Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الحج 22:1 – المؤمنون 23:118
المحتويات
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:4
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:7
- الحج 22:8
- الحج 22:9
- الحج 22:10
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:13
- الحج 22:14
- الحج 22:15
- الحج 22:16
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:20
- الحج 22:21
- الحج 22:22
- الحج 22:23
- الحج 22:24
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
- الحج 22:33
- الحج 22:34
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:39
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:42
- الحج 22:43
- الحج 22:44
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:48
- الحج 22:49
- الحج 22:50
- الحج 22:51
- الحج 22:52
- الحج 22:53
- الحج 22:54
- الحج 22:55
- الحج 22:56
- الحج 22:57
- الحج 22:58
- الحج 22:59
- الحج 22:60
- الحج 22:61
- الحج 22:62
- الحج 22:63
- الحج 22:64
- الحج 22:65
- الحج 22:66
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:69
- الحج 22:70
- الحج 22:71
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:76
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:14
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:16
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:18
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:22
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:24
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:26
- المؤمنون 23:27
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:30
- المؤمنون 23:31
- المؤمنون 23:32
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:34
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:37
- المؤمنون 23:38
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:43
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:46
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:48
- المؤمنون 23:49
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:57
- المؤمنون 23:58
- المؤمنون 23:59
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:65
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:69
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:75
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:79
- المؤمنون 23:80
- المؤمنون 23:81
- المؤمنون 23:82
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:85
- المؤمنون 23:86
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:95
- المؤمنون 23:96
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:102
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:105
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:107
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:116
- المؤمنون 23:117
- المؤمنون 23:118
الحج 22:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحَجِّ
مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى التَّقْوى المُعْلِيَةِ عَنْ دَرَكَةِ الِاسْتِحْقاقِ لِلْحُكْمِ بِالعَدْلِ إلى دَرَجَةِ اسْتِئْهالِ الإنْعامِ بِالفَضْلِ، في يَوْمِ الجَمْعِ لِلْفَصْلِ، وأنْسَبُ ما فِيها لِذَلِكَ الحَجُّ وهو ظاهِرٌ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي اقْتَضَتْ عَظَمَتُهُ خُضُوعَ كُلِّ شَيْءٍ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ بِرَحْمَتِهِ وعَدْلِهِ كُلَّ مَوْجُودٍ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ بِفَضْلِهِ مَن شاءَ مِن ذَوِي عَدْلِهِ.
لَمّا خُتِمَتِ الَّتِي قَبْلَها بِالتَّرْهِيبِ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وطَيِّ السَّماءِ وإتْيانِ ما يُوعَدُونَ، والدَّيْنُونَةِ بِما يَسْتَحِقُّونَ، وكانَ أعْظَمَ ذَلِكَ يَوْمُ الدِّينِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى المُنْجِيَةِ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ تَقَدَّمَ أوَّلَ تِلْكَ أنَّهُ اقْتَرَبَ لَهم حِسابُهم ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَ المُحْسِنِ إلَيْكم بِأنْواعِ الإحْسانِ بِأنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَهُ وِقايَةَ الطّاعاتِ.
(p-٢)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا افْتُتِحَتْ سُورَةُ الأنْبِياءِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] وكانَ وارِدًا في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ، وتَكَرَّرَ في مَواضِعَ مِنها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٧] ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٣٨] ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] ﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ﴿وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] ﴿كُلٌّ إلَيْنا راجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٣] ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ﴾ [الأنبياء: ٩٧] ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] إلى ما تَخَلَّلَ هَذِهِ الآيَ مِنَ التَّهْدِيدِ، وشَدِيدِ الوَعِيدِ، حَتّى لا تَكادَ تَجِدُ أمْثالَ هَذِهِ الآيِ في الوَعِيدِ والإنْذارِ بِما في السّاعَةِ وما بَعْدَها وما بَيْنَ يَدَيْها في نَظائِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ خُتِمَتْ مِن ذَلِكَ بِمِثْلِ ما بِهِ ابْتُدِئَتْ، اتَّصَلَ بِذَلِكَ ما يُناسِبُهُ مِنَ الإعْلامِ بِهَوْلِ السّاعَةِ وعَظِيمِ أمْرِها، فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ - إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ثُمَّ أتْبَعَ هَذا بِبَسْطِ الدَّلالاتِ عَلى البَعْثِ الأخِيرِ وإقامَةِ البُرْهانِ ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥] الآياتُ، ثُمَّ قالَ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [الحج: ٦] أيِ اطَّرَدَ هَذا الحُكْمُ العَجِيبُ ووَضَحَ مَن تَقَلُّبِكم مِن حالَةٍ إلى حالَةٍ في الأرْحامِ وبَعْدَ خُرُوجِكم إلى (p-٣)الدُّنْيا وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِن أنْفُسِكُمْ، وتُشاهِدُونَ الأرْضَ عَلى صِفَةٍ مِنَ الهُمُودِ والمَوْتِ إلى حِينِ نُزُولِ الماءِ فَنُحْيِي ونُخْرِجُ أنْواعَ النَّباتِ وضُرُوبَ الثَّمَراتِ ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ [الحج: ٦] كَما أحْياكم أوَّلًا وأخْرَجَكم مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ وأحْيا الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وهُمُودِها، كَذَلِكَ تَأْتِي السّاعَةُ مِن غَيْرِ رَيْبٍ ولا شَكٍّ، ويَبْعَثُكم لِما وعَدَكم مِن حِسابِكم وجَزائِكم ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] انْتَهى.
ولَمّا أمَرَهم بِالتَّقْوى: عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَهِّبًا لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ﴾ أيِ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّحْذِيرُ مِنها في الأنْبِياءِ بَدْأً وخَتْمًا وما بَيْنَ ذَلِكَ، أيْ شِدَّةَ اضْطِرابِها وتَحَرُّكَها العَنِيفَ المُزِيلَ لِلْأشْياءِ عَنْ مَقارِّها إزالَةً عَظِيمَةً، بِما يَحْصُلُ فِيهِما مِنَ الأصْواتِ المُخْتَلِفَةِ، والحَرَكاتِ المُزْعِجَةِ المُتَّصِلَةِ، مِنَ النَّفْخِ في الصُّوَرِ، وبَعْثَرَةِ القُبُورِ، وما يَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ المَقْدُورِ، وقْتَ القِيامِ، واشْتِدادِ الزِّحامِ، وذَلِكَ لِأنَّ ”زَلْزَلَ“ مُضاعَفُ زَلَّ - إذا زالَ عَنْ مَقَرِّهِ بِسُرْعَةٍ، ضُوعِفَ لَفْظُهُ لِتَضاعُفِ مَعْناهُ؛ قالَ البَغَوِيُّ: الزَّلْزَلَةُ والزِّلْزالُ: شِدَّةُ الحَرَكَةِ عَلى الحالِ الهائِلَةِ - انْتَهى. وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ فِيهِ (p-٤)﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ لا تَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَهُ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ أمْرٌ كَبِيرٌ، وخَطْبٌ جَلِيلٌ وطارِقٌ مُفْظِعٌ، وحادِثٌ هائِلٌ، وكائِنٌ عَجِيبٌ - انْتَهى.
وهَذا لِلزَّلْزَلَةِ نَفْسِها، فَكَيْفَ بِجَمِيعِ ما يَحْدُثُ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي لا بُدَّ لَكم مِنَ الحَشْرِ فِيهِ إلى اللَّهِ لِيُجازِيَكم عَلى ما كانَ مِنكُمْ، لا يُنْسى مِنهُ نَقِيرٌ ولا قِطْمِيرٌ، ولا يَخْفى قَلِيلٌ ولا كَثِيرٌ، مِمّا تَطِيرُ لَهُ القُلُوبُ، ولا تَثْبُتُ لَهُ النُّفُوسُ، فاعْتَدُّوا وجاهِدُوا أعْداءَكم مِنَ الأهْواءِ والشَّياطِينِ.
الحج 22:2
ولَمّا كانَ المُرادُ بِالسّاعَةِ القِيامَ وما والاهُ، جُعِلَ مَظْرُوفًا لِذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو مِن ذَلِكَ الوَقْتِ إلى افْتِراقِ الفَرِيقَيْنِ إلى دارَيِ الإبْعادِ والإسْعادِ، والهَوانِ والغُفْرانِ، فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ أيِ الزَّلْزَلَةَ أوْ كُلَّ مُرْضِعَةٍ، أضْمَرَها قَبْلَ الذِّكْرِ، تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ وتَرْوِيعًا لِلنَّفْسِ ﴿تَذْهَلُ﴾ أيْ تَنْسى وتَغْفُلُ حائِرَةً مَدْهُوشَةً، وهو العامِلُ في ”يَوْمَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عامِلُهُ مَعْنى الكَلامِ، أيْ تَسْتَعْظِمُونَ جِدًّا ذَلِكَ اليَوْمَ عِنْدَ المُعايَنَةِ وإنْ كُنْتُمُ الآنَ تُكَذِّبُونَ، ويَكُونُ ما بَعْدَهُ اسْتْئْنافًا ودَلَّ بِالسُّورِ عَلى عُمُومِ تَأْثِيرِهِ لِشِدَّةِ عَظَمَتِهِ فَقالَ: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ (p-٥)أيْ بِالفِعْلِ ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ مِن ولَدِها وغَيْرِهِ، وهي مَن ماتَتْ مَعَ ابْنِها رَضِيعًا، قالَ البَغَوِيُّ: يُقالُ: مُرْضِعٌ، بِلا هاءٍ - إذا أُرِيدَ بِهِ الصِّفَةُ مِثْلُ حائِضٍ وحامِلٍ، فَإذا أرادُوا الفِعْلَ أدْخَلُوا الهاءَ - يَعْنِي: فَيَدُلُّ حِينَئِذٍ أنَّها مُلْتَبِسَةٌ بِهِ ﴿وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أيْ تُسْقِطُهُ قَبْلَ التَّمامِ رُعْبًا وفَزَعًا، وهي مَن ماتَتْ حامِلًا - واللَّهُ أعْلَمُ، فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَقُومُ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: تَذْهَلُ المُرْضِعَةُ عَنْ ولَدِها بِغَيْرِ فِطامٍ، وتَضَعُ الحامِلُ ما في بَطْنِها بِغَيْرِ تَمامٍ - انْتَهى. ويُؤَيِّدُ أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ تَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ ما في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما: مُسْلِمٌ في الإيمانِ وهَذا لَفْظُهُ، والبُخارِيُّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَفَعَهُ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: يا آدَمُ ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ! والخَيْرُ في يَدَيْكَ، قالَ: يَقُولُ: أخْرِجْ بَعْثَ النّارِ، قالَ: وما بَعْثُ النّارِ؟ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ يَشِيبُ الصَّغِيرُ، وتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها» الحَدِيثُ والأحادِيثُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ومَعارِضُها (p-٦)ضَعِيفٌ، والمُناسِبُ أيْضًا لِما في آخِرِ تِلْكَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَإذا هي شاخِصَةٌ أبْصارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧] وما تَبِعَهُ أنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ هَذا وما قَبْلَهُ لِأنَّ يَوْمَ السّاعَةِ طَوِيلٌ، فَنِسْبَةُ الكُلِّ إلَيْها عَلى حَدٍّ سَواءٍ.
ولَمّا كانَ النّاسُ كُلُّهم يَرَوْنَ الزَّلْزَلَةَ، ولا يَرى الإنْسانُ السُّكْرَ - إلّا مِن غَيْرِهِ قالَ في الزَّلْزَلَةِ ﴿تَرَوْنَها﴾ وقالَ في السُّكَّر: ﴿وتَرى النّاسَ سُكارى﴾ أيْ لِما هم فِيهِ مِنَ الدَّهَشِ والحَيْرَةِ والبَهْتِ لِما شاهَدُوا مِن حِجابِ العِزِّ وسُلْطانِ الجَبَرُوتِ وسُرادِقِ الكِبْرِياءِ، ثُمَّ دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلى حَقِيقَتِهِ بِقَوْلِهِ، نافِيًا لِما يُظَنُّ إثْباتُهُ بِالجُمْلَةِ الأُولى: ﴿وما هم بِسُكارى﴾ أيْ مِنَ الخَمْرِ.
ولَمّا نَفى أنْ يَكُونُوا سُكارى مِنَ الخَمْرِ، أثْبَتَ ما أوْجَبَ لَهم تِلْكَ الحالَةَ فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ﴾ ذِي العِزِّ والجَبَرُوتِ ﴿شَدِيدٌ﴾ فَهو الَّذِي وجَبَ أنْ يُظَنَّ بِهِمُ السُّكْرُ، لِأنَّهُ أذْهَبَ خَوْفُهُ حَوْلَهُمْ، وطَيَّرَ هَوْلُهُ عُقُولَهم.
الحج 22:3
ولَمّا أفْهَمَ العَطْفُ الآتِي أنَّ النّاسَ قِسْمانِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ (p-٧)مِنكم مَن يُؤْمِنُ فَيَتَّقِي فَيَنْجُو مِن شَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ إظْهارَ العَظَمَةِ فِيهِ لِيَزْدادَ حِزْبُ اللَّهِ فَرَحًا، وحِزْبُ الشَّيْطانِ غَمًّا وتَرَحًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيِ المُذَبْذَبِينَ المُضْطَرِبِينَ ﴿مَن﴾ لا يَسْعى في إعْلاءِ نَفْسِهِ وتَهْذِيبِها فَيُكَذِّبُ فَيَوْبَقُ بِسُوءِ أعْمالِهِ، لِأنَّهُ ﴿يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ في قُدْرَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ عَلى ذَلِكَ اليَوْمِ وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِن شُؤُونِهِ بَعْدَ أنْ جاءَهُ العِلْمُ بِها اجْتِراءً عَلى سُلْطانِهِ العَظِيمِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بَلْ بِالباطِلِ الَّذِي هو جَهْلٌ صِرْفٌ، فَيَتْرُكُ اتِّباعَ الهُداةِ النُّصَحاءِ ﴿ويَتَّبِعُ﴾ بِغايَةِ جُهْدِهِ في جِدالِهِ ﴿كُلَّ شَيْطانٍ﴾ أيْ مُحْتَرِقٍ بِالشَّرِّ مُبْعَدٍ بِاللَّعْنِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِذَمِّ مُتَّبِعِهِ، أشارَ إلى أنَّهُ لا قَصْدَ لَهُ في اتِّباعِهِ إلّا الشَّرُّ، لِأنَّهُ لا لَبْسَ في أمْرِهِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ كَما مَضى في النِّساءِ ويَأْتِي في الصّافّاتِ، فَقالَ: ﴿مَرِيدٍ﴾ أيْ مُتَجَرَّدٍ لِلْفَسادِ لا شُغْلَ لَهُ غَيْرُهُ، فَهو في غايَةِ الضَّراوَةِ عَلَيْهِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُهُ العُرى.
الحج 22:4
﴿كُتِبَ﴾ أيْ قُضِيَ وقُدِّرَ عَلى سَبِيلِ الحَتْمِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، تَعْبِيرٌ بِاللّازِمِ عَنِ المَلْزُومِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى ذَلِكَ الشَّيْطانِ (p-٨)﴿أنَّهُ مَن تَوَلاهُ﴾ أيْ فَعَلَ مَعَهُ فِعْلَ الوَلِيِّ مَعَ ولِيِّهِ، بِاتِّباعِهِ والإقْبالِ عَلى ما يُزَيِّنُهُ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ بِما يُبَغِّضُ إلَيْهِ مِنَ الطّاعاتِ فَيُخْطِئُ سَبِيلَ الخَيْرِ.
ولَمّا نَفَّرَ عَنْ تَوَلِّيهِ بِإضْلالِهِ لِأنَّ الضَّلالَ مَكْرُوهٌ إلى كُلِّ أحَدٍ، بَيَّنَ أنَّهُ إضْلالٌ لا هُدًى مَعَهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿ويَهْدِيهِ﴾ أيْ بِما يُزَيِّنُ لَهُ مِنَ الشَّهَواتِ الحامِلَةِ عَلى الزَّلّاتِ، إعْلامًا بِأنَّهُ إنْ كانَ لَهُ هَدًى إلى شَيْءٍ فَهو ﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾
الحج 22:5
ولَمّا حَذَّرَ النّاسَ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، وأخْبَرَ أنَّ مِنهم مَن يُكَذِّبُ، وعَرَّفَ بِمَآلِهِ، فَأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ مِنهم مَن يُصَدِّقُ بِهِ فَيَكُونُ لَهُ ضِدُّ حالِهِ، وكانَ كَثِيرٌ مِنَ المُصَدِّقِينَ يَعْمَلُونَ عَمَلَ المُكَذِّبِينَ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ إقْبالًا ثانِيًا رَحْمَةً لَهُمْ، مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يَكُونَ عِنْدَهم نَوْعٌ مِنَ الشَّكِّ في ذَلِكَ اليَوْمِ لِما عَلَيْهِ مِنَ الآياتِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ، فَقالَ دالًّا عَلَيْهِ بِالأمْرَيْنِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ كافَّةً، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ المُنْكَرُ فَقَطْ، وعَبَّرَ بِالنّاسِ الَّذِي هو مِن أسْفَلِ الأوْصافِ لِذَلِكَ، وإشارَةً إلى أنَّ المُنْكَرَ والعامِلَ عَمَلَهُ - وإنْ كانَ مُصَدِّقًا - هم أكْثَرُ النّاسِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الحالُ جَزْمُهم بِهِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ ما (p-٩)عَبَّرَ بِهِ إلّا لِلتَّوْبِيخِ، لا لِلشَّكِّ في أمْرِهِمْ، بِجَعْلِ الشَّرْطِ ماضِيًا، ودَلَّ بِ ”كانَ“ وبِالظَّرْفِ عَلى ما تَمَكَّنَ الرَّيْبُ مِنهم فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ في رَيْبٍ﴾ أيْ شَكٍّ وتُهْمَةٍ وحاجَةٍ إلى البَيانِ ﴿مِنَ البَعْثِ﴾ وهو قِيامُ الأجْسامِ بِأرْواحِها كَما كانَتْ قَبْلَ مَماتِها سَواءً، اسْتِعْظامًا لِأنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ﴿فَإنّا خَلَقْناكُمْ﴾ بِقُدْرَتِنا الَّتِي لا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ ﴿مِن تُرابٍ﴾ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ اتِّصافٌ بِالحَياةِ ﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ حالُها أبَعَدُ شَيْءٍ عَنْ حالِ التُّرابِ، فَإنَّها بَيْضاءُ سائِلَةٌ لَزِجَةٌ صافِيَةٌ كَما قالَ
﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ [الطارق: ٦] وأصْلُها الماءُ القَلِيلُ - قالَهُ البَغَوِيُّ. وأصْلُ النُّطَفِ الصَّبُّ - قالَهُ البَيْضاوِيُّ.
﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ قِطْعَةِ دَمٍ حَمْراءَ جامِدَةٍ، لَيْسَ فِيها أهْلِيَّةٌ لِلسَّيَلانِ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ قِطْعَةِ لَحْمٍ صَغِيرَةٍ جِدًّا تَطَوَّرَتْ إلَيْها النُّطْفَةُ ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ بِخِلْقَةِ الآدَمِيِّ التَّمامِ ﴿وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ أنْشَأْناكم مِن تُرابٍ يَكُونُ هَذا شَأْنَهُ، وهو أنّا نَنْقُلُهُ في هَذِهِ الأطْوارِ إلى أنْ يَصِيرَ مُضْغَةً، فَتارَةً يَخْلُقُها ويَكُونُ مِنها آدِمِيًّا، وتارَةً لا يَخْلُقُها بَلْ يُخْرِجُها مِنَ الرَّحِمِ فاسِدَةً، أوْ تُحْرِقُها حَرارَتُهُ، أوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ تَخْلِيقًا تامًّا بَلْ ناقِصًا مَعَ وُجُودِ الرُّوحِ كَشِقِّ الَّذِي كانَ شِقَّ آدَمِيٍّ، وسَطِيحٍ الَّذِي كانَ عُلْوًا بِلا سُفْلٍ ونَحْوِهِما ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ كَمالَ قُدْرَتِنا، وتَمامَ حِكْمَتِنا، وأنَّ (p-١٠)ذَلِكَ لَيْسَ كائِنًا عَنِ الطَّبِيعَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَنْها لَمْ يَخْتَلِفْ، فَدَلَّ اخْتِلافُهُ عَلى أنَّهُ عَنْ فاعِلٍ مُخْتارٍ، قادِرٍ قَهّارٍ، وحُذِفَ المَفْعُولُ إشارَةً إلى أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ يُحِيطَ بِهِ العُقُولُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنُجْهِضُ مِنهُ ما لا نَشاءُ إتْمامَهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونُقِرُّ في الأرْحامِ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ الَّذِي خَلَقْناهُ ﴿ما نَشاءُ﴾ إتْمامَهُ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ قَدَّرْناهُ لِإتْمامِهِ ما بَيْنَ سِتَّةِ أشْهُرٍ إلى ما نُرِيدُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى ذَلِكَ، بِحَسِبِ قُوَّةِ الأرْحامِ وضَعْفِها، وقُوَّةِ المُخَلَّقاتِ وضَعْفِها وكَثْرَةِ ما تَغْتَذِيهِ مِنَ الدِّماءِ وقِلَّتِهِ، وزَكائِهِ وخُبْثِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ وشُؤُونٍ لا يَعْلَمُها إلّا بارِئُها، جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، وتَعالَتْ عَظَمَتُهُ، وأمّا ما لَمْ نَشَأْ إتْمامَهُ فَإنَّ الأرْحامَ تَمُجُّهُ بِقُدْرَتِنا وتُلْقِيهِ دُونَ التَّمامِ أوْ تُحْرِقُهُ فَيَضْمَحِلُّ ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿طِفْلا﴾ أيْ في حالِ الطُّفُولَةِ مِن صِغَرِ الجُثَّةِ وضَعْفِ البَدَنِ والسَّمْعِ والبَصَرِ وجَمِيعِ الحَواسِّ، لِئَلّا تُهْلِكُوا أُمَّهاتِكم بِكِبَرِ أجْرامِكُمْ، وعِظَمِ أجْسامِكُمْ، وهو يَقَعُ عَلى الجَمْعِ، وعَبَّرَ بِهِ دُونَهُ لِلتَّساوِي في ضَعْفِ الظّاهِرِ والباطِنِ.
ولَمّا ذَكَرَ أضْعَفَ الضَّعْفِ ذَكَرَ أقْوى القُوَّةِ عاطِفًا لَهُ (p-١١)عَلَيْهِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُهْلَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ نَمُدُّ أجْلَكم ﴿لِتَبْلُغُوا﴾ بِالِانْتِقالِ في أسْنانِ الأجْسامِ فِيما بَيْنَ الرَّضاعِ، إلى حالِ اليَفاعِ، إلى زَمانِ الِاحْتِلامِ، وقُوَّةِ الشَّبابِ والتَّمامِ ﴿أشُدَّكُمْ﴾ أيْ نِهايَةَ كُلِّ شِدَّةٍ قَدَّرْناها لِكُلِّ واحِدٍ مِنكم ﴿ومِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ قَبْلَ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِن سِنِّ الشَّيْخُوخَةِ ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ﴾ بِالشَّيْخُوخَةِ، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِبْعادِهِ لَوْلا تَكَرُّرُ المُشاهَدَةِ عِنْدَ النّاظِرِ لِتِلْكَ القُوَّةِ والنَّشاطِ وحُسْنِ التَّواصُلِ بَيْنَ أعْضائِهِ والِارْتِباطِ ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو سِنُّ الهَرَمِ فَيَنْقُصُ جَمِيعُ قُواهُ ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو التَّحْوِيلُ مِن حالِ الجَمادِيَّةِ إلى ضِدِّهِ بِغايَةِ السُّرْعَةِ، أثْبَتَ ”مِن“ الِابْتِدائِيَّةَ لِلدَّلالَةِ عَلى قُرْبِ زَمَنِ الجَهْلِ مِن زَمَنِ العِلْمِ، فَرُبَّما باتَ الإنْسانُ في غايَةِ الِاسْتِحْضارِ لِما يَعْلَمُ والحِذْقِ فِيهِ فَعادَ في صَبِيحَةِ لَيْلَتِهِ أوْ بَعْدَ أيّامٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا مِن غَيْرِ كَبِيرِ تَدْرِيجٍ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، وأفْهَمَ إسْقاطُ حَرْفِ الِانْتِهاءِ أنَّهُ رُبَّما عادَ إلَيْهِ عِلْمُهُ، ورُبَّما اتَّصَلَ جَهْلُهُ بِالمَوْتِ بِخِلافِ ما مَضى في النَّحْلِ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾ كانَ أُوتِيَهُ ﴿شَيْئًا﴾ بَلْ يَصِيرُ كَما كانَ طِفْلًا في ضِعْفِ الجَواهِرِ والأعْراضِ، لِتَعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِعْلُ الإلَهِ الواحِدِ المُخْتارِ، وأنَّهُ لَوْ كانَ فِعْلَ الطَّبِيعَةِ لازْدادَ بِطُولِ البَقاءِ نُمُوًّا في جَمِيعِ ذَلِكَ، وقَدْ عُلِمَ - بِعَوْدِ الإنْسانِ في ذَهابِ العِلْمِ وصِغَرِ الجِسْمِ إلى نَحْوِ (p-١٢)ما كانَ عَلَيْهِ في ابْتِداءِ الخَلْقِ - قَطْعًا أنَّ الَّذِي أعادَهُ إلى ذَلِكَ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ المَماتِ، والكَوْنِ عَلى حالِ الرُّفاتِ.
ولَمّا تَمَّ هَذا الدَّلِيلُ عَلى السّاعَةِ مُحْكَمَ المُقَدِّماتِ واضِحَ النَّتائِجِ، وكانَ أوَّلُ الإيجادِ فِيهِ غَيْرَ مُشاهَدٍ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِما يَلِيقُ بِهِ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ مَحْسُوسًا، وعَطَفَهُ عَلى ما أرْشَدَ إلَيْهِ التَّقْدِيرُ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: تَجِدُونَ أيُّها النّاسُ ما ذَكَرْناهُ في أنْفُسِكُمْ، فَقالَ: ﴿وتَرى﴾ فَعَبَّرَ بِالرُّؤْيَةِ ﴿الأرْضَ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ البَعْثِ، عَبَّرَ بِما هو أقْرَبُ إلى المَوْتِ فَقالَ: ﴿هامِدَةً﴾ أيْ يابِسَةً مُطْمَئِنَّةً ساكِنَةً سُكُونَ المَيِّتِ لَيْسَ بِها شَيْءٌ مِن نَبْتٍ، ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ تَوْجِيهًا إلى كُلِّ مَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ بِذَلِكَ ﴿فَإذا﴾ أيْ فَنُنْزِلُ عَلَيْها ماءً مِن مَكانٍ لا يُوجَدُ فِيهِ ثُمَّ يَنْزِلُ مِنهُ إلّا بِقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ وقَهْرٍ باهِرٍ، فَإذا ﴿أنْـزَلْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ﴾ أيْ تَحَرَّكَتْ بِنُجُومِ النَّباتِ اهْتِزازَ الحَيِّ، وتَأهَّلَتْ لِإخْراجِهِ؛ قالَ الرّازِي: والِاهْتِزازُ: شِدَّةُ الحَرَكَةِ في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ.
﴿ورَبَتْ﴾ أيِ انْتَفَخَتْ، وذَلِكَ أوَّلُ ما يَظْهَرُ مِنها لِلْعَيْنِ وزادَتْ ونَمَتْ بِما يَخْرُجُ مِنها مِنَ النَّباتِ النّاشِئِ عَنِ التُّرابِ والماءِ ﴿وأنْبَتَتْ﴾ بِتَقْدِيرِنا ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ صِنْفٍ عادَلْناهُ بِصِنْفٍ (p-١٣)آخَرَ جَعَلْناهُ تَمامَ نَفْعِهِ بِهِ ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ مُؤْنِقٍ مِن أشْتاتِ النَّباتاتِ في اخْتِلافِ ألْوانِها وطَعُومِها، ورَوائِحِها وأشْكالِها، ومَنافِعِها ومَقادِيرِها رائِقَةُ المَناظِرِ، لائِقَةُ في العُيُونِ والبَصائِرِ، قالَ الرّازِي: فَكَما أنَّ النَّباتَ يَتَوَجَّهُ مِن نَقْصٍ إلى كَمالٍ، فَكَذَلِكَ الآدَمِيُّ يَتَرَقّى مِن نَقْصٍ إلى كَمالٍ، فَفي المَعادِ يَصِلُ إلى كَمالِهِ الَّذِي أُعِدَّ لَهُ مِنَ البَقاءِ والغِنى والعِلْمِ والصَّفاءِ والخُلُودِ، أيِ السَّعِيدُ مِنهُ في دارِ السَّلامِ مُبَرَّأٌ عَنْ عَوارِضِ هَذا العالَمِ - انْتَهى.
الحج 22:6
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ، رَتَّبَ عَلَيْهِما ما هو مَطْلُوبٌ والنَّتِيجَةَ فَقالَ عَلى طَرِيقِ التَّعْلِيلِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى، والتَّرْهِيبِ مِن جَلالِ اللَّهِ بِالحَشْرِ، والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ بِالتَّصَرُّفِ في تَطْوِيرِ الإنْسانِ والنَّباتِ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِن أنْواعِ الحِكَمِ وأصْنافِ اللَّطائِفِ ﴿بِأنَّ﴾ أيْ بِسَبَبِ أنْ تَعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِأوْصافِ الكَمالِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ أتَمَّ الثَّباتِ، بِحَيْثُ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنَّهُ يَكُونُ كُلُّ ما يُرِيدُ، فَإنَّهُ لا ثَباتَ مَعَ العَجْزِ ﴿وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ - كَما سَيَأْتِي - هو العَلِيُّ (p-١٤)الكَبِيرُ ﴿وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الخَلْقِ وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرٌ﴾ ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]
الحج 22:7
﴿وأنَّ السّاعَةَ﴾ الَّتِي تَقَدَّمَ التَّحْذِيرُ مِنها، وهي وقْتُ حَشْرِ الخَلائِقِ كُلِّهِمْ ﴿آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِما دَلَّ عَلَيْها مِمّا لا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ بِقَوْلِ مَن لا مَرَدَّ لِقَوْلِهِ، وهو حَكِيمٌ فَلا يُخْلِفُ مِيعادَهُ، ولا يَسُوغُ بِوَجْهٍ أنْ يَتْرُكَ عِبادَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والحُكْمِ ﴿يَبْعَثُ﴾ بِالإحْياءِ ﴿مَن في القُبُورِ﴾ لِحُضُورِهِ والفَصْلِ بَيْنَهم فِيها في كُلِّ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، وبِهِ يَظْهَرُ كَثِيرٌ مِن صِفاتِهِ سُبْحانَهُ أتَمَّ الظُّهُورِ، والحاصِلُ أنَّ المُرادَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ ما تَقَدَّمَ وفَعَلَ ما ذَكَرَ مِن إيجادِ الإنْسانِ والنَّباتِ في هَذِهِ الأطْوارِ لِيُعْلَمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى هَذِهِ الأُمُورِ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ.
الحج 22:8
﴿ومِنَ﴾ أيْ فَمِنَ النّاسِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ وقَفُوا عَنِ الإيمانِ قَبْلَ هَذا البَيانِ مَن آمَنَ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ القَواطِعِ، ومِنَ ﴿النّاسِ﴾ وهم مِمَّنِ اشْتَدَّ تَكاثُفُ طَبْعِهِ ﴿مَن يُجادِلُ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيْ في قُدْرَتِهِ وما (p-١٥)يَجْمَعُهُ هَذا الِاسْمُ الشَّرِيفُ مِن صِفاتِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ ولا خَفاءَ فِيهِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أتاهُ عَنِ اللَّهِ عَلى لِسانِ أحَدٍ مِن أصْفِيائِهِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ كِتابًا أوْ غَيْرَهُ ﴿ولا هُدًى﴾ أرْشَدَهُ إلَيْهِ مِن عَقْلِهِ أعَمَّ مِن كَوْنِهِ بِضَرُورَةٍ أوِ اسْتِدْلالٍ ﴿ولا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ صَحَّ لَدَيْهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ بِانْتِفاءِ هَذِهِ الثَّلاثَةِ لا يَكُونُ جِدالُهُ إلّا بِالباطِلِ.
الحج 22:9
﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ أيْ رَخِيَّ البالِ مُعْرِضًا مُتَكَبِّرًا مُتَماثِلًا لاوِيًا عُنُقَهُ لِذَلِكَ كَما قالَ تَعالى ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: ٧] والعِطْفُ في الأصْلِ الجانِبُ ومَوْضِعُ المَيْلِ.
ولَمّا دَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّهُ أكْثَفُ الأقْسامِ طَبْعًا، عَبَّرَ عَنْ قَصْدِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلَّ﴾ أيْ غَيْرَهُ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إفْهامًا لِذَلِكَ، لِأنَّ هَذا لا يَقْصِدُهُ عاقِلٌ، فالقِسْمُ الأوَّلُ تابِعٌ ضالٌّ، وهَذا داعٍ لِأهْلِ الضَّلالِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ لِلْجُمْهُورِ، وعَلى قِراءَةِ الفَتْحِ لِابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِخِلافٍ عَنْهُ مَن ضَلَّ، تَكُونُ مِن بابِ التَّهَكُّمِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ إنَّهُ مِنَ الحِذْقِ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ عَلَيْهِ أنَّ هَذا ضَلالٌ، فَما وصَلَ إلَيْهِ إلّا بِقَصْدِهِ لَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ فِعْلَهُ وثَمَرَتَهُ، ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ إهانَةٌ وذُلٌّ وإنْ طالَ زَمَنُ اسْتِدْراجِهِ (p-١٦)بِتَنْعِيمِهِ «حَقٌّ عَلى اللَّهِ أنْ لا يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيا إلّا وضَعَهُ» ﴿ونُذِيقُهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ الخَلائِقَ بِالإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ ﴿عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيْ بِجَعْلِهِ يُحِسُّ بِألَمِ العَذابِ بِالحَرِيقِ كَما يُحِسُّ الذّائِقُ بِالشَّيْءِ كَما أحْرَقَ قُلُوبَ المُهْتَدِينَ بِجِدالِهِ بِالباطِلِ، ويُقالُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.
الحج 22:10
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ العَذابُ العَظِيمُ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ بِعَمَلِكَ، ولَكِنَّهُ جَرَتْ عادَةُ العَرَبِ أنْ تُضِيفَ الأعْمالَ إلى اليَدِ لِأنَّها آلَةُ أكْثَرِ العَمَلِ، وإضافَةُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِما أنَكَأُ ﴿وأنَّ﴾ أيْ وبِسَبَبِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿لَيْسَ بِظَلامٍ﴾ أيْ بِذِي ظُلْمٍ ما ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ ولَوْ تَرَكَكم بِغَيْرِ ذَلِكَ لَكانَ في مَجارِي عاداتِكم ظُلْمًا أوَّلًا بِتَسْوِيَةِ المُحْسِنِ بِالمُسِيءِ، وثانِيًا بِتَرْكِ الِانْتِصارِ لِلَّذِينِ عادُوكَ فِيهِ وأذِيَّتِهِمْ مِن أجْلِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الصِّيغَةُ لِلْمُبالَغَةِ لِتُفْهِمَ أنَّهُ لَوْ تَرَكَهُ لَكانَ الظُّلْمُ، وذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ حِكْمَتِهِ و. . . نَفى أصْلَ الظُّلْمِ مِن آياتِهِ الباهِرَةِ.
الحج 22:11
ولَمّا بَيَّنَ قِسْمَيِ المُصارِحِينَ بِالكُفْرِ الكَثِيفِ والأكْثَفِ صَرِيحًا. وأفْهَمَ المُؤْمِنَ المُخْلِصَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ المُذَبْذَبَ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ (p-١٧)ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالنّاسِ الَّذِي مَدْلُولُهُ الِاضْطِرابُ والتَّرَدُّدُ دُونَ أنْ يُضْمِرَ ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ أيْ يَعْمَلُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ بِما أمَرَ بِهِ الإلَهُ الأعْظَمُ مِن طاعَتِهِ ﴿عَلى حَرْفٍ﴾ فَهو مُزَلْزَلٌ كَزَلْزَلَةِ مَن يَكُونُ عَلى حَرْفِ شَفِيرٍ أوْ جَبَلٍ أوْ غَيْرِهِ، لا اسْتِقْرارَ لَهُ، وكالَّذِي عَلى طَرَفٍ مِنَ العَسْكَرِ، فَإنْ رَأى غَنِيمَةً قَرَّ، وإنْ تَوَهَّمَ خَوْفًا طارَ وفَرَّ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ﴾ أيْ مِنَ الدُّنْيا ﴿اطْمَأنَّ بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ، وثَبَتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ ﴿وإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ أيْ مُصِيبَةٌ ولَوْ قُلْتَ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّأْنِيثُ - في جَسَدِهِ أوْ مَعِيشَتِهِ يُخْتَبَرُ بِها ويَظْهَرُ خَبْأُهُ لِلنّاسِ ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾ لِتَهَيُّئِهِ لِلِانْقِلابِ بِكَوْنِهِ عَلى شَفا جُرُفٍ فَسَقَطَ عَنْ ذَلِكَ الطَّرَفِ مِنَ الدِّينِ سُقُوطًا لا رُجُوعَ لَهُ بَعْدُ إلَيْهِ ولا حَرَكَةَ لَهُ مَعَهُ، فَإنَّ الإنْسانَ مَطْبُوعٌ عَلى المُدافَعَةِ بِكُلِّ عُضْوٍ مِن أعْضائِهِ عَنْ وجْهِهِ فَلا يُمْكِنُ مِنهُ إلّا بَعْدَ نِهايَةِ العَجْزِ، والمَعْنى أنَّهُ رَجَعَ إلى الوَجْهِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ أوِ الشَّكِّ رُجُوعًا مُتَمَكِّنًا، وهَذا بِخِلافِ الرّاسِخِ في إيمانِهِ، فَإنَّهُ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ حَمَدَ وصَبَرَ، فَكُلُّ قَضاءِ اللَّهِ لَهُ خَيْرٌ.
ولَمّا كانَ انْقِلابُ هَذا مُفْسِدًا لِآخِرَتِهِ بِما نالَهُ مِنَ الوِزْرِ، وغَيْرَ نافِعٍ لَهُ في اسْتِدْراكِ ما فاتَهُ مِنَ الدُّنْيا، كانَتْ فَذْلَكَةُ ذَلِكَ قَوْلَهُ: (p-١٨)﴿خَسِرَ الدُّنْيا﴾ أيْ بِسَبَبِ أنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ ما فاتَهُ مِنها ويَكُونُ سَبَبَ التَّقْتِيرِ عَلَيْهِ وذَهابَ بَرَكَتِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦] «إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنَبِ يُصِيبُهُ» ﴿والآخِرَةَ﴾ بِفَواتِ أجْرِ الصَّبْرِ وحُصُولِ إثْمِ الجَزَعِ: ثُمَّ عَظَّمَ مُصِيبَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ ﴿هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُ ﴿الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقْدُمُ المَدِينَةَ، فَإنْ ولَدَتِ امْرَأتُهُ غُلامًا ونَتَجَتْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينٌ صالِحٌ، وإنْ لَمْ تَلِدِ امْرَأتُهُ ولَمْ تُنْتِجْ خَيْلُهُ قالَ: هَذا دِينُ سُوءٍ.
الحج 22:12
ثُمَّ بَيَّنَ هَذا الخُسْرانَ الَّذِي رَدَّهُ إلى ما كانَ فِيهِ قَبْلَ الإيمانِ الحَرْفِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿يَدْعُو﴾ أيْ يَعْبُدُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا مَعَ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ بِالِاعْتِمادِ عَلى غَيْرِ اللَّهِ ومُنابَذَةِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولَمّا كانَ كُلُّ ما سِوى اللَّهِ دُونَهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ عَنْ أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ المُقْتَضِي لِلْعِبادَةِ إنَّما هو الفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ، وأمّا الفِعْلُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ والقَسْرُ عَلَيْهِ فَلا عِبْرَةَ بِهِ في ذَلِكَ، فَإنَّهُ لا قُدْرَةَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ فَلا حَمْدَ لِفاعِلِهِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ (p-١٩)مِنَ الوُجُوهِ حَتّى ولا بِقَطْعِ النَّفْعِ إنْ كانَ يُتَصَوَّرُ مِنهُ.
ولَمّا قَدَّمَ الضُّرَّ لِأنَّهُ مِنَ الأعْذارِ المَقْبُولَةِ في ارْتِكابِ الخَطَأِ، أتْبَعَهُ النَّفْعَ قَطْعًا لِكُلِّ مَقالٍ فَقالَ: ﴿وما لا يَنْفَعُهُ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا بِتَرْكِ الضُّرِّ إنْ وُجِدَ مِنهُ، ولَوْ أُسْقِطَتْ ”ما“ مِنَ الثّانِي لَظُنَّ أنَّ الذَّمَّ يُشْتَرَطُ فِيهِ انْتِفاءُ الضُّرِّ والنَّفْعِ مَعًا حَتّى أنَّ مَنِ ادَّعى ما انْتَفى عَنْهُ أحَدُهُما لَمْ يُذَمَّ ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الفِعْلُ الدّالُّ عَلى أعْظَمِ السَّفَهِ وهو دُعاءُ شَيْءٍ انْتَفى عَنْهُ القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ، أوْ شَيْءٍ انْتَفى عَنْهُ القُدْرَةُ عَلى الضُّرِّ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الضَّلالُ البَعِيدُ﴾ عَنِ الحَقِّ والرَّشادِ الَّذِي أوْصَلَ إلى فَيافِي مَجاهِلَ لا يَتَأتّى الرُّجُوعُ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّ الأوَّلَ لَوْ تَرَكَ عِبادَتَهُ ما قَدَرَ عَلى مَنعِ إحْسانِهِ، والثّانِي لَوْ تَقاداهُ ما وصَلَ إلى نَفْعِهِ ولا بِتَرْكِ ضُرِّهِ، فَعِبادَتُهُما عَبَثٌ، لِأنَّهُ اسْتَوى فِعْلُها وتَرْكُها.
الحج 22:13
ولَمّا كانَ الإحْسانُ جالِبًا لِلْإنْسانِ، مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى مَوْرِدِهِ، لِأنَّ القُلُوبَ جُبِلَتْ عَلى حُبِّ مَن أحْسَنَ إلَيْها، بَيَّنَ أنَّ ما قِيلَ في جانِبِ النَّفْعِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ فَقالَ: ﴿يَدْعُو﴾ ولَمّا كانَ ما فُرِضَ أوَّلًا فِيما عَبَّرَ عَنْهُ بِ ”ما“ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ عاقِلٍ، فَيَكُونُ ما صَدَرَ مِنهُ لِعَدَمِهِ (p-٢٠)العَقْلَ، أزالَ هَذا الإبْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمَن﴾ أيْ زاعِمًا أنَّ مَن ﴿ضَرُّهُ﴾ ولَوْ بِعِبادَتِهِ المُوجِبَةِ لِأعْظَمِ الشَّقاءِ ﴿أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾ الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ - إلَهٌ.
ولَمّا كانَتِ الوِلايَةُ الكامِلَةُ لا تَنْبَغِي إلّا لِمَن يَكُونُ تَوَقُّعُ النَّفْعِ مِنهُ والضُّرِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، لِقُدْرَتِهِ عَلى كُلٍّ مِنهُما بِاخْتِيارِهِ، وكانَ العَشِيرُ لا يَصْلُحُ إلّا إنْ كانَ مَأْمُونَ العاقِبَةِ، وكانَ هَذا المَدْعُوُّ إنْ نُظِرَ إلَيْهِ في جانِبِ الضُّرِّ وُجِدَ غَيْرَ قادِرٍ عَلَيْهِ، أوْ في جانِبِ النَّفْعِ فَكَذَلِكَ، وإنْ فُرِضَ تَوَقُّعُ نَفْعِهِ أوْ ضُرِّهِ كانَ خَوْفُ ضُرِّهِ أقْرَبَ مِن رَجاءِ نَفْعِهِ، اسْتَحَقَّ غايَةَ الذَّمِّ فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ تَعالى وصْفَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا في ذَمِّهِ بِالأداةِ المَوْضُوعَةِ لِمَجامِعِ الذَّمِّ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى﴾ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَرْجُوَّ النَّفْعِ كَما هو مَخْشِيَّ الضُّرِّ ﴿ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ لِكَوْنِهِ لَيْسَ مَأْمُونَ الضُّرِّ فَهو غَيْرُ صالِحٍ لِوِلايَةٍ ولا لِعِشْرَةِ بِوَجْهٍ.
الحج 22:14
ولَمّا أفْهَمَ ما تَقَدَّمَ أنَّ هَذا الإلَهَ المَدْعُوَّ إلَيْهِ قادِرٌ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بِالِاخْتِبارِ، وأنَّ تَجْوِيزَ الوُقُوعِ لِكُلٍّ مِنهُما مِنهُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُنَزَّهِ عَنْ جَمِيعِ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِرُسُلِهِ وما دَعَتْ إلَيْهِ مِن شَأْنِهِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ الخالِصَةَ (p-٢١)الشّاهِدَةَ بِثَباتِهِمْ في الإيمانِ بَعْدَ ما ضَرَّهم في الدُّنْيا بِأنْواعِ المَعايِبِ، تَطْهِيرًا لَهم مِمّا اقْتَرَفُوهُ مِنَ الزَّلّاتِ، وأهْوَتْهم إلَيْهِ الهَفَواتُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ مِن أيِّ مَكانٍ أرَدْتَ مِن أرْضِها ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا دَلَّ عَلى سُهُولَتِهِ بِقَوْلِهِ: تَصْرِيحًا بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ مِن وصْفِ الِاخْتِيارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ مِن كُلِّ نَفْعٍ وضُرٍّ.
الحج 22:15
ولَمّا أتَمَّ الدَّلِيلَ عَلى خُسْرانِ هَذا المُنْقَلَبِ ورِبْحِ الثّابِتِ، وكانَ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّ مَن رَجاهُ لِما وعَدَ بِهِ بادَرَ الإقْبالَ عَلَيْهِ ولَمْ يَنْفَعْ إلّا نَفْسَهُ، ومَن لا يَرْجُ ذَلِكَ أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مُنْقَلِبًا عَلى وجْهِهِ فَلَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ، تَرْجَمَ عَنْ حالِ هَذا الثّانِي العابِدِ عَلى حَرْفٍ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ﴾ أيْ مِمَّنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ ﴿أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ في حالٍ مِن أحْوالِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَأعْرَضَ عَنْهُ انْقِلابًا عَلى وجْهِهِ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ وإنْ ظَنَّ أنَّهُ لا يَضُرُّها ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أيْ حَبْلٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ المُوصِلَةِ لَهُ ﴿إلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُرِيدُها مِن سَقْفٍ أوْ سَحابٍ أوْ غَيْرِهِما.
ولَمّا كانَ مَدُّهُ ذَلِكَ مُتَعَسِّرًا أوْ مُتَعَذِّرًا، عَبَّرَ عَمّا يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ بِأداةِ (p-٢٢)التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ أيْ لِيُوجِدْ مِنهُ وصْلٌ وقَطْعٌ، أيْ لِيَبْذُلْ جُهْدَهُ في دَفْعِ القَضاءِ والقَدَرِ عَنْهُ، وهي لامُ أمْرٍ عِنْدَ مَن حَرَّكَها بِالكَسْرِ إفْهامًا لِشِدَّةِ الحَرَكَةِ في المُزاوَلَةِ لِلذَّهابِ إلى السُّفْلِ الدّالِّ عَلى عَدَمِ العَقْلِ، وهم أبُو عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ ووَرْشٍ عَنْ نافِعٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، أوْ أسْكَنَها وهُمُ الباقُونَ ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ بِبَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ﴾ وإنِ اجْتَهَدَ ﴿كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾ أيْ شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ مِنهُ غَيْظٌ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: فَلْيَفْعَلْ ما يَفْعَلُهُ مَن بَلَغَ مِنهُ الغَيْظُ بِأنْ يَرْبُطَ حَبْلًا بِسَقْفِ بَيْتِهِ ثُمَّ لِيَرْبِطْهُ في عُنُقِهِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ ما بَيْنَ رِجْلَيْهِ وبَيْنَ الأرْضِ لِيَخْتَنِقَ، وهَذا كَما يُقالُ لِمَن أدْبَرَ عَنْهُ أمْرٌ فَجَزِعَ: اضْرِبْ بِرَأْسِكَ الجِدارَ إنْ لَمْ تَرْضَ هَذا، مُتْ غَيْظًا - ونَحْوَ ذَلِكَ، والحاصِلُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلى المَصائِبِ لِلَّهِ طَوْعًا صَبَرَ عَلَيْها كُرْهًا مَعَ ما نالَهُ مِن أسْبابِ الشَّقاءِ.
الحج 22:16
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الآياتِ المَرْئِيَّةَ، في هَذِهِ الأسالِيبِ العَلِيَّةِ، هَذا البَيانَ الشّافِيَ الهادِيَ بِإعْجازِ حُكْمِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مُعْجِزٌ أيْضًا بِنَظْمِهِ، فَقالَ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلَ ما بَيَّنّا هَذِهِ الآياتِ المَرْئِيَّةَ الَّتِي أنْزَلْنا كَلامَنا لِبَيانِ حُكْمِها وإظْهارِ أسْرارِها ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيِ الكَلامَ كُلَّهُ بِما لَنا (p-٢٣)مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ ﴿آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ مُعْجِزًا نَظْمُها، كَما كانَ مُعْجِزًا حُكْمِها.
ولَمّا كانَ الكَلامُ بَيِّنًا في أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَعْلَمَ إذا ضَلَّ ضالٌّ مَعَ هَذا البَيانِ أنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يُرِيدُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنَّ﴾ أيْ ولِيَعْلَمَ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ المَوْصُوفَ بِالإكْرامِ، كَما هو مَوْصُوفٌ بِالِانْتِقامِ ﴿يَهْدِي﴾ أيْ بِآياتِهِ ﴿مَن يُرِيدُ﴾ أيْ لِتَبَيُّنِ قُدْرَتِهِ واخْتِيارِهِ إزاحَةً لِغَمِّ مَن يَقُولُ: إذا كانَتِ الآياتُ المَرْئِيَّةُ والمَسْمُوعَةُ في هَذا الحَدِّ مِنَ البَيانِ فَما لِأكْثَرِ النّاسِ عَلى ضَلالِهِمْ يَتَخَلَّفُ فِيهِمُ المُسَبِّباتُ عَنْ أسْبابِها.
الحج 22:17
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلسُّؤالِ، عَنْ حالِ الفَرِيقَيْنِ: المَهْدِيِّ والضّالِّ، أجابَ عَنْ ذَلِكَ بِبَيانِ جَمِيعِ فِرَقِ الضَّلالِ، لِأنَّ لِهَذِهِ السُّورَةِ أتَمَّ نَظَرٍ إلى يَوْمِ الجَمْعِ الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَقَصَدَ إلى اسْتِيعابِ الفَرْقِ تَصْوِيرًا لِذَلِكَ اليَوْمِ بِألْيَقِ صُورَةٍ، وقَرَنَ بِكُلٍّ مِن فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ مُوافَقَةً في مَعْناهُ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ مِن أيِّ فِرْقَةٍ كانُوا، وعَبَّرَ بِالفِعْلِ لِيَشْمَلَ الإقْرارُ بِاللِّسانِ، الَّذِي هو أدْنى وُجُوهِ الإيمانِ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ أيِ انْتَحَلُوا اليَهُودِيَّةَ، عَلى أيِّ حالٍ كانُوا مِن إيمانٍ أوْ كُفْرانٍ.
ولَمّا كانَ اليَهُودُ عَبَدُوا الأصْنامَ مُتَقَرِّبِينَ بِها إلى النُّجُومِ (p-٢٤)كَما مَضى في المائِدَةِ، أتْبَعَهم مَن شابَهُوهُ فَقالَ: ﴿والصّابِئِينَ﴾ ثُمَّ تَلا بِثانِي فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿والنَّصارى﴾ ثُمَّ أتْبَعَهم مِن أشْبَهَهُ بَعْضُ فِرَقِهِمْ في قَوْلِهِمْ بِإلَهَيْنِ اثْنَيْنِ فَقالَ: ﴿والمَجُوسَ﴾ وهم عَبَدَةُ النّارِ؛ ثُمَّ خَتَمَ بِأعَمِّ الكُلِّ في الضَّلالِ كَما فَتَحَ بِأعَمِّهِمْ في الهُدى فَقالَ: ﴿والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ لِشُمُولِهِ كُلَّ شِرْكٍ حَتّى الأصْغَرَ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَيُجازِي كُلّا بِعَمَلِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ في مَجارِي عاداتِكُمْ، ويَقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، ويُمَيِّزُ الخَبِيثَ مِنهم مِنَ الطَّيِّبِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ كُلِّها ﴿شَهِيدٌ﴾ فَلا شَيْءَ إلّا وهو بِهِ عَلِيمٌ، فَهو لِذَلِكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَما مَضى بَيانُهُ في ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨] في طَهَ، وقالَ الحَرالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: الشَّهادَةُ رُؤْيَةُ خِبْرَةٍ بِطَيَّةِ الشَّيْءِ ودُخْلَتِهِ مِمَّنْ لَهُ غِنًى في أمْرِهِ، فَلا شَهادَةَ إلّا بِخِبْرَةٍ وغِنًى مِمَّنْ لَهُ اعْتِدالٌ في نَفْسِهِ بِأنْ لا يَحِيفَ عَلى غَيْرِهِ، فَيَكُونُ مِيزانَ عَدْلٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَيَحِقُّ لَهُ أنْ يَكُونَ مِيزانًا بَيْنَ كُلِّ مُتَداعِيَيْنِ مِمَّنْ يُحِيطُ بِخِبْرَةِ أمْرِهِما ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] وبِحَسَبِ إحاطَةِ عِلْمِ الشَّهِيدِ (p-٢٥)تُرْهَبُ شَهادَتُهُ، ولِذَلِكَ أرْهَبُ شَهادَةٍ شَهادَةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] ولَمّا كانَ أيُّما الإحاطَةِ والخِبْرَةِ والرُّقْبَةِ لِلَّهِ كانَ بِالحَقِيقَةِ لا شَهِيدَ إلّا هو - انْتَهى.
الحج 22:18
ولَمّا كانَ جَمِيعُ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ دالًّا عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لَمْ يَغِبْ ولا يَغِيبُ شَيْءٌ عَنْهُ، فاقْتَضى ذَلِكَ قَيُّومِيَّتَهُ، وكانَ بِحَيْثُ يُسْتَعْظَمُ لِكَثْرَةِ الخَلائِقِ فَكَيْفَ بِأحْوالِهِمْ، قَرَّرَ ذَلِكَ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ سَألَ فَهي في مَعْنى العِلَّةِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزَ لِجَمِيعِ الكَمالِ المُبَرَّأ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ ﴿يَسْجُدُ لَهُ﴾ أيْ يَخْضَعُ مُنْقادًا لِأمْرِهِ مُسَخِّرًا لِما يُرِيدُ مِنهُ تَسْخِيرَ مَن هو في غايَةِ الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ والإخْلاصِ فِيها ﴿مَن في السَّماواتِ﴾
ولَمّا كانَ في السِّياقِ مُقْتَضِيًا لِلْإبْلاغِ في صِفَةِ القَيُّومِيَّةِ بِشَهادَةٍ ذَكَرَ الفَصْلَ بَيْنَ جَمِيعِ الفِرَقِ، أكَّدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ إنْ أخْلَتْ غَيْرَ العاقِلِ فَبِالتَّغْلِيبِ، وإنْ خَصَّصَتْ فَبِالعاقِلِ أفْهَمَ خُضُوعَ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى. ولَمّا ذَكَرَ ما يَعُمُّ العاقِلَ وغَيْرَهُ، أتْبَعَهُ بِأشْرَفِ (p-٢٦)ما ذَكَرَ مِمّا لا يَعْقِلُ لِأنَّ كُلّا مِنهُما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ عُبِدَ شَيْءٌ مِنهُ فَقالَ: ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ فَعَبَدَ الشَّمْسَ حِمْيَرٌ، والقَمَرَ كِنانَةُ، والدَّبَرانِ تَمِيمٌ، والشِّعْرى لَخْمٌ، والثُّرَيّا طَيِّئٌ وعُطارِدًا أسْدٌ، والمُرْزِمَ رَبِيعَةُ - قالَهُ أبُو حَيّانَ. ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ أعْلامَ الذَّواتِ السُّفْلِيَّةِ فَقالَ: ﴿والجِبالُ﴾ أيِ الَّتِي تُنْحَتُ مِنها الأصْنامُ ﴿والشَّجَرُ﴾ الَّتِي عُبِدَ بَعْضُها ﴿والدَّوابُّ﴾ الَّتِي عُبِدَ مِنها البَقَرُ، كُلُّ هَذِهِ الأشْياءِ تَنْقادُ لِأمْرِ اللَّهِ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكَوْنِ هَذِهِ لا تَعْقِلُ - أنَّ أمْرَهُ لَها هو مُرادُهُ مِنها.
ولَمّا كانَ العُقَلاءُ مِنَ المُكَلَّفِينَ قَدْ دَخَلُوا في قَوْلِهِ ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وكانَ السُّجُودُ المَمْدُوحُونَ عَلَيْهِ إنَّما هو المُوافِقُ لِلْأمْرِ، لا المُوافِقُ لِلْإرادَةِ المُجَرَّدَةِ عَنِ الأمْرِ، قالَ دالًّا عَلى إرادَتِهِ هُنا بِتَكْرِيرِهِمْ وتَقْسِيمِهِمْ بَعْدَ إدْخالِهِمْ في سُجُودِ الإرادَةِ وتَعْمِيمِهِمْ: ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾ أيْ يَسْجُدُ سُجُودًا هو مِنهُ عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَحَقَّ لَهُ الثَّوابُ ﴿وكَثِيرٌ﴾ أيْ مِنهم ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْجُدْ، فَجَحَدَ الأمْرَ الَّذِي مَن جَحَدَهُ كانَ كافِرًا وإنْ كانَ ساجِدًا عابِدًا بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو الجَرْيُ مَعَ المُرادِ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ (p-٢٧)هَذا في تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِ الأوَّلِ بِغَيْرِ مَعْناهُ هو قَرِيبٌ مِنَ الِاسْتِخْدامِ الَّذِي يَعْلُو فِيهِ ضَمِيرٌ عَلى لَفْظٍ مُرادٍ مِنهُ مَعْنًى آخَرُ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: إثْباتُ السُّجُودِ في الأوَّلِ دَلِيلٌ عَلى انْتِفائِهِ في الثّانِي، وذِكْرُ العَذابِ في الثّانِي دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ الثَّوابِ في الأوَّلِ.
ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ الإرادَةِ مُنْقادُونَ أتَمَّ انْقِيادٍ تَحْتَ طَوْعِ المَشِيئَةِ، وأنَّهُ إنَّما جَعَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ لِلْمُكَلَّفِينَ سَبَبًا لِإسْعادِ السَّعِيدِ مِنهم وإشْقاءِ الشَّقِيِّ، لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ عَلى ما يَتَعارَفُونَهُ مِن أحْوالِهِمْ فِيما بَيْنَهُمْ، كانَ المَعْنى: فَمَن يُكْرِمِ اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ لِامْتِثالِ أمْرِهِ فَما لَهُ مِن مُهِينٍ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ:﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِمُنابَذَةِ أمْرِهِ ﴿فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ أصْلًا، ولَعَلَّهُ إنَّما ذَكَرَهُ وطَوى الأوَّلَ لِأنَّ السِّياقَ لِإظْهارِ القُدْرَةِ، وإظْهارُها في الإهانَةِ أتَمُّ، مَعَ أنَّ أصْلَ السِّياقِ لِلتَّهْدِيدِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أنَّ الفِعْلَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كُلَّهُ، فَلَوْ جازَ أنْ يُمانِعَهُ غَيْرُهُ ولَوْ في لَحْظَةٍ لَمْ يَكُنْ فاعِلًا لِما يَشاءُ، فَصَحَّ أنَّهُ لا فِعْلَ لِغَيْرِهِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ شَيْبانَ الرَّمْلِيُّ عَنِ القَدّاحِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-٢٨)أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ هَهُنا رَجُلًا يَتَكَلَّمُ في المَشِيئَةِ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: يا عَبْدَ اللَّهِ خَلَقَكَ اللَّهُ كَما شاءَ أوْ كَما شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ كَما شاءَ، قالَ: فَيُمْرِضُكَ إذا شاءَ أوْ إذا شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ إذا شاءَ، قالَ: فَيَشْفِيكَ إذا شاءَ أوْ إذا شِئْتَ؟ قالَ: بَلْ إذا شاءَ، قالَ: فَيُدْخِلُكَ حَيْثُ شِئْتَ أوْ حَيْثُ يَشاءُ؟ قالَ: بَلْ حَيْثُ يَشاءُ، قالَ: واللَّهِ لَوْ قُلْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَضَرَبْتُ الَّذِي فِيهِ عَيْناكَ بِالسَّيْفِ، وقَدْ مَرَّ في سُورَةِ يُوسُفَ عِنْدَ
﴿إنِ الحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [يوسف: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا.
الحج 22:19
ولَمّا قَسَّمَ النّاسَ إلى مُخالِفٍ ومُؤالِفٍ، أتْبَعَهُ جَزاءَهم بِما يُرَغِّبُ المُؤالِفَ ويُرَهِّبُ المُخالِفَ عَلى وجْهٍ مُوجِبٍ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الجِهادُ لِوَجْهِهِ خالِصًا فَقالَ: ﴿هَذانِ﴾ أيِ السّاجِدُ والجاحِدُ مِن جَمِيعِ الفِرَقِ ﴿خَصْمانِ﴾ لا يُمْكِنُ مِنهُما المُسالَمَةُ الكامِلَةُ إذْ كُلٌّ مِنهُما في طَرَفٍ.
ولَمّا أشارَ بِالتَّثْنِيَةِ إلى كُلِّ فِرْقَةِ مِنهم صارَتْ - مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها بِاتِّحادِ الكَلِمَةِ في العَقِيدَةِ - كالجَسَدِ الواحِدِ، صَرَّحَ بِكَثْرَتِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِالجَمْعِ فَقالَ: ﴿اخْتَصَمُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الخُصُومَةَ بِغايَةِ الجُهْدِ، ولَمّا كانَتِ الفِرَقُ المَذْكُورَةُ كُلُّها مُثْبَتَةً وقَدْ جَحَدَ أكْثَرُهُمُ (p-٢٩)النِّعْمَةَ، قالَ: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي هم بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ مُعْتَرِفُونَ، لَمْ يَخْتَصِمُوا بِسَبَبٍ غَيْرِهِ أصْلًا، وحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولَهُ وعُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ - الَّذِينَ هم أوَّلُ مَن بَرَزَ لِلْمُخاصَمَةِ بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ورَضِيَ عَنْهم - لِلْكَفَرَةِ مَن بَنِي عَمِّهِمْ: عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، في غَزْوَةِ بَدْرٍ - أوْلى النّاسِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْخُصُومَةِ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، ولَعَلَّهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أوَّلُ الثَّلاثَةِ، قامَ لِمُنابَذَتِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ فَإنَّهُ كانَ أشْبَّهم.
ولَمّا ذَكَرَ خُصُومَتَهم وشَرْطَها، ذَكَرَ جَزاءَهم عَلَيْها في فَصْلِ الأمْرِ الَّذِي قَدَّمَ ذِكْرَهُ، وبَدَأ بِالتَّرْهِيبِ لِأنَّ الإنْسانَ إلَيْهِ أحْوَجُ فَقالَ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُنابِذِينَ لِأمْرِ رَبِّهِمْ ﴿قُطِّعَتْ﴾ تَقْطِيعًا لا يَعْلَمُ كَثْرَتَهُ إلّا اللَّهُ، بِأيْسَرِ أمْرٍ مِمَّنْ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿لَهُمْ﴾ الآنَ وهُيِّئَتْ وإنْ وافَقُوا مُرادَ رَبِّهِمْ بِمُخالَفَتِهِمْ أمْرَهُ ﴿ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ تُحِيطُ بِهِمْ وهي عَلى مَقادِيرِهِمْ سابِغَةٌ عَلَيْهِمْ كَما كانُوا يَسْلُبُونَ الثِّيابَ في الدُّنْيا (p-٣٠)تَعاظُمًا وتَكَبُّرًا حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يُصَبُّ﴾ إذا دَخَلُوها ﴿مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ أيِ الماءَ الحارَّ حَرارَةً لا يَدْرِي مِقْدارَها إلّا بِالذَّوْقِ - أعاذَنا اللَّهُ مِنهُ.
الحج 22:20
واسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُصْهَرُ﴾ أيْ يُذابُ، وأصْلُهُ المُخالَطَةُ الشَّدِيدَةُ ﴿بِهِ﴾ مِن شِدَّةِ حَرارَتِهِ ﴿ما في بُطُونِهِمْ﴾ مِن شَحْمٍ وغَيْرِهِ ﴿والجُلُودُ﴾ فَيَكُونُ أثَرُهُ في الباطِنِ والظّاهِرِ سَواءً.
الحج 22:21
﴿ولَهم مَقامِعُ﴾ جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرٍ ثُمَّ فَتْحٍ، وهي عَمُودُ حَدِيدٍ يُضْرَبُ بِهِ الرَّأْسُ والوَجْهُ لِيَرُدَّ المَضْرُوبَ عَنْ مُرادِهِ رَدًّا عَنِيفًا، ثُمَّ نَفى المَجازَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَدِيدٍ﴾ أيْ يَقْمَعُونَ بِها.
الحج 22:22
﴿كُلَّما أرادُوا﴾ أيْ كُلُّهم فالبَعْضُ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ أيْ مِن تِلْكَ الثِّيابِ أوْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِخُصُومَةِ أوْلِياءِ اللَّهِ المُتَّصِفِينَ بِما هو مَقْصُودُ السُّورَةِ مِنَ التَّقْوى لِلْكُفّارِ، المُنابِذِينَ لَها بِكُلِّ اعْتِبارٍ، اقْتَضى ذَلِكَ بِشارَةً لِلْأوْلِياءِ ونِذارَةً لِلْأعْداءِ - قَوْلُهُ زِيادَةً عَلى ما في السَّجْدَةِ: ﴿مِن غَمٍّ﴾ عَظِيمٍ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهِ إلّا اللَّهُ ﴿أُعِيدُوا﴾ كُلُّ مَن ﴿فِيها﴾ كَأنَّهم يُضْرَبُونَ بِلَهِيبِ النّارِ فَيَرْفَعُهم حَتّى إذا كانُوا في أعْلاها ضَرَبُوا بِالمَقامِعِ فَهَوَوُا فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا - قالَهُ الحَسَنُ، أوْ أنَّهم يَضْطَرِبُونَ في تِلْكَ الثِّيابِ المُقَطَّعَةِ مِنَ النّارِ إلى أنْ يَكادُوا (p-٣١)أنْ يَنْفَصِلُوا مِنها وهم في النّارِ ثُمَّ يُرَدُّونَ كَما كانُوا، وذَلِكَ أشَدُّ في العَذابِ، مَقُولًا لَهُمْ: ارْجِعُوا صاغِرِينَ مُقاسِينَ لِغُمُومِها ﴿وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ العَذابَ البالِغَ في الإحْراقِ.
الحج 22:23
ولَمّا ذَكَرَ ما لِأحَدِ الخِصْمَيْنِ وهُمُ الكافِرُونَ، أتْبَعَهُ ما لِلْآخَرِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وغَيَّرَ السِّياقَ بِالتَّأْكِيدِ لِمَن كَأنَّهُ سَألَ عَنْهُ، مُعَظِّمًا لَهُ بِإثْباتِ الِاسْمِ العِلْمِ الجامِعِ إيذانًا بِالِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَبَّرَ في الإيمانِ بِالماضِي تَرْغِيبًا في المُبادَرَةِ إلى إيقاعِهِ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ، وعَبَّرَ بِالماضِي إشارَةً إلى أنَّ مَن عَمِلَ الصّالِحَ انْكَشَفَ لَهُ ما كانَ مَحْجُوبًا عَنْهُ مِن حُسْنِهِ فَأحَبَّهُ ولَمْ يَنْفَكَّ عَنْهُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ أيْ دائِمًا ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيِ المِياهُ الواسِعَةُ، أيْنَما أرَدْتَ مِن أرْضِها جَرى لَكَ نَهْرٌ في مُقابَلَةِ ما يَجْرِي مِن فَوْقٍ رُؤُوسِ أهْلِ النّارِ ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾ في مُقابَلَةِ ما يَزالُ مِن بَواطِنِ الكَفَرَةِ وظَواهِرِهِمْ ﴿مِن أساوِرَ﴾
ولَمّا كانَ مَقْصُودُها الحَثَّ عَلى التَّقْوى المُعْلِيَةِ إلى الإنْعامِ بِالفَضْلِ، شَوَّقَ إلَيْهِ بِأغْلى ما نَعْرِفُ مِنَ الحِلْيَةِ فَقالَ: ﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾ وقِراءَةُ نافِعٍ وعاصِمٍ بِنَصْبِهِ دَلِيلٌ عَلى عَطْفِهِ بِالجَرِّ عَلى ”أساوِرَ“ ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ في مُقابَلَةِ ثِيابِ الكُفّارِ كَما كانَ لِباسُ الكُفّارِ (p-٣٢)فِي الدُّنْيا حَرِيرًا، ولِباسُ المُؤْمِنِينَ دُونَ ذَلِكَ، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: «لا تَلْبَسُوا الحَرِيرَ فَإنَّ مَن لَبِسَهُ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ ”ومَن لَمْ يَلْبَسِ الحَرِيرَ في الآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ“ قالَ تَعالى: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ انْتَهى "وذَلِكَ أنَّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ قالَ: «إنَّما يَلْبَسُ هَذِهِ مَن لا خَلاقَ لَهُ في الآخِرَةِ» فَيُوشِكُ لِتَشَبُّهِهِ بِالكُفّارِ في لِباسِهِمْ - أنْ يُلْحِقَهُ اللَّهُ بِهِمْ فَلا يَمُوتُ مُسْلِمًا - واللَّهُ الهادِي.
الحج 22:24
﴿وهُدُوا﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ بِهِدايَةِ اللَّهِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ السَّبَبَ القَرِيبَ لِذَلِكَ العَقْلِ وحْدَهُ أوْ مَعَ الرَّسُولِ أوِ الكِتابِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ وهو حالٌ مِنَ ”الَّذِينَ آمَنُوا“، وما بَعْدَها خَتَمَ بِهِ لِئَلّا يَطُولَ الفَصْلُ بَيْنَ الفِعْلِ ومَفْعُولِهِ ولِتَكُونَ مَحاسِنُهم مُحِيطَةً بِذِكْرِ دُخُولِهِمُ الجَنَّةَ إشارَةً إلى دَوامِها ﴿إلى الطَّيِّبِ مِنَ القَوْلِ﴾ فَلَمْ يَزالُوا في حالٍ حَسَنٍ ﴿وهُدُوا﴾ وبَنى الفِعْلَ أيْضًا لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ الهِدايَةِ لَهم ولِلْأتْقِياءِ مِنهُمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ العِزَّةَ، واكْتَفى بِذِكْرِ الحَمْدِ فَقِيلَ: ﴿إلى صِراطِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي وفَّقَهم لِسُلُوكِ ما يُحْمَدُونَ عَلَيْهِ (p-٣٣)فَيُحْمَدُونَ عاقِبَةً، فَكانَ فِعْلُهم حَسَنًا كَما كانَ قَوْلُهم حَسَنًا، فَدَخَلُوا الجَنَّةَ الَّتِي هي أشْرَفُ دارٍ عِنْدَ خَيْرِ جارٍ وحُلُّوا فِيها أشْرَفَ الحُلِيِّ كَما تَحَلَّوْا في الدُّنْيا بِأشْرَفِ الطَّرائِقِ، هَذا بَعْدَ أنْ حازُوا أشْرَفَ الذِّكْرِ في الدُّنْيا عَكْسَ حالِ الكُفّارِ في اقْتِرافِ ما أدْخَلَهم ما كَلَّما أرادُوا الخُرُوجَ مِنهُ أُعِيدُوا فِيهِ، مَعَ ما نالَهم مِن سُوءِ الذِّكْرِ، بِإقْبالِهِمْ كالبَهائِمِ عَلى الفانِي مَعَ خِسَّتِهِ لِحُضُورِهِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ الباقِي مَعَ شَرَفِهِ لِغِيابِهِ.
الحج 22:25
ولَمّا بَيَّنَ ما لِلْفَرِيقَيْنِ، وتَضَمَّنَ ما لِلْفَرِيقِ الثّانِي بَيانُ أعْمالِهِمُ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ، كَرَّرَ ذِكْرَ الفَرِيقِ الأوَّلِ لِبَيانِ ما يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ، ويُؤَكِّدُ بَيانَ جَزائِهِمْ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هَذا الفِعْلَ الخَبِيثَ. ولَمّا كانَ المُضارِعُ قَدْ لا يُلْحَظُ مِنهُ زَمانٌ مُعَيَّنٌ مِن حالٍ أوِ اسْتِقْبالٍ، بَلْ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنهُ الدَّلالَةَ عَلى مُجَرَّدِ الِاسْتِمْرارِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، قالَ عاطِفًا لَهُ عَلى الماضِي: ﴿ويَصُدُّونَ﴾ أيْ ويُدِيمُونَ الصَّدَّ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، بِاقْتِسامِهِمْ طُرَقَ مَكَّةَ، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ لِمَن يَمُرُّ بِهِ: خَرَجَ فِينا ساحِرٌ، وآخَرُ يَقُولُ شاعِرٌ، وآخَرُ: كاهِنٌ، فَلا تَسْمَعُوا مِنهُ، فَإنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَرُدَّكم عَنْ دِينِكُمْ؛ قالَ بَعْضُ مَن أسْلَمَ: لَمْ يَزالُوا بِي حَتّى جَعَلْتُ في أُذُنَيَّ الكُرْسُفَ مَخافَةَ أنْ أسْمَعَ شَيْئًا مِن كَلامِهِمْ. وكانُوا يُؤْذُونَ مَن أسْلَمَ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أعْمالِهِمْ، ولَعَلَّهُ إنَّما عَبَّرَ بِالمُضارِعِ رَحْمَةً مِنهُ لَهم لِيَكُونَ كالشَّرْطِ في الكُفْرِ فَيَدُلُّ عَلى (p-٣٤)أنَّ مَن تَرَكَ الصَّدَّ زالَ عَنْهُ الكُفْرُ وإنْ طالَ ذَلِكَ مِنهُ ( و ) يَصُدُّونَ عَنِ ”المَسْجِد الحَرام“ أنْ تُقامَ شَعائِرُهُ مِنَ الطَّوافِ فِيهِ بِالبَيْتِ والصَّلاةِ والحَجِّ والِاعْتِمارِ مِمَّنْ هو أهْلُ ذَلِكَ مِن أوْلِيائِنا. ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ شَدِيدَ ظُلْمِهِمْ في الصَّدِّ عَنْهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ كُلِّهِمْ؛ ثُمَّ بَيَّنَ جَعْلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ﴾ أيِ المُقِيمُ ﴿والبادِ﴾ أيِ الزّائِرُ لَهُ مِنَ البادِيَةِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: ﴿سَواءً﴾ رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و﴿العاكِفُ﴾ خَبَرَهُ، وصَلَحَ مِن تَنْكِيرِهِ لِلِابْتِداءِ، لِأنَّهُ كالجِنْسِ في إفادَةِ العُمُومِ الَّذِي هو أحْسَنُ العَهْدِ.
ولَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ ودَلِيلَ كُفْرِهِمْ بِما اسْتَعْطَفَهُمْ، وزادَ في الِاسْتِعْطافِ بِحَذْفِ الخَبَرِ عَنْهُمْ، ودَلَّ آخِرُ الآيَةِ عَلى أنَّهُ يُذِيقُهُمُ العَذابَ الألِيمَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُنَفِّرُ عَنْ وصْفِهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن يُرِدْ فِيهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِن أفْعالِ الكُفّارِ مِنَ الصَّدِّ المَذْكُورِ وغَيْرِهِ، أيْ يَقَعُ مِنهُ إرادَةٌ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ﴿بِإلْحادٍ﴾ أيْ مُصاحَبَةُ تِلْكَ الإرادَةِ ومُلْتَبِسَةٌ بِجَوْرٍ عَنِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ ومَيْلٍ واعْوِجاجٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ عَلى مُطْلَقِ هَذا المَعْنى، بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وأمّا صَدُّ الكُفّارِ عَنْهُ فَإنَّهُ بِحَقٍّ، لِأنَّهم نَجَسٌ لا يَنْبَغِي قُرْبانُهُمُ المَحالَّ المُقَدَّسَةَ، وكَذا صَدُّ الحائِضِ والجُنُبِ والخائِنِ ﴿نُذِقْهُ﴾ ولَمّا كانَ المَشْرُوطُ نَوْعًا مِنَ الإلْحادِ، لا الإلْحادَ الكامِلَ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ (p-٣٥)﴿مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ ودَلَّ هَذا الخَبَرُ عَمَّنْ أرادَ شَيْئًا مِمّا فَعَلَهُ الكُفّارُ أنَّ الخَبَرَ عَنِ الكُفّارِ الفاعِلِينَ لِما رُتِّبَ هَذا الجَزاءُ عَلى إرادَتِهِ ما قَدَّرْتُهُ.
الحج 22:26
ولَمّا ذَكَرَ الفَرِيقَيْنِ وجَزاءَ كُلٍّ وخَتَمَهُ بِذِكْرِ البَيْتِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِهِ وبِحَجِّهِ، لِما فِيهِ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالقِيامَةِ الحامِلَةِ عَلى التَّقْوى الَّتِي هي مَقْصِدُ السُّورَةِ، بِما فِيهِ مِنَ الوِفادَةِ عَلى اللَّهِ، مَعَ التَّجَرُّدِ مِنَ المُحِيطِ، والخُضُوعِ لِلرَّبِّ، والِاجْتِماعِ في المَشاعِرِ مَوْقِفًا في أثَرٍ مَوْقِفٍ، ولِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّسَنُّنِ بِأبِيهِمُ الأعْظَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ مُقَرِّعًا ومُوَبِّخًا لِمَن أشْرَكَ في نَفْعِهِ ”أُسِّسَتْ عَلى التَّوْحِيدِ مِن أوَّلِ يَوْمٍ“ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اتَّقُوا﴾ [الحج: ١] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا إذْ ﴿بَوَّأْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ولَمّا لَمْ يَجْعَلْهُ سُبْحانَهُ سَكَنَهُ بِنَفْسِهِ، قَصَرَ الفِعْلَ عَنِ التَّعْدِيَةِ إلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿لإبْراهِيمَ﴾ أيْ قَدَّرْنا لَهُ ﴿مَكانَ البَيْتِ﴾ أيِ الكَعْبَةَ وجَعَلْناهُ لَهُ مَباءَةً، أيْ مَنزِلًا يَبُوءُ إلَيْهِ أيْ يَرْجِعُ، لِأنَّهُ - لِما نُودِعُهُ فِيهِ مِنَ اللَّطائِفِ - أهْلٌ لِأنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ مَن فارَقَهُ ويَحِنَّ إلَيْهِ، ويَشْتاقَ مَن باعَدَهُ ويَنْقَطِعَ إلَيْهِ بَعْضُ ذُرِّيَّتِهِ، مِنَ (p-٣٦)المَباءَةِ بِمَعْنى المَنزِلِ، وبَوَّأهُ إيّاهُ وبَوَّأهُ لَهُ، أيْ أنْزَلَهُ، قالَ في تَرْتِيبِ المُحْكَمِ: وقِيلَ: هَيَّأْتُهُ ومَكَّنْتُ لَهُ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ بانٍ لِلْبَيْتِ ما في الصَّحِيحِ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلُ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: بَيْتُ المَقْدِسِ، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُما؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً» ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَبِيًّا، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ نُبُوَّتَهُ لَهُ لِأجْلِ العِبادَةِ، فَكانَ المَعْنى: قُلْنا لَهُ: أنْزِلْ أهْلَكَ هاهُنا وتَرَدَّدْ إلى هَذا المَكانِ لِلْعِبادَةِ، فَذَلِكَ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ فابْتَدَأ بِأُسِّ العِبادَةِ ورَأْسِها، وعَطَفَ عَلى النَّهْيِ قَوْلَهُ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِن قَذَرٍ حِسِّيٍّ ومَعْنَوِيٍّ مِن شَرْكٍ ووَثَنٍ وطَوافِ عُرْيانَ بِهِ، كَما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُ ﴿لِلطّائِفِينَ﴾ بِهِ.
ولَمّا تَقَدَّمَ العُكُوفُ فاسْتَغْنى عَنْ إعادَتِهِ، قالَ: ﴿والقائِمِينَ﴾ أيْ حَوْلَهُ تَعْظِيمًا لِي كَما يُفْعَلُ حَوْلَ عَرْشِي، أوْ في الصَّلاةِ، ولِأنَّ العُكُوفَ بِالقِيامِ أقْرَبُ إلى مَقْصُودِ السُّورَةِ.
﴿والرُّكَّعِ﴾ ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الطَّوافِ والقِيامِ عِبادَةً بِرَأْسِهِ، ولَمْ يَكُنِ الرُّكُوعُ والسُّجُودُ كَذَلِكَ، عَطَفَ ذاكَ، وأتْبَعَ هَذا لِما بَيْنَهُما مِن كَمالِ الِاتِّصالِ، إذْ (p-٣٧)لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ في الصَّلاةِ فَقالَ: ﴿السُّجُودِ﴾ أيِ المُصَلِّينَ صَلاةَ أهْلِ الإسْلامِ الأكْمَلِ.
الحج 22:27
﴿وأذِّنْ في النّاسِ﴾ أيْ أعْلِمْهم ونادِ فِيهِمْ ﴿بِالحَجِّ﴾ وهو قَصْدُ البَيْتِ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ لِعِبادَةِ المَخْصُوصَةِ بِالمَشاعِرِ المَنصُوصَةِ ﴿يَأْتُوكَ﴾ أيْ يَأْتُوا بَيْتَكَ الَّذِي بَنَيْتَهُ لِذَلِكَ، مُجِيبِينَ لِصَوْتِكَ بِإذْنِنا سامِعِينَ طائِعِينَ مُخْبَتِينَ خاشِعِينَ مِن أقْطارِ الأرْضِ كَما يُجِيبُونَ صَوْتَ الدّاعِي مِن قَبْلِنا إذا دَعاهم بِمِثْلِ ذَلِكَ بَعْدَ المَوْتِ ﴿رِجالا﴾ أيْ مُشاةً عَلى أرْجُلِهِمْ ﴿وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ أيْ هَزِيلٍ مِن طُولِ السَّيْرِ مِنَ الإبِلِ لِبُعْدِ الشُّقَّةِ وعِظَمِ المَشَقَّةِ.
ولَمّا كانَ الضّامِرُ يُطْلَقُ عَلى كُلٍّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الجِمالِ، وكانَتِ الأُنْثى أضْعَفَ النَّوْعَيْنِ، فَكانَ الحُكْمُ عَلَيْها بِالإتْيانِ المَذْكُورِ حُكْمًا عَلى الذَّكَرِ الَّذِي هو أشَدُّ بِطَرِيقِ الأوْلى، أسْنَدَ إلى ضَمِيرِها فَقالَ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، واصِفًا الضَّوامِرَ الَّتِي أفْهَمَتْها ”كُلٌّ“ ﴿يَأْتِينَ﴾ أيِ الضَّوامِرُ ﴿مِن كُلِّ فَجٍّ﴾ أيْ طَرِيقٍ واسِعٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ ﴿عَمِيقٍ﴾ أيْ بَعِيدٍ مُنْخَفِضٍ بِالنِّسْبَةِ إلى عُلُوِّ جِبالِهِ. قالَ أبُو حَيّانَ: أصْلُهُ البُعْدُ سُفْلًا - انْتَهى. حُفاةً عُراةً، يَنْتَقِلُونَ مِن مَشْعَرٍ مِن مَشاعِرِ (p-٣٨)الحَجِّ إلى مَشْعَرٍ، ومِن مَشْهَدٍ إلى مَشْهَدٍ، مَجْمُوعِينَ بِالدَّعْوَةِ، خاشِعِينَ لِلْهَيْبَةِ، خائِفِينَ مِنَ السَّطْوَةِ، راجِينَ لِلْمَغْفِرَةِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُونَ إلى مَواطِنِهِمْ، ويَتَوَجَّهُونَ إلى مَساكِنِهِمْ، كالسّائِرِينَ إلى مَواقِفِ الحَشْرِ، يَوْمَ البَعْثِ والنَّشْرِ، المُتَفَرِّقِينَ إلى دارَيِ النَّعِيمِ والجَحِيمِ، فَيا أيُّها المُصَدِّقُونَ بِأنَّ خَلِيلَنا إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نادى بِالحَجِّ فَأجابَهُ بِقُدْرَتِنا كَرامَةً لَهُ مَن أرادَ اللَّهُ حَجَّهُ عَلى بُعْدِ أقْطارِهِمْ، وتَنائِي دِيارِهِمْ، مِمَّنْ كانَ مَوْجُودًا في ذَلِكَ الزَّمانِ، ومِمَّنْ كانَ في ظُهُورِ الآباءِ الأقْرَبِينَ أوِ الأبْعَدِينَ! صَدَّقُوا أنَّ الدّاعِيَ مِن قِبَلِنا بِالنَّفْخِ في الصُّوَرِ يُجِيبُهُ كُلُّ مَن كانَ عَلى ظَهْرِها مِمَّنْ حَفِظْنا لَهُ جَسْدَهُ، أوْ سَلَّطْنا عَلَيْهِ الأرْضَ فَمَزَّقْناهُ حَتّى صارَ تُرابًا، وما بَيْنَ ذَلِكَ، لِأنَّ الكُلَّ عَلَيْنا يَسِيرٌ.
الحج 22:28
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَيّالًا إلى الفَوائِدِ، مُسْتَشْرِقًا إلى جَمِيلِ العَوائِدِ، عَلَّلَ الإتْيانَ بِما يُرَغِّبُهُ مُبِيحًا مِن فَضْلِهِ ما يَقْصِدُهُ مِن أمْرِ المَعاشِ فَقالَ: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أيْ يَحْضُرُوا حُضُورًا تامًّا ﴿مَنافِعَ لَهُمْ﴾ أيْ لا لِلْمَعْبُودِ، دِينِيَّةً ودُنْيَوِيَّةً، فَإنَّهُ كَما جَعَلَ سُبْحانَهُ تِلْكَ المَواطِنَ ماحِيَةً لِلذُّنُوبِ، جالِبَةً لِلْقُلُوبِ، جَعَلَها جالِبَةً لِلْفَوائِدِ، جارِيَةً عَلى أحْسَنِ العَوائِدِ، سالِمَةً لِلْفَقْرِ جابِرَةً لِلْكَسْرِ، ولَمّا كانَتِ المَنافِعُ لا تَطِيبُ وتُثْمِرُ إلّا بِالتَّقْوى كانَ الحامِلُ عَلى التَّقْوى لِذِكْرِ قالَ: ﴿ويَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ بِالتَّكْبِيرِ وغَيْرِهِ عِنْدَ الذَّبْحِ وغَيْرِهِ، إعْلامًا (p-٣٩)بِأنَّهُ المَقْصُودُ الَّذِي يَتْبَعُهُ جَمِيعُ المَقاصِدِ لِأنَّهُ ما جَمَعَهم عَلى ما فِيهِ مِن تِلْكَ الأرْضِ الغَرّاءِ والأماكِنِ الغَبْراءِ إلّا هو بِقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، وقُوَّتِهِ الشّامِلَةِ، لا اسْمَ شَيْءٍ مِنَ الأصْنامِ كَما كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُ ﴿فِي أيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ أيْ عِلْمٍ أنَّها أوَّلُ عَشَرٍ في ذِي الحِجَّةِ الَّذِي يُوافِقُ اسْمَهُ مُسَمّاهُ، لا ما سَمَّوْهُ بِهِ ومُسَمّاهُ غَيْرُهُ عَلى ما حَكَمَ بِهِ النَّسِيءُ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ الإكْثارُ إذْ مُطْلَقُ الذِّكْرِ مَندُوبٌ إلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ، وفي التَّعْبِيرِ بِالعِلْمِ إشارَةٌ إلى وُجُوبِ اسْتِفْراغِ الجُهْدِ بَعْدَ القَطْعِ بِأنَّ الشَّهْرَ ذُو الحِجَّةِ اسْمًا ومُسَمًّى في تَحْرِيرِ أوَّلِهِ، وأمّا أيّامُ التَّشْرِيقِ فَإنَّها لَمّا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى العِلْمِ بِأمْرِ الشَّهْرِ الَّذِي أمَرَ بِهِ هُنا، فَأنْتَجَ العِلْمَ بِيَوْمِ العِيدِ، لَمْ يَحْتَجْ في أمْرِها إلى غَيْرِ العَدِّ فَلِذا عَبَّرَ عَنْها بِهِ دُونَ العِلْمِ.
ولَمّا كانَتِ النَّعَمُ أجَلَّ أمْوالِهِمْ، قالَ تَعالى مُرَغِّبًا لَهم ومُرَهِّبًا: ﴿عَلى﴾ أيْ مُبَرِّكِينَ بِذِكْرِهِ وحامِدِينَ عَلى ﴿ما رَزَقَهُمْ﴾ ولَوْ شاءَ مَحَقَهُ ﴿مِن بَهِيمَةِ﴾ ولَمّا كانَتِ البَهِيمَةُ مُبْهَمَةً في كُلِّ ذاتِ أرْبَعٍ في البَرِّ والبَحْرِ، بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿الأنْعامِ﴾ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ثُمَّ عِنْدَ ذَبْحِهِ، وفِيهِ حَثٌّ عَلى التَّقَرُّبِ بِالضَّحايا، والهَدايا، ولِذَلِكَ التَفَتَ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِمْ، وتَرْكِيبُ ”لَهُمْ“ يَدُورُ عَلى الِاسْتِعْجامِ والخَفاءِ والِانْغِلاقِ وعَدَمِ التَّمْيِيزِ، وتَرْكِيبُ ”نَعَمْ“ عَلى الرَّفاهِيَةِ والخَفْضِ والدَّعَةِ.
(p-٤٠)ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ العِبادَةَ فَخاطَبَ بِها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّها لِعِظَمِ المَعْبُودِ لا يَقُومُ بِها عَلى وجْهِها إلّا الخُلَّصُ، أقْبَلَ عَلى العابِدِينَ كُلِّهِمْ بِالإذْنِ في ما يَسُرُّهم مِن مِنحَةِ التَّمْتِيعِ، تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ، حَثًّا عَلى الشُّكْرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا عَمّا انْدَرَجَ في ذَلِكَ مِنَ الذَّبْحِ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ أيْ إنْ شِئْتُمْ إذا تَطَوَّعْتُمْ بِها ولا تَمْتَنِعُوا كَأهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فالأكْلُ مِنَ المُتَطَوِّعِ بِهِ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ قُرْبانًا في هَذِهِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ مِنَّةً عَلى أهْلِها، تَشْرِيفًا لِنَبِيِّها ﷺ، والأكْلُ مِنَ الواجِبِ لا يَجُوزُ لِمَن وجَبَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ إذا أكَلَ مِنهُ لَمْ يَكُنْ مُخْرِجًا لِما وجَبَ عَلَيْهِ بِكَمالِهِ ﴿وأطْعِمُوا البائِسَ﴾ أيِ الَّذِي اشْتَدَّتْ حاجَتُهُ، مَن بَئِسَ كَسَمِعَ إذا ساءَتْ حالُهُ وافْتَقَرَ، وبَيَّنَ أنَّهُ مِن ذَلِكَ، لا مِن بَؤُسَ - كَكَرُمَ الَّذِي مَعْناهُ: اشْتَدَّ في الحَرْبِ، بِقَوْلِهِ: ﴿الفَقِيرَ﴾
الحج 22:29
وأكَّدَ هَذا الحَثَّ ونَفى عَنْهُ الرَّيْبَ بِعَوْدِهِ إلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ أيْ يَقْطَعُوا ويُنْهُوا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ طُولِ الإحْرامِ ﴿تَفَثَهُمْ﴾ أيْ شَعَثَهم بِالغُسْلِ وقَصِّ الأظْفارِ والشّارِبِ وحَلْقِ العانَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أخْذًا مِنَ الفَراغِ مِنَ الأمْرِ والخُرُوجِ مَن كُلِّ واجِبٍ ﴿ولْيَطَّوَّفُوا﴾ فَيَكُونُ ذَلِكَ آخِرَ أعْمالِهِمْ، وحَثَّ (p-٤١)عَلى الإكْثارِ مِنهُ والِاجْتِهادِ فِيهِ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ، وعَلى الإخْلاصِ بِالإخْفاءِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ بِالإدْغامِ، واللّامُ إنْ كُسِرَتْ - كَما هي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنِ عامِرٍ ووَرْشٍ عَنْ نافِعٍ وقُنْبُلٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ في ﴿لْيَقْضُوا﴾ وقِراءَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وحْدَهُ في ”لِيُوَفُّوا. . ولِيَطُوفُوا“ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ عَطْفًا عَلى ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ [الحج: ٢٨] ويَكُونُ عَطْفُها بِأداةِ التَّراخِي لِطُولِ المُدَّةِ عَلى ما هو مَفْهُومُها مَعَ الإشارَةِ إلى التَّعْظِيمِ في الرُّتْبَةِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِلْأمْرِ كَقِراءَةِ الباقِينَ بِالإسْكانِ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالبَيْتِ﴾ أيْ مِن ورائِهِ، لِعَلَمِ الحَجْرِ، ومَتى نَقَصَ عَنْ إكْمالِ الدَّوَرانِ حَوْلَهُ أدْنى جُزْءٍ لَمْ يَصِحَّ لِأنَّهُ لَمْ يُوقِعْ مُسَمّى الطَّوافِ، فَلا تَعَلُّقَ بِالباءِ في التَّبْعِيضِ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿العَتِيقِ﴾ إشارَةً إلى اسْتِحْقاقِهِ لِلتَّعْظِيمِ بِالقِدَمِ والعِتْقِ مِن كُلِّ سُوءٍ.
الحج 22:30
ثُمَّ أشارَ إلى تَعْظِيمِ الحَجِّ وأفْعالِهِ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ الجَلِيلُ العَظِيمُ الكَبِيرُ المَنافِعِ دُنْيا وأُخْرى ذَلِكَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن فَعَلَهُ سَعِدَ، ومَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا مِنهُ شَقِيَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِ ﴿حُرُماتِ اللَّهِ﴾ أيْ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ كُلِّها مِن هَذا ومِن غَيْرِهِ، وهي الأُمُورُ الَّتِي جَعَلَها لَهُ فَحَثَّ عَلى فِعْلِها أوْ تَرْكِها ﴿فَهُوَ﴾ (p-٤٢)أيِ التَّعْظِيمُ الحامِلُ لَهُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ فِيها عَلى وجْهِهِ واجْتِنابِ المَنهِيِّ عَنْهُ كالطَّوافِ عُرْيانًا والذَّبْحِ بِذِكْرِ اسْمِ غَيْرِ اللَّهِ ﴿خَيْرٌ﴾ كائِنٌ ﴿لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي أسْدى إلَيْهِ كُلَّ ما هو فِيهِ مِنَ النِّعَمِ فَوَجَبَ عَلَيْهِ شُكْرُهُ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَقْوى قَلْبِهِ، لِأنَّ تَعْظِيمَها مِن تَقْوى القُلُوبِ، وتَعْظِيمُها لِجَلالِ اللَّهِ، وانْتِهاكُها شَرٌّ عَلَيْهِ عِنْدَ رَبِّهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكم أشْياءُ أنْ تَفْعَلُوها، وأشْياءُ أنْ تَتْرُكُوها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا أنَّ الإحْرامَ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيها كَما أثَّرَ في الصَّيْدِ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ﴾ وهي الإبِلُ والبَقْرُ والغَنَمُ كُلُّها ﴿إلا ما يُتْلى﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ مُسْتَمِرًّا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ تَحْرِيمُهُ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ، خِلافًا لِلْكُفّارِ في افْتِرائِهِمْ عَلى اللَّهِ بِالتَّعَبُّدِ بِتَحْرِيمِ الوَصِيلَةِ والبَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والحامِي وإحْلالِ المَيْتَةِ والدَّمِ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ حِلَّ السَّوائِبِ وما مَعَها وتَحْرِيمَ المَذْبُوحِ لِلْأنْصابِ، وكانَ سَبَبُ ذَلِكَ كُلِّهِ الأوْثانَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاجْتَنِبُوا﴾ أيْ بِغايَةِ الجُهْدِ اقْتِداءً بِالأبِ الأعْظَمِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي تَقَدَّمَ الإيصاءُ لَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ عِنْدَ جَعْلِ البَيْتِ لَهُ مَباءَةً ﴿الرِّجْسَ﴾ أيِ القَذَرَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أنْ يُجْتَنَبَ مِن غَيْرِ أمْرٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ ومَيَّزَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الأوْثانِ﴾ أيِ القَذَرَ الَّذِي مِن حَقِّهِ أنْ يُحْتَنَبَ مِن غَيْرِ أمْرٍ، فَإنَّهُ إذا اجْتُنِبَ السَّبَبُ اجْتُنِبَ المُسَبَّبُ.
(p-٤٣)ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنَ الزُّورِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنْ جَمِيعِ الزُّورِ، وزادَ في تَبْشِيعِهِ وتَغْلِيظِهِ إذْ عَدَلَهُ - كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ بِالشِّرْكِ فَقالَ: ﴿واجْتَنِبُوا﴾ أيْ بِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿قَوْلَ الزُّورِ﴾ أيْ جَمِيعَهُ، وهو الِانْحِرافُ عَنِ الدَّلِيلِ كالشِّرْكِ المُؤَدِّي إلى لُزُومِ عَجْزِ الإلَهِ وتَحْرِيمِ ما لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ بِهِ سُلْطانًا مِنَ السّائِبَةِ وما مَعَها، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ ونَحْوِها مِمّا قامَ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ عَلى تَحْرِيمِهِ كَما أنَّ الحَنَفَ المَيْلُ مَعَ الدَّلِيلِ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ.
الحج 22:31
﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَلا مَيْلَ في شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ، وإنَّما كانا كَذَلِكَ مَعَ اجْتِماعِهِما في مُطْلَقِ المَيْلِ، لِأنَّ الزُّورَ تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى القُوَّةِ والوُعُورَةِ، والحَنَفُ - كَما مَضى في البَقَرَةِ - عَلى الرِّقَّةِ والسُّهُولَةِ، فَكانَ ذُو الزُّورِ مُعْرِضًا عَنِ الدَّلِيلِ بِما فِيهِ مِنَ الكَثافَةِ والحَنِيفِ مُقْبِلًا عَلى الدَّلِيلِ بِما لَهُ مِنَ الإطافَةِ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ التَّوْحِيدَ، أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ أيْ شَيْئًا مِن إشْراكٍ، بَلْ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، ودَلَّ عَلى عَظَمَةِ التَّوْحِيدِ وعُلُوِّهِ، وفَظاعَةِ الشِّرْكِ وسُفُولِهِ، بِقَوْلِهِ زاجِرًا عَنْهُ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَنِ امْتَثَلَ ذَلِكَ أعْلاهُ اعْتِدالُهُ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى: ﴿ومَن يُشْرِكْ﴾ أيْ يُوقِعْ شَيْئًا مِنَ الشِّرْكِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها، لِشَيْءٍ (p-٤٤)مِنَ الأشْياءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ﴾ لِعُلُوِّ ما كانَ فِيهِ مِن أوْجِ التَّوْحِيدِ وسُفُولِ ما انْحَطَّ إلَيْهِ مِن حَضِيضِ الإشْراكِ.
ولَمّا كانَ السّاقِطُ مِن هَذا العُلُوِّ مُتَقَطِّعًا لا مَحالَةَ إمّا بِسِباعِ الطَّيْرِ أوْ بِالوُقُوعِ عَلى جِلْدٍ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ أيْ قِطَعًا بَيْنَها، وهو نازِلٌ في الهَواءِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى الأرْضِ ﴿أوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أيْ حَيْثُ لَمْ يَجِدْ في الهَواءِ ما يُهْلِكُهُ ﴿فِي مَكانٍ﴾ مِنَ الأرْضِ ﴿سَحِيقٍ﴾ أيْ بَعِيدٍ في السُّفُولِ، فَيَتَقَطَّعُ حالُ وُصُولِهِ إلى الأرْضِ بِقُوَّةِ السَّقْطَةِ وشِدَّةِ الضَّغْطَةِ لِبُعْدِ المَحَلِّ الَّذِي خَرَّ مِنهُ وزَلَّ عَنْهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: خَطْفُ الطَّيْرِ المَلْزُومُ لِلتَّقَطُّعِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِ التَّقَطُّعِ ثانِيًا، والمَكانُ السَّحِيقُ المَلْزُومُ لِبُلُوغِ الأرْضِ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ ثُمَّ عَظَّمَ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْحِيدِ وما هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ بِالإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ.
الحج 22:32
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الكَبِيرُ ذَلِكَ، فَمَن راعاهُ فازَ، ومَن حادَّ عَنْهُ خابَ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِن هَذا المُقَدَّرِ فَقالَ: ﴿ومَن﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، أيْ أُشِيرَ إلى الأمْرِ العَظِيمِ والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ مَعالِمَ دِينِ المَلِكِ (p-٤٥)الأعْظَمِ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها وأمَرَ بِالقِيامِ بِها في الحَجِّ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي المَنسِكُ والعَلامَةُ في الحَجِّ، والشَّعِيرَةُ أيْضًا: البَدَنَةُ المُهْداةُ إلى البَيْتِ الحَرامِ، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُها مِنَ الإشْعارِ وهو إعْلامُها لِيُعْرَفَ أنَّها هَدْيٌ - انْتَهى. ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّعَرِ لِأنَّها إذا جُرِحَتْ قُطِعَ شَيْءٌ مِن شِعْرِها أوْ أُزِيلَ عَنْ مَحَلِّ الجُرْحِ، فَيَكُونُ مِنَ الإزالَةِ، وتَعْظِيمُها اسْتِحْسانُها، فَتَعْظِيمُها خَيْرٌ لَهُ لِدَلالَتِهِ عَلى تَقْوى قَلْبِهِ ﴿فَإنَّها﴾ أيْ تَعْظِيمُها ﴿مِن﴾ أيْ مُبْتَدِئٌ مِن ﴿تَقْوى القُلُوبِ﴾ الَّتِي مِن شَأْنِها الشُّعُورُ بِما هو أهْلٌ لِأنْ يُعَظَّمَ، فَمُعْظَمُها مُتَّقٍ، وقَدْ عُلِمَ بِما ذَكَرْتُهُ أنَّهُ حُذِفَ مِن هَذِهِ جُمْلَةُ الخَيْرِ ومِن قَوْلِهِ ﴿ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٠] سَبَبُ كَوْنِهِ خَيْرًا لَهُ، وهو التَّقْوى، ودَلَّ عَلى إرادَتِهِ هُناكَ بِذِكْرِهِ هُنا، وحُذِفَ هُنا كَوْنُ التَّعْظِيمِ خَيْرًا، ودَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِهِ هُناكَ، فَقَدْ ذَكَرَ في كُلِّ جُمْلَةِ ما دَلَّ عَلى ما حُذِفَ مِنَ الأُخْرى كَما تَقَدَّمَ في ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] في آلِ عِمْرانَ، وأنَّهُ يُسَمّى الِاحْتِباكَ، وتَفْسِيرِي لِلشَّعائِرِ بِما ذَكَرْتُهُ مِنَ الأمْرِ العامِّ جائِزُ الإرادَةِ، ويَكُونُ إعادَةُ الضَّمِيرِ عَلى نَوْعٍ مِنهُ نَوْعًا مِنَ الِاسْتِخْدامِ.
الحج 22:33
فَقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها﴾ مَعْناهُ: البُدْنُ أوِ النَّعَمُ المُهْداةُ أوْ مُطْلَقًا ﴿مَنافِعُ﴾ بِالدَّرِّ والنَّسْلِ والظَّهْرِ ونَحْوِهِ (p-٤٦)فَكُلَّما كانَتْ سَمِينَةً حَسَنَةً كانَتْ مَنافِعُها أكْثَرَ دِينًا ودُنْيا ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو المَوْتُ الَّذِي قَدَّرْناهُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ، أوِ النَّحْرُ إنْ كانَتْ مُهْداةً، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وهَذا تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإنَّ المَنافِعَ حامِلَةٌ لِذَوِي البَصائِرِ عَلى التَّفَكُّرِ فِيها لا سِيَّما مَعَ تَفاوُتِها، والتَّفَكُّرُ فِيها مُوصِلٌ إلى التَّقْوى بِمَعْرِفَةِ أنَّها مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ. وأنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المَنافِعُ دُنْيَوِيَّةً، وكانَتْ مَنفَعَةُ نَحْرِها إذا أُهْدِيَتْ دِينِيَّةً، أشارَ إلى تَعْظِيمِ الثّانِي بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها﴾ أيْ وقْتُ حُلُولِ نَحْرِها بِانْتِهائِكم بِها ﴿إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ أيْ إلى فَنائِهِ وهو الحَرَمُ كَما قالَ تَعالى ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]
الحج 22:34
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: جَعَلَ لَكم سُبْحانَهُ هَذِهِ الأشْياءَ مَناسِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ وغَيْرِها ﴿جَعَلْنا﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا يَصِحُّ أنْ تُخالَفَ ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ عِبادَةً أوْ مَوْضِعَ عِبادَةٍ أوْ قُرْبانًا، فَإنَّهُ يَكُونُ مَصْدَرَ نَسَكَ - كَنَصَرَ وكَرُمَ - نُسُكًا ومَنسِكًا، ويَكُونُ بِمَعْنى المَوْضِعِ الَّذِي يُعْبَدُ فِيهِ، والَّذِي يُذْبَحُ فِيهِ النُّسُكُ وهو الهَدْيُ، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ولَمْ يَزَلْ ذَبْحُ المَناسِكِ وإراقَةُ الدِّماءِ (p-٤٧)عَلى اسْمِ اللَّهِ مَشْرُوعًا في جَمِيعِ المِلَلِ.
ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الجَعْلَ عِلَّتَهُ بَيانًا لِأنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا في نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿لِيَذْكُرُوا﴾ ولَمّا كانَ الدِّينُ سَهْلًا سَمْحًا ذا يُسْرٍ، رَضِيَ بِالدُّخُولِ فِيهِ بِالظّاهِرِ فَقالَ: ﴿اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى وحْدَهُ، عَلى ذَبائِحِهِمْ وقَرابِينِهِمْ وعِبادَتِهِمْ كُلِّها، لِأنَّهُ الرَّزّاقُ لَهم وحْدَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الذِّكْرَ بِالنِّعْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى التَّفَكُّرِ فِيها فَقالَ: ﴿عَلى ما رَزَقَهُمْ﴾ فَوَجَبَ شُكْرُهُ بِهِ عَلَيْهِمْ ﴿مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾
ولَمّا عُلِمَ أنَّ الشّارِعَ لِجَمِيعِ الشَّرائِعِ الحَقَّةِ واحِدٌ، وأنَّ عِلَّةَ نَصْبِهِ لَها ذِكْرُهُ وحْدَهُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإلَهُكُمْ﴾ أيِ الَّذِي شَرَعَ هَذِهِ المَناسِكَ كُلَّها. ولَمّا كانَ الإلَهُ ما يَحِقُّ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِما تَقَرَّرَ مِن أوْصافِهِ، لا ما سُمِّيَ إلَهًا، قالَ: ﴿إلَهٌ﴾ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدٌ﴾ أيْ وإنِ اخْتَلَفَتْ فُرُوعُ شَرائِعِهِ ونَسَخَ بَعْضُها بَعْضًا، ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى ”واحِدٍ“ لَرُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: إنَّ المُرادَ اقْتِصارُنا عَلى واحِدٍ مِمّا نَعْبُدُهُ. والتَفَتَ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أصْرَحُ وأجْدَرُ بِالقَبُولِ.
ولَمّا ثَبَتَ كَوْنُهُ واحِدًا، وجَبَ اخْتِصاصُهُ بِالعِبادَةِ، فَلِذا قالَ: ﴿فَلَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أسْلِمُوا﴾ أيِ انْقادُوا بِجَمِيعِ ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم (p-٤٨)فِي كُلِّ ما أمَرَ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ ناسِخًا كانَ أوْ لا وإنْ لَمْ تَفْهَمُوا مَعْناهُ كَغالِبِ مَناسِكِ الحَجِّ.
ولَمّا أمَرَ بِالإسْلامِ مَن يَحْتاجُ إلى ذَلِكَ إيجادًا أوْ تَكْمِيلًا أوْ إدامَةً، وكانَ الإسْلامُ هو سُهُولَةُ الِانْقِيادِ مِن غَيْرِ كِبْرٍ ولا شَماخَةٍ، وكانَ مَنشَأُ الطُّمَأْنِينَةِ والتَّواضُعِ اللَّذَيْنِ هُما أنْسُبُ شَيْءٍ لِحالِ الحُجّاجِ المُتَجَرِّدِ مِنَ المَخِيطِ المَكْشُوفِ الرَّأْسِ الطّالِبِ لِوَضْعِ أوْزارِهِ، وتَخْفِيفِ آصارِهِ لِسِتْرِ عَوارِهِ أقْبَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الرَّأْسِ مِنَ المَأْمُورِينَ، الحائِزِ لِما يُمْكِنُ المَخْلُوقِينَ أنْ يَصِلُوا إلَيْهِ مَن رُتَبِ الكَمالِ، وخِلالِ الجَمالِ والجَلالِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ أحَدٌ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾ أيِ المُتَواضِعِينَ، المُنْكَسِرِينَ، مِنَ الخَبْتِ - لِلْأرْضِ المُنْخَفِضَةِ الصّالِحَةِ لِلِاسْتِطْراقِ وغَيْرِهِ مِنَ المَنافِعِ.
الحج 22:35
ثُمَّ بَيَّنَ عَلاماتِهِمْ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿وجِلَتْ﴾ أيْ خافَتْ خَوْفًا مُزْعِجًا ﴿قُلُوبُهُمْ﴾
ولَمّا كانَ في ذِكْرِ الحَجِّ، وكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِكَثْرَةِ الخُلْطَةِ المُوجِبَةِ لِكَثْرَةِ الأنْكادِ ولا سِيَّما وقَدْ كانَ أكْثَرُ المُخالِطِينَ مُشْرِكِينَ، لِأنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، قالَ عاطِفًا غَيْرَ مُتْبِعٍ، إيذانًا بِالرُّسُوخِ في الأوْصافِ: ﴿والصّابِرِينَ﴾ الَّذِينَ صارَ الصَّبْرُ عادَتَهم ﴿عَلى ما أصابَهُمْ﴾ (p-٤٩)كائِنًا ما كانَ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ شاغِلًا عَنِ الصَّلاةِ، قالَ: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾ أيْ وإنْ حَصَلَ لَهم مِنَ المَشاقِّ بِأفْعالِ الحَجِّ وغَيْرِهِ ما عَسى أنْ يَحْصُلَ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُقِيمُها عَلى الوَجْهِ المَشْرُوعِ مَعَ تِلْكَ المَشاقِّ والشَّواغِلِ إلّا الأراسِخُ في حُبِّها، فَهم - لِما تَمَكَّنَ مِن حُبِّها في قُلُوبِهِمْ والخَوْفِ مِنَ الغَفْلَةِ عَنْها - كَأنَّهم دائِمًا في صَلاةٍ.
ولَمّا كانَ ما يَحْصُلُ فِيهِ مِن زِيادَةِ النَّفَقَةِ رُبَّما كانَ مُقْعِدًا عَنْهُ، رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ فَهم لِكَوْنِهِ نِعْمَةً مِنّا لا يَبْخَلُونَ بِهِ، ولِأجْلِ عَظَمَتِنا يُحْسِنُونَ ظَنَّ الخَلَفِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ بَذْلَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ، بِالهَدايا الَّتِي يُغالُونَ في أثْمانِها وغَيْرِ ذَلِكَ، إحْسانًا إلى خَلْقِ اللَّهِ، امْتِثالًا لِأمْرِهِ كالخَبْتِ الباذِلِ لِما يُودِعُهُ تَعالى فِيهِ مِنَ الماءِ والمَرْعى.
الحج 22:36
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ الحَثَّ عَلى التَّقَرُّبِ بِالأنْعامِ كُلِّها، وكانَتِ الإبِلُ أعْظَمَها خَلْقًا، وأجَلَّها في أنْفُسِهِمْ أمْرًا، خَصَّها بِالذِّكْرِ في سِياقٍ تَكُونُ فِيهِ مَذْكُورَةً مَرَّتَيْنِ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى عِظَمِها، أوْ أنَّهُ خَصَّها لِأنَّهُ خَصَّ العَرَبَ بِها دُونَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿جَعَلْنا مَنسَكًا﴾ [الحج: ٣٤] أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ واللَّهُ أعْلَمُ: فَأشْرَكْناكم مَعَ الأُمَمِ الماضِيَةِ (p-٥٠)فِي البَقَرِ والغَنَمِ ﴿والبُدْنَ﴾ أيِ الإبِلِ أيِ المَعْرُوفَةِ بِعِظَمِ الأبْدانِ - ﴿جَعَلْناها﴾ أيْ بِعَظْمَتِنا، وزادَ في التَّذْكِيرِ بِالعَظَمَةِ بِذِكْرِ الِاسْمِ العَلَمِ فَقالَ: ﴿لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ أيْ أعْلامِ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ ومَناسِكِهِ الَّتِي شَرَعَها لَكم وشَرَعَ فِيها الإشْعارَ، وهو أنْ يَطْعَنَ بِحَدِيدَةٍ في سَنامِها، تَمْيِيزًا لِما يَكُونُ مِنها هَدْيًا عَنْ غَيْرِهِ.
ولَمّا نَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ النَّفْعِ الدِّينِيِّ، نَبَّهَ عَلى ما هو أعَمُّ مِنهُ فَقالَ: ﴿لَكم فِيها خَيْرٌ﴾ بِالتَّسْخِيرِ الَّذِي هو مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، والتَّقْرِيبِ الَّذِي هو مِن مَنافِعِ الآخِرَةِ؛ رَوى التِّرْمِذَيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَّةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلًا أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن هِراقَةِ الدَّمِ، وإنَّهُ لِيُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِقُرُونِها وأظْلافِها وأشْعارِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكانٍ قَبْلَ أنْ يَقَعَ مِنَ الأرْضِ فَطِيبُوا بِها نَفْسًا» والدّارَقُطْنِيُّ في السُّنَنِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: "قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أُنْفِقَتِ الوَرِقُ في شَيْءٍ أفْضَلَ مِن نَحِيرَةٍ في يَوْمِ عِيدٍ»
ولَمّا ذَكَرَ ما فِيها، سَبَّبَ عَنْهُ الشُّكْرَ فَقالَ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى ذَبْحِها بِالتَّكْبِيرِ، حالَ كَوْنِها (p-٥١)﴿صَوافَّ﴾ قِيامًا مُعْقَلَةَ الأيْدِي اليُسْرى، فَلَوْلا تَعْظِيمُهُ بِامْتِثالِ شَرائِعِهِ، ما شَرَعَ لَكم ذَبَحَها وسَلَّطَكم عَلَيْها مَعَ أنَّها أعْظَمُ مِنكم جِرْمًا وأقْوى ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾ أيْ سَقَطَتْ سُقُوطًا بَرُدَتْ بِهِ بِزَوالِ أرْواحِها فَلا حَرَكَةَ لَها أصْلًا، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وقَدْ جاءَ في حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ «ولا تَعْجَلُوا النَّفْسَ أنْ تَزْهَقَ» وقَدْ رَواهُ الثَّوْرِيُّ في جامِعِهِ عَنْ أيُّوبَ عَنْ يَحْيى ابْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ فَرافِصَةَ الحَنَفِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يُحَرَّمُ الأكْلُ مِنها لِلْأمْرِ بِتَقْرِيبِها لِلَّهِ تَعالى، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾ إذا كانَتْ تَطَوُّعًا إنْ شِئْتُمُ الأكْلَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُخْرِجُها عَنْ كَوْنِها قُرْبانًا ﴿وأطْعِمُوا القانِعَ﴾ أيِ المُتَعَرِّضَ لِلسُّؤالِ بِخُضُوعٍ وانْكِسارٍ ﴿والمُعْتَرَّ﴾ أيِ السّائِلِ، وقِيلَ: بِالعَكْسِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، قالَ في كِتابِ اخْتِلافِ الحَدِيثِ: والقانِعُ هو السّائِلُ، والمُعْتَرُّ هو الزّائِرُ والمارُّ، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ القافَ والنُّونَ والعَيْنَ تَدُلُّ عَلى الإقْبالِ عَلى الشَّيْءِ، ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَعانِيهِ مَعَ اتِّفاقِ القِياسِ، فالقانِعُ: السّائِلُ، لِإقْبالِهِ عَلى مَن يَسالُهُ، والقانِعُ: الرّاضِي الَّذِي لا يَسْألُ، كَأنَّهُ مُقْبِلٌ عَلى الشَّيْءِ الَّذِي هو راضٍ بِهِ.
ولَمّا كانَ تَسْخِيرُها لِمِثْلِ هَذا القَتْلِ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ مَعَ قُوَّتِها (p-٥٢)وكِبَرَها أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ عِنْدَ التَّأمُّلِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّحْرِيكِ لِلسُّؤالِ عَمّا هو أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلَ هَذا التَّسْخِيرِ العَظِيمِ المِقْدارِ ﴿سَخَّرْناها﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لَوْلاها ما كانَ ذَلِكَ ﴿لَكُمْ﴾ وذَلَّلْناها لَيْلًا ونَهارًا مَعَ عِظَمِها وقُوَّتِها، ولَوْ شِئْنا جَعَلْناها وحْشِيَّةً ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِتَتَأمَّلُوا ذَلِكَ فَتَعْرِفُوا أنَّهُ ما قادَها لَكم إلّا اللَّهُ فَيَكُونُ حالُكم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ، فَتُوقِعُوا الشُّكْرَ بِأنْ لا تُحَرِّمُوا مِنها إلّا ما حَرَّمَ، ولا تُحِلُّوا إلّا ما أحَلَّ، وتَشْهَدُوا مِنها ما حَثَّ عَلى إهْدائِهِ، وتَتَصَرَّفُوا فِيها بِحَسَبِ ما أمَرَكم.
الحج 22:37
ولَمّا حَثَّ عَلى التَّقَرُّبِ بِها مَذْكُورًا اسْمُهُ عَلَيْها، وكانَ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، وكانَ أكْثَرُهم يَفْعَلُهُ، وكانُوا يَنْضَحُونَ البَيْتَ ونَحْوَهُ بِدِماءِ قَرابِينِهِمْ، ويُشَرِّحُونَ اللَّحْمَ، ويَضَعُونَهُ حَوْلَهُ، زاعِمِينَ أنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ، وقَدْ كانَ بَعْضُ ذَلِكَ شَرْعًا قَدِيمًا، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى نَسْخِ ذَلِكَ بِأنْ نَبَّهَ عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ رُوحُهُ لا صُورَتُهُ فَقالَ: ﴿لَنْ يَنالَ﴾ أيْ يُصِيبَ ويَبْلُغَ ويُدْرِكَ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحَثِّ عَلى التَّقْرِيبِ لَهُ سُبْحانَهُ، كانَ تَقْدِيمُ اسْمِهِ عَلى الفاعِلِ أنْسَبَ لِلْإسْراعِ بِنَفْيِ ما قَدْ يُتَوَهَّمُ مِن لَحاقِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، (p-٥٣)فَقالَ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ العَلَمِ الَّذِي حَمى عَنِ الشَّرِكَةِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ: ﴿اللَّهَ﴾ أيْ رِضا المَلِكِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا يَلْحَقُهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ﴿لُحُومُها﴾ المَأْكُولَةُ ﴿ولا دِماؤُها﴾ المُهْراقَةُ ﴿ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى﴾ أيْ عَمَلُ القَلْبِ وهي الصِّفَةُ المَقْصُودُ بِها أنْ تَقِيَ صاحِبَها سَخَطَ اللَّهِ، وهي الَّتِي اسْتَوْلَتْ عَلى قَلْبِهِ حَتّى حَمَلَتْهُ عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ الَّتِي هي نِهاياتٌ لِذَلِكَ، الكائِنَةُ ﴿مِنكُمْ﴾ الحامِلَةُ عَلى التَّقَرُّبِ الَّتِي بِها يَكُونُ لَهُ رُوحُ القَبُولِ، المُحَصِّلَةُ لِلْمَأْمُولِ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّيَّةَ الخالِصَةَ خَيْرٌ مِنَ الأعْمالِ المُوَظَّفَةِ - انْتَهى. فَإذا نالَتْهُ سُبْحانَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ العَمَلِ فَتُلْقى اللُّقْمَةُ «فَرَبّاها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ جَبَلٍ» «ووَقَعَ الدَّمُ مِنهُ بِمَكانٍ» فالنَّفْيُ لِصُورَةٍ لا رُوحَ لَها والإثْباتِ لِذاتِ الرُّوحِ، فَقَدْ تُفِيدُ النِّيَّةَ مِن غَيْرِ عَمَلٍ كَما قالَ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ ما مَعْناهُ. «إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما نَزَلْنا مَنزِلًا ولا قَطَعْنا وادِيًا إلّا كانُوا فِيهِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» ولا يُفِيدُ العَمَلُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ، والنِّيَّةُ هي الَّتِي تُفِيدُ الجَزاءَ سَرْمَدًا واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ عَلى عَظِيمِ تَسْخِيرِها مُنَبِّهًا عَلى ما أوْجَبَ عَلَيْهِمْ بِهِ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيِ التَّسْخِيرِ العَظِيمِ ﴿سَخَّرَها﴾ أيِ اللَّهُ الجامِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لَكُمْ﴾ بِعَظْمَتِهِ وغِناهُ عَنْكم ﴿لِتُكَبِّرُوا﴾
ولَمّا ذَكَرَ التَّكْبِيرَ، صَوَّرَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾ وضُمِّنَ التَّكْبِيرُ فِعْلَ الشُّكْرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: شاكِرِينَ لَهُ ﴿عَلى ما هَداكُمْ﴾ (p-٥٤)أيْ عَلى هِدايَتِكم لَهُ والأُمُورُ العَظِيمَةُ الَّتِي هَداكم إلَيْها.
ولَمّا كانَ الدِّينُ لا يَقُومُ إلّا بِالنِّذارَةِ والبِشارَةِ، وكانَ السِّياقُ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ مِن شَعائِرِ الحَجِّ، ومَعالِمِ العَجِّ والثَّجِّ - بِالبِشارَةِ ألْيَقَ، ذَكَرَها مُشِيرًا إلى النِّذارَةِ بِواوِ العَطْفِ لِيُؤْذَنَ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَأنْذَرَ أيُّها الدّاعِي المُسِيئِينَ: ﴿وبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أوْجَدُوا الإحْسانَ لِأفْعالِهِمْ صُورَةً ومَعْنًى.
الحج 22:38
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الحَجَّ المُذَكِّرَ لِلْمُهاجِرِينَ بِأوْطانِهِمُ المُخاصَمَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، وذَكَرَ ما يَفْعَلُ فِيهِ مِنَ القُرُباتِ، عَظُمَ اشْتِياقُ النُّفُوسِ إلى ذَلِكَ وتَذَكَّرَتْ عُلُوَّ المُشْرِكِينَ الَّذِي يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وظُهُورِهِمْ ومَنعِهِمْ لِمَن أرادَ هَذِهِ الأفْعالَ، عَلى هَذِهِ الأوْصافِ الخالِصَةِ، والأحْوالِ الصّالِحَةِ، وفِتْنَتِهِمْ لَهُ، فَأجابَها سُبْحانَهُ عَنْ هَذا السُّؤالِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لِأنَّهم بِدُخُولِهِمْ في الإيمانِ لَمْ يَكُونُوا مُبالِغِينَ في الخِيانَةِ ولا في الكُفْرِ فَهو يُحِبُّهُمْ، فَكَيْفَ بِالمُحْسِنِينَ الَّذِينَ خُتِمَتْ بِهِمُ الآيَةُ السّالِفَةُ، أيْ فَيَظْهَرُهم عَلى عَدْوِهِمْ - هَذا في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ (p-٥٥)وأبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي قِراءَةِ الباقِينَ مُبالَغَةً بِإخْراجِ الفِعْلِ عَلى المُغالَبَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: بَشِّرْهم بِأنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُ تَعالى أظْهَرَ الأوْصافَ لِيَفْهَمَ أنَّها مَناطُ الأحْكامِ والتَّعْبِيرِ، فَعَبَّرَ بِالفِعْلِ الماضِي تَرْغِيبًا، أيْ لِكُلِّ مَن أوْقَعَ هَذا الوَصْفَ في الخارِجِ إيقاعًا ما دَفَعَ عَنْهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿لا يُحِبُّ﴾ أيْ لا يُكْرِمُ كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ ﴿كُلَّ خَوّانٍ﴾ في أمانَتِهِ، مانِعٍ لِعِبادِهِ مِن بَيْتِهِ الَّذِي هو لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِي ﴿كَفُورٍ﴾ لِنِعْمَتِهِ بِالتَّقَرُّبِ إلى غَيْرِهِ، فَهو يَفْعَلُ مَكارِمَ الأخْلاقِ صُورَةً لَيْسَ فِيها مَعْنًى أصْلًا، لا يُصَحِّحُها بِذِكْرِ اللَّهِ وحْدَهُ، ولا يُجْمِلُها بِالإحْسانِ، وأتى بِالصِّفَتَيْنِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ نَقائِصَ الإنْسانِ لا يُمْكِنُهُ أنْ يَفْعَلَها خالِيَةً عَنِ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ يَخُونُ نَفْسَهُ بِالعَزْمِ أوَّلًا، والفِعْلِ ثانِيًا وغَيْرِهِ مِنَ الخَلْقِ ثالِثًا، وكَذا يَخُونُ نَفْسَهُ ورَبَّهُ سُبْحانَهُ وهَكَذا في الكُفْرِ وغَيْرَهُ، ولَمّا كانَتِ الخِيانَةُ مَنبَعَ النَّقائِصِ، كانَتِ المُبالَغَةُ فِيها أكَثَرَ.
الحج 22:39
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ المُدافَعَةُ وبِمَن؟ (p-٥٦)فَقِيلَ: بِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أُذِنَ﴾ وأشارَ بِقِراءَةِ مَن بَناهُ لِلْمَجْهُولِ إلى سُهُولَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ﴿لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾ أيْ لِلَّذِينِ فِيهِمْ قُوَّةُ المُدافَعَةِ، في المُدافَعَةِ بِالقَتْلِ بَعْدَ أنْ كانُوا يَمْنَعُونَ مِنهُ بِمَكَّةَ ويُؤْمَرُونَ بِالصَّفْحِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الإذْنِ فَقالَ ﴿بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ أيْ وقَعَ ظُلْمُ الظّالِمِينَ لَهم بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ، والأذى بِغَيْرِ حَقٍّ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ أرادَ إظْهارَ دِينِهِ بِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي هو المَلِكُ الأعْلى، وكُلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ، ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ﴾ [الحج: ٣٨] أيْ بِإذْنِهِ لَهم في القِتالِ وأنَّهُ ﴿عَلى نَصْرِهِمْ﴾ وأبْلَغُ في التَّأْكِيدِ لِاسْتِبْعادِ النُّصْرَةِ إذْ ذاكَ بِالكُفّارِ مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ، ولِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ الضَّعْفِ والقِلَّةِ، فَقالَ: ﴿لَقَدِيرٌ﴾
الحج 22:40
ثُمَّ وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ مَظْلُومِيَّتَهم عَلى وجْهٍ يَجْمَعُهم ويُوَثِّقُهم بِاللَّهِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ إلى الشَّعْبِ والحَبَشَةِ والمَدِينَةِ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أوْجَبَ ذَلِكَ ﴿إلا أنْ يَقُولُوا﴾ أيْ غَيْرَ قَوْلِهِمْ، أوْ إلّا قَوْلَهُمْ: ﴿رَبُّنا اللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ، المُوجِبُ لِإقْرارِهِمْ في دِيارِهِمْ، وحُبِّهِمْ ومَدْحِهِمْ واقْتِفاءِ آثارِهِمْ، فَهو مِن بابِ: (p-٥٧)
؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
وفِي سَوْقِ ذَلِكَ المَساقِ الِاسْتِثْناءُ عِنْدَ مَن يَجْعَلُهُ مُنْقَطِعًا إشارَةٌ إلى أنَّ مَن أخْلَصَ لِلَّهِ، صَوَّبَ النّاسُ إلَيْهِ سِهامَ مَكْرِهِمْ، ولَمْ يَدَعُوا في أذاهُ شَيْئًا مِن جُهْدِهِمْ.
ولَمّا ذَكَرَ مُدافَعَتَهُ، وذَكَرَ أنَّها بِالمُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ سِرَّها عُمُومًا لِيُفْهَمَ مِنها هَذا الخاصَّ، وصَوَّرَها تَقْرِيبًا لِفَهْمِها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْلا إذْنُ اللَّهِ لَهم لاسْتَمَرَّ الشِّرْكُ ظاهِرًا، والباطِلُ - بِاسْتِيلاءِ الجَهَلَةِ عَلى مَواطِنِ الحَجِّ - قاهِرًا: ﴿ولَوْلا دَفْعُ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً في كُلِّ شَرِيعَةٍ، وفي زَمَنِ كُلِّ نَبِيٍّ أرْسَلَهُ ﴿النّاسَ﴾ أيْ عُمُومًا ﴿بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ أيْ بِتَسْلِيطِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ﴿لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾ وهي مَعابِدُ صِغارٌ مُرْتَفِعَةٌ لِلرُّهْبانِ ﴿وبِيَعٌ﴾ لِلنَّصارى ﴿وصَلَواتٌ﴾ أيْ كَنائِسُ اليَهُودِ ﴿ومَساجِدُ﴾ أيْ لِلْمُسْلِمِينَ، أخَّرَها لِتَكُونَ بَعِيدَةً مِنَ الهَدْمِ قَرِيبَةً مِنَ الذِّكْرِ ﴿يُذْكَرُ فِيها اسْمُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لا مَلِكَ غَيْرُهُ، ولَعَلَّ العُدُولَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِلْإشارَةِ إلى اخْتِلافٍ ذَكَرَهُ تَعالى في الأماكِنِ المَذْكُورَةِ بِالإخْلاصِ وغَيْرِهِ ﴿كَثِيرًا﴾ لِأنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ تُرِيدُ هَدْمَ ما لِلْأُخْرى، بَلْ رُبَّما أرادَ بَعْضَ أهْلِ مِلَّةِ إخْرابِ (p-٥٨)بَعْضِ مَعابِدَ أهْلِ مِلَّتِهِ، لا فَيَدَفْعُهُ اللَّهُ بِمَن يُرِيدُ مِن عِبادِهِ، وإذا تَأمَّلْتَ ذَلِكَ وجَدْتَ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ، ما يَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا أرادَ بِأكْثَرِ النّاسِ الفَسادَ، نَصَبَ لَهم مِنَ الأضْدادِ، ما يُخَفِّفُ كَثِيرًا مِنَ العِنادِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنْ لَمْ تُهْدَمِ المَذْكُوراتُ، لِأنَّ اللَّهَ دَفَعَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، وجَعَلَ بَعْضَهم في نُحُورِ بَعْضٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ أوْ عَلى قَوْلِهِ ﴿أُذِنَ﴾ [الحج: ٣٩] قَوْلَهُ: ﴿ولَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿مَن يَنْصُرُهُ﴾ كائِنًا مَن كانَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ، بِما يُهَيِّئُ لَهُ مِنَ الأسْبابِ، إجْراءً لَهُ عَلى الأمْرِ المُعْتادِ، وبِغَيْرِ أسْبابٍ خَرْقًا لِلْعادَةِ، كَما وقَعَ في كَثِيرٍ مِنَ الفُتُوحاتِ، كَخَوْضِ العَلاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ البَحْرَ المِلْحَ إلى جَواثاءَ بِالبَحْرَيْنِ، واقْتِحامِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدِّجْلَةَ مَعَ عِظَمِها في ذَلِكَ العامِ وطُمُوِّها، وزِيادَتِها وعُلُوِّها، وزَلْزَلَةِ أسْوارِ حِمْصٍ بِالتَّكْبِيرِ وتَهَدُّمِ كَثِيرٍ مِن بُيُوتِها، عَنْ إتْقانِ بُنْيانِها، وإحْكامِ قَواعِدِها وأرْكانِها (p-٥٩)ونَحْوِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَصْرَهُ وإنْ ضَعُفَ المَنصُورُ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿لَقَوِيٌّ﴾ أيْ عَلى ما يُرِيدُ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُغالَبَتِهِ، ومَن كانَ ناصِرَهُ فَهو المَنصُورُ، وعَدُوُّهُ المَقْهُورُ، ولَقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ فِيما وعَدَ بِهِ، فَأذَلَّ بِأنْصارِ دِينِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - جَبابِرَةَ أهْلِ الأرْضِ ومُلُوكَهُمْ، ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا.
الحج 22:41
ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِما يَقْتَضِي تَمْكِينَ مَنصُورِهِ الَّذِي يَنْصُرُهُ، وصَفَهم بِما يُبَيِّنُ أنَّ قِتالَهم لَهُ، لا لَهُمْ، بَعْدَ أنْ وصَفَهم بِأنَّهم أُوذُوا بِالإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ الَّذِي يُعادِلُ القَتْلَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ وقْتُ النُّصْرَةِ مُبْهَمًا آخِرُهُ يَوْمُ الفَصْلِ، عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدَلَّ عَلى إخْلاصِ المُخْلِصِ في القِتالِ: ﴿إنْ مَكَّنّاهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِإعْلائِهِمْ عَلى أضْدادِهِمْ ﴿أقامُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ، الدّالَّةُ عَلى المُراقَبَةِ والإعْراضِ عَنْ تَحْصِيلِ الفانِي ﴿وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ المُؤْذِنَةَ بالزُّهْدِ في الحاصِلِ مِنهُ، المُؤْذِنُ بِعَمَلِ النَّفْسِ لِلرَّحِيلِ ﴿وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ﴾ وهو ما عَرَّفَهُ الشَّرْعُ وأجازَهُ ﴿ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾ المُعَرَّفَ بِأنَّهُ لا أُنْسَ لَهم إلّا بِهِ سُبْحانَهُ، ولا خَوْفَ لَهم إلّا مِنهُ، ولا رَجاءَ فِيهِ والآيَةُ دالَّةٌ عَلى صِحَّةِ خِلافَةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.
(p-٦٠)ولَمّا كانَ هَذا ابْتِداءَ الأمْرِ بِالجِهادِ، وكانَ عَقِبَ ما آذى أعْداؤُهُ أوْلِياءَهُ، فَطالَ أذاهم لَهُمْ، فَكانَ التَّقْدِيرُ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ، عَطْفًا عَلى ﴿ولَوْلا دَفْعُ﴾ [الحج: ٤٠] فَلِلَّهِ بادِئَةُ الأُمُورِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَتَمْكِينُهم كائِنٌ لا مَحالَةَ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ لِلْعاقِبَةِ وطَيَّهُ لِلْبادِئَةِ مُنَبِّهٌ عَلى أنَّهُ تَعالى يَجْعَلُ لِلشَّيْطانِ - كَما هو المُشاهَدُ في الأغْلَبِ - حَظًّا في البادِئَةِ، لِيَتَبَيَّنَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ، والمُزَلْزَلَ مِنَ الثّابِتِ، وأمّا العاقِبَةُ فَهي مُتَمَحِّضَةٌ لَهُ إلى أنْ يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ القِيامَةَ الَّتِي لا يَكُونُ لِأحَدٍ فِيها أمْرٌ، حَتّى أنَّهُ لا يَنْطِقُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ خاصٍّ. ولَمّا كانَ في تَرْغِيبِ هَذِهِ الآياتِ وتَرْهِيبِها ما يُعَطِّفُ العاقِلَ، ويَقْصِفُ الجاهِلَ، طُوِيَ حُكْمُ العاقِلِ لِفَهْمِهِ ما سَبَقَ، وهُوَ: فَإنْ يُؤْمِنُوا بِكَ مَكَّنّاهم في الأرْضِ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِعَطْفِ حُكْمِ الجاهِلِ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في سِياقٍ يُسَلِّي بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ ويُعَزِّيهِ، ويُؤْنِسُهُ ويُواسِيهِ، فَقالَ.
الحج 22:42
﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيْ أخَذْتُهم وإنْ كانُوا أمْكَنَ النّاسِ، فَقَدْ فَعَلْتُ بِمَن قَبْلَهم ذَلِكَ، فَلا يَحْزُنْكَ أمْرُهم ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ﴾ وأتى سُبْحانَهُ بِتاءِ التَّأْنِيثِ تَحْقِيرًا لِلْمُكَذِّبِينَ في قُدْرَتِهِ وإنْ كانُوا أشَدَّ النّاسِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمَمُ لِعَظْمِهِمْ وتَمادِي أزْمانِهِمْ كَأنَّهم قَدِ اسْتَغْرَقُوا الزَّمانَ كُلَّهُ، لَمْ يَأْتِ بِالجارِّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ وكانُوا (p-٦١)أطْوَلَ النّاسِ أعْمارًا، وأشَدَّهُمُ اقْتِدارًا؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقْ في هَذا السِّياقِ غَرَضٌ بِالمُخالَفَةِ في تَرْتِيبِهِمْ، ساقَهم عَلى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ في الوُجُودِ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾ أيْ ذَوُو الأبْدانِ الشِّدادِ ﴿وثَمُودُ﴾ أُولُو الأبْنِيَةِ الطِّوالِ، في السُّهُولِ والجِبالِ.
الحج 22:43
﴿وقَوْمُ إبْراهِيمَ﴾ المُتَجَبِّرُونَ المُتَكَبِّرُونَ ﴿وقَوْمُ لُوطٍ﴾ الأنْجاسُ بِما لَمْ يَسْبِقْهم إلَيْهِ أحَدٌ مِنَ النّاسِ.
الحج 22:44
﴿وأصْحابُ مَدْيَنَ﴾ أرْبابُ الأمْوالِ، المَجْمُوعَةِ مِن خَزائِنِ الضَّلالِ.
ولَمّا كانَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أتى مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ المَسْمُوعَةِ بِما لَمْ يَأْتِ بِمِثْلِهِ أحَدٌ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ، فَكانَ تَكْذِيبُهُ في غايَةٍ مِنَ البُعْدِ، غَيَّرَ سُبْحانِهُ الأُسْلُوبَ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ، وعَلى أنَّ الَّذِينَ أطْبَقُوا عَلى تَكْذِيبِهِ القِبْطُ، وأمّا قَوْمُهُ فَما كَذَّبَهُ مِنهم إلّا ناسٌ يَسِيرٌ، فَقالَ: ﴿وكُذِّبَ مُوسى﴾ وفي ذَلِكَ أيْضًا تَعْظِيمٌ لِلتَّأْسِيَةِ وتَفْخِيمٌ لِلتَّسْلِيَةِ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ أنِّي أمْهَلْتُهم بِتَأْخِيرِ عُقُوبَتِهِمْ إلى الوَقْتِ الَّذِي ضَرَبْتُهُ لَهُمْ، وعَبَّرَ عَنْ طُولِ الإمْلاءِ بِأداةِ التَّراخِي لِزِيادَةِ التَّأْسِيَةِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أخَذْتُهُمْ﴾ ونَبَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى أنَّهُ كانَ في أخْذِهِمْ عِبَرٌ وعَجائِبُ، وأهْوالٌ وغَرائِبُ، بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ إنْكارِي لِأفْعالِهِمْ، فَلْيَحْذَرْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أتَيْتَهم بِأعْظَمِ ما أتى بِهِ رَسُولٌ قَوْمَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
الحج 22:45
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمَمُ السَّبْعَةُ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ، بَلْ كانَتْ أُمَّةٌ (p-٦٢)مِنهم أهْلَ الأرْضِ كَما مَضى بَيانُهُ في الأعْرافِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم مِمَّنْ كانَ في أزْمانِهِمْ وبَعْدِهِمْ، وأخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ عادَتَهُ فِيهِمُ الإمْلاءُ ثُمَّ الإهْلاكُ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْوِيلُ الإخْبارِ عَنْهم وتَكْثِيرُهُمْ، فَقالَ تَعالى شارِحًا لِلْأخْذِ والإمْهالِ عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوَّشِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ كَهَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، وفي قِراءَةِ الجَماعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو بِالنُّونِ إظْهارًا لِلْعَظَمَةِ ﴿وهِيَ﴾ أيْ والحالُ أنَّها ﴿ظالِمَةٌ فَهِيَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إهْلاكِها أنَّها ﴿خاوِيَةٌ﴾ أيْ مُتَهَدِّمَةٌ ساقِطَةٌ أيْ جُدْرانُها ﴿عَلى عُرُوشِها﴾ أيْ سُقُوفِها، بِأنْ تَقَصَّفَتِ الأخْشابُ ولا مِن كَثْرَةِ الأمْطارِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، فَسَقَطَتْ ثُمَّ سَقَطَتْ عَلَيْها الجُدْرانُ. أوِ المَعْنى: خالِيَةٌ، قَدْ ذَهَبَتْ أرْواحُها بِذَهابِ سُكّانِها عَلى البَقاءِ سُقُوفُها، لَيْسَتْ مُحْتاجَةٌ إلى غَيْرِ السُّكّانِ ( و ) كَمْ مِن ”بِئْر مُعَطِّلَة“ مِن أهْلِها مَعَ بَقاءِ بِنائِها، وفَوَرانِ مائِها ﴿وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ أيْ عالٍ مُتْقَنٍ مُجَصَّصٍ لِأنَّهُ لا يُشَيَّدُ - أيْ يُجَصَّصُ - إلّا الَّذِي يُقْصَدُ رَفْعُهُ، فَحَلَّتِ القُصُورُ مِن أرْبابِها، وأقْفَرَتْ مُوحِشَةً مِن جَمِيعٍ أصاحِبِها، بَعْدَ كَثْرَةِ التَّضامِّ في نَوادِيها، وعُطِّلَتِ الآبارُ مِن وُرّادِها (p-٦٣)بَعْدَ الِازْدِحامِ بَيْنَ رائِحِها وِغادِيها، دانِيَةً ونائِيَةً، حاضِرَةً وبادِيَةً؛ ولَمّا كانَ خَرابُ المُشَيَّدِ يُوهِي مِن أرْكانِهِ، ويَخْلَقُ مِن جُدْرانِهِ، لَمْ يَحْسُنِ التَّشْدِيدُ في وصْفِ القَصْرِ، كَما حَسُنَ في وصْفِ البِئْرِ.
الحج 22:46
ولَمّا كانَ هَذا واعِظًا لِمَن لَهُ اسْتِبْصارٌ، وعاطِفًا لَهُ إلى العَزِيزِ الغَفّارِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ في عَدَمِ الِاعْتِبارِ، فَعَدَّ أسْفارَهُمُ - الَّتِي كانُوا يَرَوْنَ فِيها هَذِهِ القُرى عَلى الوَجْهِ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ لِما كانَتْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ - عَدَمًا، فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ وهم بُصَراءُ يَنْظُرُونَ بِأعْيُنِهِمْ ما يَمُرُّونَ عَلَيْهِ، مِنَ الآياتِ المَرْئِيَّةِ مِنَ القُرى الظّالِمَةِ المُهْلَكَةِ وغَيْرِها، وقَرِينَةُ الحَثِّ عَلى السَّيْرِ دَلَّ عَلى البَصَرِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ مَنصُوبًا، عُلِمَ أنَّهُ مَنفِيٌّ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ هَمْزَةِ الإنْكارِ الَّتِي مَعْناها النَّفْيُ، وقَدْ دَخَلَتْ عَلى نَفْيِ السَّيْرِ فَنَفَتْهُ، فَأثْبَتَتِ السَّيْرَ عَرِيًّا عَمّا أفادَهُ الجَوابُ، وهو قَوْلُهُ ﴿فَتَكُونَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبَ عَنْ سَيْرِهِمْ أنْ تَكُونَ ﴿لَهم قُلُوبٌ﴾ واعِيَةٌ ﴿يَعْقِلُونَ بِها﴾ ما رَأوْهُ بِأبْصارِهِمْ في الآياتِ المَرْئِيّاتِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ مَتى أرادَ فَيَعْتَبِرُوا بِهِ، فانْتِفاءُ القُلُوبِ المَوْصُوفَةِ مُتَوَقِّفٌ عَلى نَفْيِ السَّيْرِ الَّذِي هو إثْباتُ السَّيْرِ، وكَذا الكَلامُ في الآذانِ مِن قَوْلِهِ ( أوْ ) أيْ أوْ تَكُونُ لَهم إنْ كانُوا عُمْيَ الأبْصارِ (p-٦٤)كَما دَلَّ عَلَيْهِ جَعْلُ هَذا قَسِيمًا ﴿آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ الآياتِ المَسْمُوعَةَ المُتَرْجَمَةَ عَنْ تِلْكَ القُرى وغَيْرِها سَواءٌ سارُوا أوْ لَمْ يَسِيرُوا، إنْ كانَتْ بَصائِرُهم غَيْرَ نافِذَةِ الفَهْمِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ فَيَتَدَبَّرُوها بِقُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا يَضُرُّهم فَقْدُ الأبْصارِ عِنْدَ وُجُودِ البَصائِرِ.
ولَمّا كانَ الضّارُّ لِلْإنْسانِ إنَّما هو عَمى البَصائِرِ دُونَ الأبْصارِ، نَفى العَمى أصْلًا عَنِ الأبْصارِ لِعَدَمِ ضَرُورَةِ مَعَ إنارَةِ البَصائِرِ، وخَصَّهُ بِالبَصَرِ لِوُجُودِ الضَّرَرِ بِهِ ولَوْ وُجِدَتِ الأبْصارُ مُسَبَّبًا عَمّا مَضى مَعَ ما أرْشَدَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْدِيرِ، فَقالَ: ﴿فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ﴾ أيْ لِعَدَمِ الضَّرَرِ بِعَماها المُسْتَنِيرِ البَصِيرَةِ ﴿ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ﴾ وأكَّدَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ لِوُجُودِ الضَّرَرِ بِعَماها المُبْطِلِ لِمَنفَعَةِ صاحِبِها وإنْ كانَ البَصَرُ مُوجُودًا، فاحْتِيجَ في تَصْوِيرِ عَماها إلى زِيادَةِ تَعْيِينٍ لِما تُعُورِفَ مِن أنَّ العَمى إنَّما هو لِلْبَصَرِ، إعْلامًا بِأنَّ القُلُوبَ ما ذَكَرَتْ غَلَطًا، بَلْ عَمْدًا، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَمى البَصَرِ عَدَمٌ بِالنِّسْبَةِ لى عَماها، والمُرادُ بِالقَلْبِ لَطِيفَةٌ رَبّانِيَّةٌ رُوحانِيَّةٌ مُودَعَةٌ في اللَّحْمِ الصَّنَوْبَرِيِّ المُودَعِ في الجانِبِ الأيْسَرِ مِنَ الصَّدْرِ، لَدَيْهِ تَعَلُّقٌ. . . عُقُولُ الأكْثَرِ في أنَّهُ يُضاهِي تَعَلُّقَ العَرَضِ بِالجِسْمِ، أوِ الصِّفَةِ بِالمَوْصُوفِ، أوِ المُتَمَكِّنِ بِمَكانٍ (p-٦٥)وهَذِهِ اللَّطِيفَةُ عَلى حَقِيقَةِ الإنْسانِ سُمِّيَتْ قَلْبًا لِلْمُجاوَرَةِ والتَّعَلُّقِ، وهي كالفارِسِ والبَدَنُ كُلُّهُ كالفَرَسِ، وعَمى الفارِسِ أضَرُّ عَلى الفارِسِ مِن عَمى الفَرَسِ، بَلْ لا نِسْبَةَ لِأحَدِ الضَّرَرَيْنِ بِالآخِرَةِ، فَلِذَلِكَ نَفى عَمى الأبْصارِ أصْلًا (p-٦٦)ورَأْسًا، فَلا شَيْءَ ضَرَرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى عَمى البَصائِرِ.
الحج 22:47
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّ الضّالَّ المُضِلَّ لَهُ خِزْيٌ في الدُّنْيا، وقَدَّمَ أنَّهُ يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ويَنْصُرُهُمْ، وساقَ الدَّلِيلَ الشُّهُودِيَّ عَلى ذَلِكَ لِمَن كانَ جامِدَ الفَهْمِ، مُقَيَّدًا بِالوَهْمِ، بِالقُرى الظّالِمَةِ الَّتِي أنْجَزَ هَلاكَها، وخَتَمَ بِإنْكارِ عَماهم عَنْ ظاهِرِ الآياتِ البَيِّناتِ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ﴾ [الحج: ٨] مُعَجِّبًا مِنهم ومُوَضِّحًا لِعَماهُمْ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ ويَجُوزُ وهو أحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالًا مِن فاعِلِ ﴿يَسِيرُوا﴾ [الحج: ٤٦] فَيَكُونُ مِمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ﴿بِالعَذابِ﴾ الَّذِي تَتَوَعَّدُهم بِهِ تَكْذِيبًا واسْتِهْزاءً، ( و ) الحالُ أنَّهُ ”لَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ“ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿وعْدَهُ﴾ فَلا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لَكِنَّ الطَّوِيلَ عِنْدَهم مِنَ الزَّمَنِ قَصِيرٌ عِنْدَهُ، وقَدْ يُنْجِزُ الوَعْدَ وقَدْ يُؤَخِّرُهُ بَعْدَ الوَعِيدِ إلى حِينِ يَوْمٍ أوْ أقَلَّ أوْ أكْثَرَ، لِأنَّ قَضاءَهُ سَبَقَ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا فِيهِ لِحِكَمٍ يُظْهِرُها لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا﴾ أيْ واحِدًا ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَأْخِيرِ (p-٦٧)العَذابِ عَنْهم إكْرامًا لَكَ ﴿كَألْفِ سَنَةٍ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هُنا التَّطْوِيلَ، فَعَبَّرَ بِالسَّنَةِ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَتِ السُّنُونَ قَدْ تَخْتَلِفُ قالَ: ﴿مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لِأنَّ أيّامَكم تُناسِبُ أوْهامَكُمْ، وأزْمانَكم تُناسِبُ شَأْنَكُمْ، وهو حَلِيمٌ لا يَسْتَطِيلُ الزَّمانَ، وقادِرٌ لا يَخافُ الفَوْتَ.
الحج 22:48
ولَمّا دَلَّ عَلى نَصْرِ أوْلِيائِهِ، وقَسْرِ أعْدائِهِ، بِشَهادَةِ تِلْكَ القُرى، وخَتَمَ بِالتَّعْجِيبِ مِنِ اسْتِعْجالِهِمْ مَعَ ما شاهَدُوا مِن إهْلاكِ أمْثالِهِمْ، وأعْلَمَهم ما هو عَلَيْهِ مِنَ الأناةِ، واتِّساعِ العَظَمَةِ، وكِبَرَ المِقْدارِ، عَطَفَ عَلى ﴿فَكَأيِّنْ﴾ [الحج: ٤٥] مُحَذِّرًا مِن نَكالِهِ، بَعْدَ طَوِيلِ إمْهالِهِ، قَوْلَهُ: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ مِن أهْلِها ﴿أمْلَيْتُ لَها﴾ أيْ أمْهَلْتُها كَما أمْهَلْتُكم ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾ [الحج: ٤٥] كَظُلْمِكم بِالِاسْتِعْجالِ وغَيْرِهِ ﴿ثُمَّ أخَذْتُها﴾ أيْ بِالعَذابِ ﴿وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ بِانْقِطاعِ كُلِّ حُكْمٍ دُونَ حُكْمِي، كَما كانَ مِنِّي البَدْءُ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَ مِن خَلْقِ ما أرَدْتُ خَلْقَهُ، ولا أنْ يُخْلَقَ ما لَمْ أُرِدْ خَلْقَهُ، فَلا تَغْتَرُّوا بِالإمْهالِ، وإنْ تَمادَتِ الأيّامُ واللَّيالِي، واحْذَرُوا عَواقِبَ الوَبالِ، وإنْ بَلَغْتُمْ ما أرَدْتُمْ مِنَ الآمالِ، ولَعَلَّهُ إنَّما طَوى ذِكْرَ البَدْءِ، لِأنَّهُ احْتَجَبَ فِيهِ بِالأسْبابِ فَغَلَبَ فِيهِ اسْمُهُ الباطِنُ، ولِذَلِكَ ضَلَّ في هَذِهِ الدّارِ أكْثَرُ الخَلْقِ وُقُوفًا مَعَ الأسْبابِ.
الحج 22:49
ولَمّا كانَ الِاسْتِعْجالُ بِالأفْعالِ لا يُطْلَبُ مِنَ الرَّسُولِ، وكانَ الإخْبارُ بِاسْتِهْزائِهِمْ وشِدَّةِ عَماهم رُبَّما أفْهَمَ الإذْنَ في الإعْراضِ عَنْهم أصْلًا ورَأْسًا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُزِيلًا لِذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ مِثْلَهُ إنَّما يُطْلَبُ مِنَ المُرْسَلِ، لا مِنَ الرَّسُولِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ، ولا يَصُدَّنَّكَ عَنْ دُعائِهِمْ ما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن عَماهم ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ جَمِيعًا مِن قَوْمِي وغَيْرِهِمْ ﴿إنَّما أنا لَكم نَذِيرٌ﴾ أيْ وبَشِيرٌ، وإنَّما طَواهُ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّخْوِيفِ، ويَلْزَمُ مِنهُ الأمْنُ لِلْمُنْتَهى فَتَأْتِي البِشارَةُ، ولِأنَّ النِّذارَةَ هي المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ الدَّعْوَةِ، لِأنَّهُ لا يُقْدِمُ عَلَيْها إلّا المُؤَيَّدُونَ بِرُوحٍ مِنَ اللَّهِ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ لِكُلِّ ما يَنْفَعُكم لِتَلْزَمُوهُ. ويَضُرُّكم فَتَتْرُكُوهُ،لا إلَهٌ أُعَجِّلُ لَكُمُ العَذابَ.
الحج 22:50
ثُمَّ تَسَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا العِلْمَ بِأنَّ وصْفَ البِشارَةِ مُرادٌ وإنْ طُوِيَ، فَدَلَّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ تَفْضِيلًا لِأهْلِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهم ذَلِكَ ﴿الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم مَنَ التَّقْصِيرِ لِأنَّهُ لَنْ يَقْدِرَ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.
ولَمّا كانَ هَذا أوَّلَ الإذْنِ في القِتالِ، المُوجِبِ لِمُنابِذَةِ الكَفّارِ، ومُهاجِرَةِ الأهْلِ والأمْوالِ والدِّيارِ، وكانَ ذَلِكَ - مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الشِّدَّةِ - مُوجِبًا لِلْفَقْرِ عادَةً، قالَ مُحَقِّقًا لَهُ ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ سَبَبُ الرِّزْقِ: ﴿ورِزْقٌ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِالغَنائِمِ وغَيْرِها، والآخِرَةِ بِما (p-٦٨)لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ﴿كَرِيمٌ﴾ لا خِسَّةَ فِيهِ ولا دَناءَةَ بِانْقِطاعٍ ولا غَيْرِهِ أصْلًا ما دامُوا عَلى الِاتِّصافِ بِذَلِكَ، هَذا فِعْلُ رَبِّهِمْ بِهِمْ عَكْسُ ما وُصِفَ بِهِ مَدْعُوُّ الكُفّارِ مِن أنَّ ضُرَّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ.
الحج 22:51
ولَمّا كانَ في سِياقِ الإنْذارِ، قالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي زِيادَةً في التَّخْوِيفِ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ أيْ أوْقَعُوا السَّعْيَ ولَوْ مَرَّةً واحِدَةً بِشُبْهَةٍ مِنَ الشُّبَهِ ونَحْوِها ﴿فِي آياتِنا﴾ أيِ الَّتِي نَصَبْناها لِلدَّلالَةِ عَلَيْنا مَرْئِيَّةً أوْ مَسْمُوعَةً ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ مُبالِغِينَ في فِعْلِ ما يَلْزَمُ - في زَعْمِهِمْ - مِنهُ عَجْزُنا، ومُعَجِّزَيْنِ، أيْ مُقَدِّرِينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا بِإخْفائِهِمْ آياتِنا، وإضْلالِ النّاسِ وصَدِّهِمْ عَنْها بِإلْقاءِ الشُّبَهِ والجِدالِ، اتِّباعًا لِلشَّيْطانِ المَرِيدِ، مِن غَيْرِ عِلْمٍ ولا هُدًى ولا كِتابٍ مُنِيرٍ كَشُبَهِ الِاتِّحادِيَّةِ الَّذِينَ راجَ أمْرُهم عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ مَعَ أنَّهُ لا شَيْءَ أوْهى مِن شُبَهِهِمْ ولا أظْهَرُ بُطْلانًا، ولِذَلِكَ راجَ أمْرُها عَلى أهْلِ الغَباوَةِ، فَإنَّ الدّاعِيَةَ مِنهم يَقُولُ لِمَن يَغُرُّهُ: هَذا الظّاهِرُ مِنَ الكَلامِ لا يَقُولُ بِهِ عاقِلٌ، فالمُرادُ بِهِ أسْرارٌ دَقِيقَةٌ، وراءَ طَوْرِ العَقْلِ، لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِالرِّياضَةِ والكَشْفِ، وما دَرى المَغْرُورُ أنَّ أبا طالِبٍ كانَ أعْقَلَ مِن هَذا الَّذِي يُنْسَبُ إلَيْهِ ذَلِكَ الكُفْرُ الظّاهِرُ، (p-٦٩)فَإنَّ شِعْرَهُ أحْسَنُ مِن شِعْرِهِ، وبَدِيهَتَهُ أعْظَمُ مِن بَدِيهَتِهِ، ورُؤْيَتَهُ أحْكَمُ مِن رُؤْيَتِهِ، وقَدْ رَأى مِنَ الآياتِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ لَهُ مِنَ القَرابَةِ ما هو مَعْرُوفٌ، ومِنَ المَحَبَّةِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أصَرَّ مِنَ الضَّلالِ ما لا يَرْضاهُ حِمارٌ لَوْ نَطَقَ، عَلى أنَّ هَذا المَغْرُورَ قَدْ لَزِمَهُ - بِتَحْسِينِ الظَّنِّ بِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ - إساءَةُ الظَّنِّ بِأشْرَفِ الخَلْقِ: النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا» - الحَدِيثَ الَّذِي في بَعْضِ رِواياتِهِ: «ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ أيِ الإنْكارَ بِالقَلْبِ - مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ» وقَدْ أفْرَدْتُ لِبَيانِ ضَلالِهِمْ كُتُبًا لِما اسْتَطارَ مِن شَرِّهِمْ، ومَسَّ مِن ضُرِّهِمْ، مِنها المُطَوَّلُ والمُخْتَصَرُ، لا مَزِيدَ عَلى بَيانِها وظُهُورِ سُلْطانِها ﴿أُولَئِكَ﴾ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أيِ اسْتِحْقاقًا بِما سَعَوْا، فَإنْ شاءَ تابَ عَلَيْهِمْ، وإنْ شاءَ كَبَّهم فِيها، لِيَعْلَمُوا أنَّهم هُمُ العاجِزُونَ، هَذا في الآخِرَةِ، وسَيُظْهِرُ سُبْحانَهُ في الدُّنْيا أيْضًا عَجْزَهُمْ، بِكَشْفِ شُبَهِهِمْ ومَجِّ القُلُوبِ النَّيِّرَةِ لَها، مَعَ ذُلِّهِمْ وانْكِسارِهِمْ، وهَوانِهِمْ وصَغارِهِمْ، حَتّى لا يَقْدِرُوا أنْ يَنْطِقُوا مِن ذَلِكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ، عَلْمًا مِنهم أنَّ مِثْلَها لا يَقُولُهُ عاقِلٌ.
الحج 22:52
ولَمّا لاحَ مِن ذَلِكَ أنَّ الشَّيْطانَ ألْقى لِلْكُفّارِ شُبُهًا، يُعاجِزُونَ بِها بِجِدالِهِمْ في دِينِ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِإظْهارِهِ، (p-٧٠)وتَقْرِيرِهِ وإشْهارِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ قَوْلَهُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ثُمَّ أكَّدَ الِاسْتِغْراقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ مِن مَلِكٍ أوْ بِشْرٍ بِشَرِيعَةٍ جَدِيدَةٍ يَدْعُو إلَيْها ﴿ولا نَبِيٍّ﴾ سَواءٌ كانَ رَسُولًا أوْ لا، مُقَرَّرٌ بِالحِفْظِ لِشَرِيعَةٍ سابِقَةٍ - كَذا قالَ البَيْضاوِيُّ وغَيْرُهُ في الرَّسُولِ وهو مَنقُوضٌ بِأنْبِياءِ بُنِيَ إسْرائِيلَ الَّذِينَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهم رُسُلًا في غَيْرِ آيَةٍ مِنها ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧] فالصَّوابُ أنْ يُقالَ: النَّبِيُّ إنْسانٌ أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ أوْ مُقَرَّرٍ، فَإنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ فَرَسُولٌ أيْضًا، والتَّقْيِيدُ بِشَرْعٍ لِإخْراجِ مَرْيَمَ وغَيْرِها مِنَ الأوْلِياءِ ﴿إلا إذا تَمَنّى﴾ أيْ تَلا عَلى النّاسِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ أوْ حَدَّثَهم بِهِ واشْتَهى في نَفْسِهِ أنْ يَقْبَلُوهُ حِرْصًا مِنهُ عَلى إيمانِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ﴿ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أيْ ما تَلاهُ أوْ حَدَّثَ بِهِ واشْتَهى أنْ يَقْبَلَ، مِنَ الشُّبَهِ والتَّخَيُّلاتِ ما يَتَلَقَّفُهُ مِنهُ أوْلِياؤُهُ فَيُجادِلُونَ بِهِ أهْلَ الطّاعَةِ لِيُضِلُّوهُمْ
﴿وإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] كَما يَفْعَلُ هَؤُلاءِ فِيما (p-٧١)يُغَيِّرُونَ بِهِ في وجْهِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ القُرْآنَ شِعْرٌ وسِحْرٌ وكِهانَةٌ، وقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] وقَوْلِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقَوْلِهِمْ: إنَّ ما قَتَلَهُ اللَّهُ بِالمَوْتِ حَتْفَ أنْفِهِ أوْلى بِالأكْلِ مِمّا ذُبِحَ، وقَوْلِهِمْ: نَحْنُ أهْلُ اللَّهِ وسُكّانُ حَرَمِهِ، لا نَخْرُجُ مِنَ الحَرَمِ فَنَقِفُ في الحَجِّ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ ويَقِفُ النّاسُ بِعَرَفَةَ، ونَحْنُ نَطُوفُ في ثِيابِنا وكَذا مَن ولَدْناهُ، وأمّا غَيْرُنا فَلا يَطُوفُ إلّا عُرْيانًا ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى إلّا أنْ يُعْطِيَهُ أحَدٌ مِنّا ما يَلْبَسُهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا بِهِ نُورَ اللَّهِ، وكَذا تَأْوِيلاتُ الباطِنِيَّةِ والِاتِّحادِيَّةِ وأنْظارِهِمُ الَّتِي ألْحَدُوا فِيها، يَضِلُّ بِها مَن يَشاءُ اللَّهُ ثُمَّ يَمْحُوها مَن أرادَ مِن عِبادِهِ وما أرادَ مِن أمْرِهِ ﴿فَيَنْسَخُ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إلْقائِهِ أنَّهُ يَنْسَخُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ فَيُبْطِلُهُ بِإيضاحٍ أمْرِهِ ومَجِّ القُلُوبِ لَهُ.
ولَمّا كانَ إبْطالُهُ سُبْحانَهُ لِلشُّبَهِ إبْطالًا مُحْكَمًا، لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ بَيانِهِ - شُبْهَةٌ أصْلًا، عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿آياتِهِ﴾ أيْ يَجْعَلُها جَلِيَّةً فِيما أُرِيدَ مِنها، وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ هَذا هو المُرادُ مَعَ الِافْتِتاحِ بِالمُعاجَزَةِ في الآياتِ - الخِتامُ بِقَوْلِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ عَلى ما يَشاءُ قَدِيرٌ: (p-٧٢)﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بِنَفْيِ الشُّبَهِ ﴿حَكِيمٌ﴾ بِإيرادِ الكَلامِ عَلى وجْهٍ لا تُؤَثِّرُ فِيهِ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى بَصِيرَةٍ، وكَذا ما مَضى في السُّورَةِ ويَأْتِي مِن ذِكْرِ الجِدالِ.
الحج 22:53
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما حَكَمَ بِهِ مِن تَمْكِينِ الشَّيْطانِ مِن هَذا الإلْقاءِ، ذَكَرَ العِلَّةَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ﴾ أيْ في المَتْلُوِّ أوِ المُحَدِّثِ بِهِ مِن تِلْكَ الشُّبَهِ في قُلُوبِ أوْلِيائِهِ ﴿فِتْنَةً﴾ أيِ اخْتِبارًا وامْتِحانًا ﴿لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ لِسُفُولِها عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ مِنَ اللِّينِ حَتّى صارَتْ مائِيَّتُهُ تَقْبَلُ كُلَّ صُورَةٍ ولا يَثْبُتُ فِيها صُورَةٌ، وهم أهْلُ النِّفاقِ المُتَلَقِّفُونَ لِلشَّبَهِ المُلْقُونَ لَها ﴿والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عَنْ فَهْمِ الآياتِ، وهم مَن عَلَتْ قُلُوبُهم عَنْ ذَلِكَ الجِدالِ أنْ صارَتْ حَجَرِيَّةً، وهُمُ المُصارِحُونَ بِالعَداوَةِ، فَهم في رَيْبٍ مِن أمْرِهِمْ وجِدالٍ لِلْمُؤْمِنِينَ، قَدِ انْتَقَشَتْ فِيها الشُّبَهُ، فَصارَتْ أبْعَدَ شَيْءٍ عَنِ الزَّوالِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهم حِزْبُ الشَّيْطانِ، وأعْداءُ الرَّحْمَنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ. وإنَّهم هَكَذا الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَنْبِيهًا عَلى وصْفِهِمْ فَقالَ: ﴿وإنَّ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الواضِعِينَ لِأقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها كَفِعْلِ مَن هو في الظَّلامِ ﴿لَفِي شِقاقٍ﴾ أيْ خِلافٍ بِكَوْنِهِمْ في شِقٍّ (p-٧٣)غَيْرِ شِقِّ حِزْبِ اللَّهِ بِمُعاجَزَتِهِمْ في الآياتِ بِتِلْكَ الشُّبَهِ الَّتِي تَلَقَّوْها مِنَ الشَّيْطانِ، وجادَلُوا بِها أوْلِياءَ الرَّحْمَنِ ﴿بَعِيدٍ﴾ عَنِ الصَّوابِ ﴿ولِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ولِيَرْضَوْهُ ولِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]
الحج 22:54
﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بِإتْقانِ حُجَجِهِ، وإحْكامِ بَراهِينِهِ، وضَعْفِ شُبَهِ المُعاجِزَيْنِ، وبُنِيَ فِعْلُهُ لِلْمَجْهُولِ تَعْظِيمًا لِثَمَرَتِهِ في حَدِّ ذاتِهِ لا بِالنِّسْبَةِ إلى مُعْطٍ مُعَيَّنٍ ﴿أنَّهُ﴾ أيِ الشَّيْءَ الَّذِي تَلَوْتَهُ أوْ حَدَّثْتَ بِهِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ الَّذِي لا يُمْكِنُ زَوالُهُ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِتَعْلِيمِكَ إيّاهُ، فَإنَّ الحَقَّ كُلَّما جُودِلَ أهْلُهُ ظَهَرَتْ حُجَجُهُ، وأسْفَرَتْ وُجُوهُهُ، ووَضَحَتْ بَراهِينُهُ، وغَمَرَتْ لُجَجُهُ، كَما قالَ تَعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦] ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ لِما ظَهَرَ لَهم مِن صِحَّتِهِ بِما ظَهَرَ مِن ضَعْفِ تِلْكَ الشُّبَهِ ﴿فَتُخْبِتَ﴾ أيْ تَطْمَئِنُّ وتَخْضَعُ ﴿لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ وتَسْكُنُ بِهِ قُلُوبُهُمْ، فَإنَّ اللَّهَ جَعَلَ فِيها السِّكِّينَةَ فَجَعَلَها زُجاجِيَّةً صُلْبَةً صافِيَةً رَقِيقَةً بَيْنَ المائِيَّةِ والحَجَرِيَّةِ، نافِعَةً بِفَهْمِ العَلَمِ وحِفْظِهِ والهِدايَةِ بِهِ لِمَن يَقْبَلُ عَنْهم مِنَ الضّالِّينَ كَما يَنْفَعُ الخُبْثُ بِقَبُولِ طائِفَةٍ مِنهُ لِطائِفَةٍ مِنَ الماءِ، وإنْباتِ ما يُقَدِّرُهُ اللَّهُ مِنَ الكِلاءِ وغَيْرِهِ وحِفْظِ طائِفَةٍ أُخْرى لِطائِفَةٍ أُخْرى مِنهُ لِشُرْبِ الحَيَوانِ ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ لَهادِيهِمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَنْبِيهًا عَلى سَبَبِ العِلْمِ فَقالَ: ﴿لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في (p-٧٤)جَمِيعِ ما يُلْقِيهِ أوْلِياءُ الشَّيْطانِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يَصِلُونَ بِهِ إلى مَعْرِفَةِ بُطْلانِهِ، فَيُوصِلُهم ذَلِكَ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ.
الحج 22:55
﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ وُجِدَ مِنهُمُ الكُفْرُ وطُبِعُوا عَلَيْهِ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ شَكٍّ يَطْلُبُونَ السُّكُونَ إلَيْهِ ﴿مِنهُ﴾ أيْ مِن أجْلِ إلْقاءِ الشَّيْطانِ وما ألْقاهُ، أوْ مُبْتَدَإٍ مِنهُ ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ أيِ المَوْتُ أوِ القِيامَةُ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ فَجْأةً بِمَوْتِهِمْ حَتْفَ الأنْفِ ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ يُقْتَلُ فِيهِ جَمِيعُ أبْنائِهِمْ مِنهم ولا يَكُونُ لَهم فِيهِ شَيْءٌ مِمّا يَتَرَجَّوْنَهُ مِن نَصْرٍ أوْ غَيْرِهِ كَما سَعَوْا بِجَدَلِهِمْ وإلْقاءِ الضَّلالاتِ في إعْقامِ الآياتِ، فَإذا انْكَشَفَ لَهُمُ الغِطاءُ بِالسّاعَةِ أوِ العَذابِ المُوصِلِ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ آمَنُوا دَأْبَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَرى إلّا الجُزْئِيّاتِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ لِفَواتِ شَرْطِهِ، وقَدْ زالَتْ بِحَمْدِ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ - بِما قَرَّرَتْهُ الشُّكُوكُ، وانْفَضَحَتْ مُخَيَّلاتُ الشُّبَهِ، وانْقَمَعَتْ مُضِلّاتُ الفِتَنِ، مِن قِصَّةِ الغَرانِيقِ وما شاكَلَها مِمّا يَتَعالى عَنْهُ ذَلِكَ الجَنابُ الرَّفِيعُ، والحِمى العَظِيمُ المَنِيعُ، ولَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ كَما صَرَّحَ بِهِ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ كَيْفَ وقَدْ مَنَعَ الشَّيْطانَ مِن مِثالِهِ ﷺ في المَنامِ، (p-٧٥)كَما قالَ ﷺ فِيما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «مَن رَآنِي في المَنامِ فَقَدْ رَآنِي فَإنَّ الشَّيْطانَ لا يَتَمَثَّلُ بِي» وقَدْ تَوَلّى اللَّهُ سُبْحانَهُ حِفْظَ الذِّكْرِ الحَكِيمِ بِحِراسَةِ السَّماواتِ وغَيْرِها ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿إلا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ [الجن: ٢٧] ﴿لِيَعْلَمَ أنْ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٨]
الحج 22:56
ولَمّا كانُوا مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ بِمَكانٍ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُغْلَبُونَ؟ فَقالَ جَوابًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَأْتِيهِمْ ذَلِكَ إمّا في القِيامَةِ أوْ في الدُّنْيا ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحَدَّ بِتَغْلِيبِ اسْمِهِ الظّاهِرِ، بِأنْ يَجْرِيَ أمْرُهُ فِيهِ عَلى غَيْرِ الأسْبابِ الَّتِي تَعْرِفُونَها.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَعْنى اخْتِصاصِهِ بِهِ وكُلُّ الأيّامِ لَهُ؟ قِيلَ: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ بِالأمْرِ الفَيْصَلِ، لا حُكْمَ فِيهِ ظاهِرًا ولا باطِنًا لِغَيْرِهِ، كَما تَرَوْنَهُ الآنَ، بَلْ يَمْشِي فِيهِ الأمْرُ عَلى أتَمِّ قَوانِينِ العَدْلِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ ظُهُورُ العَدْلِ عَنْهُ قَوْلَهُ مُفَصَّلًا بادِئًا. إظْهارًا لِتَفَرُّدِهِ بِالحُكْمِ بِإكْرامِ مَن كانُوا قاطِعِينَ بِهَوانِهِمْ في الدّارَيْنِ (p-٧٦)مَعَ أنَّ تَقْدِيمَهم أوْفَقُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ أيْ وصَدَقُوا دَعْواهُمُ الإيمانَ بِأنْ عَمِلُوا ﴿الصّالِحاتِ﴾ وهي ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ.
ولَمّا كانَتْ إثابَتُهُ تَعالى لِأهْلِ طاعَتِهِ تَفَضُّلًا مِنهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِإعْراءِ الخَبَرِ عَنِ الفاءِ السَّبَبِيَّةِ بِخِلافِ ما يَأْتِي في حَقِّ الكُفّارِ فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ في الدُّنْيا مَجازًا، لِمَآلِهِمْ إلَيْهِمْ مَعَ ما يَجِدُونَهُ مِن لَذَّةِ المُناجاةِ واسْتِشْعارِ القُرْبِ وفي الآخِرَةِ حَقِيقَةٌ بِما رَحِمَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن تَوْفِيقِهِمْ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ.
الحج 22:57
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا ما أعْطَيْناهم مِنَ المَعْرِفَةِ بِالأدِلَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِنا ﴿وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ساعِينَ - بِما أعْطَيْناهم مِنَ الفَهْمِ في تَعْجِيزِها بِالمُجادَلَةِ بِما يُوحِي إلَيْهِمْ أوْلِياؤُهم مِنَ الشَّياطِينِ مِنَ الشُّبَهِ، وقَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ إيذانًا بِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ فَقالَ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنْ أسْبابِ الكَرَمِ ﴿لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ بِسَبَبِ ما سَعَوْا في إهانَةِ آياتِنا مُرِيدِينَ إعْزازَ أنْفُسِهِمْ بِمُغالَبَتِها والتَّكَبُّرِ عَنِ اتِّباعِها.
الحج 22:58
ولَمّا كانَ المُشْرِكُونَ يَمْنَعُونَ بِهَذِهِ الشُّبَهِ وغَيْرِها كَثِيرًا مِنَ النّاسِ الإيمانَ، وكانُوا لا يَتَمَكَّنُونَ بِها إلّا مِمَّنْ يُخالِطُهُمْ، رَغَّبَ سُبْحانَهُ في الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا هِجْرَةَ دِيارِهِمْ وأهْلِيهِمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ طَرِيقِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ الَّتِي شَرَعَها، فَكانَتْ (p-٧٧)ظَرْفًا لِمُهاجِرَتِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهم بِها غَرَضٌ آخَرُ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما يُخافُ مِنَ الهِجْرَةِ القَتْلَ. لِقَصْدِ الأعْداءِ لِلْمُهاجِرِ بِالمُصادَمَةِ، عِنْدَ تَحَقُّقِ المُصارَمَةِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّراخِي إشارَةً إلى طُولِ العُمْرِ وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِسَبَبِ الهِجْرَةِ: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ أيْ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وألْحَقَ بِهِ مُطْلَقَ المَوْتِ فَضْلًا مِنهُ فَقالَ: ﴿أوْ ماتُوا﴾ أيْ مِن غَيْرِ قَتْلٍ ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ مِن حِينِ تُفارِقُ أرْواحُهم أشْباحَهم لِأنَّهم أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وذَلِكَ لِأنَّهم أرْضَوُا اللَّهَ بِما انْخَلَعُوا مِنهُ مِمّا أثَّلُوهُ طُولَ أعْمارِهِمْ. وأثْلَهُ آباؤُهم مِن قَبْلِهِمْ، وأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ ودِيارِهِمْ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ فَعّالٌ ما يُرِيدُ مِن إحْيائِهِمْ ورِزْقِهِمْ وغَيْرِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ بِعَظَمَتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى الإحْياءِ كَما قَدَرَ عَلى الإماتَةِ ﴿لَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ يَرْزُقُ الخَلْقَ عامَّةً البَرَّ مِنهم والفاجِرَ، فَكَيْفَ بِمَن هاجَرَ إلَيْهِ! ويُعْطِي عَطاءً لا يَدْخُلُهُ عَدٌّ، ولا يَحْوِيهِ حَدٌّ، وكَما دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَسْوِيَةِ مَن ماتَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِرِباطٍ أوْ غَيْرِهِ في الرِّزْقِ بِالشَّهِيدِ، دَلَّتِ السُّنَّةُ أيْضًا مِن حَدِيثِ سَلْمانَ وغَيْرِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن ماتَ مُرابِطًا أُجْرِيَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ وأُمِنَ الفَتّانَيْنِ» .
الحج 22:59
ولَمّا كانَ الرِّزْقُ لا يَتِمُّ إلّا بِحُسْنِ الدّارِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أفْضَلِ (p-٧٨)الرِّزْقِ، قالَ دالًّا عَلى خِتامِ الَّتِي قَبْلُ: ﴿لَيُدْخِلَنَّهم مُدْخَلا﴾ أيْ دُخُولًا ومَكانَ دُخُولِ قِراءَةُ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وإدْخالًا ومَكانَ إدْخالٍ عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ﴿يَرْضَوْنَهُ﴾ لا يَبْغُونَ بِهِ بَدَلًا، بِما أرْضَوْهُ بِهِ بِما خَرَجُوا مِنهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ لَشَكُورٌ حَمِيدٌ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدَ، لِأنَّ الإنْسانَ مَحَلُّ الخَطَأِ والنِّسْيانِ، فَلَوْ أُوخِذَ بِذَلِكَ هَلَكَ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ ما قَصَرُوا فِيهِ لَغَضِبَ عَلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلى ما قَدَّرْتَهُ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ وتَمَّتْ عَظَمَتُهُ ﴿لَعَلِيمٌ﴾ أيْ بِمَقاصِدِهِمْ وما عَلِمُوا مِمّا يُرْضِيهِ وغَيْرِهِ ﴿حَلِيمٌ﴾ عَمًّا قَصَّرُوا فِيهِ مِن طاعَتِهِ، وما فَرَّطُوا في جَنْبِهِ سُبْحانَهُ.
الحج 22:60
ولَمّا خَتَمَ هَذِهِ الآياتِ - الَّتِي الإذْنُ لِلْمَظْلُومِينَ في القِتالِ لِلظّالِمِينَ - بِصِفَةِ الحِلْمِ، فَكانَ ذَلِكَ مُخَيَّلَةً لِوُجُوبِ العَفْوِ عَنْ حُقُوقِ العِبادِ كَما في شَرِيعَةِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إذْنًا لِلْمُجاهِرِينَ فِيمَن أخْرَجَهم مِن دِيارِهِمْ أنْ يُخْرِجُوهُ مِن دِيارِهِ ويُذِيقُوهُ بَعْضَ ما تَوَعَّدَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ العَذابِ المُهِينِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ المُقَرَّرُ مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى ذَلِكَ ﴿ومَن عاقَبَ﴾ مِنَ العِبادِ بِأنْ (p-٧٩)أصابَ خَصْمَهُ، لِمُصِيبَةٍ يَرْجُو فِيها العاقِبَةَ ﴿بِمِثْلِ ما عُوقِبَ﴾ أيْ عُولِجَ عِلاجَ مَن يَطْلُبُ حُسْنَ العاقِبَةِ ﴿بِهِ﴾ مِن أيِّ مُعاقِبٍ كانَ فَلَمْ يَتَجاوَزْ إلى ظُلْمٍ ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾ أيْ مِن أيِّ باغٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ﴾ بِالعَوْدِ إلى خُصُومَتِهِ لِأخْذِهِ حَقَّهُ.
ولَمّا كانَ ما يَحْصُلُ لِلْمَبْغِيِّ عَلَيْهِ بِالكَسْرِ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ مُبْعَدًا لِأنْ يَنْجَبِرَ، أُكِّدَ وعْدُهُ فَقالَ: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ.
ولَمّا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالمِثْلِيَّةِ، وكانَ أمْرًا خَفِيًّا، لا يَكادُ يُوقَفُ عَلَيْهِ، فَكانَ رُبَّما وقَعَتِ المُجاوَزَةُ خَطَأً، فَظَنَّ عَدَمَ النُّصْرَةِ لِذَلِكَ، أفْهَمَ تَعالى أنَّ المُؤاخَذَةَ إنَّما هي بِالعَمْدِ، بِقَوْلِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ نَدْبًا إلى العَفْوِ بَعْدَ ضَمانِ النَّصْرِ: إنَّ اللَّهَ لَعَزِيزٌ حَكِيمٌ، ومَن عَفا وأصْلَحَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِعَفْوِ اللَّهِ عَنْ تَقْصِيرِهِ، ومَغْفِرَتِهِ لِذُنُوبِهِ، فَهو احْتِباكٌ: ذَكَرَ النُّصْرَةَ دَلِيلَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ، وذَكَرَ العَفْوَ مِنهُ سُبْحانَهُ دَلِيلَ حَذْفِ العَفْوِ مِنَ العَبْدِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿لَعَفُوٌّ﴾ أيْ عَمَّنِ اقْتَصَّ مِمَّنْ ظَلَمَهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ﴿غَفُورٌ﴾ لِمَنِ اقْتَصَّ مِمَّنْ بَغى عَلَيْهِ.
الحج 22:61
(p-٨٠)ولَمّا خَتَمَ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ ذَكَرَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِما أمْرًا جامِعًا لِلْمَصالِحِ، عامًّا لِلْخَلائِقِ، يَكُونُ فِيهِ وبِهِ الإحْسانُ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ مَعْرِفَةُ اتِّصافِهِ سُبْحانَهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ المُتَّصِفَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يُولِجُ﴾ لِأجْلِ مَصالِحِ العِبادِ المُسِيءِ والمُحْسِنِ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ فَيَمْحُو ظَلامَهُ بِضِيائِهِ، ولَوْ شاءَ مُؤاخَذَةَ النّاسِ لَجَعَلَهُ سَرْمَدًا فَتَعَطَّلَتْ مَصالِحُ النَّهارِ ﴿ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ فَيَنْسَخُ ضِياءَهُ بِظَلامِهِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ مَصالِحُ اللَّيْلِ، أوْ يَطُولُ أحَدُهُما حَيْثُ يُرادُ اسْتِيلاءً ما طُبِعَ عَلَيْهِ عَلى ضِدِّ ما طُبِعَ عَلَيْهِ آخَرُ لِما يُرادُ مِنَ المَصالِحِ الَّتِي جَعَلَ ذَلِكَ لِأجْلِها ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ بِجَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ﴿سَمِيعٌ﴾ لِما يُمْكِنُ أنْ يُسْمَعَ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ مُبْصِرٌ عالِمٌ لِما يُمْكِنُ أنْ يُبْصَرَ دائِمُ الِاتِّصافِ بِذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى سُكُونِ اللَّيْلِ لِيَسْمَعَ، ولا لِضِياءِ النَّهارِ لِيُبْصِرَ، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الأعْراضِ، وهو لِتَمامِ قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ لا يَخافُ في عَفْوِهِ غائِلَةً، ولا يُمْكِنُ أنْ يَفُوتَهُ أمْرٌ، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ النَّصْرُ والعَفْوُ بِأنَّهُ قادِرٌ وبِأنَّهُ عالِمٌ.
الحج 22:62
ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِما لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَبانَ بِذَلِكَ نَقِيرَ ما سِواهُ بِفِعْلِهِ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الِاتِّصافُ بِتَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ الحاوِيَ لِصِفاتِ الكَمالِ، القادِرَ عَلى إخْراجِ المَعْدُومِ (p-٨١)وتَجْدِيدِ ما فاتَ، مِن نَشْرِ الأمْواتِ وغَيْرِهِ ﴿هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الواجِبُ الوُجُودِ ﴿وأنَّ ما يَدْعُونَ﴾ أيْ دُعاءَ عِبادَةٍ وهم لا يَسْمَعُونَ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ بِقَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، قالَ مُحَقِّرًا لَهُمْ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيْ مِن هَذِهِ الأصْنامِ وغَيْرِها، ولَمْ يَتَقَدَّمْ هُنا مِنَ الدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ الأوْثانِ مِثْلَ ما ذَكَرَهُ في لُقْمانَ الدّاعِي الحالُ إلى التَّأْكِيدِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ فَقالَ: ﴿هُوَ الباطِلُ﴾ لِأنَّهُ مُمْكِنٌ وُجُودُهُ وعَدَمُهُ، فَلَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ كَغَيْرِهِ مِنَ المُمْكِناتِ ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾ لِكَوْنِهِ هو الحَقَّ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿هُوَ﴾ وحْدَهُ ﴿العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ وكُلُّ ما سِواهُ سافِلٌ حَقِيرٌ، تَحْتَ قَهْرِهِ وأمْرِهِ، فَهو يُحْيِي المَوْتى كَما تَقَدَّمَ أوَّلَ السُّورَةِ.
الحج 22:63
ولَمّا دَلَّ ما تَضَمَّنَهُ رِزْقُهُ سُبْحانَهُ لِلْمَيِّتِ في سَبِيلِهِ بِقَتْلٍ أوْ غَيْرِهِ عَلى إحْيائِهِ لَهُ، ودَلَّ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، وخَتَمَ بِهَذَيْنَ الوَصْفَيْنِ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِآيَةٍ مُشاهَدَةٍ جامِعَةٍ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ قاضِيَةٍ بِعُلُوِّهِ وكِبَرِهِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ بِأنْ يُرْسِلَ رِياحًا فَتُثِيرُ سَحابًا فَيُمْطِرُ عَلى الأرْضِ المَلْساءِ.
(p-٨٢)ولَمّا كانَ هَذا الِاسْتِفْهامُ المَتْلُوُّ بِالنَّفْيِ في مَعْنى الإثْباتِ لِرُؤْيَةِ الإنْزالِ لِكَوْنِهِ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ، عَطَفَ عَلى ﴿أنْـزَلَ﴾ مُعَقِّبًا لَهُ عَلى حَسَبِ العادَةِ قَوْلَهُ، مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ النِّعْمَةِ بِطُولِ زَمانِ أثَرِ المَطَرِ وتَجَدُّدِ نَفْعِهِ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ كانَتْ مُسَوَّدَةً يابِسَةً، مَيِّتَةً هامِدَةً ﴿مُخْضَرَّةً﴾ حَيَّةً يانِعَةً، مُهْتَزَّةً نامِيَةً، بِما فِيهِ رِزْقُ العِبادَةِ، وعَمارُ البِلادِ، ولَمْ يَنْصِبْ عَلى أنَّهُ جَوابُهُ لِئَلّا يُفِيدَ نَفْيَ الِاخْضِرارِ، وذَلِكَ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ مِن حَيْثُ فِيهِ مَعْنى الإنْكارِ نَفْيٌ لِنَفْيِ رُؤْيَةِ الإنْزالِ الَّذِي هو إثْباتُ الرُّؤْيَةِ، فَيَكُونُ ما جُعِلَ جَوابًا لَهُ مَنفِيًّا، لِأنَّ الجَوابَ مُتَوَقِّفٌ عَلى ما هو جَوابُهُ، فَإذا نَفى ما عَلَيْهِ التَّوَقُّفُ انْتَفى المُتَوَقِّفُ عَلَيْهِ، أيْ إذا نُفِيَ المَلْزُومُ انْتَفى اللّازِمُ، وإذا نُفِيَ السَّبَبُ انْتَفى المُسَبَّبُ - كَما تَقَدَّمَ ”فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ“ فَلَوْ نَصَبَ ”يُصْبِحُ“ عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ لَكانَ المَعْنى أنَّ عَدَمَ الِاخْضِرارِ مُتَوَقِّفٌ عَلى نَفْيِ النَّفْيِ لِلْإنْزالِ الَّذِي هو إثْباتُ الإنْزالِ، وهو واضِحُ الفَسادِ - أفادَهُ شَيْخُنا الإمامُ أبُو الفَضْلِ رَحِمَهُ اللَّهُ.
ولَمّا كانَ هَذا إنْتاجًا لِلْأشْياءِ مِن أضْدادِها، لِأنَّ كُلًّا مِنَ الماءِ في (p-٨٣)رِقَّتِهِ ومُيُوعِهِ والتُّرابِ في كَثافَتِهِ، وجُمُودِهِ في غايَةِ البُعْدِ عَنِ النَّباتِ في تَنَوُّعِهِ وخُضْرَتِهِ، ونُمُوِّهِ وبَهْجَتِهِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِزِّ وكَمالِ العِلْمِ ﴿لَطِيفٌ﴾ أيْ يُسَبِّبُ الأشْياءَ عَنْ أضْدادِها ﴿خَبِيرٌ﴾ أيْ مُطَّلِعٌ عَلى السَّرائِرِ وإنْ دَقَّتْ، فَلا يُسْتَبْعَدُ عَلَيْهِ إحْياءُ مَن أرادَ بَعْدَ مَوْتِهِ، والإحْسانُ في رِزْقِهِ.
الحج 22:64
ولَمّا اقْتَضى ذَلِكَ أنْهى التَّصَرُّفَ، لِأنَّهُ لا بُدَّ بَعْدَ اخْتِلاطِ الماءِ بِالتُّرابِ مِن أُمُورٍ يَنْشَأُ عَنْها النَّباتُ، عَلى تِلْكَ الهَيْئاتِ الغَرِيبَةِ المُخْتَلِفَةِ، فَأوْجَبَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ هو المالِكَ المُطْلَقَ، قالَ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ أيِ الَّتِي أنْزَلَ مِنها الماءَ، ولَمّا كانَ السِّباقُ لِإثْباتِ البَعْثِ والِانْفِرادِ بِالمُلْكِ والدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، اقْتَضى الحالُ التَّأْكِيدَ بِإعادَةِ المَوْصُولِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيِ الَّتِي اسْتَقَرَّ فِيها، وذَلِكَ يَقْتَضِي مُلْكَ السَّماواتِ والأرَضِينَ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها في الَّتِي فَوْقَها حَتّى يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى عَرْشِهِ سُبْحانَهُ الَّذِي لا يَجُوزُ أصْلًا أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَأْلُوفِ عِنْدَنا أنَّ المالِكَ فَقِيرٌ إلى ما في يَدِهِ؛ مَذْمُومٌ عَلى إمْساكِهِ بِالتَّقْتِيرِ، وعَلى بَذْلِهِ بِالتَّبْذِيرِ، بَيَّنَ أنَّهُ بِخِلافِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ التّامَّةُ ﴿لَهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ عَنْهُما وعَمّا فِيهِما، ما خَلَقَ شَيْئًا مِنهُما أوْ فِيهِما لِحاجَةٍ لَهُ إلَيْهِ بَلْ لِحاجَتِكم أنْتُمْ إلَيْهِ ﴿الحَمِيدُ﴾ في كُلِّ ما يُعْطِيهِ أوْ يَمْنَعُهُ، لِما في (p-٨٤)ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الخَفِيَّةِ والجَلِيَّةِ.
الحج 22:65
ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الحائِزَ لِصِفاتِ الكَمالِ، مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ فَضْلًا مِنهُ ﴿ما في الأرْضِ﴾ كُلَّهُ مِن مَسالِكِها وفِجاجِها وما فِيها مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ، وزُرُوعٍ وثِمارٍ، فَعَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى شَيْءٍ مِنهُ
ولَمّا كانَ تَسْخِيرُ السُّلُوكِ في البَحْرِ مِن أعْجَبِ العَجَبِ، قالَ: ﴿والفُلْكَ﴾ أيْ وسَخَّرَها لَكم مُوسِقَةً بِما تُرِيدُونَ مِنَ البَضائِعِ. ثُمَّ بَيَّنَ تَسْخِيرَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي في البَحْرِ﴾ أيِ العَجاجِ، المُتَلاطِمِ بِالأمْواجِ، بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ عَلى لُطْفٍ وتُؤَدَةٍ.
ولَمّا كانَ الرّاكِبُ فِيها - مَعَ حَثِيثِ السَّيْرِ وسُرْعَةِ المَرِّ - مُسْتَقِرًّا كَأنَّهُ عَلى الأرْضِ، عَظُمَ الشَّأْنُ في سَيْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿بِأمْرِهِ﴾ ولَمّا كانَ إمْساكُها عَلى وجْهِ الماءِ مَعَ لَطافَتِهِ عَنِ الغَرَقِ أمْرًا غَرِيبًا كَإمْساكِ السَّماءِ عَلى مَتْنِ الهَواءِ عَنِ الوُقُوعِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ﴾ ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُبْدِلًا: ﴿أنْ تَقَعَ﴾ أيْ مَعَ عُلُوِّها وعِظَمِها وكَوْنِها بِغَيْرِ عِمادٍ ﴿عَلى الأرْضِ﴾ الَّتِي هي تَحْتَها.
ولَمّا اقْتَضى السِّياقُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَقَعَ لِانْحِلالِهِ إلى أنْ يَمْنَعَ (p-٨٥)وُقُوعَها لِأنَّها جِسْمٌ كَثِيفٌ عَظِيمٌ، لَيْسَ لَهُ مِن طَبْعِهِ إلّا السُّفُولُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا بِإذْنِهِ﴾ أيْ فَيَقَعُ إذا أذِنَ في وُقُوعِها حِينَ يُرِيدُ طَيَّ هَذا العالِمِ وإيجادَ عالَمِ البَقاءِ. ولَمّا كانَ هَذا الجُودُ الأعْظَمُ والتَّدْبِيرُ المُحْكَمُ مَحْضَ كَرَمٍ مِن غَيْرِ حاجَةٍ أصْلًا، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ.
ولَمّا كانَ الجَمادُ كُلُّهُ مَتاعًا لِلْحَيَوانِ، اقْتَضى تَقْدِيمَ قَوْلِهِ: ﴿بِالنّاسِ﴾ أيْ عَلى ظُلْمِهِمْ ﴿لَرَءُوفٌ﴾ أيْ بِما يَحْفَظُ مِن سَرائِرِهِمْ عَنِ الزَّيْغِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ ونَصْبِ المَناسِكِ، الَّتِي يَجْمَعُ مُعْظَمَها البَيْتُ الَّذِي بَوَّأهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو التَّوْحِيدُ والصَّلاةُ والحَجُّ الحامِلُ عَلى التَّقْوى الَّتِي بُنِيَتْ عَلَيْها السُّورَةُ، فَإنَّ الرَّأْفَةَ كَما قالَ الحِرالِيُّ: ألْطَفُ الرَّحْمَةِ وأبْلَغُها، فالمَرْؤُوفُ بِهِ تُقِيمُهُ عِنايَةُ الرَّأْفَةِ حَتّى تَحْفَظَ بِمَسْراها في سِرِّهِ ظُهُورَ ما يَسْتَدْعِي العَفْوَ، وتارَةً يَكُونُ هَذا الحِفْظُ بِالقُوَّةِ بِنَصْبِ الأدِلَّةِ، وتارَةً يَضُمُّ إلى ذَلِكَ الفِعْلِ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ، وهَذا خاصٌّ بِمَن لَهُ بِالمُنْعِمِ نَوْعُ وُصْلَةٍ.
﴿رَحِيمٌ﴾ بِما يَثْبُتُ لَهم عُمُومًا مِنَ الدَّرَجاتِ عَلى ما مَنَحَهم بِهِ مِن ثَمَراتِ (p-٨٦)ذَلِكَ الحِفْظِ مِنَ الأعْمالِ المُرْضِيَةِ لِما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ مِن أنَّ الرَّحِيمَ خاصُّ الرَّحْمَةِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ تَحْقِيقُ هَذا المَوْضِعِ.
الحج 22:66
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ جُمَلًا مِن أُمَّهاتِ الدِّينِ، وأتْبَعَها الإعانَةَ لِأهْلِهِ عَلى المُعْتَدِينَ، وخَتَمَ بِما بَعْدَ المَوْتِ لِلْمُهاجِرِينَ، تَرْغِيبًا في مُنابَذَةِ الكافِرِينَ، وعَرَّفَ بِما لَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ بِأنْواعٍ مِنَ التَّصَرُّفِ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ، وأنْهاهُ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ كُلَّهُ لِنَفْعِ الآدَمِيِّينَ نِعْمَةٌ مِنهُ، تَلا ذَلِكَ بِما هو أكْبَرُ مِنهُ نِعْمَةً عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي أحْياكُمْ﴾ أيْ عَنِ الجَمادِيَّةِ بَعْدَ أنْ أوْجَدَكم مِنَ العَدَمِ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا، مِنَّةً مِنهُ عَلَيْكم مُسْتَقِلَّةً، لَزِمَ مِنها المِنَّةُ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِتَسْتَمِرَّ حَياتُكم أوَّلًا، الدِّينِيَّةُ لِتَنْتَفِعُوا بِالبَقاءِ ثانِيًا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ لِيَكُونَ المَوْتُ واعِظًا لِأُولِي البَصائِرِ مِنكُمْ، وزاجِرًا لَهم عَمّا طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ الأخْلاقِ المَذْمُومَةِ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ لِلتَّحَلِّي بِفَصْلِ القَضاءِ وإظْهارِ العَدْلِ في الجَزاءِ.
ولَمّا عَلِمَ أنَّ كُلَّ ما في الوُجُودِ مِن جَوْهَرٍ وعَرَضٍ نِعْمَةٌ عَلى (p-٨٧)الإنْسانِ حَتّى الحَياةُ والمَوْتُ، وكانَ مِن أجْلى الأشْياءِ، وكانَتْ أفْعالُهُ مُعْرِضَةً عَنْ رَبِّ هَذِهِ النِّعَمَ بِالعِبادَةِ لِغَيْرِهِ، أوِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ عَلى عُمُومِ فَضْلِهِ وخَيَّرَهُ، خَتَمَ الآيَةَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الكَفْرِ حَيْثُ لَمْ يَشْكُرْ عَلى هَذِهِ النِّعَمِ المُحِيطَةِ بِهِ.
الحج 22:67
ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المَناسِكِ، وكانَ لِكَثْرَةِ الكُفّارِ قَدْ يَقَعُ في النَّفْسِ أنَّ إقامَتَها مَعْجُوزٌ عَنْها، وكَشَفَ سُبْحانَهُ غُمَّةَ هَذا السُّؤالِ بِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨] وما بَعْدَها، فَأنْتَجَ ذَلِكَ عِلْمَنا بِتَصَرُّفِهِ التّامِّ بِقُدْرَتِهِ الباهِرَةِ، وعِلْمِهِ الشّامِلِ المُقْتَضِي لِإقْبالِ العِبادِ إلَيْهِ، واجْتِماعِهِمْ كُلِّهِمْ عَلَيْهِ، فَمَن شَكَّ في قُدْرَتِهِ عَلى إظْهارِ دِينِهِ بِمُدافَعَتِهِ عَنْ أهْلِهِ، أوْ نازَعَ فِيهِ فَهو كَفُورٌ، ذَكَّرَ بِإظْهارِ أوَّلِ هَذا الخِطابِ بِآخِرِ ذَلِكَ الخِطابِ مُؤَكِّدًا لِما أجابَ بِهِ عَنْ ذَلِكَ السُّؤالِ مِن تَمامِ القُدْرَةِ وشُمُولِ العِلْمِ أنَّهُ هو الَّذِي مَكَّنَ لِكُلِّ قَوْمٍ ما هم فِيهِ مِنَ المَناسِكِ الَّتِي بِها انْتِظامُ الحَياةِ، فَإنْ وافَقَتِ الأمْرَ الإلَهِيَّ كانَتْ سَبَبًا لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وإلّا كانَتْ سَبَبًا لِلْهَلاكِ الدّائِمِ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي نَصَبَ مِنَ الشَّرائِعِ لِكُلِّ قَوْمٍ ما يُلائِمُهُمْ، لِأنَّهُ بِتَغْيِيرِ الزَّمانِ بِإيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ عَلى مَرِّ الأيّامِ وتَوالِي الشُّهُورِ والأعْوامِ، بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ - لِأجْلِ امْتِحانِ العِبادِ، وإظْهارِ ما خَبَّأ في جِبِلَّةِ كُلٍّ مِنهم مِن طاعَةٍ وعِصْيانٍ، وشُكْرٍ وكُفْرانٍ - (p-٨٨)ما يَصِيرُ الفِعْلُ مَصْلَحَةً بِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الأسْبابِ بَعْدَ أنْ كانَ مَفْسَدَةً وبِالعَكْسِ، لِاقْتِدارِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإظْهارِ اقْتِدارِهِ كَما قالَ تَعالى عِنْدَ أوَّلِ ذِكْرِهِ لِلنَّسْخِ
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٦] الآياتُ، فَعَلِمَ أنَّ مُنازَعَتَهم فِيهِ كُفْرٌ، فَلِذَلِكَ أتْبَعَ هَذا قَوْلَهُ مِن غَيْرِ عاطِفٍ لِما بَيْنَهُما مِن تَمامِ الِاتِّصالِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ في كُلِّ زَمانٍ ﴿جَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَنسَكًا﴾ أيْ شَرْعًا لِاجْتِماعِهِمْ بِهِ عَلى خالِقِهِمْ حَيْثُ وافَقَ أمْرَهُ، ولِاجْتِماعِهِمْ عَلى أهْوائِهِمْ إذا لَمْ يُوافِقْهُ، وعَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ أصْلَ المَنسَكِ في كَلامِ العَرَبِ هو المَوْضِعُ الَّذِي يَعْتادُهُ الإنْسانُ ويَتَرَدَّدُ إلَيْهِ إمّا لِخَيْرٍ أوْ لِشَرٍّ.
ولَمّا كانَ بِحَيْثُ إنَّ ما أرادَهُ سُبْحانَهُ كانَ لا مَحالَةَ، قالَ: ﴿هم ناسِكُوهُ﴾ أيْ مُتَعَبِّدُونَ بِهِ، لِأنّا نُدافِعُ عَنْهم مَن يُعادِيهِمْ فِيهِ حَتّى يَسْتَقِيمَ لَهم أمْرُهُ، لِإسْعادِهِمْ بِهِ أوْ إشْقائِهِمْ، فَمِن شَكٍّ في قُدْرَتِنا عَلى تَمْكِينِهِمْ مِنهُ فَهو كَفُورٌ، فَإنْ وافَقَ الأمْرَ كانَ رِبْحًا وإيمانًا، وإنْ خالَفَهُ كانَ كُفْرًا وخُسْرانًا.
ولَمّا كانَ قَدْ حَكَمَ بِإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وبِأنَّ الكُفّارَ عَلى كَثْرَتِهِمْ يَغْلِبُونَ بَعْدَ ما هم فِيهِ مِنَ البَطَرِ، أعْلَمَ بِذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِصِيغَةِ الزَّجْرِ لَهم بِقَوْلِهِ مُسَبَّبًا عَنْ هَذِهِ العَظَمَةِ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾ (p-٨٩)أيْ بِما يُلْقِيهِ الشَّيْطانُ إلَيْهِمْ مِنَ الشُّبَهِ لِيُجادِلُوا بِهِ، مِن طَعْنِهِمْ في دِينِكَ بِالنَّسْخِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما أُمِرَ اليَوْمَ بِشَيْءٍ ونُهِيَ عَنْهُ غَدًا. لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ البَدْءُ، فَلَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هو دالٌّ عَلى العِلْمِ بِالعَواقِبِ والِاقْتِدارِ التّامِّ عَلى شَرْعِ المَذاهِبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشُّبَهِ كَما مَضَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، فَلا يَلْتَفِتُ إلَيْهِمْ في شَيْءٍ نازَعُوا فِيهِ كائِنًا ما كانَ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ جِدالِ الكُفّارِ بَدِيلَ بْنَ ورْقاءَ وبِشْرَ بْنَ سُفْيانَ الخُزاعِيَّيْنِ وغَيْرَهُما في الذَّبائِحِ، وقَوْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ: تَأْكُلُونَ ما ذَبَحْتُمْ وهو مِن قَتْلِكُمْ، ولا تَأْكُلُونَ ما قَتَلَ اللَّهُ - يَعْنُونَ المَيْتَةَ.
ولَمّا كانَ النَّهْيُ عَنِ المُنازَعَةِ في الحَقِيقَةِ لَهُ ﷺ إلْهابًا وتَهْيِيجًا إلى الإعْراضِ عَنْهم لِأنَّهم أهْلٌ لِذَلِكَ، لِأنَّ كَيْدَهم في تَضْلِيلِ، والإقْبالِ عَلى شَأْنِهِ، وكانَ التَّعْبِيرُ بِما تَقَدَّمَ مِن تَحْوِيلِهِ إلَيْهِمْ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى إجْلالِهِ ﷺ عَنِ المُواجَهَةِ بِالنَّهْيِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وادْعُ﴾ أيْ أوْقَعَ الدَّعْوَةَ لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ، بِالحَمْلِ لَهم عَلى كُلِّ ما أمَرَكَ بِهِ مَتى ما أمَرَكَ، ولا يَهُولَنَّكَ قَوْلُهُمْ، فَإنَّهم مَغْلُوبُونَ لا مَحالَةَ، ولا تَتَأمَّلْ عاقِبَةً مِنَ العَواقِبِ، بَلْ أقْدِمْ عَلى الأمْرِ وإنْ ظَنَّ (p-٩٠)أنَّ فِيهِ الهَلاكَ، فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا ذَلِكَ. وأمّا نَظْمُ الأُمُورِ عَلى نَهْجِ السَّدادِ في إظْهارِ الدِّينِ، وقَهْرِ المُعانِدِينَ، فَإلى الَّذِي أمَرَكَ بِتِلْكَ الأوامِرِ، وأحْكِمِ الشَّأْنَ في جَمِيعِ الزَّواجِرِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ بِحَسَبِ ما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ ﴿لَعَلى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ فَإنَّهُ تَأْصِيلُ العَلِيمِ القَدِيرِ وإنَّ طُرُقَهُ التَّغْيِيرُ.
الحج 22:68
ولَمّا أمَرَهُ بِالإقْبالِ عَلى ما يُهِمُّهُ، والإعْراضِ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، في صِيغَةِ نَهْيِهِمْ عَنْ مُنازَعَتِهِ، عَلَّمَهُ الجَوابُ إنِ ارْتَكَبُوا مَنهِيَّهُ بَعْدَ الِاجْتِهادِ في دَفْعِهِمْ، لِما لَهم مِنَ اللَّجاجِ والعُتُوِّ، فَقالَ: ﴿وإنْ جادَلُوكَ﴾ أيْ في شَيْءٍ مِن دِينِكَ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَدَّمَ مِن أقْوالِهِمُ السَّفْسافَةِ أوْ بِغَيْرِهِ ﴿فَقُلِ﴾ مُعْرِضًا عَنْ عَيْبِ دِينِهِمُ الَّذِي لا أبْيَنُ فَسادًا مِنهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ المُحِيطُ بِالعِزِّ والعِلْمِ ﴿أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مُهَدِّدًا لَهم بِذَلِكَ، مُذَكِّرًا لِنَفْسِكَ بِقُدْرَةِ رَبِّكَ، قاطِعًا بِذَلِكَ المُنازَعَةَ مِن حَيْثُ رَقَبَ، مُتَوَكِّلًا عَلى الَّذِي أمَرَكَ بِذَلِكَ في حُسْنِ تَدْبِيرِكَ والمُدافَعَةِ عَنْكَ ومُجازاتِهِمْ بِما سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: ويَنْبَغِي أنْ يَتَأدَّبَ بِهَذا كُلُّ أحَدٍ، فَإنَّ أهْلَ الجَدَلِ قَوْمٌ جاوَزُوا حَدَّ العَوّامِ بِتَحَذْلُقِهِمْ، ولَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَةَ الخَواصِّ الَّذِينَ عَرَفُوا الأشْياءَ عَلى ما هي عَلَيْهِ، فالعَوّامُ مُنْقادُونَ لِلشَّرِيعَةِ، والخَواصُّ يَعْرِفُونَ أسْرارَها وحَقائِقَها، وأهْلُ الجَدَلِ قَوْمٌ في قُلُوبِهِمُ اضْطِرابٌ وانْزِعاجٌ.
الحج 22:69
(p-٩١)ولَمّا أمَرَهُ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، وكانَ ذَلِكَ شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ لِتَشَوُّفِها إلى النُّصْرَةِ، رَجاهُ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مُسْتَأْنِفًا مُبْدِلًا مِن مَقُولِ الجَزاءِ تَحْذِيرًا لَهُمْ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ بَيْنَكَ مَعَ أتْباعِكَ وبَيْنَهم ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الَّذِي هو يَوْمُ التَّغابُنِ ﴿فِيما كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿فِيهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تَخْتَلِفُونَ﴾ في أمْرِ الدِّينِ، ومَن نَصَرَ ذَلِكَ اليَوْمَ لَمْ يُبالِ بِما حَلَّ بِهِ قَبْلَهُ ﴿وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] قالَ البَغَوِيُّ: والِاخْتِلافُ ذَهابُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ إلى خِلافِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ الآخَرُ.
الحج 22:70
ولَمّا كانَ حِفْظُ ما يَقَعُ بَيْنَهم عَلى كَثْرَتِهِمْ في طُولِ الأزْمانِ أمْرًا هائِلًا، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ﴾ بِجَلالِ عِزِّهِ وعَظِيمِ سُلْطانِهِ ﴿يَعْلَمُ ما فِي﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِحِفْظِ أحْوالِ الثَّقَلَيْنِ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُمْ، وكانَ أكْثَرُ ما يُتَخَيَّلُ أنَّ بَعْضَ الجِنِّ يَبْلُغُ اسْتِراقَ السَّمْعِ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، لَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى ذِكْرِ أكْثَرَ مِنها، فَأفْرَدَ مُعَبِّرًا بِما يَشْمَلُ لِكَوْنِهِ جِنْسًا - الكَثِيرَ أيْضًا فَقالَ: ﴿السَّماءِ والأرْضِ﴾ مِمّا يَتَّفِقُ (p-٩٢)مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ الحَيَواناتِ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ النِّسْيانِ، لا يَحْفَظُ الأُمُورَ إلّا بِالكِتابِ، خاطَبَهُ بِما يَعْرِفُ، مَعَ ما فِيهِ مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ، فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرَ العَظِيمَ ﴿فِي كِتابٍ﴾ كُتِبَ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ حَكَمَ بِوُقُوعِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وكَتَبَ جَزاءَهُ؛ ولَمّا كانَ جَمْعُ ذَلِكَ في كِتابٍ أمْرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الإنْسانِ مُتَعَذِّرًا، أتْبَعَهُ التَّعْرِيفَ بِسُهُولَتِهِ عِنْدَهُ فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ عِلْمَ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ بِلا كِتابٍ، وجَمْعَهُ في كِتابٍ قَبْلَ كَوْنِهِ وبَعْدَهُ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا حَدَّ لِعَظَمَتِهِ، وحْدَهُ ﴿يَسِيرٌ﴾
الحج 22:71
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ الشَّكَّ لا يَزالُ ظَرْفًا لَهم - لِما يُلْقِي الشَّيْطانُ مِن شُبَهِهِ في قُلُوبِهِمُ القابِلَةِ لِذَلِكَ بِما لَها مِنَ المَرَضِ وما فِيها مِنَ الفَسادِ إلى إتْيانِ السّاعَةِ، وعَقَّبَ ذَلِكَ بِما ذَكَرَ مِنَ الحِكَمِ المُفَصَّلَةِ، والأحْكامِ المُشَرَّفَةِ المُفَضَّلَةِ، إلى أنْ خَتَمَ بِأنَّهُ وحْدَهُ الحَكَمُ في السّاعَةِ، مُرَهِّبًا مِن تَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ، قالَ مُعَجِّبًا مِمَّنْ لا يَنْفَعُهُ المَوْعِظَةُ ولا يَجُوزُ الواجِبُ وهو يُوجِبُ المُحالَ، عاطِفًا عَلى ﴿ولا يَزالُ﴾ [الحج: ٥٥] ﴿ويَعْبُدُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مِن أدْنى رُتْبَةٍ مِن رُتَبِ الَّذِي قامَتْ جَمِيعُ الدَّلائِلِ عَلى احْتِوائِهِ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وتُنَزِّهِهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ (p-٩٣)أيْ حُجَّةً واحِدَةً مِنَ الحُجَجِ.
ولَمّا كانَ قَدْ يَتَوَهَّمُ أنَّ عَدَمَ إنْزالِ السُّلْطانِ لا يَنْفِيهِ، قالَ مُزِيلًا لِهَذا الوَهْمِ: ﴿وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ أصْلًا ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما لَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ إشارَةً إلى الوَصْفِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الهَلاكَ فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ وضَعُوا التَّعَبُّدَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ بِارْتِكابِهِمْ لِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ الخَطِرِ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ واسْتَغْرَقَ المَنفِيَّ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن نَصِيرٍ﴾ أيْ يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ، لا مِمّا أشْرَكُوهُ بِهِ ولا مِن غَيْرِهِ، لا في مُدافَعَةٍ عَنْهم ولا في إثْباتِ حُجَّةٍ لِمَذاهِبِهِمْ، فَنَفى أنْ يَكُونَ أحَدٌ يُمْكِنُهُ أنْ يَأْتِيَ بِنُصْرَةٍ تَبْلُغُ القَصْدَ بِأنْ يَغْلِبَ المَنصُورُ عَلَيْهِ، وأمّا مُطْلَقُ نَصْرِ لا يُفِيدُ بِما تَقَدَّمَ مِن شُبَهِ الشَّيْطانِ فَلا.
الحج 22:72
ولَمّا ذَكَرَ اعْتِرافَهم بِما لا يُعْرَفُ بِنَقْلٍ ولا عَقْلٍ، ذَكَرَ إنْكارَهم لِما لا يَصِحُّ أنْ يُنْكَرَ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والمُتابَعَةِ مِن أيِّ تالٍ كانَ ﴿عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ أيِ المَسْمُوعَةُ عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ والعُلُوِّ، حالَ كَوْنِها ﴿بَيِّناتٍ﴾ لا خَفاءَ بِها عِنْدَ مَن لَهُ بَصِيرَةٌ في شَيْءٍ مِمّا دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ ﴿تَعْرِفُ﴾ بِالفِراسَةِ في وُجُوهِهِمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أبْدَلَ الضَّمِيرَ بِظاهِرٍ يَدُلُّ عَلى عِنادِهِمْ فَقالَ: ﴿فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ تَلَبَّسُوا بِالكُفْرِ ﴿المُنْكَرَ﴾ أيِ الإنْكارَ الَّذِي هو مُنْكَرٌ في نَفْسِهِ لِما حَصَلَ لَهم مِنِ (p-٩٤)الغَيْظِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما لاحَ في وُجُوهِهِمْ فَقالَ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ السَّطْوَةَ بِالبَطْشِ والعُنْفِ ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ أيِ الدّالَّةَ عَلى أسْمائِنا الحُسْنى، وصِفاتِنا العُلى، القاضِيَةِ بِوَحْدانِيَّتِنا، مَعَ كَوْنِها بَيِّناتٍ في غايَةِ الوُضُوحِ في أنَّها كَلامُنا، لِما فِيها مِنَ الحِكَمِ والبَلاغَةِ الَّتِي عَجَزُوا عَنْها.
ولَمّا اسْتَحَقُّوا - بِإنْكارِهِمْ وما أرادُوهُ مِنَ الأذى لِأوْلِياءِ اللَّهِ - النَّكالَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ إعْلامَهم بِما اسْتَحَقُّوهُ، فَقالَ مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ بِالإعْراضِ عَنْهُمْ، آمِرًا لَهُ ﷺ بِتَهْدِيدِهِمْ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ أتَعُونُ فَأُخْبِرُكم خَبَرًا عَظِيمًا ﴿بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ﴾ الأمْرِ الكَبِيرِ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي أرَدْتُمُوهُ بِعِبادِ اللَّهِ التّالِّينَ عَلَيْكم لِلْآياتِ وما حَصَلَ لَكم مِنَ الضَّجَرِ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلُكَ ما هُوَ؟ فَقِيلَ: ﴿النّارُ﴾ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُتَهَكِّمًا بِهِمْ بِذِكْرِ الوَعْدِ: ﴿وعَدَها اللَّهُ﴾ العَظِيمُ الجَلِيلُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَزاءً لَهم عَلى هَمِّهِمْ هَذا، فَبِئْسَ المَوْعِدُ هي ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
الحج 22:73
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْ أنَّهُ لا حُجَّةَ لِعابِدِ غَيْرِهِ، وهَدَّدَ مَن عانَدَ، أتْبَعْهُ بِأنَّ الحُجَّةَ قائِمَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ الغَيْرَ في غايَةِ الحَقارَةِ، ولا قُدْرَةَ (p-٩٥)لَهُ عَلى دَفْعِ ما هَدَّدَ بِهِ عابِدُوهُ ولا عَلى غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِالصَّلاحِيَةِ لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ الشَّرِيفَةِ، والخُطَّةِ العالِيَةِ المَنِيفَةِ، فَقالَ مُنادِيًا أهْلَ العَقْلِ مُنَبِّهًا تَنْبِيهًا عامًّا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ .
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنَ المَثَلِ تَعَقُّلَهُ لا قائِلَهُ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ حاصِلُهُ أنَّ مَن عَبَدْتُمُوهُ أمْثالُكُمْ، بَلْ هم أحْقَرُ مِنكم ﴿فاسْتَمِعُوا﴾ أيْ أنْصِتُوا مُتَدَبِّرِينَ ﴿لَهُ﴾ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ أيْ في حَوائِجِكُمْ، وتَجْعَلُونَهم آلِهَةً ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى مِن هَذِهِ الأصْنامِ الَّتِي أنْتُمْ بِها مُغْتَرُّونَ، ولِما تَدَّعُونَ فِيها مُفْتَرُونَ، لِأنَّ سَلْبَ القُدْرَةِ عَنْها يُبَيِّنُ أنَّها في أدْنى المَراتِبِ ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا﴾ أيْ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى ذَلِكَ الآنَ، ولا يَتَجَدَّدُ لَهم هَذا الوَصْفُ أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأزْمانِ، عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، مَعَ صِغَرِهِ، فَكَيْفَ بِما هو أكْبَرُ مِنهُ ﴿ولَوِ اجْتَمَعُوا﴾ أيِ الَّذِينَ زَعَمُوهم شُرَكاءَ ﴿لَهُ﴾ أيِ الخَلْقُ، فَهم في هَذا أمْثالُكم ﴿وإنْ﴾ أيْ وأبْلَغُ مِن هَذا أنَّهم عاجِزُونَ عَنْ مُقاوَمَةِ الذُّبابِ فَإنَّهُ إنْ ﴿يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ﴾ أيِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى خَلْقِهِ وهو في غايَةِ الحَقارَةِ (p-٩٦)﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الأشْياءِ جَلَّ أوْ قَلَّ مِمّا تَطْلُونَهم بِهِ مِنَ الطِّيبِ أوْ تَضَعُونَهُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ الأكْلِ أوَغَيْرِهِ ﴿لا يَسْتَنْقِذُوهُ﴾ أيْ يُوجِدُوا خَلاصَهُ أوْ يَطْلُبُوهُ ﴿مِنهُ﴾ فَهم في هَذا أحْقَرُ مِنكُمْ، وجِهَةُ التَّمْثِيلِ بِهِ في الِاسْتِلابِ الوَقاحَةُ، ولِهَذا يَجُوزُ عِنْدَ الإبْلاغِ في الذَّبِّ، فَلَوْ كانَتْ وقاحَتُهُ في الأسَدِ لَمْ يَنْجُ مِنهُ أحَدٌ، ولَكِنِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ أنْ تَصْحَبَ قُوَّةَ الأسَدِ النَّفْرَةُ، ووَقاحَةَ الذُّبابِ الضَّعْفُ، وهو واحِدٌ لا جَمْعٌ، فَفي الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ أنَّ ابْنَ عُبَيْدَةَ قالَ: إنَّهُ الصَّوابُ، ثُمَّ قالَ: وفي ”كِتابِ ما تَلْحَنُ فِيهِ العامَّةُ“ لِأبِي عُثْمانَ المازِنِيِّ: ويُقالُ: هَذا ذُبابٌ واحِدٌ، وثَلاثَةُ أذِبَّةٍ، لِأقَلِّ العَدَدِ ولِأكْثَرِهِ ذُبابٌ، وقَوْلُ النّاسِ: ذُبابَةٌ - خَطَأٌ، فَلا تَقُلْهُ -.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أفْهَمُ قُوَّةَ الذُّبابِ، عَرَّفَ أنَّ المَقْصُودَ غَيْرُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ، فَذْلَكَةً لِلْكَلامِ مِن أوَّلِهِ: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ﴾ أيْ لِلِاسْتِنْقاذِ مِنَ الذُّبابِ، وهو الأصْنامُ وعابِدُوها ﴿والمَطْلُوبُ﴾ أيِ الذُّبابُ والأصْنامُ، اجْتَمَعُوا في الضَّعْفِ وإنْ كانَ الأصْنامُ أضْعَفَ بِدَرَجاتٍ.
الحج 22:74
(p-٩٧)ولَمّا أنْتَجَ هَذا جَهْلَهم بِاللَّهِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ في وصْفِهِمْ بِصِفَتِهِ غَيْرَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَكَيْفَ وهو أحْقَرُ الأشْياءِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قَدْرُهُ؟ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿لَقَوِيٌّ﴾ عَلى خَلْقِ كُلِّ مُمْكِنٍ ﴿عَزِيزٌ﴾ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِخِلافِ أصْنامِهِمْ وغَيْرِها.
الحج 22:75
ولَمّا نُصِبَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ ما دَعَوْهُ لا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنهُ إلَهًا بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ إلَيْهِمْ حُجَّةً بِعِبادَتِهِمْ لَهُمْ، وخَتَمَ بِما لَهُ سُبْحانَهُ مِن وصْفَيِ القُوَّةِ والعِزَّةِ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّ لَهُ المُلْكَ كُلَّهُ، تَلا ذَلِكَ بِدَلِيلِهِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ سَعَةُ المُلْكِ وقُوَّةُ السُّلْطانِ مِن إنْزالِ الحُجَجِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ المُوجِبِ لِإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ المُقْتَضِي لِتَعْذِيبِ تارِكِها، فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَصْطَفِي﴾ أيْ يَخْتارُ ويُخْلِصُ ﴿مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾ إلى ما يَنْبَغِي الإرْسالُ فِيهِ مِنَ العَذابِ والرَّحْمَةِ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى صَدِّهِمْ عَمّا أرْسَلُوا لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ قُوَّةَ الرَّسُولِ مِن قُوَّةِ المُرْسَلِ ﴿ومِنَ النّاسِ﴾ أيْضًا رُسُلًا يَأْتُونَ عَنِ اللَّهِ بِما يَشْرَعُونَهُ لِعِبادِهِ، لِتَقُومَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ حُجَّةُ النَّقْلِ، مَضْمُومَةً إلى سُلْطانِ العَقْلِ، فَمَن عاداهم خَسِرَ وإنْ طالَ اسْتِدْراجُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ (p-٩٨)﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ لِما يُمْكِنُ أنْ يَسْمَعَ مِنَ الرَّسُولِ وغَيْرِهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ مُبْصِرٌ عالِمٌ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ عَقْلًا أنْ يُبْصَرَ ويُعْلَمَ، بِخِلافِ أصْنامِهِمْ.
الحج 22:76
ولَمّا كانَ المُتَّصِفُ بِذَلِكَ قَدْ يَكُونُ وصْفُهُ مَقْصُورًا عَلى بَعْضِ الأشْياءِ، أخْبَرَ أنَّ صِفاتِهِ مُحِيطَةٌ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيِ الرُّسُلِ ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ أيْ عِلْمُهُ مُحِيطٌ بِما هم مُطَّلِعُونَ عَلَيْهِ وبِما غابَ عَنْهُمْ، فَلا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِإذْنِهِ، فَإنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ رَصَدًا لِيَعْلَمَ أنَّ قَدْ أبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وإنْ ظَنَّ الجاهِلُونَ غَيْرَ ذَلِكَ، لِاحْتِجابِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في الأسْبابِ، فَلا يَقَعُ في فِكْرٍ أصْلًا أنَّ المُحِيطَ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءٍ الشّامِلَ القُدْرَةِ لِكُلِّ شَيْءٍ يَكِلُ رَسُولًا مِن رُسُلِهِ إلى نَفْسِهِ، فَيَتَكَلَّمُ بِشَيْءٍ لَمْ يُرْسِلْهُ بِهِ، ولا أنَّهُ يُمَكِّنُ شَيْطانًا أوْ غَيْرَهُ أنْ يَتَكَلَّمَ عَلى لِسانِهِ بِشَيْءٍ، بَلْ كُلٌّ مِنهم مَحْفُوظٌ في نَفْسِهِ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] ﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾ [النجم: ٤] مَحْفُوظٌ عَنْ تَلْبِيسِ غَيْرِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] ﴿وإلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وحْدَهُ ﴿تُرْجَعُ﴾ أيْ بِغايَةِ السُّهُولَةِ بِوَعْدٍ فَصْلٍ لا بُدَّ مِنهُ ﴿الأُمُورُ﴾ يَوْمَ يَتَجَلّى لِفَصْلِ القَضاءِ، فَيَكُونُ أمْرُهُ ظاهِرًا خَفاءً فِيهِ، ولا يَصْدُرُ (p-٩٩)شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ إلّا عَلى وجْهِ العَدْلِ الظّاهِرِ لِكُلِّ أحَدٍ أنَّهُ مِنهُ. ولا يَكُونُ لِأحَدٍ التِفاتٌ إلى غَيْرِهِ، والَّذِي هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَهُ أنْ يَشْرَعَ ما يَشاءُ، ويَنْسَخَ مِنَ الشُّرُوعِ ما يَشاءُ، ويَحْكُمُ بِما يُرِيدُ.
الحج 22:77
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ أنَّ المُلْكَ والأمْرَ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ قَدْ أحْكَمَ شَرْعَهُ، وحَفِظَ رُسُلَهُ، وأنَّهُ يُمْكِنُ لِمَن يَشاءُ أيَّ دِينٍ شاءَ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِما يَصْلُحُ لِلتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ المَلِكَ إذا بَرَزَتْ أوامِرُهُ وانْبَثَّتْ دُعاتُهُ، أقْبَلَ إلَيْهِ مُقْبِلُونَ، خاطَبَ المُقْبِلِينَ إلى دِينِهِ، وهُمُ الخُلَّصُ مِنَ النّاسِ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ قالُوا: آمَنّا ﴿ارْكَعُوا﴾ تَصْدِيقًا لِقَوْلِكم ﴿واسْجُدُوا﴾ أيْ صَلُّوا الصَّلاةَ الَّتِي شَرَعْتُها لِلْآدَمِيِّينَ، فَإنَّها رَأْسُ العِبادَةِ، لِتَكُونَ دَلِيلًا عَلى صِدْقِكم في الإقْرارِ بِالإيمانِ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ في التَّعْبِيرِ عَنِ الصَّلاةِ بِهِما، لِأنَّهُما - لِمُخالَفَتِهِما الهَيْئاتِ المُعْتادَةَ - هُما الدّالّانِ عَلى الخُضُوعِ، فَحَسُنَ التَّعْبِيرُ بِهِما عَنْها جِدًّا في السُّورَةِ الَّتِي جَمَعَتْ جَمِيعَ الفِرَقِ الَّذِينَ فِيهِمْ مَن يَسْتَقْبِحُ - لِما غَلَبَ عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ - بَعْضَ الهَيْئاتِ الدّالَّةِ عَلى ذُلٍّ.
ولَمّا خَصَّ أشْرَفَ العِبادَةِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْبُدُوا﴾ أيْ بِأنْواعِ (p-١٠٠)العِبادَةِ ﴿رَبَّكُمْ﴾ المُحْسِنَ إلَيْكم بِكُلِّ نِعْمَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ودِينِيَّةٍ. ولَمّا ذَكَرَ عُمُومَ العِبادَةِ، أتْبَعَها ما قَدْ يَكُونُ أعَمَّ مِنها مِمّا صُورَتُهُ صُورَتُها، وقَدْ يَكُونُ بِلا نِيَّةٍ، فَقالَ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أيْ كُلَّهُ مِنَ القُرَبِ كَصِلَةِ الأرْحامِ وعِيادَةِ المَرْضى ونَحْوِ ذَلِكَ، مِن مَعالِي الأخْلاقِ بِنِيَّةٍ وبِغَيْرِ نِيَّةٍ، حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ لَكم عادَةً فَيَخِفُّ عَلَيْكم عَمَلُهُ لِلَّهِ، وهو قَرِيبٌ مِن «ابْكُوا فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا» قالَ أبُو حَيّانَ: بَدَأ بِخاصٍّ ثُمَّ بِأعَمَّ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُكم حالَ مَن يَرْجُو الفَلاحَ، وهو الفَوْزُ بِالمَطْلُوبِ؛ قالَ ابْنَ القَطّاعِ: أفْلَحَ الرَّجُلُ: فازَ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، وفَلَحَ أيْضًا لُغَةٌ فِيهِ. وفي الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: الفَلْحُ والفَلاحُ: الفَوْزُ والبَقاءُ وفي التَّنْزِيلِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] أيْ نالُوا البَقاءَ الدّائِمَ، وفي الخَبَرِ: أفْلَحَ الرَّجُلُ: ظَفِرَ. ويُقالُ لِكُلِّ مَن أصابَ خَيْرًا: مُفْلِحٌ.
الحج 22:78
ولَمّا كانَ الجِهادُ أساسَ العِبادَةِ، وهو - مَعَ كَوْنِهِ حَقِيقَةً في قِتال الكُفّارِ - صالِحٌ لِأنَّ يَعُمَّ كُلَّ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ ونَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ بِالمالِ والنَّفْسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ بِالسَّيْفِ وغَيْرِهِ، وكُلَّ اجْتِهادٍ في تَهْذِيبِ (p-١٠١)النَّفْسِ وإخْلاصِ العَمَلِ، خَتَمَ بِهِ فَقالَ: ﴿وجاهِدُوا في اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ في كُلِّ ما يُنْسَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ عَنْهُ كَما لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنَ المَظْرُوفِ عَنِ الظَّرْفِ ﴿حَقَّ جِهادِهِ﴾ بِاسْتِفْراغِ الطّاقَةِ في إيقاعِ كُلِّ ما أمَرَ بِهِ مِن جِهادِ العَدُوِّ والنَّفْسِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ مِنَ الحَجِّ والغَزْوِ وغَيْرِهِما جِهادًا يَلِيقُ بِما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الإخْلاصِ والقُوَّةِ، فَإنَّهُ يَهْلَكُ جَمِيعُ مَن يَصُدُّكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الأوامِرِ، أتْبَعَها بَعْضَ ما يَجِبُ بِهِ شُكْرُهُ، وهو كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ أيِ اخْتارَكم لِجَعْلِ الرِّسالَةِ فِيكم والرَّسُولِ مِنكم وجَعَلَهُ أشْرَفَ الرُّسُلِ، ودِينَهُ أكْرَمَ الأدْيانِ، وكِتابَهُ أعْظَمَ الكُتُبِ، وجَعَلَكم - لِكَوْنِكم أتْباعَهُ - خَيْرَ الأُمَمِ ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ﴾ الَّذِي اخْتارَهُ لَكم ﴿مِن حَرَجٍ﴾ أيْ ضِيقٍ يَكُونُ بِهِ نَوْعُ عُذْرٍ لِمَن تَوانى في الجِهادِ الأصْغَرِ والأكْبَرِ كَما جَعَلَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم كَما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَعْضَهُ في البَقَرَةِ وغَيْرِها، أعْنِي ﴿مِلَّةَ﴾ (p-١٠٢)ولَمّا كانَ أوَّلُ مُخاطَبٍ بِهَذا قُرَيْشًا، ثُمَّ مُضَرَ، وكانُوا كُلُّهم أوْلادَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَقِيقَةً، قالَ: ﴿أبِيكم إبْراهِيمَ﴾ أيِ الَّذِي تَرَكَ عِبادَةَ الأصْنامِ ونَهى عَنْها، ووَحَّدَ اللَّهَ وأمَرَ بِتَوْحِيدِهِ، يا مَن تَقَيَّدُوا بِتَقْلِيدِ الآباءِ! فالزَمُوا دِينَهُ لِكَوْنِهِ أبًا، ولِكَوْنِي أمَرْتُ بِهِ، وهو أبٌ لِبَعْضِ المُخاطَبِينَ مِنَ الأُمَّةِ حَقِيقَةً، ولِبَعْضِهِمْ مَجازًا بِالِاحْتِرامِ والتَّعْظِيمِ، فَيَعُمُّ الخِطابُ الجَمِيعَ، ولِذَلِكَ حَثَّهم عَلى مِلَّتِهِ بِالتَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ في الأزْمانِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلِ إنْزالِ هَذا القُرْآنِ، فَنَوَّهَ بِذِكْرِكم والثَّناءِ عَلَيْكم في سالِفِ الدَّهْرِ وقَدِيمِ الزَّمانِ فَكَتَبَ ثَناءَهُ في كُتُبِ الأنْبِياءِ يُتْلى عَلى الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وسَمّاكم أيْضًا مُسْلِمِينَ ﴿وفِي هَذا﴾ الكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ إنْزالِ تِلْكَ الكُتُبِ كَما أخْبَرْتُكم عَنْ دَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] لِأنَّهُ بِانْتِفاءِ الحَرَجِ يُطابِقُ الِاسْمُ المُسَمّى، ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ﴿هُوَ سَمّاكُمُ﴾ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِحَقِّ الجِهادِ بَعْدَ تَعْلِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، ويَشْهَدُ لَهُ بِالحُسْنِ قِراءَةُ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالجَلالَةِ عِوَضًا عَنِ الضَّمِيرِ، أيْ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَسَمَّتْ بِاسْمٍ مِن تِلْقاءِ نَفْسِها، واللَّهُ تَعالى خَصَّكم بِاسْمِ الإسْلامِ مُشْتَقًّا لَهُ مِنَ اسْمِهِ ”السَّلام“ مَعَ ما خَصَّكم بِهِ مِنِ (p-١٠٣)اسْمِ الإيمانِ اشْتِقاقًا لَهُ مِنِ اسْمِهِ المُؤْمِنِ، فَأثْبَتَ لَكم هَذا الِاسْمَ في كُتُبِهِ، واجْتَباكم لِاتِّباعِ رَسُولِهِ.
ولَمّا كانَ الِاسْمُ إذا كانَ ناشِئًا عَنِ اللَّهِ تَعالى سَواءً كانَ بِواسِطَةِ نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ يَكُونُ مُخْبِرًا عَنْ كِيانِ المُسَمّى، وكانَ التَّقْدِيرُ: رَفَعَ عَنْكُمُ الحَرَجَ وسَمّاكم بِالإسْلامِ لِتَكُونُوا أشَدَّ الأُمَمِ انْقِيادًا لِتَكُونُوا خَيْرَهُمْ، عَلَّلَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ لِأنَّهُ خَيْرُكُمْ، والشَّهِيدُ يَكُونُ خَيْرًا ولِكَوْنِ السِّياقِ لِإثْباتِ مُطْلَقِ وصْفِ الإسْلامِ فَقَطْ، لَمْ يَقْتَضِ الحالُ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ بِخِلافِ آيَةِ البَقَرَةِ، فَإنَّها لِإثْباتِ ما هو أخَصُّ مِنهُ ﴿وتَكُونُوا﴾ بِما في جَبِلّاتِكم مِنَ الخَيْرِ ﴿شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ رُسُلَهم بَلَّغَتْهم رِسالاتِ رَبِّهِمْ، لِأنَّكم قَدَرْتُمُ الرُّسُلَ حَقَّ قَدْرِهِمْ، ولَمْ تُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، وعَلِمْتُمْ أخْبارَهم مِن كِتابِكم عَلى لِسانِ رَسُولِكم ﷺ، فَبِذَلِكَ كُلِّهِ صِرْتُمْ خَيْرَهُمْ، فَأُهِّلْتُمْ لِلشَّهادَةِ وصَحَّتْ شَهادَتُكم وقَبْلَكُمُ الحَكَمُ العَدْلُ، وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ الشَّهادَةَ غَيْرُ المُسْلِمِ لَيْسَتْ مَقْبُولَةً.
ولَمّا نَدَبَهم لِأنَّ يَكُونُوا خَيْرَ النّاسِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأقِيمُوا﴾ (p-١٠٤)أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ إنْعامِي عَلَيْكم بِهَذِهِ النِّعَمِ وإقامَتِي لَكم في هَذا المَقامِ الشَّرِيفِ أنِّي أقُولُ لَكُمْ: أقِيمُوا ﴿الصَّلاةَ﴾ الَّتِي هي زَكاةُ قُلُوبِكُمْ، وصِلَةُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ رَبِّكم ﴿وآتُوا الزَّكاةَ﴾ الَّتِي هي طُهْرَةُ أبْدانِكُمْ، وصِلَةُ ما بَيْنَكم وبَيْنَ إخْوانِكم ﴿واعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ.
فِي جَمِيعِ ما أمَرَكم بِهِ، مِنَ المَناسِكِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ وغَيْرِها لِتَكُونُوا مُتَّقِينَ، فَيَذُبُّ عَنْكم مَن يُرِيدُ أنْ يَحُولَ بَيْنَكم وبَيْنَ شَيْءٍ مِنها ويَقِيكم هَوْلَ السّاعَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ أهْلِيَّتَهُ لِاعْتِصامِهِمْ بِهِ بِقَوْلِهِ: ( هو ) أيْ وحْدَهُ ﴿مَوْلاكُمْ﴾ أيِ المُتَوَلِّي لِجَمِيعِ أُمُورِكُمْ، فَهو يَنْصُرُكم عَلى كُلِّ مَن يُعادِيكُمْ، بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُونَ مِن إظْهارِ هَذا الدِّينِ مِن مَناسِكِ الحَجِّ وغَيْرِها؛ ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ بِالِاعْتِصامِ وتَوَحُّدُهُ بِالوِلايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ المَوْلى﴾ أيْ هو ﴿ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لِأنَّهُ إذا تَوَلّى أحَدًا كَفاهُ كُلَّ ما أهَمَّهُ، وإذا نَصَرَ أحَدًا أعْلاهُ عَلى كُلِّ مَن خاصَمَهُ «ولا يَزالُ العَبْدُ يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أحَبَّهُ فَإذا أحْبَبْتُهُ» - الحَدِيثُ، «إنَّهُ لا يَذِلُّ مَن والَيْتَ ولا يَعِزُّ مَن عادَيْتَ» وهَذا نَتِيجَةُ التَّقْوى، وما قَبْلَهُ مِن أفْعالِ الطّاعَةِ دَلِيلُها. فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها. ورُدَّ مَقْطَعُها عَلى مَطْلَعِها - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ وأسْرارِ كِتابِهِ وهو الهادِي لِلصَّوابِ.
المؤمنون 23:1
(p-١٠٥)سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
مَقْصُودُها اخْتِصاصُ المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ، واسْمُها واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَلا رادَّ لِأمْرِهِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ الإبْلاغُ في البَيانِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ مَن أرادَ بِالإيمانِ.
لَمّا خُتِمَتِ الحَجُّ بِنِداءِ الَّذِينَ آمَنُوا وأمْرِهِمْ بِأُمُورِ الدِّينِ خاصَّةً وعامَّةً، وخَتَمَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والعِصْمَةِ بِهِ سُبْحانَهُ مَوْصُوفًا بِما ذَكَرَ، أوْجَبَ ذَلِكَ تَوَقُّعَ المُنادِينَ كُلَّ خَيْرٍ، فابْتَدَأتْ هَذِهِ بِما يُثْمِرُ الِاعْتِصامَ بِهِ سُبْحانَهُ في الصَّلاةِ وغَيْرِها مِن خِلالِ الدِّينِ في الدّارَيْنِ، فَقالَ تَعالى مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ ﴿قَدْ﴾ وهي نَقِيضَةٌ لِما تُثْبِتُ المُتَوَقَّعَ وتُقَرِّبُ الماضِيَ مِنَ الحالِ ولِما تَنْفِيهِ ﴿أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ وظَفِرَ الآنَ بِكُلِّ ما يُرِيدُ، ونالَ البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ ﴿المُؤْمِنُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ إشارَةً إلى أنَّ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ وعَمِلَ بِما أُمِرَ بِهِ في آخِرِ الَّتِي قَبْلَها، اسْتَحَقَّ الوَصْفَ الثّابِتَ لِأنَّهُ اتَّقى وأنْفَقَ مِمّا رُزِقَ فَأفْلَحَ ”ومَن يُوقَ شَحَّ نَفْسه فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ“ .
المؤمنون 23:2
ثُمَّ قَيَّدَهم بِما يَلْزَمُ مِنَ الصِّدْقِ في الإيمانِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ ﴿فِي صَلاتِهِمْ﴾ أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ تَرْغِيبًا لَهم في (p-١٠٦)حِفْظِها، لِأنَّها بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، وهو غَنِيٌّ عَنْها، فَهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها ﴿خاشِعُونَ﴾ أيْ أذِلّاءُ ساكِنُونَ مُتَواضِعُونَ مُطْمَئِنُّونَ قاصِرُونَ بَواطِنُهم وظَواهِرُهم عَلى ما هم فِيهِ؛ قالَ الرّازِي: خائِفُونَ خَوْفًا يَمْلَأُ القَلْبَ حُرْمَةً، والأخْلاقَ تَهْذِيبًا، والأطْرافَ تَأْدِيبًا، أيْ خَشْيَةَ أنْ تُرَدَّ عَلَيْهِمْ صَلاتُهُمْ، ومِن ذَلِكَ خَفْضُ البَصَرِ إلى مَوْضِعِ السُّجُودِ، قالَ الرّازِي: فالعَبْدُ إذا دَخَلَ في الصَّلاةِ رَفَعَ الحِجابَ، وإذا التَفَتَ أرْخى، قالَ: وهو خَوْفٌ مَمْزُوجٌ بِتَيَقُّظٍ واسْتِكانَةٍ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ في المُعامَلَةِ إيثارًا ومُجامَلَةً وإنْصافًا ومَعْدَلَةً، وفي الخِدْمَةِ حُضُورًا واسْتِكانَةً. وفي السِّرِّ تَعْظِيمًا وحَياءً وحُرْمَةً، والخُشُوعَ في الصَّلاةِ بِجَمْعِ الهِمَّةِ لَها، والإعْراضِ عَمّا سِواها، وذَلِكَ بِحُضُورِ القَلْبِ والتَّفَهُّمِ والتَّعْظِيمِ والهَيْبَةِ والرَّجاءِ والحَياءِ، وإذا كانَ هَذا حالَهم في الصَّلاةِ الَّتِي هي أقْرَبُ القُرُباتِ. فَهم بِهِ فِيما سِواها أوْلى.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والخُشُوعُ في الصَّلاةِ إنَّما يَحْصُلُ لِمَن فَرَّغَ قَلْبَهُ لَها، واشْتَغَلَ بِها عَمّا عَداها، وآثَرَها عَلى غَيْرِها، وحِينَئِذٍ تَكُونُ راحَةً لَهُ وقُرَّةَ عَيْنٍ «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» رَواهُ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «يا بِلالُ! أرِحْنا بِالصَّلاةِ» - رَواهُ أحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِن أسْلَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
المؤمنون 23:3
(p-١٠٧)ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ الصَّلاةِ والخُشُوعِ صادًّا عَنِ اللَّغْوِ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ بِضَمائِرِهِمُ الَّتِي تَبِعَها ظَواهِرُهم ﴿عَنِ اللَّغْوِ﴾ أيْ ما لا يَعْنِيهِمْ، وهو كُلُّ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يُسْقَطَ ويُلْغى ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ تارِكُونَ عَمْدًا، فَصارُوا جامِعِينَ فِعْلَ ما يَعْنِي وتَرْكَ ما لا يَعْنِي.
المؤمنون 23:4
ولَمّا جَمَعَ بَيْنَ قاعِدَتَيْ بِناءِ التَّكالِيفِ: فِعْلِ الخُشُوعِ وتَرْكِ اللَّغْوِ، وكانَ الإنْسانُ مَحِلَّ العَجْزِ ومَرْكَزِ التَّقْصِيرِ، فَهو لا يَكادُ يَخْلُو عَمّا لا يَعْنِيهِ، وكانَ المالُ مُكَفِّرًا لِما قَصَدَ مِنَ الإيمانِ فَضْلًا عَمّا ذَكَرَ مِنها عَلى سَبِيلِ اللَّغْوِ، فَكانَ مُكَفِّرًا لِلَّغْوٍ في غَيْرِ اليَمِينِ مِن بابِ الأوْلى ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ [التوبة: ١٠٣] أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾ وأثْبَتَ اللّامَ تَقْوِيَةً لِاسْمِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿لِلزَّكاةِ﴾ أيِ التَّزْكِيَةِ، وهي إخْراجُ الزَّكاةِ، أوْ لِأداءِ الزَّكاةِ الَّتِي هي أعْظَمُ مُصَدِّقٍ لِلْإيمانِ ﴿فاعِلُونَ﴾ لِيَجْمَعُوا في طَهارَةِ الدِّينِ بَيْنَ القَلْبِ والقالَبِ والمالِ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، وإنَّما فُرِضَتِ الزَّكاةُ بِالمَدِينَةِ في سَنَةِ اثْنَتَيْنِ مِنَ الهِجْرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الَّتِي فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ إنَّما هي ذاتُ النَّصْبِ، وأنَّ أصْلَ الزَّكاةِ كانَ واجِبًا بِمَكَّةَ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْعامِ
﴿وآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]
المؤمنون 23:5
(p-١٠٨).
ولَمّا أشارَ إلى أنَّ بَذْلَ المالِ عَلى وجْهِهِ طُهْرَةً، وأنَّ حَبْسَهُ عَنْ ذَلِكَ تَلْفَةٌ، أتْبَعُهُ الإيماءَ إلى أنَّ بَذْلَ الفَرْجِ في غَيْرِ وجْهِهِ نَجاسَةٌ، وحِفْظَهُ طُهْرَةٌ. فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ﴾ في الجِماعِ وما داناهُ بِالظّاهِرِ والباطِنِ ﴿حافِظُونَ﴾ أيْ دائِمًا لا يَتْبَعُونَها شَهْوَتَها، بَلْ هم قائِمُونَ عَلَيْها يُذِلُّونَها ويَضْبِطُونَها، وذِكْرُها بَعْدَ اللَّغْوِ الدّاعِي إلَيْها وبَذْلِ المالِ الَّذِي هو مِن أعْظَمَ أسْبابِها عَظِيمُ المُناسَبَةِ.
المؤمنون 23:6
ثُمَّ اسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ اللّاتِي مَلَكُوا أبْضاعَهُنَّ بِعَقْدِ النِّكاحِ، ولِعُلُوِّ الذِّكْرِ عَبَّرَ بِ ”عَلى“ ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ رَقابَةً مِنَ السَّرارِي، وعَبَّرَ بِ ”ما“ لِقُرْبِهِنَّ مِمّا لا يَعْقِلُ لِنَقْصِهِنَّ عَنِ الحَرائِرِ النّاقِصاتِ عَنِ الذُّكُورِ ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ أيْ عَلى بَذْلِ الفَرْجِ في ذَلِكَ إذا كانَ عَلى وجْهِهِ.
المؤمنون 23:7
ولَمّا كانَ مَن لَمْ يَكْتَفِ بِالحَلالِ مُكَلِّفًا نَفْسَهُ طَلَبَ ما يَضُرُّهُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ العِلاجَ: ﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ تَطَلَّبَ مُتَعَدِّيًا ﴿وراءَ ذَلِكَ﴾ العَظِيمِ المَنفَعَةِ الَّذِي وقَعَ اسْتِثْناؤُهُ بِزِنًى أوْ لُواطٍ أوِ اسْتِمْناءِ يَدٍ أوْ بَهِيمَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿فَأُولَئِكَ﴾ البَعِيدُونَ مِنَ الفَلاحِ ﴿هُمُ العادُونَ﴾ أيِ المُبالِغُونَ في تَعَدِّي الحُدُودِ، لِما يُورِثُ ذَلِكَ مِنِ اخْتِلاطِ الأنْسابِ، وانْتِهاكِ الأعْراضِ، وإتْلافِ الأمْوالِ، وإيقادِ الشَّرِّ بَيْنَ العِبادِ.
المؤمنون 23:8
(p-١٠٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِنَ الأماناتِ العَظِيمَةِ، أتْبَعَهُ عُمُومَها فَقالَ: ﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ﴾ أيْ في الفُرُوجِ وغَيْرِها، سَواءٌ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ كالصَّلاةِ والصِّيامِ وغَيْرِهِما، أوْ في المَعانِي الباطِنَةِ كالإخْلاصِ والصِّدْقِ، أوْ بَيْنَهم وبَيْنَ خَلْقٍ كالوَدائِعِ والبَضائِعِ، فَعَلى العَبْدِ الوَفاءُ بِجَمِيعِها - قالَهُ الرّازِي. ولَمّا كانَ العَهْدُ أعْظَمَ أمانَةٍ، تَلاها بِهِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِهِ فَقالَ: ﴿وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ أيِ الحافِظُونَ بِالقِيامِ والرِّعايَةِ والإصْلاحِ.
المؤمنون 23:9
ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ أجَلَّ ما عَهِدَ فِيهِ مِن أمْرِ الدِّينِ وآكُدُ، وهي مِنَ الأُمُورِ الخَفِيَّةِ الَّتِي وقَعَ الِائْتِمانُ عَلَيْها، لِما خَفَّفَ اللَّهُ فِيها عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ بِإيساعِ زَمانِها ومَكانِها، قالَ: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ الَّتِي وُصِفُوا بِالخُشُوعِ فِيها ﴿يُحافِظُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ تَعَهُّدَها بِغايَةِ جِدِّهِمْ، لا يَتْرُكُونَ شَيْئًا مِن مَفْرُوضاتِها ولا مَسْنُوناتِها، ويَجْتَهِدُونَ في كَمالاتِها، وُحِّدَتْ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ لِلْجِنْسِ، وجُمِعَتْ عِنْدَ الجَماعَةِ إشارَةً إلى أعْدادِها وأنْواعِها، ولا يَخْفى ما في افْتِتاحِ هَذِهِ الأوْصافِ واخْتِتامِها بِالصَّلاةِ مِنَ التَّعْظِيمِ لَها، كَما قالَ ﷺ: «واعْلَمُوا أنَّ خَيْرَ أعْمالِكُمُ الصَّلاةُ» .
المؤمنون 23:10
ولَمّا ذَكَرَ مَجْمُوعَ هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ، فَخَّمَ جَزاءَهم فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البالِغُونَ مِنَ الإحْسانِ أعْلى مَكانٍ ﴿هُمُ﴾ خاصَّةً (p-١١٠)﴿الوارِثُونَ﴾ أيِ المُسْتَحِقُّونَ لِهَذا الوَصْفِ المُشْعِرِ بِبَقائِهِمْ بَعْدَ أعْدائِهِمْ فَيَرْثُونَ دارَ اللَّهِ لِقُرْبِهِمْ مِنهُ واخْتِصاصِهِمْ بِهِ بَعْدَ إرْثِهِمْ أرْضَ الدُّنْيا الَّتِي قارَعُوا عَلَيْها عَلى قَتْلِهِمْ وضَعْفِهِمْ أعْداءَنا الكُفّارَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، فَكانَتِ العاقِبَةُ فِيها لَهم كَما كَتَبْنا في الزَّبُورِ ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣] ﴿ولَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ١٤]
المؤمنون 23:11
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ الَّتِي هي أعْلى الجَنَّةِ، وهي في الأصْلِ البُسْتانُ العَظِيمُ الواسِعِ، يَجْمَعُ مَحاسِنَ النَّباتِ والأشْجارِ مِنَ العِنَبِ وما ضاهاهُ مِن كُلِّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ والأوْدِيَةِ الَّتِي تَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ: فَيَحُوزُونَ مِنها بَعْدَ البَعْثِ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم فِيها مِنَ المَنازِلِ وما كانَ أعَدَّ لِلْكَفّارِ لَوْ آمَنُوا أوْ لَمْ يَخْرُجُوا بِخُرُوجِ أبَوَيْهِمْ مِنَ الجَنَّةِ ﴿هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيْ لا في غَيْرِها ﴿خالِدُونَ﴾ وهَذِهِ الآياتُ أجْمَعُ ما ذُكِرَ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ والتِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ مِن جامِعِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ إذا نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيُ يُسْمَعُ عِنْدَ وجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فَنَزَلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنا ساعَةً فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ (p-١١١)ورَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ زِدْنا ولا تَنْقُصْنا، وأكْرِمْنا ولا تُهِنّا، وأعْطِنا ولا تَحْرِمْنا، وآثِرْنا ولا تُؤْثِرْ عَلَيْنا، وارْضَ عَنّا وأرْضِنا، ثُمَّ قالَ: لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ عَشْرُ آياتٍ مَن أقامَهُنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] حَتّى خَتَمَ العَشْرَ»
- ورَواهُ النَّسائِيُّ في الصَّلاةِ وقالَ: مُنْكِرٌ لا يُعْرَفُ أحَدٌ رَواهُ غَيْرُ يُونُسَ بْنِ سَلِيمٍ ويُونُسُ لا نَعْرِفُهُ، وعَزى أبُو حَيّانَ آخِرَ الحَدِيثِ لِلْحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: فَصَّلَ في افْتِتاحِها ما أجْمَلَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] وأعْلَمَ بِما يَنْبَغِي لِلرّاكِعِ والسّاجِدِ التِزامُهُ مِنَ الخُشُوعِ، ولِالتِحامِ الكَلامَيْنِ ما ورَدَ الأوَّلُ أمْرًا والثّانِي مُدْحَةً وتَعْرِيفًا بِما بِهِ كَمالُ الحالِ، وكَأنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ، وأطْمَعَ بِالفَلاحِ جَزاءً لِامْتِثالِهِ، كانَ مَظِنَّةً لِسُؤالِهِ عَنْ تَفْصِيلِ ما أمَرَ بِهِ مِنَ العِبادَةِ وفِعْلِ الخَيْرِ الَّذِي بِهِ يَكْمُلُ فَلاحُهُ فَقِيلَ لَهُ: المُفْلِحُ مَنِ التَزَمَ كَذا وكَذا، وذَكَرَ سَبْعَةَ أضْرُبٍ مِنَ العِبادَةِ هي أُصُولٌ لِما وراءَها ومُسْتَتْبِعَةٌ سائِرَ التَّكالِيفِ، وقَدْ بَسَطَ حُكْمَ كُلِّ عِبادَةِ مِنها وما يَتَعَلَّقُ بِها في الكِتابِ والسُّنَّةِ؛ ولَمّا كانَتِ المُحافَظَةُ عَلى الصَّلاةِ مُنافِرَةً إتْيانَ المَأْثَمِ جُمْلَةً ﴿إنَّ الصَّلاةَ (p-١١٢)تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] لِذَلِكَ ما خُتِمَتْ بِها هَذِهِ العِباداتُ بَعْدَ التَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الصَّلاةِ مِن هَذِهِ العِبادَةِ بِذِكْرِ الخُشُوعِ فِيها أوَّلًا، واتَّبَعَتْ هَذِهِ الضُّرُوبَ السَّبْعَةَ بِذِكْرِ أطْوارٍ سَبْعَةٍ يَتَقَلَّبُ فِيها الإنْسانُ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلى الدُّنْيا فَقالَ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] - إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وكَأنْ قَدْ قِيلَ لَهُ: إنَّما كَمُلَ خَلْقُكَ وخُرُوجُكَ إلى الدُّنْيا بَعْدَ هَذِهِ التَّقَلُّباتِ السَّبْعَةِ. وإنَّما تَتَخَلَّصُ مِن دُنْياكَ بِالتِزامِ هَذِهِ العِباداتِ السَّبْعِ، وقَدْ وقَعَ عَقِبَ هَذِهِ الآياتِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧] ولَعَلَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَرِّرُ هَذا الِاعْتِبارَ ووارِدٌ لِمُناسَبَتِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ، وكَما أنَّ صَدْرَ هَذِهِ السُّورَةِ مُفَسِّرٌ لِما أُجْمِلَ في الآياتِ قَبْلَها فَكَذا الآياتُ بَعْدُ مُفَصِّلَةٌ لِمُجْمَلِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [الحج: ٥] وهَذا كافٍ في التِحامِ السُّورَتَيْنِ واللَّهُ سُبْحانَهُ المُسْتَعانُ - انْتَهى.
المؤمنون 23:12
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الجَنَّةَ المُتَضَمِّنَ ذِكْرُها لِلْبَعْثِ، اسْتَدَلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ لِلْإنْسانِ، ثُمَّ لِما هو أكْبَرُ مِنهُ مِنَ الأكْوانِ، وما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ، فَلَمّا ثَبَتَ ذَلِكَ شَرَعَ يُهَدِّدُ مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنْهُ بِإهْلاكِ الماضِينَ، وابْتَدَأ بِقِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام لِأنَّهُ أوَّلُ، ولِأنَّ نَجاتَهُ كانَتْ في الفُلْكِ المَخْتُومِ بِهِ الآيَةُ الَّتِي قَبْلَهُ، وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ (p-١١٣)فِيهِ لِأنَّ الكُلَّ مِن نَسْلِهِ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالتَّهْدِيدِ بِإهْلاكِ الماضِينَ القُدْرَةُ التّامَّةُ بِالِاخْتِيارِ، خَوَّفَ العَرَبَ مِثْلَ ذَلِكَ العَذابِ، فَلَمّا تَمَّ زاجِرُ الإنْذارِ بِالنِّقَمِ شَرَعَ في الِاسْتِعْطافِ إلى الشُّكْرِ بِالنِّعَمِ، بِتَمْيِيزِ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى دَلائِلِ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِالوَحْدانِيَّةِ والتَّنَزُّهِ عَنِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ - إلى آخِرِها، ثُمَّ ذَكَرَ في أوَّلِ الَّتِي بَعْدَها عَلى ما ذَكَرَ هُنا مِن صَوْنِ الفُرُوجِ، فَذَكَرَ حُكْمَ مَن لَمْ يَصُنْ فَرْجَهُ وأتْبَعَهُ ما يُناسِبُهُ مِن تَوابِعِهِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ حَكَمْنا بِبَعْثِ جَمِيعِ العِبادِ بَعْدَ المَماتِ، فَرِيقًا مِنهم إلى النَّعِيمِ، وفَرِيقًا إلى الجَحِيمِ، فَإنّا قادِرُونَ عَلى الإعادَةِ وإنْ تَمَزَّقْتُمْ وصِرْتُمْ تُرابًا فَإنَّهُ تُرابٌ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، كَما قَدَرْنا عَلى البُداءَةِ فَلَقَدْ خَلَقَنا أباكم آدَمَ مِن تُرابِ الأرْضِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لِلتُّرابِ أصْلٌ في الحَياةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، دَلالَةً عَلى هَذا المُقَدَّرِ واسْتِدْلالًا عَلى البَعْثِ مُظْهِرًا لَهُ في مَقامِ العَظَمَةِ، مُؤَكِّدًا إقامَةً لَهم بِإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ مَقامَ المُنْكِرِينَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ الَّذِي تُشاهِدُونَهُ آنِسًا بِنَفْسِهِ مَسْرُورًا بِفِعْلِهِ وحِسِّهِ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ (p-١١٤)أيْ شَيْءٍ قَلِيلٍ، بِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّيغَةُ كالقُلامَةِ والقُمامَةِ، انْتَزَعْناهُ واسْتَخْلَصْناهُ بِرِفْقٍ، فَكانَ عَلى نِهايَةِ الِاعْتِدالِ، وهي طِينَةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، سَلَّها - بِما لَهُ مِنَ اللُّطْفِ - ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ جِنْسِ طِينِ الأرْضِ، رَوى الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ والتَّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَنْ قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، جاءَ مِنهُمُ الأحْمَرُ والأبْيَضُ والأسْوَدُ وبَيْنَ ذَلِكَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ وبَيْنَ ذَلِكَ“» .
المؤمنون 23:13
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أصْلَ الآدَمِيِّ الأوَّلَ الَّذِي هو الطِّينُ الَّذِي شَرَّفَهُ بِهِ لِجَمْعِهِ الطَّهُورَيْنِ، وعَبَّرَ فِيهِ بِالخَلْقِ لِما فِيهِ مِنَ الخَلْطِ، لِأنَّ الخَلْقَ - كَما مَرَّ عَنِ الحَرالِيِّ في أوَّلِ البَقَرَةِ: تَقْدِيرُ أمْشاجِ ما يُرادُ إظْهارُهُ بَعْدَ الِامْتِزاجِ والتَّرْكِيبِ صُورَةً، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَجْرِي عَلى حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ الَّتِي نَعْهَدُها أنْ يَكُونَ مِنَ الطِّينِ إنْسانٌ، أتْبَعُهُ سُبْحانَهُ أصْلَهُ الثّانِيَ الَّذِي هو أطْهَرُ الطَّهُورَيْنِ: الماءُ الَّذِي مِنهُ كُلُّ شَيْءٍ حَيٍّ، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالجَعْلِ لِأنَّهُ كَما مَرَّ أيْضًا إظْهارُ أمْرِ سَبَبٍ وتَصْيِيرٍ، وما هو مِنَ الطِّينِ (p-١١٥)مِمّا يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مِنَ الماءِ ويَسْتَجْلِبُ مِنهُ وهو بَسِيطٌ لا خَلْطَ فِيهِ فَلا تَخْلِيقَ لَهُ، وعَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي لِأنَّ جَعْلَ الطِّينِ ماءً مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا فَقالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أيِ الطِّينَ أوْ هَذا النَّوْعَ المَسْلُولَ مِنَ المَخْلُوقِ مِنَ الطِّينِ بِتَطْوِيرِ أفْرادِهِ بِبَدِيعِ الصُّنْعِ ولَطِيفِ الوَضْعِ ﴿نُطْفَةً﴾ أيْ ماءً دافِقًا لا أثَرَ لِلطِّينِ فِيهِ ﴿فِي قَرارٍ﴾ أيْ مِنَ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ ثُمَّ الرَّحِمِ، مَصْدَرٌ جُعِلَ اسْمًا لِلْمَوْضِعِ ﴿مَكِينٍ﴾ أيْ مانِعٍ مِنَ الأشْياءِ المُفْسِدَةِ.
المؤمنون 23:14
ولَمّا كانَ تَصْيِيرُ الماءِ دَمًا أمْرًا بالِغًا خارِجًا عَنِ التَّسْبِيبِ، وكانَتِ النُّطْفَةُ الَّتِي هي مَبْدَأُ الآدَمِيِّ تَفْسُدُ تارَةً وتَأْخُذُ في التَّكَوُّنِ أُخْرى، عَبَّرَ بِالخَلْقِ لِما يَخْلِطُها بِهِ مِمّا تَكْتَسِبُهُ مِنَ الرَّحِمِ عِنْدَ التَّحْمِيرِ وقَرَنَهُ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ تَراخٍ في الزَّمانِ وعُلُوٍّ في الرُّتْبَةِ والعَظْمَةِ ﴿خَلَقْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿النُّطْفَةَ﴾ أيِ البَيْضاءَ جِدًّا ﴿عَلَقَةً﴾ حَمْراءَ دَمًا عَبِيطًا شَدِيدَ الحُمْرَةِ جامِدًا غَلِيظًا.
(p-١١٦)ولَمّا كانَ ما بَعْدَ العَلَقَةِ مِنَ الأطْوارِ المُتَصاعِدَةِ مُسَبِّبًا كُلَّ واحِدٍ مِنهُ عَمّا قَبْلَهُ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ مِن غَيْرِ تَراخٍ، ولَيْسَ تَسَبُّبُهُ مِنَ العادَةِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ، عَبَّرَ بِالفاءِ والخَلْقُ فَقالَ: ﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ قِطْعَةَ لَحْمٍ صَغِيرَةٍ لا شَكْلَ فِيها ولا تَخْطِيطَ ﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ﴾ بِتَصْفِيَتِها وتَصْلِيبِها بِما سَبَّبْنا لَها مِنَ الحَرارَةِ والأُمُورِ اللَّطِيفَةِ الغامِضَةِ ﴿عِظامًا﴾ مِن رَأْسٍ ورِجْلَيْنِ وما بَيْنَهُما ﴿فَكَسَوْنا﴾ بِما لَنا مِن قُدْرَةٍ الِاخْتِراعِ، تِلْكَ ﴿العِظامَ لَحْمًا﴾ بِما ولَّدْنا مِنها تَرْجِيعًا لِحالِها قَبْلَ كَوْنِها عَظْمًا، فَسَتَرْنا تِلْكَ العِظامَ وقَوَّيْناها وشَدَدْناها بِالرَّوابِطِ والأعْصابِ.
ولَمّا كانَ التَّصْوِيرُ ونَفْخُ الرُّوحِ مِنَ الجَلالَةِ بِمَكانٍ أيِّ مَكانٍ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ﴾ أيْ هَذا المُحَدَّثَ عَنْهُ بِعَظَمَتِنا ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أيْ عَظِيمًا جَلِيلًا مُتَحَرِّكًا ناطِقًا خَصِيمًا مُبِينًا بَعِيدًا مِنَ الطِّينِ جِدًّا؛ قالَ الرّازِي: وأصْلُ النُّونِ والشِّينِ والهَمْزَةِ يَدُلُّ عَلى ارْتِفاعِ شَيْءٍ وسُمُوِّهِ.
ولَمّا كانَ هَذا التَّفْصِيلُ لِتَطْوِيرِ الإنْسانِ سَبَبًا لِتَعْظِيمِ الخالِقِ: ﴿فَتَبارَكَ﴾ أيْ ثَبَتَ ثَباتًا لَمْ يُثْبِتْهُ شَيْءٌ، بِأنْ حازَ جَمِيعَ صِفاتِ الكَمالِ، وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، فَكانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولَوْ داناهُ (p-١١٧)شَيْءٌ مِن عَجْزٍ لَمْ يَكُنْ تامَّ الثَّباتِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿اللَّهُ﴾ فَعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ وأشارَ إلى جَمالِ الإنْسانِ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ أيِ المُقَدِّرِينَ، أيْ قَدْرَ هَذا الخَلْقِ العَجِيبِ هَذا التَّقْدِيرَ، ثُمَّ طَوَّرَهُ في أطْوارِهِ ما بَيْنَ طِفْلٍ رَضِيعٍ، ومُحْتَلِمٍ شَدِيدٍ، وشابٍّ نَشِيطٍ، وكَهْلٍ عَظِيمٍ، وشَيْخٍ هَرَمٍ - إلى ما بَيْنَ ذَلِكَ مِن شُؤُونٍ لا يُحِيطُ بِها إلّا اللَّطِيفُ الخَبِيرُ.
المؤمنون 23:15
ولَمّا كانَتْ إماتَةُ ما صارَ هَكَذا - بَعْدَ القُوَّةِ العَظِيمَةِ والإدْراكِ التّامِّ - مِنَ الغَرائِبِ، وكانَ وجُودُها فِيهِ وتَكْرارُها عَلَيْهِ في كُلِّ وقْتٍ قَدْ صَيَّرَها أمْرًا مَأْلُوفًا، وشَيْئًا ظاهِرًا مَكْشُوفًا، وكانَ عُتُوُّ الإنْسانِ عَلى خالِقِهِ وتَمَرُّدُهُ ومُخالَفَتُهُ لِأمْرِهِ نِسْيانًا لِهَذا المَأْلُوفِ كالإنْكارِ لَهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى مُسَبِّبًا مُبالِغًا في التَّأْكِيدِ: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾ ولَمّا كانَ مِنَ المُمْكِنِ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ مِنَ الوَصْفِ بِالحَياةِ والمَدِّ في العُمْرِ في آجالٍ مُتَفاوِتَةٍ ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ وأشارَ بِهَذا النَّعْتِ إلى أنَّ المَوْتَ أمْرٌ ثابِتٌ لِلْإنْسانِ حَيٌّ في حالِ حَياتِهِ لازِمٌ لَهُ، بَلْ لَيْسَ لِمُمْكِنٍ مِن ذاتِهِ إلّا العَدَمُ.
المؤمنون 23:16
ولَمّا تَقَرَّرَ بِذَلِكَ القُدْرَةُ عَلى البَعْثِ تَقَرُّرًا لا يَشُكُّ فِيهِ عاقِلٌ، (p-١١٨)قالَ نافِيًا ما يُوهِمُهُ إعْراءُ الظَّرْفِ مِنَ الجارِّ: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾ وعَيَّنَ البَعْثَ الأكْبَرَ التّامَّ، الَّذِي هو مَحَطُّ الثَّوابِ والعِقابِ، لِأنَّ مَن أقَرَّ بِما هو دُونَهُ مِنَ الحَياةِ في القَبْرِ وغَيْرِها، فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِي يَجْمَعُ فِيهِ جَمِيعَ الخَلائِقِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ فَنَقْصُهُ عَنْ تَأْكِيدِ المَوْتِ تَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِهِ، ولَمْ يُخْلِهِ عَنِ التَّأْكِيدِ لِكَوْنِهِ عَلى خِلافِ العادَةِ، ولَيْسَ في ذِكْرِ هَذا نَفْيٌ لِلْحَياةِ في القَبْرِ عِنْدَ السُّؤالِ.
المؤمنون 23:17
ولَمّا بَيَّنَ لَهم أنَّ فِكْرَهم فِيهِمْ يَكْفِيهِمْ، ولِاعْتِقادِ البَعْثِ يَعْنِيهِمْ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ بِالتَّذْكِيرِ بِخَلْقِ ما هو أكْبَرُ مِنهُمْ، وبِتَدْبِيرِهِمْ بِخَلْقِهِ وخَلْقِ ما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ لِاسْتِبْقائِهِمْ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ﴾ في جَمِيعِ جِهَةِ الفَوْقِ في ارْتِفاعٍ لا تُدْرِكُونَهُ حَقَّ الإدْراكِ ﴿سَبْعَ﴾ ولِإرادَةِ التَّعْظِيمِ أضافَ إلى جَمْعِ كَثْرَةٍ فَقالَ: ﴿طَرائِقَ﴾ أيْ سَماواتٍ لا تَتَغَيَّرُ عَنْ حالَتِها الَّتِي دَبَّرْناها عَلَيْها إلى أنْ نُرِيدَ، وبَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مُتَطابِقَةً، وكُلُّ واحِدَةٍ مِنها عَلى طَرِيقَةٍ تَخُصُّها، وفِيها طُرُقٌ لِكَواكِبِها؛ قالَ الإمامُ عَبْدُ الحَقِّ الإشْبِيلِيُّ في كِتابِهِ الواعِي: سُمِّيَتْ طَرائِقَ لِأنَّها مُطارِقَةٌ بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ - انْتَهى.
وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عَلى طَرِيقَةٍ - أيْ حالَةٍ - واحِدَةٍ، وهَذا مِطْراقُ هَذا، أيْ تَلْوُهُ ونَظِيرُهُ، ورِيشٌ طِراقٌ - إذا كانَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ. وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: (p-١١٩)وأُطْرِقَ جَناحُ الطّائِرِ - أيْ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ: أُلْبِسَ الرِّيشُ الأعْلى الأسْفَلَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ الهَرَوِيُّ: وأطْرَقَ جَناحُ الطَّيْرِ - إذا وقَعَتْ رِيشَةٌ عَلى الَّتِي تَحْتَها فَألْبَسَتْها، وفي رِيشِهِ طُرُقٌ - إذا رَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا. وقالَ الصَّغانِيُّ في مَجْمَعِ البَحْرَيْنِ: والطَّرَقُ أيْضًا بِالتَّحْرِيكِ في الرِّيشِ أنْ يَكُونَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: طارَقَ النَّعْلَ - إذا صَيَّرَها طاقًا فَوْقَ طاقٍ ورَكَّبَ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ، وفي القامُوسِ: والطِّراقُ - كَكِتابٍ: كُلُّ خَصْفَةٍ يُخْصَفُ بِها النَّعْلُ وتَكُونُ حَذْوَها سَواءً وأنْ يُقَوَّرَ جِلْدٌ عَلى مِقْدارِ التُّرْسِ فَيُلْزَقَ بِالتُّرْسِ، وقالَ القَزّازُ: يُقالُ: تُرْسٌ مُطْرَقٌ - إذا جُعِلَ لَهُ ذَلِكَ، وقالَ الصَّغانِيُّ في المَجْمَعِ: والمَجانُ المِطْرَقَةُ الَّتِي يَطْرُقُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ كالنَّعْلِ المُطْرَقَةِ - أيِ المَخْصُوفَةِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ويُقالُ: أُطْرِقَتْ بِالجِلْدِ والعَصَبِ، أيْ أُلْبِسَتْ، وقالَ أبُو عَبِيدٍ: طارَقَ النَّعْلَ - إذا صَيَّرَ خَصَفًا فَوْقَ خَصْفٍ، وقالَ في الخَصْفِ: هو إطْباقُ طاقٍ عَلى طاقٍ، وأصْلُ الخَصْفِ: الضَّمُّ والجَمْعُ، وقالَ القَزّازُ: وطارَقْتُ بَيْنَ النَّعْلَيْنِ والثَّوْبَيْنِ: جَعَلْتُ أحَدَهُما فَوْقَ الآخَرِ - انْتَهى. وأصْلُ الطَّرْقِ الضَّرْبُ، ومَعَ كَوْنِ السَّماواتِ مُطارِقَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ فَهي طُرُقٌ لِلْمَلائِكَةِ يَتَنَزَّلُونَ فِيها بِأوامِرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. (p-١٢٠)ولَمّا كانَ إهْمالُ الشَّيْءِ بَعْدَ إيجادِهِ غَفْلَةً عَنْهُ، وكانَ البَعْثُ إحْداثَ تَدْبِيرٍ لَمْ يَكُنْ كَما أنَّ المَوْتَ كَذَلِكَ، بَيْنَ أنَّ مِثْلَ تِلْكَ الأفْعالِ الشَّرِيفَةِ عادَتُهُ سُبْحانَهُ إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ وتَنَزُّهًا عَنِ العَجْزِ والغَفْلَةِ فَقالَ: ﴿وما كُنّا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَنِ الخَلْقِ﴾ أيِ الَّذِي خَلَقْناهُ وفَرَغْنا مِن إيجادِهِ وعَنْ إحْداثِ ما لَمْ يَكُنْ، بِقُدْرَتِنا التّامَّةِ وعِلْمِنا الشّامِلِ ﴿غافِلِينَ﴾ بَلْ دَبَّرْناهُ تَدْبِيرًا مُحْكَمًا رَبَطْناهُ بِأسْبابٍ تَنْشَأُ عَنْها مُسَبِّباتٌ يَكُونُ بِها صَلاحُهُ، وجَعَلْنا في كُلِّ سَماءٍ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيها مِنَ المَنافِعِ، وفي كُلِّ أرْضٍ كَذَلِكَ، وحَفِظْناهُ مِنَ الفَسادِ إلى الوَقْتِ الَّذِي نُرِيدُ فِيهِ طَيَّ هَذا العالَمِ وإبْرازَ غَيْرِهِ، ونَحْنُ مَعَ ذَلِكَ كُلَّ يَوْمٍ في شَأْنٍ، وإظْهارُ بُرْهانٍ، نَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها، وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها، إذا شِئْنا أنَفَذْنا السَّبَبَ فَنَشَأ عَنْهُ المُسَبَّبُ، وإذا شِئْنا مَنَعْناهُ مِمّا هُيِّئَ لَهُ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، فَكَيْفَ يُظَنُّ بِنا أنّا نَتْرُكُ الخَلْقَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ سُدًى، مَعَ أنَّ فِيهِمُ المُطِيعَ الَّذِي لَمْ نُوفِّهِ ثَوابَهُ، والعاصِي الَّذِي لَمْ نُنْزِلْ بِهِ عِقابَهُ، أمْ كَيْفَ لا نَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِمْ إلى ما كانُوا عَلَيْهِ بَعْدَ ما قَدَرْنا عَلى إبْداعِهِمْ ولَمْ يَكُونُوا شَيْئًا.
المؤمنون 23:18
ولَمّا ساقَ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ الدَّلِيلَيْنِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، أتْبَعَهُما بِما هو مِن جِنْسِهِما ومُشاكِلٍ لِلْأوَّلِ مِنهُما، وهو مَعَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى خِتامِ الثّانِي مِن أنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الَّتِي يَجِبُ شُكْرُها، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلْنا﴾ (p-١٢١)أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ مِن جِهَتِها ﴿ماءً بِقَدَرٍ﴾ لَعَلَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِقَدْرِ ما يَسْقِي الزُّرُوعَ والأشْجارَ، ويُحْيِي البَرارِيَ والقِفارَ، وما تَحْتاجُ إلَيْهِ البِحارُ، مِمّا تَصُبُّ فِيها الأنْهارُ، إذْ لَوْ كانَ فَوْقَ ذَلِكَ لَأغْرَقَتِ البِحارُ الأقْطارَ، ولَوْ كانَ دُونَ ذَلِكَ لَأدّى إلى جَفافِ النَّباتِ والأشْجارِ ﴿فَأسْكَنّاهُ﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿فِي الأرْضِ﴾ بَعْضُهُ عَلى ظَهْرِها وبَعْضُهُ في بَطْنِها، ولَمْ نَعُمَّها بِالَّذِي عَلى ظَهْرِها ولَمْ نُغَوِّرْ ما في بَطْنِها لِيَعُمَّ نَفْعُهُ ولِيَسْهُلَ الوُصُولُ إلَيْهِ ﴿وإنّا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ أيْ عَلى إذْهابِهِ بِأنْواعِ الإذْهابِ بِكُلِّ طَرِيقٍ بِالإفْسادِ والرَّفْعِ والتَّغْوِيرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ إذْهابِ البَرَكَةِ الَّتِي تَكُونُ لِمَن كُنّا مَعَهُ ﴿لَقادِرُونَ﴾ قُدْرَةً هي في نِهايَةِ العَظَمَةِ، فَإيّاكم والتَّعَرُّضَ لِما يُسْخِطُنا.
المؤمنون 23:19
ولَمّا ذَكَرَ إنْزالَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ الدَّلِيلَ القُرْبَ عَلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿فَأنْشَأْنا﴾ أيْ فَأخْرَجْنا وأحْيَيْنا ﴿لَكُمْ﴾ خاصَّةً، لا لَنا ﴿بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ الماءِ الَّذِي جَعَلْنا مِنهُ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ تَجُنُّ - أيْ تَسْتُرُ - داخِلَها بِما فِيها ﴿مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ﴾ صَرَّحَ بِهَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ لِشَرَفِهِما، ولِأنَّهُما أكْثَرُ ما عِنْدَ العَرَبِ مِنَ الثِّمارِ، سُمِّيَ الأوَّلُ بِاسْمِ (p-١٢٢)شَجَرَتِهِ لِكَثْرَةِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ المَقْصُودَةِ بِخِلافِ الثّانِي فَإنَّهُ المَقْصُودُ مِن شَجَرَتِهِ؛ وأشارَ إلى غَيْرِهِما بِقَوْلِهِ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ ولَكم فِيها غَيْرُ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مِنها - وهي طَرِيَّةٌ - تَتَفَكَّهُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِنها﴾ أيْ بَعْدَ اليُبْسِ والعَصْرِ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكُمُ الأكْلُ بِالِادِّخارِ، ولَعَلَّهُ قَدَّمَ الظَّرْفَ تَعْظِيمًا لِلِامْتِنانِ بِها.
المؤمنون 23:20
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما إذا عُصِرَ كانَ ماءً لا يَنْفَعُ لِلِاصْطِباحِ، أتْبَعَهُ ما إذا عُصِرَ كانَ دُهْنًا يَعُمُّ الِاصْطِباحَ والِاصْطِباغَ، وفَصَلَهُ عَنْهُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿وشَجَرَةً﴾ أيْ وأنْشَأْنا بِهِ شَجَرَةً، أيْ زَيْتُونَةً ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ﴾
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإمْدادِ بِالنِّعَمِ، ناسَبَهُ المَدُّ فَقالَ: ﴿سَيْناءَ﴾ قالَ الحافِظُ عِمادُ الدِّينِ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو طُورُ سِينِينَ، وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى بْنَ عِمْرانَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما حَوْلَهُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي فِيها شَجَرُ الزَّيْتُونِ. وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: والطُّورُ: الجَبَلُ، وجَبَلٌ (p-١٢٣)قُرْبَ أيْلَةَ يُضافُ إلى سَيْناءَ وسِينَيْنِ، وجَبَلٌ بِالشّامِ، وقِيلَ: هو المُضافُ إلى سَيْناءَ، وجَبَلٌ بِالقُدْسِ عَنْ يَمِينِ المَسْجِدِ، وآخَرُ عَنْ قِبْلِيِّهِ، بِهِ قَبْرُ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، مُجْبِلَ بِرَأْسِ العَيْنِ، - وآخَرُ مُطِلٌّ عَلى طَبَرِيَّةَ - انْتَهى. وهو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِنَ الِاسْمَيْنِ، وقِيلَ: بَلْ هو مُضافٌ إلى سَيْناءَ، ومَعْنى سَيْناءَ الحُسْنُ، وقِيلَ: المُبارَكُ، وقِيلَ: هو حِجارَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وقِيلَ شَجَرٌ، ولَعَلَّهُ خَصَّهُ مِن بَيْنِ الأطْوارِ لِقُرْبِهِ مِنَ المُخاطَبِينَ أوَّلًا بِهَذا القُرْآنِ، وهُمُ العَرَبُ، ولِغَرابَةِ نَبْتِ الزَّيْتُونِ بِهِ لِأنَّهُ في بِلادِ الحَرِّ والزَّيْتُونُ مِن نَباتِ الأرْضِ البارِدَةِ، ولِتَمَحُّضِهِ لِأنْ يَكُونَ نَبْتُهُ مِمّا أُنْزِلَ مِنَ السَّماءِ مِنَ الماءِ لِعُلُوِّهِ جِدًّا، وبَعُدَ مِن أنْ يَدَّعِيَ أنَّ ما فِيهِ مِنَ النَّداوَةِ مِنَ الماءِ مِنَ البَحْرِ لِأنَّ الإمامَ أبا العَبّاسِ أحْمَدَ ابْنَ القاصِّ مِن قُدَماءِ أصْحابِ الشّافِعِيِّ حَكى في كِتابِهِ أدِلَّةِ القِبْلَةِ أنَّهُ يُصْعَدُ إلى أعْلاهُ في سِتَّةِ آلافِ مَرَقاةٍ وسِتِّمِائَةٍ وسِتٍّ وسِتِّينَ مَرْقاةً، قالَ: وهي مِثْلُ الدَّرَجِ مِنَ الصَّخْرِ، فَإذا انْتَهى إلى مِقْدارِ النِّصْفِ مِنَ الطَّرِيقِ يَصِيرُ إلى مُسْتَواهُ مِنَ الأرْضِ فِيها أشْجارٌ وماءٌ عَذْبٌ، في هَذا المَوْضِعِ كَنِيسَةٌ عَلى اسْمِ إيلِيا النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ مَغارٌ، ويُقالُ: إنَّ إيلِيا عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا هَرَبَ مِن إزْقِيلَ المَلِكِ اخْتَفى فِيهِ؛ ثُمَّ يَصْعَدُ مِن هَذا المَوْضِعِ في الدَّرَجِ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى قِلَّةِ الجَبَلِ، (p-١٢٤)وفِي قَلْبِهِ كَنِيسَةٌ بُنِيَتْ عَلى اسْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِأساطِينِ رُخامٍ، أبْوابُها مِنَ الصُّفْرِ والحَدِيدِ، وسَقْفُها مِن خَشَبِ الصَّنَوْبَرِ، وأعْلى سُقُوفِها أطْباقُ رَصاصٍ قَدْ أُحْكِمَتْ بِغايَةِ الإحْكامِ، ولَيْسَ فِيها إلّا رَجُلٌ راهِبٌ يُصَلِّي ويُدَخِّنُ ويُسْرِجُ قَنادِيلَها، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنَّ يَنامَ فِيها البَتَّةَ، وقَدِ اتَّخَذَ هَذا الرّاهِبُ لِنَفْسِهِ خارِجًا مِنَ الكَنِيسَةِ بَيْتًا صَغِيرًا يَأْوِي فِيهِ، وهَذِهِ الكَنِيسَةُ بُنِيَتْ في المَكانِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَوالَيْهِ - أيْ حَوالَيِ الجَبَلِ - مِن أسْفَلِهِ سِتَّةُ آلافِ ما بَيْنَ دَيْرٍ وصَوْمَعَةٍ لِلرُّهْبانِ والمُتَعَبِّدِينَ، كانَ يُحْمَلُ إلَيْهِمْ خَراجُ مِصْرَ في أيّامِ مِلْكِ الرُّومِ لِلنَّفَقَةِ عَلى الدِّياراتِ وغَيْرِها، ولَيْسَ اليَوْمَ بِها إلّا مِقْدارُ سَبْعِينَ راهِبًا يَأْوُونَ في الدَّيْرِ الَّذِي داخِلَ الحِصْنِ، وفي أكْثَرِها يَأْوِي أعْرابُ بَنِي رَمادَةَ، وعَلى الجَبَلِ مِائَةُ صَوْمَعَةٍ، وأشْجارُ هَذا الجَبَلِ اللَّوْزُ والسَّرْوُ، وإذا هَبَطْتَ مِنَ الطُّورِ أشْرَفْتَ عَلى عَقَبَةٍ تَهْبِطُ مِنها فَتَسِيرُ خُطُواتٍ فَتَنْتَهِي إلى دَيْرٍ النَّصْرانِيِّ: حُصَّيْنِ عَلَيْهِ سُورٌ مِن حِجارَةٍ مَنحُوتَةٍ ذاتِ شُرَفٍ عَلَيْهِ بابانِ مِن حَدِيدٍ، وفي جَوْفِ هَذا الدَّيْرِ عَيْنُ ماءٍ عَذْبٍ، وعَلى هَذِهِ العَيْنِ دَرابْزِينُ مِن نُحاسٍ لِئَلّا يَسْقُطَ في العَيْنِ أحَدٌ، وقَدْ هُيِّئَ بِراتِجِ رَصاصٍ يَجْرِي فِيها الماءُ إلى كُرُومٍ لَهم حَوْلَ الدَّيْرِ، ويُقالُ: إنَّ هَذا الدَّيْرَ هو المَوْضِعُ الَّذِي رَأى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ النّارَ في الشَّجَرَةِ العَلِيقِ، وقِبْلَةُ مَن بِها دُبُرُ الكَعْبَةِ، وفِيهِ (p-١٢٥)يَقُولُ القائِلُ:
؎عَجِبَ الطُّورُ مِن ثَباتِكَ مُوسى حِينَ ناجاكَ بِالكَلامِ الجَلِيلِ
والطُّورُ مِن جُمْلَةِ كُوَرِ مِصْرَ، مِنهُ إلى بَلَدِ قُلْزُمَ عَلى البَرِّ مَسِيرَةَ أرْبَعَةِ أيّامٍ، ومِنهُ إلى فُسْطاطِ مِصْرَ مَسِيرَةَ سَبْعَةِ أيّامٍ - انْتَهى كَلامُ ابْنِ القاصِّ، وسَألْتُ أنا مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِالجَبَلِ المَذْكُورِ: هَلْ بِهِ أشْجارُ الزَّيْتُونِ؟ فَأخْبَرَنِي أنَّهُ لَمْ يَرَ بِهِ شَيْئًا مِنها، وإنَّما رَآها فِيما حَوْلَهُ في قَرارِ الأرْضِ، وهي كَثِيرَةٌ وزَيْتُونُها مَعَ كِبْرِهِ أطْيَبُ مِن غَيْرِهِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهو أغْرَبُ مِمّا لَوْ كانَتْ بِهِ، لِأنَّهُ لِعُلُوِّهِ أبْرَدُ مِمّا سَفَلَ مِنَ الأرْضِ، فَهو بِها أوْلى، وظَهَرَ لِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ حِكْمَةَ تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعالى أنْ يَكُونَ عَدَدُ الدَّرَجِ ما ذَكَرَ مُوافَقَةَ زَمانِ الإيجادِ الأوَّلِ لِمَكانِ الإبْقاءِ الأوَّلِ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وهو الإيجادُ الأوَّلُ، وكَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ في هَذا الجَبَلِ، ثُمَّ أتَمَّ لَهُ التَّوْراةَ وهي أعْظَمُ الكُتُبِ بَعْدَ القُرْآنِ، وبِالكُتُبِ السَّماوِيَّةِ والشَّرائِعِ الرَّبّانِيَّةِ انْتِظامُ البَقاءِ الأوَّلِ، كَما سَلَفَ في الفاتِحَةِ والأنْعامِ والكَهْفِ.
ولَمّا ذَكَّرَ سُبْحانَهُ إنْشاءَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ بِهَذا الجَبَلِ البَعِيدِ عَنْ مِياهِ البِحارِ لِعُلُوِّهِ وصَلابَتِهِ أوْ بِما حَوْلَهُ مِنَ الأرْضِ الحارَّةِ، ذَكَرَ تَمَيُّزَها عَنْ (p-١٢٦)عامَّةِ الأشْجارِ بِوَجْهٍ آخَرَ عَجِيبٍ فَقالَ: ﴿تَنْبُتُ﴾ أيْ بِالماءِ الَّذِي لا دَهْنَ فِيهِ أصْلًا، نَباتًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ، أوْ إنْباتًا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِضَمِّ الفَوْقانِيَّةِ، مُلْتَبِسًا ثَمَرَهُ ﴿بِالدُّهْنِ﴾ وهو في الأصْلِ مائِعٌ لَزِجٌ خَفِيفٌ يَتَقَطَّعُ ولا يَخْتَلِطُ بِالماءِ الَّذِي هو أصْلُهُ فَيُسَرَّجُ ويُدْهَنُ بِهِ، وكَأنَّهُ عَرَّفَهُ لِأنَّهُ أجَلُّ الأدْهانِ وأكْمَلُها.
ولَمّا كانَ المَأْكُولُ مِنها الدُّهْنُ والزَّيْتُونُ قَبْلَ العَصْرِ، عَطَفَ إشْعارًا بِالتَّمَكُّنِ فَقالَ: ﴿وصِبْغٍ﴾ أيْ وتَنْبُتُ بِشَيْءٍ يَصْبُغُ - أيْ يُلَوِّنُ - الخُبْزَ إذا غَمَسَ فِيهِ أوْ أكَلَ بِهِ ﴿لِلآكِلِينَ﴾ وكَأنَّهُ نَكَّرَهُ لِأنَّ في الإدامِ ما هو أشْرَفُ مِنهُ وألَذُّ وإنْ كانَتْ بَرَكَتُهُ مَشْهُورَةً؛ رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُسَيْدٍ مالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السّاعِدِيِّ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ”«كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ“»
ولِلتِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ وتَفْسِيرِهِ كَما نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”«ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وادَّهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن (p-١٢٧)شَجَرَةٌ مُبارَكَةٌ“» وقالَ أبُو حَيّانَ: وخَصَّ هَذِهِ الأنْواعَ الثَّلاثَةَ مِنَ النَّخْلِ والعِنَبِ والزَّيْتُونِ لِأنَّها أكْرَمُ الشَّجَرِ وأجْمَعُها لِلْمَنافِعِ.
المؤمنون 23:21
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى قُدْرَتِهِ بِما أحْيا بِالماءِ حَياةً قاصِرَةً عَنِ الرُّوحِ، أتْبَعَهُ ما أفاضَ عَلَيْهِ بِهِ حَياةً كامِلَةً فَقالَ: ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ﴾ وهي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ ﴿لَعِبْرَةً﴾ تُعَبِّرُونَ بِها مِن ظاهِرِ أمْرِها إلى باطِنِهِ مِمّا لَهُ سُبْحانَهُ فِيها مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْصِيلَ ما فِيها مِنَ العِبْرَةِ قائِلًا: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ ولَمّا كانَ الأنْعامُ مُفْرَدًا لِكَوْنِهِ اسْمَ جَمْعٍ، ولَمْ يُذْكَرْ ما يُسْقى مِنهُ، أنَّثَ الضَّمِيرَ بِحَسَبِ المَعْنى وعُلِمَ أنَّ المُرادَ ما يَكُونُ مِنهُ اللَّبَنُ خاصَّةً وهو الإناثُ، فَهو اسْتِخْدامٌ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ جَمِيعَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ لَذَكَّرَ الضَّمِيرَ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِمّا في بُطُونِها﴾ أيْ نَجْعَلُهُ لَكم شَرابًا نافِعًا لِلْبَدَنِ مُوافِقًا لِلشَّهْوَةِ تَلْتَذُّونَ بِهِ مَعَ خُرُوجِهِ مِن بَيْنِ الفَرْثِ والدَّمِ كَما مَضى في النَّحْلِ ﴿ولَكم فِيها﴾ أيْ في جَماعَةِ الأنْعامِ، وقَدَّمَ الجارَّ تَعْظِيمًا لِمَنافِعِها حَتّى كَأنَّ غَيْرَها عَدَمٌ (p-١٢٨)﴿مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ بِاسْتِسْلامِها لِما يُرادُ مِنها مِمّا لا يَتَيَسَّرُ مِن أصْغَرَ مِنها، وبِأوْلادِها وأصْوافِها وأوْبارِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: تَصْرِفُونَها في تِلْكَ المَنافِعِ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ تَعْظِيمًا لِمَأْكُولِها فَقالَ: ﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ بِسُهُولَةٍ مِن غَيْرِ امْتِناعٍ ما عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَوْ شاءَ لَمَنَعَها مِن ذَلِكَ وسَلَّطَها عَلَيْكُمْ، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ لَحْمَها لا يَنْضِجُ، أوْ جَعَلَهُ قَذَرًا لا يُؤْكَلُ، ولَكِنَّهُ بِقُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ هَيَّأها لِما ذَكَرَ وذَلَّلَها لَهُ.
المؤمنون 23:22
ولَمّا كانَتِ المُفاوَتَةُ بَيْنَ الحَيَواناتِ في القُوى وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ دالَّةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، وكانَ الحَمْلُ لِلنَّفْسِ والمَتاعِ عَلَيْها وعَلى غَيْرِها مِنَ الحَيَوانِ مِن أجَلِّ المَنافِعِ بِحَيْثُ لَوْلا هو تَعَطَّلَتْ أكْثَرُ المَصالِحِ، ذَكَّرَهُ فِيها مُذَكِّرًا بِغَيْرِها في البَرِّ تَلْوِيحًا، وذاكِرًا لِمَحامِلِ البَحْرِ تَصْرِيحًا، فَقالَ مُقَدِّمًا لِلْجارِّ عَدا لِحَمْلِ غَيْرِها بِالنِّسْبَةِ إلى حَمْلِها لِعَظِيمِ وقْعِهِ عَدَمًا: ﴿وعَلَيْها﴾ أيِ الأنْعامِ الصّالِحَةِ لِلْحَمْلِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ في البَرِّ ﴿وعَلى الفُلْكِ﴾ في البَحْرِ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِن تَذْلِيلِها عَلى كِبَرِها وقُوَّتِها وامْتِناعِ غَيْرِها عَلى صِغَرِهِ وضَعْفِهِ أنَّهُ لا فاعِلَ لِذَلِكَ (p-١٢٩)إلّا اللَّهُ مَعَ أنَّ المُمْتَنَّ بِهِ نَفْسُ الحَمْلِ لا بِالنَّظَرِ إلى شَيْءٍ آخَرَ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿تُحْمَلُونَ﴾ بِإنْعامِهِ عَلَيْكم بِذَلِكَ، ولَوْ شاءَ لَمَنَعَهُ، فَتَذَكَّرُوا عَظِيمَ قُدْرَتِهِ وكَمالِ صَنْعَتِهِ، وعَظِّمُوهُ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، واشْكُرُوهُ عَلى ما أوْلاكم مِن تِلْكَ النِّعَمِ، وأخْلِصُوا لَهُ الدِّينَ، لِتُفْلِحُوا فَتَكُونُوا مِنَ الوارِثِينَ.
المؤمنون 23:23
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَقَدْ حَمَلْنا نُوحًا ومَن أرَدْنا مِمَّنْ آمَنَ بِهِ مِن أوْلادِهِ وأهْلِهِ وغَيْرِهِمْ عَلى الفُلْكِ، وأغْرَقْنا مَن عانَدَهُ مِن أهْلِ الأرْضِ قاطِبَةً بِقُدْرَتِنا، ونَصَرْناهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ضَعْفِهِ عَنْهم بِأيْدِينا وقُوَّتِنا، وجَعَلْناهُ وذُرِّيَّتَهُ هُمُ الوارِثِينَ، وكُنْتُمْ ذُرِّيَّةً في أصْلابِهِمْ، وكَثَّرْناهم حَتّى مَلَأْنا مِنهُمُ الأرْضَ، دَلالَةً عَلى ما قَدَّمْنا مِن تَفَرُّدِنا كَما أجْرَيْنا عادَةً هَذا الكِتابَ الكَرِيمَ بِذِكْرِ عَظِيمِ البَطْشِ بَعْدَ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ، وأتْبَعْناهُ بَعْدَهُ الرُّسُلَ الَّذِينَ سَمِعْتُمْ بِهِمْ، وعَرَفْتُمْ بَعْضَ أخْبارِهِمْ، يا مَن أنْكَرَ الآنَ رِسالَةَ البَشَرِ لِإنْكارِ رِسالَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ! عَطَفَ عَلَيْهِ يُهَدِّدُ بِإهْلاكِ الماضِينَ، لِلرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرِ، ويُذَكِّرُ بِنِعْمَةِ النَّجاةِ لِلْإقْبالِ عَلى الشُّكْرِ، ويُسَلِّي هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِمَن كُذِّبَ قَبْلَهُ مِنَ النَّبِيِّينَ وأُوذِيَ مِن أتْباعِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُفَضِّلُ مِن عِبادِهِ مَن يَشاءُ بِالرِّسالَةِ، كَما فَضَّلَ طِينَةَ الإنْسانِ عَلى سائِرِ الطِّينِ، وعَلى أنَّ الفَلاحَ بِالإرْثِ والحَياةِ الطَّيِّبَةِ في الدّارَيْنِ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ كَما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ، فَذَكَرَ نُوحًا (p-١٣٠)لِأنَّ قِصَّتَهُ أشْهَرُ القِصَصِ، ولِأنَّ قَوْمَهُ كانُوا مِلْءَ الأرْضِ، ولَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهم ولا نَفَعَتْهم قُوَّتُهُمْ، ولِأنَّهُ الأبُ الثّانِي بَعْدَ الأبِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالطِّينِ، ولِأنَّ نَجاتَهُ ونَجاةَ المُؤْمِنِينَ مَعَهُ كانَتْ بِالفُلْكِ المَخْتُومِ بِهِ الآيَةَ قَبْلَهُ، فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ إشارَةً بِصِيغَةِ العَظَمَةِ إلى زِيادَةِ التَّسْلِيَةِ بِأنَّهُ ”«آتاهُ مِنَ الآياتِ ما مْثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ“» وقامَ هو ﷺ بِذَلِكَ حَقَّ القِيامِ ﴿نُوحًا﴾ أيْ وهو الأبُ الثّانِي بَعْدَ آدَمَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿إلى قَوْمِهِ﴾ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ لِتَواصُلِ ما بَيْنَهم لِكَوْنِهِمْ عَلى لُغَةٍ واحِدَةٍ ﴿فَقالَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿يا قَوْمِ﴾ تَرَفُّقًا بِهِمْ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وحْدَهُ، لِأنَّهُ إلَهُكم وحْدَهُ لِاسْتِحْقاقِهِ لِجَمِيعِ خِلالِ الكَمالِ؛ واسْتَأْنَفَ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ قَوْلَهُ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِما هو حَقُّ العِبادَةِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ أيْ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ ﴿غَيْرُهُ﴾ فَلا تَعْبُدُوا سِواهُ.
ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ الوَحْدانِيَّةِ والعَظَمَةِ بِإعْطاءِ الثَّوابِ وإحْلالِ العِقابِ في غايَةِ الظُّهُورِ لا تَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَأمُّلٍ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إنْكارَهُ لِأمْنِهِمْ مِن مَكْرِهِ، والخَوْفِ مِن ضُرِّهِ، فَقالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَخافُونَ ما يَنْبَغِي الخَوْفُ مِنهُ فَتَجْعَلُوا لَكم وِقايَةً مِن عَذابِهِ فَتَعْمَلُوا (p-١٣١)بِما تَقْتَضِيهِ التَّقْوى مِن إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ خَوْفًا مِن ضُرِّكم ورَجاءً لِنَفْعِكم.
المؤمنون 23:24
﴿فَقالَ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ كَذَّبُوهُ فَقالَ: ﴿المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ رُؤْيَتُهُمُ الصُّدُورَ عَظَمَةً. ولَمّا كانَ أهْلُ الإيمانِ كُلُّهم إذْ ذاكَ قَبِيلَةً واحِدَةً لِاجْتِماعِهِمْ في لِسانٍ واحِدٍ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ بِبَيانِ التَّكْذِيبِ أتَمُّ، والصِّلَةُ هُنا قَصِيرَةٌ لا يَحْصُلُ بِها لَبْسٌ ولا ضَعْفٌ في النَّظْمِ بِخِلافِ ما يَأْتِي، وكَأنَّ أفْخاذَهم كانَتْ مُتَمايِزَةً فَزادَ في الشَّناعَةِ عَلَيْهِمْ بِأنْ عَرَّفَ أنَّهم مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ ما هَذا﴾ أيْ نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ فَلا يَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، فَأنْكَرُوا أنْ يَكُونَ بَعْضُ البَشَرِ نَبِيًّا، ولَمْ يُنْكِرُوا أنْ يَكُونَ بَعْضُ الطِّينِ إنْسانًا، وبَعْضُ الماءِ عَلَقَةً، وبَعْضُ العَلَقَةِ مُضْغَةً - إلى آخِرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ؟ فَقالُوا: ﴿يُرِيدُ أنْ يَتَفَضَّلَ﴾ أيْ يَتَكَلَّفُ الفَضْلَ بِادِّعاءِ مِثْلِ هَذا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لِتَكُونُوا أتْباعًا لَهُ، ولا خُصُوصِيَّةَ لَهُ بِهِ دُونَكم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ كَما ادَّعى، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى الإرْسالَ إلَيْكم وعَدَمَ عِبادَةِ غَيْرِهِ ﴿لأنْـزَلَ﴾ لِذَلِكَ ﴿مَلائِكَةً﴾ وما عَلِمُوا أنَّ القادِرَ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الجَواهِرِ بِجَعْلِها مَلائِكَةً قادِرٌ عَلى تَفْضِيلِ ما شاءَ ومَن شاءَ بِما (p-١٣٢)يَشاءُ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها.
ولَمّا كانَ هَذا مُتَضَمِّنًا لِإنْكارِ رِسالَةِ البَشَرِ، صَرَّحُوا بِهِ في قَوْلِهِمْ كَذِبًا وبُهْتانًا كَما كَذَّبَ فِرْعَوْنُ وآلُهُ حِينَ قالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ وكَذِبُهُمُ المُؤْمِنَ بِرِسالَةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾ أيْ بِإرْسالِ نَبِيٍّ مِنَ البَشَرِ يَمْنَعُ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ بِقَصْدِ التَّقْرِيبِ إلَيْهِ، فَجَعَلُوا الإلَهَ حَجَرًا، وأحالُوا كَوْنَ النَّبِيِّ بَشَرًا ﴿فِي آبائِنا الأوَّلِينَ﴾ ولا سَمِعْنا بِما دَعا إلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ.
المؤمنون 23:25
ولَمّا نَفَوْا عَنْهُ الرِّسالَةَ وحَصَرُوا أمْرَهُ في قَصْدِ السِّيادَةِ، وكانَتْ سِيادَتُهُ لَهم بِمِثْلِ هَذا عِنْدَهم مِنَ المُحالِ، قالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ في قَصْدِهِ التَّفَضُّلُ بِما يُورِثُ بُغْضَهُ وهَضْمَهُ ولا نَعْرِفُ لَهُ وجْهًا مُخَصَّصًا بِهِ، فَلا نُطِيعُ لَهُ فِيهِ أبَدًا ﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ الحُكْمِ بِجُنُونِهِ أنّا نَأْمُرُكم بِالكَفِّ عَنْهُ لِأنَّهُ لا حَرَجَ عَلى مَجْنُونٍ ﴿حَتّى﴾ أيْ إلى ﴿حِينٍ﴾ لَعَلَّهُ يُفِيقُ أوْ يَمُوتُ.
المؤمنون 23:26
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ عِنْدَما أيِسَ مِن فَلاحِهِمْ: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ أيْ أعِنِّي عَلَيْهِمْ ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾ أيْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ لِي، فَإنَّ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ اسْتِخْفافٌ بِالمُرْسَلِ.
المؤمنون 23:27
﴿فَأوْحَيْنا﴾ (p-١٣٣)أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ أنّا أوْحَيْنا ﴿إلَيْهِ أنِ اصْنَعِ الفُلْكَ﴾ أيِ السَّفِينَةَ.
ولَمّا كانَ يَخافُ مِن أذاهم لَهُ في عَمَلِهِ بِالإفْسادِ وغَيْرِهِ قالَ: ﴿بِأعْيُنِنا﴾ أيْ إنَّهُ لا يَغِيبُ عَنّا شَيْءٌ مِن أمْرِكَ ولا مِن أمْرِهِمْ وأنْتَ تَعْرِفُ قُدْرَتَنا عَلَيْهِمْ فَثِقْ بِحِفْظِنا ولا تَخَفْ شَيْئًا مِن أمْرِهِمْ. ولَمّا كانَ لا يَعْلَمُ تِلْكَ الصَّنْعَةَ، قالَ: ﴿ووَحْيِنا﴾ ثُمَّ حَقَّقَ لَهُ هَلاكَهم وقُرْبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ بِالهَلاكِ عَقِبَ فَراغِكَ مِنهُ ﴿وفارَ التَّنُّورُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: وجْهُ الأرْضِ. وفي القامُوسِ: التَّنُّورُ: الكانُونُ يُخْبَزُ فِيهِ، ووَجْهُ الأرْضِ، وكُلُّ مُفَجِّرُ ماءٍ، وجَبَلٌ قُرْبَ المُصِيصَةِ - انْتَهى.
والألْيَقُ بِهَذا الأمْرِ صَرْفُهُ إلى ما يَخْبِزُ فِيهِ لِيَكُونَ آيَةً في آيَةٍ ﴿فاسْلُكْ﴾ أيْ فَأدْخِلْ ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَوانِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ مِن أوْلادِكَ وغَيْرِهِمْ ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ﴾ لا لَهُ ﴿القَوْلُ مِنهُمْ﴾ بِالهَلاكِ لِقَطْعِ ما بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مِنَ الوُصْلَةِ بِالكُفْرِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلا تَحْمِلْهُ مَعَكَ ولا تَعْطِفْ عَلَيْهِ لِظُلْمِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ بِالسُّؤالِ في النَّجاةِ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عامَّةً؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ أيْ قَدْ خَتَمَ القَضاءَ عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُكْرِمُكَ عَنْ سُؤالٍ لا يُقْبَلُ.
المؤمنون 23:28
(p-١٣٤)ولَمّا قَدَّمَ ذَلِكَ، لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ - بِالنَّهْيِ عَمّا لا يُرْضِي - أوْلى مِن جَلْبِ المَصالِحِ، أتْبَعَهُ الأمْرَ بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ﴾ أيِ اعْتُقِلَتْ ﴿أنْتَ ومَن مَعَكَ﴾ أيْ مِنَ البَشَرِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَلى الفُلْكِ﴾ فَفَرَغْتَ مِنِ امْتِثالِ الأمْرِ بِالحَمْلِ ﴿فَقُلِ﴾ لِأنَّ عِلْمَكَ بِاللَّهِ لَيْسَ كَعِلْمِ غَيْرِكَ فالحَمْدُ مِنكَ أتَمَّ، وإذا قُلْتَ اتَّبَعَكَ مَن مَعَكَ، فَإنَّكَ قُدْوَتُهم وهم في غايَةِ الطّاعَةِ لَكَ، ولِهَذا أفْرَدَ في الجَزاءِ بَعْدَ العُمُومِ في الشَّرْطِ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ في الإيجادِ والإعْدامِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ المَجْدِ ﴿الَّذِي نَجّانا﴾ بِحَمْلِنا فِيهِ ﴿مِنَ القَوْمِ﴾ الأشِدّاءِ الأعْتِياءِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ حالُهم - لِوَضْعِهِمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها - حالَ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، فَلَكَ الحَمْدُ بَعْدَ إفْنائِهِمْ كَما كانَ لَكَ الحَمْدُ في حالِ إبْدائِهِمْ وإبْقائِهِمْ، والحَمْدُ في هَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِأعْظَمِ شَعِيرَةٍ بِها الإبْقاءُ الأوَّلُ، وهي الصَّلاةُ المَوْصُوفَةُ بِالخُشُوعِ كالحَمْدِ في سُورَةِ الإيجادِ الأوَّلِ: الأنْعامِ بِقَوْلِهِ تَعالى
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]
المؤمنون 23:29
ولَمّا أشارَ لَهُ بِهَذا القَوْلِ إلى السَّلامَةِ بِالحَمْلِ، أتْبَعَهُ الإشارَةَ إلى الوَعْدِ بِإسْكانِ الأرْضِ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي﴾ في الفُلْكِ ثُمَّ في الأرْضِ وفي كُلِّ مَنزِلٍ تُنْزِلُنِي بِهِ وتُورِثُنِي إيّاهُ ﴿مُنْـزَلا﴾ مَوْضِعَ نُزُولٍ، أوْ إنْزالًا ﴿مُبارَكًا﴾ أيْ أهْلًا لِأنْ يَثْبُتَ فِيهِ أوْ بِهِ. ولَمّا كانَ (p-١٣٥)الثَّناءُ أعْظَمَ مُهَيِّجٍ عَلى إجابَةِ الدُّعاءِ، وكانَ التَّقْدِيرُ، فَأنْتَ خَيْرُ الحامِلِينَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ لِأنَّكَ تَكْفِيَ نَزِيلَكَ كُلَّ مُلِمٍّ، وتُعْطِيهِ كُلَّ مُرادٍ.
المؤمنون 23:30
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مِن أغْرَبِ القِصَصِ، حَثَّ عَلى تَدَبُّرِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي ذُكِرَ مِن أمْرِ نُوحِ وقَوْمِهِ وكَذا ما هو مِهادٌ لَهُ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ عَلاماتٍ دالّاتٍ عَلى صِدْقِ الأنْبِياءِ في أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ المُفْلِحُونَ، وأنَّهُمُ الوارِثُونَ لِلْأرْضِ بَعْدَ الظّالِمِينَ وإنْ عَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ، واشْتَدَّتْ صَوْلَتُهم ﴿وإنْ﴾ أيْ وإنّا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿كُنّا﴾ بِما لَنا مِنَ الوَصْفِ الثّابِتِ الدّالِّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ ﴿لَمُبْتَلِينَ﴾ أيْ فاعِلَيْنِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِعِبادِنا بِإرْسالِ الرُّسُلِ لِيَظْهَرَ في عالَمِ الشَّهادَةِ الصّالِحُ مِنهم مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ نَبْتَلِي الصّالِحِينَ مِنهم بِما يَزِيدُ حَسَناتِهِمْ، ويَنْقُصُ سَيِّئاتِهِمْ، ويُعْلِي دَرَجاتِهِمْ، ثُمَّ نَجْعَلُ لَهُمُ العاقِبَةَ فَنُبْلِي بِهِمُ الظّالِمِينَ بِما يُوجِبُ دَمارَهُمْ، ويُخَرِّبُ دِيارَهُمْ، ويَمْحُو آثارَهُمْ، هَذِهِ عادَتُنا المُسْتَمِرَّةُ إلى أنْ نَرِثَ الأرْضَ ومَن عَلَيْها فَيَكُونُ البَلاءُ المُبِينُ.
المؤمنون 23:31
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى تَكْذِيبَهم وما عَذَّبَهم بِهِ، وكانَ القِياسُ مُوجِبًا لِأنَّ مَن يَأْتِي بَعْدَهم يَخْشى مِثْلَ مَصْرَعِهِمْ، فَيَسْلُكُ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، (p-١٣٦)ويَقُولُ غَيْرَ قِيلِهِمْ، بَيَّنَ أنَّهُ لَمْ تَنْفَعْهُمُ العِبْرَةُ، فارْتَكَبُوا مِثْلَ أحْوالِهِمْ، وزادُوا عَلى أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، لِإرادَةِ ذَلِكَ مِنَ الفاعِلِ المُخْتارِ، الواحِدِ القَهّارِ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ - مَعَ التَّهْدِيدِ والدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ - الدَّلالَةَ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِالفَلاحِ والبَقاءِ بَعْدَ الأعْداءِ، وكانَ إهْلاكُ المُتْرَفِينَ أدُلُّ عَلى ذَلِكَ، اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِهِمْ وأبْهَمَهم لِيَصِحَّ تَنْزِيلَ قِصَّتِهِمْ عَلى كُلِّ مَنِ ادَّعى فِيهِمُ الإتْرافَ مِنَ الكَفَرَةِ، ويَتَرَجَّحُ إرادَةُ عادٍ لَمّا أُعْطُوا مَعَ ذَلِكَ مِن قُوَّةِ الأبْدانِ وعِظَمِ الأجْسامِ، وبِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وإرادَةُ ثَمُودَ لِما في الشُّعَراءِ والقَمَرِ مِمّا يُشابِهُ بَعْضَ قَوْلِهِمْ هُنا، ولِلتَّعْبِيرِ عَنْ عَذابِهِمْ بِالصَّيْحَةِ ولِمُوافَقَتِهِمْ لِقَوْمِ نُوحٍ في تَعْلِيلِ رَدِّهِمْ بِكَوْنِهِ بَشَرًا، وطَوى الإخْبارَ عَمَّنْ بَعْدَهم بِغَيْرِ التَّكْذِيبِ والإهْلاكِ لِعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذِكْرِ شَيْءٍ غَيْرِهِ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا﴾ أيْ أحْدَثْنا وأحْيَيْنا ورَبَّيْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا لَمْ يَسْتَغْرِقُوا زَمانَ البُعْدِ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا﴾ أيْ أُمَّةً وجِيلًا. ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّهم فِرْقَةٌ مِنَ المُهْلَكِينَ نَجَوْا مِن عَذابِ سائِرِهِمْ كَما يَكُونُ في حُرُوبِ سائِرِ المُلُوكِ، عَبَّرَ عَنْ (p-١٣٧)إنْجائِهِمْ بِإنْشائِهِمْ، حَقَّقَ أنَّهم أحْدَثُوا بَعْدَهم فَقالَ: ﴿آخَرِينَ﴾
المؤمنون 23:32
﴿فَأرْسَلْنا﴾ أيْ فَتَعَقَّبَ إنْشاءَنا لَهم وتَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ أرْسَلْنا.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإبْلاغَ في التَّسْلِيَةِ، عُدِّيَ الفِعْلُ بِ ”فِي“ دَلالَةً عَلى أنَّهُ عَمَّهم بِالإبْلاغِ كَما يَعُمُّ المَظْرُوفُ الظَّرْفَ، حَتّى لَمْ يَدَعْ واحِدًا مِنهم إلّا أبْلَغَ في أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ فَكانَ القِياسُ يَقْتَضِي مُبادَرَتَهم لِاتِّباعِهِ لِعِلْمِهِمْ بِما حَلَّ بِمَن قَبْلَهم لِأجْلِ التَّكْذِيبِ، ولِمَعْرِفَتِهِمْ غايَةَ المَعْرِفَةِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ مِنهُمْ، بِما جَعَلْناهُ عَلَيْهِ المَحاسِنَ، وما زَيَّناهُ بِهِ مِنَ الفَضائِلِ، ولِأنَّ عِزَّهُ عَزُّهُمْ، ولِدُعائِهِ لَهم إلى ما لا يَخْفى حُسْنُهُ عَلى عاقِلٍ، ولا يَأْباهُ مُنْصِفٌ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما أرْسَلَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ وحْدَهُ لِأنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ، ولِذا حُفِظَ اسْمُهُ فَكانَ لا سَمِيَّ لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكُمْ﴾ ودَلَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾
ولَمّا كانَتِ المَثُلاتُ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ في المُكَذِّبِينَ، وأناخَتْ صُرُوفَها بِالظّالِمِينَ، فَتَسَبَّبَ عَنْ عَمَلِهِمْ بِذَلِكَ إنْكارَ قِلَّةِ مُبالاتِهِمْ في عَدَمِ تَحَرُّزِهِمْ مِن مِثْلِ مَصارِعِهِمْ، قالَ: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ (p-١٣٨)لَكم وِقايَةً مِمّا يَنْبَغِي الخَوْفُ مِنهُ فَتَجْعَلُوا وِقايَةً تَحُولُ بَيْنَكم وبَيْنَ سُخْطِ اللَّهِ.
المؤمنون 23:33
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَتَّقُوا دَأْبَ قَوْمِ نُوحٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ المَلأُ﴾ أيِ الأشْرافُ الَّذِينَ تَمْلَأُ رُؤْيَتُهُمُ الصُّدُورِ، فَكَأنَّ ما اقْتَرَنَ بِالواوِ أعْظَمُ في التَّسْلِيَةِ مِمّا خَلا مِنها عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ لِدَلالَةِ هَذا عَلى ما عَطَفَ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَتِ القَبائِلُ قَدْ تَفَرَّغَتْ بِتَفَرُّقِ الألْسُنِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ اهْتِمامًا وتَخْصِيصًا لِلْإبْلاغِ في التَّسْلِيَةِ ولِأنَّهُ لَوْ أخَّرَ لَكانَ بَعْدَ تَمامِ الصِّلَةِ وهي طَوِيلَةٌ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَلَأِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا ما يَعْرِفُونَ مِن أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ والِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿وكَذَّبُوا بِلِقاءِ الآخِرَةِ﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ.
ولَمّا كانَ مِن لازِمِ الشَّرَفِ التَّرَفُ، صَرَّحَ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ - لَظَنَّ كَوْنَهُ سَعادَةً في الدُّنْيا - قاطِعٌ في الغالِبِ عَنْ سَعادَةِ الآخِرَةِ، لِكَوْنِهِ حامِلًا عَلى الأشَرِ والبَطَرِ والتَّكَبُّرِ حَتّى عَلى المُنْعِمِ، فَقالَ: ﴿وأتْرَفْناهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنّا - بِما لَنا وعَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - نَعَّمْناهم ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيِ الدّانِيَةِ الدَّنِيئَةِ، بِالأمْوالِ والأوْلادِ وكَثْرَةِ السُّرُورِ، يُخاطِبُونَ أتْباعَهُمْ: ﴿ما هَذا﴾ أشارُوا إلَيْهِ تَحْقِيرًا لَهُ عِنْدَ المُخاطَبِينَ ﴿إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أيْ في الخَلْقِ والحالِ؛ ثُمَّ (p-١٣٩)وصَفُوهُ بِما يُوهِمُ المُساواةَ في كُلِّ وصْفٍ فَقالُوا: ﴿يَأْكُلُ مِمّا تَأْكُلُونَ مِنهُ﴾ مِن طَعامِ الدُّنْيا ﴿ويَشْرَبُ مِمّا تَشْرَبُونَ﴾ أيْ مِنهُ مِن شَرابِها فَكَيْفَ يَكُونُ رَسُولًا دُونَكُمْ!
المؤمنون 23:34
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَئِنِ اتَّبَعْتُمُوهُ إنَّكم لَضالُّونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿ولَئِنْ أطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ﴾ في جَمِيعِ ما تَرَوْنَ ﴿إنَّكم إذًا﴾ أيْ إذا أطَعْتُمُوهُ ﴿لَخاسِرُونَ﴾ أيْ مَغْبُونُونَ لِكَوْنِكم فَضَّلْتُمْ مِثْلَكم عَلَيْكم بِما يَدَّعِيهِ مِمّا نَحْنُ لَهُ مُنْكِرُونَ.
المؤمنون 23:35
ثُمَّ بَيَّنُوا إنْكارَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾ فَفارَقَتْ أرْواحُكم أجْسادَكم ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ وكانَتْ أجْسادُكم ﴿تُرابًا﴾ بِاسْتِيلاءِ التُّرابِ عَلى ما دُونُ عِظامِها ﴿وعِظامًا﴾ مُجَرَّدَةً؛ ثُمَّ بَيَّنَ المَوْعُودَ بِهِ بَعْدَ أنْ حَرَّكَ النُّفُوسَ إلَيْهِ، وبَعَثَ بِما قَدَّمَهُ أتَمَّ بَعْثٍ عَلَيْهِ، فَقالَ مُبْدِلًا مِن ﴿أنَّكُمْ﴾ الأُولى إيضاحًا لِلْمَعْنى: ﴿أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ أيْ مِن تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي صِرْتُمْ إلَيْها، فَراجِعُونِ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الحَياةِ عَلى ما كانَ لَكم مِنَ الأجْسامِ.
المؤمنون 23:36
ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا التَّصْرِيحَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنِ اسْتِبْعادِهِمْ ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ﴾ أيْ بَعُدَ بَعُدَ جِدًّا بِحَيْثُ صارَ مُمْتَنِعًا، ولَمْ يَرْفَعْ ما بَعْدَهُ بِهِ بَلْ قَطَعَ عَنْهُ تَفْخِيمًا لَهُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأيِّ شَيْءٍ هَذا الِاسْتِبْعادُ؟ فَقِيلَ: ﴿لِما تُوعَدُونَ﴾
المؤمنون 23:37
ولَمّا كانُوا بِهَذا التَّأْكِيدِ في التَّبْعِيدِ كَأنَّهم قالُوا: إنّا لا نُبْعَثُ أصْلًا، اتَّصَلَ بِهِ: ﴿إنْ هِيَ﴾ أيِ الحالَةُ الَّتِي لا يُمْكِنُ لَنا سِواها ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ (p-١٤٠)أيِ الَّتِي هي أقْرَبُ الأشْياءِ إلَيْنا وهي ما نَحْنُ فِيها، ثُمَّ فَسَّرُوها بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ يَمُوتُ مِنّا مَن هو مَوْجُودٌ، ويَنْشَأُ آخَرُونَ بَعْدَهم ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ المَوْتِ.
المؤمنون 23:38
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما هَذا الكَلامُ الَّذِي يَقُولُهُ؟ فَقِيلَ: كَذِبٌ؛ ثُمَّ حَصَرُوا أمْرَهُ في الكَذِبِ فَقالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ إلا﴾ وألْهَبُوهُ عَلى تَرْكِ مِثْلِ ما خاطَبَهم بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَجُلٌ افْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿كَذِبًا﴾ والرَّجُلُ لا يَنْبَغِي لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ، أوْ هو واحِدٌ وحْدَهُ، أيْ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ ﴿وما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ بِمُصَدِّقِينَ فِيما يُخْبِرُنا بِهِ مِنَ البَعْثِ والرِّسالَةِ.
المؤمنون 23:39
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالَ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإرْسالِي إلَيْهِمْ وغَيْرِهِ مِن أنْواعِ التَّرْبِيَةِ ﴿انْصُرْنِي﴾ عَلَيْهِمْ أيْ أوْقِعْ لِيَ النَّصْرَ ﴿بِما كَذَّبُونِ﴾
المؤمنون 23:40
فَأجابَهُ رَبُّهُ بِأنْ ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾ أيْ مِنَ الزَّمَنِ. وأكَّدَ قِلَّتَهُ بِزِيادَةِ ”ما“ ﴿لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ﴾ عَلى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ اتِّباعِكَ.
المؤمنون 23:41
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ أنْ تَعْقُبَ هَلاكَهُمْ، وعَدَ اللَّهُ لَهُ بِذَلِكَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أيِ الَّتِي كَأنَّها لِقُوَّتِها لا صِحِّيَّةَ إلّا هِيَ، (p-١٤١)ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ عَلى بابِها فَتَكُونُ صَيْحَةُ جِبْرَئِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَكُونُ القَوْمُ ثَمُودَ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ مَجازًا عَنِ العَذابِ الهائِلِ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيْ بِالأمْرِ الثّابِتِ مِنَ العَذابِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ الَّذِي لا تُمْكِنُ مُدافَعَتُهُ لَهم ولا لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، ولا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا وهو عَدْلٌ ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ بِعَظْمَتِنا الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ، بِسَبَبِ الصَّيْحَةِ ﴿غُثاءً﴾ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ، جاثِمَيْنِ أمْواتًا يُطْرَحُونَ كَما يُطْرَحُ الغُثاءُ، وهو ما يَحْمِلُهُ السَّيْلُ مِن نَباتٍ ونَحْوِهِ فَيَسُودُ ويَبْلى فَيَصِيرُ بِحَيْثُ لا يَنْتَفِعُ بِهِ، ونَجَّيْنا رَسُولَهم ومِن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَخابَ الكافِرُونَ، وأفْلَحَ المُؤْمِنُونَ، وكانُوا هُمُ الوارِثِينَ لِلْأرْضِ مِن بَعْدِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَلاكُهم عَلى هَذا الوَجْهِ سَبَبًا لِهَوانِهِمْ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبُعْدًا﴾ أيْ هَلاكًا وطَرْدًا. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن؟ قِيلَ: لَهُمْ! ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الضَّمِيرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ تَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن تَلَبَّسَ بِهِ فَقالَ: ﴿لِلْقَوْمِ﴾ أيِ الأقْوِياءِ الَّذِي لا عُذْرَ لَهم في التَّخَلُّفِ عَنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ والمُدافَعَةِ عَنْهم ﴿الظّالِمِينَ﴾ الَّذِينَ وضَعُوا قُوَّتَهُمُ الَّتِي كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُها في نَصْرِ الرُّسُلِ في خِذْلانِهِمْ.
المؤمنون 23:42
ولَمّا كانَتْ عادَةُ المُكَذِّبِينَ أنْ يَقُولُوا تَكْذِيبًا: هَذا تَعْرِيضٌ لَنا بِالهَلاكِ، فَصَرِّحْ ولا تَدَعْ جُهْدًا في إحْلالِهِ بِنا والتَّعْجِيلِ بِهِ (p-١٤٢)إلَيْنا، فَإنّا لا نَدَعْ ما نَحْنُ عَلَيْهِ لِشَيْءٍ، وكانَ العَرَبُ أيْضًا قَدِ ادَّعَوْا أنَّ العادَةَ بِمَوْتِهِمْ وإنْشاءِ مَن بَعْدَهم شَيْئًا فَشَيْئًا لا تَنْخَرِمُ، قالَ تَعالى رادِعًا لَهُمْ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا يَضُرُّها تَقْدِيمٌ ولا تَأْخِيرٌ، وأثْبَتَ الجارَّ لِما تَقَدَّمَ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مَن نُوحٍ والقَرْنِ الَّذِي بَعْدَهُ ﴿قُرُونًا آخَرِينَ﴾
المؤمنون 23:43
ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ لَمْ يَعْجَلْ عَلى أحَدٍ مِنهم قَبْلَ الأجَلِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما تَسْبِقُ﴾ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ ولا يَكُونُ، وأشارَ إلى الِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أُمَّةٍ أجَلَها﴾ أيِ الَّذِي قَدَّرْناهُ لِهَلاكِها ﴿وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْهُ، وكُلُّهم أسْفَرَتْ عاقِبَتُهُ عَنْ خَيْبَةِ المُكَذِّبِينَ وإفْلاحِ المُصَدِّقِينَ، وجَعْلِهِمْ بَعْدَهُمُ الوارِثِينَ، وعَكَسَ هَذا التَّرْتِيبَ في غَيْرِها مِنَ الآياتِ فَقَدَّمَ الِاسْتِئْخارَ لِأنَّهُ فَرَضَ هُناكَ مَجِيءَ الأجَلِ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ نَظَرٌ إلّا إلى التَّأْخِيرِ.
المؤمنون 23:44
ولَمّا كانَ قَدْ أمْلى لِكُلِّ قَوْمٍ حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ الزَّمَنُ، فَلَمّا لَمْ يَهْدِهم عُقُولُهم لِما نَصَبَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، وأسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، وأحَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ قَبْلَهم مِنَ النِّقَمِ، أرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا﴾ أيْ بَعْدِ إنْشاءِ كُلِّ قَرْنٍ مِنهم وطُولِ إمْهالِنا لَهُ، (p-١٤٣)ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ بَيْنَ كُلِّ رَسُولَيْنِ فَتْرَةً، وأضافَ الرُّسُلُ إلَيْهِ لِأنَّهُ في مَقامِ العَظَمَةِ وزِيادَةً في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿رُسُلَنا تَتْرى﴾ أيْ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ؛ قالَ الرّازِي: مِن وتَرَ القَوْسَ لِاتِّصالِهِ.
وقالَ البَغَوِيُّ: واتَرْتُ الخَبَرَ: أتْبَعْتُ بَعْضَهُ بَعْضًا وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيْهَةً. وقالَ الأصْبِهانِيُّ: والأصْلُ: وتْرى، فَقُلِبَتِ الواوُ تاءً كَما قَلَبُوها في التَّقْوى. فَجاءَ كُلُّ رَسُولٍ إلى أُمَّتِهِ قائِلًا: اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهِ غَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ قِيلَ: ﴿كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً﴾ ولَمّا كانَ في بَيانِ التَّكْذِيبِ، أضافَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ، ذَمًّا لَهم لِأنْ يَخُصُّوا بِالكَرامَةِ فَيَأْبَوْها ولِقَصْدِ التَّسْلِيَةِ أيْضًا فَقالَ: ﴿رَسُولُها﴾ أيْ بِما أمَرْناهُ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ.
ولَمّا كانَ الأكْثَرُ مِن كُلِّ أمَةٍ مُكَذِّبًا، أسْنَدَ الفِعْلَ إلى الكُلِّ فَقالَ: ﴿كَذَّبُوهُ﴾ أيْ كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ بِكَ لِما أمَرْتَهم بِذَلِكَ ﴿فَأتْبَعْنا﴾ القُرُونَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿بَعْضَهم بَعْضًا﴾ في الإهْلاكِ، فَكُنّا نُهْلِكُ الأُمَّةَ كُلَّها في آنٍ واحِدٍ، بَعْضُهم بِالصَّيْحَةِ، وبَعْضُهم بِالرَّجْفَةِ، وبَعْضُهم بِالخَسْفِ، وبَعْضُهم بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَدَلَّ أخْذُنا لَهم عَلى غَيْرِ العادَةِ - مِن إهْلاكِنا لَهم (p-١٤٤)جَمِيعًا وإنْجاءِ الرُّسُلِ ومِن صِدْقِهِمْ والمُخالَفَةِ بَيْنَهم في نَوْعِ العَذابِ - أنّا نَحْنُ الفاعِلُونَ بِهِمْ ذَلِكَ بِاخْتِيارِنا لا الدَّهْرُ، وأنّا ما فَعَلْنا ذَلِكَ إلّا بِسَبَبِ التَّكْذِيبِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ ذَهَبُوا لَمْ يَبْقَ عِنْدَ النّاسِ مِنهم إلّا أخْبارُهُمْ، جُعِلُوا إيّاها، فَقالَ: ﴿وجَعَلْناهم أحادِيثَ﴾ أيْ أخْبارًا يُسْمَرُ بِها ويُتَعَجَّبُ مِنها لِيَكُونُوا عِظَةً لِلْمُسْتَبْصِرِينَ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ ولا يَخِيبُ المُؤْمِنُونَ، وما أحْسَنَ قَوْلَ القائِلِ:
؎ولا شَيْءَ يَدُومُ فَكُنْ حَدِيثًا جَمِيلَ الذِّكْرِ فالدُّنْيا حَدِيثُ
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ هَلاكَهُمُ المُقْتَضِيَ لِبُعْدِهِمْ فَقالَ: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ﴾ أيْ أقْوِياءَ عَلى ما يُطْلَبُ مِنهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ وإنْ جَرَتْ عَلَيْهِمُ الفُصُولُ الأرْبَعَةُ، لِأنَّهُ لا مِزاجَ لَهم مُعْتَدِلٌ.
المؤمنون 23:45
ولَمّا كانَ آلُ فِرْعَوْنَ قَدْ أنْكَرُوا الإيمانَ لِبَشَرٍ مِثْلِهِمْ كَما قالَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن قَوْمِ نُوحٍ والقَرْنِ الَّذِي بَعْدَهُمْ، وكانُوا أتْرَفَ أهْلِ زَمانِهِمْ، وأعْظَمَهم قُوَّةً، وأكْثَرَهم عُدَّةً، وكانُوا يَسْتَعْبِدُونَ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ قَدْ نُقِلَ إلَيْنا مِنَ الآياتِ الَّتِي أظْهَرَ رَسُولَهم ما لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا مِثْلُهُ لِمَن تَقَدَّمَهُ، صَرَّحَ سُبْحانَهُ بِهِمْ، وكَأنَّ الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ كانَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، فَدَلَّ عَلَيْها بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا (p-١٤٥)مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى﴾ وزادَ في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخاهُ هارُونَ﴾ أيْ عاضِدًا لَهُ وبَيانًا لِأنَّ إهْلاكَ فِرْعَوْنِ وآلِهِ جَمِيعًا مَعَ إنْجاءِ الرَّسُولَيْنِ مَعًا ومَن آمَنَ بِهِما لِإرادَةِ الواحِدِ القَهّارِ لِإفْلاحِ المُؤْمِنِينَ وخَيْبَةِ الكافِرِينَ ﴿بِآياتِنا﴾ أيِ المُعْجِزاتِ، بِعَظْمَتِنا لِمَن يُبارِيها ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ عَظِيمَةٍ واضِحَةٍ، وهي حِراسَتُهُ وهو وحْدُهُ، وأعْلاهُ عَلى كُلِّ مَن ناواهُ وهم مَعَ قُوَّتِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ وعَجْزُهم عَنْ كُلِّ ما يَرُومُونَهُ مِن كَيْدِهِ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ مِن جُمْلَةِ الآياتِ لَكِنَّها أعْظَمُها، وهي وحْدَها كافِيَةٌ في إيجابِ التَّصْدِيقِ.
المؤمنون 23:46
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾ أيْ وقَوْمِهِ.
ولَمّا كانَ الأطْرافُ لا يُخالِفُونَ الأشْرافَ، عَدَّهم عَدَمًا، ومِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِهِ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾ إلى أنَّهم أوْجَدُوا الكِبْرَ عَنِ الِاتِّباعِ فِيما دُعُوا إلَيْهِ عَقِبَ الإبْلاغِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ ولا تَثَبُّتٍ وطَلَبُوا أنْ لا يَكُونُوا تَحْتَ أمْرِ مَن دَعاهُمْ، وأشارَ بِالكَوْنِ إلى فَسادِ جِبِلَّتِهِمْ فَقالَ: ﴿وكانُوا قَوْمًا﴾ أيْ أقْوِياءَ ﴿عالِينَ﴾ عَلى جَمِيعِ مَن يُناوِيهم مِن أمْثالِهِمْ.
المؤمنون 23:47
(p-١٤٦)ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ اسْتِكْبارِهِمْ وعُلُوِّهِمْ إنْكارُهم لِلِاتِّباعِ قالَ: ﴿فَقالُوا أنُؤْمِنُ﴾ أيْ بِاللَّهِ مُصَدِّقِينَ ﴿لِبَشَرَيْنِ﴾ ولَمّا كانَ ”مِثْلُ“ و”غَيْرُ“ قَدْ يُوصَفُ بِهِما المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ والمُثَنّى والجَمْعُ دُونَ تَغْيِيرٍ، ولَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى التَّثْنِيَةِ قالَ: ﴿مِثْلِنا﴾ أيْ في البَشَرِيَّةِ والمَأْكَلِ والمَشْرَبِ وغَيْرِهِما مِمّا يَعْتَرِي البَشَرَ كَما قالَ مَن تَقَدَّمَهم ﴿وقَوْمُهُما﴾ أيْ والحالُ أنَّ قَوْمَهُما ﴿لَنا عابِدُونَ﴾ أيْ في غايَةِ الذُّلِّ والِانْقِيادِ كالعَبِيدِ فَنَحْنُ أعْلى مِنهُما بِهَذا، ويا لَيْتَ شِعْرِي ما لَهم لَمّا جَعَلُوا هَذا شُبْهَةً لَمْ يَجْعَلُوا عَجْزَهم عَنْ إهْلاكِ الرُّسُلِ وعَمّا يَأْتُونَ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ فُرْقانًا وما جَوابُهم عَنْ أنَّ مِنَ النّاسِ الجاهِلَ الَّذِي لا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ والعالِمَ الَّذِي يَفُوقُ الوَصْفَ مَن فاوَتَ بَيْنَهُما؟ وإذا جازَ التَّفاوُتُ بَيْنَهُما في ذَلِكَ فَلِمَ لا يَجُوزُ في غَيْرِهِ؟ .
المؤمنون 23:48
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْكارِ التَّكْذِيبُ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ الهَلاكُ، قالَ: ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾ أيْ فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿فَكانُوا﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وآلُهُ، ونَبَّهَ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿مِنَ المُهْلَكِينَ﴾ بِإغْراقِنا لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ إشارَةً إلى أنَّهم لَمْ يَهْلَكُوا بِأنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ مَهْلَكٍ مُخْتارٍ بِدَلِيلِ إغْراقِهِمْ كُلِّهِمْ بِما كانَ سَبَبُ إنْجاءِ بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم قُوَّتُهم في أنْفُسِهِمْ ثُمَّ قُوَّتُهم عَلى خُصُوصِ بَنِي إسْرائِيلَ (p-١٤٧)بِاسْتِعْبادِهِمْ إيّاهُمْ، ولا ضَرَّ بَنِي إسْرائِيلَ ضَعْفُهم عَنْ دِفاعِهِمْ، ولا ذُلُّهم لَهم وصَغارُهم في أيْدِيهِمْ.
المؤمنون 23:49
ولَمّا كانَ ضَلالُ قَوْمِهِما الَّذِينَ اسْتَنْقَذْناهم مِن عُبُودِيَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ أعْجَبَ، وكانَ السّامِعُ مُتَشَوِّفًا إلى ما كانَ مِن أمْرِهِمْ بَعْدَ نَصْرِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ مُبْتَدِئًا لَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ مُشِيرًا إلى حالِهِمْ في ضَلالِهِمْ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ النّاظِمِ لِمَصالِحِ البَقاءِ الأوَّلِ بَلْ والثّانِي.
ولَمّا كانَ كِتابُهم لَمْ يَنْزِلْ إلّا بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ كَما هو واضِحٌ لِمَن تَأمَّلَ أشْتاتَ قِصَّتِهِمْ في القُرْآنِ، وكانَ حالُ هَلاكِ القِبْطِ مُعَرِّفًا أنَّ الكِتابَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، اكْتَفى بِضَمِيرِهِمْ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أيْ قَوْمَ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ العَواقِبَ حالَ مَن تُرْجى هِدايَتُهُ، فَأفْهَمَ جَعْلُهم في ذَلِكَ في مَقامِ التَّرَجِّي أنَّ فِيهِمْ مَن لَمْ يَهْتَدِ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وبَعْدَ أنْ أنْزَلَ التَّوْراةَ لَمْ تَهْلَكْ أُمَّةٌ بِعامَّةٍ بَلْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِ الكافِرِينَ - انْتَهى.
ولا يَبْعُدُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”لَعَلَّهم“ لِلْقُرُونِ الحادِثَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ ﴿قُرُونًا﴾ [المؤمنون: ٤٢] ورُبَّما أرْشَدَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ (p-١٤٨)ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٣] وقَدْ خَتَمَ الهَلاكَ العامَّ بِالإغْراقِ كَما فَتَحَ بِهِ، والنَّبِيّانِ اللَّذانِ وقَعَ ذَلِكَ لَهُما دَعا كُلٌّ مِنهُما عَلى مَن عَصاهُ، وكِلاهُما مَثَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في غَزْوَةِ بَدْرٍ في الشِّدَّةِ عَلى العُصاةِ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي أطاعَهُ النِّيلُ وأطاعَ جَيْشَهُ الدَّجْلَةُ.
المؤمنون 23:50
ولَمّا كانَ مَن ذَكَرَ كُلُّهم قَدْ رَدُّوا مَن جاءَهم لِإشْعارِهِمُ اسْتِبْعادَهم لِأنْ يَكُونَ الرُّسُلُ بَشَرًا، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ أعَزَّهُمُ اللَّهُ ونَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ وأوْضَحَ لَهُمُ الطَّرِيقَ بِالكِتابِ قَدِ اتَّخَذُوا عِيسى - مَعَ كَوْنِهِ بَشَرًا - إلَهًا، أتْبَعَ ذَلِكَ ذِكْرَهُ تَعْجِيبًا مِن حالِ المُكَذِّبِينَ في هَذا الصُّعُودِ بَعْدَ ذَلِكَ نُزُولِ في أمْرِ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، وجَرَتْ عَلى أيْدِيهِمُ الآياتُ لِهِدايَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾ نَسَبَهُ إلَيْها تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ لا أبَ لَهُ، وكَوْنِهِ بَشَرًا مَحْمُولًا في البَطْنِ مَوْلُودًا لا يَصْلُحُ لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ؛ وزادَ في حَقِيقَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهُ﴾ وقالَ: ﴿آيَةً﴾ إشارَةً إلى ظُهُورِ الخَوارِقِ عَلى أيْدِيهِما حَتّى كَأنَّهُما نَفْسُ الآيَةِ، فَلا يُرى مِنها شَيْءٌ إلّا وهو آيَةٌ، ولَوْ قالَ: آيَتَيْنِ، لَكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ يُرادُ حَقِيقَةُ هَذا العَدَدِ، ولَعَلَّ في ذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهُ تَكَمَّلَتْ بِهِ آيَةُ القُدْرَةِ عَلى إيجادِ الإنْسانِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ ولا أُنْثى (p-١٤٩)كَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن ذَكَرٍ بِلا أُنْثى كَحَوّاءَ عَلَيْها السَّلامُ، ومِن أُنْثى بِلا ذَكَرٍ كَعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ الزَّوْجَيْنِ كَبَقِيَّةِ النّاسِ، والمُرادُ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ - مَعَ الكِتابِ الَّذِي هو آيَةٌ مَسْمُوعَةٌ والنَّبِيِّ الَّذِي هو آيَةٌ مَرْئِيَّةٌ - لَمْ يَهْتَدِ أكْثَرُهم.
ولَمّا كانَ أهْلُ الغُلُوِّ في عِيسى وأُمِّهِ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ رُبَّما تَشَبَّثُوا مِن هَذِهِ العِبارَةِ بِشَيْءٍ، حَقَّقَ بَشَرِيَّتَهُما واحْتِياجَهُما المُنافِي لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ فَقالَ: ﴿وآوَيْناهُما﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا لَمّا قَصَدَ مُلُوكُ البِلادِ الشّامِيَّةِ إهْلاكَهُما ﴿إلى رَبْوَةٍ﴾ أيْ مَكانٍ عالٍ مِنَ الأرْضِ، وأحْسَنُ ما يَكُونُ النَّباتُ في الأماكِنِ المُرْتَفِعَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِها عَيْنُ شَمْسٍ في بِلادِ مِصْرَ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: لَيْسَ الرُّبى إلّا بِمِصْرَ والماءُ حِينَ يُرْسَلُ تَكُونُ الرُّبى عَلَيْها القُرى، ولَوْلا الرُّبى غَرِقَتِ القُرى، ورُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ نَحْوُ هَذا - انْتَهى.
﴿ذاتِ قَرارٍ﴾ أيْ مُنْبَسِطٍ صالِحٍ لِأنْ يَسْتَقِرَّ فِيهِ لِما فِيهِ مِنَ المَرافِقِ ﴿ومَعِينٍ﴾ أيْ ماءٍ ظاهِرٍ لِلَعِينٍ، ونافِعٍ كالماعُونِ، فَرْعٌ اشْتُقَّ مِن أصْلَيْنَ، ولَمْ يَقْدِرْ مَن خالَفَهُ مِنَ المُلُوكِ وغَيْرِهِمْ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى قَتْلِهِ لا في حالِ صِغَرِهِ، ولا في حالِ كِبَرِهِ، كَما مَضى نَقْلُهُ عَنْ (p-١٥٠)الإنْجِيلِ وصَدَّقَهُ عَلَيْهِ القُرْآنُ، مَعَ كَوْنِهِ مَظِنَّةً لِتَناهِي الضَّعْفِ بِكَوْنِهِ، مِن أُنْثى فَقَطْ ولا ناصِرَ لَهُ إلّا اللَّهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَأنْجَحَ اللَّهُ أمْرَهُ وأمْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ، وخَيَّبَ بِهِ الكافِرِينَ، ورَفَعَهُ إلَيْهِ لِيُؤَيِّدَ بِهِ هَذا الدِّينَ في آخِرِ الزَّمانِ، ويَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ فَلاحٌ لَمْ يَتَقَدَّمْهُ مِثْلُهُ، وكانَ ذَلِكَ مِن إحْسانِ خالِقِهِ ونِعْمَتِهِ عَلَيْهِ.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِن دَلائِلِ كَوْنِهِ آيَةً مِنَ الإنْجِيلِ:
قالَ يُوحَنّا أحَدُ المُتَرْجِمِينَ لِلْإنْجِيلِ وأغْلَبُ السِّياقِ لِمَتّى فَإنِّي خَلَطْتُ كَلامَ المُتَرْجِمِينَ الأرْبَعَةِ: ولَمّا قَرُبَ عِيدُ المَظالِّ قالَ إخْوَةُ يَسُوعَ أيِ الِاثْنَيْ عَشْرَ تِلْمِيذًا - لَهُ: تَحَوَّلْ مِن هَهُنا إلى يَهُوذا لِيَرى تَلامِيذُكَ الأعْمالَ الَّتِي تُعْمَلُ لِأنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ يَعْمَلُ شَيْئًا سِرًّا فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلانِيَةً إذْ كُنْتَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأشْياءَ فَأظْهِرْ نَفْسَكَ لِلْعالَمِ، فَقالَ لَهم يَسُوعُ: أمّا وقْتِي فَلَمْ يَبْلُغْ، وأمّا وقْتُكم فَإنَّهُ مُسْتَعِدٌّ في كُلٍّ حِينٍ، لَمْ يَقْدِرِ العالَمُ أنْ يُبْغِضَكم وهم يُبْغِضُونَنِي لِأنِّي أشْهَدُ عَلَيْهِمْ أنْ أعْمالَهم شِرِّيرَةٌ، اصْعَدُوا أنْتُمْ إلى هَذا العِيدِ، فَإنِّي لا أصْعَدُ الآنَ، ثُمَّ قالَ: ولَمّا انْتَصَفَ أيّامُ العِيدِ صَعِدَ يَسُوعُ إلى الهَيْكَلِ فَبَدَأ يُعَلِّمُ، وكانَ اليَهُودُ (p-١٥١)يَتَعَجَّبُونَ ويَقُولُونَ: كَيْفَ يُحْسِنُ هَذا الكِتابَ ولَمْ يَعْلَمْهُ أحَدٌ، فَقالَ: تَعْلِيمِي لَيْسَ هو لِي، بَلْ لِلَّذِي أرْسَلَنِي، فَمَن أحَبَّ أنْ يَعْمَلَ مَرْضاتَهُ فَهو يَعْرِفُ تَعْلِيمِي هو مِنَ اللَّهِ أوْ مِن عِنْدِي؟ مَن يَتَكَلَّمُ مِن عِنْدِهِ إنَّما يَطْلُبُ المَجْدَ لِنَفَسِهِ، وأمّا الَّذِي يَطْلُبُ مَجْدَ الَّذِي أرْسَلَهُ فَهو صادِقٌ ولَيْسَ فِيهِ ظُلْمٌ، ألَيْسَ مُوسى أعْطاكُمُ النّامُوسَ ولَيْسَ فِيكم أحَدٌ يَعْمَلُ بِالنّامُوسِ، ثُمَّ قالَ: وفي اليَوْمِ العَظِيمِ الَّذِي هو آخِرُ العِيدِ كانَ يَسُوعُ قائِمًا يُنادِي: كُلُّ مَن يُؤْمِنُ بِي كَما قالَتِ الكُتُبُ تَجْرِي مِن بَطْنِهِ أنْهارُ ماءِ الحَياةِ، وإنَّ الجَمْعَ الكَثِيرَ سَمِعُوا كَلامَهُ فَقالُوا: هَذا نَبِيٌّ حَقًّا، وآخَرُونَ قالُوا: هَذا هو المَسِيحُ، وآخَرُونَ قالُوا: ألَعَلَّ المَسِيحَ مِنَ الجَلِيلِ يَأْتِي؟ ألَيْسَ قَدْ قالَ الكِتابَ: إنَّهُ مِن نَسْلِ داوُدَ، مِن بَيْتِ لَحْمٍ قَرْيَةِ داوُدَ خاصَّةً يَأْتِي المَسِيحُ، فَوَقَعَ بَيْنَ الجُمُوعِ خَوْفٌ مِن أجْلِهِ، قالَ مَتّى: حِينَئِذٍ جاءَ إلى يَسُوعَ مِن يُرُوشَلِيمَ كَتَبَةٌ وفَرِيسِيُّونَ قائِلِينَ: لِماذا تَلامِيذُكَ يَتَعَدَّوْنَ وصِيَّةَ المَشْيَخَةِ إذْ لا يَغْسِلُونَ أيْدِيَهم عِنْدَ أكْلِهِمْ؛ وقالَ مُرْقُسُ: ثُمَّ اجْتَمَعَ إلَيْهِ الفَرِيسِيُّونَ وبَعْضُ الَّذِينَ جاؤُوا مِن يُرُوشَلِيمَ فَنَظَرُوا إلى تَلامِيذِهِ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ بِغَيْرِ غَسْلِ أيْدِيهِمْ، لِأنَّ الفَرِيسِيِّينَ (p-١٥٢)وكُلَّ اليَهُودِ لا يَأْكُلُونَ إلّا بِغَسْلِ أيْدِيهِمْ تَمَسُّكًا بِتَعْلِيمِ شُيُوخِهِمْ والَّذِينَ يَشْتَرُونَهُ مِنَ الأسْواقِ إنْ لَمْ يَغْسِلُوهُ لا يَأْكُلُونَهُ، وأشْياءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ تَمَسَّكُوا بِها مِن غَسْلِ كُؤُوسٍ وأوانِيَ ومَصاغٍ وأسِرَّةٍ، وسَألَهُ الكَتَبَةُ والفَرِيسِيُّونَ: لِمَ تَلامِيذُكَ لا يَسِيرُونَ عَلى ما وصَّتْ بِهِ المَشْيَخَةُ قالَ مَتّى: فَأجابَهم وقالَ: لِماذا أنْتُمْ تَتَعَدَّوْنَ وصِيَّةَ اللَّهِ مِن أجْلِ سُنَنِكُمْ، ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: أكْرِمْ أباكَ وأمَّكَ، والَّذِي يَقُولُ كَلامًا رَدِيئًا في أبِيهِ وأُمِّهِ يُسْتَأْصَلُ بِالمَوْتِ، وأنْتُمْ تَقُولُونَ: مَن قالَ لِأبِيهِ أوْ لِأُمِّهِ.
إنَّ القُرْبانَ شَيْءٌ يَنْتَفِعُ بِهِ، فَلا يُكْرِمُ أباهُ وأُمَّهُ، فَأبْطَلْتُمْ كَلامَ اللَّهِ مِن تِلْقاءِ رِوايَتِكُمْ؛ قالَ مُرْقُسُ: وتَفْعَلُونَ كَثِيرًا مِثْلَ هَذا - انْتَهى. يا مُراؤُونَ حَسَنًا يُثْنِي وقالَ مُرْقُسُ: نَعَمًا يُثْنِي عَلَيْكم أشْعَيا قائِلًا: إنَّ هَذا شَعْبٌ قَرُبَ مِنِّي ويُكْرِمُنِي بِشَفَتَيْهِ، (p-١٥٣)وقَلْبُهُ بَعِيدٌ عَنِّي، يَعْبُدُونَنِي باطِلًا ويُعَلِّمُونَ تَعْلِيمَ وصايا النّاسِ. ودَعا الجَمْعَ وقالَ لَهُمْ: اسْمَعُوا وافْهَمُوا، لَيْسَ ما يَدْخُلُ الفَمَ يُنَجِّسُ الإنْسانَ، لَكِنَّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الفَمِ يُنَجِّسُ الإنْسانَ، حِينَئِذٍ جاءَ إلَيْهِ تَلامِيذُهُ وقالُوا: اعْلَمْ أنَّ الفَرِيسِيِّنَ لَمّا سَمِعُوا الكَلامَ شَكَوْا، فَأجابَهم وقالَ: كُلُّ غَرْسٍ لا يَغْرِسُهُ أبِي السَّماوِيِّ يُقْلَعُ، دَعُوهم فَإنَّهم عُمْيانٌ يَقُودُهم عُمْيانٌ، أجابَهُ بُطْرُسُ وقالَ: فَسِّرْ لَنا المَثَلَ! فَقالَ: حَتّى أنْتُمْ لا تَفْهَمُونَ؟ أما تَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما يَدْخُلُ إلى الفَمِ يَصِلُ إلى البَطْنِ ويَنْطَرِدُ إلى المَخْرَجِ، فَأمّا الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الفَمِ فَهو يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ، هَذا الَّذِي يُنَجِّسُ الإنْسانَ، لِأنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ القَلْبِ الفِكْرُ الشِّرِّيرُ: القَتْلُ الزِّنى الفِسْقُ السَّرِقَةُ وشَهادَةُ الزُّورِ التَّجْدِيفُ، هَذا هو الَّذِي يُنَجِّسُ الإنْسانِ، وأمّا الأكْلُ بِغَيْرِ غَسْلِ الأيْدِي فَلَيْسَ يُنَجِّسُ الإنْسانَ، وقالَ مُرْقُسُ: إنَّ كُلَّ ما كانَ خارِجًا يَدْخُلُ إلى فَمِ الإنْسانِ لا يَقْدِرُ أنْ يُنَجِّسَهُ لِأنَّهُ لا يَصِلُ إلى القَلْبِ، بَلْ إلى الجَوْفِ ويَذْهَبُ إلى خارِجٍ، والَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الإنْسانِ هو الَّذِي يُنَجِّسُ الإنْسانَ، لِأنَّهُ مِن داخِلٍ تَخْرُجُ أفْكارُ السُّوءِ: فُجُورُ الزِّنى قَتْلٌ سَرِقَةٌ (p-١٥٤)شَرَهٌ شَرُّ غِشٍّ فِسْقٌ عَيْنٌ شِرِّيرَةٌ تَجْدِيفٌ تَعاظُمٌ جَهْلٌ، هَذا كُلُّهُ شَرٌّ مِن داخِلٍ يَخْرُجُ ويُنَجِّسُ الإنْسانَ انْتَهى. وفِيهِ مِمّا لا يَجُوزُ إطْلاقُهُ في شَرْعِنا: الأبُ - كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
المؤمنون 23:51
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مِنهاجِ إخْوانِهِ مِنَ الرُّسُلِ في الأكْلِ والعِبادَةِ، وجَمِيعِ الأحْوالِ، زادَ في تَحْقِيقِ ذَلِكَ بَيانًا لِمَن ضَلَّ بِأنِ اعْتَقَدَ فِيهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِجَمِيعِهِمْ بَعْدَ إهْلاكِ مَن عانَدَهم مِن قَوْمِهِمْ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ ما قَبْلَ ذَلِكَ رَدًّا لِمَن جَعَلَهُ مُوجِبًا لِإنْكارِ الرِّسالَةِ، وتَبْكِيتًا لِمَنِ ابْتَدَعَ الرَّهْبانِيَّةَ مِن أُمَّةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إعْلامًا بِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ قِيلَ لَهُ مَعْنى هَذا الكَلامِ فَعَمِلَ بِهِ، فَكانُوا كَأنَّهم نُودُوا بِهِ في وقْتٍ واحِدٍ، فَعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِيَكُونَ أفْخَمَ لَهُ فَيَكُونُ أدْعى لِقَبُولِهِ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾ مِن عِيسى وغَيْرِهِ ﴿كُلُوا﴾ أنْتُمْ ومَن نَجَّيْناهُ مَعَكم بَعْدَ إهْلاكِ المُكَذِّبِينَ.
ولَمّا عَلُوا عَنْ رُتْبَةِ النّاسِ، فَلَمْ يَكُونُوا أرْضِيَّيْنِ، لَمْ يَقُلْ ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٨] وعَنْ رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا، لَمْ يَقُلْ ”مِن طَيِّباتٍ ما رَزَقْناكم“ لِيَكُونُوا عابِدِينَ نَظَرًا إلى النِّعْمَةِ أوْ حَذَرًا مِنَ النِّقْمَةِ، كَما مَضى بَيانُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، بَلْ قالَ: ﴿مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ أيِ الكامِلَةِ الَّتِي مَنَنْتُ عَلَيْكم بِخَلْقِها لَكم وإحْلالِها وإزالَةِ الشُّبَهِ عَنْها وجَعَلَها شَهِيَّةً لِلطَّبْعِ، نافِعَةً (p-١٥٥)لِلْبَدَنِ، مُنْعِشَةً لِلرُّوحِ، وذَلِكَ ما كانَ حِلًّا غَيْرَ مُسْتَقْذَرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
ودَلَّ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الحَلالَ عَوْنٌ عَلى الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ أيْ سِرًّا وجَهْرًا غَيْرَ خائِفِينَ مِن أحَدٍ، فَقَدْ أهْلَكْتُ عَدُوَّكم وأوْرَثْتُكم أرْضَكُمْ، ولَمْ يُقَيَّدْ عَمَلُكم بِشُكْرٍ ولا غَيْرِهِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لِوَجْهِهِ لَيْسَ غَيْرُ، فَإنَّهم دائِمًا في مَقامِ الشُّهُودِ، في حَضْرَةِ المَعْبُودِ، والغِنى عَنْ كُلِّ سِوى حَتّى عَنِ الغِنى، ثُمَّ حَثَّهم عَلى دَوامِ المُراقَبَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي بِما﴾ أيْ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغِ العِلْمِ.
المؤمنون 23:52
ولَمّا كانَ هَذا تَعْلِيلًا لِما سَبَقَهُ مِنَ الأمْرِ، عُطِفَ عَلى لَفْظِهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ﴾ بِالكَسْرِ في قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ، وعَلى مَعْناهُ لَمّا كانَ يَسْتَحِقُّهُ لَوْ أُبْرِزَتْ لامُ العِلَّةِ مِنَ الفَتْحِ في قِراءَةِ غَيْرِهِمْ ﴿هَذِهِ﴾ أيْ دَعْوَتَكم أيُّها الأنْبِياءُ المَذْكُورِينَ إجْمالًا وتَفْصِيلًا ومِلَّتَكُمُ المُجْتَمِعَةَ عَلى التَّوْحِيدِ أوِ الجَماعَةِ الَّتِي أنْجَيْتُها مَعَكم مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴿أُمَّتُكُمْ﴾ أيْ مَقْصِدُكُمُ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ لا تُوَجِّهُوا هِمَمَكم إلى غَيْرِهِ أوْ جَماعَةِ أتْباعِكم حالَ كَوْنِها ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ لا شَتاتَ فِيها أصْلًا، فَما دامَتْ مُتَوَحِّدَةً فَهي مُرْضِيَةٌ ﴿وأنا رَبُّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكم بِالخَلْقِ والرِّزْقِ وحْدِي، فَمَن وحَّدَنِي نَجا، ومَن كَثَّرَ الأرْبابَ هَلَكَ.
(p-١٥٦)ولَمّا كانَ الخِطابُ في هَذِهِ السُّورَةِ كُلِّها لِلْخُلَّصِ مِنَ الأنْبِياءِ ومَن تَبِعَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، قالَ: ﴿فاتَّقُونِ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِي وِقايَةً مِن جَمْعِ عِبادِي بِالدُّعاءِ إلى وحْدانِيَّتِي بِلا فُرْقَةٍ أصْلًا، بِخِلافِ سُورَةِ الأنْبِياءِ المُصَدَّرَةِ بِالنّاسِ فَإنَّ مُطْلَقَ العِبارَةِ أوْلى بِدَعْوَتِها.
المؤمنون 23:53
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: فاتَّقى الأنْبِياءُ اللَّهَ الَّذِي أرْسَلَهم وتَجَشَّمُوا حَمْلَ ما أرْسَلَهم بِهِ مِن عَظِيمِ الثِّقْلِ، فَدَعَوُا العِبادَ إلَيْهِ وأرادُوا جَمْعَهم عَلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِفاءِ السَّبَبِ قَوْلَهُ مُعَبِّرًا بِفِعْلِ التَّقَطُّعِ لِأنَّهُ يُفِيدُ التَّفَرُّقَ: ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ أيِ الأُمَمُ، وإنَّما أضَمْرَهم لِوُضُوحِ إرادَتِهِمْ لِأنَّ الآيَةَ الَّتِي قَبِلَها قَدْ صَرَّحَتْ بِأنَّ الأنْبِياءَ ومَن نَجا مَعَهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ لا اخْتِلافَ بَيْنَها، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّ الضَّمِيرَ لِلْأُمَمِ ومَن نَشَأ بَعْدَهُمْ، ولِذَلِكَ كانَ النَّظَرُ إلى الأمْرِ الَّذِي كانَ واحِدًا أهَمَّ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿أمْرَهُمْ﴾ أيْ في الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانَ مُجْتَمِعًا مُتَّصِلًا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ فَكانُوا شِيَعًا، وهو مَعْنى ﴿زُبُرًا﴾ أيْ قِطَعًا، كُلُّ قِطْعَةٍ مِنها في غايَةِ القُوَّةِ والِاجْتِماعِ والثَّباتِ عَلى ما صارَتْ إلَيْهِ مِنَ الهَوى والضَّلالِ، بِكُلِّ شِيعَةٍ طَرِيقَةٌ في الضَّلالِ عَنِ الطَّرِيقِ الأُمَمِ، والمَقْصِدِ المُسْتَقِيمِ، (p-١٥٧)وكِتابٍ زَبْرُوهُ في أهَوِيَتِهِمْ ولَمْ يَرْحَمُوا أنْفُسَهم بِما دَعَتْهم إلَيْهِ الهُداةَ مِنَ الِاجْتِماعِ والأُلْفَةِ فَأهْلَكُوها بِالبَغْضاءِ والفُرْقَةِ، وهو مَنصُوبٌ بِأنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَقَطَّعَ عَلى ما مَضى تَخْرِيجُهُ في الأنْبِياءِ، وقَدْ ظَهَرَ كَما تَرى ظُهُورًا بَيِّنًا أنَّ هَذِهِ إشارَةٌ إلى النّاجِينَ مِن أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ بَعْدَ إهْلاكِ أعْدائِهِمْ، أيْ إنَّ هَذِهِ الجَماعَةَ الَّذِينَ أنْجَيْتُهم مَعَكم أُمَّتُكُمْ، حالَ كَوْنِهِمْ أُمَّةً واحِدَةً مُتَّفِقِينَ في الدِّينِ، لا خِلافَ بَيْنَهُمْ، وكَما أنَّ جَماعَتَكم واحِدَةٌ فَأنا رَبُّكم لا رَبَّ لَكم غَيْرِي فاتَّقَوْنِ ولا يُخالِفْ أحَدٌ مِنكم أمْرِي ولا تَخْتَلِفُوا وتَفْتَرِقُوا لِئَلّا أُعَذِّبَ العاصِيَ مِنكم كَما عَذَّبْتُ أعْداءَكم.
ولَمّا كانَ هَذا مِمّا لا يَرْضاهُ عاقِلٌ، أُجِيبَ مِن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ رَضُوا بِذَلِكَ مَعَ انْكِشافِ ضَرَرِهِ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ أيْ فِرْقَةٍ ﴿بِما لَدَيْهِمْ﴾ أيْ مِن ضَلالٍ وهُدًى ﴿فَرِحُونَ﴾ أيْ مَسْرُورُونَ فَضْلًا عَنْ أنَّهم راضُونَ غَيْرَ مُعَرِّجٍ الضّالُّ مِنهم عَلى ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الهُدى، ولا عَلى الِاعْتِبارِ بِما اتَّفَقَ لِأُمَمِهِمْ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ مِنَ الرَّدى.
المؤمنون 23:54
ولَمّا أنْتَجَ هَذا أنَّ الضَّلالَ وإنْ وضَحَ لا يَكْشِفُهُ إلّا ذُو الجَلالِ، (p-١٥٨)سَبَّبَ عَنْهُ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ تَسْلِيَةً لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم عَلى شَرِّ حالاتِهِمْ ﴿فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ أيِ الضَّلالَةِ الَّتِي غَرِقُوا فِيها ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ إلى وقْتٍ ضَرَبْناهُ لَهم مِن قَبْلِ أنْ نَخْلُقَهم ونَحْنُ عالِمُونَ بِكُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهم عَلى أنَّهُ وقْتٌ يَسِيرٌ.
المؤمنون 23:55
ولَمّا كانَ المُوجِبُ لِغُرُورِهِمْ ظَنَّهم أنَّ حالَهم - في بَسْطِ الأرْزاقِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ - حالَ المَوْعُودِ لا المُتَوَعِّدِ، أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ تَنْبِيهًا لِمَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ، وكُتِبَتْ لَهُ الحُسْنى وزِيادَةٌ، فَقالَ: ﴿أيَحْسَبُونَ﴾ أيْ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ ﴿أنَّما﴾ أيِ الَّذِينَ ﴿نُمِدُّهُمْ﴾ عَلى عَظَمَتِنا ﴿بِهِ﴾ أيْ نَجْعَلُهُ مَدَدًا لَهم ﴿مِن مالٍ﴾ نُيَسِّرُهُ لَهم ﴿وبَنِينَ﴾ نُمَتِّعُهم بِهِمْ.
المؤمنون 23:56
ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ ”أنَّ“ بِدَلِيلِ قِراءَةِ السُّلَمِيِّ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ فَقالَ: ﴿نُسارِعُ لَهُمْ﴾ أيْ بِهِ بِإدْرارِنا لَهُ عَلَيْهِمْ في سُرْعَةِ مَن يُبارِي آخَرَ ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ الَّتِي لا خَيْراتِ إلّا هي لِأنَّها مَحْمُودَةُ العاقِبَةِ، لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هو وبالٌ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ اسْتِدْراجٌ إلى الهَلاكِ لِأنَّهم غَيْرُ عامِلِينَ بِما يُرْضِي الرَّحْمَنَ ﴿بَلْ﴾ هم يُسارِعُونَ في أسْبابِ الشُّرُورِ، ولا يَكُونُ عَنِ السَّبَبِ إلّا مُسَبِّبُهُ، ولَكِنَّهم كالبَهائِمِ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الخَيْراتِ
”سَنَسْتَدْرِجُهم مِن (p-١٥٩)حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ“ .
المؤمنون 23:57
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الِافْتِراقِ، أتْبَعَهم أهْلَ النِّفاقِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الخَيْراتُ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُ الخائِفُ مِنَ اللَّهِ، فَقِيلَ مُعَبِّرًا بِما يُناسِبُ أوَّلَ السُّورَةِ مِنَ الأوْصافِ، بادِئًا بِالخَشْيَةِ لِأنَّها الحامِلَةُ عَلى تَجْدِيدِ الإيمانِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ بِبَواطِنِهِمْ ﴿مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الخَوْفِ العَظِيمِ مِنَ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ المُنْعِمِ عَلَيْهِمْ ﴿مُشْفِقُونَ﴾ أيْ دائِمُو الحَذَرِ.
المؤمنون 23:58
﴿والَّذِينَ هم بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المَسْمُوعَةِ والمَرْئِيَّةِ، لا ما كانَ مِن جِهَةِ غَيْرِهِ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لا يَزالُ إيمانُهم بِها يَتَجَدَّدُ شُكْرًا لِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ.
المؤمنون 23:59
ولَمّا كانَ المُؤْمِنُ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ ما تَقَدَّمَ في إيمانِهِ مِن شِرْكٍ جَلِيٍّ أوْ خَفِيٍّ، قالَ: ﴿والَّذِينَ هم بِرَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي لا مُحْسِنَ إلَيْهِمْ غَيْرُهُ وحْدَهُ ﴿لا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ شَيْئًا مِن شِرْكٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَما لَمْ يَشْرَكْهُ في إحْسانِهِ إلَيْهِمْ أحَدٌ.
المؤمنون 23:60
ولَمّا أثْبَتَ لَهُمُ الإيمانَ الخالِصَ، نَفى عَنْهُمُ العَجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا﴾ أيْ يُعْطُونَ ما أعْطَوْا مِنَ الطّاعاتِ، وكَذا قِراءَةُ يَحْيى بْنِ الحارِثِ وغَيْرِهِ: يَأْتُونَ ما أتَوْا، أيْ يَفْعَلُونَ (p-١٦٠)ما فَعَلُوا مِن أعْمالِ البِرِّ لِتَتَّفِقَ القِراءَتانِ في الإخْبارِ عَنْهم بِالسَّبْقِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَهم فَقالَ: ﴿وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ الخَوْفِ، قَدْ ولَجَ في دَواخِلِها وجالَ في كُلِّ جُزْءٍ مِنها لِأنَّهم عالِمُونَ بِأنَّهم لا يَقْدُرُونَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدُوا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّهم إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي طالَ إحْسانُهُ إلَيْهِمْ ﴿راجِعُونَ﴾ بِالبَعْثِ فَيُحاسِبُهم عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، ويَجْزِيهِمْ بِكُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ وهو النّافِذُ البَصِيرُ، قالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ المُؤْمِنَ جَمَعَ إيمانًا وخَشْيَةً، والمُنافِقَ جَمَعَ إساءَةً وأمْنًا.
المؤمنون 23:61
ثُمَّ أثْبَتَ لَهم ما أفْهَمَ أنَّ ضِدَّهُ لِأضْدادِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يُسارِعُونَ﴾ أيْ يَسْبِقُونَ سَبْقَ مَن يُساجِلُ آخَرَ ﴿فِي الخَيْراتِ﴾ فَأفْهَمَ ذَلِكَ ضِدَّ ما ذَكَرَ لِأضْدادِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لَها﴾ أيْ إلَيْها خاصَّةً، أيْ إلى ثَمَراتِها، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِاللّامِ إشارَةً إلى زِيادَةِ القُرْبِ مِنها والوُصُولِ إلَيْها مَعَ الأمْنِ لِجَعْلِ الخَيْراتِ ظَرْفًا لِلْمُسارَعَةِ مِن أخْذِها عَلى حَقِيقَتِها لِلتَّعْدِيَةِ ﴿سابِقُونَ﴾ لِجَمِيعِ النّاسِ، لِأنّا نَحْنُ نُسارِعُ لَهم في المُسَبِّباتِ أعْظَمَ مِن مُسارَعَتِهِمْ في الأسْبابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سابِقُونَ﴾ بِمَعْنى: عالِينَ، مِن وادِي «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» (p-١٦١)أيْ أنَّهم مُطِيقُونَ لَها ومُعانُونَ عَلَيْها.
المؤمنون 23:62
﴿ولا﴾ أيْ والحالُ أنّا لا نُكَلِّفُهم ولَكِنَّهُ عَمَّ فَقالَ: ﴿نُكَلِّفُ نَفْسًا﴾ أيْ كافِرَةً ومُؤْمِنَةً ﴿إلا وُسْعَها﴾ فَلا يَقْدِرُ عاصٍ عَلى أنْ يَقُولَ: كُنْتُ غَيْرَ قادِرٍ عَلى الطّاعَةِ، ولا يَظُنُّ بِنا مُؤْمِنٌ أنّا نُؤاخِذُهُ بِالزَّلَّةِ والهَفْوَةِ، فَإنَّ أحَدًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْدُرَنا حَقَّ قَدْرِنا لِأنَّ مَبْنى المَخْلُوقِ عَلى العَجْزِ.
ولَمّا كانَتِ الأعْمالُ إذا تَكاثَرَتْ وامْتَدَّ زَمَنُها تَعَسَّرَ أوْ تَعَذَّرَ حَصْرُها إلّا بِالكِتابَةِ عامَلَ العِبادَ سُبْحانَهُ بِما يَعْرِفُونَ مَعَ غِناهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ولَدَيْنا﴾ أيْ عِنْدَنا عَلى وجْهٍ هو أغْرَبُ الغَرِيبِ ﴿كِتابٌ﴾ وعَبَّرَ عَنْ كَوْنِهِ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَنْطِقُ﴾ بِما كُتِبَ فِيهِ مِن أعْمالِ العِبادِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ، قَدْ كَتَبَ فِيهِ أعْمالَهم مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ، لا زِيادَةَ فِيها ولا نَقْصَ، تَعْرِضُ الحَفَظَةُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَيْهِ ما كَتَبُوهُ مِمّا شاهَدُوهُ بِتَحْقِيقِ القَدْرِ لَهُ فَيَجِدُونَهُ مُحَرَّرًا بِمَقادِيرِهِ وأوْقاتِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ فَيَزْدادُونَ بِهِ إيمانًا، ومِن حَقِّيَّتِهِ أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ إنْكارُ شَيْءٍ مِنهُ.
ولَمّا أفْهَمَ ذَلِكَ نَفِيَ الظُّلْمَ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾ أيِ الخَلْقُ (p-١٦٢)كُلُّهم ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ مِن ظالِمٍ ما بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ في عَمَلٍ ولا جَزاءٍ.
المؤمنون 23:63
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهم بِذَلِكَ لا يَعْلَمُونَ، قالَ: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيِ الكَفَرَةُ مِنَ الخَلْقِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الإضْرابُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أيْ جَهالَةٍ قَدْ أغْرَقَتْها ﴿مِن هَذا﴾ أيِ الَّذِي أخْبَرْنا بِهِ مِنَ الكِتابِ الحَفِيظِ فَهم بِهِ كافِرُونَ ﴿ولَهم أعْمالٌ﴾ وأثْبَتَ الجارَّ إشارَةً إلى أنَّهُ لا عَمَلَ لَهم يَسْتَغْرِقُ الدُّونَ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ ذَلِكَ﴾ أيْ مُبْتَدِئَةٌ مِن أدْنى رُتْبَةِ التَّكْذِيبِ مِن سائِرِ المَعاصِي لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِالكِتابِ المُسْتَلْزِمِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ المُسْتَلْزِمِ لِعَدَمِ الخَوْفِ المُسْتَلْزِمِ لِلْإقْدامِ عَلى كُلِّ مُعْضِلَةٍ ﴿هم لَها﴾ أيْ دائِمًا ﴿عامِلُونَ﴾ لا شَيْءَ يَكُفُّهم إلّا عَجْزُهم عَنْها.
المؤمنون 23:64
ولَمّا كانُوا كالبَهائِمِ لا يَخافُونَ مِنَ المَهْلَكَةِ إلّا عِنْدَ المُشاهَدَةِ، غَيّا عَمَلَهم لِلْخَبائِثِ بِالأخْذِ فَقالَ: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُتْرَفِيهِمْ﴾ الَّذِينَ هُمُ الرُّؤَساءُ القادَةُ ﴿بِالعَذابِ﴾ فَبَرَكَتْ عَلَيْهِمْ كَلاكِلُهُ، وأناخَتْ بِهِمْ أعْجازُهُ وأوائِلُهُ ﴿إذا هُمْ﴾ كُلُّهُمُ المُتْرَفُ ومَن تَبِعَهُ مِن بابِ الأوْلى ﴿يَجْأرُونَ﴾ أيْ يَصْرُخُونَ ذُلًّا وانْكِسارًا وجَزَعًا مِن غَيْرِ مُراعاةٍ لِنَخْوَةٍ، لا اسْتِكْبارًا، وأصْلُ الجَأْرِ رَفْعُ الصَّوْتِ (p-١٦٣)بِالتَّضَرُّعِ - قالَهُ البَغَوِيُّ.
المؤمنون 23:65
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَهَلْ يَقْبَلُ اعْتِذارَهم أوْ يَرْحَمُ انْكِسارَهُمْ؟ فَقِيلَ: لا بَلْ يُقالُ لَهم بِلِسانِ الحالِ أوِ القالِ: ﴿لا تَجْأرُوا اليَوْمَ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الهِمَمِ، فَإنَّ الرَّجُلَ مَن لا يَفْعَلُ شَيْئًا عَبَثًا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم مِنّا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لا تُنْصَرُونَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومِن عَدَمِ نَصْرِنا لَمْ يَجِدْ لَهُ ناصِرًا، فَلا فائِدَةَ لِجُؤارِهِ إلّا إظْهارُ الجَزَعِ.
المؤمنون 23:66
ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ نَصْرِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ كانَتْ آياتِي﴾ .
ولَمّا كانَتْ عَظَمَتُها الَّتِي اسْتَحَقَّتْ بِها الإضافَةَ إلَيْهِ تَكْفِي في الحَثِّ عَلى الإيمانِ بِمُجَرَّدِ سَماعِها، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ وهي أجْلى الأشْياءِ، مِن أوْلِيائِي وهُمُ الهُداةُ النُّصَحاءُ ﴿فَكُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿عَلى أعْقابِكُمْ﴾ عِنْدَ تِلاوَتِها ﴿تَنْكِصُونَ﴾ أيْ تَرْجِعُونَ القَهْقَرى إمّا حِسًّا أوْ مَعْنًى، والماشِي كَذَلِكَ لا يَنْظُرُ ما وراءَهُ، ومُضارِعُهُ فِيهِ مَعَ الكَسْرِ الضَّمُّ ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ ولَوْ شاذًّا، دَلالَةً عَلى أنَّهُ رُجُوعُ كِبْرٍ وبَطْرٍ فَهو بِالهُوَيْنا، ولَوْ قُرِئَ بِالضَّمِّ لَدَلَّ عَلى القُوَّةِ فَأفْهَمَ النَّفْرَةَ والهَرَبَ، قالَ في القامُوسِ: نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ يَنْكِصُ ويَنْكُصُ: رَجَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِن خَيْرٍ، وفي الشَّرِّ قَلِيلٌ، وعَنِ الأمْرِ نَكْصًا ونُكُوصًا ونِكاصًا. (p-١٦٤)أوْ عَلى ما ذَكَرْتَ دَلالَةً عَلى ما تَقْدِيرُهُ: حالَ كَوْنِكم.
المؤمنون 23:67
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ النُّكُوصِ، لا شَيْءَ غَيْرُ الِاسْتِكْبارِ مِن هَرَبَ أوْ غَيْرِهِ، ذَوِي سَمَرٍ في أمْرِها بِالقَوْلِ الهُجْرِ، وهو الفاحِشُ، ولَعَلَّهُ إنَّما قالَ: ﴿سامِرًا﴾ بِلَفْظِ المُفْرَدِ لِأنَّ كُلًّا مِنهم يَتَحَدَّثُ في أمْرِ الآياتِ مُجْتَمِعًا مَعَ غَيْرِهِ ومُنْفَرِدًا مَعَ نَفْسِهِ حَدِيثًا كَثِيرًا كَحَدِيثِ المُسامِرِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ لا يُمَلَّ؛ وقالَ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾ أيْ تُعْرِضُونَ عَنْها وتَقُولُونَ فِيها القَوْلَ الفاحِشَ، فَأسْنَدَهُ إلى الجَمْعِ لِأنَّ بَعْضَهم كانَ يَسْتَمِعُها، ولَمْ يَكُنْ يُفْحِشُ القَوْلَ فِيها، أوْ تَعْجِيبًا مِن أنْ يَجْتَمِعَ جَمْعٌ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ لِأنَّ الجَمْعَ جَدِيرٌ بِأنْ يُوجَدَ فِيهِ مَن يُبْصِرُ الحَقَّ فَيَأْمُرُ بِهِ.
المؤمنون 23:68
ولَمّا كانَتِ الآياتُ - لِما فِيها مِنَ البَلاغَةِ المُعْجِزَةُ، والحِكَمُ المُعْجَبَةُ داعِيَةٌ إلى تَقَبُّلِها بَعْدَ تَأمُّلِها، وكانُوا يُعْرِضُونَ عَنْها ويُفْحِشُونَ في وصْفَتِها تارَةً بِالسِّحْرِ وأُخْرى بِالشِّعْرِ، وكَرَّةً بِالكِهانَةِ ومَرَّةً بِغَيْرِها،تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ مُسْنِدًا إلى الجَمْعِ الَّذِي هو أوْلى بِإلْقاءِ السَّمْعِ: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ﴾ أيِ المَتْلُوَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَنْظُرُوا في أدْبارِهِ وعَواقِبِهِ ولَوْ لَمْ يَبْلُغُوا في نَظَرِهِمُ (p-١٦٥)الغايَةَ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ، لِيَعْلَمُوا أنَّهُ مُوجِبٌ لِلْإقْبالِ والوِصالِ، والوَصْفِ بِأحْسَنِ المُقالِ، لَعَلَّهُ عَبَّرَ بِالقَوْلِ إشارَةً إلى أنَّ مَن لَمْ يَتَقَبَّلْهُ لَيْسَ بِأهْلٍ لِفَهْمِ شَيْءٍ مِنَ القَوْلِ بَلْ هو في عِدادِ البَهائِمِ ﴿أمْ جاءَهُمْ﴾ في هَذا القَوْلِ مِنَ الأوامِرِ بِالتَّوْحِيدِ الآتِي بِها الرَّسُولُ الَّذِي هو مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ وما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأوامِرِ الَّتِي لا يَجْهَلُ حَسْمَ فِعْلِها عاقِلٌ، والنَّواهِي الَّتِي - كَما يَشْهَدُ بِقُبْحِ إتْيانِها العالِمُ - يَقْطَعُ بِها الجاهِلُ، وبِالرِّسالَةِ بِرَسُولٍ مِنَ البَشَرِ ﴿ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ الَّذِينَ بَعُدَ إسْماعِيلَ وقَبْلَهُ.
المؤمنون 23:69
ولَمّا كانَ الرَّجُلُ الكامِلُ مَن عَرَفَ الرِّجالُ بِالحَقِّ، بَدَأ بِما أشارَ إلَيْهِ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِمَن يُعَرِّفُ الشَّيْءَ لِلْإلْفِ بِهِ، ثُمَّ بِمَن يُعَرِّفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ فَقالَ: ﴿أمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ أيِ الَّذِي أتاهم بِهَذا القَوْلِ الَّذِي لا قَوْلَ مِثْلَهُ، ويَعْرِفُوا نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانَتَهُ، وما فاتَهم بِهِ مِن مَعالِي الأخْلاقِ حَتّى أنَّهم لا يَجِدُونَ فِيهِ - إذا حُقَّتِ الحَقائِقُ - نَقِيصَةً يَذْكُرُونَها، ولا صِمَّةَ يَتَخَيَّلُونَها، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصِّحاحُ مِنها حَدِيثُ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِي في أوَّلِ البُخارِيِّ في سُؤالِ هِرَقْلَ مِلْكِ الرُّومِ لَهُ عَنْ شَأْنِهِ ﷺ ﴿فَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ جَهْلِهِمْ بِهِ أنَّهم ﴿لَهُ﴾ أيْ نَفْسِهِ أوْ لِلْقَوْلِ الَّذِي أتى بِهِ ﴿مُنْكِرُونَ﴾ فَيَكُونُوا مِمَّنْ جَهِلَ الحَقَّ لِجُهِلَ حالَ الآتِي بِهِ، فَلَمْ يُحْرِزْ (p-١٦٦)شَيْئًا مِن رُتْبَتَيِ النّاسِ، لا رُتْبَةَ العُلَماءِ النّاقِدِينَ، ولا رُتْبَةَ الجُهّالِ المُتَقَلِّدَيْنِ، وفي هَذا غايَةُ التَّوْبِيخِ لَهم بِجَهْلِهِمْ وبِعِنادِهِمْ بِأنَّهم يَعْرِفُونَ أنَّهُ أصْدَقُ الخَلْقِ وأعْلاهم في كُلِّ مَعْنًى جَمِيلٍ ثُمَّ يُكَذِّبُونَهُ.
المؤمنون 23:70
ولَمّا فَرَغَ بِما قَدْ يَجُرُّ إلى الطَّعْنِ في القَوْلِ أوِ القائِلِ، أشارَ إلى العِنادِ في أمْرِ القائِلِ والقَوْلِ والرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ أيْ بَعْدَ تَدَبُّرِ ما أتى بِهِ وعَدَمِ عُثُورِهِمْ فِيهِ عَلى وجْهٍ مِن وُجُوهِ الطَّعْنِ ﴿بِهِ﴾ أيْ بِرَسُولِهِمْ ﴿جِنَّةٌ﴾ أيْ فَلا يُوثَقُ بِهِ لِأنَّهُ قَدْ يَخْلِطُ فَيَأْتِي بِما فِيهِ مَطْعَنٌ وإنْ خَفِيَ وجْهُ الطَّعْنِ فِيهِ في الحالِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأقْسامُ مُنْتَفِيَةً ولا سِيَّما الأخِيرُ المُسْتَلْزَمُ عادَةً لِلتَّخْلِيطِ المُسْتَلْزِمِ لِلْباطِلِ، فَإنَّهم أعْرَفُ النّاسِ بِهَذا الرَّسُولِ الكَرِيمِ وأنَّهُ أكْمَلُهم خَلْقًا، وأشْرَفُهم خَلْقًا، وأطْهَرُهم شِيَمًا، وأعْظَمُهم هِمَمًا، وأرْجَحُهم عَقْلًا، وأمَتْنُهم رَأْيًا وأرْضاهم قَوْلًا، وأصْوَبُهم فِعْلًا، أضْرَبَ عَنْها وقالَ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَمْ يَنْكِصُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ويَسْمُرُوا ويَهْجُرُوا لِاعْتِقادِ شَيْءٍ مِمّا مَضى، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ هَذا الرَّسُولَ الكَرِيمَ ﴿جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الَّذِي لا تَخْلِيطَ فِيهِ بِوَجْهٍ، ولا شَيْءَ أثْبَتُ مِنهُ ولا أبْيَنُ مِمّا فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والأحْكامِ، ولَقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ تَحَدِّيَهم بِهَذا الكِتابِ فَعَجَزُوا فَهو بِحَيْثُ لا يَجْهَلُهُ مُنْصِفٌ ﴿وأكْثَرُهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّ أكْثَرَهم ﴿لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ مُتابَعَةً (p-١٦٧)لِلْأهْواءِ الرَّدِيئَةِ والشَّهَواتِ البَهِيمِيَّةِ عِنادًا، وبَعْضُهم يَتْرُكُونَهُ جَهْلًا وتَقْلِيدًا أوْ خَوْفًا مِن أنْ يُقالَ: صَبِأ، وبَعْضُهم يَتْبَعُهُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ وتَأْيِيدًا.
المؤمنون 23:71
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: ما لَهُ ما كانَ بِحَسَبِ أهْوائِهِمْ فَكانُوا يَتْبَعُونَهُ ويَسْتَرِيحُ ويَسْتَرِيحُونَ مِن هَذِهِ المُخالَفاتِ، الَّتِي جَرَّتْ إلى المُشاحَناتِ، فَأوْجَبَتْ أعْظَمَ المُقاطَعاتِ، قالَ مُبَيِّنًا فَسادَ ذَلِكَ، ولَعَلَّهُ حالٌ مِن فاعِلٍ كارِهٍ، فَإنَّ جَزاءَهُ خَبَرِيٌّ مُسَوِّغٌ لِكَوْنِهِ حالًا كَما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ في بَحْثِ المُسْنَدِ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ تَرَكُوا الكُرْهَ لَأحَبُّوهُ ولَوْ أحَبُّوهُ لاتَّبَعُوهُ ولَوِ اتَّبَعُوهُ لانْصَلَحُوا وأصْلَحُوا ﴿ولَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ﴾ أيْ في الأُصُولِ والفُرُوعِ والأحْوالِ والأقْوالِ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ شَهَواتِهِمُ الَّتِي تَهْوِي بِهِمْ لِكَوْنِها أهْواءً - بِما أشارَ إلَيْهِ الِافْتِعالُ ﴿لَفَسَدَتِ السَّماواتُ﴾ عَلى عُلُوِّها وإحْكامِها ﴿والأرْضُ﴾ عَلى كَثافَتِها وانْتِظامِها ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ وانْتِشارِهِمْ وقُوَّتِهِمْ، بِسَبَبِ ادِّعائِهِمْ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا لَأدّى بِبُرْهانِ التَّمانُعِ إلى الفَسادِ، وبِسَبَبِ اخْتِلافِ أهْوائِهِمْ واضْطِرابِها المُفْضِي إلى النِّزاعِ كَما تَرى مِنَ الفَسادِ عِنْدَ اتِّباعِ بَعْضِ الأغْراضِ في بَعْضِ الأزْمانِ إلى أنْ يُصْلِحَها الحَقُّ بِحِكْمَتِهِ، ويَقْمَعَها بِهَيْبَتِهِ وسَطْوَتِهِ، ولَكِنّا لَمْ نُتْبِعِ الحَقَّ (p-١٦٨)أهْواءَهم ﴿بَلْ أتَيْناهُمْ﴾ بِعَظْمَتِنا ﴿بِذِكْرِهِمْ﴾ وهو الكِتابُ الَّذِي في غايَةِ الحِكْمَةِ، فَفِيهِ صَلاحُ العِلْمِ وتَمامُ انْتِظامِهِ، فَإذا تَأمَّلَهُ الجاهِلُ صَدَّهُ عَنْ جَهْلِهِ فَسَعِدَ في أقْوالِهِ وأفْعالِهِ، وبانَ لَهُ الخَيْرُ في سائِرِ أحْوالِهِ، وإذا تَدَبَّرَهُ العالِمُ عَرَجَ بِهِ إلى نِهايَةِ كَمالِهِ، فَحِينَئِذٍ يَأْتِي السُّؤالُ عَمَّنْ أنْزَلَهُ، فَتَخْضَعَ الرِّقابُ، وعَمَّنْ أنْزَلَ عَلَيْهِ فَيُعَظَّمُ في الصُّدُورِ، وعَنْ قَوْمِهِ فَتُجِلُّهُمُ النُّفُوسُ، وتُنَكَّسُ لِمَهابَتِهِمُ الرُّؤُوسُ، فَيَكُونُ لَهم أعْظَمَ ذِكْرٍ وأعْلى شَرَفٍ.
ولَمّا جَعَلُوا ما يُوجِبُ الإقْبالَ سَبَبًا لِلْإدْبارِ، قالَ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿فَهم عَنْ ذِكْرِهِمْ﴾ أيِ الَّذِي هو شَرَفُهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يَفُوتُنا بِإعْراضِهِمْ مُرادٌ، ولا يَلْحَقُنا بِهِ ضَرَرٌ، إنَّما ضَرَرُهُ عائِدٌ إلَيْهِمْ، وراجِعٌ في كُلِّ حالٍ عَلَيْهِمْ.
المؤمنون 23:72
ولَمّا أبْطَلَ تَعالى وُجُوهَ طَعْنِهِمْ في المُرْسَلِ بِهِ والمُرْسَلِ مِن جِهَةِ جَهْلِهِمْ مَرَّةً، ومِن جِهَةِ ادِّعائِهِمُ البُطْلانَ أُخْرى، نَبَّهَهم عَلى وجْهٍ آخَرَ هم أعْرَفُ النّاسِ بِبُطْلانِهِ لِيُثْبِتَ المُدَّعى مِنَ الصِّحَّةِ إذا انْتَفَتْ وُجُوهُ المَطاعِنِ فَقالَ مُنْكِرًا: ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ أيْ عَلى ما جِئْتَهم بِهِ ﴿خَرْجًا﴾ قالَ (p-١٦٩)البَغَوِيُّ: أجْرًا وجُعْلًا، وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: والخُرْجُ والخَراجُ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ القَوْمُ في السَّنَةِ مِن مالِهِمْ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ، والخَراجُ غَلَّةُ العَبْدِ والأمَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الخَراجُ: الفَيْءُ، والخُرْجُ: الضَّرِيبَةُ والجِزْيَةُ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: سُئِلَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ فَقالَ: الخَراجُ ما لَزِمَكَ ووَجَبَ عَلَيْكَ أداؤُهُ، والخُرْجُ ما تَبَرَّعْتَ بِهِ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ مَعْناهُ النَّفْيُ، حَسُنَ مَوْقِعُ فاءِ السَّبَبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَخَراجُ﴾ أيْ أمْ تَسْألُهم ذَلِكَ لِيَكُونَ سُؤالُكَ سَبَبًا لِاتِّهامِكَ وعَدَمِ سُؤالِكَ، بِسَبَبِ أنَّ خَراجَ ﴿رَبِّكَ﴾ الَّذِي لَمْ تَقْصِدْ غَيْرَهُ قَطُّ ولَمْ تَخْلُ عَنْ بابِهِ وقْتًا ما ﴿خَيْرٌ﴾ مِن خَراجِهِمْ، لِأنَّ خَراجَهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ ولا مَمْنُوعٍ عَنْ أحَدٍ مِن عِبادِهِ المُسِيئِينَ فَكَيْفَ بِالمُحْسِنِينَ! وكَأنَّهُ سَمّاهُ خَراجًا إشارَةً إلى أنَّهُ أوْجَبَ رِزْقَ كُلِّ أحَدٍ عَلى نَفْسِهِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما يُصْلِحُ كُلَّ مَرْزُوقٍ وما يُفْسِدُهُ، فَيُعْطِيهِ عَلى حَسَبِ ما يَعْلَمُ مِنهُ ولا يُحْوِجُهُ إلى سُؤالٍ.
المؤمنون 23:73
ولَمّا كانَتْ عَظَمَةُ المَلِكِ مُقْتَضِيَةً لِتَقَبُّلِ ما أتى بِهِ والتَّشَرُّفِ بِهِ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، نَبَّهْ عَلى أنَّهُ حَقٌّ يُكْسِبُ قَبُولُهُ الشَّرَفَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ المَلِكِ فَكَيْفَ إذا كانَ مِن عِنْدِهِ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَلِكُ المُلُوكِ ومالِكُ المُلْكِ فَكَيْفَ إذا كانَ الآتِي بِهِ خالِصَةُ العِبادِ وأشْرَفُ (p-١٧٠)الخَلْقِ، كَما قامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ بِنَفْيِ هَذِهِ المَطاعِنِ كُلِّها، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”آتَيْناهم“: ﴿وإنَّكَ﴾ أيْ مَعَ انْتِفاءِ هَذِهِ المَطاعِنِ كُلِّها ﴿لَتَدْعُوهُمْ﴾ أيْ بِهَذا الذِّكْرِ مَعَ ما قَدَّمَنا مِنَ الوُجُوهِ الدّاعِيَةِ إلى اتِّباعِكَ بِانْتِفاءِ جَمِيعِ المَطاعِنِ عَنْكَ وعَمّا جِئْتَ بِهِ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا عِوَجَ فِيهِ ولا طَعْنَ أصْلًا كَما تَشْهَدُ بِهِ العُقُولُ الصَّحِيحَةُ، فَمَن سَلَكَهُ أوْصَلَهُ إلى الغَرَضِ فَحازَ كُلَّ شَرَفٍ، والحالُ أنَّهم، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى العَمى فَقالَ.
المؤمنون 23:74
﴿وإنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ فَلِذَلِكَ لا يَخْشَوْنَ القِصاصَ فِيها ﴿عَنِ الصِّراطِ﴾ أيِ الَّذِي لا صِراطَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لا مُوصِلَ إلى القَصْدِ غَيْرُهُ ﴿لَناكِبُونَ﴾ أيْ عادِلُونَ مُتَنَحُّونَ مائِلُونَ مُنْحَرِفُونَ في سائِرِ أحْوالِهِمْ سائِرُونَ عَلى غَيْرِ مَنهَجٍ أصْلًا، بَلْ خَبْطَ عَشْواءَ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ مُطْلَقُ الصِّراطِ وأنْ يُرادَ النَّكِرَةُ المَوْصُوفَةُ بِالِاسْتِقامَةِ.
المؤمنون 23:75
ولَمّا وُصِفُوا بِالمَيْلِ، وكانَ رُبَّما قالَ قائِلٌ: إنَّ جُؤارَهُمُ المَذْكُورَ آنِفًا سُلُوكَ في الصِّراطِ، بَيْنَ أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ لِعُرُوضِهِ فَقالَ: ﴿ولَوْ رَحِمْناهُمْ﴾ أيْ عامَلْناهم مُعامَلَةَ المَرْحُومِ في إزالَةِ ضَرَرِهِ وهو مَعْنى ﴿وكَشَفْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ﴾ وهو الَّذِي عَرَّضَ جُؤارَهم بِسَبَبِهِ ﴿لَلَجُّوا﴾ أيْ تَمادَوْا تَمادِيًا عَظِيمًا (p-١٧١)﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ الجُؤارِ وهو إفْراطُهم في مُنابَذَةِ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ ﴿يَعْمَهُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ مِنَ التَّحَيُّرِ والتَّرَدُّدِ فِعْلَ مَن لا بَصِيرَةَ لَهُ في السَّيْرِ المُنْحَرِفِ عَنِ القَصْدِ، والجائِرِ عَنِ الِاسْتِقامَةِ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: فَهَذا مِن بابِ عِلْمِهِ بِما لا يَكُونُ لَوْ كانَ كَيْفَ كانَ يَكُونُ، قالَ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلُّ ما فِيهِ ”لَوْ“ فَهو مِمّا لا يَكُونُ أبَدًا.
المؤمنون 23:76
ثُمَّ أتْبَعَ هَذا الدَّلِيلَ تَأْيِيدًا لَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لا يَسْلُكُونَ الصِّراطَ إلّا اضْطِرارًا فَقالَ: ﴿ولَقَدْ أخَذْناهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِالعَذابِ﴾ أيْ بِمُطْلِقِهِ كَإظْهارِ حِزْبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ في بَدْرِ وغَيْرِها ﴿فَما اسْتَكانُوا﴾ أيْ خَضَعُوا خُضُوعًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿لِرَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ عَقِبَ المِحْنَةِ، وحَقِيقَتُهُ ما طَلَبُوا أنْ يَكُونُوا لَهُ لِيُكْرِمُوا مَقامَ العُبُودِيَّةِ مِنَ الذُّلِّ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ لِأوامِرِهِ تارِكِينَ حُظُوظَ أنْفُسِهِمْ، والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا ضَرَبَهم بِالعَذابِ كانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَكُونُوا لَهُ لا لِشُرَكائِهِمْ، فَما عَمِلُوا بِمُقْتَضى ذَلِكَ إيجادًا ولا طَلَبًا ﴿وما يَتَضَرَّعُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الدُّعاءَ بِالخُضُوعِ والذُّلِّ والخُشُوعِ في كُلِّ وقْتٍ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهم عادَةً، بَلْ هم عَلى ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِكْبارِ والعُتُوِّ إلّا إذا التَقَتْ حَلْقَتا البِطانِ، ولَمْ يَبْقَ لَهم نَوْعُ (p-١٧٢)اخْتِيارٍ، بِدَلِيلِ ما أرْشَدَ إلَيْهِ حَرْفُ الغايَةِ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: بَلِ اسْتَمَرُّوا عَلى عُتُوِّهِمْ.
المؤمنون 23:77
﴿حَتّى إذا فَتَحْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ فَتْحُ عَذابٍ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بابًا﴾ مِنَ الأبْوابِ الَّتِي نَقْهَرُ بِها مَن شِئْنا بِحَيْثُ يَعْلُوهُ أمْرُها ولا يَسْتَطِيعُ دَفْعَها ﴿ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ يَعْنِي القَتْلَ والأسْرَ يَوْمَ بَدْرٍ - قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أوِ القَحْطُ الَّذِي سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ إجابَةً لِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: «اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» ﴿إذا هم فِيهِ﴾ أيْ ذَلِكَ البابِ مَظْرُوفُونَ لا يَقْدِرُونَ مِنهُ عَلى نَوْعِ خَلاصٍ ﴿مُبْلِسُونَ﴾ أيْ مُتَحَيِّرُونَ ساكِنُونَ عَلى ما في أنْفُسِهِمْ آيِسُونَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْطِقُوا بِكَلِمَةٍ، داخِلُونَ في الإبْلاسِ وهو عَدَمُ الخَيْرِ، مُتَأهِّلُونَ لِسُكْنى ”بِوَلْسُ“ وهو سِجْنُ جَهَنَّمَ، لِعَدَمِ جَعْلِهِمُ التَّضَرُّعَ وصْفًا لَهم لازِمًا غَيْرَ عارِضٍ، والخَوْفَ مِنَ اللَّهِ شِعارًا دائِمًا غَيْرَ مُفارَقٍ، اسْتِحْضارًا لِقُدْرَتِهِ واسْتِكْبارًا لِعَظَمَتِهِ.
المؤمنون 23:78
ثُمَّ التَفَتَ إلى خِطابِهِمْ، اسْتِعْطافًا بِعِتابِهِمْ، لِأنَّهُ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِعَذابِهِمْ أقْرَبُ إلى إيابِهِمْ، فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ ما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ والحالُ أنَّهُ هو لا غَيْرُهُ ﴿الَّذِي أنْشَأ لَكُمُ﴾ يا مَن يُكَذِّبُ بِالآخِرَةِ، عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ ﴿السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ ولَعَلَّهُ جَمَعَها لِأنَّ التَّفاوُتَ فِيها (p-١٧٣)أكْثَرُ مِنَ التَّفاوُتِ في السَّمْعِ ﴿والأفْئِدَةَ﴾ الَّتِي هي مَراكِزُ العُقُولِ، فَكُنْتُمْ بِها أعْلى مِن بَقِيَّةِ الحَيَواناتِ، جَمْعَ فُؤادٍ، وهو القَلْبُ لِتَوَقُّدِهِ وتَحَرُّقِهِ، مِنَ التَّفَؤُّدِ وهو التَّحَرُّقُ، وعَبَّرَ بِهِ هُنا لِأنَّ السِّياقَ لِلِاتِّعاظِ والِاعْتِبارِ، وجَمْعُهُ جَمْعُ القِلَّةِ إشارَةً إلى عِزَّةِ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ولَعَلَّهُ جَمْعُ الأبْصارِ كَذَلِكَ لِاحْتِمالِها لِلْبَصِيرَةِ.
ولَمّا صَوَّرَ لَهم هَذَهِ النِّعَمِ، وهي بِحَيْثُ لا يَشُكُّ غافِلٌ في أنَّهُ لا مِثْلَ لَها، وأنَّهُ لَوْ تُصُوِّرَ أنْ يُعْطى شَيْئًا مِنها آدَمِيٌّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى مُكافَأتِهِ، حَسُنَ تَبْكِيتُهم في كُفْرِ المُنْعِمِ بِها فَقالَ: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ لِمَن أوْلاكم هَذِهِ النِّعَمَ الَّتِي لا مِثْلَ لَها، ولا يَقْدِرُ غَيْرَهُ عَلى شَيْءٍ مِنها، مَعَ ادِّعائِكم أنَّكم أشْكَرُ النّاسِ لِمَن أسْدى إلَيْكم أقَلَّ ما يَكُونُ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها كُلُّ أحَدٍ، فَكُنْتُمْ بِذَلِكَ أنْزَلَ مِنَ الحَيَواناتِ العُجْمِ صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا.
المؤمنون 23:79
ولَمّا ذَكَّرَهم بِهَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي هي دالَّةٌ عَلى خَلْقِهِمْ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي ذَرَأكُمْ﴾ أيْ خَلَقَكم وبَثَّكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا ذَكَّرَهم بِإبْدائِهِمُ المُتَضَمِّنِ لِلْقُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ مَعَ ما فِيها مِنَ الحِكْمَةِ وفي تَرْكِها مِنَ الإخْلالِ بِها، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿تُحْشَرُونَ﴾ يَوْمَ النُّشُورِ.
المؤمنون 23:80
(p-١٧٤)ولَمّا تَضَمَّنَ ذَلِكَ إحْياءَهم وإماتَتَهُمْ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ عامٍّ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي﴾ مِن شَأْنِهِ أنَّهُ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ فَلا مانِعَ لَهُ مِنَ البَعْثِ ولا غَيْرَهُ مِمّا يُرِيدُهُ. ولَمّا كانَتْ حَقِيقَةُ البَعْثِ إيجادَ الشَّيْءِ كَما هو بَعْدَ إعْدامِهِ، ذَكَّرَهم بِأمْرٍ طالَما لابَسُوهُ وعالَجُوهُ ومارَسُوهُ فَقالَ: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ، لا لِغَيْرِهِ ﴿اخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ التَّصَرُّفُ فِيهِما عَلى هَذا الوَجْهِ، يُوجَدُ كُلًّا مِنهُما بَعْدَ أنْ أعْدَمَهُ كَما كانَ سَواءً، فَدَلَّ تَعاقُبُهُما عَلى تَغَيُّرِهِما، وتَغَيُّرِهِما بِذَلِكَ وبِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ عَلى أنَّ لَهُما مُغَيِّرًا لا يَتَغَيَّرُ وأنَّهُ لا فِعْلَ لَهُما وإنَّما الفِعْلُ لَهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إعادَةِ المَعْدُومِ كَما قَدَرَ عَلى ابْتِدائِهِ بِما دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ وبِهَذا الدَّلِيلِ الشُّهُودِيِّ لِلْحامِدِينَ، ولِذَلِكَ خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا تَسْبِيبَ ذَلِكَ لِعَدَمِ عَقْلِهِمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ يَكُونُ لَكم عُقُولٌ لِتَعْرِفُوا ذَلِكَ فَتَعْمَلُوا بِما تَقْتَضِيهِ مِنِ اعْتِقادِ البَعْثِ الَّذِي يُوجِبُ سُلُوكَ الصِّراطِ.
المؤمنون 23:81
ولَمّا كانَ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ النَّفْيَ، حَسُنَ بَعْدَهُ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ﴾ وعَدَلَ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِالغَضَبِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ العَرَبُ ﴿مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُونَ﴾ مِن قَوْمِ نُوحٍ ومِن بَعْدِهِ.
المؤمنون 23:82
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالُوا﴾ أيْ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ مُتَعَجِّبِينَ (p-١٧٥)مِن أمْرِهِ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا﴾ أيْ بِالبِلى بَعْدَ المَوْتِ ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾ نَخِرَةً، ثُمَّ أكَّدُوا الإنْكارَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ مِن باعِثٍ ما.
المؤمنون 23:83
ولَمّا كانَ مَحَطَّ العِنايَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الخَلْقُ والإيجادُ، والتَّهْدِيدُ لِأهْلِ العِنادِ، حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: ﴿لَقَدْ وُعِدْنا﴾ مُقَدِّمًا قَوْلَهُمْ: ﴿نَحْنُ وآباؤُنا﴾ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا﴾ أيِ البَعْثَ ﴿مِن قَبْلُ﴾ بِخِلافِ النَّمْلِ، فَإنَّ مَحَطَّ العِنايَةِ فِيها الإيمانُ بِالآخِرَةِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ قَوْلَهُ ”هَذا“، والمُرادُ وعْدُ آبائِهِمْ عَلى ألْسِنَةِ مَن أتاهم مِنَ الرُّسُلِ غَيْرَ أنَّ الإخْبارَ بِشُمُولِهِ جَعَلَهُ وعْدًا لِلْكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أيْ كَذِبٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ مَعْنى الإنْكارِ المُؤَكَّدِ.
المؤمنون 23:84
ولَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ هَذا الإنْكارَ المُؤَكَّدَ، ونَفَوْهُ هَذا النَّفْيَ المُحَتَّمَ، أمَرَهُ أنْ يُقَرِّرَهم بِأشْياءَ هم بِها مُقِرُّونَ، ولَها عارِفُونَ، يَلْزَمُهم مِن تَسْلِيمِها الإقْرارُ بِالبَعْثِ قَطْعًا، فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ مُجِيبًا لِإنْكارِهِمْ (p-١٧٦)البَعْثَ مُلْزِمًا لَهُمْ: ﴿لِمَنِ الأرْضُ﴾ أيْ عَلى سَعَتِها وكَثْرَةِ عَجائِبِها ﴿ومَن فِيها﴾ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِهِمْ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ بِما هو كالجِبِلَّةِ لَكم ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ أهْلًا لِلْعِلْمِ، وكَأنَّهُ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّهم أنْكَرُوا شَيْئًا لا يُنْكِرُهُ عاقِلٌ.
المؤمنون 23:85
ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِذَلِكَ، أخْبَرَ عَنْ جَوابِهِمْ قَبْلَ جَوابِهِمْ، لِيَكُونَ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ أيْ قَطْعًا: ذَلِكَ كُلُّهُ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المُخْتَصِّ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ دالًّا عَلى الوَحْدانِيَّةِ والتَّفَرُّدِ بِتَمامِ القُدْرَةِ مِن وجْهَيْنِ: كَوْنِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ، وكَوْنِهِ يُخْبِرُ عَنْ عَدُوِّهِ بِشَيْءٍ فَلا يُمْكِنُهُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم إذا قالُوا لَكَ ذَلِكَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَسْبِيبَهُ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ بِذَلِكَ المَرْكُوزِ في طِباعِكُمُ المَقْطُوعِ بِهِ عِنْدَكُمْ، ما غَفَلْتُمْ عَنْهُ مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ وباهِرِ عَظَمَتِهِ، فَتُصَدِّقُوا ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هو دُونَ ذَلِكَ، وتَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَصْلُحُ شَيْءٌ مِنها - وهو مِلْكُهُ - أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لَهُ (p-١٧٧)ولا ولَدًا، وتَعَلَمُوا أنَّهُ لا يَصِحُّ في الحِكْمَةِ أصْلًا أنَّهُ يَتْرُكُ البَعْثَ لِأنَّ أقَلَّكم لا يَرْضى بِتَرْكِ حِسابِ عَبِيدِهِ والعَدْلِ بَيْنَهم.
المؤمنون 23:86
ولَمّا ذَكَّرَهم بِالعالَمِ السُّفْلِيِّ لِقُرْبِهِ، تَلاهُ بِالعُلْوِيِّ لِأنَّهُ أعْظَمُ فَقالَ عَلى ذَلِكَ المِنوالِ مُرْقِيًا لَهم إلَيْهِ: ﴿قُلْ مَن رَبُّ﴾ أيْ خالِقُ ومُدَبِّرُ ﴿السَّماواتِ السَّبْعِ﴾ كَما تُشاهِدُونَ مِن حَرَكاتِها وسَيْرِ نُجُومِها ﴿ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُعْتَرِفُونَ.
المؤمنون 23:87
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ شَيْءٍ هو رَبُّ ذَلِكَ - عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ، والتَّقْدِيرُ لِغَيْرِهِما: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ، لِأنَّ مَعْنى مَن رَبُّ الشَّيْءِ: لِمَنِ الشَّيْءُ، فَتُفِيدُ اللّامُ المِلْكَ صَرِيحًا مَعَ إفادَةِ الرَّبِّ التَّدْبِيرَ.
ولَمّا تَأكَّدَ الأمْرُ وزادَ الوُضُوحُ، حَسُنَ التَّهْدِيدُ عَلى التَّمادِي فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ تَسْبِيبِهِ لَهُمُ التَّقْوى: ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَجْعَلُونَ بَيْنَكم وبَيْنَ حُلُولِ السُّخْطِ مِن هَذا الواسِعِ المُلْكِ التّامِّ القُدْرَةِ وِقايَةً بِالمَتابِ مِن إنْكارِ شَيْءٍ يَسِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى هَذا المَلِكِ العَظِيمِ هَيِّنٌ عَلَيْهِ.
المؤمنون 23:88
ولَمّا قَرَّرَهم بِالعالَمَيْنِ: العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، أمَرَهُ بِأنْ يُقْرِّرَهم بِما هو أعَمُّ مِنهُما وأعْظَمُ، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِنَ العالَمَيْنِ وغَيْرِهِما، والمَلَكُوتُ (p-١٧٨)المُلْكُ البَلِيغُ الَّذِي لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ العَرَبُ إذا كانَ السَّيِّدُ فِيهِمْ فَأجارَ أحَدًا لا يَخْفِرُ في جِوارِهِ ولَيْسَ لِمَن دُونَهُ أنْ يُجِيرَ عَلَيْهِ لِئَلّا يَفْتاتَ عَلَيْهِ. ولَوْ أجارَ ما أفادَ، ولِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وهُوَ يُجِيرُ﴾ أيْ يَمْنَعُ ويُغِيثُ مَن يَشاءُ فَيَكُونُ في حِرْزِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الدُّنُوِّ مِن ساحَتِهِ ﴿ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ أيْ ولا يُمْكِنُ أحَدًا أبَدًا أنْ يُجِيرَ جِوارًا يَكُونُ مُسْتَعْلِيًا عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ، بَلْ يَأْخُذُ مَن أرادَ وإنْ نَصْرَهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ، ويُعْلِي مَن أرادَ وإنْ تَحامَلَتْ عَلَيْهِ كُلُّ المَصائِبِ، فَتَبَيَّنَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا شَرِيكَ يُمانَعُهُ، ولا ولَدَ يُصانِعُهُ أوْ يُضارِعُهُ؛ وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو السَّيِّدُ المُعَظَّمُ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ الَّذِي لا يُمانَعُ ولا يُخالَفُ، وما شاءَ كانَ، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
ولَمّا كانَ هَذا بُرْهانًا مَعَ أنَّهُ ظاهِرٌ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، قَدْ يُمَجْمِجُ فِيهِ مِن لَهُ غَرَضٌ في اللَّدَدِ، ألْهَبَهم إلى المُبادَرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِهِ وهَيَّجَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ.
المؤمنون 23:89
ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي بِيَدِهِ ذَلِكَ، خاصًّا بِهِ، والتَّقْدِيرُ لِغَيْرِ البَصْرِيِّينَ: ذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ، (p-١٧٩)لِأنَّ اليَدَ أدَلُّ شَيْءٍ عَلى المِلْكِ.
ولَمّا كانَ جَوابُهم بِذَلِكَ يَقْتَضِي إنْكارَ تَوَقُّفِهِمْ في الإقْرارِ بِالبَعْثِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ تَسْبِيبَ ذَلِكَ لَهُمُ ادِّعاءَ أنَّهُ سِحْرٌ، أوِ الصَّرْفَ عَنِ الحَقِّ كَما يُصْرَفُ المَسْحُورُ ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾ أيْ فَكَيْفَ بَعْدَ إقْرارِكم بِهَذا كُلِّهِ تَدَّعُونَ أنَّ الوَعِيدَ بِالبَعْثِ سِحْرٌ في قَوْلِكُمْ: أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ، ومِن أيْنَ صارَ لَكم هَذا الِاعْتِقادُ وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِما يَلْزَمُ مِنهُ شُمُولُ العِلْمِ وتَمامَ القُدْرَةِ؟ ومِن أيْنَ تَتَخَيَّلُونَ الحَقَّ باطِلًا، أوْ كَيْفَ تَفْعَلُونَ فِعْلَ المَسْحُورِ بِما تَأْتُونَ بِهِ مِنَ التَّخْطِيطِ في الأقْوالِ والأفْعالِ، وتُخْدَعُونَ وتُصْرَفُونَ عَنْ كُلِّ ما دَعا إلَيْهِ؟ .
المؤمنون 23:90
ولَمّا كانَ الإنْكارُ بِمَعْنى النَّفْيِ، حَسُنَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَيْسَ الأمْرُ كَما يَقُولُونَ، لَمْ نَأْتِهِمْ بِسِحْرٍ بَلْ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: لَيْسَ هو أساطِيرَ، بَلْ ﴿أتَيْناهُمْ﴾ فِيهِ عَلى عَظَمَتِنا ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الكامِلِ الَّذِي لا حَقَّ بَعْدَهُ، كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ ”ألْ“ فَكُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَعْثِ وغَيْرِهِما فَهو حَقٌّ ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في قَوْلِهِمْ: إنَّهُ سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ، وفي كُلِّ ما ادَّعَوْهُ مِنَ الوَلَدِ والشَّرِيكِ وغَيْرِهِما مِمّا بَيَّنَ القُرْآنُ فَسادَهُ (p-١٨٠)كَما لَزِمَهم بِما أقَرُّوا بِهِ في جَوابِ هَذِهِ الأسْئِلَةِ الثَّلاثَةِ.
المؤمنون 23:91
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ كَذِبِهِمْ ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦] قالَ: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولَدٍ﴾ لا مِنَ المَلائِكَةِ ولا مِن غَيْرِهِمْ، لَمّا قامَ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى غِناهُ، وأنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ، ولَمّا لَزِمَهم بِإقْرارِهِمْ أنَّهُ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ، وأنَّ لَهُ السَّماواتِ والأرْضَ ومَن فِيهِما.
ولَمّا كانَ الوَلَدُ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الشَّرِيكِ قالَ: ﴿وما كانَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَعَهُ﴾ فَأفادَ بِفِعْلِ الكَوْنِ نَفِيَ الصِّحَّةِ لِيَنْتَفِيَ الوُجُودُ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿مِن إلَهٍ﴾ وزادَ ”مِن“ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ ولَمّا لَزِمَهُمُ الكَذِبُ في دَعْوى الإلَهِيَّةِ بِوَلَدٍ أوْ غَيْرِهِ مِن إقْرارِهِمْ هَذا، أقامَ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَقْلِيًّا لِيَتَطابَقَ الإلْزامِيُّ والعَقْلِيُّ فَقالَ: ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ ﴿لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ﴾ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ وحْدَهُ لِيَتَمَيَّزَ ما لَهُ مِمّا لِغَيْرِهِ ﴿ولَعَلا بَعْضُهُمْ﴾ أيْ بَعْضُ الآلِهَةِ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ إذا تَخالَفَتْ أوامِرُهُمْ، فَلَمْ يَرْضَ أحَدٌ مِنهم أنْ يُضافَ ما خَلَقَهُ إلى غَيْرِهِ، ولا أنْ يَمْضِيَ فِيهِ أمْرٌ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ، كَما هو مُقْتَضى العادَةِ، فَلا يَكُونُ المَغْلُوبُ إلَهًا لِعَجْزِهِ، ولا يَكُونُ مُجِيرًا غَيْرَ مُجارٍ (p-١٨١)عَلَيْهِ، بِيَدِهِ وحْدَهُ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الِاخْتِلافُ لَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ، فَكانَ إمْكانُهُ كافِيًا في إبْطالِ الشَّرِكَةِ لِما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن إمْكانِ العَجْزِ المُنافِي لِلْإلَهِيَّةِ، كَما بَيَّنَ في الأنْبِياءِ.
ولَمّا طابَقَ الدَّلِيلُ الإلْزامَ عَلى نَفْيِ الشَّرِيكِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ بِما هو نَتِيجَةُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، المُنَزَّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ مِن كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ المُقَدَّسِ مِنَ الشَّرِيكِ والوَلَدِ وغَيْرِهِ.
المؤمنون 23:92
ثُمَّ أقامَ دَلِيلًا آخَرَ عَلى كَمالِهِ بِوَصْفِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ ولَمّا كانَ العِلْمُ بِذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ عِلْمَ الشَّهادَةِ كَما لِلنّائِمِ قالَ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ ولا عالِمَ بِذَلِكَ غَيْرُهُ.
ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ الجَلِيِّ أنَّهُ لا مُدَّعِيَ لِذَلِكَ، ومَنِ ادَّعاهُ غَيْرُهُ بانَ كَذِبُهُ لا مَحالَةَ، وأنَّ مَن تَمَّ عِلْمُهُ تَمَّتْ قُدْرَتُهُ، فاتَّضَحَ تَفَرُّدُهُ كَما بَيَّنَ في طَهَ،تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَتَعالى﴾ أيْ عَلا العالِمُ المُشارُ إلَيْهِ عُلُوًّا عَظِيمًا ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فَإنَّهُ لا عِلْمَ لِشَيْءٍ مِنهُ فَلا قُدْرَةَ ولا (p-١٨٢)صَلاحِيَةَ لِرُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ.
المؤمنون 23:93
ولَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى كَذِبِهِمْ بِالأدِلَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ، وتَعالِيهِ عَنْ كُلِّ ما يَقُولُ الظّالِمُونَ، وبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرَ غايَةَ البَيانِ بَعْدَ أنْ هَدَّدَهم بِمِثْلِ قَوْلِهِ وما يَشْعُرُونَ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤] ونَحْوُهُ مِن مِثْلِ ما أنْزَلَهُ بِالماضِينَ، وأحَلَّهُ بِالمُكَذِّبِينَ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإعْذارِ إلّا إيقاعُ القَضاءِ وإنْزالُ البَلاءِ، وكانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَعُمَّ سُبْحانَهُ الظّالِمَ وغَيْرَهُ بِعَذابِهِ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، أمَرَهُ أنْ يَتَعَوَّذَ مِن ذَلِكَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ الرُّبُوبِيَّةِ وذُلِّ العُبُودِيَّةِ فَقالَ ﴿قُلْ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ إظْهارًا لِعَظَمَةِ المَدْعُوِّ بِهِ وإعْلامًا بِما لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن مَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى أُمَّتِهِ مُؤْمِنِهِمْ وكافِرِهِمْ ﴿إمّا تُرِيَنِّي﴾ أيْ إنْ كانَ ولا بُدَّ مِن أنْ تُرِيَنِي قَبْلَ مَوْتِي ﴿ما يُوعَدُونَ﴾
المؤمنون 23:94
ثُمَّ نَبَّهَهُ عَلى الزِّيادَةِ في الضَّراعَةِ بِتَكْرِيرِ النِّداءِ بِصِفَةِ الإحْسانِ تَعَبُّدًا وتَخَشُّعًا، وتَذَلُّلًا وتَخَضُّعًا، إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ، فَيَنْبَغِي لِأقْرَبِ خَلْقِهِ إلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَلى غايَةِ الحَذِرِ مِنهُ فَقالَ: ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي﴾ بِإحْسانِكَ إلَيَّ وفَضْلِكَ عَلَيَّ فِيهِمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ تَعْمِيمًا لِلدَّعْوَةِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿فِي القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أعْمالُهم أعْمالُ مَن يَمْشِي في الظَّلامِ، فَهي في غَيْرِ مَواضِعِها، فَضْلًا عَنْ أنْ أكُونَ مِنهم فَإنَّهُ (p-١٨٣)يُوشِكُ أنْ يَخُصَّهُمُ العَذابُ ويَعُمَّ مَن جاوَرَهم لِوَخامَةِ الظُّلْمِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ.
المؤمنون 23:95
ولَمّا أرْشَدَ التَّعْبِيرُ بِأداةِ الشَّكِّ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنّا عَلى العَفْوِ عَنْهم وعَلى الإمْلاءِ لَهم لَقادِرُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ المُتَضَمِّنِ لِلطَّعْنِ في القُدْرَةِ وهُمُ المَقْصُودُونَ بِالتَّهْدِيدِ: ﴿وإنّا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى أنْ نُرِيَكَ﴾ أيْ قَبْلَ مَوْتِكَ ﴿ما نَعِدُهُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿لَقادِرُونَ﴾
المؤمنون 23:96
ولَمّا لاحَ مِن هَذا أنَّ أخْذَهم وتَأْخِيرَهم في الإمْكانِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكانُوا يَقُولُونَ ويَفْعَلُونَ ما لا صَبْرَ عَلَيْهِ إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ، كانَ كَأنَّهُ قالَ: فَماذا أفْعَلُ فِيما تَعْلَمُ مِن أمْرِهِمْ؟ فَقالَ آمِرًا لَهُ بِمُداواتِهِ: ﴿ادْفَعْ﴾ وفَخَّمَ الأمْرَ بِالمَوْصُولِ لِما فِيهِ مِنَ الإيهامِ المُشَوِّقِ لِلْبَيانِ ثُمَّ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَقالَ: ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ بِالصَّفْحِ والمُداراةِ ﴿السَّيِّئَةَ﴾ ثُمَّ خَفَّفَ عَنْهُ ما يَجِدُ مِن ثِقَلِها بِقَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾ أيْ مِن كُلِّ عالِمٍ ﴿بِما يَصِفُونَ﴾ في حَقِّكَ وحَقِّنا، فَلَوْ شِئْنا مَنَعْناهم مِنهُ أوْ عاجَلْناهم بِالعَذابِ ولَيْسَ أحَدٌ بِأغْيَرَ مِنّا فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
المؤمنون 23:97
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ عَلَيْهِ لا يُطاقُ إلّا بِهِ سُبْحانَهُ، أمَرَهُ بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقُلْ رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿أعُوذُ بِكَ﴾ أيْ ألْتَجِئُ إلَيْكَ (p-١٨٤)﴿مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾ أيْ أنْ يَصِلُوا إلَيَّ بِوَساوِسِهِمُ الَّتِي هي كالنَّخْسِ بِالمِهْمازِ في الإقْحامِ في السَّيِّئاتِ والبُعْدِ عَنْ مُطْلَقِ الحَسَناتِ، فَكَيْفَ بِالأحْسَنِ مِنها كَما سَلَّطَتْهم عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم إلى القَبائِحِ أزًّا.
المؤمنون 23:98
﴿وأعُوذُ بِكَ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لِي ﴿أنْ يَحْضُرُونِ﴾ أيْ ولَوْ لَمْ تَصِلْ إلَيَّ وساوِسُهم فَإنَّ حُضُورَهم هَلَكَةٌ، وبُعْدَهم بَرَكَةٌ، لِأنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلى الفَسادِ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ.
المؤمنون 23:99
ولَمّا كانَ أضَرُّ أوْقاتِ حُضُورِهِمْ ساعَةَ المَوْتِ، وحالَةَ الفَوْتِ، فَإنَّهُ وقْتُ كَشْفِ الغِطاءِ، عَمّا كُتِبَ مِنَ القَضاءِ، وآنَ اللِّقاءُ، وتَحَتَّمَ السُّفُولُ أوِ الِارْتِقاءُ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ تَنْبِيهًا عَلى بَذْلِ الجُهْدِ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ لِلْعِصْمَةِ فِيهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٦] أوْ بِمُبْلِسُونَ، مُنَبِّهًا بِحَرْفِ الغايَةِ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَمُدُّ في أزْمانِهِمُ اسْتِدْراجًا لَهُمْ: ﴿حَتّى﴾ أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ السِّياقُ: فَلا أكُونُ مِنَ الكافِرِينَ المُطِيعِينَ لِلشَّياطِينِ حَتّى ﴿إذا جاءَ﴾ وقَدَّمَ المَفْعُولَ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ في فاعِلِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ فَقالَ: ﴿أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ فَكَشَفَ لَهُ الغِطاءَ، وظَهَرَ لَهُ الحَقُّ، ولاحَتْ لَهُ بَوارِقُ العَذابِ، ولَمْ يَبْقَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ ارْتِيابٌ ﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لِمَلائِكَةِ العَذابِ عَلى عادَةِ جَهْلِهِ ووُقُوفِهِ مَعَ المَحْسُوسِ (p-١٨٥)دَأْبَ البَهائِمِ: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ أيْ إلى الدُّنْيا دارِ العَمَلِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ لِلَّهِ تَعالى ولِلْمَلائِكَةِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ عَلى عادَةٍ في مُخاطَباتِ الأكابِرِ لا سِيَّما المُلُوكُ، أوْ لِقَصْدِ تَكْرِيرِ الفِعْلِ لِلتَّأْكِيدِ.
المؤمنون 23:100
ولَمّا كانَ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى القَطْعِ مِنَ اليَأْسِ مِنَ النَّجاةِ لِلْيَأْسِ مِنَ العَمَلِ لِفَواتِ دارِهِ مَعَ وُصُولِهِ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ قالَ: ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ﴾ أيْ لِأكُونَ عَلى رَجاءٍ مِن أنْ أعْمَلَ ﴿صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ مِنَ الإيمانِ وتَوابِعِهِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ قَتادَةُ: ما تَمَنّى أنْ يَرْجِعَ إلى أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ ولا لِيَجْمَعَ الدُّنْيا ويَقْضِيَ الشَّهَواتِ، ولَكِنْ تَمَنّى أنْ يَرْجِعَ لِيَعْمَلَ بِطاعَةِ اللَّهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً عَمِلَ فِيما يَتَمَنّاهُ الكافِرُ إذا رَأى العَذابَ.
وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَ العَلاءُ بْنُ زِيادٍ يَقُولُ: لِيُنْزِلَنَّ أحَدُكم نَفْسَهُ أنَّهُ قَدْ حَضَرَهُ المَوْتُ فاسْتَقالَ رَبَّهُ فَأقالَهُ فَلْيَعْمَلْ بِطاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
ولَمّا كانَ القَضاءُ قَدْ قَطَعَ بِأنَّهُ لا يَرْجِعُ، ولَوْ رَجَعَ لَمْ يَعْمَلْ قالَ رَدْعًا لَهُ ورَدًّا لِكَلامِهِ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ (p-١٨٦)قِيلَ: فَما حُكْمُ ما قالَ؟ فَقالَ مُعْرِضًا عَنْهُ إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿إنَّها كَلِمَةٌ﴾ أيْ مَقالَتَهُ ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩] - إلى آخِرِهِ، كَلِمَةٌ ﴿هُوَ قائِلُها﴾ وقَدْ عُرِفَ مِنَ الخِداعِ والكَذِبِ فَهي كَما عَهِدَ مِنهُ لا حَقِيقَةَ لَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو لا يُجابُ إلَيْها، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، جامِعًا مَعَهُ كُلَّ مَن ماثَلَهُ لِأنَّ عَجْزَ الجَمْعِ يَلْزَمُ مِنهُ عَجْزُ الواحِدِ: ﴿ومِن ورائِهِمْ﴾ أيْ مِن خَلْفِهِمْ ومِن أمامِهِمْ مُحِيطٌ بِهِمْ ﴿بَرْزَخٌ﴾ أيْ حاجِزٌ بَيْنَ ما هو فِيهِ وبَيْنَ الدُّنْيا والقِيامَةِ مُسْتَمِرٌّ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَفْعِهِ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أيْ تَجَدَّدَ بَعْثُهم بِأيْسَرِ أمْرٍ وأخَفِّهِ وأهْوَنِهِ.
المؤمنون 23:101
ولَمّا غَيّى ذَلِكَ بِالبَعْثِ فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يَكُونُ بَعْدَهُ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ النّاسَ - بَعْدَ أنْ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الِاجْتِماعِ عَلى رَبِّهِمْ - تَقَطَّعُوا قِطَعًا، وتَحَزَّبُوا أحْزابًا، وتَعاضَدُوا بِحُكْمِ ذَلِكَ وتَناصَرُوا، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿فَإذا نُفِخَ﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ وهي نَفْخَةُ النُّشُورِ، أوِ الثّالِثَةُ لِلصَّعْقِ ﴿فِي الصُّورِ﴾ فَقامُوا مِنَ القُبُورِ (p-١٨٧)أوْ مِنَ الصَّعْقِ ﴿فَلا أنْسابَ﴾ وهي أعْظَمُ الأسْبابِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يَذْكُرُونَها يَتَفاخَرُونَ بِها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لِما دَهَمَهم مِنَ الأمْرِ وشَغَلَهم مِنَ البَأْسِ ولَحِقَهم مِنَ الدَّهَشِ ورَعَبَهم مِنَ الهَوْلِ وعَلِمُوا مِن عَدَمِ نَفْعِها إلّا ما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ، بَلْ يَفِرُّ الإنْسانُ مِن أقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ، وإنَّما أنْسابُهُمُ الأعْمالُ الصّالِحَةُ ﴿ولا يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ في التَّناصُرِ لِأنَّهُ انْكَشَفَ لَهم أنْ لا حَكْمَ إلّا اللَّهُ وأنَّهُ لا تُغْنِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ لا نُصْرَةَ إلّا بِالأعْمالِ رَحِمَ اللَّهُ بِالتَّيْسِيرِ لَها ثُمَّ رَحِمَ بِقَبُولِها، فَلِذَلِكَ قالَ.
المؤمنون 23:102
﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ أيْ بِالأعْمالِ المَقْبُولَةِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ لِأنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ مِيزانًا يَعْرِفُ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ، وذَلِكَ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيْ خاصَّةً، ولَعَلَّهُ جَمَعَ لِلْبِشارَةِ بِكَثْرَةِ النّاجِي بَعْدَ أنْ أفْرَدَ الدَّلالَةَ عَلى كَثْرَةِ الأعْمالِ أوْ عَلى عُمُومِ الوَزْنِ لِكُلِّ فَرْدٍ ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ المَوْصُوفُونَ.
المؤمنون 23:103
﴿ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ لِإعْراضِهِ عَنْ تِلْكَ الأعْمالِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الإيمانِ ﴿فَأُولَئِكَ﴾ خاصَّةً ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ لِإهْلاكِهِمْ إيّاها بِاتِّباعِها شَهَواتِها في دارِ الأعْمالِ وشُغْلِها بِأهْوائِها عَنْ مَراتِبِ الكَمالِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ أوْ بَيْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ وهي دارٌ لا يَنْفَكُّ أسِيرُها، ولا يَنْطَفِئُ سَعِيرُها.
المؤمنون 23:104
(p-١٨٨)ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿تَلْفَحُ﴾ أيْ تَغْشى بِشَدِيدِ حَرِّها وسَمُومِها ووَهَجِها ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ فَتُحْرِقُها فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِها ﴿وهم فِيها كالِحُونَ﴾ أيْ مُتَقَلِّصُو الشِّفاهِ عَنِ الأسْنانِ مَعَ عَبُوسَةِ الوُجُوهِ وتَجَعُّدِها وتَقَطُّبِها شُغْلُ مَن هو مُمْتَلِئُ الباطِنِ كَراهِيَةً لِما دَهَمَهُ مِن شِدَّةِ المُعاناةِ وعَظِيمِ المُقاساةِ في دارِ التَّجَهُّمِ، كَما تَرى الرُّؤُوسَ المَشْوِيَّةَ، ولا يُناقِضُ نَفْيَ التَّساؤُلِ هُنا إثْباتُهُ في غَيْرِهِ لِأنَّهُ في غَيْرِ تَناصُرٍ بَلْ في التَّلاوُمِ والتَّعاتُبِ والتَّخاصُمِ عَلى أنَّ المَقاماتِ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَوِيلَةٌ وكَثِيرَةٌ، فالمَقالاتُ والأحْوالُ لِأجْلِ ذَلِكَ مُتَبايِنَةٌ وكَثِيرَةٌ، وسَيَأْتِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في سُورَةِ الصّافّاتِ نَحْوُ ذَلِكَ.
المؤمنون 23:105
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُعَذَّبَ بِالفِعْلِ يَضُمُّ إلَيْهِ القِيلَ، أُجِيبَ مَن قَدْ يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ﴾ أيْ يُقالُ لَهم في تَأْنِيبِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ: ألَمْ ﴿تَكُنْ آياتِي﴾ الَّتِي انْتَهى عِظَمُها إلى أعْلى المَراتِبِ بِإضافَتِها إلَيَّ. ولَمّا كانَ مُجَرَّدُ ذِكْرِها كافِيًا في الإيمانِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ: ﴿تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ أيْ تُتابَعُ لَكم قِراءَتُها في الدُّنْيا شَيْئًا فَشَيْئًا. ولَمّا كانَتْ سَبَبًا لِلْإيمانِ فَجَعَلُوها سَبَبًا لِلْكُفْرانِ، قالَ: ﴿فَكُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ وقَدَّمَ الظَّرْفَ (p-١٨٩)لِلْإعْلامِ بِمُبالَغَتِهِمْ في التَّكْذِيبِ.
المؤمنون 23:106
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جَوابَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا﴾ أيُّها المُسْبِغُ عَلَيْنا نِعَمَهُ ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ أيْ أهْواؤُنا الَّتِي قادَتْنا إلى سُوءِ الأعْمالِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ظاهِرًا لِلشَّقاوَةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكُنّا مَعَها كالمَأْسُورِينَ، تَؤُزُّنا إلَيْها الشَّياطِينُ أزًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿وكُنّا﴾ أيْ بِما جَبَلَنا عَلَيْهِ ﴿قَوْمًا ضالِّينَ﴾ في ذَلِكَ عَنِ الهُدى، أقْوِياءَ في مُوجِباتِ الشِّقْوَةِ، فَكانَ سَبَبًا لِلضَّلالِ عَنْ طَرِيقِ السَّعادَةِ.
المؤمنون 23:107
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا الإقْرارُ الِاعْتِذارَ، وكانَ ذَلِكَ رُبَّما سَوَّغَ الخَلاصَ، وصَلَوْا بِهِ قَوْلَهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ يا مَن عَوَّدَنا بِالإحْسانِ ﴿أخْرِجْنا مِنها﴾ أيِ النّارِ تَفَضُّلًا مِنكَ عَلى عادَةِ فَضْلِكَ، ورُدَّنا إلى دارِ الدُّنْيا لِنَعْمَلَ ما يُرْضِيكَ ﴿فَإنْ عُدْنا﴾ إلى مِثْلِ تِلْكَ الضَّلالاتِ ﴿فَإنّا ظالِمُونَ﴾ فاسْتُؤْنِفَ جَوابُهم بِأنَّ.
المؤمنون 23:108
﴿قالَ﴾ لِهَمْ كَما يُقالُ لِلْكَلْبِ: ﴿اخْسَئُوا﴾ أيِ انْزَجِرُوا زَجْرَ الكَلْبِ وانْطَرِدُوا عَنْ مُخاطَبَتِي ساكِتِينَ سُكُوتَ هَوانٍ ﴿فِيها﴾ أيِ النّارِ ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ أصْلًا، فَإنَّكم لَسْتُمْ أهْلًا لِمُخاطَبَتِي، لِأنَّكم لَمْ تَزالُوا مُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ، ومِنهُ سُؤالُكم هَذا المُفْهِمُ لِأنَّ اتِّصافَكم بِهِ لا يَكُونُ إلّا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِكم بَعْدَ إخْراجِكم.
المؤمنون 23:109
ولَمّا كانَتِ الشَّماتَةُ أسَرَّ السُّرُورِ لِلشّامِتِ وأخْزى الخِزْيِ لِلْمَشْمُوتِ بِهِ، (p-١٩٠)عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ كَوْنًا ثابِتًا ﴿فَرِيقٌ﴾ أيْ ناسٌ اسْتَضْعَفْتُمُوهم فَهانَ عَلَيْكم فِراقُهم لَكم وفِراقُكم لَهم وظَنَنْتُمْ أنَّكم تُفَرِّقُونَ شَمْلَهم ﴿مِن عِبادِي﴾ أيِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلى جَنابَيْ لِخُلُوصِهِمْ عَنِ الأهْواءِ ﴿يَقُولُونَ﴾ مَعَ الِاسْتِمْرارِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالخَلْقِ والرِّزْقِ ﴿آمَنّا﴾ أيْ أوْقَعْنا الإيمانَ بِجَمِيعِ ما جاءَتْنا بِهِ الرُّسُلُ لِوُجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْنا لِأمْرِكَ لَنا بِهِ.
ولَمّا كانَ عِظَمُ المَقامِ مُوجِبًا لِتَقْصِيرِ العابِدِ، وكانَ الِاعْتِرافُ بِالتَّقْصِيرِ جابِرًا لَهُ قالُوا: ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ أيِ اسْتُرْ بِسَبَبِ إيمانِنا عُيُوبَنا الَّتِي كانَ تَقْصِيرُنا بِها ﴿وارْحَمْنا﴾ أيِ افْعَلْ بِنا فِعْلَ الرّاحِمِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي هو عَلى صُورَةِ الحُنُوِّ والشَّفَقَةِ والعَطْفِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، فَإنَّكَ إذا سَتَرْتَ ذَنْبًا أنْسَيْتَهُ لِكُلِّ أحَدٍ حَتّى لِلْحَفَظَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ لِأنَّكَ تُخَلِّصُ مَن رَحِمْتَهُ مِن كُلِّ شَقاءٍ وهَوانٍ، بِإخْلاصِ الإيمانِ، والخَلاصِ مَن كُلِّ كُفْرانٍ.
المؤمنون 23:110
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ زِيادَةُ كُفْرانِ أُولَئِكَ قالَ: (p-١٩١)﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ أيْ مَوْضِعًا لِلْهُزْءِ والتَّلَهِّي والخِدْمَةِ لَكُمْ، قالَ الشِّهابُ السَّمِينُ في إعْرابِهِ: والسُّخْرَةُ - بِالضَّمِّ: الِاسْتِخْدامُ، وسُخْرِيًّا - بِالضَّمِّ مِنها والسُّخْرُ بِدُونِ هاءٍ - الهُزْءُ والمَكْسُورُ مِنهُ يَعْنِي عَلى القِراءَتَيْنِ وفي النِّسْبَةِ دَلالَةً عَلى زِيادَةِ قُوَّةٍ في الفِعْلِ كالخُصُوصِيَّةِ والعُبُودِيَّةِ ﴿حَتّى أنْسَوْكُمْ﴾ أيْ لِأنَّهم كانُوا السَّبَبَ في ذَلِكَ بِتَشاغُلِكم بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ ﴿ذِكْرِي﴾ أيْ أنْ تَذْكُرُونِي فَتَخافُونِي بِإقْبالِكم بِكُلِّيَّتِكم عَلى ذَلِكَ مِنهم.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَرَكْتُمُوهُ فَلَمْ تُراقِبُونِي في أوْلِيائِي، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ بِأخْلاقٍ هي كالجِبِلَّةِ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿تَضْحَكُونَ﴾ كَأنَّهم لَمّا صَرَفُوا قُواهم إلى الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ عَدَّ ضَحِكَهم مِن غَيْرِهِمْ عَدَمًا.
المؤمنون 23:111
ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ بَعْدَ العِلْمِ بِما فُعِلَ بِأعْدائِهِمْ إلى جَزائِهِمْ، قالَ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ﴾ أيْ مُقابَلَةً عَلى عَمَلِهِمْ ﴿اليَوْمَ بِما صَبَرُوا﴾ أيْ عَلى عِبادَتِي، ولَمْ يَشْغَلْهم عَنْها تَألُّمُهم بِأذاكم كَما شَغَلَكم عَنْها التِذاذُكم بِإهانَتِهِمْ، فَوْزَهم دُونَكُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أنَّهم هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الفائِزُونَ﴾ أيْ (p-١٩٢)النّاجُونَ الظّافِرُونَ بِالخَيْرِ بَعْدَ الإشْرافِ عَلى الهَلَكَةِ، وغَيَّرَ العِبارَةَ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ والوُضُوحِ والرُّسُوخِ، وكَسَرَ الهَمْزَةَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ عَلى الِاسْتِئْنافِ.
المؤمنون 23:112
ولَمّا كانَ الفائِزُ - وهو الظّافِرُ - مَن لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بُؤْسٌ في ذَلِكَ الأمْرِ الَّذِي فازَ بِهِ، وكانَ قَدْ أشارَ سُبْحانَهُ بِحَرْفِ الغايَةِ وما شاكَلَهُ إلى أنَّهُ مَدَّ لِأهْلِ الشَّقاءِ في الدُّنْيا في الأعْمارِ والأرْزاقِ حَتّى اسْتَهانُوا بِعِبادَةِ السُّعَداءِ، فَكانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ أعْداءَهم فازُوا بِالِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ والرِّفْعَةِ عَلَيْهِمْ في حالِ الدُّنْيا، وكانَ سُبْحانَهُ قَدْ أسْلَفَ ما يَرُدُّ ذَلِكَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّهُ خَلَّدَهم في النّارِ وأعْرَضَ عَنْهم وزَجَرَهم عَنْ كَلامِهِ، وكانَ أنْعَمُ أهْلِ الدُّنْيا إذا غُمِسَ في النّارِ غَمْسَةً ثُمَّ سُئِلَ عَنْ نَعِيمِهِ قالَ: ما رَأيْتُ نَعِيمًا قَطُّ، فَكانَ ذَلِكَ مَحَزًّا لِتَقْرِيعِ الأشْقِياءِ بِسَبَبِ تَضِييِعِ أيّامِهِمْ وتَنْدِيمِهِمْ عَلَيْها. تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى أنَّهُ هَلْ يَسْألُهم عَنْ تَنْعِيمِهِ لَهم في الدُّنْيا الَّذِي كانَ جَدِيرًا مِنهم بِالشُّكْرِ فَقابَلُوهُ بِالكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِأوْلِيائِهِ؟ فَأجابَ تَشَوُّفَهُ ذَلِكَ مُجَهِّلًا لَهم ومُنَدِّمًا ومُنَبِّهًا عَلى الجَوابِ أنَّ فَوْزَهم في الدُّنْيا - لِقِلَّتِهِ الَّتِي هي أحْقَرُ مِن قَطْرَةٍ في جَنْبِ بَحْرٍ - عَدَمٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ تَأْسِيفًا عَلى ما أضاعُوا مِن عِبادَةٍ يَسِيرَةٍ تَؤْرِثُهم سَعادَةً لا انْقِضاءَ لَها (p-١٩٣)وارْتَكَبُوا مِن لَذَّةٍ قَلِيلَةٍ أعَقَبَتْهم بُؤْسًا لا آخِرَ لَهُ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبَيَّنَ سُبْحانِهِ بِقِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ القَوْلَ بِواسِطَةِ بَعْضِ عِبادِهِ الَّذِينَ أقامَهم لِتَعْذِيبِهِمْ إعْراضًا عَنْهم تَحْقِيقًا لِما أشارَ إلَيْهِ ﴿ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] فَقالَ: ”قُلْ“ أيْ يا مَن أقَمْناهُ لِلِانْتِقامِ مِمَّنْ أرَدْنا أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ غَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا عَلى ما يَرَوْنَ مِن قِصَرِ مُدَّتِها ولَعِبِها بِأهْلِها فَكَفَرُوا بِنا واسْتَهْزَؤُوا بِعِبادِنا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ﴾ عَلى تِلْكَ الحالِ الَّتِي كُنْتُمْ تُعِدُّونَها فَوْزًا ﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ أنْتُمْ فِيها ظافِرُونَ ولِأعْدائِكم قاهِرُونَ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِما مِنهُ الإسْناتُ الَّذِي مَعْناهُ القَحْطُ إشارَةً إلى أنَّ أيّامَ الدُّنْيا ضَيِّقَةٌ حَرِجَةٌ وإنْ كانَ فِيها سَعَةٌ، ولا سِيَّما لِلْكَفَرَةِ بِكُفْرِهِمْ وخُبْثِهِمْ ومَكْرِهِمُ الَّذِي جَرَّهم إلى أضْيَقِ الضِّيقِ وأسْوَأِ العَيْشِ.
المؤمنون 23:113
﴿قالُوا﴾ اسْتِقْصارًا لَهُ في جَنْبِ ما رَأوْا مِنَ العَذابِ واسْتِنْقاذًا لِأنْفُسِهِمْ ظَنًّا أنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في النّارِ تَكُونُ بِمِقْدارِ مُكْثِهِمْ في الدُّنْيا: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا﴾ ولَعَلَّهم ذَكَرُوا العامِلَ تَلَذُّذًا بِطُولِ الخِطابِ، أوْ تَصْرِيحًا بِالمُرادِ دَفْعًا لِلَّبْسِ والِارْتِيابِ، ثُمَّ زادُوا في التَّقْلِيلِ فَقالُوا: ﴿أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾
ولَمّا كانَ المَكْرَةُ في الدُّنْيا إذا أرادُوا تَمْشِيَةَ كَذِبِهِمْ قالُوا لِمَن (p-١٩٤)أخْبَرُوهُ فَتَوَقَّفَ في خَبَرِهِمْ: سَلْ فُلانًا، إيثاقًا بِإخْبارِهِمْ، وسِتْرًا لِعَوارِهِمْ، جَرَوْا عَلى ذَلِكَ تَمادِيًا مِنهم في الجَهْلِ بِالعَلِيمِ القَدِيرِ في قَوْلِهِمْ: ﴿فاسْألِ﴾ أيْ لِتَعْلَمَ صِدْقَ خَبَرِنا أوْ بِسَبَبِ تَرَدُّدِنا في العِلْمِ بِحَقِيقَةِ الحالِ لِتَحْرِيرِ حَقِيقَةِ المُدَّةِ ﴿العادِّينَ﴾ ويُحْتَمَلُ أيْضًا قَصْدَ التَّرْقِيقِ عَلَيْهِمْ بِالإشارَةِ إلى أنَّ ما هم فِيهِ مِنَ العَذابِ شاغِلٌ لَهم عَنْ أنْ يَتَصَوَّرُوا شَيْئًا حاضِرًا مَحْسُوسًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ماضِيًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ فِكْرِيًّا، فَكَيْفَ إنْ كانَ حِسابًا.
المؤمنون 23:114
ولَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لا يَنْفَعُهم لِأنَّ الجَزاءَ بِالعَذابِ عَلى عَزْمِهِمْ عَلى التَّمادِي في العِنادِ عَلى مَرِّ الآبادِ، المُصَدِّقُ مِنهم بِالِانْهِماكِ في الفَسادِ، أجابَهم إلى قَصْدِهِمْ في عَدِّهِمْ بِعِبارَةٍ صالِحَةٍ صادِقَةٍ عَلى مُدَّةِ لُبْثِهِمْ طالَ أوْ قَصُرَ، بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِمَن تَشَوَّفَ إلى مَعْرِفَةِ جَوابِهِمْ: ﴿قالَ﴾ أيِ اللَّهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وبَيَّنَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ أنَّ إسْنادَ القَوْلِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مَجازٌ عَنْ قَوْلِ بَعْضِ عِبادِهِ العُظَماءِ فَقالَ عَلى طَرِيقِ الأوَّلِ: ”قُلْ“ أيْ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ وقَعَ الإعْراضُ عَنْهم ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿لَبِثْتُمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا (p-١٩٥)﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ هو مِنَ القِلَّةِ بِحَيْثُ لا يُسَمّى بَلْ هو عَدَمٌ ﴿لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يَعْلَمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لِما آثَرْتُمُ الفانِيَ عَلى الباقِي، ولَأقْبَلْتُمْ عَلى ما يَنْفَعُكُمْ، وتَرَكْتُمُ الخَلاعَةَ الَّتِي لا يَرْضاها عاقِلٌ، ولا يَكُونُ عَلى تَقْدِيرِ الرِّضا بِفِعْلِها إلّا بَعْدَ الفَراغِ مِنَ المُهِمِّ، ولَكِنَّكم كُنْتُمْ في عِدادِ البَهائِمِ، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمُ الوارِثُونَ عَلى الشُّكْرِ عَلى ما مَنَحَهم مِنَ السُّرُورِ بِإهْلاكِ أعْدائِهِمْ وإيراثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهُمْ، مَعَ إعْزازِهِمْ والبَرَكَةِ في أعْمارِهِمْ، بَعْدَ إراحَتِهِمْ مِنهم في الدُّنْيا، ثُمَّ بِإدامَةِ سَعادَتِهِمْ في الآخِرَةِ وشَقاوَةِ أعْدائِهِمْ.
المؤمنون 23:115
ولَمّا كانَ حالُهم في ظَنِّهِمْ أنْ لا بَعْثَ، حَتّى اشْتَغَلُوا بِالفَرَحِ، والبَطَرِ والمَرَحِ، والِاسْتِهْزاءِ بِأهْلِ اللَّهِ، حالَ مَن يَظُنُّ العَبَثَ عَلى اللَّهِ المَلِكِ الحَقِّ المُبِينِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون: ١١٠] إنْكارَهُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مُقَدَّرٍ نَحْوُ: أحَسِبْتُمْ أنّا نُهْمِلُكم فَلا نُنْصِفُ مَظْلُومَكم مِن ظالِمِكُمْ، فَحَسِبْتُمْ ﴿أنَّما خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَبَثًا﴾ أيْ عابِثِينَ أوْ لِلْعَبَثِ مِنّا أوْ مِنكُمْ، لا لِحِكْمَةِ إظْهارِ العَدْلِ والفَضْلِ، حَتّى اشْتَغَلْتُمْ بِظُلْمِ أنْفُسِكم وغَيْرِكُمْ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والعَبَثُ: (p-١٩٦)اللُّبُّ الخالِي عَنْ فائِدَةٍ.
﴿وأنَّكُمْ﴾ أيْ وحَسِبْتُمْ أنَّكم ﴿إلَيْنا﴾ أيْ خاصَّةً ﴿لا تُرْجَعُونَ﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِإظْهارِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ في الفَصْلِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في تَفْسِيرِهِ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في الجُزْءِ الرّابِعِ والعِشْرِينَ مِن مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ رَقى رَجُلًا مُصابًا بِهَذِهِ الآيَةِ إلى آخِرِ السُّورَةِ في أُذُنَيْهِ فَبَرَأ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لَوْ أنَّ رَجُلًا مُوقِنًا قَرَأ بِها عَلى جَبَلٍ لَزالَ“» وفي سَنَدِهِما ابْنُ لَهِيعَةَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورَوى أبُو نَعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ بْنِ الحارِثِ عَنْ أبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَرِيَّةٍ وأمَرَنا أنْ نَقُولَ إذا أمْسَيْنا وأصْبَحْنا ﴿أفَحَسِبْتُمْ﴾ - الآيَةَ، قالَ: فَقَرَأْناها فَغَنِمْنا وسَلِمْنا» .
المؤمنون 23:116
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما حَسِبْتُمْ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَعالى اللَّهُ﴾ أيْ عَلا الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ عُلُوًّا كَبِيرًا عَنِ العَبَثِ؛ ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُنافِي العَبَثَ فَقالَ: ﴿المَلِكُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ عِلْمًا وقُدْرَةً وسِياسَةً، وحِفْظًا ورِعايَةً.
ولَمّا كانَ بَعْضُ مُلُوكِ الدُّنْيا قَدْ يَفْعَلُ ما يُنافِي شِيَمَ المُلُوكِ مِنَ العَبَثِ بِما فِيهِ مِنَ الباطِلِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَةٍ تُنَزِّهُهُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿الحَقُّ﴾ (p-١٩٧)أيِ الَّذِي لا تَطَرُّقَ لِلْباطِلِ إلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذاتِهِ ولا صِفاتِهِ، فَلا زَوالَ لَهُ ولا لِمُلْكِهِ فَأنّى يَأْتِيهِ العَبَثُ.
ولَمّا كانَ الحَقُّ مِن حَيْثُ هو قَدْ يَكُونُ لَهُ ثانٍ. نَفى ذَلِكَ في حَقِّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَلا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ أصْلًا في ذاتٍ ولا صِفَةٍ، ومَن يَكُونُ كَذَلِكَ يَكُونُ حائِزًا لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ، وخِلالِ الجَلالِ والجَمالِ، مُتَعالِيًا عَنْ سِماتِ النَّقْصِ، والعَبَثِ مِن أدْنى صِفاتِ النَّقْصِ، لِخُلُوِّهِ عَنِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي أساسُ الكَمالِ؛ ثُمَّ زادَ في التَّعْيِينِ والتَّأْكِيدِ لِلتَّفَرُّدِ بِوَصْفِهِ بِصِفَةٍ لا يَدَّعِيها غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿رَبُّ العَرْشِ﴾ أيِ السَّرِيرُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ الكائِناتِ، العالِي عَلَيْها عُلُوًّا لا يُدانِيهِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ وصَفَ العَرْشَ لِأنَّهُ في سِياقِ الحُكْمِ بِالعَدْلِ والتَّنَزُّهِ عَنِ العَبَثِ بِخِلافِ سِياقِ بَراءَةٍ والنَّمْلِ فَإنَّهُ لِلْقَهْرِ والجَبَرُوتِ بِقَوْلِهِ: ﴿الكَرِيمِ﴾ أيِ الَّذِي تَنْزِلُ مِنهُ الخَيْراتُ الحاصِلَةُ لِلْعِبادِ، مَعَ شَرَفِ جَوْهَرِهِ، وعَلى رُتْبَتِهِ، ومَدْحِهِ أبْلَغَ مَدْحٍ لِصاحِبِهِ، والكَرِيمُ مِن سَتَرَ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها وتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ دَناءَةٍ؛ قالَ القَزّازُ: وأصْلُ الكَرَمِ في اللُّغَةِ الفَضْلُ والرِّفْعَةُ.
المؤمنون 23:117
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن دَعا اللَّهَ وحْدَهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ الوارِثُونَ في الدّارَيْنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي كُفُؤَ لَهُ لِإحاطَتِهِ بِجَمِيعِ صِفاتِ (p-١٩٨)الكَمالِ ﴿إلَهًا﴾ ولَمّا كانُوا لِتَعَنُّتِهِمْ يَنْسُبُونَ الدّاعِيَ لَهُ سُبْحانَهُ بِاسْمَيْنِ أوْ أكْثَرَ إلى الشِّرْكِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ ثُمَّ أيْقَظَ مِن سِنَةِ الغَفْلَةِ، ونَبَّهَ عَلى الِاجْتِهادِ والنَّظَرِ في أيّامِ المُهْلَةِ، بِقَوْلٍ لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أنْصَفَ فَقالَ: ﴿لا بُرْهانَ لَهُ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ ما يُسَمّى بُرْهانًا ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ الكافِيَةِ، عَبَّرَ بِالباءِ سُلُوكًا لِغايَةِ الإنْصافِ دُونَ ”عَلى“ المُفْهِمَةِ لِلِاسْتِعْلاءِ بِغايَةِ البَيانِ فَقالَ: ﴿بِهِ﴾ أيْ بِسَبَبِ دُعائِهِ فَإنَّهُ إذا اجْتَهَدَ في إقامَةِ بُرْهانٍ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ، بَلْ وجَدَ البَراهِينَ كُلَّها قائِمَةً عَلى نَفْيِ ذَلِكَ، داعِيَةً إلى الفَلاحِ بِاعْتِقادِ التَّوْحِيدِ والصَّلاحِ، هَذا المُرادُ، لا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَقُومَ عَلى شَيْءِ غَيْرِهِ بُرْهانٌ ﴿فَإنَّما حِسابُهُ﴾ أيْ جَزاؤُهُ الَّذِي لا تُمْكِنُ زِيادَتُهُ ولا نَقْصُهُ ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي رَبّاهُ، ولَمْ يُرَبِّهِ أحَدٌ سِواهُ، وغَمَرَهُ بِالإحْسانِ، ولَمْ يُحْسِنْ إلَيْهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، الَّذِي هو أعْلَمُ بِسَرِيرَتِهِ وعَلانِيَتِهِ مِنهُ نَفْسِهِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ.
ولَمّا أفْهَمَ كَوْنَ حِسابِهِ عِنْدَ هَذا المُحْسِنِ أحَدَ أمْرَيْنِ: إمّا الصَّفْحُ بِدَوامِ الإحْسانِ، وإمّا الخُسْرانُ بِسَبَبِ الكُفْرانِ، قالَ عَلى طَرِيقِ الجَوابِ لِمَن يَسْألُ عَنْ ذَلِكَ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ ووَضَعَ ﴿الكافِرُونَ﴾ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَنْبِيهًا عَلى كُفْرِهِ وتَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ، فَصارَ أوَّلُ السُّورَةِ (p-١٩٩)وآخِرُها مُفْهِمًا لِأنَّ الفَلاحَ مُخْتَصٌّ بِهِ المُؤْمِنُونَ.
المؤمنون 23:118
ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، أمَرَ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِالِاجْتِهادِ في إنْقاذِ عِبادِهِ حَتّى بِالدُّعاءِ لِلَّهِ في إصْلاحِهِمْ لِيَكُونَ الخَتْمُ بِالرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَما كانَ الِافْتِتاحُ بِفَلاحِهِمْ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦] فَإنَّهُ لا إحْسانَ أحْسَنُ مِنَ الغُفْرانِ، أوْ عَلى مَعْنى ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [المؤمنون: ١١٢] الَّذِي بَيَّنَتْهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالأمْرِ: ﴿وقُلْ﴾، أوْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَأخْلِصِ العِبادَةَ لَهُ ﴿وقُلْ﴾ لِأجْلِ أنَّ أحَدًا لا يُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ: ﴿رَبِّ﴾ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿اغْفِرْ وارْحَمْ﴾ أيْ أكْثَرْ مِن تَعْلِيقِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ في أُمَّتِي لِتَكَثُّرِها، فَإنَّ في ذَلِكَ شَرَفًا لِي ولَهُمْ، فَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّاحِمِينَ﴾ فَمِن رَحْمَتِهِ أفْلَحَ بِما تُوَفِّقُهُ لَهُ مِنِ امْتِثالِ ما أشَرْتُ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، فَكانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَكانَ مِنَ الوارِثِينَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ، فَقَدِ انْطَبَقَ عَلى الأوَّلِ هَذا الآخِرُ بِفَوْزِ كُلِّ مُؤْمِنٍ، وخَيْبَةِ كُلِّ كافِرٍ، نَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَكُونَ لَنا أرْحَمَ راحِمٍ وخَيْرَ غافِرٍ، إنَّهُ المُتَوَلِّي لِلسَّرائِرِ، والمَرْجُوُّ لِإصْلاحِ الضَّمائِرِ - آمِينَ.