Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — السجدة 32:1 – الأحزاب 33:73

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. السجدة 32:1
  2. السجدة 32:2
  3. السجدة 32:3
  4. السجدة 32:4
  5. السجدة 32:5
  6. السجدة 32:6
  7. السجدة 32:7
  8. السجدة 32:8
  9. السجدة 32:9
  10. السجدة 32:10
  11. السجدة 32:11
  12. السجدة 32:12
  13. السجدة 32:13
  14. السجدة 32:14
  15. السجدة 32:15
  16. السجدة 32:16
  17. السجدة 32:17
  18. السجدة 32:18
  19. السجدة 32:19
  20. السجدة 32:20
  21. السجدة 32:21
  22. السجدة 32:22
  23. السجدة 32:23
  24. السجدة 32:24
  25. السجدة 32:25
  26. السجدة 32:26
  27. السجدة 32:27
  28. السجدة 32:28
  29. السجدة 32:29
  30. السجدة 32:30
  31. الأحزاب 33:1
  32. الأحزاب 33:2
  33. الأحزاب 33:3
  34. الأحزاب 33:4
  35. الأحزاب 33:5
  36. الأحزاب 33:6
  37. الأحزاب 33:7
  38. الأحزاب 33:8
  39. الأحزاب 33:9
  40. الأحزاب 33:10
  41. الأحزاب 33:11
  42. الأحزاب 33:12
  43. الأحزاب 33:13
  44. الأحزاب 33:14
  45. الأحزاب 33:15
  46. الأحزاب 33:16
  47. الأحزاب 33:17
  48. الأحزاب 33:18
  49. الأحزاب 33:19
  50. الأحزاب 33:20
  51. الأحزاب 33:21
  52. الأحزاب 33:22
  53. الأحزاب 33:23
  54. الأحزاب 33:24
  55. الأحزاب 33:25
  56. الأحزاب 33:26
  57. الأحزاب 33:27
  58. الأحزاب 33:28
  59. الأحزاب 33:29
  60. الأحزاب 33:30
  61. الأحزاب 33:31
  62. الأحزاب 33:32
  63. الأحزاب 33:33
  64. الأحزاب 33:34
  65. الأحزاب 33:35
  66. الأحزاب 33:36
  67. الأحزاب 33:37
  68. الأحزاب 33:38
  69. الأحزاب 33:39
  70. الأحزاب 33:40
  71. الأحزاب 33:41
  72. الأحزاب 33:42
  73. الأحزاب 33:43
  74. الأحزاب 33:44
  75. الأحزاب 33:45
  76. الأحزاب 33:46
  77. الأحزاب 33:47
  78. الأحزاب 33:48
  79. الأحزاب 33:49
  80. الأحزاب 33:50
  81. الأحزاب 33:51
  82. الأحزاب 33:52
  83. الأحزاب 33:53
  84. الأحزاب 33:54
  85. الأحزاب 33:55
  86. الأحزاب 33:56
  87. الأحزاب 33:57
  88. الأحزاب 33:58
  89. الأحزاب 33:59
  90. الأحزاب 33:60
  91. الأحزاب 33:61
  92. الأحزاب 33:62
  93. الأحزاب 33:63
  94. الأحزاب 33:64
  95. الأحزاب 33:65
  96. الأحزاب 33:66
  97. الأحزاب 33:67
  98. الأحزاب 33:68
  99. الأحزاب 33:69
  100. الأحزاب 33:70
  101. الأحزاب 33:71
  102. الأحزاب 33:72
  103. الأحزاب 33:73

السجدة 32:1

(p-٢٢٢)سُورَةُ آلَمَ السَّجْدَةِ مَقْصُودُها إنْذارُ الكُفّارِ بِهَذا الكِتابِ السّارِّ لِلْأبْرارِ بِدُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ النّارِ، واسْمُها السَّجْدَةُ مُنْطَبِقٌ عَلى ذَلِكَ بِما دَعَتْ إلَيْهِ [آيَتُها] مِنَ الإخْباتِ وتَرْكِ الِاسْتِكْبارِ، و[كَذا] تَسْمِيَتُها بِآلَمْ تَنْزِيلُ فَإنَّهُ مُشِيرٌ إلى تَأمُّلِ جَمِيعِ السُّورَةِ، فَهو في غايَةِ الوُضُوحِ في هَذا المَقْصُودِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ العَزِيزِ الغَفّارِ ”الرَّحْمَنِ“ بِعُمُومِ الشّارَةِ والنِّذارَةِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي أسْكَنَ في قُلُوبِ أحْبابِهِ الشَّوْقَ إلَيْهِ والخُشُوعَ بَيْنَ يَدَيْهِ ﴿الم﴾ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ وغَيْرِها شَيْءٌ مِن أسْرارِ هَذِهِ الأحْرُفِ، ومِمّا لَمْ يَسْبِقْ أنَّها إشارَةٌ إلى أنَّ اللَّهَ المُحِيطَ في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وكُلِّ شَأْنِهِ أرْسَلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى مُحَمَّدٍ الفاتِحِ الخاتَمِ ﷺ بِكِتابٍ مُعْجِزٍ دالٍّ بِإعْجازِهِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، ووَحْدانِيَّةِ مَن أرْسَلَهُ، وعَدْلِهِ في العاصِينَ، وفَضْلِهِ عَلى المُطِيعِينَ، وسَرَدَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأحْرُفَ في أوائِلِ أرْبَعٍ مِن هَذِهِ السُّوَرِ، فَزادَتْ عَلى الطَّواسِينَ بِواحِدَةٍ، وذَلِكَ بِقَدْرِ العَدَدِ الَّذِي يُؤَكَّدُ بِهِ، وزِيادَةُ مَبْدَأِ العَدَدِ إشارَةً إلى أنَّ التَّكْرِيرَ لَمْ يُرَدْ بِهِ مُطْلَقُ التَّأْكِيدِ، بَلْ دَوامُ التَّكْرِيرِ، (p-٢٢٣)إشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ المَعانِيَ يَفِي غايَةَ الثَّباتِ لا انْقِطاعَ لَها. واللَّهُ الهادِي.

السجدة 32:2

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ في الَّتِي قَبْلَها إثْباتَ الحِكْمَةِ لِمُنْزِلِ هَذا الكِتابِ الَّذِي هو بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ المَلْزُومِ لِتَمامِ العِلْمِ وكَمالِ الخِبْرَةِ الَّذِي خُتِمَتْ بِهِ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ مُخْتَصٌّ بِعِلْمِ المَفاتِيحِ بَعْدَ أنْ أنْذَرَ بِأمْرِ السّاعَةِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ وما قَبْلَهُ أنَّهُ ما أثْبَتَ شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ عَلى نَفْيِهِ، ولا نَفى شَيْئًا فَقَدَرَ غَيْرُهُ عَلى إثْباتِهِ ولا إثْباتِ شَيْءٍ مِنهُ، كانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ دَقِيقِها وجَلِيلِها إلّا يَعْلَمُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأجَلُّ ذَلِكَ إنْزالًا هَذا الذِّكْرُ الحَكِيمُ الَّذِي فِيهِ إثْباتُ هَذِهِ العُلُومِ مَعَ شَهادَةِ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ لَهُ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ قالَ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعِ لِكُلِّ هُدًى عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ التَّدْرِيجِ مِنَ السَّماءِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ يَفِي كَوْنُهُ مِنَ السَّماءِ لِأنَّ نافِيَ الرَّيْبِ ومُمِيطَهُ وهو الإعْجازُ مَعَهُ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ، فَكُلُّ ما يَقُولُونَهُ مِمّا يُخالِفُ ذَلِكَ تَعَنُّتٌ أوْ جَهْلٌ مِن غَيْرِ رَيْبٍ، حالَ كَوْنِهِ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيِ الخالِقِ لَهُمُ المُدَبِّرُ لِمَصالِحِهِمْ، فَلا يَجُوزُ في عَقْلٍ ولا يَخْطُرُ في بالٍ ولا يَقَعُ في وهْمٍ ولا يُتَصَوَّرُ في خَيالٍ [أنَّهُ يَتْرُكُ خَلْقَهُ وهو المُدَبِّرُ الحَكِيمُ (p-٢٢٤)مِن غَيْرِ كِتابٍ يَكُونُ سَبَبَ إبْقائِهِمْ أوْ] أنْ يَصِلَ شَيْءٌ مِن كِتابِهِ إلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِغَيْرِ أمْرِهِ، فَلا يُتَخَيَّلُ أنَّ شَيْئًا مِنهُ لَيْسَ بِقَوْلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يَتَخَيَّلُ أنَّهُ كَلامُهُ تَعالى ولَكِنَّهُ أخَذَهُ مِن بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ هَذا لا يُفْعَلُ مَعَ مَلَكٍ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ، فَكَيْفَ بِمَن هو عالِمٌ بِالسِّرِّ والجَهْرِ، مُحِيطٍ عِلْمُهُ بِالخَفِيِّ والجَلِيِّ، فَلَوِ ادَّعى عَلَيْهِ أحَدٌ ما لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ لَما أيَّدَهُ بِالمُعْجِزاتِ. ولَمّا أقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ المُدَدِ المُتَطاوِلاتِ، ولا سِيَّما إعْجازُ كُلِّ ما يَنْسِبُهُ إلَيْهِ بِالمُعْجِزاتِ، ويَدَّعِيهِ عَلَيْهِ، وهَذا غايَةُ ما في آلِ عِمْرانَ كَما كانَ أوَّلُ لُقْمانَ غايَةَ أوَّلِ القُرْآنِ المُطْلِقِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْطَوَتْ سُورَةُ الرُّومِ عَلى ما قَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ بِعَجائِبِ ما أوْدَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في عالَمِ السَّماواتِ والأرْضِ، وعَلى ذِكْرِ الفِطْرَةِ، ثُمَّ أُتْبِعَتْ بِسُورَةِ لُقْمانَ تَعْرِيفًا بِأنَّ مَجْمُوعَ تِلْكَ الشَّواهِدِ مِن آياتِ الكِتابِ وشَواهِدِهِ ودَلائِلِهِ، وأنَّهُ قَدْ هَدى مَن شاءَ إلى سَبِيلِ الفِطْرَةِ وإنْ لَمْ يَمْتَحِنْهُ بِما امْتَحَنَ بِهِ كَثِيرًا مِمَّنْ ذَكَرَ، فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ ودُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ، وتَكَرَّرَتْ عَلَيْهِ الإنْذاراتُ فَلَمْ يُصْغِ [لَها،] لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الهُدى والضَّلالِ واقِعٌ بِمَشِيئَتِهِ وسابِقِ إرادَتِهِ، وأتْبَعَ سُبْحانَهُ (p-٢٢٥)ذَلِكَ بِما يُنَبِّهُ المُعْتَبِرَ عَلى صِحَّتِهِ فَقالَ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] فَأعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الخَلاصَ والسَّعادَةَ في الِاسْتِسْلامِ لَهُ ولِما يَقَعُ مِن أحْكامِهِ، وعَزّى نَبِيَّهُ ﷺ وصَبَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ [لقمان: ٢٣] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى لَجَأ الكُلِّ قَهْرًا ورُجُوعًا يُحاكِمُ اضْطِرارَهم لِوُضُوحِ الأمْرِ إلَيْهِ تَعالى فَقالَ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ثَمَّ وعَظَ تَعالى الكُلَّ بِقَوْلِهِ ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] أيْ إنَّ ذَلِكَ لا يَشُقُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا يَصْعُبُ، والقَلِيلُ والكَثِيرُ سَواءٌ، ثُمَّ نَبَّهَ بِما يُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ والنَّهارِ في اللَّيْلِ وجَرَيانِ الفُلْكِ بِنِعْمَتِهِ ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠] ثُمَّ أكَّدَ ما تَقَدَّمَ مِن رُجُوعِهِمْ في الشَّدائِدِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] فَإذا خَلَّصَهم سُبْحانَهُ وتَعالى ونَجّاهم عادُوا إلى سَيِّئِ أحْوالِهِمْ، هَذا وقَدْ عايَنُوا رِفْقَهُ بِهِمْ وأخْذَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ بِأيْدِيهِمْ وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومُسَخِّرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَلِكَ شاهِدٌ مِن حالِهِمْ بِجَرَيانِهِمْ عَلى [ما] قَدَّرَ لَهم ووُقُوفَهم عِنْدَ حُدُودِ السَّوابِقِ ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [لقمان: ٢٢] ثُمَّ عَطَفَ سُبْحانَهُ عَلى الجَمِيعِ فَدَعاهم إلى تَقْواهُ، وحَذَّرَهم يَوْمَ المَعادِ وشِدَّتَهُ، وحَذَّرَهم مِنَ الِاغْتِرارِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِعِلْمِ السّاعَةِ، (p-٢٢٦)وإنْزالِ الغَيْثِ، وعِلْمِ ما في الأرْحامِ، وما يَقَعُ مِنَ المُكْتَسِباتِ، وحَيْثُ يَمُوتُ كُلٌّ مِنَ المَخَلُوقاتِ، فَلَمّا كانَتْ سُورَةُ لُقْمانَ - بِما بَيَّنَ مَن مُضَمَّنِها - مُحْتَوِيَةً مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْرِيكِ عَلى ما ذَكَرَ، ومُعْلِمَةً بِانْفِرادِهِ سُبْحانَهُ بِخَلْقِ الكُلِّ ومِلْكِهِمْ، اتَّبَعَها تَعالى بِما يَحْكُمُ بِتَسْجِيلِ صِحَّةِ الكِتابِ، وأنَّهُ مِن عِنْدِهِ وأنَّ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ والبَراهِينِ يَرْفَعُ كُلَّ رَيْبٍ، ويُزِيلُ كُلَّ شَكٍّ، فَقالَ ﴿الم﴾ [لقمان: ١] ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ [السجدة: ٣] أيْ أيَقَعُ مِنهم هَذا بَعْدَ وُضُوحِهِ وجَلاءِ شَواهِدِهِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: [ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] وهو تَمامٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٢] ولِقَوْلِهِ:] ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ولِقَوْلِهِ: ﴿وإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان: ٣٢] ولِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [لقمان: ٣٣] ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] بِما ذَكَّرْتُمْ، ألا تَرَوْنَ أمْرَ لُقْمانَ وهِدايَتَهُ بِمُجَرَّدِ دَلِيلِ فِطْرَتِهِ، فَما لَكَمَ بَعْدَ التَّذْكِيرِ وتَقْرِيعِ الزَّواجِرِ وتَرادُفِ الدَّلائِلِ وتَعاقُبِ الآياتِ تَتَوَقَّفُونَ عَنِ السُّلُوكِ إلى رَبِّكم وقَدْ أقْرَرْتُمْ بِأنَّهُ خالِقُكُمْ، ولَجَأْتُمْ إلَيْهِ عِنْدَ احْتِياجِكُمْ؟ ثُمَّ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ بِرُجُوعِ مَن عانَدَ وإجابَتِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ رُجُوعٌ، ولا تُغْنِي عَنْهُ إجابَةٌ، فَقالَ: ﴿ولَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] (p-٢٢٧)ثُمَّ أعْلَمَ سُبْحانَهُ أنَّ الواقِعَ مِنهُمُ إنَّما هو بِإرادَتِهِ وسابِقٍ مِن حِكْمَةٍ لِيَأْخُذَ المُوَفَّقُ المُوقِنُ نَفْسَهُ بِالتَّسْلِيمِ فَقالَ: ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] كَما فَعَلْنا بِلُقْمانَ ومَن أرَدْنا تَوْفِيقَهُ، ثُمَّ ذَكَرَ انْقِسامَهم بِحَسَبِ السَّوابِقِ فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨] ثُمَّ ذَكَرَ مَصِيرَ الفَرِيقَيْنِ ومَآلَ الحِزْبَيْنِ، ثُمَّ أتْبَعَ [ذَلِكَ] بِسُوءِ حالِ مِن ذُكِّرَ فَأعْرَضَ فَقالَ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] وتَعَلَّقَ الكَلامُ إلى آخَرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

السجدة 32:3

ولَمّا كانَ [هَذا] الَّذِي قَدَّمَهُ أوَّلَ السُّورَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ بُرْهانًا ساطِعًا ودَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّ [هَذا] الكِتابَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، كانَ - كَما حَكاهُ البَغْوِيُّ والرّازِي في اللَّوامِعِ - كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ آمَنُوا بِهِ؟ ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ مَعَ ذَلِكَ الَّذِي لا يَمْتَرِئُ فِيهِ عاقِلٌ ﴿افْتَراهُ﴾ أيْ تَعَمَّدَ كَذِبَهُ. ولَمّا كانَ الجَوابُ: إنَّهم لَيَقُولُونَ: افْتَراهُ، وكانَ جَوابُهُ: لَيْسَ هو مُفْتَرًى لِما هو مُقارِنٌ لَهُ مِنَ الإعْجازِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ﴾ أيِ الثّابِتُ ثَباتًا لا يُضاهِيهِ ثَباتُ شَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ قَبْلَهُ، كائِنًا ﴿مِن رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ وإحْكامِهِ، وخَصَّهُ بِالخِطابِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ (p-٢٢٨)حَقِيقَتَهُ حَقَّ الفَهْمِ سِواهُ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ إحْسانَهُ إلَيْهِ ﷺ صَرِيحًا، أشارَ بِتَعْلِيلِهِ إلى إحْسانِهِ [بِهِ] أيْضًا إلى كافَّةِ العَرَبِ، فَقالَ مُفْرِدًا النِّذارَةَ لِأنَّ المَقامَ لَهُ بِمُقْتَضى خَتْمِ لُقْمانَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ وجَلَدٍ ومَنَعَةٍ وصَلاحِيَةٍ لِلْقِيامِ بِما أمَرَهم بِهِ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ رَسُولٍ في هَذِهِ الأزْمانِ القَرِيبَةِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المُرادَ الفَتْرَةُ، ويُؤَيِّدُهُ إثْباتُ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ [أيْ بِالفِعْلِ] شاهَدُوهُ أوْ شاهَدَهُ آباؤُهم. وإمّا بِالمَعْنى والقُوَّةِ فَقَدْ كانَ فِيهِمْ دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لِحَيٍّ، وكُلُّهم كانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ وأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَعْبُدْ صَنَمًا ولا اسْتَقْسَمَ بِالأزْلامِ، وذَلِكَ كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] أيْ شَرِيعَتِهِ ودِينِهِ، والنَّذِيرُ لَيْسَ مَخْصُوصًا بِمَن باشَرَ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ أبُو حَيّانَ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: ما أتاهم مَن يُنْذِرُهم عَلى خُصُوصِ ما غَيَّرُوا مِن دِينِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأمّا إسْماعِيلُ ابْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَكانَ بَشِيرًا لا نَذِيرًا، لِأنَّهم ما خالَفُوهُ، وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ومُقاتِلٍ أنَّ ذَلِكَ (p-٢٢٩)فِي الفَتْرَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّهُ قَدْ نَقَلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرْسَلَ رُسُلَهُ إلى الآفاقِ أرْسَلَ إلى العَرَبِ رَسُولًا. ولَمّا ذَكَرَ عِلَّةَ الإنْزالِ، أتْبَعَها عِلَّةَ الإنْذارِ فَقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم في مَجارِي العاداتِ حالَ مَن تُرْجى هِدايَتُهُ إلى كَمالِ الشَّرِيعَةِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فَلا عُذْرَ لِأحَدٍ فِيهِ بِما أقامَهُ اللَّهُ مِن حُجَّةِ العَقْلِ مَعَ ما أبْقَتْهُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ آدَمُ فَمَن بَعْدَهُ مِن واضِحِ النَّقْلِ بِآثارِ دَعَواتِهِمْ وبَقايا دَلالاتِهِمْ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن سَألَهُ عَنْ أبِيهِ: «أبِي وأبُوكَ في النّارِ» وقالَ: «لا تَفْتَخِرُوا بِآبائِكُمُ الَّذِينَ مَضَوْا في الجاهِلِيَّةِ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَما تَدَحْرَجَ الجُعْلُ خَيْرٌ مِنهُمْ» في غَيْرِ هَذا مِنَ الأخْبارِ القاضِيَةِ بِأنَّ كُلَّ مَن ماتَ قَبْلَ دَعْوَتِهِ عَلى الشِّرْكِ فَهو لِلنّارِ.

السجدة 32:4

ولَمّا تَقَرَّرَ بِما سَبَقَ في الَّتِي قَبْلَها مِنِ اتِّصافِهِ تَعالى بِكَمالِ العِلْمِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ وبِعِلْمِهِ لا مَحالَةَ، وكانَ هَذا أمْرًا يَهْتَمُّ بِشَأْنِهِ ويَعْتَنِي بِأمْرِهِ، لِأنَّهُ عُيِّنَ المَقْصُودُ [الَّذِي] يَنْبَنِي عَلَيْهِ أمْرُ الدِّينِ، وخَتَمَ ما ذَكَرَهُ مِن أمْرِهِ هَهُنا بِإقامَةِ اهْتِدائِهِمْ مَقامَ التَّرَجِّي بِإنْذارِهِ ﷺ، (p-٢٣٠)أتْبَعَهُ بَيانَ ذَلِكَ بِإيجادِ عالَمِ الأشْباحِ والخَلْقِ ثُمَّ عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، وإحاطَةِ العِلْمِ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ يَقُودُ تَأمُّلَهُ إلى الهُدى، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا شارِحًا لِأمْرٍ يَنْدَرِجُ فِيهِ إنْزالُهُ مُعَبِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ الإيجادِ والتَّدْبِيرِ عَلى وجْهِ الِانْفِرادِ لَهُ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ﴾ كُلَّها ﴿والأرْضَ﴾ بِأسْرِها ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَنافِعِ العَيْنِيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدّارُ مَبْنِيَّةً عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في لُقْمانَ، وكانَ الشَّيْءُ إذا عَمِلَ بِالتَّدَرُّجِ كانَ [أتْقَنَ]، قالَ: ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ كَما يَأْتِي تَفْصِيلَهُ في فُصِّلَتْ، وقَدْ كانَ قادِرًا عَلى فِعْلِ ذَلِكَ في أقَلَّ مِن لَمْحِ البَصَرِ، [ويَأْتِي في فُصِّلَتْ سِرُّ كَوْنِ المُدَّةِ سِتَّةً.] ولَمّا كانَ تَدْبِيرُ هَذِهِ وحِفْظُهُ وتَعَهُّدُ مَصالِحِهِ والقِيامُ بِأمْرِهِ أمْرًا - بَعْدَ أمْرِ إيجادِهِ - باهِرًا، أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ التَّراخِي [والتَّعْبِيرُ بِالِافْتِعالِ] فَقالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ أيْ [اسْتِواءً لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ وهو أنَّهُ] أخَذَ في [تَدْبِيرِهِ و] تَدْبِيرِ [ما حَواهُ] بِنَفْسِهِ، لا شَرِيكَ لَهُ ولا نائِبَ عَنْهُ ولا وزِيرَ، كَما تَعْهَدُونَ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا إذا اتَّسَعَتْ مَمالِكُهُمْ، وتَباعَدَتْ أطْرافُها، وتَناءَتْ أقْطارُها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: العَرْشُ بَعِيدٌ عَنّا جِدًّا فَمَنِ اسْتَنابَهُ في أمْرِنا، ولِذَلِكَ [لَفَتَ] الكَلامَ إلى الخِطابِ لِأنَّهُ أقْعَدُ (p-٢٣١)فِي التَّنْبِيهِ: ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ﴾ لِأنَّهُ كُلُّ ما سِواهُ مِن دُونِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ، ودَلَّ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن ولِيٍّ﴾ أيْ يَلِي أُمُورَكم ويَقُومُ بِمَصالِحِكم ويَنْصُرُكم إذا حَلَّ بِكم شَيْءٌ مِمّا تُنْذِرُونَ بِهِ ﴿ولا شَفِيعٍ﴾ يَشْفَعُ عِنْدَهُ في تَدْبِيرِكم أوْ في أحَدٍ مِنكم بِغَيْرِ إذْنِهِ، [وهُوَ كِنايَةٌ عَنْ قُرْبِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ وإحاطَتِهِ بِهِ، وأنَّ إحاطَتَهُ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا مَسافَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ أصْلًا.] ولَمّا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ الخَلْقَ خَلْقُهُ والأمْرَ أمْرُهُ، عارِفِينَ بِأنَّهُ لا يَلِي والٍ مِن قِبَلِ مَلِكٍ مِنَ المُلُوكِ إلّا بِحُجَّةٍ مِنهُ يُقِيمُها عَلى [أهْلِ] البَلْدَةِ الَّتِي أرْسَلَ إلَيْها أوْ نابَ فِيها، ولا يَشْفَعُ شَفِيعٌ فِيهِمْ إلّا ولَهُ إلَيْهِ وسِيلَةٌ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ تَذَكُّرًا عَظِيمًا بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ ما تَعْلَمُونَهُ مِن أنَّهُ الخالِقُ وحْدَهُ، ومِن أنَّهُ لا حُجَّةَ لِشَيْءٍ مِمّا أشْرَكْتُمُوهُ بِشَيْءٍ مِمّا أهَّلْتُمُوهُ لَهُ ولا وسِيلَةَ لِشَيْءٍ [مِنهم إلَيْهِ يُؤَهِّلُ بِها في الشَّفاعَةِ فِيكم ولا أخْبَرَكم أحَدٌ مِنهم بِشَيْءٍ] مِن ذَلِكَ، فَكَيْفَ تُخالِفُونَ في هَذِهِ الأُمُورِ - الَّتِي هي أهَمُّ المُهِمِّ، لِأنَّ عاقِبَتَها خَسارَةُ الإنْسانِ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَمّا دُونَها - عُقُولَكم وما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُكُمْ، وتَتَعَلَّلُونَ فِيها المُحالَ، وتَقْنَعُونَ بِقِيلَ وقالَ، (p-٢٣٢)وتُخاطِرُونَ فِيهِ بِالأنْفُسِ والأوْلادِ والأمْوالِ.

السجدة 32:5

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ وزِيرٌ في الخَلْقِ، ذَكَرَ كَيْفَ يَفْعَلُ في هَذا المُلْكِ العَظِيمِ الَّذِي أبْدَعَهُ في سِتَّةِ أيّامٍ مِن عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، فَقالَ مُسْتَأْنِفًا مُفَسِّرًا لِلْمُرادِ بِالِاسْتِواءِ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ أيْ كُلَّ أمْرِ هَذا العالَمِ بِأنْ يَفْعَلَ في ذَلِكَ فِعْلَ النّاظِرِ في أدْبارِهِ لِإتْقانِ خَواتِمِهِ ولَوازِمِهِ، كَما نَظَرَ في إقْبالِهِ لِإحْكامِ فَواتِحِهِ وعَوازِمِهِ، لا يَكِلُ شَيْئًا مِنهُ إلى شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْتِواءَهُ عَلى العَرْشِ بِمَعْنى إظْهارِ القُدْرَةِ، والعَرْشُ مَظْهَرُ التَّدْبِيرِ لا قَعْرُ المُدْبَّرِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ لِلْعَرَبِ إنَّما [هُوَ] تَدْبِيرُ ما تُمْكِنُ مُشاهَدَتُهم لَهُ مِنَ العالَمِ قالَ مُفْرِدًا: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ فَيَنْزِلُ ذَلِكَ [الأمْرُ] الَّذِي أتْقَنَهُ كَما يُتْقِنُ مَن يَنْظُرُ في أدْبارِ ما يَعْلَمُهُ ﴿إلى الأرْضِ﴾ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ، عَلى أنَّ السَّماءَ تَشْمَلُ كُلَّ عالٍ فَيُدْخَلُ جَمِيعُ العالَمِ. ولَمّا كانَ الصُّعُودُ أشُقَّ مِنَ النُّزُولِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ، فَكانَ بِذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ أيْ يَصْعَدُ (p-٢٣٣)الأمْرُ الواحِدُ - وهو مِنَ الِاسْتِخْدامِ الحَسَنِ - إلَيْهِ، أيْ بِصُعُودِ المُلْكِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى المَواضِعِ الَّذِي شَرَّفَهُ أوْ أمَرَهُ بِالكَوْنِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٠٠] ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأ مِنهُ نُزُولُ التَّدْبِيرِ وهو السَّماءُ وكَأنَّهُ صاعِدٌ في مَعارِجَ، وهي الدَّرَجُ عَلى ما تَتَعارَفُونَ بَيْنَكُمْ، في أسْرَعَ مِن لَمْحِ البَصَرِ ﴿فِي يَوْمٍ﴾ مِن أيّامِ الدُّنْيا ﴿كانَ مِقْدارُهُ﴾ لَوْ كانَ الصّاعِدُ واحِدًا مِنكم عَلى ما تَعْهَدُونَ ﴿ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ مِن سِنِيكُمُ الَّتِي تَعْهَدُونَ، والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ شَيْءٌ مِنَ العُرْفِ وشَيْءٌ مِنَ اللَّفْظِ، أمّا اللَّفْظُ فالتَّعْبِيرُ بِ ”كانَ“ مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِدُونِها لَوْ أُرِيدَ غَيْرُ ذَلِكَ، وأمّا العُرْفُ [فَهُوَ] أنَّ الإنْسانَ المُتَمَكِّنَ يَبْنِي البَيْتَ العَظِيمَ العالِيَ في سَنَةٍ مَثَلًا، فَإذا فَرَّغَهُ صَعِدَ إلَيْهِ خادِمُهُ إلى أعْلاهُ في أقَلَّ مِن دَرَجَتَيْنِ مِن دَرَجِ الرَّمَلِ، فَلا تَكُونُ نِسْبَةُ ذَلِكَ مِن زَمَنِ بِنائِهِ إلّا جُزْءًا لا يُعَدُّ، هَذا وهو خَلْقٌ مُحْتاجٌ فَما ظَنُّكَ بِمَن خَلَقَ الخَلْقَ في سِتَّةِ أيّامٍ وهو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وظاهِرُ العِبارَةِ أنَّ هَذا التَّقْدِيرَ بِالألْفِ لِما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِناءً عَلى [أنَّ] البِدايَةَ والغايَةَ لا يَدْخُلانِ، فَإذا أرَدْنا تَنْزِيلَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى آيَةِ سَألَ أخَذْنا (p-٢٣٤)هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى صُعُودِ أحَدِنا مُسْتَوِيًا لَوْ أمْكَنَ، وجُعِلَتِ الأرْضُ واحِدَةً في العَدَدِ، وأوَّلُ تَعَدُّدِها كَما قِيلَ بِاعْتِبارِ الأقالِيمِ، وزِيدَ عَلَيْهِ مِقْدارُ ثِخَنِ السَّماواتِ وما بَيْنَهُما، وزِيدَ عَلى المَجْمُوعِ مِثْلُ نِصْفِهِ لِمَسافَةِ الِانْحِناءِ في بِناءِ الدَّرَجِ والتَّعْرِيجِ الَّذِي هو مِثْلُ مُحِيطِ الدّائِرَةِ بِالوَتَرِ الَّذِي قَسَّمَها بِنِصْفَيْنِ لِيُمَكِّنَ الصُّعُودَ مِنّا، وهو مِقْدارُ نِصْفِ مَسافَةِ الِاسْتِواءِ وشَيْءٌ يَسِيرٌ، لِأنَّكَ إذا قَسَّمْتَ دائِرَةً بِوَتَرٍ كانَ ما بَيْنَ رَأْسَيِ الوَتَرِ مِن مُحِيطِ نِصْفِ الدّائِرَةِ بِمِقْدارِ ذَلِكَ الوَتَرِ مَرَّةً ونِصْفًا سَواءٌ يُزادُ عَلَيْهِ يَسِيرٌ لِأجْلِ تَعارِيجِ الدَّرَجِ، فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ كانَ ما بَيْنَ أحَدِ سَطْحَيِ الكُرْسِيِّ المُحَدَّبِ وما يُقابِلُهُ مِنَ السَّطْحِ الآخَرِ بِحَسَبِ اخْتِراقِهِ مِن جانِبَيْهِ واخْتِراقِ أطْباقِ السَّماواتِ السَّبْعِ: الأرْبَعَةَ عَشَرَ، اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةً، لِأنَّهُ يَخُصُّ كُلَّ سَماءٍ ألْفانِ، لِأنَّهُ فُهِمَ مِن هَذا السِّياقِ أنَّ مِن مُقَعَّرِ السَّماءِ إلى سَطْحِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مَسِيرَةُ ألْفِ سَنَةٍ و[بُعْدُ] ما بَيْنَ كُلِّ سَمائَيْنِ كَبُعْدِ ما بَيْنَ [السَّماءِ والأرْضِ، وثِخَنُ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ بُعْدُ ما بَيْنَ أحَدِ] سَطْحَيِ الأرْضِ إلى سَطْحِ الكُرْسِيِّ الأعْلى سِتَّةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، وبُعْدُ ما بَيْنَ سَطْحِ الأرْضِ إلى أعْلى سَطْحِ الكُرْسِيِّ (p-٢٣٥)مِنَ الجانِبِ الآخَرِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يُزادُ عَلى المَجْمُوعِ وهو اثْنانِ وثَلاثُونَ ألْفَ سَنَةٍ مَسافَةُ ثِخَنِ الأرْضِ وهي ألْفُ سَنَةٍ لِيَكُونَ المَجْمُوعُ ثَلاثَةً وثَلاثِينَ ألْفَ سَنَةٍ يُزادُ عَلَيْهِ ما لِلتَّعْرِيجِ، وهو نِصْفُ تِلْكَ المَسافَةِ وشَيْءٌ يَكُونُ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وإنَّما جَعَلْتُ سَطْحَ الكُرْسِيِّ الأعْلى النِّهايَةَ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ أنْ لا يَصْعَدَ إلى عَرْشِ المَلِكِ غَيْرُهُ، وأنَّ الأطْماعَ تَنْقَطِعُ دُونَهُ، بَلْ ولا يَصْعَدُ إلى كُرْسِيِّهِ، وسَيَأْتِي اعْتِبارُ ذَلِكَ [فِي] الوَجْهِ الأخِيرِ، وإنْ قُلْنا: إنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ عَلى أنَّها كُراتٌ مُتَرَتِّبَةٌ مُتَعالِيَةٌ غَيْرُ مُتَداخِلَةٍ، وأدْخَلْنا العَرْشَ في العَدَدِ فَنَقُولُ: إنَّهُ مَعَ الكُرْسِيِّ والسَّماواتِ تِسْعَةٌ، فَجانِباها المُحِيطانِ بِالأرْضِ ثَمانِي عَشْرَةَ طَبَقَةً، والأراضِي سَبْعٌ، فَتِلْكَ خَمْسٌ وعِشْرُونَ طَبَقَةً، فَكُلُّ واحِدَةٍ - مَعَ ما بَيْنَها وبَيْنَ الأُخْرى عَلى ما هو ظاهِرُ الآيَةِ - ألْفانِ، فَضُعِّفَ هَذا العَدَدُ، فَيَكُونُ خَمْسِينَ ألْفًا، وهَذا الوَجْهُ أوْضَحُ الوُجُوهِ وأقْرَبُها إلى مَفْهُومِ الآيَةِ، ولا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى زِيادَةٍ لِأجْلِ انْعِطافِ الدَّرَجِ، ويَجُوزُ أنْ نَقُولَ: إنَّ السِّرَّ - واللَّهُ أعْلَمُ - (p-٢٣٦)فِي جَعْلِ ما مَسِيرَتُهُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ - كَما في الحَدِيثِ - ألْفَ سَنَةٍ لِأجْلِ التَّعْرِيجِ، والحَدِيثُ لَيْسَ نَصًّا في سَيْرٍ مُعَيَّنٍ حَتّى يَتَحامى تَأْوِيلُهُ [بَلْ] قَدْ ورَدَ بِألْفاظٍ مُتَغايِرَةٍ مِنها خَمْسُمِائَةٍ ومِنها اثْنَتانِ وسَبْعُونَ سَنَةً ومِنها إحْدى وسَبْعُونَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ كُلُّ لَفْظٍ عَلى سَيْرٍ فَنَقُولُ: الخَمْسُمِائَةِ لِلصّاعِدِ في دَرَجٍ مُسْتَقِيمٍ كَدَرَجِ الدَّقَلِ مَثَلًا، والِاثْنانِ وسَبْعُونَ لِسَيْرِ الطّائِرِ والألْفِ كَما في الآيَةِ لِدَرَجٍ مُنْعَطِفٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ رَصاصَةً مِثْلَ هَذِهِ - وأشارَ إلى مِثْلِ الجُمْجُمَةِ - أُرْسِلَتْ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، وهي مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، لَبَلَغَتِ الأرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، ولَوْ أنَّها أُرْسِلَتِ السِّلْسِلَةُ لَسارَتْ أرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ والنَّهارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أصْلَها أوْ قَعْرَها»، [أوْ تَقُولُ: إنَّ الألْفَ لِجُمْلَةِ التَّدْبِيرِ بِالنُّزُولِ والعُرُوجِ]. واللَّهُ أعْلَمُ، وإنْ جَعَلْنا البِدايَةَ داخِلَةً فَتَكُونُ الألْفُ مِن سَطْحِ الأرْضِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ إلى مُحَدَّبِ السَّماءِ لِتَتَّفِقَ الآيَةُ مَعَ الحَدِيثِ القائِلِ بِأنَّ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وثِخَنُ السَّماءِ كَذَلِكَ، (p-٢٣٧)وكَذا بَقِيَّةُ السَّماواتِ والعَرْشِ، أدْخَلْنا العَرْشَ في العَدَدِ وقُلْنا: إنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ مُتَداخِلَةٌ كالسَّماواتِ، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها في الَّتِي تَلِيها، فالَّتِي نَحْنُ فِيها أعْلاها ومُحِيطَةٌ بِها كُلِّها، فَهي بِمَنزِلَةِ العَرْشِ لِلسَّماواتِ، فَتَكُونُ السَّماواتُ السَّبْعُ مِن جانِبَيْها بِأرْبَعَةَ عَشَرَ ألْفًا والأراضِي كَذَلِكَ فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا والعَرْشُ والكُرْسِيُّ مِن جانِبَيْها بِأرْبَعَةٍ فَذَلِكَ اثْنانِ وثَلاثُونَ ألْفًا يُضافُ إلَيْها ما يَزِيدُ انْحِناءَ المَعارِجِ الَّذِي يُمْكِنُ لَنا مَعَهُ العُرُوجُ، وهو نِصْفُ مَسافَةِ الجُمْلَةِ وشَيْءٌ، فالنِّصْفُ سِتَّةَ عَشَرَ ألْفًا، ونَجْعَلُ الشَّيْءَ الَّذِي لَمْ يَتَحَرَّرْ لَنا ألْفَيْنِ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألْفًا إلى اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ، فالجُمْلَةُ خَمْسُونَ ألْفًا ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى السَّماواتِ مَعَ الأراضِي، والكُلُّ مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ، فَتِلْكَ ثَمانٍ وعِشْرُونَ [طَبَقَةً مِن سَطْحِ السَّماءِ السّابِعَةِ الأعْلى إلى سَطْحِها الأعْلى مِنَ الجانِبِ الآخَرِ، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ] ألْفَ سَنَةٍ، لِكُلِّ جِرْمٍ خَمْسُمِائَةٍ، ولَمّا بَيَّنَهُ وبَيْنَ الجِرْمِ الآخَرِ كَذَلِكَ فَذَلِكَ [ألْفٌ] فَضَعَّفَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الهُبُوطِ والصُّعُودِ فَيَكُونُ سِتَّةً وخَمْسِينَ ألْفًا حُسِبَ مِنهُ خَمْسُونَ ألْفًا وأُلْغِيَ الكَسْرُ، لَكِنَّ هَذا الوَجْهَ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ الَّتِي في سُورَةِ سَألَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ في (p-٢٣٨)يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فَإنَّهُ لَيْسَ فِيها ذِكْرُ الهُبُوطِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وكُلٌّ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ أقْعَدُ مِمّا قالَهُ البَيْضاوِيُّ في سُورَةِ سَألَ، وأقْرَبُ لِلْفَهْمِ والعُرْفِ، فَإنْ كانَ ظاهِرُ حالِهِ أنَّهُ جَعَلَ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ ألْفًا مِن أعْلى سُرادِقاتِ العَرْشِ إلى أعْلى سُرادِقاتِهِ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ ولا دَلِيلَ [عَلى] هَذا ولا عُرْفَ يُساعِدُ في صُعُودِ الخَدَمِ إلى أعْلى السُّرادِقِ، وهو الأعْلى مِنهُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ورَوى إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الرَسُولِ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ سَماءِ الدُّنْيا إلى الأرْضِ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، و[ما] بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الَّتِي تَلِيها خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، والأرْضُ مِثْلُ ذَلِكَ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى العَرْشِ مِثْلُ [جَمِيعِ] ذَلِكَ”». واعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ الأراضِيَ سَبْعٌ هو الظّاهِرُ لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] ويُعَضِّدُهُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ [وغَيْرُهُما عَنْ] عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“مَن ظَلَمَ قَدْرَ شِبْرٍ مِنَ الأرْضِ طَوَّقَهُ اللَّهُ مِن (p-٢٣٩)سَبْعِ أرَضِينَ»، وفي رِوايَةٍ لِلْبَغْوَيِّ: «خُسِفَ بِهِ إلى سَبْعِ أرَضِينَ”،» ورَوى ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ المُؤْمِنَ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ - فَذَكَرَهُ إلى أنْ قالَ -: وأمّا الكافِرُ إذا قُبِضَتْ نَفْسُهُ ذَهَبَ بِهِ إلى الأرْضِ فَتَقُولُ خَزَنَةُ الأرْضِ: ما وجَدْنا رِيحًا أنْتَنُ مِن هَذِهِ، فَيَبْلُغُ بِها إلى [الأرْضِ] السُّفْلى» قالَ المُنْذِرِيُّ: وهو عِنْدُ ابْنِ ماجَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، ويُؤَيِّدُ مَن قالَ: إنَّها مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ كالكُراتِ وبَيْنَ كُلِّ أرْضَيْنِ فَضاءٌ كالسَّماواتِ ما رَوى الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الأرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ إلى الَّتِي تَلِيها مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فالعُلْيا مِنها عَلى ظَهْرِ حُوتٍ» إلى آخِرِهِ، وهو في آخِرِ التَّرْغِيبِ لِلْحافِظِ المُنْذِرِيِّ في آخِرِ أهْوالِ القِيامَةِ في سَلاسِلِها وأغْلالِها، ورَوى أبُو عُبَيْدً [القاسِمُ] بْنُ سَلامٍ في غَرِيبِ الحَدِيثِ عَنْ مُجاهِدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قالَ: إنَّ الحَرَمَ حُرِّمَ مُناهُ مِنَ السَّماواتِ السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، وأنَّهُ رابِعُ أرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا، في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ وفي كُلِّ أرْضٍ بَيْتٌ لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ - مُناهُ يَعْنِي قَصْدَهُ وحِذاءَهُ، (p-٢٤٠)وفِي مَجْمَعِ الزَّوائِدِ لِلْحافِظِ نُورِ الدِّينِ الهَيْثَمِيِّ أنَّ الإمامَ أحْمَدَ رَوى مِن طَرِيقِ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ المَلِكِ وهو ضَعِيفٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ إذَ مَرَّتْ سَحابَةٌ فَقالَ: هَلْ تَدْرُونَ ما هَذِهِ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: العِنانُ وزَوايا الأرْضِ يَسُوقُهُ اللَّهُ إلى مَن لا يَشْكُرُهُ، ولا يَدْعُوهُ، أتُدْرُونَ ما هَذِهِ فَوْقَكُمْ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: الرَّفِيعُ مَوْجٌ مَكْفُوفٌ، وسَقْفٌ مَحْفُوظٌ، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: أتَدْرُونَ ما الَّذِي فَوْقَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: سَماءٌ أُخْرى، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَكم وبَيْنَها؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: [مَسِيرَةُ] خَمْسِمِائَةِ عامٍ - حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ [ثُمَّ] قالَ -: هَلْ تَدْرُونَ ما فَوْقَ ذَلِكَ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: العَرْشُ، قالَ: أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؟ قالَ: مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ثُمَّ قالَ: ما هَذِهِ تَحْتَكُمْ؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؟ قالَ: (p-٢٤١)أرْضٌ قالَ: أتَدْرُونَ ما تَحْتَها؟ قُلْنا اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: أرْضٌ أُخْرى، أتَدْرُونَ كَمْ بَيْنَهُما؟ قُلْنا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ! قالَ: مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عامٍ حَتّى عَدَّ سَبْعِينَ أرَضِينَ، ثُمَّ قالَ: وأيْمُ اللَّهِ لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿هُوَ الأوَّلُ والآخِرُ والظّاهِرُ والباطِنُ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]» قالَ: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ غَيْرَ أنَّهُ ذَكَرَ [أنَّ] بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ والأرْضِ الأُخْرى خَمْسُمِائَةِ عامٍ، وهُنا سَبْعُمِائَةٍ، وقالَ في آخِرِهِ: «لَوْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ لَهَبَطَ عَلى اللَّهِ» ولَعَلَّهُ أرادَ: [عَلى] عَرْشِ اللَّهِ أوْ عَلى حُكْمِهِ وعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، يَعْنِي أنَّهُ في مُلْكِهِ وقَبْضَتِهِ لَيْسَ خارِجًا عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ، ورَأيْتُ في جامِعِ الأُصُولِ لِابْنِ الأثِيرِ بَعْدَ إيرادِهِ هَذا الحَدِيثَ [ما نَصُّهُ] قالَ أبُو عِيسى: قِراءَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ أرادَ: لَهَبَطَ عَلى عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وسُلْطانِهِ ويَكُونُ مُؤَيِّدًا لِلْقَوْلِ بِأنَّها كُراتٌ مُتَطابِقَةٌ مُتَداخِلَةٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - ما رَوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ» ولَمْ يَقُلْ: كَدِرْهَمٍ - مَثَلًا - وكَذا (p-٢٤٢)ما رَوى مُحَمَّدُ بْنُ أبِي عُمَرَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدِيثًا طَوِيلًا فِيهِ ذِكْرُ الأنْبِياءِ، وفِيهِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تَدْرِي ما مَثَلُ السَّماواتِ والأرْضِ في الكُرْسِيِّ؟ قُلْتُ: لا إلّا [أنْ] تُعَلِّمَنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، قالَ: مَثَلُ السَّماواتِ والأرْضِ في الكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ مُلْقاةٍ في فَلاةٍ، وإنَّ فَضْلَ الكُرْسِيِّ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ كَفَضْلِ الفَلاةِ عَلى تِلْكَ الحَلْقَةِ» وأصْلُهُ عِنْدَ النَّسائِيِّ والطَّيالِسِيِّ وأبِي يَعْلى، وكَذا ما رَوى صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ في عَظَمَةِ اللَّهِ إلّا كَجَوْزَةٍ مُعَلَّقَةٍ»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُرْسِيَّ مُحِيطٌ بِالكُلِّ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ [وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] صَرِيحٌ في ذَلِكَ، فَإنَّ النُّفُوذَ يُسْتَعْمَلُ في الخَرْقِ لا سِيَّما مَعَ التَّعْبِيرِ بِ ”مِن“ دُونَ ”فِي“، وكَذا قَوْلُهُ في السَّماءِ ﴿وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] ]. واللَّهُ المُوَفِّقُ.

السجدة 32:6

ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا مِن عالَمِ الأشْباحِ والخَلْقِ، ثُمَّ عالَمِ الأرْواحِ والأمْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ، وكانَ شامِلُ القُدْرَةِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ (p-٢٤٣)مُحِيطَ العِلْمِ، كانَتْ نَتِيجَتُهُ لا مَحالَةَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإلَهُ العالِي المِقْدارِ، الواضِحُ المَنارِ ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ الَّذِي تَقَدَّمَتْ مَفاتِيحُهُ آخِرَ الَّتِي قَبْلَها مِنَ الأرْواحِ والأمْرِ والخَلْقِ. ولَمّا قَدَّمَ عِلْمَ الغَيْبِ لِكَوْنِهِ أعْلى وكانَ العالَمُ بِهِ قَدْ لا يَعْلَمُ المَشْهُودَ لِكَوْنِهِ لا يُبْصِرُ قالَ: ﴿والشَّهادَةِ﴾ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ الَّتِي مِنها تَنْزِيلُ القُرْآنِ عَلَيْكَ ووُصُولُهُ إلَيْكَ ﴿العَزِيزُ﴾ الَّذِي يُعْجِزُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ رُبَّما قَدَحَ مُتَعَنِّتٌ في عِزَّتِهِ بِإهْمالِ العُصاةِ قالَ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [أيِ] الَّذِي خَصَّ أهْلَ التَّكْلِيفِ مِن عِبادِهِ بِالرَّحْمَةِ في إنْزالِ الكُتُبِ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ، وأبانَ لَهم ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، بَعْدَ أنْ عَمَّ جَمِيعَ الخَلائِقِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ بَعْدَ الإيجادِ مِنَ الإعْدامِ بِالبِرِّ والإنْعامِ.

السجدة 32:7

ولَمّا ذَكَرَ صِفَةَ الرَّحِيمِيَّةِ صَرِيحًا لِاقْتِضاءِ المَقامِ إيّاها، أشارَ إلى صِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ولَمّا كانَ هَذا الإحْسانُ عامًّا، خَصَّهُ بِأنْ وصَفَهُ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّ والكُوفِيِّ - بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ﴾ فَبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ بِالإتْقانِ والإحْكامِ، كَما فَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مِن حَيْثُ التَّشْكِيلُ والتَّصْوِيرُ، وشَقُّ المَشاعِرِ، وتَهْيِئَةُ المَدارِكِ، وإفاضَةُ (p-٢٤٤)المَعانِي، مَعَ المُفاوَتَةِ في جَمِيعِ ذَلِكَ، وإلى هَذا أشارَ الإبْدالُ في قِراءَةِ الباقِينَ، وعَبَّرَ بِالحُسْنِ لِأنَّ ما كانَ عَلى وجْهِ الحِكْمَةِ كانَ حَسَنًا وإنْ رَآهُ الجاهِلُ القاصِرُ قَبِيحًا. ولَمّا كانَ الحَيَوانُ أشْرَفَ الأجْناسِ، وكانَ الإنْسانُ أشْرَفَهُ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِيَقُومَ دَلِيلُ الوَحْدانِيَّةِ بِالأنْفُسِ كَما قامَ قَبْلُ بِالآفاقِ، فَقالَ دالًّا عَلى البَعْثِ: ﴿وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ أيِ الَّذِي هو المَقْصُودُ الأوَّلُ بِالخِطابِ بِهَذا القُرْآنِ ﴿مِن طِينٍ﴾ أيْ مِمّا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ.

السجدة 32:8

ولَمّا كانَ قَلْبُ الطِّينِ إلى هَذا الهَيْكَلِ عَلى هَذِهِ الصُّورَةِ بِهَذِهِ المَعانِي أمْرًا هائِلًا، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ أيْ ولَدَهُ الَّذِي يَنْسَلُّ أيْ يَخْرُجُ ﴿مِن سُلالَةٍ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ مَسْلُولٍ، أيْ مُنْتَزَعٍ مِنهُ ﴿مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ أيْ حَقِيرٍ وضَعِيفٍ وقَلِيلٍ مُراقٍ مَبْذُولٍ، فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وأشارَ إلى عَظَمَةِ ما بَعْدَ ذَلِكَ مِن خَلْقِهِ وتَطْوِيرِهِ بِقَوْلِهِ:

السجدة 32:9

﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ عَدَلَهُ لِما يُرادُ مِنهُ بِالتَّخْطِيطِ والتَّصْوِيرِ وإبْداعِ المَعانِي ﴿ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ الرُّوحُ ما يَمْتازُ بِهِ الحَيُّ مِن (p-٢٤٥)المَيِّتِ، والإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ، فَيا لَهُ مِن شَرَفٍ ما أعْلاهُ إضافَتُهُ إلى اللَّهِ. ولَمّا ألْقى السّامِعُونَ لِهَذا الحَدِيثِ أسْماعَهُمْ، فَكانُوا جَدِيرِينَ بِأنْ يَزِيدَ المُحَدِّثُ لَهم إقْبالَهم وانْتِفاعَهُمْ، لَفَتَ إلَيْهِمُ الخِطابَ قائِلًا: ﴿وجَعَلَ﴾ أيْ بِما رَكَّبَ في البَدَنِ مِنَ الأسْبابِ ﴿لَكُمُ السَّمْعَ﴾ [أيْ] تُدْرِكُونَ بِهِ المَعانِيَ المُصَوِّتَةَ، ووَحَّدَهُ لِقِلَّةِ التَّفاوُتِ فِيهِ إذا كانَ سالِمًا ﴿والأبْصارَ﴾ تُدْرِكُونَ بِها المَعانِيَ والأعْيانَ القابِلَةَ، [ولَعَلَّهُ قَدَّمَها لِأنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِما حالَ الوِلادَةِ، وقَدَّمَ السَّمْعَ لِأنَّهُ يَكُونُ إذْ ذاكَ أمْتَنَ مِنَ البَصَرِ. ولِذا تَرْبُطُ القَوابِلُ العَيْنَ لِئَلّا يُضْعِفَها النُّورُ، وأمّا العَقْلُ فَإنَّما يَحْصُلُ بِالتَّدْرِيجِ فَلِذا أخَّرَ مَحَلَّهُ فَقالَ:] ﴿والأفْئِدَةَ﴾ أيِ المُضَغُ الحارَّةُ المُتَوَقِّدَةُ المُتَحَرِّفَةُ، وهي القُلُوبُ المُودَعَةُ غَرائِزَ العُقُولِ المُتَبايِنَةِ فِيها أيَّ تَبايُنٍ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: جَعَلَهُ - أيِ الإنْسانَ - مُرَكَّبًا مِن رُوحانِيٍّ وجُسْمانِيٍّ، وعَلَوِيٍّ وسُفْلِيٍّ، جَمَعَ فِيهِ بَيْنَ العالَمِينَ بِنَفْسِهِ وجَسَدِهِ، واسْتَجْمَعَ الكَوْنَيْنِ بِعَقْلِهِ وحِسِّهِ، وارْتَفَعَ عَنِ الدَّرَجَتَيْنِ بِاتِّصالِ الأمْرِ الأعْلى بِهِ وحْيًا قَوْلِيًا، وسَلَّمَ الأمْرَ لِمَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ (p-٢٤٦)تَسْلِيمًا اخْتِيارِيًّا طَوْعِيًا. و[لَمّا] لَمْ يَتَبادَرُوا إلى الإيمانِ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجِسامِ قالَ: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ أيْ وكَثِيرًا ما تَكْفُرُونَ.

السجدة 32:10

ولَمّا كانُوا قَدْ قالُوا: مُحَمَّدٌ لَيْسَ بِرَسُولٍ، والإلَهُ لَيْسَ بِواحِدٍ، والبَعْثُ لَيْسَ بِمُمْكِنٍ، فَدَلَّ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنِ الكِتابِ، ثُمَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِشُمُولِ القُدْرَةِ وإحاطَةِ العِلْمِ بِإبْداعِ الخَلْقِ عَلى وجْهٍ هو نِعْمَةٌ لَهُمْ، وخَتَمَ بِالتَّعْجِيبِ مَن كُفْرِهِمْ، وكانَ اسْتِبْعادُهم لِلْبَعْثِ - الَّذِي هو الأصْلُ الثّالِثُ - مِن أعْظَمِ كُفْرِهِمْ، قالَ مُعَجِّبًا مِنهم في إنْكارِهِ بَعْدَ التَّعْجِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [السجدة: ٣] لافِتًا عَنْهُمُ الخِطابَ إيذانًا بِالغَضَبِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وقالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِما رَكَّزَ في الفِطْرِ الأُوَلِ، ونَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يَكْرَهُ عاقِلٌ ألَّمَ بِشَيْءٍ مِنَ الحِكْمَةِ: ﴿أإذا﴾ أيْ أنُبْعَثُ [إذا] ﴿ضَلَلْنا﴾ أيْ ذَهَبْنا وبَطَلْنا وغِبْنا ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِصَيْرُورَتِنا تُرابًا مِثْلَ تُرابِها، لا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ: قالَ أبُو حَيّانَ تَبَعًا لِلْبَغْوَيِّ والزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وغَيْرِهِمْ: وأصْلُهُ مِن ضَلَّ الماءَ في اللَّبَنِ - إذا ذَهَبَ. ثُمَّ كَرَّرُوا (p-٢٤٧)الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ زِيادَةً في الِاسْتِبْعادِ فَقالُوا: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هو مُحِيطٌ بِنا ونَحْنُ مَظْرُوفُونَ لَهُ. ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا يَتَضَمَّنُ إنْكارَهُمُ القُدْرَةَ، وكانُوا يُقِرُّونَ بِما يَلْزَمُهم مِنهُ الإقْرارُ بِالقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ مِن خَلْقِ الخَلْقِ والإنْجاءِ مِن كُلِّ كَرْبٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ﴾ أيْ لَيْسُوا بِمُنْكِرِينَ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ ﴿هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ بِالإيجادِ والإبْقاءِ مُسَخِّرًا لَهم كُلَّ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ لِلْحِسابِ أحْياءَ سَوِيَّيْنِ كَما كانُوا في الدُّنْيا، والإشارَةُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إلى أنَّهُ لا يَحْسُنُ بِالمُحْسِنِ أنْ يُنَغِّصَ إحْسانَهُ بِتَرْكِ القِصاصِ مِنَ الظّالِمِ الكائِنِ في القِيامَةِ ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ مُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ عِنادًا، ساتِرُونَ لِما في طِباعِهِمْ مِن أدِلَّتِهِ، لِما غَلَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الهَوى القائِدِ لَهم إلى أفْعالٍ مَنَعَهم مِنَ الرُّجُوعِ عَنْها الكِبَرُ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ والأنَفَةِ مِنَ الإقْرارِ بِما يَلْزَمُ مِنهُ نَقْصُ العَقْلِ.

السجدة 32:11

ولَمّا ذَكَرَ اسْتِبْعادَهُمْ، وأتْبَعَهُ عِنادَهُمْ، وكانَ إنْكارُهم إنَّما هو بِسَبَبِ اخْتِلاطِ الأجْزاءِ بِالتُّرابِ بَعْدَ انْقِلابِها تُرابًا، فَكانَ عِنْدَهم مِنَ المُحالِ تَمْيِيزُها مِن بَقِيَّةِ التُّرابِ. دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ هَيِّنٌ بِأنْ نَبَّهَهم عَلى ما هم مُقِرُّونَ بِهِ مِمّا هو مِثْلُ ذَلِكَ بَلْ أدَقُّ. فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿قُلْ﴾ أيْ (p-٢٤٨)جَوابًا لَهم عَنْ شُبْهَتِهِمْ: ﴿يَتَوَفّاكُمْ﴾ أيْ يَقْبِضُ أرْواحَكم كامِلَةً مِن أجْسادِكم بَعْدَ أنْ كانَتْ مُخْتَلِطَةً بِجَمِيعِ أجْزاءِ البَدَنِ، لا تَمَيُّزَ لِأحَدِهِما عَنِ الآخَرِ بِوَجْهٍ تَعْرِفُونَهُ بِنَوْعِ حِيلَةٍ ﴿مَلَكُ المَوْتِ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّ فِعْلَهُ بِقُدْرَتِهِ، وأنَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ في غايَةِ السُّهُولَةِ، بِبِناءِ الفِعْلِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أيْ وكَلَهُ الخالِقُ لَكم بِذَلِكَ، وهو عَبْدٌ مِن عَبِيدِهِ، فَفَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ، فَإذا البَدَنُ مُلْقًى لا رُوحَ في شَيْءٍ مِنهُ وهو عَلى حالِهِ كامِلًا لا نَقْصَ في شَيْءٍ مِنهُ يَدَّعِي الخَلَلَ بِسَبَبِهِ، فَإذا كانَ هَذا فِعْلَ عَبْدٍ مِن عَبِيدِهِ صَرَفَهُ في ذَلِكَ فَقامَ بِهِ عَلى ما تَرَوْنَهُ مَعَ أنَّ مُمازَجَةَ الرُّوحِ لِلْبَدَنِ أشَدُّ مِن مُمازَجَةِ تُرابِ البَدَنِ لِبَقِيَّةِ التُّرابِ لِأنَّهُ رُبَّما يَسْتَدِلُّ بَعْضُ الحُذّاقِ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ بِنَوْعِ دَلِيلٍ مِن شَمٍّ ونَحْوِهِ، فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ عَلى رَبِّ العالَمِينَ، ومُدَبِّرِ الخَلائِقِ أجْمَعِينَ؟ . فَلَمّا قامَ هَذا البُرْهانُ القَطْعِيُّ الظّاهِرُ مَعَ دِقَّتِهِ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى قُدْرَتِهِ التّامَّةِ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِهِمْ مِن تُرابِ الأرْضِ، وتَمْيِيزِ بَعْضِ تُرابِهِمْ مِن بَعْضٍ، وتَمْيِيزُ تُرابِ كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِهِمْ جَلَّ أوْ دَقَّ عَنْ بَعْضٍ. عَلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ثُمَّ يُعِيدُكم خَلْقًا جَدِيدًا كَما كُنْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَحَذَفَهُ كَما هو (p-٢٤٩)عادَةُ القُرْآنِ في حَذْفِ كُلِّ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ ولَمْ يَدْعُ داعٍ إلى ذِكْرِهِ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي ابْتَدَأ خَلْقَكم وتَرْبِيَتَكم وأحْسَنَ إلَيْكم غايَةَ الإحْسانِ ابْتِداءً، لا إلى غَيْرِهِ، بَعْدَ إعادَتِكم ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بِأنْ يَبْعَثَكم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ فَإذا أنْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَتِمُّ إحْسانُهُ ورُبُوبِيَّتُهُ بِأنْ يُجازِيَ كُلًّا بِما فَعَلَ، كَما هو دَأْبُ المُلُوكِ مَعَ عَبِيدِهِمْ، لا يَدَعُ أحَدٌ مِنهُمُ الظّالِمَ مِن عَبِيدِهِ مُهْمَلًا.

السجدة 32:12

ولَمّا تَقَرَّرَ دَلِيلُ البَعْثِ بِما لا خَفاءَ فِيهِ ولا لَبْسَ، شَرَعَ يَقُصُّ بَعْضَ أحْوالِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ، فَقالَ عادِلًا عَنْ خِطابِهِمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ وإيذانًا بِالغَضَبِ، وخِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيَةً لَهُ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَوْ رَأيْتَهم وقَدْ بُعْثِرَتِ القُبُورُ، وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ، وهُناكَ أُمُورٌ أيُّ أُمُورٍ، مُوقِعًا المُضارِعَ في حَيِّزِ ما مِن شَأْنِهِ الدُّخُولُ عَلى الماضِي، لِأنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَأنَّهُ قَدْ كانَ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ لِتَرْوِيحِ النَّفْسِ بِتَرَقُّبِ رُؤْيَتِهِ حالَ سَماعِهِ، تَعْجِيلًا لِلسُّرُورِ بِتَرَقُّبِ المَحْذُورِ لِأهْلِ الشُّرُورِ: ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ تَكُونُ أيُّها الرّائِي مِن أهْلِ الرُّؤْيَةِ لِتَرى حالَ المُجْرِمِينَ ﴿إذِ المُجْرِمُونَ﴾ أيِ القاطِعُونَ لِما أمَرَ اللَّهُ (p-٢٥٠)بِهِ أنْ يُوصَلَ بَعْدَ أنْ وقَفُوا بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ ﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ: مُطَأْطِئُوها خَجَلًا وخَوْفًا وخِزْيًا وذُلًّا في مَحَلِّ المُناقَشَةِ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ المُتَوَحِّدِ بِتَدْبِيرِهِمْ، قائِلِينَ بِغايَةِ الذُّلِّ والرِّقَّةِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿أبْصَرْنا﴾ ما كُنّا نُكَذِّبُ بِهِ ﴿وسَمِعْنا﴾ أيْ: مِنكَ ومِن مَلائِكَتِكَ ومِن أصْواتِ النِّيرانِ وغَيْرِ ذَلِكَ ما كُنّا نَسْتَبْعِدُهُ، فَصِرْنا عَلى غايَةِ العِلْمِ بِتَمامِ قُدْرَتِكَ وصِدْقِ وُعُودِكَ ﴿فارْجِعْنا﴾ بِما لَكَ مِن هَذِهِ الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْإحْسانِ، إلى دارِ الأعْمالِ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾ ثُمَّ حَقَّقُوا هَذا الوَعْدَ بِقَوْلِهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّعْلِيلِ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ حالَهم كانَ حالَ الشّاكِّ الَّذِي يَتَوَقَّفُ المُخاطَبُ في إيقانِهِ: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ أيْ: ثابِتٌ [الآنَ] لَنا الإيقانُ بِجَمِيعِ ما أُخْبِرْنا بِهِ عَنْكَ مِمّا كُشِفَ عَنْهُ العِيانُ، أيْ لَوْ رَأيْتَ ذَلِكَ لَرَأيْتَ أمْرًا لا يَحْتَمِلُهُ مِن هَوْلِهِ وعِظَمِهِ عَقْلٌ، ولا يُحِيطُ بِهِ وصْفٌ.

السجدة 32:13

ولَمّا لَمْ يَذْكُرْ لَهم جَوابًا، عُلِمَ أنَّهُ لِهَوانِهِمْ، لِأنَّهُ ما جَرَّأهم عَلى (p-٢٥١)العِصْيانِ إلّا صِفَةُ الإحْسانِ، فَلا يَصْلُحُ لَهم إلّا الخِزْيُ والهَوانُ، ولِأنَّ الإيمانَ لا يَصِحُّ إلّا بِالغَيْبِ قَبْلَ العِيانِ. ولَمّا كانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أنَّ ضَلالَهم مَعَ الإمْعانِ في البَيانِ، لِعَجَزَ عَنْ هِدايَتِهِمْ أوْ تَوانٍ، قالَ عاطِفًا [عَلى] ما تَقْدِيرُهُ: إنِّي لا أرُدُّكم لِأنِّي لَمْ أُضِلَّكم في الدُّنْيا لِلْعَجْزِ عَنْ هِدايَتِكم فِيها، بَلْ لِأنِّي لَمْ أُرِدْ إسْعادَكُمْ، ولَوْ شِئْتُ لَهَدَيْتُكُمْ، [صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَها:] ﴿ولَوْ شِئْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَأْبى أنْ يَكُونَ لِغَيْرِنا شَيْءٌ يَسْتَقِلُّ بِهِ أوْ يَكُونُ في مِلْكِنا ما لا نُرِيدُ ﴿لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ﴾ أيْ: مُكَلَّفَةٍ لِأنَّ الكَلامَ فِيها ﴿هُداها﴾ أيْ: جَعَلْنا هِدايَتَها ورُشْدَها وتَوْفِيقَها لِلْإيمانِ وجَمِيعِ ما يَتْبَعُهُ مِن صالِحِ الأعْمالِ في يَدِها مُتَمَكِّنَةً مِنها. ولَمّا اسْتَوْفى الأمْرُ حَدَّهُ مِنَ العَظَمَةِ، لَفَتَ الكَلامَ إلى الإفْرادِ، دَفْعًا لِلتَّعَنُّتِ وتَحْقِيقًا لِأنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ العَظَمَةُ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: لَمْ أشَأْ ذَلِكَ لِأنَّهُ ﴿حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ وأنا مَن لا يُخْلِفُ المِيعادَ، لِأنَّ الإخْلافَ إمّا لِعَجْزٍ أوْ نِسْيانٍ أوْ حاجَةٍ ولا شَيْءَ مِن ذَلِكَ يَلِيقُ بِجَنابِي، أوْ يَحِلُّ بِساحَتِي، وأكَّدَ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ (p-٢٥٢)الَّتِي هي مَحَلُّ إهانَتِي وتَجَهُّمِ أعْدائِي بِما تَجَهَّمُوا أوْلِيائِي ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيِ: الجِنِّ طائِفَةِ إبْلِيسَ، وكَأنَّهُ أنَّثَهم تَحْقِيرًا لَهم عِنْدَ مَن يَسْتَعْظِمُ أمْرَهم لِما دَعا إلى تَحْقِيرِهِمْ مِن مَقامِ الغَضَبِ وبَدَأ بِهِمْ لِاسْتِعْظامِهِمْ لَهم ولِأنَّهُمُ الَّذِينَ أضَلُّوهم ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] فَلِذَلِكَ شِئْتُ كُفْرَ الكافِرِ وعِصْيانَ العاصِي بَعْدَ أنْ جَعَلْتُ لَهُمُ اخْتِيارًا، وغَيَّبْتُ العاقِبَةَ عَنْهُمْ، فَصارَ الكَسْبُ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ ظاهِرًا، والخَلْقُ في الحَقِيقَةِ والمَشِيئَةُ لِي.

السجدة 32:14

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا القَوْلِ الصّادِقِ أنَّهُ لا مَحِيصَ عَنْ عَذابِهِمْ، قالَ مُجِيبًا لِتَرَقُّقِهِمْ إذْ ذاكَ نافِيًا لِما قَدْ يُفْهِمُهُ كَلامُهم مِن أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى العِبادَةِ: ﴿فَذُوقُوا﴾ أيْ: ما كُنْتُمْ تُكَذِّبُونَ بِهِ مِنهُ بِسَبَبِ ما حَقَّ مَعِي مِنَ القَوْلِ ﴿بِما﴾ أيْ بِسَبَبِ ما ﴿نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾ [وأكَّدَهُ] وبَيَّنَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا﴾ أيْ عَمِلْتُمْ - في الإعْراضِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لِهَذا المَوْقِفِ الَّذِي تُحاسَبُونَ فِيهِ ويَظْهَرُ فِيهِ العَدْلُ - عَمَلَ النّاسِي لَهُ مَعَ أنَّهُ مَرْكُوزٌ في طِباعِكم أنَّهُ لا يَسُوغُ لِذِي عِلْمٍ وحِكْمَةٍ أنْ يَدَعَ عَبِيدَهُ (p-٢٥٣)يَمْرَحُونَ في أرْضِهِ ويَتَقَلَّبُونَ في رِزْقِهِ، ثُمَّ لا يُحاسِبُهم عَلى ذَلِكَ ويُنْصِفُ مَظْلُومُهُمْ، فَكانَ الإعْراضُ عَنْهُ مُسْتَحَقًّا لِأنْ يُسَمّى نِسْيانًا مِن هَذا الوَجْهِ أيْضًا ومِن جِهَةِ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ لَهُ مِنَ البَراهِينِ، ما مَلَأ الأكْوانَ صارَ كَأنَّهُ ظَهَرَ، ورُوِيَ ثُمَّ نُسِيَ. ثُمَّ عَلَّلَ ذَوْقَهم لِذَلِكَ أوِ اسْتَأنَفَ لِبَيانِ المُجازاةِ بِهِ مُؤَكِّدًا في مَظْهَرِ العَظَمَةِ قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ في الخَلاصِ، ولِذا عادَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ عامَلْناكم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ولَكم مِنَ الحَقارَةِ مُعامَلَةَ النّاسِي لَكُمْ، فَأوْرَدْنا النّارَ كَما أقْسَمْنا أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ إلّا يَرِدُها، ثُمَّ أخْرَجْنا أهْلَ وُدِّنا وتَرَكْناكم فِيها [تَرْكَ] المَنسِيِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِهِمْ بِالذَّوْقِ مُجْمَلًا، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لَهُ: ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ﴾ أيِ المُخْتَصَّ بِأنَّهُ لا آخِرَ لَهُ. ولَمّا كانَ قَدْ خَصَّ [السَّبَبَ] فِيما مَضى، عَمَّ هُنا فَقالَ: ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مِن أعْمالِ مَن لَمْ يَخَفْ أمْرَ البَعْثِ ناوِينَ أنَّكم لا تَنْفَكُّونَ عَنْ ذَلِكَ.

السجدة 32:15

ولَمّا كانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] قَدْ أشارَ إلى أنَّ الحامِلَ لَهم عَلى الكُفْرِ الكِبَرُ، وذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ قَسَّمَ النّاسَ قِسْمَيْنِ (p-٢٥٤)لِأجْلِ الدّارَيْنِ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ذِكْرِ عَلامَةِ أهْلِ الإيمانِ كَما ذُكِرَتْ عَلامَةُ أهْلِ الكُفْرانِ، فَقالَ مُعَرِّفًا أنَّ المُجْرِمِينَ لا سَبِيلَ إلى إيمانِهِمْ ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِنا ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ، في أيِّ وقْتٍ كانَ، قَبْلَ كَشْفِ الغِطاءِ وبَعْدَهُ ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ أيْ بادَرُوا إلى السُّجُودِ مُبادَرَةَ مَن كَأنَّهُ سَقَطَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، خُضَّعًا لِلَّهِ مِن شِدَّةِ تَواضُعِهِمْ وخَشْيَتِهِمْ وإخْباتِهِمْ لَهُ خُضُوعًا ثابِتًا دائِمًا ﴿وسَبَّحُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا التَّنْزِيهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن تَرْكِ العَبَثِ المُؤَدِّي إلى تَضْيِيعِ الحِكْمَةِ ومَن غَيْرِهِ مُتَلَبِّسِينَ ﴿بِحَمْدِ﴾ ولَفْتَ الكَلامَ إلى الصِّفَةِ المُقْتَضِيَةِ لِتَنْزِيهِهِمْ وحَمْدِهِمْ تَنْبِيهًا لَهم فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِإثْباتِهِمْ لَهُ الإحاطَةَ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا تَواضُعَهُمْ، صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ لا يُجَدِّدُونَ طَلَبَ الكِبَرِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا دَعاهم إلَيْهِ الهادِي ولا يُوجِدُونَهُ خُلُقًا لَهم راسِخًا في ضَمائِرِهِمْ.

السجدة 32:16

ولَمّا كانَ المُتَواضِعُ رُبَّما نُسِبَ إلى الكَسَلِ، نَفى ذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا بِما تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ السّالِفَةُ مِن خَوْفِهِمْ: ﴿تَتَجافى﴾ أيْ تَرْتَفِعُ ارْتِفاعَ مُبالِغٍ في الجَفاءِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ، وبَشَّرَ بِكَثْرَتِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ (p-٢٥٥)بِجَمْعِ الكَثْرَةِ فَقالَ: ﴿جُنُوبُهُمْ﴾ بَعْدَ النَّوْمِ ﴿عَنِ المَضاجِعِ﴾ أيِ الفُرُشِ المُوَطَّأةِ المُمَهَّدَةِ الَّتِي هي [مَحَلُّ] الرّاحَةِ والسُّكُوِنِ والنَّوْمِ، فَيَكُونُونَ عَلَيْها كالمَلْسُوعِينَ، لا يَقْدِرُونَ عَلى الِاسْتِقْرارِ عَلَيْها، في اللَّيْلِ الَّذِي هو مَوْضِعُ الخَلْوَةِ ومَحَطُّ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ بِما تَهْواهُ النُّفُوسُ، [قالَ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والأرْبَعِينَ مِن عَوارِفِهِ عَنِ المُحِبِّينَ: قِيلَ: نَوْمُهم نَوْمُ الفَرْقى، وأكْلُهم أكْلُ المَرْضى، وكَلامُهم ضَرُورَةٌ، فَمَن نامَ عَنْ غَلَبَةٍ بِهَمٍّ مُجْتَمِعٍ مُتَعَلِّقٍ بِقِيامِ اللَّيْلِ وُفِّقَ لِقِيامِ اللَّيْلِ، وإنَّما النَّفْسُ إذا طَعِمَتْ ووُطِّنَتْ عَلى النَّوْمِ اسْتَرْسَلَتْ فِيهِ، وإذا أُزْعِجَتْ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ لا تَسْتَرْسِلُ في الِاسْتِقْرارِ، وهَذا الِانْزِعاجُ في النَّفْسِ بِصِدْقِ العَزِيمَةِ هو التَّجافِي الَّذِي قالَ اللَّهُ، لِأنَّ الهَمَّ بِقِيامِ اللَّيْلِ وصِدْقِ العَزِيمَةِ يَجْعَلُ بَيْنَ الجِنْبِ والمَضْجَعِ سَواءً وتَجافِيًا.] ولَمّا كانَ هِجْرانُ المَضْجَعِ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ العِبادَةِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَها، فَقالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ: ﴿يَدْعُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ، وأظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي جَرَّأهم عَلى السُّؤالِ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَهم بِإحْسانِهِ: ثُمَّ عَلَّلَ دُعاءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿خَوْفًا﴾ أيْ مِن سُخْطِهِ وعِقابِهِ، [فَإنَّ أسْبابَ الخَوْفِ مِن نَقائِصِهِمْ كَثِيرَةٌ سَواءٌ عَرَفُوا سَبَبًا يُوجِبُ خَوْفًا أوْ لا، فَهم (p-٢٥٦)لا يَأْمَنُونَ مَكْرَهُ لِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ] ﴿وطَمَعًا﴾ أيْ في رِضاهُ المُوجِبِ لِثَوابِهِ، وعَبَّرَ بِهِ دُونَ الرَّجاءِ إشارَةً إلى أنَّهم لِشِدَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِنَقائِصِهِمْ لا يَعُدُّونَ أعْمالَهم شَيْئًا بَلْ يَطْلُبُونَ فَضْلَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ، [وإذا كانُوا يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِغَيْرِ سَبَبٍ فَهم مَعَ السَّبَبِ أرْجى، فَهم لا يَيْأسُونَ مِن رَوْحِهِ.] ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ تَقْطَعُ عَنِ التَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، فَرُبَّما دَعَتْ نَفْسُ العابِدِ إلى التَّمَسُّكِ بِما في يَدِهِ خَوْفًا مِن نَقْصِ العِبادَةِ عَنِ الحاجَةِ لِتَشَوُّشِ الفِكْرِ والحَرَكَةِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ، حَثَّ عَلى الإنْفاقِ مِنهُ اعْتِمادًا عَلى الخَلّاقِ الرَّزّاقِ الَّذِي ضَمِنَ الخَلْفَ لِيَكُونُوا بِما ضَمِنَ لَهم أوْثَقَ مِنهم بِما عِنْدَهُمْ، وإيذانًا بِأنَّ الصَّلاةَ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ في الرِّزْقِ ﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢] فَقالَ لَفْتًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرِّزْقَ مِنهُ وحْدَهُ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا، لا حَوْلَ مِنهم ولا قُوَّةَ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ مِن غَيْرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ في جَمِيعِ وُجُوهِ القُرَبِ الَّتِي شَرَعْناها لَهم.

السجدة 32:17

ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَ المُسْتَكْبِرِينَ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَزاءِ المُتَواضِعِينَ، أشارَ إلى جَزائِهِمْ بِفاءِ السَّبَبِ، إشارَةً إلى أنَّهُ هو الَّذِي وفَّقَهم لِهَذِهِ الأعْمالِ بِرَحْمَتِهِ، وجَعَلَها سَبَبًا إلى دُخُولِ جَنَّتِهِ، ولَوْ شاءَ لَكانَ (p-٢٥٧)غَيْرَ ذَلِكَ [فَقالَ:] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ النُّفُوسِ مَقْرُبَةً ولا غَيْرَها ﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُتَذَكِّرِينَ مِنَ العالِمِ بِمَفاتِيحِ الغُيُوبِ وخَزائِنِها كَما كانُوا يُخْفُونَ أعْمالَهم بِالصَّلاةِ في جَوْفِ اللَّيْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ ولا يُراؤُونَ بِها، ولَعَلَّهُ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ تَعْظِيمًا لَهُ بِذَهابِ الفِكْرِ في المَخْفِيِّ كُلَّ مَذْهَبٍ أوْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ اللَّهُ تَعالى الَّذِي أخْفَوْا نَوافِلَ أعْمالِهِمْ لِأجْلِهِ، وسَكَّنَ حَمْزَةُ الياءَ عَلى أنَّهُ لِلْمُتَكَلِّمِ سُبْحانَهُ لَفْتًا لِأُسْلُوبِ العَظْمَةِ إلى أُسْلُوبِ المُلاطَفَةِ، والسِّرُّ مُناسَبَتُهُ لِحالِ الأعْمالِ. ولَمّا كانَتِ العَيْنُ لا تَقَرُّ فَتَهْجَعُ إلّا عِنْدَ الأمْنِ والسُّرُورِ قالَ: ﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ مِن شَيْءٍ نَفِيسٍ سارٍّ تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم لِأجْلِ ما أقْلَعُوها عَنْ قَرارِها بِالنَّوْمِ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِما أفْهَمَتْهُ فاءُ السَّبَبِ فَقالَ: ﴿جَزاءً﴾ أيْ أخْفاها لَهم لِجَزائِهِمْ ﴿بِما كانُوا﴾ [أيْ] بِما هو لَهم كالجِبِلَّةِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «”قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ“، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ الآيَةُ».

السجدة 32:18

(p-٢٥٨)ولَمّا كانُوا أهْلَ بَلاغَةٍ ولَسَنٍ، وبَراعَةٍ: وجَدَلٍ، فَكانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: ما لَهُ إذا كانَ ما تَزْعُمُونَ مِن أنَّهُ لا يُبالِي بِشَيْءٍ ولا يَنْقُصُ مِن خَزائِنِهِ شَيْءٌ وهو العَزِيزُ الرَّحِيمُ، لا يُسَوِّي بَيْنَ الكُلِّ في إدْخالِ الجَنَّةِ، والمَنِّ بِالنَّعِيمِ فَيَعُمُّهم بِالرَّحْمَةِ الظّاهِرَةِ كَما عَمَّهم بِها في الدُّنْيا كَما هو دَأْبُ المُحْسِنِينَ؟ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ قالَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ مُشِيرًا إلى أنَّ المانِعَ مِنهُ خُرُوجُهُ عَنِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ تِلْكَ دارُ الجَزاءِ، وهَذِهِ دارُ العَمَلِ، فَبَيْنَهُما بَوْنٌ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ مِن رُسُوخِهِ جَبَلِيٌّ ﴿مُؤْمِنًا﴾ أيْ راسِخًا في التَّصْدِيقِ العَظِيمِ بِجَمِيعِ ما أخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ ﴿كَمَن كانَ﴾ [ولَمّا كانَ السِّياقُ مَنسُوقًا عَلى دَلِيلِ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] الآيَةِ، فَكانَ الكافِرُ خارِجًا عَنْ مُحِيطِ ذَلِكَ الدَّلِيلِ الَّذِي لا يَخْفى بِوَجْهٍ عَلى أحَدٍ لَهُ سَمْعٌ وبَصَرٌ وفُؤادٌ، اقْتَضى الحالُ التَّعْبِيرَ بِالفِسْقِ الَّذِي هو الخُرُوجُ عَنْ مُحِيطٍ فَقالَ:] ﴿فاسِقًا﴾ أيْ راسِخًا في الفِسْقِ خارِجًا عَنْ دائِرَةِ الإذْعانِ. ولَمّا تَوَجَّهَ الِاسْتِفْهامُ إلى كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، عَبَّرَ عَنْ مَعْناهُ مُصَرِّحًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ إشارَةٌ - بِالحَمْلِ عَلى لَفْظِ ”مَن“ مَرَّةً ومَعْناها أُخْرى - إلى أنَّهُ لا يَسْتَوِي جَمْعٌ مِن هَؤُلاءِ بِجَمْعٍ مِن أُولَئِكَ ولا فَرْدٌ بِفَرْدٍ.

السجدة 32:19

(p-٢٥٩)ولَمّا نَفى اسْتِواءَهُمْ، أتْبَعَهُ حالَ كُلٍّ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ مُعَبِّرًا بِالجَمْعِ لِأنَّ الحُكْمَ بِإرْضائِهِ وإسْخاطِهِ بِفَهْمِ الحِكَمِ عَلى الواحِدِ مِنهُ مِن بابِ الأوْلى فَقالَ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ أيِ الجَنّاتُ المُخْتَصَّةُ دُونَ الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ مَمَرٍّ، دُونَ النّارِ الَّتِي هي دارُ مَفَرٍّ لا مَقَرٍّ، بِتَأهُّلِها لِلْمَأْوى الكامِلِ في هَذا الوَصْفِ بِما أشارَ إلَيْهِ بِ ”ال“ ثابِتُونَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، كَما تَبَوَّءُوا الإيمانَ الَّذِي هو أهْلٌ لِلْإقامَةِ فَلَمْ يَبْغُوا بِهِ بَدَلًا ﴿نُـزُلا﴾ أيْ عِدادًا لَهم أوَّلَ قُدُومِهِمْ في قَوْلِ الحَسَنِ وعَطاءٍ، وهو أوْفَقُ لِلْمَقامِ كَما يُعَدُّ لِلضَّيْفِ عَلى ما لاحَ ﴿بِما كانُوا﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿يَعْمَلُونَ﴾ دائِمًا عَلى وجْهِ التَّجْدِيدِ، فَإنَّ أعْمالَهم مِن رَحْمَةِ رَبِّهِمْ، فَإذا كانَتْ هَذِهِ الجَنّاتُ نُزُلًا فَما ظَنُّكَ بِما بَعْدَ ذَلِكَ! وهو لَعَمْرِي ما أشارَ إلَيْهِ [قَوْلَهُ] ﷺ: «ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهم كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ لِأنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ لا نِهايَةَ لَها، فَإيّاكَ أنْ يَخْدَعَكَ خادِعٌ أوْ يَغُرَّكَ مُلْحِدٌ

السجدة 32:20

﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيْ خَرَجُوا عَنْ دائِرَةِ الإيمانِ الَّذِي هو مَعْدِنُ التَّواضُعِ وأهْلٌ لِلْمُصاحَبَةِ والمُلازَمَةِ ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ﴾ أيِ الَّتِي لا صَلاحِيَةَ فِيها لِلْإيواءِ بِوَجْهٍ (p-٢٦٠)مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا. ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِالعِلْمِ بِأنَّهم مُجْتَهِدُونَ في الخَلاصِ مِنها، قالَ مُسْتَأْنِفًا لِشَرْحِ حالِهِمْ: ﴿كُلَّما أرادُوا﴾ [أيْ] وهم مُجْتَمِعُونَ فَكَيْفَ إذا أرادَ بَعْضُهم ﴿أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُزادُ في عَذابِهِمْ بِأنْ يُخَيَّلَ إلَيْهِمْ ما يَظُنُّونَ بِهِ القُدْرَةَ عَلى الخُرُوجِ مِنها كَما كانُوا يَخْرُجُونَ [بِفُسُوقِهِمْ مِن مُحِيطِ الأدِلَّةِ و] مِن دائِرَةِ الطّاعاتِ إلى بَيْداءِ المَعاصِي والزَّلّاتِ، فَيُعالِجُونَ الخُرُوجَ فَإذا ظَنُّوا أنَّهُ تَيَسَّرَ لَهم وهم بَعْدُ في غَمَراتِها ﴿أُعِيدُوا﴾ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ مِن أيِّ مَن أمَرَ بِذَلِكَ ﴿فِيها﴾ إلى المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ أوَّلًا، ولا يَزالُ هَذا دَأْبَهم أبَدًا ﴿وقِيلَ﴾ أيْ مِن أيِّ قائِلٍ وُكِّلَ بِهِمْ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ عِنْدَ الإعادَةِ إهانَةً لَهُ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ﴾ ولَمّا وصَفَ عَذابَهم في النّارِ كانَ أحَقَّ بِالوَصْفِ عِنْدَ بَيانِ سَبَبِ الإهانَةِ بِالأمْرِ بِالذَّوْقِ مَعَ أنَّهُ أحَقُّ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مُضافًا مُحَدَّثًا عَنْهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا هو لَكم كالجِبِلّاتِ، وأشارَ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ يَتَلاشى عِنْدَهُ كُلُّ تَكْذِيبٍ، فَكَأنَّهُ مُخْتَصٌّ فَقالَ: ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فَإنَّ الإعادَةَ بَعْدَ مُعالَجَةِ الخُرُوجِ أمْكَنُ في التَّصْدِيقِ بِاعْتِبارِ التَّجَدُّدِ في كُلِّ آنٍ.

السجدة 32:21

(p-٢٦١)ولَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ الآنَ يَتَمَنَّوْنَ إصابَتَهم بِشَيْءٍ مِنَ الهَوانِ في هَذِهِ الدّارِ، لِأنَّ نُفُوسَ البَشَرِ مَطْبُوعَةٌ عَلى العَجَلَةِ، بَشَّرَهم بِذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ عَذابَ القَبْرِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا [لَهُ] لِما عِنْدَهم مِنَ الإنْكارِ لِعَذابِ ما بَعْدَ المَوْتِ ولِلْإصابَةِ في الدُّنْيا بِما هم مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ: ﴿ولَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ أيْ أجْمَعِينَ بِالمُباشَرَةِ والتَّسْبِيبِ، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَتَلاشى عِنْدَها كَثْرَتُهم وقُوَّتُهم ﴿مِنَ العَذابِ الأدْنى﴾ أيْ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، بِأيْدِيكم وغَيْرِها، وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ قَوْلَهُ، وقَدْ كانُوا عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ بِمَكَّةَ المُشَرَّفَةِ في غايَةِ الكَثْرَةِ والنِّعْمَةِ، فَأذاقَهُمُ الجَدْبَ سِنِينَ مُتَوالِيَةً، وفَرَّقَ شَمَلَهم وقَتَلَهم وأسَرَهم بِأيْدِي المُؤْمِنِينَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ بِما أرادَ سُبْحانَهُ؛ ثُمَّ أكَّدَ الإرادَةَ لِما قَبْلَ الآخِرَةِ وحَقَّقَها بِقَوْلِهِ، مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِلْغَيْرِيَّةِ والسُّفُولِ: ﴿دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾ أيِ الَّذِي مَرَّ ذِكْرُهُ في الآخِرَةِ ﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى رُجُوعُهُ عَنْ فِسْقِهِ عِنْدَ مَن يُنْظِرُهُ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ، رَجَعَ كَثِيرٌ مِنهم خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، فَلَمّا رَأوْا مَحاسِنَ الإسْلامِ كانُوا مِن أشَدِّ النّاسِ فِيهِ رَغْبَةً ولَهُ حُبًّا.

السجدة 32:22

(p-٢٦٢)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: يَرْجِعُونَ [عَنْ] ظُلْمِهِمْ فَإنَّهم ظالِمُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ:] ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ مِنهم هَكَذا [كانَ] الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي صارُوا أظْلَمَ فَقالَ: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ﴾ أيْ مِن أيِّ مُذَكِّرٍ كانَ وصَرَفَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ اسْتِعْطافًا وتَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿بِآياتِ رَبِّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهُ إلّا مِنهُ. ولَمّا بَلَغَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ الوُضُوحِ أقْصى الغاياتِ، فَكانَ الإعْراضُ عَنْها مُسْتَبْعَدًا بَعْدَهُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ البُعْدِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ ضِدَّ ما عَمِلَهُ الَّذِينَ لَمْ يَتَمالَكُوا أنْ خَرُّوا سُجَّدًا، ويَجُوزَ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ ”ثُمَّ“ عَلى بابِها لِلتَّراخِي، لِيَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن وقَعَ لَهُ التَّذْكِيرُ بِها في وقْتٍ ما، فَأخَذَ يَتَأمَّلُ فِيها ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها بَعْدَ ذَلِكَ ولَوْ بِألْفِ عامٍ فَهو أظْلَمُ الظّالِمِينَ، ويَدْخُلُ فِيهِ ما دُونَ ذَلِكَ عَنْ بابِ الأوْلى لِأنَّهُ أجْدَرُ بِعَدَمِ النِّسْيانِ، فَهي أبْلَغُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالفاءِ كَما في سُورَةِ الكَهْفِ، ويَكُونُ عَدَلَ إلى الفاءِ هُناكَ شَرْحًا لِما يَكُونُ مِن حالِهِمْ، عِنْدَ بَيانِ سُؤالِهِمْ، الَّذِي جَعَلُوا بَيانَهُ آيَةَ الصِّدْقِ، والعَجْزِ عَنْ آيَةِ الكَذِبِ. ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلسُّؤالِ عَنْ جَزائِهِمْ، و[كانَ] قَدْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ”مَن“ تَنْبِيهًا عَلى قَباحَةِ الظُّلْمِ مِن كُلِّ فَرْدٍ، (p-٢٦٣)قالَ جامِعًا لِأنَّ إهانَةَ الجَمْعِ دالَّةٌ عَلى إهانَةِ الواحِدِ مِن بابِ الأوْلى، مُؤَكِّدًا لِأنَّ إقْدامَهم عَلى التَّكْذِيبِ كالإنْكارِ لِأنْ تَجاوَزُوا عَلَيْهِ، صارِفًا وجْهَ الكَلامِ عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ إيذانًا بِالغَضَبِ: ﴿إنّا﴾ مِنهُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ نَصًّا في التَّعْمِيمِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ مُعَيِّنًا لِنَوْعِ ظُلْمِهِمْ تَبْشِيعًا لَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [أيِ] القاطِعِينَ لِما يَسْتَحِقُّ الوَصْلَ خاصَّةً ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ وعَبَّرَ بِصِيغَةِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الَّذِي يَحْصُلُ لَهم مِنَ العَذابِ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ عَلى مُجَرَّدِ العَدادِ في الظّالِمِينَ، فَكَيْفَ وقَدْ كانُوا أظْلَمَ الظّالِمِينَ؟ والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ تَدُلُّ عَلى دَوامِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا إمّا باطِنًا بِالِاسْتِدْراجِ بِالنِّعَمِ، وإمّا ظاهِرًا بِإحْلالِ النِّقَمِ، وفي الآخِرَةِ بِدَوامِ العَذابِ عَلى مَرِّ الآبادِ.

السجدة 32:23

ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ نَفْيَ الرَّيْبِ عَنْ تَنْزِيلِ هَذا الكِتابِ المُبِينِ في أنَّهُ مِن عِنْدِ رَبِّ العالَمِينَ، ودَلَّ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ إنَّما هو ظُلْمٌ وعِنادٌ بِما خَتَمَهُ بِالتَّهْدِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنِ الآياتِ بِالِانْتِقامِ، و[كانَ] قَدِ انْتَقَمَ سُبْحانَهُ مِمَّنِ اسْتَخَفَّ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ إنْزالِ الكِتابِ عَلَيْهِ وبَعْدَ إنْزالِهِ، وكانَ أوَّلَ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ (p-٢٦٤)مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ فَتْرَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَّلامُ وآمَنَ بِهِ جَمِيعُهم وألَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ وأنْقَذَهم مِن أسْرِ القِبْطِ عَلى يَدِهِ، ذَكَّرَ بِحالَةِ تَسْلِيَةٍ وتَأْسِيَةٍ لِمَن أقْبَلَ وتَهْدِيدًا لِمَن أعْرَضَ، وبِشارَةً بِإيمانِ العَرَبِ كُلِّهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ بِهِ وخَلاصِ أهْلِ اليَمَنِ مِنهم مِن أسْرِ الفُرْسِ بِسَبَبِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ العَظِيمَ لا يُرَدُّ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا﴾ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُوسى الكِتابَ﴾ [أيِ الجامِعِ لِلْأحْكامِ] وهو التَّوْراةُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ أيْضًا، وكانَ قَوْمُهُ قَدْ تَرَكُوا اتِّباعَ كَثِيرٍ مِنهُ لا سِيَّما فِيما قَصَّ مِن صِفاتِ نَبِيِّنا ﷺ وفِيما أمَرَ فِيهِ بِاتِّباعِهِ، وكانَ هَذا إعْراضًا مِنهم مِثْلَ إعْراضِ الشّاكِّ في الشَّيْءِ، وكانُوا في زَمَنِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا يُخالِفُونَ أوامِرَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ وحِينًا إثْرَ حِينٍ، تَسَبَّبَ عَنِ الإيتاءِ المَذْكُورِ قَوْلَهُ تَعْرِيضًا بِهِمْ وإعْلامًا بِأنَّ العَظِيمَ قَدْ يُرِيدُ [رَدَّ] بَعْضِ أوامِرِهِ لِحِكْمَةٍ دَبَّرَها: ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا، بِما أشارَ إلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ وإثْباتُ نُونِهِ، (p-٢٦٥)فَيُفْهِمُ العَفْوَ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الواقِعِ مِنَ الأُمَّةِ عَلى ما بَيَّنَهُ ﷺ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ شَكٍّ ﴿مِن لِقائِهِ﴾ أيْ لا تَفْعَلْ في ذَلِكَ فِعْلَ الشّاكِّ في لِقاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ [لِلْكِتابِ] مِنّا وتَلَقِّيهِ لَهُ بِالرِّضا والقَبُولِ والتَّسْلِيمِ، كَما فَعَلَ المُدَّعُونَ لِاتِّباعِهِ والعَمَلِ بِكِتابِهِ في الإعْراضِ عَمّا دَعاهم إلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ، أوْ لا تَفْعَلْ فِعْلَ الشّاكِّ في لِقائِكَ الكِتابَ مِنّا وإنْ نَسَبُوكَ إلى الِافْتِراءِ وإنْ تَأخَّرَ بَعْضُ ما يُخْبِرُ بِهِ فَسَيَكُونُ هُدًى لِمَن بَقِيَ مِنهُمْ، وعَذابًا لِلْماضِينَ، ولا يَبْقى خَبَرُ ما أخْبَرَ بِهِ أنَّهُ كائِنٌ إلّا كانَ طِبْقَ ما أخْبَرَ بِهِ، فَإنَّكَ لَتُلَقّاهُ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، وقَدْ صَبَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في تَلَقِّي كِتابِهِ ودُعائِهِ حَتّى ماتَ عَلى أحْسَنِ الأحْوالِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ [عَلَيْهِ] فِيهِ فَما شَكَّ أحَدٌ مِنَ الثّابِتِينَ في إيتائِنا إيّاهُ الكِتابَ لِأجْلِ إعْراضِ مَن أعْرَضَ، ولا زَلْزَلَةَ إدْبارِ مَن أدْبَرَ، وانْتَقَمْنا مِمَّنْ أعْرَضَ عَنْهُ فَلا يَكُنْ أحَدٌ مِمَّنْ آمَنَ بِكَ في شَكٍّ مِن إيتائِنا الكِتابَ لَكَ لِإعْراضِ مَن أعْرِضُ، فَسَنُهْلِكُ مَن حَكَمْنا بِشَقائِهِ انْتِقامًا مِنهُ، ونُسْعِدُ الباقِينَ بِهِ. ولَمّا أشارَ إلى إعْراضِهِمْ عَنْهُ وإعْراضِ العَرَبِ عَنْ كِتابِهِمْ، ذَكَرَ أنَّ الكُلَّ فَعَلُوا بِذَلِكَ الضَّلالِ ضِدَّ ما أنْزَلَ لَهُ الكِتابَ، فَقالَ مُمْتَنًّا عَلى (p-٢٦٦)بَنِي إسْرائِيلَ ومُبَشِّرًا لِلْعَرَبِ: ﴿وجَعَلْناهُ﴾ أيْ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ جَعْلًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا ﴿هُدًى﴾ أيْ بَيانًا عَظِيمًا ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾

السجدة 32:24

وأشارَ إلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مِنهُمْ﴾ أيْ مِن أنْبِيائِهِمْ وأحْبارِهِمْ بِعَظَمَتِنا، مَعَ ما في طَبْعِ الإنْسانِ مِنِ اتِّباعِ الهَوى ﴿أئِمَّةً يَهْدُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ البَيانَ ويَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِهِ ﴿بِأمْرِنا﴾ أيْ بِما أنْزَلْنا فِيهِ مِنَ الأوامِرِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ جَعْلِهِ ذَلِكَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ أيْ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ ولِأجْلِهِ - عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالكَسْرِ والتَّخْفِيفِ - أوْ حِينَ صَبَّرَهم عَلى قَبُولِ أوامِرِنا عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالفَتْحِ والتَّشْدِيدِ، وإنْ كانَ الصَّبْرُ أيْضًا إنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهم ﴿وكانُوا بِآياتِنا﴾ لِما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿يُوقِنُونَ﴾ لا يَرْتابُونَ في شَيْءٍ مِنها ولا يَفْعَلُونَ فِعْلَ الشّاكِّ فِيهِ الإعْراضَ، وكانَ ذَلِكَ [لَهُمْ] جِبِلَّةً جَبَلْناهم عَلَيْها.

السجدة 32:25

ولَمّا أفْهَمَ قَوْلُهُ ”مِنهُمْ“ أنَّهُ كانَ مِنهم مَن يَضِلُّ عَنْ أمْرِ اللَّهِ ويَصُدُّ عَنْهُ، جاءَ قَوْلُهُ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَوَعُّدًا لِلْكافِرِينَ، اسْتِئْنافًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِمَن يَظُنُّ أنَّهُ لا بَعْثَ، ولَفْتَ القَوْلِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إشارَةً إلى ما يَظْهَرُ مِن شَرَفِهِ ﷺ [فِي ذَلِكَ اليَوْمِ] مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ وغَيْرِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ لِيُعَظِّمَ (p-٢٦٧)ثَوابَكَ ويُعْلِي ما بِكَ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ مِنَ الهادِينَ والمُضِلِّينَ والضّالِّينَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالقَضاءِ الحَقِّ، فَيُعْلِي أمْرَ المَظْلُومِ ويُرْدِي كَيْدَ الظّالِمِ ﴿فِيما كانُوا﴾ جِبِلَّةً، طَبْعًا ﴿فِيهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿يَخْتَلِفُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ الِاخْتِلافَ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَسَبَ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ، وأمّا غَيْرُ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ فالحُكْمُ فِيهِ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ لا بَيْنَهُمْ، وما اخْتَلَفُوا فِيهِ لا عَلى وجْهِ القَصْدِ فَيَقَعُ في مَحَلِّ العَفْوِ.

السجدة 32:26

ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الكُفّارِ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما في التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ، والثّانِي في إنْكارِ البَعْثِ، ودَلَّ سُبْحانَهُ عَلى فَسادِهِما إلى أنْ خَتَمَ بِذِكْرِ الآياتِ والبَعْثِ والفَصْلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، أتْبَعَهُ اسْتِفْهامَيْنِ إنْكارِيَّيْنِ مَنشُورَيْنِ عَلى القَوْلَيْنِ [وخَتَمَتْ آيَةٌ كُلٌّ مِنهُما بِآخَرَ، فَتَصِيرُ الِاسْتِفْهاماتُ أرْبَعَةً،] وفي مَدْخُولِ الأوَّلِ الفَصْلُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الدُّنْيا، فَقالَ مُهَدَّدًا: ﴿أوَلَمْ﴾ أيْ أيَقُولُونَ عِنادًا لِرَسُولِنا: أفْتَراهُ ولَمْ ﴿يَهْدِ﴾ أيْ يُبَيِّنْ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿لَهم كَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ كَثْرَةَ مَن أهْلَكْناهُ. (p-٢٦٨)ولَمّا كانَ قُرْبُ شَيْءٍ في الزَّمانِ أوِ المَكانِ أدَلَّ، بَيَّنَ قُرْبَهم بِإدْخالِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ لِأجْلِ مُعانَدَةِ الرُّسُلِ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ الماضِينَ مِنَ المُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ، ونَجَّيْنا مَن آمَنَ بِها، و [رُبَّما] كانَ قُرْبُ المَكانِ مَنزِلًا قُرْبَ الزَّمانِ لِكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِالآثارِ، والتَّرَدُّدِ خِلالَ الدِّيارِ. ولَمّا كانَ انْهِماكُهم في الدُّنْيا الزّائِلَةِ قَدْ شَغَلَهم عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَنْفَعُهم عَنِ المَواعِظِ بِالأفْعالِ والأقْوالِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَصْوِيرِ اطِّلاعِهِمْ عَلى ما لَهم مِنَ الأحْوالِ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ﴾ أيْ أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلِ لِلتَّفَكُّرِ إلّا حالَ المَشْيِ ﴿فِي مَساكِنِهِمْ﴾ لِشِدَّةِ ارْتِباطِهِمْ مَعَ المَحْسُوساتِ، وذَلِكَ كَمَساكِنِ عادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ لُوطٍ ونَحْوِهِمْ. ولَمّا كانَ في هَذا أتَمَّ عِبْرَةٍ وأعْظَمَ عِظَةٍ، قالَ مُنَبِّهًا عَلَيْهِ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَعْتَبِرْ مُنْكِرٌ لِما فِيهِ مِنَ العِبَرِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ ظاهِراتٍ جِدًّا، مَرْئِيّاتٍ في الدِّيارِ وغَيْرِها مِنَ الآثارِ، ومَسْمُوعاتٍ في الأخْبارِ. ولَمّا كانَ السَّماعُ هو الرَّكْنَ الأعْظَمَ، [وكانَ إهْلاكُ القُرُونِ إنَّما وصَلَ إلَيْهِمْ بِالسَّماعِ،] قالَ مُنْكِرًا: ﴿أفَلا يَسْمَعُونَ﴾ أيْ إنَّ أحْوالَهم لا يَحْتاجُ مَن ذُكِرَتْ لَهُ في الرُّجُوعِ عَنِ الغَيِّ إلى غَيْرِ سَماعِها، (p-٢٦٩)فَإنْ لَمْ يَرْجِعْ فَهو مِمَّنْ لا سَمْعَ لَهُ

السجدة 32:27

﴿أوَلَمْ﴾ أيْ أيَقُولُونَ في إنْكارِ البَعْثِ: إذا ضَلَلْنا في الأرْضِ، ولَمْ ﴿يَرَوْا أنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَسُوقُ الماءَ﴾ مِنَ السَّماءِ أوِ الأرْضِ ﴿إلى الأرْضِ الجُرُزِ﴾ أيِ الَّتِي جَرُزَ نَباتُها أيْ قُطِعَ بِاليُبْسِ والتَّهَشُّمِ، أيْ بِأيْدِي النّاسِ فَصارَتْ مَلْساءَ لا نَبْتَ فِيها، وفي البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّها الَّتِي لا تُمْطِرُ إلّا مَطَرًا لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا، قالُوا: ولا يُقالُ لِلَّتِي لا تَنْبُتُ كالسِّباخِ: جُزُرٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ مِن أعْماقِ الأرْضِ ﴿زَرْعًا﴾ أيْ نَبْتًا لا ساقَ لَهُ بِاخْتِلاطِ الماءِ بِالتُّرابِ الَّذِي كانَ زَرْعًا قَبْلَ هَذا، وأشارَ إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ، لا مِرْيَةَ فِيهِ، ولَيْسَ هو بِتَخْيِيلٍ كَما تَفْعَلُ السَّحَرَةُ، بِقَوْلِهِ مُذَكِّرًا بِنِعْمَةِ الإبْقاءِ بَعْدَ الإيجادِ: ﴿تَأْكُلُ مِنهُ﴾ أيْ مِن حَبِّهِ ووَرَقِهِ وتِبْنِهِ وحَشِيشِهِ ﴿أنْعامُهُمْ﴾ وقَدَّمَها لِمَوْقِعِ الِامْتِنانِ بِها لِأنَّ بِها قِوامَهم في مَعايِشِهِمْ وأبْدانِهِمْ، ولِأنَّ السِّياقَ لِمُطْلَقِ إخْراجِ الزَّرْعِ، وأوَّلُ صَلاحِهِ إنَّما هو لِأكْلِ الأنْعامِ بِخِلافِ ما في سُورَةِ عَبَسَ، فَإنَّ السِّياقَ لِطَعامِ الإنْسانِ الَّذِي هو نِهايَةُ الزَّرْعِ حَيْثُ قالَ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ [عبس: ٢٤] ثُمَّ قالَ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ [عبس: ٢٧] وذَكَرَ مِن طَعامِهِ مِنَ العِنَبِ وغَيْرِهِ ما [لا] يَصْلُحُ (p-٢٧٠)لِلْأنْعامِ ﴿وأنْفُسُهُمْ﴾ أيْ مِن حَبِّهِ، وأصْلُهُ إذا كانَ بَقْلًا. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ [مُبْصِرَةً، وكانَتْ] في وُضُوحِها في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ لا يَحْتاجُ الجاهِلُ بِهِ في الإقْرارِ سِوى رُؤْيَتِها قُالَ: ﴿أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ إشارَةً إلى أنَّ مَن رَآها وتَنَبَّهَ عَلى ما فِيها مِنَ الدَّلالَةِ وأصَرَّ عَلى الإنْكارِ لا بَصَرَ لَهُ ولا بَصِيرَةَ.

السجدة 32:28

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أدَلَّ دَلِيلٍ - كَما مَضى - عَلى البَعْثِ، وكانَ يَوْمًا يَظْهَرُ فِيهِ عِزُّ الأوْلِياءِ وذُلُّ الأعْداءِ، أتْبَعَها قَوْلَهُ تَعْجِيبًا مِنهم عَطْفًا عَلى ”يَقُولُونَ افْتَراهُ“ ونَحْوَها: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ مَعَ هَذا البَيانِ الَّذِي لا لَبْسَ مَعَهُ اسْتِهْزاءً: ﴿مَتى هَذا الفَتْحُ﴾ أيِ النَّصْرُ والقَضاءُ والفَصْلُ الَّذِي يَفْتَحُ المُنْغَلِقَ يَوْمَ الحَشْرِ ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقَيْنِ في الصِّدْقِ بِالإخْبارِ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ لِنُؤْمِنَ إذا رَأيْناهُ.

السجدة 32:29

ولَمّا أسْفَرَ حالُهم بِهَذا السُّؤالِ الَّذِي مُحَصِّلُهُ الِاسْتِعْجالُ عَلى وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ عَنْ أنَّهم لا يَزْدادُونَ مَعَ البَيانِ إلّا عِنادًا، أمَرَهم بِجَوابٍ فِيهِ أبْلَغُ تَهْدِيدٍ، فَقالَ فاعِلًا فِعْلَ القادِرِ في الإعْراضِ عَنْ إجابَتِهِمْ عَنْ تَعْيِينِ اليَوْمِ إلى ذِكْرِ حالِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ اللُّدِّ الجَهَلَةِ: ﴿يَوْمَ الفَتْحِ﴾ أيِ الَّذِي يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ - تُبادِرُونَ إلى الإيمانِ بَعْدَ الِانْسِلاخِ مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّماخَةِ والكِبْرِ، فَلا يَنْفَعُكم بَعْدَ العِيانِ (p-٢٧١)[وهُوَ مَعْنى] ﴿لا﴾ يَنْفَعُكُمْ، هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا آياتِ رَبِّهِمُ الَّتِي لا خَفاءَ بِها سَواءٌ في ذَلِكَ أنْتُمْ وغَيْرُكم مِمَّنِ اتَّصَفَ بِهَذا الوَصْفِ ﴿إيمانُهُمْ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ إيمانًا بِالغَيْبِ، ولَكِنَّهُ ساقَهُ هَكَذا سَوْقَ ما هو مَعْلُومٌ ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ أيْ يُمْهَلُونَ في إيقاعِ العَذابِ بِهِمْ لَحْظَةً ما مِن مَنظَرٍ ما.

السجدة 32:30

ولَمّا كانَتْ نَتِيجَةُ سَماعِهِمْ لِهَذِهِ الأدِلَّةِ اسْتِهْزاءَهم حَتّى بِسُؤالِهِمْ عَنْ يَوْمِ الفَتْحِ، وأجابَهم سُبْحانَهُ عَنْ تَعْيِينِهِ بِذِكْرِ حالِهِ، وكانَ ﷺ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى نَفْعِهِمْ رُبَّما أحَبَّ إعْلامَهم بِما طَلَبُوا وإنْ كانَ يَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ [مِنهُمْ] اسْتِهْزاءً رَجاءَ أنْ يَنْفَعَهم نَفْعًا ما، سَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْ إعْراضِهِ عَنْ إجابَتِهِمْ، أمْرَهُ لِهَذا الدّاعِي الرَّفِيقِ والهادِي الشَّفِيقِ بِالإعْراضِ عَنْهم أيْضًا، فَقالَ مُسَلِّيًا لَهُ مُهَدِّدًا لَهُمْ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [أيْ] غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ وإنِ اشْتَدَّ أذاهم ﴿وانْتَظِرْ﴾ أيْ ما نَفْعَلُ بِهِمْ مِمّا فِيهِ إظْهارُ أمْرِكَ وإعْلاءِ دِينِكَ، ولَمّا كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِتَرَدُّدِ السّامِعِ في حالِهِمْ هَلْ هو الِانْتِظارُ، أُجِيبَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ ما يُفْعَلُ بِكَ وما يَكُونُ مِن عاقِبَةِ أمْرِكَ فِيما تَتَوَعَّدُهم بِهِ وفي غَيْرِهِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالإنْذارِ بِهَذا (p-٢٧٢)الكِتابِ، وأعْلَمَ بِجَلالَتِهِ وجَزالَتِهِ وشِدَّتِهِ وشَجاعَتِهِ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَوْعُ ارْتِيابٍ، وأيْضًا فَأوَّلُها في التَّكْذِيبِ بِتَنْزِيلِهِ، وآخِرُها في الِاسْتِهْزاءِ بِتَأْوِيلِهِ، ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] - الآيَةُ، وأيْضًا فالأوَّلُ في التَّكْذِيبِ بِإنْزالِ الرُّوحِ المَعْنَوِيِّ، والآخِرُ في التَّكْذِيبِ بِإعادَةِ الرُّوحِ العَيْنِيِّ الحِسِّيِّ الَّذِي ابْتَدَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ.

الأحزاب 33:1

(p-٢٧٣)سُورَةُ الأحْزابِ مَقْصُودُها الحَثُّ عَلى الصِّدْقِ في الإخْلاصِ في التَّوَجُّهِ إلى الخالِقِ مِن [غَيْرِ] مُراعاةٍ بِوَجْهٍ ما لِلْخَلائِقِ، لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُهُمْ، حَكِيمٌ فِيما يَفْعَلُهُ فَهو يُعْلِي مَن يَشاءُ وإنْ كانَ ضَعِيفًا، ويُرْدِي مَن يُرِيدُ وإنْ كانَ قَوِيًّا، فَلا يَهْتَمَّنَّ الماضِي لِأمْرِهِ بِرَجاءٍ لِأحَدٍ مِنهم في بِرِّهِ ولا خَوْفٍ مِنهُ في عَظِيمِ شَرِّهِ وخِفِيِّ مَكْرِهِ، واسْمُها واضِحٌ في ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القِصَّةِ الَّتِي أشارَ إلَيْها ودَلَّ عَلَيْها بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي مَهْما أرادَ كانَ الرَّحْمَن الَّذِي سَرَتْ رَحْمَتُهُ خِلالَ الوُجُودِ، فَشَمَلَتْ كُلَّ مَوْجُودٍ، بِالكَرَمِ والجُودِ الرَّحِيم لِمَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِالعَطْفِ إلَيْهِ. لَمّا خُتِمَتِ الَّتِي قَبْلَها بِالإعْراضِ عَنِ الكافِرِينَ، وانْتِظارِ ما يَحْكُمُ بِهِ فِيهِمْ رَبُّ العالَمِينَ، بَعْدَ تَحْقِيقِ أنَّ تَنْزِيلَ الكِتابِ مِن عِنْدِ المُدَبِّرِ لِهَذا الخَلْقِ كُلِّهِ، والنَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ في لِقائِهِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالأمْرِ بِأساسِ ذَلِكَ، والنَّهْيِ عَنْ طاعَةِ المُخالِفِينَ مُجاهِرِينَ كانُوا أوْ مُتَساتِرِينَ، والأمْرُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ الَّذِي أعْظَمُهُ الكِتابُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإعْراضَ إنَّما يَكُونُ (p-٢٧٤)طاعَةً لِلَّهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْواهُ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ عَبَّرَ بِأداةِ التَّوَسُّطِ إيماءً إلى أنَّ وقْتَ نُزُولِ السُّورَةِ - وهو آخِرُ سَنَةِ خَمْسٍ، غَبَّ وقْعَةِ الأحْزابِ - أوْسَطَ مُدَّةِ ما بَعْدَ الهِجْرَةِ إلاحَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أمَدِ كَمالِ النُّصْرَةِ الَّتِي اقْتَضاها وصْفُ النُّبُوَّةِ الدّالُّ عَلى الرَّفْعَةِ إلّا القَلِيلُ وعَبَّرَ بِهِ لِاقْتِضاءِ مَقْصُودِ السُّورَةِ مَقامَ النُّبُوَّةِ الَّذِي هو بَيْنَ الرَّبِّ وعَبْدِهِ في تَقْرِيبِهِ وإعْلائِهِ إلى جَنابِهِ إذا قُرِئَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وإنْ قُرِئَ بِهِ كانَ اللَّحْظُ إلى إنْبائِهِ بِالخَفِيِّ وتَفْصِيلِهِ لِلْجَلِيِّ، وقالَ الحِرالِيُّ في كِتابٍ لَهُ في أُصُولِ الدِّينِ: حَقِيقَةُ النُّبُوَّةِ وُرُودُ غَيْبٍ ظاهِرٍ أيْ مِنَ الحَقِّ بِالوَحْيِ لِخاصٍّ مِنَ الخَلْقِ، خَفِيَ عَنِ العامَّةِ مِنهُمْ، ثُمَّ قَدْ يَخْتَصُّ مَقْصِدُ ذَلِكَ الوارِدِ المُقِيمِ لِذَلِكَ الواحِدِ بِذاتِهِ، فَيَكُونُ نَبِيًّا غَيْرَ رَسُولٍ، وقَدْ يَرِدُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَمامِ أمْرِهِ في ذاتِهِ مَوارِدَ إقامَةِ غَيْرِهِ فَيَصِيرُ رَسُولًا. والرُّتْبَةُ الأُولى كَثِيرَةُ الوُقُوعِ في الخَلْقِ، وهي النُّبُوَّةُ، والثّانِيَةُ قَلِيلَةُ الوُقُوعِ، فالرُّسُلُ مِعْشارُ مِعْشارِ الأنْبِياءِ، ولِلنُّبُوَّةِ اشْتِقاقانِ: أحَدُهُما [مِنَ] النَّبَأِ وهو الخَبَرُ، وذَلِكَ لِمَنِ اصْطُفِيَ مِنَ البَشَرِ لِرُتْبَةِ السَّماعِ والإنْباءِ فَنُبِّئَ ونَبَّأ غَيْرَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ حَقِيقَةُ ما نُبِّئَ بِهِ ولا ما نَبَّأ (p-٢٧٥)فَيَكُونُ حامِلَ عِلْمٍ، والِاشْتِقاقُ الثّانِي مِنَ النُّبُوَّةِ وهي الِارْتِفاعُ والعُلُوُّ، وذَلِكَ لِمَن أعْلى عَنْ رُتْبَةِ النَّبَأِ إلى رُتْبَةِ العِلْمِ. فَكانَ مُطَّلِعًا عَلى عِلْمِ ما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الغَيْبِ عَلى حَقِيقَتِهِ وكَمالِهِ، فَمَن عَلا عَنِ الحَظِّ المُتَنَزِّلِ العَقْلِيِّ إلى رُتْبَةِ سَماعٍ، كانَ نَبِيئًا بِالهَمْزِ، ومَن عَلا عَنْ ذَلِكَ إلى رُتْبَةِ عِلْمٍ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ كانَ نَبِيًّا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، فَآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَثَلًا في عِلْمِ الأسْماءِ نَبِيٌّ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وفي ما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ، [وكَذَلِكَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما أُرِيَ مِنَ المَلَكُوتِ نَبِيٌّ غَيْرَ مَهْمُوزٍ وفِيما وراءَهُ نَبِيءٌ بِهَمْزٍ]. انْتَهى. ولَمْ يُنادِهِ سُبْحانَهُ بِاسْمِهِ تَشْرِيفًا لِقَدْرِهِ، وإعْلاءً لِمَحَلِّهِ، وحَيْثُ سَمّاهُ بِاسْمِهِ في الأخْبارِ فَلِلتَّشْرِيفِ مِن جِهَةٍ أُخْرى، وهي تَعْيِينُهُ وتَخْصِيصُهُ إزالَةً لِلَّبْسِ عَنْهُ، وقَطْعًا لِشُبَهِ التَّعَنُّتِ. ولَمّا ناداهُ سُبْحانَهُ بِهَذا الِاسْمِ الشَّرِيفِ المُقْتَضِي لِلِانْبِساطِ، أمَرَهُ بِالخَوْفِ فَقالَ: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أيْ زِدْ مِنَ التَّقْوى يا أعْلى الخَلائِقِ بِمِقْدارِ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ لِذِي الجَلالِ كُلِّهِ والإكْرامِ، لِئَلّا تَلْتَفِتَ إلى شَيْءٍ سِواهُ، فَإنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُرْهَبَ لِما لَهُ مِن خِلالِ الجَلالِ، والعَظَمَةِ والكَمالِ. ولَمّا وجَّهَ إلَيْهِ الأمْرَ بِخَشْيَةِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، أتْبَعَهُ النَّهْيَ عَنِ الِالتِفاتِ (p-٢٧٦)نَحْوَ العَدُوِّ والحَسُودِ. فَقالَ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُمانِعِينَ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أيِ المُصانِعَيْنِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ لَمْ يَتَقَدَّمْ إلَيْكَ الخالِقُ فِيهِ بِأمْرٍ وإنْ لاحَ لائِحُ خَوْفٍ أوْ بَرَقَ بارِقُ رَجاءٍ، ولا سِيَّما سُؤالُنا في شَيْءٍ مِمّا يَقْتَرِحُونَهُ رَجاءَ إيمانِهِمْ مِثْلَ أنْ تُعَيِّنَ لَهم وقْتَ السّاعَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيها الفَتْحُ، فَإنَّهم إنَّما يَطْلُبُونَ ذَلِكَ اسْتِهْزاءً، قالَ أبُو حَيّانَ: وسَبَبُ نُزُولِها أنَّهُ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ كانَ يُحِبُّ إسْلامَ اليَهُودِ، فَتابَعَهُ ناسٌ مِنهم عَلى النِّفاقِ، وكانَ يُلِينُ لَهم جانِبَهُ، وكانُوا يُظْهِرُونَ النَّصائِحَ مِن طُرُقِ المُخادَعَةِ، فَنَزَلَتْ تَحْذِيرًا لَهُ مِنهُمْ،» وتَنْبِيهًا عَلى عَداوَتِهِمْ - انْتَهى ثُمَّ عَلَّلَ الأمْرَ والنَّهْيَ بِما يُزِيلُ الهُمُومَ ويُوجِبُ الإقْبالَ عَلَيْهِما واللُّزُومَ، فَقالَ مُلَوِّحًا إلى أنْ لَهم أغْوارًا في مَكْرِهِمْ رُبَّما خَفِيَتْ عَلَيْهِ ﷺ، وأكَّدَ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ عَلى مَعْلُولِهِ بِغايَةِ الِاهْتِمامِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِعَظِيمِ كَمالِهِ وعِزِّ جَلالِهِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا﴾ شامِلَ العِلْمِ ﴿حَكِيمًا﴾ بالِغَ الحِكْمَةِ فَهو لَمْ يَأْمُرْكَ بِأمْرٍ إلّا وقَدْ عَلِمَ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأحْكَمَ إصْلاحَ الحالِ فِيهِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: افْتَتَحَها سُبْحانَهُ بِأمْرِ (p-٢٧٧)نَبِيِّهِ بِاتِّقائِهِ، ونَهْيِهِ عَنِ الصَّغْوِ إلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، واتِّباعِهِ ما يُوحِي إلَيْهِ، تَنْزِيهًا لِقَدْرِهِ عَنْ مِحْنَةِ مَن سَبَقَ لَهُ الِامْتِحانُ مِمَّنْ قَدَّمَ ذِكْرَهُ في سُورَةِ السَّجْدَةِ، وأمْرًا لَهُ بِالتَّسْلِيمِ لِخالِقِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤] ولَمّا تَحَصَّلَ مِنَ السُّورَتَيْنِ مِنَ الإشارَةِ إلى السَّوابِقِ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِتَأْنِيسِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وصالِحِي أتْباعِهِ، ولِهَذا أعْقَبَ سُورَةَ السَّجْدَةِ بِهَذِهِ السُّورَةِ المُضَمَّنَةِ مِنَ التَّأْنِيسِ والبِشارَةِ ما يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن لُطْفِهِ تَعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ، فافْتَتَحَ سُبْحانَهُ السُّورَةَ بِخِطابِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالتَّقْوى، وإعْلامِهِ بِما [قَدْ] أعْطاهُ قَبْلُ مِن سُلُوكِ سَبِيلِ النَّجاةِ وإنْ ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ الأمْرِ لِيُشْعِرَهُ بِاسْتِقامَةِ سَبِيلِهِ، وإيضاحِ دَلِيلِهِ، وخاطَبَهُ بِلَفْظِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ أمْرٌ عَقِبَ تَخْوِيفٍ وإنْذارٍ وإنْ كانَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ نَزَّهَ اللَّهَ قَدْرَهُ عَلى أنْ يَكُونَ مِنهُ خِلافُ التَّقْوى، وعَصَمَهُ مِن كُلِّ ما يُنافِرُ نَزاهَةَ حالِهِ وعَلَيِّ مَنصِبِهِ، ولَكِنْ طَرِيقَةُ خَطابِهِ تَعالى لِلْعِبادِ أنَّهُ تَعالى مَتى جُرِّدَ ذِكْرُهم لِلْمَدْحِ مِن غَيْرِ أمْرٍ ولا نَهْيٍ (p-٢٧٨)فَهُوَ مَوْضِعُ ذِكْرِهِمْ بِالأخَصِّ الأمْدَحِ عَنْ مَحْمُودِ صِفاتِهِمْ، ومِنهُ ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] الآياتُ، فَذُكِرَ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ، ومَهْما كانَ الأمْرُ والنَّهْيُ، عَدَلَ في الغالِبِ إلى الأعَمِّ، ومِنهُ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾ [الأنفال: ٦٥] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التحريم: ٩] ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا جاءَكَ المُؤْمِناتُ﴾ [الممتحنة: ١٢] وقَدْ تَبَيَّنَ في غَيْرِ هَذا، وأنَّ ما ورَدَ عَلى خِلافِ هَذا القانُونِ فَلِسَبَبٍ خاصٍّ اسْتَدْعى العُدُولَ عَنِ المُطَّرِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] فَوَجْهُ هَذا أنَّ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] مَوْقَعُهُ شَدِيدٌ، فَعُودِلَ بِذِكْرِهِ ﷺ بِاسْمِ الرِّسالَةِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّلَطُّفِ، فَهو مِن بابِ ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] وفِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، وأيْضًا فَإنَّهُ لَمّا قِيلَ لَهُ ”بَلِّغْ“ طابَقَ هَذا ذِكْرَهُ بِالرِّسالَةِ، فَإنَّ المُبَلِّغَ رَسُولٌ، والرَّسُولُ مُبَلِّغٌ، ولا يَلْزَمُ النَّبِيَّ أنْ يُبَلِّغَ إلّا أنْ يُرْسَلَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] فَأمْرُهُ وإنْ كانَ نَهْيًا أوْضَحُ مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّهُ تَسْلِيَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَأْنِيسٌ وأمْرٌ بِالصَّبْرِ والرِّفْقِ بِنَفْسِهِ، فَبابُهُ (p-٢٧٩)راجِعٌ إلى ما يَرِدُ مَدْحًا مُجَرَّدًا عَنِ الطَّلَبِ، وعَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ يَخْرُجُ [ما ورَدَ مِن هَذا. ولَمّا افْتُتِحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِما حاصِلُهُ ما قَدَّمْناهُ] مِن إعْلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن هَذا الأمْرِ بِعَلِيِّ حالِهِ ومَزِيَّةِ قَدْرِهِ، ناسَبَ ذَلِكَ ما احْتَوَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن بابِ التَّنْزِيهِ في مَواضِعَ مِنها إعْلامُهُ تَعالى بِأنَّ أزْواجَ نَبِيِّهِ ﷺ أُمَّهاتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَنُزِّهْنَ عَنْ أنْ يَكُونَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ غَيْرِهِنَّ مِنَ النِّساءِ مَزِيَّةً لَهُنَّ وتَخْصِيصًا وإجْلالًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] - الآيَةُ، فَنَزَّهَهم عَنْ تَطَرُّقِ سُوءٍ أوْ دُخُولِ ارْتِيابٍ عَلى مَصُونِ مُعْتَقَداتِهِمْ وجَلِيلِ إيمانِهِمْ ﴿قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] والآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب: ٢٣] - الآيَةُ، ومِنها ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٢] فَنَزَّهَهُنَّ سُبْحانَهُ وبَيَّنَ شَرَفَهُنَّ عَلى مَن عَداهُنَّ، ومِنها تَنْزِيهُ أهْلِ البَيْتِ وتَكْرِمَتُهم ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] الآيَةُ، ومِنها الأمْرُ بِالحِجابِ ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ وبَناتِكَ ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] فَنَزَّهَ المُؤْمِناتِ عَنْ حالَةِ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّبَرُّجِ وعَدَمِ الحِجابِ، وصانَهُنَّ عَنِ التَّبَذُّلِ والِامْتِهانِ، ومِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا (p-٢٨٠)كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ [الأحزاب: ٦٩] فَوَصّاهم جَلَّ وتَعالى ونَزَّهَهم بِما نَهاهم عَنْهُ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِمَنِ اسْتَحَقَّ اللَّعْنَ والغَضَبَ في سُوءِ أدَبِهِمْ وعَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ، إلى ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ بِالبِشارَةِ العامَّةِ واللُّطْفِ الشّامِلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] - إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] - إلى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣] وقَوْلِهِ تَعالى مُثْنِيًا عَلى المُؤْمِنِينَ بِوَفائِهِمْ وصِدْقِهِمْ ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ [الأحزاب: ٢٣] [وقَوْلِهِ] سُبْحانَهُ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ نَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وفي (p-٢٨١)هَذِهِ الآياتِ مِن تَأْنِيسِ المُؤْمِنِينَ وبِشارَتِهِمْ وتَعْظِيمِ حُرْمَتِهِمْ ما يَكْسِرُ سَوْرَةَ الخَوْفِ الحاصِلِ مِن سُورَتَيْ لُقْمانَ والسَّجْدَةِ ويَسْكُنُ رَوْعُهم تَأْنِيسًا لا رَفْعًا ومِن هَذا القَبِيلِ أيْضًا ما تَضَمَّنَتِ السُّورَةُ مِن تَعْدادِ نِعَمِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ وتَحْسِينِ خَلاصِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب: ٩] - إلى قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ١١] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] وخَتَمَ السُّورَةَ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ والمَغْفِرَةِ أوْضَحَ شاهِدٍ لِما تَمَهَّدَ مِن دَلِيلِ قَصْدِها وبَيانِها عَلى ما وضَّحَ الحَمْدُ لِلَّهِ ولَمّا كانَ حاصِلُها رَحْمَةً ولُطْفًا ونِعْمَةً، لا يَقْدِرُ عَظِيمَ قَدْرِها، ويَنْقَطِعُ العالَمُ دُونَ الوَفاءِ بِشُكْرِها، أعْقَبَ بِما يَنْبَغِي مِنَ الحَمْدِ يَعْنِي أوَّلَ سَبَأٍ. انْتَهى.

الأحزاب 33:2

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِمُخالَفَةِ كُلِّ ما يَدْعُو إلَيْهِ كافِرٌ. وكانَ [الكافِرُ] رُبَّما دَعا إلى شَيْءٍ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ، قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعْ﴾ أيْ بِغايَةِ جُهْدِكَ. ولَمّا اشْتَدَّتِ العِنايَةُ هُنا بِالوَحْيِ، وكانَ المُوحِي مَعْلُومًا مِن آياتٍ كَثِيرَةٍ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿ما يُوحى﴾ أيْ يُلْقى إلْقاءً خَفِيًّا كَما يَفْعَلُ المُحِبُّ مَعَ حَبِيبِهِ ﴿إلَيْكَ﴾ وأتى مَوْضِعَ الضَّمِيرِ بِظاهِرٍ يَدُلُّ عَلى الإحْسانِ (p-٢٨٢)فِي التَّرْبِيَةِ لِيَقْوى عَلى امْتِثالِ ما أمَرَتْ بِهِ الآيَةُ السّالِفَةُ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِصَلاحِ جَمِيعِ أمْرِكَ، فَمَهْما أمَرَكَ بِهِ فافْعَلْهُ لِرَبِّكَ لا لَهُمْ، ومَهْما نَهاكَ عَنْهُ فَكَذَلِكَ، سَواءٌ كانَ إقْبالًا عَلَيْهِمْ أوْ إعْراضًا عَنْهم أوْ غَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا أمَرَهُ بِاتِّباعِ الوَحْيِ، رَغْبَةً فِيهِ بِالتَّعْلِيلِ بِأوْضَحَ مِنَ التَّعْلِيلِ الأوَّلِ في أنَّ مَكْرَهم خَفِيٌّ، فَقالَ مُذَكِّرًا بِالِاسْمِ الأعْظَمِ بِجَمِيعِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى زِيادَةً في التَّقْوِيَةِ عَلى الِامْتِثالِ، مُؤَكِّدًا لِلتَّرْغِيبِ كَما تَقَدَّمَ، وإشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا يَسْتَبْعِدُهُ بَعْضُ المُخاطَبِينَ في قِراءَةِ الخِطابِ [لِغَيْرِ أبِي عَمْرٍو:] ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ [أيْ] بِعَظَمَتِهِ وكَمالِهِ ﴿كانَ﴾ دائِمًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيِ الفَرِيقانِ مِنَ المَكايِدِ وإنَّ دَقَّ ﴿خَبِيرًا﴾ فَلا تَهْتَمَّ بِشَأْنِهِمْ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ كافِيكَهُ وإنْ تَعاظَمَ، وعَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالغَيْبِ يَكُونُ هَذا التَّعْلِيلُ حَثًّا عَلى الإخْلاصِ، وتَحْقِيقًا لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى الإصْلاحِ وإنْ أعْيى الخَلاصُ، ونَفْيًا لِما قَدْ يَعْتَرِي النُّفُوسَ مِنَ الزِّلْزالِ، في أوْقاتِ الِاخْتِلالِ.

الأحزاب 33:3

(p-٢٨٣)ولَمّا كانَ الآدَمِيُّ مَوْضِعَ الحاجَةِ إلى تَعْظِيمِ التَّرْجِيَةِ قالَ: ﴿وتَوَكَّلْ﴾ أيْ دَعِ الِاعْتِمادَ عَلى التَّدْبِيرِ في أُمُورِكَ واعْتَمِدْ فِيها ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، ولِتَكْرِيرِ هَذا الِاسْمِ [الأعْظَمِ] الجامِعِ لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ في هَذا المَقامِ شَأْنٌ لا يَخْفى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّهُ يَكْفِيكَ في جَمِيعِ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ عَلى الإطْلاقِ ﴿وكِيلا﴾ أيْ إنَّهُ لا أكَفى مِنهُ لِكُلِّ مَن وكَّلَهُ في أمْرِهِ، فَلا تَلْتَفِتْ في شَيْءٍ مِن أمْرِكَ إلى شَيْءٍ [غَيْرِهِ] لِأنَّهُ لَيْسَ لَكَ قَلْبانِ تُصَرِّفُ كُلًّا مِنهُما [إلى واحِدٍ.

الأحزاب 33:4

ولَمّا كانَ النّازِعُ إلى جِهَتَيْنِ] والمُعالِجُ لِأمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ كَأنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِقَلْبَيْنِ، أكَّدَ أمْرَ الإخْلاصِ في جَعْلِ الهَمِّ هَمًّا واحِدًا فِيما يَكُونُ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، وفي المُظاهَرَةِ والتَّبَنِّي وكُلِّ ما شابَهَها بِضَرْبِ المَثَلِ بِالقَلْبَيْنِ - كَما قالَ الزُّهْرِيُّ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ بِما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ الآدَمِيَّ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ مَوْضِعٌ لِخَفاءِ الأُمُورِ عَلَيْهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والعَظَمَةُ الباهِرَةُ، ولَيْسَ الجَعْلُ إلّا لَهُ ولا أمْرَ لِغَيْرِهِ ﴿لِرَجُلٍ﴾ أيْ لِأحَدٍ مِن بَنِي آدَمَ الَّذِينَ هم أشْرَفُ الخَلائِقِ مِن نَبِيٍّ ولا غَيْرِهِ، وعَبَّرَ بِالرَّجُلِ لِأنَّهُ أقْوى جِسْمًا وفَهْمًا فَيُفْهِمُ غَيْرَهُ مِن بابِ الأوْلى؛ وأشارَ إلى التَّأْكِيدِ (p-٢٨٤)بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَلْبَيْنِ﴾ وأكَّدَ الحَقِيقَةَ وقَرَّرَها، وجَلّاها وصَوَّرَها لِما قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ مِن أنَّهُ يَقْدِرُ عَلى صَرْفِ النَّفْسِ إلى الأُمُورِ المُتَخالِفَةِ كَما يَفْعَلُ المُنافِقُ، بِقَوْلِهِ: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ أيْ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِن أنْ يَنْزِعَ بِكُلِّ قَلْبٍ إلى جِهَةٍ غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي نَزَعَ إلَيْها القَلْبُ الآخَرُ لِأنَّ ذَلِكَ مُودٍ إلى خَرابِ البَدَنِ لِأنَّ القَلْبَ مُدَبِّرُهُ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، واسْتِقْلالُ كُلٍّ بِالتَّدْبِيرِ يُؤَدِّي إلى الفَسادِ كَما مَضى في دَلِيلِ التَّمانُعِ سَواءٌ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: القَلْبُ كالمِرْآةِ مَهْما حُوذِيَ بِهِ جانِبُ القُدْسِ أعْرَضَ عَنْ جانِبِ الحِسِّ، ومَهْما حُوذِيَ بِهِ جانِبُ الحِسِّ أعْرَضَ عَنْ جانِبِ القُدْسِ، فَلا يَجْتَمِعُ الإقْبالُ عَلى اللَّهِ وعَلى ما سِواهُ. انْتَهى. وحاصِلُ ذَلِكَ أنَّهُ تَمْهِيدٌ لِأنَّ التَّوَزُّعَ والشِّرْكَ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ مُدَبِّرَ المُلْكِ واحِدٌ كَما أنَّ البَدَنَ قَلْبٌ واحِدٌ، فَلا التِفافَ إلى غَيْرِهِ، وأنَّ الدِّينَ لَيْسَ بِالتَّشَهِّي وجَعْلِ الجاعِلِينَ، وإنَّما هو بِجَعْلِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّهُ العالِمُ بِالأُمُورِ عَلى ما هي عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنَ المُظاهَرَةِ والتَّبَنِّي نازِعًا إلى جِهَتَيْنِ مُتَنافِيَتَيْنِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعُدُّونَ الظِّهارَ طَلاقًا مُؤَبَّدًا لا رَجْعَةَ فِيهِ - كَما نَقَلَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ في عُمْدَةِ المِنهاجِ عَنْ صاحِبِ الحاوِي، وكانَ المُخاطَبُونَ قَدْ أعْلاهُمُ الوَعْظُ السّابِقُ إلى التَّأهُّلِ لِلْخِطابِ، لَفَتَ سُبْحانَهُ القَوْلَ إلَيْهِ عَلى قِراءَةِ الغَيْبِ [فِي ”يَعْلَمُونَ“ لِأبِي عَمْرٍو] فَقالَ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ﴾ (p-٢٨٥)أيْ بِما أباحَ لَكم مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ مِن جِهَةِ الزَّوْجِيَّةِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى الجِهَةِ الأُخْرى بِقَوْلِهِ: ﴿اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ﴾ أيْ [كَما] يَقُولُ الإنْسانُ لِلْواحِدَةِ مِنهُنَّ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ﴿أُمَّهاتِكُمْ﴾ بِما حَرُمَ عَلَيْكم مِنَ الِاسْتِمْتاعِ بِهِنَّ حَتّى تَجْعَلُوا ذَلِكَ عَلى التَّأْبِيدِ وتُرَتِّبُوا عَلى ذَلِكَ أحْكامَ الأُمَّهاتِ كُلَّها، لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِرَجُلٍ أمانٌ، ولَوْ جَعَلَ ذَلِكَ لَضاقَ الأمْرُ، واتَّسَعَ الخَرْقُ، وامْتَنَعَ الرَّتْقُ ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكُمْ﴾ بِما جَعَلَ لَهم مِنَ النِّسْبَةِ والِانْتِسابِ إلى غَيْرِكم ﴿أبْناءَكُمْ﴾ بِما جَعَلْتُمْ لَهم مِنَ الِانْتِسابِ إلَيْكم لِيَحِلَّ لَهم إرْثُكُمْ، وتَحْرُمَ عَلَيْكم حَلائِلُهم وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْكامِ الأبْناءِ، ولا يَكُونُ لِابْنٍ أبَوانِ، ولَوْ جُعِلَ ذَلِكَ لَضاعَتِ الأنْسابُ، وعَمَّ الِارْتِيابُ، وانْقَلَبَ كَثِيرٌ مِنَ الحَقائِقِ أيَّ انْقِلابٍ، فانْفَتَحَ بِذَلِكَ مِنَ الفَسادِ أبْوابٌ أيُّ أبْوابٍ، فَلَيْسَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ الكَلْبِيُّ الَّذِي تَبَنَّيْتَهُ ابْنًا لَكَ أيُّها النَّبِيُّ بِتَبَنِّيكَ لَهُ جَزاءً [لَهُ] بِاخْتِيارِهِ لَكَ عَلى أبِيهِ وأهْلِهِ، وهَذا تَوْطِئَةٌ لِما يَأْتِي مِن قِصَّةِ زَواجِ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ مُطَلَّقَةِ زَيْدٍ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ (p-٢٨٦)ﷺ [فَإنَّهُ ﷺ] لَمّا تَزَوَّجَها قالَ المُنافِقُونَ كَما حَكاهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ: تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ وهو يَنْهى النّاسَ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وبَيَّنَ أنَّ التَّبَنِّيَ إنَّما هو مَجازٌ، وأنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو زَوْجَةُ الِابْنِ الحَقِيقِيِّ [و] ما أُلْحِقَ بِهِ مِنَ الرَّضاعِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ تَبْنّى زَيْدًا لِقِصَّةٍ مَذْكُورَةٍ في السِّيرَةِ، رَوى البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] . لَمّا أبْطَلَ [هَذا] سُبْحانَهُ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَمّا مَضى مِن عَمَلِهِمْ فِيهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ القَوْلُ البَعِيدُ عَنِ الحَقِيقَةِ، وأكَّدَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ أيْ لا حَقِيقَةَ لَهُ وراءَ القَوْلِ وتَحْرِيكِ الفَمِ [مِن غَيْرِ مُطابَقَةِ قُلُوبِكُمْ،] فَإنَّ كُلَّ مَن يَقُولُ ذَلِكَ لا يَعْتَقِدُهُ، [لِأنَّ مَن كانَ لَهُ فَمٌ كانَ مُحْتاجًا، ومَن كانَ مُحْتاجًا كانَ مُعَرَّضًا لِلنَّقائِصِ كانَ مُعَرَّضًا لِلْأوْهامِ، ومَن غَلَبَتْ عَلَيْهِ الأوْهامُ كانَ في كَلامِهِ الباطِلُ] ﴿واللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ [ولَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ] ﴿يَقُولُ الحَقَّ﴾ أيِ الكامِلَ (p-٢٨٧)فِي حَقِّيَّتِهِ، الثّابِتُ الَّذِي يُوافِقُ ظاهِرُهُ باطِنَهُ، فَلا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى نَقْضِهِ فَإنْ أخْبَرَ عَنْ شَيْءٍ فَهو كَما قالَ، لَيْسَ بَيْنَ الخَبَرِ والواقِعِ مِن ذَلِكَ المُخْبَرِ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ المُخالَفَةِ، وإنْ أتى بِقِياسِ فَرْعٍ عَلى أصْلٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ إبْداءَ فَرْقٍ، [فَإنَّ أقْوالَهُ سُبْحانَهُ سابِقَةٌ عَلى الواقِعِ لِأنَّها مُصَدَّرَةٌ فِيها بِكَوْنٍ، فَإذا قالَ قَوْلًا وُجِدَ مَضْمُونُهُ مُطابِقًا لِذَلِكَ القَوْلِ، فَإذا طَبَّقْتَ بَيْنَهُما كانا سَواءً، فَكانَ ذَلِكَ المَضْمُونُ ثابِتًا كَما كانَ ذَلِكَ الواقِعُ ثابِتًا، فَكانَ حَقًّا، هَكَذا أقْوالُهُ عَلى الدَّوامِ، لِأنَّهُ مُنَزَّهٌ سُبْحانَهُ عَنِ النَّقائِصِ فَلا جارِحَةَ ثَمَّ لِيَكُونَ بَيْنَها وبَيْنَ مُعَدِّ القَوْلِ مُخالَفَةٌ مِن فَمٍ أوْ غَيْرِهِ وعَنْ كُلِّ ما يَقْتَضِي حاجَةً، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الفَمَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِ ثانِيًا والحَقَّ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ الباطِلِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ ما يَدُلُّ عَلى النَّقْصِ في حَقِّنا، وعَلى الكَمالِ في حَقِّهِ، ودَلَّ عَلى التَّنْزِيهِ بِالإشارَةِ لِيُبَيِّنَ فَهْمَ الفُهَماءِ وعِلْمَ العُلَماءِ] ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن حَيْثُ قَوْلُهُ الحَقُّ ﴿يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيِ الكامِلَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُوصِلَ إلى المَطْلُوبِ إنْ ضَلَّ أحَدٌ في فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ، فَلا تُعَوِّلُوا عَلى سَواءٍ ولا تَلْتَفِتُوا أصْلًا إلى غَيْرِهِ.

الأحزاب 33:5

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما تَقُولُ؟ اهْدِنا إلى سَبِيلِ الحَقِّ في ذَلِكَ، أرْشِدْ إلى أمْرِ التَّبَنِّي إشارَةً إلى أنَّهُ هو المَقْصُودُ في هَذِهِ السُّورَةِ لِما يَأْتِي بَعْدُ مِن آثارِهِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْعُوهُمْ﴾ أيِ الأدْعِياءَ (p-٢٨٨)﴿لآبائِهِمْ﴾ أيْ إنْ عَلِمُوا ولَدًا قالُوا: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ﴾ أيْ هَذا الدُّعاءُ ﴿أقْسَطُ﴾ أيْ أقْرَبُ إلى العَدْلِ مِنَ التَّبَنِّي وإنْ كانَ إنَّما هو لِمَزِيدِ الشَّفَقَةِ عَلى المُتَبَنّى والإحْسانِ إلَيْهِ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُفْعَلَ في مُلْكِهِ إلّا ما هو أقْرَبُ إلى الكَمالِ، وفي هَذا بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى بَعْضُ التَّنْفِيسِ عَنْهُمْ، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ التَّغْلِيظَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَجْمُوعِ القَوْلَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. ولَمّا كانُوا قَدْ يَكُونُونَ مَجْهُولِينَ، تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ لِجَهْلٍ أصْلِيٍّ أوْ طارِئٍ ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ إنْ كانُوا دَخَلُوا في دِينِكم ﴿ومَوالِيكُمْ﴾ أيْ أرِقّاؤُكم مَعَ بَقاءِ الرِّقِّ أوْ مَعَ العِتْقِ عَلى كِلْتا الحالَتَيْنِ، ولِذا قالُوا: سالِمٌ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ. ولَمّا نَزَلَ هَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ وهو يَعْلَمُ فالجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرامٌ» - أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ وأبِي بَكَرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ولَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الخَوْفَ مِمّا سَبَقَ مِن أحْوالِهِمْ عَلى النَّهْيِ لِشِدَّةِ ورَعِهِمْ، أخْبَرَهم أنَّهُ تَعالى أسْقَطَ عَنْهم ذَلِكَ لِكَوْنِهِ خَطَأً، وساقَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ ما بَعْدَ النَّهْيِ [أيْضًا] فَقالَ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ (p-٢٨٩)إثْمٌ ومَيْلٌ واعْوِجاجٌ، وعَبَّرَ بِالظَّرْفِ لِيُعِيدَ أنَّ الخَطَأ لا إثْمَ فِيهِ بِوَجْهٍ، ولَوْ عَبَّرَ بِالباءِ لِظُنَّ أنَّ فِيهِ إثْمًا، ولَكِنَّهُ عَفا عَنْهُ فَقالَ: ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ مِنَ الدُّعاءِ بِالبُنُوَّةِ والمُظاهَرَةِ أوْ في شَيْءٍ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ، ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ ما﴾ أيِ الإثْمُ فِيما ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ عَلى زَوالِ الحَرَجِ أيْضًا فِيما وقَعَ بَعْدَ النَّهْيِ عَلى سَبِيلِ النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ، ودَلَّ تَأْنِيثُ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ لا يَعْتَمِدُهُ بَعْدَ البَيانِ الشّافِي إلّا قَلْبٌ فِيهِ رَخاوَةُ الأُنُوثَةِ، ودَلَّ جَمْعُ الكَثْرَةِ عَلى عُمُومِ الإثْمِ إنْ لَمْ يَنْهَ المُتَعَمِّدَ. ولَمّا كانَ هَذا الكَرَمُ خاصًّا بِما تَقَدَّمَهُ، عَمَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ لِكَوْنِهِ لا أعْظَمَ مِنهُ ولا أكْرَمَ مِنهُ ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ مِن صِفَتِهِ السِّتْرُ البَلِيغُ عَلى المُذْنِبِ النّائِبِ، والهِدايَةُ العَظْمِيَّةُ لِلضّالِّ الآئِبِ، والإكْرامُ بِإيتاءِ الرَّغائِبِ.

الأحزاب 33:6

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ التَّبَنِّي، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلاهُ لِما اخْتارَهُ عَلى أبِيهِ وأُمِّهِ، عَلَّلَ سُبْحانَهُ النَّهْيَ فِيهِ بِالخُصُوصِ بِقَوْلِهِ دالًّا عَلى أنَّ الأمْرَ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ: ﴿النَّبِيُّ﴾ أيِ الَّذِي يُنْبِئُهُ اللَّهُ بِدَقائِقِ الأحْوالِ في بَدائِعِ الأقْوالِ، ويَرْفَعُهُ دائِمًا في مَراقِي الكَمالِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَشْغَلَهُ بِوَلَدٍ ولا مالٍ ﴿أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، فَغَيْرُهم أوْلى في كُلِّ شَيْءٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ (p-٢٩٠)والدُّنْيا لِما حازَهُ مِنَ الحَضْرَةِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَضْلًا عَنْ آبائِهِمْ في نُفُوذِ حُكْمِهِ فِيهِمْ ووُجُوبِ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ لا يَدْعُوهم إلّا إلى العَقْلِ والحِكْمَةِ، ولا يَأْمُرُهم إلّا بِما يُنْجِيهِمْ، وأنْفُسُهم إنَّما تَدْعُوهم إلى الهَوى والفِتْنَةِ فَتَأْمُرُهم بِما يُرْدِيهِمْ، فَهو يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ تَصَرُّفَ الآباءِ بَلِ المُلُوكِ [بَلْ] أعْظَمَ بِهَذا السَّبَبِ الرَّبّانِيِّ، فَأيُّ حاجَةٍ لَهُ إلى السَّبَبِ الجُسْمانِيِّ ﴿وأزْواجُهُ﴾ أيِ اللّاتِي دَخَلَ بِهِنَّ لِما لَهُنَّ مِن حُرْمَتِهِ ﴿أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الرِّجالِ خاصَّةً دُونَ النِّساءِ، لِأنَّهُ لا مَحْذُورَ مِن جِهَةِ النِّساءِ، وذَلِكَ في الحُرْمَةِ والإكْرامِ، والتَّعْظِيمِ والِاحْتِرامِ، وتَحْرِيمُ النِّكاحِ دُونَ جَوازِ الخَلْوَةِ والنَّظَرِ وغَيْرِهِما مِنَ الأحْكامِ، والتَّعْظِيمِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ الأُمَّهاتِ في ذَلِكَ أصْلًا، فَلا يَحِلُّ انْتِهاكُ حُرْمَتِهِنَّ بِوَجْهٍ ولا الدُّنُوُّ مِن جَنابِهِنَّ بِنَوْعِ نَقْصٍ، لِأنَّ حَقَّ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أُمَّتِهِ أعْظَمُ مِن حَقِّ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، وهو حَيٌّ في قَبْرِهِ وهَذا أمْرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ وهو إذا جَعَلَ شَيْئًا كانَ، لِأنَّ الأمْرَ أمْرُهُ والخَلْقَ [خَلْقُهُ،] وهو العالِمُ بِما يُصْلِحُهم وما يُفْسِدُهم ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-٢٩١)عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْتَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي وأنا مَوْلاهُ» . ولَمّا رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ الأشْياءَ إلى أُصُولِها، ونَهى عَنِ التَّشَتُّتِ والتَّشَعُّبِ، وكانَ مِن ذَلِكَ أمْرُ التَّبَنِّي، وكانَ مِنَ المُتَفَرِّعِ عَلَيْهِ المِيراثُ بِما كانَ قَدِيمًا مِنَ الهِجْرَةِ والنُّصْرَةِ والأُخُوَّةِ الَّتِي قَرَّرَها النَّبِيُّ ﷺ لَمّا كانَ الأمْرُ مُحْتاجًا إلَيْها، وكانَ ذَلِكَ قَدْ نُسِخَ بِالآيَةِ الَّتِي في آخِرِ الأنْفالِ، وهي قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ تَرْتِيبًا ونُزُولًا، وكانَ ما ذَكَرَ هُنا فَرْدًا داخِلًا في عُمُومِ العِبارَةِ في تِلْكَ الآيَةِ، أعادَها هُنا تَأْكِيدًا وتَنْصِيصًا عَلى هَذا الفَرْدِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ مَعَ ما فِيها مِن تَفْصِيلٍ وزِيادَةٍ فَقالَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ أيِ القَراباتِ بِأنْواعِ النِّسَبِ مِنَ النُّبُوَّةِ وغَيْرِها ﴿بَعْضُهم أوْلى﴾ بِحَقِّ القَرابَةِ ﴿بِبَعْضٍ﴾ في جَمِيعِ المَنافِعِ العامَّةِ لِلدَّعْوَةِ والإرْثِ والنُّصْرَةِ والصِّلَةِ ﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ، وحُكْمُهُ كَما تَقَدَّمَ في كِتابِكم هَذا، وكَما أشارَ (p-٢٩٢)إلَيْهِ الحَدِيثُ الماضِي آنِفًا. ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أوْلى بِسَبَبِ القَرابَةِ، بَيَّنَ المُفَصَّلَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿مِن﴾ أيْ هم أوْلى بِسَبَبِ القَرابَةِ مِن ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ الأنْصارِ مِن [غَيْرِ] قَرابَةٍ مُرَجِّحَةٍ ﴿والمُهاجِرِينَ﴾ المُؤْمِنِينَ مِن غَيْرِ قَرابَةٍ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ المَعْنى: أوْلى في كُلِّ نَفْعٍ، اسْتَثْنى مِنهُ عَلى القاعِدَةِ الِاسْتِثْناءَ مِن أعَمِّ العامِّ قَوْلَهُ، لافِتًا النَّظْمَ إلى أُسْلُوبِ الخِطابِ لِيَأْخُذَ المُخاطَبُونَ مِنهُ أنَّهم مُتَّصِفُونَ بِالرُّسُوخِ في الإيمانِ الَّذِي مَضى ما دَلَّ عَلَيْهِ في آيَةِ الأوْلَوِيَّةِ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ، فَيُحِثُّهم ذَلِكَ عَلى فِعْلِ المَعْرُوفِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا﴾ [أيْ] حالَ كَوْنِكم مُوَصِّلِينَ ومُسْنِدِينَ ﴿إلى أوْلِيائِكُمْ﴾ بِالرِّقِّ أوِ التَّبَنِّي أوِ الحِلْفِ في الصِّحَّةِ مُطْلَقًا وفي المَرَضِ مِنَ الثُّلْثِ تَنْجِيرًا أوْ وصِيَّةً ﴿مَعْرُوفًا﴾ تَنْفَعُونَهم بِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ ذَلِكَ الوَلِيُّ مُسْتَحِقًا لِذَلِكَ، ولا يَكُونُ ذُو الرَّحِمِ أوْلى مِنهُ، بَلْ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ. ولَمّا أخْبَرَ أنَّ هَذا الحُكْمَ في كِتابِ اللَّهِ، أعادَ التَّنْبِيهَ عَلى ذَلِكَ تَأْكِيدًا قَلْعًا لِهَذا الحُكْمِ الَّذِي تَقَرَّرَ في الأذْهانِ بِتَقْرِيرِهِ سُبْحانَهُ فِيما مَضى فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿كانَ ذَلِكَ﴾ [أيْ] الحَكَمُ العَظِيمُ ﴿فِي الكِتابِ﴾ (p-٢٩٣)أيِ القُرْآنِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ ﴿مَسْطُورًا﴾ بِعِبارَةٍ تَعُمُّهُ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: وقِيلَ: في التَّوْراةِ، لِأنَّ في التَّوْراةِ: إذا نَزَلَ رَجُلٌ بِقَوْمٍ مِن أهْلِ دِينِهِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُكْرِمُوهُ ويُواسُوهُ، ومِيراثُهُ لِذَوِي قَرابَتِهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ وصْفَ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا ووَصَفَ الهِجْرَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ النُّصْرَةِ أوَّلًا.

الأحزاب 33:7

ولَمّا كانَ نَقْضُ العَوائِدِ وتَغْيِيرُ المَأْلُوفاتِ مِمّا يَشُقُّ كَثِيرًا عَلى النُّفُوسِ، ويُفَرِّقُ المُجْتَمِعِينَ، ويَقْطَعُ بَيْنَ المُتَواصِلِينَ، ويُباعِدُ بَيْنَ المُتَقارِبِينَ، قالَ مُذَكِّرًا لَهُ ﷺ بِما أُخِذَ عَلى مَن قَبِلَهُ مِن نَسْخِ أدْيانِهِمْ بِدِينِهِ، وتَغْيِيرِ مَأْلُوفاتِهِمْ بِإلْفِهِ، ومِن نَصِيحَةِ قَوْمِهِمْ بِإبْلاغِهِمْ كُلَّ ما أُرْسِلُوا بِهِ، صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِأنَّهُ أدْعى إلى قَبُولِ الأوامِرِ: ﴿وإذْ﴾ فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: - اذْكُرْ ذَلِكَ - أيْ ما سَطَّرْناهُ [لَكَ] قَبْلَ هَذا في كِتابِكَ، واذْكُرْ إذْ ﴿أخَذْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وفي تَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وفي اتِّباعِكَ فِيما أخْبَرْناكَ بِهِ في قَوْلِنا ﴿لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] وقَوْلِهِمْ: أقْرَرْنا. ولَمّا ذَكَّرَهُ ما أُخِذَ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ مِنَ العَهْدِ في تَغْيِيرِ مَأْلُوفاتِهِمْ إلى ما يَأْمُرُهم سُبْحانَهُ بِهِ مِن إبْلاغِ ما يُوحى إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، (p-٢٩٤)ذَكَّرَهُ ما أخَذَ عَلَيْهِ مِنَ العَهْدِ في التَّبْلِيغِ فَقالَ: ﴿ومِنكَ﴾ أيْ في قَوْلِنا في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١] ﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٢] وفي المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] فَلا تَهْتَمَّ بِمُراعاةِ عَدُوٍّ ولا خَلِيلٍ حَقِيرٍ ولا جَلِيلٍ، ولَمّا أتَمَّ المُرادَ إجْمالًا وعُمُومًا، وخَصَّهُ ﷺ مِن ذَلِكَ العُمُومِ مُبْتَدِئًا بِهِ بَيانًا لِتَشْرِيفِهِ ولِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى واتِّباعِ الوَحْيِ لِأجْلِ التَّبَنِّي وغَيْرِهِ، أتْبَعَهُ بَقِيَّةَ أُولِي العَزْمِ الَّذِينَ هم أصْحابُ الكُتُبِ ومَشاهِيرُ أرْبابِ الشَّرائِعِ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ وتَعْظِيمًا لِلْمَقامِ، لِأنَّ مَن عَلِمَ لَهُ شِرْكًا في أمْرٍ اجْتَهَدَ في سَبْقِهِ فِيهِ ورَتَّبَهم عَلى تَرْتِيبِهِمْ في الزَّمانِ لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدِ المُفاضَلَةَ بَيْنَهُمْ، بَلِ التَّأْسِيَةَ بِالمُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ فَقالَ: ﴿ومِن نُوحٍ﴾ أوَّلِ الرُّسُلِ إلى المُخالِفِينَ ﴿وإبْراهِيمَ﴾ أبِي الأنْبِياءِ ﴿ومُوسى﴾ أوَّلِ أصْحابِ الكُتُبِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ خِتامِهِمْ، نَسَبَهُ إلى أُمِّهِ مُناداةً عَلى مَن ضَلَّ فِيهِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّسْجِيلِ بِالفَضِيحَةِ؛ ثُمَّ زادَ في تَأْكِيدِ الأمْرِ وتَعْظِيمِهِ تَعْظِيمًا لِلْمُوثَقِ فِيهِ، وإشارَةً إلى مَشَقَّتِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ العامِلِ ومَظْهَرِ العَظَمَةِ لِصُعُوبَةِ الرُّجُوعِ عَنِ المَألُوفِ: ﴿وأخَذْنا مِنهُمْ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا في ذَلِكَ ﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ اسْتِعارَةً مِن وصْفِ الأجْرامِ العِظامِ (p-٢٩٥)كِنايَةً عَنْ أنَّهُ لا يُمْكِنُ قَطْعُهُ لِمَن أرادَ الوَصْلَةَ بِنا.

الأحزاب 33:8

ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى النَّبِيِّينَ في ذَلِكَ أخْذًا عَلى أُمَمِهِمْ، وكانَ الكُفْرُ مُعَذَّبًا عَلَيْهِ مِن غَيْرِ شَرْطٍ، والطّاعَةُ مُثابًا عَلَيْها بِشَرْطِ الإخْلاصِ عَلَّلَهُ، مُعَبِّرًا بِما هو مَقْصُودُ السُّورَةِ فَقالَ مُلْتَفِتًا إلى مَقامِ الغَيْبَةِ لِتَعْظِيمِ الهَيْبَةِ لِأنَّ الخِطابَ إذا طالَ اسْتَأْنَسَ المُخاطَبُ: ﴿لِيَسْألَ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿الصّادِقِينَ﴾ أيْ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ هَلْ هو لِلَّهِ خالِصًا أوْ لا، تَشْرِيفًا لَهم وإهانَةً وتَبْكِيتًا لِلْكاذِبِينَ، ويَسْألُ الكافِرِينَ عَنْ كُفْرِهِمْ ما الَّذِي حَمَلَهم عَلَيْهِ، والحالُ أنَّهُ أعَّدَ لِلصّادِقِينَ ثَوابًا عَظِيمًا ﴿وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ السّاتِرِينَ لِإشْراقِ أنْوارِ المِيثاقِ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ فالآيَةُ مِن مَحاسِنِ رِياضِ الِاحْتِباكِ، وإنَّما صَرَّحَ بِسُؤالِ الصّادِقِ بِشارَةً لَهُ بِتَشْرِيفِهِ في ذَلِكَ المَوْقِفِ العَظِيمِ، وطَوى سُؤالَ الكُفّارِ إشارَةً إلى اسْتِهانَتِهِمْ بِفَضِيحَةِ الكَذِبِ ﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤] ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١٨] وذَكَرَ ما هو أنَكى لَهم.

الأحزاب 33:9

ولَمّا أكَّدَ سُبْحانَهُ وُجُوبَ الصَّدْعِ بِكُلِّ أمْرِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ وزادَتْ حُرْقَتُهُ مِن غَيْرِ رُكُونٍ إلى مُؤالِفٍ مُوافِقٍ، ولا اهْتِمامٍ بِمُخالِفٍ (p-٢٩٦)مُشاقِقٍ، اعْتِمادًا عَلى تَدْبِيرِهِ، وعَظِيمِ أمْرِهِ في تَقْدِيرِهِ، ذَكَّرَهم بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ هو أعْظَمُ وقائِعِهِمْ في حُرُوبِهِمْ، وأشَدُّ ما دَهَمَتْهم مِن كُرُوبِهِمْ، فَقالَ مُعْلِمًا أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بِما مَضى [مِن] الأوامِرِ الأُمَّةُ - وإنَّما وجَّهَ الأمْرَ إلى الإمامِ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الِامْتِثالِ فَإنَّ الأمْرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تَكْوِينِيٌّ بِمَنزِلَةِ ما يَقُولُ اللَّهُ تَعالى لَهُ ”كُنْ“ فَحَقِيقَةُ الإرادَةِ لا الأمْرُ، والأمْرُ لِلَّذِينِ آمَنُوا تَكْفِيلِيٌّ. وقَدْ يُرادُ [مِنهُمْ] ما يُؤْمَرُونَ بِهِ وقَدْ لا يُرادُ، ولِلنّاسِ احْتِجاجِيٌّ أيْ تُقامُ بِهِ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ، ومِنَ المُحَقِّقِ أنَّ بَعْضَهم يُرادُ مِنهُ خِلافُ المَأْمُورِ بِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ، عَبَّرَ بِهِ لِيَعُمَّ المُنافِقِينَ ﴿اذْكُرُوا﴾ ورَغَّبَهم في الشُّكْرِ بِذِكْرِ الإحْسانِ والتَّصْرِيحِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ عَبَّرَ بِها لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ والمُرادُ إنْعامُ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ لِتَشْكُرُوهُ عَلَيْها بِالنُّفُوذِ لِأمْرِهِ غَيْرَ مُلْتَفِتِينَ إلى خِلافِ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، فَإنَّ اللَّهَ كافِيكم كُلَّ ما تَخافُونَ ثُمَّ ذَكَرَ لَهم وقْتَ تِلْكَ النِّعْمَةِ زِيادَةً في تَصْوِيرِها لِيَذْكُرَ لَهم ما كانَ فِيهِ مِنها فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿جاءَتْكُمْ﴾ [أيْ] في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ (p-٢٩٧)حِينَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْكُمُ الأحْزابُ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ ضَرَبَهُ حِينَ سَمِعَ بِهِمْ بِمَشُورَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى جانِبَيْ سَلْعٍ مِن شَمالِيِّهِ، وخَطَّهُ وقَطَعَ لِكُلِّ عَشَرَةِ رِجالٍ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وكانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ، فَكانَ الخَنْدَقُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ ذِراعٍ ﴿جُنُودٌ﴾ وهُمُ الأحْزابُ مِن قُرَيْشٍ ومَنِ انْضَمَّ إلَيْهِ مِنَ الأحابِيشِ في أرْبَعَةِ آلافٍ يَقُودُهم أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، ومَنِ انْضَمَّ مِن قَبائِلِ العَرَبِ مِن بَنِي سَلِيمٍ يَقُودُهم أبُو الأعْوَرِ، ومِن بَنِي عامِرٍ يَقُودُهم عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، ومِن غَطَفانَ يَقُودُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ومِن بَنِي أسَدٍ يَقُودُهم طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ، ومِن أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ اليَهُودِ ومِن بَنِي النَّضِيرِ ورُؤُسائِهِمْ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وابْنا أبِي الحُقَيْقِ، وهُمُ الَّذِينَ جَمَعُوا الأحْزابَ بِسَبَبِ إجْلاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَبَنِي النَّضِيرِ مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ، وأفْسَدُوا أيْضًا بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانُوا بِالمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وسَيِّدُهم كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَكانَ الجَمِيعُ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا، وكانُوا واثِقِينَ في زَعْمِهِمْ بِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ وقَدْ بَقِيَ لِلْإسْلامِ باقِيَةٌ، ولا يَكُونُ لِأحَدٍ مِن أهْلِهِ [مِنهُمْ] واقِيَةٌ. ولَمّا كانَ مَجِيءُ الجُنُودِ مُرْهِبًا، سَبَّبَ عَنْهُ عُودَهُ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ أيْ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنّا لَمّا رَأيْنا عَجْزَكم عَنْ مُقابَلَتِهِمْ ومُقاوَمَتِهِمْ في مُقاتَلَتِهِمْ ألْهَمْناكم عَمَلَ الخَنْدَقِ لِيَمْنَعَهم مِن سُهُولَةِ الوُصُولِ (p-٢٩٨)إلَيْكُمْ، ثُمَّ لَمّا طالَ مُقامُهم أرْسَلَنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿رِيحًا﴾ وهي رِيحُ الصَّبا، فَأطْفَأتْ نِيرانَهم. وأكْفَأتْ قُدُورَهم وجِفانَهُمْ، وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، ورَمَتْهم بِالحِجارَةِ وهَدَّتْ خِيامَهُمْ، وأوْهَنَتْ بِبَرْدِها عِظامَهُمْ، وأجالَتْ خَيْلَهم ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً وقَلْبِيَّةً، مِنها مِنَ البَشَرِ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الغَطَفانِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَداهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ، «فَأتى النَّبِيَّ ﷺ وقالَ: إنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أحَدٌ بِإسْلامِي، فَمُرْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ بِأمْرِكَ! فَقالَ: ”إنَّما أنْتَ فِينا رَجُلٌ واحِدٌ والحَرْبُ خُدْعَةٌ، فَخَذِّلْ عَنّا مَهْما اسْتَطَعْتَ“ فَأخْلَفَ بَيْنَ اليَهُودِ وبَيْنَ العَرَبِ بِأنْ قالَ لِلْيَهُودِ وكانُوا أصْحابَهُ: إنَّ هَؤُلاءِ - يَعْنِي العَرَبَ - إنْ رَأوْا فُرْصَةً انْتَهَزُوها وإلّا انْشَمَرُوا إلى بِلادِهِمْ راجِعِينَ. ولَيْسَ حالُكم كَحالِهِمْ، البَلَدُ بَلَدُكم وبِهِ أمْوالُكم ونِساؤُكم وأبْناؤُكُمْ، فَلا تُقاتِلُوا مَعَهم حَتّى تَأْخُذُوا مِنهم رَهْنًا مِن أشْرافِهِمْ لِيَكُونُوا عِنْدَكم حَتّى تُناجِزُوا الرَّجُلَ، فَإنَّهُ لَيْسَ لَكم بَعْدُ طاقَةٌ إذا انْفَرَدَ بِكُمْ، فَقالُوا: أشَرْتَ بِالرَّأْيِ، فَقالَ: فاكْتُمُوا عَنِّي، وقالَ لِقُرَيْشٍ: قَدْ عَلِمْتُمْ صُحْبَتِي لَكم وفِراقِي لِمُحَمَّدٍ، وقَدْ سَمِعْتُ أمْرًا ما أظُنُّ أنَّكم تَتَّهِمُونَنِي فِيهِ، فَقالُوا: ما أنْتَ عِنْدَنا بِمُتَّهَمٍ، قالَ: فاكْتُمُوا عَنِّي، قالُوا: نَفْعَلُ، قالَ: إنَّ اليَهُودَ (p-٢٩٩)قَدْ نَدِمُوا عَلى نَقْضِ ما بَيْنَهم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ وأرْسَلُوا إلَيْهِ: إنّا قَدْ نَدِمْنا فَهَلْ يَنْفَعُنا [عِنْدَكَ] أنْ نَأْخُذَ لَكَ مِنَ القَوْمِ جَماعَةً مِن أشْرافِهِمْ تَضْرِبُ أعْناقَهُمْ، ونَكُونُ مَعَكَ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، حَتّى تَفْرُغَ [مِنهُمْ] لِتَكُفَّ عَنّا. وتُعِيدَ لَنا الأمانَ، قالَ: نَعَمْ، فَإنْ أرْسَلُوا إلَيْكم فَلا تَدْفَعُوا إلَيْهِمْ رَجُلًا واحِدًا، ثُمَّ أتى غَطَفانَ فَقالَ: إنَّكم أصْلِي وعَشِيرَتِي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، قالُوا: صَدَقْتَ، ثُمَّ قالَ لَهم مِثْلَ ما قالَ لِقُرَيْشٍ واسْتَكْتَمَهُمْ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِمْ قُرَيْظَةُ يَطْلُبُونَ مِنهم رَهْنًا فَقالُوا: صَدَقَ نُعَيْمٌ، وأبَوْا أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِمْ أحَدًا، فَقالَتْ قُرَيْظَةُ: صَدَقَ نُعَيْمٌ، فَتَخاذَلُوا واخْتَلَفَتْ كَلِمَتُهُمْ، فانْكَسَرَتْ شَوْكَتُهُمْ، وبَرُدَتْ حِدَّتُهُمْ،» ومِنها مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن أرادَ اللَّهُ مِنهم - عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، فَكَبَّرُوا في نَواحِي عَسْكَرِهِمْ، وزَلْزَلُوا [بِهِمْ،] وبَثُّوا الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فَماجَتْ خُيُولُهُمْ، واضْمَحَلَّ قالُهم وقِيلُهُمْ، فَكانَ في ذَلِكَ رَحِيلُهُمْ، بَعْدَ نَحْوِ أرْبَعِينَ يَوْمًا أوْ بِضْعٍ وعِشْرِينَ - عَلى ما قِيلَ. ولَمّا أجْمَلَ سُبْحانَهُ القِصَّةَ عَلى طُولِها في بَعْضِ هَذِهِ الآيَةِ، فَصَّلَها فَقالَ [ذاكِرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ إشارَةً إلى أنَّ ما وقَعَ فِيها كانَ مُعْتَنًى بِهِ (p-٣٠٠)اعْتِناءً مِن بَذْلِ جَمِيعِ الجُهْدِ وإنْ كانَ الكُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ يَسِيرًا:] ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ والجَمالِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ أيِ الأحْزابِ مِنَ التَّحَزُّبِ والتَّجَمُّعِ والتَّألُّبِ والمَكْرِ والقَصْدِ السَّيِّئِ - عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّ، وأنْتُمْ أيُّها المُسْلِمُونَ مَن حَفَرَ الخَنْدَقَ وغَيْرَهُ مِنَ الصِّدْقِ في الإيمانِ [وغَيْرِهِ] عَلى قِراءَةِ الباقِينَ ﴿بَصِيرًا﴾ بالِغُ الإبْصارِ والعِلْمِ، فَدَبَّرَ في هَذِهِ الحَرْبِ ما كانَ المُسْلِمُونَ بِهِ الأعْلَيْنَ ولَمْ يَنْفَعْ أهْلَ الشِّرْكِ قَوَّتُهُمْ، ولا أغْنَتْ عَنْهم كَثْرَتُهُمْ، ولا ضَرَّ المُؤْمِنِينَ قِلَّتُهُمْ، وجَعَلْنا ذَلِكَ سَبَبًا لِإغْنائِهِمْ بِأمْوالِ بَنِي قُرَيْظَةَ ونِسائِهِمْ وأبْنائِهِمْ وشِفاءً لِأدَوائِهِمْ بِإراقَةِ دِمائِهِمْ - كَما سَيَأْتِي؛

الأحزاب 33:10

ثُمَّ ذَكَّرَهُمُ الشِّدَّةَ الَّتِي حَصَلَتْ بِتَمالُئِهِمْ فَقالَ مُبْدِلًا مِن ﴿إذْ﴾ الأُولى: ﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ أيِ الجُنُودُ المَذْكُورُونَ بادِئًا بِالأقْرَبِ إلَيْهِمْ، لِأنَّ الأقْرَبَ أبْصَرُ بِالعَوْرَةِ وأخْبَرَ بِالمَضَرَّةِ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لَمْ يُطَبِّقُوا ما عَلا وما سَفَلَ، أدْخَلَ أداةَ التَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ وأسَدَ وغَطَفانَ مِن ناحِيَةِ مَصَبِّ السُّيُولِ مِنَ المَشْرِقِ، وأضافَ الفَوْقَ إلى ضَمِيرِهِمْ لِأنَّ العِيالَ كانُوا في الآكامِ، وهي بَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ وبَيْنَ مَن في الخَنْدَقِ، فَصارُوا (p-٣٠١)فَوْقَ العِيالِ والرِّجالِ. ولَمّا كانَ المُرادُ الفَوْقِيَّةَ مِن جِهَةِ عُلُوِّ الأرْضِ، أوْضَحَها بِقَوْلِهِ: ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: أسْفَلِكُمْ، وأفادَ ذَلِكَ أيْضًا مَن في أسْفَلِ إنَّما أحاطُوا بِبَعْضِ جِهَةِ الرِّجالِ [فَقَطْ،] ولَمْ يَقُلْ ”ومِن تَحْتِكُمْ“ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ فَوْقَ الرُّؤُوسِ وتَحْتَ الأرْجُلِ، ولَمْ يَقُلْ في الأوَّلِ ”مِن أعْلى مِنكُمْ“ لِئَلّا يَكُونَ فِيهِ وصْفٌ لِلْكَفَرَةِ بِالعُلُوِّ، وأسْفَلُ الأرْضِ المَدِينَةُ مِن ناحِيَةِ المَغْرِبِ يَعْنِي قُرَيْشًا، ومَن لافَّها مِن كِنانَةَ فَإنَّ طَرِيقَهم مِن تِلْكَ الجِهَةِ. ولَمّا ذَكَّرَهم بِالمَجِيءِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَوْفِ، ذَكَّرَهم بِالخَوْفِ بِذِكْرِ ظَرْفِهِ أيْضًا مُفَخِّمًا لِأمْرِهِ بِالعَطْفِ فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرُوا حِينَ، وأنَّثَ الفِعْلَ وما عَطَفَ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّذْكِيرَ الَّذِي يَدُورُ مَعْناهُ عَلى القُوَّةِ والعُلُوِّ والصَّلابَةِ يُنافِي الزَّيْغَ فَقالَ: ﴿زاغَتِ الأبْصارُ﴾ أيْ مالَتْ عَنْ سَدادِ القَصْدِ فِعْلَ الوالِهِ الجَزِعِ بِما حَصَلَ مِنَ الغَفْلَةِ النّاشِئَةِ عَنِ الدَّهْشَةِ الحاصِلَةِ مِنَ الرُّعْبِ، وقَطَعَ ذَلِكَ عَنِ الإضافَةِ إلى كافِ الخِطابِ إبْقاءً عَلَيْهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْأدَبِ في المُخاطَبَةِ، وكَذا ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ﴾ كِنايَةً عَنْ شِدَّةِ الرُّعْبِ والخَفَقانِ، ويَجُوزُ - وهو الأقْرَبُ - أنْ يَكُونَ ذَلِكَ (p-٣٠٢)حَقِيقَةً بِجَذْبِ الطِّحالِ والرِّئَةِ لَها عِنْدَ ذَلِكَ بِانْتِفاخِهِما إلى أعْلى الصَّدْرِ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْجَبانِ: انْتَفَخَ مُنْخَرُهُ أيْ رِئَتُهُ ﴿الحَناجِرَ﴾ جَمْعُ حَنْجَرَةٍ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ، ومِن هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِيما رَواهُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «شَرُّ ما في الإنْسانِ جُبْنٌ خالِعٌ» أيْ يَخْلَعُ القَلْبَ مِن مَكانِهِ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ عَمَّهم أوْ كادَ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ حالَةً عَرَضَتْ، ثُمَّ كانَ مِن أمْرِها أنَّها إمّا زالَتْ وثَبَتَتْ إلى انْقِضاءِ الأمْرِ، عَبَّرَ عَنْها بِالماضِي لِذَلِكَ وتَحْقِيقًا لَها ولَمّا نَشَأ عَنْها تَقَلًُّبُ القُلُوبِ وتَجَدُّدُ ذَهابِ الأفْكارِ كُلَّ مَذْهَبٍ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى دَوامِ التَّجَدُّدِ فَقالَ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا يُلِمُّ نَقْصٌ ما بِساحَةِ عَظَمَتِهِ، ولا يَدْنُو شَيْءٌ مِن شَيْنٍ إلى جَنابٍ عِزَّتِهِ ﴿الظُّنُونا﴾ أيَّ أنْواعِ الظَّنِّ إمّا بِالنِّسْبَةِ [إلى الأشْخاصِ فَواضِحٌ، وذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ الإيمانِ وضَعْفِهِ، وإمّا بِالنِّسْبَةِ إلى] الشَّخْصِ الواحِدِ فَحَسَبَ تَغَيُّرِ الأحْوالِ، فَتارَةً يُظَنُّ الهَلاكُ لِلضَّعْفِ، وتارَةً النَّجاةُ لِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ويَظُنُّ المُنافِقُونَ ومَن قارَبَهم مِن ضُعَفاءِ القُلُوبِ ما حَكى [اللَّهُ] عَنْهُمْ؛ قالَ الرّازِي في اللَّوامِعِ: [و] يُرْوى أنَّ المُسْلِمِينَ قالُوا: بَلَغَتِ [القُلُوبُ] الحَناجِرَ، فَهَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُ؟ (p-٣٠٣)فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» وزِيادَةُ الألِفِ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَها في الحالَيْنِ وهُمُ المُدَنِيّانِ وابْنُ عامِرٍ وشُعْبَةُ إشارَةً إلى اتِّساعِ هَذِهِ الأفْكارِ، وتَشَعُّبِ تِلْكَ الخَواطِرِ، وعِنْدَ مَن أثْبَتَها في الوَقْفِ دُونَ الوَصْلِ وهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ إشارَةً إلى اخْتِلافِ الحالِ تارَةً بِالقُوَّةِ وتارَةً بِالضَّعْفِ.

الأحزاب 33:11

ولَمّا كانَتِ الشِّدَّةُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هي لِلثّابِتِ لِأنَّهُ ما عِنْدَهُ إلّا الهَلاكُ أوِ النُّصْرَةُ، وأمّا المُنافِقُ فَيُلْقِي السَّلَمَ ويَدْخُلُ دارَهُ الذُّلُّ بِالمُوافَقَةِ عَلى جَمِيعِ ما يُرادُ مِنهُ، تَرْجَمَ حالَ المُؤْمِنِينَ قاصِرًا الخِطابَ عَلى الرَّأْسِ لِئَلّا يَدْخُلَ في مَضْمُونِ الخَبَرِ إعْلامًا بِأنَّ مَنصِبَهُ الشَّرِيفَ أجَلُّ مِن أنْ يُبْتَلى فَقالَ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ أيْ في [ذَلِكَ] الوَقْتِ العَظِيمِ البَعِيدِ الرُّتْبَةِ ﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ خُولِطَ الرّاسِخُونَ في الإيمانِ بِما شَأْنُهُ أنْ يُحِيلَ ما خالَطَهُ ويُمِيلَهُ، وبَناهُ لِلْمَجْهُولِ لَمّا كانَ المَقْصُودُ إنَّما هو مَعْرِفَةُ المُخْلِصِ مِن غَيْرِهِ، مَعَ العِلْمٍ بِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ هو الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، ولَمْ يُؤَكِّدِ الِابْتِلاءَ بِالشِّدَّةِ لِدَلالَةِ الِافْتِعالِ عَلَيْها، وصُرِفَ الكَلامُ عَنِ الخِطابِ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن فَوائِدِهِ، وعَبَّرَ بِالوَصْفِ لِيَخُصَّ الرّاسِخِينَ فَقالَ: ﴿وزُلْزِلُوا﴾ أيْ حُرِّكُوا ودُفِعُوا وأُقْلِقُوا وأُزْعِجُوا بِما يَرَوْنَ مِنَ الأهْوالِ بِتَظافُرِ الأعْداءِ مَعَ الكَثْرَةِ، وتَطايُرِ الأراجِيفِ ﴿زِلْزالا شَدِيدًا﴾ فَثَبَتُوا (p-٣٠٤)بِتَثْبِيتِ اللَّهِ لَهم عَلى عَهْدِهِمْ.

الأحزاب 33:12

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ الحالَ المُزَلْزِلَ لَهم كانَ في غايَةِ الهَوْلِ، أشارَ إلى أنَّهم لَمْ يُزَلْزِلْهم بِأنْ حَكى أقْوالَ المُزَلْزِلِينَ، ولَمْ يَذْكُرْ أقْوالَهم وسَيَذْكُرُها بَعْدُ لِيَكُونَ الثَّناءُ عَلَيْهِمْ بِالثَّباتِ مَعَ عَظِيمِ الزِّلْزالِ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ إشارَةً وعِبارَةً، فَقالَ: ﴿وإذْ﴾ وأشارَ إلى تَكْرِيرِهِمْ لِدَلِيلِ النِّفاقِ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ الرّاسِخُونَ في النِّفاقِ، لِأنَّ قُلُوبَهم مَرِيضَةٌ مَلْأى مَرْضًا ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ مِن أمْراضِ الِاعْتِقادِ بِحَيْثُ أضْعَّفَها في الِاعْتِقادِ والثَّباتِ في مَواطِنِ اللِّقاءِ وفي كُلِّ مَعْنًى جَلِيلٍ، فَهم بِحَيْثُ لَمْ يَصِلُوا إلى الجَزْمِ بِالنِّفاقِ ولا الإخْلاصِ في الإيمانِ، بَلْ هم عَلى حَرْفٍ فَعِنْدَهم نَوْعُ النِّفاقِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ النِّفاقِ أوَّلًا دالٌّ عَلَيْهِ ثانِيًا، وذِكْرُ المَرَضَ ثانِيًا دَلِيلٌ عَلَيْهِ أوَّلًا، [وهَذا الَّذِي قُلْتُهُ في القُلُوبِ مُوافِقٌ لِما ذَكَرَهُ الإمامُ السَّهَرْوَرْدِيُّ في البابِ السّادِسِ والخَمْسِينَ مِن عَوارِفِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ سِراجٌ يَزْهُو، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ أسْوَدُ مَنكُوسٌ، فَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ مَرْبُوطٌ عَلى غِلافٍ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، وقَلْبٌ مُصْفَحٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، فَمَثَلُ الإيمانِ فِيهِ كَمَثَلِ البَقْلَةِ يَمُدُّها الماءُ (p-٣٠٥)الطَّيِّبُ، ومَثَلُ النِّفاقِ فِيهِ كَمَثَلِ القُرْحَةِ يَمُدُّها القَيْحُ والصَّدِيدُ، فَأيُّ المَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَيْهِ حُكِمَ لَهُ بِها» ورَوى هَذا الحَدِيثَ الغَزالِيُّ في أواخِرِ كِتابِ قَواعِدِ العَقائِدِ مِنَ الإحْياءِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وقالَ الشَّيْخُ زَيْنُ الدَّيْنِ العِراقِيُّ: أخْرَجَهُ أحْمَدُ.] ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ لَهم بِتَصْدِيقِ وعْدِ اللَّهِ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - كَثِيرًا، أكَّدُوا قَوْلَهم وذَكَرُوا الِاسْمَ [الأعْظَمَ] وأضافُوا الرَّسُولَ إلَيْهِ فَقالُوا: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ﴾ الَّذِي ذَكَرَ [لَنا] أنَّهُ مُحِيطُ الجَلالِ والجَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيِ الَّذِي قالَ مَن قالَ مِن قَوْمِنا: إنَّهُ رَسُولٌ، اسْتِهْزاءً مِنهُمْ، وإقامَةً لِلدَّلِيلِ في زَعْمِهِمْ لِهَذا البَلاءِ عَلى بُطْلانِ تِلْكَ الدَّعْوى ﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ باطِلًا اسْتَدْرَجَنا بِهِ إلى الِانْسِلاخِ عَمّا كُنّا عَلَيْهِ مِن دِينِ آبائِنا وإلى الثَّباتِ عَلى ما صِرْنا إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْسِلاخِ بِما وعَدَنا بِهِ مِن ظُهُورِ [هَذا الدِّينِ عَلى] الدِّينِ كُلِّهِ، والتَّمْكِينِ في البِلادِ حَتّى في حَفْرِ الخَنْدَقِ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّهُ أبْصَرَ بِما بَرَقَ لَهُ في ضَرْبِهِ لِصَخْرَةِ سَلْمانَ مَدِينَةَ صَنْعاءَ مِنَ اليَمَنِ وقُصُورَ كِسْرى بِالحَيْرَةِ مِن أرْضِ فارِسَ، وقُصُورَ الشّامِ مِن أرْضِ الرُّومِ، وإنَّ تابِعَيْهِ سَيَظْهَرُونَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ في جَمِيعِ ذَلِكَ حَتّى في لُبْسِ سُراقَةَ بْنِ مالِكِ ابْنِ (p-٣٠٦)جَعْشَمٍ سِوارى كِسْرى بْنِ هُرْمُزَ كَما هو مَذْكُورٌ مُسْتَوْفًى في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ، وكَذَبُوا في شَكِّهِمْ. فَفازَ المُصَدِّقُونَ، وخابَ الَّذِينَ هم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ.

الأحزاب 33:13

ولَمّا ذَكَرَ ما هو الأصْلُ في نِفاقِهِمْ وهو التَّكْذِيبُ، أتْبَعَهُ ما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، ولَمّا كانَ تَخْذِيلُهم بِالتَّرْجِيعِ مَرَّةً، عَبَّرَ [عَنْهُ] بِالماضِي فَقالَ: ﴿وإذْ قالَتْ﴾ أنَّثَ الفِعْلَ إشارَةً إلى رَخاوَتِهِمْ وتَأنُّثِهِمْ في الأقْوالِ والأفْعالِ ﴿طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ قَوْمٌ كَثِيرٌ مِن مَوْتى القُلُوبِ ومَرْضاها يَطُوفُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ: ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ عَدَلُوا عَنِ الِاسْمِ - الَّذِي وسَمَها بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ وطَيْبَةٍ مَعَ حُسْنِهِ - إلى الِاسْمِ الَّذِي كانَتْ تُدْعى بِهِ قَدِيمًا مَعَ احْتِمالِ قُبْحِهِ بِاشْتِقاقِهِ مِنَ الثَّرْبِ الَّذِي هو اللَّوْمُ والتَّعْنِيفُ إظْهارًا لِلْعُدُولِ عَنِ الإسْلامِ قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: ثَرَبَ عَلَيْهِ ثَرْبًا وأثْرَبَ، بِمَعْنى ثَرَّبَ تَثْرِيبًا - إذا لامَهُ وعَيَّرَهُ بِذَنْبِهِ وذَكَّرَهُ بِهِ. وأكَّدُوا بِنَفْيِ الجِنْسِ لِكَثْرَةِ مُخالَفَتِهِمْ في ذَلِكَ فَقالُوا: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ أيْ قِيامًا أوْ مَوْضِعَ قِيامٍ تَقُومُونَ بِهِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَتْحِ، وعَلى قِراءَةِ حَفْصٍ بِالضَّمِّ المَعْنى: لا إقامَةَ أوْ مَوْضِعَ إقامَةٍ في مَكانِ القِتالِ ومُقارَعَةِ الأبْطالِ ﴿فارْجِعُوا﴾ إلى مَنازِلِكم هِرابًا، وكُونُوا (p-٣٠٧)مَعَ نِسائِكم [أذْنابًا،] أوْ إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ عَلى وجْهِ المُصارَحَةِ لِتَكُونَ لَكم عِنْدَ هَذِهِ الجُنُودِ [يَدٌ]. ولَمّا ذَكَرَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَتَكُوا السِّتْرَ، وبَيَّنُوا ما هم فِيهِ مِن سُفُولِ الأمْرِ، أتْبَعَهم آخَرِينَ تَسَتَّرُوا بَعْضَ التَّسَتُّرِ تَمَسُّكًا بِأذْيالِ النِّفاقِ، خَوْفًا مِن أهْوالِ الشِّقاقِ، فَقالَ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ﴾ أيْ يُجَدِّدُ كُلَّ وقْتٍ طَلَبَ الإذْنِ لِأجْلِ الرُّجُوعِ إلى البُيُوتِ والكَوْنِ مَعَ النِّساءِ ﴿فَرِيقٌ مِنهُمُ﴾ أيْ طائِفَةٌ شَأْنُها الفُرْقَةُ ﴿النَّبِيَّ﴾ وقَدْ رَأوْا ما حَواهُ مِن عُلُوِّ المِقْدارِ بِما لَهُ مِن حُسْنِ الخُلُقِ، والخَلْقِ، وما لَدَيْهِ مِن جَلالَةِ الشَّمائِلِ وكَرِيمِ الخَصائِلِ، ولَمْ يَخْشَوْا مِن إنْبائِنا لَهُ بِالأخْبارِ، وإظْهارِنا لَهُ الخَبْءَ، مِن مَكْنُونِ الضَّمائِرِ وخَفِيِّ الأسْرارِ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ [أيْ] في كُلِّ قَلِيلٍ، مُؤَكِّدِينَ لِعِلْمِهِمْ بِكَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِ المُؤْمِنِينَ لَهم قَوْلَهُمْ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا﴾ أتَوْا بِجَمْعِ الكَثْرَةِ إشارَةً إلى كَثْرَةِ أصْحابِهِمُ المُنافِقِينَ ﴿عَوْرَةٌ﴾ أيْ [بِها] خَلَلٌ كَثِيرٌ يُمْكِنُ مَن أرادَ مِنَ الأحْزابِ أنْ يَدْخُلَها مِنهُ، فَإذا ذَهَبْنا إلَيْها حَفِظْناها مِنهم وكَفَيْنا مَن يَأْتِي إلَيْنا مِن مُفْسِدِيهِمْ حِمايَةً لِلدِّينِ، وذَبًّا عَنِ الأهْلِينَ. ولَمّا قالُوا ذَلِكَ مُؤَكِّدِينَ لَهُ، رَدَّهُ اللَّهُ تَعالى مُؤَكِّدًا لِرَدِّهِ مُبَيِّنًا لِما (p-٣٠٨)أرادُوا فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّها ما ﴿هِيَ﴾ [فِي ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي قالُوا هَذا فِيهِ، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ:] ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ ولا يُرِيدُونَ [بِذَهابِهِمْ حِمايَتَها ﴿إنَّ﴾ أيْ ما ﴿يُرِيدُونَ﴾ ] بِاسْتِئْذانِهِمْ ﴿إلا فِرارًا﴾

الأحزاب 33:14

ولَمّا كانَتْ عِنايَتُهم [مُشْتَدَّةً] بِمُلازَمَةِ دُورِهِمْ. فَأظْهَرُوا اشْتِدادَ العِنايَةِ بِحِمايَتِها زُورًا بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالإسْنادِ إلى الدُّورِ [تَنْبِيهًا] عَلى أنَّها رَبَّةُ الحِمايَةِ والعُمْدَةِ فَقالَ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ﴾ أيْ بُيُوتُهم مِن أيِّ داخِلٍ كانَ مِن هَؤُلاءِ الأحْزابِ أوْ غَيْرِهِمْ، وأنَّثَ الفِعْلَ نَصًّا عَلى المُرادِ وإشارَةً إلى [أنَّ] ما يُنْسَبُ إلَيْهِمْ جَدِيرٌ بِالضَّعْفِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ دُخُولُ غَلَبَةٍ ﴿مِن أقْطارِها﴾ أيْ جَوانِبِها كُلِّها بِحَيْثُ لا يَكُونُ لَهم مَكانٌ لِلْهَرَبِ. ولَمّا كانَ قَصْدُ الفِرارِ مَعَ الإحاطَةِ بِالدّارِ، مِن جَمِيعِ الأقْطارِ، دُونَ الِاسْتِقْتالِ لِلدَّفْعِ عَنِ الأهْلِ والمالِ، بَعِيدًا عَنْ أفْعالِ الرِّجالِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أيْ مِن أيِّ سائِلٍ [كانَ] ﴿الفِتْنَةَ﴾ أيِ الخُرُوجَ مِنها فارِّينَ، وكَأنَّهُ سَمّاهُ بِها لِأنَّهُ لَمّا كانَ أشَدَّ الفِتْنَةِ (p-٣٠٩)مِن حَيْثُ أنَّهُ لا يُخْرِجُ الإنْسانَ مَن بَيْتِهِ إلّا المَوْتُ أوْ ما يُقارِبُهُ كانَ كَأنَّهُ لا فِتْنَةَ سِواهُ ﴿لآتَوْها﴾ أيِ الفِتْنَةَ بِالخُرُوجِ فِرارًا، إجابَةً لِسُؤالِ مَن سَألَهم مَعَ غَلَبَةِ الظَّنِّ بِالدُّخُولِ عَلى صِفَةِ الإحاطَةِ أنْ لا نَجاةَ، فَهم أبَدًا يُعَوِّلُونَ عَلى الفِرارِ مِن غَيْرِ قِتالٍ حِمايَةً لِذِمارٍ أوْ دَفْعًا لِعارٍ، أوْ ذَبًّا عَنْ أهْلٍ أوْ جارٍ، وهَذا المَعْنى يَنْتَظِمُ قِراءَةَ [أهْلِ] الحِجازِ بِالقَصْرِ وغَيْرِهِمْ بِالمَدِّ، فَإنَّ مَن أجابَ إلى الفِرارِ فَقَدْ أعْطى ما كَأنَّهُ كانَ في يَدِهِ مِنهُ غَلَبَةً وجُبْنًا وقَدْ جاءَهُ وفَعَلَهُ. ولَمّا كانَ هَذا عِنْدَ العَرَبِ - مَعَ ما لَهم مِنَ النَّجْدَةِ والخَوْفِ مِنَ السُّبَّةِ - لا يَكادُ يُصَّدَّقُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَأْكِيدِهِ في زِيادَةِ تَصْوِيرِهِ فَقالَ: ﴿وما تَلَبَّثُوا بِها﴾ [أيِ] البُيُوتِ ﴿إلا يَسِيرًا﴾ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهم لا يَقْصِدُونَ إلّا الفِرارَ، لا حِفْظَ البُيُوتِ مِنَ المَضارِّ، ويَدُلُّكَ عَلى هَذا المَعْنى إتْباعُهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الإنْكارِ والحَلِفِ بِالكَذِبِ:

الأحزاب 33:15

﴿ولَقَدْ كانُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أسْرَعُوا الإجابَةَ إلى الفِرارِ مَعَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ مِن سَبْيِ حَرِيمِهِمْ واجْتِياحِ بَيْضَتِهِمْ ﴿عاهَدُوا اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أجَلُّ مِنهُ. (p-٣١٠)ولَمّا كانَ العَهْدُ رُبَّما طالَ زَمَنُهُ فَنُسِيَ، فَكانَ ذَلِكَ عُذْرًا لِصاحِبِهِ، بَيَّنَ قُرْبَ زَمَنِهِ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ المُعاهَدِ اللّازِمِ مِنهُ ذِكْرُهُ، فَقالَ مُثْبِتًا الجارَّ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلِ هَذِهِ الحالَةِ وهَذِهِ الغَزْوَةِ حِينَ أعْجَبَتْهُمُ المَواعِيدُ الصّادِقَةُ بِالفُتُوحاتِ الَّتِي سَمَّوْها الآنَ عِنْدَما جَدَّ الجِدُّ مِمّا هي مَشْرُوطَةٌ بِهِ مِنَ الجِهادِ غُرُورًا ﴿لا يُوَلُّونَ﴾ أيْ يَقْرَبُونَ عَدُوَّهم ﴿الأدْبارَ﴾ أيْ أدْبارَهم أبَدًا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ولا يَكُونُ لَهم عَمَلٌ إذا حَمى البَأْسُ، وتَخالَطَ النّاسُ، واحْمَرَّتِ الحَدَقُ وتَداعَسَ الرِّجالُ، وتَعانَقَ الحُماةُ الأبْطالُ إلى الظَّفَرِ أوِ المَوْتِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَهاوَنُ بِالعَهْدِ لِإعْراضِ المُعاهِدِ عَنْهُ قالَ: ﴿وكانَ عَهْدُ اللَّهِ﴾ أيِ الوَفاءِ بِعَهْدِ مَن هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا كانَ العَهْدُ فَضْلَةً في الكَلامِ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا، واشْتَدَّتِ العِنايَةُ بِهِ هُنا، بَيَّنَ ذَلِكَ بِتَقْدِيمِهِ أوَّلًا ثُمَّ بِجَعْلِهِ العُمْدَةَ، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ ثانِيًا فَقالَ: ﴿مَسْؤُولا﴾ أيْ في أنْ يُوفِيَ بِهِ ذَلِكَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ.

الأحزاب 33:16

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أخْبَرَ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالنَّبِيِّ، اسْتَأْنَفَ أمْرَهُ بِجَوابِهِمْ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يُقالُ لَهُمْ؟ وإجْراءً لِلْنَصِيحَةِ عَلى لِسانِهِ لِما هو مَجْبُولٌ عَلَيْهِ مِنَ الشَّفَقَةِ،﴿قُلْ﴾ أيْ لَهُمْ، وأكَّدَ لِظَنِّهِمْ نَفْعَ الفِرارِ: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ﴾ أيْ في (p-٣١١)تَأْخِيرِ آجالِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿الفِرارُ﴾ أيِ الَّذِي ما كانَ اسْتِئْذانُكم إلّا بِسَبَبِهِ ﴿إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ بِغَيْرِ عَدُوٍّ ﴿أوِ القَتْلِ﴾ لِأنَّ الأجَلَ إنْ كانَ [قَدْ] حَضَرَ، لَمْ يَتَأخَّرْ بِالفِرارِ وإلّا لَمْ يُقْصِرْهُ الثَّباتُ كَما كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: إذا دَهَمَ الأمْرُ، وتَوَقَّدَ الجَمْرُ، واشْتَدَّ مِنَ الحَرْبِ الحَرُّ، أيُّ يَوْمَيَّ مِنَ المَوْتِ أفِرُّ؟ يَوْمَ لا يُقْدَرُ أوْ يَوْمَ قُدِرْ، وذَلِكَ أنَّ أجَلَ اللَّهِ الَّذِي أجَّلَهُ مُحِيطٌ بِالإنْسانِ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَعَدّاهُ أصْلًا ﴿وإذًا﴾ أيْ وإذْ فَرَرْتُمْ. ولَمّا كانُوا لا يَقْصِدُونَ بِالعَيْشِ إلّا التَّمَتُّعَ، بَيَّنَ ذَلِكَ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ فَقالَ: ﴿لا تُمَتَّعُونَ﴾ أيْ تَمَتُّعًا مُبالَغًا فِيهِ كَما تُرِيدُونَ بِما بَقِيَ مِن أعْمارِكم إنْ كانَ بَقِيَ مِنها شَيْءٌ ﴿إلا قَلِيلا﴾ بَلْ يَتَمَكَنُّ العَدُوُّ مِنكم بِأدْبارِكُمْ، ومِن أمْوالِكم وأحْسابِكم ودِيارِكُمْ، فَيُفْسِدُ مَهْما قَدَرَ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ فَلا تَقْدِرُونَ عَلى تَدارُكِهِ إلّا بَعْدَ زَمانٍ طَوِيلٍ وتَعَبٍ كَبِيرٍ، بِخِلافِ ما إذا ثَبَتُّمْ وفاءً بِالعَهْدِ وحِفْظًا لِلثَّناءِ فَلاقَيْتُمُ الأقْرانَ، وقارَعْتُمُ الفُرْسانَ، اعْتِمادًا عَلى رَبِّكم وطاعَةً لِنَبِيِّكُمْ، فَإنْ [كانَ] الأجَلُ قَدْ أتى لَمْ يَنْقُصْكم ذَلِكَ شَيْئًا، ومُتُّمْ أعِزَّةً كِرامًا، وإلّا فُزْتُمْ بِالنَّصْرِ، وحُزْتُمُ الأجْرَ، وعِشْتُمْ بِأتَمِّ نِعْمَةٍ إلى تَمامِ العُمْرِ، فالثَّباتُ أبْقى لِلْمُهَجِ، وأحْفَظُ لِلْعَيْشِ البَهِجِ.

الأحزاب 33:17

(p-٣١٢)ولَمّا كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ التَّقَيُّدِ بِالوَهْمِ، والدَّوْرانِ مَعَ الحِسِّ دَأْبَ البُهْمِ، جَدِيرِينَ بِأنْ يَقُولُوا: بَلى يَنْفَعُنا لِأنّا طالَما رَأيْنا مَن هَرَبَ فَسَلِمَ، ومَن ثَبَتَ فاصْطَلَمَ، أمَرَهُ بِالجَوابِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لَهم مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: ﴿مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ أيْ يَمْنَعُكم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا قَبْلَ الفِرارِ وفي حالِ الفِرارِ وبَعْدَهُ ﴿إنْ أرادَ بِكم سُوءًا﴾ فَأناخَ بِكم نِقَمَهُ فَيَرُدُّ ذَلِكَ السُّوءَ عَنْكم ﴿أوْ﴾ يُهِينُكم ويُقَبِّحُ جانِبَكم ويَمْتَهِنُهُ بِأنْ يُصِيبَكم بِسُوءٍ إنْ ﴿أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ فَأفادَكم نِعَمَهُ، والرَّحْمَةُ النَّفْعُ سَمّاهُ بِها لِأنَّهُ أثَرُها، قِيسُوا هَذا المَعْنى عَلى مَقايِيسِ عُقُولِكم مُعْتَبِرِينَ لَهُ بِما وجَدْتُمْ مِنَ الشِّقَّيْنِ في جَمِيعِ أعْمارِكُمْ، هَلِ احْتَرَزْتُمْ عَنْ سُوءِ إرادَةٍ فَنَفَعَكُمُ الِاحْتِرازُ، أوِ اجْتَهَدَ غَيْرُهُ في مَنعِكم رَحْمَةً مِنهُ فَتَمَّ لَهُ أمْرُهُ أوْ أوْقَعَ اللَّهُ بِكم شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَقَدَرَ أحَدٌ مَعَ بَذْلِ الجُهْدِ عَلى كَشْفِهِ بِدُونِ إذْنِهِ؟ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ السُّوءَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وذَكَرَ الرَّحْمَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا. ولَمّا كانُوا أجْمَدَ النّاسِ، أشارَ سُبْحانَهُ بِكَوْنِهِمْ لَمْ يُبادِرُوهم بِأنْفُسِهِمْ (p-٣١٣)الجَوابَ بِما يَدُلُّ عَلى المَنابِ إلى جُمُودِهِمْ بِالعَطْفِ عَلى ما عُلِمَ أنَّ تَقْدِيرَهُ جَوابًا مِن كُلِّ ذِي بَصِيرَةٍ: لا يَعْصِمُهم أحَدٌ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولا يُصِيبُهم بِشَيْءٍ مِنهُ، فَقالَ: ﴿ولا يَجِدُونَ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿لَهُمْ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ إلّا وهو في قَبْضَتِهِ سُبْحانَهُ وأنَّهُ لا إحاطَةَ لِشَيْءٍ غَيْرِهِ بِشَيْءٍ حَتّى ولا بِالرُّتَبِ الَّتِي دُونَ رُتْبَتِهِ بِقَوْلِهِ مُثْبِتًا الجارَّ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ إشارَةً إلى إحاطَتِهِ بِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ، فَمِن أيْنَ يَكُونُ لِغَيْرِهِ الإلْمامُ بِشَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ ﴿ولِيًّا﴾ يُوالِيهِمْ فَيَنْفَعُهم بِنَوْعِ نَفْعٍ ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن أمْرِهِ فَيَرُدُّ ما أرادَهُ مِنَ السُّوءِ عَنْهم.

الأحزاب 33:18

ولَمّا أخْبَرَهم سُبْحانَهُ بِما عَلِمَ مِمّا أوْقَعُوهُ مِن أسْرارِهِمْ، وأمَرَهُ ﷺ بِوَعْظِهِمْ، حَذَّرَهم بِدَوامٍ عِلْمِهِ لِمَن يَخُونُ مِنهُمْ، فَقالَ مُحَقِّقًا مُقَرِّبًا مِنَ الماضِي ومُؤْذِنًا بِدَوامِ هَذا الوَصْفِ لَهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِ ”قَدْ“ الَّتِي رُبَّما أفْهَمَتْ في هَذِهِ العِبارَةِ التَّقْلِيلَ، إشارَةً إلى أنَّهُ يَكْفِي مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ في الخَوْفِ مِن سَطْوَةِ المُتَهَدِّدِ احْتِمالَ عِلْمِهِ، وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ إشارَةً إلى إحاطَةِ الجَلالِ (p-٣١٤)والجَمالِ ﴿المُعَوِّقِينَ﴾ أيِ المُثَبِّطِينَ تَثْبِيطَ تَكْرِيهٍ وعُقُوقٍ، يُسْرِعُونَ فِيهِ إسْراعَ الواقِعِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ أيُّها الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ لِلنّاسِ قاطِبَةً عَنْ إتْيانِ حَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ﴾ أيِ ائْتُوا وأقْبِلُوا ﴿إلَيْنا﴾ مُوهِمِينَ أنَّ ناحِيَتَهم مِمّا يُقامُ فِيهِ القِتالُ، ويُواظِبُ عَلى صالِحِ الأعْمالِ ﴿ولا﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لا ﴿يَأْتُونَ البَأْسَ﴾ أيِ الحَرْبَ أوْ مَكانَها ﴿إلا قَلِيلا﴾ لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ بِقَدْرِ ما يَراهُمُ المُخْلِصُونَ، فَإذا اشْتَغَلُوا بِالمُعارَكَةِ وكَفى كُلٌّ مِنهم ما إلَيْهِ تَسَلَّلُوا عَنْهم لِواذًا، وعاذُوا بِمَن لا يَنْفَعُهم مِنَ الخَلْقِ عِياذًا.

الأحزاب 33:19

ولَمّا كانُوا يُوَجِّهُونَ لِكُلٍّ مِن أفْعالِهِمْ هَذِهِ وجْهًا صالِحًا، بَيَّنَ فَسادَ قَصْدِهِمْ بِقَوْلِهِ ذامًّا غايَةَ الذَّمِّ بِالتَّعْبِيرِ الشُّحَّ الَّذِي هو التَّناهِي في البُخْلِ، فَهو بُخْلٌ بِما في اليَدِ وأمْرٌ لِلْغَيْبِ بِالبُخْلِ فَهو بُخْلٌ إلى بُخْلٍ خَبِيثٍ قَذِرٍ مُتَمادًى فِيهِ مُسارَعٍ إلَيْهِ ﴿أشِحَّةً﴾ أيْ يَفْعَلُونَ ما تَقَدَّمَ والحالُ أنَّ كُلًّا مِنهم شَحِيحٌ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِحُصُولِ نَفْعٍ مِنهم أوْ مِن غَيْرِهِمْ بِنَفْسٍ أوْ مالٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: في حالِ الأمْنِ، أتْبَعَهُ بَيانَ حالِهِمْ في الخَوْفِ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ﴾ أيْ لِمَجِيءِ أسْبابِهِ مِنَ الحَرْبِ ومُقَدِّماتِها ﴿رَأيْتَهُمْ﴾ أيْ أيُّها المُخاطَبُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ وبَيَّنَ بُعْدَهم حِسًّا ومَعْنًى بِحَرْفِ الغايَةِ فَقالَ: ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿تَدُورُ﴾ يَمِينًا وشِمالًا (p-٣١٥)بِإدارَةِ الطَّرْفِ ﴿أعْيُنُهُمْ﴾ أيْ زائِغَةً رُعْبًا وخَوَرًا، تَمَّ شُبَّهَها في سُرْعَةِ تَقَلُّبِها لِغَيْرِ قَصْدٍ صَحِيحٍ فَقالَ: ﴿كالَّذِي﴾ أيْ كَدَوَرانِ عَيْنِ الَّذِي، وبَيَّنَ شِدَّةِ العِنايَةِ بِتَصْوِيرٍ ذَلِكَ بِجَعْلِ المَفْعُولِ عُمْدَةً بِبِناءِ الفِعْلِ لَهُ فَقالَ: ﴿يُغْشى عَلَيْهِ﴾ مُبْتَدِئًا غَشَيانَهُ ﴿مِنَ المَوْتِ﴾ سُنَّةَ اللَّهِ في أنَّ كُلَّ مَن عامَلَ النّاسَ بِالخِداعِ، كانَ قَلِيلَ الثَّباتِ عِنْدَ القِراعِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ خاصَّةً أُخْرى لِبَيانِ جُبْنِهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ﴾ أيْ بِذَهابِ أسْبابِهِ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ أيْ تَناوَلُوكم تَناوُلًا صَعْبًا جُرْأةً ووَقاحَةً، ناسِينَ ما وقَعَ مِنهم عَنْ قُرْبٍ مِنَ الجُبْنِ والخَوَرِ ﴿بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ ذَرِبَةٍ قاطِعَةٍ فَصِيحَةٍ بَعْدَ أنْ كانَتْ عِنْدَ الخَوْفِ في غايَةِ اللَّجْلَجَةِ لا تَقْدِرُ عَلى الحَرَكَةِ مِن قِلَّةِ الرِّيقِ ويُبْسِ الشِّفاهِ، وهَذا [لِطَلَبِ] العَرَضِ الفانِي مِنَ الغَنِيمَةِ أوْ غَيْرِها؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿أشِحَّةً﴾ أيْ شُحًّا مُسْتَعْلِيًا ﴿عَلى الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، وفي اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لا خَيْرَ غَيْرُهُ، شُحًّا لا يُرِيدُونَ أنْ يَصِلَ شَيْءٌ مِنهُ إلَيْكم ولا يَفُوتَهم شَيْءٌ مِنهُ، وهَذِهِ [سُنَّةٌ] أُخْرى في أنَّ مَن كانَ صُلْبًا في الرَّخاءِ كانَ رِخْوًا حالَ الشِّدَّةِ وعِنْدَ اللِّقاءِ، وإنَّما فَسَّرْتُ الشُّحَّ بِهَذا لِأنَّ مادَّتَهُ بِتَرْتِيبِها تَدُورُ عَلى الجَمْعِ الَّذِي انْتَهى (p-٣١٦)فَأشْرَفَ عَلى الفَسادِ، مِنَ الحَشِيشِ والمِحَشَّةِ، وهي الدَّبَرُ، فَهو جَمْعٌ يَتْبَعُهُ في الأغْلَبِ نَكَدٌ وأذًى، ومِن لَوازِمِ مُطْلَقِ الجَمْعِ القُوَّةُ فَتَتْبَعُها الصَّلابَةُ، فَرُبَّما نَشَأتِ القَساوَةُ، ورُبَّما نَشَأتْ عَنِ الجَمْعِ الفُرْقَةُ فَلَزِمَها الرَّخاوَةُ، فَمِنَ الجَمْعِ النَّكِدِ الشُّحُّ وهو البُخْلُ والحِرْصُ، وشُحُّ النَّفْسِ حِرْصُها عَلى ما مَلَكَتْ، قالَ القَزّازُ: وجَمْعُ الشَّحِيحِ في أقَلِّ العَدَدِ أشِحَّةٌ، ولَمْ أسْمَعَ غَيْرَهُ، وحَكى أبُو يُوسُفَ: أشِحّاءُ - بِالمَدِّ في الكَثِيرِ، والرَّجُلانِ يَتَشاحّانِ عَنِ الأمْرِ - إذا كانَ كُلٌّ مِنهُما يُرِيدُ أنْ لا يَفُوتَهُ، وزَنْدٌ شَحاحٌ: لا يُورى، وماءٌ شَحاحٌ: نَكِدٌ غَيْرُ غَمْرٍ - لِأنَّهُ اشْتَدَّ اجْتِماعُهُ في مَكانِهِ، واشْتَدَّتْ أرْضُهُ بِاجْتِماعِ أجْزائِها فَصَلُبَتْ جِدًّا فَضَنَّتْ بِهِ. وأرْضٌ شَحاحٌ: صُلْبَةٌ، قالَ القَزّازُ: وبِهِ شُبِّهَ الزَّنْدُ، والشَّحْشاحُ: الحادُّ والسَّيِّئُ الخُلُقِ والماضِي في كَلامٍ أوْ سَيْرٍ، والمُواظِبُ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ الحِدَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ القُوَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الجَمْعِ، ومِن هُنا قِيلَ لِلْخَطِيبِ البَلِيغِ والشُّجاعِ والغَيُورِ: شَحْشَحٌ وشَحْشاحٌ، والشَّحْشَحُ مِنَ الغِرْبانِ: الكَثِيرُ الصَّوْتِ، ومِنَ الحَمِيرِ: الخَفِيفُ، ومِنَ القَطا: السَّرِيعَةُ، والشَّحْشاحُ: الطَّوِيلُ - كَأنَّهُ جَمَعَ طُولَيْنِ، وشَحْشَحَ البَعِيرُ (p-٣١٧)فِي الهَدِيرِ - إذا لَمْ يُخَلِّصُهُ، كَأنَّهُ [جَمَعَ] إلى الهَدِيرِ ما لَيْسَ بِهَدِيرٍ، والشَّحْشَحَةُ: صَوْتُ الصُّرَدِ - لِكَثْرَةِ اتِّصالِها، فَهي تَرْجِعُ إلى الحِدَّةِ الَّتِي تَرْجِعُ إلى القُوَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ الجَمْعِ، وتَرْدِيدُ البَعِيرِ في الهَدِيرِ والطَّيَرانُ السَّرِيعُ والحَذَرُ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى اجْتِماعِ القَلْبِ وثُقُوبِ الذِّهْنِ، وامْرَأةٌ شَحْشاحٌ - كَأنَّها رَجُلٌ في قُوَّتِها، والمُشَحْشَحُ - كالمُسَلْسَلِ: القَلِيلُ الخَيْرِ، وإبِلٌ شَحائِحُ: قَلِيلَةُ الدَّرِّ، وذَلِكَ مِنَ الجَمْعِ والصَّلابَةِ النّاشِئَةِ عَنِ القَساوَةِ والنَّكَدِ، والشَّحِيحُ مِنَ الأرْضِ ما يَسِيلُ مِن أدْنى مَطَرٍ، لِصَلابَتِها وشَدَّةِ اجْتِماعِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ، والشَّحْشَحُ أيْضًا مِنَ الأرْضِ ما لا يَسِيلُ إلّا مِن مَطَرٍ كَثِيرٍ ضِدَّ الأوَّلِ، وذَلِكَ ناظِرٌ إلى جَمْعِها لِلنَّظَرِ لِغَوْرِهِ فِيها لِما في أجْزائِها مِنَ التَّفَرُّقِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهُ مِن لَوازِمِ الجَمْعِ، ومِن مُطْلَقِ الجَمْعِ: الفَلاةُ الواسِعَةُ - لِأنَّها جامِعَةٌ لِما يُرادُ جَمْعُهُ، والشِّحاحُ: شِعابٌ صِغارٌ تَدْفَعُ الماءَ إلى الوادِي، فَهي بِمَدِّها جامِعَةٌ، وبِكَوْنِها صِغارًا نَكِدَةٌ ومُجْتَمِعَةٌ في نَفْسِها، ومِنَ الجَمْعِ: الحَشِيشُ، وهو اليابِسُ مِنَ العُشْبِ، وأصْلُهُ ما جُمِعَ مِنهُ. والمِحَشُّ: المَوْضِعُ الكَثِيرُ الحَشِيشِ والخَيْرِ، لِأنَّ الجَمْعَ رُبَّما نَشَأ عَنْهُ رِفْقٌ، وكَثْرَةُ الحَشِيشِ يَلْزَمُها الرِّفْقُ بِعَلَفِهِ لِلدَّوابِّ، ويَكُونُ أرْضُهُ طَيِّبَةً، ومَن حَشَّ الحَشِيشَ: قَطَعَهُ، (p-٣١٨)وفُلانًا: أصْلَحَ مِن حالِهِ، والمالَ: كَثَّرَهُ، وزَيْدًا بَعِيرًا أوْ بِبَعِيرٍ: أعْطاهُ إيّاهُ، والحَشُّ - بِالفَتْحِ: المَخْرَجُ، والمِحَشَّةُ: الدُّبُرُ، والحَشُّ: البُسْتانُ ذُو النَّخْلِ المُجْتَمِعِ، سُمِّيَ الخَلاءُ بِهِ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقْضِي الحاجَةَ فِيهِ، وحَشُّ طَلْحَةَ وحَشُّ كَوْكَبٍ: مَوْضِعانِ بِالمَدِينَةِ، وحَشَّ الوَلَدُ في البَطْنِ: يَبِسَ، وأحَشَّتِ المَرْأةُ فَهي مِحَشٌّ - إذا يَبِسَ الوَلَدُ في جَوْفِها، والحُشُّ- بِالضَّمِّ: الوَلَدُ الهالِكُ في البَطْنِ، وحَشَشْتُ الفَرَسَ: جَمَعْتُ لَهُ الحَشِيشَ، [وأحْشَشْتُ الرَّجُلَ: أعَنْتُهُ عَلى جَمْعِ الحَشِيشِ، والحِشاشُ: الجَوالِقُ فِيهِ الحَشِيشُ]، وأحَشَّ الكَلَأُ: أمْكَنَ لِأنْ يُحَشَّ، والمُسْتَحَشَّةُ مِنَ النُّوقِ الَّتِي دَقَّتْ أوَظِفَتُها، أيْ ما فَوْقَ رُسْغِها إلى ساقِها، وذَلِكَ مِن مِن عِظَمِها وكَثْرَةِ شَحْمِها، واسْتَحَشَّ الغُصْنُ: طالَ - كَأنَّهُ جَمَعَ طُولَيْنِ، أوْ صارَ بِحَيْثُ يَجْمَعُ ورَقًا كَثِيرًا، الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ، وحَشَّ الوِدِيَّ مِنَ النَّخْلِ: يَبِسَ، ومِنَ الجَمْعِ: حَشَّ الصَّيْدَ: جَمَعَهُ مِن جانِبَيْهِ، والفَرَسَ: ألْقى لَهُ حَشِيشًا، قالَ القَزّازُ: وهو يُبْسُ الكَلَأِ، وأصْلُهُ ما جَمَعَ، ومِنهُ: أحْشُّكَ وتَرُوثُنِي - يُضْرَبُ لِمَن أساءَ إلى مَن أحْسَنَ إلَيْهِ، (p-٣١٩)ومَرَّتِ الإبِلُ تَحُشُّ الأرْضَ. أيْ تَجْمَعُ الحَشِيشَ، وقِيلَ: هو مِن سُرْعَةِ مَرِّها، وفِيهِ مَعَ كَثْرَةِ الجَمْعِ لِلْخُطى بِتَقارُبِها مَعْنى الحِدَّةِ، ومِنهُ حَشَّ الفَرَسُ: أسْرَعَ، ومِنَ الإشْرافِ عَلى الفَسادِ: الحَشُّ - بِالفَتْحِ وهو النَّخْلُ النّاقِصُ القَصِيرُ لَيْسَ بِمَسْقِيٍّ ولا مَعْمُورٍ، والحُشاشَةُ: رَمَقَ النَّفْسِ، يُقالُ: ما بَقِيَ مِن فُلانٍ إلّا حُشاشَةٌ أيْ رَمَقٌ يَسِيرٌ يَحْيا بِهِ، وعِبارَةُ القامُوسِ، والحُشاشُ والحُشاشَةُ، بَقِيَّةُ الرُّوحِ في المَرِيضِ والجَرِيحِ فَهَذا بَيِّنٌ في الإشْرافِ عَلى الفَسادِ كَما تَقَدَّمَ وهو أيْضًا مِنَ الفُرْقَةِ الَّتِي قَدْ تَلْزَمُ الجَمْعَ ومِنهُ تَحَشْحَشُوا أيْ تَفَرَّقُوا، ومِنهُ قِلَّةُ الِاسْتِحْشاشِ، وهو قِلَّةُ القَوْمِ، ومِنَ الحِدَّةِ النّاشِئَةِ عَنِ القُوَّةِ النّاشِئَةِ: عَنِ الجَمْعِ حَشَشْتُ النّارَ أيْ أوْقَدْتُها وجَمَعْتُ الحَطَبَ إلَيْها، وكُلُّ ما قَوِيَ بِشَيْءٍ فَقَدْ حَشَّ بِهِ، والمِحَشُّ: حَدِيدَةٌ تُوقَدُ بِها النّارُ أيْ تُحَرَّكُ، والشُّجاعُ، قالَ القَزّازُ، وهو مِحَشُّ حَرْبٍ - إذا كانَ يُسَعِّرُها بِشَجاعَتِهِ، وحَشَّ فُلانٌ الحَرْبَ - إذا هَيَّجَها، ومِنهُ تَحَشْحَشُوا أيْ تَحَرَّكُوا، ومِن مُطْلَقِ الحِدَّةِ: أحَشَشْتُهُ عَنْ حاجَتِهِ: أعَجَلْتُهُ عَنْها، ومِنَ الجَمْعِ والقُوَّةِ: حَشَّ سَهْمَهُ بِالقُذَذِ - إذا راشَهُ فَألَزَقَها مِن نَواحِيهِ، وحَشاشاكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا أيْ قُصاراكَ أيْ نِهايَةُ جَمْعِكَ لِكُلِّ ما تَقْوى بِهِ، وحَشاشا كُلِّ شَيْءٍ: جانِباهُ، والحُشَّةُ - بِالضَّمِّ: القُبَّةُ العَظِيمَةُ، لِكَثْرَةِ (p-٣٢٠)جَمْعِها وقُوَّةِ تَراصِّها. ولَمّا وصَفَهم سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الدَّنايا. أخْبَرَ بِأنَّ أساسَها وأصْلَها الَّذِي نَشَأتْ عَنْهُ عَدَمُ الوُثُوقِ بِاللَّهِ لِعَدَمِ الإيمانِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُغَضاءُ البُعَداءُ الَّذِينَ مَحَطُّ أمْرِهِمُ الدُّنْيا ﴿لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ لَمْ يُوجَدْ مِنهم إيمانٌ بِقُلُوبِهِمْ وإنْ أقَرَّتْ بِهِ ألْسِنَتُهم. ولَمّا كانَ العَمَلُ لا يَصِحُّ بِدُونِ الإيمانِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَأحْبَطَ اللَّهُ﴾ أيْ بِجَلالِهِ وتَفَرُّدِهِ في كِبْرِيائِهِ وكَمالِهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ أيْ أبْطَلَ أرْواحَها، فَصارَتْ أجْسادًا لا أرْواحَ لَها، فَلا نَفْعَ لَهم بِشَيْءٍ مِنها لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا صُوَرًا مُجَرَّدَةً عَنِ الأرْواحِ الَّتِي هي القُصُودُ الصّالِحَةُ، فَإنَّهم لا قَصْدَ لَهم بِها إلّا التَّوَصُّلُ إلى الأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهَذا إعْلامٌ بِأنَّ مَن كانَتِ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ فَهو غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وأنَّهُ يَكُونُ خَوّارًا عِنْدَ الهَزاهِزِ، مَيّالًا إلى دَنايا الشَّجايا والغَرائِزِ. ولَمّا كانَ مَن عَمِلَ عَمَلًا لَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهُ وإنْ كانَ أعْظَمَ مِنهُ أنْ يُبْطِلَ نَفْعَهُ بِهِ إلّا بِسِعْرٍ شَدِيدٍ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ الإحْباطُ العَظِيمُ مَعَ ما لَهم مِنَ الجُرْأةِ في الطَّلَبِ والإلْحافِ [عِنْدَ السُّؤالِ] وقِلَّةِ الأدَبِ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ العَظَمَةِ الَّتِي تَخْشَعُ لَها الأصْواتُ، وتَخْرَسُ الألْسُنُ الذَّرِباتُ ﴿يَسِيرًا﴾ لِأنَّهُ لا نَفْعَ [إلّا مِنهُ] (p-٣٢١)وهُوَ الواحِدُ القَهّارُ، وأمّا غَيْرُهُ فَإنَّما عَسُرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، لِأنَّ النَّفْعَ مِن غَيْرِهِ - وإنْ كانَ مِنهُ حَقِيقَةً - قَهَرَهُ غَيْرُهُ بِالشَّفاعاتِ ووُجُودِ النَّكَدِ أوْ غَيْرِها عَلَيْهِ، وكَأنَّهم لَمّا ذَهَبَ اسْتَمَرُّوا خاضِعِينَ لَمْ يُطْلِقُوا ألْسِنَتَهم ولا أعْلَوْا كَلِمَتَهُمْ، فَأخْبَرَ تَعالى تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ الماضِي في جُبْنِهِمْ أنَّ المانِعَ الَّذِي ذَكَرَهُ لَمْ يَزَلْ مِن عِنْدِهِمْ لِفَرْطِ جُبْنِهِمْ، فَقالَ تَحْقِيقًا لِذَلِكَ وجَوابًا لِمَن رُبَّما قالَ: قَدْ ذَهَبَ الخَوْفُ فَما لَهم ما سَلَقُوا؟:

الأحزاب 33:20

﴿يَحْسَبُونَ﴾ أيْ يَظُنُّونَ لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ في هَذا الحالِ، وقَدْ ذَهَبَ الخَوْفُ، لِشِدَّةِ جُبْنِهِمْ وما رَسَخَ عِنْدَهم مِنَ الخَوْفِ ﴿الأحْزابَ﴾ وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهم ذَهَبُوا ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بَلْ غابُوا خِداعًا، وعَبَّرَ بِالحُسْبانِ لِأنَّهُ - كَما مَضى عَنِ الحِرالِيِّ في البَقَرَةِ - ما تَقَعُ غَلَبَتُهُ فِيما هو مِن نَوْعِ ما فُطِرَ الإنْسانُ عَلَيْهِ واسْتَقَرَّ عادَةً لَهُ، والظَّنُّ فِيما هو مِنَ المَعْلُومِ المَأْخُوذِ بِالدَّلِيلِ والعِلْمِ، قالَ: فَكانَ ضِعْفُ عِلْمِ العالِمِ ظَنٌّ، وضَعْفُ عَقْلِ العاقِلِ حُسْبانٌ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ في ذَهابِهِمْ، أخْبَرَ عَنْ حالِهِمْ لَوْ وقَعَ ما يَتَخَوَّفُونَهُ مِن رُجُوعِهِمْ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ بِشارَةً لَأهْلِ البَصائِرِ أنَّهُ في عِدادِ المُحالِ: ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ أيْ بَعْدَ ما ذَهَبُوا ﴿يَوَدُّوا﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَهم غايَةُ الرَّغْبَةِ مِنَ الجُبْنِ وشِدَّةِ الخَوْفِ ﴿لَوْ أنَّهم بادُونَ﴾ أيْ فاعِلُونَ لِلْبَدْوِ وهو الإقامَةُ في البادِيَةِ عَلى حالَةِ الحَلِّ والِارْتِحالِ (p-٣٢٢)﴿فِي الأعْرابِ﴾ الَّذِينَ هم عِنْدَهم في مَحَلِّ النَّقْصِ، ومِمَّنْ تُكْرَهُ مُخالَطَتُهُ ولَوْ كانَ تَمَنِّيهِمْ في ذَلِكَ الحِينِ مُحالًا؛ ثُمَّ ذَكَرَ حالَ فاعِلِ ”بادُونَ“ فَقالَ: ﴿يَسْألُونَ﴾ كُلَّ وقْتٍ ﴿عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ العَظِيمَةِ مَعَهم جَرْيًا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ النِّفاقِ لِيُبْقُوا لَهم عِنْدَكم وجْهًا، كَأنَّهم مُهْتَمُّونَ بِكُمْ، يُظْهِرُونَ بِذَلِكَ تَحَرُّقًا عَلى غَيْبَتِهِمْ عَنْ هَذِهِ الحَرْبِ [أوْ لِيُخْفُوا غَيْبَتَهم ويُظْهِرُوا أنَّهم كانُوا بَيْنَكم في الحَرْبِ بِأمارَةِ أنَّهُ وقَعَ لَكم في وقْتِ كَذا أوْ مَكانِ كَذا كَذا، ويُكابِرُوا عَلى ذَلِكَ مِن غَيْرِ اسْتِحْياءٍ] لِأنَّ النِّفاقَ صارَ لَهم خُلُقًا لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ، ويُرْشِدُ إلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ يَعْقُوبَ ”يَسّالُونَ“ بِالتَّشْدِيدِ ﴿ولَوْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم لَوْ ﴿كانُوا فِيكُمْ﴾ أيْ حاضِرِينَ لِحَرْبِهِمْ ﴿ما قاتَلُوا﴾ أيْ مَعَكم ﴿إلا قَلِيلا﴾ نِفاقًا كَما فَعَلُوا قَبْلَ ذَهابِ الأحْزابِ مِن حُضُورِهِمْ مَعَكم تارَةً واسْتِئْذانِهِمْ في الرُّجُوعِ إلى مَنازِلِهِمْ أُخْرى، والتَّعْوِيقِ لِغَيْرِهِمْ بِالفِعْلِ كَرَّةً، والتَّصْرِيحِ بِالقَوْلِ أُخْرى.

الأحزاب 33:21

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِهَذِهِ الأحْوالِ الَّتِي هي غايَةٌ [فِي] الدَّناءَةِ، أقْبَلَ عَلَيْهِمْ إقْبالًا يَدُلُّهم عَلى تَناهِي الغَضَبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا مُحَقِّقًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيُّها النّاسُ كافَّةً الَّذِينَ المُنافِقُونَ في غِمارِهِمْ ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ﴾ الَّذِي جاءَ عَنْهُ لِإنْقاذِكم مِن كُلِّ ما يَسُوءُكُمْ، (p-٣٢٣)وجَلالُهُ مِن جَلالِهِ المُحِيطِ بِكُلِّ جَلالٍ، وكَمالُهُ مِن كَمالِهِ العالِي عَلى كُلِّ كَمالٍ، وهو أشْرَفُ الخَلائِقِ، فَرَضِيتُمْ مُخالَطَةَ الأجْلافِ بَدَلَ الكَوْنِ مَعَهُ ﴿أُسْوَةٌ﴾ أيْ قُدْوَةٌ عَظِيمَةٌ - عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفي أدْنى المَراتِبِ - عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالكَسْرِ، تُساوُونَ أنْفُسَكم بِهِ وهو أعْلى النّاسِ قَدْرًا يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَفْدِيَ ظُفْرَهُ الشَّرِيفَ ولَوْ بِعَيْنِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُسَوِّيَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، فَيَكُونَ مَعَهُ في كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ فِيهِ، لا يَخْتَلِفُ عَنْهُ أصْلًا ﴿حَسَنَةٌ﴾ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِمُطْلَقِ الصَّبْرِ في البَأْساءِ وأحْسَنِيَّةٌ - عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِالصَّبْرِ عَلى الجِراحِ في نَفْسِهِ والإصابَةِ في عَمِّهِ وأعَزِّ أهْلِهِ وجَمِيعِ ما [كانَ] يَفْعَلُ في مُقاساةِ الشَّدائِدِ، ولِقاءِ الأقْرانِ، والنَّصِيحَةِ لِلَّهِ ولِنَفْسِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِوَصْفِ الرِّسالَةِ لِأنَّهُ حَظُّ الخَلْقِ مِنهُ لِيَقْتَدُوا بِأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، ويَتَخَلَّقُوا بِأخْلاقِهِ وأحْوالِهِ، ونَبَّهَ عَلى أنَّ الَّذِي يُحْمَلُ عَلى التَّآسِي بِهِ ﷺ إنَّما هو الصِّدْقُ في الإيمانِ ولا سِيَّما الإيمانُ بِالقِيامَةِ، وأنَّ المُوجِبَ لِلرِّضا جِبِلَّةٌ لَهُ ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أيْ في جِبِلَّتِهِ أنَّهُ يُجَدِّدُ الرَّجاءَ مُسْتَمِرًّا لِلَّذِي لا عَظِيمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ فَيَأْمُلُ إسْعادَهُ ويَخْشى إبْعادَهُ (p-٣٢٤)﴿واليَوْمَ الآخِرَ﴾ الَّذِي لا بُدَّ مِن إيجادِهِ ومُجازاةِ الخَلائِقِ فِيهِ بِإعْمالِهِمْ، فَمَن كانَ كَذَلِكَ حَمَلَهُ رَجاؤُهُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، ومَنَعَهُ مِن كُلِّ شَرٍّ، فَإنَّهُ يَوْمُ التَّغابُنِ، لِأنَّ الحَياةَ فِيهِ دائِمَةٌ، والكَسْرُ فِيهِ لا يُجْبَرُ. ولَمّا عَبَّرَ بِالمُضارِعِ المُقْتَضِي لِدَوامِ التَّجَدُّدِ اللّازِمِ مِنهُ دَوامُ الِاتِّصافِ النّاشِئِ عَنِ المُراقَبَةِ لِأنَّهُ في جِبِلَّتِهِ، أنْتَجَ أنْ يُقالُ: فَأسى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في كُلِّ شَيْءٍ تَصْدِيقًا لِما في جِبِلَّتِهِ مِنَ الرَّجاءِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ، أوْ عَلى ”كانَ“ المُقْتَضِيَةِ لِلرُّسُوخِ قَوْلَهُ: ﴿وذَكَرَ اللَّهَ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ، وقَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾ تَحْقِيقًا لِما ذَكَرَ مِن مَعْنى الرَّجاءِ الَّذِي بِهِ الفَلاحُ، وأنَّ المُرادَ مِنهُ الدّائِمُ في حالَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.

الأحزاب 33:22

ولَمّا أخْبَرَ عَمّا حَصَلَ في هَذِهِ الوَقْعَةِ مِنَ الشَّدائِدِ النّاشِئَةِ عَنِ الرُّعْبِ لِعامَّةِ النّاسِ، وخَصَّ مِن بَيْنِهِمُ المُنافِقِينَ بِما خَتَمَهُ بِالمَلامَةِ في تَرْكِ التَّآسِي بِمَن أعْطاهُ اللَّهُ قِيادَهُمْ، وأعْلاهُ عَلَيْهِمْ في الثَّباتِ والذِّكْرِ، وخَتَمَ هَذا الخَتْمَ بِما يُثْمِرُ الرُّسُوخَ في الدِّينِ، ذَكَرَ حالَ الرّاسِخِينَ في أوْصافِ الكَمالِ المُتَأسِّينَ بِالدّاعِي، المُقْتَفِينَ لِلْهادِي، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ [الأحزاب: ١١] ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الإيمانِ ﴿الأحْزابَ﴾ الَّذِينَ (p-٣٢٥)أدْهَشَتْ رُؤْيَتُهُمُ القُلُوبَ ﴿قالُوا﴾ أيْ مَعَ ما حَصَلَ لَهم مِنَ الزِّلْزالِ وتَعاظُمِ الأحْوالِ: ﴿هَذا﴾ أيِ الَّذِي نَراهُ مِنَ الهَوْلِ ﴿ما وعَدَنا﴾ مِن تَصْدِيقِ دَعَوانا الإيمانُ بِالبَلاءِ والِامْتِحانِ ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ المُبَلِّغُ عَنْهُ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ [التوبة: ١٦] وأمْثالَ ذَلِكَ، فَسَمَّوُا المَسَّ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، والِابْتِلاءِ بِالزِّلْزالِ والأعْداءِ، [وعَدًّا] لِعِلْمِهِمْ بِما لَهم عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ، ولا سِيَّما في يَوْمِ الجَزاءِ، وما يَعْقُبُهُ مِنَ النَّصْرِ، عِنْدَ اشْتِدادِ الأمْرِ. ولَمّا كانَ هَذا مَعْناهُ التَّصْدِيقُ، أزالُوا عَنْهُ احْتِمالَ أنْ يَكُونَ أمْرًا اتِّفاقِيًّا، وصَرَّحُوا بِهِ عَلى وجْهٍ يُفْهِمُ الدُّعاءَ بِالنَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ في قَوْلِهِمْ عَطْفًا عَلى هَذا: ﴿وصَدَقَ﴾ [مُطْلَقًا لا بِالنِّسْبَةِ إلى مَفْعُولٍ مُعَيَّنٍ] ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي كَمالُهُ مِن كَمالِهِ، أيْ ظَهَرَ صِدْقُهُما في عالَمِ الشَّهادَةِ في كُلِّ ما وعَدا بِهِ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ مِمّا رَأيْناهُ. وهُما صادِقانِ فِيما غابَ عَنّا مِمّا وعَدا بِهِ مِن نَصْرٍ وغَيْرِهِ، وإظْهارِ الِاسْمَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّيَمُّنِ بِذِكْرِهِما. ولَمّا كانَ هَذا قَوْلًا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لِسانِيًّا فَقَطْ كَقَوْلِ المُنافِقِينَ، (p-٣٢٦)أكَّدَهُ لِظَنِّ المُنافِقِينَ ذَلِكَ، فَقالَ سُبْحانَهُ شاهِدًا لَهُمْ: ﴿وما زادَهُمْ﴾ أيْ ما رَأوْهُ مِن أمْرِهِمُ المُرْعِبِ ﴿إلا إيمانًا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ بِقُلُوبِهِمْ، وأبْلَغَ سُبْحانَهُ في وصْفِهِمْ بِالإسْلامِ، فَعَبَّرَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ فَقالَ: ﴿وتَسْلِيمًا﴾ أيْ لَهُما بِجَمِيعِ جَوارِحِهِمْ في جَمِيعِ القَضاءِ والقَدْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠] ما هو مِن شَرْحِ هَذا.

الأحزاب 33:23

ولَمّا كانَ كُلُّ [مَن] آمَنَ بائِعًا نَفْسَهُ ومالَهُ لِلَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ، وكانَ بَعْضُ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ لَمْ يُعْطِ الإيمانَ حَقَّهُ في القِتالِ في نَفْسِهِ ومالِهِ كَما فَعَلَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أمّا في مالِهِ فَبِالخُرُوجِ عَنْهُ كُلِّهِ، وأمّا في نَفْسِهِ فِيما يُقْحِمُها مِنَ الأهْوالِ، حَتّى كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ في بَعْضِ المَواطِنِ: «الزَمْ مَكانَكَ وأمْتِعْنا بِنَفْسِكَ»، «ويَقُولُ لَهُ ولِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُما مِنَ الدِّينِ بِمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ» وكانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في لَيْلَةِ الغارِ يَذْكُرُ الطَّلَبَ فَيَتَأخَّرُ، والرَّصَدَ فَيَتَقَدَّمُ، وما عَنِ الجَوانِبِ فَيَصِيرُ إلَيْها، ومِنهم مَن وفّى هَذِهِ الغَزْوَةَ وما قَبْلَها فَأرادَ اللَّهُ التَّنْوِيهَ بِذِكْرِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ تَوْفِيَةً لِما يُفَضِّلُ بِهِ في حَقِّهِمْ، وتَرْغِيبًا لِغَيْرِهِمْ فَأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَتَقَيَّدَ بِالمَذْكُورِينَ سابِقًا فَيَخُصُّ (p-٣٢٧)هَذِهِ الغَزْوَةَ فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الكُمَّلِ ﴿رِجالٌ﴾ أيْ في غايَةِ العَظَمَةِ عِنْدَنا، ثُمَّ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿صَدَقُوا﴾ ولَمّا كانَ العَهْدُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ، والأخْلاقِ الزَّكِيَّةِ، لِشِدَّةِ ذِكْرِهِمْ [لَهُ] ومُحافَظَتِهِمْ عَلى الوَفاءِ بِهِ، وتَصَوُّرِهِ لَهم حَتّى كَأنَّهُ رَجُلٌ عَظِيمٌ قائِمٌ تُجاهَهُمْ، يَتَقاضاهُمُ الصِّدْقَ، عَدّى الفِعْلَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ما عاهَدُوا اللَّهَ﴾ المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً وجَلالًا وعَظَمَةً ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ مِن بَيْعِ أنْفُسِهِمْ وأمْوالِهِمْ لَهُ بِدُخُولِهِمْ في هَذا الدِّينِ الَّذِي بَنى عَلى ذَلِكَ فَوَفَوْا بِهِ أتَمَّ وفاءٍ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أبِي لُبابَةَ [بْنِ] المُنْذِرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ مِن أكابِرِ المُؤْمِنِينَ الرّاسِخِينَ في صِفَةِ الإيمانِ حَيْثُ زَلَّ في إشارَتِهِ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأنَّ المُرادَ بِهِمُ الذَّبْحُ، كَما تَقَدَّمَ في الأنْفالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧] فَذَهَبَ مِن حِينِهِ ورَبَطَ نَفْسَهُ تَصْدِيقًا لِصِدْقِهِ في سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ. ولَمّا ذَكَرَ الصّادِقِينَ، وكانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّ الصِّدْقَ لا يَكُونُ إلّا بِالقَتْلِ، قَسَّمَهم [قِسْمَيْنِ] مُشِيرًا إلى خِلافِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى﴾ أيْ أعْطى ﴿نَحْبَهُ﴾ [أيْ نَذْرَهُ] في مُعاهَدَتِهِ، أنَّهُ يَنْصُرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَمُوتُ دُونَهُ، وفَرَغَ مِن (p-٣٢٨)ذَلِكَ وخَرَجَ مِن عُهْدَتِهِ بِأنْ قُتِلَ شَهِيدًا، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ نَذْرٌ كَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ومُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وأنَسِ بْنِ النَّضْرِ الَّذِي غابَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ فَقالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ، لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ قِتالًا لِيَرَيْنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ، فَلَمّا انْهَزَمَ [مَنِ انْهَزَمَ] في غَزْوَةِ أُحُدٍ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُشْرِكِينَ - ومِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ - يَعْنِي المُنْهَزِمِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ. وقاتَلَ حَتّى قُتِلَ بَعْدَ بِضْعٍ وثَمانِينَ جِراحَةً مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، ورَوى [البُخارِيُّ] عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ”نَرى هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾“ - انْتَهى، وغَيْرُ هَؤُلاءِ مِمَّنْ قُتِلَ قَبْلَ هَذا في غَزْوَةِ أُحُدٍ وغَيْرِها، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ مِمَّنْ جُرِحَ في هَذِهِ الغَزْوَةِ وحَكَمَ في بَنِي قُرَيْظَةَ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ، ولَمْ يَرْعَ لَهم حِلْفَهم لِقَوْمِهِ، ولا أطاعَ قَوْمَهُ في الإشارَةِ عَلَيْهِ بِاسْتِبْقائِهِمْ كَما اسْتَبْقى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ المُنافِقِ بَنِي قَيْنُقاعَ ولا أخَذَتْهُ بِهِمْ رَأْفَةٌ غَضَبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِمَّنْ لَمَّ يُقْتَلْ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أحَدُ العَشْرَةِ (p-٣٢٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ثَبَتَ في أُحُدٍ وفَعَلَ ما لَمْ يَفْعَلْهُ غَيْرُهُ، لَزِمَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ يُفارِقْهُ، وذَبَّ عَنْهُ ووَقاهُ بِيَدِهِ حَتّى شُلَّتْ إصْبُعُهُ فَشَهِدَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، فالمُرادُ بِالنَّحْبِ هُنا العَهْدُ الَّذِي هو كالنَّذْرِ المُفْضِي إلى المَوْتِ، وأصْلُ النَّحْبِ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ، ومِن هُنا اسْتُعْمِلَ في النَّذْرِ لِأنَّهُ الحامِلُ عَلى ذَلِكَ ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ الصّادِقِينَ ﴿مَن يَنْتَظِرُ﴾ قَضاءَ النَّحْبِ إمّا بِالنُّصْرَةِ، أوِ المَوْتِ عَلى الشَّهادَةِ، أوْ مُطْلَقِ المُتابَعَةِ الكامِلَةِ. ولَمّا كانَ المُنافِقُونَ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ أحَدٌ صادِقًا فِيما يُظْهِرُ مِنَ الإيمانِ، أكَّدَ قَوْلَهُ تَعْرِيضًا بِهِمْ: ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ أيْ وما أوْقَعُوا شَيْئًا مِن تَبْدِيلٍ بِفَتْرَةٍ أوْ تَوانٍ، فَهَذا تَصْرِيحٌ بِمَدْحِ أهْلِ الصِّدْقِ، وتَلْوِيحٌ بِذَمِّ أهْلِ النِّفاقِ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ، رَوى البُخارِيُّ [عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا نَسَخْنا الصُّحُفَ بِالمَصاحِفِ فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ الأحْزابِ كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُها، لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا (p-٣٣٠)ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ وقَوْلُهُ: ”نَسَخْنا الصُّحُفَ“ الَّتِي كانَتْ عِنْدَ حَفْصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”فِي المَصاحِفِ“ الَّتِي أمَرَ بِها عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقَوْلُهُ: ”لَمْ أجِدْها“ أيْ مَكْتُوبَةً بِدَلِيلِ حِفْظِهِ لَها، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمّا نَسَخَ المَصاحِفَ في عَهْدِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِالصُّحُفِ. بَلْ ضَمُّوا إلَيْها ما هو مُفَرَّقٌ عِنْدَ النّاسِ مِمّا كُتِبَ بِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِحَضْرَتِهِ كَما فَعَلُوا حِينَ جَمَعُوا الصُّحُفَ عَلى عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم [أجْمَعِينَ].

الأحزاب 33:24

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ فُهِمْ مِن سِياقِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ القَصْدَ الإقْبالُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، وقَطْعُ جَمِيعِ العَلائِقِ مِن غَيْرِهِ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَهو يَكْفِي مَن أقْبَلَ عَلَيْهِ كُلَّ مُهِمٍّ وإنْ كانَ في غايَةِ العَجْزِ عَنْهُ، تارَةً بِسَبَبٍ ظاهِرٍ وتارَةً بِغَيْرِهِ فَما لَهُ لَمْ يَحْكم بِالِاتِّفاقِ عَلى كَلِمَةِ السَّلامِ، لِتَحْصُل الرّاحَةُ مِن هَذا العَناءِ كُلِّهِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ هَذا لِتَظْهَرَ صِفَةُ العِزِّ والعَظَمَةِ والعَدْلِ وغَيْرِها ظُهُورًا تامًّا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن حُكْمٍ يَنْكَشِفُ عَنْها الحِجابُ، وتَرْفَعُ لِتَجَلِّيها غايَةَ التَّجَلِّي سُتُورَ الأسْبابِ، فَقالَ تَعالى مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي يُرِيدُ إظْهارَ جَمِيعَ صِفاتِهِ يَوْمَ البَعْثِ لِلْخاصِّ والعامِّ ظُهُورًا تامًّا ﴿الصّادِقِينَ﴾ في ادِّعاءٍ أنَّهم آمَنُوا بِهِ ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ فَيُعْلِي أمْرَهم في (p-٣٣١)الدُّنْيا ويُنَعِّمُهم في الأُخْرى، فالصِّدْقُ سَبَبٌ وإنْ كانَ فَضْلًا مِنهُ لِأنَّهُ المُوَفَّقُ لَهُ ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ في الدّارَيْنِ بِكَذِبِهِمْ في دَعْواهُمُ الإيمانَ المُقْتَضِي [لِبَيْعِ] النَّفْسِ والمالِ ﴿إنْ شاءَ﴾ يُعَذِّبُهم عَلى النِّفاقِ ﴿أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِما يَرَوْنَ مِن صِدْقِهِ سُبْحانَهُ في إعْزازِ أوْلِيائِهِ وإذْلالِ أعْدائِهِ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ حَيْثُ كانُوا قاطِعِينَ بِخِلافِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَتْ تَوْبَةُ المُنافِقِينَ مُسْتَبْعَدَةً لِما يَرَوْنَ مِن صَلابَتِهِمْ في الخِداعِ وخُبْثِ سَرائِرِهِمْ، قالَ مُعَلِّلًا ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَسْتُرُ الذَّنْبَ ويُنْعِمُ عَلى صاحِبِهِ بِالكَرامَةِ، أمّا في الإثابَةِ لِكُلٍّ فالرَّحْمَةُ عامَّةٌ، وأمّا في تَعْذِيبِ المُنافِقِ فَيَخُصُّ الصّادِقِينَ، لِأنَّ عَذابَ أعْدائِهِمْ مِن أعْظَمِ نَعِيمِهِمْ، وفي حُكْمِهِ بِالعَدْلِ عُمُومُ الرَّحْمَةِ أيْضًا، فَهو لا يُعَذِّبُ أحَدًا فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّ.

الأحزاب 33:25

ولَمّا ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ بِما أرْسَلَ عَلى أعْدائِهِمْ مِن جُنُودِهِ، وبَيَّنَ أحْوالَ المُنافِقِينَ والصّادِقِينَ وما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، وخَتَمَ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، قالَ مُذَكِّرًا بِأثَرِهِما فِيما خَرَقَهُ مِنَ العادَةِ بِصَرْفِ الأعْداءِ عَلى كَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ عَلى حالَةٍ لا يَرْضاها لِنَفْسِهِ عاقِلٌ، عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ والقِصَّةِ ﴿فَأرْسَلْنا﴾ [الأحزاب: ٩] ﴿ورَدَّ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن (p-٣٣٢)صِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ شُمُوسُ عُقُولِهِمْ مِن أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ وحَقِّيَّةِ الرِّسالَةِ، وهم مِن تَحَزَّبَ مِنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى بِلادِهِمْ عَنِ المَدِينَةِ ومُضايَقَةِ المُؤْمِنِينَ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّحَزُّبَ [ثُمَّ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّفَرُّقَ مِن غَيْرِ طائِلٍ] حالَ كَوْنِهِمْ ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ لا مِنَ الدِّينِ ولا مِنَ الدُّنْيا، بَلْ خَذَلَهم بِكُلِّ اعْتِبارٍ. ولَمّا كانَ الرَّدُّ قَدْ يَكُونُ بِسَبَبٍ مِن عَدْوِهِمْ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿وكَفى اللَّهُ﴾ أيِ العَظِيمِ بِقُوَّتِهِ وعِزَّتِهِ عِبادَهُ، ودَلَّ عَلى أنَّهُ ما فَعَلَ ذَلِكَ إلّا لِأجْلِ أهْلِ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ بِما ألْقى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الدّاعِيَةِ لِلِانْصِرافِ بِالرِّيحِ والجُنُودِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ مِنهم نُعَيْمُ [بْنُ] مَسْعُودٍ كَما تَقَدَّمَ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا باهِرًا، أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عِنْدَهُ يَسِيرٌ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ دائِمًا أزَلًا وأبَدًا ﴿قَوِيًّا﴾ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ﴿عَزِيزًا﴾ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ.

الأحزاب 33:26

ولَمّا أتَمَّ أمْرَ الأحْزابِ، أتْبَعَهُ حالَ الَّذِينَ ألَّبُوهُمْ، وكانُوا سَبَبًا (p-٣٣٣)فِي إتْيانِهِمْ كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ والَّذِينَ مالَأُوهم عَلى ذَلِكَ، ونَقَضُوا ما كانَ لَهم مِن عَهْدٍ، فَقالَ: ﴿وأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ أيْ عاوَنُوا الأحْزابَ، ثُمَّ بَيَّنَهم بِقَوْلِهِ مُبَغِّضًا: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وهم بَنُو قُرَيْظَةَ ومَن دَخَلَ مَعَهم في حِصْنِهِمْ مَن بَنِي النَّضِيرِ كَحُيَيٍّ، وكانَ ذَلِكَ بَعْدَ إخْراجٍ بَنِي قَيْنُقاعَ وبَنِي النَّضِيرِ ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ أيْ حُصُونِهِمُ العالِيَةِ، جَمْعُ صِيصِيَةٍ وهي كُلُّ ما يَتَمَنَّعُ بِهِ مِن قُرُونِ البَقْرِ وغَيْرِها مِمّا شُبِّهَ بِها مِنَ الحُصُونِ. ولَمّا كانَ الإنْزالُ مِن مَحَلِّ التَّمَنُّعِ عَجَبًا، وكانَ عَلى وُجُوهٍ شَتّى، فَلَمْ يَكُنْ صَرِيحًا في الإذْلالِ، فَتَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى بَيانِ حالِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ الذُّلُّ فَقالَ عاطِفًا بِالواوِ لِيَصْلُحَ لِما قَبْلُ ولِما بَعْدُ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيْ بَعْدَ الإنْزالِ كَما كانَ قَذْفُهُ قَبْلَ الإنْزالِ، فَلَوْ قَدَّمَ القَذْفَ عَلى الإنْزالِ لَما أفادَ هَذِهِ الفَوائِدَ، ولا اشْتَدَّتْ مُلاءَمَةُ ما بَعْدَهُ لِلْإنْزالِ. ولَمّا ذَكَرَ ما أذَلَّهم بِهِ، ذَكَرَ ما تَأثَّرَ عَنْهُ مُقْسِّمًا لَهُ فَقالَ: ﴿فَرِيقًا﴾ فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الفِرْقَةِ ونَصَبَهُ لِيَدُلَّ بادِئَ بَدْءٍ عَلى أنَّهُ طَوْعٌ لِأيْدِي الفاعِلِينَ: ﴿تَقْتُلُونَ﴾ وهُمُ الرِّجالِ، وكانَ نَحْوُ سَبْعِمِائَةٍ. ولَمّا بَدَأ بِما يَدُلُّ عَلى التَّقْسِيمِ مِمّا مِنهُ الفِرْقَةُ، وقَدْ أعْظَمَ الأثَرَيْنِ النّاشِئَيْنِ عَنِ الرُّعْبِ، أوْلاهُ الأثَرَ الآخَرَ لِيَصِيرَ الأثَرانِ المَحْبُوبانِ مُحْتَوِشَيْنِ بِما يَدُلُّ عَلى الفِرْقَةِ (p-٣٣٤)فَقالَ: ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ وهُمُ الذَّرارِيُّ والنِّساءُ، ولَعَلَّهُ أخَّرَ الفَرِيقَ هُنا لِيُفِيدَ التَّخْيِيرَ في أمْرِهِمْ، وقَدَّمَ في الرِّجالِ لِتَحَتُّمِ القَتْلِ فِيهِمْ.

الأحزاب 33:27

ولَمّا ذَكَرَ النّاطِقَ بِقِسْمَيْهِ، ذَكَرَ الصّامِتَ فَقالَ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهُمْ﴾ مِنَ الحَدائِقِ وغَيْرِها؛ ولَمّا عَمَّ خَصَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ودِيارَهُمْ﴾ لِأنَّهُ يُحامِي عَلَيْها ما لا يُحامِي عَلى غَيْرِها؛ ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وأمْوالَهُمْ﴾ مِمّا تَقَدَّمَ ومِن غَيْرِهِ مِنَ النَّقْدِ والماشِيَةِ والسِّلاحِ والأثاثِ وغَيْرِها، فَقَسَّمَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْفارِسِ ثَلاثَةَ أسْهُمٍ: لِلْفَرَسِ سَهْمانِ ولِفارِسِهِ سَهْمٌ كَما لِلرّاجِلِ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فَرَسٌ وأخْرَجَ مِنها الخُمُسَ فَعَلى سُنَّتِها وقَعَتِ المَقاسِمُ ومَضَتِ السُّنَّةُ في المَغازِي، واصْطَفى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سَباياهم رَيْحانَةَ بِنْتَ عَمْرِو بْنِ خَنافَةَ. إحْدى نِساءِ بَنِي عَمْرِو بْنِ قُرَيْظَةَ، فَتَلَبَّثَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ أسْلَمَتْ، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنْ يَتَزَوَّجَها ويَضْرِبَ عَلَيْها الحِجابَ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! بَلْ تَتْرُكُنِي في مِلْكِكَ فَهو أخَفُّ عَلَيَّ وعَلَيْكَ، فَتَرَكَها حَتّى تُوُفِّيَ عَنْها [فِي] مِلْكِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ غَزْوَةً طارَ رُعْبُها في الآفاقِ، وأذَلَّتْ أهْلَ الشِّرْكِ مِنَ الأُمِّيِّينَ وغَيْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، ونُشِرَتْ ألْوِيَةُ النَّصْرِ فَخَفَقَتْ أعْلامُها في جَمِيعِ الآفاقِ، وأغْمَدَتْ سَيْفَ الكُفْرِ وسَلَّتْ صارِمَ الإيمانِ (p-٣٣٥)لِلرُّؤُوسِ والأعْناقِ، حَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ وهو أبْصَرُ النّاسِ بِالحُرُوبِ، وأنْفَذَهم رَأْيًا لِما لَهُ مِنَ الثَّباتِ عِنْدَ اشْتِدادِ الكُرُوبِ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا»، قالَ تَعالى: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ أيْ تَغْلِبُوا عَلَيْها بِتَهْيِئَتِكم [لِلْغَلَبَةِ] عَلَيْها وإعْطائِكُمُ القُوَّةَ القَرِيبَةَ مِن فَتْحِها، وهي أرْضُ خَيْبَرَ أوَّلًا، ثُمَّ أرْضُ مَكَّةَ ثانِيًا ثُمَّ أرْضُ فارِسَ والرُّومِ وغَيْرِهِما مِمّا فَتَحَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وكانَ قَدْ حَكَمَ بِهِ في هَذِهِ الغَزْوَةِ حِينَ أبْرَقَ تِلْكَ البَرْقاتِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، فَأراهُ في الأُولى اليَمَنَ، وفي الأُخْرى فارِسَ، وفي الأُخْرى الرُّومَ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا سَهَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ هَذا وغَيْرِهِ ﴿قَدِيرًا﴾ أيْ شامِلَ القُدْرَةِ.

الأحزاب 33:28

ولَمّا تَقَرَّرَ بِهَذِهِ الوَقائِعِ - الَّتِي نَصَرَ فِيها سُبْحانَهُ وحْدَهُ بِأسْبابٍ باطِنَةٍ سَبَّبَها، وأُمُورٍ خَفِيَّةٍ رَتَّبَها، تَعْجِزُ عَنْها الجُيُوشُ المُتَخَيِّرَةُ المُسْتَكْثِرَةُ، والمُلُوكُ المُتَجَبِّرَةُ المُسْتَكْبِرَةُ - ما قَدَّمَ مِن أنَّهُ كافٍ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، وأقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ إلَيْهِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ القُدْرَةِ العامَّةِ الدّائِمَةِ، تَحَرَّرَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى (p-٣٣٦)كُلِّ ما يُرِيدُهُ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ أجْرى مَعَ ولِيِّهِ كُنُوزَ الأرْضِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُراعِيَ غَيْرَهُ ولا [أنْ] يَرْمُقَ بِوَجْهِ ما سِواهُ، وعُلِمَ أنَّ مَن أقْبَلَ إلى هَذا الدِّينِ فَإنَّما نَفَعَ نَفْسَهُ والفَضْلَ لِصاحِبِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ، ومَن أعْرَضَ [عَنْهُ] فَإنَّما وبالُ إعْراضِهِ عَلى نَفْسِهِ، ولا ضَرَرَ عَلى الدِّينِ بِإعْراضِ هَذا المُعْرِضِ، كَما أنَّهُ لا نَفْعَ لَهُ بِإقْبالِ ذَلِكَ المُقْبِلِ، وكانَ قَدْ قَضى سُبْحانَهُ أنَّ مَنِ انْقَطَعَ إلَيْهِ حَماهُ مِنَ الدُّنْيا إكْرامًا لَهُ ورَفْعًا لِمَنزِلَتِهِ عَنْ خَسِيسِها إلى نَفِيسِ ما عِنْدَهُ، لِأنَّ كُلَّ أمْرِها إلى زَوالٍ وتَلاشٍ واضْمِحْلالٍ، ولا يُعَلِّقُ هِمَّتَهُ بِذَلِكَ إلّا قاصِرٌ ضالٌّ، فَأخَذَ سُبْحانَهُ يَأْمُرُ أحَبَّ الخَلْقِ إلَيْهِ، وأعَزَّهم مَنزِلَةً لَدَيْهِ، المَعْلُومُ امْتِثالًا لِلْأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ والإعْراضِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ [سُبْحانَهُ] وأنَّهُ لا يَخْتارُ مِنَ الدُّنْيا غَيْرَ الكَفافِ، والقَناعَةِ والعَفافِ، بِتَخْيِيرٍ ألْصَقَ النّاسَ بِهِ تَأْدِيبًا لِكافَّةِ النّاسِ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا تَقَدَّمَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ ذاكِرًا صِفَةَ رِفْعَتِهِ واتِّصالِهِ بِهِ سُبْحانَهُ والإعْلامِ بِأسْرارِ القُلُوبِ، وخَفايا الغُيُوبِ، المُقْتَضِيَةِ لِأنْ يَفْرُغَ فِكْرُهُ لِما يَتَلَقّاهُ مِنَ المَعارِفِ، ولا يُعَلِّقُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن أذًى: ﴿قُلْ لأزْواجِكَ﴾ أيْ نِسائِكَ: ﴿إنْ كُنْتُنَّ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تُرِدْنَ﴾ أيِ اخْتِيارًا عَلى ﴿الحَياةَ﴾ (p-٣٣٧)ووَصَفَها بِما يُزَهِّدُ فِيها ذَوِي الهِمَمِ ويُذَكِّرُ مَن لَهُ عَقْلٌ بِالآخِرَةِ فَقالَ: ﴿الدُّنْيا﴾ أيْ ما فِيها مِنَ السَّعَةِ والرَّفاهِيَةِ والنِّعْمَةِ ﴿وزِينَتَها﴾ أيِ المُنافِيَةِ لِما أمَرَنِي [بِهِ] رَبِّي مِنَ الإعْراضِ عَنْهُ واحْتِقارِهِ مِن أمْرِها لِأنَّها أبْغَضُ خَلْقِهِ إلَيْهِ، لِأنَّها قاطِعَةٌ عَنْهُ ﴿فَتَعالَيْنَ﴾ أصْلُهُ أنَّ الأمْرَ يَكُونُ أعْلى مِنَ المَأْمُورِ، فَيَدْعُوهُ أنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ إلَيْهِ ثُمَّ كَثُرَ حَتّى صارَ مَعْناهُ: أقْبَلَ، وهو هُنا كِنايَةٌ عَنِ الإخْبارِ والإرادَةِ بِعَلاقَةِ أنَّ المُخْبَرَ يَدْنُو إلى مَن يُخْبِرُهُ ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أيْ بِما أحْسَنَ [بِهِ] إلَيْكُنَّ ﴿وأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أيْ مِن حِبالَةِ عِصْمَتِي ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ أيْ لَيْسَ فِيهِ مُضارَّةٌ، ولا نَوْعُ حِقْدٍ ولا مُقاهَرَةٍ

الأحزاب 33:29

﴿وإنْ كُنْتُنَّ﴾ بِما لَكُنَّ مِنَ الجِبِلَّةِ ﴿تُرِدْنَ اللَّهَ﴾ أيِ الآمِرَ بِالإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا لِلْإعْلاءِ إلى ما لَهُ مِن رُتَبِ الكَمالِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ المُؤْتَمِرِ بِما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الِانْسِلاخِ عَنْها المُبَلِّغِ لِلْعِبادِ جَمِيعَ ما أرْسَلَهُ بِهِ مِن أمْرِ الدُّنْيا والدِّينِ لا يَدَعُ مِنهُ شَيْئًا، لِما لَهُ عَلَيْكُنَّ وعَلى سائِرِ النّاسِ مِنَ الحَقِّ بِما يُبَلِّغُهم عَنِ اللَّهِ ﴿والدّارَ الآخِرَةَ﴾ الَّتِي هي الحَيَوانُ بِما لَها مِنَ البَقاءِ، والعُلُوِّ والِارْتِقاءِ. ولَمّا كانَ ما كُلُّ مَن أظْهَرَ شَيْئًا كانَ عالِيَ الرُّتْبَةِ فِيهِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما يَقُولُهُ مِمّا يُقْطَعُ بِهِ ويَنْبَغِي تَأْكِيدُهُ دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ حالُ البَشَرِ فَيُظَنُّ فِيهِ الظُّنُونُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وغَيْرِهِمْ، أوْ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ أوْ يَسْتَبْعِدُ وُقُوعَهُ في الدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ (p-٣٣٨)أيْ بِما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿أعَدَّ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ ﴿لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ﴾ أيِ اللّاتِي يَفْعَلْنَ ذَلِكَ وهُنَّ في مَقامِ المُشاهَدَةِ وهو يَعْلَمُ المُحْسِنَ مِن غَيْرِهِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ أيْ تُحْتَقَرُ لَهُ الدُّنْيا وكُلُّ ما فِيها مِن زِينَةٍ ونِعْمَةٍ.

الأحزاب 33:30

ولَمّا أتى سُبْحانَهُ بِهَذِهِ العِبارَةِ الحَكِيمَةِ الصّالِحَةِ مَعَ البَيانِ لِلتَّبْعِيضِ تَرْهِيبًا في تَرْغِيبٍ، أحْسَنَ كُلُّهُنَّ وحَقَّقْنَ بِما تَخَلَّقْنَ بِهِ أنَّ مِن لِلْبَيانِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلَيْهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ذَلِكَ، وبَدَأ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها رَأْسِ المُحْسِناتِ إذْ ذاكَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وعَنْ أبِيها وقالَ لَها: «إنِّي قائِلٌ لَكِ أمْرًا فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ”، فَلَمّا تَلاها عَلَيْها قالَتْ مُنْكِرَةً لِتَوَقُّفِها في الخَبَرِ: أفِي هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ، فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ عَرَضَ ذَلِكَ عَلى جَمِيعِ أزْواجِهِ فاقْتَدَيْنَ كُلُّهُنَّ بِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَكانَتْ لَهُنَّ إمامًا فَنالَتْ إلى أجْرِها مِثْلَ أُجُورِهِنَّ» - رَوى ذَلِكَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهُ ﷺ وجَدَ عَلى نِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ فَآلى مِنهُنَّ شَهْرًا، فَلَمّا انْقَضى الشَّهْرُ نَزَلَ (p-٣٣٩)إلَيْهِنَّ مِن غُرْفَةٍ كانَ اعْتَزِلْ فِيها وقَدْ أنْزَلَ [اللَّهُ] عَلَيْهِ الآياتِ. فَخَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ مِنهُنَّ مَن سَألَ التَّوَسُّعَ في النَّفَقَةِ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يُحِبُّ التَّوَسُّعَ في الدُّنْيا، رَوى الشَّيْخانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِن خُبْزِ شَعِيرٍ يَوْمَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ،» ورَوى الحَدِيثَ البَيْهَقِيُّ ولَفْظُهُ: قالَتْ: «ما شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ أيّامٍ مُتَوالِيَةٍ ولَوْ شِئْنا لَشَبِعْنا، ولَكِنَّهُ كانَ يُؤْثِرُ عَلى نَفْسِهِ،» ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ عَنْها أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن سَألَ عَنِّي أوْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَيَّ فَلْيَنْظُرْ إلى أشْعَثَ شاحِبٍ لَمْ يَضَعْ لَبِنَةً عَلى لَبِنَةٍ ولا قَصَبَةً عَلى قَصَبَةٍ، رُفِعَ لَهُ عَلَمٌ فَشَمَّرَ إلَيْهِ، اليَوْمَ المِضْمارُ وغَدًا السِّباقُ، والغايَةُ الجَنَّةُ أوِ النّارُ» . ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أمْضى حِكْمَتَهُ في هَذِهِ الدّارِ في [أنَّهُ] لا يُقْبَلُ قَوْلٌ إلّا بِبَيانٍ، قالَ سُبْحانَهُ مُتَهَدِّدًا عَلى ما قَدْ أعاذَهُنَّ اللَّهُ مِنهُ، فالمُرادُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ رَفَعَ مَقادِيرَهُنَّ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ الأفْعالَ المُسْنَدَةَ إلَيْهِنَّ اعْتِبارًا (p-٣٤٠)بِلَفْظِ ”مَن“ والتَّنْبِيهِ عَلى غَلَطِ مَن جَعَلَ صَحْبَةَ الأشْرافِ دافِعَةً لِلْعِقابِ عَلى الإسْرافِ، ومُعْلِمَةً بِأنَّها إنَّما تَكُونُ سَبَبًا لِلْإضْعافِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ [أيْ] المُخْتاراتِ لَهُ لِما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُظْهِرُ شَرَفَهُ ﴿مَن يَأْتِ﴾ قِراءَةُ يَعْقُوبَ عَلى ما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْنى مَن دُونَ لَفْظِها وهي قِراءَةٌ شاذَّةٌ نَقَلَها الأهْوازِيُّ في كِتابِ الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ: وقَرَأ الجَماعَةُ بِالتَّحْتانِيَّةِ عَلى اللَّفْظِ وكَذا ”يَقْنُتُ“ ﴿مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ أيْ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ كالنُّشُوزِ وسُوءِ الخُلُقِ بِاخْتِيارِ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ أيْ واضِحَةٍ ظاهِرَةٍ في نَفْسِها تَكادُ تُنادِي بِذَلِكَ مِن سُوءٍ خُلُقٍ ونُشُوزٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمّا هَوَّلَ الأمْرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ نافِعٍ المُفْهِمَةِ لِأكْثَرِ مِنِ اثْنَيْنِ كَما مَضى في البَقَرَةِ، سَهَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ضِعْفَيْنِ﴾ أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما لِغَيْرِها لِأنَّ مِقْدارَها لا يَعْشُرُهُ مِقْدارُ غَيْرِها كَما جَعَلَ حَدَّ الحُرِّ ضِعْفَيْ ما لِلْعَبْدِ، وكَما جَعَلَ أجْرَهُنَّ مَرَّتَيْنِ. واشْتَدَّ العِتابُ فِيما بَيْنَ الأحْبابِ، وعَلى قَدْرِ عُلُوِّ المَقامِ يَكُونُ المَلامُ. (p-٣٤١)[و] بِقَدْرِ النِّعْمَةِ تَكُونُ النِّقْمَةُ، وكُلٌّ مِن بِناءِ يُضاعِفُ لِلْمَجْهُولِ مِن بابِ المُفاعَلَةِ أوِ التَّفْعِيلِ لِأبِي جَعْفَرٍ والبَصْرِيِّينَ أوْ لِلْفاعِلِ بِالنُّونِ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ وابْنِ عامِرٍ يَدُلُّ عَلى عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ، والبِناءُ لِلْمَجْهُولِ يَدُلُّ عَلى العِنايَةِ بِالتَّهْوِيلِ بِالعَذابِ بِجَعْلِهِ عُمْدَةَ الكَلامِ وصاحِبَ الجُمْلَةِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ إشارَةً إلى أنَّ الأُمُورَ الكِبارَ صَغِيرَةٌ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ ولا يَنْفَعُهُ، ولا يُوجِبُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ لَهُ حُدُوثُ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِ عَظِيمًا عِنْدَكم ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ فَهَذا ناظِرٌ إلى مَقامِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ.

الأحزاب 33:31

ولَمّا قَدَّمَ دَرْءَ المَفاسِدِ الَّذِي هو مِن بابِ التَّخَلِّي، أتْبَعَهُ جَلْبَ المَصالِحِ الَّذِي هو [مِن] طِرازِ التَّحَلِّي فَقالَ: ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ أيْ يُخْلِصِ الطّاعَةَ، وتَقَدَّمَ تَوْجِيهُ قِراءَةِ يَعْقُوبَ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى ما حَكاهُ البَغَوِيُّ والأهْوازِيُّ في الشَّواذِّ عَنِ ابْنِ مُسْلِمٍ ﴿مِنكُنَّ لِلَّهِ﴾ الَّذِي هو أهْلٌ لِئَلّا يَلْتَفِتَ إلى غَيْرِهِ لِأنَّهُ [لا] أعْظَمُ مِنهُ بِإدامَةِ الطّاعَةِ فَلا يَخْرُجُ عَنْ مُراقِبَتِهِ أصْلًا ﴿ورَسُولِهِ﴾ فَلا تُغاضِبُهُ ولا تَطْلُبُ مِنهُ شَيْئًا، (p-٣٤٢)ولا تَخْتارُ عَيْشًا غَيْرَ عَيْشِهِ، فَإنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ تَصْفِيَةُ فِكْرِهِ، وتَهْدِئَةُ بالِهِ وسِرِّهِ، لِيَتَمَكَّنَ غايَةَ التَّمَكُّنِ مِن إنْقاذِ أوامِرِنا والقِيامِ بِما أرْسَلْناهُ بِسَبَبِهِ مِن رَحْمَةِ العِبادِ، بِإنْقاذِهِمْ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الأنْكادِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يُفْهِمُ الِاقْتِصارَ عَلى [عَمَلِ] القَلْبِ قالَ: ﴿وتَعْمَلْ﴾ قَرَأها حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالتَّحْتانِيَّةِ رَدًّا عَلى لَفْظِ ”مَن“ حَثًّا لَهُنَّ عَلى مَنازِلِ الرِّجالِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ عَلى مَعْناها عَلى الأصْلِ مُشِيرَةً إلى الرِّفْقِ بِهِنَّ في عَمَلِ الجَوارِحِ والرِّضى بِالمُسْتَطاعِ كَما قالَ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ: «إذا أمَرَتْكم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وأمّا عَمَلُ القَلْبِ فَلا رِضى فِيهِ بِدُونِ الغايَةِ، فَلِذا كانَ ”يَقْنُتْ“ مُذَكَّرًا لا عَلى شُذُوذٍ ﴿صالِحًا﴾ أيْ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ أوْ نَهى عَنْهُ ﴿نُؤْتِها﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ، وقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالتَّحْتانِيَّةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ ﴿أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ أيْ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْرِ غَيْرِها مِن نِساءِ بَقِيَّةِ النّاسِ ﴿وأعْتَدْنا﴾ أيْ هَيَّأْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وأحْضَرْنا ﴿لَها﴾ بِسَبَبِ قَناعَتِها مَعَ النَّبِيِّ ﷺ المُرِيدِ لِلتَّخَلِّي مِنَ الدُّنْيا الَّتِي يُبْغِضُها اللَّهُ مَعَ ما في ذَلِكَ (p-٣٤٣)مِن تَوْفِيرِ الحَظِّ في الآخِرَةِ ﴿رِزْقًا كَرِيمًا﴾ أيْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَلا شَيْءَ أكْرَمُ مِنهُ لِأنَّ ما في الدُّنْيا مِنهُ يُوَفَّقُ لِصَرْفِهِ عَلى وجْهٍ يَكُونُ فِيهِ أعْظَمُ الثَّوابِ، ولا يَخْشى مِن أجْلِهِ نَوْعَ عِتابٍ فَضْلًا عَنْ عِقابٍ، وما في الآخِرَةِ مِنهُ لا يُوصَفُ ولا يُحَدُّ، ولا نَكَدَ فِيهِ بِوَجْهٍ أصْلًا ولا كَدَّ.

الأحزاب 33:32

ولَمّا كانَ لِكُلِّ حَقٍّ حَقِيقَةٌ، ولِكُلِّ قَوْلٍ صادِقٍ بَيانٌ، قالَ مُؤْذِنًا بِفَضْلِهِنَّ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي أنْتُنَّ مِن أعْلَمِ النّاسِ بِما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِنَ الإنْباءِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ وخَفايا الأسْرارِ وما لَهُ مِنَ الزُّلْفى لَدَيْهِ ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ البَغَوِيُّ: ولَمْ يَقُلْ: كَواحِدَةٍ، لِأنَّ الأحَدَ عامٌّ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَمْعِ والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ - انْتَهى، فالمَعْنى كَجَماعاتٍ مِن جَماعاتِ النِّساءِ إذا تُقُصِّيَتْ أُمَّةُ النِّساءِ جَماعَةً جَماعَةً لَمْ تُوجَدْ فِيهِنَّ جَماعَةٌ تُساوِيكُنَّ في الفَضْلِ لِما خَصَّكُنَّ اللَّهُ بِهِ مِن قُرْبَةٍ بِقُرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ونُزُولِ الوَحْيِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ في بُيُوتِكُنَّ. ولَمّا كانَ المَعْنى: بَلْ أنْتُنَّ أعْلى النِّساءِ، ذَكَرَ شَرْطَ ذَلِكَ فَقالَ: (p-٣٤٤)﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أيْ جَعَلْتُنَّ بَيْنَكُنَّ وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وغَضَبِ رَسُولِهِ وِقايَةً، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا النَّفْيِ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ﴾ أيْ إذا تَكَلَّمْتُنَّ بِحَضْرَةِ أجْنَبِيٍّ ﴿بِالقَوْلِ﴾ أيْ بِأنْ يَكُونَ لَيِّنًا عَذْبًا رَخْمًا، والخُضُوعُ التَّطامُنُ والتَّواضُعُ واللِّينُ والدَّعْوَةُ إلى السَّواءِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الخُضُوعِ: قَوْلَهُ: ﴿فَيَطْمَعَ﴾ أيْ في الخِيانَةِ ﴿الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أيْ فَسادٌ ورِيبَةٌ والتَّعْبِيرُ بِالطَّمَعِ لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] أُمْنِيَّتَهُ لا سَبَبَ لَها في الحَقِيقَةِ، لِأنَّ اللِّينَ في كَلامِ النِّساءِ خُلُقٌ لَهُنَّ لا تَكَلُّفَ فِيهِ، فَأُرِيدَ مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ التَّكَلُّفُ لِلْإتْيانِ بِضِدِّهِ. ولَمّا نَهاهُنَّ عَنِ الِاسْتِرْسالِ مَعَ سَجِيَّةِ النِّساءِ في رَخامَةِ الصَّوْتِ، أمَرَهُنَّ بِضِدِّهِ فَقالَ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ أيْ يُعْرَفُ أنَّهُ بَعِيدٌ عَنْ مَحَلِّ الطَّمَعِ.

الأحزاب 33:33

ولَمّا تَقَدَّمَ إلَيْهِنَّ في القَوْلِ وقَدَّمَهُ لِعُمُومِهِ، أتْبَعَهُ الفِعْلَ فَقالَ: ﴿وقَرْنَ﴾ أيِ اسْكُنَّ وامْكُثْنَ دائِمًا ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ فَمَن كَسَرِ القافِ وهم غَيْرُ المَدَنِيِّينَ وعاصِمٌ جَعَلَ الماضِيَ قَرَرَ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومَن فَتَحَهُ فَهو عِنْدُهُ قَرِرَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ. ولَمّا أمَرَهُنَّ بِالقَرارِ، نَهاهُنَّ عَنْ ضِدِّهِ مُبَشِّعًا لَهُ، فَقالَ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ (p-٣٤٥)أيْ تَظاهَرْنَ مِنَ البُيُوتِ بِغَيْرٍ حاجَّةٍ مُحْوِجَةٍ، [فَهُوَ] مِن وادِي أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُنَّ بَعْدَ حَجَّةِ الوَداعِ بِلُزُومِ ظُهُورِ الحُصْرِ ﴿تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ أيِ المُتَقَدِّمَةِ عَلى الإسْلامِ وعَلى ما قَبْلَ الأمْرِ بِالحِجابِ، بِالخُرُوجِ مِن بَيْتٍ والدُّخُولِ في آخَرَ، والأُولى لا تَقْتَضِي أُخْرى كَما ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها ما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ عَلَيْهِما السَّلامُ، تَبَرَّجَ [فِيها] نِساءُ السُّهُولِ وكُنَّ صِباحًا و[فِي] رِجالِهِنَّ دَمامَةٌ، لِرِجالِ الجِبالِ وكانُوا صِباحًا وفي نِسائِهِنَّ دَمامَةٌ، فَكَثُرَ الفَسادُ، وعَلى هَذا فَلَها ثانِيَةٌ. ولَمّا أمَرَهُنَّ بِلُزُومِ البُيُوتِ لِلتَّخْلِيَةِ عَنِ الشَّوائِبِ، أرْشَدَهُنَّ إلى التَّحْلِيَةِ بِالرَّغائِبِ، فَقالَ: ﴿وأقِمْنَ الصَّلاةَ﴾ أيْ فَرْضًا ونَفْلًا، صِلَةً لِما بَيْنَكُنَّ وبَيْنَ الخالِقِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ﴿وآتِينَ الزَّكاةَ﴾ إحْسانًا إلى الخَلائِقِ، وفي هَذا بِشارَةٌ بِالفُتُوحِ وتَوْسِيعِ الدُّنْيا عَلَيْهِنَّ، فَإنَّ العَيْشَ وقْتَ نُزُولِها كانَ ضَيِّقًا عَنِ القُوتِ فَضْلًا عَنِ الزَّكاةِ. ولَمّا أمَرَهُنَّ بِخُصُوصِ ما تَقَدَّمَ لِأنَّهُما أصْلُ الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ، ومَنِ اعْتَنى بِهِما حَقَّ الِاعْتِناءِ جَرَّتاهُ إلى ما وراءَهُما، عَمَّ وجَمَعَ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِعْنَ اللَّهَ﴾ أيْ ذاكِراتٍ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ (p-٣٤٦)فِي جَمِيعِ ما يُأْمَرانِ بِهِ فَإنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلّا لِلْأمْرِ والنَّهْيِ تَخْلِيصًا لِلْخَلائِقِ مِن أسْرِ الهَوى. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ قَدْ نَهَتْ عَنِ الرَّذائِلِ فَكانَتْ عَنْها أشْرَفُ الفَضائِلِ قالَ مُبَيِّنًا أنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِتَشْرِيفِ أهْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَزِيدَ الرَّغْبَةُ في ذَلِكَ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِوَهْمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ ذَلِكَ لِهَوانٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِن نُقْصانٍ وحِرْمانٍ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ﴾ أيْ - وهو ذُو الجَلالِ والجَمالِ بِما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ مِنَ الإعْراضِ عَنِ الزِّينَةِ وما تَبِعَها، والإقْبالِ عَلَيْهِ- عُزُوفَكم عَنِ الدُّنْيا وكُلِّ ما تَكُونُ سَبَبًا لَهُ ﴿لِيُذْهِبَ﴾ [أيْ] لِأجْلِ أنْ يُذْهِبَ ﴿عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ أيِ الأمْرَ الَّذِي يَلْزَمُهُ دائِمًا الِاسْتِقْذارُ والِاضْطِرابُ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ كُلِّها ﴿أهْلَ﴾ يا أهْلَ ﴿البَيْتِ﴾ أيْ مِن كُلِّ مَن تَكُونُ مِن إلْزامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ مِنَ الأزْواجِ والإماءِ والأقارِبِ، وكُلَّما كانَ الإنْسانُ مِنهم أقْرَبَ وبِالنَّبِيِّ ﷺ أخَصَّ وألْزَمَ، كانَ بِالإرادَةِ أحَقَّ وأجْدَرَ. ولَمّا اسْتَعارَ لِلْمَعْصِيَةِ الرِّجْسَ، اسْتَعارَ لِلطّاعَةِ الطُّهْرَ، تَرْغِيبًا لِأصْحابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ والعُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ، في الطّاعَةِ، وتَنْفِيرًا لَهم عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿ويُطَهِّرَكُمْ﴾ أيْ يَفْعَلُ في طُهْرِكم بِالصِّيانَةِ عَنْ جَمِيعِ القاذُوراتِ (p-٣٤٧)الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ فِعْلَ المُبالِغِ فِيهِ، وزادَ ذَلِكَ عِظَمًا بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿تَطْهِيرًا﴾

الأحزاب 33:34

ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ إلى أنْ خَتَمَ بِالتَّطْهِيرِ، أتْبَعَهُ التَّذْكِيرَ بِما أنْعَمَ سُبْحانَهُ بِهِ مِمّا أثْرُهُ التَّطْهِيرُ مِنَ التَّأْهِيلِ لِمُشاهَدَةِ ما يَتَكَرَّرُ مِن تَرَدُّدِ المَلائِكَةِ بِنُزُولِ الوَحْيِ الَّذِي هو السَّبَبُ في كُلِّ طُهْرٍ ظاهِرٍ وباطِنٍ، فَقالَ مُخَصِّصًا مِنَ السِّياقِ لِأجْلِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، مُنَبِّهًا لَهُنَّ عَلى أنَّ بُيُوتَهُنَّ مَهابِطُ الوَحْيِ ومَعادِنُ الأسْرارِ: ﴿واذْكُرْنَ﴾ أيْ في أنْفُسِكُنَّ ذِكْرًا دائِمًا، واذْكُرْنَهُ لِغَيْرِكُنَّ عَلى جِهَةِ الوَعْظِ والتَّعْلِيمِ. ولَمّا كانَتِ العِنايَةُ بِالمَتْلُوِّ، بَيَّنَها بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ لِبَيانِ أنَّهُ عُمْدَةُ الجُمْلَةِ فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿ما يُتْلى﴾ أيْ يُتابِعُ ويُوالِي ذِكْرَهُ والتَّخَلُّقَ بِهِ، وأشارَ لَهُنَّ إلى ما خَصَّهُنَّ مِنهُ مِنَ الشَّرَفِ فَقالَ: ﴿فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ أيْ بِواسِطَةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي خَيَّرَكُنَّ ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا أعْظَمُ مِنهُ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِذَلِكَ القُرْآنَ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعَمُّ مِنهُ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِشِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِإدْخالِهِ في جُمْلَةِ المَتْلُوِّ اعْتِمادًا عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ مَعْرُوفٌ لِأنَّ التِّلاوَةَ لا يُقالُ في غَيْرِ الكِتابِ: ﴿والحِكْمَةِ﴾ (p-٣٤٨)أيْ ويَبُثُّ ويَنْشُرُ مِنَ العِلْمِ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ والعَمَلِ المُتْقَنِ بِالعِلْمِ، ولا تَنْسَيَنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا، وكانَتِ الحِكْمَةُ مُنَفِّرَةً عَنْها، أشارَ بِخِتامِ الآيَةِ إلى أنَّها مَعَ كَوْنِها مُحَصِّلَةً لِفَوْزِ الأُخْرى جالِبَةً لِخَيْرِ الدُّنْيا، فَقالَ مُؤَكِّدًا رَدْعًا لِمَن يَشُكُّ في أنَّ الرِّفْعَةَ يُوصَلُ إلَيْها بِضِدِّها ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَضَمَّنَهُ الخَبَرُ مِن جَلِيلِ العِبَرِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ والَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿كانَ﴾ أيْ لَمْ يَزَلْ ﴿لَطِيفًا﴾ أيْ يُوصِلُ إلى المَقاصِدِ بِوَسائِلِ الأضْدادِ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ يَدِقُّ عِلْمُهُ عَنْ إدْراكِ الأفْكارِ، فَهو يَجْعَلُ الإعْراضَ عَنِ الدُّنْيا جالِبًا [لَها] عَلى أجْمَلِ الطَّرائِقِ وأكْمَلِ الخَلائِقِ وإنْ رَغُمَتْ أُنُوفُ جَمِيعِ الخَلائِقِ، ويَعْلَمُ مَن يَصْلُحُ لِبَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ومَن لا يَصْلُحُ، وما يُصْلِحُ النّاسَ دُنْيا ودِينًا وما لا يُصْلِحُهُمْ، والطُّرُقُ المُوَصِّلَةُ إلى كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ وإنْ كانَتْ عَلى غَيْرِ ما يَأْلَفُهُ النّاسُ ”مَنِ انْقَطَعَ إلى اللَّهِ كَفاهُ كُلَّ مُؤُونَةٍ ورَزَقَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ“ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ وابْنُ أبِي الدُّنْيا والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”مَن تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ كَفاهُ، ومَنِ انْقَطَعَ إلى الدُّنْيا وكَلَهُ اللَّهُ إلَيْها“ - رَواهُ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ وأبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ في كِتابِ الثَّوابِ عَنْ عِمْرانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا، ولَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وعْدَهُ في لُطْفِهِ وحَقَّقَ بِرَّهُ في خَبَرِهِ بِأنْ فَتَحَ (p-٣٤٩)عَلى نَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْبَرَ، فَأفاضَ بِها ما شاءَ مِن رِزْقِهِ الواسِعِ، ثُمَّ لَمّا تُوُفِّيَ نَبِيُّهُ ﷺ لِيَحْمِيَهُ مِن زَهْرَةِ الحَياةِ الدُّنْيا فَتَحَ الفُتُوحاتِ الكِبارَ مِن بِلادِ فارِسَ والرُّومِ ومِصْرَ وما بَقِيَ مِنَ اليَمَنِ، فَعَمَّ الفَتْحُ جَمِيعَ الأقْطارِ: الشَّرْقَ والغَرْبَ والجَنُوبَ والشَّمالَ، ومَكَّنَ أصْحابَ نَبِيِّهِ ﷺ مِن كُنُوزِ جَمِيعِ [تِلْكَ] البِلادِ وذَخائِرِ أُولَئِكَ المُلُوكِ حَتّى صارَ الصَّحابَةُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَكِيلُونَ المالَ كَيْلًا، وزادَ الأمْرُ حَتّى «دَوَّنَ عُمَرُ الدَّواوِينَ وفَرَضَ لِلنّاسِ [عامَّةً ]أرْزاقَهم حَتّى لِلرُّضَعاءِ، وكانَ أوَّلًا لا يَفْرِضُ لِلْمَوْلُودِ حَتّى يُفْطَمَ، فَكانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالفِطامِ فَنادى مُنادِيهُ: لا تُعَجِّلُوا أوْلادَكم بِالفِطامِ فَإنّا نَفْرِضُ لِكُلِّ مَوْلُودٍ في الإسْلامِ، وفاوَتَ بَيْنَ النّاسِ في العَطاءِ بِحَسَبِ القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ والبُعْدِ مِنهُ وبِحَسَبِ السّابِقَةِ في الإسْلامِ والهِجْرَةِ ونَزَّلَ النّاسَ مَنازِلَهم بِحَيْثُ أرْضى جَمِيعَ النّاسِ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِ خالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ فَسَألَهُ عَمّا وراءَهُ فَقالَ: تَرَكْتُهم يَسْألُونَ اللَّهَ لَكَ أنْ يَزِيدَ في عُمْرِكَ مِن أعْمارِهِمْ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما هو حَقُّهم وأنا أسْعَدُ بِأدائِهِ إلَيْهِمْ، لَوْ كانَ مِن مالِ الخَطّابِ ما أعْطَيْتُمُوهُ، ولَكِنْ قَدْ عَلِمْتُ أنَّ فِيهِ فَضْلًا، فَلَوْ أنَّهُ إذا خَرَجَ عَطاءُ أحَدِهِمُ ابْتاعَ مِنهُ (p-٣٥٠)غَنَمًا، فَجَعَلَها بِسَوادِكُمْ، فَإذا خَرَجَ عَطاؤُهُ ثانِيَةً ابْتاعَ الرَّأْسَ والرَّأْسَيْنِ فَجَعَلَهُ فِيها، فَإنْ بَقِيَ أحَدٌ مِن ولَدِهِ كانَ لَهم شَيْءٌ قَدِ اعْتَقَدُوهُ، فَإنِّي لا أدْرِي ما يَكُونُ بَعْدِي، وإنِّي لَأعُمُّ بِنَصِيحَتِي كُلَّ مَن طَوَّقَنِي اللَّهُ أمْرَهُ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”مَن ماتَ غاشًّا لِرَعِيَّتِهِ لَمْ يَرَحْ رِيحَ الجَنَّةِ“، فَكانَ فَرْضُهُ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا لِكُلِّ واحِدَةٍ وهي نَحْوُ ألْفِ دِينارٍ في كُلِّ سَنَةٍ، وأعْطى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها خَمْسَةً وعِشْرِينَ ألْفًا لِحُبِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيّاها، فَأبَتْ أنْ تَأْخُذَ إلّا ما يَأْخُذُهُ صَواحِباتُها،» ورَوى عَنْ بَرْزَةَ بِنْتِ رافِعٍ قالَتْ: لَمّا خَرَجَ العَطاءُ أرْسَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِالَّذِي لَها فَلَمّا أدْخَلَ إلَيْها قالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَعُمَرَ! غَيْرِي مِن أخَواتِي أقْوى عَلى قَسْمِ هَذا مِنِّي، قالُوا: هَذا كُلُّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قالَتْ: سُبْحانَ اللَّهِ! واسْتَتَرَتْ مِنهُ بِثَوْبٍ، ثُمَّ قالَتْ: صُبُّوهُ واطْرَحُوا عَلَيْهِ ثَوْبًا، ثُمَّ قالَتْ لِي: أدْخِلِي يَدَيْكِ واقْبِضِي مِنهُ قَبْضَةً فاذْهَبِي بِها إلى بَنِي فُلانٍ وبَنِي فُلانٍ مِن ذَوِي رَحِمِها وأيْتامٍ لَها، فَقَسَّمَتْهُ حَتّى بَقِيَتْ مِنهُ بَقِيَّةٌ تَحْتَ الثَّوْبِ، قالَتْ بَرْزَةُ بِنْتُ رافِعٍ: فَقُلْتُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، واللَّهِ لَقَدْ كانَ لَنا في هَذا المالِ حَقٌّ، قالَتْ: فَلَكم ما تَحْتَ الثَّوْبِ، (p-٣٥١)فَوَجَدْنا تَحْتَهُ خَمْسَمِائَةٍ وثَمانِينَ دِرْهَمًا، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَها إلى السَّماءِ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا يُدْرِكُنِي عَطاءٌ لِعُمَرَ بَعْدَ عامِي هَذا، فَماتَتْ، ذَكَرَ ذَلِكَ البَلاذِرِيُّ في كِتابِ فُتُوحِ البِلادِ.

الأحزاب 33:35

ولَمّا حَثَّ سُبْحانَهُ عَلى المَكارِمِ والأخْلاقِ الزّاكِيَةِ، وخَتَمَ بِالتَّذْكِيرِ بِالآياتِ والحِكْمَةِ، أتْبَعَهُ ما لِمَن تَلَبَّسَ مِن أهْلِ البَيْتِ بِما يَدْعُو إلَيْهِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَهُ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى مُشاكَلَةً لِعُمُومِ الدَّعْوَةِ وشُمُولِ الرِّسالَةِ، فَقالَ جَوابًا لِقَوْلِ النِّساءِ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ذَكَرَ اللَّهُ الرِّجالَ ولَمْ يَذْكِرِ النِّساءَ بِخَيْرٍ فَما فِينا خَيْرٌ نُذْكَرُ بِهِ، إنّا نَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنّا طاعَةٌ، بادِئًا الوَصْفَ الأوَّلَ الأعَمَّ الأشْهَرَ مِن أوْصافِ أهْلِ هَذا الدِّينِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ كَثْرَةِ المُنافِقِينَ المُكَذِّبِينَ بِمَضْمُونِ هَذا الخَبَرِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُصارِحِينَ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ ولَمّا كانَ اخْتِلافُ النَّوْعِ مُوجِبًا لِلْعَطْفِ، قالَ مُعْلِمًا بِالتَّشْرِيكِ في الحُكْمِ: ﴿والمُسْلِماتِ﴾ ولَمّا كانَ الإسْلامُ مَعَ كَوْنِهِ أكْمَلَ الأوْصافِ وأعْلاها يُمْكِنُ [أنْ يَكُونَ] بِالظّاهِرِ فَقَطْ، أتْبَعَهُ المُحَقِّقُ لَهُ وهو إسْلامُ الباطِنِ بِالتَّصْدِيقِ التّامِّ بِغايَةِ الإذْعانِ، فَقالَ عاطِفًا لَهُ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الأوْصافِ الَّتِي يُمْكِنُ اجْتِماعُها بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمْكِينِ الجامِعِينَ لِهَذِهِ الأوْصافِ مِن كُلِّ وصْفٍ مِنها: ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ ولَمّا كانَ [المُؤْمِنُ] المُسْلِمُ قَدْ لا يَكُونُ في أعْمالِهِ مُخْلِصًا قالَ: ﴿والقانِتِينَ﴾ أيِ المُخْلِصِينَ في إيمانِهِمْ (p-٣٥٢)وإسْلامِهِمْ ﴿والقانِتاتِ﴾ ولَمّا كانَ القُنُوتُ كَما يُطْلَقُ عَلى الإخْلاصِ المُقْتَضِي لِلْمُداوَلَةِ قَدْ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ الطّاعَةِ قالَ: ﴿والصّادِقِينَ﴾ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿والصّادِقاتِ﴾ أيْ في إخْلاصِهِمْ في الطّاعَةِ، وذَلِكَ يَقْتَضِي الدَّوامَ. ولَمّا كانَ الصِّدْقُ - وهو إخْلاصُ القَوْلِ والعَمَلِ عَنْ شَوْبٍ يَلْحَقُهُ أوْ شَيْءٌ يُدَنِّسُهُ - قَدْ لا يَكُونُ دائِمًا، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّ ما لا يَكُونُ دائِمًا لا يَكُونُ صِدْقًا في الواقِعِ: ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ ولَمّا كانَ الصَّبْرُ قَدْ يَكُونُ سَجِيَّةً، دَلَّ عَلى صَرْفِهِ إلى اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ﴾ ولَمّا كانَ الخُشُوعُ - وهو الخُضُوعُ والإخْباتُ والسُّكُونُ - لا يَصِحُّ مَعَ تَوْفِيرِ المالِ فَإنَّهُ سَيَكُونُ إلَيْهِ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ إذْ ذاكَ لا يَكُونُ عَلى حَقِيقَتِهِ: ﴿والمُتَصَدِّقِينَ﴾ أيِ المُنْفِقِينَ أمْوالَهم في رِضى اللَّهِ بِغايَةِ الجُهْدِ مِن نُفُوسِهِمْ [بِما أشارَ إلَيْهِ إظْهارُ التّاءِ] فَرْضًا وتَطَوُّعًا سِرًّا وعَلانِيَةً بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الإظْهارَ [أيْضًا] تَصْدِيقًا لِخُشُوعِهِمْ ﴿والمُتَصَدِّقاتِ﴾ ولَمّا كانَ بَذْلُ المالِ قَدْ لا يَكُونُ مَعَ الإيثارِ، أتْبَعَهُ ما يُعِينُ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿والصّائِمِينَ﴾ أيْ تَطَوُّعًا لِلْإيثارِ بِالقُوتِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿والصّائِماتِ﴾ ولَمّا كانَ الصَّوْمُ يَكْسِرُ شَهْوَةَ الفَرْجِ وقَدْ يُثِيرُها، قالَ: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ عَما لا يَحِلُّ لَهم بِالصَّوْمِ وما أثارَهُ الصَّوْمُ ﴿والحافِظاتِ﴾ ولَمّا كانَ حِفْظُ الفُرُوجِ وسائِرِ الأعْمالِ لا تَكادُ تُوجَدُ (p-٣٥٣)إلّا بِالذِّكْرِ. وهو الَّذِي فِيهِ المُراقَبَةُ المُوصِلَةُ إلى المُحاضَرَةِ المُحَقِّقَةِ لِلْمُشاهِدَةِ المَحْيِيَةِ بِالفَناءِ قالَ: ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ﴾ أيْ مَعَ [اسْتِحْضارِ] ما لَهُ مِنَ الكَمالِ بِصِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿كَثِيرًا﴾ بِالقَلْبِ واللِّسانِ في كُلِّ حالَةٍ ﴿والذّاكِراتِ﴾ ومِن عَلاماتِ الإكْثارِ مِنَ الذِّكْرِ اللَّهَجُ بِهِ عِنْدَ الِاسْتِيقاظِ مِنَ النَّوْمِ. ولَمّا كانَ المُطِيعُ وإنْ جاوَزَ الحَدَّ في الِاجْتِهادِ مُقْتَصِرًا عَنْ بُلُوغٍ ما يَحِقُّ لَهُ، أشارَ إلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ مُكَرَّرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ إشارَةً إلى ذَلِكَ وإلى صِغَرِ الذُّنُوبِ إذا نُسِبَتْ إلى عَفْوِهِ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ مَعَ أنَّهُ لا يَتَعاظَمُهُ شَيْءٌ ﴿لَهم مَغْفِرَةً﴾ أيْ لِهَفَواتِهِمْ وما أتَوْهُ مِن سَيِّئاتِهِمْ بِحَيْثُ يَمْحُو عَيْنَهُ وأثَرَهُ، فَلا عِتابَ ولا عِقابَ، ولا ذُكِرَ لَهُ سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ. ولَمّا ذَكَرَ الفَضْلَ بِالتَّجاوُزِ، أتْبَعَهُ التَّفَضُّلَ بِالكَرَمِ والرَّحْمَةِ فَقالَ: ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ وإعْدادُ الأجْرِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الأوْصافِ [اجْتِماعَها لِأنَّ مُظْهِرَ الإسْلامِ نِفاقًا كافِرٌ، وتارِكَ شَيْءٍ مِنَ الأوْصافِ] مُتَّصِفٌ بِضِدِّهِ وحِينَئِذٍ يَكُونُ مُخِلًّا بِالباقِي وأنَّ المُرادَ بِالعَطْفِ التَّمَكُّنُ والرُّسُوخُ في كُلِّ وصْفٍ مِنها زِيادَةً عَلى التَّمَكُّنِ الَّذِي أفادَهُ التَّعْبِيرُ بِالوَصْفِ دُونَ الفِعْلِ، وحِينَئِذٍ تَعْدَمُ الكَبائِرَ فَيَتَأتّى تَكْفِيرُ الصَّغائِرِ، فَتَأْتِي المَغْفِرَةُ والأجْرُ، وأمّا آيَةُ التَّحْرِيمِ فَلَمْ تَعْطِفْ لِئَلّا يَظُنَّ أنَّهُنَّ (p-٣٥٤)أنْواعٌ كُلُّ نَوْعٍ يَتَفَرَّدُ بِوَصْفٍ، وإفادَةُ الرُّسُوخِ هُنا في الأوْصافِ مِن سِياقِ الِامْتِنانِ والمَدْحِ بِكَوْنِهِنَّ خَيْرًا.

الأحزاب 33:36

ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] - الآيَةُ، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْها ما تَقْدِيرُهُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ لِأنْ يَكُونَ لَهُ ولِيٌّ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ، فَطَوى ذَلِكَ لِلْعِلْمِ بِهِ، واسْتَدَلَّ عَلى مَضْمُونِ الآيَةِ وما قَبْلَها بِقِصَّةِ الأحْزابِ، وأتْبَعَها نَتِيجَةَ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَ تَأْدِيبَ الأزْواجِ لَهُ ﷺ وتَهْذِيبِهِنَّ لِأجْلِهِ وتَطْهِيرِ أهْلِ بَيْتِهِ وتَكْرِيمِهِمْ حَتّى خَتَمَ سُبْحانَهُ بِالصِّفاتِ العَشْرِ الَّتِي بَدَأها بِالإسْلامِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ الإباءِ، وخَتَمَها بِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ يَكُونُ مِلْءَ القَلْبِ والفَمِ وهو داعٍ إلى مِثْلِ ذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ الإسْلامِ، عَطَفَ عَلى مُسَبَّبِ آيَةِ الوِلايَةِ ما يَقْتَضِيهِ كَثْرَةُ الذِّكْرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ﴾ . ولَمّا كانَ الإيمانُ قَدْ يُدْعى كَذِبًا لِخَفاءٍ بِهِ، قالَ: ﴿لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وزَيْدٍ وغَيْرِهِما ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ مِن زَيْنَبَ وغَيْرِها، فَعَلَّقَ الأمْرَ بِالإيمانِ إعْلامًا بِأنَّ مَنِ اعْتَرَضَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ وإنْ أظْهَرَ الإيمانَ بِلِسانِهِ ﴿إذا قَضى اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يَنْبَغِي (p-٣٥٥)لِعاقِلٍ التَّوَقُّفُ في أمْرِهِ ﴿ورَسُولُهُ﴾ الَّذِي لا يُعْرَفُ قَضاؤُهُ إلّا بِهِ ﴿أمْرًا﴾ أيْ أيَّ أمْرٍ كانَ. ولَمّا كانَ المُرادُ كُلَّ مُؤْمِنٍ، والعِبارَةُ صالِحَةٌ لَهُ، وكانَ النَّفْيُ عَنِ المَجْمُوعِ كُلِّهِ نَفْيًا عَمّا قَلَّ عَنْهُ مِن بابِ الأوْلى، قالَ: ”أنْ تَكُونَ“ أيْ كَوْنًا راسِخًا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالفَوْقانِيَّةِ، وفي غايَةِ الرُّسُوخِ عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالتَّحْتانِيَّةِ ﴿لَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الخِيَرَةُ﴾ مَصْدَرٌ مِن تَخَيَّرَ كالطِّيَرَةِ مِن تَطَيَّرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ ﴿مِن أمْرِهِمْ﴾ أيِ الخاصِّ بِهِمْ بِاسْتِخارَةٍ لِلَّهِ ولا بِغَيْرِها لِيَفْعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ القَضاءِ، فَإنَّ المُرادَ بِالِاسْتِخارَةِ ظَنُّ ما اخْتارَهُ اللَّهُ، وإخْبارُ النَّبِيِّ ﷺ قَطْعِيُّ الدَّلالَةِ عَلى [ما] اخْتارَهُ اللَّهُ تَعالى، وفي هَذا عِتابٌ لِزَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَلى تَعْلِيقِ الإجابَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ ما خَطَبَها لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ عَلى الِاسْتِخارَةِ، وعَلى كَراهَتِها عِنْدَ ما خَطَبَها لِزَيْدٍ مَوْلاهُ، ولَكِنَّها لَمّا قَدَّمَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَيَّرَتْهُ ﷺ في تَزْوِيجِها مِن زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَلى خِيَرَتِها، عَوَّضَها اللَّهُ أنْ صَيَّرَها لِنَبِيِّهِ ﷺ ومَعَهُ في الجَنَّةِ في أعْلى الدَّرَجاتِ، فالخِيَرَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، فَمَن فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ عَصى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ (p-٣٥٦)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ومِن عَصاهُ عَصى اللَّهَ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ إلّا عَنْهُ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿ورَسُولُهُ﴾ أيْ [الَّذِي] مَعْصِيَتُهُ مَعْصِيَتُهُ لِكَوْنِهِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ في بَيانِ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ وأكَّدَهُ المَصْدَرُ فَقالَ: ﴿ضَلالا﴾ وزادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينًا﴾ أيْ لا خَفاءَ بِهِ، فالواجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ مَعَهُ ﷺ في كُلِّ ما يَخْتارُهُ وإنْ كانَ فِيهِ أعْظَمُ المَشَقّاتِ عَلَيْهِ تَخَلُّفًا بِقَوْلِ الشّاعِرِ حَيْثُ قالَ: ؎وقَفَ الهَوى بِي حَيْثُ أنْتَ فَلَيْسَ لِي ∗∗∗ مُتَأخَّرٌ عَنْهُ ولا مُتَقَدَّمُ ؎وأهَنْتَنِي فَأهَنْتُ نَفْسِي عامِدًا ∗∗∗ ∗∗∗ ما مَن يَهُونُ عَلَيْكَ مِمَّنْ يُكْرَمُ

الأحزاب 33:37

ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَهُ سُبْحانَهُ - كَما رَواهُ البَغَوِيُّ وغَيْرُهُ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ جُدْعانَ عَنْ زَيْنِ العابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - أنَّ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ وأنَّ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها، وأخْفى في نَفْسِهِ ذَلِكَ تَكَرُّمًا وخَشْيَةً مِن قالَةِ النّاسِ أنَّهُ يُرِيدُ نِكاحَ زَوْجَةِ ابْنِهِ، وكانَ في إظْهارِ ذَلِكَ أعْلامٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وكانَ مَبْنى أمْرِ الرِّسالَةِ عَلى إبْلاغِ النّاسِ ما أعْلَمَ [اللَّهُ] بِهِ أحَبُّوهُ (p-٣٥٧)أوْ كَرِهُوهُ، وأنْ لا يُراعِيَ غَيْرَهُ، ولا يَلْتَفِتَ إلى سِواهُ وإنْ كانَ في ذَلِكَ خَوْفُ ذَهابِ النَّفْسِ، فَإنَّهُ كافٍ مَن أرادَ بِعِزَّتِهِ، ومُتْقِنٌ مَن أرادَ بِحِكْمَتِهِ، كَما أخَذَ اللَّهُ المِيثاقَ [بِهِ] مِنَ النَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ ومِن مُحَمَّدٍ ونُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ فَكانَ مِنَ المَعْلُومِ [أنَّ] التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ ما أخَذْنا مِنكَ ومِنَ النَّبِيِّينَ مِنَ المِيثاقِ عَلى إبْلاغِ كُلِّ شَيْءٍ أخْبَرْناكم بِهِ ولَمْ نَنْهَكم مِن إفْشائِهِ وما أخَذْنا عَلى الخَلْقِ في كُلٍّ مِن طاعَتِكَ ومَعْصِيَتِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإذْ تَقُولُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الأكْمَلَ يُعاتِبُ عَلى بَعْضِ الكَمالاتِ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ عَنْها وتَحَلِّيهِ بِأكْمَلَ مِنها مِن بابِ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“، وبَيَّنَ شَرَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ كُلُّ كَمالٍ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالإسْلامِ وتَوَلِّي نَبِيَّهُ ﷺ إيّاهُ بَعْدَ الإيجادِ والتَّرْبِيَةِ، وبَيَّنَ مَنزِلَتَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أيْ بِالعِتْقِ والتَّبَنِّي حِينَ اسْتَشارَكَ في فِراقِ زَوْجِهِ الَّذِي أخْبَرَكَ اللَّهُ أنَّهُ يُفارِقُها وتَصِيرُ زَوْجَتَكَ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أيْ زَيْنَبَ ﴿واتَّقِ اللَّهَ﴾ [أيْ] الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ في جَمِيعِ أمْرِكَ لا سِيَّما ما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِها ولا تَغْبِنْها بِقَوْلِكَ: إنَّها تَتَرَفَّعُ عَلَيَّ - ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وتُخْفِي﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ تُخْفِي، أيْ تَقُولُ لَهُ مُخْفِيًا ﴿فِي نَفْسِكَ﴾ أيْ مِمّا أخْبَرَكَ اللَّهُ مِن أنَّها سَتَصِيرُ إحْدى زَوْجاتِكَ عَنْ (p-٣٥٨)طَلاقِ زَيْدٍ ﴿ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أيْ بِحَمْلِ زَيْدٍ عَلى تَطْلِيقِها وإنْ أمَرْتَهُ أنْتَ بِإمْساكِها وتَزْوِيجِكَ بِها وأمْرِكَ بِالدُّخُولِ عَلَيْها، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ما أخْفى غَيْرَ ما أعْلَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن أنَّها سَتَصِيرُ زَوْجَتَهُ عَنْ طَلاقِ زَيْدٍ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ما أبْدى غَيْرَ ذَلِكَ ولَوْ أخْفى غَيْرَهُ لَأبْداهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، رَوى البُخارِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ولَمّا ذَكَرَ إخْفاءَهُ ذَلِكَ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ”تُخْفِي“: ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ أيْ [مِن] أنْ تُخْبِرَ بِما أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ فَيُصَوِّبُوا إلَيْكَ مُرْجَماتِ الظُّنُونَ لا سِيَّما اليَهُودُ والمُنافِقُونَ ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ ﴿أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ولا تَجْمَعُ خَشْيَةَ النّاسِ مَعَ خَشْيَتِهِ في أنْ تُؤَخِّرَ شَيْئًا أخْبَرَكَ بِهِ لِشَيْءٍ يَشُقُّ عَلَيْكَ حَتّى يَفْرُقَ لَكَ فِيهِ أمْرٌ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَوْ كَتَمَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ. ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّهُ سُبْحانَهُ أخْبَرَهُ بِأنْ زَيْدًا سَيُطَلِّقُها وأنَّها سَتَصِيرُ زَوْجًا لَهُ مِن طَلاقِ زَيْدٍ إيّاها، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ عاطِفًا عَلَيْهِ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ أيْ حاجَةً مِن زَواجِها والدُّخُولِ بِها، (p-٣٥٩)وذَلِكَ بِانْقِضاءِ عِدَّتِها مِنهُ لِأنَّهُ بِهِ يُعْرَفُ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ فِيها، وأنَّهُ قَدْ تَقاصَرَتْ عَنْها هِمَّتُهُ، وطابَتْ عَنْها نَفْسُها، وإلّا لَراجَعَها ﴿زَوَّجْناكَها﴾ ولَمْ نُحْوِجْكَ إلى ولِيٍّ مِنَ الخَلْقِ يَعْقِدُ لَكَ عَلَيْها، تَشْرِيفًا لَكَ ولَها، بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي خَرَقْنا بِها عَوائِدَ الخَلْقِ حَتّى أذْعَنَ لِذَلِكَ كُلُّ مَن عَلِمَ بِهِ، وسَرَّتْ بِهِ جَمِيعُ النُّفُوسِ، ولَمْ يَقْدِرْ مُنافِقٌ ولا غَيْرُهُ عَلى الخَوْضِ في ذَلِكَ بِبِنْتِ شَفَةٍ مِمّا يُوهِنُهُ ويُؤَثِّرُ فِيهِ، رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [لِزَيْدٍ]: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ، فانْطَلَقَ زَيْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى أتاها وهي تُخَمِّرُ عَجِينَها، قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي حَتّى ما أسْتَطِيعُ أنْ أنْظُرَ إلَيْها أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَها، فَوَلَّيْتُها ظَهْرِي ونَكَصْتُ عَلى عَقِبِي فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ! إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ، قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُوامِرَ رَبِّي، فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا الخُبْزَ واللَّحْمَ حَتّى امْتَدَّ النَّهارُ فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ» فَذَكَرَهُ، سَيَأْتِي. وقالَ البَغَوِيُّ: (p-٣٦٠)قالَ الشَّعْبِيُّ: «كانَتْ زَيْنَبُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لِأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكِ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ: جَدِّي وجَدُّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ في السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ». ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّزْوِيجَ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ، ذَكَرَ عِلَّتِهِ [دالًّا عَلى أنَّ الأصْلَ مُشارَكَةُ الأُمَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ في الأحْكامِ وأنْ لا خُصُوصِيَّةَ إلّا بِدَلِيلٍ] فَقالَ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ أزالَتْ عَراقَتُهم في الإيمانِ حُظُوظَهم ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ ضِيقٍ ﴿فِي أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ تَبَنَّوْا بِهِمْ وأجْرَوْهم في تَحْرِيمِ أزْواجِهِمْ مَجْرى أزْواجِ البَنِينَ [عَلى الحَقِيقَةِ] ﴿إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ أيْ حاجَةً بِالدُّخُولِ بِهِنَّ ثُمَّ الطَّلاقِ وانْقِضاءِ العِدَّةِ. ولَمّا عَلِمَ سُبْحانَهُ أنَّ ناسًا يَقُولُونَ في هَذِهِ الواقِعَةِ أقْوالًا شَتّى، دَلَّ عَلى ما قالَهُ زَيْنُ العابِدِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ [مِنَ] الحُكْمِ بِتَزَوِيجِها وإنْ كَرِهْتَ وتَرَكْتَ إظْهارَ ما أخْبَرَكَ اللَّهُ بِهِ كَراهِيَةً لِسُوءِ القالَةِ واسْتِحْياءً مِن ذَلِكَ، وكَذا كُلُّ أمْرٍ يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ ﴿مَفْعُولا﴾ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ.

الأحزاب 33:38

(p-٣٦١)ولَمّا أنْتَجَ هَذا التَّسْهِيلَ لِما كانَ اسْتَصْعَبَهُ ﷺ والتَّأْمِينَ مِمّا كانَ خافَهُ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا رَدًّا عَلى مَن يَظُنُّ خِلافَ ذَلِكَ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي مَنزِلَتُهُ مِنَ اللَّهِ الِاطِّلاعُ عَلى ما لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ ﴿مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ﴾ أيْ قَدَّرَ ﴿اللَّهُ﴾ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ وأوْجَبَهُ ﴿لَهُ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا حَرَجٌ في ذَلِكَ، فَكَيْفَ بِرَأْسِ المُؤْمِنِينَ، فَصارَ مَنفِيًّا عَنْهُ الحَرَجُ مَرَّتَيْنِ خُصُوصًا بَعْدَ عُمُومٍ تَشْرِيفًا لَهُ وتَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ. ولَمّا كانَ مِمّا يُهَوِّنُ الأُمُورَ الصِّعابَ المُشارَكَةُ فِيها فَكَيْفَ إذا كانَتِ المُشارَكَةُ مِنَ الأكابِرِ، قالَ واضِعًا الِاسْمَ مَوْضِعَ مَصْدَرِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ سِنَّ المَلِكُ الَّذِي إذا سَنَّ شَيْئًا أتْقَنَهُ بِما لَهُ مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنهُ ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ وكَأنَّهُ أرادَ أنْ يَكُونَ أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوْلى مُرادٍ بِهَذا، تَبْكِيتًا لِمُلْبِسِي أتْباعِهِمْ فَأدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ مِنَ الأنْبِياءِ الأقْدَمِينَ في إباحَةِ التَّوْسِيعِ في النِّكاحِ لَهُمْ، وهو تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وإظْهارٌ لِتَلْبِيسِهِمْ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِالنِّسْبَةِ الطَّرِيقَ الَّتِي قَضاها وشَرَعَها قالَ مُعْلِمًا (p-٣٦٢)بِأنَّ هَذا الزَّواجَ كانَ أمْرًا لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ لِإرادَتِهِ لَهُ في الأزَلِ فَلا يَعْتَرِضُ فِيهِ مُعْتَرِضٌ بِبِنْتِ شَفَةٍ يَحِلُّ بِهِ ما يَحِلُّ بِمَنِ اعْتَرَضَ عَلى أوامِرِ المَلِكِ، ولِأجْلِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الإعْلامِ [اعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ الصِّفَةِ] والمَوْصُوفِ فَقالَ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ قَضاءُ المَلِكِ الأعْظَمِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يَسْتَحِقُّ أنْ يَأْمُرَ بِهِ ويَهْدِيَ إلَيْهِ ويَحُثَّ عَلَيْهِ، وعَبَّرَ عَنِ السُّنَّةِ بِالأمْرِ تَأْكِيدًا لِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ ﴿قَدَرًا﴾ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَقْدُورًا﴾ أيْ لا خُلْفَ فِيهِ، ولا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ في حِينِهِ الَّذِي حَكَمَ بِكَوْنِهِ فِيهِ، وهو مُؤَيَّدٌ أيْضًا لِقَوْلِ زَيْنِ العابِدِينَ

الأحزاب 33:39

وكَذا قَوْلُهُ تَعالى واصِفًا لِلَّذِينِ خَلَوْا: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ أيْ إلى أُمَمِهِمْ ﴿رِسالاتِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ سَواءً كانَتْ في نِكاحٍ أوْ غَيْرِهِ شَقَّتْ أوْ لا ﴿ويَخْشَوْنَهُ﴾ أيْ فَيُخْبِرُونَ بِكُلِّ ما أخْبَرَهم بِهِ ولَمْ يَمْنَعْهم مِن إفْشائِهِ، ولَوَّحَ بَعْدَ التَّصْرِيحِ في قَوْلِهِ ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ﴿ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا﴾ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿إلا اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ. ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِنَ المَلِكِ العَدْلِ إنَّما هو مِن حِسابِهِ كانَ التَّقْدِيرُ: فَيَخافُونَ حِسابَهُ، أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿حَسِيبًا﴾ أيْ مُجازِيًا لِكُلِّ أحَدٍ بِما عَمِلَ وبالِغًا في حِسابِهِ الغايَةَ القُصْوى، وكافِيًا مَن أرادَ كِفايَتَهُ كُلَّ مَن أرادَهُ بِسُوءٍ.

الأحزاب 33:40

(p-٣٦٣)ولَمّا أفادَ هَذا كُلَّهُ أنَّ الدَّعِيَّ لَيْسَ ابْنًا، وكانُوا قَدْ قالُوا لَمّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ كَما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، أخْبَرَ بِهِ سُبْحانَهُ عَلى وجْهٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ وأعْظَمُ دَلائِلَ الرِّسالَةِ فَقالَ: ﴿ما كانَ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مُطْلَقِ كَوْنِ ﴿مُحَمَّدٌ﴾ أيْ عَلى كَثْرَةِ نِسائِهِ وأوْلادِهِ ﴿أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ لا مَجازًا بِالتَّبَنِّي ولا حَقِيقَةَ بِالوِلادَةِ، لِيَثْبُتَ بِذَلِكَ أنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ زَوْجَةُ الِابْنِ، ولَمْ يَقُلْ: مِن بَنِيكُمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ وهو سَنَةُ خَمْسٍ وما داناها - ابْنٌ، ذَكَرَ لِعِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ سَيُولَدُ لَهُ ابْنُهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَعَ ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ البَنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْ أحَدٌ مِنهُمُ الحُلُمَ - عَلى جَمِيعِهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا [كانَ] بَيْنَ كَوْنِهِ ﷺ أبًا لِأحَدٍ مِنَ الرِّجالِ حَقِيقَةً وبَيْنَ كَوْنِهِ خاتَمًا مُنافاةٌ قالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ غَيْبًا وشَهادَةً أنَّهُ ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي كُلُّ مَن سِواهُ عَبْدُهُ، فَبَيْنَكم وبَيْنَ رَسُولِهِ مِن جِهَةِ مُطْلَقِ الرِّسالَةِ أُبُوَّةً وبُنُوَّةً مَجازِيَّةً، أمّا مِن جِهَتِهِ فَبِالرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ والتَّرْبِيَةِ والنَّصِيحَةِ مِن غَيْرِ أنْ تُحَرِّمَ (p-٣٦٤)عَلَيْهِ تِلْكَ البُنُوَّةُ شَيْئًا مِن نِسائِكم وإلّا لَمْ يَكُنْ لِمَنصِبِ النُّبُوَّةِ مَزِيَّةٌ، وأمّا مِن جِهَتِكم فَبِوُجُوبِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ والطّاعَةِ وحُرْمَةِ الأزْواجِ، وأمّا كَوْنُ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لا أعْظَمُ [مِنهُ] فَهو مُقْتَضٍ لِأنْ يُبْلِغَ النّاسُ عَنْهُ جَمِيعَ ما أمَرَهُ بِهِ، وقَدْ بَلَغَكم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] ووَظِيفَةُ الشَّرِيفَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِأنْ يَكُونَ أوَّلَ مُؤْتَمِرٍ بِهَذا الأمْرِ، فَهو لا يَدْعُو أحَدًا مِن رِجالِكم بَعْدَ هَذا ابْنَهُ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ مُطْلَقُ النُّبُوَّةِ ولا مُطْلَقُ الرِّسالَةِ مُنافِيًا لِأُبُوَّةِ الرِّجالِ قالَ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أيْ لِأنَّ رِسالَتَهُ عامَّةٌ ونَبُّوتَهُ مَعَها إعْجازُ القُرْآنِ، فَلا حاجَةَ مَعَ ذَلِكَ إلى اسْتِنْباءٍ ولا إرْسالٍ، فَلا يُولَدُ بَعْدَهُ مَن يَكُونُ نَبِيًّا، وذَلِكَ مُقْتَضٍ لِئَلّا يَبْلُغَ لَهُ ولَدٌ [يُولَدُ مِنهُ] مَبْلَغَ الرِّجالِ، ولَوْ قُضِيَ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ لَما كانَ إلّا مِن نَسْلِهِ إكْرامًا لَهُ [لِأنَّهُ أعْلى النَّبِيِّينَ رُتْبَةً وأعْظَمُ شَرَفًا، ولَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ كَرامَةٌ إلّا ولَهُ مِثْلُها أوْ أعْظَمُ مِنها، ولَوْ صارَ أحَدٌ مِن ولَدِهِ رَجُلًا لَكانَ نَبِيًّا بَعْدَ ظُهُورِ نُبُوَّتِهِ، وقَدْ قَضى اللَّهُ ألّا يَكُونَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إكْرامًا لَهُ]، رَوى أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسِ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في ابْنِهِ إبْراهِيمَ: ”لَوْ عاشَ لَكانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا“»، ولِلْبُخارِيِّ نَحْوُهُ عَنِ (p-٣٦٥)البَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولِلْبُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي أوْفى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ قَضى أنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيٌّ لَعاشَ ابْنُهُ، ولَكِنْ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. والحاصِلُ أنَّهُ لا يَأْتِي بَعْدَهُ نَبِيٌّ بِشَرْعٍ جَدِيدٍ مُطْلَقًا ولا يَتَجَدَّدُ بَعْدَهُ أيْضًا اسْتِنْباءُ نَبِيٍّ مُطْلَقًا، فَقَدْ آلَ الأمْرُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ما كانَ مُحَمَّدٌ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ بَعْدَهُ نُبُوَّةٌ بِرِسالَةٍ ولا غَيْرِها ولَكِنَّهُ [كانَ] - مَعَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ - خِتامًا لِلنُّبُوَّةِ غَيْرَ أنَّهُ سِيقَ عَلى الوَجْهِ المُعْجِزِ لِما تَقَدَّمَ مِنَ النُّكَتِ وغَيْرِها، وهَذِهِ الآيَةُ مُثْبِتَةٌ لِكَوْنِهِ خاتَمًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأعْظَمِهِ، وذَلِكَ أنَّها في سِياقِ الإنْكارِ لِأنْ يَكُونَ بَنِيهِ أحَدٌ مِن رِجالِهِمْ بُنُوَّةً حَقِيقِيَّةً أوْ مَجازِيَّةً بِغَيْرِ جِهَةِ [الإدْلاءِ بِأُنْثى أوْ] كَوْنِهِ رَسُولًا وخاتَمًا، صَوْنًا لِمَقامِ النُّبُوَّةِ أنْ يَتَجَدَّدَ بَعْدَهُ لِأحَدٍ لِأنَّهُ لَوْ كانَ [ذَلِكَ] بَشَرٌ لَمْ يَكُنْ إلّا ولَدًا لَهُ، وإنَّما أُوثِرَتْ إماتَةُ أوْلادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَأْثِيرُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ [بِها] إعْلاءً لِمَقامِهِ أنْ يَتَسَنَّمَهُ أحَدٌ كائِنًا مَن كانَ، وذَلِكَ لِأنَّ فائِدَةَ إتْيانِ النَّبِيِّ تَتْمِيمَ شَيْءٍ لَمْ يَأْتِ بِهِ مِن قَبْلِهِ، وقَدْ حَصَلَ بِهِ ﷺ التَّمامُ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ مَرامٌ «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» وأمّا (p-٣٦٦)تَجْدِيدُ ما وهى بِما أحْدَثَهُ بَعْضُ الفَسَقَةِ فالعُلَماءُ كافُّونَ فِيهِ لِوُجُودِ ما خُصَّ بِهِ ﷺ مِن هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ الَّذِي مَن سَمِعَهُ فَكَأنَّما سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، لِوُقُوعِ التَّحَقُّقِ والقَطْعِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ غَيْرُهُ أنْ يَقُولَ شَيْئًا مِنهُ، فَمَهْما حَصَلَ ذُهُولٌ عَنْ ذَلِكَ قَرَّرَهُ مَن يُرِيدُ اللَّهُ مِنَ العُلَماءِ، فَيَعُودُ الِاسْتِبْصارُ [كَما رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ] «عُلَماءُ أُمَّتِي كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ» وأمّا إتْيانُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ تَجْدِيدِ المَهْدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِجَمِيعِ ما وهَنَ مِن أرْكانِ المَكارِمِ فَلِأجْلِ فِتْنَةِ الدَّجّالِ ثُمَّ طامَّةُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَسْتَقِلُّ بِأعْبائِهِ غَيْرُ نَبِيٍّ، وما أحْسَنَ ما نُقِلَ عَنْ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في مَرْثِيَّتِهِ لِإبْراهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ ﷺ حَيْثُ قالَ: ؎مَضى ابْنُكَ مَحْمُودَ العَواقِبِ لَمْ يُشَبْ ∗∗∗ بِعَيْبٍ ولَمْ يَذْمُمْ بِقَوْلٍ ولا فِعْلِ ؎رَأى أنَّهُ إنْ عاشَ ساواكَ في العُلا ∗∗∗ ∗∗∗ فَآثَرَ أنْ يَبْقى وحِيدًا بِلا مِثْلِ وقالَ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في آخِرِ كِتابِهِ الِاقْتِصادِ: إنَّ الأُمَّةَ فَهِمَتْ مِن هَذا اللَّفْظِ - أيْ لَفْظِ هَذِهِ الآيَةِ - ومِن قَرائِنِ أحْوالِهِ ﷺ أنَّهُ أفْهَمَ عَدَمَ نَبِيٍّ بَعْدَهُ أبَدًا، وعَدَمَ رَسُولٍ بَعْدَهُ أبَدًا، وأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَأْوِيلٌ ولا تَخْصِيصٌ، وقالَ: إنَّ مَن أوَّلَهُ بِتَخْصِيصِ النَّبِيِّينَ (p-٣٦٧)بِأُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ونَحْوِ هَذا فَكَلامُهُ مِن أنْواعِ الهَذَيانِ، لا يَمْنَعُ الحُكْمَ بِتَكْفِيرِهِ، لِأنَّهُ مُكَذِّبٌ بِهَذا النَّصِّ الَّذِي أجْمَعَ الأُمَّةُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُؤَوَّلٍ ولا مَخْصُوصٍ هَذا كَلامُهُ في كِتابِ الِاقْتِصادِ، نَقَلْتُهُ مِنهُ بِغَيْرِ واسِطَةٍ ولا تَقْلِيدٍ، فَإيّاكَ أنْ تُصْغِيَ إلى مَن نَقَلَ عَنْهُ غَيْرَ هَذا، فَإنَّهُ تَحْرِيفٌ يُحاشِي حُجَّةَ الإسْلامِ عَنْهُ: ؎وكَمْ مِن عائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا ∗∗∗ وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ وقَدْ بانَ بِهَذا أنَّ إتْيانَ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ [غَيْرُ] قادِحٍ في هَذا النَّصِّ، فَإنَّهُ مِن أُمَّتِهِ ﷺ المُقَرِّرِينَ لِشَرِيعَتِهِ، وهو قَدْ كانَ نَبِيًّا قَبْلَهُ لَمْ يَسْتَجْدِ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ، [فَلَمْ يَكُنْ] ذَلِكَ قادِحًا في الخَتْمِ وهو مُثْبِتٌ لِشَرَفِ نَبِيِّنًا ﷺ، ولَوْلا هو لَما وُجِدَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ شَرَفٌ إلّا ولَهُ ﷺ مِثْلُهُ أوْ أعْلى مِنهُ، وقَدْ كانَتِ الأنْبِياءُ تَأْتِي مُقَرِّرَةً لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُجَدِّدَةً لَها، فَكانَ المُقَرِّرُ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنا ﷺ المُتَّبِعِ لِمِلَّتِهِ مَن كانَ ناسِخًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ولَمّا كانَ المَقامُ في هَذا البَتِّ بِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ولَدٌ يَصِيرُ رَجُلًا مَقامَ إحاطَةِ العِلْمِ، كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ سُبْحانَهُ أحاطَ عِلْمًا بِأنَّهُ عَلى كَثْرَةِ نِسائِهِ وتَعَدُّدِ أوْلادِهِ لا يُولَدُ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَيَصِيرُ رَجُلًا ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ [أيْ] الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (p-٣٦٨)مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ فَيَعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِالخَتْمِ ومَن يَلِيقُ بِالبَدْءِ، قالَ الأُسْتاذُ ولِيُّ الدِّينِ المَلَوِيُّ في كِتابِهِ حِصْنِ النُّفُوسِ في سُؤالِ القَبْرِ: واخْتِصاصُهُ ﷺ بِالأحْمَدِيَّةِ والمُحَمَّدِيَّةِ عِلْمًا وصِفَةَ بُرْهانٍ جَلِيٍّ عَلى خَتْمِهِ إذِ الحَمْدُ مَقْرُونٌ بِانْقِضاءِ الأُمُورِ مَشْرُوعٌ [عِنْدَهُ] وآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وقَدْ بَيَّنَ السُّهَيْلِيُّ هَذا في سُورَةِ الحَوارِيِّينَ مِن كِتابِ الإعْلامِ. انْتَهى. وقَدْ بَيَّنْتُ في سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ [مَدارَ] مادَّةِ الحَمْدِ عَلى بُلُوغِ الغايَةِ وامْتِطاءِ النِّهايَةِ.

الأحزاب 33:41

ولَمّا كانَ ما أثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ مُسْتَلْزِمًا لِلْإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ، وكانَ قَدْ وعَدَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ بِأنْ يَكْفِيَهُ كُلَّ مُهِمٍّ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقِصَّةِ الأحْزابِ وغَيْرِها وأمَرَ بِطاعَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وتَقَدَّمَ بِالوَصِيَّةِ التّامَّةِ في تَعْظِيمِهِ إلى أنْ أنْهى الأمْرَ في إجْلالِهِ، وكانَتْ طاعَةُ العَبْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلِّ وجْهٍ حَتّى يَكُونَ مَسْلُوبَ الِاخْتِيارِ مَعَهُ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا لا يَحْمِلُ عَلَيْها إلّا طاعَةُ اللَّهِ، وكانَتْ طاعَةُ اللَّهِ كَذَلِكَ لا يَحْمِلُ عَلَيْها إلّا دَوامُ ذِكْرِهِ، قالَ بَعْدَ تَأْكِيدِ زَواجِهِ ﷺ لِزَيْنَبَ (p-٣٦٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِأنَّهُ هو سُبْحانَهُ زَوَّجَهُ إيّاها لِأنَّهُ قَضى أنْ لا بُنُوَّةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أحَدٍ مِن رِجالِ أُمَّتِهِ تُوجِبُ حُرْمَةَ زَوْجِ الوَلَدِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿اذْكُرُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم ذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أيْ بِأنْ تَعْقِدُوا لَهُ سُبْحانَهُ صِفاتِ الكَمالِ وتُثْنُوا عَلَيْهِ بِها بِألْسِنَتِكُمْ، فَلا تَنْسَوْهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لِيَحْمِلَكم ذَلِكَ عَلى تَعْظِيمِ رَسُولِهِ ﷺ حَقَّ تَعْظِيمِهِ، واعْتِقادِ كَمالِهِ في كُلِّ حالٍ، وأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، لِتَحُوزُوا مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا، كَما تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ.

الأحزاب 33:42

ولَمّا كانَ ثُبُوتُ النُّبُوَّةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ [أحَدٍ مِن] الرِّجالِ خارِمًا لِإحاطَةِ العِلْمِ، وجَبَ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وسَبِّحُوهُ﴾ أيْ عَنْ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ عَلى خِلافِ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَنْ كُلِّ صِفَةِ نَقْصٍ بَعْدَ ما أثْبَتُّمْ لَهُ كُلَّ صِفَةِ كَمالٍ ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ أيْ دائِمًا لِأنَّ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ إمّا لِلشُّغْلِ الشّاغِلِ ابْتِداءً أوِ انْتِهاءً أوْ لِلرّاحَةِ، فَوُجُوبُ الذِّكْرِ فِيهِما وُجُوبٌ لَهُ في غَيْرِهِما مِن بابِ الأُولى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَفْرِضِ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا،

الأحزاب 33:43

ثُمَّ عُذْرُ أهْلِها في حالِ العُذْرِ غَيْرُ الذِّكْرِ فَإنَّهُ تَعالى لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يَنْتَهِي إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذُرْ أحْدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا (p-٣٧٠)عَلى عَقْلِهِ. وهُما أيْضًا مَشْهُودانِ بِالمَلائِكَةِ ودالّانِ عَلى السّاعَةِ: الثّانِي قُرْبُها بِزَوالِ الدُّنْيا كُلُّها، والأوَّلُ عَلى البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى صَلاتَيِ الصُّبْحِ والعَصْرِ، لِأنَّ المُواظَبَةَ عَلَيْهِما - لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن صُعُوبَتِهِما بِما يَعْتَرِي في وقْتَيْهِما مِنَ الشَّغْلِ بِالرّاحَةِ وغَيْرِها - دالَّةٌ عَلى غايَةِ المَحَبَّةِ لِلْمُثُولِ بِالحَضَراتِ الرَّبّانِيَّةِ حامِلَةٌ عَلى المُواظَبَةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الصَّلَواتِ وجَمِيعِ الطّاعاتِ بِطَرِيقِ الأوْلى، ويُؤَكِّدُ هَذا الثّانِي تَعْبِيرَهُ بِلَفْظِ الصَّلاةِ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بَدَوْتُمْ ذِكْرَهُ لَنا سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ مُتَحَنِّنًا، لِأنَّ المُصَلِّيَ مِنّا يَتَعَطَّفُ في الأرْكانِ ﴿ومَلائِكَتُهُ﴾ أيْ كُلِّهِمْ بِالِاسْتِغْفارِ لَكم وحِفْظُكم مِن كَثِيرٍ مِنَ المَعاصِي والآفاتِ ويَتَرَدَّدُ بَعْضُهم بَيْنَهُ سُبْحانَهُ وبَيْنَ الأنْبِياءِ بِما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ مِنَ الذِّكْرِ الحافِظِ مِن كُلِّ سُوءٍ فَقَدِ اشْتَرَكَتِ الصَّلاتانِ في إظْهارِ شَرَفِ المُخاطَبِينَ. ولَمّا كانَ فِعْلُ المَلائِكَةِ [مَنسُوبًا إلَيْهِ] لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ الخالِقَ لَهُ الآمِرَ بِهِ قالَ: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أيْ بِذَلِكَ ﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾ [أيْ] الكائِنَةِ مِنَ الجَهْلِ المُوجِبِ لِلضَّلالِ ﴿إلى النُّورِ﴾ أيِ النّاشِئِ مِنَ العِلْمِ المُثْمِرِ لِلْهُدى، فَيَخْرُجُ بَعْضُكم بِالفِعْلِ مِن ظُلُماتِ المَعاصِي المُقْتَضِيَةِ لِلرَّيْنِ عَلى القَلْبِ إلى نُورِ الطّاعاتِ، فَتَكُونُوا بِذَلِكَ مُؤْمِنِينَ ﴿وكانَ﴾ أيِ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَ الإيمانُ لَهم ثابِتًا (p-٣٧١)[خاصَّةً] ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ بَلِيغَ الرَّحْمَةِ بِتَوْفِيقِهِمْ لِفِعْلِ ما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ، فَإنَّهم أهْلُ خاصَّتِهِ فَيَحْمِلُهم عَلى الإخْلاصِ في الطّاعاتِ، فَيَرْفَعُ لَهُمُ الدَّرَجاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ.

الأحزاب 33:44

ولَمّا كانَ أظْهَرُ الأوْقاتِ في ثَمْرَةِ هَذا الوَصْفِ ما بَعْدَ المَوْتِ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِرَحْمَتِهِمْ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أيْ بِالمَوْتِ أوِ البَعْثِ ﴿سَلامٌ﴾ أيْ يَقُولُونَ لَهُ ذَلِكَ، ”أنْتَ السَّلامُ ومِنكَ السَّلامُ فَجِئْنا رَبَّنا بِالسَّلامِ“ [كَما يَقُولُهُ المُحْرِمُ المُشْبِهُ لِحالِ مَن هو في الحَشْرِ فَيُجابُونَ بِالسَّلامِ] الَّذِي فِيهِ إظْهارُ شَرَفِهِمْ ويَأْمَنُونَ مَعَهُ مِن كُلِّ عَطَبٍ ﴿وأعَدَّ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ أعَدَّ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ بَعْدَ السَّلامَةِ الدّائِمَةِ ﴿أجْرًا كَرِيمًا﴾ أيْ غَدَقًا دائِمًا لا كَدَرَ في شَيْءٍ مِنهُ.

الأحزاب 33:45

ولَمّا وعَظَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ ﷺ لَهُ بِما أقْبَلَ بِأسْماعِهِمْ وقُلُوبِهِمْ إلَيْهِ، وخَتَمَ بِما يُوجِبُ لَهُمُ الفَوْزَ بِما عِنْدَهُ سُبْحانَهُ، وكانَ مُعْظَمُ ذَلِكَ لَهُ ﷺ فَإنَّهُ رَأْسُ المُؤْمِنِينَ، أقْبَلَ بِالخِطابِ عَلَيْهِ ووَجَّهَهُ إلَيْهِ فَقالَ مُنَوِّهًا مِن ذِكْرِهِ ومُشِيدًا مِن قَدْرِهِ بِما يَنْتَظِمُ بِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٩] الآيَةُ وما جَرَّها مِنَ العِتابِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ [أيْ] الَّذِي مُخْبِرُهُ بِما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. (p-٣٧٢)ولَمّا كانَ الكافِرُونَ - المُجاهِرُونَ مِنهم والمُساتِرُونَ - يُنْكِرُونَ الرِّسالَةَ وما تَبِعَها، أكَّدَ قَوْلَهُ في أمْرِها وفَخَّمَهُ فَقالَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا بِما نُنْبِئُكَ بِهِ إلى سائِرِ خَلْقِنا ﴿شاهِدًا﴾ أيْ عَلَيْهِمْ ولَهم مُطْلَقُ شَهادَةٍ، لِأنَّهُ لا يَعْلَمُ بِالبَواطِنِ إلّا اللَّهُ، وأنْتَ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ، فَأبْلِغْهم جَمِيعَ الرِّسالَةِ سَرَّهم ذَلِكَ أوْ ساءَهم سَرَّكَ فِعْلُهم أوْ ساءَكَ. ولَمّا كانَ المُرادُ الإعْلامَ بِرُسُوخِ قَدَمِهِ في كُلٍّ مِن هَذِهِ الأوْصافِ، عَطَفَها بِالواوِ فَقالَ: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ أيْ لِمَن شَهِدْتَ لَهم بِخَيْرٍ بِما يَسُرُّهُمْ، وأشارَ إلى المُبالَغَةِ في البِشارَةِ بِالتَّضْعِيفِ لِما لَها مِن حُسْنِ الأثَرِ في إقْبالِ المَدْعُوِّ [ولِلتَّضْعِيفِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَثْرَةِ الفِعْلِ والمَفْعُولِ بِشارَةً بِكَثْرَةِ التّابِعِ وهو السَّبَبُ لِمَقْصُودِ السُّورَةِ]، وكانَتِ المُبالَغَةُ في النِّذارَةِ أزَيْدَ لِأنَّها أبْلَغُ في رَدِّ المُخالِفِ وهي المَقْصُودُ بِالذّاتِ مِنَ الرِّسالَةِ لِصُعُوبَةِ الِاجْتِراءِ عَلَيْها فَقالَ: ﴿ونَذِيرًا﴾ [أيْ] لِمَن شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ [بِشَرٍّ] بِما يَسُوءُهُمْ

الأحزاب 33:46

﴿وداعِيًا﴾ أيْ لِلْفَرِيقَيْنِ ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ إلى ما يُرْضِي الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ بِالقَوْلِ والفِعْلِ، وأعْرى الدُّعاءَ عَنِ المُبالَغَةِ لِأنَّهُ شامِلٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ والإخْبارِ بِالقَصَصِ والأمْثالِ ونَصْبِ الأحْكامِ والحُدُودِ، والمَأْمُورُ بِهِ في كُلِّ ذَلِكَ الإبْلاغِ بِقَدْرِ الحاجَةِ بِمُبالَغَةٍ أوْ غَيْرِها (p-٣٧٣)فَمَن لَمْ تَرُدَّهُ عَنْ غَيِّهِ النِّذارَةُ، وتُقْبِلْ بِهِ إلى رُشْدِهِ البِشارَةُ، حُمِلَ عَلى ذَلِكَ بِالسَّيْفِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ، لا يَقُومُ بِهِ أحَدٌ إلّا بِمَعُونَةٍ مِنَ اللَّهِ عَظِيمَةٍ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِهِ لَكَ مِنَ الدُّعاءِ بِتَيْسِيرِ أسْبابِهِ، وتَحَمُّلِ أعْبائِهِ، ولِلْمَدْعُوِّ مِنَ الإقْبالِ والإتْباعِ إنْ أرادَ لَهُ الخَيْرَ. ولَمّا كانَ الدّاعِي إلى اللَّهِ يَلْزَمُهُ النُّورُ لِظُهُورِ الأدِلَّةِ قالَ: ﴿وسِراجًا﴾ يَمُدُّ البَصائِرَ فَيُجَلِّي ظُلُماتِ الجَهْلِ بِالعِلْمِ المُبَصِّرِ لِمَواقِعِ الزَّلَلِ كَما يَمُدُّ النُّورَ الحِسِّيَّ نُورُ الأبْصارِ. ولَمّا كانَ المَقامُ مُرْشِدًا إلى إنارَتِهِ، وكانَ مِنَ السُّرُجِ ما لا يُضِيءُ، [و] كانَ لِلتَّصْرِيحِ والتَّأْكِيدِ شَأْنٌ عَظِيمٌ قالَ: ﴿مُنِيرًا﴾ أيْ يُنِيرُ عَلى مَن أتْبَعَهُ لِيَسِيرَ في أعْظَمِ ضِياءٍ، ومَن تَخَلَّفَ عَنْهُ كانَ في أشَدِّ ظَلامٍ، [فَعَرَفَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالنُّورِ أنَّهُ مَحَطُّ الشَّبَهِ، وعَبَّرَ بِهِ دُونَ الشَّمْسِ لِأنَّهُ يَقْتَبِسُ مِنهُ ولا يَنْقُصُ مَعَ أنَّهُ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ].

الأحزاب 33:47

ولَمّا تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الأوْصافُ الحُسْنى، وكانَ تَطْبِيقُ ثَمَراتِها عَلَيْها في الذِّرْوَةِ، مِنَ العُلُوِّ، وكانَ الشّاهِدُ هو البَيِّنَةُ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأقِمِ الأدِلَّةَ النَّيِّرَةَ، وادْعُ وأنْذِرْ [كُلَّ] مَن خالَفَ أمْرَكَ، وكانَ المَقامُ لِخِطابِ المُقْبِلِينَ، طَوى هَذا المُقَدَّرَ لِأنَّهُ لِلْمُعْرِضِينَ، ودَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا (p-٣٧٤)[عَلَيْهِ]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صَحَّ لَهم هَذا الوَصْفُ. فَإنَّكَ مُبَشِّرٌ ﴿بِأنَّ لَهُمْ﴾ وبَيَّنَ عَظَمَةَ هَذِهِ البُشْرى بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ العَظَمَةِ ﴿فَضْلا كَبِيرًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ النَّفاسَةِ ومِن جِهَةِ التَّضْعِيفِ مِن عَشْرَةِ أمْثالِ الحَسَنَةِ إلى ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

الأحزاب 33:48

ولَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِما يَسُرُّ نَهاهُ عَمّا يَضُرُّ، فَقالَ ذاكِرًا ثَمَرَةَ النِّذارَةِ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ المُشاقِقِينَ ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أيْ لا تَتْرُكْ إبْلاغَ شَيْءٍ [مِمّا أنْزَلَتْهُ إلَيْكَ مِنَ الإنْزالِ، وغَيْرُهُ كَراهَةُ شَيْءٍ] مِن مَقالِهِمْ أوْ فِعالِهِمْ في أمْرِ زَيْنَبَ أوْ غَيْرِها، فَإنَّكَ نَذِيرٌ لَهُمْ، وزادَ عَلى ما في أوَّلِ السُّورَةِ مَحَطُّ الفائِدَةِ في قَوْلِهِ مُصَرِّحًا بِما اقْتَضاهُ ما قَبْلَهُ: ﴿ودَعْ﴾ أيِ اتْرُكْ عَلى حالَةٍ حَسَنَةٍ بِكَ وأمْرٍ جَمِيلٍ لَكَ ﴿أذاهُمْ﴾ فَلا تُراقِبْهُ في شَيْءٍ، ولا تَحْسَبْ لَهُ حِسابًا أصْلًا، واصْبِرْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ غَيْرُ ضائِرِكَ لِأنَّ اللَّهَ دافِعٌ عَنْكَ لِأنَّكِ داعٍ بِإذْنِهِ. ولَمّا كانَ تَرْكُ المُؤْذِي، والإعْراضُ عَنْهُ اسْتِسْلامًا في غايَةِ المَشَقَّةِ، ذَكَّرَهُ بِالدَّواءِ فَقالَ: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى في الِانْتِصارِ لَكَ مِنهم [و] إبْلاغُ جَمِيعِ ما يَأْمُرُكَ بِهِ وفي جَمِيعِ أمْرِكَ لِأنَّ اللَّهَ مُتِمُّ نُورِكَ ومُظْهِرُ دِينِكَ والِاكْتِفاءِ بِهِ مِن ثَمَراتِ إنارَتِهِ لَكَ بِجَعْلِكَ سِراجًا، ولَمّا كانَ الوَكِيلُ قَدْ لا يَنْهَضُ بِجَمِيعِ الأُمُورِ، قالَ مُعْلِمًا بِأنَّ كِفايَتَهُ مُحِيطَةٌ: ﴿وكَفى﴾ وأكَّدَ أمْرَ الكِفايَةِ بِإيجادِ الباءِ في الفاعِلِ (p-٣٧٥)تَحِقِيقًا لِكَوْنِهِ فاعِلًا كَما مَضى في آخِرِ سُورَةِ الرَّعْدِ فَقالَ: ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ، ومَيَّزَ النِّسْبَةَ بِالفاعِلِ في الأصْلِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ في تَحْقِيقِ مَعْنى الفاعِلِ فَقالَ: ﴿وكِيلا﴾ فَمَنِ اكْتَفى بِهِ أنارَ لَهُ جَمِيعَ أمْرِهِ.

الأحزاب 33:49

ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإبْلاغِ أوامِرِهِ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى أحَدٍ غَيْرِهِ، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِن مُحاوَلاتٍ ومُنازَعاتٍ، لا يَقُومُ بِها إلّا مِن أعْرَضَ عَنِ الخَلائِقِ، لِما هو مُشاهَدٌ لَهُ مِن عَظَمَةِ الخالِقِ، أمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وأقامَ الدَّلِيلَ الشُّهُودِيَّ بِقِصَّةِ الأحْزابِ وقُرَيْظَةَ عَلى كِفايَةٍ لِمَن أخْلَصَ لَهُ، فَلَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ رَجَعَ إلى بَيانِ ما افْتَتَحَ بِهِ السُّورَةَ مِنَ الأحْكامِ بَعْدَ إعادَةِ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، فَذَكَرَ أقْرَبَ الطَّلاقِ إلى مَعْنى المُظاهَرَةِ المَذْكُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ بَعْدَ الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ الَّتِي مَحَطُّ قَصْدِها عَدَمُ قُرْبانِ المُظاهِرِ عَنْها بَعْدَ أنْ كانَ أبْطَلَ المُظاهَرَةَ. فَقالَ [ناهِيًا لِمَن هو في أدْنى أسْنانِ الإيمانِ بَعْدَ بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ] قاطِعًا لَهم عَمّا كانُوا يَشْتَدُّونَ بِهِ في التَّحَجُّرِ عَلى المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ لِقَصْدِ مُضاجَرَتِها أوْ تَمامَ التَّمَكُّنِ مِنَ التَّحَكُّمِ فِيهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿إذا نَكَحْتُمُ﴾ أيْ عاقَدْتُمْ، أطْلَقَ اسْمَ المُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ فَقَدْ صارَ فِيهِ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً ﴿المُؤْمِناتِ﴾ أيِ المَوْصُوفاتِ بِهَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ المُقْتَضِي لِغايَةِ الرَّغْبَةِ فِيهِنَّ وأتَمَّ الوُصْلَةَ بَيْنَكم وبَيْنَهُنَّ. (p-٣٧٦)ولَمّا كانَ طُولُ مُدَّةِ الحَبْسِ بِالعَقْدِ مِن غَيْرِ جِماعٍ لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ في العِدَّةِ وإنَّ غَيْرَها في النَّسَبِ بِمُجَرَّدِ إمْكانِ الوَطْءِ، وكانَ الطَّلاقُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النِّكاحِ [وبَعْدَ حِلِّ الوَطْءِ بِالنِّكاحِ]، أشارَ إلَيْهِ بِحَرْفِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أيْ بِحُكْمِ التَّوْزِيعِ، وقِيلَ لِابْنَ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم يَقُولُ بِصِحَّةِ تَعْلِيقِ الطَّلاقِ قَبْلَ النِّكاحِ فَقالَ: زَلَّةُ عِلْمٍ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ نَفْيَ المَسِيسِ في هَذا النِّكاحِ لا مُطْلَقًا، وكانَتِ العِبْرَةُ في إيجابِ المَهْرِ بِنَفْسِ الوَطْءِ لا بِإمْكانِهِ وإنْ حَصَلَتِ الخَلْوَةُ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أيْ تُجامِعُوهُنَّ، أطْلَقَ المَسَّ عَلى الجِماعِ لِأنَّهُ طَرِيقٌ لَهُ كَما سَمّى الخَمْرَ إثْمًا لِأنَّها سَبَبُهُ. ولَمّا كانَتِ العُدَّةُ حَقًّا لِلرِّجالِ قالَ: ﴿فَما لَكُمْ﴾ ولَمّا كانَتِ العُدَّةُ واجِبَةً، عَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِدَّةٍ﴾ ودَلَّ عَلى اعْتِيادِهِمْ ذَلِكَ ومُبالَغَتِهِمْ فِيهِ والمُضاجَرَةِ بِهِ كَما في الظِّهارِ بِالِافْتِعالِ فَقالَ: ﴿تَعْتَدُّونَها﴾ أيْ تَتَكَلَّفُونَ عَدَّها [و] تُراعُونَهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ البَزِّيِّ شاذًّا بِتَخْفِيفِ الدّالِ بِمَعْنى تَتَكَلَّفُونَ الِاعْتِداءَ بِها عَلى المُطَلَّقَةِ. ولَمّا كانَ هَذا الحُكْمُ - الَّذِي مَعْناهُ الِانْفِصالُ - لِلْمُؤْمِناتِ اللّاتِي (p-٣٧٧)لَهُنَّ صِفاتُ تَقْتَضِي دَوامُ العَشْرَةِ وتَمامُ الِاتِّصالِ، كانَ ذَلِكَ لِلْكِتابِيّاتِ مِن بابِ الأوْلى، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ الإرْشادُ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنِ المُؤْمِناتِ بَلْ ولا عَنِ الصّالِحاتِ مِنَ المُؤْمِناتِ. ولَمّا كانَ الكَلامُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في امْرَأةٍ قَرِيبَةٍ مِنَ المُظاهِرِ عَنْها، وكانَ ما خَلا مِنَ الفَرْضِ لِلصَّداقِ أقْرَبَ إلى ذَلِكَ، سَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِأنَّ ذَلِكَ لِغَيْرِ مَن سَمّى لَها لِتَدْخُلَ المُسَمّى لَها في الكَلامِ عَلى طَرِيقِ النَّدْبِ مَعَ ما لَها مِن نِصْفِ [المُسَمّى] كَما دَخَلَتِ الأُولى وُجُوبًا ﴿وسَرِّحُوهُنَّ﴾ أيْ أطُلِقُوهُنَّ لِيَخْرُجْنَ مِن مَنازِلِكم ولا تَعْتَلُّوا عَلَيْهِنَّ بِعِلَّةٍ ﴿سَراحًا جَمِيلا﴾ بِالإحْسانِ قَوْلًا وفِعْلًا مِن غَيْرِ ضِرارٍ بِوَجْهٍ [أصْلًا] لِيَتَزَوَّجَهُنَّ مَن شاءَ.

الأحزاب 33:50

ولَمّا كانَ النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، وكانَ المُرادُ الأعْظَمُ في هَذِهِ الآياتِ بَيانَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ مِن ذَلِكَ، أتْبَعَ ما بَيَّنَ أنَّهُ لا عِدَّةَ فِيهِ مِن نِكاحِ المُؤْمِنِينَ [وما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّضْيِيقِ عَلى الزَّوْجاتِ المُطَلَّقاتِ] بَعْضَ ما شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ وخَصَّهُ مِن أمْرِ [التَّوْسِعَةِ فِي] (p-٣٧٨)النِّكاحِ، وخَتَمَهُ بِأنَّ أزْواجَهُ لا تَحِلُّ بَعْدَهُ، فَهُنَّ كَمَنَ عِدَّتُهُنَّ ثابِتَةً لا تَنْقَضِي أبَدًا، أوْ كَمَن زَوَّجَها غائِبٌ عَنْها وهو حَيٌّ، لِأنَّهُ ﷺ حَيٌّ في قَبْرِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ ذاكِرًا سُبْحانَهُ الوَصْفَ الَّذِي هو مَبْدَأُ القُرْبِ ومَقْصُودُهُ ومَنبَعُ الكَمالِ ومَدارُهُ. ولَمّا كانَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُنْكِرُونَ خَصائِصَ النَّبِيِّ ﷺ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ أيْ نِكاحَهُنَّ، قالَ الحِرالِيُّ في كِتابِهِ في أُصُولِ الفِقْهِ: تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأعْيانِ مُخْتَصٌّ بِخاصٍّ مَدْلُولِها نَحْوُ حَرَّمْتُ أوْ حَلَّلْتُ المَرْأةَ أيْ نِكاحَها، والفَرَسَ أيْ رُكُوبَهُ، والخَمْرَ أيْ شُرْبَها، ولَحْمَ الخِنْزِيرِ أيْ أكْلَهُ، والبَحْرَ أيْ رُكُوبَهُ، والثَّوْرَ أيِ الحَرْثَ بِهِ، وكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِخاصِّ مَدْلُولِهِ، ولا يَصْرِفُ عَنْهُ إلّا بِمَشْعَرٍ، ولا إجْمالٍ فِيهِ لِتَرَجُّحِ الِاخْتِصاصِ. انْتَهى. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ بَيانَ مَناقِبِهِ ﷺ وما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِمّا قَدْ يَطْعَنُ فِيهِ المُنافِقُونَ مِن كَوْنِهِ أوْلى مِن كُلِّ أحَدٍ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لا يَرْضى إلّا بِالأكْمَلِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ كانَ يُعَجِّلُ المُهُورَ، ويُوَفِّي الأُجُورَ، فَقالَ: ﴿اللاتِي آتَيْتَ﴾ أيْ بِالإعْطاءِ الَّذِي هو الحَقِيقَةُ، وهي بِهِ ﷺ أوْلى أوْ بِالتَّسْمِيَةِ (p-٣٧٩)فِي العَقْدِ، قالَ الكَشّافُ: وكانَ التَّعْجِيلُ دَيْدَنَ السَّلَفِ وسُنَّتَهم وما لا يُعْرَفُ بَيْنَهم غَيْرُهُ ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ لِأنَّها عِوَضٌ عَنْ مَنفَعَةِ البُضْعِ، وأصْلُ الأجْرِ الجَزاءُ عَلى العَمَلِ ﴿وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ولَمّا كانَ حَوْزُ الإنْسانِ لِما سَباهُ أطْيَبَ لِنَفْسِهِ وأعْلى لِقَدْرِهِ وأحَلَّ مِمّا اشْتَراهُ قالَ: ﴿مِمّا أفاءَ﴾ أيْ رَدَّ ﴿اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿عَلَيْكَ﴾ مِثْلُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ النَّضْرِيَّةِ ورَيْحانَةَ القُرَظِيَّةِ وجُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الحارِثِ الخُزاعِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ مِمّا كانَ في أيْدِي الكُفّارِ، أسْنَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إفْهامًا لِأنَّهُ فَيْءٌ عَلى وجْهِهِ الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ لا خِيانَةَ فِيهِ، وعَبَّرَ بِالفَيْءِ الَّذِي مَعْناهُ الرُّجُوعُ إفْهامًا لِأنَّ ما في يَدِ الكافِرِ لَيْسَ لَهُ وإنَّما هو لِمَن يَسْتَلِبُهُ مِنهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِيَدِ القَهْرِ أوْ لِمَن يُعْطِيهِ الكافِرُ مِنهم عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، ومِن هُنا كانَ يُعْطِي النَّبِيُّ ﷺ ما يَطْلُبُ مِنهُ مِن بِلادِ الكُفّارِ أوْ نِسائِهِمْ، وما أعْطى أحَدًا شَيْئًا إلّا وصَّلَ إلَيْهِ كَتَمِيمٍ الدّارِيِّ وشُوَيْلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وقَيَّدَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ ﷺ ووُقُوعِهِ مِن كُلِّ شَيْءٍ عَلى أفْضَلِهِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ، وإشارَةُ إلى أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَصِلُ إلَيْهِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ إلّا ما كانَ هَذا سَبِيلَهُ، ودَخَلَ فِيهِ ما أهْدى لَهُ مِنَ الكُفّارِ مِثْلُ مارِيَّةَ (p-٣٨٠)القِبْطِيَّةِ أمِّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفي ذَلِكَ أيْضًا إشارَةٌ إلى ما خَصَّهُ بِهِ مِن تَحْلِيلِ ما كانَ خَطَرُهُ عَلى مَن كانَ قَبْلَهُ مِنَ الغَنائِمِ ﴿وبَناتِ عَمِّكَ﴾ الشَّقِيقِ وغَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى، فَإنَّ النَّسَبَ كُلَّما بَعُدَ كانَ أجْدَرَ بِالحِلِّ. ولَمّا كانَ قَدْ أفْرَدَ العَمَّ لِأنَّ واحِدَ الذُّكُورِ يَجْمَعُ مِن غَيْرِهِ لِشَرَفِهِ وقُوَّتِهِ وكَوْنِهِ الأصْلَ الَّذِي تَفَرَّعَ مِنهُ هَذا النَّوْعُ، عَرَفَ بِجَمِيعِ الإناثِ أنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ المُرادَ إباحَةُ الأخَواتِ مُجْتَمَعاتٍ فَقالَ: ﴿وبَناتِ عَمّاتِكَ﴾ مِن نِساءِ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ. ولَمّا بَدَأ بِالعُمُومَةِ لِشَرَفِها، أتْبَعَها قَوْلَهُ: ﴿وبَناتِ خالِكَ﴾ جارِيًا أيْضًا في الإفْرادِ والجَمْعِ عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ ﴿وبَناتِ خالاتِكَ﴾ أيْ مِن نِساءِ بَنِي زُهْرَةَ [ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ احْتِباكٌ عَجِيبٌ وهُوَ: بَناتُ عَمِّكَ وبَناتُ أعْمامِكَ، وبَناتُ عَمّاتِكَ وبَناتُ عَمَّتِكَ، وبَناتُ خالِكَ وبَناتُ أخْوالِكَ، وبَناتُ خالاتِكَ وبَناتُ خالَتِكَ، وسِرُّهُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ]. ولَمّا بَيَّنَ شَرَفَ أزْواجِهِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ لِما عُلِمَ واشْتَهَرَ أنَّ نَسَبَهُ ﷺ مِن جِهَةِ الرِّجالِ والنِّساءِ أشْرَفَ الأنْسابِ بِحَيْثُ لَمْ يَخْتَلِفْ في ذَلِكَ اثْنانِ مِنَ العَرَبِ، بَيَّنَ شَرَفَهُنَّ مِن جِهَةِ الأعْمالِ فَقالَ: (p-٣٨١)﴿اللاتِي هاجَرْنَ﴾ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَكَ﴾ إلى أنَّ الهِجْرَةَ قَبْلَ الفَتْحِ ﴿أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] ولَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ التَّقْيِيدَ بَلِ التَّنْبِيهَ عَلى الشَّرَفِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ سَبَقَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَقَعُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مَن هي خارِجَةٌ عَنْ هَذِهِ الأوْصافِ، وقَدْ ورَدَ أنَّ هَذا عَلى سَبِيلِ التَّقْيِيدِ؛ رَوى التِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ والطَّبَرِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ كُلُّهم مِن رِوايَةِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ [إلَيْهِ] فَعَذَرَنِي ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ، فَلَمْ أكُنْ لِأحِلَّ لَهُ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ. كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ،» قالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ لا نَعْرِفُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ مِن حَدِيثِ السُّدِّيِّ. ولَمّا بَيَّنَ ما هو الأشْرَفُ مِنَ النِّكاحِ لِكَوْنِهِ الأصْلَ، [و] أتْبَعَهُ سُبْحانَهُ ما خَصَّ بِهِ شَرْعَهُ ﷺ مِنَ المَغْنَمِ الَّذِي تَوَلّى سُبْحانَهُ إباحَتَهُ، أتْبَعَهُ ما جاءَتْ إباحَتُهُ مِن جِهَةِ المُبِيحِ إعْلامًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن نَوْعِ الصَّدَقَةِ الَّتِي نَزَّهَ عَنْها قَدْرَهُ فَقالَ: ﴿وامْرَأةً﴾ أيْ وأحْلَلْنا لَكَ امْرَأةً ﴿مُؤْمِنَةً﴾ أيْ هَذا الصِّنْفِ حُرَّةً كانَتْ أوْ رَقِيقَةً ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ ولَمّا ذَكَرَ وصْفَ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ مَدارُ الإكْرامِ مِنَ الخالِقِ والمَحَبَّةِ مِنَ (p-٣٨٢)الخَلائِقِ تَشْرِيفًا لَهُ بِهِ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ، لِأنَّهُ لَوْ قالَ ”لَكَ“ كانَ رُبَّما وقَعَ في بَعْضِ الأوْهامِ - كَما قالَ الزَّجّاجُ - أنَّهُ غَيْرُ خاصٍّ بِهِ ﷺ، كَرَّرَهُ بَيانًا لِمَزِيدِ شَرَفِهِ في سِياقٍ رافِعٍ لِما رُبَّما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ القَبُولُ فَقالَ: ﴿إنْ أرادَ النَّبِيُّ﴾ أيِ الَّذِي أعْلَيْنا قَدْرَهُ بِما اخْتَصَصْناهُ بِهِ مِنَ الإنْباءِ بِالأُمُورِ العَظْمِيَّةِ مِن عالَمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ ﴿أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ أيْ يُوجِدَ نِكاحَهُ لَها يَجْعَلُها مِن مَنكُوحاتِهِ بِعَقْدٍ أوْ مِلْكِ يَمِينٍ، فَتَصِيرُ لَهُ مُجَرَّدَ ذَلِكَ بِلا مَهْرٍ ولا ولِيٍّ ولا شُهُودٍ. ولَمّا كانَ رُبَّما فُهِمَ أنَّ غَيْرَهُ يُشارِكُهُ في هَذا المَعْنى، قالَ مُبَيِّنًا لِخُصُوصِيَّتِهِ واصِفًا لِمَصْدَرٍ ﴿أحْلَلْنا﴾ مُفَخِّمًا لِلْأمْرِ بِهاءِ المُبالَغَةِ مُلْتَفِتًا إلى الخِطابِ لِأنَّهُ مُعَيِّنُ لِلْمُرادِ رافِعٌ لِلِارْتِيابِ: ﴿خالِصَةً لَكَ﴾ وزادَ المَعْنى بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ، وأطْلَقَ الوَصْفَ المُفْهِمَ لِلرُّسُوخِ فَشَمِلَ مَن قُيِّدَ بِالإحْسانِ والإيقانِ، وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الألْوانِ، دَخَلَ مَن نَزَلَ عَنْ رُتْبَتِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ والَّذِينَ آمَنُوا وسائِرُ النّاسِ مِن بابِ الأُولى مَفْهُومُ مُوافَقَةٍ، وقَدْ كانَ الواهِباتُ عِدَّةَ ولَمْ [يَكُنْ] عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ. رَوى البُخارِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «كُنْتُ أغارَ عَلى اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ (p-٣٨٣)ﷺ وأقُولُ: أما تَسْتَحْيِي المَرْأةُ أنْ تَهَبَ نَفْسَها، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ». ولَمّا كانَ التَّخْصِيصُ لا يَصِحُّ ولا يُتَصَوَّرُ إلّا مِن مُحِيطِ العِلْمِ بِأنَّ هَذا الأمْرَ ما كانَ لِغَيْرِ المَخْصُوصِ تامِّ القُدْرَةِ، لِيَمْنَعَ غَيْرَهُ مِن ذَلِكَ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ﴾ أيْ أخْبَرْناكَ بِأنَّ هَذا أمْرٌ يَخُصُّكَ دُونَهم لِأنّا قَدْ ﴿عَلِمْنا ما فَرَضْنا﴾ أيْ قَدَّرْنا بِعَظَمَتِنا. ولَمّا كانَ ما قَدَّرَهُ لِلْإنْسانِ عَطاءً ومَنَعْنا لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، عَبَّرَ فِيهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيِ المُؤْمِنِينَ ﴿فِي أزْواجِهِمْ﴾ أيْ مِن أنَّهُ لا تَحِلُّ لَهُمُ امْرَأةٌ بِلَفْظِ الهِبَةِ مِنها ولا بِدُونِ مَهْرٍ ولا بِدُونِ ولِيٍّ وشُهُودٍ، وهَذا عامٌّ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ المُتَقَدِّمِينَ والمُتَأخِّرِينَ. ولَمّا كانَ هَذا عامًّا لِلْحُرَّةِ والرَّقِيقَةِ قالَ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ مِن أنَّ أحَدًا غَيْرَكَ لا يَمْلِكُ رَقِيقَةً بِهِبَتِها لِنَفْسِها مِنهُ، فَيَكُونُ أحَقَّ مِن سَيِّدِها. ولَمّا فَرَغَ مِن تَعْلِيلِ الدُّونِيَّةِ، عَلَّلَ التَّخْصِيصَ لَفًّا ونَشْرًا مُشَوِّشًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أيْ ضِيقٌ في شَيْءٍ مِن أمْرِ النِّساءِ حَيْثُ أحْلَلْنا لَكَ أنْواعَ المَنكُوحاتِ وزِدْناكَ الواهِبَةِ. ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ ما فَرَضَ في الأزْواجِ والإماءِ الشّامِلِ لِلْعَدْلِ في عِشْرَتِهِنَّ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْلى النّاسِ فَهْمًا وأشَدَّهم [لِلَّهِ] خَشْيَةً، (p-٣٨٤)وكانَ يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ، ويَعْتَذِرُ مَعَ ذَلِكَ مِن مَيْلِ القَلْبِ الَّذِي هو خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ بِقَوْلِهِ «اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيما لا أمْلِكُ» خَفِّفْ عَنْهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ المُتَّصِفُ بِصِفاتِ الكَمالِ مِنَ الحِلْمِ والأناةِ والقُدْرَةِ وغَيْرِها أزَلًا وأبَدًا ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ بَلِيغَ السِّتْرِ فَهو إنْ شاءَ يَتْرُكِ المُؤاخَذَةَ فِيما لَهُ أنْ يُؤاخَذَ بِهِ، ويَجْعَلْ مَكانَ المُؤاخَذَةِ الإكْرامَ العَظِيمَ مُتَّصِفًا بِذَلِكَ أزَلًا وأبَدًا.

الأحزاب 33:51

ولَمّا ذَكَرَ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، أتْبَعَهُما ما خَفَّفَهُ عَنْهُ مِن أمْرِهِنَّ إكْرامًا لَهُ ﷺ مِمّا كانَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ فِيهِ ويَتَخَرَّجَ عَنْ فِعْلِهِ، فَقالَ في مَوْضِعِ الِاسْتِئْنافِ، أوِ الحالِ مِن مَعْنى التَّخْفِيفِ في الجُمَلِ السّابِقَةِ: ﴿تُرْجِي﴾ بِالهَمْزِ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ أيْ تُؤَخِّرُ ﴿مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ أيْ مِنَ الواهِباتِ فَلا تَقْبَلْ هِبَتَها أوْ مِن نِسائِكَ بِالطَّلاقِ أوْ غَيْرِهِ مَعَ ما يُؤْنِسُها مِن أنْ تُؤْوِيَها، وبِغَيْرِ هَمْزٍ عِنْدَ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ مِنَ الرَّجاءِ أيْ تُؤَخِّرُها مَعَ أفْعالٍ يَكُونُ بِها راجِيَةً لِعَطْفِكَ ﴿وتُؤْوِي﴾ أيْ تَضُمُّ وتُقَرِّبُ بِقَبُولِ الهِبَةِ أوْ بِالإبْقاءِ في العِصْمَةِ بِقَسْمٍ وبِغَيْرِ قَسْمٍ بِجِماعٍ وبِغَيْرِ جِماعٍ تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ عَنْ سائِرِ الرِّجالِ ﴿إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ (p-٣٨٥)وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ أشْفَقْنَ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَقُلْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنا مِن مالِكَ ونَفْسِكَ ما شِئْتَ، ودَعْنا عَلى حالِنا، فَنَزَلَتْ». ولَمّا كانَتْ رُبَّما مالَ إلى مَن فارَقَها، بَيَّنَ تَعالى حُكْمَها فَقالَ: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أيْ مالَتْ نَفْسُكَ إلى طَلَبِها ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أيْ أوْقَعْتَ عَزْلَها بِطَلاقٍ أوْ رَدِّ هِبَةٍ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ أيْ في إيوائِها بَعْدَ ذَلِكَ بِقَبُولِ هِبَتِها أوْ بِرَدِّها إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ المَنزِلَةِ عِنْدَكَ مِن قَيْدِ النِّكاحِ أوِ القَسْمِ. ولَمّا كانَتِ المُفارَقَةُ مِن حَيْثُ هي - ولا سِيَّما إنْ كانَ فِراقُها لِما فُهِمَ مِنها مِن كَراهِيَةٍ يُظَنُّ بِها - أنَّها تَكْرَهُ الرَّجْعَةَ، أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ نِساءَهُ ﷺ عَلى [غَيْرِ] ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الإذْنُ لَكَ مِنَ اللَّهِ والإيواءِ العَظِيمِ الرُّتْبَةِ، لِما لَكَ مِنَ الشَّرَفِ ﴿أدْنى﴾ أيْ أقْرَبُ مِنَ الإرْجاءِ ومِن عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالإذْنِ في القُرْآنِ المُعْجِزِ، إلى ﴿أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ أيْ بِما حَصَلَ لَهُنَّ مِن عِشْرَتِكَ الكَرِيمَةِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ والطُّمَأْنِينَةِ بِبُلُوغِ المُرادِ، لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَتْ عَيْنُهُ قارَّةً، ومَن كانَ مَهْمُومًا كانَتْ عَيْنُهُ كَثِيرَةَ التَّقَلُّبِ لِما يَخْشاهُ - هَذا إنْ كانَ مِنَ القَرارِ بِمَعْنى السُّكُونِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ القُرِّ الَّذِي هو (p-٣٨٦)ضِدَّ الحَرِّ، لِأنَّ المَسْرُورَ [تَكُونُ] عَيْنُهُ بارِدَةً، والمَهْمُومُ تَكُونُ عَيْنُهُ حارَّةً، فَلِذَلِكَ يُقالُ لِلصَّدِيقِ: أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، ولِلْعَدُوِّ: أسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَكَ ﴿ولا يَحْزَنَّ﴾ أيْ بِالفِراقِ وغَيْرِهِ مِمّا يُحْزِنُ مِن ذَلِكَ ﴿ويَرْضَيْنَ﴾ لِعِلْمِهِنَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ لِما لِلْكَلامِ مِنَ الإعْجازِ ﴿بِما آتَيْتَهُنَّ﴾ أيْ مِنَ الأُجُورِ وغَيْرِها مِن نَفَقَةِ وقَسْمٍ وإيثارٍ وغَيْرِها. ولَمّا كانَ التَّأْكِيدُ أوْقَعَ في النَّفْسِ وأنْفى لِلَّبْسِ، وكانَ هَذا أمْرًا غَرِيبًا لِبُعْدِهِ عَنِ الطِّباعِ أكَّدَ فَقالَ: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ أيْ لَيْسَ مِنهُنَّ واحِدَةً إلّا هي كَذَلِكَ راغِبَةٌ فِيكَ راضِيَةٌ بِصُحْبَتِكَ إنْ آوَيْتَها أوْ أرْجَأْتَها لِما لَكَ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ وكَرَمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الشَّمائِلِ وجَمِيلِ الصُّحْبَةِ، وإنِ اخْتَرْتَ فِراقَها عَلِمْتَ أنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ جازِمٌ، فَكانَ ذَلِكَ أقَلَّ لِحُزْنِها فَهو أقْرَبُ إلى قَرارِ عَيْنِها بِهَذا الِاعْتِبارِ، وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِما لَهُ مِنَ الغَرابَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُصَدَّقُ بِقَوْلِهِ [عَطْفًا عَلى نَحْوِ فالله يَعْلَمُ ما في قُلُوبِهِمْ ]: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمًا مُسْتَمِرًّا لِتَعَلُّقِ ﴿ما في قُلُوبِكُمْ﴾ [أيْ] أيُّها الخَلائِقُ كُلُّكُمْ، فَلا بِدْعَ إنْ عِلْمَ ما في قُلُوبِ هَؤُلاءِ. ولَمّا رَغَّبَهُ سُبْحانَهُ في الإحْسانِ إلَيْهِنَّ بِإدامَةِ الصُّحْبَةِ بِما أخْبَرَهُ مِن (p-٣٨٧)وُدِّهِنَّ ذَلِكَ، لِكَوْنِهِ ﷺ شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِإدْخالِ السُّرُورِ عَلى القُلُوبِ، زادَهُ تَرْغِيبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا﴾ أيْ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمَّنْ يُطِيعُهُ ومَن يُعْصِيهِ ﴿حَلِيمًا﴾ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ، يَلِ يُدِيمُ إحْسانَهُ إلَيْهِ في الدُّنْيا فَيَجِبُ أنْ يَتَّقِيَ لِعِلْمِهِ وحِلْمِهِ، فَعِلْمُهُ مُوجِبٌ لِلْخَوْفِ مِنهُ، وحِلْمُهُ مُقْتَضٍ لِلِاسْتِحْياءِ مِنهُ، وأخْذُ الحَلِيمِ شَدِيدٌ، فَيَنْبَغِي لِعَبْدِهِ المُحِبِّ لَهُ أنْ يَحْلُمَ عَمَّنْ يَعْلَمُ تَقْصِيرَهُ في حَقِّهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ يَأْجُرُهُ عَلى ذَلِكَ بِأنْ يَحْلُمَ عَنْهُ فِيما عَلِمَهُ مِنهُ، وأنْ يَرْفَعَ قَدْرَهُ ويُعْلِي ذِكْرَهُ، رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ مُعاذَةَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَأْذِنُ في يَوْمِ المَرْأةِ مِنّا بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَرَجِّي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ الآيَةُ، قُلْتُ لَها: ما كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قالَتْ: كُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنْ [كانَ] ذاكَ إلَيَّ فَإنِّي لا أُرِيدُ يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ أوْثِرَ عَلَيْكَ أحَدًا».

الأحزاب 33:52

ولَمّا أمَرَهُ بِما يَشُقُّ مِن تَغَيُّرِ العَوائِدِ في أمْرِ العِدَّةِ، ثُمَّ بِما قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ ﷺ مِن تَخْصِيصِهِ بِما ذُكِرَ خَشْيَةً مِن طَعْنِ بَعْضِ مَن لَمْ يَرْسُخْ إيمانُهُ، وخَتَمَ بِما يَسُرُّ أزْواجَهُ، وصَلَ بِهِ ما يَزِيدُ سُرُورَهُنَّ مِن تَحْرِيمِ غَيْرِهِنَّ عَلَيْهِ شُكْرًا لَهُنَّ عَلى إعْراضِهِنَّ عَنِ الدُّنْيا (p-٣٨٨)واخْتِيارِهِنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ ولَمّا كانَ تَعالى شَدِيدَ العِنايَةِ بِهِ ﷺ لَوَّحَ لَهُ في آيَةِ التَّحْرِيمِ إلى أنَّهُ يَنْسَخُهُ عَنْهُ، فَأثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدُ﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَن مَعَكَ مِن هَؤُلاءِ التِّسْعِ - كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةٍ عَنْهُ، شُكْرًا مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ لِكَوْنِهِنَّ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَتَكُونُ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِمُتَقَدِّمٍ عَلَيْها في النَّظْمِ وتَأخَّرَ عَنْها في الإنْزالِ مِن آيَةِ ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وفي رِوايَةٍ أُخْرى مِن بَعْدِ ”اللّاتِي أحْلَلْنا لَك“ بِالصِّفَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِن بَناتِ العَمِّ وما مَعَهُنَّ، ويُؤَيِّدُها ما تَقَدَّمَتْ رِوايَتُهُ عَنْ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ولَمّا كانَ رُبَّما فَهِمَ أنَّ المُرادَ الحَصْرُ في عَدَدِ التِّسْعِ، لا بِقَيْدِ المُعَيَّناتِ، قالَ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ أيْ هَؤُلاءِ التِّسْعِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن﴾ أيْ شَيْئًا مِن ﴿أزْواجٍ﴾ أيْ بِأنْ تُطَلِّقَ بَعْضَ هَؤُلاءِ المُعَيَّناتِ وتَأْخُذَ بَدَلَها مِن غَيْرِهِنَّ بِعَقْدِ النِّكاحِ بِحَيْثُ لا يَزِيدُ العَدَدُ عَلى تِسْعٍ، فَعُلِمَ بِهَذا أنَّ المَمْنُوعَ [مِنهُ] نِكاحُ غَيْرِهِنَّ مَعَ طَلاقِ واحِدَةٍ مِنهُنَّ أوَّلًا، وهو يُؤَيِّدُ الرِّوايَةَ الأُولى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لِأنَّ المُتَبَدِّلَ بِها لا تَكُونُ إلّا مَعْلُومَةَ العَيْنِ، والجَوابُ عَنْ قَوْلِ أمِّ هانِئٍ (p-٣٨٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّهُ فَهِمَ مِنها، لا رِوايَةً عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا عِنْدَ مَوْتِ واحِدَةٍ مِنهُنَّ فَلا حَرَجَ في نِكاحِ واحِدَةٍ بَدَلَها. ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا المَنعِ مِن كُلِّ زَوْجَةٍ بِأيِّ صِفَةٍ كانَتْ، أكَّدَ المَعْنى وحَقَّقَهُ، وصَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ حالًا مِن فاعِلِ ”تَبَدَّلَ“: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ أيِ النِّساءُ المُغايِراتُ لِمَن مَعَكَ، وفي هَذا إباحَةُ النَّظَرِ إلى مَن يُرادُ نِكاحُها لِأنَّ النَّظْرَةَ الأُولى لا تَكادُ تَثْبُتُ ما عَلَيْهِ المَرْئِيُّ مِن حاقِّ الوَصْفِ؛ ولَمّا كانَ لَفْظُ النِّساءِ شامِلًا لِلْأزْواجِ والإماءِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ الأزْواجُ [فَقَطْ] بِقَوْلِهِ: ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ أيْ فَيَحِلُّ لَكَ مِنهُنَّ ما شِئْتَ، وقَدْ مَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَيْحانَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مِن سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَةَ، واسْتَمَرَّتْ في مُلْكِهِ مُدَّةً لا يَقْرَبُها حَتّى أسْلَمَتْ، ثُمَّ مَلَكَ بَعْدَ عامِ الحُدَيْبِيَةِ مارِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أمِّ ولَدِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمّا تَقَدَّمَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآياتِ فَأمَرَ ونَهى وحَدَّ حُدُودًا، حَذَّرَ مِنَ التَّهاوُنِ بِشَيْءٍ مِنها ولَوْ بِنَوْعِ تَأْوِيلٍ فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ أعْظَمُ مِنهُ، وهو المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ يَفْعَلُ فِعْلَ المُراعِي لِما يُتَوَقَّعُ مِنهُ مِن خَلَلٍ عَلى أقْرَبِ قُرْبٍ مِنهُ بِحَيْثُ لا يَفُوتُ مَعَ رِعايَتِهِ فائِتٌ مِن أمْرِ المَرْعى، (p-٣٩٠)ولا يَكُونُ الرَّقِيبُ إلّا قَرِيبًا، ولا أقْرَبَ مِن قُرْبِ الحَقِّ سُبْحانَهُ، فَلا أرْعى مَن رُقْبَتِهِ، وهو مِن أشَدِّ الأسْماءِ وعِيدًا.

الأحزاب 33:53

ولَمّا كانَ القُرْبُ والإحاطَةُ لِلَّهِ، كانَ بِالحَقِيقَةِ لا رَقِيبَ إلّا هُوَ، والآيَةُ عَلى كُلِّ حالٍ مَنسُوخَةٌ إنْ قُلْنا بِالِاحْتِمالِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، فَقَدْ رَوى التِّرْمِذِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وناهِيكَ بِها ولا سِيَّما في هَذا البابِ أنَّها قالَتْ: ما ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحَلَّ لَهُ النِّساءَ، وقالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. انْتَهى. ونَقَلَ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّ النّاسِخَ [آيَةُ] ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وكَذا [عَنْ] جَماعَةٍ مِنهم عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وأُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ولَكِنْ ﷺ تَرَكَ ذَلِكَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ عَبَّرَ في المَنعِ بِصِيغَةِ الخَبَرِ والفِعْلِ المُضارِعِ، ورِعايَةً أشارَ اللَّهُ إلَيْهِ مِن رِعايَةِ حَقِّهِنَّ في اخْتِيارِهِنَّ مِنَ الدّارِ الآخِرَةِ. ولَمّا قَصَرَهُ ﷺ عَلَيْهِنَّ، وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ إلَيْهِنَّ بِلُزُومِ البُيُوتِ وتَرْكِ ما كانَ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِنَ التَّبَرُّجِ، أرْخى عَلَيْهِنَّ الحِجابَ في البُيُوتِ ومَنَعَ غَيْرَهُ ﷺ مِمّا كانَتِ العَرَبُ عَلَيْهِ مِنَ الدُّخُولِ عَلى النِّساءِ لِما عِنْدَهم مِنَ الأمانَةِ في ذَلِكَ، فَقالَ (p-٣٩١)مُخاطِبًا لِأدْنى أسْنانِ أهْلِ هَذا الدِّينِ لِما ذُكِرَ في سَبَبِ نُزُولِها، ولِأنَّ المُؤْمِنِينَ كانُوا مُنْتَهِينَ [عَنْ ذَلِكَ] بِغَيْرِ ناهٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِ عَمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في الحِجابِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوُا الإيمانَ صَدَّقُوا دَعْواكم فِيهِ بِأنَّ ﴿لا تَدْخُلُوا﴾ مَعَ الِاجْتِماعِ، فالواحِدُ مِن بابِ الأوْلى. ولَمّا كانَ تَشْوِيشُ الفِكْرِ رُبَّما كانَ شاغِلًا عَنْ شَيْءٍ مِمّا يُنْبِئُ اللَّهُ بِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «بُيِّنَتْ لِي لَيْلَةُ القَدْرِ فَتَلاحى فُلانٌ وفُلانٌ فَأُنْسِيتَها» - أوْ كَما قالَ ﷺ، عَبَّرَ بِصِفَةِ النُّبُوَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ أيِ الَّذِي يَأْتِيهِ الإنْباءُ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ بِما فِيهِ غايَةُ رِفْعَتِهِ، في حالٍ مِنَ الأحْوالِ أصْلًا ﴿إلا﴾ في حالِ ﴿أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الإذْنُ في بُيُوتِهِ ﷺ مِنهُ أوْ مِمَّنْ يَأْذَنُ لَهُ في ذَلِكَ، مُنْتَهِينَ ﴿إلى طَعامٍ﴾ أيْ أكْلِهِ، حالَ كَوْنِكم ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ أيْ وقْتَ ذَلِكَ الطَّعامِ وبُلُوغَهُ واسْتِواءَهُ لِلْأكْلِ، فَمَنَعَ بِهَذا مَن كانَ يَتَحَيَّنُ طَعامَ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ في ذَلِكَ تَكْلِيفًا لَهُ ﷺ بِما يَشُقُّ عَلَيْهِ جِدًّا، فَإنَّهُ رُبَّما كانَ ثَمَّ مَن هو أحْوَجُ إلى ذَلِكَ الطَّعامِ مِنَ المُتَحَيِّنِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْذارِ، فَلا يَتَوَجَّهُ (p-٣٩٢)الخِطابُ إلى غَيْرِ أهْلِ السِّنِّ السّافِلِ، ومَن وقَعَتْ لَهُ فَلْتَةٌ مِمَّنْ فَوْقَ رُتْبَتِهِمْ دَخَلَ في خِطابِهِمْ بِما أنْزَلَ مِن رُتْبَتِهِ، والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الفاعِلِ المُجَرَّدِ في ”ناظِرَيْنِ“ أبْلَغُ في النَّهْيِ. ولَمّا كانَ هَذا الدُّخُولُ بِالإذْنِ مُطْلَقًا، وكانَ يُرادُ تَقْيِيدُهُ، وكانَ الأصْلُ في ذَلِكَ: فَإذا دُعِيتُمْ، إلى آخِرِهِ، ولَكِنْ لَمّا كانَ المَقامُ لِلْخَتْمِ بِالجَزْمِ فِيما يَذْكُرُ، وكانَ لِلِاسْتِدْراكِ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن رَوْعَةِ النَّفْسِ وهَزَّها لِلْعِلْمِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ مُضادٌّ لِما قَبْلَهُ قالَ: ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ﴾ أيْ مِمَّنْ لَهُ الدَّعْوَةُ ﴿فادْخُلُوا﴾ أيْ لِأجْلِ ما دَعاكم لَهُ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ﴾ أيْ أكَلْتُمْ طَعامًا أوْ شَرِبْتُمْ شَرابًا ﴿فانْتَشِرُوا﴾ أيِ اذْهَبُوا حَيْثُ شِئْتُمْ في الحالِ، ولا تَمْكُثُوا بَعْدَ الأكْلِ لا مُسْتَرِيحِينَ لِقَرارِ الطَّعامِ في بُطُونِكم ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ أيْ طالِبِينَ الأُنْسِ لِأجْلِهِ، قالَ حَمْزَةُ بْنُ نَضْرٍ الكِرْمانِيُّ في كِتابِهِ جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: قالَ الحَسَنُ: حَسْبُكَ في الثُّقَلاءِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَجَوَّزْ في أمْرِهِمْ - انْتَهى، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: حَسْبُكَ بِالثُّقَلاءِ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَحْتَمِلْهُمْ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُصَوِّبًا الخِطابَ إلى جَمِيعِهِ، مُعَظِّمًا لَهُ بِأداةِ البُعْدِ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرَ الشَّدِيدَ (p-٣٩٣)وهُوَ المُكْثُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ ﴿كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أيِ الَّذِي هَيَّأْناهُ لِسَماعِ ما نُنَبِّئُهُ بِهِ مِمّا يَكُونُ سَبَبَ شَرَفِكم وعُلُوِّكم في الدّارَيْنِ، فاحْذَرُوا أنْ تَشْغَلُوهُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ فَنُنَبِّئُهُ بِشَيْءٍ تَهْلَكُونَ فِيهِ. ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ المانِعِ لَهُ مِن مُواجَهَتِهِمْ بِما يُزِيلُ أذاهُ فَقالَ: ﴿فَيَسْتَحْيِي﴾ أيْ يُوجَدُ الحَياءُ، وأصْلُهُ إيجادُ الحَياةِ. كَأنَّ مَن لا حَياءَ لَهُ جَمادٌ لا حَياةَ لَهُ ﴿مِنكُمْ﴾ أيْ أنْ يَأْمُرُكم بِالِانْصِرافِ ﴿واللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الأمْرِ ﴿لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾ أيْ لا يَفْعَلُ فِعْلَ المُسْتَحْيِي فَيُؤَدِّيهِ ذَلِكَ إلى تَرْكِ الأمْرِ بِهِ. ولَمّا كانَ البَيْتُ يُطْلَقُ عَلى المَرْأةِ لِمُلازَمَتِها لَهُ عادَةً، أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ مُرادًا بِهِ النِّساءُ اسْتِخْدامًا فَقالَ:﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ أيِ الأزْواجَ ﴿مَتاعًا﴾ أيْ شَيْئًا مِن آلاتِ البَيْتِ ﴿فاسْألُوهُنَّ﴾ أيْ ذَلِكَ المَتاعَ، كائِنَيْنِ وكائِناتٍ ﴿مِن وراءِ حِجابٍ﴾ أيْ سِتْرٍ يَسْتُرُكم عَنْهُنَّ ويَسْتُرُهُنَّ عَنْكم ﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي أُنَبِّئُكم جَمِيعَكم بِهِ مِنَ السُّؤالِ مِن وراءِ حِجابٍ وغَيْرِهِ ﴿أطْهَرُ لِقُلُوبِكم وقُلُوبِهِنَّ﴾ أيْ [مِن] وساوِسِ الشَّيْطانِ الَّتِي كانَ يُوَسْوِسُ بِها في أيّامِ الجاهِلِيَّةِ قَناعَةً مِنهُ بِما كانُوا في حِبالَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ ﴿وما كانَ لَكُمْ﴾ أيْ وما صَحَّ وما اسْتَقامَ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ ﴿أنْ تُؤْذُوا﴾ وذَكَرَهم بِالوَصْفِ الَّذِي هو سَبَبٌ (p-٣٩٤)لِسَعادَتِهِمْ واسْتَحَقَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ ما لا يَقْدِرُونَ عَلى القِيامِ بِشُكْرِهِ فَقالَ: ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﷺ، أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ فَلَهُ إلَيْكم مِنَ الإحْسانِ ما يَسْتَوْجِبُ [مِنكُمْ] بِهِ غايَةَ الإكْرامِ والإجْلالِ، فَضْلًا عَنِ الكَفِّ عَنِ الأذى، فَلا تُؤْذُوهُ بِالدُّخُولِ إلى شَيْءٍ مِن بُيُوتِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ أوِ المُكْثِ بَعْدَ فَراغِ الحاجَةِ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَدْ قَصَرَهُ [ﷺ عَلَيْهِنَّ، ولَزِمَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ أحَلَّ لَهُ غَيَّرَهُنَّ قَصَرَهُنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ] المَوْتِ زِيادَةً لِشَرَفِهِ وإظْهارًا لِمَزِيَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا أنْ تَنْكِحُوا﴾ أيْ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ، ﴿أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ بَعْدِ فِراقِهِ لِمَن دَخَلَ بِها مِنهُنَّ بِمَوْتٍ أوْ طَلاقٍ لِما تَقَدَّمَ أنَّهُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ ﴿أبَدًا﴾ فَإنَّ العِدَّةَ [مِنهُ] يَنْبَغِي أنْ لا تَنْقَضِيَ لِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ والكَمالِ، وهو حَيٌّ في قَبْرِهِ لا يَزالُ، [وثَمَّ عِلَّةٌ أعَمُّ مِن هَذِهِ لَمْسُها في المِيراثِ، وهي قَطْعُ الأطْماعِ عَنِ امْتِدادِها إلى شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا بَعْدَهُ لِئَلّا يَتَمَنّى أحَدٌ مَوْتَهُ ﷺ لِيَأْخُذَ ذَلِكَ فَيَكْفُرَ لِأنَّهُ لا إيمانَ لِمَن لا يُقَدِّمُهُ عَلى نَفْسِهِ]، وأمّا العالِيَةُ بِنْتُ ظَبْيانَ الَّتِي طَلَّقَها النَّبِيُّ ﷺ. وتَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ فَكانَ أمْرُها قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ - ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ - ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكُمْ﴾ أيِ الإيذاءَ بِالنِّكاحِ وغَيْرِهِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ (p-٣٩٥)عَلى غايَةِ البُعْدِ ﴿كانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ﴿عَظِيمًا﴾ وقَدْ ورَدَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أشْياءُ، رَوى أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ في مُسْنَدِهِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «بَعَثَتْنِي أمُّ سُلَيْمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها بِرُطَبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى طَبَقٍ في أوَّلِ ما أيْنَعَ ثَمَرُ النَّخْلِ قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأصابَ مِنهُ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَخَرَجْنا وكانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَ: فَمَرَّ بِنِساءٍ مِن نِسائِهِ وعِنْدَهُنَّ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ فَهَنَّأْنَهُ وهَنَّأهُ النّاسُ فَقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أقَرَّ بِعَيْنِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَضى حَتّى أتى عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَإذا عِنْدَها رِجالٌ، قالَ: فَكَرِهَ ذَلِكَ، وكانَ إذا كَرِهَ الشَّيْءَ عُرِفَ في وجْهِهِ، قالَ: فَأتَيْتُ أمَّ سُلَيْمٍ فَأخْبَرْتُها، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَئِنْ كانَ ما قالَ ابْنُكِ [حَقًّا] لِيَحْدُثَنَّ أمْرٌ، قالَ: فَلَمّا كانَ مِنَ العَشِيِّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَعِدَ المِنبَرَ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: وأمَرَ بِالحِجابِ» وأصْلُهُ في التَّفْسِيرِ مِن جامِعِ التِّرْمِذِيِّ ورَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَرُوسًا بِزَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَقالَتْ لِي أمُّ سُلَيْمٍ: لَوْ أهْدَيْنا لِلنَّبِيِّ ﷺ (p-٣٩٦)هَدِيَّةً! فَقُلْتُ لَها: افْعَلِي، فَعَمَدَتْ إلى تَمْرٍ وأقِطٍ وسَمْنٍ، فاتَّخَذَتْ حَيْسَةً في بُرْمَةٍ، فَأرْسَلَتْ بِها مَعِي إلَيْهِ، فَقالَ لِي: ضَعْها، ثُمَّ أمَرَنِي فَقالَ لِي: ادْعُ [لِي] رِجالًا - سَمّاهم - وادْعُ لِي مَن لَقِيتَ، فَفَعَلْتُ الَّذِي أمَرَنِي، فَرَجَعْتُ فَإذا البَيْتُ غاصَ بِأهْلِهِ» - وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ أنَّ الرّاوِيَ قالَ: «[قُلْتُ] لِأنَسٍ: كَمْ كانُوا؟ قالَ: زُهاءَ ثَلاثِمِائَةٍ - فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وضَعَ يَدَهُ عَلى تِلْكَ الحَيْسَةِ وتَكَلَّمَ بِما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشْرَةً عَشْرَةً يَأْكُلُونَ مِنهُ، ويَقُولُ لَهُمْ: اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، ولْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمّا يَلِيهِ، حَتّى تَصَّدَعُوا كُلُّهم عَنْها، قالَ التِّرْمِذِيُّ فَقالَ [لِي]: يا أنَسُ، ارْفَعْ، فَرَفَعْتُ فَما أدْرِي حِينَ وضَعْتُ كانَ أكْثَرَ أوْ حِينَ رَفَعْتُ - فَخَرَجَ مِنهم مَن خَرَجَ وبَقِيَ نَفَرٌ يَتَحَدَّثُونَ، قالَ: وجَعَلْتُ أغْتَمُّ - قالَ التِّرْمِذِيُّ ورَسُولُ اللَّهِ جالَسَ وزَوْجَتُهُ مُوَلِّيَةٌ وجْهَها إلى الحائِطِ، فَثَقَّلُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛» وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في تَفْسِيرِهِ: «فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحِي مِنهم أنْ يَقُولَ لَهم شَيْئًا - ثُمَّ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الحُجُراتِ وخَرَجْتُ في أثَرِهِ، فَقُلْتُ: إنَّهم قَدْ ذَهَبُوا، فَرَجَعَ فَدَخَلَ البَيْتَ وأرْخى السِّتْرَ وإنِّي لَفي الحُجْرَةِ وهو (p-٣٩٧)يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ،» وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ «ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمّا رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ ظَنُّوا أنَّهم قَدْ ثَقَّلُوا عَلَيْهِ، فابْتَدَرُوا البابَ، فَخَرَجُوا كُلُّهُمْ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أرْخى السِّتْرَ ودَخَلَ وأنا جالِسٌ في الحُجْرَةِ، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى خَرَجَ عَلَيَّ وأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَّأهُنَّ عَلى النّاسِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةُ،» [و] رَوى الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وهَذا لَفْظُ البُخارِيِّ - في رِواياتٍ قالَ: «بُنِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ ولَحْمٍ، فَأرْسَلَتْ عَلى الطَّعامِ داعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ ويَخْرُجُونَ، فَدَعَوْتُ حَتّى ما أجِدُ أحَدًا أدْعُو، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! ما أجِدُ أحَدًا أدْعُو، قالَ: ارْفَعُوا طَعامَكُمْ، فَجَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ فَإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ، وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ،» وفي رِوايَةٍ، «ثَلاثَةُ رَهْطٍ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فانْطَلَقَ إلى حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ. فَقالَتْ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، (p-٣٩٨)كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ، بارَكَ اللَّهُ لَكَ! فَتَقَرّى حِجْرَ نِسائِهِ كُلِّهِنْ يَقُولُ لَهُنَّ كَما يَقُولُ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها. ويَقُلْنَ لَهُ كَما قالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ، ثُمَّ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، وكانَ [النَّبِيُّ] ﷺ شَدِيدَ الحَياءِ فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا، نَحْوَ حُجْرَةِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها،» وفي رِوايَةٍ: «أوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَنى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَأشْبَعَ النّاسَ خَبْزًا ولَحْمًا، ثُمَّ خَرَجَ إلى حُجَرِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ كَما كانَ يَصْنَعُ صَبِيحَةَ بِنائِهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَدْعُو لَهُنَّ، ويُسَلِّمْنَ عَلَيْهِ ويَدْعُونَ لَهُ، فَلَمّا رَجَعَ إلى بَيْتِهِ رَأى رَجُلَيْنِ جَرى بِهِما الحَدِيثُ، فَلَمّا رَآهُما رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ، فَلَمّا رَأى الرَّجُلانِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ رَجَعَ عَنْ بَيْتِهِ وثَبا مُسْرِعَيْنِ، فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ بِخُرُوجِهِما أوْ أُخْبِرَ أنَّ القَوْمَ خَرَجُوا، فَرَجَعَ حَتّى إذا وضَعَ رِجْلَهُ في أُسْكُفَّةِ البابِ داخِلَةً وأُخْرى خارِجَةٌ أرْخى السِّتْرَ، وفي رِوايَةٍ: فَذَهَبْتُ أدْخَلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وأُنْزِلَتْ آيَةُ الحِجابِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةُ،» ولِلْبُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها (p-٣٩٩)قالَتْ: «كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: احْجُبْ نِساءَكَ قالَتْ: فَلَمْ يَفْعَلْ، وكانَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ يَخْرُجْنَ لَيْلًا إلى لَيْلٍ قَبْلَ المَناصِعِ، خَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، فَرَآها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو في المَجْلِسِ فَقالَ: عَرَفْتُكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلى أنْ يَنْزِلَ الحِجابُ، قالَتْ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الحِجابَ» ولِلْبُخارِيِّ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ومُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كِلاهُما عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَتَحَجَّبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ،» ورُوِيَ في السَّبَبِ أشْياءُ غَيْرُ هَذِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يَكُونَ لِلْآيَةِ الواحِدَةِ عِدَّةُ أسْبابٍ مُسْتَوِيَةِ الدَّرَجَةِ، أوْ بَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، عَلى أنَّهُ قَدْ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ في سِياقِ هَذِهِ الآيَةِ ما هو صَرِيحٌ في أنَّ قِصَّةَ سَوْدَةَ بَعْدَ الحِجابِ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، قالَتْ: «خَرَجَتْ سَوْدَةُ بَعْدَ ما ضُرِبَ الحِجابُ لِحاجَتِها وكانَتِ امْرَأةً جَسِيمَةً لا تَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُها، فَرَآها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: يا سَوْدَةُ! أما واللَّهِ ما تَخْفَيْنَ عَلَيْنا، فانْظُرِي كَيْفَ تَخْرُجِينَ، قالَتْ: فانْكَفَأتْ راجِعَةً ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِي وإنَّهُ يَتَعَشّى وفي يَدِهِ عِرْقٌ فَدَخَلَتْ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي (p-٤٠٠)خَرَجْتُ لِبَعْضِ حاجَتِي، فَقالَ لِي عُمَرُ كَذا وكَذا، قالَتْ: فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ ثُمَّ رُفِعَ عَنْهُ وإنَّ العِرْقَ في يَدِهِ ما وضَعَهُ فَقالَ: قَدْ أذِنَ لَكِنَّ أنْ تَخْرُجْنَ لِحاجَتِكُنَّ» وهَؤُلاءِ الَّذِينَ جَلَسُوا - والنَّبِيُّ ﷺ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الكَراهَةِ لِجُلُوسِهِمْ بِما ذَكَرَ مِن هَيْئَتِهِ في حَيائِهِ وتَهَيُّئِهِ لِلْقِيامِ ونَحْوِ ذَلِكَ - لَمْ يَسْتَثْمِرُوا الفِقْهَ مِن أحْوالِهِ، بَلْ كانُوا واقِفِينَ عِنْدَما يَسْمَعُونَهُ مِن مَقالِهِ، وطَرِيقَةِ الكُمَّلِ الِاسْتِبْصارُ بِرَسْمِهِ وحالِهِ كَما يَسْتَبْصِرُونَ مِن قالِهِ وفِعالِهِ، قالَ الحِرالِيُّ: الحالُ كُلُّ هَيْئَةٍ [تَظْهَرُ] عَنِ انْفِعالٍ باطِنٍ، ويَخْتَصُّ بِتَفَهُّمِها المُشاهِدُ المُتَوَسِّمُ، وذَلِكَ كَضَحِكِهِ ﷺ لِلَّذِي رَآهُ يَوْمَ خَيْبَرَ وقَدْ أخَذَ جِرابَ شَحْمٍ مِن فَيْءِ يَهُودٍ وهو يَقُولُ: لا أُعْطِي اليَوْمَ مِن هَذا أحَدًا شَيْئًا، وكَتَغَيُّرِ وجْهِهِ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا أخَذَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ صَحِيفَةً مِن حِكَمِ الأوَّلِينَ حَتّى نَبَّهَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَن تَوَسَّمَ في وجْهِهِ ﷺ الكَراهَةَ لِفِعْلِ عُمَرَ، وإنْباءُ كُلِّ [حالٍ] مِنها يَحْسَبُ ما يُفِيدُهُ الِانْفِعالُ مِنَ الِانْبِساطِ والِانْقِباضِ [والإعْراضِ] ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَتَوَسَّمُهُ المُتَفَطِّنُ، ويَقْطَعُ بِمُقْتَضاهُ المُتَفَهِّمُ، وأمّا الرَّسْمُ فَهو كُلُّ ما (p-٤٠١)شَأْنُهُ البَقاءُ بَعْدَ غَيْبَتِهِ ووَفاتِهِ، فَيَتَفَهَّمُ مِنهُ المُعْتَبِرُ حُكْمَ وضْعِهِ ومَقْصِدَ رَسْمِهِ، كالَّذِي يُشاهَدُ مِن هَيْئَةِ بِنائِهِ مَسْجِدِهِ عَلى حالِ اجْتِزاءٍ بِأيْسَرِ مُمْكِنٍ وكَبِنائِهِ بُيُوتَهُ عَلى هَيْئَةٍ لا تَكَلُّفَ فِيها، ولا مَزِيدَ عِلَّةٍ مِقْدارَ الحاجَةِ، وكَمَثَلِ الكِساءِ المُلَبَّدِ الَّذِي تَرَكَهُ، وفِراشَهُ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن مَتاعِ بُيُوتِهِ، وكَما يَتَفَهَّمُ مِنِ احْتِفالِهِ في أداةِ سِلاحِهِ مِثْلُ كَوْنِ سَيْفِهِ مُحَلًّى بِالفِضَّةِ وقَبْضَتُهُ فِضَّةٌ، ومِثْلُ احْتِفالِهِ بِالتَّطَيُّبِ حَتّى [كانَ] يُرى في ثَوْبِهِ وزِرِّهِ، فَيَتَعَرَّفُ مِن رُسُومِهِ أحْكامَهُ، كَما يَتَعَرَّفُ مِن أحْوالِهِ وأفْعالِهِ وأقْوالِهِ، وذَلِكَ لِأنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الإباناتِ كُلِّها هي حَقِيقَةُ ما هو الكَلامُ. انْتَهى. وبُرْهانُ ذَلِكَ أنَّ الأصْلَ في الكُلِّ الكَلامُ النَّفْسِيُّ الَّذِي هو المَنشَأُ، والقَوْلُ والفِعْلُ والحالُ والرَّسْمُ مُتَرْجَمَةٌ عَنْهُ، ولَيْسَ بَعْضُها أحَقَّ بِالتَّرْجَمَةِ مِن بَعْضٍ، نَعَمْ بَعْضُها أدَلُّ مِن بَعْضٍ وأنُصُّ وأصْرَحُ، فَتَهَيُّؤُ النَّبِيِّ ﷺ لِلْقِيامِ مِن بَيْتِهِ مِثْلُ لَوْ قالَ: أُرِيدُ أنْ تَذْهَبُوا، فَإنَّهُ يَلْزَمُ مِن قِيامِ الرَّجُلِ مِن بَيْتِهِ الَّذِي هو مَحَلٌّ ما يَسْتُرُهُ عَنْ غَيْرِهِ أنْ يُرِيدَ ذَهابَ، غَيْرِهِ مِنهُ لِئَلّا يَطَّلِعُ عَلى ما لا يُحِبُّ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أحَدٌ، وإتْيانُهُ لِيَدْخُلَ فَإذا رَآهم رَجَعَ مِثْلَ لَوْ قالَ: إنَّما يَمْنَعُنِي مِنَ الدُّخُولِ إلى مَحَلِّ راحَتِي جُلُوسُكم (p-٤٠٢)فِيهِ لِثِقَلِ جُلُوسِكم عَلَيَّ، وكَذا الأحْوالُ والرَّسُولُ. واللَّهُ الهادِي.

الأحزاب 33:54

ولَمّا كانَ بَعْضُ الدّالِّ عَلى الكَلامِ - كَما مَرَّ - أصْرَحَ مِن بَعْضٍ، فَكانَ الإنْسانُ قَدْ يُضْمِرُ أنْ يَفْعَلَ ما يُؤْذِي إذا تَمَكَّنَ، وقَدْ يُؤْذِي بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ، ويَدَّعِي أنَّهُ قَصَدَ شَيْئًا آخَرَ مِمّا لا يُؤَذِي، قالَ تَعالى حامِلًا لَهم عَلى التَّفَطُّنِ والتَّنَبُّهِ في الأقْوالِ وغَيْرِها والمَقاصِدِ الحَسَنَةِ ظاهِرًا وباطِنًا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن رُبَّما انْتَهى بِظاهِرِهِ، وهو عازِمٌ عَلى أنْ يَفْعَلَ الأذى عِنْدَ التَّمَكُّنِ: ﴿إنْ تُبْدُوا﴾ أيْ بِألْسِنَتِكم أوْ غَيْرِها ﴿شَيْئًا﴾ [أيْ] مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿أوْ تُخْفُوهُ﴾ أيْ في صُدُورِكم. ولَمّا كانَ فِعْلُ مَن يُخْفِي أمْرًا عَنِ النّاسِ فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ يَخْفى عَلى رَبِّهِ، قالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا لِفاعِلِ ذَلِكَ عَلى هَذا اللّازِمِ لِفِعْلِهِ تَرْهِيبًا لَهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا بِهِ، هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أتى بِما يَعُمُّهُ وغَيْرُهُ فَقالَ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ فَهو يَعْلَمُ ما أسْرَرْتُمْ وما أعْلَنْتُمْ وإنْ بالَغْتُمْ في كَتْمِهِ، فَيُجازِي عَلَيْهِ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ.

الأحزاب 33:55

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ كَما تَقَدَّمَ تَغْلِيظُ الحِجابِ عَلى ذَواتِ الخُدُورِ، وكانَ قَدْ ذَكَرَ في هَذِهِ السُّورَةِ خَصائِصَ وتَغْيِيرَ أحْكامٍ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ (p-٤٠٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولِأزْواجِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ولِغَيْرِهِمْ، كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ الحِجابَ تَغَيَّرَ أوْ شَيْءٌ مِنهُ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّخُولِ أوْ غَيْرِهِ، فاسْتَثْنى مَن عَمَّهُ النَّهْيُ السّابِقُ عَنِ الدُّخُولِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ جَمِيعَ النِّساءِ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النُّورِ فَقالَ: ﴿لا جُناحَ﴾ أيْ إثْمَ ﴿عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ دُخُولًا وخَلْوَةً مِن غَيْرِ حِجابٍ، والعَمُّ والخالُ وأبُو الزَّوْجِ بِمَصِيرِ الزَّوْجَيْنِ كالشَّيْءِ الواحِدِ بِمَنزِلَةِ الوالِدِ ﴿ولا أبْنائِهِنَّ﴾ أيْ مِنَ البَطْنِ أوِ الرَّضاعَةِ، وابْنِ الزَّوْجِ بِمَنزِلَةِ الوَلَدِ، وتَرَكَ ذِكْرَهم يَفْهَمُ أنَّ الوَرَعَ الحِجابُ عَنْهم ﴿ولا إخْوانِهِنَّ﴾ لِأنَّ عارَهُنَّ عارُهم ﴿ولا أبْناءِ إخْوانِهِنَّ﴾ فَإنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ آبائِهِمْ ﴿ولا أبْناءِ أخَواتِهِنَّ﴾ فَإنَّهُنَّ بِمَنزِلَةِ أُمَّهاتِهِمْ ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ أيِ المُسْلِماتِ القُرْبى مِنهُنَّ والبُعْدى بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، وأمّا الكافِراتُ فَهُنَّ بِمَنزِلَةِ الأجانِبِ مِنَ الرِّجالِ ﴿ولا ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ لِأنَّهم لِما لَهُنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ السُّلْطانِ تَبْعُدُ مِنهُمُ الرِّيبَةُ هَيْبَةً لَهُنَّ مَعَ مَشَقَّةِ الِاحْتِجابِ عَنْهم. ولَمّا كانَتِ الرِّيبَةُ لَيْسَتْ مَقْطُوعًا بِنَفْيِها، وكانَتْ مِن جِهَةِ النِّساءِ أكْثَرَ، لِأنَّهُ لا يَكادُ رَجُلٌ يَتَعَرَّضُ إلّا لِمَن ظَنَّ بِها الإجابَةَ لِما يَرى مِن (p-٤٠٤)مَخايِلِها أوْ مَخايِلِ أشْكالِها، أقْبَلَ عَلَيْهِنَّ بِالخِطابِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ، فَقالَ آمِرًا عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأظْهَرْنَ عَلى مَن شِئْتُنَّ مِن هَؤُلاءِ: ﴿واتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَلا تَقْرَبْنَ شَيْئًا مِمّا يَكْرَهُهُ، وطَوى ما عَطَفَ عَلَيْهِ الأمْرَ بِالتَّقْوى بَعْدَ أنْ ساقَ نَفْيَ الجَناحِ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ، وأبْرَزَ الأمْرَ بِها وجَعَلَهُ في أُسْلُوبِ الخِطابِ إيذانًا بِأنَّ الوَرَعَ تَرَكَ الظُّهُورَ عَلى أحَدٍ غَيْرِ مَن يَمْلِكُ التَّمَتُّعَ، فَإنْ دَعَتْ حاجَةٌ كانَ مَعَ الظُّهُورِ حِجابٌ كَثِيفٌ مِنَ الِاحْتِشامِ والأدَبِ التّامِّ. ولَمّا كانَ الخَوْفُ لا يَعْظُمُ إلّا مِمَّنْ كانَ حاضِرًا مُطْلَقًا، قالَ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَ مَن يَتَهاوَنُ في شَيْءٍ مِن أوامِرِهِ فِعْلُ مَن لا يَتَّقِي، ومَن لا يَتَّقِي كَمَن يَظُنُّ أنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُطَّلِعٍ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ العَظِيمَ الشَّأْنِ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن أفْعالِكُنَّ وغَيْرِها، ولِمَزِيدِ الِاحْتِياطِ والوَرَعِ في ذَلِكَ [عَبَّرَ] بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ وإنْ دَقَّ، فَهو مُطَّلِعٌ عَلَيْكُنَّ حالَ الخَلْوَةِ مِمَّنْ ذُكِرَ، كَما هو مُطَّلِعٌ عَلى [غَيْرِ] ذَلِكَ فَلْيَحْذَّرْهُ كُلُّ أحَدٍ [فِي] حالِ الخَلْوَةِ كَما يَحْذُرُهُ في حالِ الجَلْوَةِ، فَيا لَها مِن عَظَمَةٍ باهِرَةٍ، وسَطْوَةٍ ظاهِرَةٍ قاهِرَةٍ، يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَبْكِيَ مِنها الدِّماءَ فَضْلًا عَنِ الدُّمُوعِ، وأنْ تَمْنَعَهُ مُرِيحَ القَرارِ ولَذِيذَ الهُجُوعِ، رَوى البُخارِيُّ (p-٤٠٥)عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «”أسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أفْلَحُ أخُو أبِي القُعَيْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَ ما أنْزَلَ الحِجابَ، فَقُلْتُ: لا آذَنُ لَهُ حَتّى اسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ فَإنَّ أخاهُ [أبا] القُعَيْسِ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي [و] لَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ، [فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ أفْلَحَ أخا أبِي القُعَيْسِ] اسْتَأْذَنَ فَأبَيْتُ أنْ آذَنَ لَهُ حَتّى أسْتَأْذِنَكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يَمْنَعُكِ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هو أرْضَعَنِي، ولَكِنْ أرْضَعَتْنِي امْرَأةُ أبِي القُعَيْسِ، فَقالَ: ائْذَنِي لَهُ فَإنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ،» قالَ عُرْوَةُ: فَلِذَلِكَ كانَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها تَقُولُ: حَرِّمُوا مِنَ الرَّضاعَةِ ما تُحَرِّمُوا مِنَ النَّسَبِ“ .

الأحزاب 33:56

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآياتُ وما قَبْلَها وما بَعْدَها في إظْهارِ شَرَفِ النَّبِيِّ ﷺ وبَيانِ مَناقِبِهِ، عَلَّلَ الأوامِرَ فِيها والنَّواهِيَ وغَيْرَها بِقَوْلِهِ، مُؤَكِّدًا لِاقْتِضاءِ الحالِ ذَلِكَ أمّا مِمَّنْ آذاهُ بِالجُلُوسِ في غَيْرِ حِينِهِ فَواضِحٌ، وأمّا غَيْرُهُ فَكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ لا يُفارِقُوا المَجْلِسَ حَتّى يَعْلَمُوا مَن لا يَعْرِفُ الأدَبَ، فَكانَ تَهاوُنُهم في ذَلِكَ فِعْلَ [مَن] لا يُرِيدُ إظْهارَ شَرَفِهِ ﷺ فَهو تَأْدِيبٌ وتَرْهِيبٌ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ (p-٤٠٦)أيْ وعِلْمُكم مُحِيطٌ بِأنَّ لَهُ مَجامِعَ الكِبْرِ والعَظَمَةِ والعِزِّ ﴿ومَلائِكَتَهُ﴾ أيْ وهم أهْلُ النَّزاهَةِ والقُرْبِ والعِصْمَةِ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] فَأفْرَدَ كُلًّا بِخَبَرٍ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْلى المُخاطَبِينَ حَظًّا مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ رَأْسُ المُؤْمِنِينَ، أفْرَدَهُ هُنا بِهَذِهِ الصَّلاةِ الَّتِي جَمَعَ فِيها المَلائِكَةَ الكِرامَ مَعَهُ سُبْحانَهُ وجَعَلَ الخَبَرَ عَنْهم خَبَرًا واحِدًا لِيَكُونَ أتَمَّ، فَإنَّ قَوْلَكَ: فُلانٌ وفُلانٌ يَنْصُرانِ فُلانًا، أضْخَمُ مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ يَنْصُرُهُ [و] فُلانٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ أيْ يُظْهِرُونَ شَرَفَهُ وما لَهُ مِنَ الوُصْلَةِ بِالمَلِكِ الأعْظَمِ بِما يُوحِيهِ اللَّهُ إلَيْهِ مِن عَجائِبِ الخَلْقِ والأمْرِ مِن عالَمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كَما رَواهُ البُخارِيُّ: ”يُبَرِّكُونَ“ . ولَمّا كانَتْ ثَمَرَةُ المُرادِ بِهَذا الإعْلامِ التَّأسِّي، عُلِمَ بِآخِرِ الكَلامِ أنَّ المَعْنى: ويُسَلِّمُونَ [عَلَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ مِن تَمامِ الوُصْلَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها مَعْنى الصَّلاةِ] فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا [تَفْسِيرَ المُرادِ بِيُصَلُّونَ]: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [أيِ] ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ بِعَدَمِ الغَفْلَةِ عَنِ المُبادَرَةِ إلى إظْهارِ (p-٤٠٧)شَرَفِهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكُمْ، ولِأنَّ الكَبِيرَ إذا فَعَلَ شَيْئًا بادَرَ كُلُّ مُحِبٍّ لَهُ مُعْتَقِدٍ لِعَظَمَتِهِ إلى فِعْلِهِ ﴿وسَلِّمُوا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ بِكُلٍّ مِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ إظْهارُ الشَّرَفِ، وكانَ السَّلامُ أظْهَرَ مَعْنًى في ذَلِكَ، وكانَ تَحِيَّتُهُ عَنِ اللِّقاءِ واجِبًا في التَّشَهُّدِ بِلا خِلافٍ، ودالًّا عَلى الإذْعانِ لِجَمِيعِ أوامِرِهِ الَّذِي لا يَحْصُلُ الإيمانُ إلّا بِهِ، وهو مِنَ المُسْلِمِ نَفْسِهِ، وأمّا الصَّلاةُ فَإنَّها يَطْلُبُها المُصَلِّي مِنَ اللَّهِ، أكَّدَهُما بِهِ فَقالَ: ﴿تَسْلِيمًا﴾ أيْ فَأظْهِرُوا شَرَفَهُ بِكُلِّ ما تَصِلُ قُدْرَتُكم إلَيْهِ مِن حُسْنِ مُتابَعَتِهِ وكَثْرَةِ الثَّناءِ الحَسَنِ عَلَيْهِ والِانْقِيادِ لِأمْرِهِ في كُلِّ ما يَأْمُرُ بِهِ، ومِنهُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِ بِألْسِنَتِكم عَلى [نَحْوِ] ما عَلَّمَكم في التَّشَهُّدِ وغَيْرِهِ مِمّا ورَدَ في الأحادِيثِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وغَيْرِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بَيانُ التِقاءِ الصَّلاةِ والسَّلامِ في إظْهارِ الشَّرَفِ فَإنَّ الصَّلاةَ - كَما [قالَ] في القامُوسِ - الدُّعاءُ والرَّحْمَةُ والِاسْتِغْفارُ وحُسْنُ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وعِبادَةٌ فِيها رُكُوعٌ وسُجُودٌ. انْتَهى. والسَّلامُ هو التَّحِيَّةُ [والتَّحِيَّةُ] - كَما قالَ البَيْضاوِيُّ في تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّساءِ - في الأصْلِ مَصْدَرُ حَيّاكَ اللَّهُ عَلى الإخْبارِ مِنَ الحَياةِ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ لِلْحُكْمِ والدُّعاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ دُعاءٍ، فَغَلَبَ في السَّلامِ، وفي القامُوسِ: التَّحِيَّةُ: السَّلامُ والبَقاءُ والمُلْكُ، وحَيّاكَ اللَّهُ: (p-٤٠٨)أبْقاكَ أوْ مَلَّكَكَ، وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في جامِعِهِ: السَّلامُ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، والسَّلامُ هَهُنا بِمَعْنى السَّلامَةِ، كَما يُقالُ الرَّضاعُ والرَّضاعَةُ، واللَّذاذُ واللَّذاذَةُ، قالُوا: ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ لِصاحِبِهِ: سَلامٌ عَلَيْكَ أيْ قَدْ سَلِمْتَ مِنِّي لا أنالُكَ بِيَدٍ ولا لِسانٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ السَّلامَةُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، وقِيلَ: هو الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: الأمانُ، والسَّلامَةُ هي النَّجاةُ مِنَ الآفاتِ. انْتَهى. فَقَدْ ظَهَرَ أنَّ مَعْنى الكُلِّ كَما تَرى يَنْظُرُ إلى إظْهارِ الشَّرَفِ نَظَرَ المَلْزُومِ إلى اللّازِمِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَ البَيْضاوِيُّ يُصَلُّونَ بِقَوْلِهِ: يَعْتَنُونَ بِإظْهارِ شَرَفِهِ وتَعْظِيمِ شَأْنِهِ، وسَلِمُوا بِقَوْلِهِ: قُولُوا السَّلامُ عَلَيْكَ، أوِ انْقادُوا لِأوامِرِهِ، فَلَمّا تَآخَيا في هَذا المَعْنى، وكانَ هو المُرادَ أكَّدَ بِلَفْظِ السَّلامِ تَحْصِيلًا لِتَمامِ المَقْصُودِ بِدَلالَتِهِ عَلى الِانْقِيادِ فَهو مُؤَكَّدٌ لَصَلَّوْا بِمَعْناهُ ولِسَلَّمُوا بِلَفْظِهِ، اسْتِعْمالًا لِلشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ كَما هو مَذْهَبُ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومَثَّلَ بِآيَةِ النِّساءِ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] وبِقَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] وغَيْرِ ذَلِكَ، وقَدْ بَيَّنْتُ في سُورَةِ الرَّعْدِ أنَّ مادَّةَ ”صَلَّوْا“ بِجَمِيعِ تَراكِيبِها تَدُورُ عَلى الوُصْلَةِ وهي لازِمَةٌ لِكُلِّ ما ذُكِرَ مِن تَفْسِيرِها، هَذا ولَكَ أنْ تَجْعَلَهُ مِن (p-٤٠٩)الِاحْتِباكِ فَتَقُولُ: حُذِفَ التَّأْكِيدُ أوَّلًا لِفِعْلِ الصَّلاةِ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ التَّأْكِيدِ بِمَصْدَرِ السَّلامِ، ويُرَجِّحُ إظْهارَ مَصْدَرِ السَّلامِ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ السَّلامِ لِدَلالَةِ مُتَعَلِّقِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ ولِيَصْلُحَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ وأنْ يَكُونَ لَهُ، فَيَصْلُحُ أنْ يَجْعَلَ التَّسْلِيمَ بِمَعْنى الإذْعانِ - واللَّهُ هو المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.

الأحزاب 33:57

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنْ أذاهُ ﷺ، وحَضَّ عَلى إدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِ، تَوَعَّدَ عَلى أذاهُ، فَقالَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ أوِ التَّعْلِيلِ، إشارَةً إلى أنَّ التَّهاوُنَ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّلاةِ والسَّلامِ مِنَ الأذى، وأكَّدَ ذَلِكَ إظْهارًا لِأنَّهُ مِمّا يَحِقُّ لَهُ أنْ يُؤَكَّدَ، وأنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن يَتَكَلَّمُ بِهِ غايَةُ الرَّغْبَةِ في تَقْرِيرِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ أيْ يَفْعَلُونَ فِعْلَ المُؤْذِي بِارْتِكابِ ما يَدُلُّ عَلى التَّهاوُنِ مَن كُلِّ ما يُخالِفُ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ولا نِعْمَةَ عِنْدَهم إلّا مِن فَضْلِهِ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ الَّذِي اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ بِما يُخْبِرُهم بِهِ عَنِ اللَّهِ مِمّا يُنْقِذُهم بِهِ مِن شَقاوَةِ الدّارَيْنِ ويُوجِبُ لَهم سَعادَتَهُما ما لا يَقْدِرُونَ عَلى القِيامِ بِشُكْرِهِ بِأيِّ أذًى كانَ حَتّى في التَّقْصِيرِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ بِاللِّسانِ ﴿لَعَنَهُمُ﴾ أيْ أبْعَدَهم وطَرَدَهم وأبْغَضَهم ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ ﴿فِي الدُّنْيا﴾ بِالحَمْلِ عَلى ما يُوجِبُ السُّخْطَ (p-٤١٠)﴿والآخِرَةِ﴾ بِإدْخالِ دارِ الإهانَةِ. ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الأذى الِاسْتِهانَةَ قالَ: ﴿وأعَدَّ لَهم عَذابًا مُهِينًا﴾

الأحزاب 33:58

ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ أذاهُ ﷺ أذى مَن تابَعَهُ، وكانَ الأتْباعُ لِكَوْنِهِمْ غَيْرَ مَعْصُومِينَ يَتَصَوَّرُ أنْ يُؤْذُوا بِالحَقِّ، قالَ مُقَيِّدًا لِلْكَلامِ بِما يُفْهِمُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في [صِفَةِ] الإيمانِ ﴿والمُؤْمِناتِ﴾ كَذَلِكَ. ولَمّا كانَ الأذى بِالكَذِبِ أشَدَّ [فِي] الفَسادِ وأعْظَمَ في الأذى قالَ: ﴿بِغَيْرِ ما اكْتَسَبُوا﴾ أيْ بِغَيْرِ شَيْءٍ واقَعُوهُ مُتَعَمِّدِينَ لَهُ حَتّى أباحَ أذاهم ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا﴾ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم أنْ حَمَلُوا ﴿بُهْتانًا﴾ أيْ: كَذِبًا وفُجُورًا زائِدًا عَلى الحَدِّ مُوجِبًا لِلْخِزْيِ في الدُّنْيا، ولَمّا كانَ مِنَ النّاسِ مَن لا يُؤَثِّرُ فِيهِ العارُ، وكانَ الأذى قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ القَوْلِ، قالَ: ﴿وإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: ذَنْبًا ظاهِرًا جِدًّا مُوجِبًا لِلْعَذابِ في الأُخْرى.

الأحزاب 33:59

ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنْ أذى المُؤْمِناتِ، وكانَتِ الحَرائِرُ بَعِيداتٍ عَنْ طَمَعِ المُفْسِدِينَ لِما لَهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ مِنَ الصِّيانَةِ ولِلرِّجالِ بِهِنَّ مِنَ العِنايَةِ، وكانَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الرِّيبَةِ يَتَّبِعُونَ الإماءَ إذا خَرَجْنَ يَتَعَرَّضُونَ لَهُنَّ لِلْفَسادِ، وكانَ الحَرائِرُ يَخْرُجْنَ لِحاجَتِهِنَّ لَيْلًا، فَكانَ رُبَّما تَبِعَ المَرْأةَ مِنهُنَّ (p-٤١١)أحَدٌ مِن أهْلِ الرَّيْبِ يَظُنُّها أمَةً أوْ يَعْرِفْ أنَّها حُرَّةٌ ويَعْتَلُّ بِأنَّهُ ظَنَّها أمَةً فَيَتَعَرَّضُ لَها، ورُبَّما رَجَعَ فَقالَ لِأصْحابِهِ: فَعَلْتُ بِها، وهو كاذِبٌ، وفي القَوْمِ مَن يَعْرِفُ أنَّها فُلانَةٌ، فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ مِنَ الأذى ما يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ، ولَمْ يَكُنْ إذْ ذاكَ كَما نُقِلَ عَنْ مُقاتِلٍ فَرْقٌ بَيْنَ الحُرَّةِ والأمَةِ كُنَّ يَخْرُجْنَ في دِرْعٍ وخِمارٍ وكانَ اتِّسامُ الحَرائِرِ بِأمارَةٍ يُعْرَفْنَ [بِها]- لِيُهَبْنَ ويَحْتَشِمْنَ - يُخَفِّفُ هَذا الشَّرَّ، قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ﴾ فَذَكَرَهُ بِالوَصْفِ الَّذِي هو مَنبَعُ المَعْرِفَةِ والحِكْمَةِ، لِأنَّ السِّياقَ لِحِكْمَةٍ يَذُبُّ بِها عَنِ الحَرِيمِ لِئَلّا يَشْتَغِلَ فِكْرُهُ ﷺ بِما يَحْصُلُ لَهُنَّ مِنَ الأذى عَنْ [تَلَقِّي شَيْءٍ مِن] الوارِداتِ الرَّبّانِيَّةِ ﴿قُلْ لأزْواجِكَ﴾ بَدَأ بِهِنَّ لِما لَهُنَّ بِهِ مِنَ الوُصْلَةِ بِالنِّكاحِ ﴿وبَناتِكَ﴾ ثَنّى بِهِنَّ لِما لَهُنَّ مِنَ الوُصْلَةِ ولَهُنَّ في أنْفُسِهِنَّ مِنَ الشَّرَفِ، وأخَّرَهُنَّ عَنِ الأزْواجِ لِأنَّ أزْواجَهُ يَكْفُونَهُ أمْرَهُنَّ ﴿ونِساءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ﴾ أيْ: يَقْرِبْنَ ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ أيْ: عَلى وُجُوهِهِنَّ وجَمِيعِ أبْدانِهِنَّ فَلا يَدَعْنَ شَيْئًا مِنها مَكْشُوفًا ﴿مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ ولا يَتَشَبَّهْنَ بِالإماءِ في لِباسِهِنَّ إذا خَرَجْنَ لِحاجَتِهِنَّ بِكَشْفِ الشُّعُورِ ونَحْوِها ظَنًّا أنَّ ذَلِكَ أخْفى لَهُنَّ وأسْتَرُ، والجِلْبابُ القَمِيصُ، وثَوْبٌ واسِعٌ دُونَ المَلْحَفَةِ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ، (p-٤١٢)والمَلْحَفَةُ ما سَتَرَ اللِّباسَ، أوِ الخِمارُ وهو كُلُّ ما غَطّى الرَّأْسَ، وقالَ البَغَوِيُّ: الجِلْبابُ: المُلاءَةُ الَّتِي تَشْتَمِلُ بِها المَرْأةُ فَوْقَ الدِّرْعِ والخِمارِ، وقالَ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ: قالَ الخَلِيلُ: كُلُّ ما تَسْتَتِرُ بِهِ مِن دِثارٍ وشِعارٍ وكِساءٍ فَهو جِلْبابٌ، والكُلُّ يَصِحُّ إرادَتُهُ هُنا، فَإنْ كانَ المُرادُ القَمِيصَ فَإدْناؤُهُ إسْباغُهُ حَتّى يُغَطِّيَ يَدَيْها ورِجْلَيْها، وإنْ كانَ ما يُغَطِّي الرَّأْسَ فَإدْناؤُهُ سِتْرُ وجْهِها وعُنُقِها، وإنْ كانَ المُرادُ ما يُغَطِّي الثِّيابَ فَإدْناؤُهُ تَطْوِيلُهُ وتَوْسِيعُهُ بِحَيْثُ يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِها وثِيابِها، وإنْ كانَ المُرادُ ما دُونَ المَلْحَفَةِ فالمُرادُ سَتْرُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ. ولَمّا أمَرَ بِذَلِكَ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: السَّتْرُ ﴿أدْنى﴾ أيْ: أقْرَبُ مِن تَرْكِهِ في ﴿أنْ يُعْرَفْنَ﴾ أنَّهُنَّ حَرائِرُ بِما يُمَيِّزُهُنَّ عَنِ الإماءِ ﴿فَلا﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ مَعْرِفَتِهِنَّ أنْ لا ﴿يُؤْذَيْنَ﴾ مِمَّنْ يَتَعَرَّضُ لِلْإماءِ. فَلا يَشْتَغِلُ قَلْبُكَ عَنْ تَلَقِّي ما يَرِدُ عَلَيْكَ مِنَ الأنْباءِ الإلَهِيَّةِ. ولَمّا رَقّاهم سُبْحانَهُ بِهَذا الأمْرِ في حَضَراتِ الرِّضْوانِ، خافُوا عاقِبَةَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الغَلَطِ بِالتَّشَبُّهِ بِالإماءِ، فَأخْبَرَهم سُبْحانَهُ أنَّهُ في مَحَلِّ الجُودِ والإحْسانِ، فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ، أزَلًا وأبَدًا ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: مَحّاءً لِلذُّنُوبِ عَيْنًا وأثَرًا ﴿رَحِيمًا﴾ مُكْرِمًا لِمَن يُقْبِلُ عَلَيْهِ ويَمْتَثِلُ أوامِرَهُ ويَجْتَنِبُ مَناهِيَهُ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ أنْسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَرَّتْ (p-٤١٣)بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جارِيَةً مُتَقَنِّعَةً فَعَلاها بِالدِّرَّةِ وقالَ: يا لَكاعِ! أتَتَشَبَّهِينَ بِالحَرائِرِ؟ ألْقِي القِناعَ.

الأحزاب 33:60

ولَمّا كانَ المُؤْذُونَ بِما مَضى وغَيْرُهُ أهْلُ النِّفاقِ ومِن داناهُمْ، حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّهِمُ الحِلْمَ عَنْهُمْ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ: عَنِ الأذى ﴿المُنافِقُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ ﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: مُقَرَّبٌ مِنَ النِّفاقِ حامِلٌ عَلى المَعاصِي ﴿والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يُشِيعُونَ الأخْبارَ المُخِيفَةَ لِأهْلِ الإسْلامِ الَّتِي تَضْطَرِبُ لَها القُلُوبُ سَواءٌ كانُوا مِنَ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ أمْ لا ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ بِأنْ نَحْمِلَكَ عَلى أنْ تُولَعَ [بِهِمْ] بِأنْ نَأْمُرَكَ بِإهانَتِهِمْ ونُزِيلَ المَوانِعَ مِن ذَلِكَ، ونُثْبِتَ الأسْبابَ المُوصِلَةَ إلَيْهِ حَتّى تَصِيرَ لاصِقًا بِجَمِيعِ أمْوالِهِمْ لُصُوقَ الشَّيْءِ الَّذِي يُلْحَمُ بِالغِراءِ فَلا يَقْدِرُوا عَلى الِانْفِكاكِ عَنْ شَيْءٍ مِمّا تَفْعَلُهُ بِهِمْ إلّا بِالبُعْدِ مِنَ المَدِينَةِ بِالمَوْتِ أوِ الرَّحِيلِ إلى غَيْرِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كَما رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ: ”لَنُسَلِّطَنَّكَ“. ولَمّا كانَ نُزُوحُهم عَنِ المَدِينَةِ مُسْتَبْعَدًا عَنْهم جِدًّا، وكانَ أعْظَمَ رُتْبَةً في أذاهم مَن غَيْرِهِ، لِأنَّ الإخْراجَ مِنَ الأوْطانِ مِن أعْظَمِ الهَوانِ، (p-٤١٤)أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها﴾ أيْ: بَعْدَ مُحاوَلَتِكَ لَهم ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: مِنَ الزَّمانِ بِقَدْرِ ما يُمْكِنُ لَكَ المَضارِبِ فَتَعْظُمُ عَلَيْهِمُ المَصائِبُ.

الأحزاب 33:61

ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ أنَّهم يُنْفَوْنَ لِأنَّهُ ﷺ يُؤْمَرُ بِنَفْيِهِمْ وإبْعادِهِمْ وقَتْلِهِمْ، بَيَّنَ حالَهم في نَفْيِهِمْ أوْ نَصْبَهُ عَلى الشَّتْمِ [فَقالَ]: ﴿مَلْعُونِينَ﴾ أيْ: يُنْفَوْنَ نَفْيَ بُعْدٍ مِنَ الرَّحْمَةِ وطَرْدٍ عَنْ أبْوابِ القَبُولِ. ولَمّا كانَ المَطْرُودُ قَدْ يُتْرَكُ وبُعْدَهُ، بَيَّنَ أنَّهم عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا﴾ أيْ: وُجِدُوا وواجِدُهم أحَذَقُ مِنهم وأفْطَنُ وأكْيَسُ وأصْنَعُ ﴿أُخِذُوا﴾ أيْ: أخَذَهم ذَلِكَ الواجِدُ لَهم ﴿وقُتِّلُوا﴾ أيْ: أُكْثِرَ قَتْلُهم وبُولِغَ فِيهِ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ بُغْضًا فِيهِمْ وإرْهابًا لَهم فَقالَ: ﴿تَقْتِيلا﴾

الأحزاب 33:62

ولَمّا سَنَّ لَهم هَذا العَذابَ الهائِلَ في الدُّنْيا، بَيَّنَ أنَّ تِلْكَ عادَتُهُ في أوْلِيائِهِ وأعْدائِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِالإقامَةِ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، لِما لَهم مِنِ اسْتِبْعادِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَعْهَدُوا مِثْلَهُ مَعَ ما لَهم مِنَ الِاشْتِباكِ [بِالأهْلِ] والعَشائِرِ فَقالَ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ طَرَقَ [لَكَ] المُحِيطُ بِجَمِيعِ العَظَمَةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ كَطَرِيقَتِهِ ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا﴾ أيْ: مَضَتْ أيّامُهم وأخْبارُهُمْ، وانْقَضَّتْ وقائِعُهم وأعْمارُهُمْ، مِنَ الَّذِينَ كانُوا يُنافِقُونَ عَلى الأنْبِياءِ كَقارُونَ وأشْياعِهِ، وبَيْنَ قَتْلِهِمْ بِكَوْنِهِمْ في بَعْضِ (p-٤١٥)الأزْمِنَةِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأعْظَمُ التَّأْكِيدِ لِما لَهم مِنَ الِاسْتِبْعادِ الَّذِي جَرَّأهم عَلى النِّفاقِ فَقالَ: ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾ أيْ: أزَلًا وأبَدًا ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿تَبْدِيلا﴾ كُما تُبَدَّلُ سُنَنُ المُلُوكِ، لِأنَّهُ لا يُبَدِّلُها، ولا مُدانِيَ لَهُ في العَظَمَةِ لِيَقْدِرَ عَلى تَبْدِيلِها.

الأحزاب 33:63

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى ما أعَدَّ لِأعْداءِ دِينِهِ في الدُّنْيا، وبَيَّنَ أنَّ طَرِيقَتَهُ جادَّةٌ لا تَنْخَرِمُ، لِما لَها مِن قَوانِينِ الحِكْمَةِ وأفانِينِ الإتْقانِ والعَظَمَةِ، وكانَ مِن أعْظَمِ الطُّرُقِ الحُكْمِيَّةِ والمُغَيَّباتِ العِلْمِيَّةِ السّاعَةُ، وكانَ قَدْ [قَدَّمَ ما يُحَرِّكُ إلى السُّؤالِ عَنْها في قَوْلِهِ: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وكانَ قَدْ] مَضى آخِرُ السَّجْدَةِ أنَّهم سَألُوا اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا عَنْ تَعْيِينِ وقْتِها، وهَدَّدَهم سُبْحانَهُ عَلى هَذا السُّؤالِ، قالَ تَعالى مُهَدِّدًا أيْضًا عَلى ذَلِكَ مُبَيِّنًا ما لِأعْداءِ الدِّينِ المُسْتَهْزِئِينَ في الآخِرَةِ: ﴿يَسْألُكَ النّاسُ﴾ أيِ: المُشْرِكُونَ اسْتِهْزاءً مِنهُمْ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً إلى أنَّهم بَعْدُ في نَوْسِهِمْ لَمْ يَصِلُوا إلى أدْنى أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ، فَكانَ المُتَرَدِّدُونَ في آرائِهِمْ لا يَكادُونَ يَنْفَكُّونَ عَنِ النَّوْسِ وهو الِاضْطِرابُ ﴿عَنِ السّاعَةِ﴾ أيْ: في تَعْيِينِ وقْتِها. (p-٤١٦)ولَمّا كانَتْ إدامَتُهُمُ السُّؤالَ عَنْها فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ يَعْلَمُها، أكَّدَ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِهِمْ: ﴿إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ عِلْمًا بِجَمِيعِ الخِلالِ، ولَهُ جَمِيعُ أوْصافِ الجَمالِ والجَلالِ، فَهو يَعْلَمُ ما عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ شَيْئًا مِمّا عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ. ولَمّا كانَ مِن فَوائِدِ العِلْمِ بِوَقْتِ الشَّيْءِ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أوْ مُدافَعَتُهُ، قالَ مُشِيرًا إلى شِدَّةِ خَفائِها بِإخْفائِها عَنْ أكْمَلِ خَلْقِهِ مُرَجِّيًا تَقْرِيبَها تَهْدِيدًا لَهُمْ: ﴿وما يُدْرِيكَ﴾ أيْ أيَّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ بِوَقْتِها؟ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَعَلَّ السّاعَةَ﴾ أيِ الَّتِي لا ساعَةَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها لِما لَها مِنَ العَجائِبِ ﴿تَكُونُ﴾ أيْ تُوجَدُ وتَحْدُثُ عَلى وجْهٍ مَهُولٍ عَجِيبٍ ﴿قَرِيبًا﴾ أيْ في زَمَنٍ قَرِيبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ لِأجْلِ الوَقْتِ لِأنَّ السُّؤالَ عَنْها إنَّما هو سُؤالٌ عَنْ تَعْيِينِ وقْتِها، قالالبُخارِيُّ في الصَّحِيحِ: إذا وصَفْتَ صِفَةُ المُؤَنَّثِ قَلْتَ: قَرِيبَةً، وإذا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وبَدَلًا ولَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الهاءَ مِنَ المُؤَنَّثِ، وكَذَلِكَ لَفْظُها في [الواحِدِ و] الِاثْنَيْنِ والجَمْعِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى. والمُرادُ بِالتَّعْبِيرِ بِلَعَلَّ أنَّها بِحَيْثُ يَرْجُو قُرْبَها مَن يَرْجُوهُ ويَخْشاهُ [مَن يَخْشاهُ]، فَهَلْ أعَدَّ مَن يَخْشاها شَيْئًا لِلْمُدافِعَةِ إذا جاءَتْ أوِ النَّجاةِ مِنها إذا أقْبَلَتْ؟

الأحزاب 33:64

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِحالِ السّائِلِينَ عَنْها بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا في مُقابَلَةِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ في حالِهِمْ شَيْءٌ مِن نَقْصٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ (p-٤١٧)أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿لَعَنَ﴾ أيْ أبْعَدَ إبْعادًا عَظِيمًا عَنْ رَحْمَتِهِ ﴿الكافِرِينَ﴾ أيِ السّاتِرِينَ لِما مِن شَأْنِهِ أنْ يُظْهِرَ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ مِن أمْرِها سَواءٌ كانُوا مُشاقِقِينَ أوْ مُنافِقِينَ ﴿وأعَدَّ لَهُمْ﴾ أيْ أوَجَدَ وهَيَّأ مِنَ الآنِ لِتَكْذِيبِهِمْ بِها وبِغَيْرِها مِمّا أوْضَحَ لَهم أدِلَّتَهُ ﴿سَعِيرًا﴾ أيْ نارًا شَدِيدَةَ الِاضْطِرامِ والتَّوَقُّدِ.

الأحزاب 33:65

ولَمّا كانَ العَذابُ رُبَّما اسْتَهانَهُ بَعْضُ النّاسِ إذا كانَ يَنْقَطِعُ ولَوْ كانَ شَدِيدًا، قالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما شابَهَهُ بِوَجْهٍ مَجازًا وعَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، [قالَ] مُؤَكِّدًا لِإرادَةِ الحَقِيقَةِ: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يُرادُ ثُمَّ يَمْنَعُ مِنهُ مانِعٌ، قالَ مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ في هَذِهِ الحالِ: ﴿لا يَجِدُونَ ولِيًّا﴾ [أيْ] يَتَوَلّى أمْرًا مِمّا يُهِمُّهم بِشَفاعَةٍ أوْ غَيْرِها ﴿ولا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم.

الأحزاب 33:66

ولَمّا ذَكَرَ حالَيْهِمْ هَذَيْنِ، أتْبَعَهُ حالًا لَهم قَوْلِيًّا عَلى وجْهٍ بَيَّنَ حالًا فِعْلِيًّا فَقالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ مِقْدارُ خُلُودِهِمْ فِيها عَلى تِلْكَ الحالِ يَوْمَ ﴿تُقَلَّبُ﴾ أيْ تَقْلِيبًا كَثِيرًا شَدِيدًا ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ كَما يُقْلَّبُ اللَّحْمُ المَشْوِيُّ وكَما تَرى البَضْعَةَ في القِدْرِ يَتَراقى بِها الغَلَيانُ مِن جِهَةٍ إلى جِهَةٍ، مِن حالٍ إلى حالٍ، وذَكَرَ ذَلِكَ وإنْ كانَتْ تِلْكَ النّارُ غَنِيَّةً عَنْهُ لِإحاطَتِها لِأنَّ ذِكْرَهُ أهْوَلُ لِما فِيهِ مِنَ التَّصْوِيرِ، وخَصَّ الوُجُوهَ لِأنَّها أشْرَفُ، والحَدَثُ (p-٤١٨)فِيها أنَكَأُ. ولَمّا كانَ لِلْإظْهارِ مَزِيدُ بَيانٍ وهَوْلٍ مَعَ إفادَتِهِ اسْتِقْلالَ ما هو فِيهِ مِنَ الكَلامِ بِنَفْسِهِ، قالَ: ﴿فِي النّارِ﴾ أيِ المُسَعَّرَةِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ وهم في مَحَلِّ الجَزاءِ وقَدْ فاتَ المَحَلُّ القابِلُ لِلْعَمَلِ، مُتَمَنِّينَ لِما لا يُدْرِكُونَ تَلافِيَهُ لِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُقَدِّرُونَ أنَّهُ يُبْرِدُ غَلَّتَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ ولا غَيْرِهِما سِوى هَذا التَّمَنِّي: ﴿يا لَيْتَنا أطَعْنا﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي عَلِمْنا الآنَ أنَّهُ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْمُبالَغَةِ في الإذْعانِ والخُضُوعِ، أعادُوا العامِلَ فَقالُوا: ﴿وأطَعْنا الرَّسُولا﴾ أيِ الَّذِي بَلَّغَنا حَتّى نُعاذَ مِن هَذا العَذابِ، وزِيادَةُ الألِفِ في قِراءَةِ مَن أثْبَتَها إشارَةٌ إلى إيذانِهِمْ بِأنَّهم يَتَلَذَّذُونَ بِذِكْرِهِ ويَعْتَقِدُونَ أنَّ عَظَمَتَهُ لا تَنْحَصِرُ

الأحزاب 33:67

﴿وقالُوا﴾ لَمّا لَمْ يَنْفَعْهم شَيْءٌ مُتَبَرِّدِينَ مِنَ الدُّعاءِ عَلى مَن أضَلَّهم بِما لا يُبْرِئُ عَلِيلًا ولا يَشْفِي غَلِيلًا: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا، وأسْقَطُوا أداةَ النِّداءِ عَلى عادَةِ أهْلِ الخُصُوصِ بِالحَضْرَةِ زِيادَةً في التَّرَقُّقِ بِإظْهارِ أنَّهُ لا واسِطَةَ لَهم (p-٤١٩)إلّا ذُلُّهم وانْكِسارُهُمُ الَّذِي عُهِدَ في الدُّنْيا أنَّهُ المُوجِبُ الأعْظَمُ لِإقْبالِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ كَما أنَّ المُثْبِتَ لِأداةِ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ”يا اللَّهُ“ مُشِيرٌ إلى سُفُولِ مَنزِلَتِهِ وبُعْدِهِ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِ وغَفْلَتِهِ تَواضُعًا مِنهُ لِرَبِّهِ لَعَلَّهُ يَرْفَعُ ذَلِكَ البُعْدَ عَنْهُ. ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ [أنَّ] اتِّباعَهم لِلْكُبَراءِ غَيْرُ ضَلالٍ، فَبانَ لَهم خِلافُ ذَلِكَ، أكَّدُوا قَوْلَهم لِذَلِكَ ولِلْإعْلامِ بِأنَّهم بَذَلُوا ما كانَ عِنْدَهم مِنَ الجَهْلِ فَصارُوا الآنَ عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِمْ: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا﴾ وقُرِئَ بِالجَمْعِ بِالألِفِ والتّاءِ جَمْعًا سالِمًا لِلْجَمْعِ المُكَسَّرِ ﴿وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ، أنَّهم أضَلُّونا بِما كانَ لَهم مِن نُفُوذِ الكَلِمَةِ ﴿السَّبِيلا﴾ كَما هي عادَةُ المُخْطِئِ في الإجالَةِ عَلى غَيْرِهِ بِما لا يَنْفَعُهُ، وقِراءَةُ مَن أثْبَتَ الألِفَ مُشِيرَةً إلى أنَّهُ سَبِيلٌ واسِعٌ جِدًّا واضِحٌ، وأنَّهُ مِمّا يُتَلَذَّذُ ويَجِبُ تَفْخِيمُهُ.

الأحزاب 33:68

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما تُرِيدُونَ لَهُمْ؟ قالُوا مُبالِغِينَ في الرِّقَّةِ والِاسْتِعْطافِ بِإعادَةِ الرَّبِّ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ﴾ [أيْ] مِثْلَيْ عَذابِنا مِن وهَنِ قُوَّتِنا وشِدَّةِ المُؤَثِّرِ لِذَلِكَ مُضاعَفًا أضْعافًا (p-٤٢٠)كَثِيرَةً ﴿مِنَ العَذابِ﴾ ضِعْفًا بِضَلالِهِمْ، وآخَرَ بِإضْلالِهِمْ، وإذا راجَعْتَ ما في آواخِرِ سُبْحانَ مِن مَعْنى الضِّعْفِ وضَحَ لَكَ هَذا، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾ أيِ اطْرُدْهم عَنْ مَحالِّ الرَّحْمَةِ طَرْدًا مُتَناهِيًا في العَدَدِ، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ عاصِمٍ بِالمُوَحَّدَةِ: عَظِيمًا شَدِيدًا غَلِيظًا.

الأحزاب 33:69

ولَمّا كانَ السَّبَبُ في هَذا التَّهْدِيدِ كُلِّهِ ما كانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِن أذى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِمْ: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ، وغَيْرَ ذَلِكَ إلى [أنْ] خَتَمَهُ بِما يَكُونُ سَبَبًا لِتَمَنِّيِهِمْ طاعَتَهُ، وكانَ سَماعُ هَذا لُطْفًا لِمَن صَدَّقَ بِهِ، أتْبَعَهُ ما هو كالنَّتِيجَةِ لَهُ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ صَدَّقُوا بِما تُلِيَ عَلَيْهِمْ ﴿لا تَكُونُوا﴾ بِأذاكم لِلرَّسُولِ ﷺ بِأمْرِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوْ غَيْرِهِ. كَوْنًا هو كالطَّبْعِ لَكم ﴿كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ مِن قَوْمِهِ بَنِي إسْرائِيلَ آذَوْهُ بِأنْواعِ الأذى كَما قالَ نَبِيُّنا ﷺ حِينَ قَسَمَ قَسْمًا فَتَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهم فَقالَ: «لَقَدْ أُوذِيَ مُوسى بِأكْثَرَ مِن هَذا فَصَبَرَ» وأنْسَبُ الأشْياءِ لِلْإرادَةِ هُنا أذى قارُونَ لَهُ بِالزّانِيَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَها لِتَقْذِفَهُ بِنَفْسِها [فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، وكانَ سَبَبَ الخَسْفِ بِقارُونَ ومَن مَعَهُ] ﴿فَبَرَّأهُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ أذاهم لَهُ أنْ بَرَّأهُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الجَلالِ والجَمالِ والقُدْرَةِ (p-٤٢١)عَلى كُلِّ شَيْءٍ والكَمالِ، [وأفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِالتَّفْعِيلِ أنَّ البَراءَةَ كانَتْ بِالتَّدْرِيجِ بِالخَسْفِ ومَوْتِ الفُجاءَةِ وإبْراقِ عَصا هارُونَ كَما مَضى في آخِرِ القَصَصِ. ولَمّا نَهى عَنِ التَّشَبُّهِ بِالمُؤْذِينَ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ أذاهم قَوْلِيًّا أوْ فِعْلِيًّا، أشارَ إلى أنَّ الأذى المُرادَ هُنا قَوْلِيٌّ مِثْلُهُ في أمْرِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها فَقالَ]: ﴿مِمّا قالُوا﴾ [دُونَ أنْ يَقُولَ: مِمّا آذَوْا، وذَلِكَ] بِما أظْهَرَهُ مِنَ البُرْهانِ عَلى صِدْقِهِ فَخَسَفَ بِمَن آذاهُ كَما مَضى في القَصَصِ فَإيّاكم ثُمَّ إيّاكم. ولَمّا كانَ قَصْدُهم بِهَذا الأذى إسْقاطَ وجاهَتِهِ قالَ: ﴿وكانَ﴾ أيْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كَوْنًا راسِخًا ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا يُذِلُّ مَن والى ﴿وجِيهًا﴾ أيْ مُعَظَّمًا رَفِيعَ القَدْرِ إذا سَألَهُ أعْطاهُ، وإذا كانَ عِنْدَ اللَّهِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ كانَ عِنْدَ النّاسِ بِها، لِما يَرَوْنَ مِن إكْرامِ اللَّهِ لَهُ، [والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِلتَّبْرِئَةِ لِأنَّهُ لا يُبَرِّئُ الشَّخْصَ إلّا مَن كانَ وجِيهًا عِنْدَهُ].

الأحزاب 33:70

ولَمّا نَهاهم عَنِ الأذى، أمَرَ بِالنَّفْعِ لِيَصِيرُوا وُجَهاءَ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ مُكَرِّرًا لِلنِّداءِ اسْتِعْطافًا وإظْهارًا لِلِاهْتِمامِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ. ولَمّا كانَ قَدْ خَصَّ النَّبِيَّ ﷺ في أوَّلِ السُّورَةِ بِالأمْرِ بِالتَّقْوى، عَمَّ في آخِرِها بِالأمْرِ بِها مُرْدِفًا لِنَهْيِهِمْ بِأمْرٍ يَتَضَمَّنُ الوَعِيدَ لِيَقْوى الصّارِفُ عَنِ الأذى والدّاعِي إلى تَرْكِهِ فَقالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ صَدِّقُوا دَعْواكم بِمَخافَةِ مِن لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ فاجْعَلُوا لَكم وِقايَةً مِن (p-٤٢٢)سُخْطِهِ بِأنْ تَبْذُلُوا لَهُ جَمِيعَ ما أوْدَعَكم مِنَ الأمانَةِ ﴿وقُولُوا﴾ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ في أمْرِ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها وغَيْرِها وفي حَقِّ بَناتِهِ ونِسائِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وفي حَقِّ المُؤْمِنِينَ ونِسائِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿قَوْلا سَدِيدًا﴾ أيْ قاصِدًا إلى الحَقِّ ذا صَوابٍ لَهُ

الأحزاب 33:71

﴿يُصْلِحْ لَكم أعْمالَكُمْ﴾ أيْ بِأنْ يُدْخِلَكم في العَمَلِ الصّالِحِ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي مِن كَيْفِيَّتِهِ فَيُبَصِّرُكم بِها شَيْئًا فَشَيْئًا ويُوَفِّقُكم لِلْعَمَلِ بِما جَلّاهُ لَكم حَتّى تَكُونُوا عَلى أتَمِّ وجْهٍ وأعْظَمِهِ وأرْضاهُ وأقُومِهِ بِبَرَكَةِ قَوْلِكُمُ الحَقَّ عَلى الوَجْهِ الحَسَنِ الجَمِيلِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ مُقَصِّرًا، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ حَتّى لا يَزالَ مُعْتَرِفًا بِالعَجْزِ: ﴿ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكُمْ﴾ أيْ يَمْحُوها عَيْنًا وأثَرًا فَلا يُعاقِبُ عَلَيْها ولا يُعاتِبُ، ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ أنَّ هَذا خاصٌّ بِمَن آمَنَ، وأنَّ تَجْدِيدَ الإيمانِ غَيْرُ نافِعٍ، أزالَ هَذا الوَهْمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ أيِ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ بِأنْ يُجَدِّدَ لَها الطّاعَةَ بِالإيمانِ وثَمَراتِهِ في كُلِّ وقْتٍ، فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا لِلْأمانَةِ إلى أهْلِها ﴿فَقَدْ فازَ﴾ وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أيْ ظَفَرًا بِجَمِيعِ مُراداتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

الأحزاب 33:72

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ومَن لَمْ يُطِعْ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا، وكانَ كُلُّ شَيْءٍ عُرِضَ عَلى شَيْءٍ فالمَعْرُوضُ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنٌ مِنَ المَعْرُوضِ قادِرٌ عَلَيْهِ، (p-٤٢٣)وكانَ كُلُّ شَيْءٍ أوْدَعَهُ اللَّهُ شَيْئًا فَحِفْظَهُ ورَعاهُ وبَذَلَهُ لِأهْلِهِ وآتاهُ باذِلًا لِلْأمانَةِ غَيْرَ حامِلٍ لَها. وكُلُّ مَن أوْدَعَهُ شَيْئًا فَضَيَّعَهُ وضَمِنَ بِهِ عَنْ أهْلِهِ ومَنَعَهُ عَنْ مُسْتَحِقِّهِ خائِنٌ فِيهِ حامِلٌ لَهُ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أوْدَعَ النّاسَ مِنَ العُقُولِ ما يُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والفاسِدِ، ومِنَ القُوى الظّاهِرَةِ ما يَصْرِفُونَهُ فِيما أرادُوا مِنَ المَعْصِيَةِ والطّاعَةِ، فَمِنهم مَنِ اسْتَدَلَّ بِعَقْلِهِ عَلى كُلٍّ مِنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ فَبَذَلَ لَهُ مِن قُواهُ ما يَسْتَحِقُّهُ، فَكانَ باذِلًا لِلْأمانَةِ غَيْرَ حامِلٍ لَها، ومِنهم مَن عَكَسَ ذَلِكَ وهُمُ الأكْثَرُ فَكانَ حامِلًا [لَها] خائِنًا فِيها أمَرَ بِهِ مِن بَذْلِها، وأوْدَعَ سُبْحانَهُ الأكْوانَ ما فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ والمَعادِنِ والنَّباتاتِ فَبَذَلَتْهُ ولَمْ تَمْنَعْهُ مِن أحَدٍ طَلَبَهُ مَعَ أنَّ مَنعَها لَهُ في حَيِّزِ الإمْكانِ، قالَ تَعالى مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى، أوْ مُسْتَأْنِفًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا الأمْرَ [مِمّا] يَحِقُّ أنْ يُؤَكَّدَ تَنْبِيهًا عَلى دِقَّتِهِ، وأنَّهُ مِمّا لا يَكادُ أنْ يَفْطِنَ لَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُصَدِّقُوهُ [لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ جُرْأةِ الإنْسانِ]: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ﴾ أيْ أداءَها أوْ حَمْلَها أوْ مَنَعْها أهْلَها، وهي طاعَتُهُ سُبْحانَهُ فِيما أمَرَ بِهِ العاقِلَ، وفِيما أرادَهُ مِن غَيْرِهِ، ولَمْ يَذْكُرِ المِياهَ والرِّياحَ لِأنَّهُما مِن جُمْلَةِ ما في الكَوْنَيْنِ مِنَ الأماناتِ الَّتِي يُؤَدِّيانِها عَلى حَسَبِ الأمْرِ ﴿عَلى السَّماواتِ﴾ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ (p-٤٢٤)﴿والأرْضِ﴾ بِما فِيها مِنَ المَرافِقِ والمَعادِنِ. ولَمّا أُرِيدَ التَّصْرِيحُ بِالتَّعْمِيمِ قالَ: ﴿والجِبالِ﴾ [و] لِأنَّ أكْثَرَ المَنافِعِ فِيها ﴿فَأبَيْنَ﴾ عَلى عِظَمِ أجْرامِها وقُوَّةِ أرْكانِها وسَعَةِ أرْجائِها ﴿أنْ يَحْمِلْنَها﴾ فَيَمْنَعْنَها ويَحْبِسْنْها عَنْ أهْلِها، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَوْلِكَ: فُلانٌ حامِلٌ لِلْأمانَةِ ومُحْتَمِلٌ لَها، أيْ لا يُؤَدِّيها إلى صاحِبِها حَتّى تَزُولَ عَنْ ذِمَّتِهِ ويَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها، لِأنَّ الأمانَةَ كَأنَّها راكِبَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِ عَلَيْها وهو حامِلُها، ألا تَراهم يَقُولُونَ: رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ ولِي عَلَيْهِ حَقٌّ، فَإذا أدّاها لَمْ تَبْقَ راكِبَةً لَهُ ولا هو حامِلًا لَها ﴿وأشْفَقْنَ مِنها﴾ فَبَذَلَ كُلٌّ [مِنهُنَّ] ما أوْدَعَهُ اللَّهُ فِيهِ في وقْتِهِ كَما أرادَهُ اللَّهُ، وهو مَعْنى: أتَيْنا طائِعِينَ، والحاصِلُ أنَّهُ جُعِلَتِ الإرادَةُ وهي الأمْرُ التَّكْوِينِيُّ في حَقِّ الأكْوانِ لِكَوْنِها لا تَعْقِلُ كالأمْرِ التَّكْلِيفِيِّ التَّكْوِينِيِّ في حَقِّنا لِأنّا نَعْقِلُ تَمْيِيزًا بَيْنَ مَن يَعْقِلُ ومَن لا يَعْقِلُ في الحُكْمِ، كَما مَيَّزَ بَيْنَهُما في الفَهْمِ إعْطاءً لِكُلٍّ مِنهُما ما يَسْتَحِقُّهُ رُتْبَتَهُ - وهَذا هو مَعْنى ما نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ المَعانِي، وما أحْسَنَ ما قالَهُ النّابِغَةُ زِيادُ بْنُ مُعاوِيَةَ الذُّبْيانِيُّ حَيْثُ قالَ:(p-٤٢٥) ؎أتَيْتُكَ عارِيًا خَلَقًا ثِيابِي ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ تُظَنُّ بِي الظُّنُونُ ؎فَألْفَيْتُ الأمانَةَ لَمْ تَخُنْها ∗∗∗ ∗∗∗ كَذَلِكَ كانَ نُوحٌ لا يَخُونُ قالَ ابْنُ الفُراتِ: إنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ لَمّا قِيلَ لَهُ إنَّ النّابِغَةَ قائِلُهُما: هو أشْعَرُ شُعَرائِكم. ولَمّا كانَ الخائِنُ أكْثَرَ مِنَ الأمِينِ أضْعافًا مُضاعَفَةً، وكانَتِ النَّفْسُ بِما أُودِعَ فِيها مِنَ الشَّهَواتِ والحُظُوظِ مَحَلَّ النَّقائِصِ، قالَ تَعالى: ﴿وحَمَلَها الإنْسانُ﴾ أيْ أكْثَرُ النّاسِ والجِنِّ، فَإنَّ الإنْسانَ الإنْسُ، والإنْسُ والأُناسُ النّاسُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في ﴿ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥] في الأعْرافِ أنَّ النّاسَ يَكُونُ مِنَ الإنْسِ ومِنَ الجِنِّ، وأنَّهُ جَمْعُ إنْسٍ وأصْلُهُ أُناسٌ، والإسْنادُ إلى الجِنْسِ لا يَلْزَمُ مِنهُ أنْ يَكُونَ كُلُّ فَرْدٍ مِنهُ كَذَلِكَ، فَهو هُنا بِاعْتِبارِ الأغْلَبِ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَخُونُ إلّا مَن [هُوَ فِي] أسْفَلَ الرُّتَبِ لَمْ يَصِلْ إلى حَدِّ النَّوْسِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ - لِما لَهُ بِنَفْسِهِ [مِنَ الأُنْسِ] وفي صِفاتِهِ [مِن] العِشْقِ، ولَهُ مِنَ العَقْلِ والفَهْمِ - يَظُنُّ أنَّهُ لا نَقْصَ فِيهِ، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا: ﴿إنَّهُ﴾ عَلى ضَعْفِ قُوَّتِهِ وقِلَّةِ حِيلَتِهِ ﴿كانَ﴾ (p-٤٢٦)أيْ في جِبِلَّتِهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ ﴿ظَلُومًا﴾ يَضَعُ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَحَلِّهِ كالَّذِي في الظَّلامِ لِما غَطّى مِن شَهَواتِهِ عَلى عَقْلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿جَهُولا﴾ أيْ فَجَهْلُهُ يَغْلِبُ عَلى حِلْمِهِ فَيُوقِعُهُ في الظُّلْمِ، فَجُعِلَ كُلٌّ مِن ظُهُورٍ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ في الأكْوانِ وكَوْنُهُ في حَيِّزِ الإمْكانِ كَأنَّهُ عَرَضَ عَلَيْها كُلَّ مَن حَمَلَهُ وبَذَلَهُ كَما أنَّهُ جَعَلَ تَمْكِينَ الإنْسانِ مِن كُلٍّ مِن إبْداءِ ما اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ وإخْفائِهِ كَذَلِكَ.

الأحزاب 33:73

ولَمّا كانَ الحُكْمُ في الظّاهِرِ عَلى جَمِيعِ الإنْسانِ، وفي الحَقِيقَةِ - لِكَوْنِ القَضِيَّةِ الخالِيَةِ عَنِ السُّورِ في قُوَّةِ الجُزْئِيَّةِ - عَلى بَعْضِهِ، لَكِنَّهُ لَمّا أُطْلِقَ إطْلاقَ الكُلِّيِّ فُهِمْ أنَّ المُرادَ الأكْثَرُ، قالَ مُبَيِّنًا أنَّ ”ال“ لَيْسَتْ سُورًا مُعَلِّلًا لِحَمْلِهِ لَها مُقَدِّمًا التَّعْذِيبَ إشارَةً إلى أنَّ الخَوَنَةَ أكْثَرُ، [لافِتًا العِبارَةَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ لِتَنْوِيعِ المَقالِ إلى جَلالٍ وجَمالٍ]: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ بِسَبَبِ الخِيانَةِ في الأمانَةِ، وقَدَّمَ [مِنَ الخَوَنَةِ] أجْدَرَهم بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ أيِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ بَذْلَ الأمانَةِ كَذِبًا وزُورًا وهم حامِلُونَ لَها عَرِيقُونَ في النِّفاقِ ﴿والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ أيِ الَّذِينَ يُصارِحُونَ بِحَمْلِها ومَنعِها عَنْ أهْلِها [وهم عَرِيقُونَ في الشِّرْكِ فَلا يَتُوبُونَ مِنهُ]. ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ مُفْهِمًا أنَّ الخَوَنَةَ أكْثَرُ، أشارَ إلى أنَّ (p-٤٢٧)المُخْلِصَ نادِرٌ جِدًّا بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتُوبَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في وصْفِ الإيمانِ وهُمُ الثّابِتُونَ عَلَيْهِ إلى المَوْتِ ﴿والمُؤْمِناتِ﴾ العُصاةُ وغَيْرُهم فَيُوَفِّقُهم لِبَذْلِها بَعْدَ حَمْلِها [فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ العَذابَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى النَّعِيمِ ثانِيًا، والتَّوْبَةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى مَنعِها أوَّلًا] أيْ عَرَضَ هَذا العَرْضَ وحَكَمَ هَذا [الحُكْمَ] لِيُعَذِّبَ ويُنْعِمَ بِحُجَّةٍ يَتَعارَفُها النّاسُ فِيما بَيْنَهم. ولَمّا كانَ هَذا مُؤْذِنًا بِأنَّهُ ما مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ حَمَلَها وقْتًا ما، فَكانَ مُرَغِّبًا لِلْقُلُوبِ مُرَهِّبًا لِلنُّفُوسِ، قالَ مُؤْنِسًا لَها مُرَغِّبًا: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِنَ الكِبْرِ والعَظَمَةِ والِانْتِقامِ والمُلْكِ والسَّطْوَةِ ﴿غَفُورًا﴾ أيْ مَحّاءً لِذُنُوبِ التّائِبِينَ الفِعْلِيَّةِ والإمْكانِيَّةِ عَيْنًا وأثَرًا ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ مُكَرِّمًا لَهم بِأنْواعِ الإكْرامِ بَعْدَ الرُّجُوعِ عَنِ الإجْرامِ، ولَمّا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ في مَطْلَعِها بِالتَّقْوى أمَرَ في مَقْطَعِها بِذَلِكَ عَلى وجْهٍ عامٍّ، وتَوَعَّدَ المُشاقِقِينَ والمُنافِقِينَ الَّذِينَ نَهى في أوَّلِها عَنْ طاعَتِهِمْ، وخَتَمَ بِصِفَتَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ كَما خَتَمَ في أوَّلِها بِهِما آيَةَ الخَطَأِ والتَّعَمُّدِ، فَقَدْ تَلاقَيا وتَعانَقا وتَوافَقا وتَطابَقا - واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ و[هُوَ] يَهْدِي السَّبِيلَ، وهو أعْلَمُ بِالصَّوابِ.