Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — سبأ 34:1 – فاطر 35:45
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:8
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:22
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:29
- سبأ 34:30
- سبأ 34:31
- سبأ 34:32
- سبأ 34:33
- سبأ 34:34
- سبأ 34:35
- سبأ 34:36
- سبأ 34:37
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:41
- سبأ 34:42
- سبأ 34:43
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:50
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:6
- فاطر 35:7
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:14
- فاطر 35:15
- فاطر 35:16
- فاطر 35:17
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:20
- فاطر 35:21
- فاطر 35:22
- فاطر 35:23
- فاطر 35:24
- فاطر 35:25
- فاطر 35:26
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:31
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
سبأ 34:1
(p-٤٢٨)سُورَةُ سَبَأٍ
مَقْصُودُها أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ - الَّتِي أشارَ إلَيْها آخِرَ تِلْكَ بِالعَذابِ والمَغْفِرَةِ بَعْدَ أنْ أعْلَمَ أنَّ النّاسَ يَسْألُونَ عَنْها - كائِنَةٌ لا رَيْبَ فِيها، لِما في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ، ولَهُ عَلَيْهِ مِنَ القُدْرَةِ، وفي تَرْكِها مِن عَدَمِ الحِكْمَةِ والتَّصْوِيرِ بِصُورَةِ الظُّلْمِ، ولِقِصَّةِ سَبَأٍ الَّتِي سُمِّيَتْ بِها السُّورَةُ مُناسَبَةٌ كَبِيرَةٌ لِهَذا المَقْصِدِ كَما يَأْتِي بَيانُهُ لِذَلِكَ سُمِّيَتْ بِها ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي مِن شُمُولِ قُدْرَتِهِ إقامَةُ الحِسابِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ تَرْتِيبُ الثَّوابِ والعِقابِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي يَمُنُّ عَلى أهْلِ كَرامَتِهِ بِطاعَتِهِ حَتّى لا عِقابَ يَلْحَقُهم ولا عِتابَ.
لَمّا خُتِمَتْ سُورَةُ الأحْزابِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَرَضَ أداءَ الأمانَةِ وحَمْلَها - وهي جَمِيعُ ما في الوُجُودِ مِنَ المَنافِعِ - عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ الَّذِي هو الإنْسُ والجانُّ، وأنْ نَتِيجَةَ العَرْضِ والأداءِ والحَمْلِ العَذابُ والثَّوابُ، فَعُلِمَ أنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ وفي مُلْكِهِ، خائِفُونَ مِن عَظَمَتِهِ مُشْفِقُونَ مِن قَهْرِ سَطْوَتِهِ وقاهِرٌ جَبَرُوتُهُ، وأنَّهُ المالِكُ التّامُّ المِلْكِ والمَلِكُ المُطاعُ المُتَصَرِّفُ في كُلِّ شَيْءٍ (p-٤٢٩)مِن غَيْرِدِفاعٍ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِأنِ ابْتَدَأ هَذِهِ بِقَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ مِنَ الخَلْقِ والأمْرِ كُلِّهِ مُطْلَقًا في الأُولى والأُخْرى وغَيْرِهِما مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ويُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ سُبْحانَهُ ﴿لِلَّهِ﴾ ذِي الجَلالِ والجَمالِ.
ولَمّا كانَ هَذا [هُوَ] المُرادَ، وصَفَهُ بِما يُفِيدُ ذَلِكَ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإبْداءِ والإبْقاءِ أوَّلًا: ﴿الَّذِي لَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ مِلْكًا ومُلْكًا وإنْ نَسَبْتُمْ إلى غَيْرِهِ مُلْكًا ومِلْكًا ظاهِرِيًّا ﴿ما في السَّماواتِ﴾ أيْ بِأسْرِها ﴿وما في الأرْضِ﴾ أيْ كَما تَرَوْنَ أنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَمالَ التَّصَرُّفِ غَيْرُهُ، وقَدْ عُلِمَ في غَيْرِ مَوْضِعٍ وتَقَرَّرَ في كُلِّ فِطْرَةٍ أنَّهُ ذُو العَرْشِ العَظِيمِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّ لَهُ ما يَحْوِيهِ عَرْشُهُ مِنَ السَّماواتِ والأراضِي وما فِيها، لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ العَرْشَ مُحِيطٌ بِالكُلِّ، فالكُلُّ فِيهِ، وكُلُّ سَماءٍ في الَّتِي فَوْقَها، وكَذا الأراضِي، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ لَهُ ما في الكُلِّ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّ لَهُ الكُلَّ بِهَذا البُرْهانِ الصَّحِيحِ، وهو أبْلَغُ مِمّا لَوْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ، وإذْ قَدْ كانَ لَهُ ذَلِكَ كُلُّهُ فَلا نِعْمَةَ عَلى شَيْءٍ إلّا مِنهُ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَحْمَدُهُ لِما لَهُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ بِلِسانٍ قالَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَبِلِسانِ حالِهِ.
(p-٤٣٠)ولَمّا أفادَ ذَلِكَ أنَّ لَهُ الدُّنْيا وما فِيها، وقَدْ عُلِمَ في آخِرِ الأحْزابِ أنَّ نَتِيجَةَ الوُجُودِ العَذابُ والمَغْفِرَةُ، ونَحْنُ نَرى أكْثَرَ الظَّلَمَةِ والمُنافِقِينَ يَمُوتُونَ مِن غَيْرِ عَذابٍ، وأكْثَرُ المُؤْمِنِينَ يَمُوتُونَ لَمْ يُوَفَّوْا ما وُعِدُوهُ مِنَ الثَّوابِ، ونَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَجُوزُ عَلى حَكِيمٍ أنْ يَتْرُكَ عَبِيدَهُ سُدًى يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ وهو لا يَغِيرُ عَلَيْهِمْ، فَأفادَ ذَلِكَ أنَّ لَهُ دارًا أُخْرى يُظْهِرُ فِيها العَدْلَ ويَنْشُرُ الكَرَمَ والفَضْلَ، فَلِذَلِكَ قالَ عاطِفًا عَلى ما يُسَبِّبُهُ الكَلامُ الأوَّلُ مِن نَحْوِ: فَلَهُ الحَمْدُ في الأُولى، وطَواهُ لِأجْلِ خَفائِهِ عَلى أكْثَرِ الخَلْقِ، وأظْهَرَ ما في الآخِرَةِ لِظُهُورِهِ لِأنَّها دارُ كَشْفِ الغِطاءِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإعادَةِ والإبْقاءِ ثانِيًا: ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الحَمْدُ﴾ أيِ الإحاطَةُ بِالكَمالِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ظاهِرًا لِكُلِّ مَن يَجْمَعُهُ الحَشْرُ، ولَهُ كُلُّ ما فِيها، لا يَدَّعِي ذَلِكَ أحَدٌ في شَيْءٍ مِنهُ لا ظاهِرًا ولا باطِنًا، فَكُلُّ شَيْءٍ فِيها لِظُهُورِ الحَمْدِ إذْ ذاكَ بِحَمْدِهِ كَما يَنْبَغِي لِجَلالِهِ بِما لَهُ عَلَيْهِ مِن نِعْمَةٍ أقَلُّها نِعْمَةُ الإيجادِ حَتّى أهْلُ النّارِ فَإنَّهم يَحْمَدُونَهُ بِما يُحَبِّبُ إلَيْهِمْ في الدُّنْيا مِن إسْباغِ نِعَمِهِ ظاهِرَةً وباطِنَةً، ومِنها إنْزالُ الكُتُبِ وإرْسالُ الرُّسُلِ عَلى وجْهٍ ما أبْقى فِيهِ لِلتَّحَبُّبِ مَوْضِعًا في دُعائِهِمْ إلَيْهِ وإقْبالِهِمْ عَلَيْهِ، وبَذَلَ النَّصِيحَةَ عَلى وُجُوهٍ مِنَ اللُّطْفِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ مَن عاناهُ، فَعَلِمُوا أنَّهم هُمُ المُفَرِّطُونَ حَيْثُ أبَوْا في الأُولى حَيْثُ يَنْفَعُ (p-٤٣١)الإيمانُ، واعْتَرَفُوا في الآخِرَةِ حَيْثُ فاتَ الأوانُ ﴿وقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ [سبإ: ٥٢] الآياتُ، وأيْضًا فَهم يَحْمَدُونَهُ في الآخِرَةِ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا مِنهم فَوْقَ ما يَسْتَحِقُّ وهو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ولِذَلِكَ جَعَلَ النّارَ طَبَقاتٍ، ورُتَبَها دَرَكاتٍ، فَكانُوا في الأُولى حامِدِينَ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، فَلَمْ يَنْفَعْهم حَمْدُهم لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ، وحَمِدُوا في الآخِرَةِ عَلى وجْهِهِ فَما أغْنى عَنْهم لِكَوْنِها لَيْسَتْ دارَ العَمَلِ لِفَواتِ شَرْطِهِ، وهو الإيمانُ بِالغَيْبِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا ”لَهُ الحَمْدُ في الأُولى“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ثانِيًا، وثانِيًا ”ولَهُ كُلُّ ما في الآخِرَةِ“ لِما دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلًا، وقَدْ عُلِمَ بِهَذا وبِما قَدَّمْتُهُ في النَّحْلِ والفاتِحَةِ أنَّ الحَمْدَ تارَةً يَكُونُ بِالنَّظَرِ إلى الحامِدِ، وتارَةً بِالنَّظَرِ إلى المَحْمُودِ، فالثّانِي اتِّصافُ المَحْمُودِ بِالجَمِيلِ، والأوَّلُ وصْفُ الحامِدِ لَهُ بِالجَمِيلِ، فَحَمْدُ اللَّهِ تَعالى اتِّصافُهُ بِكُلِّ وصْفٍ جَمِيلٍ، وحَمْدُ الحامِدِ لَهُ وصْفُهُ بِذَلِكَ، فَكُلُّ الأكْوانِ ناطِقَةٌ بِألْسُنِ أحْوالِها بِحَمْدِهِ سَواءٌ أنَطَقَ لِسانُ القالِ بِذَلِكَ أمْ لا، وهو مَحْمُودٌ قَبْلَ تَكْوِينِها، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِي الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ، وحَمْدُ غَيْرِهِ لَهُ تارَةً (p-٤٣٢)يُطْلَقُ بِالمَدْلُولِ اللُّغَوِيِّ، وتارَةً بِالمَدْلُولِ العُرْفِيِّ، وتَحْقِيقُ ما قالَ العُلَماءُ في ذَلِكَ في نَفْسِهِ وبِالنِّسْبَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشُّكْرِ أنَّ الحَمْدَ في اللُّغَةِ هو الوَصْفُ بِالجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، ومَوْرِدُهُ اللِّسانُ وحْدَهُ فَهو مُخْتَصٌّ بِالظّاهِرِ ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ وغَيْرُها، فَمَوْرِدُهُ خاصٌّ ومُتَعَلِّقُهُ عامٌّ، والشُّكْرُ لُغَةً عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ مُتَعَلِّقُهُ خاصٌّ ومَوْرِدُهُ عامٌّ، لِأنَّهُ فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ إنْعامِهِ فَمَوْرِدُهُ الظّاهِرُ والباطِنُ لِأنَّهُ يَعُمُّ اللِّسانَ والجَنانَ والأرْكانَ، ومُتَعَلِّقُهُ النِّعْمَةُ الواصِلَةُ إلى الشّاكِرِ، ومِن مَوارِدِهِ القَلْبُ وهو أشْرَفُ المَوارِدِ كُلِّها، لِأنَّهُ فَعَلَهُ وإنْ كانَ خَفِيًّا يَسْتَقِلُّ بِكَوْنِهِ شُكْرًا مِن غَيْرِ أنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِعْلٌ غَيْرُهُ بِخِلافِ المَوْرِدَيْنِ الآخَرَيْنِ، إذْ لا يَكُونُ فِعْلُ شَيْءٍ مِنهُما حَمْدًا ولا شُكْرًا حَقِيقَةً ما لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ فِعْلُ القَلْبِ.
ولَمّا كانَ تَعاكُسُ المَوْرِدَيْنِ والمُتَعَلِّقَيْنِ ظاهِرَ الدَّلالَةِ عَلى النِّسْبَةِ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ، عُلِمَ أنَّ بَيْنَهُما عُمُومًا وخُصُوصًا وجْهِيًّا، لِأنَّ الحَمْدَ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلى الفَضائِلِ المُجَرَّدَةِ، والشُّكْرُ قَدْ يَخْتَصُّ بِالفَواضِلِ، فَيَنْفَرِدُ الحَمْدُ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، ويَنْفَرِدُ الشُّكْرُ بِالفِعْلِ الظّاهِرِ والِاعْتِقادِ الباطِنِ عَلى الفَواضِلِ مِن غَيْرِ قَوْلٍ، ويَجْتَمِعانِ في الوَصْفِ الجَنانِيِّ واللِّسانِيِّ عَلى الفَواضِلِ، فَفِعْلُ القَلْبِ اعْتِقادُ اتِّصافِ المَشْكُورِ بِصِفاتِ (p-٤٣٣)الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، وفِعْلُ اللِّسانِ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وفِعْلُ الأرْكانِ الإتْيانُ بِأفْعالٍ دالَّةٍ عَلى ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ هَذا حَقِيقَةَ الحَمْدِ والشُّكْرِ لُغَةً لا عُرْفًا، وكانَتِ الأوْهامُ تَسْبِقُ إلى أنَّ الحَمْدَ ما يَشْتَمِلُ عَلى لَفْظِ حَ مِ دَ، قالَ القُطْبُ الرّازِي في شَرْحِ المَطالِعِ: ولَيْسَ الحَمْدُ عِبارَةً عَنْ خُصُوصِ قَوْلِ القائِلِ [”الحَمْدُ لِلَّهِ“ وإنْ كانَ هَذا القَوْلُ فَرْدًا مِن أفْرادِ الماهِيَّةِ، وكَذا لَيْسَ ماهِيَّةُ الشُّكْرِ عِبارَةً عَنْ خُصُوصِ قَوْلِ القائِلِ] ”الشُّكْرُ لِلَّهِ“ ولا القَوْلُ المُطْلَقُ الدّالُّ عَلى تَعْظِيمِ اللَّهِ وإنْ كانَ الثّانِي جُزْءًا مِنهُ والأوَّلُ فَرْدٌ مِن هَذا الجُزْءِ، وحَقِيقَةُ الحَمْدِ في العُرْفِ ما يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا، وحَقِيقَةُ الشُّكْرِ العُرْفِيِّ هو صَرْفُ العَبْدِ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ القُوى إلى ما خَلَقَ لَهُ كَصَرْفِ النَّظَرِ إلى مُطالَعَةِ مَصْنُوعاتِهِ لِلِاعْتِبارِ إلى عَلِيِّ حَضَراتِهِ، وإلْقاءِ السَّمْعِ إلى تَلَقِّي ما يُنْبِئُ عَنْ مَرْضاتِهِ، والِاجْتِنابُ عَنْ مُنْهِيّاتِهِ، فَذِكْرُ الوَصْفِ في اللُّغَوِيِّ يُفْهِمُ الكَلامَ سَواءٌ كانَ نَفْسانِيًّا أوْ لِسانِيًّا فَيَشْمَلُ حَمْدَ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ وحَمْدَنا لَهُ، والجَمِيلُ مُتَناوِلٌ لِلْإنْعامِ وغَيْرِهِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَحاسِنِ الأعْمالِ، وعَدَمُ تَقْيِيدِ الوَصْفِ بِكَوْنِهِ في مُقابَلَةِ نِعَمِهِ مَظْهَرٌ لِأنَّ الحَمْدَ قَدْ يَكُونُ واقِعًا بِإزاءِ النِّعْمَةِ وقَدْ لا يَكُونُ، واشْتِراطُ التَّعْظِيمِ يُفْهِمُ تَطابُقَ الظّاهِرِ والباطِنِ، فَإنْ عَرى قَوْلُ اللِّسانِ (p-٤٣٤)عَنْ مُطابَقَةِ الِاعْتِقادِ أوْ خالَفَهُ فِعْلُ الجَوارِحِ لَمْ يَكُنْ حَمْدًا حَقِيقَةً، بَلِ اسْتِهْزاءً وسُخْرِيَةً، ومُطابَقَةُ الجَنانِ والأرْكانِ شَرْطٌ في الحَمْدِ لا شَطْرٌ، فَلا يَتَداخَلُ التَّعْرِيفانِ، ولا يَخْرُجُ بِالِاخْتِيارِ صِفاتُ اللَّهِ القَدِيمَةُ، فَإنَّها مِن حَيْثُ قُدْرَتُهُ عَلى تَعْلِيقِها بِالأشْياءِ تَكُونُ داخِلَةً فَيَكُونُ الحَمْدُ عَلى الوَصْفِ الِاخْتِيارِيِّ، وكَذا إذا مُدِحَ الشُّجاعُ بِشَجاعَتِهِ والقُدْرَةِ عَلى تَعْلِيقِ الوَصْفِ بِما يَتَحَقَّقُ بِهِ كانَتِ الشَّجاعَةُ خاصَّةً لَمْ يَكُنْ هُناكَ مَحْمُودٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ إذا كانَ هُناكَ اخْتِيارٌ في الآثارِ كانَ الحَمْدُ عَلَيْهِ وإلّا فَلا، فَلا يُسَمّى وصْفُ اللُّؤْلُؤَةِ بِصَفاءِ الجَوْهَرِ وبَهْجَةِ المَنظَرِ حَمْدًا بَلْ مَدْحًا، ويُسَمّى الوَصْفُ بِالشَّجاعَةِ لِلِاخْتِيارِ في إظْهارِ آثارِها حَمْدًا، فاخْتَصَّ الحَمْدُ بِالفاعِلِ المُخْتارِ دُونَ المَدْحِ، وعُلِمَ أيْضًا أنَّ القَوْلَ المَخْصُوصَ وهو ”الحَمْدُ لِلَّهِ“ لَيْسَ حَمْدًا لِخُصُوصِهِ، بَلْ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى صِفَةِ الكَمالِ ومُظْهِرٌ لَها، فَيُشارِكُهُ في التَّسْمِيَةِ كُلُّ ما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: حَقِيقَةُ الحَمْدِ إظْهارُ الصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ كَما عُرِفَ، وقَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ وهو أقْوى، لِأنَّ الأفْعالَ الَّتِي هي آثارُ الأوْصافِ تَدُلُّ عَلَيْها دَلالَةً عَقْلِيَّةً قَطْعِيَّةً، لا يُتَصَوَّرُ فِيها خُلْفٌ بِخِلافِ الأقْوالِ، فَإنَّ دَلالَتَها عَلَيْها وضْعِيَّةٌ، وقَدْ يَتَخَلَّفُ عَنْها مَدْلُولُها، وقَدْ حَمِدَ اللَّهُ تَعالى نَفْسَهُ بِما يَقْطَعُ بِهِ مِن (p-٤٣٥)القَوْلِ والفِعْلِ، ما الفِعْلُ فَإنَّهُ بَسَطَ بِساطَ الوُجُودِ عَلى مُمَكِناتٍ لا تُحْصى ووَضَعَ عَلَيْهِ مَوائِدَ كَرَمِهِ الَّتِي لا تَتَناهى، فَكَشَفَ ذَلِكَ عَنْ صِفاتِ كَمالِهِ وأظْهَرَها بِدَلالاتٍ قَطْعِيَّةٍ تَفْصِيلِيَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ، فَإنَّ كُلَّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الوُجُودِ تَدُلُّ عَلَيْها، ولا يُتَصَوَّرُ في عِباراتِ المَخْلُوقِ مِثْلُ هَذِهِ الدَّلالاتِ، ومِن ثَمَّةَ قالَ ﷺ «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» ولا بُدَّ لِلتَّنَبُّهِ لِما قالَهُ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ التَّجِيبِيُّ المَغْرِبِيُّ الحِرالِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِأنَّ حَمْدَلَةَ الفاتِحَةِ تَتَضَمَّنُ مِن حَيْثُ ظاهِرُها المَدْحَ التّامَّ الكامِلَ مِمَّنْ يَرى المِدْحَةَ سارِيَةً في كُلِّ ما أبْدَعَهُ اللَّهُ وما أحْكَمَهُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي احْتَواها الكَوْنُ كُلُّهُ، وعُلِمَ أنَّ كِلْتا يَدَيْ رَبِّهِ يَمِينٌ مُبارَكَةٌ، وهو مَعْنى ما يُظْهِرُهُ إحاطَةُ العِلْمِ بِإبْداءِ اللَّهِ حِكْمَتِهِ عَلى وجْهٍ لا نَكِرَةَ فِيهِ مِنهُ، ولا مِمَّنْ هو في أمْرِهِ خَلِيفَتُهُ، ولَيْسَ مِن مَعْنى ما بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ مِن وجْهِ إسْداءِ النِّعَمِ وهو أمْرٌ يَجِدُهُ القَلْبُ عِلْمًا، لا أمْرٌ يُوافِقُ النَّفْسَ غَرَضًا، فَمَن لَمْ يُكْمِلْ بِعِلْمِ ذَلِكَ تاليًا عَلى أثَرٍ مِن عِلْمِهِ، واجِدًا بَرَكَةَ تِلاوَتِهِ. انْتَهى.
وأمّا القَوْلُ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لَمّا عَلِمَ أنَّ لِسانَ الحالِ إنَّما يَرْمُزُ رَمْزًا خَفِيًّا لا يَفْهَمُهُ إلّا الأفْرادُ وإنْ كانَ بَعْدَ التَّحْقِيقِ جَلِيًّا، أنْزَلَ عَلَيْنا كِتابًا مُفْصِحًا بِالمُرادِ أثْنى فِيهِ عَلى نَفْسِهِ، وبَيَّنَ صِفاتِ كَمالِهِ (p-٤٣٦)بِالبَيانِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْهُ القَوِيُّ، ثُمَّ جَعَلَ الإعْجازَ دَلالَةً قَطْعِيَّةً عَلى كَمالِهِ، وعَلى كُلِّ ما لَهُ مِن جَلالِهِ وجَمالِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ التَّعارِيفِ أنَّ بَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ اللُّغَوِيَّيْنِ عُمُومًا وخُصُوصًا مِن وجْهٍ، لِأنَّ الحَمْدَ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلى الفَضائِلِ [وهِيَ الصِّفاتُ] الجَمِيلَةُ الَّتِي لا يَتَجاوَزُ مِنها أثَرٌ ومَنفَعَةٌ إلى غَيْرِ المَمْدُوحِ كالشَّجاعَةِ، والشُّكْرُ يَخْتَصُّ بِالفَواضِلِ وهي النِّعَمُ وهي الصِّفاتُ والمَزايا المُتَعَدِّيَةُ الَّتِي يَحْصُلُ مِنها مَنفَعَةٌ لِغَيْرِ المَمْدُوحِ كالإحْسانِ والمَواهِبِ والعَطايا كَما مَضى، وبَيْنَ الحَمْدِ والشُّكْرِ العُرْفِيَّيْنِ عُمُومًا وخُصُوصًا مُطْلَقًا، فالحَمْدُ أعَمُّ مُطْلَقًا لِعُمُومِ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلى الحامِدِ وغَيْرِهِ، واخْتِصاصُ الشُّكْرِ بِما يَصِلُ إلى الشّاكِرِ، وذَلِكَ لِأنَّ المُنْعِمَ المَذْكُورَ في التَّعْرِيفِ مُطْلَقٌ لَمْ يُقَيَّدْ بِكَوْنِهِ مُنْعِمًا عَلى الحامِدِ أوْ عَلى غَيْرِهِ، فَمُتَناوِلُهُما بِخِلافِ الشُّكْرِ وقَدِ اعْتُبِرَ فِيهِ مُنْعِمٌ مَخْصُوصٌ وهو اللَّهُ تَعالى، ونِعَمٌ واصِلَةٌ مِنهُ إلى الشّاكِرِ، ولِعُمُومِ هَذا الحَمْدِ مُطْلَقًا وخُصُوصٍ هَذا الشُّكْرِ مُطْلَقًا وجْهٌ ثانٍ، وهو أنَّ فِعْلَ القَلْبِ واللِّسانِ مَثَلًا قَدْ يَكُونُ حَمْدًا ولَيْسَ شُكْرًا أصْلًا، إذْ قَدِ اعْتُبِرَ فِيهِ شُمُولُ الآلاتِ، ووَجْهٌ ثالِثٌ وهو أنَّ الشُّكْرَ بِهَذا المَعْنى لا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ تَعالى بِخِلافِ الحَمْدِ، (p-٤٣٧)وما يُقالُ مِن أنَّ النِّسْبَةَ بِالعُمُومِ المُطْلَقِ، بَيْنَ العُرْفَيْنِ إنَّما تَصِحُّ بِحَسَبِ الوُجُودِ دُونَ الحَمْلِ الَّذِي كَلامُنا فِيهِ، لِأنَّ الحَمْدَ بِصَرْفِ القَلْبِ مَثَلًا فِيما خُلِقَ لِأجْلِهِ جُزْءٌ مِن صَرْفِ الجَمِيعِ غَيْرُ مَحْمُولٍ عَلَيْهِ لِامْتِيازِهِ في الوُجُودِ عَنْ سائِرِ أجْزائِهِ وأمّا في الحَمْلِ فَلا يَمْتازُ المَحْمُولُ عَنِ المَوْضُوعِ في الوُجُودِ الخارِجِيِّ، فَغَلُظَ مِن بابِ اشْتِباهِ الشَّيْءِ بِما صَدَقَ هو عَلَيْهِ، فَإنَّ ما لَيْسَ مَحْمُولًا عَلى ذَلِكَ الصَّرْفِ هو ما صَدَقَ عَلَيْهِ الحَمْدُ، أعْنِي صَرْفَ القَلْبِ وحْدَهُ لا مَفْهُومَهُ المَذْكُورَ، وهو فِعْلٌ يُشْعِرُ بِتَعْظِيمِ المُنْعِمِ بِسَبَبِ كَوْنِهِ مُنْعِمًا، وهَذا المَفْهُومُ يَحْمِلُ عَلى صَرْفِ الجَمِيعِ، وما يُقالُ إنَّ صَرْفَ الجَمِيعِ أفْعالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ، وما يُقالُ إنَّ صَرْفَ الجَمِيعِ أفْعالٌ مُتَعَدِّدَةٌ، فَلا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ، جَوابُهُ أنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ تَعَدَّدَ مُتَعَلِّقُهُ، فَلا يُنافِي وصْفَهُ بِالوَحْدَةِ كَما يُقالُ: صَدَرَ عَنْ زَيْدٍ فِعْلٌ واحِدٌ إكْرامَ جَمِيعِ القَوْمِ مَثَلًا، وتَحْقِيقُهُ أنَّ المُرَكَّبَ قَدْ يُوصَفُ بِالوَحْدَةِ الحَقِيقِيَّةِ كَبَدَنٍ واحِدٍ، والِاعْتِبارِيَّةُ كَعَسْكَرٍ واحِدٍ، وصِدْقُ الجَمِيعِ مِن قَبِيلِ الثّانِي كَما لا يَرْتابُ فِيهِ ذُو مِسْكَةِ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ اللُّغَوِيِّ والعُرْفِيِّ عُمُومٌ وخُصُوصٌ مِن وجْهٍ، لِأنَّ الحَمْدَ العُرْفِيَّ هو الشُّكْرُ اللُّغَوِيُّ، وقَدْ مَضى بَيانُ ذَلِكَ فِيهِما. وبَيْنَ الشُّكْرِ العُرْفِيِّ (p-٤٣٨)واللُّغَوِيِّ عُمُومٌ مُطْلَقٌ لِأنَّ الشُّكْرَ اللُّغَوِيَّ يَعُمُّ النِّعْمَةَ إلى الغَيْرِ دُونَ العُرْفِيِّ فَهو أعَمُّ، والعُرْفِيُّ أخَصُّ مُطْلَقًا، وكَذا بَيْنَ الشُّكْرِ العُرْفِيِّ والحَمْدِ اللُّغَوِيِّ لِأنَّ الأوَّلَ مَخْصُوصٌ بِالنِّعْمَةِ عَلى الشّاكِرِ سَواءٌ كانَ بِاللِّسانِ أوْ لا، والثّانِي وإنَّ خُصَّ بِاللِّسانِ فَهو مُشْتَرَطٌ فِيهِ مُطابَقَةُ الأرْكانِ والجَنانِ، لِيَكُونَ عَلى وُجْهَةِ التَّبْجِيلِ، وقَدْ لا يَكُونُ في مُقابَلَةِ نِعْمَةٍ فَهو أعَمُّ مُطْلَقًا فَكُلُّ شُكْرٍ عُرْفِيٍّ حَمْدٌ لُغَوِيٌّ، ولا يَنْعَكِسُ وهَذا بِحَسَبِ الوُجُودِ، وكَذا بَيْنَ الحَمْدِ العُرْفِيِّ والشُّكْرِ اللُّغَوِيِّ عُمُومٌ مُطْلَقٌ أيْضًا إذا قُيِّدَتِ النِّعْمَةُ في اللُّغَوِيِّ بِوُصُولِها إلى الشّاكِرِ كَما مَرَّ، وأمّا إذا لَمْ تُقَيَّدْ فَهُما مُتَّحِدانِ، وأمّا الشُّكْرُ المُطْلَقُ فَهو عَلى قِياسِ ما مَضى تَعْظِيمُ المُنْعِمِ بِصَرْفِ نِعْمَتِهِ إلى ما يُرْضِيهِ، ولا يَخْفى أنَّهُ إذا كانَ نَفْسُ الحَمْدِ والشُّكْرِ مِنَ النِّعَمِ لَمْ يُمْكِنْ أحْدًا الإتْيانُ بِهِما عَلى التَّمامِ والكَمالِ لِاسْتِلْزامِهِ تَسَلْسُلَ الأفْعالِ إلى ما لا يَتَناهى، وهَذا التَّحْقِيقُ مَنقُولٌ عَنْ إمامِ الحَرَمَيْنِ والإمامِ الرّازِي - هَذا حاصِلُ ما في شَرْحِ المَطالِعِ لِلْقُطْبِ الرّازِي وحاشِيَتِهِ لِلشَّرِيفِ الجُرْجانِيِّ بِزِياداتٍ، وقَدْ عُلِمَ صِحَّةُ ما أسْلَفْتُهُ في شَرْحِ الحَمْدِ بِالنَّظَرِ إلى الحامِدِ وبِالنَّظَرِ إلى المَحْمُودِ، وإذا جَمَعْتَ أطْرافَ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ (p-٤٣٩)والفاتِحَةِ وغَيْرِهِما مِن أنَّ المادَّةَ تَدُورُ عَلى الإحاطَةِ عُلِمَ أنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى الحامِدِ وصِفَةِ المَحْمُودِ بِالإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ، وبِالنَّظَرِ إلى المَحْمُودِ اتِّصافُهُ بِالإحاطَةِ بِأوْصافِ الكَمالِ، فَإنَّ الوَصْفَ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مُطابِقًا وإلّا كانَ مَدْحًا لا حَمْدًا، كَما حَقَّقَهُ العَلّامَةُ قاضِي دِمَشْقَ شَمْسُ الدِّينِ أحْمَدُ بْنُ خَلِيلٍ الخُوَيِيُّ في كِتابِهِ أقالِيمِ التَّعالِيمِ.
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الحِكْمَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِإيجادِ الآخِرَةِ قالَ: ﴿وهُوَ الحَكِيمُ﴾ أيِ الَّذِي بَلَغَتْ حِكْمَتُهُ النِّهايَةَ الَّتِي لا مَزِيدَ عَلَيْها، والحِكْمَةُ هي العِلْمُ بِالأُمُورِ عَلى وجْهِ الصَّوابِ مُتَّصِلًا بِالعَمَلِ عَلى وفْقِهِ.
ولَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِدَقِيقِ العِلْمِ وصافِيهِ ولُبابِهِ وهو الخِبْرَةُ قالَ: ﴿الخَبِيرُ﴾ أيِ البَلِيغُ الخُبْرِ وهو العِلْمُ بِظَواهِرِ الأُمُورِ وبَواطِنِها حالًا ومالًا، فَلا يَجُوزُ في عَقْلٍ أنَّهُ - وهو المُتَّصِفُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ كَما هو مُشاهَدٌ في إتْقانِ أفْعالِهِ وإحْكامِ كُلِّ شَيْءٍ سَمِعْناهُ مِن أقْوالِهِ - يَخْلُقُ الخَلْقَ سُدًى مِن غَيْرِ إعادَةٍ لِدارِ الجَزاءِ، وقَدْ مَضى في الفاتِحَةِ وغَيْرِها عَنِ العَلّامَةِ سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ أنَّهُ قالَ: التَّصْدِيرُ بِالحَمْدِ إشارَةٌ إلى أُمَّهاتِ النِّعَمِ الأرْبَعِ، وهي الإيجادُ الأوَّلُ، والإيجادُ الثّانِي، والإبْقاءُ الأوَّلُ، والإبْقاءُ الثّانِي، وأنَّ الفاتِحَةَ لِكَوْنِها أُمَّ الكِتابِ أُشِيرَ فِيها (p-٤٤٠)إلى الكُلِّ، ثُمَّ أُشِيرَ في كُلِّ سُورَةٍ صُدِّرَتْ بَعْدَها بِالحَمْدِ إلى نِعْمَةٍ مِنها عَلى التَّرْتِيبِ، وأنَّهُ أُشِيرَ في الأنْعامِ إلى الإيجادِ الأوَّلِ وهو ظاهِرٌ وفي الكَهْفِ إلى الإبْقاءِ الأوَّلِ، لِأنَّ انْتِظامَ البَقاءِ الأوَّلِ والِانْتِفاعِ بِالإيجادِ لا يَكُونُ إلّا بِالكِتابِ والرَّسُولِ، وأنَّهُ أُشِيرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى الإيجادِ الثّانِي لِانْسِياقِ الكَلامِ إلى إثْباتِ الحَشْرَ والرَّدِّ عَلى مُنْكِرِي السّاعَةِ حَيْثُ قالَ سُبْحانَهُ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ [سبإ: ٣] انْتَهى، وقَدْ عُلِمَ مِمّا قَرَّرْتُهُ أنَّها مِن أوَّلِها مُشِيرَةٌ إلى ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ البُرْهانِ.
وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: افْتُتِحَتْ بِالحَمْدِ [لِلَّهِ] لَمّا أعْقَبَ بِها ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الأحْزابِ مِن عَظِيمِ الآلاءِ وجَلِيلِ النَّعْماءِ حَسَبَ ما أُبِينَ - آنِفًا - يَعْنِي في آخِرِ كَلامِهِ عَلى سُورَةِ الأحْزابِ - فَكانَ مَظِنَّةَ الحَمْدِ عَلى ما مَنَحَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ وأعْطاهم فَقالَ تَعالى ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِلْكًا واخْتِراعًا، وقَدْ أشارَ هَذا إلى إرْغامِ مَن تَوَقَّفَ مُنْقَطِعًا عَنْ فَهْمِ تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ في عِبادِهِ بِما تَقَدَّمَ وتَفْرِيقِهِمْ بِحَسَبِ ما شاءَ فَكَأنْ قَدْ قِيلَ: إذا كانُوا لَهُ مِلْكًا وعَبِيدًا، فَلا يَتَوَقَّفُ في فِعْلِهِ [بِهِمْ] ما فَعَلَ مِن تَيْسِيرٍ لِلْحُسْنى (p-٤٤١)أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا شاءَهُ بِهِمْ عَلى فَهْمِ عِلَّتِهِ واسْتِطْلاعِ سَبَبِهِ، بَلْ يَفْعَلُ بِهِمْ ما شاءَ وأرادَ مِن غَيْرِ حَجْرٍ ولا مَنعٍ ﴿وهُوَ الحَكِيمُ الخَبِيرُ﴾ وجْهُ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ الَّتِي خَفِيَتْ عَنْكُمْ، وأشارَ قَوْلُهُ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ إلى أنَّهُ سَيُطْلِعُ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ - مِن مُوجِباتِ حَمْدِهِ ما يَمْنَحُهم أوْ يُضاعِفُ لَهم مِنَ الجَزاءِ أوْ عَظِيمِ الثَّوابِ في الآخِرَةِ - عَلى ما لَمْ تَبْلُغْهُ عُقُولُهم في الدُّنْيا ولا وفَتْ بِهِ أفْكارُهم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ ما تَقَدَّمَ مِن حَمْدِهِ عَلى ما هو أهْلُهُ بِبَسْطِ شَواهِدِ حِكْمَتِهِ وعِلْمِهِ فَقالَ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [سبإ: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وهُوَ الرَّحِيمُ﴾ [سبإ: ٢] فَبِرَحْمَتِهِ وغُفْرانِهِ أنالَ عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ ما خَصَّهم بِهِ وأعْطاهُمْ، فَلَهُ الحَمْدُ الَّذِي هو أهْلُهُ، ثُمَّ أتْبَعَ هَذا بِذِكْرِ إمْهالِهِ مِن كَذِبٍ وكُفْرٍ مَعَ عَظِيمِ اجْتِرائِهِمْ لِتَتَبَيَّنَ سَعَةُ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ فَقالَ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبإ: ٩] أيْ إنَّ في إمْهالِهِ سُبْحانَهُ لِهَؤُلاءِ بَعْدَ عُتُوِّهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ في قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] وقَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] وإغْضائِهِمْ عَنِ الِاعْتِبارِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ وأمْنِهِمْ أخَذَهم مِن أيِّ الجِهاتِ وفي إمْهالِهِمْ وإدْرارِ أرْزاقِهِمْ مَعَ عَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ آياتٌ لِمَن أنابَ واعْتَبَرَ، ثُمَّ بَسَطَ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِن ذِكْرِ الآيَةِ ونِعَمِهِ (p-٤٤٢)وتَصْرِيفِهِ في مَخْلُوقاتِهِ ما يُوَضِّحُ اسْتِيلاءَ قَهْرِهِ ومُلْكِهِ، ويُشِيرُ إلى عَظِيمِ مُلْكِهِ كَما أعْلَمَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ [ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَقالَ سُبْحانَهُ]: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ [سبإ: ١٠] ثُمَّ قالَ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ [سبإ: ١٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ [سبإ: ١٣] ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ مَن لَمْ يَشْكُرْ فَذَكَرَ قِصَّةَ سَبَأٍ إلى آخِرِها، ثُمَّ وبَّخَ تَعالى مَن عَبَدَ غَيْرَهُ مَعَهُ بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ وبَيانِهِ فَقالَ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [سبإ: ٢٢] إلى وصْفِهِ حالَهُمُ الأُخْرَوِيَّ ومُراجَعَةَ مُتَكَبِّرِيهِمْ ضُعَفاءَهم وضُعَفائِهِمْ مُتَكَبَّرِيهِمْ ﴿وأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ [سبإ: ٣٣] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ جارِيَةً عَلى ما تَقَدَّمَ مِن لَدُنِ افْتِتاحِ السُّورَةِ إلى خَتْمِها. انْتَهى.
سبأ 34:2
ولَمّا خَتَمَ بِصِفَةِ الخَبَرِ، أتْبَعَ ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ مِنَ المِياهِ والأمْوالِ، والأمْواتِ، وقَدَّمَ هَذا لِأنَّ الشَّيْءَ يَغِيبُ في التُّرابِ أوَّلًا ثُمَّ يُسْقى فَيَخْرُجُ﴿وما يَخْرُجُ مِنها﴾ مِنَ المِياهِ والمَعادِنِ والنَّباتِ ﴿وما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ مِن حَرارَةٍ وبُرُودَةٍ وماءٍ ومُلْكٍ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿وما يَعْرُجُ﴾ ولَمّا كانَتِ السَّماواتُ أجْسامًا كَثِيفَةً مُتَراقِيَةً، لَمْ يُعَبِّرْ (p-٤٤٣)بِحَرْفِ الغايَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] بَلْ قالَ: ﴿فِيها﴾ أيْ مِنَ الأعْمالِ والمَلائِكَةِ وكُلِّ ما يَتَصاعَدُ مِنَ الأرْضِ في جِهَةِ العُلُوِّ وأنْتُمْ كَما تَرَوْنَهُ يُمَيِّزُ كُلَّ شَيْءٍ عَنْ مُشابِهِهِ، فَيُمَيِّزُ ما لَهُ أهْلِيَّةُ التَّوَلُّدِ مِنَ الماءِ والتُّرابِ في الأرْضِ مِنَ النَّباتاتِ عَنْ بَقِيَّةِ الماءِ والتُّرابِ عَلى اخْتِلافِ أنْواعِهِ مُمَيِّزًا بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ، ومِنَ المَعادِنِ الذَّهَبُ والفِضَّةُ والحَدِيدُ والنُّحاسُ والرَّصاصُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، مَعَ أنَّ الكُلَّ ما يُخالِطُ الزّابَّ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُ عَلَيْهِ أنْ يُحْيِيَ المَوْتى لِعُسْرِ تَمْيِيزِ تُرابِ كُلِّ مَيِّتٍ بَعْدَ التَّمَزُّقِ والِاخْتِلاطِ مِن تُرابٍ آخَرَ.
ولَمّا كانَ الحاصِلُ مِن هَذا المُتَقَدِّمِ أنَّهُ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، وكانَ الرَّبُّ لا تَنْتَظِمُ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا بِالرِّفْقِ والإصْلاحِ، وكانَ رُبَّما ظَنَّ جاهِلٌ أنَّهُ لا يَعْلَمُ أعْمالَ الخَلائِقِ لِأنَّهُ لَوْ عَلِمَها ما أقَرَّ عَلَيْها، أعْلَمَ أنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، ولِذَلِكَ قَدَّمَ صِفَةَ الرَّحْمَةِ، ولِأنَّهُ في سِياقِ الحَمْدِ، فَناسَبَ تَقْدِيمَ الوَصْفِ النّاظِرِ إلى التَّكْمِيلِ عَلى الوَصْفِ النّافِي لِلنَّقْصِ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ مَعَ كَثْرَةِ نِعَمِهِ المُقِيمَةِ لِلْأبْدانِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ أيِ المُنْعِمُ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ مِن إنْزالِ الكُتُبِ وإرْسالِ الرُّسُلِ لِإقامَةِ الأدْيانِ ﴿الغَفُورُ﴾ أيِ المَحّاءُ لِلذُّنُوبِ أمّا مَنِ اتَّبَعَ ما أنْزَلَ مِن ذَلِكَ كَما بَلَّغَتْهُ الرُّسُلُ فَبِالمَحْوِ عَيْنًا وأثَرًا حَتّى لا يُعاقِبَهم عَلى ما سَلَفَ مِنها (p-٤٤٤)ولا يُعاتِبَهُمْ، وأمّا غَيْرُهُ فالتَّكْفِيرُ بِأنْواعِ المِحَنِ أوِ التَّأْخِيرِ إلى يَوْمِ الحَشْرِ.
سبأ 34:3
ولَمّا ثَبَتَتْ حِكْمَتُهُ بِما نُشاهِدُ مِن مُحْكَمِ الأفْعالِ وصائِبِ الأقْوالِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عِلْمُهُ لِأنَّ الحِكْمَةَ لا تَكُونُ إلّا بِالعِلْمِ، وكانَ الرَّبُّ الرَّحِيمُ العَلِيمُ لا تَكْمُلُ رُبُوبِيَّتُهُ إلّا بِالمُلْكِ الظّاهِرِ والأيالَةِ القاهِرَةِ الَّتِي لا شَوْبَ فِيها، ثَبَتَ البَعْثُ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ ومَوْضِعُ ظُهُورِ العَدْلِ، فَكانَتْ نَتِيجَةَ ذَلِكَ: فاللَّهُ يَأْتِي بِالسّاعَةِ لِما ثَبَتَ مِن بُرْهانِها كَما تَرَوْنَ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن بَراهِينِها الظّاهِرَةِ: ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ والإخْبارُ عَنْها باطِلٌ.
ولَمّا تَقَدَّمَ مِنَ الأدِلَّةِ ما لا يَرْتابُ مَعَهُ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِرَدِّ كَلامِهِمْ مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُخْلِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ فَقالَ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ بِما عَمَّنِي بِهِ مَعَكم مِنَ النِّعَمِ، وبِما خَصَّنِي بِهِ مِن تَنْبِئَتَيْ وإرْسالِي إلَيْكم - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا هو سُبْحانَهُ، فَهو أكْرَمُ مِن أنْ يَدَعَكم مِن غَيْرِ أنْ يَحْشُرَكم لِيَنْتَقِمَ لِي مِنكُمْ، ويُقِرَّ عَيْنِي بِما يُجازِيكم بِهِ مِن أذاكم لِي ولِمَنِ اتَّبَعَنِي، فَإنَّهُ لا يَكُونُ سَيِّدٌ قَطُّ يَرْضى أنْ يَبْغِيَ بَعْضُ عُصاةِ عَبِيدِهِ عَلى بَعْضٍ، ويَدَعُهم سُدًى مِن غَيْرِ تَأْدِيبٍ، فَكَيْفَ إذا كانَ المَبْغِيُّ عَلَيْهِ مُطِيعًا لَهُ، والباغِي عاصِيًا عَلَيْهِ، هَذا ما لا يَرْضاهُ عاقِلٌ فَكَيْفَ بِحاكِمٍ فَكَيْفَ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ؟ ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أيْ (p-٤٤٥)السّاعَةُ لِتَظْهَرَ فِيها ظُهُورًا تامًّا الحِكْمَةُ بِالعَدْلِ والفَضْلِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن عَجائِبِ الحُكْمِ [والفَصْلِ].
ولَمّا كانَ الحاكِمُ لا يُهْمِلُ رَعِيَّتَهُ إلّا إذا غابُوا مِن عِلْمِهِ، ولا يُهْمِلُ شَيْئًا مِن أحْوالِهِمْ إلّا إذا غابَ عَنْهُ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وكانَتِ السّاعَةُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكانَ ما تَقَدَّمَ مِن إثْباتِ العِلْمِ رُبَّما خَصَّهُ مُتَعَنِّتٌ بِعالَمِ الشَّهادَةِ، وصَفَ ذاتَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ بِما بَيَّنَ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الغَيْبِ الَّذِي السّاعَةُ مِنهُ والشَّهادَةِ، بَلِ الكُلُّ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، ولِلْعِنايَةِ بِهَذا المَعْنى يُقَدَّمُ الغَيْبُ إذا جُمِعا في الذِّكْرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا عَظَمَةَ المُقْسَمِ بِهِ لِيُفِيدَ حَقِّيَّةَ المُقْسَمِ عَلَيْهِ لِأنَّ القَسَمَ بِمَنزِلَةِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، وكُلَّما كانَ المُسْتَشْهِدُ بِهِ أعْلى كَعْبًا وأبْيَنَ فَضْلًا وأرْفَعَ مَنزِلَةً كانَ [فِي] الشَّهادَةِ أقْوى وآكَدَ، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أثْبُتَ وأرْسَخَ، واصِفًا لَهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ ومُسْتَأْنِفًا، - وهو أبْلَغُ - عَلى قِراءَةِ المَدَنِيِّينَ وابْنِ عامِرٍ ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ”عَلّامُ“ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ كَما هو ألْيَقُ بِالمَوْضِعِ.
ولَمّا كُنّا لِقُصُورِ عِلْمِنا مُتَقَيِّدِينَ بِما في هَذا الكَوْنِ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيهِ، (p-٤٤٦)قالَ مُصَرِّحًا بِالمَقْصُودِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ: ﴿لا يَعْزُبُ﴾ أيْ يَغِيبُ ويَبْعُدُ عَزُوبًا قَوِيًّا - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالضَّمِّ - ولا ضَعِيفًا - عَلى قِراءَةِ الكِسائِيِّ بِالكَسْرِ - ﴿عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ أيْ مِن ذاتٍ ولا مَعْنًى، والذَّرَّةُ نَمْلَةٌ حَمْراءُ صَغِيرَةٌ جِدًّا صارَتْ مَثَلًا في أقَلِّ القَلِيلِ فَهي كِنايَةٌ عَنْهُ. ولَمّا كانَ في هَذِهِ السُّورَةِ السِّباقُ لِلْحَمْدِ، وهو الكَمالُ وجِهَةِ العُلُوِّ بِهِ أوْفَقَ ولِأمْرِ السّاعَةِ ومَبْدَأهُ مِنها بَدَأ بِها.
ولَمّا كانَ قَدْ بَيَّنَ عِلْمَهُ بِأُمُورِ السَّماءِ، وكانَ المُرادُ بِها الجِنْسَ، جَمَعَ هُنا تَصْرِيحًا بِذَلِكَ المُرادِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِتَكْرِيرِ ”لا“ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ ولَمّا كُنّا مُقَيَّدِينَ بِالكِتابِ، ابْتَدَأ الخَبَرَ بِما يَبْهَرُ العَقْلُ مِن أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مَسْطُورٌ مِن قَبْلِ كَوْنِهِ ثُمَّ يَكُونُ عَلى وفْقٍ ما سُطِّرَ، فَإذا كُشِفَ لِلْمَلائِكَةِ عَنْ ذَلِكَ ازْدادُوا إيمانًا وتَسْبِيحًا وتَحْمِيدًا وتَقْدِيسًا، فَقالَ - عِنْدَ جَمِيعِ القُرّاءِ عاطِفًا عَلى الجُمْلَةِ مَن أصْلِها [لا] عَلى المِثْقالِ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ: ﴿ولا أصْغَرُ﴾ أيْ ولا يَكُونُ شَيْءٌ أصْغَرُ ﴿مِن ذَلِكَ﴾ أيِ المِثْقالِ ﴿ولا أكْبَرُ﴾ أيْ مِنَ المِثْقالِ فَما فَوْقَهُ ﴿إلا في كِتابٍ﴾ وإخْبارُنا بِهِ لِما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُنا مِن تَقْيِيدِ العِلْمِ بِالكِتابِ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَغَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَكْتُبُ الشَّيْءَ ثُمَّ يَغِيبُ عَنْهُ ويَنْسى مَكانَهُ (p-٤٤٧)فَيَعْجِزُ في اسْتِخْراجِهِ أخْبَرَ أنَّ كِتابَهُ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، بَلْ هو حَيْثُ لا يَكْشِفُ مَن يُرِيدُ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ شَيْئًا إلّا وجَدَهُ في الحالِ فَقالَ: ﴿مُبِينٍ﴾ ويَجُوزُ - ولَعَلَّهُ أحْسَنُ - إذا تَأمَّلْتَ هَذِهِ مَعَ آيَةِ يُونُسَ أنْ يَعْطِفَ عَلى مِثْقالٍ، ويَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، ولَكِنْ عَلى بابِها في كَوْنِها بَيْنَ مُتَنافِيَيْنِ، فَإنَّ المَعْنى أنَّهُ لا يَغِيبُ ولا يَبْعُدُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لَكِنَّهُ مَحْفُوظٌ أتَمَّ حِفْظٍ في كِتابٍ لا يُرادُ مِنهُ كَشْفُ عَنْ شَيْءٍ إلّا كانَ لَهُ في غايَةِ الإبانَةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِأداةِ المُتَّصِلِ إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ هُناكَ عُزُوبٌ فَهو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هي في غايَةِ البُعْدِ عَنِ العُزُوبِ،
سبأ 34:4
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ ذَلِكَ كُلَّهُ دَلِيلًا عَلى صِدْقِ القَسَمِ بِما خُتِمَتْ بِهِ الأحْزابُ مِن حِكْمَةِ عَرْضِ الأمانَةِ مِمّا لا يَمْتَرِي ذُو عَقْلٍ ولَوْ قَلَّ في صِحَّتِهِ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَفْعَلَ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ فَإنَّهُ ما خَلَقَ الأكْوانَ إلّا لِأجْلِ الإنْسانِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَدَعُهُ بِغَيْرِ جَزاءٍ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾
ولَمّا التَفَتَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِمْ، أوْرَدَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، جَوابًا لِلسُّؤالِ مُشِيرًا إلَيْهِ بِما دَلَّ عَلى عُلُوِّ رُتْبَتِهِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ أهْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ (p-٤٤٨)أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ لِزَلّاتِهِمْ أوْ هَفَواتِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ المَبْنِيَّ عَلى النُّقْصانِ لا يُقَدِّرُ العَظِيمَ السُّلْطانِ حَقَّ قَدْرِهِ ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أيْ جَلِيلُ عَزِيزٌ دائِمٌ لَذِيذٌ نافِعٌ شَهِيٌّ، لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
سبأ 34:5
ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ السّاعَةِ قَدِ اتَّضَحَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ مانِعٌ مِنَ التَّصْدِيقِ بِها إلّا العِنادُ، وكانَ السِّياقُ لِتَهْدِيدِ مَن جَحَدَها، قالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا﴾ أيْ [فَعَلُوا] فِعْلَ السّاعِي ﴿فِي آياتِنا﴾ [أيْ] عَلى ما لَها مِنَ العَظَمَةِ ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ مُبالِغِينَ في قَصْدِ تَعْجِيزِها بِتَخَلُّفِها عَمّا نَزِيدُهُ مِن إنْفاذِها، وهَكَذا [مَعْنى] قِراءَةِ المُفاعَلَةِ، ولَمّا كانَ ذَنْبُهم عَظِيمًا، أشارَ بِابْتِداءٍ آخَرَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [أيِ البُعَداءُ البُغْضاءُ الحَقِيرُونَ عَنْ أنْ يَبْلُغُوا مُرادًا بِمُعاجَزَتِهِمْ] ﴿لَهم عَذابٌ﴾ وأيُّ عَذابٍ ﴿مِن رِجْزٍ﴾ أيُّ شَيْءٍ كُلُّهُ اضْطِرابٌ، فَهو مُوجِبٌ لِعَظِيمِ النَّكَدِ والِانْزِعاجِ، فَهو أسْوَأُ العَذابِ ﴿ألِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الألَمِ - جَرَّهُ الجَماعَةُ نَعْتًا لِرِجْزٍ، ورَفَعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ نَعْتًا لِعَذابٍ.
سبأ 34:6
ولَمّا ذَمَّ الكَفَرَةَ، وعَجَّبَ مِنهم في إنْكارِهِمُ السّاعَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ (p-٤٤٩)كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] [و] أقامَ الدَّلِيلَ عَلى إتْيانِها، وبَيَّنَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ غَيْرُهُ لِيَحْصُلَ العَدْلُ والفَضْلُ في جَزاءِ أهْلِ الشَّرِّ وأُولِي الفَضْلِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ مَدْحَ المُؤْمِنِينَ فَقالَ واصِفًا لَهم بِالعِلْمِ، إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي أوْرَثَ الكَفَرَةَ التَّكْذِيبَ الجَهْلُ: ﴿ويَرى الَّذِينَ﴾ مُعَبِّرًا بِالرُّؤْيَةِ والمُضارِعِ إشارَةً [إلى أنَّهم في عَمَلِهِمْ غَيْرُ شاكِّينَ، بَلْ هم كالشّاهِدِينَ لِكُلِّ ما أخْبَرَهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وبِالمُضارِعِ] إلى تَجَدُّدِ عَمَلِهِمْ مُتَرَقِّينَ في رُتَبِهِ عَلى الدَّوامِ مُقابَلَةً لِجَلافَةِ أُولَئِكَ في ثَباتِهِمْ عَلى الباطِلِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الماضِي، وأشارَ إلى أنَّ عِلْمَهم لَدُنِّيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ قَذَفَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ فَصارُوا مُشاهِدِينَ لِمَضامِينِهِ لَوْ كَشَفَ الغِطاءَ ما ازْدادُوا يَقِينًا سَواءٌ كانُوا مِمَّنْ أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾ أيْ كُلِّهِ مِن أمْرِ السّاعَةِ وغَيْرِهِ ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ، [وأُتِيَ بِضَمِيرِ الفَصْلِ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ مَفْعُولُ ”أُوتُوا“ الثّانِي فَقالَ]: ﴿هُوَ الحَقَّ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ ﴿ويَهْدِي﴾ أيْ [يُجَدِّدُ عَلى مَدى الزَّمانِ هِدايَةَ] مَنِ اتَّبَعَهُ ﴿إلى صِراطِ﴾ أيْ طَرِيقٍ واضِحٍ واسِعٍ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، وكانَ الكُفّارُ فِيها مُسْتَظْهِرَيْنِ (p-٤٥٠)والمُؤْمِنُونَ قَلِيلِينَ خائِفِينَ، والعَرَبُ يَذُمُّونَهم بِمُخالَفَةِ قَوْمِهِمْ ودِينِ آبائِهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الخُرافاتِ الَّتِي حاصِلُها الِاسْتِدْلالُ عَلى الحَقِّ المَزْعُومِ بِالرِّجالِ قالَ: ﴿العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ أيِ الَّذِي مَن سَلَكَ طَرِيقَهُ - وهو الإسْلامُ - عَزَّ وحَمِدَهُ رَبُّهُ فَحَمِدَهُ كُلُّ شَيْءٍ وإنْ تَمالَأ عَلَيْهِ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا بُدَّ أنْ يَتَجَلّى لِلْفَصْلِ بَيْنَ العِبادِ، بِالإشْقاءِ والإسْعادِ عَلى قَدْرِ الِاسْتِعْدادِ.
سبأ 34:7
ولَمّا عَجِبَ [سُبْحانَهُ] مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا في قَوْلِهِمْ ﴿لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ [سبإ: ٣] المُتَضَمِّنِ لِتَكْذِيبِهِمْ، وخَتَمَ بِتَصْدِيقِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مُشِيرًا إلى أنَّ [سَبَبَ] تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ الجَهْلُ الَّذِي سَبَبُهُ الكِبْرُ، عَجَّبَ مِنهم تَعْجِيبًا آخَرَ أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ لِتَصْرِيحِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ [عَلى وجْهٍ عَجِيبٍ] فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيِ الَّذِينَ تَحَقَّقُوا أمْرَهُ ﷺ وأجْمَعُوا خِلافَهُ وعَتَوْا عَلى العِنادِ، لِمَن يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ حالِهِ مُعْجَبِينَ ومُنَفِّرِينَ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ أيْ أيُّها المُعْتَقِدُونَ أنْ لا حَشْرَ. ولَمّا أخْرَجُوا الكَلامَ مُخْرَجَ الغَرائِبِ [المُضْحِكَةِ] لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَهُ مَعَ أنَّهُ أشْهَرُ الأسْماءِ، بَلْ قالُوا: ﴿عَلى رَجُلٍ﴾ أيْ لَيْسَ هو صَبِيًّا ولا امْرَأةً حَتّى تَعْذُرُوهُ ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ يُخْبِرُكم (p-٤٥١)[مَتى شِئْتُمْ] إخْبارًا لا أعْظَمَ مِنهُ بِما حَواهُ مِنَ العَجَبِ الخارِجِ عَمّا نَعْقِلُهُ [مُجَدَّدًا لِذَلِكَ مَتى شاءَ المُسْتَخْبِرُ لَهُ].
ولَمّا كانَ القَصْدُ ذِكْرَ ما يَدُلُّ عِنْدَهم عَلى اسْتِبْعادِ البَعْثِ، قَدَّمُوا المَعْمُولَ فَقالُوا: ﴿إذا﴾ [أيْ إنَّكم إذا] ﴿مُزِّقْتُمْ﴾ أيْ قُطِّعْتُمْ وفُرِّقْتُمْ بَعْدَ مَوْتِكم مِن كُلِّ مَن شَأْنُهُ أنْ يُمَزِّقَ مِنَ التُّرابِ والرِّياحِ وطُولِ الزَّمانِ ونَحْوِ ذَلِكَ تَمْزِيقًا عَظِيمًا، بِحَيْثُ صِرْتُمْ تُرابًا، وذَلِكَ مَعْنى ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ كُلَّ تَمْزِيقٍ، فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِن أجْسادِكم مَعَ شَيْءٍ، بَلْ صارَ الكُلُّ بِحَيْثُ لا يُمَيِّزُ بَيْنَ تُرابِهِ وتُرابِ الأرْضِ، وذَهَبَتْ بِهِ السُّيُولُ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَصارَ مَعَ اخْتِلاطِهِ بِتُرابِ الأرْضِ والتِباسِهِ مُتَباعِدًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، وكُسِرَ مَعْمُولُ ”يُنَبِّئُكُمْ“ لِأجْلِ اللّامِ فَقالَ: ﴿إنَّكم لَفِي﴾ أيْ لِتَقُومُونَ كَما كُنْتُمْ قَبْلَ المَوْتِ قِيامًا لا شَكَّ فِيهِ، والإخْبارُ بِهِ مُسْتَحِقٌّ لِغايَةِ التَّأْكِيدِ ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهَذا عامِلُ إذا الظَّرْفِيَّةِ.
سبأ 34:8
ولَمّا نَفَّرُوا عَنْهُ بِهَذا الإخْبارِ المُحَيِّرِ في الحامِلِ لَهُ عَلَيْهِ، خَيَّلُوا بِتَقْسِيمِ القَوْلِ فِيهِ في اسْتِفْهامٍ مُرَدَّدٍ بَيْنَ الِاسْتِعْجامِ تَعْجِيبًا والإنْكارِ، فَقالُوا جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ سَبَبِ إخْبارِهِ بِإسْقاطِ هَمْزَةِ الوَصْلِ، لِعَدَمِ الإلْباسِ (p-٤٥٢)هُنا بِخِلافِ ما يَصْحَبُ لامَ التَّعْرِيفِ فَإنَّها لِفَتْحِها تُلْبِسُ بِالخَبَرِ: ﴿أفْتَرى﴾ أيْ تَعَمَّدَ ﴿عَلى اللَّهِ﴾ [أيْ] الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ ﴿كَذِبًا﴾ بِالإخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ [وهُوَ عاقِلٌ يَصِحُّ مِنهُ القَصْدُ]. ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِنَ التَّعَمُّدِ العَقْلُ، قالُوا: ﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ جُنُونٌ، فَهو يَقُولُ الكَذِبَ، وهو ما لا حَقِيقَةَ لَهُ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، [لِأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ القَصْدِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الِافْتِراءِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذِكْرُ الجُنُونِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ذِكْرِ ضِدِّهِ أوَّلًا].
ولَمّا كانَ الجَوابُ: لَيْسَ بِهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ مُخْبِرًا عَنْ بَعْضِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما يُوجِبُ رَدْعَ البَعْضِ الآخَرِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ [لا] يُجَدِّدُونَ الإيمانَ لِأنَّهم طُبِعُوا عَلى الكُفْرِ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ أيِ الفِطْرَةِ الآخِرَةِ الَّتِي أدَلُّ شَيْءٍ عَلَيْها الفِطْرَةُ الأُولى. ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ مُسَبَّبًا عَنْ ضَلالِهِمْ، وكانَ ضَلالُهم سَبَبًا لِعَذابِهِمْ، قَدَّمَ العَذابَ لِأنَّهُ المَحَطُّ ولِيَرْتَدِعَ مَن أرادَ اللَّهُ إيمانَهُ فَقالَ: ﴿فِي العَذابِ﴾ أيْ في الدُّنْيا بِمُحاوَلَةِ إبْطالِ ما أرادَ اللَّهُ إتْمامَهُ، وفي الآخِرَةِ لِما فِيهِ مِنَ المَعْصِيَةِ، وأتْبَعَهُ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿والضَّلالِ﴾ أيْ عَمّا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ وحْدانِيَّتِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِسَبَبِ أنَّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
ولَمّا كانَ قَوْلَهم بَعِيدًا مِنَ الحَقِّ لِوَصْفِهِمْ أهْدى النّاسِ بِالضَّلالِ، (p-٤٥٣)وكانَ الضَّلالُ يَبْعُدُ بِبُعْدِ صاحِبِهِ عَنِ الجادَّةِ وتَوَغُّلِهِ في المَهامِهِ الوَعِرَةِ الشّاسِعَةِ، قالَ واصِفًا لَهُ بِوَصْفِ الضّالِّ: ﴿البَعِيدِ﴾ فَبَيَّنَ الوَصْفُ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الِانْفِكاكُ عَنْهُ، وعُلِمَ أنَّ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قِسْمًا لَمْ يُطْبَعُوا عَلى الكُفْرِ، فَضَّلُوا ضَلالًا قَرِيبًا يُمْكِنُ انْفِكاكُهم عَنْهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم بَعْدُ، وهو مِن بَدِيعِ القَوْلِ حَيْثُ عَبَّرَ بِها الظّاهِرُ الَّذِي أفْهَمَ هَذا التَّقْسِيمَ مَوْضِعَ الإضْمارِ الَّذِي كانَ حَقُّهُ: بَلْ هم في كَذا.
سبأ 34:9
ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا السّاعَةَ لِقَطْعِهِمْ بِأنَّ مَن مُزِّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ لا يُمْكِنُ إعادَتُهُ، فَقَطَعُوا جَهْلًا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَقُولُ ذَلِكَ، فَنَسَبُوا الصّادِقَ ﷺ في الإخْبارِ بِذَلِكَ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: تَعَمُّدِ الكَذِبِ أوِ الجُنُونِ. شَرَعَ سُبْحانَهُ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ في جَمِيعِ ما أخْبَرَ بِهِ، فَبَدَأ بِإثْباتِ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلى ضَلالِهِمْ بِسَبَبِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ تَدَبُّرِ الآياتِ، فَكانَ المَعْنى: ضَلُّوا فَلَمْ يَرَوْا، فَدَلَّ عَلَيْهِ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ مُهَدِّدًا لَهم مُقَرِّرًا لِذَوِي العُقُولِ مِنَ السّامِعِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّهم في مَحَلِّ بُعْدٍ عَنِ الإبْصارِ النّافِعِ بِحَرْفِ النِّهايَةِ فَقالَ: ﴿إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ أمامَهم ﴿وما خَلْفَهُمْ﴾ وذَلِكَ إشارَةً إلى جَمِيعِ الجَوانِبِ مِن كُلٍّ مِنَ الخافِقَيْنِ (p-٤٥٤)وأنَّهُما قَدْ أحاطا بِهِمْ كَغَيْرِهِمْ. ولَمّا لَمْ تَدْعُ حاجَةٌ إلى الجَمْعِ أفْرَدَ فَقالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ أيِ الَّذِينَ جَعَلْنا مَطْلَعَ السُّورَةِ أنَّ لَنا كُلَّ ما فِيهِما.
ولَمّا كانَ الإنْكارُ لائِقًا بِمَقامِ العَظَمَةِ، فَكانَ المَعْنى: إنّا نَفْعَلُ بِهِما وفِيهِما ما نَشاءُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿نَخْسِفْ﴾ أيْ تُغُورُ ﴿بِهِمُ﴾ [وأدْغَمَ الكِسائِيُّ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ في أسْرَعِ مِنَ اللَّمْحِ بِحَيْثُ يُدْرَكُ لِأكْثَرِ النّاسِ وقَدْ يَفْعَلُهُ عَلى وجْهِ الوُضُوحِ وهو أكْثَرُ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ الإظْهارِ لِلْجُمْهُورِ. ولَمّا كانَ الخَسْفُ قَدْ يَكُونُ لِسَطْحٍ أوْ سَفِينَةٍ ونَحْوِهِما، خَصَّ الأمْرَ بِقَوْلِهِ]: ﴿الأرْضَ﴾ أيْ كَما فَعَلْنا بِقارُونَ وذَوِيهِ لِأنَّهُ لَيْسَ نُفُوذُ بَعْضِ أفْعالِنا فِيها بِأوْلى مِن غَيْرِهِ ﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى قِراءَةِ حَفْصٍ وبِإسْكانِهِ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ أيْ قاطِعًا ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَذَلِكَ [لِيَكُونَ شَدِيدَ الوَقْعِ لِبُعْدِ المَوْقِعِ المَدى عَنِ السَّحابِ ونَحْوِهِ] لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنّا نَحْنُ خَلَقْناهُما، ومَن أوْجَدَ شَيْئًا قَدَرَ عَلى هَذِهِ وهَذا ما أرادَ مِنهُ، ومَن جَعَلَ السِّياقَ (p-٤٥٥)لِلْغَيْبِ - وهو حَمْزَةُ والكِسائِيُّ - رَدَّ الضَّمِيرُ عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي جَعَلَهُ مَطْلَعُ السُّورَةِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا ظاهِرًا، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِن إنْكارِ البَعْثِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ [فِي] قُدْرَتِنا عَلى ما نَشاءُ مِن كُلٍّ مِنهُما والتَّأمُّلِ في فُنُونِ تَصارِيفِهِما ﴿لآيَةً﴾ أيْ عَلامَةً بَيِّنَةً عَلى أنّا نُعامِلُ مَن شِئْنا فِيهِما بِالعَدْلِ بِأيِّ عَذابٍ أرَدْنا، ومَن شِئْنا بِالفَضْلِ بِأيِّ ثَوابٍ أرَدْنا، وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنّا قادِرُونَ عَلى كُلِّ ما نَشاءُ مِنَ الإماتَةِ والإحْياءِ وغَيْرِهِما، فَقَدْ خَسَفْنا بِقارُونَ وآلِهِ وبِقَوْمِ لُوطٍ وأشْياعِهِمْ، وأسْقَطْنا مِنَ السَّماءِ عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ يَوْمَ الظُّلَّةِ قِطَعًا مِنَ النّارِ، وعَلى قَوْمِ لُوطٍ حِجارَةً، فَأهْلَكْناهم بِذَلِكَ أجْمَعِينَ. ولَمّا كانَتِ الآياتُ لا تَنْفَعُ مَن طُبِعَ عَلى العِنادِ قالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ﴾ أيْ مُتَحَقِّقٍ أنَّهُ مَرْبُوبٌ ضَعِيفٌ مُسَخَّرٌ لِما يُرادُ مِنهُ ﴿مُنِيبٍ﴾ أيْ فِيهِ قابِلِيَّةُ الرُّجُوعِ عَمّا أبانَ لَهُ الدَّلِيلُ عَنْ أنَّهُ زَلَّ فِيهِ.
سبأ 34:10
ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ بِهَذا الكَلامِ الَّذِي دَلَّ فِيهِ عَلى نُفُوذِ الأمْرِ إلى أنَّهُ تارَةً يَعْدِلُ وتارَةً يَفْضُلُ، وكانَ الفَضْلُ أكْثَرَ اسْتِجْلابًا لِذَوِي الهِمَمِ العَلِيَّةِ والأنْفُسِ الأبِيَّةِ، بَدَأ بِهِ في عَبْدٍ مِن رَؤُوسِ المُنِيبِينَ عَلى وجْهٍ دالٍّ (p-٤٥٦)عَلى البَعْثِ بِكَمالِ التَّصَرُّفِ في الخافِقَيْنِ وما فِيهِما بِأُمُورٍ شُوهِدَتْ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ تارَةً بِالعِيانِ وتارَةً بِالآذانِ، أمّا عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ فَواضِحٌ، وأمّا عِنْدَ العَرَبِ فَبِتَمْكِينِهِمْ مِن سُؤالِهِمْ فَقَدْ كانُوا يَسْألُونَهم عَنْهُ ﷺ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ بَعْضَ ذَلِكَ طَفَحَتْ بِهِ أخْبارُهم ونَطَقَتْ بِهِ أشْعارُهُمْ، فَقالَ تَعالى مُقْسِمًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ إنْكارَهم لِلْبَعْثِ إنْكارٌ لِما يُخْبِرُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَقَدْ آتَيْنا هَذا الرَّجُلَ الَّذِي نَسَبْتُمُوهُ إلى الكَذِبِ أوِ الجُنُونِ مِنّا فَضْلًا بِهَذِهِ الأخْبارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِمُعْجِزِ القُرْآنِ فَيا بُعْدَ [ما بَيْنَهُ وبَيْنَ] ما نَسَبْتُمُوهُ إلَيْهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ [أيْ] وعِزَّتِنا وما ثَبَتَ لَنا مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ بِالِاتِّصافِ بِالحَمْدِ لَقَدْ ﴿آتَيْنا﴾ أيْ أعْطَيْنا إعْطاءً عَظِيمًا دالًّا عَلى نِهايَةِ المُكْنَةِ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿داوُدَ﴾
ولَمّا كانَ المُؤْتى قَدْ تَكُونُ واسِطَةً لِمَن مِنهُ الإيتاءُ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ لَيْسَ إلّا مِنهُ فَقالَ: ﴿مِنّا فَضْلا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ لِلتَّعْظِيمِ وأنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ تَكْوِينُ شَيْءٍ عَلى غَيْرِ إرادَتِهِ بِقَوْلِهِ، مُنْزِلًا الجِبالَ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ الَّذِينَ يُبادِرُونَ [إلى] امْتِثالِ أوامِرِهِ، تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ وبَدِيعِ تَصَرُّفِهِ في الأشْياءِ كُلِّها جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما ذَلِكَ الفَضْلُ؟ مُبْدِلًا (p-٤٥٧)مِن ”آتَيْنا“: ﴿يا﴾ أيْ قُلْنا لِأشَدِّ الأرْضِ: يا ﴿جِبالُ أوِّبِي﴾ أيْ رَجِّعِي التَّسْبِيحَ وقِراءَةَ الزَّبُورِ وغَيْرَهُما مِن ذِكْرِ اللَّهِ ﴿مَعَهُ﴾ أيْ كُلَّما سَبَّحَ، فَهَذِهِ آيَةٌ أرْضِيَّةٌ مِمّا هو أشَدُّ الأرْضِ بِما هو وظِيفَةُ العُقَلاءِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ فِيهِ بِالأمْرِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ.
ولَمّا كانَتِ الجِبالُ أغْلَظَ الأرْضِ وأثْقَلَها، وكانَ المَعْنى: دَعَوْنا الجِبالَ لِلتَّأْوِيبِ مَعَهُ، فَبادَرَتِ الإجابَةَ لِدُعائِنا، لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّها مِن جُمْلَةِ مَن أبى أنْ يَحْمِلَ الأمانَةَ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ أخَفَّ الحَيَوانِ وألْطَفَهُ، لِيَكُونَ آيَةً سَماوِيَّةً، عَلى أنَّهُ يَفْعَلُ في السَّماءِ ما يَشاءُ، فَإنَّهُ لَوْ أماتَ الطّائِرَ في جَوِّ السَّماءِ لَسَقَطَ، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ عالٍ وعالٍ، فَقالَ: ﴿والطَّيْرَ﴾ أيْ دَعَوْناها أيْضًا، فَكانَتْ تُرَجِّعُ مَعَهُ الذِّكْرَ فَدَلَّ قِرانَها بِالطَّيْرِ عَلى ذِكْرِها حَقِيقَةً كَذِكْرِ الطَّيْرِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَن يَظُنُّهُ رَجْعَ الصَّدا، وقِراءَةُ يَعْقُوبَ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى لَفْظِ ”جِبالُ“ وقِراءَةُ غَيْرِهِ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ بِمَعْنى مَعَ أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مِن مَعْنى ما مَضى كَسَخَّرْنا، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ يَقُولُ لِلْجِبالِ: سَبِّحِي، ولِلطَّيْرِ: أجِيبِي، ثُمَّ يَأْخُذُ وهو في تِلاوَةِ الزَّبُورِ بَيَّنَ ذَلِكَ بِصَوْتِهِ الحَسَنِ، فَلا يَرى النّاسُ مَنظَرًا أحْسَنَ مِن ذَلِكَ، ولا يَسْمَعُونَ شَيْئًا [أطْيَبَ] مِنهُ، وذَلِكَ كَما كانَ الحَصى يُسَبِّحُ في كَفِّ النَّبِيِّ ﷺ وكَفِّ أبِي بَكْرٍ (p-٤٥٨)وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وكَما كانَ الطَّعامُ يُسَبِّحُ في حَضْرَتِهِ الشَّرِيفَةِ وهو يُؤْكَلُ، وكَما كانَ الحَجَرُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وأُسْكُفَّةُ البابِ وحَوائِطُ البَيْتِ تُؤَمِّنُ عَلى دُعائِهِ، وحَنِينُ الجِذْعِ مَشْهُورٌ، وكَما كانَ الضَّبُّ يَشْهَدُ لَهُ والجَمَلُ يَشْكُو إلَيْهِ ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ ونَحْوُ ذَلِكَ وكَما جاءَ الطّائِرُ الَّذِي يُسَمّى الحُمْرَةُ تَشْكُو الَّذِي أخَذَ بَيْضَها، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِرَدِّهِ رَحْمَةً لَها.
ولَمّا ذَكَرَ طاعَةَ أكْثَفِ الأرْضِ وألْطَفِ الحَيَوانِ الَّذِي أنْشَأهُ اللَّهُ مِنها. ذَكَرَ ما أنْشَأهُ سُبْحانَهُ مِن ذَلِكَ الأكْثَفِ، وهو أصْلَبُ الأشْياءِ فَقالَ: ﴿وألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ أيِ الَّذِي ولَّدْناهُ مِنَ الجِبالِ جَعَلْناهُ في يَدِهِ كالشَّمْعِ يَعْمَلُ مِنهُ ما يُرِيدُ بِلا نارٍ ولا مِطْرَقَةٍ،
سبأ 34:11
ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ الإلانَةِ بِصِيغَةِ الأمْرِ إشارَةً إلى أنَّ عَمَلَهُ كانَ لِلَّهِ فَقالَ: ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أيْ دُرُوعًا طِوالًا واسِعَةً.
ولَمّا كانَ السَّرْدُ الخَرْزَ في الأدِيمِ وإدْخالَ الخَيْطِ في مَوْضِعِ الخَرَزِ شَبَّهَ إدْخالَ الحَلْقَةِ في الأُخْرى بِلُحْمَةٍ لا طَرَفَ لَها بِمَواضِعِ الخَرَزِ فَقالَ: ﴿وقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ أيِ النَّسْجِ بِأنْ يَكُونَ كُلُّ حَلْقَةٍ مُساوِيَةً لِأُخْتِها مَعَ كَوْنِها ضَيِّقَةً لِئَلّا يَنْفُذَ مِنها سَهْمٌ ولْتَكُنْ في تَحْتِها بِحَيْثُ (p-٤٥٩)لا يَقْلَعُها سَيْفٌ ولا تَثْقُلُ عَلى الدّارِعِ فَتَمْنَعُهُ خِفَّةَ التَّصَرُّفِ وسُرْعَةَ الِانْتِقالِ في الكَرِّ والفَرِّ والطَّعْنِ والضَّرْبِ في البَرْدِ والحَرِّ، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في حِلَقِها مَسامِيرُ لِعَدَمِ الحاجَةِ بِإلانَةِ الحَدِيدِ إلَيْها، وإلّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ فَرْقٌ، ولا كانَ لِلْإلانَةِ فائِدَةٌ، وقَدْ أخْبَرَ بَعْضُ مَن رَأى ما نُسِبَ إلَيْهِ بِغَيْرِ مَسامِيرَ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّرْدُ في اللُّغَةِ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ إلى الشَّيْءِ لِيَتَأتّى مُتَّسِقًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ. وهَذا كَما ألانَ اللَّهُ تَعالى لِلنَّبِيِّ ﷺ في الخَنْدَقِ تِلْكَ الكُدْيَةَ وفي رِوايَةٍ: الكُذانَةَ وذَلِكَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنِ المَعاوِلُ تَعْمَلُ فِيها وبَلَغَتْ غايَةَ الجَهْدِ مِنهم فَضَرَبَها ﷺ ضَرْبَةً واحِدَةً، وفي رِوايَةٍ رَشَّ عَلَيْها ماءً فَعادَتْ كَثِيبًا أُهِيلَ لا تَرُدُّ فَأْسًا وتِلْكَ الصَّخْرَةُ الَّتِي أخْبَرَهُ سَلْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها كَسَرَتْ فُؤُوسَهم ومَعاوِلَهم وعَجَزُوا عَنْها فَضَرَبَها النَّبِيُّ ﷺ ثَلاثَ ضَرَباتٍ كَسَرَ في ضَرْبِهِ ثَلاثًا مِنها وبَرَقَتْ مَعَ كُلِّ ضَرْبَةٍ بَرْقَةٌ كَبَّرَ مَعَها تَكْبِيرَةً، وأضاءَتْ لِلصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ما بَيْنَ (p-٤٦٠)لابَتَيِ المَدِينَةِ بِحَيْثُ كانَتْ في النَّهارِ كَأنَّها مِصْباحٌ في جَوْفِ بَيْتٍ مُظْلِمٍ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَهم ﷺ أنَّ إحْدى الضَّرَباتِ أضاءَتْ لَهُ صَنْعاءَ مِن أرْضِ اليَمَنِ حَتّى رَأى أبْوابَها مِن مَكانِهِ ذَلِكَ، وأخْبَرَهُ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّها سَتُفْتَحُ عَلى أُمَّتِهِ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الحَيْرَةِ البِيضَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ أنَّها مَفْتُوحَةٌ لَهُمْ، وأضاءَتْ لَهُ الأُخْرى قُصُورَ الشّامِ الحُمْرَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَ بِفَتْحِها عَلَيْهِمْ، فَصَدَقَهُ اللَّهُ تَعالى في جَمِيعِ ما قالَ، وأعْظَمُ مِن ذَلِكَ تَصْلِيبُ الخَشَبِ لَهُ حَتّى يَصِيرَ سَيْفًا قَوِيَّ المَتْنِ جَيِّدَ الحَدِيدَةِ، وذَلِكَ «أنَّ سَيْفَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ انْقَطَعَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأعْطاهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُرْجُونًا فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا قائِمَةً مِنهُ فَقاتَلَ بِهِ، فَكانَ يُسَمّى العَوْنَ، ولَمْ يَزَلْ بَعْدُ يُتَوارَثُ حَتّى بِيعَ مِن بَغا التُّرْكِيِّ بِمِائَتَيْ دِينارٍ» ذَكَرَهُ الكُلاعِيُّ في السِّيرَةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ أبِي بَكْرٍ والبَيْهَقِيِّ، «وقاتَلَ [عَكّاشَةُ] بْنُ مِحْصَنٍ يَوْمَ بَدْرٍ فانْقَطَعَ سَيْفُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْطاهُ جَذْلًا مِن حَطَبٍ، فَلَمّا أخَذَهُ هَزَّهُ فَعادَ في يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلَ القامَةِ شَدِيدَ المَتْنِ أبْيَضَ الحَدِيدِ فَقاتَلَ بِهِ حَتّى فَتَحَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ السَّيْفُ يُسَمّى العَوْنَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يَشْهَدُ بِهِ المَشاهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَعْدَهُ حَتّى قُتِلَ في الرِّدَّةِ (p-٤٦١)وهُوَ عِنْدَهُ،» وعَنِ الواقِدِيِّ «أنَّهُ انْكَسَرَ سَيْفُ سَلَمَةَ بْنِ أسْلَمَ بْنِ الحُرَيْشِ يَوْمَ بَدْرٍ فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَضِيبًا كانَ في يَدِهِ مِن عَراجِينِ ابْنِ طابٍ فَقالَ: اضْرِبْ بِهِ فَإذا هو سَيْفٌ جَيِّدٌ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ يَوْمَ جِسْرِ أبِي عُبَيْدٍ،» وإلْحامُهُ لِلْحَدِيدِ لَيْسَ بِأعْجَبَ مِن إلْحامِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَدِ مُعَوَّذِ بْنِ عَفْراءَ لَمّا قَطَعَها أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَأتى بِها يَحْمِلُها في يَدِهِ الأُخْرى فَبَصَقَ عَلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وألْصَقَها فَلَصِقَتْ وصَحَّتْ مِثْلَ أُخْتِها كَما نَقَلَهُ البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ.
ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الكَراماتِ، عَطَفَ عَلَيْها ما جَمَعَ فِيهِ الضَّمِيرَ لِأنَّهُ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿واعْمَلُوا﴾ أيْ أنْتَ ومَن أطاعَكَ ﴿صالِحًا﴾ أيْ بِما تَفَضَّلْنا بِهِ عَلَيْكم مِنَ العِلْمِ والتَّوْفِيقِ لِلطّاعَةِ، ثُمَّ عَلَّلَ هَذا الأمْرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهم لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ إنْكارٌ لِغَيْرِها مِنَ الصِّفاتِ وإلى [أنَّ] المُتَهاوِنَ في العَمَلِ في عِدادِ مَن يُنْكِرُ أنَّهُ بِعَيْنِ اللَّهِ: ﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ كُلِّهِ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ مُبْصِرٌ وعالِمٌ بِكُلِّ ظاهِرٍ لَهُ وباطِنٍ.
سبأ 34:12
(p-٤٦٢)ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن آياتِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ وخَتَمَها بِالحَدِيدِ، أتْبَعَهُ ابْنَهُ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِمُشارَكَتِهِ [لَهُ] في الإنابَةِ، وبَدَأ مِن آياتِهِ بِما هو مِن أسْبابِ تَكْوِينِهِ سُبْحانَهُ لِلْحَدِيدِ [فَقالَ]: ﴿ولِسُلَيْمانَ﴾ أيْ عِوَضًا مِنَ الخَيْلِ الَّتِي عَقَرَها لِلَّهِ ﴿الرِّيحَ﴾ أيْ مُسَّخَّرَةً عَلى قِراءَةِ شُعْبَةَ، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ: سَخَّرْناها لَهُ حالَ كَوْنِها ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ﴾ أيْ تَحْمِلُهُ وتَذْهَبُ بِهِ وبِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ بِالغَداةِ وهي مِنَ الصَّباحِ إلى نِصْفِ النَّهارِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ كانَ يَغْدُو مِن إيلِيا فَيَقِيلُ بِإصْطَخْرَ ﴿ورَواحُها﴾ [أيْ] مِنَ الظُّهْرِ إلى آخِرِ النَّهارِ ﴿شَهْرٌ﴾ أيْ مَسِيرَتُهُ، فَهَذِهِ آيَةٌ سَماوِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّهُ كَما رَفَعَ بِساطَ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما حَصَلَ مِن جُنُودِهِ وآلاتِهِمْ ثُمَّ وضَعَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَضَعَ ما يَشاءُ مِنَ السَّماءِ فَيُهْلِكَ مَن تَقَعُ عَلَيْهِ، وهَذا كَما سَخَّرَ اللَّهُ الرِّيحَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ الأحْزابِ فَكانَتْ تَهُدُّ خِيامَهم وتَكْفَأُ طَعامَهم وتَضْرِبُ وُجُوهَهم بِالحِجارَةِ والتُّرابِ وهي لا تُجاوِزُ عَسْكَرَهم إلى أنْ هَزَمَهم [اللَّهُ] بِها، وكَما حَمَلَتْ شَخْصَيْنِ مِن أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ (p-٤٦٣)تَعالى عَنْهم في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَألْقَتْهُما في جَبَلَيْ طَيٍّ، وتَحْمِلُ مَن أرادَ اللَّهُ مِن أوْلِياءِ أُمَّتِهِ كَما هو في غايَةِ الشُّهْرَةِ ونِهايَةِ الكَثْرَةِ، وأمّا أمْرُ الإسْراءِ والمِعْراجِ فَهو مِنَ الجَلالَةِ والعِظَمِ بِحَيْثُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّفَهُ في آياتِ السَّماءِ بِحَبْسِ المَطَرِ تارَةً وإرْسالِهِ أُخْرى.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّيحَ، أتْبَعَها ما هي مِن أسْبابِ تَكْوِينِهِ فَقالَ: ﴿وأسَلْنا لَهُ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ النُّحاسَ أذَبْناهُ لَهُ حَتّى صارَ كَأنَّهُ عَيْنُ ماءٍ، وذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّهُ [تَعالى] يَفْعَلُ في الأرْضِ ما يَشاءُ، فَلَوْ أرادَ لَأسالَها كُلَّها فَهَلَكَ مَن عَلَيْها، ولَوْ أرادَ لَجَعَلَ بَدَلَ الإسالَةِ الخَسْفَ والإزالَةَ.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّيحَ والنُّحاسَ الَّذِي لا يُذابُ عادَةً إلّا بِالنّارِ، ذَكَرَ ما أغْلَبُ عَناصِرِهِ النّارُ، وهو في الخِفَّةِ والإقْدارِ عَلى الطَّيَرانِ كالرِّيحِ فَقالَ: ﴿ومِنَ﴾ أيْ وسَخَّرْنا لَهُ مِن ﴿الجِنِّ﴾ أيِ الَّذِينَ سَتَرْناهم عَنِ العُيُونِ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ ﴿مَن يَعْمَلُ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ أمْكَنَهُ اللَّهُ مِنهم غايَةَ الإمْكانِ في غَيْبَتِهِ وحُضُورِهِ قالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ ظَنُّ ظانٍّ أنَّ لَهُمُ اسْتِبْدادًا بِأعْمالِهِمْ نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ أيْ بِتَمْكِينِ المُحْسِنِ إلَيْهِ لَهُ ولَهم بِما يُرِيدُ فِعْلَهُ.
(p-٤٦٤)ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ بِأمْرِهِ، زادَ ذَلِكَ تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن عَمِلَ بِأمْرِنا أثَبْناهُ جَنّاتِ النَّعِيمِ: ﴿ومَن يَزِغْ﴾ أيْ يَمِلْ، مِن زاغَ يَزِيغُ ويَزُوغُ ﴿مِنهُمْ﴾ مُجاوِزًا وعادِلًا ﴿عَنْ أمْرِنا﴾ [أيْ عَنِ الَّذِي أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ] أيْ أمْرِهِ الَّذِي هو مِن أمْرِنا ﴿نُذِقْهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي أمْكَنّا سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِها مِمّا أمْكَنّاهُ فِيهِ مِن ذَلِكَ ﴿مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ في الدُّنْيا مَجازًا وفي الآخِرَةِ حَقِيقَةً، وهَذا كَما أمْكَنَ اللَّهُ نَبِيَّنا ﷺ مِن ذَلِكَ العِفْرِيتِ فَخَنَقَهُ وهَمَّ بِرَبْطِهِ حَتّى يَتَلَعَّبَ بِهِ صِبْيانُ المَدِينَةِ، ثُمَّ تَرَكَهُ تَأدُّبًا مَعَ أخِيهِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيما سَألَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ، وأمّا الأعْمالُ الَّتِي تَدُورُ عَلَيْها إقامَةُ الدِّينِ فَأغْناهُ اللَّهُ فِيها عَنِ الجِنِّ بِالمَلائِكَةِ الكِرامِ، وسَلَّطَ جَمْعًا مِن صَحابَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى جَماعَةٍ مِن مَرَدَةِ الجانِّ مِنهم أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا وكَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِحِفْظِ زَكاةِ رَمَضانَ ومِنهم أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَضَ عَلى شَخْصٍ مِنهم كانَ يَسْرِقُ مِن تَمْرِهِ وقالَ: لَقَدْ عَلِمَتِ الجِنُّ ما فِيهِمْ [مَن هُوَ] أشَدُّ مِنِّي ومِنهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا جَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى صَدَقَةِ المُسْلِمِينَ [فَأتاهُ] شَيْطانٌ مِنهم يَسْرِقُ وتَصَوَّرَ لَهُ بِصُوَرٍ مِنها صُورَةُ فِيلٍ فَضَبَطَهُ بِهِ فالتَفَّتْ يَداهُ (p-٤٦٥)عَلَيْهِ وقالَ لَهُ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، فَشَكا إلَيْهِ الفَقْرَ وأخْبَرَهُ أنَّهُ مِن جِنِّ نُصَيْبِينَ وأنَّهم كانَتْ لَهُمُ المَدِينَةُ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ أخْرَجَهم [مِنها] وسَألَهُ أنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ عَلى أنْ لا يَعُودَ ومِنهم بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنْهم أجْمَعِينَ [صارَعَ الشَّيْطانَ فَصَرَعَهُ عُمَرُ، ومِنهم عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] قاتَلَ الشَّيْطانَ فَصَرَعَهُ عَمّارٌ، وأدْمى أنْفَ الشَّيْطانِ بِحَجَرٍ، ولِذَلِكَ وغَيْرِهِ كانَ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: عَمّارٌ الَّذِي أجارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ﷺ ذَكَرَها كُلَّها البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وذَكَرْتُ تَخْرِيجَ أكْثَرِها في كِتابِي مَصاعِدِ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ، وأمّا عَيْنُ القِطْرِ فَهي ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ والمُلْكِ في الدُّنْيا والخُلْدِ فِيها ثُمَّ الجَنَّةُ فاخْتَرْتُ أنْ أكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا أجُوعُ يَوْمًا وأشْبَعُ يَوْمًا» الحَدِيثُ، فَشَمِلَ ذَلِكَ مِن رَوْضَةِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إلى عَيْنِ الذَّهَبِ المُصَفّى إلى ما دُونَ ذَلِكَ، ورَوى التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قالَ: «عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهْبًا، قُلْتُ: لا يا رَبِّ! ولَكِنْ أشْبَعُ يَوْمًا وأجُوعُ يَوْمًا، أوْ قالَ ثَلاثًا أوْ نَحْوَ (p-٤٦٦)ذَلِكَ، فَإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إلَيْكَ وذَكَرْتُكَ، وإذا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وحَمِدْتُكَ» ولِلطَّبَرانِيِّ بِإسْنادٍ حَسَنٍ والبَيْهَقِيِّ في الزُّهْدِ وغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما «أنَّ إسْرافِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أتى النَّبِيَّ ﷺ بِمَفاتِيحِ خَزائِنِ الأرْضِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي أنْ أعْرِضَ عَلَيْكَ أنْ أُسَيِّرَ مَعَكَ جِبالَ تِهامَةَ زُمُرُّدًا وياقُوتًا وذَهَبًا وفِضَّةً، فَإنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا وإنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبَدًا، فَأوْمَأ إلَيْهِ جِبْرائِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ تَواضَعْ، فَقالَ نَبِيًّا عَبْدًا»
رَواهُ ابْنُ حِبّانَ [فِي صَحِيحِهِ] مُخْتَصَرًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولَهُ في الصَّحِيحِ أيْضًا عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أُوتِيتُ بِمَقالِيدِ الدُّنْيا عَلى فَرَسٍ أبْلَقَ عَلى قَطِيفَةٍ مِن سُنْدُسٍ» وفي البُخارِيِّ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ خَزائِنِ الأرْضِ أوْ مَفاتِيحَ» [الأرْضِ] هَذا [ما] يَتَعَلَّقُ بِالأرْضِ، وقَدْ زِيدَ ﷺ عَلى ذَلِكَ بِأنْ أيَّدَهُ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِالتَّصَرُّفِ في خَزائِنِ السَّماءِ (p-٤٦٧)تارَةً بِشَقِّ القَمَرِ، وتارَةً بِرَجْمِ النُّجُومِ، وتارَةً بِاخْتِراقِ السَّماواتِ، وتارَةً بِحَبْسِ المَطَرِ وتارَةً بِإرْسالِهِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ.
سبأ 34:13
ولَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ الجِنَّ، ذَكَرَ حالَهم في أعْمالِهِمْ، دَلالَةً عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَتَصَرَّفُ في السَّماءِ والأرْضِ وما فِيهِما [ومَن فِيهِما] بِما يَشاءُ فَقالَ تَعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ شاءَ ﴿ما يَشاءُ﴾ أيْ عَمَلَهُ ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ أيْ أبْنِيَةٍ شَرِيفَةٍ مِن قُصُورٍ [ومَساكِنَ] وغَيْرِها هي أهْلٌ لِأنْ يُحارِبُ عَلَيْها أوْ مَساجِدَ، والمِحْرابُ مُقَدَّمُ كُلِّ مَسْجِدٍ ومَجْلِسٍ وبَيْتٍ، وكانَ مِمّا عَمِلُوهُ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ جُدْرانُهُ بِالحِجارَةِ العَجِيبَةِ البَدِيعَةِ والرُّخامِ الأبْيَضِ والأصْفَرِ والأخْضَرِ، وعُمُدُهُ بِأساطِينِ المَها الأبْيَضِ [الصّافِي] مُرَصَّعًا سُقُوفُهُ وجُدْرانُهُ بِالذَّهَبِ والفِضَّةِ والدُّرِّ والياقُوتِ والمِسْكِ والعَنْبَرِ وسائِرِ الطِّيبِ، وبَسَطَ أرْضَهُ بِألْواحِ الفَيْرُوزِ حَتّى كانَ أبْهى بَيْتٍ عَلى وجْهِ الأرْضِ ﴿وتَماثِيلَ﴾ أيْ صُورًا حِسانًا عَلى تِلْكَ الأبْنِيَةِ فِيها أسْرارٌ غَرِيبَةٌ كَما ذَكَرُوا أنَّهم صَنَعُوا لَهُ أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ ونَسْرَيْنِ في أعْلاهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ ذِراعَيْنِ، وإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ، ولَمْ تَكُنِ التَّصاوِيرُ مَمْنُوعَةً.
(p-٤٦٨)ولَمّا ذَكَرَ القُصُورَ وزِينَتَها، ذَكَرَ آلاتِ المَأْكَلِ لِأنَّها أوَّلُ ما تُطْلَبُ بَعْدَ الِاسْتِقْرارِ في المَسْكَنِ فَقالَ: ﴿وجِفانٍ﴾ أيْ صِحافٍ وقِصاعٍ يُؤْكَلُ فِيها ﴿كالجَوابِ﴾ جَمْعُ جابِيَةٍ، وهي الحَوْضُ الكَبِيرُ الَّذِي يُجْبى إلَيْهِ الماءُ، أيْ يُجْمَعُ قِيلَ: كانَ يَجْلِسُ عَلى الجَفْنَةِ الواحِدَةِ ألْفُ رَجُلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الصِّحافَ عَلى وجْهٍ يُعْجَبُ مِنهُ ويُسْتَعْظَمُ، ذَكَرَ ما يُطْبَخُ فِيهِ طَعامُها فَقالَ: ﴿وقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ أيْ ثابِتاتٍ ثَباتًا عَظِيمًا بِأنْ لا يَنْزِعَ عَنْ أثافِيِّها لِأنَّها لِكِبَرِها كالجِبالِ. ولَمّا ذَكَرَ المَساكِنَ وما تَبِعَها، أتْبَعَها الأمْرَ بِالعَمَلِ إشارَةً إلى أنَّهُ ﷺ ومَن تَبِعَهُ لا يُلْهِيهِمْ ذَلِكَ عَنِ العِبادَةِ فَقالَ: ﴿اعْمَلُوا﴾ أيْ وقُلْنا لَهُمْ: تَمَتَّعُوا واعْمَلُوا، دَلَّ عَلى مَزِيدِ قُرْبِهِمْ بِحَذْفِ أداةِ النِّداءِ وعَلى شَرَفِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ بِالآلِ فَقالَ: ﴿آلَ داوُدَ﴾ أيْ كُلَّ ما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ ﴿شُكْرًا﴾ أيْ لِأجْلِ الشُّكْرِ لَهُ سُبْحانَهُ، وهو تَعْظِيمُهُ في مُقابَلَةِ نِعَمِهِ لِيَزِيدَكم مِن فَضْلِهِ [أوِ النَّصْبِ عَلى الحالِ أيْ شاكِرِينَ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ: اشْكُرُوا شُكْرًا، لِأنَّ ”اعْمَلُوا“ فِيهِ مَعْنى ”اشْكُرُوا“ مِن حَيْثُ أنَّ العَمَلَ لِلْمُنْعِمِ شُكْرٌ لَهُ، ويَجُوزُ أنْ تَنْتَصِبَ بِاعْمَلُوا مَفْعُولًا بِهِمْ مَعْناهُ أنّا سَخَّرْنا لَكُمُ الجِنَّ يَعْمَلُونَ لَكم ما شِئْتُمْ فاعْمَلُوا أنْتُمْ شُكْرًا - عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ - ] ﴿وقَلِيلٌ﴾ (p-٤٦٩)أيْ قُلْنا ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ قَلِيلٌ.
ولَمّا لَمْ يَقْتَضِ الحالُ العَظَمَةَ لِأنَّها مُبالَغَةٌ في الشُّكْرِ ألْيَقُ، أسْقَطَ مَظْهَرَها فَقالَ: ﴿مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ المُتَوَفِّرِ الدَّواعِي بِظاهِرِهِ وباطِنِهِ مِن قَلْبِهِ ولِسانِهِ وبَدَنِهِ عَلى الشُّكْرِ بِأنْ يَصْرِفَ جَمِيعَ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيما يُرْضِيهِ، وعَبَّرَ بِصِيغَةِ فَعُولٍ إشارَةً إلى أنَّ مَن يَقَعُ مِنهُ مُطْلَقُ الشُّكْرِ كَثِيرٌ، وأقَلُّ ذَلِكَ حالَ الِاضْطِرارِ.
سبأ 34:14
ولَمّا كانَ رُبَّما اسْتُبْعِدَ مَوْتُ مَن هو عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ مِن ضَخامَةِ المُلْكِ بِنُفُوذِ الأمْرِ وسَعَةِ الحالِ وكَثْرَةِ الجُنُودِ، أشارَ إلى سُهُولَتِهِ بِقُرْبِ زَمَنِهِ وسُرْعَةِ إيقاعِهِ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى بُطْلانِ تَعْظِيمِهِمْ لِلْجِنِّ بِالإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ بَعْدَ تَنْبِيهِهِمْ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ بِاسْتِخْدامِهِ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا﴾ بِالفاءِ، ولِذَلِكَ عادَ إلى مَظْهَرِ الجَلالِ فَقالَ: ﴿قَضَيْنا﴾ وحَقَّقَ صِفَةَ القُدْرَةِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿المَوْتَ ما دَلَّهُمْ﴾ أيْ جُنُودَهُ وكُلُّ مَن في مِلْكِهِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ قَرِيبٍ وبَعِيدٍ ﴿عَلى مَوْتِهِ﴾ لِأنّا جَعَلْنا لَهُ مِن سَعَةِ العِلْمِ ووُفُورِ الهَيْبَةِ ونُفُوذِ الأمْرِ ما تَمَكَّنَ بِهِ مِن إخْفاءِ مَوْتِهِ عَنْهم ﴿إلا دابَّةُ الأرْضِ﴾ فَخَّمَها بِهَذِهِ الإضافَةِ الَّتِي مِن مَعْناها أنَّهُ لا دابَّةَ لِلْأرْضِ غَيْرُها لِما أفادَتْهُ مِنَ العِلْمِ ولِأنَّها لِكَوْنِها تَأْكُلُ مِن كُلِّ شَيْءٍ (p-٤٧٠)مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِنَ الخَشَبِ والحَجَرِ والتُّرابِ والثِّيابِ وغَيْرِ ذَلِكَ أحَقُّ الدَّوابِّ بِهَذا الِاسْمِ، ويَزِيدُ ذَلِكَ حُسْنًا أنَّ مَصْدَرَ فِعْلِها أرْضَ بِالفَتْحِ والإسْكانِ فَيَصِيرُ مِن قَبِيلِ التَّوْرِيَةِ لِيَشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى تَفْسِيرِها ثُمَّ بَيَّنَ أنَّها الأرَضَةُ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: أيُّ دابَّةٍ هي وبِما دَلَّتْ: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾ أيْ عَصاهُ الَّتِي ماتَ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها قائِمًا في بَيْتٍ مِن زُجاجٍ، ولَيْسَ لَهُ بابٌ، صَنَعَتْهُ لَهُ الجِنُّ لِما أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّ أجَلَهُ قَدْ حَضَرَ، وكانَ قَدْ بَقِيَ في المَسْجِدِ بَقِيَّةٌ لِيُخْفِيَ مَوْتَهُ عَلى الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ في البَيْتِ المُقَدَّسِ حَتّى يَتِمَّ؛ قالَ في القامُوسِ في بابِ الهَمْزِ: نَسَأهُ: زَجَرَهُ وساقَهُ وأخَّرَهُ ودَفَعَهُ عَنِ الحَوْضِ، والمِنسَأةُ كَمِكْنَسَةٍ مَرْتَبَةٌ، ويُتْرَكُ الهَمْزُ فِيهِما: العَصا - لِأنَّ الدّابَّةَ تُنْسَأُ بِها أيْ تُساقُ، والبَدَلُ فِيها لازِمٌ، حَكاهُ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. فالمَعْنى أنَّ الجِنَّ كانُوا يُزْجَرُونَ ويُساقُونَ بِها، وقَرَأها المَدَنِيّانِ وأبُو عَمْرٍو بِالإبْدالِ، وابْنُ عامِرٍ مِن رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ والدّاجُونِيُّ عَنْ هِشامٍ (p-٤٧١)بِإسْكانِ الهَمْزَةِ، والباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ أيْ سَقَطَ عَلى الأرْضِ بَعْدَ أنْ قَصَمَتِ الأرَضَةُ عَصاهُ ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ أيْ عَلِمَتْ عِلْمًا بَيِّنًا لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى تَدْبِيجٍ وتَدْلِيسٍ، وانْفَضَحَ أمْرُهم وظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّهم ﴿لَوْ كانُوا﴾ أيِ الجِنُّ ﴿يَعْلَمُونَ الغَيْبَ﴾ أيْ عِلْمَهُ ﴿ما لَبِثُوا﴾ أيْ أقامُوا حَوْلًا مُجْرَمًا ﴿فِي العَذابِ المُهِينِ﴾ مِن ذَلِكَ العَمَلِ الَّذِي كانُوا مُسَخَّرِينَ فِيهِ، والمُرادُ إبْطالُ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ عَلى وجْهِ الصِّفَةِ، لِأنَّ المَعْنى أنَّ دَعْواهم ذَلِكَ إمّا كَذِبٌ أوْ جَهْلٌ، فَأحْسَنُ الأحْوالِ لَهم أنْ يَكُونَ جَهْلًا مِنهُمْ، وقَدْ تَبَيَّنَ لَهُمُ الآنَ جَهْلُهم بَيانًا لا يَقْدِرُونَ عَلى إنْكارِهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“ تَعْلِيلِيَّةً، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: تَبَيَّنَ حالُ الجِنِّ فِيما يُظَنُّ بِهِمْ مِن أنَّهم يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، لِأنَّهم إلى آخِرِهِ، وسَبَبُ عِلْمِهِمْ مُدَّةَ كَوْنِهِ مَيِّتًا قَبْلَ ذَلِكَ أنَّهم وضَعُوا الأرَضَةَ عَلى مَوْضِعٍ مِنَ العَصا فَأكَلَتْ مِنها يَوْمًا ولَيْلَةً، وحَسَبُوا عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ فَوَجَدُوا المُدَّةَ سَنَةً، وفي هَذا تَوْبِيخٌلِلْعَرَبِ أنَّهم يُصَدِّقُونَ مَن ثَبَتَ بِهَذا الأمْرِ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ في الخُرافاتِ اللّاتِي تَأْتِيهِمْ بِها الكُهّانَ وغَيْرُهم مِمّا يَفْتِنُهم والحالُ أنَّهم يُشاهِدُونَ مِنهُ كَذِبًا كَبِيرًا، فَكانُوا بِذَلِكَ مُساوِينَ لِمَن يُخْبِرُ مِنَ الآدَمِيِّينَ عَنْ بَعْضِ المُغَيَّباتِ بِظَنٍّ يَظُنُّهُ أوْ مَنامٍ يَراهُ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَكُونُ كَما قالَ، هَذا مَعَ (p-٤٧٢)إعْراضِهِمْ عَمَّنْ يُخْبِرُهم بِالآخِرَةِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ونَصِيحَةً لَهُمْ، وما أخْبَرَهم بِشَيْءٍ قَطُّ إلّا ظَهَرَ صِدْقُهُ قَبْلَ ادِّعائِهِ لِلنُّبُوَّةِ وبَعْدَهُ، وأظْهَرَ لَهم مِنَ المُعْجِزاتِ ما بَهَرَ العُقُولَ. وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ ثَبَتَ لِمَن قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ مِنَ الخَوارِقِ ثَبَتَ لَهُ مِثْلُهُ أوْ أعْظَمُ مِنهُ إمّا لَهُ نَفْسِهِ أوْ لِأحَدٍ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا الَّذِي ذُكِرَ لِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن حَفْظِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ سَنَةً لا يَمِيلُ قَدْ ثَبَتَ مِثْلُهُ لِشَخْصٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ مِن غَيْرِ شَيْءٍ يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في رِسالَتِهِ في بابِ البادِيَةِ قائِمًا [مَيَّتًا] لا يُمْسِكُهُ شَيْءٌ. انْتَهى.
وقَدْ ثَبَتَ مِثْلُ ذَلِكَ الشَّخْصِ في بِلادِ شِرَوانَ مِن بِلادِ فارِسَ بِالقُرْبِ مِن شَماخى، اسْمُ ذَلِكَ الوَلِيِّ مُحَمَّدٌ، ولَقَبُهُ دَمْدَمْكى، ماتَ مِن نَحْوِ أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ في المِائَةِ الخامِسَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهو قاعِدٌ في مَكانٍ مِن مَقامِهِ الَّذِي كانَ البِسْطامِيَّةَ، أخْبَرَنِي مِن شاهِدَهُ مِمَّنْ كَذَلِكَ لا أتَّهِمُهُ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ العَجَمِ، وهو أمْرٌ مَشْهُورٌ مُتَواتِرٌ في بِلادِهِمْ غَنِيٌّ عَنْ مُشاهَدَةِ شَخْصٍ (p-٤٧٣)مُعَيَّنٍ، قالَ: زُرْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ ولَهُ هَيْبَةٌ تَمْنَعُ المُعْتَقِدَ مِنَ الدُّنُوِّ مِنهُ دُنُوًّا يَرى بِهِ وجْهَهُ كَما أشارَ تَعالى إلى مِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا ولَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾ [الكهف: ١٨] قالَ: وكانَ مَعَنا في بَعْضِ المَرّاتِ شَخْصٌ مِن طَلَبَةِ العِلْمِ مِن أهْلِ كَيْلانِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ يَقُولُ: إنَّما هَذا نَوْعُ شَعْبَدَةٍ يُخَيَّلُ بِهِ عَلى عُقُولِ الرِّعاعِ، قالَ: فَتَقَدَّمَ إلَيْهِ بِجُرْأةٍ ولَمَسَ صَدْرَهُ ونَظَرَ في وجْهِهِ، فَأُصِيبَ في الحالِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلّا مَحْمُولًا، فَأقامَ في المَدْرَسَةِ الَّتِي كانَ يَشْتَغِلُ بِها في مَدِينَةِ شَمّاخِي مُدَّةً، وأخْبَرَنا [أنَّ] الشَّيْخَ دَمْدَمْكِي قالَ لَهُ لَمّا لَمَسَهُ: لَوْلا أنَّكَ مِن أهْلِ العِلْمِ هَلَكْتَ، وأنَّهُ شَيْخٌ خَفِيفُ اللِّحْيَةِ، قالَ: وقَدْ تُبْتُ إلى اللَّهِ تَعالى وصِرْتُ مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِما هُوَعَلَيْهِ أنَّهُ حَقٌّ، ولا أُكَذِّبُ بِشَيْءٍ مِن كَراماتِ الأوْلِياءِ، قالَ الحاكِي: وقَدْ دُفِنَ ثَلاثَ مَرّاتٍ إحْداها بِأمْرِ تَمْرِلِنْكَ فَيُصْبِحُ جالِسًا عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
سبأ 34:15
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ [سبإ: ٩] الآيَةُ، عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ لِمُعامَلَةِ مَن يُرِيدُ مِمَّنْ فِيهِما بِما يَشاءُ مِن فَضْلٍ عَلى مَن شَكَرَ، وعَدَلَ فِيمَن كَفَرَ، ودَلَّ (p-٤٧٤)عَلى ذَلِكَ بِما قَصَّهُ مِن أخْبارِ بَعْضِ أُولِي الشُّكْرِ، وخَتَمَ بِمَوْتِ نَبِيِّهِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ الشّاكِرِ ابْنِ الشّاكِرِ عَلَيْهِما السَّلامُ، وما كانَ فِيهِ مِنَ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ غَيْرُهُ لِيُنْتِجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ غَيْرُهُ، وكانَ مَوْتُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ مُوجِبًا لِاخْتِلالٍ مِن بَعْدِهِمْ لِفَواتِ آياتِهِمْ بِفَواتِهِمْ بِخِلافِ آيَةِ القُرْآنِ، فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ والأزْمانِ، لِكُلِّ إنْسٍ ومَلَكٍ وجانٍّ، يُنادِي مُنادِيها عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: هَلْ مِن مُبارٍ أوْ مُضادٍّ؟ فَلِذَلِكَ حُفِظَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ، وضاعَ غَيْرُها في أوْدِيَةٍ مُدْلَهِمَّةٍ، أتْبَعَهُ دَلِيلًا آخَرَ شُهُودِيًّا عَلى آيَةِ ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ [سبإ: ٩] في قَوْمٍ كانَ تَمامُ صَلاحِهِمْ بِسُلَيْمانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فاخْتَلَّ بَعْدَهُ أمْرُهُمْ، وصارَ مِن عَجائِبِ الكَوْنِ ذِكْرُهُمْ، حِينَ ضاعَ شُكْرُهُمْ، فَكانَ مِن تَرْجَمَةِ اتِّباعِ قِصَّتِهِمْ لِما قَبْلَها أنَّ آلَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ شَكَرُوا، فَسَخَّرَ لَهم مِنَ الجِبالِ والطَّيْرِ والمَعادِنِ وغَيْرِها ما لَمْ يَكُنْ غَيْرُهم يَطْمَعُ فِيهِ، وهم أضاعُوا الشُّكْرَ فَأعْصى عَلَيْهِمْ وأضاعَ مِنهم ما لَمْ يَكُونُوا يَخافُونَ فَواتَهُ مِن مِياهِهِمْ وأشْجارِهِمْ وغَيْرِها، فَقالَ تَعالى مُشِيرًا بِتَأْكِيدِهِ إلى تَعْظِيمٍ ما كانُوا فِيهِ، وأنَّهُ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ، وسائِرِ صِفاتِ الكَمالِ، وأنَّ عَمَلَ قُرَيْشٍ عَمَلُ مَن يُنْكِرُ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّتُهم (p-٤٧٥)مِن ذَلِكَ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ﴾ أيِ القَيْلَةِ المَشْهُورَةِ الَّتِي كانَتْ تَسْجُدُ لِلشَّمْسِ، فَهَداهُمُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وحِكْمَةُ تَسْكِينِ قُنْبُلَ هَمْزَتَها الإشارَةُ إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الخَفْضِ والدَّعَةِ ورَفاهَةِ العَيْشِ المُثْمِرَةِ لِلرّاحَةِ والطُّمَأْنِينَةِ والهُدُوءِ والسَّكِينَةِ، ولَعَلَّ قِراءَةُ الجُمْهُورِ لَها بِالصَّرْفِ تُشِيرُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والبَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالمَنعِ تُشِيرُ إلى رُجُوعِهِمْ بِما صارُوا إلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ إلى غالِبِ أحْوالِ تِلْكَ البِلادِ في الإقْفارِ وقِلَّةِ النَّبْتِ والعَطَشِ ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ أيِ الَّتِي هي في غايَةِ الكَثْرَةِ، ووَحَّدَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ إشارَةً [إلى أنَّها] لِشِدَّةِ اتِّصالِ المَنافِعِ والمَرافِقِ كالمَسْكَنِ الواحِدِ، وكَسَرَ الكِسائِيُّ الكافَ إشارَةً [إلى أنَّها في غايَةِ المُلاءَمَةِ لَهم واللِّينِ، وفَتَحَهُ الآخَرانِ إشارَةً] إلى ما فِيها مِنَ الرُّوحِ والرّاحَةِ، وكانَتْ بِأرْضِ مَأْرَبٍ مِن بِلادِ اليَمَنِ، قالَ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن صَنْعاءَ، وكانَتْ أخْصَبَ البِلادِ وأطْيَبَها وأكْثَرَها ثِمارًا حَتّى كانَتِ المَرْأةُ تَضَعُ عَلى رَأْسِها المِكْتَلَ وتَطُوفُ في ما بَيْنَ الأشْجارِ فَيَمْتَلِئُ المِكْتَلُ مِن غَيْرِ أنْ تَمَسَّ شَيْئًا بِيَدِها، (p-٤٧٦)وكانَتْ مِياهُهم تَخْرُجُ مِن جَبَلٍ فَبَنَوْا فِيهِ سَدًّا وجَعَلُوا لَهُ ثَلاثَةَ أبْوابٍ فَكانُوا يُسَرِّحُونَ الماءَ إلى كَرُومِهِمْ مِنَ البابِ الأعْلى والأوْسَطِ والأسْفَلِ، قالَ الرّازِي كانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ ومَعَها مِغْزَلُها وعَلى رَأْسِها مِكْتَلُها فَتَمْتَهِنُ مَغْزِلَتَها، فَلا تَأْتِي بَيْتَها حَتّى يَمْتَلِئَ مِكْتَلُها [مِن] الثِّمارِ، وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: ولَمّا مَلَكَتْ بِلْقِيسُ اقْتَتَلَ قَوْمُها عَلى ماءِ وادِيهِمْ فَتَرَكَتْ مُلْكَها، وسَكَنَتْ قَصْرَها وراوَدُوها عَلى أنْ تَرْجِعَ فَأبَتْ فَقالُوا: لِتَرْجِعِنَّ أوْ لَنَقْتُلَنَّكِ، فَقالَتْ لَهُمْ: لا عُقُولَ لَكُمْ، ولا تُطِيعُونِي، فَقالُوا نُطِيعُكِ، فَرَجَعَتْ إلى وادِيهِمْ، وكانُوا إذا مُطِرُوا أتاهُمُ السَّيْلُ مِن مَسِيرَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَأمَرَتْ بِهِ فَسُدَّ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ بِمُسْناةٍ بِالصَّخْرِ والقارِ، وحَبَسَتِ الماءَ مِن وراءِ السَّدِّ، وجَعَلَتْ لَهُ أبْوابًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وبَنَتْ مِن دُونِهِ بِرْكَةً فِيها اثْنا عَشَرَ مَخْرَجًا عَلى عِدَّةِ أنْهارِهِمْ، وكانَ الماءُ يَخْرُجُ لَهم بِالسَّوِيَّةِ، وقالَ المَسْعُودِيُّ في مُقَدِّماتِ مُرُوجِ الذَّهَبِ قَبْلَ السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ بِيَسِيرٍ في الكَلامِ عَلى الكُهّانِ، كانَتْ مِن أخْصَبِ أرْضِ اليَمَنِ وأثْراها، وأعْذَبِها وأغْداها، وأكْثَرَها جَنانًا، (p-٤٧٧)وكانَتْ مَسِيرَةُ أكْثَرِ مِن شَهْرٍ لِلرّاكِبِ المُجِدِّ عَلى هَذِهِ الحالِ في العَرْضِ مِثْلَ ذَلِكَ، يَسِيرُ الرّاكِبُ مِن أوَّلِها إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلى آخِرِها، لا تُواجِهُهُ الشَّمْسُ ولا يُفارِقُها الظِّلُّ، لِاسْتِتارِ الأرْضِ بِالأشْجارِ واسْتِيلائِها عَلَيْها وإحاطَتِها بِها، فَكانَ أهْلُها في أطْيَبِ عَيْشٍ وأرْفَعِهِ وأهْنَأِ حالٍ وأرْغَدِهِ، في نِهايَةِ الخِصْبِ وطِيبِ الهَواءِ وصَفاءِ الفَضاءِ وتَدَفُّقِ الماءِ، وقُوَّةِ الشَّوْكَةِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ خَبَرًا طَوِيلًا في أخْبارِهِمْ وخَرابِ ما كانَ مِن آثارِهِمْ وتَفَرُّقِهِمْ في البِلادِ وشَتاتِهِمْ بَيْنَ العِبادِ ﴿آيَةٌ﴾ أيْ عَلامَةً ظاهِرَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ، ثُمَّ فَسَّرَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنَّتانِ﴾ مُجاوِرَتانِ لِلطَّرِيقِ ﴿عَنْ يَمِينٍ وشِمالٍ﴾ أيْ بَساتِينَ مُتَّصِلَةٍ وحَدائِقَ مُشْتَبِكَةٍ، ورِياضٍ مُحْتَبِكَةٍ، حَتّى كانَ الكُلُّ مِن كُلِّ جانِبٍ جَنَّةً واحِدَةً لِشِدَّةِ اتِّصالِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ عَنْ يَمِينِ كُلِّ سالِكٍ وشِمالِهِ في أيِّ مَكانِ سُلِكَ مِن بِلادِهِمْ لَيْسَ فِيها مَوْضِعٌ مُعَطَّلٌ، وقالَ البَغَوِيُّ: عَنْ يَمِينِ وادِيهِمْ وشِمالِهِ، قَدْ أحاطَ الجَنَّتانِ بِذَلِكَ الوادِي. وأشارَ الى كَرَمِ تِلْكَ الجِنانِ وسَعَةِ [ما] بِها مِنَ الخَيْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ لا تَحْتاجُ بِلادُهم إلى غَيْرِ أنْ يُقالَ لَهُمْ: كُلُوا ﴿مِن رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكُمُ الَّذِي أخْرَجَ لَكم مِنها كُلَّ ما تَشْتَهُونَ ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ أيْ خُصُّوهُ بِالشُّكْرِ بِالعَمَلِ بِما أنْعَمَ بِهِ في ما يُرْضِيهِ لِيُدِيمَ لَكُمُ النِّعْمَةَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَعْظِيمَ (p-٤٧٨)ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ أيْ كَرِيمَةُ التُّرْبَةِ حَسَنَةُ الهَواءِ سَلِيمَةٌ مِنَ الهَوامِّ والمِضْمارِ لا يَحْتاجُ ساكِنُها إلى ما يَتْبَعُهُ فَيَعُوقُهُ عَنِ الشُّكْرِ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا يُوجَدُ فِيها بُرْغُوثٌ ولا بَعُوضٌ ولا عَقْرَبٌ ولا حَيَّةٌ، ولا تَقْمَلُ ثِيابُهُمْ، ولا تَعِيا دَوابُّهم. وأشارَ إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبٌّ غَفُورٌ﴾ أيْ لِذَنْبِ مَن شَكَرَهُ وتَقْصِيرِهِ بِمَحْوِ عَيْنِ ما قَصَّرَ فِيهِ وأثَرَهُ فَلا يُعاقِبُ عَلَيْهِ ولا يُعاتِبُ، ولَوْلا [ذَلِكَ] ما أنْعَمَ عَلَيْكم بِما أنْتُمْ فِيهِ ولَأهْلَكَكم بِذُنُوبِكُمْ، وأخْبَرَنِي بَعْضُ أهْلِ اليَمَنِ أنَّها اليَوْمَ مَفازَةٌ قُرْبَ صَنْعاءِ اليَمَنِ - قالَ: في بَعْضِها عِنَبٌ يُعْمَلُ مِنهُ زَبِيبٌ كِبارٌ جِدًّا في مِقْدارِ دُرٍّ - تَلِي بِلادَ الشّامِ، وهو في غايَةِ الصَّفاءِ كَأنَّهُ قِطَعُ المُصْطِكا ولَيْسَ لَهُ نَوًى أصْلًا.
سبأ 34:16
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الإنْعامِ بَطَرُهُمُ المُوجِبُ لِإعْراضِهِمْ عَنِ الشُّكْرِ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرَضُوا﴾ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إعْراضِهِمْ مَقْتُهُمْ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا﴾ ودَلَّ عَلى أنَّهُ إرْسالُ عَذابٍ بَعْدَ مَظْهَرِ العَظَمَةِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾ أيْ سَيْحَ المَطَرِ الغالِبِ المُؤْذِي الشَّدِيدِ الكَثِيرِ الحادِّ الفِعْلِ المُتَناهِي في الأذى الَّذِي لا يَرُدُّهُ شَيْءٌ ولا تَمْنَعُهُ حِيلَةٌ بِسَدٍّ ولا غَيْرِهِ مِنَ العَرامَةِ، وهي الشِّدَّةُ والقُوَّةُ، فَأفْسَدَ عَلَيْهِمْ جَمِيعَ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، قالَ أبُو حَيّانَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجُرَذَ (p-٤٧٩)فارًا أعْمى تَوالَدَ فِيهِ، ويُسَمّى الخُلْدَ، فَخَرَّفَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَأرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا في ذَلِكَ الوادِي، فَحَمَلَ ذَلِكَ السَّدَّ فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ مِنَ العِظَمِ وكَثْرَةِ الماءِ بِحَيْثُ مَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، وحَمَلَ الجِنانَ وكَثِيرًا مِنَ النّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرارُ. ولَمّا غَرِقَ مَن غَرِقَ مِنهم ونَجا مَن نَجا، تَفَرَّقُوا وتَمَزَّقُوا حَتّى ضَرَبَتِ العَرَبُ المَثَلَ بِهِمْ فَقالُوا: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبا [وأيادِيَ سَبا]، والأوْسُ والخَزْرَجُ مِنهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في الفَتْرَةِ الَّتِي بَيْنَ عِيسى ونَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ أيْ جَعَلْنا لَهم بَدَلَهُما ﴿جَنَّتَيْنِ﴾ هُما في غايَةِ ما يَكُونُ مِن مُضادَّةِ جَنَّتَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُما بِقَوْلِهِ إعْلامًا بِأنَّ إطْلاقَ الجَنَّتَيْنِ عَلَيْهِما مُشاكَلَةٌ لَفْظِيَّةٌ لِلتَّهَكُّمِ بِهِمْ: ﴿ذَواتَيْ أُكُلٍ﴾ أيْ ثَمَرٍ ﴿خَمْطٍ﴾ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِتَنْوِينٍ ﴿أُكُلٍ﴾ أقْعْدُ في التَّهَكُّمِ مِن قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ بِالإضافَةِ.
ولَمّا كانَ الخَمْطُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ البَهائِمِ والإنْسانِ في الأكْلِ والتَّجَنُّبِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما أرادَ مِنهُ، لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الأراكِ، لَهُ ثَمَرٌ يُؤْكَلُ، وكُلُّ شَجَرَةٍ مُرَّةٍ ذاتِ شَوْكٍ، والحامِضُ أوِ المُرُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وكُلُّ نَبْتٍ (p-٤٨٠)أخَذَ طَعْمًا مِن مَرارَةٍ حَتّى لا يُؤْكَلَ، و[لا] يُمْكِنُ أكْلُهُ، وثَمَرٌ يُقالُ لَهُ فَسْوَةُ الضَّبْعِ عَلى صُورَةِ الخَشْخاشِ يَنْفَرِكُ ولا يُنْتَفَعُ بِهِ، والحَمْلُ القَلِيلُ مِن كُلِّ شَجَرٍ، ذَكَرَ ما يَخُصُّ البَهائِمَ الَّتِي بِها قِوامُ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿وأثْلٍ﴾ أيْ [و] ذَواتَيْ أثْلٍ، وهو شَجَرٌ لا ثَمَرَ لَهُ، نَوْعٌ مِنَ الطَّرْفاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَخُصُّ الإنْسانَ فَقالَ: ﴿وشَيْءٍ مِن سِدْرٍ﴾ أيْ نَبْقٍ ﴿قَلِيلٍ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ غَيْرَ السِّدْرِ و[هُوَ] ما لا مَنفَعَةَ فِيهِ أوْ مَنفَعَتُهُ مَشُوبَةٌ بِكَدَرٍ أكْثَرَ مِنَ السِّدْرِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ الفَرّاءَ فَسَّرَ هَذا السِّدْرَ بِالسَّمُرِ، قالَ: وقالَ الأزْهَرِيُّ: السِّدْرُ سِدْرانِ: سِدْرٌ لا يُنْتَفَعُ بِهِ ولا يَصْلُحُ ورَقُهُ لِلْغُسُولِ، ولَهُ ثَمَرَةٌ عَفْصَةٌ لا تُؤْكَلُ، وهَذا الَّذِي يُسَمّى الضّالَّ وسِدْرٌ يَنْبُتُ عَلى الماءِ وثَمَرُهُ النَّبْقُ ووَرَقُهُ الغُسُولُ يُشْبِهُ العُنّابَ. وقَدْ سَبَقَ الوَعْدُ في البَقَرَةِ بِبَيانِ مَطْلَبِ ما يُفِيدُهُ دُخُولُ الجارِّ مَعَ مادَّةِ ”بَدَّلَ“ فَإنَّ الحالَ يَفْتَرِقُ فِيها بَيْنَ الإبْدالِ والتَّبْدِيلِ والِاسْتِبْدالِ والتَّبَدُّلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهي كَثْرَةُ الدَّوْرِ مُشْتَبِهَةَ الأمْرِ، وقَدْ حَقَّقَها شَيْخُنا مُحَقِّقُ زَمانِهِ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِالدِّيارِ المِصْرِيَّةِ (p-٤٨١)شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ القاياتِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقالَ فِيما عَلَّقْتُهُ عَنْهُ وذُكِرَ أكْثَرُهُ في شَرْحِهِ لِخُطْبَةِ المِنهاجِ لِلنَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المادَّةَ - أعْنِي الباءَ والدّالَ واللّامَ - مَعَ هَذا التَّرْتِيبِ قَدْ يُذْكَرُ مَعَها المُتَقابِلانِ فَقَطْ وقَدْ يُذْكَرُ مَعَهُما غَيْرُهُما وقَدْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ فَإنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِما فَقَدْ يُذْكَرانِ مَعَ التَّبَدُّلِ والِاسْتِبْدالِ مَصْحُوبًا أحَدُهُما بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] الآيَةُ، فَتَكُونُ الباءُ داخِلَةً عَلى المَتْرُوكِ ويَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ لِلْمُقابِلِ المُتَّخَذِ، وقَدْ يُذْكَرانِ مَعَ التَّبْدِيلِ والإبْدالِ وأحَدُهُما مَقْرُونٌ بِالباءِ، فالباءُ داخِلَةٌ عَلى الحاصِلِ، ويَتَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى المَتْرُوكِ، نَقَلَ الأزْهَرِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ: بَدَّلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ - إذا أذَبْتَهُ وسَوَّيْتَهُ حَلْقَةً، وبَدَّلْتُ الحَلْقَةَ بِالخاتَمِ - إذا أذَبْتَها وجَعَلْتَها خاتَمًا، وأبْدَلْتُ الخاتَمَ بِالحَلْقَةِ - إذا نَحَّيْتَ هَذا وجَعَلْتَ هَذِهِ مَكانَهُ، وحَكى الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ عَنِ ابْنِ عَرَفَةَ يَعْنِي نِفْطَوَيْهِ أنَّهُ قالَ: التَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ عَنْ حالِهِ والإبْدالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ مَكانَ آخَرَ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَعْنى التَّبْدِيلِ التَّغْيِيرُ وإنْ لَمْ يُؤْتَ بِبَدَلٍ كَما ذَكَرَ في الصِّحاحِ (p-٤٨٢)وكَمًّا هو مُقْتَضى كَلامِ ابْنِ عَرَفَةَ، فَحَيْثُ ذُكِرَ المُتَقابِلانِ وقِيلَ: ”بَدَّلْتُ هَذا بِذاكَ“ رَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّكَ أخَذْتَ ذاكَ وأعْطَيْتَ هَذا، فَإذا قِيلَ: بَدَّلَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ، فَمَعْناهُ غَيَّرَ الشَّيْءَ بِغَيْرِهِ، أيْ تَرَكَ الأوَّلَ وأخَذَ الثّانِيَ، فَكانَتِ الباءُ داخِلَةً عَلى المَأْخُوذِ لا المَنحى، ومَعْنى إبْدالِ الشَّيْءِ بِغَيْرِهِ يَرْجِعُ إلى تَنْحِيَةِ الشَّيْءِ وجَعْلِ غَيْرِهِ مَكانَهُ، فَكانَتِ الباءُ داخِلَةً عَلى المُتَّخَذِ مَكانَ المَنحى، ولِلتَّبْدِيلِ ولَوْ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى المُتَقابِلِينَ اسْتِعْمالٌ آخَرُ، يَتَعَدّى إلى المَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا مِنهُ زَكاةً﴾ [الكهف: ٨١] الآيَةُ بِمَعْنى يَجْعَلُ الحَسَناتِ بَدَلَ السَّيِّئاتِ ويُعْطِيهِما بَدَلَ ما كانَ لَهُما خَيْرًا وقَدْ لا يَذْكُرُ المَذْهُوبَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] ومَعْنى التَّبَدُّلِ والِاسْتِبْدالِ أخْذُ الشَّيْءِ مَكانَ غَيْرِهِ، فَإذا قُلْتَ: اسْتَبْدَلْتُ هَذا بِذاكَ، أوْ تَبَدَّلْتُ هَذا بِذاكَ، رَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ أنَّكَ أخَذْتَ هَذا وتَرَكْتَ ذاكَ، وإنْ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَيْهِما بَلْ ذَكَرَ مَعَهُما غَيْرَهُما وأحَدُهُما مَصْحُوبٌ بِالجارِّ وذَكَرَ التَّبْدِيلَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ (p-٤٨٣)تَعَدّى الفِعْلُ بِنَفْسِهِ إلى المَفْعُولَيْنِ يَعْنِي إلى المَفْعُولِ ذَلِكَ لِأجْلِهِ وإلى المَأْخُوذِ بِنَفْسِهِ، وإلى المَذْهُوبِ المُبْدَلِ مِنهُ بِالباءِ كَما في ”بَدَّلَهُ بِخَوْفِهِ أمْنًا“ ومَعْناهُ: أزالَ خَوْفَهُ إلى الأمْنِ وقَدْ يَتَعَدّى إلى المَذْهُوبِ والحالَةُ هَذِهِ - بِمَن كَما في ”بَدَّلَهُ مِن خَوْفِهِ أمْنًا“ ولِلتَّبْدِيلِ أيْضًا اسْتِعْمالٌ آخَرُ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مِثْلِ: بَدَّلْتُ الشَّيْءَ أيْ غَيَّرْتُهُ، قالَ تَعالى ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ [البقرة: ١٨١] عَلى أنَّ هَهُنا ما يَجِبُ التَّنَبُّهُ لَهُ وهو أنَّ الشَّيْءَ يَكُونُ مَأْخُوذًا بِالقِياسِ والإضافَةِ إلى شَيْءٍ، مَتْرُوكًا بِالقِياسِ والإضافَةِ إلى آخَرَ، كَما إذا أعْطى شَخْصٌ شَخْصًا شَيْئًا وأخَذَ بَدَلَهُ مِنهُ، فالشَّيْءُ الأوَّلُ مَأْخُوذٌ لِلشَّخْصِ الثّانِي ومَتْرُوكٌ لِلْأوَّلِ، والمُقابِلُ بِالعَكْسِ فَيَصِحُّ أنْ يُعَبَّرَ بِالتَّبَدُّلِ والتَّبْدِيلِ، ويُعْتَبَرُ في كُلٍّ مِنهُما ما يُناسِبُهُ، والإشْكالُ المُقامُ قَصَدْنا بَعْضَ الإطْنابِ. انْتَهى، واللَّهُ أعْلَمُ.
سبأ 34:17
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ هَذا المَحْقِ والتَّقْتِيرِ بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِن ذَلِكَ المُلْكِ الكَبِيرِ، هَوَّلَ أمْرَهُ مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ مِمّا يَهْتَمُّ غايَةَ الِاهْتِمامِ بِتَعَرُّفِهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الجَزاءُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ في أمْرِ المَسْخِ ﴿جَزَيْناهُمْ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِما كَفَرُوا﴾ أيْ غَطَّوْا (p-٤٨٤)الدَّلِيلَ الواضِحَ.
ولَمّا كانَ مِنَ العادَةِ المُسْتَقِرَّةِ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العَوالِ، العَرِيقَيْنِ في مُقارَعَةِ الأبْطالِ، المُبالَغَةُ في جَزاءِ مَن أساءَ بَعْدَ الإحْسانِ، وقابَلَ الإنْعامَ بِالكُفْرانِ، لِما أثَّرَ في القُلُوبِ مِنَ الحَرِيقِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وكَرَّةً في أثَرِ كَرَّةٍ، أجْرى الأمْرَ سُبْحانَهُ عَلى هَذا العُرْفِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ عادًّا لِغَيْرِ جَزائِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمًا، تَهْدِيدًا يُصَدِّعُ القُلُوبَ ويَرْدَعُ النُّفُوسَ، ويَدَعُ الأعْناقَ خاضِعَةً والرُّؤُوسَ: ﴿وهَلْ نُجازِي﴾ أيْ هَذا الجَزاءَ الَّذِي هو عَلى وجْهِ العِقابِ مِن مُجازٍ ما عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ ﴿إلا الكَفُورَ﴾ أيِ المَبالِغَ في الكُفْرِ، وقِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ ”نُجازِي“ بِالنُّونِ عَلى أُسْلُوبٍ ما قَبْلَهُ مِنَ العَظَمَةِ ونَصْبِ ”الكَفُورِ“ وقالَ الفَرّاءُ: المُؤْمِنُ يُجْزى ولا يُجازى - كَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ عِقابَ المُسِيءِ لِأجْلِ عَمَلِهِ فَهو مُفاعَلَةٌ، وأمّا ثَوابُ المُطِيعِ فَهو فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لا لِأجْلِ عَمَلِهِ، فَإنَّ عَمَلَهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، وذَلِكَ لا يُنافِي المُضاعَفَةَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: [كَذَلِكَ] مِنَ النّاسِ مَن يَكُونُ في رَغَدٍ مِنَ الحالِ (p-٤٨٥)واتِّصالٍ مِنَ التَّوْفِيقِ وطِيبٍ مِنَ القَلْبِ ومُساعَدَةٍ مِنَ الوَقْتِ فَيَرْتَكِبُ زَلَّةً أوْ يُسِيءُ أدَبًا أوْ يَتْبَعُ شَهْوَةً، ولا يَعْرِفُ قَدْرَ ما هو فِيهِ فَيُغَيِّرُ عَلَيْهِ الحالَ، فَلا وقْتَ ولا حالَ، ولا طَرَبَ ولا وِصالَ، يُظْلِمُ عَلَيْهِ النَّهارُ، وكانَتْ لَيالِيهُ مُضِيئَةٍ بِبَدائِعِ الأنْوارِ.
سبأ 34:18
ولَمّا أتَمَّ الخَبَرَ عَنِ الجِنانِ الَّتِي بِها القِوامُ نِعْمَةً ونِقْمَةً، أتْبَعَهُ مَواضِعَهُ السُّكّانَ فَقالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، ونَبَّهَ بِنَزْعِ الجارِّ عَلى عِمارَةِ جَمِيعِ تِلْكَ الأراضِي بِالبِناءِ والِانْتِفاعِ فَقالَ: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أيْ بَيْنَ قُرى أهْلِ سَبَأٍ ﴿وبَيْنَ القُرى﴾ أيْ مُدُنًا كانَتْ أوْ دُونَها ﴿الَّتِي بارَكْنا﴾ أيْ بَرَكَةً اعْتَنَيْنا بِها اعْتِناءَ مَن يُناظِرُ آخَرَ بِغايَةِ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ بِأنْ جَعَلْناها مَحالَّ العِلْمِ والرِّزْقِ بِالأنْبِياءِ وأصْفِياءِ الأوْلِياءِ وهي بِلادُ الشّامِ ﴿قُرًى ظاهِرَةً﴾ أيْ مِن أرْضِ الشّامِ في أشْرافِ الأرْضِ وما صَلُبَ مِنها وعَلا، لِأنَّ البِناءَ فِيها أثْبَتُ، والمَشْيَ بِها أسْهَلُ، والِابْتِهاجَ بِرُؤْيَةِ جَمِيعِ الجِنانِ وما فِيها مِنَ النَّضْرَةِ مِنها أمْكَنُ. فَهي ظاهِرَةٌ لِلْعُيُونِ بَيْنَ تِلْكَ الجِنانِ، كَأنَّها الكَواكِبُ الحِسانُ، مَعَ تَقارُبِها بِحَيْثُ يُرى بَعْضُها مِن بَعْضٍ وكَثْرَةُ المالِ بِها والمَفاخِرُ والنَّفْعُ والمَعُونَةُ لِلْمارَّةِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: كانَتْ أرْبَعَةَ آلافٍ وسَبْعَمِائَةِ قَرْيَةٍ مُتَّصِلَةً مِن سَبَأٍ (p-٤٨٦)إلى الشّامِ.
ولَمّا كانَتْ مَعَ هَذا الوَصْفِ رُبَّما كانَ فِيها عُسْرٌ عَلى المُسافِرِ لِعَدَمِ المُوافَقَةِ في المَقِيلِ والمَبِيتِ، أزالَ هَذا بِقَوْلِهِ: ﴿وقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾ أيْ جَعَلْناهُ عَلى مَقادِيرَ هي في غايَةِ الرِّفْقِ بِالمُسافِرِ في نُزُولِهِ مَتى أرادَ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ السُّفّارِ، فَهي لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ بِأنْ يُقالَ لِأهْلِها والنّازِلِينَ بِها عَلى سَبِيلِ الِامْتِنانِ: ﴿سِيرُوا﴾ والدَّلِيلُ عَلى تَقارُبِها جِدًّا قَوْلُهُ: ﴿فِيها﴾ ودَلَّ عَلى كَثْرَتِها وطُولِ مَسافَتِها وصَلاحِيَتِها لِلسَّيْرِ أيَّ وقْتٍ أُرِيدَ، مُقَدِّمًا لِما هو أدَلُّ عَلى الأمْنِ وأعْدَلُ لِلسَّيْرِ في البِلادِ الحارَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيالِيَ﴾ وأشارَ إلى كَثْرَةِ الظِّلالِ والرُّطُوبَةِ والِاعْتِدالِ الَّذِي يُمْكِنُ مَعَهُ السَّيْرُ في جَمِيعِ النَّهارِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأيّامًا﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ شِئْتُمْ، ودَلَّ عَلى عَظِيمِ أمانِها في كُلِّ وقْتٍ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ مُلِمٍّ بِقَوْلِهِ: ﴿آمِنِينَ﴾ أيْ مِن خَوْفٍ وتَعَبٍ، أوْ ضَيْعَةٍ أوْ عَطَشٍ أوْ سَغَبٍ.
سبأ 34:19
ولَمّا انْقَضى الخَبَرُ عَنْ هَذِهِ الأوْصافِ الَّتِي تَسْتَدْعِي غايَةَ الشُّكْرِ لِما فِيها مِنَ الألْطافِ، دَلَّ عَلى بَطَرِهِمْ لِلنِّعْمَةِ بِها بِأنَّهم جَعَلُوها سَبَبًا لِلتَّضَجُّرِ والمِلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا﴾ عَلى وجْهِ الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُرَبِّي لَنا ﴿باعِدْ﴾ أيْ أعْظِمِ البُعْدَ وشَدِّدْهُ - عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو (p-٤٨٧)وهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِتَشْدِيدِ العَيْنِ وإسْكانِ الدّالِ، وهَذا بِمَعْنى قِراءَةِ الباقِينَ غَيْرِ يَعْقُوبَ ﴿باعِدْ﴾ المُقْتَضِيَةُ لِمَدِّهِ وتَطْوِيلِهِ ﴿بَيْنَ أسْفارِنا﴾ أيْ قُرانا الَّتِي نُسافِرُ فِيها، أيْ لِيَقِلَّ النّاسُ فَيَكُونُ ما يَخُصُّ كُلَّ إنْسانٍ مِن هَذِهِ الجِنانِ أضْعافَ ما يَخُصُّهُ الآنَ ونَحْمِلُ الزّادَ ونَسِيرُ عَلى النَّجائِبِ ونَتَعَلَّقُ السِّلاحَ ونَسْتَجِيدُ المَراكِبَ، وكانَ بَعْضُهم كَأنَّ عَلى الضِّدِّ مِن غَرَضِ هَؤُلاءِ فاسْتَكْثَرَ مَسافَةَ ما بَيْنَ كُلِّ قَرْيَتَيْنِ فَقالَ كَما قَرَأ يَعْقُوبُ ”رَبُّنا“ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ ”باعَدَ“ فِعْلًا ماضِيًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ فازْدَرى تِلْكَ النِّعْمَةَ الوارِدَةَ عَلى قانُونِ الحِكْمَةِ واشْتَهى أنْ تَكُونَ تِلْكَ القُرى مُتَواصِلَةً ﴿وظَلَمُوا﴾ حَيْثُ عَدُّوا النِّعْمَةَ نِقْمَةً، والإحْسانَ إساءَةً ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ تارَةً بِاسْتِقْلالِ الدِّيارِ، وتارَةً بِاسْتِقْلالِ الثِّمارِ، فَسَبَّبَ ذَلِكَ تَبْدِيلَ ما هم فِيهِ بِحالٍ هو في الوَحْشَةِ بِقَدْرِ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الأُنْسِ وهو مَعْنى ﴿فَجَعَلْناهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أحادِيثَ﴾ أيْ يَتَواصَفُها النّاسُ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ لِما لَها مِنَ الهَوْلِ ﴿ومَزَّقْناهُمْ﴾ أيْ تَمْزِيقًا يُناسِبُ العَظَمَةَ، فَما كانَ لَهم دَأْبٌ إلّا المُطاوَعَةُ فَمُزِّقُوا ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيَّ تَمْزِيقٍ كَما يُمَزَّقُ الثَّوْبُ، بِحَيْثُ صارُوا مَثَلًا مَضْرُوبًا إلى هَذا الزَّمانِ، (p-٤٨٨)يُقالُ لِمَن شُتِّتَ أمْرُهُمْ: تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبا.
ولَمّا كانَ كُلٌّ مِن أمْرَيْهِمْ هَذَيْنِ في العِمارَةِ والخَرابِ أمْرًا باهِرًا دالًّا عَلى أُمُورٍ كَثِيرَةٍ، مِنها القُدْرَةُ عَلى السّاعَةِ الَّتِي هي مَقْصُودُ السُّورَةِ بِالنَّقْلَةِ مِنَ النَّعِيمِ إلى الجَحِيمِ والحَشْرِ إلّا ما لا يُرِيدُ الإنْسانُ كَما حُشِرَ أهْلُ سَبَأٍ إلى كَثِيرٍ مِن أقْطارِ البِلادِ كَما هو مَشْهُورٌ في قِصَّتِهِمْ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ مُسْتَأْنِفًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى إنْعامِ النَّظَرِ فِيهِ، لِما لَهُ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى صِفاتِ الكَمالِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرِ العَظِيمِ ﴿لآياتٍ﴾ أيْ دَلالاتٍ بَيِّنَةً جِدًّا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى التَّصَرُّفِ فِيما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ بِالإيجادِ والإعْدامِ لِلذَّواتِ والصِّفاتِ بِالخَسْفِ والمَسْخِ، فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ خارِقٍ وخارِقٍ، وعَلى أنَّ بَطَرَهم لِتِلْكَ النِّعْمَةِ حَتّى مَلُّوها ودَعَوْا بِإزالَتِها دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإنْسانَ ما دامَ حَيًّا فَهو في نِعْمَةٍ يَجِبُ عَلَيْهِ شُكْرُها كائِنَةً ما كانَتْ وإنْ كانَ يَراها بَلِيَّةً، لِأنَّهُ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ مِنَ القَلَقِ كَثِيرًا ما يَرى النِّعَمَ نِقَمًا، واللَّذَّةَ ألَمًا، ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالصَّبْرِ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ.
ولَمّا كانَ الصَّبْرُ حَبْسَ النَّفْسِ عَنْ أغْراضِها الفاسِدَةِ وأهْوِيَتِها المُعْمِيَةِ، وكانَتْ مُخالَفَةُ الهَوى أشَدَّ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ وأشَقَّ، وكانَتِ النِّعَمُ تُبْطِرُ وتُطْغِي، وتُفْسِدُ وتُلْهِي، فَكانَ عَطْفُ النُّفُوسِ إلى الشُّكْرِ (p-٤٨٩)بَعْدَ جِماحِها بِطُغْيانِ النِّعَمِ صَعْبًا، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ شارَكَتْ سَبَأً فِيما ذُكِرَ وزادَتْ عَلَيْهِمْ بِرَغَدِ العَيْشِ وسُهُولَةِ إتْيانِ الرِّزْقِ بِما حَبَّبَهم بِهِ وبَلَدَهم إلى العِبادِ بِدَعْوَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أمْنِ البَلَدِ وجَلالَةِ النَّسَبِ وعَظِيمِ المَنصِبِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل: ١١٢] الآيَةُ، قالَ تَعالى مُحَذِّرًا لَهم مِثْلَ عُقُوبَتِهِمْ: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ أيْ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ، مُشِيرًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، وأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ في طَبْعِهِ الصَّبْرُ والشُّكْرُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ مَن لَيْسَ في طَبْعِهِ الصَّبْرُ فاتَهُ الشُّكْرُ.
سبأ 34:20
ولَمّا كانَ المَعْنى: آياتٌ في أنْ تُخالِفُوا إبْلِيسَ فَلا تُصَدِّقُوا ظَنَّهُ في احْتِناكِهِمْ حَيْثُ قالَ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ كُلِّ أحَدٍ أنْ يَكُونَ صَدَقَ ظَنُّ إبْلِيسَ فِيهِ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ كانَ في ذَلِكَ آياتٌ مانِعَةٌ مِنِ اتِّباعِ الشَّيْطانِ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿صَدَّقَ﴾ ولَمّا كانَ في اسْتِغْوائِهِمْ غالِبًا لَهم في إرْكابِهِمْ ما تَشْهَدُ عُقُولُهم بِأنَّهُ ضَلالٌ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ عَلى ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-٤٩٠)ولَمّا كانَ في سِياقِ الإثْباتِ لِعَظَمَةِ اللَّهِ وما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ وما لَهُ مِنَ التَّصَرُّفِ التّامِّ الدّاعِي ذَلِكَ إلى الإقْبالِ إلَيْهِ وقَصْرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ تَعالى ”إبْلِيس“ الَّذِي هو مِنَ البَلَسِ وهو ما لا خَيْرَ عِنْدَهُ - والإبْلاسُ - وهو اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ - لِيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في التَّبْكِيتِ والتَّوْبِيخِ ﴿ظَنَّهُ﴾ أيْ في قَوْلِهِ: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] ﴿ولأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] ﴿إلا عِبادَكَ﴾ [الحجر: ٤٠] ﴿ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧] فَكَأنَّهُ لَمّا قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الظَّنِّ تَقاضاهُ ظَنُّهُ [الصِّدْقُ فَصَدَّقَهُ] في إعْمالِ الحِيلَةِ حَتّى كانَ ذَلِكَ الظَّنُّ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالتَّخْفِيفِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ بِالتَّشْدِيدِ فالمَعْنى أنَّهُ جَعَلَ ظَنَّهُ الَّذِي كانَ يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ فِيهِ قَبْلَ التَّحَقُّقِ صادِقًا، بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ أحَدًا تَكْذِيبُهُ فِيهِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ سُبْحانَهُ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاتَّبَعُوهُ﴾ أيْ بِغايَةِ الجُهْدِ بِمَيْلِ الطَّبْعِ والِاسْتِلْذاذِ المُوجِبِ لِلنُّزُوعِ والتَّرامِي بَعْضُهم في الكُفْرانِ وبَعْضُهم في مُطْلَقِ العِصْيانِ.
ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهم جَمْعَيِ النّاسِ، عَرَّفَ بِهِ الِاسْتِثْناءَ المُعَرَّفَ لِقِلَّةِ النّاجِينَ فَقالَ: ﴿إلا فَرِيقًا﴾ أيْ ناسًا لَهُمُ القُدْرَةُ عَلى تَفْرِيقِ كَلِمَةِ أهْلِ الكُفْرِ وفَضِّ جَمْعِهِمْ وإنْ كانُوا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ (p-٤٩١)فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الإيمانِ، فَكانُوا خالِصِينَ لِلَّهِ مُخْلِصِينَ في عِبادَتِهِ، وأمّا غَيْرُهم فَمالُوا مَعَهُ، وكانَ مِنهُمُ المُقِلُّ ومِنهُمُ المُكْثِرُ بِالهَفَواتِ والزَّلّاتِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ.
سبأ 34:21
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ أنْ لِإبْلِيسَ أمْرًا بِنَفْسِهِ، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿كانَ﴾ أصْلًا ﴿لَهُ عَلَيْهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولا غَيْرِهِمْ، وأعْرَقَ فِيما هو الحَقُّ مِنَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ تَسَلُّطٍ قاهِرٍ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ لِأنَّهُ مِثْلُهم في كَوْنِهِ عَبْدًا عاجِزًا مَقْهُورًا، ذَلِيلًا خائِفًا مَدْحُورًا، قالَ القُشَيْرِيُّ: هو مُسَلَّطٌ، ولَوْ أمْكَنَهُ أنْ يُضِلَّ غَيْرَهُ أمْكَنَهُ أنْ يُمْسِكَ عَلى الهِدايَةِ نَفْسَهُ ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ نَحْنُ سَلَّطْناهُ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانِنا ومَلَّكْناهُ قِيادَهم بِقَهْرِنا؛ وعَبَّرَ عَنِ التَّمْيِيزِ الَّذِي هو سَبَبُ العِلْمِ بِالعِلْمِ فَقالَ: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَن يُؤْمِنُ﴾ أيْ يُوجِدُ الإيمانَ لِلَّهِ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ أيْ لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِذَلِكَ في عالَمِ الشَّهادَةِ في حالِ تَمَيُّزِهِ تَعَلُّقًا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ في مَجارِي عاداتِ البَشَرِ كَما كانَ مُتَعَلَّقًا بِهِ في عالَمِ الغَيْبِ ﴿مِمَّنْ هو مِنها﴾ أيْ مِنَ الآخِرَةِ ﴿فِي شَكٍّ﴾ فَهو لا يَتَجَدَّدُ لَهُ بِها إيمانٌ أصْلًا، لِأنَّ الشَّكَّ ظَرْفٌ لَهُ مُحِيطٌ بِهِ، وإنَّما اسْتَعارَ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”لَكِنْ“ إشارَةً إلى (p-٤٩٢)أنَّهُ مَكَّنَهُ تَمْكِينًا تامًّا صارَ بِهِ كَمَن لَهُ سُلْطانٌ حَقِيقِيٌّ.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْقَعَ في وهْمٍ نَقْصًا في العِلْمِ أوْ في القُدْرَةِ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسَّرَهُ ﷺ بِتَكْثِيرِ هَذا الفَرِيقِ المُخْلِصِ وجَعَلَ أكْثَرَهُ مِن أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإخْزاءِ الشَّيْطانِ بِنُبُوَّتِكَ وإخْسائِهِ عَنْ أُمَّتِكَ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ حافِظُ أتَمَّ حِفْظٍ مُحِيطٌ بِهِ مُدَبِّرٌ لَهُ عَلى وجْهِ العُلُوِّ بِعِلْمِهِ الكامِلِ وقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ، فَلا يَفْعَلُ الشَّيْطانُ ولا غَيْرُهُ شَيْئًا إلّا بِعِلْمِهِ وإذْنِهِ.
سبأ 34:22
ولَمّا أثْبَتَ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ ولِذاتِهِ الأقْدَسِ مِنَ المُلْكِ في السَّماواتِ والأرْضِ وغَيْرِهِما ما رَأيْتَ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ التَّصْوِيبُ إلَيْها بِطَعْنٍ بِما سَمِعْتَ، وكانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ التَّوْحِيدَ فَإنَّهُ أصْلٌ يَنْبَنِي عَلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ قالَ: ﴿قُلِ﴾ أيْ [يا] أعْلَمَ الخَلْقِ! بِإقامَةِ الأدِلَّةِ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أشْرَكُوا ما لا يَشُكُّ في حَقارَتِهِ مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أيْ أنَّهم آلِهَةٌ كَما تَدْعُونَ اللَّهَ لا سِيَّما في وقْتِ الشَّدائِدِ، وحَذَفَ مَفْعُولَيْ ”زَعَمَ“ وهُما ضَمِيرُهم وتَألُّهُهم تَنْبِيهًا عَلى اسْتِهْجانِ ذَلِكَ واسْتِبْشاعِهِ، ولَيْسَ المَذْكُورُ في الآيَةِ مَفْعُولًا ولا قائِمًا (p-٤٩٣)مَقامَ المَفْعُولِ لِفَسادِ المَعْنى؛ وبَيَّنَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي حازَ جَمِيعَ العَظَمَةِ لِشَيْءٍ مِمّا أثْبَتَهُ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ فَلْيَفْعَلُوا شَيْئًا مِثْلَهُ أوْ يُبْطِلُوا شَيْئًا مِمّا فَعَلَهُ سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ جَوابُهم في ذَلِكَ السُّكُوتِ عَجْزًا وحَيْرَةً، تَوَلّى سُبْحانَهُ الجَوابَ عَنْهُمْ، إشارَةً إلى أنَّ جَوابَ كُلِّ مَن لَهُ تَأمُّلٌ لا وقْفَةَ فِيهِ بِقَوْلِهِ، مُعَبِّرًا عَنْهم بِعِبارَةِ مَن لَهُ عِلْمٌ بِإقامَتِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ، أوْ لِأنَّ بَعْضَ مَنِ ادُّعِيَتْ إلَهِيَّتُهُ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ أيِ الآنَ ولا يَتَجَدَّدُ لَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ أصْلًا.
ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في الحَقارَةِ بِما تَعْرِفُ العَرَبُ قالَ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ ولَمّا أُرِيدَ العُمُومُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ وأكَّدَ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾ لِأنَّ السَّماءَ ما عَلا، والأرْضَ ما سَفُلَ، والسَّماواتُ في العَرْشِ، والأرْضُ في السَّماءِ، فاسْتَغْرَقَ ذَلِكَ النَّفْيَ عَنْهُما وعَنْ كُلِّ ما فِيهِما مِن ذاتٍ ومَعْنًى إلى العَرْشِ، وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ.
ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في نَفْيِ المُلْكِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ المُشارَكَةِ، نَفى المُشارَكَةَ أيْضًا بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم فِيما يَدْعُونَهُ: ﴿وما لَهم فِيهِما﴾ أيِ السَّماواتِ والأرْضِ ولا فِيما فِيهِما، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: (p-٤٩٤)﴿مِن شِرْكٍ﴾ [أيْ] في خَلْقٍ ولا مُلْكٍ ولا مِلْكٍ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ. ولَمّا كانَ مِمّا في السَّماواتِ والأرْضِ نُفُوسُ هَذِهِ الأصْنامِ وقَدِ انْتَفى مُلْكُهم لِشَيْءٍ مِن أنْفُسِهِمْ أوْ ما أسْكَنَ فِيها سُبْحانَهُ مِن قُوَّةٍ أوْ مَنفَعَةٍ، فانْتَفى أنْ يَقْدِرُوا عَلى إعانَةِ غَيْرِهِمْ، وكانَ لِلتَّصْرِيحِ مَزِيدُ رَوْعَةٍ لِلنُّفُوسِ وهِزَّةٌ لِلْقُلُوبِ وقَطْعٌ لِلْأطْماعِ، حَتّى لا يَكُونَ هُناكَ مُتَشَبَّثٌ قَوِيٌّ ولا واهٍ قالَ: ﴿وما لَهُ﴾ أيِ اللَّهِ ﴿مِنهُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن ظَهِيرٍ﴾ أيْ مُعِينٍ عَلى شَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ، فَكَيْفَ يَصِحُّ مَعَ هَذا العَجْزِ الكُلِّيِّ أنْ يُدْعَوْا كَما يُدْعى ويُرْجَوْا كَما يُرْجى ويُعْبَدُوا كَما يُعْبَدُ.
سبأ 34:23
ولَمّا كانَ قَدْ بَقِيَ مِن أقْسامِ النَّفْعِ الشَّفاعَةُ، وكانَ المَقْصُودُ مِنها أثَرَها لا عَيْنَها، نَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْفَعُ﴾ أيْ في أيِّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا لِمَن﴾ ولَمّا كانَتْ كَثافَةُ الحِجابِ أعْظَمَ في الهَيْبَةِ، وكانَ البِناءُ لِلْمَجْهُولِ أدَلَّ عَلى كَثافَةِ الحِجابِ، قالَ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَعْلِ المَصْدَرِ عُمْدَةَ الكَلامِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ: ﴿أذِنَ لَهُ﴾ أيْ وقَعَ مِنهُ (p-٤٩٥)إذْنٌ لَهُ عَلى لِسانِ مَن شاءَ مِن جُنُودِهِ بِواسِطَةٍ واحِدَةٍ أوْ أكْثَرَ في أنْ يَشْفَعَ في غَيْرِهِ أوْ في أنْ يَشْفَعَ [فِيهِ] غَيْرُهُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ تَدُلُّ عَلى العَظَمَةِ مِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّهُ لا افْتِياتَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مَن أحَدٍ ما، بَلْ لا أنْ يَنُصَّ هو سُبْحانَهُ عَلى الإذْنِ، وإلّا فَلا اسْتِطاعَةَ عَلَيْهِ أصْلًا.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَوْقُوفِينَ في مَحَلِّ خَطَرٍ لِلْعَرْضِ عَلى مَلِكٍ مَرْهُوبٍ مَتى نُودِيَ بِاسْمِ أحَدٍ مِنهم فَقِيلَ أيْنَ فُلانٌ يَنْخَلِعُ قَلْبُهُ ورُبَّما أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ كانَ مِنَ المَعْلُومِ مِمّا مَضى أنَّهُ مَتى بَرَزَ النِّداءُ مِن قِبَلِهِ تَعالى في ذَلِكَ المَقامِ الَّذِي تُرى فِيهِ كُلُّ أُمَّةٍ جاثِيَةً يُغْشى عَلى الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ وهو غايَةٌ لِنَحْوِ أنْ يُقالَ: فَإذا أذِنَ لَهُ وقَعَ الصَّعْقُ لِجَلالِهِ وكِبْرِيائِهِ وكَمالِهِ حَتّى ﴿إذا فُزِّعَ﴾ أيْ أُزِيلَ الفَزَعُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأهْوَنِ سَعْيٍ مِن أمْرِهِ سُبْحانَهُ - هَذا في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وأزالَ هو سُبْحانَهُ الفَزَعَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ ويَعْقُوبَ، إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ أمْرِهِ شَيْءٌ ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أيِ الشّافِعِينَ والمَشْفُوعِ لَهُمْ، فَإنَّ ”فَعَّلَ“ (p-٤٩٦)يَأْتِي لِلْإزالَةِ كَقَذَّيْتُ عَيْنَهُ، إذا أزَلْتَ عَنْها القَذى ﴿قالُوا﴾ أيْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ذاكِرِينَ صِفَةَ الإحْسانِ لِيَرْجِعَ إلَيْهِمْ رَجاؤُهم فَتَسْكُنَ لِذَلِكَ قُلُوبُهم.
ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا رُبَّما قالَ بَعْضُهم قَوْلًا ثُمَّ بَدا لَهُ فَرَجَعَ عَنْهُ، أوْ عارَضَهُ فِيهِ شَخْصٌ مِن أعْيانِ جُنْدِهِ فَيَنْتَقِضُ، أخْبَرَ أنَّ المَلِكَ الدَّيّانَ لَيْسَ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿قالُوا الحَقَّ﴾ أيِ الثّابِتَ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يُبَدَّلَ، بَلْ يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا يَكُونُ شَيْءٌ يُخالِفُهُ ﴿وهُوَ العَلِيُّ﴾ أيْ فَلا رُتْبَةَ إلّا دُونَ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَلا يَقُولُ غَيْرَ الحَقِّ مِن نَقْصِ عِلْمٍ ﴿الكَبِيرُ﴾ أيِ الَّذِي لا كَبِيرَ غَيْرُهُ فَيُعارِضُهُ في شَيْءٍ مِن حُكْمٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ [قالَ]: «إذا قَضى اللَّهُ الأمْرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ ﴿إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا﴾ - لِلَّذِي قالَ - ﴿الحَقَّ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، ومُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ - [و] وصَفَهُ سُفْيانُ بِكَفِّهِ فَحَرَّفَها وبَدَّدَ بَيْنَ أصابِعِهِ - فَيَسْمَعُ (p-٤٩٧)الكَلِمَةَ ويُلْقِيها إلى مَن تَحْتِهِ، ثُمَّ يُلْقِيها الآخَرُ إلى مَن تَحْتِهِ حَتّى يُلْقِيَها عَلى لِسانِ السّاحِرِ أوِ الكاهِنِ، فَرُبَّما أدْرَكَهُ الشِّهابُ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَها، ورُبَّما ألْقاها قَبْلَ أنْ يُدْرِكَهُ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ فَيُقالُ: ألَيْسَ [قَدْ] قالَ لَنا يَوْمَ كَذا وكَذا كَذا وكَذا، فَيَصْدُقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ» وقالَ في التَّوْحِيدِ: وقالَ مَسْرُوقٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ”وإذا تَكَلَّمَ اللَّهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أهْلُ السَّماواتِ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ وسَكَنَ الصَّوْتُ عَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ ونادَوْا ماذا قالَ رَبُّكم قالُوا الحَقَّ“ [ورَوى هَذا الحَدِيثَ العَيْنِيُّ في جُزْئِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَوْقُوفًا عَلَيْهِ قالَ: كانَ لِكُلِّ قُبَيْلٍ مِنَ الجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّماءِ يَسْمَعُونَ فِيهِ الوَحْيَ، وفِيهِ: فَلا يَنْزِلُ عَلى سَماءٍ إلّا صَفَّقُوا، وفي آخِرِهِ: ثُمَّ يُقالُ: يَكُونُ العامُ كَذا ويَكُونُ العامُ كَذا، فَتَسْمَعُ الجِنُّ ذَلِكَ فَتُخْبِرُ بِهِ الكَهَنَةُ النّاسَ فَيَجِدُونَهُ كَما قالُوا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ دُحِرُوا، فَقالَتِ العَرَبُ: هَلَكَ مَن في السَّماءِ، فَذَكَرَ ذَبْحَ العَرَبِ لِأمْوالِهِمْ مِنَ الإبِلِ وغَيْرِها، حَتّى نَهَتْهم ثَقِيفٌ، واسْتَدَلُّوا بِثَباتِ مُعَلِّمِ النُّجُومِ، ثُمَّ أمَرَ إبْلِيسُ جُنْدَهُ بِإحْضارِ التُّرابِ وشَمِّهِ حَتّى عَرَفَ أنَّ الحَدَثَ مِن مَكَّةَ].
سبأ 34:24
ولَمّا سَلَبَ عَنْ شُرَكائِهِمْ أنْ يَمْلِكُوا شَيْئًا مِنَ الأكْوانِ، (p-٤٩٨)وأثْبَتَ جَمِيعَ المُلْكِ لَهُ وحْدَهُ، أمَرَهُ ﷺ بِأنْ يُقَرِّرَهم بِما يَلْزَمُ مِنهُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ مُتَوَقِّفًا عَلى الكَوْنَيْنِ، وكانَ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ والتَّوْبِيخِ جَمَعَ لِئَلّا يُدَّعى أنَّ لِشَيْءٍ مِنَ العالَمِ العُلْوِيِّ مُدَبِّرًا غَيْرَهُ سُبْحانَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ السَّماواتِ﴾ وقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ بِالإفْرادِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ غَيْرَها.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ وحْدَهُ كَما تَقَدَّمَ التَّصْرِيحُ بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وكانَ مِنَ المُحَقِّقِ أنَّ إقْرارَهم بِذَلِكَ مُلْزِمٌ لَهُمُ الإخْلاصَ في العِبادَةِ عِنْدَ كُلِّ مَن لَهُ أدْنى مِسْكَةٍ مِن عَقْلِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ [بِالإشارَةِ] بِأمْرِهِ ﷺ بِالإجابَةِ إلى أنَّهم كالمُنْكِرِينَ لِهَذا، لِأنَّ إقْرارَهم بِهِ لَمْ يَنْفَعْهم فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيْ [المَلِكُ الأعْلى] وحْدَهُ، وأمَرَهُ [بَعْدَ إقامَةِ] هَذا الدَّلِيلِ [البَيِّنِ] بِأنْ يَتْبَعَهُ ما هو أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِن وقْعِ النَّبْلِ بِطَرِيقٍ لا أنْصَفَ مِنهُ، ولا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُصَوِّبَ إلَيْهِ نَوْعَ طَعْنٍ بِأنْ يَقُولَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ إنْعامِ النَّظَرِ في تَمْيِيزِ المُحِقِّ مِنَ المُبْطِلِ بِالِانْخِلاعِ مِنَ الهَوى، فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الخَطَرِ: ﴿وإنّا﴾ أيْ أهْلَ التَّوْحِيدِ في العِبادَةِ لِمَن تَفَرَّدَ بِالرِّزْقِ ﴿أوْ إيّاكُمْ﴾ أيْ أهْلَ الإشْراكِ بِهِ مَن لا يَمْلِكُ شَيْئًا (p-٤٩٩)مِنَ الأشْياءِ و”أوْ“ عَلى بابِها لا بِمَعْنى الواوِ، أيْ إنَّ أحَدَ فَرِيقَيْنا عَلى إحْدى الحالَتَيْنِ مُبْهَمَةٌ غَيْرُ مُعِينَةٍ فَهو عَلى خَطَرٍ عَظِيمٍ لِكَوْنِهِ في شَكٍّ مِن أمْرِهِ غَيْرَ مَقْطُوعٍ لَهُ بِالهُدى، فانْظُرُوا بِعُقُولِكم في تَعْيِينِهِ هَلْ هو الَّذِي عَرَفَ [الحَقَّ] لِأهْلِهِ أوِ الَّذِي بَذَلَ الحَقَّ لِغَيْرِ أهْلِهِ، قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ تُكَذِّبُهُ: واللَّهِ إنَّ أحَدَنا لَكاذِبٌ، وأنْتَ تَعْنِيهِ تَكْذِيبًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ ويَقُولُ الرَّجُلُ: واللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ فُلانٌ، فَيَقُولُ لَهُ مَن يَعْلَمُ كَذِبَهُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيُكَذِّبُهُ بِأحْسَنِ مِن تَصْرِيحِ التَّكْذِيبِ، يَعْنِي ولا سِيَّما بَعْدَ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى المُرادِ ثُمَّ مَثَّلَ المُهْتَدِينَ بِمَن هو عَلى مَتْنِ جَوادٍ يُوَجِّهُهُ حَيْثُ شاءَ مِنَ الجَوادِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلى هُدًى﴾ أيْ في مُتابَعَةِ ما يَنْبَغِي أنْ يَعْمَلَ مُسْتَعْلِينَ عَلَيْهِ ناظِرِينَ لِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْرِّضَ فِيهِ مِمّا قَدْ يَجُرُّ إلى ضَلالٍ فَتُنَكِّبُهُ ﴿أوْ في ضَلالٍ﴾ [أيْ] عَنِ الحَقِّ في الِاعْتِقادِ المُناسِبِ فِيهِ مُنْغَمِسِينَ فِيهِ وهو مُحِيطٌ بِالمُبْتَلى بِهِ لا يَتَمَكَّنُ مَعَهُ مِن وجْهِ صَوابٍ: ﴿مُبِينٍ﴾ أيْ واضِحٍ في نَفْسِهِ داعٍ لِكُلِّ أحَدٍ إلى مَعْرِفَةِ أنَّهُ ضَلالٌ إلّا مَن كانَ مُنْغَمِسًا فِيهِ مَظْرُوفًا لَهُ، فَإنَّهُ لا يُحِسُّ بِنَفْسِهِ وما بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يَسْتَبْصِرَ إلّا أنْ يَخْرُجَ مِنهُ وقْتًا ما فَيَعْلَمَ أنَّهُ كانَ في حالِهِ ذَلِكَ فاعِلًا ما لا يَفْعَلُهُ (p-٥٠٠)مَن لَهُ نَوْعٌ مِنَ العَقْلِ، فَفي هَذا حَثٌّ عَلى النَّظَرِ الَّذِي كانُوا يَأْبَوْنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ونَحْوُهُ في الأدِلَّةِ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ بِأنْصَفِ دُعاءٍ وألْطَفِ نِداءٍ حَيْثُ شَرِكَ الدّاعِي نَفْسَهُ مَعَهم فِيما دَعاهم إلى النَّظَرِ فِيهِ، فالمَعْنى أنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلى كُلٍّ مِنّا - إذا كانَ عَلى إحْدى الطَّرِيقَيْنِ مُبْهَمَةً - أنْ يَنْظُرَ في أمْرٍ لِيَسْلَمَ فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الوُضُوحِ مَعَ أنَّ الضّالَّ في نِهايَةِ الخَطَرِ، ولَقَدْ كانَ الفُضَلاءُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم وذَوُو الأحْلامِ والنُّهى مِنهم يَقُولُونَ ذَلِكَ بَعْدَ الإسْلامِ كَخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ وعَمْرِو بْنِ العاصِ، وناهِيكَ بِهِما جَلالًا، ونَباهَةً وذَكاءً وكَمالًا، قالُوا: واللَّهِ كُنّا نَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِمَّنْ يَدْخُلُ في الإسْلامِ واليَوْمَ [نَحْنُ] نَعْجَبُ غايَةَ العَجَبِ مِمَّنْ يَتَوَقَّفُ عَنْهُ.
سبأ 34:25
ولَمّا كانُوا بَيْنَ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَسْكُتُوا فَيَعْلَمَ كُلُّ سامِعٍ أنَّ الحُجَّةَ لَزِمَتْهُمْ، وإمّا أنْ يَقُولُوا بِوَقاحَةٍ ومُكابَرَةٍ: أنْتُمْ في الضَّلالِ ونَحْنُ عَلى الهُدى، وكانَ الضّالُّ لا يَزالُ يَقْطَعُ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ بِوَصْلٍ ما يَجِبُ قَطْعُهُ، (p-٥٠١)أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم عَلى هَذا التَّقْدِيرِ بِما [هُوَ] أبْلَغُ في الإنْصافِ مِنَ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا تُسْألُونَ﴾ أيْ مِن سائِلٍ ما ﴿عَمّا أجْرَمْنا﴾ أيْ قَطَعْنا فِيهِ ما يَنْبَغِي أنْ يُوصَلَ مِمّا أوْجَبَهُ لَنا الضَّلالُ ﴿ولا نُسْألُ﴾ أيْ أصْلًا في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [مِن سائِلٍ ما] ﴿عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مِمّا بَنَيْتُمُوهُ عَلى العِلْمِ الَّذِي أوْرَثَكُمُوهُ الهُدى أيْ فاتْرُكُونا والنّاسَ غَيْرَكم كَما أنّا نَحْنُ تارِكُوكُمْ، فَمَن وضَحَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّرِيقَيْنِ سَلَكَهُ.
سبأ 34:26
ولَمّا كانُوا إمّا أنْ يُجِيبُوا إلى المُتارَكَةِ فَيُحَصِّلُوا بِها المَقْصُودَ عَنْ قَرِيبٍ، وإمّا أنْ يَقُولُوا: لا نَتْرُكُكُمْ، وكانَ هَذا الِاحْتِمالُ أرْجَحَ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم عَلى تَقْدِيرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ أيْ في قَضائِهِ المُرَتَّبِ عَلى قَدَرِهِ في الدُّنْيا أوْ في الأخَرَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والشُّيُوخُ يَنْتَظِرُونَ في الِاجْتِماعِ زَوائِدَ ويَسْتَرْوِحُونَ إلى هَذِهِ الآيَةِ، ولِلِاجْتِماعِ أمْرٌ كَبِيرٌ في الشَّرِيعَةِ.
ولَمّا كانَ إنْصافُهم مِنهم في غايَةِ البُعْدِ عِنْدَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ في غايَةِ العَظَمَةِ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ﴾ أيْ يَحْكُمُ ﴿بَيْنَنا﴾ حُكْمًا يَسْهُلُ بِهِ الطَّرِيقُ ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي (p-٥٠٢)لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنّا ولا مِنكم عَلى التَّخَلُّفِ عَنْهُ، وهو العَدْلُ أوِ الفَضْلُ مِن غَيْرِ ظُلْمٍ ولا مَيْلٍ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَهو الجامِعُ القَدِيرُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الفَتّاحُ﴾ أيِ البَلِيغُ الفَتْحِ لِما انْغَلَقَ، فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى فَتْحِهِ ﴿العَلِيمُ﴾ أيِ البالِغُ العَمَلِ بِكُلِّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ مِمّا يُمْكِنُ فِيهِ الحُكُوماتُ، فَهو القَدِيرُ عَلى فَصْلِ جَمِيعِ الخُصُوماتِ.
سبأ 34:27
ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا البَعْثَ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ، ودَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ بِما نَصَبَ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي شاهَدُوها مِن أفْعالِهِ بِالبَصَرِ أوِ البَصِيرَةِ إيجادًا وإعْدامًا، وأقامَ الحُجَّةَ عَلى صِحَّةِ الدَّعْوَةِ وبُطْلانٍ ما هم عَلَيْهِ، ثُمَّ تَهَدَّدَهم بِالفَصْلِ يَوْمَ الجَمْعِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ العِلْمِ المُحِيطِ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ الشّامِلَةِ، وكانَتِ القُدْرَةُ لا تَكُونُ شامِلَةً إلّا عِنْدَ الوَحْدانِيَّةِ، أمَرَهُ بِما يُوجِبُ لَهُمُ القَطْعَ بِوَحْدانِيَّتِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ.
ولَمّا كانَتْ آلِهَتُهم تُسَهِّلُ رُؤْيَتَها، وكانَ كُلُّ ما هو كَذَلِكَ سافِلَ المِقْدارِ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ، وكانَتْ آلِهَتُهم بِالخُصُوصِ أدْنى الأشْياءِ عَنْ ذَلِكَ بِكَوْنِها مِن أخَسِّ الجَماداتِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّها نَكِرَةٌ لا تَعْرِفُ بِقَلْبٍ ولا تَدُلُّ عَلَيْها فِطْرَةٌ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أرُونِيَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا لَزِمَ مِمّا ثَبَتَ لَهُ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ و[العُلُوِّ] الَّذِي لا يُدانِيهِ (p-٥٠٣)أحَدٌ بِوَجْهٍ قالَ: ﴿ألْحَقْتُمْ بِهِ﴾ ولَمّا كانَ الإلْحاقُ يَقْتَضِي ولا بُدَّ قُصُورَ المُلْحَقِ عَنِ المُلْحَقِ بِهِ، أشارَ إلى فَرْطِ جَهْلِهِمْ بِتَسْوِيَتِهِمْ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿شُرَكاءَ﴾ ثُمَّ نَبَّهَ بَعْدَ إبْطالِ قِياسِهِمْ عَلى أنَّهم في غايَةِ الجَلافَةِ والجُمُودِ فَهم كالأنْعامِ بِما قَرَّعَهم بِهِ مِنَ الرِّجْزِ في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم في دَعْوى الشِّرْكِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدَعُوا وانْزَجَرُوا فَلَيْسَ واللَّهِ الأمْرُ كَما ذَكَرْتُمْ ولا قَرِيبَ مِنهُ ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيِ المَعْبُودِ بِالحَقِّ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى هو غَيْرُهُ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي اخْتَصَّ بِالحَمْدِ في الأُولى والآخِرَةِ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ، وكُلُّ شَيْءٍ مُحْتاجٌ إلَيْهِ، وهو غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ غَلَبَةً لا يَجِدُ مَعَها ذَلِكَ الشَّيْءَ وجْهَ مُدافَعَةٍ ولا انْقِلابٍ، ولا وُصُولَ لِشَيْءٍ إلَيْهِ إلّا بِإذْنِهِ ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ المُحْكِمِ لِكُلِّ ما يَفْعَلُهُ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ نَقْضَ شَيْءٍ [مِنهُ] فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ شَرِيكٌ وأنْتُمْ تَرَوْنَ [لَهُ] مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ المُنافِيَتَيْنِ لِذَلِكَ وتَعْلَمُونَ عَجْزَ مَن أشْرَكْتُمُوهُ بِهِ عَنْ أنْ يُساوِيَكم مَعَ ما تَعْلَمُونَ مِن عَجْزِكم.
سبأ 34:28
ولَمّا خَتَمَ بِوَصْفِ الحِكْمَةِ فَتَمَّ بُرْهانُ القُدْرَةِ الَّتِي كانَ أوْجَبَ اعْتِقادَهم لِعَدَمِ البَعْثِ ما يَقْتَضِي نَقْصًا فِيها، ولَزِمَ عَنْ ذَلِكَ التَّوْحِيدُ وبَطَلَ الشِّرْكُ، لَمْ يَبْقَ إلّا إثْباتُ الرِّسالَةِ الَّتِي أوْجَبَ تَرْدِيدَهم (p-٥٠٤)أخْبارَهُ ﷺ بَيْنَ الكَذِبِ والجُنُونِ والطَّعْنِ فِيها، فَعُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: أرْسَلَ إلَيْكم رَسُولَهُ بِعِزَّتِهِ مُؤَيِّدًا لَهُ بِإعْجازِ هَذا القُرْآنِ بِحِكْمَتِهِ دَلِيلًا عَلى صِدْقِهِ وكَمالِهِ في جِبِلَّتِهِ وتَأهُّلِهِ لِبَدائِعِ نِعْمَتِهِ ومَعالِي رَحْمَتِهِ، وكانَ في ذَلِكَ دَلِيلُ الصِّدْقِ في الرِّسالَةِ؛ فَنَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ مُعْلِيًا لِشَأْنِهِ بِالخِطابِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، إشارَةً إلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتَدَرَّعَ جَلابِيبَ الصَّبْرِ عَلى جَمِيعِ المَكارِهِ الصّادِرَةِ مِن أنْواعِ الخَلْقِ في أداءِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ﴿ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ [سبإ: ١٠] مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِمَن يَدَّعِي الخُصُوصَ: ﴿وما أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ﴿إلا كافَّةً﴾ أيْ إرْسالًا عامًّا شامِلًا لِكُلِّ ما شَمِلَهُ إيجادُنا، تَكُفُّهم عَمّا لَعَلَّهم أنْ يَنْتَشِرُوا إلَيْهِ مِن مُتابَعَةِ الأهْوِيَةِ، وتَمْنَعُهم عَنْ أنْ يَخْرُجَ عَنْها مِنهم أحَدٌ، فالتّاءُ في ”كافَّةً“ لِلْمُبالَغَةِ، وعِبارَةُ ابْنِ الجَوْزِيِّ: أيْ عامَّةً لِجَمِيعِ الخَلائِقِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ كُلٍّ مِن فِيهِ قابِلِيَّةٌ لِأنْ يَنُوسَ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ ما سِوى اللَّهِ وإنْ آذَوْكَ بِكُلِّ أذًى مِنَ النِّسْبَةِ إلى الِافْتِراءِ أوِ الجُنُونِ أوْ غَيْرِهِما، فَحالُ الإرْسالِ مَحْصُورٌ في العُمُومِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّدَرُّعِ لِحَمْلِ المَشاقِّ، لا في النّاسِ، فَإنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقُدِّمُوا فَقِيلَ: إلّا لِلنّاسِ كافَّةً، (p-٥٠٥)وقَدْ مَضى في أوائِلِ الأنْعامِ عَنِ السُّبْكِيِّ ما يَنْفَعُ هُنا، والمَعْنى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فُضِّلَ بِطاعَةِ الجِبالِ لَهُ والطَّيْرِ والحَدِيدِ، وسُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ لَهُ، فَفَضِيلَتُكَ أنْتَ بِالإرْسالِ إلى كُلِّ مَن يُمْكِنُ نَوْسُهُ، فالحَصا سَبَّحَتْ في كَفِّكَ، والجِبالُ أُمِرَتْ بِالسَّيْرِ مَعَكَ ذَهَبًا وفِضَّةً، والحُمْرَةُ شَكَتْ إلَيْكَ أخْذَ فِراخِها أوْ بَيْضِها، والضَّبُّ شَهِدَ لَكَ، والجَمَلُ شَكا إلَيْكَ وسَجَدَ لَكَ، والأشْجارُ أطاعَتْكَ، والأحْجارُ سَلَّمَتْ عَلَيْكَ وائْتَمَرَتْ بِأمْرِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلٍّ مَن يَنُوسُ بِالفِعْلِ أوِ القابِلِيَّةِ. واللَّهُ أعْلَمُ، وأمّا الجِنُّ فَحالُهم مَشْهُورٌ، وأمّا المَلائِكَةُ فالدَّلائِلُ عَلى الإرْسالِ إلَيْهِمْ في غايَةِ الظُّهُورِ، [وفِي دَلائِلَ النُّبُوَّةِ في بابِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الأنْبِياءِ بِعُمُومِ الرِّسالَةِ لِلْإنْسِ والجِنِّ].
ولَمّا كانَتِ البِشارَةُ هي الخَبَرَ الأوَّلَ الصِّدْقَ السّارِّ، وكانَ في ذِكْرِها رَدُّ قَوْلِهِمْ في الكَذِبِ والجُنُونِ، قالَ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ لِمَن أهْلٌ لِلْبِشارَةِ أوِ النِّذارَةِ. ولَمّا كانَ هَذا الإرْسالُ مَقْرُونًا بِدَلِيلِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمُعْجِزِ مِن نَفْسِهِ مِن جِهَةِ البَلاغَةِ في نَظْمِهِ وبِالمَعانِي المُحْكَمَةِ في البِشارَةِ والنِّذارَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ، قَلَبَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمُ الَّذِي لا دَلِيلَ عَلَيْهِ (p-٥٠٦)ولا شُبْهَةَ تُصَوَّبُ إلَيْهِ في حَقِّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ الَّذِي [هُوَ] أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ دَلِيلًا، وأقْوَمُ كُلِّ قِيلٍ قِيلًا: ﴿ولَكِنَّ﴾ ولَمّا كانَ النّاسُ الأوَّلِينَ كُلَّ مَن فِيهِ قابِلِيَّةُ النَّوْسِ وهم جَمِيعُ الخَلائِقِ وأكْثَرُهم [غَيْرُ] عاصٍ، أظْهَرَ مُرِيدًا الثَّقَلَيْنِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ فَقالَ: فَأكْثَرُ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ أيْ لَيْسَ لَهم قابِلِيَّةُ العِلْمِ فَيَعْلَمُوا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنَّ إرْسالَكَ عامٌّ، بَلْ هم كالأنْعامِ، فَهم لِذَلِكَ لا يَتَأمَّلُونَ فَيَقُولُونَ ”افْتَرى أمْ بِهِ جِنَّةٌ“ ونَحْوُ هَذا مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ لِما في هَذا الكِتابِ مِنَ الحِكْمَةِ والصَّوابِ مَعَ الإعْجازِ في حالَيِ الإطْنابِ والإيجازِ، والإضْمارِ والإبْرازِ، فَيَحْمِلُهم جَهْلُهم عَلى المُخالَفَةِ والإعْراضِ.
سبأ 34:29
ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ العِلْمَ، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضارَعَةِ الدّالِّ عَلى مُلازَمَةِ التَّكْرِيرِ لِلْإعْلامِ بِأنَّهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ لا الِاسْتِرْشادِ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ ما أرْسَلْناكَ إلّا [عَلى] هَذا الحالِ [والحالُ] أنَّ المُنْذَرِينَ يَقُولُونَ جَهْلًا مِنهم بِعاقِبَةِ ما يُوعَدُونَهُ غَيْرَ مُفَكِّرِينَ بِهِ في وجْهِ الخَلاصِ مِنهُ والتَّفَصِّي عَنْهُ في كُلٍّ حِينِ اسْتِهْزاءٍ مِنهُمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ بِالبِشارَةِ والنِّذارَةِ في يَوْمِ الجَمْعِ وغَيْرِهِ فَسَمَّوْهُ وعْدًا زِيادَةً في الِاسْتِهْزاءِ. ولَمّا كانَ قَوْلُ الجَماعَةِ أجْدَرَ بِالقَبُولِ، وأبْعَدَ عَنِ الرَّدِّ مِن (p-٥٠٧)قَوْلِ الواحِدِ، أشارَ إلى زِيادَةِ جَهْلِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ أيُّها النَّبِيُّ وأتْباعُهُ! كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ [أيْ] مُتَمَكِّنِينَ في الصِّدْقِ.
سبأ 34:30
ولَمّا تَبَيَّنَ مِن سُؤالِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِرْشادِ وإنْ هم بالَغُوا بِهِ في التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بَعْدَ الإبْلاغِ في إقامَةِ الأدِلَّةِ، أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يَصْلُحُ لِلْمُعانِدِ مِن صادِعِ التَّهْدِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَكُمْ﴾ [أيْ] أيُّها الجامِدُونَ الأجْلافُ الَّذِينَ لا يُجَوِّزُونَ المُمْكِناتِ، ولا يَتَدَبَّرُونَ ما أوْضَحَها مِنَ الدَّلالاتِ، مَعَ ضَعْفِهِمْ عَنِ الدِّفاعِ، والمُبالَغَةِ والِامْتِناعِ ﴿مِيعادُ يَوْمٍ﴾ أيْ لا تَحْتَمِلُ العُقُولُ وصْفَ عِظَمِهِ لِما يَأْتِي فِيهِ مِنَ العِقابِ سَواءٌ كانَ يَوْمُ المَوْتِ أوِ البَعْثِ. ولَمّا كانَ تَعَلُّقُ النُّفُوسِ بِالمُهْلَةِ عَظِيمًا، قالَ: ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ﴾ أيْ لا يُوجَدُ تَأخُّرُكم ولا يُمْكِنُ أنْ يُطْلَبَ لِحَثِيثِ الطَّلَبِ وتَعْذُّرِ الهَرَبِ ﴿عَنْهُ ساعَةً﴾ لِأنَّ الآتِيَ بِهِ عَظِيمُ القُدْرَةِ مُحِيطُ العِلْمِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ أيْ لا يُوجَدُ تَقَدُّمُكم لَحْظَةً فَما دُونَها ولا تَتَمَكَّنُونَ مِن طَلَبٍ ذَلِكَ.
سبأ 34:31
ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ بِمُلازَمَتِهِمْ لِلِاسْتِهْزاءِ بِهَذا الإنْذارِ عَلى أنَّهم غَيْرُ (p-٥٠٨)مُنْفَكِّينَ عَنْ مَذاهِبِ الكُفّارِ، ذَكَرَ تَصْرِيحَهم بِذَلِكَ وحالَهم في بَعْضِ الأوْقاتِ المُنْطَبِقَةِ عَلَيْها الآيَةُ السّالِفَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حَيْثُ عَبَّرَ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ، قَطْعًا لِلْأطْماعِ عَنْ دُعائِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ أيْ نُصَدِّقَ أبَدًا، وصَرَّحُوا بِالمُنْزَلِ عَلَيْهِ ﷺ بِالإشارَةِ فَقالُوا: ﴿بِهَذا القُرْآنِ﴾ أيْ وإنْ جَمَعَ جَمِيعَ الحِكَمِ والمَقاصِدِ المُضَمَّنَةِ لِبَقِيَّةِ الكُتُبِ ﴿ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ وغَيْرُهُما. بَلْ نَحْنُ قانِعُونَ بِما أدَّبَنا بِهِ آباؤُنا، وذَلِكَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ أخْبَرُوهم أنَّ صِفَةَ هَذا النَّبِيِّ عِنْدَهم في كُتُبِهِمْ، فَأغْضَبَهم ذَلِكَ فَقالُوهُ: ﴿ولَوْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكَ ﴿تَرى﴾ أيْ يُوجَدُ مِنكَ رُؤْيَةٌ لِحالِهِمْ ﴿إذِ﴾ هم - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنْ أظْهَرَ الوَصْفَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ فَقالَ: ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَحالِّها فَيُصَدِّقُونَ آباءَهم لِإحْسانٍ يَسِيرٍ مُكَدَّرٍ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ولا يُصَدِّقُونَ رَبَّهُمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ عِنْدَهم ولا عِنْدَ آبائِهِمْ إلّا مِنهُ، وقَدْ أقامَ لَهم أدِلَّةَ العَقْلِ بِما ضَرَبَ لَهم مِنَ الأمْثالِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ، والنَّقْلُ بِهَذا القُرْآنِ (p-٥٠٩)المَدْلُولِ عَلى صِدْقِهِ بَعْدَ إظْهارِ المُعْجِزاتِ المَحْسُوساتِ [بِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، فَكَأنَّهم سَمِعُوهُ مِنَ اللَّهِ المُنْعِمِ الحَقِّ ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أيْ بَعْدَ البَعْثِ بِما يُوقِفُهم مِن قُدْرَتِهِ بِأيْدِي جُنُودِهِ أوْ بِغَيْرِها] بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنهُ سُبْحانَهُ قَهْرًا لَهم وكَرْهًا مِنهُمْ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَطالَ إحْسانُهُ فَكَفَرُوا كُلَّما أحْسَنَ بِهِ إلَيْهِمْ ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ﴾ أيْ عَلى وجْهِ الخِصامِ عَداوَةً، [و] كانَ سَبَبُها مُوادَدَتَهم في الدُّنْيا بِطاعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ في مَعاصِي اللَّهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن عَمِلَ بِالمَعاصِي أخْرَجَ اللَّهُ عَلَيْهِ كُلَّ مَن هو أطْوَعُ لَهُ، ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، ولَوْ عَلِمُوا لاعْتَبَرُوا، ولَوِ اعْتَبَرُوا لَتابُوا وتَوافَقُوا، ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا ﴿إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾ أيْ بِالمُلاوَمَةِ والمُباكَتَةِ والمُخاصَمَةِ، لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا مُنْكَرًا هائِلًا شَنِيعًا مُقْلِقًا وجِيعًا يَسُرُّكَ مَنظَرُهُ، ويُعْجِبُكَ مِنهم أثَرُهُ ومَخْبَرُهُ، مِن ذُلِّهِمْ وتَحاوُرِهِمْ وتَخاذُلِهِمْ حَيْثُ لا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ هَذا مُجْمَلًا، فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ أيْ وقَعَ اسْتِضْعافُهم مِمَّنْ هو فَوْقَهم في الدُّنْيا وهُمُ الأتْباعُ في تِلْكَ الحالَةِ عَلى سَبِيلِ اللَّوْمِ والتَّأْنِيبِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الكِبْرَ وطَلَبُوهُ بِما وجَدُوا مِن أسْبابِهِ الَّتِي أدَّتْ إلى اسْتِضْعافِهِمْ (p-٥١٠)لِلْأوَّلِينَ وهُمُ الرُّؤُوسُ المَتْبُوعُونَ: ﴿لَوْلا أنْتُمْ﴾ أيْ مِمّا وُجِدَ مِنِ اسْتِتْباعِكم لَنا عَلى الكُفْرِ وغَيْرِهِ مِن أُمُورِكم ﴿لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ عَرِيقَيْنِ في الإيمانِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا كَبْرٌ مِن أنْفُسِنا يَحْمِلُنا عَلى العِنادِ لِلرُّسُلِ.
سبأ 34:32
ولَمّا لَمْ يَتَضَمَّنْ كَلامُهم سِوى قَضِيَّةٍ واحِدَةٍ، ذَكَرَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا لِقَوْلِهِمْ أنَّهم هُمُ الَّذِينَ صَدُّوهُمْ: ﴿أنَحْنُ﴾ خاصَّةً ﴿صَدَدْناكُمْ﴾ أيْ مَنَعْناكم وصَرَفْناكم ﴿عَنِ الهُدى﴾ ولَمّا كانُوا لا يُؤاخَذُونَ بِإهْمالِ دَلِيلِ العَقْلِ قَبْلَ إتْيانِ الرُّسُلِ، أشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَعْدَ إذْ جاءَكُمْ﴾ أيْ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: إنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ، حَسُنَ أنْ يُقالَ: إنَّهم هُمُ الَّذِينَ ضَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ لا بِإضْلالِهِمْ، فَقالُوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وخَلْقًا ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ عَرِيقَيْنِ في قَطْعِ ما يَنْبَغِي وصْلُهُ بَعْدَ إتْيانِ الهُدى مُخْتارِينَ لِذَلِكَ كَما كُنْتُمْ قَبْلَهُ أتْباعًا لَنا ما رِدْتُمْ ولا رِدْنا،
سبأ 34:33
ولَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهم أمْرَيْنِ: ادِّعاءَ عَراقَتِهِمْ في الإجْرامِ، وإنْكارَ كَوْنِهِمْ سَبَبًا فِيهِ، أشارَ إلى رَدِّهِمْ لِلثّانِي بِالعاطِفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ إعْلامًا بِأنَّ التَّقْدِيرَ: قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا: كَذَبْتُمْ فِيما ادَّعَيْتُمْ مِن عَراقَتِنا في الإجْرامِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ عَطْفًا عَلى هَذا المُقَدَّرِ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ (p-٥١١)رَدًّا لِإنْكارِهِمْ صَدَّهُمْ: ﴿بَلْ﴾ الصّادُّ لَنا ﴿مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ أيِ الواقِعُ فِيهِما مِن مَكْرِكم بِنا، أوِ اسْتُعِيرَ إسْنادُ المَكْرِ إلَيْهِما لِطُولِ السَّلامَةِ فِيهِما، وذَلِكَ لِلِاتِّساعِ في الظَّرْفِ في إجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ ﴿إذْ تَأْمُرُونَنا﴾ عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِالِاسْتِمْرارِ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ قَبْلَ إتْيانِ الرُّسُلِ ﴿ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ أيْ أمْثالًا نَعْبُدُهم مِن دُونِهِ ﴿وأسَرُّوا﴾ أيْ يَرْجِعُونَ والحالُ أنَّ الفَرِيقَيْنِ أسَرُّوا ﴿النَّدامَةَ لَمّا﴾ أيْ حِينَ ﴿رَأوُا العَذابَ﴾ لِأنَّهم بَيْنَما هم في تِلْكَ المُقاوَلَةِ وهم يَظُنُّونَ أنَّها تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا وإذا بِهِمْ قَدْ بَدا لَهم ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فَأبْهَتَهم فَلَمْ يَقْدِرُوا لِفَواتِ المَقاصِدِ وخُسْرانِ النُّفُوسِ أنْ نَسَبُوا بِكَلِمَةٍ، ولِأجْلِ أنَّ العَذابَ عَمَّ الشَّرِيفَ مِنهم والوَضِيعَ. قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا الأغْلالَ﴾ أيِ الجَوامِعَ الَّتِي تَغُلُّ اليَدَ إلى العُنُقِ ﴿فِي أعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ وتَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهم ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ أعْمالُهم لِقُبْحِها يَنْبَغِي البَراءَةُ مِنها، فَكانَتْ بِمُلازَمَتِهِمْ لَها كَأنَّها قَدْ قَهَرَتْهم عَلى مُلازَمَتِها وتَقَلُّدِها طَوْقَ الحَمامَةِ [فَهم يُعانِدُونَ الحَقَّ مِن غَيْرِ التِفاتٍ إلى دَلِيلٍ] قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ (p-٥١٢)قالَ: لِمَ خُصَّتْ أعْناقُهم وأيْدِيهِمْ بِهَذا العَذابِ؟: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أيْ بِهَذِهِ الأغْلالِ ﴿إلا ما كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هم عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ مِمّا يَدَّعُونَ أنَّهم بَنَوْهُ عَلى العِلْمِ، وذَلِكَ الجَزاءُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو ما يُوجِبُ قَهْرَهم وإذْلالَهم وإخْزاءَهم وإنْكاءَهم وإيلامَهم كَما كانُوا يَفْعَلُونَ مَعَ المُؤْمِنِينَ ويَتَمَنَّوْنَ لَهم.
سبأ 34:34
ولَمّا كانَ في هَذا تَسْلِيَةٌ أُخْرَوِيَّةٌ، أتْبَعَهُ التَّسْلِيَةَ الدُّنْيَوِيَّةَ، فَقالَ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: وما أرْسَلْنا غَيْرَكَ إلّا إرْسالًا خاصًّا لِأُمَّتِهِ، عَطْفًا عَلى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً﴾ [سبإ: ٢٨] وساقَهُ مُؤَكَّدًا لِأنَّهُ مَضْمُونُهُ - لِكَوْنِهِ في غايَةِ الغَرابَةِ - مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِعَظَمَتِنا ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْمِيمَ، لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَوْلُ قُرَيْشٍ لِيَخُصَّ التَّسْلِيَةَ بِمَن قَبْلَهُمْ، أسْقَطَ القَبْلِيَّةَ بِخِلافِ ما في سُورَةِ الزُّخْرُفِ فَقالَ: ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ يُنْذِرُهم وخامَةَ ما أمامَهم مَن عُوقِبَ أفْعالَهُمْ، ودَلَّ بِإفْرادِهِ عَنِ البِشارَةِ أنَّ غالِبَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِن أهْلِ النِّذارَةِ لِنَظْهَرَ مَزِيَّةَ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ إشارَةً إلى النّاسِخِينَ لِلشَّرائِعِ الَّتِي قَبْلَهم دُونَ المُجَدِّدِينَ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّ بَعْضَهم (p-٥١٣)لَمْ يَكْذِبْ ﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ أيِ العُظَماءُ الَّذِينَ لا شُغْلَ لَهم إلّا التَّنَعُّمُ بِالفانِي حَتّى أكْسَبَهُمُ البَغْيَ والطُّغْيانَ: ﴿إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيْ أيُّها المُنْذِرُونَ ﴿كافِرُونَ﴾ أيْ وإذا قالَ المُنَعَّمُونَ ذَلِكَ تَبِعَهُمُ المُسْتَضْعَفُونَ فَإذا وقَفُوا عِنْدَنا تَقاوَلُوا بِما تَقَدَّمَ
سبأ 34:35
ثُمَّ لَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ ﴿وقالُوا﴾ مُفاخِرِينَ ودالِّينَ عَلى أنَّهم فائِزُونَ [كَما] قالَ لَكَ هَؤُلاءِ كَأنَّهم تَواصَلُوا بِهِ: ﴿نَحْنُ أكْثَرُ﴾
ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ في الأغْلَبِ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الأوْلادِ بِالِاسْتِكْثارِ مِنَ النِّساءِ الحَرائِرِ والإماءِ، قَدَّمَها فَقالَ: ﴿أمْوالا وأوْلادًا﴾ أيْ في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَوْ لَمْ يَرْضَ مِنّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ ما رَزَقَنا ذَلِكَ ﴿وما نَحْنُ﴾ أيِ الآنَ ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾ أيْ بِثابِتِ عَذابُنا، وإنَّما تُعْرَضُ لَنا أحْوالٌ خَفِيفَةٌ مِن مَرَضٍ وشَدائِدَ هي أخَفُّ مِن أحْوالِكُمْ، وحالِيًا الآنَ دَلِيلٌ عَلى حالِنا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ كائِنًا ما كانَ، فَإنَّ الحالَ نَمُوذَجُ المَآلِ، والأوَّلُ دَلِيلُ الآخِرِ، فَإنْ كانَ ثَمَّ آخِرَةٌ كَما تَقُولُونَ فَنَحْنُ أسْعَدُ مِنكم فِيها كَما نَحْنُ أسْعَدُ مِنكُمُ الآنَ، ولَمْ تَنْفَعْهم قِصَّةُ سَبَأٍ في ذَلِكَ فَإنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا لَكَفَتْهُمْ، وأنارَتْ [أبْصارَ] بَصائِرِهِمْ، وصَحَّحَتْ أمْراضَ قُلُوبِهِمْ وشَفَتْهُمْ، فَإنَّهم كانُوا أحْسَنَ النّاسِ حالًا، فَصارُوا أقْبَحَهم مَآلًا.
سبأ 34:36
(p-٥١٤)ولَمّا كانَتْ لَشُبْهَتِهِمْ هَذِهِ شُعْبَتانِ تَتَعَلَّقُ إحْداهُما بِالذّاتِ والأُخْرى بِالثَّمَراتِ، بَدَأ بِالأُولى لِأنَّها أهَمُّ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ سَعْيَهُ يُفِيدُ في الرِّزْقِ شَيْئًا لَوْلا السَّعْيُ ما كانَ: ﴿قُلْ﴾ يا أكْرَمَ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ! مُؤَكَّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لِأنْ يُوَسِّعَ في الدُّنْيا عَلى مَن لا يَرْضى فِعْلَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِالإنْعامِ بِالسَّعادَةِ الباقِيَةِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ يُجَدِّدُهُ في كُلِّ وقْتٍ أرادَهُ بِالأمْوالِ والأوْلادِ وغَيْرِها ﴿لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ عَلى مَن يَشاءُ مِنكم ومِنّا ومِن غَيْرِنا مِن سائِرِ الأُمَمِ المُخالِفِينَ لَنا ولَكم في الأُصُولِ [مَعَ] أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ المُوَسَّعِ عَلَيْهِمْ عَلى ما هو حَقٌّ عِنْدَهُ ومَرْضِيٌّ لَهُ، لِاخْتِلافِهِمْ في الأُصُولِ وتَكْفِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإنَّ اللَّهَ مُعَذِّبٌ بَعْضَهم لا مَحالَةَ، فَبَطَلَتْ شُبْهَتُهُمْ، وثَبَتَ أنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ابْتِلاءً وامْتِحانًا، فَلا يَدُلُّ البَسْطُ عَلى الرِّضى ولا القَبْضُ عَلى السُّخْطِ - عَلى ما عُرِفَ مِن سُنَّتِهِ في هَذِهِ الدّارِ - ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ لَمْ يَرْتَفِعُوا عَنْ حَدِّ النَّوْسِ والِاضْطِرابِ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ لَيْسَ [لَهُمْ] (p-٥١٥)عِلْمٌ لِيَتَدَبَّرُوا بِهِ ما ذَكَرْنا مِنَ الأمْرِ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُوَسَّعٍ عَلَيْهِ في دُنْياهُ سَعِيدًا في عُقْباهُ.
سبأ 34:37
ولَمّا هَدَمَ ما بِالذّاتِ، أتْبَعَهُ ما بِالثَّمَراتِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لِدَعْواهُمْ: ﴿وما أمْوالُكُمْ﴾ أيْ أيُّها الخَلْقُ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ كَثُرَتْ، وكَرَّرَ النّافِيَ تَصْرِيحًا بِإبْطالِ كُلٍّ عَلى حِيالِهِ فَقالَ: ﴿ولا أوْلادُكُمْ﴾ كَذَلِكَ، وأثْبَتَ الجارَّ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ فَقالَ واصِفًا الجَمْعَ المُكَسَّرَ بِما هو حَقُّهُ مِنَ التَّأْنِيثِ: ﴿بِالَّتِي﴾ أيْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ الَّتِي ﴿تُقَرِّبُكم عِنْدَنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِتَصَرُّفاتِكم فِيها بِما يُكْسِبُ المَعالِيَ ﴿زُلْفى﴾ أيْ دَرَجَةً عَلِيَّةً وقُرْبَةً مَكِينَةً قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الأخْفَشُ: هي اسْمُ مَصْدَرٍ كَأنَّهُ قالَ: تَقْرِيبًا، ثُمَّ اسْتَثْنى مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ الَّذِي هو قائِمٌ مَقامَ أحَدٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُقَرِّبُ أحَدًا ﴿إلا مَن﴾ أوْ يَكُونُ المَعْنى عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ إلّا أمْوالَ وأوْلادَ مَن ﴿آمَنَ﴾ أيْ مِنكم ﴿وعَمِلَ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِ عَلى ذَلِكَ الأساسِ ﴿صالِحًا﴾ أيْ في مالِهِ بِإنْفاقِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي ولَدِهِ بِتَعْلِيمِهِ الخَيْرَ.
ولَمّا مَنَّ عَلى المُصْلِحِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في أمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ بِأنْ جَعَلَها سَبَبًا لِمَزِيدِ قُرْبِهِمْ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ (p-٥١٦)أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أيْ بِأنْ يَأْخُذُوا جَزاءَهم مُضاعَفًا في نَفْسِهِ مِن عَشْرَةِ أمْثالٍ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ، ومُضاعَفًا بِالنِّسْبَةِ إلى جَزاءِ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ، والضِّعْفُ: الزِّيادَةُ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ فَإنَّ أعْمالَهم ثابِتَةٌ مَحْفُوظَةٌ بِأساسِ الإيمانِ ﴿وهم في الغُرُفاتِ﴾ أيِ العِلالِي المَبْنِيَّةِ فَوْقَ البُيُوتِ في الجِنانِ، زِيادَةً عَلى ذَلِكَ ﴿آمِنُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ أمْنُهم دائِمًا، لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ أصْلًا، وأمّا غَيْرُهم وهُمُ المُرادُونَ بِما بَعْدَهُ فَأمْوالُهم وأوْلادُهم وبالٌ عَلَيْهِمْ.
سبأ 34:38
ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بَعْدَ الإخْبارِ بِأنَّهُ بَشِيرٌ ونَذِيرٌ قالَ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ بَيانًا لِحالِ مَن يُبْعِدُهُ مالُهُ ووَلَدُهُ مِنَ اللَّهِ: ﴿والَّذِينَ يَسْعَوْنَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ السَّعْيَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ بِأمْوالِهِمْ وأوْلادِهِمْ ﴿فِي آياتِنا﴾ عَلى ما لَها مِن عَظَمَةِ الِانْتِسابِ إلَيْنا ﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ طالِبِينَ تَعْجِيزَها أيْ تَعْجِيزَ الآتِينَ بِها عَنْ إنْفاذِ مُراداتِهِمْ بِها بِما يُلْقُونَهُ مِنَ الشُّبَهِ فَيُضِلُّونَ غَيْرَهم بِما أوْسَعْنا عَلَيْهِمْ وأعْزَزْناهم بِهِ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ بَتَّ الحُكْمَ بِشَقاوَتِهِمْ، وأنْفَذَ القَضاءَ بِخَسارَتِهِمْ، أسْقَطَ فاءَ السَّبَبِ إعْراضًا عَنْ أعْمالِهِمْ وقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ (p-٥١٧)البُغَضاءُ ﴿فِي العَذابِ﴾ أيِ المُزِيلِ لِلْعُذُوبَةِ ﴿مُحْضَرُونَ﴾ أيْ يَحْضُرُهم فِيهِ المُوَكَّلُونَ بِهِمْ مِن جُنْدِنا عَلى أهْوَنِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ وهم داخِرُونَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: إنَّ هَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ لا يَحْتَرِمُونَ الأوْلِياءَ ولا يُراعُونَ حَقَّ اللَّهِ في السِّرِّ، فَهم في عَذابِ الِاعْتِراضِ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ وعَذابِ الوُقُوعِ بِشُؤْمِ ذَلِكَ في ارْتِكابِ مَحارِمِ اللَّهِ ثُمَّ في عَذابِ السُّقُوطِ مِن عَيْنِ اللَّهِ.
سبأ 34:39
ولَمّا أبْطَلَ شُبْهَتَهم بِشُعْبَتَيْها بِالنِّسْبَةِ إلى الأشْخاصِ المُخْتَلِفَةِ، قَرَّبَ ذَلِكَ بِدَلِيلٍ واحِدٍ في شَخْصٍ واحِدٍ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ يا أشْرَفَ الخَلْقِ لِهَؤُلاءِ الجَهَلَةِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّ الرِّزْقَ بِحَسَبِ حُسْنِ السَّعْيِ وقُبْحِهِ أوْ حُسْنِ حالِ الشَّخْصِ عِنْدَ اللَّهِ وقُبْحِها: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ [أيْ] المُحْسِنَ إلَيَّ بِهَذا البَيانِ المُعْجِزِ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ أيْ مَتى شاءَ ﴿لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ المُسْتَمِرِّ مِن أيِّ طائِفَةٍ كانَ ﴿ويَقْدِرُ لَهُ﴾ أيْ يُضَيِّقُ عَلَيْهِ نَفْسِهِ في حالَتَيْنِ مُتَعاقِبَتَيْنِ، وهو بِصِفَةٍ واحِدَةٍ عَلى عَمَلٍ واحِدٍ، فَلَوْ أنَّ الإكْرامَ والإنْعامَ يُوجِبُ الدَّوامَ لَما تَغَيَّرَتْ حالُهُ مِنَ السَّعَةِ إلى الضِّيقِ، ولَوْ أنَّ في يَدِهِ نَفْعَ نَفْسِهِ لَما اخْتَلَفَ حالُهُ.
ولَمّا بَيَّنَ هَذا البَسْطُ أنَّ فِعْلَهُ بِالِاخْتِيارِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ بِالأوَّلِ كَذِبَهم في أنَّهُ سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ مِنَ النّارِ. دَلَّ عَلى أنَّهُ الفاعِلُ لا غَيْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ أنْتُمْ وأخْصامُكم وغَيْرُهم ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ (p-٥١٨)أيْ لا غَيْرُهُ بِدَلِيلِ أنَّ المُنْفِقَ قَدْ يَجْتَهِدُ كُلَّ الِاجْتِهادِ في الإخْلافِ فَلا يُنْفِقُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالإخْلافِ، ولِأنَّ هَذا هو المَعْنى لا أنَّهُ ضِمْنَ الإخْلافَ لِكُلِّ مَن يُنْفِقُ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، قالَ مُجاهِدٌ كَما نَقَلَهُ الرّازِي في اللَّوامِعِ: «إذا كانَ في يَدِ أحَدِكم شَيْءٌ فَلْيَقْتَصِدْ ولا يَتَأوَّلِ الآيَةَ، فَإنَّ الرِّزْقَ مَقْسُومٌ، وما عالَ مَنِ اقْتَصَدَ» كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، والمَعْنى أنَّهُ قَدْ دَلَّ الإخْلافُ عَلى جَمِيعِ الأشْكالِ والأضْدادِ عَلى أنَّ الأمْرَ فِيهِ عَلى غَيْرِ ما ظَنَنْتُمْ مِنَ الإسْعافِ بِهِ في وقْتٍ مُوجِبٍ لِلْإكْرامِ عَلى الدَّوامِ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو لِضَمانِهِ الرِّزْقَ لِكُلِّ أحَدٍ بِحَسَبِ ما قَسَّمَهُ لَهُ عَلى ما سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ وقُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وتارَةً يَكُونُ إخْلافُهُ حِسًّا وبِالفِعْلِ، وتارَةً يَكُونُ مَعْنًى وبِالقُوَّةِ، بِالتَّرْضِيَةِ بِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي أدَّتْ إلى العَدَمِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهو أتَمُّ مِنَ السُّرُورِ بِالمَوْجُودِ، ومِن ذَلِكَ الأُنْسُ بِاللَّهِ في الخَلْوَةِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا مَعَ التَّجْرِيدِ. انْتَهى. والمُنْفِقُ بِالِاقْتِصادِ داخِلٌ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى تَحْتَ قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ الشَّيْخانِ: البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ» وما رَوى الشَّيْخانِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ أيْضًا «ما مِن يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ إلّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ يَقُولُ أحَدَهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويَقُولُ (p-٥١٩)الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا» فَهو خَيْرُ المُوسِعِينَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ تَعُدُّونَهم هَذا العِدادَ مِمَّنْ يُقِيمُهم هو سُبْحانَهُ لَكم فَتُضِيفُونَ الرِّزْقَ إلَيْهِمْ، فَإنَّهم وسائِطُ لا يَقْدِرُونَ إلّا عَلى ما قَدَرَهُمْ، وأمّا هو سُبْحانَهُ فَهو يُوجِدُ المَعْدُومَ، ويَرْزُقُ مَن يُطِيعُهُ ومَن يَعْصِيهِ، ولا يَضِيقُ تَرْزِيقُهُ بِأحَدٍ، ولا يَشْغَلُهُ فِيهِ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ، بَلْ يَبْعَثُ في كُلِّ يَوْمٍ لِكُلِّ أحَدٍ رِزْقَهُ في آنٍ واحِدٍ كَما يَنْشُرُ عَلَيْهِمْ نُورَهُ بِالشَّمْسِ في آنٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ تَوْقِيفٍ لِذَلِكَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ غَيْرَ ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ في الأزَلِ.
سبأ 34:40
ولَمّا أبْطَلَ شُبْهَتَهم فَعُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لَهُ، وأنَّهم في مَحَلِّ الخَطَرِ، وكانَ قَدْ بَقِيَ مِن شُبَهِهِمْ أنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ نَعْبُدُ المَلائِكَةَ فَهم يَشْفَعُونَ لَنا، وكانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ لا يُنْكِرُونَ أنَّ المَلائِكَةَ مُقَرَّبُونَ أبْطَلَ ما يَتَعَلَّقُونَ بِهِ مِنهُمْ، وبَيَّنَ أنَّهُ لا أمْرَ لَهم وأنَّهم بَرِيئُونَ مِنهُمْ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ﴿إذِ الظّالِمُونَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ نَجْمَعُهم جَمْعًا بِكُرْهٍ بَعْدَ البَعْثِ، وعَمَّ التّابِعَ والمَتْبُوعَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾
ولَمّا كانَتْ مَواقِفُ الحَشْرِ طَوِيلَةً وزَلازِلُهُ مَهُولَةً قالَ: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ أيْ تَوْبِيخًا لِلْمُشْرِكِينَ وإقْناطًا مِمّا يَرْجُونَ مِنهم مِنَ الشَّفاعَةِ. ولَمّا كانَتِ العِبادَةُ لا تَنْفَعُ إلّا إذا كانَ المَعْبُودُ راضِيًا بِها وكانَتْ خالِصَةً، قالَ مُبَكِّتًا لِلْمُشْرِكِينَ ومُوَبِّخًا لِيَكُوَنَ هُناكَ سُؤالٌ وجَوابٌ (p-٥٢٠)فَيَكُونُ التَّقْرِيعُ أشَدَّ والخَجَلُ بِهِ أعْظَمَ، والخَوْفُ والهَوانُ أتَمَّ وألْزَمَ، ويَكُونُ اقْتِصاصُ ذَلِكَ عِظَةً لِلسّامِعِينَ، وزَجْرًا لِلْجاهِلِينَ، وتَنْبِيهًا لِلْغافِلِينَ، عَلى طَرِيقِ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآياتُ: ﴿أهَؤُلاءِ﴾ أيِ الضّالُّونَ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لا يَنْفَعُ مِنَ العِبادَةِ إلّا ما كانَ خالِصًا فَقالَ: ﴿إيّاكُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ بِأفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ لِيَعْلَمَ أنَّهم عَبِيدٌ لَكم تَسْتَحِقُّونَ عِبادَتَهُمْ، وفي التَّعْبِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ عَلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ مِنَ العِبادَةِ إلّا بِالخالِصِ
سبأ 34:41
﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَبَرِّئِينَ مِنهم مُفْتَتِحِينَ بِالتَّنْزِيهِ تَخَضُّعًا بَيْنَ يَدَيِ البَراءَةِ خَوْفًا مِن حُلُولِ السَّطْوَةِ ﴿سُبْحانَكَ﴾ أيْ نُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا يَلِيقُ بِجَلالِكَ عَنْ أنْ يَسْتَحِقَّ [أحَدٌ] غَيْرُكَ أنْ يُعْبَدَ.
ولَمّا كانُوا كارِهِينَ جِدًّا لِعِبادَتِهِمْ، وكانَتْ فائِدَةُ العِبادَةِ الوُصْلَةَ بَيْنَ العابِدِ والمَعْبُودِ قالُوا: ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾ أيْ مَعْبُودُنا الَّذِي لا وُصْلَةَ بَيْنَنا وبَيْنَ أحَدٍ إلّا بِأمْرِهِ ﴿مِن دُونِهِمْ﴾ [أيْ مِن أقْرَبِ مَنزِلَةٍ لَكَ مِن مَنازِلِهِمْ مِنّا، فَأنْتَ أقْرَبُ شَيْءٍ إلَيْنا في كُلِّ مَعانِي الوِلايَةِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ وغَيْرِهِما، فَكَيْفَ نَتْرُكُ الأقْرَبَ والأقْوى ونَتَوَلّى الأبْعَدَ العاجِزَ]، لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَهم مِن وِلايَةٍ، بَلْ عَداوَةٍ، وكَذا كُلُّ (p-٥٢١)مَن تَقَرَّبَ إلى شَخْصٍ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ يُقَسِّي اللَّهُ قَلْبَهُ عَلَيْهِ ويُبَغِّضُهُ فِيهِ فَيُجافِيهِ ويُعادِيهِ.
ولَمّا كانَ مَن يَعْمَلُ لِأحَدٍ عَمْلًا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ ولَمْ يَرْضَهُ إنَّما عَمِلَ في الحَقِيقَةِ لِلَّذِي دَعاهُ إلى ذَلِكَ العَمَلِ قالُوا: ﴿بَلْ كانُوا﴾ بِأفْعالِهِمُ الِاخْتِيارِيَّةِ المُوجِبَةِ لِلشِّرْكِ ﴿يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ أيْ إبْلِيسَ وذُرِّيَّتَهُ الَّذِينَ زَيَّنُوا لَهم عِبادَتَنا مِن غَيْرِ رِضانا [بِذَلِكَ]، وكانُوا يَدْخُلُونَ في أجْوافِ الأصْنامِ ويُخاطِبُونَهم ويَسْتَجِيرُونَ بِهِمْ في الأماكِنِ المُخَوِّفَةِ، ومِن هَذا «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ وعَبْدُ الدِّرْهَمِ وعَبْدُ القَطِيفَةِ؛» ثُمَّ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهُمْ: ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيِ الإنْسُ ﴿بِهِمْ﴾ أيِ الجِنِّ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ أيْ راسِخُونَ في الإشْراكِ لا يَقْصِدُونَ بِعِبادَتِهِمْ غَيْرَهُمْ، وقَلِيلٌ مِنهم مَن يَقْصِدُ بِعِبادَتِهِ بِتَزْيِينِ الجِنِّ وغَيْرِهِمْ وهو راضٍ بِها، فَهي في الحَقِيقَةِ لِمَن زَيَّنَها لَهم مِنَ الجِنِّ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُصَدِّقُونَ ما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِن إخْباراتِ الجِنِّ عَلى ألْسِنَةِ الكُهّانِ وغَيْرِهِمْ مَعَ ما يَرَوْنَ فِيها مِنَ الكَذِبِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ.
سبأ 34:42
ولَمّا بَطَلَتْ تَمَسُّكاتُهُمْ، وتَقَطَّعَتْ تَعَلُّقاتُهُمْ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَقْرِيعُهُمُ النّاشِئُ عَنْهُ تَنْدِيمُهم بِقَوْلِهِ بِلِسانِ العَظَمَةِ: ﴿فاليَوْمَ﴾ أيْ يَوْمَ مُخاطَبَتِهِمْ (p-٥٢٢)بِهَذا التَّبْكِيتِ وهو يَوْمُ الحَشْرِ ﴿لا يَمْلِكُ﴾ [أيْ] شَيْئًا مِنَ المُلْكِ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ مِنَ المُقَرَّبِينَ والمُبْعَدِينَ. ولَمّا كانَ المَدارُ عَلى الخَلاصِ والسِّياقُ لِلشَّفاعَةِ، قَدَمَ النَّفْعَ فَقالَ: ﴿نَفْعًا﴾ وأكْمَلَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا ضَرًّا﴾ تَحْقِيقًا لِقَطْعِ جَمِيعِ الأسْبابِ الَّتِي كانَتْ في دارِ التَّكْلِيفِ مِن دارِ الجَزاءِ الَّتِي المَقْصُودُ فِيها تَمامُ إظْهارِ العَظَمَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى: فاليَوْمَ نَسْلُبُ الخَلائِقَ ما كُنّا مَكَّنّاهم مِنهُ في الدُّنْيا مِنَ التَّنافُعِ والتَّضارُرِ. وتَلاشى بِذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ سِواهُ، أثْبَتَ لِنَفَسِهِ المُقَدَّسِ ما يَنْبَغِي، فَقالَ عاطِفًا عَلى هَذا الَّذِي قَدَّرْتُهُ: ﴿ونَقُولُ﴾ أيْ في ذَلِكَ الحالِ مِن غَيْرِ إمْهالٍ ولا إهْمالٍ ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ بِوَضْعِ العِبادَةِ في غَيْرِ مَوْضِعِها ولا سِيَّما مَن ضَمَّ إلى ذَلِكَ إنْكارَ المَعادِ عِنْدَ إدْخالِنا لَهُمُ النّارَ: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ﴾ ولَمّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْعَذابِ وصْفٌ بِتَرْدِيدٍ - كَما تَقَدَّمَ في السَّجْدَةِ - ولا غَيْرِهِ، كانَ المُضافُ [إلَيْهِ] أحَقَّ بِالوَصْفِ لِأنَّهُ المُصَوَّبُ إلَيْهِ بِالتَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّتِي كُنْتُمْ﴾ أيْ جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾
سبأ 34:43
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم أبَوا الإيمانَ بِالقُرْآنِ، المُخْبِرِ بِالغَيْبِ مِن أمْرِ الرَّحْمَنِ (p-٥٢٣)الَّذِي هَدَتْ إلَيْهِ العُقُولَ، وشاهَدَتْ آثارَهُ العُيُونُ. في هَذا الكَلامِ المُعْجِزِ، فَتَظافَرَتْ عَلى ما أخْبَرَتْ بِهِ أدِلَّةُ السَّمْعِ والبَصَرِ والعَقْلِ، وخَتَمَ بِأنَّهم آمَنُوا بِالجِنِّ غَيْبًا وعَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ بِما لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ عَقْلٌ ولا نَقْلٌ، وصَدَّقُوهم مِنَ الإخْبارِ بِما إنْ صَدَقُوا في شَيْءٍ مِنهُ خَلَطُوا مَعَهُ أكْثَرَ مِن مِائَةِ كِذْبَةٍ، وسَلَبَ أعْظَمَ مَنِ ادَّعَوْا أنَّهُمُ اسْتَنَدُوا إلَيْهِ النَّفْعَ والضُّرَّ، وأسْنَدَ تَعْذِيبَهم إلى تَكْذِيبِهِمْ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهم لازَمُوا الإصْرارَ عَلى ذَلِكَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ بِما كُلُّهُ صِدْقٌ وحُكْمٌ فَقالَ: ﴿وإذا تُتْلى﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ مِن أيِّ تالٍ كانَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ [أيْ خاصَّةً لَمْ يَشْرَكْهم غَيْرُهم لِيَقُولُوا: إنَّهُ المَقْصُودُ بِالتِّلاوَةِ، فَلا يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِماعُ] ﴿آياتُنا﴾ حالَ كَوْنِها ﴿بَيِّناتٍ﴾ ما قالَتْ شَيْئًا إلّا ظَهَرَتْ حَقِّيَّتُهُ ﴿قالُوا﴾ [أيْ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ لِما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ مِن حَظِّ النَّفْسِ].
ولَمّا كانَ المُسْتَكْبِرُونَ يَرَوْنَ ما لِلرِّسالَةِ مِنَ الظُّهُورِ، ولِلرَّسُولِ مِنَ القَبُولِ، وأنَّ أتْباعَهم قَدْ ظَهَرَ لَهم ذَلِكَ، فَمالُوا إلَيْهِ بِكُلِّيّاتِهِمْ، أكَّدَهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ما هَذا﴾ [أيِ] التّالِي لَها عَلى ما فِيهِ مِنَ السَّمْتِ المُعْلِمِ بِأنَّهُ أصْدَقُ الخَلْقِ وأعْلاهم هِمَّةً وأبْيَنُهم نَصِيحَةً ﴿إلا رَجُلٌ﴾ أيْ مَعَ كَوْنِهِ واحِدًا هو مِثْلُ واحِدٍ مِن رِجالِكُمْ، وتَزِيدُونَ عَلَيْهِ أنْتُمْ بِالكَثْرَةِ، (p-٥٢٤)ولَمْ يُسْنِدُوا الفِعْلَ إلَيْهِمْ نَفْيًا لِلْغَرَضِ عَنْ أنْفُسِهِمْ وإلْهابًا لِلْمُخاطَبِينَ فَقالُوا: ﴿يُرِيدُ أنْ يَصُدَّكُمْ﴾ أيْ بِهَذا الَّذِي يَتْلُوهُ ﴿عَمّا كانَ﴾ [دائِمًا] ﴿يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ أيْ لا قَصْدَ لَهُ إلّا ذَلِكَ لِتَكُونُوا لَهُ أتْباعًا، وألْهَبُوا السّامِعِينَ بِتَصْوِيرِ آبائِهِمْ بِذِكْرِ ”كانَ“ والفِعْلِ المُضارِعِ مُلازِمِينَ لِلْعِبادَةِ لِيَثْبُتُوا عَلى كُفْرِهِمْ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا شُبْهَةَ ولا داعٍ سِوى التَّقْلِيدِ.
ولَمّا كانَتْ أدِلَّةُ الكِتابِ واضِحَةً، خافُوا عاقِبَتَها في قَبُولِ الِاتِّباعِ لَها، فَجَزَمُوا بِأنَّها كَذِبٌ لِيُوقِفُوهم بِذَلِكَ، فَحَكى ذَلِكَ عَنْهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ما هَذا﴾ أيِ القُرْآنُ ﴿إلا إفْكٌ﴾ أيْ كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ ﴿مُفْتَرًى﴾ أيْ مُتَعَمَّدٌ ما فِيهِ مِنَ الصَّرْفِ.
ولَمّا كانَ فِيهِ ما لا يَشُكُّ أحَدٌ في حَقِّيَّتِهِ، لَبَّسُوا عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ خَيالٌ يُوشِكُ أنْ يَنْكَشِفَ إيقافًا لَهم إلى وقْتٍ ما، فَقالَ تَعالى إخْبارًا عَنْهُمْ: ﴿وقالَ﴾ ولَمّا كانَ الحَقُّ قَدْ يَخْفى، ولَمْ يُقَيِّدْهُ بِالبَيانِ كَما فَعَلَ في الآياتِ، أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ بَيانًا لِلْوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى ذَلِكَ القَوْلِ وهو التَّدْلِيسُ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ العُقُولُ مِن حَقِّيَّةِ القُرْآنِ،
﴿لِلْحَقِّ﴾ أيِ الَّذِي لا أثْبَتُ مِنهُ بِاعْتِبارِ كَمالِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ ﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ مِن غَيْرِ أنْ يُمْهِلُوا النَّظَرَ ولا تَدَبَّرَ لِيُقالَ إنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى ما قالُوا نَوْعُ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُمْ، بَلْ أظْهَرُوا بِالمُسارَعَةِ إلى الطَّعْنِ أنَّهُ مِمّا لا يَتَوَقَّفُ فِيهِ، وأكَّدُوا لِما تَقَدَّمَ مِن خَوْفِهِمْ عَلى أتْباعِهِمْ (p-٥٢٥)لِيُخَيِّلُوهم فَقالُوا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هَذا﴾ أيِ الثّابِتَ الَّذِي لا يَكُونُ شَيْءٌ أثْبَتَ مِنهُ ﴿إلا سِحْرٌ﴾ أيْ خَيالٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَوارِ جِدًّا، فَهو يُنادِي عَلى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، فَلا تَغْتَرُّوا بِما فِيهِ مِمّا تَمِيلُ النُّفُوسُ ويُؤَثِّرُ في القُلُوبِ، ولَقَدِ انْصَدَّ لِعَمْرِي بِهَذا التَّلْبِيسِ - مَعَ أنَّ [فِي] نِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى السِّحْرِ الِاعْتِرافُ بِالعَجْزِ - بَشَرٌ كَثِيرٌ بُرْهَةً حَتّى هُدى اللَّهُ بَعْضَهُمْ، وتَمادى بِالآخَرِينَ الأمْرُ حَتّى ماتُوا عَلى ضَلالِهِمْ، مَعَ أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي لِكُلِّ مَن رَأى مُبادَرَتَهم وتَحَرُّقَهم أنْ يَعْرِفَ أنَّهم مُتَغَرِّضُونَ، لَمْ يَحْمِلْهم عَلى ذَلِكَ إلّا الحُظُوظُ النَّفْسانِيَّةُ، والعُلَقُ الشَّهْوانِيَّةُ، قالَ الطُّفَيْلُ ابْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ ذُو النُّورِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَقَدْ أكْثَرُوا عَلَيَّ في أمْرِهِ حَتّى حَشَوْتُ في أُذُنَيَّ الكُرْسُفَ خَوْفًا مِن أنْ يَخْلُصَ إلَيَّ شَيْءٌ مِن كَلامِهِ فَيَفْتِنَنِي، ثُمَّ أرادَ اللَّهُ بِي الخَيْرَ فَقُلْتُ: واثَكْلَ أُمِّي إنِّي واللَّهِ لَبِيبٌ عاقِلٌ شاعِرٌ، ولِي مَعْرِفَةٌ بِتَمْيِيزِ غَثِّ الكَلامِ مَن سَمِينِهِ، فَما لِي لا أسْمَعُ مِنهُ، فَإنْ كانَ حَقًّا تَبِعْتُهُ، وإنْ كانَ (p-٥٢٦)باطِلًا كُنْتُ مِنهُ عَلى بَصِيرَةٍ - أوْ كَما قالَ، قالَ: فَقَصَدْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: اعْرِضْ عَلَيَّ ما جِئْتَ بِهِ، فَلَمّا عَرَضَهُ عَلَيَّ بِأبِي هو وأُمِّي ما سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أحْسَنَ مِنهُ ولا أمْرًا أعْدَلَ مِنهُ فَما تَوَقَّفْتُ في أنْ أسْلَمْتُ، ثُمَّ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَدْعُوَ اللَّهَ لَهُ [أنْ يُعْطِيَهُ] آيَةً تُعِينُهُ عَلى قَوْمِهِ، فَلَمّا أشْرَفَ عَلى حاضِرِ قَوْمِهِ كانَ لَهُ نُورٌ في جَبْهَتِهِ، فَخَشِيَ أنْ يَظُنُّوا أنَّها مُثْلَةٌ، فَدَعا بِتَحْوِيلِهِ، فَتَحَوَّلَ في طَرَفٍ سَوْطِهِ، فَأعانَهُ اللَّهُ عَلى قَوْمِهِ [فَأسْلَمُوا].
سبأ 34:44
ولَمّا بارَزُوا بِهَذا القَوْلِ مِن غَيْرِ أثارَةٍ [مِن] عِلْمٍ ولا خَبَرٍ [مِن] سَمْعٍ، بَيَّنَ ذَلِكَ مُعَجِّبًا مِن شَأْنِهِمْ، مُوَضِّحًا لِعِنادِهِمْ، بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّ ما يَجْتَرِؤُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لا سَنَدَ لَها إلّا التَّقْلِيدُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ كِتابٍ أوْ رَسُولٍ: ﴿وما﴾ أيْ قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنّا ما ﴿آتَيْناهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ العَرَبَ أصْلًا لِأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ قَطُّ قَبْلَ القُرْآنِ كِتابٌ، وعَبَّرَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا مَقامُ خَطَرٍ ومَوْطِنٌ وعْرٌ جِدًّا لِأنَّهُ أصْلُ الدِّينِ، فَلا يُقْنَعُ فِيهِ إلّا بِأمْرٍ عَظِيمٍ، وأكَّدَ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿مِن كُتُبٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ مَعَ تَأْكِيدِ النَّفْيِ بِالجارِّ [قَبْلَ كِتابِكَ الجامِعِ] ﴿يَدْرُسُونَها﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ (p-٥٢٧)دِراسَتَها في كُلِّ حِينٍ، فَهي مُتَظاهِرَةُ الدَّلالَةِ بِاجْتِماعِها عَلى مَعْنًى واحِدٍ مُتَواتِرَةٌ عِنْدَهم لا شُبْهَةَ في أمْرِها لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلطَّعْنِ في القُرْآنِ إذا خالَفَ تِلْكَ الكُتُبَ ﴿وما أرْسَلْنا﴾ [سبإ: ٣٤] أيْ إرْسالًا لا شُبْهَةَ فِيهِ لِمُناسَبَتِهِ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿إلَيْهِمْ﴾ [أيْ خاصَّةً، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الرَّسُولَ مَأْمُورٌ بِهِمْ بِأعْيانِهِمْ، فَهم مَقْصُودُونَ بِالذّاتِ، لا أنَّهم داخِلُونَ في عُمُومٍ، أوْ مَقْصُودُونَ مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي] ﴿قَبْلَكَ﴾ أيْ [مِن قَبْلِ رِسالَتِكِ الجامِعَةِ لِكُلِّ رِسالَةٍ لِيَخْرُجَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُما كانا في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي، أوْ أنَّ المُرادَ] في الفَتْرَةِ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما تَقَدَّمَ في السَّجْدَةِ نَقْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بَعْدَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - وإنْ أرْسَلَ إلى العَرَبِ رُسُلَهُ - لَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا [إلّا] إلى قَوْمِهِ، وإرْسالُهُ إلى غَيْرِهِمْ إنَّما هو مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، وشُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما كانَتْ رِسالَتُهُ إلى طائِفَةٍ أوِ اثْنَتَيْنِ مِنهم و[قَدْ يُقالُ]: الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْتِغْراقُ جَمِيعِ الزَّمانِ الماضِي بِالتَّجْرِيدِ عَنِ الخافِضِ أنَّ المُرادَ إنَّما هو نَفْيُ الإرْسالِ بِهَذا الباطِلِ الَّذِي ادَّعَوْهُ لا مُطْلَقُ الإرْسالِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن نَذِيرٍ﴾ أيْ لِيَكُونَ عِنْدَهم قَوْلٌ مِنهُ يَغْبُرُ في وجْهِ القُرْآنِ، فَيَكُونُ حامِلًا لَهم عَلى الطَّعْنِ.
سبأ 34:45
ولَمّا نَفى مُوجِبَ الطَّعْنِ، ذَكَرَ المانِعَ المُوجِبَ لِلْإذْعانِ فَقالَ: (p-٥٢٨)﴿وكَذَّبَ﴾ أيْ فَعَلُوا ما فَعَلُوا، الحالُ أنَّهُ قَدْ كَذَّبَ ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ مِن قَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم بادَرُوا إلى ما بادَرَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ التَّكْذِيبَ كانَ في طِباعِهِمْ لِما عِنْدَهم مِنَ الجَلافَةِ والكِبْرِ ﴿وما بَلَغُوا﴾ أيْ هَؤُلاءِ ﴿مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ أيْ عُشْرًا صَغِيرًا مِمّا آتَيْنا أُولَئِكَ مِنَ القُوَّةِ في الأبْدانِ والأمْوالِ والمُكْنَةِ [فِي كُلِّ شَيْءٍ] مِنَ العُقُولِ وطُولِ الأعْمارِ والخُلُوِّ مِنَ الشَّواغِلِ ﴿فَكَذَّبُوا﴾ [أيْ] بِسَبَبِ ما طُبِعُوا عَلَيْهِ مِنَ العِنادِ، [وأفْرَدَ الضَّمِيرَ كَما هو حَقُّهُ ونَصًّا عَلى أنَّ النُّونَ فِيما مَضى لِلْعَظَمَةِ لا لِلْجَمْعِ دَفْعًا لِتَعَنُّتِ مُتَعَنِّتٍ فَقالَ]: ﴿رُسُلِي﴾
ولَمّا كانَ اجْتِراؤُهم عَلى الرُّسُلِ سَبَبَ إهْلاكِهِمْ عَلى أوْجُهٍ عَجِيبَةٍ، صارَتْ مَثَلًا مَضْرُوبًا باقِيًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولَمْ يُغْنِ عَنْهم في دَفْعِ النِّقَمِ ما بَسَطَ لَهم مِنَ النِّعَمِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ لِرائِيهِ أوْ لِسامِعِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [أيْ فِيما كانَ لَهُ مِنَ الشِّدَّةِ الَّتِي هي كالجِبِلَّةِ] أيْ إنْكارِي عَلى المُكَذِّبِينَ لِرُسُلِي، لِيَكُونَ السُّؤالُ تَنْبِيهًا لِهَذا المَسْؤُولِ وداعِيًا لَهُ إلى الإذْعانِ خَوْفًا مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ أنْ فَعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَهم [سَواءٌ كانَ الإنْكارُ في أدْنى الوُجُوهِ كَما أوْقَعْناهُ سَبَبًا مِن تَعْطِيلِ الأسْبابِ، أوْ أعْلاها كَما أنْزَلْنا بِقَوْمِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن شاكَلَهم (p-٥٢٩)وصَبَّ العَذابَ والِاسْتِئْصالَ الوَحِيَّ بِالمُصابِ عَلى ما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَتا حَذْفِ الياءِ وإثْباتِها].
سبأ 34:46
ولَمّا أبْطَلَ شُبَهَهم كُلَّها، ولَيَّنَ مِن عَرِيكَتِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى التَّحْذِيرِ، فَصارُوا جَدِيرِينَ بِقَبُولِ الوَعْظِ، [وكانَ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ - وحاشاهُ - الجُنُونُ وتَعَمُّدُ الكَذِبِ]، أمَرَهُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِمْ بِهِ مُخَفِّفًا لَهُ لِئَلّا يَنْفِرُوا مِن طُولِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ وأكَّدَهُ زِيادَةً في اسْتِجْلابِهِمْ إلى الإقْبالِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾ أيْ فاسْمَعُوا ولا تَنْفِرُوا خَوْفًا مِن أنْ أُمِلَّكُمْ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ بَيانًا لَها: ﴿أنْ تَقُومُوا﴾ أيْ تُوَجِّهُوا نُفُوسَكم إلى تَعَرُّفِ الحَقِّ، وعَبَّرَ بِالقِيامِ إشارَةً إلى الِاجْتِهادِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ واسْتِحْضارِ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ بِما لَهُ لَدَيْكم مِنَ الإحْسانِ [لا لِإرادَةِ المُغالَبَةِ] حالَ كَوْنِكم ﴿مَثْنى﴾ أيِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، [وقَدَّمَهُ إشارَةً إلى أنَّ أغْلَبَ النّاسِ ناقِصُ العَقْلِ] ﴿وفُرادى﴾ أيْ واحِدًا واحِدًا، مَن وثَقَ بِنَفْسِهِ في رَصانَةِ عَقْلِهِ وأصالَةِ رَأْيِهِ قامَ وحْدَهُ لِيَكُونَ أصْفى لِسِرِّهِ، وأعْوَنَ عَلى خُلُوصٍ فِكْرِهِ، ومَن خافَ عَلَيْها ضَمَّ إلَيْهِ آخَرَ لِيُذَكِّرَهُ إنْ نَسِيَ. ويُقَوِّمُهُ إنْ زاغَ. ولَمّا كانَ هَذا القِسْمُ أكْثَرَ وُجُودًا في النّاسِ قَدَّمَهُ ولَمْ يَذْكُرْ غَيْرَهُما مِنَ الأقْسامِ، إشارَةً إلى أنَّهم إذا كانُوا عَلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ كانَ أجْدَرَ لَهم (p-٥٣٠)بِأنْ يَعْرِفُوا الحَقَّ مِن غَيْرِ شائِبَةِ حَظٍّ مِمّا يَكُونُ في الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ الجِدالِ واللَّفْظِ المانِعِ مِن تَهْذِيبِ الرَّأْيِ وتَثْقِيفِ الفِكْرِ وتَنْقِيَةِ المَعانِي.
ولَمّا كانَ ما طَلَبَ مِنهم هَذا لِأجْلِهِ عَظِيمًا جَدِيرًا بِأنْ يُهْتَمَّ لَهُ هَذا الِاهْتِمامَ، أشارَ إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ أيْ تَجْتَهِدُوا بَعْدَ التَّأنِّي وطُولِ التَّرَوِّي في الفِكْرِ فِيما وسَمْتُمْ بِهِ صاحِبَكم مِن أمْرِ الجُنُونِ. ولَمّا كانَ بُعْدُهُ ﷺ مِن هَذا أمْرًا لا يُتَمارى فِيهِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ [مُعَيِّنًا بِالتَّعْبِيرِ بِالصّاحِبِ] مُؤَكِّدًا تَكْذِيبًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى ظُهُورِ مَضْمُونِ هَذا النَّفْيِ: ﴿ما بِصاحِبِكُمْ﴾ أيِ الَّذِي دَعاكم إلى اللَّهِ وقَدْ بَلَوْتُمُوهُ صَغِيرًا ويافِعًا وشابًّا وكَهْلًا، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن جِنَّةٍ﴾ وخَصَّها لِأنَّها مِمّا يُمْكِنُ طُرُوءُهُ، ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى الكَذِبِ لِأنَّهُ مِمّا لا يُمْكِنُ فِيمَن عاشَ بَيْنَ أُناسٍ عُمْرًا طَوِيلًا ودَهْرًا دَهِيرًا يَصْحَبُهم لَيْلًا ونَهارًا صَباحًا ومَساءً سِرًّا وعَلَنًا في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وهو أعْلاهم هِمَّةً وأوْفاهم مُرُوءَةً، وأزْكاهم خَلائِقَ وأظْهَرُهم شَمائِلَ، وأبْعَدُهم عَنِ الأدْناسِ ساحَةً في مُطْلَقِ الكَذِبِ، فَكَيْفَ بِما يُخالِفُ أهْواءَهم فَكَيْفَ بِما يُنْسَبُ إلى اللَّهِ فَكَيْفَ وكَلامُهُ الَّذِي يُنْسَبُ فِيهِ إلى الكَذِبِ مُعْجِزٌ بِما فِيهِ (p-٥٣١)مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ، والبَلاغَةِ والمَعانِي الَّتِي أعْيَتِ الأفْهامَ.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا إعْلامًا وإفْهامًا بَراءَتَهُ مِمّا قَذَفُوهُ بِهِ كُلِّهِ، حَصَرَ أمْرَهُ في النَّصِيحَةِ مِنَ الهَلاكِ، فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى أنَّ هَذا الَّذِي أتاهم بِهِ لا يَدَّعِيهِ إلّا أحَدُ رَجُلَيْنِ: إمّا مَجْنُونٌ أوْ صادِقٌ هو أكْمَلُ الرِّجالِ، وقَدِ انْتَفى الأوَّلُ فَثَبَتَ الثّانِي: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ [أيِ المُحَدَّثُ عَنْهُ بِعَيْنِهِ] ﴿إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ أيْ خاصًّا إنْذارَهُ وقَصْدَهُ الخَلاصَ بِكُمْ، [وهَوَّلَ أمْرَ العَذابِ بِتَصْوِيرِهِ صُورَةَ مَن لَهُ آلَةُ بَطْشٍ مُحِيطَةٍ بِمَن تَقْصِدُهُ فَقالَ]: ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ [أيْ] قَبْلَ حُلُولِ ﴿عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ قاهِرٍ لا خَلاصَ مِنهُ، إنْ لَمْ تَرْجِعُوا إلَيْهِ حَلَّ بِكم سَرِيعًا، رَوى [البُخارِيُّ] عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: «صَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ الصَّفا ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: يا صَباحاهُ! فاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَقالُوا: ما لَكَ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ لَوْ أخْبَرْتُكم أنَّ العَدُوَّ يُصَبِّحُكم أوْ يُمَسِّيكم أما كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قالُوا: بَلى، فَقالَ: إنِّي نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقالَ أبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١]» .
سبأ 34:47
ولَمّا انْتَفى عَنْهُ بِهَذا ما خَيِّلُوا بِهِ، بَقِيَ إمْكانٌ أنْ يَكُونَ لِغَرَضِ أمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَنَفاهُ [بِأمْرِهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِلْكَفَرَةِ: ﴿ما﴾ (p-٥٣٢)أيْ مَهْما ﴿سَألْتُكم مِن أجْرٍ﴾ أيْ عَلى دُعائِي لَكم ﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ لا أُرِيدُ مِنهُ شَيْئًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ أنِّي لا أسْألُكم عَلى دُعائِي لَكم إلى اللَّهِ أجْرًا أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ الدُّعاءَ لَيْسَ لِغَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ، وأنَّ الدّاعِيَ أرْجَحُ النّاسِ عَقْلًا، ثَبَتَ أنَّ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لِتِلْكَ الأخْطارِ العَظِيمَةِ إنَّما هو أمْرُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ بِهِ في بَعْضِ ظُنُونِهِمْ أنَّهُ يُرِيدُ أمْرًا دُنْيَوِيًّا، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ، فَلا يَنْبَغِي لِذِي هِمَّةٍ أنْ يَبْتَغِيَ شَيْئًا إلّا مِن عِنْدِهِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِأحْوالِهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يُهْلِكَ الظّالِمَ ويُعْلِيَ كَعْبَ المُطِيعِ.
سبأ 34:48
ولَمّا لَمْ يُبْقَ شَيْءٌ يَخْدِشُ في أمْرِ المُبَلِّغِ، أتْبَعَهُ تَصْحِيحَ النَّقْلِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ يَقُولُ: بَرِئَتْ ساحَتُكَ، فَمَن لَنا بِصِحَّةِ مَضامِينِ ما تُخْبِرُ؟ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما يَأْتِي بِهِ حَقٌّ [مُعِيدًا الأمْرَ بِالقَوْلِ، إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ كَلامٍ صَدَرَ دَلِيلٌ كافٍ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى ما سَبَقَ لَهُ]: ﴿قُلْ﴾ لِمَن أنْكَرَ التَّوْحِيدَ والرِّسالَةَ والحَشْرَ [مُعَبِّرًا بِما يَقْتَضِي العِنايَةَ المُوجِبَةَ لِنَصْرِهِ عَلى كُلِّ مُعانِدٍ]،
﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِأنْواعِ الإحْسانِ، المُبَيِّضَ لِوَجْهِي عِنْدَ الِامْتِحانِ ﴿يَقْذِفُ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَرْمِي بِهِ في إثْباتِ جَمِيعِ ذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا يُرِيدُ رَمْيًا وحْيًا جِدًّا لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ (p-٥٣٣)تَدَبُّرٍ أوْ تَرَوٍّ أوْ تَفَكُّرٍ في تَصْحِيحِ المَعْنى أوْ إصْلاحِ اللَّوازِمِ لِأنَّهُ عَلّامُ الغُيُوبِ، فَيَفْضَحُ مَن يُرِيدُ إطْفاءَ نُورِهِ فَضِيحَةً شَدِيدَةً، ويُرْهِقُ باطِلَهُ كَما فَعَلَ فِيما وسَمْتُمُونِي بِهِ [و] في التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ [لا] كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ في مُبادَرَتِكم إلى نَصْرِ الشِّرْكِ وإلى ما وصَفْتُمُونِي بِهِ ووَصَفْتُمْ ما جِئْتُ بِهِ، فَلَزِمَكم عَلى ذَلِكَ أُمُورٌ شَنِيعَةٌ مِنها الكَذِبُ الصَّرِيحُ، ولَمْ تَقْدِرُوا أنْ تَأْتُوا في أمْرِي ولا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ يَقْبَلُهُ ذُو عَقْلٍ أصْلًا.
سبأ 34:49
ولَمّا وصَفَهُ بِنِهايَةِ العِلْمِ، أتْبَعَهُ بَعْضَ آثارِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ﴾ أيِ الأمْرُ الثّابِتُ الَّذِي لا يَقْدِرُ شَيْءٌ أنْ يُزِيلَهُ؛ وأكَّدَ تَكْذِيبًا لَهم في ظَنِّهِمْ أنَّهم يَغْلِبُونَ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿يُبْدِئُ الباطِلُ﴾ [أيِ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ وغَيْرُهُ في كُلِّ حالٍ حَصَلَ فِيهِ تَفْرِيعُهُ عَلى مَرِّ الأيّامِ ﴿وما يُعِيدُ﴾ ] بَلْ هو كالجَمادِ لا حَرَكَةَ بِهِ أصْلًا، لِأنَّهُ مَهْما نَطَقَ بِهِ صاحِبُهُ في أمْرِهِ بَعْدَ هَذا البَيانِ افْتَضَحَ، فَإنْ لَمْ تَرْجِعُوا عَنْهُ طَوْعًا رَجَعْتُمْ وأنْتُمْ صَغَرَةٌ كُرْهًا، والحاصِلُ أنَّ هَذا كِنايَةٌ عَنْ هَلاكِهِ بِما يَهُزُّ (p-٥٣٤)النَّفْسَ ويَرْفُضُ الفِكْرَ بِتَمْثِيلِهِ بِمَنِ انْقَطَعَتْ حَرَكَتُهُ، وذَهَبَتْ قُوَّتُهُ، حَتّى لا يُرْجى بِوَجْهٍ.
سبأ 34:50
ولَمّا لَمَّ يَبْقَ بَعْدَ هَذا إلّا أنْ يَقُولُوا عِنادًا: أنْتَ ضالٌّ، لَيْسَ بِكَ جُنُونٌ ولا كَذِبٌ، ولَكِنَّكَ قَدْ عَرَضَ لَكَ ما أضَلَّكَ عَنِ المَحَجَّةِ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعْطافِ بِما في قَوْلِكَ مِنَ الإنْصافِ وتَعْلِيمِ الأدَبِ: ﴿إنْ ضَلَلْتُ﴾ أيْ عَنِ الطَّرِيقِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ ﴿فَإنَّما أضِلُّ﴾ ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ جَعَلَ العَقْلَ عَقْلًا يَمْنَعُ مِنَ الخَطَأِ ويَنْهى عَنِ الهَوى، وكانَ الغَلَطُ لا يَأْتِي إلّا مِن شَواغِلِ النَّفْسِ بِشَهَواتِها وحُظُوظِها، فَكانَ التَّقْدِيرُ: بِما في نَفْسِي مِنَ الشَّواغِلِ العاقِلَةِ لِلْعَقْلِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿عَلى نَفْسِي﴾ أيْ لِأنَّ الضَّلالَ إذا اسْتَعْلى عَلى شَيْءٍ ظَهَرَ أمْرُهُ فَيَتَبَيَّنُ عَوارُهُ فَيَلْزَمُ عارُهُ، ويَصِيرُ صاحِبُهُ بِحَيْثُ لا يَدْرِي شَيْئًا يَنْفَعُ ولا يُعِيدُ، ولِذَلِكَ يَصِيرُ يَفْزَعُ إلى السَّفَهِ والمُشاتَمَةِ كَما وقَعَ في مَذاهِبِكم كُلِّها، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ العُقُولَ الصَّحِيحَةَ مِعْيارًا عَلى ذَلِكَ، فَمَهْما ذُكِرَتْ طُرُقُ [الحَقِّ] وحُرِّرَتْ ظَهَرَ أمْرُ الباطِلِ وافْتَضَحَ. [ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ مُنْقادَةً بَلْ مُتَرامِيَةً نَحْوَ الباطِلِ، عَبَّرَ في الضَّلالِ بِالمُجَرَّدِ، وفي الهُدى بِالِافْتِعالِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا بُدَّ (p-٥٣٥)فِيهِ مِن هادٍ وعِلاجٍ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ اسْتِعْمالًا لِلْإنْصافِ فَقالَ]: ﴿وإنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما﴾ أيْ فاهْتِدائِي إنَّما هو بِما ﴿يُوحِي إلَيَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ لا بِغَيْرِهِ، فَلا يُمْكِنُ فِيهِ ضَلالٌ لِأنَّهُ لا حَظَّ فِيهِ لِلنَّفْسِ أصْلًا، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِن طَعْنٍ في شَيْءٍ مِنهُ، وهُدايَ لِنَفْسِي، فالآيَةُ ظاهِرُها التَّنَزُّلُ مِنهُ وباطِنُها إرْشادُهم إلى تَسْدِيدِهِمُ النَّظَرَ وتَقْوِيمِهِ وتَهْذِيبِ الفِكْرِ وتَثْقِيفِهِ، وهي مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا كَوْنَ الضَّلالِ مِن نَفْسِهِ بِما دَلَّ [عَلَيْهِ] ثانِيًا مِن أنَّ الهُدى مِنَ الوَحْيِ [وثانِيًا] كَوْنُ الهُدى لَهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الضَّلالِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلَّلَ الضَّلالَ والهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ رَبِّي ﴿سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِن حالِ مَن يَكْذِبُ عَلَيْهِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنَّهُ يَفْضَحُهُ كَما فَضَحَكم في جَمِيعِ ما تَدَّعُونَهُ ولا يَبْعُدُ عَلَيْهِ شَيْءٌ لِيَحْتاجَ في إدْراكِهِ إلى تَأْخِيرٍ لِقَطْعِ مَسافَةٍ أوْ نَحْوِها، بَلْ هو مُدْرِكٌ لِكُلِّ ما أرادَ كُلَّما أرادَ، والآيَةُ إرْشادٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى إلى أنَّهُ وإنْ كانَ خَلَقَ لِلْآدَمِيِّ عَقْلًا لا يَضِلُّ ولا يَزِيغُ، لَكِنَّهُ حَفَّهُ بِقَواطِعَ مِنَ الشَّهَواتِ والحُظُوظِ والكَسَلِ والفُتُورِ فَلا يَكادُ يَسْلَمُ مِنها إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، فَلَمّا كانَ كَذَلِكَ أنْزَلَ سُبْحانَهُ كُتُبًا هي العَقْلُ الخالِصُ، وأرْسَلَ رُسُلًا جَرَّدَهم مِن تِلْكَ القَواطِعِ، فَجَعَلَ أخْلاقَهم (p-٥٣٦)شَرائِعَهُمْ، فَعَلى كُلِّ أحَدٍ أنْ يَتَّبِعَ رُسُلَهُ المُتَخَلِّفِينَ بِكُتُبِهِ مُتَّهِمًا [عَقْلَهُ مُنابِذًا] رَأْيَهُ كَما كانَ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، لِيَكُونَ مُؤْمِنًا بِالغَيْبِ حَقَّ الإيمانِ فَيَدْخُلَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ فاطِرٍ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨] ولا يَكُونُ مُتَناوِشًا بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ.
سبأ 34:51
ولَمّا أبْطَلَ شُبَهَهم وخَتَمَ مِن صِفاتِهِ بِما يَقْتَضِي البَطْشَ بِمَن خالَفَهُ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ [سبإ: ٣١] ﴿ولَوْ تَرى﴾ أيْ تَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ ﴿إذْ فَزِعُوا﴾ أيْ يَفْزَعُونَ بِأخْذِنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِالماضِي وكَذا في الأفْعالِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذا لِأنَّ ما اللَّهُ فاعِلُهُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ كانَ ووُجِدَ لِتَحَقُّقِهِ ﴿فَلا﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الفَزَعِ أنَّهُ لا ﴿فَوْتَ﴾ أيْ لَهم مِنّا لِأنَّهم في قَبْضَتِنا، لَرَأيْتَ أمْرًا مَهُولًا وشَأْنًا فَظِيعًا، وحَقَّرَ أمْرَهم بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ فَقالَ: ﴿وأُخِذُوا﴾ أيْ عِنْدَ الفَزَعِ مِن كُلِّ مَن نَأْمُرُهُ بِأخْذِهِمْ سَواءٌ كانَ قَبْلَ المَوْتِ أوْ بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ القُرْبُ يَسْهُلُ [أخْذُ] ما يُرادُ أخْذُهُ قالَ: ﴿مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ أيْ أخْذًا لا شَيْءَ أسْهَلُ مِنهُ فَإنَّ الآخِذَ سُبْحانَهُ قادِرٌ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَيْءٍ مَسافَةٌ، بَلْ هو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ.
سبأ 34:52
﴿وقالُوا﴾ أيْ: عِنْدَ الأخْذِ ومُعايَنَةِ الثَّوابِ والعِقابِ ﴿آمَنّا بِهِ﴾ أيِ الَّذِي أُرِيدَ مِنّا الإيمانُ بِهِ (p-٥٣٧)وأبَيْناهُ، والأقْرَبُ أنْ يَكُونَ [القُرْآنُ] الَّذِي قالُوا إنَّهُ إفْكٌ مُفْتَرًى ﴿وأنّى﴾ أيْ وكَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿لَهُمُ التَّناوُشُ﴾ أيْ تَناوُلُ الإيمانِ أوْ شَيْءٍ مِن ثَمَراتِهِ، وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الرُّجُوعِ، فَكانَ المَعْنى أنَّ ذَلِكَ بَعُدَ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِرُجُوعِهِمْ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ العَمَلِ، وأنّى لَهم ذَلِكَ؟ وهو تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ - في طَلَبِهِمْ أنْ يَنْفَعَهم إيمانُهم في ذَلِكَ الوَقْتِ كَما نَفَعَ المُؤْمِنِينَ إيمانُهم في الدُّنْيا - بِحالِ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ شَيْئًا مِن عُلْوِهِ كَما يَتَناوَلُهُ الآخَرُ مِن قَدْرِ ذِراعٍ تَناوُلًا سَهْلًا، لا نَصَبَ فِيهِ، ومَدَّهُ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ لِهَمْزِهِمْ إيّاهُ فَقِيلَ: إنَّ الهَمْزَ عَلى الواوِ المَضْمُونَةِ كَما هُمِزَتْ في وُجُوهٍ ووُقِّتَتْ فَيَكُونُ لَفْظُهُ مُوافِقًا لِمَعْناهُ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لَيْسَ مِن هَذا، لِأنَّ شَرْطَ هَمْزِ الواوِ المَضْمُومَةِ ضَمَّةً لازِمَةً أنْ لا يَكُونَ مُدْغَمًا فِيها إذا كانَتْ وسَطًا كالتَّعَوُّدِ، وأنْ لا يَصِحَّ في الفِعْلِ نَحْوُ تَناوَلَ وتَعاوَنَ، وقَدْ حُكِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو أنَّ مَعْناهُ بِالهَمْزِ التَّناوُلُ مِن بُعْدٍ، مِن قَوْلِهِمْ نَأشَ - بِالهَمْزِ - إذا أبْطَلَ وتَأخَّرَ، والنَّيْشُ حَرَكَةٌ في إبْطاءِ، والنَّأْشُ أيْضًا: الأخْذُ، فَيَكُونُ الهَمْزُ أصْلِيًّا، وقَرَأهُ الباقُونَ بِالواوِ مِثْلُ التَّناوُلِ لَفْظًا ومَعْنى، فَقِراءَةُ الواوِ المَحْضَةِ تُشِيرُ إلى أنَّهم يُرِيدُونَ تَناوُلًا سَهْلًا مَعَ بُعْدِ المُتَناوَلِ في المَكانِ، (p-٥٣٨)وقِراءَةُ الهَمْزِ إلى أنَّ إرادَتَهم تَأخَّرَتْ وأبْطَأتْ حَتّى فاتَ وقْتُها، فَجَمَعَتْ إلى بُعْدِ المَكانِ بُعْدَ الزَّمانِ.
ولَمّا كانَ البَعِيدُ لا يُمْكِنُ الإنْسانَ تَناوُلُهُ مَعَ بُعْدِهِ قالَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ فَإنَّهُ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ لا يَنْفَعُ الإيمانُ
سبأ 34:53
﴿وقَدْ﴾ [أيْ] كَيْفَ لَهم ذَلِكَ والحالُ أنَّهم قَدْ ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ أيْ بِالَّذِي طُلِبَ مِنهم أنْ يُؤْمِنُوا بِهِ أمَلًا وجَزاءً ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ في دارِ العَمَلِ و الحالُ أنَّهم حِينَ كُفْرِهِمْ يَقْذِفُونَ في أمْرِ ما دُعُوا إلَيْهِ بِما يَرْمُونَ بِهِ مِنَ الكَلامِ رَمْيًا سَرِيعًا جِدًّا مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ ولا تَدَبُّرٍ ﴿بِالغَيْبِ﴾ [أيْ] مِن مُرْجَماتِ الظُّنُونِ، وهي الشُّبْهَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ إبْطالُها في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها مِنِ اسْتِبْعادِهِمُ البَعْثَ وغَيْرَهُ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ.
ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يُمْكِنُ أنْ يُصِيبَ ما يَقْذِفُهُ وهو غائِبٌ عَنْهُ ولا سِيَّما مَعَ البُعْدِ قالَ مُعْلِمًا بِبُعْدِهِمْ عَنْ عِلْمِ ما يَقُولُونَ مَعَ بُعْدِهِ جِدًّا مِن حالِ مَن تَكَلَّمُوا فِيهِ سَواءٌ كانَ القُرْآنَ أوِ النَّبِيَّ ﷺ أوِ الحَشْرَ والجَنَّةَ والنّارَ: ﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ وذَلِكَ عَلى الضِّدِّ مِن قَذْفِ عَلّامِ الغُيُوبِ فَإنَّهُ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ فَهو مَعْلُومٌ لازِمٌ لِلْحَقِّ.
سبأ 34:54
ولَمّا أشارَ إلى بُعْدِ الإيمانِ مِنهم عِنْدَ إرادَتِهِمْ تَناوُلَهُ عِنْدَ فَواتِ أمْرِهِ وعُلُوِّهِ عَنْهم عِنْدَ طَعْنِهِمْ فِيهِ في دارِ العَمَلِ، تَرْجَمَ حالَتَيْهِمْ في (p-٥٣٩)ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ ثَمَراتِ الإيمانِ مِن دُخُولِ الجِنانِ ورِضى الرَّحْمَنِ بِقَوْلِهِ: ﴿وحِيلَ﴾ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المَجْهُولِ مُشِيرًا إلى أنَّ حُصُولَ الحَيْلُولَةِ بِأسْهَلِ ما يَكُونُ ولِأنَّ المَنكِيَّ [لَهُمْ] نَفْسُ الحَيْلُولَةِ لا كَوْنُها مِن شَخْصٍ مُعَيَّنٍ: ﴿بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ أيْ يَمِيلُونَ إلَيْهِ مَيْلًا عَظِيمًا مِن تَأْثِيرِ طَعْنِهِمْ وقَبُولِ إيمانِهِمْ عِنْدَ [رُؤْيَةِ]، البَأْسِ ومِن حُصُولِ شَيْءٍ مِن ثَمَراتِهِ لَهم مِن حُسْنِ الثَّوابِ [كَما يَرى الإنْسانُ مِنهم - وهو في غَمَراتِ النّارِ - مَقْعَدَهُ في الجَنَّةِ، الَّذِي كانَ يَكُونُ لَهُ لَوْ آمَنَ ولا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْهِ بِوَجْهٍ، وإنْ خُيِّلَ إلَيْهِ الوُصُولُ فَقَصَدَهُ فَمُنِعَ مِنهُ كانَ أنَكى] ﴿كَما فُعِلَ﴾ [أيْ] بِأيْسَرِ وجْهٍ ﴿بِأشْياعِهِمْ﴾ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِثْلَهم ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ [زَمانِهِمْ] فَإنَّ حالَهم [كانَ] كَحالِهِمْ في الكُفْرانِ والإيمانِ، والسَّعادَةِ والخُسْرانِ، ولَمْ يَخْتَلَّ أمْرُنا في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ كانَ كُلَّما كَذَّبَتْ أُمَّةٌ رَسُولَها أخَذْناها، فَإنْ أذَقْناهم بَأْسَنا أذْعَنُوا وخَضَعُوا، فَلَمْ نَقْبَلْ مِنهم ذَلِكَ، ولا نَفَعَهم شَيْئًا لا بِالكَفِّ عَنْ إهْلاكِهِمْ ولا بِإدْراكِهِمْ لِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ عَلَّلَ عَدَمَ الوُصُولِ إلى قَصْدٍ في كُلٍّ مِنَ الحالَتَيْنِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن شَكٍّ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ (p-٥٤٠)فِي دارِ القَبُولِ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ لَهم ﴿فِي شَكٍّ﴾ أيْ في جَمِيعِ ما يُخْبِرُهم بِهِ رُسُلُنا عَنّا مِنَ الجَزاءِ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ مَوْقِعٍ [فِي] الرِّيبَةِ، فَهو بَلِيغٌ في بابِهِ كَما يُقالُ: عَجَبٌ عَجِيبٌ، أوْ هو واقِعٌ في الرَّيْبِ كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ، أيْ: ذُو شِعْرٍ، فَكَيْفَ يَقْبَلُونَ أوْ يَنْفُذُ طَعْنُهم أوْ تَحْصُلُ لَهم ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وهو عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ بَلْ كانُوا يَشُكُّونَ في قُدْرَتِنا وعَظَمَتِنا، فاللّائِقُ بِالحِكْمَةِ أنْ نُبَيِّنَ لَهُمُ العَظَمَةَ بِالعَذابِ [لَهُمْ] والثَّوابِ لِأحْبابِنا الَّذِينَ عادَوْهم فِينا فَتَبَيَّنَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ [بِهِ] عِنْدَ ظُهُورِ الحَمْدِ أتَمَّ الظُّهُورِ إمّا في الآخِرَةِ أوْ في مُقَدِّماتِها، فَظَهَرَ سِرُّ الإفْصاحِ بِقَوْلِهِ ﴿ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ [سبإ: ١] وأنَّهُ حالَ سُبْحانَهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يُرِيدُونَ، فَتَبَيَّنَ أنَّهُ مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ فَصَحَّ أنَّ لَهُ الحَمْدَ في الأُولى وفي كُلِّ حالَةٍ - وقَدْ تَعانَقَ آخِرُها مَعَ أوَّلِها، والتَحَمَ مَقْطَعُها بِمُوصِلِها - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هو المُسْتَعانُ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
فاطر 35:1
(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ ”فاطِرٍ“.. وتُسَمّى سُورَةُ ”المَلائِكَةِ“
هِيَ خِتامُ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِاسْمِ الحَمْدِ؛ الَّتِي تَقَدَّمَ عَنِ الشَّيْخِ سَعْدِ الدِّينِ التَّفْتازانِيِّ أنَّهُ فُصِّلَتْ فِيها النِّعَمُ الأرْبَعُ؛ الَّتِي هي أُمَّهاتُ النِّعَمِ المَجْمُوعَةِ في الفاتِحَةِ؛ وهي الإيجادُ الأوَّلُ؛ ثُمَّ الإبْقاءُ الأوَّلُ؛ ثُمَّ الإيجادُ الثّانِي المُشارُ إلَيْهِ بِسُورَةِ ”سَبَإٍ“؛ ثُمَّ الإبْقاءُ الثّانِي؛ الَّذِي هو أنْهاها؛ وأحْكَمُها؛ المُفَصَّلُ أمْرُهُ فِيها في فَرِيقَيِ السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ؛ تَفْصِيلًا شافِيًا؛ عَلى أنَّهُ اسْتَوْفى في هَذِهِ السُّورَةِ النِّعَمَ الأرْبَعَ؛ كَما يَأْتِي بَيانُهُ في مَحالِّهِ؛ فَمَقْصُودُها إثْباتُ القُدْرَةِ الكامِلَةِ لِلَّهِ (تَعالى)؛ اللّازِمِ مِنها تَمامُ القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ الَّذِي عَنْهُ يَكُونُ أتَمُّ الإبْقاءَيْنِ؛ الإبْقاءُ بِالفِعْلِ دائِمًا أبَدًا؛ بِلا انْقِطاعٍ؛ ولا زَوالٍ؛ ولا انْدِفاعٍ؛ في دارِ المُقامَةِ؛ الَّتِي أُذْهِبَ عَنْها الحَزَنُ؛ والنَّصَبُ؛ واللُّغُوبُ؛ ودارِ الشَّقاوَةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الأنْكادِ والهُمُومِ.
(p-٢)ولِاسْمِ السُّورَةِ أتَمُّ مُناسَبَةٍ لِمَقْصُودِها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يَعْدِلُ ما في الجَنَّةِ مِن تَجَدُّدِ الخَلْقِ؛ فَإنَّهُ لا يُؤْكَلُ مِنها شَيْءٌ إلّا عادَ كَما كانَ في الحالِ؛ ولا يُرادُ شَيْءٌ إلّا وُجِدَ في أسْرَعِ وقْتٍ؛ فَهي دارُ الإبْداعِ والِاخْتِراعِ بِالحَقِيقَةِ؛ وكَذا النّارُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦]؛ وكَذا تَسْمِيَتُها بِـ ”المَلائِكَةِ“؛ فَإنَّهم يُبْدَعُونَ خَلْقًا جَدِيدًا؛ كُلُّ واحِدٍ مِنهم عَلى صُورَتِهِ الَّتِي أرادَ اللَّهُ كَوْنَهُ عَلَيْها؛ لا يُزادُ فِيها؛ ولا يُنْقَصُ؛ كُلَّما أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ؛ مِن غَيْرِ سَبَبٍ أصْلًا؛ غَيْرِ إرادَتِهِ المُطابِقَةِ لِقُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ -؛ وهم مِنَ الكَفَرَةِ؛ عَلى وجْهٍ لا يُحاطُ بِهِ: ﴿وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]
”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي أحاطَ دائِرَةَ قُدْرَتِهِ بِالمُمْكِناتِ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي أتَمَّ بِالبَعْثِ عُمُومَ الرَّحْمَةِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي شَرَّفَ أهْلَ الكَرامَةِ بِدَوامِ الإقامَةِ في دارِ المُقامَةِ. ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - في الَّتِي قَبْلَها الحَشْرَ؛ الَّذِي هو الإيجادُ الثّانِي؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِجُزْئِيّاتٍ مِنَ القُدْرَةِ عَلى أشْياءَ في الكَوْنِ؛ إلى أنْ خَتَمَ بِأخْذِ الكُفّارِ أخْذًا اضْطَرَّهم إلى الإيمانِ بِظُهُورِ الحَمْدِ لَهم أتَمَّ الظُّهُورِ؛ وبِالحَيْلُولَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ جَمِيعِ ما يَشْتَهُونَ؛ كَما كانُوا مُتِّعُوا في الدُّنْيا بِأغْلَبِ ما يَشْتَهُونَ مِن كَثْرَةِ الأمْوالِ؛ والأوْلادِ؛ وما مَعَ ذَلِكَ مِنَ الرّاحَةِ مِن أكْثَرِ الأنْكادِ؛ وكانَ الحَمْدُ يَكُونُ بِالمَنعِ؛ والإعْدامِ؛ كَما يَكُونُ بِالإعْطاءِ؛ والإنْعامِ؛ قالَ (تَعالى) - ما هو نَتِيجَةُ ذَلِكَ -: ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ (p-٣)الكَمالِ؛ إعْدامًا؛ وإيجادًا؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ.
ولَمّا كانَ الإيجادُ مِنَ العَدَمِ أدَلَّ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ - دالًّا عَلى اسْتِحْقاقِهِ لِلْمَحامِدِ -: ﴿فاطِرِ﴾؛ أيْ: مُبْتَدِئِ؛ ومُبْتَدِعِ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: المُتَقَدِّمِ أنَّ لَهُ ما فِيهِما؛ بِأنْ شَقَّ العَدَمَ بِإخْراجِهِما مِنهُ ابْتِداءً عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ؛ كَما تُشاهِدُونَ؛ ولَمّا كانَتِ المَلائِكَةُ - إفْرادًا؛ وجَمْعًا - مِثْلَ الخافِقَيْنِ؛ في أنَّ كُلًّا مِنهم مُبْدَعٌ مِنَ العَدَمِ؛ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سَبَقَ؛ مِن غَيْرِ مادَّةٍ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهم يَتَبَرَّؤُونَ مِن عِبادَةِ الكَفَرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وكانَ لا طَرِيقَ لِعامَّةِ النّاسِ إلى مَعْرِفَتِهِمْ إلّا الخَبَرُ؛ أخْبَرَ عَنْهُمْ؛ بَعْدَما أخْبَرَ عَمّا طَرِيقُهُ المُشاهَدَةُ؛ بِما هو الحَقُّ مِن شَأْنِهِمْ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا بِتَفاوُتِهِمْ في الهَيْئاتِ تَمامَ قُدْرَتِهِ؛ وأنَّها بِالِاخْتِيارِ -: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا﴾؛ أيْ: لَمّا شاءَ مِن مُرادِهِ؛ وإلى ما شاءَ مِن عِبادِهِ؛ ظاهِرِينَ لِلْأنْبِياءِ مِنهُمْ؛ ومَن لَحِقَ بِهِمْ؛ وغَيْرَ ظاهِرِينَ؛ ﴿أُولِي أجْنِحَةٍ﴾؛ أيْ: تُهَيِّئُهم لِما يُرادُ مِنهُمْ؛ ثُمَّ وصَفَ الأجْنِحَةَ فَقالَ: ﴿مَثْنى﴾؛ أيْ: جَناحَيْنِ جَناحَيْنِ؛ لِكُلِّ واحِدٍ؛ لِمَن لا يَحْتاجُ فِيما صُرِّفَ فِيهِ إلى أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ولَعَلَّ ذِكْرَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ أقَلُّ ما يَكُونُ بِمَنزِلَةِ اليَدَيْنِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ زَوْجًا؛ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ لا يَتَقَيَّدُ بِالزَّوْجِ؛ فَقالَ: ﴿وثُلاثَ﴾؛ أيْ: ثَلاثَةً ثَلاثَةً؛ لِآخَرِينَ مِنهُمْ؛ ولَمّا كانَ لَوِ اقْتَصَرَ عَلى ذَلِكَ لَظُنَّ الحَصْرُ فِيهِ؛ نَبَّهَ (p-٤)بِذِكْرِ زَوْجِ الزَّوْجِ عَلى أنَّ الزِّيادَةَ لا تَنْحَصِرُ؛ فَقالَ: ﴿ورُباعَ﴾؛ أيْ: أرْبَعَةً أرْبَعَةً؛ لِكُلِّ واحِدٍ؛ مِن صِنْفٍ آخَرَ مِنهم.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ دُونَ الطَّبِيعَةِ؛ وغَيْرِها؛ وإلّا لَوَجَبَ كَوْنُ الأشْياءِ غَيْرَ مُخْتَلِفَةٍ؛ مَعَ اتِّحادِ النِّسْبَةِ إلى الفاعِلِ؛ كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ﴾؛ أيْ: المَخْلُوقاتِ؛ مِن أشْياءَ مُسْتَقِلَّةٍ؛ ومِن هَيْئاتٍ لِلْمَلائِكَةِ؛ وخِفَّةِ الرُّوحِ؛ واللَّطافَةِ؛ والثَّقالَةِ؛ والكَثافَةِ؛ وحُسْنِ الصَّوْتِ والصَّيْتِ؛ والفَصاحَةِ؛ والسَّذاجَةِ؛ والمَكْرِ؛ والسَّخارَةِ؛ والبُخْلِ؛ وعُلُوِّ الهِمَّةِ؛ وسُفُولِها؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَرْجِعُ إلى الكَمِّ؛ والكَيْفِ؛ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلى الإحاطَةِ بِهِ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ -؛ فَبَطَلَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ فَرَغَ مِنَ الخَلْقِ في اليَوْمِ السّابِعِ؛ عِنْدَما أتَمَّ خَلْقَ آدَمَ؛ فَلَمْ يَبْقَ هُناكَ زِيادَةٌ؛ كاليَهُودِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ عَلى أنَّ لِهَذا المَذْهَبِ مِنَ الضَّعْفِ والوَهْيِ ما لا يَخْفى؛ غَيْرَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - أوْضَحَ جَمِيعَ السُّبُلِ؛ ولَمْ يَدَعْ بِشَيْءٍ مِنها لَبْسًا: ﴿ما يَشاءُ﴾؛ فَلا بِدْعَ في أنْ يُوجِدَ دارًا أُخْرى؛ تَكُونُ لِدَيْنُونَةِ العِبادِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَهو قادِرٌ عَلى البَعْثِ؛ فاعِلٌ لَهُ؛ لا مَحالَةَ. (p-٥)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَتْ سُورَةُ ”سَبَإٍ“؛ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ؛ ومُسْتَحِقُّ الحَمْدِ؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ أوْضَحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أنَّ ذَلِكَ خَلْقُهُ؛ كَما هو مِلْكُهُ؛ وأنَّهُ الأهْلُ لِلْحَمْدِ؛ والمُسْتَحِقُّ؛ إذِ الكُلُّ خَلْقُهُ ومِلْكُهُ؛ ولِأنَّ السُّورَةَ الأُولى تَجَرَّدَتْ لِتَعْرِيفِ العِبادِ بِأنَّ الكُلَّ مِلْكُهُ وخَلْقُهُ؛ دارَتْ آيُها عَلى تَعْرِيفِ عَظِيمِ مُلْكِهِ؛ فَقَدْ أعْطى داوُدَ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ما هو كالنُّقْطَةِ مِنَ البِحارِ الزّاخِرَةِ؛ فَلانَ الحَدِيدُ؛ وانْقادَتِ الرِّياحُ؛ والوُحُوشُ؛ والطَّيْرُ؛ والجِنُّ؛ والإنْسُ؛ مُذَلَّلَةً خاضِعَةً: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ وما لَهم فِيهِما مِن شِرْكٍ وما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢]؛ تَعالى رَبُّنا عَنِ الظَّهِيرِ؛ والشَّرِيكِ؛ والنِّدِّ؛ وتَقَدَّسَ مُلْكُهُ عَنْ أنْ تَحْصُرَهُ العُقُولُ؛ أوْ تُحِيطَ بِهِ الأفْهامُ؛ فَتَجَرَّدَتْ سُورَةُ ”سَبَإٍ“؛ لِتَعْرِيفِ العِبادِ بِعَظِيمِ مُلْكِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَجَرَّدَتْ هَذِهِ الأُخْرى لِلتَّعْرِيفِ بِالِاخْتِراعِ؛ والخَلْقِ؛ ويَشْهَدُ لِهَذا اسْتِمْرارُ آيِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“؛ عَلى هَذا الغَرَضِ مِنَ التَّعْرِيفِ؛ وتَنْبِيهُها عَلى الِابْتِداءاتِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى﴾؛ الآيَةَ؛ وقَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢] ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾ [فاطر: ٣]؛ وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨]؛ الآيَةَ؛ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] (p-٦)الآيَةَ؛ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾ [فاطر: ١١] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣] ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٣٩] ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا ولَئِنْ زالَتا﴾ [فاطر: ٤١]؛ فَهَذِهِ عِدَّةُ آياتٍ مُعَرِّفَةٍ بِابْتِداءِ الخَلْقِ؛ والِاخْتِراعِ؛ أوْ مُشِيرَةٍ؛ ولَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ في سُورَةِ ”سَبَإٍ“؛ آيَةٌ واحِدَةٌ؛ ثُمَّ إنَّ سُورَةَ ”سَبَإٍ“؛ جَرَتْ آيُها عَلى نَهْجِ تَعْرِيفِ المُلْكِ؛ والتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ والِاسْتِبْدادِ بِذَلِكَ؛ والإبْدادِ؛ وتَأمَّلِ افْتِتاحَها؛ وقِصَّةَ داوُدَ؛ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقَوْلَهُ - سُبْحانَهُ - ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [سبإ: ٢٢]؛ الآياتِ؛ يَتَّضِحْ لَكَ ما ذَكَرْناهُ؛ وما انْجَرَّ في السُّورَتَيْنِ؛ مِمّا ظاهِرُهُ الخُرُوجُ مِن هَذَيْنِ الغَرَضَيْنِ؛ فَمُلْتَحَمٌ؛ ومُسْتَدْعى؛ بِحُكْمِ الِانْجِرارِ؛ بِحَسَبِ اسْتِدْعاءِ مَقاصِدِ الآيِ؛ رَزَقَنا اللَّهُ الفَهْمَ عَنْهُ؛ بِمَنِّهِ؛ وكَرَمِهِ؛ انْتَهى.
فاطر 35:2
ولَمّا وصَفَ - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ المُقَدَّسَ بِالقُدْرَةِ الكامِلَةِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ مِنَ السَّعَةِ؛ والضِّيقِ؛ مَعَ العَجْزِ عَنْ دَفْعِ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ أوِ اقْتِناصِهِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ أوْ مُعَلِّلًا مُسْتَنْتِجًا -: ﴿ما﴾؛ أيْ: مَهْما؛ ﴿يَفْتَحِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الذِي لا يُكافِئُهُ شَيْءٌ؛ ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الوُجُودِ لِأجْلِ النّاسِ؛ قالَ: ﴿لِلنّاسِ﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْعامُ مَقْصُودًا (p-٧)بِالذّاتِ؛ مَحْبُوبًا؛ وكانَتْ رَحْمَتُهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ غَلَبَتْ غَضَبَهُ؛ صَرَّحَ بِهِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِلشَّرْطِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِهِ؛ أيْ ”يَفْتَحُهُ كائِنًا“ -: ﴿مِن رَحْمَةٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأرْزاقِ الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ مِنَ اللَّطائِفِ؛ والمَعارِفِ؛ الَّتِي لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ؛ دَقَّتْ؛ أوْ جَلَّتْ؛ فَيُرْسِلْها؛ ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾؛ أيْ: الرَّحْمَةِ؛ بَعْدَ فَتْحِهِ؛ كَما يَعْلَمُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ أنَّهُ إذا حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ لا يُعْدَمُ مَن يَوَدُّ أنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ؛ ولَوْ قَدَرَ عَلى إزالَتِهِ لِأزالَهُ؛ ولا يَقْدِرُ عَلى تَأْثِيرٍ ما فِيهِ.
ولَمّا كانَ حَبْسُ النِّعْمَةِ مَكْرُوهًا؛ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ؛ وتَرَكَ الشَّرْطَ عَلى عُمُومِهِ؛ بَعْدَ أنْ فَسَّرَ الشَّرْطَ الأوَّلَ بِالرَّحْمَةِ؛ دَلالَةً عَلى مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِها؛ إيذانًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ فَقالَ: ﴿وما يُمْسِكْ﴾؛ أيْ: مِن رَحْمَةٍ؛ أوْ نِعْمَةٍ؛ بِإغْلاقِ بابِ الخَلْقِ عَنْهُ؛ ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أمْسَكَهُ؛ بِمِثْلِ البُرْهانِ الماضِي في الرَّحْمَةِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ادَّعى أحَدٌ - فُجُورًا - حالَ إمْساكِ الرَّحْمَةِ؛ أوِ النِّقْمَةِ؛ أنَّهُ هو المُمْسِكُ؛ قالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إمْساكِهِ؛ فَمَن كانَ في يَدِهِ شَيْءٌ فَلْيُمْسِكْ ما أتى بِهِ اللَّهُ حالَ إيجادِهِ بِأنْ يُعْدِمَهُ؛ ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في العِزَّةِ في أمْرِ النّاسِ؛ والحِكْمَةِ في تَدْبِيرِهِمْ؛ عَمَّمَ؛ فَقالَ: ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: هو فاعِلٌ ذَلِكَ؛ والحالُ أنَّهُ وحْدَهُ ﴿العَزِيزُ﴾؛ أيْ: القادِرُ عَلى (p-٨)الإمْساكِ؛ والإرْسالِ؛ الغالِبُ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ ولا غالِبَ لَهُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي يَفْعَلُ في كُلٍّ مِنَ الإمْساكِ؛ والإرْسالِ؛ وغَيْرِهِما؛ ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُهُ بِهِ؛ ويُتْقِنُ ما أرادَ؛ عَلى قَوانِينِ الحِكْمَةِ؛ فَلا يُسْتَطاعُ نَفْضُ شَيْءٍ مِنهُ.
فاطر 35:3
ولَمّا بَيَّنَ بِما يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ أنَّهُ المُنْعِمُ وحْدَهُ؛ أمَرَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ؛ بِالِاعْتِرافِ أنَّها مِنهُ؛ فَإنَّ الذِّكْرَ يَقُودُ إلى الشُّكْرِ؛ وهو قَيْدُ المَوْجُودِ وصَيْدُ المَعْدُومِ المَفْقُودِ؛ فَقالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ أهْلِيَّةُ الِاضْطِرابِ عامَّةً؛ ﴿اذْكُرُوا﴾؛ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مُنْعِمَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ؛ ولَمّا كانَتْ نِعَمُهُ عامَّةً غامِرَةً مِن كُلِّ جانِبٍ؛ قالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: في دَفْعِ ما دَفَعَ مِنَ المِحَنِ؛ وصُنْعِ ما صَنَعَ مِنَ المِنَنِ؛ عَلى ما تَقَدَّمَ في الفَتْحِ؛ والإمْساكِ؛ لِتَشْكُرُوهُ؛ ولا تَكْفُرُوهُ؛ والَّذِي يَخُصُّ أهْلَ مَكَّةَ بَعْدَما شارَكُوا بِهِ النّاسَ - إسْكانَهُمُ الحَرَمَ؛ وحِفْظَهم مِن جَمِيعِ الأُمَمِ؛ وتَشْرِيفَهم بِالبَيْتِ؛ وذَلِكَ مُوجِبٌ لِأنْ يَكُونُوا أشْكَرَ النّاسِ.
ولَمّا أمَرَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ؛ أكَّدَ التَّعْرِيفَ بِأنَّها مِنهُ وحْدَهُ؛ عَلى وجْهٍ بَيَّنَ عِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا لِمَن غَفَلَ؛ ومُوَبِّخًا لِمَن جَحَدَ؛ ورادًّا عَلى أهْلِ القَدَرِ؛ الَّذِينَ ادَّعَوْا أنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَهُمْ؛ ومُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ الأوَّلِ -: ﴿هَلْ﴾؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ؛ أكَّدَهُ بِـ ”مِن“؛ فَقالَ: ﴿مِن خالِقٍ﴾؛ أيْ: لِلنِّعَمِ؛ وغَيْرِها؛ ولَمّا كانَتْ ”مِن“؛ (p-٩)لِلتَّأْكِيدِ؛ فَكانَ ”خالِقٍ“؛ في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ قَرَأ الجُمْهُورُ قَوْلَهُ: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾؛ بِالرَّفْعِ؛ وجَرَّهُ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ؛ عَلى اللَّفْظِ؛ وعَبَّرَ بِالجَلالَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: ”لا“؛ بَلْ هو الخالِقُ وحْدَهُ؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ الأوَّلِ -: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ولَمّا كانَتْ كَثْرَةُ الرِّزْقِ؛ كَما هو مُشاهَدٌ؛ مَعَ وحْدَةِ المَنبَعِ؛ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ؛ قالَ: ﴿مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾؛ بِالمَطَرِ؛ والنَّباتِ؛ وغَيْرِهِما؛ ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ الرَّزّاقُ وحْدَهُ؛ انْقَطَعَ أمَلُ كُلِّ أحَدٍ مِن غَيْرِهِ؛ حَتّى مِن نَفْسِهِ؛ فَحَصَلَ الإخْلاصُ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الإلَهُ؛ وحْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾؛ فَتَسَبَّبَ الإنْكارُ عَلى مَن عَبَدَ غَيْرَهُ؛ ظاهِرًا؛ أوْ باطِنًا؛ فَقالَ: ﴿فَأنّى﴾؛ أيْ: فَمِن أيِّ وجْهٍ؛ وكَيْفَ ﴿تُؤْفَكُونَ﴾؛ أيْ: تُصْرَفُونَ؛ وتُقْلَبُونَ عَنْ وجْهِ السَّدادِ في التَّوْحِيدِ؛ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الظّاهِرَةِ؛ إلى الشِّرْكِ؛ الَّذِي لا وجْهَ لَهُ.
فاطر 35:4
ولَمّا قَرَّرَهم عَلى ما تَقَدَّمَ؛ وخَتَمَ بِالتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو الأصْلُ الأوَّلُ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ نَبَّهَ عَلى أنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ بِذِكْرِ ما يَعْقُبُهُ في الأصْلِ الثّانِي؛ وهو الرِّسالَةُ؛ مِن تَصْدِيقٍ؛ وتَكْذِيبٍ؛ فَقالَ - ناعِيًا عَلى قُرَيْشٍ سُوءَ تَلَقِّيهِمْ لِآياتِهِ؛ وطَعْنِهِمْ في بَيِّناتِهِ؛ مُسَلِّيًا لَهُ ﷺ؛ (p-١٠)عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَإنْ يُصَدِّقُوكَ فَهم جَدِيرُونَ بِالتَّصْدِيقِ؛ لِما قامَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ؛ وشَهِدَ بِهِ مِنَ المَقاصِدِ؛ والوَسائِلِ“ -: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ﴾؛ أيْ: عِنادًا؛ وقِلَّةَ اكْتِراثٍ بِالعَواقِبِ؛ فَتَأسَّ بِإخْوانِكَ؛ ﴿فَقَدْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهُ قَدْ ﴿كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾؛ أيْ: يا لَهم مِن رُسُلٍ! وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِأنَّ التَّسْلِيَةَ مَحَطُّها وُقُوعُ التَّكْذِيبِ؛ لا تَعْيِينُ المُكَذِّبِ؛ ونَفى أنْ يُرْسِلَ غَيْرَهُ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ وأفْرَدَ التَّكْذِيبَ بِالذِّكْرِ؛ اهْتِمامًا بِالتَّسْلِيَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الأكْثَرَ يُكَذَّبُ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذا إشارَةٌ لِلْحُكَماءِ؛ وأرْبابِ القُلُوبِ؛ مَعَ العَوامِّ؛ والأجانِبِ؛ مِن هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ فَإنَّهم لا يَقْبَلُونَ مِنهم إلّا القَلِيلَ؛ وأهْلُ الحَقائِقِ أبَدًا مِنهم في مُقاساةِ الأذِيَّةِ؛ والعَوّامُ أقْرَبُ إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنَ القُرّاءِ المُتَقَشِّفِينَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ نَفْيًا لِلتَّعَجُّبِ مِنَ التَّكْذِيبِ الجارِي عَلى غَيْرِ قِياسٍ صَحِيحٍ: ”فَمِنَ اللَّهِ؛ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ تَصْدُرُ الأُمُورُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُهَدِّدًا لِمَن خالَفَ أمْرَهُ -: ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لِأنَّ لَهُ الأُمُورَ كُلَّها؛ ﴿تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾؛ أيْ: حِسًّا؛ ومَعْنًى؛ فاصْبِرْ؛ ورُدَّ الأمْرَ إلَيْنا؛ بِتَرْكِ الأسْبابِ؛ إلّا ما نَأْمُرُكَ بِهِ؛ كَما فَعَلَ إخْوانُكَ مِنَ الرُّسُلِ.
فاطر 35:5
ولَمّا أشْعَرَ هَذا الخِتامُ بِاليَوْمِ المَوْعُودِ؛ وهو الأصْلُ الثّابِتُ؛ قالَ - مُهَدِّدًا بِهِ؛ مُحَذِّرًا مِنهُ -: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عِنْدَهم أهْلِيَّةٌ (p-١١)لِلتَّحَرُّكِ إلى النَّظَرِ؛ ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ وهو مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ فَهو لا يَجُوزُ عَلَيْهِ في مَجارِي العاداتِ؛ لِلْغِنى المُطْلَقِ؛ أنْ يُخْلِفَ المِيعادَ؛ ﴿حَقٌّ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ ما وعَدَ بِهِ؛ مِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وقَدْ وعَدَ أنَّهُ يَرُدُّكم إلَيْهِ في يَوْمٍ تَنْقَطِعُ فِيهِ الأسْبابُ؛ ويُعْرَضُ عَنِ الأحْسابِ والأنْسابِ؛ لِيَحْكُمَ بَيْنَكم بِالعَدْلِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ كَوْنِهِ حَقًّا قَوْلَهُ - عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ؛ لِأجْلِ الإنْكارِ أيْضًا -: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ الخُدَعِ؛ مِنَ اللَّهْوِ؛ والزِّينَةِ؛ غُرُورًا مُسْتَمِرَّ التَّجَدُّدِ؛ ﴿الحَياةُ الدُّنْيا﴾؛ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ بِذِي هِمَّةٍ عَلِيَّةٍ اتِّباعُ الدَّنِيءِ؛ والرِّضا بِالدُّونِ الزّائِلِ عَنِ العالِي الدّائِمِ؛ ﴿ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُخْلِفُ المِيعادَ وهو الكَبِيرُ المُتَعالِي؛ ﴿الغَرُورُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُصَدَّقُ في شَيْءٍ وهو الشَّيْطانُ العَدُوُّ؛ ولِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُظْهِرًا في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ لِلتَّنْفِيرِ بِمَدْلُولِ الوَصْفِ؛ قَبْلَ التَّذْكِيرِ بِالعَداوَةِ؛ ووَخامَةِ العاقِبَةِ فِيما يَدْعُو إلَيْهِ؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أفْعالَ المُشايِعِينَ لَهُ؛ بِما يُمَنِّيهِمْ بِهِ - مِن نَحْوِ: إنَّ رَبَّكم حَلِيمٌ؛ لا يَتَعاظَمُهُ ذَنْبٌ؛ مَعَ الإصْرارِ عَلى المَعْصِيَةِ - أفْعالُ المُتَعَقِّدِينَ لِمُصادَقَتِهِ -:
فاطر 35:6
﴿إنَّ الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقَ بِالغَضَبِ؛ البَعِيدَ مِنَ الخَيْرِ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ فَهو في غايَةِ الفَراغِ لِأذاكُمْ؛ فاجْتَهِدُوا في الهَرَبِ مِنهُ؛ ﴿عَدُوٌّ﴾؛ بِتَصْوِيبِ مَكايِدِهِ كُلِّها إلَيْكُمْ؛ وبِما سَبَقَ لَهُ مَعَ أبِيكم آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِما وصَلَ أذاهُ إلَيْكُمْ؛ وأيْضًا: ”مَن عادى أباكَ فَقَدْ عاداكَ“. (p-١٢)ولَمّا كانَتْ عَداوَتُهُ تَحْتاجُ إلى مُجاهَدَةٍ؛ لِأنَّهُ يَأْتِي الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّهَواتِ؛ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿فاتَّخِذُوهُ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكُمْ؛ ﴿عَدُوًّا﴾؛ واللَّهُ لَكم ولِيٌّ؛ فاتَّخِذُوهُ ولِيًّا؛ بِأنْ تَتَحَرَّوْا ما يَغِيظُ الشَّيْطانَ؛ بِأنْ تُخالِفُوهُ في كُلِّ ما يُرِيدُهُ ويَأْمُرُ بِهِ؛ وتَتَعَمَّدُوا ما يَرْضاهُ الرَّحْمَنُ؛ ونَهَجَهُ لَكُمْ؛ وأمَرَكم بِهِ؛ فَتَلْتَزِمُوهُ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: ولا يُقْوى عَلى عَداوَتِهِ إلّا بِدَوامِ الِاسْتِعانَةِ بِالرَّبِّ؛ فَإنَّهُ لا يَغْفُلُ عَنْ عَداوَتِكَ؛ فَلا تَغْفُلْ أنْتَ عَنْ مَوْلاكَ لَحْظَةً؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَدْعُو حِزْبَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُوَسْوِسُ لَهُمْ؛ فَيُعَرِّضُهم لِاتِّباعِهِ؛ والإعْراضِ عَنِ اللَّهِ؛ ﴿لِيَكُونُوا﴾؛ بِاتِّباعِهِ؛ كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿مِن أصْحابِ السَّعِيرِ﴾؛ هَذا غَرَضُهُ؛ لا غَرَضَ لَهُ سِواهُ؛ ولَكِنَّهُ يَجْتَهِدُ في تَعْمِيَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ؛ بِأنْ يُقَرِّرَ في نُفُوسِهِمْ جانِبَ الرَّجاءِ؛ ويُنْسِيَهم جانِبَ الخَوْفِ؛ ويُرِيَهم أنَّ التَّوْبَةَ في أيْدِيهِمْ؛ ويُسَوِّفُ لَهم بِها؛ بِالفُسْحَةِ في الأمَلِ؛ والإبْعادِ في الأجَلِ؛ لِلْإفْسادِ في العَمَلِ؛ والرَّحْمَنُ - سُبْحانَهُ - إنَّما يَدْعُو عِبادَهُ لِيَكُونُوا مِن أهْلِ النَّعِيمِ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥]
فاطر 35:7
ولَمّا أنْهى البَيانَ في غَرَضِ الشَّيْطانِ إلى مُنْتَهاهُ؛ نَبَّهَ عَلى ما حَكَمَ بِهِ هو - سُبْحانَهُ - في أشْياعِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: غَطَّوْا؛ (p-١٣)بِالِاتِّباعِ لَهُ بِالهَوى؛ ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ وكَشَفَهُ لَهم غايَةَ الكَشْفِ هَذا البَيانُ العَزِيزُ؛ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِفَواتِ غالِبِ ما يُؤَمِّلُونَ؛ مَعَ تَفْرِقَةِ قُلُوبِهِمْ؛ وانْسِدادِ بَصائِرِهِمْ؛ وسَفالَةِ هِمَمِهِمْ - حَتّى إنَّهم رَضُوا أنْ يَكُونَ إلَهُهم حَجَرًا -؛ وانْحِجابِ المَعارِفِ - الَّتِي لا لَذاذَةَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها - عَنْهُمْ؛ وفي الآخِرَةِ بِالسَّعِيرِ؛ الَّتِي دَعاهم إلى صُحْبَتِها.
ولَمّا ذَكَرَ جَزاءَ حِزْبِهِ؛ اتَّبَعَهُ حِزْبَ اللَّهِ؛ الَّذِينَ عادَوْا عَدُوَّهُمْ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿الصّالِحاتِ﴾؛ ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ مَصايِدِ الشَّيْطانِ ما يَعْرِضُ لِلْإنْسانِ - خَطَأً؛ وجَهْلًا - مِنَ العِصْيانِ؛ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ؛ لِيَجُرَّهُ بِذَلِكَ إلى العَمْدِ؛ والعُدْوانِ؛ قالَ (تَعالى) - داعِيًا لَهُ إلى طاعَتِهِ؛ وإزالَةً لِخَجْلَتِهِ -: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾؛ أيْ: سَتْرٌ لِذُنُوبِهِمْ؛ بِحَيْثُ لا عِقابَ؛ ولا عِتابَ؛ وذَلِكَ مُعَجَّلٌ في هَذِهِ الدّارِ؛ ولَوْلا ذَلِكَ لافْتُضِحُوا؛ وغَدًا؛ ولَوْلا ذَلِكَ لَهَلَكُوا؛ ولَمّا مَحاها عَيْنًا وأثَرًا؛ أثْبَتَ الإنْعامَ؛ فَقالَ: ﴿وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾؛ أيْ: يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ بِغَيْرِ هَذا الإجْمالِ؛ فَمِنهُ عاجِلٌ - بِسُهُولَةِ العِبادَةِ؛ ودَوامِ المَعْرِفَةِ؛ وما يَرَوْنَهُ في القُلُوبِ مِن وراءِ اليَقِينِ -؛ وآجِلٌ؛ بِتَحْقِيقِ المَسْؤُولِ؛ مِن عَظِيمِ المِنَّةِ؛ ونَيْلِ ما فَوْقَ المَأْمُولِ في الجَنَّةِ.
فاطر 35:8
(p-١٤)ولَمّا أبانَ هَذا الكَلامُ تَفاوُتَ الحِزْبَيْنِ في المَآلِ؛ بِالهَلاكِ؛ والفَوْزِ؛ وكانَ لا يُقْدِمُ عَلى الهَلاكِ أحَدٌ فِيهِ حِسٌّ؛ وكانَ الكُفّارُ يَدَّعُونَ أنَّهُمُ الفائِزُونَ؛ قَناعَةً بِالنَّظَرِ إلى ما هم فِيهِ؛ ويَدَّعُونَ أنَّهم أبْصَرُ النّاسِ؛ وأحْسَنُهم أعْمالًا؛ وكَذا كُلُّ عاصٍ ومُبْتَدِعٌ؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا في إنْكارِ تَساوِيهِما؛ فَأنْكَرَهُ؛ مُبَيِّنًا السَّبَبَ في ضَلالِهِمْ؛ بِما فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ؛ ونَدْبٌ إلى الشُّكْرِ؛ وحَثٌّ عَلى مُلازَمَةِ الِافْتِقارِ؛ والذُّلِّ؛ وسُؤالِ العافِيَةِ مِنَ الزَّلَلِ؛ والزَّيْغِ؛ فَقالَ: ﴿أفَمَن﴾؛ ولَمّا كانَ الضّارُّ هو التَّزْيِينُ؛ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى فاعِلٍ مُعَيَّنٍ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾؛ أيْ: قُبْحُهُ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ صاحِبَهُ؛ حالًا أوْ مَآلًا؛ بِجَمْعِ مالٍ ذاهِبٍ؛ أوْ مَذْهُوبٍ عَنْهُ؛ مِن غَيْرِ خُلَّةٍ؛ وبَيْعِ راحَةِ الجَنَّةِ المُؤَبَّدَةِ؛ بِمُتابَعَةِ شَهْوَةٍ مُنْقَضِيَةٍ؛ وإيثارِ مَخْلُوقٍ فانٍ؛ عَلى رَبِّهِ الغَنِيِّ الباقِي؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ ما أنْهى إلَيْهِ مِنَ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَرَآهُ﴾؛ أيْ: السَّيِّئَ؛ بِسَبَبِ التَّزْيِينِ؛ ﴿حَسَنًا﴾؛ أيْ: فَرَكِبَهُ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ إضافَةُ العَمَلِ إلَيْهِ؛ وطَوى المُشَبَّهَ بِهِ؛ وهو كَمَن أبْصَرَ الأُمُورَ عَلى حَقائِقِها؛ فاتَّبَعَ الحَسَنَ؛ واجْتَنَبَ السَّيِّئَ؛ لِأنَّ المَقامَ يَهْدِي إلَيْهِ؛ وتَعْجِيلًا بِكَشْفِ ما أشْكَلَ عَلى السّامِعِ مِنَ السَّبَبِ الحامِلِ عَلى رُؤْيَةِ القَبِيحِ مَلِيحًا؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يَنْسِبُ إلى غَيْرِ اللَّهِ فِعْلًا؛ مِن خَيْرٍ؛ أوْ شَرٍّ -: (p-١٥)﴿فَإنَّ﴾؛ أيْ: السَّبَبُ في رُؤْيَةِ الأشْياءِ عَلى غَيْرِ ما هي عَلَيْهِ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾؛ فَلا يَرى شَيْئًا عَلى ما هو بِهِ؛ فَيُقْدِمُ عَلى الهَلاكِ البَيِّنِ وهو يَراهُ عَيْنَ النَّجاةِ؛ ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾؛ فَلا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أمْرٌ؛ ولا يَفْعَلُ إلّا حَسَنًا.
ولَمّا كانَ المُحِبُّ مَن يَرْضى بِفِعْلِ حَبِيبِهِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ النَّهْيَ لِأكْمَلِ خَلْقِهِ عَنِ الغَمِّ بِسَبَبِ ضَلالِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا﴾؛ والأحْسَنُ أنْ يُقَدَّرَ المُشَبَّهُ بِهِ هُنا؛ فَيَكُونَ المَعْنى: ”أفَمَن غُرَّ؛ فَعَمِلَ القَبِيحَ؛ فاعْتَقَدَهُ حَسَنًا؛ لِأنَّ اللَّهَ أضَلَّهُ؛ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في القُلُوبِ؛ كَمَن بَصَّرَهُ اللَّهُ بِالحَقائِقِ؟“؛ ولَمّا كانَ الجَوابُ: ”لا؛ لَيْسَ هُما سَواءً“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: فَلا ﴿تَذْهَبْ﴾؛ أيْ: بِالمَوْتِ؛ أوْ ما يَقْرُبُ مِنهُ؛ ﴿نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما هم فِيهِ مِنَ العَمى عَنِ الجَلِيّاتِ؛ ﴿حَسَراتٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ حَسَراتِكَ المُتَرادِفَةِ؛ لِأجْلِ إعْراضِهِمْ؛ جَمْعُ ”حَسْرَةٌ“؛ وهي شِدَّةُ الحُزْنِ عَلى ما فاتَ مِنَ الأمْرِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهم يُؤْذُونَ أوْلِياءَكَ؛ فَيَشْتَدُّ أذاهُمْ؛ وكانَ عِلْمُ الوَلِيِّ القادِرِ بِما يَعْمَلُ عَدُوُّهُ كافِيًا في النُّصْرَةِ؛ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ وأكَّدَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَقامَ صَعْبٌ؛ ومَن لَمْ يُثَبِّتْ نَفْسَهُ بِغايَةِ جُهْدِهِ؛ زَلَّ؛ لِطُولِ إمْلائِهِ (تَعالى) لَهُمْ؛ وحِلْمِهِ عَنْهُمْ؛ ﴿بِما يَصْنَعُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا مُرِّنُوا عَلَيْهِ؛ وانْطَبَعُوا فِيهِ مِن ذَلِكَ؛ حَتّى صارَ لَهم خُلُقًا؛ يَبْعُدُ كُلَّ البُعْدِ انْفِكاكُهم عَنْهُ.
فاطر 35:9
(p-١٦)ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ لا بُدَّ مِن إيجادِ ما وعَدَ بِهِ؛ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ؛ وحَذَّرَ كُلَّ التَّحْذِيرِ مِنَ التَّهاوُنِ بِأمْرِهِ؛ وأنْكَرَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ المُصَدِّقِ بِهِ؛ والمُكَذِّبِ؛ وكانَ السَّبَبُ في الضَّلالِ المُمِيتِ لِلْقُلُوبِ الهَوى؛ الَّذِي يَغْشى سَماءَ العَقْلِ؛ ويَعْلُوهُ بِسَحابِهِ المُظْلِمِ؛ فَيَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النُّفُوذِ؛ وكانَ السَّبَبُ في السَّحابِ المُغَطِّي لِسَماءِ الأرْضِ؛ المُحْيِي لِمَيِّتِ الحُبُوبِ الهَوى؛ وكانَ الإتْيانُ بِهِ في وقْتٍ دُونَ آخَرَ دالًّا عَلى القُدْرَةِ بِالِاخْتِيارِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى جُمْلَةِ ”إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ“؛ المَبْنِيَّ عَلى النَّظَرِ؛ وهو الإخْراجُ مِنَ العَدَمِ؛ مُبَيِّنًا لِقُدْرَتِهِ عَلى ما وعَدَ بِهِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ لا شَيْءَ غَيْرُهُ؛ مِن طَبِيعَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ ﴿الَّذِي﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإيجادَ مِنَ العَدَمِ؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ مُسْنِدًا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ الفاعِلُ الحَقِيقِيُّ؛ فَقالَ: ﴿أرْسَلَ الرِّياحَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَها مِنَ العَدَمِ مُضْطَرِبَةً؛ فِيها أهْلِيَّةُ الِاضْطِرابِ والسَّيْرِ؛ لِيُصَرِّفَها كَيْفَ شاءَ؛ لا ثابِتَةً كالأرْضِ؛ وأسْكَنَها ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ؛ لِصَلاحِ مَكانِ الأرْضِ.
ولَمّا كانَتْ إثارَتُها تَتَجَدَّدُ كُلَّما أرادَ أنْ يَسْقِيَ أرْضًا؛ قالَ - مُسْنِدًا إلى الرِّياحِ؛ لِأنَّها السَّبَبُ؛ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ؛ حِكايَةً لِلْحالِ؛ لِتُسْتَحْضَرَ تِلْكَ الصُّورَةُ البَدِيعَةُ؛ الدّالَّةُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وهَكَذا تَفْعَلُ العَرَبُ فِيما فِيهِ (p-١٧)غَرابَةٌ؛ تَنْبِيهًا لِلسّامِعِ عَلى ذَلِكَ؛ وحَثًّا لَهُ عَلى تَدَبُّرِهِ؛ وتَصَوُّرِهِ -: ﴿فَتُثِيرُ﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيكِهِ لَها؛ إذا أرادَ؛ ﴿سَحابًا﴾؛ أيْ: إنَّهُ أجْرى - سُبْحانَهُ - سُنَّتَهُ أنْ تَظْهَرَ حِكْمَتُهُ بِالتَّدْرِيجِ.
ولَمّا كانَ المُرادُ الِاسْتِدْلالُ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ وكانَ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ يَرُدُّ التَّعَنُّتُ؛ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ؛ ولَمّا كانَ سَوْقُ السَّحابِ إلى بَلَدٍ دُونَ آخَرَ؛ وسَقْيُهُ لِمَكانٍ دُونَ مَكانٍ؛ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ؛ التَفَتَ عَنِ الغَيْبَةِ؛ وجَعَلَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَسُقْناهُ﴾؛ أيْ: السَّحابَ؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كُلَّ سَوْقٍ كانَ بَعْدَ إثارَتِها - في الماضِي؛ والمُسْتَقْبَلِ - مِنهُ وحْدَهُ؛ أوْ بِواسِطَةِ مَن أقامَهُ لِذَلِكَ مِن جُنْدِهِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ؛ لا مِن غَيْرِهِ؛ ودَلَّ عَلى أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ البُعْدِ؛ والقُرْبِ؛ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾
ولَمّا كانَ السَّبَبُ في الحَياةِ هو السَّحابَ؛ بِما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الماءِ؛ قالَ: ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ إرْشادَهم إلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ الَّذِي هم بِهِ مُكَذِّبُونَ؛ قالَ - رافِعًا لِلْمَجازِ بِكُلِّ تَقْدِيرٍ؛ ومُوَضِّحًا كُلَّ الإيضاحِ لِلتَّصْوِيرِ -: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ ولَمّا أوْصَلَ الأمْرَ إلى غايَتِهِ؛ زادَ في التَّنْبِيهِ عَلى نِعْمَةِ الإيجادِ الثّانِي؛ بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ الإحْياءِ لِمَيِّتِ النَّباتِ؛ ﴿النُّشُورُ﴾؛ حِسًّا لِلْأمْواتِ؛ ومَعْنًى لِلْقُلُوبِ؛ والنَّباتِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: (p-١٨)إذا أرادَ إحْياءَ قَلْبٍ؛ يُرْسِلُ أوَّلًا رِياحَ الرَّجاءِ؛ ويُزْعِجُ بِها كَوامِنَ الإرادَةِ؛ ثُمَّ يُنْشِئُ فِيهِ سَحابَ الِاهْتِياجِ؛ ولَوْعَةَ الِانْزِعاجِ؛ ثُمَّ يَأْتِي مَطَرُ الحَقِّ؛ فَيُنْبِتُ في القَلْبِ أزْهارَ البَسْطِ؛ وأنْوارَ الرُّوحِ؛ ويَطِيبُ لِصاحِبِهِ العَيْشُ؛ إلى أنْ تَتِمَّ لِطائِفُ الأُنْسِ.
فاطر 35:10
ولَمّا قَرَّرَ بِهَذا كُلِّهِ ما أثْبَتَهُ سابِقًا؛ مِن عِزَّتِهِ وحِكْمَتِهِ؛ وثَبَتَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى النُّشُورِ؛ فَثَبَتَ أنَّ لَهُ العِزَّةَ في الآخِرَةِ؛ كَما شُوهِدَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ وكانَتْ مُنافَسَةُ النّاسِ - لا سِيَّما الكَفَرَةُ - في العِزَّةِ؛ فَوْقَ مُنافَسَتِهِمْ في الحِكْمَةِ؛ ومَن نافَسَ في الحِكْمَةِ فَإنَّما يُنافِسُ فِيها لِاكْتِسابِ العِزَّةِ؛ وكانَ الكَفَرَةُ إنَّما عَبَدُوا الأوْثانَ لِيَعْتَزُّوا بِها؛ كَما قالَ: ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ [مريم: ٨١]؛ قالَ - مُسْتَنْتِجًا مِن ذَلِكَ -: ﴿مَن كانَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿يُرِيدُ العِزَّةَ﴾؛ أيْ: أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ وهو غَنِيٌّ عَنْ غَيْرِهِ؛ غالِبًا؛ غَيْرَ مَغْلُوبٍ؛ ﴿فَلِلَّهِ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿العِزَّةُ جَمِيعًا﴾؛ أيْ: فَلْيَطْلُبْها مِنهُ؛ ولا يَطْلُبْها مِن غَيْرِهِ؛ فَإنَّهُ لا شَيْءَ لِغَيْرِهِ فِيها؛ ومَن طَلَبَ الشَّيْءَ مِن غَيْرِ صاحِبِهِ خابَ؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنَّ رَبَّكم يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: (أنا العَزِيزُ؛ فَمَن أرادَ عِزَّةَ الدّارَيْنِ فَلْيُطِعِ العَزِيزَ)“». (p-١٩)ولَمّا رَغَّبَ في اقْتِناصِ العِزَّةِ؛ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ لا شَيْءَ فِيها لِغَيْرِهِ؛ دَلَّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِها؛ بِشُمُولِ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ؛ وبَيَّنَ أنَّها إنَّما تُنالُ بِالحِكْمَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾؛ أيْ: الجارِي عَلى قَوانِينِ الشَّرْعِ؛ عَنْ نِيَّةٍ حَسَنَةٍ؛ وعَقِيدَةٍ صَحِيحَةٍ؛ سَواءٌ كانَ سِرًّا أوْ عَلَنًا؛ لِأنَّهُ عَيْنُ الحِكْمَةِ؛ فَيُعِزُّ صاحِبَهُ؛ ويُثِيبُهُ.
ولَمّا أعْلى رُتْبَةَ القَوْلِ الحَكِيمِ؛ بَيَّنَ أنَّ الفِعْلَ أعْلى مِنهُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ والقَوْلُ وسِيلَةٌ إلَيْهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى عُلُوِّهِ بِتَغْيِيرِ السِّياقِ -: ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾؛ هو - سُبْحانَهُ - يَتَوَلّى رَفْعَهُ؛ ولِصاحِبِهِ عِنْدَهُ عِزٌّ مَنِيعٌ؛ ونَعِيمٌ مُقِيمٌ؛ وعَمَلُهُ يَفُوزُ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: العِلْمُ إنَّما يَتِمُّ بِالعَمَلِ؛ كَما قِيلَ: ”العِلْمُ يَهْتِفُ بِالعَمَلِ؛ فَإنْ أجابَ؛ وإلّا ارْتَحَلَ“؛ انْتَهى؛ وقَدْ قِيلَ:
؎لا تَرْضَ مِن رَجُلٍ حَلاوَةَ قَوْلِهِ ∗∗∗ حَتّى يُصَدِّقَ ما يَقُولُ فِعالُ
؎فَإذا وزَنْتَ مَقالَهُ بِفِعالِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ فَتَوازَنا فَإخاءُ ذاكَ جَمالُ
ولَمّا بَيَّنَ ما يُحَصِّلُ العِزَّةَ مِنَ الحِكْمَةِ؛ بَيَّنَ ما يُكْسِبُ الذِّلَّةَ؛ ويُوجِبُ النِّقْمَةَ؛ مِن رَدِيءِ الهِمَّةِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يَعْمَلُونَ عَلى وجْهِ (p-٢٠)السَّتْرِ المَكْراتِ ﴿السَّيِّئاتِ﴾؛ أيْ: يَسْتُرُونَ قُصُودَهم بِها؛ لِيُوقِعُوها بَغْتَةً؛ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ كَما أرادُوا بِغَيْرِهِمْ ذَلِكَ؛ ولا يَصْعَدُ مَكْرُهم إلَيْهِ بِنَفْسِهِ؛ ولا يَرْفَعُهُ هُوَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أهْلِيَّةُ ذَلِكَ؛ لِمُنافاتِهِ الحِكْمَةَ؛ ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِن مَكْرِهِمْ مُوجِبًا لِتَعَرُّفِ حالِهِ؛ هَلْ أفادَهم شَيْئًا؟ أخْبَرَ أنَّهُ أهْلَكَهُ بِعِزَّتِهِ؛ ودَمَّرَهُ بِحِكْمَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَكْرُ أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: البُعَداءِ مِنَ الفَلاحِ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ دُونَ مَكْرِ مَن يُرِيدُ بِمَكْرِهِ الخَيْرَ؛ فَإنَّ اللَّهَ يُنْفِذُهُ ويُعْلِي أمْرَهُ؛ ويَجْعَلُ لَهُ العاقِبَةَ؛ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠]؛ كَما أخْرَجَكم أيُّها الأوْلِياءُ مِن بُيُوتِكُمْ؛ لِأجْلِ العِيرِ؛ فَأخْرَجَ الأعْداءَ مِن بُيُوتِهِمْ؛ فَوَضَعَهم في قَلِيبِ ”بَدْرٍ“؛ ﴿يَبُورُ﴾؛ أيْ: يَكْسُدُ؛ ويَفْسَدُ؛ ويَهْلِكُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى شُمُولِ عِلْمِهِ لِلْخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ الخَفِيِّ؛ والجَلِيِّ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ؛ وذَلِكَ مَعْنى ”العِزَّةُ“؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ ما لِصاحِبِ العَمَلِ الصّالِحِ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِذِكْرِ ما لِعامِلِ السَّيِّئِ؛ وحَذَفَ وضْعَهُ المَكْرَ السَّيِّئَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِرَفْعِهِ لِلْعَمَلِ الصّالِحِ.
فاطر 35:11
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما صَيَّرَهم إلَيْهِ مِنَ المُفاوَتَةِ في الأخْلاقِ؛ أتْبَعَهُ (p-٢١)ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الوَحْدَةِ في جِنْسِ الأصْلِ؛ وأصْلُهُ التُّرابُ المَسْلُولُ مِنهُ الماءُ؛ بَعْدَ تَخْمِيرِهِ فِيهِ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِبَعْضِ آياتِ الأنْفُسِ؛ عاطِفًا عَلى ما عَطَفَ عَلَيْهِ ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] الَّذِي هو مِن آياتِ الآفاقِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّمْيِيزِ بَعْدَ شَدِيدِ المَزْجِ؛ وأنَّهُ قَدَّرَ كُلَّ شَيْءٍ؛ مِنَ الأرْزاقِ؛ والآجالِ؛ والمَصائِبِ؛ والأفْراحِ؛ فَلا ثَمَرَةَ لِلْمَكْرِ إلّا ما يَلْحَقُ الماكِرَ مِنَ الحَرَجِ؛ والعُقُوبَةِ مِنَ اللَّهِ؛ والضَّرَرِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا لَمْ يَدَعْ حاجَةً إلى الحَصْرِ؛ قالَ: ﴿خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾؛ أيْ: مِثْلِيٍّ؛ وإنِ اخْتَلَفَتْ أصْنافُهُ؛ بِتَكْوِينِ أبِيكم مِنهُ؛ فَمَزَجَهُ مَزْجًا لا يُمْكِنُ لِغَيْرِهِ تَمْيِيزُهُ؛ ثُمَّ أحالَهُ عَنْ ذَلِكَ الجَوْهَرِ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الزَّمانِ؛ والرُّتْبَةِ؛ خَلَقَكم ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: جَعَلَها أصْلًا ثانِيًا مِثْلِيًّا مِن ذَلِكَ الأصْلِ التُّرابِيِّ؛ أشَدَّ امْتِزاجًا مِنهُ؛ ثُمَّ بَعْدَ إنْهاءِ التَّدْبِيرِ زَمانًا؛ ورُتْبَةً؛ إلى النُّطْفَةِ؛ الَّتِي لا مُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ التُّرابِ؛ دَلالَةً عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ ﴿ثُمَّ جَعَلَكم أزْواجًا﴾؛ بَيْنَ ذُكُورٍ؛ وإناثٍ؛ دَلالَةً هي أظْهَرُ مِمّا قَبْلَها عَلى الِاخْتِيارِ؛ وكَذِبِ أهْلِ (p-٢٢)الطَّبائِعِ؛ وعَلى البَعْثِ؛ بِتَمْيِيزِ ما يَصْلُحُ مِنَ التُّرابِ لِلذُّكُورَةِ؛ والأُنُوثَةِ.
ولَمّا كانَ الحَمْلُ أيْضًا مُكَذِّبًا لِأهْلِ الطَّبائِعِ؛ بِأنَّهُ لا يَكُونُ مِن كُلِّ جِماعٍ؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلَيْهِمْ؛ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو بِقُدْرَتِهِ -: ﴿وما تَحْمِلُ﴾؛ أيْ: في البَطْنِ؛ بِالحَبَلِ؛ ﴿مِن أُنْثى﴾؛ دالًّا بِالجارِّ عَلى كَمالِ الِاسْتِغْراقِ؛ ولَمّا كانَ الوَضْعُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ بِأنَّهُ لا يَتِمُّ كُلَّما حُمِلَ بِهِ؛ قالَ: ﴿ولا تَضَعُ﴾؛ أيْ: حَمْلًا؛ ﴿إلا﴾؛ مَصْحُوبًا؛ ﴿بِعِلْمِهِ﴾؛ في وقْتِهِ؛ ونَوْعِهِ؛ وشَكْلِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَأْنِهِ؛ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ كُلِّهِ؛ حَتّى عَنْ أُمِّهِ الَّتِي هي أقْرَبُ إلَيْهِ؛ فَلا يَكُونُ إلّا بِقُدْرَتِهِ؛ فَما شاءَ أتَمَّهُ؛ وما شاءَ أخْرَجَهُ.
ولَمّا كانَ ما بَعْدَ الوِلادَةِ أيْضًا دالًّا عَلى الِاخْتِيارِ؛ لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمارِ؛ مَعَ تَماثُلِهِمْ في الحَقِيقَةِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - دالًّا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى سُهُولَةِ الأمْرِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وأنَّ التَّعْمِيرَ والنَّقْصَ هو المَقْصُودُ بِالإسْنادِ -: ﴿وما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ﴾؛ أيْ: يُزادُ في عُمْرِ مَن طالَ عُمُرُهُ؛ أيْ صارَ إلى طُولِ العُمُرِ بِالفِعْلِ حِسًّا؛ قالَ قَتادَةُ: ”سِتِّينَ“؛ أوْ مَعْنًى؛ بِزِيادَةِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ زِيادَةً لَوْلاها لَكانَ عُمُرُهُ أقْصَرَ مِمّا وصَلَ إلَيْهِ؛ ﴿ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾؛ أيْ: المُعَمَّرِ؛ بِالقُوَّةِ؛ وهو الَّذِي كانَ قابِلًا في العادَةِ لِطُولِ العُمُرِ؛ فَلَمْ يُعَمَّرْ بِنَقْصِ الفاعِلِ المُخْتارِ؛ نَقْصًا لَوْلاهُ لَطالَ عُمُرُهُ؛ فالمُعَمَّرُ المَذْكُورُ؛ المُرادُ بِهِ الفِعْلُ؛ (p-٢٣)والَّذِي عادَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ؛ المُعَمَّرُ بِالقُوَّةِ؛ فَهو مِن بَدِيعِ الِاسْتِخْدامِ؛ ولَوْ كانَ التَّعْبِيرُ بِـ ”أحَدٍ“؛ لَما صَحَّ هَذا المَعْنى؛ وقِراءَةُ يَعْقُوبَ - بِخِلافٍ - عَنْ رُوَيْسٍ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ القافِ؛ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ تُشِيرُ إلى أنَّ قِصَرَ العُمُرِ أكْثَرُ.
ولَمّا كانَ في سِياقِ العِلْمِ؛ وكانَ أضْبَطُهُ في مَجارِي عاداتِنا ما كُتِبَ؛ قالَ: ﴿إلا في كِتابٍ﴾؛ مَكْتُوبٍ فِيهِ: ”عُمُرُ فُلانٍ كَذا؛ وعُمُرُ فُلانٍ كَذا؛ وكَذا عُمُرُ فُلانٍ كَذا إنْ عَمِلَ كَذا؛ وعُمُرُهُ كَذا - أزْيَدُ أوْ أنْقَصُ - إنْ لَمْ يَعْمَلْهُ“ .
ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا لا يُحِيطُ بِهِ العَدُّ؛ ولا يَحْصُرُهُ الحَدُّ؛ فَكانَ في عِدادِ ما يُنْكِرُهُ الجَهَلَةُ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِسُهُولَتِهِ -: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ؛ مِن كَتْبِ الآجالِ كُلِّها؛ وتَقْدِيرِها؛ والإحاطَةِ بِها عَلى التَّفْصِيلِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العِزَّةِ؛ فَهو يَغْلِبُ كُلُّ ما يُرِيدُهُ؛ خاصَّةً؛ ﴿يَسِيرٌ﴾
فاطر 35:12
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أحَدَ أُصْلَيْهِمُ؛ التُّرابَ المُخْتَلِفَ الأصْنافِ؛ ذَكَرَ الأصْلَ الآخَرَ؛ الماءَ الَّذِي هو أشَدُّ امْتِزاجًا مِنَ التُّرابِ؛ ذاكِرًا اخْتِلافَ صِنْفَيْهِ اللَّذَيْنِ يَتَفَرَّعانِ إلى أصْنافٍ كَثِيرَةٍ؛ مُنَبِّهًا عَلى فِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ؛ ومُنْكِرًا عَلى مَن سَوّى بَيْنَهُ - سُبْحانَهُ - وبَيْنَ شَيْءٍ؛ حَتّى أشْرَكَهُ بِهِ؛ مَعَ المُباعَدَةِ؛ الَّتِي (p-٢٤)لا شَيْءَ بَعْدَها؛ والحالُ أنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ لِمُباعَدَةٍ ما؛ فَقالَ: ﴿وما يَسْتَوِي البَحْرانِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى الحُلْوِ -: ﴿هَذا عَذْبٌ﴾؛ أيْ: طَيِّبٌ؛ حُلْوٌ؛ لَذِيذٌ؛ مُلائِمٌ لِلطَّبْعِ؛ ﴿فُراتٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العُذُوبَةِ؛ ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾؛ أيْ: هَنِيءٌ؛ مَرِيءٌ؛ بِحَيْثُ إذا شُرِبَ جازَ في الحَلْقِ؛ ولَمْ يَتَوَقَّفْ؛ بَلْ يَسْهُلُ إدْخالُهُ فِيهِ؛ وابْتِلاعُهُ؛ لِما لَهُ مِنَ اللَّذَّةِ والمُلاءَمَةِ لِلطَّبْعِ؛ ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾؛ أيْ: جَمَعَ إلى المُلُوحَةِ المَرارَةَ؛ فَلا يَسُوغُ شَرابُهُ؛ بَلْ لَوْ شُرِبَ لَآلَمَ الحَلْقَ؛ وأجَّجَ في البَطْنِ ما هو كالنّارِ؛ والمُرادُ أنَّهُ مَيَّزَهُما - سُبْحانَهُ - بَعْدَ جَمْعِهِما في ظاهِرِ الأرْضِ وباطِنِها؛ ولَمْ يَدَعْ أحَدَهُما يَبْغِي عَلى الآخَرِ؛ بَلْ إذا حُفِرَ عَلى جانِبِ البَحْرِ المِلْحِ ظَهَرَ الماءُ عَذْبًا فُراتًا؛ عَلى مِقْدارِ صَلاحِ الأرْضِ؛ وفَسادِها.
ولَمّا كانَ المِلْحُ مُتَعَذِّرًا عَلى الآدَمِيِّ شُرْبُهُ؛ ذَكَرَ أنَّهُ خَلَقَ فِيهِ ما حَياتُهُ بِهِ؛ مُساوِيًا في ذَلِكَ لِلْعَذْبِ؛ فَقالَ: ﴿ومِن كُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ المِلْحِ؛ والعَذْبِ؛ ﴿تَأْكُلُونَ﴾؛ مِنَ السَّمَكِ المُنَوَّعِ إلى أنْواعٍ تَفُوتُ الحَصْرَ؛ وغَيْرِ السَّمَكِ؛ ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾؛ أيْ: شَهِيَّ المَطْعَمِ؛ ولَمْ يَضُرَّ ما بِالمِلْحِ ما تَعْرِفُونَ مِن أصْلِهِ؛ ولا زادَ في لَذَّةِ ما بِالحُلْوِ مُلاءَمَتُهُ لَكم. ولَمّا ذَكَرَ (p-٢٥)مِن مَتاعِهِ ما هو غايَةٌ في اللِّينِ؛ أتْبَعَهُ مِن ذَلِكَ ما هو غايَةٌ في الصَّلابَةِ؛ فَقالَ: ﴿وتَسْتَخْرِجُونَ﴾؛ أيْ: تَطْلُبُونَ أنْ تُخْرِجُوا مِنَ المِلْحِ؛ دُونَ العَذْبِ؛ وتُوجِدُونَ ذَلِكَ لِلْإخْراجِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وقِيلَ: نُسِبَ اللُّؤْلُؤُ إلَيْهِما لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ في البَحْرِ المِلْحِ عُيُونٌ عَذْبَةٌ تَمْتَزِجُ بِهِ؛ فَيَكُونُ اللُّؤْلُؤُ مِن ذَلِكَ؛ ﴿حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾؛ أيْ: نِساؤُكُمْ؛ مِنَ الجَواهِرِ؛ الدُّرِّ؛ والمَرْجانِ؛ وغَيْرِهِما؛ فَما قَضى بِرَخاوَةِ ذَلِكَ؛ وصَلابَةِ هَذا؛ مَعَ تَوَلُّدِهِما مِنهُ؛ إلّا الفاعِلُ المُخْتارُ.
ولَمّا كانَ الأكْلُ والِاسْتِخْراجُ مِنَ المَنافِعِ العامَّةِ؛ عَمَّ بِالخِطابِ؛ ولَمّا كانَ اسْتِقْرارُ شَيْءٍ في البَحْرِ دُونَ غَرَقٍ أمْرًا غَرِيبًا؛ لَكِنَّهُ صارَ لِشِدَّةِ إلْفِهِ لا يَقُومُ بِإدْراكِ أنَّهُ مِن أكْبَرِ الآياتِ دَلالَةً عَلى القادِرِ المُخْتارِ إلّا أهْلُ البَصائِرِ؛ خَصَّ بِالخِطابِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرى الفُلْكَ﴾؛ أيْ: السُّفُنَ؛ تُسَمّى ”فُلْكًا“؛ لِدَوَرانِهِ؛ و”سَفِينَةً“ لِقَشْرِهِ الماءَ؛ وقَدَّمَ الظَّرْفَ لِأنَّهُ أشَدُّ دَلالَةً عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: كُلٍّ مِنهُما؛ غاطِسَةً إلّا قَلِيلًا مِنها؛ ولَمّا تَمَّ الكَلامُ؛ ذَكَرَ حالَها المُعَلَّلَ بِالِابْتِغاءِ؛ فَقالَ: ﴿مَواخِرَ﴾ (p-٢٦)أيْ: جَوارِيَ؛ مُسْتَدْبِرَةً الرِّيحَ؛ شاقَّةً لِلْماءِ؛ خارِقَةً لِلْهَواءِ بِصَدْرِها؛ هَذِهِ مُقْبِلَةٌ؛ وهَذِهِ مُدْبِرَةٌ؛ وجْهُها إلى ظَهْرِ هَذِهِ؛ بِرِيحٍ واحِدَةٍ؛ قالَ البُخارِيُّ؛ في بابِ التِّجارَةِ في البَحْرِ: وقالَ مُجاهِدٌ: تَمْخُرُ السُّفُنُ الرِّيحَ؛ ولا تَمْخُرُ الرِّيحَ مِنَ السُّفُنِ إلّا الفُلْكُ العِظامُ؛ وقالَ صاحِبُ القامُوسِ: ”مَخَرَتِ السَّفِينَةُ - كَـ مَنَعَ“ - مَخْرًا ومُخُورًا”: جَرَتْ؛ أوِ اسْتَقْبَلَتِ الرِّيحَ في جَرْيَتِها؛ و“الفُلْكُ المَواخِرُ”؛ الَّتِي يُسْمَعُ صَوْتُ جَرْيِها؛ أوْ تَشُقُّ الماءَ بِجَآجِئِها؛ أوِ المُقْبِلَةُ والمُدْبِرَةُ بِرِيحٍ واحِدَةٍ؛ وفي الحَدِيثِ: «“إذا أرادَ أحَدُكُمُ البَوْلَ فَلْيَتَمَخَّرِ الرِّيحَ”؛» وفي لَفْظٍ:“اسْتَمْخِرُوا الرِّيحَ”؛ أيْ: اجْعَلُوا ظُهُورَكم إلى الرِّيحِ؛ فَإنَّهُ إذا ولّاها شَقَّها بِظَهْرِهِ؛ فَأخَذَتْ عَنْ يَمِينِهِ ويَسارِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ اسْتِقْبالُها تَمَخُّرًا؛ غَيْرَ أنَّهُ في الحَدِيثِ اسْتِدْبارٌ؛ انْتَهى كَلامُ القامُوسِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ بِالمَخْرِ - مُعَلِّلًا - قَوْلَهُ: ﴿لِتَبْتَغُوا﴾؛ أيْ: تَطْلُبُوا طَلَبًا شَدِيدًا؛ ولَمّا تَقَدَّمَ الِاسْمُ الأعْظَمُ في الآيَةِ قَبْلَها؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلَيْهِ؛ لِيُعْلَمَ شِدَّةُ ارْتِباطِ هَذِهِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها؛ فَقالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: اللَّهِ؛ بِالتَّوَصُّلِ بِذَلِكَ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ؛ لِلْمَتاجِرِ؛ وغَيْرِها؛ ولَوْ جَعَلَها ساكِنَةً لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْها ذَلِكَ؛ وفي سُورَةِ“الجاثِيَةِ"؛ ما يَنْفَعُ هُنا؛ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: ولِتَكُونَ حالُكم بِهَذِهِ (p-٢٧)النِّعَمِ - الدّالَّةِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ؛ ولُطْفِهِ - حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهُ.
فاطر 35:13
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اخْتِلافَ الذَّواتِ؛ الدّالَّ عَلى بَدِيعِ صُنْعِهِ؛ أتْبَعَهُ تَغْيِيرَهُ المَعانِي؛ آيَةً عَلى بَلِيغِ قُدْرَتِهِ؛ فَقالَ - في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ”خَلَقَكُمْ“؛ إشارَةً إلى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) صَوَّرَ آدَمَ حِينَ خَلَقَ الأرْضَ؛ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَيْلٌ؛ أوْ نَهارٌ؛ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ آخِرَ يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ بَعْدَ أنْ خَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ؛ فَلَمْ يَأْتِ عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ - وهو مِقْدارُ حَرَكَةِ الفَلَكِ - إلّا وهو شَيْءٌ مَذْكُورٌ -: ﴿يُولِجُ﴾؛ أيْ: يُدْخِلُ؛ عَلى سَبِيلِ الجَوَلانِ؛ ﴿اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾؛ فَيَصِيرُ الظَّلامُ ضِياءً.
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ في غايَةِ الإعْجابِ؛ وكانَ لِكَثْرَةِ تَكْرارِهِ قَدْ صارَ مَأْلُوفًا؛ فَغُفِلَ عَمّا فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِإعادَةِ الفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿ويُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾؛ فَيَصِيرُ ما كانَ ضِياءً ظَلامًا؛ وتارَةً يَكُونُ التَّوالُجُ بِقِصَرِ هَذا؛ وطُولِ هَذا؛ فَدَلَّ كُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ (تَعالى) فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ.
ولَمّا ذَكَرَ المَلَوَيْنِ؛ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْهُما؛ فَقالَ: ﴿وسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ﴿يَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ تَمامَ القُدْرَةِ؛ والسِّياقُ هُنا لِقَسْرِ المُتَنافِراتِ عَلى ما يَزِيدُ؛ (p-٢٨)ولِذَلِكَ خَتَمَ الآيَةَ بِالمُلْكِ؛ النّاظِرِ إلى القَسْرِ؛ والقَهْرِ؛ لَمْ يَصْلُحْ لِهَذا المَوْضِعِ حَرْفُ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿لأجَلٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ أجَلٍ؛ ﴿مُسَمًّى﴾؛ مَضْرُوبٍ لَهُ؛ لا يَقْدِرُ أنْ يَتَعَدّاهُ؛ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ غَرَبَ؛ هَكَذا كُلُّ يَوْمٍ؛ إلى أنْ يَأْتِيَ الأجَلُ الأعْظَمُ؛ فَيَخْتَلُّ جَمِيعُ هَذا النِّظامِ؛ بِأمْرِ المَلِكِ العَلّامِ؛ ويُقِيمُ النّاسَ لِيَوْمِ الزِّحامِ؛ وتَكُونُ الأُمُورُ العِظامُ.
ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى أنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ؛ القادِرُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ؛ بِما يُشاهِدُهُ كُلُّ أحَدٍ في نَفْسِهِ؛ وفي غَيْرِهِ؛ وخَتَمَ بِما تَتَكَرَّرُ مُشاهَدَتُهُ في كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا قَوْلَهُ - مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ -: ﴿ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: العالِي المِقْدارِ؛ الَّذِي فَعَلَ هَذِهِ الأفْعالَ كُلَّها؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى أنَّهُ لا مُدَبِّرَ لَهم سِواهُ؛ بِخَبَرٍ آخَرَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المُوجِدُ لَكم مِنَ العَدَمِ؛ المُرَبِّي بِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ لا رَبَّ لَكم سِواهُ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿المُلْكُ﴾؛ أيْ: كُلُّهُ؛ وهو مالِكُ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ مَنزِلَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ؛ وغَيْرِها؛ وكُلِّ شَيْءٍ؛ فَهو دُونَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿ما يَمْلِكُونَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ الَّذِي تَدْعُونَهم فِيهِ؛ وكُلِّ حالٍ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ لَكم هَذا الكَلامُ؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿مِن قِطْمِيرٍ﴾؛ وهُوَ؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ (p-٢٩)لِفافَةُ النَّواةِ؛ وهي القِشْرَةُ الرَّقِيقَةُ؛ المُلْتَفَّةُ عَلَيْها؛ كِنايَةً عَنْ أدْنى الأشْياءِ؛ فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ؛ ولَيْسَ لَهم شَيْءٌ مِنَ المُلْكِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ المُلْكَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا؛ وعَدَمَ المُلْكِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا؛
فاطر 35:14
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَدْعُوهُمْ﴾؛ أيْ: المَعْبُوداتِ مِن دُونِهِ؛ دُعاءَ عِبادَةٍ؛ أوِ اسْتِغاثَةٍ؛ ﴿لا يَسْمَعُوا﴾؛ أيْ: بِحِسِّ السَّمْعِ؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿دُعاءَكُمْ﴾؛ لِأنَّهم جَمادٌ؛ ﴿ولَوْ سَمِعُوا﴾؛ في المُسْتَقْبَلِ؛ ﴿ما اسْتَجابُوا لَكُمْ﴾؛ لِأنَّهم إذْ ذاكَ يَعْلَمُونَ أنَّ إجابَتَكم لا تُرْضِي اللَّهَ؛ وهم مِمّا أبى أنْ يَحْمِلَ الأمانَةَ؛ ويَخُونَ فِيها؛ بِالعَمَلِ بِغَيْرِ ما يُرْضِي اللَّهَ - سُبْحانَهُ -؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ يُوجَدُ لَهم سَمْعٌ؛ أوْ: ولَوْ كانُوا سامِعِينَ - لِيَدْخُلَ فِيهِ مَن عُبِدَ مِنَ الأحْياءِ - ما لَزِمَ مِنَ السَّماعِ إجابَةٌ؛ لِأنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ السَّمْعِ؛ والنُّطْقِ؛ مَعَ القُدْرَةِ عَلى ما يُرادُ مِنَ السّامِعِ؛ فَإنَّ البَهائِمَ تَسْمَعُ؛ وتُجِيبُ؛ والمُجِيبُونَ غَيْرُهُ يُجِيبُونَ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى أكْثَرِ ما يُطْلَبُ مِنهم.
ولَمّا ذَكَرَ ما هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ؛ ذَكَرَ ما يَصِيرُ إلَيْهِ بَيْنَهم وبَيْنَهُمُ الأمْرُ؛ فَقالَ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: حِينِ يُنْطِقُهُمُ اللَّهُ (p-٣٠)﴿يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾؛ أيْ: يُنْكِرُونَهُ؛ ويَتَبَرَّؤُونَ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: قَدْ أنْبَأكم بِذَلِكَ الخَبِيرُ؛ وكانُوا لا يُقِرُّونَ بِذَلِكَ؛ ولا يَفْهَمُونَهُ حَقَّ فَهْمِهِ؛ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ؛ صَرَفَ الخِطابَ عَنْهم إلى مَن لَهُ الفَهْمُ التّامُّ؛ والطّاعَةُ الكامِلَةُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى هَذا الَّذِي هَدى إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقُ -: ﴿ولا يُنَبِّئُكَ﴾؛ أيْ: إنْباءً بَلِيغًا عَظِيمًا؛ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾؛ أيْ: بالِغِ الخَبْرِ؛ فَلا يُمْكِنُ الطَّعْنُ في شَيْءٍ مِمّا أخْبَرَ بِهِ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَلا يُخْبِرُ خَبَرًا إلّا يُوَجَّهُ إلَيْهِ نَقْصٌ.
فاطر 35:15
ولَمّا اخْتَصَّ - سُبْحانَهُ - بِالمُلْكِ؛ ونَفى عَنْ شُرَكائِهِمُ النَّفْعَ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾؛ أيْ: كافَّةً؛ ﴿أنْتُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الفُقَراءُ﴾؛ أيْ: لِأنَّكم لِاتِّساعِ مَعارِفِكُمْ؛ وسَرَيانِ أفْكارِكُمْ؛ وانْتِشارِ عُقُولِكُمْ؛ تَكْثُرُ نَوازِعُكُمْ؛ وتَتَفَرَّقُ دَواعِيكُمْ؛ فَيَعْظُمُ احْتِياجُكُمْ؛ لِشِدَّةِ ضَعْفِكُمْ؛ وعَجْزِكُمْ؛ عِظَمًا يُعَدُّ مَعَهُ احْتِياجُ غَيْرِكم عَدَمًا؛ ولَوْ نُكِّرَ الخَبَرُ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ المُلْكِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: والفَقْرُ عَلى ضَرْبَيْنِ: فَقْرُ خِلْقَةٍ؛ وفَقْرُ صِفَةٍ؛ فالأوَّلُ عامٌّ؛ فَكُلُّ حادِثٍ مُفْتَقِرٌ إلى خالِقِهِ في أوَّلِ حالِ وُجُودِهِ؛ لِيُبْدِيَهُ؛ ويُنْشِيَهُ؛ وفي ثانِيهِ؛ لِيُدِيمَهُ؛ ويُبْقِيَهُ؛ وأمّا فَقْرُ الصِّفَةِ فَهو التَّجَرُّدُ؛ فَفَقْرُ العَوامِّ التَّجَرُّدُ مِنَ المالِ؛ وفَقْرُ الخَواصِّ التَّجَرُّدُ مِنَ (p-٣١)الإعْلالِ؛ فَحَقِيقَةُ الفَقْرِ المَحْمُودِ تَجَرُّدُ السِّرِّ عَنِ المَعْلُولاتِ.
ولَمّا ذَكَّرَ العَبْدَ بِوَصْفِهِ الحَقِيقِيِّ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرَ الخالِقِ؛ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ؛ عَلى قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِ الإشارَةِ إلى الجِهَةِ الَّتِي بِها وُصِفَ بِما يُذْكَرُ؛ وهي الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الغَنِيُّ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَحْتاجَ؛ لا إلَيْكُمْ؛ ولا إلى عِبادَتِكُمْ؛ ولا إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ الغَنِيُّ مِنَ الخَلْقِ لا يَسَعُ غِناهُ مَن يَقْصِدُهُ؛ وإنْ وسِعَهم لَمْ يَسَعْهم عَطاؤُهُ؛ لِخَوْفِ الفَقْرِ؛ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوارِضِ؛ ولا يُمَكِّنُهُ عُمُومُ النِّعْمَةِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَلا يَنْفَكُّ عَنْ نَوْعِ ذَمٍّ؛ وكانَ الحَمْدُ - كَما قالَ الحَرالِّيُّ؛ في شَرْحِ الأسْماءِ: حُسْنُ الكُلِّيَّةِ بِانْتِهاءِ كُلِّ أمْرٍ؛ وجُزْءٍ؛ وبَعْضٌ مِنها إلى غايَةِ تَمامِهِ؛ فَمَتى نَقَصَ جُزْءٌ مِن كُلٍّ عَنْ غايَةِ تَمامِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الكُلُّ مَحْمُودًا؛ ولَمْ يَكُنْ قائِمُهُ حَمِيدًا؛ وكانَ اللَّهُ قَدْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كَما يَنْبَغِي؛ لَمْ يُعَجِّلْ شَيْئًا عَنْ إناهُ وقَدْرِهِ؛ وكانَ الذَّمُّ اسْتِنْقاضًا يَلْحَقُ بَعْضَ الأجْزاءِ عِنْدَ مَن لَمْ يَرَها في كُلِّها؛ ولا رَأى كُلَّها؛ فَكانَ الذَّمُّ لِذَلِكَ لا يَقَعُ إلّا مُتَقَيَّدًا؛ مَتّى أُخِذَ مُقْتَطَعًا مِن كُلٍّ؛ والحَمْدُ لا يَقَعُ إلّا في كُلٍّ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ شَيْءٌ؛ فَلا حَمْدَ في بَعْضٍ؛ ولا ذَمَّ في كُلٍّ؛ ولا حَمْدَ إلّا في كُلٍّ؛ ولِذَلِكَ قالَ الغَزالِيُّ: الحَمِيدُ مِنَ العِبادِ مَن حُمِدَتْ عَوائِدُهُ وأخْلاقُهُ وأعْمالُهُ كُلُّها؛ مِن غَيْرِ مَثْنَوِيَّةٍ.
وكانَ - سُبْحانَهُ - (p-٣٢)قَدْ أفاضَ نِعَمَهُ عَلى خَلْقِهِ؛ وأسْبَغَها ظاهِرَةً؛ وباطِنَةً؛ وجَعَلَ لَهم قُدْرَةً عَلى تَناوُلِها؛ لا يَعُوقُ عَنْهُ إلّا قُدْرَتُهُ: ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]؛ وكانَ لا يَنْقُصُ ما عِنْدَهُ؛ كانَ إعْطاؤُهُ حَمْدًا؛ ومَنعُهُ حَمْدًا؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مانِعًا لِغَرَضٍ؛ بَلْ لِحِكْمَةٍ تَدِقُّ عَنِ الأفْكارِ؛ فَقالَ: ﴿الحَمِيدُ﴾؛ أيْ: كُلُّ شَيْءٍ بِنِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ والمُسْتَحِقُّ لِلْحَمْدِ بِذاتِهِ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَطْعًا تَهْدِيدًا لِمَن عَصاهُ؛ وتَحْذِيرًا شَدِيدًا:
فاطر 35:16
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾؛ أيْ: غَيْرِكُمْ؛ لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛
فاطر 35:17
﴿وما ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ؛ مِنَ الإذْهابِ؛ والإتْيانِ؛ ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ خاصَّةً؛ ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أيْ: بِمُمْتَنِعٍ؛ ولا شاقٍّ؛ وهو مَحْمُودٌ عِنْدَ الإعْدامِ؛ كَما هو مَحْمُودٌ عِنْدَ الإيجادِ.
فاطر 35:18
ولَمّا أنْهى - سُبْحانَهُ - بَيانَ الحَقِّ؛ بِالدَّلائِلِ القاطِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ بِالتَّهْدِيدِ بِالأخْذِ؛ وكانَ الأخْذُ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ عِقابًا؛ وكانَ العِقابُ لا يَكُونُ حُكْمُهُ إلّا عِنْدَ الذَّنْبِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أنَّهُ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَمّا يَسْتَحِقُّ بِهِ العِقابَ -: ﴿ولا﴾؛ أيْ: يُذْهِبُكم عُقُوبَةً لَكم بِأوْزارِكُمْ؛ وقُدْرَةً عَلَيْكُمْ؛ والحالُ أنَّهُ لا ﴿تَزِرُ﴾؛ أيْ: تَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ أوْ عِنْدَ الإذْهابِ؛ ولَمّا لَمْ تَكُنْ نَفْسٌ مُتَأهِّلَةٌ لِلْحَمْلِ تَخْلُو مِن وِزْرٍ تَحْمِلُهُ؛ والمَعْصُومُ (p-٣٣)مَن عَصَمَ اللَّهُ؛ قالَ: ﴿وازِرَةٌ﴾؛ دُونَ ”نَفْسٌ“؛ أيْ لا تَحْمِلُ حامِلَةٌ مِن جِهَةِ الإثْمِ؛ ﴿وِزْرَ﴾؛ أيْ: حِمْلَ؛ وثِقْلَ؛ ﴿أُخْرى﴾؛ لِتُعَذَّبَ بِهِ؛ بَلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم لَهُ مِمّا كَسَبَتْ يَداهُ ما تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في الأخْذِ مُباشَرَةً؛ وتَسَبُّبًا؛ مَعَ تَفاوُتِكم في الوِزْرِ؛ ولا يَحْمِلُ أحَدٌ إلّا ما اقْتَرَفَهُ هُوَ؛ لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِذَنْبِ أُخْرى الَّذِي يَخُصُّها؛ كَما تَفْعَلُ جَبابِرَةُ الدُّنْيا.
ولَمّا أثْبَتَ أنَّهُ لا يُؤْخَذُ أحَدٌ إلّا بِوِزْرٍ؛ ونَفى أنْ يَحْمِلَ أحَدٌ وِزْرَ غَيْرِهِ؛ وكانَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ ذَلِكَ خاصٌّ بِبَعْضِ الأحْوالِ؛ أوِ الأشْخاصِ؛ وكانَ عِظَمُ الوِزْرِ يُوجِبُ عِظَمَ الأخْذِ؛ نَفى ذَلِكَ الإيهامَ؛ ودَلَّ عَلى القُدْرَةِ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَهم في الأجْرِ؛ وإنْ كانَ أخْذُهم في آنٍ واحِدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَدْعُ﴾؛ أيْ: نَفْسٌ؛ ﴿مُثْقَلَةٌ﴾؛ أيْ: بِالذُّنُوبِ؛ سَواءٌ كانَتْ كُفْرًا؛ أوْ غَيْرَهُ؛ أحَدًا ﴿إلى حِمْلِها﴾؛ أيْ: الخاصِّ بِها مِنَ الذُّنُوبِ؛ الَّتِي لَيْسَتْ عَلى غَيْرِها بِمُباشَرَةٍ؛ ولا تَسَبُّبٍ؛ لِيُخَفِّفَ عَنْها؛ فَيُخَفَّفَ العَذابُ بِسَبَبِ خِفَّتِهِ؛ ﴿لا يُحْمَلْ﴾؛ أيْ: مِن حامِلٍ ما؛ ﴿مِنهُ شَيْءٌ﴾؛ أيْ: لا طَواعِيَةً؛ ولا كَرْهًا؛ بَلْ لِكُلِّ امْرِئٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ أصْلًا وتَسَبُّبًا؛ ﴿ولَوْ كانَ﴾؛ ذَلِكَ الدّاعِي؛ أوِ المَدْعُوُّ لِلْحَمْلِ؛ ﴿ذا قُرْبى﴾؛ لِمَن دَعاهُ؛ وحاصِلُ الأُولى أنَّهُ لا يَهْلِكُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ؛ بَلْ بِذَنْبِ نَفْسِهِ؛ والثّانِيَةِ أنَّهُ لا يُحَطُّ عَنْ أحَدٍ ذَنْبُهُ لِيَسْلَمَ. (p-٣٤)ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا - مَعَ كَوْنِهِ جَلِيًّا - خالِعًا لِلْقُلُوبِ؛ فَكانَ بِحَيْثُ يَشْتَدُّ تَعَجُّبُ السّامِعِ مِمَّنْ يَسْمَعُهُ ولا يَخْشى؛ فَقالَ - مُزِيلًا لِهَذا العَجَبِ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ -: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾؛ أيْ: إنْذارًا يُفِيدُ الرُّجُوعَ عَنِ الغَيِّ؛ فَلِاخْتِصاصِهِمْ بِالنَّفْعِ كانُوا كَأنَّهم مُخْتَصُّونَ بِالإنْذارِ؛ وهو كَما قالَ القُشَيْرِيُّ: الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ؛ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ هَذا الفِعْلَ في الحالِ؛ ويُواظِبُونَ عَلَيْهِ في الِاسْتِقْبالِ؛ ولَمّا كانَ أعْقَلُ النّاسِ مَن خافَ المُحْسِنَ؛ لِأنَّ أقَلَّ عِقابِهِ قَطْعُ إحْسانِهِ؛ قالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾
ولَمّا كانَ أوْفى النّاسِ عَقْلًا؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأكْرَمُهم عُنْصُرًا؛ مَن كانَتْ غَيْبَتُهُ مِثْلَ حُضُورِهِ؛ وكانَ لا يَحْتاجُ - مَعَ قَوْلِ الدّاعِي؛ وما يَظْهَرُ لَهُ مِن سَمْتِهِ؛ وحُسْنِ قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ - إلى آيَةٍ يُظْهِرُها؛ ولا خارِقَةٍ يُبْرِزُها؛ وإنَّما إيمانُهُ تَصْدِيقًا لِلدّاعِي في إخْبارِهِ بِالأمْرِ المُغَيَّبِ؛ مِن غَيْرِ كَشْفِ غِطاءٍ؛ قالَ: ﴿بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ غائِبِينَ عَمّا دُعُوا إلَيْهِ؛ وخُوِّفُوا بِهِ؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُمْ؛ أوْ غائِبِينَ عَمَّنْ يُمْكِنُ مُراءاتُهُ؛ فَهم مُخْلِصُونَ في خَشْيَتِهِمْ سَواءً؛ بِحَيْثُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِمْ إلّا اللَّهُ؛ ولا نَعْلَمُ أحَدًا وازى خَدِيجَةَ؛ والصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتِ (p-٣٥)الصَّلاةُ جامِعَةً لِخُضُوعِ الظّاهِرِ؛ والباطِنِ؛ فَكانَتْ أشْرَفَ العِباداتِ؛ وكانَتْ إقامَتُها بِمَعْنى حِفْظِ جَمِيعِ حُدُودِها في كُلِّ حالٍ أدَلَّ الطّاعاتِ عَلى الإخْلاصِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ لِأنَّ مَواقِيتَ الصَّلاةِ مَضْبُوطَةٌ -: ﴿وأقامُوا﴾؛ أيْ: دَلِيلًا عَلى خَشْيَتِهِمْ؛ ﴿الصَّلاةَ﴾؛ في أوْقاتِها الخَمْسَةِ؛ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ السُّنَنِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن كانَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ تَدَسّى؛ ومَن كانَ عَلى هَذا فَقَدْ تَزَكّى؛ ومَن تَدَسّى فَإنَّما يَتَدَسّى عَلى نَفْسِهِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُشِيرًا بِأداةِ التَّفَعُّلِ إلى أنَّ النَّفْسَ أمْيَلُ شَيْءٍ إلى الدَّنَسِ؛ فَلا تَنْقادُ إلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إلّا بِاجْتِهادٍ عَظِيمٍ -: ﴿ومَن تَزَكّى﴾؛ أيْ: تَطَهَّرَ؛ وتَكَثَّرَ بِهَذِهِ المَحاسِنِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِيُفِيدَهُ بِالأسْبابِ القَرِيبَةِ قَدْ يَغْفُلُ عَنْ أنَّ هَذا نَفْعٌ لَهُ؛ وخاصٌّ بِهِ؛ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾؛ فَإنَّهُ لا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها؛ ﴿وإلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي يَكْشِفُ عَنْ جَمِيعِ صِفاتِهِ أتَمَّ كَشْفٍ تَحْتَمِلُهُ العُقُولُ يَوْمَ البَعْثِ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿المَصِيرُ﴾؛ كَما كانَ مِنهُ المَبْدَأُ؛ فَيُجازِي كُلًّا عَلى فِعْلِهِ؛ فَيُنْصِفُ بَيْنَكَ وبَيْنَ مَن خَشِيَ رَبَّهُ؛ بِإنْذارِكَ ومَن أعْرَضَ عَنْ ذَلِكَ.
فاطر 35:19
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما يَسْتَوِي في الطَّبْعِ والعَقْلِ المُتَدَسِّي؛ الَّذِي هو أعْمى بِعِصْيانِهِ في الظُّلُماتِ؛ ولا المُتَزَكِّي؛ الَّذِي هو بِطاعاتِهِ بَصِيرٌ في (p-٣٦)النُّورِ؛ وإنِ اسْتَوَيا في الإنْسانِيَّةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَصْلُحُ أمْثِلَةً لِلْمُتَدَسِّي؛ والمُتَزَكِّي؛ وما يَكُونُ بِهِ التَّدْسِيَةُ؛ والتَّزْكِيَةُ - دَلالَةً عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ؛ وتَقْرِيرًا لِأنَّ الخَشْيَةَ والقَسْوَةَ بِيَدِهِ؛ إبْطالًا لِقَوْلِ مَن يُسْنِدُ الأُمُورَ إلى الطَّبائِعِ - قَوْلَهُ: ﴿وما يَسْتَوِي﴾؛ أيْ: في حالَةٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِوَعْظِ المُشْرِكِينَ؛ وكانَ المُتَدَسِّي؛ قَبْلَ المُتَزَكِّي؛ عَلى ما قَرَّرَ قَبْلَهُ؛ ناسَبَ أنْ يُنَظِّمَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ قَوْلَهُ - مِثالًا لِلْكافِرِ؛ والمُؤْمِنِ؛ والجاهِلِ؛ والعالِمِ؛ وقَدَّمَ مِثالَ الجاهِلِ لِأنَّ الأصْلَ عَنِ الإرْسالِ الجَهْلُ -: ﴿الأعْمى والبَصِيرُ﴾؛ أيْ: لا الصِّنْفانِ؛ ولا أفْرادُهُما؛ ولا أفْرادُ صِنْفٍ مِنهُما؛ وأغْنى عَنْ إعادَةِ النّافِي ظُهُورُ المُفاوَتَةِ بَيْنَ أفْرادِ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الصِّنْفَيْنِ؛ فالمَعْنى أنَّ النّاسَ غَيْرُ مُسْتَوِينَ في العَمى؛ والبَصَرِ؛ بَلْ بَعْضُهم أعْمى؛ وبَعْضُهم بَصِيرٌ؛ لِأنَّ ”افْتَعَلَ“؛ هُنا؛ لِمَعْنى ”تَفاعَلَ“؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ دَلالَةً عَلى النَّفْيِ؛ ولَوْ وقَعَ اجْتِهادٌ في ألّا يَقَعَ؛ أوْ دَلالَةً عَلى أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو التَّساوِي مِن كُلِّ جِهَةٍ؛ لا في أصْلِ المَعْنى؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُسْتَنِدًا إلى الطَّبْعِ؛ لَكانُوا عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ؛ بَلْ وأفْرادُ كُلٍّ مُتَفاوِتُونَ؛ فَتَجِدُ بَعْضَ العُمْيِ يَمْشِي بِلا قائِدٍ في الأزِقَّةِ المُشْكِلَةِ؛ وآخَرَ لا يَقْدِرُ عَلى المَشْيِ في بَيْتِهِ إلّا بِقائِدٍ؛ وآخَرَ يُدْرِكُ مِنَ الكِتابِ إذا جَسَّهُ كَمْ مِسْطَرَتُهُ مِن سَطْرٍ؛ وهَلْ خَطُّهُ حَسَنٌ أوْ لا؛ (p-٣٧)وآخَرَ يُدْرِكُ الدِّرْهَمَ الزَّيْفَ مِن غَيْرِهِ؛ ويُمَيِّزُ ضَرْبَ كُلِّ بَلَدٍ مِن غَيْرِهِ؛ ورُبَّما نازَعَهُ أحَدٌ مُغالَطَةً؛ فَلا يَقْبَلُ التَّشْكِيكَ؛ وآخَرَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ؛ وأمّا البُصَراءُ فالأمْرُ فِيهِمْ واضِحٌ في المُفاوَتَةِ في أبْصارِهِمْ؛ وبَصائِرِهِمْ؛ وكُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ الفاعِلَ قادِرٌ؛ مُخْتارٌ؛ يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ؛ وإلّا لَتَساوَتِ الأفْرادُ؛ فَكانُوا عَلى مِنهاجٍ واحِدٍ.
فاطر 35:20
ولَمّا كانَ هَذا مِن أغْرَبِ الأُمُورِ؛ وإنْ غُفِلَ عَنْهُ؛ لِكَثْرَةِ إلْفِهِ؛ نَبَّهَ عَلى غَرابَتِهِ؛ ومَزِيدِ ظُهُورِ القُدْرَةِ فِيهِ؛ بِتَكْرِيرِ النّافِي في أشْباهِهِ؛ وعَلى أنَّ البَصَرَ لا يَنْفُذُ إلّا في الظُّلْمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَعاصِيَ تُظْلِمُ قَلْبَ المُؤْمِنِ؛ وإنْ كانَ بَصِيرًا؛ وقَدَّمَ الظُّلْمَةَ لِأنَّها أشَدُّ إظْهارًا لِتَفاوُتِ البَصَرِ؛ مَعَ المُناسَبَةِ لِلسِّياقِ؛ عَلى ما قَرَّرَ؛ فَقالَ - في عَطْفِ الزَّوْجِ عَلى الزَّوْجِ؛ وعَطْفِ الفَرْدِ عَلى الفَرْدِ؛ جامِعًا؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ طُرُقَ الضَّلالِ يَتَعَذَّرُ حَصْرُها -: ﴿ولا الظُّلُماتُ﴾؛ الَّتِي هي مِثالٌ لِلْأباطِيلِ؛ وأكَّدَ بِتَكْرِيرِ النّافِي؛ كالَّذِي قَبْلَهُ؛ لِأنَّ المُفاوَتَةَ بَيْنَ أفْرادِ الظُّلْمَةِ؛ وأفْرادِ النُّورِ خَفِيَّةٌ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا عَلى أنَّ طَرِيقَ الحَقِّ واحِدَةٌ؛ تَكْذِيبًا لِمَن قالَ مِنَ الزَّنادِقَةِ: الطُّرُقُ إلى اللَّهِ بِعَدَدِ أنْفاسِ الخَلائِقِ -: ﴿ولا النُّورُ﴾؛ الَّذِي هو مِثالٌ لِلْحَقِّ؛ فَما أبْدَعَهُما - عَلى هَذا التَّضادِّ - إلّا اللَّهُ (تَعالى) الفاعِلُ المُخْتارُ؛ وفاوَتَ بَيْنَ أفْرادِ النُّورِ (p-٣٨)وأفْرادِ الظُّلْمَةِ؛ فَما يُشْبِهُ نُورُ الشَّمْسِ نُورَ القَمَرِ؛ ولا شَيْءٌ مِنهُما نُورَ غَيْرِهِما مِنَ النُّجُومِ؛ ولا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ نُورَ السِّراجِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأنْوارِ؛ وإذا اعْتَبَرْتَ أفْرادَ الظُّلُماتِ وجَدْتَها كَذَلِكَ؛ فَإنَّ الظُّلُماتِ إنَّما هي ظِلالٌ؛ وبَعْضُ الظِّلالِ أكْثَفُ مِن بَعْضٍ.
فاطر 35:21
ولَمّا كانَ الظَّلامُ يَنْشَأُ عَنِ الظِّلالِ؛ وهو نَسْخُ النُّورِ؛ قَدَّمَهُ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا مِثالَ الخَيْرِ؛ لِأنَّ الرَّحْمَةَ سَبَقَتِ الغَضَبَ -: ﴿ولا الظِّلُّ﴾؛ أيْ: بِبَرْدِهِ؛ الَّذِي هو مَرْجِعُ المُؤْمِنِ في الآخِرَةِ؛ ﴿ولا الحَرُورُ﴾؛ أيْ: بِوَهَجِها؛ وهي مَرْجِعُ الكافِرِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هي الرِّيحُ الحارَّةُ بِاللَّيْلِ؛ وكَذا قالَ في القامُوسِ؛ وزادَ: وقَدْ يَكُونُ بِالنَّهارِ؛ وحَرُّ الشَّمْسِ؛ والحَرُّ الدّائِمُ؛ والنّارُ؛ فانْتَفى حُكْمُ الطَّبائِعِ قَطْعًا.
فاطر 35:22
ولَمّا كانَ المُظْهِرُ لِذَلِكَ كُلِّهِ الحَياةُ؛ قَدَّمَها فَقالَ - مِثالًا آخَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِذَلِكَ أعادَ الفِعْلَ؛ وهو فَوْقَ التَّمْثِيلِ بِالأعْمى والبَصِيرِ؛ لِأنَّ الأعْمى يُشارِكُ البَصِيرَ في بَعْضِ الإدْراكاتِ؛ وصارَ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ مِثالانِ؛ لِيُفِيدَ الأوَّلُ نَفْيَ اسْتِواءِ الجِنْسِ بِالجِنْسِ؛ مَعَ القَبُولِ لِلْحُكْمِ عَلى الأفْرادِ؛ والثّانِي بِالعَكْسِ؛ وهو لِلنَّفْيِ في الأفْرادِ؛ مَعَ القَبُولِ لِلْجِنْسِ -: ﴿وما يَسْتَوِي الأحْياءُ﴾؛ أيْ: لِأنَّ مِنهُمُ النّاطِقَ؛ والأعْجَمَ؛ والذَّكِيَّ؛ والغَبِيَّ؛ والسَّهْلَ؛ والصَّعْبَ؛ (p-٣٩)فَلا يَكادُ يَتَساوى حَيّانِ في جَمِيعِ الخِلالِ؛ ﴿ولا الأمْواتُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِثالٌ لِلْكافِرِينَ في صُعُوبَةِ المَوْتِ؛ وسُهُولَتِهِ؛ والبِلى؛ وغَيْرِهِ مِمّا يَخْفى؛ ولا يُقِرُّ بِهِ الكُفّارُ؛ مِنَ الشَّقاوَةِ؛ والسَّعادَةِ.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ عَلى هَذا الوَجْهِ - مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وعَلى ضَلالِ مَن أشْرَكَ بِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّهُ لا يُشابِهُهُ شَيْءٌ - بِمَكانٍ لَيْسَ مَعَهُ خَفاءٌ؛ ومِنَ الإحْكامِ بِحَيْثُ لا يُدانِيهِ كَلامٌ؛ يُعَجِّبُ السّامِعَ مِمَّنْ يَأْباهُ؛ فَقالَ - مُزِيلًا عَجَبَهُ؛ مُقَرِّرًا أنَّ الخَشْيَةَ؛ والقَسْوَةَ؛ إنَّما هُما بِيَدِهِ؛ وأنَّ الإنْذارَ إنَّما هو لِمَن قَضى بِانْتِفاعِهِ؛ مُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ ﷺ؛ مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يَرى لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - فِعْلًا؛ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: القادِرَ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَ هَذِهِ الأشْياءِ؛ وعَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ بِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ؛ إشارَةً إلى القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ أرادَهُ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿يُسْمِعُ مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: فَيَهْدِيهِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قابِلِيَّةٌ في العادَةِ؛ كالجَماداتِ؛ ويُصِمُّ مَن يَشاءُ؛ فَيُعْمِيهِ؛ ويُنَكِّسُهُ؛ ويُرْدِيهِ؛ مِن أحْياءِ القُلُوبِ؛ والأرْواحِ؛ وأمْواتِ المَعانِي؛ والأشْباحِ؛ والمَعْنى أنَّ إسْماعَهم لَوْ كانَ مُسْتَنِدًا إلى الطَّبائِعِ لاسْتَوَوْا؛ إمّا بِالإجابَةِ؛ (p-٤٠)أوِ الإعْراضِ؛ لِأنَّ نِسْبَةَ الدَّعْوَةِ وإظْهارَ المُعْجِزَةِ إلَيْهِمْ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فالآيَةُ تَقْرِيرُ آيَةِ ﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ [فاطر: ١٨]
ولَمّا كانَ المُعْرِضُ قَدْ ساوى المَيِّتَ في حالِهِ؛ الَّتِي هي عَدَمُ الِانْتِفاعِ بِما يَرى ويَسْمَعُ مِنَ الخَوارِقِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ مَيِّتٌ؛ قالَ - مُعَبِّرًا بِالِاسْمِيَّةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَدَمِ إثْباتِ ذَلِكَ لَهُ ﷺ: ﴿وما أنْتَ﴾؛ أيْ: بِنَفْسِكَ؛ مِن غَيْرِ إقْدارِ اللَّهِ لَكَ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ: ﴿بِمُسْمِعٍ﴾؛ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مَن في القُبُورِ﴾؛ أيْ: الحِسِّيَّةِ؛ والمَعْنَوِيَّةِ؛ إسْماعًا يَنْفَعُهُمْ؛ بَلِ اللَّهُ يُسْمِعُهم إنْ شاءَ؛ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛ والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى البَعْثِ.
فاطر 35:23
ولَمّا كانَ هَذا خاصَّةَ الإلَهِ؛ أشارَ إلى نَفْيِهِ عَنْهُ؛ مُقْتَصِرًا عَلى وصْفِ النِّذارَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ أغْلَبَ الخَلْقِ مَوْتى القُلُوبِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلرَّدِّ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ النَّذِيرَ يَقْدِرُ عَلى هِدايَةٍ؛ أوْ غَيْرِها؛ إلّا بِإقْدارِهِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أنْتَ إلا نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: تُنَبِّهُ القُلُوبَ المَيِّتَةَ بِقَوارِعِ الإنْذارِ؛ ولَسْتَ بِوَكِيلٍ يَقْهَرُهم عَلى الإيمانِ.
فاطر 35:24
ولَمّا كانَ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ وكانَ الِاقْتِصارُ عَلى هَذا الوَصْفِ رُبَّما أوْهَمَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ - بَيانًا لِعَظَمَتِهِ ﷺ (p-٤١)بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ عَظَمَةَ الرَّسُولِ مِن عَظَمَةِ المُرْسِلِ؛ فَنِذارَتُهُ رَحْمَةٌ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أرْسَلْناكَ﴾؛ أيْ: إلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ إرْسالًا مَصْحُوبًا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الكامِلِ في الثَّباتِ؛ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ فَإنَّ مَن نَظَرَ إلى كَثْرَةِ ما أُوتِيَهُ مِنَ الدَّلائِلِ؛ عَلِمَ مُطابَقَةَ الواقِعِ لِما تَأْمُرُ بِهِ؛ والتَّقْدِيرُ بِالمَصْدَرِ يُفْهِمُ أنَّ الرِّسالَةَ حَقٌّ؛ وكُلًّا مِنَ المُرْسِلِ؛ والرَّسُولِ؛ مُحِقٌّ؛ ﴿بَشِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن أطاعَ؛ ﴿ونَذِيرًا﴾؛ أيْ: لِمَن عَصى؛ والعَطْفُ بِالواوِ لِلدَّلالَةِ عَلى العَراقَةِ في كُلٍّ مِنَ الصِّفَتَيْنِ.
ولَمّا كانَ مِمّا يُسَهِّلُ القِيادَ؛ ويُضْعِفُ الجِماحَ؛ التَّأْسِيَةُ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ دَفْعًا لِاسْتِبْعادِ الإرْسالِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما؛ ﴿مِن أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ ﴿إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾؛ أرْسَلْناهُ إلَيْهِمْ بَشِيرًا؛ ونَذِيرًا؛ إمّا بِنَفْسِهِ؛ وإمّا بِما أبْقى في أعْقابِهِمْ مِن شَرائِعِهِ؛ مِن أقْوالِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ ورُسُومِهِ؛ مَعَ ما لَهم مِنَ العُقُولِ الشّاهِدَةِ بِذَلِكَ؛ والنِّذارَةُ دالَّةٌ عَلى البِشارَةِ؛ واقْتَصَرَ عَلَيْها لِأنَّها هي الَّتِي تَقَعُ بِها التَّسْلِيَةُ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ؛ ولِأنَّ مِنَ الأنْبِياءِ الماضِينَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَن تَمَحَّضَتْ دَعْوَتُهُ لِلنِّذارَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَنْتَفِعْ أحَدٌ بِبِشارَتِهِ؛ لِعَدَمِ اتِّباعِ أحَدٍ مِنهم لَهُ.
فاطر 35:25
(p-٤٢)ولَمّا كانَ ﷺ شَدِيدَ الأسَفِ عَلى إبائِهِمْ؛ رَحْمَةً لَهُمْ؛ وخَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَقْصِيرٍ في حالِهِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَإنْ يُصَدِّقُوكَ فَهو حَظُّهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَأْسِيَةً لَهُ؛ وتَسْلِيَةً - قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ﴾؛ أيْ: فَتَسَلَّ؛ لِأنَّهُ قَدْ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ بَعْضَ النّاسِ؛ فَلَزِمَ لِذَلِكَ أنْ يَكُونُوا في بَعْضِ الزَّمانِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: ما أتَتْهم بِهِ رُسُلُهم عَنِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ قَبُولُ الرُّسُلِ لِما جاءَهم عَنِ اللَّهِ؛ ونَفْيُ التَّقْصِيرِ في الإبْلاغِ عَنْهُمْ؛ دالًّا عَلى عُلُوِّ شَأْنِهِمْ؛ وسُفُولِ أمْرِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ دالًّا عَلى تَمامِ قُدْرَةِ اللَّهِ (تَعالى) في المُفاوَتَةِ بَيْنَ الخَلْقِ؛ قالَ - دالًّا عَلى أمْرَيِ العُلُوِّ؛ والسُّفُولِ؛ اسْتِئْنافًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ كانَ تَكْذِيبُهم عِنادًا؛ أوْ لِنَقْصٍ في البَيانِ؟" -: ﴿جاءَتْهُمْ﴾؛ أيْ: الأُمَمَ الخالِيَةَ؛ ﴿رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾؛ أيْ: الآياتِ الواضِحاتِ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ الرِّسالَةِ؛ ولَمّا كانَ التَّصْدِيقُ بِالكِتابِ لازِمًا لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ أمْرُهُ؛ وكانَتْ نِسْبَةُ التَّكْذِيبِ إلى جَمِيعِ الأُمَمِ أمْرًا مُعَجِّبًا؛ كانَ الأمْرُ حَرِيًّا بِالتَّأْكِيدِ؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهم ما كَذَّبُوا إلّا لِعَدَمِ الكِتابِ؛ فَأكَّدَ بِإعادَةِ الجارِّ؛ (p-٤٣)فَقالَ: ﴿وبِالزُّبُرِ﴾؛ أيْ: الأُمُورِ المَكْتُوبَةِ؛ مِنَ الصُّحُفِ؛ ونَحْوِها مِنَ السُّنَنِ؛ والأسْرارِ؛ ﴿وبِالكِتابِ﴾؛ أيْ: جِنْسِ الكِتابِ؛ كالتَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿المُنِيرِ﴾؛ أيْ: الواضِحِ في نَفْسِهِ؛ المُوَضِّحِ لِطَرِيقِ الخَيْرِ؛ والشَّرِّ؛ كَما أنَّكَ أتَيْتَ قَوْمَكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ وإنْ كانَ طَرِيقُكَ أوْضَحَ؛ وأظْهَرَ؛ وكِتابُكَ أنْوَرَ؛ وأبْهَرَ؛ وأظْهَرَ؛ وأشْهَرَ.
فاطر 35:26
ولَمّا سَلّاهُ؛ هَدَّدَ مَن خالَفَهُ وعَصاهُ؛ بِما فَعَلَ في تِلْكَ الأُمَمِ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ إلى الأفْرادِ؛ دَفْعًا لِكُلِّ لَبْسٍ؛ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى أنَّ طُولَ الإمْهالِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْإنابَةِ؛ لا لِلِاغْتِرارِ بِظَنِّ الإهْمالِ -: ﴿ثُمَّ أخَذْتُ﴾؛ أيْ: بِأنْواعِ الأخْذِ؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا تِلْكَ الآياتِ المُنِيرَةِ؛ بَعْدَ طُولِ صَبْرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمْ؛ ودُعائِهِمْ لَهُمْ؛ ولَمّا كانَ أخْذُ مَن قَصَّ أخْبارَهُ مِنهم عِنْدَ العَرَبِ شَهِيرًا؛ وكانَ عَلى وُجُوهٍ مِنَ النَّكالِ مُعَجِّبَةٍ؛ سَبَّبَ عَنْهُ السُّؤالَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾؛ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ؛ أيْ أنَّهُ إنْكارٌ يَجِبُ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ؛ لِهَوْلِهِ؛ وعِظَمِهِ؛ كَما قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَئِنْ أصَرُّوا عَلى سُنَّتِهِمْ في الغَيِّ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِنا تَبْدِيلًا في الِانْتِقامِ؛ والخِزْيِ.
فاطر 35:27
ولَمّا كانَ مِن أغْرَبِ الأشْياءِ الدّالَّةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ الدّالِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ أنْ يَكُونَ شَيْءٌ واحِدٌ سَبَبًا لِسَعادَةِ قَوْمٍ وهُداهُمْ؛ وشَقاوَةِ قَوْمٍ وضَلالِهِمْ وعَماهُمْ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا دَقِيقًا؛ وخَطْبًا جَلِيلًا؛ لا يَفْهَمُهُ (p-٤٤)حَقَّ فَهْمِهِ إلّا أعْلى الخَلائِقِ؛ ذَكَّرَ المُخاطَبَ بِهَذا الذِّكْرِ ما يُشاهِدُ مِن آيَتِهِ؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْبارِ؛ لِوُصُولِ المُخاطَبِ إلى رُتْبَةِ أُولِي الفَهْمِ؛ بِما ساقَ مِن ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - عَلى طَرِيقِ الإخْبارِ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ [فاطر: ٩] ولَفَتَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ ما في حَيِّزِهِ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: التِي لا يَصْعَدُ إلَيْها الماءُ؛ ولا يَسْتَمْسِكُ عَنِ الهُبُوطِ مِنها؛ في غَيْرِ أوْقاتِهِ؛ إلّا بِقُدْرَةٍ باهِرَةٍ؛ لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ ﴿ماءً﴾؛ أيْ: لا شَيْءَ يُشابِهُهُ في مُماثَلَةِ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ؛ فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى تَمْيِيزِ شَيْءٍ مِنهُ؛ إلى ما يَصْلُحُ لِشَيْءٍ دُونَ آخَرَ.
ولَمّا كانَ أمْرًا فائِتًا لِقُوى العُقُولِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالِالتِفاتِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: الماءِ؛ مِنَ الأرْضِ؛ ﴿ثَمَراتٍ﴾؛ أيْ: مُتَعَدِّدَةَ الأنْواعِ؛ ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾؛ أيْ: ألْوانُ أنْواعِها؛ وأصْنافِها؛ وهَيْئاتِها؛ وطَبائِعِها؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى المُفاوَتَةِ بَيْنَها؛ وهي مِن ماءٍ واحِدٍ؛ لا يُسْتَبْعَدُ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ الدَّلائِلَ بِالكِتابِ وغَيْرِهِ نُورًا لِشَخْصٍ؛ وعَمًى لِآخَرَ. (p-٤٥)ولَمّا ذَكَرَ تَنَوُّعَ ما عَنِ الماءِ؛ وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ الأصْلُ في التَّلْوِينِ؛ كَما أنَّهُ الأصْلُ في التَّكْوِينِ؛ أتْبَعَهُ التَّلْوِينَ عَنِ التُّرابِ؛ الَّذِي هو أيْضًا شَيْءٌ واحِدٌ؛ فَقالَ - ذاكِرًا ما هو أصْلَبُ الأرْضِ؛ وأبْعَدُها عَنْ قابِلِيَّةِ التَّأثُّرِ؛ وقَطَعَهُ عَنِ الأوَّلِ لِأنَّ الماءَ لا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ -: ﴿ومِنَ﴾؛ أيْ: ومِمّا خَلَقْنا مِن ﴿الجِبالِ جُدَدٌ﴾؛ أيْ: طَرائِقُ؛ وعَلاماتٌ؛ وخُطُوطٌ مُتَقاطِعَةٌ؛ ﴿بِيضٌ وحُمْرٌ﴾؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ؛ دُونَ ”طُرُقٌ“؛ إشارَةً إلى أنَّ مِن غَرابَتِها أنَّها لا تَخْلَقُ؛ ولا تَضْمَحِلُّ ألْوانُها؛ عَلى طُولِ الأزْمانِ؛ كَما هو العادَةُ في غالِبِ ما يَتَقادَمُ عَهْدُهُ؛ و”الجَدُّ“؛ بِالفَتْحِ؛ و”الجِدَّةُ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”الجَدَدُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ: وجْهُ الأرْضِ؛ وجَمْعُهُ ”جِدَدٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ و”الجُدَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الطَّرِيقَةُ؛ والعَلامَةُ؛ والخَطُّ في ظَهْرِ الحِمارِ؛ يُخالِفُ لَوْنَهُ؛ وجَمْعُهُ ”جُدَدٌ“؛ كَـ ”غُدَّةٌ“؛ و”غُدَدٌ“؛ و”عُدَّةٌ“؛ و”عُدَدٌ“؛ و”مُدَّةٌ“؛ و”مُدَدٌ“؛ و”الجَدَدُ“؛ مُحَرَّكَةً: ما أشْرَفَ مِنَ الرَّمْلِ؛ وشِبْهُ السَّلْعَةِ بِعُنُقِ البَعِيرِ؛ والأرْضُ الغَلِيظَةُ المُسْتَوِيَةُ؛ و”الجَدْجَدُ“؛ بِالفَتْحِ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ.
ولَمّا كانَ أبْلَغَ مِن ذَلِكَ أنَّ تِلْكَ الطُّرُقَ في أنْفُسِها غَيْرُ مُتَساوِيَةِ المَواضِعِ في ذَلِكَ اللَّوْنِ الَّذِي تَلَوَّنَتْ بِهِ؛ قالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى أنَّ كُلًّا مِن هَذَيْنِ اللَّوْنَيْنِ لَمْ يَبْلُغِ الغايَةَ في الخُلُوصِ -: ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾؛ وهي (p-٤٦)مِنَ الأرْضِ؛ وهي واحِدَةٌ؛ ولَمّا قَدَّمَ ما كانَ مُسْتَغْرَبًا في ألْوانِ الأرْضِ؛ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ لَوْنِها الأصْلِيِّ؛ أتْبَعَهُ ما هو أقْرَبُ إلى الغَبَرَةِ؛ الَّتِي هي أصْلُ لَوْنِها.
ولَمّا كانَتْ مادَّةُ ”غَرَبَ“؛ تَدُورُ عَلى الخَفاءِ؛ الَّذِي يَلْزَمُهُ الغُمُوضُ؛ أخْذًا مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ ويَلْزَمُ مِنهُ السَّوادُ؛ ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ الأسْوَدُ بِـ ”غِرْبِيبٌ“؛ مُبالَغَةَ الغَرَبِ؛ كَـ ”فَرَحٌ“؛ أيْ: الأسْوَدِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في سَوادِهِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الوَصْفَ بِغايَةِ السَّوادِ؛ مُخالَفَةً لِغَيْرِهِ؛ قالَ (تَعالى) - عاطِفًا عَلى ”بِيضٌ“ -: ﴿وغَرابِيبُ﴾؛ أيْ: مِنَ الجُدَدِ أيْضًا؛ ﴿سُودٌ﴾؛ فَقَدَّمَ التَّأْكِيدَ لِدَلالَةِ السِّياقِ عَلى أنَّ أصْلَ العِبارَةِ ”وسُودٌ غَرابِيبُ سُودٌ“؛ فَأضْمَرَ الأوَّلَ؛ لِيَتَقَدَّمَ عَلى المُؤَكَّدِ؛ لِأنَّهُ تابِعٌ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ بِالثّانِي لِيَكُونَ مُبالِغًا في تَأْكِيدِهِ غايَةَ المُبالَغَةِ؛ بِالإظْهارِ بَعْدَ الإضْمارِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”أشَدُّ سَوادٍ الغَرَبِيبُ“؛ رَواهُ عَنْهُ البُخارِيُّ؛ لِأنَّ السَّوادَ الخالِصَ في الأرْضِ؛ مُسْتَغْرَبٌ؛ ومِنهُ ما يُصْبَغُ بِهِ الثِّيابُ؛ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ؛ فَتَصِيرُ في غايَةِ السَّوادِ؛ وذَلِكَ في مَدِينَةِ ”فُوَّةَ“؛ و”مسير“؛ وغَيْرِهِما؛ مِمّا داناهُما مِن بِلادِ مِصْرَ.
فاطر 35:28
ولَمّا أكَّدَ هَذا بِما دَلَّ عَلى خُلُوصِهِ؛ قَدَّمَ ذِكْرَ الِاخْتِلافِ عَلَيْهِ؛ (p-٤٧)ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) ما الأغْلَبُ فِيهِ الماءُ؛ مِمّا اسْتَحالَ إلى آخَرَ بَعِيدٍ مِنَ الماءِ؛ وأتْبَعَهُ التُّرابَ الصِّرْفَ؛ خَتَمَ بِما الأغْلَبُ فِيهِ التُّرابُ؛ مِمّا اسْتَحالَ إلى ما هو في غايَةِ البُعْدِ مِنَ التُّرابِ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: المُتَحَرِّكِينَ؛ بِالفِعْلِ؛ والِاخْتِيارِ؛ ﴿والدَّوابِّ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الدّابَّةُ في الأصْلِ لِما دَبَّ عَلى الأرْضِ؛ ثُمَّ غَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى ما يُرْكَبُ؛ قالَ: ﴿والأنْعامِ﴾؛ لِيَعُمَّ الكُلَّ صَرِيحًا؛ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾؛ أيْ: ألْوانُ ذَلِكَ البَعْضِ الَّذِي أفْهَمَتْهُ ”مِن“؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ الثِّمارِ؛ والأراضِي؛ فَمِنهُ ما هو ذُو لَوْنٍ واحِدٍ؛ ومِنهُ ما هو ذُو ألْوانٍ؛ مَعَ أنَّ كُلُّ ما ذُكِرَ فَهو مِنَ الأراضِي مُتَجانِسُ الأعْيانِ؛ مُخْتَلِفُ الأوْصافِ؛ ونِسْبَتُهُ إلَيْها وإلى السَّماءِ واحِدَةٌ؛ فَأيْنَ حُكْمُ الطَّبائِعِ؟
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ فَهو يَفْعَلُ فِيما يَشاءُ؛ ومَن يَشاءُ؛ ما يَشاءُ؛ فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ لِقَوْمٍ نُورًا؛ ولِقَوْمٍ عَمًى؛ وكانَ ذَلِكَ مُرَغِّبًا في خِدْمَتِهِ؛ مُرَهِّبًا مِن سَطْوَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى؛ وتَقَدَّسَ -؛ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ؛ وكانَ السِّياقُ لِإنْذارِ مَن يَخْشى بِالغَيْبِ؛ فَثَبَتَ أنَّ الإنْذارَ بِهَذا القُرْآنِ يَكُونُ لِقَوْمٍ أرادَ اللَّهُ خَشْيَتَهم خَشْيَةً؛ ولِقَوْمٍ أرادَ اللَّهُ قَسْوَتَهم (p-٤٨)قَسْوَةً؛ التَفَتَتِ النَّفْسُ إلى طَلَبِ قانُونٍ يُعْرَفُ بِهِ مَن يَخْشى؛ ومَن لا يَخْشى؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ مِن ذَلِكَ؛ دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَحْسَبُ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ولِيٌّ جاهِلًا -: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ؛ ولا كَمالَ لِغَيْرِهِ؛ إلّا مِنهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن سِواهُ في قَبْضَتِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِبادِهِ﴾؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَحَطَّ الفائِدَةِ؛ وهو مَن يَنْفَعُ إنْذارُهُ؛ فَقالَ: ﴿العُلَماءُ﴾؛ أيْ: لا سِواهُمْ؛ وإنْ كانُوا عُبّادًا؛ وإنْ بَلَغَتْ عِبادَتُهم ما عَسى أنْ تَبْلُغَ؛ لِأنَّهُ لا يَخْشى أحَدٌ أحَدًا إلّا مَعَ مَعْرِفَتِهِ؛ ولا يَعْرِفُهُ جاهِلٌ؛ فَصارَ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّما يَنْفَعُ الإنْذارُ أهْلَ الخَشْيَةِ؛ وإنَّما يَخْشى العُلَماءُ“؛ والعالِمُ هو الفَقِيهُ العامِلُ بِعِلْمِهِ؛ قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ؛ في البابِ الثّالِثِ مِن عَوارِفِهِ: فَيَنْتَفِي العِلْمُ عَمَّنْ لا يَخْشى اللَّهَ؛ كَما إذا قالَ: إنَّما يَدْخُلُ الدّارَ بَغْدادِيٌّ؛ فَيَنْتَفِي دُخُولُ غَيْرِ البَغْدادِيِّ الدّارَ؛ هَذا مَعْنى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ.
ولَمّا كانَ سَبَبُ الخَشْيَةِ التَّعْظِيمَ والإجْلالَ؛ وكانَ كُلُّ أحَدٍ لا يُجِلُّ إلّا مَن أجَلَّهُ؛ وكانَ قَدْ ثَبَتَ أنَّ العُلَماءَ يُجِلُّونَ اللَّهَ؛ وكانَ سَبَبُ إجْلالِهِمْ لَهُ إجْلالَهُ لَهُمْ؛ كانَ هَذا مَعْنى القِراءَةِ الأُخْرى؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنَّما يَنْفَعُ الإنْذارُ مَن يُجِلُّ اللَّهَ؛ فاللَّهُ يُجِلُّهُ لِعِلْمِهِ“؛ وسُئِلَ شَيْخُنا؛ مُحَقِّقُ زَمانِهِ؛ قاضِي الشّافِعِيَّةِ بِمِصْرَ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ القاياتِيُّ عَنْ تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ؛ فَأطْرَقَ يَسِيرًا؛ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقالَ:
؎أهابُكَ إجْلالًا وما بِكَ قُدْرَةٌ ∗∗∗ عَلَيَّ ولَكِنْ مِلْءُ عَيْنٍ حَبِيبُها
(p-٤٩)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا السِّياقِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - فاعِلُ هَذِهِ الأشْياءِ المُتَضادَّةِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ لِيُفِيدَ أنَّ قُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ كَقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وأنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُخْشى؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ ﴿عَزِيزٌ﴾؛ أيْ: غالِبٌ عَلى جَمِيعِ أمْرِهِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مُرَهِّبًا مِن سَطْوَتِهِ؛ مُوجِبًا لِخَشْيَتِهِ؛ لِإفْهامِهِ أنَّهُ يَمْنَعُ الَّذِينَ لا يَخْشَوْنَ مِن رَحْمَتِهِ؛ رَغَّبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ﴾؛ في أنَّهُ يَمْحُو ذُنُوبَ مَن يُرِيدُ مِنهُمْ؛ فَيُقْبِلُ بِقَلْبِهِ إلَيْهِ؛ وهو أيْضًا مِن مَعانِي العِزَّةِ.
فاطر 35:29
ولَمّا تَقَرَّرَ هَذا؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ العُلَماءِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يُحافِظُونَ عَلى كِتابِ اللَّهِ؛ عِلْمًا؛ وعَمَلًا؛ فَقِيلَ: فَما لَهُمْ؟ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يَظُنُّ مِنَ الكُفّارِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ العُصاةِ أنَّهم مِنَ الخاسِرِينَ بِما ضَيَّعُوا مِن عاجِلِ دُنْياهم -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ التِّلاوَةَ كُلَّ وقْتٍ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ؛ مُحافِظِينَ عَلَيْهِ؛ كُلَّما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؛ وبَعْدَ كَمالِ نُزُولِهِ؛ حَتّى يَكُونَ ذَلِكَ دَيْدَنَهُمْ؛ وشَأْنَهُمْ؛ بِفَهْمٍ؛ وبِغَيْرِ فَهْمٍ؛ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُقْبِلَ عَلى غَيْرِهِ؛ لِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ؛ ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ الَّذِي لا سَبَبَ يُعادِلُهُ؛ (p-٥٠)ذَكَرَ أحْسَنَ ما يُرْبَطُ بِهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى المُداوَمَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالإقامَةِ؛ وعَلى تَحْقِيقِ الفِعْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي -: ﴿وأقامُوا الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: وهي النّاهِيَةُ عَنِ الفَحْشاءِ؛ والمُنْكَرِ؛ فَناجَوُا اللَّهَ فِيها بِكَلامِهِ؛ ولَمّا ذَكَرَ الوَصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الخالِقِ؛ ذَكَرَ إحْسانَهم إلى الخَلائِقِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى إيقاعِ الفِعْلِ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ وعَلى الدَّوامِ بِالسِّرِّ؛ والعَلَنِ؛ لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرِّزْقَ مِنهُ وحْدَهُ؛ لا بِحَوْلِ أحَدٍ غَيْرِهِ؛ ولا غَيْرُهُ -: ﴿وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾؛ أيْ: بِحَوْلِنا؛ وقُوَّتِنا؛ لا بِشَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ في جَمِيعِ ما يُرْضِينا؛ ودَلَّ عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الإنْفاقِ؛ وإنْ أدّى إلى نَفادِ المالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾؛ وعَبَّرَ في الأوَّلِ بِالمُضارِعِ؛ لِأنَّ إنْزالَها كانَ قَبْلَ التَّمامِ؛ وتَصْرِيحًا بِتَكْرارِ التِّلاوَةِ تَعَبُّدًا؛ ودِراسَةً؛ لِأنَّ القُرْآنَ - كَما قالَ النَّبِيَّ ﷺ: «”...أشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإبِلِ في عُقُلِها“؛» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وفي الثّانِي؛ والثّالِثِ؛ بِالماضِي؛ حَثًّا عَلى المُبادَرَةِ إلى الفِعْلِ؛ وقَدْ تَحَصَّلَ مِن هَذا أنَّهُ جَعَلَ لِفِعْلِ القَلْبِ - الَّذِي هو الخَشْيَةُ - دَلِيلًا بِاللِّسانِ؛ وآخَرَ بِالأرْكانِ؛ وثالِثًا بِالأمْوالِ.
ولَمّا أحَلَّهم بِالمَحَلِّ الأعْلى؛ مُعَرِّفًا أنَّهم أهْلُ العِلْمِ؛ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ؛ وكانَ العَبْدُ لا يَجِبُ لَهُ عَلى سَيِّدِهِ شَيْءٌ؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى نِعْمَةِ الإبْقاءِ الثّانِي؛ الَّتِي هي أُمُّ النِّعَمِ؛ والنَّتِيجَةُ العُظْمى المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ -: ﴿يَرْجُونَ﴾؛ أيْ (p-٥١)فِي الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿تِجارَةً﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛ ﴿لَنْ تَبُورَ﴾؛ أيْ: تَكْسُدَ؛ وتَهْلِكَ؛ بَلْ هي باقِيَةٌ؛ لِأنَّها دُفِعَتْ إلى مَن لا تَضِيعُ لَدَيْهِ الوَدائِعُ؛ وهي رائِجَةٌ رابِحَةٌ؛ لِكَوْنِهِ تامَّ القُدْرَةِ؛ شامِلَ العِلْمِ؛ لَهُ الغِنى المُطْلَقُ.
فاطر 35:30
ولَمّا كانَ المُرادُ بِعَدَمِ هَلاكِها حِفْظَها؛ وبَقاءَها إلى يَوْمِ لِقائِهِ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ - مُقْتَصِرًا عَلى الضَّمِيرِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ ولِذا لَفَتَهُ إلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ إيمانَهم بِالغَيْبِ -: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾: أيْ لِنَفاقِها عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ -؛ في الدُّنْيا؛ إنْ أرادَ؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ أوْ فِيهِما؛ ﴿أُجُورَهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى تِلْكَ الأعْمالِ؛ ﴿ويَزِيدَهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى ما جَعَلَهُ بِمَنِّهِ وبِيُمْنِهِ حَقًّا لَهم عَلَيْهِ؛ ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: زِيادَةً لَيْسَ لَهم فِيها تَسَبُّبٌ أصْلًا؛ بَلْ هي بَعْدَما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما قابَلَ أعْمالَهم بِهِ؛ مِمّا يَعْرِفُونَ أنَّهُ جَزاؤُها؛ مُضاعَفًا لِلْواحِدِ عَشَرَةً؛ إلى ما فَوْقَ؛ ولَمّا كانَتْ أعْمالُهم لا تَنْفَكُّ عَنْ شائِبَةٍ ما؛ وإنْ خَلَصَتْ؛ فَلَمْ يَكُنْ ثَوابُها لِأنَّها مِن مَنِّهِ - سُبْحانَهُ - مُسْتَحَقًّا؛ عَلَّلَ تَوْفِيَتَهم لَها بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَسَعُ النّاسَ إلّا عَفْوُهُ؛ لِأنَّهُ لَنْ يَقْدُرَ اللَّهَ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ؛ وإنِ اجْتَهَدَ؛ ولَوْ واخَذَ أعْبَدَ العِبادِ بِما يَقَعُ مِن تَقْصِيرِهِ؛ أهْلَكَهُ -: ﴿إنَّهُ غَفُورٌ﴾؛ أيْ: بِمَحْوِ النَّقْصِ عَنِ العَمَلِ؛ ﴿شَكُورٌ﴾؛ أيْ: (p-٥٢)يَقْبَلُهُ؛ ويَزِيدُ عَلَيْهِ.
فاطر 35:31
ولَمّا كانَتْ تَرْجَمَةُ الآيَةِ أنَّ العُلَماءَ هم حَمَلَةُ الكِتابِ؛ وبَدَأ - سُبْحانَهُ - بِأدْنى دَرَجاتِهِمْ؛ وكانَ ذَلِكَ مِمّا يُرَغِّبُ في الكِتابِ؛ أتْبَعَهُ تَرْغِيبًا هو أعْلى مِنهُ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ - في تَقْرِيرِ الأصْلِ الثّانِي؛ الَّذِي هو الرِّسالَةُ -: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ [فاطر: ٢٤] وأكَّدَهُ دَفْعًا لِتَكْذِيبِ المُكَذِّبِينَ بِهِ -: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ وبَيَّنَ قَدْرَهُ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ وقالَ - مُبَيِّنًا لِلْوَحْيِ -: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِخَيْرَيِ الدّارَيْنِ؛ ولَمّا كانَ الكِتابُ لا يَطْرُقُهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ التَّغَيُّرِ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَن لا يَتَغَيَّرُ؛ قالَ: ﴿هُوَ الحَقُّ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في الثَّباتِ؛ ومُطابَقَةِ الواقِعِ لَهُ؛ لا غَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ؛ وأكَّدَ حَقِّيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الكُتُبِ الماضِيَةِ الآتِي لَها الرُّسُلُ الدّاعُونَ إلى اللَّهِ؛ المُؤَيَّدُونَ بِالبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ والأدِلَّةِ القاطِعَةِ.
ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى أنَّ العِلْمَ هو الحَقِيقَةُ الثّابِتَةُ؛ وما عَداهُ فَهو مَحْوٌ؛ وباطِلٌ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ التّالِينَ لِكِتابِهِ؛ الَّذِي هو العِلْمُ؛ هُمُ العُلَماءُ؛ وغَيْرَهُمْ؛ وإنْ كانُوا مَوْجُودِينَ؛ فَهم بِالمَعْدُومِينَ أشْبَهُ؛ ودَلَّ عَلى أنَّ الكُتُبَ الماضِيَةَ؛ وإنْ كانَتْ حَقًّا؛ لَكِنَّها لَيْسَتْ في كَمالِ القُرْآنِ؛ لِأنَّ الأمْرَ (p-٥٣)ما دامَ لَمْ يُخْتَمْ؛ فالزِّيادَةُ مُتَوَقَّعَةٌ فِيهِ؛ بِخِلافِ ما إذا وقَعَ الخَتْمُ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ بَعْدَهُ زِيادَةٌ تُرْتَقَبُ؛ وكانَ رُبَّما تَراءى لِأحَدٍ في بَعْضِ المُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - إعْلامًا بِأنَّ العِبْرَةَ بِما عِنْدَهُ؛ لا بِما يَظْهَرُ لِلْعِبادِ؛ وأكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا المَعْنى مِمّا تُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ؛ وإنْ تَراءى لِأكْثَرِ النّاسِ خِلافُهُ؛ أظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ لِحاجَةِ المُخْبَرِينَ هُنا إلَيْهِ؛ لِأنَّهُمُ البَرُّ؛ والفاجِرُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ أعْلَمَ بِمَن يُرَبِّيهِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانَ مالِكًا لَهُ؛ قالَ: ﴿بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ﴾؛ أيْ: عالِمٌ أدَقَّ العِلْمِ؛ وأتْقَنَهُ؛ بِبَواطِنِ أحْوالِهِمْ؛ ﴿بَصِيرٌ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِ أُمُورِهِمْ؛ وبَواطِنِها؛ أيْ فَهو يُسْكِنُ الخَشْيَةَ والعِلْمَ القُلُوبَ؛ عَلى ما أُوتُوا مِنَ الكِتابِ؛ في عِلْمِهِ؛ وتِلاوَتِهِ؛ وإنْ تَراءى لَهم خِلافُ ذَلِكَ؛ فَأنْتَ أحَقُّهم بِالكَمالِ؛ لِأنَّكَ أخْشاهُمْ؛ وأتْقاهُمْ؛ فَلِذَلِكَ آتَيْناكَ هَذا الكِتابَ؛ فَأخْشاهم بَعْدَكَ أحَقُّهم بِعِلْمِهِ.
فاطر 35:32
ولَمّا كانَ مَعْنى الوَصْفَيْنِ: فَنَحْنُ نُيَسِّرُ لِتِلاوَةِ كِتابِنا مَن يَكُونُ قابِلًا لِلْعِلْمِ؛ الَّذِي هو عَمُودُ الخَشْيَةِ؛ بِما تَعَلَّمَهُ مِنهُ بِخَبْرِنا؛ وبَصَرِنا؛ وكانَ الَّذِي ضَمَّ إلى التِّلاوَةِ الفَهْمَ في الذِّرْوَةِ العُلْيا مِنَ العِلْمِ؛ قالَ - عَطْفًا عَلى هَذا الَّذِي (p-٥٤)أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ وهم هَذِهِ الأُمَّةُ الأُمِّيَّةُ؛ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِ إرْثِهِمْ؛ مَعَ تَراخِي إرْثِهِمْ عَمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَها؛ في نَزْعِ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ؛ وإثْباتِهِ لِآخَرِينَ -: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا﴾؛ أيْ: مَلَّكْنا بِعَظَمَتِنا مِلْكًا تامًّا؛ وأعْطَيْنا عَطاءً لا رُجُوعَ فِيهِ؛ وعَبَّرَ في غَيْرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]؛ فانْظُرْ فارِقَ ما بَيْنَ العِبارَتَيْنِ؛ تَعْرِفِ الفارِقَ بَيْنَ المَقامَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”بَعْدَما أوْحَيْنا إلَيْكَ؛ وأوْرَثْناكَهُ؛ ثُمَّ أوْرَثْناهُ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ دَلالَةً عَلى الوَصْفِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَناهِي جَمْعِهِ لِلْكُتُبِ الماضِيَةِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ ”مِن“؛ في ”أوْحَيْنا إلَيْكَ مِنَ“؛ لِلْبَيانِ؛ فَقالَ: ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: القُرْآنَ - بِاتِّفاقِ المُفَسِّرِينَ؛ قالَهُ الأصْفَهانِيُّ -؛ الجامِعَ لِكُلِّ كِتابٍ أنْزَلْنا؛ فَهو أُمٌّ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ كَما نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ: إنَّ اللَّهَ أوْرَثَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ كُلَّ كِتابٍ أنْزَلَهُ؛ ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنا﴾؛ أيْ: فَعَلْنا في اخْتِيارِهِمْ فِعْلَ مَن يَجْتَهِدُ في ذَلِكَ؛ ﴿مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: أخْلَصْناهم لَنا؛ وهم بَنُو إسْماعِيلَ؛ ومَن تَبِعَهُمْ؛ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: ”الإرْثُ“: انْتِقالُ شَيْءٍ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ؛ فَـ ”ثُمَّ“؛ هُنا؛ لِلتَّرْتِيبِ؛ لِأنَّ إيتاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ مُتَراخٍ عَنْ إيتاءِ (p-٥٥)الأُمَمِ؛ ونَقْلُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ إبْطالِ تِلْكَ الأدْيانِ؛ ونَسْخِ تِلْكَ الكُتُبِ؛ إلّا ما وافَقَ القُرْآنَ؛ فَمَعْنى الإيراثِ أنَّهُ نَزَعَ تِلْكَ الكُتُبَ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ وأعْطاها لِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي رَضِيَهُ لَها؛ وهَذا الإيراثُ لِلْمَجْمُوعِ؛ لا يَقْتَضِي الِاخْتِصاصَ بِمَن يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ؛ بَلْ يَشْمَلُ مَن يَحْفَظُ مِنهُ جُزْءًا؛ ولَوْ أنَّهُ الفاتِحَةُ فَقَطْ؛ فَإنَّ الصَّحابَةَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنهم يَحْفَظُ جَمِيعَ القُرْآنِ؛ ونَحْنُ عَلى القَطْعِ بِأنَّهم مُصْطَفَوْنَ.
ولَمّا كانَ أكْثُرُ النّاسِ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَقْصِيرٍ كَثِيرٍ؛ لِما جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ؛ فَكانَ مَن فِيهِ ذَلِكَ يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِن هَذا القِسْمِ؛ قالَ - مُعَرِّفًا لَهُ بِمِقْدارِهِ؛ مُؤْنِسًا لَهُ بِما فَتَحَ لَهُ مِن أنْوارِهِ؛ مُسْتَجْلِبًا لَهُ إلى حَضْرَةِ قُدْسِهِ؛ ومَعْدِنِ أسْرارِهِ؛ مُقَسِّمًا أهْلَ هَذا القِسْمِ؛ وهم أهْلُ الفَهْمِ؛ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ؛ مُقَدِّمًا الأدْنى؛ لِأنَّهُمُ الأكْثَرُ؛ ولِئَلّا يَحْصُلَ اليَأْسُ؛ ويَصْدَعَ القُلُوبَ خَوْفُ البَأْسِ -: ﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إيراثِنا لَهم أنْ كانَ مِنهُمْ؛ كَما هو مُشاهَدٌ؛ ﴿ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: بِالتَّفْرِيطِ؛ والتَّهاوُنِ في تَوْفِيَةِ الحَقِّ؛ لِما يَقْتَضِيهِ حالُهُ مِنَ العَمَلِ؛ غَيْرُ مُتَوَقٍّ لِلْكَبائِرِ؛ وهَذا القِسْمُ هم أكْثَرُ الوارِثِ؛ وهُمُ المُرْجَؤُونَ لِأمْرِ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ تَرْكُ الإنْسانِ لِلظُّلْمِ في غايَةِ الصُّعُوبَةِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾؛ أيْ: مُتَوَسِّطٌ في العَمَلِ؛ غَيْرُ باذِلٍ (p-٥٦)لِجَمِيعِ الجُهْدِ؛ إلّا أنَّهُ مُجْتَنِبٌ لِلْكَبائِرِ؛ فَهو مُكَفَّرٌ عَنْهُ الصَّغائِرُ؛ وهُمُ الَّذِينَ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا؛ ﴿ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ﴾؛ أيْ: العِباداتِ؛ وجَمِيعِ أنْواعِ القُرُباتِ؛ مُوَفٍّ لِلْمَقامِ الَّذِي أُقِيمُ بِهِ حَقَّهُ؛ كُلَّما ازْدادَ قُرْبًا ازْدادَ عَمَلًا؛ لا يَكُونُ سابِقًا إلّا وهو هَكَذا؛ وهُمُ السّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ؛ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ؛ ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُ الحَسَنِ: السّابِقُ مَن رَجَحَتْ حَسَناتُهُ؛ والمُقْتَصِدُ مَنِ اسْتَوَتْ حَسَناتُهُ؛ وسَيِّئاتُهُ؛ والظّالِمُ مَن رَجَحَتْ سَيِّئاتُهُ؛ وخَتَمَ بِالسّابِقِينَ لِأنَّهُمُ الخُلاصَةُ؛ ولِيَكُونُوا أقْرَبَ إلى الجَنّاتِ؛ كَما قَدَّمَ الصَّوامِعَ في سُورَةِ ”الحَجِّ“؛ لِتَكُونَ أقْرَبَ إلى الهَدْمِ؛ وأخَّرَ المَساجِدَ لِتَقارُبِ الذِّكْرِ؛ وقَدَّمَ في ”التَّوْبَةِ“؛ السّابِقِينَ عُقَيْبَ أهْلِ القُرُباتِ مِنَ الأعْرابِ؛ وأخَّرَ المُرْجَئِينَ؛ وعَقَّبَهم بِأهْلِ مَسْجِدِ الضِّرارِ؛ وقَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في ”الأحْزابِ“؛ المُسْلِمِينَ؛ ورَقّى الخِطابَ دَرَجَةً دَرَجَةً؛ إلى الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا؛ فَهو - سُبْحانَهُ - تارَةً يَبْدَأُ بِالأدْنى؛ وتارَةً بِالأعْلى؛ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ الحالُ؛ كَما هو مَذْكُورٌ في هَذا الكِتابِ؛ في مَحالِّهِ؛ وهَذا عَلى تَقْدِيرِ عَوْدِ الضَّمِيرِ في ”مِنهُمْ“؛ عَلى ”الَّذِينَ“؛ لا عَلى العِبادِ؛ وهو - مَعَ تَأيُّدِهِ بِالمُشاهَدَةِ؛ وأنَّ السِّياقَ لِأنَّ أهْلَ العِلْمِ (p-٥٧)هُمُ التّالُّونَ لِكِتابِ اللَّهِ - مُؤَيَّدٌ بِأحادِيثَ لا تَقْصُرُ؛ وإنْ كانَتْ ضَعِيفَةً؛ عَنِ الصَّلاحِيَةِ لِتَقْوِيَةِ ذَلِكَ؛ فَمِنها ما رَواهُ البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ؛ «عَنِ ابْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى المِنبَرِ؛ وقالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”سابِقُنا سابِقٌ؛ ومُقْتَصِدُنا ناجٍ؛ وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ“؛» وبِسَنَدِهِ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ وقالَ: ”أمّا السّابِقُ بِالخَيْراتِ فَيَدْخُلُ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ؛ وأمّا المُقْتَصِدُ فَيُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا؛ وأمّا الظّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُحْبَسُ في المَقامِ حَتّى يَدْخُلَهُ الهَمُّ؛ ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ“؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤]»؛ ورُوِيَ بِغَيْرِ إسْنادٍ؛ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ“؛» وقالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ - بَعْدَ أنْ ذَكَرَ حَدِيثَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِغَيْرِ سَنَدٍ: ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: ”كُلُّهم في الجَنَّةِ“».
ورَوى حَدِيثَ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الحافِظُ ابْنُ عَساكِرَ؛ في الكُنى؛ مِن تَأْرِيخِ دِمَشْقَ؛ في تَرْجَمَةِ أخِي زِيادٍ؛ أوْ أبِي زِيادٍ.
وأمّا عَلى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلى العِبادِ (p-٥٨)فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”السّابِقُ المُؤْمِنُ المُخْلِصُ؛ والمُقْتَصِدُ المُرائِي؛ والظّالِمُ الكافِرُ نِعْمَةَ اللَّهِ؛ غَيْرُ الجاحِدِ لَها“؛ وقالَ قَتادَةُ: ”الظّالِمُ أصْحابُ المَشْأمَةِ؛ والمُقْتَصِدُ أصْحابُ المَيْمَنَةِ؛ والسّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ“.
ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ في قُوَّةِ العَبْدِ؛ في مَجارِي العاداتِ؛ ولا يُؤْخَذُ بِالكَسْبِ والِاجْتِهاداتِ؛ أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِتَمْكِينِ مَن لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ؛ والعَظَمَةُ العامَّةُ؛ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ؛ وجَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ وتَسْهِيلِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ لِئَلّا يَأْمَنَ أحَدٌ مَكْرَهُ (تَعالى)؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: ثُمَّ مِنَ السّابِقِينَ مَن يَبْلُغُ مَحَلَّ القُرْبَةِ؛ فَيَسْتَغْرِقُ في وحْدانِيَّتِهِ؛ وهو الفَرْدُ الَّذِي اهْتَزَّ في ذِكْرِهِ؛ انْتَهى؛ ثُمَّ زادَ عَظَمَةَ هَذا الأمْرِ بَيانًا؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِظُنُونِ الجاهِلِينَ؛ لِأنَّ السّابِقَ كُلَّما عَلا مَقامُهُ في السَّبْقِ قَلَّ حَظُّهُ مِنَ الدُّنْيا؛ فَرَأى الجاهِلُونَ أنَّهُ مُضَيِّعٌ لِنَفْسِهِ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: السَّبْقُ؛ أوْ إيراثُ الكِتابِ؛ ﴿هُوَ﴾؛ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ مُخَصِّصًا بِضَمِيرِ الفَصْلِ؛ ﴿الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾
فاطر 35:33
ولَمّا ذَكَرَ (تَعالى) أحْوالَهُمْ؛ بَيَّنَ جَزاءَهُمْ؛ ومَآلَهُمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿جَنّاتُ﴾؛ أيْ: هي مُسَبَّبَةٌ عَنْ سَبَبِ السَّبْقِ؛ الَّذِي هو الفَضْلُ؛ ويَصِحُّ كَوْنُها بَدَلًا مِنَ ”الفَضْلُ“؛ لِأنَّهُ سَبَبُها؛ (p-٥٩)فَكانَ كَأنَّهُ هو الثَّوابُ؛ ﴿عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ بِلا رَحِيلٍ؛ لِأنَّهُ لا سَبَبَ لِلرَّحِيلِ عَنْها؛ ﴿يَدْخُلُونَها﴾؛ أيْ: الثَّلاثَةُ أصْنافٍ؛ ومَن دَخَلَها لَمْ يَخْرُجْ مِنها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ يُخْرِجُهُ؛ ولا هو يُرِيدُ الخُرُوجَ؛ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِـ ”الَّذِينَ“؛ ومَن قالَ لِـ ”عِبادِنا“؛ خَصَّ الدُّخُولَ بِالمُقْتَصِدِ؛ والسّابِقِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الخاءِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ يَكُونُ الضَّمِيرُ لِلسّابِقِ فَقَطْ؛ لِأنَّهم يَكُونُونَ في وقْتِ الحِسابِ عَلى كُثْبانِ المِسْكِ؛ ومَنابِرِ النُّورِ؛ فَيَسْتَطِيبُونَ مَكانَهُمْ؛ فَإذا دُعُوا إلى الجَنَّةِ أبْطَؤُوا؛ فَيُساقُونَ إلَيْها؛ كَما في آخِرِ ”الزُّمَرِ“.
ولَمّا كانَ الدّاخِلُ إلى مَكانٍ أوَّلُ ما يَنْظُرُ إلى ما فِيهِ مِنَ النَّفائِسِ؛ قالَ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها﴾؛ أيْ: يَلْبَسُونَ؛ عَلى سَبِيلِ التَّزَيُّنِ؛ والتَّحَلِّي؛ ﴿مِن أساوِرَ﴾؛ ولَمّا كانَ لِلْإبْهامِ؛ ثُمَّ البَيانِ مَزِيدُ رَوْعَةٍ لِلنَّفْسِ؛ وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ إثْباتَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ؛ لِإثْباتِ أتَمِّ الإبْقاءَيْنِ؛ شَوَّقَ إلى الطّاعَةِ المُوَصِّلَةِ إلَيْهِ بِأفْضَلِ ما نَعْرِفُ مِنَ الحِلْيَةِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لِنَوْعِ الأساوِرِ -: ﴿مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾؛ ولَمّا كانَتْ لا تَلِيقُ إلّا عَلى اللِّباسِ الفاخِرِ؛ قالَ - مُعَرِّفًا أنَّهم حِينَ الدُّخُولِ يَكُونُونَ لابِسِينَ -: ﴿ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾
فاطر 35:34
ولَمّا كانَ المُقْتَصِدُ؛ والسّابِقُ يَحْزَنُونَ لِكَمالِهِمْ؛ وشِدَّةِ شَفَقَتِهِمْ عَلى الظّالِمِ إذا قُوصِصَ؛ جَمَعَ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَحْقِيقًا لَهُ -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: (p-٦٠)عِنْدَ دُخُولِهِمْ: ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ تَمامُ القُدْرَةِ؛ ﴿الَّذِي أذْهَبَ﴾؛ أيْ: بِدُخُولِنا هَذا؛ ﴿عَنّا الحَزَنَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ بِكَمالِهِ؛ فَلا نَحْزَنُ عَلى شَيْءٍ كانَ فاتَنا؛ ولا يَكُونُ لَنا حَزَنٌ أبَدًا؛ لِأنّا صِرْنا في دارٍ لا يَفُوتُ فِيها شَيْءٌ أصْلًا ولا يَفْنى.
ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما اجْتَرَحُوهُ مِنَ الزَّلّاتِ؛ أوِ الهَفَواتِ؛ أوِ الغَفْلاتِ؛ الَّتِي لَوْلا الكَرَمُ لَأدَّتْهم إلى النّارِ؛ عَلَّلُوا ما صارُوا إلَيْهِ مَعَها بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ؛ إعْلامًا بِما عِنْدَهم مِنَ السُّرُورِ بِالعَفْوِ عَنْ ذُنُوبِهِمْ؛ وأنَّ ما أكَّدُوهُ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَغالى في تَأْكِيدِهِ لِما رَأوْا مِن صِحَّتِهِ؛ وجَنَوْا مِن حُلْوِ ثَمَرَتِهِ -: ﴿إنَّ رَبَّنا﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْنا مَعَ إساءَتِنا؛ ﴿لَغَفُورٌ﴾؛ أيْ: مَحّاءٌ لِلذُّنُوبِ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ لِلصِّنْفَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ ﴿شَكُورٌ﴾؛ أيْ: عَلى ما وهَبَهُ لِلْعَبْدِ مِن حُسْنِ طاعَتِهِ؛ ووَفَّقَهُ لَهُ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ؛ فَجَعَلَهُ بِهِ سابِقًا؛
فاطر 35:35
ثُمَّ وصَفُوهُ بِما هو شُكْرٌ لَهُ؛ فَقالُوا: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ﴾؛ أيْ: الإقامَةِ؛ ومَكانَها وزَمانَها؛ الَّتِي لا يُرِيدُ النّازِلُ بِها - عَلى كَثْرَةِ النّازِلِينَ بِها - ارْتِحالًا مِنها؛ ولا يُرادُ بِهِ ذَلِكَ؛ ولا شَيْءَ فِيها يَزُولُ فَيُؤْسَفَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ المالِكُ المُطْلَقُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا اسْتِحْقاقَ لِمَمْلُوكِهِ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ؛ قالَ: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: بِلا عَمَلٍ مِنّا؛ فَإنَّ حَسَناتِنا إنَّما كانَتْ مَنًّا مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لَوْ لَمْ يَبْعَثْنا عَلَيْها؛ ويُيَسِّرْها لَنا؛ لَما كانَتْ. (p-٦١)ولَمّا تَذَكَّرُوا ما شاهَدُوهُ في عَرَصاتِ القِيامَةِ مِن تِلْكَ الكُرُوبِ؛ والأهْوالِ؛ والأنْكادِ؛ والأثْقالِ؛ الَّتِي أشارَ إلَيْها قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها﴾ [فاطر: ١٨]؛ الآيَةَ؛ اسْتَأْنَفُوا قَوْلَهم في وصْفِ دارِ القَرارِ: ﴿لا يَمَسُّنا﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿فِيها نَصَبٌ﴾؛ أيْ: نَصَبُ بَدَنٍ؛ ولا وجَعٌ؛ ولا شَيْءٌ؛ ﴿ولا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾؛ أيْ: كَلالٌ؛ وتَعَبٌ؛ وإعْياءٌ؛ وفُتُورُ نَفْسٍ مِن شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ”وهُوَ لازِمٌ عَنْ تَعَبِ البَدَنِ“؛ فَهي الجَدِيرَةُ لَعَمْرِي بِأنْ يُقالَ فِيها:
؎صَفْراءُ لا تَنْزِلُ الأحْزانُ ساحَتَها ∗∗∗ لَوْ مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتْهُ سَرّاءُ
فاطر 35:36
ولَمّا بَيَّنَ ما هم فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ؛ بَيَّنَ ما لِأعْدائِهِمْ مِنَ النِّقْمَةِ؛ زِيادَةً في سُرُورِهِمْ بِما قاسَوْهُ في الدُّنْيا؛ مِن تَكَبُّرِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وفُجُورِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن شُمُوسِ الآياتِ؛ وأنْوارِ الدَّلالاتِ؛ ﴿لَهم نارُ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: بِما تَجَهَّمُوا أوْلِياءَ اللَّهِ؛ الدُّعاةَ إلَيْهِمْ؛ ولَمّا كانَتْ عادَةُ النّارِ إهْلاكَ مَن دَخَلَها بِسُرْعَةٍ؛ بَيَّنَ أنَّ حالَها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ زِيادَةً في نَكالِهِمْ؛ وسُوءِ مَآلِهِمْ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿لا يُقْضى﴾؛ أيْ: لا يُحْكَمُ؛ ويُنَفَّذُ؛ ويَثْبُتُ مِن حاكِمٍ ما ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِمَوْتٍ؛ ﴿فَيَمُوتُوا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ القَضاءِ مَوْتُهُمْ؛ وإذا راجَعْتَ ما مَضى في سُورَةِ ”سُبْحانَ“؛ مِن (p-٦٢)قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٦]؛ وما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) في ”المُرْسَلاتِ“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]؛ عَلِمْتَ سِرَّ وُجُوبِ النَّصْبِ هُنا؛ لِأنَّهُ لَوْ رَفَعَ لَكانَ المَعْنى أنَّ مَوْتَهم يَنْبَغِي إنْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ لَمْ يُقْضَ؛ وذَلِكَ مُحالٌ.
ولَمّا كانَتِ الشَّدائِدُ في الدُّنْيا تَنْفَرِجُ؛ وإنْ طالَ أمَدُها؛ قالَ: ﴿ولا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابِها﴾؛ أيْ: جَهَنَّمَ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذا العَذابَ خاصٌّ بِالَّذِينَ كانُوا في عَصْرِهِ ﷺ مِنَ الكُفّارِ؛ قالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالنُّونِ؛ ﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾؛ أيْ: بِهِ ﷺ؛ أوْ بِغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنْ لَمْ يَرَهُ؛ لِأنَّ ثُبُوتَ المُعْجِزَةِ يَسْتَوِي فِيها السَّمْعُ والبَصَرُ؛ وبَنى أبُو عَمْرٍو الفِعْلَ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةً إلى سُهُولَتِهِ؛ وتَيَسُّرِهِ؛ ورَفَعَ ”كُلَّ“.
فاطر 35:37
ولَمّا بَيَّنَ عَذابَهُمْ؛ بَيَّنَ اكْتِئابَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ والحالُ أنَّهم ﴿يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الصُّراخَ فِيها بِغايَةِ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجُهْدِ في الصِّياحِ؛ بِالبُكاءِ والنُّواحِ؛ ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ؛ بَيَّنَ قَوْلَهم في اصْطِراخِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: يَقُولُونَ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿أخْرِجْنا﴾؛ أيْ: مِنَ النّارِ؛ ﴿نَعْمَلْ صالِحًا﴾؛ ثُمَّ أكَّدُوهُ؛ وفَسَّرُوهُ؛ (p-٦٣)وبَيَّنُوهُ بِقَوْلِهِمْ - عَلى سَبِيلِ التَّحَسُّرِ؛ والِاعْتِرافِ بِالخَطَإ؛ أوْ لِأنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ عَمَلَهم صالِحًا -: ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِنا؛ ﴿نَعْمَلْ﴾؛ فَتَرَكُوا التَّرَقُّقَ والعَمَلَ عَلى حَسَبِهِ في وقْتِ نَفْعِهِ؛ واسْتَعْمَلُوهُ عِنْدَ فَواتِهِ؛ فَلَمْ يَنْفَعْهُمْ؛ بَلْ قِيلَ - في جَوابِهِمْ؛ تَقْرِيرًا لَهُمْ؛ وتَوْبِيخًا؛ وتَقْرِيعًا -: ﴿أوَلَمْ﴾؛ أيْ: ألَمْ تَكُونُوا في دارِ العَمَلِ مُتَمَكِّنِينَ مِن ذَلِكَ بِالعُقُولِ والقُوى؟ أوَلَمْ ﴿نُعَمِّرْكُمْ﴾؛ أيْ: نُطِلْ أعْمارَكُمْ؛ مَعَ إعْطائِنا لَكُمُ العُقُولَ؛ ولَمْ نُعاجِلْكم بِالأخْذِ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: زَمانًا؛ ﴿يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾؛ وما يَشْمَلُ كُلَّ عُمُرٍ يَتَمَكَّنُ فِيهِ المُكَلَّفُ مِن إصْلاحِ شَأْنِهِ؛ غَيْرَ أنَّ التَّوْبِيخَ في الطَّوِيلِ أعْظَمُ؛ وأشارَ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أنَّهُ لا مَطْمَعَ بِغَيْرِهِ - سُبْحانَهُ - في مَدِّ العُمُرِ.
ولَمّا كانَ التَّفَكُّرُ بَعْدَ البَعْثِ غَيْرَ نافِعٍ؛ لِأنَّهُ بَعْدَ كَشْفِ الغِطاءِ؛ عَبَّرَ بِالماضِي؛ فَقالَ: ﴿مَن تَذَكَّرَ﴾؛ إعْلامًا بِأنَّهُ قَدْ خَتَمَ عَلى دِيوانِ المُتَذَكِّرِينَ؛ فَلا يُزادُ فِيهِمْ أحَدٌ؛ والزَّمانُ المُشارُ إلَيْهِ قِيلَ: إنَّهُ سِتُّونَ سَنَةً؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وبَوَّبَ لَهُ البُخارِيُّ في أوائِلِ الرُّقاقِ؛ مِن غَيْرِ عَزْوٍ إلى أحَدٍ؛ ورَوى أحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”مَن عَمَّرَهُ اللَّهُ (p-٦٤)سِتِّينَ سَنَةً؛ فَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ في العُمُرِ“؛» ورَوى التِّرْمِذِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ وأبُو يَعْلى؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”أعْمارُ أُمَّتِي ما بَيْنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ؛ وأقَلُّهم مَن يَجُوزُ ذَلِكَ“».
ولَمّا أشارَ إلى دَلِيلِ العَقْلِ ابْتِداءً ودَوامًا؛ أشارَ إلى أدِلَّةِ النَّقْلِ المُنَبِّهِ عَلى ما قَصُرَ عَنْهُ العَقْلُ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ؛ عَطْفًا عَلى مَعْنى: ”أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ“؛ الَّذِي هو ”قَدْ عَمَّرْناكُمْ“ -: ﴿وجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾؛ أيْ: عَنِّي؛ مِنَ الرُّسُلِ؛ والكُتُبِ؛ تَأْيِيدًا لِلْعُقُولِ بِالدَّلِيلِ المَعْقُولِ.
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّ عَذابَهم لا يَنْفَكُّ؛ قالَ: ﴿فَذُوقُوا﴾؛ أيْ: ما أعْدَدْناهُ لَكم مِنَ العَذابِ دائِمًا أبَدًا؛ ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن أيِسَ مِن خَصْمِهِ فَزِعَ إلى الِاسْتِغاثَةِ عَلَيْهِ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَما﴾؛ وكانَ الأصْلُ: ”لَكُمْ“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ لِلتَّعْمِيمِ؛ فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الواضِعِينَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ ﴿مِن نَصِيرٍ﴾؛ أيْ: يُعِينُهُمْ؛ ويُقَوِّي أيْدِيَهُمْ؛ فَلا بَراحَ لَكم عَنْ هَذا الذَّواقِ؛ وهَذا عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ؛ فَإنَّ مَن ثَبَتَ لَهُ نُصِرَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ ظُلْمَهُ في كُلِّ يَوْمٍ يَضْعُفُ؛ ويَهِنُّ؛ والحَقُّ في كُلِّ حِينٍ يَقْوى ويَضْخُمُ.
فاطر 35:38
(p-٦٥)ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِما نَفى؛ وما أثْبَتَ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ مُقَرِّرًا سَبَبَ دَوامِ عَذابِهِمْ؛ وأنَّهُ بِقَدْرِ كُفْرانِهِمْ - كَما قالَ (تَعالى): ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] -؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَجِبُ تَمْرِينُ النَّفْسِ عَلَيْهِ؛ لِما لَهُ مِنَ الصُّعُوبَةِ؛ لِوُقُوفِ النَّفْسِ مَعَ المَحْسُوساتِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿عالِمُ غَيْبِ﴾؛ ولَمّا كانَتْ جِهَةُ العُلُوِّ أعْرَقَ في الغَيْبِ؛ قالَ: ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا؛ لِأنَّهُ مِن أعْجَبِ الغَيْبِ؛ لِأنَّهُ كَثِيرًا ما يَخْفى عَلى الإنْسانِ ما في نَفْسِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) عالِمٌ بِهِ؛ أوْ هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: قَبْلَ أنْ يَعْلَمَها أرْبابُها؛ حِينَ تَكُونُ غَيْبًا مَحْضًا؛ فَهو يَعْلَمُ أنَّكم لَوْ مُدَّتْ أعْمارُكم لَمْ تَرْجِعُوا عَنِ الكُفْرِ أبَدًا؛ ولَوْ رُدِدْتُمْ لَعُدْتُمْ لِما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ وأنَّهُ لا مَطْمَعَ في صَلاحِكُمْ؛ ولِذَلِكَ يَأْمُرُ المَلَكَ أنْ يَكْتُبَ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ في الوَلَدِ أنَّهُ إمّا شَقِيٌّ؛ أوْ سَعِيدٌ؛ قَبْلَ أنْ يَكُونَ لَهُ خاطِرٌ أصْلًا؛ ورُبَّما كانَ في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الإقْبالِ عَلى الخَيْرِ فِعْلًا ونِيَّةً؛ ثُمَّ يَخْتِمُ لَهُ بِشَرٍّ؛ ورُبَّما كانَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ في غايَةِ الفَسادِ؛ لا يَدَعُ شِرْكًا ولا غَيْرَهُ مِنَ المَعاصِي حَتّى يَرْتَكِبَها؛ وهو عِنْدَ اللَّهِ سَعِيدٌ؛ لِما يَعْلَمُ مِن نِيَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ حِينَ يُقْبِلُ بِقَلْبِهِ عَلَيْهِ؛ فَيَخْتِمُ لَهُ بِخَيْرٍ؛ (p-٦٦)فَيَكُونُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ وأمّا الخَواطِرُ بَعْدَ وُجُودِها في القُلُوبِ؛ فَقَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها المَلَكُ؛ والشَّيْطانُ.
فاطر 35:39
ولَمّا كانَ مَن أنْشَأ شَيْئًا كانَ أعْلَمَ بِهِ؛ وإتْقانُ صُنْعِهِ يَدُلُّ عَلى تَمامِ قُدْرَةِ صانِعِهِ؛ وتَمامُ قُدْرَتِهِ مَلْزُومٌ لِتَمامِ عِلْمِهِ؛ قالَ: ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لا شُرَكاؤُكُمْ؛ ولا غَيْرُهُمْ؛ ﴿الَّذِي جَعَلَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ ﴿خَلائِفَ﴾؛ جَمْعُ ”خَلِيفَةٌ“؛ وهو الَّذِي يَقُومُ بَعْدَ الإنْسانِ بِما كانَ قائِمًا بِهِ؛ والخُلَفاءُ جَمْعُ ”خَلِيفٌ“؛ قالَهُ الأصْبَهانِيُّ؛ وقالَ القُشَيْرِيُّ: أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ خَلِيفَةٌ عَمَّنْ تَقَدَّمَهُمْ؛ فَمِن قَوْمٍ هم لِسَلَفِهِمْ جَمالٌ؛ ومِن قَوْمٍ هم أراذِلُ وأنْدالُ؛ الأفاضِلُ زَمانُهم لَهم مِحْنَةٌ؛ والأراذِلُ هم لِزَمانِهِمْ مِحْنَةٌ.
ولَمّا كانَ المُرادُ تَوْهِيَةَ أمْرِ شُرَكائِهِمْ؛ وكانَتْ تَحْصُلُ بِسَلْبِ قُدْرَتِهِمْ عَلى ما مَكَّنَ فِيهِ - سُبْحانَهُ - العابِدِينَ مِنَ الأرْضِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ دَلالَةً عَلى أنَّهم عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ وامْتِدادِ أزْمِنَتِهِمْ؛ لا يَمْلَؤُونَ مَسْكَنَهم بِتَدْبِيرِهِ؛ لِإماتَةِ كُلِّ قَرْنٍ واسْتِخْلافِ مَن بَعْدَهم عَنْهُمْ؛ ولَوْ لَمْ يُمِتْهم لَمْ تَسَعْهُمُ الأرْضُ مَعَ التَّوالُدِ؛ عَلى طُولِ الزَّمانِ؛ وهم في الأصْلِ قِطْعَةٌ يَسِيرَةٌ (p-٦٧)مِن تُرابِها؛ فَقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: فِيما أنْتُمْ فِيهِ مِنها؛ لا غَيْرِهِ؛ تَتَصَرَّفُونَ فِيهِ بِما قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ؛ ولَوْ شاءَ لَمْ يُصَرِّفْكم فِيهِ؛ فَمِن حَقِّهِ أنْ تَشْكُرُوهُ؛ ولا تَكْفُرُوهُ.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ مِنهُ؛ عَمَّرَهم فِيهِ مُدَّةً يَتَذَكَّرُ فِيها مَن تَذَكَّرَ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّ اللَّهَ هو الَّذِي مَكَّنَهُ؛ لا غَيْرُهُ؛ واحْتَقَرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ السَّنِيَّةَ؛ ﴿فَعَلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿كُفْرُهُ﴾؛ أيْ: ضَرَرُهُ؛ ولَمّا كانَ كَوْنُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ مُحْتَمِلًا لِأُمُورٍ؛ بَيَّنَ حالَهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ بَسْطَ الدُّنْيا عَلى الفاجِرِ رِبْحٌ؛ وإكْرامٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا ﴿يَزِيدُ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: المُغَطِّينَ لِلْحَقِّ؛ ﴿كُفْرُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي هم مُتَلَبِّسُونَ بِهِ؛ ظانُّونَ أنَّهُ يُسْعِدُهُمْ؛ وهم راسِخُونَ فِيهِ؛ غَيْرُ مُتَمَكِّنِينَ عَنْهُ؛ ولِذا لَمْ يَقُلْ: ”لا يَزِيدُ مَن كَفَرَ“؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ كُفْرُهُ غَيْرَ راسِخٍ؛ فَيُسْلِمُ؛ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ ﴿إلا مَقْتًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يُبْغِضُ؛ ويَحْتَقِرُ؛ أشَدَّ بُغْضٍ واحْتِقارٍ.
ولَمّا كانَ المُرادُ مِن هَذِهِ الصِّفاتِ في حَقِّ اللَّهِ (تَعالى) غاياتِها؛ وكانَ ذِكْرُها إنَّما هو تَصْوِيرٌ لَها بِأفْظَعِ صُوَرِها؛ لِزِيادَةِ التَّنْفِيرِ مِن أسْبابِها؛ وكانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَ الآباءِ؛ مَعَ أنَّهم يُسَمُّونَهُ نِكاحَ المَقْتِ؛ نَبَّهَ عَلى أنَّهم لا يُبالُونَ بِالتَّمَقُّتِ إلى المُحْسِنِ؛ فَقالَ - ذاكِرًا لِلْغايَةِ؛ مُبَيِّنًا أنَّ مَحَطَّ نَظَرِهِمُ (p-٦٨)الخَسارَةُ المالِيَّةُ؛ تَسْفِيلًا لِهِمَمِهِمْ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ -: ﴿ولا يَزِيدُ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في صِفَةِ التَّغْطِيَةِ لِلْحَقِّ؛ ﴿كُفْرُهم إلا خَسارًا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ في المالِ؛ والنَّفْسِ؛ وهو نِهايَةُ ما يَفْعَلُهُ الماقِتُ بِالمَمْقُوتِ.
فاطر 35:40
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - هو الَّذِي اسْتَخْلَفَهُمْ؛ أكَّدَ بَيانَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِأمْرِهِ ﷺ بِما يَضْطَرُّهم إلى الِاعْتِرافِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾؛ أيْ: أخْبِرُونِي؛ ﴿شُرَكاءَكُمُ﴾؛ أضافَهم إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم - وإنْ كانُوا جَعَلُوهم شُرَكاءَهُ - لَمْ يَنالُوا شَيْئًا مِن شَرِكَتِهِ؛ لِأنَّهم ما نَقَصُوهُ شَيْئًا مِن مُلْكِهِ؛ وإنَّما شارَكُوا العابِدِينَ في أمْوالِهِمْ؛ بِالشَّوائِبِ وغَيْرِها؛ وفي أعْمالِهِمْ؛ فَهم شُرَكاؤُهم بِالحَقِيقَةِ؛ لا شُرَكاؤُهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ مِن عَدِّهِمْ لَهم شُرَكاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: تَدْعُونَهم شُرَكاءَ؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”بِأيِّ شَيْءٍ جَعَلْتُمُوهم شُرَكاءَ في العِبادَةِ؟ ألَهم شِرْكٌ في الأرْضِ؟“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُكَرِّرًا لِإشْهادِهِمْ عَجْزَ شُرَكائِهِمْ؛ ونَقْصَ مَن عَبَدُوهُ مِن دُونِهِ -: ﴿أرُونِي ماذا﴾؛ أيْ: الَّذِي؛ أوْ أيَّ شَيْءٍ؛ ﴿خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾؛ أيْ: لِتَصِحَّ لَكم دَعْوى الشَّرِكَةِ فِيهِمْ؛ وإلّا فادِّعاؤُكم ذَلِكَ فِيهِمْ كَذِبٌ مَحْضٌ وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أبْعَدُ النّاسِ مِنهُ في (p-٦٩)الأُمُورِ الهَيِّنَةِ؛ فَكَيْفَ بِمِثْلِ هَذا؟! ولَعَلَّ اسْتِفْهامَهم عَنْ رُؤْيَةِ شُرَكائِهِمْ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم مِنَ الِامْتِهانِ والحَقارَةِ؛ بِحَيْثُ يَراهم كُلُّ مَن يَقْصِدُ رُؤْيَتَهُمْ؛ ويَعْلَمُ أنَّهُ لا خَلْقَ لَهُمْ؛ واللَّهُ (تَعالى)؛ بِخِلافِ ذَلِكَ في كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ؛ مُتَرَدٍّ بِرِداءِ الكِبَرِ؛ مُحْتَجِبٌ بِحِجابِ الجَلالِ والعِزِّ؛ وكُلُّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّهُ خالِقٌ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ؛ فَكَيْفَ يَكُونُ مَن لا يَخْلُقُ كَمَن يَخْلُقُ؟!
ولَمّا نَبَّهَهم بِهَذا الأمْرِ الَّذِي ساقَهُ المُعْلِمُ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَدَّعِيَ شَرِكَةً لِشَيْءٍ حَتّى يَعْلَمَ الشَّرِكَةَ؛ وإنْ جَهِلَ عَيْنَ المُشارَكِ فِيهِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ؛ مُوَسِّعًا لَهم في المَحالِّ؛ زِيادَةً في تَبْكِيتِهِمْ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الضَّلالِ -: ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ ﴿فِي السَّماواتِ﴾؛ أيْ: أرُونِي ما خَلَقُوا في السَّماواتِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ أوَّلًا الِاسْتِفْهامَ عَنِ الشَّرِكَةِ في الأرْضِ؛ لِدَلالَةِ مِثْلِهِ في السَّماءِ ثانِيًا عَلَيْهِ؛ وحَذَفَ الأمْرَ بِالإراءَةِ ثانِيًا لِدَلالَةِ مِثْلِهِ أوَّلًا عَلَيْهِ.
ولَمّا أتَمَّ التَّبْكِيتَ بِالِاسْتِفْهامِ عَنِ المَرْئِيِّ؛ أتْبَعَهُ التَّوْبِيخَ بِالِاسْتِفْهامِ عَنِ المَسْمُوعِ؛ مُؤْذِنًا بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ؛ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ بِشَدِيدِ الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿أمْ آتَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: الشُّرَكاءَ؛ أوِ المُشْرِكِينَ بِهِمْ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿كِتابًا﴾؛ أيْ: دالًّا عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِنا؛ بِإعْجازِهِ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَراهِينِ (p-٧٠)القاطِعَةِ؛ ثَبَتَتْ لَهم شَرِكَةٌ؛ ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: المُشْرِكُونَ؛ ﴿عَلى بَيِّنَتٍ﴾؛ أيْ: حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ؛ و”بَيِّناتٍ“ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى؛ أيْ: دَلائِلَ واضِحاتٍ؛ بِما في ذَلِكَ الكِتابِ مِن ضُرُوبِ البَيانِ؛ ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الكِتابِ؛ عَلى أنّا أشْرَكْناهم في الأمْرِ؛ حَتّى يَشْهَدُوا لَهم هَذِهِ الشَّهادَةَ الَّتِي لا يُسَوِّغُونَ مِثْلَها في إثْباتِ الشَّرِكَةِ لَعَبْدٍ مِن عَبِيدِهِمْ؛ في أحْقَرِ الأشْياءِ؛ فَكَيْفَ يُسَوِّغُونَها في انْتِقاصِ المَلِكِ؛ الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهم إلّا مِنهُ؛ غَيْرَ هائِبِينَ لَهُ؛ ولا مُسْتَحِينَ مِنهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ فَلَيْسُوا عَلى بَيانٍ“؛ بَلْ عَلى غُرُورٍ"؛ قالَ - مُنَبِّهًا لَهم عَلى ذَمِيمِ أحْوالِهِمْ؛ وسَفَهِ آرائِهِمْ؛ وخِسَّةِ هِمَمِهِمْ؛ ونُقْصانِ عُقُولِهِمْ؛ مُخْبِرًا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِمّا بِهِ يُطالِبُونَ؛ وأنَّهُ لَيْسَ لَهم جَوابٌ عَمّا عَنْهُ يَسْألُونَ؛ وأكَّدَهُ لِأجْلِ ظَنِّهِمْ أنَّ أُمُورَهم في غايَةِ الإحْكامِ -: ﴿بَلْ إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿يَعِدُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: الواضِعُونَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ ﴿بَعْضُهم بَعْضًا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ لِلْمَتْبُوعِينَ؛ بِأنَّ شُرَكاءَهم تُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ زُلْفى؛ وأنَّها تَشْفَعُ؛ وتَضُرُّ؛ ولا تَنْفَعُ؛ ﴿إلا غُرُورًا﴾
فاطر 35:41
ولَمّا بَيَّنَ حَقارَةَ الأصْنامِ؛ وكُلِّ ما أشْرَكُوا بِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى جَلالِ عَظَمَتِهِ؛ وكانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى ادِّعاءِ الشَّرِكَةِ في الخَلْقِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ (p-٧١)وكانَ رُبَّما أقْدَمَ عَلى ادِّعائِهِ مُعانِدٌ مِنهُمْ؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ وكانَ النّاسُ قَدْ تَوَصَّلُوا إلى مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِنَ التَّغَيُّراتِ الفَلَكِيَّةِ؛ كالشُّرُوقِ؛ والغُرُوبِ؛ والخُسُوفِ؛ وكانُوا لا عِلْمَ لَهم بِشَيْءٍ مِنَ الزَّلازِلِ؛ والزَّوالِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا عَظَمَتَهُ - سُبْحانَهُ - بَعْدَ تَحْقِيرِ أمْرِ شُرَكائِهِمْ؛ مُعْجِزًا؛ مُهَدِّدًا لَهم عَلى إقْدامِهِمْ عَلى هَذا الِافْتِراءِ العَظِيمِ؛ مُبَيِّنًا لِلنِّعْمَةِ بِعَدَمِ المُعاجَلَةِ بِالهَلاكِ؛ وأكَّدَهُ لِأنَّ مِنَ النّاسِ المُكَذِّبَ بِهِ؛ وهُمُ المُعَطِّلَةُ؛ ومِنهم مَن عَمَلُهُ - وإنْ كانَ مُقِرًّا - عَمَلُ المُكَذِّبِ؛ وهو مَن يُنْكِرُ شَيْئًا مِن قُدْرَتِهِ؛ كالبَعْثِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يُمْسِكُ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى كِبَرِها؛ وعُلُوِّها؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ أيْ: عَلى سَعَتِها؛ وبُعْدِها عَنِ التَّماسُكِ؛ عَلى ما يُشاهِدُونَ؛ إمْساكًا مانِعًا مِن ﴿أنْ تَزُولا﴾؛ أيْ: بِرَجَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ وزَلْزَلَةٍ كَبِيرَةٍ؛ أوْ زَوالًا لا تَماسُكَ مَعَهُ؛ لِأنَّ ثَباتَهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ عَلى غَيْرِ القِياسِ؛ لَوْلا شامِخُ قُدْرَتِهِ؛ وباهِرُ عِزَّتِهِ وعَظَمَتِهِ؛ فَإنِ ادَّعَيْتُمْ؛ عِنادًا؛ أنَّ شُرَكاءَكم لا يَقْدِرُونَ عَلى الخَلْقِ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ؛ فادْعُوهم لِإزالَةِ ما خَلَقَ - سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا عَلى أنَّهُما حادِثَتانِ زائِلَتانِ؛ أتْبَعَهُ ما هو أبْيَنُ مِنهُ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِأداةِ الإمْكانِ -: ﴿ولَئِنْ زالَتا﴾؛ أيْ: بِزَلْزَلَةٍ؛ أوْ خَرابٍ؛ ﴿إنَّ﴾؛ أيْ: ما ﴿أمْسَكَهُما﴾؛ وأكَّدَ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أحَدٍ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ أنَّ غَيْرَهُ - سُبْحانَهُ - لا يَقْدِرُ عَلى إمْساكِهِما في زَمَنٍ مِنَ (p-٧٢)الأزْمانِ؛ وإنْ قَلَّ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إزالَتِهِ لَهُما؛ بَلْ وإذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ اضْطَرَبَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَيْها؛ والأصْنامُ مِن جُمْلَتِهِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّ الشُّرَكاءَ مَفْعُولَةٌ؛ لا فاعِلَةٌ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ إلى التَّرْغِيبِ في الإقْبالِ عَلَيْهِ وحْدَهُ أمْيَلَ مِنهُ إلى التَّرْهِيبِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هو جَدِيرٌ بِأنْ يُزِيلَهُما لِعَظِيمِ ما يَرْتَكِبُهُ أهْلُهُما مِنَ الآثامِ؛ وشَدِيدِ الإجْرامِ؛ قالَ - جَوابًا لِذَلِكَ؛ وأكَّدَهُ؛ لِأنَّ الحُكْمَ عَمّا يَرْكَبُهُ المُبْطِلُونَ؛ عَلى عِظَمِهِ؛ وكَثْرَتِهِمْ؛ مِمّا لا تَسَعُهُ العُقُولُ -: ﴿إنَّهُ كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا؛ وأبَدًا؛ ﴿حَلِيمًا﴾؛ أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِهِ المُعاجَلَةُ بِالعُقُوبَةِ لِلْعُصاةِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَعْجِلُ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ؛ فَيَنْتَهِزُ الفُرَصَ؛ ورَغَّبَ في الإقْلاعِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهُ ما عِنْدَ حُلَماءِ البَشَرِ مِنَ الضِّيقِ الحامِلِ لَهم عَلى أنَّهم إذا غَضِبُوا بَعْدَ طُولِ الأناةِ لا يَغْفِرُونَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿غَفُورًا﴾؛ أيْ: مَحّاءً لِذُنُوبِ مَن رَجَعَ إلَيْهِ؛ وأقْبَلَ بِالِاعْتِرافِ عَلَيْهِ؛ فَلا يُعاقِبُهُ؛ ولا يُعاتِبُهُ.
فاطر 35:42
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقالُوا: إنّا لا نَدَّعِي أنَّهم خَلَقُوا شَيْئًا مِنَ (p-٧٣)السَّماواتِ؛ ولا مِنَ الأرْضِ؛ ونَحْنُ مُقِرُّونَ بِأنَّهُ لا يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ إلّا اللَّهُ؛ وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى؛ كَما كانَ يَفْعَلُ آباؤُنا؛ ولَوْلا أنَّ لَهم عَلى ذَلِكَ دَلِيلًا ما فَعَلُوهُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُبَيِّنًا ضَلالَهم في تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ بَعْدَ ما ظَهَرَ مِن ضَلالِهِمْ في إشْراكِهِمْ بِالمُرْسِلِ؛ وهو يُمْهِلُهُمْ؛ ويَرْزُقُهُمْ؛ دَلِيلًا عَلى حِلْمِهِ مَعَ عِلْمِهِ -: ﴿وأقْسَمُوا﴾؛ أيْ: كُفّارُ مَكَّةَ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ؛ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ ما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مِنَ الأيْمانِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: لَمّا بَلَغَهم - يَعْنِي كُفّارَ مَكَّةَ - أنَّ أهْلَ الكِتابِ كَذَّبُوا رُسُلَهُمْ؛ قالُوا: لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ والنَّصارى؛ أتَتْهم رُسُلُهم فَكَذَّبُوهُمْ؛ لَوْ أتانا رَسُولٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى دِينًا مِنهم.
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ قَسَمِهِمْ؛ حَكى مَعْنى ما أقْسَمُوا عَلَيْهِ؛ دُونَ لَفْظِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ﴾؛وعَبَّرَ بِالسَّبَبِ الأعْظَمِ لِلرِّسالَةِ؛ فَقالَ: ﴿نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ ﴿لَيَكُونُنَّ﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿أهْدى﴾؛ أيْ: أعْظَمَ في الهُدى؛ ﴿مِن إحْدى﴾؛ أيْ: واحِدَةٍ مِن ﴿الأُمَمِ﴾؛ أيْ: السّالِفَةِ؛ أوْ مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في الأُمَمِ الَّتِي جاءَتْها النُّذُرُ أهْدى مِنها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: كَما قالُوا: هو أحَدُ الأحَدَيْنِ؛ وهي إحْدى الأُحَدِ؛ يُرِيدُونَ التَّفْضِيلَ (p-٧٤)فِي الدَّهاءِ؛ والعَقْلِ؛ لِأنَّهم أحَدُّ أذْهانًا؛ وأقْوَمُ لِسانًا؛ وأعْظَمُ عُقُولًا؛ وألْزَمُ لِما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ؛ وأطْلَبُ لِما يَشْهَدُ بِالفَضْلِ؛ وأكَّدُوا بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ النّاظِرَ لِتَكْذِيبِ أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ يُكَذِّبُهم في دَعْوى التَّصْدِيقِ؛ قِياسًا أُخْرَوِيًّا؛ ودَلَّ عَلى إسْراعِهِمْ في الكَذِبِ بِالفاءِ؛ فَقالَ: ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: عَلى ما شَرَطُوا؛ وزِيادَةً؛ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ الَّذِي كانُوا يَشْهَدُونَ أنَّهُ خَيَّرَهم مَعَ كَوْنِهِ خَيْرَهم نَفْسًا؛ وأشْرَفَهم نَسَبًا؛ وأكْرَمَهم في كُلِّ خُلُقٍ؛ أُمًّا وأبًا؛ وأمْتَنُهم في كُلِّ مَأْثُرَةٍ سَبَبًا؛ ﴿ما زادَهُمْ﴾؛ أيْ: مَجِيئُهُ شَيْئًا مِمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ؛ ﴿إلا نُفُورًا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ كانَ سَبَبًا في زِيادَتِهِمْ في الكُفْرِ؛ كالإبِلِ الَّتِي كانَتْ نَفَرَتْ مِن رَبِّها؛ فَضَلَّتْ عَنِ الطَّرِيقِ؛ فَدَعاها؛ فازْدادَتْ بِسَبَبِ دُعائِهِ نَفْرَةً؛ فَأعْرَقَتْ في الضَّلالِ؛ فَصارَتْ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ؛ أوْ يَتَعَسَّرُ رَدُّها؛ فَتَبَيَّنَ أنَّهُ لا عَهْدَ لَهُمْ؛ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْفى النّاسِ؛ ولا صِدْقَ عِنْدَهُمْ؛ مَعَ جَزْمِهِمْ بِأنَّهم أصْدَقُ الخَلْقِ؛
فاطر 35:43
ولَمّا كانُوا قَدْ جُبِلُوا عَلى الضَّلالِ؛ وكانَ النُّفُورُ قَدْ يَكُونُ لِأمْرٍ مَحْمُودٍ؛ أوْ مُباحٍ؛ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتِكْبارًا﴾؛ أيْ: طَلَبًا لِإيجادِ الكِبْرِ لِأنْفُسِهِمْ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي مِن شَأْنِها السُّفُولُ؛ (p-٧٥)والتَّواضُعُ؛ والخُمُولُ؛ ﴿ومَكْرَ السَّيِّئِ﴾؛ أيْ: ولِأجْلِ مَكْرِهِمُ المَكْرَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَسُوءَ صاحِبَهُ؛ وغَيْرَهُ؛ وهو إرادَتُهم لِإيهانِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ؛ وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ”ومَكْرًا سَيِّئًا“؛ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى صِفَتِهِ؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ بِإسْكانِ الهَمْزَةِ؛ بِنِيَّةِ الوَقْفِ؛ إشارَةٌ إلى تَدْقِيقِهِمُ المَكْرَ؛ وإتْقانِهِ؛ وإخْفائِهِ جُهْدَهُمْ؛ ﴿ولا﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لا ﴿يَحِيقُ﴾؛ أيْ: يُحِيطُ إحاطَةً لازِمَةً ضارَّةً؛ ﴿المَكْرُ السَّيِّئُ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو عَرِيقٌ في السُّوءِ؛ ﴿إلا بِأهْلِهِ﴾؛ وإنْ آذى غَيْرَ أهْلِهِ؛ لَكِنَّهُ لا يُحِيطُ بِذَلِكَ الغَيْرِ؛ وعَنِ الزَّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”لا تَمْكُرُوا؛ ولا تُعِينُوا ماكِرًا؛ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ هَذِهِ الآيَةَ؛ ولا تَبْغُوا؛ ولا تُعِينُوا باغِيًا؛ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]؛ ولا تَنْكُثُوا؛ ولا تُعِينُوا ناكِثًا؛ قالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠]“».
ولَمّا كانَ هَذا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي لا تَبْدِيلَ لَها؛ قالَ - مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ -: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: يَنْتَظِرُونَ؛ ولَعَلَّهُ جَرَّدَ الفِعْلَ إشارَةً إلى سُرْعَةِ الِانْتِقامِ مِنَ الماكِرِ المُتَكَبِّرِ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ النَّظَرِ بِالعَيْنِ؛ لِأنَّهُ شِبْهُ العِلْمِ بِالِانْتِقامِ مِنَ الأوَّلِينَ؛ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ عادَتَهُ مُسْتَمِرَّةٌ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ مِنها؛ لِعَظِيمِ تَحَقُّقِهِ؛ وشِدَّةِ اسْتِيقانِهِ؛ وقُوَّةِ اسْتِحْضارِهِ بِشَيْءٍ مَحْسُوسٍ حاضِرٍ؛ لا يُنْظَرُ شَيْءٌ غَيْرُهُ في ماضٍ ولا آتٍ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمٌ؛ ولَمّا جُعِلَ اسْتِقْبالُهم لِذَلِكَ انْتِظارًا مِنهم لَهُ؛ وكانَ الِاسْتِفْهامُ (p-٧٦)إنْكارِيًّا؛ فَكانَ بِمَعْنى النَّفْيِ؛ قالَ: ﴿إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾؛ أيْ: طَرِيقَتَهم في سُرْعَةِ أخْذِ اللَّهِ لَهُمْ؛ وإنْزالِ العَذابِ بِهِمْ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّظَرُ يَحْتاجُ إلى صَفاءٍ في اللُّبِّ؛ وذَكاءٍ في النَّفْسِ؛ عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِهِمْ إلى خِطابِ أعْلى الخَلْقِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذا مَقامٌ لا يَذُوقُهُ حَقَّ ذَوْقِهِ غَيْرُهُ؛ فَسَبَّبَ عَنْ حَصْرِ النَّظَرِ؛ أوْ الِانْتِظارِ في ذَلِكَ؛ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ اعْتِقادِ الكَفَرَةِ الجازِمِ بِأنَّهم لا يَتَغَيَّرُونَ عَنْ حالِهِمْ؛ وأنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ -: ﴿فَلَنْ تَجِدَ﴾؛ أيْ: أصْلًا؛ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّتِي شَرَعَها؛ وحَكَمَ بِها؛ وهي إهْلاكُ العاصِينَ؛ وإنْجاءُ الطّائِعِينَ؛ ﴿تَبْدِيلا﴾؛ أيْ: مِن أحَدٍ يَأْتِي بِسُنَّةٍ أُخْرى غَيْرِها تَكُونُ بَدَلًا لَها؛ لِأنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ؛ ﴿ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ ﴿تَحْوِيلا﴾؛ أيْ: مِن حالَةٍ إلى أخْفى مِنها؛ لِأنَّهُ لا مَرَدَّ لِقَضائِهِ؛ لِأنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ؛ وفي الآيَةِ أنَّ أكْثَرَ حَدِيثِ النَّفْسِ الكَذِبُ؛ فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَظُنَّ بِنَفْسِهِ خَيْرًا؛ ولا أنْ يَقْضِيَ عَلى غائِبٍ إلّا أنْ يُعَلِّقَهُ بِالمَشِيئَةِ؛ تَبَرُّؤًا مِنَ الحَوْلِ؛ والقُوَّةِ؛ لَعَلَّ اللَّهَ يُسَلِّمُهُ في عاقِبَتِهِ.
فاطر 35:44
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ حالَهم مُوجِبٌ؛ ولا بُدَّ لِلْإيقاعِ بِهِمْ؛ لِما ثَبَتَ مِن أيّامِ اللَّهِ؛ وأنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَمْ يَسْمَعُوا أخْبارَ الأوَّلِينَ المُرَّةَ؛ وأحْوالَهُمُ المُسْتَمِرَّةَ؛ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا في أنَّ مَن كَذَّبَ (p-٧٧)رَسُولًا أُخِذَ“؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلَيْهِ؛ اسْتِشْهادًا عَلى الخَبَرِ عَنْ سُنَّتِهِ في الأوَّلِينَ بِما يُذَكِّرُ مِن آثارِهِمْ -: ﴿أوَلَمْ يَسِيرُوا﴾؛ أيْ: فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي ضَرَبُوا في المَتاجِرِ بِالسَّيْرِ إلَيْها؛ في الشّامِ؛ واليَمَنِ؛ والعِراقِ؛ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ لَهم عَنْ ذَلِكَ السَّيْرِ أنَّهُ يَتَجَدَّدُ لَهم نَظَرٌ؛ واعْتِبارٌ؛ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ فَإنَّ العاقِلَ مَن إذا رَأى شَيْئًا تَفَكَّرَ فِيهِ حَتّى يُعْرَفَ ما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ حالِهِ؛ إنْ خَفِيَ عَنْهُ ما جَرى مِن مَقالِهِ؛ وأشارَ بِسَوْقِهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ إلى أنَّهُ لِعِظَمِهِ خَرَجَ عَنْ أمْثالِهِ؛ فاسْتَحَقَّ السُّؤالَ عَنْ حالِهِ؛ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾؛ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ عَواقِبُ الدَّمارِ في بَعْضِ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ؛ أثْبَتَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ أخْذُهُمْ؛ لِيَعْلَمُوا أنَّهم ما أُخِذُوا إلّا بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ؛ فَيَخافُوا أنْ يَفْعَلُوا مِثْلَ أفْعالِهِمْ؛ فَيَكُونَ حالُهم كَحالِهِمْ؛ وهَذا مَعْنى ”يـس“: ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]؛ سَواءً؛ كَما يَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) بَيانُهُ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِاتِّصافِهِمْ بِقُوَّتَيِ الظّاهِرِ؛ مِنَ الِاسْتِكْبارِ؛ والباطِنِ؛ مِنَ المَكْرِ الضّارِّ؛ مَكَّنَ قُوَّةَ الَّذِينَ خَوَّفَهم بِمِثْلِ مَآلِهِمْ؛ بِوَصْفِهِمْ بِالأشَدِّيَّةِ؛ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ؛ فَقالَ: ﴿وكانُوا﴾؛ أيْ: أهْلَكْناهم لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنا؛ والحالُ أنَّهم كانُوا ﴿أشَدَّ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِن هَؤُلاءِ؛ ﴿قُوَّةً﴾؛ في قُوَّتَيْ الِاسْتِكْبارِ؛ والمَكْرِ؛ الجارِّ بَعْدَ العارِ إلى النّارِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أعْجَزَ اللَّهَ أمْرُ أُمَّةٍ مِنهُمْ؛ ولا أمْرُ أحَدٍ مِن أُمَّةٍ؛ حِينَ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ؛ وما خابَ لَهُ ولِيٌّ؛ ولا رَبِحَ لَهُ عَدُوٌّ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى (p-٧٨)تَكْذِيبِ الكَفَرَةِ في قَطْعِهِمْ بِأنَّ دِينَهم لا يَتَغَيَّرُ؛ وأنَّهم لا يُغْلَبُونَ أبَدًا؛ لِما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ؛ والمُكْنَةِ؛ وما لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ القِلَّةِ؛ والضَّعْفِ -: ﴿وما كانَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَ الِاسْتِغْراقَ في النَّفْيِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُعْجِزَهُ﴾؛ أيْ: مُرِيدًا لِأنْ يُعْجِزَهُ؛ ولَمّا انْتَفَتْ إرادَةُ العَجْزِ فِيهِ انْتَفى العَجْزُ بِطَرِيقِ الأوْلى؛ وأبْلَغَ في التَّأْكِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: قَلَّ؛ أوْ جَلَّ؛ وعَمَّ بِما يَصِلُ إلَيْهِ إدْراكُنا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾؛ أيْ: جِهَةِ العُلُوِّ؛ وأكَّدَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: جِهَةِ السُّفْلِ؛ ولَمّا كانَ مَنشَأُ العَجْزِ الجَهْلَ؛ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِما ذُكِرَ في أوَّلِ الآيَةِ -: ﴿إنَّهُ كانَ﴾؛ أيْ: أزَلًا وأبَدًا؛ ﴿عَلِيمًا﴾؛ أيْ: شامِلَ العِلْمِ؛ ﴿قَدِيرًا﴾؛ أيْ: كامِلَ القُدْرَةِ؛ فَلا يُرِيدُ شَيْئًا إلّا كانَ.
فاطر 35:45
ولَمّا كانُوا يَسْتَعْجِلُونَ بِالتَّوَعُّدِ؛ اسْتِهْزاءً؛ فَيَقُولُونَ: ما لَهُ لا يُهْلِكُنا؛ عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”لَوْ عامَلَكُمُ اللَّهُ مُعامَلَةَ المُؤاخِذِ؛ لَعَجَّلَ إهْلاكَكُمْ“؛ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - إظْهارًا لِلْحُكْمِ مَعَ العِلْمِ -: ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ العُلُوِّ؛ ﴿النّاسَ﴾؛ أيْ: مَن فِيهِ نَوَسٌ؛ أيْ: حَرَكَةٌ واضْطِرابٌ؛ مِنَ المُكَلَّفِينَ عامَّةً.
ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِأفْعالِ الجَوارِحِ؛ لِأنَّ المَكْرَ والكِبْرَ إنَّما تُكْرَهُ آثارُهُما؛ لا الِاتِّصافُ بِهِما؛ بِخِلافِ الَّذِي هو سِياقُ ”النَّحْلِ“؛ فَإنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الِاتِّصافِ؛ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ بِهِ أثَرٌ مِن آثارِ الجَوارِحِ؛ عَبَّرَ هُنا بِالكَسْبِ؛ (p-٧٩)وفَكَّ المَصْدَرَ لِيَخُصَّ ما وُجِدَ مِنهُ بِالفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: مِن جَمِيعِ أعْمالِهِمْ؛ سَواءٌ كانَ حَرامًا؛ أوْ لا؛ ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ﴿مِن دابَّةٍ﴾؛ أيْ: بَلْ كانَ يُهْلِكُ الكُلَّ؛ أمّا المُكَلَّفُونَ فَلِأنَّهُ لَيْسَ في أعْمالِهِمْ شَيْءٌ يَقْدُرُهُ - سُبْحانَهُ - حَقَّ قَدْرِهِ؛ لِما لَهم مِنَ النَّقْصِ؛ ولِما لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ العُلُوِّ؛ والِارْتِقاءِ؛ والكَمالِ؛ وأمّا غَيْرُهم فَإنَّما خُلِقُوا لَهُمْ؛ والمَعاصِي تُزِيلُ النِّعَمَ؛ وتُحِلُّ النِّقَمَ؛ وذَلِكَ كَما فَعَلَ في زَمانِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لَمْ يَنْجُ مِمَّنْ كانَ عَلى الأرْضِ غَيْرُ مَن كانَ في السَّفِينَةِ؛ ﴿ولَكِنْ﴾؛ لَمْ يُعامِلْهم مُعامَلَةَ المُؤاخِذِ المُناقِشِ؛ بَلْ يَحْلُمُ عَنْهُمْ؛ فَهو ﴿يُؤَخِّرُهُمْ﴾؛ أيْ: في الحَياةِ الدُّنْيا؛ ثُمَّ في البَرْزَخِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أيْ: سَمّاهُ في الأزَلِ؛ لِانْقِضاءِ أعْمارِهِمْ؛ ثُمَّ لِبَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ؛ وهو لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ لِما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي هي أغْرَبُ الغَرِيبِ عِنْدَكُمْ؛ لِكَوْنِكم لا تُدْرِكُونَها حَقَّ الإدْراكِ؛ ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾؛ أيْ: الفَنائِيُّ الإعْدامِيُّ؛ قَبَضَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم عِنْدَ أجَلِهِ؛ أوِ الإيجابِيُّ الإبْقائِيُّ؛ بَعَثَ كُلًّا مِنهُمْ؛ فَجازاهُ بِعَمَلِهِ مِن غَيْرِ وهْمٍ؛ ولا عَجْزٍ.
ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ ما يُفْمِهُهُ ذَلِكَ مِنَ البَعْثِ؛ أكَّدَ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ المُوجِدَ بِتَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ (p-٨٠)الِاخْتِيارِ؛ ﴿كانَ﴾؛ ولَمْ يَزَلْ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْكَسْبِ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الظُّلْمِ؛ قالَ: ﴿بِعِبادِهِ﴾؛ الَّذِينَ أوَجَدَهُمْ؛ ولا شَرِيكَ لَهُ في إيجادِ أحَدٍ مِنهُمْ؛ بِجَمِيعِ ذَواتِهِمْ؛ وأحْوالِهِمْ؛ ﴿بَصِيرًا﴾؛ أيْ: بالِغَ البَصَرِ؛ والعِلْمِ؛ بِمَن يَسْتَحِقُّ العَذابَ مِنهم بِالكَسْبِ؛ ومَن يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ؛ فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها؛ كَما تَرى؛ عَلى أوَّلِها؛ بِاسْتِجْماعِ صِفاتِ الكَمالِ وتَمامِ القُدْرَةِ عَلى كُلٍّ مِنَ الإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ لِلْحَيَوانِ؛ والجَمادِ؛ مَهْما أرادَ؛ بِالِاخْتِيارِ؛ لِما شُوهِدَ لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ الآثارِ؛ كَما وقَعَ الإرْشادُ إلَيْهِ بِالأمْرِ بِالسَّيْرِ؛ وبِغَيْرِهِ؛ وبِما خُتِمَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن صِفَةِ العِلْمِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغِ مِن ذِكْرِهِ بِلَفْظِهِ؛ لِما مَضى في سُورَةِ ”طـه“؛ مِن أنَّ إحاطَةَ العِلْمِ تَسْتَلْزِمُ شُمُولَ القُدْرَةِ؛ ولا تَكُونُ القُدْرَةُ شامِلَةً إلّا إذا كانَتْ عَنِ اخْتِيارٍ؛ فَثَبَتَ حِينَئِذٍ اسْتِحْقاقُهُ (تَعالى) لِجَمِيعِ المَحامِدِ؛ فَكانَتْ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - الرِّسالاتُ الهائِلَةُ الجامِعَةُ لِلْعِزَّةِ؛ والحِكْمَةِ؛ بِالمَلائِكَةِ المُجَرَّدِينَ عَنِ الشَّهَواتِ؛ وكُلِّ حَظٍّ؛ إلى مَن ناسَبَهم مِنَ البَشَرِ؛ بِما غَلَبَ مِن جَيْشِ عَقْلِهِ عَلى عَساكِرِ شَهَواتِهِ ونَفْسِهِ؛ حَتّى صارَ عَقْلًا مُجَرَّدًا صافِيًا؛ حاكِمًا عَلى الشَّهَواتِ والحُظُوظِ؛ قاهِرًا؛ كافِيًا.