارِثًا لِأكْثَرِ الأرْضِ، وكانَ مِثْلَ زَكَرِيّا في هِبَةِ الوَلَدِ عَلى كِبَرِ سِنِّهِ وعُقْمِ زَوْجِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿واذْكُرْ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ! ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ [و -] تُبَلِّغُهُ لِلنّاسِ وتُعَلِّمُهم أنَّ [هَذِهِ -] القِصَّةَ مِنَ القُرْآنِ ﴿إبْراهِيمَ﴾ أعْظَمَ آبائِكُمُ الَّذِي نَهى أباهُ عَنِ الشِّرْكِ يا مَن يَكْفُرُونَ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ! ثُمَّ عَلَّلَ تَشْرِيفَهُ بِذِكْرِهِ [لَهُ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ المَعْنَوِيِّ بِالِاعْتِراضِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، واللَّفْظِيِّ بِـ ”إنَّ“ بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ مُخالَفَتَهم لَهُ بِالشِّرْكِ والِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ ونَحْوِ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِأوْصافِهِ الحَسَنَةِ -]: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ [أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا -] ﴿صِدِّيقًا﴾ أيْ بَلِيغَ الصِّدْقِ في نَفْسِهِ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، والتَّصْدِيقِ بِكُلِّ ما يَأْتِيهِ [مِمّا -] هو أهْلٌ لِأنْ يُصَدَّقَ [لِأنَّهُ - ] مَجْبُولٌ عَلى ذَلِكَ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو عامِلٌ بِهِ حَقَّ العَمَلِ فَهو أبْلَغُ مِنَ المُخْلِصِ -] (p-٢٠٤)﴿نَبِيًّا﴾ [أيْ يُخْبِرُهُ اللَّهُ بِالأخْبارِ العَظِيمَةِ جِدًّا الَّتِي يَرْتَفِعُ بِها في الدّارَيْنِ -] وهو أعْظَمُ الأنْبِياءِ بَعْدَ مُحَمَّدٍ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [كَما رَواهُ الحافِظُ أبُو البَزّارِ بِسَنَدِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأكَّدَهُ وكَذا أكَّدَ فِيما بَعْدَهُ -] مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْ كانُوا مُقِرِّينَ بِنُبُوّاتِهِمْ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ المُنْكِرِ، لِجَرْيِهِمْ في إنْكارِهِمْ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى غَيْرِ مُقْتَضى عِلْمِهِمْ.
مريم 19:42
ولَمّا تَكَفَّلَ ما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بِنَفْيِ الشَّرِيكِ بِقَيْدِ كَوْنِهِ ولَدًا، أتْبَعَ ذَلِكَ مِن قِصَّتِهِ ما يَنْفِي الشَّرِيكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ أوْلادُهُ في ذَلِكَ إذْ كانُوا يُقَلِّدُونَ الآباءَ ولَيْسَ في آبائِهِمْ مِثْلُهُ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”إبْراهِيم“ ﴿إذْ قالَ﴾ أيِ اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ ﴿لأبِيهِ﴾ هادِيًا لَهُ مِن تِيهِ الضَّلالِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ مُسْتَعْطِفًا لَهُ في كُلِّ جُمْلَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أبَتِ﴾
ولَمّا كانَ العاقِلُ لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا لِثَمَرِهِ، نَبَّهَهُ عَلى عُقْمِ فِعْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ مُرِيدًا بِالِاسْتِفْهامِ المُجامَلَةَ، واللُّطْفَ والرِّفْقَ واللِّينَ والأدَبَ الجَمِيلَ في نُصْحِهِ لَهُ كاشِفًا الأمْرَ غايَةَ الكَشْفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ أيْ لَيْسَ عِنْدَهُ قابِلِيَّةٌ لِشَيْءٍ مِن هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ لِيَرى ما أنْتَ فِيهِ مِن خِدْمَتِهِ أوْ يُجِيبَكَ إذا نادَيْتَهُ حالًا أوْ مَآلًا. ولَمّا كانَ الأعْمى الأصَمُّ (p-٢٠٥)قَدْ يَنْفَعُ بِكَلامٍ أوْ غَيْرِهِ، قالَ: ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ.
مريم 19:43
ولَمّا نَبَّهَهُ عَلى أنَّ ما يَعْبُدُهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ، بَلْ لا تَجُوزُ عِبادَتُهُ، لِنَقْصِهِ مُطْلَقًا ثُمَّ نَقْصِهِ عَنْ عابِدِهِ، ولَنْ يَكُونَ المَعْبُودُ دُونَ العابِدِ أصْلًا، وكانَ أقَلَّ ما يَصِلُ إلَيْهِ بِذَلِكَ مَقامُ الحَيْرَةِ، نَبَّهَهُ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِلْهِدايَةِ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِ المَذْكُورِ بِالعَطْفِ والوُدِّ: ﴿يا أبَتِ﴾ وأكَّدَ عِلْمًا مِنهُ أنَّهُ يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ ابْنُهُ أعْرَفَ مِنهُ بِشَيْءٍ فَقالَ: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي﴾ مِنَ المَعْبُودِ الحَقِّ ﴿مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾ مِنهُ ﴿فاتَّبِعْنِي﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنِّي أقُولُ لَكَ وُجُوبًا عَلى النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ ونَصِيحَةً لِما لَكَ عَلَيَّ مِنَ الحَقِّ: اجْتَهِدْ في تَبَعِي ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، كَما أنِّي لَوْ كُنْتُ مَعَكَ في طَرِيقٍ مَحْسُوسٍ وأخْبَرْتُكَ أنَّ أمامَنا مَهالِكَ لا يَنْجُو مِنها أحَدٌ، وأمَرْتُكَ أنْ تَسْلُكَ مَكانًا غَيْرَ ذَلِكَ، لَأطَعْتَنِي، لَوْ عَصَيْتَنِي فِيهِ عَدَّكَ كُلُّ أحَدٍ غاوِيًا.
مريم 19:44
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا نَفْعَ فِيما يَعْبُدُهُ، ونَبَّهَهُ عَلى الوَصْفِ المُقْتَضِي لِوُجُوبِ الِاقْتِداءِ بِهِ، بَيَّنَ لَهُ ما في عِبادَةِ مَعْبُودِهِ مِنَ الضُّرِّ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ فَإنَّ الأصْنامَ لَيْسَ لَها دَعْوَةٌ أصْلًا، واللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّمَ عِبادَةَ غَيْرِهِ مُطْلَقًا عَلى لِسانِ كُلِّ (p-٢٠٦)ولِيٍّ لَهُ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ الآمِرُ بِذَلِكَ الشَّيْطانَ، فَكانَ هو المَعْبُودَ بِعِبادَتِها في الحَقِيقَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ هَذا النَّهْيَ فَقالَ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾ البَعِيدَ مِن كُلِّ خَيْرٍ [المُحْتَرِقَ بِاللَّعْنَةِ -]، وذَكَرَ الوَصْفَ المُوجِبَ لِلْإمْلاءِ لِلْعاصِي فَقالَ: ﴿كانَ لِلرَّحْمَنِ﴾ المُنْعِمِ بِجَمِيعِ النِّعَمِ القادِرِ عَلى سَلْبِها، ولَمْ يَقُلْ: لِلْجَبّارِ - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ ما أمْلى لِعاصِيهِ مَعَ جَبَرُوتِهِ إلّا لِلْعَجْزِ عَنْهُ ﴿عَصِيًّا﴾ بِالقُوَّةِ مِن حِينِ خُلِقَ، وبِالفِعْلِ مِن حِينِ أمَرَهُ بِالسُّجُودِ لِأبِيكَ آدَمَ فَأبى فَهو عَدُوٌّ لِلَّهِ ولَهُ، والمُطِيعُ لِلْعاصِي لِشَيْءٍ عاصٍ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، لِأنَّ صَدِيقَ العَدُوِّ عَدُوٌّ.
مريم 19:45
فَلَمّا بَيَّنَ لَهُ أنَّهُ بِذَلِكَ عاصٍ لِلْمُنْعِمِ، خَوَّفَهُ مِن إزالَتِهِ لِنِعْمَتِهِ فَقالَ: ﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ﴾ لِمَحَبَّتِي لَكَ وغَيْرَتِي عَلَيْكَ ﴿أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ﴾ [أيُّ عَذابٍ كائِنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أيِ الَّذِي هو ولِيُّ كُلِّ مَن يَتَوَلّاهُ لِعِصْيانِكَ إيّاهُ ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ تَكُونَ ﴿لِلشَّيْطانِ﴾ وحْدَهُ [وهُوَ عَدُوُّكَ المَعْرُوفُ العَداوَةِ -] ﴿ولِيًّا﴾ فَلا يَكُونُ لَكَ نُصْرَةٌ أصْلًا، مَعَ ما يُوصَفُ بِهِ مِنَ السَّخافَةِ بِاتِّباعِ العَدُوِّ الدَّنِيِّ، واجْتِنابِ الوَلِيِّ العَلِيِّ.
مريم 19:46
فَلَمّا وصَلَ إلى هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا كانَ جَوابُهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ مُقابِلًا لِذَلِكَ الأدَبِ العَظِيمِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ (p-٢٠٧)النّاشِئَةِ عَنْ لَطافَةِ العِلْمِ بِغايَةِ الفَظاظَةِ الباعِثِ عَلَيْها كَثافَةُ الجَهْلِ، مُنْكِرًا عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما قالَ بِإنْكارِ ما بَعَثَهُ عَلَيْهِ مِن تَحْقِيرِ آلِهَتِهِ: ﴿أراغِبٌ﴾ قَدَّمَ الخَبَرَ لِشِدَّةِ عِنايَتِهِ والتَّعْجِيبِ مِن تِلْكَ الرَّغْبَةِ والإنْكارِ لَها، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْعَلُها أحَدٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ لَهُ بِالمُواجَهَةِ بِالغِلْظَةِ فَقالَ: ﴿أنْتَ﴾ وقالَ: ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بِإضافَتِها إلى نَفْسِهِ فَقَطْ، إشارَةً إلى مُبالَغَتِهِ في تَعْظِيمِها؛ والرَّغْبَةُ عَنِ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ عَمْدًا. ثُمَّ ناداهُ بِاسْمِهِ لا بِلَفْظِ البُنُوَّةِ المُذَكِّرِ بِالشَّفَقَةِ والعَطْفِ زِيادَةً في الإشارَةِ إلى المُقاطَعَةِ وتَوابِعِها فَقالَ: ﴿يا إبْراهِيمُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُقْسِمًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عَمّا أنْتَ عَلَيْهِ ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾ أيْ لَأقْتُلَنَّكَ، فَإنَّ ذَلِكَ جَزاءُ المُخالَفَةِ في الدِّينِ، فاحْذَرْنِي ولا تَتَعَرَّضْ لِذَلِكَ مِنِّي وانْتَهِ ﴿واهْجُرْنِي﴾ أيِ ابْعُدْ عَنِّي ﴿مَلِيًّا﴾ أيْ زَمانًا طَوِيلًا [لِأجْلِ ما صَدَرَ مِنكَ هَذا الكَلامُ -]، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ وتَأْسِيَةٌ فِيما كانَ يَلْقى مِنَ الأذى، ويُقاسِي مِن قَوْمِهِ مِنَ العَناءِ، ومِن عَمِّهِ أبِي لَهَبٍ مِنَ الشَّدائِدِ والبَلايا - بِأعْظَمِ آبائِهِ وأقْرَبِهِمْ بِهِ شَبَهًا
مريم 19:47
﴿قالَ﴾ [أيْ -] إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُقابِلًا لِما كانَ مِن طَيْشِ الجَهْلِ بِما يَحِقُّ لِمِثْلِهِ مِن رَزانَةِ العِلْمِ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أيْ أنْتَ سالِمٌ مِنِّي ما لَمْ أُومَرْ فِيكَ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لَكَ رَبِّي﴾ أيِ -] (p-٢٠٨)المُحْسِنَ إلَيَّ بِأنْ أطْلُبَ لَكَ مِنهُ غُفْرانَ ذُنُوبِكَ بِأنْ يُوَفِّقَكَ لِلْإسْلامِ الجابِّ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ هَذا كانَ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ مَحْتُومٌ بِشَقاوَتِهِ بِدَلِيلِ عَدَمِ جَزْمِهِ بِعَذابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ﴾ [مريم: ٤٥]
ثُمَّ عَلَّلَ إقْدامَهُ عَلى ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ مَقامٌ خَطِرٌ بِما لَهُ مِنَ الإذْلالِ لِما لَهُ مِن مَزِيدِ القُرْبِ فَقالَ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي﴾ أيْ [فِي -] جَمِيعِ أحْوالِي ﴿حَفِيًّا﴾ [أيْ -] مُبالِغًا في إكْرامِي مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ وكَرَّةً إثْرَ كَرَّةٍ،
مريم 19:48
ثُمَّ عَطَفَ عَلى وعْدِهِ بِالإحْسانِ وعْدَهُ بِما سَألَ فِيهِ الهِجْرَةَ فَقالَ: ﴿وأعْتَزِلُكُمْ﴾ [أيْ -] جَمِيعًا بِتَرْكِ بِلادِكُمْ؛ وأشارَ إلى أنَّ مِن شَرْطِ المَعْبُودِ أنْ يَكُونَ أهْلًا لِلْمُناداةِ في الشَّدائِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تَدْعُونَ﴾ أيْ تَعْبُدُونَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ وحْدَهُ أصابَ، ومَن أقْبَلَ عَلى غَيْرِهِ فَقَدْ خابَ ولَمْ يُقَيِّدِ الاعْتِزالَ بِزَمَنٍ، بَلْ أشارَ إلى أنَّهم ما دامُوا عَلى هَذا الدِّينِ فَهو مُعْتَزِلٌ لَهم ﴿وأدْعُو﴾ أيْ أعْبُدُ ﴿رَبِّي﴾ وحْدَهُ لِاسْتِحْقاقِهِ ذَلِكَ مِنِّي بِتَفَرُّدِهِ بِالإحْسانِ إلَيَّ، ثُمَّ دَعا لِنَفْسِهِ بِما نَبَّهَهم بِهِ عَلى خَيْبَةِ مَسْعاهم فَقالَ [غَيْرَ -] -جازِمٍ بِإجابَةِ دَعْوَتِهِ وقَبُولِ عِبادَتِهِ إجْلالًا لِرَبِّهِ وهَضْمًا لِنَفْسِهِ: ﴿عَسى ألا أكُونَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا كَأنَّهُ احْتَرَزَ بِذَلِكَ (p-٢٠٩)عَمّا لا بُدَّ لِلْأوْلِياءِ مِنهُ في الدُّنْيا مِنَ البَلاءِ ﴿بِدُعاءِ رَبِّي﴾ المُتَفَرِّدِ بِالإحْسانِ إلَيَّ ﴿شَقِيًّا﴾ كَما كُنْتُمْ أنْتُمْ أشْقِياءَ بِعِبادَةِ ما عَبَدْتُمُوهُ، لِأنَّهُ لا يُجِيبُ دُعاءَكم ولا يَنْفَعُكم ولا يَضُرُّكم.
مريم 19:49
ولَمّا رَأى مِن أبِيهِ ومُعاشِرِيهِ ما رَأى، عَزَمَ عَلى نَشْرِ شُقَّةِ النَّوى مُخْتارًا لِلْغُرْبَةِ في البِلادِ عَلى غُرْبَةِ الأضْدادِ، فَكانَ كَما قالَ [الإمامُ -] أبُو سُلَيْمانَ الخَطّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
وما غُرْبَةُ الإنْسانِ في شُقَّةِ النَّوى ولَكِنَّها واللَّهِ في عَدَمِ الشَّكْلِ
وإنِّي غَرِيبٌ بَيْنَ بُسْتٍ [و-]أهْلِها وإنْ كانَ فِيها أُسْرَتِي وبِها أهْلِي
وحَقَّقَ ما عَزَمَ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَحْقِيقَ رَجائِهِ وإجابَةَ دُعائِهِ فَقالَ: ﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهُمْ﴾ أيْ بِالهِجْرَةِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ ﴿وما يَعْبُدُونَ﴾ أيْ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي العَظَمَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي العِبادَةُ لِغَيْرِهِ ﴿وهَبْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُ﴾ كَما هو الشَّأْنُ في كُلِّ مَن [تَرَكَ -] شَيْئًا لِلَّهِ ﴿إسْحاقَ﴾ ولَدًا لَهُ لِصُلْبِهِ مِن زَوْجَتِهِ العاقِرِ العَقِيمِ بَعْدَ تَجاوُزِها سِنَّ اليَأْسِ وأخْذِهِ هو في السِّنِّ إلى حَدٍّ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ ﴿ويَعْقُوبَ﴾ ولَدًا لِإسْحاقَ، وخَصَّهُما (p-٢١٠)بِالذِّكْرِ لِلُزُومِهِما مَحَلَّ إقامَتِهِ وقِيامِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ بِخِلافَتِهِ فِيهِ وأمّا إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو المُتَوَلِّيَ لِتَرْبِيَتِهِ بَعْدَ نَقْلِهِ رَضِيعًا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وإحْيائِهِ بِهِ تِلْكَ المَشاعِرَ العِظامَ [فَأخَّرُوهُ بِالذِّكْرِ جاعِلًا لَهُ أصْلًا بِرَأْسِهِ -]؛ ثُمَّ صَرَّحَ [بِما وهَبَ ] لِأوْلادِهِ جَزاءً عَلى هِجْرَتِهِ فَقالَ: ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنهُما ﴿جَعَلْنا نَبِيًّا﴾ عالِيَ المِقْدارِ، ويُخْبِرُ بِالأخْبارِ كَما جَعَلْنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًّا
مريم 19:50
﴿ووَهَبْنا لَهُمْ﴾ كُلَّهم ﴿مِن رَحْمَتِنا﴾ أيْ شَيْئًا عَظِيمًا جِدًّا، بِالبَرَكَةِ في الأمْوالِ والأوْلادِ وإجابَةِ الدُّعاءِ، واللُّطْفِ في القَضاءِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿وجَعَلْنا لَهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أيْ ذِكْرًا صادِقًا رَفِيعَ القَدْرِ جِدًّا يُحْمَدُونَ بِهِ ويُثْنى عَلَيْهِمْ مِن جَمِيعِ [أهْلِ -] المِلَلِ عَلى كَرِّ الأعْصارِ، ومَرِّ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وعَبَّرَ بِاللِّسانِ عَمّا يُوجَدُ بِهِ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ في الهِجْرَةِ ثانِيًا بَعْدَ ما رَغَّبَ فِيها بِقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ أوَّلًا، وأشارَ إلَيْها بِقَوْلِهِ في ”سُبْحانَ“ ﴿وقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ [الإسراء: ٨٠] - الآيَةِ.
مريم 19:51
ولَمّا كانَ مُوسى أوَّلَ مَن نَوَّهَ اللَّهُ بِأسْمائِهِمْ، عَلى لِسانِهِ في التَّوْراةِ، وأظْهَرَ مَحامِدَهُمْ، وشَهَرَ مَناقِبَهُمْ، وتَوارَثَ ذَلِكَ أبْناؤُهم مِنهُ حَتّى شاعَ أمْرُهم وذاعَ، ومَلَأ الأسْماعَ، وطارَ في الأقْطارِ، حَتّى عَمَّ البَرارِيَ والبِحارَ، عَقَّبَ ذِكْرَهم بِذِكْرِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ (p-٢١١)أيِ الَّذِي لا كِتابَ مِثْلُهُ في الكَمالِ ﴿مُوسى﴾ أيِ الَّذِي أنْقَذَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ العُبُودِيَّةِ والذُّلِّ حَتّى تَمَكَّنُوا مِن آثارِ آبائِهِمْ، وكانَ مُوافِقًا لِأبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أرادَ مَلِكُ زَمانِهِ الَّذِي ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ قَتْلَهُ خَوْفًا عَلى مُلْكِهِ مِنهُ، فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنهُ، وأمْرُ مُوسى أعْجَبُ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أنْجاهُ مِنَ الذَّبْحِ بِالذَّبّاحِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذِكْرَهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا عَرِيقًا فِيهِ ﴿مُخْلَصًا﴾ [لِلَّهِ تَعالى -] في تَوْحِيدِهِ وجَمِيعِ أعْمالِهِ [- كَما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الجُمْهُورِ - مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ في شَيْءٍ، في ذَلِكَ -] لِأنَّ اللَّهَ أخْلَصَهُ لَهُ كَما في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالفَتْحِ ﴿وكانَ رَسُولا﴾ إلى بَنِي إسْرائِيلَ والقِبْطِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُهُ اللَّهُ بِما يُرِيدُ مِن وحْيِهِ لِيُنْبِئَ بِهِ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَيَرْفَعُ بِذَلِكَ قَدْرَهُ، فَصارَ الإخْبارُ بِالنُّبُوَّةِ عَنْهُ مَرَّتَيْنِ: إحْداهُما في ضِمْنِ ”رسولًا“ والأُخْرى صَرِيحًا مَعَ إفْهامِ العُلُوِّ بِاشْتِقاقِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ، وبِكَوْنِ النَّبَإ لا يُطْلَقُ عَلَيْهِ غالِبًا إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمٍ، فَصارَ المُرادُ: رَسُولًا عالِيًا مِقْدارُهُ ويُخْبِرُ بِالأخْبارِ الجَلِيلَةِ، وفِيهِ دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ رَسُولٌ عَنْ بَعْضِ رُسُلِهِ كَما في أصْحابِ يَس؛ وعَطَفَ عَلى ذَلِكَ دَلِيلَهُ الدّالَّ عَلى ما صُدِّرَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَرَحِمَهُ بِتَأْنِيسِ وحْشَتِهِ وتَأْهِيلِ غُرْبَتِهِ بِتَلْذِيذِهِ بِالخِطابِ وإعْطائِهِ الكِتابَ (p-٢١٢)فَقالَ:
مريم 19:52
﴿ونادَيْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن جانِبِ الطُّورِ﴾ أيِ الجانِبِ ﴿الأيْمَنِ﴾ فَأنْبَأْناهُ هُنالِكَ - حِينَ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى مِصْرَ - بِأنَّهُ رَسُولُنا، ثُمَّ واعَدْناهُ إلَيْهِ بَعْدَ إغْراقِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَكانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ في رَحْمَتِهِمْ بِإنْزالِ الكِتابِ، والإلْذاذِ بِالخِطابِ، مِن جَوْفِ السَّحابِ، وفي إماتَتِهِمْ لَمّا طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ، ثُمَّ إحْيائِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ عَلى ما هو مَذْكُورٌ في التَّوْراةِ، وتَقَدَّمَ كَثِيرٌ مِنهُ في هَذا الكِتابِ ﴿وقَرَّبْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ تَقْرِيبَ تَشْرِيفٍ حالَ كَوْنِهِ ﴿نَجِيًّا﴾ نُخْبِرُهُ مِن أمْرِنا بِلا واسِطَةٍ [مِنَ النَّجْوى وهي السِّرُّ والكَلامُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ كالسِّرِّ، والتَّشاوُرُ كَما في يُوسُفَ ويَأْتِي في المُجادَلَةِ -]
مريم 19:53
﴿ووَهَبْنا لَهُ﴾ أيْ هِبَةً تَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن رَحْمَتِنا﴾ لَهُ لَمّا سَألَنا ﴿أخاهُ﴾ أيْ مُعاضَدَةَ أخِيهِ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هارُونَ﴾ حالَ كَوْنِهِ ﴿نَبِيًّا﴾ أوْ هو بَدَلٌ أيْ نُبُوَّتَهُ شَدَدْنا بِهِ أزْرَهُ، وقَوَّيْنا بِهِ أمْرَهُ، وكانَ يَخْلُفُهُ في قَوْمِهِ عِنْدَ ذَهابِهِ إلى ساحَةِ المُناجاةِ، ومَعَ ذَلِكَ فَأشْرَكُوا بِي صُورَةَ عِجْلٍ، فَلا تَعْجَبْ مِن غُرُورِهِمْ لِلْعَرَبِ مَعَ مُباشَرَتِهِمْ لِهَذِهِ العَظائِمِ.
مريم 19:54
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ هو الَّذِي ساعَدَ أباهُ (p-٢١٣)إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ في بِناءِ البَيْتِ الَّذِي كانَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي أبْقى اللَّهُ بِها ذِكْرَهُ، وشَهَرَ أمْرَهُ وكانَ مُوافِقًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في ظُهُورِ آيَةِ الماءِ الَّذِي بِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ وإنْ كانَتْ آيَةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ انْقَضَتْ بِانْقِضائِهِ، وآيَتُهُ هو باقِيَةٌ إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها، وهي الَّتِي كانَتْ سَبَبَ حَياتِهِ وماؤُها بِبَرَكَتِهِ أفْضَلُ مِياهِ الأرْضِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ آيَةَ الماءِ الَّتِي أظْهَرَها لَهُ سَبَبَ حِفْظِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والوَحْشِ وسائِرِ المُفْسِدِينَ، إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يُحْيِي بِوَلَدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ - الَّذِي غَذّاهُ بِذَلِكَ الماءِ ورَبّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ البَيْتِ إلى أنِ اصْطَفاهُ بِرِسالَتِهِ، فَحَسَدَتْهُ اليَهُودُ وأمَرَتْ بِالتَّعَنُّتِ عَلَيْهِ - ما لَمْ يَحْيَ بِغَيْرِهِ، ويَجْعَلُهُ قُطْبَ الوُجُودِ [كَما خَصَّهُ - مِن بَيْنِ آلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالبَيْتِ الَّذِي هو كَذَلِكَ قُطْبُ الوُجُودِ -]، ويَشْفِي بِهِ مِن داءِ الجَهْلِ، ويُغْنِي بِهِ مِن مَرِيرِ الفَقْرِ، كَما جَعَلَ ماءَ زَمْزَمَ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ، وكانَ ﷺ آخِرَ مَن شَيَّدَ قَدْرَهُمْ، وأعْظَمَ مَن أعْلى ذِكْرَهُمْ، عَقَّبَ ذِكْرَهُ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ أباكَ الأقْرَبَ ﴿إسْماعِيلَ﴾ ابْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي هم مُعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ، ومُفْتَخِرُونَ بِرِسالَتِهِ وأُبُوَّتِهِ، فَلَزِمَ بِذَلِكَ فَسادُ تَعْلِيلِهِمْ إنْكارَ نُبُوَّتِكَ بِأنَّكَ مِنَ البَشَرِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذِكْرَهُ والتَّنْوِيهَ بِقَدْرِهِ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا بِصُعُوبَةِ الوَفاءِ بِالتَّأْكِيدِ: (p-٢١٤)﴿إنَّهُ كانَ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقَ الوَعْدِ﴾ في حَقِّ اللَّهِ وغَيْرِهِ لِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهُ عَلى ذَلِكَ، بِسَبَبِ أنَّهُ لا يَعِدُ وعْدًا إلّا مَقْرُونًا بِالِاسْتِثْناءِ كَما قالَ لِأبِيهِ حِينَ أخْبَرَهُ بِأمْرِ ذَبْحِهِ ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] [فَكُنْ أبِي كَذَلِكَ -] ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤] وخَصَّهُ بِالمَدْحِ بِهِ - وإنْ كانَ الأنْبِياءُ كُلُّهم كَذَلِكَ - لِقِصَّةِ الذَّبْحِ فَلا يَلْزَمُ مِنهُ تَفْضِيلُهُ ﴿وكانَ رَسُولا نَبِيًّا﴾ نَبَّأهُ اللَّهُ بِأخْبارِهِ، وأرْسَلَهُ إلى قَوْمِهِ جُرْهُمٍ قالَهُ الأصْبَهانِيُّ. وأتى أهْلَ البَرارِي بِدِينِ أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأحْياها اللَّهُ بِنُورِ الإيمانِ النّاشِئِ عَنْ رُوحِ العِلْمِ ووَصَفَهُ بِالرِّسالَةِ زِيادَةً عَلى وصْفِ أخِيهِ إسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ وتَقَدَّمَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سِرُّ الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ؛ وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وجامِعِ التِّرْمِذِيِّ - عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ”». وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ «“أنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ»
مريم 19:55
﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ البَدَنِ وقُرَّةُ العَيْنِ وخَيْرُ العَوْنِ عَلى جَمِيعِ المَآرِبِ (p-٢١٥)﴿والزَّكاةِ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ المالِ، كَما أوْصى اللَّهُ بِذَلِكَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْصى بِذَلِكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ لِعِبادَتِهِ عَلى حَسَبِ ما أقامَتْهُ رُبُوبِيَّتُهُ ﴿مَرْضِيًّا﴾ فاقْتَدِ أنْتَ بِهِ فَإنَّهُ مِن أجَلِّ آبائِكَ، لِتَجْمَعَ بَيْنَ طَهارَةِ القَوْلِ والبَدَنِ والمالِ، فَتَنالَ رُتْبَةَ الرِّضا.
مريم 19:56
ولَمّا كانَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ رُفِعَ بِالسُّكْنى حَيًّا إلى أعْلى مَكانٍ في الأرْضِ رُتْبَةً، وكانَ أوَّلَ نَبِيٍّ رَمى بِالسِّهامِ، وكانَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ رِفْعَتِهِ إلى المَكانِ العَلِيِّ - أوَّلَ مَنِ اتَّخَذَ السِّلاحَ وقاتَلَ الكُفّارَ، وأوَّلَ مَن نَظَرَ في عِلْمِ النُّجُومِ والحِسابِ، وخَطَّ بِالقَلَمِ، وخاطَ الثِّيابَ ولَبِسَ [الجُبَّةَ -] وكانَ أغْرَبَهم قِصَّةً، وأعْجَبَهم أمْرًا، وأقْدَمَهم زَمَنًا، خَتَمَ بِهِ هَذِهِ القِصَصَ [تَأْيِيدًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، بِما بَيَّنَ لَهُ مِنَ القِصَصِ -] الَّتِي هي أغْرَبُ مِمّا أمَرَ اليَهُودُ بِالتَّعَنُّتِ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُؤْتِي أتْباعَهُ مِن عُلُومِ إدْرِيسَ الأرْضِيَّةِ والسَّماوِيَّةِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْفَظَ بِالخَطِّ ويُودَعَ بُطُونَ الكُتُبِ لِضِيقِ الصُّدُورِ عَنْ حِفْظِهِ ما لَمْ يُؤْتِهِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، وأنَّهُ يَجْمَعُ شَمْلَهُمْ، وتَرْهِيبًا لِلْمُتَعَنِّتِينَ بِأنَّهم إنْ لَمْ يَنْتَهُوا وضَعَ فِيهِمُ السِّلاحَ كَما فَعَلَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِكُفّارِ زَمانِهِ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ [أيِ -] الجامِعِ (p-٢١٦)لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن قِصَصِ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ ﴿إدْرِيسَ﴾ أيِ الَّذِي هو أبْعَدُ مِمَّنْ تَعَنَّتَ بِهِمُ اليَهُودُ زَمانًا، وأخْفى مِنهم شَأْنًا، وهو جَدُّ أبِي نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ واسْمُهُ حَنُوخُ بِمُهْمَلَةٍ ونُونٍ وآخِرُهُ مُعْجَمَةٌ ﴿إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا﴾ أيْ صادِقًا في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، ومُصَدِّقًا بِما أتاهُ عَنِ اللَّهِ مِن آياتِهِ عَلى ألْسِنَةِ المَلائِكَةِ ﴿نَبِيًّا﴾ يُنْبِئُهُ اللَّهُ تَعالى بِما يُوحِيهِ [إلَيْهِ -] مِنَ الأمْرِ العَظِيمِ، رِفْعَةً لِقَدْرِهِ، فَيُنْبِئُ بِهِ النّاسَ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ
مريم 19:57
﴿ورَفَعْناهُ﴾ جَزاءً مِنّا لَهُ عَلى تَقْواهُ وإحْسانِهِ، رِفْعَةً تَلِيقُ بِعَظَمَتِنا، فَأحْلَلْناهُ ﴿مَكانًا عَلِيًّا﴾ أيِ الجَنَّةَ أوِ السَّماءَ الرّابِعَةَ، وهي الَّتِي رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ بِها لَيْلَةَ الإسْراءِ؛ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المَعارِفِ: وفي التَّوْراةِ أنَّ أخْنُوحَ أحْسَنَ قُدّامَ اللَّهِ فَرَفَعَهُ إلَيْهِ - انْتَهى. وفي نُسْخَةِ تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ وهي قَدِيمَةٌ جِدًّا وقابَلْتُها مَعَ بَعْضِ فُضَلاءِ الرَّبّانِيِّينَ مِنَ اليَهُودِ وعَلى تَرْجَمَةِ سَعِيدٍ الفَيُّومِيِّ بِالمَعْنى [وكانَ هو القارِئَ -] ما نَصُّهُ: وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ حَنُوخَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً، فَأرْضى حَنُوخُ اللَّهَ فَفُقِدَ لِأنَّ اللَّهَ غَيَّبَهُ، وفي نُسْخَةٍ (p-٢١٧)أُخْرى: لِأنَّ اللَّهَ قَبِلَهُ، وفي أُخْرى: لِأنَّ اللَّهَ أخَذَهُ. وهو قَرِيبٌ مِمّا قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ عِبْرانِيٌّ، وإنَّما نَقَلَهُ إلى العَرَبِيِّ المُتَرْجِمُونَ، فَكُلٌّ تَرْجَمَ عَلى قَدْرِ فَهْمِهِ مِن ذَلِكَ اللِّسانِ، ويُؤَيِّدُ أنَّ المُرادَ الجَنَّةُ [ما -] في مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِلْحافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيْثَمِيِّ عَنْ مُعْجَمَيِ الطَّبَرانِيِّ - الأوْسَطِ والأصْغَرِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ واسِطٍ ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدٍ المِصِّيصِيُّ ثَنا حَجّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي غَسّانٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رافِعٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ صَدِيقًا لِمَلَكِ المَوْتِ فَسَألَهُ أنْ يُرِيَهُ الجَنَّةَ والنّارَ، فَصَعِدَ بِإدْرِيسَ فَأراهُ النّارَ فَفَزِعَ مِنها، وكادَ يُغْشى عَلَيْهِ فالتَفَّ عَلَيْهِ مَلَكُ المَوْتِ بِجَناحِهِ، فَقالَ مَلَكُ المَوْتِ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَها؟ قالَ: بَلى! ولَمْ أرَ كاليَوْمِ قَطُّ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ حَتّى أراهُ الجَنَّةَ فَدَخَلَها فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: انْطَلِقْ! قَدْ رَأيْتَها، قالَ: إلى أيْنَ؟ قالَ [مَلَكُ المَوْتِ -]: حَيْثُ كُنْتَ، قالَ إدْرِيسُ: لا واللَّهِ! لا أخْرُجُ مِنها بَعْدَ إذْ دَخَلْتُها، فَقِيلَ لِمَلَكِ المَوْتِ: ألَيْسَ أنْتَ أدْخَلْتَهُ [إيّاها -] وأنَّهُ لَيْسَ لِأحَدٍ دَخَلَها أنْ يَخْرُجَ مِنها» .
وقالَ: لا يُرْوى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وقالَ الحافِظُ نُورُ الدِّينِ: إبْراهِيمُ المِصِّيصِيُّ مَتْرُوكٌ. (p-٢١٨)قُلْتُ وفي لِسانِ المِيزانِ لِتِلْمِيذِهِ شَيْخِنا حافِظِ العَصْرِ ابْنِ حَجَرٍ عَنِ الذَّهَبِيِّ أنَّهُ كَذّابٌ، وعَنِ ابْنِ حِبّانَ أنَّهُ كانَ يُسَوِّي الحَدِيثَ، أيْ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ. وفي تَفْسِيرِ البَغْوِيِّ عَنْ وهْبٍ قَرِيبٌ مِن هَذا، وفِيهِ أنَّهُ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ أنْ يَقْبِضَ رُوحَهُ ويَرُدَّها إلَيْهِ بَعْدَ ساعَةٍ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ يَفْعَلَ، وفِيهِ أنَّهُ احْتَجَّ في امْتِناعِهِ مِنَ الخُرُوجِ بِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وقَدْ ذاقَهُ، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُرُودِ النّارِ وقَدْ ورَدَها، وأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَخْرُجُ مِنَ الجَنَّةِ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مَلَكِ المَوْتِ: بِإذْنِي دَخَلَ الجَنَّةَ - يَعْنِي: فَخَلِّ سَبِيلَهُ - فَهو حَيٌّ هُناكَ. وفي تَفْسِيرِ البَغْوِيِّ أيْضًا عَنْ كَعْبٍ وغَيْرِهِ أنَّ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَشى ذاتَ يَوْمٍ في حاجَةٍ فَأصابَهُ وهَجُ الشَّمْسِ فَقالَ: يا رَبُّ! فَكَيْفَ بِمَن يَحْمِلُها؟ اللَّهُمَّ! خَفِّفْ عَنْهُ مِن ثِقَلِها، فَخَفَّفَ عَنْهُ فَسَألَ رَبَّهُ عَنِ السَّبَبِ فَأخْبَرَهُ فَسَألَ أنْ يَكُونَ بَيْنَهُما خُلَّةٌ، فَأتاهُ فَسَألَهُ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْألَ مَلَكَ المَوْتِ أنْ يُؤَخِّرَ أجَلَهُ، فَقالَ: لا يُؤَخِّرُ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها، وأنا مُكَلِّمُهُ، فَرَفَعَ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَوَضَعَهُ عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، ثُمَّ أتى مَلَكَ المَوْتِ وكَلَّمَهُ فَقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ، ولَكِنْ [إنْ -] أحْبَبْتَ أعْلَمْتُهُ أجَلَهُ (p-٢١٩)فَيَتَقَدَّمُ في نَفْسِهِ، قالَ: نَعَمْ! فَنَظَرَ في دِيوانِهِ فَقالَ: إنَّكَ كَلَّمْتَنِي في إنْسانٍ ما أراهُ يَمُوتُ أبَدًا، قالَ: وكَيْفَ [ذَلِكَ -]؟ قالَ: لا أجِدُهُ يَمُوتُ إلّا عِنْدَ مَطْلَعِ الشَّمْسِ، قالَ: فَإنِّي أتَيْتُكَ وتَرَكْتُهُ هُناكَ، قالَ: انْطَلِقْ فَلا أراكَ تَجِدُهُ إلّا [و -] قَدْ ماتَ، فَواللَّهِ ما بَقِيَ مِن أجَلِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَيْءٌ، فَرَجَعَ المَلَكُ فَوَجَدَهُ مَيِّتًا. ومِن جَيِّدِ المُناسَباتِ أنَّ إسْماعِيلَ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ اشْتَرَكا في البَيانِ بِالعِلْمِ واللِّسانِ، فَإسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ [مَن أجادَ البَيانَ بِاللِّسانِ، وإدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ -] أوَّلُ مَن أعْرَبَ الخِطابَ بِالكِتابِ، فَقَدْ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوَّلُ مَن فُتِقَ لِسانُهُ بِهَذِهِ العَرَبِيَّةِ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ»
ولِأحْمَدَ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أوَّلُ مَن خَطَّ بِالقَلَمِ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ» .
مريم 19:58
ولَمّا انْقَضى كَشْفُ هَذِهِ الأخْبارِ، العَلِيَّةِ المِقْدارِ، الجَلِيلَةِ الأسْرارِ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يَنْسُبُ أهْلَها بِأشْرَفِ نَسَبِهِمْ، ويَذْكُرُ أمْتَنَ سَبَبِهِمْ هَزًّا (p-٢٢٠)لِمَن وافَقَهم في النَّسَبِ إلى المُوافَقَةِ في السَّبَبِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتَبِ، الشُّرَفاءُ النَّسَبِ ﴿الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي بِها أقامَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في ظَهْرِهِ، مَعَ ما طَبَعَهُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَضادَّةِ حَتّى نَجّاهُ مِن مَكْرِ إبْلِيسَ، ونَجّى بِها نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في صُلْبِهِ مِن ذَلِكَ الكَرْبِ العَظِيمِ، وإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهم في قُواهُ مَعَ اضْطِرامِ النّارِ وإطْفاءِ السِّنِّ وإصْلادِ العَظْمِ، وأعْلى بِها إسْرائِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَنِيهِ في سَوْطِ الفِراقِ وامْتِهانِ العُبُودِيَّةِ وانْتِهاكِ الِاتِّهامِ حَتّى كانَ أبْناؤُهُ مَعْدِنَ المُلُوكِ والأنْبِياءِ، ومَحَلَّ الأتْقِياءِ والأصْفِياءِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ الأنْبِياءِ وعَظِيمِ الِاصْطِفاءِ والِاجْتِباءِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِما خَصَّهم بِهِ مِن مَزِيدِ القُرْبِ إلَيْهِ، وعَظِيمِ المَنزِلَةِ لَدَيْهِ؛ وبَيَّنَ المَوْصُولَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ أيِ المُصْطَفَيْنَ لِلنُّبُوَّةِ الَّذِينَ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الحِكَمِ، ورَفَعَ مَحالَّهم بَيْنَ الأُمَمِ، وأنْبَؤُوا النّاسَ بِجَلائِلِ الكَلِمِ، وأمَرُوهم بِطاهِرِ الشِّيَمِ.
ولَمّا كانُوا بَعْضَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أنّا كَرَّمْناهُمْ، قالَ إشارَةً إلى ما في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ وهم يَرَوْنَها: ﴿مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ صَفِيِّنا أبِي البَشَرِ الَّذِي خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ التُّرابِ بِيَدِهِ، وأسْجَدَ لَهُ مَلائِكَتَهُ، وإدْرِيسُ أحَقُّهم بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ في إنْجاءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وإغْراقِ قَوْمِهِ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ ما لا يَخْفى، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِنُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ مُشِيرًا إلى أعْظَمِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ (p-٢٢١)بِالتَّبْعِيضِ، وإلى أنَّ نَبِيَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِ كَما كانَ هو مِن ذُرِّيَّةِ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، فَكَما كانَ كُلٌّ مِنهم رَسُولًا فَكَذَلِكَ هو وإبْراهِيمُ أقْرَبُهم إلى ذَلِكَ: ﴿ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ صَفِيِّنا أوَّلِ رَسُولٍ أرْسَلْناهُ بَعْدَ افْتِراقِ أهْلِ الأرْضِ وإشْراكِهِمْ، مِن خُلَّصِ العِبادِ، وأهْلِ الرَّشادِ، وجَعَلْناهُ شَكُورًا، وإبْراهِيمُ أقْرَبُهم إلى ذَلِكَ ﴿ومِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ﴾ خَلِيلِنا الَّذِي كانَ لَهُ في إعْدامِ الأنْدادِ ما اشْتَهَرَ بِهِ مِن فَضْلِهِ بَيْنَ العِبادِ، وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ أوْلاهم بِذَلِكَ، ثُمَّ يَعْقُوبُ ﴿وإسْرائِيلَ﴾ صَفِيِّنا، وهُمُ الباقُونَ: مُوسى وهارُونُ وزَكَرِيّا ويَحْيى وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ بِنْتِ داوُدَ - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ [فَكَما كانَ هَؤُلاءِ رُسُلًا وهم مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ فَكَذا نَبِيُّكُمُ الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ الَّذِي هو مِن إبْراهِيمَ لِصُلْبِهِ وهو أوَّلُ أوْلادِهِ كَما كانَ إسْرائِيلُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، فالإرْسالُ مِن ذُرِّيَّةِ مَن هو ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أوْلى مِنَ الإرْسالِ مِن ذُرِّيَّةِ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ واسِطَةٌ، وإلّا كانَ بَنُو إسْرائِيلَ أشْرَفَ مِنكم وأبُوهم أشْرَفَ مِن أبِيكُمْ، فَلا تَرُدُّوا الكَرامَةَ، يا مَن يَتَنافَسُونَ في المُفاخَرَةِ والزَّعامَةِ -] ﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا﴾ إلى أقْوَمِ الطُّرُقِ ﴿واجْتَبَيْنا﴾ أيْ فَعَلْنا بِهِمْ فِعْلَ مَن يَتَخَيَّرُ الشَّيْءَ ويَنْتَقِيهِ بِأنْ أسْبَغْنا عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وعَطَفَ الأوْصافَ بِالواوِ إشارَةً إلى التَّمَكُّنِ فِيها.
(p-٢٢٢)ولَمّا ذَكَرَ ما حَباهم بِهِ، ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ [مُسْتَأْنِفًا -] ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ﴾ العامِّ النِّعْمَةِ، فَكَيْفَ بِهِمْ إذا أعْلاهم [جَلالٌ أوْ خَصَّتْهم رَحْمَةٌ -] مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، مِن فَيْضِ الجُودِ والكَرَمِ، [فَسَمِعُوا خُصُوصَ هَذا القُرْآنِ -] ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ لِلْمُنْعِمِ عَلَيْهِمْ تَقَرُّبًا إلَيْهِ، لِما لَهم مِنَ البَصائِرِ المُنِيرَةِ في ذِكْرِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ ﴿وبُكِيًّا﴾ خَوْفًا مِنهُ وشَوْقًا إلَيْهِ، فَوَصَفَهم بِسُرْعَةِ الخُشُوعِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ النّاشِئِ عَنْ دَوامِ الخُضُوعِ والنّاشِئِ عَنْهُ الإسْراعُ بِالسُّجُودِ في حالَةِ البُكاءِ، وجَعَلَهُما حالَتَيْنِ بِالعَطْفِ بِالواوِ لِعَراقَةِ المُتَحَلِّي بِهِما في كُلٍّ مِنهُما عَلى انْفِرادِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ في كُلٍّ مِنَ السُّجُودِ والبُكاءِ، إشارَةً إلى أنَّ خَوْفَهم دائِمٌ كَما أنَّ خُضُوعَهم دائِمٌ لِعَظَمَةِ الكَبِيرِ الجَلِيلِ، لِأنَّ تِلْكَ الحَضْرَةَ لا تَغِيبُ عَنْهم أصْلًا، وإنْ حَصَلَ غَيْرُ البُكاءِ فَلِلتَّأْنِيسِ لِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ لِيُوصِلُوهُ إلى قَرِيبٍ مِن رُتْبَتِهِمْ بِحُسْنِ عِشْرَتِهِمْ عَلى تَفاوُتِ المَراتِبِ، وتَبايُنِ المَطالِبِ، وحَذَفَ ذِكْرَ الأذْقانِ لِدَلالَتِها (p-٢٢٣)- كَما تَقَدَّمَ في سُبْحانَ - عَلى نَوْعِ دَهْشَةٍ، فَهي - وإنْ أعْلَتْ صاحِبَها عَمَّنْ لَمْ يَبْلُغْها - حالَّةٌ دُونَ مَقامِ الرّاسِخِينَ في حَضْرَةِ الجَلالِ، لِأنَّهم - مَعَ كَوْنِهِمْ في الذِّرْوَةِ مِن مَقامِ الخَوْفِ - في أعْلى دَرَجاتِ الكَمالِ مِن حُضُورِ الفِكْرِ وانْشِراحِ الصَّدْرِ - لِتَلَقِّي وارِداتِ الحَقِّ وإلْقائِها إلى الخَلْقِ، انْظُرْ إلى ثَباتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِعُلُوِّ مَقامِهِ عَنْ غَيْرِهِ - عِنْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أنَّهُ أوْفاهم مِنَ المَحَبَّةِ مَشْرَبًا، وأصْفاهم مَوْرِدًا، وأوْفَرُهم حُزْنًا، وأكْثَرُهم غَمًّا وهَمًّا، حَتّى أنَّهُ اعْتَراهُ لِذَلِكَ مَرَضُ السُّلِّ حَتّى ماتَ بِهِ وجْدًا وأسَفًا [ومِن هُنا تَعْلَمُ السِّرَّ في إرْسالِ النَّبِيِّ ﷺ الأنْبِجانِيَّةَ الَّتِي ألْهَتْ في الصَّلاةِ بِأعْلامِها إلى أبِي جَهْمٍ لِأنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رُبَّما كانَ مِن أهْلِ الجَمْعِ في الصَّلاةِ فَلا يَرى غَيْرَهُ سُبْحانَهُ فَناءً عَنْ كُلِّ فانٍ بِخِلافِ النَّبِيِّ فَإنَّهُ لِكَمالِهِ مُتَمَكِّنٌ في كُلٍّ مِن مَقامَيِ الجَمْعِ والفَرْقِ في كُلِّ حالَةٍ ولِهَذا يَرى مَن خَلْفَهُ في الصَّلاةِ ولا يَخْفى عَلَيْهِ خُشُوعُهم -].
مريم 19:59
ولَمّا كانَ مِنَ المَقاصِدِ العَظِيمَةِ تَبْكِيتُ اليَهُودِ، لِأنَّهم أهْلُ الكِتابِ وعِنْدَهم مِن عُلُومِ الأنْبِياءِ [ما -] لَيْسَ عِنْدالعَرَبِ وقَدِ اسْتَرْشَدُوهم واسْتَنْصَحُوهُمْ، فَقَدْ كانَ أوْجَبُ الواجِباتِ عَلَيْهِمْ مَحْضَ النُّصْحِ لَهُمْ، فَأبْدى سُبْحانَهُ مِن تَبْكِيتِهِمْ ما تَقَدَّمَ إلى أنْ خَتَمَهُ بِأنَّ جَمِيعَ الأنْبِياءِ كانُوا لِلَّهِ (p-٢٢٤)سُجَّدًا ولِأمْرِهِ خُضَّعًا، عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَوْبِيخٍ هو أعْظَمُ داخِلٍ فِيهِ وهو أشَدُّ مِمّا تَقَدَّمَ لِمَن خافَ اللَّهَ ورُسُلَهُ فَقالَ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ في بَعْضِ الزَّمانِ الَّذِي بَعْدَ هَؤُلاءِ الأصْفِياءِ سَرِيعًا ﴿خَلْفٌ﴾ هم في غايَةِ الرَّداءَةِ ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ﴾ النّاهِيَةَ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ الَّتِي هي طُهْرَةُ الأبْدانِ، وعِصْمَةُ الأدْيانِ، وأعْظَمُ الأعْمالِ، بِتَرْكِها أوْ تَأْخِيرِها عَنْ وقْتِها والإخْلالِ بِحُدُودِها، فَكانُوا لِما سِواها أضْيَعَ، فَأظْلَمَتْ قُلُوبُهم فَأعْرَضُوا عَنْ داعِي العَقْلِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِمُ ﴿الشَّهَواتِ﴾ الَّتِي تُوجِبُ العارَ في الدُّنْيا والنّارَ في الآخِرَةِ، فَلا يَقْرَبُها مَن يَسْتَحِقُّ أنْ يُعَدَّ بَيْنَ الرِّجالِ، مِن تَغْيِيرِ أحْكامِ الكِتابِ وتَبْدِيلِ ما فِيهِ مِمّا تُخالِفُ الأهْواءَ كالرَّجْمِ في الزِّنا، وتَحْرِيمِ الرِّشى والرِّبا، ونَحْوِ ذَلِكَ، وأعْظَمُهُ كَتْمُ البِشارَةِ بِالنَّبِيِّ العَرَبِيِّ الَّذِي هو مِن ولَدِ إسْماعِيلَ ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ﴾ أيْ يُلابِسُونَ - وعْدًا لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ طُولِ المُهْلَةِ - جَزاءَ فِعْلِهِمْ هَذا ﴿غَيًّا﴾ أيْ شَرًّا يَتَعَقَّبُ ضَلالًا عَظِيمًا، فَلا يَزالُونَ في عَمىً عَنْ طَرِيقِ الرَّشادِ لا يَسْتَطِيعُونَ إلَيْهِ سَبِيلًا، وهم عَلى بَصِيرَةٍ مِن أنَّهم عَلى خَطَإٍ وضَلالٍ، ولَكِنَّهم مَقْهُورُونَ عَلى ذَلِكَ بِما زُيِّنَ لَهم مِنهُ حَتّى صارَتْ لَهم فِيهِ أتَمُّ رَغْبَةٍ، وذَلِكَ أعْظَمُ الشَّرِّ، ولَمْ يَزَلْ سُبْحانَهُ يَسْتَدْرِجُهم بِالنِّعَمِ إلى (p-٢٢٥)أنْ قَطَعُوا بِالظَّفَرِ والغَلَبَةِ حَتّى أناخَتْ بِهِمْ سَطَواتُ العِزَّةِ، فَأُخِذُوا عَلى غِرَّةٍ، ولا أنْكَأ مِنَ الأخْذِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ بَعْدَ تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى الفَوْزِ، وهو مِن وادِي قَوْلِهِ
﴿ونَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧] مَعَ قَوْلِهِ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ [مريم: ٣٨] وجَزاءُ مَن كانَ هَذا دَيْدَنَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ أنَّهُ العارُ ثُمَّ النّارُ، وأيْضًا فَإنَّ مَن ضَلَّ أخْطَأ طَرِيقَ الفَلاحِ مِنَ الجَنَّةِ وغَيْرِها فَخابَ، ومَن خابَ فَقَدْ هَلَكَ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ الجِبائِيُّ: والغَيُّ هو الخَيْبَةُ في اللُّغَةِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالغَيِّ الهَلاكُ، إمّا مِن قَوْلِهِمْ - أُغْوِيَّةٌ - وزْنُ أُثْفِيَّةٍ - أيْ مَهْلَكَةٌ، وإمّا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَلْزَمُهُ.
مريم 19:60
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِالخَيْبَةِ، فَتَحَ لَهم بابَ التَّوْبَةِ، وحَداهم إلى غَسْلِ هَذِهِ الحَوْبَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ أيْ مِمّا [هُوَ -] عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ، بِإيثارِ سَفْسافِ الأعْمالِ، عَلى أوْصافِ الكَمالِ، فَحافَظَ عَلى الصَّلاةِ، وكَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الشَّهَواتِ -] ﴿وآمَنَ﴾ بِما أُخِذَ عَلَيْهِ [بِهِ -] العَهْدُ ﴿وعَمِلَ﴾ بَعْدَ إيمانِهِ تَصْدِيقًا لَهُ ﴿صالِحًا﴾ مِنَ الصَّلَواتِ والزَّكاةِ وغَيْرِها،[ولَمْ يُؤَكِّدْهُما لِما أفْهَمَتْهُ التَّوْبَةُ مِن إظْهارِ عَمَلِ الصَّلاةِ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ -] ﴿فَأُولَئِكَ﴾ العالُو الهِمَمِ، الطّاهِرُو الشِّيَمِ ﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴿ولا يُظْلَمُونَ﴾ مِن ظالِمٍ ما (p-٢٢٦)﴿شَيْئًا﴾ مِن أعْمالِهِمْ؛
مريم 19:61
ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ لا ظَعْنَ عَنْها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ الشّامِلُ النِّعَمِ ﴿عِبادَهُ﴾ الَّذِينَ هو أرْحَمُ بِهِمْ مِنَ الوالِدَةِ بِوَلَدِها؛ وعَبَّرَ عَنْهم بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِالتَّحَنُّنِ، وعْدًا كائِنًا ﴿بِالغَيْبِ﴾ الَّذِي لا اطِّلاعَ لَهم عَلَيْهِ أصْلًا إلّا مِن قِبَلِنا، فَآمَنُوا بِهِ فاسْتَحَقُّوا ذَلِكَ بِفَضْلِهِ سُبْحانَهُ عَلى إيمانِهِمْ بِالغَيْبِ.
ولَمّا كانَ مِن شَأْنِ الوُعُودِ الغائِبَةِ - عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهُمُ - احْتِمالُ عَدَمِ الوُقُوعِ، بَيَّنَ أنَّ وعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا هو سُنَّةٌ ماضِيَةٌ ﴿وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ أيْ مَقْصُودًا بِالفِعْلِ، فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾ [الإسراء: ١٠٨]
مريم 19:62
ولَمّا كانَتِ الجَنَّةُ دارَ الحَقِّ، وكانَ أنْكَأ شَيْءٍ لِذَوِي الأقْدارِ الباطِلُ، وكانَ أقَلَّ ما يَنْكَأُ مِنهُ سَماعُهُ، نَفى ذَلِكَ عَنْها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ فَقالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ شَيْئًا ما مِنَ الباطِلِ الَّذِي لا ثَمَرَةَ لَهُ. ولَمّا كانَتِ السَّلامَةُ ضِدَّ الباطِلِ مِن كُلِّ وجْهٍ، قالَ: ﴿إلا﴾ [أيْ لَكِنْ -] ﴿سَلامًا﴾ لا عَطَبَ مَعَهُ ولا عَيْبَ ولا نَقْصَ أصْلًا فِيهِ، وأوْرَدَ عَلى صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ مِن بابِ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
(p-٢٢٧)ويَحْسُنُ أنْ يُرادَ بِاللَّغْوِ مُطْلَقُ الكَلامِ؛ قالَ في القامُوسِ: لَغا لَغْوًا: تَكَلَّمَ. أيْ لا يَسْمَعُونَ فِيها كَلامًا [إلّا -] كَلامًا يَدُلُّ عَلى السَّلامَةِ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلى عَطَبِ أحَدٍ مِنهم ولا عَطَبِ شَيْءٍ فِيها.
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ مِن أسْبابِ السَّلامَةِ قالَ: ﴿ولَهم رِزْقُهُمْ﴾ أيْ عَلى قَدْرِ ما يَتَمَنَّوْنَهُ ويَشْتَهُونَهُ عَلى وجْهٍ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ ولا كُلْفَةَ عَلَيْهِمْ فِيهِ ولا يُمَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ ﴿فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ أيْ دَوامًا، لا يَحْتاجُونَ إلى طَلَبِهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وفي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ: ولَيْسَ فِيها بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ، لَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِهِ عَلى ما كانُوا يَشْتَهُونَ في الدُّنْيا. أيْ أنَّهم خُوطِبُوا بِما يَعْرِفُونَ [كَما أشارَ إلَيْهِ تَأْخِيرُ الظَّرْفِ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَأوْهَمَ بُعْدَهم عَنْ ذَلِكَ بِالجَنَّةِ -].
مريم 19:63
ولَمّا بايَنَتْ بِهَذِهِ الأوْصافِ دارَ الباطِلِ، أشارَ إلى عُلُوِّ رُتْبَتِها [وما -] هو سَبَبُها بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ﴾ بِأداةِ البُعْدِ لِعُلُوِّ قَدْرِها، وعِظَمِ أمْرِها ﴿الَّتِي نُورِثُ﴾ أيْ نُعْطِي عَطاءَ الإرْثِ الَّذِي لا نَكَدَ فِيهِ مِن حِينِ التَّأهُّلِ لَهُ بِالمَوْتِ ولا كَدَّ ولا اسْتِرْجاعَ ﴿مِن عِبادِنا﴾ الَّذِينَ أخْلَصْناهم لَنا، فَخَلُصُوا عَنِ الشِّرْكِ نِيَّةً وعَمَلًا ﴿مَن كانَ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَقِيًّا﴾ أيْ مُبالِغًا في التَّقْوى، فَهو في غايَةِ الخَوْفِ مِنّا لِاسْتِحْضارِهِ أنَّهُ عَبْدٌ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وما تَقَرَّبَ أحَدٌ إلى رَبِّهِ بِشَيْءٍ أزْيَنَ عَلَيْهِ مِن مُلازَمَةِ العُبُودِيَّةِ وإظْهارِ الِافْتِقارِ، والعَبْدُ يَكُونُ ذَلِيلًا بِأوْصافِهِ، (p-٢٢٨)عَزِيزًا بِأوْصافِ الحَقِّ تَعالى - انْتَهى.
وذَلِكَ إشارَةٌ إلى سَبَبِ إيراثِها التَّقْوى.
مريم 19:64
ولَمّا كَرَّرَ سُبْحانَهُ الوَصْفَ بِالتُّقى في هَذِهِ السُّورَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وخَتَمَهُ بِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْمَقْصُودِ بِالذّاتِ، وهو الرّاحَةُ الدّائِمَةُ بِالوِراثَةِ لِدارِ الخُلْدِ عَلى وجْهِ الإقامَةِ المُسْتَمِرَّةِ، وصِفَةِ المِلْكِ الَّذِي لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ولا تَخَلُّفَ عَنْ مُرادٍ، أتْبَعَهُ ما بَعْدَهُ إشارَةً إلى ما تُنالُ بِهِ التَّقْوى، وهو الوُقُوفُ مَعَ الأمْرِ مُراقَبَةً لِلْأمْرِ عَلى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] لِأنَّهُ لَمّا كانَ العِلْمُ واقِعًا بِأنَّ جَمِيعَ سُورَةِ الكَهْفِ شارِحَةٌ لِمَسْألَتَيْنِ مِن مَسائِلِ قُرَيْشٍ، وبَعْضَ سُورَةِ سُبْحانَ شارِحٌ لِلثّالِثَةِ، ولِطُولِ الفَصْلِ صُدِّرَتْ قِصَّةُ ذِي القَرْنَيْنِ بِقَوْلِهِ ﴿ويَسْألُونَكَ﴾ [الكهف: ٨٣] إعْلامًا بِعَطْفِها عَلى مَسْألَةِ الرُّوحِ المُصَدَّرَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وجاءَتْ سُورَةُ [مَرْيَمَ] كاشِفَةً - تَبْكِيتًا لِأهْلِ الكِتابِ الكاتِمِينَ لِلْحَقِّ - عَنْ أغْرَبَ مِن تِلْكَ القِصَصِ [وأقْدَمَ زَمانًا -] وأعْظَمَ شَأْنًا مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ ومَن أسْرَعَ التَّبْدِيلَ بَعْدَهم بِإضاعَةِ الصَّلاةِ واتِّباعِ الشَّهَواتِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ هَذا كُلَّهُ مُرَتَّبٌ لِإجابَةِ سُؤالِهِمْ وأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ قَطْعًا، إذْ لَوْ كانَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ ما وعَدَهُمُ الإجابَةَ في الغَدِ إلّا وهو قادِرٌ عَلَيْها، لِما هو مَعْلُومٌ قَطْعًا مِن رَزانَةِ عَقْلِهِ، وغَزارَةِ فِطْنَتِهِ، ومَتانَةِ رَأْيِهِ، ولَوْ قَدِرَ عَلى ذَلِكَ ما تَرَكَهم يَتَكَلَّمُونَ في عِرْضِهِ بِما المَوْتُ أسْهَلُ مِنهُ، [لِما عُلِمَ مِنهُ -] مِنَ الشَّهامَةِ والأنَفَةِ والبُعْدِ عَمّا يُقارِبُ الشَّيْنَ، وبانَ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ ما أجْمَلَ أمْرَ الرُّوحِ (p-٢٢٩)ولا أخَّرَ الإجابَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ مِن عَجْزٍ ولا جَهْلٍ، وثَبَتَ بِذَلِكَ كُلِّهِ وبِما بَيَّنَ مِن صُنْعِهِ لِأهْلِ الكَهْفِ ولِذِي القَرْنَيْنِ وفي وِلادَةِ يَحْيى وعِيسى وإسْحاقَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَمامَ قُدْرَتِهِ المُسْتَلْزِمَ لِكَمالِ عِلْمِهِ، وكانَ الإخْبارُ عَنْ ذَلِكَ مُطابِقًا لِلْواقِعِ الَّذِي ثَبَتَ بَعْضُهُ بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ وبَعْضُهُ بِأدِلَّةِ العَقْلِ القاطِعَةِ، ثَبَتَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَـزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وأنَّ هَذا الكِتابَ قَيِّمٌ لا عِوَجَ فِيهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ الجَوابَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِجِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَقَدْ أبْطَأْتَ عَلَيَّ يا جِبْرَئِيلُ حَتّى سُؤْتُ ظَنًّا» ونَحْوِهِ مِمّا ذُكِرَ في أسْبابِ النُّزُولِ، فَقالَ عَلى لِسانِ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وما نَتَنَـزَّلُ﴾ أيْ أنا ولا أحَدٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإنْزالِ الكِتابِ ولا غَيْرِهِ ﴿إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأمْرِ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ لِئَلّا يَقَعَ في بَعْضِ الأوْهامِ أنَّهُ حَقٌّ في نَفْسِهِ، ولَكِنَّهُ نَزَلَ بِغَيْرِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ، ووَقَعَ الخِطابُ مُقْتَرِنًا بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِمَزِيدِ الإكْرامِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ ﷺ وإشارَةً إلى أنَّهُ مُحْسَنٌ إلَيْهِ، ولَفْظُ التَّنَزُّلِ مُشِيرٌ إلى الإكْرامِ، وهو التَّرَدُّدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ ووَقْتًا غِبَّ وقْتٍ، ولا يَكُونُ إلّا لِذَلِكَ لِأنَّ النُّزُولَ لِلْعَذابِ يُقْضى بِهِ الأمْرُ في مِثْلِ لَمْحِ البَصَرِ، وكانَ هَذا عَقِبَ ذِكْرِ القِيامَةِ بِذِكْرِ الجَنَّةِ كَما كانَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ عَقِبَ
﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٧] و[كَما -] كانَ خِتامُ مَسائِلِهِمْ بِذِكْرِ الآخِرَةِ في قَوْلِهِ (p-٢٣٠)﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨] - إلى آخِرِ السُّورَةِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ تَثْبِيتًا لِلْبَعْثِ وأعْظَمَ تَأْكِيدًا، وإنِ اسْتَطَلْتَ هَذا العَطْفَ مَعَ بُعْدِ ما بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ واسْتَعْظَمْتَهُ واسْتَنْكَرْتَهُ لِذَلِكَ واسْتَبْعَدْتَهُ فَقُلْ: لَمّا كَشَفَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَنْ هَذِهِ القِصَصِ الغَرِيبَةِ، وكانَ المُتَعَنِّتُونَ رُبَّما قالُوا: نُرِيدُ أنْ يُخْبِرَنا هَذا الَّذِي يَنْزِلُ عَلَيْكَ بِجَمِيعِ أنْباءِ الأقْدَمِينَ وأخْبارِ الماضِينَ، قالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ أنْ قِيلَ: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ بِأخْبارِ هَؤُلاءِ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ، وما نَتَنَزَّلُ فِيما يَأْتِي أيْضًا إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا﴾ أيْ مِنَ المَكانِ والزَّمانِ وما فِيهِما ﴿وما خَلْفَنا﴾ مِن ذَلِكَ ﴿وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وهو نَحْنُ والمَكانُ والزَّمانُ اللَّذانِ نَحْنُ بِهِما وما فَوْقَهُ وتَحْتَهُ، ونَحْنُ نَعْلَمُ ذَلِكَ ونَعْمَلُ عَلى حَسَبِ ما نَعْلَمُ، فَلا نَتَصَرَّفُ في مُلْكِهِ إلّا بِأمْرِهِ ﴿وما كانَ﴾ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ ﴿رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أيْ ذا نِسْيانٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ فَيَتْرُكُ تَفْصِيلَ أمْرِ الرُّوحِ، ويُؤَخِّرُ الجَوابَ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي وعَدْتَهم فِيهِ لِخَفاءِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلَيْهِ، ولا يَنْسى ما يُصْلِحُكَ فَيَحْتاجُ إلى مُذَكِّرٍ بِهِ، ولا يَنْسى أحَدًا مِنّا فَيَنْزِلُ في وقْتِ نِسْيانِهِ لَهُ بَلْ هو دائِمُ الِاطِّلاعِ عَلى حَرَكَتِنا وسَكَناتِنا، فَنَحْنُ لَهُ في غايَةِ المُراقَبَةِ، وهو سُبْحانَهُ يُصَرِّفُنا بِحَسَبِ الحِكْمَةِ في كُلِّ وقْتٍ تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ، لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا في الوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ وأرادَهُ فِيهِ، ولا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ وإنْ دَقَّ عَنْ مُرادِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُقالَ في التَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ فَعِيلٍ [أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ العَبْدُ مِنَ الغَيْبَةِ (p-٢٣١)عَنِ السَّيِّدِ بِغَيْرِ إذْنِهِ إلّا إنْ كانَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ أنْ يَغْفُلَ وأنْ تَطُولَ غَفْلَتُهُ وتَعْظُمَ لِكَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلَيْها، أوْ أنَّهُ -] لَمّا اسْتَلْبَثَ الوَحْيُ في أمْرِ الأسْئِلَةِ الَّتِي سَألُوا عَنْها مِنَ الرُّوحِ وما مَعَها خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً أوْ أكْثَرَ أوْ أقَلَّ - عَلى اخْتِلافِ الرِّواياتِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوهِمًا لِلْأغْبِياءِ أنَّهُ نِسْيانٌ، وكانَ مِثْلُ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا كَثِيرُ النِّسْيانِ، نَفى هَذا الوَهْمَ بِما اقْتَضاهُ مِنَ الصِّيغَةِ ونَفى قَلِيلَ ذَلِكَ وكَثِيرَهُ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها ضَمًّا لِدَلِيلِ العَقْلِ بِقَوْلِهِ
﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢] لِما اقْتَضاهُ السِّياقُ، فَأتى في كُلِّ أُسْلُوبٍ بِما يُناسِبُهُ مَعَ الوَفاءِ بِما يَجِبُ مِن حَقِّ الِاعْتِقادِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] و﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ [الإسراء: ٨٨] مِثْلُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ [هود: ١٣] - الآيَتَيْنِ في [سُورَةِ هُودٍ] عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى ما قَدَّمْتُ في بَيانِهِ غَيْرَ أنَّ ما جُمِعَ هُناكَ فُصِّلَ هُنا في أوَّلِ الجَوابِ عَلى أسْئِلَتِهِمْ بِآيَةِ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ﴾ [الإسراء: ٨٨] وأثْنائِهِ بِآيَةِ ﴿وبِالحَقِّ أنْـزَلْناهُ﴾ [الإسراء: ١٠٥] وآخِرِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِتَكُونَ الآياتُ رابِطَةً عَلى هَذِهِ الأجْوِبَةِ وتَوابِعِها وضابِطَةً لَها كالشُّهُبِ والحَرَسِ الشَّدِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماءِ، فَلا يَبْغِيها مُتَعَنِّتٌ مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِها كَيْدًا إلّا رُدَّ خاسِئًا، ولا يَرْمِيها بِقادِحٍ إلّا كانَ رَمْيُهُ خاطِئًا.
مريم 19:65
ولَمّا وُصِفَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنُفُوذِ الأمْرِ واتِّساعِ العِلْمِ عَلى وجْهٍ ثَبَتَ (p-٢٣٢)بِهِ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ، فَثَبَتَ أمْرُ البَعْثِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما يُقَرِّرُهُ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ مِنهُ وأعَمَّ فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”رَبُّكَ“: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ اللَّتَيْنِ نَحْنُ مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما مِن عِبادِهِ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنّا ومِن غَيْرِنا مِنَ الأحْياءِ وغَيْرِها ﴿فاعْبُدْهُ﴾ بِالمُراقَبَةِ الدّائِمَةِ عَلى ما يَنْبَغِي لَهُ مِن مِثْلِكَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ أيِ اصْبِرْ [صَبْرًا عَظِيمًا-] بِغايَةِ جُهْدِكَ عَلى كُلِّ ما يَنْبَغِي الِاصْطِبارُ عَلَيْهِ كَذَلِكَ ﴿لِعِبادَتِهِ﴾ [أيْ لِأجْلِها فَإنَّها لا تَكُونُ إلّا عَنْ مُجاهَدَةٍ شَدِيدَةٍ: ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ -] بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أيْ مُتَّصِفًا بِوَصْفٍ مِن أوْصافِهِ اتِّصافًا حَقِيقِيًّا، أوْ مُسَمّىً بِاسْمِهِ، العَلَمِ الواقِعِ مَوْقِعًا لِأنَّهُ لا مُماثِلَ لَهُ حَتّى ولا في مُجَرَّدِ الِاسْمِ، وإيرادُهُ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ كالدَّعْوى بِدَلِيلِها.
مريم 19:66
ولَمّا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ وبِما ذُكِرَ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِمّا سَألُوا عَنْهُ ومِن غَيْرِهِ شُمُولُ عِلْمِهِ وتَمامُ قُدْرَتِهِ لا سِيَّما في إيجادِ البَشَرِ تارَةً مِنَ التُّرابِ، وتارَةً مِن ذَكَرٍ وأُنْثى في حُكْمِ العَدَمِ، وتارَةً مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، وثَبَتَ ذَلِكَ كُلُّهُ، فانْكَشَفَتِ الشُّبَهُ، وتَضاءَلَتْ مُوجِباتُ المِراءِ، وانْقَمَعَتْ مُخَيِّلاتُ الفِتَنِ، عَجِبَ مِنها في إنْكارِهِمُ البَعْثَ وهم يُشاهِدُونَ (p-٢٣٣)ما ذَكَرَ مِن قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ، عاطِفًا عَلى التَّعَجُّبِ في قَوْلِهِمْ ﴿وقالُوا أإذا كُنّا﴾ [الإسراء: ٤٩] تَعْجِيبًا أشَدَّ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ويَقُولُ﴾ بِلَفْظِ المُضارِعِ المُؤْذِنِ بِالتَّجَدُّدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ المُقْتَضِي حَتْمًا لِاعْتِقادِهِ البَعْثَ فَضْلًا عَنْ إنْكارِهِ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ، لِيُخْبِرَ عَنْها بِصِيغَةِ الماضِي، فَكَيْفَ بِالمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ المُشارِ إلَيْها بِصِيغَةِ المُضارِعِ؛ وعَبَّرَ بِالمُفْرَدِ وإنْ كانَ لِلْجِنْسِ لِأنَّ الإنْكارَ عَلى الواحِدِ يَسْتَلْزِمُ الإنْكارَ عَلى المُتَعَدِّدِ فَقالَ: ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الَّذِي خَلَقْناهُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا، مَعَ ما فَضَّلْناهُ بِهِ مِنَ العَقْلِ، ونَصَبْنا لَهُ مِنَ الدَّلائِلِ، فَشَغَلَهُ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ عَنِ التَّأمُّلِ في كَمالِ رَبِّهِ مُنْكِرًا مُسْتَبْعِدًا: ﴿أإذا ما مِتُّ﴾ ثُمَّ دَلَّ عَلى شِدَّةِ اسْتِبْعادِهِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُخْلِصًا لِلامِ الِابْتِداءِ إلى التَّوْكِيدِ سالِخًا لَها عَمّا مِن شَأْنِها الدَّلالَةُ عَلَيْهِ مِنَ الحالِ لِتُجامِعَ ما يَخْلُصُ لِلِاسْتِقْبالِ: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ﴾ أيْ يُخْرِجُنِي مُخْرِجٌ ﴿حَيًّا﴾ أيْ بَعْدَ طُولِ الرُّقادِ، وتَفَتُّتِ الأجْزاءِ والمَوادِّ، وجاءَ بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ لِأنَّ ما بَعْدَ المَوْتِ وقْتُ كَوْنِ الحَياةِ مُنْكَرَةً عَلى زَعْمِهِ، والعامِلُ في ”إذا“ فِعْلٌ مِن مَعْنى ”أُخْرَجُ“ لا هُوَ، لِمَنعِ لامِ الِابْتِداءِ لِعَمَلِهِ فِيما قَبْلَهُ؛
مريم 19:67
ثُمَّ قابَلَ إنْكارَهُ الباطِلَ بِإنْكارٍ هو الحَقُّ فَقالَ عَطْفًا عَلى ”يَقُولُ“ أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ألا يَذْكُرُ ما لَنا مِن تَمامِ القُدْرَةِ بِخَلْقِ ما هو أكْبَرُ مِن ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الأكْوانِ: ﴿أوَلا يَذْكُرُ﴾ بِإسْكانِ الذّالِ (p-٢٣٤)عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ إشارَةً إلى أنَّهُ أدْنى ذِكْرٍ مِن هَذا يُرْشِدُهُ إلى الحَقِّ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِفَتْحِ الذّالِ والكافِ وتَشْدِيدِهِما يُشِيرُ إلى أنَّهُ - لِاسْتِغْراقِهِ في الغَفْلَةِ - يَحْتاجُ إلى تَأمُّلٍ شَدِيدٍ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الآنِسُ بِنَفْسِهِ، المُجْتَرِئُ بِهَذا الإنْكارِ عَلى رَبِّهِ وُقُوفًا مَعَ نَفْسِهِ ﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾ وأشارَ بِإثْباتِهِ الجارَّ إلى سَبْقِهِ بِالعَدَمِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ جَدَلِهِ هَذا أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِتَحْقِيرِهِ بِكَوْنِهِ عَدَمًا، أعْدَمَ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ ما أمْكَنَ إعْدامُهُ، وهو النُّونُ، لِتُناسِبَ العِبارَةُ المُعْتَبَرَ فَقالَ: ﴿ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أصْلًا، وإنّا بِمُقْتَضى ذَلِكَ قادِرُونَ عَلى إعادَتِهِ فَلا يُنْكَرُ ذَلِكَ.
مريم 19:68
ولَمّا كانَ كَلامُ الكافِرِ صُورَتُهُ صُورَةَ اسْتِفْهامٍ، وهو جَحْدٌ في الحَقِيقَةِ وإنْكارٌ، وكانَ إنْكارُ المُهَدَّدِ لِشَيْءٍ يَقْتَدِرُ عَلَيْهِ المُهَدِّدُ سَبَبًا لِأنْ يُحَقِّقَهُ لَهُ مُقْسِمًا عَلَيْهِ، قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ إنْكارِهِ مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ عَلَيْهِمْ بِالإعْراضِ عَنْهم مُخاطِبًا لِنَبِيِّهِ ﷺ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالِانْتِقامِ مِنهم.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ لِلْبَعْثِ يَلْزَمُ مِنهُ الِاحْتِقارُ، أتى بِنُونِ العَظَمَةِ، واسْتَمَرَّ في هَذا التَّحَلِّي بِهَذا المَظْهَرِ إلى آخِرِ وصْفِ هَذا اليَوْمِ فَقالَ: ﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ بَعْدَ البَعْثِ ﴿والشَّياطِينَ﴾ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِجَعْلِ كُلِّ واحِدٍ (p-٢٣٥)مِنهم مَعَ قَرِينِهِ الَّذِي أضَلَّهُ، [فِي سِلْسِلَةٍ -] ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ [بَعْدَ طُولِ الوُقُوفِ -] ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ الَّتِي هم بِها مُكَذِّبُونَ، يُحِيطُونَ بِها لِضِيقِ رَأْسِها وبُعْدِ قَعْرِها، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿جِثِيًّا﴾ عَلى الرُّكَبِ مِن هَوْلِ المَطْلَعِ وشِدَّةِ الذُّلِّ، مُسْتَوْقِرِينَ تَهَيَّئُوا لِلْمُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ الأوامِرِ
مريم 19:69
﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ﴾ أيْ لَنَأْخُذَنَّ أخْذًا بِشِدَّةٍ وعُنْفٍ ﴿مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أيْ فِرْقَةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِمَذْهَبٍ واحِدٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَنَنْزِعَنَّ أغْناهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ إذا نَظَرْتَ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِخُصُوصِهِ حَكَمْتَ بِأنَّهُ أغْنى النّاسِ، عَلِمَ أنَّهم بِحَيْثُ يُحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنْهم لِإشْكالِ أمْرِهِمْ فَقالَ: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي غَمَرَهم بِالإحْسانِ ﴿عِتِيًّا﴾ أيْ تَكَبُّرًا [مُتَجاوِزًا -] لِلْحَدِّ، انْتِزاعًا يَعْلَمُ بِهِ أهْلُ المَوْقِفِ أنَّهُ أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، وأوْهى أمْرًا مِنَ القَتِيلِ، وأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ - مَعَ صِفَةِ الرَّحْمَةِ الَّتِي غَمَرَهم إحْسانُها وبِرُّها - صِفاتٍ أُخْرى مِنَ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والجَبَرُوتِ والِانْتِقامِ.
مريم 19:70
ولَمّا تَقَدَّمَ ما هو في صُورَةِ الِاسْتِفْهامِ، أتْبَعَهُ ما يُزِيلُ ما قَدْ يَقَعُ بِسَبَبِهِ مِن بَعْضِ الأوْهامِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ وعِزَّتِنا! ﴿لَنَحْنُ﴾ لِشُمُولِ عِلْمِنا وكَمالِ قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا ﴿أعْلَمُ﴾ [مِن كُلِّ عالِمٍ -] ﴿بِالَّذِينَ هُمْ﴾ لِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿أوْلى بِها﴾ [أيْ جَهَنَّمَ -] ﴿صِلِيًّا﴾ [و -] بِالَّذِينَ هم أوْلى بِكُلِّ طَبَقَةٍ مِن دَرَكاتِها مِن جَمِيعِ الخَلْقِ مِنَ المُنْتَزَعِينَ وغَيْرِهِمْ، فَلا يُظَنُّ بِنا أنّا نَضَعُ أحَدًا في غَيْرِ دَرَكَتِهِ أوْ غَيْرِ طَبَقَتِهِ مِن دَرَكَتِهِ؛ (p-٢٣٦)وعَطَفَ هَذِهِ الجُمَلَ بِأداةِ البُعْدِ مَقْرُونَةً بِنُونِ العَظَمَةِ لِبُعْدِ مَراتِبِها وتَصاعُدِها في ذُرى العُلْيا وتَرَقِّيها، تَهْوِيلًا لِلْمَقامِ وتَعْظِيمًا لِلْأمْرِ لِاسْتِبْعادِهِمْ لَهُ، عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الحُرُوفُ الثَّلاثَةُ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ، وهو في الأوَّلَيْنِ واضِحٌ، وأمّا في الثّالِثِ فَلِأنَّ العِلْمَ كِنايَةٌ عَنِ الإصْلاءِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ ذَنْبَ عَدُوِّهِ - وهو قادِرٌ - عَذَّبَهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَنَصْلِيَنَّ كُلًّا مِنهُمُ النّارَ عَلى حَسَبِ اسْتِحْقاقِهِ لِأنّا أعْلَمُ بِأوْلَوِيَّتِهِ لِذَلِكَ.
مريم 19:71
ولَمّا كانُوا بِهَذا الإعْلامِ، المُؤَكَّدِ بِالإقْسامِ، مِن ذِي الجَلالِ والإكْرامِ، جَدِيرِينَ بِإصْغاءِ الأفْهامِ، إلى ما يُوَجَّهُ إلَيْها مِنَ الكَلامِ، التَفَتَ إلى مَقامِ الخِطابِ، إفْهامًا لِلْعُمُومِ فَقالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿مِنكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ أحَدٌ ﴿إلا وارِدُها﴾ أيْ داخِلٌ جَهَنَّمَ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿كانَ﴾ هَذا الوُرُودُ؛ ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إيقاعِهِ، أكَّدَهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ فَأتى بِأداةِ الوُجُوبِ فَقالَ: ﴿عَلى رَبِّكَ﴾ المُوجِدِ لَكَ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْجاءِ أُمَّتِكَ لِأجْلِكَ ﴿حَتْمًا﴾ أيْ واجِبًا مَقْطُوعًا بِهِ ﴿مَقْضِيًّا﴾ لا بُدَّ مِن إيقاعِهِ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: ما مِن مُؤْمِنٍ - إلّا الأنْبِياءَ - إلّا وقَدْ تَلَطَّخَ بِخُلُقِ سُوءٍ ولا يَنالُ السَّعادَةَ الحَقِيقِيَّةَ إلّا بَعْدَ تَنْقِيَتِهِ، وتَخْلِيصُهُ مِن ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ بِالنّارِ.
مريم 19:72
ولَمّا كانَ الخَلاصُ مِنها بَعْدَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا، قالَ مُشِيرًا إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ: (p-٢٣٧)﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ أيْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، ومُطْلَقَ إنْجاءٍ عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ، وكَأنَّ ذَلِكَ بِاخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ مَعَ أنَّ المُطْلَقَ لا يُنافِي المُقَيَّدَ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ كانُوا مُتَّقِينَ مِنها بِأنْ تَكُونَ عَلَيْهِمْ حالَ الوُرُودِ بَرْدًا وسَلامًا ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ﴾ أيْ نَتْرُكُ عَلى أخْبَثِ الأحْوالِ الَّذِينَ وضَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ فَكانُوا في أفْعالِهِمْ خابِطِينَ كالأعْمى ﴿فِيها جِثِيًّا﴾ كَما كانُوا حَوْلَها لا يَهْتَدُونَ إلى وجْهٍ يَخْلُصُونَ بِهِ مِنها.
مريم 19:73
ولَمّا كانَ هَذا جَدِيرًا بِالقَبُولِ لِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ قائِلِهِ، وتَنَزُّهِهِ عَنْ إخْلافِ القَوْلِ، لِبَراءَتِهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ، قالَ مُعَجِّبًا مِن مُنْكِرِهِ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ويَقُولُ الإنْسانُ﴾ [مريم: ٦٦] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ أيِ النّاسِ، مِن أيِّ تالٍ كانَ ﴿آياتُنا﴾ حالَ كَوْنِها ﴿بَيِّناتٍ﴾ لا مِرْيَةَ فِيها، بِأنْ تَكُونَ مُحْكَماتٍ، أوْ مُتَشابِهاتٍ قَدْ تَبِعَها البَيانُ بِالمُحْكَماتِ، أوْ بِبَيانِ النَّبِيِّ ﷺ فَهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ أوْ كاشِفَةٌ ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِآياتِ رَبِّهِمُ البَيِّنَةِ، جَهْلًا مِنهم ونَظَرًا إلى ظاهِرِ الحَياةِ الدُّنْيا الَّذِي هو مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ لِأجْلِهِمْ أوْ مُواجَهَةً لَهُمْ، إعْراضًا عَنِ الاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، ووُجُوهِ دَلالَتِها (p-٢٣٨)البَيِّناتِ، بِالإقْبالِ عَلى هَذِهِ الشُّبْهَةِ الواهِيَةِ - وهي المُفاخَرَةُ بِالمُكاثَرَةِ في الدُّنْيا - مِن قَوْلِهِمْ: ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾ نَحْنُ - بِما لَنا مِنَ الاتِّساعِ، أمْ أنْتُمْ - بِما لَكم مِن خُشُونَةِ العَيْشِ ورَثاثَةِ الحالِ ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ أيْ مَوْضِعَ قِيامٍ أوْ إقامَةٍ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ والجَماعَةِ بِفَتْحِها: ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ مَجْمَعًا ومُتَحَدَّثًا بِاعْتِبارِ ما في كُلٍّ مِنَ الرِّجالِ، وما لَهم مِنَ الزِّيِّ والأمْوالِ، ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ الِامْتِحانَ بِالإنْعامِ والإحْسانِ دَلِيلًا عَلى رِضى الرَّحْمَنِ، مَعَ التَّكْذِيبِ والكُفْرانِ، ويَغْفُلُونَ عَنْ أنَّ في ذَلِكَ - مَعَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ - تَكْذِيبًا مِمّا يُشاهِدُونَهُ مِنّا مِنَ القُدْرَةِ عَلى العَذابِ بِإحْلالِ النِّقَمِ، وسَلْبِ النِّعَمِ، ولَوْ شِئْنا لَأهْلَكْناهم وسَلَبْنا جَمِيعَ ما يَفْتَخِرُونَ
مريم 19:74
﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ، لَمْ يَأْتِ بِالجارِّ إعْلامًا بِأنَّ المُتَقَدِّمِينَ كُلَّهم كانُوا أرْغَدَ عَيْشًا وأمْكَنَ حالًا فَقالَ: ﴿قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ أيْ شاهَدُوا دِيارَهُمْ، ورَأوْا آثارَهُمْ؛ [ثُمَّ -] وصَفَ كَمْ بِقَوْلِهِ: ﴿هُمْ﴾ أيْ أهْلُ تِلْكَ القُرُونِ ﴿أحْسَنُ﴾ مِن هَؤُلاءِ ﴿أثاثًا﴾ أيْ أمْتِعَةً ﴿ورِئْيًا﴾ أيْ مَنظَرًا،
مريم 19:75
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما يُقالُ لَهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم رَدًّا عَلَيْهِمْ وقَطْعًا لِمَعاذِيرِهِمْ وهَتْكًا لِشُبَهِهِمْ: هَذا الَّذِي افْتَخَرْتُمْ بِهِ لا يَدُلُّ عَلى حُسْنِ الحالِ في الآخِرَةِ، بَلْ عَلى عَكْسِ ذَلِكَ، فَقَدْ جَرَتْ عادَتُهُ سُبْحانَهُ أنَّهُ ﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾ مِثْلُكم كَوْنًا راسِخًا بَسَطَ لَهُ (p-٢٣٩)فِي الدُّنْيا وطَيَّبَ عَيْشَهُ [فِي ظاهِرِ الحالِ -] فِيها، ونَعِمَ بِأنْواعِ المَلاذِّ، وعَبَّرَ عَنْ أنَّ ذَلِكَ لا يَكادُ يَتَخَلَّفُ عَنْ غَيْرِ مَن حَكَمَ بِإلْزامِهِ المَسْكَنَةَ مِنَ اليَهُودِ بِلامِ الأمْرِ، إيذانًا بِوُجُودِهِ وُجُودَ المَأْمُورِ بِهِ المُمْتَثِلِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ وأشارَ إلى التَّحَلِّي لَهم بِصِفَةِ الإحْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ العامُّ الِامْتِنانِ ﴿مَدًّا﴾ في العاجِلَةِ بِالبَسْطِ في الآثارِ، والسَّعَةِ في الدِّيارِ، والطُّولِ في الأعْمارِ، وإنْفاقِها فِيما يَسْتَلِذُّ مِنَ الأوْزارِ الكِبارِ، فَيَزِيدُهُ العَزِيزُ الجَبّارُ بِذَلِكَ ضَلالَةً، فَيا لَهُ مِن خَسارٍ، وتَبابٍ وتَبارٍ، لِمَن [لَهُ -] اسْتِبْصارٌ، ولا نَزالُ نَمُدُّ لَهُ اسْتِدْراجًا ﴿حَتّى﴾ وحَقَّقَ أخْذَهم بِأداةِ التَّحْقِيقِ فَقالَ: ﴿إذا رَأوْا﴾ أيْ كُلُّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ بِأعْيُنِهِمْ وإنِ ادَّعَوْا أنَّهم يَتَعاضَدُونَ ويَتَناصَرُونَ، [ولِذَلِكَ جَمَعَ بِاعْتِبارِ المَعْنى -] ﴿ما يُوعَدُونَ﴾ مِن قِبَلِ اللَّهِ ﴿إمّا العَذابَ﴾ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ أوْ غَيْرِهِمْ، أوْ في البَرْزَخِ ﴿وإمّا السّاعَةَ﴾ الَّتِي هم بِها مُكَذِّبُونَ، وعَنِ الاسْتِعْدادِ لَها مُعْرِضُونَ، ولا شَيْءَ يُشْبِهُ أهْوالَها، وخِزْيَها ونَكالَها.
ولَمّا كانَ الجَوابُ: عَلِمُوا أنَّ مَكانَهم شَرُّ الأماكِنِ، وأنَّ (p-٢٤٠)جُنْدَهم أضْعَفُ الجُنُودِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَهْدِيدًا: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ إذا رَأوْا ذَلِكَ ﴿مَن هو شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ المَكانِ الَّذِي قُوبِلَ [بِهِ -] المَقامُ ﴿وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ [هم أوِ المُؤْمِنُونَ -]، أيْ [أضْعَفُ -] مِن جِهَةِ الجُنْدِ الَّذِي أُشِيرَ بِهِ إلى النَّدِيِّ، لِأنَّ القَصْدَ مَن فِيهِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِالجُنْدِ لِأنَّ قَصْدَهُمُ المُغالَبَةُ وما كُلُّ مَن في النَّدِيِّ يَكُونُ مُقاتِلًا.
مريم 19:76
ولَمّا كانَ هَذا لِكَوْنِهِ اسْتِدْراجًا زِيادَةً في الضَّلالِ، قابَلَهُ بِقَوْلِهِ، عَطْفًا عَلى ما تَقَدَّمَ تَقْدِيرُهُ [تَسْبِيبًا عَنْ قَوْلِهِ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥] وهُوَ: فَيَزِيدُهُ ضَلالًا، أوْ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥] ]: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ﴾ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ إشارَةً إلى التَّجَلِّي لَهم بِجَمِيعِ الصِّفاتِ العُلى لِيَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ ﴿الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ عِوَضَ ما زَوى عَنْهم [ومَنَعَهم -] مِنَ الدُّنْيا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَهُ مِمّا بَسَطَهُ لِلضُّلّالِ لِهَوانِهِ عَلَيْهِ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ السَّعَةَ بِالمَدِّ لِلضّالِّ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الضِّيقِ بِالمَنعِ لِلْمُهْتَدِي ثانِيًا، وزِيادَةَ الهِدايَةِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ زِيادَةِ الضَّلالِ أوَّلًا -]، وأشارَ إلى أنَّهُ مِثْلُ ما خَذَلَ أُولَئِكَ بِالنَّوالِ، وفَّقَ هَؤُلاءِ لِمَحاسِنِ الأعْمالِ، بِإقْلالِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿والباقِياتُ﴾ ثُمَّ وصَفَها احْتِرازًا مِن أفْعالِ أهْلِ الضَّلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿الصّالِحاتُ﴾ أيْ مِنَ الطّاعاتِ والمَعارِفِ الَّتِي شُرِحَتْ لَها الصُّدُورُ، (p-٢٤١)فَأنارَتْ بِها القُلُوبُ، وسَلِمَتْ مِن إحْباطِ الذُّنُوبِ، فَأوْصَلَتْ إلى عَلّامِ الغُيُوبِ ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ مِمّا مَتَّعَ بِهِ الكَفَرَةَ ومُدُّوا بِهِ - عَلى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ إلى تَسْمِيَتِهِ خَيْرًا، وإضافَةُ الرَّبِّ إلَيْهِ ﷺ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يُرَبِّيها تَرْبِيَةً تَبْلُغُ أقْصى ما يُرْضِيهِ في كُلِّ تابِعِيهِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جِهَةَ خَيْرِيَّةِ هَذا بِقَوْلِهِ:﴿ثَوابًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الثَّوابِ ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ العاقِبَةِ يَوْمَ الحَسْرَةِ وهو كالَّذِي قَبْلَهُ، أوْ عَلى قَوْلِهِمُ: الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ بِمَعْنى أنَّهُ في حَرِّهِ أبْلَغُ مِنهُ في بَرْدِهِ. فالكَفَرَةُ يُرَدُّونَ إلى خَسارَةٍ وفَناءٍ، والمُؤْمِنُونَ إلى رِبْحٍ وبَقاءٍ.
مريم 19:77
ولَمّا تَضَمَّنَ [هَذا -] مِنَ التَّهْدِيدِ بِذَلِكَ اليَوْمِ ما يَقْطَعُ القُلُوبَ، فَيُوجِبُ الإقْبالَ عَلى [ما -] يُنْجِي مِنهُ، عَجِبَ مِن حالِ مَن كَفَرَ بِهِ، مُوَبِّخًا لَهُ، مُنْكِرًا عَلَيْهِ، عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ فَقالَ مُعَبِّرًا عَنْ طَلَبِ الخَيْرِ بِالرُّؤْيَةِ الَّتِي هي الطَّرِيقُ إلى الإحاطَةِ بِالأشْياءِ عِلْمًا وخِبْرَةً، وإلى صِحَّةِ الخَبَرِ عَنْها: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ أرَأيْتَ الَّذِي يُعْرِضُ عَنْ هَذا اليَوْمِ فَرَأيْتَ ﴿الَّذِي﴾ زادَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ ﴿كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الدّالّاتِ عَلى عَظَمَتِنا بِالدَّلالاتِ البَيِّناتِ ﴿وقالَ﴾ جَراءَةً مِنهُ وجَهْلًا؛ أوْ يُقالُ: (p-٢٤٢)إنَّهُ لَمّا هَوَّلَ أمْرَ ذَلِكَ اليَوْمِ. وهَتَكَ أسْتارَ مَقالاتِهِمْ، وبَيَّنَ وهْيَها، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّعْجِيبُ مِمَّنْ يَقُولُ: ﴿لأُوتَيَنَّ﴾ أيْ واللَّهِ في السّاعَةِ عَلى تَقْدِيرِ قِيامِها مِمَّنْ لَهُ الإيتاءُ هُنالِكَ ﴿مالا ووَلَدًا﴾ [أيْ عَظِيمَيْنِ -]، فَلَمْ يَكْفِهِ في جَهْلِهِ تَعْجِيزُ القادِرِ حَتّى ضَمَّ إلَيْهِ إقْدارَ العاجِزِ.
مريم 19:78
ولَمّا كانَ ما ادَّعاهُ لا عِلْمَ لَهُ بِهِ إلّا بِأحَدِ أمْرَيْنِ لا عِلْمَ لَهُ بِواحِدٍ مِنهُما، أنْكَرَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ الَّذِي هو غائِبٌ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ، فَهو في بُعْدِهِ عَنِ الخَلْقِ كالعالِي الَّذِي لا يُمَكِّنُ أحَدًا مِنهُمُ الاطِّلاعَ عَلَيْهِ، وتَفَرَّدَ بِهِ الواحِدُ القَهّارُ ﴿أمِ اتَّخَذَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾ العامِّ الرَّحْمَةِ بِالإنْعامِ عَلى الطّائِعِ والِانْتِقامِ مِنَ العاصِي ثَوابًا لِلطّائِعِ ﴿عَهْدًا﴾ عاهَدَهُ عَلَيْهِ بِأنَّهُ يُؤْتِيهِ ما ذَكَرَ بِطاعَةٍ فَعَلَها لَهُ عَلى وجْهِها لِيَقِفَ سُبْحانَهُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ.
مريم 19:79
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ: اطِّلاعِ الغَيْبِ واتِّخاذِ العَهْدِ، وكَذا ما ادَّعاهُ لِنَفْسِهِ، وما يَلْزَمُ عَنِ اتِّخاذِ العَهْدِ مِنَ القُرْبِ، مُنْتَفِيًا قالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ، ولا يَكُونُ ما ادَّعاهُ فَلْيَرْتَفِعْ عَنْهُ صاغِرًا.
(p-٢٤٣)ولَمّا كانَ النَّفْيُ هُنا عَنِ الواحِدِ مُفْهِمًا لِلنَّفْيِ عَمّا فَوْقَهُ اكْتَفى بِهِ، ولَمّا رَدَّ ذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الجَوابَ لِسُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَماذا يَكُونُ لَهُ؟ بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا السِّينَ لِلتَّوْكِيدِ في هَذا التَّهْدِيدِ: ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾ أيْ نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ حِفْظَ مَن يَكْتُبُهُ لِنُوَبِّخَهُ بِهِ ونُعَذِّبَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ فَيَظْهَرُ لَهُ بَعْدَ طُولِ الزَّمانِ أنَّ ما كانَ فِيهِ ضَلالٌ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ لا مَحالَةَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ السِّينُ عَلى بابِها مِنَ المُهْلَةِ، وكَذا الكِتابَةُ، والإعْلامُ بِذَلِكَ لِلْحَثِّ عَلى التَّوْبَةِ قَبْلَ الكِتابَةِ، وذَلِكَ مِن عُمُومِ الرَّحْمَةِ ﴿ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ بِاسْتِدْراجِهِ بِأسْبابِهِ مِن كَثْرَةِ النِّعَمِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ المُحَبَّبَةِ لَهُ في الدُّنْيا، المُعَذِّبَةِ لَهُ فِيها، بِالكَدْحِ في جَمْعِها والمُخاصَمَةِ عَلَيْها المُوجِبَةِ لَهُ التَّمادِيَ في الكُفْرِ المُوجِبِ لِعَذابِ الآخِرَةِ، وإتْيانِ بَعْضِهِ في إثْرِ بَعْضٍ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٨٥]
مريم 19:80
﴿ونَرِثُهُ﴾ بِمَوْتِهِ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِن ضَمِيرِهِ قَوْلَهُ: ﴿ما يَقُولُ﴾ أيْ مِنَ المالِ والوَلَدِ فَنَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم بَعْدَ البَعْثِ كَما فَعَلْنا بِالمَوْتِ كَحَيْلُولَةِ الوارِثِ بَيْنَ المَوْرُوثِ وبَيْنَ المَوْرُوثِ عَنْهُ ﴿ويَأْتِينا﴾ في القِيامَةِ ﴿فَرْدًا﴾ مِسْكِينًا مُنْعَزِلًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى مالٍ ولا ولَدٍ، فَلا عِزَّ لَهُ، ولا قُوَّةَ بِشَيْءٍ مِنهُما؛ رَوى (p-٢٤٤)البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ خَبّابٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ قَيْنًا بِمَكَّةَ فَعَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلِ السَّهْمِيِّ سَيْفًا، فَجِئْتُ أتَقاضاهُ فَقالَ: لا أُعْطِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، [قُلْتُ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ -] حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يُحْيِيكَ، وفي رِوايَةٍ: حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: وإنِّي لَمَبْعُوثٌ مِن بَعْدِ المَوْتِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قالَ: فَذَرْنِي حَتّى أمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَسَوْفَ أُوتى مالًا ووَلَدًا فَأقْضِيَكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي﴾ [مريم: ٧٧] - إلى قَوْلِهِ: ﴿فَرْدًا﴾
مريم 19:81
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِالبَعْثِ، وذَكَرَ أنَّ هَذا الكافِرَ يَأْتِيهِ عَلى صِفَةِ الذُّلِّ، أتْبَعَهُ حالَ المُشْرِكِينَ مَعَ مَعْبُوداتِهِمْ، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهم عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ويَقُولُ الإنْسانُ: ﴿واتَّخَذُوا﴾ أيِ الكُفّارُ، وجَمَعَ لِأنَّ نَفْيَ العِزِّ عَنِ الواحِدِ قَدْ لا يَقْتَضِي نَفْيَهُ عَمّا زادَ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقَدْ تَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ ﴿آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ﴾ أيِ الكافِرِينَ ﴿عِزًّا﴾ لِيُنْقِذُوهم مِنَ العَذابِ.
مريم 19:82
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يُعِزُّهُ مالٌ ولا ولَدٌ، وكانَ نَفْعُ الأوْثانِ دُونَ ذَلِكَ بِلا شَكٍّ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَلا﴾ بِأداةِ الرَّدْعِ، لِأنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِلْعِزِّ مِن مَعْدِنِ الذُّلِّ مِنَ العَبِيدِ الَّذِينَ مَنِ اعْتَزَّ لَهم ذَلَّ، فَإنَّهم مَجْبُولُونَ عَلى الحاجَةِ، ومَن طَلَبَ العِزَّ لِلدُّنْيا طَلَبَهُ مِنَ العَبِيدِ لا مَحالَةَ، فاضْطُرَّ قَطْعًا (p-٢٤٥)- لِبِنائِهِمْ عَلى النَّقْصِ - إلى تَرْكِ الحَقِّ واتِّباعِ الباطِلِ، فَكانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِ الذُّلَّ وإنْ طالَ المَدى، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى رُبَّما أمْهَلَ المَخْذُولَ إلى أنْ يَنْتَهِيَ في خِذْلانِهِ إلى أنْ يَسْتَحِقَّ لِباسَ الذُّلِّ؛ ثُمَّ بَيَّنَ [سُبْحانَهُ -] ذَلِكَ بِما يَكُونُ مِنهم يَوْمَ البَعْثِ فَقالَ: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ أيِ الآلِهَةُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ طالَ الزَّمانُ ﴿بِعِبادَتِهِمْ﴾ أيِ المُشْرِكِينَ، فَيَقُولُونَ لَهم ﴿ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ٢٨] ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦] ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الكُفّارِ؛ ووَحَّدَ إشارَةً إلى اتِّفاقِ الكَلِمَةِ بِحَيْثُ إنَّهم لِفَرْطِ تَضامُنِهِمْ كَشَيْءٍ واحِدٍ فَقالَ: ﴿ضِدًّا﴾ أيْ أعْداءً فَيُكْسِبُونَهُمُ الذُّلَّ، وكَذا يَفْعَلُ الكُفّارُ مَعَ شُرَكائِهِمْ ويَقُولُونَ ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فَيَقَعُ بَيْنَهُمُ العَداوَةُ كَما قالَ تَعالى ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]
مريم 19:83
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ عِنْدَهم جَوازُ رُجُوعِهِمْ عَنْهم فَضْلًا عَنْ كُفْرِهِمْ بِهِمْ، دَلَّ عَلى وُقُوعِهِ بِما يُشاهَدُ مِنهم مِنَ الأفْعالِ المُنافِيَةِ لِرَزانَةِ الحِلْمِ النّاشِئَةِ عَنْ وقارِ العِلْمِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ الَّذِينَ خَلَقْناهم مِنَ النّارِ، [إرْسالًا مُسْتَعْلِيًا -] بِالإبْعادِ والإحْراقِ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الكُفْرِ (p-٢٤٦)﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ أيْ تُحَرِّكُهم تَحْرِيكًا شَدِيدًا، وتُزْعِجُهم في المَعاصِي والدَّنايا الَّتِي لا يَشُكُّونَ في قَباحَتِها وعَظِيمِ شَناعَتِها وهم أشَدُّ النّاسِ عَيْبًا لِفاعِلِيها وذَمًّا لِمُرْتَكِبِيها إزْعاجًا عَظِيمًا بِحَيْثُ يَكُونُونَ في تَقَلُّبِهِمْ ذَلِكَ مِثْلَ الماءِ الَّذِي يَغْلِي في القِدْرِ، ومِثْلَ الشَّرَرِ المُتَطايِرِ الَّذِي هو أشَدُّ شَيْءٍ مُنافاةً لِطَبْعِ الطِّينِ ومُلاءَمَةً لِطَبْعِ النّارِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِذَلِكَ المُدَّعى، تَسَبَّبَ عَنْهُ النَّهْيُ عَمّا اتَّصَفُوا بِهِ مِن خِفَّةِ السَّفَهِ وطَيْشِ الجَهْلِ [فَقالَ -]:
مريم 19:84
﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بِشَيْءٍ مِمّا تُرِيدُ بِهِ الرّاحَةَ مِنهم.
ولَمّا كانَتْ مُراقَبَةُ [ناصِرِ -] الإنْسانِ لِعَدُوِّهِ في الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ أكْبَرَ شافٍ لِلْوَلِيِّ ومُفْرِحٍ، وأعْظَمَ غائِظٍ لِلْعَدُوِّ ومُزْعِجٍ ومُخِيفٍ ومُقْلِقٍ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ زَمَنَهم قَصِيرٌ جِدًّا بِذِكْرِ العَدِّ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهُمْ﴾ بِإمْهالِنا [لَهم -] وإدْرارِنا النِّعَمَ عَلَيْهِمْ ﴿عَدًّا﴾ لِأنْفاسِهِمْ فَما فَوْقَها لا نَغْفُلُ عَنْهم بِوَجْهٍ، فَإذا جاءَ أجَلُهُمُ [الَّذِي -] ضَرَبْناهُ لَهُمْ، مَحَوْنا آثارَهُمْ، وأخْلَيْنا مِنهم دِيارَهُمْ، لا يُمْكِنُهم أنْ يَفُوتُونا، فاصْبِرْ فَما أرَدْنا بِإمْلائِنا لَهم إلّا إشْقاءَهم وإرْداءَهم لا تَنْعِيمَهم وإعْلاءَهُمْ، فَهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى صِفَتِهِ إفْرادًا.
مريم 19:85
ولَمّا بَيَّنَ مَآلَ حالِ الكافِرِينَ في آلِهَتِهِمْ ودَلِيلَهُ، أتْبَعَهُ بِوَقْتِهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ يَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ يَوْمَ ﴿نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ (p-٢٤٧)فِي هَذا الوَصْفِ؛ ولَمّا تَقَدَّمَتْ سُورَةُ النِّعَمِ العامَّةِ [النَّحْلُ]، وأُتْبِعَتْ سُورَةَ النِّعَمِ الخاصَّةِ بِالمُؤْمِنِينَ وبَعْضِ العامَّةِ، مِثْلِ ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ثُمَّ سُورَتَيِ الخاصَّةِ بِالصّالِحِينَ [الكَهْفَ] وهَذِهِ، قالَ: ﴿إلى الرَّحْمَنِ﴾ فَيُدْخِلُهم دارَ الرِّضْوانِ، فَذَكَرَ الِاسْمَ الدّالَّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ، وكَرَّرَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ تَكْرِيرًا دَلَّ عَلى ما فَهِمْتُهُ، ورُبَّما أيَّدَ ذَلِكَ افْتِتاحُ النَّحْلِ بِنِعْمَةِ البَيانِ عَلى هَذا الإنْسانِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالخَصِيمِ، وخِتامُ هَذِهِ بِالقَوْمِ اللُّدِّ مِن حَيْثُ رَدَّ مَقْطَعَ هَذِهِ الَّتِي كانَتْ بِالنَّظَرِ إلى النِّعَمِ شَيْئًا واحِدًا عَلى مَطْلَعِها ﴿وفْدًا﴾ أيِ القادِمِينَ في إسْراعٍ ورِفْعَةٍ وعُلىً، كَما تَقْدُمُ الوُفُودُ عَلى المُلُوكِ، فَيَكُونُونَ في الضِّيافَةِ والكَرامَةِ.
مريم 19:86
ولَمّا ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى كَرامَةِ أوْلِيائِهِ، أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى إهانَةِ أعْدائِهِ فَقالَ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ﴾ أيْ بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ مِنَ المَعْصِيَةِ، كالبَهائِمِ سَوْقًا عَنِيفًا مُزْعِجًا حَثِيثًا ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾ بِسَطْوَةِ المُنْتَقِمِ الجَبّارِ ﴿وِرْدًا﴾ أيْ عِطاشًا
مريم 19:87
﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾ أيْ لا يَمْلِكُ أحَدٌ مِنَ القِسْمَيْنِ أنْ يَشْفَعَ ولا أنْ يُشْفَعَ فِيهِ ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ واجْتَهَدَ في أنْ أخَذَ ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بِما وفَّقَهُ لَهُ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ الَّتِي وعَدَهُ عَلَيْها أنْ يَشْفَعَ أوْ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ الرَّحْمَنَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المُنْتَقِمِ ثانِيًا، وجَهَنَّمَ ثانِيًا دَلِيلًا (p-٢٤٨)عَلى حَذْفِ الجَنَّةِ أوَّلًا.
مريم 19:88
ولَمّا أبْطَلَ مُطْلَقَ الشُّفَعاءِ، وكانَ الوَلَدُ أقْرَبَ شَفِيعٍ، وكانُوا قَدِ ادَّعَوْا لَهُ ولَدًا، أبْطَلَ دَعْواهم فِيهِ لِيَنْتَفِيَ كُلُّ شَفِيعٍ خاصٍّ وعامٍّ، فَيَنْتَفِيَ كُلُّ عِزٍّ رامُوهُ بِشَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ وغَيْرِها. فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١] مُوجِبًا مِنهُمْ: ﴿وقالُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ﴾ أيِ الَّذِي لا مُنْعِمَ غَيْرُهُ، فَكُلُّ أحَدٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ وهو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ ﴿ولَدًا﴾ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ، والنَّصارى: المَسِيحُ، والمُشْرِكُونَ: المَلائِكَةُ، مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ عَلى اسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛
مريم 19:89
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الِالتِفاتَ إلى خِطابِهِمْ بِأشَدِّ الإنْكارِ، إيماءً إلى تَناهِي الغَضَبِ فَقالَ: ﴿لَقَدْ﴾ أيْ وعِزَّتِي! لَقَدْ ﴿جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ أيْ عَظِيمًا ثَقِيلًا مُنْكَرًا؛
مريم 19:90
ثُمَّ بَيَّنَ ثِقَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ عَلى إحْكامِها، مَعَ بُعْدِها مِن أصْحابِ هَذا القَوْلِ ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ أيْ يَأْخُذْنَ في الِانْشِقاقِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِن هَذا الشَّيْءِ الإدِّ ﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾ عَلى تَحْتِها شَقًّا نافِذًا واسِعًا ﴿وتَخِرُّ﴾ أيْ تَسْقُطُ سَرِيعًا ﴿الجِبالُ﴾ عَلى صَلابَتِها ﴿هَدًّا﴾ كَما يَنْفَسِخُ السَّقْفُ تَحْتَ ما لا يَحْتَمِلُهُ مِنَ الجِسْمِ الثَّقِيلِ، لِأجْلِ
مريم 19:91
﴿أنْ دَعَوْا﴾ أيْ سَمَّوْا ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي كُلُّ ما سِواهُ نِعْمَةٌ مِنهُ ﴿ولَدًا﴾ هَذا المَفْعُولُ الثّانِي، وحُذِفَ الأوَّلُ لِإرادَةِ العُمُومِ
مريم 19:92
﴿وما يَنْبَغِي﴾ أيْ ما يَصِحُّ ولا يُتَصَوَّرُ ﴿لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ لِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الوَلَدِ بِوَجْهٍ، (p-٢٤٩)ومَعَ ذَلِكَ فَهو مُحالٌ، لِأنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ إلّا مُجانِسًا لِلْوالِدِ، ولا شَيْءَ مِنَ النِّعَمِ بِمُجانِسٍ لِلْمُنْعِمِ المُطْلَقِ المُوجِدِ لِكُلِّ ما سِواهُ، فَمَن دَعا لَهُ ولَدًا قَدْ جَعَلَهُ كَبَعْضِ خَلْقِهِ، وأخْرَجَهُ عَنِ اسْتِحْقاقِ هَذا الِاسْمِ،
مريم 19:93
ثُمَّ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى غِناهُ عَنْ ذَلِكَ واسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ، تَحْقِيقًا لِوَحْدانِيَّتِهِ، وبَيانًا لِرَحْمانِيَّتِهِ، فَهَدَمَ بِذَلِكَ الكُفْرَ بِمُطْلَقِ الشَّرِيكِ بَعْدَ أنْ هَدَمَ الكُفْرَ بِخُصُوصِ الوَلَدِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿كُلُّ مَن﴾ أيْ شَيْءٍ مِنَ العُقَلاءِ، فَهو نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ لِوُقُوعِها بَعْدَ كُلٍّ وُقُوعَها بَعْدَ رُبَّ ﴿فِي السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهم ولَدٌ وغَيْرُهم ﴿إلا﴾ [ولَمّا كانَ مِنَ العَبْدِ مَن يَعْصِي عَلى سَيِّدِهِ، عَبَّرَ بِالإتْيانِ فَقالَ -]: ﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾ العامِّ بِالإحْسانِ، أيْ مُنْقادٌ لَهُ [طَوْعًا أوْ كَرْهًا -] في كُلِّ حالَةٍ وكُلِّ وقْتٍ ﴿عَبْدًا﴾ مُسَخَّرًا مَقْهُورًا خائِفًا راجِيًا، فَكَيْفَ يَكُونُ العَبْدُ ابْنًا أوْ شَرِيكًا؟ فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى التَّنافِي بَيْنَ العُبُودِيَّةِ والوَلَدِيَّةِ، فَهي مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِتْقِ الوَلَدِ والوالِدِ إذا اشْتُرِيا.
مريم 19:94
ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ مَعْرِفَةُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ ﴿أحْصاهُمْ﴾ كُلَّهم إحاطَةً بِهِمْ ﴿وعَدَّهُمْ﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿عَدًّا﴾ قَبْلَ خَلْقِهِمْ مِن جَمِيعِ جِهاتِ العَبْدِ ولَوازِمِها، فَلَمْ يُوجَدْ ولَمْ يُولَدْ، ولَمْ يُعْدَمْ أوْ يُصَبْ (p-٢٥٠)أحَدٌ مِنهم إلّا في حِينِهِ الَّذِي عَدَّهُ لَهُ، وقَدْ يَكُونُ الإحْصاءُ قَبْلَ الوُجُودِ في عالَمِ الغَيْبِ والعَدُّ بَعْدَ الوُجُودِ
مريم 19:95
﴿وكُلُّهُمْ﴾ أيْ وكُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بَعْدَ بَعْثِهِ مِنَ المَوْتِ ﴿فَرْدًا﴾ عَلى صِفَةِ الذُّلِّ، مَوْرُوثًا مالُهُ ووَلَدُهُ الَّذِي كُنّا أعْطَيْناهُ في الدُّنْيا قُوَّةً لَهُ وعِزًّا، لِأنَّهُ لا مَوْجُودَ غَيْرُهُ يَقْدِرُ عَلى حِراسَةِ نَفْسِهِ مِنَ الفَناءِ، فَهو لا شَكَّ في قَبْضَتِهِ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ في بالٍ أوْ يَقَعُ في خَيالٍ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَهُ ولَدًا أوْ مَعَهُ شَرِيكًا.
مريم 19:96
ولَمّا عَمَّ بِهَذا الحُكْمِ الطّائِعَ والعاصِيَ، وكانَ ذَلِكَ مُحْزِنًا لِأهْلِ الطّاعَةِ بِاسْتِشْعارِ الذُّلِّ في الدّارَيْنِ، تَحَرَّكَتِ النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ ما أفادَتْهُمُ الطّاعَةُ، واسْتَأْنَفَ الجَوابَ لِذَلِكَ مُبَشِّرًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِادِّعائِهِمُ الإيمانَ، الأعْمالَ ﴿الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ﴾ تَحْقِيقًا عَمّا قَلِيلٍ عِنْدَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ ﴿لَهُمُ الرَّحْمَنُ﴾ الَّذِي خَصَّهم بِالرِّضا بَعْدَ أنْ عَمَّهم بِالنِّعْمَةِ، جَزاءً عَلى انْقِيادِهِمْ لَهُ، لِأنَّهُ كانَ إمّا بِاخْتِيارِهِمْ وإمّا بِرِضاهم ﴿وُدًّا﴾ أيْ حُبًّا عَظِيمًا في قُلُوبِ العِبادِ، دالًّا عَلى ما لَهم عِنْدَهم مِنَ الوُدِّ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: مِن غَيْرِ تَوَدُّدٍ مِنهم ولا تَعَرُّضٍ لِلْأسْبابِ الَّتِي تَكْسِبُ بِها النّاسُ مَوَدّاتِ القُلُوبِ مِن قَرابَةٍ أوْ صَداقَةٍ أوِ اصْطِناعِ غَيْرِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وإنَّما هو اخْتِراعٌ ابْتَدَأ اخْتِصاصًا مِنهُ لِأوْلِيائِهِ بِكَرامَةٍ خاصَّةٍ كَما (p-٢٥١)قَذَفَ في قُلُوبِ أعْدائِهِمُ الرُّعْبَ والهَيْبَةَ إعْظامًا لَهم وإجْلالًا لِمَكانِهِمُ - انْتَهى. والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لا يَجْعَلُ سُبْحانَهُ في قَلْبِ أحَدٍ مِن عِبادِهِ الصّالِحِينَ عَلَيْهِمْ إحْنَةً، لِأنَّ الوُدَّ - كَما قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ: خُلُوٌّ عَنْ إرادَةِ المَكْرُوهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ [الرُّومِ] ما يَزِيدُ ذَلِكَ وُضُوحًا؛ رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْرَئِيلَ فَقالَ: يا جِبْرَئِيلُ! إنِّي أُحِبُّ فُلانًا فَأحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرَئِيلُ ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ: إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا [فَأحِبُّوهُ]، فَيُحِبُّهُ أهْلُ السَّماءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ في الأرْضِ، وإنَّ اللَّهَ إذا أبْغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْرَئِيلَ فَقالَ: [يا جِبْرَئِيلُ -]! إنِّي أبْغَضُ فُلانًا فَأبْغِضْهُ، فَيَبْغَضُهُ جِبْرَئِيلُ ثُمَّ يُنادِي في أهْلِ السَّماءِ: إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ فُلانًا فَأبْغِضُوهُ، فَيَبْغَضُهُ أهْلُ السَّماءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ البَغْضاءُ في الأرْضِ» .
مريم 19:97
ولَمّا كانَ إنْزالُ هَذا القَوْلِ الثَّقِيلِ ثُمَّ تَيْسِيرُهُ حِفْظًا وعَمَلًا سَبَبًا لِما جُعِلَ لِأهْلِ الطّاعَةِ في الدُّنْيا مِنَ الوُدِّ بِما لَهم مِنَ التَّحَلِّي والتَّزَيُّنِ بِالصّالِحاتِ، والتَّخَلِّي والتَّصَوُّنِ مِنَ السَّيِّئاتِ، الدّالِّ عَلى ما لَهم عِنْدَ مَوْلاهم مِن عَظِيمِ العِزِّ والقُرْبِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: والَّذِينَ كَفَرُوا لَيُكْسِبَنَّهُمُ (p-٢٥٢)الجَبّارُ بُغْضًا وذُلًّا، فَأخْبَرَ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِما لَهُ بِشارَةً ونِذارَةً، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ إفْصاحِ ذَلِكَ وإفْهامِهِ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ﴾ أيْ هَذا القُرْآنَ، الَّذِي عَجَزَ عَنْ مُعارَضَتِهِ الإنْسُ والجانُّ، والكِتابَ القَيِّمَ والوَحْيَ الَّذِي لا مُبَدِّلَ لَهُ بِسَبَبِ إنْزالِنا إيّاهُ ﴿بِلِسانِكَ﴾ هَذا العَرَبِيِّ المُبِينِ، العَذْبِ الرَّصِينِ ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يُسْخِطُ اللَّهَ وِقايَةً، فَلا يُبْطِلُونَ حَقًّا ولا يُحِقُّونَ باطِلًا، ومَتى حَصَلَتْ لَهم هَفْوَةٌ بادَرُوا الرُّجُوعَ عَنْها [بِالمَتابِ -]، بِما لَهم عِنْدَنا مِنَ العِزِّ الَّذِي هو ثَمَرَةُ العِزِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما لَهم مِنهُ في الدُّنْيا، لا لِتُحْزِنَهم بِأنْ يَنْزِلَ فِيهِ ما يُوهِمُ تَسْوِيَتَهم بِأهْلِ المَعْصِيَةِ في كِلْتا الدّارَيْنِ ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ أشَدَّ في الخُصُومَةِ، يُرِيدُونَ العِزَّ بِذَلِكَ، لِما لَهم عِنْدَنا مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ النّاشِئِ عَنِ المَقْتِ المُسَبَّبِ عَنْ مَساوِئِ الأعْمالِ، وأنّا نُهْلِكُهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ لَدَدِهِمْ، والألَدُّ هو الَّذِي يَتَمادى في غَيِّهِ ولا يَرْجِعُ لِدَلِيلٍ، ويَرْكَبُ في عِنادِ الحَقِّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ، ولا يَكُونُ هَذا إلّا مِمَّنْ يَحْتَقِرُ مَن يُخاصِمُهُ ويُرِيدُ أنْ يَجْعَلَ الحَقَّ باطِلًا، تَكَبُّرًا عَنْ قَبُولِهِ، فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ ما رَواهُ مُسْلِمٌ في الإيمانِ عَنْ صَحِيحِهِ، وأبُو داوُدَ في اللِّباسِ مِن سُنَنِهِ، والتِّرْمِذِيُّ في البِرِّ مِن جامِعِهِ، وابْنُ ماجَهْ في السُّنَّةِ مِن سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (p-٢٥٣)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:
«"لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحَدٌ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن كِبْرٍ، فَقالَ رَجُلٌ: [إنَّ الرَّجُلَ -] يُحِبُّ أنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ - وفي رِوايَةٍ: وغَمْصُ النّاسِ». وكِلاهُما بِمَعْنى الِاحْتِقارِ، ومَن كانَ هَذا سَبِيلَهُ مَرَنَ عَلى ذَلِكَ ومَرَدَ عَلَيْهِ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُرْكِبَهُ اللَّهُ أبْطَلَ الباطِلِ: الكُفْرَ عِنْدَ المَوْتِ، فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ الجَنَّةُ، فَإنَّ مَن يَرْتَعُ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُواقِعَهُ ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] - الآيَةُ، فَيا ذُلَّ مَن تَكَبَّرَ عَلى الحَقِّ! ويا عِزَّ مَن تَشَرَّفَ بِالذُّلِّ لِلْحَقِّ والعِزِّ عَلى الباطِلِ! ولَعَمْرِي لَقَدْ أجْرى اللَّهُ عادَتَهُ - ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا [أنَّ -] مَن تَعَوَّدَ الجَراءَةَ بِالباطِلِ كانَ ذَلِيلًا في الحَقِّ، وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ تَعالى في وصْفِ أحْبابِهِ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]
مريم 19:98
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَما أرْشَدَ إلَيْهِ السِّياقُ مِن مَفْعُولِ ”تُنْذِرُ“: فَإنّا قادِرُونَ عَلى إهْلاكِهِمْ وجَمِيعِ ما نُرِيدُ مِنهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْمِيمَ، أثْبَتَ الظَّرْفَ (p-٢٥٤)عُرْيًا عَنِ الجارِّ، وأكَّدَ [الخَبَرَ -] بِإثْباتِ مَن بَعْدَهُ فَقالَ: ﴿قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ كانُوا أشَدَّ مِنهم شِدَّةً، وأكْثَرَ عِدَّةً، وأوْثَقَ عُدَّةً، فَلَمْ يَبْقَ إلّا سَماعُ أخْبارِهِمْ، ومُشاهَدَةُ آثارِهِمْ؛ ثُمَّ قالَ تَصْوِيرًا لِحالِهِمْ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ ما مَضى مِن مَآلِهِمْ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ بِبَصَرٍ أوْ لَمْسٍ ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ أيْ صَوْتًا خَفِيًّا فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ جَلِيًّا، فَقَدْ خُتِمَتِ السُّورَةُ بِما بُدِئَتْ بِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لِأوْلِيائِهِ، والوُدِّ لِأصْفِيائِهِ، والنِّعْمَةِ لِلَّذِينَ خَلَفُوا بَعْدَهم مِن أعْدائِهِ، بَعْدَ الرَّحْمَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ بِهَذا الكِتابِ بِشارَةً ونِذارَةً فَحَلَّتِ الرَّحْمَةُ عَلى أوْلِيائِهِ، وزَلَّتْ عَنْ أعْدائِهِ واللَّهُ المُوَفِّقُ.