Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — ص 38:1 – الزمر 39:75

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. ص 38:1
  2. ص 38:2
  3. ص 38:3
  4. ص 38:4
  5. ص 38:5
  6. ص 38:6
  7. ص 38:7
  8. ص 38:8
  9. ص 38:9
  10. ص 38:10
  11. ص 38:11
  12. ص 38:12
  13. ص 38:13
  14. ص 38:14
  15. ص 38:15
  16. ص 38:16
  17. ص 38:17
  18. ص 38:18
  19. ص 38:19
  20. ص 38:20
  21. ص 38:21
  22. ص 38:22
  23. ص 38:23
  24. ص 38:24
  25. ص 38:25
  26. ص 38:26
  27. ص 38:27
  28. ص 38:28
  29. ص 38:29
  30. ص 38:30
  31. ص 38:31
  32. ص 38:32
  33. ص 38:33
  34. ص 38:34
  35. ص 38:35
  36. ص 38:36
  37. ص 38:37
  38. ص 38:38
  39. ص 38:39
  40. ص 38:40
  41. ص 38:41
  42. ص 38:42
  43. ص 38:43
  44. ص 38:44
  45. ص 38:45
  46. ص 38:46
  47. ص 38:47
  48. ص 38:48
  49. ص 38:49
  50. ص 38:50
  51. ص 38:51
  52. ص 38:52
  53. ص 38:53
  54. ص 38:54
  55. ص 38:55
  56. ص 38:56
  57. ص 38:57
  58. ص 38:58
  59. ص 38:59
  60. ص 38:60
  61. ص 38:61
  62. ص 38:62
  63. ص 38:63
  64. ص 38:64
  65. ص 38:65
  66. ص 38:66
  67. ص 38:67
  68. ص 38:68
  69. ص 38:69
  70. ص 38:70
  71. ص 38:71
  72. ص 38:72
  73. ص 38:73
  74. ص 38:74
  75. ص 38:75
  76. ص 38:76
  77. ص 38:77
  78. ص 38:78
  79. ص 38:79
  80. ص 38:80
  81. ص 38:81
  82. ص 38:82
  83. ص 38:83
  84. ص 38:84
  85. ص 38:85
  86. ص 38:86
  87. ص 38:87
  88. ص 38:88
  89. الزمر 39:1
  90. الزمر 39:2
  91. الزمر 39:3
  92. الزمر 39:4
  93. الزمر 39:5
  94. الزمر 39:6
  95. الزمر 39:7
  96. الزمر 39:8
  97. الزمر 39:9
  98. الزمر 39:10
  99. الزمر 39:11
  100. الزمر 39:12
  101. الزمر 39:13
  102. الزمر 39:14
  103. الزمر 39:15
  104. الزمر 39:16
  105. الزمر 39:17
  106. الزمر 39:18
  107. الزمر 39:19
  108. الزمر 39:20
  109. الزمر 39:21
  110. الزمر 39:22
  111. الزمر 39:23
  112. الزمر 39:24
  113. الزمر 39:25
  114. الزمر 39:26
  115. الزمر 39:27
  116. الزمر 39:28
  117. الزمر 39:29
  118. الزمر 39:30
  119. الزمر 39:31
  120. الزمر 39:32
  121. الزمر 39:33
  122. الزمر 39:34
  123. الزمر 39:35
  124. الزمر 39:36
  125. الزمر 39:37
  126. الزمر 39:38
  127. الزمر 39:39
  128. الزمر 39:40
  129. الزمر 39:41
  130. الزمر 39:42
  131. الزمر 39:43
  132. الزمر 39:44
  133. الزمر 39:45
  134. الزمر 39:46
  135. الزمر 39:47
  136. الزمر 39:48
  137. الزمر 39:49
  138. الزمر 39:50
  139. الزمر 39:51
  140. الزمر 39:52
  141. الزمر 39:53
  142. الزمر 39:54
  143. الزمر 39:55
  144. الزمر 39:56
  145. الزمر 39:57
  146. الزمر 39:58
  147. الزمر 39:59
  148. الزمر 39:60
  149. الزمر 39:61
  150. الزمر 39:62
  151. الزمر 39:63
  152. الزمر 39:64
  153. الزمر 39:65
  154. الزمر 39:66
  155. الزمر 39:67
  156. الزمر 39:68
  157. الزمر 39:69
  158. الزمر 39:70
  159. الزمر 39:71
  160. الزمر 39:72
  161. الزمر 39:73
  162. الزمر 39:74
  163. الزمر 39:75

ص 38:1

(p-٣٢١)سُورَةُ ”ص“ المَقْصُودُ مِنها بَيانُ ما ذُكِرَ في آخِرِ ”الصّافّاتِ“؛ مِن أنَّ جُنْدَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ - وإنْ رُئِيَ أنَّهم ضُعَفاءُ؛ وإنْ تَأخَّرَ نَصْرُهم - غَلَبَةً آخِرُها سَلامَةٌ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - واحِدٌ لِكَوْنِهِ مُحِيطًا بِصِفاتِ الكَمالِ؛ كَما أفْهَمَهُ آخِرُ ”الصّافّاتِ“؛ مِنَ التَّنْزِيهِ؛ والحَمْدِ؛ وما مَعَهُما؛ وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها بِحَرْفِ ”ص“؛ لِأنَّ مَخْرَجَهُ مِن طَرْفِ اللِّسانِ؛ وبَيْنَ أُصُولِ الثَّنِيَّتَيْنِ السُّفْلِيَّتَيْنِ؛ ولَهُ مِنَ الصِّفاتِ: الهَمْسُ؛ والرَّخاوَةُ؛ والإطْباقُ؛ والِاسْتِعْلاءُ؛ والصَّفِيرُ؛ فَكانَ دالًّا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَخْرَجَهُ أمْكَنُ مَخارِجِ الحُرُوفِ؛ وأوْسَعُها؛ وأخَفُّها؛ وأرْشَقُها؛ وأغْلَبُها؛ ولِأنَّ ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ أكْثَرُ مِن ضِدِّها؛ وأفْخَمُ؛ وأعْلى؛ وأضْخَمُ؛ ولِذَلِكَ ذُكِرَ مَن فِيها مِنَ الأنْبِياءِ؛ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ عَلى أيْدِيهِمْ إهْلاكٌ؛ بَلِ ابْتُلُوا؛ وعُرِفُوا؛ وسَلَّمَهُمُ اللَّهُ مِن أعْدائِهِمْ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ مِن أنَّ مَعْناهُ: اللَّهُ صادِقٌ فِيما وعَدَ؛ أوْ صَدَقَ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ أوْ صادَ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ قُلُوبَ الخَلْقِ؛ واسْتَمالَها؛ وبِهِ قَرَأ أبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ شاذَّةٍ؛ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مِن (p-٣٢٢)”الصَّيْدُ“؛ وقَرَأ الحَسَنُ وغَيْرُهُ بِكَسْرِ الصّادِ؛ عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِن ”المُصاداةُ“؛ وهي المُعارَضَةُ؛ أيْ: عارِضْ بِما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ الخَلائِقَ؛ وجادِلْهم بِهِ؛ فَإنَّكَ تَغْلِبُهُمْ؛ لِأنَّ الصِّدْقَ سَيْفُ اللَّهِ في أرْضِهِ؛ ما وضَعَهُ عَلى شَيْءٍ إلّا قَطَعَهُ؛ وقَدِ انْبَسَطَ هَذا الصِّدْقُ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ الصّادُ عَلى كُلِّ صِدْقٍ في الوُجُودِ؛ فاسْتَمالَ كُلَّ مَن فِيهِ نَوْعٌ مِنَ الصِّدْقِ؛ ولِهَذا قالَ في السُّورَةِ الَّتِي بَعْدَها: ﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] فَذِكْرُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - شاهِدٌ وُجُودِيٌّ عَلى ما هو مَعْنى الصّادِ عِنْدَ العُلَماءِ الرَّبّانِيِّينَ؛ مِن أنَّهُ مُطابَقَةُ ما بَيْنَ الخَلْقِ؛ والأمْرِ؛ وتُسَمّى ”سُورَةُ داوُدَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما قالَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وحالُهُ ﷺ أدَلُّ أحْوالِ مَن فِيها مِنَ الأنْبِياءِ عَلى هَذا المَقْصُودِ؛ لِما كانَ فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ أوَّلًا؛ والمُلْكِ آخِرًا؛ ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي يُعِزُّ مَنِ انْتَمى إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ ضَعِيفًا؛ لِأنَّهُ العَزِيزُ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى أنْ يَرْحَمَ بِالضَّرّاءِ؛ كَما يَرْحَمُ بِالسَّرّاءِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي أكْرَمَ أهْلَ وُدِّهِ؛ بِالإعانَةِ عَلى لُزُومِ شُكْرِهِ؛ وحَمْدِهِ. ولَمّا نَزَّهَ رَبُّنا - سُبْحانَهُ - نَفْسَهُ الأقْدَسَ؛ في خِتامِ تِلْكَ؛ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ (p-٣٢٣)نَقْصٍ؛ وأثْبَتَ لَهُ كُلَّ كَمالٍ؛ ناصًّا عَلى العِزَّةِ؛ وأوْجَبَ لِلْمُرْسَلِينَ السَّلامَةَ؛ افْتَتَحَ هَذِهِ بِالإشارَةِ إلى دَلِيلِ ذَلِكَ؛ بِخِذْلانِ مَن يُنازِعُ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ص﴾؛ أيْ: إنَّ أمْرَكَ - يا مَن أمَرْناهُ بِاسْتِفْتاءِ العُصاةِ آخِرَ ”الصّافّاتِ“؛ وبَشَّرْناهُ بِالنَّصْرِ - مُهَيَّأٌ مَعَ الضَّعْفِ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ الآنَ؛ والرَّخاوَةِ؛ والإطْباقِ؛ وعُلُوٍّ وانْتِشارٍ يَمْلَأُ الآفاقَ؛ ﴿والقُرْآنِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ - مَعَ البَيانِ - لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِأتْباعٍ لا يُحْصِيهِمُ العَدُّ؛ ولا يُحِيطُ بِهِمُ الحَدُّ؛ ولَمّا كانَ القَسَمُ لا يَلِيقُ؛ ولا يَحْسُنُ إلّا بِما يَعْتَقِدُ المُقْسَمُ لَهُ شَرَفَهُ؛ قالَ: ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةِ؛ والتَّذْكِيرِ بِما يُعْرَفُ؛ والعُلُوِّ؛ والشَّرَفِ؛ والصِّدْقِ؛ الَّذِي لا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ؛ فَكُلُّ مَن سَمِعَهُ اعْتَقَدَ شَرَفَهُ؛ وصَدَّقَ الآتِيَ بِهِ؛ لَيَمْلَأنَّ شَرَفُهُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ الأقْطارَ؛ ولَيَزِيدَنَّ عَلى كُلِّ مِقْدارٍ؛ كَما تَقَدَّمَتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ بِالحَرْفِ الأوَّلِ؛ والَّذِينَ كَفَرُوا - وإنْ أظْهَرُوا الشَّكَّ في ذَلِكَ؛ وانْتَقَصُوهُ قَوْلًا - فَإنَّهم لا يَنْتَقِصُونَهُ عِلْمًا؛

ص 38:2

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ بِما يُظْهِرُونَ مِن تَكْذِيبِهِ؛ ﴿فِي عِزَّةٍ﴾؛ أيْ: عُسْرٍ؛ وصُعُوبَةٍ؛ ومُغالَبَةٍ بِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ مَظْرُوفُونَ لَها؛ فَهي مُعَمِّيَةٌ لَهم عَنِ الحَقِّ؛ لِإحاطَتِها بِهِمْ؛ وأنَّثَها إشارَةً إلى ضَعْفِها؛ وبِشارَةً بِسُرْعَةِ زَوالِها وانْقِلابِها إلى ذُلٍّ؛ ﴿وشِقاقٍ﴾؛ أيْ: إعْراضٍ؛ وامْتِناعٍ؛ واسْتِكْبارٍ عَلى قَبُولِ الصِّدْقِ مِن لِسانَيِ الحالِ؛ الَّذِي أفْصَحَ بِهِ الوُجُودُ؛ والقالِ؛ الَّذِي (p-٣٢٤)صَرَّحَ بِهِ الذِّكْرُ؛ فَهَداهم إلى ما هو في فِطَرِهِمْ؛ وجِبِلّاتِهِمْ؛ بِأرْشَقِ عِبارَةٍ؛ وأوْضَحِ إشارَةٍ؛ لَوْ كانُوا يَعْقِلُونَ؛ فَأعْرَضُوا عَنْ تَدَبُّرِهِ عِنادًا مِنهُمْ؛ لا اعْتِقادًا: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] وتَنْكِيرُهُما لِلتَّعْظِيمِ؛ قالَ الرّازِيُّ: حَذَفَ الجَوابَ لِيَذْهَبَ فِيهِ القَلْبُ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ لِيَكُونَ أغْزَرَ؛ وبُحُورُهُ أزْخَرَ؛ انْتَهى. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا ذَكَرَ (تَعالى) حالَ الأُمَمِ السّالِفَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ في العُتُوِّ؛ والتَّكْذِيبِ؛ وأنَّ ذَلِكَ أعْقَبَهُمُ الأخْذَ الوَبِيلَ والطَّوِيلَ؛ كانَ هَذا مَظِنَّةً لِتَذْكِيرِ حالِ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ وبَيانِ سُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ؛ وأنَّهم قَدْ سَبَقُوا إلى ذَلِكَ الِارْتِكابِ؛ فَحَلَّ بِالمُعانِدِ سُوءُ العَذابِ؛ فَبَسَطَ حالَ هَؤُلاءِ؛ وسُوءَ مَقالِهِمْ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لا فارِقَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُكَذِّبِي الأُمَمِ السّالِفَةِ؛ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ؛ وسُوءِ الِانْقِلابِ؛ وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ وعادٌ وفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾ [ص: ١٢]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤]؛ ولَمّا أتْبَعَ - سُبْحانَهُ - هَذا بِذِكْرِ اسْتِعْجالِهِمْ؛ في قَوْلِهِ: ﴿عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾ [ص: ١٦]؛ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأمْرِ نَبِيِّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧]؛ ثُمَّ آنَسَهُ بِذِكْرِ الأنْبِياءِ؛ وحالِ المُقَرَّبِينَ الأصْفِياءِ؛ ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]؛ انْتَهى.

ص 38:3

(p-٣٢٥)ولَمّا كانَ لِلْعِلْمِ الَّذِي أرادَ اللَّهُ إظْهارَهُ في هَذا الوُجُودِ طَرِيقانِ؛ حالٌ؛ ومَقالٌ؛ فَأمّا الحالُ فَهو ما تَنْطِقُ بِهِ أحْوالُ المَوْجُوداتِ الَّتِي أبْدَعَها - سُبْحانَهُ - في هَذا الكَوْنِ مِن عُلُومٍ يُدْرِكُ مِنها مَن أرادَ اللَّهُ ما أرادَ؛ وأمّا المَقالُ فَهو هَذا الذِّكْرُ الَّذِي هو تَرْجَمَةٌ عَنْ جَمِيعِ الوُجُودِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ قَدَّمَ الذِّكْرَ؛ لِأنَّهُ أبْيَنُ وأظْهَرُ؛ وأخْبَرَ أنَّهم أعْرَضُوا عَنْهُ؛ وشاقَقُوهُ؛ وكانَ مَن شاقَقَ المَلِكَ اسْتَحَقَّ الهَلاكَ؛ وكانَ ما أبْدَوْهُ مِنَ المُغالَبَةِ أمْرًا غائِظًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أتْبَعَهُ ما يَصْلُحُ لِتَخْوِيفِ الكافِرِينَ؛ وتَرْجِيَةِ المُؤْمِنِينَ؛ مِمّا أفْصَحَ بِهِ لِسانُ الحالِ؛ مِن إهْلاكِ المُنْذَرِينَ؛ وهو أبْيَنُ ما يَكُونُ مِن دَلالاتِهِ؛ وأظْهَرُ ما يُوجَدُ مِن آياتِهِ؛ فَقالَ - اسْتِئْنافًا -: ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾؛ وكَأنَّ المُنادِينَ بِما يَذْكُرُ كانُوا بَعْضَ المُهْلَكِينَ؛ وكانُوا أقْرَبَ المُهْلَكِينَ إلَيْهِمْ في الزَّمانِ؛ فَأدْخَلَ الجارَّ لِذَلِكَ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى ابْتِداءِ الإهْلاكِ -: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ وأكَّدَ كَثْرَتَهم بِقَوْلِهِ - مُمَيِّزًا -: ﴿مِن قَرْنٍ﴾؛ أيْ: كانُوا في شِقاقٍ مِثْلِ شِقاقِهِمْ؛ لِأنَّهم كانُوا في نِهايَةِ الصَّلابَةِ؛ والحِدَّةِ؛ والمَنعَةِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”قَرْنٍ“. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ مَسِّهِمْ بِالعَذابِ ذُلُّهُمْ؛ قالَ - جامِعًا؛ عَلى مَعْنى ”قَرْنٍ“؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَظَمَةِ الإهْلاكِ -: ﴿فَنادَوْا﴾؛ أيْ: بِما كانَ يُقالُ لَهُمْ: إنَّهُ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ؛ مِنَ الإيمانِ؛ والتَّوْبَةِ؛ واسْتَعانُوا بِمَن يُنْقِذُهُمْ؛ أوْ فَعَلُوا النِّداءَ (p-٣٢٦)ذُعْرًا ودَهْشَةً؛ مِن غَيْرِ قَصْدِ مُنادًى؛ فَيَكُونُ الفِعْلُ لازِمًا؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا قاتَلُوا فاضْطُرُّوا؛ تَنادَوْا: ”مَناصٌ“؛ أيْ: عَلَيْكم بِالفِرارِ؛ فَأُجِيبُوا بِأنَّهُ لا فِرارَ لَهم. ولَمّا قَرَّرَ - سُبْحانَهُ - في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ التَّوْبَةَ لا تَنْفَعُ إلّا عِنْدَ التَّمَكُّنِ؛ والِاخْتِيارِ؛ لا عِنْدَ الغَلَبَةِ؛ والِاضْطِرابِ؛ قالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِهَذا المَعْنى في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ؛ بِزِيادَةِ التّاءِ؛ الَّتِي أصْلُها هاءٌ في ”لا“؛ أوْ في ”حِينَ“؛ كَما أكَّدُوا بِزِيادَتِها في ”رُبَّ“؛ و”ثُمَّ“؛ والهاءِ في ”أراقَ“؛ والتّاءِ في ”مِثالٌ“؛ و”الآنَ“؛ فَقالُوا: ”رُبَّتَ“؛ و”ثُمَّتَ“؛ و”أهْراقَ“؛ و”تِمْثالٌ“؛ و”تالآنَ“ -: ﴿ولاتَ﴾؛ أيْ: ولَيْسَ الحِينُ؛ ﴿حِينَ مَناصٍ﴾؛ أيْ: فِرارٍ؛ بِتَحَرُّكٍ بِتَقَدُّمٍ؛ ولا تَأخُّرٍ؛ بِحَرَكَةٍ قَوِيَّةٍ؛ ولا ضَعِيفَةٍ؛ فَضْلًا عَنْ نَجاةٍ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: و”النَّوْصُ“؛ يُعَبَّرُ بِهِ تارَةً عَنِ التَّقَدُّمِ؛ وتارَةً عَنِ التَّأخُّرِ؛ وهو كالجِماحِ؛ والنِّفارِ مِنَ الفَرَسِ؛ و”نَوْصُ حِمارِ الوَحْشِ“: رَفْعُهُ رَأْسَهُ؛ كَأنَّهُ نافِرٌ جامِحٌ.

ص 38:4

ولَمّا كانَ جَعْلُ المُنْذِرِ مِنهم لَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَجَبِ؛ فَعَدُّوهُ عَجَبًا؛ لِما ظَهَرَ (p-٣٢٧)مِن تَقْسِيمِهِمُ القَوْلَ فِيهِ؛ عَجَّبَ مِنهم في قَوْلِهِ: ﴿وعَجِبُوا أنْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ أنْ؛ ﴿جاءَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَعَجُّبُهم مِن مُطْلَقِ نِذارَتِهِ لا مُبالَغَتِهِ فِيها؛ أتى بِاسْمِ الفاعِلِ دُونَ ”فَعِيلٌ“؛ فَقالَ: ﴿مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِنَ البَشَرِ؛ ثُمَّ مِنَ العَرَبِ؛ ثُمَّ مِن قُرَيْشٍ؛ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المَلائِكَةِ مَثَلًا؛ وكانَ يَنْبَغِي لَهم ألّا يَعْجَبُوا مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَوْنَ النَّذِيرِ بِما يَحِلُّ مِنَ المَصائِبِ مِنَ القَوْمِ المُنْذَرِينَ - مَعَ كَوْنِهِ أشْرَفَ لَهم - أقْعَدَ في النِّذارَةِ؛ لِأنَّهم أعْرَفُ بِهِ؛ وبِما هو مُنْطَوٍ عَلَيْهِ مِن صِدْقٍ؛ وشَفَقَةٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهو الَّذِي جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ في القَدِيمِ؛ والحَدِيثِ؛ لِكَوْنِهِمْ إلَيْهِ أمْيَلَ؛ فَهم لِكَلامِهِ أقْبَلُ. ولَمّا كانُوا أعْرَفَ النّاسِ بِهَذا النَّذِيرِ ﷺ في أنَّهُ أصْدَقُهم لَهْجَةً؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأنَّهُ مَنفِيٌّ عَنْهُ كُلُّ نَقِيصَةٍ ووَصْمَةٍ؛ زادَ في التَّعْجِيبِ بِأنْ قالَ - مُعَبِّرًا بِالواوِ؛ دُونَ الفاءِ؛ لِأنَّ وصْفَهم لَهُ بِالسِّحْرِ لَيْسَ شَبِيهَ هَذا العَجَبِ -: ﴿وقالَ﴾؛ ولَمّا كانُوا يَسْتُرُونَ الحَقَّ مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ إيّاهُ؛ فَهم جاحِدُونَ؛ لا جاهِلُونَ؛ ومُعانِدُونَ؛ لا غافِلُونَ؛ أظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ (p-٣٢٨)إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ وإيذانًا بِشَدِيدِ غَضَبِهِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿الكافِرُونَ هَذا﴾؛ أيْ: النَّذِيرُ. ولَمّا كانَ ما يُبْدِيهِ مِنَ الخَوارِقِ إعْجازًا فِعْلًا؛ وقَوْلًا؛ يَجْذِبُ القُلُوبَ؛ وكانَ أقْرَبُ ما يَقْدَحُونَ بِهِ فِيهِ السِّحْرَ؛ قَذَفُوهُ بِهِ؛ ولَمْ يُعَبِّرُوا بِصِيغَةِ مُبالَغَةٍ؛ لِئَلّا يَكُونَ ذَلِكَ إيضاحًا جاذِبًا لِلْقُلُوبِ إلَيْهِ؛ فَقالُوا: ﴿ساحِرٌ﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بِما أتى بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ؛ فاعْتَرَفُوا - مَعَ نِسْبَتِهِمْ لَهُ إلى السِّحْرِ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ في ذَلِكَ - أنَّ ما أتى بِهِ فَوْقَ ما لَهم مِنَ القُوى؛ ﴿كَذّابٌ﴾؛ أيْ: في ادِّعائِهِ أنَّ ما سَحَرَ بِهِ حَقٌّ؛ لَيْسَ هو كَسِحْرِ السَّحَرَةِ؛ وأتَوْا بِوَقاحَةٍ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ وقَدْ كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يُسَمُّونَهُ الأمِينَ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ إلّا إتْيانُهُ بِأصْدَقِ الصِّدْقِ؛ وأحَقِّ الحَقِّ؛ مَعَ تَرَقِّيهِ في مَعارِجِ الكَمالِ مِن غَيْرِ خَفاءٍ عَلى أحَدٍ لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.

ص 38:5

ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُمُ النّاشِئَ عَنْ عَجَبِهِمْ؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ حالَهم هو الَّذِي يُعْجَبُ مِنهُ؛ لا حالُ مَن أنْذَرَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - حاكِيًا قَوْلَهُمْ؛ إنْكارًا لِمَضْمُونِ ما دَخَلَ عَلَيْهِ -: ﴿أجَعَلَ﴾؛ أيْ: صَيَّرَ بِسَبَبِ ما يَزْعُمُ أنَّهُ يُوحى إلَيْهِ؛ ﴿الآلِهَةَ﴾؛ أيْ: الَّتِي نَعْبُدُها؛ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾؛ ولَمّا كانَ الكَلامُ في الإلَهِيَّةِ الَّتِي هي أعْظَمُ أُصُولِ الدِّينِ؛ وكانَ هو ﷺ وكُلُّ مَن تَبِعَهُ؛ بَلْ وكُلُّ مُنْصِفٍ؛ يُنْكِرُونَ أنْ يَكُونَ هَذا عَجَبًا؛ (p-٣٢٩)بَلِ العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَقْبَلُ عَقْلُهُ أنْ يَكُونَ الإلَهُ أكْثَرَ مِن واحِدٍ؛ أكَّدُوا قَوْلَهم لِذَلِكَ؛ وإعْلامًا لِضُعَفائِهِمْ؛ تَثْبِيتًا لَهم بِأنَّهم عَلى غايَةِ الثِّقَةِ؛ والِاعْتِقادِ لِما يَقُولُونَ؛ لَمْ يُزَلْزِلْهم ما رَأوْا مِن مُنْذِرِهِمْ؛ مِنَ الأحْوالِ الغَرِيبَةِ؛ الدّالَّةِ - ولا بُدَّ - عَلى صِدْقِهِ؛ فَسَمَّوْها سِحْرًا؛ لِعَجْزِهِمْ عَنْها: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: القَوْلَ بِالوَحْدانِيَّةِ؛ ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾؛ أيْ: في غايَةِ العَجَبِ - بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الضَّمَّةُ؛ والصِّيغَةُ -؛ ولِذَلِكَ قُرِئَ شاذًّا بِتَشْدِيدِ الجِيمِ؛ وهي أبْلَغُ؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: فَلا هم عَرَفُوا الإلَهَ؛ ولا مَعْنى الإلَهِيَّةِ؛ فَإنَّ الإلَهِيَّةَ هي القُدْرَةُ عَلى الِاخْتِراعِ؛ وتَقْدِيرُ القادِرِينَ عَلى الِاخْتِراعِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِما يَجِبُ مِن وُجُودِ التَّمانُعِ بَيْنَهُما؛ وجَوازِهِ؛ وذَلِكَ يَمْنَعُ مِن كَمالِهِما؛ ولَوْ لَمْ يَكُونا كامِلَيِ الوَصْفِ؛ لَمْ يَكُونا إلَهَيْنِ؛ وكُلُّ أمْرٍ جَرَّ ثُبُوتُهُ سُقُوطَهُ فَهو باطِلٌ؛ مُطَّرَحٌ؛ انْتَهى؛ وسَتَأْتِي الإشارَةُ إلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزِ الوَهّابِ﴾ [ص: ٩]؛ ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [ص: ٦٥]

ص 38:6

ولَمّا كانَ العَجَبُ - فَكَيْفَ بِالعُجابِ؟! - جَدِيرًا بِأنْ يَلْزَمَ صاحِبَهُ لِيَزْدادَ النّاظِرُ عَجَبًا؛ بَيَّنَ أنَّهم فَعَلُوا خِلافَ ذَلِكَ؛ تَصْدِيقًا لِما نَسَبَهم إلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ؛ فَقالَ: ﴿وانْطَلَقَ﴾؛ ولَمّا كانَ ما فَعَلُوهُ لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ؛ فَرُبَّما ظَنَّ السّامِعُ أنَّ المُنْطَلِقَ مِنهم أسْقاطٌ مِنَ النّاسِ مِن غَيْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿المَلأُ﴾ (p-٣٣٠)أيْ: الأشْرافُ؛ وقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: لا مِن غَيْرِهِمْ؛ فَكَيْفَ بِالأسْقاطِ مِنهُمْ؟! وكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ؟! ثُمَّ حَقَّقَ الِانْطِلاقَ؛ مُضَمِّنًا لَهُ القَوْلَ؛ لِأنَّهُ مِن لَوازِمِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ امْشُوا﴾؛ أيْ: قائِلًا كُلٌّ مِنهم لِذَلِكَ؛ آمِرًا لِنَفْسِهِ؛ ولِصاحِبِهِ؛ بِالجِدِّ في المُفارَقَةِ حالًا؛ ومَقالًا؛ وإذا وُقِفَ عَلى ”أنْ“؛ ابْتُدِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ: ”امْشِيُوا“؛ فالثّالِثُ مَكْسُورٌ؛ كَما أنَّهُ لَوْ قِيلَ لِامْرَأةٍ: ”اغْزِي“؛ يُبْتَدَأُ بِالضَّمِّ؛ لِأنَّ الأصْلَ: ”اغْزُوِي“؛ كَـ ”اخْرُجِي“؛ ﴿واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾؛ أيْ: لُزُومِ عِبادَتِها؛ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى ما سِواها؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وإذا تَواصى الكُفّارُ فِيما بَيْنَهم بِالصَّبْرِ عَلى آلِهَتِهِمْ؛ فالمُؤْمِنُونَ أوْلى بِالصَّبْرِ عَلى عِبادَةِ مَعْبُودِهِمْ؛ والِاسْتِقامَةِ في دِينِهِمْ. ولَمّا كانَ كُلٌّ مِنهم قَدْ أخَذَ ما سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَلْبَهُ؛ وسَلَبَ لُبَّهُ؛ عَلى ما أشارَ إلَيْهِ ”ذِي الذِّكْرِ بَلْ“؛ فَهو خائِفٌ مِن صاحِبِهُ أنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَحالَ عَنِ اعْتِقادِ التَّعَدُّدِ بِما يَعْرِفُ مِن تَزَحْزُحِهِ في نَفْسِهِ؛ أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: الصَّبْرَ عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ؛ ﴿لَشَيْءٌ يُرادُ﴾؛ أيْ: هو أهْلٌ لِلْإرادَةِ؛ فَهو أهْلٌ لِئَلّا يُنْفَكَّ عَنْهُ؛ (p-٣٣١)أوِ الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُهُ هُوَ؛ ولا نَعْلَمُ نَحْنُ ما هُوَ؛ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الحِذْقِ؛ فَهو شَيْءٌ لا يُعْلَمُ في نَفْسِهِ.

ص 38:7

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما حالُ ما يَقُولُهُ؟ قالُوا - جَوابًا واقِفًا مَعَ التَّقْلِيدِ؛ والعادَةِ الَّتِي وجَدُوا عَلَيْها أسْلافَهم -: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي تَذْكُرُهُ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾؛ وتَقْيِيدُهم لَها يَدُلُّ عَلى أنَّهم عالِمُونَ بِهِ في المِلَّةِ الأُولى؛ وأنَّهم عارِفُونَ بِأنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن وُجِدَ مِن أوْلادِهِ الَّذِينَ هم آباؤُهُمْ؛ إلى عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ؛ كانُوا بَعِيدِينَ مِنَ الشِّرْكِ؛ مُلازِمِينَ لِلتَّوْحِيدِ؛ وأنَّهُ لا شُبْهَةَ لَهم إلّا كَوْنُهُ - سُبْحانَهُ - لَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ المُدَدِ الطِّوالِ؛ وكانُوا أيْضًا يَعْرِفُونَ البَعْثَ؛ ولَكِنَّهم تَناسَوْهُ؛ ذَكَرَ ابْنُ الفُراتِ؛ في تَأْرِيخِهِ يَوْمَ حَلِيمَةَ؛ مِن أيّامِ العَرَبِ؛ وقالَ: إنَّ حَجَرَ بْنَ عَمْرٍو؛ آكِلَ المِرارِ؛ سارَ إلى بَنِي أسَدٍ؛ فَقَتَلَهُمْ؛ وسَيَّرَهم إلى تِهامَةَ؛ فَقالَ عَبِيدُ بْنُ الأبْرَصِ - مِن أبْياتٍ -: ؎ومَنَعْتَهم نَجْدًا فَقَدْ حَلُّوا عَلى وحْلِ تِهامَةْ ؎أنْتَ المَلِيكُ عَلَيْهِمُ وهُمُ العَبِيدُ إلى القِيامَةْ ورَوى الإمامُ أحْمَدُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٣٣٢)قالَ: «”إنَّ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ؛ وعَبَدَ الأصْنامَ أبُو خُزاعَةَ؛ عَمْرُو بْنُ عامِرٍ؛ وإنِّي رَأيْتُهُ يَجُرُّ أمْعاءَهُ في النّارِ“؛» ورَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَمْرُو بْنُ لُحَيِّ بْنِ قَمِيئَةَ“؛» ورَوى البُخارِيُّ؛ في ”فَتْحِ مَكَّةَ“؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أخْرَجَ مِنَ البَيْتِ صُورَةَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - في أيْدِيهِما الأزْلامُ؛ فَقالَ: ”قاتَلَهُمُ اللَّهُ؛ لَقَدْ عَلِمُوا ما اسْتَقْسَما بِها قَطُّ“؛» فَبَطَلَ ما يُقالُ مِن أنَّ أهْلَ الفَتْرَةِ جَهِلُوا جَهْلًا أسْقَطَ عَنْهُمُ اللَّوْمَ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ رَجَلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أيْنَ أبِي؟ قالَ: ”فِي النّارِ“؛ فَلَمّا قَفّى دَعاهُ؛ فَقالَ: ”إنَّ أبِي وأباكَ في النّارِ“؛» أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في آخِرِ كِتابِ الإيمانِ؛ وقَدْ مَرَّ في ”سُبْحانَ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]؛ ما يَنْفَعُ هُنا؛ والقاطِعُ لِلنِّزاعِ في هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ [النحل: ٣٦]؛ فَما تَرَكَتْ هَذِهِ الآيَةُ أحَدًا حَتّى شَمَلَتْهُ؛ وحَكَمَتْ عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ؛ أوِ النّارِ. (p-٣٣٣)ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ﷺ وحْدَهُ جَدِيرًا بِأنْ يُزَلْزِلَهُمْ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلَيْهِ عِلْمُهم بِأنَّ أسْلافَهم - لا سِيَّما إسْماعِيلَ؛ وأبُوهُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - كانُوا عَلَيْهِ؛ أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقُولُهُ؛ ﴿إلا اخْتِلاقٌ﴾؛ أيْ: تَعَمُّدُ الكَذِبِ؛ مَعَ أنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ عَدَمِ سَماعِهِمْ فِيها؛ وبَيْنَ كَوْنِهِ اخْتِلاقًا؛ بَلْ هو قَوْلٌ يُعْرَفُ مَعانِيهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ؛ رَوى التِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ -؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ في صَحِيحِهِ؛ وأحْمَدُ؛ وإسْحاقُ؛ وأبُو يَعْلى؛ والطَّبَرِيُّ؛ وابْنُ أبِي حاتِمٍ؛ وغَيْرُهُمْ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: «مَرِضَ أبُو طالِبٍ؛ فَجاءَتْهُ قُرَيْشٌ؛ وجاءَهُ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدَ أبِي طالِبٍ مَجْلِسُ رَجُلٍ؛ فَقامَ أبُو جَهْلٍ كَيْ يَمْنَعَهُ؛ قالَ: وشَكَوْهُ إلى أبِي طالِبٍ - زادَ النِّسائِيُّ في الكَبِيرِ؛ وأبُو يَعْلى: وقالُوا: يَقَعُ في آلِهَتِنا -؛ (p-٣٣٤)فَقالَ: يا ابْنَ أخِي؛ ما تُرِيدُ مِن قَوْمِكَ؟ قالَ: ”أُرِيدُ مِنهم كَلِمَةً واحِدَةً تَدِينُ لَهم بِها العَرَبُ؛ وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ“؛ قالَ: كَلِمَةً واحِدَةً؟! قالَ: ”كَلِمَةً واحِدَةً“؛ فَقالَ: وما هِيَ؟ فَقالَ: ”يا عَمِّ؛ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“؛ فَقالُوا: ”أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ“؛ قالَ: فَنَزَلَ فِيهِمُ القُرْآنُ: ﴿ص والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١] ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿اخْتِلاقٌ﴾»؛ وفي التَّفاسِيرِ أنَّهم قالُوا: كَيْفَ يَسَعُ الخَلْقَ كُلَّهم إلَهٌ واحِدٌ.

ص 38:8

ولَمّا كانَ مُرادُهم بِهَذِهِ التَّأْكِيداتِ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهم في غايَةِ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ دُعائِهِ؛ وأبى اللَّهُ أنْ يَبْقى باطِلًا بِغَيْرِ أمارَةٍ يَقْرِنُهُ بِها تَفْضَحُهُ؛ وسُلْطانٍ يُبْطِلُهُ ويَهْتِكُهُ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ حِكايَةَ قَوْلِهِمُ الَّذِي جَعَلُوهُ دَلِيلًا عَلى حَرَمِهِمْ؛ فَكانَ دالًّا عَلى عَدَمِ صِدْقِهِمْ في هَذا الحُكْمِ الجازِمِ غايَةَ الجَزْمِ بِالِاخْتِلاقِ؛ المُنادِي عَلَيْهِمْ بِأنَّ أصْلَ دائِهِمْ؛ والحامِلَ لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ؛ إنَّما هو الحَسَدُ؛ فَقالَ - دالًّا بِتَعْبِيرِهِمْ بِالإنْزالِ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُتَوَهَّمَ فِيهِ النُّبُوَّةُ؛ بِما كانَ لَهُ قَبْلَ الوَحْيِ مِنَ التَّعَبُّدِ؛ والأحْوالِ الشَّرِيفَةِ؛ (p-٣٣٥)وقَدَّمُوا ما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِهِ عِنادًا؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن أحْوالِهِ المُقْتَضِيَةِ لِلْخُصُوصِيَّةِ؛ بِخِلافِ ما يُذْكَرُ في ”القَمَرِ“؛ وعَبَّرُوا بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إشارَةً إلى أنَّ مِثْلَ هَذا الَّذِي يَذْكُرُهُ لا يَقُولُهُ إلّا مَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ؛ فَقالُوا -: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الذِّكْرُ﴾؛ أيْ: الَّذِي خالَفَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ وصارَ يُذْكَرُ بِهِ؛ وزادُوا ما دَلُّوا بِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ تَصْرِيحًا؛ فَقالُوا: ﴿مِن بَيْنِنا﴾؛ ونَحْنُ أكْبَرُ سِنًّا؛ وأكْثَرُ شَيْئًا؛ وهَذا كُلُّهُ - كَما تَرى - مَعَ مُناداتِهِ عَلَيْهِمْ بِالحَسَدِ العَظِيمِ؛ يُنادِي عَلَيْهِمْ غايَةَ المُناداةِ بِالفَضِيحَةِ؛ لِأنَّهُ إنْ كانَ المَدارُ عَلى رِعايَةِ حَقِّ الآباءِ؛ حَتّى لا يَسُوغَ لِأحَدٍ تَغْيِيرُ دِينِهِمْ؛ والطَّعْنُ عَلَيْهِمْ بِدِينٍ مُحْدَثٍ؛ وإنْ قامَتْ عَلَيْهِ الأدِلَّةُ؛ وتَعاضَدَتْ عَلى حَقِّيَّتِهِ البَراهِينُ؛ فَما لِآبائِهِمْ غَيَّرُوا دِينَ آبائِهِمْ لِأجْلِ ما أحْدَثَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ - شَخْصٌ لَيْسَ مِن قَبِيلَتِهِمْ -؛ وشَهِدُوا عَلى آبائِهِمْ بِالضَّلالِ؛ وهم عالِمُونَ بِأنَّ ما غَيَّرُوهُ دِينُ إسْماعِيلَ؛ ومِن قَبْلِهِ إبْراهِيمَ؛ ومَن تَبِعَهُما مِن صالِحِي أوْلادِهِما - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنْ كانَ المَدارُ عَلى المُحْدِثِ؛ حَتّى ساغَ تَغْيِيرُ دِينِ الأنْبِياءِ ومَن تَبِعَهم بِإحْسانِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِما أحْدَثَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ فَما لَهم لا يُغَيِّرُونَ ما ابْتَدَعَ مِنَ الضَّلالِ؛ بِما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وسَمَّوْهُ ”مُحْدَثًا“؛ وإنْ كانَ المَدارُ عَلى الحَقِّ؛ فَما لَهم لا يَنْظُرُونَ الأدِلَّةَ؛ ويَتْبَعُونَ الحُجَجَ. ولَمّا كانَ هَذا دالًّا عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى ثِقَةٍ مِمّا جَزَمُوا بِهِ؛ قالَ: (p-٣٣٦)﴿بَلْ﴾؛ أيْ: إنَّهم لَيْسُوا جازِمِينَ بِما قالُوا؛ وإنْ أكَّدُوهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ؛ بَلْ ﴿هم في شَكٍّ﴾؛ أيْ: تَرَدُّدٍ؛ مُحِيطٍ بِهِمْ؛ مُبْتَدِئٍ لَهُمْ؛ ﴿مِن ذِكْرِي﴾؛ أيْ: فَلِهَذا لا يَثْبُتُونَ فِيهِ عَلى قَوْلٍ واحِدٍ؛ أيْ: إنَّ أحْوالَهم في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ أحْوالَ الشّاكِّ؛ وعَدَلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى الإفْرادِ؛ لِأنَّ هَذا السِّياقَ لِلتَّوْحِيدِ؛ فالإفْرادُ أوْلى بِهِ؛ ولِيَكُونَ نَصًّا عَلى المُرادِ بَعْدَ ذِكْرِ آلِهَتِهِمْ قَطْعًا لِشُبَهِ مُتَعَنِّتِيهِمْ. ولَمّا كانُوا في الحَقِيقَةِ عَلى ثِقَةٍ مِن حَقِيقَتِهِ - وإنْ كانَ قَوْلُهُمْ؛ وفِعْلُهُمْ؛ قَوْلَ الشّاكِّ -؛ قالَ: ﴿بَلْ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا في شَكٍّ مِنهُ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وإنْ كانَ قَوْلُهم قَوْلَ مَن هو في شَكٍّ؛ ولَمّا كانُوا قَدْ جَرَتْ لَهم مَصائِبُ ومِحَنٌ؛ وشَدائِدُ وفِتَنٌ؛ رُبَّما ظَنُّوا أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ فَوْقَها؛ نَفى أنْ يَكُونُوا ذاقُوا شَيْئًا مِن عَذابِهِ الَّذِي يُرْسِلُهُ عِنْدَ إرادَةِ الِانْتِقامِ؛ فَعَبَّرَ بِما يُفِيدُ اسْتِغْراقَ النَّفْيِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ الماضِي؛ فَقالَ: ﴿لَمّا يَذُوقُوا﴾؛ مِن أوَّلِ أمْرِهِمْ إلى الآنَ؛ ﴿عَذابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أعْدَدْتُهُ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ فَهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ ولَوْ ذاقُوهُ لانْحَلَّتْ عُرى عَزائِمِهِمْ؛ وصارُوا أذَلَّ شَيْءٍ؛ وأحْقَرَهُ؛ وأدْناهُ؛ وأصْغَرَهُ؛ وإطْباقُ (p-٣٣٧)أهْلِ الرَّسْمِ؛ وأكْثَرِ القُرّاءِ؛ عَلى حَذْفِ يائِهِ رَسْمًا؛ وقِراءَةً؛ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العَذابُ الأدْنى؛ المُذْهِبُ لَحْمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ وإثْباتُ يَعْقُوبَ وحْدَهُ لَها في الحالَيْنِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّهُ العَذابُ المُعَدُّ لِإهْلاكِ الأُمَمِ الطّاغِيَةِ؛ لا مُطْلَقُ العَذابِ.

ص 38:9

ولَمّا أرْشَدَ إنْكارُهم خُصُوصِيَّتَهُ بِالذِّكْرِ - بِنَفْيِ شَكِّهِمُ اللّازِمِ مِنهُ إثْباتُ أنَّهم عَلى عِلْمٍ بِأنَّهُ مُرْسَلٌ؛ وأنَّهُ أحَقُّهم بِالرِّسالَةِ - إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفِيهِمْ غَيْرُهُ مَن هو أهْلٌ لِتَلَقِّي هَذا الذِّكْرِ؛ حَتّى يُنْزِلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ ويَتْرُكَ هَذا البَشِيرَ النَّذِيرَ ﷺ؛ عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ عِنْدَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ ﴿خَزائِنُ رَحْمَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ إنْزالُ الوَحْيِ إحْسانًا إلى المُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ عَدَلَ عَنْ إفْرادِ الضَّمِيرِ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ المُفِيدَةِ لِلتَّرْبِيَةِ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لَهُ ﷺ لِأنَّهُ أضْخَمُ لِشَأْنِهِ؛ وأفْخَمُ لِمِقْدارِهِ ومَكانِهِ -: ﴿رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ؛ لِيَخُصُّوا بِهِ مَن شاؤُوا؛ ويَمْنَعُوا مَن شاؤُوا: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ولَمّا كانَ لا يَصْلُحُ لِلرُّبُوبِيَّةِ إلّا الغالِبُ لِكُلِّ ما سِواهُ؛ المُفِيضُ عَلى مَن يَشاءُ ما يَشاءُ؛ قالَ: ﴿العَزِيزِ الوَهّابِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ويُفِيضُ عَلى جِهَةِ التَّفَضُّلِ ما يَشاءُ عَلى مَن يُرِيدُ؛ ولَهُ صِفَةُ الإفاضَةِ؛ (p-٣٣٨)مُتَكَرِّرَةَ الآثارِ عَلى الدَّوامِ؛ فَلا مُعْطِيَ لِما مَنَعَ؛ ولا مانِعَ لِما أعْطى.

ص 38:10

ولَمّا سَلَبَ عَنْهُمُ التَّصَرُّفَ في الخَزائِنِ؛ أتْبَعَهُ نَفْيَ المُلْكِ عَمّا شاهَدُوا مِنها؛ وهو جُزْءٌ يَسِيرٌ جِدًّا؛ فَقالَ: ﴿أمْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ ولَمّا كانَ الحُكْمُ عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الحُكْمَ عَلى الفَضاءِ؛ قالَ: ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: لِتَكُونَ كَلِمَتُهم في هَذا الكَوْنِ هي النّافِذَةَ؛ ويَتَكَلَّمُوا في الأُمُورِ الإلَهِيَّةِ؛ ويُسْنِدُوا ما شاؤُوا مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ إلى مَن شاؤُوا؛ ثُمَّ بَيَّنَ عَجْزَهُمْ؛ وبَكَّتَهُمْ؛ وقَرَّعَهُمْ؛ ووَبَّخَهم بِما سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفُوا الرُّقِيَّ إنْ كانَ لَهم ذَلِكَ؛ ﴿فِي الأسْبابِ﴾؛ أيْ: الطُّرُقِ المُوَصِّلَةِ إلى السَّماءِ؛ لِيَسْتَوُوا عَلى العَرْشِ؛ الَّذِي هو أمارَةُ المُلْكِ؛ فَيَدَّبَّرُوا العالَمَ؛ فَيَخُصُّوا مَن شاؤُوا بِالرِّسالَةِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ لَهم ذَلِكَ؛ وأنَّهُ لا يَسُوغُ لِأحَدٍ أنْ يَخْتَصَّ دُونَهم بِشَيْءٍ.

ص 38:11

ولَمّا انْتَفى عَنْهم - بِما مَضى - وعَنْ كُلِّ مَن يَدَّعُونَ مُمالَأتَهُ؛ ومُناصَرَتَهُ عَنْ آلِهَتِهِمْ؛ وغَيْرِها؛ خَصائِصُ الإلَهِيَّةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهم مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ - سُبْحانَهُ -؛ فَعَبَّرَ عَنْ حالِهِمْ بِأعْلى ما يَصِلُونَ إلَيْهِ مِنَ التَّجَمُّعِ؛ والتَّعاضُدِ؛ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ الإخْبارُ عَنْهُ؛ مِن عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ ونَفْرَتِهِمْ عَنِ القَبُولِ؛ وانْطِلاقِهِمْ؛ فَقالَ - مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ حُذِفَ؛ لِوُضُوحِ العِلْمِ بِهِ -: (p-٣٣٩)﴿جُنْدٌ ما﴾؛ أيْ: لَيْسُوا في شَيْءٍ مِمّا مَضى؛ وإنَّما هم جُنْدٌ حَقِيرُونَ؛ مِن بَعْضِ جُنُودِنا؛ مُتَعاوِنُونَ في نَجْدَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“؛ صِفَةً؛ أُرِيدَ بِها التَّعْظِيمُ؛ عَلى سَبِيلِ الهَزْءِ بِهِمْ؛ أوِ التَّحْقِيرِ؛ لِأنَّ ”ما“؛ الصِّفَةَ؛ تُسْتَعْمَلُ لِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهم عَنْ غَيْرِ ما أقامَهم فِيهِ؛ واسْتَعْمَلَهم لَهُ مِنَ الرُّتَبِ الَّتِي فَرَضَها لَهُمْ؛ وسُفُولَهم عَنْها؛ بِقَوْلِهِ - واصِفًا لِـ ”جُنْدٌ“ -: ﴿هُنالِكَ﴾؛ أيْ: في الحَضِيضِ عَنْ هَذِهِ المَرامِي العالِيَةِ؛ وبَيَّنَ أنَّهُ كَثِيرًا ما تَحَزَّبَ أمْثالُهم عَلى الرُّسُلِ؛ فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - واصِفًا بَعْدَ وصْفٍ؛ مُفْرِدًا تَحْقِيرًا -: ﴿مَهْزُومٌ﴾؛ أيْ: لَهُ الِانْهِزامُ صِفَةٌ راسِخَةٌ ثابِتَةٌ؛ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ جَرَتْ عادَتُهم عِزَّةً وشِقاقًا بِالتَّحَزُّبِ عَلى الأنْبِياءِ؛ ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمُ الدّائِرَةُ؛ ولِلرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - العاقِبَةُ؛ فَلا تَكْتَرِثْ بِهِمْ أصْلًا؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَكانَ أوَّلُ جُنْدٍ مَهْزُومٍ مِنهم جُنْدَ غَزْوَةِ ”بَدْرٍ“؛ ثُمَّ انْبَسَطَ (p-٣٤٠)صِدْقُ الحَدِيثِ عَلى جُنُودٍ كَثِيرَةٍ في وقائِعَ مُخْتَلِفَةٍ.

ص 38:12

ولَمّا أوْجَبَ ذَلِكَ التَّشَوُّفَ إلى بَيانِ الأحْزابِ الماضِيَةِ؛ وكانُوا أحْقَرَ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ مَعَ شِدَّتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِالتّاءِ الدّالَّةِ عَلى الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ المُؤَخَّرَةِ؛ وهي رُتْبَةُ التَّأْنِيثِ؛ اللّازِمِ مِنهُ الضَّعْفُ؛ فَقالَ: ﴿كَذَّبَتْ﴾؛ ولَمّا كانَتْ نِيَّتُهُمُ التَّكْذِيبَ؛ لا إلى آخِرَ؛ عُدُّوا مُسْتَغْرِقِينَ لِلزَّمانِ؛ فَنُزِعَ الجارُّ وقِيلَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ؛ ولَمّا كانَ لِأوَّلِ المُكَذِّبِينَ مِنَ الكَثْرَةِ؛ والقُوَّةِ؛ والِاجْتِماعِ عَلى طُولِ الأزْمانِ؛ ما لَمْ يَكُنْ لِمَن بَعْدَهُمْ؛ كانُوا مَعَ تَقَدُّمِهِمْ في الزَّمانِ أحَقَّ بِالتَّقْدِيمِ في هَذا السِّياقِ؛ فَقالَ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾؛ واسْتَمَرُّوا في عِزَّتِهِمْ؛ وشِقاقِهِمْ؛ إلى أنْ رَأوُا الماءَ قَدْ أخَذَهُمْ؛ ولَمْ يَسْمَحُوا بِالإذْعانِ؛ ولا بِالتَّضَرُّعِ؛ إلى نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في أنْ يَرْكَبُوا مَعَهُ؛ أوْ يَدْعُوَ لَهم فَيَنْجُوا. ولَمّا كانَ لِقَوْمِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَعْدَهم مِنَ الضَّخامَةِ؛ والعِزِّ؛ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ؛ مَعَ قُوَّةِ الأبْدانِ؛ وعُلُوِّ الهِمَمِ؛ واتِّساعِ المُلْكِ؛ حَتّى بَنَوْا جَنَّةً في الأرْضِ؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ ومِن مُناسَبَتِهِمْ لَهم في أنَّ عَذابَهم بِالرِّيحِ؛ الَّتِي هي سَبَبُ السَّحابِ؛ الحامِلِ لِلْماءِ؛ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾؛ مُسَمِّيًا لَهم بِالِاسْمِ المُنَبِّهِ عَلى ما كانَ لَهم مِنَ المُكْنَةِ بِالمُلْكِ؛ واسْتَمَرُّوا في شِقاقِهِمْ إلى أنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ؛ ورَأوْها تَحْمِلُ الإبِلَ فِيما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ؛ وهَجَمَ (p-٣٤١)عَلَيْهِمْ أوائِلُها وهم يَرَوْنَ هُودًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في عافِيَةٍ مِنها؛ ولَمْ يَدَعْهُمُ الشِّقاقُ يَسْألُونَهُ في الدُّعاءِ لَهُمْ؛ ولا يُذْعِنُونَ لِما دَعاهم إلَيْهِ. ولَمّا كانَ لَهم مِنَ القُوَّةِ؛ والمُلْكِ في جَمِيعِ الأرْضِ؛ وبِناءِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ؛ ما يَتَضاءَلُ مَعَهُ مُلْكُ كُلِّ مَلِكٍ؛ أتْبَعَهم مُلْكًا ضَخْمًا؛ قَهَرَ غَيْرَهُ بِعِزِّ سُلْطانِهِ؛ وكَثْرَةِ أعْوانِهِ؛ حَتّى ادَّعى الإلْهِيَّةَ في زَمانِهِ؛ وتَكَبَّرَ بِسَعَةِ مُلْكِهِ؛ والأنْهارِ الجارِيَةِ مِن تَحْتِهِ؛ مَعَ ما لَهُ مِنَ الوِفاقِ لَهم بِأنَّ عَذابَهُ كانَ بِالرِّيحِ باطِنًا؛ وإنْ كانَ بِالماءِ ظاهِرًا؛ وذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ضَرَبَ البَحْرَ أرْسَلَ اللَّهُ الرِّيحَ فَفَرَّقَتْهُ طُرُقًا؛ وأيْبَسَتْ تِلْكَ الطُّرُقَ؛ ولَمّا خَلَصَ بَنُو إسْرائِيلَ؛ أمَرَها اللَّهُ (تَعالى) فَسَكَنَتْ؛ فانْطَبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنَ وآلِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وفِرْعَوْنُ﴾؛ ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ نَصًّا عَلى حَقِيقَةِ أمْرِهِ؛ وتَصْرِيحًا بِكُفْرِهِ؛ إبْطالًا لِما أظْهَرَهُ الأخابِثُ مِن شَرَهٍ؛ طَعْنًا في الدِّينِ؛ وتَشْكِيكًا لِضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ. ولَمّا نَصَّ عَلى كُفْرِهِ؛ وصَفَهُ بِما يَدُلُّ - مَعَ الدَّلالَةِ عَلى مُشارَكَةِ عادٍ في ضَخامَةِ الأمْرِ - عَلى كُفْرِ قَوْمِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذُو الأوْتادِ﴾؛ أيْ: الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِثَباتِ المُلْكِ؛ وتَقْوِيَتِهِ؛ مِن عُلُوِّ السُّلْطانِ بِكَثْرَةِ الأعْوانِ؛ والتَّفَرُّدِ (p-٣٤٢)بِالأوامِرِ؛ وسَعَةِ العَقْلِ؛ ودِقَّةِ المَكْرِ؛ وكَثْرَةِ الحِيَلِ؛ بِالسِّحْرِ وغَيْرِهِ؛ وجَوْدَةِ التَّدْبِيرِ بِالعَدْلِ؛ فِيما يَزْعُمُ؛ وصَوْلَةِ القَهْرِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُهُ مِنَ البَيْتِ المُطْنَبِ بِأوْتادِهِ؛ قالَ الأفْوَهُ الأوْدِيُّ: ؎والبَيْتُ لا يُبْتَنى إلّا لَهُ عَمَدٌ ∗∗∗ ولا عِمادَ إذا لَمْ تُرْسَ أوْتادُ واسْتَمَرُّوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ وهم يُضْرَبُونَ تارَةً بِالطُّوفانِ؛ وتارَةً بِالجَرادِ؛ وتارَةً بِالقُمَّلِ؛ وأُخْرى بِالضَّفادِعِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ إلى أنْ رَأوْا آيَةَ البَحْرِ الَّتِي هي الغايَةُ؛ ولَمْ يَرُدَّهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عَنْ شِقاقِهِمْ؛ إلى أنْ غَرِقُوا عَلى كُفْرِهِمْ؛ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ؛ كَما صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ.

ص 38:13

ولَمّا كانَتْ ثَمُودُ أضْخَمَ النّاسِ بَعْدَهم بِما لَهم مِن إتْقانِ الأبْنِيَةِ في الجِبالِ؛ والسُّهُولِ؛ والتَّوَسُّعِ بِعِمارَةِ الحَدائِقِ؛ وإنْباطِ العُيُونِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ؛ مَعَ مُناسَبَتِهِمْ لَهم في رُؤْيَةِ الآياتِ المَحْسُوسَةِ الظّاهِرَةِ العَظِيمَةِ؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وثَمُودُ﴾؛ واسْتَمَرُّوا فِيما هم فِيهِ؛ إلى أنْ رَأوْا عَلاماتِ العَذابِ؛ مِن صُفْرَةِ الوُجُوهِ؛ ثُمَّ حُمْرَتِها؛ ثُمَّ سَوادِها؛ ولَمْ يَكُنْ لَهم في ذَلِكَ زاجِرٌ يَرُدُّهم عَنْ عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ. ولَمّا كانَ الحامِلُ لِثَمُودَ عَلى المَعْصِيَةِ المُوجِبَةِ العَذابَ النِّساءَ؛ لِأنَّ عاقِرَ النّاقَةِ ما اجْتَرَأ عَلى عَقْرِها إلّا لِامْرَأةٍ مِنهُمْ؛ جَعَلَتْ لَهُ عَلى عَقْرِها (p-٣٤٣)زَواجَها؛ وكانَ المُوجِبُ لِعَذابِ قَوْمِ لُوطٍ إتْيانَ الذُّكُورِ؛ فالجامِعُ بَيْنَهُمُ شَهْوَةُ الفَرْجِ؛ مَعَ الطِّباقِ بِالذُّكُورِ؛ والإناثِ؛ مَعَ أنَّ عَذابَ ثَمُودَ بِرَجْفِ دِيارِهِمْ؛ وعَذابَ قَوْمِ لُوطٍ بِقَلْعِ مَدائِنِهِمْ؛ وحَمْلِها ثُمَّ قَلْبِها؛ أتْبَعَهم بِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى قُوَّتِهِمْ؛ مُضِيفًا لَهم إلى نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهم عِدَّةُ مَدائِنَ؛ لَيْسَ لَهُمُ اسْمٌ جامِعٌ؛ كَقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وقَوْمُ لُوطٍ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم قُوَّةُ القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ؛ واسْتَمَرُّوا في عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ حَتّى ضُرِبُوا بِالعَشا؛ وطَمْسِ الأعْيُنِ؛ ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الوُصُولِ إلى ما أرادُوا مِنَ الدُّخُولِ إلى بَيْتِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا التَّمَكُّنِ مِمّا أرادُوا؛ ولَمْ يَرُدَّهم ذَلِكَ عَنْ عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ بَلْ تَوَعَّدُوهُ بِطُلُوعِ النَّهارِ. ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ المَدَرِ؛ أتْبَعَهم طائِفَةً مِن أهْلِ الوَبَرِ؛ يُقارِبُونَهم في الِاسْتِعْصاءِ بِالشَّجَرِ؛ مَعَ أنَّ عَذابَهم بِظُلَّةِ النّارِ؛ كَما كانَ لِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِجارَةً مِن نارٍ؛ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾؛ ثُمَّ عَظَّمَ أمْرَهُمْ؛ تَهْوِينًا لِأمْرِ قُرَيْشٍ؛ ورَدْعًا لَهُمْ؛ بِالحَثِّ عَلى اسْتِحْضارِ عَذابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العُظَماءُ في التَّجَنُّدِ؛ والِاجْتِماعِ عَلى مَن يُناوِئُونَهُ؛ ﴿الأحْزابُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أقْصى رُتَبِ هَؤُلاءِ في المُخالَفَةِ أنْ يَكُونُوا مِثْلَ حِزْبٍ مِنهم.

ص 38:14

(p-٣٤٤)ولَمّا كانَ في مَعْرِضِ المُعارَضَةِ لِتَألُّبِهِمْ وشِقاقِهِمْ؛ وتَجَمُّعِهِمْ عَلى المُناوَأةِ باطِلًا؛ واتِّفاقِهِمْ؛ ولَمّا كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِنادِ؛ وحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ؛ رُبَّما أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ هَلاكُ هَؤُلاءِ الأحْزابِ لِأجْلِ التَّكْذِيبِ؛ وقالُوا: هو عادَةُ الدَّهْرِ في الإهْلاكِ؛ والتَّخالُفِ في أسْبابِ الهَلاكِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿كُلٌّ﴾؛ مِن هَذِهِ الفِرَقِ؛ كانَ لِهَلاكِهِ سَبَبٌ مِنَ الأسْبابِ؛ ﴿إلا﴾؛ أنَّهُ؛ ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِ؛ فَإنَّ مَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا؛ مَعَ ثُبُوتِ رِسالَتِهِ؛ فَقَدِ اسْتَهانَ بِمَن أرْسَلَهُ؛ وذَلِكَ مَلْزُومٌ لِتَكْذِيبِ جَمِيعِ مَن يُرْسِلُهُ؛ لِتَساوِي أقْدامِ المُعْجِزاتِ الَّتِي ثَبَتَتْ رِسالَتُهم بِها؛ في إيجابِ التَّصْدِيقِ؛ ﴿فَحَقَّ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ أنَّهُ حَقَّ ﴿عِقابِ﴾؛ أيْ: ثَبَتَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّخَلُّصِ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ والعُدُولُ إلى إفْرادِ الضَّمِيرِ مَعَ أُسْلُوبِ التَّكَلُّمِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلتَّوْحِيدِ؛ كَما مَضى؛ وهو أنَصُّ عَلى المُرادِ؛ وتَقَدَّمَ السِّرُّ في حَذْفِ الياءِ رَسْمًا في جَمِيعِ المَصاحِفِ؛ وقِراءَةً عِنْدَ أكْثَرِ القُرّاءِ؛ وفي إثْباتِها في الحالَيْنِ لِيَعْقُوبَ وحْدَهُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلشِّقاقِ؛ والإذْعانِ لِلذِّكْرِ؛ الَّذِي هو المَوْعِظَةُ ذاتُ الشَّرَفِ: ؎لا يَسْلَمُ الشَّرَفُ الرَّفِيعُ مِنَ الأذى ∗∗∗ حَتّى يُراقَ عَلى جَوانِبِهِ الدَّمُ كانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلْعُقُوبَةِ؛ بِخِلافِ ما في ”ق“؛ فَإنَّ السِّياقَ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ (p-٣٤٥)وصِحَّةِ النِّذارَةِ؛ وإثْباتِ المَجْدِ؛ فَكانَ الوَعِيدُ في ذَلِكَ كافِيًا.

ص 38:15

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَلَقَدْ أعْقَبْنا كُلًّا مِن أُولَئِكَ الأحْزابِ؛ لَمّا حَقَّ عَلَيْهِمُ العِقابُ؛ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ؛ لا شَكَّ فِيهِ عِنْدَ أحَدٍ؛ ولا ارْتِيابَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما﴾؛ ولَمّا كانَتْ قُرَيْشٌ في شِدَّةِ العِنادِ؛ والتَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ؛ والِاسْتِكْبارِ عَنِ الإذْعانِ لِلْحَقِّ؛ وتَعاطِي جَمِيعِ أسْبابِ العَذابِ؛ كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَهُ؛ ويَسْتَعْجِلُونَهُ؛ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى الِانْتِظارِ؛ ولَمّا كانُوا لِمَعْرِفَتِهِمْ بِصِدْقِ الآتِي إلَيْهِمْ؛ والقَطْعِ بِصِحَّةِ ما يَقُولُ؛ كَأنَّهم يَرَوْنَ العَذابَ ولا يَرْجِعُونَ؛ جَرَّدَ فِعْلَ الِانْتِظارِ؛ فَقالَ: ﴿يَنْظُرُ﴾؛ وحَقَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أدْبَرُوا عَنْكَ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ وغايَةِ جُهْدِهِمْ أنْ يَكُونُوا مِنَ الأحْزابِ؛ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى جُنْدِنا؛ فَأخَذْناهم بِما هو مَشْهُورٌ مِن وقائِعِنا؛ ومَعْرُوفٌ مِن أيّامِنا؛ بِأصْنافِ العَذابِ؛ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم كَثْرَتُهُمْ؛ ولا قُوَّتُهم شَيْئًا؛ ولَمْ يَضُرَّ جُنْدَنا ضَعْفُهُمْ؛ ولا قِلَّتُهُمْ؛ ﴿إلا صَيْحَةً﴾؛ وحَقَّرَ أمْرَهم بِالإشارَةِ إلى أنَّ أقَلَّ شَيْءٍ مِن عَذابِهِ كافٍ في إهْلاكِهِمْ؛ فَقالَ ﴿واحِدَةً﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ؛ فَعُلِمَ بِهِ أنَّ الوَصْفَ بِالوَحْدَةِ لِلتَّعْظِيمِ؛ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَها﴾؛ أيْ: الصَّيْحَةِ؛ ﴿مِن فَواقٍ﴾؛ أيْ: مَزِيدِ أيِّ شَيْءٍ مِن جِنْسِها يَكُونُ فَوْقَها؛ يُقالُ: ”فاقَ أصْحابَهُ فَوْقًا؛ وفَواقًا“: عَلاهُمْ؛ وقَرَأهُ (p-٣٤٦)حَمْزَةُ بِالضَّمِّ؛ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ سُرْعَةِ الهَلاكِ بِها؛ مِن غَيْرِ تَأخُّرٍ أصْلًا؛ فَإنَّ ”الفُواقُ“؛ كَـ ”غُرابٌ“: ما يَأْخُذُ المُحْتَضَرَ عِنْدَ النِّزاعِ؛ والمَعْنى أنَّهُ لا يَحْتاجُ في إهْلاكِهِمْ إلى زِيادَةٍ عَلى الصَّيْحَةِ المَوْصُوفَةِ؛ لِأنَّهُ لا صَيْحَةَ فَوْقَها؛ فَفي ذَلِكَ تَعْظِيمُ أقَلِّ شَيْءٍ مِن عَذابِهِ؛ وتَحْقِيرُ أعْلى شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ مِن ”فَواقِ الحَلْبِ“؛ قالَ الصَّغانِيُّ: و”الفُواقُ“؛ و”الفَواقُ“؛ أيْ بِالضَّمِّ؛ والفَتْحِ: ما بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ مِنَ الوَقْتِ؛ لِأنَّها تُحْلَبُ ثُمَّ تُتْرَكُ سَرِيعَةً يَرْضَعُها الفَصِيلُ لِتَدِرَّ؛ قالَ في القامُوسِ: أوْ ما بَيْنَ فَتْحِ يَدِكَ وقَبْضِها عَلى الضَّرْعِ؛ فالمَعْنى: ما لَها مِن رُجُوعٍ؛ كَما يَرْجِعُ اللَّبَنُ في الضَّرْعِ عَنِ الفَواقِ؛ وكَما يَرْجِعُ المَرِيضُ بِالإفاقَةِ مِنَ المَرَضِ إلى الصِّحَّةِ؛ أوْ: ما لَها مِنَ انْفِصالٍ؛ وافْتِراقٍ؛ بِقَدْرِ ما يَتَنَفَّسُ فِيهِ أحَدٌ أقَلَّ تَنَفُّسٍ؛ وأقْصَرَهُ زَمَنًا؛ كَما هي عادَةُ الأصْواتِ المَأْلُوفَةِ؛ يَكُونُ فِيها تَرْجِيعٌ يُوجِبُ في الصَّوْتِ تَقَطُّعًا يَصِيرُ بِهِ وقْعُهُ ضَعِيفًا فاتِرًا؛ واعْتِمادُهُ عَلى مُخْرَجِهِ رَخْوًا؛ بَلْ هي صَمّاءُ؛ عَلى نَمَطٍ واحِدٍ؛ لا تَفْجَأُ أحَدًا إلّا ماتَ؛ إلّا مَن ثَبَّتَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن فَواقِ المُحْتَضَرِ؛ أيْ أنَّهُ لَيْسَ فِيها مُقَدِّمَةٌ لِلْمَوْتِ غَيْرُ قَرْعِ الصَّوْتِ؛ وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِمْ: ما لَها (p-٣٤٧)مِن نَظْرَةٍ وراحَةٍ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:16

ولَمّا عَجَّبَ مِنهم بِما مَضى؛ وأبْطَلَ شُبَهَهُمْ؛ وعَرَّفَهم أنَّهم قَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْهَلاكِ تَعْرِيضًا قَرِيبًا؛ أتْبَعُ ذَلِكَ تَعْجِيبًا أشَدَّ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: اسْتِهْزاءً؛ غَيْرَ هائِبِينَ ما هَدَدْناهم بِهِ؛ ولا ناظِرِينَ في عاقِبَتِهِ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿عَجِّلْ لَنا﴾؛ أيْ: إحْسانًا إلَيْنا ﴿قِطَّنا﴾؛ أيْ: نَصِيبَنا مِنَ العَذابِ الَّذِي تُوُعِّدْنا بِهِ؛ وكِتابَنا الَّذِي كَتَبْتَ فِيهِ ذَلِكَ؛ وأحْصَيْتَ فِيهِ أعْمالَنا؛ وأصْلُهُ مِن ”قَطَّ الشَّيْءَ“؛ إذا قَطَعَهُ؛ ومِنهُ ”قَطَّ القَلَمَ“؛ وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ في الكِتابِ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا المُبالَغَةَ في الِاسْتِهْزاءِ بِطَلَبِ العَذابِ في جَمِيعِ الأزْمانِ؛ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَ القِيامَةِ؛ أسْقَطُوا حَرْفَ الجَرِّ؛ وقالُوا: ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحِسابِ﴾؛ فَجَعَلُوا جَمِيعَ الزَّمانِ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ ظَرْفًا لِذَلِكَ؛ وجَعَلُوا تَعْجِيلَهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ؛ دَلالَةً عَلى الإعْراقِ في الِاسْتِهْزاءِ؛ وعَبَّرَ بِالقِطِّ زِيادَةً في التَّنْبِيهِ عَلى رُكُوبِ الهَوى؛ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ؛ فَإنَّ مادَّتَهُ دائِرَةٌ في الأغْلَبِ عَلى ما يُكْرَهُ؛ واشْتِقاقُهُ مِن ”القَطُّ“؛ وهو القَطْعُ؛ فَـ ”القِطُّ“: النَّصِيبُ؛ والصَّكُّ؛ وكِتابُ المُحاسَبَةِ؛ لِأنَّهُ قِطْعَةٌ مِنَ الوَرَقِ؛ (p-٣٤٨)والحِسابُ قِطْعَةٌ مِنَ الأُمُورِ؛ وهو يَقْطَعُ فِيهِ بِما هو لَهُ؛ والسّاعَةُ؛ لِأنَّها قِطْعَةٌ مِنَ الزَّمانِ؛ و”تَقَطْقَطَ الرَّجُلُ“: رَكِبَ رَأْسَهُ؛ أيْ: تَبِعَ هَواهُ؛ الَّذِي هو قِطْعَةٌ مِن أمْرِهِ؛ و”جاءَتِ الخَيْلُ قَطاقِطَ“؛ أيْ: قِطَعًا؛ وجَماعاتٍ؛ في تَفْرِقَةٍ؛ و”القَطُّ“: القَطْعُ؛ و”القَطَطُ“: القَصِيرُ الجَعْدُ؛ و”الطَّقْطَقَةُ“: حِكايَةُ صَوْتِ الحِجارَةِ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: عَجِّلْ مِن ذَلِكَ ما يَكُونُ مَقْطُوعًا بِهِ؛ لا شَكَّ فِيهِ؛ ويُسْمَعُ صَوْتُهُ عَلى غايَةِ الشِّدَّةِ؛ فَيُهْلِكُ؛ ويُفَرِّقُ بَيْنَ الأحْبابِ؛ ويُكْتَبُ في كُلِّ صَكٍّ؛ ويُتْلى خَبَرُهُ في سائِرِ الأحْقابِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ هو أنّا لا نَرْجِعُ عَنْهُ لِشَيْءٍ أصْلًا؛ فَسُبْحانَ الحَلِيمِ الَّذِي أكْرَمَنا؛ ورَحِمَنا بِنَبِيِّ الرَّحْمَةِ؛ فَلَمْ يُعَجِّلْ لَنا النِّقْمَةَ؛ وأقْبَلَ بِقُلُوبِنا إلَيْهِ؛ وقَصَرَ هِمَمَنا - بَعْدَ أنْ كانَتْ في أشَدِّ بُعْدٍ - عَلَيْهِ؛

ص 38:17

ولَمّا بَلَغَ السَّيْلُ - في رُكُوبِهِمُ الباطِلَ عِنادًا - الزُّبى؛ وتَجاوَزَ في طُغْيانِهِ رُؤُوسَ الرُّبى؛ وكانَ سُؤالُهم في تَعْجِيلِ العَذابِ اسْتِهْزاءً؛ مَعَ ما قَدَّمُوا مِنَ الإكْذابِ؛ والكَلامِ البَعِيدِ عَنِ الصَّوابِ؛ رُبَّما اقْتَضى أنْ يُسْألَ في تَعْجِيلِ ما طَلَبُوا؛ ورُبَّما أُوقِعَ في ظَنِّ أنَّ إعْراضَهم والِابْتِلاءَ بِهِمْ رُبَّما كانَ لِشَيْءٍ في البَلاغِ؛ أوِ المُبَلِّغِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّ عادَتَهُ الِابْتِلاءَ لِلصّالِحِينَ؛ رِفْعَةً لِدَرَجاتِهِمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَلِّيًا؛ ومُعَزِّيًا؛ ومُؤَسِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ بِمَن تَقَدَّمَهُ مِن إخْوانِهِ الأنْبِياءِ (p-٣٤٩)والمُرْسَلِينَ؛ مُذَكِّرًا لَهُ بِما قاسَوْا مِنَ الشَّدائِدِ؛ وما لاقَوْا مِنَ المِحَنِ؛ وحاثًّا عَلى العَمَلِ بِأعْمالِهِمْ؛ آمِرًا بِالتَّأنِّي؛ والتُّؤَدَةِ؛ والحِلْمِ؛ ومُحَذِّرًا مِنَ العَجَلَةِ؛ والتَّبَرُّمِ؛ والضَّجَرِ؛ وبَدَأ بِأهْلِ الشَّرَفِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِشَرَفِ القُرْآنِ؛ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ شَرَفُ صاحِبِهِ؛ تَعْرِيفًا بِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الشَّرَفِ الرّاحَةُ في الدُّنْيا؛ ومُنَبِّهًا عَلى أنَّ شَرَفَهُ مُحْوِجٌ عَنْ قُرْبٍ بِكَثْرَةِ الأتْباعِ إلى الحُكْمِ بَيْنَ ذَوِي الخُصُوماتِ والنِّزاعِ؛ الَّذِي لا قِوامَ لَهُ إلّا بِالحِلْمِ؛ والأناةِ؛ والصَّبْرِ؛ وبَدَأ مِن أهْلِ الشَّرَفِ بِمَن كانَ أوَّلُ أمْرِهِ مِثْلَ أوَّلِ أمْرِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ في اسْتِضْعافِ قَوْمِهِ لَهُ؛ وآخِرُ أمْرِهِ مَلِكًا ثابِتَ الأرْكانِ؛ مَهِيبَ السُّلْطانِ؛ لِيَكُونَ حالُهُ مَثَلًا لَهُ؛ فَيَحْصُلَ بِهِ تَمامُ التَّسْلِيَةِ -: ﴿اصْبِرْ﴾؛ وأشارَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إلى عَظِيمِ الصَّبْرِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى ما﴾؛ وزادَ في الحَثِّ عَلَيْهِ بِالمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ قَوْلَهُ في كُلِّ حِينٍ؛ مِنَ الأقْوالِ المُنْكِيَةِ المُوجِعَةِ؛ المُبْكِيَةِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ لِنَقْصِ فِيكَ؛ ولَكِنَّهُ لِحِكَمٍ تَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ مَدارُها زِيادَةُ شَرَفِكَ؛ ورِفْعَةِ دَرَجاتِكَ؛ وصَرَفَ الكَلامَ إلى مَقامِ العَظَمَةِ؛ لِاقْتِضاءِ ما يُذْكَرُ مِنَ التَّسْخِيرِ لِذَلِكَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا﴾؛ أيْ: الَّذِي أخْلَصْناهُ لَنا؛ وأخْلَصَ نَفْسَهُ لِلنَّظَرِ إلى عَظَمَتِنا؛ والقِيامِ في خِدْمَتِنا؛ وأبْدَلَ مِنهُ؛ أوْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿داوُدَ ذا الأيْدِ﴾؛ أيْ: القُوى العَظِيمَةِ في تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَلائِقِ الأجْسامِ؛ فَكانَتْ قُوَّتُهُ (p-٣٥٠)فِي ذَلِكَ سَبَبًا لِعُرُوجِهِ إلى المَراتِبِ العِظامِ. ولَمّا كانَ أعْظَمُ الجِهادِ الإنْقاذَ مِن حَفائِرِ الهَفَواتِ؛ وأوامِرِ الشَّهَواتِ؛ بِالإصْعادِ في مَدارِجِ الكَمالاتِ؛ ومَعارِجِ الإقْبالِ؛ وكانَ ذَلِكَ لا يَكادُ يُوجَدُ في الآدَمِيِّينَ؛ لِما حُفُّوا بِهِ مِنَ الشَّهَواتِ؛ ورَكَزَ في طِباعِهِمْ مِنَ الغَفْلاتِ؛ عَلَّلَ قُوَّتَهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا -: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَصِيرَ إلى ما خَلَقَهُ عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ بِالعَقْلِ المَحْضِ؛ أطْلَقَ العُلُوَّ دَرَجَةً دَرَجَةً عَلى الرُّجُوعِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ دُونَ الرُّتْبَةِ الَّتِي تَكُونُ نِهايَةً عِنْدَ المَوْتِ؛ فَكَأنَّ المَقْضِيَّ لَهُ بِها أنْزَلَ نَفْسَهُ عَنْها؛ ثُمَّ صارَ يَرْجِعُ إلَيْها كُلَّ لَحْظَةٍ؛ بِما يُكابِدُ مِنَ المُجاهَداتِ؛ والمُنازَلاتِ؛ والمُحاوَلاتِ؛ حَتّى وصَلَ إلَيْها بَعْدَ التَّجَرُّدِ عَنِ الهَوى كُلِّهِ؛

ص 38:18

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَزالُ يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ (تَعالى) حَتّى يُحِبَّهُ؛ فَإذا أحَبَّهُ صارَ يَفْعَلُ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ الخَوارِقُ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْ جَزائِهِ عَلى ذَلِكَ الجِهادِ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ لِما طُبِعَ عَلَيْهِ البَشَرُ مِن إنْكارِ الخَوارِقِ؛ لِتَقَيُّدِهِ بِالمَأْلُوفاتِ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا يُعْجِزُها شَيْءٌ؛ ﴿سَخَّرْنا الجِبالَ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أقْسى مِن قُلُوبِ قَوْمِكَ؛ فَإنَّها أعْظَمُ الأراضِي صَلابَةً؛ وقُوَّةً؛ وعُلُوًّا؛ ورِفْعَةً؛ بِأنْ جَعَلْناها مُنْقادَةً ذَلُولًا كالجَمَلِ الأنِفِ؛ ثُمَّ قَيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَعَهُ﴾؛ أيْ: مُصاحِبَةً لَهُ؛ فَلَمْ يُوجَدْ ذَلِكَ التَّسْخِيرُ (p-٣٥١)ظاهِرًا لِأحَدٍ بَعْدَهُ؛ ولا قَبْلَهُ؛ ولَمّا كانَ وُجُودُ التَّسْبِيحِ مِنَ الجِبالِ شَيْئًا فَشَيْئًا أعْجَبَ؛ لِأنَّها جَمادٌ؛ عَبَّرَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ؛ فَقالَ - مُصَوِّرًا لِتِلْكَ الحالِ؛ مُعَبِّرًا بِضَمِيرِ الإناثِ؛ إشارَةً إلى أنَّها بَعْدَ ما لَها مِنَ الصَّلابَةِ صارَتْ في غايَةِ اللِّينِ؛ والرَّخاوَةِ؛ يُسَبِّحُ كُلُّ جَبَلٍ مِنها بِصَوْتٍ غَيْرِ مُشْبِهٍ بِصَوْتِ الآخَرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى التَّمْيِيزِ؛ والعِلْمِ بِتَسْبِيحِ كُلٍّ عَلى انْفِرادِهِ -: ﴿يُسَبِّحْنَ﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مُسَبِّحَةً“؛ أوْ: ”تُسَبِّحُ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ تَسْبِيحَها بِصَوْتٍ واحِدٍ؛ لِيُشْكِلَ الأمْرُ في بَعْضِها؛ وهو يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا؛ وأنْ يَكُونَ حالًا بِمَعْنى أنَّهُنَّ يَنْقَدْنَ لَهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ قالًا وحالًا؛ انْقِيادَ المُخْتارِ المُطِيعِ لِلَّهِ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الأوْبَةِ؛ وكانَ آخِرُ النَّهارِ وقْتَ الرُّجُوعِ لِكُلِّ ذِي إلْفٍ إلى مَأْلَفِهِ؛ مَعَ أنَّهُ وقْتُ الفُتُورِ؛ والِاسْتِراحَةِ مِنَ المَتاعِبِ؛ قالَ: ﴿بِالعَشِيِّ﴾؛ أيْ: تَقْوِيَةً لِلْعامِلِ؛ وتَذْكِيرًا لِلْغافِلِ؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الفَيْضِ والتَّشْرِيفِ بِالقُرْآنِ؛ قالَ: ﴿والإشْراقِ﴾؛ أيْ: في وقْتِ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنِ انْتِشابِ النّاسِ في الأشْغالِ؛ واشْتِغالِهِمْ بِالمَآكِلِ؛ والمَلاذِّ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ وتَرْجِيعًا عَنْ مَأْلُوفاتِهِمْ إلى تَقْدِيسِ رَبِّهِمْ - سُبْحانَهُ -؛ ولَيْسَ الإشْراقُ طُلُوعَ الشَّمْسِ؛ إنَّما هو صَفاؤُها (p-٣٥٢)وُضَوْؤُها؛ وشُرُوقُها طُلُوعُها؛ ورَوَتْ أُمُّ هانِئٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى في بَيْتِها الضُّحى؛ وقالَ لَها: ”هَذِهِ صَلاةُ الإشْراقِ“؛» وفي الجامِعِ لِعَبْدِ الرَّزّاقِ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: صَلاةُ الضُّحى في القُرْآنِ؛ ولَكِنْ لا يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غائِصٌ؛ ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ وإلَيْها الإشارَةُ أيْضًا - واللَّهُ أعْلَمُ - بِصَلاةِ الأوّابِينَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧] ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبإ: ١٠] ﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٩]؛ رَوى مُسْلِمٌ؛ في صَحِيحِهِ؛ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ في مُسْنَدِهِ؛ والدّارِمِيُّ؛ في جامِعِهِ؛ المُسَمّى بِالمُسْنَدِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «صَلاةُ الأوّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الفِصالُ”؛» ولَفْظُ الدّارِمِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وهم يُصَلُّونَ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ فَقالَ:“صَلاةُ الأوّابِينَ إذا رَمَضَتِ الفِصالُ»؛ ولَفْظُ عَبْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ؛ فَرَآهم يُصَلُّونَ الضُّحى فَقالَ: ”هَذِهِ صَلاةُ الأوّابِينَ؛ وكانُوا يُصَلُّونَها إذا رَمَضَتِ الفِصالُ“؛» أيْ بَرَكَتْ مِن شِدَّةِ الحَرِّ؛ وإحْراقِهِ أخْفافَها؛ مِن ”الرَّمَضُ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ وهو شِدَّةُ الشَّمْسِ عَلى الرَّمْلِ؛ وغَيْرِهِ؛ و”الرَّمْضاءُ“: الشَّدِيدَةُ الحَرِّ.

ص 38:19

(p-٣٥٣)ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَنْ تَسْخِيرِ أثْقَلِ الأشْياءِ وأثْبَتِها لَهُ؛ أتْبَعَها أخَفَّها وأكْثَرَها انْتِقالًا؛ وعَبَّرَ فِيها بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى الِاجْتِماعِ جُمْلَةً؛ والثَّباتِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا باسِمِ الجَمْعِ؛ دُونَ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّها في شِدَّةِ الِاجْتِماعِ؛ كَأنَّها شَيْءٌ واحِدٌ؛ ذَكَرَ حالَها في وصْفٍ صالِحٍ لِلْواحِدِ؛ وجَعَلَهُ مُؤَنَّثًا؛ إشارَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الرَّخاوَةِ اللّازِمَةِ لِلْإناثِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِغايَةِ الطَّواعِيَةِ؛ والقَبُولِ لِتَصَرُّفِ الأحْكامِ -: ﴿والطَّيْرَ﴾؛ أيْ: سَخَّرْناها لَهُ حالَ كَوْنِها ﴿مَحْشُورَةً﴾؛ أيْ: مَجْمُوعَةً إلَيْهِ كَرْهًا؛ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ دُفْعَةً واحِدَةً - بِما دَلَّ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ دُونَ الفِعْلِ -؛ وهو أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ وهي أشَدُّ نَفْرَةً مِن قَوْمِكَ؛ وأعْسَرُ ضَبْطًا؛ وهَذا كَما كانَ الحَصى يُسَبِّحُ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وفي يَدِ بَعْضِ أصْحابِهِ؛ وكَما تَحَرَّكَ الجَبَلُ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ؛ وقالَ: «”اسْكُنْ أُحُدُ“؛ فَسَكَنَ؛» وكَما حُشِرَ الدَّبْرُ عَلى رَأْسِ عاصِمِ بْنِ ثابِتِ بْنِ أبِي الأفْلَحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَمَنَعَ مِن أخْذِهِ لِيُتَلَعَّبَ بِهِ؛ فَلَمّا جاءَ اللَّيْلُ أرْسَلَ اللَّهُ سَيْلًا فاحْتَمَلَهُ إلى حَيْثُ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ خَبَرٌ؛ ولا وُقِفَ لَهُ عَلى أثَرٍ؛ ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الجِبالِ؛ والطَّيْرِ؛ ﴿لَهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ؛ لِأجْلِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصَّةً (p-٣٥٤)عَنْ مَأْلُوفِهِ؛ لا بِمَعْنًى آخَرَ مِمّا ألِفَتْهُ؛ فَكُلَّما رَجَعَ هو عَنْ حُكْمِهِ؛ وما هو فِيهِ مِنَ الشُّغْلِ بِالخَلْقِ؛ إلى تَسْبِيحِ الحَقِّ؛ رَجَعَتْ مَعَهُ بِذَلِكَ الجِبالُ والطَّيْرُ؛ وجُعِلَ الخَبَرُ مُفْرَدًا؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ زَجَلِها بِالتَّأْدِيبِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ والإفْرادُ أيْضًا يُفِيدُ الحُكْمَ عَلى كُلِّ فَرْدٍ؛ ولَوْ جَمَعَ لَطَرَقَهُ احْتِمالُ أنَّ الحُكْمَ عَلى المَجْمُوعِ بِقَيْدِ الجَمْعِ؛ فَكَأنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَفْهَمُ تَسْبِيحَ الجِبالِ؛ والطَّيْرِ؛ ويَنْقادُ لَهُ كُلٌّ مِنهُما إذا أمَرَهُ بِالتَّسْبِيحِ؛ وكُلُّ مَن تَحَقَّقَ بِحالِهِ؛ ساعَدَهُ كُلُّ شَيْءٍ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ فَفي هَذا إشارَةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِأنّا مَتى شِئْنا جَعَلْنا قَوْمَكَ مَعَكَ في التَّسْخِيرِ هَكَذا؛ فَلا تَيْأسْ مِنهم عَلى شِدَّةِ نَفْرَتِهِمْ؛ وقُوَّةِ سَماجَتِهِمْ وغَرَّتِهِمْ؛ فَإنّا جَعَلْناهم كَذَلِكَ لِتُرَوِّضَ نَفْسَكَ بِهِمْ؛ وتَزْدادَ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِمْ جَلالًا؛ وعُلُوًّا؛ ورِفْعَةً؛ وكَمالًا؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا تَسَعُها العُقُولُ؛ ولا تَيْأسْ مِن لِينِهِمْ لَكَ ورُجُوعِهِمْ إلَيْكَ؛ فَإنَّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا كالجِبالِ قُوَّةً وصَلابَةً؛ أوِ الطَّيْرِ نَفْرَةً وطَيْشًا وخِفَّةً؛ فَمَتى شِئْنا جَعَلْناهم لَكَ مِثْلَما جَعَلْنا الجِبالَ والطَّيْرَ مَعَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَلْ أمْرُهم أيْسَرُ؛ وشَأْنُهم أهْوَنُ.

ص 38:20

ولَمّا كانَ هَذا دالًّا عَلى المُلْكِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ التَّصَرُّفُ في الأشْياءِ العَظِيمَةِ قَسْرًا؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ كُلُّ ذَلِكَ إثْباتًا لِنُبُوَّتِهِ؛ وتَعْظِيمًا لِمُلْكِهِ؛ (p-٣٥٥)قالَ: ﴿وشَدَدْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مُلْكَهُ﴾؛ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ المَلِكُ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: كانَ أشَدَّ مُلُوكِ الأرْضِ سُلْطانًا. ولَمّا كانَ أعْظَمَ المُثَبِّتاتِ لِلْمُلْكِ المَعْرِفَةَ؛ قالَ: ﴿وآتَيْناهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿الحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: النُّبُوَّةَ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها العِلْمُ بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ؛ ووَضْعُ الأشْياءِ في أحْكَمِ مَواضِعِها؛ فالحِكْمَةُ العَمَلُ بِالعِلْمِ؛ ولَمّا كانَ تَمامُهُ بِقَطْعِ النِّزاعِ؛ قالَ: ﴿وفَصْلَ الخِطابِ﴾؛ أيْ: ومَعْرِفَةَ الفارِقِ بَيْنَ ما يَلْتَبِسُ في كَلامِ المُخاطِبِينَ لَهُ؛ مِن غَيْرِ كَبِيرِ رَوِيَّةٍ في ذَلِكَ؛ بَلْ يُفَرِّقُ بَدِيهَةً بَيْنَ المُتَشابِهاتِ؛ بِحَيْثُ لا يَدَعُ لَبْسًا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ نِزاعٌ لِغَيْرٍ؛ مُعانِدٍ؛ وكَسَوْناهُ عِزًّا؛ وهَيْبَةً؛ ووَقارًا يَمْنَعُ أنْ يَجْتَرِئَ أحَدٌ عَلى العِنادِ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ بَعْدَ ذَلِكَ البَيانِ؛ الَّذِي فَصَلَ بَيْنَ المُتَشابِهاتِ؛ ومَيَّزَ بَيْنَ المُشْكِلاتِ الغامِضاتِ؛ وإذا تَكَلَّمَ وقَفَ عَلى المَفاصِلِ؛ فَيُبَيِّنُ مِن سَرْدِهِ لِلْحَدِيثِ مَعانِيَهُ؛ ويَضَعُ الشَّيْءَ في أحْكَمِ مَبانِيهِ.

ص 38:21

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّدْرِيبِ عَلى الصَّبْرِ؛ والتَّثْبِيتِ الشّافِي؛ والتَّدَبُّرِ التّامِّ؛ والِابْتِلاءِ لِأهْلِ القُرْبِ؛ وكانَ المَظْنُونُ بِمَن أُوتِيَ فَصْلَ الخِطابِ (p-٣٥٦)ألّا يَقَعَ لَهُ لَبْسٌ في حُكْمٍ؛ ولا عَجَلَةٌ في أمْرٍ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”هَلْ أتَتْكَ هَذِهِ الأنْباءُ؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - مُبَيِّنًا عَواقِبَ العَجَلَةِ؛ مُعْلِمًا أنَّ عَلى مَن أُعْطِيَ المَعارِفَ ألّا يَزالَ ناظِرًا إلى مَن أعْطاهُ ذَلِكَ؛ سائِلًا لَهُ التَّفْهِيمَ؛ اسْتِعْجازًا لِنَفْسِهِ؛ مُتَصَوِّرًا لِمَقامِ العُبُودِيَّةِ؛ الَّتِي كُرِّرَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها في هَذِهِ السُّورَةِ بِنَحْوِ قَوْلِهِ: ”نِعْمَ العَبْدُ“ - قَوْلَهُ - في سِياقٍ ظاهِرُهُ الِاسْتِفْهامُ؛ وباطِنُهُ التَّنْبِيهُ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ والعَجَبِ؛ لِتَعْظُمَ الرَّغْبَةُ في سَماعِهِ؛ فَيُوعى حَقَّ الوَعْيِ -: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾؛ أيْ: خَبَرُهُ العَظِيمُ جِدًّا؛ وأفْرَدَهُ وإنْ كانَ المُرادُ الجَمْعَ؛ دَلالَةً عَلى أنَّهم عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في إظْهارِ الخُصُومَةِ؛ لا يَظْهَرُ لِأحَدٍ مِنهم أنَّهُ مُتَوَسِّطٌ مَثَلًا؛ ونَحْوُ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ الخَصْمُ مَصْدَرًا يَقَعُ عَلى الواحِدِ فَما فَوْقَهُ؛ ذَكَرًا كانَ؛ أوْ أُنْثى؛ وكانَ يَصِحُّ تَسْمِيَةُ رِبْقَةِ المُتَخاصِمِينَ خَصْمًا؛ لِأنَّهم في صُورَةِ الخَصْمِ؛ قالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: خَبَرُ تَخاصُمِهِمْ حِينَ ﴿تَسَوَّرُوا﴾؛ أيْ: صَعِدُوا السُّورَ؛ ونَزَلُوا مِنهُ هم ومَن مَعَهُمْ؛ أخْذًا مِن ”السَّوْرُ“؛ وهو الوُثُوبُ؛ ﴿المِحْرابَ﴾؛ أيْ: أشْرَفَ ما في مَوْضِعِ العِبادَةِ؛ الَّذِي كانَ داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِهِ؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم جاؤُوهُ في يَوْمِ العِبادَةِ؛ ومِن غَيْرِ البابِ؛ فَخالَفُوا عادَةَ النّاسِ في الأمْرَيْنِ؛ وكَأنَّ المِحْرابَ الَّذِي تَسَوَّرُوهُ كانَ فِيهِ بابٌ مِن داخِلِ بابٍ آخَرَ؛

ص 38:22

فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأنْ أبْدَلَ (p-٣٥٧)مِن ”إذْ“؛ الأُولى؛ قَوْلَهُ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ ﴿دَخَلُوا﴾؛ وصَرَّحَ بِاسْمِهِ؛ رَفْعًا لِلَّبْسِ؛ وإشْعارًا بِما لَهُ مِن قُرْبِ المَنزِلَةِ؛ وعَظِيمِ الوُدِّ؛ فَقالَ: ﴿عَلى داوُدَ﴾؛ ابْتِلاءً مِنّا لَهُ؛ مَعَ ما لَهُ مِن ضَخامَةِ المُلْكِ؛ وعِظَمِ القُرْبِ مِنّا؛ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ كانَ عَلى وجْهٍ يَهُولُ أمْرُهُ؛ إمّا لِكَوْنِهِ في مَوْضِعٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَفَزِعَ﴾؛ أيْ: ذُعِرَ؛ وفَرَقَ؛ وخافَ ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ ما هو فِيهِ مِن ضَخامَةِ المُلْكِ؛ وشَجاعَةِ القَلْبِ؛ وعِلْمِ الحِكْمَةِ؛ وعِزِّ السُّلْطانِ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُوا لَهُ؟ قالَ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِذَهابِ الفِكْرِ في شَأْنِهِمْ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ عَيَّنُوا أمْرَهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿خَصْمانِ﴾؛ أيْ: نَحْنُ فَرِيقانِ في خُصُومَةٍ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿بَغى بَعْضُنا﴾؛ أيْ: طَلَبَ طِلْبَةَ عُلُوٍّ واسْتِطالَةٍ؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ فَأبْهَمَ أوَّلًا؛ لِيُفَصِّلَ ثانِيًا؛ فَيَكُونَ أوْقَعَ في النَّفْسِ؛ ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا سُؤالُهُ في الحُكْمِ؛ قالُوا: ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ وإنَّما سَألاهُ ذَلِكَ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالعَدْلِ؛ لِيَكُونَ أجْدَرَ بِالمُعاتَبَةِ عِنْدَ أدْنى هَفْوَةٍ؛ ﴿ولا تُشْطِطْ﴾؛ أيْ: لا تُوقِعِ البُعْدَ؛ ومُجاوَزَةَ الحَدِّ؛ لا في العِبارَةِ عَنْ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ يَلْتَبِسُ عَلَيْنا المُرادُ؛ ولا في غَيْرِ ذَلِكَ؛ (p-٣٥٨)أوْ: ولا تُمْعِنْ في تَتَبُّعِ مَداقِّ الأُمُورِ؛ فَإنِّي أرْضى بِالحَقِّ عَلى أدْنى الوُجُوهِ؛ ولِذا أتى بِهِ مِنَ الرُّباعِيِّ؛ والثُّلاثِيِّ؛ بِمَعْناهُ؛ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: ”شَطَّ في الحُكْمِ“؛ و”أشَطَّ“؛ إذا جارَ؛ ولِذا أيْضًا فَكَ الإدْغامَ؛ إشارَةً إلى أنَّ النَّهْيَ إنَّما هو عَنِ الشَّطَطِ الواضِحِ جِدًّا؛ ولَمّا كانَ الحَقُّ لَهُ أعْلى؛ وأدْنى؛ وأوْسَطُ؛ طَلَبُوا التَّعْرِيفَ بِالأوْسَطِ؛ فَقالُوا ﴿واهْدِنا﴾؛ أيْ: أرْشِدْنا؛ ﴿إلى سَواءِ﴾؛ أيْ: وسَطِ ﴿الصِّراطِ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ فَلا يَكُونَ بِسَبَبِ التَّوَسُّطِ مَيْلٌ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ الإفْراطِ في تَتَبُّعِ مَداقِّ الأمْرِ؛ والتَّفْرِيطِ في إهْمالِ ذَلِكَ.

ص 38:23

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الدَّعْوى بِأمْرٍ مُسْتَغْرَبٍ؛ يَكادُ ألّا يَسْمَعَهُ أحَدٌ إلّا أنْكَرَهُ؛ ساقَ الكَلامَ مُؤَكَّدًا؛ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ يُشِيرُ إلى شَخْصٍ مِنَ الدّاخِلِينَ؛ ثُمَّ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أخِي﴾؛ أيْ: في الدِّينِ؛ والصُّحْبَةِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أخِي“؛ هو الخَبَرَ؛ والتَّأْكِيدُ حِينَئِذٍ لِأجْلِ اسْتِبْعادِ مُخاصَمَةِ الأخِ؛ وعُدْوانِهِ عَلى أخِيهِ؛ ويَكُونَ ما بَعْدَهُ اسْتِئْنافًا؛ ﴿ولِيَ﴾؛ أيْ: أنا أيُّها المُدَّعِي؛ ﴿نَعْجَةً﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُحْتَمِلًا لِأنْ يَكُونُ جِنْسًا؛ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةٌ﴾؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقالَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأكْثَرُ؛ ﴿أكْفِلْنِيها﴾؛ أيْ: أعْطِنِيها؛ لِأكُونَ كافِلًا لَها؛ ﴿وعَزَّنِي﴾؛ أيْ: غَلَبَنِي؛ وقَوِيَ عَلَيَّ؛ واشْتَدَّ؛ وأغْلَظَ بِي؛ ﴿فِي الخِطابِ﴾؛ أيْ: الكَلامِ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ مِن جِدالٍ (p-٣٥٩)وغَيْرِهِ؛ بِأنْ حاوَرَنِي إلى أنْ أمَلَّنِي؛ فَسَكَتُّ عَجْزًا عَنِ التَّمادِي مَعَهُ؛ ولَمْ يَقْنَعْ مِنِّي بِشَيْءٍ دُونَ مُرادِهِ.

ص 38:24

ولَمّا تَمَّتِ الدَّعْوى؛ حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى الجَوابِ؛ فاسْتُؤْنِفَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ ما قُلْتَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا رَأى الخَصْمَ قَدْ سَكَتَ؛ ولَمْ يُنْكِرْ مِمّا قالَ المُدَّعِي شَيْئًا؛ ورُبَّما أظْهَرَ هَيْئَةً تَدُلُّ عَلى تَصْدِيقِهِ؛ قالَ ذَلِكَ؛ فَعُوتِبَ؛ وإنْ كانَ لَهُ مُخْرَجٌ؛ كُلُّ ذَلِكَ تَدْرِيبًا عَلى التَّثَبُّتِ في القَضاءِ؛ وألّا يُنَحّى نَحْوَ القَرائِنِ؛ وألّا يَقْنَعَ فِيهِ إلّا بِمِثْلِ الشَّمْسِ؛ وأكَّدَ قَوْلَهُ في سِياقِ القَسَمِ؛ رَدْعًا لِلظّالِمِ؛ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الدَّعْوى؛ بِالمُبالَغَةِ في إنْكارِ فِعْلِهِ؛ لِأنَّ حالَ مَن فَعَلَ شَيْئًا مُؤْذِنٌ بِإنْكارِ كَوْنِهِ ظالِمًا؛ وكَوْنِ فِعْلِهِ ظُلْمًا؛ مُفْتَتِحًا لِقَوْلِهِ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ؛ لِاقْتِضاءِ حالِ الدَّعْوى لَهُ؛ ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾؛ أيْ: واللَّهِ قَدْ أوْقَعَ ما فَعَلَهُ مَعَكَ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ؛ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ دَعْواكَ؛ ﴿بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾؛ أيْ: بِأنْ سَألَكَ أنْ يَضُمَّها؛ وأفادَ أنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى نِعاجِهِ﴾؛ بِنَفْسِهِ؛ أوْ بِغَيْرِهِ نِيابَةً عَنْهُ؛ ولِذا لَمْ يَقُلْ: بِسُؤالِهِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى ذَلِكَ أمْرًا كُلِّيًّا جامِعًا لَهُمْ؛ ولِغَيْرِهِمْ؛ واعِظًا؛ ومُرَغِّبًا؛ ومُرَهِّبًا؛ ولَمّا كانَتِ الخُلْطَةُ مُوجِبَةً لِظَنِّ الأُلْفَةِ؛ لِوُجُودِ العَدْلِ والنَّصَفَةِ؛ واسْتِبْعادِ وُجُودِ البَغْيِ مَعَها؛ أكَّدَ قَوْلَهُ - واعِظًا لِلْباغِي إنْ كانَ؛ ومُلَوِّحًا بِالإغْضاءِ والصُّلْحِ (p-٣٦٠)لِلْمَظْلُومِ -: ﴿وإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ مِنكُمْ؛ ومِن غَيْرِكُمْ؛ ﴿لَيَبْغِي﴾؛ أيْ: يَتَعَدّى؛ ويَسْتَطِيلُ ﴿بَعْضُهُمْ﴾؛ عالِيًا؛ ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ فَيُرِيدُونَ غَيْرَ الحَقِّ؛ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مِنَ الخُلَطاءِ؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِما ادَّعَوْهُ مِنَ الإيمانِ؛ ﴿الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: كُلَّها؛ فَإنَّهم لا يَقَعُ مِنهم بَغْيٌ؛ ﴿وقَلِيلٌ﴾؛ وأكَّدَ قِلَّتَهُمْ؛ وعَجَّبَ مِنها بِما أبْهَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ما﴾؛ مِثْلُ ”نِعِمّا“؛ ولِأمْرٍ ما؛ ﴿هُمْ﴾؛ وأخَّرَ هَذا المُبْتَدَأ؛ وقَدَّمَ الخَبَرَ اهْتِمامًا بِهِ؛ لِأنَّ المُرادَ التَّعْرِيفُ بِشِدَّةِ الأسَفِ عَلى أنَّ العَدْلَ في غايَةِ القِلَّةِ؛ أيْ فَتَأسَّ بِهِمْ أيُّها المُدَّعِي؛ وكُنْ مِنهم أيُّها المُدَّعى عَلَيْهِ. ولَمّا أتَمَّ ذَلِكَ ذَهَبَ الدّاخِلُونَ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَرَ مِنهم أحَدًا؛ فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهُ لا خُصُومَةَ؛ وأنَّهم إنَّما أرادُوا أنْ يُجَرِّبُوهُ في الحُكْمِ؛ ويُدَرِّبُوهُ عَلَيْهِ؛ وأنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أنْ يَقُولَ ما لَمْ يَقَعْ إذا انْبَنى عَلَيْهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تُعِينُ ذَلِكَ الكَلامَ طَرِيقًا لِلْوُصُولِ إلَيْها؛ أوْ كانَ أحْسَنَ الطُّرُقِ؛ مَعَ خُلُوِّ الأمْرِ عَنْ فَسادٍ؛ وحاصِلُهُ أنَّهُ تَذَكُّرُ كَلامٍ؛ والمُرادُ بِهِ بَعْضُ لَوازِمِهِ؛ فَهو مِثْلُ دَلالَةِ التَّضَمُّنُ في المُفْرَداتِ؛ وهَذا مِثْلُ قَوْلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أشُقَّهُ بَيْنَهُما“؛ ولَيْسَ مُرادُهُ إلّا ما يَلْزَمُ عَنْ ذَلِكَ مِن (p-٣٦١)مَعْرِفَةِ الصّادِقَةِ؛ والكاذِبَةِ؛ بِإباءِ الأُمِّ لِذَلِكَ؛ وتَسْلِيمِ المُدَّعِيَةِ كَذِبًا؛ وتَحْقِيقَهُ أنَّهُ لا مُلازَمَةَ بَيْنَ الكَلامِ وإرادَةِ المَعْنى المُطابِقِ لِمُفْرَداتِ ألْفاظِهِ؛ بِدَلِيلِ لَغْوِ اليَمِينِ؛ وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِصَفِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: «”عَقْرى حَلْقى“؛» ولِأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - «”تَرِبَتْ يَمِينُكِ“؛» وقَوْلُهُ ﷺ: «”ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ“؛» مُشِيرٌ إلى أنَّ الكَلامَ قَدْ لا يُرادُ بِهِ مَعْناهُ؛ ومِن هُنا كانَ الحُكْمُ في ألْفاظِ الكِناياتِ أنَّهُ لا يَقَعُ بِها شَيْءٌ إلّا إنِ اقْتَرَنَ بِقَصْدِ المَعْنى؛ ولَمّا كانَ هَذا القَدْرُ مَعْلُومًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وظَنَّ داوُدُ﴾؛ أيْ: بِذَهابِهِمْ قَبْلَ فَصْلِ الأمْرِ؛ وقَدْ دَهَمَهُ مِن ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ؛ لا عَهْدَ لَهُ بِمِثْلِهِ؛ ﴿أنَّما فَتَنّاهُ﴾؛ أيْ: اخْتَبَرْناهُ بِهَذِهِ الحُكُومَةِ في الأحْكامِ الَّتِي يَلْزَمُ المُلُوكَ مِثْلُها؛ لِيَتَبَيَّنَ أمْرُهم فِيها؛ وعَلِمَ أنَّهُ بادَرَ إلى نِسْبَةِ المُدَّعى عَلَيْهِ إلى أنَّهُ ظَلَمَ؛ مِن قَبْلِ أنْ يَسْمَعَ كَلامَهُ؛ ويَسْألَهُ المُدَّعِي الحُكْمَ؛ فَعاتَبَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ؛ والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِعُلُوِّ مَقاماتِهِمْ يُعاتَبُونَ عَلى مِثْلِ هَذا؛ وهو مِن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ قَلْبًا؛ أيْ: هَذِهِ القِصَّةُ مَقْصُورَةٌ عَلى الفِتْنَةِ؛ لا تَعَلُّقَ لَها بِالخُصُومَةِ؛ ولَوْ كانَ المُرادُ ما قِيلَ مِن قِصَّةِ المَرْأةِ؛ الَّتِي عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ تَنْزِيهُهُ وسائِرَ إخْوانِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَنْ مِثْلِها؛ لَقِيلَ: ”وعَلِمَ داوُدُ“؛ ولَمْ يَقُلْ: وظَنَّ - (p-٣٦٢)كَما يَشْهَدُ بِذَلِكَ كُلُّ مَن لَهُ أدْنى ذَوْقٍ في المُحاوَراتِ -؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ والحارِثِ الأعْوَرِ أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”مَن حَدَّثَكم بِحَدِيثِ داوُدَ عَلى ما يَرْوِيهِ القُصّاصُ جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ“؛ وهو حَدُّ الفِرْيَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ورُوِيَ أنَّهُ حُدِّثَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ؛ وعِنْدَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ الحَقِّ؛ فَكَذَّبَ المُحَدِّثَ بِهِ؛ وقالَ: إنْ كانَتِ القِصَّةُ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَما يَنْبَغِي أنْ يُلْتَمَسَ خِلافُها؛ وأعْظِمْ بِأنْ يُقالَ غَيْرُ ذَلِكَ! وإنْ كانَتْ عَلى ما ذَكَرْتَ وكَفَّ اللَّهُ عَنْها سَتْرًا عَلى نَبِيِّهِ ﷺ؛ فَما يَنْبَغِي إظْهارُها عَلَيْهِ؛ فَقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَسَماعِي هَذا الكَلامَ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. وتِلْكَ القِصَّةُ وأمْثالُها مِن كَذِبِ اليَهُودِ؛ وأخْبَرَنِي بَعْضُ مَن أسْلَمَ مِنهم أنَّهم يَتَعَمَّدُونَ ذَلِكَ في حَقِّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن ذُرِّيَّتِهِ؛ لِيَجِدُوا السَّبِيلَ إلى الطَّعْنِ فِيهِ. ولَمّا ظَنَّ هَذا؛ سَبَّبَ لَهُ تَحْقِيقَ ما وصَفَهُ اللَّهُ مِنَ الأوْبَةِ؛ فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَغْفَرَ﴾؛ ولَمّا اسْتَغْرَقَتْهُ العَظَمَةُ الَّتِي هَذا مَخَرُّها؛ رَجَعَ إلى ذِكْرِ الإحْسانِ؛ واللُّطْفِ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّهُ﴾؛ أيْ: طَلَبَ الغُفْرانَ (p-٣٦٣)مِن مَوْلاهُ؛ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِ بِإحْلالِهِ ذَلِكَ المَحَلَّ العَظِيمَ مِن أنْ يَعُودَ لِلْحُكْمِ لِلْأوَّلِ بِدُونِ أنْ يَسْمَعَ الآخَرَ؛ ﴿وخَرَّ﴾؛ أيْ: سَقَطَ مِن قِيامِهِ؛ تَوْبَةً لِرَبِّهِ عَنْ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ الخُرُورُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ العِبادَةِ؛ قالَ: ﴿راكِعًا﴾؛ أيْ: ساجِدًا؛ لِأنَّ الخُرُورَ لا يَكُونُ إلّا لِلسُّقُوطِ عَلى الأرْضِ؛ ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَّرَهُ بِالسُّجُودِ؛ فِيما رَوى النِّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَجَدَ في ”ص“؛ وقالَ: ”سَجَدَها داوُدُ تَوْبَةً؛ ونَسْجُدُها شُكْرًا“؛» وعَبَّرَ بِالرُّكُوعِ عَنِ السُّجُودِ؛ لِيُفْهَمَ أنَّهُ كانَ عَنْ قِيامٍ؛ وأنَّهُ في غايَةِ السُّرْعَةِ؛ لِقُوَّةِ الِاهْتِمامِ بِهِ؛ وتَوَفُّرِ الدّاعِي إلَيْهِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ وصَلَ إلى السُّجُودِ في مِقْدارِ ما يَصِلُ غَيْرُهُ إلى الرُّكُوعِ؛ قالَ ابْنُ التَّيّانِيِّ في كِتابِهِ ”المُوعِبُ“: ”وكُلُّ شَيْءٍ يَكُبُّ لِوَجْهِهِ فَتَمَسُّ رُكْبَتُهُ الأرْضُ بَعْدَ أنْ يُطَأْطِئَ رَأسَهُ؛ فَهو راكِعٌ“؛ ابْنُ دُرَيْدٍ: ”الرّاكِعُ الَّذِي يَكْبُو عَلى وجْهِهِ“؛ انْتَهى؛ و”الرُّكْعَةُ“؛ بِالضَّمِّ: الهُوَّةُ مِنَ الأرْضِ؛ كَأنَّها سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَسْقُطُ فِيها عَلى الوَجْهِ؛ وكَأنَّها هي أصْلُ المادَّةِ؛ وقالَ في القامُوسِ: ”رَكَعَ“؛ أيْ: صَلّى؛ فَحِينَئِذٍ (p-٣٦٤)يَكُونُ المَعْنى: سَقَطَ مُصَلِّيًا؛ ومَعْلُومٌ أنَّ صَلاتَهم لا رُكُوعَ فِيها؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”آلِ عِمْرانَ“؛ و”البَقَرَةِ“؛ ﴿وأنابَ﴾؛ أيْ: تابَ؛ أيْ: رَجَعَ عَنْ أنْ يَعُودَ لِمِثْلِها؛

ص 38:25

ولَمّا كانَ الحالُ قَدْ يُشْكِلُ في الإخْبارِ عَنِ المَغْفِرَةِ لَوْ عَبَّرَ بِضَمِيرِ الغائِبِ؛ لِإيهامِ أنَّ رَبَّهُ غَيْرُ المُتَكَلِّمِ؛ وكانَ الغُفْرانُ لا يَحْسُنُ إلّا مَعَ القُدْرَةِ؛ عادَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إثْباتًا لِلْكَمالِ؛ ونَفْيًا لِلنَّقْصِ: فَقالَ: ﴿فَغَفَرْنا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وفي أثَرِهِ؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ وتَمامِ قُدْرَتِنا؛ غَفْرًا يُناسِبُ مِقْدارُهُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَهُ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الوُقُوعَ في الحَدِيثِ عَنْ إسْنادِ الظُّلْمِ إلى أحَدٍ بِدُونِ سَماعٍ لِكَلامِهِ؛ وكانَ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرَطَ عَلى رَبِّهِ - سُبْحانَهُ - لِأجْلِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ كُلَّ مَن سَبَّهُ؛ أوْ دَعا عَلَيْهِ؛ ولَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهُ صَلاةً؛ وبَرَكَةً ورَحْمَةً؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ لِتَدْرِيبِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الصَّبْرِ عَلى قَوْمِهِ؛ والثّانِي فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ عَلى ما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ مِن أوائِلِ ما أُنْزِلَ بِمَكَّةَ؛ وعَلى هَذا دَلَّ الحَدِيثُ السّابِقُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في شَكْوى المُشْرِكِينَ مِنهُ ﷺ إلى عَمِّهِ أبِي طالِبٍ الوُقُوعَ في آلِهَتِهِمْ؛ فَإنَّهُ كانَ في أوائِلِ الأمْرِ؛ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوَّلَ ما دَعاهم لَمْ يُؤْمَرْ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ؛ فَلَمْ يُجِيبُوهُ؛ ولَمْ يَبْعُدُوا عَنْهُ كُلَّ البُعْدِ؛ ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ بِذِكْرِ آلِهَتِهِمْ؛ فَناكَرُوهُ حِينَئِذٍ؛ (p-٣٦٥)وباعَدُوهُ؛ وتَقَدَّمُوا ذَلِكَ بِالشَّكْوى إلى أبِي طالِبٍ؛ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ لِيَرُدَّهُ عَنْهُ؛ فَكانَتْ هَذِهِ الدَّعْوى تَدْرِيبًا لِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأحْكامِ؛ وذَكَرَها لِلنَّبِيِّ ﷺ تَدْرِيبًا لَهُ عَلى الأناةِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ عَلى الدَّوامِ. ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذا رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في مَقامِهِ ﷺ؛ سِيقَ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَهُ﴾؛ أيْ: مَعَ الغُفْرانِ؛ وعِظَمِ ذَلِكَ؛ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ ما يُنْسَبُ إلى العَظِيمِ لا يَكُونُ إلّا عَظِيمًا؛ فَقالَ: ﴿عِنْدَنا﴾؛ وزادَ في إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِذَلِكَ؛ نَفْيًا لِذَلِكَ الَّذِي رُبَّما تُوُهِّمَ؛ فَأكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَزُلْفى﴾؛ أيْ: قُرْبَةً عَظِيمَةً ثابِتَةً بَعْدَ المَغْفِرَةِ؛ ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أيْ: مَرْجِعٍ؛ في كُلِّ ما يُؤَمَّلُ مِنَ الخَيْرِ؛ وفَوْقَ ذَلِكَ؛ فَهَذا مُعَلِّمٌ؛ ولا بُدَّ بِأنَّ هَذِهِ القَضِيَّةَ لَمْ يَجُرَّ إلى ذِكْرِها إلّا التَّرْقِيَةُ في رُتَبِ الكَمالِ؛ لا غَيْرُ ذَلِكَ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى ما ذَكَرْتُهُ - أنَّ هَذِهِ الفِتْنَةَ إنَّما هي بِالتَّدْرِيبِ في الحُكْمِ؛ لا بِامْرَأةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ وأنَّ ما ذَكَرُوهُ مِن قِصَّةِ المَرْأةِ باطِلٌ؛ وإنِ اشْتُهِرَ؛ فَكَمْ مِن باطِلٍ مَشْهُورٍ ومَذْكُورٍ هو عَيْنُ الزُّورِ - قَوْلُهُ (تَعالى) عَقِبَها - عَلى هَيْئَةِ الِاسْتِثْمارِ مِنها؛ صارِفًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ (p-٣٦٦)العَظْمَةِ؛ إلى المُواجَهَةِ بِلَذِيذِ الخِطابِ؛ عَلى نَحْوِ ما يَجْرِي بَيْنَ الأحْبابِ -:

ص 38:26

﴿يا داوُدُ﴾؛ ولَمّا كانَ مَضْمُونُ الخَبَرِ لِزِيادَةِ عَظَمَةٍ؛ مِمّا مِن شَأْنِهِ أنْ تَسْتَنْكِرَهُ نُفُوسُ البَشَرِ؛ أكَّدَهُ لِذَلِكَ؛ وإظْهارًا لِأنَّهُ مِمّا يُرْغَبُ فِيهِ لِحُسْنِهِ؛ وجَمِيلِ أثَرِهِ؛ ويَنْشَطُ غايَةَ النَّشاطِ لِذِكْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿جَعَلْناكَ﴾؛ فَلا تَحْسِبْ لِشَيْءٍ مِن أسْبابِهِ حِسابًا؛ ولا تَخْشَ لَهُ عاقِبَةً؛ ﴿خَلِيفَةً﴾؛ أيْ: مِن قِبَلِنا؛ تُنَفِّذُ أوامِرَنا في عِبادِنا؛ فَحُكْمُكَ حُكْمُنا؛ وحَذَفَ ما يُعْلَمُ أنَّهُ مُرادٌ؛ مِن نَحْوِ ”قُلْنا“؛ إشارَةً إلى أنَّهُ اسْتُقْبِلَ بِهَذا الكَلامِ الألَذِّ عِنْدَ فَراغِهِ مِنَ السُّجُودِ؛ إعْلامًا بِصِدْقِ ظَنِّهِ؛ وقالَ: ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ إشارَةً إلى إطْلاقِ أمْرِهِ في جَمِيعِها؛ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ فِيما فَعَلَ في أيِّ بَلَدٍ أرادَها؛ ولَمْ يَذْكُرِ المَخْلُوفَ تَعْظِيمًا لَهُ بِالإشارَةِ إلى أنَّ كُلَّ ما جَوَّزَهُ العَقْلُ فِيهِ فَهو كَذَلِكَ؛ فَهو كانَ خَلِيفَةً في بَيْتِ المَقْدِسِ بِالفِعْلِ؛ عَلى ما اقْتَضاهُ صَرِيحُ الكَلامِ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”فِي“؛ وأشارَ الإطْلاقُ والتَّعْبِيرُ بِـ ”ال“؛ إلى أنَّها الأرْضُ الكامِلَةُ؛ لِانْبِساطِ الحَقِّ مِنها بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ عَلى سائِرِ الأرْضِ؛ وهو خَلِيفَةٌ في جَمِيعِ الأرْضِ بِالقُوَّةِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ مَهْما حَكَمَ فِيها صَحَّ؛ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُرْسَلُ إلى قَوْمِهِ خاصَّةً؛ فَيَكُونُ (p-٣٦٧)ما يُؤَدِّيهِ إلَيْهِ واجِبًا عَلَيْهِ؛ وأمّا بَقِيَّةُ النّاسِ فَأمْرُهُ مَعَهم مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ مَهْما فَعَلَهُ مِنهُ صَحَّ؛ ومَضى؛ ثُمَّ كانَ خَلِيفَةً في جَمِيعِ الأرْضِ حَقِيقَةً بِالفِعْلِ؛ بِابْنِهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاسْتَوْفى الإطْلاقَ؛ و”ال“؛ المُكَمِّلَةَ أقْصى ما يُرادُ مِنهُ؛ إعْلامًا بِأنَّ كَلامَ القَدِيرِ كُلَّهُ كَذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَظْهَرْ في الحالَةِ الرّاهِنَةِ؛ وذَلِكَ كَما أنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ؛ وبِسَبَبِهِ؛ مُحَمَّدًا ﷺ؛ كانَ خَلِيفَةً بِالفِعْلِ في أرْضِ العَرَبِ؛ الَّتِي هي الأرْضُ كُلُّها؛ لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِنها؛ وبَيْتَها أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ؛ وهو قِيامٌ لَهُمْ؛ ومِنهُ انْبَسَطَ القِيامُ بِالنُّورِ والعَدْلِ عَلى جَمِيعِ الأرْضِ؛ وفي جَمِيعِ الأرْضِ بِالقُوَّةِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ مَهْما حَكَمَ بِهِ فِيها مَضى؛ فَقَدْ أعْطى تَمِيمًا الدّارِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرْضَ بَلَدِ الخَلِيلِ؛ مِن بِلادِ الشّامِ؛ قَبْلَ أنْ يُفْتَحَ؛ وصَحَّ؛ ونُفِّذَ؛ وأعْطى شُوَيْلًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِنْتَ بُقَيْلَةٍ مِن أهْلِ الحِيَرَةِ؛ وصَحَّ ذَلِكَ؛ ونُفِّذَ؛ وقَبَضَ كُلٌّ مِنهُما عِنْدَ الفَتْحِ ما أعْطاهُ ﷺ؛ ثُمَّ يَكُونُ خَلِيفَةً في جَمِيعِ الأرْضِ بِالفِعْلِ؛ بِخَلِيفَتِهِ الَّذِي أيَّدَهُ اللَّهُ بِهِ في دِينِهِ؛ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي هو مِن ذُرِّيَّةِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ثُمَّ في جَمِيعِ الوُجُودِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَوْمَ الشَّفاعَةِ العُظْمى؛ يَوْمَ يَكُونُ الأنْبِياءُ كُلُّهم تَحْتَ لِوائِهِ؛ ويَغْبِطُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ بِذَلِكَ المَقامِ المَحْمُودِ. (p-٣٦٨)ولَمّا تَمَّتِ النِّعْمَةُ؛ سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ مِن أيِّ قَوْمٍ كانُوا؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ ولَمّا كانَ أعْدى عَدُوٍّ لِلْإنْسانِ نَفْسَهُ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ؛ لِما لَها مِنَ الشَّهَواتِ؛ وأعْظَمُ جِناياتِهِ؛ وأقْبَحُ خَطاياهُ ما تَأثَّرَ عَنْها مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى أمْرِ اللَّهِ؛ قالَ - مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَفا الخَطَراتِ؛ وما بادَرَ الإنْسانُ الرُّجُوعَ عَنْهُ والخَلاصَ مِنهُ؛ تَوْبَةً إلى اللَّهِ (تَعالى) -: ﴿ولا تَتَّبِعِ الهَوى﴾؛ أيْ: ما يَهْوِي بِصاحِبِهِ؛ فَيُسْقِطُهُ مِن أوْجِ الرِّضْوانِ إلى حَضِيضِ الشَّيْطانِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَيُضِلَّكَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الِاتِّباعُ؛ أوِ الهَوى؛ لِأنَّ النَّفْسَ إذا ضَرَبَتْ عَلى ذَلِكَ صارَ لَها خُلُقًا؛ فَغَلَبَ صاحِبَها عَنْ رَدِّها عَنْهُ؛ ولَفَتَ القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ تَعْظِيمًا لِأمْرِ سَبِيلِهِ؛ وحَثًّا عَلى لُزُومِهِ؛ والتَّشَرُّفِ بِحُلُولِهِ؛ فَقالَ: ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِهِ الَّتِي شَرَعَها لِلْوُصُولِ إلَيْهِ؛ بِما أنْزَلَ مِنَ النَّقْلِ المُؤَيَّدِ بِأدِلَّةِ ما خَلَقَ مِنَ العَقْلِ؛ ولا يُوصَلُ إلَيْهِ بِدُونِها؛ لِأنَّ اتِّباعَهُ يُوجِبُ الِانْهِماكَ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ؛ والإهْمالَ لِتَكْمِيلِ القُوى الرُّوحانِيَّةِ؛ المُوصِلَةِ إلى السَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ؛ فَإنَّ دَواعِيَ البَدَنِ والرُّوحِ مُتَضادَّتانِ؛ فَبِقَدْرِ زِيادَةِ إحْداهُما تَنْقُصُ الأُخْرى. (p-٣٦٩)ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ نَزّاعَةً إلى الهَوى؛ مَيّالَةً عَنِ السَّوى؛ قالَ - مُعَلِّلًا لِلنَّهْيِ؛ مُؤَكِّدًا لِما لِلنَّفْسِ مِنَ التَّعَلُّلاتِ؛ عِنْدَ المُخالَفَةِ بِالكَرَمِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ الدّافِعِ لِلْعَذابِ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الضَّلالَ بِإهْمالِهِمُ التَّقْوى؛ المُوجِبِ لِاتِّباعِ الهَوى؛ المُقْتَضِي لِأنْ يَكُونَ مُتَّبِعُهُ ضالًّا؛ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أعادَهُ تَفْخِيمًا لِأمْرِهِ؛ وتَيَمُّنًا بِذِكْرِهِ؛ وإيذانًا بِأنَّ سَبِيلَهُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا؛ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِداوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا غَيْرُهُ فِيهِ؛ ﴿لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ضَلالِهِمْ. ولَمّا أمَرَ - سُبْحانَهُ -؛ ونَهى؛ وذَكَرَ أنَّ السَّبَبَ في النَّهْيِ كَراهَةُ الضَّلالِ؛ وعُلِمَ مِنهُ أنَّ سَبَبَ الضَّلالِ الهَوى؛ ذَكَرَ سَبَبَ هَذا السَّبَبِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالنِّسْيانِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ مِن شِدَّةِ ظُهُورِهِ كَما كانَ مَحْفُوظًا فَنُسِيَ؛ وفَكَّ المَصْدَرَ لِأنَّهُ أصْرَحُ؛ لِأنَّهُ لَوْ عَبَّرَ بِالمَصِدَرِ لَأمْكَنَ إضافَتُهُ إلى المَفْعُولِ؛ واخْتِيرَتْ ”ما“؛ دُونَ ”أنْ“؛ لِأنَّ صُورَتَها صُورَةُ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ؛ وهو أبْلَغُ مِمّا هو حَرْفٌ؛ صُورَةً ومَعْنًى -: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾؛ أيْ: عامَلُوهُ مُعامَلَةَ المَنسِيِّ؛ بَعْضُهم بِالإنْكارِ؛ وبَعْضُهم بِخُبْثِ الأعْمالِ؛ فَإنَّهم لَوْ ذَكَرُوهُ حَقِيقَةً لَما تابَعُوا الهَوى المُقْتَضِيَ لِلضَّلالِ؛ عَلى أنَّهُ مِمّا لا يَجْهَلُهُ مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ مِن عَقْلٍ؛ فَإنَّهُ لا يَخْطُرُ في عَقْلِ عاقِلٍ أصْلًا أنَّ أقَلَّ النّاسِ؛ وأجْهَلَهُمْ؛ يُرْسِلُ أحَدًا إلى مَزْرَعَةٍ لَهُ يَعْمَلُها؛ ثُمَّ لا يُحاسِبُهُ عَلَيْها؛ (p-٣٧٠)فَكَيْفَ إذا كانَ حَكِيمًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ مَلِكًا؟! فَكَيْفَ وهو مَلِكُ المُلُوكِ؟! وقالَ الغَزالِيُّ؛ في آخِرِ كِتابِ العِلْمِ؛ مِنَ الإحْياءِ؛ في الكَلامِ عَلى العَقْلِ: ثُمَّ لَمّا كانَ الإيمانُ مَرْكُوزًا في النُّفُوسِ بِالفِطْرَةِ؛ انْقَسَمَ النّاسُ إلى مَن أعْرَضَ فَنَسِيَ؛ وهُمُ الكُفّارُ؛ وإلى مَن جالَ فِكْرُهُ فَتَذَكَّرَ؛ وكانَ كَمَن حُمِّلَ شَهادَةً فَنَسِيَها بِغَفْلَةٍ؛ ثُمَّ تَذَكَّرَها؛ ولِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ”لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ“؛ ﴿ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ [المائدة: ٧] ﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]؛ وتَسْمِيَةُ هَذا النَّمَطِ ”تَذَكُّرًا“؛ لَيْسَ بِبَعِيدٍ؛ وكَأنَّ التَّذَكُّرَ ضَرْبانِ: أحَدُهُما أنْ يَذَّكَّرَ صُورَةً كانَتْ حاضِرَةَ الوُجُودِ في قَلْبِهِ؛ لَكِنْ غابَتْ بَعْدَ الوُجُودِ؛ والآخَرُ أنْ يَكُونَ عَنْ صُورَةٍ كانَتْ مُتَضَمَّنَةً فِيهِ بِالفِطْرَةِ؛ وهَذِهِ حَقائِقُ ظاهِرَةٌ لِناظِرٍ بِنُورِ البَصِيرَةِ؛ ثَقِيلَةٌ عَلى مَن يَسْتَرْوِحُ إلى السَّماعِ؛ والتَّقْلِيدِ؛ دُونَ الكَشْفِ والعِيانِ؛ انْتَهى؛ وقَدْ عُلِمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ؛ وما قَبْلَها أنَّ المَعْنى: اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ الآنَ؛ فَلْنَنْصُرَنَّكَ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ولَنُؤَيِّدَنَّكَ كَما أيَّدْنا داوُدَ العَظِيمَ الشَّأْنِ.

ص 38:27

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما قَضَيْناهُ في الأزَلِ بِيَوْمِ الحِسابِ؛ وتَوَعَّدْنا بِهِ؛ سُدًى“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - صارِفًا الكَلامَ عَنِ الغَيْبَةِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ العَظِيمَ تَأْبى لَهُ عَظَمَتُهُ غَيْرَ الجَدِّ العَظِيمِ -: (p-٣٧١)﴿وما خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالِيَّةً؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِما وقَعَ مِنَ الشِّقاقِ عِنادًا؛ لا جَهْلًا؛ ذَكَرَ مِنَ السَّماواتِ ما لا يُمْكِنُ النِّزاعُ فِيهِ؛ مَعَ أنَّ اللَّفْظَ لِلْجِنْسِ؛ فَيَشْمَلُ الكُلَّ؛ فَقالَ: ﴿السَّماءَ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَرَوْنَها؛ ﴿والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾؛ مِمّا تُحِسُّونَهُ مِنَ الرِّياحِ؛ وغَيْرِها؛ خَلْقًا ﴿باطِلا﴾؛ أيْ: لِغَيْرِ غايَةٍ أرَدْناها بِذَلِكَ؛ مِن حِسابِ مَن فِيهِما؛ كَما يُحاسِبُ أقَلُّ مَن فِيكم إجْزاءً ومُجازاةً مَن فِيهِما بِالثَّوابِ لِمَن أطاعَ؛ والعِقابِ لِمَن عَصى؛ كَما يَفْعَلُ أقَلُّ مُلُوكِكُمْ؛ فَإنَّ أدْنى النّاسِ عَقْلًا لا يَبْنِي بِناءً ضَخْمًا إلّا لِغايَةٍ أرادَها؛ وتِلْكَ الغايَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ؛ الَّذِينَ أعْطَيْناهُمُ القُوى والقَدْرَ في هَذِهِ الدّارِ؛ وبَثَثْنا بَيْنَهُمُ الأسْبابَ المُوجِبَةَ لِانْتِشارِ الصَّفاءِ فِيهِمْ؛ والأكْدارِ؛ وأعْطَيْناهُمُ العُقُولَ؛ تَنْبِيهًا عَلى ما يُرادُ؛ وأرْسَلْنا فِيهِمُ الرُّسُلَ؛ وأنْزَلْنا إلَيْهِمُ الكُتُبَ؛ بِالتَّعْرِيفِ بِما يُرْضِينا؛ ويُسْخِطُنا؛ فَنابَذُوا كُلَّ ذَلِكَ؛ فَلَوْ تَرَكْناهم بِلا جَمْعٍ لَهُمْ؛ ولا إنْصافٍ بَيْنَهم لَكانَ هَذا الخَلْقُ كُلُّهُ باطِلًا؛ لا حِكْمَةَ فِيهِ أصْلًا؛ لِأنَّ خَلْقَهُ لِلضُّرِّ؛ أوِ النَّفْعِ؛ أوْ لا لِواحِدٍ مِنهُما؛ والأوَّلُ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِالرَّحِيمِ الكَرِيمِ؛ والثّالِثُ باطِلٌ لِأنَّهُ كانَ في حالِ العَدَمِ كَذَلِكَ؛ فَلَمْ يَبْقَ لِلْإيجادِ مُرَجِّحٌ؛ فَتَعَيَّنَ الوَسَطُ؛ وهو النَّفْعُ؛ وهو لا يَكُونُ بِالدُّنْيا؛ لِأنَّ ضُرَّها أكْثَرُ مِن نَفْعِها؛ وتَحَمُّلُ ضُرٍّ كَثِيرٍ لِنَفْعٍ قَلِيلٍ (p-٣٧٢)غَيْرُ لائِقٍ بِالحَكِيمِ الكَرِيمِ؛ فَتَعَيَّنَ ما وقَعَ الوَعْدُ الصّادِقُ بِهِ؛ مِن نَفْعِ الآخِرَةِ؛ المُطابِقِ لِما ذُكِرَ مِن عَقْلِ العُقَلاءِ؛ وسِيَرِ النُّبَلاءِ. ولَمّا كانَ هَذا - وهو مُنابَذَةُ الحِكْمَةِ - عَظِيمًا جِدًّا؛ عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ البَعِيدُ عَنِ الصَّوابِ؛ ﴿ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: مَن أوْقَعَ هَذا الظَّنَّ في وقْتٍ ما؛ فَقَدْ أوْجَدَ الكُفْرَ؛ لِأنَّهُ جَحَدَ الحِكْمَةَ الَّتِي هي البَعْثُ؛ لِإظْهارِ صِفاتِ الكَمالِ؛ والمُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ؛ ومَن جَحَدَ الحِكْمَةَ فَقَدْ سَفَّهَ الخالِقَ؛ فَكانَ إقْرارُهُ بِأنَّهُ خالِقٌ كَـ ”لا إقْرارَ“؛ فَكانَ كافِرًا بِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الظَّنِّ قَوْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ﴾؛ أيْ: هَلاكٌ عَظِيمٌ بِسَبَبِ هَذا الظَّنِّ؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ بِهَذا الظَّنِّ؛ وبِغَيْرِهِ؛ ﴿مِنَ﴾؛ أيْ: مُبْتَدَأً مِن ﴿النّارِ﴾؛ أيْ: الحُكْمِ عَلَيْهِمْ بِها.

ص 38:28

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”أفَنَحْنُ نَخْلُقُ ذَلِكَ باطِلًا؛ فَلا يَكُونُ لَهُ مَآلٌ يَظْهَرُ فِيهِ حِكْمَتُهُ؛ ونَحْنُ مُنَزَّهُونَ عَنِ العَبَثِ؟“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - إنْكارًا لِما يَلْزَمُ مِن تَرْكِ البَعْثِ مِنَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ ما حَقُّهُ المُفاوَتَةُ فِيهِ؛ وذَلِكَ أشَدُّ مِنَ العَبَثِ؛ وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ -: ﴿أمْ نَجْعَلُ﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: امْتِثالًا (p-٣٧٣)لِأوامِرِنا؛ ﴿وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ؛ ﴿الصّالِحاتِ﴾؛ مِنَ الأعْمالِ؛ كالَّذِينَ أفْسَدُوا؛ وعَمِلُوا السَّيِّئاتِ؛ أمْ نَجْعَلُ المُصْلِحِينَ في الأرْضِ ﴿كالمُفْسِدِينَ﴾؛ أيْ: المَطْبُوعِينَ عَلى الفَسادِ؛ الرّاسِخِينَ فِيهِ؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالكُفْرِ وغَيْرِهِ؛ والتَّسْوِيَةِ بَيْنَهم لا يَشُكُّ عاقِلٌ في أنَّها سَفَهٌ؛ ﴿أمْ نَجْعَلُ﴾؛ عَلى ما لَنا مِنَ العِزِّ والمَنعَةِ؛ الَّذِينَ اتَّقَوْا كالَّذِينِ فَجَرُوا؛ أمْ نُصَيِّرُ ﴿المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في التَّقْوى المُوجِبَةِ لِلتَّوَقُّفِ عَنْ كُلِّ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ ﴿كالفُجّارِ﴾؛ أيْ: الخارِجِينَ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَنْ دائِرَةِ التَّقْوى؛ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أوْ مِن غَيْرِهِمْ؛ في أنَّ كُلًّا مِنَ المَذْكُورِينَ يَعِيشُ عَلى ما أدّى إلَيْهِ الحالُ في الدُّنْيا؛ وفي الأغْلَبِ يَكُونُ عَيْشُ الطّالِحِ أرْفَعَ مِن عَيْشِ الصّالِحِ؛ ثُمَّ يَمُوتُ ولا يَكُونُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ؟! ولا شَكَّ أنَّ المُساواةَ بَيْنَ المُصْلِحِ؛ والمُفْسِدِ؛ والمُتَّقِي؛ والمارِقِ؛ لا يَراها حَكِيمٌ؛ ولا غَيْرُهُ مِن سائِرِ أنْواعِ العُقَلاءِ؛ فَهو لا يَفْعَلُها - سُبْحانَهُ - وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ؛ وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ وأنَّهُ مُشِيرٌ إلى احْتِباكٍ آخَرَ؛ فَإنَّهُ ذَكَرَ ”الَّذِينَ آمَنُوا“؛ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى ”الَّذِينَ أفْسَدُوا“؛ ثانِيًا؛ وذَكَرَ ”المُفْسِدِينَ“؛ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى ”المُؤْمِنِينَ“؛ أوَّلًا؛ وأفْهَمَ ذَلِكَ ذِكْرَ الَّذِينَ اتَّقَوْا؛ وأضْدادَهُمْ؛ وسِرُّ ما ذُكِرَ؛ وما حُذِفَ؛ أنَّهُ ذَكَرَ أدْنى أسْنانِ الإيمانِ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِهِ؛ وأنَّهُ سَبَبُ السَّعادَةِ؛ وإنْ كانَ عَلى (p-٣٧٤)أدْنى الوُجُوهِ؛ وذَكَرَ أعْلى أحْوالِ الفَسادِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونُ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ؛ وذَكَرَ أعْلى أحْوالِ التَّقْوى؛ إيماءً إلى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِها ويَسْتَحِقُّ جَزاءَها إلّا الرّاسِخُ فِيها؛ تَرْغِيبًا لِلْمُؤْمِنِ في أنْ يَتَرَقّى إلى أوْجِها.

ص 38:29

ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ما ذَكَرَ في هَذا الذِّكْرِ مِنَ البَراهِينِ؛ الَّتِي لا يَأْباها إلّا مَدْخُولُ الفِكْرِ؛ مَخالَطُ العَقْلِ؛ ثَبَتَ أنَّهُ ذُو الذِّكْرِ والشَّرَفِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ القانُونُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الصَّلاحُ لِيُتَّبَعَ؛ والفَسادَ لِيُجْتَنَبَ؛ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ تَقْدِيرُهُ: ”هُوَ“ -: ﴿كِتابٌ﴾؛ أيْ: لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ما لا يُحاطُ بِهِ؛ ووَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْـزَلْناهُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ وذَلِكَ مِن عَظَمَتِهِ؛ لِأنَّكَ أعْظَمُ الخَلْقِ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ مُبْتَدَإٍ آخَرَ؛ مُبَيِّنٍ لِما قَبْلَهُ؛ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ؛ فَقالَ: ﴿مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: دائِمُ الخَيْرِ؛ كَثِيرُ النَّفْعِ؛ ثابِتٌ كُلُّ ما فِيهِ ثَباتًا لا يَزُولُ أبَدًا؛ ولا يَنْسَخُهُ كِتابٌ؛ ولا شَيْءٌ. ولَمّا ذَكَرَ ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ إشارَةً وعِبارَةً؛ ذَكَرَ غايَةَ إنْزالِهِ المَأْمُورَ بِها؛ فَقالَ: ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾؛ بِالفَوْقانِيَّةِ؛ وتَخْفِيفِ الدّالِ؛ بِالخِطابِ؛ (p-٣٧٥)فِي قِراءَةِ أبِي جَعْفَرٍ؛ مُشَرِّفًا لِلْأُمَّةِ؛ بِضَمِّهِمْ بِالخِطابِ إلى حَضْرَتِهِ الشَّمّاءِ ﷺ؛ ولافِتًا لِلْقَوْلِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالغَيْبِ وتَشْدِيدِ الدّالِ؛ إلى مَن يَحْتاجُ إلى التَّنْبِيهِ عَلى العِلَلِ؛ لِما لَهُ مِنَ الشَّواغِلِ المُوقِعَةِ في الخَلَلِ؛ وأمّا هو ﷺ فَفي غايَةِ الإنْعامِ لِلنَّظَرِ؛ والتَّدَبُّرِ بِأجْلى الفِكَرِ؛ مِن حِينِ الإنْزالِ؛ لِعِلْمِهِ بِعِلَّةِ الإنْزالِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ مِن شِدَّةِ إتْعابِهِ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ أُمِرَ بِالتَّخْفِيفِ؛ وضَمِنَ لَهُ (تَعالى) جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ؛ ﴿آياتِهِ﴾؛ أيْ: لِيَنْظُرُوا في عَواقِبِ كُلِّ آيَةٍ؛ وما تُؤَدِّي إلَيْهِ؛ وتُوصِلُ إلَيْهِ مِنَ المَعانِي الباطِنَةِ؛ الَّتِي أشْعَرَ بِها طُولُ التَّأمُّلِ في الظّاهِرِ؛ فَمَن رَضِيَ بِالِاقْتِصارِ عَلى حِفْظِ حُرُوفِهِ كانَ كَمَن لَهُ لِقْحَةٌ دَرُورٌ لا يَحْلِبُها؛ ومُهْرَةٌ نَتُوجٌ لا يَسْتَوْلِدُها؛ وكانَ جَدِيرًا بِأنْ يُضَيِّعَ حُدُودَهُ؛ فَيَخْسَرَ خُسْرانًا مُبِينًا. ولَمّا كانَ كُلُّ أحَدٍ مَأْمُورًا بِأنْ يَنْتَبِهَ؛ بِكُلِّ ما يَرى ويَسْمَعُ؛ عَلى ما وراءَهُ؛ ولَمْ يَكُنْ في وُسْعِ كُلِّ أحَدٍ الوُصُولُ إلى النِّهايَةِ في ذَلِكَ؛ قَنَعَ مِنهم بِما دُونَها؛ فَأُدْغِمَتْ تاءُ ”التَّفَعُّلِ“؛ في فاءِ الكَلِمَةِ؛ إشارَةً إلى ذَلِكَ؛ كَما تُشِيرُ إلَيْهِ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ ورُبَّما كانَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ إشارَةً إلى الِاجْتِهادِ في فَهْمِ (p-٣٧٦)خَفاياهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلذِّكْرِ؛ وأُسْنِدَ إلى خُلاصَةِ الخَلْقِ؛ وكانَ اسْتِحْضارُ ما كانَ عِنْدَ الإنْسانِ وغَفَلَ عَنْهُ لا يَشُقُّ؛ لِظُهُورِهِ؛ أظْهَرَ التّاءَ؛ حَثًّا عَلى بَذْلِ الجُهْدِ في إعْمالِ الفِكْرِ؛ والمُداوَمَةِ عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ يُفْضِي بَعْدَ المُقَدِّماتِ الظَّنِّيَّةِ إلى أُمُورٍ يَقِينِيَّةٍ؛ قَطْعِيَّةٍ؛ إمّا مَحْسُوسَةٍ؛ أوْ لَها شاهِدٌ في الحِسِّ؛ فَقالَ: ﴿ولِيَتَذَكَّرَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ التَّدَبُّرِ؛ تَذَكُّرًا عَظِيمًا جَلِيًّا - بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ -؛ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما أرْشَدَ إلَيْهِ؛ مِمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ لَهم في أنْفُسِهِمْ؛ وفي الآفاقِ؛ فَإنَّهم يَجِدُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ؛ بِحِسٍّ أوْ غَيْرِهِ؛ في أنْفُسِهِمْ؛ أوْ غَيْرِها؛ لا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِمّا في القُرْآنِ عَنِ النَّظَرِ إلى شَيْءٍ مَعْلُومٍ لِلْإنْسانِ؛ لا نِزاعَ لَهُ فِيهِ أصْلًا؛ ولَكِنَّ اللَّهَ (تَعالى) يُبْدِيهِ لِمَن يَشاءُ؛ ويُخْفِيهِ عَمَّنْ يَشاءُ: ”سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ“؛ وأظْهَرُهُ يَوْمُ القِيامَةِ؛ فَإنَّهُ مَرْكُوزٌ في طَبْعِ كُلِّ أحَدٍ أنَّ الرَّئِيسَ لا يَدَعُ مَن تَحْتَ يَدِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ أصْلًا.

ص 38:30

ولَمّا كانَ الإنْسانُ؛ وإنْ أطالَ التَّدَبُّرَ؛ وأقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ عَلى التَّذَكُّرِ؛ لا بُدَّ لَهُ مِن نِسْيانٍ؛ وغَفْلَةٍ؛ وذُهُولٍ؛ ولَمّا كانَ المَمْدُوحُ إنَّما هو الرَّجّاعُ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ“؛» وكانَ اللَّهُ (تَعالى) هو المَلِكَ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ والمالِكَ الَّذِي لَهُ المِلْكُ كُلُّهُ؛ فَهو يَرْفَعُ (p-٣٧٧)مَن يَشاءُ؛ مِمَّنْ لا يَخْطُرُ في وهْمٍ أنْ يَرْتَفِعَ؛ ويَخْفِضُ مَن يَشاءُ؛ مِمَّنْ عَلا في المُلْكِ حَتّى لا يَقَعَ في خاطِرٍ أنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ خَلَلٌ؛ ولا سِيَّما إنْ كانَ عَلى أعْلى خِلالِ الطّاعَةِ؛ لِيُبَيِّنَ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ هو الفاعِلُ المُخْتارُ؛ فَلا يَزالَ خَيْرُهُ مَرْجُوًّا؛ وانْتِقامُهُ مَرْهُوبًا مَخْشِيًّا؛ قالَ (تَعالى): ﴿ووَهَبْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الحِكْمَةِ والعَظْمَةِ؛ ﴿لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾؛ فَجاءَ عَدِيمَ النَّظِيرِ في ذَلِكَ الزَّمانِ؛ دِينًا؛ ودُنْيا؛ وعِلْمًا؛ وحِكْمَةً؛ وحِلْمًا؛ وعَظَمَةً؛ ورَحْمَةً؛ ولِذَلِكَ نَبَّهَ عَلى أمْثالِ هَذِهِ المَعانِي بِاسْتِئْنافِ الإخْبارِ عَمّا حَرَّكَ النَّفْسَ إلى السُّؤالِ عَنْها؛ مِن إسْنادِ الهِبَةِ إلى نُونِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِسُرْعَةِ الِانْتِباهِ مِنَ الغَفْلاتِ؛ والتَّفَضِّي مِنَ الهَفْواتِ؛ والتَّوْبَةِ مِنَ الزَّلّاتِ؛ وبَيانِ أنَّ الِابْتِلاءَ لَيْسَ مُنْحَصِرًا في العُقُوباتِ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِرِفْعَةِ الدَّرَجاتِ؛ وكانَ هَذا بَعِيدًا مِنَ العاداتِ؛ عَلَّلَ مَدْحَهُ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ إلى الِازْدِيادِ مِنَ الِاجْتِهادِ في المُبالَغَةِ في الشُّكْرِ؛ والصَّبْرِ عَلى الضُّرِّ؛ كُلَّما عَلا مِن مَقامٍ؛ بِالِاسْتِغْفارِ مِنهُ؛ وعَدِّهِ مَعَ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ مِمّا يُرْغَبُ عَنْهُ.

ص 38:31

ولَمّا كانَتِ الخَيْلُ مِن أعْظَمِ ما زُيِّنَ لِلنّاسِ مِن حُبِّ الشَّهَواتِ؛ (p-٣٧٨)وكانَ السِّياقُ لِلْعِزَّةِ؛ والشِّقاقِ؛ الدّالَّيْنِ عَلى عَظِيمِ الِاحْتِياجِ إلى ما يَكُفُّ ذَلِكَ؛ مِمّا أعْظَمُهُ الخَيْلُ؛ ذَكَرَ فِيها أمْرًا لَهُ ﷺ؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ مَعَ ما لَهُ مِن عَظَمَةِ المُلْكِ؛ كَثِيرُ الأوْبَةِ؛ عَظِيمُها؛ لِأنَّ مَن لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ طَبْعًا؛ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ما فَعَلَ؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: اذْكُرْ؛ لِتَقِفَ عَلى شاهِدِ ما أخْبَرْناكَ بِهِ؛ حِينَ ﴿عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ﴾؛ أيْ: فِيما بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ؛ ﴿الصّافِناتُ﴾؛ أيْ: الخُيُولُ العَرَبِيَّةُ الخالِصَةُ؛ الَّتِي لا تَكادُ تَتَمالَكُ بِجَمِيعِ قَوائِمِها الِاعْتِمادَ عَلى الأرْضِ؛ اخْتِيالًا بِأنْفُسِها؛ وقُرْبًا مِنَ الطَّيَرانِ بِلَطافَتِها؛ وهِمَّتِها؛ وإظْهارًا لِقُوَّتِها؛ ورَشاقَتِها؛ وخِفَّتِها؛ قالَ في القامُوسِ: ”صَفَنَ الفَرَسُ يَصْفَنُ صُفُونًا“: قامَ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ؛ وطَرْفِ حافِرِ الرّابِعَةِ؛ وقالَ القَزّازُ: قامَ عَلى ثَلاثِ قَوائِمَ؛ وقائِمَةٍ يَرْفَعُها عَنِ الأرْضِ أوْ يَنالُ سُنْبُكُها الأرْضَ لِيَسْتَرِيحَ بِذَلِكَ؛ وأكْثَرُ ما تَصْفَنُ الخَيْلُ العِتاقُ؛ قالَ: وقالُوا: كُلُّ ذِي حافِرٍ يَفْعَلُهُ؛ ولَكِنَّهُ مِنَ الجِيادِ أكْثَرُ؛ لا يَكادُ يَكُونُ إلّا في العِرابِ الخُلَّصِ؛ وقِيلَ: ”الصّافِنُ“: الَّذِي يَجْمَعُ يَدَيْهِ؛ ويَثْنِي طَرْفَ سُنْبُكِ إحْدى رِجْلَيْهِ؛ وقِيلَ: ”الصّافِنُ“: الَّذِي يَرْفَعُ سُنْبُكَ إحْدى يَدَيْهِ؛ فَإذا رَفَعَ طَرْفَ سُنْبُكِ إحْدى رِجْلَيْهِ فَهو مُخَيِّمٌ؛ و”قَدْ أخامَ“؛ إذا فَعَلَ ذَلِكَ. ولَمّا تَحَرَّرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُجْمِلَ الصّافِنَ عَلى غَيْرِ العَتِيقِ؛ وإنْ كانَ قَلِيلًا؛ حَقَّقَ أنَّ المُرادَ الوَصْفُ بِالجَوْدَةِ؛ واقِفَةً وجارِيَةً؛ فَقالَ: ﴿الجِيادُ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَجُودُ في جَرْيِها بِأعْظَمِ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ جَمْعُ ”جَوادٌ“؛ (p-٣٧٩)فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ عَلَيْهِ حَتّى فاتَتْهُ صَلاةُ آخِرِ النَّهارِ؛ وكانَ المَفْرُوضُ عَلى مَن تَقَدَّمَنا رَكْعَتَيْنِ أوَّلَ النَّهارِ؛ ورَكْعَتَيْنِ آخِرَهُ؛ فانْتَبَهَ في الحالِ.

ص 38:32

ولَمّا كانَ بَيانُ ضَخامَةِ مُلْكِهِ؛ وكَثْرَةِ هَيْبَتِهِ وعِزَّتِهِ؛ مَعَ زِيادَةِ أوْبَتِهِ؛ لِتَحْصُلَ التَّأْسِيَةُ بِهِ في حُسْنِ ائْتِمارِهِ؛ وانْتِهائِهِ؛ والتَّسْلِيَةِ بِابْتِلائِهِ مَعَ ذَلِكَ مِن شَرَفِهِ وبَهائِهِ؛ أشارَ إلى كَثْرَةِ الخَيْلِ جِدًّا؛ وزِيادَةِ مَحَبَّتِهِ لَهُ؛ وسُرْعَةِ أوْبَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾؛ ولَمّا كانَ اللّائِقُ بِحالِهِ؛ والمَعْرُوفُ مِن فِعالِهِ؛ أنَّهُ لا يُؤْثِرُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ شَيْئًا؛ فَلا يَكادُ أحَدٌ مِمَّنْ شاهَدَ ذَلِكَ يَظُنُّ بِهِ ذَلِكَ؛ بَلْ يُوَجِّهُونَ لَهُ في ذَلِكَ وُجُوهًا؛ ويَحْمِلُونَهُ عَلى مَحامِلَ تَلِيقُ بِما يَعْرِفُونَهُ مِن حالٍ مِنَ الإقْبالِ عَلى اللَّهِ؛ والغِنا عَمّا سِواهُ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ - تَواضُعًا لِلَّهِ (تَعالى)؛ لِيَعْتَقِدُوا أنَّهُ بَشَرٌ؛ يَجُوزُ عَلَيْهِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِمْ؛ لَوْلا عِصْمَةُ اللَّهِ -: ﴿إنِّي﴾؛ ولَمّا كانَ الحُبُّ أمْرًا باطِنًا لا يَظْهَرُ في شَيْءٍ إلّا بِكَثْرَةِ الِاشْتِغالِ بِهِ؛ وكانَ الِاشْتِغالُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ الحُبِّ؛ فَهو غَيْرُ دالٍّ عَلَيْهِ؛ إلّا بِقَرائِنَ؛ قالَ - اعْتِرافًا -: ﴿أحْبَبْتُ﴾؛ أيْ: أوْجَدْتُ؛ وأظْهَرْتُ بِما ظَهَرَ مِنِّي مِنَ الِاشْتِغالِ بِالخَيْلِ؛ مَقْرُونًا ذَلِكَ بِأدِلَّةِ الوُدِّ؛ ﴿حُبَّ الخَيْرِ﴾ (p-٣٨٠)وهُوَ المالُ؛ بَلْ خُلاصَةُ المالِ؛ وسَبَبُ كُلِّ خَيْرٍ دُنْيَوِيٍّ؛ وأُخْرَوِيٍّ: «”الخَيْلُ مَعْقُودٌ في نَواصِيها الخَيْرُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ“؛» أظْهَرْتُ ذَلِكَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ غافِلًا ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾؛ المُحْسِنِ إلَيَّ بِهَذِهِ الخَيْلِ؛ الَّتِي شَغَلَتْنِي وغَيْرُها؛ فَلَمْ أذْكُرْهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي كانَتْ وظِيفَةَ الوَقْتِ؛ وإنْ كانَ غَرَضِي لَها لِكَوْنِهِ في طاعَتِهِ ذِكْرًا لَهُ؛ ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ بِي ﴿حَتّى تَوارَتْ﴾؛ أيْ: الشَّمْسُ المَفْهُومَةُ مِن ”العَشِيِّ“؛ ﴿بِالحِجابِ﴾؛ وهي الأرْضُ الَّتِي حالَتْ بَيْنَنا وبَيْنَها؛ فَصارَتْ وراءَها حَقِيقَةً.

ص 38:33

ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعُ إلى الفِعْلِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ الوَصْفَ بِـ ”أوّابٌ“؛ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ في لَوْمِهِ نَفْسَهُ لِيَجْمَعَ بَيْنَ مَعْرِفَةِ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿رُدُّوها﴾؛ أيْ: قالَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: رُدُّوا ﴿عَلَيَّ﴾؛ الخُيُولَ الَّتِي شَغَلَتْنِي؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَرَدُّوها عَلَيْهِ“؛ نَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَطَفِقَ﴾؛ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ ظافِرًا بِمُرادِهِ؛ لازِمًا لَهُ؛ مُصَمِّمًا عَلَيْهِ؛ واصِلًا لَهُ؛ مُعْتَمِدًا عَلى اللَّهِ في التَّقْوِيَةِ عَلى العَدُوِّ؛ لا عَلى الأسْبابِ الَّتِي مِن أعْظَمِها الخَيْلُ؛ مُفارِقًا ما كانَ سَبَبَ ذُهُولِهِ عَنِ الذِّكْرِ؛ مُعْرِضًا عَمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ القَلْبُ؛ مُتَقَرِّبًا بِهِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ كَما يُتَقَرَّبُ في هَذِهِ المِلَّةِ (p-٣٨١)بِالضَّحايا؛ ﴿مَسْحًا﴾؛ أيْ: يُوقِعُ المَسْحَ - أيْ: القَطْعَ - فِيها بِالسَّيْفِ؛ إيقاعًا عَظِيمًا؛ ولَمّا كانَ السَّيْفُ إنَّما يَقَعُ في جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنَ العُضْوَيْنِ؛ أدْخَلَ الباءَ؛ فَقالَ: ﴿بِالسُّوقِ﴾؛ أيْ: مِنها؛ ﴿والأعْناقِ﴾؛ يَضْرِبُها ضَرْبًا بِسَيْفٍ ماضٍ؛ وساعِدٍ شَدِيدٍ؛ وصُنْعٍ سَدِيدٍ؛ يَمْضِي فِيها مِن غَيْرِ وقْفَةٍ أصْلًا؛ حَتّى كَأنَّهُ يَمْسَحُهُ مَسْحًا عَلى ظاهِرِ جُلُودِها؛ كَما يُقالُ: مَسَحَ عِلاوَتَهُ؛ أيْ: ضَرَبَ عُنُقَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

ص 38:34

ولَمّا ظَهَرَ بِهَذا ما لَهُ مِن ضَخامَةِ المُلْكِ؛ وعِزِّ السُّلْطانِ؛ وكانَتِ الأوْبَةُ عَظِيمَةً جِدًّا؛ وكانَ الثَّباتُ عَلى مَقامِ الشُّهُودِ؛ مَعَ حِفْظِهِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ؛ أعْظَمَ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِما طُبِعَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِن ظَنِّ أنَّ الأوّابَ لا يَنْبَغِي أنْ يُواجَهَ بِالعِتابِ -: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿سُلَيْمانَ﴾؛ أيْ: مَعَ إسْراعِهِ بِالرُّجُوعِ إلى اللَّهِ؛ والتَّنَبُّهِ لِما فِيهِ رِضاهُ؛ نَوْعًا مِنَ الفِتْنَةِ؛ اللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِها؛ فَأسْفَرَتْ تِلْكَ الفِتْنَةُ عَنْ رُسُوخِهِ في مَقامِ الأوْبَةِ؛ فَتَنَبَّهَ لِما أرَدْنا بِها مِن تَدْرِيبِهِ عَلى ما أقَمْناهُ فِيهِ؛ كَما فَعَلْنا بِأبِيهِ داوُدَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ فاقْتَدِ بِهِما في الِاسْتِبْصارِ بِالبَلاءِ؛ فَإنّا نُرِيدُ بِكَ أمْرًا عَظِيمًا جَلِيلًا شَرِيفًا كَرِيمًا؛ ﴿وألْقَيْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلى كُرْسِيِّهِ﴾؛ الَّذِي كانَتْ تَهابُهُ أُسُودُ الفِيلِ. (p-٣٨٢)ولَمّا كانَتِ العِبْرَةُ إنَّما هي بِالمَعانِي؛ فَمَن كانَ مَعْناهُ ناقِصًا كانَ كَأنَّهُ جَسَدٌ لا رُوحَ فِيهِ؛ لَهُ صُورَةٌ بِلا مَعْنًى؛ قالَ: ﴿جَسَدًا﴾؛ فَغَلَبَ عَلى ذَلِكَ المَكانِ الشَّرِيفِ؛ مَعَ ما كُنّا شَرَّفْناهُ بِهِ مِن هَيْبَةِ النُّبُوَّةِ المَقْرُونَةِ بِالمُلْكِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ يَظُنُّ أنَّ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَدْنُوَ إلَيْهِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ؛ فَمَكَّنّا هَذا الجَسَدَ مِنهُ تَمْكِينًا؛ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ بَلْ كانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ كَأنَّهُ أُلْقِيَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ؛ لِيَعْلَمَ أنَّ المُلْكَ إنَّما هو لَنا؛ نَفْعَلُ ما نَشاءُ بِمَن نَشاءُ؛ فالسَّعادَةُ لِمَن رَجانا؛ والوَيْلُ لِمَن يَأْمَنُ مَكْرَنا فَلا يَخْشانا؛ فَعَمّا قَلِيلٍ تَصِيرُ هَذِهِ البَلْدَةُ في قَبْضَتِكَ؛ وأهْلُها مَعَ العِزَّةِ والشِّقاقِ طَوْعَ مَشِيئَتِكَ؛ ويَكُونُ لَكَ بِذَلِكَ أمْرٌ لا يَكُونُ لِأحَدٍ بَعْدَكَ؛ كَما أنَّهُ ما كانَ لِأحَدٍ كانَ قَبْلَكَ مِن نُفُوذِ الأمْرِ؛ وضَخامَةِ العِزِّ؛ وإحْلالِ السّاحَةِ الحَرامِ؛ بِقَدْرِ الحاجَةِ؛ وسَعَةِ المُلْكِ؛ وبَقاءِ الذِّكْرِ؛ والَّذِي أنْتَ فِيهِ الآنَ ابْتِلاءٌ؛ واخْتِبارٌ؛ وتَدْرِيبٌ عَلى ما يَأْتِي مِنَ الأُمُورِ الكِبارِ. ولَمّا كانَ المُرادُ بِإطْلاقِ الجَسَدِ عَلَيْهِ التَّعْرِيفَ بِأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ؛ لا أنَّهُ لا رُوحَ فِيهِ؛ أطْلَقَهُ؛ ولَمْ يُتْبِعْهُ ما يُبَيِّنُ أنَّهُ جَمادٌ؛ كَما فَعَلَ في (p-٣٨٣)العِجْلِ؛ حَيْثُ قالَ: ”لَهُ خُوارٌ“؛ فَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا رُوحَ لَهُ؛ وإنْ صَحَّ أنَّ هَذا الجَسَدَ هو صَخْرٌ الجِنِّيُّ؛ وأنَّ سَبَبَهُ سُجُودُ الجَرادَةِ - امْرَأةِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِصُورَةِ أبِيها؛ بِغَيْرِ عِلْمِ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولا إرادَتِهِ؛ فالإشارَةُ بِذَلِكَ في التَّسْلِيَةِ أنّا سَلَبْنا المُلْكَ مِن صَفِيِّنا؛ لِصُورَةٍ رُفِعَ سُجُودُ بَعْضِ مَن يُنْسَبُ إلَيْهِ؛ لَها في بَيْتِهِ؛ بِغَيْرِ أمْرِهِ؛ ولا إرادَتِهِ؛ ولا عِلْمِهِ؛ فَكَيْفَ بِمَن يَسْجُدُ لِهَذِهِ الأوْثانِ في البَيْتِ الحَرامِ؟! فَعَمّا قَلِيلٍ نُزِيلُ أمْرَهُمْ؛ ونُخْمِدُ شَرَّهُمْ؛ ونَمْحُو ذِكْرَهم. ولَمّا كانَتِ الإنابَةُ رُجُوعًا إلى ما كانَ؛ فَهي اسْتِرْجاعٌ لِما فاتَ؛ قالَ: ﴿ثُمَّ أنابَ﴾؛

ص 38:35

وفَسَّرَ الإنابَةَ؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ (تَعالى) فَتَنَهُ مَعَ أنَّهُ عَبْدٌ عَظِيمُ المَنزِلَةِ؛ مُجابُ الدَّعْوَةِ؛ بِقَوْلِهِ - جَوابًا لِمَن سَألَ عَنْها -: ﴿قالَ رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ؛ ﴿اغْفِرْ لِي﴾؛ أيْ: الأمْرَ الَّذِي كانَتِ الإنابَةُ بِسَبَبِهِ؛ ولَمّا قَدَّمَ أمْرَ الآخِرَةِ؛ أتْبَعَهُ قَوْلَهُ: ﴿وهَبْ لِي﴾؛ أيْ: بِخُصُوصِي؛ ﴿مُلْكًا لا يَنْبَغِي﴾؛ أيْ: لا يُوجَدُ طَلَبُهُ وُجُودًا تَحْصُلُ مَعَهُ المُطاوَعَةُ والتَّسَهُّلُ ﴿لأحَدٍ﴾؛ في زَمانٍ ما؛ طالَ أوْ قَصُرَ؛ سَواءٌ كانَ كامِلًا في الصُّورَةِ؛ والمَعْنى؛ أوْ جَسَدًا خالِيًا عَنِ العِزِّ؛ كَما حَصَلَتْ بِهِ الفِتْنَةُ مِن قَبْلُ؛ وبَعَّضَ الزَّمانَ بِذِكْرِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِي﴾؛ حَتّى أتَمَكَّنَ مِن كُلِّ ما أُرِيدَ مِنَ التَّقَرُّبِ (p-٣٨٤)إلَيْكَ؛ وجِهادِ مَن عاداكَ؛ ويَكُونَ ذَلِكَ أمارَةً لِي عَلى قَبُولِ تَوْبَتِي؛ ولا تَحْصُلَ لِي فِتْنَةٌ بِإلْقاءِ شَيْءٍ عَلى مَكانِ حُكْمِي؛ ولا غَيْرِهِ؛ وهَذا يُشْعِرُ بِأنَّ الفِتْنَةَ كانَتْ في المُلْكِ؛ وكَذا ذِكْرُ الإلْقاءِ عَلى الكُرْسِيِّ؛ مُضافًا إلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ هو ﷺ شَيْءٌ؛ وهو مُناسِبٌ لِعَقْرِ الخَيْلِ؛ الَّذِي هو إذْهابُ ما بِهِ العِزُّ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وبِهَذا التَّقْدِيرِ عُلِمَ أنَّهُ لَوْ ذَكَرَ الظَّرْفَ مِن غَيْرِ حَرْفٍ؛ لَأوْهَمَ تَقَيُّدَ الدَّعْوَةِ بِمُلْكٍ يَسْتَغْرِقُ الزَّمانَ الَّذِي بَعْدَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ما طَلَبَهُ مِنَ الإعْطاءِ والمَنعِ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ إسْقاطًا لِما غَلَبَ عَلى النُّفُوسِ مِن رُؤْيَةِ الأسْبابِ -: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿الوَهّابُ﴾؛ أيْ: العَظِيمُ المَواهِبِ؛ مَعَ التَّكْرارِ؛ كُلَّما أرَدْتَ؛ فَتُعْطِي بِسَبَبٍ؛ وبِغَيْرِ سَبَبٍ مَن تَشاءُ؛ وتَمْنَعُ مَن تَشاءُ.

ص 38:36

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ الإجابَةُ؛ أعْلَمَ بِهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَخَّرْنا﴾؛ أيْ: ذَلَّلْنا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَهُ الرِّيحَ﴾؛ لِإرْهابِ العَدُوِّ؛ وبُلُوغِ المَقاصِدِ؛ عِوَضًا عَنِ الخَيْلِ؛ الَّتِي خَرَجَ عَنْها لِأجْلِنا؛ ثُمَّ بَيَّنَ التَّسْخِيرَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِها لَيِّنَةً غايَةَ اللِّينِ؛ مُنْقادَةً يُدْرَكُ بِها ما لا يُدْرَكُ بِالخَيْلِ؛ ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢]؛ وكُلُّ مَن تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنهُ؛ وهو هُنا مُبالَغَةٌ مِنَ الرَّخاوَةِ؛ ولَمّا كانَتْ إصابَتُهُ لِما يَشاءُ مُلازِمَةً لِإرادَتِهِ؛ عَبَّرَ بِها عَنْها؛ لِأنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ فَقالَ: ﴿حَيْثُ أصابَ﴾؛ أيْ: أرادَ إصابَةَ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ (p-٣٨٥)لِنَبِيِّنا ﷺ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ؛ وهو أنَّ العَدُوَّ يُرْعَبُ مِنهُ إلى مَسِيرَةِ شَهْرٍ؛ مِن جَوانِبِهِ الأرْبَعَةِ؛ فَهي أرْبَعَةُ أشْهُرٍ؛

ص 38:37

﴿والشَّياطِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عِنْدَهم خِفَّةُ الرِّيحِ؛ مَعَ الِاقْتِرانِ بِالرُّوحِ؛ سَخَّرْناهم لَهُ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى مَنفَعَتِهِمْ بِالإبْدالِ مِنهُمْ؛ فَقالَ: ﴿كُلَّ﴾؛ وعَبَّرَ بِبِناءِ المُبالَغَةِ في سِياقِ الِامْتِنانِ؛ فَقالَ: ﴿بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ في البِناءِ؛ صاعِدًا في جَوِّ السَّماءِ؛ والغَوْصِ نازِلًا في أعْماقِ الماءِ؛ يَسْتَخْرِجُ الدُّرَّ؛ وغَيْرَهُ مِن مَنافِعِ البَحْرِ.

ص 38:38

ولَمّا دَلَّ عَلى مُطْلَقِ تَسْخِيرِهِمْ؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَهْرٌ وغَلَبَةٌ؛ كَما هو شَأْنُ إيالَةِ المُلْكِ؛ وصَوْلَةِ العِزِّ؛ فَقالَ: ﴿وآخَرِينَ﴾؛ أيْ: سَخَّرْناهم لَهُ مِنَ الشَّياطِينِ؛ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾؛ بِأمْرِهِ إلى مَن يُشاكِلُهُمْ؛ أوْ مَقْرُونَةً أيْدِيهِمْ بِأرْجُلِهِمْ؛ أوْ بِأعْناقِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِهِ مُثَقَّلًا دُونَ ”مَقْرُونِينَ“؛ مَثَلًا؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ وثاقِهِمْ؛ وعَظِيمِ تَقْرِينِهِمْ؛ ولَمّا كانَتْ مانِعَةً لَهم مِنَ التَّصَرُّفِ في أنْفُسِهِمْ؛ جُعِلُوا كَأنَّهم بِأجْمَعِهِمْ فِيها؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيها إلّا بَعْضُ أعْضائِهِمْ؛ مِثْلَ ”جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ“؛ فَقالَ: ﴿فِي الأصْفادِ﴾؛ أيْ: القُيُودِ الَّتِي يُوثَقُ بِها الأسْرى مِن حَدِيدٍ؛ أوْ قَيْدٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ جَمْعُ ”صَفَدٌ“؛ بِالتَّحْرِيكِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ ومُسْلِمٌ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-٣٨٦)قالَ: «”إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البارِحَةَ؛ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي؛ فَأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ؛ فَأخَذْتُهُ؛ فَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكُمْ؛ فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمانَ“ هَبْ لِي مُلْكًا لّا يَنبَغِي لِأحَدٍ مِّن بَعْدِي ”؛ فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا“؛» وقَدْ حَكَّمَهُ اللَّهُ في بَعْضِ الجِنِّ؛ فَحُمِيَ مِنَ الَّذِينَ يَطْعَنُونَ دارَ مَوْلِدِهِ؛ ودارَ هِجْرَتِهِ؛ رَوى أحْمَدُ؛ في مَسْنَدِهِ؛ بِسَنَدٍ حَسَنٍ - إنْ شاءَ اللَّهُ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”المَدِينَةُ ومَكَّةُ مَحْفُوفَتانِ بِالمَلائِكَةِ؛ عَلى كُلِّ نَقْبٍ مِنهُما مَلَكٌ؛ فَلا يَدْخُلُهُما الدَّجّالُ؛ ولا الطّاعُونُ“؛» هَذا في البَلَدَيْنِ؛ وأمّا المَدِينَةُ خاصَّةً فَفِيها أحادِيثُ عِدَّةٌ؛ عَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما؛ وقَدْ عَوَّضَ اللَّهُ نَبِيَّنا ﷺ عَنِ الشَّياطِينِ التَّأْيِيدَ بِجُيُوشِ المَلائِكَةِ في غَزَواتِهِ؛ وقَدْ كانَ نَبِيُّنا عَبْدًا؛ كَما اخْتارَ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ حاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

ص 38:39

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا؛ نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ بِكَثْرَتِهِ؛ ودَوامِهِ؛ وعَظَمَةِ مُؤْتِيهِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بِتَقْدِيرِ: ”قُلْنا لَهُ“؛ ونَحْوِهِ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرُ الكَبِيرُ؛ ﴿عَطاؤُنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ (p-٣٨٧)إطْلاقَ التَّصَرُّفِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ المَقاصِدِ؛ فَكَمْ مِن مالِكٍ لِشَيْءٍ وهو مَغْلُولُ اليَدِ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيهِ؛ فَقالَ - بادِئًا بِما يُوجِبُ الحُبَّ ويُقْبِلُ بِالقُلُوبِ؛ دالًّا عَلى عَظَمَتِهِ؛ وظُهُورِ أمْرِهِ؛ بِفَكِّ الإدْغامِ -: ﴿فامْنُنْ﴾؛ أيْ: أعْطِ مَن شِئْتَ عَطاءً؛ مُبْتَدِئًا مِن غَيْرِ تَسَبُّبٍ مِنَ المُعْطى؛ ﴿أوْ أمْسِكْ﴾؛ أيْ: عَمَّنْ شِئْتَ. ولَمّا كانَ هَذا عَطاءً يَفُوتُ الوَصْفَ عَظَمَةً؛ زادَهُ تَعْظِيمًا بِكَثْرَتِهِ؛ وتَسْهِيلِهِ؛ وسَلامَةِ العاقِبَةِ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿بِغَيْرِ﴾؛ أيْ: كائِنًا كُلُّ ذَلِكَ مِنَ العَطاءِ والمَنِّ؛ خالِيًا عَنْ ﴿حِسابٍ﴾؛ لِأنَّكَ لا تَخْشى مِن نَقْصِهِ؛ ورَبُّكَ هو المُعْطِي؛ والآمِرُ؛ ولا مِن كَوْنِهِ مِمّا يُسْألُ عَنْهُ في الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ قَدْ أذِنَ لَكَ؛ فَنَفْيُ الحِسابِ عَنْهُ يُفِيدُ شَيْئَيْنِ؛ الكَثْرَةَ وعَدَمَ الدَّرَكِ في إعْطاءٍ؛ أوْ مَنعٍ؛ وجَعْلُهُ مَصْدَرًا مَزِيدًا يُفْهِمُ أنَّهُ إنَّما يُنْفى عَنْهُ حِسابٌ يُعْتَدُّ بِهِ؛ لا مُطْلَقُ ”حِسابٍ“؛ بِالتَّخْمِينِ؛ كَما يَكُونُ في الأشْياءِ الَّتِي تُعْيِي الحاصِرَ؛ فَيَقْرُبُ أمْرُها بِنَوْعِ حَدْسٍ.

ص 38:40

ولَمّا رَفَعَ الحَرَجَ عَنْهُ في الدّارَيْنِ؛ أثْبَتَ المَزِيدَ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”هَذا لَهُ في الدُّنْيا“؛ مُؤَكِّدًا زِيادَةً في الطُّمَأْنِينَةِ لِكَوْنِهِ خارِقًا لِما حُكِمَ بِهِ مِنَ العادَةِ في أنَّهُ كُلُّ ما زادَ عَنِ الكَفافِ في الدُّنْيا كانَ ناقِصًا (p-٣٨٨)لِلْحَظِّ في الآخِرَةِ -: ﴿وإنَّ لَهُ﴾؛ أيْ: خاصًّا بِهِ؛ ﴿عِنْدَنا﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ؛ ﴿لَزُلْفى﴾؛ أيْ: قُرْبى عَظِيمَةٍ؛ ﴿وحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أيْ: مَرْجِعٍ.

ص 38:41

ولَمّا انْقَضى الخَبَرُ عَنِ المَلِكِ الأوّابِ؛ الَّذِي مَلَكَ الدُّنْيا بِالفِعْلِ قَهْرًا؛ وغَلَبَةً؛ شَرْقًا وغَرْبًا؛ وكانَ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في ثَرْوَةِ المُلُوكِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا بِالفِعْلِ؛ وكانَ تَكْذِيبُ مَن كَذَّبَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إنَّما هو بِتَسْلِيطِ اللَّهِ الشَّياطِينَ بِوَسْوَسَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ وأمْرِهِ - سُبْحانَهُ - بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ؛ وقَصَّ عَلَيْهِ مِن أخْبارِ الأوّابِينَ؛ تَعْلِيمًا لِحُسْنِ الأوْبَةِ إنْ وهَنَ الصَّبْرُ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنِ الصّابِرِ الأوّابِ؛ الَّذِي لَمْ يَتَأوَّهْ إلّا مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ لِزَوْجِهِ؛ بِما كانَ يَفْتِنُها؛ لِيَزْدادَ النَّبِيُّ ﷺ بِذِكْرِ هَذِهِ الأخْبارِ صَبْرًا؛ ويَتَضاعَفَ إقْبالُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَضَرُّعُهُ لَهُ؛ اقْتِداءً بِإخْوانِهِ الَّذِينَ لَمْ تَشْغَلْهم عَنْهُ مِنحَةُ السَّرّاءِ؛ ولا مِحْنَةُ الضَّرّاءِ؛ وتَذْكِيرًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى رَدِّ قُرَيْشٍ عَمّا هم فِيهِ؛ ونَصْرِ المُسْتَضْعَفِينَ مِن عِبادِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِأيْسَرِ سَعْيٍ؛ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا﴾؛ أيْ: الَّذِي هو أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلى عَظِيمِ جَنابِنا؛ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أيُّوبَ﴾؛ وهو مِنَ الرُّومِ؛ مِن أوْلادِ عِيصَ بْنِ إسْحاقَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِتَتَأسّى بِحالِهِ؛ فَتَصْبِرَ عَلى قَوْمِكَ؛ وإنْ رَأيْتَ ما لا (p-٣٨٩)صَبْرَ لَكَ عَلَيْهِ دَعَوْتَ اللَّهَ في إصْلاحِهِ. ولَمّا أمَرَهُ بِذِكْرِهِ؛ بَيَّنَ أنَّ مُعْظَمَ المُرادِ بَعْضُ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِنهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ -: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: اذْكُرْ حالَهُ الَّذِي كانَ حِينَ ﴿نادى﴾؛ وصَرَفَ القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ لِأنَّهُ مَوْطِنُهُ؛ لِاقْتِضاءِ حالِهِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّهُ﴾ أيُّ المُحْسِنَ إلَيْهِ؛ الَّذِي عَرَفَ إحْسانَهُ إلَيْهِ في تَرْبِيَتِهِ بِبَلائِهِ؛ كَما عَرَفَ امْتِنانَهُ بِظاهِرِ نَعْمائِهِ؛ وآلائِهِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُنادى بِهِ؛ حاكِيًا لَهُ بِلَفْظِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِالتَّأْكِيدِ إلى أنَّهُ - وإنْ كانَ حالُهُ فِيما عَهِدَ مِن شِدَّةِ صَبْرِهِ مُقْتَضِيًا عَدَمَ الشَّكْوى - أتاهُ ما لا صَبْرَ عَلَيْهِ -: ﴿أنِّي﴾؛ أيْ: رَبِّ أدْعُوكَ بِسَبَبِ أنِّي؛ ولَمّا كانَ هُنا في سِياقِ التَّصْبِيرِ؛ عَظَّمَ الأمْرَ بِإسْنادِ الضُّرِّ إلى أعْدى الأعْداءِ؛ إلْهابًا إلى الإجابَةِ؛ وأدَبًا مَعَ اللَّهِ؛ فَقالَ: ﴿مَسَّنِيَ﴾؛ أيْ: وأنا مِن أوْلِيائِكَ؛ ﴿الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ؛ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ بِتَسْلِيطِكَ لَهُ؛ ﴿بِنُصْبٍ﴾؛ أيْ: ضُرٍّ؛ ومَشَقَّةٍ؛ وهَمٍّ؛ وداءٍ؛ ووَجَعٍ؛ وبَلاءٍ يُثْقِلُ صاحِبَهُ؛ فَيُتْعِبُهُ؛ ويُعْيِيهِ؛ ويَكِدُّهُ؛ ويُجْهِدُهُ؛ ويَصِلُ بِهِ إلى الغايَةِ مِن كُلِّ ذَلِكَ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الصّادِ أيْضًا؛ وقُرِئَ بِالتَّحْرِيكِ؛ كَـ ”الرُّشْدِ“؛ و”الرَّشَدِ“؛ وكانَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أحْوالِ الضُّرِّ في الشِّدَّةِ؛ والخِفَّةِ؛ فالمُسَكَّنُ أدْناهُ؛ والمُحَرَّكُ أوْسَطُهُ؛ والمُثَقَّلُ بِالضَّمِّ أعْلاهُ؛ ﴿وعَذابٍ﴾؛ أيْ: نَكَدٍ قَوِيٍّ جِدًّا؛ دائِمٍ؛ مانِعٍ مِن (p-٣٩٠)كُلِّ ما يَلَذُّ؛ ويُمْكِنُ أنْ يُساغَ؛ ويُسْتَطْعَمَ أجْمَلُهُ؛ ونَكَّرَهُ تَنْكِيرًا؛ لِتَعْظِيمِ اسْتِغْنائِهِ - عَلى وجازَتِهِ - عَنْ جُمَلٍ طِوالٍ؛ ودُعاءٍ عَرِيضٍ؛ إعْلامًا بِأنَّ السَّيْلَ قَدْ بَلَغَ الزُّبى؛ وأوْهَنَ البَلاءُ القُوى؛ ولَمْ يَذْكُرْهُ بِلَفْظِ إبْلِيسَ؛ الَّذِي هو مِن مَعْنى اليَأْسِ وانْقِطاعِ الرَّجاءِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّهُ هو راجٍ فَضْلَ اللَّهِ؛ غَيْرَ آيِسٍ مِن رَوْحِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَلَّطَهُ عَلى إهْلاكِ أهْلِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ ومالِهِ؛ فَصَبَرَ؛ ثُمَّ سَلَّطَهُ عَلى بَدَنِهِ؛ إلى أنْ سَقَطَ لَحْمُهُ؛ واسْتَمَرَّ عَلى ذَلِكَ مُدَدًا طِوالًا؛ فَلِذَلِكَ تَراءى لِزَوْجَتِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في زِيِّ طَبِيبٍ؛ وقالَ لَها: أنا أُداوِيهِ؛ ولا أُرِيدُ إلّا أنْ يَقُولَ لِي؛ إذا عُوفِيَ: أنْتَ شَفَيْتَنِي؛ وقِيلَ: قالَ لَها: لَوْ سَجَدَ لِي سَجْدَةً واحِدَةً شَفَيْتُهُ؛ فَأتَتْهُ؛ وحَدَّثَتْهُ بِذَلِكَ؛ فَأخْبَرَها؛ وعَرَّفَها أنَّهُ الشَّيْطانُ؛ وحَذَّرَها مِنهُ؛ وخافَ غائِلَتَهُ عَلَيْها؛ فَدَعا اللَّهَ بِما تَقَدَّمَ؛ وشَدَّدَ النَّكِيرَ والتَّعْظِيمَ لِما وسْوَسَ لَها بِهِ؛ بِأنْ حَلَفَ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةَ ضَرْبَةٍ؛ رَدْعًا لَها عَنِ الإصْغاءِ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وتَهْوِينًا لِما يَلْقاهُ مِن بَلائِهِ في جَنْبِهِ.

ص 38:42

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِ عَنْ ذَلِكَ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿ارْكُضْ﴾؛ أيْ: قُلْنا لَهُ: اضْرِبِ الأرْضَ؛ وأوْجِدِ الرَّكْضَ؛ وهو (p-٣٩١)المَشْيُ؛ والتَّحْرِيكُ؛ والإسْراعُ؛ والِاسْتِحْثاثُ؛ ﴿بِرِجْلِكَ﴾؛ يَخْرُجْ مِنها ماءٌ نافِعٌ؛ حَسَنٌ؛ لِتَغْتَسِلَ فِيهِ؛ وتَشْرَبَ مِنهُ؛ فَفَعَلَ؛ فَأنْبَعْنا لَهُ عَيْنًا؛ فَقِيلَ لَهُ: ﴿هَذا﴾ بِإشارَةِ القَرِيبِ؛ إشارَةً إلى تَسَهُّلِهِ؛ ﴿مُغْتَسَلٌ﴾؛ أيْ: ماءٌ يُغْتَسَلُ بِهِ؛ ومَوْضِعُهُ وزَمانُهُ ﴿بارِدٌ﴾؛ أيْ: يُبَرِّدُ حَرَّ الظّاهِرِ؛ ﴿وشَرابٌ﴾؛ يُبَرِّدُ حَرَّ الباطِنِ.

ص 38:43

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَفَعَلَ؛ اغْتَسَلَ؛ فَبَرَأ ظاهِرُهُ؛ وسُرَّ باطِنُهُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - صارِفًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ الجَلالِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ الفِعْلِ -: ﴿ووَهَبْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لَهُ أهْلَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ كانَ الشَّيْطانُ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ؛ بِأنْ أحْيَيْناهُمْ؛ وجَمَعَ اعْتِبارًا بِالمَعْنى؛ لِأنَّهُ أفْخَمُ؛ وأقْرَبُ إلى فَهْمِ المُرادِ؛ فَقالَ: ﴿ومِثْلَهُمْ﴾؛ وأعْلَمَ بِاجْتِماعِ الكُلِّ في آنٍ واحِدٍ؛ فَقالَ: ﴿مَعَهُمْ﴾؛ جَدَّدْناهم لَهُ؛ ولِيَعْلَمَ مَن يَسْمَعُ ذَلِكَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا؛ وأنَّها وكُلَّ ما فِيها عَرَضٌ زائِلٌ؛ لا ثَباتَ لَهُ أصْلًا؛ إلّا ما كانَ لَنا؛ فَإنَّهُ مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ؛ فَلا يُغَيَّرَ أحَدٌ بِشَيْءٍ مِنها؛ ولا يَشْتَغِلَ عَنّا أصْلًا؛ ويَعْلَمَ مِن هَذا مَن صَدَّقَهُ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ؛ بِمُجَرَّدِ تَصْدِيقِهِ لَهُ؛ ومَن تَوَقَّفَ فِيهِ سَألَ أهْلَ الكِتابِ؛ فَعَلِمَ ذَلِكَ بِتَصْدِيقِهِمْ لَهُ؛ ثُمَّ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - فِعْلَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَحْمَةً﴾؛ ولَمّا كانَ في مَقامِ الحَثِّ عَلى الصَّبْرِ؛ عَظَّمَ الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنّا﴾؛ فَإنَّهُ أعْظَمُ مِنَ التَّعْبِيرِ في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“؛ بِـ ”عِنْدِنا“؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أحَثَّ عَلى لُزُومِ الصَّبْرِ؛ وإذا نَظَرْتَ إلى خِتامِ الآيَتَيْنِ عَرَفْتَ تَفاوُتَ العِبارَتَيْنِ؛ ولاحَ لَكَ أنَّ مَقامَ الصَّبْرِ لا يُساوِيهِ (p-٣٩٢)شَيْءٌ؛ لِأنَّ الطَّرِيقَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لا يَنْفَكُّ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ صَبْرٍ؛ وقَهْرٍ لِلنَّفْسِ؛ وجَبْرٍ؛ لِأنَّها بِالإجْماعِ خِلافُ ما تَدْعُو إلَيْهِ الطَّبائِعُ؛ ﴿وذِكْرى﴾؛ أيْ: إكْرامًا؛ وتَذْكِيرًا عَظِيمًا؛ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: الأفْهامِ الصّافِيَةِ؛ جَعَلْنا ذَلِكَ لِرَحْمَتِهِ؛ ولِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ مِنَ المَوْصُوفِينَ عَلى طُولِ الزَّمانِ؛ لِيَتَأسّى بِهِ كُلُّ مُبْتَلًى؛ ويَرْجُوَ مِثْلَ ما رَجا؛ فَإنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ واسِعَةٌ؛ وهو عِنْدَ القُلُوبِ المُنْكَسِرَةِ؛ فَما بَيْنَهُ وبَيْنَ الإجابَةِ إلّا حُسْنُ الإنابَةِ؛ فَمَن دامَ إقْبالُهُ عَلَيْهِ أغْناهُ عَنْ غَيْرِهِ: ؎لِكُلِّ شَيْءٍ إذا فارَقْتَهُ عِوَضٌ ∗∗∗ ولَيْسَ لِلَّهِ إنْ فارَقْتَ مِن عِوَضِ

ص 38:44

ولَمّا أجْمَلَ العَذابَ الصّالِحَ لِألَمِ الظّاهِرِ؛ وذَكَرَ المُخَلِّصَ مِنهُ؛ أتْبَعَهُ التَّنْبِيهَ عَلى أعْظَمِهِ؛ وهو ألَمُ الباطِنِ؛ بَلْ أبْطَنُ الباطِنِ؛ التَّعَلُّقُ بِالِاعْتِقادِ فِيما وسْوَسَ لِزَوْجِهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -؛ بِما كادَ يُزِلُّها؛ فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّها مِائَةً؛ لِئَلّا تَعُودَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ فَيُزِلَّها عَنْ مَقامِها؛ كَما أزَلَّ غَيْرَها؛ فَأرْشَدَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - إلى المُخَلِّصِ مِن ذَلِكَ الحَلِفِ؛ عَلى أخَفِّ وجْهٍ؛ لِأنَّها كانَتْ صابِرَةً مُحْسِنَةً؛ فَشَكَرَ اللَّهُ لَها ذَلِكَ؛ وجَعَلَ هَذا المُخَلِّصَ بَعْدَها سُنَّةً باقِيَةً لِعِبادِهِ؛ تَعْظِيمًا لِأجْرِها؛ وتَطْيِيبًا لِذِكْرِها؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى (p-٣٩٣)﴿ارْكُضْ﴾ [ص: ٤٢] -: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ﴾؛ أيْ: الَّتِي قَدْ صارَتْ في غايَةِ الصِّحَّةِ؛ ﴿ضِغْثًا﴾؛ أيْ: حُزْمَةً صَغِيرَةً مِن حَشِيشٍ؛ فِيها مِائَةُ عُودٍ؛ كَشِمْراخِ النَّخْلَةِ؛ قالَ الفَرّاءُ: هو كُلُّ ما جَمَعْتَهُ مِن شَيْءٍ؛ مِثْلَ الحُزْمَةِ الرَّطْبَةِ؛ وقالَ السَّمِينُ: وأصْلُ المادَّةِ يَدُلُّ عَلى جَمِيعِ المُخْتَلِطاتِ؛ ﴿فاضْرِبْ بِهِ﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ ضَرْبٍ؛ ضَرْبَةً واحِدَةً؛ ﴿ولا تَحْنَثْ﴾؛ في يَمِينِكَ؛ أيْ تَأْثَمْ بِتَرْكِ ما حَلَفْتَ عَلى فِعْلِهِ؛ فَهَذا تَخْفِيفٌ عَلى كُلٍّ مِنهُما لِصَبْرِهِ؛ ولَعَلَّ الكَفّارَةَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ؛ وخَصَّنا اللَّهُ بِها؛ مَعَ شَرْعِهِ فِينا؛ ما أرْخَصَهُ لَهُ تَشْرِيفًا لَنا؛ وكُلُّ هَذا إعْلامًا بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) ابْتَلاهُ ﷺ في بَدَنِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ ومالِهِ؛ ولَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا زَوْجَةٌ فَوَسْوَسَ لَها الشَّيْطانُ؛ طَمَعًا في إيذائِهِما؛ كَما آذى آدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ إلى أنْ قارَبَ مِنها بَعْضَ ما يُرِيدُ؛ والمُرادُ بِالإعْلامِ بِهِ تَذْكِيرُ النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ إنْ كانَ مَكَّنَ الشَّيْطانَ مِنَ الوَسْوَسَةِ لِأقارِبِهِ؛ والإغْواءِ والإضْلالِ؛ فَقَدْ مَنَّ عَلَيْهِ بِزَوْجِهِ؛ أعْظَمِ وُزَراءِ الصِّدْقِ؛ وكَثِيرٍ مِن أقارِبِهِ الأعْمامِ؛ وبَنِي الأعْمامِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وحَفِظَ لَهُ بَدَنَهُ ومالَهُ؛ لِيَزْدادَ شُكْرُهُ لِلَّهِ (تَعالى)؛ وفي القِصَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُطِيعَ لَهُ مَن يَشاءُ؛ فَإنَّهُ قادِرٌ عَلى التَّصَرُّفِ في المَعانِي؛ كَقُدْرَتِهِ عَلى التَّصَرُّفِ في الذَّواتِ؛ وأنَّهُ - سُبْحانَهُ - يَهَبُ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ قَوْمَهُ العَرَبَ؛ الَّذِينَ هُمُ الآنَ أشَدُّ النّاسِ (p-٣٩٤)عَلَيْهِ؛ وغَيْرَهُمْ؛ فَيُطِيعُهُ الكُلُّ. ولَمّا كانَ الصَّبْرُ والأفْعالُ المُرْضِيَةُ عَزِيزَةً في العِبادِ؛ لا تَكادُ تُوجَدُ؛ فَلا يَكادُ يُصَدَّقُ بِها؛ عَلَّلَ - سُبْحانَهُ - هَذا الإكْرامَ لَهُ ﷺ وأكَّدَهُ؛ فَقالَ - عَلى سَبِيلِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا تَقَدَّمَ؛ رَدًّا عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ الشَّكْوى إلَيْهِ تُنافِي الصَّبْرَ؛ وإشارَةً إلى أنَّ السِّرَّ في التَّذْكِيرِ بِهِ التَّأسِّيَ في الصَّبْرِ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿وجَدْناهُ﴾؛ أيْ: في عالَمِ الشَّهادَةِ؛ طِبْقَ ما كانَ لَنا في عالَمِ الغَيْبِ؛ لِيَتَجَدَّدَ لِلنّاسِ مِنَ العِلْمِ بِذَلِكَ ما كُنّا بِهِ عالِمِينَ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْحَثِّ عَلى مُطْلَقِ الصَّبْرِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [المزمل: ١٠] أتى بِاسْمِ الفاعِلِ مُجَرَّدًا عَنْ مُبالَغَةٍ؛ فَقالَ: ﴿صابِرًا﴾؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿نِعْمَ العَبْدُ﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ بَلاءَهُ قادِحٌ في ذَلِكَ -: ﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾؛ أيْ: رَجّاعٌ بِكُلِّيَّتِهِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عَلى خِلافِ ما يَدْعُو إلَيْهِ طَبْعُ البَشَرِ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: قالَ ابْنُ عَطاءٍ: واقِفٌ مَعَنا بِحُسْنِ الأدَبِ؛ لا يُغَيِّرُهُ دَوامُ النِّعْمَةِ؛ ولا يُزْعِجُهُ تَواتُرُ البَلاءِ والمِحْنَةٍ؛ رَوى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ؛ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «وضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: واللَّهِ ما أُطِيقُ أنْ أضَعَ يَدِيَ عَلَيْكَ مِن شِدَّةِ حُمّاكَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنّا مَعْشَرَ الأنْبِياءِ يُضاعَفُ لَنا البَلاءُ؛ كَما يُضاعَفُ لَنا (p-٣٩٥)الأجْرُ؛ إنْ كانَ النَّبِيُّ مِنَ الأنْبِياءِ لَيُبْتَلى بِالقُمَّلِ حَتّى يَقْتُلَهُ؛ وإنْ كانَ النَّبِيُّ مِنَ الأنْبِياءِ لَيُبْتَلى بِالفَقْرِ حَتّى يَأْخُذَ العَباءَةَ فَيُحَوِّيَها؛ وإنْ كانُوا لَيَفْرَحُونَ بِالبَلاءِ كَما يَفْرَحُونَ بِالرَّخاءِ“».

ص 38:45

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - مَنِ ابْتَلاهُ في بَدَنِهِ؛ ومالِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الماءَ بَرْدًا؛ وسَلامًا؛ وعافِيَةً؛ ونِظامًا؛ وشِفاءً وقِوامًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ مَنِ ابْتَلاهُ بِالنّارِ؛ عَلى أيْدِي الجَبابِرَةِ؛ فَجَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا؛ وسَلامًا؛ بِاعْتِمادِهِ عَلَيْهِ؛ وصَبْرِهِ لَدَيْهِ؛ ونَجّاهُ مِن كَيْدِهِمْ؛ وجَعَلَ أيْدَهُ بِمُفْرَدِهِ فَوْقَ أيْدِهِمْ؛ ثُمَّ ابْتَلاهُ بِالهِجْرَةِ لِوَطَنِهِ؛ وأهْلِهِ؛ وعَشِيرَتِهِ؛ وسَكَنِهِ؛ ثُمَّ بِذَبْحِ ابْنِهِ؛ فَصَبَرَ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ؛ اعْتِمادًا عَلى فَضْلِ اللَّهِ؛ ومَنِّهِ؛ فَقالَ: ”واذْكُرْ عَبْدَنا“؛ بِالتَّوْحِيدِ؛ في رِوايَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ لِلْجِنْسِ؛ أوْ لِإبْراهِيمَ وحْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ أصْلُ مَن عُطِفَ عَلَيْهِ؛ دِينًا؛ وأُبُوَّةً؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ أساسَ عَطْفِهِ عَلَيْهِ في المَدْحِ بِالعُبُودِيَّةِ أيْضًا؛ ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إبْراهِيمَ﴾؛ وعَطَفَ عَلى العَبْدِ لا عَلى مُبَيَّنِهِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ بَيانُ واحِدٍ بِجَماعَةٍ؛ إذا أُرِيدَ بِهِ إبْراهِيمُ وحْدَهُ؛ لا الجِنْسُ ابْنُهُ؛ لِصَبْرِهِ عَلى دِينِهِ في الغُرْبَةِ بَيْنَ عُبّادِ الأوْثانِ ومُباعَدِي الإيمانِ؛ فَلَمْ يَلْفِتْ لَفْتَهُمْ؛ ولا داناهُمْ؛ بَلْ أُرْسِلَ إلى أقارِبِهِ في (p-٣٩٦)بِلادِ الشَّرْقِ؛ فَتَزَوَّجَ مِنهُ مَن وافَقَتْهُ عَلى دِينِهِ الحَقِّ؛ واسْتَمَرَّ عَلى إخْلاصِ العِبادَةِ؛ لا يَأْخُذُهُ في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ؛ إلى أنْ مَضى لِسَبِيلِهِ؛ فَقالَ: ﴿وإسْحاقَ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ ولَدَهُ الَّذِي قَفا أثَرَهُ؛ وصَبَرَ صَبْرَهُ؛ وابْتُلِيَ بِفَقْدِ ولَدِهِ؛ وبَهْجَةِ كَبِدِهِ؛ فَصَبَرَ أتَمَّ الصَّبْرِ في ذَلِكَ الضُّرِّ؛ وأبْلَغَ في الحَمْدِ والشُّكْرِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ويَعْقُوبَ﴾؛ وألْحَقَهُما - سُبْحانَهُ - بِأبِيهِما؛ بَعْدَ أنْ بَيَّنَتْ قِراءَةُ الإفْرادِ أصالَتَهُ في المَدْحِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ فَعَطَفَهُما عَلَيْهِ نَفْسِهِ؛ في قِراءَةِ غَيْرِ ابْنِ كَثِيرٍ: ”عِبادَنا“؛ بِالجَمْعِ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ولَمّا اجْتَمَعُوا بِالعَطْفِ؛ أوِ البَدَلِ؛ وصَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾؛ أيْ: القُوَّةِ الشَّدِيدَةِ؛ والأعْمالِ السَّدِيدَةِ؛ لِأنَّ الأيْدِيَ أعْظَمُ آلاتِ ذَلِكَ؛ ﴿والأبْصارِ﴾؛ أيْ: الحَواسِّ الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ بِأنْ تُذْكَرَ؛ وتُمْدَحَ بِها؛ لِقُوَّةِ إدْراكِها؛ وعَظَمَةِ نُفُوذِها؛ فِيما هو جَدِيرٌ بِأنْ يُراعى مِن جَلالِ اللَّهِ؛ ومُراقَبَتِهِ في الحَرَكاتِ؛ والسَّكَناتِ؛ سِرًّا وعَلَنًا؛ وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأبْصارِ؛ لِأنَّها أقْوى مَبادِئِهِ؛ ومَن لَمْ يَكُنْ مِثْلَهم كانَ مَسْلُوبَ القُوَّةِ؛ والعَقْلِ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَقْلٌ؛ فَكانَ عَدَمًا؛ فَهو أعْظَمُ تَوْبِيخٍ لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ قُوَّةً وعَقْلًا؛ ثُمَّ لا يَصْرِفُهُ في عِبادَةِ اللَّهِ والمُجاهَدَةِ فِيهِ - سُبْحانَهُ. (p-٣٩٧)

ص 38:46

ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ لِما اسْتَحَقُّوا بِهِ هَذا الذِّكْرَ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى مَحَبَّتِهِ - سُبْحانَهُ - لِمَدْحِهِمْ؛ ورَدًّا عَلى مَن يَنْسُبُ إلَيْهِمْ؛ أوْ إلى أحَدٍ مِنهم ما لا يَلِيقُ؛ كَما كَذَّبَهُ اليَهُودُ فِيما بَدَّلُوهُ مِنَ التَّوْراةِ في حَقِّ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَعْضِ المَواضِعِ؛ مُعَدِّيًا لِلْفِعْلِ بِالهَمْزَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ جَذَبَهم مِنَ العَوائِقِ إلَيْهِ؛ جَذْبَةً واحِدَةً؛ هي في غايَةِ السُّرْعَةِ -: ﴿إنّا أخْلَصْناهُمْ﴾؛ أيْ: لَنا إخْلاصًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُدانِيها عَظَمَةٌ؛ ﴿بِخالِصَةٍ﴾؛ أيْ: أعْمالٍ؛ وأحْوالٍ؛ ومَقاماتٍ؛ وبَلايا؛ ومِحَنٍ؛ هي سالِمَةٌ عَنْ شَوْبٍ ما؛ فَصارُوا بِالصَّبْرِ عَلَيْها في غايَةِ الخُلُوصِ. ولَمّا كانَ سَبَبُ الإخْلاصِ تَذَكُّرَ يَوْمَ الدِّينِ؛ وما يَبْرُزُ فِيهِ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ ويَنْكَشِفُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تُوصَفُ عَظَمَتُها؛ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿ذِكْرى الدّارِ﴾؛ أيْ: تُذَكِّرُهم تِلْكَ الخالِصَةُ - تَذْكِيرًا عَظِيمًا لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا - الدّارَ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّ غَيْرُها أنْ يُسَمّى دارًا بِوَجْهٍ؛ بِحَيْثُ نَسُوا بِذِكْرِ هَذا الغائِبِ ذِكْرَ ما يُشاهِدُونَهُ مِن دارِ الدُّنْيا؛ فَهم لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ أصْلًا؛ بُغْضًا فِيها؛ فَقَدْ أنْساهم هَذا الغائِبُ الثّابِتَ الشّاهِدَ الزّائِلَ؛ عَكْسَ ما عَلَيْهِ العامَّةُ؛ وإضافَةُ نافِعٍ وأبِي جَعْفَرٍ؛ وهِشامٍ؛ عَنِ ابْنِ عامِرٍ؛ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ لِـ ”خالِصَةٍ“؛ مُؤَيِّدٌ لِما قُلْتُ مِن أنَّ ”ذِكْرى“؛ بَيانٌ لِأنَّها إضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ؛ والمَعْنى أنَّهم لا يَعْمَلُونَ شَيْئًا إلّا وهو (p-٣٩٨)مُقَرِّبٌ لِلْآخِرَةِ؛ فالمَعْنى أنَّ ذِكْرَهم لَها خالِصٌ عَنْ سِواهُ؛ لا يُشارِكُهُ فِيهِ شَيْءٌ؛ ولا يَشُوبُهُ شَوْبٌ أصْلًا.

ص 38:47

ولَمّا دَلَّتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى هَذا المَدْحِ البَلِيغِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما يُلازِمُ الإخْلاصَ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مِمَّنْ يُغْتَبَطُ بِمَدْحِهِمْ؛ ورَدًّا عَلى مَن رُبَّما ظَنَّ خِلافَ ذَلِكَ؛ بِكَثْرَةِ مَصائِبِهِمْ في الدُّنْيا -: ﴿وإنَّهم عِنْدَنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والخِبْرَةِ؛ ﴿لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ﴾؛ المَبالَغِ في تَصْفِيَتِهِمْ؛ مُبالَغَةً كَأنَّها بِعِلاجٍ؛ ﴿الأخْيارِ﴾؛ الَّذِينَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِخَيْرٍ بَلِيغٍ في الخَيْرِ؛ وإصابَتُنا إيّاهم بِالمَصائِبِ دَلِيلُ ذَلِكَ؛ لا دَلِيلُ عَكْسِهِ؛ كَما يَظُنُّهُ مَن طُمِسَ قَلْبُهُ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ ”أخْلَصْناهُمْ“؛ أوَّلًا؛ دَلِيلٌ عَلى ”اصْطَفَيْناهُمْ“؛ ثانِيًا؛ و”المُصْطَفَيْنَ“؛ دَلِيلًا عَلى ”المُخْلَصِينَ“؛ أوَّلًا؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ الإخْلاصَ يَلْزَمُ مِنهُ الِاصْطِفاءُ؛ لا سِيَّما إذا أسْنَدَهُ إلَيْهِ؛ بِخِلافِ العَكْسِ؛ بِدَلِيلِ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]

ص 38:48

ولَمّا أتَمَّ الأمْرَ بِذِكْرِ الخَلِيلِ؛ وابْنِهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - الَّذِي لَمْ يَخْرُجْ مِن كَنَفِهِ قَطُّ؛ ونافِلَتِهِ المُبَشَّرِ بِهِ؛ لِلتَّأسِّي بِهِمْ في صَبْرِهِمْ عَلى الدِّينِ؛ وإنْ خالَفَهم مَن خالَفَهُمْ؛ أتْبَعَهُ ولَدَهُ الَّذِي أمَرَ بِالتَّجَرُّدِ عَنْهُ؛ مَرَّةً بِالإسْكانِ عِنْدَ البَيْتِ الحَرامِ؛ لِيَصِيرَ أصْلًا بِرَأْسِهِ في أشْرَفِ البِقاعِ؛ ومَرَّةً بِالأمْرِ بِذَبْحِهِ في تِلْكَ المَشاعِرِ الكِرامِ؛ فَصارَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مِنَ الأحْوالِ (p-٣٩٩)والأفْعالِ مِنَ المَناسِكِ العِظامِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأفْرَدَهُ بِالذِّكْرِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ أصْلٌ عَظِيمٌ بِرَأْسِهِ؛ مِن أُصُولِ الأئِمَّةِ الأعْلامِ؛ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: أباكَ؛ وما صَبَرَ عَلَيْهِ مِنَ البَلاءِ بِالغُرْبَةِ؛ والِانْفِرادِ؛ والوَحْدَةِ؛ والإشْرافِ عَلى المَوْتِ في اللَّهِ؛ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ وما صارَ إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ البَلاءِ مِنَ الفَرَجِ؛ والرِّئاسَةِ؛ والذِّكْرِ في هَذِهِ البَلْدَةِ؛ ﴿واليَسَعَ﴾؛ أيْ: الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ إلْياسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَجَمَعَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ الخِلافِ الشَّدِيدِ؛ الَّذِي كانَ مِنهم لِإلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿وذا الكِفْلِ﴾؛ أيْ: النَّصِيبِ العَظِيمِ بِالوَفاءِ؛ بِما يَكْفُلُهُ مِن كُلِّ أمْرٍ عَلِيٍّ؛ وعَمَلٍ صالِحٍ زَكِيٍّ. ولَمّا تَقَدَّمَ وصْفُ مَن قَبْلَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأوْبَةِ؛ وخُصُّوا بِالتَّصْرِيحِ؛ لِما كانَ لَهم مِنَ الشَّواغِلِ عَنْها بِكُلٍّ مِن مِحْنَةِ السَّرّاءِ؛ ومِحْنَةِ الضَّرّاءِ؛ وكَذَلِكَ بِالعُبُودِيَّةِ سَواءً؛ وكانَ الأمْرُ بِالذِّكْرِ - مَعَ حَذْفِ الوَصْفِ المَذْكُورِ لِأجْلِهِ؛ والإشارَةُ إلَيْهِ بِالتَّلْوِيحِ؛ ولا مانِعَ مِن ذِكْرِهِ -؛ دالًّا عَلى غايَةِ المَدْحِ لَهُ لِذَهابِ الوَهْمِ في تَطَلُّبِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ قالَ - مُعَمِّمًا لِلْوَصْفِ بِالعُبُودِيَّةِ والأوْبَةِ بِها جَمِيعَ المَذْكُورِينَ؛ عاطِفًا بِما أرْشَدَ إلَيْهِ العَطْفُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ؛ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”إنَّهم أوّابُونَ“؛ لِيَكُونَ تَعْلِيلًا لِذِكْرِهِمْ بِما عَلَّلَ بِهِ ذِكْرَ أوَّلِ مَذْكُورٍ فِيهِمْ -: (p-٤٠٠)﴿وكُلٌّ﴾؛ أيْ: مِن هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأنْبِياءِ؛ قائِمُونَ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ؛ فَهم مِن خِيارِ عِبادِنا؛ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ومَن قَبْلَهُمْ؛ ﴿مِنَ الأخْيارِ﴾؛ أيْ: كَما أنَّ كُلًّا مِنهم أوّابٌ بِالعَراقَةِ في وصْفِ الصَّبْرِ - كَما مَضى في ”الأنْبِياءِ“ -؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ عَلى أنَّ الصَّبْرَ جامِعٌ لِجَمِيعِ الطَّرِيقِ؛ فَهُمُ الَّذِينَ يَجِبُ الِاقْتِداءُ بِهِمْ في الصَّبْرِ عَلى الدِّينِ؛ ولُزُومِ طَرِيقِ المُتَّقِينَ.

ص 38:49

ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن ذِكْرِ هَؤُلاءِ الأصْفِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - الَّذِينَ عافاهم بِصَبْرِهِمْ؛ وعافى مَن دَعَوْهُمْ؛ فَجَعَلَهم - سُبْحانَهُ - سَبَبَ الفَلاحِ؛ ولَمْ يَجْعَلْهم سَبَبًا لِلْهَلاكِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِشَرَفِهِمْ؛ وشَرَفِ ما ذُكِرُوا بِهِ؛ حاثًّا عَلى إدامَةِ تَذَكُّرِهِ؛ وتَأمُّلِهِ؛ وتَدَبُّرِهِ؛ لِلْعَمَلِ بِهِ؛ مُبَيِّنًا ما لَهم في الآخِرَةِ؛ عَلى ما ذَكَرَ مِن أعْمالِهِمْ؛ وما لِمَن نَكَبَ عَنْ طَرِيقِهِمْ؛ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: ما تَلَوْناهُ عَلَيْكَ مِن أُمُورِهِمْ؛ وأُمُورِ غَيْرِهِمْ؛ ﴿ذِكْرٌ﴾؛ أيْ: شَرَفٌ في الدُّنْيا؛ ومَوْعِظَةٌ مِن ذِكْرِ القُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ [ص: ٢٦] ما لِأضْدادِهِمْ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ مِن كُفّارِ العَرَبِ (p-٤٠١)وغَيْرِهِمْ -: ﴿وإنَّ﴾؛ ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”هَذا“؛ وتَقْدِيرُهُ: ”هَذا ذِكْرٌ لِلصّابِرِينَ؛ ولِما أدّاهم إلَيْهِ صَبْرُهم في الدُّنْيا؛ وأنْ لَهم عَلى ما وهَبْناهم مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي مَجْمَعُها الصَّبْرُ لَمَرْجِعًا حَسَنًا“؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي أدّاهم إلى هَذا المَآبِ؛ تَعْمِيمًا لِكُلِّ مَنِ اقْتَدى بِهِمْ؛ حَثًّا عَلى الِاقْتِداءِ؛ فَقالَ: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: جَمِيعِ العَرِيقِينَ في وصْفِ التَّقْوى؛ الَّذِينَ يَلْزَمُونَ - لِتَقْواهُمُ - الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ؛ ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾؛ أيْ: مَصِيرٍ؛ ومَرْجِعٍ؛

ص 38:50

ولَمّا شَوَّقَ - سُبْحانَهُ - إلى هَذا الجَزاءِ؛ أبْدَلَ مِنهُ؛ أوْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾؛ أيْ: إقامَةٍ في اسْتِمْراءٍ؛ وطِيبِ عَيْشٍ؛ ونُمُوٍّ؛ وامْتِلاءٍ؛ وشَرَفِ أصْلٍ. ولَمّا كانَتْ مِنَ الأعْلامِ الغالِبَةِ؛ نَصَبَ عَنْها عَلى الحالِ قَوْلَهُ: ﴿مُفَتَّحَةً﴾؛ أيْ: تَفْتِيحًا كَثِيرًا؛ وبَلِيغًا؛ مِن غَيْرِ أنْ يُعانُوا في فَتْحِها شَيْئًا مِن نَصَبٍ؛ أوْ طَلَبٍ؛ أوْ تَعَبٍ؛ وأشارَ جَعْلُ هَذا الوَصْفِ مُفْرَدًا إلى أنَّ تَفْتِيحَها عَلى كَثْرَتِها كانَ لَهم في آنٍ واحِدٍ؛ حَتّى كَأنَّها بابٌ واحِدٌ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لا لِغَيْرِهِمْ؛ ﴿الأبْوابُ﴾؛ الَّتِي لَها؛ والَّتِي فِيها؛ فَلا يَلْحَقُهم في دُخُولِها ذُلُّ الحُجّابِ؛ ولا كُلْفَةُ الِاسْتِئْذانِ؛ تَسْتَقْبِلُهُمُ المَلائِكَةُ (p-٤٠٢)بِالتَّبْجِيلِ؛ والإكْرامِ.

ص 38:51

ولَمّا ذَكَرَ إقامَتَهُمْ؛ ويُسْرَ دُخُولِهِمْ؛ وصَفَ حالَهم إذْ ذاكَ؛ فَقالَ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم شُغُلٌ سِوى النَّعِيمِ؛ ولا عَلَيْهِمْ كُلْفَةٌ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ المُتَّكِئُ لا يَتِمُّ نَعِيمُهُ إلّا إنْ كانَ مَخْدُومًا؛ دَلَّ عَلى سُؤْدُدِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ فِيها﴾؛ أيْ: كُلَّما أرادُوا؛ مِن غَيْرِ مانِعٍ أصْلًا؛ ولا حاجَةٍ إلى قِيامٍ؛ ولا قُعُودٍ؛ يَتْرُكُ بِهِ الِاتِّكاءَ؛ ولَمّا كانَ أكْلُهم إنَّما هو لِلتَّفَكُّهِ؛ لا لِحِفْظِ الجَسَدِ مِن آفَةٍ؛ قالَ: ﴿بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾؛ فَسَمّى جَمِيعَ مَآكِلِهِمْ ”فاكِهَةً“؛ ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ لا يُمَلُّ مِنها؛ والشَّرابُ لا يُؤْخَذُ إلّا بِقَدْرِ الكِفايَةِ؛ وصَفَها دُونَهُ؛ فَقالَ: ﴿وشَرابٍ﴾

ص 38:52

ولَمّا كانَ الأكْلُ والشُّرْبُ داعِيَيْنِ إلى النِّساءِ؛ لا سِيَّما مَعَ الرّاحَةِ؛ قالَ: ﴿وعِنْدَهُمْ﴾؛ أيْ: لَهم مِن غَيْرِ مُفارَقَةٍ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ سِياقُ الِامْتِنانِ مُفْهِمًا كَثْرَةَ المُمْتَنِّ بِهِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ مِنَ العَظِيمِ؛ أتى بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ مُرِيدًا بِهِ الكَثْرَةَ؛ لِأنَّهُ أشْهَرُ؛ وأوْضَحُ وأرْشَقُ مِن ”قَواصِرُ“؛ المُشْتَرَكُ بَيْنَ جَمْعِ ”قاصِرٌ“؛ و”قَوْصَرَّةٌ“؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ والتَّخْفِيفِ؛ لِوِعاءِ التَّمْرِ؛ فَقالَ: ﴿قاصِراتُ﴾؛ ولَمّا كُنَّ عَلى خُلُقٍ واحِدٍ في العِفَّةِ؛ وكَمالِ الجَمالِ؛ وحَّدَ فَقالَ: (p-٤٠٣)﴿الطَّرْفِ﴾؛ أيْ: طَرْفِهِنَّ؛ لِعِفَّتِهِنَّ؛ وطَرْفِ أزْواجِهِنَّ؛ لِحُسْنِهِنَّ؛ ولَمّا لَمْ تَنْقُصْ صِيغَةُ جَمْعِ القِلَّةِ المَعْنى؛ لِكَوْنِهِ في سِياقِ المَدْحِ والِامْتِنانِ؛ وكانَ يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ؛ أتى عَلى نَمَطِ الفَواصِلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أتْرابٌ﴾؛ أيْ: عَلى سِنٍّ واحِدَةٍ مَعَ أزْواجِهِنَّ؛ وهي الشَّبابُ؛ سُمِّي القَرِينُ ”تِرْبًا“؛ لِمَسِّ التُّرابِ جِلْدَهُ؛ وجِلْدِ قَرِينِهِ في وقْتٍ واحِدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: بَناتُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْعى لِلتَّآلُفِ؛ فَإنَّ التَّحابَّ بَيْنَ الأقْرانِ أشَدُّ وأثْبَتُ.

ص 38:53

ولَمّا ذَكَرَ هَذا النَّعِيمَ لِأهْلِ الطّاعَةِ؛ وقَدَّمَ ذَلِكَ العَذابَ لِأهْلِ المَعْصِيَةِ؛ قالَ: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ هُنا؛ والَّذِي مَضى؛ ﴿ما﴾؛ وبَنى لِلْمَفْعُولِ - اخْتِصارًا؛ وتَحْقِيقًا لِلتَّحَتُّمِ - قَوْلَهُ: ﴿تُوعَدُونَ﴾؛ مِن ”الوَعْدُ“؛ و”الإيعادُ“؛ وقِراءَةُ الغَيْبِ عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي؛ ومَن خاطَبَ لَفَتَ الكَلامَ لِلتَّلْذِيذِ بِالخِطابِ؛ تَنْشِيطًا لِهِمَمِهِمْ؛ وإيقاظًا لِقُلُوبِهِمْ؛ ﴿لِيَوْمِ الحِسابِ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

ص 38:54

ولَمّا كانَ هَذا يُصَدَّقُ بِأنْ يُوجَدَ ثُمَّ يَنْقَطِعُ؛ كَما هو المَعْهُودُ مِن حالِ الدُّنْيا؛ أخْبَرَ أنَّهُ عَلى غَيْرِ هَذا المِنوالِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: المُشارَ إلَيْهِ إشارَةَ الحاضِرِ الَّذِي لا يَغِيبُ؛ ﴿لَرِزْقُنا﴾؛ أيْ: لَلرِّزْقُ الَّذِي (p-٤٠٤)يَسْتَحِقُّ الإضافَةَ إلَيْنا في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَلِذَلِكَ كانَتِ النَّتِيجَةُ: ﴿ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾؛ أيْ: فَناءٍ؛ وانْقِطاعٍ؛ بَلْ هو كالماءِ المُتَواصِلِ في نَبْعِهِ؛ كُلَّما أُخِذَ مِنهُ شَيْءٌ أخْلَفَ في الحالِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ لا يُمَيَّزُ المَأْخُوذُ مِنَ المَوْجُودِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ فَيَكُونُ في ذَلِكَ تَلْذِيذٌ؛ وتَنْعِيمٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ بِكَثْرَةِ ما عِنْدَهُ؛ وبِمُشاهَدَةِ ما كانُوا يَعْتَقِدُونَهُ؛ ويُثْبِتُونَهُ لِلَّهِ (تَعالى) مِنَ القُدْرَةِ عَلى الإعادَةِ في كُلِّ وقْتٍ؛ جَزاءً وِفاقًا؛ عَكْسَ ما يَأْتِي لِأهْلِ النّارِ.

ص 38:55

ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ نَزّاعَةً لِلْهَوى؛ مَيّالَةً إلى الرَّدى؛ فَكانَتْ مُحْتاجَةً إلى مَزِيدِ تَخْوِيفٍ؛ وشَدِيدِ تَهْوِيلٍ؛ قالَ (تَعالى) - مُتَوَعِّدًا لِمَن تَرَكَ التَّأسِّيَ بِهَؤُلاءِ السّادَةِ في أحْوالِ العِبادَةِ؛ مُؤَكِّدًا لِما مَضى مِن إيعادِ العُصاةِ؛ وتَخْوِيفِ العُتاةِ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي هو جَدِيرٌ بِأنْ يُجْعَلَ نُصْبَ العَيْنِ؛ وهو أنَّهُ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما ذُكِرَ؛ وإنْ أنْكَرَهُ الكَفَرَةُ؛ وحَذْفُ الخَبَرِ؛ بَعْدَ إثْباتِهِ في الأوَّلِ؛ أهْوَلُ؛ لِيَذْهَبَ الوَهْمُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ ﴿وإنَّ لِلطّاغِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يَصْبِرُوا عَلى تَنْزِيلِهِمْ أنْفُسَهم في مَنازِلِها؛ بِالصَّبْرِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ؛ فَرَفَعُوا أنْفُسَهم فَوْقَ قَدْرِها؛ وتَجاوَزُوا الحَدَّ؛ وعَلَوْا في الكُفْرِ بِهِ؛ وأسْرَفُوا في المَعاصِي والظُّلْمِ؛ وتَجَبَّرُوا؛ وتَكَبَّرُوا؛ فَكانُوا أحْمَقَ النّاسِ؛﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾؛ أيْ: مَصِيرٍ؛ ومَرْجِعٍ؛ (p-٤٠٥)وأبْدَلَ مِنهُ؛ أوْ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ:

ص 38:56

﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: الشَّدِيدَةَ الِاضْطِرامِ؛ المُلاقِيَةَ لِمَن يَدْخُلُها بِغايَةِ العَبُوسَةِ والتَّجَهُّمِ. ولَمّا كانَ اخْتِصاصُهم بِها لَيْسَ بِصَرِيحٍ في عَذابِهِمُ؛ اسْتَأْنَفَ التَّصْرِيحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَصْلَوْنَها﴾؛ أيْ: يَدْخُلُونَها؛ فَيُباشِرُونَ شَدائِدَها؛ ولَمّا أفْهَمَ هَذا غايَةَ الكَراهَةِ لَها؛ وأنَّهُ لا فِراشَ لَهم غَيْرُ جَمْرِها؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَيَكُونُ مِهادًا لَهُمْ؛ لِتُحِيطَ بِهِمْ؛ فَيَعُمَّهم صَلْيُها“؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾؛ أيْ: الفِراشُ هِيَ؛ فَإنَّ فائِدَةَ الفِراشِ تَنْعِيمُ الجَسَدِ؛ وهَذِهِ تُذِيبُ الجِلْدَ واللَّحْمَ؛ ثُمَّ يَعُودُ في الحالِ؛ كُلَّما ذابَ عادَ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ؛ لِيُرِيَهُمُ اللَّهُ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ مِنَ الإعادَةِ في كُلِّ وقْتٍ دائِمًا أبَدًا؛ كَما كانُوا يَعْتَقِدُونَ ذَلِكَ دائِمًا أبَدًا؛ جَزاءً وِفاقًا؛ عَكْسَ ما لِأهْلِ الجَنَّةِ مِنَ التَّنْعِيمِ؛ والتَّلْذِيذِ؛ بِإعادَةِ كُلِّ ما قَطَعُوا مِن فاكِهَتِها؛ وأكَلُوا مِن طَيْرِها؛ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ الإعادَةَ؛ فَنالُوا هَذِهِ السَّعادَةَ.

ص 38:57

ولَمّا قَدَّمَ أنَّ لِأهْلِ الطّاعَةِ فاكِهَةً وشَرابًا؛ وكانَ ما وصَفَ بِهِ مَأْوى العُصاةِ لا يَكُونُ إلّا عَذابًا؛ وكانَ مُفْهِمًا - لا مَحالَةَ - أنَّ الحَرارَةَ تُسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ عُصارَةً مِن صَدِيدٍ وغَيْرِهِ؛ قالَ: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: العَذابُ لِلطّاغِينَ؛ ﴿فَلْيَذُوقُوهُ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَمِيمٌ﴾؛ أيْ: ماءٌ حارٌّ؛ وأشارَ بِالعَطْفِ بِالواوِ إلى تَمَكُّنِهِ في كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿وغَسّاقٌ﴾ (p-٤٠٦)أيْ: سَيْلٌ مُنْتِنٌ عَظِيمٌ جِدًّا؛ بارِدٌ؛ أسْوَدُ؛ مُظْلِمٌ؛ شَدِيدٌ في جَمِيعِ هَذِهِ الصِّفاتِ؛ مِن صَدِيدٍ ونَحْوِهِ؛ وهو في قِراءَةِ الجَماعَةِ - بِالتَّخْفِيفِ - اسْمٌ؛ كَـ ”العَذابُ“؛ و”النَّكالُ“؛ مِن ”غَسَقَتْ عَيْنُهُ“؛ أيْ: سالَتْ؛ و”غَسَقَ الشَّيْءُ“؛ أيْ: امْتَلَأ؛ ومِنهُ ”الغاسِقُ“؛ لِلْقَمَرِ؛ لِامْتِلائِهِ؛ وكَمالِهِ؛ وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وحَفْصٍ - بِالتَّشْدِيدِ - صِفَةٌ؛ كَـ ”الخَبّازُ“؛ و”الضَّرّابُ“؛ تُشِيرُ إلى شِدَّةِ أمْرِهِ في جَمِيعِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مِنَ السَّيَلانِ؛ والبَرْدِ؛ والسَّوادِ.

ص 38:58

ولَمّا كانَ في النّارِ - أجارَنا اللَّهُ مِنها بِعَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ - ما لا يُعَدُّ مِن أنْواعِ العِقابِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ”هَذا“ -: ﴿وآخَرُ﴾؛ أيْ: مِن أنْواعِ المَذُوقاتِ؛ عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ - بِالجَمْعِ لِـ ”أُخْرى“؛ و”مَذُوقٌ“؛ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِما بِالإفْرادِ؛ وهو حِينَئِذٍ لِلْجِنْسِ؛ وأخْبَرَ عَنِ المُبْتَدَإ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَكْلِهِ﴾؛ أيْ: شَكْلِ هَذا المَذُوقِ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الكَثْرَةَ في المُعَذَّبِينَ؛ وهُمُ الطّاغُونَ؛ وفي عَذابِهِمْ؛ مَعَ افْتِراقِهِ بِالأنْواعِ؛ وإنِ اتَّحَدَ في جِنْسِ العَذابِ؛ صَرَّحَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿أزْواجٌ﴾؛ أيْ: هُمْ؛ أوْ هِيَ؛ أوْ هُوَ؛ أيْ: جِنْسُ عَذابِهِمْ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ.

ص 38:59

ولَمّا كانَ مِمّا أفْهَمَهُ الكِتابُ في هَذا الخِطابِ أنَّ الطّاغِينَ الدّاخِلِينَ إلى جَهَنَّمَ أصْنافٌ كَثِيرَةٌ؛ وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ الأصْنافَ إذا اجْتَمَعُوا (p-٤٠٧)كانَتْ مُحاوَراتٌ؛ ولا سِيَّما إنْ كانُوا مِنَ الطُّغاةِ العُتاةِ؛ تَحَرَّكَ السّامِعُ إلى تَعَرُّفِ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسْتَأْنِفًا جَوابَهُ بِما يَدُلُّ عَلى تَقاوُلِهِمْ بِأقْبَحِ المُقاوَلَةِ؛ وهو التَّخاصُمُ النّاشِئُ عَنِ التَّباغُضِ؛ والتَّدابُرِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَقَعَ بَيْنَ الَّذِينَ دَبَّرُوا أمْرًا فَعادَ عَلَيْهِمْ بِالوَبالِ؛ في أنَّ كُلًّا مِنهم يُحِيلُ ما وقَعَ بِهِ العَكْسَ عَلى صاحِبِهِ؛ وذَلِكَ أشَدُّ لِعَذابِهِمْ -: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: قالَ أطْغى الطُّغاةِ - لَمّا دَخَلُوها أوَّلًا؛ كَما هم أهْلٌ لَهُ؛ لِأنَّهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ؛ ورَأوْا جَمْعًا مِنَ الأتْباعِ داخِلًا عَلَيْهِمْ -: هَذا ﴿فَوْجٌ﴾؛ أيْ: جَماعَةٌ كَثِيفَةٌ؛ مُشاةٌ مُسْرِعُونَ؛ ولَمّا كانُوا يَدْخُلُونَها مِن شِدَّةٍ ما تَدْفَعُهُمُ الزَّبانِيَةُ عَلى هَيْئَةِ الواثِبِ؛ قالَ - مُشِيرًا بِالتَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ مُفْرِدًا؛ إلى أنَّهم في المُوافَقَةِ فِيهِ والتَّسابُقِ كَأنَّهم نَفْسٌ واحِدَةٌ -: ﴿مُقْتَحِمٌ﴾؛ أيْ: رامٍ بِنَفْسِهِ في الشِّدَّةِ بِشِدَّةِ فُجاءَةٍ؛ بِلا رَوِيَّةٍ؛ كائِنًا ﴿مَعَكُمْ﴾ ولَمّا كانَ أهْلُ النّارِ يُؤْذِي بَعْضُهم بَعْضًا بِالشَّهِيقِ؛ والزَّفِيرِ؛ والزِّحامِ؛ والدِّفاعِ؛ والبُكاءِ؛ والعَوِيلِ؛ وما يَسِيلُ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ مِنَ القَيْحِ؛ والصَّدِيدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ النَّكَدِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانُوا أتْباعًا لَهم في الدُّنْيا؛ فَصارُوا مِثْلَهم في ذَلِكَ الدُّخُولِ في الرُّتْبَةِ؛ لا يَتَحاشَوْنَ عَنْ دِفاعِهِمْ؛ وخِصامِهِمْ؛ ونِزاعِهِمْ؛ قالُوا - اسْتِئْنافًا -: ﴿لا مَرْحَبًا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنُوا المَدْعُوَّ عَلَيْهِ؛ فَقالُوا: ﴿بِهِمْ﴾؛ وهي كَلِمَةٌ واقِعَةٌ في أتَمِّ مَواقِعِها؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى (p-٤٠٨)التَّضَجُّرِ والبِغْضَةِ؛ مَعَ الصِّدْقِ في أهْلِ مَدْلُولِها؛ الَّذِي هو مُصادَقَةُ الضِّيقِ؛ ”مَفْعَلٌ“؛ مِن ”الرُّحْبُ“؛ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ؛ وهو السَّعَةُ؛ أيْ لا كانَ بِهِمْ سَعَةٌ أصْلًا؛ ولا اتَّسَعَتْ بِهِمْ هَذِهِ الأماكِنُ؛ ولا هَذِهِ الأزْمانُ؛ ولا حَصَلَتْ لَهم ولا بِهِمْ راحَةٌ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلُوا اسْتِحْقاقَهم لِهَذا الدُّعاءِ بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ لِما كانَ اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ؛ وتَطاوَلَ عَلَيْهِ الزَّمانُ؛ مِن إنْكارِهِمْ لَهُ -: ﴿إنَّهم صالُو النّارِ﴾؛ أيْ: ومَن صَلِيَها صادَفَ مِنَ الضِّيقِ ما لَمْ يُصادِفْهُ أحَدٌ؛ وآذى كُلَّ مَن جاوَرَهُ.

ص 38:60

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ - عَلى ما جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ - أنَّهم يَتَأثَّرُونَ مِن هَذا القَوْلِ؛ فَيَحْصُلُ التَّشَوُّقُ إلى ما يَكُونُ مِن أمْرِهِمْ؛ هَلْ يُجِيبُونَهُمْ؛ أمْ تَمْنَعُهم هَيْبَتُهم عَلى ما كانُوا في الدُّنْيا؟ أعْلَمَ بِما يُعْلَمُ مِنهُ انْقِطاعُ الأسْبابِ هُناكَ؛ فَلا يَكُونُ مِن أحَدٍ مِنهم خَوْفٌ مِن آخَرَ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ؛ المُعَبَّرُ عَنْهم بِالفَوْجِ؛ لِسُفُولِهِمْ؛ وبُطُونِ أمْرِهِمْ؛ ﴿بَلْ أنْتُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ أيُّها الرُّؤَساءُ؛ ﴿لا مَرْحَبًا﴾؛ وبَيَّنُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿بِكُمْ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي دَعَوْتُمْ بِهِ عَلَيْنا؛ أنْتُمْ أحَقُّ بِهِ مِنّا؛ ثُمَّ عَلَّلُوا قَوْلَهم بِما أفْهَمَ أنَّهم شارَكُوهم في الضَّلالِ؛ وزادُوا عَلَيْهِمْ بِالإضْلالِ؛ (p-٤٠٩)فَقالُوا: ﴿أنْتُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿قَدَّمْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: الِاقْتِحامَ في العَذابِ؛ بِما أقْحَمْتُمُونا فِيهِ مِن أسْبابِهِ؛ وقَدَّمْتُمْ في دارِ الغُرُورِ مِن تَزْيِينِهِ؛ ﴿لَنا﴾؛ ولَمّا كانَ الِاقْتِحامُ؛ وهو الوُثُوبُ؛ أوِ الدُّخُولُ عَلى شَيْءٍ بِسُرْعَةٍ؛ كَأنَّها الوُثُوبُ؛ يَنْتَهِي مِنهُ إلى اسْتِقْرارٍ؛ وكانَ الفَرِيقانِ قَدِ اسْتَقَرُّوا في مَقاعِدِهِمْ في النّارِ؛ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ: ﴿فَبِئْسَ القَرارُ﴾؛ أيْ: قَرارُكم.

ص 38:61

ولَمّا كانَ قَوْلُ الأتْباعِ هَذا مُفْهِمًا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ سَبَبَ ما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ الشَّقاءِ هو الرُّؤَساءُ؛ وكانَ هَذا مُوجِبًا لِنِهايَةِ غَيْظِهِمْ مِنهُمْ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ لِما يَكُونُ مِن أمْرِهِمْ مَعَهُمْ؛ هَلْ يَكْتَفُونَ بِما أجابُوهم بِهِ؛ أوْ يَكُونُ مِنهم شَيْءٌ آخَرُ؟ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - إعْلامًا بِأنَّهم لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ؛ وعَلِمُوا أنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم -: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ؛ ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ الَّذِي مَنَعَنا هَؤُلاءِ عَنِ الشُّكْرِ لَهُ؛ ﴿مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾؛ أيْ: العَذابَ؛ بِما قَدَّمَ لَنا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أقْحَمَتْناهُ؛ وقَدَّمُوا ذَلِكَ اهْتِمامًا بِهِ؛ وأجابُوا الشَّرْطَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَزِدْهُ﴾؛ أيْ: عَلى العَذابِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ؛ بِما اسْتَحْقَقْنا بِهِ نَحْنُ؛ وهو الضَّلالُ؛ ﴿عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أيْ: زائِدًا عَلى ذَلِكَ؛ مِثْلَهُ مَرَّةً أُخْرى؛ بِالإضْلالِ؛ وقَيَّدُوهُ طَلَبًا لِفَخامَتِهِ؛ بِقَوْلِهِمْ - مُعَبِّرِينَ بِالظَّرْفِ؛ لِإفْهامِ الضِّيقِ الَّذِي تَقَدَّمَ الدُّعاءُ (p-٤١٠)المُجابُ فِيهِ بِهِ؛ لِيَكُونَ عَذابًا آخَرَ؛ فَهو أبْلَغُ مِمّا في ”الأعْرافِ“؛ لِأنَّ السِّياقَ هُنا لِلطّاغِينَ؛ وهُناكَ لِمُطْلَقِ الكافِرِينَ -: ﴿فِي النّارِ﴾؛ أيْ: كائِنًا فِيها؛ وهَذا مِثْلُ الآيَةِ الأُخْرى: ”رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذابِ والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا“؛ أيْ: مِثْلَ عَذابِنا مَرَّتَيْنِ.

ص 38:62

ولَمّا ذَكَرَ مِنَ اقْتِحامِهِمْ في العَذابِ؛ وتَقاوُلِهِمْ بِما دَلَّ عَلى خِزْيِهِمْ؛ وحَسْرَتِهِمْ؛ وحُزْنِهِمْ؛ أعْلَمَ بِما دَلَّ عَلى زِيادَةِ خُسْرانِهِمْ؛ وحَسْرَتِهِمْ؛ وهَوانِهِمْ؛ بِمَعْرِفَتِهِمْ بِنَجاةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانُوا يَهْزَؤُونَ بِهِمْ؛ ويُذِلُّونَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: الفَرِيقانِ؛ الرُّؤَساءُ؛ والأتْباعُ؛ بَعْدَ أنْ قَضَوْا وطَرَهُمْ؛ مِمّا لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا مِن تَخاصُمِهِمْ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ ﴿لَنا﴾؛ مانِعًا في أنّا ﴿لا نَرى﴾؛ أيْ: في المَحَلِّ الَّذِي أُدْخِلْناهُ؛ ﴿رِجالا﴾؛ يَعْنُونَ فُقَراءَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿كُنّا نَعُدُّهُمْ﴾؛ أيْ: في دارِ الدُّنْيا؛ ﴿مِنَ الأشْرارِ﴾؛ أيْ: الأراذِلِ؛ الَّذِينَ لا خَيْرَ فِيهِمْ؛ بِأنَّهم قَدْ قَطَعُوا الرَّحِمَ؛ وفَرَّقُوا بَيْنَ العَشِيرَةِ؛ وأفْسَدُوا ذاتَ البَيْنِ؛ وغَيَّرُوا الدِّينَ؛ بِكَوْنِهِمْ لا يَزالُونَ يُخالِفُونَ النّاسَ في أقْوالِهِمْ؛ وأفْعالِهِمْ؛ مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ؛ والذُّلِّ؛ والهَوانِ؛ وسُوءِ الحالِ في الدُّنْيا؛ فَيَظُنُّ أهْلُها نَقْصَ حَظِّهِمْ مِنهُ؛ وكَثْرَةَ مَصائِبِهِمْ فِيها لِسُوءِ حالِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ وما دَرَوْا أنَّهُ (تَعالى) يَحْمِي أحِبّاءَهُ مِنها؛ كَما (p-٤١١)يَحْمِي الإنْسانُ عَلِيلَهُ الطَّعامَ والشَّرابَ؛ ومَن يُرِدْ بِهِ خَيْرًا يُصَبْ مِنهُ.

ص 38:63

ولَمّا كانُوا يَسْخَرُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ؛ وهم لَيْسُوا مَوْضِعًا لِذَلِكَ؛ بَلْ حالُهم في جِدِّهِمْ؛ وجَدِّهِمْ؛ في غايَةِ البُعْدِ عَنْ ذَلِكَ؛ قالُوا - مُسْتَفْهِمِينَ؛ أمّا عَلى قِراءَةِ الحَرَمَيْنِ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ فَتَحْقِيقًا؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِمْ فَتَقْدِيرًا -: ﴿أتَّخَذْناهُمْ﴾؛ أيْ: كَلَّفْنا أنْفُسَنا؛ وعالَجْناها في أخْذِهِمْ؛ ﴿سِخْرِيًّا﴾؛ أيْ: نَسْخَرُ مِنهُمْ؛ ونَسْتَهْزِئُ بِهِمْ؛ عَلى قِراءَةِ الكَسْرِ؛ ونُسَخِّرُهُمْ؛ أيْ: نَسْتَخْدِمُهُمْ؛ عَلى قِراءَةِ الضَّمِّ؛ وهم لَيْسُوا أهْلًا لِذَلِكَ؛ بَلْ كانُوا خَيْرًا مِنّا؛ فَلَمْ يَدْخُلُوا هُنا لِعَدَمِ شَرارَتِهِمْ؛ وكَأنَّهم إلى تَجْوِيزِ كَوْنِهِمْ في النّارِ مَعَهُمْ؛ ومَنعِهِمْ مِن رُؤْيَتِهِمْ؛ أمْيَلُ؛ فَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ؛ ناسِبِينَ خَفاءَهم عَنْهم إلى رَخاوَةٍ في أبْصارِهِمْ؛ عَلى قُوَّتِها في ذَلِكَ الحِينِ؛ فَقالُوا: ﴿أمْ زاغَتْ﴾؛ أيْ: مالَتْ مُتَجاوِزَةً؛ ﴿عَنْهُمُ﴾ ولَمّا كانَ (تَعالى) يُعِيدُ الخَلْقَ في القِيامَةِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ في أبْدانِهِمْ؛ ومَعانِيها؛ فَتَكُونُ أبْصارُهم أحَدَّ ما يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ؛ وأنْفَذَهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ [مريم: ٣٨] ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] عَدُّوا أبْصارَهم في الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْها عَدَمًا؛ فَلِذَلِكَ عَرَّفُوا قَوْلَهُمْ: ﴿الأبْصارُ﴾؛ أيْ: مِنّا؛ الَّتِي لا أبْصارَ في الحَقِيقَةِ سِواها؛ فَلَمْ نَرَهم وهم فِينا؛ ومَعَنا في النّارِ؛ ولَكِنْ حَجَبَهم عَنّا بَعْضُ أوْدِيَتِها؛ وجِبالِها؛ ولَهَبِها؛ فَـ ”أمْ“؛ مُعادِلَةٌ لِجُمْلَةِ السُّخْرِيَةِ؛ وقَدْ (p-٤١٢)عُلِمَ بِهَذا التَّقْدِيرِ أنَّ مَعْنى الآيَةِ إلى انْفِصالٍ حَقِيقِيٍّ؛ مَعْناهُ: أهم مَعَنا أمْ لا؟ فَهي مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الِاتِّخاذَ المَذْكُورَ؛ الَّذِي يَلْزَمُهُ - بِحُكْمِ العِنادِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ - عَدَمُ كَوْنِ المُسْتَسْخَرِ بِهِمْ مَعَهم في النّارِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وهو كَوْنُهم مَعَهم فِيها؛ وأثْبَتَ زَيْغَ الأبْصارِ ثانِيًا؛ اللّازِمَ مِنهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَوْنُهم مَعَهم في النّارِ؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مَعَهُمْ؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ المَوْضِعَ لِتَحَسُّرِهِمْ؛ ولَوْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ في غَلَطِهِمْ؛ والَّذِي ذُكِرَ عَنْهم أقْعَدُ في ذَلِكَ.

ص 38:64

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا رائِعًا جِدًّا؛ زاجِرًا لِمَن لَهُ عَقْلٌ فَتَأمَّلَهُ مُجَرِّدًا لِنَفْسِهِ مِنَ الهَوى؛ وكانَتِ الجُدُودُ تَمْنَعُهم عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ؛ كانَ مَوْضِعًا لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرَ العَظِيمَ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ؛ ﴿لَحَقٌّ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ؛ لا بُدَّ مِن وُقُوعِهِ؛ إذا وقَعَ مَضْمُونُهُ وافَقَ الواقِعَ مِنهُ هَذا الإخْبارُ عَنْهُ؛ ولَمّا كانَ أشَقُّ ما فِيهِ عَلَيْهِمْ؛ وأنْكَأُ؛ تَخاصُمَهَمْ؛ جَعَلَهُ هو المُخْبَرَ بِهِ وحْدَهُ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا لَهُ؛ مُخْبِرًا عَنْ مُبْتَدَإٍ اسْتِئْنافًا؛ تَقْدِيرُهُ: ”هُوَ“ -: ﴿تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾؛ لِأنَّهُ ما أنارَهُ لَهم إلّا الشَّرُّ؛ والنَّكَدُ؛ فَسُمِّيَ ”تَخاصُمًا“. (p-٤١٣)

ص 38:65

ولَمّا كانَتْ قَدْ جَرَتْ - عادَتُهم عِنْدَ التَّخْوِيفِ - أنْ يَقُولُوا: عَجِّلْ لَنا هَذا إنْ كُنْتَ صادِقًا فِيما ادَّعَيْتَ؛ ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ إلّا الإلَهُ؛ فَصارُوا كَأنَّهم نَسَبُوهُ إلى أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ؛ قالَ (تَعالى) - مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ؛ آمِرًا لَهُ بِالجَوابِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِمَن يَقُولُ لَكَ ذَلِكَ؛ ﴿إنَّما أنا مُنْذِرٌ﴾؛ أيْ: مُخَوِّفٌ لِمَن عَصى؛ ولَمْ أدَّعِ أنِّي إلَهٌ؛ لِيُطْلَبَ مِنِّي ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ إلّا الإلَهُ؛ فَهو قَصْرُ قَلْبٍ لِلْمَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ؛ وأفْرَدَ قاصِرًا لِلصِّفَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وما﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن إلَهٍ﴾؛ أيْ: مَعْبُودٍ بِحَقٍّ؛ لِكَوْنِهِ مُحِيطًا بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو أصْلُ الدِّينِ؛ لَفَتَ القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ؛ وأبْيَنَ؛ فَقالَ: ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ ولِلْإحاطَةِ عَبَّرَ بِالِاسْمِ العَلَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ولَوْ شارَكَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا؛ ولِلتَّفَرُّدِ قالَ - مُبَرْهِنًا عَلى ذَلِكَ -: ﴿الواحِدُ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ اعْتِبارٍ؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ جُزْءٌ؛ أوْ يَكُونَ لَهُ شَبِيهٌ؛ فَيَكُونَ مُحْتاجًا مُكافِئًا؛ ﴿القَهّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَقْهَرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُ؛ وهَذا بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ؛ وأنَّ آلِهَتَهم بَعِيدَةٌ عَنِ اسْتِحْقاقِ الإلَهِيَّةِ؛ لِتَعَدُّدِها؛ وتَكافُئِها بِالمُشابَهَةِ؛ واحْتِياجِها.

ص 38:66

ولَمّا وصَفَ نَفْسَهُ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعُها؛ وحافِظُها؛ عَلى عُلُوِّها؛ وسَعَتِها؛ وإحْكامِها؛ بِما لَها مِنَ الزِّينَةِ؛ والمَنافِعِ؛ وجَمَعَ لِأنَّ المَقامَ لِلْقُدْرَةِ؛ وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى تَعَدُّدِها سَهْلٌ (p-٤١٤)﴿والأرْضِ﴾؛ عَلى سَعَتِها؛ وضَخامَتِها؛ وكَثافَتِها؛ وما فِيها مِنَ العَجائِبِ. ولَمّا كانَ القائِلُ مُخَيَّرًا؛ كَما قالَ ابْنُ مالِكٍ في الكافِيَةِ الشّافِيَةِ؛ عِنْدَ اخْتِلاطِ العُقَلاءِ بِغَيْرِهِمْ؛ في إطْلاقِ ما شاءَ مِن ”مَن“؛ الَّتِي أغْلَبُ إطْلاقِها عَلى العُقَلاءِ؛ و”ما“؛ الَّتِي هي بِعَكْسِ ذَلِكَ؛ وكانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّ تَمَكُّنَهُ (تَعالى) مِنَ العُقَلاءِ دُونَ تَمَكُّنِهِ مِن غَيْرِهِمْ؛ لِما لَهم مِنَ الحِيَلِ الَّتِي يَحْتَرِزُونَ بِها عَنِ المَحْذُورِ؛ ويَنْظُرُونَ بِها في عَواقِبِ الأُمُورِ؛ أشارَ إلى أنَّ حُكْمَهُ فِيهِمْ كَحُكْمِهِ في غَيْرِهِمْ؛ مِن غَيْرِ فارِقٍ؛ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهم بِـ ”ما“؛ الَّتِي أصْلُها وأغْلَبُ اسْتِعْمالِها لِمَن لا يَعْقِلُ؛ وسِياقُ العَظَمَةِ بِالوَحْدانِيَّةِ وآثارِها؛ دالٌّ عَلى دُخُولِها في العِبادَةِ قَطْعًا؛ فَقالَ: ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: الخافِقَيْنِ؛ مِنَ الفَضاءِ؛ والهَواءِ؛ وغَيْرِهِما مِنَ العَناصِرِ؛ والنَّباتِ؛ والحَيَواناتِ؛ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِها؛ رَبّى كُلَّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إيجادًا؛ وإبْقاءً؛ عَلى ما يُرِيدُ؛ وإنْ كَرِهَ ذَلِكَ المَرْبُوبُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى قَهْرِهِ؛ وتَفَرُّدِهِ في جَمِيعِ أمْرِهِ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإنْذارِ؛ كَرَّرَ ما يَدُلُّ عَلى القَهْرِ؛ فَقالَ: ﴿العَزِيزُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَعِزُّ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ ويَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ وكانَتْ دَلالَةُ الوَصْفَيْنِ العَظِيمَيْنِ عَلى الوَعِيدِ أظْهَرَ مِن إشْعارِها بِالوَعْدِ؛ كانَ مَوْضِعَ قَوْلِهِمْ: (p-٤١٥)فَما لَهُ لا يُعَجِّلُ بِالهَلاكِ لِمَن يُخالِفُهُ؟ فَقالَ: ﴿الغَفّارُ﴾؛ أيْ: المُكَرِّرُ سَتْرَهُ لِما يَشاءُ مِنَ الذُّنُوبِ حِلْمًا إلى وقْتٍ؛ الماحِي لَها بِالكُلِّيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَشاءُ مِنَ العِبادِ؛ كَما فَعَلَ مَعَ أكْثَرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حَيْثُ غَفَرَ لَهم ما اقْتَرَفُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ.

ص 38:67

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا وحْدانِيَّتُهُ؛ وقُدْرَتُهُ؛ ولَمْ يَزَعْهم ذَلِكَ عَنْ ضَلالِهِمْ؛ ولا رَدَّهم عَنْ عُتُوِّهِمْ ومِحالِهِمْ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُوجِبًا لِأنْ يُقْبِلَ كُلُّ أحَدٍ عَلَيْهِ؛ ولا يَعْدِلَ أبَدًا عَنْهُ؛ قالَ - آمِرًا لَهُ بِما يُنَبِّهُهم عَلى عَظِيمِ خَطَئِهِمْ -: ﴿قُلْ هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا الأمْرُ الَّذِي تَلَوْتُهُ عَلَيْكم مِنَ الأخْبارِ؛ عَنِ الماضِي؛ والآتِي مِنَ القِيامَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى التَّخاصُمِ المَذْكُورِ؛ وغَيْرِها؛ والأحْكامِ؛ والمَواعِظِ؛ فَثَبَتَ بِمَضْمُونِهِ الوَحْدانِيَّةُ؛ وتَحَقَّقَ بِإعْجازِهِ؛ مَعَ ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ وتَمامِ القُدْرَةِ؛ وجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ ﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾؛ أيْ: خَبَرٌ يَفُوتُ الوَصْفَ في الجَلالِ والعِظَمِ؛ بِدَلالَةِ العِبارَةِ؛ والصِّفَةِ؛ لا يُعْرِضُ عَنْ مِثْلِهِ إلّا غافِلٌ؛ لا وعْيَ لَهُ؛ ولا شَيْءَ مِن رَأْيٍ.

ص 38:68

ولَمّا كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أعْظَمُ النّاسِ إقْبالًا عَلى الغَرائِبِ؛ وتَنْقِيبًا عَنِ الدَّقائِقِ والجَلائِلِ مِنَ المَناقِبِ؛ بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ - واصِفًا لَهُ -: ﴿أنْتُمْ عَنْهُ﴾؛ (p-٤١٦)أيْ: خاصَّةً؛ لا عَنْ غَيْرِهِ؛ والحالُ أنَّ غَيْرَهُ مِنَ المُهْمَلاتِ؛ ولَمّا كانَ أكْثَرُهم مُتَهَيِّئًا لِلْإسْلامِ؛ والرُّجُوعِ عَنِ الكُفْرانِ؛ لَمْ يَقُلْ: ”مُدْبِرُونَ“؛ ولا ”تُعْرِضُونَ“؛ بَلْ قالَ: ﴿مُعْرِضُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَكُمُ الإعْراضُ في هَذا الحِينِ؛ وقَدْ كانَ يَنْبَغِي لَكُمُ الإقْبالُ عَلَيْهِ خاصَّةً؛ والإعْراضُ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ السَّعادَةَ الكامِلَةَ؛ ولَوْ أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِ بِالتَّدَبُّرِ لَعَلِمْتُمْ قَطْعًا صِدْقِي؛ وأنِّي ما أُرِيدُ بِكم إلّا السَّعادَةَ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ فَبادَرْتُمُ الإقْبالَ إلَيَّ؛ والقَبُولَ لِما أقُولُ.

ص 38:69

ولَمّا قَصَرَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلى الإنْذارِ؛ وكانُوا يُنازِعُونَ فِيهِ؛ ويَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ؛ دَلَّ عَلى صِدْقِهِ؛ وعَلى عَظِيمِ هَذا النَّبَإ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِالتَّأْكِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ أحَدٍ مِنَ النّاسِ؛ كَما تَعْرِفُونَ ذَلِكَ مِن حالِي؛ لَهُ إحاطَةٌ ما ﴿بِالمَلإ﴾؛ أيْ: الفَرِيقِ المُتَّصِفِ بِالشَّرَفِ؛ ﴿الأعْلى﴾؛ وهُمُ المَلائِكَةُ؛ أهْلُ السَّماواتِ العُلا؛ وآدَمُ وإبْلِيسُ؛ وكَأنَّ مُخاطَبَةَ اللَّهِ لَهم كانَتْ بِواسِطَةِ مَلَكٍ؛ كَما هو ألْيَقُ بِالكِبْرِياءِ والجَلالِ؛ فَصَحَّ أنَّ المُقاوَلَةَ بَيْنَ المَلَإ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ولَمّا أفْرَدَ وصْفَ المَلَإ؛ إيذانًا بِأنَّهم في الِاتِّفاقِ في عُلُوِّ رُتْبَةِ الطّاعَةِ كَأنَّهم شَيْءٌ واحِدٌ؛ جَمَعَ؛ لِئَلّا يُظَنَّ حَقِيقَةُ الوَحْدَةِ؛ فَقالَ: ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوَّلِ خَلِيفَةٍ في الأرْضِ؛ (p-٤١٧)بَلِ الخَلِيفَةِ المُطْلَقِ؛ لِأنَّ خِلافَةَ أوْلادِهِ مِن خِلافَتِهِ؛ وفي الكَفّاراتِ الواقِعَةِ مِن بَيْنِهِ؛ كَما أنَّهُ ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِأهْلِ النّارِ؛ إذْ يَخْتَصِمُونَ؛ ولا بِالخَصْمِ الَّذِينَ دَخَلُوا عَلى داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ إذْ يَخْتَصِمُونَ؛ وقَدْ عَلِمْتُ ذَلِكَ عِلْمًا مُطابِقًا لِلْحَقِّ؛ بِشَهادَةِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ؛ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنِّي لَمْ أُخالِطْ عالِمًا قَطُّ؛ فَهَذا عَلَمٌ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ واضِحٌ في أنِّي لَمْ أعْلَمْ ذَلِكَ إلّا بِالوَحْيِ؛ لِكَوْنِي رَسُولَ اللَّهِ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالمُضارِعِ - وإنْ كانَ قَدْ وقَعَ ومَضى مِن أوَّلِ الدَّهْرِ - تَذْكِيرًا بِذَلِكَ الحالِ؛ وإعْلامًا بِما هم فِيهِ الآنَ مِن مِثْلِهِ في الدَّرَجاتِ؛ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ؛ وعَبَّرَ في تَخاصُمِ أهْلِ النّارِ - وهو لَمْ يَأْتِ - بِالماضِي؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ وُقُوعَهُ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ وقَعَ؛ وفُرِغَ مِنهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِن قَضائِهِ مَن لا يُرَدُّ لَهُ قَضاءٌ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ؛ فَلا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا مُنازِعَ.

ص 38:70

ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا في تَعَنُّتِهِمْ: فَلَعَلَّهُ مِثْلَما أُوحِيَ إلَيْكَ بِعِلْمِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ؛ يُوحى إلَيْكَ بِالقُدْرَةِ عَلى ما لَمْ تَكُنْ تَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ فَتُعَجِّلَ لَنا المَوْتَ؛ ثُمَّ البَعْثَ؛ لِنَرى ما أخْبَرْتَنا بِهِ مِنَ التَّخاصُمِ مُصَوَّرًا؛ لَعَلَّنا نُصَدِّقُكَ فِيما أتَيْتَ بِهِ؛ قالَ - مُجِيبًا لَهُمْ؛ قاصِرًا لِلْوَحْيِ عَلى قَصْرِهِ عَلى النِّذارَةِ؛ وهي إبْلاغُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ؛ لا تَعْجِيلُ شَيْءٍ مِمّا تُوُعِّدُوا بِهِ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿يُوحى﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ (p-٤١٨)ذَلِكَ كافٍ في تَنْبِيهِهِمْ عَلى مَوْضِعِ الإشارَةِ في أنَّ دَعْواهُ إنَّما هي النُّبُوَّةُ؛ لا الإلَهِيَّةُ؛ ﴿إلَيَّ إلا﴾؛ ولَمّا كانَ الوَحْيُ قَوْلًا؛ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بِكَسْرِ ﴿أنَّما أنا نَذِيرٌ﴾؛ أيْ: قَصْرِي عَلى النِّذارَةِ؛ لا أنِّي أُنْجِزُ ما يَتَوَعَّدُ بِهِ اللَّهُ؛ فَـ ”أنَّما“؛ مَفْعُولُ ”يُوحى“؛ القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ في القِراءَتَيْنِ؛ وإنِ اخْتَلَفَ التَّوْجِيهانِ؛ فالتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالفَتْحِ: ”إلّا الإنْذارُ“؛ أوْ: ”إلّا كَوْنِي نَذِيرًا“؛ وعَلى قِراءَةِ الكَسْرِ: ”إلّا هَذا القَوْلُ؛ وهو أنِّي أقُولُ لَكم كَذا“؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: لا أدَعُ لَبْسًا فِيما أُبَلِّغُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

ص 38:71

ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّهُ نَذِيرٌ؛ وأزالَ ما رُبَّما أوْرَدُوهُ عَلَيْهِ؛ أتْبَعَهُ ظَرْفَ اخْتِصامِ المَلَإ الأعْلى؛ أوْ بَدَلَ ”إذْ“؛ الأُولى؛ فَقالَ: ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿قالَ﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ هَذا كُلَّهُ إحْسانٌ إلَيْهِ؛ وإنْعامٌ عَلَيْهِ؛ بِذِكْرِ الوَصْفِ الدّالِّ عَلى ذَلِكَ - ولَفَتَ القَوْلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أقْعَدُ في المَدْحِ؛ وأدَلُّ عَلى أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] - دَلِيلًا يُوهِمُ أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ ”يُوحى“؛ أوْ لِـ ”نَذِيرٌ“؛ فَقالَ: ﴿رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ خَيْرَ المَخْلُوقِينَ؛ وأكْرَمَهم عَلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أعْطاكَ الكَوْثَرَ؛ وهو كُلُّ ما يُمْكِنُ أنْ تَحْتاجَ إلَيْهِ؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ وهُمُ المَلَأُ الأعْلى؛ وإبْلِيسُ مِنهُمْ؛ (p-٤١٩)لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ مَعَهُمْ؛ وفي عِدادِهِمْ؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِما دَلَّهم عَلَيْهِ دَلِيلٌ مِنَ اللَّهِ؛ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ أنَّ البَشَرَ يَقَعُ مِنهُ الفَسادُ؛ فَكانُوا يُبْعِدُونَ أنْ يَخْلُقَ - سُبْحانَهُ - مَن فِيهِ فَسادٌ؛ لِأنَّهُ الحَكِيمُ؛ الَّذِي لا حَكِيمَ سِواهُ؛ أكَّدَ لَهم - سُبْحانَهُ - قَوْلَهُ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أيْ: شَخْصًا ظاهِرَ البَشَرَةِ؛ لا ساتِرَ لَهُ مِن رِيشٍ؛ ولا شَعْرٍ؛ ولا غَيْرِهِما؛ لِيَكُونَ التَّأْكِيدُ دَلِيلًا عَلى ما مَضى مِن مُراجَعَتِهِمْ لِلَّهِ (تَعالى)؛ الَّتِي أشارَ إلَيْها بِالِاخْتِصامِ؛ وبَيَّنَ أصْلَهُ بِقَوْلِهِ - مُعَلِّقًا بِـ ”خالِقٌ“؛ أوْ بِوَصْفِ بَشَرٍ -: ﴿مِن طِينٍ﴾؛ أجْعَلُهُ خَلِيفَتِي في الأرْضِ؛ وإنْ كانَ في ذَلِكَ فَسادٌ؛ لِأنِّي أُرِيدُ أنْ أُظْهِرَ حِلْمِي؛ ورَحْمَتِي؛ وعَفْوِي؛ وغَيْرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِي الَّتِي لا يَحْسُنُ في الحِكْمَةِ إظْهارُها إلّا مَعَ الذُّنُوبِ: «”لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا فَتَسْتَغْفِرُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ“؛» قالَ القُشَيْرِيُّ: وإخْبارُهُ لِلْمَلائِكَةِ بِذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَفْخِيمِ شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّهُ خَلَقَ ما خَلَقَ مِنَ الكَوْنَيْنِ؛ والجَنَّةِ؛ والنّارِ؛ والعَرْشِ؛ والكُرْسِيِّ؛ والمَلائِكَةِ؛ ولَمْ يَقُلْ في صِفَةِ شَيْءٍ مِنها ما قالَهُ في صِفَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأوْلادِهِ؛ ولَمْ يَأْمُرْ بِالسُّجُودِ لِشَيْءِ غَيْرِهِ.

ص 38:72

ولَمّا أخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِما يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أيْ: هَيَّأْتُهُ بِإتْمامِ خَلْقِهِ لِما يُرادُ مِنهُ مِن قَبُولِ الرُّوحِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ؛ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾؛ فَصارَ حَسّاسًا مُتَنَفِّسًا؛ شَبَّهَ - سُبْحانَهُ - إفاضَتَهُ الرُّوحَ؛ بِما يَتَأثَّرُ عَنْ نَفْخِ الإنْسانِ مِن لَهَبِ النِّيرانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيكِ؛ والإسْكانِ؛ والزِّيادَةِ؛ والنُّقْصانِ؛ وأضافَهُ - سُبْحانَهُ - إلَيْهِ تَشْرِيفًا لَهُ؛ (p-٤٢٠)﴿فَقَعُوا لَهُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿ساجِدِينَ﴾؛ أيْ: اسْجُدُوا لَهُ؛ لِلتَّكْرِمَةِ؛ امْتِثالًا لِأمْرِي؛ سُجُودًا هو بِغايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الطَّواعِيَةِ؛ والِاخْتِيارِ؛ والمَحَبَّةِ؛ لِتَكُونُوا كَأنَّكم وقَعْتُمْ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ؛ فَفَعَلُوا ما أمَرَهم بِهِ - سُبْحانَهُ - مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ ولِذَلِكَ ذَكَرَ فِعْلَهُمْ؛ مَعَ جَوازِ تَأْنِيثِهِ؛ فَقالَ:

ص 38:73

﴿فَسَجَدَ﴾؛ أيْ: عِنْدَما نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ ﴿المَلائِكَةُ﴾؛ عَلى ما أمَرَهُمُ اللَّهُ؛ ولَمّا كانَ إسْنادُ الخَبَرِ إلى الجَمِيعِ قَدْ يُرادُ بِهِ أكْثَرُهُمْ؛ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّهُمْ﴾؛ إرادَةً لِرَفْعِ المَجازِ. ولَمّا كانَ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ واحِدٌ مَثَلًا؛ أوْ قَلِيلٌ لا يُعْبَأُ بِهِمْ؛ لِضَعْفٍ؛ أوْ نَحْوِهِ؛ رَفَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أجْمَعُونَ﴾؛ مَعَ إفادَةِ أنَّ السُّجُودَ كانَ في آنٍ واحِدٍ؛ إعْلامًا بِشِدَّةِ انْقِيادِهِمْ؛ وحُسْنِ تَأهُّبِهِمْ لِلطّاعَةِ؛ واسْتِعْدادِهِمْ؛

ص 38:74

ثُمَّ زادَ في إيضاحِ العُمُومِ بِالِاسْتِثْناءِ؛ الَّذِي هو مِعْيارُهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِهَذا الِاسْمِ؛ لِكَوْنِهِ مِنَ الإبْلاسِ؛ وهو انْقِطاعُ الرَّجاءِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ في أوَّلِ خِطابِ اللَّهِ لَهُ بِالإنْكارِ عَلَيْهِ؛ عَلى كَيْفِيَّةٍ عُلِمَ مِنها تَأبُّدُ الغَضَبِ عَلَيْهِ؛ وتَحَتُّمُ العُقُوبَةِ لَهُ. ولَمّا عُرِفَ بِالِاسْتِثْناءِ أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ؛ وكانَ مَبْنى السُّورَةِ عَلى اسْتِكْبارِ الكَفَرَةِ؛ بِكَوْنِهِمْ في عِزَّةٍ وشِقاقٍ؛ بَيَّنَ أنَّ المانِعَ لَهُ مِنَ السُّجُودِ (p-٤٢١)الكِبْرُ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ مُقْتَصِرًا في شَرْحِ الِاخْتِصامِ عَلَيْهِ؛ وعَلى ما يَتَّصِلُ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿اسْتَكْبَرَ﴾؛ أيْ: طَلَبَ أنْ يَكُونَ أكْبَرَ مِن أنْ يُؤْمَرَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ وأوْجَدَ الكِبْرَ عَلى أمْرِ اللَّهِ؛ وكانَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ كَما اسْتَكْبَرْتُمْ أيُّها الكَفَرَةُ عَلى رَسُولِنا؛ وسَنَرْفَعُ رَسُولَنا ﷺ؛ كَما رَفَعْنا آدَمَ صَفِيَّنا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلى مَنِ اسْتَكْبَرَ عَنِ السُّجُودِ لَهُ؛ ونَجْعَلُهُ خَلِيفَةَ هَذا الوُجُودِ؛ كَما جَعَلْنا آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأشَرْنا إلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِافْتِتاحِها بِخَلِيفَةٍ؛ واخْتِتامِها بِخَلِيفَةٍ؛ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِكْرِ كُلٍّ مِن أحْوالِهِما. ولَمّا كانَ الفِعْلُ الماضِي رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ حَدَثَ فِيهِ وصْفٌ لَمْ يَكُنْ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَكَفَرَ بِذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بَيانًا لِأنَّهُ جُبِلَ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمْ يَحْدُثْ مِنهُ إلّا ظُهُورُ ذَلِكَ لِلْخَلْقِ - قَوْلَهُ: ﴿وكانَ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقًا في وصْفِ الكُفْرِ؛ الَّذِي مَنشَؤُهُ الكِبْرُ عَلى الحَقِّ؛ المُسْتَلْزِمُ لِلذُّلِّ لِلْباطِلِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الكُفْرِ ثانِيًا؛ ووَصْفَ الكُفْرِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى وصْفِ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ ما ذَكَرَهُ أقْعَدُ في التَّحْذِيرِ بِأنَّ مَن وقَعَ مِنهُ كِبْرٌ جَرَّهُ إلى الكُفْرِ.

ص 38:75

ولَمّا كانَ مَن خالَفَ أمْرَ المَلِكِ جَدِيرًا بِأنْ يَحْدُثَ إلَيْهِ أمْرٌ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنهُ؛ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ لِما كانَ مِنَ المَلِكِ إلَيْهِ؛ اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَحَلِّ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا﴾؛ وبَيَّنَ يَأْسَهُ مِنَ (p-٤٢٢)الرَّحْمَةِ؛ وأنَّهُ لا جَوابَ لَهُ أصْلًا؛ بِتَعْبِيرِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إبْلِيسُ ما﴾ أيْ؛ أيُّ شَيْءٍ؛ ﴿مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ﴾؛ وبَيَّنَ ما يُوجِبُ طاعَتَهُ؛ ولَوْ أمَرَ بِتَعْظِيمِ ما لا يَعْقِلُ؛ بِقَوْلِهِ - مُعَبِّرًا بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ عَمَّنْ كانَ عِنْدَ السُّجُودِ لَهُ عاقِلًا؛ كامِلَ العَقْلِ -: ﴿لِما خَلَقْتُ﴾؛ فَأنا العالِمُ بِهِ؛ وبِما يَسْتَحِقُّهُ؛ دُونَ غَيْرِي؛ وما أمَرْتُ بِالسُّجُودِ لَهُ إلّا لِحِكْمَةٍ في الأمْرِ؛ وابْتِلاءٍ لِلْغَيْرِ؛ وأكَّدَ بَيانَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اليَدِ؛ وتَثْنِيَتِها؛ فَقالَ: ﴿بِيَدَيَّ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ سَبَبٍ مِن بَيْنِ هَذا النَّوْعِ؛ وما ذاكَ إلّا لِمَزِيدِ اخْتِصاصٍ؛ والمُرادُ بِاليَدِ هُنا صِفَةٌ شَرِيفَةٌ؛ غَيْرُ النِّعْمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ مَعْلُومَةٌ لَهُ - سُبْحانَهُ -؛ ولِمَن تَبَحَّرَ في عِلْمَيِ اللُّغَةِ؛ والسُّنَّةِ؛ خَصَّ بِها خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْرِيفًا لَهُ؛ وفي تَثْنِيَةِ اليَدِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ رُبَّما أظْهَرَ فِيهِ مَعانِيَ الشِّمالِ؛ وإنْ كانَ كُلٌّ مِن يَدَيْهِ مُبارَكًا؛ ثُمَّ قَسَّمَ المانِعَ إلى طَلَبِ العُلُوِّ؛ ووُجُودِ العُلُوِّ؛ مَعَ الإنْكارِ عَلَيْهِ في الِاسْتِنادِ إلى شَيْءٍ مِنهُما؛ فَقالَ - في صِيغَةِ اسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ؛ مَعَ الإنْكارِ؛ والتَّقْرِيعِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ يَلْزَمُهُ؛ لا مَحالَةَ؛ زِيادَةً عَلى ما كَفَرَ بِهِ أنْ يَكُونَ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ -: ﴿أسْتَكْبَرْتَ﴾؛ أيْ: طَلَبْتَ أنْ تَكُونَ أعْلى مِنهُ؛ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ دُونَهُ؛ فَأنْتَ بِذَلِكَ ظالِمٌ؛ فَكُنْتَ مِنَ المُسْتَكْبِرِينَ؛ العَرِيقِينَ في وصْفِ الظُّلْمِ؛ فَإنَّ مَنِ اجْتَرَأ عَلى أدْناهُ؛ أوْشَكَ أنْ يَصِلَ إلى أعْلاهُ؛ ﴿أمْ كُنْتَ﴾؛ أيْ: بِما لَكَ مِنَ الجِبِلَّةِ الرّاسِخَةِ؛ ﴿مِنَ العالِينَ﴾؛ أيْ: الكُبَراءِ؛ المُسْتَحِقِّينَ لِلْكِبْرِ؛ وأنا لا أعْلَمُ ذَلِكَ؛ فَنَقَصْتُكَ مِن مَنزِلَتِكَ؛ فَكُنْتُ جائِرًا في أمْرِي (p-٤٢٣)لَكَ بِما أمَرْتُكَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَوْتَ بِنَفْسِكَ فَلَمْ تَسْجُدْ لَهُ؛ هَذا المُرادُ؛ لا ما يَقُولُهُ بَعْضُ المَلاحِدَةِ مِن أنَّ العالِينَ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لَمْ يَسْجُدُوا؛ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَدْحٌ في العُمُومِ المُؤَكَّدِ هَذا التَّأْكِيدَ العَظِيمَ؛ وفي تَفْسِيرِ العُلَماءِ لَهُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ فِعْلُ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا عَلى فِعْلِ العُلُوِّ ثانِيًا؛ ووَصْفُ العُلُوِّ ثانِيًا عَلى وصْفِ الِاسْتِكْبارِ أوَّلًا؛ وسِرُّ ذَلِكَ أنَّ إنْكارَ الفِعْلِ المُطْلَقِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ المُقَيَّدِ؛ لِأنَّهُ المُطْلَقُ بِزِيادَةٍ؛ وإنْكارُ الوَصْفِ مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ الفِعْلِ؛ لِأنَّهُ جُزْؤُهُ؛ مَعَ أنَّ إنْكارَ الفِعْلِ مِن هَذا مُسْتَلْزِمٌ لِإنْكارِ الفِعْلِ مِن ذاكَ؛ فَيَكُونُ كُلٌّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَدْلُولًا عَلى إنْكارِهِ مَرَّتَيْنِ؛ تارَةً بِإنْكارِ فِعْلِ عَدِيلِهِ؛ وأُخْرى بِإنْكارِ وصْفِهِ نَفْسِهِ؛ والوَصْفانِ كَذَلِكَ؛ وفِعْلُ الكِبْرِ أجْدَرُ بِالإنْكارِ مِن فِعْلِ العُلُوِّ؛ و”أمْ“؛ مُعادِلَةٌ لِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ؛ وإنْ حُذِفَتْ مِن قِراءَةِ بَعْضِهِمْ؛ لِدَلالَةِ ”أمْ“ عَلَيْها؛ وإنِ اخْتَلَفَ الفِعْلُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ: ”أضَرَبْتَ زَيْدًا أمْ قَتَلْتَهُ“؛ فالبَدْءُ هُنا بِالفِعْلِ أحْسَنُ؛ لِأنَّكَ إنَّما تَسْألُ عَنْ أحَدِهِما؛ لا تَدْرِي أيَّهُما كانَ؛ ولا تَسْألُ عَنْ مَوْضِعِ أحَدِهِما؛ كَأنَّكَ قُلْتَ: ”أيُّ ذَلِكَ كانَ“؛ انْتَهى.

ص 38:76

(p-٤٢٤)ولَمّا صَدَعَهُ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الإنْكارِ؛ دَلَّ عَلى إبْلاسِهِ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ﴾؛ مُدَّعِيًا لِأنَّهُ مِنَ العالِينَ؛ ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾؛ أيْ: فَلا حِكْمَةَ في أمْرِي بِالسُّجُودِ لَهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ ما ادَّعاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ﴾؛ أيْ: وهي في غايَةِ القُوَّةِ؛ والإشْراقِ؛ ﴿وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾؛ أيْ: وهو في غايَةِ الكُدُورَةِ؛ والضَّعْفِ؛

ص 38:77

واسْتُؤْنِفَ بَيانُ ما حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ جَوابِهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُعْرِضًا عَنِ القَدْحِ في جَوابِهِ؛ لِظُهُورِ سُقُوطِهِ؛ بِأنَّ المَخْلُوقَ المَرْبُوبَ لا اعْتِراضَ لَهُ عَلى رَبِّهِ بِوَجْهٍ -: ﴿قالَ فاخْرُجْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ تَكَبُّرِكَ؛ ونِسْبَتِكَ الحَكِيمَ الَّذِي لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ إلى الجَوْرِ؛ ﴿مِنها﴾؛ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ؛ مَحَلِّ الطُّهْرِ عَنِ الأدْواءِ الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ادِّعاءِ أنَّهُ أهْلٌ لِأقْرَبِ القُرْبِ -: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَحِقٌّ لِلطَّرْدِ؛ والرَّجْمِ؛ وهو الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ؛ الَّذِي هو لِلْمُبالَغَةِ في الطَّرْدِ.

ص 38:78

ولَمّا كانَ الطَّرْدُ قَدْ يَكُونُ في وقْتٍ يَسِيرٍ؛ بَيَّنَ أنَّهُ دائِمٌ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى الإعْلامِ بِما في نَفْسِهِ مِن مَزِيدِ الكِبْرِ -: ﴿وإنَّ عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلتَّكَلُّمِ في غَيْرِ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لَمْ يَأْتِ بِلامِ الكَلامِ؛ بِخِلافِ ”الحِجْرِ“؛ فَقالَ: ﴿لَعْنَتِي﴾؛ أيْ: إبْعادِي؛ مَعَ الطَّرْدِ؛ والخِزْيِ؛ والهَوانِ؛ والذُّلِّ؛ مُسْتَعْلِيًا ذَلِكَ عَلَيْكَ دائِمًا؛ قاهِرًا لَكَ؛ لا تَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ (p-٤٢٥)عَنْهُ بِوَجْهٍ؛ وأمّا غَيْرُكَ فَلا يَتَعَيَّنُ لِلَّعْنِ؛ بَلْ يَكُونُ بَيْنَ الرَّجاءِ؛ والخَوْفِ؛ لا عِلْمَ لِلْخَلائِقِ بِأنَّهُ مَقْطُوعٌ بِلَعْنَةٍ؛ ما دامَ حَيًّا؛ إلّا مَن أخْبَرَ عَنْهُ نَبِيٌّ مِنَ الأنْبِياءِ بِذَلِكَ؛ ثُمَّ غَيّا هَذا اللَّعْنَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ أيْ: فَإذا جاءَ ذَلِكَ اليَوْمُ أخَذَ في المُجازاةِ لِكُلِّ عامِلٍ بِما عَمِلَ؛ ولَمْ يَبْقَ لِمُذْنِبٍ وقْتٌ يَتَدارَكُ فِيهِ ما فاتَهُ؛ وحِينَئِذٍ يُعْلَمُ أهْلُ الِاسْتِحْقاقِ لِلَّعْنِ كُلُّهُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ عِلْمُ ذَلِكَ خاصًّا بِإبْلِيسَ؛ بَلْ يَقَعُ العِلْمُ بِجَمِيعِ أهْلِ اللَّعْنَةِ؛ فالغايَةُ لِعِلْمِ الِاخْتِصاصِ بِاللَّعْنِ؛ لا لِلَّعْنِ.

ص 38:79

ولَمّا كانَ ذَلِكَ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ مِنهُ؛ فَأخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِهِ؛ في سِياقٍ مُعْلِمٍ أنَّهُ مَنَعَهُ التَّوْفِيقَ؛ فَلَمْ يَسْألِ التَّخْفِيفَ؛ ولا عَطَفَ نَحْوَ التَّوْبَةِ؛ بَلْ أدْرَكَهُ الخِذْلانُ بِالتَّمادِي في الطُّغْيانِ؛ فَطَلَبَ ما يَزْدادُ بِهِ لَعْنَةً؛ مِنَ الإضْلالِ؛ والإعْراقِ في الضَّلالِ؛ ضِدَّ ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقالَ - ذاكِرًا صِفَةَ الإحْسانِ؛ والتَّسْبِيبَ لِسُؤالِ الإنْظارِ؛ لِما جَرَّأهُ عَلَيْهِما مِن ظاهِرِ العِبارَةِ؛ في أنَّ اللَّعْنَةَ مُغَيّاةٌ بِيَوْمِ الدِّينِ -: ﴿قالَ رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإيجادِي؛ وجَعْلِي في عِدادِ المَلائِكَةِ الكِرامِ؛ ﴿فَأنْظِرْنِي﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما عَذَّبْتَنِي بِهِ مِنَ الطَّرْدِ؛ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ؛ الَّذِينَ تَبْعَثُهم بِبَعْثِ جَمِيعِ الخَلائِقِ؛

ص 38:80

﴿قالَ﴾؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ (p-٤٢٦)مِثْلَ ذَلِكَ في خَرْقِهِ لِلْعادَةِ لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ؛ ﴿فَإنَّكَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا السُّؤالِ؛ ﴿مِنَ المُنْظَرِينَ﴾؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا الإنْظارِ لِغَيْرِهِ أيْضًا.

ص 38:81

ولَمّا دَبَجَ في عِبارَتِهِ بِما يَقْتَضِي السُّؤالَ في ألّا يَمُوتَ؛ فَإنَّ يَوْمَ البَعْثِ ظَرْفٌ لِفَيْضِ الحَياةِ؛ لا لِغَيْضِها؛ ولِبَسْطِها؛ لا لِقَبْضِها؛ مَنَعَهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ﴾؛ ولَمّا كانَ تَدْبِيجُهُ في السُّؤالِ قَدْ أفْهَمَ تَجاهُلَهُ بِما هو أعْلَمُ الخَلْقِ بِهِ؛ مِن تَحَتُّمِ المَوْتِ لِكُلِّ مَن لَمْ يَكُنْ في دارِ الخُلْدِ؛ الَّذِي أبْلَغَ اللَّهُ (تَعالى) في الإعْلامِ بِهِ؛ قالَ: ﴿المَعْلُومِ﴾؛ وهو الصَّعْقَةُ الأُولى؛ وما يَتْبَعُها.

ص 38:82

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الإجابَةُ سَبَبًا لِأنْ يَخْضَعَ؛ ويُنِيبَ شُكْرًا عَلَيْها؛ وأنْ يَطْغى؛ ويَتَمَرَّدَ؛ ويَخِيبَ؛ لِأنَّها تَسْلِيطٌ؛ وتَهْيِئَةٌ لِلشَّرِّ؛ فاسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما يَكُونُ مِن هَذَيْنِ المُسَبِّبَيْنِ؛ عَرَّفَ أنَّهُ مَنَعَهُ الخِذْلانُ مِنَ اخْتِيارِ الإحْسانِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾؛ أيْ: الَّتِي أبَتْ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِكَ فِعْلٌ لا بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلْقَسَمِ؛ ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: ذُرِّيَّةَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿أجْمَعِينَ﴾؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَوْ عَرَفَ عِزَّتَهُ لَما (p-٤٢٧)أقْسَمَ بِها عَلى مُخالَفَتِهِ.

ص 38:83

ولَمّا كانَ عالِمًا بِأنَّ القادِرَ ما خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وشَرَّفَهُ بِما شَرَّفَهُ بِهِ؛ لِيُشْقِيَ ذُرِّيَّتَهُ كُلَّهُمْ؛ قالَ: ﴿إلا عِبادَكَ﴾؛ فَأضافَهم إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ غَيْرَهم قَدِ انْسَلَخُوا مِنَ التَّشَرُّفِ بِعُبُودِيَّتِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أطاعُوهُ؛ ولَمّا كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُسْتَثْنى مِن غَيْرِ البَشَرِ؛ قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) لِطاعَتِهِ؛ فَأخْلَصُوا قَصْدَهم لَها؛ وعُرِفَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ أنَّهم قَلِيلٌ؛ وأنَّ الغُواةَ هُمُ الأصْلُ.

ص 38:84

ولَمّا حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى جَوابِهِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ فالحَقُّ﴾؛ أيْ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ؛ وغَوايَتِهِمْ؛ أقُولُ الحَقَّ؛ ﴿والحَقَّ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُ أبَدًا؛ ﴿أقُولُ﴾؛ أيْ: لا أقُولُ إلّا الحَقَّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ قُلْتُهُ ثَبَتَ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى نَقْضِهِ؛ ولا نَقْصِهِ؛ ولَمّا كانَتْ إجابَتُهُ بِالإنْظارِ رُبَّما كانَتْ سَبَبًا لِطَمَعِهِ في الخَلاصِ؛ قَطَعَ رَجاءَهُ بِما أبْرَزَهُ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ؛ مِن قَوْلِهِ - جَوابًا لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ وبَيانًا لِلْحَقِّ؛ وفي قِراءَةِ عاصِمٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِرَفْعِ ”فالحَقُّ“؛ يَكُونُ هو المُقْسَمُ بِهِ؛ أيْ: فالحَقُّ قَسَمِي؛ والجَوابُ:

ص 38:85

﴿لأمْلأنَّ﴾؛ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُبَيِّنٌ أنَّ هَذا مِمّا لا يُخْلَفُ أصْلًا؛ ﴿جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: النّارَ العَظِيمَةَ؛ الَّتِي مِن شَأْنِها تَجَهُّمُ مَن حُكِمَ بِدُخُولِهِ إيّاها؛ ﴿مِنكَ﴾؛ أيْ: نَفْسِكَ؛ وكُلِّ مَن كانَ عَلى شاكِلَتِكَ؛ مِن جِنْسِكَ؛ مِن (p-٤٢٨)جَمِيعِ الجِنِّ؛ ﴿ومِمَّنْ﴾؛ ولَمّا كانَ الأغْلَبُ عَلى سِياقاتِ هَذِهِ السُّورَةِ سَلامَةُ العاقِبَةِ؛ كانَ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في ”تَبِعَ“؛ أوْلى؛ ولِيُفْهَمَ الحُكْمُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ؛ ثُمَّ الحُكْمُ عَلى المَجْمُوعِ؛ فَقالَ: ﴿تَبِعَكَ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: إنَّ المالِئَ لِجَهَنَّمَ مِن غَيْرِ البَشَرِ؛ قالَ: ﴿مِنهُمْ﴾؛ أيْ: النّاسِ الَّذِينَ طَلَبْتَ الإمْهالَ لِأجْلِهِمْ؛ وأكَّدَ ضَمِيرَ ”مِنكَ“؛ والمَوْصُولَ في ”مِمَّنْ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أجْمَعِينَ﴾؛ لا تَفاوُتَ في ذَلِكَ بَيْنَ أحَدٍ مِنكُمْ؛ وهَذا الخِصامُ الَّذِي بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ كانَ بَيْنَ المَلَإ الأعْلى؛ كانَ سَبَبًا لَهم إلى انْكِشافِ عُلُومٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنها أنَّ السُّجُودَ؛ والتَّحِيّاتِ؛ والِاسْتِغْفارَ؛ والكَفّاراتِ؛ سَبَبُ الوُصُولِ إلى اللَّهِ؛ والقُرُباتِ؛ فَصارُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَخْتَصِمُونَ فِيها؛ فَكانَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ سَبَبًا لِإطْلاعِ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أسْرارِ المُلْكِ؛ والمَلَكُوتِ؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِالحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ - وقالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ - والدّارِمِيُّ؛ والبَغَوِيُّ؛ في تَفْسِيرِهِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنِّي نَعَسْتُ؛ فاسْتَثْقَلْتُ (p-٤٢٩)نَوْمًا؛ فَأتانِي رَبِّي - وفي رِوايَةٍ: آتٍ مِن رَبِّي - في أحْسَنِ صُورَةٍ؛ فَقالَ لِي: (يا مُحَمَّدُ)؛ قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّي؛ وسَعْدَيْكَ؛ قالَ: (هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟)؛ فَقُلْتُ: لا يا رَبُّ - وفي رِوايَةٍ: قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ أيْ رَبِّ“مَرَّتَيْنِ”- قالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتّى وجَدْتُ بَرَدَها بَيْنَ ثَدْيَيَّ - أوْ قالَ: نَحْرِي - فَعَلِمْتُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ“؛ وفي رِوايَةٍ: ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ”؛ وفي رِوايَةِ الدّارِمِيِّ؛ والبَغَوِيِّ:“ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ قالَ: (يا مُحَمَّدُ؛ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلَأُ الأعْلى؟)؛ قُلْتُ: نَعَمْ؛ في الدَّرَجاتِ؛ والكَفّاراتِ؛ قالَ: (وما هُنَّ؟)؛ قُلْتُ: المُكْثُ في المَساجِدِ بَعْدَ الصَّلَواتِ؛ والمَشْيُ عَلى الأقْدامِ إلى الجَماعاتِ؛ وإسْباغُ الوُضُوءِ في المَكارِهِ - وفي رِوايَةٍ: ”فِي السَّبْراتِ -؛ وانْتِظارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ قالَ: (مَن فَعَلَ ذاكَ عاشَ بِخَيْرٍ؛ وماتَ بِخَيْرٍ؛ وكانَ مِن خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ)؛ وقالَ: (يا مُحَمَّدُ)؛ قُلْتُ: لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ؛ قالَ: (إذا صَلَّيْتَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ؛ وتَرْكَ المُنْكَراتِ؛ وحُبَّ المَساكِينِ؛ وأنْ تَغْفِرَ لِي؛ وتَرْحَمَنِي؛ وإذا أرَدْتَ بِعِبادِكَ فِتْنَةً فاقْبِضْنِي إلَيْكَ (p-٤٣٠)غَيْرَ مَفْتُونٍ)؛ قالَ: (والدَّرَجاتُ: إفْشاءُ السَّلامِ؛ وإطْعامُ الطَّعامِ؛ والصَّلاةُ بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ)؛» قالَ المُنْذِرِيُّ: المَلَأُ الأعْلى: المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ؛ و“السَّبْراتُ”؛ بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ؛ وسُكُونِ الباءِ المُوَحَّدَةِ: جَمْعُ“سَبْرَةٌ”؛ وهي شِدَّةُ البَرْدِ؛ وعَزاهُ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الفِرْدَوْسِ إلى أحْمَدَ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ عَنْ مُعاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا؛ وقالَ: وفي البابِ عَنْ ثَوْبانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ أحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ؛ وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ وأبِي رافِعٍ؛ وأبِي أُمامَةَ؛ وأبِي عُبَيْدَةَ؛ وأُسامَةَ؛ وجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ؛ وجُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ؛ وأُسامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ؛ وأنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - عِنْدَ أحْمَدَ؛ فَهَذا اخْتِصامٌ سَبَّبَ العِلْمُ بِتَفاصِيلِهِ الِاخْتِصامَ الأوَّلَ؛ وهو ما في شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وذُرِّيَّتِهِ؛ والعِلْمُ المَوْهُوبُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِسَبَبِ السُّؤالِ عَنْ هَذا الِاخْتِصامِ؛ كالعِلْمِ المَوْهُوبِ لِأبِيهِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاخْتِصامِ؛ وهَذا الِاخْتِصامُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو اخْتِلافُهم في مَقادِيرِ جَزاءِ العامِلِينَ مِنَ الثَّوابِ المُشارِ إلَيْهِ بِالدَّرَجاتِ؛ الحامِلِ عَلَيْها العَقْلُ الدّاعِي إلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ والعِقابِ المُشارِ إلَيْهِ بِالكَفّاراتِ؛ الدّاعِي إلى أسْبابِها الوَساوِسُ الشَّيْطانِيَّةُ الرّادَّةُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ؛ الَّتِي سَألَ إبْلِيسُ الإنْظارَ لِأجْلِها؛ وسَبَبُ اخْتِلافِهِمْ في (p-٤٣١)مَقادِيرِ الجَزاءِ اخْتِلافُ مَقادِيرِ الأعْمالِ الباطِنَةِ؛ مِن صِحَّةِ النِّيّاتِ؛ وقُوَّةِ العَزائِمِ؛ وشِدَّةِ المُجاهَداتِ؛ ولِينِها؛ عَلى حَسَبِ دَواعِي الحُظُوظِ والشَّهَواتِ الَّتِي كانَ سَبَبُ عِلْمِهِمْ بِها الِاخْتِصامُ في أمْرِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما نَشَأ عَنْهُ تَفْصِيلُهُ بِأُمُورٍ دَقِيقَةِ المَأْخَذِ؛ المُظْهِرَةِ لِأنَّ الفَضْلَ لَيْسَ بِالأُمُورِ الظّاهِرَةِ؛ وإنَّما هو بِما يَهَبُهُ اللَّهُ مِنَ الأُمُورِ الباطِنَةِ؛ وسُمِّيَ تَقاوُلُهم في ذَلِكَ اخْتِصامًا؛ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ ما تَقاوَلُوا فِيهِ؛ لِأنَّ الخُصُومَةَ لا تَكُونُ إلّا بِسَبَبِ أمْرٍ نَفِيسٍ؛ فالمَعْنى أنَّ المَلائِكَةَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَشْغُولٌ بِما أُقِيمُ فِيهِ مِنَ الخِدْمَةِ؛ فَلَيْسَ بَيْنَهم تَقاوُلٌ يَكُونُ بِغايَةِ الجِدِّ والرَّغْبَةِ؛ كَما هو شَأْنُ الخِصامِ؛ إلّا في هَذا؛ لِشِدَّةِ عَجَبِهِمْ مِنهُ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن صُعُوبَةِ هَذِهِ الأُمُورِ عَلى الآدَمِيِّ؛ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّواغِلِ والصَّوارِفِ عَنْها؛ بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ؛ جَزاءً لِانْقِيادِهِمْ لِلطّاعَةِ بِالسُّجُودِ بَعْدَ ذَلِكَ الخِصامِ؛ فَنُزُوعُ الآدَمِيِّ عَنْ صَوارِفِهِ وحُظُوظِهِ إلى ما لِلْمَلائِكَةِ مِنَ الصُّفُوفِ في الطّاعَةِ والإعْراضِ أصْلًا عَنِ المَعْصِيَةِ؛ غايَةٌ في العَجَبِ؛ وعَلِمُهُ ﷺ لِما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ عِلْمٌ عامٌّ؛ لِما كانَ في حِينِ الرُّؤْيا؛ ظَهَرَ لَهُ بِهِ مَلَكُوتُهُما؛ ونِسْبَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ إلى عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ كالنِّسْبَةِ الَّتِي ذَكَرَها الخَضِرُ لِمُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - في نَقْرَةِ العُصْفُورِ مِنَ البَحْرِ؛ والَّذِي ذَكَرَهُ العُلَماءُ في ذَلِكَ أنَّهُ تَقْرِيبٌ لِلْأفْهامِ؛ فَإنَّهُ لا نِسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِعِلْمِ أحَدٍ مِن عِلْمِهِ (تَعالى)؛ ولا بِنَقْصِ عِلْمِهِ أصْلًا - سُبْحانَهُ - عَمّا يُلِمُّ بِنَقْصٍ؛ أوْ يُدْنِي إلى وهَنٍ: ﴿قُلْ (p-٤٣٢)لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا﴾ [الكهف: ١٠٩] ﴿ولَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ [المائدة: ١٠٩] ويُقالُ لِلنَّبِيِّ ﷺ في ناسٍ اخْتَلَجُوا دُونَهُ عَنْ حَوْضِهِ: «“إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ”؛ فَيَقُولُ:“فَسُحْقًا سُحْقًا"».

ص 38:86

ولَمّا تَمَّ ما أرادَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ ما ذَكَرَهُ لَهم نَبَأٌ عَظِيمٌ؛ هم عَنْهُ مُعْرِضُونَ؛ بِما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الغَيْبِ؛ مَعَ ما لَهُ مِنَ الإعْجازِ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ ما اقْتَضى أنَّهُ صادِقٌ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وخَتَمَ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ اتِّباعِ إبْلِيسَ؛ أمَرَهُ بِالبَراءَةِ مِن طَرِيقِهِ؛ وأنْ يَنْفِيَ عَنْ نَفْسِهِ ما قَدْ يَحْمِلُ عَلى التَّقَوُّلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأُمَّتِكَ؛ ﴿ما أسْألُكُمْ﴾؛ سُؤالًا مُسْتَعْلِيًا؛ وعَلَّقَ بِهِ؛ لا بِـ ”أجْرٍ“؛ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى التَّبْلِيغِ؛ والإنْذارِ؛ مِمّا أنْتُمْ مُتَعَرِّضُونَ لَهُ مِنَ الهَلاكِ بِالإعْراضِ؛ فَأداةُ الِاسْتِعْلاءِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ سُؤالِ المَوَدَّةِ في القُرْبى؛ وحُسْنِ الِاتِّباعِ؛ فَإنَّهُما مَسْؤُولانِ؛ وهُما رُوحُ الدِّينِ؛ ولَكِنَّ سُؤالَهُما لَيْسَ مُسْتَعْلِيًا عَلى الإبْلاغِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُما لَوِ انْتَفَيا انْتَفى؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أجْرٍ﴾؛ أيْ: فَيَكُونَ لَكم في الرَّدِّ شُبْهَةٌ؛ ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾؛ أيْ: المُتَحَلِّينَ بِما لَيْسُوا مِن أهْلِهِ مِن قَوْلٍ؛ (p-٤٣٣)ولا فِعْلٍ؛ الَّذِينَ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم تَزْوِيرَ الكَلامِ؛ والتَّصَنُّعَ فِيهِ؛ وتَرْتِيبَهُ عَلى طَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ بِنَظْمٍ؛ أوْ نَثْرِ سَجْعٍ؛ أوْ خُطَبٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ أوْ وضْعِ أنْفُسِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ كَما فَعَلَ إبْلِيسُ؛ لَسْتُ مِنهم بِسَبِيلٍ؛ ولا أُعَدُّ في عِدادِهِمْ بِوَجْهٍ؛ لا أفْعَلُ أفْعالَهُمْ؛ ولا أُحِبُّهُمْ؛ ولا أتَعَصَّبُ لَهُمْ؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”وما أنا مُتَكَلِّفًا“؛ قَدْ عَرَفْتُمُونِي طُولَ عُمْرِي كَذَلِكَ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ ذَلِكَ لَوْ كانَ في غَرِيزَتِي لَما كَفَفْتُ عَنْهُ طُولَ زَمانَيِ النُّمُوِّ مِنَ الصِّبا؛ والشَّبابِ؛ اللَّذَيْنِ تُوجَدُ فِيهِما الغَرائِزُ؛ ولا تُوجَدُ بَعْدَهُما؛ فَإذا ثَبَتَ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِي إذْ ذاكَ؛ ثَبَتَ أنَّهُ مُتَعَذِّرٌ بَعْدَهُ؛ لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّهُ لا تُوجَدُ غَرِيزَةٌ بَعْدَ الوُقُوفِ عَنِ النُّمُوِّ؛ في سِنِّ الثَّلاثِ والأرْبَعِينَ؛ فَإذا عُلِمَ أنِّي لَسْتُ كَذَلِكَ؛ عُلِمَ أنِّي مَأْمُورٌ بِما أنا فِيهِ مِنَ القَوْلِ؛ والفِعْلِ؛ فَأنا مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ لا المُتَكَلِّفِينَ؛ فَكُلُّ مَن قالَ؛ أوْ فَعَلَ ما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ؛ فَهو مُتَكَلِّفٌ؛ ورَوى الثَّعْلَبِيُّ؛ بِسَنَدِهِ؛ مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا؛ والبَيْهَقِيُّ؛ في الشُّعَبِ؛ مِن قَوْلِ عَلِيِّ بْنِ أرْطَأةَ؛ وأبُو نَعِيمٍ؛ في الحِلْيَةِ؛ مِن قَوْلِ وهْبٍ: «”عَلامَةُ المُتَكَلِّفِ ثَلاثٌ: يُنازِعُ مَن فَوْقَهُ؛ ويَتَعاطى ما لا يُنالُ؛ ويَقُولُ ما لا يَعْلَمُ“».

ص 38:87

ولَمّا أثْبَتَ المُقْتَضِياتِ لِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ وأزالَ المَوانِعَ؛ بَيَّنَ حَقِيقَتَهُ الَّتِي لا يَتَعَدّاها إلى ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هُوَ إلا ذِكْرٌ﴾ (p-٤٣٤)أيْ: عِظَةٌ؛ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ يَفْهَمُ كُلُّ فَرْدٍ ما تَحْتَمِلُهُ قُواهُ؛ ذَكِيًّا كانَ؛ أوْ غَبِيًّا؛ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ العُلُوِّ؛ الَّذِي لا يُدانِيهِ فِيهِ كَلامٌ؛ بِخِلافِ الشِّعْرِ؛ والكَهانَةِ؛ الَّتِي مَحَطُّها السَّجْعُ؛ والكَذِبُ في الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ؛ فَإنَّهُما مَعَ سُفُولِ رُتْبَتِهِما لا يَفْهَمُهُما مِنَ العالَمِينَ إلّا ذاكَ؛ وذاكَ.

ص 38:88

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”أنا عالِمٌ بِذَلِكَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - جَوابًا لِقَسَمٍ -: ﴿ولَتَعْلَمُنَّ﴾؛ أيْ: أنْتُمْ أيْضًا؛ ﴿نَبَأهُ﴾؛ أيْ: صِدْقِي في جَمِيعِ ما أنْبَأتُكم بِهِ فِيهِ؛ وعَنْهُ؛ مِنَ الأخْبارِ العَظِيمَةِ؛ وفِيما أشارَ إلَيْهِ افْتِتاحُ هَؤُلاءِ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ بِخَلِيفَةٍ؛ وخِتامُهم بِخَلِيفَةٍ؛ مِن أنَّ عِزَّتَكم تَصِيرُ إلى ذُلٍّ؛ وشِقاقَكم يَصِيرُ إلى مُسالَمَةٍ وأُلْفَةٍ؛ وكَثْرَتَكم تَصِيرُ إلى قِلٍّ؛ وأنَّ ما أنا فِيهِ الآنَ يُفْضِي بِي إلى خِلافَةِ اللَّهِ في أرْضِهِ؛ وأنَّ أوْسَطَ أمْرِي يَصِيرُ إلى مِثْلِ خِلافَةِ الأوَّلِ في جَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ؛ الَّتِي هي أرْضُ المَسْجِدِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو قَبْلَ المَسْجِدِ الأقْصى؛ الَّذِي هو مَحَلُّ خِلافَتِهِ؛ ثُمَّ يُزادُ أمْرُ خِلافَتِي في سائِرِ البِلادِ؛ ولا يَزالُ؛ حَتّى يَعُمَّ الأرْضَ بِطُولِها؛ والعَرْضِ؛ عَلى يَدِ ابْنِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاتِمَةُ أكابِرِ أتْباعِي؛ (p-٤٣٥)وأنْصارِي؛ وأشْياعِي؛ وتَرَكَ الجارَّ إعْلامًا بِاسْتِغْراقِ العِلْمِ لِزَمانِ البَعْدِ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾؛ أيْ: مُبْهَمٍ عِنْدَكُمْ؛ مَعْلُومٍ لِي في الدُّنْيا؛ إذا ظَهَرَ عِبادِي عَلَيْكُمْ؛ وفي الآخِرَةِ مُطْلَقًا؛ وإنَّما أُخِّرُوا إلى هَذا الحِينِ لِيُبْلِغَ في الإعْذارِ إلَيْهِمْ؛ فَتَنْقَطِعَ حُجَجُهُمْ؛ وتَتَناهى ذُنُوبُهُمُ الَّتِي يَسْتَحِقُّونَ الأخْذَ بِها؛ ولَقَدْ - واللَّهِ - عَلِمُوا ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَدِمُوا؛ مَن ماتَ مِنهُمْ؛ ومَن عاشَ؛ قَبْلَ مُضِيِّ عِشْرِينَ سَنَةً مِن إعْلاءِ كَلِمَتِهِ؛ وإظْهارِ رِسالَتِهِ؛ وإتْمامِ دِينِهِ؛ واسْتَمَرَّ العِلْمُ لَهم ولِمَن بَعْدَهم بِما بَثَّ فِيهِ مِنَ العُلُومِ؛ وجَمَعَ فِيهِ مِن شَرِيفِ الرُّسُومِ؛ وأظْهَرَ مِمّا تَقَدَّمَ الوَعْدُ بِهِ فِيهِ إلى هَذا الزَّمانِ؛ وإلى أنْ يَفْنى كُلُّ فانٍ؛ ثُمَّ يُبْعَثُوا إلى الجِنانِ؛ أوِ النِّيرانِ؛ فَقَدْ أثْبَتَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن كَوْنِ القُرْآنِ ذِكْرًا ما أثْبَتَتْهُ أوَّلُ آيَةٍ فِيها؛ عَلى أتَمِّ وجْهٍ؛ مَعَ زِيادَةِ الوَعِيدِ؛ فانْعَطَفَ الآخِرُ عَلى الأوَّلِ؛ واتَّصَلَ بِهِ أحْسَنَ اتِّصالٍ؛ وأجْمَلَ؛ ونَظَرَ إلى أوَّلِ ”الزُّمَرِ“؛ أعْظَمَ نَظَرٍ؛ وأكْمَلَ؛ فَلِلَّهِ دَرُّ هَذا الِانْتِظامِ؛ فَهو لَعَمْرِي أضْوَأُ مِن شَمْسِ الضُّحى؛ وأتَمُّ مِن بَدْرِ التَّمامِ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ؛ وأجْمَلَهُ؛ وفَصَّلَهُ؛ وفَضَّلَهُ؛ وشَرَّفَهُ؛ وكَرَّمَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

الزمر 39:1

(p-٤٣٦)سُورَةُ ”الزُّمَرِ“ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - صادِقُ الوَعْدِ؛ وأنَّهُ غالِبٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ فَلا يَعْجَلُ؛ لِأنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ؛ ويَضَعُ الأشْياءَ في أوْفَقِ مَحالِّها؛ يَعْرِفُ ذَلِكَ أُولُو الألْبابِ؛ المُمَيِّزُونَ بَيْنَ القِشْرِ؛ واللُّبابِ؛ وعَلى ذَلِكَ دَلَّتْ تَسْمِيَتُها ”الزُّمَرُ“؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى أنَّهُ أنْزَلَ كُلًّا مِنَ المَحْشُورِينَ دارَهُ المُعَدَّةَ لَهُ؛ بَعْدَ الإعْذارِ في الإنْذارِ؛ والحُكْمِ بَيْنَهم بِما اسْتَحَقَّتْهُ أعْمالُهُمْ؛ عَدْلًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - في أهْلِ النّارِ؛ وفَضْلًا عَلى المُتَّقِينَ الأبْرارِ؛ وكَذا تَسْمِيَتُها ”تَنْزِيلٌ“؛ لِمَن تَأمَّلَ آيَتَها؛ وحَقَّقَ عِبارَتَها وإشارَتَها؛ وكَذا ”الغُرَفُ“؛ لِأنَّها إشارَةٌ إلى حُكْمِهِ - سُبْحانَهُ - في الفَرِيقَيْنِ؛ أهْلِ الظُّلَلِ النّارِيَّةِ؛ والغُرَفِ النُّورِيَّةِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِأشْرَفِ جُزْأيْهِ؛ فالقَوْلُ فِيها كالقَوْلِ في ”الزُّمَرِ“؛ سَواءٌ؛ ويَزِيدُ أهْلَ الغُرَفِ خِتامُ آيَتِهِمْ: ”وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ“. ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي تَمَّتْ كَلِمَتُهُ فَعَزَّ أمْرُهُ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي وضَعَ رَحْمَتَهُ العامَّةَ أحَكَمَ وضْعٍ؛ فَدَقَّ لِذِي الأفْهامِ سِرُّهُ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِطاعَتِهِ؛ فَعَمَّهم بِرُّهُ. (p-٤٣٧)لَمّا تَبَيَّنَ مِنَ التَّهْدِيدِ في ”ص“؛ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ؛ ثُمَّ خَتَمَها بِأنَّ القُرْآنَ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ؛ وأنَّ كُلَّ ما فِيهِ لا بُدَّ أنْ يُرى؛ لِأنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لَكِنْ مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ فَكانُوا رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتُهُمْ: ما لَهُ إذا كانَ قادِرًا لا يُعَجِّلُ ما يُرِيدُهُ بَعْدَ حِينٍ؟ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ ﴿تَنْـزِيلُ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ لِمُوافَقَةِ المَصالِحِ في أوْقاتِها؛ وتَقْرِيبِهِ لِلْأفْهامِ؛ عَلى ما لَهُ مِنَ العُلُوِّ؛ حَتّى صارَ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ؛ ووَضَعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ قَوْلَهُ: ﴿الكِتابِ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَمْعِهِ لِكُلِّ صَلاحٍ؛ أيْ لا بُدَّ أنْ يُرى جَمِيعُ ما فِيهِ؛ لِأنَّ الشَّأْنَ العَظِيمَ إنْزالُهُ عَلى سَبِيلِ التَّنْجِيمِ؛ لِلتَّقْرِيبِ في فَهْمِهِ؛ وإيقاعِ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ في أحْسَنِ أوْقاتِهِ؛ مِن غَيْرِ عَجَلَةٍ؛ ولا تَوانٍ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ هَذا التَّنْزِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿العَزِيزِ﴾؛ فَلا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ؛ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ﴿الحَكِيمِ﴾؛ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في مَحالِّها الَّتِي هي أوْفَقُ لَها؛ فَلِكَوْنِهِ مِنهُ؛ لا مِن غَيْرِهِ؛ كانَ ذِكْرًا لِلْعالَمِينَ؛ صادِقًا في كُلِّ ما يُخْبِرُ بِهِ؛ حَكِيمًا في جَمِيعِ أُمُورِهِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا بُنِيَتْ سُورَةُ ”ص“؛ عَلى ذِكْرِ المُشْرِكِينَ؛ وعِنادِهِمْ؛ وسُوءِ ارْتِكابِهِمْ؛ واتِّخاذِهِمُ الأنْدادَ والشُّرَكاءَ؛ ناسَبَ ذَلِكَ ما افْتُتِحَتْ بِهِ سُورَةُ ”الزُّمَرِ“؛ مِنَ الأمْرِ بِالإخْلاصِ؛ الَّذِي هو نَقِيضُ (p-٤٣٨)حالِ مَن تَقَدَّمَ؛ وذِكْرِ ما عَنْهُ يَكُونُ؛ وهو الكِتابُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢] ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]؛ وجاءَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ [الزمر: ٣]؛ الآيَةَ؛ في مَعْرِضِ أنْ لَوْ قِيلَ: عَلَيْكَ بِالإخْلاصِ؛ ودَعْ مَن أشْرَكَ ولَمْ يُخْلِصْ؛ فَسَتَرى حالَهُ؛ وهَلْ يَنْفَعُهُمُ اعْتِذارُهم بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]؛ وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ بُنِيَتْ سُورَةُ ”ص“؛ عَلى ذِكْرِهِمْ؛ ثُمَّ وبَّخَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وقَرَّعَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى﴾ [الزمر: ٤]؛ الآيَةَ؛ فَنَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ عَظِيمِ مُرْتَكَبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الزمر: ٤]؛ ثُمَّ ذَكَّرَ بِما فِيهِ أعْظَمُ شاهِدٍ؛ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وتَكْوِيرِ اللَّيْلِ عَلى النَّهارِ؛ وتَكْوِيرِ النَّهارِ عَلى اللَّيْلِ؛ وذِكْرِ آيَتَيِ النَّهارِ؛ واللَّيْلِ؛ ثُمَّ خَلْقِ الكُلِّ؛ مِنَ البَشَرِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ وهي نَفْسُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولَمّا حَرَّكَ (تَعالى) إلى الِاعْتِبارِ بِعَظِيمِ هَذِهِ الآياتِ؛ وكانَتْ أوْضَحَ شَيْءٍ؛ وأدَلَّ شاهِدٍ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِما يُشِيرُ إلى مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن تَوَقُّفِهِمْ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ الكُلِّ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧]؛ ثُمَّ قالَ: (p-٤٣٩)﴿ولا يَرْضى لِعِبادِهِ الكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]؛ فَبَيَّنَ أنَّ مَنِ اصْطَفاهُ؛ وقَرَّبَهُ؛ واجْتَباهُ مِنَ العِبادِ؛ لا يَرْضى لَهُ بِالكُفْرِ؛ وحَصَلَ مِن ذَلِكَ مَفْهُومُ الكَلامِ؛ أنَّ الواقِعَ مِنَ الكُفْرِ إنَّما وقَعَ بِإرادَتِهِ؛ ورِضاهُ؛ لِمَنِ ابْتَلاهُ بِهِ؛ ثُمَّ آنَسَ مَن آمَنَ ولَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ الشَّيْطانِ وقَبِيلِهِ؛ مِنَ المُشارِ إلَيْهِمْ في السُّورَةِ قَبْلُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الزمر: ٧] ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾ [الإسراء: ٧] ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ؛ والتَحَمَتِ الجُمَلُ إلى خاتِمَةِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.

الزمر 39:2

ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما ثَبَتَ بِهِ جَمِيعُ ما مَضى مِنَ الخَيْرِ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ عَنِ الغَيْبَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى زِيادَةِ عَظَمَتِهِ بِذِكْرِ إنْزالِهِ ثانِيًا؛ مُبْرِزًا لَهُ في أُسْلُوبِ العَظَمَةِ؛ مُخْبِرًا أنَّهُ خَصَّ بِهِ أعْظَمُ خَلْقِهِ؛ مُعَبِّرًا بِالإنْزالِ الظّاهِرِ في الكُلِّ؛ تَجَوُّزًا عَنِ الحُكْمِ الجازِمِ؛ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وقَرَنَ هَذِهِ العَظَمَةَ بِحَرْفِ الغايَةِ؛ المُقْتَضِي لِلْواسِطَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا كانَ في البِدايَةِ؛ بِدَلالَةِ إتْباعِهِ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهُ لِلنِّهايَةِ بِصَيْرُورَتِهِ خُلُقًا لَهُ ﷺ؛ فَكانَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ أنْسَبَ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ ثِقْلَهُ المُوجِبَ لِتَفَطُّرِ القَدَمِ؛ وسَبَبَ اللَّمَمِ؛ خاصٌّ بِهِ ﷺ؛ ومَن قَرُبَ مِنهُ؛ (p-٤٤٠)ويُسْرَهُ وسُهُولَتَهُ لِأُمَّتِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ بِواسِطَةِ المَلَكِ؛ لا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ أنْ يَدَّعِيَ مُشارَكَتَكَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ فَتَكُونَ دَعَواهُ مُوجِبَةً لِنَوْعٍ مِنَ اللَّبْسِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَفْخِيمًا؛ بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما فِيهِ مِن جَمْعِ الأُصُولِ؛ والفُرُوعِ؛ واللَّطائِفِ؛ والمَعارِفِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ مَعَ البَيانِ القاطِعِ؛ والحُكْمِ الجازِمِ بِالماضِي؛ والآتِي؛ والكائِنِ؛ مُتَلَبِّسًا ﴿بِالحَقِّ﴾؛ وهو مُطابَقَةُ الواقِعِ لِجَمِيعِ أخْبارِهِ؛ فالواقِعُ تابِعٌ لِأخْبارِهِ؛ لا يُرى لَهُ خَبَرٌ إلّا طابَقَهُ مُطابَقَةً لا خَفاءَ بِشَيْءٍ مِنها؛ لا حِلْيَةَ لَهُ؛ ولا لِباسَ؛ إلّا الحَقُّ؛ فَلا دَلِيلَ أدَلُّ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَلْيَتْبَعُوا خَبَرَهُ؛ ولْيَنْظُرُوا عَيْنَهُ وأثَرَهُ. ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ خَصَّهُ - سُبْحانَهُ - بِشَيْءٍ عَجَزَ عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ؛ ثَبَتَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الإلَهُ وحْدَهُ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ - لَفْتًا لِلْقَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى أعْظَمَ مِنهُ؛ بِلَحْظِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ لِأجْلِ العِبادَةِ؛ تَعْظِيمًا لِقَدْرِها؛ لِأنَّها المَقْصُودُ بِالذّاتِ -: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الحائِزَ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ حالَ كَوْنِكَ ﴿مُخْلِصًا﴾؛ والإخْلاصُ هو القَصْدُ إلى اللَّهِ بِالنِّيَّةِ؛ بِلا عِلَّةٍ؛ ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الدِّينَ﴾؛ بِمُعانَقَةِ الأمْرِ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ؛ لِأنَّهُ خَصَّكَ بِهَذا الأمْرِ العَظِيمِ؛ فَهو أهْلٌ مِنكَ لِذَلِكَ؛ وخَسَّأ عَنْكَ الأعْداءَ؛ فَلا أحَدَ مِنهم يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلَيْكَ بِما يُوهِنُ شَيْئًا مِن أمْرِكَ؛ فَأخْلِصْ لِتَكُونَ رَأْسَ المُخْلِصِينَ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ آخِرَ سُورَةِ ”ص“؛ أنَّهُ لا سَبِيلَ لِلشَّيْطانِ (p-٤٤١)عَلَيْهِمْ؛ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ كَثِيرٍ مِن رُؤُوسِهِمْ؛ ووَقَعَ الحَثُّ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ بِما ذُكِرَ مِن أمْداحِهِمْ؛ لِأجْلِ صَبْرِهِمْ في إخْلاصِهِمْ؛ قالَ الرّازِيُّ: قالَ الجُنَيْدُ: الإخْلاصُ أصْلُ كُلِّ عَمَلٍ؛ وهو مَرْبُوطٌ بِأوَّلِ الأعْمالِ؛ وهو تَصْفِيَةُ النِّيَّةِ؛ ومَنُوطٌ بِأواخِرِ الأعْمالِ بِألّا يَلْتَفِتَ إلَيْها؛ ولا يَتَحَدَّثَ بِها؛ ويُضْمِرَ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ وهو إفْرادُ اللَّهِ بِالعَمَلِ؛ وفي الخَبَرِ: «”أنا أغْنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ“».

الزمر 39:3

ولَمّا أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الأمْرِ؛ نادى بِاسْتِحْقاقِهِ لِذَلِكَ؛ وأنَّهُ لَمْ يَطْلُبْ غَيْرَ حَقِّهِ؛ وأنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ؛ فَقالَ - في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَ مَنَعَهُ مِنَ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِهِ؟ مُنادِيًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا مُكافِئَ لَهُ؛ فَلا يَسَعُ أحَدًا يَبْلُغُهُ هَذا النِّداءُ إلّا الخُضُوعُ طائِعًا؛ أوْ كارِهًا -: ﴿ألا لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ وحْدَهُ؛ ﴿الدِّينُ الخالِصُ﴾؛ لِأنَّهُ لَهُ الأمْرُ والخَلْقُ؛ لا يَشْرِكُهُ فِيهِ أحَدٌ؛ فَكَما تَفَرَّدَ بِأنْ خَلْقَكَ؛ وخَلَقَ كُلَّ ما لَكَ مِن شَيْءٍ؛ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ تُفْرِدَهُ بِالطّاعَةِ؛ ولِأنَّهُ إذا عَبَدَهُ أحَدٌ مُخْلِصًا؛ كَفاهُ كُلَّ شَيْءٍ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَلَوْ أخْلَصَ لَهُ أحَدٌ لَمْ يُمْكِنْ أنْ يَكْفِيَهُ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ فَضْلًا عَنْ كُلِّ شَيْءِ؛ والدِّينُ الَّذِي هو أهْلٌ لِلْإخْلاصِ هو الإسْلامُ؛ الَّذِي كانَ في كُلِّ مِلَّةٍ؛ المُنْبَنِي عَلى القَواعِدِ (p-٤٤٢)الخَمْسِ؛ المُثَبَّتَةِ بِالإخْلاصِ المَحْضِ؛ النّاشِئِ مِنَ المُراقَبَةِ في الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ وجَمِيعِ ما يُرْضِي الشّارِعَ لِلدِّينِ؛ أوْ يُسْخِطُهُ؛ فَتَكُونُ جُمْلَتُهُ لِلَّهِ؛ مِن غَيْرِ شَهْوَةٍ ظاهِرَةٍ؛ أوْ باطِنَةٍ؛ في شُهْرَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ وإنَّما اسْتَحَقَّهُ - سُبْحانَهُ - دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي شَرَعَهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ؛ فَكَيْفَ يَشْرِكُهُ مَن لا أمْرَ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ وأمّا ما كانَ فِيهِ أدْنى شِرْكٍ؛ فَهو رَدٌّ عَلى عامِلِهِ؛ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ؛ وهَذِهِ - كَما تَرى - مُناداةٌ لَعَمْرِي تَخْضَعُ لَها الأعْناقُ؛ فَتُنَكَّسُ الرُّؤُوسُ؛ ولا يُوجَدُ لَها جَوابٌ إلّا بِـ ”نَعَمْ وعِزَّتِهِ“؛ و”إي وكِبْرِيائِهِ وعَظَمَتِهِ“؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وما لِلْعَبْدِ فِيهِ نَصِيبٌ فَهو عَنِ الإخْلاصِ بَعِيدٌ؛ اللَّهُمَّ إلّا أنْ يَكُونَ بِأمْرِهِ؛ فَإنَّهُ إذا أمَرَ العَبْدَ أنْ يَحْتَسِبَ الأجْرَ عَلى طاعَتِهِ؛ فَأطاعَهُ؛ لا يَخْرُجُ عَنْ الِاحْتِسابِ بِاحْتِسابِهِ أمْرَهُ فِيهِ؛ ولَوْلا هَذا لَما صَحَّ أنْ يَكُونَ في العالَمِ مُخْلِصٌ؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وذَلِكَ - أيْ: تَرْكُ الإخْلاصِ - كُلُّهُ مُوَلَّدٌ عَنْ حُبِّ البَقاءِ في الدُّنْيا؛ ونِسْيانِ لِقاءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ثُمَّ قالَ ما مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ مِنَ الشِّرْكِ؛ وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ: شِرْكٌ في الإلَهِيَّةِ؛ وهو أنْ يَرى مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ؛ وهو شِرْكُ المَجُوسِ والمُجِسِّمَةِ؛ والوَثَنِيَّةِ؛ ويُضاهِيهِ غَلَطُ القَدَرِيَّةِ؛ الثّانِي شِرْكٌ في العِبادَةِ؛ بِالرِّياءِ؛ وإضافَةِ العَمَلِ إلى النَّفْسِ؛ والثّالِثُ الشِّرْكُ الخَفِيُّ؛ وهو الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؛ وهو أنْ يُخْفِيَ العَمَلَ؛ ويَخافَ مِن إظْهارِهِ؛ ويُحِبَّ لَوِ اطُّلِعَ عَلَيْهِ؛ ومُدِحَ بِأسْرارِهِ؛ ومِن أحْسَنِ العَوْنِ عَلى الإخْلاصِ الحَياءُ مِنَ اللَّهِ؛ (p-٤٤٣)أنْ تَتَزَيَّنَ لِغَيْرِهِ بِعَمَلٍ ألْهَمَكَ إيّاهُ؛ وقَوّاكَ عَلَيْهِ؛ وخِلْتَ فِيهِ؛ وزَعَمْتَ تَطْلُبُ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ؛ فَأتاكَ عَدُوُّهُ إبْلِيسُ؛ الَّذِي عاداهُ فِيكَ؛ فَتُطِيعَهُ فِيما يَضُرُّكَ؛ ولا يَنْفَعُكَ؛ فاسْتَعِنْ عَلى عِبادَتِكَ بِالسَّتْرِ؛ فاسْتُرْ حَسَناتِكَ؛ كَما تَسْتُرُ سَيِّئاتِكَ؛ فَإنَّ عَمَلَ السِّرِّ يَزِيدُ عَلى عَمَلِ العَلانِيَةِ سَبْعِينَ ضِعْفًا؛ وذَلِكَ كالشَّجَرَةِ؛ إذا ظَهَرَتْ عُرُوقُها ضَعُفَ شُرْبُها؛ وأضَرَّ بِها حَرارَةُ الهَواءِ؛ وبَرْدُهُ؛ وتَعَرَّضَتْ لِلْآفاتِ؛ مِن قَطْعٍ؛ ويَبَسٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَمْ تَحْسُنْ فُرُوعُها؛ وخَفَّ ورَقُها؛ فَقَلَّ نَفْعُها؛ وإذا غاصَتْ عُرُوقُها غابَتْ عَنِ الآفاتِ؛ وأمِنَتِ القَطْعَ مِن أيْدِي النّاسِ؛ فَكَثُرَ شُرْبُها؛ فَجَرى ماؤُها فِيها؛ فَتَزايَدَتْ لِذَلِكَ فُرُوعُها؛ واخْضَرَّ ورَقُها؛ وكَثُرَ خَيْرُها؛ وطابَ ثَمَرُها لِجانِيها؛ فَكَذَلِكَ العَمَلُ إذا كانَتْ لَهُ أصُولٌ في القَلْبِ مَسْتُورَةٌ زَكا في نَفْسِهِ؛ وطُهُرَ مِنَ الأدْناسِ؛ وكَثُرَ خَيْرُهُ؛ وطابَ ثَوابُهُ لِعامِلِهِ؛ وإذا بَدا لَمْ يُؤْمَن عَلَيْهِ مِن أبْصارِ النّاظِرِينَ؛ وإذا خَفِيَ لَمْ يَبْقَ ما يُخافُ مِنهُ؛ إلّا العُجْبَ؛ ومَحَبَّةَ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ؛ وهي الشَّهْوَةُ الخَفِيَّةُ؛ ومِن قَوْلِهِمْ: ”مَن عَرَفَ اللَّهَ بَعْدَ الضَّلالَةِ؛ وعَرَفَ الإخْلاصَ بَعْدَ الرِّياءِ؛ وأنْزَلَ المَوْتَ حَقَّ مَنزِلَتِهِ؛ لَمْ يَغْفُلْ عَنِ المَوْتِ والِاسْتِعْدادِ لَهُ بِما أمْكَنَهُ“؛ انْتَهى. ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - عَمّا لَهُ وحْدَهُ؛ وكانَ مَحَطُّ أمْرِ الإنْسانِ؛ بَلْ جَمِيعِ الحَيَوانِ؛ عَلى الهِدايَةِ إلى مَصالِحِهِ؛ لِيَفْعَلَها؛ ومَفاسِدِهِ لِيَتْرُكَها؛ وأرْشَدَ (p-٤٤٤)السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: فَمَن أخْلَصَ لَهُ الدِّينَ هَداهُ في جَمِيعِ أُمُورِهِ؛ وإنِ اشْتَدَّ الإشْكالُ؛ وتَراكَمَتْ وُجُوهُ الضَّلالِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ الإخْبارَ عَمَّنْ لَزِمَ الضَّلالَ؛ والغَيَّ؛ والمِحالَ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا مِن مِثْلِ حالِهِ؛ بِما حُكِمَ عَلَيْهِ في مَآلِهِ: ﴿والَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَفْطُورًا عَلى الخُضُوعِ لِلْمَلِكِ الدَّيّانِ؛ ولا يَلْتَفِتُ إلى غَيْرِهِ إلّا بِمُعالَجَةِ النَّفْسِ بِما لَها مِنَ الهَوى والطُّغْيانِ؛ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ فَقالَ: ﴿اتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: عالَجُوا عُقُولَهُمْ؛ حَتّى صَرَفُوها عَنِ اللَّهِ؛ فَأخَذُوا؛ ونَبَّهَهم عَلى خَطَئِهِمْ في رِضاهم بِالأدْنى عَلى الأعْلى؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ ﴿أوْلِياءَ﴾؛ أيْ: يَكِلُونَ إلَيْهِمْ أُمُورَهُمْ؛ ويَدْخُلُ فِيهِمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ؛ ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِمْ؛ ورِزْقِهِمْ. ولَمّا كانَ مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ فِعْلُهم هَذا؛ بَيَّنَ ما وجَّهُوا بِهِ فِعْلَهم لِيَكُونَ آيَةً بَيِّنَةً في أنَّهُ لا هُدى لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ أيْ: قائِلِينَ لِمَن أخْلَصُوا لَهُ الدِّينَ؛ إذا أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِهِ ولِيًّا: ما ﴿نَعْبُدُهُمْ﴾؛ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا لِيُقَرِّبُونا﴾؛ ونَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الصَّوابِ بِالتَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مَعَ حَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ الَّذِي لَهُ مَعاقِدُ العِزِّ؛ ومَجامِعُ العَظَمَةِ؛ تَقْرِيبًا عَظِيمًا؛ عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ؛ ويُزْلِفُونا إلَيْهِ ﴿زُلْفى﴾؛ أيْ: تَقْرِيبًا حَسَنًا؛ سَهْلًا؛ بَهِجًا؛ زائِدًا؛ نامِيًا؛ مُتَعالِيًا؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَمْ يَقُولُوا هَذا مِن قِبَلِ اللَّهِ؛ ولا بِإذْنِهِ؛ وإنَّما حَكَمُوا بِذَلِكَ مِن ذاتِ أنْفُسِهِمْ؛ فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ وفي هَذا إشارَةٌ إلى ما يَفْعَلُهُ العَبْدُ (p-٤٤٥)مِنَ القُرْبِ بِنَشاطِ نَفْسِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَقْتَضِيَهُ حُكْمُ الوَقْتِ؛ فَكُلُّ ذَلِكَ اتِّباعُ هَوًى؛ انْتَهى؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ التَّقْرِيبِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الزَّلْفِ ثانِيًا؛ واسْمَ الزَّلْفِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى الِاسْمِ مِنَ التَّقْرِيبِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهم أرادُوا بِهَذا الِاعْتِذارَ المُسْكِتَ عَنْ قَبِيحِ صَنِيعِهِمْ؛ فَأتى - سُبْحانَهُ - في حِكايَتِهِ عَنْهم بِالتَّأْكِيدِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ عَلى المَعْنى بِلَفْظَيْنِ أجْدَرُ في ثَباتِهِ؛ وتَكْثِيرِهِ؛ مِن لَفْظٍ واحِدٍ؛ وبَدَأ بِأرْشَقِ الفِعْلَيْنِ؛ وأشْهَرِهِما؛ وأخَفِّهِما؛ وأوْضَحِهِما؛ وقَدْ خَسِرَ لَعَمْرِي غايَةَ الخَسارَةِ قَوْمٌ تَمَذْهَبُوا بِأقْبَحِ المَذاهِبِ؛ وجَعَلُوا عُذْرَهم هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي ذَمَّ اللَّهُ المُعْتَذِرَ بِها؛ وعَلى ذَلِكَ فَقَدْ راجَ اعْتِذارُهم بِها عَلى كَثِيرٍ مِنَ العُقُولِ؛ وهم أهْلُ الِاتِّحادِ؛ الَّذِينَ لا أسْخَفَ مِن عُقُولِهِمْ؛ ولا أجْمَدَ مِن أذْهانِهِمْ. ولَمّا كانَ إنَّما مَحَطُّ دِينِهِمُ الهَوى؛ وكانَ كُلُّ مَن تَبِعَ الهَوى لا يَنْفَكُّ عَنْ الِاضْطِرابِ في نَفْسِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مَعَهُ غَيْرُهُ؟! فَكَيْفَ إذا كانُوا كَثِيرًا؟! فَيَكْثُرَ الخِلافُ؛ والنِّزاعُ؛ وإنْ لَمْ يَحْصُلْ ذَلِكَ بِالفِعْلِ؛ كانَ بِالقُوَّةِ؛ ولِذَلِكَ كانَ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِمَّنْ يَعْبُدُ الأصْنامَ صَنَمٌ غَيْرُ صَنَمِ الأُخْرى؛ وكانَ بَعْضُ القَبائِلِ يَعْبُدُ الشِّعْرى؛ وبَعْضُهم يَعْبُدُ المَلائِكَةَ؛ وبَعْضُهم غَيْرَ ذَلِكَ؛ (p-٤٤٦)﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ؛ مُهَدِّدًا لَهم بِقَوْلِهِ - مُخْبِرًا؛ مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا لَمْ يُقَيِّدِ الحُكْمَ بِالقِيامَةِ؛ وكانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّ المَصائِبَ في الدُّنْيا مِنهُ؛ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ مِن غَيْرِ تَأْكِيدٍ آخَرَ؛ أيْ: بَيْنَ جَمِيعِ المُخالِفِينَ في الأدْيانِ؛ وغَيْرِها؛ مِنَ المُتَّخِذِينَ لِلْأوْلِياءِ مِن دُونِهِ؛ ومِنَ المُخْلِصِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَلا بُدَّ أنْ يَنْصُرَ أهْلَ الحَقِّ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الباطِلِ. ولَمّا كانُوا أوْزاعًا؛ أكْثَرُ قَبائِلِهِمْ عَلى خِلافِ ما يَعْتَقِدُهُ غَيْرُها؛ قالَ: ﴿فِي ما﴾؛ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي...؛ والأمْرِ الَّذِي...؛ ولَمّا كانَ تَحْكِيمُهم لِلْهَوى مُوَفِّرًا لِدَواعِيهِمْ عَلى الِاخْتِلافِ؛ وكانَ الِاتِّخاذُ؛ الَّذِي يُبْنى الكَلامُ عَلَيْهِ؛ لَهُ نَظَرٌ عَظِيمٌ إلى عِلاجِ الباطِنِ؛ بِخِلافِ سُورَةِ ”يُونُسَ“؛ أثْبَتَ الضَّمِيرَ هُنا؛ فَقالَ: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لَهم أصْلٌ يَضْبِطُهُمْ؛ فَهم لا يَرْجِعُونَ إلّا إلى الخَلْفِ؛ كَيْفَما تَقَلَّبُوا؛ لِأنَّهم مَظْرُوفُونَ لِذَلِكَ العَمَلِ؛ الَّذِي مَبْناهُ الهَوى؛ الَّذِي هو مَنشَأُ الِاخْتِلافِ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى ذَلِكَ خِلافُ المُخْلِصِينَ وإنْكارُهم عَلَيْهِمُ؛ الَّذِي أرْشَدَ إلَيْهِ اعْتِذارُهُمْ؟! فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ اخْتِلافَ الأئِمَّةِ في فَهْمِ كِتابِ اللَّهِ؛ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ؛ لِقَواعِدَ اسْتَنْبَطُوها مِن ذَلِكَ؛ لا يَخْرُجُونَ (p-٤٤٧)عَنْها؛ لَيْسَ خِلافًا؛ بَلْ وِفاقٌ؛ لِوَحْدَةِ ما يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِنَ الأصْلِ الصَّحِيحِ الثّابِتِ عَنِ اللَّهِ؛ ومِن هَذا إنْكارُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى عُمَرَ؛ وأُبَيٍّ؛ وغَيْرِهِما - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ لَمّا أنْكَرَ كُلٌّ مِنهم عَلى مَن خالَفَهُ في القِراءَةِ؛ وقالَ: «”إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ؛ فَلا تَخْتَلِفُوا“؛» فَلا فارِقَ بَيْنَ أنْ يَسْتَنِدَ كُلٌّ مِنَ الأمْرَيْنِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ نَقْلًا؛ أوِ اجْتِهادًا؛ لِأنَّهُ في قُوَّةِ الِاتِّفاقِ؛ لِوَحْدَةِ مَرْجِعِهِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”بَيْنَهُمْ“؛ لَهُمْ؛ ولِمَعْبُوداتِهِمْ؛ فَإنَّهم لَيْسَ مِنهم مَعْبُودٌ صامِتٌ؛ ولا ناطِقٌ؛ إلّا وهو صارِخٌ بِلِسانِ حالِهِ؛ إنْ لَمْ يَنْطِقْ لِسانُ قالِهِ؛ بِأنَّهُ مَقْهُورٌ؛ مَرْبُوبٌ؛ عابِدٌ؛ لا مَعْبُودٌ؛ فَهم - مَعَ مَن يَعْبُدُهم - في غايَةِ الخِلافِ. (p-٤٤٨)ولَمّا كانَ مِنَ الأمْرِ الواضِحِ أنَّ الدِّينَ لا يَكُونُ صالِحًا إلّا إنِ انْتَظَمَ بِنِظامٍ غَيْرِ مُخْتَلٍّ؛ وكانَ الدِّينُ إذا كانَ مُعْوَجًّا؛ داعِيًا إلى التَّفَرُّقِ؛ مُنادِيًا عَلى نَفْسِهِ بِالِانْخِلاعِ عَنْهُ؛ والبُعْدِ مِنهُ؛ فَكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِلتَّعَجُّبِ مِمَّنْ تَدَيَّنَ بِهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ يَدُومُ عَلَيْهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ لا يَنْتَبِهُ عِنْدَ التَّنْبِيهِ؛ فَضْلًا عَمَّنْ يُقاتِلُ دُونَ ذَلِكَ؛ أجابَ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما سَبَبُ عُكُوفِهِمْ عَلى هَذا الضَّلالِ؛ الَّذِي أوْجَبَ لَهم قَطْعًا الِاخْتِلافَ بِالفِعْلِ؛ أوْ بِالقُوَّةِ؟ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يُنْكِرُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا الإخْبارُ؛ وإنْ (p-٤٤٩)ظَهَرَ لِبَعْضِ العُمْيِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ مِمّا يَبْدُو مِنَ الكَذَبَةِ؛ والكَفَرَةِ؛ مِن أعْمالٍ مُزَيَّنَةٍ؛ وأفْكارٍ دَقِيقَةٍ؛ فَتُظَنُّ هُدًى؛ وإنَّما هي اسْتِدْراجٌ؛ ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى أنَّ المَعْنى: لِأنَّهم غَيْرُ مُهْتَدِينَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقِ الهِدايَةَ في قُلُوبِهِمْ؛ نَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ القادِرَ؛ القاهِرَ؛ الحَكِيمَ؛ ولَمّا كانَ الأصْلُ: لا يَهْدِيهِمْ؛ وأرادَ - سُبْحانَهُ - التَّعْمِيمَ؛ وتَعْلِيقَ الحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ قالَ: ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أيْ: لا يَخْلُقُ الهِدايَةَ في قَلْبِ ﴿مَن هُوَ﴾؛ أيْ: لِضَمِيرِهِ؛ ﴿كاذِبٌ﴾؛ أيْ: مُرْتَكِبٌ الكَذِبَ؛ عَرِيقٌ فِيهِ؛ حَتّى أدّاهُ كَذِبُهُ إلى أنْ يَقُولَ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ: إنَّ شَيْئًا يُقَرِّبُ إلَيْهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ ويَخْضَعَ بِالعِبادَةِ - الَّتِي هي نِهايَةُ التَّعْظِيمِ؛ فَهي لا تَلِيقُ بِغَيْرِ مَن يُنْعِمُ غايَةَ الإنْعامِ - لِمَن لا يَمْلِكُ ضَرًّا؛ ولا نَفْعًا؛ ولَمْ يُعَبِّرْ في الكَذِبِ بِصِيغَةِ مُبالَغَةٍ؛ لِأنَّ الَّذِينَ السِّياقُ لَهم لَمْ يَقَعْ مِنهم كَذِبٌ إلّا في ادِّعائِهِمْ أنَّهم يُقَرِّبُونَهم. ولَمّا كانَ مَن كَفَرَ في حِينٍ مِنَ الدَّهْرِ قَدْ ضاعَفَ كُفْرَهُ؛ لِكَثْرَةِ ما عَلى الوَحْدانِيَّةِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ وما لِلَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الإحْسانِ؛ وكانَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ لَهُمُ السِّياقُ قَدْ كَفَرُوا بِتَأْهِيلِهِمْ لِشُرَكائِهِمْ لِلْعِبادَةِ؛ ولِعِبادَتِهِمْ بِالفِعْلِ؛ ولِادِّعائِهِمْ فِيهِمُ التَّقْرِيبَ؛ قالَ ﴿كَفّارٌ﴾؛ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ؛ والأحْسَنُ أنْ يُقالَ: إنَّ المُبالَغَةَ لِإفْهامِ أنَّ الَّذِي لا يَهْدِيهِ إنَّما هو مَن خَتَمَ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - المَوْتَ عَلى ذَلِكَ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: والإشارَةُ إلى تَهْدِيدِ مَن يَتَعَرَّضُ لِغَيْرِ مَقامِهِ؛ ويَدَّعِي شَيْئًا لَيْسَ بِصادِقٍ فِيهِ؛ فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ قَطُّ إلى ما فِيهِ سَدادُهُ؛ ورُشْدُهُ؛ وعُقُوبَتُهُ أنْ يَحْرِمَهُ ذَلِكَ الشَّيْءَ الَّذِي تَصَدّى لَهُ بِدَعْواهُ قَبْلَ تَحَقُّقِهِ بِوُجُودِهِ وذَوْقِهِ.

الزمر 39:4

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِالحُكْمِ بَيْنَهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ - مَعَ تَضَمُّنِهِ التَّهْدِيدَ - وافِيًا بِنَفْيِ الشَّرِيكِ؛ كافِيًا في ذَلِكَ؛ لِأنَّ المَحْكُومَ فِيهِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَسِيمًا لِلْحاكِمِ؛ فَلَمْ يَبْقَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ شُبْهَةٌ إلّا عِنْدَ ادِّعاءِ الوَلَدِيَّةِ؛ قالَ - نافِيًا لَها؛ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ؛ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما حالُ مَن يَتَوَلّى الوَلَدَ؟ قالَ القُشَيْرِيُّ: والمُحالُ يُذْكَرُ عَلى جِهَةِ الإبْعادِ أنْ لَوْ كانَ كَيْفَ حُكْمُهُ -: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿أنْ يَتَّخِذَ﴾؛ أيْ: يَتَكَلَّفَ؛ كَما هو دَأْبُكُمْ؛ ولا يَسُوغُ في عَقْلٍ أنَّ الإلَهَ يَكُونُ مُتَكَلِّفًا؛ ﴿ولَدًا﴾؛ أيْ: كَما زَعَمَ مَن زَعَمَ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ الوَلَدُ لا يُرادُ إلّا أنْ يَكُونَ خِيارًا؛ وكانَ اللَّهُ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”لاتَّخَذَ“؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿لاصْطَفى﴾؛ أيْ: اخْتارَ عَلى سَبِيلِ التَّبَنِّي؛ ﴿مِمّا يَخْلُقُ﴾؛ أيْ: يُبْدِعُهُ في أسْرَعَ مِنَ الطَّرْفِ؛ وعَبَّرَ بِالأداةِ الَّتِي أكْثَرُ اسْتِعْمالِها فِيما لا يَعْقِلُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى جَعْلِ أقَلِّ الأشْياءِ (p-٤٥٠)أجَلَّها؛ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿ما يَشاءُ﴾؛ أيْ: مِمّا يَقُومُ مَقامَ الوَلَدِ؛ فَإنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى التَّطْوِيرِ في إتْيانِ الوَلَدِ إلّا مَن لا يَقْدِرُ عَلى الإبْداعِ بِغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ لا يَرْضى إلّا بِأكْمَلِ الأوْلادِ؛ وهُمُ الأبْناءُ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ؛ فَلَمْ يَكُنْ؛ فَهَذا أقْصى ما يُمْكِنُ أنْ يَجُوزَ في العَقْلِ أنْ يَخْلُقَ خَلْقًا شَرِيفًا؛ ويُسَمِّيَهُ ولَدًا؛ إشارَةً إلى شِدَّةِ إكْرامِهِ لَهُ؛ وتَشْرِيفِهِ إيّاهُ؛ أوْ يُقَرِّبُهُ غايَةَ التَّقْرِيبِ؛ كَما فَعَلَ بِالمَلائِكَةِ؛ وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِغَلَطِكم فِيهِمْ؛ حَتّى ادَّعَيْتُمْ أنَّهم أوْلادٌ؛ ثُمَّ زَعَمْتُمْ أنَّهم بَناتٌ؛ فَكُنْتُمْ كاذِبِينَ مِن جِهَتَيْنِ؛ هَذا غايَةُ الإمْكانِ؛ وأمّا أنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّوْلِيدُ؛ فَلا؛ بَلْ هو مِمّا يُحِيلُهُ العَقْلُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِمُحْتاجٍ؛ والإلَهُ لا يُتَصَوَّرُ في عَقْلٍ أنْ يَكُونَ مُحْتاجًا أصْلًا؛ قالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ: كانَ مَعْهُودُ الوِلادَةِ عَلى وجْهَيْنِ؛ فَوَلَدٍ مَنسُوبٍ إلى والِدِهِ بُنُوَّةً؛ ووِلادَةً؛ ورَحِمًا؛ فَهَذا لَيْسَ لَهُ في الوُجُودِ العَلِيِّ وُجُودٌ؛ ولا في الإمْكانِ تَمَكُّنٌ؛ ولا في الفِعْلِ مَساغٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ووَلَدٍ بِمَعْنى التَّبَنِّي؛ والِاتِّخاذِ؛ وقَدْ كانَتِ العَرَبُ وغَيْرُها مِنَ الأُمَمِ يَفْعَلُونَهُ؛ حَتّى نَسَخَهُ القُرْآنُ؛ فَلا يَبْعُدُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ العِبارَةُ كانَتْ جائِزَةً في الكُتُبِ قَبْلَنا؛ فَلَمّا أعْضَلَ (p-٤٥١)بِهِمُ الدّاءُ؛ وألْحَدُوا في ذَلِكَ عَنْ سَواءِ القَصْدِ؛ الَّذِي هو الِاصْطِفاءُ؛ إلى بُنُوَّةِ الوِلادَةِ؛ أضَلَّهُمُ اللَّهُ؛ وأعْمى أبْصارَهُمْ؛ وسَدَّ السَّبِيلَ عَنِ العِبادَةِ عَنْ ذَلِكَ؛ وكَشَفَ مَعْنى الِاصْطِفاءِ؛ وأظْهَرَ مَعْنى الوِلايَةِ؛ ونَسَخَ ذَلِكَ بِهَذا؛ لِأنَّ هَذا لا يُداخِلُهُ لَبْسٌ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ لِبَيانِ كَمالِ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ وعُلُوِّها في كُلِّ أمْرٍ. ولَمّا كانَتْ نِسْبَةُ الوَلَدِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ الشَّرِيكِ؛ أوْ أشْنَعَ؛ وانْتَفى الأمْرانِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلِيلِ بِالحُكْمِ بِاعْتِرافِهِمْ بِأنَّ حُكْمَهُ - سُبْحانَهُ - نافِذٌ في كُلِّ شَيْءٍ؛ لِشَهادَةِ الوُجُودِ؛ ولِقِيامِ الأدِلَّةِ عَلى عَدَمِ الحاجَةِ إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ فَضْلًا عَنِ الوَلَدِ؛ نَزَّهَ نَفْسَهُ بِما يَلِيقُ بِجَلالِهِ مِنَ التَّنْزِيهِ في هَذا المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: لَهُ التَّنْزِيهُ التّامُّ عَنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ؛ ثُمَّ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى هَذا التَّنْزِيهِ المُقْتَضِي لِتَفَرُّدِهِ؛ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: الفاعِلُ لِهَذا الفِعالِ؛ والقائِلُ لِهَذِهِ الأقْوالِ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ مِنَ الأوْصافِ ما هو كالعِلَّةِ لِذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿الواحِدُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَنْقَسِمُ أصْلًا؛ ولا يَكُونُ لَهُ مِثْلٌ؛ فَلا يَكُونُ لَهُ صاحِبَةٌ؛ ولا ولَدٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ لَمّا كانَ لا مُجانِسًا؛ ولا جِنْسَ لَهُ؛ ولا شَبَهَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿القَهّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ آلِهَتُهُمْ؛ وغَيْرُها؛ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ؛ والِاسْتِمْرارِ؛ (p-٤٥٢)فَصَحَّ مِن غَيْرِ شَكٍّ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ أصْلًا؛ وجَعْلُ ما لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ ولا داعِيَ يَبْعَثُ عَلَيْهِ؛ عَبَثٌ يُنَزَّهُ عَنْهُ العاقِلُ؛ فَكَيْفَ بِمَن لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؟!

الزمر 39:5

ولَمّا أثْبَتَ هَذِهِ الصِّفاتِ؛ الَّتِي نَفَتْ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أوْ ولَدٌ؛ وأثْبَتَتْ لَهُ الكَمالَ المُطْلَقَ؛ دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ أيْ: أبْدَعَهُما مِنَ العَدَمِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِالأمْرِ الثّابِتِ؛ الَّذِي لَيْسَ بِخَيالٍ؛ ولا سِحْرٍ؛ عَلى وجْهٍ لا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ ولا تَفاوُتَ؛ ولا خَلَلَ يَقُولُ أحَدٌ فِيهِ: إنَّهُ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ؛ ولَمّا كانَ مِن أدَلِّ الأشْياءِ عَلى صِفَتَيِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والقَهْرِ؛ وتَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ الأمْرِ؛ بَعْدَ إيجادِ الخافِقَيْنِ؛ اخْتِلافُ المَلَوَيْنِ؛ وكانَ التَّكْوِيرُ - وهو إدارَةُ الشَّيْءِ عَلى الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ؛ وإحاطَتُهُ بِهِ؛ بِحَيْثُ يَعْلُو عَلَيْهِ؛ ويَغْلِبُهُ؛ ويُغَطِّيهِ - أدَلَّ عَلى صِفَةِ القَهْرِ مِنَ الإيلاجِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِوَقْتِ إيجادِ المَلَوَيْنِ -: ﴿يُكَوِّرُ﴾؛ أيْ: خَلَقَهُما؛ أيْ: صَوَّرَهُما في حالِ كَوْنِهِ يَلُفُّ؛ ويَلْوِي؛ ويُدِيرُ؛ فَيُغَطِّي مَعَ السُّرْعَةِ والعُلُوِّ والغِلَّةِ؛ تَكْوِيرًا كَثِيرًا مُتَجَدِّدًا مُسْتَمِرًّا إلى أجَلِهِ؛ ﴿اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ﴾؛ بِأنْ يَسْتُرَهُ بِهِ؛ فَلا يَدَعُ لَهُ أثَرًا؛ ولِعَظَمَةِ هَذا الصُّنْعِ؛ أعادَ العامِلَ؛ فَقالَ: ﴿ويُكَوِّرُ النَّهارَ﴾؛ عالِيًا تَكْوِيرُهُ وتَغْطِيَتُهُ؛ ﴿عَلى اللَّيْلِ﴾؛ فَيُذْهِبُهُ كَذَلِكَ؛ (p-٤٥٣)ويُدْخِلُ في هَذا الزِّيادَةَ في كُلٍّ مِنهُما؛ بِما يَنْقُصُ مِنَ الآخَرِ؛ لِأنَّهُ إذا ذَهَبَ أحَدُهُما؛ وأتى الآخَرُ مَكانَهُ؛ فَكَأنَّ الآتِيَ لَفَّ عَلى الذّاهِبِ؛ وألْبَسَهُ؛ كَما يُلَفُّ اللِّباسُ عَلى اللّابِسِ؛ أوْ أنَّهُ شَبَّهَ الذّاهِبَ في خَفائِهِ بِالآتِي بِشَيْءٍ ظاهِرٍ؛ لُفَّ عَلَيْهِ ما غَيَّبَهُ عَنْ مَطامِحِ الأبْصارِ؛ أوْ أنَّ كُلًّا مِنهُما لَمّا كانَ يَكُرُّ عَلى الآخَرِ كُرُورًا مُتَتابِعًا شُبِّهَ ذَلِكَ بِتَتابُعِ أكْوارٍ؛ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ؛ فَتُغَيِّبُ ما تَحْتَها. ولَمّا كانَتِ الظُّلْمَةُ سابِقَةً عَلى الضِّياءِ؛ وكانَ اللَّيْلُ إنَّما هو ظُلْمَةٌ يَسْبِقُها ضِياءٌ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ؛ رَتَّبَ - سُبْحانَهُ - هَذا التَّرْتِيبَ عَلى حَسَبِ الإيجادِ؛ ولِذَلِكَ قَدَّمَ آيَةَ النَّهارِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ بِخَلْقِهِ الآيَتَيْنِ مُسَخَّرَتَيْنِ؛ عَلى مِنهاجٍ مَعْلُومٍ لِكُلٍّ مِنهُما؛ لا يَتَعَدّاهُ؛ وحَدٍّ مَحْدُودٍ لا يَتَخَطّاهُ -: ﴿وسَخَّرَ﴾؛ أيْ: ذَلَّلَ؛ وأكْرَهَ؛ وقَهَرَ؛ وكَلَّفَ لِما يُرِيدُ؛ مِن غَيْرِ نَفْعٍ لِلْمُسَخَّرِ؛ ﴿الشَّمْسَ﴾؛ أيْ: الَّتِي مَحَتْ ما كانَ مِنَ الظَّلامِ؛ فَأوْجَبَتِ اسْمَ النَّهارِ؛ ﴿والقَمَرَ﴾؛ أيْ: آيَةَ اللَّيْلِ. ولَمّا أخْبَرَ بِقَهْرِهِما؛ بَيَّنَ ما صَرَّفَهُما فِيهِ؛ فَقالَ - بَيانًا لِهَذا (p-٤٥٤)التَّسْخِيرِ -: ﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنهُما؛ ﴿يَجْرِي﴾؛ أيْ: بِقَضائِنا؛ الَّذِي لا مَرَدَّ لَهُ؛ وهَذا آيَةٌ لِاخْتِلافِ أحْوالِ العَبْدِ؛ لِأنَّ خَلْقَهُ جامِعٌ؛ فَيَخْتَلِفُ في القَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ والجَمْعِ؛ والفَرْقِ؛ والأخْذِ؛ والرَّدِّ؛ والصَّحْوِ؛ والسُّكْرِ؛ وفي نُجُومِ العَقْلِ؛ وأقْمارِ العِلْمِ؛ وشُمُوسِ المَعْرِفَةِ؛ ونَهارِ التَّوْحِيدِ؛ ولَيْلِ الشَّكِّ والجَحْدِ؛ ونَهارِ الوَصْلِ؛ ولَيالِي الهَجْرِ والفِراقِ؛ وكَيْفِيَّةِ اخْتِلافِها؛ وزِيادَتِها؛ ونُقْصانِها؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ. ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ العِزَّةَ؛ الَّتِي مَحَطُّها الغَلَبَةُ؛ وكانَ السِّياقُ لِلْقَهْرِ؛ وكانَ القَضاءُ لِعِلَّةٍ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها المَعْلُولُ؛ أدَلَّ عَلى القَهْرِ مِن ذِكْرِ الغايَةِ مُجَرَّدَةً عَنِ العِلَّةِ؛ قالَ: ﴿لأجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ أيْ: لِمُنْتَهى الدَّوْرِ؛ ومُنْقَطَعِ الحَرَكَةِ؛ ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا قَهْرُهُ؛ قالَ - مُنادِيًا؛ رَشْقًا في قُلُوبِ المُنْكِرِينَ -: ﴿ألا هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ: فَما لَهُ لا يَأْخُذُ مَن يُخالِفُهُ؟ وكانَتْ صِفَةُ القَهْرِ والعِزَّةِ رُبَّما أقْنَطَتِ العُصاةَ؛ فَأخَّرَتْهم عَنِ الإقْبالِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِسَبَبِ التَّأْخِيرِ؛ ومُسْتَعْطِفًا -: ﴿الغَفّارُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفَةُ السَّتْرِ عَلى الذُّنُوبِ؛ مُتَكَرِّرَةً؛ فَيَمْحُو ذُنُوبَ مَن يَشاءُ عَيْنًا؛ وأثَرًا؛ بِمَغْفِرَتِهِ؛ ويَأْخُذُ مَن يَشاءُ بِعِزَّتِهِ.

الزمر 39:6

ولَمّا كانَ خَلْقُ الحَيَوانِ أدَلَّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقَهْرِ؛ بِما خالَفَ بِهِ الجَماداتِ مِنَ الحَياةِ؛ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها قَبْلَ أجَلِهِ؛ (p-٤٥٥)وبِما لَهُ مِن أُمُورٍ اضْطِرارِيَّةٍ؛ لا مَحِيصَ لَهُ عَنْها؛ وأُمُورٍ اخْتِيارِيَّةٍ مَوْكُولَةٍ في الظّاهِرِ إلى مَشِيئَتِهِ؛ وكانَ أعْجَبُهُ خَلْقًا الإنْسانَ؛ بِما لَهُ مِن قُوَّةِ النُّطْقِ؛ قالَ - دالًّا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ بِخَلْقِ الخافِقَيْنِ؛ لافِتًا القَوْلَ إلى خِطابِ النَّوْعِ كُلِّهِ؛ إيذانًا بِتَأهُّلِهِمْ لِلْخِطابِ؛ وتَرَقِّيهِمْ في عُلا الأسْبابِ؛ مِن غَيْرِ عَطْفٍ؛ إيذانًا بِأنَّ كُلًّا مِن خَلْقِهِمْ؛ وخَلْقِ ما قَبْلَهُمْ؛ مُسْتَقِلٌّ بِالدَّلالَةِ عَلى ما سِيقَ لَهُ -: ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها النّاسُ؛ المُدَّعُونَ لِإلَهِيَّةِ غَيْرِهِ؛ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾؛ هي آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمّا كانَ إيجادُنا مِنها بَعْدَ شَقِّ الأُنْثى مِنها؛ قالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”أوْجَدَها مِن تُرابٍ“؛ مُبَيِّنًا بِلَفْظِ الجَعْلِ أنَّ الذَّكَرَ هو سَبَبُها؛ ومادَّتُها؛ مُنَبِّهًا بِأداةِ التَّراخِي عَلى القَهْرِ؛ الَّذِي السِّياقُ لَهُ؛ بِالتَّراخِي في الزَّمانِ؛ بِتَأْخِيرِ المُسَبَّبِ عَنْ سَبَبِهِ المُقْتَضِي لَهُ؛ إلى حِينِ مَشِيئَتِهِ؛ لِأنَّ إيجادَها مِنهُ كانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِن إيجادِهِ؛ والأصْلُ في الأسْبابِ تَرَتُّبُ المُسَبَّباتِ عَلَيْها؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ؛ وعَلى التَّراخِي في الرُّتْبَةِ أيْضًا؛ بِأنَّ ذَلِكَ - لِكَوْنِهِ شَدِيدَ المُبايَنَةِ لِأصْلِهِ - مِن أعْجَبِ العَجَبِ -: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ حِينٍ؛ وعَبَّرَ بِالجَعْلِ؛ لِأنَّهُ كافٍ في نَفْيِ الشَّرِكَةِ؛ الَّتِي هَذا أُسْلُوبُها؛ ولِيُبَيِّنَ أنَّهُ ما خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا لِيَكُونَ سَبَبًا لِما يَحْدُثُ عَنْهُ مِنَ الذُّرِّيَّةِ؛ لِيَتَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ إظْهارُ ما لَهُ (p-٤٥٦)- سُبْحانَهُ - مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَقالَ: ﴿جَعَلَ مِنها﴾؛ أيْ: تِلْكَ النَّفْسِ؛ ﴿زَوْجَها﴾؛ أيْ: ونَقَلَكم بَعْدَ خَلْقِكم مِنهُ؛ إلَيْها؛ ثُمَّ أبْرَزَكم إلى الوُجُودِ الخارِجِيِّ مِنها؛ ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ - أنْ يَكُونَ المَعْنى - لِأنَّ السِّياقَ لِإحاطَةِ العِلْمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِإنْزالِ الكِتابِ وما تَبِعَهُ -: قَدَّرَ خَلْقَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ؛ والألْوانِ؛ وجَمِيعِ الهَيْئاتِ؛ حِينَ خَلَقَ آدَمَ؛ بِأنْ هَيَّأهُ لِأنْ تُفِيضُوا مِنهُ؛ فَلا تَزِيدُونَ عَلى ما قَدَّرَهُ شَيْئًا؛ ولا تَنْقُصُونَ؛ وأنْ تَفِيضَ مِنهُ زَوْجُهُ؛ وذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ حَوّاءَ مِنهُ؛ ثُمَّ أوْجَدَها؛ فَكانَ الفَيْضُ مِنها فَيْضًا مِنهُ؛ فالكُلُّ مِنهُ؛ ولِهَذا ورَدَ الحَدِيثُ؛ في مُسْنَدِ أحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ؛ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ؛ وضَرَبَ عَلى كَتِفِهِ اليُمْنى؛ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضاءَ كَأنَّهُمُ الذَّرُّ؛ وضَرَبَ كَتِفَهُ اليُسْرى؛ فَأخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْداءَ كَأنَّهُمُ الحُمَمُ؛ فَقالَ لِلَّذِي في يَمِينِهِ: (إلى الجَنَّةِ؛ ولا أُبالِي)؛ وقالَ لِلَّذِي في يَسارِهِ: (إلى النّارِ؛ ولا أُبالِي)“». ولَمّا كانَ تَنْوِيعُ الحَيَوانِ إلى أنْواعٍ مُتَبايِنَةٍ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ الَّتِي هي مَنشَأُ القَهْرِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - مَوْصُوفًا بِالعُلُوِّ؛ وكانَ أكْثَرُ الأنْعامِ أشَدَّ مِنَ الإنْسانِ؛ فَكانَ تَسْخِيرُهُ لَهُ؛ وتَذْلِيلُهُ إنْزالًا عَنْ قُوَّتِهِ؛ (p-٤٥٧)وإيهانًا لِشِدَّتِهِ؛ قالَ - دالًّا عَلى ذَلِكَ الإنْشاءِ؛ والجَعْلِ؛ بِلَفْظِ الإنْزالِ -: ﴿وأنْـزَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿مِنَ الأنْعامِ﴾؛ أيْ: الإبِلِ؛ بِنَوْعَيْها؛ والبَقَرِ كَذَلِكَ؛ والضَّأْنِ؛ والمَعْزِ؛ ولَمّا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ العَرَبِ البَخاتِيُّ؛ والجَوامِيسُ؛ لَمْ يَذْكُرْها - سُبْحانَهُ -؛ واقْتَصَرَ عَلى ما عِنْدَهُمْ؛ وقالَ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ نَوْعٍ زَوْجَيْنِ؛ ذَكَرًا وأُنْثى؛ و”الزَّوْجُ“: اسْمٌ لِواحِدٍ مَعَهُ آخَرُ؛ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ؛ وإذا نَظَرْتَ هَذِهِ العِبارَةَ؛ مَعَ العِبارَةِ عَنْ خَلْقِ الإنْسانِ؛ فَهِمْتَ أنَّ الأنْعامَ خُلِقَ كُلُّ ذَكَرِها؛ وأُنْثاها؛ عَلى انْفِرادِهِ؛ لا أنَّ أحَدًا مِنها مِن صاحِبِهِ؛ وذَلِكَ أدَلُّ عَلى إطْلاقِ التَّصَرُّفِ؛ وتَنْوِيعِهِ؛ مِمّا لَوْ جَعَلَ خَلْقَها مِثْلَ خَلْقِ الآدَمِيِّ. ولَمّا كانَ تَكْوِينُهم في تَطْوِيرِهِمْ عَجَبًا؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بَيانًا لِما أجْمَلَ قَبْلُ -: ﴿يَخْلُقُكُمْ﴾؛ أيْ: يُقَدِّرُ إيجادَكم أنْتُمْ؛ والأنْعامِ؛ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن أخْلاطِ العَناصِرِ؛ ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ تَطْوِيرُ الخَلْقِ داخِلَ البَطْنِ حَيْثُ لا تَصِلُ إلَيْهِ يَدُ مَخْلُوقٍ؛ ولا بَصَرُهُ؛ قالَ - دالًّا عَلى عَظَمَتِهِ؛ ودَلالَتِهِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ والقَهْرِ -: ﴿خَلْقًا﴾؛ ودَلَّ عَلى تَكْوِينِهِ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ؛ بِإثْباتِ الحَرْفِ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ خَلْقٍ﴾؛ أيْ: في تَنَقُّلاتِ الأطْوارِ؛ وتَقَلُّباتِ الأدْوارِ؛ ولَمّا كانَ الحَيَوانُ لا يُعْرَفُ ما هو إلّا (p-٤٥٨)فِي التَّطْوِيرِ الرّابِعِ؛ وكانَ الجَهْلُ ظُلْمَةً؛ قالَ: ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾؛ ظُلْمَةِ النُّطْفَةِ؛ ثُمَّ العَلَقَةِ؛ ثُمَّ المُضْغَةِ؛ فَإذا صارَ عِظامًا مَكْسُوَّةً لَحْمًا عُرِفَ هَلْ هو ذَكَرٌ أوْ أُنْثى؛ فَزالَتْ عَنْهُ ظُلُماتُ الجَهْلِ؛ وصارَ خَلْقًا آخَرَ؛ وقِيلَ؛ ظُلْمَةُ البَطْنِ؛ والرَّحِمِ؛ والمَشِيمَةِ؛ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وعَزاهُ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”القَناعَةُ“؛ إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمّا ثَبَتَ لَهُ - سُبْحانَهُ - كَمالُ العَظَمَةِ؛ والقَهْرِ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا ما أنْتَجَهُ الكَلامُ السّابِقُ؛ مُعَظِّمًا بِأداةِ البُعْدِ؛ ومِيمِ الجَمْعِ -: ﴿ذَلِكُمُ﴾؛ أيْ: العالِي المَراتِبِ؛ بِشَهادَتِكم - أيُّها الخَلْقُ - كُلِّكُمْ؛ بَعْضُكم بِلِسانِ قالِهِ؛ وبَعْضُكم بِناطِقِ حالِهِ؛ الَّذِي جَمِيعُ ما ذُكِرَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا؛ أفْعالُهُ؛ ولَمّا أشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ أخْبَرَ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ونَبَّهَ عَلى جَهْلِهِمْ؛ مِمّا يَعْلَمُونَ مِن رُبُوبِيَّتِهِ؛ لِعَمَلِهِمْ بِالشِّرْكِ عَمَلَ جاهِلٍ بِذَلِكَ؛ فَقالَ - واصِفًا -: ﴿رَبُّكُمْ﴾؛ أيْ: المالِكُ؛ والمُرَبِّي لَكم بِالخَلْقِ؛ والرِّزْقِ؛ ولَمّا كانَ المُرَبِّي قَدْ لا يَكُونُ مَلِكًا؛ قالَ - نَتِيجَةً لِما سَبَقَ -: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿المُلْكُ﴾؛ ولَمّا كانَ المُخْتَصُّ بِالمُلْكِ قَدْ لا يَكُونُ إلَهًا؛ قالَ - مُثْبِتًا لَهُ الإلَهِيَّةَ؛ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ وهو (p-٤٥٩)بِمَنزِلَةِ نَتِيجَةِ النَّتِيجَةِ -: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ ولَمّا تَكَفَّلَ هَذا السِّياقُ بِوُجُوبِ الإخْلاصِ في الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ؛ لِأنَّ الكُلَّ تَحْتَ قَهْرِهِ؛ وشُمُولِ نَهْيِهِ وأمْرِهِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأنّى﴾؛ أيْ: فَكَيْفَ؟ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿تُصْرَفُونَ﴾ ؟ أيْ: قَهْرًا عَنِ الإخْلاصِ لَهُ؛ إلى الإشْراكِ بِهِ؛ بِصارِفٍ ما؛ وإنْ كانَ عَظِيمًا؛ ونَبَّهَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - مَعَ هَذا - عَلى أنَّهم مَقْهُورُونَ في فِعْلِ ما هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم تابِعُونَ لِلْهَلاكِ المَحْضِ؛ تارِكُونَ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي لا خَفاءَ في شَيْءٍ مِنها؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يَتْرُكُ أحَدٌ الدَّلِيلَ في الفَيافِي المُعْطِشَةِ؛ الَّذِي إنْ تَرَكَهُ هَلَكَ؛ إلّا قَهْرًا؛ وأنَّ النّاسَ هُيِّئُوا لِطَرِيقِ الهُدى؛ بِما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؛ بِسَلامَةِ الفِطَرِ؛ واسْتِقامَةِ العُقُولِ؛ وأشارَ إلى هَذا لِأنَّهم يَأْنَفُونَ مِنَ النِّسْبَةِ إلى القَهْرِ؛ وأنْ يَفْعَلُوا شَيْئًا بِغَيْرِ اخْتِيارٍ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الأنَفَةِ؛ وعُلُوِّ الهِمَمِ؛ والعَظْمَةِ.

الزمر 39:7

ولَمّا ظَهَرَتِ الأدِلَّةُ؛ وبَهَرَتِ الحُجَجُ؛ بَيَّنَ ما عَلى مَن غَطّاها بِالإصْرارِ؛ وما لِمَن تابَ ورَجَعَ بِالتَّذْكارِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا لِما هو نَتِيجَةُ ما مَضى؛ مُعَرِّفًا لَهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ؛ بِأنَّهُ ما تُعُبِّدَ لِشَيْءٍ يَخُصُّهُ مِن نَفْعٍ؛ أوْ ضُرٍّ؛ وإنَّما هو لِمَصالِحِهِمْ خاصَّةً؛ بادِئًا بِما هو مِن دَرْءِ المَفاسِدِ -: ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾؛ (p-٤٦٠)أيْ: تَسْتُرُوا الأدِلَّةَ؛ فَتُصِرُّوا عَلى الِانْصِرافِ عَنْهُ بِالإشْراكِ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ لِأنَّهُ جامِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: فَلا يَضُرُّهُ كُفْرُكُمْ؛ ولا تَنْفَعُهُ طاعَتُكُمْ؛ وأمّا أنْتُمْ فَلا غِنى لَكم عَنْهُ بِوَجْهٍ؛ ولا بُدَّ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَكُمْ؛ فَلَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ ﴿ولا يَرْضى﴾؛ لَكم - هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ بِدَلِيلِ ما سَبَقَهُ؛ ولَحِقَهُ -؛ وإنَّما أظْهَرَ؛ لِيَعُمَّ؛ ولِيُذَكِّرَهم بِما يَجِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِن أنَّ أحَدًا مِنهم لا يَرْضى لِعِبادِهِ أنْ يُؤَدّى خَراجُهُ إلى غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ؛ فَقالَ: ﴿لِعِبادِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ تَفَرَّدَ بِإيجادِهِمْ؛ وتَرْبِيَتِهِمْ؛ ﴿الكُفْرَ﴾؛ بِالإقْبالِ عَلى سِواهُ؛ وأنْتُمْ لا تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِعَبِيدِكُمْ؛ مَعَ أنَّ مِلْكَكم لَهم في غايَةِ الضَّعْفِ؛ ومَعْنى عَدَمِ الرِّضا أنَّهُ لا يَفْعَلُ فِعْلَ الرّاضِي؛ بِأنْ يَأْذَنَ فِيهِ؛ ويُقِرَّ عَلَيْهِ؛ أوْ يُثِيبَ فاعِلَهُ؛ ويَمْدَحَهُ؛ بَلْ يَفْعَلُ فِعْلَ السّاخِطِ؛ بِأنْ يَنْهى عَنْهُ؛ ويَذُمَّ عَلَيْهِ؛ ويُعاقِبَ مُرْتَكِبَهُ؛ ﴿وإنْ تَشْكُرُوا﴾؛ أيْ: بِالعِبادَةِ؛ والإخْلاصِ فِيها؛ ﴿يَرْضَهُ﴾؛ أيْ: الشُّكْرَ؛ الدّالَّ عَلَيْهِ فِعْلُهُ؛ ﴿لَكُمْ﴾؛ أيْ: الرِّضا اللّائِقَ بِجَنابِهِ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُقِرَّكم عَلَيْهِ؛ أوْ يَأْمُرَكم بِهِ؛ ويُثِيبَكم عَلى فِعْلِهِ؛ والقِسْمانِ بِإرادَتِهِ؛ واخْتِلافُ القُرّاءِ في هائِهِ دالٌّ عَلى مَراتِبِ الشُّكْرِ - واللَّهُ أعْلَمُ -؛ فالوَصْلُ لِلْواصِلِينَ إلى النِّهايَةِ؛ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ في (p-٤٦١)الوُصُولِ؛ والِاخْتِلاسُ لِلْمُتَوَسِّطِينَ؛ والإسْكانُ لِمَن في الدَّرَجَةِ الأُولى مِنهُ. ولَمّا كانَ في سِياقِ الحُكْمِ والقَهْرِ؛ وكانَتْ عادَةُ القَهّارِينَ أنْ يُكَلِّفُوا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ؛ ويَأْخُذُوهم بِجَوائِرِهِمْ؛ لِيَنْتَظِمَ لَهُمُ العُلُوُّ عَلى الكُلِّ؛ لِعَدَمِ إحاطَةِ عِلْمِهِمْ بِكُلِّ مُخالِفٍ لِأمْرِهِمْ؛ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ﴾؛ أيَّ وازِرَةٍ كانَتْ؛ ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾؛ بَلْ وِزْرُ كُلِّ نَفْسٍ عَلَيْها؛ لا يَتَعَدّاها؛ يُحْفَظُ عَلَيْها مُدَّةَ كَوْنِها في دارِ العَمَلِ؛ والإثْمُ الَّذِي يُكْتَبُ عَلى الإنْسانِ بِتَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لَيْسَ وِزْرَ غَيْرِهِ؛ وإنَّما هو وِزْرُ نَفْسِهِ؛ فَوِزْرُ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ؛ ووِزْرُ السّاكِتِ عَلى التَّرْكِ؛ لِما لَزِمَهُ مِنَ الأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ لا إلى أحَدٍ مِمَّنْ أشْرَكْتُمُوهُ بِهِ؛ ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أيْ: بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ إلى دارِ الجَزاءِ؛ ولَمّا كانَ الجَزاءُ تابِعًا لِلْعِلْمِ؛ قالَ - مُعَبِّرًا عَنْهُ بِهِ -: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ البَعْثِ أنَّهُ يُخْبِرُكم إخْبارًا عَظِيمًا؛ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِما كانَ في طَبْعِكُمُ العَمَلُ بِهِ؛ سَواءٌ عَمِلْتُمُوهُ بِالفِعْلِ أمْ لا؛ ثُمَّ يُجازِيكم عَلَيْهِ إنْ شاءَ. ولَمّا كانَ المُرادُ - كَما أشارَ إلَيْهِ بِـ ”كانَ“ - الإخْبارَ بِجَمِيعِ الأعْمالِ الكائِنَةِ بِالفِعْلِ؛ أوِ القُوَّةِ؛ حَسُنَ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ ﴿بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: بِصاحِبَتِها؛ مِنَ الخَواطِرِ؛ والعُزُومِ؛ وذَلِكَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ الصُّحْبَةُ: كُلُّ ما لَمْ يَبْرُزْ إلى الخارِجِ؛ فَهو بِما بَرَزَ أعْلَمُ.

الزمر 39:8

(p-٤٦٢)ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ المُخْتَصُّ بِالمُلْكِ وحْدَهُ؛ وأتْبَعَهُ بِما يُرْضِيهِ؛ وما يُسْخِطُهُ؛ أقامَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ - مَعَ أنَّهُ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ؛ بِدَلِيلٍ وِجْدانِيٍّ لِكُلِّ أحَدٍ -؛ عَلى وجْهٍ ذَمَّهم فِيهِ بِالتَّناقُضِ؛ الَّذِي هم أعْظَمُ النّاسِ ذَمًّا لَهُ؛ ونَفْرَةً مِنهُ؛ وذَمًّا بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وإذا﴾؛ وهي - واللَّهُ أعْلَمُ - حالِيَّةٌ مِن واوِ ”تُصْرَفُونَ“؛ وكانَ الأصْلُ: ”مَسَّكُمْ“؛ ولَكِنَّهُ عَمَّمَ؛ ودَلَّ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنِ الخِطابِ؛ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ لِلنِّسْيانِ؛ فَقالَ: ﴿مَسَّ الإنْسانَ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ الآنِسَ بِنَفَسِهِ؛ مُؤْمِنَهُ؛ وكافِرَهُ؛ ﴿ضُرٌّ﴾؛ أيَّ ضُرٍّ كانَ؛ مِن جِهَةٍ يَتَوَقَّعُها - بِما أشارَ إلَيْهِ الظَّرْفُ بِمُطابَقَةِ المَقْصُودِ لِلسُّورَةِ؛ مَعَ تَهْدِيدِ آخِرِ الَّتِي قَبْلَها -؛ ﴿دَعا رَبَّهُ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْهِ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ تَنْبِيهُكم مِن غَفْلَتِكم عَلَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الزمر: ٦] ذاكِرًا صِفَةَ إحْسانِهِ؛ ﴿مُنِيبًا﴾؛ أيْ: راجِعًا رُجُوعًا عَظِيمًا؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ بِباطِنِهِ؛ مُخْلِصًا في ذَلِكَ؛ عالِمًا أنَّهُ لا يَكْفِيهِ أمْرَهُ غَيْرُهُ؛ ضَرُورَةً يَجِدُها في نَفْسِهِ؛ لِأنَّ الضُّرَّ أزالَ عَنْهُ الأهْوِيَةَ؛ والحُظُوظَ؛ مُعْرِضًا عَمّا كانَ يَزْعُمُ مِنَ الشُّرَكاءِ؛ مُعَرِّفًا لِسانُ حالِهِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ - سُبْحانَهُ - كَما هو الحَقُّ؛ فَتَطابَقَ في حالِ الضَّرّاءِ الحَقُّ؛ والِاعْتِقادُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الجَزَعِ؛ واليَأْسِ؛ إذا كانَ في (p-٤٦٣)ضُرٍّ اسْتَبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ أنْ يُكْشَفَ عَنْهُ؛ لِتَقَيُّدِهِ بِالجُزْئِيّاتِ؛ وقُصُورِهِ عَلى التَّعَلُّقِ بِالأسْبابِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ؛ مَعَ الإشارَةِ إلى الوَعْدِ بِتَحْقِيقِ الفَرَجِ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾؛ أيْ: بَعْدَ اسْتِبْعادِهِ جِدًّا؛ ولَمّا كانَ الرَّخاءُ مُحَقَّقًا؛ وهو أكْثَرُ مِنَ الشِّدَّةِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ التَّحَقُّقِ؛ فَقالَ - مُنَبِّهًا بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”خَوَّلَ“؛ عَلى أنَّ عَطاءَهُ ابْتِداءُ فَضْلٍ مِنهُ؛ لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأنَّ التَّخْوِيلَ لا يَكُونُ جَزاءً؛ بَلِ ابْتِداءٌ -: ﴿إذا خَوَّلَهُ﴾؛ أيْ: أعْطاهُ عَطاءً مُتَمَكِّنًا ابْتِداءً؛ وجَعَلَهُ حَسَنَ القِيامِ عَلَيْهِ؛ قادِرًا عَلى إجادَةِ تَعَهُّدِهِ؛ ﴿نِعْمَةً مِنهُ﴾؛ ومَكَّنَهُ فِيها؛ ﴿نَسِيَ﴾؛ أيْ: مَعَ دُعائِهِ؛ أنْ يَشْكُرَ عَلى الإحْسانِ؛ فَكانَتْ مُدَّةُ تَخْوِيلِهِ ظَرْفَ نِسْيانِهِ؛ فَعُلِمَ أنَّ صَلاحَهُ بِالضَّرّاءِ؛ ﴿ما﴾؛ أيْ: الأمْرَ الَّذِي؛ ﴿كانَ يَدْعُو﴾؛ رَبَّهُ؛ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ؛ ﴿إلَيْهِ﴾؛ إلى كَشْفِهِ؛ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ الَّذِي كانَ؛ وأعْلَمَ بِتَقارُبِ وقْتَيِ النِّسْيانِ؛ والإنابَةِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ حالِ التَّخْوِيلِ؛ ﴿وجَعَلَ﴾؛ زِيادَةً عَلى الكُفْرانِ بِنِسْيانِ الإحْسانِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ بِشَهادَةِ الفِطْرَةِ؛ والعَقْلِ؛ والسَّمْعِ؛ ﴿أنْدادًا﴾؛ أيْ: لِكَوْنِهِ يَتَأهَّلُهُمْ؛ فَيُنْزِلُهم بِذَلِكَ مَنزِلَةَ مَن يَكُونُ قادِرًا عَلى المُعارَضَةِ؛ والمُعانَدَةِ؛ فَقَدْ عُلِمَ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالنِّسْيانِ أنَّهُ عالِمٌ بِرَبِّهِ؛ ولِذَلِكَ دَعاهُ في كَشْفِ ضُرِّهِ؛ وأنَّهُ جَعَلَ عِلْمَهُ عِنْدَ الإحْسانِ إلَيْهِ جَهْلًا؛ فَكانَ كَمَن لا يَعْلَمُ؛ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ العُجْمِ. (p-٤٦٤)ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الضَّلالِ؛ لِكَوْنِهِ - مَعَ أنَّهُ خَطَأٌ - مُوجِبًا لِقَطْعِ الإحْسانِ؛ وعَدَمِ الإجابَةِ في كَشْفِ الضُّرِّ مَرَّةً أُخْرى؛ وكانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ وكانَ هَذا الضَّلالُ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ وكانَ العاقِلُ لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا لِعِلَّةٍ؛ عَظَّمَهُمْ؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ عَنْ أنْ يَكُونُوا ضَلُّوا هَذا الضَّلالَ الظّاهِرَ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلَيْهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى ذَلِكَ كُلِّهِ -: ﴿لِيُضِلَّ﴾؛ أيْ: بِنَفْسِهِ عِنْدَ فَتْحِ الياءِ؛ ويُضِلَّ غَيْرَهُ؛ عِنْدَ مَن ضَمَّها؛ ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى رِضْوانِهِ؛ المُوجِبِ لِلْفَوْزِ بِإحْسانِهِ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ المُحَقَّقِ المَقْطُوعِ بِهِ؛ المَرْكُوزِ في الفِطَرِ الأُولى؛ المُسْتَمِرِّ فِيما بَعْدَها؛ أنَّ المَلِكَ لا يَدَعُ مَن يَعْصِيهِ بِغَيْرِ عِقابٍ؛ وكانَ قَدْ ثَبَتَ بِقَضِيَّةِ الإجْماعِ؛ وقْتَ الِاضْطِرارِ؛ أنَّهُ لا يُلْتَفَتُ إلى أحَدٍ سِوى اللَّهِ؛ وكانَ مَنِ التَفَتَ - بَعْدَ أنْ أنْجاهُ اللَّهُ مِن ضَرَرِهِ؛ وأسْبَغَ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ - كافِرًا مِن غَيْرِ شَكٍّ؛ عِنْدَ ذِي عَقْلٍ؛ وكانَ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ في هَذِهِ الدّارِ هم أهْلُ النِّعَمِ الكِبارِ؛ والتَّمَتُّعِ الصّافِي عَنِ الأكْدارِ؛ كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا بُدَّ مِن عُقُوبَتِهِ في دارِ القَرارِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا (p-٤٦٥)لِأنَّ هَذا التَّمَتُّعَ إنَّما هو سَبَبُ هَذا الكُفْرانِ؛ اسْتِدْراجًا؛ مَعَ الإعْراضِ المُؤْذِنِ بِالغَضَبِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: يا أحَبَّ خَلْقِنا إلَيْنا؛ المُسْتَحِقَّ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ بِالخِطابِ؛ لِهَذا الَّذِي قَدْ حُكِمَ بِكُفْرِهِ؛ مُهَدِّدًا لَهُ بِما يَقُوتُهُ بِلَذِيذِ عَيْشِهِ في الدُّنْيا؛ مِنَ الفَيْضِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ؛ ويَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِنَ العَذابِ الأكْبَرِ؛ ﴿تَمَتَّعْ﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الدُّنْيا؛ الَّتِي هي وكُلُّ ما فِيها - مَعَ كَوْنِهِ زائِلًا - يَفِيضُ إلى اللَّهِ؛ فَهو مِن جُمْلَةِ المَقْتِ؛ إلّا لِمَن صَرَفَهُ في طاعَةِ اللَّهِ. ولَمّا ذَكَرَ تَمْتِيعَهُ بِالخَسِيسِ؛ ذَكَرَ سَبَبَهُ الخَسِيسَ؛ تَعْظِيمًا لِأُجُورِ المُؤْمِنِينَ؛ لِانْصِرافِهِمْ عَنِ الكُفْرِ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ مِن أسْبابِ التَّمْتِيعِ؛ وبَيانًا لِذَوِي الهِمَمِ العَوالِي مِن غَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿بِكُفْرِكَ﴾؛ ثُمَّ أشارَ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الدُّنْيا وما فِيها؛ في جَنْبِ الآخِرَةِ؛ فَقالَ: ﴿قَلِيلا﴾؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِما إذا غُمِسَ في عَذابِهِ أنْعَمُ أهْلِ الدُّنْيا غَمْسَةً واحِدَةً قالَ: ما رَأيْتُ نَعِيمًا قَطُّ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ بِالنّارِ؛ ودَفْعًا لِما اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمْ أنَّ تَنْعِيمَهم في الدُّنْيا إنَّما هو لِقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ؛ ومَحَبَّتِهِ لَهُمْ؛ وأنَّ ذَلِكَ يَتَّصِلُ بِنَعِيمِ الآخِرَةِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها -: ﴿إنَّكَ﴾ وهَذا الأمْرُ هُنا يُرادُ بِهِ الزَّجْرُ؛ تَقْدِيرُهُ: إنْ تَمَتَّعْتَ هَكَذا؛ كُنْتَ ﴿مِن أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَمْ يُخْلَقُوا إلّا لَها: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ (p-٤٦٦)لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ [الأعراف: ١٧٩]

الزمر 39:9

ولَمّا أرْشَدَتْ ”أمْ“؛ قَطْعًا؛ في قِراءَةِ مَن شَدَّدَ؛ إدْغامًا لِإحْدى المِيمَيْنِ في الأُخْرى؛ أنَّ التَّقْدِيرَ - شَرْحًا لِأحْوالِ المُؤْمِنِينَ؛ بَعْدَ أحْوالِ المُشْرِكِينَ -: أهَذا الَّذِي يَدْعُو اللَّهَ مَرَّةً؛ وغَيْرَهُ مِمَّنْ يَجْعَلُهُ لَهُ نِدًّا أُخْرى؛ أسَدُّ طَرِيقَةً؛ وأقْوَمُ قِيلًا؛ ﴿أمَّنْ هُوَ﴾؛ والتَّقْدِيرُ في قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ كَثِيرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالتَّخْفِيفِ: ”أمَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ خَيْرٌ؛ أمْ ذَلِكَ الكافِرُ النّاسِي لِمَن أحْسَنَ إلَيْهِ؟“؛ ويُرَجِّحُ التَّقْدِيرُ بِالِاسْتِفْهامِ؛ دُونَ النِّداءِ؛ إنْكارَ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ العالِمِ الَّذِي حَداهُ عِلْمُهُ عَلى القُنُوتِ؛ والَّذِي لا يَعْلَمُ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِعِلْمِهِ؛ ﴿قانِتٌ﴾؛ أيْ: مُخْلِصٌ في عِبادَتِهِ اللَّهَ (تَعالى) دائِمًا؛ ﴿آناءَ اللَّيْلِ﴾؛ أيْ: جَمِيعَ ساعاتِهِ. ولَمّا كانَ المَقامُ لِلْإخْلاصِ؛ وكانَ الإخْلاصُ أقْرَبَ مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ؛ لِأنَّهُ التَّجَرُّدُ عَنْ جَمِيعِ الأغْيارِ؛ وكانَ السُّجُودُ ألْيَقَ الأشْياءِ بِهَذا الحالِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أقْرَبَ مُقَرِّبٍ لِلْعَبْدِ مِن رَبِّهِ؛ لِأنَّهُ خاصٌّ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ: ﴿ساجِدًا﴾؛ أيْ: وراكِعًا؛ ودَلَّ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفَيْنِ بِالعَطْفِ؛ فَقالَ: ﴿وقائِمًا﴾؛ أيْ: وقاعِدًا؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ تَنْبِيهًا عَلى دَوامِ إخْلاصِهِ في حالِ سُجُودِهِ؛ وقِيامِهِ؛ والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ السُّجُودَ دَلِيلًا عَلى الرُّكُوعِ؛ والقِيامَ دَلِيلًا عَلى القُعُودِ؛ والسِّرُّ في ذِكْرِ ما ذَكَرَ؛ وتَرْكِ ما تَرَكَ؛ أنَّ (p-٤٦٧)السُّجُودَ يَدُلُّ عَلى العِبادَةِ؛ وقَرْنُ القِيامِ بِهِ دالٌّ عَلى أنَّهُ قِيامٌ مِنهُ؛ فَهو عِبادَةٌ؛ وذَلِكَ مَعَ الإيذانِ بِأنَّهُما أعْظَمُ الأرْكانِ؛ فَهو نَدْبٌ إلى تَطْوِيلِهِما عَلى الرُّكْنَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لِأنَّ القُعُودَ إنَّما هو لِلرِّفْقِ بِالِاسْتِراحَةِ؛ والرُّكُوعَ إنَّما أُرِيدَ بِهِ إخْلاصَ الأرْكانِ لِلْعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ عادَةً أنْ يَكُونَ لِغَيْرِها؛ وأمّا السُّجُودُ فَيَطْرُقُهُ احْتِمالُ السُّقُوطِ؛ والقِيامُ والقُعُودُ مِمّا جَرَتْ بِهِ العَوائِدُ؛ فَلَمّا ضَمَّ إلَيْهِما الرُّكُوعَ تَمَحَّضا لِلْخُضُوعِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ العَلِيمِ؛ العَزِيزِ؛ الرَّحِيمِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَحَلَّ الفُتُورِ؛ والغَفْلَةِ؛ والنِّسْيانِ؛ وكانَ ذَلِكَ في مَحَلِّ الغُفْرانِ؛ وكانَ لا يُمْكِنُ صَلاحُهُ إلّا بِالخَوْفِ مِنَ المَلِكِ الدَّيّانِ؛ قالَ - مُعَلِّلًا؛ أوْ مُسْتَأْنِفًا؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ يَقُولُ: ما لَهُ يُتْعِبُ نَفْسَهُ هَذا التَّعَبَ؛ ويَكِدُّها هَذا الكَدَّ؟ -: ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾؛ أيْ: عَذابَ اللَّهِ فِيها؛ فَهو دائِمُ التَّجَدُّدِ لِذَلِكَ كُلَّما غَفَلَ عَنْهُ؛ ولَمّا ذَكَرَ الخَوْفَ؛ أتْبَعَهُ قَرِينَهُ؛ الَّذِي لا يَصِحُّ بِدُونِهِ؛ فَقالَ: ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ يَنْقَلِبُ في إنْعامِهِ. ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ؛ والعَمَلِ؛ إنَّما هو العِلْمُ النّافِعُ؛ وكانَ العِلْمُ الَّذِي لا يَنْفَعُ كالجَهْلِ؛ أوِ الجَهْلُ خَيْرٌ؛ كانَ جَوابُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ: لا يَسْتَوِيانِ؛ لِأنَّ المُخْلِصَ عالِمٌ؛ والمُشْرِكَ جاهِلٌ؛ فَأمَرَهُ بِالجَوابِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لا يَسْتَوِيانِ؛ لِأنَّ الحامِلَ عَلى الإخْلاصِ العِلْمُ؛ وعَلى الإشْراكِ الجَهْلُ؛ وقِلَّةُ العَقْلِ؛ ثُمَّ أنْكِرْ عَلى مَن يَشُكُّ في ذَلِكَ؛ فَقُلْ (p-٤٦٨)لَهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي﴾؛ أيْ: في الرُّتْبَةِ؛ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: فَيَعْمَلُونَ عَلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ فَأدّاهم عِلْمُهم إلى التَّوْحِيدِ؛ والإخْلاصِ في الدِّينِ؛ ﴿والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ فَلَيْسَتْ أعْمالُهم عَلى مُقْتَضى العِلْمِ؛ إمّا لِجَهْلٍ؛ وإمّا لِإعْراضٍ عَنْ مُقْتَضى العِلْمِ؛ فَصارُوا لا عِلْمَ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا انْتِفاعَ لَهم بِهِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَأمَّلُوا أدْنى تَأمُّلٍ؛ مَعَ تَجْرِيدِ الأنْفُسِ مِنَ الهَوى؛ لَرَجَعُوا إلَيْهِ؛ مِن أنَّهُ لا يَرْضى أحَدٌ أصْلًا لِعَبْدِهِ أنْ يُخالِفَ أمْرَهُ؛ وإلى أنَّهُ لا يُطْلَقُ العِلْمُ إلّا عَلى العامِلِ أرْشَدَ قَوْلُ ابْنِ هِشامٍ في السِّيرَةِ؛ ”ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا“؛ أنْ يَقُولَ النّاسُ: عُلَماءُ؛ ولَيْسُوا بِأهْلِ عِلْمٍ؛ لَمْ يَحْمِلُوهم عَلى هُدًى؛ ولا حَقٍّ. ولَمّا كانَ مَدارُ السِّدادِ التَّذَكُّرَ؛ وكانَ مَدارُ التَّذَكُّرِ - الَّذِي بِهِ الصَّلاحُ؛ والفَسادُ - هو القَلْبَ؛ لِأنَّهُ مَرْكَزُ العَقْلِ؛ الَّذِي هو آلَةُ العِلْمِ؛ وكانَ القَلْبُ الَّذِي لا يَحْمِلُ عَلى الصَّلاحِ عَدَمًا؛ بَلِ العَدَمُ خَيْرٌ مِنهُ؛ قالَ: ﴿إنَّما يَتَذَكَّرُ﴾؛ أيْ: تَذَكُّرًا عَظِيمًا؛ بِما أفْهَمَهُ إظْهارُ التّاءِ؛ فَيُعْلَمُ أنَّ المُحْسِنَ لا يَرْضى بِالإحْسانِ إلى مَن يَأْكُلُ خَيْرَهُ ويَعْبُدُ غَيْرَهُ؛ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ؛ والقُلُوبِ النَّيِّرَةِ؛ وهُمُ المَوْصُوفُونَ آخِرَ ”آلِ عِمْرانَ“؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] إلى (p-٤٦٩)آخِرِها؛ وما أحْسَنَ التَّعْبِيرَ هُنا بِاللُّبِّ؛ الَّذِي هو خُلاصَةُ الشَّيْءِ! لِأنَّ السِّياقَ لِلْإخْلاصِ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ (تَعالى) الأشْياءَ مُسَخَّرَةً لِلْآدَمِيِّ؛ وخَلَقَ الآدَمِيَّ لِلْخِدْمَةِ؛ ووَضَعَ فِيهِ أنْوارَهُ؛ لِيُخْرِجَ الخِدْمَةَ لِلَّهِ (تَعالى) مِن باطِنِهِ بِالحاجَةِ؛ فالآدَمِيُّ مَندُوبٌ إلى العِلْمِ بِاللَّهِ (تَعالى)؛ وبِأوامِرِهِ؛ حَسَبَ ما خُلِقَ لَهُ؛ والخِدْمَةُ والقُنُوتُ بِقَلْبِكَ بَيْنَ يَدَيْهِ ماثِلًا؛ مُنْتَصِبًا؛ مُحِقًّا؛ مُبادِرًا؛ مُسارِعًا؛ سائِقًا مَرْكَبَكَ في جَمِيعِ أُمُورِكَ بِالحُبِّ لَهُ؛ وعِلْمُ الخِدْمَةِ عِلْمُ البِساطَيْنِ: بِساطِ القُدْرَةِ؛ وبِساطِ العُبُودَةِ؛ فَإذا طالَعْتَ بِساطَ القُدْرَةِ بِعَقْلٍ وافِرٍ؛ وهو أنْ تَعْرِفَ نَفْسَكَ؛ وتَرْكِيبَكَ؛ مِن رُوحانِيٍّ؛ وجُسْمانِيٍّ؛ وطالَعْتَ بِساطَ العُبُودَةِ بِكِياسَةٍ تامَّةٍ؛ أدْرَكْتَ تَدْبِيرَهُ في العُبُودَةِ؛ وباطِنَ أمْرِهِ؛ ونَهْيِهِ؛ وعِلَلَ التَّحْرِيمِ؛ والتَّحْلِيلِ؛ وبَسَطَ اللَّهُ بِساطَ الرُّبُوبِيَّةِ مِن بابِ القُدْرَةِ؛ وبَسَطَ بِساطَ العُبُودَةِ مِن بابِ العَظَمَةِ؛ ثُمَّ كانَ آخِرُ خَلْقِهِ - سُبْحانَهُ - هَذا الإنْسانَ؛ الَّذِي بَسَطَ لَهُ هَذَيْنِ البِساطَيْنِ؛ وجَمَعَ فِيهِ العالَمَيْنِ؛ وزادَ عَلى ما فِيهِما مِن قَبُولِ الأمْرِ اخْتِيارًا؛ وطَوْعًا؛ وكُلُّ شَيْءٍ أعْطاكَ إنَّما أعْطاكَ لِتُبْرِزَهُ إلى جَوارِحِكَ؛ وتَسْتَعْمِلَهُ فِيما خُلِقَ لَهُ؛ فَلَوْ لَمْ يُعْطِكَ لَمْ يَطْلُبْ مِنكَ؛ فَلا تُطْلَبُ الزَّكاةُ مِمَّنْ لا مالَ لَهُ؛ ولا الصَّلاةُ قِيامًا مِمَّنْ لا رِجْلَ لَهُ.

الزمر 39:10

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ القانِتَ خَيْرٌ؛ وكانَ المُخالِفُ لَهُ كَثِيرًا؛ وكانَ أعْظَمُ (p-٤٧٠)حامِلٍ لَهُ عَلى القُنُوتِ التَّقْوى؛ وكانَتْ كَثْرَةُ المُخالِفِ أعْظَمَ مُزَلْزِلٍ؛ وكانَ الإنْسانُ - لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ - أحْوَجَ شَيْءٍ إلى التَّثْبِيتِ؛ وكانَ التَّثْبِيتُ مِنَ المُجانِسِ؛ والتَّأْنِيسُ مِنَ المُشاكِلِ؛ أسْكَنَ لِلْقَلْبِ؛ وأشْرَحَ لِلصَّدْرِ؛ أمَرَ أكْمَلَ الخَلْقِ وأحْسَنَهم مُلاطَفَةً؛ بِتَثْبِيتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا كانَ الثَّباتُ لا يَرْسَخُ مَعَ كَثْرَةِ المُخالِفِ؛ وتَوالِي الزَّلازِلِ والمَتالِفِ؛ إلّا إذا كانَ عَنِ المَلِكِ؛ جَعَلَ ذَلِكَ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - لِيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ الخالِقُ؛ والأقْرَبُ إلَيْهِ مِنَ الخَلائِقِ؛ فَقالَ: ﴿يا عِبادِ﴾؛ دُونَ أنْ يَقُولَ: ”يا عِبادَ اللَّهِ“؛ مَثَلًا؛ تَذْكِيرًا لَهُمْ؛ تَسْكِينًا لِقُلُوبِهِمْ بِما عُلِمَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: ”قالَ اللَّهُ“؛ وتَشْرِيفًا لَهم بِالإضافَةِ إلَيْهِ بِالضَّمِيرِ الدّالِّ عَلى اللُّطْفِ؛ وشِدَّةِ الخُصُوصِيَّةِ؛ وإعْلامًا لَهم بِأنَّهُ حاضِرٌ لا يَغِيبُ عَنْهم بِوَجْهٍ؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى حالاتِها. ولَمّا كانَ الإحْسانُ رُبَّما جَرَّأ عَلى المُحْسِنِ؛ أشارَ - سُبْحانَهُ - إلى سَدادِ قَوْلِ العارِفِينَ: ”اجْلِسْ عَلى البِساطِ؛ وإيّاكَ والِانْبِساطَ“؛ ونَبَّهَ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ؛ إلى الوَصْفِ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّ العاقِلَ مَن (p-٤٧١)أوْجَبَ لَهُ الإحْسانَ؛ إجْلالًا وإكْبارًا؛ وأثْمَرَ لَهُ العَطْفُ والتَّقْرِيبُ ذُلًّا في نَفْسِهِ وصَغارًا؛ وخَوْفًا وانْكِسارًا؛ مِمّا أقَلُّهُ قَطْعُ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِ المُحْسِنِ إلَيْكم وِقايَةً؛ بِأنْ تَتَرَقَّوْا في دَرَجاتِ طاعَتِهِ؛ مُخْلِصِينَ لَهُ؛ كَما خَلَقَكم لَكُمْ؛ لا لِغَرَضٍ لَهُ؛ لِيَرْسَخَ إيمانُكُمْ؛ ويَقْوى إحْسانُكُمْ؛ وهَذا أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الإيمانَ يَكُونُ مَعَ عَدَمِ التَّقْوى. ولَمّا أرْشَدَهم بِالِاسْمِ النّاظِرِ إلى الإحْسانِ إلى أنْ يَقُولُوا: فَما لَنا إنْ فَعَلْنا؟ قالَ - مُجِيبًا؛ مُعَلِّلًا -: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا﴾؛ أيْ: لَكُمْ؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الدّالَّ عَلى سَبَبِ جَزائِهِمْ؛ تَشْوِيقًا إلى الِازْدِيادِ مِنهُ؛ ولَمّا كانَ العَمَلُ لا يَنْفَعُ إلّا في دارِ التَّكْلِيفِ؛ قالَ: ﴿فِي هَذِهِ﴾؛ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ زِيادَةً في التَّعْيِينِ؛ ﴿الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الدَّنِيَّةِ؛ الوَضِرَةِ؛ الَّتِي لا تَطْهُرُ الحَياةُ فِيها إلّا بِالتَّقْدِيسِ؛ بِعِبادَةِ الخالِقِ؛ والتَّخَلُّقِ بِأوْصافِهِ؛ ﴿حَسَنَةٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا؛ بِالنَّصْرِ؛ والمَعُونَةِ؛ مَعَ كَثْرَةِ المُخالِفِ؛ وفي الآخِرَةِ بِالثَّوابِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”أحْسَنُوا“؛ أوْقَعُوا الإحْسانَ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ في هَذِهِ الدُّنْيا؛ فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُبْتَدَأً؛ وخَبَرًا؛ لَكِنَّهُ يَصِيرُ خاصًّا بِثَوابِ الدُّنْيا؛ فالأوَّلُ حَسَنٌ. ولَمّا كانَ رُبَّما عَرَضَ لِلْإنْسانِ في أرْضٍ مَن يَمْنَعُهُ الإحْسانَ؛ ويَحْمِلُهُ عَلى العِصْيانِ؛ حَثَّ - سُبْحانَهُ - عَلى الهِجْرَةِ إلى حَيْثُ يَزُولُ عَنْهُ (p-٤٧٢)ذَلِكَ المانِعُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا لَيْسَ عُذْرًا في التَّقْصِيرِ؛ كَما قِيلَ: وإذا نَبا بِكَ مُنْزَلٌ فَتَحَوَّلِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ المُلْكُ كُلُّهُ؛ والعَظْمَةُ الشّامِلَةُ؛ ﴿واسِعَةٌ﴾؛ ووُجُودُهُ بِعِلْمِهِ؛ وقُدْرَتِهِ؛ في كُلِّ أرْضٍ؛ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ فالمُتَقَيِّدُ بِمَكانٍ مِنها ضَعِيفُ العَزْمِ؛ واهِنُ اليَقِينِ؛ فَلا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِ في الإحْسانِ بِعَدَمِ الهِجْرَةِ. ولَمّا كانَ الصَّبْرُ عَلى هِجْرَةِ الوَطَنِ؛ ولا سِيَّما إنْ كانَ ثَمَّ أهْلٌ وعَشِيرَةٌ؛ شَدِيدًا جِدًّا؛ ذَكَرَ ما لِلصّابِرِ عَلى ذَلِكَ؛ لِمَن تَشَوَّفَ إلى السُّؤالِ عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿إنَّما يُوَفّى﴾؛ أيْ: التَّوْفِيَةَ العَظِيمَةَ؛ ﴿الصّابِرُونَ﴾؛ أيْ: عَلى ما تَكْرَهُهُ النُّفُوسُ في مُخالَفَةِ الهَوى؛ واتِّباعِ أوامِرِ المَلِكِ الأعْلى؛ مِنَ الهِجْرَةِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهٍ مِنَ الكَثْرَةِ؛ لا يُمْكِنُ في العادَةِ حُسْبانُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ وكُلُّ عَمَلٍ يُمْكِنُ عَدُّهُ؛ وحَصْرُهُ؛ إلّا الصَّبْرَ؛ فَإنَّهُ دائِمٌ مَعَ الأنْفاسِ؛ وهو مَعْنًى مِنَ المَعانِي الباطِنَةِ؛ لا يَطَّلِعُ خَلْقٌ عَلى مِقْدارِهِ في قُوَّتِهِ؛ وضَعْفِهِ؛ وشِدَّتِهِ؛ ولِينِهِ؛ لِأنَّهُ مَعَ خَفائِهِ يَتَفاوَتُ مِقْدارُهُ؛ وتَتَعاظَمُ آثارُهُ؛ بِحَسَبِ الهِمَمِ في عُلُوِّها؛ وسُفُولِها؛ وسُمُوِّها؛ ونُزُولِها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ مَن كَمُلَ صَبْرُهُ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ لامُ الكَمالِ - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حِسابٌ؛ لِما رَواهُ البَزّارُ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ (p-٤٧٣)بِها لَمَمٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ادْعُ اللَّهَ لِي؛ قالَ: ”إنْ شِئْتِ دَعَوْتِ اللَّهَ فَشَفاكِ؛ وإنْ شِئْتِ صَبَرْتِ ولا حِسابَ عَلَيْكِ“؛ قالَتْ: بَلْ أصْبِرُ ولا حِسابَ عَلَيَّ».

الزمر 39:11

ولَمّا كانَتِ الأعْيُنُ ناظِرَةً إلى الأمْرِ؛ هَلْ يَفْعَلُ ما يَأْمُرُ بِهِ؛ ومُقَيَّدَةً بِالرَّئِيسِ لِتَأْتَسِيَ بِهِ؛ وكانَ أعْظَمُ الصّابِرِينَ مَن جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى خَلَّصَ أعْمالَها مِنَ الشَّوائِبِ؛ وحَماها مِنَ الحُظُوظِ والعَوائِقِ؛ وصانَها مِنَ الفُتُورِ والشَّواغِلِ؛ أمَرَهُ بِما يُرَغِّبُهم في المُجاهَدَةِ؛ ويَكْشِفُ لَهم عَنْ حَلاوَةِ الصَّبْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا كانَ الرَّئِيسُ لِقُرْبِهِ مِنَ المَلِكِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهُ يُسامِحُهُ في كَثِيرٍ مِمّا يُكَلَّفُ بِهِ غَيْرُهُ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أُمِرْتُ﴾؛ وبَنى الفِعْلَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ تَعْظِيمًا لِلْأمْرِ بِأنَّهُ قُطِعَ ومَضى؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَشُوبَةٌ؛ وأقامَ مَقامَ الفاعِلِ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ العُمْدَةُ؛ لِلْحَثِّ عَلى لُزُومِهِ؛ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي الخَلْقُ كُلُّهم سَواءٌ بِالنِّسْبَةِ إلى قَبْضَتِهِ؛ وعُلُوِّهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾؛ أيْ: العِبادَةَ الَّتِي يُرْجى مِنهُ الجَزاءُ عَلَيْها.

الزمر 39:12

ولَمّا كانَ الرَّئِيسُ إذا سابَقَ إلى شَيْءٍ شَوَّقَ النُّفُوسَ إلَيْهِ؛ وأوْجَبَ عَلَيْها العُكُوفَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿وأُمِرْتُ﴾ أيْ؛ وقَعَ الأمْرُ لِي؛ وانْبَرَمَ بِأوامِرَ عَظِيمَةٍ؛ وراءَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ لا تُطِيقُونَها؛ ﴿لأنْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ (p-٤٧٤)أنْ؛ ﴿أكُونَ﴾؛ في وقْتِي؛ وفي شَرْعِي؛ ﴿أوَّلَ﴾؛ أيْ: أعْظَمَ ﴿المُسْلِمِينَ﴾؛ أيْ: المُنْقادِينَ في الرُّتْبَةِ الحائِزِينَ قَصَبَ السَّبْقِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِأوامِرِ الإلَهِ؛ الَّذِي لا فَوْزَ إلّا بِامْتِثالِ أوامِرِهِ؛ أوْ أسْبَقَ الكائِنِينَ مِنهم في زَمانِي؛ فَجِهَةُ هَذا الفِعْلِ غَيْرُ جِهَةِ الأوَّلِ؛ فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ لِإحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ؛ والأوَّلُ لِمُطْلَقِ الإخْلاصِ في العِبادَةِ.

الزمر 39:13

ولَمّا كانَ ما أمَرَ بِهِ مُفْهِمًا لِأنْ يَكُونَ مَعَ تَرْغِيبٍ؛ ومَعَ تَرْهِيبٍ؛ وكانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الرَّئِيسَ لا يَرْهَبُ المَلِكَ؛ لِأُمُورٍ تُرْجى مِنهُ؛ أوْ تُخْشى؛ وكانَ تَكْرِيرُ الأمْرِ بِإبْلاغِ المَأْمُورِينَ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ؛ وأشَدَّ إقْبالًا بِنُفُوسِهِمْ؛ قالَ (تَعالى): ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِأُمَّتِكَ؛ وأكَّدَ - لِما في الأوْهامِ أنَّ الرَّئِيسَ لا يَخافُ - قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ﴾؛ أيْ: مَعَ تَأْمِينِهِ لِي بِغُفْرانِ ما تَقَدَّمَ؛ وما تَأخَّرَ؛ إخْلاصًا في إجْلالِهِ؛ وإعْظامِهِ؛ وفِعْلًا لِما عَلى العَبْدِ لِمَوْلاهُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكِبْرِياءِ؛ والعَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ وصْفُ الإحْسانِ رُبَّما جَرَّأ عَلى العِصْيانِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا لِعَدَمِ العِرْفانِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيَّ؛ المُرَبِّيَ لِي بِكُلِّ جَمِيلٍ؛ فَتَرَكْتُ الإخْلاصَ لَهُ؛ ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ وإذا كانَ اليَوْمُ عَظِيمًا؛ فَكَيْفَ يَكُونُ عَذابُهُ؟!

الزمر 39:14

ولَمّا بَيَّنَ ما أمَرَ بِهِ؛ وأعْلَمَ أنَّهُ يَخافُ مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ لَهُ بِذَلِكَ؛ فَأفْهَمَ أنَّهُ مُمْتَثِلٌ لِما أُمِرَ بِهِ؛ أمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنْ يُصَرِّحَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ لِلتَّصْرِيحِ (p-٤٧٥)مِنَ المَزِيَّةِ ما لا يَخْفى؛ فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ؛ ﴿أعْبُدُ﴾؛ تَخْصِيصًا لَهُ بِذَلِكَ؛ لا أنْحُو أصْلًا بِالعِبادَةِ نَحْوَ غَيْرِهِ أبَدًا؛ ﴿مُخْلِصًا لَهُ﴾؛ وحْدَهُ؛ ﴿دِينِي﴾؛ أيْ: امْتِثالًا لِما أُمِرْتُ بِهِ؛ فَلا أشِينُهُ بِشائِبَةٍ أصْلًا؛ لا طَلَبًا لِجَنَّةٍ؛ ولا خَوْفًا مِن نارٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ غَفَرَ لِي ما تَقَدَّمَ؛ وما تَأخَّرَ؛ فَصارَتْ عِبادَتِي لِأجْلِ وجْهِهِ؛ وكَوْنِهِ مُسْتَحِقًّا لِلْعِبادَةِ خاصَّةً؛ شَوْقًا إلَيْهِ؛ وحُبًّا لَهُ؛ وحَياءً مِنهُ؛ وأمّا الرَّغْبَةُ فِيما عِنْدَهُ - سُبْحانَهُ - والخَوْفُ مِن سَطْواتِهِ الَّتِي جِماعُها قَطْعُ الإحْسانِ؛ الَّذِي هو عِنْدَ الأغْبِياءِ أدْنى ما يُخافُ؛ فَإنَّما خَوْفِي لِأجْلِ إعْطاءِ المَقامِ حَقَّهُ مِن ذُلِّ العُبُودِيَّةِ؛ وعِزِّ الرُّبُوبِيَّةِ.

الزمر 39:15

ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا غايَةُ الِامْتِثالِ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ والرَّهْبَةِ؛ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ ﷺ أقْواهم قَلْبًا؛ وأصْفاهم لُبًّا؛ وأجْرَؤُهم نَفْسًا؛ وأصْدَقُهُمْ؛ وأشْجَعُهم عَشِيرَةً وحِزْبًا؛ كانَ خَوْفُ غَيْرِهِ مِن بابِ الأوْلى؛ فَسَبَّبَ عَنْهُ تَهْدِيدَهم أعْظَمَ تَهْدِيدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْبُدُوا﴾؛ أيْ: أنْتُمْ أيُّها الدّاعُونَ لَهُ في وقْتِ الضَّرّاءِ؛ المُعْرِضُونَ عَنْهُ في وقْتِ الرَّخاءِ؛ ﴿ما شِئْتُمْ﴾؛ أيْ: مِن جَمادٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ونَبَّهَ عَلى سُفُولِ رُتْبَةِ كُلِّ شَيْءٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - تَسْفِيهًا لِمَن يَلْتَفِتُ إلى سِواهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ فَإنَّ عِبادَةَ ما دُونَهُ تُؤَدِّي إلى قَطْعِ إحْسانِهِ؛ ولا إحْسانَ إلّا إحْسانُهُ؛ فَإذا انْقَطَعَ حَصَلَ كُلُّ سُوءٍ؛ وفي ذَلِكَ جَمِيعُ الخَسارَةِ. ولَمّا كانُوا يَدَّعُونَ الذَّكاءَ؛ ويَفْعَلُونَ ما لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ؛ أمَرَهُ أنْ يَقُولَ لَهم ما يُنَبِّهُهم عَلى غَباوَتِهِمْ؛ بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ مِن شَقاوَتِهِمْ؛ فَقالَ: (p-٤٧٦)﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ خَسارَتُهم هي الخَسارَةُ؛ لِكَوْنِها النِّهايَةَ في العَطَبِ؛ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِدُخُولِهِمُ النّارَ؛ الَّتِي هي مَعْدِنُ الهَلاكِ؛ لِعِبادَتِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ مِن كُلِّ ما يُوجِبُ الطُّغْيانَ؛ ولَمّا كانَ أعَزُّ ما عَلى الإنْسانِ بَعْدَ نَفْسِهِ أهْلَهُ؛ الَّذِينَ عِزُّهُ بِهِمْ؛ قالَ: ﴿وأهْلِيهِمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّهم إنْ كانُوا مِثْلَهُمْ؛ فَحالُهم في الخَسارَةِ كَحالِهِمْ؛ ولا يُمْكِنُ أحَدًا مِنهم أنْ يُواسِيَ صاحِبَهُ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّهُ لِكُلٍّ مِنهم شَأْنٌ يُغْنِيهِ؛ وإنْ كانُوا ناجِينَ فَلا اجْتِماعَ بَيْنَهم. ولَمّا كانَتِ العاقِبَةُ هي المَقْصُودَةَ بِالذّاتِ؛ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ هو الفَيْصَلُ؛ لا يُمْكِنُ لِما فاتَ فِيهِ تَدارُكٌ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ في ذَلِكَ غايَةُ الهَوْلِ؛ كَرَّرَ التَّعْرِيفَ بِغَباوَتِهِمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى رُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ الوَصْفِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّتِيجَةِ لِما أفْهَمَهُ ما قَبْلَهُ؛ فَقالَ - مُنادِيًا؛ لِأنَّهُ أهْوَلُ؛ مُبالِغًا بِالِاسْتِئْنافِ؛ وحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ وضَمِيرِ الفَصْلِ؛ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ؛ ووَصْفِهِ -: ﴿ألا ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ البَعِيدُ الرُّتْبَةِ في الخَسارَةِ جِدًّا؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الخُسْرانُ﴾؛ أتى بِصِيغَةِ ”الفُعْلانِ“؛ المُفْهِمِ مُطْلَقًا لِلْمُبالَغَةِ؛ فَكَيْفَ إذا بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ؛ الَّذِي هو أثْقَلُ الحَرَكاتِ؟! وزادَ في تَقْرِيعِهِمْ بِالغَباوَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿المُبِينُ﴾

الزمر 39:16

ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّهُ البَيِّنُ في نَفْسِهِ؛ المُنادِي - بِما فِيهِ مِنَ القَباحَةِ - بِأنَّهُ لا خُسْرانَ غَيْرُهُ؛ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ -: ﴿لَهُمْ﴾؛ فَإنَّ عادَةَ (p-٤٧٧)اللّامِ عِنْدَ مُصاحَبَةِ المَجْرُورِ - ولا سِيَّما الضَّمِيرَ - إفْهامُ المَحْبُوبِ لِلضَّمِيرِ؛ لا سِيَّما مَعَ ذِكْرِ الظُّلَلِ؛ وأشارَ إلى قُرْبِها مِنهُمْ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾؛ ولَمّا أوْهَمَهم ذَلِكَ الرّاحَةَ؛ أزالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النّارِ﴾؛ وذَلِكَ أنَكَأُ مِمّا لَوْ أفْهَمَهُمُ الشَّرَّ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ ولَمّا كانَ في القَرارِ - كائِنًا ما كانَ؛ عَلى أيِّ حالٍ كانَ - نَوْعٌ مِنَ الرّاحَةِ بِالسُّكُونِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مُعَلَّقُونَ في غَمَراتِ الِاضْطِرابِ؛ يُصْعِدُهُمُ اللَّهِيبُ تارَةً؛ ويُهْبِطُهُمُ انْعِكاسُهُ عَلَيْهِمْ بِرُجُوعِهِ إلَيْهِمْ أُخْرى؛ فَلا قَرارَ لَهم أصْلًا؛ كَما يَكُونُ الحَبُّ في الماءِ عَلى النّارِ؛ يَغْلِي بِهِ صاعِدًا وسافِلًا؛ لا يَقَرُّ في أسْفَلِ القِدْرِ أصْلًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن تَحْتِهِمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كَوْنُ الظُّلَّةِ - المَأْخُوذَةِ مِنَ الظِّلِّ - مِن تَحْتُ؛ في غايَةِ الغَرابَةِ؛ أعادَها؛ ولَمْ يَكْتَفِ بِالأُولى؛ ولَمْ يُعِدْ ذِكْرَ النّارِ؛ لِفَهْمِها في التَّحْتِ مِن بابِ الأوْلى؛ فَقالَ: ﴿ظُلَلٌ﴾؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما فَهِمْتُهُ؛ مِن عَدَمِ القَرارِ؛ ما رَواهُ البُخارِيُّ؛ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى صَلاةً أقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ؛ فَقالَ: ”مَن رَأى مِنكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيا“؛ فَسَألَنا يَوْمًا؛ قُلْنا: لا؛ قالَ: ”لَكِنِّي رَأيْتُ (p-٤٧٨)رَجُلَيْنِ أتَيانِي؛ فَأخَذا بِيَدِي؛ وأخْرَجانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ“؛ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ؛ حَتّى قالَ: ”فانْطَلَقْنا إلى نَقْبٍ مِثْلِ التَّنُّورِ؛ أعْلاهُ ضَيِّقٌ وأسْفَلُهُ واسِعٌ؛ تُوقَدَ تَحْتَهُ نارٌ؛ فَإذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ؛ عُراةٌ؛ فَيَأْتِيهِمُ اللَّهِيبُ مِن تَحْتِهِمْ؛ فَإذا اقْتَرَبَ ارْتَفَعُوا حَتّى كادُوا يَخْرُجُونَ؛ فَإذا خَمَدَتْ رَجَعُوا“؛» فَذَكَرَهُ؛ وهو طَوِيلٌ عَظِيمٌ؛ ثُمَّ فَسَرَّهم بِالزُّناةِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مَهُولًا؛ وهم لا يَرْهَبُونَهُ؛ ولا يَرْجِعُونَ عَنْ غَيِّهِمْ بِهِ؛ ذَكَرَ فائِدَتَهُ؛ مَعَ الزِّيادَةِ في تَعْظِيمِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ؛ ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي صِفاتُهُ الجَبَرُوتُ؛ والكِبْرُ؛ ﴿بِهِ عِبادَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم أقَلِّيَّةُ الإقْبالِ عَلَيْهِ؛ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ؛ فَيُعِيذُهم مِنهُ؛ ولَمّا أهَّلَهم لِلْإضافَةِ إلَيْهِ؛ وخَوَّفَهم سَطْواتِهِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ عِنْدَ تَهْيِئَتِهِمْ لِلِاسْتِماعِ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ تَخْوِيفُ اسْتِعْطافٍ؛ فَقالَ: ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾؛ أيْ: سَبِّبُوا عَنْ ذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُسْخِطُنِي وِقايَةً مِمّا يُرْضِينِي؛ لِأرْضى عَنْكم.

الزمر 39:17

ولَمّا ذَكَرَ ما لِمَن عَبَدَ الطّاغُوتَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ أضْدادَهُمْ؛ لِيَقْتَرِنَ الوَعْدُ بِالوَعِيدِ؛ فَيَحْصُلَ كَمالُ التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ؛ لِما لَها في الِانْسِياقِ إلَيْهِ مِنَ الهَوى؛ مَعَ تَزْيِينِ الشَّيْطانِ: «”حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ“؛» ولَمّا كانَ لِلْإجْمالِ؛ ثُمَّ البَيانِ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ؛ قالَ: ﴿الطّاغُوتَ﴾؛ وهو كُلُّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ؛ ”فَلْعُوتٌ“؛ مِن (p-٤٧٩)”الطُّغْيانُ“؛ وهو صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ وفِيهِ مُبالَغَةٌ أُخْرى؛ بِجَعْلِ الذّاتِ عَيْنَ المَعْنى؛ ودَلَّ عَلى عَكْسِ مَن تَبِعَها بِتَعْكِيسِ حُرُوفِها؛ ولَمّا ذَكَرَ اجْتِنابَها مُطْلَقًا؛ تَرْغِيبًا فِيهِ؛ بَيَّنَ خُلاصَةَ ما يُجْتَنَبُ لِأجْلِهِ؛ مَعَ التَّنْفِيرِ مِنها بِتَأْنِيثِها؛ الَّذِي أبْصَرَهُ المُنِيبُونَ بِتَقْوِيَةِ اللَّهِ لَهم عَلَيْها؛ حَتّى كانُوا ذُكْرانًا؛ وهم إناثًا؛ عَكْسَ ما تَقَدَّمَ لِلْكُفّارِ في ”البَقَرَةِ“؛ فَقالَ - مُبْدِلًا مِنها بَدَلَ اشْتِمالٍ -: ﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ ولَمّا ذَكَرَ اجْتِنابَ الشِّرْكِ؛ أتْبَعَهُ التِزامَ التَّوْحِيدِ؛ فَقالَ: ﴿وأنابُوا﴾؛ أيْ: رَجَعُوا رُجُوعًا عَظِيمًا؛ أزالُوا فِيهِ النَّوْبَةَ؛ وجَعَلُوها إقْبالَةً واحِدَةً؛ لا صَرْفَ فِيها؛ ﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ فَلا مَعْدِلَ عَنْهُ؛ ﴿لَهُمُ البُشْرى﴾؛ في الدُّنْيا؛ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ؛ وعِنْدَ المَوْتِ؛ تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ؛ فَقَدْ رَبِحُوا رِبْحًا لا خَسارَةَ مَعَهُ؛ لِأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِكَلامِ اللَّهِ؛ فَأخْلَصُوا دِينَهم لَهُ؛ فَبَشِّرْهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنْ عَمَلِهِمْ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى التَّكَلُّمِ بِالإفْرادِ؛ تَشْرِيفًا لِلْمُبَشَّرِينَ المَوْصُوفِينَ -: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أهَّلُوا أنْفُسَهم بِقَصْرِ هِمَمِهِمْ عَلَيَّ؛ لِلْإضافَةِ إلَيَّ؛

الزمر 39:18

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِ قُلُوبِهِمْ؛ ﴿القَوْلَ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسَ مِن كُلِّ قائِلٍ؛ لَيْسُوا جُفاةً عُساةً إذا أقْبَلُوا عَلى (p-٤٨٠)شَيْءٍ أعْرَضُوا عَنْ غَيْرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ؛ ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ عَزائِمِهِمْ؛ بَعْدَ انْتِقادِهِ؛ ﴿أحْسَنَهُ﴾؛ بِما دَلَّتْهم عَلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ مِن غَيْرِ عُدُولٍ إلى أدْنى هَوًى؛ ويَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ دُخُولًا بَيِّنًا حَثُّ أهْلِ الكِتابِ عَلى اتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ؛ فَإنَّ كُتُبَ اللَّهِ كُلَّها حَسَنَةٌ؛ وهَذا القُرْآنُ أحْسَنُها كَلامًا؛ ومَعانِيَ؛ ونِظامًا؛ لا يَشُكُّ في هَذا أحَدٌ لَهُ أدْنى ذَوْقٍ. ولَمّا بَيَّنَ عَمَلَهُمْ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ مَدْحَهُمْ؛ فَقالَ - مُظْهِرًا زِيادَةَ المَحَبَّةِ لَهُمْ؛ والِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ؛ بِالتَّأْكِيدِ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الهِمَّةِ والرُّتْبَةِ خاصَّةً؛ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ في هَؤُلاءِ المُجْتَبَيْنَ العالُو الرُّتْبَةِ جِدًّا وغَيْرُهُمْ؛ أبْرَزَ المَفْعُولَ؛ فَقالَ - مُحَوِّلًا الأُسْلُوبَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ هِدايَتِهِمْ -: ﴿هَداهُمُ اللَّهُ﴾؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنْ لا وُصُولَ إلَيْهِ إلّا بِهِ؛ وهَذا بِخِلافِ آيَةِ ”الأنْعامِ“؛ حَيْثُ ذَكَرَ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ: ”أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ“؛ فَحَذَفَ المَفْعُولَ؛ لِتَصِيرَ هِدايَتُهم مُكَرَّرَةً بِوُجُوبِ تَسْلِيطِ العامِلِ عَلى المَوْصُولِ الَّذِي أعادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرَ في هَذِهِ الآيَةِ؛ وكَرَّرَ الإشارَةَ؛ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وأُولَئِكَ هُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أُولُو الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ عَنْ شَوْبِ كَدَرٍ.

الزمر 39:19

ولَمّا خَصَّ - سُبْحانَهُ - البِشارَةَ بِالمُحْسِنِينَ؛ عُلِمَ أنَّ غَيْرَهم قَدْ حُكِمَ بِشَقاوَتِهِ؛ (p-٤٨١)وكانَ ﷺ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الرَّحْمَةِ؛ ومَزِيدِ الشَّفَقَةِ؛ جَدِيرًا بِالأسَفِ عَلى مَن أعْرَضَ؛ سَبَّبَ عَنْ أسَفِهِ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ﴾؛ وأسْقَطَ تاءَ التَّأْنِيثِ الدّالَّةِ عَلى اللِّينِ؛ تَأْكِيدًا لِلنَّهْيِ عَنِ الأسَفِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾؛ بِإبائِهِ؛ وتَوَلِّيهِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ مُنْغَمِسًا في النّارِ؛ الَّتِي أبْرَمْنا القَضاءَ بِأنَّها جَزاءُ الفُجّارِ؛ لا يُمْكِنُ إنْقاذُهُ مِنها؛ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ مِن إعْراضِهِ الَّذِي غَمَسَهُ في النّارِ؟ ثُمَّ دَلَّ عَلى هَذا الَّذِي قَدَّرْتُهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ؛ لِأجْلِ طُولِ الكَلامِ؛ ولِتَهْوِيلِ الأمْرِ؛ وتَفْخِيمِهِ؛ لِلنَّهْيِ عَنْ تَعْلِيقِ الهَمِّ بِهِمْ؛ لِما عِنْدَهُ ﷺ مِن جِبِلَّةِ العَطْفِ؛ والرِّقَّةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ -: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾؛ أيْ: تُخَلِّصُ؛ وتَمْنَعُ؛ وتُنْجِي؛ ووَضَعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ قَوْلَهُ - شَهادَةً عَلَيْهِ بِما هو مُسْتَحِقُّهُ؛ ولا يُمْكِنُ غَيْرَ اللَّهِ فَكُّهُ مِنهُ -: ﴿مَن في النّارِ﴾؛ مُتَمَكِّنًا فِيها؛ شَدِيدَ الِانْغِماسِ في طَبَقاتِها؛ والرُّسُوخِ؛ بِحَيْثُ إنَّها قَدْ أحاطَتْ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ؛ وكانَ الأصْلُ: أنْتَ تُنْقِذُ مَن حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ؟ فَقَدَّمَ المَفْعُولَ وجَعَلَهُ عُمْدَةَ الكَلامِ؛ لِيَقْرَعَ السَّمْعَ؛ ويُتَرَقَّبَ الخَبَرُ عَنْهُ؛ ثُمَّ حَذَفَ خَبَرَهُ لِيَكُونَ أهْوَلَ؛ فَتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ؛ ثُمَّ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ أعْلى الخَلْقِ يُنْقِذُهُ؛ فَغَيْرُهُ مِن بابِ الأوْلى؛ فَصارَ الكَلامُ بِذَلِكَ مِنَ الرَّوْنَقِ؛ والبَهْجَةِ؛ والهَوْلِ؛ والإرْهابِ؛ ما لا يَقْدِرُ البَشَرُ عَلى مِثْلِهِ.

الزمر 39:20

ولَمّا بَيَّنَ أنَّ مَن عَبَدَ الأنْدادَ هالِكٌ؛ لِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ العَقْلِ بِجُرْأةٍ؛ (p-٤٨٢)وعَدَمِ تَدْبِيرٍ؛ بَيَّنَ ما لِأضْدادِهِمْ؛ فَقالَ - صارِفًا القَوْلَ عَنْ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ إشارَةً إلى كَرَمِ المُتَّقِينَ؛ بِما لَهم مِن أصالَةِ الرَّأْيِ؛ الَّتِي أوْجَبَتْ خَوْفَهُمْ؛ مَعَ تَذَكُّرِ الإحْسانِ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ خَوْفَهم عِنْدَ تَذَكُّرِ الِانْتِقامِ أوْلى -: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ سُخْطِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ وِقايَةً؛ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسَكَنَةٍ؛ فَلَمْ يَفْعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ إلّا بِنَظَرٍ يَدُلُّهم عَلى رِضاهُ؛ ﴿لَهم غُرَفٌ﴾؛ أيْ: عَلالِيَ مِنَ الجَنَّةِ؛ يَسْكُنُونَها في نَظِيرِ ظُلَلِ الكُفّارِ؛ ولَمّا كانَتِ الغُرَفُ في قَرارٍ تَقَرُّ بِهِ العُيُونُ؛ لَمْ يَقُلْ ”مِن فَوْقِهِمْ“؛ كَما قالَ في أهْلِ النّارِ؛ وقالَ: ﴿مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾؛ أيْ: شَدِيدَةُ العُلُوِّ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّ الطَّبَقَةَ الثّانِيَةَ السَّماءُ؛ لِأنَّ الغُرْفَةَ أصْلُها العالِي؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السَّماءُ السّابِعَةُ ”غُرْفَةً“؛ وأنْ تَكُونَ الغُرْفَةُ مِثْلَ ظُلَلِ النّارِ؛ لَيْسَ لَها قَرارٌ؛ قالَ - تَحْقِيقًا لِلْحَقِيقَةِ؛ مُفْرِدًا؛ كَما هو المُطَّرِدُ في وصْفِ جَمْعِ الكَثْرَةِ لِما يَعْقِلُ -: ﴿مَبْنِيَّةٌ﴾؛ ولَمّا كانَتِ المَنازِلُ لا تَطِيبُ إلّا بِالماءِ؛ وكانَ الجارِي أشْرَفَ وأحْسَنَ؛ قالَ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾؛ أيْ: الغُرَفِ؛ مِنَ الطَّبَقَةِ السُّفْلى؛ والطَّبَقَةِ العُلْيا؛ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَ العُلُوِّ والسُّفْلِ؛ لِأنَّ القُدْرَةَ صالِحَةٌ لِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا ذَكَرَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ وما يَكُونُ فِيهِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ - رادًّا السِّياقَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا يُتَصَوَّرُ؛ مَعَ اسْتِحْضارِ ما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ إخْلافٌ -: ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾؛ مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ بِصِيغَةِ المَصْدَرِ (p-٤٨٣)الدّالِّ عَلى الفِعْلِ؛ النّاصِبِ لَهُ؛ وهو واجِبُ الإضْمارِ؛ والإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بَيانَ ما يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ وعْدَهُ؛ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ -: ﴿لا يُخْلِفُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ؛ ولَمّا كانَ الرَّعْيُ لِزَمانِ الوَعْدِ؛ ومَكانِهِ إنَّما يَكُونُ لِلْمُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ فَهو أبْلَغُ مِن رَعْيِهِ نَفْسَهُ؛ عَبَّرَ بِـ ”المِفْعالُ“؛ فَقالَ: ﴿المِيعادَ﴾؛ لِأنَّهُ لا سَبَبَ أصْلًا يَحْمِلُهُ عَلى الإخْلافِ.

الزمر 39:21

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ؛ دَلَّ عَلَيْها بِما يَتَكَرَّرُ مُشاهَدَتُهُ مِن مِثْلِها؛ وخَصَّ المُصْطَفى ﷺ بِالخِطابِ؛ حَثًّا عَلى تَأمُّلِ هَذا الدَّلِيلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ فَقالَ - مُقَدِّرًا -: ﴿ألَمْ تَرَ﴾؛ أيْ: مِمّا يَدُلُّكَ عَلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى إعادَةِ ما اضْمَحَلَّ؛ وتَمَزَّقَ؛ وأرْفَتَ؛ وتَفَرَّقَ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ كُلُّ صِفَةِ كَمالٍ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا يَسْتَمْسِكُ الماءُ فِيها إلّا بِقُدْرَةٍ باهِرَةٍ تَقْهَرُهُ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿ماءً﴾؛ كَما تُشاهِدُونَهُ في كُلِّ عامٍ؛ ﴿فَسَلَكَهُ﴾؛ أيْ: في خِلالِ التُّرابِ؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَنابِيعَ﴾؛ أيْ: عُيُونًا فائِرَةً؛ ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ فَقَهَرَهُ عَلى الصُّعُودِ بَعْدَ أنْ غَيَّبَهُ في أعْماقِها بِالفَيْضِ؛ والصَّوْبِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ قَسَرَهُ عَلى الِانْضِباطِ في العُلُوِّ؛ ثُمَّ أكْرَهَهُ عَلى النُّزُولِ عَلى مِقْدارٍ مَعْلُومٍ؛ وكَيْفِيَّةٍ مُدَبَّرَةٍ؛ وأمْرٍ مَقْسُومٍ؛ قالَ الشَّعْبِيُّ؛ والضَّحّاكُ: كُلُّ ماءٍ في (p-٤٨٤)الأرْضِ مِنَ السَّماءِ؛ يَنْزِلُ إلى الصَّخْرَةِ؛ ثُمَّ يُقَسَّمُ مِنها العُيُونُ والرَّكايا. ولَمّا كانَ إخْراجُ النَّباتِ مُتَراخِيًا عَنْ نُزُولِ المَطَرِ؛ عَبَّرَ بِـ ”ثُمَّ“؛ وفِيها أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى تَعْظِيمِ الأمْرِ فِيما تَلاها؛ بِأنَّهُ مَحِلُّ الشّاهِدِ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ﴾؛ أيْ: اللَّهُ؛ ﴿بِهِ﴾؛ أيْ: الماءِ؛ ﴿زَرْعًا﴾؛ ولَمّا كانَ اخْتِلافُ المُسَبَّبِ؛ مَعَ اتِّحادِ السَّبَبِ؛ أعْجَبَ في الصَّنْعَةِ؛ وأدَلَّ عَلى بَدِيعِ القُدْرَةِ؛ قالَ: ﴿مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾؛ أيْ: في الأصْنافِ؛ والكَيْفِيّاتِ؛ والطَّبائِعِ؛ والطُّعُومِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مَعَ اتِّحادِ الماءِ الَّذِي جَمَعَهُ مِن أعْماقِ الأرْضِ؛ بَعْدَ أنْ تَفَتَّتَ فِيها وصارَ تُرابًا. ولَمّا كانَ الإيقافُ بَعْدَ قُوَّةِ الإشْرافِ دالًّا عَلى القَهْرِ؛ ونُفُوذِ الأمْرِ؛ قالَ إشارَةً إلى أنَّ الخُرُوجَ عَنِ الحَدِّ غَيْرُ مَحْمُودٍ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَإنَّهُ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالنَّقْصِ؛ ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾؛ وزادَ في تَعْظِيمِ هَذا المَعْنى؛ لِلْحَثِّ عَلى تَدَبُّرِهِ؛ بِإسْنادِهِ إلى خَيْرِ الخَلْقِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَتَراهُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَيْجِهِ؛ وهو شِدَّةُ ثَوَرانِهِ؛ في نُمُوِّهِ؛ بَعْدَ التَّمامِ؛ بِتَوْقِيعِ الِانْصِرامِ؛ أنَّكَ تَراهُ ﴿مُصْفَرًّا﴾؛ آخِذًا في الجَفافِ بَعْدَ تِلْكَ الزَّهْرَةِ؛ والبَهْجَةِ؛ والنُّضْرَةِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإظْهارِ القُدْرَةِ التّامَّةِ؛ عَبَّرَ بِالجَعْلِ؛ مُسْنَدًا إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِخِلافِ آيَةِ ”الحَدِيدِ“؛ الَّتِي عَبَّرَ فِيها بِالكَوْنِ؛ لِأنَّ السِّياقَ ثَمَّ لِأنَّ الدُّنْيا عَدَمٌ؛ فَقالَ: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾؛ أيْ: مُكَسَّرًا؛ مُفَتَّتًا بالِيًا. ولَمّا تَمَّ هَذا المِنوالُ البَدِيعُ الدّالُّ بِلا شَكٍّ لِكُلِّ مَن رَآهُ؛ عَلى أنَّ فاعِلَهُ قادِرٌ عَلى الإعادَةِ لِما يُرِيدُ؛ بَعْدَ الإبادَةِ؛ كَما قَدَرَ عَلى الإيجادِ (p-٤٨٥)مِنَ العَدَمِ؛ والإفادَةِ لِكُلِّ ما لَمْ يَكُنْ؛ قالَ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ إنْكارَهم غايَةً في الحُمْقِ؛ والجُمُودِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: التَّدْبِيرِ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ ﴿لَذِكْرى﴾؛ أيْ: تَذْكِيرًا عَظِيمًا واضِحًا عَلى البَعْثِ؛ وما يَكُونُ بَعْدَهُ؛ فَإنَّ النَّباتَ كالإنْسانِ سَواءٌ؛ يَكُونُ ماءً؛ ثُمَّ يَنْعَقِدُ بَشَرًا؛ ثُمَّ يَخْرُجُ طِفْلًا؛ ثُمَّ يَكُونُ شابًّا؛ ثُمَّ يَكُونُ كَهْلًا؛ ثُمَّ شَيْخًا؛ ثُمَّ هَرِمًا؛ ثُمَّ تُرابًا مُفَتَّتًا في الأرْضِ؛ ثُمَّ يَجْمَعُهُ فَيُخْرِجُهُ كَما أخْرَجَ الماءُ النَّباتَ؛ ﴿لأُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الصّافِيَةِ جِدًّا؛ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِ الخِطابِ؛ في أوَّلِ هَذا البابِ؛ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ هَذا الكِتابُ؛ وأمّا غَيْرُهُ وغَيْرُ مَن تَبِعَهُ بِإحْسانٍ؛ فَهم كَبَهائِمِ الحَيَوانِ.

الزمر 39:22

ولَمّا كانَ الَّذِي قَرَّرَ بِهِ أمْرًا فِيما يَظُنُّهُ السّامِعُ ظاهِرًا؛ كَما كانَ جَدِيرًا بِأنْ يُنْكِرَ بَعْضُ الواقِفِينَ مَعَ الظَّواهِرِ تَخْصِيصَ الألِبّاءِ بِهِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارَ؛ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ الشّامِلُ؛ ﴿صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾؛ أيْ: لِلِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ؛ فَكانَ قَلْبُهُ لَيِّنًا؛ فانْقادَ لِلْإيمانِ؛ فاهْتَدى لِباطِنِ هَذا الدَّلِيلِ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ إسْلامِ ظاهِرِهِ وباطِنِهِ لِلدّاعِي؛ أنْ كانَ ﴿عَلى نُورٍ﴾؛ أيْ: بَيانٍ عَظِيمٍ بِكِتابٍ؛ بِهِ يَأْخُذُ؛ وبِهِ يُعْطِي؛ وإلَيْهِ في كُلِّ أمْرٍ يَنْتَهِي؛ قَدِ اسْتَعْلى عَلَيْهِ؛ فَهو كَأنَّهُ راكِبُهُ؛ يَصْرِفُهُ حَيْثُ يَشاءُ؛ وزادَ في بَيانِ عَظِيمِ هِدايَتِهِ بِلَفْتِ (p-٤٨٦)القَوْلِ إلى مَظْهَرِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَبِّهِ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِ إحْسانَهُ في انْقِيادِهِ؛ فَبُشْرى لَهُ؛ فَهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ؛ كَمَن جُعِلَ صَدْرُهُ ضَيِّقًا حَرَجًا؛ فَكانَ قَلْبُهُ قاسِيًا؛ فَكانَ في الظَّلامِ خابِطًا؛ فَوَيْلٌ لَهُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنْ قِيلَ: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾؛ أيْ: لِضِيقِ صُدُورِهِمْ؛ وزادَ في بَيانِ ما بَلاهم بِهِ مِن عَظِيمِ القَسْوَةِ؛ بِلَفْتِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ والصِّفاتِ العُلا؛ فَقالَ: ﴿مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ فَإنَّ مَن تَبْتَدِئُ قَسْوَتُهُ مِمّا تَطْمَئِنُّ بِهِ القُلُوبُ؛ وتَلِينُ لَهُ الجُلُودُ؛ مِن مَدْحِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ فَهو أقْسى مِنَ الجُلْمُودِ. ولَمّا كانَ مَن وُسِمَ بِهَذا الخِزْيِ أخْسَرَ النّاسِ صَفْقَةً؛ أنْتَجَ وصْفُهُ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: الأباعِدُ الأباغِضُ؛ ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ أيْ: واضِحٍ في نَفْسِهِ؛ مُوَضَّحٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الشَّرْحَ والنُّورَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وثانِيًا الوَيْلَ لِلْقاسِي؛ والضَّلالَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ رَوى البَيْهَقِيُّ؛ في الشُّعَبِ؛ والبَغَوِيُّ؛ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ؛ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ؛ مِن وجْهٍ آخَرَ؛ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ؛ قالَ: فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ انْشِراحُ صُدُورِهِمْ؟ قالَ: ”إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ (p-٤٨٧)انْشَرَحَ؛ وانْفَسَحَ“؛ قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَما عَلامَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: ”الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ؛ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ؛ والتَّأهُّبِ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ“؛» وقالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: والنُّورُ الَّذِي مِن قِبَلِهِ - سُبْحانَهُ - نُورُ اللَّوائِحِ؛ بِنُجُومِ العِلْمِ؛ ثُمَّ نُورُ اللَّوامِعِ؛ بِبَيانِ الفَهْمِ؛ ثُمَّ نُورُ المُحاضَرَةِ؛ بِزَوائِدِ اليَقِينِ؛ ثُمَّ نُورُ المُكاشَفَةِ؛ بِتَجَلِّي الصِّفاتِ؛ ثُمَّ نُورُ المُشاهَدَةِ بِظُهُورِ الذّاتِ؛ ثُمَّ أنْوارُ الصَّمَدِيَّةِ؛ بِحَقائِقِ التَّوْحِيدِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ لا وجْدَ؛ ولا قَصْدَ؛ ولا قُرْبَ؛ ولا بُعْدَ؛ كَلّا؛ بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ؛ وذَلِكَ كَما قِيلَ: المُؤْمِنُ بِقُوَّةِ عَقْلِهِ يُوجِبُ اسْتِقْلالَهُ بِعِلْمِهِ؛ إلى أنْ يَبْدُوَ؛ ومِنهُ كَمالُ تَمَكُّنِهِ مِن وقادَةِ بَصِيرَتِهِ؛ ثُمَّ إذا بَدا لَهُ لائِحَةٌ مِن سُلْطانِ المَعارِفِ تَصِيرُ تِلْكَ الأنْوارُ مُقْمِرَةً؛ فَإذا بَدَتْ أنْوارُ التَّوْحِيدِ اسْتَهْلَكَتْ تِلْكَ الجُمْلَةَ؛ فَلَمّا اسْتَبانَ الصُّبْحُ أدْرَجَ ضَوْؤُهُ بِأنْوارِهِ أنْوارَ تِلْكَ الكَواكِبِ.

الزمر 39:23

ولَمّا كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَقْسُوَ قَلْبٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ؛ بَيَّنَهُ اللَّهُ؛ وصَوَّرَهُ في أعْظَمِ الذِّكْرِ؛ فَإنَّهُ كانَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءً؛ ولِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرًا؛ وفي أبْصارِهِمْ عَمًى؛ فَقالَ - مُفَخِّمًا لِلْمُنْزِلِ؛ بِجَعْلِ الِاسْمِ الأعْظَمِ مُبْتَدَأً؛ وبِناءِ الكَلامِ عَلَيْهِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الفَعّالُ (p-٤٨٨)لِما يُرِيدُ؛ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ؛ والإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿نَـزَّلَ﴾؛ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ؛ لِلتَّدْرِيبِ؛ ولِلْجَوابِ عَنْ كُلِّ شُبْهَةٍ؛ ﴿أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾؛ وأعْظَمَ الذِّكْرِ؛ ولَوْلا أنَّهُ هو الَّذِي نَزَّلَهُ لَما كانَ الأحْسَنَ؛ ولَقُدِرَ - ولَوْ يَوْمًا واحِدًا - عَلى الإتْيانِ بِشَيْءٍ مِن مِثْلِهِ؛ وأبْدَلَ مِن ”أحْسَنَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿كِتابًا﴾؛ أيْ: جامِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ ﴿مُتَشابِهًا﴾؛ أيْ: في البَلاغَةِ المُعْجِزَةِ؛ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ؛ لا تَفاوُتَ فِيهِ أصْلًا في لَفْظٍ ولا مَعْنًى؛ مَعَ كَوْنِهِ نُزِّلَ مُفَرَّقًا في نَيِّفٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ وأمّا كَلامُ النّاسِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ وإنْ طالَ الزَّمانُ في التَّهْذِيبِ؛ سَواءٌ اتَّحَدَ زَمانُهُ أوْ لا؛ والِاخْتِلافُ في المُخْتَلِفِ في الزَّمانِ أكْثَرُ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”مُشْتَبِهًا“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ كُلُّهُ غَيْرُ واضِحِ الدَّلالَةِ؛ وذَلِكَ لا يُمْدَحُ بِهِ. ولَمّا كانَ مُفَصَّلًا إلى سُوَرٍ؛ وآياتٍ؛ وجُمَلٍ؛ وصَفَهُ بِالجَمْعِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿مَثانِيَ﴾؛ جَمْعُ ”مَثْنًى“؛ ”مَفْعَلٌ“؛ مِنَ التَّثْنِيَةِ؛ بِمَعْنى التَّكْرِيرِ؛ أيْ تُثَنّى فِيهِ القِصَصُ؛ والمَواعِظُ؛ والأحْكامُ؛ والحِكَمُ؛ مُخْتَلِفَةَ البَيانِ في وُجُوهٍ مِنَ الحِكَمِ؛ مُتَفاوِتَةِ الطُّرُقِ في وُضُوحِ الدَّلالاتِ؛ مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ أصْلًا في أصْلِ المَعْنى؛ ولا يُمَلُّ مِن تَكْرارِهِ؛ وتَرْدادِ قِراءَتِهِ؛ وتَأمُّلِهِ؛ واعْتِبارِهِ؛ مَعَ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِ أزْواجٌ مِنَ الشَّيْءِ وضِدِّهِ؛ المُؤْمِنُ؛ والكافِرُ؛ والمُطِيعُ؛ والعاصِي؛ والرَّحْمَةُ العامَّةُ؛ والرَّحْمَةُ الخاصَّةُ؛ والجَنَّةُ؛ والنّارُ؛ والنَّعِيمُ؛ (p-٤٨٩)والشَّقاءُ؛ والضَّلالُ؛ والهُدى؛ والسَّرّاءُ؛ والضَّرّاءُ؛ والبِشارَةُ؛ والنِّذارَةُ؛ فَلا تَرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ جَزاءٌ؛ صَرِيحًا؛ إلّا ثُنِّيَ بِإفْهامِ ما لِضِدِّهِ؛ تَلْوِيحًا؛ فَكانَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ ومُرَغَّبًا فِيهِ؛ أوْ مُرَهَّبًا مِنهُ كَرَّتَيْنِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ”مُتَشابِهَةً مَثانِيهِ“؛ فَيَكُونَ نَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ؛ وفائِدَةُ التَّكْرِيرِ أنَّ النُّفُوسَ أنْفَرُ شَيْءٍ عَنْ حَدِيثِ الوَعْظِ والنَّصِيحَةِ؛ فَما لَمْ يُكَرَّرْ عَلَيْها عَوْدًا عَلى بَدْءٍ؛ لَمْ يَرْسَخْ عِنْدَها؛ ولَمْ يَعْمَلْ عَمَلَهُ؛ ومِن ثَمَّ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَرِّرُ قَوْلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَأكْثَرَ. ولَمّا كانَ التَّكْرارُ يُمَلُّ؛ ذَكَرَ أنَّ مِن خَصائِصِ هَذا الكِتابِ أنَّهُ يُطْرِبُ مَعَ التَّكْرارِ؛ ويَزْدادُ حَلاوَةً ولَوْ ثُنِّيَ آناءَ اللَّيْلِ وأطْرافَ النَّهارِ؛ فَقالَ: ﴿تَقْشَعِرُّ﴾؛ أيْ: تَهْتَزُّ؛ وتَتَجَمَّعُ؛ وتَتَقَبَّضُ تَقَبُّضًا شَدِيدًا؛ مِن ”القَشْعُ“؛ وهو الأدِيمُ اليابِسُ؛ وزِيدَ حَرْفًا لِزِيادَةِ المَعْنى؛ واخْتِيرَ حَرْفُ التَّكْرِيرِ إشارَةً إلى المُبالَغَةِ فِيهِ؛ وكَوْنُهُ حَرْفَ التَّطْوِيرِ أشَدُّ لِلْمُناسَبَةِ؛ ﴿مِنهُ جُلُودُ﴾؛ أيْ: ظَواهِرَ أجْسامِ؛ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ﴾؛ أيْ: يَخافُونَ خَوْفًا شَدِيدًا؛ ويَلْتَذُّونَ لَذَّةً تُوجِبُ إجْلالًا وهَيْبَةً؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبَ ذَلِكَ؛ وزادَ في مَدْحِهِمْ بِأنَّهم يَخافُونَ المُحْسِنَ؛ فَهم عِنْدَ ذِكْرِ أوْصافِ الجَلالِ أشَدُّ خَوْفًا؛ فَلِذَلِكَ لَفَتَ القَوْلَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: (p-٤٩٠)﴿رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: المُرَبِّيَ لَهُمْ؛ والمُحْسِنَ إلَيْهِمْ؛ لِاهْتِزازِ قُلُوبِهِمْ؛ رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنِ العَبّاسِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إذا اقْشَعَرَّ جِلْدُ العَبْدِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَحاتَّتْ خَطاياهُ“؛» ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِن أهْلِ العِراقِ ساقِطٍ؛ قالَ: فَما بالُ هَذا؟ قالَ: إنَّهُ إذا قُرِئَ عَلَيْهِ القُرْآنُ وسَمِعَ ذِكْرَ اللَّهِ سَقَطَ؛ قالَ ابْنُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنّا لَنَخْشى اللَّهَ وما نَسْقُطُ؛ وإنَّ الشَّيْطانَ لِيَدْخُلُ في جَوْفِ أحَدِهِمْ؛ ما كانَ هَذا صَنِيعَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾؛ أيْ: تَمْتَدُّ؛ وتَنْعَمُ؛ وقَدَّمَ ما صَرَّحَ فِيهِ بِالِاقْشِعْرارِ الَّذِي يَلْزَمُهُ اليُبْسُ؛ وأخَّرَ القُلُوبَ؛ إبْعادًا لَها عَمّا قَدْ يُفْهِمُ يُبْسًا؛ فَيُوهِمُ قَسْوَةً؛ فَقالَ: ﴿جُلُودُهُمْ﴾؛ لِتَراجُعِهِمْ بَعْدَ بُرْهَةٍ إلى الرَّجاءِ؛ وإنِ اشْتَدَّتْ صَلابَتُها؛ ﴿وقُلُوبُهُمْ﴾؛ وذِكْرُهُ لِتَجَدُّدِ لِينِ القُلُوبِ مَعَ الجُلُودِ دالٌّ عَلى تَقْدِيرِ اقْشِعْرارِها مَعَها مِن شِدَّةِ الخَشْيَةِ؛ فَإنَّ الخَشْيَةَ لا تَكُونُ إلّا في القَلْبِ؛ وكانَ سِرُّ حَذْفِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ تَنْزِيهَها عَنْ ذِكْرِ ما قَدْ يُفْهِمُ القَسْوَةَ. ولَمّا كانَ القَلْبُ شَدِيدَ الِاضْطِرابِ؛ والتَّقَلُّبِ؛ دَلَّ عَلى حِفْظِهِ لَهُ بِنافِذِ أمْرِهِ؛ وباهِرِ عَظَمَتِهِ؛ بِالتَّعْدِيَةِ بِـ ”إلى“؛ لِيَكُونَ المَعْنى: ساكِنَةً مُطْمَئِنَّةً؛ (p-٤٩١)﴿إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَإنَّ الأصْلَ في ذِكْرِهِ الرَّجاءُ؛ لِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِـ ”أحْسَنَ الحَدِيثِ“؛ لِئَلّا يُوهِمَ أنَّ الضَّمِيرَ لِلرَّبِّ؛ فَيَكُونَ شُبْهَةً لِأهْلِ الِاتِّحادِ؛ أوْ غَيْرِهِمْ مِن أرْبابِ البِدَعِ؛ ولَمْ يَقُلْ: ”إلى الحَدِيثِ“؛ أوْ: ”الكِتابِ“؛ مَثَلًا؛ بَلْ عَدَلَ إلى ما عُرِفَ أنَّهُ ذِكْرُهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِيَكُونَ أفْخَمَ لِشَأْنِهِ؛ وزادَهُ فَخامَةً بِصَرْفِ القَوْلِ عَنِ الوَصْفِ المُقْتَضِي لِلْإحْسانِ إلى الِاسْمِ الجامِعِ لِلْجَلالِ والإكْرامِ. ولَمّا كانَ ما ذَكَرَ مِنَ الآثارِ عَجَبًا؛ دَلَّ عَلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ -: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العَظِيمُ الغَرِيبُ مِنَ الحَدِيثِ المُنْزَلِ؛ والقَبْضِ؛ والبَسْطِ؛ ﴿هُدى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ ﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾؛ ومَن هَداهُ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ؛ ويُضِلُّ بِهِ مَن يَشاءُ؛ فَلا تَتَأثَّرُ جُلُودُهم لِقَساوَةِ قُلُوبِهِمْ؛ فَيَكُونُ هُدًى لِناسٍ؛ ضَلالًا لِآخَرِينَ؛ ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ إضْلالًا راسِخًا في قَلْبِهِ؛ بِما أشْعَرَ بِهِ الفَكُّ؛ لِيَخْرُجَ الضَّلالُ العارِضُ؛ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾؛ لِأنَّهُ لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ لِأنَّهُ الواحِدُ في مُلْكِهِ؛ فَلا شَرِيكَ لَهُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا إطْلاقَ أمْرِهِ في الهِدايَةِ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ في الضَّلالِ؛ وثانِيًا انْسِدادَ بابِ الهِدايَةِ عَلى مَن أضَلَّهُ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ فِيمَن هَداهُ؛ وهي دامِغَةٌ لِلْقَدَرِيَّةِ. (p-٤٩٢)

الزمر 39:24

ولَمّا أتَمَّ الإنْكارَ عَلى مَن سَوّى؛ بَيَّنَ مَن شَرَحَ صَدْرَهُ؛ ومَن ضَيَّقَ؛ وما تَبِعَهُ؛ وخَتَمَ بِأنَّ الأوَّلَ مُهْتَدٍ؛ والثّانِيَ ضالٌّ؛ شَرَعَ في بَيانِ ما لِكُلٍّ مِنهُما؛ نَشْرًا مُشَوَّشًا في أُسْلُوبِ الإنْكارِ أيْضًا؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّ الضَّلالَ سَبَبُ العَذابِ؛ والهُدى سَبَبُ النَّعِيمِ؛ وحَذَفَ هُنا المُنَعَّمَ الَّذِي سَبَّبَ لَهُ النَّعِيمُ لِينَ قَلْبِهِ؛ كَما حَذَفَ القاسِيَ القَلْبِ في آيَةِ الشَّرْحِ؛ الَّذِي سَبَّبَتْ لَهُ قَسْوَتُهُ العَذابَ؛ لِتَتَقابَلَ الآيَتانِ؛ وتَتَعادَلَ العِبارَتانِ -: ﴿أفَمَن﴾؛ وأفْرَدَ عَلى لَفْظِ ”مَن“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الوُجُوهَ الأكابِرُ؛ فَقالَ: ﴿يَتَّقِي﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّ يَدَهُ الَّتِي جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهُ يَتَّقِي بِها المَخاوِفَ مَغْلُولَةٌ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِوَجْهِهِ﴾؛ الَّذِي كانَ يَقِيهِ المَخاوِفَ؛ ويَحْمِيهِ مِنها؛ بِجَعْلِهِ - وهو أشْرَفُ أعْضائِهِ - وِقايَةً يَقِي بِهِ غَيْرَهُ مِن بَدَنِهِ؛ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾؛ أيْ: شِدَّتَهُ ومَكْرُوهَهُ؛ لِأنَّهُ تابَعَ نَفْسَهُ عَلى هَواها؛ حَتّى قَسا قَلْبُهُ؛ وفَسَدَ لُبُّهُ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ لِأنَّهُ يُرْمى بِهِ في النّارِ مَنكُوسًا؛ وهو مُكَبَّلٌ؛ لا شَيْءَ لَهُ مِن أعْضائِهِ مُطْلَقٌ يَرُدُّ بِهِ عَنْ وجْهِهِ؛ في عُنُقِهِ صَخْرَةٌ مِنَ الكِبْرِيتِ مِثْلُ الجَبَلِ العَظِيمِ؛ ويُسْحَبُ في النّارِ عَلى وجْهِهِ؛ كَمَن أمِنَ العَذابَ؟ فَهو يَتَلَقّى النَّعِيمَ بِقَلْبِهِ؛ وقالَبِهِ. ولَمّا كانَ مُطْلَقُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ مُنْكِئًا؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ﴾؛ لَهُ - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِهِ؛ وجَمَعَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَثْرَتَهم لَمْ تُغْنِ عَنْهم شَيْئًا؛ (p-٤٩٣)فَقالَ: ﴿لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ تَرَكُوا طَرِيقَ الهُدى؛ واتَّبَعُوا الهَوى؛ فَضَّلُوا؛ وأضَلُّوا؛ ﴿ذُوقُوا ما﴾؛ أيْ: جَزاءَ ما؛ ﴿كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾؛ أيْ: تَعُدُّونَهُ فائِدَةً؛ وثَمَرَةً لِأعْمالِكُمْ؛ وتَصَرُّفاتِكُمْ؛ وقِيلَ لِأهْلِ النَّعِيمِ: طِيبُوا نَفْسًا؛ وقَرُّوا عَيْنًا؛ جَزاءً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الِاسْتِفْهامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ مُتَعَلِّقِهِ ثانِيًا؛ وما يُقالُ لِلظّالِمِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى ما يُقالُ لِلْعَدْلِ أوَّلًا.

الزمر 39:25

ولَمّا ذَكَرَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الآخِرَةِ؛ وكانُوا في مُدَّةِ كُفْرِهِمْ كالحَيَواناتِ العُجْمِ؛ لا يَنْظُرُونَ إلّا الجُزْئِيّاتِ الحاضِرَةِ؛ خَوَّفَهم بِما يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا؛ فَقالَ - عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ في جَوابِ مَن يَقُولُ: فَهَلْ يُعَذَّبُونَ في الدُّنْيا؟ -: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾؛ وأشارَ إلى قُرْبِ زَمانِ المُعَذَّبِينَ مِن زَمانِهِمْ؛ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ سَبَإٍ؛ وقَوْمِ تُبَّعٍ؛ وأنْظارِهِمْ؛ ﴿فَأتاهُمُ العَذابُ﴾؛ وكانَ أمْرُهم عَلَيْنا يَسِيرًا؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لَمْ يُغْنِهِمْ حَذَرُهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ؛ ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾؛ أنَّهُ يَأْتِي مِنها عَذابٌ؛ جَعَلَ إتْيانَهُ مِن مَأْمَنِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أوْجَعَ لِلْمُعَذَّبِ؛ وأدَلَّ عَلى القُدْرَةِ بِأنَّهُ سَواءٌ عِنْدَهُ (تَعالى) الإتْيانُ بِالعَذابِ مِن جِهَةٍ يُتَوَقَّعُ مِنها؛ ومِن جِهَةٍ لا يُتَوَقَّعُ أنْ يَأْتِيَ مِنها شَرٌّ ما؛ فَضْلًا عَمّا أُخِذُوا بِهِ؛ بَلْ لا يُتَوَقَّعُ مِنها إلّا الخَيْرُ.

الزمر 39:26

(p-٤٩٤)ولَمّا بَيَّنَ سَفَهَهُمْ؛ وشِدَّةَ حُمْقِهِمْ بِاسْتِعْجالِهِمْ بِالعَذابِ؛ اسْتِهْزاءً؛ سَبَّبَ عَنْهُ تَبْكِيتَ مَن لَمْ يَتَّعِظْ بِحالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿فَأذاقَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ﴿الخِزْيَ﴾؛ أيْ: الذُّلَّ النّاشِئَ عَنِ الفَضِيحَةِ؛ والعَذابِ الكَبِيرِ؛ بِما أرادُوهُ مِن إخْزاءِ الرُّسُلِ بِتَكْذِيبِهِمْ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ أيْ: العاجِلَةِ الدَّنِيَّةِ. ولَمّا كانَ انْتِظارُ الفَرَجِ مِمّا يُسَلِّي؛ قالَ - مُعْلِمًا أنَّ عَذابَهم دائِمٌ؛ عَلى سَبِيلِ التَّرَقِّي إلى ما هو أشَدُّ؛ وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ -: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي انْتَقَلُوا إلَيْهِ بِالمَوْتِ؛ ويَصِيرُونَ إلَيْهِ بِالبَعْثِ؛ ﴿أكْبَرُ﴾؛ مِنَ العَذابِ الَّذِي أهْلَكَهم في الدُّنْيا؛ وأشَدُّهم إخْزاءً؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الخِزْيَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى إرادَتِهِ ثانِيًا؛ والأكْبَرَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى الكَبِيرِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ تَغْلِيظُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ بِالجَمْعِ بَيْنَ الخِزْيِ؛ والعَذابِ؛ بِما فَعَلُوا بِرُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِخِلافِ ما يَأْتِي في ”فُصِّلَتْ“؛ فَإنَّ سِياقَهُ لِلطَّعْنِ في الوَحْدانِيَّةِ؛ وهي لِكَثْرَةِ أدِلَّتِها؛ وبُعْدِها عَنِ الشُّكُوكِ؛ وعِظَمِ المُتَّصِفِ بِها؛ وعَدَمِ تَأْثِيرِهِ بِشَيْءٍ؛ يَكْفِي في نَكالِ الكافِرِ بِهِ مُطْلَقُ العَذابِ. ولَمّا كانَ مَن عَلِمَ أنَّ فِعْلَهُ يُورِثُ نَكالًا؛ كَفَّ عَنْهُ؛ ولا يَكُفُّونَ؛ ولا يَتَّعِظُونَ؛ قالَ: ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَوْ كانَ لَهم عِلْمٌ ما؛ لَعَلِمُوا أنَّهُ أكْبَرُ؛ فاتَّعَظُوا؛ وآمَنُوا؛ ولَكِنَّهُ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا؛ بَلْ هم كالأنْعامِ؛ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأنَّ الجُزْئِيّاتِ لا تَنْفَعُهم كَما تَنْفَعُ سائِرَ الحَيَواناتِ؛ فَإنَّ الشّاةَ تَرى الذِّئْبَ فَتَنْفِرُ مِنهُ؛ إدْراكًا لِأنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ عَداوَةً؛ بِما خَلَقَ (p-٤٩٥)اللَّهُ في طَبْعِهِ مِن أكْلِ أمْثالِها؛ وهَؤُلاءِ يَرَوْنَ ما حَلَّ بِأمْثالِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ لِتَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ فَلا يَفِرُّونَ مِنهُ إلى التَّصْدِيقِ.

الزمر 39:27

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - حالَ الأوَّلِينَ مَوْعِظَةً لِلْعَرَبِ؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ - صَرْفًا لِلْقَوْلِ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَذْكِيرًا بِما في الأناةِ مِنَ المِنَّةِ؛ لِأنَّ حالَها يَقْتَضِي المُعاجَلَةَ بِالأخْذِ؛ والمُبادَرَةِ بِإحْلالِ السَّطْوَةِ -: ضَرَبْنا لَكم حالَهم مَثَلًا لِحالِكُمْ؛ لِتَعْتَبِرُوا بِهِ؛ فَإنَّ الأمْثالَ يُفْهَمُ بِها المَعانِي الغائِبَةُ؛ وتَصِيرُ كَأنَّها مَحْسُوسَةٌ مُشاهَدَةٌ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ في القُرْآنِ بَيانٌ شافٍ؛ وادِّعائِهِمْ أنَّهُ إنَّما هو شِعْرٌ؛ وكَهانَةٌ؛ وسِحْرٌ -: ﴿ولَقَدْ ضَرَبْنا﴾؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ المُفاضَلَةِ بَيْنَ المُتَّقِي؛ وغَيْرِهِ؛ مِن أوائِلِ السُّورَةِ؛ حِينَ قالَ: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ﴾ [الزمر: ٩] إلى أنْ خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ﴾ [الزمر: ٢٤] وأسَّسَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ؛ كانَتِ العِنايَةُ في هَذا السِّياقِ بِالمُخاطِبِينَ أكْثَرَ؛ فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: عامَّةً؛ لِأنَّ رِسالَةَ رَسُولِكم عامَّةٌ. ولَمّا كانَ المُتَعَنِّتُ كَثِيرًا؛ عَيَّنَ المُحَدَّثَ عَنْهُ بِالإشارَةِ؛ الَّتِي هي أعْرَفُ المَعارِفِ؛ وجَعَلَها ما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ القُرْبِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمّا أتى بِهِ الرَّسُولُ ﷺ خَلَعَ القُلُوبَ؛ ومَلَأها؛ فَلا حاضِرَ فِيها سِواهُ؛ وإنْ كانَ المُعانِدُ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فَقَوْلُهُ زُورٌ؛ وبُهْتانٌ؛ وإثْمٌ؛ وعُدْوانٌ؛ فَقالَ: ﴿فِي هَذا القُرْآنِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِكُلِّ عِلْمٍ؛ ولَمّا كانَتْ كَلِماتُهُ - سُبْحانَهُ - لا تَنْفَدُ؛ وعَجائِبُهُ لا تُعَدُّ ولا تُحَدُّ؛ وكانَ في (p-٤٩٦)سِياقِ التَّعْجِيبِ مِن تَوَقُّفِهِمْ؛ قالَ: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾؛ أيْ: يَكْفِي ضَرْبُهُ في البَيانِ؛ لِإقامَةِ الحُجَّةِ البالِغَةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ الضَّرْبِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بَعْدَ ضَرْبِهِ حالَ مَن يُرْجى تَذَكُّرُهُ بِما ضُرِبَ لَهُ ما يَعْرِفُهُ في الكَوْنِ؛ في نَفْسِهِ؛ أوْ في الآفاقِ؛ تَذَكُّرًا واضِحًا مَكْشُوفًا - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ الإظْهارُ - فَيَتَّعِظَ؛ لِما في تِلْكَ الأمْثالِ المَسُوقَةِ في أحْسَنِ المَقالِ؛ المَنسُوقَةِ بِما يُلائِمُها مِنَ الأوْضاعِ؛ والأشْكالِ مِنَ البَيانِ؛ وأوْضَحِ البُرْهانِ.

الزمر 39:28

ولَمّا كانَ ذَلِكَ غايَةً في الشَّرَفِ؛ دَلَّ عَلى زِيادَةِ شَرَفِهِ بِحالٍ مُؤَكِّدَةٍ؛ دالَّةٍ عَلى شِدَّةِ عِنادِهِمْ؛ تُسَمّى ”مُوَطِّئَةً“؛ لِأنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ ما بَعْدَها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُرْآنًا﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المَضْرُوبِ جامِعًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ؛ ﴿عَرَبِيًّا﴾؛ جارِيًا عَلى قَوانِينِ لِسانِهِمْ في جَمْعِهِ؛ بِاتِّساعِهِ؛ ووُضُوحِهِ؛ واحْتِمالِ اللَّفْظِ الواحِدِ مِنهُ لِمَعانٍ كَثِيرَةٍ؛ فَكَيْفَ إذا انْضَمَّ إلى غَيْرِهِ فَصارَ كَلامًا؟! ولَمّا كانَ الشَّيْءُ قَدْ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا بِالفِعْلِ؛ وهو مُعْوَجٌّ بِالقُوَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾؛ أيْ: لَيْسَ بِمَنسُوبٍ إلى شَيْءٍ مِنَ العِوَجِ؛ ولا مِن (p-٤٩٧)شَأْنِهِ العِوَجُ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُعْوَجًّا أصْلًا في شَيْءٍ مِن نَظْمِهِ؛ ولا مَعْناهُ؛ بِاخْتِلافٍ ولا غَيْرِهِ؛ كَما في آيَةِ ”الكَهْفِ“ سَواءً؛ وفي الإتْيانِ بِـ ”عِوَجٍ“؛ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِالمَعانِي؛ بَيانُ أنَّ الوَصْفَ لَهُ حَقِيقَةً؛ فَهو أبْلَغُ مِن ”غَيْرَ مُعْوَجٍّ“؛ لِأنَّهُ يَحْتَمِلُ إرادَةَ أهْلِهِ؛ عَلى المَجازِ. ولَمّا كانَ التَّذَكُّرُ بِالتَّذْكِيرِ - لِكَوْنِهِ أبْلَغَ لِلْوَعْظِ - حامِلًا؛ ولا بُدَّ؛ لِلْعاقِلِ عَلى الخَوْفِ المُسَبِّبِ لِلنَّجاةِ؛ قالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بَعْدَ التَّذَكُّرِ النّاشِئِ عَنِ التَّذْكِيرِ؛ حالَ مَن يُرْجى لَهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ وِقايَةً.

الزمر 39:29

ولَمّا أقامَ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ المُنِيرَ عَلى التَّفاوُتِ العَظِيمِ بَيْنَ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ؛ ساجِدًا وقائِمًا؛ يَدْعُو اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ؛ وبَيْنَ مَن يَدْعُو لِلَّهِ أنْدادًا؛ وخَتَمَ بِضَرْبِ الأمْثالِ؛ وكانَ الأمْثالُ أبْيَنَ فِيما يُرادُ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ - مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِها؛ بِلَفْتِ القَوْلِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ المُتَفَرِّدُ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ لِهَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَشُكُّ ذُو عَقْلٍ أنَّ المُشْرِكَ لا يُدانِي المُخْلِصَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ: إنَّ المُشْرِكَ أعْظَمُ؛ كَما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ؛ ولَمّا كانَ الذَّكَرُ أقْوى مِنَ الأُنْثى؛ وأعْرَفَ بِمَواقِعِ النَّفْعِ؛ والضُّرِّ؛ وكانَ كَوْنُهُ بالِغًا أعْظَمَ لِقُوَّتِهِ؛ وأشَدَّ لِشَكِيمَتِهِ؛ فَيَكُونُ أنْفى لِلْعارِ عَنْ نَفْسِهِ؛ وأدْفَعَ لِلظُّلْمِ عَنْ جانِبِهِ؛ وأذَبَّ عَنْ حِماهُ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِلْمَثَلِ؛ مُشِيرًا إلى تَبْكِيتِ الكُفّارِ؛ ورِضاهم لِأنْفُسِهِمْ بِما لا يَرْضاهُ لِنَفْسِهِ (p-٤٩٨)أدْنى الأرِقّاءِ -: ﴿رَجُلا فِيهِ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ولَمّا كانَتْ مَعْبُوداتُهم - لِكَوْنِها مِن جُمْلَةِ المَخْلُوقاتِ - كَثِيرَةَ الأشْباهِ والنَّظائِرِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِجَمْعِ الكَثْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿شُرَكاءُ﴾؛ في الظّاهِرِ مِنَ الأصْنامِ؛ وفي الباطِنِ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ؛ ووَصَفَ الشُّرَكاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَشاكِسُونَ﴾؛ أيْ: مُخْتَلِفُونَ؛ عَسِرُونَ؛ يَتَجاذَبُونَ؛ مَعَ سُوءِ الأخْلاقِ؛ وضِيقِها؛ وقَباحَةِ الشَّرِكَةِ؛ فَلَيْسَ أحَدٌ مِنهم يَرْضى بِالإنْصافِ؛ فَهو لا يَقْدِرُ أنْ يُرْضِيَهم أصْلًا؛ ﴿ورَجُلا سَلَمًا﴾ أيْ: مِن نِزاعٍ؛ ﴿لِرَجُلٍ﴾؛ فَلَيْسَ فِيهِ لِغَيْرِهِ شَرِكَةٌ؛ ولا عَلاقَةٌ أصْلًا؛ فَهو أجْدَرُ بِأنْ يَقْدِرَ عَلى رِضاهُ؛ مَعَ راحَتِهِ مِن تَجاذُبِ الشُّرَكاءِ - هَذا عَلى قِراءَةِ المَكِّيِّ؛ والبَصْرِيِّ؛ وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِحَذْفِ الألِفِ؛ وفَتْحِ اللّامِ؛ وهو وصْفٌ بِالمَصْدَرِ؛ عَلى المُبالَغَةِ. ولَمّا انْكَشَفَ الحالُ فِيها جِدًّا؛ قالَ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾؛ أيْ: الرَّجُلانِ؛ يَكُونُ أحَدُهُما مُساوِيًا لِلْآخَرِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ولَوْ بِغايَةِ الجُهْدِ والعِنايَةِ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِواءُ مُبْهَمًا قالَ: ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ المَثَلِ؛ أيْ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُهُما؛ أيْ يَجْمَعُهُما مَثَلٌ واحِدٌ؛ حَتّى إنْ يَكُونا هُما مُتَساوِيَيْنِ؛ فَهو تَمْيِيزٌ مُحَوَّلٌ في الأصْلِ عَنِ الفاعِلِ؛ والجَوابُ في هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ قَطْعًا: لا سَواءَ؛ بَلْ مَثَلُ الرَّجُلِ السّالِمِ في غايَةِ الحُسْنِ؛ فَكَذا مَمْثُولُهُ؛ وهو القانِتُ المُخْلِصُ؛ ومَثَلُ الرَّجُلِ الَّذِي وقَعَ فِيهِ التَّشاكُسُ في غايَةِ القُبْحِ؛ فَكَذا مَمْثُولُهُ؛ وهو الدّاعِي لِلْأنْدادِ. (p-٤٩٩)ولَمّا عُلِمَ بِهَذا المَثَلِ المَضْرُوبِ لِلرَّجُلَيْنِ سُفُولُ المُشْتَرِكِ؛ وهو الدّاعِي لِلْأنْدادِ؛ وعُلُوُّ السّالِمِ؛ وهو القانِتُ؛ ظَهَرَ بِذَلِكَ؛ بِلا رَيْبٍ؛ حَقارَةُ المُتَشارِكِينَ؛ وجَلالَةُ المُتَفَرِّدِ؛ وهو اللَّهُ؛ فَأنْتَجَ قَطْعًا قَوْلَهُ: ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلُّ أحَدٍ؛ لِما لَهُ مِنَ الظُّهُورِ؛ لِما عَلَيْهِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ فَلا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهُمْ﴾؛ أيْ: النّاسِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ لِأنَّهم يَعْمَلُونَ بِما لا يَلِيقُ بِهَذا العِلْمِ؛ فَيُشْرِكُونَ بِهِ؛ إمّا جَلِيًّا؛ وإمّا خَفِيًّا؛ ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ فَلَيْسَ المُلْتَفِتُونَ إلى غَيْرِهِ أدْنى التِفاتٍ عُلَماءَ؛ بَلْ لا عِلْمَ لَهم أصْلًا؛ وهُمُ المُشْرِكُونَ شِرْكًا جَلِيًّا؛ وأمّا أصْحابُ الشِّرْكِ الخَفِيِّ فَهم - وإنْ كانَ لَهم عِلْمٌ - فَلَيْسَ بِكامِلٍ.

الزمر 39:30

ولَمّا كانَ السّالِمُ مَثَلًا لَهُ ﷺ ولِأتْباعِهِ؛ والآخَرُ لِلْمُخالِفِينَ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أثْبَتَ جَهْلَهُمْ؛ وكانَ الجاهِلُ ذا حَمِيَّةٍ؛ وإباءٍ لِما يُدْعى إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ؛ وعَصَبِيَّةٍ: والجاهِلُونَ لِأهْلِ العِلْمِ أعْداءُ فَكانَ لِذَلِكَ التَّفْكِيرِ في أمْرِهِمْ؛ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ التَّقاعُدِ مِنَ الأتْباعِ؛ والتَّصْوِيبِ بِالأذى؛ ولا سِيَّما وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ مُؤَدِّيًا (p-٥٠٠)إلى الأسَفِ؛ وشَدِيدِ القَلَقِ؛ فَكانَ مَوْضِعَ أنْ يُقالَ: فَما يَعْمَلُ؟ وكانَ لا يَنْبَغِي في الحَقِيقَةِ أنْ يُقْلِقَ إلّا مَن ظَنَّ دَوامَ النَّكَدِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسَلِّيًا؛ ومُعَزِّيًا؛ ومُوَسِّيًا؛ في سِياقِ التَّأْكِيدِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن قَلَقَ كانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِإنْكارِ انْقِطاعِ التَّأْكِيدِ -: ﴿إنَّكَ﴾؛ فَخَصَّهُ ﷺ؛ لِأنَّ الخِطابَ إذا كانَ لِلرَّأْسِ كانَ أصْدَعَ لِأتْباعِهِ؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ كانَ لِلْأتْباعِ وخُصَّ فِيهِ ﷺ بِالخِطابِ دُونَهُمْ؛ فَهُمُ المُخاطَبُونَ في الحَقِيقَةِ؛ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ. ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِمُمْكِنٍ مِن نَفْسِهِ إلّا العَدَمُ؛ قالَ: ﴿مَيِّتٌ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ لِأنَّ هَذِهِ صِفَةٌ لازِمَةٌ؛ بِخِلافِ ”مائِتٌ“؛ يَعْنِي: فَكُنْ كالمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الغاسِلِ؛ فَإنَّكَ مُسْتَرِيحٌ قَرِيبًا عَمّا تُقاسِي مِن أنْكادِهِمْ؛ وراجِعٌ إلى رَبِّكَ لِيُجازِيَكَ عَلى طاعَتِكَ لَهُ؛ ﴿وإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: العِبادَ كُلَّهُمْ؛ أتْباعَكَ وغَيْرَهُمْ؛ ﴿مَيِّتُونَ﴾؛ فَمُنْقَطِعٌ ما هم فِيهِ مِنَ اللَّدَدِ؛ والعَيْشِ والرَّغَدِ.

الزمر 39:31

ولَمّا كانَ الشِّفاءُ الكامِلُ إنَّما يَكُونُ بِأخْذِ الثَّأْرِ؛ وإذْلالِ الظّالِمِ؛ قالَ - مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى مُدَّةِ البَرْزَخِ؛ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ فَضْلًا عَنِ القَصاصِ؛ صادِعًا لَهم بِالخِطابِ بَعْدَ الغَيْبَةِ -: ﴿ثُمَّ إنَّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها العِبادُ؛ كُلَّكُمْ؛ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ مَسْؤُولٌ عَنْ نَفْسِهِ؛ وعَنْ غَيْرِهِ؛ (p-٥٠١)هَلْ راعى حَقَّ اللَّهِ فِيهِ؛ أوْ أنْتَ وهُمْ؛ مِن بابِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِ - وإنْ كانَ واحِدًا؛ لِعَظْمَتِهِ - عَلى الغائِبِينَ؛ وزادَ في إثْباتِ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ فَساقَهُ مَساقَ ما لا خِلافَ فِيهِ؛ وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ الحالَ مُخالِفٌ لِهَذا الحالِ؛ لِانْقِطاعِ الأسْبابِ؛ بِقَوْلِهِ - صارِفًا القَوْلَ إلى وصْفِ التَّرْبِيَةِ؛ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ الفَضْلُ عَلى الطّائِعِ؛ والعَدْلُ في العاصِي -: ﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: المُرَبِّي لَكم بِالخَلْقِ؛ والرِّزْقِ؛ فَلا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ أنْ يَدَعَكم يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ كَما هو مُشاهَدٌ مِن غَيْرِ حِسابٍ؛ كَما أنَّ أقَلَّكم عَقْلًا لا يَرْضى بِذَلِكَ في عَبِيدِهِ الَّذِينَ مَلَّكَهُ اللَّهُ إيّاهم مِلْكًا ضَعِيفًا؛ أوْ ولّاهُ عَلَيْهِمْ وِلايَةً مُزَلْزَلَةً؛ فَكَيْفَ بِمَن فَوْقَهُ؟! فَكَيْفَ بِالحُكَماءِ؟! ﴿تَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: تُبالِغُونَ في الخُصُومَةِ؛ لِيَأْخُذَ بِيَدِ المَظْلُومِ؛ ويَنْتَقِمَ لَهُ مِنَ الظّالِمِ؛ ويُجازِيَ كُلًّا بِما عَمِلَ؛ أمّا في الشَّرِّ فَسُوءًا بِسُوءٍ؛ لا يُظْلَمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛ ولا ما دُونَهُ؛ وأمّا في الخَيْرِ فالحَسَنَةُ بِعَشَرَةِ أمْثالِها؛ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ مِمّا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؛ فَلا يَنْبَغِي أبَدًا لِمَظْلُومٍ أنْ يَتَوَهَّمَ دَوامَ نَكَدِهِ؛ وعَدَمَ الأخْذِ بِيَدِهِ؛ فَيَقْتَصِرَ في العَمَلِ؛ ويَجْنَحَ إلى شَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ؛ والوَجَلِ؛ بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَفْرَحَ بِما يُجْزِلُ ثَوابَهُ؛ ويُسَرَّ بِما يُيَسِّرُ حِسابَهُ؛ ويَشْتَغِلَ بِما يُخَلِّصُ بِهِ نَفْسَهُ في يَوْمِ التَّلاقِ؛ الَّذِي النّاسُ فِيهِ فَرِيقانِ؛ ولا يَشْتَغِلَ بِما لا يَكُونُ (p-٥٠٢)مِن تَصْفِيَةِ دارِ الكَدَرِ عَنِ الأكْدارِ؛ وقَرارَةِ الدَّنَسِ عَنِ الأقْذاءِ والأقْذارِ؛ فَإنَّ الدَّوامَ فِيها مُحالٌ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: نَعاهُ ﷺ؛ ونَعى المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ؛ فَفَرَغُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ مَأْتَمِهِمْ؛ ولا تَعْزِيَةَ في العادَةِ بَعْدَ ثَلاثٍ؛ ومَن لَمْ يَتَفَرَّغْ عَنْ مَأْتَمِ نَفْسِهِ؛ وأنْواعِ غُمُومِهِ وهُمُومِهِ؛ فَلَيْسَ لَهُ مِن هَذا الحَدِيثِ شِمَّةٌ؛ وإذا فَرَغَ قَلْبٌ عَنْ حَدِيثِ نَفْسِهِ؛ وعَنِ الكَوْنِ بِجُمْلَتِهِ؛ فَحِينَئِذٍ يَجِدُ الخَيْرَ مِن رَبِّهِ؛ ولَيْسَ هَذا الحَدِيثُ إلّا بَعْدَ فَنائِهِمْ عَنْهُمْ؛ وأنْشَدَ بَعْضُهم - يَعْنِي في لِسانِ الحالِ بِما قَدَّمْنا -: ؎كَتَبْتُ إلَيْكم بَعْدَ مَوْتِي بِلَيْلَةٍ ∗∗∗ ولَمْ أدْرِ أنِّي بَعْدَ مَوْتِي أكْتُبُ انْتَهى؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهم إذا أماتُوا نُفُوسَهم حَيِيَتْ أرْواحُهُمْ؛ فانْفَسَحَتْ صُدُورُهُمْ؛ وانْتَعَشَتْ قُوى قُلُوبِهِمْ؛ فاتَّسَعَتْ عُلُومُهُمْ؛ واسْتَنارَتْ فُهُومُهُمْ؛ وتَجَلَّتْ لَهم حَقائِقُ الأُمُورِ؛ فَحَدَّثُوا عَنْ مُشاهَدَةٍ: «”النّاسُ نِيامٌ؛ فَإذا ماتُوا انْتَبَهُوا“».

الزمر 39:32

ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا؛ وأعْلَمَ بِأنَّهم كَذَبَةٌ في ذَلِكَ؛ كافِرُونَ؛ ساتِرُونَ لِلْحَقِّ؛ وأنَّهُ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ؛ وأخْبَرَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن خِصامِ الدّاعِي لَهم بَيْنَ يَدَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ (p-٥٠٣)فِي الحِكْمَةِ تَرَكُهم هَمَلًا؛ كَما هو مُقَرَّرٌ في العُقُولِ؛ ومَوْجُودٌ في الفِطَرِ الأُولى؛ ومَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ مِن أحْوالِهِمْ؛ فَيُنْعِمُ عَلى المَظْلُومِ؛ ويَنْتَقِمُ مِنَ الظّالِمِ؛ وكانَ الكاذِبُ في أقَلِّ الأشْياءِ ظالِمًا؛ وأظْلَمُ مِنهُ الكاذِبُ عَلى الأكابِرِ؛ وأظْلَمُ الظّالِمِينَ الكاذِبُ عَلى اللَّهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَمّا مَضى -: ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ - ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿مِمَّنْ كَذَبَ﴾؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ؛ فَكَفَرَ بِسَتْرِ الصِّدْقِ الثّابِتِ؛ وإظْهارِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ. ولَمّا كانَ الكَذِبُ عَظِيمَ القَباحَةِ في نَفْسِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ كَما مَضى عَلى الأكابِرِ؟! فَكَيْفَ إذا كانُوا مُلُوكًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؟! لَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي الكِبْرِياءُ رِداؤُهُ؛ والعَظْمَةُ إزارُهُ؛ فَمَن نازَعَهُ واحِدَةً مِنهُما قَصَمَهُ؛ فَزَعَمَ في كَذِبِهِ أنَّ لَهُ - سُبْحانَهُ - أنْدادًا؛ وشُرَكاءَ؛ وأوْلادًا. ولَمّا كانَ وُقُوعُ الحِسابِ يَوْمَ القِيامَةِ حَقًّا؛ لِكَوْنِهِ واقِعًا لا مَحالَةَ؛ وُقُوعًا يُطابِقُ الخَبَرَ عَنْهُ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّهُ لا يَلِيقُ في الحِكْمَةِ غَيْرُهُ؛ لِما عُلِمَ مِن أنَّ أقَلَّ الخَلْقِ لا يَرْضى أنْ يَتْرُكَ عَبِيدَهُ سُدًى؛ فَكَيْفَ بِالخالِقِ؟ فَكانَ الخَبَرُ بِهِ صِدْقًا؛ لِوُقُوعِ العِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّهُ يُطابِقُ ذَلِكَ الواقِعَ؛ قالَ: ﴿وكَذَّبَ﴾؛ أيْ: أوْقَعَ التَّكْذِيبَ لِكُلِّ مَن أخْبَرَهُ؛ ﴿بِالصِّدْقِ﴾؛ أيْ: الإخْبارِ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ؛ وأنَّهُ يَبْعَثُ الخَلائِقَ لِلْجَزاءِ؛ المُطابِقِ (p-٥٠٤)كُلٌّ مِنهُما لِلْواقِعِ؛ لِما دَلَّ عَلى ذَلِكَ مِنَ الدَّلائِلِ المُشاهَدَةِ؛ ﴿إذْ جاءَهُ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ ولا نَظَرٍ في دَلِيلٍ؛ كَما هو دَأْبُ المُعانِدِينَ؛ أُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ؛ لَهم ما يَضُرُّهم مِن عَذابِ جَهَنَّمَ؛ ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيئِينَ. ولَمّا كانَ قَدْ تَقَرَّرَ كالشَّمْسِ أنَّهُ لا يَسُوغُ في عَقْلِ العاقِلِ تَرْكُ الخَلْقِ سُدًى؛ فَكانَ يَوْمُ الدِّينِ مَعْلُومًا قَطْعًا؛ وكانَ مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ نَفْيَ مَدْخُولِهِ؛ فَتَرْجَمَتُهُ: لَيْسَ أحَدٌ أكْذَبَ مِنهُمْ؛ وكانَ عُرْفُ اللُّغَةِ في تَسْلِيطِ هَذا النَّفْيِ عَلى صِيغَةِ ”أفْعَلُ“؛ إثْباتَ مَدْلُولِ ”أفْعَلُ“؛ لِيَكُونَ المَعْنى أنَّهم أكْذَبُ الخَلْقِ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَيْسَ هَذا الكاذِبُ المُكَذِّبُ عاقِلًا؛ يَخْشى أنْ يُحاسِبَهُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَهُ؟ ألَيْسَ اللَّهُ المُتَّصِفُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ يُحاسِبُ عِبادَهُ؛ كَما يُحاسِبُ كُلٌّ مِنَ الخَلائِقِ مَن تَحْتَ يَدِهِ؟ ألَيْسَ يَحْبِسُ الظّالِمَ مِنهم في دارِ انْتِقامِهِ؛ كَما يَفْعَلُ أدْنى الحُكّامِ؟ ألَيْسَ دارُ انْتِقامِهِ جَهَنَّمَ؛ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِعَبُوسَةٍ وتَجَهُّمٍ؟“؛ نَسَّقَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: النّارِ؛ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِالتَّجَهُّمِ؛ والعُبُوسَةِ؛ كَما كانَ يَلْقى الحَقَّ وأهْلَهُ؛ ﴿مَثْوًى﴾؛ أيْ: مُنْزَلٌ مُهَيَّأٌ لِلْإقامَةِ فِيهِ؛ عَلى وجْهِ اللُّزُومِ لَهُمْ؟ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ قالَ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيلًا بِالوَصْفِ؛ مُبَيِّنًا أنَّ الكَذِبَ كُفْرٌ؛ أيْ: سَتْرٌ لِلصِّدْقِ؛ وإظْهارٌ لِما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ والتَّكْذِيبَ بِالصِّدْقِ كَذَلِكَ -: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ سَتَرُوا كَذِبَهُمْ؛ فَألْبَسُوهُ مَلابِسَ الصِّدْقِ؛ وسَتَرُوا الصِّدْقَ الَّذِي كَذَّبُوا بِهِ؛ (p-٥٠٥)ذَلِكَ جَزاءُ المُسِيئِينَ؛ لِأنَّهم لَيْسُوا بِمُتَّقِينَ؛ فَأقامَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ المُقَدِّمَةَ دَلِيلًا عَلى تِلْكَ المُقَدِّماتِ كُلِّها.

الزمر 39:33

ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - الظّالِمِينَ بِالكَذِبِ؛ ذَكَّرَ أضْدادَهُمُ الَّذِينَ يُخاصِمُونَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ؛ وهُمُ المُحْسِنُونَ؛ بِالصِّدْقِ؛ فَقالَ: ﴿والَّذِي﴾؛ أيْ: الفَرِيقُ الَّذِي ﴿جاءَ بِالصِّدْقِ﴾؛ أيْ: الخَبَرِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ؛ فَصَدَقَ عَلى اللَّهِ؛ وتَعْرِيفُهُ يَدُلُّ عَلى كَمالِهِ؛ فَيُشِيرُ إلى أنَّ الإتْيانَ بِهِ دَيْدَنُهُ؛ لا يَتَعَمَّدُ كَذِبًا؛ ﴿وصَدَّقَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ صِدْقٍ سَمِعَهُ؛ وقامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ؛ ولَيْسَ هو بِجُمُودِهِ عَدُوَّ ما لَمْ يَعْلَمْ؛ فَهو يُكَذِّبُ بِكُلِّ ما لَمْ يَسْمَعْ؛ فَمَن أعْدَلُ مِنهُ؟! لِكَوْنِهِ صَدَقَ عَلى اللَّهِ؛ وصَدَّقَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ؛ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ؛ ولَعَلَّهُ أفْرَدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى قِلَّةِ المَوْصُوفِ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ الصِّدْقِ؛ وهَذا الفَرِيقُ هو الرُّسُلُ وأتْباعُهُمْ؛ ولِذَلِكَ حَصَرَ التَّقْوى فِيهِمْ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِالجَمْعِ إلى عَظَمَتِهِمْ؛ وإنْ كانُوا قَلِيلًا -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو الرُّتْبَةِ؛ ﴿هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿المُتَّقُونَ﴾؛ الَّذِينَ جانَبُوا الظُّلْمَ؛ فَلَيْسَ لِجَهَنَّمَ عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ؛ ولا لَهم فِيها مُنْزَلٌ؛ ولا مَقِيلٌ؛ بَلِ الجَنَّةُ مُنْزَلُهُمْ؛ ألَيْسَ في الجَنَّةِ مُنْزَلٌ لِلْمُتَّقِينَ؟ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا المَثْوى في (p-٥٠٦)جَهَنَّمَ؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ والِاتِّقاءَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ أنَكَأ ما لِلْمُجْرِمِ مِنَ الكُفْرِ؛ وسُوءِ الجَزاءِ؛ وأسَرَّ ما لِلْمُسْلِمِ؛ مِن قَصْرِ التَّقْوى عَلَيْهِ؛ وذِكْرِ أحَبِّ جَزائِهِ إلَيْهِ؛ والإشارَةِ إلى عَراقَتِهِ في الإحْسانِ؛ وفي الآياتِ احْتِباكٌ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ ذَكَرَ الكَذِبَ والتَّكْذِيبَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى الصِّدْقِ والتَّصْدِيقِ ثانِيًا؛ والِاتِّقاءَ وجَزاءَهُ؛ وما يَتْبَعُهُ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ في شِقِّ المُسِيءِ أنَكَأ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ في أقْبَحِ مَواضِعِهِ؛ ولا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ؛ وأسَرَّ ما يَكُونُ في شِقِّ المُحْسِنِ؛ مِنَ اسْتِقامَةِ الطَّبْعِ؛ وحُسْنِ الجَزاءِ.

الزمر 39:34

ولَمّا مَدَحَهم عَلى تَقْواهُمْ؛ قالَ - في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ ثَوابِهِمْ؛ فَقالَ لافِتًا القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ تَعْرِيفًا بِمَزِيدِ إكْرامِهِمْ -: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم إرادَتُهُ مَتى أرادُوهُ؛ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمُ؛ اللَّطِيفِ بِهِمْ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ لِأنَّهم سَلَّمُوا لَهُ في الأُولى ما يَشاءُ؛ فَسَلَّمَ لَهم في الأُخْرى ما يَشاؤُونَ؛ ولَمّا كانَ هَذا أعْظَمَ الجَزاءِ؛ مَدَحَهُ عَلى وجْهٍ بَيَّنَ عِلَّتَهُ؛ وأوْجَبَ عُمُومَهُ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الثَّوابُ الكَبِيرُ؛ ﴿جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَنِ اتَّصَفَ بِالإحْسانِ؛ كَما اتَّصَفُوا بِهِ بِالتَّقْوى؛ فَأحَبَّهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - كَما أحَبَّهُمْ؛ فَكانَ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ؛ ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها؛ ورِجْلَهُ الَّتِي (p-٥٠٧)يَمْشِي بِها.

الزمر 39:35

ولَمّا كانَ العاقِلُ مَن قَدَّمَ في كُلِّ أمْرٍ الأهَمَّ فالأهَمَّ؛ فَمَيَّزَ بَيْنَ خَيْرِ الخَيْرَيْنِ فاتَّبَعَهُ؛ وشَرِّ الشَّرَّيْنِ فاجْتَنَبَهُ؛ كانَ المُحْسِنُ مَن جَعَلَ أكْبَرَ ذُنُوبِهِ نُصْبَ عَيْنَيْهِ؛ وعَمِلَ عَلى هَدْمِهِ؛ فَلِذَلِكَ عَلَّلَ الإحْسانَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيُكَفِّرَ﴾؛ أيْ: يَسْتُرَ سَتْرًا عَظِيمًا؛ كَأنَّهُ قالَ: ”...المُحْسِنِينَ الَّذِينَ أحْسَنُوا لِهَذا الغَرَضِ“؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْلِيلُ لِلْجَزاءِ؛ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لَفْتًا عَنْ صِفَةِ الإحْسانِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ الِاجْتِهادِ في العَمَلِ؛ والإيذانِ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الغُفْرانِ لِمَن يُرِيدُ إلّا مُطْلَقُ التَّصَرُّفِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي نَصَبَ المُحْسِنُ جَلالَهُ وجَمالَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ؛ فاسْتَغْرَقَ في صِفاتِهِ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِ؛ فَعَبَدَهُ كَأنَّهُ يَراهُ؛ وحَقَّقَ بِاعْتِرافِهِمْ بِالخَطَإ وقَصْدِهِمُ التَّكْفِيرَ؛ لَمّا أهَمَّهم فِعْلُهم لَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَنْهم أسْوَأ﴾؛ العَمَلِ؛ ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾؛ وتابُوا عَنْهُ بِالنَّدَمِ؛ والإقْلاعِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ؛ وقَدْ عُلِمَ أنَّهُ إذا مُحِيَ الأكْبَرُ انْمَحى الأصْغَرُ؛ لِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ؛ فَلِلَّهِ دَرُّ أهْلِ البَصائِرِ والإخْلاصِ؛ في الإعْلانِ؛ والسَّرائِرِ؛ ولَمّا أخْبَرَ بِالتَّطْهِيرِ مِن أوْضارِ السَّيِّئِ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِالتَّنْوِيرِ بِأنْوارِ الحَسَنِ؛ فَقالَ: ﴿ويَجْزِيَهم أجْرَهُمْ﴾ (p-٥٠٨)أيْ: الَّذِي تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِالوَعْدِ بِهِ. ولَمّا كانَ (تَعالى) يَزِيدُ العَمَلَ الصّالِحَ؛ ويُرَبِّيهِ؛ زادَ الجارَّ في الجَزاءِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُ يَجْعَلُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ كُلَّها مِثْلَ أعْلاها؛ فَقالَ: ﴿بِأحْسَنِ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ هَذِهِ السُّورَةِ أخَصَّ مِن مَقْصُودِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“؛ وكانَتْ ”الَّذِي“؛ و”مَن“؛ أقَلَّ إبْهامًا مِن ”ما“؛ قالَ: ﴿الَّذِي﴾؛ أيْ: العَمَلِ الَّذِي؛ وهو كالأوَّلِ؛ مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى ما هو بَعْضُهُ؛ كَخاتَمِ فِضَّةٍ؛ وأشارَ إلى مُداوَمَتِهِمْ عَلى الخَيْرِ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِالكَوْنِ؛ والمُضارِعِ؛ فَقالَ: ﴿كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ مُجَدِّدِينَ لَهُ وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ؛ لِأنَّهُ في طَبائِعِهِمْ؛ فَهم عَرِيقُونَ في تَعاطِيهِ؛ فَمَن كانَ في هَذِهِ الدّارِ مُحْسِنًا في وقْتٍ ما؛ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأنَّهُ يَراهُ؛ فَهو في الآخِرَةِ كُلَّ حِينٍ يَراهُ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ؛ ثُمَّ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى أحْسَنِ الأعْمالِ أحْسَنُ الثَّوابِ؛ وأحْسَنُ الثَّوابِ الرُّؤْيَةُ؛ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلى الدَّوامِ؛ وهَذا اسْتِدْلالٌ قَوِيٌّ.

الزمر 39:36

ولَمّا فُهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾ [الزمر: ٣٢] أنَّ المُشْرِكِينَ يُكَذِّبُونَهُ؛ وكانَ مِن طَبْعِ الآدَمِيِّ الِاهْتِمامُ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ ولا سِيَّما إذا كانَ المُكَذِّبُ كَثِيرًا وقَوِيًّا؛ وتَقَرَّرَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - الحَكَمُ العَدْلُ بَيْنَ المُتَخاصِمِينَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ولَزِمَ كُلَّ سامِعٍ الإقْرارُ بِالآخِرَةِ؛ وبَشَّرَ المُحْسِنِينَ وحَذَّرَ المُسِيئِينَ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يُحَذِّرُونَهُ آلِهَتَهم كَما يُحَذِّرُهم إلَهَهُ؛ حَسُنَ كُلَّ الحُسْنِ قَوْلُهُ - مُقِرًّا لِلْكِفايَةِ غايَةَ الإقْرارِ؛ ومُنْكِرًا (p-٥٠٩)لِنَفْيِها كُلَّ الإنْكارِ -: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الجامِعُ لِصِفاتِ العَظَمَةِ كُلِّها؛ المَنعُوتُ بِنُعُوتِ الكَمالِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ؛ وأكَّدَ المُرادَ بِزِيادَةِ الجارِّ؛ لِما عِنْدَهم مِنَ الجَزْمِ بِأنَّهم غالِبُونَ؛ فَقالَ: ﴿بِكافٍ﴾؛ وحَقَّقَ المُناطَ بِالإضافَةِ في قَوْلِهِ: ﴿عَبْدَهُ﴾؛ أيْ: الخالِصَ لَهُ؛ الَّذِي لَمْ يُشْرِكْ بِهِ أصْلًا؛ كَما تَقَدَّمَ في المَثَلِ؛ مِمَّنْ كَذَّبَهُ؛ وقَصَدَ مَساءَتَهُ؛ فَيَنْصُرَهُ عَلَيْهِمْ؛ حَتّى يُظْهِرَ دِينَهُ؛ ويُعْلِيَ أمْرَهُ؛ ويُغْنِيَهُ عَنْ أنْ يَحْتاجَ إلى غَيْرِهِ؛ أوْ يَجْنَحَ إلى سِواهُ؛ بِاعْتِقادِ أنَّ في يَدِهِ شَيْئًا يَسْتَقِلُّ بِهِ؛ وهَذا لا يُنافِي السَّعْيَ في الأسْبابِ؛ مَعَ اعْتِقادِ أنَّها بِيَدِ اللَّهِ؛ فَإنْ شاءَ رَبَطَ بِها المُسَبَّباتِ؛ وإنْ شاءَ أعْقَمَها؛ بَلِ السَّعْيُ أكْمَلُ؛ لِأنَّ تَرْتِيبَ الأسْبابِ بِوَضْعِ الحَكِيمِ؛ فالسَّعْيُ في طَرْحِها يُنافِي وضْعَ الحِكْمَةِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ؛ والكِسائِيُّ وأبُو جَعْفَرٍ: ”عِبادَهُ“؛ بِالجَمْعِ؛ بِمَعْنى: الرَّسُولَ وأتْباعَهُ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: بَلى؛ إنَّهُ لَيَكْفِي مَن يَشاءُ؛ والأصْنامُ المُمَثَّلُونَ بِالشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ لا يَكْفُونَ مَن تَوَلّاهُمْ؛ بَنى عَلى ذَلِكَ حالًا عَجِيبًا مِن أحْوالِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَجِّبًا مِنهُمْ؛ ومُتَهَكِّمًا بِهِمْ: ﴿ويُخَوِّفُونَكَ﴾؛ أيْ: عُبّادُ الأصْنامِ؛ يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَكْفِي مَن أرادَ؛ وأنَّ الأصْنامَ لا كِفايَةَ عِنْدَها بِوَجْهٍ؛ والحالُ أنَّهم يُخَوِّفُونَكَ؛ ولَمّا كانَ الخَوْفُ مِمَّنْ لَهُ اخْتِيارٌ؛ فَإنْ كانَ عاقِلًا كانَ أقْوى لِمُخالَفَتِهِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ بَدِيهَةً أنَّهُ لا اخْتِيارَ لَهُمْ؛ (p-٥١٠)فَضْلًا عَنِ العَقْلِ؛ قالَ - تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِما يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ لِكَوْنِهِمْ يُنْزِلُونَهم بِالعِبادَةِ وغَيْرِها مَنزِلَةَ العُقَلاءِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهم لا عَقْلَ لَهُمْ؛ فَصارُوا بِذَلِكَ ضِحْكَةً؛ وشُهْرَةً بَيْنَ النّاسِ -: ﴿بِالَّذِينَ﴾؛ وبَيَّنَ حَقارَتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ وهم مَعْبُوداتُهُمْ؛ ضَلالًا عَنِ المَحَجَّةِ؛ فَيَقُولُونَ: إنّا نَخْشى عَلَيْكَ أنْ يَخْبِلَكَ آلِهَتُنا؛ كَما قالَتْ عادٌ لِهُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”إنْ نَقُولَ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ“؛ وسَيَأْتِي التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالتَّأْنِيثِ؛ زِيادَةً في تَوْبِيخِهِمْ. ولَمّا كانَ مِنَ الحَقِّ الواضِحِ كالشَّمْسِ أنَّ ما قالُوهُ لا يَقُولُهُ عاقِلٌ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”فَقَدْ أضَلَّهُمُ اللَّهُ إهانَةً لَهُمْ؛ وهَداكَ إكْرامًا لَكَ“؛ بَيَّنَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - قَسَرَهم عَلى ذَلِكَ؛ لِيَكُونَ إضْلالُهُ لَهم آيَةً كَما أنَّ هُداهُ لِمَن هَداهُ آيَةٌ؛ فَقالَ - مُخَفِّفًا عَنْهُ ﷺ في إذْهابِ نَفْسِهِ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ؛ دامِغًا لِلْقَدَرِيَّةِ -: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يُرَدُّ أمْرُهُ؛ ﴿فَما لَهُ﴾؛ لِأجْلِ أنَّهُ هو الَّذِي أضَلَّهُ؛ ﴿مِن هادٍ﴾؛ أيْ: فَخَفِّضْ مِن حُزْنِكَ عَلَيْهِمْ؛

الزمر 39:37

﴿ومَن يَهْدِ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ أبَدًا؛ ﴿فَما لَهُ مِن مُضِلٍّ﴾؛ فَهو - سُبْحانَهُ - يَهْدِي مَن شاءَ مِنهُمْ؛ إنْ أرادَ. ولَمّا لَمْ تَبْقَ شُبْهَةٌ؛ ولا شَيْءٌ مِن شَكٍّ؛ أنَّ الهادِيَ المُضِلَّ إنَّما هو اللَّهُ؛ وحْدَهُ؛ وأنَّهُ جَعَلَ شَيْئًا واحِدًا سَبَبًا لِضَلالِ قَوْمٍ؛ لِيَكُونَ ضَلالُهم (p-٥١١)فِي الظّاهِرِ عِلَّةً لِلنِّقْمَةِ؛ وهُدًى لِآخَرِينَ؛ فَيَكُونَ هُداهم سَبَبًا لِلنِّعْمَةِ؛ بَلَغَ النِّهايَةَ في الحُسْنِ قَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؛ ﴿بِعَزِيزٍ﴾؛ أيْ: غالِبٍ لِما يُرِيدُ في إضْلالِهِ قَوْمًا يَدَّعُونَ أنَّهُمُ النِّهايَةُ في كَمالِ العُقُولِ؛ لِما هَدى بِهِ غَيْرَهُمْ؛ ﴿ذِي انْتِقامٍ﴾؛ أيْ: لَهُ هَذا الوَصْفُ؛ فَمَن أرادَ النِّقْمَةَ مِنهُ سَلَّطَ عَلَيْهِ ما يُرِيدُ مِمّا يُحْزِنُهُ؛ ويُذِلُّهُ؛ كَما أنَّهُ إذا أرادَ يُعْمِيهِ عَنْ أنْوَرِ النُّورِ؛ ويُضِلُّهُ.

الزمر 39:38

ولَمّا عُلِمَ بِهَذِهِ البَراهِينِ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - المُتَصَرِّفُ في المَعانِي؛ بِتَصَرُّفِهِ في القُلُوبِ بِالهِدايَةِ والإضْلالِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: فَلَئِنْ قَرَّرْتَهم بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ لِيَقُولُنَّ: بَلى”؛ عَطَفَ عَلَيْهِ بَيانَ أنَّهُ الخالِقُ لِلذّاتِ؛ كَما أنَّهُ المالِكُ لِلْمَعانِي والصِّفاتِ؛ فَقالَ - مُفْسِدًا لِدِينِهِمْ؛ بِاعْتِرافِهِمْ بِأصْلَيْنِ؛ القُدْرَةِ التّامَّةِ لَهُ؛ والعَجْزِ الكامِلِ لِمَعْبُوداتِهِمْ -: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهُمْ﴾؛ أيْ: فَقُلْتَ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ؛ فُرادى أوْ مُجْتَمِعِينَ: ﴿مَن خَلَقَ السَّماواتِ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَها مِنَ الِاتِّساعِ؛ والعَظَمَةِ؛ والِارْتِفاعِ؛ ﴿والأرْضَ﴾؛ عَلى ما لَها مِنَ العَجائِبِ؛ وفِيها مِنَ الِانْتِفاعِ؛ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾؛ بَعْدَ تَخْوِيفِهِمْ لَكَ بِشُرَكائِهِمُ الَّذِينَ هم مِن جُمْلَةِ خَلْقِ مَن أرْسَلَكَ؛ بِما أنْتَ فِيهِ: الَّذِي خَلَقَها ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ الَّذِي لا سَمِيَّ لَهُ؛ ولا إلْباسَ بِوَجْهٍ في أمْرِهِ؛ ولا يَصُدُّهم عَنْ ذَلِكَ الحَياءُ مِنَ التَّناقُضِ؛ ولا الخَوْفُ مِنَ التَّهافُتِ بِالتَّعارُضِ. (p-٥١٢)ولَمّا كانَ هَذا مُحَيِّرًا؛ لِأنَّهُ بَيِّنٌ؛ ولا بُدَّ أنَّهم لا يُقْبِلُونَ؛ ولا يُعْرِضُونَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أصْنَعُ؟ فَقالَ:﴿قُلْ﴾؛ مُسَبِّبًا عَنِ اعْتِرافِهِمْ لَهُ - سُبْحانَهُ - بِجَمِيعِ الأمْرِ قَوْلَهُ - مُقَرِّرًا بِالفَرْعِ؛ بَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالأصْلِ؛ ومُقَرِّعًا بِتَخْوِيفِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ أمْرٌ بِعَقْدٍ؛ ولا حَلٍّ -: ﴿أفَرَأيْتُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ السّائِلُ النَّصُوحُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُنَبِّهَ الخَصْمَ عَلى مَحَلِّ النُّكْتَةِ؛ لِيَنْتَبِهَ مِن غَفْلَتِهِ؛ فَيَرْجِعَ عَنْ غَلْطَتِهِ؛ عَبَّرَ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ؛ بَعْدَ التَّعْبِيرِ عَنْها سابِقًا بِأداةِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ بَيانًا لِغَلَطِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا عَنْ مَفْعُولِ“رَأيْتَ”؛ الأوَّلِ؛ والثّانِي جُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ -: ﴿ما تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: دُعاءَ عِبادَةٍ؛ وقَرَّرَ بُعْدَهم عَنِ التَّخْوِيفِ بِهِمْ؛ بِادِّعاءِ إلَهِيَّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو ذُو الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَلا شَيْءَ إلّا وهو مِن دُونِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ؛ ولَمّا كانَتِ العافِيَةُ أكْثَرَ مِنَ البَلْوى؛ أشارَ إلَيْها بِأداةِ الشَّكِّ؛ ونَبَّهَ عَلى مَزِيدِ عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِإعادَةِ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ أرادَنِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا رادَّ لِأمْرِهِ؛ ولَمّا كانَ دَرْءُ المَفاسِدِ مُقَدَّمًا؛ قالَ: ﴿بِضُرٍّ﴾؛ أيْ: إنْ أطَعْتُكم في الجُنُوحِ إلَيْها خَوْفًا مِنها؛ وبالَغَ في تَنْبِيهِهِمْ؛ نُصْحًا لَهُمْ؛ لِيَرْجِعُوا عَنْ ظاهِرِ غَيِّهِمْ؛ بِما ذُكِرَ مِن دَناءَتِها؛ وسُفُولِها بِالتَّأْنِيثِ؛ بَعْدَ سُفُولِها بِعَدَمِ العَقْلِ؛ مَعَ دَناءَتِها؛ وبَعْدَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِأداةِ الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ فَقالَ: (p-٥١٣)﴿هَلْ هُنَّ﴾؛ أيْ: هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تَعْبُدُونَها؛“كاشِفاتٌ”؛ أيْ: عَنِّي؛ مَعَ اعْتِرافِكم بِأنَّهُ لا خَلْقَ لَها؛ وأنَّها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ (تَعالى)؛“ضُرَّهُ”؛ أيْ: الَّذِي أصابَنِي بِهِ؛ نَوْعًا مِنَ الكَشْفِ؛ لِأرْجُوَها في وقْتِ شِدَّتِي؛ ﴿أوْ أرادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾؛ لِطاعَتِي إيّاهُ في تَوْحِيدِهِ؛ وخَلْعِ ما سِواهُ مِن عَبِيدِهِ؛“هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتٌ”؛ أيْ: عَنِّي؛“رَحْمَتَهُ”؛؛ أيْ: لِأجْلِ عِصْيانِي لَهُنَّ؛ نَوْعَ إمْساكٍ؛ لِأُطِيعَكم في الخَوْفِ مِنهُنَّ؛ هَذِهِ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو؛ بِالتَّنْوِينِ؛ وإعْمالِ اسْمِ الفاعِلِ بِنَصْبِ ما بَعْدَهُ؛ وهو الأصْلُ في اسْمِ الفاعِلِ؛ والباقُونَ بِالإضافَةِ؛ ولا فائِدَةَ غَيْرُ التَّخْفِيفِ؛ وقَدْ يُتَخَيَّلُ مِنها أنَّ الأوْثانَ مُخْتَصَّةٌ بِهَذا المَعْنى مَعْرُوفَةٌ. ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم يَسْكُتُونَ عِنْدَ هَذا السُّؤالِ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن لُزُومِ التَّناقُضِ إنْ أجابُوا بِالباطِلِ؛ ومِن بُطْلانِ دِينِهِمْ إنْ أجابُوا بِالحَقِّ؛ وكانَ الجَوابُ قَطْعًا عَنْ هَذا:“لا"؛ سَواءٌ نَطَقُوا؛ أوْ سَكَتُوا؛ تَحَرَّرَ أنَّهُ لا مُتَصَرِّفَ بِوَجْهٍ إلّا اللَّهُ؛ فَكانَتِ النَّتِيجَةُ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ﴾؛ إذا ألْقَمْتَهُمُ الحَجَرَ؛ ﴿حَسْبِيَ﴾؛ أيْ: كافِيَّ ﴿اللَّهُ﴾؛ الَّذِي أفْرَدْتُهُ بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّهُ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ مِمّا يُخَوِّفُونَنِي بِهِ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ ﴿عَلَيْهِ﴾؛ وحْدَهُ؛ لِأنَّ لَهُ الكَمالَ كُلَّهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْلُوَ أمْرُهم كُلَّ أمْرٍ؛ وأمَرَهُ بِالقَوْلِ؛ إعْلامًا بِأنَّ حالَهم عِنْدَ هَذا السُّؤالِ التَّناقُضُ (p-٥١٤)الظّاهِرُ جِدًّا.

الزمر 39:39

ولَمّا كانُوا مَعَ هَذِهِ الحُجَجِ القاطِعَةِ؛ والأدِلَّةِ القامِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ الَّتِي لا دافِعَ لَها بِوَجْهٍ؛ كالبَهائِمِ؛ لا يُبْصِرُونَ إلّا الجُزْئِيّاتِ حالَ وُقُوعِها؛ قالَ - مُهَدِّدًا مَعَ الِاسْتِعْطافِ -: ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾؛ أيْ: يا أقارِبِي؛ الَّذِينَ أرْتَجِيهِمْ عِنْدَ المُلِمّاتِ؛ وفِيهِمْ كِفايَةٌ في القِيامِ بِما يُحاوِلُونَهُ؛ ﴿اعْمَلُوا﴾؛ أيْ: افْعَلُوا أفْعالًا مَبْنِيَّةً عَلى العِلْمِ؛ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾؛ أيْ: حالَتِكُمُ الَّتِي تَرَتَّبْتُمْ فِيها؛ وجَمُدْتُمْ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَكُمْ؛ مِنَ الكَوْنِ والمُكْنَةِ؛ لِتُبْصِرُوا حَقائِقَ الأُمُورِ؛ فَتَنْتَقِلُوا عَنْ أحْوالِكُمُ السّافِلَةِ إلى المَنازِلِ العالِيَةِ؛ فَكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهم كالحَيَواناتِ العُجْمِ؛ لا اخْتِيارَ لَهُمْ؛ ويُعَرِّضُ بِالعَمَلِ؛ الَّذِي مَبْناهُ العِلْمُ والمَكانَةُ الَّتِي مَحَطُّها الجُمُودُ؛ بِأنَّ أفْعالَهم لَيْسَ فِيها ما يَنْبَنِي عَلى العِلْمِ؛ وإنَّما هي جُزافٌ؛ لا اعْتِبارَ لَها؛ ولا وزْنَ لَها؛ ثُمَّ أجابَ مَن عَساهُ أنْ يَقُولَ لَهُ مِنهُمْ: فَماذا تَعْمَلُ أنْتَ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي عامِلٌ﴾؛ عَلى كِفايَةِ اللَّهِ لِي؛ لَيْسَ لِي نَظَرٌ إلى سِواهُ؛ ولا أخْشى غَيْرَهُ؛ ولَيْسَ لِي مَكانَةٌ ألْتَزِمُ الجُمُودَ عَلَيْها؛ بَلْ أنا واقِفٌ عَلى ما يَرِدُ مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ إنْ نَقَلَنِي انْتَقَلْتُ؛ وإنْ أمَرَنِي بِغَيْرِ ذَلِكَ امْتَثَلْتُ؛ وأنا مُرْتَقِبٌ كُلَّ وقْتٍ لِلزِّيادَةِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ قَوْلِ مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ مِنهُمْ: وماذا عَساهُ يَكُونُ؟ قَوْلَهُ - إيذانًا بِأنَّهُ عَلى ثِقَةٍ مِن أمْرِهِ؛ لِأنَّ المُخْبِرَ لَهُ بِهِ اللَّهُ -: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛

الزمر 39:40

(p-٥١٥)﴿مَن يَأْتِيهِ﴾؛ أيْ: مِنّا ومِنكُمْ؛ ﴿عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾؛ بِأنْ يُزِيلَ عَنْهُ كُلَّ شَيْءٍ يُمْكِنُهُ أنْ يَسْتَعْذِبَهُ؛ ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَجِبُ في وقْتِهِ؛ مِن ”حَلَّ عَلَيْهِ الحَقُّ؛ يَحِلُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ أيْ: وجَبَ؛ و”الدَّيْنُ“: صارَ حالًّا بِحُضُورِ أجَلِهِ؛ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾؛ لِإقامَتِهِ عَلى حالَتِهِ؛ وجُمُودِهِ عَلى ضَلالَتِهِ؛ ومَن يُؤْتِيهِ اللَّهُ انْتِصارًا يُعْلِيهِ؛ ويَنْقُلُهُ إلى نَعِيمٍ عَظِيمٍ؛ لِانْتِقالِهِ بِارْتِقائِهِ في مَدارِجِ الكَمالِ؛ بِأوامِرِ ذِي الجَلالِ والجَمالِ؛ ولَقَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ في قِصَّةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ ثُمَّ في وقْعَةِ ”بَدْرٍ“؛ فَإنَّ مَن أهْلَكَهُ اللَّهُ مِنهم جَعَلَ إهْلاكَهُ أوَّلَ عَذابِهِ؛ ونَقَلَهُ بِهِ إلى عَذابِ البَرْزَخِ؛ ثُمَّ عَذابِ النّارِ؛ فَلا انْفِكاكَ لَهُ مِنَ العَذابِ؛ ولا رَجاءَ لَحُسْنِ المَآبِ.

الزمر 39:41

ولَمّا تَجَلَّتْ عَرائِسُ هَذِهِ المَعانِي؛ آخِذَةً بِالألْبابِ؛ ولَمَعَتْ سُيُوفُ تِلْكَ المَبانِي مِنَ المَثانِي؛ قاطِعَةً الرِّقابَ؛ وخَتَمَها بِما خَتَمَ؛ مِن صادِعِ الإرْهابِ؛ أنْتَجَتْ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلَهُ - مُعَلِّلًا لِإتْيانِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ؛ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ لِمَضْمُونِ هَذا الإخْبارِ -: ﴿إنّا أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِن باهِرِ العَظَمَةِ؛ ونافِذِ الكَلِمَةِ. ولَمّا كانَ تَوَسُّطُ المِلْكِ خَفِيًّا؛ لَمْ يُعِدْهُ؛ فَأسْقَطَ حَرْفَ الغايَةِ؛ إفْهامًا لِأنَّهُ في الحَقِيقَةِ بِلا واسِطَةٍ؛ بَعْدَ أنْ أثْبَتَ وساطَتَهُ أوَّلَ السُّورَةِ؛ فَقالَ - مَقْرُونًا بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ؛ إشارَةً إلى بِدايَةِ الحالِ؛ فَلَمّا حَصَلَ التَّمَكُّنُ؛ فَصارَ الكِتابُ خُلُقًا لَهُ ﷺ وصارَ ظُهُورُهُ فِيهِ هادِيًا لِغَيْرِهِ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ (p-٥١٦)لا عَلى غَيْرِكَ مِن أهْلِ هَذا الزَّمانِ؛ لِأنَّكَ عِنْدَنا الخالِصُ لَنا؛ دُونَ أهْلِ القَرْيَتَيْنِ؛ ودُونَ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ؛ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ دُونَنا فِيكَ حَظٌّ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ الجامِعَ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِكَوْنِهِ في غايَةِ الكَمالِ؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”ال“؛ ﴿لِلنّاسِ﴾؛ عامَّةً؛ لِأنَّ رِسالَتَكَ عامَّةٌ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ مُصاحِبًا لَهُ؛ لا يَقْدِرُ الخَلْقُ عَلى أنْ يُزِيحُوا مَعْنًى مِن مَعانِيهِ عَنْ قَصْدِهِ؛ ولا لَفْظًا مِن ألْفاظِهِ عَنْ سَبِيلِهِ وحَدِّهِ؛ بَلْ هو مُعْجِزٌ في مَعانِيهِ - حاضِرَةً كانَتْ أوْ غائِبَةً - ونُظُومِهِ؛ وألْفاظِهِ؛ وأسْماءِ سُوَرِهِ؛ وآياتِهِ؛ وجَمِيعِ رُسُومِهِ؛ فَلا بُدَّ مِن إتْيانِ ما فِيهِ مِن وعْدٍ؛ ووَعِيدٍ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِ ذَلِكَ وُجُوبُ المُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ لَهُ؛ لِفَوْزِ الدّارَيْنِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ (تَعالى) - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ؛ لِعَظِيمِ ما لَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ وتَهْدِيدًا لَهم -: ﴿فَمَنِ اهْتَدى﴾؛ أيْ: طاوَعَ الهادِيَ؛ ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: فاهْتِداؤُهُ خاصٌّ نَفْعُهُ بِها؛ لَيْسَ لَهُ فِيهِ إلّا أجْرُ التَّسَبُّبِ؛ ﴿ومَن ضَلَّ﴾؛ أيْ: وقَعَ مِنهُ ضَلالٌ بِمُخالَفَتِهِ لِداعِي الفِطْرَةِ؛ ثُمَّ داعِي الرِّسالَةِ عَنْ عِلْمٍ؛ وتَعَمُّدٍ؛ أوْ إهْمالٍ لِلنَّظَرِ؛ وتَهاوُنٍ؛ ولَمّا كانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّهُ يَلْحَقُ الدّاعِيَ بَعْدَ البَيانِ مِن إثْمِ الضّالِّ؛ وكانَ السِّياقُ لِتَهْدِيدِ الضّالِّينَ؛ زادَ في التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾؛ أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن ضَلالِهِ؛ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ. ولَمّا هَدى السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ لِتَقْهَرَهم (p-٥١٧)عَلى الهُدى“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْتَ﴾؛ أيْ: في هَذا الحالِ؛ ولِمَزِيدِ العِنايَةِ بِنَفْيِ القَهْرِ؛ قَدَّمَ أداةَ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾؛ لِتَحْفَظَهم عَنِ الضَّلالِ؛ فَإنَّ الرِّسالَةَ إلَيْهِمْ لِإقامَةِ الحُجَّةِ؛ لا لِقُدْرَةِ الرَّسُولِ عَلى هِدايَتِهِمْ؛ ولا لِعَجْزِ المُرْسَلِ عَنْ ذَلِكَ.

الزمر 39:42

ولَمّا كانَ الوَكِيلُ في الشَّيْءِ لا تَصْلُحُ وكالَتُهُ فِيهِ إلّا إنْ كانَ قادِرًا عَلَيْهِ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ؛ وكانَ حِفْظُهم عَلى الهُدى؛ وعَنِ الضَّلالِ؛ لا يَكُونُ إلّا لِحاضِرٍ لا يَغِيبُ؛ ولا يَعْتَرِيهِ نَوْمٌ؛ ولا يَطْرُقُهُ مَوْتٌ؛ لَمْ تَصِحَّ وكالَةُ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فِيهِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّهُ لَوْ وُكِلَ إلَيْكَ أمْرُهم لَضاعُوا عِنْدَ نَوْمِكَ؛ ومَوْتِكَ”؛ فَدَلَّ عَلَيْهِ بِما أدّى مَعْناهُ؛ وزادَ عَلَيْهِ مِنَ الفَوائِدِ ما يُعْرَفُ بِالتَّأمُّلِ؛ مِن تَشْبِيهِ الهِدايَةِ بِالحَياةِ واليَقَظَةِ؛ والضَّلالِ بِالمَوْتِ والنَّوْمِ؛ فَكَما أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ؛ والإنامَةِ إلّا اللَّهُ؛ فَكَذَلِكَ لا يَقْدِرُ عَلى الهِدايَةِ؛ والإضْلالِ إلّا اللَّهُ؛ فَمَن عَرَفَ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ عَرَفَ سِرَّ اللَّهِ في القُدْرَةِ؛ ومَن عَرَفَ السِّرَّ فِيهِ هانَتْ عَلَيْهِ المَصائِبُ؛ فَهي تَسْلِيَةٌ لَهُ ﷺ؛ لَفَتَ القَوْلَ إلى التَّعْبِيرِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ؛ وأسْنَدَ التَّوَفِّيَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِأنَّهُ في بَيانِ أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلْوَكالَةِ غَيْرُهُ أصْلًا؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ؛ ولَيْسَ لِشائِبَةِ نَقْصٍ إلَيْهِ سَبِيلٌ؛ ﴿يَتَوَفّى الأنْفُسَ﴾؛ الَّتِي ماتَتْ عِنْدَ انْقِضاءِ (p-٥١٨)آجالِها؛ أيْ يَفْعَلُ في وفاتِها فِعْلَ مَن يَجْتَهِدُ في ذَلِكَ؛ بِأنْ يَقْبِضَها وافِيَةً؛ لا يَدَعُ شَيْئًا مِنها في شَيْءٍ مِنَ الجَسَدِ؛ وعَبَّرَ عَنْ جَمْعِ الكَثْرَةِ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّها؛ وإنْ تَجاوَزَتِ الحَصْرَ فَهي كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يُوَحِّدْهُ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ الوَحْدَةَ عَلى حَقِيقَتِها؛ ﴿حِينَ مَوْتِها﴾؛ أيْ: مَنعِها مِنَ التَّصَرُّفِ في أجْسادِها؛ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ كائِنَةً في مَماتِها؛ مَحْبُوسَةً فِيهِ؛ مَظْرُوفَةً لَهُ؛ وعَطَفَ عَلى“الأنْفُسَ”؛ قَوْلَهُ: ﴿والَّتِي﴾؛ أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي ﴿لَمْ تَمُتْ﴾؛ لِأنَّها لَمْ تَنْقَضِ آجالُها؛ حِينَ نَوْمِها كائِنَةً ﴿فِي مَنامِها﴾؛ بِمَنعِها مِنَ التَّصَرُّفِ بِالحِسِّ؛ والإدْراكِ؛ ما دامَ النَّوْمُ مَوْجُودًا؛ مَظْرُوفَةً لَهُ؛ لا شَيْءَ مِنها في الجَسَدِ عَلى حالِ اليَقَظَةِ؛ فالجامِعُ بَيْنَهُما عَدَمُ الإدْراكِ؛ والشُّعُورِ؛ والتَّصَرُّفِ؛ ولَوْ قِيلَ: بِمَوْتِها؛ وبِمَنامِها؛ لَمْ يُفِدْ أنَّ كُلًّا مِنَ المَوْتِ؛ والوَفاةِ؛ آيَةٌ مُغايِرَةٌ لِلْأُخْرى. ولَمّا كانَ النَّوْمُ مُنْقَضِيًا؛ دَلَّنا؛ بِقِرانِهِ بِالمَوْتِ؛ عَلى أنَّ المَوْتَ أيْضًا مُنْقَضٍ؛ ولا بُدَّ؛ لِأنَّ الفاعِلَ لِكُلٍّ مِنهُما واحِدٌ؛ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَيُمْسِكُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنِ الوَفاتَيْنِ أنَّهُ يُمْسِكُ عِنْدَهُ ﴿الَّتِي قَضى﴾؛ أيْ: خَتَمَ؛ وحَكَمَ؛ وبَتَّ بَتًّا مُقَدَّرًا؛ مَفْرُوغًا مِنهُ؛ وقِراءَةُ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُوَضِّحَةٌ لِهَذا المَعْنى؛ بِزِيادَةِ اليُسْرِ؛ والسُّهُولَةِ؛ ﴿عَلَيْها المَوْتَ﴾؛ مَظْرُوفَةً لِمَماتِها؛ لا تَقْدِرُ عَلى تَصْرِيفِ جَسَدِها؛ ما دامَ المَوْتُ مُحِيطًا بِها؛ كَما أنَّ النّائِمَةَ كَذَلِكَ؛ ما دامَ النَّوْمُ مُحِيطًا بِها؛ ﴿ويُرْسِلُ الأُخْرى﴾؛ أيْ: الَّتِي أخَّرَ مَوْتَها؛ وجَعَلَها مَظْرُوفَةً لِلْمَنامِ؛ لِأنَّها لَمْ يَنْقَضِ أجَلُها (p-٥١٩)الَّذِي ضَرَبَهُ لَها؛ بِأنْ يَفْنى المَنامُ؛ فَيُوقِظَها لِتَصْرِيفِ أبْدانِها؛ ويَجْعَلَ ذَلِكَ الإمْساكَ لِلْمَيِّتَةِ؛ والإرْسالَ لِلنّائِمَةِ؛ ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ لِبَعْثِ المَيِّتَةِ؛ ولِمَوْتِ النّائِمَةِ؛ لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؛ فَإذا جاءَ ذَلِكَ الأجَلُ أماتَ النّائِمَةَ؛ وبَعَثَ المَيِّتَةَ؛ وقَدْ ظَهَرَ مِنَ التَّقْدِيرِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ قَطْعًا السِّياقُ أنَّ النَّفْسَ الَّتِي تَنامُ هي الَّتِي تَمُوتُ؛ وهي الرُّوحُ؛ قالَ ابْنُ الصَّلاحِ؛ في فَتاوِيهِ: وهو الأشْبَهُ بِظاهِرِ الكِتابِ؛ والسُّنَّةِ؛ انْتَهى. رَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ - قالَ الهَيْثَمِيُّ: ورِجالُهُ رِجالُ الصَّحِيحِ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ:“تَلْتَقِي أرْواحُ الأحْياءِ والأمْواتِ؛ فَيَتَساءَلُونَ بَيْنَهُمْ؛ فَيُمْسِكُ اللَّهُ أرْواحَ المَوْتى؛ ويُرْسِلُ أرْواحَ الأحْياءِ إلى أجْسادِها”؛ ورَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“إذا أوى أحَدُكم إلى فِراشِهِ فَلْيَقُلْ: بِاسْمِكَ رَبِّي وضَعْتُ جَنْبِي؛ اللَّهُمَّ إنْ أمْسَكْتَ نَفْسِي فارْحَمْها؛ وإنْ أرْسَلْتَها فاحْفَظْها بِما تَحْفَظُ بِهِ عِبادَكَ الصّالِحِينَ"؛» وظَهَرَ أيْضًا أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الحِينَ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِ مِثْلِهِ في النَّوْمِ ثانِيًا؛ والمَنامَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المَماتِ أوَّلًا. ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى الأُسْلُوبِ الرَّفِيعِ؛ والنَّظْمِ المَنِيعِ؛ نَبَّهَ عَلى عَظَمَتِهِ؛ وما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ قَرْعًا لِمَن يَرْمِيهِ بِالأساطِيرِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأباطِيلِ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِنَ الوَفاةِ؛ (p-٥٢٠)والنَّوْمِ؛ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ؛ والعِبارَةِ عَنْهُ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ ﴿لآياتٍ﴾؛ أيْ: عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والحِفْظِ غَيْرُهُ؛ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُهُ؛ ﴿لِقَوْمٍ﴾؛ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ في مُزاوَلَةِ الأُمُورِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الأمْرُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ تَجْرِيدِ النَّفْسِ مِنَ الشَّواغِلِ؛ والتَّدَبُّرِ؛ قالَ: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في عَظَمَةِ هَذا التَّدْبِيرِ؛ لِيُعْلَمَ بِهِ عَظَمَةُ اللَّهِ؛ وذَلِكَ أنَّ النَّفْسَ جَوْهَرٌ رُوحانِيٌّ؛ لَهُ في التَّعَلُّقِ بِالبَدَنِ ثَلاثُ حالاتٍ؛ إحْداها أنْ يَقَعَ ضَوْءُ النَّفْسِ عَلى البَدَنِ ظاهِرًا وباطِنًا؛ وذَلِكَ هو الحَياةُ مَعَ اليَقَظَةِ؛ وثانِيَتُها انْقِطاعُ ضَوْءِ النَّفْسِ عَنِ البَدَنِ ظاهِرًا لا باطِنًا؛ وذَلِكَ بِالنَّوْمِ؛ وثالِثُها انْقِطاعُ ذَلِكَ ظاهِرًا وباطِنًا؛ وهو بِالمَوْتِ؛ فالمَوْتُ والنَّوْمُ مِن جِنْسٍ واحِدٍ؛ إلّا أنَّ المَوْتَ انْقِطاعٌ تامٌّ؛ والنَّوْمَ انْقِطاعٌ ناقِصٌ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيجادِ شَيْءٍ واحِدٍ عَلى نَوْعَيْنِ؛ ثُمَّ يَجْعَلُهُما في شَيْءٍ واحِدٍ عَلى التَّعاقُبِ؛ ويَفْصِلُ كُلًّا مِنهُما مِنَ الآخَرِ؛ إلّا هو - سُبْحانَهُ -؛ وكُلَّما قَدَرَ عَلى إنْهاءِ المَوْتَةِ الصُّغْرى بِحَدٍّ جَعَلَهُ لَها؛ فَهو قادِرٌ عَلى إنْهاءِ الكُبْرى بِمِثْلِ ذَلِكَ.

الزمر 39:43

ولَمّا أنْتَجَ هَذا؛ ولا بُدَّ؛ نَحْوَ أنْ يُقالَ - تَوَعُّدًا لَهم -: ”هَلْ عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ مَقامَهُ؛ ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ ولا يَقْرُبُ أحَدٌ مِنَ القُدْرَةِ عَلى شَيْءٍ مِن فِعْلِهِ؛ فَكَيْفَ بِالقُرْبِ مِن رُتْبَتِهِ؟! فَضْلًا عَنْ (p-٥٢١)مُماثَلَتِهِ؛ فَرَجَعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ؟“؛ عادَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهُمْ؛ بَعْدَ وُضُوحِ الدَّلائِلِ عِنْدَها؛ أنْ أخَذُوا ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا مُكافِئَ لَهُ؛ ولا مُدانِيَ؛ ﴿شُفَعاءَ﴾؛ أيْ: تُقَرِّبُهم إلَيْهِ زُلْفى؛ في الدُّنْيا؛ وفي الآخِرَةِ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها؛ مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ الشُّهُودِيَّةِ عِنْدَهم عَلى أنَّهُ لا يَشْفَعُ أحَدٌ إلّا عِنْدَ مَن يَصِحُّ أنْ يُكافِئُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ولِذَلِكَ نَبَّهَ عَلى المَعْنى بِقَوْلِهِ - مُعْرِضًا عَنْهُمْ؛ إشارَةً إلى سُفُولِهِمْ عَنِ الفَهْمِ -: ﴿قُلْ أوَلَوْ﴾؛ أيْ: أيَتَّخِذُونَهم لِذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا تَتَجَدَّدُ لَهم هَذِهِ الصِّفَةُ؛ ﴿ولا يَعْقِلُونَ﴾؛ كَما يُشاهَدُ مِن حالِ أصْنامِكم.

الزمر 39:44

ولَمّا نَفى صَلاحِيَّةَ أصْنامِهِمْ لِهَذا الأمْرِ؛ أشارَ إلى نَفْيِهِ عَمّا سِواهُ؛ بِقَصْرِ الأمْرِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المُحْتَوِي عَلى صِفاتِ الكَمالِ؛ وحْدَهُ؛ ﴿الشَّفاعَةُ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ؛ ﴿جَمِيعًا﴾؛ فَلا يَمْلِكُ أحَدٌ سِواهُ مِنها شَيْئًا؛ لَكِنَّهُ يَأْذَنُ إنْ شاءَ فِيما يُرِيدُ مِنها؛ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ ولَمّا كانَ كُلَّ ما سِواهُ مِلْكًا لَهُ؛ وكانَ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّ المَمْلُوكَ لا يَصِحُّ أنْ يُمَلِّكَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ سَيِّدُهُ؛ لِأنَّ المِلْكَيْنِ لا يَتَوارَدانِ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا تُشاهِدُونَ مِن مُلْكِهِ سِواهُما؛ والشَّفاعَةُ مِن مِلْكِهِما. (p-٥٢٢)ولَمّا كانَ المَمْلُوكُ مِلْكًا ضَعِيفًا قَدْ يَتَغَلَّبُ عَلى مالِكِهِ؛ فَيُناظِرُهُ؛ فَيَتَأهَّلُ لِلشَّفاعَةِ عِنْدَهُ؛ نَفى ذَلِكَ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - دالًّا عَلى عَظَمَةِ القَهْرِ؛ بِأداةِ التَّراخِي - فَقالَ: ﴿ثُمَّ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ مَعْنًى في الدُّنْيا؛ بِأنْ يُنَفِّذَ فِيكم جَمِيعَ أمْرِهِ؛ وحِسًّا ظاهِرًا ومَعْنًى في الآخِرَةِ.

الزمر 39:45

ولَمّا دَلَّ عَلى أنَّ شُفَعاءَهم لَيْسَتْ بِأهْلٍ لِلشَّفاعَةِ؛ وعَلى أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ؛ وخَتَمَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ؛ المُقْتَضِي لِأنْ تُصْرَفَ الهِمَمُ كُلُّها نَحْوَهُ؛ وتُوَجَّهَ العَزائِمُ جَمِيعُها تِلْقاءَهُ؛ ولِأنَّهُ لا يُخْشى سِواهُ؛ ولا يُرْجى غَيْرُهُ؛ ذَكَرَ حالًا مِن أحْوالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإذا﴾؛ أيْ: الحالُ ما ذَكَرْناهُ؛ وإذا ﴿ذُكِرَ﴾؛ وأعادَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ ولَمْ يُضْمِرْهُ؛ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ؛ زِيادَةً في تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا عَظِيمَ غَيْرُهُ؛ ولا أمْرَ لِسِواهُ؛ ﴿وحْدَهُ﴾؛ أيْ: دُونَ شُفَعائِهِمُ الَّتِي قَدْ وضَحَ أنَّهُ لا شَفاعَةَ لَهُمْ؛ ﴿اشْمَأزَّتْ﴾؛ أيْ: نَفَرَتْ كَراهِيَةً؛ وذُعْرًا؛ واسْتِكْبارًا؛ مَعَ تَمَعُّرِ الوَجْهِ؛ وتَقَبُّضِهِ قُلُوبَهم - هَكَذا كانَ الأصْلُ -؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يُجَدِّدُونَ إيمانًا؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ بَيانًا لِأنَّ الحامِلَ لَهم عَلى ذَلِكَ إضاعَةُ اعْتِقادِ ما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ؛ مِنَ الرُّجُوعِ (p-٥٢٣)إلَيْهِ؛ الَّذِي أتَمَّهُ؛ وأظْهَرَهُ؛ رُجُوعِ الآخِرَةِ؛ ﴿وإذا ذُكِرَ الَّذِينَ﴾؛ وبَكَّتَ بِهِمْ في رِضاهم بِالأدْنى؛ فَقالَ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: الأوْثانُ؛ وأكَّدَ فَرْطَ جَهْلِهِمْ في اتِّباعِهِمُ الباطِلَ؛ وجُمُودِهِمْ عَلَيْهِ؛ دُونَ تَلَبُّثٍ لِنَظَرٍ في دَلِيلٍ؛ أوْ سَماعٍ لِـ ”قالَ“؛ أوْ ”قِيلَ“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمُ المُفِيضَةِ عَلى ظَواهِرِهِمْ؛ ﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾؛ أيْ: فاجَؤُوا طَلَبَ البِشْرِ؛ وإيقاعِهِ؛ وتَجْدِيدِهِ عَلى سَبِيلِ الثَّباتِ في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ سَواءٌ ذُكِرَ مَعَهُمُ اللَّهُ؛ أوْ لا؛ فالِاسْتِبْشارُ حِينَئِذٍ إنَّما هو بِالأنْدادِ؛ والِاشْمِئْزازُ والِاسْتِبْشارُ مُتَقابِلانِ؛ لِأنَّ الِاشْمِئْزازَ امْتِلاءُ القَلْبِ غَمًّا؛ وغَيْظًا؛ فَيَظْهَرُ أثَرُهُ؛ وهو الِانْقِباضُ في أدِيمِ الوَجْهِ؛ والِاسْتِبْشارَ امْتِلاءُ القَلْبِ سُرُورًا؛ حَتّى يَظْهَرَ أثَرُهُ؛ وهو الِانْبِساطُ؛ والتَّهَلُّلُ في الوَجْهِ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ؛ والعامِلُ في ”إذا“؛ الأُولى هو العامِلُ في الفُجائِيَّةِ؛ أيْ: فاجَؤُوا الِاسْتِبْشارَ وقْتَ هَذا الذِّكْرِ؛ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ أوَّلًا؛ وبِالِاسْمِيَّةِ ثانِيًا؛ لِيُفِيدَ ذَمَّهم عَلى مُطْلَقِ الِاشْمِئْزازِ؛ ولَوْ كانَ عَلى أدْنى الأحْوالِ؛ وعَلى ثَباتِ الِاسْتِبْشارِ؛ تَقْبِيحًا لِمُطْلَقِ الكُفْرِ؛ ثُمَّ الثَّباتِ عَلَيْهِ؛ فَتْحًا لِبابِ التَّوْبَةِ.

الزمر 39:46

ولَمّا نَفى صَلاحِيَةَ الوَكالَةِ عَلى النّاسِ في الهُدى؛ والضَّلالِ لِغَيْرِهِ؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِمُلْكِهِ؛ ومِلْكِهِ؛ وأخْبَرَ بِتَعَمُّدِهِمُ الباطِلَ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ وُجُوبَ اللِّجاءِ إلَيْهِ؛ والإعْراضِ عَمّا سِواهُ؛ وقَصْرِ العَزْمِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ (p-٥٢٤)- مُعْلِمًا بِذَلِكَ؛ ومُعَلِّمًا لِما يُقالُ عِنْدَ مُخالَفَةِ الدّاعِي؛ بِاتِّباعِ الهَوى -: ﴿قُلِ﴾؛ أيْ: يا مَن نَزَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ؛ فَلا يَفْهَمُ عَنّا حَقَّ الفَهْمِ غَيْرُهُ؛ راغِبًا إلى رَبِّكَ في أنْ يَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ أيْ: يا اللَّهُ؛ وهَذا نِداءٌ مَحْضٌ؛ ويُسْتَعْمَلُ أيْضًا عَلى نَحْوَيْنِ آخَرَيْنِ؛ ذَكَرَهُما ابْنُ الخَشّابِ المَوْصِلِيُّ؛ في كِتابِهِ ”النِّهايَةُ شَرْحُ الكِفايَةِ“؛ أحَدُهُما أنْ تُذْكَرَ لِتَمْكِينِ الجَوابِ في نَفْسِ السّائِلِ؛ كَما «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِضِمامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ قالَ: آللَّهُ أمَرَكَ أنْ تُصَلِّيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ؛ فَقالَ: ”اللَّهُمَّ نَعَمْ“؛» إلى آخِرِ ما قالَهُ لَهُ؛ وسَرَّهُ أنَّ المَسْؤُولَ إذا ذَكَرَ اللَّهَ في جَوابِهِ؛ كانَ ذِكْرُهُ إيّاهُ أبْعَثَ لِلسّائِلِ عَلى تَصْدِيقِهِ؛ لِأنَّهُ أوْقَرُ في صَدْرِهِ؛ إنْ لَمْ يَتَصَدَّ لِذِكْرِ اللَّهِ؛ ولَمْ يَكُنْ بِصَدَدِهِ؛ وهو مِمَّنْ يَدِينُ بِاسْتِعْمالِ الكَذِبِ؛ والثّانِي أنْ يَدُلَّ بِهِ عَلى النُّدْرَةِ؛ وقِلَّةِ وُقُوعِ المَذْكُورِ؛ كَقَوْلِ المُصَنِّفِينَ: لا يَكُونُ كَذا؛ اللَّهُمَّ إلّا إذا كانَ كَذا؛ كَأنَّهُ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِن جَزْمِهِ؛ أوْ لا يَسُدُّ البابَ في أنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ؛ فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي؛ فَإنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَذا؛ انْتَهى؛ ثُمَّ أبْدَلَ - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ -؛ ووَصَفَ - عِنْدَ غَيْرِهِ - فَقالَ: ﴿فاطِرَ﴾؛ أيْ: ”مُبْدِعَ“؛ مِنَ العَدَمِ؛ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ولَمّا كانَتِ القُدْرَةُ (p-٥٢٥)لا تَتِمُّ إلّا بِتَمامِ العِلْمِ؛ قالَ: ﴿عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: ما لا يَصِحُّ عِلْمُهُ لِلْخَلْقِ؛ وما يَصِحُّ. ولَمّا كانَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ - لا يُمْكِنُ لَهُ ذَلِكَ؛ حَسُنَ التَّخْصِيصُ في قَوْلِهِ: ﴿أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾؛ أيْ: أنا؛ وهُمْ؛ وغَيْرِنا؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ لا مَحِيصَ عَنْ ذَلِكَ؛ ولا يَصِحُّ في الحِكْمَةِ سِواهُ؛ كَما أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَحْكُمُ بَيْنَ عَبِيدِهِ؛ ومِن تَحْتِ أمْرِهِ؛ لا يَسُوغُ في رَأْيِهِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ ﴿فِي ما كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ بِما اقْتَضَتْهُ جِبِلّاتُهُمُ الَّتِي جَبَلْتَهم عَلَيْها؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ وأمّا غَيْرُكَ فَإنَّهُ لا يَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَفْعَلُونَ؛ فَلا يَقْدِرُ عَلى الحُكْمِ بَيْنَهُمْ؛ وأمّا غَيْرُ ما هم عَرِيقُونَ في الِاخْتِلافِ فِيهِ؛ فَلا يَحْكُمُ بَيْنَهم فِيهِ؛ لِأنَّهُ إمّا ما هُيِّئُوا بِفِطَرِهِمُ السَّلِيمَةِ؛ وعُقُولِهِمُ القَوِيمَةِ؛ لِلِاتِّفاقِ عَلَيْهِ؛ فَهو الحَقُّ؛ وإمّا ما يَعْرِضُ لَهم الِاخْتِلافُ فِيهِ؛ لا عَلى سَبِيلِ القَصْدِ؛ أوْ بِقَصْدٍ غَيْرِ ثابِتٍ؛ فَهو مِمّا تُذْهِبُهُ الحَسَناتُ؛ فَعُرِفَ أنَّ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ إنَّما هو لِلِاخْتِصاصِ؛ لا الفاصِلَةِ.

الزمر 39:47

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَيُعَذِّبُ الظّالِمِينَ؛ فَلَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ لَما ظَنُّوا بِادِّعائِهِمْ لَهُ - سُبْحانَهُ - ولَدًا؛ وشُرَكاءَ يُقَرِّبُونَهم إلَيْهِ زُلْفى مِنهُمْ؛ بِجَلالِهِ؛ ونَزاهَتِهِ عَمّا ادَّعَوْهُ لَهُ؛ وكَمالِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ - قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ أنَّ﴾؛ وكانَ الأصْلُ: ”لَهُمْ“؛ ولَكِنَّهُ قالَ - تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ -: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: وقَعُوا (p-٥٢٦)فِي الظُّلْمِ؛ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ولَوْ قَلَّ؛ ﴿ما في الأرْضِ﴾؛ ولَمّا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا؛ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ وزادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومِثْلَهُ﴾؛ وقالَ: ﴿مَعَهُ﴾؛ لِيُفْهِمَ بَدَلَ الكُلِّ جُمْلَةً؛ لا عَلى سَبِيلِ التَّقْطِيعِ؛ ﴿لافْتَدَوْا﴾؛ أيْ: لاجْتَهَدُوا في طَلَبِ أنْ يُفْدُوا؛ ﴿بِهِ﴾؛ أنْفُسَهُمْ؛ ﴿مِن سُوءِ العَذابِ﴾؛ وبَيَّنَ الوَقْتَ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ وزِيادَةً في هَوْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ رَوى الشَّيْخانِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِأهْوَنِ أهْلِ النّارِ عَذابًا: (لَوْ أنَّ لَكَ ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ؛ أكُنْتَ مُفْتَدِيًا بِهِ؟)؛ فَيَقُولُ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ: (قَدْ أرَدْتُ مِنكَ أهْوَنَ مِن هَذا؛ وأنْتَ في صُلْبِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ألّا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا؛ فَأبَيْتَ إلّا أنْ تُشْرِكَ بِي)“». قَوْلُهُ: ”أرَدْتُ“؛ أيْ: فَعَلْتُ مَعَكَ بِالأمْرِ فِعْلَ المُرِيدِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ في رِوايَةٍ: (قَدْ سَألْتُكَ). ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَوْ كانَ لَهم ذَلِكَ؛ وافْتَدَوْا بِهِ؛ ما قُبِلَ مِنهُمْ؛ ولا نَفَعَهُمْ؛ ولِأنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ وقْتُ الجَزاءِ؛ لا وقْتُ العَمَلِ؛ واليَوْمَ وقْتُ العَمَلِ؛ لا وقْتُ الجَزاءِ؛ فَلَوْ أنْفَقُوا فِيهِ أيْسَرَ شَيْءٍ عَلى وجْهِهِ قُبِلَ مِنهُمْ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ مِن أصْلِهِ؛ لا عَلى جَزائِهِ؛ قَوْلَهُ - مُعَظِّمًا الأمْرَ بِصَرْفِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ -: ﴿وبَدا﴾؛ أيْ: ظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ وهَوَّلَ أمْرَهُ بِإبْهامِهِ؛ لِيَكُونَ ضِدَّ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فَقالَ: ﴿ما لَمْ يَكُونُوا﴾؛ بِحَسَبِ (p-٥٢٧)جِبِلّاتِهِمْ؛ وما فُطِرُوا عَلَيْهِ مِنَ الإهْمالِ؛ والتَّهاوُنِ؛ ﴿يَحْتَسِبُونَ﴾؛ أيْ: لَمْ يَكُنْ في طَبائِعِهِمْ أنْ يَتَعَمَّدُوا أنْ يَحْسَبُوهُ؛ وتُجَوِّزَهُ عُقُولُهم مِنَ العَذابِ؛ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ أشَقَّ عَلى النَّفْسِ؛ وأرْوَعَ لِلْقَلْبِ؛

الزمر 39:48

﴿وبَدا لَهُمْ﴾؛ أيْ: ظَهَرَ ظُهُورًا تامًّا؛ كَأنَّهُ في البادِيَةِ؛ لا مانِعَ مِنهُ؛ ﴿سَيِّئاتُ ما﴾؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الِافْتِداءِ؛ وكانَ الإنْسانُ يَبْذُلُ عِنْدَ الِافْتِداءِ في فِكاكِ نَفْسِهِ الرَّغائِبَ؛ والنَّفائِسَ؛ عَبَّرَ هُنا بِالكَسْبِ؛ الَّذِي مِن مَدْلُولِهِ الخُلاصَةُ والعُصارَةُ؛ الَّتِي هي سِرُّ الشَّيْءِ؛ فَهو أخَصُّ مِنَ العَمَلِ؛ ولِذا جَعَلَهُ الأشْعَرِيُّ مَناطَ الجَزاءِ؛ فَقالَ - مُبَيِّنًا أنَّ خالِصَ عَمَلِهِمْ ساقِطٌ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِ؟! وهَذا بِخِلافِ ما في ”الجاثِيَةِ“؛ ﴿كَسَبُوا﴾؛ أيْ: الشَّيْءِ الَّذِي عَمِلُوهُ بِرَغْبَةٍ؛ مُجْتَهِدِينَ فِيهِ؛ لِظَنِّهِمْ نَفْعَهُ؛ وأنَّهُ خاصُّ أعْمالِهِمْ؛ وأجَلُّها؛ وأنْفَعُها؛ ﴿وحاقَ﴾؛ أيْ: أحاطَ عَلى جِهَةِ اللُّزُومِ؛ والأذى؛ ﴿بِهِمْ ما﴾؛ أيْ: جَزاءُ الشَّيْءِ الَّذِي؛ ﴿كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ كَأنَّهم جُبِلُوا عَلَيْهِ؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ؛ ويُوجِدُونَ الهَزْءَ والسُّخْرِيَةَ بِهِ؛ مِنَ النّارِ؛ وجَمِيعِ ما كانُوا يُتَوَعَّدُونَ بِهِ.

الزمر 39:49

ولَمّا أخْبَرَ عَنْ ظُهُورِ هَذا لَهُمْ؛ عَلَّلَهُ بِأنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ما لَمْ يَكُنْ في العادَةِ يُتَوَقَّعُ مِنهُمْ؛ وهو مُجازاةُ الإحْسانِ بِالإساءَةِ؛ وقَدْ كانُوا جَدِيرِينَ (p-٥٢٨)بِضِدِّهِ؛ فَقالَ: ﴿فَإذا﴾؛ أيْ: وقَعَ لَهم ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم إذا مَسَّهُمْ؛ ولَكِنَّهُ أخْبَرَ عَنِ النَّوْعِ الَّذِي هم مِنهُ بِما هو مَطْبُوعٌ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ﴾؛ أيَّ ضُرٍّ كانَ؛ مِن جِهَةٍ يَتَوَقَّعُها؛ كَما تَقَدَّمَ في الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنِ الإخْبارِ بِافْتِدائِهِمْ بِما يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ؛ وأنْ يَكُونَ مُسَبَّبًا عَنِ اشْمِئْزازِهِمْ مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ؛ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ في تَعْكِيسِهِمْ؛ وضَلالِهِمْ؛ وتَقَدَّمَ في الآيَةِ الَّتِي في أوَّلِ السُّورَةِ سِرُّ كَوْنِها بِالواوِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ دالًّا عَلى أنَّ أغْلَبَ النّاسِ لا يُرْجى اعْتِرافُهُ بِالحَقِّ؛ وإذْعانُهُ لِأهْلِ الإحْسانِ؛ إلّا إذا مُسَّ بِأضْرارٍ؛ فَقالَ: ﴿دَعانا﴾؛ عالِمًا بِعَظَمَتِنا؛ دُونَ آلِهَتِهِ؛ مَعَ اشْمِئْزازِهِ مِن ذِكْرِنا؛ واسْتِبْشارِهِ بِذِكْرِها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ الضُّرُّ عَظِيمًا؛ يَبْعُدُ الخَلاصُ عَنْهُ؛ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا حِيلَةَ لِمَخْلُوقٍ في دَفْعِهِ؛ أشارَ إلى عَظَمَتِهِ؛ وطُولِ زَمَنِهِ؛ بِأداةِ التَّراخِي؛ فَقالَ - مُقَبِّحًا عَلَيْهِ نِسْيانَهُ لِلضُّرِّ؛ مَعَ عِظَمِهِ في نَفْسِهِ؛ ومَعَ طُولِ زَمَنِهِ -: ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ﴾؛ أيْ: أعْطَيْناهُ؛ عَلى عَظَمَتِنا؛ مُتَفَضِّلِينَ عَلَيْهِ؛ مُحْسِنِينَ القِيامَ بِأمْرِهِ؛ وجَعَلْناهُ خَلِيقًا بِحالِهِ؛ جَدِيرًا بِتَدْبِيرِهِ عَلى غَيْرِ عَمَلٍ عَمِلَهُ؛ مُحَقِّقِينَ لِظَنِّهِ الخَيْرَ فِينا؛ وأحْسَنّا تَرْبِيَتَنا لَهُ؛ والقِيامَ عَلَيْهِ؛ مَعَ ما فَرَّطَ (p-٥٢٩)فِي حَقِّنا؛ ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾؛ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِنا فِيها شائِبَةُ مَنٍّ؛ ولَوْلا عَظَمَتُنا ما كانَتْ؛ ﴿قالَ﴾؛ ناسِيًا لِما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ؛ وإنْ كانَ قَدْ طالَ أمَدُهُ؛ قاصِرًا لَها عَلى نَفْسِهِ؛ غَيْرَ مُتَخَلِّقٍ بِما نَبَّهْناهُ عَلى التَّخَلُّقِ بِهِ مِن إحْسانِنا إلَيْهِ؛ وإقْبالِنا عَلَيْهِ عِنْدَ إذْعانِهِ؛ مُذَكِّرًا لِضَمِيرِها؛ تَفْخِيمًا لَها؛ وبَنى الفِعْلَ لِلْمَجْهُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا نَظَرَ لَهُ في تَعَرُّفِ المُعْطِي مَن هُوَ؛ يَشْكُرُهُ؛ وإنَّما نَظَرُهُ في عَظَمَةِ النِّعْمَةِ؛ وعَظَمَةِ نَفْسِهِ؛ وأنَّها عَلى مِقْدارٍ ما؛ ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ﴾؛ أيْ: هَذا المُنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ؛ الَّذِي هو كَبِيرٌ؛ وعَظِيمٌ؛ لِأنِّي عَظِيمٌ؛ فَأنا أُعْطى عَلى مِقْدارِي؛ و”ما“؛ هي الزّائِدَةُ الكافَّةُ لِـ ”إنَّ“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى الحَصْرِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ هي اسْمَ ”إنَّ“؛ وخَبَرُها قَوْلُهُ: ﴿عَلى﴾؛ أيْ: إيتاءً مُسْتَعْلِيًا؛ مُتَمَكِّنًا عَلى ﴿عِلْمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ وجِدٍّ مِنِّي؛ بِطَرِيقِ الكَسْبِ؛ والِاجْتِهادِ؛ ووُجُوهِ الطَّلَبِ والِاحْتِيالِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِمَجِيئِهِ إلَيَّ؛ أوْ: عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ بِاسْتِحْقاقِهِ لَهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولا هي نِعْمَةٌ“؛ قالَ - دالًّا عَلى شُؤْمِ ذَلِكَ المُعْطى؛ وحَقارَتِهِ؛ لِأنَّهُ مِن أسْبابِ إضْلالِهِ؛ بِالتَّأْنِيثِ -: (p-٥٣٠)﴿بَلْ هِيَ﴾؛ أيْ: العَطِيَّةُ؛ والنِّعْمَةُ؛ ﴿فِتْنَةٌ﴾؛ لِاخْتِبارِهِ؛ هَلْ يَشْكُرُ؛ أمْ يَكْفُرُ؛ لِتُقامَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ؛ فَإنْ أدَّتْ إلى النّارِ كانَتِ اسْتِدْراجًا؛ وأنَّثَ الضَّمِيرَ تَحْقِيرًا لَها؛ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ولِأنَّها أدَّتْ إلى الغُرُورِ؛ بَعْدَ أنْ ذَكَّرَ ضَمِيرَها أوَّلًا؛ تَعْظِيمًا لَها؛ لِإيجابِ شُكْرِها. ولَمّا كانَ مِنَ المَفْتُونِينَ مَن يَنْتَبِهُ؛ وهُمُ الأقَلُّ؛ قالَ - جامِعًا؛ تَنْبِيهًا عَلى إرادَةِ الجِنْسِ؛ وأنَّ تَعْبِيرَهُ أوَّلًا؛ بِإفْرادِ الضَّمِيرِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ أكْثَرَ النّاسِ كَأنَّهم في ذَلِكَ الخُلُقِ النَّحِسِ نَفْسٌ واحِدَةٌ -: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾؛ أيْ: أكْثَرَ هَؤُلاءِ القائِلِينَ لِهَذا الكَلامِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ أصْلًا؛ لِأنَّهم طُبِعُوا عَلى الجَلافَةِ؛ والجَهْلِ؛ والغَباوَةِ؛ فَلَوْ أنَّهم إذا دَعَوْنا وهم في جَهَنَّمَ أجَبْناهُمْ؛ وأنْعَمْنا عَلَيْهِمْ نِعْمَتَنا؛ ونَسَبُوها إلى غَيْرِنا كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا؛ سَواءً.

الزمر 39:50

ولَمّا كانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ مَقْصُودِينَ بِهَذا قَصْدًا عَظِيمًا؛ وإنْ كانَ شامِلًا؛ بِإطْلاقِهِ غَيْرَهم مِنَ الأوَّلِينَ؛ والآخِرِينَ؛ قالَ - مُوَضِّحًا لِذَلِكَ -: ﴿قَدْ قالَها﴾؛ أيْ: مَقالَتَهُمْ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾ [الزمر: ٤٩] ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً؛ وأكْثَرُ جَمْعًا؛ كَما قالَ قارُونُ؛ ومَن رَضِيَ حالَهُ؛ فَتَمَنّى مالَهُ؛ ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: أُولَئِكَ الماضِينَ؛ ﴿ما كانُوا﴾؛ بِما اقْتَضَتْهُ (p-٥٣١)جِبِلّاتُهُمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ كَسْبَهُ؛ مِنَ المالِ؛ والجاهِ؛ وإنْ كانَ مِلْءَ السَّهْلِ والجَبَلِ؛

الزمر 39:51

﴿فَأصابَهُمْ﴾؛ أيْ: إصابَةً شَدِيدَةً - بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَذْكِيرُ الفِعْلِ -؛ أيْ: تَسَبَّبَ عَنْ عَدَمِ الإغْناءِ أنَّهُ أصابَهُمْ؛ ﴿سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: وبالُ ذَلِكَ؛ وما يَسُوءُ مِن آثارِهِ؛ ﴿والَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَحالِّها؛ ﴿مِن هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: قَوْمِكَ؛ الَّذِينَ لا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ؛ فَإنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوا آياتِهِ عَرَفُوا؛ ولَكِنْ سَبَقَ عَلَيْهِمُ العَمى؛ ﴿سَيُصِيبُهُمْ﴾؛ أيْ: إصابَةً شَدِيدَةً جِدًّا؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ كَما أصابَ مَن قَبْلَهُمْ؛ ﴿سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا بِرَغْبَةٍ وسُرُورٍ؛ يَظُنُّونَ أنَّهُ نافِعٌ لَهُمْ؛ ﴿وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾؛ وإنْ ظَنُّوا أنَّ مالَهم حِصْنٌ لَهُمْ؛ وعَمِلُوا مِنَ الأشَرِ؛ والبَطَرِ فِيهِ؛ أعْمالَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا تَنالُهُ مُصِيبَةٌ في الدُّنْيا؛ وأنَّهُ لا يُبْعَثُ إلى ما أعْدَدْنا لَهُ مِنَ الأهْوالِ في الآخِرَةِ؛ ولَقَدْ أصابَهم ذَلِكَ؛ فَأوَّلُ ما أصابَهم ما كَشَفَ عَنْهُ الزَّمانُ مِن وقْعَةِ ”بَدْرٍ“؛ ثُمَّ ما تَبِعَهُ إلى ما لا آخِرَ لَهُ.

الزمر 39:52

ولَمّا ثَبَتَ أنَّ الضّارَّ النّافِعَ إنَّما هو اللَّهُ؛ مَن شاءَ أعْطاهُ؛ ومَن شاءَ مَنَعَهُ؛ ومَن شاءَ اسْتَلَبَهُ ووَضَعَهُ؛ بَعْدَما رَفَعَهُ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَمْ (p-٥٣٢)يَعْلَمُوا أنَّ ما جَمَعَهُ مَن قَبْلَهم لَمْ يَدْفَعْ عَنْهم أمْرَ اللَّهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِنَفْيِ العِلْمِ عَنِ الأكْثَرِ؛ وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ بَيانَ أنَّهُ صادِقُ الوَعْدِ؛ ومُطْلَقُ العِلْمِ كافٍ فِيهِ؛ عَبَّرَ بِالعِلْمِ؛ بِخِلافِ ما مَضى في ”الرُّومِ“؛ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُوا﴾؛ أيْ: بِما رَأوْا في أعْمارِهِمْ مِنَ التَّجارِبِ؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ؛ ودَفْعًا لِلَّبْسِ؛ والتَّعَنُّتِ؛ بِغايَةِ الإفْهامِ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ؛ والجَمالُ؛ ﴿يَبْسُطُ﴾؛ أيْ: هو وحْدَهُ؛ ﴿الرِّزْقَ﴾؛ غايَةَ البَسْطِ؛ ﴿لِمَن يَشاءُ﴾؛ وإنْ كانَ لا حِيلَةَ لَهُ؛ ولا قُوَّةَ؛ ﴿ويَقْدِرُ﴾؛ أيْ: يُضَيُّقُ؛ مَعَ النَّكَدِ؛ بِأمْرٍ قاهِرٍ؛ عَلى مَن هو أوْسَعُ النّاسِ باعًا في الحِيَلِ؛ وأمْكَنُهم في الدُّوَلِ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لَوْلا أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِنهُ وحْدَهُ؛ لَما كانَ أحَدٌ مِمَّنْ لَهُ قُوَّةٌ في الجِسْمِ؛ وتَمَكُّنٌ في العِلْمِ فَقِيرًا أصْلًا. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ؛ عَدَّهُ مُسَلَّمًا؛ وقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ وأكَّدَهُ لِأنَّ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ فِيهِ عِبْرَةٌ؛ ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ﴾؛ ذَوِي قُوَّةٍ؛ وهِمَمٍ عَلِيَّةٍ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: هُيِّئُوا لِأنْ يُوجَدُ مِنهُمُ الإيمانُ؛ فَيُجَدِّدُوا التَّصْدِيقَ في كُلِّ وقْتٍ؛ تَجْدِيدًا مُسْتَمِرًّا؛ بِأنَّ الأُمُورَ كُلَّها مِنَ اللَّهِ؛ فَيَخافُوهُ؛ ويَرْجُوهُ؛ ويَشْكُرُوهُ؛ ولا يَكْفُرُوهُ؛ وأمّا غَيْرُهم فَقَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الكَلِمَةُ؛ بِما هُيِّئَ لَهُ مِن عَمَلِ النّارِ؛ فَلا يُمْكِنُهُ الإيمانُ؛ فَلَيْسَ لَهُ في ذَلِكَ آياتٌ؛ لِأنَّها لا تَنْفَعُهُ.

الزمر 39:53

(p-٥٣٣)ولَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ السُّورَةِ؛ ولا سِيَّما في هَذِهِ الآياتِ؛ فَطالَ التَّحْذِيرُ؛ وأوْدَعَها مِنَ التَّهْدِيدِ؛ وصادِعِ الإنْذارِ والوَعِيدِ العَظِيمَ الكَثِيرَ؛ وخَتَمَ بِالحَثِّ عَلى الإيمانِ؛ والنَّظَرِ السَّدِيدِ في العِرْفانِ؛ وكانَتْ كَثْرَةُ الوَعِيدِ رُبَّما أيْأسَتْ؛ ونَفَّرَتْ؛ وأوْحَشَتْ؛ وصَدَّتْ عَنِ العَطْفِ وأبْعَدَتْ؛ قالَ (تَعالى) - مُسْتَعْطِفًا؛ مُتَرَفِّقًا بِالشّارِدِينَ عَنْ بابِهِ؛ مُتَلَطِّفًا؛ جامِعًا بَيْنَ العاطِفِينَ كَلامَ ذَوِي النِّعْمَةِ؛ عَلى لِسانِ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ؛ صارِفًا القَوْلَ إلى خِطابِهِ؛ بَعْدَ أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: يا أكْرَمَ الخَلْقِ؛ وأرْحَمَهم بِالعِبادِ؛ ولَفَتَ عَمّا تَقْتَضِيهِ ”قُلْ“؛ مِنَ الغَيْبَةِ إلى مَعْنى الخِطابِ؛ زِيادَةً في الِاسْتِعْطافِ؛ وزادَ في التَّرَفُّقِ بِذِكْرِ العُبُودِيَّةِ؛ والإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ؛ عَرِيًّا عَنِ التَّعْظِيمِ؛ فَقالَ: ﴿يا﴾؛ أيْ: رَبُّكُمُ المُحْسِنُ إلَيْكم يَقُولُ: يا ﴿عِبادِيَ﴾؛ فَلَذَّذَهم بَعْدَ تِلْكَ المَراراتِ؛ بِحَلاوَةِ الإضافَةِ إلى جَنابِهِ؛ تَقْرِيبًا مِن بابِهِ؛ ولَمّا أضافَ؛ طَمِعَ المُطِيعُونَ أنْ يَكُونُوا هُمُ المَقْصُودِينَ؛ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ؛ ونَكَّسَ العاصُونَ؛ وقالُوا: مَن نَحْنُ حَتّى يُصَوِّبَ نَحْوَنا هَذا المَقالَ؟ فَقالَ (تَعالى) - جابِرًا لَهم -: ﴿الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾؛ أيْ: تَجاوَزُوا الحَدَّ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ حَتّى صارَتْ لَهم أحْمالٌ ثِقالٌ؛ ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ فَأبْعَدُوها عَنِ الحَضْراتِ الرَّبّانِيَّةِ؛ وأرْكَسُوها في الدَّنايا الشَّيْطانِيَّةِ؛ فانْقَلَبَ الحالُ؛ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمُ انْتَعَشُوا؛ وزالَتْ ذِلَّتُهُمْ؛ والَّذِينَ رَفَعُوا (p-٥٣٤)رُؤُوسَهم أطْرَقُوا؛ وزالَتْ صَوْلَتُهُمْ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ وأفْهَمَ تَقْيِيدُ الإسْرافِ أنَّ الإسْرافَ عَلى الغَيْرِ لا يُغْفَرُ؛ إلّا بِالخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ ذَلِكَ الغَيْرِ؛ ﴿لا تَقْنَطُوا﴾؛ أيْ: يَنْقَطِعْ رَجاؤُكُمْ؛ وتَيْأسُوا؛ وتَمْتَنِعُوا؛ وعَظَّمَ التَّرْجِيَةَ بِصَرْفِ القَوْلِ عَنِ التَّكَلُّمِ؛ وإضافَةِ الرَّحْمَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: إكْرامِ المُحِيطِ بِكُلِّ صِفاتِ الكَمالِ؛ فَيَمْنَعَكم ذَلِكَ القُنُوطُ مِنَ التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي بابُ الرَّحْمَةِ؛ ولِعِظَمِ المَقامِ أضافَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِظَنِّهِمْ أنَّ كَثْرَةَ الوَعِيدِ مَنَعَتِ الغُفْرانَ؛ وحَتَّمَتِ الجَزاءَ بِالِانْتِقامِ؛ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ تَعْظِيمًا لِلْحالِ؛ وتَأْكِيدًا بِما فِيهِ مِن مَعْنى الإحاطَةِ والجَمْعِ لِإرادَةِ العُمُومِ -: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِجَمِيعِ نُعُوتِ الجَمالِ؛ والجَلالِ والإكْرامِ؛ فَكَما أنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالِانْتِقامِ؛ هو مُتَّصِفٌ بِالعَفْوِ؛ والغُفْرانِ؛ ﴿يَغْفِرُ﴾؛ إنْ شاءَ؛ ﴿الذُّنُوبَ﴾؛ ولَمّا أفْهَمَتِ اللّامُ الِاسْتِغْراقَ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ ولا يُبالِي؛ لَكِنَّهُ سَبَقَ مِنهُ القَوْلُ أنَّهُ إنَّما يَغْفِرُ الشِّرْكَ بِالتَّوْبَةِ عَنْهُ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَيَغْفِرُهُ إنْ شاءَ بِتَوْبَةٍ؛ وإنْ شاءَ بِلا تَوْبَةٍ؛ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَمْنَعَهُ مِن شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. ولَمّا كانَ لا يُعْهَدُ في النّاسِ مِثْلُ هَذا؛ بَلْ لَوْ أرادَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِ الدُّنْيا العَفْوَ عَنْ أهْلِ الجَرائِمِ؛ قامَ عَلَيْهِ جُنْدُهُ؛ فانْحَلَّ عِقْدُهُ؛ وانْثَلَمَ حَدُّهُ؛ (p-٥٣٥)عَلَّلَ هَذِهِ العِلَّةَ بِما يَخُصُّهُ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ ذَلِكَ؛ بِالقِياسِ عَلى ما يَعْهَدُونَ -: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الغَفُورُ﴾؛ أيْ: البَلِيغُ المَغْفِرَةِ؛ بِحَيْثُ يَمْحُو الذُّنُوبَ؛ مَهْما شاءَ؛ عَيْنًا وأثَرًا؛ فَلا يُعاقِبُ؛ ولا يُعاتِبُ؛ ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ أيْ: المُكْرِمُ بَعْدَ المَغْفِرَةِ؛ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أصْلًا عَلى نَوْعِ اعْتِراضٍ عَلَيْهِ؛ ولا تَوْجِيهِ طَعْنٍ إلَيْهِ.

الزمر 39:54

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأقْلِعُوا عَنْ ذُنُوبِكُمْ؛ فَإنَّها قاطِعَةٌ عَنِ الخَيْرِ؛ مُبْعِدَةٌ عَنِ الكَمالِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ اسْتِعْطافًا قَوْلَهُ - دالًّا عَلى أنَّ الغُفْرانَ المُتَقَدِّمَ إنَّما هو إذا شاءَ التَّفَضُّلَ - سُبْحانَهُ - بِتَوْبَةٍ؛ وبِغَيْرِ تَوْبَةٍ -: ﴿وأنِيبُوا﴾؛ أيْ: ارْجِعُوا بِكُلِّيّاتِكُمْ؛ وكِلُوا حَوائِجَكُمْ؛ وأسْنِدُوا أُمُورَكُمْ؛ واجْعَلُوا طَرِيقَكم ﴿إلى﴾؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ زِيادَةً في الِاسْتِعْطافِ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ تَرَوْا إحْسانًا إلّا وهو مِنهُ؛ ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾؛ أيْ: أوْجِدُوا إسْلامَ جَمِيعِ ما مَلَّكَهُ لَكُمْ؛ مِنَ الأعْيانِ؛ والمَعانِي؛ مُتَبَرِّئِينَ عَنْهُ لِأجْلِهِ؛ فَإنَّهُ لَوْ شاءَ سَلَبَكُمُوهُ؛ فَإذا لَمْ تَكُونُوا مالِكِيهِ مِلْكًا تامًّا فَعُدُّوا أنْفُسَكم عارِيَةً عَنْهُ؛ غَيْرَ مالِكَةٍ لَهُ؛ ولا قادِرَةٍ؛ وكَأنَّ الَّذِي لَكم بِالأصالَةِ ما كانَ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ شَدِيدًا؛ لِأنَّ الكَفَّ عَمّا أشْرَفَتِ النَّفْسُ عَلى بُلُوغِ الوَطَرِ مِنهُ في غايَةِ المَرارَةِ؛ قالَ - مُهَدِّدًا لَهُمْ؛ دالًّا بِحَرْفِ الِابْتِداءِ عَلى (p-٥٣٦)رِضاهُ مِنهم بِإيقاعِ ما أقَرَّ بِهِ في اليَسِيرِ مِنَ الزَّمانِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَقْدُرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ بِاسْتِغْراقِ الزَّمانِ في الطّاعَةِ؛ وإنْ كانَ إبْهامُ الأجَلِ يَحْدُو العاقِلَ عَلى اسْتِغْراقِهِ فِيها -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾؛ أيْ: وأنْتُمْ صاغِرُونَ؛ ﴿العَذابُ﴾؛ أيْ: القاطِعُ لِكُلِّ العُذُوبَةِ؛ المُجَرِّعُ لِكُلِّ مَرارَةٍ وصُعُوبَةٍ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما تَوَقَّعَ ضَرَرًا في إقْدامِهِ عَلى ما لَهُ فِيهِ لَذَّةٌ؛ وحاوَلَ دَفْعَهُ؛ قالَ - مُعَظِّمًا لِهَذا العَذابِ؛ مُشِيرًا بِأداةِ التَّراخِي إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ؛ ولَوْ طالَ المَدى -: ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَكم نَوْعُ نَصْرٍ أبَدًا.

الزمر 39:55

ولَمّا أمَرَ بِرُؤْيَةِ الأُمُورِ كُلِّها مِنَ اللَّهِ؛ وإسْلامِ القِيادِ كُلِّهِ إلَيْهِ؛ أمَرَ بِما هو أعْلى مِن ذَلِكَ؛ وهو المُجاهَدَةُ بِقَتْلِ النَّفْسِ؛ فَقالَ: ﴿واتَّبِعُوا﴾؛ أيْ: عالِجُوا أنْفُسَكُمْ؛ وكَلِّفُوها أنْ تَتَّبِعَ ﴿أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ﴾؛ واصِلًا؛ ﴿إلَيْكُمْ﴾؛ عَلى سَبِيلِ العَدْلِ؛ كالإحْسانِ الَّذِي هو أعْلى مِنَ العَفْوِ؛ الَّذِي هو فَوْقَ الِانْتِقامِ؛ بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ؛ الَّذِي هو أحْسَنُ ما نُزِّلَ مِن كُتُبِ اللَّهِ؛ وبِاتِّباعِ أحاسِنِ ما فِيهِ؛ فَتَصِلَ مَن قَطَعَكَ؛ وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ؛ وتُحْسِنَ إلى مَن ظَلَمَكَ؛ هَذا في حَقِّ الخَلائِقِ؛ ومِثْلُهُ في عِبادَةِ الخالِقِ بِأنْ تَكُونَ ”كَأنَّكَ تَراهُ“؛ الَّذِي هو أعْلى مِنَ اسْتِحْضارِ ”إنَّهُ يَراكَ“؛ الَّذِي هو أعْلى مِن أدائِها مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ ذَلِكَ. (p-٥٣٧)ولَمّا كانَ هَذا شَدِيدًا عَلى النَّفْسِ؛ رَغَّبَ فِيهِ بِقَوْلِهِ - مُظْهِرًا صِفَةَ الإحْسانِ مَوْضِعَ الإضْمارِ -: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيْكُمْ؛ وأنْتُمْ تُبارِزُونَهُ بِالعَظائِمِ؛ ولَمّا كانَ مِنَ النُّفُوسِ ما هو كالبَهائِمِ؛ لا يَنْقادُ إلّا بِالضَّرْبِ؛ قالَ - مُنَبِّهًا أيْضًا عِلَّةَ رِفْقِهِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ -: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ﴾؛ أيْ: عَلى ما بِكم مِنَ العَجْزِ عَنِ الدِّفاعِ؛ ﴿العَذابُ﴾؛ أيْ: الأمْرُ الَّذِي يُزِيلُ ما يَعْذُبُ ويَحْلُو لَكم في الدُّنْيا؛ أوْ في الآخِرَةِ. ولَمّا كانَ الأخْذُ عَلى غِرَّةٍ أصْعَبَ عَلى النُّفُوسِ؛ قالَ: ﴿بَغْتَةً﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَشْعُرُ بِالشَّيْءِ مَرَّةً؛ ثُمَّ يَنْساهُ فَيُباغِتُهُ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ عِنْدَكم شُعُورٌ بِإتْيانِهِ؛ لا في حالِ إتْيانِهِ؛ ولا قَبْلَهُ؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ لِفَرْطِ غَفْلَتِكُمْ؛ لِيَكُونَ أفْظَعَ ما يَكُونُ عَلى النَّفْسِ؛ لِشِدَّةِ مُخالَفَتِهِ لِما هو مُسْتَقِرٌّ فِيها؛ وهي مُتَوَطِّنَةٌ عَلَيْهِ مِن ضِدِّهِ.

الزمر 39:56

ولَمّا كانَ لِلْإنْسانِ عِنْدَ وُقُوعِ الخُسْرانِ أقْوالٌ وأحْوالٌ؛ لَوْ تَخَيَّلَها قَبْلَ هُجُومِهِ لَحَسَبَ حِسابَهُ؛ فَباعَدَ أسْبابَهُ؛ عَلَّلَ الإقْبالَ عَلى الِاتِّباعِ بِغايَةِ الجُهْدِ والنِّزاعِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ ﴿تَقُولَ﴾؛ ولَمّا كانَ المُوقِعُ لِلْإنْسانِ في النُّقْصانِ إنَّما هو حُظُوظُهُ وشَهَواتُهُ المُخالِفَةُ لِعَقْلِهِ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَفْسٌ﴾؛ أيْ: عِنْدَ وُقُوعِ العَذابِ لَها؛ وإفْرادُها وتَنْكِيرُها كافٍ في الوَعِيدِ؛ لِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو المُرادَ؛ ﴿يا حَسْرَتا﴾؛ و”التَّحَسُّرُ“: الِاغْتِمامُ عَلى ما فاتَ؛ والتَّنَدُّمُ عَلَيْهِ؛ وألْحَقَ الألِفَ بَدَلًا مِنَ الياءِ؛ (p-٥٣٨)تَعْظِيمًا لَهُ؛ أيْ: يا طُولَ غَمّاهُ؛ لِانْكِشافِ ما فِيهِ صَلاحِي عَنِّي؛ وبُعْدِهِ مِنِّي؛ فَلا وُصُولَ لِي إلَيْهِ لِاسْتِدْراكِ ما فاتَ مِنهُ؛ وذَلِكَ عِنْدَ انْكِشافِ أحْوالِها؛ وحُلُولِ أوْجالِها وأهْوالِها؛ ودَلَّ عَلى تَجاوُزِ هَذا التَّحَسُّرِ الحَدَّ قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ: ”حَسْرَتايَ“؛ بِالجَمْعِ بَيْنَ العِوَضِ؛ وهو الألِفُ؛ والمُعَوَّضِ عَنْهُ؛ وهو الياءُ؛ وحَلِّ المَصْدَرِ؛ لِأنَّ ما حُلَّ إلَيْهِ أصْرَحُ في الإسْنادِ؛ وأفْخَمُ؛ وأدَلُّ عَلى المُرادِ؛ وأعْظَمُ؛ فَقالَ: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ﴾؛ أيْ: بِما ضَيَّعْتُ؛ فانْفَرَطَ مِنِّي نِظامُهُ؛ وتَعَذَّرَ انْضِمامُهُ والتِئامُهُ. ولَمّا كانَ حَقُّ كُلِّ أحَدٍ قَرِيبًا مِنهُ؛ حِسًّا أوْ مَعْنًى؛ حَتّى كَأنَّهُ إلى جَنْبِهِ؛ وكانَ بِالجَنْبِ قِوامُ الشَّيْءِ؛ ولَكِنَّهُ قَدْ يُفَرِّطُ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ مُنْحَرِفًا عَنِ الوِجاهِ والعِيانِ؛ فَيَدُلُّ التَّفْرِيطُ فِيهِ عَلى نِسْبَةِ المُفَرِّطِ لِصاحِبِهِ إلى الغَفْلَةِ عَنْهُ؛ وذَلِكَ أمْرٌ لا يُغْفَرُ؛ قالَ: ﴿فِي جَنْبِ﴾؛ وصَرَفَ القَوْلَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ لِزِيادَةِ التَّهْوِيلِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهِ﴾؛ أيْ: حَقِّ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي هو غَيْرُ مَغْفُولٍ عَنْهُ؛ ولا مُتَهاوَنٍ بِهِ. ولَمّا كانَ المَضْرُورُ المُعَذَّبُ المَقْهُورُ يُبالِغُ في الِاعْتِرافِ؛ رَجاءَ (p-٥٣٩)القَبُولِ والِانْصِرافِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ مُبالَغَةً في الإعْلامِ بِالإقْلاعِ عَمّا كانَ يَقْتَضِيهِ حالُهُ؛ ويُصَرِّحُ بِهِ مَقالُهُ؛ مِن أنَّهُ عَلى الحَقِّ؛ وأجَدِّ الجَدِّ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿كُنْتُ﴾؛ أيْ: كانَ ذَلِكَ في طَبْعِي؛ ﴿لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾؛ أيْ: المُسْتَهْزِئِينَ المُتَكَبِّرِينَ؛ المُنْزِلِينَ أنْفُسَهم في غَيْرِ مَنزِلَتِها؛ وذَلِكَ أنَّهُ ما كَفانِي المَعْصِيَةُ حَتّى كُنْتُ أسْخَرُ مِن أهْلِ الطّاعَةِ؛ أيْ: تَقُولَ هَذا لَعَلَّهُ يُقِيلُ مِنها؛ ويُعْفِي عَنْها؛ عَلى عادَةِ المُتَرَقِّقِينَ في وقْتِ الشَّدائِدِ؛ لَعَلَّهم يُعادُونَ إلى أجْمَلِ العَوائِدِ.

الزمر 39:57

ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ إذا وقَعَتْ في ورْطَةٍ لا تَدَعُ وجْهًا مُحْتَمَلًا حَتّى تَتَعَلَّقَ بِأذْيالِهِ؛ وتَمُتَّ بِحِبالِهِ؛ وتَفْتُرَ بِمِحالِهِ؛ قالَ - حاكِيًا كَذِبَها؛ حَيْثُ لا يُغْنِي إلّا الصِّدْقُ -: ﴿أوْ تَقُولَ﴾؛ أيْ: عِنْدَ نُزُولِ ما لا قِبَلَ لَها بِهِ؛ ﴿لَوْ أنَّ﴾؛ وأظْهَرَ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ إظْهارًا لِلتَّعْظِيمِ؛ وتَلَذُّذًا بِذِكْرِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ الكامِلَةُ والعِلْمُ الشّامِلُ؛ ﴿هَدانِي﴾؛ أيْ: بِبَيانِ الطَّرِيقِ؛ ﴿لَكُنْتُ﴾؛ أيْ: مُلازِمًا مُلازَمَةَ المَطْبُوعِ عَلى كَوْنِي ﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا يُقْدِمُونَ عَلى فِعْلٍ ما لَمْ يَدُلْهم عَلَيْهِ دَلِيلٌ.

الزمر 39:58

ولَمّا ذَكَرَ حالَها في الِاعْتِرافِ بِالبُطْلانِ؛ ثُمَّ الفَزَعِ إلى الزُّورِ (p-٥٤٠)والبُهْتانِ؛ أتْبَعَهُ التَّمَنِّيَ الَّذِي لا يُفِيدُ غَيْرَ الخُسْرانِ؛ فَقالَ: ﴿أوْ تَقُولَ﴾؛ أيْ: تِلْكَ النَّفْسُ المُفَرِّطَةُ؛ ﴿حِينَ تَرى العَذابَ﴾؛ أيْ: الَّذِي هاجَمَها لِلرَّحْمَةِ؛ أوِ النِّقْمَةِ؛ ﴿لَوْ أنَّ﴾؛ أيْ: يا لَيْتَ ﴿لِي كَرَّةً﴾؛ أيْ: رَجْعَةً إلى دارِ العَمَلِ؛ لِأتَمَكَّنَ مِنهُ؛ ﴿فَأكُونَ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ رُجُوعِي إلَيْها أنْ أكُونَ؛ ﴿مِنَ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: العامِلِينَ بِالإحْسانِ؛ الَّذِي دَعا إلَيْهِ القُرْآنُ؛ هَذا الإعْرابُ - وهو عَطْفُهُ عَلى الجَوابِ - أوْفَقُ لِبَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي مِن سِلْكِهِ.

الزمر 39:59

ولَمّا حَذَّرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَكُونُ لِلْمَأْخُوذِ مِن سَيِّئِ الأحْوالِ؛ وفَظِيعِ الأهْوالِ؛ وكانَ مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِن كَذِبِهِ وتَمَنِّيهِ أنَّهُ: ما جاءَنِي بَيانٌ؛ ولا كانَ لِي وقْتٌ أتَمَكَّنُ فِيهِ مِنَ العَمَلِ؛ قالَ (تَعالى) - مُكَذِّبًا لَهُ -: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: قَدْ كانَ لَكَ الأمْرانِ كِلاهُما؛ ﴿قَدْ جاءَتْكَ﴾؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى التَّكَلُّمِ؛ مَعَ تَجْرِيدِ الضَّمِيرِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن مُوجِباتِ اسْتِحْضارِها؛ إعْلامًا بِتَناهِي الغَضَبِ؛ بَعْدَ لَفْتِهِ إلى تَذْكِيرِ النَّفْسِ المُخاطَبَةِ؛ المُشِيرِ إلى أنَّها فَعَلَتْ في العِصْيانِ فِعْلَ الأقْوِياءِ الشِّدادِ؛ مِنَ التَّكْذِيبِ؛ والكِبْرِ؛ مَعَ القُدْرَةِ في الظّاهِرِ عَلى تَأمُّلِ الآياتِ؛ واسْتِيضاحِ الدَّلالاتِ؛ والمَشْيِ عَلى طُرُقِ الهِداياتِ بَعْدَما أشارَ تَأْنِيثُها إلى ضَعْفِها عَنْ حَمْلِ العَذابِ؛ وغَلَبَةِ النَّقائِصِ لَها؛ فَقالَ: ﴿آياتِي﴾؛ عَلى عَظَمَتِها في البَيانِ؛ الَّذِي لَيْسَ مِثْلُهُ بَيانٌ في وقْتٍ كُنْتَ فِيهِ مُتَمَكِّنًا مِنَ العَمَلِ بِالجَنانِ؛ واللِّسانِ؛ والأرْكانِ؛ (p-٥٤١)﴿فَكَذَّبْتَ بِها﴾؛ جُرْأةً عَلى اللَّهِ؛ وقِلَّةَ مُبالاةٍ بِالعَواقِبِ؛ ﴿واسْتَكْبَرْتَ﴾؛ أيْ: عَدَدْتَ نَفْسَكَ كَبِيرًا عَنْ قَبُولِها؛ ﴿وكُنْتَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَكَ؛ لِشِدَّةِ تَوَغُّلِكَ فِيهِ؛ وحِرْصِكَ عَلَيْهِ؛ ﴿مِنَ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في سَتْرِ ما ظَهَرَ مِن أنْوارِ الهِدايَةِ؛ لِلتَّكْذِيبِ تَكَبُّرًا؛ لَمْ يَكُنْ لَكَ مانِعٌ مِنَ الإحْسانِ إلّا ذَلِكَ؛ لا عَدَمُ البَيانِ؛ ولا عَدَمُ الزَّمانِ القابِلِ لِلْعَمَلِ.

الزمر 39:60

ولَمّا كانَ قَدْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عِنْدَ مَسِّ العَذابِ؛ في عَدَمِ البَيانِ؛ والوَقْتِ القابِلِ؛ قالَ (تَعالى) - مُحَذِّرًا مِن حالِهِ؛ وحالِ أمْثالِهِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى مَن لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ؛ تَسْلِيَةً لَهُ؛ وزِيادَةً في التَّخْوِيفِ لِغَيْرِهِ -: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَصِحُّ في الحِكْمَةِ تَرْكُهُ؛ ﴿تَرى﴾؛ أيْ: يا مُحْسِنُ؛ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾؛ وزادَ في تَقْبِيحِ حالِهِمْ في اجْتِرائِهِمْ؛ بِلَفْتِ القَوْلِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: الحائِزِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ بِأنْ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ؛ وهو مُنَزَّهٌ عَنْهُ مِن أنَّهُ فَعَلَ ما لا يَلِيقُ بِالحِكْمَةِ؛ مِنَ التَّكْلِيفِ مَعَ عَدَمِ البَيانِ؛ ومِن خَلْقِ الخَلْقِ يَعْدُو بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ مِن غَيْرِ حِسابٍ يَقَعُ فِيهِ الإنْصافُ بَيْنَ الظّالِمِ؛ والمَظْلُومِ؛ أوِ ادَّعَوْا لَهُ شَرِيكًا؛ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: وقالَ الحَسَنُ: ”هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنْ شِئْنا فَعَلْنا؛ وإنْ شِئْنا لَمْ نَفْعَلْ“؛ انْتَهى؛ وكَأنَّهُ عَنى المُعْتَزِلَةَ؛ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا مَجْلِسَهُ؛ وابْتَدَعُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهم يَخْلُقُونَ أفْعالَهُمْ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ مَن تَكَلَّمَ في الدِّينِ بِجَهْلٍ؛ وكُلُّ مَن كَذَبَ؛ وهو (p-٥٤٢)يَعْلَمُ أنَّهُ كاذِبٌ في أيِّ شَيْءٍ كانَ؛ فَإنَّهُ مِن حَيْثُ إنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَذِبَهُ؛ أوْ لا يَقْدِرُ عَلى جَزائِهِ؛ كَأنَّهُ كَذَبَ عَلى اللَّهِ؛ تَراهم بِالعَيْنِ حالَ كَوْنِهِمْ ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾؛ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ وهو حالُ المَوْصُولِ؛ أيْ: ثابِتٌ سَوادُها؛ زائِدُ البَشاعَةِ؛ والمُعَظَّمُ في الشَّناعَةِ بِجَعْلِ ذَلِكَ أمارَةً عَلَيْهِمْ؛ لِيَعْرِفَهم مَن يَراهم بِما كَذَبُوا في الدُّنْيا؛ فَإنَّهم لَمْ يَسْتَحْيُوا مِنَ الكَذِبِ المُخْزِي؛ ألَيْسَ ذَلِكَ زاجِرًا عَنْ مُطْلَقِ الكَذِبِ؟! فَكَيْفَ بِالكَذِبِ عَلى اللَّهِ؛ الَّذِي جَهَنَّمُ سِجْنُهُ؟! فَكَيْفَ بِالمُتَكَبِّرِينَ عَلَيْهِ؟! ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَلْقى مَن تَلْقى فِيها بِالتَّجَهُّمِ؛ والعُبُوسَةِ؛ ﴿مَثْوًى﴾؛ أيْ: مَنزِلٌ؛ ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ الَّذِينَ تَكَبَّرُوا عَلى اتِّباعِ أمْرِ اللَّهِ.

الزمر 39:61

ولَمّا ذَكَرَ حالَ الَّذِينَ أشْقاهُمْ؛ أتْبَعَهم حالَ الَّذِينَ أسْعَدَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا لِجُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ لا عَلى ”تَرى“؛ المَظْرُوفِ لِيَوْمِ القِيامَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا فِعْلُهُ مَعَهم في الدّارَيْنِ؛ وإشارَةً إلى كَثْرَةِ التَّنْجِيَةِ؛ لِكَثْرَةِ الأهْوالِ كَثْرَةً تَفُوتُ الحَصْرَ -: ﴿ويُنَجِّي﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ إنْجاءٍ؛ لِبَعْضِ مَنِ اتَّقى؛ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ يَعْقُوبَ؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ وتَنْجِيَةً عَظِيمَةً لِبَعْضِهِمْ؛ بِما أفادَتْهُ قِراءَةُ الباقِينَ؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وأظْهَرَ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ زِيادَةً عَلى تَعْظِيمِ حالِهِمْ؛ وتَسْكِينِ قُلُوبِهِمْ؛ ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُ؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ في نَجاتِهِمْ فِعْلَ المُبالِغِ في ذَلِكَ؛ ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ (p-٥٤٣)أيْ: بالَغُوا في وِقايَةِ أنْفُسِهِمْ مِن غَضَبِهِ؛ فَكَما وقاهم في الدُّنْيا مِنَ المُخالَفاتِ؛ حَماهم هُناكَ مِنَ العُقُوباتِ؛ ﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم عَدُّوا أنْفُسَهم في مَفازَةٍ بَعِيدَةٍ؛ مُخَوِّفَةٍ؛ فَوَقَفُوا فِيها عَنْ كُلِّ عَمَلٍ إلّا بِدَلِيلٍ؛ لِئَلّا يَمْشُوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ فَيَهْلِكُوا؛ فَأدَّتْهم تَقْواهم إلى الفَوْزِ؛ وهو الظَّفَرُ بِالمُرادِ؛ وزَمانِهِ؛ ومَكانِهِ الَّذِي سُمِّيَتِ المَفازَةُ بِهِ تَفاؤُلًا؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - المَفازَةَ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ؛ لِأنَّها سَبَبُ الفَوْزِ؛ وقُرِئَ بِالجَمْعِ؛ بِاعْتِبارِ أنْواعِ المَصْدَرِ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ بِعِنايَةِ اللَّهِ بِهِمْ في الدّارَيْنِ؛ فَمَفازَةُ كُلِّ أحَدٍ في الأُخْرى عَلى قَدْرِ مَفازَتِهِ بِالطّاعاتِ في الدُّنْيا. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ في تَنْجِيَتِهِمْ؟ قالَ - ذاكِرًا نَتِيجَةَ التَّنْجِيَةِ -: ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾؛ أيْ: هَذا النَّوْعَ؛ فَلا يَخافُونَ؛ ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ أيْ: ولا يَطْرُقُ بَواطِنَهم حُزْنٌ عَلى فائِتٍ؛ لِأنَّهم لا يَفُوتُ لَهم شَيْءٌ أصْلًا.

الزمر 39:62

ولَمّا كانَ المُخَوَّفُ مِنهُ؛ والمَحْزُونُ عَلَيْهِ جامِعَيْنِ لِكُلِّ ما في الكَوْنِ؛ فَكانَ لا يَقْدِرُ عَلى دَفْعِهِما إلّا المُبْدِعُ القَيُّومُ؛ قالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ أوْ مُعَلِّلًا؛ مُظْهِرًا الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ تَعْظِيمًا لِلْمَقامِ -: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ (p-٥٤٤)الَّذِي نَجّاهُمْ؛ ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ فَلا يَكُونُ شَيْءٌ أصْلًا إلّا بِخَلْقِهِ؛ وهو لا يَخْلُقُ ما يَتَوَقَّعُونَ مِنهُ خَوْفًا؛ ولا يَقَعُ لَهم عَلَيْهِ حُزْنٌ؛ ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى القُدْرَةِ الشّامِلَةِ؛ كانَ ولا بُدَّ مَعَها مِنَ العِلْمِ الكامِلِ؛ قالَ: ﴿وهُوَ﴾؛ وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ لِأنَّهُ مِن أحْسَنِ مُجَزَّآتِها؛ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مَعَ القَهْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ ﴿وكِيلٌ﴾؛ أيْ: حَفِيظٌ لِجَمِيعِ ما يُرِيدُ مِنهُ؛ قَيُّومٌ؛ لا عَجْزَ يُلِمُّ بِساحَتِهِ؛ ولا غَفْلَةٌ.

الزمر 39:63

ولَمّا كانَ الخافِقانِ خَزائِنَ الكائِناتِ؛ وكانَ لا يَتَصَرَّفُ في الخَزائِنِ إلّا ذُو المَفاتِيحِ؛ قالَ - دالًّا عَلى وكالَتِهِ -: ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿مَقالِيدُ﴾؛ واحِدُها ”مِقْلادٌ“؛ مِثْلُ ”مِفْتاحٌ“؛ و”مِقْلِيدٌ“؛ مِثْلُ ”قِنْدِيلٌ“؛ وهي المَفاتِيحُ؛ والأُمُورُ الجامِعَةُ القَوِيَّةُ؛ وهي اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ التَّمَكُّنِ مِن ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: جَمِيعِ أعْدادِها؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ خَزائِنُهُما وأُمُورُهُما؛ ومَفاتِيحُهُما الجامِعَةُ لِكُلِّ ما فِيهِما؛ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِيهِما شَيْءٌ؛ ولا أنْ يَتَصَرَّفَ في شَيْءٍ مِنهُما؛ ولا فِيهِما؛ أحَدٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ فَلا بِدَعَ في تَنْجِيَتِهِ الَّذِينَ اتَّقَوْا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وتَقَبَّلُوا آياتِهِ؛ أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - الَّذِي اقْتَضاهُ سِياقُ التَّهْدِيدِ -: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَبَسُوا ما اتَّضَحَ لَهم مِنَ الدَّلالاتِ؛ وجَحَدُوا أنْ تَكُونَ الأُمُورُ كُلُّها بِيَدِهِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا ظاهِرَ غَيْرُها؛ فَإنَّهُ (p-٥٤٥)لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا ذاتُهُ - سُبْحانَهُ - وهي غَيْبٌ لا يُمْكِنُ المَخْلُوقَ دَرَكُها؛ وأفْعالُهُ؛ وهي أظْهَرُ الأشْياءِ؛ وصِفاتُهُ؛ وهي غَيْبٌ مِن جِهَةِ شَهادَةٍ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ البُعَداءُ البُغَضاءُ؛ ﴿هُمُ﴾؛ خاصَّةً؛ ﴿الخاسِرُونَ﴾؛ فَإنَّهم خَسِرُوا نُفُوسَهُمْ؛ وكُلَّ شَيْءٍ يَتَّصِلُ بِها عَلى وجْهِ النَّفْعِ؛ لِأنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ الكُفْرِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأظْهَرِ الأشْياءِ.

الزمر 39:64

ولَمّا قامَتْ هَذِهِ الدَّلائِلُ؛ كَما تَرى؛ قِيامَ الأعْلامِ؛ فانْجابَتْ دَياجِيرُ الظَّلامِ؛ وكانَ الجَهَلَةُ قَدْ دَعَوْهُ ﷺ كَما قالَ المُفَسِّرُونَ في أوَّلِ سُورَةِ ”ص“ - إلى أنْ يَكُفَّ عَنْ آلِهَتِهِمْ؛ وكانَ الإقْرارُ عَلَيْها عِبادَةً لَها؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أمْرُهُ ﷺ بِما يَصْدَعُهم بِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقامُ الغَيْرَةِ يَقْتَضِي مَحْوَ الأغْيارِ؛ وكانَ الغَيْرُ إذا انْمَحى تَبِعَهُ جَمِيعُ أعْراضِهِ؛ قَدَّمَ الغَيْرَ المَفْعُولَ لِـ ”أعْبُدُ“؛ المَفْعُولِ - عَلى تَقْدِيرِ ”أنْ“ - لِـ ”تَأْمُرُ“؛ فَقالَ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا يُقِرُّ عَلى فَسادٍ أصْلًا؛ ولَمّا كانَ تَقْدِيمُ الإنْكارِ عَلى فِعْلِهِمْ لَهم أرْجَعَ؛ وتَأْخِيرُ ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ لِإنْكارِهِ أرْوَعَ؛ وكانَ مَدُّ الصَّوْتِ أوْكَدَ في مَعْنى الكَلامِ؛ وأفْزَعَ وأهْوَلَ؛ وأفْظَعَ؛ قالَ - صارِفًا الكَلامَ إلى خِطابِهِمْ؛ لِأنَّهُ (p-٥٤٦)أقْعَدُ في إرْهابِهِمْ؛ وأشَدُّ في اكْتِئابِهِمْ؛ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾؛ بِالإدْغامِ؛ المُقْتَضِي لِلْمَدِّ؛ في قِراءَةِ أكْثَرِ القُرّاءِ؛ ولَعَلَّ الإدْغامَ إشارَةٌ إلى أنَّهم حاوَلُوهُ ﷺ في أمْرِ آلِهَتِهِمْ؛ عَلى سَبِيلِ المَكْرِ؛ والخِداعِ؛ ولَمّا قَرَّرَ الإنْكارَ لِإثْباتِ الأغْيارِ؛ أتَمَّ تَقْرِيرَ ذِكْرِ العامِلِ في ”غَيْرَ“؛ قالَ - حاذِفًا ”أنْ“؛ المَصْدَرِيَّةَ؛ لِتَصِيرَ صِلَتُها في حَيِّزِ الإنْكارِ -: ﴿أعْبُدُ﴾؛ وهو مَرْفُوعٌ لِأنَّ ”أنْ“؛ لَمّا حُذِفَتْ بَطَلَ عَمَلُها؛ ولَمْ يُراعَ أيْضًا حُكْمُها؛ لِيُقالَ: إنَّهُ يَمْتَنِعُ نَصْبُ ”غَيْرَ“؛ بِها؛ لِأنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ. ولَمّا كانَتْ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ أجْهَلَ الجَهْلِ؛ وكانَ الجَهْلُ مَحَطَّ كُلِّ سُفُولٍ؛ قالَ: ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾؛ أيْ: العَرِيقُونَ في الجَهْلِ؛ وهو التَّقَدُّمُ في الأُمُورِ المُنْبَهِمَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ قالَهُ الحَرالِّيُّ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“.

الزمر 39:65

ولَمّا كانَ التَّقْدِيمُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ وكانُوا لَمْ يَدْعُوهُ لِلتَّخْصِيصِ؛ بَلْ لِلْكَفِّ؛ المُقْتَضِي لِلشِّرْكِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ تَخْصِيصٌ؛ مِن حَيْثُ إنَّ الإلَهَ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ فَهو لا يَقْبَلُ عَمَلًا فِيهِ شِرْكٌ؛ ومَتى حَصَلَ أدْنى شِرْكٍ كانَ ذَلِكَ العَمَلُ كُلُّهُ لِلَّذِي أشْرَكَ؛ فَكانَ التَّقْدِيرُ - بَيانًا لِسَبَبِ أمْرِهِ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما تَقَدَّمَ؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ -: ”قُلْ كَذا؛ فَلَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ؛ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ؛ وُجُوبُ التَّوْحِيدِ“؛ فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا؛ لِأجْلِ ما اسْتَقَرَّ في النُّفُوسِ مِن أنَّ مَن عَمِلَ لِأحَدٍ شَيْئًا قُبِلَ؛ (p-٥٤٧)سَواءٌ كانَ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ؛ أوْ لا -: ﴿ولَقَدْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُوحى مَعْلُومًا لَهُ ﷺ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوحِيَ إلَيْكَ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّعْمِيمُ أدْعى إلى التَّقَبُّلِ؛ قالَ: ﴿وإلى الَّذِينَ﴾؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ إنَّما هو في بَعْضِ الزَّمانِ؛ لِبَعْضِ النّاسِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ ولَمّا كانَ الحُكْمُ عَلى قَوْمٍ رُبَّما كانَ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ؛ مَعَ قَيْدِ الجَمْعِ؛ خَصَّ؛ بَيانًا لِأنَّهُ - مَعَ كَوْنِهِ حُكْمًا عَلى المَجْمُوعِ - حُكْمٌ عَلى كُلِّ فَرْدٍ؛ ولِأنَّ خِطابَ الرَّئِيسِ خِطابٌ لِأتْباعِهِ؛ لِأنَّهُ مُقْتَداهم. ولَمّا كانَ المُوحى إلَيْهِمْ أنَّهُ مَن أشْرَكَ حَبِطَ عَمَلُهُ؛ سَواءٌ كانَ هُوَ؛ أوْ غَيْرَهُ؛ صَحَّ قَوْلُهُ - بِالإفْرادِ مَوْضِعَ نَحْوِ: ”إنَّ الإشْراكَ مُحْبِطٌ لِلْعَمَلِ“؛ وقائِمٍ مَقامَ الفاعِلِ؛ وعَدَلَ عَنْهُ إلى ما ذَكَرَ؛ لِأنَّهُ أعَظَمُ في النَّهْيِ؛ وأقْعَدُ في الزَّجْرِ لِمَن يَتَأهَّلُ لَهُ مِنَ الأُمَّةِ؛ وأكَّدَ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ مَعْناهُ غايَةَ الإنْكارِ -: ﴿لَئِنْ﴾؛ أيْ: أُوحِيَ إلى كُلٍّ مِنكم هَذا اللَّفْظُ؛ وهُوَ: وعِزَّتِي لَئِنْ ﴿أشْرَكْتَ﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ؛ في شَيْءٍ مِن عَمَلِكَ بِاللَّهِ؛ وهو مِن فَرْضِ المُحالِ؛ ذَكَرَهُ هَكَذا لِيَكُونَ أرْوَعَ لِلْأتْباعِ؛ والفِعْلُ بَعْدَ ”إنْ“؛ الشَّرْطِيَّةِ لِلِاسْتِقْبالِ؛ فَعَدَلَ هُنا عَنِ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ؛ لِلْمُطابَقَةِ بَيْنَ اللَّفْظِ؛ والمَعْنى؛ لِأنَّ الآيَةَ سَبَقَتْ لِلتَّعْرِيضِ بِالكُفّارِ؛ فَكانَ التَّعْبِيرُ بِالماضِي أنْسَبَ؛ لِيَدُلَّ بِلَفْظِهِ عَلى أنَّ مَن وقَعَ مِنهُ شِرْكٌ (p-٥٤٨)فَقَدْ خَسِرَ؛ وبِمَعْناهُ عَلى أنَّ الَّذِي يَقَعُ مِنهُ ذَلِكَ فَهو كَذَلِكَ. ولَمّا تَقَرَّرَ التَّرْهِيبُ أجابَ الشَّرْطَ والقَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾؛ أيْ: لَيَفْسَدَنَّ فَيَبْطُلَنَّ عَمَلُكَ؛ فَلا يَبْقى لَهُ أثَرٌ ما مِن جِهَةِ القادِرِ؛ فَلِأنَّهُ أشْرَكَ بِهِ فِيهِ؛ وهو غَنِيٌّ لا يَقْبَلُ إلّا الخالِصَ؛ لِأنَّهُ لا حاجَةَ بِهِ إلى شَيْءٍ؛ وأمّا مِن جِهَةِ غَيْرِهِ فَلِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ؛ وكانَتِ العِبادَةُ شامِلَةً لِما تَقَدَّمَ عَلى الشِّرْكِ مِنَ الأعْمالِ؛ وما تَأخَّرَ عَنْهُ؛ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالِاتِّصالِ بِالمَوْتِ؛ اكْتِفاءً بِتَقْيِيدِهِ في آيَةِ ”البَقَرَةِ“؛ وقالَ: ﴿ولَتَكُونَنَّ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ حُبُوطِهِ؛ ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ فَإنَّهُ مَن ذَهَبَ جَمِيعُ عَمَلِهِ؛ لا شَكَّ في خَسارَتِهِ؛ والخِطابُ لِلرُّؤَساءِ عَلى هَذا النَّحْوِ - وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ في الحَقِيقَةِ أتْباعَهم - أزْجَرُ لِلْأتْباعِ؛ وأهَزُّ لِلْقُلُوبِ مِنهم والأسْماعِ.

الزمر 39:66

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا: ”فَلا تُشْرِكْ“؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ وحْدَهُ؛ بِسَبَبِ هَذا النَّهْيِ العَظِيمِ؛ والتَّهْدِيدِ الفَظِيعِ؛ مَهْما وقَعَتْ مِنكَ عِبادَةٌ ما؛ ﴿فاعْبُدْ﴾؛ أيْ: مُخْلِصًا لَهُ العِبادَةَ؛ فَحَذَفَ الشَّرْطَ؛ وعَوَّضَ عَنْهُ بِتَقْدِيمِ المَفْعُولِ؛ ولَمّا كانَتْ عِبادَتُهُ لا يُمْكِنُ أنْ تَقَعَ إلّا شُكْرًا لِما لَهُ مِن عُمُومِ النِّعَمِ؛ سابِقًا؛ ولاحِقًا؛ وشُكْرُ المُنْعِمِ واجِبٌ؛ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَكَ خَيْرَ الخَلائِقِ.

الزمر 39:67

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أحْسَنَ هَؤُلاءِ؛ ولا أجْمَلُوا حِينَ دَعَوْكَ (p-٥٤٩)لِلْإشْراكِ بِاللَّهِ؛ وما عَبَدُوهُ حَقَّ عِبادَتِهِ؛ إذْ أشْرَكُوا بِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما قَدَرُوا﴾؛ وأظْهَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ في أحْسَنِ مَواطِنِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ أيْ: ما عَظَّمُوهُ كَما يَجِبُ لَهُ؛ فَإنَّهُ لَوِ اسْتُغْرِقَ الزَّمانُ في عِبادَتِهِ؛ وخالِصِ طاعَتِهِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَخْلُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْها؛ لَما كانَ ذَلِكَ حَقَّ قَدْرِهِ؛ فَكَيْفَ إذا خَلا بَعْضُهُ عَنْها؟! فَكَيْفَ إذا عُدِلَ بِهِ غَيْرُهُ؟! ولَمّا ذَكَرَ تَعْظِيمَ كُلِّ شَيْءٍ يُنْسَبُ إلَيْهِ؛ دَلَّ عَلى باهِرِ قُدْرَتِهِ؛ الَّذِي هو لازِمُ القَبْضِ والطَّيِّ؛ بِما يَكُونُ مِنَ الحالِ في طَيِّ هَذا الكَوْنِ؛ فَقالَ - كِنايَةً عَنِ العَظَمَةِ بِذَلِكَ -: ﴿والأرْضُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّها؛ وقَدَّمَها لِمُباشَرَتِهِمْ لَها؛ ومَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَتِها؛ ولَمّا كانَ ما يُدْرِكُونَ مِنها مِنَ السَّعَةِ والكِبَرِ كافِيًا في العَظَمَةِ؛ وإنْ لَمْ يُدْرِكُوا أنَّها سَبْعٌ؛ أكَّدَ بِما يَصْلُحُ لِجَمِيعِ طَبَقاتِها؛ تَنْبِيهًا لِلْبُصَراءِ عَلى أنَّها سَبْعٌ؛ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعًا﴾؛ ولَمّا كانَ أحْقَرُ ما عِنْدَ الإنْسانِ وأخَفُّهُ عَلَيْهِ ما يَحْوِيهِ في قَبْضَتِهِ؛ مَثَّلَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ - مُخْبِرًا عَنِ المُبْتَدَإ؛ مُفْرِدًا بِفَتْحِ القافِ؛ لِأنَّهُ أقْعَدُ في تَحْقِيرِ الأشْياءِ العَظِيمَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى جَلِيلِ عَظَمَتِهِ -: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ (p-٥٥٠)ولَمّا كانَ في الدُّنْيا مَن يَدَّعِي المُلْكَ والقَهْرَ والعَظَمَةَ والقُدْرَةَ؛ وكانَ الأمْرُ في الآخِرَةِ بِخِلافِ هَذا؛ لِانْقِطاعِ الأسْبابِ؛ قالَ: ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ ولا قَبْضَةَ هُناكَ حَقِيقَةً؛ ولا مَجازًا؛ وكَذا الطَّيُّ واليَمِينُ؛ وإنَّما تَمْثِيلٌ؛ وتَخْيِيلٌ لِتَمامِ القُدْرَةِ؛ ولَمّا كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ؛ مُتَطابِقَةٌ؛ بِما يُشاهِدُونَ مِن سَيْرِ النُّجُومِ؛ جَمَعَ؛ لِيَكُونَ مَعَ ”جَمِيعًا“؛ كالتَّصْرِيحِ في جَمِيعِ الأرْضِ أيْضًا؛ في قَوْلِهِ: ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ﴾؛ ولَمّا كانَ العالَمُ العُلْوِيُّ أشْرَفَ؛ شَرَّفَهُ عِنْدَ التَّمْثِيلِ بِاليَمِينِ؛ فَقالَ: ﴿بِيَمِينِهِ﴾؛ ولَمّا كانَ هَذا إنَّما هو تَمْثِيلٌ بِما نَعْهَدُ؛ والمُرادُ بِهِ الغايَةُ في القُدْرَةِ؛ نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ عَمّا رُبَّما تَشَبَّثَ بِهِ المُجَسِّمُ؛ والمُشَبِّهُ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ مِن هَذِهِ القُدْرَةِ قُدْرَتُهُ؛ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ وما يُؤَدِّي إلى النَّقْصِ مِنَ الشِّرْكِ؛ والتَّجْسِيمِ؛ وما شاكَلَهُ؛ ﴿وتَعالى﴾؛ عُلُوًّا لا يُحاطُ بِهِ؛ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: إنَّ عُلُوَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوُّ مَن يُبالِغُ فِيهِ؛ فَهو في غايَةٍ مِنَ العُلُوِّ؛ لا يَكُونُ وراءَها غايَةٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ شَرِيكٌ لَنازَعَهُ هَذِهِ القُدْرَةَ؛ أوْ بَعْضَها؛ فَمَنَعَهُ شَيْئًا مِنها؛ وهَذِهِ مَعْبُوداتُهُمْ؛ لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ؛ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ؛ في التَّوْحِيدِ؛ وغَيْرُهُ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «جاءَ حَبْرٌ مِنَ اليَهُودِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إذا (p-٥٥١)كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَعَلَ اللَّهُ السَّماواتِ عَلى إصْبَعٍ؛ والأرْضِينَ عَلى إصْبَعٍ؛ والماءَ والثَّرى عَلى إصْبَعٍ؛ والخَلائِقَ عَلى إصْبَعٍ؛ ثُمَّ يُمَيِّزُهُنَّ؛ ثُمَّ يَقُولُ: (أنا المَلِكُ)؛ فَلَقَدْ رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَضْحَكُ حَتّى بَدَتْ نَواجِذُهُ - تَعْجِيبًا؛ وتَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ - ثُمَّ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾؛ إلى: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ ”؛» ورَوى الشَّيْخانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“يَطْوِي اللَّهُ السَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ اليُمْنى؛ ثُمَّ يَقُولُ: (أنا المَلِكُ؛ أيْنَ الجَبّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ؟)؛ ثُمَّ يَطْوِي الأرْضِينَ؛ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِشِمالِهِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: (أنا المَلِكُ؛ أيْنَ الجَبّارُونَ؟ أيْنَ المُتَكَبِّرُونَ)”؛» ولِلْبُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“يَقْبِضُ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ ويَطْوِي السَّماءَ بِيَمِينِهِ؛ ثُمَّ يَقُولُ: (أنا المَلِكُ؛ أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ؟)"».

الزمر 39:68

ولَمّا دَلَّ عَلى عَظِيمِ قَدْرِهِ بِبَعْضِ ما يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ أتْبَعَهُ ما لا يَحْتَمِلُهُ القَوِيُّ مِن أحْوالِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ دَلِيلًا آخَرَ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ؛ وعِزِّهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ -: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾؛ أيْ: القَرْنِ؛ العاطِفِ لِلْأشْياءِ؛ المُقْبِلِ بِها نَحْوَ صَوْتِهِ؛ المُمِيلِ لَها عَنْ أحْوالِها؛ العالِي عَلَيْها (p-٥٥٢)فِي ذَلِكَ اليَوْمِ؛ بَعْدَ بَعْثِ الخَلائِقِ؛ وهي النَّفْخَةُ الأُولى؛ بَعْدَ البَعْثِ؛ الَّتِي هي بَعْدَ نَفْخَتَيِ المَوْتِ؛ والبَعْثِ؛ المَذْكُورَتَيْنِ في سُورَةِ ”يـس“؛ والمُرادُ بِها - واللَّهُ أعْلَمُ - إلْقاءُ الرُّعْبِ والمَخافَةِ؛ والهَوْلِ في القُلُوبِ؛ إظْهارًا لِلْعَظَمَةِ؛ وتَرَدِّيًا بِالكِبْرِياءِ والعِزِّ؛ في عِزَّةِ يَوْمِ المَحْشَرِ؛ لِيَكُونَ أوَّلُ ما يَفْجَؤُهم يَوْمَ الدِّينِ ما لا يَحْتَمِلُهُ القَوِيُّ؛ ولا تُطِيقُهُ الأحْلامُ والنُّهى؛ كَما كانَ آخِرُ ما فَجَأهم في يَوْمِ الدُّنْيا؛ وإنِ افْتَرَقا في التَّأْثِيرِ؛ فَإنَّ تِلْكَ أثَّرَتِ المَوْتَ؛ وهَذِهِ أثَّرَتِ الغَشْيَ؛ لِأنَّهُ لا مَوْتَ بَعْدَ البَعْثِ؛ وهي الثّالِثَةُ مِنَ النَّفْخاتِ؛ ﴿فَصَعِقَ﴾؛ أيْ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ؛ ﴿مَن في السَّماواتِ﴾؛ ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّهْوِيلِ؛ وكانَ التَّصْرِيحُ أهْوَلَ؛ أعادَ الفاعِلَ بِلَفْظِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومَن في الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ مِنهم مَن لا يُصْعَقُ؛ لِيُعْرَفَ دائِمًا أنَّهُ في كُلِّ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ مُخْتارٌ؛ قادِرٌ؛ جَبّارٌ؛ اسْتَثْناهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ؛ ومَعاقِدُ العِزِّ؛ فَيَجْعَلُ الشَّيْءَ الواحِدَ هَلاكًا لِقَوْمٍ؛ دُونَ قَوْمٍ؛ وصَعْقًا لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ يَجْعَلُ ذَلِكَ الَّذِي كانَ بِهِ الهَلاكُ؛ بِهِ الحَياةُ وذَلِكَ الَّذِي كانَ بِهِ الغَشْيُ؛ بِهِ الإفاقَةُ؛ وإنْ كانَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ إعْلامًا بِأنَّ الفاعِلَ المُؤَثِّرَ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ؛ لا الأثَرُ؛ قِيلَ: المُسْتَثْنَوْنَ الشُّهَداءُ؛ وقِيلَ: غَيْرُهُمْ؛ ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ (p-٥٥٣)أيْ: نَفْخَةً ثانِيَةً مِن هَذِهِ؛ وهي رابِعَةٌ مِنَ النَّفْخَةِ المُمِيتَةِ؛ ودَلَّ عَلى سُرْعَةِ تَأْثِيرِها بِالفُجاءَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم قِيامٌ﴾؛ أيْ: قائِمُونَ كُلُّهُمْ؛ ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: يُقْبِلُونَ بِأبْصارِهِمْ؛ أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ مِن أمْثالِهِ؛ مِن دَلائِلِ العَظَمَةِ؛ وهاتانِ النَّفْخَتانِ هُما المُرادَتانِ في حَدِيثِ «تَخاصُمِ اليَهُودِ مَعَ المُسْلِمِ الَّذِي لَطَمَ وجْهَهُ؛ وفي آخِرِهِ: ”يُصْعَقُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ؛ فَإذا مُوسى باطِشٌ بِجانِبِ العَرْشِ؛ فَلا أدْرِي؛ أفاقَ قَبْلِي؛ أوْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ“؛» وقَدْ رَواهُ البُخارِيُّ في الخُصُوماتِ في مَوْضِعَيْنِ؛ وفي أحادِيثِ الأنْبِياءِ في مَوْضِعَيْنِ؛ وفي الرُّقاقِ؛ وفي التَّوْحِيدِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في الفَضائِلِ؛ وأبُو داوُدَ في السُّنَّةِ؛ والنِّسائِيُّ في التَّفْسِيرِ؛ والنُّعُوتِ؛ وبِتَفْصِيلِ رِواياتِهِ وجَمْعِ ألْفاظِها؛ يُعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرْتُهُ هو المُرادُ؛ رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ؛ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «”بَيْنَما يَهُودِيٌّ يَعْرِضُ سِلْعَةً لَهُ - وقالَ البُخارِيُّ: سِلْعَتَهُ - أُعْطِيَ بِها شَيْئًا كَرِهَهُ؛ أوْ لَمْ يَرْضَهُ؛ قالَ: لا؛ والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ؛ فَسَمِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ؛ فَلَطَمَ - وقالَ البُخارِيُّ: فَقامَ فَلَطَمَ وجْهَهُ؛ (p-٥٥٤)قالَ: تَقُولُ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ؛ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِنا؟! فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ؛ إنَّ لِي ذِمَّةً وعَهْدًا؛ وقالَ: فُلانٌ لَطَمَ وجْهِي؛ - وقالَ البُخارِيُّ: فَما بالُ فُلانٍ لَطَمَ وجْهِي؟ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لِمَ لَطَمْتَ وجْهَهُ؟”؛ قالَ: قالَ يا رَسُولَ اللَّهِ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ؛ وأنْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا؛ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى عُرِفَ الغَضَبُ في وجْهِهِ؛ ثُمَّ قالَ:“لا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أنْبِياءِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَيَصْعَقُ مَن في السَّماواتِ؛ ومَن في الأرْضِ؛ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ؛ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرى فَأكُونُ أوَّلَ مَن بُعِثَ - وفي رِوايَةِ مُسْلِمٍ: أوْ في أوَّلِ مَن بُعِثَ - فَإذا مُوسى آخِذٌ بِالعَرْشِ؛ فَلا أدْرِي أحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ؛ أوْ بُعِثَ قَبْلِي؛ ولا أقُولُ: إنَّ أحَدًا أفْضَلُ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى”؛» وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في تَفْسِيرِ“الزُّمَرِ”: «“إنِّي مِن أوَّلِ مَن يَرْفَعُ رَأْسَهُ بَعْدَ النَّفْخَةِ الآخِرَةِ؛ فَإذا أنا بِمُوسى مُتَعَلِّقٌ بِالعَرْشِ؛ فَلا أدْرِي أكَذَلِكَ كانَ؛ أمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ”؛» وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ؛ في الخُصُوماتِ؛ والرُّقاقِ؛ وأحادِيثِ الأنْبِياءِ؛ وهي لِمُسْلِمٍ أيْضًا؛ قالا: «اسْتَبَّ رَجُلانِ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ ورَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ - وفي رِوايَةٍ لِمُسْلِمٍ: رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ؛ ورَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ -؛ فَقالَ المُسْلِمُ: والَّذِي اصْطَفى مُحَمَّدًا ﷺ (p-٥٥٥)عَلى العالَمِينَ؛ قالَ البُخارِيُّ؛ في كِتابِ التَّوْحِيدِ؛ وأحادِيثِ الأنْبِياءِ: في قَسَمٍ يُقْسِمُ بِهِ؛ فَقالَ اليَهُودِيُّ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى العالَمِينَ؛ قالَ البُخارِيُّ: فَغَضِبَ المُسْلِمُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وجْهَ اليَهُودِيِّ؛ وقالَ مُسْلِمٌ؛ وكَذَلِكَ البُخارِيُّ؛ في التَّوْحِيدِ؛ والخُصُوماتِ؛ وأحادِيثِ الأنْبِياءِ: فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ؛ فَلَطَمَ وجْهَ اليَهُودِيِّ؛ فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِما كانَ مِن أمْرِهِ وأمْرِ المُسْلِمِ؛ قالَ البُخارِيُّ؛ في الخُصُوماتِ: فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمَ؛ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأخْبَرَهُ - ثُمَّ اتَّفَقا: فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لا تُخَيِّرُونِي عَلى مُوسى؛ فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ - قالَ البُخارِيُّ في الرُّقاقِ؛ والخُصُوماتِ؛ وأحادِيثِ الأنْبِياءِ؛ ونُسْخَةٍ في التَّوْحِيدِ: يَوْمَ القِيامَةِ؛ فَأكُونُ في أوَّلِ مَن يُفِيقُ - وفي رِوايَةِ لَهُ في الخُصُوماتِ: فَأصْعَقُ مَعَهم - وفي رِوايَةٍ لَهُ في الرُّقاقِ؛ وفي رِوايَةٍ في التَّوْحِيدِ؛ وهي رِوايَةٌ لِمُسْلِمٍ؛ وأبِي داوُدَ: فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ؛ فَإذا مُوسى باطِشٌ بِجانِبِ العَرْشِ - وقالَ أبُو داوُدَ: في جانِبِ العَرْشِ -؛ فَلا أدْرِي أكانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأفاقَ قَبْلِي؛ أمْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ”؛ وفي رِوايَةٍ:“فَلا أدْرِي أكانَ مِمَّنْ صَعِقَ فَأفاقَ قَبْلِي؛ أوِ اكْتَفى بِصَعْقَةِ الطُّورِ”؛ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ:“فَلا أدْرِي أكانَ فِيمَن صَعِقَ فَأفاقَ؛ أوْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ”؛» ولَمْ يَذْكُرْ“قَبْلِي”؛ ورَوى الحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ؛ في تَفْسِيرِ سُورَةِ“الزُّمَرِ”؛ وابْنُ ماجَةَ؛ في الزُّهْدِ: (p-٥٥٦)قالَ: «قالَ اليَهُودِيُّ - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ - بِسُوقِ المَدِينَةِ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ؛ فَرَفَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يَدًا فَصَكَّ بِها وجْهَهُ - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: فَلَطَمَهُ - قالَ: تَقُولُ هَذا وفِينا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ونُفِخَ في الصُّورِ”؛ وقالَ ابْنُ ماجَةَ: تَقُولُ هَذا وفِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ:“قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾؛ فَأكُونُ أوَّلَ مَن رَفَعَ رَأسَهُ؛ فَإذا مُوسى آخِذٌ - وقالَ ابْنُ ماجَةَ: فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٌ - بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ؛ فَلا أدْرِي أرَفَعَ رَأْسَهُ قَبْلِي أمْ كانَ مِمَّنِ اسْتَثْنى اللَّهُ؛ ومَن قالَ: أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى فَقَدْ كَذَبَ”؛» وقالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ؛ وفي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ في الرُّقاقِ: «“يُصْعَقُ النّاسُ حِينَ يُصْعَقُونَ؛ فَأكُونُ أوَّلَ مَن قامَ؛ فَإذا مُوسى آخِذٌ بِالعَرْشِ؛ فَما أدْرِي أكانَ فِيمَن صَعِقَ”؛» قالَ: ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ؛ ولِلْبُخارِيِّ؛ في الخُصُوماتِ؛ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ؛ جاءَ يَهُودِيٌّ فَقالَ: يا أبا القاسِمِ؛ ضَرَبَ وجْهِي رَجُلٌ مِن أصْحابِكَ؛ قالَ:“مَن؟”؛ قالَ: رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ؛ قالَ:“ادْعُوهُ”؛ قالَ:“ضَرَبْتَهُ؟”؛ قالَ: سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: والَّذِي اصْطَفى مُوسى عَلى البَشَرِ؛ قُلْتُ: أيْ (p-٥٥٧)خَبِيثٌ عَلى مُحَمَّدٍ؛ فَأخَذَتْنِي غَضْبَةٌ؛ ضَرَبْتُ وجْهَهُ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“لا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأنْبِياءِ؛ فَإنَّ النّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَأكُونُ أوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ - وفي رِوايَةٍ؛ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ: فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ - فَإذا أنا بِمُوسى آخِذٌ بِقائِمَةٍ مِن قَوائِمِ العَرْشِ؛ فَلا أدْرِي أكانَ فِيمَن صَعِقَ؛ أمْ حُوسِبَ بِصَعْقَتِهِ الأُولى”؛ وفي رِوايَةٍ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ:“فَلا أدْرِي أفاقَ قَبْلِي أوْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ”؛» واللَّهُ أعْلَمُ؛ هَذا ما رَأيْتُهُ مِن ألْفاظِ الحَدِيثِ في الكُتُبِ السِّتَّةِ؛ وأمّا مَعْنى“صَعِقَ”؛ فَإنَّهُ: صاحَ؛ وماتَ فَجْأةً؛ أوْ غُشِيَ عَلَيْهِ؛ قالَ في القامُوسِ: الصّاعِقَةُ: المَوْتُ؛ وكُلُّ عَذابٍ مُهْلِكٍ؛ وصَيْحَةُ العَذابِ؛ و“صَعِقَ - كَـ ”سَمِعَ“ - صَعْقًا”؛ ويُحَرَّكُ؛ و“صَعْقَةً”؛ و“تَصْعاقًا”: غُشِيَ عَلَيْهِ؛ و“الصَّعَقُ”؛ مُحَرَّكَةً: شِدَّةُ الصَّوْتِ؛ وكَـ“كَتِفٌ”: الشَّدِيدُ الصَّوْتِ؛ وقالَ عَبْدُ الحَقِّ في الواعِي: الأزْهَرِيُّ:“الصّاعِقَةُ”: صَوْتُ الرَّعْدِ الشَّدِيدُ؛ الَّذِي يُصْعَقُ مِنهُ الإنْسانُ؛ أيْ: يُغْشى عَلَيْهِ؛ يُقالُ:“صَعَقَتْهُمُ الصّاعِقَةُ”؛ يَعْنِي بِالفَتْحِ؛ و“أصْعَقَتْهُمْ”؛ إذا أصابَتْهُمْ؛ فَصَعِقُوا؛ وصُعِقُوا؛ ومِنهُ حَدِيثُ الحَسَنِ:“يُنْتَظَرُ بِالمَصْعُوقِ ثَلاثًا؛ ما لَمْ يَخافُوا عَلَيْهِ نُتْنًا”؛ يَعْنِي الَّذِي ماتَ فَجْأةً؛ قالَ: و“الصّاعِقَةُ”: مَصْدَرٌ جاءَ عَلى“فاعِلَةٌ”؛ تَقُولُ:“سَمِعْتُ صاعِقَةَ الرَّعْدِ؛ وثاغِيَةَ الشّاءِ؛ وقَوْلُهُ: (p-٥٥٨)﴿وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] أيْ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ - ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] إنَّما يُقالُ: ”أفاقَ“؛ مِنَ العِلَّةِ؛ والغَشْيَةِ؛ و”بُعِثَ“؛ مِنَ المَوْتِ؛ قالَ: وجُمْلَةُ الصّاعِقَةِ: الصَّوْتُ مَعَ النّارِ؛ وقالَ أبُوعَبْدِ اللَّهِ؛ يَعْنِي: القَزّازُ: الصَّعْقُ هو أنْ يَسْمَعَ الإنْسانُ صَوْتَ الهَدَّةِ الشَّدِيدَةِ؛ فَيَصْعَقَ لِذَلِكَ عَقْلُهُ؛ واشْتِقاقُ ”الصّاعِقَةُ“؛ مِن هَذا؛ سُمِّيَتْ ”صاعِقَةً“؛ لِشِدَّةِ صَوْتِها؛ وتَقُولُ: ”إنَّهُ لَصَعِقٌ“؛ أيْ: شَدِيدُ الصَّوْتِ؛ وكَذا ”هُوَ صُعاقٌ“؛ انْتَهى. فَتَحَرَّرَ مِن هَذا أنَّ الصَّعْقَ يُطْلَقُ عَلى المَوْتِ فَجْأةً؛ وعَلى الغَشْيِ كَذَلِكَ؛ وأنَّ الإفاقَةَ لا تَكُونُ إلّا عَنْ غَشْيٍ؛ لا عَنْ مَوْتٍ؛ فَعُلِمَ أنَّ الصَّعْقَةَ في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هي غَشْيٌ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ عَنْها إفاقَةٌ؛ وأيْضًا فَمِنَ الأمْرِ المُحَقَّقِ أنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ مِن أهْلِ البَرْزَخِ؛ فَكَيْفَ بِالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؟! فالصَّوابُ حَمْلُ الصَّعْقَةِ المَذْكُورَةِ في الحَدِيثِ عَلى الغَشْيِ؛ أوْ ما يُشْبِهُهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ التَّجْوِيزُ لِأنْ تَكُونَ صَعْقَةُ الطُّورِ جَزاءً عَنْها؛ وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ غَشْيًا؛ إنْ قُلْنا إنَّهُ يَكُونُ بِنَفْخَةِ الإماتَةِ؛ يَلْزَمُ عَلَيْهِ ألّا يَكُونَ لِلْغَشْيِ؛ ولا لِعَدَمِهِ مُدْخَلٌ في الشَّكِّ في أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أفاقَ قَبْلُ؛ أوْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَشْيٌ أصْلًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَكُونُ بِهِ بَطْشُهُ بِالعَرْشِ - وهو بِرُوحِهِ وجَسَدِهِ - إنَّما هو البَعْثُ مِنَ المَوْتِ؛ لا الإفاقَةُ مِنَ الغَشْيِ؛ ولا عَدَمُ الغَشْيِ قَبْلَ البَعْثِ؛ فالَّذِي يُوَضِّحُ الأمْرَ؛ ولا يَدَعُ فِيهِ لَبْسًا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثِ؛ وتَكُونَ حِينَئِذٍ النَّفْخاتُ أرْبَعًا؛ الأُولى لِإماتَةِ الأحْياءِ؛ الثّانِيَةُ لِإحْياءِ جَمِيعِ المَوْتى؛ وهاتانِ هُما المَذْكُورَتانِ في سُورَةِ ”يـس“؛ (p-٥٥٩)ولِذَلِكَ لَمّا ذَكَرَهُما صَرَّحَ في أمْرِهِما بِما لا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ: ﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩] ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]؛ الثّالِثَةُ لِابْتِدائِهِمْ بَعْدَ البَعْثِ بِالهَوْلِ الشَّدِيدِ؛ والحالُ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ يَوْمُ الأهْوالِ؛ والإرْعابِ؛ والإرْهابِ؛ وإظْهارِ العَظَمَةِ؛ والجَلالِ؛ لِتَقْطِيعِ الأسْبابِ؛ والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ في هَذا الحَدِيثِ قَوْلُهُ ﷺ في كَثِيرٍ مِن رِواياتِهِ: «”فَإنَّ النّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ“؛» فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ اسْمٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي أوَّلُهُ البَعْثُ؛ وآخِرُهُ تَكامُلُ دُخُولِ كُلِّ فَرِيقٍ إلى دارِهِ؛ ومَحَلِّ اسْتِقْرارِهِ؛ وأمّا صَعْقَةُ المَوْتِ فَإنَّها في دارِ الدُّنْيا؛ وهي لِلْإنامَةِ؛ لا لِلْإقامَةِ؛ ويُضْعِفُ حَمْلَهُ عَلى ما قَبْلَ البَعْثِ الرِّواياتُ الصَّحِيحَةُ الجازِمَةُ بِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ؛ وما حَكاهُ الكَرْمانِيُّ مِنَ الإجْماعِ عَلى ذَلِكَ؛ ولا فَخْرَ فِيهِ إلّا بِحُصُولِ البَعْثِ؛ لا بِإظْهارِ الجَسَدِ مِن غَيْرِ بَعْثٍ؛ فَهَذا الجَزْمُ يُنافِي ذَلِكَ الشَّكَّ؛ فَإذا كانَ المُرادُ بِما في الحَدِيثِ الغَشْيَ؛ كانَتْ نَفْخَةٌ أُخْرى لِلْإيقاظِ مِنهُ؛ وهاتانِ المُرادَتانِ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ؛ كَما في رِوايَةِ التِّرْمِذِيَّ؛ وما في ”النَّمْلِ“؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْها بِالفَزَعِ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ في رِوايَةِ البُخارِيِّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ بِالنَّفْخَةِ الآخِرَةِ؛ والنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أُوتِيَ (p-٥٦٠)جَوامِعَ الكَلِمِ؛ واخْتُصِرَ لَهُ الكَلامُ اخْتِصارًا؛ ولَوْ أنَّهُما نَفْخَتانِ فَقَطْ؛ كانَ التَّعْبِيرُ بِالآخِرَةِ قاصِرًا عَمّا تُفِيدُهُ الثّانِيَةُ؛ مَعَ المُساواةِ في عِدَّةِ الحُرُوفِ؛ وهو مِمّا لا يُظَنُّ بِبَلِيغٍ؛ فَكَيْفَ بِأبْلَغِ الخَلْقِ؛ المُؤَيَّدِ بِرُوحِ القُدُسِ ﷺ؟! فَكانَ العُدُولُ عَنِ الثّانِيَةِ إلى الآخِرَةِ مُفِيدًا أنَّها أرْبَعٌ؛ ولَعَلَّ ذَلِكَ مَعْنى: ﴿أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وسُمِّيَتْ إماتَةً لِشِدَّةِ الغَشْيِ بِها؛ لِعِظَمِ أمْرِها؛ ومَعْنى زَلْزَلَةِ السّاعَةِ الَّتِي تُسْكِرُ؛ ويُؤَيِّدُهُ التَّعْبِيرُ عَنِ القِيامِ مِنها بِالإفاقَةِ؛ لا بِالبَعْثِ؛ ولا يُعَكِّرُ عَلى هَذا شَيْءٌ إلّا رِوايَةُ البُخارِيِّ؛ في الخُصُوماتِ: «”فَأكُونُ أوَّلَ مَن تَنْشَقُّ عَنْهُ الأرْضُ؛ فَإذا أنا بِمُوسى...“؛» إلى آخِرِهِ؛ فالظّاهِرُ أنَّ راوِيَها وُهِمَ؛ أوْ رَوى بِالمَعْنى؛ فَما وفى بِالغَرَضِ؛ والرّاجِحُ رِواياتُ مَن قالُوا: «”فَأكُونُ أوَّلَ مَن يُفِيقُ“؛» بِالكَثْرَةِ؛ وبِزَوالِ الإشْكالِ؛ هَذا ما كانَ ظَهَرَ لِي في النَّظَرِ في المَعْنى؛ وتَطْبِيقِ الآياتِ والأحادِيثِ عَلَيْهِ؛ ثُمَّ رَأيْتُ شَيْخَنا حافِظَ عَصْرِهِ؛ أحْمَدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حَجَرٍ الكِنانِيُّ العَسْقَلانِيُّ المِصْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَقَلَ ما جَمَعْتُ بِهِ بَيْنَ الرِّواياتِ؛ في كِتابِ الأنْبِياءِ؛ مِن شَرْحِهِ لِلْبُخارِيِّ؛ عَنِ القاضِي عِياضٍ؛ فَقالَ: وقالَ عِياضٌ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ البَعْثِ؛ حِينَ تَنْشَقُّ السَّماءُ والأرْضُ؛ وأقَرَّهُ عَلى ذَلِكَ؛ ثُمَّ نَقَلَ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ عَيْنَ ما قُلْتُهُ في النَّفْخاتِ؛ فَقالَ ما نَصُّهُ: تَكْمِيلٌ: زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أنَّ النَّفْخاتِ يَوْمَ القِيامَةِ أرْبَعٌ؛ الأُولى نَفْخَةُ إماتَةٍ؛ يَمُوتُ فِيها مَن بَقِيَ في الأرْضِ (p-٥٦١)حَيًّا؛ ثانِيَتُها نَفْخَةُ إحْياءٍ؛ فَيَقُومُ كُلُّ مَيِّتٍ؛ والثّالِثَةُ نَفْخَةُ فَزَعٍ؛ وصَعْقٍ؛ يُفِيقُونَ مِنها كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِمْ؛ لا يَمُوتُ مِنها أحَدٌ؛ والرّابِعَةُ إفاقَةٌ مِن ذَلِكَ الغَشْيِ؛ ثُمَّ رَدَّهُ شَيْخُنا بِأنَّ الصَّعْقاتِ أرْبَعٌ؛ ولا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ النَّفْخاتِ أكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْنِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ يُنْفَخُ في الصُّورِ النَّفْخَةُ الأُولى؛ فَيَمُوتُ مَن كانَ حَيًّا؛ ويُغْشى عَلى مَن كانَ مَيْتًا؛ فَهاتانِ صَعْقَتانِ في النَّفْخَةِ الأُولى؛ ويُنْفَخُ النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ فَيُفِيقُ مَن كانَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ؛ ويَحْيا مَن كانَ مَيْتًا؛ فَهاتانِ اثْنَتانِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ؛ وهَذا الرَّدُّ مَرْدُودٌ لِمَن حَقَّقَ ما قُلْتُهُ بِأدْنى تَأمُّلٍ؛ ويَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ أصْفِياءُ اللَّهِ أشَدَّ حالًا وفَزَعًا مِمَّنْ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السّاعَةُ؛ وهم شَرُّ عِبادِ اللَّهِ؛ والعَجَبُ أنَّ الَّذِي رَدَّهُ عَلى ابْنِ حَزْمٍ سَلَّمَهُ لِعِياضٍ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.

الزمر 39:69

ولَمّا ذَكَرَ إقامَتَهم بِالحَياةِ؛ الَّتِي هي نُورُ البَدَنِ؛ أتْبَعَهُ إقامَتَهم بِنُورِ جَمِيعِ الكَوْنِ؛ ظاهِرًا بِالضِّياءِ الحِسِّيِّ؛ وباطِنًا بِالحُكْمِ عَلى طَرِيقِ العَدْلِ؛ الَّذِي هو نُورُ الوُجُودِ الظّاهِرِيِّ؛ والباطِنِيِّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ كَما أنَّ الظُّلْمَ ظُلامَةٌ كَذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿وأشْرَقَتِ﴾؛ أيْ: أضاءَتْ إضاءَةً عَظِيمَةً؛ مالَتْ بِها إلى الحُمْرَةِ؛ ﴿الأرْضُ﴾؛ أيْ: الَّتِي أُوجِدَتْ لِحَشْرِهِمْ؛ وعَدَلَ الكَلامَ عَنْ الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ لِغَلَبَةِ الرَّحْمَةِ؛ لا سِيَّما في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِها؛ فَقالَ: ﴿بِنُورِ رَبِّها﴾؛ أيْ: الَّذِي رَبّاها بِالإحْسانِ إلَيْها؛ بِجَعْلِها مَحَلًّا لِلْعَدْلِ؛ والفَضْلِ؛ لا يَكُونُ فِيها شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ أصْلًا؛ (p-٥٦٢)وذَلِكَ النُّورُ الَّذِي هو شَيْءٌ واحِدٌ يُبْصِرُ بِهِ قَوْمٌ دُونَ آخَرِينَ؛ كَما كانَتِ النَّفْخَةُ تارَةً لِلْهَلاكِ؛ وتارَةً لِلْحَياةِ. ولَمّا كانَ العِلْمُ هو النُّورَ في الحَقِيقَةِ؛ وكانَ الكِتابُ أساسَ العِلْمِ؛ وكانَ لِذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ العَظَمَةِ ما يَفُوتُ الوَصْفَ؛ ولِذَلِكَ كَذَّبَ بِهِ الكُفّارُ؛ أتى فِيما يَكُونُ فِيهِ بِإذْنِهِ بِصِيغَةِ المَجْهُولِ؛ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ؛ إشارَةً إلى هَوانِهِ؛ وأنَّهُ طَوْعُ أمْرِهِ؛ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وكَذا ما بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ؛ زِيادَةً في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اليَوْمِ؛ بِعَظَمَةِ الأمْرِ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾؛ أيْ: الَّذِي أُنْزِلَ إلى كُلِّ أُمَّةٍ لِتَعْمَلَ بِهِ. ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ أعَمَّ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ وكانَ لِلنَّبِيِّ؛ وهو المَبْعُوثُ لِيَعْمَلَ مَن أمَرَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ؛ وقَدْ يَتْبَعُهُ مَن أرادَ اللَّهُ بِهِ الخَيْرَ؛ وكانَ عِدَّتُهم مِائَةَ ألْفٍ وأرْبَعَةً وعِشْرِينَ ألْفًا؛ وهي قَلِيلَةٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى جَمِيعِ النّاسِ؛ عَبَّرَ بِهِمْ دُونَ المُرْسَلِينَ؛ وبِجَمْعِ القِلَّةِ؛ فَقالَ: ﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾؛ لِلشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ بِالبَلاغِ؛ ولَمّا كانَ أقَلُّ ما يَكُونُ الشُّهُودُ ضِعْفَ المُكَلَّفِينَ؛ عَبَّرَ بِجَمْعِ الكَثْرَةِ؛ فَقالَ: ﴿والشُّهَداءِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وُكِّلُوا بِالمُكَلَّفِينَ؛ فَشاهَدُوا أعْمالَهُمْ؛ فَشَهِدُوا بِها؛ وضَبَطُوها؛ فَأُصِّلَتِ الأُصُولُ؛ وصُوِّرَتِ الدَّعاوى؛ وأُقِيمَتِ البَيِّناتُ عَلى حَسَبِها؛ مِن (p-٥٦٣)طاعَةٍ؛ أوْ مَعْصِيَةٍ؛ ووَقَعَ الجَزاءُ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ؛ فَظَهَرَ العَدْلُ رَحْمَةً لِلْكُفّارِ؛ وبانَ الفَضْلُ رَحْمَةً لِلْمُسْلِمِينَ؛ ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ العِبادِ؛ الَّذِينَ فَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِأجْلِهِمْ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في عُمُومِ الفَضْلِ؛ عَدْلًا وفَضْلًا؛ كَما يَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ بِأنْ يُطابِقَ الواقِعُ مِنَ المَثُوباتِ؛ والعُقُوباتِ؛ ما وقَعَ الخَبَرُ بِهِ في الكُتُبِ؛ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ. ولَمّا كانَ المُرادُ كَمالَ الحَقِّ؛ بِاعْتِبارِ عُمُومِهِ؛ لِجَمِيعِ الأشْخاصِ؛ والأعْمالِ؛ وكانَ رُبَّما طَرَقَهُ احْتِمالُ تَخْصِيصٍ ما؛ أزالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: باطِنًا؛ وظاهِرًا ﴿لا يُظْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم ظُلْمٌ في وقْتٍ أصْلًا؛ فَلا يُزادُونَ في جَزاءِ السَّيِّئَةِ عَلى المِثْلِ شَيْئًا؛ ولا يُنْقَصُونَ في جَزاءِ الحَسَنَةِ عَنِ العَشْرِ شَيْئًا.

الزمر 39:70

ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما كانَ بِالنِّسْبَةِ إلى ما وقَعَ فِيهِ الحُكْمُ؛ ولَيْسَ نَصًّا في شُمُولِ الحُكْمِ لِكُلِّ عَمَلٍ؛ نَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - ذاكِرًا الوَفاءَ والعَمَلَ؛ لِاقْتِضاءِ السِّياقِ ذَلِكَ؛ بِذِكْرِ الكِتابِ؛ وما في حَيِّزِهِ مِنَ النَّبِيِّينَ؛ والشُّهَداءِ؛ والقَضاءِ الحَقِّ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ ألْيَقُ بِذِكْرِ العَمَلِ المُؤَسَّسِ عَلى العِلْمِ؛ والوَفاءِ الَّذِي هو الرُّكْنُ الأعْظَمُ في الحَقِّ؛ ومَساقِ العِلْمِ؛ والعِلْمُ والوَفاءُ أوْفَقُ لِجَعْلِ العَمَلِ نَفْسِهِ هو الجَزاءَ؛ بِأنْ يُصَوَّرَ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الصُّوَرِ المَلِيحَةِ؛ إنْ كانَ ثَوابًا؛ والقَبِيحَةِ إنْ كانَ عِقابًا؛ والفارِقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ العَقْلِ المُؤَسَّسِ (p-٥٦٤)عَلى الشَّهْوَةِ؛ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ -: ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾؛ ولَمّا كانَتِ التَّوْفِيَةُ في الجَزاءِ عَلى غايَةِ التَّحْرِيرِ؛ والمُبالَغَةِ في الوَفاءِ؛ والمُشاكَلَةِ في الصُّورَةِ؛ والمَعْنى؛ جَعَلَ المُوَفّى نَفْسَ العَمَلِ؛ فَقالَ: ﴿ما عَمِلَتْ﴾؛ أيْ: مِنَ الحَسَناتِ؛ لِذَلِكَ عَبَّرَ بِالعَمَلِ؛ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ العِلْمِ؛ وأفْهَمَ الخِتامُ تَقْدِيرَ: ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما يَعْمَلُونَ“؛ ولَمّا كانَ المُرادُ بِالشُّهَداءِ إقامَةَ الحُقُوقِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ نَقْصًا في العِلْمِ؛ قالَ: ﴿وهُوَ أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِنَ العامِلِينَ؛ والشُّهَداءِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿بِما يَفْعَلُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا عُمِلَ بِهِ بِداعِيَةٍ مِنَ النَّفْسِ؛ سَواءٌ كانَ مَعَ مُراعاةِ العِلْمِ؛ أوْ لا؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ ”ما عَمِلَتْ“؛ أوَّلًا؛ يَدُلُّ عَلى ”ما فَعَلَتْ“؛ ثانِيًا؛ وذِكْرُ ”ما يَفْعَلُونَ“؛ ثانِيًا؛ يَدُلُّ عَلى ”ما يَفْعَلُونَ“؛ أوَّلًا؛ وسِرُّهُ أنَّ ما ذُكِرَ أوْفَقُ لِلْمُرادِ مِن نَفْيِ الظُّلْمِ عَلى حُكْمِ الوَعْدِ بِالعَدْلِ؛ والفَضْلِ؛ لِأنَّ فِيهِ الجَزاءَ عَلى كُلِّ ما بُنِيَ عَلى عِلْمٍ؛ وأمّا المُشْتَهى؛ فَما ذُكِرَ أنَّهُ يُجازى عَلَيْهِ؛ بَلِ اللَّهُ يَعْلَمُهُ.

الزمر 39:71

ولَمّا كانَ الأغْلَبُ عَلى هَذِهِ المَقاماتِ التَّحْذِيرَ؛ قَدَّمَ في هَذِهِ التَّوْفِيَةِ حالَ أهْلِ الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿وسِيقَ﴾؛ أيْ: بِأمْرٍ يَسِيرٍ مِن قِبَلِنا؛ بَعْدَ إقامَةِ الحِسابِ؛ سَوْقًا عَنِيفًا؛ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: غَطَّوْا أنْوارَ عُقُولِهِمْ؛ فالتَبَسَتْ عَلَيْهِمُ الأُمُورُ؛ فَضَلُّوا؛ ﴿إلى جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: الدَّرْكَةِ الَّتِي تَلْقاهم بِالعُبُوسَةِ؛ كَما تَلَقَّوُا الأوامِرَ؛ والنَّواهِيَ؛ والقائِمِينَ بِها؛ بِمِثْلِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِتَغْطِيَةِ العَقْلِ؛ ﴿زُمَرًا﴾؛ أيْ: جَماعاتٍ؛ في تَفْرِقَةٍ؛ (p-٥٦٥)بَعْضُهم عَلى أثَرِ بَعْضٍ - قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ - أصْنافًا مُصَنَّفِينَ؛ كُلُّ شَخْصٍ مَعَ مَن يُلائِمُهُ في الطَّرِيقَةِ؛ والزُّمْرَةِ؛ مَأْخُوذَةٌ مِن ”الزَّمْرُ“؛ وهو صَوْتٌ فِيهِ التِباسٌ؛ كالزَّمْرِ المَعْرُوفِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الصَّوْتَ مِن لازِمِ الجَمْعِ. ولَمّا كانَ إغْلاقُ البابِ المَقْصُودِ عَنْ قاصِدِهِ دالًّا عَلى صَغارِهِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ أمْرَهم كَذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - ذاكِرًا غايَةَ السَّوْقِ -: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾؛ أيْ: عَلى صِفَةِ الذُّلِّ؛ والصَّغارِ؛ وأجابَ ”إذا“؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾؛ أيْ: بُولِغَ - كَما يُفْعَلُ في أبْوابِ السِّجْنِ لِأهْلِ الجَرائِمِ؛ بَعْدَ تَكامُلِهِمْ عِنْدَها - في الإسْراعِ في فَتْحِها؛ لِيَخْرُجَ إلَيْهِمْ ما كانَ مَحْبُوسًا بِإغْلاقِها مِنَ الحَرارَةِ الَّتِي يَلْقاهم ذُكاؤُها؛ وشَرارُها؛ عَلى حالَةٍ هي أمَرُّ مِن لِقاءِ السِّهامِ الَّتِي اخْتارُوها في الدُّنْيا عَلى تَقَبُّلِ ما خالَفَ أهَوِيَتَهم مِن حُسْنِ الكَلامِ. ولَمّا كانَ المُصابُ رُبَّما رَجا الرَّحْمَةَ؛ فَإذا وجَدَ مَن يُبَكِّتُهُ كانَ تَبْكِيتُهُ أشَدَّ عَلَيْهِ مِمّا هو فِيهِ؛ قالَ: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾؛ إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ وتَقْرِيعًا؛ وتَوْبِيخًا؛ ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ﴾؛ ولَمّا كانَ قِيامُ الحُجَّةِ بِالمُجانِسِ أقْوى؛ قالَ - واصِفًا لِـ ”رُسُلٌ“ -: ﴿مِنكُمْ﴾؛ أيْ: لِتَسْهُلَ عَلَيْكم مُراجَعَتُهم. ولَمّا كانَتِ المُتابَعَةُ بِالتَّذْكِيرِ أوْقَعَ في النَّفْسِ؛ قالَ - آتِيًا بِصِفَةٍ أُخْرى؛ مُعَبِّرًا بِالتِّلاوَةِ؛ الَّتِي هي أنْسَبُ لِما يَدُورُ عَلَيْهِ مَقْصِدُ السُّورَةِ مِنَ العِبادَةِ؛ لِما لِلنُّفُوسِ مِنَ النَّقائِصِ الفَقِيرَةِ إلى مُتابَعَةِ التَّذْكِيرِ -: ﴿يَتْلُونَ﴾؛ أيْ: يُوالُونَ؛ ﴿عَلَيْكم آياتِ﴾؛ ولَمّا كانَ أمْرُ المُحْسِنِ أخَفَّ عَلى النَّفْسِ (p-٥٦٦)فَيَكُونُ أدْعى إلى القَبُولِ؛ قالُوا: ﴿رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: بِالبِشارَةِ إنْ تابَعْتُمْ؛ ولَمّا كانَ الإنْذارُ أبْلَغَ في الزَّجْرِ؛ قالُوا: ﴿ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الإشارَةُ أعْلى في التَّشْخِيصِ؛ قالُوا: ﴿هَذا﴾؛ إشارَةً إلى يَوْمِ البَعْثِ كُلِّهِ؛ أيْ: مِنَ المَلِكِ الجَبّارِ؛ إنْ نازَعْتُمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الرَّبَّ أوَّلًا؛ دَلالَةً عَلى حَذْفِ الجَبَرُوتِ ثانِيًا؛ والإنْذارَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى البِشارَةِ أوَّلًا؛ ﴿قالُوا بَلى﴾؛ أيْ: قَدْ أتَوْنا؛ وتَلَوْا عَلَيْنا؛ وحَذَّرُونا. ولَمّا كانَ عَدَمُ إقْبالِهِمْ عَلى الخَلاصِ مِمّا وقَعُوا فِيهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ يَسِيرًا؛ مِن أعْجَبِ العَجَبِ؛ بَيَّنُوا مُوجِبَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ﴾؛ أيْ: وجَبَتْ وُجُوبًا يُطابِقُهُ الواقِعُ؛ لا يُقْدَرُ مَعَهُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْهُ؛ ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾؛ أيْ: الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ عَلَيْنا؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهم قالُوا: ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ تَخْصِيصًا بِأهْلِ هَذا الوَصْفِ؛ وبَيانًا لِأنَّهُ مُوجِبُ دُخُولِهِمْ؛ وهو تَغْطِيَتُهم لِلْأنْوارِ الَّتِي أتَتْهم بِها الرُّسُلُ.

الزمر 39:72

ولَمّا فَرَغُوا مِن إهانَتِهِمْ بِتَبْكِيتِهِمْ؛ أنْكَوْهم بِالأمْرِ بِالدُّخُولِ؛ وعَبَّرَ بِالمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهم وصَلُوا إلى أقْصى ما يَكُونُ مِنَ الذُّلِّ؛ بِحَيْثُ إنَّهم يَمْتَثِلُونَ قَوْلَ كُلِّ قائِلٍ؛ جَلَّ أوْ قَلَّ؛ فَقِيلَ - في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا وقَعَ بَعْدَ هَذا التَّقْرِيعِ؟ -: ﴿قِيلَ﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ جَوابًا لِكَلامِهِمْ؛ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ﴾؛ أيْ: طَبَقاتِها المُتَجَهِّمَةِ لِداخِلِيها؛ ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِالخُلُودِ حِينَ الدُّخُولِ أوْجَعَ لَهُمْ؛ قالُوا: ﴿خالِدِينَ﴾؛ أيْ: (p-٥٦٧)مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ ﴿فِيها﴾؛ ولَمّا كانَ سَبَبُ كُفْرِهِمْ بِالأدِلَّةِ هو التَّكَبُّرَ؛ سَبَّبَ عَنِ الأمْرِ بِالدُّخُولِ قَوْلَهُ - مُعَرًّى عَنِ التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ في الآخِرَةِ ولا تَكْذِيبَ فِيها يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ؛ ولَمْ يَتَقَدَّمْ مِنهم هُنا كَذِبٌ؛ كَـ ”النَّحْلِ“؛ بَلِ اعْتِرافٌ وتَنَدُّمٌ -: ﴿فَبِئْسَ مَثْوى﴾؛ أيْ: مُنْزَلُ؛ ومُقامُ؛ ﴿المُتَكَبِّرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أوْجَبَ تَكَبُّرُهم حُقُوقَ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ؛ فَلِذَلِكَ تَعاطَوْا أسْبابَها.

الزمر 39:73

ولَمّا ذَكَرَ أحْوالَ الكافِرِينَ؛ أتْبَعَهُ أحْوالَ أضْدادِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وسِيقَ﴾؛ وسَوْقُهم إلى المَكانِ الطَّيِّبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَوْقِفَهم كانَ طَيِّبًا؛ لِأنَّ مَن كانَ في أدْنى نَكَدٍ فَهُيِّئَ لَهُ مَكانٌ هَنِيءٌ؛ لا يَحْتاجُ في الذَّهابِ إلَيْهِ إلى سَوْقٍ؛ فَشَتّانَ ما بَيْنَ السَّوْقَيْنِ؛ هَذا سَوْقُ إكْرامٍ؛ وذاكَ سَوْقُ إهانَةٍ وانْتِقامٍ؛ وهَذا لَعَمْرِي مِن بَدائِعِ أنْواعِ البَدِيعِ؛ وهو أنْ يَأْتِيَ - سُبْحانَهُ - بِكَلِمَةٍ في حَقِّ الكُفّارِ؛ فَتَدُلُّ عَلى هَوانِهِمْ بِعِقابِهِمْ؛ ويَأْتِيَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ بِعَيْنِها؛ وعَلى هَيْئَتِها في حَقِّ الأبْرارِ فَتَدُلُّ عَلى إكْرامِهِمْ بِحُسْنِ ثَوابِهِمْ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ مُعْجِزَ المَبانِي؛ مُتَمَكِّنَ المَعانِي؛ عَذْبَ المَوارِدِ والمَثانِي. ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ لِجَمِيعِ السُّعَداءِ؛ بَلْ لِلْخُلَّصِ مِنهُمْ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: لا جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿رَبَّهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ كُلَّما زادَهم إحْسانًا زادُوا لَهُ هَيْبَةً؛ رَوى أحْمَدُ؛ وأبُو يَعْلى؛ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ؛ (p-٥٦٨)عَنْ أبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”يَوْمًا كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ“؛ فَقِيلَ: ما أطْوَلُ هَذا اليَوْمَ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهُ لِيُخَفَّفُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ عَلَيْهِ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ“؛» ورَوى الطَّبَرانِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ...“؛ فَذَكَرَ الحَدِيثَ؛ حَتّى قالَ: قالُوا: فَأيْنَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: ”تُوضَعُ لَهم كَراسِيُّ مِن نُورٍ؛ ويُظَلَّلُ عَلَيْهِمُ الغَمامُ؛ يَكُونُ ذَلِكَ اليَوْمُ أقْصَرَ عَلى المُؤْمِنِينَ مِن ساعَةٍ مِن نَهارِ“؛» ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ السَّوْقُ إشارَةً إلى قَسْرِ المَقادِيرِ لِلْفَرِيقَيْنِ عَلى الأفْعالِ الَّتِي هي أسْبابُ الدّارَيْنِ؛ ﴿إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾؛ أهْلُ الصَّلاةِ؛ المُنْقَطِعِينَ إلَيْها؛ المُسْتَكْثِرِينَ مِنها؛ عَلى حِدَةٍ؛ وأهْلُ الصَّوْمِ كَذَلِكَ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تَظْهَرُ آثارُها عَلى الوُجُوهِ. ولَمّا ذَكَرَ السَّوْقَ؛ ذَكَرَ غايَتَهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾؛ ولَمّا كانَ إغْلاقُ البابِ عَنِ الآتِي يَدُلُّ عَلى تَهاوُنٍ بِهِ؛ وفي وُقُوفِهِ إلى أنْ يُفْتَحَ لَهُ نَوْعُ هَوانٍ؛ قالَ: ﴿وفُتِحَتْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّها قَدْ فُتِحَتْ ﴿أبْوابُها﴾؛ أيْ: إكْرامًا لَهُمْ؛ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلَيْها؛ بِنَفْسِ الفَتْحِ؛ وبِما يَخْرُجُ إلَيْهِمْ (p-٥٦٩)مِن رائِحَتِها؛ ويَرَوْنَ مِن زَهْرَتِها؛ وبَهْجَتِها؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ لَهم سائِقًا ثانِيًا إلى ما لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ؛ ولا رَأوْا عَنْهُ ثانِيًا. ولَمّا ذَكَرَ إكْرامَهم بِأحْوالِ الدّارِ؛ ذَكَرَ إكْرامَهم بِالخَزَنَةِ الأبْرارِ؛ فَقالَ - عَطْفًا عَلى جَوابِ ”إذا“؛ بِما تَقْدِيرُهُ: ”تَلَقَّتْهم خَزَنَتُها بِكُلِّ ما يَسُرُّهُمْ“ -: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾؛ أيْ: حِينَ الوُصُولِ؛ ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾؛ تَعْجِيلًا لِلْمَسَرَّةِ لَهُمْ؛ بِالبِشارَةِ بِالسَّلامَةِ؛ الَّتِي لا عَطَبَ فِيها؛ ولَمّا كانَتْ دارًا لا تَصْلُحُ إلّا لِلْمُطَهَّرِينَ؛ قالُوا: ﴿طِبْتُمْ﴾؛ أيْ: صَلَحْتُمْ لِسُكْناها؛ فَلا تَحَوُّلَ لَكم عَنْها أصْلًا؛ ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ ذَلِكَ - تَنْبِيهًا عَلى أنَّها دارُ الطِّيبِ؛ فَلا يَدْخُلُها إلّا مُناسِبٌ لَها - قَوْلَهُمْ: ﴿فادْخُلُوها﴾؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ: ﴿خالِدِينَ﴾؛ ولَعَلَّ فائِدَةَ الحَذْفِ لِجَوابِ ”إذا“؛ أنْ تَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ مِنَ الإكْرامِ كُلَّ مُذْهَبٍ؛ وتَعْلَمَ أنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ؛ ومِن أنْسَبِ الأشْياءِ أنْ يَكُونَ دُخُولُهم مِن غَيْرِ مانِعٍ مِن إغْلاقِ بابٍ؛ أوْ مَنعِ بَوّابٍ؛ بَلْ مَأْذُونًا لَهُمْ؛ مُرَحَّبًا بِهِمْ إلى مِلْكِ الأبَدِ.

الزمر 39:74

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَدَخَلُوها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: جَمِيعُ الدّاخِلِينَ؛ ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ وعَدَلُوا إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ حَثًّا لِأنْفُسِهِمْ عَلى اسْتِحْضارِ جَمِيعِ ما تُمْكِنُهم مَعْرِفَتُهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ فَقالُوا: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾؛ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] فَطابَقَ قَوْلُهُ الواقِعَ (p-٥٧٠)الَّذِي وجَدْناهُ في هَذِهِ السّاعَةِ؛ ﴿وأوْرَثَنا﴾؛ كَما وعَدَنا؛ ﴿الأرْضَ﴾؛ الَّتِي لا أرْضَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُها؛ وهي أرْضُ الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا كَدَرَ فِيها بِوَجْهٍ؛ وفِيها كُلُّ ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ؛ وتَلَذُّ الأعْيُنُ؛ بِأنْ جَعَلَ حالَنا فِيها في تَمامِ المِلْكِ؛ وعَدَمِ التَّسَبُّبِ في الحَقِيقَةِ فِيهِ؛ حالَ الوارِثِ الَّذِي هو بَعْدَ مَوْرُوثِهِ؛ ولا شَيْءَ بَعْدَهُ؛ ولا مُنازِعَ لَهُ؛ حالَ كَوْنِنا ﴿نَتَبَوَّأُ﴾؛ أيْ: نَتَّخِذُ مَنازِلَ؛ هي أهْلٌ لِمَن خَرَجَ مِنها أنْ يَشْتَهِيَ العَوْدَ إلَيْها؛ وبَيَّنُوا الأرْضَ بِقَوْلِهِمْ - في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ -: ﴿مِنَ الجَنَّةِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾؛ لِاتِّساعِها؛ فَلا حاجَةَ لِأحَدٍ فِيها أنْ يُنازِعَ أحَدًا في مَكانٍ أصْلًا؛ ولا يَشْتَهِي إلّا مَكانَهُ؛ ولَمّا كانَتْ بِهَذا الوَصْفِ الجَلِيلِ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ مَدْحُها بِقَوْلِهِ: ﴿فَنِعْمَ﴾؛ أجْرُنا؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿أجْرُ العامِلِينَ﴾؛ تَرْغِيبًا في الأعْمالِ؛ وحَثًّا عَلى عَدَمِ الِاتِّكالِ.

الزمر 39:75

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - الَّذِينَ رَكَّبَ فِيهِمُ الشَّهَواتِ؛ وما وصَلُوا إلَيْهِ مِنَ المَقاماتِ؛ أتْبَعَهم أهْلَ الكَراماتِ؛ الَّذِينَ لا شاغِلَ لَهم عَنِ العِباداتِ؛ فَقالَ - صارِفًا الخِطابَ لِعُلُوِّ الخَبَرِ إلى أعْلى الخَلْقِ أنَّهُ لا يَقُومُ بِحَقِّ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ غَيْرُهُ -: ﴿وتَرى﴾؛ مُعَبِّرًا بِأخَصَّ مِنَ الإبْصارِ؛ الأخَصِّ مِنَ النَّظَرِ؛ كَما بَيَّنَ في ”البَقَرَةِ“؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ١٦٥] ﴿المَلائِكَةَ﴾؛ القائِمِينَ بِجَمِيعِ ما عَلَيْهِمْ مِنَ الحُقُوقِ؛ ﴿حافِّينَ﴾؛ أيْ: مُحْدِقِينَ؛ ومُسْتَدِيرِينَ؛ وطائِفِينَ في جُمُوعٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ؛ مِن ”الحَفُّ“؛ وهو الجَمْعُ؛ و”الحَفَّةُ“؛ (p-٥٧١)وهُوَ جَماعَةُ النّاسِ؛ والأعْدادُ الكَثِيرَةُ؛ وهو جَمْعُ ”حافٌّ“؛ وهو الواحِدُ مِنَ الجَماعَةِ المُحْدِقَةِ. ولَمّا كانَ عِظَمُ الشَّيْءِ مِن عِظَمِ صاحِبِهِ؛ وكانَ لا يُحِيطُ بِعَظَمَةِ العَرْشِ حَقَّ الإحاطَةِ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِإدْخالِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾؛ أيْ: المَوْضِعِ الَّذِي يُدارُ فِيهِ بِهِ؛ ويُحاطُ بِهِ مِنهُ؛ مِن ”الحَوْلُ“؛ وهو الإحاطَةُ؛ والِانْعِطافُ؛ والإدارَةُ؛ مُحْدِقِينَ بِبَعْضِ أحِفَّتِهِ؛ أيْ: جَوانِبِهِ الَّتِي يُمْكِنُ الحُفُوفُ بِها؛ بِالقُرْبِ مِنها؛ يُسْمَعُ لِحُفُوفِهِمْ صَوْتٌ بِالتَّسْبِيحِ؛ والتَّحْمِيدِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ والِاهْتِزازِ خَوْفًا مِن رَبِّهِمْ؛ فَإدْخالُ ”مِن“؛ يُفْهِمُ أنَّهم - مَعَ كَثْرَتِهِمْ إلى حَدٍّ لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ - لا يَمْلَؤُونَ ما حَوْلَهُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛ ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ﴾؛ وصَرَفَ القَوْلَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ مَدْحًا لَهم بِالتَّشْمِيرِ؛ لِشُكْرِ المُنْعِمِ؛ وتَدْرِيبًا لِغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: يُبالِغُونَ في التَّنْزِيهِ عَنِ النَّقْصِ؛ بِأنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ مُحْتاجٌ إلى عَرْشٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وأنْ يَحْوِيَهُ مَكانٌ؛ مُتَلَبِّسِينَ بِإثْباتِ الكَمالِ لِلْمُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإلْزامِهِمْ بِالعِبادَةِ؛ مِن غَيْرِ شاغِلٍ يَشْغَلُهُمْ؛ ولا مُنازِعٍ مِن شَهْوَةٍ؛ أوْ حَظٍّ يُغْفِلُهُمْ؛ تَلَذُّذًا بِذِكْرِهِ؛ وتَشَرُّفًا بِتَقْدِيسِهِ؛ ولِأنَّ حَقَّهُ إظْهارُ تَعْظِيمِهِ عَلى الدَّوامِ؛ كَما أنَّهُ مُتَّصِلُ الإنْعامِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الشَّهَواتِ؛ بِما بَرَزَ عَلَيْهِمْ مِنَ الشَّهاداتِ؛ (p-٥٧٢)ذَكَرَ هُنا الحُكْمَ بَيْنَهم وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ فاوَضُوا في أصْلِ خَلْقِهِمْ؛ بِقَوْلِهِمْ: ”أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ“؛ الآيَةَ؛ فَقالَ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ أهْلِ الشَّهَواتِ؛ وأهْلِ العِصْمَةِ والثَّباتِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ عامًّا في التَّرْغِيبِ؛ والتَّرْهِيبِ؛ عَدْلًا؛ وفَضْلًا؛ بِخِلافِ سِياقِ سُورَةِ ”يُونُسَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَ: ﴿بِالحَقِّ﴾؛ بِأنْ طُوبِقَ بِما أنْزَلْنا فِيهِمْ في الكُتُبِ الَّتِي وضَعْناها لِحِسابِهِمُ الواقِعُ؛ فَمَن طَغى مِنهم أسْكَنّاهُ ”لَظى“؛ بِعَدْلِنا؛ ومَنِ اتَّقى نَعَّمْناهُ في جَنَّةِ المَأْوى؛ بِفَضْلِنا؛ لِجِهادِهِمْ ما فِيهِمْ مِنَ الشَّهَواتِ؛ حَتّى ثَبَتُوا عَلى الطّاعاتِ؛ مَعَ ما يَنْزِعُهم مِنَ الطَّبائِعِ إلى الجَهالاتِ؛ وأمّا المَلائِكَةُ فَأبْقَيْناهم عَلى حالِهِمْ في العِباداتِ؛ ﴿وقِيلَ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ قائِلٍ؛ آخِرَ الأُمُورِ كُلِّها؛ ﴿الحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِجَمِيعِ أوْصافِ الكَمالِ؛ وعَدَلَ بِالقَوْلِ إلى ما هو حَقٌّ بِهَذا المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ عَلِمْنا ذَلِكَ في هَذا اليَوْمِ عَيْنَ اليَقِينِ؛ كَما كُنّا في الدُّنْيا نَعْلَمُهُ عِلْمَ اليَقِينِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أحَقَّ الأيّامِ بِمَعْرِفَةِ شُمُولِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ لِاجْتِماعِ الخَلائِقِ؛ وانْفِتاحِ البَصائِرِ؛ وسَعَةِ الضَّمائِرِ؛ قالَ - واصِفًا لَهُ - سُبْحانَهُ - بِأقْرَبِ الصِّفاتِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ -: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي ابْتَدَأهم (p-٥٧٣)أوَّلًا مِنَ العَدَمِ؛ وأقامَهم ثانِيًا؛ بِما رَبّاهم بِهِ مِنَ التَّدْبِيرِ؛ وأعادَهم ثالِثًا بَعْدَ إفْنائِهِمْ؛ بِأكْمَلِ قَضاءٍ وتَقْدِيرٍ؛ وأبْقاهم رابِعًا؛ لا إلى خَيْرٍ؛ فَقَدْ حَقَّقَ وعْدَهُ؛ كَما أنْزَلَ في كِتابِهِ؛ وصَدَّقَ وعِيدَهُ لِأعْدائِهِ؛ كَما قالَ في كِتابِهِ؛ فَتَحَقَّقَ أنَّهُ تَنْزِيلُهُ؛ فَقَدْ خَتَمَ الأمْرَ بِإثْباتِ الكَمالِ بِاسْمِ الحَمْدِ عِنْدَ دُخُولِ الجِنانِ؛ والنِّيرانِ؛ كَما ابْتَدَأ بِهِ عِنْدَ ابْتِداءِ الخَلْقِ في أوَّلِ الإنْعامِ؛ فَلَهُ الإحاطَةُ بِالكَمالِ في أنَّ الأمْرَ كَما قالَ كِتابُهُ عَلى كُلِّ حالٍ؛ فَقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها؛ بِأنَّ الكِتابَ تَنْزِيلُهُ لِمُطابَقَةِ كُلِّ ما فِيهِ لِلْواقِعِ؛ عِنْدَما يَأْتِي تَأْوِيلُهُ؛ وبِأنَّ الكِتابَ الحامِلَ عَلى التَّقْوى؛ المُسَبِّبَةِ لِلْجَنَّةِ؛ أُنْزِلَ لِلْإبْقاءِ الأوَّلِ؛ فَمَنِ اتَّبَعَهُ كانَ لَهُ سَبَبًا لِلْإبْقاءِ الثّانِي؛ وهَذا الآخَرُ هو عَيْنُ أوَّلِ سُورَةِ ”غافِرٍ“؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَهُ مُعْجِزًا نِظامُهُ؛ فائِتًا القُوى أوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ مِنهُ وخِتامُهُ؛ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ؛ وآلِهِ؛ وصَحْبِهِ؛ وأهْلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطّاهِرِينَ؛ وصَحابَتِهِ أجْمَعِينَ.