Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — طه 20:1 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. طه 20:1
  2. طه 20:2
  3. طه 20:3
  4. طه 20:4
  5. طه 20:5
  6. طه 20:6
  7. طه 20:7
  8. طه 20:8
  9. طه 20:9
  10. طه 20:10
  11. طه 20:11
  12. طه 20:12
  13. طه 20:13
  14. طه 20:14
  15. طه 20:15
  16. طه 20:16
  17. طه 20:17
  18. طه 20:18
  19. طه 20:19
  20. طه 20:20
  21. طه 20:21
  22. طه 20:22
  23. طه 20:23
  24. طه 20:24
  25. طه 20:25
  26. طه 20:26
  27. طه 20:27
  28. طه 20:28
  29. طه 20:29
  30. طه 20:30
  31. طه 20:31
  32. طه 20:32
  33. طه 20:33
  34. طه 20:34
  35. طه 20:35
  36. طه 20:36
  37. طه 20:37
  38. طه 20:38
  39. طه 20:39
  40. طه 20:40
  41. طه 20:41
  42. طه 20:42
  43. طه 20:43
  44. طه 20:44
  45. طه 20:45
  46. طه 20:46
  47. طه 20:47
  48. طه 20:48
  49. طه 20:49
  50. طه 20:50
  51. طه 20:51
  52. طه 20:52
  53. طه 20:53
  54. طه 20:54
  55. طه 20:55
  56. طه 20:56
  57. طه 20:57
  58. طه 20:58
  59. طه 20:59
  60. طه 20:60
  61. طه 20:61
  62. طه 20:62
  63. طه 20:63
  64. طه 20:64
  65. طه 20:65
  66. طه 20:66
  67. طه 20:67
  68. طه 20:68
  69. طه 20:69
  70. طه 20:70
  71. طه 20:71
  72. طه 20:72
  73. طه 20:73
  74. طه 20:74
  75. طه 20:75
  76. طه 20:76
  77. طه 20:77
  78. طه 20:78
  79. طه 20:79
  80. طه 20:80
  81. طه 20:81
  82. طه 20:82
  83. طه 20:83
  84. طه 20:84
  85. طه 20:85
  86. طه 20:86
  87. طه 20:87
  88. طه 20:88
  89. طه 20:89
  90. طه 20:90
  91. طه 20:91
  92. طه 20:92
  93. طه 20:93
  94. طه 20:94
  95. طه 20:95
  96. طه 20:96
  97. طه 20:97
  98. طه 20:98
  99. طه 20:99
  100. طه 20:100
  101. طه 20:101
  102. طه 20:102
  103. طه 20:103
  104. طه 20:104
  105. طه 20:105
  106. طه 20:106
  107. طه 20:107
  108. طه 20:108
  109. طه 20:109
  110. طه 20:110
  111. طه 20:111
  112. طه 20:112
  113. طه 20:113
  114. طه 20:114
  115. طه 20:115
  116. طه 20:116
  117. طه 20:117
  118. طه 20:118
  119. طه 20:119
  120. طه 20:120
  121. طه 20:121
  122. طه 20:122
  123. طه 20:123
  124. طه 20:124
  125. طه 20:125
  126. طه 20:126
  127. طه 20:127
  128. طه 20:128
  129. طه 20:129
  130. طه 20:130
  131. طه 20:131
  132. طه 20:132
  133. طه 20:133
  134. طه 20:134
  135. طه 20:135
  136. الأنبياء 21:1
  137. الأنبياء 21:2
  138. الأنبياء 21:3
  139. الأنبياء 21:4
  140. الأنبياء 21:5
  141. الأنبياء 21:6
  142. الأنبياء 21:7
  143. الأنبياء 21:8
  144. الأنبياء 21:9
  145. الأنبياء 21:10
  146. الأنبياء 21:11
  147. الأنبياء 21:12
  148. الأنبياء 21:13
  149. الأنبياء 21:14
  150. الأنبياء 21:15
  151. الأنبياء 21:16
  152. الأنبياء 21:17
  153. الأنبياء 21:18
  154. الأنبياء 21:19
  155. الأنبياء 21:20
  156. الأنبياء 21:21
  157. الأنبياء 21:22
  158. الأنبياء 21:23
  159. الأنبياء 21:24
  160. الأنبياء 21:25
  161. الأنبياء 21:26
  162. الأنبياء 21:27
  163. الأنبياء 21:28
  164. الأنبياء 21:29
  165. الأنبياء 21:30
  166. الأنبياء 21:31
  167. الأنبياء 21:32
  168. الأنبياء 21:33
  169. الأنبياء 21:34
  170. الأنبياء 21:35
  171. الأنبياء 21:36
  172. الأنبياء 21:37
  173. الأنبياء 21:38
  174. الأنبياء 21:39
  175. الأنبياء 21:40
  176. الأنبياء 21:41
  177. الأنبياء 21:42
  178. الأنبياء 21:43
  179. الأنبياء 21:44
  180. الأنبياء 21:45
  181. الأنبياء 21:46
  182. الأنبياء 21:47
  183. الأنبياء 21:48
  184. الأنبياء 21:49
  185. الأنبياء 21:50
  186. الأنبياء 21:51
  187. الأنبياء 21:52
  188. الأنبياء 21:53
  189. الأنبياء 21:54
  190. الأنبياء 21:55
  191. الأنبياء 21:56
  192. الأنبياء 21:57
  193. الأنبياء 21:58
  194. الأنبياء 21:59
  195. الأنبياء 21:60
  196. الأنبياء 21:61
  197. الأنبياء 21:62
  198. الأنبياء 21:63
  199. الأنبياء 21:64
  200. الأنبياء 21:65
  201. الأنبياء 21:66
  202. الأنبياء 21:67
  203. الأنبياء 21:68
  204. الأنبياء 21:69
  205. الأنبياء 21:70
  206. الأنبياء 21:71
  207. الأنبياء 21:72
  208. الأنبياء 21:73
  209. الأنبياء 21:74
  210. الأنبياء 21:75
  211. الأنبياء 21:76
  212. الأنبياء 21:77
  213. الأنبياء 21:78
  214. الأنبياء 21:79
  215. الأنبياء 21:80
  216. الأنبياء 21:81
  217. الأنبياء 21:82
  218. الأنبياء 21:83
  219. الأنبياء 21:84
  220. الأنبياء 21:85
  221. الأنبياء 21:86
  222. الأنبياء 21:87
  223. الأنبياء 21:88
  224. الأنبياء 21:89
  225. الأنبياء 21:90
  226. الأنبياء 21:91
  227. الأنبياء 21:92
  228. الأنبياء 21:93
  229. الأنبياء 21:94
  230. الأنبياء 21:95
  231. الأنبياء 21:96
  232. الأنبياء 21:97
  233. الأنبياء 21:98
  234. الأنبياء 21:99
  235. الأنبياء 21:100
  236. الأنبياء 21:101
  237. الأنبياء 21:102
  238. الأنبياء 21:103
  239. الأنبياء 21:104
  240. الأنبياء 21:105
  241. الأنبياء 21:106
  242. الأنبياء 21:107
  243. الأنبياء 21:108
  244. الأنبياء 21:109
  245. الأنبياء 21:110
  246. الأنبياء 21:111
  247. الأنبياء 21:112

طه 20:1

(p-٢٥٥)[سُورَةُ طَهَ] عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأتَمُّ التَّسْلِيمِ مَقْصُودُها الإعْلامُ بِإمْهالِ المَدْعُوِّينَ [والحِلْمِ عَنْهم -] والتَّرَفُّقِ بِهِمْ إلى أنْ يَكُونُوا أكْثَرَ الأُمَمِ، زِيادَةً في شَرَفِ داعِيهِمْ ﷺ، وعَلى هَذا المَقْصِدِ الشَّرِيفِ دَلَّ اسْمُها بِطَرِيقِ الرَّمْزِ والإشارَةِ، لِتَبْيِينِ أهْلِ الفِطْنَةِ والبِصارَةِ، وذَلِكَ بِما في أوَّلِها مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ خِتامُ [سُورَةِ مَرْيَمَ] حامِلًا عَلى الخَوْفِ مِن أنْ تَهْلِكَ أُمَّتُهُ ﷺ قَبْلَ ظُهُورِ أمْرِهِ الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ واشْتِهارِ دَعْوَتِهِ، لِقِلَّةِ مَن آمَنَ بِهِ مِنهُمُ، ابْتَدَأهُ سُبْحانَهُ بِالطّاءِ إشارَةً بِمَخْرَجِها الَّذِي هو مِن رَأْسِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنِيَّتَيْنِ العُلْيَيَيْنِ إلى قُوَّةِ أمْرِهِ وانْتِشارِهِ، وعُلُوِّهِ وكَثْرَةِ أتْباعِهِ، لِأنَّ هَذا المَخْرَجَ أكْثَرُ المَخارِجِ حُرُوفًا، وأشَدُّها حَرَكَةً وأوْسَعُها انْتِشارًا، وبِما فِيها مِن صِفاتِ الجَهْرِ والإطْباقِ والِاسْتِعْلاءِ والقَلْقَلَةِ إلى انْقِلابِ ما هو فِيهِ مِنَ الإسْرارِ جَهْرًا، وما هو فِيهِ مِنَ الرِّقَّةِ فَخامَةً، لِأنَّها مِن حُرُوفِ التَّفْخِيمِ، وأنَّهُ يَسْتَعْلِي أمْرُهُ، ويَنْتَشِرُ ذِكْرُهُ، حَتّى يُطَبِّقَ جَمِيعَ الوُجُودِ ويُقَلْقِلَ سائِرَ الأُمَمِ، ولَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ. بِما تُشِيرُ إلَيْهِ الهاءُ بِمَخْرَجِها مِن أقْصى الحَلْقِ- عَلى [حَدِّ -] بُعْدِهِ (p-٢٥٦)مِن طَرَفِ اللِّسانِ مَعَ طُولٍ كَبِيرٍ وتَمادٍ كَثِيرٍ، وبِما فِيها مِن صِفاتِ الهَمْسِ والرَّخاوَةِ والِانْفِتاحِ والِاسْتِفالِ والخَفاءِ مَعَ مُخافَتَةٍ وضَعْفٍ كَبِيرٍ، وهُدُوءٍ وخَفاءٍ عَظِيمٍ، ومُقاساةِ شَدائِدَ كِبارٍ، مَعَ نَوْعِ فَخامَةٍ واشْتِهارٍ، وهو وإنْ كانَ اشْتِهارًا يَسِيرًا يَغْلِبُ هَذا الضَّعْفَ [كُلَّهُ وإنْ كانَ قَوِيًّا شَدِيدًا، وقِراءَةُ الإمالَةِ لِلْهاءِ تُشِيرُ إلى شِدَّةِ الضَّعْفِ -]، وقِراءَةُ التَّفْخِيمِ - وهي لِأكْثَرِ القُرّاءِ- مُشِيرَةٌ إلى فَخامَةِ القَدْرِ وقُوَّةِ الأمْرِ، بِما لَها مِنَ الانْفِتاحِ، وإنْ رُئِيَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ ”إنَّهُ لَيَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ“ وإنْ كانَ مَعْنى الحَرْفَيْنِ: يا رَجُلْ، فَهو إشارَةٌ إلى قُوَّتِهِ وعُلُوِّ قَدْرِهِ، وفَخامَةِ ذِكْرِهِ، وانْتِشارِ أتْباعِهِ وعُمُومِ أمْرِهِ، وإنْ كانا إشارَةً إلى وطْءِ الأرْضِ فَهو إلاحَةٌ إلى قُوَّةِ التَّمَكُّنِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ وبُعْدِ الصِّيتِ حَتّى تَصِيرَ كُلُّها مِلْكًا لَهُ ولِأتْباعِهِ، ومِلْكًا لِأُمَرائِهِ وأشْياعِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ. وذَكَرَ ابْنُ الفُراتِ في تَأْرِيخِهِ أنَّ هِجْرَةَ الحَبَشَةِ كانَتْ في السَّنَةِ الثّامِنَةِ مِنَ المَبْعَثِ فالظّاهِرُ - عَلى ما يَأْتِي في إسْلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّورَةِ أوْ أوَّلِها كانَ قُرْبَ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ، فَيَكُونُ سُبْحانَهُ قَدْ رَمَزَ لَهُ ﷺ عَلى ما هو (p-٢٥٧)ألَذُّ في مُحادَثَةِ الأحْبابِ، مِن صَرِيحِ الخِطابِ، بِعَدَدِ مُسَمّى الطّاءِ إلى أنَّ وهْنَ الكُفّارِ-[الوَهْنَ -] الشَّدِيدَ- يَقَعُ في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مِن نُزُولِها، وذَلِكَ في [غَزْوَةِ بَدْرٍ المَوْعِدِ في سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وبِعَدَدِ اسْمِها إلى أنَّ الفَتْحَ الأوَّلَ يَكُونُ في السَّنَةِ الحادِيَةَ عَشْرَةَ مِن نُزُولِها، وذَلِكَ في -] عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ عِنْدَ نُزُولِ [سُورَةِ الفَتْحِ]، ورَمَزَ لَهُ بِعَدَدِ مُسَمّى الهاءِ إلى أنَّ مَبْدَأ النُّصْرَةِ بِالهِجْرَةِ في السَّنَةِ الخامِسَةِ مِن نُزُولِها، وبِعَدَدِ اسْمِها إلى أنَّ نَصْرَهُ بِالفِعْلِ يَقَعُ في السَّنَةِ السّابِعَةِ مِن نُزُولِها، وذَلِكَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى في السَّنَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وبِعَدَدِ حَرْفَيِ اسْمِها لا بِعَدَدِ اسْمَيْهِما إلى أنَّهُ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِن نُزُولِها يَكُونُ بِفَتْحِ الأكْبَرِ بِالِاسْتِعْلاءِ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الَّتِي كانَ سَبَبًا قَرِيبًا لِلِاسْتِعْلاءِ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ، وذَلِكَ في أواخِرِها في رَمَضانَ سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ تَمامُهُ بِفَتْحِ الطّائِفِ بِإرْسالِ وفْدِهِمْ وإسْلامِهِمْ وهَدْمِ طاغِيَتِهِمْ في سَنَةِ تِسْعٍ، وهي السَّنَةُ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ، وبِعَدَدِ اسْمَيْهِما إلى أنَّ تَطْبِيقَ أكْثَرِ الأرْضِ بِالإسْلامِ يَكُونُ في السَّنَةِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ مِن نُزُولِها، وذَلِكَ بِخِلافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ. ”بِسْمِ“ الواسِعِ الحِلْمِ التّامِّ القُدْرَةِ ”اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ ”الرَّحْمَنِ“ (p-٢٥٨)الَّذِي اسْتَوى في أصْلِ نِعْمَتِهِ جَمِيعُ خَلْقِهِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى أهْلِ تَوْفِيقِهِ ولُطْفِهِ. * * ﴿طه﴾ أيْ تَخَلُّصٌ بالِغٌ مِن كُلِّ ما يَخْشى وظَهْرٌ عَظِيمٌ وطِيبٌ مُنْتَشِرٌ في كُلِّ قُطْرٍ إلى نِهايَةِ الوَطَنِ الَّذِي هو التّاسِعُ، مِمَّنْ لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ بِكُلِّ غَيْبٍ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ الأمْرُ كُلُّهُ، كَما اجْتَمَعَتْ أسْماؤُهُ كُلُّها في غَيْبٍ هو الَّذِي جَعَلَ العِزَّةَ لِلْمُهْتَدِينَ والهُدى لِلْمُتَّقِينَ. هَذِهِ السُّورَةُ والَّتِي قَبْلَها مِن أقْدَمِ السُّوَرِ المَكِّيَّةِ، قالَ ابْنُ هِشامٍ في تَهْذِيبِ السِّيرَةِ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ المَخْزُومِيِّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أُمِّ أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قالَتْ: لَمّا نَزَلْنا بِأرْضِ الحَبَشَةِ جاوَرْنا بِها خَيْرَ جارٍ النَّجاشِيَّ، أمِنّا عَلى دِينِنا وعَبَدْنا اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى لا نُؤْذى ولا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا بَيْنَهم - فَذَكَرَ إرْسالَهم إلَيْهِ بِهَدايا لِيَرُدَّهم إلَيْهِ، وأنَّ بَطارِقَتَهُ كَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، وأنَّهُ أبى حَتّى يَسْمَعَ كَلامَهُمْ، وأنَّهُ طَلَبَهم فَأُجْمِعَ أمْرُهم عَلى أنْ يَقُولُوا الحَقَّ كائِنًا فِيهِ ما كانَ، فَدَخَلُوا وقَدْ دَعا النَّجاشِيُّ أساقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصاحِفَهم حَوْلَهُ فَقالَ لَهُمْ: ما هَذا الدِّينُ الَّذِي فارَقْتُمْ بِهِ (p-٢٥٩)قَوْمَكم ولَمْ تَدْخُلُوا بِهِ في دِينِ أحَدٍ مِن هَذِهِ المِلَلِ. قالَتْ: فَكانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: أيُّها المَلِكُ! كُنّا قَوْمًا أهْلَ جاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأصْنامَ، ونَأْكُلُ المَيْتَةَ، ونَأْتِي الفَواحِشَ، ونَقْطَعُ الأرْحامَ، ونُسِيءُ الجِوارَ، ويَأْكُلُ القَوِيُّ [مِنّا -] الضَّعِيفَ، فَكُنّا عَلى ذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنا رَسُولًا مِنّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ وعَفافَهُ، فَدَعانا إلى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ ونَخْلَعَ ما كُنّا نَعْبُدُ نَحْنُ وآباؤُنا مِن دُونِهِ مِنَ الحِجارَةِ والأوْثانِ، وأمَرَنا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وأداءِ الأمانَةِ، وصِلَةِ الرَّحِمِ وحُسْنِ الجِوارِ، والكَفِّ عَنِ المَحارِمِ والدِّماءِ، ونَهانا عَنِ الفَواحِشِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ. وقَذْفِ المُحْصَنَةِ، وأمَرَنا أنْ نَعْبُدَ اللَّهَ [وحْدَهُ -] ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وأمَرَنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ- [قالَتْ -]: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإسْلامِ- فَصَدَّقْناهُ وآمَنّا بِهِ، فَعَدا عَلَيْنا قَوْمُنا فَعَذَّبُونا وفَتَنُونا عَنْ دِينِنا لِيَرُدُّونا إلى عِبادَةِ الأوْثانِ. فَلَمّا قَهَرُونا وظَلَمُونا خَرَجْنا إلى بِلادِكَ، واخْتَرْناكَ عَلى مَن سِواكَ، ورَجَوْنا أنْ لا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أيُّها المَلِكُ! فَقالَ [لَهُ -] النَّجاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمّا جاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ؟ فَقالَ لَهُ جَعْفَرُ: نَعَمْ! فَقالَ لَهُ النَّجاشِيُّ: فاقْرَأْهُ عَلَيَّ فَقَرَأ عَلَيْهِ صَدْرًا مِن كهيعص، فَبَكى واللَّهِ النَّجاشِيُّ حَتّى أخْضَلَ لِحْيَتَهُ وبَكى أساقِفَتُهُ حَتّى أخْضَلُوا مَصاحِفَهم حِينَ سَمِعُوا ما تَلا (p-٢٦٠)عَلَيْهِمْ؛ ثُمَّ قالَ النَّجاشِيُّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَأْمِينَهُ لَهم ورَدَّ هَدايا قُرَيْشٍ ورُسُلِهِمْ خائِبِينَ. وقالَ ابْنُ هِشامٍ: وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أبِي حَثْمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: واللَّهِ! إنّا لَنَتَرَحَّلُ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ وقَدْ ذَهَبَ عامِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في بَعْضِ حاجاتِنا إذْ أقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ حَتّى وقَفَ عَلَيَّ وهو عَلى شِرْكِهِ، وكُنّا نَلْقى مِنهُ البَلاءَ أذىً لَنا وشِدَّةً عَلَيْنا، فَقالَ: إنَّهُ الِانْطِلاقُ يا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! واللَّهِ لَنَخْرُجَنَّ في أرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونا وقَهَرْتُمُونا حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَنا مَخْرَجًا، فَقالَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، ورَأيْتُ لَهُ رِقَّةً لَمْ أكُنْ أراها، ثُمَّ انْصَرَفَ وقَدْ أحْزَنَهُ فِيما أرى خُرُوجُنا، فَجاءَ عامِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِحاجَتِهِ تِلْكَ فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ ! لَوْ رَأيْتَ عُمَرَ آنِفًا ورِقَّتَهُ وحُزْنَهُ عَلَيْنا! قالَ: أطَمِعْتِ في إسْلامِهِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ! قالَ: يُسْلِمُ الَّذِي رَأيْتِ حَتّى يُسْلِمَ حِمارُ الخَطّابِ - يَأْسًا مِنهُ- لِما كانَ يُرى مِن غِلْظَتِهِ وقَسْوَتِهِ عَنِ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وكانَ إسْلامُ عُمَرَ فِيما بَلَغَنِي «أنَّ أُخْتَهُ فاطِمَةَ بِنْتَ الخَطّابِ، وكانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وكانَتْ قَدْ أسْلَمَتْ وأسْلَمَ زَوْجُها سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ وهم مُسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ مِن عُمَرَ، وكانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّحّامِ - رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ - قَدْ أسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، (p-٢٦١)وكانَ أيْضًا يَسْتَخْفِي بِإسْلامِهِ فَرَقًا مِن قَوْمِهِ، وكانَ خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَخْتَلِفُ إلى فاطِمَةَ بِنْتِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها يُقْرِئُها القُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشِّحًا بِسَيْفِهِ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ورَهْطًا مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قَدْ ذَكَرُوا لَهُ أنَّهم قَدِ اجْتَمَعُوا في بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفا وهم قَرِيبٌ مِن أرْبَعِينَ ما بَيْنَ رِجالٍ ونِساءٍ، ومَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحافَةَ الصِّدِّيقُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ في رِجالٍ مِنَ المُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ مِمَّنْ كانَ أقامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ ولَمْ يَخْرُجْ فِيمَن خَرَجَ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: أيْنَ تُرِيدُ يا عُمَرُ ؟ قالَ أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذا الصّابِئَ الَّذِي فَرَّقَ أمْرَ قُرَيْشٍ وسَفَّهَ أحْلامَها وعابَ دِينَها وسَبَّ آلِهَتَها فَأقْتُلُهُ، فَقالَ لَهُ نُعَيْمٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: واللَّهِ! لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ مِن نَفْسِكَ يا عُمَرُ ! أتَرى بَنِي عَبْدِ مَنافٍ تارِكِيكَ تَمْشِي عَلى الأرْضِ وقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا! أفَلا تَرْجِعُ إلى أهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمُ أمْرَهُمْ؟ قالَ: وأيَّ أهْلِ بَيْتِي؟ قالَ: خَتْنَكَ وابْنَ عَمِّكَ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وأُخْتَكَ فاطِمَةَ بِنْتَ الخَطّابِ فَقَدْ واللَّهِ أسْلَما وتابَعا مُحَمَّدًا عَلى دِينِهِ فَعَلَيْكَ بِهِما فَرَجَعَ عُمَرُ عامِدًا إلى أُخْتِهِ وخَتْنِهِ وعِنْدَهُما خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنْهُما، مَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيها طَهَ يُقْرِئُهُما إيّاها، فَلَمّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ تَغَيَّبَ (p-٢٦٢)خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مَخْدَعٍ لَهم أوْ في بَعْضِ البَيْتِ، وأخَذَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْها تَحْتَ فَخْذِها، وقَدْ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنا مِنَ البَيْتِ قِراءَةَ خَبّابٍ عَلَيْهِما، فَلَمّا دَخَلَ قالَ: ما هَذِهِ الهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ؟ قالا لَهُ: ما سَمِعْتَ شَيْئًا؟ قالَ: بَلى! واللَّهِ لَقَدْ أُخْبِرْتُ أنَّكُما تابَعْتُما مُحَمَّدًا عَلى دِينِهِ، وبَطَشَ بِخَتْنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فاطِمَةُ بِنْتُ الخَطّابِ لِتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِها فَضَرَبَها فَشَجَّها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ قالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وخَتْنُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَعَمْ! قَدْ أسْلَمْنا وآمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكَ! فَلَمّا رَأى عُمَرُ [ما -] بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ عَلى [ما -] صَنَعَ [فارْعَوى -] وقالَ لِأُخْتِهِ: أعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكم تَقْرَؤُونَ آنِفًا أنْظُرُ ما هَذا الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ؟ وكانَ عُمَرُ كاتِبًا، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ قالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنّا نَخْشاكَ عَلَيْها، قالَ: لا تَخافِي، وحَلَفَ لَها بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّها إذا قَرَأها إلَيْها، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ طَمِعَتْ في إسْلامِهِ فَقالَتْ لَهُ: يا أخِي! إنَّكَ نَجِسٌ عَلى شِرْكِكَ، وإنَّهُ لا يَمَسُّها إلّا الطّاهِرُ، فَقامَ عُمَرُ فاغْتَسَلَ فَأعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ وفِيها طَهَ فَقَرَأها، فَلَمّا قَرَأ مِنها صَدْرًا قالَ: ما أحْسَنَ هَذا الكَلامَ وأكْرَمَهُ! فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبّابٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إلَيْهِ فَقالَ لَهُ: [يا -] عُمَرُ ! واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ ﷺ فَإنِّي سَمِعْتُهُ [أمْسِ -] وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ! أيِّدِ الإسْلامَ بِأبِي الحَكَمِ بْنِ هِشامٍ أوْ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ فاللَّهَ اللَّهَ يا عُمَرُ ! فَقالَ لَهُ عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَدُلَّنِي (p-٢٦٣)يا خَبّابُ عَلى مُحَمَّدٍ حَتّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقالَ لَهُ خَبّابٌ: هو في بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ، فَأخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ ثُمَّ عَمَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ فَضَرَبَ عَلَيْهِمُ البابَ، فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَهُ قامَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ مِن خِلالِ البابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ فَرَجَعَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو فَزِعٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ! فَقالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإنْ كانَ جاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْناهُ لَهُ، وإنْ كانَ جاءَ يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْناهُ بِسَيْفِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْذَنْ لَهُ، فَأذِنَ لَهُ الرَّجُلُ ونَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى لَقِيَهُ في الحُجْرَةِ فَأخَذَ بِحُجْزَتِهِ أوْ بِمَجْمَعِ رِدائِهِ ثُمَّ جَبَذَهُ جَبْذَةً شَدِيدَةً وقالَ: ما جاءَ بِكَ يا ابْنَ الخَطّابِ ! فَواللَّهِ ما أرى أنْ تَنْتَهِيَ حَتّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قارِعَةً، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُكَ لِأُومِنَ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ وبِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أهْلُ البَيْتِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ عُمَرَ قَدْ أسْلَمَ، فَتَفَرَّقَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ مِن مَكانِهِمْ، وقَدْ عَزُّوا في أنْفُسِهِمْ حِينَ أسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مَعَ إسْلامِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَرَفُوا أنَّهُما سَيَمْنَعانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَنْتَصِفُونَ (p-٢٦٤)بِهِما مِن عَدُوِّهِمْ،» فَهَذا حَدِيثُ الرُّواةِ مِن أهْلِ المَدِينَةِ عَنْ إسْلامِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ أسْلَمَ. وكانَ إسْلامُ عُمَرَ بَعْدَ إسْلامِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِثَلاثَةِ أيّامٍ، كَما ثَبَتَ ذَلِكَ في حاشِيَةِ شَرْحِ العَقائِدِ عَنْ فَوائِدِ تَمامِ الرّازِيِّ، وصَفْوَةِ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الجَوْزِيِّ؛ قالَ ابْنُ هِشامٍ: قالَ ابْنُ إسْحاقَ: وحَدَّثَنِي نافِعٌ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: لَمّا أسْلَمَ عُمَرُ قالَ: أيُّ قُرَيْشٍ أنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ قالَ: قِيلَ لَهُ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ، فَغَدا عَلَيْهِ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وغَدَوْتُ أتْبَعُ أثَرَهُ وأنْظُرُ ما يَفْعَلُ وأنا غُلامٌ أعْقِلُ كُلَّ ما رَأيْتُ حَتّى جاءَهُ فَقالَ لَهُ: أعَلِمْتَ يا جَمِيلُ أنِّي أسْلَمْتُ ودَخَلْتُ في دِينِ مُحَمَّدٍ؟ قالَ: فَواللَّهِ ما راجَعَهُ حَتّى قامَ يَجُرُّ رِداءَهُ. واتَّبَعَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ واتَّبَعْتُ أبِي حَتّى إذا قامَ عَلى بابِ المَسْجِدِ صَرَخَ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! وهم في أنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ- ألا! إنَّ ابْنَ الخَطّابِ قَدْ صَبَأ قالَ: يَقُولُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِن خَلْفِهِ: كَذَبَ ولَكِنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وشَهِدْتُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وثارُوا إلَيْهِ فَما بَرِحَ يُقاتِلُهم ويُقاتِلُونَهُ حَتّى قامَتِ الشَّمْسُ عَلى رُؤُوسِهِمْ [قالَ -]: وطَلَحَ فَقَعَدَ وقامُوا عَلى رَأْسِهِ وهو يَقُولُ: افْعَلُوا ما بَدا لَكُمْ، فَأحْلِفُ (p-٢٦٥)بِاللَّهِ أنْ لَوْ [كُنّا -] ثَلاثَمِائَةِ رَجُلٍ لَقَدْ تَرَكْناها أوْ تَرَكْتُمُوها لَنا، قالَ: فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ أقْبَلَ شَيْخٌ مِنقُرَيْشٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حِبَرَةٌ وقَمِيصٌ مُوَشّىً حَتّى وقَفَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ما شَأْنُكُمْ؟ قالُوا: صَبَأ عُمَرُ، قالَ: فَمَهْ! رَجُلٌ اخْتارَ لِنَفْسِهِ أمْرًا فَماذا تُرِيدُونَ؟ أتَرَوْنَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ يُسَلِّمُونَ لَكم صاحِبَهُمْ؟ هَكَذا عَنِ الرَّجُلِ! قالَ: فَواللَّهِ لَكَأنَّما كانُوا ثَوْبًا كُشِطَ عَنْهُ. وفي الرَّوْضِ الأنِفِ لِلْإمامِ أبِي القاسِمِ السُّهَيْلِيِّ أنَّ يُونُسَ رَوى عَنِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ عُمَرَ قالَ حِينَ أسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ؎الحَمْدُ لِلَّهِ ذِي المَنِّ الَّذِي وجَبَتْ لَهُ عَلَيْنا أيادٍ ما لَها غِيَرُ ؎وقَدْ بَدَأْنا فَكَذَّبْنا فَقالَ لَنا ∗∗∗ صِدْقَ الحَدِيثِ نَبِيٌّ عِنْدَهُ الخَبَرُ ؎وقَدْ ظَلَمْتُ ابْنَةَ الخَطّابِ ثُمَّ هَدى ∗∗∗ رَبِّي عَشِيَّةَ قالُوا قَدْ صَبا عُمَرُ ؎وقَدْ نَدِمْتُ عَلى ما كانَ مِن زَلَلٍ ∗∗∗ بِظُلْمِها حِينَ تُتْلى عِنْدَها السُّوَرُ ؎لَمّا دَعَتْ رَبَّها ذا العَرْشِ جاهِدَةً ∗∗∗ والدَّمْعُ مِن عَيْنِها عَجْلانُ يَبْتَدِرُ ؎أيْقَنْتُ أنَّ الَّذِي تَدْعُوهُ خالِقُها ∗∗∗ فَكادَ يَسْبِقُنِي مِن عَبْرَةٍ دُرَرُ ؎فَقُلْتُ أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ خالِقُنا ∗∗∗ وأنَّ أحْمَدَ فِينا اليَوْمَ مُشْتَهِرُ ؎نَبِيُّ صِدْقٍ أتى بِالحَقِّ مِن ثِقَةٍ ؎وافِي الأمانَةِ ما [فِي -] عُودِهِ خَوَرُ إذا تَقَرَّرَ هَذا، عُلِمَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ السُّورَةِ - كَما تَقَدَّمَ - تَشْرِيفُ (p-٢٦٦)هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ بِإعْلامِهِ بِالرِّفْقِ بِأُمَّتِهِ، والإقْبالِ بِقُلُوبِهِمْ حَتّى يَمْلَؤُوا الأرْضَ كَثْرَةً، كَما أنْزَلَ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ وهم في غايَةِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، وحَماهم مِمَّنْ يُرِيدُ قَتْلَهُمْ، ولَيَّنَ قَلْبَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ وجَعَلَهُ وزِيرًا، ثُمَّ حَماهُ بِعَدُوِّهِ، وتَأْمِينِهِ ﷺ مِن أنْ يُسْتَأْصَلُوا بِعَذابٍ، وبِأنَّهُ يَمُوتُ نَبِيُّهم قَبْلَهم لا كَما وقَعَ لِلْمُهْلَكِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ وهُودٍ عَلَيْهِما السَّلامُ ومَن بَعْدَهم - بِما دَلَّ عَلَيْهِ افْتِتاحُ هَذِهِ بِنَفْيِ الشَّقاءِ وخَتْمُ تِلْكَ بِجَعْلِ الوُدِّ وغَيْرِ ذَلِكَ، والدّاعِي إلى هَذا التَّأْمِينِ أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا خَتَمَ تِلْكَ بِإهْلاكِ القُرُونِ وإبادَةِ الأُمَمِ بَعْدَ إنْذارِ القَوْمِ اللُّدِّ، ولَمْ يَخْتِمْ سُورَةً مِنَ السُّوَرِ الماضِيَةِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، [كانَ -] رُبَّما أفْهَمَ أنَّهُ قَدِ انْقَضَتْ مُدَّتُهُمْ، وحَلَّ بَوارُهُمْ، وأتى دَمارُهُمْ، وأنَّهُ لا يُؤْمِنُ مِنهم - لِما هم فِيهِ مِنَ اللَّدَدِ - إلّا مَن قَدْ آمَنَ، فَحَصَلَ بِذَلِكَ مِنَ الغَمِّ والحُزْنِ ما لا يَعْلَمُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ، لِأنَّ الأمْرَ كانَ في ابْتِدائِهِ، ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا نَفَرٌ يَسِيرٌ جِدًّا، فَسَكَّنَ سُبْحانَهُ الرَّوْعَ بِقَوْلِهِ:

طه 20:2

﴿ما أنْـزَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ وأنْتَ أعْلَمُ الخَلْقِ ﴿القُرْآنَ﴾ أيْ أعْظَمَ الكُتُبِ، الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ، والدّافِعَ لِكُلِّ ضَيْرٍ، الَّذِي يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ ﴿لِتَشْقى﴾ أيْ بِتَعَبِ قَلْبِكَ بِكَوْنِكَ مِن أقَلِّ المُرْسَلِينَ تابِعًا بَعْدَ اسْتِئْصالِ قَوْمِكَ وشَقائِهِمْ بِإنْذارِكَ

طه 20:3

﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ أنْزَلْناهُ (p-٢٦٧)﴿تَذْكِرَةً﴾ [أيْ -] تَذْكِيرًا عَظِيمًا ﴿لِمَن يَخْشى﴾ مِمَّنْ أشَرْنا في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها إلى بِشارَتِهِ إيماءً إلى أنَّهُ سَيَكُونُ فِيهِمْ مِنَ المُتَّقِينَ مَن تُناسِبُ كَثْرَتُهُ إعْجازَ هَذا القُرْآنِ ودَوامَهُ، وما فِيهِ مِنَ الجَمْعِ المُشارِ إلَيْهِ بِالتَّعْبِيرِ بِالقُرْآنِ لِجَمِيعِ ما في الكُتُبِ السّالِفَةِ مِنَ الأحْكامِ أُصُولًا وفُرُوعًا، والمَواعِظِ والرَّقائِقِ، والمَعارِفِ والآدابِ، وأخْبارِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ومَصالِحِ الدّارَيْنِ، وزِيادَتِهِ عَلَيْها بِما شاءَ اللَّهُ، لِأنَّ كَثْرَةَ الأُمَّةِ عَلى قَدْرِ جَلالَةِ الكِتابِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ ”لَكِنْ“ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

طه 20:4

وأشارَ بِالمَصْدَرِ الجارِي عَلى غَيْرِ الفِعْلِ في قَوْلِهِ: ﴿تَنْـزِيلا﴾ إلى أنَّهُ يَتَمَهَّلُ عَلَيْهِمْ تَرَفُّقًا بِهِمْ، ولا يُنْزِلُ هَذا القُرْآنَ إلّا تَدْرِيجًا، إزالَةً لِشُبَهِهِمْ، وشَرْحًا لِصُدُورِهِمْ، وتَسْكِينًا لِنُفُوسِهِمْ، ومَدًّا لِمُدَّةِ البَرَكَةِ فِيهِمْ بِتَرَدُّدِ المَلائِكَةِ الكِرامِ إلَيْهِمْ، كَما أنَّهُ لَمْ يُهْلِكْهم بِمَعاصِيهِمُ اكْتِفاءً بِبَيِّنَةِ ما في الصُّحُفِ الأُولى، بَلْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا لِئَلّا يَقُولُوا: رَبَّنا لَوْلا - كَما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وتَمَّتْ بِهِ كَلِمَتُهُ، ولَمّا كانَ رُجُوعُهم إلى الدِّينِ عَلى ما يُشاهَدُ مِنهم مِنَ الشِّدَّةِ والأنَفَةِ والشَّماخَةِ الَّتِي سَمّاهُمُ اللَّهُ بِها قَوْمًا لُدًّا في غايَةِ البُعْدِ، شَرَعَ سُبْحانَهُ يُذَكِّرُ بِقُدْرَتِهِ إشارَةً إلى أنَّ القُلُوبَ بِيَدِهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ شاءَ كَما صَوَّرَها كَيْفَ شاءَ، وأنَّ شَأْنَهُ الرِّفْقُ والأناةُ، فَقالَ مُلْتَفِتًا مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِيَدُلَّ عَلى ما اقْتَضَتْهُ النُّونُ مِنَ العَظَمَةِ (p-٢٦٨)[مُقَدِّمًا ما اقْتَضى الحالُ تَقْدِيمَهُ مِن سَكَنِ المَدْعُوِّينَ المُعْتَنى بِتَذْكِرَتِهِمْ وهِدايَةِ مَن أُرِيدَ مِنهم -]: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾ المُنْخَفِضَةَ. ولَمّا قَدَّمَ الأرْضَ إعْلامًا بِالِاعْتِناءِ بِرُحْمِها بِالتَّرَفُّقِ بِسُكّانِها لِيَمْلَأها بِالإيمانِ مِنهم تَحْقِيقًا لِمَقْصُودِ السُّورَةِ تَشْرِيفًا [لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ -]، أتْبَعَها مَحَلَّ الإنْزالِ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي مِن بَيْتِ العِزَّةِ إلى ما كَنَزَهُ في خِزانَةِ العَرْشِ فَقالَ: ﴿والسَّماواتِ العُلا﴾ في سِتَّةِ أيّامٍ، ولَوْ شاءَ كانَتا في لَحْظَةٍ.

طه 20:5

ولَمّا كانَ القادِرُ قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا، قالَ دالًّا عَلى مُلْكِهِ مادِحًا لَهُ بِالقَطْعِ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مُفْتَتِحًا بِالوَصْفِ المُفِيضِ لِلنِّعَمِ العامَّةِ لِلطّائِعِ والعاصِي؛ [ثُمَّ ذَكَرَ خَبَرًا ثانِيًا دالًّا عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ فَقالَ -]: ﴿عَلى العَرْشِ﴾ الحاوِي لِذَلِكَ كُلِّهِ ﴿اسْتَوى﴾ أيْ أخَذَ في تَدْبِيرِ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا، فَخاطَبَ العِبادَ بِما يَفْهَمُونَهُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ اسْتَوى، أيْ جَلَسَ مُعْتَدِلًا عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، فانْفَرَدَ بِتَدْبِيرِهِ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ سَرِيرٌ ولا كَوْنٌ عَلَيْهِ أصْلًا، هَذا رُوحُ هَذِهِ العِبارَةِ، كَما أنَّ رُوحَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «القُلُوبُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِن أصابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُها كَيْفَ شاءَ» أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَظِيمُ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، وهو عَلَيْهِ يَسِيرٌ خَفِيفٌ كَخِفَّتِهِ عَلى مَن هَذا (p-٢٦٩)حالُهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّ هُناكَ إصْبَعًا أصْلًا - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ، ومِنهُ أخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ يَدَ فُلانٍ مَبْسُوطَةٌ كِنايَةٌ عَنْ جَوادٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ يَدٌ ولا بَسْطٌ أصْلًا.

طه 20:6

ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ لا يَكُونُ مالِكًا، قالَ [مُقَدِّمًا الأشْرَفَ عَلى العادَةِ -]: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيْ كُلُّهُ مِن عاقِلٍ وغَيْرِهِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ جَمِيعُهُ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ أيِ السَّماواتِ والأرْضِ ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ وهو التُّرابُ النَّدِيُّ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُ آخِرُ العالَمِ فَما تَحْتَهُ العَدَمُ المَحْضُ أمْ لا؟ فَيَكُونُ تَحْتَهُ النُّورُ أوِ الحُوتُ أوْ غَيْرُهُما.

طه 20:7

ولَمّا كانَ المَلِكُ لا يَنْتَظِمُ غايَةَ الِانْتِظامِ إلّا بِإحاطَةِ العِلْمِ، وكانَ المَلِكُ مِنَ الآدَمِيِّينَ قَدْ لا يَعْلَمُ أحْوالَ أقْصى مُلْكِهِ كَما يَعْلَمُ أحْوالَ أدْناهُ لا سِيَّما إذا كانَ واسِعًا ولِذَلِكَ يَخْتَلُّ بَعْضُ أمْرِهِ، أعْلَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ، فَقالَ حَثًّا عَلى مُراقَبَتِهِ والإخْلاصِ لَهُ: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ أيْ بِهَذا القُرْآنِ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ أوْ بِغَيْرِهِ، فَإنَّهُ عالِمٌ بِهِ وغَيْرُ مُحْتاجٍ إلى الجَهْرِ، فَلا يُتَكَلَّفْ ذَلِكَ في غَيْرِ ما أُمِرْتَ بِالجَهْرِ بِهِ لِغَرَضٍ غَيْرِ الإسْماعِ ﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ وهو ما يُناجِي بِهِ الِاثْنانِ مُخافَتَةً ﴿وأخْفى﴾ مِن ذَلِكَ، وهو ما في الضَّمائِرِ مِمّا تَخَيَّلَتْهُ الأفْكارُ ولَمْ يَبْرُزْ إلى الخارِجِ (p-٢٧٠)وغَيْرُهُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ تَعالى بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومِنهُ ما سَيَكُونُ مِنَ الضَّمائِرِ.

طه 20:8

[ - ولَمّا كانَ مَن هو بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن تَمامِ العِلْمِ والقُدْرَةِ ] رُبَّما ظُنَّ أنَّ لَهُ مُنازِعًا، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعْلِمًا أنَّ هَذا الظَّنَّ باطِلٌ قَطْعًا لا شُبْهَةَ لَهُ وأنَّ ما مَضى يُنْتِجُ قَطْعًا: ﴿اللَّهُ﴾ مُفْتَتِحًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الحاوِي لِصِفاتِ الكِبْرِ وغَيْرِها ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأسْماءُ الحُسْنى﴾ أيْ صِفاتُ الكَمالِ الَّتِي لا يَصِحُّ ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَشُوبَها نَقْصٌ ما، بَلْ هو مُتَّصِفٌ بِها دائِمًا اتِّصافًا حَقِيقِيًّا لا يُمْكِنُ انْفِكاكُهُ، كَما يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِنَ الاتِّصافِ بِبَعْضِ المَحاسِنِ في بَعْضِ الأحايِينِ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْهُ في وقْتٍ آخَرَ أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانٍ آخَرَ.

طه 20:9

ولَمّا أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُصَدَّرَةً بِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِواوِ عَطْفٍ، وأرْشَدَ ذَلِكَ إلى أنَّ المَعْنى: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، أيْ مُتَّصِفًا بِأوْصافِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِنها لَهُ بِذَلِكَ الوَصْفِ مِثْلُ فِعْلِهِ، ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا، ثَبَتَ أنْ لا مُتَّصِفَ بِشَيْءٍ مِن أوْصافِهِ، فَعَطَفَ عَلى هَذا المُقَدَّرِ قِصَّةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: هَلْ عَلِمْتَ بِما ذَكَّرْناكَ بِهِ في هَذِهِ الآياتِ أنّا نُرِيدُ ما هو عَلَيْنا يَسِيرٌ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعِلْمِ الشّامِلِ مِن إسْعادِكَ في الدّارَيْنِ بِتَكْثِيرِ أجْرِكَ، وتَفْخِيمِ أمْرِكَ، بِتَكْثِيرِ (p-٢٧١)أتْباعِكَ، وعَطَفَ عَلَيْهِ القِصَّةَ شاهِدًا مَحْسُوسًا عَلى ما لَهُ مِنَ الاتِّصافِ بِما انْتَفى عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى، ولاسِيَّما ما ذَكَرَ هُنا مِنَ الاتِّصافِ بِتَمامِ القُدْرَةِ والتَّفَرُّدِ بِالعَظَمَةِ، وأنَّهُ يُعْلِي هَذا المُصْطَفى بِإنْزالِ هَذا الذِّكْرِ عَلَيْهِ وإيصالِهِ مِنهُ إلَيْهِ النُّصْرَةَ عَلى المُلُوكِ وسائِرِ الأضْدادِ، والتَّمْكِينِ في أقْطارِ البِلادِ، وكَثْرَةِ الأتْباعِ، وإعْزازِ الأنْصارِ والوُزَراءِ والأشْياعِ، وغَيْرِ ذَلِكَ بِمِقْدارِ ما بَيْنَ ابْتِداءِ أمْرِهِما مِنَ التَّفاوُتِ، فَإنَّ ابْتِداءَ أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ أتى النّارَ لِيَقْبِسَ أهْلُهُ مِنها نارًا أوْ يَجِدَ عِنْدَها هُدىً. فَمَنَحَ بِذَلِكَ مِن هُدى الدّارَيْنِ والنُّصْرَةِ عَلى الأعْداءِ كَما سَيَقُصُّ هُنا ما مَنَحَ، وهَذا النَّبِيُّ الكَرِيمُ كانَ ابْتِداءُ أمْرِهِ أنَّهُ يَذْهَبُ إلى غارِ حِراءٍ فَيَتَعَبَّدُ اللَّيالِيَ ذَواتَ العَدَدِ، ويَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ اجْتِذابًا مِنَ الحَقِّ لَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِمَدَدٍ، تَدْرِيبًا لَهُ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ، فَأتَتْهُ النُّبُوَّةُ وهو في مِضْمارِها سائِرٌ، وإلى أوْجِها بِعَزْمِهِ صائِرٌ بَلْ طائِرٌ، ومُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى حِينَ أتَتْهُ النُّبُوَّةُ آيَةَ العَصا واليَدِ، ومُحَمَّدٌ ﷺ كانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ لا يَمُرُّ بِحَجَرٍ ولا شَجَرٍ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، كَما أسْنَدَهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ. ورَوى مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ (p-٢٧٢)ﷺ قالَ: «إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ» فَقالَ تَعالى مُقَرِّرًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَذْكُرُ لَهُ مِنهُ ما يَكْفِي في تَسْلِيَتِهِ وتَقْوِيَةِ قَلْبِهِ، وتَبْكِيتِ اليَهُودِ الَّذِينَ تَوَقَّفُوا في أمْرِهِ ﷺ وغَشُّوا قُرَيْشًا حِينَ تَكَلَّفُوا طَيَّ شُقَّةِ البَيْنِ إلَيْهِمْ ورَضُوا بِقَوْلِهِمْ لَهم [و-] عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ فائِدَةُ الِاسْتِفْهامِ أنْ يُفْرِغَ أُذُنَهُ الشَّرِيفَةَ لِلسَّماعِ وقَلْبَهُ لِلْوَعْيِ العَظِيمِ: ﴿وهَلْ أتاكَ﴾ أيْ يا أشْرَفَ الخَلْقِ! ﴿حَدِيثُ مُوسى﴾ نادِبًا إلى التَّأسِّي بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَحَمُّلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ وتَكْلِيفِ الرِّسالَةِ والصَّبْرِ عَلى مَقاماتِ الشَّدائِدِ، وشارِحًا بِذِكْرِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن سِياقِ قِصَّةِ ما أجْمَلَ مِنها في [سُورَةِ مَرْيَمَ]، ومُقَرِّرًا بِما نَظَمَهُ في أسالِيبِها ما تَقَدَّمَ أنَّهُ مَقْصِدُ السُّورَةِ مِن أنَّهُ يُسْعِدُهُ ولا يُشْقِيهِ، ويُعِزُّهُ عَلى جَمِيعِ شانِئِيهِ بِإعْزازِهِ عَلى أهْلِ بَلَدِهِ بَعْدَ إخْراجِهِمْ لَهُ، كَما أعَزَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَن خَرَجَ مِن بِلادِهِمْ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، تَرْغِيبًا في الهِجْرَةِ ثالِثًا بَعْدَ ما رَغَّبَ فِيها أوَّلًا بِقِصَّةِ أصْحابِ [الكَهْفِ] [و -] ثانِيًا بِقِصَّةِ [أبِيهِ -] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّهُ يُعْلِي قَوْمَهُ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ويُنْقِذُهم بِهِ بَعْدَ ضَعْفِهِمْ مِن كُلِّ شِدَّةٍ ويُغْنِي فَقْرَهم ويَجْعَلُهم مُلُوكَ الأرْضِ، يُذِلُّ بِهِمُ الجَبابِرَةَ، ويُهْلِكُ مَن عَلِمَ شَقاوَتَهُ مِنهم كَما فَعَلَ [بِقَوْمِ -] مُوسى، وأشارَ بِإنْجاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى (p-٢٧٣)يَدِ عَدُوِّهِ وإلْقائِهِ المَحَبَّةَ عَلَيْهِ وهِدايَةِ السَّحَرَةِ دُونَ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ والنِّعَمِ والنِّقَمِ، ثُمَّ رُجُوعِهِمْ عَنْها إلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ لِمَن كانَ يَبْخَعُ نَفْسَهُ لِكُفْرِهِمْ بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا، وكَذا ما في قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ [طه: ١٢٢] ولَعَلَّهُ أشارَ بِقَوْلِهِ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ [طه: ٢٧] إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ مِن تَيْسِيرِ هَذا الذِّكْرِ بِلِسانِهِ، وأرْشَدَ بِدُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِشَرْحِ الصَّدْرِ وتَيْسِيرِ الأمْرِ وطَلَبِ وزِيرٍ مِن أهْلِهِ إلى الدُّعاءِ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتّى دَعا المُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنُ بِأنْ يُؤَيِّدَ اللَّهُ الدِّينَ بِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ، فَأيَّدَهُ بِأعْظَمِ وزِيرٍ: عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما مَضى هَذا إلى تَمامِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ سِياقُ قِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا، إتْمامًا لِتَبْكِيتِ اليَهُودِ عَلى تَعْلِيمِهِمْ قُرَيْشًا أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وما ذَكَرَ مَعَها مِن دَقائِقَ، مِن أمْرِ قِصَّةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ، لا يَعْلَمُها أحَدٌ مِنهم أوْ إلّا حُذّاقُهُمْ، مِنها أنَّ المَوْعِدَ كانَ يَوْمَ الزِّينَةِ، ومِنها إيمانُ السَّحَرَةِ إيمانًا كامِلًا، ومِنها التَّهْدِيدُ بِتَصْلِيبِهِمْ في جُذُوعِ النَّخْلِ، ومِنها إلْقاءُ السّامِرِيِّ لِأثَرِ الرَّسُولِ، فَإنِّي لَمْ أرَ أحَدًا مِنَ اليَهُودِ يَعْرِفُ ذَلِكَ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ فُضَلائِهِمْ أنَّهُ لا ذِكْرَ لِذَلِكَ عِنْدَهم. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما مَنَحَهُ وأعْطاهُ، وقِصَصَ الأنْبِياءِ بَعْدَهُ بِما خَصَّهم بِهِ، (p-٢٧٤)وأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ [مريم: ٥٨] وكانَ ظاهِرُ الكَلامِ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ بِهَذِهِ المَناصِبِ العَلِيَّةِ، والدَّرَجاتِ المَنفِيَّةِ الجَلِيلَةِ لا سِيَّما وقَدْ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩] كانَ هَذا مَظِنَّةَ إشْفاقٍ وخَوْفٍ فَأتْبَعَهُ تَعالى بِمُلاطَفَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُلاطَفَةَ المَحْبُوبِ المُقَرَّبِ [المُجْتَبى -] فَقالَ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] وأيْضًا فَقَدْ خُتِمَتْ سُورَةُ مَرْيَمَ بِقَوْلِهِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وقَدْ رَأى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَأخُّرِ قُرَيْشٍ عَنِ الإسْلامِ ولَدَدِها ما أوْجَبَ إشْفاقَهُ وخَوْفَهُ عَلَيْهِمْ. ولا شَكَّ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُحْزِنُهُ تَأْخِيرُ إيمانِهِمْ، ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ ”ولًّا تُحْزِنُ عَلَيْهِمْ“ فَكَأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ظَنَّ أنَّهُ يُسْتَصْعَبُ المَقْصُودُ مِنَ اسْتِجابَتِهِمْ، أوْ يَنْقَطِعُ الرَّجاءُ مِن إنابَتِهِمْ فَيَطُولُ العَناءُ والمَشَقَّةُ، فَبَشَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] فَلا عَلَيْكَ مِن لَدَدِ هَؤُلاءِ وتَوَقُّفِهِمْ، فَيَسْتَجِيبُ مَنِ انْطَوى عَلى الخَشْيَةِ إذا ذُكِّرَ وحُرِّكَ إلى النَّظَرِ في آياتِ اللَّهِ كَما قِيلَ [لَهُ -] في مَوْضِعٍ آخَرَ ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ تَعْرِيفًا وتَأْنِيسًا بِقَوْلِهِ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] إلى أوَّلِ قِصَصِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الكُلَّ خَلْقُهُ ومِلْكُهُ، وتَحْتَ قَهْرِهِ وقَبْضَتِهِ لا يَشِذُّ شَيْءٌ عَنْ مِلْكِهِ. (p-٢٧٥)فَإذا شاهَدَ آيَةَ مَن وفَّقَهُ لَمْ يَصْعُبْ أمْرُهُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وما كانَ مِنهُ في إلْقائِهِ صَغِيرًا في اليَمِّ، وما جَرى بَعْدَ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ وهَلاكِ فِرْعَوْنَ وظُهُورِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكُلُّ هَذا مِمّا يُؤَكِّدُ القَصْدَ المُتَقَدِّمَ، وهَذا الوَجْهُ الثّانِي أوْلى مِنَ الأوَّلِ - واللَّهُ أعْلَمُ، انْتَهى.

طه 20:10

﴿إذْ﴾ أيْ حَدِيثُهُ حِينَ ﴿رَأى نارًا﴾ وهو راجِعٌ مِن بِلادِ مَدْيَنَ ﴿فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ مَكانَكم واتْرُكُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ السَّيْرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ﴾ أيْ أبْصَرْتُ في هَذا الظَّلامِ إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ مِن إنْسانِ العَيْنِ الَّذِي تَبِينُ بِهِ الأشْياءُ، وهو مَعَ ذَلِكَ مِمّا يُسَرُّ مِنَ الإنْسِ الَّذِينَ هم ظاهِرُونَ ما تَرَكَ بِهِمْ ﴿نارًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ، فَكانَ ماذا؟ فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّرَجِّي لِتَخْصِيصِهِ الخَبَرَ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ في النَّمْلِ بِالهُدى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ أيْ أتَرَجّى أنْ أجِيئَكم ﴿مِنها بِقَبَسٍ﴾ أيْ بِشُعْلَةٍ مِنَ النّارِ في رَأْسِ حَطَبَةٍ فِيها جَمْرَةٌ تُعِينُ عَلى بَرْدِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ ﴿أوْ أجِدُ عَلى﴾ مَكانِ ﴿النّارِ هُدًى﴾ أيْ ما أهْتَدِي بِهِ لِأنَّ الطَّرِيقَ كانَتْ قَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ

طه 20:11

﴿فَلَمّا أتاها﴾ . ولَمّا كانَ في الإبْهامِ ثُمَّ التَّعْيِينِ تَشْوِيقٌ ثُمَّ تَعْظِيمٌ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿نُودِيَ﴾ مِنَ الهادِي الَّذِي لا هادِيَ غَيْرُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ النِّداءَ بِقَوْلِهِ: (p-٢٧٦)﴿يا مُوسى﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْرِيفِ بِالأيادِي تَلَطُّفًا، قالَ مُؤَكِّدًا، تَنْبِيهًا [لَهُ -] عَلى تَعَرُّفِ أنَّهُ كَلامُهُ سُبْحانَهُ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَسْمَعُهُ مِن غَيْرِ جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ [و-] عَلى غَيْرِ الهَيْئَةِ الَّتِي عَهِدَها في مُكالَمَةِ المَخْلُوقِينَ، مُسْقِطًا الجارَّ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وأبِي حَفْصٍ بِالفَتْحِ، وحاكِيًا [بِقَوْلٍ -] مُقَدَّرٍ عِنْدَ الباقِينَ:

طه 20:12

﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ وغَيْرِهِما مِن مَصالِحِ الدّارَيْنِ ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ كَما يُفْعَلُ بِحَضَراتِ المُلُوكِ أدَبًا، ولِتَنالَكَ بَرَكَتُها ولِتَكُونَ مُهَيَّأً لِلْإقامَةِ غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى ما وراءَكَ مِنَ الأهْلِ والوَلَدِ، ولِهَذا قالَ أهْلُ العِبارَةِ: النَّعْلُ يَدُلُّ عَلى الوَلَدِ. ثُمَّ عَلَّلَ بِما يُرْشِدُ إلى أنَّهُ تَعالى لا يَحْوِيهِ مَكانٌ ولا يَجْرِي عَلَيْهِ زَمانٌ فَقالَ: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ أيِ المُطَهَّرِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِأفْنِيَةِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى: فَإنِّي اخْتَرْتُهُ تَشْرِيفًا لَهُ مِن بَيْنِ البِقاعِ لِمُناجاتِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ:

طه 20:13

﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيْ لِلنُّبُوَّةِ ﴿فاسْتَمِعْ﴾ أيْ أنْصِتْ مُلْقِيًا سَمْعَكَ مُعْمِلًا قَلْبَكَ لِلسَّماعِ ﴿لِما﴾ أيِ اخْتَرْتُكَ لِلَّذِي، وقَدَّمَ ”اسْتَمِعْ“ اهْتِمامًا بِهِ ﴿يُوحى﴾ أيْ يُقالُ لَكَ مِنِّي سِرًّا مَسْتُورًا عَنْ غَيْرِكَ [سَماعُهُ -] وإنْ كانَ في غايَةِ الجَهْرِ، كَما يَفْعَلُ الحَبِيبُ مَعَ حَبِيبِهِ مِن صِيانَةِ حَدِيثِهِما عَنْ ثالِثٍ (p-٢٧٧)بِما يَجْعَلُ لَهُ مِنَ الخَلْوَةِ إعْلامًا بِعُلُوِّ قَدْرِهِ وفَخامَةِ أمْرِهِ؛

طه 20:14

ثُمَّ فَسَّرَ المُوحى بِأوَّلِ الواجِباتِ وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى؛ فَقالَ [مُؤَكِّدًا لِعِظَمِ الخَبَرِ وخُرُوجِهِ عَنِ العاداتِ -]: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ فَذَكَرَ الِاسْمَ العَلَمَ لِأنَّ هَذا مَقامُهُ إذِ الأنْسَبُ لِلْمَلْطُوفِ بِهِ - بَعْدَ التَّعَرُّفِ إلَيْهِ بِالإكْرامِ - الإقامَةُ في مَقامِ الجَلالِ والجَمالِ. ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ العَلَمُ جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى الَّتِي عَلَتْ عَنْ أنْ يَتَّصِفَ بِها أوْ بِشَيْءٍ مِنها حَقَّ الِاتِّصافِ غَيْرُهُ تَعالى، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا أنا﴾ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وُجُوبُ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، قالَ: ﴿فاعْبُدْنِي﴾ أيْ وحْدِي: ثُمَّ خَصَّ مِن بَيْنِ العِباداتِ مَعْدِنَ الأُنْسِ والخَلْوَةِ، وآيَةَ الخُضُوعِ والمُراقَبَةِ ورُوحَ الدِّينِ فَقالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي أضاعَها خُلُوفُ السُّوءِ، إشارَةً إلى أنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الدِّينِ، لِأنَّها أعْلى شَرائِعِهِ لِأنَّها حامِلَةٌ عَلى المُراقَبَةِ، بِما فِيها مِن دَوامِ الذِّكْرِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ، وذَلِكَ مَعْنى ﴿لِذِكْرِي﴾ وذَلِكَ أنْسَبُ الأشْياءِ لِمَقامِ الجَلالِ، بَلْ هي الجامِعَةُ لِمَظْهَرَيِ الجَمالِ والجَلالِ؛

طه 20:15

ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالعِبادَةِ بِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقِ الخَلْقَ سُدىً، بَلْ لا بُدَّ مِن إماتَتِهِمْ، ثُمَّ بَعْثِهِمْ لِإظْهارِ العَظَمَةِ ونَصْبِ مَوازِينِ العَدْلِ، فَقالَ [مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى سُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ جِدًّا -]: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ لا رَيْبَ في إتْيانِها، فَهي أعْظَمُ باعِثٍ عَلى الطّاعَةِ. (p-٢٧٨)ولَمّا كانَ بَيانُ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ مَعَ إخْفاءِ شَخْصِهِ ووَقْتِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ مُوجِبًا في الغالِبِ لِنِسْيانِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، فَكانَ غَيْرَ بَعِيدٍ مِن إخْفائِهِ أصْلًا ورَأْسًا، قالَ مُشِيرًا إلى هَذا المَعْنى: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ [أيْ أقْرُبُ مِن أنْ أُجَدِّدَ إخْفاءَها، فَلِذا يُكَذِّبُ بِها الكافِرُ بِلِسانِهِ والعاصِي بِعِصْيانِهِ فالكافِرُ لا يُصَدِّقُ بِكَوْنِها والمُؤْمِنُ لا يَسْتَعِدُّ غَفْلَةً عَنْها -]، فَراقِبْنِي فَإنَّ الأمْرَ يَكُونُ بَغْتَةً، ما مِن لَحْظَةٍ إلّا وهي صالِحَةٌ لِلتَّرَقُّبِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ سَبَبَ الإتْيانِ بِها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى﴾ أيْ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأنْفَذِهِ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ كائِنَةً مَن كانَتْ ﴿بِما تَسْعى﴾ أيْ تُوجِدُ مِنَ السَّعْيِ في كُلِّ وقْتٍ كَما يَفْعَلُ مَن أمَرَ ناسًا بِعَمَلٍ مِنَ النَّظَرِ في أعْمالِهِمْ ومُجازاةِ كُلٍّ بِما يَسْتَحِقُّ.

طه 20:16

ولَمّا كانَتْ - لِما تَقَدَّمَ - في حُكْمِ المَنسِيِّ عِنْدَ أغْلَبِ النّاسِ قالَ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها﴾ أيْ إدامَةِ ذِكْرِها لِيُثْمِرَ التَّشْمِيرَ في الِاسْتِعْدادِ لَها ﴿مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾ بِإعْراضِهِ عَنْها وحَمْلِهِ غَيْرَهُ عَلى ذَلِكَ بِتَزْيِينِهِ بِما أُوتِيَ مِنَ المَتاعِ المُوجِبِ لِلْمُكاثَرَةِ المُثْمِرَةِ لِامْتِلاءِ القَلْبِ بِالمُباهاةِ والمُفاخَرَةِ، فَإنَّ مَنِ انْصَدَّ عَنْ ذَلِكَ غَيْرُ بَعِيدِ الحالِ مِمَّنْ كَذَّبَ بِها، (p-٢٧٩)والمَقْصُودُ مِنَ العِبارَةِ نَهْيُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ التَّكْذِيبِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِنَهْيِ مَن لا يُؤْمِنُ عَنِ الصَّدِّ إجْلالًا لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِأنَّ [صَدَّ -] الكافِرِ عَنِ التَّصْدِيقِ سَبَبٌ لِلتَّكْذِيبِ فَذَكَرَ السَّبَبَ لِيَدُلَّ عَلى المُسَبَّبِ، ولِأنَّ صَدَّ الكافِرِ مُسَبَّبٌ عَنْ رَخاوَةِ الرَّجُلِ في الدِّينِ ولِينِ شَكِيمَتِهِ فَذَكَرَ المُسَبَّبَ لِيَدُلَّ عَلى السَّبَبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كُنْ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ صَلِيبَ المُعْجَمِ، لِئَلّا يَطْمَعَ أحَدٌ في صَدِّكَ وإنْ كانَ الصّادُّ هُمُ الجَمَّ الغَفِيرَ، فَإنَّ كَثْرَتَهم تَصِلُ إلى الهَوى لا إلى البُرْهانِ، وفي هَذا حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى العَمَلِ بِالدَّلِيلِ، وزَجْرٌ بَلِيغٌ عَنِ التَّقْلِيدِ، وإنْذارٌ بِأنَّ الهَلاكَ والرَّدى مَعَ التَّقْلِيدِ وأهْلِهِ نَبَّهَ عَلَيْهِ الكَشّافُ. ثُمَّ بَيَّنَ العِلَّةَ في التَّكْذِيبِ بِها والكَسَلِ عَنِ التَّشْمِيرِ لَها بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿هَواهُ﴾ فَكانَ حالُهُ حالَ البَهائِمِ الَّتِي لا عَقْلَ لَها، تَنْفِيرًا عَنْ مِثْلِ حالِهِ؛ ثُمَّ أعْظَمَ التَّحْذِيرَ بِقَوْلِهِ [مُسَبِّبًا -]: ﴿فَتَرْدى﴾ أيْ فَتَهْلِكُ، إشارَةً إلى أنَّ مَن تَرَكَ المُراقَبَةَ لَحْظَةً حادَ عَنِ الدَّلِيلِ، ومَن حادَ عَنِ الدَّلِيلِ هَلَكَ.

طه 20:17

ولَمّا كانَ المَقامُ مُرْشِدًا إلى أنْ يُقالَ: ما جَوابُكَ يا مُوسى عَمّا سَمِعْتَ؟ وكانَ تَعالى عالِمًا بِأنَّهُ يُبادِرُ إلى الجَوابِ بِالطّاعَةِ في كُلِّ ما تَقَدَّمَ، طَوى هَذا المَقالَ مُؤْمِيًا إلَيْهِ بِأنْ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما تِلْكَ﴾ أيِ العالِيَةُ المِقْدارِ (p-٢٨٠)﴿بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ مُرِيدًا - بَعْدَ تَأْنِيسِهِ بِسُؤالِهِ عَمّا هو أعْلَمُ بِهِ مِنهُ - إقامَةَ البَيِّنَةِ لَدَيْهِ بِما يَكُونُ دَلِيلًا عَلى السّاعَةِ مِن سُرْعَةِ القُدْرَةِ عَلى إيجادِ ما لَمْ يَكُنْ، بِقَلْبِ العَصا حَيَّةً بَعْدَ تَحَقُّقِ أنَّها عَصاةٌ بِقُرْبِ النَّظَرِ إلَيْها عِنْدَ السُّؤالِ عَنْها لِيَزْدادَ بِذَلِكَ ثَباتًا ويُثَبِّتَ مَن يُرْسَلُ إلَيْهِمْ

طه 20:18

﴿قالَ هِيَ﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿عَصايَ﴾ ثُمَّ وصَلَ بِهِ مُسْتَأْنِسًا بِلَذِيذِ المُخاطَبَةِ قَوْلَهُ بَيانًا لِمَنافِعِها خَوْفًا مِنَ الأمْرِ بِإلْقائِها كالنَّعْلِ: ﴿أتَوَكَّأُ﴾ أيْ أعْتَمِدُ وأرْتَفِقُ وأتَمَكَّنُ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ إذا أُعْيِيتُ أوْ عَرَضَ لِي ما يُحْوِجُنِي إلى ذَلِكَ مِن زَلَقٍ أوْ هُبُوطٍ أوْ صُعُودٍ أوْ طَفْرَةٍ أوْ ظَلامٍ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ ثَنّى بَعْدَ مَصْلَحَةِ نَفْسِهِ بِأمْرِ رَعِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿وأهُشُّ﴾ أيْ أخْبِطُ الوَرَقَ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القاسِمِ عَنِ الإمامِ مالِكٍ: والهَشُّ أنْ يَضَعَ المِحْجَنَ في الغُصْنِ ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يُسْقِطَ ورَقَهُ وثَمَرَهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ ولا يَخْبِطَ [فَهَذا الهَشُّ -]، قالَ: وكَذا قالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ، وقالَ أبُو حَيّانَ: والأصْلُ في هَذِهِ المادَّةِ الرَّخاوَةُ. يُقالُ: رَجُلٌ هَشٌّ. ﴿بِها عَلى غَنَمِي﴾ ولَمّا كانَ أكْمَلَ [أهْلِ -] ذَلِكَ الزَّمانِ، خافَ التَّطْوِيلَ عَلى المَلِكِ فَقَطَعَ عَلى نَفْسِهِ ما هو فِيهِ مِن لَذَّةِ المُخاطَبَةِ كَما قِيلَ: اجْلِسْ عَلى (p-٢٨١)البِساطِ وإيّاكَ والِانْبِساطَ، وطَمَعًا في سَماعِ كَلامِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَقالَ مُجْمِلًا: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ﴾ أيْ حَوائِجُ ومَنافِعُ يَفْهَمُها الألِبّاءُ. [ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ لا يَعْقِلُ، وأخْبَرَ عَنْهُ بِجَمْعِ كَثْرَةٍ، كانَ الأنْسَبُ مُعامَلَتَهُ مُعامَلَةَ الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ فَقالَ -]: ﴿أُخْرى﴾ تارِكًا لِلتَّفْصِيلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَهُ؟ فَقِيلَ:

طه 20:19

﴿قالَ ألْقِها﴾ أيِ العَصا، وأنَّسَهُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿يا مُوسى﴾

طه 20:20

﴿فَألْقاها﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الأمْرِ المُطاعِ أنَّهُ ألْقاها ولَمْ يَتَلَعْثَمْ ﴿فَإذا هِيَ﴾ أيْ في الحالِ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿حَيَّةٌ﴾ عَظِيمَةٌ جِدًّا يُطْلَقُ عَلَيْها لِعِظَمِها بِنِهايَةِ أمْرِها اسْمُ الثُّعْبانِ، والحَيَّةُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى والصَّغِيرِ والكَبِيرِ ﴿تَسْعى﴾ سَعْيًا خَفِيفًا يُطْلَقُ عَلَيْها لِأجْلِهِ في أوَّلِ أمْرِها اسْمُ الجانِّ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها صارَتْ حَيَّةً صَفْراءَ لَها عُرْفٌ كَعُرْفِ الفَرَسِ، وجَعَلَتْ تَتَوَرَّمُ حَتّى صارَتْ ثُعْبانًا - انْتَهى. فَهي في عِظَمِ الثُّعْبانِ وسُرْعَةِ الجانِّ.

طه 20:21

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا مُخِيفًا، اسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى ما يَكُونُ مِن حالِهِ عِنْدَ مِثْلِ هَذا بَعْدَ ذَلِكَ، فاسْتَأْنَفَ إخْبارَهُ بِقَوْلِهِ -]: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى عَلى ما يَكُونُ مِنها عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِأجْلِ التَّدْرِيبِ: (p-٢٨٢)﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ مُشِيرًا إلى أنَّهُ خافَ مِنها عَلى عادَةِ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ؛ ثُمَّ عَلَّلَ لَهُ النَّهْيَ عَنِ الخَوْفِ بِقَوْلِهِ ﴿سَنُعِيدُها﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا عِنْدَ أخْذِكَ لَها بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿سِيرَتَها﴾ أيْ طَرِيقَتَها ﴿الأُولى﴾ مِن كَوْنِها عَصًا، فَهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى أنَّ الَّذِي يُخاطِبُكَ هو رَبُّكَ الَّذِي لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وبَلَغَ مِن طُمَأْنِينَتِهِ أنْ أدْخَلَ يَدَهُ في فَمِها وأخَذَ بِلِحْيَتِها، فَإذا هي عَصاهُ، ويَدُهُ بَيْنَ شُعْبَتَيْها.

طه 20:22

[ولَمّا أراهُ آيَةً في بَعْضِ الآفاقِ، أرادَ أنْ يُرِيَهُ آيَةً في نَفْسِهِ فَقالَ -]: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ﴾ مِن جَيْبِكَ الَّذِي يَخْرُجُ مِنهُ عُنُقُكَ ﴿إلى جَناحِكَ﴾ أيْ جَنْبِكَ تَحْتَ العَضُدِ تَنْضَمَّ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِن لَوْنِها وما بِها مِنَ الحَرِيقِ، وأخْرِجْها ﴿تَخْرُجْ﴾ فالآيَةُ مِن بابِ الِاحْتِباكِ، والجَناحُ: اليَدُ، والعَضُدُ، والإبْطُ، والجانِبُ - قالَهُ في القامُوسِ، فَلا يُعارِضُ هَذا ما في القَصَصِ لِأنَّهُ أطْلَقَ الجَناحَ هُناكَ عَلى اليَدِ وهي أحَقُّ بِهِ، وهُنا عَلى الجَنْبِ الَّذِي هو مَوْضِعُها تَسْمِيَةً لِلْمَحَلِّ بِاسْمِ الحالِّ ﴿بَيْضاءَ﴾ بَياضًا كالشَّمْسِ تَتَعَجَّبُ مِنهُ. ولَمّا كانَ البَرَصُ أبْغَضَ شَيْءٍ إلى العَرَبِ، قالَ نافِيًا لَهُ ولِغَيْرِهِ، ولَمْ يُسَمِّهِ بِاسْمِهِ لِأنَّ أسْماعَهم لَهُ مَجّاجَةٌ، ولِأنَّ نَفْيَ الأعَمِّ مِنَ الشَّيْءِ (p-٢٨٣)أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ بِخُصُوصِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ مَرَضٍ لا بَرَصٍ ولا غَيْرِهِ، حالَ كَوْنِها ﴿آيَةً أُخْرى﴾ افْعَلْ ما أمَرْتُكَ بِهِ مِن إلْقاءِ العَصا وضَمِّ اليَدِ، أوْ فَعَلْنا ذَلِكَ مِن إحالَةِ العَصا ولَوْنِ اليَدِ مِن مُناداتِكَ لِمُناجاتِكَ

طه 20:23

﴿لِنُرِيَكَ﴾ في جَمِيعِ أيّامِ نُبُوَّتِكَ ﴿مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ لِيَثْبُتَ بِذَلِكَ جَنانُكَ، ويَزْدادَ إتْقانُكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا يَفْعَلُ بِي هَذا؟ فَقِيلَ: لِنُرْسِلَكَ إلى بَعْضِ المُهِمّاتِ

طه 20:24

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ أيْ لِتَرُدَّهُ عَنْ عُتُوِّهِ: ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، [مُؤَكِّدًا لِأنَّ طُغْيانَ أحَدٍ بِالنِّسْبَةِ إلى شَيْءٍ مِمّا لِلْمَلِكِ الأعْلى مِمّا يُسْتَبْعَدُ -]: ﴿إنَّهُ طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ حَدَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ فادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ، وأشارَ إلى ما حَصَلَ لَهُ مِنَ الضِّيقِ مِن ذَلِكَ بِما عَرَفَ مِن أنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ، وخَطْبٌ جَسِيمٌ، يَحْتاجُ مَعَهُ إلى احْتِمالِ ما لا يَحْتَمِلُهُ إلّا ذُو جَأْشٍ رابِطٍ وصَدْرٍ فَسِيحٍ [وقَلْبٍ ضابِطٍ -] - كَما صَرَّحَ بِهِ في [سُورَةِ الشُّعَراءِ] - بِقَوْلِهِ

طه 20:25

﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ﴾ أيْ وسِّعْ ﴿لِي﴾ ولَمّا أبْهَمَ المَشْرُوحَ لِيَكُونَ الكَلامُ أوْكَدَ بِتَكْرِيرِ المَعْنى في طَرِيقَيِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ، قالَ رافِعًا لِذَلِكَ الإبْهامِ: ﴿صَدْرِي﴾ لِلْإقْدامِ عَلى ذَلِكَ، وإلى اسْتِصْعابِهِ بِقَوْلِهِ:

طه 20:26

﴿ويَسِّرْ لِي﴾ [ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الإبْهامَ بِقَوْلِهِ -]: ﴿أمْرِي﴾ [وإلى اسْتِعْجازِهِ نَفْسَهُ عَنِ الإبانَةِ لَهم عَنِ المُرادِ بِقَوْلِهِ -]:

طه 20:27

(p-٢٨٤)﴿واحْلُلْ﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى [هُنا -] ما لا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ [إذْ إنَّهُ لَمْ يَسْألْ بَقاءَهُ في غَيْرِ حالِ الدَّعْوَةِ -]، عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الكَلامِ الماضِي فَقالَ: ﴿عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ أيْ مِمّا فِيهِ مِنَ الحُبْسَةِ عَنِ الإتْيانِ بِجَمِيعِ المَقاصِدِ مِنَ الجَمْرَةِ الَّتِي وضَعَها في فِيهِ وهو عِنْدَ فِرْعَوْنَ، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما،

طه 20:28

ولَمّا كانَ سُؤالُهُ هَذا إنَّما هو لِلَّهِ، ولِذَلِكَ اقْتَصَرَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ فَلَمْ يَطْلُبْ زَوالَ الحُبْسَةِ كُلِّها، أجابَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ وإلى اعْتِقادِ صُعُوبَةِ المَقامِ مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ بِطَلَبِ التَّأْيِيدِ بِنَصِيرٍ يُهِمُّهُ أمْرُهُ بِقَوْلِهِ:

طه 20:29

﴿واجْعَلْ لِي﴾ أيْ [مِمّا -] تَخُصُّنِي بِهِ؛ وبَيَّنَ اهْتِمامَهُ بِالإعانَةِ كَما يَقْتَضِيهِ الحالُ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿وزِيرًا﴾ أيْ مَلْجَأً يَحْمِلُ عَنِّي بَعْضَ الثِّقْلِ ويُعاوِنُنِي ﴿مِن أهْلِي﴾ لِأنِّي بِهِ أوْثَقُ لِكَوْنِهِ عَلَيَّ أشْفَقَ،

طه 20:30

ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿هارُونَ﴾ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أخِي﴾ [أيْ -] لِأنَّهُ أجْدَرُ أهْلِي بِتَمامِ مُناصَرَتِي؛ وأجابَ الدُّعاءَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ فَقالَ:

طه 20:31

﴿اشْدُدْ﴾ [بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مَفْتُوحَةً -] ﴿بِهِ أزْرِي﴾ أيْ قُوَّتِي وظَهْرِي

طه 20:32

﴿وأشْرِكْهُ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ مُسْنِدًا الفِعْلَيْنِ إلى ضَمِيرِهِ عَلى أنَّهُما مُضارِعانِ، (p-٢٨٥)وقِراءَةُ الباقِينَ بِوَصْلِ الأوَّلِ وفَتْحِ هَمْزَةِ الثّانِي عَلى أنَّهُما أمْرانِ، مُسْنَدَيْنِ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى الدُّعاءِ ﴿فِي أمْرِي﴾ أيِ النُّبُوَّةِ.

طه 20:33

ولَمّا أفْهَمَ سُؤالُهُ هَذا أنَّ لَهُ فِيهِ أغْراضًا، أشارَ إلى أنَّها لَيْسَتْ مَقْصُودَةً لَهُ لِأمْرٍ يَعُودُ عَلى نَفْسِهِ بِذِكْرِ العِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ، فَقالَ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ أيْ بِالقَوْلِ والفِعْلِ بِالصَّلاةِ وغَيْرِها ﴿كَثِيرًا﴾ فَأفْصَحَ عَنْ أنَّ المُرادَ بِالمُعاضَدَةِ إنَّما هو لِتَمْهِيدِ الطَّرِيقِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.

طه 20:34

ولَمّا كانَ التَّسْبِيحُ ذِكْرًا خاصًّا لِكَوْنِهِ بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي أعْلاهُ التَّوْحِيدُ، أتْبَعَهُ العامَّ فَقالَ: ﴿ونَذْكُرَكَ﴾ أيْ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ ﴿كَثِيرًا﴾ فَإنَّ التَّعاوُنَ والتَّظاهُرَ أعْوَنُ عَلى تَزايُدِ العِبادَةِ لِأنَّهُ مُهَيِّجٌ لِلرَّغَباتِ؛

طه 20:35

ثُمَّ عَلَّلَ طَلَبَهُ لِأخِيهِ لِأجْلِ هَذا الغَرَضِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ قَبْلَ الإقامَةِ في هَذا الأمْرِ في أنَّكَ جَبَلْتَنا عَلى ما يُلائِمُ ذِكْرَكَ وشُكْرَكَ، وأنَّ التَّعاضُدَ مِمّا يُصْلِحُنا، وكُلُّ ذَلِكَ تَدْرِيبٌ لِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ عَلى مِثْلِهِ، وتَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ تَيْسِيرِهِ بِلِسانِهِ لِيَزْدادَ ذِكْرًا وشُكْرًا.

طه 20:36

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، كانَ مَوْضِعَ [تَوَقُّعِ -] الجَوابِ، فَأتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ﴾ بِأسْهَلِ أمْرٍ ﴿سُؤْلَكَ﴾ أيْ ما سَألْتَهُ ﴿يا مُوسى﴾ مِن حَلِّ عُقْدَةِ لِسانِكَ وغَيْرِ ذَلِكَ ولَوْ شِئْتُ لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ ولَكِنِّي فَعَلْتُهُ مِنَّةً مِنِّي عَلَيْكَ.

طه 20:37

ولَمّا كانَ إنْجاؤُهُ مِن فِرْعَوْنَ حَيْثُ وُلِدَ في السَّنَةِ الَّتِي يَذْبَحُ (p-٢٨٦)فِيها الأبْناءَ - قالُوا: وهي الرّابِعَةُ مِن وِلادَةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ - بِيَدِ فِرْعَوْنَ وفي بَيْتِهِ أمْرًا عَظِيمًا، التَفَتَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ مُذَكِّرًا لَهُ بِذَلِكَ تَنْوِيرًا لِبَصِيرَتِهِ وتَقْوِيَةً لِقَلْبِهِ، إعْلامًا بِأنَّهُ يُنْجِيهِ مِنهُ الآنَ، كَما أنْجاهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ، ويَزِيدُهُ بِزِيادَةِ السِّنِّ والنُّبُوَّةِ خَيْرًا، فَيَجْعَلُ عِزَّهُ في هَلاكِهِ كَما جَعَلَ إذْ ذاكَ عِزَّهُ في وُجُودِهِ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا﴾ أيْ أنْعَمْنا إنْعامًا مَقْطُوعًا بِهِ عَلى ما يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْكَ﴾ فَضْلًا مِنّا ﴿مَرَّةً أُخْرى﴾ غَيْرَ هَذِهِ؛

طه 20:38

ثُمَّ ذَكَرَ وقْتَ المِنَّةِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أوْحَيْنا﴾ [أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿إلى أُمِّكَ﴾ أيْ بِالإلْهامِ ”ما“ يَسْتَحِقُّ لِعَظَمَتِهِ أنْ ”يُوحى“ بِهِ، ولا يُعْلَمُهُ إلّا نَبِيٌّ أوْ مَن هو قَرِيبٌ مِن دَرَجَةِ النُّبُوَّةِ؛

طه 20:39

ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اقْذِفِيهِ﴾ أيْ ألْقِي ابْنَكِ ﴿فِي التّابُوتِ﴾ وهو الصُّنْدُوقُ، فَعْلُوتٌ مِنَ التَّوْبِ الَّذِي مَعْناهُ الرُّجُوعُ تَفاؤُلًا بِهِ، وقالَ الحَرالِّيُّ: هو وِعاءُ ما يَعُزُّ قَدْرُهُ، والقَذْفُ مَجازٌ عَنِ المُسارَعَةِ إلى وضْعِهِ مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ لِشَيْءٍ أصْلًا، إشارَةً إلى أنَّهُ فِعْلٌ مَضْمُونُ السَّلامَةِ كَيْفَ ما كانَ، والتَّعْرِيفُ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنَ الصَّنادِيقِ أشَدُّ النّاسِ مَعْرِفَةً بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ ﴿فاقْذِفِيهِ﴾ أيْ (p-٢٨٧)[مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -]عَقِبَ ذَلِكَ بِتابُوتِهِ، أوِ التّابُوتِ الَّذِي فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ وهو النِّيلُ. ولَمّا كانَتْ سَلامَتُهُ في البَحْرِ مِنَ العَجائِبِ، لِتَعَرُّضِهِ لِلْغَرَقِ بِقَلْبِ الرِّيحِ لِلتّابُوتِ، أوْ بِكَسْرِهِ في بَعْضِ الجُدُرِ أوْ غَيْرِها، أوْ بِجَرْيِهِ مُسْتَقِيمًا مَعَ أقْوى جَرْيَةٍ مِنَ الماءِ إلى البَحْرِ المِلْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآفاتِ، أشارَ إلى تَحَتُّمِ تَنْجِيَتِهِ بِلامِ الأمْرِ عِبارَةً عَنْ مَعْنى الخَبَرِ في قَوْلِهِ، جاعِلًا البَحْرَ كَأنَّهُ ذُو تَمْيِيزٍ لِيُطِيعَ الأمْرَ: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أيِ التّابُوتَ الَّذِي فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُوسى بِتابُوتِهِ ﴿اليَمُّ بِالسّاحِلِ﴾ أيْ شاطِئِ النِّيلِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ الماءَ يَسْحَلُهُ، أيْ يَنْشُرُهُ إلى جانِبِ البَيْتِ الَّذِي الفِعْلُ كُلُّهُ هَرَبًا مِن شَرِّ صاحِبِهِ، وهو فِرْعَوْنُ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ جَوابًا لِلْأمْرِ، أيْ مُوسى ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ ونَبَّهَ عَلى مَحَلِّ العَجَبِ بِإعادَةِ لَفْظِ العَدُوِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدُوٌّ لَهُ﴾ فَإنَّهُ ما عادى بَنِي إسْرائِيلَ بِالتَّذْبِيحِ إلّا مِن أجْلِهِ ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً﴾ أيْ عَظِيمَةً؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ في تَعْظِيمِها إيضاحًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِنِّي﴾ [أيْ -] لِيُحِبَّكَ كُلُّ مَن رَآكَ لِما جَبَلْتُكَ عَلَيْهِ مِنَ الخِلالِ الحَمِيدَةِ، والشِّيَمِ السَّدِيدَةِ، لِتَكُونَ أهْلًا لِما أُرِيدُكَ لَهُ ﴿ولِتُصْنَعَ﴾ أيْ تُرَبّى بِأيْسَرِ أمْرِ تَرْبِيَةٍ بِمَن هو مُلازِمٌ لَكَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الاعْتِناءِ بِمَصالِحِكَ عِنايَةً شَدِيدَةً ﴿عَلى عَيْنِي﴾ أيْ مُسْتَعْلِيًا عَلى حافِظِيكَ غَيْرَ مُسْتَخْفٍ (p-٢٨٨)فِي تَرْبِيَتِكَ مِن أحَدٍ ولا مَخُوفٍ عَلَيْكَ مِنهُ، وأنا حافِظٌ لَكَ حِفْظَ مَن يُلاحِظُ الشَّيْءَ بِعَيْنِهِ لا يَغِيبُ عَنْها، فَكانَ كُلُّ ما أرَدْتُهُ، فَلَمّا رَآكَ هَذا العَدُوُّ أحَبَّكَ وطَلَبَ لَكَ المَراضِعَ، فَلَمّا [لَمْ -] تَقْبَلْ واحِدَةً مِنهُنَّ بالَغَ في الطَّلَبِ، كُلُّ ذَلِكَ إمْضاءً لِأمْرِي وإيقافًا لِأمْرِهِ بِهِ نَفْسِهِ لا بِغَيْرِهِ لِيَزْدادَ العَجَبُ مِن إحْكامِ السَّبَبِ،

طه 20:40

ثُمَّ ذَكَرَ ظَرْفَ الصُّنْعِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ أيْ في المَوْضِعِ الَّذِي وضَعُوكَ بِهِ لِيَنْظُرُوا لَكَ مُرْضِعَةً ﴿فَتَقُولُ﴾ بَعْدَ إذْ رَأتْكَ، لِآلِ فِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ أيْ يَقُومُ بِمَصالِحِهِ مِنَ الرَّضاعِ والخِدْمَةِ، ناصِحًا لَهُ، فَقالُوا: نَعَمْ! فَجاءَتْ بِأُمِّكَ فَقَبِلْتَ ثَدْيَها ﴿فَرَجَعْناكَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِها هَذا أنْ رَجَعْناكَ ﴿إلى أُمِّكَ﴾ حِينَ دَلَّتْهم عَلَيْها ﴿كَيْ تَقَرَّ﴾ أيْ تَبْرُدَ وتَسْكُنَ ﴿عَيْنُها﴾ وتُرَبِّيكَ آمِنَةً عَلَيْكَ غَيْرَ خائِفَةٍ، ظاهِرَةً غَيْرَ مُسْتَخْفِيَةٍ ﴿ولا تَحْزَنَ﴾ بِفِراقِكَ أوْ بِعَدَمِ تَرْبِيَتِها [لَكَ -] وبَذْلِها الجُهْدَ في نَفْعِكَ ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ أيْ بَعْدَ أنْ صِرْتَ رَجُلًا مِنَ القِبْطِ دَفْعًا عَنْ رَجُلٍ مِن قَوْمِكَ فَطُلِبْتَ بِها وأرادُوا قَتْلَكَ ﴿فَنَجَّيْناكَ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِنَ الغَمِّ﴾ الَّذِي كانَ قَدْ نالَكَ بِقَتْلِهِ خَوْفًا مِن جَرِيرَتِهِ، بِأنْ أخْرَجْناكَ مُهاجِرًا لِدِيارِهِمْ نَحْوَ مَدْيَنَ ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ أيْ خَلَّصْناكَ مِن مِحْنَةٍ بَعْدَ مِحْنَةٍ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، (p-٢٨٩)عَلى أنَّهُ جَمْعُ فِتَنٍ أوْ فِتْنَةٍ، [عَلى تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِالتّاءِ -]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشَّكُورِ، إذَنِ الفُتُونُ وِلادَتُهُ عامَ الذَّبْحِ وإبْقاؤُهُ في البَحْرِ ثُمَّ مَنعُهُ الرَّضاعَ مِن غَيْرِ ثَدْيِ أُمِّهِ ثُمَّ جَرُّهُ لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ، ثُمَّ تَناوُلُهُ الجَمْرَةَ بَدَلَ الدُّرَّةِ، ثُمَّ قَتْلُهُ القِبْطِيَّ، ثُمَّ خُرُوجُهُ إلى مَدْيَنَ في الطَّرِيقِ الهَيْعِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ، ثُمَّ إيجارُ نَفْسِهِ عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ إضْلالُهُ الطَّرِيقَ، ثُمَّ تَفَرُّقُ غَنَمِهِ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ أيْ كَثِيرَةً ﴿فِي أهْلِ مَدْيَنَ﴾ مُقِيمًا عِنْدَ نَبِيِّنا شُعَيْبَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُرَبِّيكَ بِآدابِهِ، وصاهَرْتَهُ عَلى ابْنَتِهِ ﴿ثُمَّ جِئْتَ﴾ أيِ الآنَ ﴿عَلى قَدَرٍ﴾ أيْ وقْتٍ قَدَّرْتُهُ في الأزَلِ لِتَكْلِيمِي لَكَ، وهو بُلُوغُ الأشُدِّ والِاسْتِواءُ، وإرْسالِكَ إلى فِرْعَوْنَ لِأُمْضِيَ فِيهِ قَدَرِي الَّذِي ذَبَّحَ أبْناءَ بَنِي إسْرائِيلَ خَوْفًا مِنهُ، فَجِئْتَ غَيْرَ مُسْتَقْدِمٍ ولا مُسْتَأْخِرٍ ﴿يا مُوسى﴾

طه 20:41

﴿واصْطَنَعْتُكَ﴾ أيْ رَبَّيْتُكَ بِصَنائِعِ المَعْرُوفِ تَرْبِيَةَ مَن يَتَكَلَّفُ تَكْوِينَ المُرَبّى عَلى طَرِيقَةٍ مِنَ الطَّرائِقِ ﴿لِنَفْسِي﴾ أيْ لِتَفْعَلَ مِن مَرْضاتِي في تَمْهِيدِ شَرائِعِي وإنْفاذِ أوامِرِي ما يَفْعَلُهُ مَن يُصْنَعُ لِلنَّفْسِ مِن غَيْرِ مُشارِكٍ، فَهو تَمْثِيلٌ لِما حَوْلَهُ مِن مَنزِلَةِ التَّقْرِيبِ والتَّكْرِيمِ.

طه 20:42

فَلَمّا تَمَهَّدَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَعْدَ عِلْمِ نَتِيجَتِهِ، أعادَها في قَوْلِهِ: ﴿اذْهَبْ أنْتَ﴾ كَما تَقَدَّمَ أمْرِي لَكَ بِهِ ﴿وأخُوكَ﴾ كَما سَألْتَ ﴿بِآياتِي﴾ الَّتِي أرَيْتُكَ (p-٢٩٠)وغَيْرِها مِمّا أُظْهِرُهُ عَلى يَدَيْكَ ﴿ولا تَنِيا﴾ أيْ تَفْتُرا وتَضْعُفا ﴿فِي ذِكْرِي﴾ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّكَ جَعَلْتَهُ غايَةَ دُعائِكَ، بَلْ لِتَكُنْ - مَعَ كَوْنِهِ ظَرْفًا مُحِيطًا بِجَمِيعِ أمْرِكَ - في غايَةِ الِاجْتِهادِ فِيهِ وإحْضارِ القَلْبِ لَهُ، ولْيَكُنْ أكْثَرَ ما يَكُونُ عِنْدَ لِقاءِ فِرْعَوْنَ أنَّ عَبْدِي كُلَّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قَرْنِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ أعْوَنُ شَيْءٍ عَلى المُرادِ،

طه 20:43

ثُمَّ بَيَّنَ المَذْهُوبَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِنَفْسِ الذَّهابِ لِأنَّهُ لِشِدَّةِ الخَطَرِ لا يَكادُ طَبْعُ البَشَرِ يَتَحَقَّقُ جَزْمَ الأمْرِ بِهِ فَقالَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ الإرْسالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِما مَضى، ولِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن قِلَّةِ عَقْلِهِ، فَكَيْفَ بِمَن تَبِعَهُ ﴿إنَّهُ طَغى﴾

طه 20:44

ثُمَّ أمَرَهُما بِما يَنْبَغِي لِكُلِّ آمِرٍ بِالمَعْرُوفِ مِنَ الأخْذِ بِالأحْسَنِ فالأحْسَنِ والأسْهَلِ فالأسْهَلِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الانْتِهاءِ إلَيْهِ ومُعَقِّبًا: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ لِئَلّا يُبْقِيَ لَهُ حُجَّةً، ولا يَقْبَلَ لَهُ مَعْذِرَةً ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ ما مَرَّ لَهُ مِن تَطْوِيرِ اللَّهِ [لَهُ -] في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وحَمْلِهِ فِيما يَكْرَهُ عَلى ما لَمْ يَقْدِرْ عَلى الخَلاصِ مِنهُ بِحِيلَةٍ، فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهُ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنهُ، فَيَرْجِعُ عَنْ غَيِّهِ فَيُؤْمِنُ ﴿أوْ يَخْشى﴾ أيْ أوْ يَصِلُ إلى حالِ مَن يَخافُ عاقِبَةَ قَوْلِكُما لِتَوَهُّمِ الصِّدْقِ (p-٢٩١)[فَيَكُونُ قَوْلُكُما تَذْكِرَةً لَهُ -] فَيُرْسِلُ مَعَكُما بَنِي إسْرائِيلَ، ومَعْنى التَّرَجِّي أنْ يَكُونَ حالُهُ حالَ مَن يُرْجى مِنهُ ذَلِكَ، لِأنَّها مِن ثَمَرَةِ اللِّينِ في الدُّعاءِ، جَرى الكَلامُ في هَذا وأمْثالِهِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ في مُحاوَراتِهِمْ، وجاءَ القُرْآنُ عَلى لُغَتِهِمْ وعَلى ما يَعْنُونَ، فالمُرادُ: اذْهَبا أنْتُما عَلى رَجائِكُما وطَمَعِكُما ومَبْلَغِكُما مِنَ العِلْمِ، ولَيْسَ لَهُما أكْثَرُ مِن ذا ما لَمْ يَعْلَما، وأمّا عِلْمُهُ تَعالى فَقَدْ أتى مِن وراءِ ما يَكُونُ - قالَهُ سِيبَوَيْهِ في بابِ مِنَ النَّكِرَةِ يَجْرِي مَجْرى ما فِيهِ الألِفُ واللّامُ مِنَ المَصادِرِ والأسْماءِ.

طه 20:45

ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ في غايَةِ الجَبَرُوتِ، وكانَ حالُهُ حالَ مَن يُهْلِكُهُما إلّا أنْ يَمْنَعَهُما اللَّهُ، وأرادَ عِلْمَ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ ﴿قالا رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا. ولَمّا كانَ مَضْمُونُ إخْبارِهِما [بِالخَوْفِ - مَعَ - ] كَوْنِهِما مِن جِهَةِ اللَّهِ - مِن شَأْنِهِ أنْ لا يَكُونَ وأنْ يُنْكَرَ، أكَّدا فَقالا مُبالِغَيْنِ فِيهِ بِإظْهارِ النُّونِ الثّالِثَةِ إبْلاغًا في إظْهارِ الشَّكْوى لِيَأْتِيَ الجَبْرُ عَلى قَدْرِ ما يَظْهَرُ مِنَ الكَسْرِ: ﴿إنَّنا نَخافُ﴾ لِما [هُوَ -] فِيهِ مِنَ المَكِنَةِ ﴿أنْ يَفْرُطَ﴾ أيْ يَعْجَلَ ﴿عَلَيْنا﴾ بِالعُقُوبَةِ قَبْلَ إتْمامِ البَلاغِ عَجَلَةَ مَن يَطْفِرُ ويَثِبُ إلى الشَّيْءِ ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ فَيَتَجاوَزَ إلى أعْظَمَ مِمّا هو فِيهِ مِنَ الاسْتِكْبارِ

طه 20:46

﴿قالَ لا تَخافا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما هو مَناطُ النُّصْرَةِ والحِيطَةِ لِلْوَلِيِّ والإهْلاكِ لِلْعَدُوِّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى عِظَمِ الخَبَرِ، (p-٢٩٢)وتَنْبِيهًا لِمَضْمُونِهِ لِأنَّهُ خارِجٌ عَنِ العَوائِدِ، وأثْبَتَ النُّونَ الثّالِثَةَ عَلى وزانِ تَأْكِيدِهِما: ﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾ لا أغِيبُ كَما تَغِيبُ المُلُوكُ إذا أرْسَلُوا رُسُلَهم ﴿أسْمَعُ وأرى﴾ أيْ لِي هاتانِ الصِّفَتانِ، لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِن حالِ رَسُولِي ولا حالِ عَدُوِّهِ، وأنْتُما تَعْلَمانِ مِن قُدْرَتِي ما لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكُما.

طه 20:47

ولَمّا تَمَهَّدَ ذَلِكَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ تَعْلِيمُهُما ما يَقُولانِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِلذَّهابِ أيْضًا لِما مَضى: ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا﴾ أيْ لَهُ؛ ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ يُنْكِرُ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُما، أكَّدَ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿إنّا﴾ ولَمّا كانَ التَّنْبِيهُ عَلى مَعْنى المُؤازَرَةِ هُنا - كَما تَقَدَّمَ مَطْلُوبًا، ثَنّى فَقالَ: ﴿رَسُولا رَبِّكَ﴾ الَّذِي رَبّاكَ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ بَعْدَ أنْ أوْجَدَكَ مِنَ العَدَمِ، إشارَةً إلى تَحْقِيرِهِ بِأنَّهُ مِن جُمْلَةِ عَبِيدِ مُرْسِلِهِما تَكْذِيبًا لَهُ في ادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، ثُمَّ سَبَّبَ [عَنْ --] إرْسالِكُما إلَيْهِ قَوْلَكُما: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا﴾ عَبِيدَهُ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ﴾ لِيَعْبُدُوهُ، فَإنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ ﴿ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بِما تُعَذِّبُهم بِهِ مِنَ الاسْتِخْدامِ والتَّذْبِيحِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ دَعْوى الرِّسالَةِ بِما يُثْبِتُها، فَقالَ مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّ حالَ السّامِعِ لِادِّعاءِ الرِّسالَةِ أنْ يَتَوَقَّعَ دَلالَةً عَلى الإرْسالِ: ﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ﴾ أيْ عَلامَةٍ عَظِيمَةٍ وحُجَّةٍ وبُرْهانٍ (p-٢٩٣)﴿مِن رَبِّكَ﴾ الَّذِي لا إحْسانَ عَلَيْكَ إلّا مِنهُ، مُوجِبَةٍ لِقَبُولِ ما ادَّعَيْناهُ مِنَ العَصا واليَدِ وغَيْرِهِما، فَأسْلِمْ تَسْلَمْ، وفي تَكْرِيرِ مُخاطَبَتِهِ بِذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِتَبْكِيتِهِ في ادِّعاءِ الرُّبُوبِيَّةِ، ونِسْبَتِهِ إلى كُفْرانِ الإحْسانِ، فَسَلامٌ عَلَيْكَ خاصَّةً إنْ قَبِلْتَ هُدى اللَّهِ ﴿والسَّلامُ﴾ أيْ جِنْسُهُ ﴿عَلى﴾ جَمِيعِ ﴿مَنِ اتَّبَعَ﴾ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿الهُدى﴾ عامَّةً، وإذا كانَ هَذا الجِنْسُ عَلَيْهِمْ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَطَبَ عَلى غَيْرِهِمْ، فالمَعْنى: [و -] إنْ أبَيْتَ عُذِّبْتَ

طه 20:48

﴿إنّا﴾ أيْ لِأنّا ﴿قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾ مِن رَبِّنا ﴿أنَّ العَذابَ﴾ أيْ كُلَّهُ، لِأنَّ اللّامَ لِلِاسْتِغْراقِ أوِ الماهِيَّةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ يَقْتَضِي قَدْرَ ثُبُوتِ هَذا الجِنْسِ ودَوامِهِ لِما تُفْهِمُهُ الِاسْمِيَّةُ ﴿عَلى﴾ كُلِّ ﴿مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ والإعْراضَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُ إنْ كانَ مِنهُ شَيْءٌ عَلى مُصَدَّقٍ كانَ مُنْقَضِيًا، وإذا انْقَضى كانَ كَأنْ لَمْ يُوجَدْ، وفي صَرْفِ الكَلامِ عَنْهُ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ ضالٌّ مُكَذِّبٌ وتَعْلِيمٌ لِلْأدَبِ.

طه 20:49

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأْتِياهُ فَقُولا: إنّا رَسُولا رَبِّكَ - إلى آخِرِ ما أُمِرا بِهِ، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُما أنَّ لِمُرْسِلِهِما القُدْرَةَ التّامَّةَ والعِلْمَ الشّامِلَ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ سُؤالُهُ عَنْ تَعْيِينِهِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ مُدافِعًا لَهُما بِالمُناظَرَةِ لا بِالبَطْشِ، لِئَلّا يُنْسَبَ إلى (p-٢٩٤)السَّفَهِ والجَهْلِ: ﴿فَمَن﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ كَلامِكُما هَذا الَّذِي لا يَجْتَرِئُ عَلى مُواجَهَتِي بِهِ أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ أنْ أسْألَكُما: مَن ﴿رَبُّكُما﴾ الَّذِي أرْسَلَكُما، ولَمْ يَقُلْ: رَبِّي، حَيْدَةً عَنْ سَواءِ النَّظَرِ وصَرْفًا لِلْكَلامِ عَلى الوَجْهِ المُوَضِّحِ لِخِزْيِهِ. ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو الأصْلَ في ذَلِكَ، وكانَ رُبَّما طَمِعَ فِرْعَوْنُ بِمَكْرِهِ وسُوءِ طَرِيقِهِ في حُبْسَةٍ تَحْصُلُ في لِسانِهِ، أفْرَدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يا مُوسى﴾

طه 20:50

﴿قالَ﴾ لَهُ مُوسى عَلى الفَوْرِ: ﴿رَبُّنا﴾ أيْ مُوجِدُنا ومُرَبِّينا ومَوْلانا ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِمّا تَراهُ في الوُجُودِ ﴿خَلْقَهُ﴾ أيْ ما هو عَلَيْهِ مِمّا هو بِهِ ألْيَقُ في المَنافِعِ المَنُوطَةِ بِهِ، والآثارِ الَّتِي تَتَأثَّرُ عَنْهُ مِنَ الصُّورَةِ والشَّكْلِ والمِقْدارِ واللَّوْنِ والطَّبْعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَفُوتُ الحَصْرَ، ويَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ. ولَمّا كانَ في إفاضَةِ الرُّوحِ مِنَ الجَلالَةِ والعِظَمِ ما يَضْمَحِلُّ عِنْدَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفاوَتَةِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ هَدى﴾ أيْ كُلَّ حَيَوانٍ مِنهُ مَعَ أنَّ فِيها العاقِلَ وغَيْرَهُ إلى جَمِيعِ مَنافِعِهِ فَيَسْعى لَها، ومَضارِّهِ فَيَحْذَرُها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ المُفاوَتَةِ والمُفاصَلَةِ مَعَ اتِّحادِ نِسْبَةِ الكُلِّ إلى الفاعِلِ أنَّهُ واحِدٌ مُخْتارٌ، وأنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ بِالطَّبِيعَةِ المُسْتَنِدَةِ إلى النُّجُومِ أوْ غَيْرِها كَما كانَ يَعْتَقِدُهُ فِرْعَوْنُ وغَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّفاوُتُ.

طه 20:51

(p-٢٩٥)ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ بِالطَّعْنِ في هَذا الجَوابِ قَبْلُ لِأنَّهُ لا زَلَلَ فِيهِ ولا خَلَلَ - مَعَ رَشاقَتِهِ واخْتِصارِهِ وسَبْقِهِ بِالجَمْعِ إلى غايَةِ مِضْمارِهِ - صَرَفَ الكَلامَ بِسُرْعَةِ خَوْفٍ مِنَ الاتِّضاحِ، بِزِيادَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الإيضاحِ، فَيَظْهَرُ الفَسادُ مِنَ الصَّلاحِ، إلى شَيْءٍ يَتَّسِعُ فِيهِ المَجالُ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَيُمْكِنُ فِيهِ الرَّدُّ، فَأخْبَرَ عَنْهُ سُبْحانَهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فَما﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَمّا تَضَمَّنَ هَذا مِن نِسْبَةِ رَبِّكَ إلى العِلْمِ بِكُلِّ مَوْجُودٍ أنِّي أقُولُ لَكَ: فَما ﴿بالُ﴾ أيْ خَبَرُ ﴿القُرُونِ الأُولى﴾ الَّذِي هو في العَظَمَةِ بِحَيْثُ إنَّهُ ما خالَطَ أحَدًا إلّا أحالَهُ وأمالَهُ -]، وهو وإنْ كانَ حَيْدَةً، هو مِن أماراتِ الِانْقِطاعِ، غَيْرَ أنَّهُ فِعْلٌ راسِخُ القَدَمِ في المَكْرِ والخِداعِ.

طه 20:52

ولَمّا فَهِمَ عَنْهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أرادَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى الخَوْضِ في ذَلِكَ مِمّا لا طائِلَ تَحْتَهُ مِنَ الرَّدِّ والمُطاوَلَةِ، ولَمْ تَكُنِ التَّوْراةُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ إذْ ذاكَ، وإنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَمْشِ مَعَهُ في ذَلِكَ ﴿قالَ﴾ قاطِعًا لَهُ عَنْهُ: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإرْسالِي وتَلْقِينِي الحِجاجَ. ولَمّا كانَتْ عادَةُ المَخْلُوقِينَ إثْباتَ الأخْبارِ في الكُتُبِ، وكانَ تَعالى قَدْ وكَّلَ بِعِبادِهِ مِن مَلائِكَتِهِ مَن يَضْبِطُ ذَلِكَ، قالَ مُخاطِبًا لَهُ بِما يَعْرِفُونَ مِن أحْوالِهِمْ: ﴿فِي كِتابٍ﴾ أيِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ. ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ (p-٢٩٦)فِي وهْمِ واهِمٍ أنَّ الكِتابَ لا يَكُونُ إلّا خَوْفًا مِن نِسْيانِ الشَّيْءِ أوِ الجَهْلِ بِالتَّوَصُّلِ إلَيْهِ مَعَ ذِكْرِ عَيْنِهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي رَبّانِي كَما عَلِمْتُ ونَجّانِي مِن جَمِيعِ ما قَصَدْتُمُوهُ لِي مِنَ الهَلاكِ ولَمْ يَضِلَّ عَنْ وجْهٍ مِن وُجُوهِهِ، ولا نَسِيَ وجْهًا يَدْخُلُ مِنهُ شَيْءٌ مِن خَلَلٍ ﴿ولا يَنْسى﴾ أيْ لا يَقَعُ مِنهُ نِسْيانٌ لِشَيْءٍ أصْلًا مِن أخْبارِهِ ولا لِغَيْرِهِمْ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَبْكِيتِ اليَهُودِ بِأنَّ ثُبُوتَ النُّبُوَّةِ إنْ كانَ يَتَوَقَّفُ عَلى أنْ يُخْبِرَ النَّبِيُّ عَنْ كُلِّ ما يُسْألُ عَنْهُ لَزِمَ أنْ يَتَوَقَّفُوا في نُبُوَّةِ نَبِيِّهِمْ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ فِرْعَوْنَ عَمّا سَألَهُ عَنْهُ مِن أمْرِ القُرُونِ؛

طه 20:53

ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ ما كانَ فِيهِ قَبْلُ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى وحْدَةِ الصّانِعِ واخْتِيارِهِ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ أيُّها الخَلائِقُ ﴿الأرْضَ﴾ أيْ أكْثَرَها ﴿مَهْدًا﴾ تَفْتَرِشُونَها، وجَعَلَ بَعْضَها جِبالًا لا يُمْكِنُ القَرارُ عَلَيْها، وبَعْضَها رَخْوًا تَسْرَحُ فِيهِ الأقْدامُ وبَعْضَها جَلَدًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا تُشاهِدُونَ فِيها مِنَ الاخْتِلافِ ﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ أيْ سَهَّلَ طُرُقًا تَسْلُكُونَها في أراضٍ سَهْلَةٍ وحَزْنَةٍ وسَّطَها بَيْنَ الجِبالِ والأوْدِيَةِ والرِّمالِ، وهَيَّأ لَكم فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والمَراعِي ما يُسَهِّلُ ذَلِكَ، وجَعَلَ فِيها ما لا يُمْكِنُ اسْتِطْراقُهُ أصْلًا، مِن أنَّ نِسْبَةَ الكُلِّ إلى الطَّبِيعَةِ واحِدَةٌ، فَلَوْلا أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مُخْتارٌ لَمْ يَكُنْ هَذا التَّفاوُتُ وعَلى هَذا النِّظامِ البَدِيعِ ﴿وأنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تُشاهِدُونَهُ واحِدًا في اللَّوْنِ والطَّعْمِ. ولَمّا كانَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ وأجْلى لِلنّاظِرِ وأظْهَرَ لِلْعُقُولِ. (p-٢٩٧)اسْتَغْرَقَ ﷺ في بِحارِ الجَلالِ، فاسْتَحْضَرَ أنَّ الآمِرَ لَهُ بِهَذا الكَلامِ هو المُتَكَلِّمُ بِهِ في الحَقِيقَةِ فانِيًا عَنْ نَفْسِهِ وعَنْ جَمِيعِ الأكْوانِ، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ، عادِلًا عَنِ الغَيْبَةِ إلى لَفْظِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَنْقادُ لَها الأشْياءُ المُخْتَلِفَةُ ﴿بِهِ أزْواجًا﴾ [أيْ -] أصْنافًا مُتَشاكِلَةً لَيْسَ فِيها شَيْءٌ يَكُونُ واحِدًا لا شَبِيهَ لَهُ ﴿مِن نَباتٍ شَتّى﴾ أيْ مُخْتَلِفَةٍ جِدًّا في الألْوانِ والمَقادِيرِ والمَنافِعِ والطَّبائِعِ والطُّعُومِ؛

طه 20:54

ثُمَّ أشارَ إلى تَفْصِيلِ ما فِيها مِنَ الحِكْمَةِ بِقَوْلِهِ حالًا مِن فاعِلِ ”أخْرَجْنا“: ﴿كُلُوا﴾ أيْ ما دَبَّرَهُ لَكم بِحِكْمَتِهِ مِنها ﴿وارْعَوْا﴾ أيْ سَرِّحُوا في المَراعِي ﴿أنْعامَكُمْ﴾ ما أحْكَمَهُ لَها ولا يَصْلُحُ لَكُمْ، فَكانَ مِن مُتْقَنِ تَدْبِيرِهِ أنْ جَعَلَ أرْزاقَ العِبادِ بِعَمَلِها تَنْعِيمًا لَهُمْ، وجَعَلَ عَلَفَها مِمّا يَفْضُلُ عَنْ حاجَتِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى أكْلِهِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الأوْصافُ عَلى تَحَقُّقِهِ سُبْحانَهُ قَطْعًا بِأنَّهُ لا يَضِلُّ ولا يَنْسى مِن حَيْثُ إنَّهُ تَعالى أبْدَعَ هَذا العالَمَ شامِلًا لِكُلِّ ما يَحْتاجُهُ مَن فِيهِ لِما خَلَقَهم لَهُ مِنَ السَّفَرِ إلَيْهِ والعَرْضِ عَلَيْهِ في جَمِيعِ تَقَلُّباتِهِمْ عَلى اخْتِلافِها، وتَبايُنِ أصْنافِها، وتَباعُدِ أوْصافِها، وعَلى كَثْرَتِهِمْ، وتَنائِي أمْزِجَتِهِمْ، ولَمْ يَدَعْهُ ناقِصًا مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِخِلافِ غَيْرِهِ، (p-٢٩٨)فَإنَّهُ لَوْ عَمِلَ شَيْئًا واجْتَهَدَ كُلَّ الِاجْتِهادِ في تَكْمِيلِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَظْهَرَ لَهُ فِيهِ نَقْصٌ ويَصِيرُ يَسْعى في إزالَتِهِ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ. ولَمّا كَمَّلَ هَذا البُرْهانَ القَوِيمَ، دالًّا عَلى العَلِيمِ الحَكِيمِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى انْتِشارِ أنْوارِهِ، وجَلالَةِ مِقْدارِهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ المُنْكِرِينَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الإنْشاءِ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ ﴿لآياتٍ﴾ عَلى مُنْشِئِهِ ﴿لأُولِي النُّهى﴾ العُقُولِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَنْهى صاحِبَها عَنِ الغَيِّ، ومَن عَمِيَ عَنْ ذَلِكَ فَلا عَقْلَ لَهُ أصْلًا لِأنَّ عَقْلَهُ لَمْ يَنْفَعْهُ، وما لا يَنْفَعُ في حُكْمِ العَدَمِ، وذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا ما عَزاهُ ابْنُ إسْحاقَ في السِّيرَةِ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وابْنُ هِشامٍ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ: ؎وأنْتَ الَّذِي مِن فَضْلِ مَنٍّ ورَحْمَةٍ بَعَثْتَ إلى مُوسى رَسُولًا مُنادِيا ؎فَقُلْتَ ألا يا اذْهَبْ وهارُونُ فادْعُوا ∗∗∗ إلى اللَّهِ فِرْعَوْنَ الَّذِي كانَ باغِيا ؎فَقُولا لَهُ آأنْتَ سَوَّيْتَ هَذِهِ ∗∗∗ بِلا وتِدٍ حَتّى اسْتَقَلَّتْ كَما هِيا ؎وقُولا لَهُ آأنْتَ رَفَعْتَ هَذِهِ ∗∗∗ بِلا عَمَدٍ أرْفِقْ إذَنْ بِكَ بانِيا ؎وقُولا لَهُ آأنْتَ سَوَّيْتَ وسْطَها ∗∗∗ مُنِيرًا إذا ما جَنَّهُ اللَّيْلُ هادِيا ؎وقُولا لَهُ مَن يُخْرِجُ الشَّمْسَ بُكْرَةً ∗∗∗ فَيُصْبِحُ ما مَسَّتْ مِنَ الزَّرْعِ ضاحِيا ؎وقُولا لَهُ مَن يُنْبِتُ الحَبَّ في الثَّرى ∗∗∗ فَيَخْرُجُ مِنهُ البَقْلُ يَهْتَزُّ رابِيا ؎ويُخْرِجُ مِنهُ حَبَّهُ في رُؤْسِهِ ∗∗∗ وفي ذاكَ آياتٌ لِمَن كانَ واعِيا

طه 20:55

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا خَلَقَ في الأرْضِ مِنَ المَنافِعِ الدّالَّةِ (p-٢٩٩)عَلى تَمامِ عِلْمِهِ [وباهِرِ قُدْرَتِهِ، عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى خُصُوصِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ -]، [وكانَ مِنَ الفَلاسِفَةِ تَناسُخِيَّتِهِمْ وغَيْرِهِمْ مَن يُقِرُّ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ ولا يُقِرُّ بِقَوْلِ أهْلِ الإسْلامِ: إنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ لَطِيفٌ سارَ في الجِسْمِ سَرَيانَ النّارِ في الفَحْمِ، بَلْ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ بِجِسْمٍ ولا قُوَّةٍ في جِسْمٍ ولا صُورَةٍ لِجِسْمٍ ولَيْسَتْ مُتَّصِلَةً بِهِ اتِّصالَ انْطِباعٍ ولا حُلُولٍ فِيهِ، بَلِ اتِّصالُ تَدْبِيرٍ وتَصَرُّفٍ، وأنَّها إذا فارَقَتِ البَدَنَ اتَّصَلَتْ بِالرُّوحانِيِّينَ مِنَ العالَمِ العَقْلِيِّ الَّذِي هو عالَمُ المُجَرَّداتِ وانْخَرَطَتْ في سِلْكِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، أوِ اتَّصَلَتْ بِبَعْضِ الأجْرامِ السَّماوِيَّةِ مِن كَوْكَبٍ أوْ غَيْرِهِ كاتِّصالِها بِالبَدَنِ الأوَّلِ وانْقَطَعَ تَعَلُّقُها بِهِ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ حَتّى ولا يَوْمَ البَعْثِ عِنْدَ مَن يَقُولُ مِنهم بِالحَشْرِ -]، وصَلَ بِذَلِكَ قَوْلَهُ [تَعالى، يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ الهَيْكَلُ المُجْتَمِعُ مِنَ البَدَنِ والنَّفْسِ -]: ﴿مِنها﴾ [أيِ الأرْضِ لا مِن غَيْرِها -] ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ إذْ أخْرَجْناكم مِنها بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ في النَّشْأةِ الأُولى بِخَلْقِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿وفِيها﴾ [لا في غَيْرِها كَما أنْتُمْ كَذَلِكَ تُشاهِدُونَ -] ﴿نُعِيدُكُمْ﴾ بِالمَوْتِ [كَذَلِكَ أجْسامًا وأرْواحًا -]، فَتَصِيرُونَ تُرابًا كَما كُنْتُمْ، [ولِلرُّوحِ مَعَ ذَلِكَ وإنْ كانَتْ في عِلِّيِّينَ تَعَلُّقٌ بِبَدَنِها بِوَجْهٍ ما، يُدْرِكُ البَدَنُ بِهِ اللَّذَّةَ بِالتِذاذِها والألَمَ بِتَألُّمِها، وقَدْ صَحَّ أنَّ المَيِّتَ يُقْعَدُ في قَبْرِهِ ويُجِيبُ سُؤالَ المَلَكَيْنِ عَلَيْهِما السَّلامُ -]، لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنكم أنْ يَخْلُصَ مِن تِلْكَ العَظَمَةِ (p-٣٠٠)المُحِيطَةِ بِجَلِيلِ عَظَمَتِهِ ولا بِدَقِيقِ حِكْمَتِهِ ﴿ومِنها﴾ [لا مِن غَيْرِها -] ﴿نُخْرِجُكُمْ﴾ يَوْمَ البَعْثِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ بِعَيْنِها ﴿تارَةً أُخْرى﴾ كَما بَدَأْناكم [أوَّلَ مَرَّةٍ -] مِثْلَ ما فَعَلْنا في النَّباتِ سَواءٌ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ هَذا فِعْلُ الواحِدِ المُخْتارِ، لا فِعْلُ الطَّبائِعِ، فَمَرَّةً جَعَلَكم أحْياءً مِن شَيْءٍ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَيَوانِيَّةِ أصْلًا، وكَرَّةً رَدَّكم إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ قَبْلَ الحَياةِ تُرابًا لا رُوحَ فِيهِ ولا ما يُشْبِهُها، فَلا رَيْبَ أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى أنْ يُخْرِجَكم مِنها أحْياءً كَما ابْتَدَأ ذَلِكَ، بَلِ الإعادَةُ أهْوَنُ في مَجارِي العادَةِ.

طه 20:56

ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِمّا عَلَقَ بِالأرْضِ مِنَ المَرافِقِ وغَيْرِهِ عَلى غايَةٍ مِنَ الوُضُوحِ، لَيْسَ وراءَها مَطْمَحٌ، فَكانَ المَعْنى: أرَيْنا فِرْعَوْنَ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا لَكم مِن آياتِنا وغَيْرَهُ، وكانَ المَقامُ لِتَعْظِيمِ القُدْرَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ﴾ أيْ بِالعَصا واليَدِ وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ مِن مُقْتَضى عَظَمَتِنا ﴿آياتِنا﴾ [أيِ الَّتِي عَظَمَتُها مِن عَظَمَتِنا -] ﴿كُلَّها﴾ [بِالعَيْنِ والقَلْبِ -] لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ فَهو قادِرٌ عَلى غَيْرِهِ مِن أمْثالِهِ مِن خَوارِقِ العاداتِ، لِأنَّ المُمْكِناتِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لا سِيَّما والَّذِي ذَكَرَ أُمَّهاتُ الآياتِ كَما سَيُؤْما (p-٣٠١)إلَيْهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في [سُورَةِ الأنْبِياءِ] ﴿فَكَذَّبَ﴾ أيْ بِها ﴿وأبى﴾ أيْ أنْ يُرْسِلَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهَذا أبْلَغُ مِن تَعْدِيدِ ما ذُكِرَ في الأعْرافِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ صَنَعَ في تَكْذِيبِهِ وإبائِهِ؟ فَقِيلَ:

طه 20:57

﴿قالَ﴾ حِينَ لَمْ يَجِدْ مَطْعَنًا مُخَيِّلًا لِلْقِبْطِ بِما يُثِيرُهم حَمِيَّةً لِأنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ عَلِمَ حَقِّيَّةَ ما جاءَ بِهِ مُوسى وظُهُورَهُ، وتَقَبُّلَ العُقُولِ لَهُ، فَخافَ أنْ يَتَّبِعَهُ النّاسُ ويَتْرُكُوهُ، ووَهَنَ في نَفْسِهِ وهْنًا عَظِيمًا بِتَأمُّلِ كَلِماتِهِ مُفْرَدَةً ومُرَكَّبَةً يَعْرِفُ مِقْدارَهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا﴾ هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ مالِكُوها ﴿بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ فَخَيَّلَ إلى أتْباعِهِ أنَّ ذَلِكَ سِحْرٌ، فَكانَ ذَلِكَ - مَعَ ما ألِفُوهُ مِن عادَتِهِمْ في الضَّلالِ - صارِفًا لَهم عَنِ اتِّباعِ ما رَأوْا مِنَ البَيانِ،

طه 20:58

ثُمَّ وصَلَ بِالفاءِ السَّبَبِيَّةِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا إيذانًا بِعِلْمِهِ أنَّ ما أتى بِهِ مُوسى يُنْكِرُ كُلُّ مَن يَراهُ أنْ يَقْدِرَ غَيْرُهُ عَلى مُعارَضَتِهِ: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ﴾ أيْ [والإلَهِ الأعْظَمِ -]! بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ تَأْكِيدًا لِما خَيَّلَ بِهِ؛ ثُمَّ أظْهَرَ النَّصَفَةَ والعَدْلَ إيثاقًا لِرَبْطِ قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أيْ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ ﴿لا نُخْلِفُهُ﴾ أيْ لا نَجْعَلُهُ خَلْفَنا ﴿نَحْنُ ولا أنْتَ﴾ بِأنْ نَقْعُدَ عَنْ إتْيانِهِ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الزَّمانِ والمَكانِ لا يَنْفَكُّ عَنِ الآخَرِ قالَ: ﴿مَكانًا﴾ وآثَرَ ذِكْرَ المَكانِ لِأجْلِ وصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿سُوًى﴾ أيْ (p-٣٠٢)عَدْلًا بَيْنَنا، لا حَرَجَ عَلى واحِدٍ مِنّا في قَصْدِهِ أزْيَدَ مِن حَرَجِ الآخَرِ، فانْظُرْ هَذا الكَلامَ الَّذِي زَوَّقَهُ وصَنَعَهُ ونَمَّقَهُ فَأوْقَفَ بِهِ قَوْمَهُ عَنِ السَّعادَةِ واسْتَمَرَّ يَقُودُهم بِأمْثالِهِ حَتّى أوْرَدَهُمُ البَحْرَ فَأغْرَقَهُمْ، [ثُمَّ -] في غَمَراتِ النّارِ أحْرَقَهُمْ، فَعَلى الكَيِّسِ الفَطِنِ أنْ يَنْقُدَ الأقْوالَ والأفْعالَ، والخَواطِرَ والأحْوالَ، ويَعْرِضَها عَلى مَحَكِّ الشَّرْعِ: الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَما وافَقَ لَزِمَهُ وما لا تَرَكَهُ.

طه 20:59

ولَمّا كانَ مُجْتَمَعُ سُرُورِهِمُ الَّذِي اعْتادُوهُ حاوِيًا لِهَذِهِ الأغْراضِ زَمانًا ومَكانًا وغَيْرَهُما، اخْتارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ [لِذَلِكَ -]، فاسْتُؤْنِفَ الخَبَرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ﴾ أيِ المَوْصُوفُ ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ أيْ عِيدُكُمُ الَّذِي اعْتَدْتُمُ الاجْتِماعَ فِيهِ في المَكانِ الَّذِي اعْتَدْتُمُوهُ، فَآثَرَ هُنا ذِكْرَ الزَّمانِ وإنْ كانَ يَتَضَمَّنُ المَكانَ لِما فِيهِ مِن عادَةِ الجَمْعِ كَما آثَرَ فِيما تَقَدَّمَ المَكانَ لِوَصْفِهِ بِالعَدْلِ ﴿وأنْ يُحْشَرَ﴾ [بَناهُ -] لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ القَصْدَ الجَمْعُ، لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ ﴿النّاسُ﴾ [أيْ إغْراءً ولَوْ بِكُرْهٍ -] ﴿ضُحًى﴾ لِيَسْتَقْبِلَ النَّهارَ مِن أوَّلِهِ، فَيَكُونَ أظْهَرَ لِما يَعْمَلُ وأجْلى، ولا يَأْتِي اللَّيْلُ إلّا وقَدْ قُضِيَ الأمْرُ، وعُرِفَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، وأنْتُمْ أجْمَعُ ما تَكُونُونَ وأفْرَغُ، فَيَكِلُّ حَدُّ المُبْطِلِينَ وأشْياعِهِمْ، والمُتَكَبِّرِينَ (p-٣٠٣)عَلى الحَقِّ وأتْباعِهِمْ، ويَكْثُرُ المُحَدِّثُ بِذَلِكَ الأمْرِ العَلَمِ في كُلِّ بَدْوٍ وحَضَرٍ، ويَشِيعُ في جَمِيعِ أهْلِ الوَبَرِ والمَدَرِ

طه 20:60

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ﴾ عَنْ مُوسى إلى تَهْيِئَةِ ما يُرِيدُ مِنَ الكَيْدِ بَعْدَ تَوَلِّيهِ عَنِ الانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ مَكْرَهُ وحِيلَتَهُ وخِداعَهُ، الَّذِي دَبَّرَهُ عَلى مُوسى بِجَمْعِ مَن يَحْصُلُ بِهِمُ الكَيْدُ، وهُمُ السَّحَرَةُ، حَشَرَهم مِن كُلِّ أوْبٍ، وكانَ أهْلُ مِصْرَ أسْحَرَ أهْلِ الأرْضِ وأكْثَرَهم ساحِرًا، وكانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ أشَدَّ اعْتِناءً بِالسِّحْرِ وأمْهَرَ ما كانُوا وأكْثَرَ ﴿ثُمَّ أتى﴾ لِلْمِيعادِ الَّذِي وقَعَ القَرارُ عَلَيْهِ بِمَن حَشَرَهُ مِنَ السَّحَرَةِ والجُنُودِ ومَن تَبِعَهم مِنَ النّاسِ، مَعَ تَوَفُّرِ الدَّواعِي عَلى الإتْيانِ لِلْعِيدِ، والنَّظَرِ إلى تِلْكَ المُغالَبَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مِثْلُها.

طه 20:61

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الخَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ لَهُمْ﴾ أيْ لِأهْلِ الكَيْدِ وهُمُ السَّحَرَةُ وغَيْرُهم ﴿مُوسى﴾ حِينَ رَأى اجْتِماعَهم ناصِحًا لَهُمْ: ﴿ويْلَكُمْ﴾ يا أيُّها النّاسُ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ لِعِبادَتِهِ ﴿لا تَفْتَرُوا﴾ أيْ لا تَتَعَمَّدُوا أنْ تَصْنَعُوا اسْتِعْلاءً ﴿عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِجَعْلِكم آياتِهِ العِظامَ الثّابِتَةَ سِحْرًا لا حَقِيقَةَ لَهُ، وادِّعائِكم أنَّ ما تُخَيِّلُونَ بِهِ حَقٌّ ولَيْسَ بِخَيالٍ، وإشْراكِكم بِهِ؛ (p-٣٠٤)وسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أيْ يُهْلِكَكُمْ؛ قالَ الرّازِيُّ وأصْلُهُ الِاسْتِئْصالُ ﴿بِعَذابٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ تَظْهَرُ بِهِ خَيْبَتُكم ﴿وقَدْ خابَ﴾ كُلُّ ﴿مَنِ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ كَذِبًا عَلى اللَّهِ أوْ عَلى غَيْرِهِ

طه 20:62

﴿فَتَنازَعُوا﴾ أيْ تَجاذَبَ السَّحَرَةُ ﴿أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ لَمّا سَمِعُوا هَذا الكَلامَ، عِلْمًا مِنهم بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أنْ يُواجِهَ فِرْعَوْنَ بِمِثْلِهِ في جَمِيعِ جُنُودِهِ وأتْباعِهِ لَمْ يَسْلَمْ مِنهُ [إلّا -] مَنِ اللَّهُ مَعَهُ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ أيْ كَلامَهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ وبالَغُوا في إخْفائِهِ، فَإنَّ النَّجْوى الإسْرارُ، لِئَلّا يَظْهَرَ فِرْعَوْنُ وأتْباعُهُ عَلى عَوارِهِمْ [فِي -] اخْتِلافِهِمُ الَّذِي اقْتَضاهُ لَفْظُ التَّنازُعِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا حِينَ انْتَهى تَنازُعُهُمْ؟ [فَقِيلَ -]:

طه 20:63

﴿قالُوا﴾ أيِ السَّحَرَةُ بَعْدَ النَّظَرِ وإجالَةِ الرَّأْيِ ما خَيَّلَهم بِهِ فِرْعَوْنُ تَلَقُّنًا مِنهُ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ بِما يُنَفِّرُ النّاسَ عَنْ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ [ويُثَبِّطُهم عَنِ اتِّباعِهِما وإنْ غَلَبا، لِأنَّهُ لا يُنْكَرُ غَلَبَةُ ساحِرٍ عَلى ساحِرٍ آخَرَ ]: ﴿إنْ هَذانِ﴾ أيْ مُوسى وهارُونُ وقُرِئَ: هاذانِ - بِالألِفِ، عَلى لُغَةِ مَن يَجْعَلُ ألِفَ المُثَنّى لازِمَةً في كُلِّ حالٍ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وهي لُغَةٌ لِطَوائِفَ مِنَ العَرَبِ: بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ وبَعْضِ كِنانَةَ وخَثْعَمَ وزُبَيْدٍ وبَنِي العَنْبَرِ (p-٣٠٥)وبَنِي الهُجَيْمِ ومُرادٍ وعُذْرَةَ. ﴿لَساحِرانِ﴾ لا شَكَّ في ذَلِكَ مِنهُما ﴿يُرِيدانِ﴾ أيْ [بِما -] يَقُولانِ مِن دَعْوى الرِّسالَةِ وغَيْرِها ﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ ﴿مِن أرْضِكُمْ﴾ هَذِهِ الَّتِي ألِفْتُمُوها، وهي وطَنُكم خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ﴿بِسِحْرِهِما﴾ الَّذِي أظْهَراهُ لَكم وغَيْرِهِ. [ولَمّا كانَ كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحِينَ قالُوا -]: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ هَذِهِ السِّحْرِيَّةِ الَّتِي تَعِبْتُمْ في تَمْهِيدِها، وأفْنى فِيها أسْلافُكم أعْمارَهُمْ، حَتّى بَلَغَ أمْرُها الغايَةَ، وبِدِينِكُمُ الَّذِي بِهِ قِوامُكم ﴿المُثْلى﴾ أيِ الَّتِي هي أمْثَلُ الطُّرُقِ، فَيَكُونا آثَرَ بِما يُظْهِرانِهِ مِنها عِنْدَ النّاسِ [مِنكم -]، ويَصْرِفانِ وُجُوهَ النّاسِ إلَيْها عَنْكُمْ، ويَبْطُلُ ما لَكم بِذَلِكَ مِنَ الأرْزاقِ والعَظَمَةِ عِنْدَ الخاصِّ والعامِّ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ

طه 20:64

﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ أيْ لا تَدَعُوا مِنهُ شَيْئًا إلّا جِئْتُمْ بِهِ ولا تَخْتَلِفُوا تَضْعُفُوا ﴿ثُمَّ ائْتُوا﴾ إلى لِقاءِ مُوسى وهارُونَ لِمُباراتِهِما ﴿صَفًّا﴾ أيْ مُتَسابِقِينَ مُتَساوِينَ في السِّباقِ لِيَسْتَعْلِيَ أمْرُكم عَلَيْهِما فَتُفْلِحُوا، والِاصْطِفافُ أهْيَبُ في صُدُورِ الرّائِينَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: [فَمَن -] أتى كَذَلِكَ [فَقَدِ -] اسْتَعْلى، عَطَفَ (p-٣٠٦)عَلَيْهِ قَوْلَهم مُحَقِّقًا: ﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ﴾ في هَذا الجَمْعِ الَّذِي ما اجْتَمَعَ مِثْلُهُ قَطُّ ﴿مَنِ اسْتَعْلى﴾ أيْ غَلَبَ ووَجَدَ عُلُوَّهُ، أيْ فَفَعَلُوا ما تَقَدَّمَ وأتَوْا صَفًّا، فَلَمّا أتَوْا وكانُوا خَبِيرِينَ بِأنْ يَقُولُوا ما يَنْفَعُهم في مُناصَبَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

طه 20:65

﴿قالُوا﴾ أيِ السَّحَرَةُ مُنادِينَ، لِأنَّ لَيِّنَ القَوْلِ مَعَ الخَصْمِ إنْ لَمْ يَنْفَعْ لَمْ يَضُرَّ: ﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ ما مَعَكَ مِمّا تُناظِرُنا بِهِ أوَّلًا ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ﴾ أيْ نَحْنُ ﴿أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ما مَعَهُ

طه 20:66

﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى مُقابِلًا لِأدَبِهِمْ [بِأحْسَنَ مِنهُ -] ولِأنَّهُ فَهِمَ أنَّ مُرادَهُمُ الابْتِداءُ، ولِيَكُونَ هو الآخِرَ فَيَكُونَ العاقِبَةَ بِتَسْلِيطِ مُعْجِزَتِهِ عَلى سِحْرِهِمْ فَلا يَكُونُ بَعْدَها شَكٌّ: لا أُلْقِي أنا أوَّلًا ﴿بَلْ ألْقُوا﴾ أنْتُمْ أوَّلًا، فانْتَهَزُوا الفُرْصَةَ، لِأنَّ ذَلِكَ كانَ مُرادَهم بِما أفْهَمُوهُ مِن تَعْبِيرِ السِّياقِ والتَّصْرِيحِ بِالأوَّلِ، فَألْقَوْا ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾ الَّتِي ألْقَوْها ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ﴾ وهو صَفِيُّنا [تَخْيِيلًا مُبْتَدِئًا -] ﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا [قَدْ -] فاقُوا بِهِ أهْلَ الأرْضِ ﴿أنَّها﴾ لِشِدَّةِ اضْطِرابِها ﴿تَسْعى﴾ سَعْيًا، وإذا كانَ هَذا حالَهُ مَعَ أنَّهُ أثْبَتُ النّاسِ بَصَرًا وأنْفَذُهم بَصِيرَةً فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ!

طه 20:67

﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ أضْمَرَ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ: أوْقَعَ واجِسًا أيْ خاطِرًا وضَمِيرًا. (p-٣٠٧)ولَمّا كانَ المَقامُ لِإظْهارِ الخَوارِقِ عَلى يَدَيْهِ، فَكانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّهُ أوْقَعَهُ في نَفْسِ أحَدٍ غَيْرِهِ، كانَ المَقامُ لِلِاهْتِمامِ بِتَقْدِيمِ المُتَعَلِّقِ، فَقالَ لِذَلِكَ لا لِمُراعاةِ الفَواصِلِ: ﴿فِي نَفْسِهِ﴾ أيْ خاصَّةً، [وقَدَّمَ ما المَقامُ لَهُ والِاهْتِمامِ بِهِ فَقالَ -]: ﴿خِيفَةً مُوسى﴾ مِثْلَ ما خافَ مِن عَصاهُ أوَّلَ ما رَآها كَذَلِكَ عَلى ما هو طَبْعُ البَشَرِ، ولِلنَّظَرِ إلى الطَّبْعِ عَبَّرَ بِالنَّفْسِ لا القَلْبِ مَثَلًا.

طه 20:68

ولَمّا كانَ ذَلِكَ، وكانَ المَعْلُومُ أنَّ اللَّهَ مَعَهُ، وأنَّهُ [جَدِيرٌ -] بِإبْطالِ سِحْرِهِمُ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْنا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -]: ﴿لا تَخَفْ﴾ مِن شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ ولا غَيْرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، وأكَّدَهُ أنْواعًا مِنَ التَّأْكِيدِ لِاقْتِضاءِ الحالِ [إنْكارَ أنْ يَغْلِبَ أحَدٌ ما أظْهَرُوا مِن سِحْرِهِمْ لِعِظَمِهِ]: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ [أيْ خاصَّةً -] ﴿الأعْلى﴾ أيِ الغالِبُ غَلَبَةً ظاهِرَةً لا شُبْهَةَ فِيها

طه 20:69

﴿وألْقِ﴾ وأشارَ إلى يُمْنِ العَصا وبَرَكَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿ما في يَمِينِكَ﴾ أيْ مِن هَذِهِ العَصا الَّتِي قُلْنا لَكَ أوَّلَ ما شَرَّفْناكَ بِالمُناجاةِ ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧] ثُمَّ أرَيْناكَ مِنها ما أرَيْناكَ ﴿تَلْقَفْ﴾ بِقُوَّةٍ واجْتِهادٍ مَعَ سُرْعَةٍ لا تَكادُ تُدْرَكُ - بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿ما صَنَعُوا﴾ [أيْ فَعَلُوهُ بَعْدَ تَدَرُّبٍ كَبِيرٍ عَلَيْهِ (p-٣٠٨)ومُمارَسَةٍ طَوِيلَةٍ -]؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما﴾ [أيْ أنَّ الَّذِي -] ﴿صَنَعُوا﴾ أيْ [أنَّ -] صُنْعَهم [مِمّا -] رَأيْتَهُ وهالَكَ أمْرُهُ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَحْقِيرَ هَذا الجَيْشِ أفْرَدَ ونَكَّرَ لِتَنْكِيرِ المُضافِ وتَحْقِيرِهِ فَقالَ: ﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾ أيْ كَيْدٌ سِحْرِيٌّ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا ثَباتَ، [سَواءٌ كانَ واحِدًا أوْ جَمْعًا، ولَوْ جَمَعَ لَخُيِّلَ أنَّ المَقْصُودَ العَدَدُ، ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ -]: فَهم لا يُفْلِحُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ ﴿حَيْثُ أتى﴾ أيْ كَيْفَ ما سارَ وأيَّهُ [سَلَكَ -] فَإنَّهُ إنَّما يَفْعَلُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ، فامْتَثَلَ ما أمَرَهُ بِهِ [رَبُّهُ -] مِن إلْقاءِ عَصاهُ، فَكانَ ما وعَدَهُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن تَلَقُّفِها لِما صَنَعُوا مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ عَلَيْها زِيادَةٌ في ثِخَنٍ ولا غَيْرِهِ مَعَ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم كانَتْ شَيْئًا كَثِيرًا، فَعَلِمَ كُلُّ مَن رَأى ذَلِكَ حَقِّيَّتَهُ وبُطْلانَ ما فَعَلَ السَّحَرَةُ، فَبادَرَ السَّحَرَةُ مِنهم إلى الخُضُوعِ لِأمْرِ اللَّهِ ساجِدِينَ مُبادَرَةَ مَن كَأنَّهُ ألْقاهُ مُلْقٍ عَلى وجْهِهِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَكْرَهم واجْتِهادَهم في مُعارَضَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [و -] حَذَفَ ذِكْرَ الإلْقاءِ وما سَبَّبَهُ مِنَ (p-٣٠٩)التَّلَقُّفِ لِأنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ القُدْرَةُ عَلى تَلْيِينِ القُلُوبِ القاسِيَةِ:

طه 20:70

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ أيْ فَألْقاهم ما رَأوْا مِن أمْرِ اللَّهِ بِغايَةِ السُّرْعَةِ وبِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿سُجَّدًا﴾ عَلى وُجُوهِهِمْ؛ قالَ الأصْبَهانِيُّ: سُبْحانَ اللَّهِ! ما أعْظَمَ شَأْنَهُمْ! ألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم لِلْكُفْرِ والجُحُودِ، ثُمَّ ألْقَوْا رُؤُوسَهم بَعْدَ ساعَةٍ لِلشُّكْرِ والسُّجُودِ، فَما أعْظَمَ الفَرْقَ بَيْنَ الإلْقائَيْنِ. فَكَأنَّ قائِلًا قالَ: هَذا فِعْلُهم فَما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ أيْ صَدَّقْنا. ولَمّا كانَ سِياقُ هَذِهِ السُّورَةِ مُقْتَضِيًا لِتَقْدِيمِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ بِشارَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُشْقِيهِ بِهَذا القُرْآنِ بَلْ يَهْدِي النّاسَ [بِهِ -] ويُذِلُّهم لَهُ، فَيَجْعَلُ العَرَبَ عَلى شَماخَتِها أذَلَّ شَيْءٍ لِوُزَرائِهِ وأنْصارِهِ وخُلَفائِهِ وإنْ كانُوا أضْعَفَ النّاسِ، وقَبائِلُهم أقَلَّ القَبائِلِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ وخُلُوصِ ادِّعائِهِمْ بِتَقْدِيمِ الوَزِيرِ المُتَرْجِمِ تَرَقِّيًا في دَرَجِ المَعْرِفَةِ مِمَّنْ أوْصَلَ ذَلِكَ إلَيْهِمْ إلى مَن أمَرَهُ بِذَلِكَ ثُمَّ إلى مَن أرْسَلَهُ شُكْرًا لِلْمُنْعِمِينَ بِالتَّدْرِيجِ «لا يَشْكُرُ اللَّهَ مَن لَمْ يَشْكُرِ النّاسَ» وهَذا لِما أوْجَبَ تَقْدِيمَهُ هُنا لا لِهَذا فَقَطْ، وذَكَرُوا اسْمَ الرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أحْسَنَ إلَيْهِما بِإعْلاءِ شَأْنِهِما عَلى السَّحَرَةِ، وعَلى مَن كانُوا يُقِرُّونَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، وهو فِرْعَوْنُ الَّذِي لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا، فَكانُوا أوَّلَ النَّهارِ سَحَرَةً، وآخِرَهُ شُهَداءَ بَرَرَةً، وهَذِهِ الآيَةُ في أمْثالِها مِن آيِ هَذِهِ السُّورَةِ (p-٣١٠)وغَيْرِها مِمّا قَدَّمَ فِيهِ ما يَتَبادَرُ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ وبِالعَكْسِ لِأنْحاءٍ مِنَ المَعانِي دَقِيقَةٍ، هي الَّتِي حَمَلَتْ بَعْضَ مَن لَمْ يَرْسَخْ إلى أنْ يَقُولَ: إنَّ القُرْآنَ يُراعِي الفَواصِلَ كَما يَتَكَلَّفُ بُلَغاءُ العَرَبِ السَّجْعَ، وتَبِعَهُ جَمْعٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ تَقْلِيدًا، وقَدْ عابَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ حِينَ قالَ: «سَجْعٌ كَسَجْعِ الجاهِلِيَّةِ أوْ قالَ: الكُهّانِ» وقَدْ عُلِمَ مِمّا ذَكَرْتُهُ أنَّ المَعْنى الَّذِي بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ ما كانَ يَنْتَظِمُ إلّا بِتَقْدِيمِ هارُونَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ أنَّهُ قالَ هُنا ﴿إنّا رَسُولا﴾ [طه: ٤٧] وفي الشُّعَراءِ ”رَسُولُ“، وقَدْ قالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ كَما حَكاهُ عَنْهُ الشَّيْخُ أبُو حَيّانَ في [سُورَةِ فاطِرٍ] مِنَ النَّهْرِ: لا يُقالُ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ: أنَّهُ قُدِّمَ أوْ أُخِّرَ لِأجْلِ السَّجْعِ، لِأنَّ مُعْجِزَةَ القُرْآنِ لَيْسَتْ في مُجَرَّدِ اللَّفْظِ، بَلْ فِيهِ وفي المَعْنى، [و -] قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ الباقِلّانِيُّ في كِتابِ إعْجازِ القُرْآنِ: ذَهَبَ أصْحابُنا كُلُّهم إلى نَفْيِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ وذَكَرَهُ أبُو الحَسَنِ الأشْعَرِيُّ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلى المُخالِفِ بِأنْ قالَ: والَّذِي يُقَدِّرُونَهُ أنَّهُ سَجْعٌ فَهو وهْمٌ، لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ الكَلامُ عَلى مِثالِ السَّجْعِ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَجْعًا لِأنَّ (p-٣١١)السَّجْعَ يَتْبَعُ المَعْنى فِيهِ اللَّفْظَ الَّذِي يُؤَدِّي السَّجْعَ. ولَيْسَ كَذَلِكَ ما اتَّفَقَ مِمّا هو في تَقْدِيرِ السَّجْعِ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّ اللَّفْظَ يَقَعُ فِيهِ تابِعًا لِلْمَعْنى، وفَصْلٌ بَيْنَ أنْ يَنْتَظِمَ الكَلامُ في نَفْسِهِ بِألْفاظِهِ الَّتِي تُؤَدِّي المَعْنى المَقْصُودَ فِيهِ وبَيْنَ أنْ يَكُونَ المَعْنى مُنْتَظِمًا دُونَ اللَّفْظِ. ومَتى ارْتَبَطَ المَعْنى بِالسَّجْعِ كانَ إفادَةُ السَّجْعِ كَإفادَةِ غَيْرِهِ. ومَتى انْتَظَمَ المَعْنى بِنَفْسِهِ دُونَ السَّجْعِ كانَ مُسْتَجْلَبًا لِتَحْسِينِ الكَلامِ دُونَ تَصْحِيحِ المَعْنى، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأشْياءَ نَفِيسَةٍ أطالَ فِيها وأجادَ - رَحِمَهُ اللَّهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ [سُورَةِ التَّوْبَةِ] ما يَنْفَعُ جِدًّا في هَذا المَرامِ.

طه 20:71

ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ هو المَقْصُودَ بِالإرْسالِ [إلى فِرْعَوْنَ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الإخْبارَ عَنْ فِرْعَوْنَ عِنْدَما فَجِئَهُ ذَلِكَ فَقالَ -]: ﴿قالَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ لِلسَّحَرَةِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ، [وأضْمَرَ اسْمَهُ هُنا ولَمْ يُظْهِرْهُ كَما في الأعْرافِ لِأنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ الرِّفْقُ بِالمَدْعُوِّينَ والحِلْمُ عَنْهُمْ، وهو غَيْرُ مُتَأهِّلٍ لِذِكْرِ اسْمِهِ في هَذا المَقامِ -]: ﴿آمَنتُمْ﴾ أيْ بِاللَّهِ ﴿لَهُ﴾ أيْ مُصَدِّقِينَ أوْ مُتَّبِعِينَ لِمُوسى ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ في ذَلِكَ، إبْهامًا بِأنَّهُ سَيَأْذَنُ [فِيهِ ] لِيَقِفَ النّاسُ عَنِ المُبادَرَةِ إلى الِاتِّباعِ بَيْنَ خَوْفِ العُقُوبَةِ ورَجاءِ الإذْنِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُعَلِّلًا مُخَيِّلًا لِأتْباعِهِ صَدًّا لَهم عَنِ الاقْتِداءِ بِهِمْ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ أيْ في العِلْمِ ﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ فَلَمْ تَتَّبِعُوهُ لِظُهُورِ الحَقِّ، بَلْ لِإرادَتِكم شَيْئًا مِنَ المَكْرِ وافَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ قَبْلَ حُضُورِكم (p-٣١٢)فِي هَذا المَوْطِنِ، وهَذا عَلى عادَتِهِ في تَخْيِيلِ أتْباعِهِ فِيما يُوقِفُهم عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ. ولَمّا خَيَّلَهُمْ، شَرَعَ يَزِيدُهم حَيْرَةً بِتَهْدِيدِ السَّحَرَةِ فَقالَ: ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما فَعَلْتُمْ ﴿أيْدِيَكُمْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّوْزِيعِ ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ أيْ مِن كُلٍّ يَدًا ورِجْلًا ﴿مِن خِلافٍ﴾ فَإذا قَطَعْتُ اليَدَ اليُمْنى قَطَعْتُ الرِّجْلَ اليُسْرى ﴿ولأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [وعَبَّرَ عَنِ الاسْتِعْلاءِ بِالظَّرْفِ إشارَةً إلى تَمْكِينِهِمْ مِنَ المَصْلُوبِ فِيهِ تَمْكِينَ المَظْرُوفِ في ظَرْفِهِ فَقالَ -]: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ تَبْشِيعًا لِقَتْلِكم رَدْعًا لِأمْثالِكم ﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا﴾ أنا أوْ رَبِّ مُوسى الَّذِي قالَ: إنَّهُ أوْحى إلَيْهِ أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى ﴿أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ أيْ مِن جِهَةِ العَذابِ، أيْ أيُّنا عَذابُهُ أشَدُّ وأطْوَلُ زَمانًا.

طه 20:72

ولَمّا عَلِمُوا ما خَيَّلَ بِهِ عَلى عُقُولِ الضُّعَفاءِ، نَبَّهُوهم [فَأخْبَرَ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا -]: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أيْ [نُقَدِّمَ أثَرَكَ -] بِالِاتِّباعِ [لَكَ -] لِنَسْلَمَ مِن عَذابِكَ الزّائِلِ ﴿عَلى ما جاءَنا﴾ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿مِنَ البَيِّناتِ﴾ الَّتِي عايَنّاها وعَلِمْنا أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُضاهاتِها. ولَمّا بَدَؤُوا بِما يَدُلُّ عَلى الخالِقِ [مِنَ الفِعْلِ -] الخارِقِ، تَرَقَّوْا إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِفِعْلِهِ، إشارَةً إلى عَلِيِّ قَدْرِهِ فَقالُوا: (p-٣١٣)﴿والَّذِي﴾ أيْ ولا نُؤْثِرُكَ بِالِاتِّباعِ عَلى الَّذِي ﴿فَطَرَنا﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَنا، إشارَةً إلى شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لَهم ولَهُ ولِجَمِيعِ النّاسِ، وتَنْبِيهًا عَلى عَجْزِ فِرْعَوْنَ عِنْدَ مَنِ اسْتَحَقَّهُ، وفي جَمِيعِ أقْوالِهِمْ هَذِهِ مِن تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعالى عِبارَةً وإشارَةً وتَحْقِيرِ فِرْعَوْنَ أمْرٌ عَظِيمٌ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم لا يُبالُونَ بِهِ، عِلْمًا بِأنَّ ما فَعَلَهُ فَهو بِإذْنِ اللَّهِ، قالُوا: ﴿فاقْضِ ما﴾ أيْ فاصْنَعْ في حُكْمِكَ الَّذِي ﴿أنْتَ قاضٍ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما تَقْضِي﴾ أيْ تَصْنَعُ بِنا ما تُرِيدُ [إنْ قَدَّرَكَ اللَّهُ عَلَيْهِ -] ﴿هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيْ إنَّما حُكْمُكَ في مُدَّتِها عَلى الجَسَدِ خاصَّةً، فَهي ساعَةٌ تُعْقِبُ راحَةً، ونَحْنُ لا نَخافُ إلّا مِمَّنْ يَحْكُمُ عَلى الرُّوحِ وإنْ فَنِيَ الجَسَدُ، فَذاكَ هو الشَّدِيدُ العَذابِ، الدّائِمُ الجَزاءِ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ، [ولَعَلَّهم أسْقَطُوا الجارَّ تَنَزُّلًا إلى أنَّ حُكْمَهُ لَوْ فُرِضَ أنَّهُ يَمْتَدُّ إلى آخِرِ الدُّنْيا لَكانَ أهْلًا لِأنْ لا يُخْشى لِأنَّهُ زائِلٌ وعَذابُ اللَّهِ باقٍ -].

طه 20:73

ثُمَّ عَلَّلُوا تَعْظِيمَهم لِلَّهِ واسْتِهانَتَهم بِفِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْنا طُولَ أعْمارِنا مَعَ إساءَتِنا بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَنا﴾ [مِن غَيْرِ نَفْعٍ يَلْحَقُهُ بِالفِعْلِ أوْ ضَرَرٍ يُدْرِكُهُ بِالتَّرْكِ -] (p-٣١٤)﴿خَطايانا﴾ الَّتِي قابَلْنا بِها إحْسانَهُ: ثُمَّ خَصُّوا بَعْدَ العُمُومِ فَقالُوا: ﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ﴾ [وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ -]: ﴿مِنَ السِّحْرِ﴾ لِتُعارِضَ بِهِ المُعْجِزَةَ، فَإنَّهُ كانَ الأكْمَلَ لَنا عِصْيانُكَ فِيهِ لِأنَّ اللَّهَ أحَقُّ بِأنْ يُتَّقى. رُوِيَ أنَّ الَّذِي كانَ مِنَ القِبْطِ مِنَ السَّحَرَةِ اثْنانِ فَقَطْ، والباقُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أكْرَهَهم فِرْعَوْنُ عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، ورُوِيَ أنَّهم رَأوْا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ نائِمًا وعَصاهُ تَحْرُسُهُ فَقالُوا لِفِرْعَوْنَ إنَّ السّاحِرَ إذا نامَ بَطَلَ سِحْرُهُ، فَهَذا لا يُقْدَرُ عَلى مُعارَضَتِهِ، فَأبى عَلَيْهِمْ وأكْرَهَهم عَلى المُعارَضَةِ. [ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّنا أهْلُ التَّقْوى وأهْلُ المَغْفِرَةِ، عَطَفُوا عَلَيْهِ مُسْتَحْضِرِينَ لِكَمالِهِ -]: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿خَيْرٌ﴾ جَزاءً مِنكَ فِيما وعَدْتَنا بِهِ ﴿وأبْقى﴾ ثَوابًا وعِقابًا، والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَهم مِن فِرْعَوْنَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] - قالَهُ أبُو حَيّانَ. [وسَيَأْتِي في آخِرِ الحَدِيدِ ما هو صَرِيحٌ في نَجاتِهِمْ -]؛

طه 20:74

ثُمَّ عَلَّلُوا هَذا الخَتْمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي رَبّاهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِأنْ أوْجَدَهُ وجَعَلَ لَهُ جَمِيعَ ما يُصْلِحُهُ ﴿مُجْرِمًا﴾ أيْ قاطِعًا ما أمَرَهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴿فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ دارَ الإهانَةِ ﴿لا يَمُوتُ فِيها﴾ أبَدًا مَعَ شِدَّةِ عَذابِها. بِخِلافِ عَذابِكَ الَّذِي [إنِ -] (p-٣١٥)اشْتَدَّ أماتَ فَزالَ سَرِيعًا، وإنْ خَفَّ لَمْ يُخِفْ وكانَ آخِرُهُ المَوْتَ وإنْ طالَ ﴿ولا يَحْيا﴾ فِيها حَياةً يَنْتَفِعُ بِها

طه 20:75

﴿ومَن يَأْتِهِ﴾ أيْ رَبَّهُ الَّذِي أوْجَدَهُ ورَبّاهُ ﴿مُؤْمِنًا﴾ أيْ مُصَدِّقًا بِهِ. [ولَمّا قَدَّمَ أنَّ مُجَرَّدَ الكُفْرِ يُوجِبُ العَذابَ. كانَ هَذا مَحَلًّا يُتَوَقَّعُ فِيهِ الإخْبارُ عَنِ الإيمانِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَقالَ -]: ”قَدْ“ [أيْ -] ضَمَّ إلى ذَلِكَ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ أنَّهُ ﴿عَمِلَ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي أُمِرَ بِها -] فَكَأنَّ [صادِقَ -] الإيمانِ مُسْتَلْزِمٌ لِصالِحِ الأعْمالِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهُمُ﴾ [أيْ لِتَداعِي ذَواتِهِمْ بِمُقْتَضى الجِبِلَّةِ -] ﴿الدَّرَجاتُ العُلا﴾ الَّتِي لا نِسْبَةَ لِدَرَجاتِكَ الَّتِي وعَدْتَنا بِها مِنها؛

طه 20:76

ثُمَّ بَيَّنُوها بِقَوْلِهِمْ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ أُعِدَّتْ لِلْإقامَةِ وهُيِّئَتْ فِيها أسْبابُها ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ مِن تَحْتِ غُرَفِها وأسِرَّتِها وأرْضِها؛ فَلا يُرادُ مَوْضِعٌ مِنها لِأنْ يَجْرِيَ فِيهِ نَهْرٌ إلّا جَرى؛ ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أنَّ أهْلَها هُيِّئُوا أيْضًا لِلْإقامَةِ. ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ [و -] العَطْفُ عَلى غَيْرِ [مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ -] ظاهِرٍ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ذَلِكَ الجَزاءُ العَظِيمُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ جَزاءُ المَوْصُوفِينَ، لِتَزْكِيَتِهِمْ أنْفُسَهُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وذَلِكَ جَزاءُ﴾ كُلِّ ﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ طَهَّرَ نَفْسَهُ بِما ذَكَرَ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وفي هَذا تَسْلِيَةٌ لِلصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيما كانَ يُفْعَلُ بِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ (p-٣١٦)هَذِهِ السُّورَةِ إذْ كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ.

طه 20:77

ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ اسْتِكْبارَ فِرْعَوْنَ المُدَّعى في قَوْلِهِ ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] وخَتَمَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ يُهْلِكُ العاصِيَ كائِنًا مَن كانَ، ويُنْجِي الطّائِعَ، أتْبَعَ ذَلِكَ شاهِدًا مَحْسُوسًا عَلَيْهِ كَفِيلًا بِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يُغْنِ عَنْ فِرْعَوْنَ شَيْءٌ مِن قُوَّتِهِ ولا اسْتِكْبارِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ [طه: ٥٦] ﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا لِتَسْهِيلِ ما يَأْتِي مِنَ الأُمُورِ الكِبارِ ﴿إلى مُوسى﴾ غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ لِشَيْءٍ مِن أقْوالِ فِرْعَوْنَ ولا أفْعالِهِ، وهَذا الإيحاءُ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ السَّحَرَةِ بِمُدَّةٍ مَدِيدَةٍ جَرَتْ فِيها خُطُوبٌ طِوالٌ كانَتْ بِسَبَبِها الآياتُ الكِبارُ، وكَأنَّها حُذِفَتْ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، والمُرادُ هُنا الِانْتِهاءُ لِما تَقَدَّمَ مِن مَقْصُودِ السُّورَةِ ﴿أنْ أسْرِ﴾ أيْ لَيْلًا، لِأنَّ السُّرى سَيْرُ اللَّيْلِ؛ وشَرَّفَهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿بِعِبادِي﴾ أيْ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ لَفَتُّ قَلْبَ فِرْعَوْنَ حَتّى أذِنَ في مَسِيرِهِمْ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ أبى أنْ يُطْلِقَهم أوْ يَكُفَّ عَنْهُمُ العَذابَ، فاقْصِدْ بِهِمْ ناحِيَةَ بَحْرِ القُلْزُمِ ﴿فاضْرِبْ لَهُمْ﴾ أيِ اعْمَلْ (p-٣١٧)بِضَرْبِ البَحْرِ بِعَصاكَ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ ضَرْبًا. ولَمّا كانَ ضَرْبُ البَحْرِ بِالعَصا سَبَبًا لِوُجُودِ الطَّرِيقِ المَوْصُوفَةِ، أوْقَعَ الفِعْلَ عَلَيْها فَقالَ: ﴿طَرِيقًا في البَحْرِ﴾ ووَصَفَها بِالمَصْدَرِ [مُبالَغَةً -] فَقالَ: ﴿يَبَسًا﴾ حالَ كَوْنِها أوْ كَوْنِكَ ﴿لا تَخافُ﴾ والمُرادُ بِها الجِنْسُ، فَإنَّهُ كانَ لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ ﴿دَرَكًا﴾ أيْ أنْ يُدْرِكَكَ شَيْءٌ مِن طُغْيانِ البَحْرِ أوْ بَأْسِ العَدُوِّ [أوْ غَيْرِ ذَلِكَ -]. ولَمّا كانَ الدَّرَكُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ اللَّحاقِ والتَّبِعَةِ، أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَخْشى﴾ أيْ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ أصْلًا إنْفاذًا لِأمْرِي وإنْقاذًا لِمَن أرْسَلْتُكَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، وسَوْقُهُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن إظْهارِ القُدْرَةِ والِاسْتِهانَةِ بِالمُعانِدِ مَعَ كِبْرِيائِهِ ومَكِنَتِهِ اسْتِدْلالًا شُهُودِيًّا عَلى ما قَرَّرَ أوَّلَ السُّورَةِ مِن شُمُولِ القُدْرَةِ وإحاطَةِ العِلْمِ لِلْبِشارَةِ بِإظْهارِ هَذا الدِّينِ بِكَثْرَةِ الأتْباعِ وإبارَةِ الخُصُومِ والإسْعادِ بِرَدِّ الأضْدادِ وجَعْلِ بُغْضِهِمْ وُدًّا، وإنْ كانُوا قَوْمًا لُدًّا؛

طه 20:78

ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ [عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَبادَرَ (p-٣١٨)امْتِثالَ الأمْرِ في الإسْراءِ وغَيْرِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُمْ﴾ أيْ [أوْجَدَ التَّبَعَ والمَسِيرَ وراءَ -] بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ذُلِّهِمْ وضَعْفِهِمْ ﴿فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وعُلُوِّهِمْ وعِزَّتِهِمْ، فَكانُوا كالتّابِعِ الَّذِي لا مَعْنى لَهُ بِدُونِ مَتْبُوعِهِ ﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ أيْ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ ﴿مِنَ اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ [الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُؤَمَّ؛ وأوْجَزَ فَهَوَّلَ فَقالَ ]: ﴿ما غَشِيَهُمْ﴾ أيْ أمْرٌ لا تَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَهُ حَقَّ وصْفِهِ، فَأهْلَكَ أوَّلَهم وآخِرَهُمْ؛ وقَطَعَ دابِرَهُمْ، لَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا، وما شاكَتْ أحَدًا مِن عِبادِنا المُسْتَضْعَفِينَ شَوْكَةٌ

طه 20:79

﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ﴾ عَلى تَحَذْلُقِهِ ﴿قَوْمَهُ﴾ مَعَ ما لَهم مِن قُوَّةِ الأجْسادِ ومَعانِيها. ولَمّا كانَ إثْباتُ الفِعْلِ لا يُفِيدُ العُمُومَ، نَفى ضِدَّهُ لِيُفِيدَهُ مَعَ كَوْنِهِ أوْكَدَ وأوْقَعَ في النَّفْسِ وأرْوَعَ لَها فَقالَ: ﴿وما هَدى﴾ أيْ ما وقَعَ مِنهُ شَيْءٌ مِنَ الهِدايَةِ، لا لِنَفْسِهِ ولا لِأحَدٍ مِن قَوْمِهِ، فَتَمَّ الدَّلِيلُ الشُّهُودِيُّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى إنْجاءِ الطّائِعِ وإهْلاكِ العاصِي.

طه 20:80

ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لِلتَّشَوُّفِ إلى ما وقَعَ لِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَهُ، قالَ تَعالى شافِيًا لِهَذا الغَلِيلِ، أقْبَلْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مُمْتَنِّينَ بِما مَضى وما يَأْتِي قائِلِينَ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُعْتَرِفِينَ لَهم أنّا نَظَرْنا إلى السَّوابِقِ فَأكْرَمْناهم (p-٣١٩)لِأجْلِ أبِيهِمْ. ولَمّا كانَ دَرْءُ المَفاسِدِ وإزالَةُ المَوانِعِ قَبْلَ جَلْبِ المَصالِحِ واسْتِدْرارِ المَنافِعِ قالَ: ﴿قَدْ أنْجَيْناكُمْ﴾ بِقُدْرَتِنا الباهِرَةِ ﴿مِن عَدُوِّكُمْ﴾ الَّذِي كُنْتُمْ أحْقَرَ شَيْءٍ عِنْدَهُ. ولَمّا تَفَرَّغُوا لِإنْفاذِ ما يُرادُ مِنهم مِنَ الطّاعَةِ قالَ: ﴿وواعَدْناكُمْ﴾ أيْ كُلَّكم - كَما مَضى في البَقَرَةِ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ - لِلْمُثُولِ بِحَضْرَتِنا والِاعْتِزازِ بِمَواطِنِ رَحْمَتِنا ﴿جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ أيِ الَّذِي عَلى أيْمانِكم في تَوَجُّهِكم هَذا الَّذِي وُجُوهُكم فِيهِ إلى بَيْتِ [أبِيكم -] إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، [وهُوَ جانِبُهُ الَّذِي يَلِي البَحْرَ وناحِيَةُ مَكَّةَ واليَمَنِ -]. ولَمّا بَدَأ بِالمَنفَعَةِ الدِّينِيَّةِ، ثَنّى بِالمَنفَعَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ [فَقالَ -]: ﴿ونَـزَّلْنا عَلَيْكُمُ﴾ بَعْدَ إنْزالِ هَذا الكِتابِ في هَذِهِ المُواعَدَةِ لِإنْعاشِ أرْواحِكم ﴿المَنَّ والسَّلْوى﴾ لِإبْقاءِ أشْباحِكُمْ، فَبَدَأ بِالإنْجاءِ المُمَكِّنِ مِنَ العِبادَةِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِنِعْمَةِ الكِتابِ الدّالِّ عَلَيْها، ثُمَّ بِالرِّزْقِ المُقَوِّي، ودَلَّ عَلى [نِعْمَةِ -] الإذْنِ فِيهِ بِقَوْلِهِ:

طه 20:81

﴿كُلُوا﴾ ودَلَّ عَلى سَعَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما﴾ ودَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَزَقْناكُمْ﴾ مِن ذَلِكَ ومِن غَيْرِهِ. ولَمّا كانَ الغِنى والرّاحَةُ سَبَبَ السَّماحَةِ، قالَ: ﴿ولا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ (p-٣٢٠)بِالِادِّخارِ إلى غَدٍ في غَيْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَطَرِ وإغْفالِ الشُّكْرِ بِصَرْفِهِ في غَيْرِ الطّاعَةِ ﴿فَيَحِلَّ﴾ أيْ يَنْزِلَ [ويَجِبَ في حِينِهِ الَّذِي هو أوْلى الأوْقاتِ بِهِ -] -عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالكَسْرِ، ونُزُولًا عَظِيمًا وبُرُوكًا شَدِيدًا - عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالضَّمِّ ﴿عَلَيْكم غَضَبِي﴾ فَتَهْلِكُوا لِذَلِكَ ”و“ كُلُّ ”مِن يُحَلِّلُ عَلَيْهِ غَضَبِي“ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿فَقَدْ هَوى﴾ أيْ كانَ حالُهُ حالَ مَن سَقَطَ مِن عُلُوٍّ.

طه 20:82

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ الزَّلَلِ وإنِ اجْتَهَدَ، رَجاهُ واسْتَعْطَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ﴾ أيْ سَتّارٌ بِإسْبالِ ذَيْلِ العَفْوِ ﴿لِمَن تابَ﴾ أيْ رَجَعَ عَنْ ذُنُوبِهِ مِنَ الشِّرْكِ وما يُقارِبُهُ ﴿وآمَنَ﴾ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ. ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الِاسْتِمْرارِ عَلى الِاسْتِقامَةِ في غايَةِ العُلُوِّ، عَبَّرَ عَنْها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾ أيِ اسْتَمَرَّ عَلى العَمَلِ الصّالِحِ مُتَحَرِّيًا بِهِ إيقاعَهُ عَلى حَسَبِ أمْرِنا وعَلى أقْرَبِ الوُجُوهِ المُرْضِيَةِ لَنا، لَهُ إلى ذَلِكَ غايَةُ التَّوَجُّهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ صِيغَةُ افْتَعَلَ، وكَأنَّهُ لَمّا رَتَّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَنازِلَ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عامَّةً والسَّبْعِينَ المُخْتارِينَ مِنهم خاصَّةً في الجَبَلِ - كَما مَضى عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وواعَدَهُ الكَلامَ (p-٣٢١)بَعْدَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً ولَمْ يُعَيِّنْ لَهُ أوَّلَها، وكَأنَّهُ لِاشْتِياقِهِ إلى ما رَأى مِنَ التَّعَرُّفِ إلَيْهِ بِمَقامِ الجَمالِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى خُصُوصِ إذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى في أوَّلِ وقْتِ الإتْيانِ اكْتِفاءً بِمُطْلَقِ الأمْرِ السّابِقِ في المِيعادِ، فَتَعَجَّلَ بِعَشْرَةِ أيّامٍ عَنِ الوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ أنَّ الكَلامَ يَقَعُ فِيهِ بَعْدَ الثَّلاثِينَ الَّتِي ضَرَبَها لِذَلِكَ، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمَهُ [عِنْدَ -] نُهُوضِهِ، وتَقَدَّمَ إلَيْهِمْ في اتِّباعِهِ والكَوْنِ في أثَرِهِ لِلْحُلُولِ في الأماكِنِ الَّتِي حَدَّها اللَّهُ لَهم وأمَرَ السَّبْعِينَ المُخْتارَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وكَأنَّهم لَمّا مَضى تَلَبَّثُوا لِما رَأوْا مِن مَقامِ الجَلالِ، فَلَمّا مَضَتِ الثَّلاثُونَ بَعْدَ ذَهابِ مُوسى لَمْ يَكُنْ أتى الوَقْتُ الَّذِي أرادَ اللَّهُ أنْ تَكُونَ المُناجاةُ فِيهِ، فَزادَهُ عَشْرًا فَظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ الظُّنُونَ في تِلْكَ العَشْرَةِ، ووَقَعَ لَهم ما وقَعَ مِنَ اتِّخاذِ العِجْلِ.

طه 20:83

ولَمّا كانَ ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ، وكانَ أعْظَمَ ما مَضى في آيَةِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ والتَّعَرُّفِ بِالنِّعَمِ إلَيْهِمُ المُواعَدَةُ لِهِدايَتِهِمْ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ والمَسْمُوعَةِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى الِاجْتِهادِ في الإقْبالِ عَلى الهُدى، أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَ ضَلالِهِمْ بَعْدَ رُؤْيَةِ ما يَبْعُدُ [مَعَهُ -] كُلَّ البُعْدِ إلْمامُ مَن رَآهُ بِشَيْءٍ مِنَ الضَّلالِ، كُلُّ ذَلِكَ لِإظْهارِ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ بِضِدِّ ما يُظَنُّ بِها، وكانَ تَنَجُّزُ المَواعِيدِ ألَذَّ شَيْءٍ لِلْقُلُوبِ وأشْهاهُ إلى النُّفُوسِ، وكانَ السِّياقُ مُرْشِدًا حَتْمًا إلى أنَّ (p-٣٢٢)التَّقْدِيرَ: فَأتَوْا إلى الطُّورِ لِمِيعادِنا، وتَيَمَّمُوا جانِبَهُ الأيْمَنَ بِأمْرِنا ومُرادِنا، وتَعَجَّلَ مُوسى صَفِيُّنا الصُّعُودَ فِيهِ [- مُبادِرًا لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّوْقِ إلى ذَلِكَ المَقامِ الشَّرِيفِ وتَأخَّرَ مَجِيءُ قَوْمِهِ عَنِ الإتْيانِ مَعَهُ، فَقُلْنا: ما أخَّرَ قَوْمَكَ عَنِ الإتْيانِ مَعَكَ؟ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ]: ﴿وما أعْجَلَكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ أوْجَبَ لَكَ العَجَلَةَ في المَجِيءِ ﴿عَنْ قَوْمِكَ﴾ وإنْ كُنْتَ بادَرْتَ مُبادَرَةَ المُبالِغِ في الِاسْتِرْضاءِ، [أما عَلِمْتَ أنَّ حُدُودَ المُلُوكِ لا يَنْبَغِي تَجاوُزُها بِتَقَدُّمٍ أوْ تَأخُّرٍ -]؟ ﴿يا مُوسى﴾ فَهَلّا أتَيْتُمْ جُمْلَةً وانْتَظَرْتُمْ أمْرًا جَدِيدًا بِخُصُوصِ الوَقْتِ الَّذِي أسْتَحْضِرُكم فِيهِ

طه 20:84

﴿قالَ﴾ مُوسى ظَنًّا مِنهُ أنَّهم أسْرَعُوا وراءَهُ: ﴿هُمْ﴾ [وأتى بِاسْمِ الإشارَةِ وأسْقَطَ مِنهُ هاءَ التَّنْبِيهِ لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِخِطابِ اللَّهِ، قالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ الأصْفِياءِ خاطَبَ رَبَّهُ بِذَلِكَ، وإنَّما خاطَبَ بِهِ الكُفّارَ لِغَباوَتِهِمْ ﴿قالُوا رَبَّنا هَؤُلاءِ شُرَكاؤُنا الَّذِينَ كُنّا نَدْعُوا مِن دُونِكَ﴾ [النحل: ٨٦] في أمْثالِها وأمّا آخِرُ الزُّخْرُفِ فَقَدْ ذَكَرَ التَّعْبِيرَ بِها في مَوْضِعِهِ -] ﴿أُولاءِ﴾ أيْ هم في القُرْبِ بِحَيْثُ يُسارُ إلَيْهِمْ، كائِنِينَ ﴿عَلى أثَرِي﴾ أيْ ماشِينَ عَلى آثارِ مَشْيِي قَبْلَ أنْ يَنْطَمِسَ لَمْ أسْبِقْهم إلّا بِشَيْءٍ جَرَتِ العادَةُ في السَّبْقِ [بِمِثْلِهِ -] بَيْنَ الرِّفاقِ، هَذا بِناءً مِنهُ عَلى ما كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ، وأكَّدَ فِيهِ عَلَيْهِمْ: ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ فِعْلِهِ فَقالَ: ﴿وعَجِلْتُ﴾ (p-٣٢٣)أنا بِالمُبادَرَةِ ﴿إلَيْكَ﴾ وجَرى عَلى عادَةِ أهْلِ القُرْبِ كَما يَحِقُّ لَهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُسارِعُ في إصْلاحِ شَأْنِي والإصْلاحِ إلَيَّ ﴿لِتَرْضى﴾ عَنِّي رِضًا أعْظَمَ مِمّا كانَ

طه 20:85

﴿قالَ﴾ الرَّبُّ سُبْحانَهُ: ﴿فَإنّا﴾ أيْ [قَدْ -] تَسَبَّبَ عَنْ عَجَلَتِكَ عَنْهم أنّا ﴿قَدْ فَتَنّا﴾ أيْ خالَطْنا بِعَظَمَتِنا مُخالَطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً ﴿قَوْمَكَ﴾ بِتَعَجُّلِكَ. ولَمّا كانَتِ الفِتْنَةُ لَمْ تَسْتَغْرِقْ جَمِيعَ الزَّمَنِ الَّذِي كانَ بَعْدَهُ، وإنَّما كانَتْ في بَعْضِهِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِكَ﴾ [أيْ خالَطْناهم بِأمْرٍ مِن أمْرِنا مُخالَطَةً أحالَتْهم عَمّا عَهِدْتَهم عَلَيْهِ -]، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ تَمامِ المُدَّةِ الَّتِي ضَرَبْتَها لَهُمْ، وهي الثَّلاثُونَ بِالفِعْلِ وبِالقُوَّةِ فَقَطْ، مِن أوَّلِ ما فارَقْتَهم [بِضَرْبِكَ لِتِلْكَ المُدَّةِ -] [بِاعْتِبارِ أنَّ أوَّلَ إتْيانِكَ -] هو الَّذِي كانَ سَبَبَ الفِتْنَةِ لِزِيادَةِ أيّامِ الغَيْبَةِ بِسَبَبِهِ لِأنّا زِدْنا في آخِرِ المُدَّةِ بِمِقْدارِ ما عَجِلْتَ بِهِ في أوَّلِها، فَلَمّا تَأخَّرَ رُجُوعُكَ إلَيْهِمْ حَصَلَ لَهُمُ الفُتُونُ بِالفِعْلِ، فَظَنُّوا مُرَجَّماتِ الظُّنُونِ. ولَمّا عَمَّتْهُمُ الفِتْنَةُ إلّا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا مِن أكْثَرَ مِن سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، (p-٣٢٤)أطْلَقَ الضَّلالَ عَلى الكُلِّ فَقالَ: ﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ أيْ عَنْ طَرِيقِ الرُّشْدِ بِما سَبَّبَ لَهُمْ؟ رَوى النَّسائِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن سُنَنِهِ، وأبُو يَعْلى في مُسْنَدِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرَيْهِما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَدِيثِ الفُتُونِ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا وعَدَهُ رَبُّهُ أنْ يُكَلِّمَهُ اسْتَخْلَفَ عَلى قَوْمِهِ أخاهُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا، وذَهَبَ فَصامَها لَيْلَها ونَهارَها، ثُمَّ كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ مُتَغَيِّرٌ، فَمَضَغَ شَيْئًا مِن نَباتِ الأرْضِ فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: أوَما عَلِمْتَ أنَّ رِيحَ الصّائِمِ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ؟ ارْجِعْ فَصُمْ عَشْرًا، فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ ساءَهم ذَلِكَ، وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، ولِقَوْمِ فِرْعَوْنَ عِنْدَكم عَوارٍ ووَدائِعُ، ولَكم فِيها مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْسُبُوا ما لَكم عِنْدَهُمْ، ولا أُحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا بِرادِّينَ إلَيْهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ ولا مُمْسِكِيهِ لِأنْفُسِنا، فَحَفَرَ حَفِيرًا وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ أنْ يَقْذِفُوهُ في ذَلِكَ الحَفِيرِ، ثُمَّ أوْقَدَ النّارَ فَأحْرَقَهُ (p-٣٢٥)فَقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهُمْ، وكانَ السّامِرِيُّ مِن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، جِيرانٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فاحْتَمَلَ مَعَ مُوسى وبَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرًا فَقَبَضَ مِنهُ [قَبْضَةً -] فَمَرَّ بِهارُونَ فَقالَ لَهُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا سامِرِيُّ! ألا تُلْقِي ما في يَدِكَ - وهو قابِضٌ عَلَيْهِ لا يَراهُ أحَدٌ طَوالَ ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، [و -]لا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ، فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا، فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفْرَةِ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ أوْ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ لَيْسَ فِيهِ الرُّوحُ، لَهُ خُوارٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لا واللَّهِ! ما كانَ لَهُ صَوْتٌ قَطُّ، إنَّما كانَتِ الرِّيحُ تَدْخُلُ في دُبُرِهِ فَتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ، فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ! ما هَذا وأنْتَ أعْلَمُ بِهِ؟ قالَ: هَذا رَبُّكُمْ، ولَكِنَّ مُوسى أُضِلَّ الطَّرِيقَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى. فَإنْ كانَ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْناهُ وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتَّبِعُ مُوسى، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا عَمَلُ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ بِرَبِّنا، ولَنْ نُؤْمِنَ (p-٣٢٦)بِهِ ولَنْ نُصَدِّقَ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ الصِّدْقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ بِهِ - الحَدِيثُ.

طه 20:86

ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ إخْبارِهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَرَجَعَ مُوسى﴾ أيْ لَمّا أخْبَرَهُ رَبُّهُ بِذَلِكَ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ أيْ شَدِيدَ الحُزْنِ أوِ الغَضَبِ؛ [واسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ ]: ﴿قالَ﴾ لِقَوْمِهِ لَمّا رَجَعَ إلَيْهِمْ مُسْتَعْطِفًا لَهُمْ: ﴿يا قَوْمِ﴾ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْكم ﴿وعْدًا حَسَنًا﴾ أيْ بِأنَّهُ يُنْزِلُ عَلَيْكم كِتابًا حافِظًا، ويُكَفِّرُ عَنْكم خَطاياكُمْ، ويَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكم - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن إكْرامِهِ. ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ طُولَ الزَّمانِ ناقِضٌ لِلْعَزائِمِ، مُغَيِّرٌ لِلْعُهُودِ، كَما قالَ أبُو العَلاءِ أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَعَرِّيُّ في هَذا البَيْتِ: ؎لا أنْسَيَنَّكِ إنْ طالَ الزَّمانُ بِنا وكَمْ حَبِيبٍ تَمادى عَهْدُهُ فَنَسِي ولَمّا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَرِيبَ العَهْدِ بِهِمْ، أنْكَرَ طُولَ العَهْدِ بِقَوْلِهِ، مُسْتَأْنِفًا [عَمّا تَقْدِيرُهُ: هَلْ تَرَكَ رَبُّكم مَواعِيدَهُ لَكم وقَطَعَ مَعْرُوفَهُ عَنْكم -]: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ أيْ [زَمَنُ -] لُطْفِهِ بِكُمْ، فَتَغَيَّرْتُمْ عَمّا (p-٣٢٧)فارَقْتُكم عَلَيْهِ كَما يَعْتَرِي أهْلَ الرَّذائِلِ الِانْحِلالُ في العَزائِمِ لِضَعْفِ العُقُولِ وقِلَّةِ التَّدَبُّرِ ﴿أمْ أرَدْتُمْ﴾ بِالنَّقْضِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ وذِكْرِ المِيثاقِ ﴿أنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ بِسَبَبِ عِبادَةِ العِجْلِ ﴿غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [أيِ -] المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، وكِلا الأمْرَيْنِ لَمْ يَكُنْ، أمّا الأوَّلُ فَواضِحٌ، وأمّا الثّانِي فَلا يُظَنُّ بِأحَدٍ إرادَتُهُ، والحاصِلُ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّكم فَعَلْتُمْ ما لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ ﴿فَأخْلَفْتُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِكم ذَلِكَ أنْ أخْلَفْتُمْ ﴿مَوْعِدِي﴾ في إجْلالِ اللَّهِ والإتْيانِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَكم لِكَلامِهِ لِي وإنْزالِ كِتابِهِ عَلَيَّ إحْسانًا إلَيْكم وإقْبالًا عَلَيْكُمْ، وكَأنَّهُ أضافَ المَوْعِدَ إلَيْهِ أدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى وإعْظامًا لَهُ، أوْ أنَّهُ لَمّا كانَ إخْلافُ المَوْعِدِ المُؤَكَّدِ المُعَيَّنِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ، لِما نَصَبَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ الباهِرَةِ، وأوْضَحَهُ مِنَ البَراهِينِ الظّاهِرَةِ، لا يَكُونُ إلّا بِنِسْيانٍ لِطُولِ العَهْدِ، أوْ عِنادٍ بِسُوءِ قَصْدٍ، وكانَ مِن أبْلَغِ المَقاصِدِ وأوْضَحِ التَّقْرِيرِ إلْجاءُ الخَصْمِ بِالسُّؤالِ إلى الِاعْتِرافِ بِالمُرادِ، سَألَهم عَنْ تَعْيِينِ أحَدِ الأمْرَيْنِ مَعَ أنَّ طُولَ العَهْدِ لا يُمْكِنُ ادِّعاؤُهُ، فَقالَ ما مَعْناهُ: أطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ بِزِيادَةِ عَشْرَةِ أيّامٍ فَنَسِيتُمْ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْكم في الإخْلافِ جُناحٌ؟ أمْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمُ الغَضَبُ فَعانَدْتُمْ؟ فَكانَتِ الآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرُ طُولِ العَهْدِ المُوجِبِ لِلنِّسْيانِ أوَّلًا دَلِيلٌ (p-٣٢٨)عَلى حَذْفِ العِنادِ ثانِيًا، وذِكْرُ حُلُولِ الغَضَبِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى انْتِفاءِ الجُناحِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ السَّبَبِ الَّذِي هو طُولُ العَهْدِ أدَلُّ عَلى النِّسْيانِ الَّذِي هو المُسَبَّبُ، وإثْباتَ الغَضَبِ [و -] هو المُسَبَّبُ - أنْكَأُ مِن إثْباتِ سَبَبِهِ الَّذِي هو العِنادُ.

طه 20:87

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمُ، اسْتَأْنَفَ ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾: [لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ. -] ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا السِّياقِ كُلِّهِ إظْهارَ عَظِيمِ القُدْرَةِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، حِكايَةً عَنْهم لِلِاعْتِرافِ بِما قَرَّرَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِنَ العِنادِ مُعْتَذِرِينَ عَنْهُ بِالقُدْرَةِ، والِاعْتِذارُ بِهِ لا يَدْفَعُ العُقُوبَةَ المُرَتَّبَةَ عَلى الذَّنْبِ: ﴿ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ أيْ لَقَدْ صَدَقْتَ فِيما قُلْتَ، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ ونَحْنُ بِمِلْكِ أمْرِنا - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالكَسْرِ، وعَلى قِراءَةِ نافِعٍ وعاصِمٍ بِالفَتْحِ المَعْنى: ولَنا مَلَكَةٌ نَتَصَرَّفُ بِها في أنْفُسِنا، وعَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالضَّمِّ كَأنَّهم قالُوا: ولَنا سُلْطانٌ قاهِرٌ لِأُمُورِنا - عَلى أنَّهم قَدْ ذَكَرُوا أنَّ القِراءاتِ الثَّلاثَ لُغاتٌ لِمَعْنىً واحِدٍ، قالَ في القامُوسِ: مَلَكَهُ يَمْلِكُهُ مِلْكًا مُثَلَّثَةً: احْتَواهُ قادِرًا (p-٣٢٩)عَلى الِاسْتِبْدادِ بِهِ، والمَعْنى أنَّ السّامِرِيَّ زَيَّنَ لَهم ذَلِكَ، ووَسْوَسَ بِهِ الشَّيْطانُ فَما دَرَوْا إلّا وقَدْ تَبِعُوهُ حَتّى [كانُوا -] كَأنَّهم يُقادُونَ إلَيْهِ بِالسَّلاسِلِ، وقِيلَ هَذا كَلامُ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ، اعْتَذَرُوا بِأنَّهم كانُوا قَلِيلًا، لا قُدْرَةَ لَهم عَلى مُقاوَمَةِ مَن عَبَدَهُ، وهَذا كُلُّهُ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في القُلُوبِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَرُدَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ والعَرَبِ مِن بَعْدِ عِنادِهِمْ، ولَدَدِهِمْ وفَسادِهِمْ ﴿ولَكِنّا﴾ كُنّا ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا﴾ أيْ أثْقالًا مِنَ النَّقْدَيْنِ هي أسْبابُ الآثامِ، كَما تَقَدَّمَ في الأعْرافِ أنَّ اللَّهَ أمَرَهم في التَّوْراةِ أنْ يَسْتَعِيرُوها مِنَ القِبْطِ فَخَرَبُوهم بِها، وكَأنَّ هَذا ما كانَ خِيانَةً في ذَلِكَ الشَّرْعِ، أوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى أباحَ لَهم ذَلِكَ في القِبْطِ خاصَّةً ﴿مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ الَّذِينَ لَمْ نَكُنْ نَعْرِفُ قَوْمًا غَيْرَهُمْ، وغَيْرُهم لَيْسَ حَقِيقًا بِإطْلاقِ هَذا اللَّفْظِ [عَلَيْهِ -] وهُمُ القِبْطُ، فَقَضى لَنا أنْ نَقْذِفَها في النّارِ، وتَوَفَّرَتِ الدَّواعِي عَلى ذَلِكَ واشْتَدَّتْ بِحَيْثُ لَمْ نَتَمالَكْ ﴿فَقَذَفْناها فَكَذَلِكَ﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ هَذا [أنَّهُ -] مِثْلَ ذَلِكَ الإلْقاءِ (p-٣٣٠)﴿ألْقى السّامِرِيُّ﴾ وهو لَصِيقٌ انْضَمَّ إلَيْهِمْ مِن قِبْطِ مِصْرَ، ألْقى ما كانَ مَعَهُ، إمّا مِنَ المالِ وإمّا مِن أثَرِ الرَّسُولِ، كَما مَضى ويَأْتِي، وكَأنَّ إلْقاءَهُ كانَ آخِرًا.

طه 20:88

ولَمّا كانَ خُرُوجُ التِّمْثالِ عَقِبَ إلْقائِهِ، جُعِلَ كَأنَّهُ المُتَسَبِّبُ في ذَلِكَ، فَقِيلَ مَعَ العُدُولِ عَنْ أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ اسْتِهْجانًا لِنِسْبَةِ أمْرِ العِجْلِ إلى المُتَكَلِّمِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾ [أيْ لِمَن شَرِبَهُ وعَبَدَهُ -]، وجَعْلُ الضَّمِيرِ لِلْغَيْبَةِ يُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن جَعَلَ هَذا كَلامَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، والمَعْنى عِنْدَ مَن جَعَلَهُ مِن كَلامِ العابِدِينَ أنَّهم دَلُّوا بِذَلِكَ عَلى البَراءَةِ مِنهُ والِاسْتِقْذارِ لَهُ. ولَمّا كانَ شَدِيدَ الشَّبَهِ لِلْعُجُولِ، قِيلَ: ﴿عِجْلا﴾ وقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿جَسَدًا﴾ لِنَعْرِفَ أنَّ عِجْلِيَّتَهُ صُورَةٌ لا مَعْنىً - عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ لِئَلّا يَسْبِقَ إلى وهْمٍ أنَّهُ حَيٌّ، فَتَمُرَّ عَلَيْهِ لَمْحَةٌ عَلى اعْتِقادِ الباطِلِ ﴿فَقالُوا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ فَتابَعَهُ عَلَيْهِ مَن أسْرَعَ في الفِتْنَةِ أوَّلَ ما رَآهُ: ﴿هَذا﴾ مُشِيرِينَ إلى العِجْلِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ [ما هو -] (p-٣٣١)مَثَلٌ في الغَباوَةِ ﴿إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ ﴿فَنَسِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ [عَنْ -] أنَّهُ إلَهُكم أنَّ مُوسى نَسِيَ - بِعُدُولِهِ عَنْ هَذا المَكانِ - مَوْضِعَهُ فَذَهَبَ يَطْلُبُهُ في مَكانٍ غَيْرِهِ، أوْ نَسِيَ أنْ يَذْكُرَهُ لَكم.

طه 20:89

ولَمّا كانَ هَذا سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلى مَن قالَ هَذا، قالَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ أقالُوا ذَلِكَ؟ فَتَسَبَّبَ قَوْلُهم عَنْ عَماهم عَنْ رُؤْيَةِ ”أنْ“ أيْ أنَّهُ ”لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قولًا“ والإلَهُ لا يَكُونُ أبْكَمَ ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا﴾ فَيَخافُوهُ كَما كانُوا يَخافُونَ فِرْعَوْنَ فَيَقُولُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِن ضُرِّهِ ﴿ولا نَفْعًا﴾ فَيَقُولُوا ذَلِكَ رَجاءً لَهُ.

طه 20:90

ولَمّا كانَ الذَّنْبُ مَعَ العِلْمِ أبْشَعَ، والضَّلالُ بَعْدَ البَيانِ أشْنَعَ، قالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكُمْ﴾ [طه: ٨٦] أوْ عَلى قَوْلِهِ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا﴾ [طه: ٨٧] ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ﴾ أيْ مَعَ أنَّ مَن لَمْ يَعْبُدْهُ لَمْ يَمْلِكُوا رَدَّ مَن عَبَدَهُ. ولَمّا كانَ قَوْلُهم في بَعْضِ ذَلِكَ الزَّمانِ، قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ رُجُوعِ مُوسى، مُسْتَعْطِفًا لَهُمْ: ﴿يا قَوْمِ﴾ ثُمَّ حَصَرَ أمْرَهم لِيَجْتَمِعَ فِكْرُهم (p-٣٣٢)[ونَظَرُهم -] فَقالَ: ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ﴾ أيْ [وقَعَ اخْتِبارُكم -] فاخْتُبِرْتُمْ في صِحَّةِ إيمانِكم وصِدْقِكم فِيهِ وثَباتِكم عَلَيْهِ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِهَذا التِّمْثالِ في إخْراجِهِ لَكم عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ. وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكُمُ﴾ أيِ الَّذِي أخْرَجَكم مِنَ العَدَمِ ورَبّاكم بِالإحْسانِ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ وحْدَهُ الَّذِي فَضْلُهُ عامٌّ ونِعَمُهُ شامِلَةٌ، فَلَيْسَ عَلى بَرٍّ ولا فاجِرٍ نِعْمَةٌ إلّا وهي مِنهُ قَبْلَ أنْ يُوجَدَ العِجْلُ، وهو كَذَلِكَ بَعْدَهُ. ومِن رَحْمَتِهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ، فَخافُوا نَزْعَ نِعَمِهِ بِمَعْصِيَتِهِ، وارْجُوا إسْباغَها بِطاعَتِهِ ﴿فاتَّبِعُونِي﴾ بِغايَةِ جُهْدِكم في الرُّجُوعِ إلَيْهِ ﴿وأطِيعُوا أمْرِي﴾ في دَوامِ الشَّرَفِ بِالخُضُوعِ لَدَيْهِ، ودَوامِ الإقْبالِ عَلَيْهِ، يَدْفَعْ عَنْكم ضَيْرَهُ، ويُفِضْ عَلَيْكم خَيْرَهُ.

طه 20:91

ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعَ أنْ يُسْألَ ما جَوابُهم لِهَذا -] الأمْرِ الواضِحِ الَّذِي لا غُبارَ عَلَيْهِ، قِيلَ: ﴿قالُوا﴾ بِفَظاظَةٍ وجُمُودٍ: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى هَذا العِجْلِ ﴿عاكِفِينَ﴾ أيْ مُقِيمِينَ مُسْتَدِيرِينَ مُجْتَمِعِينَ وإنْ حارَبْنا في ذَلِكَ ﴿حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ فَدافَعَهُمْ، (p-٣٣٣)فَهَمُّوا بِهِ، وكانَ مُعْظَمُهم قَدْ ضَلَّ، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَن يَقْوى بِهِمْ، فَخافَ أنْ يُجاهِدَ بِهِمُ الكافِرِينَ فَلا يُفِيدُ ذَلِكَ شَيْئًا، ويَقْتُلَ بَعْضَهم فَيَحْمى لَهُ آخَرُونَ مِن ذَوِي رَحِمِهِ الأقْرَبِينَ، فَيَصِيرَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ فُرْقَةٌ يَبْعُدُ ضَمُّ شَتاتِها وتَلافِي دَهْمائِها، وكانُوا قَدْ غَيَّوُا الرُّجُوعَ [بِرُجُوعِ -] مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِجِهادِ مَن ضَلَّ، إنَّما قالَ لَهُ ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] فَرَأى مِنَ الإصْلاحِ اعْتِزالَهم إلى أنْ يَأْتِيَ،

طه 20:92

فَلَمّا ذَكَرَ ما قالَ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ، [التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى عِلْمِ ما قالَ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ -] لِأنَّهُ خَلِيفَتُهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ كَوْنِهِ رَأْسًا في نَفْسِهِ، فَدَفَعَ هَذا العَناءَ بِقَوْلِهِ، مُسْقِطًا [أخْذَهُ -] بِرَأْسِ أخِيهِ لِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِهِ ويَأْتِي هُنا مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، ولَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي مِن أعْظَمِ مَقاصِدِها الدَّلالَةُ عَلى تَلْيِينِ القُلُوبِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى: ﴿يا هارُونُ﴾ أنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وأخِي ووَزِيرِي وخَلِيفَتِي فَأنْتَ أوْلى النّاسِ بِأنْ ألُومَهُ، وأحَقُّهم بِأنْ أُعاتِبَهُ ﴿ما مَنَعَكَ إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ عَنْ طَرِيقِ الهُدى، واتَّبَعُوا سَبِيلَ الرَّدى، مِنَ اتِّباعِي في سِيرَتِي فِيهِمْ مِنَ الأخْذِ عَلى يَدِ الظّالِمِ طَوْعًا أوْ كَرْهًا، (p-٣٣٤)اتِّباعًا لا تَزِيغُ فِيهِ عَمّا نَهَجْتُهُ لَكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ شَيْئًا مِن زَيْغٍ، وعَبَّرَ عَنْ هَذا التَّأْكِيدِ بِزِيادَةِ ”لا“ في قَوْلِهِ:

طه 20:93

﴿ألا تَتَّبِعَنِي﴾ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ النّافِيَ إذا زِيدَ في الكَلامِ كانَ نافِيًا لِضِدِّ مَضْمُونِهِ فَيُفِيدُ إثْباتًا لِلْمَضْمُونِ ونَفْيًا لِضِدِّهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في غايَةِ التَّأْكِيدِ ﴿أفَعَصَيْتَ﴾ أيْ أتَكَبَّرْتَ عَنِ اتِّباعِي فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّكَ عَصَيْتَ ﴿أمْرِي﴾ وأخَذَ بِلِحْيَتِهِ وبِرَأْسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ غَضَبًا لِلَّهِ تَعالى، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما قالَ لَهُ؟ فَقِيلَ:

طه 20:94

﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهُ مُسْتَعْطِفًا بِذِكْرِ أوَّلِ وطَنٍ ضَمَّهُما بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ مَعَ ما لَهُ مِنَ الرِّقَّةِ والشَّفَقَةِ: ﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾ فَذَكَّرَهُ بِها خاصَّةً وإنْ كانَ شَقِيقَهُ لِأنَّهُ يَسُوءُها ما يَسُوءُهُ، وهي أرَقُّ مِنَ الأبِ ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ أيْ بِشَعْرِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ﴾ إنِ اشْتَدَدْتُ عَلَيْهِمْ حَتّى يَصِلَ الأمْرُ إلى القِتالِ ﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ بِفِعْلِكَ هَذا الَّذِي لَمْ يُجْدِ شَيْئًا لِقِلَّةِ مَن كانَ مَعَكَ وضَعْفِكم عَنْ رَدِّهِمْ ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ ﴿اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] ولَمْ تَقُلْ وارْدُدْهم ولَوْ أدّى الأمْرُ إلى السَّيْفِ، وهَذا كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ مَأْمُورًا بِالصَّفْحِ والحِلْمِ والمُدافَعَةِ بِاللِّينِ عِنْدَ ضَعْفِ النّاصِرِ وقِلَّةِ المُعِينِ. (p-٣٣٥)

طه 20:95

ولَمّا فَرَغَ مِن نَصِيحَةِ أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأحَقِّهِمْ بِنَصِيحَتِهِ وحِفْظِهِ عَلى الهُدى إذْ كانَ رَأْسَ الهُداةِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِن غَيْرِهِ، فاسْتَأْنَفَ تَعالى ذِكْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَأْسِ أهْلِ الضَّلالِ مُعْرِضًا عَنْ أخِيهِ بَعْدَ قَبُولِ عُذْرِهِ. جاعِلًا ما نُسِبَ إلَيْهِ سَبَبًا لِسُؤالِهِ عَنِ الحامِلِ لَهُ عَلَيْهِ: ﴿فَما خَطْبُكَ﴾ أيْ أمْرُكَ هَذا العَجِيبُ العَظِيمُ الَّذِي حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ وأخْبَرَنِي العَزِيزُ العَلِيمُ [أنَّكَ -] أنْتَ أضْلَلْتَهم بِهِ ﴿يا سامِرِيُّ﴾

طه 20:96

﴿قالَ﴾ السّامِرِيُّ مُجِيبًا لَهُ: ﴿بَصُرْتُ﴾ مِنَ البَصَرِ والبَصِيرَةِ ﴿بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ مِن أمْرِ الرَّسُولِ الَّذِي أجازَ بِنا البَحْرَ ﴿فَقَبَضْتُ﴾ أيْ فَكانَ ذَلِكَ [سَبَبًا -] لِأنْ قَبَضْتُ ﴿قَبْضَةً﴾ أيْ مَرَّةً مِنَ القَبْضِ، أطْلَقَها عَلى المَقْبُوضِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ ﴿مِن أثَرِ﴾ فَرَسِ ذَلِكَ ﴿الرَّسُولِ﴾ أيِ المَعْهُودِ ﴿فَنَبَذْتُها﴾ في الحُلِيِّ المُلْقى في النّارِ، أوْ في العِجْلِ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ وكَما سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي أخْذَ أثَرِهِ ﴿سَوَّلَتْ﴾ أيْ حَسَّنَتْ وزَيَّنَتْ ﴿لِي نَفْسِي﴾ نَبْذَها في الحُلِيِّ فَنَبَذْتُها، فَكانَ مِنها ما كانَ، ولَمْ يَدْعُنِي إلى ذَلِكَ داعٍ ولا حَمَلَنِي عَلَيْهِ حامِلٌ غَيْرُ التَّسْوِيلِ.

طه 20:97

ولَمّا كانَ فِعْلُهُ هَذا مُفَرِّقًا لِبَنِي إسْرائِيلَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ (p-٣٣٦)الَّتِي كانُوا عَلَيْها، وجامِعًا لَهم عَلى تِمْثالِ حَيَوانٍ هو مِن أخَسِّ الحَيَواناتِ، وعَلى نَفْسِهِ بِكَوْنِهِ صارَ مَتْبُوعًا في ذَلِكَ الضَّلالِ، لِكَوْنِهِ كانَ سَبَبَهُ، عُوقِبَ بِالنَّفْرَةِ مِنَ الإنْسانِ الَّذِي هو أشْرَفُ الحَيَوانِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِضِدِّ ما تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِ، فَيُعاقَبُ بِالدُّنْيا بِعُقُوبَةٍ لا شَيْءَ أشَدُّ مِنها وذَلِكَ أنَّهُ مُنِعَ مِن مُخالَطَةِ النّاسِ مَنعًا كُلِّيًّا فَلا يَتَّصِلُ بِأحَدٍ ولا يَتَّصِلُ بِهِ أحَدٌ، بَلْ يَكُونُ وحِيدًا طَرِيدًا ما دامَ حَيًّا، فَلِذَلِكَ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ﴾ أيْ لَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فاذْهَبْ﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِكَ أنِّي أقُولُ لَكَ: اذْهَبْ [مِن بَيْنِنا، أوْ -] حَيْثُ ذَهَبْتَ ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ﴾ أيْ ما دُمْتَ حَيًّا ﴿أنْ تَقُولَ﴾ لِكُلِّ مَن رَأيْتَهُ: ﴿لا مِساسَ﴾ أيْ لا تَمَسُّنِي ولا أمَسُّكَ، فَلا تَقْدِرُ أنْ تَنْفَكَّ عَنْ ذَلِكَ لِإرادَةِ الإلَهِ الحَقِّ ذَلِكَ بِكَ وتَرْغِيبِكَ فِيهِ - بِما أفادَتْهُ اللّامُ، لِتَعْلَمَ أنْتَ ومَن تَبِعَكَ أنَّكم كُنْتُمْ عَلى أعْظَمِ ضَلالٍ في تَرْكِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، واتِّباعِ ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى شَيْءٍ ﴿وإنَّ لَكَ﴾ بَعْدَ المَماتِ ﴿مَوْعِدًا﴾ لِلثَّوابِ إنْ تُبْتَ، ولِلْعِقابِ إنْ أبَيْتَ (p-٣٣٧)﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، أيْ لا يَكُونُ خَلْفَكَ ولا تَكُونُ أنْتَ خَلْفَهُ، بَلْ يَكُونُ كُلٌّ مِنكُما مُواجِهًا لِصاحِبِهِ، لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، كَما أنَّكَ في الحَياةِ لا تَقْدِرُ أنْ تَنْفَكَّ عَنِ النَّفْرَةِ مِنَ النّاسِ، فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ ما يَحْلُو. ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْإلَهِ الحَقِّ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ في الدّارَيْنِ، أتْبَعَهُ عَجْزَ العِجْلِ فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ﴾ أيْ بِزَعْمِكَ ﴿الَّذِي ظَلْتَ﴾ أيْ دُمْتَ [فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ تَخْفِيفُ التَّضْعِيفِ -] ﴿عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ أيْ مُقْبِلًا مُقارِبًا مُواظِبًا [جَهارًا -] ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ أيْ بِالنّارِ وبِالمِبْرَدِ - كَما سَلَفَ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ، وكانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ أحْماهُ حَتّى لانَ فَهانَ عَلى المَبارِدِ ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ أيْ لَنُذَرِّيَنَّهُ [إذا صارَ سُحالَةً -] ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ البَحْرِ الَّذِي [أغْرَقَ اللَّهُ فِيهِ آلَ فِرْعَوْنَ و-] هو أهْلٌ لِأنْ يُقْصَدَ [فَيَجْمَعُ اللَّهُ سُحالَتَهُ الَّتِي هي مِن حُلِيِّهِمْ وأمْوالِهِمْ فَيُحْمِيها في نارِ جَهَنَّمَ ويَكْوِيهِمْ ويَجْعَلُها مِن أشَدِّ العَذابِ عَلَيْهِمْ، وأكَّدَ الفِعْلَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُ بِذَلِكَ، وتَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ في الوَعْدِ فَقالَ -]: ﴿نَسْفًا﴾

طه 20:98

ولَمّا أراهم بُطْلانَ ما هم عَلَيْهِ بِالعِيانِ، أخْبَرَهم بِالحَقِّ عَلى وجْهِ الحَصْرِ (p-٣٣٨)فَقالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ﴾ جَمِيعًا ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ كَشَفَ المُرادَ مِن ذَلِكَ وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أيْ لا يَصْلُحُ لِهَذا المَنصِبِ أحَدٌ غَيْرُهُ لِأنَّهُ ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ عَنِ الفاعِلِ، أيْ أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، فَكانَ عَلى كُلِّ [شَيْءٍ مُمْكِنٍ قَدِيرًا، فَكانَ كُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ فَقِيرًا، وهو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، وُجُودُهُ يُبايِنُ وُجُودَ غَيْرِهِ، وذاتُهُ تُبايِنُ ذاتَ غَيْرِهِ، وصِفاتُهُ تُبايِنُ صِفاتِ غَيْرِهِ، وأمّا العِجْلُ الَّذِي عَبَدُوهُ فَلَوْ كانَ حَيًّا كانَ مَثَلًا في الغَباوَةِ، فَلا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ بِوَجْهٍ ولا [فِي -] عِبادَتِهِ شَيْءٌ مِن حَقٍّ، وكانَ القِياسُ عَلى ما يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ حَيْثُ نَفى عَنْهُ العِلْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ [طه: ٨٩] والقُدْرَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] أنْ يُثْبَتا هُنا لِلْإلَهِ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ اعْتَنى بِإثْباتِ العِلْمِ الواسِعِ لِاسْتِلْزامِهِ لِلْقُدْرَةِ عَلى كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، بِإفادَةِ الأسْبابِ لِلشَّيْءِ المُرادِ، ومَنعِ المَوانِعِ عَنْهُ فَيَكُونُ لا مَحالَةَ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَكانَ التَّخَلُّفُ لِلْجَهْلِ إمّا بِما يُفِيدُ مُقْتَضِيًا أوْ يَمْنَعُ مانِعًا، وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] ولا يَسْتَلْزِمُ إثْباتُ القُدْرَةِ المُحِيطَةِ العِلْمَ الشّامِلَ لِخُرُوجِ قِسْمِ (p-٣٣٩)المُحالِ الَّذِي لَيْسَ مِن شَأْنِ القُدْرَةِ أنْ تَتَعَلَّقَ بِهِ.

طه 20:99

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الأعْظَمِ، والسَّبِيلِ الأقْوَمِ، مُتَكَفِّلَةً بِالدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما وقَعَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ مِنَ البِشارَةِ أوَّلَ السُّورَةِ بِتَكْثِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ ورَدِّ العَرَبِ عَنْ غَيِّهِمْ بَعْدَ طُولِ التَّمادِي في العِنادِ، والتَّنَكُّبِ عَنْ سَبِيلِ الرَّشادِ، إلى ما تَخَلَّلَها مِنَ التَّسْلِيَةِ بِأحْوالِ السَّلَفِ الصّالِحِ والتَّأْسِيَةِ، مُفَصِّلَةً مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، بِما يَبْعَثُ الهِمَمَ، عَلى مَعالِي الشِّيَمِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُعادُ شَيْءٌ مِنَ القِصَصِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ والمِثالِ الرَّفِيعِ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا القَصِّ العالِي، في هَذا النَّظْمِ العَزِيزِ الغالِي، لِقِصَّةِ مُوسى ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ وأشارَ إلى جَلالَةِ عِلْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ﴾ أيْ أخْبارِ ﴿ما قَدْ سَبَقَ﴾ مِنَ الأزْمانِ والكَوائِنِ الجَلِيلَةِ، زِيادَةً في عِلْمِكَ، وإجْلالًا لِمِقْدارِكَ، وتَسْلِيَةً لِقَلْبِكَ، وإذْهابًا لِحُزْنِكَ، بِما اتَّفَقَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ [وتَكْثِيرًا لِأتْباعِكَ وزِيادَةً في مُعْجِزاتِكَ، ولِيَعْتَبِرَ السّامِعُ ويَزْدادَ المُسْتَبْصِرُ في دِينِهِ بَصِيرَةً وتَأكُّدَ الحُجَّةِ عَلى مَن عابَهُ -]: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ﴾ مِن عَظَمَتِنا (p-٣٤٠)تَشْرِيفًا لَكَ وتَعْظِيمًا لِقَدْرِكَ ﴿مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِن عِنْدِنا مِنَ الأمْرِ الشَّرِيفِ بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ بِنا ولَطِيفِ اتِّصالِهِ بِحَضْرَتِنا [مِن -] غَيْبٍ غَيْبًا ﴿ذِكْرًا﴾ عَظِيمًا جَلِيلًا جامِعًا لِما أظْهَرْناهُ مِن أمْرِنا في التَّوْراةِ، وما أبْطَنّاهُ مِن سِرِّنا في الإنْجِيلِ، وما أوْدَعْناهُ مِن سَكِينَتِنا في الزَّبُورِ، مَعَ ما خَصَصْناهُ بِهِ مِن لَطائِفِ المَزايا، وعَظائِمِ الأسْرارِ، يُعْرَفُ بِمُجَرَّدِ تِلاوَتِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِنا لِما يُشْهَدُ لَهُ مِنَ الرُّوحِ، ويُذاقُ لَهُ مِنَ الإخْباتِ والسُّكُونِ، ويُرى لَهُ مِنَ الجَلالَةِ في الصُّدُورِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ أنْ يُعارِضَهُ، وضَمَّنّاهُ تِلْكَ القِصَصَ مَعَ ما زِدْنا فِيهِ عَلى ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والأحْكامِ ودَقائِقِ إشاراتِ الحَقائِقِ، مُتَكَفِّلًا بِسَعادَةِ الدّارَيْنِ وحُسْنى الحُسْنَيَيْنِ، فَمَن أقْبَلَ عَلَيْهِ كانَ مُذَكِّرًا لَهُ بِكُلِّ ما يُرِيدُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ.

طه 20:100

ولَمّا اشْتَمَلَ هَذا الذِّكْرُ عَلى جَمِيعِ أبْوابِ الخَيْرِ، فَكانَ كُلُّ ما لَيْسَ لَهُ فِيهِ أصْلٌ شَقاوَةً مَحْضَةً وضَلالًا بَعِيدًا، قالَ يَقُصُّ عَلَيْهِ مِن أنْباءِ ما يَأْتِي كَما قَصَّ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ: ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ﴾ أيْ عَنْ ذَلِكَ الذِّكْرِ، وهو عامٌّ في جَمِيعِ مَن يُمْكِنُ دُخُولُهُ في مَعْنى ”مَن“ مِنَ العالَمِينَ ﴿فَإنَّهُ يَحْمِلُ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الوَقْتِ قالَ: (p-٣٤١)﴿يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ أيْ حِمْلًا ثَقِيلًا مِنَ العَذابِ الَّذِي سَبَّبَهُ الوِزْرُ وهو الذَّنْبُ، جَزاءً لِإعْراضِهِ عَنْهُ [واشْتِغالِهِ بِغَيْرِهِ -]

طه 20:101

﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ وجَمَعَ هُنا حَمْلًا عَلى المَعْنى بَعْدَ الإفْرادِ لِلَّفْظِ، تَنْبِيهًا عَلى العُمُومِ لِئَلّا يُغْفَلَ عَنْهُ بِطُولِ الفَصْلِ، أوْ يُظَنَّ أنَّ الجَماعَةَ يُمْكِنُهُمُ المُدافَعَةُ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالوِزْرِ الحِمْلُ الثَّقِيلُ مِنَ الإثْمِ، ويَكُونَ الضَّمِيرُ في ”فِيهِ“ لِلْعَذابِ المُسَبَّبِ عَنْهُ فَيَكُونَ اسْتِخْدامًا كَقَوْلِهِ: إذا نَزَلَ السَّماءُ بِأرْضِ قَوْمٍ رَعَيْناهُ وإنْ كانُوا غِضابا ولَمّا كانُوا مُنْكِرِينَ لِيَوْمِ القِيامَةِ، صَرَّحَ بِذِكْرِهِ ثانِيًا مَعَ قُرْبِ العَهْدِ، قارِعًا لِأسْماعِهِمْ بِهِ، مُجْرِيًا لَهُ إجْراءَ ما هو بِهِ جَدِيرٌ مِن أنَّهُ مُتَحَقِّقٌ لا مِرْيَةَ فِيهِ فَقالَ: ﴿وساءَ﴾ أيْ وبِئْسَ؛ وبَيَّنَ أصْحابَ السُّوءِ فَقالَ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحِمْلُ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾

طه 20:102

ثُمَّ شَرَحَ لَهم بَعْضَ أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ ابْتِدائِهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ”يَوْمَ القِيامَةِ“: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ودَلَّ عَلى تَناهِي العَظَمَةِ بِطَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ في قِراءَةِ الباقِينَ بِالياءِ (p-٣٤٢)مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ﴿فِي الصُّورِ﴾ فَيَقُومُ المَوْتى مِنَ القُبُورِ ﴿ونَحْشُرُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿المُجْرِمِينَ﴾ مِنهُمُ الَّذِينَ قَطَعُوا ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ، وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ونَحْشُرُهم - لِبَيانِ الوَصْفِ الَّذِي جَرَّهُ لَهُمُ الإعْراضُ عَنِ الذِّكْرِ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، ويَكُونُ لَهم ما تَقَدَّمَ ﴿زُرْقًا﴾ أيْ زُرْقَ العُيُونِ والجُسُومِ عَلى هَيْئَةِ مَن ضُرِبَ فَتَغَيَّرَ جِسْمُهُ، حالَ كَوْنِهِمْ

طه 20:103

﴿يَتَخافَتُونَ﴾ . ولَمّا كانَ التَّخافُتُ - وهو المُسارَّةُ بِالكَلامِ - قَدْ يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِن قَبِيلَتَيْنِ، فَيَكُونُ كُلٌّ مِنهُما خائِفًا مِن قَوْمِهِ أقَلَّ عارًا مِمّا لَوْ كانا مِن قَبِيلَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ الخَوْفَ طَبْعٌ لازِمٌ، قالَ دالًّا عَلى لُزُومِهِ وعُمُومِهِ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ يَتَكَلَّمُونَ خافِضِي أصْواتِهِمْ مِنَ الهَيْبَةِ والجَزَعِ. ولَمّا كانَتِ الزُّرْقَةُ أبْغَضَ ألْوانِ العُيُونِ إلى العَرَبِ [لِعَدَمِ إلْفِهِمْ لَها -]، والمُخافَتَةُ أبْغَضَ الأصْواتِ إلَيْهِمْ لِأنَّها تَدُلُّ عِنْدَهم عَلى سُفُولِ الهِمَّةِ والجُبْنِ [وكانُوا مِنَ الزُّرْقَةِ أشَدَّ نَفْرَةً لِأنَّ المُخافَتَةَ قَدْ يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ. رَتَّبَهُما سُبْحانَهُ كَذَلِكَ -]، ثُمَّ بَيَّنَ ما يَتَخافَتُونَ بِهِ فَقالَ: (p-٣٤٣)﴿إنْ﴾ أيْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما ﴿لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا [اسْتِقْصارًا لِمُدَّةِ إقامَتِهِمْ في غَيْبِ ما بَدا لَهم مِنَ المَخاوِفِ، أوْ غَلَطًا ودَهْشَةً -] ﴿إلا عَشْرًا﴾ أيْ عَقْدًا واحِدًا، لَمْ يَزِدْ عَلى الآحادِ إلّا بِواحِدٍ، وهو [لَوْ أنَّهُ سِنُونَ -] سِنُّ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ، [فَكَيْفَ إذا كانَ شُهُورًا أوْ أيّامًا -] فَلَمْ يَعْرِفُوا لَذَّةَ العَيْشِ بِأيِّ تَقْدِيرٍ كانَ.

طه 20:104

ولَمّا كانَ عِلْمُ ما يَأْتِي أخْفى مِن عِلْمِ ما سَبَقَ، أتى [فِيهِ -] بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ مِن كُلِّ أحَدٍ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ في ذَلِكَ اليَوْمِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾ في الدُّنْيا فِيما يَحْسَبُونَ، [أيْ أقْرَبُهم إلى أنْ تَكُونَ طَرِيقَتُهُ مِثْلَ ما يُطْلَبُ مِنهُ -]: ﴿إنْ﴾ [أيْ ما -] ﴿لَبِثْتُمْ﴾ [ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْدُودَ المَحْذُوفَ مِنَ الأوَّلِ الأيّامُ بِقَوْلِهِ -]: ﴿إلا يَوْمًا﴾ أيْ مَبْدَأ الآحادِ، لا مَبْدَأ العُقُودِ كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] فَلا يَزالُونَ في إفْكٍ وصَرْفٍ عَنِ الحَقِّ في الدّارَيْنِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَمُوتُ عَلى ما عاشَ عَلَيْهِ، ويُبْعَثُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ [أنَّ -] مَن قالَ: إنَّ لُبْثَهم يَوْمٌ واحِدٌ، أمْثَلُهم في نَفْسِ الأمْرِ، لِأنَّ الزَّمانَ وإنْ طالَ إنَّما هو يَوْمٌ مُتَكَرِّرٌ، لَيْسَ مُرادًا لِنَفْسِهِ، وإنَّما هو مُرادٌ (p-٣٤٤)لِما يَكُونُ فِيهِ فَإنْ كانَ خَيْرًا كانَ صاحِبُهُ مَحْمُودًا [و -] لَمْ يَضُرَّهُ قِصَرُهُ، وإنْ كانَ شَرًّا كانَ مَذْمُومًا ولَمْ يَنْفَعْهُ طُولُهُ، [ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّثَ أوَّلًا إرادَةً لِلَّيالِي، لِأنَّها مَحَلُّ الرّاحَةِ المَقْصُودَةِ بِالذّاتِ، فَكانَ كَأنَّهم قالُوا: لَمْ يَكُنْ لَنا راحَةٌ إلّا بِزَمَنٍ يَسِيرٍ جِدًّا أكْثَرَ أوَّلِ العُقُودِ، ونَصَّ الأمْثَلُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَكُونُ الكَدُّ فِيهِ لِلرّاحَةِ في اللَّيْلِ إشارَةً إلى أنَّهم ما كانَ لَهم في اللُّبْثِ في الدُّنْيا راحَةٌ أصْلًا، ولَمْ يَكُنْ سَعْيُهم إلّا نَكِدًا كُلُّهُ كَما يَكُونُ السَّعْيُ في يَوْمٍ لا لَيْلَةَ يُسْتَراحُ فِيها. وإنْ كانَتْ فِيهِ راحَةٌ فَهي ضِمْنِيَّةٌ لا أصْلِيَّةٌ -].

طه 20:105

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ بَعْضِ ما سَبَقَ ثُمَّ عَنْ بَعْضِ ما يَأْتِي مِن أحْوالِ المُعْرِضِينَ عَنْ هَذا الذِّكْرِ فِيما يُنْتِجُهُ لَهم إعْراضُهم عَنْهُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِاسْتِقْصارِهِمْ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في هَذِهِ الدّارِ، أخْبَرَ عَنْ بَعْضِ أحْوالِهِمْ في الإعْراضِ فَقالَ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ﴾ ما يَكُونُ حالُها يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ؟ شَكًّا مِنهم في البَعْثِ وُقُوفًا مَعَ الوَهْمِ في أنَّها تَكُونُ مَوْجُودَةً عَلى قِياسِ جُمُودِهِمْ لا مَحالَةَ، لِأنَّها أشَدُّ الأشْياءِ قُوَّةً، وأطْوَلُها لُبْثًا، وأبْعَدُها مُكْثًا، فَتَمْنَعُ بَعْضَ النّاسِ مِن سَماعِ النَّفْخِ في الصُّورِ، وتُخَيِّلُ لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ رَجْعِ الهَواءِ الحامِلِ لِلصَّوْتِ أنَّهُ آتٍ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ فَلا يَسْتَقِيمُ القَصْدُ إلى الدّاعِي﴿فَقُلْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِنا بِأنَّهم يَسْألُونَكَ هَذا (p-٣٤٥)السُّؤالَ أنّا نَقُولُ لَكَ: قُلْ، أوْ يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ، أيْ فَإذا سَألُوكَ فَقُلْ لَهُمْ، [و -] هَذا بِخِلافِ ما نَزَلَ بَعْدَ وُقُوعِ السُّؤالِ عَنْهُ مِثْلِ الرُّوحِ [و -] قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ فَإنَّ الأمْرَ بِجَوابِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِما هُناكَ مِنَ اسْتِشْرافِ النَّفْسِ لِلْجَوابِ ﴿يَنْسِفُها﴾ أيْ يَقْلَعُها مِن أماكِنِها ويُذَرِّيها بِالهَواءِ ﴿رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ بِنَصْرِي في [يَوْمِ ] القِيامَةِ نَصْرًا لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ ﴿نَسْفًا﴾ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى

طه 20:106

﴿فَيَذَرُها﴾ أيْ أماكِنَها ﴿قاعًا﴾ أيْ أرْضًا مَلْساءَ ﴿صَفْصَفًا﴾ أيْ مُسْتَوِيًا كَأنَّهُ صَفٌّ واحِدٌ لا أثَرَ لِلْجِبالِ فِيهِ

طه 20:107

﴿لا تَرى﴾ أيْ بِالبَصَرِ [و -] لا بِالبَصِيرَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ مَواضِعِ الجِبالِ ﴿عِوَجًا﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وعَبَّرَ هُنا بِالكَسْرِ وهو لِلْمَعانِي، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالفَتْحِ الَّذِي يُوصَفُ [بِهِ -] الأعْيانُ، ومَواضِعُ الجِبالِ أعْيانٌ لا مَعانٍ، نَفْيًا لِلِاعْوِجاجِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، بِمَعْنى أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ أهْلَ الخِبْرَةِ بِتَسْوِيَةِ الأراضِي لاتَّفَقُوا عَلى الحُكْمِ بِاسْتِوائِها، ثُمَّ لَوْ جَمَعْتَ أهْلَ الهَنْدَسَةِ فَحَكَّمُوا مَقايِيسَهُمُ العِلْمِيَّةَ فِيها لَحَكَمُوا بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿ولا أمْتًا﴾ أيْ شَيْئًا مُرْتَفِعًا كالكُدْيَةِ أوْ نُتُوًّا يَسِيرًا أوْ شَقًّا [أوِ اخْتِلافًا -]؛ وقالَ البَيْضاوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: الأمْتُ النُّتُوُّ اليَسِيرُ، قالَ الغَزالِيُّ في الدُّرَّةِ الفاخِرَةِ: (p-٣٤٦)يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَطايَرُ الجِبالُ، وتُفَجَّرُ الأنْهارُ بَعْضُها في بَعْضٍ، فَيَمْتَلِئُ عالَمُ الهَواءِ [ماءً -]، وتَنْتَثِرُ الكَواكِبُ وتَتَغَيَّرُ السَّماءُ والأرْضُ، ويَمُوتُ العالَمُونَ فَتَخْلُو الأرْضُ والسَّماءُ؛ قالَ: ثُمَّ يَكْشِفُ سُبْحانَهُ عَنْ بَيْتٍ في سَقَرَ فَيَخْرُجُ لَهِيبُ النّارِ فَيَشْتَعِلُ في البُحُورِ فَتَنْشَفُ، ويَدَعُ الأرْضَ جَمْرَةً سَوْداءَ، والسَّماواتِ كَأنَّها عَكِرُ الزَّيْتِ والنُّحاسُ المُذابُ، ثُمَّ يَفْتَحُ تَعالى خِزانَةً مِن خَزائِنِ العَرْشِ فِيها بَحْرُ الحَياةِ، فَيُمْطِرُ بِهِ الأرْضَ، وهو كَمَنِيِّ الرِّجالِ فَتَنْبُتُ الأجْسامُ عَلى هَيْئَتِها، الصَّبِيُّ صَبِيٌّ، والشَّيْخُ شَيْخٌ، وما بَيْنَهُما، ثُمَّ تَهُبُّ مِن تَحْتِ العَرْشِ نارٌ لَطِيفَةٌ فَتَبْرُزُ الأرْضُ لَيْسَ فِيها جَبَلٌ ولا عِوَجٌ ولا أمْتٌ، ثُمَّ يُحْيِي اللَّهُ إسْرافِيلَ فَيَنْفُخُ في الصُّورِ مِن صَخْرَةِ القُدْسِ، فَتَخْرُجُ الأرْواحُ مِن ثَقْبٍ في الصُّورِ بِعَدَدِها كُلُّ رُوحٍ إلى جَسَدِها حَتّى الوَحْشُ والطَّيْرُ فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ.

طه 20:108

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِزَوالِ ما يَكُونُ مِنهُ العِوَجُ في الصَّوْتِ قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتُنْسَفُ الجِبالُ ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ أهْلُ المَحْشَرِ [بِغايَةِ جُهْدِهِمُ -] ﴿الدّاعِيَ﴾ أيْ بِالنَّفْخِ مُنْتَصِبِينَ إلَيْهِ عَلى الِاسْتِقامَةِ ﴿لا عِوَجَ لَهُ﴾ أيِ الدّاعِي في شَيْءٍ مِن قَصْدِهِمْ إلَيْهِ، (p-٣٤٧)لِأنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ ما يُحْوِجُهم إلى التَّعْرِيجِ ولا يَمْنَعُ الصَّوْتَ مِنَ النُّفُوذِ عَلى السَّواءِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ لا عِوَجَ لِدُعائِهِ، بَلْ يُسْمِعُ جَمِيعَهم فَلا يَمِيلُ إلى ناسٍ دُونَ ناسٍ. ولَمّا أخْبَرَ بِخُشُوعِهِمْ في الحَدِيثِ والِانْقِيادِ لِلدَّعْوَةِ، أخْبَرَ بِخُشُوعِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأصْواتِ الَّتِي جَرَتِ العادَةُ بِكَوْنِها عَنِ الاجْتِماعِ فَقالَ: ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ أيِ ارْتَخَتْ وخَفِيَتْ و[خُفِّضَتْ و-] تَطامَنَتْ لِخُشُوعِ أهْلِها ﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ أيِ [الَّذِي -] عَمَّتْ نِعَمُهُ، فَيُرْجى كَرَمُهُ، ويُخْشى نِقَمُهُ ﴿فَلا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ رَخاوَتِها أنَّكَ ﴿تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ أخْفى ما يَكُونُ مِنَ الأصْواتِ، [وقِيلَ: أخْفى شَيْءٍ مِن أصْواتِ الأقْدامِ -].

طه 20:109

[ولَمّا تَقَرَّرَ ما لِلْأصْواتِ -] مِنَ الانْخِفاتِ، وكانَ قَدْ أُشِيرَ [فِيما مَضى -] إلى وُقُوعِ الشَّفاعَةِ مِن بَعْضِ أخِصّائِهِ بِإذْنِهِ، وكانَ الحَشْرُ لِلْحِسابِ بِمَعْرِضِ التَّقْرِيبِ لِبَعْضٍ والتَّبْعِيدِ لِبَعْضٍ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ المُقَرَّبَ يَشْفَعُ لِلْمُبْعَدِ، لِما بَيْنَ أهْلِ الجَمْعِ مِنَ الوَصْلِ والأسْبابِ المُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ، وكانَ الكُفّارُ يَزْعُمُونَ أنَّ آلِهَتَهم تَشْفَعُ لَهم (p-٣٤٨)قالَ نافِيًا لِأنْ تَقَعَ شَفاعَةٌ [بِغَيْرِ إذْنِهِ -]، [مُعَظِّمًا ذَلِكَ اليَوْمَ بِالإنْذارِ مِنهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ -]: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ -] ﴿لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ أيْ لا تَكُونُ شَفاعَةٌ لِيَكُونَ لَها نَفْعٌ، لِأنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِما مَضى أنَّهُ لا صَوْتَ، وتَقَرَّرَ في تَحْقِيقِ المَحْصُوراتِ مِن عِلْمِ المِيزانِ أنَّ السّالِبَةَ الحَقِيقِيَّةَ لا تَسْتَدْعِي وُجُودَ المَوْضُوعِ في الخارِجِ، وإنَّما حَوَّلَ العِبارَةَ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ النَّفْعُ، فَنَفْيُهُ بادِئَ بَدْءٍ أفْظَعُ، وقَرْعُ السَّمْعِ بِهِ أوَّلًا أهْوَلُ وأفْزَعُ ﴿إلا﴾ أيْ إلّا شَفاعَةُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ العامُّ النِّعْمَةِ ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلا﴾ ولَوِ الإيمانَ المُجَرَّدَ.

طه 20:110

ولَمّا نَفى أنْ تَقَعَ الشَّفاعَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ - كَما سَلَفَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ - بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيِ الخَلائِقِ [وهُوَ كُلُّ ما يَعْلَمُونَهُ -] ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وهو كُلُّ ما غابَ عَنْهم عِلْمُهُ، أيْ عِلْمُهُ [سُبْحانَهُ -] مُحِيطٌ بِهِمْ، فَهو يَمْنَعُ قُلُوبَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما يُوجِدُ مِنَ الأسْبابِ أنْ تَهِمَّ بِما لا يَرْضاهُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ لِيَحْتَرِزُوا عَمّا يُقَدِّرُهُ عَلَيْهِمْ، و﴿عِلْمًا﴾ تَمْيِيزٌ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، (p-٣٤٩)[أيْ -] ولا يُحِيطُ عِلْمُهم بِهِ - قالَ أبُو حَيّانَ. والأقْرَبُ عِنْدِي كَوْنُهُ مَنقُولًا عَنِ المَفْعُولِ الَّذِي تَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، أيْ ولا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أقْرَبَ إلى ما في آيَةِ الكُرْسِيِّ.

طه 20:111

ولَمّا ذَكَرَ خُشُوعَ الأصْواتِ، أتْبَعَهُ خُضُوعَ دُونِها فَقالَ: ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ﴾ أيْ ذَلَّتْ وخَضَعَتْ واسْتَسْلَمَتْ [وُجُوهُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ -]، وخَصَّها لِشَرَفِها ولِأنَّها أوَّلُ ما يَظْهَرُ فِيهِ الذُّلُّ ﴿لِلْحَيِّ﴾ الَّذِي هو مُطَّلِعٌ عَلى الدَّقائِقِ والجَلائِلِ، وكُلُّ ما سِواهُ جَمادٌ حَيْثُ ما نُسِبَتْ حَياتُهُ إلى حَياتِهِ ﴿القَيُّومِ﴾ الَّذِي لا يَغْفُلُ عَنِ التَّدْبِيرِ ومُجازاةِ كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ﴿وقَدْ خابَ﴾ أيْ خَسِرَ [خَسارَةً ظاهِرَةً -] ﴿مَن حَمَلَ﴾ مِنهم [أوْ مِن غَيْرِهِمْ -] ﴿ظُلْمًا﴾

طه 20:112

ولَمّا ذَكَرَ الظّالِمَ، أتْبَعَهُ الحَكِيمَ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ العَجْزِ وإنِ اجْتَهَدَ، قالَ ﴿مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أيِ الَّتِي أمَرَهُ اللَّهُ بِها بِحَسَبِ اسْتِطاعَتِهِ، لِأنَّهُ «لَنْ يَقْدُرَ اللَّهَ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ» «ولَنْ يُشادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ» ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ لِيَكُونَ بِناؤُها عَلى الأساسِ، [وعَبَّرَ بِالفاءِ إشارَةً إلى قَبُولِ الأعْمالِ وجَعْلِها سَبَبًا لِذَلِكَ الحالِ [فَقالَ -]: ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾ [بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ سُوءٌ لَمْ يَقْتَرِفْهُ -] (p-٣٥٠)لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ، وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ مُحَقِّقَةٌ لِلْمُبالَغَةِ في النَّفْيِ ﴿ولا هَضْمًا﴾ أيْ نَقْصًا مِن جَزائِهِ وإنْ كانَ هو لَمْ يُوفِ المَقامَ حَقَّهُ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وأصْلُ الهَضْمِ الكَسْرُ، وأمّا غَيْرُ المُؤْمِنِ فَلَوْ عَمِلَ أمْثالَ الجِبالِ مِنَ الأعْمالِ لَمْ يَكُنْ لَها وِزْرٌ.

طه 20:113

ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الذِّرْوَةِ مِن حُسْنِ المَعانِي، فَبَشَّرَتْ ويَسَّرَتْ، وأنْذَرَتْ وحَذَّرَتْ، وبَيَّنَتِ الخَفايا، وأظْهَرَتِ الخَبايا، مَعَ ما لَها مِن جَلالَةِ السَّبْكِ وبَراعَةِ النَّظْمِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ تَنْبِيهًا عَلى جَلالَتِها: أنْزَلْناها عَلى هَذا المِنوالِ العَزِيزِ المِثالِ ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ هَذا الإنْزالِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ هَذا الذِّكْرَ كُلَّهُ بِعَظَمَتِنا ﴿قُرْآنًا﴾ جامِعًا لِجَمِيعِ المَعانِي المَقْصُودَةِ ﴿عَرَبِيًّا﴾ مُبَيِّنًا لِما أُودِعَ فِيهِ لِكُلِّ مَن لَهُ ذَوْقٌ في أسالِيبِ العَرَبِ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ هَذِهِ الآياتِ مُحَذِّرًا، قالَ: ﴿وصَرَّفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ﴾ أيْ ذَكَرْناهُ مُكَرِّرِينَ لَهُ مُحَوَّلًا في أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ، وأفانِينَ مُتَنَوِّعَةٍ مُؤْتَلِفَةٍ. ولَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ، أتْبَعَهُ ثَمَرَتَهُ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ النّاظِرُ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَتَّقُوا ويَكُونُوا بِهِ في عِدادِ مَن يُجَدِّدُ التَّقْوى كُلَّ حِينٍ، بِأنْ تَكُونَ [لَهُ -] وصْفًا مُسْتَمِرًّا، وهي الحَذَرُ الحامِلُ (p-٣٥١)عَلى اتِّخاذِ الوِقايَةِ مِمّا يُحْذَرُ ﴿أوْ﴾ في عِدادِ مَن ﴿يُحْدِثُ﴾ أيْ يُجَدِّدُ هَذا التَّصْرِيفُ ﴿لَهم ذِكْرًا﴾ أيْ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُذْكَرَ مِن طُرُقِ الخَيْرِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْخَوْفِ الحامِلِ عَلى التَّقْوى، فَيَرُدُّهم عَنْ بَعْضِ ما تَدْعُو إلَيْهِ النُّفُوسُ مِنَ النَّقائِصِ والبُؤْسِ.

طه 20:114

ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ الجُمَلُ نِهايَةَ الإعْجازِ، فاشْتَمَلَتْ عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ، دالَّةً عَلى أنَّ لِقائِلِها تَمامَ العِلْمِ والقُدْرَةِ والعَدْلِ في أحْوالِ الدّارَيْنِ، تَسَبَّبَ عَنْ سَوْقِها كَذَلِكَ أنْ بانَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ، مُعَظِّمًا لِنَفْسِهِ [الأقْدَسِ بِما هو لَهُ أهْلٌ -] بَعْدَ تَعْظِيمِ كِتابِهِ [تَعْلِيمًا لِعِبادِهِ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ الحَقِّ -] دالًّا بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ عَلى مَزِيدِ العُلُوِّ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ أيْ [بَلَغَ -] الَّذِي لا يَبْلُغُ الواصِفُونَ وصْفَهُ حَقَّ وصْفِهِ مِنَ العُلُوِّ أمْرًا لا تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ، فَلا يَلْحَقُهُ شَيْءٌ مِن إلْحادِ المُلْحِدِينَ ووَصْفِ المُشْرِكِينَ ﴿المَلِكُ﴾ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، فَلا مَلِكَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ المُلْكِ، فَلا زَوالَ لِكَوْنِهِ مَلِكًا في زَمَنٍ ما؛ ولِعَظَمَةِ مُلْكِهِ وحَقِّيَّةِ ذاتِهِ وصِفاتِهِ صَرَفَ خَلْقَهُ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ المُتَبايِنَةِ. (p-٣٥٢)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ في ذَمِّ مَن أعْرَضَ عَنْ هَذا الذِّكْرِ، كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تُعْرِضْ عَنْهُ، [بَلْ أقْبِلْ عَلَيْهِ -] لِتَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ الذّاكِرِينَ، ولَمّا كانَ هَذا الحَثُّ [العَظِيمُ -] رُبَّما اقْتَضى لِلْمُسابِقِ في التَّقْوى المُبالَغَةَ في المُبادَرَةِ إلَيْهِ فَيَسْتَعْجِلُ بِتَلَقُّفِهِ قَبْلَ الفَراغِ مِن إيحائِهِ، قالَ عاطِفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ أيْ بِتِلاوَتِهِ. ولَمّا كانَ النَّهْيُ عامًّا لِجَمِيعِ الأوْقاتِ القَبْلِيَّةِ، دَلَّ عَلَيْهِ بِالجارِّ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ خاصٌّ بِما يَسْتَغْرِقُ زَمانَ القَبْلِ [جُمْلَةً واحِدَةً-] فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ﴾ ولَمّا كانَ النَّظَرُ هُنا إلى فَراغِ الإيحاءِ لا إلى مُوحٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُقْضى﴾ أيْ يُنْهى ﴿إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ مِنَ المَلَكِ النّازِلِ إلَيْكَ مِن حَضْرَتِنا بِهِ كَما أنّا لَمْ نَعْجَلْ بِإنْزالِهِ عَلَيْكَ جُمْلَةً، بَلْ رَتَّلْناهُ لَكَ تَرْتِيلًا، ونَزَّلْناهُ إلَيْكَ تَنْزِيلًا مُفَصَّلًا تَفْصِيلًا، ومُوَصَّلًا تَوْصِيلًا - كَما أشَرْنا إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، فاسْتَمِعْ لَهُ مُلْقِيًا جَمِيعَ تَأمُّلِكَ إلَيْهِ ولا تُساوِقْهُ بِالقِراءَةِ، فَإذا فَرَغَ فاقْرَأْهُ فَإنّا نَجْمَعُهُ في قَلْبِكَ ولا نَسْقِيكَ بِإنْسائِهِ وأنْتَ مُصْغٍ إلَيْهِ، ولا بِتَكْلِيفِكَ لِلْمُساوَقَةِ بِتِلاوَتِهِ (p-٣٥٣)﴿وقُلْ رَبِّ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِإفاضَةِ العُلُومِ عَلَيَّ ﴿زِدْنِي عِلْمًا﴾ أيْ بِتَفْهِيمِ ما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِنهُ وإنْزالِ غَيْرِهِ كَما زِدْتَنِي بِإنْزالِهِ وتَحْفِيظِهِ، لِتَتَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَةِ الأسْبابِ المُفِيدَةِ لِتَبَعِ الخَلْقِ لَكَ، فَإنَّهُ كَما تَقَدَّمَ عَلى قَدْرِ إحاطَةِ العِلْمِ يَكُونُ شُمُولُ القُدْرَةِ، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّأنِّيَ في العِلْمِ بِالتَّدَبُّرِ وبِإلْقاءِ السَّمْعِ أنْفَعُ مِنَ الاسْتِعْجالِ المُتْعِبِ لِلْبالِ المُكَدِّرِ لِلْحالِ، وأعْوَنُ عَلى الحِفْظِ، [فَمَن وعى شَيْئًا حَقَّ الوَعْيِ حَفِظَهُ غايَةَ الحِفْظِ-]؛ ورَوى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ والبَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِما عَلَّمْتَنِي وعَلِّمْنِي ما يَنْفَعُنِي وزِدْنِي عِلْمًا والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وأعُوذُ بِاللَّهِ مِن حالِ أهْلِ النّارِ» أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.

طه 20:115

ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما أشارَ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ بِما هو عَلَيْهِ مِنَ الحِلْمِ والتَّأنِّي عَلى عِبادِهِ، والإمْهالِ لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ النَّقْصِ بِالنِّسْيانِ لِلْعُهُودِ والنَّقْضِ لِلْمَواثِيقِ، وأتْبَعَها [ذِكْرَ -] مَدْحِ (p-٣٥٤)هَذا الذِّكْرِ الَّذِي تَأدَّتْ إلَيْنا بِهِ، وذَمِّ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، وخَتَمَهُ بِما عَهِدَ إلَيْهِ ﷺ في أمْرِهِ نَهْيًا وأمْرًا، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَحْذِيرًا مِنَ الرُّكُونِ إلى ما يُسَبِّبُ النِّسْيانَ، وحَثًّا عَلى رُجُوعِ مَن نَسِيَ إلى طاعَةِ الرَّحْمَنِ، وبَيانًا لِأنَّ ذَلِكَ الَّذِي قَرَّرَهُ مِن حِلْمِهِ وإمْهالِهِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ مِنَ القِدَمِ، وصِفَتُهُ الَّتِي كانَتْ ونَحْنُ في حَيِّزِ العَدَمِ، وأنَّهُ جَبَلَ الإنْسانَ عَلى النَّقْصِ، فَلَوْ أخَذَهم بِذُنُوبِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وكَذَلِكَ أنْـزَلْناهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ [الرعد: ٣٧] أوْ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ فِيهِ وعَهِدَ بِهِ مِن أمْرِ القُرْآنِ، ومُحَذِّرًا مِنَ الإخْلالِ بِذَلِكَ ولَوْ عَلى وجْهِ النِّسْيانِ، ومُنْجِزًا لِما وعَدَ بِهِ مِن قَصِّ أنْباءِ المُتَقَدِّمِينَ مِمّا يُوافِقُ هَذا السِّياقَ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلى آدَمَ﴾ أبِي البَشَرِ الَّذِي أطْلَعْناهُ عَلى كَثِيرٍ مِنها في النَّهْيِ عَنِ الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمانِ الماضِيَةِ قَبْلَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ نِسْيانِهِمْ وإعْراضِهِمْ ﴿فَنَسِيَ﴾ عَهْدَنا وأكَلَ مِنها مَعَ عِلْمِهِ مِن تِلْكَ العَظَمَةِ بِما لا يَنْبَغِي أنْ يَنْسى مَعَهُ ذَلِكَ العَهْدَ المُؤَكَّدَ بِذَلِكَ الجَلالِ، فَعَدَدْنا عَلَيْهِ وُقُوعَهُ في ذَلِكَ المَنهِيِّ ناسِيًا ذَنْبًا لِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ عِنْدَنا، فَهو (p-٣٥٥)مِن بابِ «حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ» فَكَيْفَ بِما فَوْقَ ذَلِكَ! ﴿ولَمْ نَجِدْ﴾ بِالنَّظَرِ إلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَهُ عَزْمًا﴾ أيْ [قَصْدًا صُلْبًا ماضِيًا وإرادَةً نافِذَةً لا تَرَدُّدَ فِيها كَإراداتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، والمَعْنى أنَّهُ -] لَمْ يَتَعَلَّقْ عِلْمُنا بِذَلِكَ مَوْجُودًا، ومَعَ ذَلِكَ عَفَوْنا عَنْهُ ولَمْ نُزَحْزِحْهُ عَنْ رُتْبَةِ الِاصْطِفاءِ.ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ السُّورَةِ - كَما سَلَفَ - الإعْلامَ بِالحِلْمِ والأناةِ والتَّلَطُّفِ بِالنّائِي والقُدْرَةِ عَلى المُعْرِضِ، ذَكَرَ فَعْلَةَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ بِلَفْظِ المَعْصِيَةِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأنَّها عَلى وجْهِ النِّسْيانِ، وذَكَرَ ذَلِكَ أوَّلًا مُجْمَلًا ثُمَّ أتْبَعَهُ تَفْصِيلَهُ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ، تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى المُشارِ إلَيْهِ، تَقْرِيرًا وتَحْذِيرًا مِنَ الوُقُوعِ في مَنهِيٍّ، وإرْشادًا لِمَن ”غَلَبَ عَلَيْهِ“ طَبْعُ النَّقْصِ إلى المُبادَرَةِ إلى النَّدَمِ وتَعاطِي أسْبابِ التَّوْبَةِ لِيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَما فَعَلَ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ:

طه 20:116

﴿وإذْ﴾ أيِ اذْكُرْ هَذا واذْكُرْ حِينَ ﴿قُلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، أيِ اذْكُرْ قَوْلَنا في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾ أيِ المَجْبُولِينَ عَلى مُضِيِّ العَزْمِ (p-٣٥٦)والتَّصْمِيمِ عَلى القَصْدِ مِن غَيْرِ مانِعِ تَرَدُّدٍ ولا عائِقِ فُتُورٍ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ الَّذِي خَلَقْتُهُ بِيَدِي، فَلَمْ نَأْمُرْهم بِذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنِ اصْطَفَيْناهُ ونَحْنُ عالِمُونَ بِما سَيَقَعُ مِنهُ، وأنَّهُ لا يَقْدَحُ في رُتْبَةِ اصْطِفائِهِ، فَإنَّ الحِلْمَ والكَرَمَ مِن صِفاتِنا، والرَّحْمَةَ مِن شَأْنِنا، فَلا تَيْأسْ مِن عَوْدِنا بِالفَضْلِ والرَّحْمَةِ عَلى مَن بالَغَ في مُقاطَعَتِنا مِن قَوْمِكَ الَّذِينَ وصَفْناهم بِاللَّدَدِ ﴿فَسَجَدُوا﴾ [أيِ المَلائِكَةُ-] ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ الَّذِي نَسَبَ اللَّهَ إلى الجَوْرِ والإخْلالِ بِالحِكْمَةِ فَكَفَرَ فَأيِسَ مِنَ الرَّحْمَةِ وسُلِبَ الخَيْرَ فَأصَرَّ عَلى إضْلالِ الخَلْقِ بِالتَّلْبِيسِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن حالِهِ في عَدَمِ سُجُودِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿أبى﴾ أيْ تَكَبَّرَ عَلى آدَمَ فَعَصى أمْرَ اللَّهِ

طه 20:117

﴿فَقُلْنا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ حَلُمْنا عَنْهُ ولَمْ نُعاجِلْهُ بِالعُقُوبَةِ: ﴿يا آدَمُ إنَّ هَذا﴾ الشَّيْطانَ الَّذِي تَكَبَّرَ عَلَيْكَ ﴿عَدُوٌّ لَكَ﴾ دائِمًا لِأنَّ الكِبْرَ النّاشِئَ عَنِ الحَسَدِ لا يَزُولُ ﴿ولِزَوْجِكَ﴾ لِأنَّها مِنكَ ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما﴾ أيْ لا تُصْغِيا إلَيْهِ بِوَجْهٍ فَيُخْرِجُكُما، ووَجَّهَ النَّهْيَ إلَيْهِ والمُرادُ: هُما، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ لَها مِنَ الجَلالَةِ [ما يَنْبَغِي أنْ تُصانَ عَنْ أنْ يَتَوَجَّهَ إلَيْها نَهْيٌ، وأسْنَدَ الإخْراجَ إلَيْهِ لِزِيادَةِ التَّحْذِيرِ والإبْلاغِ في التَّنْفِيرِ، وزادَ -] في (p-٣٥٧)التَّنْبِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾ أيْ فَإنَّهُ لا يُقَصِّرُ في ضَرِّكُما وإرادَةِ إنْزالِكُما عَنْها. ولَمّا نَصَّ سُبْحانَهُ عَلى شَرِكَتِها لَهُ في الإخْراجِ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ شَرِكَتُها لَهُ في آثارِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ تابِعَةً لِلرَّجُلِ، فَكانَ هو المَخْصُوصَ في هَذِهِ الدّارِ بِالكُلِّ في الكَدِّ والسَّعْيِ، والذَّبِّ والرَّعْيِ، وكانَ أغْلَبُ تَعَبِهِ في أمْرِ المَرْأةِ، أفْرَدَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ التَّعَبِ لِذَلِكَ وعَدًّا لِتَعَبِها بِالنِّسْبَةِ إلى تَعَبِهِ عَدَمًا، وتَعْرِيفًا بِأنَّ أمْرَها بِيَدِهِ، وهو إنْ تَصَلَّبَ قادَها إلى الخَيْرِ، وإلّا قادَتْهُ إلى الضَّيْرِ، وعَبَّرَ عَنِ التَّعَبِ بِالشَّقاءِ زِيادَةً في التَّحْذِيرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿فَتَشْقى﴾ أيْ فَتَتْعَبُ، ولَمْ يُرِدْ شَقاوَةَ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ لَوْ أرادَها ما دَخَلَ الجَنَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، لِأنَّ الكَلامَ المُقَدَّرَ بَعْدَ الفاءِ خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يُخْلَفُ.

طه 20:118

ثُمَّ عَلَّلَ شَقاوَتَهُ عَلى تَقْدِيرِ الإخْراجِ بِوَصْفِها بِما لا يُوجَدُ في غَيْرِها مِنَ الأقْطابِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها كَفافُ الإنْسانِ، وهي الشِّبَعُ والرِّيُّ والكُسْوَةُ والكِنُّ. ذاكِرًا لَها بِلَفْظِ النَّفْيِ لِنَقائِضِها لِيَطْرُقَ سَمْعَهُ بِأسْماءِ أصْنافِ الشِّقْوَةِ الَّتِي حَذَّرَهُ مِنها لِيَصِيرَ بِحَيْثُ يَتَحامى السَّبَبَ المُوقِعَ فِيها كَراهَةً لَها، فَإذا مَضَتْ عَلَيْهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ عَلِمَ أنَّهُ لا يُغْنِي حَذَرٌ مِن قَدَرٍ، فَقالَ: ﴿إنَّ لَكَ﴾ أيْ عَلَيْنا ﴿ألا تَجُوعَ فِيها﴾ أيْ يَوْمًا ما ﴿ولا تَعْرى﴾ فَلا يَتَجَرَّدُ باطِنُكَ ولا ظاهِرُكَ

طه 20:119

﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ﴾ (p-٣٥٨)بِالتِهابِ القَلْبِ ﴿فِيها ولا تَضْحى﴾ أيْ لا يَكُونُ بِحَيْثُ يُصِيبُكَ حَرُّ الشَّمْسِ، والمَعْنى أنَّهُ لا يُصِيبُكَ حَرٌّ في الباطِنِ ولا في الظّاهِرِ

طه 20:120

﴿فَوَسْوَسَ﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ تَحْذِيرَنا هَذا مِن غَيْرِ بُعْدٍ في الزَّمانِ أنْ وسْوَسَ ﴿إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ المُحْتَرِقُ المَطْرُودُ، وهو إبْلِيسُ، أيْ ألْقى إلَيْهِ وجْهَ الخَفاءِ بِما مَكَّنّاهُ مِنَ الجَرْيِ في هَذا النَّوْعِ مَجْرى الدَّمِ، وقَذْفِ المَعانِي في قَلْبِهِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِـ ”إلى“، لِأنَّ المَقامَ لِبَيانِ سُرْعَةِ قَبُولِ هَذا النَّوْعِ لِلنَّقائِصِ وإنْ أتَتْهُ مِن بُعْدٍ، أوْ لِأنَّهُ ما أنْهى إلَيْهِ ذَلِكَ إلّا بِواسِطَةِ زَوْجِهِ، لِذَلِكَ عَدّى الفِعْلَ عِنْدَ ذِكْرِهِما بِاللّامِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: ما دَسَّ إلَيْهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ يا آدَمُ﴾ ثُمَّ ساقَ لَهُ الغِشَّ مَساقَ العَرْضِ، إبْعادًا لِنَفْسِهِ مِنَ التُّهْمَةِ والغَرَضِ؛ وشَوَّقَهُ إلَيْهِ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ﴾ فَإنَّ النَّفْسَ شَدِيدَةُ الطَّلَبِ لِعِلْمِ ما تَجْهَلُهُ؛ وثانِيًا بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ﴾ أيِ الَّتِي مَن أكَلَ مِنها خَلَدَ، فَإنَّ الإنْسانَ أحَبُّ شَيْءٍ في طُولِ البَقاءِ؛ وثالِثًا بِقَوْلِهِ: ﴿ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ أيْ لا يَخْلَقُ أصْلًا، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ: نَعَمْ، فَقالَ: شَجَرَةُ الخُلْدِ هَذِهِ - مُشِيرًا إلى الَّتِي نُهِيَ عَنْها - ما بَيْنَكَ وبَيْنَ المُلْكِ الدّائِمِ إلّا أنْ تَأْكُلَ مِنها.

طه 20:121

﴿فَأكَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِ وتَعَقَّبَ أنْ أكَلَ ﴿مِنها﴾ هو وزَوْجُهُ، مُتَّبِعَيْنِ لِقَوْلِهِ ناسِيَيْنِ ما عَهِدَ إلَيْهِما ﴿فَبَدَتْ لَهُما﴾ لِما خَرَقا مِن سِتْرِ النَّهْيِ وحُرْمَتِهِ (p-٣٥٩)﴿سَوْآتُهُما﴾ وُقُوعًا لِما حُذِّرا مِنهُ مِن إخْراجِهِما مِمّا كانا فِيهِ ﴿وطَفِقا﴾ أيْ شَرَعا ﴿يَخْصِفانِ﴾ [أيْ -] يَخِيطانِ أوْ يُلْصِقانِ ﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ لِيَسْتُرا عَوْراتِهِما ﴿وعَصى آدَمُ﴾ وإنْ كانَ إنَّما فَعَلَ المَنهِيَّ نِسْيانًا، لِأنَّ عِظَمَ مَقامِهِ وعُلُوَّ رُتْبَتِهِ يَقْتَضِيانِ لَهُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ ودَوامَ المُراقَبَةِ مَعَ رَبْطِ الجَأْشِ ويَقَظَةِ الفِكْرِ ﴿رَبَّهُ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِ بِما لَمْ يُنِلْهُ أحَدًا مِن بَنِيهِ مِن تَصْوِيرِهِ لَهُ بِيَدِهِ وإسْجادِ مَلائِكَتِهِ لَهُ ومُعاداةِ مَن عاداهُ ﴿فَغَوى﴾ [مِنَ -] الغَوايَةِ [وهِيَ -] الضَّلالُ، ولِذَلِكَ قالُوا: المَعْنى: [فَضَلَّ -] عَنْ طَرِيقِ السَّدادِ، فَأخْطَأ طَرِيقَ التَّوَصُّلِ إلى الخُلْدِ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ، وهو صَفِيُّهُ، لَمْ يُنْزِلْهُ عَنْ رُتْبَةِ الِاصْطِفاءِ، لِأنَّ رَحْمَتَهُ واسِعَةٌ، وحِلْمَهُ عَظِيمٌ، وعَفْوَهُ شامِلٌ، فَلا يُهِمَّنَّكَ أمْرُ القَوْمِ اللُّدِّ، فَإنّا قادِرُونَ عَلى أنْ نُقْبِلَ بِقُلُوبِ مَن شِئْنا مِنهم فَنَجْعَلَهم مِن أصْفى الأصْفِياءِ، ونُخْرِجَ مِن أصْلابِ مَن شِئْنا مِنهم مَن نَجْعَلُ قَلْبَهُ مَعْدِنَ الحِكْمَةِ والعِلْمِ.

طه 20:122

ولَمّا كانَ الرِّضى عَنْهُ - مَعَ هَذا الفِعْلِ الَّذِي أسْرَعَ فِيهِ اتِّباعَ العَدُوِّ وعِصْيانَ الوَلِيِّ بِشَيْءٍ لا حاجَةَ بِهِ إلَيْهِ - مُسْتَبْعَدًا جِدًّا، أثْبَتَ (p-٣٦٠)ذَلِكَ تَعالى مُشِيرًا إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِ ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ الِاجْتِباءِ بِالرُّجُوعِ إلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن طَرِيقِ السَّدادِ ﴿وهَدى﴾ بِالحِفْظِ في ذَلِكَ كَما هو الشَّأْنُ في أهْلِ الوِلايَةِ والقُرْبِ.

طه 20:123

ولَمّا كانَتْ دُورُ المُلُوكِ لا تَحْتَمِلُ مِثْلَ ذَلِكَ، وكانَ قَدْ قَدَّمَ سُبْحانَهُ عِنايَتَهُ بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ اهْتِمامًا بِهِ، وكانَ الخَبَرُ عَنْ زَوْجِهِ وعَنْ إبْلِيسَ لَمْ يُذْكَرْ، فَكانَتْ نَفْسُ السّامِعِ لَمْ تَسْكُنْ عَنْ تَشَوُّفِها إلى سَماعِ بَقِيَّةِ الخَبَرِ، أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّهُ أهْبَطَ مِن دارِهِ المُقَدَّسَةِ الحامِلَ عَلى المُخالَفَةِ والمَحْمُولَ وإنْ كانَ قَدْ هَيَّأهُ بِالِاجْتِباءِ لَها، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿قالَ﴾ أيِ الرَّبُّ الَّذِي انْتُهِكَتْ حُرْمَةُ دارِهِ: ﴿اهْبِطا مِنها﴾ أيُّها الفَرِيقانِ: آدَمُ وتَبَعُهُ، وإبْلِيسُ ﴿جَمِيعًا﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِوُقُوعِ النِّسْيانِ وانْحِلالِ العَزْمِ بَعْدَ أكِيدِ العَهْدِ، حَرَّكَ العَزْمَ وبَعَثَ الهَمَّ بِإيقاعِ العَداوَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنْها المُغالَبَةُ، فَتَبْعَثُ الهِمَمَ وتُثِيرُ العَزائِمَ، فَقالَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: عَلى أيِّ حالٍ يَكُونُ الهُبُوطُ: ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهو صادِقٌ بِعَداوَةِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لِلْفَرِيقِ الآخَرِ: فَرِيقِ إبْلِيسَ - الَّذِينَ هُمُ الجِنُّ - بِالإضْلالِ، وفَرِيقِ (p-٣٦١)الإنْسِ بِالِاحْتِرازِ مِنهم بِالتَّعاوِيذِ والرُّقى وغَيْرِ ذَلِكَ، وبِعَداوَةِ بَعْضِ كُلِّ فَرِيقٍ لِبَعْضِهِ ﴿فَإمّا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ العِلْمُ بِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ مِنكم عَلى التَّحَرُّزِ مِن عَدُوِّهِ إلّا بِي ولا حِرْزَ لَكم مِن قِبَلِي إلّا اتِّباعَ أمْرِي، فَإمّا ﴿يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيْ أيُّها الجَماعَةُ الَّذِينَ هم أضَلُّ ذَوِي الشَّهَواتِ مِنَ المُكَلَّفِينَ ﴿مِنِّي هُدًى﴾ تَحْتَرِزُونَ بِهِ عَنِ اسْتِهْواءِ العَدُوِّ واسْتِزْلالِهِ ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ﴾ عَبَّرَ بِصِيغَةِ ”افْتَعَلَ“ الَّتِي فِيها تَكَلُّفٌ وتَتْمِيمٌ لِلتَّبَعِ النّاشِئِ عَنْ شِدَّةِ الِاهْتِمامِ ﴿هُدايَ﴾ الَّذِي أسْعَفْتُهُ بِهِ مِن أوامِرِ الكِتابِ والرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِدَلالَةِ العَقْلِ، ولِلتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ ”افْتَعَلَ“ قالَ: ﴿فَلا يَضِلُّ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، عَنْ طَرِيقِ السَّدادِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ أصْلًا ﴿ولا يَشْقى﴾ أيْ في شَيْءٍ مِن سَعْيِهِ في واحِدَةٍ مِنهُما، فَإنَّ الشَّقاءَ عِقابُ الضَّلالِ، ويَلْزَمُ مِن نَفْيِهِ نَفْيُ الخَوْفِ والحُزْنِ بِخِلافِ العَكْسِ، فَهو أبْلَغُ مِمّا في البَقَرَةِ، فَإنَّ المَدْعُوَّ إلَيْهِ في تِلْكَ مُطْلَقُ العِبادَةِ، والمَقامُ في هَذِهِ لِلْخَشْيَةِ والبَعْثِ عَلى الجِدِّ بِالعَداوَةِ ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٣] ولِلْإقْبالِ عَلى الذِّكْرِ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ١٠٠] والتَّحَفُّظِ مِنَ المُخالَفَةِ ولَوْ بِالنِّسْيانِ ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والشَّقاءُ: فِراقُ العَبْدِ مِنَ اللَّهِ، والسَّعادَةُ وُصُولُهُ (p-٣٦٢)إلَيْهِ؛ وقالَ الأصْبَهانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ضَمِنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أنْ لا يَضِلَّ في الدُّنْيا ولا يَشْقى في الآخِرَةِ

طه 20:124

﴿ومَن أعْرَضَ﴾ أيْ فَعَلَ دُونَ فِعْلِ الرَّضِيعِ بِتَعَمُّدِ التَّرْكِ لِما يَنْفَعُهُ بِالمُجاوَرَةِ ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ الَّذِي هو الهُدى ﴿فَإنَّ لَهُ﴾ ضِدَّ ذَلِكَ ﴿مَعِيشَةً﴾ حَقَّرَها سُبْحانَهُ بِالتَّأْنِيثِ ثُمَّ وصَفَها بِأفْظَعِ وصْفٍ وهو مَصْدَرٌ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والجَمْعُ وغَيْرُهُ فَقالَ: ﴿ضَنْكًا﴾ أيْ ذاتَ ضَنْكٍ أيْ ضِيقٍ، لِكَوْنِهِ عَلى ضَلالٍ وإنْ رَأى أنَّ حالَهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ في السَّعَةِ والرّاحَةِ، فَإنَّ ضَلالَهُ لا بُدَّ أنْ يُرْدِيَهُ، فَهو ضَنْكٌ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلضِّيقِ وآئِلًا إلَيْهِ، مِن تَسْمِيَةِ السَّبَبِ بِاسْمِ المُسَبَّبِ، مَعَ أنَّ المُعْرِضَ عَنِ اللَّهِ لا يَشْبَعُ ولا يَضِلُّ إلى أنْ يَقْنَعَ، مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ الحِرْصُ الَّذِي لا يَزالُ أنْ يُطِيحَ بِبالِ مَن يُرِيدُ الِازْدِيادَ مِنَ الدُّنْيا، مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ الشُّحُّ الَّذِي يَقْبِضُ يَدَهُ عَنِ الإنْفاقِ، عَنْ مُناواةِ الخُصُومِ، وتَعاقُبِ الهُمُومِ، مَعَ أنَّهُ لا يَرْجُو ثَوابًا، ولا يَأْمَنُ عِقابًا، فَهو لِذَلِكَ في أضْيَقِ الضِّيقِ، لا يَزالُ هَمُّهُ أكْبَرَ مِن وُجْدِهِ «لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادٍ مِن ذَهَبٍ لابْتَغى إلَيْهِ ثانِيًا، ولَوْ أنَّ لَهُ وادِيَيْنِ لابْتَغى لَهُما ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وهَكَذا حالُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها، وأمّا المُقْبِلُ عَلى الذِّكْرِ بِكُلِّيَّتِهِ فَهو قانِعٌ راضٍ بِما هو فِيهِ، مُسْتَكْثِرٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ الشّارِحِ لِلصُّدُورِ الجالِي لِلْقُلُوبِ فَهو أوْسَعُ سَعَةً، فَلا تَغْتَرَّ بِالصُّوَرِ وانْظُرْ إلى المَعانِي. (p-٣٦٣)ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ في الدُّنْيا، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ وكانَ ذَلِكَ في بَعْضِ أوْقاتِ ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إذا خَرَجَ مِنَ القَبْرِ خَرَجَ بَصِيرًا، فَإذا سِيقَ إلى المَحْشَرِ عَمِيَ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ - وهو أقْرَبُ مَفْهُومِ العِبارَةِ - في بَعْضِ أهْلِ الضَّلالِ لِيَجْتَمِعَ مَعَ قَوْلِهِ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] وحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في الصَّحِيحِ مِن هَذا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»

طه 20:125

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ﴾ مُذَكِّرًا بِالنِّعْمَةِ السّابِقَةِ اسْتِعْطافًا لِأنَّ مِن شَأْنِ مُسْلِفٍ نِعْمَةً أنْ يُرَبِّيَها وإنْ قَصَّرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِ، وغايَةُ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ مَهْما بَقِيَ لِلصُّلْحِ مَوْضِعٌ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ المُسْبِغُ نِعَمَهُ عَلَيَّ ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي﴾ في هَذا اليَوْمِ ﴿أعْمى وقَدْ كُنْتُ﴾ أيْ في الدُّنْيا، أوْ في أوَّلِ هَذا اليَوْمِ ﴿بَصِيرًا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أُجِيبَ؟ فَقِيلَ:

طه 20:126

﴿قالَ﴾ لَهُ رَبُّهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الفِعْلِ الشَّنِيعِ فَعَلْتَ في الدُّنْيا، والمَعْنى: مِثْلُ ما قُلْتُ كانَ؛ ثُمَّ فَسَّرَ عَلى الأوَّلِ، وعَلَّلَ عَلى الثّانِي، فَقالَ: ﴿أتَتْكَ آياتُنا﴾ عَلى عَظَمَتِها الَّتِي هي مِن عَظَمَتِنا ﴿فَنَسِيتَها﴾ أيْ فَعامَلْتَها بِإعْراضِكَ عَنْها مُعامَلَةَ المَنسِيِّ الَّذِي لا يُبْصِرُهُ صاحِبُهُ، فَقَدْ جَعَلْتَ نَفْسَكَ أعْمى البَصَرِ (p-٣٦٤)والبَصِيرَةِ عَنْها، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ [الكهف: ١٠١] ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ النِّسْيانِ الفَظِيعِ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ لِيَسُدَّ سَوْقَهُ لِلْمَظْرُوفِ ويَعْظُمَ اخْتِبارُهُ لِفَهْمِهِ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ تُنْسى﴾ أيْ تُتْرَكُ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ بِالعَمى والشَّقاءِ بِالنّارِ، فَتَكُونُ كالشَّيْءِ الَّذِي لا يُبْصِرُهُ أحَدٌ ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ

طه 20:127

﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ ﴿نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ في مُتابَعَةِ هَواهُ فَتَكَبَّرَ عَنْ مُتابَعَةِ أوامِرِنا ﴿ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ فَكَفَرَ إحْسانَهُ إمّا بِالتَّكْذِيبِ وإمّا بِفِعْلِهِ فِعْلَ المُكَذِّبِ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّ هَذا الضّالَّ كانَ في الدُّنْيا مُعَذَّبًا بِالضَّنْكِ، وذَكَرَ بَعْضَ ما لَهُ في الآخِرَةِ، قالَ مُقْسِمًا لِما لَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾ بِأيِّ نَوْعٍ كانَ ﴿أشَدُّ﴾ مِن عَذابِ الدُّنْيا ﴿وأبْقى﴾ مِنهُ، فَإنَّ الدُّنْيا دارُ زَوالٍ، ومَوْضِعُ قَلْعَةٍ وارْتِحالٍ.

طه 20:128

ولَمّا كانَ ما مَضى مِن هَذِهِ السُّورَةِ وما قَبْلَها مِن ذِكْرِ مَصارِعِ الأقْدَمِينَ، وأحادِيثِ المُكَذِّبِينَ، بِسَبَبِ العِصْيانِ عَلى الرُّسُلِ، سَبَبًا عَظِيمًا لِلِاسْتِبْصارِ والبَيانِ، كانُوا أهْلًا لِأنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ لُزُومَهم لِعَماهم فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ﴾ أيْ يُبَيِّنْ ﴿لَهم كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾ أيْ كَثْرَةَ إهْلاكِنا (p-٣٦٥)لِمَن تَقَدَّمَهم ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بِتَكْذِيبِهِمْ لِرُسُلِنا، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ ويَعْرِفُونَ خَبَرَهم بِالتَّوارُثِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ أنّا نَنْصُرُ أوْلِياءَنا ونُهْلِكُ أعْداءَنا ونَفْعَلُ ما شِئْنا! والأحْسَنُ أنْ لا يُقَدَّرَ مَفْعُولٌ، ويَكُونَ المَعْنى: أوَ لَمْ يَقَعْ لَهُمُ البَيانُ الهادِي، ويَكُونَ ما بَعْدَهُ اسْتِئْنافًا عَيْنًا كَما وقَعَ البَيانُ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الإهْلاكِ العَظِيمِ الشَّأْنِ المُتَوالِي في كُلِّ أُمَّةٍ ﴿لآياتٍ﴾ عَظِيماتِ البَيانِ ﴿لأُولِي النُّهى﴾ أيِ العُقُولِ الَّتِي مِن شَأْنِها النَّهْيُ عَمّا لا يَنْفَعُ فَضْلًا عَمّا يَضُرُّ، فَإنَّها تَدُلُّ بِتَوالِيها عَلى قُدْرَةِ الفاعِلِ، وبِتَخْصِيصِ الكافِرِ بِالهَلاكِ والمُؤْمِنِ بِالنَّجاةِ عَلى تَمامِ العِلْمِ [مَعَ -] عُمُومِ القُدْرَةِ، وعَلى أنَّهُ تَعالى لا يُقِرُّ عَلى الفَسادِ وإنْ أمْهَلَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّنْ لَهُ وازِعٌ مِن عَقْلِهِ.

طه 20:129

ولَمّا هَدَّدَهم بِإهْلاكِ الماضِينَ، ذَكَرَ سَبَبَ التَّأْخِيرِ عَنْهُمْ، عاطِفًا عَلى ما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقُ، وهو مِثْلُ أنْ يُقالَ: فَلَوْ أرادَ سُبْحانَهُ لَعَجَّلَ عَذابَهُمْ: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةٌ ماضِيَةٌ نافِذَةٌ ﴿سَبَقَتْ﴾ أيْ في الأزَلِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ الَّذِي عَوَّدَكَ بِالإحْسانِ بِأنَّهُ يُعامِلُ بِالحِلْمِ والأناةِ، وأنَّهُ لا يَسْتَأْصِلُ مُكَذِّبِيكَ، بَلْ يَمُدُّ لَهُمْ، لِيَرُدَّ مَن شاءَ (p-٣٦٦)مِنهم ويُخْرِجَ مِن أصْلابِ بَعْضِهِمْ مَن يَعْبُدُهُ، وإنَّما ذَلِكَ إكْرامًا لَكَ ورَحْمَةً لِأُمَّتِكَ لِأنّا كَما قُلْنا أوَّلَ السُّورَةِ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] بِإهْلاكِهِمْ وإنْ كانُوا قَوْمًا لُدًّا، ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ، وما أنْزَلْناهُ إلّا لِتَكْثُرَ أتْباعُكَ، فَيَعْمَلُوا الخَيْراتِ، فَيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةً في شَرَفِكَ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ «وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وحْيًا أوْحاهُ اللَّهُ إلَيَّ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا» ﴿لَكانَ﴾ أيِ العَذابُ ﴿لِزامًا﴾ أيْ لازِمًا أعْظَمَ لُزُومٍ لِكُلِّ مَن أذْنَبَ عِنْدَ أوَّلِ ذَنْبٍ يَقَعُ مِنهُ لِشَرَفِكَ عِنْدَهُ وقُرْبِكَ لَدَيْهِ و لَوْلا أجَل مُسَمّى ضَرَبَهُ لِكُلِّ شَيْءٍ لَكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ أيْضًا، لَكِنَّهُ سَبَقَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ فَهو لا يُعَجِّلُ، وضَرَبَ الأجَلَ فَهو لا يَأْخُذُ قَبْلَهُ، وكُلٌّ مِن سَبْقِ الكَلِمَةِ وتَسْمِيَةِ الأجَلِ مُسْتَقِلٌّ بِالإمْهالِ فَكَيْفَ إذا اجْتَمَعا، فَتَسَبَّبَ عَنِ العِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ اسْتِيفاءِ الأجَلِ وإنْ زادَ العاصِي في العِصْيانِ تَسْلِيمُ الأُمُورِ إلى اللَّهِ وعَدَمُ القَلَقِ في انْتِظارِ الفَرَجِ فَقالَ:

طه 20:130

﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ لَكَ مِنَ الاسْتِهْزاءِ وغَيْرِهِ. ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ مُنافِرًا لِلطَّبْعِ، لِأنَّ النَّفْسَ مَجْبُولَةٌ عَلى النَّقائِصِ، مَشْحُونَةٌ بِالوَسْواسِ، أمَرَ مِنهُ لِأجْلِ مَن يَحْتاجُ إلى الكَمالِ بِما يَنْهَضُ بِها مِن حَضِيضِ الجِسْمِ إلى أوْجِ الرُّوحِ بِمَقامَيِ (p-٣٦٧)التَّحَلِّي [بِالكَمالاتِ والتَّخَلِّي عَنِ الرُّعُوناتِ، وبَدَأ بِالأوَّلِ لِأنَّهُ العَوْنُ عَلى الثّانِي، وذَكَرَ أشْرَفَ الحَلْيِ -] فَقالَ: ﴿وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيِ اشْتَغِلْ بِما يُنْجِيكَ مِن عَذابِهِ، ويُقَرِّبُكَ مِن جَنابِهِ، بِأنْ تُنَزِّهَ مَن أحْسَنَ إلَيْكَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، حالَ كَوْنِكَ حامِدًا لَهُ بِإثْباتِ كُلِّ كَمالٍ، وذَلِكَ بِأنْ تُصَلِّيَ لَهُ خاصَّةً وتَذْكُرَهُ بِالذِّكْرَيْنِ، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ إلى شَيْءٍ سِواهُ ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ صَلاةَ الصُّبْحِ ﴿وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ صَلاةَ العَصْرِ والظُّهْرِ؛ وغَيَّرَ السِّياقَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ﴾ أيْ ساعاتِهِ، [جَمْعِ إنْوٍ - بِكَسْرٍ ثُمَّ سُكُونٍ، أيْ ساعَةٍ -]، [لِأنَّ العِبادَةَ حِينَئِذٍ أفْضَلُ لِاجْتِماعِ القَلْبِ وهُدُوءِ الرَّجُلِ والخُلُوِّ بِالرَّبِّ، لِأنَّ العِبادَةَ إذْ ذاكَ أشَقُّ وأدْخَلُ في التَّكْلِيفِ فَكانَتْ أفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ -] ﴿فَسَبِّحْ﴾ أيْ بِصَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ، إيذانًا بِعَظَمَةِ صَلاةِ اللَّيْلِ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِصَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ إعْلامًا بِمَزِيدِ فَضْلِهِما، لِأنَّ ساعَتَيْهِما أثْناءَ الطَّيِّ والبَعْثِ فَقالَ: ﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾ ويُؤَيِّدُ ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ ذَلِكَ تَكْرِيرٌ لَهُما ما في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كُنّا جُلُوسًا عِنْدَ (p-٣٦٨)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فَقالَ: ”إنَّكم سَتَرَوْنَ رَبَّكم كَما تَرَوْنَ هَذا القَمَرَ لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ لا تُغْلَبُوا عَلى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا“، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ». وإلّا لَمْ يَكُنْ في الآيَةِ مَزِيدُ حَثٍّ عَلَيْهِما خاصَّةً، عَلى أنَّ لَفْظَ ”آناءِ وأطْرافِ“ صالِحٌ لِصَلاةِ التَّطَوُّعِ مِنَ الرَّواتِبِ وغَيْرِها لَيْلًا ونَهارًا، وأفادَ بِذِكْرِ الجارِّ في الآناءِ التَّبْعِيضَ، لِأنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ الرّاحَةِ، ونَزَعَهُ مِنَ الأطْرافِ لِتَيَسُّرِ اسْتِغْراقِها بِالذِّكْرِ، لِأنَّ النَّهارَ مَوْضِعُ النَّشاطِ واليَقَظَةِ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ المُرادُ بِما قَبْلَ [الطُّلُوعِ -] الصُّبْحَ، وما قَبْلَ الغُرُوبِ العَصْرَ فَقَطْ، وبِبَعْضِ الآناءِ المَغْرِبَ والعِشاءَ، وأدْخَلَ الجارَّ لِكَوْنِهِما وقْتَيْنِ، وبِجَمِيعِ الأطْرافِ الصُّبْحَ والظُّهْرَ والعَصْرَ، لِأنَّ النَّهارَ لَهُ أرْبَعَةُ أطْرافٍ: أوَّلُهُ، وآخِرُهُ و[آخِرُ -] نِصْفِهِ الأوَّلِ، و[أوَّلُ -] نِصْفِهِ الثّانِي، والكُلُّ مُسْتَغْرَقٌ بِالتَّسْبِيحِ، ولِذَلِكَ نَزَعَ الجارَّ، أمّا الأوَّلُ والآخِرُ فَبِالصُّبْحِ والعَصْرِ، وأمّا الآخَرانِ فَبِالتَّهَيُّؤِ لِلصَّلاةِ ثُمَّ الصَّلاةِ نَفْسِها، وحِينَئِذٍ تَكُونُ الدَّلالَةُ عَلى فَضِيلَةِ الصُّبْحِ والعَصْرِ مِن وجْهَيْنِ: التَّقْدِيمِ والتَّكْرِيرِ، وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِالحَدِيثِ، وإذا أُرِيدَ إدْخالُ النَّوافِلِ حُمِلَتِ الأطْرافُ عَلى السّاعاتِ - واللَّهُ الهادِي. (p-٣٦٩)ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى الإنْسانِ النِّسْيانَ فَكانَ الرَّجاءُ عِنْدَهُ أغْلَبَ، ذَكَرَ الجَزاءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ لِئَلّا يَأْمَنَ فَقالَ: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾ أيِ افْعَلْ هَذا لِتَكُونَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ يَرْضاكَ رَبُّكَ فَيُرْضِيَكَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، بِإظْهارِ دِينِكَ وإعْلاءِ أمْرِكَ، ولا يَجْعَلَكَ في عَيْشٍ ضَنْكٍ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ: لِتَكُونَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَكُونَ راضِيًا دائِمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولا تَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وقَدْ أعْطاكَ رَبُّكَ جَمِيعَ ما تُؤَمِّلُ.

طه 20:131

[ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مَيّالَةً إلى الدَّنايا، مَرْهُونَةً بِالحاضِرِ مِن فانِي العَطايا، وكانَ تَخَلِّيها عَنْ ذَلِكَ هو المُوصِلَ إلى حُرِّيَّتِها المُؤْذِنَ بِعُلُوِّ هِمَّتِها، قالَ مُؤَكِّدًا إيذانًا بِصُعُوبَةِ ذَلِكَ -]: ﴿ولا تَمُدَّنَّ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ بِالنُّونِ الثَّقِيلَةِ ﴿عَيْنَيْكَ﴾ أيْ لا تُطَوِّلْ نَظَرَهُما بَعْدَ النَّظْرَةِ الأُولى المَعْفُوِّ عَنْها قاصِدًا لِلِاسْتِحْسانِ ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَنْقُصُها تَعَظُّمُ أعْدائِنا بِهِ في هَذِهِ الحَياةِ الفانِيَةِ ﴿أزْواجًا﴾ أيْ أصْنافًا مُتَشاكِلِينَ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿زَهْرَةَ﴾ أيْ تَمْتِيعَ (p-٣٧٠)﴿الحَياةِ الدُّنْيا﴾ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ في الآخِرَةِ لِعَدَمِ صَرْفِهِمْ لَهُ في أوامِرِ اللَّهِ، فَهو مَصْدَرٌ مِنَ المَعْنى مِثْلُ جَلَسْتُ قُعُودًا، ثُمَّ عَلَّلَ تَمْتِيعَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾ أيْ لِنَفْعَلَ بِهِمْ فِعْلَ المُخْتَبِرِ، فَيَكُونَ سَبَبَ عَذابِهِمْ في الدُّنْيا بِالعَيْشِ الضَّنْكِ لِما مَضى، وفي الآخِرَةِ بِالعَذابِ الألِيمِ، فَصُورَتُهُ تَغُرُّ مَن لَمْ يَتَأمَّلْ مَعْناها حَقَّ التَّأمُّلِ، فَما أنْتَ فِيهِ خَيْرٌ مِمّا هم فِيهِ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ﴾ الَّذِي عَوَّدَ بِهِ أوْلِياءَهُ - وهو في دارِ السَّفَرِ- الكَفافَ الطَّيِّبُ المَقْرُونُ بِالتَّوْفِيقِ ﴿خَيْرٌ﴾ مِن زَهْرَتِهِمْ، لِأنَّهُ يَكْفِي ولا يُطْغِي وزادَكَ ما يُدْنِي إلى جَنابِهِ فَيُعْلِي ﴿وأبْقى﴾ فَإنَّهُ وفَّقَكَ لِصَرْفِهِ في الطّاعَةِ فَكَتَبَ لَكَ مِن أجْرِهِ ما تُوَفّاهُ يَوْمَ الحاجَةِ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ حَصْرَهُ، وتَكُونُ الدُّنْيا كُلُّها فَضْلًا عَمّا في أيْدِيهِمْ [أقَلَّ مِن قَطْرَةٍ -] بِالنِّسْبَةِ إلى بَحْرِهِ، وإضافَةُ رِزْقِهِ دُونَ رِزْقِهِمْ إلَيْهِ سُبْحانَهُ - وإنْ كانَ الكُلُّ مِنهُ - لِلتَّشْرِيفِ، وفي التَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ إيذانٌ بِالحِلِّ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى ظُهُورِهِ عَلَيْهِمْ وحَياتِهِ بَعْدَهم كَما هو الشَّأْنُ في الصّالِحِينَ والطّالِحِينَ.

طه 20:132

(p-٣٧١)ولَمّا أمَرَ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ أتْبَعَهُ الإعْلامَ بِأنَّ مِنها تَزْكِيَةَ الغَيْرِ، لِأنَّ ذَلِكَ أدَلُّ عَلى الإخْلاصِ، وأجْدَرُ بِالخَلاصِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مَثَلُ السَّفِينَةِ الَّذِي ضَرَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ومَن يَتْرُكُهُ فَقالَ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ كَما كانَ أبُوكَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَقُودَهم إلى كُلِّ خَيْرٍ ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] ولَمْ يَذْكُرِ الزَّكاةَ لِدُخُولِها في التَّزْهِيدِ بِالآيَةِ الَّتِي قَبْلَها. ولَمّا كانَتْ شَدِيدَةً عَلى النَّفْسِ عَظِيمَةَ النَّفْعِ، قالَ ﴿واصْطَبِرْ﴾ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ ﴿عَلَيْها﴾ [أيْ -] عَلى فِعْلِها، مُفَرِّغًا نَفْسَكَ لَها وإنْ شَغَلَتْكَ عَنْ بَعْضِ [أمْرِ -] المَعاشِ، لِأنّا ﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾ أيْ لا نُكَلِّفُكَ طَلَبَهُ لِنَفْسِكَ ولا لِغَيْرِكَ، فَإنَّ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ [يَأْبى -] أنْ نُكَلِّفَكَ أمْرًا، ولا نَكْفِيَكَ ما يَشْغَلُكَ عَنْهُ. ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ بِكُلِّيَّتِها مَصْرُوفَةً إلى أمْرِ المَعاشِ، كانَتْ كَأنَّها تَقُولُ: فَمِن أيْنَ يَحْصُلُ الرِّزْقُ؟ فَقالَ: ﴿نَحْنُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿نَرْزُقُكَ﴾ لَكَ ولَهم ما قَدَّرْناهُ لَكم مِن أيِّ جِهَةٍ شِئْنا مِن مُلْكِنا الواسِعِ وإنْ كانَ يُظَنُّ أنَّها بَعِيدَةٌ، ولا يَنْفَعُ في الرِّزْقِ حَوْلُ مُحْتالٍ، فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا تَدْأبُوا في تَحْصِيلِهِ والسَّعْيِ فِيهِ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ الجادِّ فِيهِ والمُتَهاوِنِ بِهِ لا يَنالُهُ أكْثَرُ مِمّا قَسَمْناهُ لَهُ في الأزَلِ ولا أقَلُّ، (p-٣٧٢)فالمُتَّقِي لِلَّهِ المُقْبِلُ عَلى ذِكْرِهِ واثِقٌ بِوَعْدِهِ قانِعٌ راضٍ فَهو في أوْسَعِ سَعَةٍ، والمُعْرِضُ مُتَوَكِّلٌ عَلى سَعْيِهِ فَهو في كَدٍّ وشَقاءٍ وجُهْدٍ وعَناءٍ أبَدًا ﴿والعاقِبَةُ﴾ أيِ الكامِلَةُ، وهي الَّتِي لا عاقِبَةَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها، وهي الحالَةُ الجَمِيلَةُ المَحْمُودَةُ الَّتِي تَعْقُبُ الأُمُورَ، أيْ تَكُونُ بَعْدَها ﴿لِلتَّقْوى﴾ أيْ لِأهْلِها، ولا مُعَوَّلَةَ عَلى الرِّزْقِ وغَيْرِهِ تُوازِي الصَّلاةَ، فَقَدْ «كانَ [رَسُولُ اللَّهِ-] ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» - أخْرَجَهُ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ وعَلَّقَهُ البَغْوِيُّ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ، وقالَ الطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ: ثَنا أحْمَدُ - هو ابْنُ يَحْيى الحَلْوانِيِّ - ثَنا سَعِيدُ - هو ابْنُ سُلَيْمانَ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا نَزَلَ بِأهْلِهِ الضِّيقُ أمَرَهم بِالصَّلاةِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ﴾ الآيَةَ». لا يُرْوى هَذا الحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، تَفَرَّدَ بِهِ مَعْمَرٌ، وقالَ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ إسْماعِيلُ بْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أبِي حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي زِيادٍ القَطْرانُ نا سَيّارُ نا جَعْفَرُ عَنْ ثابِتٍ قالَ: «كانَ الرَّسُولُ ﷺ (p-٣٧٣)إذا أصابَتْهُ خَصاصَةٌ نادى أهْلَهُ: يا أهْلاهُ! صَلُّوا صَلُّوا»، قالَ ثابِتٌ: وكانَ الأنْبِياءُ إذا نَزَلَ بِهِمْ أمْرٌ فَزِعُوا إلى الصَّلاةِ، وقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ كِلاهُما في الزُّهْدِ - وقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ زائِدَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي خالِدٍ الوالِبِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: تَفَرَّغْ لِعِبادَتِي أمْلَأْ صَدْرَكَ غِنىً وأسُدَّ فَقْرَكَ، وإنْ لَمْ تَفْعَلْ مَلَأْتُ صَدْرَكَ شُغْلًا ولَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ» ورَوى ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ الضَّحّاكِ عَنِ الأسْوَدِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ نَبِيَّكم ﷺ يَقُولُ: «مَن جَعَلَ الهُمُومَ هَمًّا واحِدًا هَمَّ المَعادِ، كَفاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْياهُ، ومَن تَشَعَّبَتْ بِهِ الهُمُومُ أحْوالَ الدُّنْيا لَمْ يُبالِ اللَّهُ في أيِّ أوْدِيَتِها هَلَكَ» ورَوى أيْضًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبانَ عَنْ أبِيهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أمْرَهُ، وجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ولَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما كُتِبَ لَهُ، ومَن كانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أمْرَهُ، وجَعَلَ غِناهُ في قَلْبِهِ، وأتَتْهُ الدُّنْيا وهي راغِمَةٌ» .

طه 20:133

ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ ما ذَكَرَ مِن قِصَصِ الأوَّلِينَ وأخْبارِ (p-٣٧٤)الماضِينَ، مُبَكِّتًا بِذَلِكَ مِن أمْرِ قُرَيْشٍ بِالتَّعَنُّتِ مِنَ اليَهُودِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى إنْكارِ شَيْءٍ مِنهُ ولا تَوْجِيهِ طَعْنٍ إلَيْهِ، وخَلَّلَهُ بِبَدائِعِ الحِكَمِ، وغَرائِبِ المَواعِظِ في أرْشَقِ الكَلِمِ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأعْظَمِ داعٍ إلى التَّقْوى، عَجِبَ مِنهم في كَوْنِهِمْ لا يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ أنَفَةً مِنَ المُجاهَرَةِ بِالباطِلِ، أوْ خَوْفًا مِن سُوءِ العَواقِبِ، فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾ ولَعَلَّهُ عَطَفَ عَلى ما يُقَدَّرُ في حَيِّزِ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ﴾ [طه: ١٢٨] مِن أنْ يُقالَ: وقَدْ أبَوْا ذَلِكَ ولَمْ يَعُدُّوا شَيْئًا مِنهُ آيَةً: ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿يَأْتِينا﴾ [أيْ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -] ﴿بِآيَةٍ﴾ [أيْ مِثْلِ آياتِ الأوَّلِينَ-] ﴿مِن رَبِّهِ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِ، دالَّةٍ عَلى صِدْقِهِ. ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا أنَّهم لَمْ يَعُدُّوا شَيْئًا مِن هَذِهِ البَيِّناتِ - الَّتِي أدْلى بِها عَلى مَن تَقَدَّمَهُ - آيَةً مُكابَرَةً، اسْتَحَقُّوا الإنْكارَ، فَقالَ: ﴿أوَلَمْ﴾ أيْ ألَمْ يَأْتِهِمْ مِنَ الآياتِ في هَذا القُرْآنِ مِمّا خَصَصْتُكَ بِهِ مِنَ الأحْكامِ والحِكَمِ في أبْلَغِ المَعانِي بِأرْشَقِ النُّظُومِ ما أعْجَزَ بُلَغاءَهُمْ، وأبْكَمَ فُصَحاءَهُمْ، فَدَلَّ قَطْعًا عَلى أنَّهُ كَلامِي، ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما﴾ أيِ الأخْبارُ الَّتِي ﴿فِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ مِن صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى وداوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ (p-٣٧٥)كَقِصَّتَيْ آدَمَ ومُوسى المَذْكُورَتَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِهِما مِمّا تَقَدَّمَ قَصُّهُ لَها كَما هي عِنْدَ أهْلِها عَلى وُجُوهٍ لا يَعْلَمُها إلّا قَلِيلٌ مِن حُذّاقِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُخالِطَ عالِمًا مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ، ومِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ مِنهم عَلى مُعارَضَةِ ما أتى بِهِ في قِصَّتِها مِنَ النَّظْمِ المُنْتِجِ قَطْعًا أنَّهُ [لا -] مُعَلِّمَ لَهُ إلّا اللَّهَ المُرْسِلَ لَهُ، وأنَّ ما أتى بِهِ مِنها شاهِدٌ لِما في الصُّحُفِ الأُولى مِن ذَلِكَ بِالصِّدْقِ، لِأنَّهُ كَلامُ اللَّهِ، فَهو بَيِّنَةٌ عَلى غَيْرِهِ لِإعْجازِهِ، فَجَمِيعُ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مُفْتَقِرَةٌ إلى شَهادَتِهِ افْتِقارَ المُحْتَجِّ عَلَيْهِ إلى شَهادَةِ الحُجَّةِ، ولا افْتِقارَ لَهُ بَعْدَ العَجْزِ عَنْهُ إلى شَيْءٍ أصْلًا، فَهو أعْظَمُ مِن آياتِ جَمِيعِ [الأنْبِياءِ -] اللّاتِي يَطْلُبُونَ مِثْلَها بِما لا يُقايَسُ.

طه 20:134

ولَمّا تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهم يَطْعَنُونَ بِما لا شُبْهَةَ لَهم فِيهِ أصْلًا، أتْبَعَهُ ما كانَ لَهم فِيهِ نَوْعُ شُبْهَةٍ لَوْ وقَعَ، فَقالَ عاطِفًا [عَلى -] ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾ [طه: ١٢٩] ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهُمْ﴾ مُعامَلَةً لَهم في عِصْيانِهِمْ بِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ العَظَمَةِ ﴿بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ أيْ مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ المَذْكُورِ في الآيَةِ الماضِيَةِ (p-٣٧٦)وما قارَبَها، وفي قَوْلِهِ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ [طه: ١١٤] صَرِيحًا، وكَذا في مَبْنى السُّورَةِ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] ﴿لَقالُوا﴾ يَوْمَ القِيامَةِ: ﴿رَبَّنا﴾ يا مَن هو مُتَّصِفٌ بِالإحْسانِ إلَيْنا ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿أرْسَلْتَ﴾ ودَلُّوا عَلى عَظَمَتِهِ وعُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالُوا: ﴿إلَيْنا رَسُولا﴾ أيْ يَأْمُرُنا بِطاعَتِكَ ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْهُ أنْ نَتَّبِعَ ﴿آياتِكَ﴾ الَّتِي يَجِيئُنا بِها. ولَمّا كانَ اتِّباعُهم لا يَسْتَغْرِقُ زَمانَ القَبْلِ قالُوا: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ﴾ بِالعَذابِ هَذا الذُّلَّ ﴿ونَخْزى﴾ بِالمَعاصِي الَّتِي عَمِلْناها عَلى جَهْلٍ هَذا الخِزْيَ فَلِأجْلِ ذَلِكَ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ وأقَمْنا بِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نَتَرَفَّقُ بِهِمْ، ونَكْشِفُ عَنْ قُلُوبِ مَن شِئْنا مِنهم ما عَلَيْها مِنَ الرَّيْنِ بِما نُنْزِلُ مِنَ الذِّكْرِ ونُجَدِّدُ مِنَ الآياتِ حَتّى نُصَدِّقَ أمْرَكَ ونُعْلِيَ شَأْنَكَ [ونُكَثِّرَ أتْباعَكَ-] ونَنْصُرَ أشْياعَكَ.

طه 20:135

ولَمّا عَلِمَ بِهَذا أنَّ إيمانَهم كالمُمْتَنِعِ، وجِدالَهم لا يَنْقَطِعُ، بَلْ إنْ جاءَهُمُ الهُدى طَعَنُوا فِيهِ، وإنْ عُذِّبُوا قَبْلَهُ تَظَلَّمُوا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِي أفْعَلُ مَعَهُمْ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ أيْ مِنِّي ومِنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ أيْ مُنْتَظِرٌ حُسْنَ عاقِبَةِ أمْرِهِ ودَوائِرَ الزَّمانِ عَلى عَدُوِّهِ ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ فَإنَّكم كالبَهائِمِ لَيْسَ لَكم تَأمُّلٌ، ولا تُجَوِّزُونَ (p-٣٧٧)الجائِزَ إلّا عِنْدَ وُقُوعِهِ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ أيْ عَمّا قَرِيبٍ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عِنْدَ كَشْفِ الغِطاءِ ﴿مَن أصْحابُ الصِّراطِ﴾ [أيِ الطَّرِيقِ الواضِحِ الواسِعِ-] ﴿السَّوِيِّ﴾ أيِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا نُتُوَّ، فَهو مِن شَأْنِهِ أنْ يُوصِلَ إلى المَقاصِدِ. ولَمّا كانَ صاحِبُ الشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ عالِمًا بِالشَّيْءِ ولا عامِلًا بِما يَعْلَمُ مِنهُ، قالَ ﴿ومَنِ اهْتَدى﴾ أيْ مِنَ الضَّلالَةِ فَحَصَلَ عَلى جَمِيعِ ما يَنْفَعُهُ واجْتَنَبَ جَمِيعَ ما يَضُرُّهُ، نَحْنُ أمْ أنْتُمْ؟ ولَقَدْ عَلِمُوا يَقِينًا ذَلِكَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، واشْتَدَّ اغْتِباطُهم بِالإسْلامِ، ودَخَلُوا رَغْبَةً في الحِلْمِ والكَرَمِ، ورَهْبَةً مِنَ السَّيْفِ والنِّقَمِ، وكانُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَعْجَبُونَ مِن تَوَقُّفِهِمْ عَنْهُ ونَفْرَتِهِمْ مِنهُ، وهَذا مَعْناهُ أنَّهُ ﷺ ومَنِ اتَّبَعَهُ هُمُ السُّعَداءُ الأغْنِياءُ الرّاضُونَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو عَيْنُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] فَقَدِ انْطَبَقَ الآخِرُ عَلى الأوَّلِ، ودَلَّ عَلى أنَّ العَظِيمَ يُعامِلُ بِالحِلْمِ فَلا يُعَجِّلُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

الأنبياء 21:1

(p-٣٧٨)سُورَةُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى تَحَقُّقِ السّاعَةِ وقُرْبِها ولَوْ بِالمَوْتِ، ووُقُوعِ الحِسابِ فِيها عَلى الجَلِيلِ والحَقِيرِ، لِأنَّ مُوجِدَها لا شَرِيكَ لَهُ يَعُوقُهُ عَنْها، وهو مَن لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، والدّالُّ عَلى ذَلِكَ أوْضَحَ دَلالَةٍ مَجْمُوعُ قِصَصِ جَماعَةٍ مِمَّنْ ذُكِرَ فِيها مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولا يَسْتَقِلُّ قِصَّةٌ مِنها اسْتِقْلالًا ظاهِرًا بِجَمِيعِ ذَلِكَ كَما سَنُبَيِّنُ، ولا يَخْلُو قِصَّةٌ مِن قِصَصِهِمْ مِن دَلالَةٍ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ فَنُسِبَتْ إلى الكُلِّ - واللَّهُ المُوَفِّقُ. سُورَةُ الأنْبِياءِ بِسْمَ الحَكِيمِ العَدْلِ الَّذِي تَمَّتْ قُدْرَتُهُ وعَمَّ أمْرُهُ الله المَلِكِ الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ الرَّحْمَن الَّذِي ساوى بَيْنَ خَلْقِهِ في رَحْمَةِ إيجادِهِ الرَّحِيم الَّذِي يُنْجِي مَن شاءَ مِن عِبادِهِ في مَعادِهِ. * * لَمّا خُتِمَتْ طَهَ بِإنْذارِهِمْ بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ والسَّعِيدَ، وكانَ هَذا العِلْمُ تارَةً يَكُونُ في الدُّنْيا بِكَشْفِ الحِجابِ بِالإيمانِ، وتارَةً بِمُعايَنَةِ ظُهُورِ الدِّينِ وتارَةً بِإحْلالِ العَذابِ بِإزْهاقِ الرُّوحِ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ، وتارَةً بِبَعْثِها يَوْمَ الدِّينِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِأجْلى ذَلِكَ وهو اليَوْمُ الَّذِي (p-٣٧٩)يَتِمُّ فِيهِ كَشْفُ الغِطاءِ فَيَنْتَقِلُ فِيهِ الخَبَرُ مِن عِلْمِ اليَقِينِ إلى عَيْنِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ وهو يَوْمُ الحِسابِ، فَقالَ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ﴾ أيْ عامَّةً أنْتُمْ وغَيْرُكم ﴿حِسابُهُمْ﴾ أيْ في يَوْمِ القِيامَةِ؛ وأشارَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى مَزِيدِ القُرْبِ لِأنَّهُ لا أُمَّةَ بَعْدَ هَذِهِ يُنْتَظَرُ أمْرُها، وأخَّرَ الفاعِلَ تَهْوِيلًا لِتَذْهَبَ النَّفْسُ في تَعْيِينِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالحِسابِ الجَزاءُ، فَيَكُونَ ذَلِكَ تَهْدِيدًا بِيَوْمِ بَدْرٍ والفَتْحِ ونَحْوِهِما، ويَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ حِينَئِذٍ قُرَيْشًا أوْ جَمِيعَ العَرَبِ، والحِسابُ: إحْصاءُ الشَّيْءِ والمُجازاةُ عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الحالُ أنَّهم مِن أجْلِ ما في جِبِلّاتِهِمْ مِنَ النَّوْسِ، وهو الِاضْطِرابُ المُوجِبُ لِعَدَمِ الثَّباتِ عَلى حالَةِ الأمْنِ، أنْقَذَهُ اللَّهُ مِنهم مِن هَذا النَّقْصِ وهم قَلِيلٌ جِدًّا ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ فَهي تَعْلِيلٌ لِآخِرِ تِلْكَ عَلى ما تَراهُ، لِأنَّهم إذا نُشِرُوا عَلِمُوا، وإذا أبادَتْهُمُ الوَقائِعُ عَلِمُوا هم بِالمَوْتِ، ومَن بَقِيَ مِنهم بِالذُّلِّ المُزِيلِ لِشَماخَةِ الكِبْرِ، أهْلَ الحَقِّ مِن [أهْلِ -] الباطِلِ، وقَوْلُهُ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾ كالتَّعْلِيلِ لِلْغَفْلَةِ، أيْ أحاطَتْ بِهِمُ الغَفْلَةُ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَمّا يَأْتِيهِمْ مِنّا، وسَيَأْتِي ما [يُؤَيِّدُ -] هَذا في قَوْلِهِ آخِرَها ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٧] وإلّا فالعُقُولُ قاضِيَةٌ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن جَزاءِ المُحْسِنِ والمُسِيءِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ [بْنُ -] الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ (p-٣٨٠)سُبْحانَهُ ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾ [طه: ١٣٥] قالَ تَعالى ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ أيْ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ذَلِكَ فَإنِّي جَعَلْتُهُ فِتْنَةً لِمَن نالَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، ونَسْألُ عَنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] والأمْرُ قَرِيبٌ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] وهُمُ الشَّدِيدُو الخُصُومَةِ في الباطِلِ، [ثُمَّ -] قالَ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [مريم: ٩٨] إلى آخِرِها، اسْتَدْعَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَسْطَ حالٍ، فابْتُدِئَتْ بِتَأْنِيسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْلِيَتِهِ، حَتّى لا يَشُقَّ عَلَيْهِ لَدَدُهُمْ، فَتَضَمَّنَتْ سُورَةُ طَهَ مِن هَذا الغَرَضِ بِشارَتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢] وتَأْنِيسَهُ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما كانَ مِن حالِ بَنِي إسْرائِيلَ وانْتِهاءِ أمْرِ فِرْعَوْنَ ومُكابَدَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِرَدِّ فِرْعَوْنَ ومُرْتَكَبِهِ إلى أنْ وقَصَهُ اللَّهُ، وأهْلَكَهُ، وأوْرَثَ عِبادَهُ أرْضَهم ودِيارَهُمْ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِقِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَرى نَبِيُّهُ ﷺ سُنَّتَهُ في عِبادِهِ حَتّى أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ لَمْ يَكُنِ امْتِحانُهُ بِذُرِّيَّتِهِ ولا مُكابَدَتِهِ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ - فَقَدْ كابَدَ مِن إبْلِيسَ ما قَصَّهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، وكُلُّ هَذا تَأْنِيسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَإنَّهُ إذا تَقَرَّرَ لَدَيْهِ أنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ تَعالى في عِبادِهِ هانَ عَلَيْهِ لَدَدُ قُرَيْشٍ (p-٣٨١)ومُكابَدَتُهُمْ، ثُمَّ ابْتُدِئَتْ سُورَةُ الأنْبِياءِ بِبَقِيَّةِ هَذا التَّأْنِيسِ، فَبَيْنَ اقْتِرابِ الحِسابِ ووُقُوعِ يَوْمِ الفَصْلِ المَحْمُودِ فِيهِ ثَمَرَةُ ما كُوبِدَ في ذاتِ اللَّهِ والمُتَمَنّى فِيهِ أنْ لَوْ كانَ ذَلِكَ أكْثَرَ والمَشَقَّةُ أصْعَبَ لِجَلِيلِ الثَّمَرَةِ وجَمِيلِ الجَزاءِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِعِظاتٍ، ودَلائِلَ وبَسْطِ آياتٍ، وأعْلَمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ سَبَقَتْ سُنَّتُهُ بِإهْلاكِ مَن لَمْ يَكُنْ مِنهُ الإيمانُ مِن مُتَقَدِّمِي القُرُونِ وسالِفِي الأُمَمِ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] وفي قَوْلِهِ ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦] تَعْزِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ في أمْرِ قُرَيْشٍ ومِن قَبْلِ ما الكَلامُ بِسَبِيلِهِ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلى ابْتِداءِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَواعِظِ والتَّنْبِيهِ عَلى الدَّلالاتِ وتَحْرِيكِ العِبادِ إلى الِاعْتِبارِ بِها ما يُعْقِبُ لِمَنِ اعْتَبَرَ بِهِ التَّسْلِيمَ والتَّفْوِيضَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ والصَّبْرَ عَلى الِابْتِلاءِ وهو مِن مَقْصُودِ السُّورَةِ، وفي قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩] إجْمالٌ لِما فَسَّرَهُ النِّصْفُ الأخِيرُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ مِن تَخْلِيصِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن قَوْمِهِمْ وإهْلاكِ مَن أسْرَفَ [وأفِكَ -] ولَمْ يُؤْمِن، وفي ذِكْرِ تَخْلِيصِ الرُّسُلِ وتَأْيِيدِهِمُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ النِّصْفُ الأخِيرُ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ [الأنبياء: ٥١] إلى آخِرِ السُّورَةِ كَمالُ الغَرَضِ المُتَقَدِّمِ مِنَ التَّأْنِيسِ ومُلاءَمَةِ ما تَضَمَّنَتْهُ سُورَةُ طَهَ، وتَفْسِيرٌ لِمُجْمَلِ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم (p-٣٨٢)مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] [انْتَهى-] .

الأنبياء 21:2

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ذِكْرٍ﴾ أيْ وحْيٍ يُذَكِّرُ بِما جُعِلَ في العُقُولِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ويُوجِبُ الشَّرَفَ لِمَنِ اتَّبَعَهُ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ وتَذْكِيرِهِمْ، قَدِيمٍ لِكَوْنِهِ صِفَةً لَهُ ﴿مُحْدَثٍ﴾ إنْزالُهُ ﴿إلا اسْتَمَعُوهُ﴾ أيْ قَصَدُوا سَماعَهُ وهو أجَدُّ الجِدِّ وأحَقُّ الحَقِّ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿يَلْعَبُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ فِعْلَ اللّاعِبِينَ بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِ ووَضْعِهِ في غَيْرِ مَواضِعِهِ وجَعْلِهِمُ اسْتِماعَهم لَهُ لِإرادَةِ الطَّعْنِ فِيهِ، فَهو قَرِيبٌ مِن قَوْلِهِ ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦]

الأنبياء 21:3

﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ غارِقَةً قُلُوبُهم في اللَّهْوِ، مَشْغُولَةً بِهِ عَمّا حَداها إلَيْهِ القُرْآنُ، ونَبَّهَها عَلَيْهِ الفُرْقانُ، وحَذَّرَها مِنهُ البَيانُ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: لاهِيَةً: مُشْتَغِلَةً مِن لَهَيْتُ ألْهى: أوْ طالِبَةً لِلَّهْوِ، مِن لَهَوْتُ ألْهُو - انْتَهى. ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالنّاسِ مَعَ هَذا كُلِّهِ العُمُومُ ويَكُونَ مِن بابِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (p-٣٨٣)وقَوْلِهِ ﷺ «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» وأنْ يُخَصَّ بِالكُفّارِ. ولَمّا ذَكَرَ ما يُظْهِرُونَهُ في حالِ الِاسْتِماعِ مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ، ذَكَرَ ما يُخْفُونَهُ مِنَ التَّشاوُرِ في الصَّدِّ عَنْهُ وإعْمالِ الحِيلَةِ في التَّنْفِيرِ مِنهُ والتَّوَثُّقِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في الثَّباتِ عَلى المُجانَبَةِ لَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”اسْتَمَعُوا“: ﴿وأسَرُّوا﴾ أيِ النّاسُ المُحَدَّثُ عَنْهم ﴿النَّجْوى﴾ أيْ بالَغُوا في إسْرارِ كَلامِهِمْ بِسَبَبِ الذِّكْرِ، لِأنَّ المُناجاةَ في اللُّغَةِ السِّرُّ - كَذا في القامُوسِ، وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: والنَّجْوى: الكَلامُ بَيْنَ اثْنَيْنِ كالسِّرِّ والتَّشاوُرِ. ولَمّا أخْبَرَ بِسُوءِ ضَمائِرِهِمْ، أبْدَلَ مِن ضَمِيرِهِمْ ما دَلَّ عَلى العِلَّةِ الحامِلَةِ لَهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما تَناجَوْا بِهِ فَقالَ: ﴿هَلْ﴾ أيْ فَقالُوا في تَناجِيهِمْ هَذا، مُعَجِّبِينَ مِنَ ادِّعائِهِ النُّبُوَّةَ مَعَ مُماثَلَتِهِ لَهم في البَشَرِيَّةِ: هَلْ ﴿هَذا﴾ الَّذِي أتاكم بِهَذا الذِّكْرِ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ في خَلْقِهِ وأخْلاقِهِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ والحَياةِ والمَوْتِ، فَكَيْفَ يُخْتَصُّ عَنْكم بِالرِّسالَةِ؟ ما هَذا الَّذِي جاءَكم بِهِ مِمّا لا تَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِهِ (p-٣٨٤)إلّا سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَحِينَئِذٍ تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم ﴿تُبْصِرُونَ﴾ بِأعْيُنِكم أنَّهُ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وبِبَصائِرِكم أنَّ هَذِهِ الخَوارِقَ الَّتِي يَأْتِي بِها يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ سِحْرًا، فَيا لَلَّهِ العَجَبُ مِن قَوْمٍ رَأوْا ما أعْجَزَهم فَلَمْ يُجَوِّزُوا أنْ يَكُونَ عَنِ الرَّحْمَنِ الدّاعِي إلى الفَوْزِ بِالجِنانِ وجَزَمُوا بِأنَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ الدّاعِي إلى الهَوانِ، بِاصْطِلاءِ النِّيرانِ، والعَجَبُ أيْضًا أنَّهم أنْكَرُوا الِاخْتِصاصَ بِالرِّسالَةِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ مِنَ الذَّكاءِ والفِطْنَةِ، وحُسْنِ الخَلائِقِ والأخْلاقِ، والقُوَّةِ والصِّحَّةِ، وطُولِ العُمْرِ وسَعَةِ الرِّزْقِ - ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القِيافَةِ والعِيافَةِ والرِّجْزِ والكِهانَةِ، ويَأْتُونَ أصْحابَها لِسُؤالِهِمْ عَمّا عِنْدَهم مِن ذَلِكَ مِنَ العِلْمِ.

الأنبياء 21:4

ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى لا يُقِرُّ مَن كَذَبَ عَلَيْهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُصَدِّقَهُ ويُؤَيِّدَهُ، ولا يَخْفى عَلَيْهِ كَيْدٌ حَتّى يَلْزَمَ مِنهُ نَقْصُ ما أرادَهُ، قالَ دالًّا لَهم عَلى صِدْقِهِ مُنَبِّهًا عَلى مَوْضِعِ الجُحَّةِ في أمْرِهِ - عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وجَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَماذا يُقالُ لِهَؤُلاءِ؟ - عَلى قِراءَةِ الباقِينَ: ﴿قالَ رَبِّي﴾ المُحْسِنُ إلَيَّ بِتَأْيِيدِي بِكُلِّ ما يُبَيِّنُ صِدْقِي ويَحْمِلُ عَلى اتِّباعِي ﴿يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ سَواءٌ كانَ (p-٣٨٥)سِرًّا أوْ جَهْرًا. ولَمّا كانَ مَن يَسْمَعُ مِن هاتَيْنِ المَسافَتَيْنِ يَسْمَعُ مِن أيِّ مَسافَةٍ فُرِضَتْ غَيْرِهِما قَطْعًا، لَمْ يَحْتَجْ إلى جَمْعٍ عَلى أنَّهُ يَصِحُّ إرادَةُ الجِنْسِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماءِ والأرْضِ﴾ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لِأنَّهُ لا مَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ يَسْمَعُ كُلَّ ما يُمْكِنُ سَمْعُهُ، ويَعْلَمُ كُلَّ ما يُمْكِنُ عِلْمُهُ مِنَ القَوْلِ وغَيْرِهِ، فَهو يَسْمَعُ سِرَّكُمْ، ويُبْطِلُ مَكْرَكُمْ، ويَسْمَعُ ما أنْسُبُهُ إلَيْهِ مِن هَذا الذِّكْرِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَنْهُ لَزُلْزِلَ بِي، وقَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ القَدِيمَةُ في الأوَّلِينَ، بِإهْلاكِ المُكَذِّبِينَ، وتَأْيِيدِ الصّادِقِينَ، وإنْجائِهِمْ مِن زَمَنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذا الزَّمانِ، ولِعِلْمِهِ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ. وسَتَعْلَمُونَ لِمَن تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا في هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ دَلَّ بِقِصَصِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى ما تَقَدَّمَها مِنَ الأحْكامِ والقَضايا ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ [الأنبياء: ٥٢] ﴿وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] و﴿وكُنّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١] ﴿وإنْ أدْرِي أقَرِيبٌ أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] ﴿إنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ مِنَ القَوْلِ ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ [الأنبياء: ١١٠] ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥]

الأنبياء 21:5

(p-٣٨٦)ولَمّا كانَتْ أقْوالُهم في أمْرِ القُرْآنِ قَدِ اضْطَرَبَتْ، والِاضْطِرابُ مِن أماراتِ الباطِلِ، وكانَ وصْفُهم لَهُ بِأنَّهُ سِحْرٌ مِمّا يَهُولُ السّامِعَ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُعْجِزٌ، فَرُبَّما أدّى إلى الِاسْتِبْصارِ في أمْرِهِ، أخْبَرَ أنَّهم نَزَلُوا بِهِ عَنْ رُتْبَةِ السِّحْرِ عَلى سَبِيلِ الِاضْطِرابِ فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا﴾ أيْ عَنْ هَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ أنَّهُ ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أيْ تَخالِيطُ نائِمٍ مَبْناهُ الباطِلُ وإنْ كانَ رُبَّما صَدَقَ بِالإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ الَّتِي كَشَفَ الزَّمانُ عَنْ أنَّها كَما أخْبَرَ القُرْآنُ، ثُمَّ نَزَلُوا عَنْ ذَلِكَ إلى وصْفٍ مُوجِبٍ لِأعْظَمِ النَّفْرَةِ عَنْهُ [و -] عَمَّنْ ظَهَرَ عَنْهُ فَقالُوا: ﴿بَلِ افْتَراهُ﴾ [أيْ -] تَعَمَّدَ وصْفَهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ ونَسَبَهُ إلى اللَّهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يُنافِي كَوْنَ مَضْمُونِهِ صادِقًا في نَفْسِهِ، قالُوا ﴿بَلْ هو شاعِرٌ﴾ أيْ يُخَيِّلُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَغَيْرِهِ مِنَ الشُّعَراءِ، نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ لِأنَّهُ بَشَرٌ كَما تَقَدَّمَ، فَلا بُدَّ أنْ يَمُوتَ ونَسْتَرِيحَ بَعْدَ مَوْتِهِ، وإلَيْهِ أشارَ في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ﴾ [طه: ١٣٥] إلى آخِرِهِ، فاضْطَرَبَتْ أقْوالُهم وعَوَّلُوا أخِيرًا عَلى قَرِيبٍ مِنَ السِّحْرِ في نَفْيِ الحَقِيقَةِ. ولَمّا كانُوا يَصِفُونَ القُرْآنَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأوْصافِ جُمْلَةً، يَقُولُونَ لِكُلِّ شَخْصٍ ما رَأوْهُ أنْسَبَ لَهُ مِنها، نَبَّهَ اللَّهُ سُبْحانَهُ كُلَّ مَن لَهُ لُبٌّ عَلى بُطْلانِها كُلِّها بِتَناقُضِها بِحَرْفِ الإضْرابِ إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلى (p-٣٨٧)مَن قالَها عَلى قِلَّةِ عَقْلِهِ وعَدَمِ حَيائِهِ أنْ لا يَنْتَقِلَ إلى قَوْلٍ مِنها إلّا بَعْدَ الإعْراضِ عَنِ الَّذِي قَبْلَهُ، وأنَّهُ مِمّا يُضْرَبُ عَنْهُ لِكَوْنِهِ غَلَطًا، ما قِيلَ إلّا عَنْ سَبْقِ لِسانٍ وعَدَمِ تَأمُّلٍ، سَتْرًا لِعِنادِهِ وتَدْلِيسًا لِفُجُورِهِ، ولَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَكانَتْ جَدِيرَةً بِانْكِشافِ بُطْلانِها بِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ فَكَيْفَ عِنْدَ اجْتِماعِها. ولَمّا كانَتْ نِسْبَتُهُ إلى الشِّعْرِ أضْعَفَها شَأْنًا، وأوْضَحَها بُطْلانًا، لَمْ يَحْتَجْ إلى إضْرابٍ عَنْهُ، وعَبَّرُوا في الأضْغاثِ بِوَصْفِ القُرْآنِ تَأْكِيدًا لِعَيْبِهِ، وفي الِافْتِراءِ والشِّعْرِ بِوَصْفِهِ ﷺ لِذَلِكَ. ولَمّا أنْتَجَ لَهم ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِمُ القَدْحَ في أعْظَمِ المُعْجِزاتِ، سَبَّبُوا عَنْ هَذا القَدْحِ طَلَبَ آيَةٍ فَقالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا﴾ أيْ دَلِيلًا عَلى رِسالَتِهِ ﴿بِآيَةٍ﴾ أيْ لِأنّا قَدْ بَيَّنّا بِطَعْنِنا أنَّ القُرْآنَ لَيْسَ بِآيَةٍ؛ ثُمَّ خَيَّلُوا النَّصَفَةَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿كَما﴾ أيْ مِثْلُ ما، وبَنَوُا الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ مَتى صَحَّتِ الرِّسالَةُ كانَ ذَلِكَ بِزَعْمِهِمْ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ لِشَيْءٍ أصْلًا فَقالُوا: ﴿أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ أيْ بِالآياتِ مِثْلِ تَسْبِيحِ الجِبالِ، وتَسْخِيرِ الرِّيحِ، وتَفْجِيرِ الماءِ، وإحْياءِ المَوْتى، وهَذا تَناقُضٌ آخَرُ في اعْتِرافِهِمْ بِرِسالَةِ الأوَّلِينَ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ أنَّهم بَشَرٌ، وإنْكارِهِمْ رِسالَتَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ بَشَرًا، ولَمْ يَسْتَحْيُوا بَعْدَ التَّناقُضِ مِنَ المُكابَرَةِ فِيما أتاهم بِهِ مِنَ (p-٣٨٨)انْشِقاقِ القَمَرِ، وتَسْبِيحِ الحَصى، ونَبْعِ الماءِ، والقُرْآنِ المُعْجِزِ، مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

الأنبياء 21:6

ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ إلى فَسادِ طَعْنِهِمْ بِما جَعَلَهُ هَباءً مَنثُورًا، وتَضَمَّنَ قَوْلُهُمُ الَّذِي سَبَّبُوهُ عَنْهُ القَرارَ بِالرُّسُلِ البَشَرِيِّينَ وآياتِهِمْ، أتْبَعَهُ بَيانَ ما عَلَيْهِمْ فِيهِ، فَبَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الآياتِ تَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: رَبِّ أجِبْهم إلى ما اقْتَرَحُوهُ لِيُؤْمِنُوا: ﴿ما آمَنَتْ﴾ أيْ بِالإجابَةِ إلى الآياتِ المُقْتَرَحاتِ. ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ الزَّمانِ، جَرَّدَ الظَّرْفَ عَنِ الخافِضِ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ أيْ قَبْلَ كُفّارِ مَكَّةَ المُقْتَرِحِينَ عَلَيْكَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّهْوِيلَ في الإهْلاكِ، وكانَ إهْلاكُ القَرْيَةِ دالًّا عَلى إهْلاكِ أهْلِها مِن غَيْرِ عَكْسٍ، دَلَّ عَلى إهْلاكِ جَمِيعِ المُقْتَرِحِينَ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِوَصْفِها بِقَوْلِهِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ [المُقْتَضِي -] لِإهْلاكِ المُعانِدِينَ: ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ عَلى كَثْرَتِهِمْ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧] ﴿وما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨] ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥] «وما مِنَ الأنْبِياءِ (p-٣٨٩)نَبِيٌّ إلّا أُعْطِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» وأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ عِنْدَ البَأْسِ إلّا قَرْيَةٌ واحِدَةٌ وهم قَوْمُ يُونُسَ لِأنَّهم آمَنُوا عِنْدَ رُؤْيَةِ المَخايِلِ وقِيلَ الشُّرُوعُ في الإهْلاكِ، [وهُوَ إشارَةٌ إلى أنَّ سَبَبَ الإيمانِ مَشِيئَتُهُ سُبْحانَهُ لا الآياتُ-]. ولَمّا كانُوا كَمَن قَبْلَهم إنْ لَمْ يَكُونُوا دُونَهُمْ، حَسُنَ الإنْكارُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ كَلّا! بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ حِينَ لا يَنْفَعُ الإيمانُ، وقَدْ قَضَيْنا في الأزَلِ أنْ لا نَسْتَأْصِلَ هَذِهِ الأُمَّةَ إكْرامًا لِنَبِيِّها، فَنَحْنُ لا نُجِيبُهم إلى المُقْتَرَحاتِ لِذَلِكَ.

الأنبياء 21:7

ولَمّا بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ الآياتِ تَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ، فَلا فائِدَةَ في الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنها بَعْدَ بُطْلانِ ما قَدَحُوا بِهِ في القُرْآنِ، بَيَّنَ ثانِيًا بُطْلانَ ما قَدَحُوا بِهِ في الرَّسُولِ بِكَوْنِهِ بَشَرًا، بِأنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ كانُوا بِإقْرارِهِمْ مِن جِنْسِهِ، فَما لَهم أنْ يُنْكِرُوا رِسالَتَهُ وهو مِثْلُهُمْ، بَلْ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْتَرِفُوا لَهُ عِنْدَما أظْهَرَ مِنَ المُعْجِزِ كَما اعْتَرَفُوا لِأُولَئِكَ، كُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا عَنْ أنْ يَتَمَنّى أحَدٌ إجابَتَهم إلى التَّأْيِيدِ بِمُلْكٍ ظاهِرٍ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿ما آمَنَتْ﴾ [الأنبياء: ٦] ﴿وما أرْسَلْنا﴾ . ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا، وكانَ الدَّهْرُ كُلُّهُ ما خَلا قَطُّ جُزْءٌ مِنهُ مِن رِسالَةٍ، إمّا بِرَسُولٍ قائِمٍ، وإمّا بِتَناقُلِ أخْبارِهِ، (p-٣٩٠)كانَ تَعْمِيمُ الزَّمانِ أنْسَبَ فَقالَ مِن غَيْرِ حَرْفِ [جَرٍّ-]: ﴿قَبْلَكَ﴾ أيْ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي تَقَدَّمَ زَمانَكَ في جَمِيعِ طَوائِفِ البَشَرِ ﴿إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ بِالمَلائِكَةِ سِرًّا مِن غَيْرِ أنْ يَطَّلِعَ عَلى ذَلِكَ المَلَكِ غَيْرُهم كَما اقْتَضَتْهُ العَظَمَةُ مِنَ التَّخْصِيصِ والِاخْتِيارِ والإسْرارِ عَنِ الأغْيارِ، وذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ، لِأنَّ جَعْلَ الرُّسُلِ مِنَ البَشَرِ أمْكَنُ لِلتَّلَقِّي مِنهم والأخْذِ عَنْهم. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهم طَرِيقٌ في عِلْمِ هَذا إنْ لَمْ يَقْبَلُوا خَبَرَهُ عَنِ القُرْآنِ إلّا سُؤالَ مَن كانُوا يَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ لِيُشايِعُوهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّكِّ والِارْتِيابِ، قالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّهم غَيْرُ مُحْتاجِينَ فِيهِ إلى السُّؤالِ بِما كانَ قَدْ بَلَغَهم عَلى الآجالِ مِن أحْوالِ مُوسى وعِيسى وإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وغَيْرِهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ، مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ مُحَرِّكًا لَهم إلى المَعالِي: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِجِبِلّاتِكم ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾ أيْ لا أهْلِيَّةَ لَكم في اقْتِناصِ عِلْمٍ، بَلْ كُنْتُمْ أهْلَ تَقْلِيدٍ مَحْضٍ وتَبَعٍ صِرْفٍ.

الأنبياء 21:8

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ عَلى سُنَّةِ مَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ في كَوْنِهِ رَجُلًا، بَيَّنَ (p-٣٩١)أنَّهُ عَلى سُنَّتِهِمْ في جَمِيعِ الأوْصافِ الَّتِي حَكَمَ بِها عَلى البَشَرِ مِنَ العَيْشِ والمَوْتِ فَقالَ: ﴿وما جَعَلْناهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلَ الَّذِينَ اخْتَرْنا بَعْثَهم إلى النّاسِ لِيَأْمُرُوهم بِأوامِرِنا. ولَمّا كانَ السَّبَبُ في الأكْلِ تَرْتِيبَ هَذا الهَيْكَلِ الحَيَوانِيِّ عَلى ما هو عَلَيْهِ لا كَوْنَهُ مُتَكَثِّرًا، وحَّدَ فَقالَ ﴿جَسَدًا﴾ [أيْ ذَوِي جَسَدٍ لَحْمٍ ودَمٍ-] مُتَّصِفِينَ بِأنَّهم ﴿لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ بَلْ جَعَلْناهم أجْسادًا يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمانِعٍ مِن إرْسالِهِمْ؛ قالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: [و-] في كِتابِ الخَلِيلِ: إنَّ الجَسَدَ لا يُقالُ لِغَيْرِ الإنْسانِ مِن خَلْقِ الأرْضِ. ثُمَّ عَطَفَ عَلى الأوَّلِ قَوْلَهُ: ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ أيْ بِأجْسادِهِمْ، بَلْ ماتُوا كَما ماتَ النّاسُ قَبْلَهم وبَعْدَهُمْ، أيْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في جِبِلَّتِهِمْ وإنَّما تَمَيَّزُوا عَنِ النّاسِ بِما يَأْتِيهِمْ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، ورَسُولُكم ﷺ لَيْسَ بِخالِدٍ، فَتَرَبَّصُوا كَما أشارَ إلَيْهِ خَتْمُ طَهَ فَإنَّهُ مُتَرَبِّصٌ بِكم وأنْتُمْ عاصُونَ لِلْمَلِكِ الَّذِي اقْتَرَبَ حِسابُهُ لِخَلْقِهِ وهو مُطِيعٌ لَهُ، فَأيُّكم أحَقُّ بِالأمْنِ؟ ولَمّا بَيَّنَ أنَّ الرُّسُلَ كالمُرْسَلِ إلَيْهِمْ بَشَرٌ غَيْرُ خالِدِينَ، بَيَّنَ سُنَّتَهُ فِيهِمْ وفي أُمَمِهِمْ تَرْغِيبًا لِمَنِ اتَّبَعَ، وتَرْهِيبًا لِمَنِ امْتَنَعَ، فَقالَ عاطِفًا بِأداةِ التَّراخِي في مَظْهَرِ العَظَمَةِ عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّقْدِيرُ مِن مِثْلِ: بَلْ جَعَلْناهم (p-٣٩٢)جَسَدًا يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، ويَعِيشُونَ إلى انْقِضاءِ آجالِهِمْ ويَمُوتُونَ، وأرْسَلْناهم إلى أُمَمِهِمْ فَحَذَّرُوهم وأنْذَرُوهم وكَلَّمُوهم كَما أمَرْناهُمْ، ووَعَدْناهم أنَّ مَن آمَنَ بِهِمْ أسْعَدْناهُ، ومَن كَفَرَ واسْتَمَرَّ أشْقَيْناهُ، وأنّا نُهْلِكُ مَن أرَدْنا مِنَ المُكَذِّبِينَ، فَآمَنَ بِهِمْ بَعْضٌ وكَفَرَ آخَرُونَ؛ فَلَمْ نُعاجِلْهم بِالأخْذِ بَلْ صَبَرْنا عَلَيْهِمْ، وطالَ بَلاءُ رُسُلِنا بِهِمْ

الأنبياء 21:9

﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ﴾ بِما اقْتَضَتْ عَظَمَتُنا، وأكَّدَ الأمْرَ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ فَقالَ: ﴿الوَعْدَ﴾ أيْ بِإنْجائِهِمْ؛ وأشارَ بِأداةِ التَّراخِي إلى أنَّهم طالَ بَلاؤُهم بِهِمْ وصَبْرُهم عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أحَلَّ بِهِمْ سَطْوَتَهُ، وأراهم عَظَمَتَهُ، ولِذا قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأنْجَيْناهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلَ بِعَظَمَتِنا، [ولِكَوْنِ السِّياقِ لِأنَّهم في غايَةِ الغَفْلَةِ الَّتِي نَشَأ عَنْها التَّكْذِيبُ البَلِيغُ الَّذِي اقْتَضى تَنْوِيعَ القَوْلِ بِهِ إلى سِحْرٍ وأضْغاثٍ وافْتِراءٍ وشِعْرٍ، فاقْتَضى مُقابَلَتَهُ بِصِدْقِ الوَعْدِ مِنهُ سُبْحانَهُ، عَبَّرَ بِالإنْجاءِ الَّذِي هو إقْلاعٌ مِن وجْدَةِ العَذابِ في غايَةِ السُّرْعَةِ [ ﴿ومَن نَشاءُ﴾ أيْ مِن تابِعِيهِمْ إشارَةً إلى أنَّ سَبَبَ الإنْجاءِ المَشِيئَةُ لا أنَّ التَّصْدِيقَ مُوجِبٌ لَهُ، لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَيْءٌ ﴿وأهْلَكْنا﴾ أيْ بِما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ ﴿المُسْرِفِينَ﴾ كُلَّهُمُ الَّذِينَ عَلِمْنا أنَّ الإسْرافَ لَهم وصْفٌ لازِمٌ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ.

الأنبياء 21:10

(p-٣٩٣)ولَمّا انْقَضى ما لَزِمَهم بِسَبَبِ الإقْرارِ بِرُسُلِيَّةِ البَشَرِ مِنَ الإقْرارِ بِرُسُلِيَّةِ رَسُولِهِمْ ﷺ لِكَوْنِهِ مُساوِيًا لَهم في النَّوْعِ والإتْيانِ بِالمُعْجِزِ، وما فَعَلَ بِهِمْ وبِأُمَمِهِمْ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أبادَ المُسْرِفِينَ، ومَحا ذِكْرَهم إلّا بِالبَشَرِ، التَفَتَ إلى الذِّكْرِ الَّذِي طَعَنُوا فِيهِ، فَقالَ مُجِيبًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَذا الجَوابُ عَنِ الطَّعْنِ في الرَّسُولِ قَدْ عُرِفَ، فَما الجَوابُ عَنِ الطَّعْنِ في الذِّكْرِ؟ مُعْرِضًا عَنْ جَوابِهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِنَ الإشارَةِ بِحَرْفِ الإضْرابِ إلى أنَّ ما طَعَنُوا بِهِ فِيهِ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، مُبَيِّنًا لِما لَهم فِيهِ مِنَ الغِبْطَةِ الَّتِي هم لَها رادُّونَ، والنِّعْمَةِ الَّتِي هم بِها كافِرُونَ: ﴿لَقَدْ﴾ أيْ وعِزَّتِنا لَقَدْ ﴿أنْـزَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ بَلِ العَرَبِ قاطِبَةً ﴿كِتابًا﴾ أيْ جامِعًا لِجَمِيعِ المَحاسِنِ لا يَغْسِلُهُ الماءُ ولا يُحْرِقُهُ النّارُ ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ طَوالَ الدَّهْرِ بِالخَيْرِ إنْ أطَعْتُمْ، والشَّرِّ إنْ عَصَيْتُمْ، وبِهِ شَرَفُكم عَلى سائِرِ الأُمَمِ بِشَرَفِ ما فِيهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ الَّتِي كُنْتُمْ تَتَفاخَرُونَ بِها وبِشَرَفِ نَبِيِّكُمُ الَّذِي تَقُولُونَ عَلَيْهِ الأباطِيلَ، وتُكْثِرُونَ فِيهِ القالَ والقِيلَ. ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى هَذا الوَجْهِ، نَبَّهَ أنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى كُلِّ ذِي لُبٍّ الإقْبالُ عَلَيْهِ والمُسارَعَةُ إلَيْهِ، فَحَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ العَقْلِ المُجَرَّدِ عَنِ الهَوى: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

الأنبياء 21:11

(p-٣٩٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ عَدَلْتُمْ بِقَبُولِهِ شَرَّفْناكُمْ، وإنْ ظَلَمْتُمْ بِرَدِّهِ عِنادًا أهْلَكْناكم كَما أهْلَكْنا مَن كانَ قَبْلَكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَمْ قَصَمْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ جَعَلْناها كالشَّيْءِ اليابِسِ الَّذِي كُسِرَ فَتَبايَنَتْ أجْزاؤُهُ، والإناءِ الَّذِي فُتَّ فانْكَبَّ ماؤُهُ؛ وأشارَ بِالقَصْمِ الَّذِي هو أفْظَعُ الكَسْرِ إلى أنَّها كانَتْ بِاجْتِماعِ الكَلِمَةِ وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ كالحَجَرِ الرُّخامِ في الصَّلابَةِ والقُوَّةِ، و”كَمْ“ في هَذا السِّياقِ يَقْتَضِي الكَثْرَةَ، ثُمَّ عَلَّلَ إهْلاكَها وانْتِقالَها بِقَوْلِهِ: ﴿كانَتْ ظالِمَةً﴾ ثُمَّ بَيَّنَ الغِنى عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْشَأْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا. ولَمّا كانَ الدَّهْرُ لَمْ يَخْلُ قَطُّ بَعْدَ آدَمَ مِن إنْشاءٍ وإفْناءٍ، فَكانَ المُرادُ أنَّ الإنْشاءَ بَعْدَ الإهْلاكِ يَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ عَلى التَّعاقُبِ، بَيانًا لِأنَّ المُهْلَكِينَ ضَرُّوا أنْفُسَهم مِن غَيْرِ افْتِقارٍ إلَيْهِمْ، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَها قَوْمًا﴾ أيْ أقْوِياءَ، وحَقَّقَ أنَّهم لا قَرابَةَ قَرِيبَةً بَيْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرِينَ﴾

الأنبياء 21:12

ثُمَّ بَيَّنَ حالَها عِنْدَ إحْلالِ البَأْسِ بِها فَقالَ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا﴾ أيْ أدْرَكَ أهْلُها بِحَواسِّهِمْ ﴿بَأْسَنا﴾ أيْ بِما فِيهِ مِنَ العَظَمَةِ ﴿إذا هُمْ﴾ (p-٣٩٥)أيْ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ أصْلًا ﴿مِنها﴾ أيِ القَرْيَةِ ﴿يَرْكُضُونَ﴾ هارِبِينَ عَنْها مُسْرِعِينَ كَمَن يَرْكُضُ الخَيْلَ - أيْ يُحَرِّكُها - لِلْعَدْوِ، بَعْدَ تَجَبُّرِهِمْ عَلى الرُّسُلِ وقَوْلِهِمْ لَهم ﴿لَنُخْرِجَنَّكم مِن أرْضِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ [إبراهيم: ١٣] فَناداهم لِسانُ الحالِ تَقْرِيعًا تَبْشِيعًا لِحالِهِمْ وتَفْظِيعًا:

الأنبياء 21:13

﴿لا تَرْكُضُوا﴾ وصَوَّرَ التَّهَكُّمَ بِهِمْ بِأعْظَمِ صُورَةٍ فَقالَ: ﴿وارْجِعُوا﴾ إلى قَرْيَتِكم ﴿إلى ما﴾ ولَمّا كانَ التَّأْسِيفُ إنَّما هو عَلى العَيْشِ الرّافِهِ لا عَلى كَوْنِهِ مِن مُعْطٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أيْ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بُنِيَ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى غَفْلَتِهِمْ عَنِ العِلْمِ لِمَن أتْرَفَهم أوْ إلى أنَّهم كانُوا يَنْسُبُونَ [نِعْمَتَهم -] إلى قُواهُمْ، ولَوْ عَدُّوها مِنَ اللَّهِ لَشَكَرُوهُ فَنَفَعَهم. ولَمّا كانَ أعْظَمَ ما يُؤْسَفُ عَلَيْهِ بَعْدَ العَيْشِ النّاعِمِ المَسْكَنُ، [قالَ-]: ﴿ومَساكِنِكُمْ﴾ أيِ الَّتِي كُنْتُمْ تَفْتَخِرُونَ بِها عَلى الضُّعَفاءِ مِن عِبادِي بِما أتْقَنْتُمْ مِن بِنائِها، وأوْسَعْتُمْ مِن فِنائِها، وعَلَّيْتُمْ مِن مَقاعِدِها، وحَسَّنْتُمْ مِن مَشاهِدِها ومَعاهِدِها ﴿لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ في (p-٣٩٦)الإيمانِ بِما كُنْتُمْ تُسْألُونَ، فَتَأْبَوْا بِما عِنْدَكم مِنَ الأنَفَةِ ومَزِيدِ الحَمِيَّةِ والعَظَمَةِ، أوْ تُسْألُونَ في الحَوائِجِ والمُهِمّاتِ، كَما يَكُونُ الرُّؤَساءُ في مَقاعِدِهِمُ العَلِيَّةِ، ومَراتِبِهِمُ البَهِيَّةِ، فَيُجِيبُونَ سائِلَهم بِما شاؤُوا عَلى تُؤَدَةٍ وأحْوالِ مَهْلٍ تُخالِفُ أحْوالَ الرّاكِضِ العَجِلِ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤]

الأنبياء 21:14

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِما أجابُوا هَذا المَقالَ؟ قِيلَ ﴿قالُوا﴾ حِينَ لا نَفْعَ لِقَوْلِهِمْ عِنْدَ نُزُولِ البَأْسِ: ﴿يا ويْلَنا﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ حَلَّ بِهِمْ لِأنَّهُ لا يُنادى إلّا القَرِيبُ، وتَرَفُّقًا لَهُ كَما يَقُولُ الشَّخْصُ لِمَن يَضْرِبُهُ: يا سَيِّدِي - كَأنَّهُ يَسْتَغِيثُ بِهِ لِيَكُفَّ عَنْهُ، وذَلِكَ غَباوَةٌ مِنهُمْ، وعَمىً عَنِ الَّذِي أحَلَّهُ بِهِمْ، لِأنَّهم كالبَهائِمِ لا يَنْظُرُونَ إلّا السَّبَبَ الأقْرَبَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا حُلُولَهُ بِهِمْ تَأْكِيدًا لِتَرَفُّقِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ جِبِلَّةً لَنا وطَبْعًا ﴿ظالِمِينَ﴾ حَيْثُ كَذَّبْنا الرُّسُلَ، وعَصَيْنا أمْرَ رَبِّنا، فاعْتَرَفُوا حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمُ الاعْتِرافُ لِفَواتِ مَحَلِّهِ

الأنبياء 21:15

﴿فَما﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إحْلالِنا ذَلِكَ البَأْسَ بِهِمْ أنَّهُ ما ﴿زالَتْ تِلْكَ﴾ أيِ الدَّعْوَةُ البَعِيدَةُ عَنِ الخَيْرِ والسَّلامَةِ، وهي قَوْلُهُمْ: يا ويْلَنا ﴿دَعْواهُمْ﴾ يُرَدِّدُونَها لا يَكُونُ (p-٣٩٧)دَعْوى لَهم غَيْرُها، لِأنَّ الوَيْلَ مُلازِمٌ لَهم غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُمْ، وتَرَفُّقَهم لَهُ غَيْرُ نافِعِهِمْ ﴿حَتّى جَعَلْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿حَصِيدًا﴾ كالزَّرْعِ المَحْصُودِ. ولَمّا كانَ هَذا وما بَعْدَهُ [مِثْلَ -] حُلْوٍ حامِضٍ في الزَّمانِ، جُعِلا خَبَرًا واحِدًا لِيَكُونَ ”جَعَلَ“ مُقْتَصِرًا عَلى مَفْعُولَيْنِ فَقالَ:﴿خامِدِينَ﴾ أيْ جامِعِينَ لِلِانْقِطاعِ والخُفُوتِ، لا حَرَكَةَ لَهم ولا صَوْتَ، كالنّارِ المُضْطَرِمَةِ إذا بَطَلَ لَهِيبُها ثُمَّ جَمْرُها وصارَتْ رَمادًا، ولَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم واعْتِرافُهم بِالظُّلْمِ وخُضُوعُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا.

الأنبياء 21:16

ولَمّا ذَمَّهم بِاللَّعِبِ وبَيَّنَ أنَّهُ يَفْعَلُ في إهْلاكِ الظُّلْمِ وإنْجاءِ العَدْلِ فِعْلَ الجادِّ بِإحْقاقِ الحَقِّ بِالِانْتِقامِ لِأهْلِهِ، وإزْهاقِ الباطِلِ بِاجْتِثاثِهِ مِن أصْلِهِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: وما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِن أفْعالِ الحِكْمَةِ العَرِيَّةِ عَنِ اللَّعِبِ، فَلَمْ نَخْلُقِ النّاسَ عَبَثًا يَعْصُونَنا ولا يُؤاخَذُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما خَلَقْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَقْتَضِي الجِدَّ ولا بُدَّ. ولَمّا كانَ خَلْقُ السَّماءِ واحِدَةً يَكْفِي في الدَّلالَةِ عَلى الحِكْمَةِ فَكَيْفَ بِأكْثَرَ مِنها! وحَّدَ فَقالَ: ﴿السَّماءَ﴾ أيْ عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها (p-٣٩٨)﴿والأرْضَ﴾ عَلى عِظَمِها واتِّساعِها ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِمّا دَبَّرْناهُ لِتَمامِ المَنافِعِ مِن أصْنافِ البَدائِعِ وغَرائِبِ الصَّنائِعِ ﴿لاعِبِينَ﴾ غَيْرَ مُرِيدِينَ بِذَلِكَ تَحْقِيقَ الحَقائِقِ وإبْطالَ الأباطِيلِ، بَلْ خَلَقْنا [لَكم -] ذَلِكَ آيَةً عَظِيمَةً كافِيَةً في الوُصُولِ إلَيْنا لِيَظْهَرَ العَدْلُ في جَزاءِ كُلٍّ بِما يَسْتَحِقُّ، مَشْحُونَةً بِما يَقُوتُ الأجْسامَ، ويُهَيِّجُ النُّفُوسَ، ويَشْرَحُ الصُّدُورَ، ويُرَوِّحُ الأرْواحَ ويَبْعَثُ إلى الِاعْتِبارِ، كُلَّ مَن لَهُ اسْتِبْصارٌ، لِلدَّلالَةِ عَلى حِكْمَتِنا ووُجُوبِ وحْدانِيَّتِنا فاتَّخَذْتُمْ أنْتُمْ ما زادَ عَلى الحاجَةِ لَهْوًا صادًّا عَنِ الخَيْرِ، داعِيًا إلى الضَّيْرِ.

الأنبياء 21:17

ولَمّا نَفى عَنْهُ اللَّعِبَ، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ فَقالَ: ﴿لَوْ أرَدْنا﴾ أيْ [عَلى -] عَظَمَتِنا ﴿أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ يَكُونُ لَنا ومَنسُوبًا في لَهْوِهِ إلَيْنا، واللَّهْوُ - قالَ الأصْفَهانِيُّ: صَرْفُ الهَمِّ عَنِ النَّفْسِ بِالقَبِيحِ. ﴿لاتَّخَذْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مِن لَدُنّا﴾ أيْ مِمّا يَلِيقُ أنْ يُنْسَبَ إلى حَضْرَتِنا بِما لَنا مِن تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ العَظَمَةِ، وباهِرِ الجَلالَةِ والحِكْمَةِ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ مَحْضَ لَهْوٍ لا جِدَّ فِيهِ أصْلًا، ولا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ مِنَ الكَدَرِ، (p-٣٩٩)ولا يَتَوَقَّفُ مَن يَراهُ في تَسْمِيَتِهِ لَهْوًا، لا يَكُونُ لَهُ عِنْدَهُ اسْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ كَما لَوْ أنَّ شَمْسًا أُخْرى وُجِدَتْ لَمْ يَتَوَقَّفْ أحَدٌ في تَسْمِيَتِها شَمْسًا كَما قالَ تَعالى في السُّورَةِ الماضِيَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] أيْ فَهو بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ أحَدٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِنا، وأنَّهُ ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ كَما مَضى، لَكِنّا لَمْ نُرِدْ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ، وما اتَّخَذْتُمُوهُ لَهْوًا فَإنّا خَلَقْناهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواغِلِ والمُنَغِّصاتِ والقَواطِعِ فاتَّخَذْتُمُوهُ أنْتُمْ مِن عِنْدِ أنْفُسِكم لَهْوًا، فَكانَ أكْثَرُهُ لَكم ضُرًّا وعَلَيْكم شَرًّا، وخَصَّ الحَرالِّيُّ ”عِنْد“ بِما ظَهَرَ، و”لَدْن“ بِما بَطَنَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: مِن حَضْرَتِنا الخاصَّةِ بِنا الخَفِيَّةِ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها غَيْرُنا، لِأنَّ ما لِلْمَلِكِ لا يَكُونُ مُبْتَذَلًا، وكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ إلّا ما يَتَحَقَّقُ المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ رُؤْيَتَهُ فَوَحَّدَ السَّماءَ هُنا وجَمَعَها في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ لِاقْتِضاءِ الحالِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَنْبَغِي أنْ تُنَزَّهَ الحَضْرَةُ القُدُّوسِيَّةُ عَنْهُ وعَنْ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ شَرْطٍ أُخْرى فَقالَ: ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ لَهُ، ولَكِنَّهُ لا يَلِيقُ بِجَنابِنا فَلَمْ نَفْعَلْهُ ولا نَكُونُ فاعِلِينَ لَهُ

الأنبياء 21:18

﴿بَلْ﴾ وإشْعارًا لِهَذا المَعْنى بِالقَذْفِ والدَّمْغِ تَصْوِيرًا لِلْحَقِّ بِجَعْلِ الحَقِّ كَأنَّهُ جِرْمٌ صُلْبٌ كالصَّخْرَةِ قَذَفَ بِها عَلى جِرْمٍ رَخْوٍ (p-٤٠٠)أجْوَفَ فَقالَ: ﴿نَقْذِفُ﴾ أيْ إنَّما شَأْنُنا أنْ نَرْمِيَ رَمْيًا شَدِيدًا ﴿بِالحَقِّ﴾ الَّذِي هو هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ الَّذِي أنْزَلْناهُ جِدًّا كُلَّهُ وثَباتًا جَمِيعَهُ لا لَهْوَ فِيهِ ولا باطِلَ، ولا هو مُقارِبٌ لِشَيْءٍ مِنهُما، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تَتَّخِذُوا شَيْئًا مِنهُ لَهْوًا اتِّخاذًا يُطابِقُكم عَلَيْهِ مُنْصِفٌ، فَنَحْنُ نَقْذِفُ بِهِ ﴿عَلى الباطِلِ﴾ الَّذِي أحْدَثْتُمُوهُ مِن غَيْرِ أنْفُسِكم ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أيْ فَيَمْحَقُهُ مَحْقَ المَكْسُورِ الدِّماغِ ﴿فَإذا هُوَ﴾ في الحالِ ﴿زاهِقٌ﴾ أيْ ذاهِبُ الرُّوحِ أيْ هالِكٌ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ما أفادَتْهُ ”إذا“ قَوْلَهُ: ﴿ولَكُمُ﴾ أيْ وإذًا لَكم أيُّها المُبْطِلُونَ ﴿الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ أيْ مِن وصْفِكم لِكُلِّ شَيْءٍ بِما تَهْوى أنْفُسُكم مِن غَيْرِ إذْنٍ مِنّا [لَكُمْ-]، لِأنَّكم لا تَقِفُونَ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ، فَإنْ وصَفْتُمُ القُرْآنَ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ ثُمَّ قَذَفْنا عَلَيْهِ بِما يُبَيِّنُ بُطْلانَهُ، بانَ لِكُلِّ عاقِلٍ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تُنادِمُوا الوَيْلَ بِمَيْلِكم كُلَّ المَيْلِ، وإنْ وصَفْتُمُ اللَّهَ أوِ الدُّنْيا أوْ غَيْرَهُما فَكَذَلِكَ إنَّما أنْتُمْ مُتَعَلِّقُونَ بِقُشُورٍ وظَواهِرَ لا يَرْضاها إلّا بَعِيدٌ عَنِ العَقْلِ مَحْجُوبٌ عَنِ الإدْراكِ؛

الأنبياء 21:19

ثُمَّ عَطَفَ أيْضًا عَلى ما لَزِمَ مِن ذَلِكَ القَذْفِ قَوْلَهُ: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ﴾ أيِ الأجْرامِ العالِيَةِ وهي ما تَحْتَ العَرْشِ، وجَمَعَ السَّماءَ هُنا لِاقْتِضاءِ تَعْمِيمِ المِلْكِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَتْ عُقُولُهم لا تُدْرِكُ تَعَدُّدَ الأراضِي، وحَّدَ فَقالَ: (p-٤٠١)﴿والأرْضِ﴾ [أيْ ومَن فِيها -]، وذَلِكَ شامِلٌ - عَلى أنَّ التَّعْبِيرَ [بِمَن -] لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ - لِلسَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ الأرْضَ في السَّماواتِ، وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها، والعُلْيا في العَرْشِ وهو سُبْحانَهُ ذُو العَرْشِ العَظِيمِ - كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَدَلَّ ذَلِكَ دَلالَةً عَقْلِيَّةً عَلى أنَّهُ مالِكُ الكُلِّ ومَلِكُهُ. ولَمّا كانُوا يَصِفُونَ المَلائِكَةَ بِما لَهُمُ الوَيْلُ مِن وصْفِهِ، خَصَّهم بِالذِّكْرِ مُعَبِّرًا عَنْ خُصُوصِيَّتِهِمْ وقُرْبِهِمْ بِالعِنْدِيَّةِ تَمْثِيلًا بِما نَعْرِفُ مِن أصْفِياءِ المُلُوكِ عِنْدَ التَّعْبِيرِ بِعِنْدَ مِن مُجَرَّدِ القُرْبِ في المَكانَةِ لا في المَكانِ فَقالَ: ﴿ومَن عِنْدَهُ﴾ أيْ [هم لَهُ -] حالَ كَوْنِهِمْ لا ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ بِنَوْعِ كِبْرٍ طَلَبًا ولا إيجادًا ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أيْ ولا يَطْلُبُونَ أنْ يَنْقَطِعُوا عَنْ ذَلِكَ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ:

الأنبياء 21:20

﴿يُسَبِّحُونَ﴾ أيْ يُنَزِّهُونَ المُسْتَحِقَّ لِلتَّنْزِيهِ بِأنْواعِ التَّنْزِيهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ [الَّتِي هي عِبادَةٌ، فَهي مُقْتَضِيَةٌ مَعَ نَفْيِ النَّقائِصِ إثْباتَ الكَمالِ -] ﴿اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ أيْ [فِي جَمِيعِ آنائِهِما [دائِمًا. [ولَمّا لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِإنْكارٍ مِنهُمْ، ولا ما يَسْتَلْزِمُهُ مِنَ الاسْتِكْبارِ، لَمْ يُؤَكِّدْ ولا عَطَفَ بِالواوِ فَقالَ -]: ﴿لا يَفْتُرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [بِخِلافِ ما في ”فَصَلَتْ“ فَإنَّ الأمْرَ فِيها مَبْنِيٌّ عَلى حَدِّ اسْتِكْبارِهِمُ المُسْتَلْزِمِ (p-٤٠٢)لِإنْكارِهِمُ المُقْتَضِي لِلتَّأْكِيدِ -]، وكُلُّ هَذا في حَيِّزِ ”إذا“ أيْ إذا أنْزَلْنا شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ مُنَبِّهًا عَلى أقاوِيلِكم مُبَيِّنًا لِأباطِيلِكُمْ، فاجَأهُ ظُهُورُ الزَّهُوقِ لِلْباطِلِ، والوَيْلُ لَكم والمُلْكُ لَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهًا عَنْ كُلِّ نَقْصٍ [ثابِتًا لَهُ بِالعِبادَةِ كُلُّ كَمالٍ -]، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى ﴿نَقْذِفُ﴾ [الأنبياء: ١٨]

الأنبياء 21:21

ولَمّا كانُوا عِنْدَ هَذا البَيانِ جَدِيرِينَ بِأنْ يُبادِرُوا إلى التَّوْحِيدِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، كانُوا حَقِيقِينَ بَعْدَ الإعْراضِ عَنْهم - بِالتَّوْبِيخِ والتَّهَكُّمِ والتَّعْنِيفِ فَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾ أيْ أعَلِمُوا أنَّ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ نافِذٌ فِيهِ أمْرُهُ فَرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ، أمْ لَمْ يَعْلَمُوهُ، أوْ عَمِلُوا ما يُنافِيهِ فاتَّخَذُوا ﴿آلِهَةً﴾ ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم أصْنامًا أرْضِيَّةً مِن حِجارَةٍ ونَحْوِها قالَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ [أيِ -] الَّتِي هم مُشاهِدُونَ لِأنَّها وكُلَّ ما فِيها طَوْعُ مَشِيئَتِهِ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يُنْشِرُونَ﴾ أيْ يُحْيُونَ شَيْئًا مِمّا فِيها مِنَ الأجْسامِ النّامِيَةِ حَتّى يَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، وإفادَةُ السِّياقِ الحَصْرَ تُفِيدُ أنَّهُ لَوْ وقَعَ الإنْشاءُ لِأحَدٍ عَلى وجْهٍ يُجَوِّزُ مُشارَكَةَ غَيْرِهِ لَهُ لَمْ يَسْتَحِقَّ العِبادَةَ، وفي هَذا الِاسْتِفْهامِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ بِالإشارَةِ إلى أنَّهم عَبَدُوا ما هو [مِن -] أدْنى ما في الأرْضِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْبَدَ، لِأنَّ الإنْسانَ أشْرَفُ ما فِيها، ولا يَخْفى ما لَهُ مِنَ (p-٤٠٣)الحاجَةِ المُبْعِدَةِ مِن تِلْكَ الرُّتْبَةِ الشَّمّاءِ.

الأنبياء 21:22

ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَمْ يَتَّخِذُوا آلِهَةً بِهَذا الوَصْفِ، ولا شَيْءَ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ يَسْتَحِقُّ وصْفَ الإلَهِيَّةِ، أقامَ البُرْهانَ القَطْعِيَّ عَلى صِحَّةِ نَفْيِ إلَهٍ غَيْرِهِ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ، وهو أشَدُّ بُرْهانٍ لِأهْلِ الكَلامِ فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما﴾ أيْ [فِي -] السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ في تَدْبِيرِهِما. ولَمّا كانَ الأصْلُ فِيما بَعْدَ كُلٍّ مِن ”إلّا“ و”غَيْرِ“ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ ما قَبْلَهُما وإنْ كانَ مُغايِرًا لَهُ في العَيْنِ، صَحَّ وضْعُ كُلٍّ مِنهُما مَوْضِعَ الآخَرِ، واخْتِيرَ هُنا التَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِثْناءِ والمَعْنى لِلصِّفَةِ إذْ هي تابِعَةٌ لِجَمِيعٍ مَنكُورٍ غَيْرِ مَحْصُورٍ لِإفادَةِ إثْباتِ الإلَهِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ مَعَ النَّفْيِ عَمّا عَداهُ، لِأنَّ ”لَوْلا“ - لِما فِيها مِنَ الامْتِناعِ - مُفِيدَةٌ لِلنَّفْيِ، فالكَلامُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ ”ما فِيهِما“ ﴿آلِهَةٌ إلا اللَّهُ﴾ أيْ مُدَبِّرُونَ غَيْرُ مَن تَفَرَّدَ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ غَيْرُهُ ﴿لَفَسَدَتا﴾ لِقَضاءِ العادَةِ بِالخِلافِ بَيْنَ المُتَكافِئِينَ المُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، ولِقَضاءِ العَقْلِ بِإمْكانِ الِاخْتِلافِ اللّازِمِ مِنهُ [إمْكانُ التَّمانُعِ اللّازِمِ مِنهُ إمْكانُ عَجْزِ أحَدِهِما اللّازِمِ مِنهُ -] أنْ لا يَكُونُ إلَهًا لِحاجَتِهِ، [وإذا انْتَفى الجَمْعُ، انْتَفى الِاثْنانِ مِن بابِ الأوْلى، لِأنَّ الجَمْعَ كُلَّما زادَ حارَبَ بَعْضُهم بَعْضًا فَقَلَّ الفَسادُ كَما نُشاهِدُ -]. ولَمّا أفادَ هَذا الدَّلِيلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُدَبِّرُ لَها إلّا واحِدًا، وأنَّ ذَلِكَ الواحِدَ لا يَكُونُ إلّا اللَّهَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ (p-٤٠٤)ذَلِكَ تَنَزُّهُ المُتَّصِفِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿رَبِّ العَرْشِ﴾ [أيِ -] الَّذِي هو نِهايَةُ المَعْلُوماتِ مِنَ الأجْسامِ، [ورَبِّ ما دُونَهُ مِنَ السَّماواتِ والأراضِي وما فِيهِما -] المُتَفَرِّدِ بِالتَّدْبِيرِ، كَما يَتَفَرَّدُ المَلِكُ الجالِسُ عَلى السَّرِيرِ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِمّا يُوهِمُ نَقْصًا ما،

الأنبياء 21:23

ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُسْألُ﴾ أيْ مِن سائِلٍ [ما -] ﴿عَمّا يَفْعَلُ﴾ أيْ لا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لا كُفْؤَ لَهُ في عِلْمٍ ولا حِكْمَةٍ ولا قُدْرَةٍ [ولا عَظَمَةٍ -] ولا غَيْرِ ذَلِكَ، [فَلَيْسَ في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِ لِإتْقانِها مَوْضِعُ سُؤالٍ -]، فَمَهْما أرادَ كانَ ومَهْما قالَ فالحَسَنَ الجَمِيلَ، فَلَوْ شاءَ لَعَذَّبَ أهْلَ سَماواتِهِ وأهْلَ أرْضِهِ، وكانَ ذَلِكَ مِنهُ عَدْلًا حَسَنًا، وهَذا مِمّا يَتَمادَحُ بِهِ أُولُو الهِمَمِ العَوالِي، كَما قالَ عامِرٌ الخَصَفِيُّ في هاشِمِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ الأشْعَرِ: ؎أحْيا أباهُ هاشِمَ بْنَ حَرْمَلَةْ يَوْمَ الهَباءاتِ ويَوْمَ اليَعْمَلَةْ ؎تَرى المُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَةْ ∗∗∗ يَقْتُلُ ذا الذَّنْبِ ومَن لا ذَنْبَ لَهْ قالَ ابْنُ هِشامٍ في مُقَدِّمَةِ السِّيرَةِ قَبْلَ ”أمْرِ البَسْلِ“ بِقَلِيلٍ: أنْشَدَنِي (p-٤٠٥)أبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الأبْياتَ وحَدَّثَنِي أنَّ هاشِمًا قالَ لِعامِرٍ: قُلْ فِيَّ بَيْتًا جَيِّدًا أُثِبْكَ عَلَيْهِ، فَقالَ عامِرٌ البَيْتَ الأوَّلَ فَلَمْ يُعْجِبْ هاشِمًا، ثُمَّ قالَ البَيْتَ الثّانِي فَلَمْ يُعْجِبْهُ، ثُمَّ قالَ الثّالِثَ فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَلَمّا قالَ [الرّابِعَ -] ؎”ويَقْتُلُ ذا الذَّنْبِ ومَن لا ذَنْبَ لَهْ“ أعْجَبَهُ فَأثابَهُ عَلَيْهِ، [ومِن أعْجَبِ ما رَأيْتُ في حِكَمِ الأقْدَمِينَ أنَّ الشَّهْرِسْتانِيَّ قالَ في المِلَلِ: وقَدْ سَألَ بَعْضُ الدَّهْرِيَّةِ أرِسْطاطالِيسَ فَقالَ: إذا كانَ لَمْ يَزَلْ ولا شَيْءَ غَيْرُهُ ثُمَّ أحْدَثَ العالَمَ فَلِمَ أحْدَثَهُ؟ فَقالَ: ”لِمَ“ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ، لِأنَّ لِمَ تَقْتَضِي عِلَّةً والعِلَّةُ مَحْمُولَةٌ فِيما هي عِلَّةٌ لَهُ مِن مُعِلٍّ فَوْقَهُ ولا عِلَّةَ فَوْقَهُ، ولَيْسَ بِمُرَكَّبٍ فَتَحْمِلُ ذاتُهُ العِلَلَ، فَلِمَ عَنْهُ مَنفِيَّةٌ-]. ﴿وهم يُسْألُونَ﴾ مِن كُلِّ سائِلٍ لِما في أفْعالِهِمْ مِنَ الاخْتِلالِ بَلْ يُمْنَعُونَ عَنْ أكْثَرِ ما يُرِيدُونَ.

الأنبياء 21:24

ولَمّا قامَ الدَّلِيلُ، ووَضَحَ السَّبِيلُ، واضْمَحَلَّ كُلُّ قالٍ وقِيلٍ، فانْمَحَقَتِ الأباطِيلُ، قالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَلِكَ: ﴿أمِ﴾ أيْ أرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ لَمّا بانَ [لَهم -] غَيُّهم فِيهِ فَوَحَّدُوا اللَّهَ أمْ ﴿اتَّخَذُوا﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَهُ وأثْبَتَ أنَّ آلِهَتَهم بَعْضٌ مِن ذَلِكَ بِإثْباتِ (p-٤٠٦)الجارِّ فَقالَ [مُنَبِّهًا لَهم -] مُكَرِّرًا لِما مَضى عَلى وجْهٍ أعَمَّ، طالِبًا البُرْهانَ تَلْوِيحًا إلى التَّهْدِيدِ: ﴿مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الأرْضِ وغَيْرِهِما. ولَمّا كانَ جَوابُهُمُ: اتَّخَذْنا، ولا يَرْجِعُ أمْرُهُ بِجَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ عَلى ما ادَّعَيْتُمُوهُ مِن عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ كَما أثْبَتُّ أنا بِبُرْهانِ النَّقْلِ المُؤَيَّدِ بِالعَقْلِ. ولَمّا كانَ الكَرِيمُ سُبْحانَهُ لا يُؤاخِذُ بِمُخالَفَةِ العَقْلِ ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ دَلِيلُ النَّقْلِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ مُشِيرًا إلى ما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ الرُّسُلَ مِنَ الكُتُبِ: ﴿هَذا ذِكْرُ﴾ أيْ مَوْعِظَةُ [وشَرَفُ -] ﴿مَن مَعِيَ﴾ مِمَّنْ آمَنَ بِي وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ بِعَجْزِكم عَنْ مُعارَضَتِهِ فانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيهِ شَيْئًا يُؤَيِّدُ أمْرَكم ﴿وذِكْرُ﴾ أيْ وهَذا ذِكْرُ ﴿مَن قَبْلِي﴾ فاسْألُوا أهْلَ الكِتابَيْنِ هَلْ في الكِتابِ مِنهُما بُرْهانٌ لَكم. ولَمّا كانُوا لا يَجِدُونَ شُبْهَةً لِذَلِكَ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ اقْتَضى الحالُ الإعْراضَ عَنْهم غَضَبًا، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَجِدُونَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ بُرْهانًا ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾ [أيْ هَؤُلاءِ المَدْعُوِّينَ -] ﴿لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ﴾ بَلْ هم جَهَلَةٌ والجَهْلُ أصْلُ الشَّرِّ والفَسادِ، [فَهم يَكْفُرُونَ تَقْلِيدًا ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِمْ ما افْتَتَحْنا بِهِ السُّورَةَ مِن أنَّهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عَنْ ذِكْرِكَ وذِكْرِ (p-٤٠٧)مَن قَبْلَكَ غَفْلَةً مِنهم عَمّا يُرادُ بِهِمْ وفِعْلًا بِاللَّعِبِ فِعْلَ القاصِرِ عَنْ دَرَجَةِ العَقْلِ، وبَعْضُهم مُعانِدٌ مَعَ عِلْمِهِ الحَقَّ]، وبَعْضُهم يَعْلَمُ فَيَفْهَمُ - كَما أفْهَمَهُ التَّقْيِيدُ بِالأكْثَرِ.

الأنبياء 21:25

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ [بَيانًا لِما في الذِّكْرَيْنِ -]: ولَوْ أقْبَلُوا عَلى الذِّكْرِ لَعَلِمُوا أنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ في هَذا الذِّكْرِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، ما أرْسَلْناكَ إلّا لِنُوحِيَ إلَيْكَ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا. ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لِلزَّمانِ المُتَقَدِّمِ لِأنَّهُ كَما أنَّ الرِّسالَةَ لا يَقُومُ بِها كُلُّ أحَدٍ، فَكَذَلِكَ الإرْسالُ لا يَصْلُحُ لَهُ كُلُّ زَمَنٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ في شِيَعِ الأوَّلِينَ ﴿إلا نُوحِي إلَيْهِ﴾ مِن عِنْدِنا ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ ولَمْ يَقُلْ: نَحْنُ، لِئَلّا يَجْعَلُوها وسِيلَةً إلى شُبْهَةٍ، ولِذا قالَ: ﴿فاعْبُدُونِ﴾ بِالإفْرادِ، وتَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالأمْرِ بِالتَّخْصِيصِ بِالعِبادَةِ لِفَهْمِهِ مِنَ المَقامِ والحالِ، فَإنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَعْبُدُونَهُ ولَكِنَّهم يُشْرِكُونَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ عِبادَةٍ فِيها شَوْبُ شِرْكٍ عَدَمٌ.

الأنبياء 21:26

ولَمّا دَلَّ عَلى نَفْيِ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَقْلًا ونَقْلًا، فانْتَفى بِذَلِكَ كُلُّ فَرْدٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ هَذا الِاسْمُ، عَجِبَ مِنَ ادِّعائِهِمُ الشِّرْكَةَ المُقَيَّدَةَ بِالوَلَدِ، فَقالَ (p-٤٠٨)عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [الأنبياء: ٣] ﴿وقالُوا﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِخُزاعَةَ حَيْثُ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ: لِلْيَهُودِ [حَيْثُ -] قالُوا: إنَّهُ سُبْحانَهُ صاهَرَ الجِنَّ فَكانَتْ مِنهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿اتَّخَذَ﴾ أيْ تَكَلَّفَ كَما يَتَكَلَّفُ مَن يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [أيِ -] الَّذِي كُلُّ مَوْجُودٍ مِن فَيْضِ نِعْمَتِهِ ﴿ولَدًا﴾ ولَمّا كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ الذَّنْبِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ عَنْهُ بِمَجْمَعِ التَّنْزِيهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾ أيْ تَنَزَّهَ [عَنْ -] أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي المُجانَسَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلَدِ، ولا يَصِحُّ مُجانَسَةُ النِّعْمَةِ لِلْمُنْعِمِ الحَقِيقِيِّ ﴿بَلْ﴾ الَّذِي جَعَلُوهم لَهُ ولَدًا وهُمُ المَلائِكَةُ ﴿عِبادٌ﴾ مِن عِبادِهِ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالإيجادِ كَما أنْعَمَ عَلى غَيْرِهِمْ لا أوْلادٌ، فَإنَّ العُبُودِيَّةَ تُنافِي الوَلَدِيَّةَ ﴿مُكْرَمُونَ﴾ بِالعِصْمَةِ مِنَ الزَّلَلِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ الإكْرامَ بِقَوْلِهِ:

الأنبياء 21:27

﴿لا يَسْبِقُونَهُ﴾ [أيْ لا يَسْبِقُونَ إذْنَهُ -] ﴿بِالقَوْلِ﴾ أيْ [بِقَوْلِهِمْ، لِأنَّهم -] لا يَقُولُونَ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنْ لَهم فِيهِ ويُطْلِقْهُ لَهم. ولَمّا كانَ الواقِفُ عَمّا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ قَدْ لا يَفْعَلُ ما أُمِرَ بِهِ قالَ: ﴿وهم بِأمْرِهِ﴾ أيْ خاصَّةً إذا أمَرَهم ﴿يَعْمَلُونَ﴾ لا بِغَيْرِهِ لِأنَّهم (p-٤٠٩)فِي غايَةِ المُراقَبَةِ لَهُ فَجَمَعُوا في الطّاعَةِ بَيْنَ القَوْلِ والفِعْلِ وذَلِكَ غايَةُ الطّاعَةِ؛

الأنبياء 21:28

ثُمَّ عَلَّلَ إخْبارَهُ بِذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِما هَذا المُخْبَرُ بِهِ مُنْدَرِجٌ فِيهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ مِمّا [لَمْ -] يَعْمَلُوهُ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ مِمّا عَمِلُوهُ، أوْ يَكُونُ الأوَّلُ لِما عَمِلُوهُ والثّانِي لِما لَمْ يَعْمَلُوهُ، لِأنَّكَ تَطَّلِعُ عَلى ما قُدّامَكَ ويَخْفى عَلَيْكَ ما خَلْفَكَ، أيْ أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِأحْوالِهِمْ ماضِيًا وحالًا ومَآلًا، لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِلازِمِ الجُمْلَةِ الأُولى فَقالَ: ﴿ولا يَشْفَعُونَ﴾ [أيْ -] في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ ﴿إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ فَلا تَطْمَعُوا في شَفاعَتِهِمْ لَكم بِغَيْرِ رِضاهُ، وبِلازِمِ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ فَقالَ: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ﴾ أيْ لا مِن غَيْرِها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ دائِمًا.

الأنبياء 21:29

ولَمّا نَفى الشَّرِيكَ مُطْلَقًا ثُمَّ مُقَيَّدًا بِالوَلَدِيَّةِ، أتْبَعَهُ التَّهْدِيدَ عَلى ادِّعائِهِ بِتَعْذِيبِ المَتْبُوعِ المُوجِبِ لِتَعْذِيبِ التّابِعِ فَقالَ: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهُمْ﴾ أيْ مِن كُلِّ مَن قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ حَتّى العِبادُ المُكْرَمُونَ الَّذِينَ وصَفَ كَرامَتَهم وقُرْبَ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَهُ وأثْنى عَلَيْهِمْ كَما رَواهُ البَيْهَقِيُّ في الخَصائِصِ مِنَ الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (p-٤١٠)﴿إنِّي إلَهٌ﴾ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي تَحْتَ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ كَثِيرَةً، بَعَّضَ لِيَدُلَّ عَلى مَنِ اسْتَغْرَقَ بِطَرِيقِ الأوْلى فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن دُونِ اللَّهِ ﴿فَذَلِكَ﴾ [أيِ -] اللَّعِينُ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِلتَّقْرِيبِ أصْلًا ما دامَ عَلى ذَلِكَ ﴿نَجْزِيهِ﴾ [أيْ -] بِعَظَمَتِنا ﴿جَهَنَّمَ﴾ لِظُلْمِهِ، فَأفْهَمَ تَعْذِيبُ مُدَّعِي الشِّرْكِ تَعْذِيبَ أتْباعِهِ مِن بابِ الأوْلى، وهو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّمْثِيلِ في المَلائِكَةِ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ، وما ذاكَ إلّا لِقَصْدِ تَفْظِيعِ أمْرِ الشِّرْكِ وتَعْظِيمِ شَأْنِ التَّوْحِيدِ، [وفِي دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ في بابِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ والخَصائِصِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: ٢] دَلِيلٌ عَلى فَضْلِهِ ﷺ عَلى أهْلِ السَّماءِ -]. ولَمّا كانَ مُقْتَضِيًا لِلسُّؤالِ عَنْ غَيْرِ هَذا مِنَ الظَّلَمَةِ، قِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ هَذا الجَزاءِ الفَظِيعِ جِدًّا ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ كُلَّهم ما دامُوا عَلى ظُلْمِهِمْ.

الأنبياء 21:30

ولَمّا أنْكَرَ سُبْحانَهُ اتِّخاذَهم آلِهَةً مِن دُونِهِ تارَةً بِقَيْدِ كَوْنِها أرْضِيَّةً، وتارَةً بِقَيْدِ كَوْنِها سَماوِيَّةً، وتارَةً مُطْلَقَةً، لِتَعُمَّ كُلًّا مِنَ القِسْمَيْنِ (p-٤١١)وغَيْرَهُما، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِما لَمْ تَبْقَ مَعَهُ شُبْهَةٌ، فَدَلَّ تَفَرُّدُهُ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ مِن بَعْثٍ وغَيْرِهِ، وكانَ عِلْمُهم لا يَتَجاوَزُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ مُسْتَدِلًّا عَلى ذَلِكَ أيْضًا مُقَرِّرًا بِما يَعْلَمُونَهُ، أوْ يَنْبَغِي أنْ يَسْألُوا عَنْهُ حَتّى يَعْلَمُوهُ لِتَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [الأنبياء: ٧] جالِيًا لَهُ في أُسْلُوبِ العَظَمَةِ: ﴿أوَلَمْ﴾ أيْ ألَمْ يَعْلَمُوا ذَلِكَ بِما أوْضَحْنا مِن أدِلَّتِهِ ولَمْ يَرَوْا، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم يُغَطُّونَ أنْوارَ الدَّلائِلِ عِنادًا فَقالَ: ﴿يَرَ﴾ أيْ يَعْلَمْ عِلْمًا هو كالمُشاهَدَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما يَعْلَمُونَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ فَأدّى ذَلِكَ إلى الِاسْتِهانَةِ والتَّنَقُّصِ فَصارَ ذَنْبُهم غَيْرَ مَغْفُورٍ، وسَعْيُهم غَيْرَ مَشْكُورٍ، وحَذَفَ ابْنُ كَثِيرٍ الواوَ العاطِفَةَ عَلى ما قَدَّرْتُهُ مِمّا هَدى إلَيْهِ السِّياقُ أيْضًا، لا لِلِاسْتِفْهامِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ خِتامُ الآيَةِ الَّتِي قَبْلُ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ المُقْتَضِي لِلْإنْكارِ عَلى مَن أنْكَرَهُ، فَكانَ المَعْنى عَلى قِراءَتِهِ: نَجْزِي كُلَّ ظالِمٍ بَعْدَ البَعْثِ، ألَمْ يَرَ المُنْكِرُونَ لِذَلِكَ قُدْرَتَنا عَلَيْهِ بِما أبْدَعْنا مِنَ الخَلائِقِ، وإنَّما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الرُّؤْيَةِ بِسَبَبِ أنَّ الأجْسامَ وإنْ تَبايَنَتْ لا يَنْفَصِلُ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ إلّا بِقادِرٍ يَفْصِلُ بَيْنَها، فَمِنَ البَدِيهِيِّ الِاسْتِحالَةُ أنْ يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنها (p-٤١٢)عَنِ الآخَرِ مُنْفَصِلًا عَنْهُ بِغَيْرِ رافِعٍ لا سِيَّما إذا كانَ المُرْتَفِعُ ثابِتًا مِن غَيْرِ عِمادٍ، فَكَيْفَ وهو عَظِيمُ الجِسْمِ كَبِيرُ الجِرْمِ؟ وذَلِكَ دالٌّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن مُكافِئٍ وغَيْرِهِ، فَصَحَّ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ عِلْمِ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم عَمِلُوا بِخِلافِ ما يَعْلَمُونَهُ ﴿أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ الإخْبارَ عَنِ الجَماعَتَيْنِ لا عَنِ الأفْرادِ قالَ: ﴿كانَتا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ شِدَّةَ الِاتِّصالِ والتَّلاحُمِ، أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِمَصْدَرٍ مُفْرَدٍ وُضِعَ مَوْضِعَ الِاسْمِ فَقالَ: ﴿رَتْقًا﴾ أيْ مُلْتَزِقَتَيْنِ زُبْدَةً واحِدَةً عَلى وجْهِ الماءِ، والرَّتْقُ في اللُّغَةِ: السَّدُّ، والفَتْقُ: الشَّقُّ ﴿فَفَتَقْناهُما﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا [أيْ -] بِأنْ مَيَّزْنا إحْداهُما عَنِ الأُخْرى بَعْدَ التَّكْوِينِ المُتْقَنِ وفَتَقْنا السَّماءَ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِأنْواعِ النَّباتِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، ولا كانَ مَقْدُورًا عَلى شَيْءٍ مِنهُ لِأحَدٍ غَيْرِنا؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وعَطاءٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ: كانَتا شَيْئًا واحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّهُ تَعالى بَيْنَهُما بِالهَواءِ. وعَنْ مُجاهِدٍ وأبِي صالِحٍ والسُّدِّيِّ: كانَتا مُؤْتَلِفَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ سَماواتٍ، وكَذَلِكَ (p-٤١٣)الأرْضُ كانَتْ مُرْتَتِقَةً طَبَقَةً واحِدَةً فَفَتَقَها فَجَعَلَها سَبْعَ -] طَبَقاتٍ. ولَمّا كانَ خَلْقُ الماءِ سابِقًا عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ [أيْ بِما اقْتَضَتْهُ عَظَمَتُنا -] ﴿مِنَ الماءِ﴾ أيِ الهامِرِ ثُمَّ الدّافِقِ ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ مَجازًا مِنَ النَّباتِ وحَقِيقَةً مِنَ الحَيَوانِ، خَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وغَيْرُهُ ”عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أخْبِرْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِن ماءٍ“» ولِذَلِكَ أجابَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ الَّذِي وجَدَهُ عَلى ماءِ بَدْرٍ وسَألَهُ: مِمَّنْ هُوَ؟ بِقَوْلِهِ: «نَحْنُ مِن ماءٍ» . ولَمّا كانَ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في هَذَيْنِ الكَوْنَيْنِ ظاهِرًا ومُنْتَجًا لِأنَّهُما وكُلَّ ما فِيهِما ومَن فِيهِما بِصِفَةِ العَجْزِ عَنْ أنْ يَكُونَ لَهُ تَصَرُّفٌ ما، تَسَبَّبَ عَنْهُ إنْكارُ عَدَمِ إيمانِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ بِأنَّ شَيْئًا مِنهُما أوْ فِيهِما لا يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ، لا عَلى وجْهِ الشِّرْكَةِ ولا عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ، وبِأنَّ صانِعَهُما ومُبْدِعَ النّامِي مِن حَيَوانٍ ونَباتٍ مِنهُما بِواسِطَةِ الماءِ قادِرٌ عَلى البَعْثِ لِلْحِسابِ لِلثَّوابِ أوِ العِقابِ، بَعْدَ أنْ صارَ المَيِّتُ تُرابًا بِماءٍ يُسَبِّبُهُ لِذَلِكَ.

الأنبياء 21:31

ولَمّا كانَ مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ ثَباتُ الأرْضِ مِن غَيْرِ حَرَكَةٍ، وكانَ الماءُ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى ثَباتِها، وكانَتِ الأرْضُ أقْرَبَ في (p-٤١٤)الذِّكْرِ مِنَ السَّماءِ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿وجَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ جِبالًا ﴿رَواسِيَ﴾ أيْ ثَوابِتَ، كَراهَةَ ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ وتَضْطَرِبَ فَتُهْلِكَ المِياهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ فَيَعُودَ نَفْعُها ضُرًّا وخَيْرُها شَرًّا. ولَمّا كانَ المُرادُ مِنَ المَراسِي الشِّدَّةَ والحُزُونَةَ لِتَقْوى عَلى الثَّباتِ والتَّثْبِيتِ، وكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا لِإبْعادِها وحِفْظِها عَنِ [الذِّلَّةِ -] واللُّيُونَةِ، بَيَّنَ أنَّهُ أخْرَقَ فِيها العادَةَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ قادِرٌ مُخْتارٌ لِكُلِّ ما يُرِيدُ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الباهِرَةِ والحِكْمَةِ البالِغَةِ ﴿فِيها﴾ أيِ الجِبالِ مَعَ حُزُونَتِها ﴿فِجاجًا﴾ أيْ مَسالِكَ واسِعَةً سَهْلَةً؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿سُبُلا﴾ أيْ مُذَلَّلَةً لِلسُّلُوكِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَعَسَّرَ أوْ تَعَذَّرَ الوُصُولُ إلى بَعْضِ البِلادِ ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ إلى مَنافِعِهِمْ في دِيارِهِمْ وغَيْرِها، وإلى ما فِيها مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ وغَيْرِها فَيَعْلَمُوا أنَّ وُجُودَها لَوْ كانَ بِالطَّبِيعَةِ كانَتْ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ مُساوِيَةً لِلْأرْضِ مُتَساوِيَةً في الوَصْفِ، وأنَّ كَوْنَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ صانِعَها قادِرٌ مُخْتارٌ مُتَفَرِّدٌ بِأوْصافِ الكَمالِ.

الأنبياء 21:32

ولَمّا دَلَّهم بِالسَّماواتِ والأرْضِ عَلى عَظَمَتِهِ، ثُمَّ فَصَّلَ بَعْضَ ما في الأرْضِ لِمُلابَسَتِهِمْ لَهُ، وخَصَّ الجِبالَ لِكَثْرَتِها في بِلادِهِمْ، أتْبَعَهُ (p-٤١٥)السَّماءَ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿السَّماءَ﴾ وأفْرَدَها بِإرادَةِ الجِنْسِ لِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُشاهِدُونَ مِنها إلّا الدُّنْيا ولِأنَّ الحِفْظَ لِلشَّيْءِ الواحِدِ أتْقَنُ ﴿سَقْفًا﴾ أيْ لِلْأرْضِ لا فَرْقَ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُعْهَدُ مِنَ السُّقُوفِ إلّا أنَّ ما يُعْهَدُ لا يَسْقُطُ مِنهُ إلّا ما يَضُرُّ، وهَذِهِ مَشْحُونَةٌ بِالمَنافِعِ فَأكْثَرُ ما يَنْزِلُ مِنها ما لا غِنى لِلنّاسِ عَنْهُ مِن آلاتِ الضِّياءِ وعَلاماتِ الِاهْتِداءِ والزِّينَةِ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها. ولَمّا كانَ ما يَعْرِفُونَ مِنَ السُّقُوفِ عَلى صِغَرِها لا تَثْبُتُ إلّا بِالعُمُدِ، ويَتَمَكَّنُ مِنهُ المُفْسِدُونَ، وتَحْتاجُ كُلَّ قَلِيلٍ إلى إصْلاحٍ وتَعَهُّدٍ، بَيَّنَ أنَّ هَذا السَّقْفَ عَلى سَعَتِهِ وعُلُوِّهِ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مَحْفُوظًا﴾ أيْ عَنِ السُّقُوطِ بِالقُدْرَةِ وعَنِ الشَّياطِينِ بِالشُّهُبِ، فَذَكَّرَ بِاعْتِبارِ السَّقْفِ، وأشارَ إلى كَثْرَةِ ما حَوى مِنَ الآياتِ مُؤَنِّثًا بِاعْتِبارِ السَّماءِ أوِ العَدَدِ الدّالِّ عَلَيْهِ الجِنْسُ، لِأنَّ العَدَدَ أوْلى بِالدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الآياتِ [والنُّجُومُ مُفَرَّقَةٌ في الكُلِّ -] فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ أكْثَرُ النّاسِ ﴿عَنْ آياتِها﴾ أيْ مِنَ الكَواكِبِ الكِبارِ والصِّغارِ، والرِّياحِ والأمْطارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَفُوتُ الِانْحِصارَ، أيِ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِنا عَلى كُلِّ ما نُرِيدُ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ [و -] عَلى عَظَمَتِنا بِالتَّفَرُّدِ بِالإلَهِيَّةِ (p-٤١٦)وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْصافِ الكَمالِ، مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيما فِيها مِنَ التَّسْيِيرِ والتَّدْبِيرِ بِالمَطالِعِ والمَغارِبِ والتَّرْتِيبِ القَوِيمِ الدّالِّ عَلى الحِسابِ الدّائِرِ عَلَيْهِ سائِرُ المَنافِعِ.

الأنبياء 21:33

ولَمّا ذَكَرَ السَّماءَ، ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْها فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُما آيَتَيْهِما فَقالَ: ﴿والشَّمْسَ﴾ الَّتِي هي آيَةُ النَّهارِ وبِها وُجُودُهُ ﴿والقَمَرَ﴾ الَّذِي هو آيَةُ اللَّيْلِ. ولَمّا ذَكَرَ أعْظَمَ آياتِها فَأفْهَمَ بَقِيَّةَ الكَواكِبِ، اسْتَأْنَفَ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ هي كُلُّها في سَماءٍ واحِدَةٍ؟: ﴿كُلٌّ﴾ [أيْ -] مِن ذَلِكَ ﴿فِي فَلَكٍ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا تَصْنَعُ؟ فَقِيلَ [تَغْلِيبًا لِضَمِيرِ العُقَلاءِ. . . ونَقَلَهم إلَيْها -]: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ يَسْبَحُ في الفَلَكِ الَّذِي جُعِلَ بِهِ -].

الأنبياء 21:34

ولَمّا ذَكَرَ الصّارِمَ البَتّارَ، لِلْأعْمارِ الطِّوالِ والقِصارِ، مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، [كانَ كَأنَّهُ -] قِيلَ: فَيُفْنِيانِ كُلَّ شَدِيدٍ، ويُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَفَرُّدَنا بِالبَقاءِ ﴿لِبَشَرٍ﴾ [وحَقَّقَ عَدَمَ هَذا الجَعْلِ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ -]: ﴿مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ ناظِرًا إلى قَوْلِهِ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨] بَعْدَ قَوْلِهِ (p-٤١٧)﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وهَذا مِن أقْوى الأدِلَّةِ عَلى أنَّ الخَضِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ، ويُجابُ بِأنَّ الحَياةَ الطَّوِيلَةَ لَيْسَتْ خُلْدًا كَما في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ بَعْدَ اليَوْمِ» وقَوْلَهُ: «لا يَبْقى عَلى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِمَّنْ هو عَلى ظَهْرِ الأرْضِ اليَوْمَ أحَدٌ» وقَوْلَهُ: «ودِدْنا أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ صَبَرَ فَقُصَّ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما» في أمْثالِ ذَلِكَ، يَدُلُّ عَلى مَوْتِهِ دَلالَةً لا تَقْبَلُ ادِّعاءَ حَياتِهِ بَعْدَها إلّا بِأظْهَرَ مِنهُ. ولَمّا كانَ قَوْلُهم ﴿بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥] مُشِيرًا إلى أنَّهم قالُوا نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ كَما اتَّفَقَ لِغَيْرِهِ مِنَ الشُّعَراءِ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ لا يَنْتَظِرَ أحَدٌ لِآخَرَ مِنَ الأذى إلّا ما يَتَحَقَّقُ سَلامَتُهُ هو مِنهُ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ والتَّسْلِيَةُ [لَهُ -] بِمَنعِ شَماتَتِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ﴾ أيْ أيَتَمَنَّوْنَ مَوْتَكَ فَإنْ ﴿مِتَّ فَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخالِدُونَ﴾ فالمُنْكَرُ تَقْدِيرُ خُلُودِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ المُوجِبِ لِإنْكارِ تَمَنِّيهِمْ لِمَوْتِهِ، فَحَقُّ الهَمْزَةِ دُخُولُها عَلى الجَزاءِ، وهُوَ: فَهُمْ، وإنَّما [قارَنَتِ الشَّرْطَ لِأنَّ -] الِاسْتِفْهامَ لَهُ الصَّدْرُ.

الأنبياء 21:35

(p-٤١٨)ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ، أنْتَجَ قَطْعًا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ أيْ فَلا يَفْرَحْ أحَدٌ ولا يَحْزَنْ بِمَوْتِ أحَدٍ، بَلْ يَشْتَغِلُ بِما يُهِمُّهُ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكُمْ﴾ أيْ [نُعامِلُكم -] مُعامَلَةَ المُبْتَلِي المُخْتَبِرِ [المُظْهِرِ في عالَمِ الشَّهادَةِ الشّاكِرَ والصّابِرَ والمُؤْمِنَ والكافِرَ كَما هو عِنْدَنا في عالَمِ الغَيْبِ ] بِأنْ نُخالِطَكم ﴿بِالشَّرِّ﴾ الَّذِي هو طَبْعُ النُّفُوسِ، فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ إلَيْهِ، فَلا يَنْجُو مِنهُ إلّا مَن أخْلَصْناهُ لَنا ﴿والخَيْرِ﴾ مُخالَطَةً كَبِيرَةً، [وأكَّدَ البَلاءَ بِمَصْدَرٍ مِن مَعْناهُ مَقْرُونٍ بِالهاءِ تَعْظِيمًا لَهُ فَقالَ -]: ﴿فِتْنَةً﴾ أيْ [كَما يُفْتَنُ الذَّهَبُ إذا أُرِيدَتْ تَصْفِيَتُهُ بِمُخالَطَةِ النّارِ لَهُ، عَلى حالَةٍ عَظِيمَةٍ -] مُحِيلَةٍ مُمِيلَةٍ لَكم لا يَثْبُتُ لَها إلّا المُوَفَّقُ ﴿وإلَيْنا﴾ أيْ بَعْدَ المَوْتِ لا إلى غَيْرِنا ﴿تُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ حَيْثُ لا حُكْمَ لِأحَدٍ أصْلًا لا ظاهِرًا ولا باطِنًا[ كَما -] في هَذِهِ الدّارِ بِنُفُوذِ الحُكْمِ فَلا يَكُونُ إلّا ما نُرِيدُ فاشْتَغِلُوا بِما يُنْجِيكم مِنّا، ولا تَلْتَفِتُوا إلى غَيْرِهِ، فَإنَّ الأمْرَ صَعْبٌ، وجِدُّوا فَإنَّ الحالَ جِدٌّ.

الأنبياء 21:36

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ السّاعَةِ تَكْذِيبًا، واسْتَدَلَّ عَلى كَوْنِها مُنَزَّهَةً عَنِ الغَيْبِ في خَلْقِ هَذا العالَمِ وتَعالِيهِ عَنْ [جَمِيعِ -] صِفاتِ النَّقْصِ واتِّصافِهِ بِأوْصافِ الكَمالِ إلى أنْ خَتَمَ ذَلِكَ بِمِثْلِ ما ابْتَدَأ بِهِ عَلى وجْهٍ أصْرَحَ، وكانَ فِيهِ تَنْبِيهُهم عَلى الِابْتِلاءِ (p-٤١٩)[وكانَ الِابْتِلاءُ -] عَلى قَدْرِ النِّعَمِ، فَكانَ ﷺ أعْظَمَ شَيْءٍ ابْتُلُوا بِهِ لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ أعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ بِهِ، ولا شَيْءَ أظْهَرُ مِن آياتِهِ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [الأنبياء: ٣] قَوْلَهُ: ﴿وإذا رَآكَ﴾ أيْ وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ [وكُلُّكَ -] جِدٌّ وجَلالٌ وعَظَمَةٌ وكَمالٌ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَأظْهَرَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ ظُلْمَهُمُ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ هو الكُفْرُ وإنْ كانَ في أدْنى رُتْبَةٍ، تَبْشِيعًا لَهُ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَطْمِسُ الفِكْرَ مُطْلَقًا. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ ﷺ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الهُزْءِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم أعْرَقُوا في الكُفْرِ حَتّى بَلَغُوا الذِّرْوَةَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ أيْ حالَ الرُّؤْيَةِ، وسَيَعْلَمُ مَن يَبْقى مِنهم عَمّا قَلِيلٍ أنَّكَ جِدٌّ كُلَّكَ ﴿إلا هُزُوًا﴾ أيْ جَعَلُوكَ بِحَمْلِ أنْفُسِهِمْ عَلى ضِدِّ ما يُعْتَقَدُ عَيْنَ ما لَيْسَ فِيكَ شَيْءٌ مِنهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ اسْتِهْزاءَهم بِهِ بِأنَّهم يَقُولُونَ إنْكارًا واسْتِصْغارًا: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ﴾ [أيْ -] بِالسُّوءِ ﴿آلِهَتَكُمْ﴾ [قالَ أبُو حَيّانَ -]: والذِّكْرُ يَكُونُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ، [فَإذا لَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُهُ فالقَرِينَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ - ] [انْتَهى -]. فَإذا (p-٤٢٠)دَلَّتِ القَرِينَةُ عَلى أحَدِهِما أُطْلِقَ عَلَيْهِ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم عَلى حالٍ كانُوا بِها أصْلًا في الهُزْءِ، وهي أنَّهم ﴿بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ عَلَيْهِمْ ولا عَلى غَيْرِهِمْ إلّا مِنهُ، وكَرَّرَ الضَّمِيرَ تَعْظِيمًا بِما أتَوْا بِهِ مِنَ القَباحَةِ فَقالَ: ﴿هُمْ﴾ أيْ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ ساتِرُونَ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، فَلا أعْجَبَ مِمَّنْ هو مَحَلٌّ لِلْهُزْءِ لِكَوْنِهِ أنْكَرَ ذِكْرَ مَن لا نِعْمَةَ مِنهُ ولا نِقْمَةَ أصْلًا بِالسُّوءِ، وهو يَذْكُرُ مَن كُلُّ نِعْمَةٍ مِنهُ بِالسُّوءِ ويَهْزَأُ بِهِ.

الأنبياء 21:37

ولَمّا كانَ مِن آياتِ الأوَّلِينَ الَّتِي طَلَبُوها العَذابُ بِأنْواعِ الهَوْلِ، وكانُوا هم أيْضًا قَدْ طَلَبُوا ذَلِكَ واسْتَعْجَلُوا بِهِ ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ [ص: ١٦] ونَحْوَ ذَلِكَ، وكانَ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا حِلْمَ اللَّهِ عَنْهم بِإمْهالِهِ لَهُمْ، قالَ مُعَلِّلًا لِذَلِكَ: ﴿خُلِقَ﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ ما جُبِلَ عَلَيْهِ والخالِقُ مَعْرُوفٌ ﴿الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ. ولَمّا كانَ مَطْبُوعًا عَلى العَجَلَةِ قالَ: ﴿مِن عَجَلٍ﴾ فَلِذا يَكْفُرُ، لِأنَّهُ إذا خُولِفَ بادَرَ إلى الِانْتِقامِ عِنْدَ القُدْرَةِ فَظَنَّ بِجَهْلِهِ أنَّ خالِقَهُ كَذَلِكَ، وأنَّ التَّأْخِيرَ ما هو إلّا عَنْ عَجْزٍ أوْ عَنْ رِضىً؛ ثُمَّ قالَ تَعالى مُهَدِّدًا (p-٤٢١)لِلْمُكَذِّبِينَ: ﴿سَأُرِيكُمْ﴾ حَقًّا ﴿آياتِي﴾ القاصِمَةَ والعاصِمَةَ، بِهِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن عِنْدَكم مِن أتْباعِهِ المُسْتَضْعَفِينَ وخِلافَتِهِمْ بَيْنَ أيْدِيكم وجَعْلِهِمْ شَجًّا في حُلُوقِكم حَتّى يَتَلاشى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَظائِمِ ﴿فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ تَطْلُبُوا أنْ أُوجِدَ العَجَلَةَ بِالعَذابِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنِّي مُنَزَّهٌ عَنِ العَجَلَةِ [الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ نَقائِصِكم.

الأنبياء 21:38

ولَمّا ذَمَّ العَجَلَةَ وهي إرادَةُ الشَّيْءِ قَبْلَ أوانِهِ، ونَهى عَنْها، قالَ دالًّا عَلَيْها عاطِفًا عَلى عامِلِ ”هَذا“ -]: ﴿ويَقُولُونَ﴾ [أيْ -] في اسْتِهْزائِهِمْ بِأوْلِياءِ اللَّهِ: ﴿مَتى هَذا﴾ وتَهَكَّمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿الوَعْدُ﴾ [أيْ -] بِإتْيانِ الآياتِ مِنَ السّاعَةِ ومُقَدِّماتِها وغَيْرِها، وزادُوا في الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ تَكْذِيبًا فَقالُوا: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ جِدًّا - بِما دَلَّ عَلَيْهِ الوَصْفُ وفِعْلُ الكَوْنِ.

الأنبياء 21:39

ولَمّا غَلَوْا في الِاسْتِهْزاءِ فَكانُوا أجْهَلَ الجَهَلَةِ بِاسْتِحالَةِ المُمْكِنِ، اسْتَأْنَفَ الجَوابَ عَنْ كَلامِهِمْ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْهم في الحالِ والمَآلِ دُونَ المُعايَنَةِ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذَكَرَ المَفْعُولَ بِهِ فَقالَ: ﴿حِينَ﴾ أيْ لَوْ تَجَدَّدَ لَهم عِلْمٌ ما بِالوَقْتِ الَّذِي يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ؛ وذَكَرَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ ذَلِكَ الوَقْتُ فَقالَ: ﴿لا يَكُفُّونَ﴾ (p-٤٢٢)أيْ فِيهِ بِأنْفُسِهِمْ ﴿عَنْ وُجُوهِهِمُ﴾ الَّتِي هي أشْرَفُ أعْضائِهِمُ ﴿النّارَ﴾ اسْتِسْلامًا -] وضَعْفًا وعَجْزًا ﴿ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الَّتِي هي أشَدُّ أجْسادِهِمْ، فَعُرِفَ مِن هَذا أنَّها قَدْ أحاطَتْ بِهِمْ وأنَّهم لا يَكُفُّونَ عَنْ غَيْرِ هَذَيْنِ مِن بابِ الأوْلى ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ ولا يَتَجَدَّدُ لَهم نَصْرٌ ظاهِرًا ولا باطِنًا بِأنْفُسِهِمْ ولا بِغَيْرِهِمْ، لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ والِاسْتِعْجالِ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ العِلْمِ إلّا عِنْدَ الوُقُوعِ لِأنَّهُ لا أمارَةَ لَها قاطِعَةٌ بِتَعْيِينِ وقْتِها ولا تَأْتِي بِالتَّدْرِيجِ كَغَيْرِها، وهَذا مَعْنى

الأنبياء 21:40

﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ [أيِ -] السّاعَةُ الَّتِي هي ظَرْفٌ لِجَمِيعِ تِلْكَ الأحْوالِ وهي مَعْلُومَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ فَهي مُسْتَحْضَرَةٌ في كُلِّ ذِهْنٍ ﴿بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ أيْ تَدَعُهم باهِتِينَ حائِرِينَ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ بَهْتِهِمْ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ أيْ لا يَطْلُبُونَ طَوْعَ ذَلِكَ لَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ لِيَأْسِهِمْ عَنْهُ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ [مِن مُمْهِلٍ ما ] لِيَتَدارَكُوا ما أُعِدَّ لَهم فِيها، فَيا شِدَّةَ أسَفِهِمْ عَلى التَّفْرِيطِ في الأوْقاتِ الَّتِي أُمْهِلُوا فِيها في هَذِهِ الدّارِ، وصَرْفِهِمْ إيّاها في لَذّاتٍ أكْثَرُها أكْدارٌ.

الأنبياء 21:41

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: حاقَ بِهِمْ هَذا بِاسْتِهْزائِهِمْ بِكَ، تَبِعَهُ ما يَدُلُّ (p-٤٢٣)عَلى أنَّ الرُّسُلَ في ذَلِكَ شَرْعٌ واحِدٌ، تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وتَأْسِيَةً، فَقالَ [عاطِفًا عَلى ﴿وإذا رَآكَ﴾ [الأنبياء: ٣٦] -]: ﴿ولَقَدِ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ لِمَزِيدِ التَّسْلِيَةِ بِمُساواةِ إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ وبِتَعْذِيبِ أعْدائِهِ. ولَمّا كانَ المَخُوفُ نَفْسَ الِاسْتِهْزاءِ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ﴾ [أيْ -] كَثِيرِينَ. ولَمّا كانَ مَعْنى التَّنْكِيرِ عَدَمَ الِاسْتِغْراقِ، أكَّدَهُ بِالخافِضِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ فَحاقَ﴾ أيْ فَأحاطَ ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾ لِكُفْرِهِمْ ﴿ما كانُوا﴾ بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ مِنَ الوُعُودِ الصّادِقَةِ كَبَعْضِ مَن سَألُوهُ الإتْيانَ بِمِثْلِ آياتِهِمْ كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم.

الأنبياء 21:42

ولَمّا هَدَّدَهم بِما مَضى مِمّا قامَ الدَّلِيلُ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ، وخَتَمَهُ - لِوُقُوفِهِمْ مَعَ المَحْسُوساتِ - بِما وقَعَ لِمَن قَبْلَهُمْ، وكانَ الأمانُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِشَيْءٍ يُوثَقُ بِهِ، أمَرَهُ أنْ يَسْألَهم عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾ أيْ يَحْفَظُكم ويُؤَخِّرُكم ويُكْثِرُ رِزْقَكُمْ، وهو اسْتِفْهامُ تَوْبِيخٍ. ولَمّا اسْتَوى بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ حَذَرُهم وغَفْلَتُهُمْ، قالَ: ﴿بِاللَّيْلِ﴾ (p-٤٢٤)أيْ وأنْتُمْ نائِمُونَ. ولَمّا كانَتْ مُدافَعَةُ عَذابِهِ سُبْحانَهُ غَيْرَ مُمْكِنَةٍ لِنائِمٍ ولا يَقْظانٍ قالَ: ﴿والنَّهارِ﴾ [أيْ -] وأنْتُمْ مُسْتَيْقِظُونَ. ولَمّا كانَ لا مُنْعِمَ بِكِلايَةٍ ولا غَيْرِها سِواهُ سُبْحانَهُ، ذَكَّرَهم بِذَلِكَ بِصِفَةِ الرَّحْمَةِ فَقالَ: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الَّذِي لا نِعْمَةَ بِحِراسَةٍ ولا غَيْرِها إلّا مِنهُ حَتّى أمِنتُمْ مَكْرَهُ ولَوْ بِقَطْعِ إحْسانِهِ، فَكَيْفَ إذا ضَرَبَكم بِسَوْطِ جَبَرُوتِهِ وسَطْوَةِ قَهْرِهِ وعَظَمُوتِهِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَيْسَ لَهم مَن يَكْلَؤُهم مِنهُ وهو مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، قالَ مُضْرِبًا عَنْهُ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ أيْ في أمْنِهِمْ مِن سَطَواتِهِ ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ الَّذِي لا يُحْسِنُ إلَيْهِمْ غَيْرُهُ ﴿مُعْرِضُونَ﴾ فَهم لا يَذْكُرُونَ أصْلًا فَضْلًا عَنْ أنْ يَخْشَوْا بَأْسَهُ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ.

الأنبياء 21:43

ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أصَحِيحٌ هَذا الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ مِن أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنّا، عادَلَهُ بِقَوْلِهِ إنْكارًا عَلَيْهِمْ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ﴾ مَوْصُوفَةٌ بِأنَّها ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ نَوْبَ الدَّهْرِ. ولَمّا كانَتْ جَمِيعُ الرُّتَبِ (p-٤٢٥)تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ، أثْبَتَ حَرْفَ الِابْتِداءِ فَقالَ [مُحَقِّرًا لَهم -]: ﴿مِن دُونِنا﴾ أيْ [مِن -] مَكْرُوهٍ هو تَحْتَ إرادَتِنا ومِن جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتِنا. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: [لَيْسَ -] لَهم ذَلِكَ، وهو بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما يُؤَيِّدُ هَذا الجَوابَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيِ الآلِهَةُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّها تَنْفَعُهُمْ، أوْ هم - لِأنَّهم لا مانِعَ لَهم مِن دُونِنا - ﴿نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ مِن دُونِ إرادَتِنا فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ الآلِهَةِ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ ﴿ولا هُمْ﴾ أيِ الكُفّارُ أوِ الآلِهَةُ ﴿مِنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿يُصْحَبُونَ﴾ [بِوَجْهٍ مِن وُجُوهِ الصُّحْبَةِ -] حَتّى يَصِيرَ لَهُمُ اسْتِطاعَةٌ بِنا، فانْسَدَّتْ عَلَيْهِمْ أبْوابُ الِاسْتِطاعَةِ أصْلًا ورَأْسًا.

الأنبياء 21:44

ولَمّا لَمْ يَصْلُحْ هَذا لِأنْ يَكُونَ سَبَبًا لِاجْتِرائِهِمْ، أضْرَبَ عَنْهُ قائِلًا في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، إشارَةً إلى أنَّ اغْتِرارَهم بِهِ سُبْحانَهُ - مَعَ ما لَهُ مِن دَلائِلِ الجَلالِ - مِن أعْجَبِ العَجَبِ، [بانِيًا عَلى نَحْوِ ”لا كالِئَ لَهم مِنهُ ولا مانِعَ“ -]: ﴿بَلْ مَتَّعْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿هَؤُلاءِ﴾ أيِ الكُفّارَ (p-٤٢٦)عَلى حَقارَتِهِمْ، أوِ الإضْرابِ عَنْ عَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لِلنَّصْرِ، والمَعْنى أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ الحِفْظِ إنَّما هو مِنّا لِأجْلِ تَمْتِيعِهِمْ بِما لا يَتَغَيَّرُ بِهِ إلّا مَغْرُورٌ، [لا مِن مانِعٍ يَمْنَعُهم -] ﴿وآباءَهُمْ﴾ مِن قَبْلِهِمْ بِالنَّصْرِ وغَيْرِهِ ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ فَكانَ طُولُ سَلامَتِهِمْ غارًّا لَهم بِنا، فَظَنُّوا أنَّهُ لا يَغْلِبُهم عَلى ذَلِكَ التَّمْتِيعِ شَيْءٌ، ولا يُنْزَعُ عَنْهم ثَوْبُ النِّعْمَةِ. ولَمّا أقامَ الأدِلَّةَ ونَصَبَ الحُجَجَ عَلى أنَّهُ لا مانِعَ لَهم مِنَ اللَّهِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اعْتِقادِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ﴾ أيْ يَعْلَمُونَ عِلْمًا هو في وُضُوحِهِ مِثْلُ الرُّؤْيَةِ بِالبَصَرِ ﴿أنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وصَوَّرَ ما كانَ يُجْرِيهِ مِن عَظَمَتِهِ عَلى أيْدِي أوْلِيائِهِ فَقالَ: ﴿نَأْتِي الأرْضَ﴾ [أيِ -] الَّتِي أهْلُها كُفّارٌ، إتْيانَ غَلَبَةٍ لَهم بِتَسْلِيطِ أوْلِيائِنا [عَلَيْهِمْ-] . ولَمّا كانَ الإتْيانُ عَلى ضُرُوبٍ شَتّى، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ ورَدِّ مَن بَقِيَ عَنْ دِينِهِ إلى الإسْلامِ، فَهم في نَقْصٍ، وأوْلِياؤُنا في زِيادَةٍ. ولَمّا كانَتْ مُشاهَدَتُهم لِهَذا مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قاضِيَةً بِأنَّهُمُ المَغْلُوبُونَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ إنْكارُ غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أفَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الغالِبُونَ﴾ أيْ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِذَلِكَ أمْ أوْلِياؤُنا.

الأنبياء 21:45

(p-٤٢٧)ولَمّا تَبَيَّنَ [الخُلْفُ -] في قَوْلِهِمْ عَلى كَثْرَتِهِ وادِّعائِهِمُ الحِكْمَةَ والبَلاغَةَ، وفِعْلِهِمْ عَلى كَثْرَتِهِمْ وزَعْمِهِمُ القُوَّةَ والشَّجاعَةَ، ثَبَتَ أنَّ أقْوالَهُ النّاقِضَةَ لِذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِما ثَبَتَ مِنَ اسْتِقامَةِ مَعانِيها وإحْكامِها، بَعْدَما اتَّضَحَ مِن إعْجازِ نُظُومِها وحُسْنِ التِئامِها، فَأمَرَهُ أنْ يُبَيِّنَ لَهم ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكُمْ﴾ أيُّها الكُفّارُ ﴿بِالوَحْيِ﴾ أيِ الآتِي بِهِ المَلَكُ [عَنِ اللَّهِ -] فَلا قَدْحَ في شَيْءٍ مِن نَظْمِهِ ولا مَعْناهُ والحالُ أنَّكم لا تَسْمَعُونَ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ والحالُ أنَّكَ لا تُسْمِعُهم - عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ بِضَمِّ الفَوْقانِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ الصُّمِّ خاصَّةً، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا لا يَنْتَفِعُونَ بِإنْذارِهِ لِتَصامِّهِمْ وجَعْلِهِمْ أصابِعَهم في آذانِهِمْ وقْتَ الإنْذارِ عَدَّهم صُمًّا، وأظْهَرَ الوَصْفَ لِتَعْلِيقِ الحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ أيْ مِمَّنْ يَدْعُوهُمْ، أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإنْ كانَتْ أسْماعُكم صَحِيحَةً سَمِعْتُمْ فَأجَبْتُمْ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما يُنْذَرُونَ﴾ عَلى أنَّ المانِعَ لَهم مَعَ الصَّمَمِ كَراهَةُ الإنْذارِ، وبِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى مُنْذَرٍ -].

الأنبياء 21:46

ولَمّا كانَ المُنْذَرُ لا يَتْرُكُ الِاسْتِعْدادَ لِما يُنْذَرُ بِهِ مِنَ العَذابِ (p-٤٢٨)إلّا إذا كانَ قَوِيًّا عَلى دَفْعِهِ. بَيَّنَ أنَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَئِنْ﴾ أيْ لا يَسْمَعُونَ والحالُ أنَّهُ لا قُوَّةَ بِهِمْ، بَلْ إنْ ﴿مَسَّتْهُمْ﴾ أيْ لاقَتْهم أدْنى مُلاقاةٍ ﴿نَفْحَةٌ﴾ أيْ رائِحَةٌ يَسِيرَةٌ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ ﴿مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِنَصْرِكَ عَلَيْهِمْ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ وقَدْ أذْهَلَهم أمْرُها عَنْ نَخْوَتِهِمْ. وشَغَلَهم قَدْرُها عَنْ كِبْرِهِمْ وحَمِيَّتِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا﴾ الَّذِي لا نَرى الآنَ بِحَضْرَتِنا غَيْرَهُ ﴿إنّا كُنّا﴾ [أيْ -] بِما لَنا مِمّا هو في ثَباتِهِ كالجِبِلّاتِ ﴿ظالِمِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الظُّلْمِ في إعْراضِنا وتَصامِّنا تَرَفُّقًا وتَذَلُّلًا لَعَلَّهُ يُكَفُّ عَنْهم.

الأنبياء 21:47

ولَمّا بَيَّنَ ما افْتَتَحَتِ السُّورَةَ مِنَ اقْتِرابِ السّاعَةِ بِالقُدْرَةِ عَلَيْهِ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ، وأنَّ كُلَّ أحَدٍ مَيِّتٌ لا يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِنَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وخُتِمَتِ الآياتُ بِإقْرارِ الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، وكانَتْ عادَةُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الجَوْرَ عِنْدَ القُدْرَةِ، بَيَّنَ أنَّهُ سُبْحانَهُ بِخِلافِ ذَلِكَ فَذَكَرَ بَعْضَ ما يَفْعَلُ في حِسابِ السّاعَةِ مِنَ العَدْلِ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ [الأنبياء: ٤٠] ﴿ونَضَعُ﴾ فَأبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى هَوانِهِ عِنْدَهُ وإنْ كانَ لِكَثْرَةِ الخَلائِقِ وأعْمالِ كُلٍّ مِنهم مُتَعَذِّرًا عِنْدَنا ﴿المَوازِينَ﴾ المُتَعَدِّدَةَ لِتَعَدُّدِ المَوْزُوناتِ أوْ أنْواعِها. ولَمّا كانَتِ المَوازِينُ آلَةَ العَدْلِ، وصَفَها بِهِ مُبالَغَةً فَقالَ ﴿القِسْطَ﴾ أيِ العَدْلَ المُمَيِّزَ لِلْأقْسامِ عَلى السَّوِيَّةِ. (p-٤٢٩)ولَمّا كانَ الجَزاءُ عِلَّةً في وضْعِ المَقادِيرِ، عَبَّرَ بِاللّامِ لِيَشْمَلَ - مَعَ ما يُوضَعُ [فِيهِ -] - ما وُضِعَ الآنَ لِأجْلِ الدُّنْيَوِيَّةِ فِيهِ فَقالَ: ﴿لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ الَّذِي أنْتُمْ عَنْهُ - لِإعْراضِكم عَنِ الذِّكْرِ - غافِلُونَ. ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المَلِكَ قَدْ يَكُونُ عادِلًا فَظَلَمَ بَعْضَ أتْباعِهِ، بَيَّنَ أنَّ عَظَمَتَهُ في إحاطَةِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ تَأْبى ذَلِكَ، فَبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا الوَضْعِ أنَّهُ لا ﴿تُظْلَمُ﴾ [أيْ مِن ظالِمٍ ما -] ﴿نَفْسٌ شَيْئًا﴾ مِن عَمَلِها ﴿وإنْ كانَ﴾ أيِ العَمَلُ ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ﴾ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنَّصْبِ. والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ نافِعٍ بِالرَّفْعِ: وإنْ وقَعَ أوْ وُجِدَ ﴿مِن خَرْدَلٍ﴾ أوْ أحْقَرَ مِنهُ، وإنَّما مَثَّلَ بِهِ لِأنَّهُ غايَةٌ عِنْدَنا في القِلَّةِ، [وزادَ في تَحْقِيرِهِ بِضَمِيرِ التَّأْنِيثِ لِإضافَتِهِ إلى المُؤَنَّثِ فَقالَ -]: ﴿أتَيْنا بِها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ في العِلْمِ والقُدْرَةِ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَحاسَبْناهُ عَلَيْها، والمِيزانُ حَقِيقِيٌّ. ووَزْنُ الأعْمالِ عَلى صِفَةٍ يَصِحُّ وزْنُها مَعَها بِقُدْرَةِ مَن لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ حِسابُ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ عَلى ما صَدَرَ مِنهم أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ، حَقَّرَهُ عِنْدَ عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿وكَفى بِنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ (p-٤٣٠)﴿حاسِبِينَ﴾ أيْ لا يَكُونُ في الحِسابِ أحَدٌ مِثْلُنا، فَفِيهِ [تَوَعُّدٌ مِن جِهَةِ أنَّ مَعْناهُ أنَّهُ لا يَرُوجُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن خِداعٍ ولا يَقْبَلُ -] غَلَطًا، ولا يَضِلُّ ولا يَنْسى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَلْزَمُ مِنهُ نَوْعُ لَبْسٍ أوْ شَوْبُ نَقْصٍ، [ووَعْدٌ مِن جِهَةِ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى كُلِّ حَسَنٍ فَقِيدٍ وإنْ دَقَّ وخَفِيَ -].

الأنبياء 21:48

ولَمّا قَدَّمَ [فِي قَوْلِهِ -] ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢] - الآيَةِ وغَيْرِهِ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْ هَذا الذِّكْرِ تَعَلُّلًا بِأشْياءَ مِنها طَلَبُ آياتِ الأوَّلِينَ، ونَبَّهَ عَلى إفْراطِهِمْ في الجَهْلِ بِما رَدُّوا مِنَ الشَّرَفِ بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] ومَرَّ إلى أنْ خَتَمَ بِالتَّهْدِيدِ بِعَذابِهِ، وأنَّهُ يَحْكُمُ بِالقِسْطِ، وكانَ كِتابُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ القُرْآنِ أعْظَمَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدْ أعْرَضُوا عَنْهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَلى زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعِبادَةِ العِجْلِ وغَيْرِهِ وبَعْدَ مَوْتِهِ مَعَ كَوْنِ المُرْسَلِ بِهِ اثْنَيْنِ تَعاضَدا عَلى إبْلاغِهِ وتَقْرِيرِ أحْكامِهِ بَعْدَ أنْ بَهَرا العُقُولَ بِما أتَيا بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِنها - كَما بَيَّنَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ والأعْرافِ] - التَّصَرُّفُ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ الَّتِي هي أصْلُ الحَيَوانِ الَّذِي بَدَأ اللَّهُ مِنها خَلْقَهُ. ومَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةُ عَلى إعادَتِهِ، ومِنها ما عَذَّبَ بِهِ مَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي هو مِيزانُ العَدْلِ لِما نَشَرَ مِنَ الضِّياءِ المُورِثِ لِلتَّبْصِرَةِ الماحِقَةِ لِلظَّلامِ، فَلا يَقَعُ مُتَّبِعُهُ في (p-٤٣١)ظُلْمٍ، وكانَ الحِسابُ تَفْصِيلَ الأُمُورِ ومُقابَلَةَ كُلٍّ مِنها بِما يَلِيقُ بِهِ، وذَلِكَ بِعَيْنِهِ هو الفُرْقانُ، قالَ سُبْحانَهُ بَعْدَ آيَةِ الحِسابِ عاطِفًا عَلى ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا﴾ [الأنبياء: ١٠] ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى وهارُونَ﴾ أيْ أخاهُ الَّذِي سَألَ أنْ يُشَدَّ أزْرُهُ بِهِ ﴿الفُرْقانَ﴾ الَّذِي تَعاضَدا عَلى إبْلاغِهِ والإلْزامِ بِما دَعا إلَيْهِ حالَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، لا يَدَعُ لَبْسًا في أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ ﴿وضِياءً﴾ لا ظَلامَ مَعَهُ، فَلا ظُلْمَ لِلْمُسْتَبْصِرِ بِهِ، لِأنَّ مِن شَأْنِ مَن كانَ في الضِّياءِ أنْ لا يَضَعَ شَيْئًا إلّا في مَوْضِعِهِ ﴿وذِكْرًا﴾ أيْ وعْظًا وشَرَفًا. ولَمّا كانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ لا يَكُونُ لَهُ مِنهُ شَيْءٌ، قالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ [هَذا -] الوَصْفُ لَهم شِعارًا حامِلًا [لَهم -] عَلى التَّذْكِيرِ لِما يَدْعُو إلَيْهِ الكِتابُ مِنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُ المُراقَبَةِ؛

الأنبياء 21:49

ثُمَّ بَيَّنَ التَّقْوى [بِوَصْفِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾ أيْ يَخافُونَ خَوْفًا عَظِيمًا ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ بَعْدَ الإيجادِ بِالتَّرْبِيَةِ وأنْواعِ الإحْسانِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ قَبْلَ أنْ يَكْشِفَ لَهُمُ الحِجابَ ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ﴾ الَّتِي نَضَعُ فِيها المَوازِينَ وقَدْ أعْرَضَ عَنْها الجاهِلُونَ مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ حامِلٍ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، ومُبْعِدٍ مِن كُلِّ ضَيْرٍ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ لِأنَّهم لِقِيامِها مُتَحَقِّقُونَ، وبِنَصْبِ المَوازِينِ فِيها عالِمُونَ.

الأنبياء 21:50

(p-٤٣٢)ولَمّا ذَكَرَ فُرْقانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ العَرَبُ يُشاهِدُونَ إظْهارَ اليَهُودِ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ والمُقاتَلَةِ عَلى ذَلِكَ والِاغْتِباطِ، حَثَّهم عَلى كِتابِهِمُ الَّذِي هو أشْرَفُ مِنهُ فَقالَ: ﴿وهَذا﴾ فَأشارَ إلَيْهِ بِأداةِ القُرْبِ [إيماءً -] إلى سُهُولَةِ تَناوُلِهِ عَلَيْهِمْ ﴿ذِكْرٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ، ودَلَّهم عَلى أنَّهُ أثْبَتُ الكُتُبِ وأكْثَرُها فَوائِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبارَكٌ﴾ ودَلَّهم عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِما لَهُ مِن قُرْبِ الفَهْمِ والإعْجازِ وغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ -]: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ ثُمَّ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ رَدَّهُ ووَبَّخَهم في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهم أقَلُّ مِن أنْ يَجْتَرِئُوا عَلى ذَلِكَ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم أوْلى بِالمُجاهَدَةِ في هَذا الكِتابِ مِن أهْلِ الكِتابِ في كِتابِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ﴾ أيْ لِتَكُونُوا دُونَ أهْلِ الكِتابِ بِرَدِّ ما أُنْزِلَ لِتَشْرِيفِكم عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ مَعَ أنَّكم لا تُنْكِرُونَ كِتابَهم ﴿مُنْكِرُونَ﴾ أيْ أنَّهُ لَوْ أنْكَرَهُ غَيْرُكم لَكانَ يَنْبَغِي لَكم مُناصَبَتُهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ الإنْكارُ مِنكُمْ؟

الأنبياء 21:51

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةَ عَلى القُدْرَةِ عَلى ما اسْتَبْعَدَهُ العَرَبُ مِن إعادَةِ الحَيَوانِ بَعْدَ كَوْنِهِ تُرابًا، وبَدَأ ذِكْرَ الأنْبِياءِ بِمَن صَرَفَهُ في العَناصِرِ الأرْبَعَةِ كَما تَقَدَّمَ قَصُّ ذَلِكَ مِنَ التَّوْراةِ في [سُورَتَيِ البَقَرَةِ والأعْرافِ] إشارَةً إلى مَنِ اسْتَبْعَدَ عَلَيْهِ ما جَعَلَهُ إلى بَعْضِ عَبِيدِهِ (p-٤٣٣)أعْمى النّاسِ، تَلاهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِمَن سَخَّرَ لَهُ واحِدًا مِن تِلْكَ العَناصِرِ، مُرَتِّبًا لَهم عَلى الأخَفِّ في ذَلِكَ فالأخَفِّ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي، فَبَدَأهم بِذِكْرِ مَن سَخَّرَ لَهُ عُنْصُرَ النّارِ، مَعَ التَّنْبِيهِ لِلْعَرَبِ عَلى عَماهم عَنِ الرُّشْدِ بِإنْكارِهِ لِلشِّرْكِ بِعِبادَةِ الأوْثانِ عَلى أبِيهِ وغَيْرِهِ، ودُعائِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، والمُجاهَدَةِ في اللَّهِ عَلى ذَلِكَ حَقَّ الجِهادِ، وهو أعْظَمُ آباءِ الرّادِّينَ لِهَذا الذِّكْرِ، والمُسْتَمْسِكِينَ بِالشِّرْكِ تَقْلِيدًا لِلْآباءِ، إثْباتًا لِلْقُدْرَةِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ الدّاعِي إلَيْهِ جَمِيعُ هَؤُلاءِ الأصْفِياءِ، هَذا مَعَ مُشارَكَتِهِ بِإنْزالِ الصُّحُفِ عَلَيْهِ لِمُوسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشارَكَتِهِ لَهُما في الهِجْرَةِ، وإذا تَأمَّلْتَ ما في سُورَتَيِ الفُرْقانِ والشُّعَراءِ ازْدادَ ما قُلْتُهُ وُضُوحًا، فَإنَّهُ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم قالُوا ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] بَدَأ بِقِصَّةِ مُوسى الَّذِي كَتَبَ لَهُ رَبُّهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وقَوْمُهُ مُقِرُّونَ بِعَظَمَةِ كِتابِهِ وأنَّهُ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما بَهَرَ العُقُولَ، وكَفَرَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ [كَثِيرٌ مِنهم -]. ولَمّا قالَ في الشُّعَراءِ ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء: ٥] الآيَةَ كَما هُنا، صَنَعَ كَما صَنَعَ هُنا مِنَ البَداءَةِ بِقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإيلائِها ذِكْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿إبْراهِيمَ رُشْدَهُ﴾ أيْ صَلاحَهُ (p-٤٣٤)وإصابَتَهُ وجْهَ الأمْرِ واهْتِداءَهُ إلى عَيْنِ الصَّوابِ وأدَلِّ الدَّلالَةِ وأعْرَفِ العُرْفِ وأشْرَفِ القَصْدِ الَّذِي جَلَبْناهُ عَلَيْهِ؛ وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: والرُّشْدُ قُوَّةٌ بَعْدَ الهِدايَةِ - انْتَهى. وأضافَهُ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ رُشْدٌ يَلِيقُ بِهِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِ وعِظَمِ شَأْنِهِ لا جَرَمَ ظَهَرَ عَلَيْهِ أثَرُ ذَلِكَ مِن بَيْنِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ كُلِّهِمْ فَآثَرَ الإسْلامَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المِلَلِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿وكُنّا﴾ [بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ -] ﴿بِهِ﴾ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿عالِمِينَ﴾ بِأنَّهُ جِبِلَّةً خَيْرٌ يَدُومُ عَلى الرُّشْدِ ويَتَرَقّى فِيهِ إلى أعْلى دَرَجاتِهِ لِما طَبَعْناهُ عَلَيْهِ بِعَظَمَتِنا مِن طَبائِعِ الخَيْرِ؛ وتَعْلِيقُ

الأنبياء 21:52

﴿إذْ قالَ﴾ [أيْ إبْراهِيمُ -] ﴿لأبِيهِ وقَوْمِهِ﴾ بِـ ﴿عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] إشارَةٌ إلى أنَّ قَوْلَهُ لَمّا كانَ بِإذْنٍ مِنّا ورِضىً لَنا نَصَرْناهُ - وهو وحْدَهُ - عَلى قَوْمِهِ كُلِّهِمْ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ يُرْضِينا لَمَنَعْناهُ مِنهُ بِنَصْرِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ وتَمْكِينِ النّارِ مِنهُ، فَهو مِثْلُ ما مَضى في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] ومَفْهُومُ هَذا القَيْدِ لا يَضُرُّ لِأنَّهُ لا يُحْصِي ما يَنْفِيهِ مِنَ المَنطُوقاتِ، وإنْ شِئْتَ فَعَلِّقْهُ بِـ ”آياتنا“؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَقُولَ القَوْلِ في قَوْلِهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُحَقِّرًا لِأصْنامِهِمْ في أُسْلُوبِ التَّجاهُلِ لِإثْباتِ دَعْوى جَهْلِهِمْ بِدَلِيلٍ: (p-٤٣٥)﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ أيِ الصُّوَرُ الَّتِي صَنَعْتُمُوها مُماثِلِينَ بِها ما فِيهِ رُوحٌ، جاعِلِينَ بِها ما لا يَكُونُ إلّا لِمَن لا مِثْلَ لَهُ، وهي الأصْنامُ ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها﴾ أيْ لِأجْلِها وحْدَها، مَعَ كَثْرَةِ ما يُشابِهُها وما هو أفْضَلُ مِنها ﴿عاكِفُونَ﴾ أيْ مُوقِعُونَ الإقْبالَ عَلَيْها مُواظِبُونَ عَلى ذَلِكَ، فَبِأيِّ مَعْنىً اسْتَحَقَّتْ مِنكم هَذا الِاخْتِصاصَ، وإنَّما هي مِثالٌ لِلْحَيِّ في الصُّورَةِ وهو أعْلى مِنها بِالحَياةِ الَّتِي أفاضَها اللَّهُ عَلَيْهِ.

الأنبياء 21:53

ولَمّا أتاهم بِهَذا القاصِمِ، اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ مُسَوِّينَ أنْفُسَهم بِالبَهائِمِ الَّتِي تُقادُ ولا عِلْمَ بِما قِيدَتْ لَهُ: ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها﴾ خاصَّةً ﴿عابِدِينَ﴾ فاقْتَدَيْنا بِهِمْ لا حُجَّةَ لَنا غَيْرُ ذَلِكَ.

الأنبياء 21:54

ولَمّا غَلَوْا في الجَهْلِ غَيْرَ مُحْتَشِمِينَ مِن إقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِهِ، بِالِاسْتِنادِ إلى مَحْضِ التَّقْلِيدِ بَعْدَ إفْلاسِهِمْ مِن أدْنى شُبْهَةٍ فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ، اسْتَأْنَفَ اللَّهُ تَعالى الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ مُنَبِّهًا لَهم بِسَوْطِ التَّقْرِيعِ عَلى أنَّ الكَلامَ مَعَ آبائِهِمْ كالكَلامِ مَعَهُمْ: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْتُمْ﴾ لِأجْلِ صِحَّةِ العَطْفِ لِأنَّ الضَّمِيرَ [المَرْفُوعَ -] المُتَّصِلَ حُكْمُهُ حُكْمُ جُزْءِ الفِعْلِ، هَذا مَعَ الإشارَةِ إلى الحُكْمِ عَلى (p-٤٣٦)ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿وآباؤُكُمْ﴾ أيْ مِن قَبْلِكم ﴿فِي ضَلالٍ﴾ قَدْ أحاطَ بِكم إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ والمَسْلُوكِ بِالسِّلْكِ ﴿مُبِينٍ﴾ لَيْسَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الخَفاءِ.

الأنبياء 21:55

ولَمّا لَمْ تَكُنْ عادَتُهُ مُواجَهَةَ أحَدٍ بِما يَكْرَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهم بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ ظَنًّا مِنهم أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَلى ظاهِرِهِ: ﴿أجِئْتَنا﴾ في هَذا الكَلامِ ﴿بِالحَقِّ﴾ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿أمْ أنْتَ مِنَ اللاعِبِينَ﴾ فَظاهِرُ كَلامِكَ غَيْرُ حَقٍّ

الأنبياء 21:56

﴿قالَ﴾ [بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ -]: لَيْسَ كَلامِي لَعِبًا، بَلْ هو جِدٌّ، وهَذِهِ التَّماثِيلُ لَيْسَتْ أرْبابًا ﴿بَلْ رَبُّكُمْ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّ مِنكُمُ اخْتِصاصَهُ بِالعِبادَةِ ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ مُدَبِّرُهُنَّ القائِمُ بِمَصالِحِهِنَّ ﴿الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ أيْ أوْجَدَهُما وشَقَّ بِهِما ظُلْمَةَ العَدَمِ، وأنْتُمْ وتَماثِيلُكم مِمّا فِيهِما مِن مَصْنُوعاتِهِ أنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِذَلِكَ إذا رَجَعْتُمْ إلى عُقُولِكم مُجَرَّدَةً عَنِ الهَوى ﴿وأنا عَلى ذَلِكُمْ﴾ الأمْرِ البَيِّنِ مِن أنَّهُ رَبُّكم وحْدَهُ فَلا تَجُوزُ عِبادَةُ غَيْرِهِ ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَقْدِرُونَ عَلى إقامَةِ الدَّلِيلِ (p-٤٣٧)عَلى ما يَشْهَدُونَ بِهِ لِأنَّهم لَمْ يَشْهَدُوا إلّا عَلى ما هو عِنْدَهم مِثْلُ الشَّمْسِ، لا كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ حِينَ اضْطَرَّكُمُ السُّؤالُ إلى الضَّلالِ.

الأنبياء 21:57

ولَمّا أقامَ البُرْهانَ عَلى إثْباتِ الإلَهِ الحَقِّ، أتْبَعَهُ البُرْهانَ عَلى إبْطالِ الباطِلِ [فَقالَ-]: ﴿وتاللَّهِ﴾ وهو القَسَمُ، والأصْلُ في القَسَمِ الباءُ المُوَحَّدَةُ، والواوُ بَدَلٌ مِنها، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، وفِيها - مَعَ كَوْنِها بَدَلًا - زِيادَةٌ عَلى التَّأْكِيدِ بِالتَّعَجُّبِ: قالَ الأصْبَهانِيُّ: كَأنَّهُ تَعَجَّبَ مِن تَسَهُّلِ الكَيْدِ عَلى يَدِهِ - انْتَهى. وفِيها أيْضًا أنَّها تَدُلُّ عَلى رُجُوعِ التَّسَبُّبِ باطِنًا، فَكَأنَّها إشارَةٌ إلى أنَّهُ بَعْدَ أنْ تَسَبَّبَ في رَدِّهِمْ عَنْ عِبادَتِها ظاهِرًا بِما خاطَبَهم بِهِ، تَسَبَّبَ مِن ذَلِكَ ثانِيًا باطِنًا بِإفْسادِها ﴿لأكِيدَنَّ﴾ أكَّدَ لِأنَّهُ مِمّا يُنْكَرُ لِشِدَّةِ عُسْرِهِ؛ والكَيْدُ: الِاحْتِيالُ في الضَّرَرِ ﴿أصْنامَكُمْ﴾ أيْ هَذِهِ الَّتِي عَكَفْتُمْ عَلَيْها ناسِينَ الَّذِي خَلَقَكم وإيّاها، أيْ لَأفْعَلَنَّ بِها ما يَسُوءُكم بِضَرْبٍ مِنَ الحِيلَةِ. ولَمّا كانَ عَزْمُهُ عَلى إيقاعِ الكَيْدِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ تَوَلِّيهِمْ في أيِّ جُزْءٍ تَيَسَّرَ لَهُ مِنهُ، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا﴾ أيْ تُوقِعُوا التَّوَلِّيَ عَنْها، وحَقَّقَ مُرادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾ (p-٤٣٨)لِأُنْزِلَكم مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى تَحْقِيقِ الحَقِّ إذْ لَمْ تَكُونُوا مِن أهْلِهِ إلى الدَّلِيلِ الحِسِّيِّ عَلى إبْطالِ الباطِلِ.

الأنبياء 21:58

ولَمّا كانُوا في غايَةِ التَّعْظِيمِ لِأصْنامِهِمْ لِرُسُوخِ أقْدامِهِمْ في الجَهْلِ، لَمْ يَقَعْ في أوْهامِهِمْ قَطُّ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يُقْدِمُ عَلى ما قالَ، وعَلى تَقْدِيرِ إقْدامِهِ الَّذِي هو عِنْدَهم مِن قَبِيلِ المُحالِ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، فَتَوَلَّوْا إلى عِيدِهِمْ، وقَصَدَ هو ما كانَ عَزَمَ عَلَيْهِ فَشَمَّرَ في إنْجازِهِ تَشْمِيرًا يَلِيقُ بِتَعْلِيقِهِ اليَمِينَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ أيْ عَقِبَ تَوَلِّيهِمْ ﴿جُذاذًا﴾ قِطَعًا مُهَشَّمَةً مُكَسَّرَةً مُفَتَّتَةً، مِنَ الجَذِّ وهو القَطْعُ ﴿إلا كَبِيرًا﴾ واحِدًا ﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِلْأصْنامِ أوْ لِعُبّادِها فَإنَّهُ لَمْ يَكْسِرْهُ وجَعَلَ الفَأْسَ مَعَهُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ أهْلَ الضَّلالِ ﴿إلَيْهِ﴾ وحْدَهُ ﴿يَرْجِعُونَ﴾ عِنْدَ إلْزامِهِ لَهم بِالسُّؤالِ فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، إذْ لَوْ تَرَكَ غَيْرَهُ مَعَهُ لَرُبَّما زَعَمُوا أنَّ كُلًّا يَكِلُ الكَلامَ إلى الآخَرِ عِنْدَ السُّؤالِ لِغَرَضٍ مِنَ الأغْراضِ، فَلَمّا عادُوا إلى أصْنامِهِمْ فَوَجَدُوها عَلى تِلْكَ الحالِ عُلِمَ أنَّهُ لا بُدَّ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ مِن أمْرٍ هائِلٍ، فاسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ:

الأنبياء 21:59

﴿قالُوا﴾ أيْ أهْلُ الضَّلالِ: ﴿مَن فَعَلَ هَذا﴾ (p-٤٣٩)الفِعْلَ الفاحِشَ ﴿بِآلِهَتِنا﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا الخَبَرَ عَنِ الفاعِلِ فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِعِلْمِهِمْ أنَّ ما أقامَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى بُطْلانِها يُمِيلُ القُلُوبَ إلى اعْتِقادِ أنَّ هَذا الفِعْلَ حَقٌّ: ﴿إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ حَيْثُ وضَعَ الإهانَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، فَإنَّ الآلِهَةَ حَقُّها الإكْرامُ، لا الإهانَةُ والِانْتِقامُ

الأنبياء 21:60

﴿قالُوا﴾ أيْ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿سَمِعْنا﴾ ولَمْ يُرِيدُوا تَعْظِيمَهُ مَعَ شُهْرَتِهِ وشُهْرَةِ أبِيهِ وعَظَمَتِهِما فِيهِمْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهِ مَن لا يَعْرِفُهُ فَنَكَّرُوهُ [بِقَوْلِهِمْ-]:﴿فَتًى﴾ [أيْ -] شابًّا مِنَ الشُّبّانِ ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أيْ بِالنَّقْصِ والعَيْبِ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ يَعْنُونَ: فَهو الَّذِي يُظَنُّ أنَّهُ فَعَلَهُ

الأنبياء 21:61

﴿قالُوا﴾ مُسَبِّبِينَ عَنْ هَذا كارِهِينَ لِأنْ يَأْخُذُوهُ سِرًّا فَيُقالَ: أُخِذَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ، وهم كَفَرَةٌ وهو قَدْ خالَفَهم في دِينِهِمْ فَإلى اللَّهِ المُشْتَكى مِن قَوْمٍ يَأْخُذُونَ أكابِرَ أهْلِ دِينِهِمْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ بَلْ ولا ظِنَّةٍ ﴿فَأْتُوا بِهِ﴾ إلى هُنا أيْ إلى بَيْتِ الأصْنامِ ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ أيْ جَهْرَةً، والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ نَظَرًا لا خَفاءَ مَعَهُ حَتّى كَأنَّهُ ماشٍ عَلى أبْصارِهِمْ، مُتَمَكِّنٌ مِنها تَمَكُّنَ الرّاكِبِ عَلى المَرْكُوبِ، وعَبَّرَ بِالعَيْنِ عَنِ البَصَرِ لِيُفْهِمَ الأكابِرَ، وبِجْمَعِ القِلَّةِ لِإفادَةِ السِّياقِ الكَثْرَةَ، فَيُفِيدُ الأمْرانِ قِلَّةً ما، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مِن جَمْعِ الكَثْرَةِ جَمِيعُ النّاسِ مُطْلَقًا ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ إذا رَأوْهُ ﴿يَشْهَدُونَ﴾ أيْ أنَّهُ فَعَلَ بِالآلِهَةِ هَذا (p-٤٤٠)الفِعْلَ، أوْ أنَّهُ ذَكَرَها بِسُوءٍ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِأخْذِهِ بِذَلِكَ، أوْ يَشْهَدُ بِفِعْلِهِ بَعْضُهُمْ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا حَضَرَ كانَتْ أحْوالُهُ بِالذِّكْرِ أوْلى مِنها إذا كانَ غائِبًا، وكانَ هَذا عَيْنَ ما قَصَدَهُ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُبَيِّنَ - في هَذا المَحْفِلِ الَّذِي لا يُوجَدُ مِثْلُهُ - ما هم عَلَيْهِ مِن واضِحِ الجَهْلِ المُتَضَمِّنِ قِلَّةَ العَقْلِ.

الأنبياء 21:62

ولَمّا كانَ إحْضارُهُ مَعْلُومًا أنَّهم لا يَتَأخَّرُونَ عَنْهُ، اسْتَأْنَفَ إخْبارَهُ لِما يَقَعُ التَّشَوُّفُ لَهُ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ مُقَرِّرِينَ، لَهُ بَعْدَ حُضُورِهِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ الفِعْلَ الفاحِشَ ﴿بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾

الأنبياء 21:63

﴿قالَ﴾ مُتَهَكِّمًا لَهم ومُلْزِمًا بِالحُجَّةِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ غَيْرَةً مِن أنْ يُعْبَدَ مَعَهُ مَن هو دُونَهُ، وهَذا عَلى طَرِيقِ إلْزامِ الحُجَّةِ؛ وتَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ إشارَةً إلى الَّذِي تَرَكَهُ بِغَيْرِ كَسْرٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ فِيهِمْ كَبِيرٌ غَيْرُهُ. وكَذا التَّنْكِيرُ فِيما مَضى مِن قَوْلِهِ ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٨] وهَذا - مَعَ كَوْنِهِ تَهَكُّمًا بِهِمْ وكِنايَةً عَنْ أنَّهم لا عَقْلَ لَهم لِعِبادَتِهِمْ مَن يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى فِعْلٍ ما - تَنْبِيهٌ عَلى قَباحَةِ الشِّرْكِ، وأنَّهُ لا يَرْضى بِهِ إلَهٌ بَلْ يُهْلِكُ مَن عَبَدَ غَيْرَهُ وكُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ إنْ كانَ قادِرًا، غَيْرَةً عَلى مَقامِهِ العَظِيمِ، ومَنصِبِهِ الجَسِيمِ. ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ، ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ رَآهُ حَتّى يَشْهَدَ عَلى فِعْلِهِ، وكانُوا (p-٤٤١)قَدْ أحَلُّوهم بِعِبادَتِهِمْ ووَضْعِ الطَّعامِ لَهم مَحَلَّ مَن يَعْقِلُ، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَهم بِسُؤالِهِمْ فَقالَ: ﴿فاسْألُوهُمْ﴾ أيْ عَنِ الفاعِلِ لِيُخْبِرُوكم بِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ عَلى زَعْمِكم أنَّهم آلِهَةٌ يَضُرُّونَ ويَنْفَعُونَ، فَإنْ قَدَرُوا عَلى النُّطْقِ أمْكَنَتْ مِنهُمُ القُدْرَةُ وإلّا فَلا، أمّا سُؤالُ الصَّحِيحِ فَواضِحٌ، وأمّا غَيْرُهُ فَكَما يَسْألُ النّاسُ مَن جُرِحَ أوْ قُطِعَتْ يَدُهُ أوْ رِجْلُهُ أوْ ضُرِبَ وسَطُهُ وبَقِيَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِن رَمَقٍ، وإسْنادُهُ الفِعْلَ إلى ما لا يَصِحُّ إسْنادُهُ إلَيْهِ وأمْرُهُ بِسُؤالِهِ بَعْدَ الإضْرابِ عَنْ فِعْلِهِ مُتَضَمِّنٌ لِأنَّهُ هو الفاعِلُ.

الأنبياء 21:64

ولَمّا كانَ رُوحُ الكَلامِ إقْرارَهُ بِالفِعْلِ وجَعْلَهم مَوْضِعَ الهُزْءِ لِأنَّهم عَبَدُوا ما لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى دِفاعٍ أصْلًا تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى الدّالُّ عَلى خِزْيِهِمْ: ﴿فَرَجَعُوا﴾ أيِ الكَفَرَةُ ﴿إلى أنْفُسِهِمْ﴾ بِمَعْنى أنَّهم فَكَّرُوا فِيما قالَ فاضْطَرَّهُمُ الدَّلِيلُ إلى أنْ تَحَقَّقُوا أنَّهم عَلى مَحْضِ الباطِلِ وأنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ المُمْكِنَةَ عَقْلًا غَيْرُ مُمْكِنَةٍ عادَةً ﴿فَقالُوا﴾ يُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا [مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَهم يَقْتَضِي إنْكارَهم لِظُلْمِهِمْ -]: ﴿إنَّكم أنْتُمُ﴾ خاصَّةً ﴿الظّالِمُونَ﴾ لِكَوْنِكم وضَعْتُمُ العِبادَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها، لا إبْراهِيمُ فَإنَّهُ أصابَ في إهانَتِهِمْ سَواءَ المَحَزِّ ووافَقَ عَيْنَ الغَرَضِ، (p-٤٤٢)وفِي أنَّكم بَعْدَ أنْ عَبَدْتُمُوها ولا قُدْرَةَ لَها تَرَكْتُمُوها بِلا حافِظٍ.

الأنبياء 21:65

ولَمّا كانَ رُجُوعُهم إلى الضَّلالِ بَعْدَ هَذا الإقْرارِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ في غايَةِ البُعْدِ، عَبَّرَ بِأداتِهِ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا﴾ أيِ انْقَلَبُوا في الحالِ غَيْرَ مُسْتَحِينَ مِمّا يَلْزَمُهم مِنَ الإقْرارِ بِالسَّفَهِ حَتّى كَأنَّهم قَلَبَهم قالِبٌ لَمْ يُمْكِنْهم دَفْعُهُ ﴿عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ فَصارَ أعْلاهم أسْفَلَهم بِرُجُوعِهِمْ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، مِن قَوْلِهِمْ: نُكِسَ المَرِيضُ - إذا رَجَعَ إلى حالِهِ الأوَّلِ، قائِلِينَ في مُجادَلَتِهِ عَنْ شُرَكائِهِمْ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ يا إبْراهِيمُ! ﴿ما هَؤُلاءِ﴾ لا صَحِيحُهم ولا جَرِيحُهم ﴿يَنْطِقُونَ﴾ فَكانُوا بِما فاهُوا بِهِ ظانِّينَ أنَّهُ يَنْفَعُهُمْ، مُمَكِّنِينَ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَلائِلِ المَقاتِلِ.

الأنبياء 21:66

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ هَذا إقْرارُهم بِأنَّهم لا فائِدَةَ فِيهِمْ، فاتَّجَهَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمُ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُوَبِّخًا لَهم مُسَبِّبًا عَنْ إقْرارِهِمْ هَذا: ﴿أفَتَعْبُدُونَ﴾ ونَبَّهَهم عَلى أنَّ جَمِيعَ الرُّتَبِ تَتَضاءَلُ دُونَ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن تَحْتِ رُتْبَةِ المَلِكِ الَّذِي لا ضُرَّ ولا نَفْعَ إلّا بِيَدِهِ لِاسْتِجْماعِهِ صِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانُوا في مَحَلِّ ضَرُورَةٍ بِسَبَبِ تَكْسِيرِ (p-٤٤٣)أصْنامِهِمْ، راجِينَ مَن يَنْفَعُهم في ذَلِكَ، قَدَّمَ النَّفْعَ فَقالَ: ﴿ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا﴾ لِتَرْجُوهُ ﴿ولا يَضُرُّكُمْ﴾ شَيْئًا لِتَخافُوهُ.

الأنبياء 21:67

ولَمّا أثْبَتَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ هَذِهِ في حَيِّزِ العَدَمِ، فَكانُوا لِعِبادَتِها دُونَها، اسْتَأْنَفَ تَبْكِيتَهم لِذَلِكَ بِأعْلى كَلِماتِ التَّحْقِيرِ الَّتِي لا تُقالُ إلّا لِما هو غايَةٌ في القَذارَةِ فَقالَ: ﴿أُفٍّ﴾ أيْ تَقَذُّرٌ وتَحْقِيرٌ مِنِّي، وفي الأحْقافِ ما يَتَعَيَّنُ اسْتِحْضارُهُ هُنا، ثُمَّ خَصَّ ذَلِكَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكم ولِما تَعْبُدُونَ﴾ [ولَمّا كانَتْ -] عِبادَتُهم عَلى وجْهِ الإشْراكِ، وكانَتْ [جَمِيعُ الرُّتَبِ تَحْتَ رُتْبَتِهِ تَعالى، وكانَتْ أصْنامُهم هَذِهِ في رُتَبٍ مِنها سافِلَةٍ جِدًّا أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ -]: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى لِدَناءَتِكم وقَذارَتِكم. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلِهِمْ هَذا وُضُوحُ أنَّهُ لا يُقِرُّ بِهِ عاقِلٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم عَلى تَرْكِ الفِكْرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فَسادَ ما هم عَلَيْهِ يُدْرَكُ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ وأنْتُمْ شُيُوخٌ قَدْ مَرَّتْ بِكُمُ الدُّهُورُ وحَنَّكَتْكُمُ التَّجارِبُ.

الأنبياء 21:68

ولَمّا وصَلَ بِهِمْ إلى هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ، فَدَحَضَتْ حُجَّتُهُمْ، وبانَ عَجْزُهُمْ، وظَهَرَ الحَقُّ، وانْدَفَعَ الباطِلُ، فانْقَطَعُوا انْقِطاعًا فاضِحًا، أشارَ سُبْحانَهُ إلى الإخْبارِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿قالُوا﴾ عادِلِينَ إلى (p-٤٤٤)العِنادِ واسْتِعْمالِ القُوَّةِ الحِسِّيَّةِ: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ بِالنّارِ لِتَكُونُوا قَدْ فَعَلْتُمْ فِيهِ فِعْلًا هو أعْظَمُ مِمّا فَعَلَ بِآلِهَتِكم ﴿وانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الَّتِي جَعَلَها جُذاذًا؛ وأشارَ التَّعْبِيرُ - بِأداةِ الشَّكِّ وفِعْلِ الكَوْنِ واسْمِ الفاعِلِ إلى أنَّ أذاهُ لا يَسُوغُ، ولَيْسَ الحامِلُ عَلَيْهِ إلّا حِيلَةً غَلَبَتْ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى السَّلِيمَةِ - في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ أيِ النُّصْرَةَ لَها، فَإنَّ النّارَ أهْوَلُ المُعاقِباتِ وأفْظَعُها، فَهي أزْجَرُ لِمَن يُرِيدُ مِثْلَ هَذا الفِعْلِ، واتْرُكُوا الجِدالَ فَإنَّهُ يُورِثُ ضِدَّ ما تُرِيدُونَ، ويُؤَثِّرُ عَكْسَ ما تَطْلُبُونَ، فَعَزَمُوا عَلى ذَلِكَ فَجَمَعُوا الحَطَبَ شَهْرًا ووَضَعُوهُ في جَوْبَةٍ مِنَ الأرْضِ أحاطُوا بِها جِدارًا كَما في الصّافّاتِ حَتّى كانَ ذَلِكَ الحَطَبُ كالجَبَلِ، وأضْرَمُوا فِيهِ النّارَ حَتّى كانَ عَلى صِفَةٍ لَمْ يُوجَدْ في الأرْضِ قَطُّ مِثْلُها، حَتّى إنْ كانَ الطّائِرُ لَيَمُرُّ بِها في الجَوِّ فَيَحْتَرِقُ، ثُمَّ ألْقَوْهُ فِيها بِالمَنجَنِيقِ فَقالَ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ - أخْرَجَهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ولِأبِي يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «"لَمّا أُلْقِيَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ في النّارِ قالَ: اللَّهُمَّ! إنَّكَ في السَّماءِ واحِدٌ وأنا في الأرْضِ واحِدٌ، عَبَدَكَ وقالَ البَغْوِيُّ: أتاهُ خازِنُ المِياهِ فَقالَ: إنْ (p-٤٤٥)أرَدْتَ أخْمَدْتُ النّارَ، وأتاهُ خازِنُ الرِّياحِ فَقالَ: إنْ شِئْتَ طَيَّرْتُ النّارَ في الهَواءِ، فَقالَ إبْراهِيمُ: لا حاجَةَ [لِي -] إلَيْكم حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ». فَأرادَ اللَّهُ الَّذِي لَهُ القُوَّةُ جَمِيعًا سَلامَتَهُ مِنها، فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ مَن زادَ تَشَوُّفُهُ إلى ما كانَ مِن أمْرِهِ بَعْدَ الإلْقاءِ فِيها:

الأنبياء 21:69

﴿قُلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿يا نارُ كُونِي﴾ بِإرادَتِنا الَّتِي لا يَتَخَلَّفُ عَنْها مُرادٌ ﴿بَرْدًا﴾ ولَمّا كانَ البَرْدُ قَدْ يَكُونُ ضارًّا قالَ: ﴿وسَلامًا﴾ فَكانَتْ كَذَلِكَ، فَلَمْ تُحْرِقْ [مِنهُ -] إلّا وثاقَهُ. ولَمّا كانَ المُرادُ اخْتِصاصَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهَذا قَيَّدَهُ بِهِ، ولَمّا كانَ المُرادُ حَياتَهُ ولا بُدَّ، عَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ فَكانَ ما أرَدْنا مِن سَلامَتِهِ، ورَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ البُخارِيِّ عَنْ أُمِّ شَرِيكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «”أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الوَزَغِ وقالَ: كانَ يَنْفُخُ [النّارَ -] عَلى إبْراهِيمَ». وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وقالَ ابْنُ [أبِي -] حاتِمٍ: حَدَّثَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أخِي ابْنِ وهْبٍ [ثَنا عَمِّي -] عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ أنَّ نافِعًا حَدَّثَهُ قالَ: حَدَّثَتْنِي مَوْلاةُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ قالَتْ: «دَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَرَأيْتُ في (p-٤٤٦)بَيْتِها رُمْحًا فَقُلْتُ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ! ما تَصْنَعِينَ بِهَذا الرُّمْحِ؟ فَقالَتْ: نَقْتُلُ بِهِ هَذِهِ الأوْزاغَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ دابَّةٌ إلّا تُطْفِئُ عَنْهُ غَيْرَ الوَزَغِ، فَإنَّهُ كانَ يَنْفُخُ عَلى إبْراهِيمَ فَأمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ“».

الأنبياء 21:70

ولَمّا قَدَّمَ ما نَبَّهَ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ [لِإفْهامِهِ -] أنَّهُ حَكَمَ بِسَلامَتِهِ مِن كَيْدِهِمْ عِنْدَ هَمِّهِمْ بِهِ فَكَيْفَ بِما بَعْدَهُ! قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَألْقَوْهُ فِيها: ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [أيْ مَكْرًا بِإضْرارِهِ -]بِالنّارِ وبَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها ﴿فَجَعَلْناهُمُ﴾ [أيْ -] بِما لَنا مِنَ الجَلالِ. [ولَمّا كانُوا قَدْ أرادُوا بِما صَنَعُوا لَهُ مِنَ العَذابِ أنْ يَكُونَ أسْفَلَ مِنهم أهْلِ ذَلِكَ الجَمْعِ، وكانَ السِّياقُ لِتَحْقِيقِ أمْرِ السّاعَةِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ، وكانَ الصّائِرُ إلَيْها المُفَرِّطُ فِيها بِالتَّكْذِيبِ بِها قَدْ خَسِرَ خَسارَةً لا جَبْرَ لَها لِفَواتِ مَحَلِّ الِاسْتِدْراكِ، قالَ-]: ﴿الأخْسَرِينَ﴾ لِأنَّ فَضِيحَتَهم في الدُّنْيا المُوجِبَةَ لِلْعَذابِ في الأُخْرى كانَتْ بِنَفْسِ فِعْلِهِمُ الَّذِي كادُوهُ بِهِ، ولَمْ يَذْكُرْ سُبْحانَهُ شُعَيْبًا عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ النّارَ في يَوْمِ الظُّلَّةِ فَأحْرَقَتْ مَن عَصاهُ، لِأنَّ فِعْلَ النّارِ بِقَوْمِهِ كانَ عَلى ما هو المَعْهُودُ مِن أمْرِها بِخِلافِ فِعْلِها مَعَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ عَلى خِلافِ (p-٤٤٧)المُعْتادِ، وقَدْ وقَعَ مِثْلُ هَذا لِبَعْضِ أتْباعِ نَبِيِّنا ﷺ، وهو أبُو مُسْلِمٍ الخَوْلانِيُّ، طَلَبَهُ الأسْوَدُ العَنْسِيُّ لَمّا ادَّعى النُّبُوَّةَ فَقالَ لَهُ: أتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: ما أسْمَعُ، قالَ: أتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ! فَأمَرَ بِنارٍ فَأُلْقِيَ فِيها فَوَجَدُوهُ قائِمًا يُصَلِّي فِيها وقَدْ صارَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وقَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَأجْلَسَهُ عُمَرُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أرانِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مَن فَعَلَ بِهِ كَما فَعَلَ بِإبْراهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ.

الأنبياء 21:71

ولَمّا كانَ إنْجاؤُهُ - وهو وحْدَهُ - مِمَّنْ أرادُوا بِهِ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ مِنَ العَجائِبِ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ، ولَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ الغَيْرِ آيَةٌ تَمْنَعُهم [عَنْهُ -] كَما كانَ في إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿ولُوطًا﴾ [أيِ -] ابْنَ أخِيهِ وصَدِيقَهُ لِكَوْنِهِ آمَنَ بِهِ وصَدَّقَهُ، مِن بِلادِهِما كُوثى بِلادِ العِراقِ، مُنْتَهِيَيْنِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِإلى الدّالَّةِ عَلى تَضْمِينِ ”انْتَهى“ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هُناكَ غايَةً طَوِيلَةً، فَإنَّهُما خَرَجا مِن كُوثى مِن أرْضِ العِراقِ إلى حَرّانَ ثُمَّ مِن حَرّانَ (p-٤٤٨)﴿إلى الأرْضِ﴾ المُقَدَّسَةِ ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بِأنْ مَلَأْناها مِنَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِما فِيها مِنَ المِياهِ الَّتِي بِها حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْجارِ والزُّرُوعِ وغَيْرِها، وما ظَهَرَ مِنها مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِينَ مَلَؤُوا الأرْضَ نُورًا ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ كَما أنْجَيْناكَ أنْتَ يا أشْرَفَ أوْلادِهِ وصَدِيقَكَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى طَيْبَةَ الَّتِي شَرَّفْناها بِكَ، وبَثَثْنا مِن أنْوارِها في أرْجاءِ الأرْضِ وأقْطارِها ما [لَمْ -] نَبُثَّ مِثْلَهُ قَطُّ، وبارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ، بِالخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُلَماءِ والصّالِحِينَ، الَّذِينَ انْبَثَّتْ خَيْراتُهُمُ العِلْمِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ والمالِيَّةُ في جَمِيعِ الأقْطارِ.

الأنبياء 21:72

ولَمّا أوْلَدَ لَهُ في حالِ شَيْخُوخَتِهِ وعَجْزِ امْرَأتِهِ مَعَ كَوْنِها عَقِيمًا، وكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى الِاقْتِدارِ عَلى البَعْثِ الَّذِي السِّياقُ كُلُّهُ لَهُ، قالَ: ﴿ووَهَبْنا﴾ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿لَهُ إسْحاقَ﴾ أيْ مِن شِبْهِ العَدَمِ، وتَرَكَ شَرْحَ حالِهِ لِتَقَدُّمِهِ، أيْ فَكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى اقْتِدارِنا عَلى ما نُرِيدُ لا سِيَّما مِن إعادَةِ الخَلْقِ في يَوْمِ الحِسابِ؛ ولَمّا كانَ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ - لِتَوَلُّدِهِ بَيْنَ شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ مَعَ يَأْسِها عَقِيمٍ - كانَ عَلى حالَةٍ مِنَ الضَّعْفِ، لا يُولَدُ لِمِثْلِهِ مَعَها، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ أيْ ولَدَ إسْحاقَ زِيادَةً عَلى ما دَعا بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِما السَّلامُ؛ ثُمَّ نَمّى سُبْحانَهُ أوْلادَ يَعْقُوبَ - وهو إسْرائِيلُ - وذُرِّيّاتِهِمْ إلى أنْ سامُوا النُّجُومَ عِدَّةً، وبارَوُا الجِبالَ شِدَّةً ﴿وكُلا﴾ مِن هَؤُلاءِ الأرْبَعَةِ؛ وعَظَّمَ رُتْبَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ (p-٤٤٩)أيْ مُهَيَّئِينَ - لِطاعَتِهِمْ لِلَّهِ - لِكُلِّ ما يُرِيدُونَهُ أوْ يُرادُونَ لَهُ أوْ يُرادُ مِنهُمْ، وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّ العاصِيَ هالِكٌ، لا يَصْلُحُ لِشَيْءٍ وإنْ طالَ عُمْرُهُ، واشْتَدَّ أمْرُهُ، لِأنَّ العِبْرَةَ بِالعاقِبَةِ.

الأنبياء 21:73

ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهم رُتْبَةَ الصَّلاحِ في أنْفُسِهِمْ، ذَكَرَ أنَّهُ أعْطاهم رُتْبَةَ الإصْلاحِ لِغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُعَظِّمًا لِإمامَتِهِمْ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً﴾ أيْ أعْلامًا ومَقاصِدَ يُقْتَدى بِهِمْ في الدِّينِ بِما أعْطاهم مِنَ النُّبُوَّةِ. ولَمّا كانَ الإمامُ قَدْ يَدْعُو إلى الرَّدى، ويَصُدُّ عَنِ الهُدى، إذا كانَتْ إمامَتُهُ ظاهِرَةً لا يَصْحَبُها صَلاحٌ باطِنٌ، احْتَرَزَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَهْدُونَ﴾ أيْ يَدْعُونَ إلَيْنا مَن وفَّقْناهُ لِلْهِدايَةِ ﴿بِأمْرِنا﴾ وهو الرُّوحُ الَّذِي هو العَمَلُ المُؤَسَّسُ عَلى العِلْمِ بِإخْبارِ المَلائِكَةِ بِهِ [عَنّا-]، ولِإفْهامِ ذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَظِّمًا لِوَحْيِهِ [إلَيْهِمْ-]: ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ﴾ [أيْ -] أيْضًا ﴿فِعْلَ﴾ أيْ أنْ يَفْعَلُوا ﴿الخَيْراتِ﴾ كُلِّها وهي شَرائِعُ الدِّينِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُمُ امْتَثَلُوا [كُلَّ -] ما أُوحِيَ إلَيْهِمْ. ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أُمَّ الخَيْراتِ، خَصَّها بِالذِّكْرِ فَقالَ: ﴿وإقامَ الصَّلاةِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الإضافَةُ عِوَضٌ عَنْ تاءِ التَّأْنِيثِ. [يَعْنِي فَيَكُونُ مِنَ الغالِبِ لا مِنَ القَلِيلِ-]، وكانَ سِرُّ الحَذْفِ تَعْظِيمَ (p-٤٥٠)الصَّلاةِ لِأنَّها مَعَ نَقْصِها عَنْ صَلاتِنا [لِما أشارَ إلَيْهِ الحَذْفُ - ] - بِهَذِهِ المَنزِلَةِ مِنَ العَظَمَةِ فَما الظَّنُّ بِصَلاتِنا. ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ بَيْنَ العَبْدِ والحَقِّ، وكانَ رُوحُها الإعْراضَ عَنْ كُلِّ فانٍ، عَطَفَ عَلَيْها قَوْلَهُ: ﴿وإيتاءَ الزَّكاةِ﴾ [أيِ الَّتِي هي مَعَ كَوْنِها إحْسانًا إلى الخَلْقِ بِما دَعَتِ الصَّلاةُ إلى الِانْسِلاخِ عَنْهُ مِنَ الدُّنْيا، فَفَعَلُوا ما أوْحَيْناهُ إلَيْهِمْ] ﴿وكانُوا لَنا﴾ دائِمًا جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿عابِدِينَ﴾ أيْ فاعِلِينَ لِكُلِّ ما يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ، فِعْلَ العَبْدِ مَعَ مَوْلاهُ مِن كُلِّ ما يَجِبُ لَهُ مِنَ الخِدْمَةِ، ويَحِقُّ لَهُ مِنَ التَّعْظِيمِ والحُرْمَةِ.

الأنبياء 21:74

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ سَخَّرَ لِصَدِيقِهِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إهْلاكَ مَن عَصاهُ في أوَّلِ الأمْرِ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ الَّتِي هي مِنَ النّارِ، وفي آخِرِهِ بِالماءِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ النّارِ، تَلاهُ بِهِ فَقالَ: ﴿ولُوطًا﴾ أيْ وآتَيْناهُ أوْ واذْكُرْ لُوطًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿آتَيْناهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿حُكْمًا﴾ أيْ نُبُوَّةً [وعَمَلًا مُحْكَمًا بِالعِلْمِ -] ﴿وعِلْمًا﴾ مُزَيَّنًا بِالعَمَلِ ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ بِانْفِرادِنا بِالعَظَمَةِ. ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”قَرا“ تَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، قالَ: ﴿مِنَ القَرْيَةِ﴾ المُسَمّاةِ سَدُومَ، [أيْ مِن عَذابِهِمْ وجَمِيعِ شُرُورِهِمْ، وأفْرَدَ تَنْبِيهًا عَلى عُمُومِها بِالقَلْعِ والقَلْبِ وأنَّهُ كانَ في غايَةِ السُّهُولَةِ والسُّرْعَةِ -]، وقالَ (p-٤٥١)أبُو حَيّانَ: وكانَتْ سَبْعًا، عَبَّرَ عَنْها بِالواحِدَةِ لِاتِّفاقِ أهْلِها عَلى الفاحِشَةِ. ﴿الَّتِي كانَتْ﴾ قَبْلَ إنْجائِنا لَهُ مِنها ﴿تَعْمَلُ الخَبائِثَ﴾ بِالذُّكْرانِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الطُّغْيانِ، فاسْتَحَقُّوا النّارَ الَّتِي هي أمَرُّ المُؤْلِماتِ، بِما ارْتَكَبُوا مِنَ الشَّهْوَةِ المَحْظُورَةِ لِعَدِّهِمْ لَها أحْلى المُلَذَّذاتِ، والغَمْرَ بِالماءِ القَذِرِ المُنْتِنِ الَّذِي جَعَلْناهُ - مَعَ أنّا جَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ - لا يَعِيشُ فِيهِ حَيَوانٌ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَوَلَّدَ مِنهُ، ولا يَنْتَفِعُ بِهِ، لِما خامَرُوا مِنَ القَذَرِ الَّذِي لا ثَمَرَةَ لَهُ. ولَمّا كانَ في هَذا إشارَةٌ إلى إهْلاكِ القَرْيَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: ودَمَّرْنا عَلَيْهِمْ بَعْدَ انْفِصالِهِ عَنْهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أيْ ذَوِي قُدْرَةٍ عَلى الشَّرِّ بِانْهِماكِهِمْ في الأعْمالِ السَّيِّئَةِ ﴿فاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ مِن كُلِّ خَيْرٍ،

الأنبياء 21:75

ثُمَّ زادَ الإشارَةَ وُضُوحًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخَلْناهُ﴾ أيْ دُونَهم بِعَظَمَتِنا ﴿فِي رَحْمَتِنا﴾ أيْ في الأحْوالِ السَّنِيَّةِ، والأقْوالِ العَلِيَّةِ، والأفْعالِ الزَّكِيَّةِ، الَّتِي هي سَبَبُ الرَّحْمَةِ العُظْمى ومُسَبَّبَةٌ عَنْها؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [أيْ -] لِما جَبَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ.

الأنبياء 21:76

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ قِصَّةَ لُوطٍ المُناسِبَةَ لِقِصَّةِ الخَلِيلِ عَلَيْهِما السَّلامُ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ، ولِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالماءِ الَّذِي غُمِرَتْ بِهِ قُراهُ السَّبْعُ، أتْبَعَ ذَلِكَ قِصَّةَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي سَخَّرَ لَهُ [مِنَ -] الماءِ ما لَمْ يُسَخِّرْهُ (p-٤٥٢)لِغَيْرِهِ لِغَمْرِهِ جَمِيعَ الأرْضِ دانِيها وقاصِيها، واطِيها وعالِيها، فَقالَ: ﴿ونُوحًا إذْ﴾ أيِ اذْكُرْهُ حِينَ ﴿نادى﴾ أيْ دَعا رَبَّهُ ﴿أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] و﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ونَحْوَهُ مِنَ الدُّعاءِ. ولَمّا كانَ دُعاؤُهُ لَمْ يَسْتَغْرِقِ الأزْمِنَةَ الماضِيَةَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ لُوطٍ ومَن تَقَدَّمَهُ ﴿فاسْتَجَبْنا﴾ أيْ أرَدْنا الإجابَةَ وأوْجَدْناها بِعَظَمَتِنا ﴿لَهُ﴾ في ذَلِكَ النِّداءِ؛ [ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ -]: ﴿فَنَجَّيْناهُ﴾ [أيْ بِعَظَمَتِنا تَنْجِيَةً عَظِيمَةً -] ﴿وأهْلَهُ﴾ الَّذِينَ أدامَ ثَباتَهم عَلى الإسْلامِ وصِلَتَهم بِهِ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾ مِنَ الأذى والغَرَقِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والكَرْبُ: أقْصى الغَمِّ، والأخْذُ بِالنَّفْسِ، وهو هُنا الغَرَقُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأوَّلِ أحْوالِ ما يَأْخُذُ الغَرِيقَ.

الأنبياء 21:77

﴿ونَصَرْناهُ﴾ أيْ مُخَلِّصِينَ لَهُ ومانِعِينَ [ومُنْتَقِمِينَ -] ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ أيِ المُتَّصِفِينَ بِالقُوَّةِ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ لَهُ ﴿بِآياتِنا﴾ أيْ بِسَبَبِ إتْيانِهِ بِها، وهي مِنَ العَظَمَةِ عَلى أمْرٍ لا يَخْفى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ثُمَّ أهْلَكْناهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ﴾ لا عَمَلَ لَهم إلّا ما يَسُوءُ ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي أتَتْ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ ﴿أجْمَعِينَ﴾ حَتّى مَن قَطَعَ الكُفْرُ بَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَهُ (p-٤٥٣)مِن أهْلِهِ فَصارَ لا يُعَدُّ مِن أهْلِهِ، لِاخْتِلافِ الِانْتِسابِ بِالدِّينِ.

الأنبياء 21:78

ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: لِمَ قَدَّمَ إبْراهِيمَ ومَن مَعَهُ عَلى نُوحٍ وهو أبُوهم ومِن أُولِي العَزْمِ، ومُوسى وهارُونَ عَلى إبْراهِيمَ وهو كَذَلِكَ، أشارَ بِقِصَّةِ داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلى جَمِيعِهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى أنَّهُ رُبَّما يَفْضُلُ الِابْنُ الأبَ في أمْرٍ، فَرُبَّما قَدَّمَ لِأجْلِهِ وإنْ كانَ لا يَلْزَمُ مِنهُ تَقْدِيمُهُ مُطْلَقًا، مَعَ ما فِيها مِن أمْرِ الحَرْثِ الَّذِي هو أنْسَبُ شَيْءٍ لِما بَعْدَ غَيْضِ الماءِ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، هَذا في أوَّلِهِ وأمّا في آخِرِهِ فَما يُنْبِتُهُ مِثالٌ لِلدُّنْيا في بَهْجَتِها وغُرُورِها، وانْقِراضِها ومُرُورِها، ومِن تَصْرِيفِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجِبالِ وهي أشَدُّ التُّرابِ الَّذِي هو أقْوى مِنَ الماءِ، وفي الحَدِيدِ وهو أقْوى مِن تُرابِ الجِبالِ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الرِّيحِ وهي أقْوى مِنَ التُّرابِ فَقالَ: ﴿وداوُدَ﴾ [أيْ أوَّلَ مَن مَلَكَ ابْنُهُ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ -] ﴿وسُلَيْمانَ﴾ ابْنَهُ، أيِ اذْكُرْهُما واذْكُرْ شَأْنَهُما ﴿إذْ﴾ [أيْ حِينَ -] ﴿يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾ الَّذِي أنْبَتَ الزَّرْعَ، وهو مِن إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلى المُسَبَّبِ كالسَّماءِ عَلى المَطَرِ والنَّبْتِ، قِيلَ: كانَ ذَلِكَ كَرْمًا، وقِيلَ: زَرْعًا ﴿إذْ نَفَشَتْ﴾ (p-٤٥٤)أيِ انْتَشَرَتْ لَيْلًا بِغَيْرِ راعٍ ﴿فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾ الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ عَلى حِفْظِها فَرَعَتْهُ؛ قالَ قَتادَةُ: النَّفَشُ بِاللَّيْلِ، والهَمَلُ بِالنَّهارِ. ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُقِرُّ عَلى خِلافِ الأوْلى في شَرْعٍ مِنَ الشُّرُوعِ ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ أيِ الحَكَمَيْنِ والمُتَحاكِمَيْنِ إلَيْهِما ﴿شاهِدِينَ﴾ لَمْ يَغِبْ عَنّا ذَلِكَ ولا شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ هَذا ولا غَيْرِهِ، فَلِذَلِكَ غَيَّرْنا عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِلْكَ الحُكُومَةَ مَعَ كَوْنِهِ ولِيَّنا وهو مَأْجُورٌ في اجْتِهادِهِ [لِأنَّ الأوْلى خِلافُها، فَإنَّهُ حَكَمَ بِأنْ يَمْتَلِكَ صاحِبُ الحَرْثِ الغَنَمَ بِما أفْسَدَتْ مِنَ الكَرْمِ، فَكَأنَّهُ رَأى قِيمَةَ الغَنَمِ قِيمَةَ ما أفْسَدَتْ -]

الأنبياء 21:79

﴿فَفَهَّمْناها﴾ أيِ الحُكُومَةَ [بِما لَنا مِنَ العِلْمِ الشّامِلِ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ عَلى رَفْعِ مَن نَشاءُ -] ﴿سُلَيْمانَ﴾ فَقالَ: تُسَلَّمُ الغَنَمُ لِصاحِبِ الكَرْمِ لِيَرْتَفِقَ بِلَبَنِها ونَسْلِها وصُوفِها ومَنافِعِها، ويَعْمَلُ صاحِبُها في الكَرْمِ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ فَيَأْخُذُ حَرْثَهُ، وتُرَدُّ الغَنَمُ إلى صاحِبِها، وهَذا أرْفَقُ بِهِما. وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] و﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١] ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وفِيهِ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في غَيْظِهِمْ مِنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ (p-٤٥٥)عَلَيْهِ وسَلَّمَ في تَسْفِيهِ الآباءِ والرَّدِّ عَلَيْهِمْ كَما في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَنْكَرٍ أنْ يَفْضُلَ الِابْنُ أباهُ ولَوْ في شَيْءٍ، [والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الحُكْمَ يُنْقَضُ بِالِاجْتِهادِ إذا ظَهَرَ ما هو أقْوى مِنهُ ]. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في أمْرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّهُما عَلى الصَّوابِ في الِاجْتِهادِ وإنْ كانَ المُصِيبُ في الحُكْمِ إنَّما هو أحَدُهُما ﴿وكُلا﴾ أيْ مِنهُما ﴿آتَيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿حُكْمًا﴾ أيْ [نُبُوَّةً -] وعَمَلًا مُؤَسَّسًا عَلى حِكْمَةِ العِلْمِ، [وهَذا مَعْنى ما قالُوهُ في قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا» - أيْ قَوْلًا صادِقًا مُطابِقًا لِلْحَقِّ -] ﴿وعِلْمًا﴾ مُؤَيَّدًا بِصالِحِ العَمَلِ، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَوْلا هَذِهِ الآيَةُ لَرَأيْتُ القُضاةَ قَدْ هَلَكُوا، ولَكِنَّهُ أثْنى عَلى سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصَوابِهِ، وعَذَرَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاجْتِهادِهِ انْتَهى. وأتْبَعَهُ مِنَ الخَوارِقِ ما يَشْهَدُ لَهُ [بِالتَّقَدُّمِ والفَضْلِ فَقالَ -] فَقالَ: ﴿وسَخَّرْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَعِيبُها شَيْءٌ. ولَمّا كانَ هَذا الخارِقُ في التَّنْزِيهِ، لَمْ يُعَدِّ الفِعْلَ بِاللّامِ زِيادَةً في (p-٤٥٦)التَّنْزِيهِ وإبْعادًا عَمّا رُبَّما أوْهَمَ غَيْرَهُ فَقالَ مُقَدِّمًا ما هو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ في ذَلِكَ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ النُّطْقِ: ﴿مَعَ داوُدَ الجِبالَ﴾ أيِ الَّتِي هي أقْوى مِنَ الحَرْثِ، حالَ كَوْنِهِنَّ ﴿يُسَبِّحْنَ﴾ مَعَهُ، ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْنا الحَرْثَ أوِ الغَنَمَ يُكَلِّمُهُ بِصَوابِ الحُكْمِ، ولَمْ يَذْكُرْ ناقَةَ صالِحٍ لِأنَّها مُقْتَرَحَةٌ مُوجِبَةٌ لِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، فَلَمْ يُناسِبْ ذِكْرُها هُنا، لِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وهَذِهِ الآياتُ الَّتِي ذُكِرَتْ هُنا لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُقْتَرَحٌ ﴿والطَّيْرَ﴾ الَّتِي سَخَّرْنا لَها الرِّياحَ الَّتِي هي أقْوى مِنَ الجِبالِ [و -] أكْثَرُ سُكْناها الجِبالُ، سَخَّرْناها مَعَهُ تُسَبِّحُ ﴿وكُنّا فاعِلِينَ﴾ أيْ مِن شَأْنِنا الفِعْلُ لِأمْثالِ هَذِهِ الأفاعِيلِ، ولِكُلِّ شَيْءٍ نُرِيدُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُحِيطَةِ، فَلا تَسْتَكْثِرُوا عَلَيْنا أمْرًا وإنْ كانَ عِنْدَكم عَجَبًا، وقَدِ اتَّفَقَ نَحْوُ هَذا لِغَيْرِ واحِدٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، كانَ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ سَبَّحَتْ مَعَهُ ابْنَتُهُ، هَذا مَعَ أنَّ الطَّعامَ كانَ يُسَبِّحُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ والحَصا وغَيْرَهُ.

الأنبياء 21:80

ولَمّا ذَكَرَ التَّسْخِيرَ بِالتَّسْبِيحِ، أشارَ إلى تَسْخِيرِ الحَدِيدِ الَّذِي هو (p-٤٥٧)أقْوى تُرابِ الجِبالِ وأصْلَبُهُ وأصْفاهُ فَقالَ: ﴿وعَلَّمْناهُ﴾ [أيْ بِعَظَمَتِنا] ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وهو في اللُّغَةِ اسْمٌ لِكُلِّ ما يُلْبَسُ ويُسْتَعْمَلُ في الأسْلِحَةِ كُلِّها، وهو كالجُلُوسِ والرُّكُوبِ. ﴿لَكُمْ﴾ أيْ لِتَلْبَسُوهُ في حَرْبِكُمْ، وألَنّا لَهُ في عَمَلِهِ الحَدِيدَ لِيَجْتَمِعَ لَهُ إلى العِلْمِ سُهُولَةُ العَمَلِ فَيَأْتِي كَما يُرِيدُ ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أيِ اللَّبُوسُ أوْ داوُدُ أوِ اللَّهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ في حِصْنٍ مانِعٍ، وهو مَعْنى قِراءَةِ النُّونِ الدّالِّ عَلى مَقامِ العَظَمَةِ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ، وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَفْصٍ بِالفَوْقانِيَّةِ لِلدُّرُوعِ نَظَرًا إلى الجِنْسِ ﴿مِن بَأْسِكُمْ﴾ الكائِنِ مِمّا يَحْصُلُ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ مِن شَدائِدِ الحَرْبِ لا مِنَ البَأْسِ كُلِّهِ ﴿فَهَلْ أنْتُمْ شاكِرُونَ﴾ لَنا عَلى ذَلِكَ لِتُوَحِّدُونا وتُؤْمِنُوا بِأنْبِيائِنا؛ قالَ البَغْوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: أوَّلُ مَن صَنَعَ الدُّرُوعَ وسَرَدَها وحَلَقَها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَتْ مِن قَبْلُ صَفائِحَ، والدِّرْعُ يَجْمَعُ الخِفَّةَ والحَصانَةَ.

الأنبياء 21:81

ولَمّا كانَ قَدْ سَخَّرَ لِابْنِهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ الرِّيحَ الَّتِي هي أقْوى (p-٤٥٨)مِن بَقِيَّةِ العَناصِرِ قالَ: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ مُعَبِّرًا بِاللّامِ لِأنَّها كانَتْ تَحْتَ أمْرِهِ لِنَفْعِهِ ولا إبْهامَ في العِبارَةِ ﴿الرِّيحَ﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ يَمْتَنِعُ بِلُطْفِهِ مِنَ القَبْضِ عَلَيْهِ، ويَظْهَرُ لِلْحِسِّ بِحَرَكَتِهِ، وكانَ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَأْمُرُ بِالخَشَبِ فَيُضْرَبُ لَهُ، فَإذا حُمِلَ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ مِنَ الدَّوابِّ والنّاسِ وآلَةِ الحَرْبِ أمَرَ العاصِفَةَ فَدَخَلَتْ تَحْتَ الخَشَبِ فاحْتَمَلَتْهُ حَتّى إذا اسْتَقَلَّتْ بِهِ أمَرَ الرُّخاءَ تَمُرُّ بِهِ شَهْرًا في غُدْوَتِهِ وشَهْرًا في رَوْحَتِهِ - انْتَهى مُلَخَّصًا. فَكانَ الرِّيحانِ مُسَخَّرَتَيْنِ لَهُ، ولَكِنْ لَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِبَيانِ الإقْدارِ عَلى الأفْعالِ الغَرِيبَةِ الهائِلَةِ، قالَ: ﴿عاصِفَةً﴾ أيْ شَدِيدَةَ الهُبُوبِ، هَذا بِاعْتِبارِ عَمَلِها، ووُصِفَتْ بِالرُّخاءِ بِاعْتِبارِ لُطْفِها بِهِمْ فَلا يَجِدُونَ لَها مَشَقَّةً ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ﴾ إذا أمَرَها غادِيَةً ورائِحَةً ذاهِبَةً إلى حَيْثُ أرادَ وعائِدَةً عَلى حَسَبِ ما يُرِيدُ، آيَةً في آيَةٍ. ولَمّا كانَ قَدْ عُلِمَ مِمّا مَضى مِنَ القُرْآنِ لِحامِلِهِ المُعْتَنِي بِتَفَهُّمِ مَعانِيهِ، ومَعْرِفَةِ أخْبارِ مَن ذُكِرَ فِيهِ، أنَّهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّ قَرارَهُ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يُجْرِيها إلى غَيْرِهِ، وكانَ الحامِلُ إلى مَكانٍ رُبَّما تَعَذَّرَ عَوْدُهُ مَعَ المَحْمُولِ، عَبَّرَ بِحَرْفِ الغايَةِ ذاكِرًا مَحَلَّ القَرارِ دَلالَةً عَلى أنَّها (p-٤٥٩)كَما تَحْمِلُهُ ذَهابًا إلى حَيْثُ أرادَ مِن قاصٍ ودانٍ - تَحْمِلُهُ إلى قَرارِهِ أيّامًا فَقالَ: ﴿إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا﴾ أيْ بِعِزَّتِنا ﴿فِيها﴾ وهي الشّامُ ﴿وكُنّا﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا بِإحاطَةِ العَظَمَةِ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن هَذا وغَيْرِهِ مِن أمْرِهِ وغَيْرِهِ ﴿عالِمِينَ﴾ فَكُنّا عَلى كُلِّ شَيْءٍ قادِرِينَ، فَلَوْلا رِضانا بِهِ لَغَيَّرْناهُ عَلَيْهِ كَما غَيَّرْنا عَلى مَن قَدَّمْنا أُمُورَهُمْ، وهَذا مِن طِرازِ ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] كَما مَضى، وتَسْخِيرُ الرِّيحِ [لَهُ -] كَما سُخِّرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَيالِيَ الأحْزابِ، قالَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: حَتّى كانَتْ تَقْذِفُهم بِالحِجارَةِ، ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِها ورُدُّوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا. وأعَمُّ مِن جَمِيعِ ما أعْطى الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أنَّهُ أعْطى ﷺ التَّصَرُّفَ في العالَمِ العُلْوِيِّ الَّذِي جَعَلَ سُبْحانَهُ مِنَ الفَيْضِ عَلى العالَمِ السُّفْلِيِّ بِالِاخْتِراقِ لِطِباقِهِ بِالإسْراءِ تارَةً، وبِإمْساكِ المَطَرِ لَمّا دَعا بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ، وبِإرْسالِهِ أُخْرى كَما في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ، وأُتِيَ مَعَ ذَلِكَ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ كُلِّها فَرَدَّها ﷺ.

الأنبياء 21:82

ولَمّا ذَكَرَ تَسْخِيرَ الرِّيحِ لَهُ، ذَكَرَ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ ما أغْلَبُ عَناصِرِهِ النّارُ والرِّيحُ لِلْعَمَلِ في الماءِ، مُقابَلَةً لِارْتِفاعِ الحَمْلِ في الهَواءِ بِاسْتِفالِ الغَوْصِ في الماءِ فَقالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ مِنَ ﴿الشَّياطِينِ﴾ الَّذِينَ هم أكْثَرُ شَيْءٍ تَمَرُّدًا وعُتُوًّا، (p-٤٦٠)وألْطَفُ شَيْءٍ أجْسامًا ﴿مَن﴾ وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عِظَمِ التَّصَرُّفِ فَقالَ: ﴿يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في المِياهِ لِما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ اسْتِخْراجِ الجَواهِرِ وغَيْرِها مِنَ المَنافِعِ، وذَلِكَ بِأنْ أكْثَفْنا أجْسامَهم مَعَ لَطافَتِها لِتَقْبَلَ الغَوْصَ في الماءِ مُعْجِزَةً في مُعْجِزَةٍ، [وقَدْ خَنَقَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ العِفْرِيتَ الَّذِي جاءَ بِشِهابٍ مِن نارٍ وأسَرَ جَماعَةٌ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَفارِيتَ أتَوْا إلى ثَمَرِ الصَّدَقَةِ وأمْكَنَهُمُ اللَّهُ مِنهم -] ﴿ويَعْمَلُونَ عَمَلا﴾ أيْ عَظِيمًا جِدًّا. ولَمّا كانَ إقْدارُهم عَلى الغَوْصِ أعْلى [ما -] يَكُونُ في أمْرِهِمْ، وكانَ المُرادُ اسْتِغْراقَ إقْدارِهِمْ عَلى ما هو أدْنى مِن ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُهُ مِنهُمْ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ تَحْتَ هَذا الأمْرِ العَظِيمِ أوْ غَيْرَهُ مِن بِناءِ ما يُرِيدُ، واصْطِناعِ ما يَشاءُ، مِنَ الصَّنائِعِ العَجِيبَةِ، والآثارِ الغَرِيبَةِ، وفي ذَلِكَ تَسْخِيرُ الماءِ والتُّرابِ بِواسِطَةِ الشَّياطِينِ، فَقَدْ خَتَمَ عِنْدَ انْتِهاءِ الإشارَةِ إلى تَسْخِيرِ العَناصِرِ - بِمَن سَخَّرَ لَهُ العَناصِرَ الأرْبَعَةَ كَما ابْتَدَأ بِذَلِكَ ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿لَهم حافِظِينَ﴾ مِن أنْ يَفْعَلُوا غَيْرَ ما يُرِيدُ، ولَمْ يَذْكُرْ هُودًا عَلَيْهِ السَّلامُ هُنا، وإنْ كانَ قَدْ سَخَّرَ لَهُ الرِّيحَ، لِأنَّ عَمَلَها لَهُ كانَ عَلى مُقْتَضى (p-٤٦١)العادَةِ في التَّدْمِيرِ والأذى عِنْدَ عُصُوفِها وإنْ كانَ خارِقًا بِقُوَّتِهِ، والَّتِي لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلنَّجاةِ والمَنافِعِ، هَذا مَعَ تَكْرارِها فَأمْرُها أظْهَرُ، وفِعْلُها أزْكى وأطْهَرُ.

الأنبياء 21:83

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ذِكْرَ مَن سَخَّرَ لَهُمُ العَناصِرَ الَّتِي مِنها الحَيَوانُ المَحْتُومُ بِبِعْثَتِهِ [تَحْقِيقًا -] لِذَلِكَ، ذَكَرَ بَعْدَهم مَن وقَعَ لَهُ أمْرٌ مِنَ الخَوارِقِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، إمّا بِإعادَةٍ أوْ حِفْظٍ أوِ ابْتِداءٍ، بَدَأهم بِمَن أعادَ لَهُ ما كانَ أُعْدِمَهُ مِن أهْلٍ ومالٍ، وسَخَّرَ لَهُ عُنْصُرَ الماءِ في إعادَةِ لَحْمِهِ وجِلْدِهِ، لِأنَّ الإعادَةَ هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿وأيُّوبَ﴾ أيْ واذْكُرْ أيُّوبَ، قالُوا: وهو ابْنُ أمُوصَ بْنِ رُومَ بْنِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانَ صاحِبَ البَثَنِيَّةِ مِن بِلادِ الشّامِ، وكانَ اللَّهُ قَدْ بَسَطَ عَلَيْهِ الدُّنْيا فَشَكَرَهُ سُبْحانَهُ ثُمَّ ابْتَلاهُ [فَصَبَرَ -] ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْهِ في عافِيَتِهِ وضُرِّهِ بِما آتاهُ مِن صَبْرِهِ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ بِتَسْلِيطِكَ الشَّيْطانَ عَلَيَّ في بَدَنِي وأهْلِي ومالِي وقَدْ طَمِعَ الآنَ في دِينِي، وذَلِكَ أنَّهُ زَيَّنَ لِامْرَأةِ أيُّوبَ (p-٤٦٢)عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَأْمُرَهُ أنْ يَذْبَحَ لِصَنَمٍ فَإنَّهُ يَبْرَأُ ثُمَّ يَتُوبُ، فَفَطِنَ لِذَلِكَ وحَلَفَ: لَيَضْرِبَنَّها إنْ بَرَأ، وجَزِعَ مِن ذَلِكَ، والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى لَيْسَتْ مِنَ الجَزَعِ فَلا تُنافِي الصَّبْرَ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: ولا مَن شَكا [إلى -] النّاسِ وهو في شَكْواهُ راضٍ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى. ﴿وأنْتَ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ أنْتَ ﴿أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فافْعَلْ بِي ما يَفْعَلُ الرَّحْمَنُ بِالمَضْرُورِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِسُؤالِ الرَّحْمَةِ حَيْثُ ذَكَرَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الرَّحْمَةَ، ورَبَّهُ بِأبْلَغِ صِفاتِها ولَمْ يُصَرِّحْ، فَكانَ ذَلِكَ ألْطَفَ في السُّؤالِ، فَهو أجْدَرُ بِالنَّوالِ

الأنبياء 21:84

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ أوْجَدْنا إجابَتَهُ إيجادَ مَن كَأنَّهُ طالِبٌ لَها بِسَبَبِ نِدائِهِ، هَذا بِعَظَمَتِنا في قُدْرَتِنا عَلى الأُمُورِ الهائِلَةِ، وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَكَشَفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما بِهِ مِن ضُرٍّ﴾ بِأنْ أمَرْناهُ أنْ يَرْكُضَ بِرِجْلِهِ، فَتَنْبُعُ لَهُ عَيْنٌ مِن ماءٍ، فَيَغْتَسِلُ فِيها، فَيَنْبُتُ لَحْمُهُ وجِلْدُهُ أحْسَنَ ما كانَ وأصَحَّهُ ودَلَّ عَلى تَعاظُمِ هَذا الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتَيْناهُ أهْلَهُ﴾ أيْ أوْلادَهُ وما تَبِعَهم مِن حَشَمِهِ، أحْيَيْناهم لَهُ بَعْدَ أنْ كانُوا ماتُوا ﴿ومِثْلَهُمْ﴾ أيْ وأوْجَدْنا لَهُ مِثْلَهم في الدُّنْيا، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَعَهُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى (p-٤٦٣)أنَّهم وُجِدُوا عِنْدَ وِجْدانِ الأهْلِ، حالَ كَوْنِ ذَلِكَ الكَشْفِ والإيتاءِ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ نِعْمَةً عَظِيمَةً تَدُلُّ عَلى شَرَفِهِ بِما شَأْنُهُ العَطْفُ والتَّحَنُّنُ، وهو مِن تَسْمِيَةِ المُسَبَّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ، وفَخَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِنا﴾ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ مَن يَنْظُرُ ذَلِكَ أنّا ما فَعَلْناهُ إلّا رَحْمَةً مِنّا لَهُ وأنَّ غَيْرَنا لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ عِظَةً عَظِيمَةً ﴿لِلْعابِدِينَ﴾ كُلِّهِمْ، لِيَتَأسَّوْا بِهِ فَيَصْبِرُوا إذا ابْتُلُوا بِفِتْنَةِ الضَّرّاءِ ولا يَظُنُّوا أنَّها لِهَوانِهِمْ، ويَشْكُرُوا إذا ابْتُلُوا بِنِعْمَةِ السَّرّاءِ لِئَلّا تَكُونَ عَيْنَ شَقائِهِمْ، وأتْبَعَهُ سُبْحانَهُ بِمَن أنْبَعَ لَهُ مِن زَمْزَمَ ماءً باقِيًا شَرِيفًا، إشارَةً إلى شَرَفِهِ وشَرَفِ ولَدِهِ خاتَمِ الرُّسُلِ بِبَقاءِ رِسالَتِهِ ومُعْجِزَتِهِ [فَقالَ -]:

الأنبياء 21:85

﴿وإسْماعِيلَ﴾ أيِ ابْنَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ الَّذِي سَخَّرْنا لَهُ مِنَ الماءِ بِواسِطَةِ الرُّوحِ الأمِينِ ما عاشَ بِهِ صَغِيرًا بَعْدَ أنْ كانَ هالِكًا لا مَحالَةَ، ثُمَّ جَعَلْناهُ طَعامَ طُعْمٍ وشِفاءَ سُقْمٍ دائِمًا، وصُنّاهُ - وهو كَبِيرٌ - مِنَ الذَّبْحِ فَذَبَحَهُ أبُوهُ واجْتَهَدَ في إتْلافِهِ امْتِثالًا لِأمْرِنا فَلَمْ يَنْذَبِحْ كَما اقْتَضَتْهُ إرادَتُنا ﴿وإدْرِيسَ﴾ أيِ ابْنَ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ الَّذِي أحْيَيْناهُ بَعْدَ مَوْتِهِ ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا، وهو أوَّلُ نَبِيٍّ بُعِثَ مِن بَنِي آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ (p-٤٦٤)﴿وذا الكِفْلِ﴾ [الَّذِي -] قَدَّرْناهُ عَلى النَّوْمِ الَّذِي هو المَوْتُ الأصْغَرُ، فَكانَ يَغْلِبُهُ فَلا يَنامُ أوْ إلّا قَلِيلًا، يَقُومُ اللَّيْلَ ولا يَفْتُرُ، ويَصُومُ النَّهارَ ولا يُفْطِرُ، ويَقْضِي بَيْنَ النّاسِ ولا يَغْضَبُ. فَقَدَّرَهُ اللَّهُ عَلى الحَياةِ الكامِلَةِ في الدُّنْيا الَّتِي هي سَبَبُ الحَياةِ الكامِلَةِ في الأُخْرى [وهُوَ خَلِيفَةُ اليَسَعِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَخَلَّفَهُ عَلى أنْ يَتَكَفَّلَ لَهُ بِصِيامِ النَّهارِ وقِيامِ اللَّيْلِ وأنْ لا يَغْضَبَ، قِيلَ: إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ نَبِيٌّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ إلْياسُ، وقِيلَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونَ، وقِيلَ: زَكَرِيّا - عَلَيْهِمُ السَّلامُ]. ولَمّا قَرَنَ بَيْنَهم لِهَذِهِ المُناسَبَةِ، اسْتَأْنَفَ مَدْحَهم فَقالَ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾ عَلى ما ابْتَلَيْناهُ بِهِ، فَآتَيْناهم ثَوابَ الصّابِرِينَ

الأنبياء 21:86

﴿وأدْخَلْناهُمْ﴾ ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ ما لَهم عِنْدَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي رَحْمَتِنا﴾ [فَفَعَلْنا بِهِمْ مِنَ الإحْسانِ ما يَفْعَلُهُ الرّاحِمُ بِمَن يَرْحَمُهُ عَلى وجْهٍ عَمَّهم مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ، فَكانَ ظَرْفًا لَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ -]: ﴿إنَّهم مِنَ الصّالِحِينَ﴾ لِكُلِّ ما يَرْضاهُ الحَكِيمُ مِنهُمْ، بِمَعْنى أنَّهم جُبِلُوا جِبِلَّةَ خَيْرٍ فَعَمِلُوا عَلى مُقْتَضى ذَلِكَ،

الأنبياء 21:87

ثُمَّ أتْبَعَهم مَن هو أغْرَبُ حالًا مِنهم (p-٤٦٥)فِي الحِفْظِ [فَقالَ -]: ﴿وذا النُّونِ﴾ أيِ اذْكُرْهُ ﴿إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾ أيْ عَلى هَيْئَةِ الغاضِبِ لِقَوْمِهِ بِالهِجْرَةِ عَنْهُمْ، ولِرَبِّهِ بِالخُرُوجِ عَنْهم دُونَ الِانْتِظارِ لِإذْنٍ خاصٍّ مِنهُ بِالهِجْرَةِ، ورُوِيَ [عَنِ الحَسَنِ -] أنَّ مَعْنى ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أنْ لَنْ نُعاقِبَهُ بِهَذا الذَّنْبِ، أيْ ظَنَّ أنّا نَفْعَلُ مَعَهُ فِعْلَ مَن لا يَقْدِرُ، وهو تَعْبِيرٌ عَنِ اللّازِمِ بِالمَلْزُومِ مِثْلُ التَّعْبِيرِ عَنِ العُقُوبَةِ بِالغَضَبِ، وعَنِ الإحْسانِ بِالرَّحْمَةِ وفي أمْثالِهِ كَثْرَةٌ، فَهو أحْسَنُ الأقْوالِ وأقْوَمُها - رَواهُ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ قَتادَةَ عَنْهُ وعَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ وأسْنَدَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَعْناهُ، و[كَذا -] قالَ الأصْبَهانِيُّ [عَنْهُ -] أنَّ مَعْناهُ: لَنْ نَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالعُقُوبَةِ، وأنَّهُ قالَ أيْضًا ما مَعْناهُ: فَظَنَّ أنْ لَنْ نُضَيِّقَ عَلَيْهِ الخُرُوجَ، مِنَ القَدْرِ الَّذِي مَعْناهُ الضِّيقُ، لا مِنَ القُدْرَةِ، ومِنهُ ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنِ الفَرّاءِ أنَّ نَقْدِرْ بِمَعْنى نُقَدِّرْ - مُشَدَّدًا - ونَحْكُمْ، وأنْشَدَ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صَخْرٍ الهُذَلِيِّ: ؎ولا عائِدًا ذاكَ الزَّمانُ الَّذِي مَضى تَبارَكْتَ ما نَقْدِرْ يَقَعْ [و -] لَكَ الشُّكْرُ ﴿فَنادى﴾ أيْ فاقْتَضَتْ حِكْمَتُنا أنْ عاتَبْناهُ حَتّى اسْتَسْلَمَ فَألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ فالتَقَمَهُ الحُوتُ وغاصَ بِهِ إلى قَرارِ البَحْرِ ومَنَعْناهُ مِن أنْ يَكُونَ (p-٤٦٦)لَهُ طَعامًا، فَنادى ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ مِن بَطْنِ الحُوتِ [الَّذِي -] في أسْفَلِ البَحْرِ في اللَّيْلِ، فَهي ظُلُماتٌ ثَلاثٌ - نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ﴿أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾ ولَمّا نَزَّهَهُ عَنِ الشَّرِيكِ عَمَّ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنَزَّهْتَ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، فَلا يَقْدِرُ عَلى الإنْجاءِ مِن مِثْلِ ما أنا فِيهِ غَيْرُكَ؛ ثُمَّ أفْصَحَ بِطَلَبِ الخَلاصِ بِقَوْلِهِ ناسِبًا إلى نَفْسِهِ مِنَ النَّقْصِ ما نَزَّهَ اللَّهَ عَنْ مِثْلِهِ: ﴿إنِّي كُنْتُ﴾ أيْ كَوْنًا كَبِيرًا ﴿مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ في خُرُوجِي مِن بَيْنِ قَوْمِي قَبْلَ الإذْنِ، فاعْفُ عَنِّي كَما هي شِيمَةُ القادِرِينَ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْ دُعائِهِ:

الأنبياء 21:88

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ أيْ أوْجَدْنا الإجابَةَ إيجادَ مَن هو طالِبٌ لَها تَصْدِيقًا لِظَنِّهِ أنْ لَنْ نُعاقِبَهُ «أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» والآيَةُ تُفْهِمُ أنَّ شَرْطَ الكَوْنِ مَعَ مَن يَظُنُّ الخَيْرَ دَوامُ الذِّكْرِ وصِدْقُ الِالتِجاءِ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وشَرْطُ كُلِّ مَن يَلْتَجِئُ إلى اللَّهِ أنْ يَبْتَدِئَ بِالتَّوْحِيدِ ثُمَّ بِالتَّسْبِيحِ والثَّناءِ ثُمَّ بِالِاعْتِرافِ والِاسْتِغْفارِ والِاعْتِذارِ، وهَذا شَرْطُ كُلِّ دُعاءٍ - انْتَهى. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَخَلَّصْناهُ مِمّا كانَ فِيهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، تَنْبِيهًا (p-٤٦٧)عَلى أنَّهُما نِعْمَتانِ لِأنَّ أمْرَهُ مَعَ صُعُوبَتِهِ كانَ في غايَةِ الغَرابَةِ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾ أيْ بِالعَظَمَةِ البالِغَةِ [تَنْجِيَةً عَظِيمَةً، وأنْجَيْناهُ إنْجاءً عَظِيمًا -] ﴿مِنَ الغَمِّ﴾ الَّذِي كانَ ألْجَأهُ إلى المُغاضَبَةِ ومِن غَيْرِهِ، قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ الغَمِّ الغِطاءُ عَلى القَلْبِ - انْتَهى. فَألْقاهُ الحُوتُ عَلى السّاحِلِ وأظَلَّهُ اللَّهُ بِشَجَرَةِ القَرْعِ. ولَمّا كانَ هَذا وما تَقَدَّمَهُ أُمُورًا غَرِيبَةً، أشارَ إلى القُدْرَةِ عَلى أمْثالِها مِن جَمِيعِ المُمْكِناتِ، وأنَّ ما فَعَلَهُ مِن إكْرامِ أنْبِيائِهِ عامٌّ لِأتْباعِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ذَلِكَ الإنْجاءِ العَظِيمِ الشَّأْنِ والتَّنْجِيَةِ ﴿نُنْجِي﴾ أيْ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ [إنْجاءً عَظِيمًا ونُنْجِيهِمْ تَنْجِيَةً عَظِيمَةً، ذِكْرُ التَّنْجِيَةِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى مِثْلِها ثانِيًا، وذِكْرُ الإنْجاءِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى مِثْلِهِ أوَّلًا وسِرُّ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِالمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم كَصَبْرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أشارَ إلَيْهِ بِحَدِيثِ «أشَدُّ النّاسِ بَلاءً الأنْبِياءُ ثُمَّ الأمْثَلُ فالأمْثَلُ» «يُبْتَلى المَرْءُ عَلى قَدْرِ دِينِهِ» فَيَسُلُّهم سُبْحانَهُ مِنَ البَلاءِ كَما تُسَلُّ الشَّعْرَةُ مِنَ العَجِينِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَعَ السُّرْعَةِ في لَطافَةٍ وهَناءٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِتَشْدِيدِ الجِيمِ لِإدْغامِ النُّونِ الثّانِيَةِ فِيهِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى أنَّ مَن دَعا مِنهم بِهَذا الدُّعاءِ أسْرَعَ نَجاتُهُ -]، فَإنَّ المُؤْمِنَ (p-٤٦٨)مَتى حَصَلَتْ لَهُ هَفْوَةٌ راجَعَ رَبَّهُ فَنادى مُعْتَرِفًا بِذَنْبِهِ هَذا النِّداءَ، ولاسِيَّما إنْ مَسَّهُ بِسَوْطِ الأدَبِ، فَبادَرَ إلَيْهِ الهَرَبَ.

الأنبياء 21:89

ولَمّا كانَ حاصِلُ أمْرِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ خَرَجَ مِن بَطْنٍ لَمْ يُعْهَدِ الخُرُوجُ مِن مِثْلِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قِصَّةَ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ في هِبَتِهِ لَهُ ولَدًا مِن بَطْنٍ لَمْ يُعْهَدِ [الحَمْلُ مِن -] مِثْلِهِ في العُقْمِ واليَأْسِ ناظِرًا إلى أبِيهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلِ مَن ذَكَرَ تَصْرِيفَهُ في آحادِ العَناصِرِ فِيما اتَّفَقَ لَهُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ في ابْنِهِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكْرِيرًا لِأعْلامِ القِيامَةِ وتَقْرِيرًا لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ فَقالَ: ﴿وزَكَرِيّا﴾ أيِ اذْكُرْهُ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ نِداءَ الحَبِيبِ القَرِيبِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ بِإسْقاطِ أداةِ البُعْدِ ﴿لا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ [أيْ -] مِن غَيْرِ ولَدٍ يَرِثُ ما آتَيْتَنِي مِنَ الحِكْمَةِ. ولَمّا كانَ مِنَ الوارِثِ مَن يُحِبُّ مَن يَحْجُبُهُ مِنَ الإرْثِ أوْ يُشارِكُهُ فِيهِ، ومِنهم مَن لا يُحِبُّ ذَلِكَ ويَسْعى في إهْلاكِ مَن يَحْجُبُهُ -] أوْ يَنْقُصُهُ، ومِنهم مَن يَأْخُذُ الإرْثَ فَيَصْرِفُهُ في المَصارِفِ القَبِيحَةِ عَلى ما تَدْعُوهُ إلَيْهِ شَهْوَتُهُ وحاجَتُهُ، ومِنهم مَن يَأْخُذُهُ بِعِفَّةٍ فَيُنَفِّذُ وصايا المَوْرُوثِ (p-٤٦٩)ويَصِلُ ذا قَرابَتِهِ وأهْلَ وُدِّهِ، ويَتَصَدَّقُ عَنْهُ، ويُبادِرُ إلى كُلِّ ما كانَ يُحِبُّهُ ويَنْفَعُهُ، كُلُّ ذَلِكَ لِغِنى نَفْسِهِ وكَرَمِ طَبْعِهِ مَعَ كَوْنِهِ مَجْبُولًا عَلى الحاجَةِ والنَّقْصِ، وكانَ اللَّهُ هو الغَنِيَّ الحَمِيدَ، الحَكِيمَ المَجِيدَ، قالَ مُلَوِّحًا بِمَقْصِدِهِ في أُسْلُوبِ الإلْهابِ والتَّهْيِيجِ: ”وأنْتَ“ [أيْ والحالُ أنَّكَ -] ﴿خَيْرُ الوارِثِينَ﴾ لِأنَّكَ أغْناهم عَنِ الإرْثِ وأحْسَنُهم تَصَرُّفًا، وكَثِيرًا ما تَمْنَحُ إرْثَ بَعْضِ عَبِيدِكَ عَبِيدًا آخَرِينَ، فَأنْتَ الحَقِيقُ بِأنْ تَفْعَلَ في إرْثِي مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ ما أُحِبُّهُ، فَتَهَبُنِي ولَدًا تَمُنُّ عَلَيْهِ بِذَلِكَ

الأنبياء 21:90

﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ بِعَظَمَتِنا وإنْ كانَ في حَدٍّ مِنَ السِّنِّ لا حَراكَ [بِهِ -] مَعَهُ وزَوْجُهُ في حالٍ مِنَ العُقْمِ لا يُرْجى مَعَهُ حَبَلُها، فَكَيْفَ وقَدْ جاوَزَتْ سِنَّ اليَأْسِ، ولِذَلِكَ [عَبَّرَ -] بِما يَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ يَحْيى﴾ وارِثًا حَكِيمًا نَبِيًّا عَظِيمًا ﴿وأصْلَحْنا لَهُ﴾ خاصَّةً مِن [بَيْنِ -] أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ ﴿زَوْجَهُ﴾ أيْ جَعَلْناها صالِحَةً لِكُلِّ خَيْرٍ، خالِصَةً لَهُ ولا سِيَّما لِما مَنَنّا عَلَيْهِ بِهِ مِن هَذِهِ الهِبَةِ بَعْدَ أنْ كانَتْ بِعُقْمِها وكِبَرِها غَيْرَ صالِحَةٍ لَهُ بِوَجْهٍ يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُنا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِخَيْرِيَّةِ المَوْرُوثِ والوارِثِ والمُصْلَحَةِ لِلْوِلادَةِ فَقالَ، مُؤَكِّدًا تَرْغِيبًا في مِثْلِ (p-٤٧٠)أحْوالِهِمْ وأنَّها مِمّا يُلْتَذُّ بِذِكْرِهِ ويُعْجَبُ مِن أمْرِهِ -]: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ مَجْبُولِينَ في أوَّلِ ما خَلَقْناهم جِبِلَّةَ خَيْرٍ، مُهَيَّئِينَ لِأنَّهم ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ أيْ يُبالِغُونَ في الإسْراعِ بِها مُبالَغَةَ مَن يُسابِقُ آخَرَ، ودَلَّ عَلى عَظِيمِ أفْعالِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُونَنا﴾ مُسْتَحْضِرِينَ لِجَلالِنا وعَظَمَتِنا وكَمالِنا ﴿رَغَبًا﴾ في رَحْمَتِنا ﴿ورَهَبًا﴾ مِن سَطْوَتِنا ﴿وكانُوا﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لَنا﴾ خاصَّةً ﴿خاشِعِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ خَوْفًا عَظِيمًا يَحْمِلُهم عَلى الخُضُوعِ والِانْكِسارِ.

الأنبياء 21:91

ولَمّا اسْتَدَلَّ عَلى السّاعَةِ بِما وُهِبَ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ مِن أهْلِ الطّاعَةِ مِنَ التَّصَرُّفِ في العَناصِرِ وغَيْرِها إلى أنْ ذَكَرَ أنَّهُ خَرَقَ العادَةَ في إيداعِ يَحْيى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَيْنَ والِدَيْنِ لا يُولَدُ لِمِثْلِهِما لِأنَّ أباهُ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ قَدْ صارَ إلى حالَةِ الكِبَرِ ويُبْسٍ مِنَ الأعْضاءِ عَظِيمَةٍ، وأُمَّهُ كانَتْ - مَعَ وُصُولِها إلى مِثْلِ تِلْكَ الحالِ - عاقِرًا في حالِ شَبابِها، تَلاهُ بِإبْداعِ ابْنِ خالَتِهِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي هو عِلْمٌ لِلسّاعَةِ عَلى حالٍ أغْرَبَ مِن حالِهِ، فَأخْرَجَهُ مِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ، إشارَةً إلى قُرْبِ الوَقْتِ لِضَعْفِ الأمْرِ، كَضَعْفِ الأُنْثى بِالنِّسْبَةِ إلى الذَّكَرِ، فَقالَ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ أيْ حَفِظَتْهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ (p-٤٧١)حِفْظًا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُذْكَرَ ويُتَحَدَّثَ بِهِ، لِأنَّهُ غايَةٌ في العِفَّةِ والصِّيانَةِ، والتَّخَلِّي عَنِ المَلاذِّ إلى الِانْقِطاعِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، مَعَ ما جَمَعَتْ إلى ذَلِكَ مِنَ الأمانَةِ والِاجْتِهادِ في مَتانَةِ الدِّيانَةِ ﴿فَنَفَخْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُدانِي أوْجَها نَقْصٌ، ولا يَقْرُبُ مِن ساحَتِها حاجَةٌ ولا وهْنٌ ﴿فِيها﴾ أيْ في فَرْجِها - كَما التَّحْرِيمُ، [نَفْخًا هو مِن جَنابِ عَظَمَتِنا؛ ودَلَّ عَلى عِظَمِ خُلُوصِهِ وصَفائِهِ بِقَوْلِهِ -]: ﴿مِن رُوحِنا﴾ أيْ مِن رُوحٍ يَحِقُّ لَهُ أنْ يُضافَ إلَيْنا لِجَلالَتِهِ وطَهارَتِهِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ النَّفْخِ حَبَلٌ ووَلَدٌ. ولَعَلَّهُ أضافَ [هُنا -] النَّفْخَ إلَيْها، لا إلى فَرْجِها وحْدَهُ، لِيُفِيدَ أنَّهُ - مَعَ خَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ وإفاضَةِ الحَياةِ عَلَيْهِ حِسًّا ومَعْنىً - أحْياها هي بِهِ مَعْنىً بِأنْ قَوّى بِهِ مَعانِيَها القَلْبِيَّةَ حَتّى كانَتْ صِدِّيقَةً مُتَأهِّلَةً لِزَواجِها بِخَيْرِ البَشَرِ في الجَنَّةِ، وخُصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِهَذا لِأنَّ مَقْصُودَها الدَّلالَةُ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو إفاضَةُ الأرْواحِ عَلى الأمْواتِ، قالَ الرّازِيُّ: وعَلى الجُمْلَةِ هَذِهِ عِبارَةٌ عَنْ إبْداعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في (p-٤٧٢)رَحِمِ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ مِن غَيْرِ نُطْفَةٍ. [ولِما قَدَّمْتُهُ مِنَ السِّرِّ في إفاضَةِ النَّفْخِ إلى حَمْلَتِها، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ -]: ﴿وجَعَلْناها وابْنَها﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ العُظْمى ﴿آيَةً﴾ جَعَلَهُما نَفْسَ الآيَةِ لِكَثْرَةِ ما كانَ فِيهِما مِنَ الأعاجِيبِ. ولَمّا كانَ ما فِيهِما مِن ذَلِكَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذاتِهِ، بَلْ لِتَقْرِيرِ أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقُلْ: آيَتَيْنِ، أوْ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ نَفْسَ العَدَدِ مَقْصُودٌ فَيَنْقُصَ المَعْنى ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ أيْ في أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ لا سِيَّما البَعْثُ الَّذِي هو آيَتُهُ، يَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ بَعْدَهُما جِيلٌ بَعْدَ جِيلٍ، وعالَمٌ بَعْدَ عالَمٍ، وأُمَّةٌ بَعْدَ أُمَّةٍ، إلى قِيامِ السّاعَةِ الَّتِي هو عَلَمُها، وحَفِظْنا ابْنَها بِعِلْمِنا وحِكْمَتِنا وقُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا مِمَّنْ كادَهُ، ورَفَعْناهُ إلى مَحَلِّ قُدْسِنا، وخَتَمَ بِهِ الأنْبِياءَ المَذْكُورِينَ هُنا لِأنَّهُ خاتَمُ المُجَدِّدِينَ لِهَذا الدِّينِ المُحَمَّدِيِّ، وهو دَلِيلُ السّاعَةِ، وكِتابُهُ أعْظَمُ كِتابٍ بَعْدَ التَّوْراةِ الَّتِي ابْتَدَأ بِصاحِبِها ذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حاشى القُرْآنِ الَّذِي عَجَزَتْ لِبَلاغَتِهِ الإنْسُ والجانُّ. (p-٤٧٣)ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ آيَةً مِنَ الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى أحَدُ المُتَرْجِمِينَ الأرْبَعَةِ لِلْإنْجِيلِ وأغْلَبُ السِّياقِ لَهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ مَقْتَلَ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى في [آلِ عِمْرانَ ]: فَلَمّا سَمِعَ يَسُوعُ مَضى مِن هُناكَ في سَفِينَةٍ إلى البَرِّيَّةِ مُفْرَدًا، وسَمِعَ الجَمْعُ فَتَبِعُوهُ ماشِينَ مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجَ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ وأبْرَأ أعِلّاءَهم ومَرْضاهم وقالَ مُرْقُسُ: فَلَمّا خَرَجَ يَسُوعُ أبْصَرَ جَمْعًا كَثِيرًا فَتَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم كانُوا كَخِرافٍ لا راعِيَ لَها فَبَدَأ يُعَلِّمُهُمْ، وبَعْدَ ساعاتٍ كَثِيرَةٍ جاءَ تَلامِيذُهُ إلَيْهِ، وقالَ مَتّى: ولَمّا كانَ المَساءُ أتى تَلامِيذُهُ وقالُوا: إنَّ المَكانَ قَفْرٌ، والسّاعَةَ قَدْ جازَتْ، [أطْلِقِ -] الجَمْعَ يَذْهَبُوا إلى القُرى المُحِيطَةِ فَيَبْتاعُوا لَهم طَعامًا، فَقالَ لَهُمْ: أعْطُوهم أنْتُمْ لِيَأْكُلُوا، فَقالُوا: لَيْسَ هَهُنا إلّا خَمْسُ خُبْزاتٍ وحُوتانِ، فَقالَ [لَهم -] قَدِّمُوهم إلى هَهُنا وأمَرَ بِإجْلاسِ الجَمِيعِ عَلى العُشْبِ، وقالَ مُرْقُسُ: الأخْضَرِ أحْزابًا أحْزابًا، فَجَلَسُوا رِفاقًا رِفاقًا مِائَةً مِائَةً وخَمْسِينَ خَمْسِينَ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالَ لِفِيلَبَّسَ: مِن أيْنَ نَبْتاعُ لِهَؤُلاءِ خُبْزًا؟ قالَهُ لِيُجَرِّبَهُ، فَقالَ فِيلَبَّسُ: ما يَكْفِيهِمْ خُبْزٌ بِمِائَتَيْ دِينارٍ، وقالَ (p-٤٧٤)إنْدِراوِسْ أخُو شَمْعُونَ الصَّفاءِ: إنَّ هاهُنا حَدَثًا مَعَهُ خَمْسَةُ أرْغِفَةِ شَعِيرٍ وسَمَكَتانِ، فَقالَ يَسُوعُ: مُرُوا النّاسَ بِالجُلُوسِ، وقالَ مَتّى: وأخَذَ الخَمْسَ خُبْزاتٍ والحُوتَيْنِ، ونَظَرَ إلى السَّماءِ وبارَكَ وقَسَّمَ وأعْطى الخُبْزَ لِتَلامِيذِهِ، وقالَ مُرْقُسُ: وقَسَّمَ الحُوتَيْنِ وناوَلَ التَّلامِيذُ الجَمِيعَ فَأكَلَ جَمِيعُهم وشَبِعُوا ورَفَعُوا مِن فَضَلاتِ الكِسَرِ اثْنَيْ عَشَرَ سَلًّا مَمْلُوءَةً، ومِنَ السَّمَكِ، وكانَ عَدَدُ الآكِلِينَ خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ، [وقالَ مَتّى -]: سِوى النِّساءِ والصِّبْيانِ، وقالَ يُوحَنّا: فَقالُوا: حَقًّا إنَّ هَذا هو النَّبِيُّ الجائِي إلى العالَمِ، فَعَلِمَ يَسُوعُ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا لِيَحْتَفِظُوا بِهِ ويُصَيِّرُوهُ مَلِكًا، فَتَحَوَّلَ إلى الجَبَلِ، وقالَ مَتّى: ولِلْوَقْتِ أمَرَ تَلامِيذَهُ أنْ يَصْعَدُوا إلى السَّفِينَةِ ويَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ لِيُطْلِقَ الجُمُوعَ، وقالَ يُوحَنّا: لِيَعْبُرُوا إلى كَفْرِ ناحُومَ وكانَ ظَلامًا، وقالَ مَتّى: فَأطْلَقَ الجَمْعَ وصَعِدَ إلى الجَبَلِ مُنْفَرِدًا يُصَلِّي، وقالَ مُرْقُسُ: ولِلْوَقْتِ تَقَدَّمَ إلى تَلامِيذِهِ بِرُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ و”أنْ“ يَسْبِقُوهُ إلى العَبْرِ عِنْدَ بَيْتِ صَيْدا لِيُطْلِقَ [هُوَ الجَماعَةَ -]، فَلَمّا ودَّعَهم وذَهَبَ إلى الجَبَلِ لِيُصَلِّي، قالَ مَتّى: فَلَمّا كانَ المَساءُ وكانَ وحْدَهُ هُناكَ (p-٤٧٥)والسَّفِينَةُ في وسَطِ البَحْرِ، فَضَرَبَتْها الأمْواجُ لِمُعانَدَةِ الرِّيحِ لَها، قالَ يُوحَنّا: فَمَضَوْا نَحْوَ خَمْسٍ وعِشْرِينَ غَلْوَةً أوْ ثَلاثِينَ، وقالَ مَتّى: وفي الهَجْعَةِ الرّابِعَةِ مِنَ اللَّيْلِ جاءَهم ماشِيًا عَلى البَحْرِ فاضْطَرَبُوا وقالُوا: إنَّهُ خَيالٌ، ومِن خَوْفِهِمْ صَرَخُوا، فَكَلَّمَهم قائِلًا: أنا هُوَ، لا تَخافُوا، أجابَهُ بُطْرُسُ وقالُوا: إنْ كُنْتَ أنْتَ هو فَمُرْنِي أنْ آتِيَ إلَيْكَ عَلى الماءِ، فَقالَ لَهُ: تَعالَ! فَنَزَلَ بُطْرُسُ مِنَ السَّفِينَةِ ومَشى عَلى الماءِ، فَرَأى قُوَّةَ الرِّيحِ فَخافَ، وكادَ أنْ يَغْرَقَ فَصاحَ قائِلًا: يا رَبُّ نَجِّنِي! فَلِلْوَقْتِ مَدَّ يَسُوعُ يَدَهُ وأخَذَهُ وقالَ لَهُ: يا قَلِيلَ الأمانَةِ! لِمَ شَكَكْتَ؟ فَلَمّا صَعِدَ السَّفِينَةَ سَكَنَتِ الرِّيحُ، قالَ يُوحَنّا: ولِلْوَقْتِ صارَتْ إلى الأرْضِ الَّتِي أرادُوها، وفي الغَدِ نَظَرَتِ الجُمُوعُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في عَبْرِ البَحْرِ أنْ لَيْسَ هُناكَ سِوى سَفِينَةٍ واحِدَةٍ، وأنَّ يَسُوعَ لَمْ يَرْكَبْها مَعَ تَلامِيذِهِ لَكِنَّ تَلامِيذَهُ مَضَوْا وحْدَهُمْ، وكانَتْ سُفُنٌ أُخَرُ وافَتْ مِن طَبَرِيَّةَ حَتّى انْتَهَتْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي أكَلُوا الخُبْزَ الَّذِي بارَكَ عَلَيْهِ، فَحِينَ لَمْ يَرَ الجَماعَةُ يَسُوعَ هُناكَ ولا تَلامِيذَهُ، رَكِبُوا تِلْكَ السُّفُنَ، وأتَوْا إلى كَفْرِ ناحُومَ يَطْلُبُونَ يَسُوعَ، فَلَمّا قَصَدُوهُ في عَبْرِ البَحْرِ قالُوا لَهُ: يا مُعَلِّمُ! مَتى صِرْتَ هاهُنا؟ أجابَ يَسُوعُ وقالَ: الحَقَّ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! إنَّكم لَمْ تَطْلُبُونِي لِنَظَرِكُمُ الآياتِ بَلْ لِأكْلِكُمُ الخُبْزَ فَشَبِعْتُمُ، اعْمَلُوا لا لِلطَّعامِ الزّائِلِ بَلْ لِلطَّعامِ الباقِي في الحَياةِ المُؤَبَّدَةِ (p-٤٧٦)الَّذِي يُعْطِيكُمُوهُ ابْنُ البَشَرِ، ثُمَّ قالَ: لَسْتُ أعْمَلُ بِمَشِيئَتِي، لَكِنْ بِمَشِيئَةِ الَّذِي أرْسَلَنِي، ثُمَّ قالَ: قَدْ كُتِبَ في الأنْبِياءِ أنَّهم يَكُونُونَ بِأجْمَعِهِمْ مُعَلِّمِينَ، الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ! مَن يُؤْمِن بِي فَلَهُ الحَياةُ الدّائِمَةُ، قالُوا: ما نَصْنَعُ حَتّى نَعْمَلَ أعْمالَ اللَّهِ؟ قالَ: عَمَلُ اللَّهِ هو أنْ تُؤْمِنُوا بِمَن أرْسَلَهُ، قالَ مَتّى: ولَمّا عَبَرُوا جاؤُوا إلى أرْضِ جاناشَرَ، قالَ مُرْقُسُ: فَأرْسَوْا وخَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ - انْتَهى. فَعَرَفَهُ أهْلُ ذَلِكَ المَكانِ وأرْسَلُوا إلى جَمِيعِ تِلْكَ الكُوَرِ فَقَدَّمُوا إلَيْهِ[ كُلَّ المَسْقُومِينَ وطَلَبُوا إلَيْهِ -] أنْ يَلْمِسُوا طَرَفَ ثَوْبِهِ فَقَطْ، وكُلُّ مَن لَمَسَهُ خَلَصَ.

الأنبياء 21:92

ولَمّا دَلَّ ما مَضى مِن قِصَصِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ عَلى أنَّ لِلَّهِ القُدْرَةَ الباهِرَةَ، والقُوَّةَ البالِغَةَ الشّامِلَةَ لِلْبَعْثِ وغَيْرِهِ، وكانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ، وأنَّهم كُلَّهم مُتَّفِقُونَ عَلَيْهِ بِالتَّصْرِيحِ مِنَ البَعْضِ هُنا ومِنَ الباقِينَ فِيما سَبَقَ، كانَ إثْباتُهُ فَذْلَكَةَ هَذِهِ القِصَصِ وما تَقَدَّمَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ، فَلِذَلِكَ اتَّصَلَ بِهِ قَوْلُهُ مُخاطِبًا لِمَن قالَ لَهُمْ: أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ: ﴿إنَّ هَذِهِ﴾ أيِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ أرْسَلْناهم قَبْلَ نَبِيِّكم ﷺ رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ كَما أنَّهُ رَجُلٌ نُوحِي إلَيْهِ (p-٤٧٧)[لا آباؤُكم ولا ما وجَدْتُمُوهُ عَلَيْهِ -] ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ مَقْصُودُكم أيُّها الخَلْقُ بِالِاقْتِداءِ في الِاهْتِداءِ، حالَ كَوْنِها ﴿أُمَّةً﴾ قالَ البَغْوِيُّ: وأصْلُ الأُمَّةِ الجَماعَةُ الَّتِي [هِيَ -] عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ - انْتَهى. وأكَّدَ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى فَقالَ: ﴿واحِدَةً﴾ كَما في الخَبَرِ «أنَّهم أوْلادُ عَلّاتٍ. أُمَّهاتُهم شَتّى ودِينُهم واحِدٌ». لا اخْتِلافَ بَيْنَهم أصْلًا في التَّوْحِيدِ الَّذِي هو الأصْلُ ولا في تَوْجِيهِ الرَّغَباتِ إلَيْنا، وقَصْرِ النَّظَرِ عَلَيْنا، عِلْمًا مِنهم بِما لَنا مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَإلَيْنا مُفْتَقِرٌ، ولَدَيْنا خاضِعٌ مُنْكَسِرٌ، فاتَّبِعُوهم في ذَلِكَ، لا تَحِيدُوا عَنْهم تَضِلُّوا، وإنَّما فَرَّقْناهم وجَعَلْناهم [عَدَدًا -] بِحَسَبِ الأُمَمِ المُتَشَعِّبَةِ في الأزْمانِ المُتَطاوِلَةِ، وأنّا لَمْ نَجْعَلْ لِأحَدٍ مِنهُمُ الخُلْدَ، [و -] لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ، فَبَثَثْناهم في الأقْطارِ، حَتّى مَلَؤُوها مِنَ الأنْوارِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْيِينَ المُرادِ مِن غَيْرِ لَبْسٍ، عَدَلَ عَنْ صِيغَةِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيْ لا غَيْرِي، في كُلِّ زَمانٍ وكُلِّ مَكانٍ، لِكُلِّ أُمَّةٍ، لِأنِّي لا أتَغَيَّرُ عَلى طُولِ الدَّهْرِ، ولا يَشْغَلُنِي شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ ﴿فاعْبُدُونِ﴾ دُونَ غَيْرِي فَإنَّهُ لا كُفْؤَ لِي.

الأنبياء 21:93

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا، أعْرَضَ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ (p-٤٧٨)إيذانًا بِالغَضَبِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما فَعَلُوا؟: لَمْ يُطِيعُوا أمْرِي في الِاجْتِماعِ عَلى ما جَمَعْتُهم عَلَيْهِ مِن عِبادَتِي الَّتِي هي سَبَبٌ لِجَلْبِ كُلِّ خَيْرٍ، ودَفْعِ كُلِّ ضَيْرٍ ولا اقْتَدَوْا في ذَلِكَ بِالكُمَّلِ مِن عِبادِي، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وتَقَطَّعُوا﴾ أيْ مُخالَفَةً لِلْأمْرِ بِالِاجْتِماعِ، ولَمّا كانَ الدِّينُ الحَقُّ مِنَ الجَلاءِ والعَظَمَةِ والمُلاءَمَةِ لِلنُّفُوسِ بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ ولا يَأْباهُ أحَدٌ نَصَحَ لِنَفْسِهِ وإنْ جَهِلَهُ، كَفى أدْنى تَنْبِيهٍ في المُبادَرَةِ إلَيْهِ وتَرْكِ ما سِواهُ كائِنًا ما كانَ، فَكانَ خُرُوجُ الإنْسانِ عَنْهُ بَعْدَ أنْ كانَ عَلَيْهِ في غايَةِ البُعْدِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَتَكَلَّفَ ذَلِكَ بِمُنازَعَةِ غَيْرِهِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِافْتِراقِ والتَّباغُضِ ولا سِيَّما إنْ كانَ ذَلِكَ الغَيْرُ قَرِيبَهُ أوْ صَدِيقَهُ، وكانَتْ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ مِنَ القَطْعِ صَرِيحَةً في التَّفَرُّقِ، وتُفِيدُ العِلاجَ والتَّكَلُّفَ، وكانَتْ تَأْتِي بِمَعْنى التَّفْعِيلِ والِاسْتِفْعالِ، عَبَّرَ بِها. ولَمّا كانَ في غايَةِ البُعْدِ أنْ يَقْطَعَ الإنْسانُ أمْرَ نَفْسِهِ، كانَ تَقْدِيمُ الأمْرِ أهَمَّ فَقالَ: ﴿أمْرَهُمْ﴾ فَنَصَبَهُ بِفِعْلِ التَّقَطُّعِ لِأنَّهُ بِمَعْنى التَّقْطِيعِ كَما قالَهُ البَغْوِيُّ وغَيْرُهُ، أوْ بِمَعْنى الِاسْتِفْعالِ كَما قالُوا في تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ. ولَمّا كانَ في غايَةٍ مِنَ العَجَبِ أنْ يَكُونَ التَّقْطِيعُ واقِعًا مِنهم بِهِمْ (p-٤٧٩)وأنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا لِظَرْفِهِ، [- قالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ فَكانُوا فِرَقًا كُلُّ فِرْقَةٍ عَلى شُعْبَةٍ مِن ضَلالٍ، زَيَّنَها لَها هَواها، فَلَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِنَ الأمْرِ بِغَيْرِ تَقْطِيعٍ]، وكانَ العَطْفُ بِالواوِ دُونَ الفاءِ كَما في ”المُؤْمِنُونَ“ لِأنَّ تَرْكَ العِبادَةِ لَيْسَ سَبَبًا لِلتَّقَطُّعِ، بَلْ رُبَّما كانَ عَنْهُ الِاجْتِماعُ عَلى الضَّلالِ، كَما يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ وكَما قالَ تَعالى ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] الآيَةَ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤] ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ؟ قالَ ما هو غايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى باهِرِ العَظَمَةِ وتامِّ القُدْرَةِ لِيَكُونَ أشَدَّ في الوَعِيدِ، وصادِعَ التَّهْدِيدِ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الفِرَقِ وإنْ بالَغَ في التَّمَرُّدِ ﴿إلَيْنا﴾ عَلى عَظَمَتِنا الَّتِي لا يُكافِئُها شَيْءٌ، لا إلى غَيْرِنا ﴿راجِعُونَ﴾ فَنَحْكُمُ بَيْنَهم فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنّا نُجازِيهِمْ إقامَةً لِلْعَدْلِ فَنُعْطِي [كُلًّا مِنَ -] المُحِقِّ التّابِعِ لِأصْفِيائِنا والمُبْطِلِ المائِلِ إلى الشَّياطِينِ أعْدائِنا ما يَسْتَحِقُّهُ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى، فارِقًا بَيْنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ وتَشْوِيقًا بِالفَضْلِ:

الأنبياء 21:94

﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ أيْ مِنهُمُ الآنَ ﴿مِنَ الصّالِحاتِ وهُوَ﴾ أيْ (p-٤٨٠)والحالُ أنَّهُ ﴿مُؤْمِنٌ﴾ أيْ بانٍ لِعَمَلِهِ عَلى الأساسِ الصَّحِيحِ ﴿فَلا كُفْرانَ﴾ أيْ إبْطالَ بِالتَّغْطِيَةِ ﴿لِسَعْيِهِ﴾ بَلْ نَحْنُ نَجْزِيهِ عَلَيْهِ بِما يَسْتَحِقُّهُ ونَزِيدُهُ مِن فَضْلِنا ﴿وإنّا لَهُ﴾ أيْ لِسَعْيِهِ الآنَ عَلى عَظَمَتِنا ﴿كاتِبُونَ﴾ وما كَتَبْناهُ فَهو غَيْرُ ضائِعٍ، بَلْ باقٍ، لِنُطْلِعَهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الجَزاءِ بَعْدَ أنْ نُعْطِيَهُ قُدْرَةً عَلى تَذَكُّرِهِ، فَلا يَفْقِدُ مِنهُ شَيْئًا قَلَّ أوْ جَلَّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ قِسْمَيْهِ ”ومَن يَعْمَلْ مِنَ السَّيِّئاتِ وهو كافِرٌ فَلا نُقِيمُ لَهُ وزْنًا“ و”مَن عَمِلَ مِنها وهو مُؤْمِنٌ فَهو في مَشِيئَتِنا“، ولَعَلَّهُ حَذَفَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ تَرْغِيبًا في الإيمانِ.

الأنبياء 21:95

ولَمّا كانَ هَذا غَيْرَ صَرِيحٍ في أنَّ هَذا الرُّجُوعَ بَعْدَ المَوْتِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَرامٌ﴾ أيْ ومَمْنُوعٌ ومَحْجُورٌ ﴿عَلى قَرْيَةٍ﴾ أيْ أهْلِها ﴿أهْلَكْناها﴾ أيْ بِالمَوْتِ بِعَظَمَتِنا ﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ أيْ إلَيْنا بِأنْ يَذْهَبُوا تَحْتَ التُّرابِ باطِلًا مِن غَيْرِ إحْساسٍ، بَلْ إلَيْنا بِمَوْتِهِمْ [رَجَعُوا -] فَحَبَسْناهم في البَرْزَخِ مُنَعَّمِينَ أوْ مُعَذَّبِينَ نَعِيمًا وعَذابًا دُونَ النَّعِيمِ والعَذابِ الأكْبَرِ، ولَقَدْ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ قَوْلُهُ:

الأنبياء 21:96

﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ﴾ بِفَتْحِ السَّدِّ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُنا لَهُ، [وأنَّ فَتْحَهُ لا بُدَّ مِنهُ وقِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِالتَّشْدِيدِ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ التَّفْتِيحِ أوْ عَلى كَثْرَةِ الخارِجِينَ مِنَ الفَتْحِ وإنْ كانَ فُرْجَةً واحِدَةً كَما أشارَ إطْلاقُ قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ -] (p-٤٨١)﴿يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾ فَخَرَجُوا عَلى النّاسِ؛ وعَبَّرَ عَنْ كَثْرَتِهِمُ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هو سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿مِن كُلِّ حَدَبٍ﴾ أيْ نَشَزٍ عالٍ مِنَ الأرْضِ ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أيْ يُسْرِعُونَ، مِنَ النَّسَلانِ وهو تَقارُبُ الخُطا مَعَ السُّرْعَةِ كَمَشْيِ الذِّئْبِ، وفي العِبارَةِ إيماءٌ [إلى -] أنَّ الأرْضَ كُرَيَّةٌ

الأنبياء 21:97

﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ وهو حَشْرُ الأمْواتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، إذا وجَدَ قُرْبًا عَظِيمًا، كَأنَّ الوَعْدَ طالِبٌ لَهُ ومُجْتَهِدٌ فِيهِ. ولَمّا دَلَّتْ صِيغَةُ ”افْتَعَلَ“ عَلى شِدَّةِ القُرْبِ كَما في الحَدِيثِ «أنَّ السّاعَةَ إذْ ذاكَ مِثْلُ الحامِلِ المُتِمِّ،» عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ جَوابًا لِإذا: كانَ ذَلِكَ الوَعْدُ فَقامَ النّاسُ مِن قُبُورِهِمْ: ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾ أيْ واقِفَةٌ جامِدَةٌ لا تَطْرِفُ لِما دَهَمَهم مِنَ الشِّدَّةِ، [ويَجُوزُ -] وهو أقْرَبُ - أنْ تَكُونَ ”إذا“ هَذِهِ الفُجائِيَّةُ [هِيَ جَوابَ ”إذا“ الشَّرْطِيَّةِ، وهي تَقَعُ في المَجازاتِ سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ، فَإذا جاءَتِ الفاءُ مَعَها مُتَفاوِتَةً عَلى وصْلِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ فَيَتَأكَّدُ، فالمَعْنى -]: إذا كانَ الفَتْحُ ووَقَعَ ما تَعْقُبُهُ فاجَأتِ الشُّخُوصَ ﴿أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِنهُمْ، لَمّا بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَهُ مِنَ (p-٤٨٢)الأهْوالِ، قائِلِينَ: ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ حَضَرَنا الوَيْلُ فَهو نَدِيمُنا فَلا مَدْعُوَّ لَنا غَيْرُهُ ﴿قَدْ كُنّا﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٍ مِنَ اعْتِقادِ هَذا البَعْثِ فَكُنّا نُكَذِّبُ بِهِ فَعَمَّتْنا الغَفْلَةُ. ولَمّا كانَ مِنَ الوُضُوحِ في الدَّلائِلِ والرُّسُوخِ في الخَواطِرِ بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ، أضْرَبُوا عَنِ الغَفْلَةِ فَقالُوا: ﴿بَلْ كُنّا ظالِمِينَ﴾ أيْ بِعَدَمِ اعْتِقادِهِ واضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ حَيْثُ أعْرَضْنا عَنْ تَأمُّلِ دَلائِلِهِ، والنَّظَرِ في مَخايِلِهِ، وتَقَبُّلِ كَلامِ الرُّسُلِ فِيهِ، فَأنْكَرْنا ما هو أضْوَأُ مِنَ الشَّمْسِ.

الأنبياء 21:98

ولَمّا كانَ هَذا مَحَلًّا يَخْطُرُ بِالبالِ فِيهِ آلِهَتُهم بِما يَتَرَجَّوْنَهُ مِنها مِنَ النَّفْعِ، قالَ مُخاطِبًا لَهم إرادَةَ التَّعْنِيفِ والتَّحْقِيرِ: ﴿إنَّكُمْ﴾ وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَ الخَبَرِ: ﴿وما تَعْبُدُونَ﴾ أيُّها المُشْرِكُونَ مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ؛ ولَمّا كانُوا يَتَعَبَّدُونَ لَهُ سُبْحانَهُ طَوْعًا وكَرْهًا مَعَ الإشْراكِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ رُتْبَةَ ما عَبَدُوهُ مِن أدْنى المَراتِبِ الكائِنَةِ تَحْتَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفْؤَ لَهُ؛ ولَمّا كانُوا يُرْمى بِهِمْ في جَهَنَّمَ رَمْيَ الحِجارَةِ الصِّغارِ الَّتِي تُسَمّى الحَصْباءَ إلى المَحْصُوبِ إسْراعًا وإكْراهًا، فَيَكُونُونَ وقُودَها مِن غَيْرِ إخْراجٍ، قالَ: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ بِها بِالتَّجَهُّمِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ؛ ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ أيْ (p-٤٨٣)داخِلُونَ دُخُولَ وِرْدِ الحُمّى عَلى حالَةٍ هي بَيْنَ السَّوادِ بِالدُّخانِ والِاحْمِرارِ بِاللَّهَبِ.

الأنبياء 21:99

ولَمّا قَرَعَهم مِن هَذا الكَلامِ بِما لا جَوابَ لَهم [عَنْهُ -] غَيْرَ المُكابَرَةِ، أعْرَضَ عَنْهُمُ الخِطابَ اسْتِهانَةً بِهِمْ واحْتِقارًا لَهم فَقالَ: ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ﴾ أيِ الَّذِينَ أهَّلُوهم لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ وهم في الحَقارَةِ بِحَيْثُ يُقْذَفُ بِهِمْ في النّارِ قَذْفًا ﴿آلِهَةً﴾ أيْ كَما زَعَمَ العابِدُونَ لَهم ﴿ما ورَدُوها﴾ أيْ جَهَنَّمَ أصْلًا، فَكَيْفَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهم [وعَنْها -] بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلٌّ﴾ أيْ مِنهم ومِنها ﴿فِيها﴾ أيْ جَهَنَّمَ ﴿خالِدُونَ﴾ لا انْفِكاكَ لَهم عَنْها، بَلْ يُحْمى بِكُلٍّ مِنهم فِيها عَلى الآخَرِ

الأنبياء 21:100

﴿لَهُمْ﴾ أيْ لِمَن فِيهِ الحَياةُ مِنَ المَذْكُورِينَ العابِدِينَ مُطْلَقًا والمَعْبُودِينَ الرّاضِينَ كَفِرْعَوْنَ ﴿فِيها زَفِيرٌ﴾ أيْ تَنَفُّسٌ عَظِيمٌ عَلى غايَةٍ مِنَ الشَّدِّ والمَدِّ. تَكادُ تَخْرُجُ مَعَهُ النَّفْسُ، ويُقْرَنُونَ بِآلِهَتِهِمْ زِيادَةً في عَذابِهِمْ حَيْثُ جُعِلَ المَعْبُودُ الَّذِي كانَ يُطْلَبُ مِنهُ السَّعادَةُ زِيادَةً في الشَّقاوَةِ فَصارَ عَدُوًّا ولا يَكُونُ أنْكَأ مِن مُقارَنَةِ العَدُوِّ. ولَمّا كانَتْ تَعْمِيَةُ الأخْبارِ مِمّا يَعْدِمُ القَرارَ، ويُعَظِّمُ الأكْدارَ، (p-٤٨٤)قالَ ﴿وهم فِيها لا يَسْمَعُونَ﴾ حَذَفَ المُتَعَلِّقَ تَعْمِيمًا لِكُلِّ مَسْمُوعٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنافِسِيُّ ثَنا ابْنُ فُضَيْلٍ ثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ - يَعْنِي المَسْعُودِيَّ - عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إذا بَقِيَ مَن يَخْلُدُ في النّارِ جُعِلُوا في تَوابِيتَ مِن نارٍ فِيها مَسامِيرُ مِن نارٍ فَلا يَرى أحَدٌ مِنهم أنَّهُ يُعَذَّبُ في النّارِ غَيْرُهُ، ثُمَّ تَلا عَبْدُ اللَّهِ - يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ، قالَ: ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ حَجّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ المَسْعُودِيِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ خَبّابٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ.

الأنبياء 21:101

ولَمّا ذَكَرَ حالَهم وحالَ مَعْبُودِيهِمْ بِغايَةِ الوَيْلِ، كانَ مَوْضِعَ السُّؤالِ عَمَّنْ عَبَدُوهم مِنَ الصّالِحِينَ مِن نَبِيٍّ أوْ مَلَكٍ وغَيْرِهِما مِن جَمِيعِ مَن عَبَدَهُ سُبْحانَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّهم لَيْسُوا مُرادِينَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّهم وغَيْرَهم مِنَ الصّالِحِينَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا﴾ أيْ ولَنا العَظَمَةُ الَّتِي لا يُحاطُ بِها ﴿الحُسْنى﴾ أيِ الحُكْمُ بِالمَوْعِدَةِ البالِغَةِ في الحُسْنِ في الأزَلِ سَواءٌ ضَلَّ بِأحَدٍ مِنهُمُ الكُفّارُ فَأطْرَوْهُ أوْ لا ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿عَنْها﴾ [أيْ جَهَنَّمَ -]. ولَمّا كانَ الفَوْزُ مُطْلَقَ الإبْعادِ عَنْها لا كَوْنَهُ مِن مُبْعِدٍ مُعَيَّنٍ، قالَ: (p-٤٨٥)﴿مُبْعَدُونَ﴾ بِرَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّهم أحْسَنُوا في العِبادَةِ واتَّقَوْا، وهَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: قالَ أبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ: [حَدَّثَنا -] مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَهْلٍ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الأنْماطِيُّ ثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَرْعَرَةَ ثَنا يَزِيدُ بْنُ [أبِي -] حَكِيمٍ أنَّ الحَكَمَ - يَعْنِي ابْنَ أبانٍ - عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «جاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرى إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قالَ ابْنُ الزِّبَعْرى: قَدْ عُبِدَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ والمَلائِكَةُ وعُزَيْرٌ وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ أكُلُّ هَؤُلاءِ في النّارِ مَعَ آلِهَتِنا؟ فَنَزَلَتْ ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] ﴿وقالُوا أآلِهَتُنا خَيْرٌ أمْ هو ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا بَلْ هم قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] ثُمَّ نَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾» رَواهُ الحافِظُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ في كِتابِهِ ”الأحادِيثُ المُخْتارَةُ“ انْتَهى. وفي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا بَلَغَهُ اعْتِراضُ ابْنِ الزِّبَعْرى قالَ: «كُلُّ مَن أحَبَّ (p-٤٨٦)أنْ يُعْبَدَ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو [مَعَ -] مَن عَبَدَهُ، إنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ الشَّياطِينَ ومَن أمَرَتْهم بِعِبادَتِهِ» وقَدْ أسْلَمَ ابْنُ الزِّبَعْرى بَعْدَ ذَلِكَ ومَدَحَ النَّبِيَّ ﷺ.

الأنبياء 21:102

ولَمّا كانَ أقَلَّ ما يَنْكِئُ مِنَ المَكْرُوهِ سَماعُهُ، قالَ: ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ أيْ حَرَكَتَها البالِغَةَ وصَوْتَها الشَّدِيدَ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ لِأنَّ الحِسَّ مُطْلَقُ الصَّوْتِ أوِ الخَفِيُّ مِنهُ كَما قالَ البَغْوِيُّ، فَإذا زادَتْ حُرُوفُهُ زادَ مَعْناهُ ﴿وهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى ﴿فِي ما﴾ ولَمّا كانَتِ الشَّهْوَةُ - وهي طَلَبُ النَّفْسِ اللَّذَّةَ - لا تَكُونُ إلّا بَلِيغَةً، عَبَّرَ بِالِافْتِعالِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ ما هم فِيهِ مِنَ اللَّذَّةِ فَقالَ: ﴿اشْتَهَتْ أنْفُسُهُمْ﴾ في الجَنَّةِ ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ دائِمًا أبَدًا.

الأنبياء 21:103

ولَمّا كانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّ سُرُورَهم لَيْسَ لَهُ زَوالٌ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ﴾ [أيْ يُدْخِلُ عَلَيْهِمْ حُزْنًا - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ حَتّى نافِعٍ بِالفَتْحِ، عَنْ حَزَنَهُ، أوْ جَعْلُهم حَزِينِينَ - عَلى قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ بِضَمٍّ ثُمَّ كَسْرٍ، مِن أحْزَنَهُ - رُباعِيًّا، فَهي أشَدُّ، فالمَنفِيُّ فِيها كَوْنُهُ يَكُونُ لَهم صِفَةً -] (p-٤٨٧)﴿الفَزَعُ الأكْبَرُ﴾ أيْ فَما الظَّنُّ بِما دُونَهُ ﴿وتَتَلَقّاهُمُ﴾ أيْ تَلَقِّيًا بالِغًا في الإكْرامِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ حَيْثُما تَوَجَّهُوا، قائِلِينَ بِشارَةً لَهُمْ: ﴿هَذا يَوْمُكُمُ﴾ إضافَةً إلَيْهِمْ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ في الدُّنْيا. [ولَمّا تَطابَقَ عَلى الوَعْدِ فِيهِ الرُّسُلُ والكُتُبُ والأوْلِياءُ مِن جَمِيعِ الأتْباعِ، بَنى الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ إفادَةً لِلْعُمُومِ فَقالَ -]: ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ بِحُصُولِ ما تَتَمَنَّوْنَ فِيهِ مِنَ النَّصْرِ والفَوْزِ العَظِيمِ، والنَّعِيمِ المُقِيمِ، فَأبْشِرُوا فِيهِ بِجَمِيعِ ما يَسُرُّكم.

الأنبياء 21:104

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ عَلى غايَةٍ مِنَ الأهْوالِ، تَتَشَوَّفُ بِها النَّفْسُ إلى مَعْرِفَةِ اليَوْمِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ، قالَ تَعالى شافِيًا لِعَيِّ هَذا السُّؤالِ، زِيادَةً في تَهْوِيلِ ذَلِكَ اليَوْمِ لِمَن لَهُ وعْيٌ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ تَكُونُ هَذِهِ الأشْياءُ يَوْمَ ﴿نَطْوِي﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿السَّماءَ﴾ طَيًّا فَتَكُونُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ؛ ثُمَّ صَوَّرَ طَيَّها بِما يَعْرِفُونَ فَقالَ مُشَبِّهًا لِلْمَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ أيِ الكِتابِ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ والقُدْرَةُ عَلى مَكْتُوبِهِ ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أيِ القِرْطاسِ الَّذِي يَكْتُبُهُ ويُرْسِلُهُ (p-٤٨٨)أحَدٌ، وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ السِّجِلَّ يُطْلَقُ عَلى الكِتابِ وعَلى الكاتِبِ - قالَهُ في القامُوسِ، واخْتِيرَ لِلْفاعِلِ لَفْظُ السِّجِلِّ لِما مَضى في سُورَةِ هُودٍ مِن أنَّ هَذِهِ المادَّةَ تَدُورُ عَلى العُلُوِّ، ولِلْمَطْوِيِّ لَفْظُ الكِتابِ الدّالُّ عَلى الجَمْعِ، لِكَوْنِهِ لازِمًا لِلطَّيِّ، مَعَ أنَّ ذَلِكَ أنْسَبُ لِما جُعِلَ كُلٌّ مِنهُما مِثالًا لَهُ، وقِراءَةُ المُفْرَدِ لِمُقابَلَةِ لَفْظِ السَّماءِ، والجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُرادَ الجِنْسُ، فَجَمِيعُ السَّماواتِ تُطْوى؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أبِي ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَجّاجِ الرَّقِّيُّ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أبِي الواصِلِ عَنْ أبِي المَلِيحِ عَنِ الأزْدِيِّ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ الأزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: يَطْوِي اللَّهُ السَّماواتِ السَّبْعَ بِما فِيها مِنَ الخَلِيقَةِ، والأرْضِينَ السَّبْعَ بِما فِيها مِنَ الخَلِيقَةِ، يَطْوِي ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَمِينِهِ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ خَرْدَلَةٍ. ولَمّا كانَ هَذا عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ أعْظَمَ اسْتِبْعادًا مِنَ اسْتِبْعادِهِمْ إعادَةَ المَوْتى، قالَ دالًّا عَلَيْهِ مُقَرِّبًا لَهُ إلى العُقُولِ بِتَشْبِيهِ الإعادَةِ بِالإبْداءِ، في تَناوُلِ القُدْرَةِ لَهُما عَلى السَّواءِ، فَإنَّهُ كَما أخْرَجَهُ بِعِلْمٍ مِن خَزائِنِ قُدْرَتِهِ كَذَلِكَ يَرُدُّهُ بِعِلْمِهِ في خَزائِنِ قُدْرَتِهِ، كَما يُصْنَعُ في نُورِ السِّراجِ ونَحْوِهِ إذا أُطْفِئَ، فَكَذا في غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ -] ﴿كَما﴾ أيْ مِثْلُ ما (p-٤٨٩)﴿بَدَأْنا﴾ أيْ بِما عُلِمَ لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أوَّلَ خَلْقٍ﴾ [ - أيْ تَقْدِيرَ أيِّ تَقْدِيرٍ كانَ، نَكَّرَهُ لِيُفِيدَ التَّفْصِيلَ واحِدًا واحِدًا، بِمَعْنى أنَّ كُلَّ خَلْقٍ جَلَّ أوْ قَلَّ سَواءٌ في هَذا الحُكْمِ، وهو أنّا ] ﴿نُعِيدُهُ﴾ أيْ بِتِلْكَ العَظَمَةِ بِعَيْنِها، غَيْرَ ناسِينَ لَهُ ولا غافِلِينَ ولا عاجِزِينَ عَنْهُ، فَما كانَ مُتَضامَّ الأجْزاءِ فَمَدَدْناهُ نَضُمُّهُ بَعْدَ امْتِدادِهِ، وما كانَ مَيِّتًا فَأحْيَيْناهُ نُمِيتُهُ بَعْدَ حَياتِهِ، وما كانَ حَيًّا فَأمَتْناهُ نُحْيِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، ونُعِيدُ مِنهم مِنَ التُّرابِ مَن بَدَأْناهُ مِنهُ، والحاصِلُ أنَّ مَن أوْجَدَ شَيْئًا لا يَبْعُدُ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَما كانَ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ عُراةً غُرْلًا ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ - الآيَةُ، أوَّلُ مَن يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ألا إنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ فَأقُولُ: يا رَبُّ! أصْحابِي! فَيُقالُ: لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] - إلى قَوْلِهِ - ﴿شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] فَيُقالُ: إنَّ هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهم». ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لابُدَّ مِنهُ بِالتَّعْبِيرِ بِالمَصْدَرِ (p-٤٩٠)تَأْكِيدًا لِما أنْكَرُوهُ وبالَغُوا في إنْكارِهِ فَقالَ: ﴿وعْدًا﴾ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْنا﴾ وزادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا، عَلى حالَةٍ لا تَحُولُ ﴿فاعِلِينَ﴾ أيْ شَأْنُنا أنْ نَفْعَلَ ما نُرِيدُ، لا كُلْفَةَ عَلَيْنا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ.

الأنبياء 21:105

ولَمّا ذَكَرَ صِدْقَهُ في الوَعْدِ وسُهُولَةَ الأفْعالِ عَلَيْهِ، وكانَ مِن مَحَطِّ كَثِيرٍ مِمّا مَضى أنَّ مَن فَعَلَ [ما لا يُرْضِي اللَّهَ غَيَّرَ عَلَيْهِ، كائِنًا مَن كانَ، ومَن فَعَلَ ] ما أمَرَهُ بِهِ نَصَرَهُ وأيَّدَهُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] وما بَعْدَهُ [مِن أشْكالِهِ -]، [حَتّى خَتَمَ بِقَوْلِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها﴾ [الرعد: ٤١] الآيَةِ -]، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] وما عَطَفَ عَلَيْهِ مِن أشْباهِهِ مُذَكِّرًا بِما وعَدَ عَلى لِسانِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَقَدْ كَتَبْنا﴾ [أيْ -] عَلى عَظَمَتِنا الَّتِي نُفُوذُها مُحَقَّقٌ لا تَخَلُّفَ لَهُ أصْلًا ﴿فِي الزَّبُورِ﴾ أيِ الَّذِي أنْزَلْناهُ عَلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. [ولَمّا كانَ المَكْتُوبُ المُشارُ إلَيْهِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ ما بَعْدَ الذِّكْرِ المُرادِ مِن هَذا الزَّبُورِ- ]، [أشارَ إلى التَّبْعِيضِ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ-]: (p-٤٩١)﴿مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أيِ الكَلامِ الدّاعِي إلى اللَّهِ تَعالى الدّالِّ عَلَيْهِ مِنَ الدُّعاءِ والمَواعِظِ والتَّسْبِيحِ والتَّمْجِيدِ الَّذِي ابْتَدَأْنا [بِهِ -] الزَّبُورَ ﴿أنَّ الأرْضَ﴾ أيْ جِنْسَها الشّامِلَ لِبِقاعِ أرْضِ الدُّنْيا كُلِّها ولِأرْضِ المَحْشَرِ والجَنَّةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ اللَّهُ ﴿يَرِثُها عِبادِيَ﴾ وحَقَّقَ ما أفادَتْهُ إضافَتُهم إلَيْهِ مِنَ الخُصُوصِ بِقَوْلِهِ: ﴿الصّالِحُونَ﴾ أيِ المُتَخَلِّقُونَ بِأخْلاقِ [أهْلِ -] الذِّكْرِ، المُقْبِلِينَ عَلى رَبِّهِمُ، المُوَحِّدِينَ لَهُ، المُشْفِقِينَ مِنَ السّاعَةِ، الرّاهِبِينَ مِن سَطْوَتِهِ، الرّاغِبِينَ في رَحْمَتِهِ، الخاشِعِينَ لَهُ - كَما أشَرْنا إلَيْهِ بِقَوْلِنا ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ﴾ [الأنبياء: ٤] وما ضاهاهُ وبِذِكْرِ ما سَلَفَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن شاهِدِ ذَلِكَ مِن قِصَصِ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ضَمَّنّاها بَعْضَ أخْبارِهِمْ دَلالَةً عَلى أنَّ العاقِبَةَ لِمَن أرْضانا ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤] ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] وفي هَذا إشارَةٌ بِالبِشارَةِ بِأنَّهُ تَعالى يُورِثُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى ضَعْفِها ما أوْرَثَ داوُدَ وابْنَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما أعْطاهُما [مِنَ -] القُوَّةِ مِن إلانَةِ الحَدِيدِ والرِّيحِ والحَيَواناتِ كُلِّها مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والوَحْشِ (p-٤٩٢)والطَّيْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، والمُرادُ بِهَذا الكَلامِ - واللَّهُ أعْلَمُ - ظاهِرُهُ، فَإنَّهُ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ الزَّبُورَ بِالأذْكارِ والمَواعِظِ إلى أنْ قالَ في المَزْمُورِ السّادِسِ والثَّلاثِينَ وهو قَبْلَ رُبْعِهِ - هَذا اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ. بَيانُ ذَلِكَ: المَزْمُورُ الأوَّلُ: طُوبى لِلرَّجُلِ الَّذِي لا يَتْبَعُ رَأْيَ المُنافِقِينَ، ولَمْ يَقِفْ في طَرِيقِ الخاطِئِينَ، ولَمْ يَجْلِسْ في مَجالِسِ المُسْتَهْزِئِينَ، لَكِنْ في نامُوسِ الرَّبِّ مَشِيئَتِهِ، وفي سُنَنِهِ يَتْلُو لَيْلًا ونَهارًا، فَيَكُونُ كَمِثْلِ الشَّجَرَةِ المَغْرُوسَةِ عَلى مَجارِي المِياهِ الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَتَها في حِينِها، ووَرَقُها لا يَنْتَثِرُ، وكُلُّ ما يَعْمَلُ يُتِمُّ، [لَيْسَ-] كَذَلِكَ المُنافِقُونَ، بَلْ كالهَباءِ الَّذِي تَذْرِيهِ الرِّياحُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، فَلِهَذا لا يَقُومُ المُنافِقُونَ في القَضاءِ ولا الخَطَأةُ في مَجْمَعِ الصِّدِّيقِينَ، لِأنَّ الرَّبَّ عالِمٌ بِطَرِيقِ الأبْرارِ، وطَرِيقُ المُنافِقِينَ تُبِيدُ. المَزْمُورُ الثّانِي: لِماذا ارْتَجَّتِ الشُّعُوبُ؟ وهُدَّتِ الأُمَمُ بِالباطِلِ؟ قامَتْ مُلُوكُ الأرْضِ ورُؤَساؤُها وائْتَمَرُوا جَمِيعًا عَلى الرَّبِّ وعَلى مَسِيحِهِ [قائِلِينَ -] لِنَقْطَعْ أغْلالَهُما ونُلْقِ عَنّا سَيْرَهُما. السّاكِنُ في السَّماءِ (p-٤٩٣)يَضْحَكُ بِهِمْ، والرَّبُّ يَمْقُتُهُمْ، حِينَئِذٍ يُكَلِّمُهم بِغَضَبِهِ، وبِسُخْطِهِ يُذْهِلُهُمْ، أنا أقَمْتُ مَلِكًا مِنهم عَلى صِهْيُونَ جَبَلِ قُدْسِهِ، لِأُخْبِرَ مِيثاقَ الرَّبِّ، الرَّبُّ قالَ لِي: أنْتَ ابْنِي، أنا اليَوْمَ ولَدْتُكَ، سَلْنِي فَأُعْطِيَكَ الشُّعُوبَ، مِيراثَكَ وسُلْطانَكَ عَلى أقْطارِ الأرْضِ، تَرْعاهم بِقَضِيبٍ مِن حَدِيدٍ، ومِثْلَ آنِيَةِ الفَخّارِ تَسْحَقُهُمْ، مِنَ الآنَ تَفْهَمُوا أيُّها المُلُوكُ! تَأدَّبُوا يا جَمِيعَ قُضاةِ الأرْضِ! اعْبُدُوا الرَّبَّ بِخَشْيَةٍ، سَبِّحُوهُ بِرِعْدَةٍ، الزَمُوا الأدَبَ لِئَلّا يَسْخَطَ الرَّبُّ عَلَيْكم فَتَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ العادِلَةِ، إذا ما تَوَقَّدَ رِجْزُهُ عَنْ قَلِيلٍ، طُوباهُمُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ. المَزْمُورُ الخامِسُ: اسْتَمِعْ يا رَبُّ قَوْلِي داعِيًا، وكُنْ لِدُعائِي مُجِيبًا، وأنْصِتْ إلى صَوْتِ تَضَرُّعِي، فَإنَّكَ مَلِكِي وإلَهِي، وإنِّي لَكَ أُصَلِّي في غُدْواتِي، اسْتَمِعْ يا رَبُّ طَلِبَتِي لِأقِفَ أمامَكَ بِالغَداةِ وتَرانِي، لِأنَّكَ إلَهٌ لا تَرْضى الإثْمَ، ولا يَحِلُّ في مَساكِنِكَ شِرِّيرٌ، ولا يَثْبُتُ مُخالِفُو وصاياكَ بَيْنَ يَدَيْكَ، أبْغَضْتَ جَمِيعَ عامِلِي الإثْمِ، وأبَدْتَ كُلَّ النّاطِقِينَ بِالكَذِبِ؛ الرَّجُلُ السّافِكُ الدِّماءِ الغاشُّ الرَّبُّ يَرْذُلُهُ، وأنا بِكَثْرَةِ (p-٤٩٤)رَحْمَتِكَ أدْخُلُ بَيْتَكَ، وأسْجُدُ في هَيْكَلِ قُدْسِكَ مُسْتَشْعِرًا بِخَشْيَتِكَ، اهْدِنِي يا رَبُّ بِعَدْلِكَ، ومِن أجْلِ أعْدائِي سَهِّلْ أمامَكَ طَرِيقِي، فَإنَّهُ لَيْسَ في أفْواهِهِمْ صِدْقٌ، بَلِ الإثْمُ في قُلُوبِهِمْ، حَناجِرُهم قُبُورٌ مُفَتَّحَةٌ، وألْسِنَتُهم غاشَّةٌ، دِنْهم يا اللَّهُ! ومِثْلَ كَثْرَةِ نِفاقِهِمُ ارْفُضْهم لِأنَّهم أسْخَطُوكَ يا رَبُّ، ويَفْرَحُ بِكَ جَمِيعُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، وإلى الأبَدِ يُسَرُّونَ، وفِيهِمْ تَحِلُّ بَرَكَتُكَ، ويَفْتَخِرُ بِكَ كُلُّ مُحِبِّي اسْمِكَ، لِأنَّكَ يا رَبُّ تُبارِكُ الصِّدِّيقَ، وكَمِثْلِ سِلاحِ، المَسَرَّةِ كَلَّلْتَنا. المَزْمُورُ السّادِسُ: يا رَبُّ! لا تُبَكِّتْنِي بِغَضَبِكَ، ولا تُؤَدِّبْنِي بِزَجْرِكَ، ارْحَمْنِي يا رَبُّ فَإنِّي ضَعِيفٌ، اشْفِنِي يا رَبُّ فَإنَّ عِظامِي قَلِقَتْ، ونَفْسِي جَزِعَتْ جِدًّا، وأنْتَ نَجِّ نَفْسِي وخَلِّصْنِي بِرَحْمَتِكَ، فَلَيْسَ في المَوْتى مَن يَذْكُرُكَ، ولا في الجَحِيمِ مَن يَشْكُرُكَ، تَعِبْتُ في تَنَهُّدِي، أُحَمِّمُ في كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي، وبِدُمُوعِي أبُلُّ فِراشِي، ذَبُلَتْ مِنَ السُّخْطِ عَيْنايَ، ابْعُدُوا عَنِّي يا جَمِيعَ عامِلِي الإثْمِ، فَإنَّ الرَّبَّ سَمِعَ صَوْتَ بُكائِي، الرَّبُّ سَمِعَ صَوْتَ تَضَرُّعِي، الرَّبُّ قَبِلَ صَلاتِي، يُخْزَوْنَ ويُبْهَتُونَ جَمِيعُ أعْدائِي، ويَتَضَرَّعُونَ ويَسْقُطُونَ جِدًّا عاجِلًا. (p-٤٩٥)وفِي المَزْمُورِ التّاسِعِ: أشْكُرُكَ يا رَبُّ مِن كُلِّ قَلْبِي، وأقُصُّ جَمِيعَ عَجائِبِكَ، أفْرَحُ وأُسَرُّ بِكَ، وأُرَتِّلُ لِاسْمِكَ العَلِيِّ حِينَ تَوَلِّي أعْدائِي عَلى أدْبارِهِمْ يَضْعُفُونَ ويَبِيدُونَ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ، لِأنَّكَ قَضَيْتَ لِي وانْتَقَمْتَ لِي، اسْتَوَيْتَ عَلى العَرْشِ يا دَيّانَ الحَقِّ، زَجَرْتَ الشُّعُوبَ، أبَدْتَ المُنافِقَ أسْقَطْتَ اسْمَهُ إلى الأبَدِ وإلى أبَدِ الأبَدِ، لِأنَّكَ أبَدْتَ سِلاحَ العَدُوِّ، وأفْنَيْتَ مَدائِنَهُ، وأزَلْتَ ذِكْرَها، الرَّبُّ دائِمٌ إلى الأبَدِ، أعَدَّ كُرْسِيَّهُ لِلْقَضاءِ لِيَقْضِيَ لِلْمَسْكُونَةِ بِالعَدْلِ، ويَدِينَ الشُّعُوبَ بِالِاسْتِقامَةِ. المَزْمُورُ الثّانِي عَشَرَ: حَتّى مَتى يا رَبُّ تَنْسانِي إلى التَّمامِ؟ حَتّى مَتى يا رَبُّ تَصْرِفُ وجْهَكَ عَنِّي؟ حَتّى مَتى تَتْرُكُ هَذِهِ الأفْكارَ في نَفْسِي والهُمُومَ والأوْجاعَ في قَلْبِي النَّهارَ كُلَّهُ؟ حَتّى مَتى يَعْلُو عَدُوِّي عَلَيَّ؟ انْظُرْ إلَيَّ واسْتَجِبْ لِي يا رَبِّي وإلَهِي! أنِرْ عَيْنِي لِئَلّا أنامَ مَيِّتًا، ولِئَلّا يَقُولَ عَدُوِّي: إنِّي عَلَيْهِ قَدْ قَدَرْتُ، والمُضْطَهِدُونَ [لِي -] يَفْرَحُونَ إذا أنا زَلَلْتُ، وأنا عَلى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ، قَلْبِي بِخَلاصِكَ يَفْرَحُ، أُرَتِّلُ الرَّبَّ الَّذِي صَنَعَ لِي حَسَنًا، وأُسَبِّحُ اسْمَ الرَّبِّ العالِي. المَزْمُورُ الرّابِعَ عَشَرَ: يا رَبُّ مَن يَسْكُنُ في مَسْكَنِكَ أوْ مَن يَحُلُّ في طَوْرِ قُدْسِكَ؟ ذاكَ الَّذِي يَمْشِي بِلا عَيْبٍ ويَعْمَلُ البِرَّ ويَتَكَلَّمُ في قَلْبِهِ (p-٤٩٦)بِالحَقِّ، ولا يَغُشُّ بِلِسانِهِ أحَدًا، ولا يَصْنَعُ بِقَرِيبِهِ سُوءًا، ولا يَلْتَمِسُ لِجِيرانِهِ عارًا، عَيْناهُ تَشْنَأُ الأثَمَةَ، يُمَجِّدُ أتْقِياءَ الرَّبِّ، يَحْلِفُ لِقَرِيبِهِ ولا يَكْذِبُ، ولا يُعْطِي فِضَّتَهُ بِالرِّبا، ولا يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ عَلى الأزْكِياءِ، الَّذِي يَفْعَلُ هَذا يَدُومُ ولا يَحُولُ إلى الأبَدِ. المَزْمُورُ السّادِسَ عَشَرَ: اسْتَمِعْ يا اللَّهُ بِبَرِّي، وانْظُرْ إلى تَواضُعِي، وأنْصِتْ لِصَلاتِي مِن شَفَتَيْنِ غَيْرِ غاشَّتَيْنِ، مِن قُدّامِكَ يَخْرُجُ قَضائِي، عَيْناكَ تَنْظُرانِ الِاسْتِقامَةَ، بَلَوْتَ قَلْبِي وتَعاهَدْتَنِي، جَرَّبْتَنِي فَلَمْ تَجِدْ فِيَّ ظُلْمًا، ولَمْ يَتَكَلَّمْ فَمِي بِأعْمالِ الشَّرِّ، مِن أجْلِ كَلامِ شَفَتَيْكَ حُفِظَتْ طُرُقٌ صَعْبَةٌ لِكَيْما يَشْتَدَّ في سُبُلِكَ نُهُوضِي ولا تَزِلَّ خُطايَ، وإذا ما دَعَوْتُكَ اسْتَجِبْ لِي، اللَّهُمَّ أنْصِتْ إلَيَّ سَمْعَكَ، وتَقَبَّلْ دُعائِي يا مُخَلِّصَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْكَ، خَلِّصْنِي بِيَمِينِكَ مِنَ المُضادِّينَ [لِي -]، احْفَظْنِي مِثْلَ حَدَقَةِ العَيْنِ، وبِظِلالِ جَناحِكَ ظَلِّلْنِي، مِن وجْهِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أجْهَدُونِي، وأعْدائِي الَّذِينَ اكْتَنَفُوا نَفْسِي، تَفَقَّدَتْ شُحُومُهُمْ، وتَكَلَّمَتْ أفْواهُهم بِالكِبْرِياءِ، عِنْدَما أخْرَجُونِي أحاطُوا بِي، نَصَبُوا عُيُونَهم لِيَضْرِبُوا بِيَ الأرْضَ، اسْتَقْبَلُونِي مِثْلَ الأسَدِ المُسْتَعِدِّ لِلْفَرِيسَةِ، ومِثْلَ الشِّبْلِ الَّذِي يَأْوِي في خُفْيَةٍ، قُمْ يا رَبُّ! أدْرِكْهم وعَرْقِلْهُمْ، ونَجِّ نَفْسِي مِنَ المُنافِقِينَ، ومِن سَيْفِ (p-٤٩٧)أعْدائِكَ، اللَّهُمَّ عَنْ قُرْبٍ شَتِّتْهم في الأرْضِ، اقْسِمْهم في حَياتِهِمُ. المَزْمُورُ السّابِعَ عَشَرَ: أُحِبُّكَ يا رَبُّ قُوَّتِي! الرَّبُّ رَجائِي ومَلْجَئِي ومُخَلِّصِي إلَهِي عَوْنِي، عَلَيْهِ تَوَكُّلِي، ساتِرِي وخَلاصِي وناصِرِي، أُسَبِّحُ الرَّبَّ وأدْعُوهُ، أنْجُو مِن أعْدائِي، لِأنَّ غَمَراتِ المَوْتِ اكْتَنَفَتْنِي، وأوْدِيَةَ الأثَمَةِ أفْزَعَتْنِي، أحاطَتْ بِي أهْوالُ الجَحِيمِ، شِباكُ المَوْتِ أدْرَكَتْنِي، وعِنْدَ شِدَّتِي دَعَوْتُ الرَّبَّ، وإلى إلَهِي صَرَخْتُ، سَمِعَ مِن هَيْكَلِ قُدْسِهِ صَوْتَ دُعائِي، أمامَهُ يَدْخُلُ إلى مَسامِعِهِ، تَزَلْزَلَتِ الأرْضُ وارْتَعَدَتْ، تَحَرَّكَتْ أساساتُ الجِبالِ وتَزَعْزَعَتْ مِن أجْلِ أنَّ الرَّبَّ غَضِبَ عَلَيْها، صَعِدَ الدُّخانُ مِن رِجْزِهِ والتَهَبَتِ النّارُ أمامَها، اشْتَعَلَ مِنهُ جَمْرُ نارٍ، طَأْطَأ السَّماواتِ، والضَّبابَ تَحْتَ رِجْلَيْهِ، طارَ عَلى أجْنِحَةِ الرِّياحِ، جَعَلَ الظُّلْمَةَ حِجابَهُ، تَحُوطُ مِظَلَّتَهُ مِياهٌ مُظْلِمَةٌ في سُحُبِ الهَواءِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ظِلالُهُ، ومِن بَرِيقِ نُورِ وجْهِهِ جَعَلَ الغَمامَ يَجْرِي بَيْنَ يَدَيْهِ، بَرْدًا وجَمْرَ نارٍ، أرْعَدَ الرَّبُّ مِنَ السَّماءِ، وأبْدى العَلِيُّ صَوْتَهُ، أرْسَلَ سِهامًا وفَرَّقَهُمْ، وأكْثَرَ البَرْقَ وأفْزَعَهم وأقْلَقَهُمْ، ظَهَرَتْ عُيُونُ المِياهِ، وانْكَشَفَتْ أساساتُ المَسْكُونَةِ مِنَ انْتِهارِكَ يا رَبُّ! ومِن هُبُوبِ الرِّيحِ سُخْطُكَ، أُرْسِلَ مِنَ العُلى وأخَذَنِي، نَشَلَنِي مِنَ المِياهِ الغَزِيرَةِ، وخَلَّصَنِي مِن أعْدائِي الأشِدّاءِ، ومِنَ المُبْغِضِينَ لِي، لِأنَّهم تَقَوَّوْا أكْثَرَ مِنِّي، سَبَقُونِي في يَوْمِ حُزْنِي، نَجّانِي في يَوْمِ جَزَعِي، الرَّبُّ صارَ لِي سَنَدًا، أخْرَجَنِي إلى السَّعَةِ، وأنْقَذَنِي لِأنَّهُ تَرَأَّفَ لِي، خَلَّصَنِي مِن أعْدائِي الأشِدّاءِ المُبْغِضِينَ، جازانِي الرَّبُّ (p-٤٩٨)مِثْلَ بِرِّي، ومِثْلَ طُهْرِ يَدِي يُعْطِينِي، لِأنِّي حَفِظْتُ سُبُلَ الرَّبِّ، ولَمْ أبْعُدْ مِن إلَهِي، إذْ كُلُّ أحْكامِهِ قُدّامِي، وعَدْلُهُ لَمْ أُبْعِدْهُ عَنِّي، أكُونُ مَعَهُ بِلا عَيْبٍ، ولَمْ تَزْدَحِفْ خُطايَ، جازانِي الرَّبُّ مِثْلَ بِرِّي، ومِثْلَ طُهْرِ يَدِي أمامَهُ، مَعَ العَفِيفِ عَفِيفًا [تَكُونُ -]، ومَعَ البارِّ بارًّا تَكُونُ، ومَعَ المُلْتَوِي مُلْتَوِيًا تَكُونُ، ومَعَ المُخْتارِ مُخْتارًا تَكُونُ، مِن أجْلِ أنَّكَ تُنْجِي الشَّعْبَ المُتَواضِعَ وتُذِلُّ أعْيُنَ المُتَعَظِّمِينَ، وأنْتَ يا رَبُّ تُضِيءُ سِراجِي، لِأنِّي بِكَ أنْجُو مِنَ الرَّصْدِ، وبِإلَهِي أعْبُرُ السُّورَ، واللَّهُ لا رَيْبَ في سُبُلِهِ، كَلامُ [الرَّبِّ -] مُخْتَبِرٌ، يُخَلِّصُ جَمِيعَ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ، لا إلَهَ مِثْلُ الرَّبِّ، ولا عَزِيزَ مِثْلُ إلَهِنا، [الإلَهِ -] الَّذِي عَضَّدَنِي بِقُوَّتِهِ، جَعَلَ سُبُلِي بِلا عَيْبٍ، ثَبَّتَ قَدَمَيَّ، وعَلى المَشارِقِ رَفَعَنِي، عَلَّمَ يَدَيَّ القِتالَ، شَدَّدَ ذِراعَيَّ مِثْلَ قَوْسِ نُحاسٍ، أعْطانِي الخَلاصَ، يَمِينُهُ نَصَرَتْنِي، وأدَبُهُ أقامَنِي إلى التَّمامِ، حِكْمَتُكَ عَلَّمَتْنِي، وسَعَتْ خُطايَ تَحْتِي، ولَمْ تَضْعُفْ قَدَمايَ، أطْلُبُ أعْدائِي وأُدْرِكُهُمْ، ولا أرْجِعُ حَتّى أُفْنِيَهُمْ، أرْمِيهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ، يَسْقُطُونَ تَحْتَ قَدَمَيَّ، عَضَّدْتَنِي بِقُوَّةٍ في الحَرْبِ، جَعَلْتَ كُلَّ الَّذِينَ قامُوا عَلَيَّ تَحْتِي، أبَدْتَ أعْدائِي، اسْتَأْصَلْتَ الَّذِينَ شَنَؤُونِي، صَرَخُوا فَلَمْ يَكُنْ لَهم مُخَلِّصٌ، رَغِبُوا إلى اللَّهِ فَلَمْ يَسْتَجِبْ لَهُمْ، أسْحَقُهم مِثْلَ الثَّرى (p-٤٩٩)أمامَ الرِّيحِ، وكَمِثْلِ طِينِ الطُّرُقِ أطَؤُهُمْ، نَجِّنِي مِن مُقاوَمَةِ الألْسُنِ، سَيِّرْنِي رَأْسًا عَلى الشُّعُوبِ، الشَّعْبُ الَّذِي لا أعْرِفُهُ تَعَبَّدَ لِي، سَمِعَ لِي سَماعَ الأُذُنِ، بَنُو الغُرَباءِ [أقْبَلُوا -] وأطاعُونِي، ولَمْ يُؤْمِن بِي بَنُو الغُرَباءِ، حَيٌّ هو اللَّهُ، وتَبارَكَ إلَهُ خَلاصِي، تَعالى الرَّبُّ الَّذِي أنْقَذَنِي، اللَّهُ الَّذِي ثَبَّتَ لِي الِانْتِقامَ، أخْضَعَ الشُّعُوبَ تَحْتِي، ونَجّانِي مِن أعْدائِي، ورَفَعَنِي عَلى الَّذِينَ قامُوا عَلَيَّ، [و -] مِنَ الرِّجالِ الأثَمَةِ نَجّانِي، لِذَلِكَ أشْكُرُكَ يا رَبُّ بَيْنَ الشُّعُوبِ، وأُرَتِّلُ لِاسْمِكَ. المَزْمُورُ الحادِي والعِشْرُونَ: إلَهِي إلَهِي لِماذا تَرَكْتَنِي؟ تَباعَدْتَ عَنْ خَلاصِي لِقَوْلِ جَهْلِي، إلَهِي دَعَوْتُكَ بِالنَّهارِ فَلَمْ تَسْتَجِبْ لِي، وفي اللَّيْلِ فَلَمْ يَكُنْ مِنِّي جَهْلًا، أنْتَ كائِنٌ في القِدِّيسِينَ يا فَخْرَ إسْرائِيلَ، بِكَ آمَنَ آباؤُنا، وتَوَكَّلُوا عَلَيْكَ فَنَجَّيْتَهُمْ، وصَرَخُوا إلَيْكَ فَخَلَّصْتَهُمْ، رَجَوْكَ فَلَمْ يَخْزَوْا، وأنا فَدُودَةٌ ولَسْتُ إنْسانًا، عارٌ في النّاسِ، مَرْذُولٌ في الشَّعْبِ، كُلُّ مَن رَآنِي يَمْقُتُنِي، تَكَلَّمُوا بِشِفاهِهِمْ وهَزُّوا رُؤُوسَهم [و -] قالُوا: إنْ كانَ آمَنَ أوْ تَوَكَّلَ عَلى الرَّبِّ فَلْيُنْجِهِ، ويُخَلِّصْهُ إنْ (p-٥٠٠)كانَ يُحِبُّهُ، وأنْتَ مِنَ البَطْنِ أخْرَجْتَنِي، ومُذْ كُنْتُ أرْتَضِعُ مِن بَطْنِ أُمِّي أُلْقِيتُ إلَيْكَ، وعَلَيْكَ مِنَ الرَّحِمِ تَوَكَّلْتُ، ومِن بَطْنِ أُمِّي أنْتَ إلَهِي فَلا تَبْعُدْ عَنِّي، فَإنَّ الشِّدَّةَ قَرِيبَةٌ، ولَيْسَ ] مَن يُخَلِّصُنِي، أحاطَتْ بِي عُجُولٌ كَثِيرَةٌ، اكْتَنَفَتْنِي ثِيرانٌ سِمانٌ، فَتَحَتْ أفْواهَها عَلَيَّ مِثْلَ الأسَدِ الزّائِرِ المُفْتَرِسِ، ومِثْلَ الماءِ انْهَرَقَتْ عِظامِي، وصارَ قَلْبِي مِثْلَ الشَّمْعِ المُذابِ في وسَطِ بَطْنِي، يَبِسَتْ قُوايَ مِثْلَ الفَخّارِ، لَصَقَ لِسانِي بِحَنَكِي، وإلى تُرابِ المَوْتِ أنْزَلَتْنِي، أحاطَتْ بِي كِلابٌ كَثِيرَةٌ، اكْتَنَفَتْنِي جَماعَةُ الأشْرارِ، ثَقَبُوا يَدَيَّ ورِجْلَيَّ، وزَعْزَعُوا جَمِيعَ عِظامِي، نَظَرُوا إلَيَّ وشَتَمُونِي، واقْتَسَمُوا بَيْنَهم ثِيابِي، واقْتَرَعُوا عَلى لِباسِي، وأنْتَ يا رَبُّ فَلا تَبْعُدْ مِن مَعُونَتِي، انْظُرْ إلى تَضَرُّعِي، نَجِّ مِنَ السَّيْفِ نَفْسِي، ومِن يَدِ الكِلابِ الَّتِي احْتَوَشَتْنِي، ومِن فَمِ الأسَدِ خَلِّصْنِي، ومِنَ القَرْنِ المُتَعالِي عَلى تَواضُعِي، لِأُبَشِّرَ بِاسْمِكَ إخْوَتِي، وبَيْنَ الجَماعَةِ أُمَجِّدَكَ، أيُّها الخائِفُونَ مِنَ الرَّبِّ مَجِّدُوهُ! يا جَمِيعَ ذُرِّيَّةِ يَعْقُوبَ سَبِّحُوهُ! يَخْشاهُ كُلُّ زَرْعِ إسْرائِيلَ، لِأنَّهُ لَمْ يُهِنْ ولَمْ يَرْذُلْ دَعْوَةَ المِسْكِينِ، (p-٥٠١)ولا صَرَفَ وجْهَهُ عَنِّي، وعِنْدَ دُعائِي اسْتَجابَ لِي، يَأْكُلُ المَساكِينُ ويَشْبَعُونَ، ويَسْجُدُ قُدّامَهُ جَمِيعُ قَبائِلِ الشُّعُوبِ، لِأنَّهُ المَلِكُ الرَّبُّ، وسُلْطانُهُ عَلى الأُمَمِ، تَأْكُلُ وتَسْجُدُ قُدّامَ الرَّبِّ جَمِيعُ مُلُوكِ الأرْضِ، وبَيْنَ يَدَيْهِ يَجْثُو جَمِيعُ هابِطِي التُّرابِ لِلَّهِ، يُحْيِي نَفْسِي، وذُرِّيَّتِي لَهُ تَتَعَبَّدُ، أخْبِرُوا بِالرَّبِّ أيُّها الجِيلُ الآتِي، وحَدِّثُوا بِعَدْلِهِ، لِيَرى الشَّعْبُ الَّذِي يُولَدُ صُنْعَ الرَّبِّ. المَزْمُورُ الثَّلاثُونَ: عَلَيْكَ يا رَبُّ تَوَكَّلْتُ فَلا أخْزى إلى الأبَدِ، خَلِّصْنِي وأنْقِذْنِي بِعَدْلِكَ، أنْصِتْ لِي بِسَمْعِكَ، واسْتَنْقِذْنِي عاجِلًا، كُنْ لِي إلَهًا نَصِيرًا ومَلْجَأً ومُخَلِّصًا لِأنَّكَ عَوْنِي ومَلْجَئِي، وبِاسْمِكَ يا رَبُّ تَهْدِينِي وتُعِينُنِي وتُخْرِجُنِي مِن هَذا الفَخِّ الَّذِي أُخْفِيَ لِي، لِأنَّكَ ناصِرِي، وفي يَدِكَ أُسْلِمُ رُوحِي، نَجِّنِي يا رَبُّ إلَهَ الحَقِّ، شَنَأْتَ الَّذِينَ يَغْتَبِطُونَ بِالأوْثانِ الباطِلَةِ، وأنا عَلى الرَّبِّ تَوَكَّلْتُ، أفْرَحُ وأُسَرُّ بِرَحْمَتِكَ لِأنَّكَ نَظَرْتَ إلى تَواضُعِي، وخَلَّصْتَ نَفْسِي مِنَ الشَّدائِدِ، ولِمَن تُسَلِّمُنِي في أيْدِي الأعْداءِ، أقَمْتَ رِجْلِي في السَّعَةِ، ارْحَمْنِي يا رَبُّ فَإنِّي حَزِينٌ، جَزِعَتْ (p-٥٠٢)عَيْنايَ مِن سُخْطِكَ، ونَفْسِي وقُوايَ، فَنِيَ عُمْرِي بِالأحْزانِ، وسِنِّي بِالزَّفَراتِ، ضَعُفَتْ بِالمَسْكَنَةِ قُوَّتِي وقَلِقَتْ عِظامِي، صِرْتُ عارًا في أعْدائِي وجِيرَتِي، ورَهْبَةً لِمَن عَرَفَنِي، مَن عايَنَنِي تَباعَدَ عَنِّي، ونَسُونِي في قُلُوبِهِمْ مِثْلَ المَيِّتِ، صِرْتُ مِثْلَ إناءٍ مَكْسُورٍ، لِأنِّي سَمِعْتُ سَبَّ جَمِيعِ مَن حَوْلِي، هَمُّوا بِي وعِنْدَ اجْتِماعِهِمْ عَلَيَّ جَمِيعًا تَآمَرُوا لِأخْذِ نَفْسِي، فَأنا يا رَبُّ عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، قُلْتُ: أنْتَ إلَهِي، وفي يَدِكَ قَسْمِي، نَجِّنِي مِن يَدِ أعْدائِي والطّارِدِينَ لِي، أضِئْ وجْهَكَ عَلى عَبْدِكَ، وخَلِّصْنِي بِرَحْمَتِكَ، يا رَبُّ لا تُخْزِنِي فَإنِّي دَعَوْتُكَ، تُخْزِي المُنافِقِينَ ويَهْبِطُونَ إلى الجَحِيمِ، تُبْكِمُ الشِّفاهَ الغاشَّةَ المُتَقَوِّلَةَ عَلى الصِّدِّيقِ بِالزُّورِ والبُهْتانِ، ما أكْثَرَ رَحْمَتَكَ يا رَبُّ لِجَمِيعِ خائِفِيكَ، أعْدَدْتَها لِمَنِ اعْتَصَمَ بِكَ أمامَ بَنِي البَشَرِ، اسْتُرْهم في كَنَفِكَ مِن أشْرارِ النّاسِ وفي ظِلالِ وجْهِكَ، وقِهِمْ مِن مُقاوَمَةِ الألْسُنِ، تَبارَكَ الرَّبُّ الَّذِي انْتَخَبَ لَهُ الأصْفِياءَ في المَدِينَةِ العَظِيمَةِ، أنا قُلْتُ في تَحَيُّرِي: إنِّي سَقَطْتُ مِن حِذاءِ عَيْنَيْكَ، ولِذَلِكَ سَمِعْتَ صَوْتَ تَضَرُّعِي حِينَ دَعَوْتُكَ، حِبُّوا الرَّبَّ يا جَمِيعَ (p-٥٠٣)أصْفِيائِهِ، فَإنَّ الرَّبَّ يَبْتَغِي الحَقَّ، ويُكافِئُ المُسْتَكْبِرِينَ بِفِعْلِهِمْ، تَشْتَدُّ قُلُوبُكم وتَقْوى أيُّها المُتَوَكِّلُونَ عَلى الرَّبِّ. المَزْمُورُ الثّالِثُ والثَّلاثُونَ: أُبارِكُ الرَّبَّ في كُلِّ حِينٍ، وكُلَّ أوانٍ تَسْبِيحُهُ في فَمِي، بِالرَّبِّ تَفْتَخِرُ نَفْسِي، فَلْيَسْمَعْ أهْلُ الدَّعَةِ ويَفْرَحُوا، عَظِّمُوا مَعِي الرَّبَّ وشَرِّفُوا اسْمَهُ أجْمَعُونَ، أنا طَلَبْتُ الرَّبَّ فَأجابَنِي، ومِن شَدائِدِي نَجّانِي، أقْبِلُوا إلى الرَّبِّ واسْتَتِرُوا بِهِ، فَإنَّ وُجُوهَكم لا تَخْزى، إنَّ المِسْكِينَ دَعا فاسْتَجابَ لَهُ الرَّبُّ، ومِن جَمِيعِ أحْزانِهِ خَلَّصَهُ، مَلَكُ الرَّبِّ يَحُوطُ أتْقِياءَهُ ويُنْجِيهِمْ، ذُوقُوا وتَيَقَّنُوا طَيِّبَ الرَّبِّ، طُوبى لِلرَّجُلِ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ، اتَّقُوا الرَّبَّ يا جَمِيعَ قِدِّيسِيهِ لِأنَّهُ لا مَنقَصَةَ لِأتْقِيائِهِ، الأغْنِياءُ افْتَقَرُوا وجاعُوا، والَّذِينَ يَطْلُبُونَ الرَّبَّ لا يَعْدَمُونَ كُلَّ الخَيْراتِ، هَلُمُّوا أيُّها الأبْناءُ واسْمَعُوا مِنِّي لِأُفْهِمَكم مَخافَةَ الرَّبِّ، مَن هو الرَّجُلُ الَّذِي يَهْوى الحَياةَ ويُحِبُّ أنْ يَرى الأيّامَ الصّالِحَةَ، اكْفُفْ لِسانَكَ مِنَ الشَّرِّ وشَفَتَيْكَ، لا تَتَكَلَّمْ بِالغَدْرِ، ابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ، واصْنَعِ الخَيْرَ، اطْلُبِ السَّلامَةَ واتَّبِعْها، فَإنَّ عَيْنَ الرَّبِّ عَلى الأبْرارِ، وسَمْعَهُ إلى تَضَرُّعِهِمْ، وجْهُ الرَّبِّ عَلى صانِعِي الشَّرِّ لِيَمْحُوَ ذِكْرَهم مِنَ الأرْضِ، الأبْرارُ دَعَوْا فاسْتَجابَ لَهُمُ الرَّبُّ، مِن جَمِيعِ شَدائِدِهِمْ نَجّاهُمْ، (p-٥٠٤)الرَّبُّ قَرِيبٌ مِن مُسْتَقِيمِي القُلُوبِ، يُخَلِّصُ مُتَواضِعِي الأرْواحِ، كَثِيرَةٌ هي أحْزانُ الصِّدِّيقِينَ، ومِن جَمِيعِها يُنْجِيهِمُ الرَّبُّ، الرَّبُّ يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظامِهِمْ، وواحِدٌ مِنهم لا يَنْكَسِرُ، مَوْتُ الخَطَأةِ سَيِّئٌ، ومُبْغِضُو البارِّ يَهْلِكُونَ، الرَّبُّ يُنْجِي نُفُوسَ عَبِيدِهِ، ولا يُخَيِّبُ المُتَوَكِّلِينَ عَلَيْهِ. المَزْمُورُ الرّابِعُ والثَّلاثُونَ: حاكِمْ يا رَبُّ الَّذِينَ يَظْلِمُونَنِي، قاتِلِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَنِي، خُذْ سِلاحًا وتُرْسًا وقُمْ لِمَعُونَتِي، اسْتَلَّ سَيْفًا ورُدَّ بِهِ أعْدائِيَ الَّذِينَ يُرْهِقُونَنِي، وقُلْ لِنَفْسِي: أنا مُخَلِّصُكِ، يَخْزى ويَبْهَتُ طالِبُو نَفْسِي، يَرْتَدُّونَ عَلى أعْقابِهِمْ ويَخْزى الَّذِينَ يَتَفَكَّرُونَ بِيَ الشَّرَّ، ويَكُونُونَ كالغُبارِ أمامَ الرِّيحِ، ومَلَكُ الرَّبِّ [يُخْزِيهِمْ، تَكُونُ طَرِيقُهم زَلِقَةً ظُلْمَةً عَلَيْهِمْ ومَلَكُ الرَّبِّ -] يُطارِدُهُمْ، لِأنَّهم أخْفَوْا لِي فَخًّا، بِغَيْرِ حَقٍّ عَيَّرُوا نَفْسِي، فَلْيَأْتِهِمُ الشَّرُّ بَغْتَةً، والمِصْيَدَةُ الَّتِي أخْفَوْها تَأْخُذُهُمْ، وفي الحُفْرَةِ الَّتِي حَفَرُوها يَسْقُطُونَ، نَفْسِي تَبْتَهِجُ بِالرَّبِّ، وتَنْعَمُ بِخَلاصِهِ، عِظامِي كُلُّها تَقُولُ: يا رَبُّ مَن مِثْلُكَ مُنْجِي المِسْكِينِ مِن يَدِ القَوِيِّ، والفَقِيرِ والبائِسِ مِن يَدِ الَّذِينَ يَخْتَطِفُونَهُ، قامَ عَلَيَّ شُهُودُ الزُّورِ، وعَمّا لَمْ أعْلَمْ ساءَلُونِي، جازَوْنِي بَدَلَ الخَيْرِ شَرًّا، وأبادُوا نَفْسِي وأنا عِنْدَما لَجُّوا عَلَيَّ لَبِسْتُ مِسْحًا، وبِالصِّيامِ أذْلَلْتُ نَفْسِي، وصَلاتِي عادَتْ إلى حِضْنِي، مِثْلَ قَرِيبٍ وأخٍ كُنْتُ لَهُمْ، صِرْتُ كالحَزِينِ الكَئِيبِ (p-٥٠٥)فِي تَواضُعِي، اجْتَمَعُوا عَلَيَّ وفَرِحُوا، اجْتَمَعَ عَلَيَّ الأشْرارُ ولَمْ أشْعُرْ، أثِمُوا ولَمْ يَنْدَمُوا، أحْزَنُونِي وهَزَؤُوا بِي وصَرُّوا أسْنانَهم عَلَيَّ، يا رَبُّ إلى مَتى تَنْتَظِرُ! نَجِّ نَفْسِي مِن شَرِّ ما نَصَبُوا، ومِنَ الأسَدِ نَجِّ وحْدَتِي، لِأشْكُرَكَ يا رَبُّ في الجُمُوعِ الكَثِيرَةِ و[فِي -] الشَّعْبِ الصّالِحِ أُرَتِّلُ لَكَ، لا يُسَرُّ بِي المُعادُونَ لِي ظُلْمًا، الَّذِينَ يَشْنَؤُونَنِي باطِلًا ويَتَغامَزُونَ بِعُيُونِهِمْ، لِأنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِالسَّلامِ وبِالدَّغَلِ يُفَكِّرُونَ، وعَلى المُتَواضِعِينَ في الأرْضِ يَقُولُونَ الكَذِبَ، فَتَحُوا عَلَيَّ أفْواهَهُمْ، وقالُوا: نِعْمًا نِعْمًا! قَدْ قَرَّتْ بِهِ عُيُونُنا، اللَّهُمَّ قَدْ رَأيْتَ، لا تَغْفُلْ، لا تَبْعُدْ عَنِّي يا رَبُّ! انْظُرْ سَرِيعًا في قَضائِي إلَهِي ورَبِّي، كُنْ في ظُلامَتِي، واحْكم لِي مِثْلَ بِرِّكَ يا رَبِّي وإلَهِي، لا تَسُرَّهم بِي، لِئَلّا يَقُولُوا في قُلُوبِهِمْ: تَفَتَّحَتْ نُفُوسُنا، ولا يَقُولُوا: قَدِ ابْتَلَعْناهُ، يُخْزَوْنَ ويَهِنُونَ جَمِيعًا الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِإساءَتِي، يَلْبَسُ الخِزْيَ والبُهْتَ المُتَعَظِّمُونَ بِالقَوْلِ عَلَيَّ، يُسَرُّ ويَفْرَحُ الَّذِينَ يَهْوَوْنَ بِرِّي، ويَقُولُونَ في كُلِّ حِينٍ: عَظِيمٌ هو الرَّبُّ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ سَلامَةَ عَبْدِكَ، لِسانِي يَتْلُو عَدْلَكَ وتَمْجِيدَكَ النَّهارَ كُلَّهُ. (p-٥٠٦)المَزْمُورُ السّادِسُ والثَّلاثُونَ: لا تَغْبِطِ الأشْرارَ ولا تَتَأسَّ بِفاعِلِي الإثْمِ، لِأنَّهم مِثْلُ العُشْبِ سَرِيعًا يَجِفُّونَ، ومِثْلُ البَقْلِ الأخْضَرِ عاجِلًا يَذْبُلُونَ، تَوَكَّلْ عَلى الرَّبِّ واصْنَعِ الخَيْرَ، واسْكُنْ في الأرْضِ، وعِشْ مِن نَعِيمِها، اسْتَبْشِرْ بِالرَّبِّ يُعْطِيكَ مَطْلُوباتِ قَلْبِكَ، واكْشِفْ سُبُلَكَ لِلرَّبِّ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وهو يَصْنَعُ لَكَ، يُخْرِجُ مِثْلَ النُّورِ عَدْلَكَ، ومِثْلَ الظَّهِيرَةِ أحْكامَكَ، اخْضَعْ لِلرَّبِّ واضْرَعْ إلَيْهِ، لا تَغْبِطِ الرَّجُلَ المُسْتَقِيمَ في طَرِيقِهِ المُقِيمَ عَلى إثْمِهِ، ولا رَجُلًا يَعْمَلُ بِخِلافِ النّامُوسِ، اكْفُفْ مِنَ السُّخْطِ، ودَعِ الغَضَبَ، لا تُبارِ الشِّرِّيرَ، فَإنَّ الأشْرارَ جَمِيعًا يَبِيدُونَ، والَّذِينَ يَرْجُونَ الرَّبَّ يَرِثُونَ الأرْضَ عَنْ قَلِيلٍ، لا يُوجَدُ الخاطِئُ، ويَطْلُبُ مَكانَهُ فَلا يُوجَدُ، أهْلُ الدَّعَةِ يَرِثُونَ الأرْضَ، ويَتَنَعَّمُونَ بِكَثْرَةِ السَّلامَةِ، المُنافِقُ يَرْصُدُ الصِّدِّيقَ ويُصِرُّ عَلَيْهِ أسْنانَهُ، والرَّبُّ يَهْزَأُ بِهِ، لِأنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ يَوْمَهُ يُدْرِكُهُ، اسْتَلَّ الخَطَأةُ سُيُوفَهُمْ، وأوْتَرُوا قِسِيَّهُمْ، لِيَصْرَعُوا المِسْكِينَ والبائِسَ، ويَقْتُلُوا المُسْتَقِيمَ القَلْبِ، تَدْخُلُ سُيُوفُهم إلى قُلُوبِهِمْ، وتَنْكَسِرُ قِسِيُّهُمُ، اليَسِيرُ لِلصِّدِّيقِ خَيْرٌ مِن كَثْرَةِ غِنى الخَطَأةِ، لِأنَّ سَواعِدَ الخَطَأةِ تَنْكَسِرُ، والرَّبُّ يَحْفَظُ الأبْرارَ، الرَّبُّ يَعْرِفُ أيّامَ صِدِّيقِيهِ الَّذِينَ لا عَيْبَ فِيهِمْ ومِيراثُهم إلى الأبَدِ، ولا يُخْزَوْنَ في (p-٥٠٧)زَمانِ سُوءٍ، وفي أيّامِ الشَّدائِدِ يَشْبَعُونَ، لِأنَّ الأثَمَةَ يَبِيدُونَ، أعْداءُ الرَّبِّ حِينَ يَرْتَعُونَ ويَتَمَجَّدُونَ يَذْهَبُونَ مِثْلَ الدُّخانِ ويَضْمَحِلُّونَ، الخاطِئُ يَقْتَرِضُ ولا يُوَفِّي، والبارُّ يَتَرَأَّفُ ويُعْطِي، لِأنَّ مُبارِكِيهِ يَرِثُونَ الأرْضَ، ولاعِنِيهِ يُسْتَأْصَلُونَ، الرَّبُّ يُقَوِّمُ خَطَأ الإنْسانِ ويَهْدِيهِ في الطَّرِيقِ، إنْ سَقَطَ البارُّ لَمْ يَجْزَعْ، لِأنَّ الرَّبَّ مُمْسِكٌ بِيَدِهِ، كُنْتُ صَبِيًّا وشِخْتُ ولَمْ أرَ صِدِّيقًا رُفِضَ، ولا ذُرِّيَّتَهُ طَلَبَتْ خُبْزًا. النَّهارَ كُلَّهُ يَتَرَحَّمُ ويُقْرِضُ ونَسْلُهُ مُبارَكٌ، ابْعُدْ عَنِ الشَّرِّ وافْعَلِ الخَيْرَ، واسْكُنْ إلى أبَدِ الأبَدِ، [لِأنَّ الرَّبَّ -] يُحِبُّ العَدْلَ، ولا يُضِيعُ أصْفِياءَهُ، يَحْفَظُهم إلى أبَدِ الأبَدِ، الأثَمَةُ يَهْلِكُونَ ونَسْلُ الخَطَأةِ يُسْتَأْصَلُونَ، الصِّدِّيقُونَ يَرِثُونَ الأرْضَ ويَسْكُنُونَ فِيها إلى أبَدِ الأبَدِ، فَمُ الصِّدِّيقِ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ ولِسانُهُ يَقُولُ العَدْلَ، سُنَّةُ إلَهِهِ في قَلْبِهِ، ولا تَزْدَحِفُ قَدَماهُ، الخاطِئُ يَرْصُدُ البارَّ ويَهُمُّ بِقَتْلِهِ، والرَّبُّ لا يُسَلِّمُهُ في يَدَيْهِ، ولا يُدْخِلُهُ في الحُكْمِ، تَرَجَّ الرَّبَّ واحْفَظْ طُرُقَهُ، وهو يَرْفَعُكَ لِتَرِثَ الأرْضَ وتُعايِنَ الخَطَأةَ يَبِيدُونَ، رَأيْتُ المُنافِقَ يَتَعالى: ويَتَطاوَلُ مِثْلَ أرْزِ لُبْنانَ، مَرَرْتُ بِهِ فَلَمْ أجِدْهُ وطَلَبْتُ مَوْضِعَهُ فَلَمْ أُصِبْهُ، تَمَسَّكْ بِالدَّعَةِ وسَتَرى الِاسْتِقامَةَ، فَإنَّ عاقِبَةَ الرَّجُلِ المُسْتَقِيمِ سَلامَةٌ، الخَطَأةُ جَمِيعًا يَبِيدُونَ، وبَقايا الأشْرارِ يُسْتَأْصَلُونَ، خَلاصُ الأبْرارِ مِن عِنْدِ الرَّبِّ وهو ناصِرُهم في زَمانِ الشَّدائِدِ، (p-٥٠٨)الرَّبُّ عَوْنُهم ومُنْجِيهِمْ ومُنْقِذُهم مِنَ الخَطَأةِ، ويُخَلِّصُهم لِأنَّهم تَوَكَّلُوا عَلَيْهِ.

الأنبياء 21:106

ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الحِكَمِ والدَّلائِلِ والقِصَصِ واعِظًا شافِيًا حَكِيمًا، ومُرْشِدًا هادِيًا عَلِيمًا، قالَ واصِلًا بِما تَقَدَّمَ إشارَةً إلى أنَّهُ نَتِيجَتُهُ: ﴿إنَّ في هَذا﴾ أيِ الَّذِي ذَكَرْناهُ هُنا مِنَ الأدِلَّةِ عَلى قُدْرَتِنا عَلى قِيامِ السّاعَةِ وغَيْرِها مِنَ المُمْكِناتِ، وعَلى أنَّ مَنِ ادَّعى عَلَيْنا أمْرًا فَأيَّدْناهُ عَلَيْهِ وجَعَلْنا العاقِبَةَ لَهُ [فِيهِ -] فَهو صادِقٌ مُحِقٌّ، وخَصْمَهُ كاذِبٌ مُبْطِلٌ ﴿لَبَلاغًا﴾ لَأمْرًا عَظِيمًا كافِيًا في البُلُوغِ إلى مَعْرِفَةِ الحَقِّ فِيما ذَكَرْناهُ مِن قِيامِ السّاعَةِ والوَحْدانِيَّةِ وجَمِيعِ ما تَحْصُلُ بِهِ البَعْثَةُ ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ لِأُناسٍ أقْوِياءَ عَلى ما يَقْصِدُونَهُ ﴿عابِدِينَ﴾ أيْ مُعْتَرِفِينَ بِالعُبُودِيَّةِ لِرَبِّهِمُ الَّذِي خَلَقَهُمُ اعْتِرافًا تُطابِقُهُ الأفْعالُ بِغايَةِ الجِدِّ والنَّشاطِ.

الأنبياء 21:107

ولَمّا كانَ هَذا مُشِيرًا إلى رَشادِهِمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَما أرْسَلْناكَ إلّا لِإسْعادِهِمْ والكِفايَةِ [لَهم -] في البَلاغِ إلى جَنّاتِ النَّعِيمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُفْهِمُ سَبَبَ التَّأْخِيرِ لِإنْجازِ ما يَسْتَعْجِلُهُ غَيْرُ العابِدِينَ مِنَ العَذابِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا العامَّةِ عَلى حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿إلا﴾ عَلى حالِ كَوْنِكَ ﴿رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ كُلِّهِمْ، أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ (p-٥٠٩)مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ، طائِعِهِمْ بِالثَّوابِ، وعاصِيهِمْ بِتَأْخِيرِ العِقابِ، [الَّذِي كُنّا نَسْتَأْصِلُ بِهِ الأُمَمَ -]، فَنَحْنُ نُمْهِلُهم ونَتَرَفَّقُ بِهِمْ، إظْهارًا لِشَرَفِكَ وإعْلاءً لِقَدْرِكَ، حَتّى نُبَيِّنَ أنَّهم مَعَ كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وشَوْكَتِهِمْ وشِدَّةِ تَمالُئِهِمْ عَلَيْكَ لا يَصِلُونَ إلى ما يُرِيدُونَ مِنكَ، ثُمَّ نَرُدُّ كَثِيرًا مِنهم إلى دِينِكَ، ونَجْعَلُهم مِن أكابِرِ أنْصارِكَ وأعاظِمِ أعْوانِكَ، بَعْدَ طُولِ ارْتِكابِهِمُ الضَّلالَ، وارْتِباكِهِمْ في أشْراكِ المُحالِ، وإيضاعِهِمْ في الجِدالِ والمُحالِ، فَيُعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا ناصِرَ لَكَ إلّا اللَّهَ الَّذِي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ، ومِن أعْظَمِ ما يَظْهَرُ فِيهِ هَذا الشَّرَفُ في عُمُومِ الرَّحْمَةِ وقْتُ الشَّفاعَةِ العُظْمى يَوْمَ يُجْمَعُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، وتَقُومُ المَلائِكَةُ صُفُوفًا والثَّقَلانِ وسَطَهُمْ، ويَمُوجُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ ما هم فِيهِ، يَطْلُبُونَ مَن يَشْفَعُ لَهم في أنْ يُحاسَبُوا لِيَسْتَرِيحُوا مِن ذَلِكَ الكَرْبِ إمّا إلى جَنَّةٍ أوْ نارٍ، فَيَقْصِدُونَ أكابِرَ الأنْبِياءِ نَبِيًّا نَبِيًّا عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، فَيُحِيلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وكُلٌّ مِنهم يَقُولُ: لَسْتُ لَها، حَتّى يَأْتُوهُ ﷺ فَيَقُولُ: أنا لَها، [ويَقُومُ -] ومَعَهُ لِواءُ الحَمْدِ فَيُشَفِّعُهُ اللَّهُ وهو المَقامُ المَحْمُودُ الَّذِي يَغْبِطُهُ [بِهِ -] الأوَّلُونَ والآخِرُونَ وقَدْ سَبَقْتُ أكْثَرَ الحَدِيثِ بِذَلِكَ في سُورَةِ غافِرٍ عِنْدَ ﴿ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾ [غافر: ١٨]

الأنبياء 21:108

(p-٥١٠)ولَمّا كانَ البَلاغُ الَّذِي رَتَّبَ هَذا لِأجْلِهِ هو التَّوْحِيدَ المَلْزُومَ لِتَمامِ القُدْرَةِ، أتْبَعَ الإشارَةَ إلى تَأْخِيرِهِمُ الإيمانَ إلى تَحْذِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِكُلِّ مَن يُمْكِنُكَ لَهُ القَوْلُ: ﴿إنَّما يُوحى إلَيَّ﴾ [أيْ -] مِمَّنْ لا مُوحِيَ بِالخَيْرِ سِواهُ وهو اللَّهُ الَّذِي خَصَّنِي بِهَذا الكِتابِ المُعْجِزِ ﴿أنَّما إلَهُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ إثْباتَ الوَحْدانِيَّةِ، [لِإلَهٍ مُجْمَعٍ عَلى إلَهِيَّتِهِ مِنهُ ومِنهُمْ، كَرَّرَ ذِكْرَ الإلَهِ فَقالَ -]: ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ لا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يُوحَ إلَيَّ في أمْرِ الإلَهِ إلّا الوَحْدانِيَّةُ، وما إلَهُكم إلّا واحِدٌ لَمْ يُوحِ إلَيَّ فِيما تَدَّعُونَ مِنَ الشِّرْكَةِ غَيْرَ ذَلِكَ، فالأوَّلُ مِن قَصْرِ الصِّفَةِ عَلى المَوْصُوفِ، أيِ الحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ، أيِ المُوحِي [بِهِ -] إلَيَّ مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدانِيَّةِ لا يَتَعَدّاها إلى الشِّرْكَةِ، والثّانِي (p-٥١١)مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، أيِ الإلَهُ مَقْصُورٌ عَلى الوَحْدَةِ لا يَتَجاوَزُها إلى التَّعَدُّدِ، والمُخاطَبُ بِهِما مَن يَعْتَقِدُ الشَّرِكَةَ، فَهو قَصْرُ قَلْبٍ. ولَمّا انْضَمَّ إلى ما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ في أمْرِ الوَحْدانِيَّةِ هَذا الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِأنْ يُخْشى إنْجازُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ فَيُخْلِصُوا العِبادَةَ لِلَّهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ مُرَهِّبًا ومُرَغِّبًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُذْعِنُونَ لَهُ مُلْقُونَ إلَيْهِ مَقالِيدَكم مُتَخَلُّونَ عَنْ جَمِيعِ ما تَدْعُونَهُ مِن دُونِهِ لِتَسْلَمُوا مِن عَذابِهِ وتَفُوزُوا بِثَوابِهِ، [فَفِي الآيَةِ أنَّ هَذِهِ الوَحْدانِيَّةَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ طَرِيقَها السَّمْعُ -].

الأنبياء 21:109

ولَمّا كانَ تَوَلِّيهِمْ بَعْدَ هَذِهِ القَواطِعِ مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلى ذَلِكَ بِإيرادِهِ بِأداةِ الشَّكِّ فَقالَ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ لَمْ يَقْبَلُوا ما دَعَوْتَهم إلَيْهِ ﴿فَقُلْ﴾ [أيْ لَهم -]: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ أيْ أعْلَمْتُكم بِبَراءَتِي مِنكم وأنِّي غَيْرُ راجِعٍ إلَيْكم أبَدًا كَما أنَّكم تَبَرَّأْتُمْ مِنِّي ولَمْ تَرْجِعُوا إلَيَّ، فَصارَ عِلْمُكم أنْ لا صُلْحَ بَيْنَنا مَعَ التَّوَلِّي كَعِلْمِي وعِلْمِ مَنِ اتَّبَعَنِي. لِتَتَأهَّبُوا لِجَمِيعِ ما تَظُنُّونَهُ يَنْفَعُكُمْ، [فَهُوَ كَمَن بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْدائِهِ هُدْنَةٌ فَأحَسَّ مِنهم بِغَدْرِهِ، فَنَبَذَ إلَيْهِمُ العَهْدَ، شَهَرَ ذَلِكَ النَّبْذَ وأشاعَهُ فَلَمْ يُخْفِهِ عَنْ أحَدٍ مِنهُمْ، وهو مِمّا اشْتَهَرَ أنَّهُ بَلَغَ النِّهايَةَ في الفَصاحَةِ والوَجازَةِ -]، أوْ أبْلَغْتُكم (p-٥١٢)جَمِيعَ ما أُرْسِلْتُ بِهِ ولَمْ أخُصَّ بِهِ أحَدًا دُونَ أحَدٍ، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى ﴿عَلى سَواءٍ﴾ أيْ إيذانًا مُسْتَعْلِيًا عَلى أمْرِ نَصَفٍ وطَرِيقِ عَدْلٍ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن خَفاءٍ ولا غِشٍّ ولا خِداعٍ ولا غَدْرٍ، بَلْ نَسْتَوِي فِيهِ نَحْنُ وأنْتُمْ. ولَمّا كانَ مِن لازِمِ البَراءَةِ مِن شَخْصٍ الإيقاعُ [بِهِ -] كانَ مَوْضِعَ أنْ يَقُولُوا هُزُؤًا عَلى عادَتِهِمْ: نَبَذْتَ إلَيْنا عَلى سَواءٍ فَعَجِّلْ لَنا ما تَتَوَعَّدُنا بِهِ، فَقالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿أدْرِي أقَرِيبٌ﴾ جِدًّا بِحَيْثُ يَكُونُ قُرْبُهُ عَلى ما تَتَعارَفُونَهُ ﴿أمْ بَعِيدٌ ما تُوعَدُونَ﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا بِأيْدِي المُسْلِمِينَ أوْ بِغَيْرِهِ، أوْ في الآخِرَةِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَلْحَقَ مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ الذُّلُّ والصَّغارُ.

الأنبياء 21:110

ولَمّا كانَ مِنَ المَقْطُوعِ بِهِ مِن كَوْنِ الشَّكِّ إنَّما هو في القُرْبِ أوِ البُعْدِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَكِنَّهُ مُحَقَّقُ الوُجُودِ، لِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَرِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ، لِأنَّ كُلَّ ما حَقَّقَ إيجادَهُ قَرِيبٌ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ اللَّهَ تَعالى ﴿يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ ولَمّا كانَ الجَهْرُ قَدْ يَكُونُ في الأفْعالِ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ القَوْلِ﴾ مِمّا تُجاهِرُونَهُ [بِهِ -] مِنَ العَظائِمِ وغَيْرِ ذَلِكَ، [ونَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ لِأنَّ مِن أحْوالِ الجَهْرِ أنْ تَرْتَفِعَ الأصْواتُ جِدًّا بِحَيْثُ تَخْتَلِطُ ولا يُمَيَّزُ بَيْنَها ولا يَعْرِفُ كَثِيرٌ مِن حاضِرِيها ما قالَهُ أكْثَرُ القائِلِينَ، فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَشْغَلُهُ صَوْتٌ (p-٥١٣)عَنْ آخَرٍ ولا يَفُوتُهُ شَيْءٌ عَنْ ذَلِكَ ولَوْ كَثُرَ -] ﴿ويَعْلَمُ ما تَكْتُمُونَ﴾ مِمّا تُضْمِرُونَهُ مِنَ المَخازِي كَما قالَ تَعالى أوَّلَها ﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤] ومِن لازِمِ ذَلِكَ المُجازاةُ عَلَيْهِ بِما يَحِقُّ لَكم مِن تَعْجِيلٍ وتَأْجِيلٍ، فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ يُخَيِّبُ ظُنُونَكم ويُحَقِّقُ ما أقُولُ، فَتَقْطَعُونَ بِأنِّي صادِقٌ عَلَيْهِ ولَسْتُ بِساحِرٍ، ولا حالِمٍ ولا كاذِبٍ [ولا شاعِرٍ-]، فَهو مِن أبْلَغِ التَّهْدِيدِ فَإنَّهُ لا أعْظَمَ مِنَ التَّهْدِيدِ بِالعِلْمِ.

الأنبياء 21:111

ولَمّا كانَ الإمْهالُ قَدْ يَكُونُ نِعْمَةً، وقَدْ يَكُونُ نِقْمَةً، قالَ: ﴿وإنْ﴾ أيْ وما ﴿أدْرِي﴾ أيْ أيَكُونُ تَأْخِيرُ عَذابِكم نِعْمَةً لَكم كَما تَظُنُّونَ أوْ لا. ولَمّا كانَ إلى كَوْنِهِ نِقْمَةً أقْرَبَ، قالَ مُعَبِّرًا عَمّا قَدَّرْتُهُ: ﴿لَعَلَّهُ﴾ أيْ تَأْخِيرَ العَذابِ وإيهامَ الوَقْتِ ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أيِ اخْتِبارٌ مِنَ اللَّهِ لِيَظْهَرَ ما يَعْلَمُهُ مِنكم مِنَ الشَّرِّ لِغَيْرِهِ، لِأنَّ حالَكم حالُ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ ذَلِكَ ﴿ومَتاعٌ﴾ لَكم تَتَمَتَّعُونَ بِهِ ﴿إلى حِينٍ﴾ أيْ بُلُوغِ مُدَّةِ آجالِكُمُ الَّتِي ضَرَبَها لَكم في الأزَلِ، ثُمَّ يَأْخُذُكم بَغْتَةً أخْذَةً يَسْتَأْصِلُكم بِها.

الأنبياء 21:112

ولَمّا كانَ اللّازِمُ مِن هَذِهِ الآياتِ تَجْوِيزَ أُمُورٍ تَهُمُّ سامِعَها وتُقْلِقُهُ لِلْعِلْمِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ مِن عَدْلٍ وفَضْلٍ، وكانَ مِنَ العَدْلِ جَوازُ تَعْذِيبِ الطّائِعِ وتَنْعِيمِ العاصِي، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ (p-٥١٤)الرَّسُولُ الشَّفُوقُ عَلى الأُمَّةِ حِينَ سَمِعَ هَذا الخِطابَ؟ فَقِيلَ: قالَ مُبْتَهِلًا إلى اللَّهِ تَعالى - هَذا عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ مُقْلِقٌ، أمَرَهُ ﷺ بِما يُرَجِّي مَن يَقْلَقُ مِن أتْباعِهِ فَقالَ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ [أيُّها -] المُحْسِنُ إلَيَّ في نَفْسِي واتِّباعِي بِامْتِثالِ أوامِرِكَ واجْتِنابِ نَواهِيكَ ﴿احْكُمْ﴾ أيْ أنْجِزِ الحُكْمَ بَيْنِي وبَيْنَ هَؤُلاءِ المُخالِفِينَ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الَّذِي يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنّا مِن نَصْرٍ وخِذْلانٍ عَلى ما أجْرَيْتَهُ مِن سُنَّتِكَ القَدِيمَةِ في أوْلِيائِكَ وأعْدائِكَ ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨] أيِ الأمْرِ الفَصْلِ النّاجِزِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وعَنْ مالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا شَهِدَ قِتالًا قالَ ﴿رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾» [وفِي الآيَةِ أعْظَمُ حَثٍّ عَلى لُزُومِ الإنْسانِ بِالحَقِّ لِيَتَأهَّلَ لِهَذِهِ الدَّعْوَةِ -]. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّنا المُنْتَقِمُ الجَبّارُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ وهو قادِرٌ عَلى ما تُوعَدُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ -]: ﴿ورَبُّنا﴾ أيِ (p-٥١٥)المُحْسِنُ إلَيْنا أجْمَعِينَ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أيِ العامُّ الرَّحْمَةِ لَنا ولَكم بِإدْرارِ النِّعَمِ عَلَيْنا، ولَوْلا عُمُومُ رَحْمَتِهِ لَأهْلَكَنا أجْمَعِينَ وإنْ كُنّا نَحْنُ أطَعْناهُ، لِأنّا لا نَقْدُرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا سَألَ ”الحَقَّ“ المُرادَ بِهِ الهَلاكُ لِلْعَدُوِّ والنَّجاةُ لِلْوَلِيِّ، أفْرَدَ الإضافَةَ إشارَةً إلى تَخْصِيصِهِ بِالفَضْلِ، وإفْرادِهِمْ بِالعَدْلِ، ولَمّا سَألَ العَوْنَ عَمَّ بِالإضافَةِ والصِّفَةِ قُنُوعًا بِتَرْجِيحِ جانِبِهِ بِالعَوْنِ وإنْ شَمِلَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، [ولِأنَّ مَن رَحِمْتَهم خَلَّيْتَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ -] فَقالَ: ﴿المُسْتَعانُ﴾ أيِ المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ وهو خَبَرُ المُبْتَدَإ المَوْصُوفِ ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ مِمّا هو ناشِئٌ عَنْ غَفْلَتِكُمُ النّاشِئَةِ عَنْ إعْراضِكم عَنْ هَذا الذِّكْرِ مِنَ الاسْتِهْزاءِ والقَذْفِ بِالسِّحْرِ وغَيْرِهِ، والمُناصَبَةِ بِالعَداوَةِ والتَّوَعُّدِ بِكُلِّ شَرٍّ، فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِذِكْرِ السّاعَةِ رَدًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وذِكْرِ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ وذِكْرِ القُرْآنِ الَّذِي هو البَلاغُ، وذِكْرِ الرِّسالَةِ بِالرَّحْمَةِ لِمَن نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ وغَيْرِهِ، وتَفْصِيلِ ما اسْتَعْجَلُوا بِهِ مِن آياتِ الأوَّلِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، وقامَ الدَّلِيلُ بِالسَّمْعِ بَعْدَ العَقْلِ عَلى تَحَقُّقِ أمْرِ السّاعَةِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ لا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ، وأنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، وهو رَحْمَنٌ، فَمِن رَحْمَتِهِ إيجادُ يَوْمِ الدِّينِ لِيُجازِيَ فِيهِ المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ، (p-٥١٦)والمُسِيءَ بِكُفْرانِهِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَرْهِيبٍ في أعْلى حاثٍّ عَلى التَّقْوى لِلنَّجاةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو أوَّلُ الَّتِي تَلِيها - واللَّهُ المُوَفِّقُ.