Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — يس 36:1 – الصافات 37:182
المحتويات
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:10
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:16
- يس 36:17
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:21
- يس 36:22
- يس 36:23
- يس 36:24
- يس 36:25
- يس 36:26
- يس 36:27
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:35
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:44
- يس 36:45
- يس 36:46
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:61
- يس 36:62
- يس 36:63
- يس 36:64
- يس 36:65
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:73
- يس 36:74
- يس 36:75
- يس 36:76
- يس 36:77
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:80
- يس 36:81
- يس 36:82
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:2
- الصافات 37:3
- الصافات 37:4
- الصافات 37:5
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:9
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:17
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:21
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:26
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:30
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:33
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:36
- الصافات 37:37
- الصافات 37:38
- الصافات 37:39
- الصافات 37:40
- الصافات 37:41
- الصافات 37:42
- الصافات 37:43
- الصافات 37:44
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:50
- الصافات 37:51
- الصافات 37:52
- الصافات 37:53
- الصافات 37:54
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:58
- الصافات 37:59
- الصافات 37:60
- الصافات 37:61
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:65
- الصافات 37:66
- الصافات 37:67
- الصافات 37:68
- الصافات 37:69
- الصافات 37:70
- الصافات 37:71
- الصافات 37:72
- الصافات 37:73
- الصافات 37:74
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:79
- الصافات 37:80
- الصافات 37:81
- الصافات 37:82
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:85
- الصافات 37:86
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:89
- الصافات 37:90
- الصافات 37:91
- الصافات 37:92
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:95
- الصافات 37:96
- الصافات 37:97
- الصافات 37:98
- الصافات 37:99
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:104
- الصافات 37:105
- الصافات 37:106
- الصافات 37:107
- الصافات 37:108
- الصافات 37:109
- الصافات 37:110
- الصافات 37:111
- الصافات 37:112
- الصافات 37:113
- الصافات 37:114
- الصافات 37:115
- الصافات 37:116
- الصافات 37:117
- الصافات 37:118
- الصافات 37:119
- الصافات 37:120
- الصافات 37:121
- الصافات 37:122
- الصافات 37:123
- الصافات 37:124
- الصافات 37:125
- الصافات 37:126
- الصافات 37:127
- الصافات 37:128
- الصافات 37:129
- الصافات 37:130
- الصافات 37:131
- الصافات 37:132
- الصافات 37:133
- الصافات 37:134
- الصافات 37:135
- الصافات 37:136
- الصافات 37:137
- الصافات 37:138
- الصافات 37:139
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:148
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:152
- الصافات 37:153
- الصافات 37:154
- الصافات 37:155
- الصافات 37:156
- الصافات 37:157
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:160
- الصافات 37:161
- الصافات 37:162
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:168
- الصافات 37:169
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:172
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:175
- الصافات 37:176
- الصافات 37:177
- الصافات 37:178
- الصافات 37:179
- الصافات 37:180
- الصافات 37:181
- الصافات 37:182
يس 36:1
(p-٨١)سُورَةُ ”يـس“
وتُسَمّى ”القَلْبُ“؛ و”الدّافِعَةُ“؛ و”القاضِيَةُ“؛ و”المُعِمَّةُ“
مَقْصُودُها إثْباتُ الرِّسالَةِ الَّتِي هي رُوحُ الوُجُودِ؛ وقَلْبُ جَمِيعِ الحَقائِقِ؛ وبِها قِوامُهُ؛ وصَلاحُها لِلْمُرْسَلِ بِها؛ الَّذِي هو خالِصَةُ المُرْسَلِينَ؛ الَّذِينَ هم قَلْبُ المَوْجُوداتِ كُلِّها؛ ذَواتٍ ومَعانِيَ؛ إلى أهْلِ مَكَّةَ؛ أُمِّ القُرى؛ وقَلْبِ الأرْضِ؛ وهم قُرَيْشٌ؛ قَلْبُ العَرَبِ؛ الَّذِينَ هم قَلْبُ النّاسِ؛ بِصَلاحِهِمْ صَلاحُهم كُلِّهِمْ؛ وبِفَسادِهِمْ فَسادُهُمْ؛ فَلِذَلِكَ كانَ مِن حَوْلِهِمْ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ وجُلُّ فائِدَةِ الرِّسالَةِ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ؛ الَّتِي هي قَلْبُ الِاعْتِقادِ؛ وخالِصُهُ؛ وعَمُودُهُ؛ لِلْعَزِيزِ الرَّحِيمِ؛ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ؛ وإنْذارُ يَوْمِ الجَمْعِ؛ الَّذِي بِهِ - مَعَ سَتْرِهِ عَنِ العِيانِ؛ الَّذِي هو مِن خَواصِّ القَلْبِ - صَلاحُ الخَلْقِ؛ فَهو قَلْبُ الأكْوانِ؛ وبِهِ الصَّلاحُ؛ أوِ الفَسادُ لِلْإنْسانِ؛ وعَلى ذَلِكَ تَنْطَبِقُ مَعانِي أسْمائِها: ”يـس“؛ و”القَلْبُ“؛ و”الدّافِعَةُ“؛ و”القاضِيَةُ“؛ (p-٨٢)و”المُعِمَّةُ“؛ وأمّا ”يـس“؛ فَسَيَأْتِي بَيانُهُ؛ مِن جِهَةِ إشارَتِهِ إلى سِرِّ كَوْنِها قَلْبًا؛ المُشِيرُ إلى البَعْثِ؛ الَّذِي هو مِن أجَلِّ مَقاصِدِها؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ صَلاحُ القَلْبِ؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ قَبُولُ ما ذُكِرَ؛ وأمّا الباقِي فَإنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الرِّسالَةَ كَفَتْهُ؛ ودَفَعَتْ عَنْهُ جَمِيعَ مُهِمِّهِ؛ وقَضَتْ لَهُ بِكُلِّ خَيْرٍ؛ وأعْطَتْهُ كُلَّ مُرادٍ؛ وكُلٌّ مِنها لَهُ أتَمُّ نَظَرٍ إلى القَلْبِ؛ كَما لا يَخْفى؛ و”المُعِمَّةُ“: الشّامِلَةُ بِالخَيْرِ والبَرَكَةِ؛ قالَ في القامُوسِ: يُقالُ: ”عَمَّهم بِالعَطِيَّةِ“؛ و”هُوَ مُعِمُّ خَيْرٍ يَعُمُّ خَيْرُهُ“؛ فَقَدْ لاحَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ الشَّرِيفَةَ؛ لَمّا كانَتْ قَلْبًا؛ كانَ كُلَّ شَيْءٍ فِيها لَهُ نَظَرٌ عَمِيقٌ إلى القَلْبِيَّةِ؛ ”بِسْمِ اللَّهِ“؛ الَّذِي جَلَّ مُلْكُهُ عَنْ أنْ يُحاطَ بِمِقْدارِهِ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي جَعَلَ الإنْذارَ بِيَوْمِ الجَمْعِ رَحْمَةً عامَّةً ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي أنارَ قُلُوبَ أوْلِيائِهِ بِالِاجْتِهادِ لِيَوْمِ لِقائِهِ.
لَمّا كانَ قَلْبُ كُلِّ شَيْءٍ أبْطَنَ ما فِيهِ؛ وأنْفَسَ؛ وكانَ قَلْبُ الإنْسانِ غائِبًا عَنِ الإحْساسِ؛ وكانَ مُودَعًا مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ والإدْراكاتِ الخَفِيَّةِ؛ والجَلِيَّةِ؛ ما يَكُونُ لِلْبَدَنِ سَبَبًا في إصْلاحِهِ؛ أوْ إفْسادِهِ؛ مِن إشْقائِهِ أوْ إبْقائِهِ؛ وكانَتِ السّاعَةُ مِن عالَمِ الغَيْبِ؛ وفِيها يَكُونُ انْكِشافُ الأُمُورِ؛ والوُقُوفُ عَلى حَقائِقِ المَقْدُورِ؛ وبِمُلاحَظَتِها (p-٨٣)فِي إصْلاحِ أسْبابِها تَكُونُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ؛ وبِالإعْراضِ عَنْها وإفْسادِ أسْبابِها تَكُونُ الشَّقاوَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وكانَتْ قَدْ بُيِّنَتْ في هَذِهِ السُّورَةِ بَيانًا لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها؛ بِما وقَعَ مِنَ التَّصْرِيحِ في قَلْبِها؛ الَّذِي هو وسَطُها؛ بِنَفْخَتِها المُمِيتَةِ لِكُلِّ مَن عَلى الأرْضِ؛ ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً ولا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٥٠] الباعِثَةِ ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] والتَّصْرِيحِ بِالمَعادِ الجُسْمانِيِّ؛ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِ بِالدَّلِيلِ؛ الَّذِي نُقِلَ أنَّ أبا نَصْرٍ الفارابِيَّ - الَّذِي وُسِمَ بِأنَّهُ المُعَلِّمُ الثّانِي - كانَ يَقُولُ: ودِدْتُ أنَّ هَذا العالِمَ الرَّبّانِيَّ - يُشِيرُ إلى المُعَلِّمِ الأوَّلِ ”أرِسْطُو“؛ وقَفَ عَلى هَذا القِياسِ؛ أنْ يُقالَ: اللَّهُ أنْشَأ العِظامَ وأحْياها أوَّلَ مَرَّةٍ؛ وكُلُّ مَن أنْشَأ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ وكُلُّ مَن أنْشَأ شَيْئًا وأحْياهُ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إنْشائِهِ وإحْيائِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ يُنْتِجُ أنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى إنْشاءِ العِظامِ؛ وإحْيائِها؛ بَعْدَ فَنائِها؛ فاخْتَصَّتْ بِذَلِكَ عَنْ باقِي القُرْآنِ؛ كانَتْ قَلْبًا لَهُ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبٌ؛ وقَلْبُ (p-٨٤)القُرْآنِ يـس“؛ ورَواهُ أبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ - وهَذا لَفْظُهُ - والإمامُ أحْمَدُ؛ في مُسْنَدَيْهِما؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”يـس قَلْبُ القُرْآنِ؛ لا يَقْرَؤُها رَجُلٌ يُرِيدُ اللَّهَ والدّارَ الآخِرَةَ إلّا غُفِرَ لَهُ؛ اقْرَؤُوها عَلى مَوْتاكُمْ“؛» قالَ شَيْخُنا الحافِظُ شِهابُ الدِّينِ البُوصَيْرِيُّ: ولَهُ شاهِدٌ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ رَواهُ البَزّارُ في مُسْنَدِهِ؛ هَذا ما هَدانِي اللَّهُ إلَيْهِ؛ ولَهُ الحَمْدُ مِن بَيانِ السِّرِّ في كَوْنِها قَلْبًا؛ ثُمَّ رَأيْتُ البُرْهانَ النَّسَفِيَّ قالَ في تَفْسِيرِهِ؛ الَّذِي هو مُخْتَصَرُ التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ لِلْإمامِ الرّازِيِّ؛ في آخِرِ السُّورَةِ؛ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ: قالَ الغَزالِيُّ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ - أيْ: كَوْنَها قَلْبًا - لِأنَّ الإيمانَ صِحَّتُهُ بِالِاعْتِرافِ بِالحَشْرِ؛ والحَشْرُ مُقَرَّرٌ في هَذِهِ السُّورَةِ بِأبْلَغِ وجْهٍ؛ فَجُعِلَتْ قَلْبَ القُرْآنِ لِذَلِكَ؛ واسْتَحْسَنَهُ الإمامُ المُدَقِّقُ المُحَقِّقُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ؛ ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَيْسَ فِيها إلّا تَقْرِيرُ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ الوَحْدانِيَّةِ؛ والرِّسالَةِ؛ والحَشْرِ؛ بِأقْوى البَراهِينِ؛ فابْتَدَأها بِبَيانِ الرِّسالَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ودَلِيلُهُ ما قَدَّمَهُ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] وما أخْبَرَهُ عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ [يس: ٦] وأنْهاها بِبَيانِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والحَشْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس: ٨٣] إشارَةً إلى التَّوْحِيدِ؛ وقَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] إشارَةً إلى الحَشْرِ؛ (p-٨٥)ولَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ إلّا هَذِهِ الأُصُولُ الثَّلاثَةُ؛ ودَلائِلُها؛ ومَن حَصَّلَ مِنَ القُرْآنِ هَذا القَدْرَ فَقَدْ حَصَّلَ نَصِيبَ قَلْبِهِ؛ وهو التَّصْدِيقُ؛ الَّذِي بِالجَنانِ؛ وأمّا الَّذِي بِاللِّسانِ؛ والَّذِي بِالأرْكانِ؛ فَفي غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَلَمّا كانَ فِيها أعْمالُ القَلْبِ لا غَيْرُ؛ سَمّاها ”قَلْبًا“ ولِهَذا ورَدَ عَنْهُ ﷺ قِراءَتُها عِنْدَ رَأْسِ مَن دَنا مِنهُ المَوْتُ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ اللِّسانُ ضَعِيفَ القُوَّةِ؛ والأعْضاءُ الظّاهِرَةُ ساقِطَةَ المِنَّةِ؛ لَكِنَّ القَلْبَ يَكُونُ قَدْ أقْبَلَ عَلى اللَّهِ؛ ورَجَعَ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ فَيُقْرَأُ عِنْدَ رَأْسِهِ ما يَزْدادُ بِهِ قُوَّةً في قَلْبِهِ؛ ويَشْتَدُّ تَصْدِيقُهُ بِالأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ انْتَهى؛ وفِيهِ بَعْضُ تَصَرُّفٍ؛ وقَوْلُهُ: ”إنَّ وظِيفَةَ اللِّسانِ والأرْكانِ لَيْسَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنها شَيْءٌ“؛ رُبَّما يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] ﴿وإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧] ﴿وأنِ اعْبُدُونِي هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦١] والحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ رَواهُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ وابْنُ حِبّانَ؛ والحاكِمُ؛ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَفَعَهُ: «”اقْرَؤُوا يـس عَلى مَوْتاكُمْ“؛» وأعَلَّهُ ابْنُ القَطّانِ؛ وضَعَّفَهُ الدّارَقُطْنِيُّ؛ وأسْنَدَ صاحِبُ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ؛ وأبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”ما مِن مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُقْرَأُ عِنْدَهُ يـس إلّا هَوَّنَ اللَّهُ (p-٨٦)عَلَيْهِ“؛» ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ؛ ابْنُ حِبّانَ؛ في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ وحْدَهُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ والإمامُ أحْمَدُ؛ في مُسْنَدِهِ؛ عَنْ صَفْوانَ بْنِ عَمْرٍو قالَ: كانَتِ المَشْيَخَةُ يَقُولُونَ: إذا قُرِئَتْ ”يـس“ عِنْدَ المَيِّتِ خُفِّفَ عَنْهُ بِها؛ قالَ ابْنُ حِبّانَ: المُرادُ المُحْتَضَرُ؛ واسْتُمِدَّ مِن هَذا التَّصْرِيحِ بِالحَشْرِ كُلُّ ما انْبَثَّ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ الآخِرَةِ؛ الَّذِي بِمُراعاتِهِ وإتْقانِهِ يَكُونُ صَلاحُ جَمِيعِ الأحْوالِ في الدّارَيْنِ؛ وبِإهْمالِهِ ونِسْيانِهِ يَكُونُ فَسادُها فِيهِما - هَذا مَعَ ما شارَكَتْ بِهِ غَيْرَها مِمّا جَمَعَتْهُ مِن جَمِيعِ مَعانِيهِ المَجْمُوعَةِ في ”الفاتِحَةِ“؛ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى؛ ”اللَّهُ“؛ و”الرَّبُّ“؛ و”الرَّحْمَنُ“؛ و”الرَّحِيمُ“؛ و”مالِكُ يَوْمِ الدِّينِ“؛ ”الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ“؛ والأمْرِ بِالعِبادَةِ بِسُلُوكِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ وتَفْصِيلِ أهْلِ النَّعِيمِ؛ وأهْلِ الجَحِيمِ؛ وإثْباتِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ؛ الَّتِي يَصِيرُ بِها المُكَلَّفُ مُؤْمِنًا؛ الوَحْدانِيَّةِ؛ والحَشْرِ؛ والرِّسالَةِ؛ الَّتِي هي قَلْبُ الوُجُودِ؛ وبِها صَلاحُهُ؛ وهي مُمِدَّةٌ لِكُلِّ رُوحٍ يَكُونُ بِهِ حَياةٌ هَنِيئَةٌ؛ وهي مَبْدَأُ الصَّلاحِ كَما أنَّ البَعْثَ غايَتُهُ؛ وأنَّ الخاتَمَ لَها إنْسانُ عَيْنِ المَوْجُوداتِ وقَلَبُها؛ فَأثْبَتَ لَهُ ذَلِكَ عَلى أصْرَحِ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ (p-٨٧)ومَعَ جَمْعِ ما افْتُتِحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ المَنثُورَةِ أوَّلَ السُّورَةِ عِمادًا لِلْقُرْآنِ؛ وشَحْذًا لِلْأذْهانِ؛ لِصِنْفَيِ المَنقُوطَةِ والعاطِلَةِ ووَصْفَيِ المَجْهُورَةِ والمَهْمُوسَةِ.
ولَمّا كانَ القَلْبُ مِنَ الإنْسانِ المَقْصُودَ بِالذّاتِ مِنَ الأكْوانِ؛ في نَحْوِ ثُلُثِ بَدَنِهِ مِن جِهَةِ رَأْسِهِ؛ وكانَتِ الياءُ في نَحْوِ ذَلِكَ مِن حُرُوفِ ”أبـجـد“؛ فَإنَّها العاشِرَةُ مِنها؛ والسِّينُ بِذَلِكَ المَحَلِّ مِن حُرُوفِ ”أ ب ت ث“؛ فَإنَّها الثّانِيَةَ عَشَرَةَ مِنها؛ وعَلا هَذانِ الحَرْفانِ - بِما فِيهِما مِنَ الجَهْرِ - عَنْ غايَةِ الضَّعْفِ؛ ونَزَلا بِما لَهُما مِنَ الهَمْسِ عَنْ نِهايَةِ الشِّدَّةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ القَلْبَ الصَّحِيحَ هو الزُّجاجِيُّ الشَّفّافُ؛ الجامِعُ بَيْنَ الصَّلابَةِ؛ والرِّقَّةِ؛ الَّذِي عَلا بِصَلابَتِهِ عَنْ رِقَّةِ الماءِ الَّذِي لا يَثْبُتُ فِيهِ صُورَةٌ؛ ونَزَلَ بِلَطافَتِهِ عَنْ قَساوَةِ الحَجَرِ؛ الَّذِي لا يَكادُ يَنْطَبِعُ فِيهِ شَيْءٌ إلّا بِغايَةِ الجُهْدِ؛ فَكانَ جامِعًا بَيْنَ الصَّلابَةِ والرِّقَّةِ؛ مُتَهَيِّئًا لِأنْ تَنْطَبِعُ فِيهِ الصُّوَرُ؛ وتَثْبُتُ؛ لِيَكُونَ قابِلًا مُفِيدًا؛ فَيَكُونَ مُتَخَلِّفًا مِن صِفاتٍ مُوجَدَةٍ بِالقُدْرَةِ؛ والِاخْتِيارِ؛ اللَّذَيْنِ دَلَّتْ عَلَيْهِما سُورَةُ ”المَلائِكَةِ“؛ وبِمَعْرِفَةِ الخَيْرِ فَيَجْتَلِبَهُ؛ والشَّرِّ فَيَجْتَنِبَهُ؛ فَيَكُونَ فِيهِ شاهِدٌ مِن نَفْسِهِ عَلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ في صانِعِهِ؛ وكانَتِ المَجْهُورَةُ (p-٨٨)أقْوى؛ فَقُدِّمَتِ الياءُ لِجَهْرِها؛ وكانَتا - بَعْدَ اخْتِلافٍ بِالجَهْرِ؛ والهَمْسِ - قَدِ اتَّفَقَتا في الِانْفِتاحِ؛ والرَّخاوَةِ؛ والِاسْتِفالِ؛ إشارَةً إلى أنَّ القَلْبَ لا يَصْلُحُ - كَما تَقَدَّمَ - مَعَ الصَّلابَةِ؛ الَّتِي هي في مَعْنى الجَهْرِ؛ إلّا بِالإخْباتِ؛ الَّذِي هو في مَعْنى الهَمْسِ؛ وبِالنُّزُولِ عَنْ غايَةِ الصَّلابَةِ إلى حَدِّ الرَّخاوَةِ؛ لِئَلّا يَكُونَ حَجَرِيًّا قاسِيًا؛ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ انْفِتاحٌ؛ لِيَكُونَ مُفِيدًا؛ وقابِلًا؛ ويَكُونَ مُسْتَفِلًا؛ لِيَكُونَ إلى رَبِّهِ بِتَواضُعِهِ واصِلًا؛ وزادَتِ السِّينُ بِالصَّفِيرِ؛ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ؛ وانْتِشارٌ؛ وقُوَّةٌ؛ لِضَعْفِها عَنِ الياءِ بِالهَمْسِ؛ فَتَعادَلَتا؛ ودَلَّ صَفِيرُها عَلى النَّفْخِ في الصُّورِ؛ الَّذِي صَرَّحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ؛ ودَلَّ جَهْرُ الياءِ عَلى قُوَّتِهِ؛ ودَلَّ كَوْنُها مِن حُرُوفِ النِّداءِ عَلى خُرُوجِهِ عَنِ الحَدِّ في الشَّدِّهِ؛ حَتّى تَبْدُوَ عَنْهُ تِلْكَ الآثارُ المُخْلِيَةُ لِلدِّيارِ؛ المُنْفِيَةُ لِلصِّغارِ؛ والكِبارِ؛ ثُمَّ الباغِتَةُ لَهم مِن جَمِيعِ الأقْطارِ؛ امْتِثالًا لِأمْرِ الواحِدِ القَهّارِ؛ وكانَ مَخْرَجُهُما مِنَ اللِّسانِ؛ الَّذِي هو قَلْبُ المَخارِجِ الثَّلاثَةِ؛ لِتَوَسُّطِهِ؛ وكَثْرَةِ مَنافِعِهِ في ذَلِكَ؛ وكانَتِ الياءُ مِن وسَطِهِ؛ والسِّينُ مِن طَرْفِهِ؛ وكانَ هَذانِ المَخْرَجانِ؛ مَعَ كَوْنِهِما وسَطًا؛ مَدارًا لِأكْثَرِ الحُرُوفِ؛ هَذا مَعَ ما لَهُما مِنَ الأسْرارِ الَّتِي تَدِقُّ عَنْ تَصَوُّرِ الأفْكارِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿يس﴾؛ وإنْ كانَ المَعْنى: يا إنْسانُ؛ فَهو قَلْبُ المَوْجُوداتِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها؛ (p-٨٩)وخالِصُها؛ وسِرُّها؛ ولُبابُها؛ وإنْ أُرِيدَ: يا سَيِّدُ؛ فَهو خُلاصَةُ مَن سادَهُمْ؛ وإنْ أُرِيدَ: يا رَجُلُ؛ فَهو خُلاصَةُ البَشَرِ؛ وإنْ أُرِيدَ: يا مُحَمَّدُ؛ فَهو خالِصَةُ الرِّجالِ؛ الَّذِينَ هم لُبابُ البَشَرِ؛ الَّذِينَ هم سِرُّ الأحْياءِ الَّذِينَ هم عَيْنُ المَوْجُوداتِ فَهو خُلاصَةُ الخُلاصَةِ؛ وخِيارُ وعَيْنُ القَلْبِ؛ وكَأنَّ مَن قالَ: مَعْناهُ: مُحَمَّدٌ؛ نَظَرَ إلى الِاتِّحادِ في عَدَدِ اسْمِهِ ﷺ بِالجُمَلِ؛ بِالنَّظَرِ إلى اليَمِينِ في المُشَدَّدَةِ؛ وعَدَدِ ”قَلْبٌ“؛ وعَدَدِ اسْمَيِ الحَرْفَيْنِ؛ ولا يَخْفى أنَّ الهَمْزَةَ في اسْمِ الياءِ ألِفٌ ثانِيَةٌ؛ فَمَبْلَغُ عَدَدِهِ اثْنا عَشَرَ.
يس 36:2
ولَمّا تَقَدَّمَ في ”المَلائِكَةِ“ إثْباتُ رِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَهْدِيدُ قَوْمِهِ عَلى النَّفْرَةِ عَنْهُ؛ وأنَّ مُرْسِلَهُ (تَعالى) بَصِيرٌ بِعِبادِهِ؛ عالِمٌ بِما يُصْلِحُهُمْ؛ ومَن يَصْلُحُ مِنهم لِلرِّسالَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكانَ مَدارُ مادَّةِ ”قَرَأ“ - كَما مَضى في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ - الجَمْعَ؛ مَعَ الفَرْقِ؛ وكانَ ذَلِكَ أعْلى مَقاماتِ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ؛ وهو وظِيفَةُ القَلْبِ؛ عَبَّرَ في القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿والقُرْآنِ﴾؛ ووَصَفَهُ بِصِفَةِ القَلْبِ العارِفِ؛ فَقالَ: ﴿الحَكِيمِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى العِلْمِ؛ المُزَيَّنِ بِالعَمَلِ؛ والإرْشادِ إلى العَمَلِ؛ المُحْكَمِ بِالعِلْمِ.
يس 36:3
ولَمّا كانَ قَدْ ثَبَتَ في سُورَةِ ”المَلائِكَةِ“؛ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - المَلِكُ الأعْلى؛ لِما ثَبَتَ لَهُ مِن تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ وكانَ مِن أجَلِّ ثَمَراتِ (p-٩٠)المُلْكِ إرْسالُ الرُّسُلِ إلى الرَّعايا؛ بِأوامِرِ المَلِكِ؛ ورَدُّهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِمّا دَعَتْهم إلَيْهِ النُّفُوسَ؛ وقادَتْهم إلَيْهِ الشَّهَواتُ؛ والحُظُوظُ؛ إلى ما يَفْتَحُهُ لَهم مِنَ الكَرَمِ؛ ويُبَصِّرُهم بِهِ مِنَ الحِكَمِ؛ وكانَتِ الرِّسالَةُ أحَدَ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ الَّتِي تَنْقُلُ الإنْسانَ مِنَ الكُفْرِ إلى الإيمانِ؛ وكانَتْ هي المَنظُورَ إلَيْها أوَّلًا؛ لِأنَّها السَّبَبُ في الأصْلَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ وكانُوا قَدْ رَدُّوا رِسالَتَهُ نُفُورًا واسْتِكْبارًا؛ قالَ - مُقَدِّمًا لَها تَقْدِيمَ السَّبَبِ عَلى مُسَبَّبِهِ؛ عَلى وجْهِ التَّأْكِيدِ البَلِيغِ؛ مَعَ ضَمِيرِ الخِطابِ؛ الَّذِي لا يَحْتَمِلُ لَبْسًا -: ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ حَكَمَتْ عُقُولُهم عَلى دَواعِي نُفُوسِهِمْ؛ فَصارُوا - بِما وهَبَهُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ النُّورانِيَّةِ - كالمَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ قَدَّمَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ أنَّهم رُسُلُهُ؛ وفي عِدادِهِمْ؛ بِما تَخَلَّقُوا بِهِ مِن أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ وجَمِيعِ ما يَرْتَضِيهِ.
يس 36:4
ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن نُورِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ أوَّلُهم خَلْقًا؛ وآخِرُهم بَعْثًا؛ فَكانُوا في الحَقِيقَةِ إنَّما هم مُمَهِّدُونَ لِشَرْعِهِ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - إنَّما أرْسَلَهُ لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ؛ وكانَ قَدْ جَعَلَ - سُبْحانَهُ - مِنَ المَكارِمِ ألّا يُكَلِّمَ النّاسَ إلّا بِما تَسَعُ عُقُولُهُمْ؛ وكانَتْ عِدَّةُ المُرْسَلِينَ؛ كَما في حَدِيثِ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عِنْدَ أحْمَدَ؛ في المُسْنَدِ؛ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ؛ وفِيهِ أنَّ الأنْبِياءَ مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا؛ وهو في الطَّبَرانِيِّ الكَبِيرِ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (p-٩١)أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ عَدَدَ الرُّسُلِ فَقَطْ؛ وكانَتْ عُقُولُ العَرَبِ لا تَسَعُ بِوَجْهٍ؛ قَبْلَ الإيمانِ؛ أنَّهم مِنهُ؛ أقْسَمَ - سُبْحانَهُ - ظاهِرًا أنَّهُ مِنهُمْ؛ ورَمْزًا لِلْأصْفِياءِ باطِنًا إلى أنَّهم مِنهُ؛ بِجَعْلِهِمْ عَدَدَ أسْماءِ حُرُوفِ اسْمِهِ ”مُحَمَّدٌ“ ﷺ الَّذِي رَمَزَ إلَيْهِ بِالحَرْفَيْنِ أوَّلَ السُّورَةِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: ”إنَّكَ يا ياسِينُ؛ الَّذِي تَأْوِيلُهُ (مُحَمَّدٌ)؛ الَّذِي عَدَدُ أسْماءِ حُرُوفِهِ بِعَدَدِهِمْ؛ لِأصْلِهِمْ“؛ فَصارَ رَمْزًا في رَمْزٍ؛ وكَنْزًا نَفِيسًا داخِلَ كَنْزٍ؛ وسِرًّا مِن سِرٍّ؛ وبَرًّا إلى بَرٍّ؛ وهو أحْلى في مُنادَمَةِ الأحْبابِ مِن صَرِيحِ الخِطابِ؛ ثُمَّ عَلَّقَ بِاسْمِ المَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿عَلى صِراطٍ﴾؛ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ؛ واضِحٍ؛ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾؛ أيْ: أنْتَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ ثَبَتَ لَهم أنَّهم عَلَيْهِ؛ وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الأكْمَلُ؛ المُتَقَدِّمُ في ”الفاتِحَةِ“؛ لِأنَّهُ لِخَواصِّ المُنْعَمِ عَلَيْهِمْ؛ ولِقَوْلِهِ (تَعالى) - في حَقِّ مُوسى وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات: ١١٨]؛ فَيَكُونُ تَنْوِينُهُ - بِما أرْشَدَ إلَيْهِ القَسَمُ والتَّأْكِيدُ - لِلتَّعْظِيمِ؛ والمَعْنى أنَّهم قَدْ ثَبَتَ لَهم هَذا الوَصْفُ العَظِيمُ؛ وأنْتَ مِنهُمْ؛ بِما شارَكْتَهم فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ؛ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَخُصَّكَ مِن بَيْنِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَتْ سُورَةُ ”سَبَإٍ“؛ وسُورَةُ (p-٩٢)”فاطِرٍ“؛ مِن عَظِيمِ مُلْكِهِ (تَعالى)؛ وتَوَحُّدِهِ بِذَلِكَ؛ وانْفِرادِهِ بِذَلِكَ بِالمُلْكِ؛ والخَلْقِ؛ والِاخْتِراعِ؛ ما تَنْقَطِعُ العُقُولُ دُونَ تَصَوُّرِ أدْناهُ؛ ولا تُحِيطُ مِن ذَلِكَ إلّا بِما شاءَ؛ وأشارَتْ مِنَ البَراهِينِ والآياتِ إلى ما يَرْفَعُ الشُّكُوكَ؛ ويُوَضِّحُ السُّلُوكَ؛ مِمّا كانَتِ الأفْكارُ قَدْ خَمَدَتْ عَنْ إدْراكِها؛ واسْتَوْلَتْ عَلَيْها الغَفْلَةُ؛ فَكَأنْ قَدْ جَمُدَتْ عَنْ مَعْهُودِ حِراكِها؛ ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - بِنِعْمَةِ التَّحْرِيكِ؛ إلى اعْتِبارِها بِثَنائِهِ عَلى مَنِ اخْتارَهُ لِبَيانِ تِلْكَ الآياتِ؛ واصْطَفاهُ لِإيضاحِ تِلْكَ البَيِّناتِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢] ﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٣] ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ ثُمَّ قالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾ [يس: ٦]؛ فَأشارَ - سُبْحانَهُ - إلى ما تُثْمِرُ نِعْمَةُ الإنْذارِ؛ ويَبْعَثُهُ التَّيَقُّظُ بِالتَّذْكارِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ مَن عَمِيَ بَعْدَ تَحْرِيكِهِ؛ وإنْ كانَ مُسَبَّبًا عَنِ الطَّبْعِ؛ وشَرِّ السّابِقَةِ؛ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧]؛ الآياتِ؛ ثُمَّ أشارَ بَعْدُ إلى أنَّ بَعْضَ مَن عَمِيَ عَنْ عَظِيمِ تِلْكَ البَراهِينِ لِأوَّلِ وهْلَةٍ؛ قَدْ يَهْتَزُّ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ لِسابِقِ سَعادَتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): (p-٩٣)﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى﴾ [يس: ١٢]؛ فَكَذَلِكَ نَفْعَلُ بِهَؤُلاءِ إذا شِئْنا هِدايَتَهُمْ؛ ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ ثُمَّ ذَكَرَ دَأْبَ المُعانِدِينَ؛ وسَبِيلَ المُكَذِّبِينَ؛ مَعَ بَيانِ الأمْرِ؛ فَقالَ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]؛ الآياتِ؛ وأتْبَعَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - بِما أوْدَعَ في الوُجُودِ مِنَ الدَّلائِلِ الواضِحَةِ؛ والبَراهِينِ؛ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١]؛ الآيَةَ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥]؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ﴿وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]؛ ثُمَّ قالَ: ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلى حِينٍ﴾ [يس: ٤٤]؛ ثُمَّ ذَكَرَ إعْراضَهم مَعَ عَظِيمِ هَذِهِ البَراهِينِ؛ وتَكْذِيبَهُمْ؛ وسُوءَ حالِهِمْ عِنْدَ بَعْثَتِهِمْ؛ ونَدَمَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ وشَهادَةَ أعْضائِهِمْ بِأعْمالِهِمْ؛ ثُمَّ تَناسَجَتِ الآيُ جارِيَةً عَلى ما يُلائِمُ ما تَقَدَّمَ إلى آخِرِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.
يس 36:5
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما هَذا الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ؟ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ - جَوابًا لِمَن سَألَ: هو القُرْآنُ؛ الَّذِي وقَعَ الإقْسامُ بِهِ؛ وهو ﴿تَنْـزِيلَ﴾؛ أوْ حالَ كَوْنِهِ تَنْزِيلَ ﴿العَزِيزِ﴾؛ أيْ: المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ لِلْقَهْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ صِفَةَ كَمالٍ؛ إلّا بِالرَّحْمَةِ؛ قالَ: ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ أيْ: الحاوِي لِجَمِيعِ صِفاتِ الإكْرامِ؛ الَّذِي يُنْعِمُ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ بَعْدَ الإنْعامِ بِإيجادِهِمْ؛ بِما يُقِيمُهم عَلى (p-٩٤)المِنهاجِ الَّذِي يَرْضاهُ لَهُمْ؛ فَهو الواحِدُ الَّذِي لا مِثْلَ لَهُ أصْلًا؛ لِما قَهَرَ بِهِ مِن عِزَّتِهِ؛ وجَبَرَ بِهِ مِن رَحْمَتِهِ.
نَزَّلَهُ إلَيْكَ وهو في جَلالَةِ النَّظْمِ؛ وجَزالَةِ القَوْلِ؛ وحَلاوَةِ السَّبْكِ؛ وقُوَّةِ التَّرْكِيبِ؛ ورَصانَةِ الوَضْعِ؛ وحَكِيمِ المَعانِي وإحْكامِ المَبانِي في أعْلى ذُرى الإعْجازِ؛ وجَعَلَ إنْزالَهُ تَدْرِيجًا بِحَسَبِ المَصالِحِ؛ مُطابِقًا مُطابَقَةً أعْجَزَتِ الخَلائِقَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِها؛ ثُمَّ نَظَّمَهُ عَلى غَيْرِ تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَظْمًا أعْجَزَ الخَلْقِ عَنْ أنْ يُدْرِكُوا جَمِيعَ المُرادِ مِن بُحُورِ مَعانِيهِ؛ وحَكِيمِ مَبانِيهِ؛ فَكُلُّهُ إعْجازٌ عَلى ما لَهُ مِن إطْنابٍ وإيجازٍ.
يس 36:6
ولَمّا ذَكَرَ المُرْسَلَ؛ والمُرْسَلَ بِهِ؛ والمُرْسِلَ؛ ذَكَرَ المُرْسَلَ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾؛ أيْ: ذَوِي بَأْسٍ؛ وقُوَّةٍ؛ وذَكاءٍ؛ وفِطْنَةٍ؛ ﴿ما أُنْذِرَ﴾؛ أيْ: لَمْ يُنْذَرْ أصْلًا؛ ﴿آباؤُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ غَيَّرُوا دِينَ أعْظَمِ آبائِهِمْ؛ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ومَن أتى بَعْدَهم عِنْدَ فَتْرَةِ الرُّسُلِ؛ ولَمّا كانَ عَدَمُ الإنْذارِ مُوجِبًا لِاسْتِيلاءِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ عَلى العَقْلِ؛ فَيَحْصُلُ عَنْ ذَلِكَ الغَفْلَةُ عَنْ طَرِيقِ النَّجاةِ؛ قالَ: ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ زَمانِ الفَتْرَةِ؛ ﴿غافِلُونَ﴾؛ أوِ المَعْنى عَلى أنَّ ”ما“؛ مَفْعُولٌ ثانٍ: ”لِتُنْذِرَ“: أيْ لِتُنْذِرَهُمُ الَّذِي أُنْذِرَهُ آباؤُهُمُ الَّذِينَ كانُوا قَبْلَ التَّغْيِيرِ؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ غافِلُونَ عَنْ ذَلِكَ لِطُولِ الزَّمانِ؛ وحُدُوثِ النِّسْيانِ.
يس 36:7
(p-٩٥)ولَمّا كانَ تَطاوُلُ الإقامَةِ عَلى شَيْءٍ مُوجِبًا لِلْإلْفِ لَهُ؛ والإلْفُ قَتّالٌ لِما يُوجِبُ مِنَ الإصْرارِ عَلى المَأْلُوفِ؛ لِمَحَبَّتِهِ: «”حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ“؛» قالَ - جَوابًا لِمَن يَتَوَقَّعُ الجَوابَ عَمّا أثْمَرَتْهُ حالُهم -: ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ﴾؛ أيْ: الكامِلُ في بابِهِ؛ وهو إيجابُ العَذابِ؛ بِمُلازَمَةِ الغَفْلَةِ؛ ﴿عَلى أكْثَرِهِمْ فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: بِما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الإنْذارِ؛ بَلْ يَزِيدُهم عَمًى واسْتِكْبارًا في الأرْضِ؛ ومَكْرَ السَّيِّئِ.
يس 36:8
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّهُ لا يَتَجَدَّدُ مِنهم إيمانٌ بَعْدَ البَيانِ الواضِحِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا عَجَبًا؛ عَلَّلَهُ بِما يُوجِبُهُ مِن تَمْثِيلِ حالِهِمْ؛ تَصْوِيرًا لِعِزَّتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وباهِرِ عَظَمَتِهِ؛ الَّذِي لَفَتَ الكَلامَ إلَيْهِ لِإفْهامِهِ - وهَذا الَّذِي ذُكِرَ هو اليَوْمَ مَعْنًى؛ ومِثالٌ؛ وفي الآخِرَةِ ذاتٌ ظاهِرٌ - وأنَّهُ ما انْفَكَّ عَنْهم أصْلًا؛ وما زالَ؛ فَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ وأكَّدَهُ لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ؛ ﴿فِي أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾؛ أيْ: مِن ظُلُماتِ الضَّلالاتِ؛ كُلُّ عُنُقٍ غُلَّ؛ وأشارَ بِالظَّرْفِ إلى أنَّها مِن ضِيقِها لَزَّتِ اللَّحْمَ حَتّى تَثَنّى عَلى الحَدِيدِ؛ فَكادَ يُغَطِّيهِ؛ فَصارَ - والعُنُقُ فِيهِ - كَأنَّهُ فِيها؛ وهي مُحِيطَةٌ بِهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحَدِيدَ إذا وُضِعَ في العُنُقِ أنْزَلَهُ ثِقْلُهُ (p-٩٦)إلى المَنكِبِ؛ لَمْ يَذْكُرْ جِهَةَ السُّفْلِ؛ وذَكَرَ جِهَةَ العُلُوِّ؛ فَقالَ: ﴿فَهِيَ﴾؛ أيْ: الأغْلالُ؛ بِعَرْضِها؛ واصِلَةٌ بِسَبَبِ هَذا الجَعْلِ ﴿إلى الأذْقانِ﴾؛ جَمْعُ ”ذَقَنٌ“؛ وهو مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ؛ فَهي لِذَلِكَ مانِعَةٌ مِن مُطاْطَأةِ الرَّأْسِ؛ ولَمّا كانَ هَذا مِن رَفْعِ الرَّأْسِ؛ فِعْلِ المُتَكَبِّرِ؛ وكانَ تَكَبُّرُهم في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) أنَّهم مُلْجَؤُونَ إلَيْهِ؛ فَهو ذُلٌّ في الباطِنِ؛ وإنْ كانَ كِبْرًا في الظّاهِرِ؛ فَقالَ: ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الوُصُولِ؛ ﴿مُقْمَحُونَ﴾؛ مِن ”أُقْمِحَ الرَّجُلُ“؛ إذا أقْمَحَهُ غَيْرُهُ؛ أيْ جَعَلَهُ قامِحًا؛ أيْ: رافِعًا رَأْسَهُ؛ غاضًّا بَصَرَهُ؛ لا يَنْظُرُ إلّا بِبَعْضِ بَصَرِهِ؛ هَيْئَةَ المُتَكَبِّرِ؛ وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ”قَمَحَ البَعِيرُ“؛ إذا رَفَعَ رَأْسَهُ عِنْدَ الشُّرْبِ؛ ولَمْ يَشْرَبِ الماءَ؛ قالَ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي حازِمٍ؛ يَصِفُ سَفِينَةَ - قالَ أبُو حَيّانَ: مَيْتَةَ - أحَدِهِمْ لِيَدْفِنَها:
؎ونَحْنُ عَلى جَوانِبِها قُعُودٌ ∗∗∗ نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإبِلِ القِماحِ
وقالَ الرّازِيُّ؛ في اللَّوامِعِ: و”المُقْمَحُ“: الَّذِي يُضْرَبُ رَأْسُهُ إلى ظَهْرِهِ؛ هَيْئَةَ البَعِيرِ؛ وقالَ القَزّازُ: و”المُقْمَحُ“: الشّاخِصُ بِعَيْنَيْهِ؛ الرّافِعُ رَأْسَهُ؛ أبُو عَمْرٍو: و”القامِحُ“؛ مِنَ الإبِلِ؛ هو الَّذِي لا يَشْرَبُ وهو عَطْشانُ (p-٩٧)عَطَشًا شَدِيدًا؛ ولا تَقْبَلُ نَفْسُهُ الماءَ؛ والقَمْحُ مَصْدَرُ ”قَمَحْتُ الشَّيْءَ“؛ و”الِاقْتِماحُ“: أخْذُكَ الشَّيْءَ في راحَتِكَ؛ ثُمَّ تَقْمَحُهُ في فِيكَ؛ أيْ تَبْتَلِعُهُ؛ والِاسْمُ ”القُمْحَةُ“؛ كَـ ”اللُّقْمَةُ“؛ و”الأكْلَةُ“؛ انْتَهى؛ وكَأنَّ المُقْمَحَ مِن هَذا؛ لِأنَّ هَيْئَتَهُ عِنْدَ هَذا الِابْتِلاعِ رَفْعُ الرَّأْسِ؛ وغَضُّ الطَّرْفِ؛ أوْ شُخُوصُهُ إذا عَسُرَ عَلَيْهِ الِابْتِلاعُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ فَهَذا تَمْثِيلٌ لِرَفْعِهِمْ رُؤُوسَهم عَنِ النَّظَرِ إلى الدّاعِي؛ تَكَبُّرًا؛ وشَماخَةً؛ بِحَيْثُ لَوْ أمْكَنَهم أنْ يَسْكُنُوا الجَوَّ لَمْ يَتَأخَّرُوا؛ صَلافَةً وتِيهًا؛ أوْ لِأنَّهم يَتْرُكُونَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ؛ الحَسَنَ؛ الجَدِيرَ بِأنْ يُقْبَلَ عَلَيْهِ؛ ويُتَرَوّى مِنهُ؛ وهم في غايَةِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ فَهم في ذَلِكَ كالبَعِيرِ القامِحِ؛ إنَّما مَنَعَهُ مِنَ الماءِ؛ مَعَ شِدَّةِ عَطَشِهِ؛ مانِعٌ عَظِيمٌ أقْمَحَهُ؛ ولَكِنَّهُ خَفِيَ أمْرُهُ؛ فَلَمْ يَعْلَمْ ما هُوَ؛ ولِذَلِكَ بَنى الِاسْمَ لِلْمَفْعُولِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم مَقْهُورُونَ عَلى تَفْوِيتِ حَظِّهِمْ مِن هَذا الأمْرِ الجَلِيلِ.
يس 36:9
ولَمّا كانَ الرّافِعُ رَأْسَهُ غَيْرَ مَمْنُوعٍ مِنَ النَّظَرِ أمامَهُ؛ قالَ: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ حَجْبَهم عَنْ خَيْرٍ مَخْصُوصٍ؛ وهو المُؤَدِّي إلى السَّعادَةِ الكامِلَةِ؛ لا عَنْ كُلِّ ما يَنْفَعُهُمْ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: الوَجْهِ الَّذِي يُمْكِنُهم عِلْمُهُ؛ ﴿سَدًّا﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا انْسَدَّتْ عَلَيْهِ جِهَةُ مالَ إلى أُخْرى؛ قالَ: ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ (p-٩٨)أيْ: الوَجْهِ الَّذِي هو خَفِيٌّ عَنْهُمْ؛ وأعادَ السَّدَّ تَأْكِيدًا لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ؛ وتَحْقِيقًا لِجَعْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿سَدًّا﴾؛ أيْ: فَصارَتْ كُلُّ جِهَةٍ يَلْتَفِتُ إلَيْها مُنْسَدَّةً؛ فَصارُوا لِذَلِكَ لا يُمْكِنُهُمُ النَّظَرُ إلى الحَقِّ؛ ولا الخُلُوصُ إلَيْهِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَأغْشَيْناهُمْ﴾؛ أيْ: جَعَلْنا عَلى أبْصارِهِمْ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ غِشاوَةً ﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم هَذا الوَصْفُ مِن إبْصارِ الحَقِّ؛ وما يَنْفَعُهم بِبَصَرٍ ظاهِرٍ؛ وبَصِيرَةٍ باطِنَةٍ أصْلًا؛
يس 36:10
ولَمّا مُنِعُوا بِذَلِكَ حِسَّ البَصَرِ؛ أخْبَرَ عَنْ حِسِّ السَّمْعِ؛ فَقالَ: ﴿وسَواءٌ﴾؛ أيْ: مُسْتَوٍ؛ ومُعْتَدِلٌ غايَةَ الِاعْتِدالِ؛ مِن غَيْرِ نَوْعِ فَرْقٍ؛ وزادَ في الدَّلالَةِ عَلى عَدَمِ عُقُولِهِمْ؛ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ إيذانًا بِأنَّهم إذا امْتَنَعُوا مَعَ المُسْتَعْلِي؛ كانُوا مَعَ غَيْرِهِ أشَدَّ امْتِناعًا؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ﴾؛ أيْ: ما أخْبَرْناكَ بِهِ؛ مِنَ الزَّواجِرِ المانِعَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ ﴿أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الَّذِي اسْتَوى حالُهم فِيهِ بِما سَبَّبَهُ الإغْشاءُ عَدَمُ الإيمانِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾
يس 36:11
ولَمّا بَيَّنَ ما كانَ السَّبَبَ المانِعَ لَهم مِنَ الإبْصارِ؛ عُلِمَ أنَّ السَّبَبَ المانِعَ مِنَ السَّمْعِ مِثْلُهُ؛ لِأنَّ المُخْبِرَ عَزِيزٌ؛ فَهو إذا فَعَلَ شَيْئًا كانَ عَلى وجْهٍ لا يُمْكِنُ فِيهِ حِيلَةٌ؛ ولَمّا أخْبَرَ أنَّ الأكْثَرَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ اسْتَشْرَفَ (p-٩٩)السّامِعُ إلى أمارَةٍ يَعْرِفُ بِها الأقَلَّ النّاجِي؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ فَقالَ - جَوابًا لَهُ -: ﴿إنَّما تُنْذِرُ﴾؛ أيْ: إنْذارًا يَنْتَفِعُ بِهِ المُنْذَرُ؛ فَيَتَأثَّرُ عَنْهُ النَّجاةُ؛ فالمَعْنى: إنَّما يُؤْمِنُ بِإنْذارِكَ؛ ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: أجْهَدَ نَفْسَهُ في اتِّباعِ كُلِّ ما يُذَكِّرُ بِاللَّهِ مِنَ القُرْآنِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويُذْكَرُ بِهِ صاحِبُهُ؛ ويُشَرَّفُ؛ ﴿وخَشِيَ الرَّحْمَنَ﴾؛ أيْ: خافَ العامَّ الرَّحْمَةِ؛ خَوْفًا عَظِيمًا؛ ودَلَّ لَفْتُ الكَلامِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى الوَصْفِ بِالرَّحْمانِيَّةِ عَلى أنَّ أهْلَ الخَشْيَةِ يَكْفِيهِمْ في الِاتِّعاظِ التَّذْكِيرُ بِالإحْسانِ؛ ﴿بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما يُخْبَرُ بِهِ مِن مَقْدُوراتِهِ الغائِبَةِ؛ لا سِيَّما البَعْثَ؛ الَّذِي كانَ اخْتِصاصُها بِغايَةِ بَيانِهِ بِسَبَبِ كَوْنِها قَلْبًا مِن غَيْرِ طَلَبِ آيَةٍ كاشِفَةٍ لِلْحِجابِ؛ بِحَيْثُ يَصِيرُ الأمْرُ عَنْ شَهادَةٍ؛ لا غَيْبَ فِيهِ؛ بَلْ تَجْوِيزًا لِما يَجُوزُ مِنَ انْتِقامِهِ؛ ولَوْ بِقَطْعِ إحْسانِهِ؛ لِما ثَبَتَ لَهُ في سُورَةِ ”فاطِرٍ“؛ مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ ويَخْشاهُ أيْضًا خَشْيَةً خالِصَةً؛ في حالِ غَيْبَتِهِ عَمَّنْ يُرائِيهِ مِنَ النّاسِ؛ فَهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ يَنْفَعُهُمُ الإنْذارُ؛ وهُمُ المُتَّقُونَ؛ الَّذِينَ ثَبَتَ في ”البَقَرَةِ“؛ أنَّ الكِتابَ هُدًى لَهُمْ؛ وغَيْرَهم لا سَبِيلَ إلى اسْتِقامَتِهِ؛ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] فَإنَّهُ (p-١٠٠)لَيْسَ عَلَيْكَ إلّا الإنْذارُ؛ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ؛ فَمَن عَلِمَ مِنهُ هَذِهِ الخَشْيَةَ أقْبَلَ بِهِ؛ ومَن عَلِمَ مِنهُ القَساوَةَ رَدَّهُ عَلى عَقِبِهِ؛ بِما حالَ دُونَهُ مِنَ الغِشاوَةِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
ولَمّا دَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ هَذا نَفَعَ نَفْسَهُ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ جَزائِهِ؛ فَقالَ - مُفْرِدًا الضَّمِيرَ عَلى النَّسَقِ الماضِي؛ في مُراعاةِ لَفْظِ ”مَن“؛ دَلالَةً عَلى قِلَّةِ هَذا الصِّنْفِ مِنَ النّاسِ بِأجْمَعِهِمْ؛ في هَذِهِ السُّورَةِ الجامِعَةِ؛ بِكَوْنِها قَلْبًا؛ لِما تَفَرَّقَ في غَيْرِها -: ﴿فَبَشِّرْهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ بِالغَيْبِ؛ ﴿بِمَغْفِرَةٍ﴾؛ أيْ: لِذُنُوبِهِ؛ وإنْ عَظُمَتْ؛ وإنْ تَكَرَّرَتْ مُواقَعَتُهُ لَها؛ وتَوْبَتُهُ مِنها؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ الِاتِّصافَ بِالخَشْيَةِ؛ ولَمّا حَصَلَ العِلْمُ بِمَحْوِ الذُّنُوبِ؛ عَيْنِها؛ وأثَرِها؛ قالَ: ﴿وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾؛ أيْ: دارٍّ؛ عَظِيمٍ؛ هَنِيءٍ؛ لَذِيذٍ؛ مُتَواصِلٍ؛ لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
يس 36:12
ولَمّا بَيَّنَ الأصْلَ الثّانِي؛ الَّذِي هو الرِّسالَةُ؛ وأتْبَعَها ثَمَرَتَها المَخْتُومَةَ بِالبِشارَةِ؛ وكانَ الأصْلُ الثّالِثُ في الإيمانِ - وهو البَعْثُ - سَبَبًا عَظِيمًا في التَّرْقِيَةِ إلى اعْتِقادِ الوَحْدانِيَّةِ؛ الَّتِي هي الأصْلُ الأوَّلُ؛ وكانَ أكْثَرُ الخائِفِينَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - مُقَتَّرًا عَلَيْهِمْ في دُنْياهُمْ؛ مُنَغَّصَةً عَلَيْهِمْ حَياتُهُمْ؛ عَلَّلَ (p-١٠١)هَذِهِ البِشارَةَ؛ إعْلامًا بِأنَّ هَذا الأجْرَ في هَذِهِ الدّارِ بِالمَلابِسِ الباطِنَةِ؛ الفاخِرَةِ؛ مِنَ المَعارِفِ؛ والسَّكِينَةِ؛ والبَرَكاتِ؛ والطُّمَأْنِينَةِ؛ وبَعْدَ البَعْثِ بِالمَلابِسِ الظّاهِرَةِ؛ الزّاهِرَةِ؛ المُسَبَّبَةِ عَنِ المَلابِسِ الدُّنْيَوِيَّةِ الباطِنَةِ الخَفِيَّةِ؛ عَنْ غَيْرِ أهْلِها؛ بِشارَةً لَهُمْ؛ ونِذارَةً لِلْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُقَدِّمًا لِلْبَعْثِ؛ لِما ذُكِرَ مِن فائِدَتِهِ؛ لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إيذانًا بِعَظَمَةِ هَذِهِ المَقاصِدِ؛ وبِأنَّهُ لا يَحْمِي لِهَؤُلاءِ الخُلَّصِ؛ مَعَ قِلَّتِهِمْ؛ ومُبايِنَتِهِمْ لِلْأوَّلِينَ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ إلّا مَن لَهُ العَظَمَةُ الباهِرَةُ -: ﴿إنّا نَحْنُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا تُضاهى؛ ﴿نُحْيِي﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ التَّدْرِيجِ الآنَ؛ وجُمْلَةً في السّاعَةِ؛ ﴿المَوْتى﴾؛ أيْ: كُلَّهُمْ؛ حِسًّا بِالبَعْثِ؛ ومَعْنًى بِالإنْقاذِ؛ إذا أرَدْنا؛ مِن ظُلَمِ الجَهْلِ؛ ﴿ونَكْتُبُ﴾؛ أيْ: مِن صالِحٍ؛ وغَيْرِهِ؛ شَيْئًا فَشَيْئًا بَعْدَهُ؛ فَلا يَتَعَدّى التَّفْصِيلُ شَيْئًا في ذَلِكَ الإجْمالِ؛ ﴿ما قَدَّمُوا﴾؛ مِن جَمِيعِ أفْعالِهِمْ؛ وأحْوالِهِمْ؛ وأقْوالِهِمْ؛ جُمْلَةً؛ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ؛ ﴿وآثارَهُمْ﴾؛ أيْ: سُنَنَهُمُ الَّتِي تَبْقى مِن بَعْدِهِمْ؛ صالِحَةً كانَتْ؛ أوْ غَيْرَ صالِحَةٍ؛ ونُجازِي كُلًّا بِما يَسْتَحِقُّ في الدّارِ الآخِرَةِ؛ الَّتِي الجَزاءُ فِيها لا يَنْقَطِعُ؛ فَلا أكْرَمَ مِنهُ إذا كانَ كَرِيمًا. (p-١٠٢)ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْهَمَ الِاقْتِصارَ عَلى كِتابَةٍ ما ذَكَرَ مِن أحْوالِ الآدَمِيِّينَ؛ أوِ الحاجَةِ إلى الكِتابَةِ؛ دَلَّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما لا تُمْكِنُ القُدْرَةُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ غَيْرِهِ؛ في أقَلِّ قَلِيلٍ مِمّا ذُكِرَ؛ فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ؟! فَقالَ - ناصِبًا؛ عَطْفًا لِفِعْلِيَّةٍ عَلى فِعْلِيَّةٍ؛ وهي ”نَكْتُبُ“ -: ﴿وكُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن أمْرِ الأحْياءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿أحْصَيْناهُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ إيجادِهِ؛ بِعِلْمِنا القَدِيمِ؛ إحْصاءً؛ وكَتَبْناهُ؛ ﴿فِي إمامٍ﴾؛ أيْ: كِتابٍ؛ هو أهْلٌ لِأنْ يُقْصَدَ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ أيْ: لا يَخْفى فِيهِ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الأحْوالِ عَلى أحَدٍ أرادَ عِلْمَهُ مِنهُ؛ فَلِلَّهِ هَذِهِ القُدْرَةُ الباهِرَةُ؛ والعَظَمَةُ الظّاهِرَةُ؛ والعِزَّةُ القاهِرَةُ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ فِعْلُ الإحْصاءِ عَلى مَصْدَرِهِ؛ وذِكْرُ الإمامِ عَلى فِعْلِ الكِتابَةِ.
ولَمّا انْتَهى الكَلامُ إلى هُنا؛ وكانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ كَما سَلَفَ؛ إثْباتَ الرِّسالَةِ؛ لِإنْذارِ يَوْمِ الجَمْعِ؛ وكانَ الإنْذارُ غايَةً؛ وكانَتِ الغاياتُ هي المَقاصِدُ بِالذّاتِ؛ وكانَتْ غايَةُ الإنْذارِ اتِّباعَ الذِّكْرِ؛ فَكانَ ذَلِكَ غايَةَ الغايَةِ؛ كانَ الكَلامُ عَلى المُتَّبِعِينَ أوْلى بِالتَّقْدِيمِ؛ عَلى أنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الكَلامِ فِيهِمُ الكَلامُ في أضْدادِهِمْ؛ وهُمُ المُعْرِضُونَ؛ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ؛ والكَلامُ عَلى اليَوْمِ المُنْذَرِ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ ضَرَبَ المَثَلَ الجامِعَ لِذَلِكَ كُلِّهِ؛ ومَرَّ إلى (p-١٠٣)أنْ صَوَّرَ البَعْثَ تَصْوِيرًا لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ بِآيَةِ الطَّمْسِ؛ وما بَعْدَها عَلى القِسْمِ المُعْرِضِ؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى الكَلامِ عَلى الرَّسُولِ والكِتابِ.
يس 36:13
ولَمّا دَلَّ - سُبْحانَهُ - عَلى ما لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ؛ بِالأفْعالِ الهائِلَةِ؛ مِن كُلٍّ مِنَ الإماتَةِ؛ والإحْياءِ؛ الحِسِّيَّيْنِ؛ والمَعْنَوِيَّيْنِ؛ إبْداءً؛ وإعادَةً؛ وكانَ ضَرْبُ الأمْثالِ بِالمُشاهَداتِ ألْصَقَ شَيْءٍ بِالبالِ؛ وأقْطَعَ لِلْمِراءِ والجِدالِ؛ وأكْشَفَ لِما يُرادُ مِنَ الأحْوالِ؛ قالَ - عاطِفًا عَلى فَبَشِّرْهُ”؛ مُبَيِّنًا لِلْأصْلِ الثّالِثِ؛ الَّذِي هو الأوَّلُ بِالأصالَةِ؛ المَقْصُودُ بِالذّاتِ؛ وهو التَّوْحِيدُ؛ ضامًّا إلَيْهِ الأصْلَيْنِ الآخَرَيْنِ؛ لِيَكُونَ المَثَلُ جامِعًا؛ والبُرْهانُ بِهِ واضِحًا ساطِعًا -: ﴿واضْرِبْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ بِشارَةً بِما يُرْجى لَهم عِنْدَ إقْبالِهِمْ؛ ونِذارَةً لِما يُخْشى عَلَيْهِمْ عِنْدَ إعْراضِهِمْ وإدْبارِهِمْ؛ ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: مُشاهَدًا؛ في إصْرارِهِمْ عَلى مُخالَفَةِ الرَّسُولِ؛ وصَبْرِهِ عَلَيْهِمْ؛ ولُطْفِهِ بِهِمْ؛ لِأنّا خَتَمْنا عَلى قُلُوبِهِمْ عَلى الكُفْرانِ؛ مَعَ قُرْبِهِمْ مِنكَ في النَّسَبِ والدّارِ؛ وفَوْزِ غَيْرِهِمْ؛ لِأنّا نَوَّرْنا قُلُوبَهُمْ؛ مَعَ البُعْدِ في النَّسَبِ؛ والدّارِ؛ بِالإيمانِ؛ وثَمَراتِهِ الحِسانِ؛ لِأنَّهم يَخْشَوْنَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ؛ ولا يَثْبُتُونَ عَلى الغَباوَةِ والرَّيْبِ.
ولَمّا ذَكَرَ المَثَلَ؛ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾؛ الَّتِي هي مَحَلُّ الحِكْمَةِ؛ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ؛ وانْتِشارِ العِلْمِ؛ ومَعْدِنِ الرَّحْمَةِ؛ ولَمّا كانَ المُمَثَّلُ بِهِ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو إخْبارُها بِأحْوالِ أهْلِها؛ لِأنَّها وجْهُ (p-١٠٤)الشَّبَهِ؛ وكانَتْ أخْبارُها كَثِيرَةً في أزْمِنَةٍ مَدِيدَةٍ؛ عَيَّنَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ﴾؛ وهي بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن“القَرْيَةِ”؛ مَسْلُوخَةٌ مِنَ الظَّرْفِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ الآتِي ناحِيَةً مِن بَلَدٍ؛ وإنْ عَظُمَ؛ يُعَدُّ في العُرْفِ آتِيًا لِذَلِكَ البَلَدِ؛ أعادَ الضَّمِيرَ عَلى مَوْضِعِ الرِّسالَةِ؛ تَحْقِيقًا لَهُ؛ وإبْلاغًا في التَّعْرِيفِ بِمِقْدارِ بُعْدِ الأقْصى؛ فَقالَ: ﴿جاءَها﴾؛ أيْ: القَرْيَةَ؛ لِإنْذارِ أهْلِها؛ ﴿المُرْسَلُونَ﴾؛ أيْ: عَنِ اللَّهِ؛ لِكَوْنِهِمْ عَنْ رَسُولِهِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أرْسَلَهم بِأمْرِهِ؛ لِإثْباتِ ما يُرْضِيهِ - سُبْحانَهُ - ونَفْيِ ما يَكْرَهُهُ؛ الَّذِينَ هم مِن جُمْلَةِ مَن قِيلَ في“فاطِرٍ": إنَّهم جاؤُوا بِالبَيِّناتِ وبِالزُّبُرِ؛ والتَّعْرِيفُ إمّا لِكَوْنِهِمْ يَعْرِفُونَ القَرْيَةَ ويَعْرِفُونَ أمْرَها؛ وإمّا لِأنَّهُ شَهِيرٌ جِدًّا؛ فَهم بِحَيْثُ لَوْ سَألُوا أحَدًا مِن أهْلِ الكِتابِ؛ الَّذِينَ يَعْتَنُونَ بِها؛ أخْبَرَهم بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عُهِدَ مِنهُمُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمْ بِالسُّؤالِ؛ لِيُبَيِّنُوا لَهم - كَما زَعَمُوا - مَواضِعَ الإشْكالِ.
يس 36:14
ولَمّا كانَ أعْظَمُ مَقاصِدِ السِّياقِ تَسْلِيَةَ النَّبِيِّ ﷺ في تَوَقُّفِهِمْ عَنِ المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ بِهِ؛ مَعَ دُعائِهِ بِالكِتابِ الحَكِيمِ؛ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ وكانَ في المُشارَكَةِ في المَصائِبِ أعْظَمُ تَسْلِيَةٍ؛ أبْدَلَ مِن قَوْلِهِ: ”إذْ جاءَها“؛ تَفْصِيلًا لِذَلِكَ المَجِيءِ؛ قَوْلَهُ - مُسْنِدًا إلى نَفْسِهِ (p-١٠٥)المُقَدَّسِ؛ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ في التَّسْلِيَةِ -: ﴿إذْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِالرِّسالَةِ أصْحابَها؛ قالَ: ﴿إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾؛ أيْ: لِيُعَضِّدَ أحَدُهُما الآخَرَ؛ فَيَكُونَ أشَدَّ لِأمْرِهِما؛ فَأخْبَراهم بِإرْسالِهِما إلَيْهِمْ؛ كَأنْ قالا: نَحْنُ رَسُولانِ إلَيْكُمْ؛ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ؛ ﴿فَكَذَّبُوهُما﴾؛ أيْ: مَعَ ما لَهُما مِنَ الآياتِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنّا ما أرْسَلْنا رَسُولًا إلّا كانَ مَعَهُ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ؛ سَواءٌ كانَ عَنّا؛ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ؛ أوْ كانَ بِواسِطَةِ رَسُولِنا؛ كَما كانَ لِلطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدُّوسِيِّ؛ ذِي النُّورِ؛ لَمّا ذَهَبَ إلى قَوْمِهِ؛ وسَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ تَكُونَ لَهُ آيَةٌ؛ فَكانَتْ نُورًا في جَبْهَتِهِ؛ ثُمَّ سَألَ أنْ تَكُونَ في غَيْرِ وجْهِهِ؛ فَكانَتْ في سَوْطِهِ.
ولَمّا كانَ التَّضافُرُ عَلى الشَّيْءِ أقْوى لِشَأْنِهِ؛ وأعْوَنَ عَلى ما يُرادُ مِنهُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ - حاذِفًا المَفْعُولَ؛ لِفَهْمِهِ مِنَ السِّياقِ؛ ولِأنَّ المَقْصُودَ إظْهارُ الِاقْتِدارِ عَلى إيقاعِ الفِعْلِ؛ وتَصْرِيفِهِ في كُلِّ ما أُرِيدَ لَهُ -: ﴿فَعَزَّزْنا﴾؛ أيْ: فَأوْقَعْنا العِزَّةَ؛ وهي القُوَّةُ؛ والشِّدَّةُ؛ والغَلَبَةُ؛ لِأمْرِنا؛ أوْ لِرَسُولِنا؛ بِسَبَبِ ما وقَعَ لَهُما مِنَ الوَهْنِ بِالتَّكْذِيبِ؛ فَحَصَلَ ما أرَدْنا مِنَ العِزَّةِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ؛ عَنْ عاصِمٍ؛ بِالتَّخْفِيفِ ﴿بِثالِثٍ﴾ (p-١٠٦)أرْسَلْناهُ بِما أرْسَلْناهُما بِهِ؛ ﴿فَقالُوا﴾؛ أيْ: الثَّلاثَةُ بَعْدَ أنْ أتَوْهُمْ؛ وظَهَرَ لَهم إصْرارُهم عَلى التَّكْذِيبِ؛ مُؤَكِّدِينَ بِحَسَبِ ما رَأوْا مِن تَكْذِيبِهِمْ: ﴿إنّا إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِكُمْ؛ ﴿مُرْسَلُونَ﴾
يس 36:15
﴿قالُوا﴾؛ أيْ: أهْلُ القَرْيَةِ: ﴿ما أنْتُمْ﴾؛ أيْ: وإنْ زادَ عَدَدُكُمْ؛ ﴿إلا﴾؛ ولَمّا نَقَضَ الِاسْتِثْناءُ النَّفْيَ زالَ شُبْهَةُ ما تَلَبَّسَ؛ فَزالَ عَمَلُها؛ فارْتَفَعَ قَوْلُهُ: ﴿بَشَرٌ مِثْلُنا﴾؛ أيْ: فَما وجْهُ الخُصُوصِيَّةِ لَكم في كَوْنِكم رُسُلًا دُونَنا؟ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَما أُرْسِلْتُمْ إلَيْنا بِشَيْءٍ“؛ عَطَفُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ: ﴿وما أنْـزَلَ الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: العامُّ الرَّحْمَةِ؛ فَعُمُومُ رَحْمَتِهِ؛ مَعَ اسْتِوائِنا في عُبُودِيَّتِهِ تَقْتَضِي أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَنا في الرَّحْمَةِ؛ فَلا يَخُصُّكم بِشَيْءٍ دُونَنا؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾
ولَمّا كانَ الإتْيانُ عَلى ما ذُكِرَ مُحْتَمِلًا لِلْغَلَطِ ونَحْوِهِ؛ قالُوا - دافِعِينَ لِذَلِكَ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أنْتُمْ إلا تَكْذِبُونَ﴾؛ أيْ: حالًا؛ ومَآلًا؛
يس 36:16
﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الرُّسُلُ: ﴿رَبُّنا﴾؛ أيْ: الَّذِي لَوْ لَمْ يَكُنْ لَنا وازِعٌ عَنِ الكَذِبِ عَلَيْهِ إلّا إحْسانُهُ إلَيْنا؛ لَكانَ كافِيًا؛ ﴿يَعْلَمُ﴾؛ أيْ: ولِذَلِكَ يُظْهِرُ عَلى أيْدِينا الآياتِ؛ ويَحْمِينا مِمَّنْ يَكِيدُنا؛ وهَذِهِ العِبارَةُ تُجْرى مُجْرى القَسَمِ؛ وكَذا نَحْوُ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٨]؛ ولَمّا واجَهُوهم بِهَذا التَّكْذِيبِ المُبالَغِ في تَأْكِيدِهِ؛ زادُوا في تَأْكِيدِ جَوابِهِ؛ فَقالُوا: ﴿إنّا إلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿لَمُرْسَلُونَ﴾؛ ما أتَيْناكم غَلَطًا؛ ولا كَذِبًا؛ فالأوَّلُ ابْتِداءُ إخْبارٍ؛ وهَذانِ جَوابا إنْكارٍ؛ فَأعْطى كُلًّا ما يَسْتَحِقُّ.
يس 36:17
(p-١٠٧)ولَمّا قَرَّرُوا ذَلِكَ عِنْدَهُمْ؛ أتْبَعُوهُ بِدَلِيلِهِ؛ وبِالإعْلامِ بِأنَّ وبالَ التَّكْذِيبِ لا يَلْحَقُهم مِنهُ ضَرَرٌ؛ إشارَةً لَهم إلى الإنْذارِ مِن عَذابِ المَلِكِ الجَبّارِ؛ فَقالُوا: ﴿وما عَلَيْنا﴾؛ أيْ: وُجُوبًا؛ مِن قِبَلِ مَن أرْسَلَنا؛ وهو اللَّهُ (تَعالى)؛ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ أيْ: المُؤَيَّدُ بِالأدِلَّةِ القَطْعِيَّةِ؛ مِنَ الحُجَجِ القَوْلِيَّةِ؛ والفِعْلِيَّةِ؛ بِالمُعْجِزاتِ؛ وغَيْرِها؛ فَلَوْلا أنَّهُ يَعْلَمُ لَما أمْكَنَنا شَيْءٌ مِن ذَلِكَ؛ كَما أنَّ آلِهَتَكم لَمّا لَمْ يَكُنْ لَها عِلْمٌ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى بَيانٍ في أمْرِها بِشَيْءٍ؛ وإذْ قَدْ ثَبَتَ عِلْمُ مُرْسِلِنا بِرِسالَتِنا؛ فَهو الشّاهِدُ لَنا بِما يَظْهَرُ عَلى أيْدِينا؛ وكَفى بِهِ شَهِيدًا.
يس 36:18
ولَمّا كانَ حُلُولُ الصّالِحِينَ بَيْنَ النّاسِ يَكُونُ تارَةً نِعْمَةً؛ وأُخْرى نِقْمَةً؛ بِاعْتِبارِ التَّصْدِيقِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ والإساءَةِ؛ والإحْسانِ؛ فَكانَ قَدْ حَصَلَ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا هَؤُلاءِ الرُّسُلِ بَلاءٌ لِتَكْذِيبِهِمْ لَهُمْ؛ مِن جَدْبِ الأرْضِ؛ وصُعُوبَةِ الزَّمانِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الِامْتِحانِ؛ ذَكَرَ ما أثَرُهُ ذَلِكَ عِنْدَ أهْلِ القَرْيَةِ؛ فَقالَ: ﴿قالُوا﴾؛ ولَمّا كانُوا لِما يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ وظاهِرِ الكَراماتِ؛ مِمّا يَشْهَدُ بِبَرَكَتِهِمْ؛ ويُمْنِ نَقِيبَتِهِمْ؛ بِحَيْثُ إذا ذَمُّوهم تَوَقَّعُوا تَكْذِيبَ النّاسِ لَهُمْ؛ أكَّدُوا قَوْلَهُمْ: ﴿إنّا تَطَيَّرْنا﴾؛ أيْ: حَمَلْنا أنْفُسَنا عَلى الطِّيرَةِ؛ والتَّشاؤُمِ؛ تَطَيُّرًا ظاهِرًا؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ؛ (p-١٠٨)بِخِلافِ ما في ”النَّمْلِ“ و”الأعْرافِ“؛ ﴿بِكُمْ﴾؛ بِنِسْبَةِ ما حَلَّ بِنا مِنَ البَلاءِ إلى شُؤْمِكُمْ؛ لِأنَّ عادَةَ الجُهّالِ التَّيَمُّنُ بِما مالُوا إلَيْهِ؛ ويُسْنِدُونَ ما حَلَّ بِهِمْ مِن نِعْمَةٍ إلى يُمْنِهِ؛ والتَّشاؤُمَ بِما كَرِهُوهُ؛ ويُسْنِدُونَ ما أصابَهم مِن نِقْمَةٍ إلى شُؤْمِهِ؛ ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَأْنَفُوا - اسْتِئْنافَ النَّتائِجِ - قَوْلَهم - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ إعْلامًا بِأنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ لا فَتْرَةَ لَهم عَنْهُ؛ وإنْ كانَ مِثْلُهم مُسْتَبْعَدًا عِنْدَ العُقَلاءِ -: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾؛ أيْ: عَنْ دُعائِكم هَذا؛ ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: لَنَشْتُمَنَّكُمْ؛ أوْ لَنَرْمِيَنَّكم بِالحِجارَةِ؛ حَتّى تَنْتَهُوا؛ أوْ لَنَقْتُلَنَّكم شَرَّ قِتْلَةٍ؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَفْعَلُ ما لا يُؤْخَذُ أثَرُهُ؛ فَقالُوا - مُعَبِّرِينَ بِالمَسِّ؛ دُونَ الإمْساسِ -: ﴿ولَيَمَسَّنَّكم مِنّا﴾؛ أيْ: عاجِلًا؛ لا مِن غَيْرِنا؛ كَما تَقُولُونَ أنْتُمْ في تَهْدِيدِكم إيّانا بِما يَحِلُّ بِنا؛ مِمَّنْ أرْسَلَكُمْ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ حَتّى تَنْتَهُوا عَنّا؛ لِنَكُفَّ عَنْ إيلامِكُمْ؛
يس 36:19
﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الرُّسُلُ؛ ﴿طائِرُكُمْ﴾؛ أيْ: شُؤْمُكُمُ الَّذِي أحَلَّ بِكُمُ البَلاءَ؛ ﴿مَعَكُمْ﴾؛ وهو أعْمالُكُمُ القَبِيحَةُ؛ الَّتِي مِنها تَكْذِيبُكم.
ولَمّا كانَ لَمْ يَبْدُ مِنهم غَيْرُ ما يَقْتَضِي عِنْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ التَّيَمُّنَ والبَرَكَةَ؛ وهو التَّذْكِيرُ بِاللَّهِ؛ الَّذِي بِيَدِهِ الخَيْرُ كُلُّهُ؛ أنْكَرُوا عَلَيْهِمْ تَطَيُّرَهم مِنهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُبِينٍ أنَّهُ لا سَبَبَ لِذَلِكَ غَيْرُهُ؛ فَقالُوا: ﴿أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ (p-١٠٩)أيْ: ألِأجْلِ أنْ حَصَلَ لَكم تَذْكِيرٌ بِاللَّهِ؛ تَطَيَّرْتُمْ بِنا؟ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّطَيُّرِ بِوَجْهٍ؛ أضْرَبُوا عَنْهُ؛ مُنَبِّهِينَ لَهم عَلى أنَّ مَوْضِعَ الشُّؤْمِ إسْرافُهُمْ؛ لا غَيْرُ؛ فَقالُوا: ﴿بَلْ﴾؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ في أنَّ التَّذْكِيرَ سَبَبٌ لِلتَّطَيُّرِ؛ بَلْ ﴿أنْتُمْ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: غَرَّكم ما آتاكُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ عَلى القِيامِ فِيما تُرِيدُونَ؛ ﴿مُسْرِفُونَ﴾؛ أيْ: عادَتُكُمُ الخُرُوجُ عَنِ الحُدُودِ؛ والطُّغْيانُ؛ فَعُوقِبْتُمْ لِذَلِكَ.
يس 36:20
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِأنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ؛ فَلا هادِيَ لِمَن أضَلَّ؛ ولا مُضِلَّ لِمَن هَدى؛ فَهو يَهْدِي البَعِيدَ في البُقْعَةِ؛ والنَّسَبِ؛ إذا أرادَ؛ ويُضِلُّ القَرِيبَ فِيهِما؛ إنْ شاءَ؛ وكانَ بُعْدُ الدّارِ مَلْزُومًا في الغالِبِ لِبُعْدِ النِّسَبِ؛ قَدَّمَ مَكانَ المَجِيءِ عَلى فاعِلِهِ؛ بَيانًا لِأنَّ الدُّعاءَ نَفَعَ الأقْصى؛ ولَمْ يَنْفَعِ الأدْنى؛ فَقالَ: ﴿وجاءَ مِن أقْصى﴾؛ أيْ: أبْعَدِ - بِخِلافِ ما مَرَّ في سُورَةِ ”القَصَصِ“؛ ولِأجْلِ هَذا الغَرَضِ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالقَرْيَةِ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ وقالَ: ﴿المَدِينَةِ﴾؛ لِأنَّها أدَلُّ عَلى الكِبَرِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِبُعْدِ الأطْرافِ؛ وجَمْعِ الأخْلاطِ؛ ولَمّا بَيَّنَ الفاعِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَجُلٌ﴾؛ بَيَّنَ اهْتِمامَهُ؛ بِالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ ومُسابَقَتِهِ إلى إزالَتِهِ؛ كَما هو الواجِبُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْعى﴾؛ أيْ: يُسْرِعُ في مَشْيِهِ؛ فَوْقَ المَشْيِ؛ ودُونَ العَدْوِ؛ حِرْصًا عَلى نَصِيحَةِ قَوْمِهِ.
ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى الدّاعِي إلى إتْيانِهِ؛ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ﴾ (p-١١٠)واسْتَعْطَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا قَوْمِ﴾؛ وأمَرَهم بِمُجاهَدَةِ النُّفُوسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: في عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ؛ وكُلِّ ما يَأْمُرُونَكم بِهِ؛
يس 36:21
ثُمَّ نَبَّهَهم عَلى الدّاعِي إلى اتِّباعِهِمْ؛ والمانِعِ مِنَ الإعْراضِ عَنْهُمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُعِيدًا الفِعْلَ؛ دَلالَةً عَلى شِدَّةِ اهْتِمامِهِ بِهِ -: ﴿اتَّبِعُوا﴾؛ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِكُمْ؛ ﴿مَن لا يَسْألُكُمْ﴾؛ أيْ: في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ﴿أجْرًا﴾؛ ولَمّا كانَ أفْرَدَ الضَّمِيرَ؛ نَظَرًا إلى لَفْظِ ”مَن“؛ دَلالَةً عَلى وُجُوبِ الِاتِّباعِ لِمَنِ اتَّصَفَ بِهَذا الأمْرِ الدّالِّ عَلى الرِّسالَةِ؛ وإنْ كانَ واحِدًا؛ جَمَعَ؛ بَيانًا لِلْأوْلَوِيَّةِ بِالتَّضافُرِ؛ والتَّعاضُدِ؛ والِاتِّفاقِ في الصِّيانَةِ؛ والبُعْدِ عَنِ الدَّنَسِ؛ الدّالِّ عَلى اتِّحادِ القَصْدِ الدّالِّ عَلى تَحَتُّمِ الصِّدْقِ؛ فَقالَ: ﴿وهم مُهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهم الِاهْتِداءُ؛ لا يُزايِلُهُمْ؛ ما قَصَدُوا شَيْئًا إلّا أصابُوا وجْهَ صَوابِهِ؛ فَتَفُوزُوا بِالدِّينِ المُوجِبِ لِلْفَوْزِ بِالآخِرَةِ؛ ولا يَفُوتَكم شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيا؛ فَأتى بِمَجامِعِ التَّرْغِيبِ في هَذا الكَلامِ الوَجِيزِ.
يس 36:22
ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ أنَّهُ قالَ: فَإنِّي اتَّبَعْتُهم في عِبادَةِ اللَّهِ؛ بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ - جَوابًا لِمَن يَلُومُهُ عَلى ذَلِكَ؛ وتَرْغِيبًا فِيما اخْتارَهُ لِنَفْسِهِ؛ وتَوْبِيخًا لِمَن يَأْباهُ -: (p-١١١)﴿وما﴾؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ ﴿لِيَ﴾؛ في أنِّي ﴿لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ أيْ: وإلَيْهِ أرْجِعُ؛ فَلَهُ مَبْدَئِي؛ ومَعادِي؛ وما لَكم لا تَعْبُدُونَ الَّذِي فَطَرَكُمْ؛ ﴿وإلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ كَذَلِكَ؟ فَهو يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ شُكْرًا لِما أنْعَمَ بِهِ في الِابْتِداءِ؛ وخَوْفًا مِن عاقِبَتِهِ في الِانْتِهاءِ؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذْفُ ”وإلَيْهِ أرْجِعُ“؛ أوَّلًا؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ثانِيًا؛ وإنْكارُهُ عَلَيْهِمْ ثانِيًا؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلًا؛ مِن إنْكارِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ اسْتِجْلابًا لَهم بِإظْهارِ الإنْصافِ؛ والبُعْدِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالخِلافِ؛ وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى مُوجِبِ الشُّكْرِ؛ وتَهْدِيدٌ عَلى ارْتِكابِ الكُفْرِ.
يس 36:23
ولَمّا أمَرَ صَرِيحًا؛ ونَهى تَلْوِيحًا؛ ورَغَّبَ؛ ورَهَّبَ؛ ووَبَّخَ؛ وقَرَّعَ؛ وبَيَّنَ جَلالَةَ مَن آمَنَ بِهِ؛ ومَن كانُوا سَبَبًا في ذَلِكَ؛ أنْكَرَ عَلى مَن يَفْعَلُ غَيْرَهُ بِالإنْكارِ عَلى نَفْسِهِ؛ مُحَقِّرًا لِمَن عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ؛ وهم غارِقُونَ في نِعَمِهِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ؛ إلى أنَّ في ذَلِكَ مُخالَفَةً لِلْفِطْرَةِ الأُولى -: ﴿أأتَّخِذُ﴾؛ وبَيَّنَ عُلُوَّ رُتْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: سَواءً؛ مَعَ دُنُوِّ المَنزِلَةِ؛ وبَيَّنَ عَجْزَ ما عَبَدُوهُ بِتَعَدُّدِهِ؛ فَقالَ: ﴿آلِهَةً﴾؛ ثُمَّ حَقَّقَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُبَيِّنًا بِأداةِ الشَّكِّ أنَّ النَّفْعَ أكْثَرُ مِنَ الضُّرِّ؛ تَرْغِيبًا فِيهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿إنْ يُرِدْنِ﴾؛ إرادَةً خَفِيفَةً؛ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ الياءِ؛ أوْ شَدِيدَةً؛ بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُها؛ ظاهِرَةً؛ بِما دَلَّ عَلَيْهِ تَحْرِيكُها؛ أوْ خَفِيَّةً بِما نَبَّهَ عَلَيْهِ إسْكانُها. (p-١١٢)ولَمّا ذَكَّرَهم بِإبْداعِهِ - سُبْحانَهُ - لَهُ؛ إرْشادًا إلى أنَّهم كَذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِما يَعُمُّهُمْ؛ فَقالَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: العامُّ النِّعْمَةِ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ؛ مِنَ العابِدِ؛ والمَعْبُودِ؛ وحَذَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بِضُرٍّ﴾؛ وأبْطَلَ أنْهى ما يَعْتَقِدُونَهُ فِيها بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُغْنِ عَنِّي﴾؛ أيْ: وكُلِّ أحَدٍ مِثْلِي في هَذا؛ ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾؛ أيْ: لَوْ فُرِضَ أنَّهم شَفَعُوا؛ ولَكِنَّ شَفاعَتَهم لا تُوجِدُ ﴿شَيْئًا﴾؛ مِن إغْناءٍ.
ولَمّا دَلَّ بِإفْرادِ الشَّفاعَةِ عَلى عَدِّهِمْ عَدَمًا؛ ولَوِ اتَّحَدَتْ شَفاعَتُهُمْ؛ وتَعاوُنُهُمْ؛ في آنٍ واحِدٍ؛ دَلَّ بِضَمِيرِ الجَمْعِ عَلى أنَّهم كَذَلِكَ؛ سَواءٌ كانُوا مُجْتَمِعِينَ؛ أوْ مُتَفَرِّقِينَ؛ فَقالَ: ﴿ولا يُنْقِذُونِ﴾؛ أيْ: مِن مُصِيبَتِهِ؛ إنْ دَعا الأمْرُ إلى المُشاقَقَةِ بِما أرادَهُ؛ فَإنَّهُ بِمُجَرَّدِ إرادَتِهِ يَكُونُ مُرادُهُ؛ إنْقاذًا ضَعِيفًا - بِما أشارَ إلَيْهِ مَن حَذَفَ الياءَ -؛ ولا شَدِيدًا - بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَن أثْبَتَها؛ ظاهِرًا خَفِيًّا؛
يس 36:24
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ما يُبَيِّنُ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ العُقَلاءِ النّاصِحِينَ لِأنْفُسِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لَهُ بِأنْواعِ التَّأْكِيدِ؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لَهُ؛ بِعَدَمِ رُجُوعِهِمْ عَنْ مَعْبُوداتِهِمْ -: ﴿إنِّي إذًا﴾؛ أيْ: إذا فَعَلْتُ ذَلِكَ الِاتِّخاذَ؛ ﴿لَفِي ضَلالٍ﴾؛ أيْ: مُحِيطٍ بِي؛ لا أقْدِرُ مَعَهُ عَلى نَوْعِ اهْتِداءٍ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ أيْ: واضِحٍ في نَفْسِهِ لِمَن لَمْ يَكُنْ مَظْرُوفًا لَهُ؛ مُوَضِّحٍ لِكُلِّ ناظِرٍ ما هو فِيهِ مِنَ الظَّلامِ.
يس 36:25
ولَمّا أقامَ الأدِلَّةَ؛ ولَمْ يَبْقَ لِأحَدٍ تَخَلَّفَ عَنْهُ عِلَّةٌ؛ صَرَّحَ بِما لَوَّحَ (p-١١٣)إلَيْهِ مِن إيمانِهِ؛ فَقالَ - مُظْهِرًا لِسُرُورِهِ بِالتَّأْكِيدِ؛ وقاطِعًا لِما يَظُنُّونَهُ مِن أنَّهُ لا يَجْتَرِئُ عَلى مُقاطَعَتِهِمْ كُلِّهِمْ بِمُخالَفَتِهِمْ في أصْلِ الدِّينِ -: ﴿إنِّي آمَنتُ﴾؛ أيْ: أوْقَعْتُ التَّصْدِيقَ؛ الَّذِي لا تَصْدِيقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ؛ بِالرُّسُلِ؛ مُؤْمِنًا لَهم مِن أنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِمْ نَوْعَ تَشْوِيشٍ مِن تَكْذِيبٍ أوْ غَيْرِهِ؛ ولَمّا أرْشَدَهم بِعُمُومِ الرَّحْمانِيَّةِ تَلْوِيحًا؛ صَرَّحَ لَهم بِما يَلْزَمُهم شُكْرُهُ مِن خُصُوصِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ فَقالَ: ﴿بِرَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدَكم إلّا مِنهُ؛ قَدْ نَسِيتُمْ ما لَهُ لَدَيْكم مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ؛ والرَّحْمانِيَّةِ؛ والإبْداعِ؛ وزادَ في مُصارَحَتِهِمْ؛ إظْهارًا لِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾؛ أيْ: سَماعًا إنْ شِئْتُمْ أشَعْتُمُوهُ؛ وإنْ شِئْتُمْ كَتَمْتُمُوهُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ حَذْفُ الياءِ؛ وإثْباتُها؛ فَلا تَقُولُوا بَعْدَ ذَلِكَ: ما سَمِعْناهُ؛ ولَوْ سَمِعْناهُ لَفَعَلْنا بِهِ؛ فَوَثَبُوا إلَيْهِ وثْبَةَ رَجُلٍ واحِدٍ؛ فَقَتَلُوهُ؛ وقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ مِثْلَ صاحِبِ ”يـس“؛ هَذا؛ في هَذِهِ الأُمَّةِ؛ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ؛ حَيْثُ بادى قَوْمَهُ الإسْلامَ؛ ونادى عَلى عِلِّيَّتِهِ بِالأذانِ؛ فَرَمَوْهُ بِالسِّهامِ؛ فَقَتَلُوهُ.
يس 36:26
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن صَلابَتِهِمْ في تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ وتَهْدِيدِهِمْ؛ مَعَ ما لَهم مِنَ الآياتِ؛ أنَّهم لا يُبْقُونَ هَذا الَّذِي هو مِن مَدِينَتِهِمْ؛ وقَدْ صارَحَهم بِما إنْ أغَضُّوا عَنْهُ فِيهِ انْتَقَضَ عَلَيْهِمْ أكْثَرُ أمْرِهِمْ؛ لَمْ يَذْكُرْهُ (تَعالى)؛ عَدًّا لَهُ عِدادَ ما لا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِهِ؛ وقالَ (p-١١٤)- جَوابًا لِمَن تَشَوَّفَ إلى عِلْمِ حالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - إيجازًا في البَيانِ؛ تَرْغِيبًا لِأهْلِ الإيمانِ -: ﴿قِيلَ﴾؛ أيْ: لَهُ؛ بَعْدَ قَتْلِهِمْ إيّاهُ؛ فَبَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ وحَذَفَهُ لِأنَّ المَقْصُودَ القَوْلُ؛ لا قائِلُهُ؛ والمَقُولُ لَهُ مَعْلُومٌ؛ ﴿ادْخُلِ الجَنَّةَ﴾؛ لِأنَّهُ شَهِيدٌ؛ والشُّهَداءُ يَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاؤُوا؛ مِن حِينِ المَوْتِ.
ولَمّا كانَ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ داعِيًا إلى مَحَبَّةِ الِانْتِقامِ مِمَّنْ وقَعَ مِنهُ الأذى؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ الأصْفِياءَ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ الحالِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي﴾؛ أيْ: الَّذِينَ فِيهِمْ قُوَّةٌ؛ لِما يُرادُ مِنهُمْ؛ فَلَوْ كانَتْ قُوَّتُهم عَلى الكُفّارِ لَكانَتْ حَسَنَةً؛ ﴿يَعْلَمُونَ﴾؛
يس 36:27
ولَمّا أُرِيدُ التَّصْرِيحُ بِوُقُوعِ الإحْسانِ إلَيْهِ؛ حَلَّ المَصْدَرَ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِما غَفَرَ لِي﴾؛ أيْ: أوْقَعَ السَّتْرَ لِما كُنْتُ مُرْتَكِبًا لَهُ طُولَ عُمْرِي مِنَ الكُفْرِ بِهِ؛ بِإيمانٍ في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ؛ ﴿رَبِّي﴾؛ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ في الأُخْرى؛ بَعْدَ إحْسانِهِ في الدُّنْيا؛ ﴿وجَعَلَنِي﴾؛ ولَمّا كانَ الأُنْسُ أعْظَمَ فَوْزٍ؛ عَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ ”مُكْرَمًا“؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ المُكْرَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أعْطاهُمُ الدَّرَجاتِ العُلا؛ بِقَطْعِهِمْ جَمِيعَ أعْمارِهِمْ في العِبادَةِ؛ فَنَصَحَ لِقَوْمِهِ حَيًّا ومَيِّتًا؛ يَتَمَنّى عِلْمَهم بِإكْرامِهِ (تَعالى) لَهُ؛ لِيَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِهِ؛ فَيَنالُوا ما نالَهُ؛ وفي قِصَّتِهِ حَثٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى مُفارَقَةِ الأشْرارِ؛ واتِّباعِ الأخْيارِ؛ والحِلْمِ عَنْ أهْلِ الجَهْلِ؛ وكَظْمِ الغَيْظِ؛ والتَّلَطُّفِ في خَلاصِ الظّالِمِ مِن ظُلْمِهِ؛ وأنَّهُ لا يَدْخُلُ (p-١١٥)أحَدٌ الجَنَّةَ إلّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ؛ وإنْ كانَ مُحْسِنًا؛ وهَذا كَما وقَعَ لِلْأنْصارِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - في المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ؛ مَعَ بُعْدِ الدّارِ؛ والنَّسَبِ؛ وفي قَوْلِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنهم في ”بِئْرِ مَعُونَةَ“ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ في المَغازِي؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”بَلِّغُوا قَوْمَنا أنّا لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا؛ وأرْضانا“؛ وفي غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ كَما في السِّيرَةِ؛ وغَيْرِها؛ لَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ؛ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ: ”يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ بِنا؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ؛ ولا يَنْكِلُوا عَنِ الحَرْبِ“؛ فَقالَ - تَبارَكَ وتَعالى -: (فَأنا أُبْلِغُهم عَنْكُمْ)؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩]؛ الآياتِ؛ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ وفي التَّمْثِيلِ بِهَذِهِ القِصَّةِ إشارَةٌ إلى أنَّ في قُرَيْشٍ مَن خُتِمَ بِمَوْتِهِ عَلى الكُفْرِ؛ ولَمْ يَنْقُصْ ما ضُرِبَ لَهُ مِنَ الأجَلِ؛ فَهو - سُبْحانَهُ - يُؤَيِّدُ هَذا الدِّينَ بِغَيْرِهِمْ؛ لِتَظْهَرَ قُدْرَتُهُ؛ ولِيَسْتَوْفِيَ الآجالَ أُولَئِكَ؛ ثُمَّ يُقْبِلُ بِقُلُوبِ غَيْرِهِمْ؛ فَتَظْهَرُ مَعَ ذَلِكَ حِكْمَتُهُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن يَنابِيعِ المَعانِي؛ وثابِتِ المَبانِي.
يس 36:28
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ أكْثَرَ جُنْدِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَأيَّدَهُ بِهِمْ في حالَتَيِ المُسالَمَةِ؛ والمُصادَمَةِ؛ وحَرَسَهُ مِمَّنْ أرادَهُ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ؛ وبُعْدِها بِهِمْ؛ ذَكَّرَهُ ذَلِكَ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما (p-١١٦)تَقْدِيرُهُ: ”وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ قَبْلَ قَتْلِهِمْ لَهُ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ؛ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ؛ كَما فَعَلْنا بِكَ؛ إذْ أرادَ أبُو جَهْلٍ قَتْلَكَ بِالصَّخْرَةِ؛ وأنْتَ ساجِدٌ عِنْدَ البَيْتِ؛ وغَيْرُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا هو مُفَصَّلٌ في السِّيَرِ؛ وأمّا بَعْدَ الهِجْرَةِ فَفي غَزْوَةِ“الأحْزابِ”؛ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا؛ وجُنُودًا رَدَّتْهم خائِبِينَ؛ وفي غَزْوَةِ“أُحُدٍ”؛ و“بَدْرٍ”؛ و“حُنَيْنٍ”؛ وغَيْرِ ذَلِكَ -: ﴿وما أنْـزَلْنا﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾؛ أيْ: صاحِبِ“يـس"؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: بَعْدَ قَتْلِهِ؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن جُنْدٍ﴾؛ وحَقَّقَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لِإهْلاكِهِمْ؛ وحَقَّقَ أنَّ إرْسالَ الجُنُودِ السَّماوِيَّةِ أمْرٌ خُصَّ بِهِ ﷺ لِأنَّهُ لِحِكَمٍ تَرْجِعُ إلى النُّصْرَةِ بِغَيْرِ الِاسْتِئْصالِ؛ فَإنَّهم يَتَبَدَّوْنَ في صُوَرِ الآدَمِيِّينَ؛ ويَفْعَلُونَ أفْعالَهُمْ؛ وأمّا عَذابُ الِاسْتِئْصالِ فَإنَّ السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ جَرَتْ بِأنَّهُ لا يَكُونُ بِأكْثَرَ مِن واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الِاقْتِدارِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ (تَعالى): ﴿وما كُنّا مُنْـزِلِينَ﴾؛ أيْ: ما كانَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِنا؛ وما صَحَّ في حِكْمَتِنا أنْ يَكُونَ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ بِجُنْدٍ كَثِيرٍ؛
يس 36:29
﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿كانَتْ﴾؛ أيْ: الواقِعَةُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها؛ ﴿إلا صَيْحَةً﴾؛ صاحَها بِهِمْ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ؛ وأكَّدَ أمْرَها؛ وحَقَّقَ وحْدَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾؛ أيْ: لِحَقارَةِ أمْرِهِمْ عِنْدَنا؛ ثُمَّ زادَ في تَحْقِيرِهِمْ بِبَيانِ الإسْراعِ في الإهْلاكِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهُمُ الخُمُودُ؛ ما كَأنَّهم كانَتْ لَهم (p-١١٧)حَرَكَةٌ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ؛ ومِنَ المُسْتَجادِ في هَذا قَوْلُ أبِي العَلاءِ أحْمَدُ بْنُ سُلَيْمانَ المَعَرِّيُّ:
؎وكالنّارِ الحَياةُ فَمِن رَمادٍ ∗∗∗ أواخِرُها وأوَّلُها دُخانُ
يس 36:30
ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم - سُبْحانَهُ - بِما هو الحَقُّ مِن أمْرِهِمْ؛ ورَغَّبَهم بِما ضَرَبَ لَهم مِنَ المَثَلِ؛ ورَهَّبَهُمْ؛ ولَمْ يَنْفَعْهم ذَلِكَ؛ أنْتَجَ التَّأْسِيفَ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ ومَن شابَهَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿يا حَسْرَةً﴾؛ أيْ: هَذا الحالُ مُسْتَحِقٌّ لِمُلازَمَةِ حَسْرَةٍ عَظِيمَةٍ؛ ﴿عَلى العِبادِ﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ لَها: تَعالَيْ؛ فَهَذا مِن أحْوالِكِ الَّتِي حَقُّكِ أنْ تَحْضُرِي فِيها؛ فَإنَّ هَؤُلاءِ أحِقّاءُ بِأنْ يُتَحَسَّرَ عَلَيْهِمْ؛ والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ عَلى ما فاتَ؛ فَأحْرَقَ فَقْدُهُ؛ وأعْيا أمْرُهُ؛ فَلا حِيلَةَ في رَدِّهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ العِبادَ - لِكَثْرَةِ ما يَعْكِسُونَ مِن أعْمالِهِمْ - لا تُفارِقُهم أسْبابُ الحَسْرَةِ؛ ولا حاضِرَ مَعَهم غَيْرُها؛ فَلا نَدِيمَ لَهم إلّا هِيَ؛ ولا مُسْتَعْلِيَ عَلَيْهِمْ؛ وغالِبَ لَهم سِواها.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّ حالٍ؟ قالَ - مُبَيِّنًا لَهُ؛ ومُعَلِّلًا لِلتَّحَسُّرِ؛ بِذِكْرِ سَبَبِهِ -: ﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ والتَّعْمِيمِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ أيِّ رَسُولٍ كانَ؛ في أيِّ وقْتٍ كانَ؛ ﴿إلا كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: بِذَلِكَ الرَّسُولِ؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الهَزْءَ؛ والرُّسُلُ أبْعَدُ الخَلْقِ مِنَ الهَزْءِ حالًا؛ ومَقالًا؛ وفِعالًا؛ ومِنَ الواضِحِ أنَّ المُسْتَهْزِئَ بِمَن هَذا حالُهُ هالِكٌ؛ (p-١١٨)فَهُوَ جَدِيرٌ بِمُلازَمَةِ الحَسْرَةِ؛ وأنْ يُتَحَسَّرَ عَلَيْهِ.
يس 36:31
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الخَبَرَ عَنْ أوَّلِ أمْرِ المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ وأوَّلِ أمْرِ المُؤْمِنِ بِهِمْ؛ وآخِرِهِ؛ وأذِنَ هَذا التَّحَسُّرُ بِأنَّ هَلاكَ المُكَذِّبِينَ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ دَلَّ عَلَيْهِ مُعَجِّبًا مِن عَدَمِ نَظَرِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ؛ ومُهَدِّدًا لِلسّامِعِينَ مِنهُمْ؛ ومُحَذِّرًا مِن آخِرِ أمْرِ المُمَثَّلِ بِهِمْ؛ عَلى وجْهٍ انْدَرَجَ فِيهِ جَمِيعُ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ والطَّوائِفِ الخالِيَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾؛ أيْ: يَعْلَمْ؛ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَدْعُوهُمْ؛ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ بِما صَحَّ عِنْدَهم مِنَ الأخْبارِ؛ وما شاهَدُوهُ مِنَ الآثارِ؛ ﴿كَمْ أهْلَكْنا﴾؛ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ودَلَّ قَوْلُهُ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ - بِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الجارَّ - عَلى أنَّ المُرادَ جَمِيعُ الزَّمانِ الَّذِي تَقَدَّمَهُمْ؛ مِن آدَمَ إلى زَمانِهِمْ؛ وإدْخالُ الجارِّ عَلى المُهْلَكِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بَعْضُهُمْ؛ فَرَجَعَ حاصِلُ ذَلِكَ إلى أنَّ المُرادَ: انْظُرُوا جَمِيعَ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ؛ هَلْ عُذِّبَ فِيهِ قَوْمٌ عَذابَ الِاسْتِئْصالِ إلّا بِسَبَبِ عِصْيانِ الرُّسُلِ؛ فَقالَ: ﴿مِنَ القُرُونِ﴾؛ أيْ: الكَثِيرَةِ؛ الشَّدِيدَةِ؛ الضَّخْمَةِ؛ و”القَرْنُ“؛ قالَ البَغَوِيُّ: أهْلُ كُلِّ عَصْرٍ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ في الوُجُودِ؛ ﴿أنَّهُمْ﴾؛ أيْ: لِأنَّ القُرُونَ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مِن ”رَسُولٍ“؛ لَيْسَ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ وكانَتْ صِيغَةُ (p-١١٩)”فَعَوْلٌ“؛ كَـ ”فَعِيلٌ“؛ يَسْتَوِي فِيها المُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ والواحِدُ؛ والجَمْعُ؛ أعادَ الضَّمِيرَ لِلْجَمِيعِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: إلى الرُّسُلِ خاصَّةً؛ مِن حَيْثُ كَوْنُهم رُسُلًا؛ ﴿لا يَرْجِعُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ مَذاهِبِهِمُ الخَبِيثَةِ؛ ويَخُصُّونَ الرُّسُلَ بِالِاتِّباعِ؛ فَلا يَتَّبِعُونَ غَيْرَهم أصْلًا في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الدِّينِيَّةِ؛ أوِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فاطَّرَدَتْ سُنَّتُنا؛ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِنا تَبْدِيلًا؛ في أنَّهُ كُلَّما كَذَّبَ قَوْمٌ رَسُولَهم أهْلَكْناهُمْ؛ ونَجَّيْنا رَسُولَهُمْ؛ ومَن تَبِعَهُ؛ أفَلا يَخافُ هَؤُلاءِ أنْ نُجْرِيَهم عَلى تِلْكَ السُّنَّةِ القَدِيمَةِ القَوِيمَةِ؛ فَـ ”أنَّ“؛ تَعْلِيلِيَّةٌ؛ عَلى إرادَةِ حَذْفِ لامِ العِلَّةِ؛ كَما هو مَعْرُوفٌ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وضَمِيرُ ”أنَّهُمْ“؛ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ وضَمِيرُ ”إلَيْهِمْ“؛ لِلرُّسُلِ؛ لا يَشُكُّ في هَذا مَن لَهُ ذَوْقٌ سَلِيمٌ؛ وطَبْعٌ مُسْتَقِيمٌ؛ والتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْهالِهِمْ؛ والتَّأنِّي بِهِمْ؛ والحِلْمِ عَنْهُمْ؛ مَعَ تَمادِيهِمْ في العِنادِ بِتَجْدِيدِ عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ و”يَرْجِعُونَ“؛ هُنا نَحْوُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]؛ أيْ: عَنْ طُرُقِهِمُ الفاسِدَةِ؛ وهَذا مَعْنى الآيَةِ بِغَيْرِ شَكٍّ؛ ولَيْسَ بِشَيْءٍ قَوْلُ مَن قالَ: المَعْنى أنَّ المُهْلَكِينَ لا يَرْجِعُونَ إلى الدُّنْيا؛ لِيُفِيدَ الرَّدُّ عَلى مَن يَقُولُ بِالرَّجْعَةِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَيْسَتْ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ؛ ولَوْ سَلِمَ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّ السِّياقَ لَيْسَ لَهُ؛ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَنْهم غَيْرُ الِاسْتِهْزاءِ؛ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمُ اسْتِهْزاءَهُمْ؛ (p-١٢٠)مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجْرى سُنَّتَهُ أنَّ مَنِ اسْتَهْزَأ بِالرُّسُلِ؛ وخالَفَ قَوْلَهُمْ؛ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ؛ أهْلَكَهُ؛ اطَّرَدَ ذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ ولَمْ يَتَخَلَّفْ في أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ؛ كَما وقَعَ لِقَوْمِ نُوحٍ؛ وهُودٍ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ لَمْ يَتَخَلَّفْ في واحِدَةٍ مِنهُمْ؛ وكُلُّهم تَعْرِفُ العَرَبُ أخْبارَهُمْ؛ ويَنْظُرُونَ آثارَهُمْ؛ وكَذا يَعْرِفُونَ قِصَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ؛ فالسِّياقُ لِلتَّهْدِيدِ؛ فَصارَ المَعْنى: ألَمْ يَرَ هَؤُلاءِ كَثْرَةَ مَن أهْلَكْنا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لِلرُّسُلِ؟ أفَلا يَخْشَوْنَ مِثْلَ ذَلِكَ في مُخالَفَتِهِمْ لِرَسُولِهِمْ؟ وذَلِكَ مُوافِقٌ لِقِراءَةِ الكَسْرِ؛ الَّتِي نَقَلَها البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وغَيْرِهِ؛ عَنِ الحَسَنِ؛ وقالُوا: إنَّها اسْتِئْنافِيَّةٌ؛ فَهي عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَ أهْلَكَهُمْ؟ وهَذا كَما إذا شاعَ أنَّ الوادِيَ الفُلانِيَّ ما سَلَكَهُ أحَدٌ إلّا أُصِيبَ؛ يَكُونُ ذَلِكَ مانِعًا عَنْ سُلُوكِهِ؛ وإنْ أرادَ ذَلِكَ أحَدٌ صَحَّ أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ تَرَ أنَّهُ ما سَلَكَهُ أحَدٌ إلّا هَلَكَ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ زاجِرًا لَهُ؛ ورادًّا عَنِ التَّمادِي فِيهِ؛ لِكَوْنِ العِلَّةِ في الهَلاكِ سُلُوكُهُ فَقَطْ؛ وذَلِكَ أكَفُّ لَهُ مِن أنْ يُقالَ لَهُ: ألَمْ تَرَ أنَّ النّاسَ يَمُوتُونَ؛ وكَثْرَةَ مَن ماتَ مِنهُمْ؛ ولَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهُمْ؟ غَيْرَ مُعَلِّلٍ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِن سُلُوكِ الوادِي؛ ولا غَيْرِهِ؛ فَإنَّ هَذا أمْرٌ مَعْلُومٌ لَهُ؛ غَيْرُ مُجَدِّدٍ فائِدَةً؛ وزِيادَةُ عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا لا دَخْلَ لَها في العِلِّيَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ؛ بَلْ (p-١٢١)هم قائِلُونَ بِأعْظَمَ مِنهُ؛ مِن أنَّهُ لا حَياةَ بَعْدَ المَوْتِ؛ لا إلى الدُّنْيا؛ ولا إلى غَيْرِها؛ وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ فَرُبَّما كانَ ذِكْرُ الرُّجُوعِ لِلْأمْواتِ أوْلى بِأنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا؛ فَإنَّ كُلَّ إنْسانٍ مِنهم يَرْجِعُ حِينَئِذٍ إلى ما في يَدِ غَيْرِهِ؛ مِمّا كانَ ماتَ عَلَيْهِ؛ ويَصِيرُ المَتْبُوعُ بِذَلِكَ تابِعًا؛ أوْ يَقَعُ الحَرْبُ؛ وتَحْصُلُ الفِتَنُ؛ فَأفادَ ذَلِكَ أنَّهُ لا يَصْلُحُ التَّهْدِيدُ بِعَدَمِ الرُّجُوعِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
يس 36:32
ولَمّا كانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الجَهْلِ؛ وذَوِي الحَمِيَّةِ والأنَفَةِ؛ لا يُبالُونَ بِالهَلاكِ في مُتابَعَةِ الهَوى؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّ مَوْتَةً واحِدَةً في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ أهْوَنُ مِن حَمْلِ النَّفْسِ عَلى ما لا تُرِيدُ؛ فَيَكُونُ لَهم في كُلِّ حِينٍ مَوْتاتٌ؛ أخْبَرَ (تَعالى) أنَّ الأمْرَ غَيْرُ مُنْقَضٍ بِالهَلاكِ الدُّنْيَوِيِّ؛ بَلْ هُناكَ مِنَ الخِزْيِ والذُّلِّ والهَوانِ والعُقُوبَةِ والإيلامِ ما لا يَنْقَضِي أبَدًا؛ فَقالَ: ﴿وإنْ كُلٌّ﴾؛ أيْ: وإنَّهم كُلَّهُمْ؛ لا يَشِذُّ مِنهم أحَدٌ؛ وزادَ في التَّأْكِيدِ لِمَزِيدِ تَكْذِيبِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمّا﴾؛ ومَن شَدَّدَ ”لَمّا“؛ فالمَعْنى عِنْدَهُ: ”وما كُلٌّ مِنهم إلّا“؛ وأشارَ إلى أنَّهم يَأْتُونَ صاغِرِينَ راغِمِينَ في حالَةِ اجْتِماعِهِمْ كُلِّهِمْ في المَوْقِفِ؛ لا تَناصُرَ عِنْدَهُمْ؛ ولا تَمانُعَ؛ ولَيْسَ أحَدٌ مِنهم غائِبًا بِحالِ التَّخَلُّفِ عَنْ (p-١٢٢)الِانْتِصارِ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿جَمِيعٌ﴾؛ وأشارَ إلى غَرابَةِ الهَيْئَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿لَدَيْنا﴾؛ وزادَ في العَظَمَةِ بِإبْرازِهِ في مَظْهَرِها؛ وعَبَّرَ باسِمِ الفاعِلِ المَأْخُوذِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ جامِعًا؛ نَظَرًا إلى مَعْنى ”كُلٌّ“؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى الجَمْعِ في آنٍ واحِدٍ؛ وهو أدَلُّ عَلى العَظَمَةِ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ؛ بَعْدَ بَعْثِهِمْ بِأعْيانِهِمْ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا سَواءً؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا الجَمْعَ عَلى كَراهَةٍ مِنهُمْ؛ وإلى أنَّهُ أمْرٌ ثابِتٌ لازِمٌ دائِمٌ؛ كَأنَّهُ لِعَظِيمِ ثَباتِهِ لَمْ يَزَلْ؛ وأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ ولا حِيلَةَ في التَّفَصِّي عَنْهُ؛ وأنَّهُ يَسِيرٌ لا تَوَقُّفَ لَهُ غَيْرُ الإذْنِ؛ فَإذا أذِنَ فَعَلَهُ كُلُّ مَن يُؤْمَرُ بِهِ مِنَ الجُنُودِ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ وما أحْسَنَ ما قالَ القائِلُ:
؎ولَوْ أنّا إذا مِتْنا تُرِكْنا ∗∗∗ لَكانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
؎ولَكِنّا إذا مِتْنا بُعِثْنا ∗∗∗ ∗∗∗ ونُسْألُ بَعْدَها عَنْ كُلِّ شَيِّ
يس 36:33
ولَمّا أتَمَّ ضَرْبَ المَثَلِ المُفِيدِ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى الأفْعالِ الهائِلَةِ؛ بِبِشارَةٍ؛ ونِذارَةٍ؛ حَتّى إنَّ مَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَهو لا يُؤْمِنُ؛ وإنْ كانَ قَرِيبًا في النَّسَبِ؛ والدّارِ؛ ومَن أسْكَنَ قَلْبَهُ الخَشْيَةَ يُؤْمِنُ؛ وإنْ شَطَّ بِهِ النَّسَبُ والمَزارُ؛ فَتَمَّ التَّعْرِيفُ بِالقِسْمِ المَقْصُودِ بِالذّاتِ؛ وهو مَن يَتَّبِعُ الذِّكْرَ؛ (p-١٢٣)وخَتَمَ بِالبَعْثِ؛ وكانُوا لَهُ مُنْكِرِينَ؛ وكانَ قَدْ جَعَلَهُ في صَدْرِ الكَلامِ؛ مِن تَمامِ بِشارَةِ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُبْتَدِئًا بِنَكِرَةٍ؛ تَنْوِينُها دالٌّ عَلى تَعْظِيمِها -: ﴿وآيَةٌ﴾؛ أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ عَلى قُدْرَتِنا عَلى البَعْثِ؛ وإيجادِنا لَهُ؛ ﴿الأرْضُ﴾؛ أيْ: هَذا الجِنْسُ الَّذِي هم مِنهُ؛ ثُمَّ وصَفَها بِما حَقَّقَ وجْهَ الشَّبَهِ؛ فَقالَ: ﴿المَيْتَةُ﴾؛ الَّتِي لا رُوحَ لَها؛ لِأنَّهُ لا نَباتَ بِها؛ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ بِها نَباتٌ؛ وفَنِيَ؛ فَتَفَتَّتَ؛ وصارَ تُرابًا؛ أوْ لَمْ يَكُنْ بِها شَيْءٌ أصْلًا؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ كَوْنِها آيَةً؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أحْيَيْناها﴾؛ أيْ: بِاخْتِراعِ النَّباتِ فِيها؛ أوْ بِإعادَتِهِ؛ بِسَبَبِ المَطَرِ؛ كَما كانَ بَعْدَ اضْمِحْلالِهِ.
ولَمّا كانَ إخْراجُ الأقْواتِ نِعْمَةً أُخْرى؛ قالَ: ﴿وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا﴾؛ ونَبَّهَ (تَعالى) عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ فِيها؛ وعَلى عُمُومِ نَفْعِها؛ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ وزادَ في التَّنْبِيهِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ الحَبَّ مُعْظَمُ ما يُقِيمُ الحَيَوانَ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا لِلْجارِ؛ إشارَةً إلى عَدِّ غَيْرِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمًا؛ لِعَظِيمِ وقْعِهِ؛ وعُمُومِ نَفْعِهِ؛ (p-١٢٤)بِدَلِيلِ أنَّهُ مَتى قَلَّ جاءَ القَحْطُ؛ ووَقَعَ الضَّرَرُ -: ﴿فَمِنهُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الإخْراجِ؛ ﴿يَأْكُلُونَ﴾؛ أيْ: فَهو حَبٌّ حَقِيقَةً؛ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ عِلْمَ اليَقِينِ؛ وعَيْنَ اليَقِينِ؛ وحَقَّ اليَقِينِ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَدَّعُوا أنَّ ذَلِكَ خَيالٌ سِحْرِيٌّ بِوَجْهٍ؛ وفي هَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها حَثٌّ عَظِيمٌ عَلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ؛ واسْتِخْراجِ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي الدّالَّةِ عَلى جَلالِ اللَّهِ؛ وكَمالِهِ؛ وقَدْ أنْشَدَ هُنا الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ في تَفْسِيرِهِ؛ في عَيْبِ مَن أهْمَلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ:
؎يا مَن تَصَدَّرَ في دَسْتِ الإمامَةِ في ∗∗∗ مَسائِلِ الفِقْهِ إمْلاءً وتَدْرِيسا
؎غَفَلْتَ عَنْ حُجَجِ التَّوْحِيدِ تَحْكُمُها ∗∗∗ ∗∗∗ شَيَّدْتَ فَرْعًا وما مَهَّدْتَ تَأْسِيسا
يس 36:34
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما في الزُّرُوعِ؛ وما لا ساقَ لَهُ مِنَ النِّعْمَةِ؛ والقُدْرَةِ؛ ودَلَّ السِّياقُ فِيهِ عَلى الحَصْرِ؛ أتْبَعَهُ ما بَيَّنَ أنَّ المُرادَ التَّعْظِيمُ؛ لا الحَصْرُ الحَقِيقِيُّ؛ بِإظْهارِ المِنَّةِ في غَيْرِهِ؛ مِنَ الأشْجارِ الكِبارِ؛ والصِّغارِ؛ ذاتِ الأقْواتِ والفَواكِهِ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى عِظَمِهِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ﴿جَنّاتٍ﴾؛ أيْ: بَساتِينَ؛ تَسْتُرُ داخِلَها بِما فِيها مِنَ الأشْجارِ المُلْتَفَّةِ؛ ولَمّا كانَ النَّخْلُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّفْعِ - زِينَةً دائِمًا؛ بِكَوْنِهِ لا يَسْقُطُ ورَقُهُ؛ قَدَّمَهُ؛ وسَمّاهُ بِاسْمِهِ؛ فَقالَ: (p-١٢٥)﴿مِن نَخِيلٍ﴾؛ وفِيهِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّهُ نَفْعٌ كُلُّهُ؛ خَشَبُهُ؛ ولِيفُهُ؛ وشُعَبُهُ؛ وخُوصُهُ؛ وعَراجِينُهُ؛ وثَمَرُهُ؛ طَلْعًا وجُمّارًا؛ وبُسْرًا؛ ورُطَبًا؛ وتَمْرًا؛ ولِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أتى فِيهِ بِصِيغَةِ جَمْعِ الكَثْرَةِ؛ كَـ ”العُيُونُ“؛ ولَمّا كانَ الكَرْمُ لا تَكُونُ لَهُ زِينَةٌ بِأوْراقٍ تَجِنُّ؛ إلّا ما كانَ العِنَبُ قائِمًا؛ قالَ: ﴿وأعْنابٍ﴾؛ ودَلَّ بِالجَمْعِ فِيهِما؛ دُونَ الحَبِّ؛ عَلى كَثْرَةِ اخْتِلافِ الأصْنافِ في النَّوْعِ الواحِدِ؛ المُوجِبِ لِلتَّفاوُتِ الظّاهِرِ في القَدْرِ؛ والطَّعْمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتِ الجَنّاتُ لا تَصْلُحُ إلّا بِالماءِ؛ وكانَ مِن طَبْعِ الماءِ الغَوْرُ في التُّرابِ؛ والرُّسُوبُ بِشِدَّةِ السَّرَيانِ إلى أسْفَلَ؛ فَكانَ فَوَرانُهُ إلى جِهَةِ العُلُوِّ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ؛ لا يَكُونُ إلّا بِقَسْرِ قاسِرٍ؛ حَكِيمٍ؛ قالَ: ﴿وفَجَّرْنا﴾؛ أيْ: فَتَّحْنا تَفْتِيحًا عَظِيمًا؛ ﴿فِيها﴾؛ ودَلَّ عَلى تَناهِي عَظَمَتِهِ؛ وتَعالِيها عَنْ أنْ يُحاطَ بِشَيْءٍ مِنها؛ بِالتَّبْعِيضِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العُيُونِ﴾؛ والتَّعْرِيفُ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ الأرْضَ مُرَكَّبَةٌ عَلى الماءِ؛ فَكُلُّ مَوْضِعٍ مِنها صالِحٌ لِأنْ يَنْفَجِرَ مِنهُ الماءُ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُهُ عَنْ بَعْضِ المَواضِعِ؛ بِخِلافِ الأشْجارِ؛ لَيْسَ مِنها شَيْءٌ غالِبًا عَلى الأرْضِ؛ فَفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ في حَبْسِ الماءِ عَنْ بَعْضِ الأرْضِ؛ لِتَكُونَ مَوْضِعًا لِلسَّكَنِ؛ ولَوْ شاءَ لَفَجَّرَ الأرْضَ عُيُونًا؛ كَما فَعَلَ بِقَوْمِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأغْرَقَ الأرْضَ كُلَّها.
يس 36:35
(p-١٢٦)ولَمّا كانَتْ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ إنَّما هي بِالماءِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَأْكُلُوا مِن﴾؛ وأشارَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ؛ بِصِيغَةِ الجَمْعِ؛ مَعَ إفْرادِ الضَّمِيرِ؛ إلى أنَّ الشَّجَرَةَ الواحِدَةَ تَجْمَعُ بِالتَّطْعِيمِ أصْنافًا مِنَ الثَّمَرِ؛ ﴿ثَمَرِهِ﴾؛ أيْ: مِن ثَمَرِ ما تَقَدَّمَ؛ ولَوْلا الماءُ لَما طَلَعَ؛ ولَوْلا أنَّهُ بِكَثْرَةٍ لَما أثْمَرَ بَعْدَ الطُّلُوعِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَتَسَبَّبُ في تَرْبِيَةِ بَعْضِ الأشْياءِ؛ أبْطَلَ - سُبْحانَهُ - الأسْبابَ فِيما يُمْكِنُ أنْ يَدْعُوَ فِيهِ تَسَبُّبًا؛ ونَبَّهَ عَلى أنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ؛ فَقالَ: ﴿وما عَمِلَتْهُ﴾؛ أيْ: ولَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ؛ ﴿أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: عَمَلًا ضَعِيفًا - بِما أشارَ إلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ؛ فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ؟! وإنْ تَضافَرُوا عَلى ذَلِكَ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ جَمْعُ ”اليَدِ“؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في هَذا؛ جاءَتْ قِراءَةُ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ؛ بِحَذْفِ الضَّمِيرِ؛ غَيْرَ مَنوِيٍّ قَصْرًا لِلْفِعْلِ؛ تَعْمِيمًا لِلْمَفْعُولِ؛ رَدًّا لِجَمِيعِ الأُمُورِ إلى بارِئِها؛ سَواءٌ كانَتْ بِسَبَبٍ؛ أوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ؛ أيْ ولَمْ يَكُنْ لِأيْدِيهِمْ عَمَلٌ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لا لِهَذا؛ ولا لِغَيْرِهِ مِمّا لَهُ مُدْخَلٌ في عَيْشِهِمْ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ ولِذَلِكَ حَسُنَ كُلُّ الحُسْنِ إنْكارُهُ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الشُّكْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يَدْأبُونَ دائِمًا في إيقاعِ الشُّكْرِ؛ والدَّوامِ عَلى تَجْدِيدِهِ في كُلِّ حِينٍ؛ بِسَبَبِ هَذِهِ النِّعَمِ الكِبارِ.
يس 36:36
(p-١٢٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والإعْلامِ بِأنَّ ما عُبِدَ مِن دُونِهِ لا اسْتِحْقاقَ لَهُ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ؛ ولا نَفْعَ بِيَدِهِ؛ ولا ضُرَّ؛ وأنْتَجَ هَذا السِّياقُ - بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن تَفَرُّدِهِ بِكُلِّ كَمالٍ؛ وأنَّهُ لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ - تَنَزُّهَهُ عَمّا ادَّعَوْهُ مِنَ الشِّرْكِ؛ غايَةَ التَّنَزُّهِ؛ قالَ - لافِتًا لِلْكَلامِ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّ إثْباتَها بِالرَّحْمَةِ الدّالِّ عَلَيْها أدْخَلُ في التَّعْظِيمِ -: ﴿سُبْحانَ الَّذِي﴾؛ ووَصَفَهُ بِما أكَّدَ ما مَضى؛ مِن إسْنادِ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ؛ ونَفْيِ كُلِّ شَيْءٍ مِنها عَمَّنْ سِواهُ؛ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الأزْواجَ﴾؛ أيْ: الأنْواعَ المُتَشاكِلَةَ المُتَبايِنَةَ في الأوْصافِ؛ وفي الطَّعُومِ؛ والأرايِيحِ؛ والأشْكالِ؛ والهَيْئاتِ؛ والطَّبائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا يُحْصِيها إلّا اللَّهُ؛ تَدُلُّ أعْظَمَ دَلالَةٍ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ وعَظِيمِ الحِكْمَةِ؛ والِاخْتِيارِ في الإرادَةِ؛ وأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّها﴾؛ لِإفادَةِ التَّعْمِيمِ؛ ثُمَّ زادَ الأمْرَ تَصْرِيحًا بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾؛ فَدَخَلَ فِيهِ كُلُّ نَجْمٍ؛ وشَجَرٍ؛ ومَعْدِنٍ؛ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ ما يَتَوَلَّدُ مِنها؛ وأشارَ - لِكَوْنِهِ في سِياقِ تَكْذِيبِهِمْ - إلى تَأْدِيبِهِمْ؛ بِتَحْقِيرِهِمْ بِجَمْعِ القِلَّةِ؛ والتَّعْبِيرِ بِالنَّفْسِ؛ الَّتِي تُطْلَقُ في الغالِبِ عَلى ما يُذَمُّ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾؛ وبَيَّنَ أنَّ وراءَ ذَلِكَ أُمُورًا لا يَعْلَمُها إلّا هو - سُبْحانَهُ -؛ فَقالَ: ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ومِمّا لا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ (p-١٢٨)فِي دِينِهِمْ؛ ولا دُنْياهُمْ؛ ولا تَوَقُّفَ لِشَيْءٍ مِن إصْلاحِ المَعاشِ؛ والمَعادِ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَأعْلَمَ بِهِ؛ كَما أعْلَمَ بِأحْوالِ الآخِرَةِ؛ وغَيْرِها مِمّا لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُهُ.
يس 36:37
ولَمّا دَرَّبَهم عَلى النَّظَرِ بِآياتِ الأعْيانِ الحِسِّيَّةِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ؛ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ؛ رَقّاهم إلى المَعانِي عَلى ذَلِكَ النَّحْوِ؛ فَإنَّ إيجادَ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ؛ بَعْدَ إعْدامِهِ؛ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ؛ فَقالَ - ناقِلًا لَهم مِنَ المَكانِ الكُلِّيِّ إلى الزَّمانِ الكُلِّيِّ؛ الجامِعَيْنِ لِلْجَواهِرِ؛ والأعْراضِ -: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ﴾؛ أيْ: عَلى إعادَةِ الشَّيْءِ بَعْدَ إفْنائِهِ؛ ﴿اللَّيْلُ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُشاهِدُونَهُ؛ لا شَكَّ عِنْدَهم فِيهِ؛ ولا حِيلَةَ بِوَجْهٍ في رَفْعِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿نَسْلَخُ﴾؛ عائِدًا إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ دَلالَةً عَلى جَلالَةِ هَذا الفِعْلِ بِخُصُوصِهِ.
ولَمّا كانَ الأصْلُ في هَذا الوُجُودِ الظَّلامَ؛ والضِّياءُ حادِثٌ؛ وكانَ ضِياؤُهُ لَيْسَ خالِصًا؛ عَبَّرَ بِـ ”مِن“؛ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْمُلابَسَةِ؛ مَعَ التَّخَلُّلِ في الأجْزاءِ؛ فَقالَ: ﴿مِنهُ النَّهارَ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ مُخْتَلِطًا بِهِ؛ بِإزالَةِ الضَّوْءِ؛ وكَشْفِهِ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّيْلِ؛ ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ بَعْدَ إزالَتِنا لِلنَّهارِ الَّذِي سَلَخْناهُ مِنَ اللَّيْلِ؛ ﴿مُظْلِمُونَ﴾؛ أيْ: داخِلُونَ في الظَّلامِ؛ بِظُهُورِ اللَّيْلِ؛ الَّذِي كانَ الضِّياءُ ساتِرًا لَهُ؛ كَما يَسْتُرُ الجِلْدُ الشّاةَ؛ قالَ الماوَرْدِيُّ: وذَلِكَ أنَّ ضَوْءَ (p-١٢٩)النَّهارِ يَتَداخَلُ في الهَواءِ؛ فَيُضِيءُ؛ فَإذا خَرَجَ مِنهُ أظْلَمَ؛ نَقَلَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ عَنْهُ؛ وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ حَتْمًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”والنَّهارُ نَسْلَخُ مِنهُ اللَّيْلَ الَّذِي كانَ ساتِرَهُ؛ وغالِبًا عَلَيْهِ؛ فَإذا هم مُبْصِرُونَ“.
يس 36:38
ولَمّا ذَكَرَ الوَقْتَيْنِ؛ ذَكَرَ آيَتَيْهِما؛ فَقالَ: ﴿والشَّمْسُ﴾؛ أيْ: الَّتِي سُلِخَ النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ بِغَيْبُوبَتِها؛ ﴿تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ غِيابُها بِاللَّيْلِ مِثْلَ سُكُونِ الإنْسانِ في مَبِيتِهِ؛ وجَعْلُها عَلى خَطٍّ قُدِّرَ لِسَيْرِها كُلَّ يَوْمٍ؛ بِتَقْدِيرٍ لا زَيْغَ فِيهِ؛ ومِنهاجٍ لا يَعْوَجُّ؛ قالَ: ﴿لِمُسْتَقَرٍّ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ؛ ﴿لَها﴾؛ وهو السَّيْرُ؛ الَّذِي لا تَعْدُوهُ جَنُوبًا؛ ولا شَمالًا؛ ذاهِبَةً وآتِيَةً؛ وهي فِيهِ مُسْرِعَةٌ - بِدَلِيلِ التَّعْبِيرِ بِاللّامِ في مَوْضِعِ ”إلى“؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ: ”لا مُسْتَقَرَّ لَها“؛ بَلْ هي جارِيَةٌ أبَدًا إلى انْقِراضِ الدُّنْيا؛ في مَوْضِعٍ مَكِينٍ؛ مُحْكَمٍ؛ هو أهْلٌ لِلْقَرارِ؛ وعَبَّرَ بِهِ؛ مَعَ أنَّها لا تَسْتَقِرُّ ما دامَ هَذا الكَوْنُ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ دَوامَ حَرَكَتِها لِأجْلِ أنْ مَوْضِعَ جَرْيِها لا يُمْكِنُ الِاسْتِقْرارُ عَلَيْهِ؛ ولا يُنافِي هَذا ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ؛ وفي كِتابِ الإيمانِ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ؛ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”مُسْتَقَرُّها تَحْتَ العَرْشِ؛ وإنَّها تَذْهَبُ فَتَسْتَأْذِنُ في السُّجُودِ؛ فَيُؤْذَنُ لَها؛ وكَأنَّها قَدْ قِيلَ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ؛ فَتَطْلُعُ مِن مَغْرِبِها“؛» هَذا لَفْظُ مُسْلِمٍ؛ (p-١٣٠)وسَيَأْتِي لَفْظُ البُخارِيِّ؛ ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُسْتَقَرُّ آخِرَ جَرْيِها؛ عِنْدَ إبادَةِ هَذا الوُجُودِ.
ولَمّا كانَ هَذا الجَرْيُ عَلى نِظامٍ لا يَخْتَلُّ عَلى مَرِّ السِّنِينِ؛ وتَعاقُبِ الأحْقابِ؛ تَكِلُّ الأوْهامُ عَنِ اسْتِخْراجِهِ؛ وتَتَحَيَّرُ الأفْهامُ في اسْتِنْباطِهِ؛ عَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ الباهِرُ لِلْعُقُولِ؛ وزادَ في عِظَمِهِ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿تَقْدِيرُ﴾؛ وأكَّدَ ذَلِكَ؛ لافِتًا القَوْلَ عَنْ مُطْلَقِ مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى تَخْصِيصِهِ بِصِفَتَيِ العِزَّةِ؛ والعِلْمِ؛ تَعْظِيمًا لِهَذِهِ الآيَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها أكْبَرُ آياتِ السَّماءِ؛ فَقالَ: ﴿العَزِيزِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ عَلى نَوْعِ مُغالَبَةٍ؛ وهو غالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿العَلِيمِ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ عِلْمًا بِكُلِّ شَيْءِ؛ الَّذِي يُدَبِّرُ الأمْرَ؛ فَيَطَّرِدُ عَلى نِظامٍ عَجِيبٍ ونَهْجٍ بَدِيعٍ لا يَعْتَرِيهِ وهْنٌ؛ ولا يَلْحَقُهُ يَوْمًا نَوْعُ خَلَلٍ؛ إلى أنَّ يُرِيدَ - سُبْحانَهُ - إبادَةَ هَذا الكَوْنِ؛ فَتَسْكُنَ حَرَكاتُهُ؛ وتَفْنى مَوْجُوداتُهُ؛ رَوى البُخارِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في المَسْجِدِ؛ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ؛ فَقالَ: ”يا أبا ذَرٍّ؛ أتَدْرِي أيْنَ تَذْهَبُ؟“؛ قالَ: قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ؛ قالَ: ”فَإنَّها تَذْهَبُ حَتّى تَسْجُدَ (p-١٣١)تَحْتَ العَرْشِ؛ فَتَسْتَأْذِنُ؛ فَيُؤْذَنُ لَها؛ ويُوشِكُ أنْ تَسْجُدَ فَلا يُقْبَلَ مِنها؛ وتَسْتَأْذِنَ فَلا يُؤْذَنَ لَها؛ فَيُقالَ لَها: ارْجِعِي مِن حَيْثُ جِئْتِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾“».
يس 36:39
ولَمّا ذَكَرَ آيَةَ النَّهارِ؛ أتْبَعَها آيَةَ اللَّيْلِ؛ فَقالَ: ﴿والقَمَرَ﴾؛ ومَعْناهُ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ ونافِعٍ؛ وأبِي عَمْرٍو؛ ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ؛ بِالرَّفْعِ: يَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهُ؛ ونَصَبَهُ الباقُونَ؛ دَلالَةً عَلى عَظَمَةِ هَذا الجَرْيِ؛ لِسُرْعَتِهِ بِقَطْعِهِ في شَهْرٍ ما تَقْطَعُهُ الشَّمْسُ في سَنَةٍ؛ ولِذَلِكَ ضَعَّفَ الفِعْلَ المُفَسِّرَ لِلنّاصِبِ؛ وأعْمَلَهُ في ضَمِيرِ ”القَمَرَ“؛ لِيَكُونَ مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ؛ فَيَدُلَّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الفِعْلِ فِيهِ؛ وأعادَ مَظْهَرَ العَظَمَةِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ في قِراءَةِ الرَّفْعِ -: ﴿قَدَّرْناهُ﴾؛ أيْ: قِسْناهُ قِياسًا عَظِيمًا؛ أيْ: قِسْنا لِسَيْرِهِ؛ ﴿مَنازِلَ﴾؛ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ؛ ثُمَّ يَسْتَسِرُّ لَيْلَتَيْنِ؛ عِنْدَ التَّمامِ؛ ولَيْلَةً لِلنُّقْصانِ؛ لا يَقْدِرُ يَوْمًا أنْ يَتَعَدّاهُ؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: يَبْعُدُ عَنِ الشَّمْسِ؛ ولا يَزالُ يَتَباعَدُ حَتّى يَعُودَ بَدْرًا؛ ثُمَّ يَدْنُو؛ فَكُلَّما ازْدادَ مِنَ الشَّمْسِ دُنُوًّا ازْدادَ في نَفْسِهِ نُقْصانًا؛ إلى أنْ يَتَلاشى؛ ﴿حَتّى عادَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ أنْ كانَ بَدْرًا عَظِيمًا؛ ﴿كالعُرْجُونِ﴾؛ مِنَ النَّخْلِ؛ وهو عُودُ العِذْقِ؛ ما بَيْنَ شَمارِيخِهِ إلى مُنْتَهاهُ؛ وهو مَنبَتُهُ مِنَ النَّخْلَةِ (p-١٣٢)دَقِيقًا مُنْحَنِيًا؛ وهو ”فُعْلُولٌ“؛ ذَكَرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ في ”النُّونِ“؛ وقالُوا: ”عَرْجَنَ الثَّوْبَ“: صَوَّرَ فِيهِ صُوَرَ العَراجِينِ؛ وقالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُ مِن ”عَرِجَ“؛ أيْ: اعْوَجَّ؛ ولَمّا كانَتْ حُمْرَتُهُ آخِذَةً إلى صُفْرَةٍ؛ قالَ: ﴿القَدِيمِ﴾؛ أيْ: المُحَوِّلِ؛ فَإنَّ العُرْجُونَ إذا طالَ مُكْثُهُ صارَ كَذَلِكَ؛ فَدَقَّ؛ وانْحَنى؛ واصْفَرَّ.
يس 36:40
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ لِكُلٍّ مِنهُما مُنازِلَ؛ لا يَعْدُوها؛ فَلا يَغْلِبُ ما هو آيَتُهُ ما هو آيَةُ الآخَرِ؛ بَلْ إذا جاءَ سُلْطانُ هَذا ذَهَبَ ذاكَ؛ وإذا جاءَ ذاكَ ذَهَبَ هَذا؛ فَإذا اجْتَمَعا قامَتِ السّاعَةُ؛ تَحَرَّرَ أنَّ نَتِيجَةَ هَذِهِ القَضايا: ﴿لا الشَّمْسُ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي آيَةُ النَّهارِ؛ ﴿يَنْبَغِي لَها﴾؛ أيْ: ما دامَ هَذا الكَوْنُ مَوْجُودًا عَلى هَذا التَّرْتِيبِ؛ ﴿أنْ تُدْرِكَ﴾؛ أيْ: لِأنَّ حَرَكَتَها بَطِيئَةٌ؛ ﴿القَمَرَ﴾؛ أيْ: فَتَطْمِسَهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ فَما النَّهارُ سابِقُ اللَّيْلِ؛ ﴿ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾؛ أيْ: حَتّى يَنْبَغِيَ لِلْقَمَرِ؛ مَعَ سُرْعَةِ سَيْرِهِ؛ أنْ يُدْرِكَ الشَّمْسَ؛ ويَغْلِبَها؛ فَلا يُوجَدُ نَهارٌ أصْلًا؛ ولَوْ قِيلَ: ”يَسْتَبِقُ“؛ لاخْتَلَّ المَعْنى؛ لِإيهامِهِ أنَّهُ لا يَتَقَدَّمُهُ أصْلًا؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفى أوَّلًا إدْراكَ الشَّمْسِ لِقُوَّتِها دَلِيلًا عَلى ما حُذِفَ مِنَ الثّانِيَةِ مِن نَفْيِ إدْراكِ القَمَرِ لِلشَّمْسِ؛ وذَكَرَ ثانِيًا سَبْقَ اللَّيْلِ النَّهارَ لِما لَهُ مِنَ القُوَّةِ (p-١٣٣)بِما يَعْرِضُ مِنَ النَّهارِ؛ فَيُغَشِّيهِ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ سَبْقِ النَّهارِ اللَّيْلَ أوَّلًا؛ ﴿وكُلٌّ﴾؛ أيْ: مِنَ المَذْكُوراتِ؛ حَقِيقَةً؛ ومَجازًا؛ ﴿فِي فَلَكٍ﴾؛ مُحِيطٍ بِهِ؛ ولَمّا ذَكَرَ لَها فِعْلَ العُقَلاءِ؛ وكانَ عَلى نِظامٍ مُحَرَّرٍ لا يَخْتَلُّ؛ وسَيْرٍ مُقَدَّرٍ لا يَعْوَجُّ ولا يَنْحَلُّ؛ فَكانَ مُنَزَّهًا عَنْ آفَةٍ تَلْحَقُهُ؛ أوْ مَلَلٍ يَطْرُقُهُ؛ عَبَّرَ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلى القُدْرَةِ والشِّدَّةِ والِاتِّساعِ؛ فَقالَ - آتِيًا بِضَمِيرِ العُقَلاءِ؛ جامِعًا؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى تَسْخِيرِهِمْ دائِمًا -: ﴿يَسْبَحُونَ﴾؛ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِ ما فِيها مِنَ الآياتِ الَّتِي غَفَلَ عَنْها - لِشِدَّةِ الإلْفِ لَها - الجاهِلُونَ.
يس 36:41
ولَمّا ذَكَرَ ما حَدَّ لَهُ حُدُودًا في السِّباحَةِ في وجْهِ الفَلَكِ؛ لَوْ تَعَدّاها لاخْتَلَّ النِّظامُ؛ ذَكَرَ ما هَيَّأهُ مِنَ الفُلْكِ لِلسِّباحَةِ عَلى وجْهِ الماءِ؛ الَّذِي طَبَّقَ الأرْضَ في زَمَنِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى كانَتْ كالسَّماءِ؛ ولَوْ تَعَدَّتِ السَّفِينَةُ ما حَدَّ لَها - سُبْحانَهُ - مِنَ المَنازِلِ فَنَفَذَتْ إلى بَحْرِ الظُّلُماتِ؛ لَفَسَدَ الشَّأْنُ؛ وكانُوا فِيها كَأنَّهم في الأرْضِ؛ وبِسَيْرِها كَأنَّهم يَخْتَرِقُونَ الجِبالَ؛ والفَيافِيَ؛ والقِفارَ - كُلُّ ذَلِكَ تَذْكِيرًا بِأيّامِ اللَّهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى اسْتِدْرارِ نِعَمِهِ؛ وتَحْذِيرًا مِن سَطْواتِهِ؛ ونِقَمِهِ؛ ومَنًّا عَلَيْهِمْ بِما يَسَّرَ لَهم مِن سُلُوكِ البَحْرِ؛ والتَّوَصُّلِ بِهِ إلى جَلِيلِ المَنافِعِ؛ فَقالَ: ﴿وآيَةٌ لَهُمْ﴾؛ أيْ: (p-١٣٤)عَلى قُدْرَتِنا التّامَّةِ؛ وعِلْمِنا الشّامِلِ؛ ﴿أنّا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿حَمَلْنا﴾؛ ولَمّا كانَ مَن قَبْلَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن أصُولِ البَشَرِ لَمْ يُحْمَلُوا في الفُلْكِ؛ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالضَّمِيرِ؛ والآباءِ؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾؛ أيْ: ذُرِّيَّةَ البَشَرِ؛ الَّتِي ذَرَأْناها؛ وذَرَوْناها؛ وذَرَرْناها؛ حَتّى مَلَأْنا بِها الأرْضَ مِن ذَلِكَ الوَقْتِ؛ إلى آخِرِ الدَّهْرِ؛ ولِهَذا التَّكْثِيرِ المَفْهُومِ مِن هَذا الِاشْتِقاقِ البَلِيغِ اغْتَنى ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ؛ فَقَرَؤُوا بِالإفْرادِ؛ وزادَتْ في الإيضاحِ قِراءَةُ الباقِينَ بِالجَمْعِ؛ بَعْضَهم ظاهِرًا؛ وبَعْضَهم في ظَهْرِ أبِيهِ؛ ﴿فِي الفُلْكِ﴾؛ عَرَّفَهُ لِشُهْرَتِهِ بَيْنَ جَمِيعِ النّاسِ؛ ﴿المَشْحُونِ﴾؛ أيْ: المُوَقَّرِ؛ المَمْلُوءِ حَيَوانًا وزادًا؛ وهو يَتَقَلَّبُ في تِلْكَ المِياهِ الَّتِي لَمْ يُرَ قَطُّ مِثْلُها؛ ولا يُرى أبَدًا؛ ومَعَ ذَلِكَ فَسَلَّمَهُ اللَّهُ.
يس 36:42
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَنْقَطِعْ؛ بَلْ عَمَّ - سُبْحانَهُ - بِنَفْعِها؛ قالَ: ﴿وخَلَقْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الباهِرَةِ؛ ﴿لَهم مِن مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: مِن مِثْلِ ذَلِكَ الفُلْكِ؛ مِنَ الإبِلِ؛ والفُلْكِ؛ ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾؛ أيْ: مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ؛ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ؛ لِيَقْصِدُوا مَنافِعَهُمْ؛ ولَوْ شِئْنا لَمَنَعْنا ذَلِكَ.
يس 36:43
ولَمّا كانَ قَدْ أنْجى - سُبْحانَهُ - آباءَنا حِينَ حَمَلَهُ في ذَلِكَ الماءِ؛ الَّذِي لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ قَطُّ؛ وكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّ الإنْجاءَ لِسِرٍّ مِنَ الأسْرارِ غَيْرِ (p-١٣٥)إرادَتِهِ؛ جَعَلَ أمْرَ ما خَلَقَ مِن مِثْلِهِ تارَةً؛ وتارَةً لِيُعْرَفَ أنَّ ذَلِكَ هو بِصُنْعِهِ؛ فَتُشْكَرَ نِعْمَتُهُ أوَّلًا وآخِرًا؛ فَقالَ: ﴿وإنْ نَشَأْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ ما لَنا مِنَ القُوَّةِ الشّامِلَةِ؛ ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾؛ أيْ: مَعَ أنَّ هَذا الماءَ الَّذِي يَرْكَبُونَهُ لا يَعْشِرُ ذَلِكَ الَّذِي حَمَلْنا فِيهِ آباءَهُمْ؛ ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مُغِيثَ يُنْجِيهِمْ مِمّا نُرِيدُ بِهِمْ مِنَ الغَرَقِ؛ ﴿ولا هُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْفُسِهِمْ؛ مِن غَيْرِ صَرِيخٍ؛ ﴿يُنْقَذُونَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ لَهم إنْقاذٌ؛ أيْ: خَلاصٌ بِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ غَيْرِها.
يس 36:44
ولَمّا كانَ هو - سُبْحانَهُ - يُصْرِخُ مَن يَشاءُ؛ فَيُنْجِيهِ؛ وكانَتْ ”لا“؛ نافِيَةً نَفْيًا مُسْتَغْرِقًا؛ اسْتَثْنى ما كانَ مِنهُ - سُبْحانَهُ - فَقالَ: ﴿إلا رَحْمَةً﴾؛ أيْ: إلّا نَحْنُ؛ فَنُنْقِذُهم إنْ شِئْنا؛ رَحْمَةً ﴿مِنّا﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ لا وُجُوبًا عَلَيْنا؛ ولا لِمَنفَعَةٍ تَعُودُ مِنهم إلَيْنا؛ ﴿ومَتاعًا﴾؛ أيْ: لَهُمْ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ أيْ: وهو حِينُ انْقِضاءِ آجالِهِمْ.
يس 36:45
ولَمّا كانَ هَذا الحالُ مَعْلُومًا لَهُمْ؛ لا يُنازِعُونَ فِيهِ بِوَجْهٍ؛ بَلْ إذا وقَعُوا فِيهِ أخْلَصُوا الدُّعاءَ؛ وأمَرُوا بِهِ؛ وخَلَعُوا الأنْدادَ؛ وكانَ عِلْمُ ذَلِكَ مُوجِبًا لِصاحِبِهِ ألّا يَغْفُلَ عَنِ القادِرِ عَلَيْهِ وقْتًا ما؛ بَلْ لا يَفْتُرُ عَنْ شُكْرِهِ خَوْفًا مِن مَكْرِهِ؛ وكانَ العاقِلُ إذا ذُكِّرَ بِأمْرٍ فَعَلِمَهُ يَقِينًا؛ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَقْبَلَهُ؛ فَإذا لَمْ يَقْبَلْهُ وخُوِّفَ عاقِبَتَهُ بِأمْرٍ مُحْتَمَلٍ؛ جَدَّ في الِاحْتِرازِ مِنهُ؛ عَجَّبَ مِنهم في إعْراضِهِمْ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - مَعَ قِيامِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى (p-١٣٦)وحْدانِيَّتِهِ؛ وأنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِن عَذابٍ وثَوابٍ؛ وإقْبالِهِمْ عَلى ما لا يَنْفَعُهم بِوَجْهٍ؛ فَقالَ: ﴿وإذا قِيلَ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ﴿لَهُمُ اتَّقُوا﴾؛ أيْ: خافُوا خَوْفًا عَظِيمًا تُعالِجُونَ فِيهِ أنْفُسَكُمْ؛ ﴿ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: بِما يُمْكِنُ أنْ تَقَعُوا فِيهِ مِنَ العَثَراتِ المُهْلِكَةِ؛ في الدّارَيْنِ؛ ﴿وما خَلْفَكُمْ﴾؛ أيْ: ما فَرَّطْتُمْ فِيهِ؛ ولَمْ تُجارُوا بِهِ؛ ولا بُدَّ مِنَ المُحاسَبَةِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَكم أحْكَمُ الحاكِمِينَ؛ ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾؛ أيْ: تُعامَلُونَ مُعامَلَةَ المَرْحُومِ بِالإكْرامِ.
يس 36:46
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”أعْرَضُوا؛ لِأنَّ الإعْراضَ قَدْ صارَ لَهم خُلُقًا؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ مِن أسْرِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - إشارَةً إلَيْهِ -: ﴿وما تَأْتِيهِمْ﴾؛ وعَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن آيَةٍ﴾؛ وبَيَّنَ قَوْلَهُ: ﴿مِن آياتِ﴾؛ ولَفَتَ الكَلامَ لِلتَّذْكِيرِ بِالإنْعامِ؛ تَكْذِيبًا لَهم في أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْمُنْعِمِ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ ﴿إلا كانُوا عَنْها﴾؛ أيْ: مَعَ كَوْنِها مِن عِنْدِ مَن غَمَرَهم إحْسانُهُ؛ وعَمَّهم فَضْلُهُ؛ وامْتِنانُهُ؛ ﴿مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: دائِمًا إعْراضُهم.
يس 36:47
ولَمّا كانَتِ الرَّحْمَةُ بِالرِّزْقِ؛ والنَّصْرِ؛ إنَّما تُنالُ بِالرَّحْمَةِ لِلضُّعَفاءِ: «”هَلْ تُرْزَقُونَ وتُنْصَرُونَ إلّا بِضُعَفائِكُمْ“؛» «”إنَّما يَرْحَمُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ الرُّحَماءَ“؛» (p-١٣٧)وكانَ الإنْفاقُ خُلُقَ المُؤْمِنِينَ؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّهُمُ انْسَلَخُوا عَنِ الإنْسانِيَّةِ جُمْلَةً؛ فَلا يَخافُونَ ما يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنَ العَذابِ؛ ولا يَرْجُونَ ما يَجُوزُ حُلُولُهُ مِنَ الثَّوابِ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ﴿أنْفِقُوا﴾؛ أيْ: عَلى مَن لا شَيْءَ لَهُ؛ شُكْرًا لِلَّهِ عَلى ما أنْجاكم مِنهُ؛ ونَفَعَكم بِهِ؛ بِنَفْعِ خَلْقِهِ الَّذِينَ هم عِيالُهُ؛ وبَيَّنَ أنَّهم يَبْخَلُونَ بِما لا صُنْعَ لَهم فِيهِ؛ ولَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ؛ بَلْ بِبَعْضِهِ؛ فَقالَ: ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ﴾؛ وأظْهَرَ؛ ولَمْ يُضْمِرْ؛ إشارَةً إلى جَلالَةِ الرِّزْقِ؛ بِجَلالَةِ مُعْطِيهِ؛ وزادَ في تَقْرِيعِهِمْ بِجَعْلِ ذَلِكَ الظّاهِرِ اسْمَ الذّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَطاءُ العَبْدِ عَلى قَدْرِ سَيِّدِهِ؛ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿قالَ﴾؛ وأظْهَرَ؛ تَبْكِيتًا لَهم بِالوَصْفِ الحامِلِ لَهم عَلى البُخْلِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: سَتَرُوا وغَطَّوْا ما دَلَّتْهم عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ مِنَ الخَيْراتِ؛ ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: القائِلِينَ بِذَلِكَ؛ المُعْتَقِدِينَ لَهُ؛ سَواءٌ كانُوا هُمُ القائِلِينَ لَهُمْ؛ أوْ غَيْرَهُمْ؛ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِمُ؛ اسْتِهْزاءً بِهِمْ؛ عادِلِينَ عَمّا اقْتَضى السُّؤالَ عَنْ ذِكْرِ الإنْفاقِ؛ إلى ما يُفِيدُ التَّقْرِيعَ بِالفَقْرِ والحاجَةِ إلى الأكْلِ؛ ﴿أنُطْعِمُ﴾؛ وعَدَلُوا عَنِ التَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ لِئَلّا يُقالُ لَهُمْ: قَدْ تَوَلّى - سُبْحانَهُ - إطْعامَهُ مِن حِينِ خَلْقِهِ إلى الآنَ؛ فَقالُوا: ﴿مَن لَوْ يَشاءُ﴾؛ وأظْهَرُوا حَدًّا لَهُ؛ ومَساعِيَهُ؛ فَقالُوا: (p-١٣٨)﴿اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ كَما زَعَمْتُمْ؛ في كُلِّ وقْتٍ يُرِيدُهُ؛ ﴿أطْعَمَهُ﴾؛ أيْ: لَكِنّا نَنْظُرُهُ لا يَشاءُ ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُطْعِمْهُمْ؛ لِما نَرى مِن فَقْرِهِمْ؛ فَنَحْنُ أيْضًا لا نَشاءُ ذَلِكَ؛ مُوافَقَةً لِمُرادِ اللَّهِ فِيهِ؛ فَتَرَكُوا التَّأدُّبَ مَعَ الآمِرِ؛ وأظْهَرُوا التَّأدُّبَ مَعَ بَعْضِ الإرادَةِ المَنهِيِّ عَنِ الجَرْيِ مَعَها؛ والِاسْتِسْلامِ لَها؛ وما كَفاهم حَتّى قالُوا - لِمَن أرْشَدَهم إلى الخَيْرِ؛ عَلى طَرِيقِ النَّتِيجَةِ لِما تَقَدَّمَ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ﴾؛ أيْ: مُحِيطٍ بِكُمْ؛ ﴿مُبِينٍ﴾؛ أيْ: في غايَةِ الظُّهُورِ؛ وما دَرَوْا أنَّ الضَّلالَ إنَّما هو لَهُمْ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - إنَّما جَعَلَ إطْعامَ بَعْضِ خَلْقِهِ بِلا واسِطَةٍ؛ وبَعْضِهِمْ بِواسِطَةٍ؛ امْتِحانًا مِنهُ لِلْمُطِيعِ؛ والعاصِي؛ والشّاكِرِ؛ والكافِرِ؛ والجَزِعِ؛ والصّابِرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن حِكَمِهِ.
يس 36:48
ولَمّا ذَكَرَ قِلَّةَ خَيْرِهِمُ؛ المُسْتَنِدَةَ إلى تَهَكُّمِهِمْ بِاليَوْمِ الَّذِي ذُكِّرُوا بِهِ بِالأمْرِ بِالِاتِّقاءِ؛ والتَّعْلِيلِ بِتَرَجِّي الرَّحْمَةِ؛ أتْبَعَهُ حِكايَةَ اسْتِهْزاءِ آخَرَ مِنهُمْ؛ دالٍّ عَلى عَظِيمِ جَهْلِهِمْ؛ بِتَكْذِيبِهِمْ بِما يُوعَدُونَ؛ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ اليَوْمِ؛ والتَّصْوِيرِ لَهُ بِما لا يَسَعُ مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ غَيْرِ الِانْقِيادِ لَهُ؛ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: عادَةً مُسْتَمِرَّةً مَضْمُومَةً إلى ما تَقَدَّمَ مِمّا يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَهُمْ؛ وزادُوا بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ القُرْبِ في تَقْرِيعِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّكم زِدْتُمْ عَلَيْنا (p-١٣٩)فِي التَّهْدِيدِ بِهِ؛ والتَّقْرِيبِ لَهُ؛ حَتّى ظُنَّ أنَّهُ مُصَبِّحُنا؛ أوْ مُمْسِينا؛ ولَمْ نُحِسَّ مِنهُ عَيْنًا ولا أثَرًا؛ ﴿مَتى هَذا﴾؛ وزادُوا في الِاسْتِهْزاءِ بِتَسْمِيَتِهِ وعْدًا؛ فَقالُوا: ﴿الوَعْدُ﴾؛ أيْ: الَّذِي تُهَدِّدُونَنا بِهِ تارَةً تَلْوِيحًا؛ وتارَةً تَصْرِيحًا؛ عَجِّلُوهُ لَنا؛ وألْهَبُوا؛ وهَيَّجُوا؛ زِيادَةً في التَّكْذِيبِ؛ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛
يس 36:49
ولَمّا كانَ الحازِمُ مَن لا يَتَهَكَّمُ بِشَيْءٍ إلّا إذا اسْتَعَدَّ لَهُ بِما هو مُحَقَّقُ الدَّفْعِ؛ بَيَّنَ سَفَهَهم بِإتْيانِها بَغْتَةً؛ وبِأنَّهُ لا بُدَّ مِن وُقُوعِها؛ وأنَّها بِحَيْثُ تَمْلَأُ السَّماواتِ والأرْضَ؛ فَكَأنَّهُ لا شَيْءَ فِيهِما غَيْرُها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ما يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: مِمّا يُوعَدُونَ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ”يَنْتَظِرُونَ“؛ لِأنَّ اسْتِبْطاءَهم لَها في صُورَةِ الِانْتِظارِ؛ وإنْ أرادُوا بِهِ الِاسْتِهْزاءَ؛ وجَرَّدَ الفِعْلَ تَقْرِيبًا لَها؛ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ ﴿إلا صَيْحَةً﴾؛ وبَيَّنَ حَقارَةَ شَأْنِهِمْ؛ وتَمامَ قُدْرَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واحِدَةً﴾؛ وهي النَّفْخَةُ الأُولى المُمِيتَةُ؛ واقْتَصَرَ في تَأْكِيدِ الوَحْدَةِ عَلى هَذا؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي في المُحْيِيَةِ؛ لِأنَّهم لا يُنْكِرُونَ أصْلَ المَوْتِ؛ ﴿تَأْخُذُهُمْ﴾؛ أيْ: تُهْلِكُهُمْ؛ وبَيَّنَ غُرُورَهُمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾؛ أيْ: يَخْتَصِمُونَ؛ أيْ: يَتَخاصَمُونَ في مُعامَلاتِهِمْ؛ عَلى غايَةٍ مِنَ الغَفْلَةِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ إشارَةً بِالإدْغامِ اللّازِمِ عَنْهُ التَّشْدِيدُ؛ إلى تَناهِي الخِصامِ؛ بِإقامَةِ أسْبابِهِ؛ أعْلاها؛ وأدْناها؛ (p-١٤٠)إلى حَدٍّ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ التّاءَ مَعْناهُ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ انْتِهاءُ التَّسْبِيبِ إلى أدْناهُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهم في وقْتِ الصَّعْقِ يَكُونُونَ في أعْظَمِ الأمانِ مِنها؛ لِأنَّ إعْراضَهم عَنْها بَلَغَ إلى غايَةٍ لا مَزِيدَ عَلَيْها؛ ويُشِيرُ الإدْغامُ أيْضًا إلى أنَّ خُصُومَتَهم في غايَةِ الخَفاءِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الصَّيْحَةِ؛ وإنْ بَلَغَتِ الخُصُومَةُ النِّهايَةَ في الشِّدَّةِ؛ ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ ”يَخْتَصِمُونَ“؛ بِالإظْهارِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَقَعُ في ذَلِكَ الوَقْتِ خُصُومَةٌ كامِلَةٌ حَتّى تَكُونَ ظاهِرَةً؛ بَلْ تُهْلِكُهُمُ الصَّيْحَةُ قَبْلَ اسْتِيفاءِ الحُجَجِ؛ وإظْهارِ الدَّلائِلِ؛ فَمِنها ما كانَ ابْتَدَأ فِيهِ أصْحابُهُ فَأوْجَزُوا - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ؛ بِإسْكانِ الخاءِ؛ وكَسْرِ الصّادِ؛ مُخَفَّفًا -؛ ومِنها ما كانَ مُتَوَسِّطًا؛ وفِيهِ خَفاءٌ وعُلُوٌّ - بِما أشارَ إلَيْهِ تَشْدِيدُ الصّادِ؛ مَعَ اخْتِلاسِ فَتْحَةِ الخاءِ -؛ ومِنها ما هو كَذَلِكَ؛ وهو إلى الجَلاءِ أقْرَبُ - بِما أشارَ إلَيْهِ إخْلاصُ فَتْحَةِ الخاءِ؛ مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ -؛ وأشارَ مَن قَرَأهُ كَذَلِكَ مَعَ كَسْرِ الخاءِ؛ إلى التَّوَسُّطِ مَعَ الخَفاءِ؛ والسُّفُولِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
يس 36:50
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ هي النَّفْخَةَ المُمِيتَةَ؛ سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾؛ أيْ: أنْ يُوجِدُوا الوَصِيَّةَ في شَيْءٍ مِنَ (p-١٤١)الأشْياءِ؛ و”الِاسْتِفْعالُ“؛ و”التَّفْعِيلُ“؛ يَدُلّانِ عَلى أنَّ المَوْتَ لَيْسَ حِينَ سَماعِ أوَّلِ الصَّوْتِ؛ بَلْ عَقِبَهُ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ لِتَمامِ أمْرٍ ما.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لَيْسَ نَصًّا في نَفْيِ المَشْيِ؛ قالَ: ﴿ولا إلى أهْلِهِمْ﴾؛ أيْ: فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ؛ ﴿يَرْجِعُونَ﴾؛ بَلْ يَمُوتُ كُلُّ واحِدٍ في مَكانِهِ؛ حَيْثُ تَفْجَؤُهُ الصَّيْحَةُ؛ ورُبَّما أفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِـ ”إلى“؛ أنَّهم يُرِيدُونَ الرُّجُوعَ؛ فَيَخْطُونَ خُطْوَةً؛ أوْ نَحْوَها؛ وفي الحَدِيثِ: «”...ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ نَشَرَ الرَّجُلانِ ثَوْبَهُما بَيْنَهُما؛ فَلا يَتَبايَعانِهِ؛ ولا يَطْوِيانِهِ...؛ ولَتَقُومَنَّ السّاعَةُ وقَدْ رَفَعَ الرَّجُلُ أكْلَتَهُ إلى فِيهِ؛ فَلا يَطْعَمُها“».
يس 36:51
ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى المَوْتِ قَطْعًا؛ عَقَّبَهُ بِالبَعْثِ؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ فِيهِ بِالنَّفْخِ؛ فَإنَّهُ مَعْرُوفٌ في إفاضَةِ الرُّوحِ؛ فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾؛ أيْ: الَّذِي أخَذَتْهم صَيْحَتُهُ؛ وجَهَّلَهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا تَوَقُّفَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ عَلى نافِخٍ مُعَيَّنٍ؛ لِيَكُونَ عَنْهُ ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ - مِنَ الأثَرِ؛ بَلْ مَن أذِنَ لَهُ اللَّهُ كائِنًا مَن كانَ؛ تَأثَّرَ عَنْ نَفْخِهِ ما ذُكِرَ؛ وإنْ كُنّا (p-١٤٢)نَعْلَمُ أنَّ المَأْذُونَ لَهُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّفْخُ سَبَبًا لِقِيامِهِمْ عِنْدَهُ؛ سَواءً؛ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ؛ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ - بِما يَدُلُّ عَلى التَّعَقُّبِ؛ والتَّسَبُّبِ؛ والفُجاءَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ أيْ: في حِينِ النَّفْخِ؛ ﴿مِنَ الأجْداثِ﴾؛ أيْ: القُبُورِ المُهَيَّأةِ؛ هي ومَن فِيها؛ لِسَماعِ ذَلِكَ النَّفْخِ؛ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِالتَّرْبِيَةِ؛ والتَّهْيِئَةِ لِهَذا البَعْثِ؛ فَكَفَرُوا إحْسانَهُ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ ﴿يَنْسِلُونَ﴾؛ أيْ: يُسْرِعُونَ المَشْيَ؛ مَعَ تَقارُبِ الخُطا؛ بِقُوَّةٍ ونَشاطٍ؛ فَيا لَها مِن قُدْرَةٍ شامِلَةٍ؛ وحِكْمَةٍ كامِلَةٍ؛ حَيْثُ كانَ صَوْتٌ واحِدٌ يُحْيِي تارَةً؛ ويُمِيتُ أُخْرى؛ كَأنَّهُ رَكَّبَ فِيهِ مِنَ الأسْرارِ أنَّهُ يُكْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ ضِدَّ ما هو عَلَيْهِ؛ مِن حَياةٍ؛ أوْ مَوْتٍ؛ أوْ غَشْيٍ؛ أوْ إفاقَةٍ.
يس 36:52
ولَمّا تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى سَماعِ ما يَقُولُونَ إذا عايَنُوا ما كانُوا يُنْكِرُونَ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم مِن أهْلِ الوَيْلِ مِن عُمُومِ الَّذِينَ قامُوا بِالنَّفْخَةِ؛ وهم جَمِيعُ مَن كانَ قَدْ ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّ جَزاءَ ما أسْلَفُوا كُلُّ خِزْيٍ؛ أتْبَعُوهُ قَوْلَهم - حاكِيًا - سُبْحانَهُ - عِبارَتَهم إذْ ذاكَ؛ لِأنَّهُ أنْكى لَهم -: ﴿يا ويْلَنا﴾؛ أيْ: لَيْسَ (p-١٤٣)بِحَضْرَتِنا اليَوْمَ شَيْءٌ يُنادِمُنا إلّا الوَيْلُ؛ ثُمَّ اسْتَفْهَمُوا؛ جَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ في الغَباوَةِ؛ فَقالُوا - مُظْهِرِينَ لِضَمِيرِهِمْ؛ تَخْصِيصًا لِلْوَيْلِ بِهِمْ؛ لِأنَّهم في مَعْرِضِ الشَّكِّ -: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾؛ عَدُّوا مَكانَهُمُ الَّذِي كانُوا بِهِ - مَعَ ما كانُوا فِيهِ مِن عَذابِ البَرْزَخِ - مَرْقَدًا هَنِيئًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما انْكَشَفَ لَهم أنَّهم لاقُوهُ مِنَ العَذابِ الأكْبَرِ؛ ووَحَّدُوهُ إشارَةً إلى أنَّهم عَلى تَكاثُرِهِمْ؛ وتَباعُدِهِمْ؛ كانُوا في القِيامِ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ؛ ثُمَّ تَذَكَّرُوا ما كانُوا يَحْذَرُونَهُ مِن أنَّ اللَّهَ هو يَبْعَثُهم لِلْجَزاءِ؛ الَّذِي هو رَحْمَةُ المَلِكِ لِأهْلِ مَمْلَكَتِهِ؛ فَقالُوا مُجِيبِينَ لِأنْفُسِهِمُ - اسْتِئْنافًا -: ﴿هَذا ما﴾؛ أيْ: الوَعْدُ الَّذِي؛ ﴿وعَدَ﴾؛ أيْ: بِهِ؛ وحَذَفُوا المَفْعُولَ تَعْمِيمًا؛ لِأنَّهُمُ الآنَ في حَيِّزِ التَّصْدِيقِ؛ ﴿الرَّحْمَنُ﴾؛ أيْ: العامُّ الرَّحْمَةِ؛ الَّذِي رَحْمانِيَّتُهُ مُقْتَضِيَةٌ؛ ولا بُدَّ؛ لِلْبَعْثِ؛ لِيُنْصِفَ المَظْلُومَ مِن ظالِمِهِ؛ ويُجازِيَ كُلًّا بِعَمَلِهِ؛ مِن غَيْرِ حَيْفٍ؛ وقَدْ رَحِمَنا بِإرْسالِ الرُّسُلِ إلَيْنا بِذَلِكَ؛ وطالَما أنْذَرُونا حُلُولَهُ؛ وحَذَّرُونا صُعُوبَتَهُ وطُولَهُ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَصَدَقَ الرَّحْمَنُ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وصَدَقَ﴾؛ أيْ: في أمْرِهِ؛ ﴿المُرْسَلُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أتَوْنا بِوَعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ فاللَّهُ الَّذِي تَقَدَّمَ وعْدُهُ بِهِ؛ وأرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ؛ هو الَّذِي بَعَثَنا؛ تَصْدِيقًا لِوَعْدِهِ؛ ورُسُلِهِ.
يس 36:53
(p-١٤٤)ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِالنَّفْخِ لا يَنْفِي التَّعَدُّدَ؛ قالَ - مُحَقِّرًا لِأمْرِ البَعْثِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَتِهِ؛ مُظْهِرًا لِلْعِنايَةِ بِتَأْكِيدِ كَوْنِها واحِدَةً؛ بِجَعْلِ الخَبَرِ عَنْهُ أصْلًا مُسْتَقِلًّا بِفَصْلِهِ عَنِ النَّفْخِ؛ والإتْيانِ فِيهِ بِفِعْلِ الكَوْنِ؛ و”إنْ“؛ النّافِيَةِ لِأدْنى مَظاهِرِ مَدْخُولِها؛ فَكَيْفَ بِما وراءَهُ؟! دُونَ ”ما“؛ الَّتِي إنَّما تَنْفِي التَّمامَ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما ﴿كانَتْ﴾؛ أيْ: النَّفْخَةُ الَّتِي وقَعَ الإحْياءُ بِها؛ مُطْلَقَ كَوْنٍ؛ ﴿إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾؛ أيْ: كَما كانَتْ نَفْخَةُ الإماتَةِ واحِدَةً؛ ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ أصْلًا؛ ﴿جَمِيعٌ﴾؛ أيْ: عَلى حالَةِ الِاجْتِماعِ؛ لَمْ يَتَأخَّرْ مِنهم أحَدٌ؛ يَتَعَلَّلُونَ بِهِ في تَرْكِ الِانْتِصارِ؛ ودَوامِ الخُضُوعِ؛ والذُّلِّ؛ والصَّغارِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ عَلى هَيْئاتٍ غَرِيبَةٍ؛ لا يَبْلُغُ كُنْهَها العُقُولُ؛ قالَ - لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ مُعَبِّرًا بِما لِلْأُمُورِ الخاصَّةِ -: ﴿لَدَيْنا﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ أمْرًا لا بُدَّ مِنهُ؛ ولا يُمْكِنُ التَّخَلُّفُ عَنْهُ؛ عَبَّرَ بِصِيغَةِ المَفْعُولِ؛ وأكَّدَ مَعْنى الِاجْتِماعِ بِالجَمْعِ؛ نَظَرًا إلى مَعْنى ”جَمِيعٌ“؛ ولَمْ يُفْرِدِ؛ اعْتِبارًا لِلَفْظِها؛ لِما ذُكِرَ مِنَ المَعْنى؛ فَقالَ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ الكَراهَةِ مِنهم لِذَلِكَ؛ بِقادَةٍ تَزْجُرُهُمْ؛ وساقَةٍ تَقْهَرُهم.
يس 36:54
ولَمّا كانَ هَذا الإحْضارُ بِسَبَبِ العَدْلِ؛ وإظْهارِ جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ قالَ: ﴿فاليَوْمَ﴾؛ ولَمّا كانَ نَفْيُ الظُّلْمِ مُطْلَقًا أبْلَغَ مِن نَفْيِهِ عَنْ أحَدٍ بِعَيْنِهِ؛ وأدَلَّ عَلى المُرادِ؛ وأوْجَزَ؛ قالَ - لافِتًا القَوْلَ عَنِ الإظْهارِ؛ أوِ الإضْمارِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ أوْ غَيْرِهِ -: ﴿لا تُظْلَمُ﴾؛ ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ (p-١٤٥)بِما كَثُرَ جَعْلُهُ مَحَطَّ الرَّذائِلِ؛ والحُظُوظِ؛ والنَّقائِصِ؛ أدَلَّ عَلى عُمُومِ نَفْيِ الظُّلْمِ؛ قالَ: ﴿نَفْسٌ﴾؛ أيْ: أيُّ نَفْسٍ كانَتْ؛ مَكْرُوهَةٌ أوْ مَحْبُوبَةٌ؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ أيْ: لا يَقَعُ لَها ظُلْمٌ ما؛ مِن أحَدٍ ما؛ في شَيْءٍ ما؛ ولَمّا كانَتِ المُجازاةُ بِالجِنْسِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ وأدْخَلَ في العَدْلِ؛ قالَ - مُحَقِّقًا بِالخِطابِ؛ والجَمْعِ؛ أنَّ المَنفِيَّ ظُلْمُهُ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ؛ لِئَلّا يَقَعَ في وهْمِ أنَّ المَنفِيَّ ظُلْمُهُ نُفُوسٌ مَخْصُوصَةٌ؛ أوْ نَفْسٌ واحِدَةٌ -: ﴿ولا تُجْزَوْنَ﴾؛ أيْ: عَلى عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ؛ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ مِن أحَدٍ ما؛ ﴿إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ دَيْدَنًا لَكُمْ؛ بِما رَكَزَ في جِبِلّاتِكم.
يس 36:55
ولَمّا قَرَّرَ أنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ؛ شَرَعَ في تَفْصِيلِهِ؛ وبَدَأ بِأشْرَفِ الحِزْبَيْنِ؛ في جَوابِ مَن سَألَ عَنْ هَذا الجَزاءِ؛ فَقالَ - مُؤَسِّفًا لِأهْلِ الشَّقاءِ بِالتَّذْكِيرِ؛ بِالتَّأْكِيدِ بِما كانَ لَهم مِنَ الإنْكارِ في الدُّنْيا؛ وإظْهارًا لِلرَّغْبَةِ في هَذا القَوْلِ؛ والتَّبَجُّحِ بِهِ؛ لِما لَهُ مِن عَظِيمِ الثَّمَرَةِ -: ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا حَظَّ لِلنّارِ فِيهِمْ؛ وكَرَّرَ التَّعْبِيرَ بِـ ”اليَوْمَ“؛ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ؛ عَلى إثْرِ نَفْخَتَيْهِ؛ المُمِيتَةِ؛ والمُقِيمَةِ؛ بِذِكْرِ بَعْضِ ثَمَراتِهِ؛ وجُمَلٍ مِن عَظائِمِ تَأْثِيراتِهِ؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: يَوْمَ البَعْثِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُعَجِّلُ دُخُولَهُمْ؛ أوْ دُخُولَ بَعْضِهِمْ إلَيْها؛ ووُقُوفَ الباقِينَ لِلشَّفاعَةِ؛ ونَحْوِها مِنَ الكَراماتِ؛ عَنْ دُخُولِ أهْلِ النّارِ النّارَ؛ وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم (p-١٤٦)بِكُلِّيّاتِهِمْ مُقْبِلُونَ عَلَيْهِ؛ ومَظْرُوفُونَ لَهُ؛ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿فِي شُغُلٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمٍ جِدًّا؛ لا تَبْلُغُ وصْفَهُ العُقُولُ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا في أشْغَلِ الشُّغُلِ؛ بِالمُجاهَداتِ في الطّاعاتِ؛ ولَمّا تاقَتِ النُّفُوسُ إلى تَفْسِيرِ هَذا الشُّغُلِ؛ قالَ: ﴿فاكِهُونَ﴾؛ أيْ: لَهم عَيْشُ المُتَفَكِّهِ؛ وهو الأمْنُ؛ والنِّعْمَةُ؛ والبَسْطُ؛ واللَّذَّةُ؛ وتَمامُ الرّاحَةِ؛ كَما كانُوا يُرْضُونَنا بِإجْهادِ أنْفُسِهِمْ؛ وإتْعابِها؛ وإشْقائِها؛ وإرْهابِها؛ وقِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ؛ بِحَذْفِ الألِفِ؛ أبْلَغُ؛ لِأنَّها تَدُورُ عَلى دَوامِ ذَلِكَ لَهُمْ؛ وعَلى أنَّهم في أنْفُسِهِمْ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن خِفَّةِ الرُّوحِ؛ وحُسْنِ الحَدِيثِ.
يس 36:56
ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ لا يَتِمُّ سُرُورُها إلّا بِالقَرِينِ المُلائِمِ؛ قالَ: ﴿هُمْ﴾؛ أيْ: بِظَواهِرِهِمْ؛ وبَواطِنِهِمْ؛ ﴿وأزْواجُهُمْ﴾؛ أيْ: أشْكالِهِمُ الَّذِينَ هم في غايَةِ المُلاءَمَةِ؛ كَما كانُوا يَتْرُكُونَهم في المَضاجِعِ عَلى ألَذِّ ما يَكُونُ؛ ويَصُفُّونَ أقْدامَهم في خِدْمَتِنا وهم يَبْكُونَ؛ ﴿فِي ظِلالٍ﴾؛ أيْ: يَجِدُونَ فِيها بَرَدَ الأكْبادِ؛ وغايَةَ المُرادِ؛ كَما كانُوا يَشْوُونَ أكْبادَهم في دارِ العَمَلِ بِحَرِّ الصِّيامِ؛ وتَجَرُّعِ مَراراتِ الأُوامِ؛ والصَّبْرِ في مَرْضاتِنا عَلى الآلامِ؛ ويُقِرُّونَ أيْدِيَهم وقُلُوبَهم عَنِ الأمْوالِ؛ بِبَذْلِ الصَّدَقاتِ في سُبُلِنا عَلى مَرِّ الأيّامِ؛ وكَرِّ اللِّيالِي؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ بِضَمِّ الظّاءِ؛ وحَذْفِ (p-١٤٧)الألِفِ؛ عَلى أنَّهُ أشَدُّ امْتِدادًا؛ ويَدُلُّ اتِّفاقُهُما في الجَمْعِ عَلى أنَّ الظِّلَّ فِيها مُخْتَلِفٌ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ.
ولَمّا كانَ التَّمَتُّعُ لا يَكْمُلُ إلّا مَعَ العُلُوِّ المُمَكِّنِ مِن زِيادَةِ العِلْمِ؛ المُوجِبِ لِارْتِياحِ النَّفْسِ؛ وبَهْجَةِ العَيْنِ؛ بِانْفِساحِ البَصَرِ عِنْدَ مَدِّ النَّظَرِ؛ قالَ: ﴿عَلى الأرائِكِ﴾؛ أيْ: السُّرُرِ المُزَيَّنَةِ؛ العالِيَةِ؛ الَّتِي هي داخِلَ الحِجالِ؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ثَعْلَبٌ: لا يَكُونُ أرِيكَةٌ حَتّى يَكُونَ عَلَيْها حَجَلَةٌ؛ وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ”الأرائِكُ“: الحِجالُ؛ فِيها السُّرُرُ؛ ورَوى أبُو عُبَيْدٍ؛ في كِتابِ الفَضائِلِ؛ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كُنّا لا نَدْرِي ما الأرائِكُ؛ حَتّى لَقِينا رَجُلًا مِن أهْلِ اليَمَنِ؛ فَأخْبَرَنا أنَّ الأرِيكَةَ عِنْدَهُمُ الحَجَلَةُ فِيها السَّرِيرُ؛ وهَذا جَزاءٌ لِما كانُوا يَلْزَمُونَ المَساجِدَ؛ ويَغُضُّونَ الأبْصارَ؛ ويَضَعُونَ نُفُوسَهم لِأجْلِنا؛ ﴿مُتَّكِئُونَ﴾؛ كَما كانُوا يَدْأبُونَ في الأعْمالِ قائِمِينَ بَيْنَ أيْدِينا في أغْلَبِ الأحْوالِ؛ و”الِاتِّكاءُ“: المَيْلُ عَلى شِقٍّ؛ مَعَ الِاعْتِمادِ عَلى ما يُرِيحُ الِاعْتِمادُ عَلَيْهِ؛ أوِ الجُلُوسُ مَعَ التَكَمُّنِ عَلى هَيْئَةِ المُتَرَبِّعِ؛ وقِراءَتُهُ بِضَمِّ (p-١٤٨)الكافِ؛ وحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ أدَلُّ عَلى التَّرَبُّعِ؛ وما قارَبَهُ؛ وقِراءَةُ كَسْرِ الكافِ؛ وضَمِّ الهَمْزَةِ أدَلُّ عَلى القُرْبِ مِنَ التَّمَدُّدِ؛ لِما فِيها مِنَ الكَسْرَةِ؛ فَإنَّهُ يُقالُ - كَما نَقَلَهُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ -: ”أتْكَأْتُ الرَّجُلَ اتِّكاءً“؛ إذا وسَّدْتَهُ؛ أيْ جَعَلْتَ لَهُ وِسادَةً؛ أيْ: مَخَدَّةٌ يَسْتَرِيحُ عَلَيْها.
يس 36:57
ولَمّا قَدَّمَ المَعانِيَ الَّتِي تُوجِبُ أكْلَ الفاكِهَةِ؛ أتى بِها؛ فَقالَ: ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً بِهِمْ؛ ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾؛ أيْ: لا تَنْقَطِعُ أبَدًا؛ فَلا مانِعَ لَهم مِن تَناوُلِها؛ ولا يُوقَفُ ذَلِكَ عَلى غَيْرِ الإرادَةِ؛ ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما يُلَذِّذُ؛ صَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ هو المُرادُ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالعَطْفِ؛ لِتَكُونَ الفاكِهَةُ مَذْكُورَةً مَرَّتَيْنِ؛ خُصُوصًا؛ وعُمُومًا -: ﴿ولَهُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ لِأصْحابِ الجَنَّةِ؛ الَّذِينَ تُفْهِمُ الصَّيْحَةُ أنَّهم فِيها دائِمًا؛ وإنْ كانُوا في الدُّنْيا؛ أعْرى الكَلامَ مِنَ الظَّرْفِ؛ لِيُفْهِمَ إجابَةَ دُعائِهِمْ في الدُّنْيا؛ وإنالَتَهم جَمِيعَ مُرادِهِمْ في الدّارَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿ما يَدَّعُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يَطْلُبُونَ؛ طَلَبًا صادِقًا؛ إمّا إخْراجًا لِما قَدْ يَهْجِسُ في النَّفْسِ؛ مِن غَيْرِ عَزْمٍ عَلَيْهِ؛ إنْ كانَ المُرادُ في الجَنَّةِ مِن غَيْرِ كَلامِ اللَّهِ؛ كالمَآكِلِ؛ والمَشارِبِ؛ ونَحْوِها؛ وإمّا إظْهارًا لِلِاهْتِمامِ؛ إنْ كانَ المُرادُ أنَّهُ كَلامُهُ - سُبْحانَهُ -؛ وذَلِكَ (p-١٤٩)لِأجْلِ ما كانُوا في الدُّنْيا يَفْطِمُونَ أنْفُسَهم عَنِ الشَّهَواتِ؛ عُزُوفًا عَمّا يَفْنى؛ وطُمُوحًا إلى ما عِنْدَنا مِنَ الباقِياتِ الصّالِحاتِ؛
يس 36:58
ثُمَّ فَسَّرَ الَّذِي يَدَّعُونَهُ - أيْ يَطْلُبُونَهُ - بِغايَةِ الِاشْتِياقِ إلَيْهِ؛ أوِ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ جِدًّا؛ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُ؛ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ؛ كائِنٌ هُوَ؛ أوْ مَقُولٌ هُوَ؛ والسَّلامُ يَجْمَعُ جَمِيعَ النِّعَمِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ حالَ هَذا السَّلامِ؛ بِما أظْهَرَ مِن عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْلا مِن رَبٍّ﴾؛ أيْ: دائِمِ الإحْسانِ؛ ﴿رَحِيمٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمِ الإكْرامِ؛ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ؛ كَما كانُوا في الدُّنْيا يَفْعَلُونَ كُلَّ ما فِيهِ الرِّضا؛ فَيَرْحَمُهم في حالِ السَّلامِ؛ وسَماعِ الكَلامِ بِلَذَّةِ الرُّؤْيَةِ؛ مَعَ التَّقْوِيَةِ عَنِ الدَّهَشِ؛ والصَّعْقِ لِعَظِيمِ الأمْرِ؛ وبِالتَّأْهِيلِ لِهَذا المَقامِ الأكْرَمِ؛ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْهُ؛ وقَدْ أوْضَحَ هَذا السِّياقُ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) بِلا واسِطَةٍ؛ فَإنَّهُ أكَّدَهُ بِالقَوْلِ؛ وحَرْفِ الِابْتِداءِ؛ وذِكْرِ صِفاتِ الإحْسانِ؛ كَما قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: ولا ارْتِيابَ في أنَّهُ لا شَيْءَ يَعْدِلُ هَذا في النَّعِيمِ؛ وقُرَّةِ العَيْنِ؛ والشَّرَفِ؛ وعُلُوِّ القَدْرِ؛ ولا شَكَّ أنَّ هَذا هو المَقْصُودُ بِالحَقِيقَةِ؛ فَهو قَلْبُ النَّعِيمِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي هو قَلْبُ الوُجُودِ حَقًّا؛ خَفاءً؛ وصَلاحًا؛ وفَسادًا؛ فَصَحَّ أنَّ هَذِهِ (p-١٥٠)الآيَةَ قَلْبُ هَذِهِ السُّورَةِ؛ كَما كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ قَلْبَ القُرْآنِ؛ وقَدْ ورَدَ حَدِيثٌ في تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ؛ وكِتابِ المِائَتَيْنِ؛ لِلْأُسْتاذِ أبِي عُثْمانَ الصّابُونِيِّ؛ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ بِلا واسِطَةٍ؛ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”بَيْنا أهْلُ الجَنَّةِ في نَعِيمِهِمْ؛ إذْ سَطَعَ لَهم نُورٌ؛ فَرَفَعُوا رُؤُوسَهُمْ؛ فَإذا الرَّبُّ (تَعالى) قَدْ أشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ؛ فَقالَ: (السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ الجَنَّةِ)؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾؛ فَيَنْظُرُ إلَيْهِمْ؛ ويَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ ما دامُوا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ؛ حَتّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ؛ ويَبْقى نُورُهُ؛ وبَرَكَتُهُ في دِيارِهِمْ“».
قالَ الأُسْتاذُ أبُو عُثْمانَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبُ الإسْنادِ؛ والمَتْنِ؛ لا أعْلَمُ أنِّي كَتَبْتُهُ إلّا مِن هَذا الوَجْهِ.
يس 36:59
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فانْظُرُوا؛ وازْدادُوا حَسْرَةً أيُّها المُجْرِمُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وامْتازُوا﴾؛ أيْ: انْفَرِدُوا انْفِرادًا هو بِغايَةِ القَصْدِ؛ وجَرى عَلى النَّمَطِ الماضِي مِن زِيادَةِ التَّهْوِيلِ لِذَلِكَ المَوْقِفِ؛ بِإعادَةِ قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: عَنْ عِبادِي الصّالِحِينَ؛ أوْ عَمَّنْ بَقِيَ مِنهم مَعَكم في المَوْقِفِ؛ لِيَظْهَرُوا مِن أوْضارِهِمْ؛ ويُشْفُوا مِن مَضارِّهِمْ؛ لِأنَّ غَيْبَةَ الرَّقِيبِ أتَمُّ النَّعِيمِ؛ وإبْعادَ العَدُوِّ أعْلى السُّرُورِ؛ وحَذَفَ أداةَ النِّداءِ؛ لا لِقُرْبِ الكَرامَةِ؛ بَلْ لِلدَّلالَةِ (p-١٥١)عَلى أنَّهم في القَبْضَةِ؛ لا مانِعَ مِن غايَةِ التَّصَرُّفِ فِيهِمْ لِكُلِّ ما يُرادُ؛ لِأنَّهُ لا حائِلَ دُونَهُمْ؛ ﴿أيُّها المُجْرِمُونَ﴾؛ أيْ: العَرِيقُونَ في الإجْرامِ؛ فَلا يَقَعْ في أوْهامِكم أنَّكم تُخالِطُونَهُمُ اليَوْمَ أصْلًا؛ وهَذا كَما كُنْتُمْ تَمْتازُونَ عَنْهم في الدُّنْيا؛ وتُقاطِعُونَهم تَرَفُّعًا؛ واسْتِكْبارًا؛ فَهَذا قَوْلُهُ لِلْمُجْرِمِينَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَصَحَّ أنَّهُ قَلْبٌ؛ لِأنَّهُ بِهِ صَلاحُ بَعْضِ المُكَلَّفِينَ؛ وفَسادُ الآخَرِينَ؛ الَّذِي هو تَمامُ صَلاحِ الأوَّلِينَ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ ”الرُّومِ“؛ ما يَنْفَعُ اسْتِحْضارُهُ هُنا.
يس 36:60
ولَمّا أمَرَهم بِالِامْتِيازِ أمْرًا إرادِيًّا حُكْمِيًّا؛ فامْتازُوا في الحالِ؛ وأسَرُّوا النَّدامَةَ؛ وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ؛ فَعَضُّوا الأنامِلَ؛ وصَرُّوا بِالأسْنانِ؛ وشَخَصَتْ مِنهُمُ الأبْصارُ؛ وكَلَحَتِ الوُجُوهُ؛ وتَقَلَّصَتِ الشِّفاهُ؛ ونُكِّسَتِ الرُّؤُوسُ؛ وشَحَبَتِ الألْوانُ؛ وسُحِبُوا عَلى الوُجُوهِ؛ وكانَ مِن فُنُونِ المَساءَةِ وشُؤُونِ الحَسْرَةِ ما تَعْجِزُ عَنْهُ العُقُولُ؛ وتَذُوبُ مِن ذِكْرِهِ النُّفُوسُ؛ وتَنْخَلِعُ القُلُوبُ؛ قالَ - سُبْحانَهُ - مُوَبِّخًا لَهم في تِلْكَ الحالِ؛ بِهَذا المَقالِ؛ مُعَلِّلًا حُكْمَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ؛ بِأنَّهُ لَمْ يَتْرُكْهم هَمَلًا؛ بَلْ رَكَّبَ فِيهِمْ مِنَ العُقُولِ؛ ونَصَبَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ عَلى كَمالِهِ ما هو كافٍ لَهم في النَّجاةِ؛ ثُمَّ ما وكَلَهم (p-١٥٢)إلى ذَلِكَ؛ بَلْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا؛ وأنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبًا -: ﴿ألَمْ أعْهَدْ﴾؛ أيْ: أُوصِكم إيصاءً عَظِيمًا؛ بِما نَصَبْتُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ومَنَحْتُ مِنَ العُقُولِ؛ وبَعَثْتُ مِنَ الرُّسُلِ؛ وأنْزَلْتُ مِنَ الكُتُبِ؛ في بَيانِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى النَّجاةِ؛ لافِتًا القَوْلَ عَنْ مَظْهَرِ الإحْسانِ؛ إلى ما هو أوْلى بِهِ مِن مَظْهَرِ التَّكَلُّمِ بِالوَحْدَةِ؛ دَفْعًا لِلَّبْسِ؛ ثُمَّ أشارَ إلى عُلُوِّهِ؛ وجَلالِهِ؛ وعِظَمِهِ؛ وسُمُوِّ كَمالِهِ؛ فَقالَ: ﴿إلَيْكُمْ﴾
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بِهَذا الخِطابِ تَقْرِيعَهُمْ؛ وتَوْبِيخَهُمْ؛ وتَبْكِيتَهُمْ؛ وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ القَلْبَ؛ وكانَ القَلْبُ أشْرَفَ الأعْضاءِ؛ وكانَ الإنْسانُ أشْرَفَ المَوْجُوداتِ؛ خَصَّهُ بِالخِطابِ؛ لِأنَّ خِطابَهُ خِطابٌ لِلْجِنِّ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا ما أفْهَمَهُ حَرْفُ الغايَةِ مِن عُلُوِّ رُتْبَتِهِ؛ وعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ؛ بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ البُعْدِ -: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾؛ أيْ: فَلَمْ أخُصَّكم بِذَلِكَ عَنْ أبْناءِ غَيْرِ نَوْعِكُمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ التَّخْصِيصُ حامِلًا لَكم عَلى العِصْيانِ؛ بَلْ لِيَكُونَ مُوجِبًا لِلطّاعاتِ؛ والعِرْفانِ: ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾؛ أيْ: البَعِيدَ؛ المُحْتَرِقَ بِطاعَتِكم لَهُ؛ فِيما يُوَسْوِسُ لَكم بِهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ عِبادَتِهِ بِما يَقْتَضِي (p-١٥٣)شِدَّةَ النَّفْرَةِ مِنهُ؛ بَعْدَ أنَّ لَوَّحَ إلى ذَلِكَ بِوَصْفِهِ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَكُمْ﴾؛ والتَّأْكِيدِ لِأنَّ أفْعالَهم أفْعالُ مَن يَعْتَقِدُ صَداقَتَهُ؛ ﴿عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ جِدًّا؛ مِن جِهَةِ عَداوَتِهِ لِأبِيكُمُ؛ العَداوَةَ الَّتِي أخْرَجَتْكم مِنَ الجَنَّةِ؛ الَّتِي لا مُنْزَلَ أشْرَفُ مِنها؛ ومِن جِهَةِ أمْرِهِ لَكم بِما يُبَغِّضُ الدُّنْيا؛ مِنَ التَّخالُفِ؛ والتَّخاصُمِ؛ ومِن جِهَةِ تَزْيِينِهِ لِلْفانِي؛ الَّذِي لا يَرْغَبُ فِيهِ عاقِلٌ؛ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عَيْبٌ غَيْرُ فَنائِهِ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ أكْثَرُهُ أكْدارًا؛ وأدْناسًا؛ وأوْضارًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ شاغِلًا عَنِ الباقِي؟! فَكَيْفَ إذا كانَ عائِقًا عَنِ المَوْلى؟! فَكَيْفَ إذا كانَ مُغْضِبًا لَهُ؛ حاجِبًا عَنْهُ؟!
يس 36:61
ولَمّا بَكَّتَهم بِالتَّذْكِيرِ بِما ارْتَكَبُوا؛ مَعَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العَدُوِّ؛ تَقْدِيمًا لِدَرْءِ المَفاسِدِ؛ وبَّخَهم بِالتَّذْكِيرِ بِما ضَيَّعُوا؛ مَعَ أخْذِ العُهُودِ؛ مِن واجِبِ الأمْرِ بِعِبادَةِ الوَلِيِّ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”ألّا“ -: ﴿وأنِ اعْبُدُونِي﴾؛ ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - بِالأمْرِ بِعِبادَتِهِ؛ عَرَّفَ بِحُسْنِها؛ حَثًّا عَلى لُزُومِها قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ قائِلًا: ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرُ بِعِبادَتِي؛ ﴿صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾؛ أيْ: بَلِيغُ القَوْمِ؛ وعِبادَةُ الشَّيْطانِ صِراطٌ ضَيِّقٌ؛ مُعْوَجٌّ؛ غايَةَ الضِّيقِ والعِوَجِ.
يس 36:62
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فاتَّبَعْتُمُوهُ؛ وسَلَكْتُمْ سَبِيلَهُ؛ مَعَ اعْوِجاجِهِ؛ وتَرَكْتُمْ سَبِيلِي؛ مَعَ ظُهُورِ اسْتِقامَتِهِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ أضَلَّ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ السَّوِيِّ؛ بِما سَلَّطْتُهُ بِهِ مِنَ الوَسْوَسَةِ؛ وأكَّدَهُ (p-١٥٤)إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ أنْ يُصَدَّقَ بِهِ؛ لِما يَبْعُدُ ارْتِكابُهُ في العادَةِ؛ مِنَ اتِّضاحِ أمْرِهِ؛ وظُهُورِ فَسادِهِ؛ وضُرِّهِ؛ ولَمّا كانَ الآدَمِيُّ شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ؛ عالِيَ الهِمَّةِ؛ إذا أرادَ؛ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿جِبِلا﴾؛ أيْ: أُمَمًا كِبارًا؛ عِظامًا؛ كانُوا كالجِبالِ في قُوَّةِ العَزائِمِ؛ وصُعُوبَةِ الِانْقِيادِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَكانَ يَتَلَعَّبُ بِهِمْ تَلَعُّبًا؛ فَسُبْحانَ مَن أقْدَرَهُ عَلى ذَلِكَ؛ وإلّا فَهو أضْعَفُ كَيْدًا؛ وأحْقَرُ أمْرًا؛ قالَ في القامُوسِ: ”الجُبْلُ“؛ بِالضَّمِّ: الشَّجَرُ اليابِسُ؛ والجَماعَةُ مِنّا؛ كَـ ”الجُبُلُ“، كَـ ”عُنُقٌ“ و”عِدْلٌ“؛ و”عُتُلٌّ“ و”طِمِرٌّ“؛ و”طِمِرَّةٌ“؛ وأمِيرٌ”؛ ثُمَّ قالَ: وبِالكَسْرِ؛ وبِالضَّمِّ؛ وكَـ“طِمِرَّةٌ”: الأُمَّةُ؛ والجَماعَةُ؛ ثُمَّ قالَ: و“الجُبْلَةُ”؛ مُثَلَّثَةً؛ ومُحَرَّكَةً؛ وكَـ“طِمِرَّةٌ": الخِلْقَةُ؛ والطَّبِيعَةُ؛ ودَلَّتْ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو؛ وابْنِ عامِرٍ؛ بِضَمِّ الجِيمِ؛ وإسْكانِ الباءِ؛ وتَخْفِيفِ اللّامِ؛ عَلى الَّذِينَ هم في أوَّلِ مَراتِبِ الشِّدَّةِ؛ والقُوَّةِ؛ وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ ورُوَيْسٍ؛ عَنْ يَعْقُوبَ؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ وتَخْفِيفٍ؛ عَلى ما فَوْقَ ذَلِكَ؛ مِمّا يُقَرِّبُ مِنَ الوَسَطِ؛ مَعَ الظُّهُورِ؛ والعُلُوِّ؛ لِلضَّمِّ؛ مِنَ القُوَّةِ؛ وقِراءَةُ رَوْحٍ كَذَلِكَ؛ مَعَ (p-١٥٥)تَشْدِيدٍ؛ عَلى ما فَوْقَ الوَسَطِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ الحَرَكاتُ؛ والتَّشْدِيدُ؛ ولَكِنَّهُ مَعَ خَفاءٍ؛ وكَأنَّهُ بِالمَكْرِ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ كَوْنُ الحَرَكَتَيْنِ بِالكَسْرِ؛ وعَظَّمَ - سُبْحانَهُ - الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرًا﴾؛ ثُمَّ زادَ في التَّوْبِيخِ؛ والإنْكارِ؛ بِما أنْتَجَهُ المَقامُ؛ وسَبَّبَهُ إضْلالُهُ لَهُمْ؛ مَعَ ما أُوتُوا مِنَ العُقُولِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ﴾؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ آتاهم عُقُولًا؛ وأيَّ عُقُولٍ! عَبَّرَ بِالكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لِتَدُلَّكم عَلى ما فِيهِ النَّجاةُ عُقُولُكُمْ؛ بِما نَصَبْتُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ومَعَ ما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ؛ وحَذَّرَتْ مِنهُ مِن إهْلاكِ الماضِينَ؛ بِسَبَبِ اتِّباعِ الشَّياطِينِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ أمْرٍ واضِحٍ مُبِينٍ.
يس 36:63
ولَمّا أنْكَرُ عَلَيْهِمْ أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَ مَن لا عَقْلَ لَهُ؛ قالَ - مُتَمِّمًا لِلْخِزْيِ -: ﴿هَذِهِ﴾؛ إشارَةً لِحاضِرِ إمّا حالِ الوُقُوفِ عَلى شَفِيرِها؛ أوِ الدَّعِّ فِيها؛ ﴿جَهَنَّمُ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَسْتَقْبِلُكم بِالعَبُوسَةِ؛ والتَّجَهُّمِ؛ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ بِعِبادِي الصّالِحِينَ؛ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: كَوْنًا هَيَّأْتُكم بِهِ لِقَبُولِ ما يُمْكِنُ كَوْنُهُ؛ بِما غَرَزْتُهُ فِيكم مِنَ العُقُولِ؛ ولَمّا كانَ المَحْذُورُ الإيعادَ بِها؛ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ - بانِيًا لِلْمَفْعُولِ -: ﴿تُوعَدُونَ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَرْجِعُوا عَنْ غَيِّكُمْ؛
يس 36:64
﴿اصْلَوْها﴾؛ أيْ: قاسُوا حَرَّها؛ وتَوَقُّدَها؛ واضْطِرامَها؛ (p-١٥٦)وهَوْلَ أمْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ بِإعادَةِ ذِكْرِهِ؛ عَلى حَدِّ ما مَضى؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ﴾؛ لِتَكُونُوا في شُغُلٍ شاغِلٍ؛ كَما كانَ أصْحابُ الجَنَّةِ؛ وشَتّانَ ما بَيْنَ الشُّغُلَيْنِ؛ ﴿بِما﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما.
ولَمّا كانُوا قَدْ تَجَلَّدُوا عَلى الطُّغْيانِ؛ تَجَلُّدَ مَن هو مَجْبُولٌ عَلَيْهِ؛ بَيَّنَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: تَسْتُرُونَ ما هو ظاهِرٌ جِدًّا بِعُقُولِكم مِن آياتِي؛ مُجَدِّدِينَ ذَلِكَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ.
يس 36:65
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يَحْكُمُ فِيهِمْ بِعِلْمِهِ؛ أوْ يُجْرِي الأمْرَ عَلى قاعِدَةِ الدُّنْيا في العَمَلِ بِالبَيِّنَةِ؛ بَيَّنَ أنَّهُ عَلى أظْهَرَ مِن قَواعِدِ الدُّنْيا؛ فَقالَ - مُهَوِّلًا لِلْيَوْمِ؛ عَلى النَّسَقِ الماضِي في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِأنَّهُ ألْيَقُ بِالتَّهْوِيلِ -: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِن عَجِيبِ القُدْرَةِ؛ المُتَشَعِّبَةِ مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى الغَيْبَةِ؛ إيذانًا بِالإعْراضِ؛ لِتَناهِي الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى أفْواهِهِمْ﴾؛ أيْ: لِاجْتِرائِهِمْ عَلى الكَذِبِ في الأُخْرى؛ كَما كانَ دَيْدَنُهم في الدُّنْيا؛ وكانَ الرَّوَغانُ والكَذِبُ والفَسادُ إنَّما يَكُونُ بِاللِّسانِ؛ المُعْرِبِ عَنِ القَلْبِ؛ وأمّا بَقِيَّةُ الجَوارِحِ؛ فَمَهْما خَرَقَ العادَةَ بِإقْدارِها عَلى الكَلامِ؛ لَمْ تَنْطِقْ إلّا بِالحَقِّ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا؛ إقْرارًا هو أعْظَمُ شَهادَةً؛ ﴿وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ (p-١٥٧)أيْ: عَلَيْهِمْ؛ بِكَلامٍ بَيِّنٍ؛ هو مَعَ كَوْنِهِ شَهادَةَ إقْرارٍ؛ ﴿بِما كانُوا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿يَكْسِبُونَ﴾؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: أثْبَتَ الكَلامَ لِلْأيْدِي أوَّلًا؛ لِأنَّها كانَتْ مُباشِرَةً؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ مِن حَيِّزِ الأرْجُلِ ثانِيًا؛ وأثْبَتَ الشَّهادَةَ لِلْأرْجُلِ ثانِيًا؛ لِأنَّها كانَتْ حاضِرَةً؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِها مِن حَيِّزِ الأيْدِي أوَّلًا؛ وبِقَرِينَةِ أنَّ قَوْلَ المُباشِرِ إقْرارٌ؛ وقَوْلَ الحاضِرِ شَهادَةٌ؛ رَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”يَقُولُ العَبْدُ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ قالَ: فَيَقُولُ: (بَلى)؛ فَيَقُولُ: فَإنِّي لا أُجِيزُ عَلى نَفْسِي إلّا شاهِدًا مِنِّي؛ فَيَقُولُ: (كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا؛ وبِالكِرامِ الكاتِبِينَ شُهُودًا)؛ فَيُخْتَمُ عَلى فِيهِ؛ ويُقالُ لِأرْكانِهِ: انْطِقِي؛ فَتَنْطِقُ بِأعْمالِهِ؛ ثُمَّ يُخَلّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَلامِ؛ فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ؛ وسُحْقًا؛ فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُناضِلُ“؛ والظّاهِرُ أنَّ السِّرَّ في الخَتْمِ عَلى فِيهِ مَنعُهُ مِن أنْ يَلْغَطَ حالَ شَهادَتِها عَلَيْهِ؛ لِئَلّا يُسْمَعَ قَوْلُها؛ كَما هو دَأْبُ أهْلِ العِنادِ عِنْدَ الخِصامِ.
يس 36:66
ولَمّا أتَمَّ بِضَرْبِ المَثَلِ؛ وما بَعْدَهُ؛ الدَّلالَةَ عَلى مَضْمُونِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس: ١١] وما عَلَّلَتْ بِهِ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما تَرَكَهُ كالشَّمْسِ؛ لَيْسَ فِيهِ لَبْسٌ؛ وزادَ مِن بُحُورِ الفَوائِدِ؛ وجَمِيلِ العَوائِدِ؛ ما مَلَأ الأكْوانَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ؛ وذَكَرَ ما في فَرِيقَيِ (p-١٥٨)المُتَّبِعِينَ؛ والمُمْتَنِعِينَ؛ يَوْمَ البَعْثِ؛ وخَتَمَ بِالحَتْمِ عَلى الأفْواهِ بَعْدَ البَعْثِ؛ أتْبَعَهُ آيَةَ الخَتْمِ بِالطَّمْسِ؛ والمَسْخِ؛ قَبْلَ المَوْتِ؛ تَهْدِيدًا؛ عَطْفًا عَلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المَعْنى؛ مِمّا قِيلَ أوَّلَ ذَلِكَ الخِطابِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾ [يس: ٨] الآيَةَ؛ دَفْعًا لِما رُبَّما وقَعَ في وهْمِ أحَدٍ أنَّ القُدْرَةَ لا تَتَوَجَّهُ إلى غَيْرِ الطَّمْسِ في المَعانِي؛ بِضَرْبِ السَّدِّ؛ وما في مَعْناهُ؛ فَأخْبَرَ أنَّهُ كَما أعْمى البَصائِرَ؛ قادِرٌ عَلى إذْهابِ الأبْصارِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ؛ أوِ الأفْعالِ الَّتِي هي فِعْلُ المُنْكِرِ -: ﴿ولَوْ﴾؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نَشاءُ﴾؛ لِيُتَوَقَّعَ في كُلِّ حِينٍ؛ فَيَكُونَ أبْلَغَ في التَّهْدِيدِ؛ ﴿لَطَمَسْنا﴾؛ وقَصَرَ الفِعْلَ؛ إشارَةً إلى أنَّ المَعْنى: لَوْ نُرِيدُ لَأوْقَعْنا الطَّمْسَ الَّذِي جَعَلْناهُ عَلى بَصائِرِهِمْ؛ ﴿عَلى أعْيُنِهِمْ﴾؛ فَأذْهَبْنا عَيْنَها وأثَرَها؛ وجَعَلْناها مُساوِيَةً لِلْوَجْهِ؛ بِحَيْثُ تَصِيرُ كَأنَّها لَمْ تَكُنْ أصْلًا؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في ”النِّساءِ“؛ نَقْلُ مَعْنى هَذا عَنِ ابْنِ هِشامٍ.
ولَمّا كانَ الجالِسُ مَعَ شَخْصٍ في مَجْلِسِ التَّنازُعِ؛ وهو يُهَدِّدُهُ إنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ غَيِّهِ؛ بِقارِعَةٍ يُصِيبُهُ بِها؛ يُبادِرُ الهَرَبَ إذا فاجَأتْهُ مِنهُ مُصِيبَةٌ كَبِيرَةٌ؛ خَوْفًا مِن غَيْرِها؛ جَرْيًا مَعَ الطَّبْعِ؛ لِما نالَهُ مِنَ الدَّهَشِ؛ ومَسَّهُ مِن (p-١٥٩)عَظِيمِ الِانْزِعاجِ؛ والوَجَلِ؛ كَما اتَّفَقَ لِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا مَسَحَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْيُنَهُمْ؛ فَأغْشاها؛ حِينَ بادَرُوا البابَ هَرَبًا؛ يَقُولُونَ: عِنْدَ لُوطٍ أسْحَرُ النّاسِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَبَقُوا﴾؛ أيْ: كَلَّفُوا أنْفُسَهم ذَلِكَ؛ وأوْجَدُوهُ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بَيانَ إسْراعِهِمْ في الهَرَبِ؛ عَدّى الفِعْلَ؛ مُضَمِّنًا لَهُ مَعْنى ”ابْتَدَرُوا“؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ [البقرة: ١٤٨] فَقالَ: ﴿الصِّراطَ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقَ الواضِحَ؛ الَّذِي ألِفُوهُ؛ واعْتادُوهُ؛ ولَهم بِهِ غايَةُ المَعْرِفَةِ؛ ولَمّا كانَ الأعْمى لا يُمْكِنُهُ في مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ المَشْيُ بِلا قائِدٍ؛ فَضْلًا عَنِ المُسابَقَةِ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ - مُنْكِرًا -: ﴿فَأنّى﴾؛ أيْ: كَيْفَ؟ ومِن أيْنَ ﴿يُبْصِرُونَ﴾ ؟ أيْ: فَلَمْ يَهْتَدُوا لِلصِّراطِ؛ لِعَدَمِ إبْصارِهِمْ؛ بَلْ تَصادَمُوا؛ فَتَساقَطُوا في المَهالِكِ؛ وتَهافَتُوا.
يس 36:67
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ مَعَ القُدْرَةِ عَلى الحَرَكَةِ؛ قالَ: ﴿ولَوْ نَشاءُ﴾؛ أيْ: أنْ نَمْسَخَهُمْ؛ ﴿لَمَسَخْناهُمْ﴾؛ أيْ: حَوَّلْناهم إلى الجَمادِيَّةِ؛ فَأبْطَلْنا مِنهُمُ الحَرَكَةَ الإرادِيَّةَ؛ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ المُفاجَأةَ بِهَذِهِ المَصائِبِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ قالَ: ﴿عَلى مَكانَتِهِمْ﴾؛ أيْ: المَكانِ الَّذِي كانَ قَبْلَ المَسْخِ؛ كُلَّ شَخْصٍ مِنهُ؛ شاغِلًا لَهُ بِجُلُوسٍ؛ أوْ قِيامٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ في ذَلِكَ المَوْضِعِ خاصَّةً؛ قَبْلَ أنْ يَتَحَرَّكَ مِنهُ؛ وهو مَعْنى قِراءَةِ شُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ: ”مَكاناتِهِمْ“؛ ودَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ التَّحْوِيلُ إلى أحْوالِ الجَمادِيَّةِ؛ بِما سُبِّبَ عَنْ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَطاعُوا﴾؛ أيْ: بِأنْفُسِهِمْ؛ (p-١٦٠)بِنَوْعِ مُعالَجَةٍ؛ ﴿مُضِيًّا﴾؛ أيْ: حَرَكَةً؛ إلى جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَرْجِعُونَ﴾؛ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ رُجُوعٌ إلى حالَتِهِمُ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ المَسْخِ؛ دَلالَةً عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمُورَ حَقٌّ؛ لا كَما يَقُولُونَ مِن أنَّها خَيالٌ؛ وسِحْرٌ؛ بَلْ ثَباتُها لا يُمْكِنُ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ رَفْعُهُ؛ ولا تَغْيِيرُهُ بِنَوْعِ تَغْيِيرِ هَذا المُرادِ؛ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ ولَوْ قِيلَ: ”ولا رُجُوعًا“ - كَما قالَ بَعْضُهم إنَّهُ المُرادُ -؛ لَمْ يُفِدْ هَذا المَعْنى النَّفِيسَ.
يس 36:68
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ أُمُورًا فَرْضِيَّةً؛ يَتَأتّى لِبَعْضِ المُعانِدِينَ اللُّدِّ الطَّعْنُ فِيها مُكابَرَةً؛ وكانَ كَوْنُهُ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ مانِعًا مِنَ المُفاجَأةِ بِالتَّعْذِيبِ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ بِها؛ دَلَّ عَلَيْها بِما يُشاهِدُونَهُ مِن باهِرِ قُدْرَتِهِ؛ وغَرِيبِ حِكْمَتِهِ في صَنْعَتِهِ؛ فَقالَ - دالًّا بِالعاطِفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ عَلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ”فَقَدْ خَلَقْناهم نُطَفًا؛ ثُمَّ عَلَقًا؛ ثُمَّ مُضَغًا؛ ثُمَّ أوْلَدْناهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا؛ ولا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ؛ ثُمَّ دَرَّجْناهم في أطْوارِ الأسْنانِ؛ مُعْلِينَ لَهم في مَعارِجِ القُوى الظّاهِرَةِ؛ والباطِنَةِ؛ إلى أنْ صارُوا إلى حَدِّ الأشَدِّ - وهو اسْتِكْمالُ القُوى البَشَرِيَّةِ -؛ فَأوْقَفْنا قُواهُمُ الظّاهِرَةَ؛ والباطِنَةَ؛ فَلَمْ نُجْرِ العادَةَ بِأنْ نُحْدِثَ فِيهِمْ إذْ ذاكَ قُوَّةً لَمْ تَكُنْ أيّامَ (p-١٦١)الشَّبابِ“ -: ﴿ومَن نُعَمِّرْهُ﴾؛ أيْ: نُطِلْ عُمُرَهُ؛ إطالَةً كَبِيرَةً مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ؛ ﴿نُنَكِّسْهُ﴾؛ وقِراءَةُ عاصِمٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِضَمِّ أوَّلِهِ؛ وفَتْحِ ثانِيهِ؛ وكَسْرِ الكافِ مُشَدَّدَةً؛ دالَّةٌ عَلى تَفاوُتِ النّاسِ في النَّكْسِ؛ ولَمْ يَقُلْ ”فِي خَلْقِهِ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ المُرادَ أنَّ المُعَمَّرَ لَهُ خَلْقٌ أنْشَأهُ وأبْدَعَهُ؛ ﴿فِي الخَلْقِ﴾؛ أيْ: فِيما أبْدَعْناهُ مِن تَقْدِيرِ بَدَنِهِ؛ ورُوحِهِ؛ أيْ نَرُدَّهُ عَلى عَقِبِهِ؛ نازِلًا في المَدارِجِ الَّتِي أصْعَدْناهُ فِيها؛ إلى أنْ تَضْمَحِلَّ قُواهُ الحِسِّيَّةُ؛ فَيَكُونَ كالطِّفْلِ؛ فَلا يَقْدِرَ عَلى شَيْءٍ؛ والمَعْنَوِيَّةُ؛ فَلا يَعْلَمَ شَيْئًا؛ ومَن قَدَرَ عَلى مِثْلِ هَذا التَّحْوِيلِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى لَمْ تَكُنْ؛ طَرْدًا وعَكْسًا؛ قَدَرَ عَلى مِثْلِ ما مَضى مِنَ التَّحْوِيلِ؛ بِلا فارِقٍ؛ غَيْرَ أنَّهم لِكَثْرَةِ إلْفِهِمْ لِذَلِكَ صَيَّرَهُ عِنْدَهم هَيِّنًا؛ ولِقِلَّةِ وُجُودِ الأوَّلِ صَيَّرَهُ عِنْدَهم بَعِيدًا؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنِ الكَلامِ قَوْلَهُ - عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ ولَفْتًا إلى الخِطابِ عِنْدَ المَدَنِيِّينَ؛ ويَعْقُوبَ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الِاسْتِعْطافِ؛ وإعْلامًا بِأنَّ الوَعْظَ عامٌّ لِكُلِّ صالِحٍ لِلْخِطابِ -: ﴿أفَلا يَعْقِلُونَ﴾؛ وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ: قَيَّدَ بِالخَلْقِ احْتِرازًا عَنِ الأمْرِ؛ فَإنَّ المُؤْتَمِرَ كُلَّما زادَ سِنًّا ازْدادَ لِرَبِّهِ طاعَةً؛ وبِهِ عِلْمًا؛ يَعْنِي أنَّ النَّكْسَ في البَدَنِ أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ؛ وأمّا في المَعارِفِ فَتارَةً؛ وتارَةً.
يس 36:69
ولَمّا أتَمَّ - سُبْحانَهُ - الدَّلِيلَ عَلى آيَةِ ﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾ [يس: ٧] (p-١٦٢)بِأنَّ التَّكْذِيبَ بِالأصْلَيْنِ؛ التَّوْحِيدِ؛ والحَشْرِ؛ وبَيَّنَهُما غايَةَ البَيانِ؛ رَجَعَ إلى تَثْبِيتِ الأصْلِ الثّالِثِ؛ وهو أمْرُ الرَّسُولِ؛ والتَّنْزِيلِ؛ ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أجْرى العادَةَ في النَّوْعِ الآدَمِيِّ أنَّ مَنِ اسْتَوْفى سِنَّ الصِّبا؛ والشَّبابِ؛ اثْنَيْنِ وأرْبَعِينَ سَنَةً؛ حُسِمَتْ غَرائِزُهُ؛ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ غَرِيزَةٌ؛ ووَقَفَتْ قُواهُ كُلُّها؛ فَلَمْ يَزِدْ فِيها شَيْءٌ؛ أمّا المَعانِي الحِسِّيَّةُ فَمُطْلَقًا؛ وأمّا المَعْنَوِيَّةُ فَلا تَزِيدُ إلّا بِالتَّجْرِبَةِ والكَسْبِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا:
؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ
وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ غَرائِزُ العُلُومِ؛ والحِكَمِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُجْرِيهِ اللَّهُ عَلى أيْدِيهِمْ؛ ولا يَنْقُصُ شَيْءٌ مِن قُواهُمْ؛ بَلْ تُزادُ؛ كَما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَمْشِي غَيْرَ مُكْتَرِثٍ؛ وأنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَيُجْهِدُونِ أنْفُسَهُمْ؛ فَيَكُونُ جُهْدُهم أنْ يُدْرِكُوا مِشْيَةَ الهُوَيْنا؛ وأنَّهُ صارَعَ رُكانَةَ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ بِقُوَّتِهِ المَثَلُ؛ وكانَ واثِقًا مِن نَفْسِهِ بِأنَّهُ يَصْرَعُ مَن صارَعَهُ؛ فَلَمْ يَمْلِكْهُ النَّبِيُّ ﷺ نَفْسَهُ؛ وعادَ إلى ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ كُلُّ ذَلِكَ لا يَسْتَمْسِكُ في يَدِهِ؛ حَتّى شَرَعَ يَقُولُ: إنَّ هَذا لَعَجَبٌ يا مُحَمَّدُ؛ أتَصْرَعُنِي؟ وحَتّى إنَّهُ دارَ عَلى نِسائِهِ - وهُنَّ تِسْعٌ - كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ؛ تِسْعَ مَرّاتٍ في طَلْقٍ (p-١٦٣)واحِدٍ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُحْكى مِن قُواهُ الَّتِي فاقَ بِها النّاسَ؛ ولَمْ يُحْكَ عَنْ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ؛ مِمَّنْ عاشَ مِنهم ألْفًا؛ ومَن عاشَ دُونَ ذَلِكَ؛ أنَّهُ نَقَصَ شَيْءٌ مِن قُواهُ؛ بَلْ قَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّ مَلَكَ المَوْتِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُرْسِلَ إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَقْبِضَ رُوحَهُ؛ فَلَمّا جاءَهُ صَكَّهُ؛ فَفَقَأ عَيْنَهُ؛ فَقالَ لِرَبِّهِ: ”أرْسَلْتَنِي إلى عَبْدٍ لا يُرِيدُ المَوْتَ“؛ قالَ: (ارْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ يَضَعْ يَدَهُ عَلى مَتْنِ ثَوْرٍ؛ فَلَهُ بِما غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ)؛ قالَ: ”أيْ رَبِّ؛ ثُمَّ ماذا؟“ قالَ: (المَوْتُ)؛ قالَ: ”فالآنَ“؛» وفي آخِرِ التَّوْراةِ: (وقَضى عَبْدُ اللَّهِ مُوسى بِأرْضِ مُوآبَ بِأمْرِ الرَّبِّ؛ فَدُفِنَ حِذاءَ بَيْتِ فاغُورا؛ ولَمْ يَعْرِفْ أحَدٌ أيْنَ قَضى إلى يَوْمِنا هَذا؛ وكانَ مُوسى يَوْمَ قَضى ابْنَ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ لَمْ يَضْعُفْ بَصَرُهُ؛ ولَمْ يَشِخْ جِدًّا).
لَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ وكانَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - قَدْ جَعَلَ إرْسالَهم في سِنِيِّ الوُقُوفِ في الغَرائِزِ؛ والضَّعْفِ في القُوى؛ خَرْقًا لِلْعادَةِ؛ إكْرامًا لَهُمْ؛ وتَنْبِيهًا لِلنّاسِ عَلى صِدْقِهِمْ؛ عُلِمَ مِنَ العَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ ومِنَ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِ ﷺ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرٍ لَهُ؛ أنَّ التَّقْدِيرَ: ”لَكِنَّ نَبِيَّنا ﷺ عَمَّرْناهُ؛ وما (p-١٦٤)نَكَّسْناهُ؛ بَلْ مَنَحْناهُ غَرائِزَ مِنَ الفَضائِلِ؛ عَجَزَ عَنْها الأوَّلُونَ؛ والآخِرُونَ؛ فَأتى بِقُرْآنٍ أعْجَزَ الإنْسَ؛ والجِنَّ؛ وعُلُومٍ؛ وبَرَكاتٍ فاتَتِ القُوى“؛ ومَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ الَّذِي أتى بِهِ لَيْسَ بِشِعْرٍ؛ خِلافًا لِما رَمَوْهُ بِهِ بَغْيًا؛ وعُدْوانًا؛ وكَذِبًا عَلى جَنابِهِ؛ وافْتِراءً وتَجاوُزًا في البُهْتِ؛ وطُغْيانًا؛ لِأنَّهُ قَدْ مَضى عَلَيْهِ سِنُّ الصِّبا والشَّبابِ جَمِيعًا؛ ولَمْ يَقُلْ بَيْتَ شِعْرٍ؛ مَعَ ما يَرى لَكم ولِأمْثالِكم فِيهِ مِنَ المُفاخَرَةِ؛ وبِهِ مِنَ المُكاثَرَةِ؛ وقَدْ وصَلَ إلى سَنِّ الوُقُوفِ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّهُ لا يَحْدُثُ لِلْإنْسانِ فِيهِ غَرِيزَةٌ لَمْ تَكُنْ أيّامَ شَبابِهِ؛ لا شِعْرِيَّةٌ ولا غَيْرُها: ﴿وما عَلَّمْناهُ﴾؛ أيْ: نَحْنُ؛ ﴿الشِّعْرَ﴾؛ فِيما عَلَّمْناهُ؛ وهو أنْ يَتَكَلَّفَ التَّقَيُّدَ بِوَزْنٍ مَعْلُومٍ؛ ورَوِيٍّ مَقْصُودٍ؛ وقافِيَةٍ يَلْتَزِمُها؛ ويُدِيرَ المَعانِيَ عَلَيْها؛ ويَجْتَلِبَ الألْفاظَ تَكَلُّفًا إلَيْها؛ كَما كانَ زُهَيْرٌ في قَصائِدِهِ الحَوْلِيّاتِ؛ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ التَّكَلُّفاتِ: ﴿وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] لِأنَّ ذَلِكَ - وإنْ كُنْتُمْ أنْتُمْ تَعُدُّونَهُ فَخْرًا - لا يَلِيقُ بِجَنابِنا؛ لِأنَّهُ لا يَفْرَحُ بِهِ إلّا مَن يُرِيدُ تَرْوِيجَ كَلامِهِ؛ وتَحْلِيَتَهُ؛ بِصَوْغِهِ عَلى وزْنٍ مَعْرُوفٍ؛ مَقْصُودٍ؛ وقافِيَةٍ مُلْتَزَمَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِأحْسَنَ مِنهُ؛ بِما لا يُقايَسُ مِن غَيْرِ التِزامِ وزْنٍ ولا قافِيَةٍ؛ عَلى أنَّ فِيهِ نَقِيصَةً أُخْرى؛ وهي أعْظَمُ ما يُوجِبُ النَّفْرَةَ مِنهُ؛ وهي أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوهِيَ التِزامُهُ بَعْضَ المَعانِي؛ ولَمّا لَمْ نُعَلِّمْهُ (p-١٦٥)هَذِهِ الدَّناءَةَ؛ طَبَّعْناهُ عَلى جَمِيعِ فُنُونِ البَلاغَةِ؛ ومَكَّناهُ مِن سائِرِ وُجُوهِ الفَصاحَةِ؛ ثُمَّ أسْكَنّا قَلْبَهُ يَنابِيعَ الحِكْمَةِ؛ ودَرَّبْناهُ عَلى إلْقاءِ المَعانِي الجَلِيلَةِ؛ وإنْ دَقَّتْ في الألْفاظِ الجَزْلَةِ؛ العَذْبَةِ؛ السَّهْلَةِ؛ مَوْزُونَةً كانَتْ؛ أوْ لا؛ وذَلِكَ بِما ألْهَمْناهُ إيّاهُ؛ ثُمَّ بِما ألْقاهُ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِمّا أمَرْنا لَهُ بِهِ مِن جَوامِعِ الكَلِمِ؛ والكَلامِ؛ فَلا تَكَلُّفَ عِنْدَهُ أصْلًا؛ ما خُيِّرَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ إلّا اخْتارَ أيْسَرَهُما؛ ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا؛ أوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ؛ وهَذا البَيْتُ الَّذِي أوْرَدْتُهُ عَزاهُ في الحَماسَةِ؛ في أوائِلِ بابِ الأدَبِ؛ إلى رَجُلٍ مِن بَنِي قُرَيْعٍ لَمْ يُسَمِّهِ؛ وقَبْلَهُ:
؎مَتى ما يَرى النّاسُ الغَنِيَّ وجارُهُ ∗∗∗ فَقِيرٌ يَقُولُوا عاجِزٌ وجَلِيدُ
؎ولَيْسَ الغِنى والفَقْرُ مِن حِيلَةِ الفَتى ∗∗∗ ولَكِنْ أحاظٌ قُسِّمَتْ وجُدُودُ
؎إذا المَرْءُ أعْيَتْهُ المُرُوءَةُ ناشِئًا ∗∗∗ فَمَطْلَبُها كَهْلًا عَلَيْهِ شَدِيدُ
؎وكائِنْ رَأيْنا مِن غَنِيٍّ مُذَمَّمٍ ∗∗∗ وصُعْلُوكِ قَوْمٍ ماتَ وهْوَ حَمِيدُ
والمَعْنى أنَّ كَثْرَةَ المالِ وقِلَّتَهُ لَيْسَتْ مِن غَرِيزَةٍ مِنَ الغَرائِزِ؛ وإنَّما هي أمْرٌ رَبّانِيٌّ؛ لا مُدْخَلَ لِلْغَرائِزِ - مِن جَلادَةٍ؛ ولا غَيْرِها - فِيهِ؛ بِدَلِيلِ أنّا كَثِيرًا ما رَأيْنا مَن فاتَهُ الغِنى شابًّا جَلْدًا؛ ونالَهُ شَيْخًا ضَعِيفًا؛ وما رَأيْنا (p-١٦٦)مَن أخْطَأتْهُ المُرُوءَةُ شابًّا نالَها شَيْخًا؛ وبِدَلِيلِ أنَّهُ كَمْ مِن غَنِيٍّ كانَتْ غَرائِزُهُ ذَمِيمَةً؛ وكَمْ مِن فَقِيرٍ كانَتْ خَلائِقُهُ مَحْمُودَةً؛ والمُرُوءَةُ هي الإنْسانِيَّةُ؛ وهي كُلُّ أمْرٍ هَنِيءٍ حَمِيدٍ المَغَبَّةِ؛ جَمِيلُ العاقِبَةِ؛ وهَذا هو السِّيادَةُ؛ يَعْنِي أنَّ مَن كانَتِ المُرُوءَةُ في غَرِيزَتِهِ حَمَلَهُ طَبْعُهُ عَلى تَعاطِيها في شَبابِهِ؛ غَنِيًّا كانَ أوْ فَقِيرًا؛ ومَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلى تَكَلُّفِها في سِنِّ الِاكْتِهالِ؛ فَلِلَّهِ دَرُّهُمْ! ما كانَ أحْكَمَهم وأدْراهم بِالدَّقائِقِ؛ وأعْلَمَهُمْ! ولِذَلِكَ جُعِلَ هَذا النَّبِيُّ الأُمِّيُّ مِنهُمْ؛ فَمَلَأتْ مَعارِفُهُ الأكْوانَ؛ وسَمَتْ في رُتَبِ المَعانِي صاعِدَةً؛ فَأيْنَ مِنها كِيوانُ؟!
ولَمّا كانَ الشِّعْرُ - مَعَ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ الَّذِي هو بَعِيدٌ جِدًّا عَنْ سَجايا الأنْبِياءِ؛ فَكَيْفَ بِأشْرَفِهِمْ؟! - مِمّا يُكْتَسَبُ بِهِ؛ مَدْحًا؛ وهَجْوًا؛ فَيَكُونُ أكْثَرُهُ كَذِبًا - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن مَعايِبِهِ؛ قالَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -: ﴿وما يَنْبَغِي لَهُ﴾؛ أيْ: وما يَصِحُّ؛ ولا يُتَطَلَّبُ؛ ولا يَتَأتّى أصْلًا؛ لِأنَّ مَنصِبَهُ أجَلُّ؛ وهِمَّتَهُ أعْلى مِن أنْ يَكُونَ مَدّاحًا؛ أوْ عَيّابًا؛ أوْ أنْ يَتَقَيَّدَ بِما قَدْ يَجُرُّ إلى نَقِيصَةٍ في المَعْنى؛ وجِبِلَّتُهُ مُنافِيَةٌ لِذَلِكَ غايَةَ المُنافاةِ. (p-١٦٧)ولَمّا تَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وتَضَمَّنَتْ أنَّ الشِّعْرَ - وهو تَعَمُّدُ صَوْغِ الكَلامِ عَلى وزْنٍ مَعْلُومٍ؛ وقافِيَةٍ مُلْتَزَمَةٍ - نَقِيصَةً؛ لِما ذُكِرَ؛ ولِما يَلْزَمُهُ التَّقَيُّدُ بِالوَزْنِ؛ والرَّوِيِّ؛ والقافِيَةِ؛ مِنَ التَّقْدِيمِ؛ والتَّأْخِيرِ؛ والتَّحْوِيمِ عَلى المَعانِي؛ مِن غَيْرِ إفْصاحٍ ولا تَبْيِينٍ؛ فَيَصِيرُ عَسِرَ الفَهْمِ؛ مُسْتَعْصِيَ البَيانِ؛ ونَفى عَنْهُ ﷺ تِلْكَ النَّقِيصَةِ؛ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ تَنْزِيهَ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَنْها - كَما أشارَتْ إلَيْهِ نُونُ العَظَمَةِ في ”عَلَّمْنا“ - أثْبَتَ لَهُ ما يَنْبَغِي لَهُ؛ فَقالَ - كالتَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ -: ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي أتاكم بِهِ؛ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾؛ أيْ: شَرَفٌ؛ ومَوْعِظَةٌ؛ ﴿وقُرْآنٌ﴾؛ أيْ: جامِعٌ لِلْحِكَمِ كُلِّها؛ دُنْيا؛ وأُخْرى؛ يُتْلى في المَحارِيبِ؛ ويُكَرَّرُ في المُتَعَبَّداتِ؛ ويُنالُ بِتِلاوَتِهِ والعَمَلِ بِهِ فَوْزُ الدّارَيْنِ؛ مَعَ الفَصْلِ بَيْنَ المُلْبِساتِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرٌ في ذَلِكَ؛ مُظْهِرٌ لِكُلِّ ما فِيهِ لِمَن يَرُومُهُ حَقَّ رَوْمِهِ؛ ويَسُومُهُ بِأغْلى سَوْمِهِ؛ بَعْدَ أنْ يَشْتَرِكَ في مُطْلَقِ فَهْمِهِ؛ ومُجَرَّدِ اللَّذَّةِ بِهِ؛ الذَّكِيُّ؛ والغَبِيُّ؛ والحَدِيدُ؛ والبَلِيدُ؛ ولَيْسَ هو بِشِعْرٍ مُتَكَلَّفٍ؛ يَتَقَدَّمُ فِيهِ - بِحُكْمِ التِزامِ الوَزْنِ؛ والرَّوِيِّ؛ والقافِيَةِ - الشَّيْءُ عَنْ حاقِّ مَوْضِعِهِ تارَةً؛ ويَتَأخَّرُ أُخْرى؛ ويُبَدَّلُ بِما لا يُساوِيهِ؛ فَتَنْقُصُ مَعانِيهِ؛ وتَتَعَقَّدُ؛ فَتُشْكِلُ؛ فَلا يَفْهَمُهُ إلّا ذاكَ؛ وذاكَ؛ (p-١٦٨)مَعَ أنَّهُ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ فَيا بُعْدَ ما بَيْنَهُما! ويَبِينُ هَذا المَعْنى غايَةَ البَيانِ آخِرَ ”ص“: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ وما أنا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦] ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [ص: ٨٧]؛ أيْ: كُلِّهِمْ؛ ذَكِيِّهِمْ؛ وغَبِيِّهِمْ؛ بِخِلافِ الشِّعْرِ؛ فَإنَّهُ مَعَ نُزُولِهِ عَنْ بَلاغَتِهِ جِدًّا إنَّما هو ذِكْرٌ لِلْأذْكِياءِ جِدًّا.
يس 36:70
ولَمّا ذَكَرَ أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ فِيما آتاهُ مِن غَرائِزِ الشَّرَفِ في سَنِّ النَّكْسِ لِغَيْرِهِ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿لِيُنْذِرَ﴾؛ أيْ: الرَّسُولُ ﷺ؛ بِدَلِيلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ ويُؤَيِّدُهُ لَفْتُ الكَلامِ في قِراءَةِنافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ ويَعْقُوبَ؛ بِالخِطابِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُهُ حَقَّ فَهْمِهِ غَيْرُهُ ﷺ.
ولَمّا كانَ هَذا القُرْآنُ مُبِينًا؛ وكانَ الرَّسُولُ ﷺ مُتَخَلِّقًا بِهِ؛ فَهو مَظْهَرُهُ؛ وصُورَةُ سُورَتِهِ؛ فَكانَ حالُهُ مُقْتَضِيًا لِئَلّا يَتَخَلَّفَ عَنِ الإيمانِ حَيٌّ؛ قالَ - مُظْهِرًا لِما كانَ حَقُّهُ في بادِي الرَّأْيِ الإضْمارَ؛ إفادَةً لِلتَّعْمِيمِ؛ مُبَيِّنًا لِأنَّ حُكْمَهُ - سُبْحانَهُ - مَنَعَ مِن ذَلِكَ؛ فانْقَسَمَ المُنْذَرُونَ إلى قِسْمَيْنِ -: ﴿مَن كانَ﴾؛ كَوْنًا مُتَمَكِّنًا؛ ﴿حَيًّا﴾؛ أيْ: حَياةً (p-١٦٩)كامِلَةً مَعْنَوِيَّةً؛ تَكُونُ سَبَبًا لِلْحَياةِ الدّائِمَةِ؛ فَإنَّهُ لا يَتَوَقَّفُ حِينَئِذٍ عَنِ الإيمانِ بِهِ؛ خَوْفًا مِمّا يُخَوِّفُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَتَوَجَّهُ إلَيْها رَيْبٌ بِوَجْهٍ؛ فَيُرْجى لَهُ الخَيْرُ؛ فَهو مُؤْمِنٌ في الحَقِيقَةِ؛ وإنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ في أوَّلِ أمْرِهِ خِلافُ ذَلِكَ؛ وأفْرَدَ الضَّمِيرَ هُنا عَلى اللَّفْظِ؛ إشارَةً إلى قِلَّةِ السُّعَداءِ؛ وجَمَعَ في الثّانِي عَلى المَعْنى؛ إعْلامًا بِكَثْرَةِ الأشْقِياءِ؛ ﴿ويَحِقَّ﴾؛ أيْ: يَجِبَ؛ ويَثْبُتَ؛ ﴿القَوْلُ﴾؛ أيْ: بِالعَذابِ؛ ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الكُفْرِ؛ فَإنَّهم أمْواتٌ في الحَقِيقَةِ؛ وإنْ رَأيْتَهم أحْياءً؛ فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ الإيمانَ أوَّلًا؛ لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن ضِدِّهِ ثانِيًا؛ وحَذَفَ المَوْتَ ثانِيًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن ضِدِّهِ أوَّلًا؛ فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّ أعْظَمَ مُنافاةِ القُرْآنِ لِلشِّعْرِ؛ وكَذا السَّجْعِ؛ مِن أجْلِ أنَّهُ جَدٌّ كُلُّهُ؛ فَمَحَطُّ أسالِيبِهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ المَعانِي؛ والألْفاظُ تابِعَةٌ؛ والشّاعِرُ؛ والسّاجِعُ مَحَطُّ نَظَرِهِما بِالقَصْدِ الأوَّلِ الرَّوِيُّ؛ والقافِيَةُ؛ والفاصِلَةُ؛ حَتّى إنَّ ذَلِكَ لَيُؤَدِّي إلى رِكَّةِ المَعْنى والكَلامِ بِغَيْرِ الواقِعِ؛ ولا بُدَّ؛ كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وحالُهُ مَعْرُوفٌ في البَلاغَةِ؛ والتَّفَنُّنِ في أسالِيبِ الكَلامِ؛ وصِدْقِ اللَّهْجَةِ؛ وحُسْنِ الإسْلامِ؛ في غَزْوَةِ الغابَةِ؛ وكانَ أمِيرُها سَعْدُ بْنُ زَيْدٍ الأشْهَلِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -:
؎أسِرَّ أوْلادَ اللَّقِيطَةِ أنَّنا ∗∗∗ سِلْمٌ غَداةَ فَوارِسِ المِقْدادِ
(p-١٧٠)فَغَضِبَ سَعْدٌ عَلى حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وحَلَفَ لا يُكَلِّمُهُ أبَدًا؛ وقالَ: انْطَلَقَ إلى خَيْلِي وفَوارِسِي فَجَعَلَها لِلْمِقْدادِ؛ فاعْتَذَرَ إلَيْهِ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ومَدَحَهُ بِأبْياتٍ؛ وقالَ: واللَّهِ ما أرَدْتُ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّ الرَّوِيَّ وافَقَ اسْمَ المِقْدادِ؛ لِأنَّ القَصِيدَةَ دالِيَةٌ؛ فالنَّبِيُّ ﷺ لا يَدُورُ في فِكْرِهِ أبَدًا قَصْدُ اللَّفْظِ؛ فَإنَّهُ مِن بابِ التَّرْوِيقِ؛ وهو ﷺ جَدٌّ كُلُّهُ؛ فَهو لا يَعْدِلُ عَنْهُ لِأنَّهُ مَوْزُونٌ؛ بَلْ لِأنَّهُ لا يُؤَدِّي المَعْنى؛ كَما أنَّ العَرَبَ تَعْدِلُ عَنِ اللَّحْنِ؛ ولا تُحْسِنُ النُّطْقَ بِهِ؛ ولا تُطَوِّعُ ألْسِنَتَها لَهُ؛ لِكَوْنِهِ لَحْنًا؛ لا لِكَوْنِهِ حَرَكَةً؛ فَإنْ وافَقَ شَيْءٌ مِنَ المَوْزُونِ ما أُرِيدَ مِنَ المَعْنى لِأجْلِ أداءِ المَعْنى قالَهُ؛ كَما يَقَعُ لِكَثِيرٍ مِنَ المُصَنِّفِينَ الكَلامُ المَوْزُونُ؛ وما قَصَدَهُ؛ وكَما وقَعَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ المَوْزُونِ مِن جَمِيعِ أبْحُرِ الشِّعْرِ في القُرْآنِ؛ وإنْ لَمْ يُوافِقِ المَعْنى لَمْ يَقُلْهُ؛ وعَلى هَذا يَتَخَرَّجُ قَوْلُهُ ﷺ: «
؎”أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ ∗∗∗ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ“؛
» لَوْ تَظاهَرَ الإنْسُ؛ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِما أدّاهُ مِنَ المَعْنى في ألْفاظِهِ؛ أوْ مِثْلِها عَلى غَيْرِ هَذا النَّظْمِ؛ لَمْ يَقْدِرُوا؛ وإذا تَأمَّلْتَ كُلَّ بَيْتٍ تَمَثَّلَ بِهِ فَكَسَرَهُ؛ لا تَجِدْهُ كَسَرَهُ إلّا لِمَعْنًى جَلِيلٍ؛ لا يَتَأتّى مَعَ الوَزْنِ؛ أوْ يَكُونُ لا فارِقَ بَيْنَ أدائِهِ مَوْزُونًا؛ ومَكْسُورًا؛ وهَكَذا السَّجْعُ سَواءٌ؛ ومِن هَنا عُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المَعْنى أنَّهُ لا يَحْسُنُ الوَزْنُ؛ بَلِ المَعْنى أنَّ تَعَمُّدَ الوَزْنِ (p-١٧١)والسَّجْعِ نَقِيصَةٌ لا تَلِيقُ بِمَنصِبِهِ العالِي؛ لِأنَّ الشّاعِرَ مُقَيَّدٌ بِوَزْنٍ؛ ورَوِيٍّ؛ وقافِيَةٍ؛ فَإنْ أطاعَهُ المَعْنى مَعَ ما هو مُقَيَّدٌ بِهِ كانَ؛ وإلّا احْتالَ في إتْمامِ ما هو مُقَيَّدٌ بِهِ؛ وإنْ نَقَصَ المَعْنى؛ والسّاجِعُ قَرِيبٌ مِن ذَلِكَ؛ فَهَذا هو الَّذِي لَمْ يُعَلِّمْهُ اللَّهُ لَهُ؛ لِأنَّهُ ﷺ تابِعٌ لِلْمَعانِي والحَقائِقِ والحِكَمِ الَّتِي تُفِيدُ الحَياةَ الدّائِمَةَ؛ لِأنَّهُ مُهَيَّأٌ بِالطَّبْعِ المُسْتَقِيمِ لِذَلِكَ؛ غَيْرُ مُهَيَّإٍ لِغَيْرِهِ مِنَ التَّكَلُّفِ؛ وإذا أنْعَمْتَ النَّظَرَ في آخِرِ الآيَةِ؛ الَّذِي هو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ؛ تَحَقَّقْتَ أنَّ هَذا هو المُرادُ؛ فَوَضَحَ أيَّ وُضُوحٍ بِهَذا أنَّ كُلًّا مِنهُما نَقِيصَةٌ؛ فَلا يَتَحَرَّكُ شَيْءٌ مِن أخْلاقِهِ الشَّرِيفَةِ نَحْوَها؛ ولا يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ الِاعْتِناءِ؛ وقَدْ أشْبَعْتُ الكَلامَ في هَذا؛ وأتْقَنْتُهُ؛ في كِتابِي ”مَصاعِدُ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّورِ“؛ وهو كالمُدْخَلِ إلى هَذا الكِتابِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
يس 36:71
ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِإعْماءِ أفْكارِهِمْ؛ وهَدَّدَ بِطَمْسِ أبْصارِهِمْ؛ ومَسْخِهِمْ عَلى مَقاعِدِهِمْ وقَرارِهِمْ؛ وأعْلَمَ بِأنَّ كِتابَهُ خاتَمٌ بِإنْذارِهِمْ؛ ذَكَّرَهم بِقُدْرَتِهِ؛ وقَرَّرَهم تَثْبِيتًا لِذَلِكَ بِبَدائِعِ صَنْعَتِهِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”ألَمْ يَرَوْا ما قَدَّمْناهُ وأفْهَمَتْهُ آيَةُ“ومَن نُعَمِّرْهُ”؛ وما بَعْدَها مِن بَدائِعِ صُنْعِنا؛ تَلْوِيحًا؛ وتَصْرِيحًا؛ الدّالَّ عَلى عِلْمِنا الشّامِلِ؛ وقُدْرَتِنا التّامَّةِ؟! فَمَهْما (p-١٧٢)صَوَّبْنا كَلامَنا إلَيْهِ حَقَّ القَوْلُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يَمْنَعْهُ مانِعٌ؛ ولا يُتَصَوَّرُ لَهُ دافِعٌ“ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾؛ أيْ: يَعْلَمُوا عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ؛ ما هو أظْهَرُ عِنْدَهم دَلالَةً مِن ذَلِكَ في أجَلِّ أمْوالِهِمْ؛ ولا يَبْعُدُ عِنْدِي - وإنْ طالَ المَدى - أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ [يس: ٣١] فَذاكَ اسْتِعْطافٌ إلى تَوْحِيدِهِ؛ بِالتَّحْذِيرِ مِنَ النِّقَمِ؛ وهَذا بِالتَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ؛ ونَبَّهَهم عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العَظَمَةِ بِسَوْقِ الكَلامِ في مَظْهَرِها؛ كَما فَعَلَ في آيَةِ إهْلاكِ القُرُونِ؛ فَقالَ: ﴿أنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾؛ وخَصَّها بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ مَحْوًا لِلْأسْبابِ؛ وإظْهارًا لِتَشْرِيفِهِمْ بِتَشْرِيفِها؛ في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا عَمِلَتْ﴾؛ ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُقَيَّدًا بِالوَهْمِ؛ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ؛ ولِذَلِكَ يَرى الأرْواحَ في المَنامِ في صُوَرِ أجْسادِنا؛ وكانَتْ يَدُهُ مَحَلَّ قُدْرَتِهِ؛ ومَوْضِعَ اخْتِصاصِهِ؛ عَبَّرَ لَهُ بِما يَفْهَمُهُ؛ فَقالَ: ﴿أيْدِينا﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ؛ عَلى عِلْمٍ مِنّا؛ بِقُواها؛ ومَقادِيرِها؛ ومَنافِعِها؛ وطَبائِعِها؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِها؛ ﴿أنْعامًا﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَ كَوْنَها لَهُمْ؛ بِما سُبِّبَ عَنْ خَلْقِها مِن قَوْلِهِ: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾؛ أيْ: ضابِطُونَ؛ قاهِرُونَ؛ مِن غَيْرِ قُدْرَةٍ لَهم عَلى ذَلِكَ؛ لَوْلا قُدْرَتُنا بِنَوْعِ التَّسَبُّبِ.
يس 36:72
(p-١٧٣)ولَمّا كانَ المِلْكُ لا يَسْتَلْزِمُ الطَّواعِيَةَ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وذَلَّلْناها لَهُمْ﴾؛ أيْ: يَسَّرْنا قِيادَها؛ ولَوْ شِئْنا لَجَعَلْناها وحْشِيَّةً؛ كَما جَعَلْنا أصْغَرَ مِنها وأضْعَفَ؛ فَمَن قَدَرَ عَلى تَذْلِيلِ الأشْياءِ الصَّعْبَةِ جِدًّا لِغَيْرِهِ؛ فَهو قادِرٌ عَلى تَطْوِيعِ الأشْياءِ لِنَفْسِهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾؛ أيْ: ما يَرْكَبُونَ؛ وهي الإبِلُ؛ لِأنَّها أعْظَمُ مَرْكُوباتِهِمْ؛ لِعُمُومِ مَنافِعِها في ذَلِكَ؛ وكَثْرَتِها؛ ولِمِثْلِ ذَلِكَ في التَّذْكِيرِ بِعَظِيمِ النِّعْمَةِ؛ والنَّفْعِ؛ واسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ النِّعْمَتَيْنِ بِنَفْسِهِ؛ أعادَ الجارَّ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِلتَّجَدُّدِ بِتَجَدُّدِ الذَّبْحِ؛ بِخِلافِ المَرْكُوبِ؛ فَإنَّ صَلاحَهُ لِذَلِكَ ثابِتٌ دائِمٌ؛ فَقالَ: ﴿ومِنها يَأْكُلُونَ﴾
يس 36:73
ولَمّا أشارَ إلى عَظَمَةِ نَفْعِ الرَّكُوبِ؛ والأكْلِ؛ بِتَقْدِيمِ الجارِّ؛ وكانَتْ مَنافِعُها مِن غَيْرِ ذَلِكَ كَثِيرَةً؛ قالَ: ﴿ولَهم فِيها مَنافِعُ﴾؛ أيْ: بِالأصْوافِ؛ والأوْبارِ؛ والأشْعارِ؛ والجُلُودِ؛ والبَيْعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وخَصَّ المَشْرَبَ مِن عُمُومِ المَنافِعِ؛ لِعُمُومِ نَفْعِهِ؛ فَقالَ - جامِعًا لَهُ؛ لِاخْتِلافِ طُعُومِ ألْبانِ الأنْواعِ الثَّلاثَةِ؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِمُنْتَهى الجُمُوعِ لِاخْتِلافِ طُعُومِ أفْرادِ النَّوْعِ الواحِدِ لِمَن تَأمَّلَ -: ﴿ومَشارِبُ﴾؛ أيْ: مِنَ الألْبانِ؛ أخْرَجْناها مُمَيَّزَةً عَنِ الفَرْثِ؛ والدَّمِ؛ خالِصَةً؛ لَذِيذَةً؛ وكُلُّ ذَلِكَ لا سَبَبَ لَهُ إلّا أنَّ كَلِمَتَنا حَقَّتْ بِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن كَوْنِهِ عَلى وفْقِ ما أرَدْنا؛ فَلْيَحْذَرْ مَن هو أضْعَفُ حالًا مِنها مِن حُقُوقِ أمْرِنا؛ ومُضِيِّ حُكْمِنا بِما يَسُوؤُهُ. (p-١٧٤)ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ مِنَ العَظَمَةِ بِمَكانٍ؛ لَوْ فَقَدَهُ الإنْسانُ لَتَكَدَّرَتْ مَعِيشَتُهُ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ اسْتِئْنافَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في تَخَلُّفِهِمْ عَنْ طاعَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: يُوقِعُونَ الشُّكْرَ؛ وهو تَعْظِيمُ المُنْعِمِ لِما أنْعَمَ؛ وهو اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى الأمْرِ.
يس 36:74
ولَمّا ذَكَّرَهم نِعَمَهُ؛ وحَذَّرَهم نِقَمَهُ؛ عَجَّبَ مِنهم في سُفُولِ نَظَرِهِمْ؛ وقُبْحِ أثَرِهِمْ؛ فَقالَ - مُوَبِّخًا؛ ومُقَرِّعًا؛ ومُبَكِّتًا؛ ومُعَجِّبًا مِن زِيادَةِ ضَلالِهِمْ؛ عادِلًا عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى أعْظَمَ مِنهُ -: ﴿واتَّخَذُوا﴾؛ أيْ: فَعَلْنا لَهم ذَلِكَ؛ والحالُ أنَّهم كَلَّفُوا أنْفُسَهم عَلى غَيْرِ ما تَهْدِي إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى أنْ أخَذُوا؛ أوْ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى ”كانُوا“؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: إلّا كانُوا يُجَدِّدُونَ الِاسْتِهْزاءَ؛ واتَّخَذُوا قَبْلَ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ؛ مَعَ ما رَأوْا مِن قُدْرَتِنا؛ وتَقْبَلُوا فِيهِ مِن نِعْمَتِنا؛ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ فَكُلُّ شَيْءٍ دُونَهُ؛ وما كانَ دُونَهُ كانَ مَقْهُورًا؛ مَرْبُوبًا؛ ﴿آلِهَةً﴾؛ أيْ: لا شَيْءَ لَها مِنَ القُدْرَةِ؛ ولا مِن صَلاحِيَةِ الإلَهِيَّةِ؛ ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّها غَيْرُ صالِحَةٍ لِما أهَّلُوها لَهُ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى السُّؤالِ عَنْ (p-١٧٥)سَبَبِ ذَلِكَ؛ فَقالَ - جَوابًا لَهُ؛ تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ -: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدِينَ؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُهم حُصُولُ النَّصْرِ مِن أيِّ ناصِرٍ كانَ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿يُنْصَرُونَ﴾؛ أيْ: لِيَكُونَ حالُهم بِزَعْمِهِمْ في اجْتِماعِهِمْ عَلَيْها؛ والتِئامِهِمْ بِها؛ حالَ مَن يُنْصَرُ عَلى مَن يُعادِيهِ؛ ويُعانِدُهُ؛ ويُناوِئُهُ.
يس 36:75
ولَمّا كانَ لِلنَّصْرِ سَبَبانِ؛ ظاهِرِيٌّ؛ وهو الِاجْتِماعُ؛ وأصْلِيٌّ باطِنِيٌّ؛ وهو الإلَهُ المُجْتَمَعُ عَلَيْهِ؛ بَيَّنَ غَلَطَهم بِتَضْيِيعِ الأمَلِ؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: فَهَلْ بَلَغُوا ما أرادُوا؟ -: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ﴾؛ أيْ: الآلِهَةُ المُتَّخَذَةُ؛ ﴿نَصْرَهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدِينَ؛ ﴿وهُمْ﴾؛ أيْ: العابِدُونَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: الآلِهَةِ؛ ﴿جُنْدٌ﴾؛ ولَمّا كانَ الجُنْدُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ العَسْكَرِ؛ والأعْوانِ؛ والمَدِينَةِ؛ عَيَّنَ المُرادَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ؛ ولِأنَّهُ أدَلُّ عَلى عَجْزِهِمْ؛ وحَقارَتِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿مُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُونَ في الِاجْتِماعِ إلَيْها؛ والمُحاماةِ عَنْها؛ فِعْلَ مَن يَجْمَعُهُ كَرْهًا إيالَةُ المُلْكِ؛ وسِياسَةُ العَظَمَةِ؛ فَصارَتِ العِبْرَةُ بِهِمْ خاصَّةً في حِيازَةِ السَّبَبِ الظّاهِرِيِّ؛ مَعَ تَعَبُّدِهِمْ لِلْعاجِزِ؛ وذُلِّهِمْ لِلضَّعِيفِ الدُّونِ؛ مَعَ ما يَدَّعُونَ مِنَ الشَّهامَةِ؛ والأنَفَةِ؛ والضَّخامَةِ؛ فَلَوْ جَمَعُوا أنْفُسَهم عَلى اللَّهِ لَكانَ لَهم ذَلِكَ؛ وحازُوا مَعَهُ السَّبَبَ الأعْظَمَ.
يس 36:76
(p-١٧٦)ولَمّا بَيَّنَ ما بَيَّنَ مِن قُدْرَتِهِ الباهِرَةِ؛ وعَظَمَتِهِ الظّاهِرَةِ؛ ووَهّى أمْرَهم في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ ما لَوَّحَ إلى أنَّهم نَسَبُوهُ ﷺ إلى الشِّعْرِ؛ وصَرَّحَ بِاسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعْدِ؛ مَعَ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِن تَكْذِيبِهِمْ؛ وإجابَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ مِن تَسْفِيهِهِمْ؛ وتَضْلِيلِهِمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَما نَفى عَنْهُمُ النُّصْرَةَ قَوْلَهُ - تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾؛ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الياءِ؛ وضَمِّ الزّايِ؛ ومَعْناهُ: ”يَجْعَلْ فِيكَ“؛ وقِراءَةُ نافِعٍ بِضَمِّ الياءِ؛ وكَسْرِ الزّايِ؛ تَدُلُّ عَلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ إنَّما هو كَثْرَةُ الحُزْنِ؛ والِاسْتِغْراقُ فِيهِ؛ لا ما يَعْرِضُ مِن طَبْعِ البَشَرِ مِن أصْلِهِ؛ فَإنَّ مَعْنى ”أحْزَنَ فُلانًا كَذا“؛ أيْ: جَعَلَهُ حَزِينًا؛ ﴿قَوْلُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي قَدَّمْناهُ؛ تَلْوِيحًا؛ وتَصْرِيحًا؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ فِيكَ؛ وفِينا؛ ولَمّا كانَ عِلْمُ القادِرِ بِما يَعْمَلُ عَدُوُّهُ سَبَبًا لِأخْذِهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُهَدِّدًا بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿إنّا نَعْلَمُ ما﴾؛ أيْ: كُلَّ ما؛ ﴿يُسِرُّونَ﴾؛ أيْ: يُجَدِّدُونَ إسْرارَهُ؛ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾؛ أيْ: فَنَحْنُ نَجْعَلُ ما يُسَبِّبُونَهُ لِأذاكَ سَبَبًا لِأذاهُمْ؛ ونَفْعِكَ؛ إلى أنْ يَصِيرُوا في قَبْضَتِكَ؛ وتَحْتَ قَهْرِكَ؛ وقُدْرَتِكَ.
يس 36:77
ولَمّا أثْبَتَ - سُبْحانَهُ - بِهَذا الدَّلِيلِ قُدْرَتَهُ عَلى ما هَدَّدَ بِهِ أوَّلًا؛ مِنَ التَّحْوِيلِ مِن حالٍ إلى أُخْرى؛ فَثَبَتَتْ بِذَلِكَ قُدْرَتُهُ عَلى البَعْثِ؛ (p-١٧٧)وخَتَمَ بِإحاطَةِ العِلْمِ المَلْزُومِ لِتَمامِ القُدْرَةِ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا أبْيَنَ مِنَ الأوَّلِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”ألَمْ يَرَوْا“ -: ﴿أوَلَمْ يَرَ﴾؛ أيْ: يَعْلَمْ؛ عِلْمًا هو في ظُهُورِهِ كالمَحْسُوسِ بِالبَصَرِ.
ولَمّا كانَ هَذا المَثَلُ الَّذِي قالَهُ هَذا الكافِرُ لا يَرْضاهُ حِمارٌ؛ لَوْ نَطَقَ؛ أشارَ إلى غَباوَتِهِ بِالتَّعْبِيرِ بِـ ”الإنْسانُ“؛ الَّذِي هو - وإنْ كانَ أفْطَنَ المَخْلُوقاتِ لِما رَكَّبَ فِيهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَقْلِ - تَغَلَّبَ عَلَيْهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ؛ حَتّى يَصِيرَ مَثَلًا؛ فَقالَ: ﴿الإنْسانُ﴾؛ أيْ: جِنْسُهُ؛ مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ وإنْ كانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ واحِدًا؛ ﴿أنّا خَلَقْناهُ﴾؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِن نُطْفَةٍ﴾؛ أيْ: شَيْءٍ يَسِيرٍ؛ حَقِيرٍ؛ مِن ماءٍ لا انْتِفاعَ بِهِ؛ بَعْدَ إبْداعِنا أباهُ مِن تُرابٍ؛ وأُمَّهُ مِن لَحْمٍ؛ وعِظامٍ؛ ﴿فَإذا هُوَ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ خَلْقِنا لَهُ مِن ذَلِكَ المُفاجَأةُ لِحالَةٍ هي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالَةِ النُّطْفَةِ؛ وهي أنَّهُ ﴿خَصِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ الخُصُومَةِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: في غايَةِ البَيانِ عَمّا يُرِيدُهُ؛ حَتّى إنَّهُ لَيُجادِلُ مَن أعْطاهُ العَقْلَ والقُدْرَةَ في قُدْرَتِهِ؛ أنْشَدَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في ذَلِكَ:
؎أُعَلِّمُهُ الرِّمايَةَ كُلَّ يَوْمٍ ∗∗∗ فَلَمّا اشْتَدَّ ساعِدُهُ رَمانِي
يس 36:78
(p-١٧٨)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَبَدَ - مَعَ أنّا تَفَرَّدْنا بِالإنْعامِ عَلَيْهِ - غَيْرَنا؛ وخاصَمَ - بِما خَلَقْناهُ لَهُ مِنَ اللِّسانِ؛ وآتَيْناهُ مِنَ البَيانِ - رُسُلَنا؛ وجَمِيعَ أهْلِ وُدِّنا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ - مُقَبِّحًا إنْكارَهُمُ البَعْثَ؛ تَقْبِيحًا لا يُرى أعْجَبُ مِنهُ؛ ولا أبْلَغُ؛ ولا أدَلُّ عَلى التَّمادِي في الضَّلالِ؛ والإفْراطِ في الجُحُودِ؛ وعُقُوقِ الأيادِي -: ﴿وضَرَبَ﴾؛ أيْ: هَذا الإنْسانُ؛ وسَبَبُ النُّزُولِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الجُمَحِيُّ؛ الَّذِي قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِـ ”أُحُدٍ“؛ مُبارَزَةً؛ فَهو المُرادُ بِهَذا التَّبْكِيتِ بِالذّاتِ؛ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ؛ ﴿لَنا﴾؛ أيْ: عَلى ما يَعْلَمُ مِن عَظَمَتِنا؛ ﴿مَثَلا﴾؛ أيْ: آلِهَتَهُ؛ الَّتِي عَبَدَها؛ لِكَوْنِها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ مُكابِرًا لِعَقْلِهِ في أنَّهُ لا شَيْءَ يُشْبِهُنا؛ ﴿ونَسِيَ﴾؛ أيْ: هَذا الَّذِي تَصَدّى عَلى نِهايَةِ أصْلِهِ لِمُخاصَمَةِ الجَبّارِ؛ وأبْرَزَ صَفْحَتَهُ لِمُجادَلَتِهِ؛ والنِّسْيانُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الذُّهُولِ؛ وأنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ ﴿خَلْقَهُ﴾؛ أيْ: خَلْقَنا لِهَذا المُخاصِمِ؛ الدّالَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِنا؛ وأنَّ آلِهَتَهُ الَّتِي أشْرَكَ بِها لا تَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ فافْتَرَقَ الحالُ الَّذِي جَمَعَهُ بِالمَثَلِ أيَّ افْتِراقٍ؛ وصارا مَقُولًا لَهُ: يا قَلِيلَ الفِطْنَةِ! أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ؟ أفَلا تَذَكَّرُونَ؟ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ هَذا المَثَلِ بِالإخْبارِ عَنِ اسْتِحالَتِهِ (p-١٧٩)لِأنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلى إحْياءِ المَيِّتِ؛ كَما أنَّ مَعْبُوداتِهِ لا تَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ؛ فَقالَ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ؛ ﴿مَن يُحْيِي﴾
ولَمّا كانَتِ العِظامُ أصْلَبَ شَيْءٍ؛ وأبْعَدَهُ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ؛ لا سِيَّما إذا بَلِيَتْ؛ وأرْفَتَتْ؛ قالَ: ﴿العِظامَ وهِيَ﴾؛ ولَمّا أخْبَرَ عَنِ المُؤَنَّثِ بِاسْمٍ لِما بَلِيَ مِنَ العِظامِ؛ غَيْرِ صِفَةٍ؛ لَمْ يُثْبِتْ تاءَ التَّأْنِيثِ؛ فَقالَ: ﴿رَمِيمٌ﴾؛ أيْ: صارَتْ تُرابًا يَمُرُّ مَعَ الرِّياحِ.
يس 36:79
ولَمّا كانَ مَوْطِنًا يَتَشَوَّفُ فِيهِ السّامِعُ لِهَذا الكَلامِ إلى جَوابِهِ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُخاطِبًا مَن لا يَفْهَمُ هَذِهِ المُجادَلَةَ حَقَّ فَهْمِها غَيْرُهُ -: ﴿قُلْ﴾؛ أيْ: لِهَذا الَّذِي ضَرَبَ هَذا المَثَلَ جَهْلًا مِنهُ في قِياسِهِ مَن يَقْدِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ عَلى مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ؛ وأعادَ فِعْلَ الإحْياءِ نَصًّا عَلى المُرادِ؛ دَفْعًا لِلتَّعَنُّتِ؛ ودَلالَةً عَلى الِاهْتِمامِ؛ فَقالَ: ﴿يُحْيِيها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ أنْ بَلِيَتْ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى وصْفٍ يَدُلُّ عَلى الحُكْمِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي أنْشَأها﴾؛ أيْ: مِنَ العَدَمِ؛ ثُمَّ أحْياها؛ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (p-١٨٠)أيْ: فَإنَّ كُلَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ أوَّلَ مَرَّةٍ؛ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ ثانِيَ مَرَّةٍ؛ وهي شاهِدَةٌ بِأنَّ الحَياةَ تَحِلُّ العَظْمَ؛ فَيَتَنَجَّسُ بِالمَوْتِ؛ مِمّا يُحْكَمُ بِنَجاسَةِ مَيْتَتِهِ؛ ﴿وهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ﴾؛ أيْ: صُنْعٍ؛ وتَقْدِيرٍ؛ مُمْكِنٌ أنْ يَخْلُقَ مِن ذَلِكَ ومِن غَيْرِهِ ابْتِداءً؛ وإعادَةً؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ أجْزاءُ مَيِّتٍ أصْلًا؛ وإنْ تَفَرَّقَتْ في البَرِّ والبَحْرِ؛ ولا شَيْءَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ فالآيَةُ مِن بَدِيعِ الِاحْتِباكِ: الإحْياءُ أوَّلًا دالٌّ عَلى مِثْلِهِ ثانِيًا؛ والإنْشاءُ ثانِيًا دالٌّ عَلى مِثْلِهِ أوَّلًا؛ و”أوَّلَ مَرَّةٍ“؛ في الثّانِي دالٌّ عَلى ثانِي مَرَّةٍ في الأوَّلِ؛ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ كَما بَرْهَنَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”طـه“؛ فَهو يُوجِدُ المُقْتَضَياتِ لِكُلِّ مُمْكِنٍ يُرِيدُهُ؛ ويَرْفَعُ المَوانِعَ؛ فَيُوجَدُ في الحالِ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا؛ فَقَدْ بَلَغَ هَذا البَيانُ في الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ الجُسْمانِيِّ؛ والرُّوحانِيِّ مَعًا؛ النِّهايَةَ الَّتِي لَيْسَ وراءَها بَيانٌ؛ بَعْدَ أنْ وطَّأ لَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ نَفْسِها بِما لا يَحْتَمِلُ طَعْنًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] ﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ [يس: ٥٥] ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩] ﴿اصْلَوْها اليَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس: ٦٤] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ (p-١٨١)عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]
يس 36:80
ولَمّا كانَ مَآلُ هَذا المَثَلِ الَّذِي عُلِّقَ الإنْكارُ فِيهِ بِالرَّمِيمِ؛ اسْتِبْعادَ تَمْيِيزِ الشَّيْءِ إذا صارَ تُرابًا؛ واخْتَلَطَ بِالتُّرابِ؛ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ التُّرابِ؛ وصَفَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ بِإخْراجِ الشَّيْءِ الَّذِي هو أخْفى ما يَكُونُ مِن ضِدِّهِ؛ وذَلِكَ بِتَمْيِيزِ النّارِ مِنَ الخَشَبِ الَّذِي فِيهِ الماءُ ظاهِرٌ؛ بِأيْدِي العَجَزَةِ مِن خَلْقِهِ؛ فَقالَ - مُعِيدًا لِلْمَوْصُولِ؛ تَنْبِيهًا عَلى التَّذْكِيرِ بِالمَوْصُوفِ؛ لِيَسْتَحْضِرَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَيُبادِرَ إلى الخُضُوعِ لَهُ مَن كانَ حَيًّا -: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: مَتاعًا؛ واسْتِبْصارًا؛ ﴿مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ﴾؛ الَّذِي تُشاهِدُونَ فِيهِ الماءَ؛ ﴿نارًا﴾؛ بِأنْ يَأْخُذَ أحَدُكم غُصْنَيْنِ؛ كالسِّواكَيْنِ؛ وهُما أخْضَرانِ؛ يَقْطُرُ مِنهُما الماءُ؛ فَيَسْحَقَ المَرْخَ - وهو ذَكَرٌ - عَلى العِفارِ - وهو أُنْثى - فَتَخْرُجَ النّارُ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”لَيْسَ شَجَرٌ إلّا وفِيهِ نارٌ؛ إلّا العُنّابُ“؛ انْتَهى.
ولِذَلِكَ قالُوا في المَثَلِ المَشْهُورِ: ”فِي كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ“؛ ﴿فَإذا أنْتُمْ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ مُفاجَأتُكُمْ؛ لِأنَّكم ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: الشَّجَرِ المَوْصُوفِ بِالخُضْرَةِ (p-١٨٢)بِعَيْنِهِ؛ ﴿تُوقِدُونَ﴾؛ أيْ: تُوجِدُونَ الإيقادَ؛ ويَتَجَدَّدُ لَكم ذَلِكَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ ما هو بِخَيالٍ؛ ولا سِحْرٍ؛ بَلْ حَقِيقَةٌ ثابِتَةٌ بَيِّنَةٌ؛ وكَأنَّهُ قَدَّمَ الجارَّ لِكَثْرَةِ إيقادِهِمْ مِنهُ؛ فَعَدَّ إيقادَهم مِن غَيْرِهِ لِذَلِكَ؛ ولِعَظَمَتِهِ؛ عَدَمًا.
يس 36:81
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ عَلَيْهِمْ؛ قَدَّمَ الجارَّ تَخْصِيصًا لَهُ؛ وعَدًّا لِغَيْرِهِ كالمَعْدُومِ؛ فالَّذِي قَدَرَ عَلى تَمْيِيزِ النّارِ مِنَ الماءِ؛ والخَشَبِ؛ وخَبَّأ النّارَ فِيهِما - لا النّارُ تَعْدُو عَلى الخَشَبِ فَتَحْرِقَهُ؛ ولا الماءُ يَعْدُو عَلى النّارِ فَيُطْفِئَها - قادِرٌ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِ العِظامِ مِن تُرابِ غَيْرِها؛ ونَفْخِ الرُّوحِ؛ كَما نَفَخَ رُوحَ النّارِ في الحَطَبِ المُضادِّ لَهُ بِالمائِيَّةِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ألَيْسَ الَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى ما يُرِيدُ مِن إحْياءِ العِظامِ؛ وغَيْرِها“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ شَأْنًا مِنهُ؛ تَقْدِيرًا عَلى الأدْنى بِالأعْلى؛ فَقالَ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ﴾؛ أيْ: أوْجَدَ مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَ؛ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾؛ أيْ: عَلى كِبَرِهِما؛ وعَظَمَتِهِما؛ وعَظِيمِ ما فِيهِما مِنَ المَنافِعِ؛ والمَصانِعِ؛ والعَجائِبِ؛ والبَدائِعِ؛ وأثْبَتَ الجارَّ؛ تَحْقِيقًا لِلْأمْرِ؛ وتَأْكِيدًا لِلتَّقْرِيرِ؛ فَقالَ: ﴿بِقادِرٍ﴾؛ أيْ: بِثابِتٍ لَهُ قُدْرَةٌ لا يُساوِيها قُدْرَةٌ؛ ومَعْنى قِراءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ؛ بِتَحْتانِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ (p-١٨٣)وإسْكانِ القافِ؛ مِن غَيْرِ ألِفٍ؛ ورَفْعِ الرّاءِ؛ أنَّهُ يُجَدِّدُ تَعْلِيقَ القُدْرَةِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿عَلى أنْ يَخْلُقَ﴾؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى الغَيْبَةِ؛ إيذانًا بِأنَّهم صارُوا بِهَذا الجَدَلِ أهْلًا لِغايَةِ الغَضَبِ؛ فَقالَ: ﴿مِثْلَهُمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَؤُلاءِ الأناسِيِّ؛ أيْ يُعِيدَهم بِأعْيانِهِمْ؛ كَما تَقُولُ: ”مِثْلُكَ كَذا“؛ أيْ: أنْتَ؛ وعَبَّرَ بِهِ إفْهامًا لِتَحْقِيرِهِمْ؛ وأنَّ إحْياءَ العِظامِ المَيْتَةِ أكْثَرُ ما يَكُونُ خَلْقًا جَدِيدًا؛ بَلْ يَنْقُصُ عَنْ الِاخْتِراعِ بِأنَّ لَهُ مادَّةً مَوْجُودَةً؛ وعَبَّرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ؛ قالَ الرّازِيُّ: والقُدْرَةُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْنى الَّذِي بِهِ يُوجَدُ الشَّيْءُ مُقَدَّرًا بِتَقْدِيرِ الإرادَةِ؛ والعِلْمِ؛ واقِعًا عَلى وفْقِهِما؛ وإنْ كانَتْ صِفاتُ اللَّهِ (تَعالى) أعْلى مِن أنْ يَطْمَحَها نَظَرُ عَقْلٍ؛ وتَلْحَقَها العِباراتُ اللُّغَوِيَّةُ؛ ولَكِنَّ غايَةَ القُدْرَةِ البَشَرِيَّةِ؛ واللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ هَذا.
ولَمّا كانَ الجَوابُ بَعْدَ ما مَضى مِنَ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ؛ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ؛ الِاعْتِرافَ؛ قالَ - سُبْحانَهُ - مُقَرِّرًا لِما بَعْدَ النَّفْيِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ تَجِبُ المُبادَرَةُ إلَيْهِ؛ ولا يَجُوزُ التَّوَقُّفُ فِيهِ؛ ومَن تَوَقَّفَ فَهو مُعانِدٌ -: ﴿بَلى﴾؛ أيْ: هو قادِرٌ عَلى ذَلِكَ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ مَعَ ذَلِكَ - أيْ: كَوْنِهِ عالِمًا بِالخَلْقِ -؛ ﴿الخَلاقُ﴾؛ البالِغُ في هَذِهِ الصِّفَةِ مُطْلَقًا؛ في تَكْثِيرِ الخَلْقِ؛ وتَكْرِيرِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ (p-١٨٤)شَيْءٍ؛ ما لا تُحِيطُ بِهِ الأوْهامُ؛ ولا تُدْرِكُهُ العُقُولُ والأفْهامُ؛ ولَمْ يُنازِعْ أحَدٌ في العِلْمِ بِالجُزْئِيّاتِ بَعْدَ كَوْنِها؛ كَما نازَعُوا في القُدْرَةِ عَلى إيجادِ بَعْضِ الجُزْئِيّاتِ؛ فاكْتَفى فِيهِ بِصِيغَةِ ”فَعِيلٌ“؛ فَقِيلَ: ﴿العَلِيمُ﴾؛ أيْ: البالِغُ في العِلْمِ؛ الَّذِي هو مَنشَأُ القُدْرَةِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ كُلِّيٌّ ولا جُزْئِيٌّ - في ماضٍ؛ ولا حالٍ؛ ولا مُسْتَقْبَلٍ -؛ شاهِدٌ؛ أوْ غائِبٌ.
يس 36:82
ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ؛ أنْتَجَ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمُ القُدْرَةَ عَلى البَعْثِ -: ﴿إنَّما أمْرُهُ﴾؛ أيْ: شَأْنُهُ؛ ووَصْفُهُ؛ ﴿إذا أرادَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: إيجادَ شَيْءٍ مِن جَوْهَرٍ؛ أوْ عَرَضٍ؛ أيَّ شَيْءٍ كانَ؛ ﴿أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾؛ أيْ: أنْ يُرِيدَهُ؛ ثُمَّ عَطَفَ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ؛ والكِسائِيِّ؛ بِالنَّصْبِ؛ واسْتَأْنَفَ عَلى قِراءَةِ غَيْرِهِ بِالرَّفْعِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أيْ: مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ عَلى وفْقِ ما أرادَ.
يس 36:83
ولَمّا كانَ ذَلِكَ؛ تَسَبَّبَ عَنْهُ المُبادَرَةُ إلى تَنْزِيهِهِ (تَعالى) عَمّا ضَرَبُوهُ لَهُ مِنَ الأمْثالِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿فَسُبْحانَ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ تَنَزُّهًا لا تَبْلُغُ أفْهامُكم كُنْهَهُ؛ وعَدَلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى وصْفٍ يَدُلُّ عَلى غايَةِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾؛ أيْ: بِقُدْرَتِهِ؛ وتَصَرُّفِهِ خاصَّةً؛ لا بِيَدِ غَيْرِهِ؛ ﴿مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مُلْكُهُ التّامُّ؛ ومِلْكُهُ؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا. (p-١٨٥)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَمِنهُ تُبْدَؤُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾؛ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ؛ مِنَ التُّرابِ أوْ غَيْرِهِ؛ ولَفَتَ القَوْلَ إلى خِطابِهِمُ اسْتِصْغارًا لَهُمْ؛ واحْتِقارًا؛ فَقالَ: ﴿تُرْجَعُونَ﴾؛ أيْ: مَعْنًى؛ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ وحِسًّا؛ بِالبَعْثِ؛ لِيَنْصِفَ بَيْنَكُمْ؛ فَيُدْخِلَ بَعْضًا النّارَ؛ وبَعْضًا الجَنَّةَ؛ ونَبَّهَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى غايَةِ صَغارِهِمْ؛ بِكَوْنِ الرُّجُوعِ قَهْرًا؛ وبِأسْهَلِ أمْرٍ؛ وزادَتْ قِراءَةُ يَعْقُوبَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ بِأنَّ انْقِيادَهم في الرُّجُوعِ؛ مِن شِدَّةِ سُهُولَتِهِ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ ناشِئٌ عَنْ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمُ اخْتِيارًا مِنهُمْ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ حَكِيمٌ؛ فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ؛ وأنَّ كَلامَهُ حَكِيمٌ؛ وثَبَتَ بِتَمامِ قُدْرَتِهِ أنَّهُ حَلِيمٌ؛ لا يُعَجِّلُ عَلى أحَدٍ بِالعِقابِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ أرْسَلَ الرُّسُلَ لِلْبِشارَةِ بِثَوابِهِ؛ والنِّذارَةِ مِن عِقابِهِ؛ فَثَبَتَ أنَّهُ أرْسَلَ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ؛ لِما أيَّدَهُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ وأظْهَرَهُ عَلى يَدِهِ مِنَ الأدِلَّةِ الباهِراتِ؛ فَرَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ بِكُلٍّ مِنَ الرِّسالَةِ؛ وإحْياءِ المَوْتى؛ إلى أوَّلِها؛ واتَّصَلَ في كِلا الأمْرَيْنِ مَفْصِلُها بِمَوْصِلِها؛ واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
الصافات 37:1
(p-١٨٦)سُورَةُ ”الصّافّاتِ“
مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى آخِرِ ”يـس“؛ مِنَ التَّنَزُّهِ عَنِ النَّقائِصِ؛ اللّازِمِ مِنهُ رَدُّ العِبادِ لِلْفَصْلِ بَيْنَهم بِالعَدْلِ؛ اللّازِمِ مِنهُ الوَحْدانِيَّةُ؛ وذَلِكَ هو المَعْنى الَّذِي أشارَ إلَيْهِ وسْمُها بِـ ”الصّافّاتِ“؛ ”وإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ“.
”بِسْمِ اللَّهِ“؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ؛ فَلا يَدْنُو مِن جَنابِهِ نَقْصٌ؛ ”الرَّحْمَنِ“؛ الَّذِي مَنَّ بِرَحْمَةِ العَدْلِ في الدّارَيْنِ؛ ”الرَّحِيمِ“؛ الَّذِي يَمُنُّ عَلى مَن يُرِيدُ بِالطّاعَةِ بِالثَّوابِ؛ والمَتابِ؛ لِإسْقاطِ العِقابِ.
لَمّا كانَ الِانْفِرادُ بِالمَلَكُوتِ لا يَكُونُ إلّا مَعَ الوَحْدانِيَّةِ بِالذّاتِ؛ وفي ذَلِكَ اسْتِحْقاقُ الِاخْتِصاصِ بِالإلَهِيَّةِ؛ وكانَ ذَلِكَ - مَعَ أنَّهُ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ - عِنْدَهم في غايَةِ البُعْدِ؛ ولِذَلِكَ لا يُسَلِّمُونَ ما يَتَعَلَّقُ بِالمَلَكُوتِ؛ ويُنْكِرُونَهُ غايَةَ الإنْكارِ؛ ناسَبَ أنْ يُقْسِمَ عَلَيْهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ البَلاغَةِ أنْ يُناسِبَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ وكانَ الِاصْطِفافُ دالًّا عَلى اتِّحادِ القَصْدِ؛ كَما في صُفُوفِ القِتالِ؛ والصَّلاةِ؛ وكانَ المَلائِكَةُ لا قَصْدَ لَهم إلّا اللَّهُ؛ مِن غَيْرِ عائِقٍ عَنْ ذَلِكَ؛ فَكانُوا أحَقَّ الخَلْقِ بِالِاصْطِفافِ؛ تارَةً لِلصَّلاةِ؛ وتارَةً لِلتَّسْبِيحِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ وتارَةً (p-١٨٧)لِتَدْبِيرِ الأرْزاقِ؛ وتارَةً لِتَعْذِيبِ أهْلِ الشِّقاقِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا تَسَعُها الصُّدُورُ؛ وكانُوا بَعْدَ زَجْرَةِ الإماتَةِ؛ ثُمَّ زَجْرَةِ الإحْياءِ؛ المُصَرَّحِ بِهِما في السُّورَةِ الماضِيَةِ؛ ثُمَّ زَجْرَتَيِ الصَّعْقِ؛ والإفاقَةِ؛ الآتِيَتَيْنِ في ”الزُّمَرِ“؛ حِينَ تَشَقُّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ؛ وتَكُونُ ورْدَةً كالدِّهانِ؛ وتَنْفَطِرُ بِسَطْوَةِ المَلِيكِ الدَّيّانِ؛ ويَنْكَدِرُ ما فِيها مِن أجْرامٍ؛ ومَعانٍ؛ تَنْزِلُ مَلائِكَةُ كُلِّ سَماءٍ؛ فَتَصِيرُ صَفًّا مُسْتَدِيرًا؛ مَلائِكَةُ الأُولى حَوْلَ أهْلِ الأرْضِ؛ ومَلائِكَةُ الثّانِيَةِ حَوْلَ مَلائِكَةِ الأُولى؛ وهَكَذا؛ ثُمَّ يَصِيرُونَ إذا قِيلَ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣]؛ فَماجَ العِبادُ بَعْضُهم في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ الزِّحامِ؛ وطُولِ القِيامِ؛ كُلَّما مالُوا عَلى جِهَةٍ مِن جِهاتِهِمْ زَجَرُوهم زَجْرًا رَدُّوهم بِهِ عَنِ النُّفُوذِ؛ مَعَ أنَّ انْتِظامَ المُدَبِّراتِ؛ النّاشِئَ عَنِ اصْطِفافِهِمْ في التَّدْبِيرِ في طاعَةِ المَلِكِ القَدِيرِ؛ دالٌّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿والصّافّاتِ﴾؛ أيْ: الجَماعاتِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والمُصَلِّينَ؛ والمُجاهِدِينَ؛ المُكَمِّلِينَ أنْفُسَهم بِالِاصْطِفافِ في الطّاعَةِ؛ فَهو صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ مُؤَنَّثِ اللَّفْظِ؛ وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”الصّافِّينَ“؛ القاصِرَ عَلى الذُّكُورِ العُقَلاءِ؛ لِيَشْمَلَ (p-١٨٨)الجَماعاتِ مِنَ المَلائِكَةِ؛ والجِنِّ؛ والإنْسِ؛ والطَّيْرِ؛ والوَحْشِ؛ وغَيْرِها؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُؤَلِّفُ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها؛ لِيَتَّحِدَ قَصْدُهُ؛ إلّا واحِدٌ قَهّارٌ؛ وأنَّهُ ما اتَّحَدَ قَصْدُ شَيْءٍ مِنها إلّا اسْتَوى صِفَةً؛ ولا اعْتَدَلَ صِفَةً إلّا اتَّحَدَ زَجْرُهُ؛ وهو صِياحُهُ؛ ولا اتَّحَدَ زَجْرُهُ إلّا اتَّحَدَ ما يُذَكِّرُهُ بِصَوْتِهِ؛ ولا اتَّحَدَ مِنهُ ذَلِكَ إلّا نَجَحَ قَصْدُهُ واتَّضَحَ رُشْدُهُ؛ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ؛ وأدَلُّها أنَّ الصَّحابَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - لَمّا اتَّحَدَ قَصْدُهم في إعْلاءِ الدِّينِ؛ وهم أضْعَفُ الأُمَمِ؛ وأقَلُّها عَدَدًا؛ لَمْ يَقُمْ لَهم جَمْعٌ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لا نِسْبَةَ لَهم إلَيْهِمْ في قُوَّةٍ؛ ولا كَثْرَةٍ؛ ولَمْ يَنْقُصْ صَفُّهُمْ؛ وجَرَحَ القُلُوبَ وأبارَها زَجْرُهُمْ؛ وشَرَحَ الصُّدُورَ وأنارَها ذِكْرُهُمْ؛ كَما أشارَ إلَيْهِ (تَعالى) آخِرَ هَذِهِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]؛ وكَذا غَيْرُ الآدَمِيِّينَ؛ مِنَ الحَيَواناتِ؛ كَما يُرى مِنَ الفَأْرِ؛ والجَرادِ؛ إذا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) اتِّحادَ (p-١٨٩)قَصْدِهِ في شَيْءٍ؛ فَإنَّهُ يَغْلِبُ فِيهِ مَن يُغالِبُهُ؛ ويَقْهَرُ مَن يُقاوِيهِ أوْ يُقالِبُهُ؛ فَبانَ أنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ ما أُرِيدَ بِالقَسَمِ؛ واتَّحَدَ جِدًّا بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ والتَأمَ والتَحَمَ بِهِ أيَّ التِحامٍ؛ وانْتَظَمَ مَعْناهُما كُلَّ الِانْتِظامِ.
ولَمّا كانَ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ أدَلَّ عَلى الوَحْدَةِ المُرادَةِ؛ قالَ: ﴿صَفًّا﴾؛ وهو تَرْتِيبُ الجَمْعِ عَلى خَطٍّ؛ ولَمّا كانَ تَوَحُّدُ القَصْدِ مُوجِبًا لِلْقُوَّةِ المُهَيِّئَةِ لِلزَّجْرِ؛ وكانَ تَكْمِيلُ الغَيْرِ مُسَبَّبًا عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ؛ ومُرَتَّبًا عَلَيْهِ؛ وأشْرَفَ مِنهُ؛ لَوْ تَجَرَّدَ عَنِ التَّكْمِيلِ؛ وكانَ التَّكْمِيلُ إنَّما يَتِمُّ أمْرُهُ؛ ويَعْظُمُ أثَرُهُ مَعَ الهَيْبَةِ: «”فَأخَذَنِي؛ فَغَطَّنِي؛ حَتّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ“؛»
الصافات 37:2
قالَ - عاطِفًا بِالفاءِ -: ﴿فالزّاجِراتِ﴾؛ أيْ: المُنْتَهِراتِ عَقِبَ الصَّفِّ كُلَّ مَن خَرَجَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ ﴿زَجْرًا﴾؛ أيْ: انْتِهارًا بِالمَواعِظِ؛ وغَيْرِها؛ تَكْمِيلًا لِغَيْرِهِمْ.
الصافات 37:3
ولَمّا كانَتِ الإفاضَةُ مُسَبَّبَةً عَنْ حُسْنِ التَّلَقِّي؛ المُسَبَّبِ عَنْ تَفْرِيغِ البالِ؛ المُسَبَّبِ عَنْ هَيْبَةِ المُفِيدِ؛ وكانَ فَيْضُ التِّلاوَةِ أعْظَمَ الفَيْضِ؛ قالَ: ﴿فالتّالِياتِ﴾؛ أيْ: التّابِعاتِ اسْتِدْلالًا عَلى قَوْلِهِمْ وفِعْلِهِمْ؛ وتَمْهِيدًا لِعُذْرِهِمْ؛ (p-١٩٠)وتَشْرِيفًا لِقَدْرِهِمْ؛ وتَكْمِيلًا لِغَيْرِهِمْ: ﴿ذِكْرًا﴾؛ أيْ: مَوْعِظَةً؛ وتَشْرِيفًا؛ وتَذْكِيرًا؛ مِن ذِكْرِ رَبِّهِمْ؛ إفاضَةً عَلى غَيْرِهِمْ مِن رُوحِ العِلْمِ؛ وإدْغامُ التّاءِ في الصّادِ؛ والزّايِ؛ والذّالِ؛ إشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ؛ مَعَ هَوْلِهِ وعِظَمِهِ؛ قَدْ يَخْفى عَنْ غَيْرِ مَن يُرِيدُ اللَّهُ إطْلاعَهُ عَلَيْهِ؛ فَقَدْ قَطَّعَتِ الصَّيْحَةُ قُلُوبَ الكَفَرَةِ؛ مِن ثَمُودَ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ولَمْ تُؤَثِّرْ فِيمَن آمَنُ مِنهُمْ؛ وقَدْ كانَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُنَزِّلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ ما يَأْتِي بِهِ مِنَ القُرْآنِ؛ والصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - حَوْلَهُ؛ لا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنهُ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ؛
الصافات 37:4
﴿إنَّ إلَهَكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِهِ آلِهَةً؛ ﴿لَواحِدٌ﴾؛ أيْ: فَإنَّ التَّفَرُّقَ لا يَأْتِي بِخَيْرٍ؛ لِما يَصْحَبُهُ مِنَ العَجْزِ البَعِيدِ جِدًّا عَنِ الكَمالِ؛ الَّذِي لا تَكُونُ الإلَهِيَّةُ أصْلًا إلّا مَعَهُ؛ فَإلَيْهِ - لا إلى غَيْرِهِ - تُرْجَعُونَ؛ لِيَفْصِلَ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ؛ وهو الَّذِي أنْزَلَ هَذا الكِتابَ بِعِزَّتِهِ؛ ورَحْمَتِهِ؛ وحَرَسَهُ مِنَ اللَّبْسِ؛ وغَيْرِهِ؛ بِما سَيَذْكُرُ مِن كِبْرِيائِهِ؛ وعَظَمَتِهِ؛ ولَوْ لَمْ يَكُنْ واحِدًا لاخْتَلَّ أمْرُ هَذا الِاصْطِفافِ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها؛ فاخْتَلَّ نِظامُ هَذا الوُجُودِ؛ الَّذِي نُشاهِدُهُ كَما نُشاهِدُ في أحْوالِ المَمالِكِ (p-١٩١)عِنْدَ اخْتِلافِ المُلُوكِ؛ في تَغْيِيرِ العَوائِدِ؛ ونَسْخِ الشَّرائِعِ؛ الَّتِي كانَ مَن قَبْلَها أطَّدَها؛ وجَمِيعُ ما لَهُ مِنَ الآثارِ والخَصائِصِ؛ ونَحْنُ نُشاهِدُ هَذا الوُجُودَ عَلى ما أحْكَمَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لا يَتَغَيَّرُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ حالِهِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُ؛ فَعَلَّمَنا أنَّهُ واحِدٌ لا مَحالَةَ؛ مُتَفَرِّدٌ بِالعَظَمَةِ؛ لا كُفُؤَ لَهُ مِن غَيْرِ شَكٍّ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَضَمَّنَتْ سُورَةُ ”يـس“؛ مِن جَلِيلِ التَّنْبِيهِ وعَظِيمِ الإرْشادِ؛ وما يَهْتَدِي المُوَفَّقُ بِاعْتِبارِ بَعْضِهِ؛ ويَشْتَغِلُ المُعْتَبِرُ بِهِ في تَحْصِيلِ مَطْلُوبِهِ وفَرْضِهِ؛ ويَشْهَدُ بِأنَّ المَلِكَ بِجُمْلَتِهِ لَواحِدٌ؛ وإنْ رَغِمَ أنْفُ المُعانِدِ والجاحِدِ؛ أتْبَعَها (تَعالى) بِالقَسَمِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١]؛ الآيَةَ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥]؛ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى التَّنْبِيهِ لِعَجِيبِ مَصْنُوعاتِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]؛ ثُمَّ أتْبَعَ بِذِكْرِ عِنادِ مَن جَحَدَ؛ مَعَ بَيانِ الأمْرِ؛ ووُضُوحِهِ؛ وضَعْفِ ما خُلِقُوا مِنهُ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]؛
الصافات 37:5
ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِبْعادَهُمُ العَوْدَةَ الأُخْرَوِيَّةَ؛ وعَظِيمَ حَيْرَتِهِمْ؛ ونَدَمَهم إذا شاهَدُوا ما بِهِ كَذَّبُوا؛ (p-١٩٢)والتَحَمَتِ الآيُ إلى ذِكْرِ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ؛ وجَرْيِهِمْ في العِنادِ؛ والتَّوَقُّفِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ عَلى سَنَنٍ مُتَقارِبٍ؛ وأخْذِ كُلٍّ بِذَنْبِهِ؛ وتَخْلِيصِ رُسُلِ اللَّهِ؛ وحِزْبِهِ؛ وإبْقاءِ جَمِيلِ ذِكْرِهِمْ بِاصْطِفائِهِمْ؛ وقُرْبِهِ؛ ثُمَّ عادَ الكَلامُ إلى تَعْنِيفِ المُشْرِكِينَ؛ وبَيانِ إفْكِ المُعْتَدِينَ؛ إلى خَتْمِ السُّورَةِ؛ انْتَهى.
ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ واحِدٌ؛ أنْتَجَ وصْفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبُّ﴾؛ أيْ: مُوجِدُ؛ ومالِكُ؛ ومَلِكُ؛ ومُدَبِّرُ ﴿السَّماواتِ﴾؛ أيْ: الأجْرامِ العالِيَةِ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ أيْ: الأجْرامِ السّافِلَةِ؛ ﴿وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: مِنَ الفَضاءِ المَشْحُونِ؛ مِنَ المُرافِقِ؛ والمُعاوِنِ؛ بِما تَعْجِزُ عَنْ عَدِّهِ القُوى؛ وهَذا - مَعَ كَوْنِهِ نَتِيجَةَ ما مَضى - يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهِ؛ لِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ انْتِظامِ التَّدْبِيرِ؛ الَّذِي لا يَتَهَيَّأُ مَعَ التَّعَدُّدِ؛ كَما أنَّ المُقْسَمَ بِهِ هُنا إشارَةٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ أيْضًا؛ بِكَوْنِهِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ دائِمًا في الطّاعَةِ؛ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِالصَّفِّ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ فَسُبْحانَ مَن جَعَلَ هَذا القُرْآنَ مُعْجِزَ النِّظامِ؛ بَدِيعَ الشَّأْنِ؛ بَعِيدَ المَرامِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْإفاضَةِ بِالتِّلاوَةِ؛ وغَيْرِها؛ وكانَتْ جِهَةُ الشُّرُوقِ جِهَةَ الإفاضَةِ بِالتَّجَلِّي المُوجِدِ لِلْخَفايا؛ المُوجِبِ لِلتَّنَزُّهِ عَنِ النَّقائِصِ؛ (p-١٩٣)وكانَ الجَمِيعُ ألْيَقَ بِالِاصْطِافِ؛ النّاظِرِ إلى القَهْرِ بِالِائْتِلافِ؛ قالَ: ﴿ورَبُّ المَشارِقِ﴾؛ أيْ: الثَّلاثِمِائَةٍ والسِّتِّينَ؛ الَّتِي تَجَلّى عَلَيْكم كُلَّ يَوْمٍ فِيها الشَّمْسُ؛ والقَمَرُ؛ وسائِرُ الكَواكِبِ السَّيّارَةِ؛ عَلى كَرِّ الدُّهُورِ؛ والأعْوامِ؛ والشُّهُورِ؛ والأيّامِ؛ عَلى نِظامٍ لا يَنْحَلُّ؛ ومَسِيرٍ لا يَتَغَيَّرُ ولا يَخْتَلُّ؛ وذِكْرُها يَدُلُّ قَطْعًا عَلى المَغارِبِ؛ لِأنَّها تَخْتَلِفُ بِها؛ وأعادَ الصِّفَةَ مَعَها؛ تَنْبِيهًا عَلى وُضُوحِ دَلالَتِها؛ بِما فِيها مِمّا السِّياقُ لَهُ؛ مِنَ الِاصْطِفافِ؛ الدّالِّ عَلى حُسْنِ الِائْتِلافِ؛ ولِلدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ بِالآياتِ بَعْدَ الغِيابِ.
الصافات 37:6
ولَمّا كانَتِ المَشارِقُ تَقْتَضِي الفَيْضَ؛ والإظْهارَ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ نَتِيجَتَهُ؛ بِما مِن شَأْنِهِ الشُّرُوقُ؛ والغُرُوبُ؛ ولَوْ بِمُجَرَّدِ الخَفاءِ؛ والظُّهُورِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ مَعَ لَفْتِ الكَلامِ إلى التَّكَلُّمِ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يُنْكِرُ ما لِلنُّجُومِ مِنَ الزِّينَةِ؛ وما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن عَظَمَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وفَخَّمَ التَّعْبِيرَ عَنِ الزِّينَةِ بِتَضْعِيفِ الفِعْلِ لِمِثْلِ ذَلِكَ -: ﴿إنّا زَيَّنّا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا الَّتِي لا تُدانى؛ ﴿السَّماءَ﴾؛ ولَمّا كانُوا لا يَرَوْنَ إلّا ما يَلِيهِمْ مِنَ السَّماواتِ؛ وكانَتْ زِينَةُ النُّجُومِ ظاهِرَةً فِيها؛ قالَ: ﴿الدُّنْيا﴾؛ أيْ: الَّتِي هي أدْنى السَّماواتِ إلَيْكم. (p-١٩٤)ولَمّا أُشِيرَ إلى أنَّ الصَّفَّ زِينَةٌ في الباطِنِ؛ بِاتِّحادِ القَصْدِ؛ كَما أنَّهُ زِينَةٌ في الظّاهِرِ بِحُسْنِ الشَّكْلِ؛ وبَدِيعِ الرَّصْفِ؛ زِيدَ في التَّنْبِيهِ عَلى ذَلِكَ بِإعادَةِ ما فُهِمَ مِن ”زَيَّنّا“؛ في قَوْلِهِ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾؛ أيْ: بِالزِّينَةِ الَّتِي لِلنُّجُومِ النَّيِّرَةِ البَرّاقَةِ المُتَوَقِّدَةِ الثّابِتَةِ في مَحالِّها - قارَّةً أوْ مارَّةً - المُرَصَّعَةِ في السَّماءِ تَرْصِيعَ المَسامِيرِ الزّاهِرَةِ؛ كَزَهْرِ النُّورِ المَبْثُوثِ في خُضْرَةِ الرِّياضِ النّاضِرَةِ؛ فَهي مَعَ عَدَمِ التَّنْوِينِ والخَفْضِ إضافَةٌ بَيانِيَّةٌ؛ كَـ ”ثَوْبُ خَزٍّ“؛ ومَن نَوَّنَ ”الزِّينَةَ“؛ فَإنْ خَفَضَ ”الكَواكِبِ“؛ فَعَلى البَدَلِ؛ أيْ: بِالكَواكِبِ الَّتِي هي زِينَةٌ؛ وإنْ نَصَبَ؛ فَعَلى المَدْحِ؛ بِتَقْدِيرِ ”أعْنِي“؛ أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ”السَّماءَ“؛ أيْ: كَواكِبَها؛ إمّا بِكَوْنِها فِيما دُونَها مِنَ الجَوِّ؛ فَبِظَنِّ أنَّها فِيها؛ أوْ بِكَوْنِها فِيها مِن جانِبِها الَّذِي يَلِينا؛ أوْ بِكَوْنِها تَشُفُّ عَنْها؛ وإنْ كانَ بَعْضُها فِيما هو أعْلى مِنها؛ وزِينَتُها انْتِظامُها؛ وارْتِسامُها عَلى هَذا النَّظْمِ البَدِيعِ في أشْكالٍ مُتَنَوِّعَةٍ؛ وصُوَرٍ مُسْتَبْدِعَةٍ؛ ما بَيْنَ صِغارٍ وكِبارٍ؛ مِنها ثَوابِتُ؛ ومِنها سَيّارَةٌ؛ وشَوارِقُ؛ (p-١٩٥)وغَوارِبُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الهَيْئاتِ الَّتِي لا تُحْصى؛ ولا حَدَّ لَها عِنْدَ العِبادِ العَجَزَةِ فَيُسْتَقْصى.
الصافات 37:7
ولَمّا كانَ كَوْنُ الشَّيْءِ الواحِدِ لِأشْياءَ مُتَعَدِّدَةٍ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ؛ وأظْهَرَ في العَظَمَةِ؛ قالَ - دالًّا بِالعَطْفِ عَلى غَيْرِ مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ ظاهِرٍ؛ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ الزِّينَةَ بِالنُّجُومِ أمْرٌ مَقْصُودٌ؛ لا اتِّفاقِيٌّ -: ﴿وحِفْظًا﴾؛ أيْ: زَيَّناها بِها لِلزِّينَةِ؛ ولِلْحِفْظِ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾؛ أيْ: بَعِيدٍ عَنِ الخَيْرِ؛ مُحْتَرِقٍ؛ ولَمّا كانَ القَصْدُ التَّعْمِيمَ في الحِفْظِ مِن كُلِّ عاتٍ؛ سَواءٌ كانَ بالِغًا في العُتُوِّ؛ أوْ لا؛ قالَ: ﴿مارِدٍ﴾؛ أيْ: مُجَرَّدٍ عَنِ الخَيْرِ؛ عاتٍ في كُلِّ شَرٍّ؛ سَواءٌ كانَ بالِغًا في ذَلِكَ أقْصى الغاياتِ؛ أوْ كانَ في أدْنى الدَّرَجاتِ؛ كَـ ”ضارِبٌ“؛ و”ضَرّابٌ“.
الصافات 37:8
ولَمّا كانَ المُرادُ في سُورَتَيْ ”النِّساءِ“؛ و”الحَجِّ“؛ ذَمَّ الكَفَرَةِ بِفِعْلِ ما لَيْسَ في كَوْنِهِ شَرًّا لَبْسٌ؛ وبِوَضْعِ النَّفْسِ بِاتِّباعِ ما لا شَكَّ في دَناءَتِهِ؛ بِبُعْدِهِ عَنِ الخَيْرِ بَعْدَ الإخْفاءِ بِهِ؛ عَبَّرَ بِـ ”المَرِيدِ“؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ وكَما أنَّهُ حَرَسَ السَّماءَ المَحْسُوسَةَ بِما ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَكَذَلِكَ زَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - قُلُوبَ الأوْلِياءِ؛ الَّتِي هي كالسَّماءِ لِأراضِي أجْسامِهِمْ؛ بِنُجُومِ المَعارِفِ؛ فَإذا مَسَّهم طَيْفٌ (p-١٩٦)مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا؛ فَرَشَقَتْهُ شُهُبُ أحْوالِهِمْ؛ ومَعارِفِهِمْ؛ وأقْوالِهِمْ؛ ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ هَذا الحِفْظِ؛ وثَمَرَتِهِ؛ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ المَفْهُومُونَ مِن ”كُلِّ شَيْطانٍ“؛ لا يَتَجَدَّدُ لَهم سَمْعٌ أصْلًا؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قالَ الفَرّاءُ: ”لا“؛ هُنا؛ كَقَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ“؛ ويَصْلُحُ في ”لا“؛ عَلى هَذا المَعْنى الجَزْمُ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: ”رَبَطْتُ في شَيْءٍ لا يَنْفَلِتْ“؛ انْتَهى؛ ويُؤْخَذُ مِنَ التَّسْوِيرِ بِـ ”كُلِّ“؛ ثُمَّ الجَمْعِ؛ نَظَرًا إلى المَعْنى؛ والإفْرادِ لِضَمِيرِ ”الخاطِفِ“؛ و”لِلْخَطْفَةِ“؛ أنَّهم مَعْزُولُونَ عَنِ السَّمْعِ؛ جَمْعُهُمْ؛ ومُفْرَدُهم مِنَ الجَمْعِ؛ وأنَّ الخَطْفَ يَكُونُ - إنِ اتَّفَقَ - في الواحِدِ؛ لا الجَمْعِ؛ ومِنَ الواحِدِ؛ لا الجَمْعِ؛ ولِلْكَلِمَةِ وما في حُكْمِها؛ لا أكْثَرَ؛ وإلَيْهِ يُشِيرُ حَدِيثُ الصَّحِيحِ: ”تِلْكَ الكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ؛ يَخْطِفُها الجِنِّيُّ“؛ وأكَّدَ بُعْدَهم بِإثْباتِ حَرْفِ الغايَةِ؛ فَقالَ - مُضَمِّنًا ”سَمِعَ“؛ بَعْدَ قَصْرِهِ مَعْنى ”انْتَهى“؛ أوْ ”أصْغى“؛ لِيَكُونَ المَعْنى: لا يَنْتَهِي سَمْعُهُمْ؛ أوْ تَسَمُّعُهم أوْ إصْغاؤُهم -: ﴿إلى المَلإ﴾؛ أيْ: الجَمْعِ العَظِيمِ الشَّرِيفِ؛ وأوْضَحَتْ هَذا المَعْنى قِراءَةُ (p-١٩٧)مَن شَدَّدَ السِّينَ؛ والمِيمَ؛ بِمَعْنى ”يَتَسَمَّعُونَ“؛ أيْ بِنَوْعِ حِيلَةٍ؛ تَسَمُّعًا مُنْتَهِيًا إلى ذَلِكَ؛ وهو يُفْهِمُ أنَّهم يَتَسَمَّعُونَ؛ ولَكِنْ لا يَنْتَهِي تَسَمُّعُهم إلى ما ذُكِرَ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ ويُشِيرُ أيْضًا إلى أنَّهم يَجْتَهِدُونَ في إخْفاءِ أمْرِهِمْ؛ وأفْرَدَ الوَصْفَ دَلالَةً أيْضًا عَلى أنَّ العَطْفَ يَكُونُ مِن واحِدٍ؛ لا مِن جَمْعٍ؛ فَقالَ: ﴿الأعْلى﴾؛ أيْ: مَكانًا؛ ومَكانَةً؛ بِحَيْثُ يَمْلَؤُونَ العُيُونَ بَهْجَةً؛ والصُّدُورَ هَيْبَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لِأنَّهم يُطْرَدُونَ طَرْدًا قَوِيًّا“؛ دَلَّ عَلَيْهِ بِالعاطِفِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُقْذَفُونَ﴾؛ أيْ: الشَّياطِينُ؛ يُرْمَوْنَ رَمْيًا وحْيًا شَدِيدًا؛ يُطْرَدُونَ بِهِ؛ وبُنِيَ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ النّافِعَ قَذْفُهُمْ؛ لا تَعْيِينُ قاذِفِهِمْ؛ مَعَ أنَّهُ أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ - عَزَّتْ وجَلَّتْ - ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾؛ أيْ: مِن جَوانِبِ السَّماواتِ؛ بِالشُّهُبِ؛ إذا قَصَدُوا السَّماعَ بِالِاسْتِراقِ؛
الصافات 37:9
﴿دُحُورًا﴾؛ أيْ: قَذْفًا يَرُدُّهم مَطْرُودِينَ؛ صاغِرِينَ؛ مُبْعَدِينَ؛ فَهو تَأْكِيدٌ لِلْقَذْفِ بِالمَعْنى؛ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما كانَ سَبَبًا لِأنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهم غَيْرُ مَقْدُورٍ (p-١٩٨)عَلَيْهِمْ في غَيْرِ هَذِهِ الحالَةِ؛ بِغَيْرِ هَذا النَّوْعِ؛ أخْبَرَ أنَّهم في قَبْضَتِهِ؛ وإنَّما جَعَلَ حالَهم هَذا فِتْنَةً لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِاللّامِ؛ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها غالِبًا عَنِ النّافِعِ تَهَكُّمًا بِهِمْ -: ﴿ولَهم عَذابٌ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا؛ بِهَذا وبِغَيْرِهِ؛ وفي الآخِرَةِ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ ﴿واصِبٌ﴾؛ أيْ: دائِمٌ؛ مُمْرِضٌ؛ مُوجِعٌ؛ كَثِيرُ الإيجاعِ؛ مُواظِبٌ عَلى ذَلِكَ؛ ثابِتٌ عَلَيْهِ؛ وإنِ افْتَرَقَ الدَّوامانِ في الِاتِّصالِ؛ والعِظَمِ؛ والشِّدَّةِ؛ والألَمِ.
الصافات 37:10
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا حِراسَةُ القُرْآنِ بِقُدْرَةِ المَلِكِ الدَّيّانِ؛ عَنْ لَبْسِ الجانِّ؛ وكانَ بَعْضُهم مَعَ هَذا يَسْمَعُ في بَعْضِ الأحايِينِ ما أرادَ اللَّهُ أنْ يَسْمَعَهُ؛ لِيَجْعَلَهُ فِتْنَةً لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ؛ مَعَ تَمَيُّزِ القُرْآنِ بِالإعْجازِ؛ اسْتَثْنى مِن فاعِلِ ”يَسَّمَّعُونَ“؛ قَوْلَهُ: ﴿إلا مَن خَطِفَ﴾؛ ودَلَّ عَلى قِلَّةِ ذَلِكَ؛ بَعْدَ إفْرادِ الضَّمِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿الخَطْفَةَ﴾؛ أيْ: اخْتَلَسَ الكَلِمَةَ؛ أوْ أكْثَرَ؛ مَرَّةً مِنَ المَرّاتِ مِنهُمْ؛ ودَلَّ عَلى قُوَّةِ انْقِضاضِ الكَواكِبِ في أثَرِهِ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعَهُ﴾؛ مَعَ تَعَدِّيهِ بِدُونِها؛ أيْ: تَبِعَهُ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِنَ السُّرْعَةِ؛ حَتّى كَأنَّهُ يَسُوقُ نَفْسَهُ ويَتْبَعُها لَهُ؛ كَأنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - هَيَّأها لِئَلّا تَنْقَضَّ إلّا في أثَرِ مَن سَمِعَ مِنهم حِينَ سَماعِهِ سَواءً؛ لا يَتَخَلَّفُ؛ ﴿شِهابٌ﴾؛ أيْ: شُعْلَةُ النّارِ مِنَ الكَوْكَبِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿ثاقِبٌ﴾ (p-١٩٩)أيْ: يَثْقُبُ ما صادَفَهُ؛ مِن جِنِّيٍّ وغَيْرِهِ؛ وإنْ كانَ الجِنِّيُّ مِن نارٍ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ نارًا خالِصَةً؛ وعَلى التَّنَزُّلِ فَرُبَّما كانَ الشَّيْءُ الواحِدُ أنْواعًا؛ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ؛ فَيُؤَثِّرُ أقْواهُ في أضْعَفِهِ؛ كالحَدِيدِ؛ وتارَةً يُخْطِئُ الجِنِّيَّ؛ وتارَةً يُصِيبُهُ؛ وإذا أصابَهُ فَتارَةً يَحْرِقُهُ؛ فَيُتْلِفُهُ؛ وتارَةً يُضْعِفُهُ.
الصافات 37:11
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا الكِتابِ الأعْظَمِ بَيانَ الأُصُولِ الأرْبَعَةِ؛ التَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ والمَعادِ؛ وإثْباتَ القَضاءِ والقَدَرِ؛ ودَلَّ - سُبْحانَهُ - بِهَذِهِ المَذْكُوراتِ عَلى وُجُودِهِ؛ وكَمالِ عِلْمِهِ؛ وتَمامِ قُدْرَتِهِ عَلى الأفْعالِ الهائِلَةِ؛ وبَدِيعِ حِكْمَتِهِ؛ اللّازِمِ مِنهُ إثْباتُ وحْدانِيَّتِهِ؛ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ إجْمالِ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [يس: ٨١] فَكانَ ما دُونَها مِنَ الأفْعالِ أوْلى؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ - لِإثْباتِ الحَشْرِ؛ الَّذِي أخْبَرَ بِهِ هَذا القُرْآنُ؛ الَّذِي حَرَسَهُ عَنْ تَلْبِيسِ الجانِّ بِزِينَةِ الكَواكِبِ؛ الَّتِي أنْشَأ مِنها الشُّهُبَ الثَّواقِبَ - قَوْلَهُ - تَهَكُّمًا بِهِمْ -: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أيْ: سَلْهم أنْ يَتَفَتَّوْا بِأنْ يُبَيِّنُوا لَكَ ما تَسْألُهم عَنْهُ مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ وأصْلُهُ مِن ”الفُتُوَّةُ“؛ وهي الكَرَمُ؛ ﴿أهم أشَدُّ﴾؛ أيْ: أقْوى؛ وأشَقُّ؛ وأصْعَبُ ﴿خَلْقًا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ إحْكامِ الصَّنْعَةِ؛ وقُوَّتِها؛ وعِظَمِها؛ ﴿أمْ مَن﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ الإعْلامَ بِأنَّهُ لا شَيْءَ مِنَ المَوْجُوداتِ إلّا وهو خَلْقُهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ دُونَ ذِكْرِ ”نا“؛ ولِيَكُونَ أعَمَّ؛ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَفْهُومٌ؛ ولِئَلّا يَلْبِسَ إذا ذُكِرَ ضَمِيرُ المُسْتَفْتِينَ؛ (p-٢٠٠)فَقالَ: ﴿خَلَقْنا﴾؛ أيْ: مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي عَدَدْناها؛ مِنَ الحَيِّ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الجِنِّ؛ الَّذِينَ أعْطَيْناهم قُدْرَةَ التَّوَصُّلِ إلى الفَلَكِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وعَبَّرَ بِـ ”مَن“؛ تَغْلِيبًا لِلْعاقِلِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ؛ مِمّا بَيْنَ السَّماواتِ والأرْضِ.
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا أنَّ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ أشَدُّ خَلْقًا مِنهُمْ؛ وأنَّهم هم مِن أضْعَفِ الخَلائِقِ خَلْقًا؛ قالَ - دالًّا عَلى إرادَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ في السُّؤالِ؛ مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهُمُ البَعْثَ؛ لِاسْتِبْعادِهِمْ تَمْيِيزَ التُّرابِ مِنَ التُّرابِ؛ يَلْزَمُ مِنهُ إنْكارُ ابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى هَذا الوَجْهِ -: ﴿إنّا خَلَقْناهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿مِن طِينٍ﴾؛ أيْ: تُرابٍ رَخْوٍ مَهِينٍ؛ ﴿لازِبٍ﴾؛ أيْ: شَدِيدِ اخْتِلاطِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ فالتَصَقَ؛ وضَمُرَ؛ وتَضايَقَ؛ وتَلازَمَ بَعْضُهُ لِبَعْضٍ؛ وقَلَّ؛ واشْتَدَّ؛ ودَخَلَ بَعْضُ أجْزائِهِ في بَعْضٍ؛ وصَلُبَ؛ وثَبَتَ؛ فَصارَ تَمْيِيزُ بَعْضِهِ مِن بَعْضٍ أصْعَبَ مِن تَمْيِيزِ بَعْضِ التُّرابِ المُنْتَثِرِ مِن بَعْضٍ؛ قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”هُوَ الطِّينُ الحُرُّ الجَيِّدُ اللِّزِقُ“.
وإنَّما كانُوا مِن طِينٍ لِأنَّ أباهم آدَمَ كانَ مِنهُ؛ مِن غَيْرِ أبٍ؛ ولا أُمٍّ؛ فَصارُوا بِهَذا التَّقْدِيرِ بَعْضَ الطِّينِ الَّذِي هو بَعْضُ خَلْقِهِ؛ الَّذِي عَدَّدَهُ قَبْلَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ حالَ الطِّينِ مُباعِدَةٌ لِحالِهِمْ؛ ولَكِنَّهم كانُوا بِقُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ - الذّاتِيَّةِ؛ الَّتِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْها مَقْدُورٌ؛ ولا يُعْجِزُها مَأْمُورٌ؛ فَدَلَّ ابْتِداءُ خَلْقِهِمْ؛ وخَلْقِ ما هو أشَدُّ مِنهُمْ؛ وأعْظَمُ؛ (p-٢٠١)عَلى القُدْرَةِ عَلى إعادَتِهِمْ قَطْعًا؛ بَلْ بِطَرِيقِ الأوْلى مِن غَيْرِ وجْهٍ؛ وحَسَّنَ هَذا الِاسْتِفْتاءُ؛ كُلَّ الحُسْنِ؛ خَتْمَ الكَلامِ قَبْلَهُ بِمَن بَلَغُوا السَّماءَ تَكَبُّرًا وعُلُوًّا؛ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا؛ تَجَبُّرًا وعُلُوًّا؛ وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما يَرُدُّهم مَقْهُورِينَ؛ مُبْعَدِينَ؛ مَدْحُورِينَ؛ واسْتَثْنى مِنهم مَن ”خَطِفَ“؛ لِيُعْلَمَ أنَّهُ غَيْرُ مُحالٍ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنهُمُ الآمالُ؛ هَذا مَعَ ذِكْرِهِ في خَلْقِهِمْ مِنَ الطِّينِ اللّازِبِ؛ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الرُّسُوبُ - لِثِقَلِهِ -؛ والسُّفُولُ؛ كَما أنَّ مِن شَأْنِ مَن خَتَمَ بِهِمْ ما قَبْلَهُ العُلُوَّ - لِخِفَّتِهِمْ - والصُّعُودَ.
الصافات 37:12
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ المُرادَ بِهَذا الأمْرِ بِالِاسْتِفْتاءِ إنَّما هو التَّبْكِيتُ؛ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ الجَوابَ: لَيْسُوا أشَدَّ خَلْقًا مِن ذَلِكَ؛ فَلَيْسَ بَعْثُهم مُمْتَنِعًا؛ ولَيْسَتْ غَلَبَتُهم لِرَسُولِ الواحِدِ القَهّارِ - الَّذِي حَكَّمَهُ في هَذا الوَحْيِ بِإظْهارِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ - بِجائِزَةٍ أصْلًا نَقْلًا؛ ولا عَقْلًا؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ فَلا شُبْهَةَ لَهم في إنْكارِهِ؛ ولا في ظَنِّهِمْ أنَّهم يَغْلِبُونَ رَسُولَنا؛ بَلْ هم في مَحَلِّ عَجَبٍ شَدِيدٍ في إنْكارِهِ؛ وظَنِّهِمْ أنَّهم غالِبُونَ في الدُّنْيا؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْنِدًا العَجَبَ إلى (p-٢٠٢)أجَلِّ المَوْجُوداتِ؛ أوْ أجَلِّ المَخْلُوقاتِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ بِمَعْنى أنَّهُ قَوْلٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: إنَّهُ لا يَدْرِي ما الَّذِي أوْقَعَ فِيهِ؛ وكانَ سَبَبًا لِارْتِكابِهِ؛ فَقالَ: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾؛ بِضَمِّ التّاءِ؛ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ لَفْتًا لِلْقَوْلِ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِإسْنادِ التَّعَجُّبِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - إشارَةً إلى تَناهِي هَذا العَجَبِ إلى حَدٍّ لا يُوصَفُ؛ لِإسْنادِهِ إلى مَن هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ؛ وبِفَتْحِها عِنْدَ الباقِينَ؛ أيْ: مِن جُرْأتِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ؛ ولا سِيَّما وقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في هَذِهِ الأسالِيبِ الغَرِيبَةِ؛ والوُجُوهِ البَدِيعَةِ العَجِيبَةِ؛ الَّتِي لا يَشُكُّ فِيها مَن لَهُ أدْنى تَصَوُّرٌ؛ وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ ظَنَّ - كَما هو اللّائِقُ - أنَّهُ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ أحَدٌ إلّا آمَنَ بِهِ؛ قالَ القُشَيْرِيُّ: وحَقِيقَةُ التَّعَجُّبِ تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ فِيهِ السَّبَبُ؛ مِمّا لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِحُدُوثِ مِثْلِهِ؛ ومِثْلُ هَذا حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ؛ وأبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”ضَحِكَ - وفي رِوايَةٍ: عَجِبَ - اللَّهُ مِن فِعالِكُما اللَّيْلَةَ“؛» وحَدِيثُ البُخارِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (p-٢٠٣)عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أيْضًا: «”عَجِبَ رَبُّنا مِن أقْوامٍ يُقادُونَ إلى الجَنَّةِ في السَّلاسِلِ“؛» ومِثْلُهُ كَثِيرٌ؛ والمَعْنى في الكُلِّ التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ الفِعْلِ؛ وأنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يُنْكِرُوهُ؛ لِقِلَّةِ الدَّلائِلِ عَلَيْهِ؛ بَلْ قَدْ أتى مِن دَلائِلِهِ ما يُعْجِبُ إعْجابًا عَظِيمًا مِن كَثْرَتِهِ؛ وطُولِ الأناةِ في مُواتَرَتِهِ؛ ﴿ويَسْخَرُونَ﴾؛ أيْ: حَصَلَ لَكَ العَجَبُ؛ والحالُ أنَّهم يُجَدِّدُونَ السُّخْرِيَةَ كُلَّما جِئْتَهم بِحُجَّةٍ؛
الصافات 37:13
﴿وإذا ذُكِّرُوا﴾؛ أيْ: وُعِظُوا مِن أيِّ واعِظٍ كانَ؛ بِشَيْءٍ هم بِهِ عارِفُونَ جِدًّا؛ يَدُلُّهم عَلى البَعْثِ؛ مِثْلِ ما يُذَكَّرُونَ بِهِ مِنَ القُدْرَةِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ مِنهم أنَّ أحَدًا يَدَعُ مَن تَحْتَ يَدِهِ بِلا مُحاسَبَةٍ؛ ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾؛ أيْ: لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِ التَّذْكِيرِ.
الصافات 37:14
ولَمّا ذَكَرَ إعْراضَهم عَنِ المَسْمُوعِ؛ أتْبَعَهُ إعْراضَهم عَنِ المَرْئِيِّ؛ فَقالَ: ﴿وإذا رَأوْا آيَةً﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وغَيْرِهِ؛ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ السُّخْرِيَةَ بِها؛ بِأنْ يَدْعُوَ بَعْضُهم بَعْضًا لِذَلِكَ؛ مِن شِدَّةِ اسْتِهْزائِهِمْ.
الصافات 37:15
ولَمّا كانَ إنْكارُهم لِلْبَعْثِ؛ ولَوْ صَدَرَ مَرَّةً واحِدَةً؛ في الشَّناعَةِ؛ والعِظَمِ؛ والقَباحَةِ؛ مِثْلَ تَجْدِيدِهِمْ لِلسُّخْرِيَةِ كُلَّما سَمِعُوا آيَةً؛ والمُبالَغَةِ فِيها؛ (p-٢٠٤)لِأنَّ دَلائِلَهُ مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِمَكانٍ هو في غايَةِ البُعْدِ عَنِ الشُّكُوكِ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِالماضِي؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: ما هو غايَةٌ في العَجَبِ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: الَّذِي أتانا بِهِ مِن أمْرِ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ مِمّا شاهَدْناهُ؛ أوْ أخْبَرَنا بِهِ؛ ﴿إلا سِحْرٌ﴾؛ أيْ: خَيالٌ؛ وأُمُورٌ مُمَوِّهَةٌ؛ لا حَقائِقَ لَها؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرٌ في نَفْسِهِ؛ ومُظْهِرٌ لِسُخْرِيَتِهِ؛
الصافات 37:16
ثُمَّ خَصُّوا البَعْثَ بِالإنْكارِ؛ ﴿أإذا مِتْنا﴾؛ وعَطَفُوا عَلَيْهِ ما هو مُوجِبٌ عِنْدَهم لِشِدَّةِ الإنْكارِ؛ فَقالُوا: ﴿وكُنّا﴾؛ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ التَّمَكُّنِ؛ ﴿تُرابًا﴾؛ قَدَّمُوهُ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى مُرادِهِمْ؛ لِأنَّهُ أبْعَدُ عَنِ الحَياةِ؛ ﴿وعِظامًا﴾؛ كَأنَّهم جَعَلُوا كُلَّ واحِدٍ - مِنَ المَوْتِ؛ والكَوْنِ -؛ إلى التُّرابِيَّةِ المَحْضَةِ؛ والعِظامِيَّةِ المَحْضَةِ؛ أوِ المُخْتَلَطَةِ مِنهُما؛ مانِعًا مِنَ البَعْثِ؛ وهَذا بَعْدَ اعْتِرافِهِمْ أنَّ ابْتِداءَ خَلْقِهِمْ كانَ مِنَ التُّرابِ؛ مَعَ أنَّ هَذا ظاهِرٌ جِدًّا؛ ”ولَكِنْ عُقُولٌ أضَلَّها بارِيها“؛ ثُمَّ كَرَّرُوا الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ؛ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ بِهِ؛ زِيادَةً في الإنْكارِ؛ فَقالُوا: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾
الصافات 37:17
ولَمّا كانَ المَعْنى: أيَثْبُتُ بَعْثُنا؟ عَطَفُوا عَلَيْهِ قَوْلَهم - مُكَرِّرِينَ لِلِاسْتِفْهامِ (p-٢٠٥)الإنْكارِيِّ؛ تَأْكِيدًا لِزِيادَةِ اسْتِبْعادِهِمْ؛ حَتّى إنَّهم قاطِعُونَ بِأنَّهُ مُحالٌ؛ فَقالُوا قَوْلًا واهِيًا -: ﴿أوَآباؤُنا﴾؛ أيْ: يَثْبُتُ بَعْثُنا؛ وكَذا آباؤُنا؟ وزادُوا في الِاسْتِبْعادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الأوَّلُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ طالَ مُكْثُهم في الأرْضِ تَحْتَ أطْباقِ الثَّرى؛ وانْمَحَقَتْ أجَزاؤُهُمْ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم أثَرٌ ما؛ ومَرَّتِ الدُّهُورُ؛ ولَمْ يُبْعَثْ أحَدٌ مِنهم يَوْمًا مِنَ الأيّامِ؛ يَدُلُّنا بَعْثُهُ عَلى ما يُدَّعى مِن ذَلِكَ.
الصافات 37:18
ولَمّا بالَغُوا هَذِهِ المُبالَغاتِ في إنْكارِهِ؛ بَعْدَ قِيامِ البَراهِينِ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ عَلى جَوازِهِ؛ بَلْ وُجُوبِهِ عادَةً؛ أمَرَهُ بِأنْ يُجِيبَهم بِما يُقابِلُ ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قُلْ نَعَمْ﴾؛ أيْ: تُبْعَثُونَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ قَدَّرْتُمُوهُ؛ وذَكَرَ حالَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾؛ أيْ: مُكْرَهُونَ عَلَيْهِ؛ صاغِرُونَ؛ ذَلِيلُونَ؛ حَقِيرُونَ؛
الصافات 37:19
ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الوَعْدِ بِتَحَتُّمِ كَوْنِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غايَةٌ في الهَوانِ فَقالَ: ﴿فَإنَّما﴾؛ أيْ: يَكُونُ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّكم تُزْجَرُونَ؛ فَتَقُومُونَ؛ والزَّجْرَةُ الَّتِي يَقُومُونَ بِها إنَّما ﴿هِيَ زَجْرَةٌ﴾؛ أيْ: صَيْحَةٌ؛ وأكَّدَ ما يُفْهِمُهُ مِنَ الوَحْدَةِ؛ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ؛ تَصْرِيحًا بِذَلِكَ؛ وتَحْقِيرًا لِأمْرِ البَعْثِ في جَنْبِ قُدْرَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - فَقالَ: ﴿واحِدَةٌ﴾؛ وهي الثّانِيَةُ؛ الَّتِي كانَتِ الإماتَةُ لِجَمِيعِ الأحْياءِ في (p-٢٠٦)آنٍ واحِدٍ بِمِثْلِها؛ وأصْلُ الزَّجْرِ الِانْتِهارُ؛ ويَكُونُ لِحَثٍّ؛ أوْ مَنعٍ؛ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ الَّذِي فَعَلَ ما يُغْضِبُ الزّاجِرَ؛ فَلِذَلِكَ سَمّى الصَّيْحَةَ زَجْرَةً.
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ مُؤْذِنًا بِالغَضَبِ؛ حَقَّقَهُ بِصَرْفِ الكَلامِ عَنْ خِطابِهِمْ؛ جَعْلًا لَهم بِمَحَلِّ البُعْدِ؛ وتَعْمِيمًا لِغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِالفاءِ المُسَبِّبَةِ المُعَقِّبَةِ؛ وأداةِ المُفاجَأةِ -: ﴿فَإذا هُمْ﴾؛ أيْ: جَمِيعُ الأمْواتِ؛ بِضَمائِرِهِمْ؛ وظَواهِرِهِمُ؛ القَدِيمُ مِنهُمْ؛ والحَدِيثُ؛ أحْياءٌ؛ ﴿يَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ: في الحالِ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ ولا فارِقَ بَيْنَ مَن صارَ كُلُّهُ تُرابًا؛ ومَن لَمْ يَتَغَيَّرْ أصْلًا؛ ومَن هو بَيْنَ ذَلِكَ؛ ولَعَلَّهُ خَصَّ النَّظَرَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ كَمالِ الحَياةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: «”إذا قُبِضَ الرُّوحُ تَبِعَهُ البَصَرُ“؛» وأمّا السَّمْعُ فَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ الحَيِّ؛ لِأنَّهُ ﷺ قالَ في الكُفّارِ مِن قَتْلى بَدْرٍ: «”ما أنْتُمْ بِأسْمَعَ لِما أقُولُ مِنهُمْ“؛» وشاهَدْتُ أنا في بِلادِ العُرْقُوبِ؛ المُجاوِرَةِ لِبانْياسَ؛ مِن بِلادِ الشّامِ؛ شَجَرَةَ شَوْكٍ؛ يُقالُ لَها: ”الغُبَيْراءُ“؛ مَتى قِيلَ عِنْدَها: ”هاتِ لِيَ المِنجَلَ لِأقْطَعَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ“؛ أخَذَ ورَقُها في الحالِ في الذُّبُولِ؛ فاللَّهُ أعْلَمُ ما سَبَبُ ذَلِكَ.
الصافات 37:20
ولَمّا حَصَلَ الغَرَضُ مِن تَصْوِيرِ حالِهِمْ بِهَذا الفِعْلِ المُضارِعِ؛ عَطَفَ (p-٢٠٧)عَلَيْهِ بِصِيغَةِ المُضِيِّ؛ الَّتِي مَعْناها الِاسْتِقْبالُ؛ إعْلامًا بِتَحَقُّقِ الأمْرِ تَحَقُّقَ ما مَضى وكانَ؛ وتَحَقُّقَهُ مَعَ القِيامِ سَواءً؛ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ؛ ولا تَخَلُّلِ زَمانٍ أصْلًا؛ فَقالَ: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: كُلُّ مَن جَمَعَهُ البَعْثُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ مُعْلِمِينَ بِما انْكَشَفَ لَهُمْ؛ مِن أنَّهُ لا مُلازِمَ لَهم غَيْرُ الوَيْلِ؛ ﴿يا ويْلَنا﴾؛ أيْ: يا مَن لَيْسَ لَنا نَدِيمٌ غَيْرُهُ؛ ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾؛ أيْ: الجَزاءِ؛ لِكُلِّ عامِلٍ.
الصافات 37:21
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا إنَّما هو لِلتَّحَسُّرِ عَلى ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ النّافِعِ بِهِ؛ زادُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ - يُخاطِبُ بَعْضُهم بَعْضًا؛ بَدَلًا؛ أوْ وصْفًا بَعْدَ وصْفِ؛ دالِّينَ بِإعادَةِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى ما داخَلَهم مِنَ الهَوْلِ -: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ الخُصُومِ؛ ثُمَّ زادُوا تَأسُّفًا؛ وتَغَمُّمًا؛ وتَلَهُّفًا؛ بِقَوْلِهِمْ - لافِتِينَ القَوْلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إلى الخِطابِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى ذَمِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ؛ وأبْعَدُ عَنِ الإنْصافِ بِالِاعْتِرافِ -: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: يا دُعاةَ الوَيْلِ جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾؛ وقَدَّمُوا الجارَّ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ تَكْذِيبِهِمْ بِهِ؛ فَبَيْنَما هم في هَذا التَّأسُّفِ؛ إذْ بَرَزَ النِّداءُ بِما يُهَدِّئُ قُواهُمْ؛ ويُقِرُّ قُلُوبَهُمْ؛ وكُلاهُمْ؛ لِمَن لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ؛ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ؛ مِنَ المَلائِكَةِ الشِّدادِ الغِلاظِ؛ بِإذْلالِهِمْ؛ وإصْغارِهِمْ؛ ولِبَيانِ السُّرْعَةِ لِذَلِكَ مِن غَيْرِ تَنْفِيسٍ أسْقَطَ ما يَدُلُّ عَلى النِّداءِ؛ مِن نَحْوِ قَوْلِهِ: (p-٢٠٨)”فَقِيلَ لِلْمَلائِكَةِ“؛ أوْ ”فَقُلْنا“؛ أوْ ”فَبَرَزَ النِّداءُ مِن جانِبِ سُلْطانِنا“؛ ونَحْوِ هَذا؛
الصافات 37:22
﴿احْشُرُوا﴾؛ أيْ: اجْمَعُوا بِكُرْهٍ؛ وصَغارٍ؛ وذُلٍّ؛ أيُّها المُوَكَّلُونَ بِالعِبادِ مِنَ الأجْنادِ؛ وأظْهَرَ تَعْرِيفًا بِوَصْفِهِمُ المُوجِبِ لِحَتْفِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: بِما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا؛ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَحالِّها؛ مِنَ الخَبْطِ الَّذِي لا يَفْعَلُهُ إلّا مَن هو في أشَدِّ الظَّلامِ؛ ﴿وأزْواجَهُمْ﴾؛ أيْ: أتْباعَهُمُ الَّذِينَ اسْتَنُّوا بِهِمْ في ذَلِكَ الضَّرْبِ مِنَ الظُّلْمِ؛ وأشْباهَهم فِيهِ مِنَ الجِنِّ وغَيْرِهِمْ؛ ومَن أعانَهم ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ؛ أوْ رَضِيَ فِعْلَهُمْ؛ لِتَصِيرَ كُلُّ طائِفَةٍ عَلى حِدَةٍ؛ فَيَصِيرَ بَعْضُهم يُبَكِّتُ بَعْضًا؛ وبَعْضُهم يَشْتُمُ بَعْضًا؛ ﴿وما كانُوا﴾؛ أيْ: بِما دَعَتْهم إلَيْهِ طِباعاتُهُمُ المُعْوَجَّةُ؛ ﴿يَعْبُدُونَ﴾؛ أيْ: مُواظِبِينَ عَلى عِبادَتِهِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ؛ تَحْقِيقًا لِخَسارَتِهِمْ بِتَحَقُّقِ اعْتِمادِهِمْ عَلى غَيْرِ مُعْتَمَدٍ؛ وهو يَعُمُّ المَعْبُودَ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا بِالتَّزْيِينِ؛ ”ومَن سَبَقَتْ لَهُ الحُسْنى“؛ مُسْتَثْنًى بِآيَةِ ”الأنْبِياءِ“؛
الصافات 37:23
وأشارَ إلى سُفُولِ رُتْبَةِ مَعْبُوداتِهِمْ؛ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ بِانْتِحالِ الأذى؛ بِقَوْلِهِ - صارِفًا الأُسْلُوبَ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ ولَوْ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إلى أعْظَمَ مِنهُ -: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَفَرَّدَ بِنُعُوتِ العَظَمَةِ؛ وصِفاتِ الكَمالِ؛ والمُرادُ الَّذِينَ رَضُوا بِعِبادَتِهِمْ لَهُمْ؛ ولَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِمْ ذَلِكَ؛ ويَأْمُرُوهم بِتَوْحِيدِ اللَّهِ. (p-٢٠٩)ولَمّا كانُوا قَدْ سَلَكُوا في الدُّنْيا طَرِيقَ الشَّقاءِ المَعْنَوِيَّةِ اسْتَحَقُّوا أنْ يَلْزَمُوا في القِيامَةِ سُلُوكَ طَرِيقِهِ الحِسِّيَّةِ؛ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ عَنِ الأمْرِ بِحَشْرِهِمْ قَوْلَهُ - تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ وتَحْسِيرًا لَهم -: ﴿فاهْدُوهُمْ﴾؛ أيْ: دُلُّوهم دَلالَةً لا يَرْتابُونَ مَعَها؛ لِيَعْرِفُوا - مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الإكْراهِ عَلى سُلُوكِها - مَآلَهُمْ؛ فَيَكُونَ ذَلِكَ أعْظَمَ في نَكَدِهِمْ؛ قالَ الرّازِيُّ: وأصْلُ الهِدايَةِ التَّقَدُّمُ؛ والعَرَبُ تُسَمِّي السّابِقَ ”هادِيًا“؛ يُقالُ: ”أقْبَلَتْ هَوادِي الخَيْلِ“؛ أيْ: أعْناقُها؛ و”الهادِيَةُ“: العَصا؛ لِأنَّها تَتَقَدَّمُ مُمْسِكَها؛ و”نَظَرَ فُلانٌ هَدْيَ أمْرِهِ“؛ أيْ: جِهَتَهُ.
ثُمَّ أشارَ إلى طُولِ وُقُوفِهِمْ؛ وسُوءِ مُقامِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ - بِأداةِ الِانْتِهاءِ -: ﴿إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: طَرِيقِ النّارِ الشَّدِيدَةِ التَّوَقُّدِ الواضِحِ؛ الَّذِي لا لَبْسَ عِنْدَهم بِأنَّهُ يَشْتَرِطُهم فَيُؤَدِّيهِمْ إلَيْها؛ وخَصَّ هَذا الِاسْمَ إعْلامًا بِشَدِيدِ تَوَقُّدِها؛ وعَظِيمِ تَأجُّجِها؛ وبُعْدِ قَعْرِها؛ وضَخامَةِ غَمْرَتِها - بِتَراكُمِ بَعْضِها فَوْقَ بَعْضٍ -؛ وقُوَّةِ اضْطِرامِها؛ وعُلُوِّ شَأْنِها؛ واصْطِلامِها؛ وصَلابَةِ اضْطِرابِها؛ وتَحَرُّقِها؛ واشْتِمالِها عَلى داخِلِيها؛ وتَضايُقِها؛ وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ في كَوْنِهِمْ عَلى غَيْرِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ التَّناصُرِ؛ والتَّعاضُدِ.
الصافات 37:24
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن تَعْرِيفِهِمْ طَرِيقَ النّارِ أوَّلًا ازْدِيادَ الحَسْرَةِ؛ صَرَّحَ بِما أفْهَمَهُ حَرْفُ الغايَةِ مِن طُولِ الحَبْسِ؛ فَقالَ: ﴿وقِفُوهُمْ﴾؛ أيْ: احْبِسُوهم واقِفِينَ؛ بَعْدَ تَرْوِيعِهِمْ بِتِلْكَ الهِدايَةِ الَّتِي سَبَّبَها الضَّلالُ؛ فَكانَتْ (p-٢١٠)ثَمَرَتُها الشَّقاوَةَ؛ وإيقافُهم يَكُونُ عِنْدَ الصِّراطِ؛ نَقَلَهُ البَغَوِيُّ عَنِ المُفَسِّرِينَ؛ قالَ: لِأنَّ السُّؤالَ عِنْدَ الصِّراطِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾؛ وجَمَعَ عَلَيْهِمُ الهُمُومَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ؛ لِتَذْهَبَ أوْهامُهم كُلَّ مَذْهَبٍ؛ فَلا تَبْقى حَسْرَةٌ إلّا حَضَرَتْهُمْ؛ ولا مُصِيبَةٌ إلّا عَلَتْ قُلُوبَهم فَقَهَرَتْهُمْ؛ فَإنَّ المُكَلَّفَ كُلَّهُ ضَعْفٌ وعَوْرَةٌ؛ فَمَوْقِفُ السُّؤالِ عَلَيْهِ أعْظَمُ حَسْرَةٍ.
الصافات 37:25
ولَمّا أُوقِفُوا هَذا المَوْقِفَ الذَّلِيلَ؛ قَدْ شَغَلَهم ما دَهَمَهم مِنَ الأسَفِ عَنِ الـ ”قالَ“؛ والـ ”قِيلَ“؛ نُودُوا مِن مَقامِ السَّطْوَةِ؛ وحِجابِ الجَبَرُوتِ والعِزَّةِ - زِيادَةً في تَأْسِيفِهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وتَعْنِيفِهِمْ؛ لَفْتًا عَنْ سِياقِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ دَلالَةً عَلى أعْظَمِ خَيْبَةٍ -: ﴿ما لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَكم فَشَغَلَكُمْ؛ وألْهاكُمْ؛ حال كَوْنِكم ﴿لا تَناصَرُونَ﴾؛ أيْ: يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ ويَتَسابَقُونَ في ذَلِكَ تَسابُقَ المُتَناظِرِينَ فِيهِ؛ أُولِي الجَدِّ؛ والشَّكِيمَةِ؛ والنَّخْوَةِ؛ والحَمِيَّةِ؛ ولَوْ بِأدْنى التَّناصُرِ - بِما يُفْهِمُهُ إسْقاطُ التّاءِ -؛ أوْ بَعْدَ تَمَكُّثٍ وإعْمالِ حِيلَةٍ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ البَزِّيِّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ؛ بِالمَدِّ؛ والإدْغامِ؛ أيْنَ قَوْلُكم في ”بَدْرٍ“: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ"؟ مُعَبِّرِينَ بِما دَلَّ عَلى ثَباتِ المُناصَرَةِ.
الصافات 37:26
ولَمّا كانَ قَدْ دَهَمَهم مِنَ الأمْرِ ما أوْجَبَ إبْلاسَهُمْ؛ وأحَدَّ (p-٢١١)إدْراكَهم وإحْساسَهُمْ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِإحْلالِهِمْ في مَحَلِّ الغَيْبَةِ المُؤْذِنَةِ بِالإبْعادِ؛ بِأنْ قالَ - مُضْرِبًا عَمّا تَقْدِيرُهُ: ”إنَّهم لا يَتَناصَرُونَ“ -: ﴿بَلْ هُمُ﴾؛ وزادَ في تَعْظِيمِ ذَلِكَ الوَقْتِ والتَّذْكِيرِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهُمُ اسْتِسْلامُهُمْ؛ ثَباتًا لا زَوالَ لَهُ؛ قَدْ خَذَلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ مُوجِدِينَ الإسْلامَ؛ أيْ: الِانْقِيادَ؛ إيجادَ مَن كَأنَّهُ يَطْلُبُهُ؛ ويُعَظِّمُ فِيهِ رَغْبَتَهُ؛ رَجاءَ أنْ يُخَفَّفَ ذَلِكَ عَنْهم.
الصافات 37:27
ولَمّا أخْبَرَ بِأنَّهم سُئِلُوا؛ فَلَمْ يُجِيبُوا؛ كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهم أُخْرِسُوا؛ فَنَبَّهَ عَلى أنَّهم يَتَكَلَّمُونَ بِما يَزِيدُ نَكَدَهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات: ٢٠] إشارَةً إلى إقْبالِهِمْ عَلى الخِصامِ؛ حِينَ تَمامِ القِيامِ؛ والأخْذِ في تَحْرِيكِ الأقْدامِ بِالسَّيْرِ عَلى هَيْئَةِ الِاجْتِماعِ والِازْدِحامِ؛ إلى مَواطِنِ النَّكَدِ والِاغْتِمامِ؛ ولَمْ يَعْطِفْهُ بِالفاءِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مُسَبَّبًا عَنِ القِيامِ؛ ولا عَنِ الإيقافِ لِلسُّؤالِ؛ بِخِلافِ ما يَأْتِي عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ -: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إيقافِهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وعَبَّرَ عَنْ خِصامِهِمْ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾؛ أيْ: سُؤالَ خُصُومَةٍ.
الصافات 37:28
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ ماذا؟ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: الأتْباعُ لِرُؤَسائِهِمْ؛ مُشِيرِينَ بِأداةِ الكَوْنِ إلى المُداوَمَةِ عَلى إضْلالِهِمْ؛ مُؤَكِّدِينَ لِأجْلِ تَكْذِيبِ الرُّؤَساءِ لَهُمْ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ﴾؛ ولَمّا كانُوا يَسْتَغْوُونَهُمْ؛ ويُغْرُونَهم (p-٢١٢)بِما تَقْبَلُهُ عُقُولُهُمْ؛ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهُمْ؛ بِحَيْثُ يَقْطَعُونَ بِذَلِكَ قَطْعَ مَن كانَ يُرِيدُ الذَّهابَ إلى أمْرٍ؛ فَتَطَيَّرَ بِالسّانِحِ؛ والبارِحِ؛ فَرَأى ما يُحِبُّ؛ فَأقْدَمَ عَلَيْهِ وهو قاطِعٌ بِحُصُولِهِ؛ أشارُوا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿تَأْتُونَنا﴾؛ مُجاوِزِينَ لَنا؛ ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾؛ أيْ: عَنِ القُوَّةِ؛ والقَهْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ والسُّلْطانِ؛ في حَمْلِكم لَنا عَلى الضَّلالِ؛ فَفَعَلْنا في طاعَتِكم فِعْلَ مَن خَرَجَ لِحاجَةٍ؛ فَرَأى ما أوْجَبَ إقْدامَهُ عَلَيْها؛ فَهَذا كانَ سَبَبَ كُفْرِنا؛ وكانَ هَذا التَّفاؤُلُ مِمّا نَسِيَتِ العَرَبُ كَيْفِيَّتَهُ لَمّا نَسَخَهُ الشَّرْعُ؛ كَما وقَعَ في المَيْسِرِ؛ فاضْطَرَبَ كَلامُ أهْلِ اللُّغَةِ في تَفْسِيرِهِ؛ قالَ صاحِبُ القامُوسِ: ”البارِحُ مِنَ الصَّيْدِ“: ما مَرَّ مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ و”سَنَحَ الظَّبْيُ سُنُوحًا“: ضِدُّ ”بَرِحَ“؛ وقالَ ابْنُ القَطّاعِ؛ في كِتابِ ”الأفْعالُ“: و”سَنَحَ الشَّيْءُ سُنُوحًا“: تَيَسَّرَ؛ و”الطّائِرُ؛ والظَّبْيُ“: جَرى عَنْ يَمِينِكَ إلى يَسارِكَ؛ وهو يَتَيَمَّنُ بِهِ؛ وقالَ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”بَرِحَ الطّائِرُ؛ والظَّبْيُ؛ وغَيْرُهُما“: ضِدُّ سَنَحَ؛ وهو ما أراكَ مَيامِنَهُ؛ وأهْلُ الحِجازِ يَتَشاءَمُونَ بِهِ؛ وغَيْرُهم يَتَيَمَّنُونَ بِهِ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالسّانِحِ؛ وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ؛ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ؛ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”البارِحُ“: خِلافُ السّانِحِ؛ و”قَدْ بَرِحَ الظَّبْيُ“؛ إذا والاكَ مَياسِرَهُ؛ يَمُرُّ مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ والعَرَبُ تَتَطَيَّرُ بِالبارِحِ؛ وفي (p-٢١٣)مادَّةِ ”سَنَحَ“: و”السّانِحُ“: ما أتاكَ عَنْ يَمِينِكَ؛ مِن ظَبْيٍ؛ أوْ طائِرٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ و”البارِحُ“: ما أتاكَ مِن ذَلِكَ عَنْ يَسارِكَ؛ وقِيلَ: ”السّانِحُ“: ما والاكَ مَيامِنَهُ؛ و”البارِحُ“: ما والاكَ مَياسِرَهُ؛ وقِيلَ: ”السّانِحُ“: ما يَجِيءُ عَنْ يَمِينِكَ؛ فَتَلِي مَياسِرُهُ مَياسِرَكَ؛ والعَرَبُ تَخْتَلِفُ في عِيافَةِ ذَلِكَ؛ فَمِنهم مَن يَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ؛ ويَتَشاءَمُ بِالبارِحِ؛ وعَلى هَذا المَثَلُ: ”مَن لِي بِالسّانِحِ بَعْدَ البارِحِ“؛ قالَ في القامُوسِ: أيْ بِالمُبارَكِ بَعْدَ المَشْؤُومِ؛ ومِنهم مَن يَتَشاءَمُ بِالسّانِحِ؛ وقالَ الإمامُأبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ؛ في مادَّةِ ”سَنَحَ“: و”السّانِحُ مِنَ الطَّيْرِ؛ والظِّباءِ؛ وغَيْرِهِما“؛ هو الَّذِي يَأْتِيكَ عَنْ يَمِينِكَ أخْذًا عَلى يَسارِكَ؛ فَيُوَلِّيكَ مَياسِرَهُ؛ فَيُمْكِنُكَ رَمْيُهُ؛ وأكْثَرُ العَرَبِ يَتَيَمَّنُ بِهِ؛ وقالَ في مادَّةِ ”بَرِحَ“: و”البارِحُ مِنَ الطَّيْرِ؛ والظَّبْيِ“؛ هو خِلافُ السّانِحِ؛ وهو الَّذِي يَلْقاكَ وشَمائِلُهُ عَنْ شَمائِلِكَ؛ وهو مِمّا يَتَيَمَّنُ بِهِ أهْلُ العالِيَةِ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالسّانِحِ؛ و”السّانِحُ“؛ هو الَّذِي يَلْقاكَ ومَيامِنُهُ عَنْ مَيامِنِكَ؛ وهو مِمّا يَتَيَمَّنُ بِهِ أهْلُ نَجْدٍ؛ ويَتَشاءَمُونَ بِالبارِحِ؛ و”البارِحُ“ أبْيَنُ في التَّشاؤُمِ مِن ”السّانِحُ“؛ لِأنَّ البارِحَ هو الَّذِي يَأْخُذُ عَنْ يَسارِكَ إلى يَمِينِكَ؛ فَلا يُمْكِنُكَ طَعْنُهُ؛ فَيُتَشاءَمُ بِهِ لِتَعَذُّرِهِ عَلى الطّاعِنِ؛ أوِ الرّامِي؛ ولِذَلِكَ قالَ أبُو داوُدَ:
؎قُلْتُ لَمّا بَرَزا مِن قُنَّةٍ ∗∗∗ كَذَبَ العَيْرُ وإنْ كانَ بَرَحْ
يَقُولُ: كَذَبَ إذْ طَمِعَ أنْ يَنْجُوَ؛ وإنْ كانَ قَدْ بَرِحَ؛ وصَعُبَ (p-٢١٤)عَلى إمْكانِ طَعْنِهِ؛ وتَطَيَّرَ مَن تَيَمَّنَ بِهِ بِسَلامَتِهِ وخَلاصِهِ مِنَ الطّاعِنِ؛ وتَطَيَّرَ مَن تَيَمَّنَ بِالسّانِحِ بِأنَّهُ يَأْتِي مِن مَيامِنِكَ إلى مَياسِرِكَ؛ فَيُمَكِّنُكَ مِن طَعْنِهِ؛ ومَن تَشاءَمَ بِهِ تَطَيَّرَ بِقِلَّةِ سَلامَتِهِ؛ ووُقُوعِهِ فِيما يَكْرَهُ؛ ومِنَ الطَّيْرِ الجابِهُ؛ وهو الَّذِي يَلْقاكَ مُواجَهَةً؛ ومِنهُ النّاطِحُ أيْضًا؛ ومِنهُ القَعِيدُ؛ وهو الَّذِي يَأْتِيكَ مِن خَلْفِكَ؛ انْتَهى ما وقَفْتُ عَلَيْهِ مِن كَلامِ أهْلِ اللُّغَةِ في ذَلِكَ؛ فافْهَمْ؛ والظّاهِرُ كَما تُفْهِمُهُ الآيَةُ أنَّ العَرَبَ مُطْبِقَةٌ عَلى أنَّ ما أتى عَنِ اليَمِينِ كانَ مُبارَكًا؛ سَواءٌ كانَ أتى مِن قُدّامُ؛ مُواجِهًا لَكَ؛ ومَرَّ إلى جِهَةِ الخَلْفِ؛ فَوَلِيَتْكَ مَيامِنُهُ؛ أوْ أتى مِنَ الجانِبِ الأيْمَنِ؛ سَواءٌ كانَ ابْتِداءُ إتْيانِهِ مِن خَلْفُ؛ أوْ لا؛ فَمَرَّ مِن قُدّامِكَ عَرْضًا إلى جِهَةِ اليَسارِ؛ فَوَلِيَتْكَ في الحالَتَيْنِ مَياسِرُهُ؛ وما أتى مِن جِهَةِ اليَسارِ عَلى ضِدِّ ذَلِكَ كانَ مَشْؤُومًا؛ وكَأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَّسْمِيَةِ؛ فَأكْثَرُهم سَمّى الأوَّلَ ”سانِحًا“؛ مِن ”السُّنْحُ“؛ بِالضَّمِّ؛ وهو اليُمْنُ؛ والبَرَكَةُ؛ وهو مِن قَوْلِهِمْ: ”سَنَحَ لِي رَأْيٌ“؛ تَيَسَّرَ؛ لِشُهْرَةِ مَعْنى اليُمْنِ عِنْدَهم في ذَلِكَ؛ والثّانِي ”بارِحًا“؛ مِن ”البَرْحُ“؛ وهو الشِّدَّةُ؛ والشَّرُّ؛ لِشُهْرَةِ هَذا المَعْنى عِنْدَهم في مادَّةِ ”بَرِحَ“؛ وبَعْضُهم عَكَسَ؛ فَسَمّى الأوَّلَ ”بارِحًا“؛ مِن ”البَرْحَةُ“؛ وهي النّاقَةُ تَكُونُ مِن خِيارِ الإبِلِ؛ لِشُهْرَةِ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ؛ وسَمّى الثّانِي ”سانِحًا“؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”سَنَحَهُ عَمّا أرادَ“؛ صَرَفَهُ؛ و”سَنَحَ بِالرَّجُلِ؛ وعَلَيْهِ“: أخْرَجَهُ؛ (p-٢١٥)أوْ أصابَهُ بِشَرٍّ؛ فَمِنَ الِاخْتِلافِ في التَّسْمِيَةِ أتى الخِلافُ؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِالمَعْنى؛ دُونَ الِاسْمِ؛ لِأنَّ كَلامَهُ - سُبْحانَهُ - لا يَخُصُّ قَوْمًا دُونَ غَيْرِهِمْ؛ وأمّا التَّعْلِيلُ بِإمْكانِ الطَّعْنِ؛ والرَّمْيِ؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ الإنْسانَ يَنْفَتِلُ عَنْ هَيْئَةِ وُقُوفِهِ بِأدْنى حَرَكَةٍ؛ فَيَنْعَكِسُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أمْرُ المَياسِرِ؛ والمَيامِنِ؛ ويَتَغَيَّرُ حالُ الطَّعْنِ والرَّمْيِ؛ هَذا إذا سُلِّمَ أنَّ الطَّعْنَ والرَّمْيَ يَعْسُرُ مِن جِهَةِ المَياسِرِ؛ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ ولَوْ كانَ المَعْنى دائِرًا عَلَيْهِ؛ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ؛ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى الأعْسَرِ؛ وغَيْرِهِ؛ لا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ العالِيَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وأمّا البَيْتُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ؛ فَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى أنَّ قائِلَهُ كانَ في حاجَةٍ لَهُ؛ لا بُدَّ لَهُ مِنها؛ فَرَأى البارِحَ؛ فَلَمْ يَتَطَيَّرْ مِنهُ؛ ولَجَّ في أمْرِهِ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهُ؛ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ عِنْدَ العَرَبِ؛ وأمّا الجابِهُ وغَيْرُهُ فَأسْماءٌ أُخَرُ لِبَعْضِ أنْواعِ كُلٍّ مِنَ السّانِحِ؛ والبارِحِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ؛ أحْمَدُ بْنُ حَمْدانَ الرّازِيُّ؛ في كِتابِهِ ”الزِّينَةُ“: العِيافَةُ؛ والقِيافَةُ؛ والزَّجْرُ؛ نَوْعٌ مِنَ الكَهانَةِ؛ إلّا أنَّهُ أخَفُّ في الكَراهَةِ؛ وذَلِكَ أنَّ الكاهِنَ كانَ بِمَنزِلَةِ الحاكِمِ؛ وكانَ مِنَ الكُهّانِ مَن يُعْبَدُ كَما يُعْبَدُ الصَّنَمُ؛ وكانُوا سَدَنَةَ الأصْنامِ؛ قُلْتُ: والكاهِنُ في اللُّغَةِ: مَن يَقْضِي بِالغَيْبِ؛ وذَلِكَ هو غايَةُ العِلْمِ؛ فَهو وصْفٌ يَدُلُّ عَلى التَّوَغُّلِ في العِلْمِ؛ انْتَهى؛ قالَ أبُو حاتِمٍ: وسَمِعْتُ بَعْضَ أهْلِ الأدَبِ قالَ: ”الكاهِنُ“؛ بِالعِبْرانِيَّةِ: العالِمُ؛ وكانُوا يُسَمُّونَ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كهنا ربا؛ مَعْناهُ عالِمُ الرَّبِّ؛ ثُمَّ قالَ: (p-٢١٦)إنَّ الكَهانَةَ؛ والسِّحْرَ؛ كانا عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ نَوْعًا مِنَ العِلْمِ؛ فَكانَ السّاحِرُ؛ والكاهِنُ؛ اسْمَيْنِ مَحْمُودَيْنِ؛ فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ؛ صارَ هَذانِ الِاسْمانِ مَذْمُومَيْنِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ؛ لَمّا كَشَفَ لَهم ما في ذَلِكَ مِنَ الشَّرِّ؛ ثُمَّ قالَ: فَأمّا العائِفُ؛ والقائِفُ؛ والزّاجِرُ؛ فَلَمْ يَكُنْ سَبِيلُهم كَذَلِكَ - يَعْنِي كالكاهِنِ؛ في أنَّهُ رُبَّما عُبِدَ -؛ قالَ: وإنَّما كُرِهَ لِأنَّهُ كانَ يُخْبِرُ بِشَيْءٍ غائِبٍ؛ فَكُرِهَ كَما كُرِهَ أمْرُ النُّجُومِ؛ تَوَقِّيًا أنْ يَكُونَ مِثْلَ الدَّعْوى في عِلْمِ الغَيْبِ؛ والعائِفُ هو الَّذِي يَعِيفُ الطَّيْرَ؛ ويَزْجُرُها؛ ويَعْتَبِرُ بِأسْمائِها؛ وأصْواتِها؛ ومَساقِطِها؛ ومَجارِيها؛ فَإذا سَمِعَ صَوْتَ طائِرٍ؛ أوْ جَرى مِن يَمِينِهِ إلى شِمالِهِ؛ أوْ مِن شِمالِهِ إلى يَمِينِهِ؛ قَضى في ذَلِكَ بِخَيْرٍ؛ أوْ بِشَرٍّ؛ في الأمْرِ الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ فَإذا قَضى فِيهِ بِشَرٍّ تُجُنِّبَ ذَلِكَ الأمْرُ؛ يُقالُ: ”عافَ؛ يَعِيفُ“؛ إذا فَعَلَ ذَلِكَ؛ ومَعْنى ”عافَ“؛ أيْ: امْتَنَعَ؛ وتَجَنَّبَ؛ يُقالُ: ”عافَتِ الإبِلُ الماءَ“؛ إذا لَمْ تَشْرَبْ؛ وكَذَلِكَ يُقالُ في غَيْرِ الإبِلِ؛ و”الزّاجِرُ“ أيْضًا: هو مِثْلُ ”العائِفُ“؛ يُقالُ: يَزْجُرُ الطَّيْرَ زَجْرًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ يَنْظُرُ إلى الطَّيْرِ فَيَقْضِي فِيها مِثْلَ العائِفِ؛ فَإذا رَأى شَيْئًا كَرِهَهُ رَجَعَ عَنْ أمْرٍ يُرِيدُ أنْ يَشْرَعَ فِيهِ؛ أوْ حاجَةٍ يُرِيدُ قَضاءَها؛ و”الزّاجِرُ“؛ مَعْناهُ: النّاهِي؛ فَكَأنَّ الطَّيْرَ قَدْ زَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ الفِعْلِ؛ أوْ أنَّ مَن عافَ لَهُ زَجَرَهُ عَنْ ذَلِكَ؛ ويَكُونُ مَعْنى الزَّجْرِ أيْضًا أنَّهُ إذا رَأى مِنها شَيْئًا (p-٢١٧)صاحَ بِها وطَرَدَها؛ فَكانَ طَرْدُهُ إيّاها زَجْرًا لَها؛ ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «”أقِرُّوا الطَّيْرَ عَلى مَكِناتِها“؛» قُلْتُ: إنَّهم كانُوا إذا لَمْ يَرَوْا سانِحًا؛ ولا بارِحًا نَفَرُوا الطَّيْرَ لِيَنْظُرُوا إلى أيِّ جِهَةٍ تَطِيرُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حاتِمٍ: والأصْلُ في هَذا أنَّهم كانُوا يَزْجُرُونَ الطَّيْرَ؛ ثُمَّ كانُوا يَزْجُرُونَ الظَّبْيَ؛ والثَّعْلَبَ؛ وبِصَوْتِ الإنْسانِ يَسْتَدِلُّونَ بِلَفْظِهِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ نُسِبَتْ كُلُّها إلى الطَّيْرِ؛ فَقِيلَ: يَتَطَيَّرُ؛ أيْ يَسْتَدِلُّ بِالطَّيْرِ؛ ورُوِيَ عَنِ الأصْعَمِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَوْنٍ: ما الفَأْلُ؟ فَقالَ: هو أنْ تَكُونَ مَرِيضًا فَتَسْمَعَ: يا سالِمُ؛ وتَكُونَ باغِيًا فَتَسْمَعَ يا واجِدُ؛ قالَ: وكانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ الطِّيرَةَ؛ ويُحِبُّ الفَأْلَ؛ وفي الحَدِيثِ:
«”أصْدَقُ الطِّيَرَةِ الفَأْلُ“؛» و”الفَأْلُ“؛ مَأْخُوذٌ مِن ”الفِيالُ“؛ وهي لُعْبَةٌ يَتَقامَرُونَ بِها؛ كانُوا يَأْخُذُونَ الدَّراهِمَ فَيَخْلِطُونَها بِالتُّرابِ؛ ثُمَّ يَجْمَعُونَهُ طَوِيلًا؛ ثُمَّ يَقْسِمُونَهُ بِنِصْفَيْنِ؛ ويَتَقارَعُونَ عَلَيْهِ؛ فَمَن أصابَهُ القُرْعَةُ اخْتارَ مِنَ القِسْمَيْنِ واحِدًا؛ فَلَمّا كانَ المُفايِلُ يَخْتارُ مِنهُما ما أحَبَّ؛ سُمِّيَ ”الفَأْلَ“؛ لِأنَّهُ يَتَفاءَلُ بِما يُحِبُّهُ؛ وكانَ هَذا في العَرَبِ كَثِيرًا؛ وأكْثَرُهُ في بَنِي أسَدٍ؛ قالَ الأصْمَعِيُّ: (p-٢١٨)أخْبَرَنِي سَعْدُ بْنُ نَصْرٍ أنْ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ تَذاكَرُوا عِيافَةَ بَنِي أسَدٍ؛ فَأتَوْهُمْ؛ فَقالُوا: ضَلَّتْ لَنا ناقَةٌ؛ فَلَوْ أرْسَلْتُمْ مَعَنا مَن يَعِيفُ؛ فَقالُوا لِغُلَيْمٍ لَهُمْ: انْطَلِقْ مَعَهُمْ؛ فاسْتَرْدَفَهُ أحَدُهُمْ؛ ثُمَّ سارُوا فَلَقِيَتْهم عُقابٌ كاسِرَةٌ إحْدى جَناحَيْها؛ فاقْشَعَرَّ الغُلَيْمُ؛ فَبَكى؛ فَقالُوا لَهُ: ما لَكَ؟ فَقالَ: كَسَرَتْ جَناحًا؛ ورَفَعَتْ جَناحًا؛ وحَلَفَتْ بِاللَّهِ صَراحًا؛ ما أنْتَ بِإنْسِيٍّ؛ ولا تَبْغِي لِقاحًا؛ وكانُوا يُسَمُّونَ الَّذِي يَجِيءُ عَنْ يَمِينِكَ فَيَأْخُذُ إلى شِمالِكَ ”سانِحًا“؛ والَّذِي يَجِيءُ عَنْ يَسارِكَ فَيَأْخُذُ عَلى يَمِينِكَ ”بارِحًا“؛ والَّذِي يَسْتَقْبِلُكَ ”ناطِحًا“؛ و”كافِحًا“؛ والَّذِي يَجِيءُ مِن خَلْفِكَ ”قَعِيدًا“؛ والَّذِي يُعَرِّضُ في كُلِّ وجْهٍ ”مُتِيحًا“؛ فَمِنهم مَن كانَ يَتَشاءَمُ بِالبارِحِ؛ ويَتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ؛ ومِنهم مَن كانَ يَتَيَمَّنُ بِالبارِحِ؛ ويَتَشاءَمُ بِالسّانِحِ؛ قالَ زُهَيْرٌ:
؎جَرَتْ سُنُحًا فَقُلْتُ لَها أجِيزِي ∗∗∗ نَوًى مَشْمُولَةٌ فَمَتى اللِّقاءُ
وقالَ الكُمَيْتُ:
؎ولا السّانِحاتُ البارِحاتُ عَشِيَّةً ∗∗∗ أمَرَّ سَلِيمُ القَرْنِ أمْ مَرَّ أعْضَبُ؟
وكانُوا يَزْجُرُونَ بِعَضْبِ القَرْنِ وصِحَّتِهِ؛ والأعْضَبُ الَّذِي لَهُ قَرْنٌ واحِدٌ؛ وأما القائِفُ فَهو الَّذِي يَتْبَعُ الآثارَ ويَعْرِفُها؛ ويَعْرِفُ شَبَهَ الرَّجُلِ في (p-٢١٩)ولَدِهِ؛ ويُرْوى عَنْ عَوْسَجَةَ بْنِ مُعَقِّبٍ القائِفِ: قالَ: كُنّا تُسْرَقُ نَخْلُنا فَنَعْرِفُ آثارَهُمْ؛ فَرَكِبُوا الحُمُرَ فَعَرَفْنا بِمَسِّ أيْدِيهِمْ؛ والعُذُوقِ؛ فَكَأنَّ القائِفَ سُمِّيَ قائِفًا لِأنَّهُ يَقْفُو الأثَرَ؛ يُقالُ: ”قَفا الأثَرَ“؛ و”قافَ الأثَرَ“؛ أيْ: تَبِعَهُ؛ قالَ الأصْمَعِيُّ: عَنْ أبِي طَرَفَةَ الهُذَلِيِّ قالَ: رَأى قائِفانِ أثَرَ بَعِيرٍ؛ وهُما مُنْصَرِفانِ مِن عَرَفَةَ؛ بَعْدَ النّاسِ بِيَوْمٍ؛ أوْ يَوْمَيْنِ؛ فَقالَ أحَدُهُما: ناقَةٌ؛ وقالَ الآخَرُ: جَمَلٌ؛ فاتَّبَعاهُ؛ فَإذا هُما بِهِ؛ فَأطافا بِهِ فَإذا هو خُنْثى؛ ويُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ فَطِنًا؛ عارِفًا بِالأُمُورِ: هو عائِفٌ؛ وقائِفٌ؛ وكانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ لا يَتَطَيَّرُونَ؛ ولا يَتَهَيَّبُونَ الطِّيَرَةَ؛ ويَفْتَخِرُونَ بِتَرْكِهِ؛ ويَعُدُّونَ تَرْكَهُ شَجاعَةً وإقْدامًا؛ قالَ بَعْضُ شُعَرائِهِمْ:
؎ولَقَدْ غَدَوْتُ وكُنْتُ لا ∗∗∗ أغْدُو عَلى واقٍ وحاتِمِ
؎فَإذا الأشائِمُ كالأيا ∗∗∗ مِنِ والأيامِنُ كالأشائِمِ
وقالَ آخَرُ:
؎ولَسْتُ بِهَيّابٍ إذا اشْتَدَّ رَحْلُهُ ∗∗∗ يَقُولُ عَدانِي اليَوْمَ واقٍ وحاتِمُ
؎ولَكِنَّهُ يَمْضِي عَلى ذاكَ مُقْدِمًا ∗∗∗ إذا صَدَّ عَنْ تِلْكَ الهَناةِ الخَثارِمُ
(p-٢٢٠)الخَثارِمُ: المُطَيِّرُ؛ وقِيلَ: العِيافَةُ؛ والقِيافَةُ: الطُّرُقُ والخَطُّ؛ وهو أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الكَهانَةِ؛ وهو أنْ يَخُطَّ في الأرْضِ خُطَطًا في الطُّولِ؛ ثُمَّ يَخُطُّ عَلَيْها خُطَطًا في العَرْضِ؛ ثُمَّ يَطْرُقُ بِالحَصى أوْ بِالشَّعِيرِ؛ أوْ بِخَشَباتٍ؛ ولا يَزالُ يَخُطُّ؛ ويَمْحُو؛ ويُعِيدُ؛ ثُمَّ يَتَكَهَّنُ عَلَيْهِ؛ ومِن هَذا البابِ أيْضًا عِلْمُ الكَتِفِ؛ وهو أنْ يَنْظُرَ في كَتِفِ شاةٍ؛ فَيُحَدِّثَ بِأشْياءَ تَكُونُ في العالَمِ؛ مِثْلِ الحُرُوبِ؛ والأمْطارِ؛ والرِّياحِ؛ والجَدْبِ؛ والخِصْبِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وهَذا يُقالُ لَهُ: الكَتّافُ؛ كَأنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الكَتِفِ؛ مِثْلَ ”العَرّافُ“؛ لِأنَّ العَرّافَ مِن جِنْسِ العِيافَةِ؛ والعِيافَةُ؛ والعَرافَةُ سَواءٌ؛ فَهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها مِنَ السِّحْرِ؛ والكَهانَةِ؛ والقِيافَةِ؛ والعِيافَةِ؛ والخَطِّ؛ والطُّرُقِ؛ والكَتِفِ؛ وما أشْبَهَها؛ قَدْ جاءَتْ فِيها الأخْبارُ؛ والرِّواياتُ؛ ويَطُولُ الخَطْبُ بِها؛ وهي كُلُّها مَكْرُوهَةٌ؛ حَرامٌ؛ فَمِنها ما جاءَ فِيها التَّشْدِيدُ؛ مِثْلَ السِّحْرِ؛ والكَهانَةِ؛ ومِنها ما جاءَ في القَلِيلِ مِنها الرُّخَصُ؛ والتَّخْفِيفُ؛ مِثْلَ القِيافَةِ؛ والعِيافَةِ؛ والكَتِفِ؛ انْتَهى.
وهُوَ مُسَلَّمٌ لَهُ في القِيافَةِ؛ وأمّا غَيْرُها فَمُنازَعٌ فِيهِ؛ ثُمَّ قالَ: فَأكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ أُصُولُها مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإذا اسْتُعْمِلَتْ بَعْدَ النَّسْخِ؛ وبَعْدَما جاءَ فِيها النَّهْيُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ كانَتْ حَرامًا؛ تَدْعُو إلى الكُفْرِ؛ والتَّعْطِيلِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الفَسادِ؛ ثُمَّ قالَ: وما كانَ مِن أمْرِ مُشْرِكِي العَرَبِ؛ فَقَدْ دَرَسَ دُرُوسًا لا يُعْرَفُ؛ ولا يُحْتاجُ إلى ذِكْرِ كَيْفِيَّتِهِ؛ إذْ كانَ مُتَلاشِيًا؛ لا أثَرَ لَهُ؛ (p-٢٢١)ولَكِنْ لا يَسْتَغْنِي الفُقَهاءُ والعُلَماءُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ؛ إذْ كانَ لَهُ في القُرْآنِ ذِكْرٌ؛ وإذْ كانَ واجِبًا عَلى العُلَماءِ تَعَلُّمُ ما في القُرْآنِ؛ عَلى حَسَبِ طاقَتِهِمْ؛ والجَهْلُ بِهِ نَقْصٌ عَلَيْهِمْ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.
الصافات 37:29
ولَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - بِتَسْمِيَةِ كَلامِهِمْ هَذا سُؤالًا؛ إلى أنَّ مُرادَهُمْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا شَيْئًا؛ أوْ حامِلُونَ عَنّا جُزْءًا مِنَ العَذابِ؟ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ أجابَ الرُّؤَساءُ بَعْدَ هَذا القَوْلِ مِنَ الأتْباعِ؟ قِيلَ: ﴿قالُوا بَلْ﴾؛ أيْ: لَمْ يَكُنْ كُفْرُهم سَبَبًا؛ بَلْ ﴿لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ بِجِبِلّاتِكُمْ؛ فَلِذَلِكَ تابَعْتُمُونا فِيما أمَرْناكم بِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ في طَبْعِكُمْ؛ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ راسِخًا في الإيمانِ كانَ مِنهُمْ؛
الصافات 37:30
ثُمَّ أكَّدُوا هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِمْ - نافِينَ لِما أشارُوا بِاليَمِينِ إلَيْهِ -: ﴿وما كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا ثابِتًا؛ ﴿لَنا عَلَيْكُمْ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾؛ أيْ: فَأكْرَهْناكم بِذَلِكَ السُّلْطانِ؛ إنَّما تَبِعْتُمُونا بِاخْتِيارِكُمْ؛ وهو مَعْنى ﴿بَلْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿قَوْمًا﴾؛ أيْ: ذَوِي قُوَّةٍ؛ وكِفايَةٍ لِما تُحاوِلُونَهُ مِنَ الأُمُورِ؛ ﴿طاغِينَ﴾؛ أيْ: مُجاوِزِينَ لِمَقادِيرِكُمْ؛ غالِينَ في الكُفْرِ؛ مُسْرِفِينَ في المَعاصِي والظُّلْمِ؛ ولِذَلِكَ لَكم خَلْقٌ (p-٢٢٢)لا تَحْتاجُونَ فِيهِ إلى كَبِيرِ تَحَرُّكٍ؛
الصافات 37:31
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾؛ أيْ: كُلِّنا؛ نَحْنُ وأنْتُمْ؛ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ وعَبَّرُوا بِما يَدُلُّ عَلى نَدَمِهِمْ؛ فَقالُوا: ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾؛ أيْ: الَّذِي قابَلْنا إحْسانَهُ إلَيْنا؛ وتَرْبِيَتَهُ لَنا بِالكُفْرانِ؛ وقَوْلُهُ هو الحُكْمُ بِالضَّلالِ - لِما في قُلُوبِنا مِنَ القابِلِيَّةِ لَهُ؛ والإباءِ لِلْإيمانِ -؛ فالحُكْمُ بِالعَذابِ.
ولَمّا تَصَوَّرُوا ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ الخَطَإ الفاحِشِ عَنِ الطَّرِيقِ الواضِحِ؛ وعَلِمُوا أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَتْرُكُهُ أحَدٌ إلّا بِقَهْرِ قاهِرٍ؛ فَتَصَوَّرُوا أنَّهُ ما قَسَرَهم عَلَيْهِ إلّا حُقُوقُ الكَلِمَةِ العُلْيا؛ عَلِمُوا أنَّهم مِثْلَما صارُوا إلى حُكْمِها في الكُفْرِ يَصِيرُونَ إلى حُكْمِها في العَذابِ؛ فَقالُوا - لِما دَهَمَهم مِنَ التَّحَسُّرِ؛ مُرِيدِينَ بِالتَّأْكِيدِ قَطْعَ أطْماعِ الأتْباعِ عَمّا أفْهَمَهُ كَلامُهم مِن أنَّ الرُّؤَساءَ يُغْنُونَ عَنْهم شَيْئًا -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: جَمِيعًا ﴿لَذائِقُونَ﴾؛ أيْ: ما وقَعَ لَنا بِهِ الوَعِيدُ مِن سُوءِ العَذابِ.
الصافات 37:32
ولَمّا قَضَوْا عُلالَةَ التَّحَسُّرِ؛ والتَّأسُّفِ؛ والتَّضَجُّرِ؛ رَجَعُوا إلى إتْمامِ ذَلِكَ الكَلامِ؛ فَقالُوا: ﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾؛ أيْ: أضْلَلْناكُمْ؛ وأوْقَعْناكم في الغَيِّ؛ بِسَبَبِ حُقُوقِ ذَلِكَ القَوْلِ عَلَيْنا؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ - مُؤَكِّدِينَ أيْضًا؛ لِرَدِّ ما ادَّعاهُ الأتْباعُ مِن أنَّهُ ما كانَ سَبَبُ إغْوائِهِمْ إلّا الرُّؤَساءَ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ ﴿كُنّا غاوِينَ﴾؛ أيْ: في طَبْعِنا الغَوايَةُ؛ وهي العُدُولُ عَنِ الطَّرِيقِ المُثْلى إلى المَهالِكِ.
الصافات 37:33
(p-٢٢٣)ولَمّا قالَ لَهُمُ الرُّؤَساءُ ما هو الحَقُّ مِن أمْرِهِمْ؛ مِمّا أوْجَبَ الحُكْمَ بِاشْتِراكِهِمْ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا؛ دَفْعًا لِمَن يَتَوَهَّمُ اخْتِصاصَ العَذابِ بِالسَّبَبِ -: ﴿فَإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: الفَرِيقَيْنِ؛ بِسَبَبِ ما ذَكَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾؛ أيْ: يَوْمَ إذْ كانَ هَذا التَّقاوُلُ بَيْنَهُمْ؛ ﴿فِي العَذابِ﴾؛ أيْ: الأكْبَرِ؛ ﴿مُشْتَرِكُونَ﴾؛ أيْ: في أصْلِهِ؛ وهم مَعَ ذَلِكَ مُتَفاوِتُونَ في وصْفِهِ؛ عَلى مَقادِيرِ كُفْرِهِمْ؛ كَما كانُوا مُتَشارِكِينَ في السَّبَبِ؛ مُتَفاوِتِينَ في شِدَّتِهِمْ فِيهِ؛ ولِينِهِمْ؛ هَذا وقَدْ قالَ البُخارِيُّ؛ في صَحِيحِهِ؛ في تَفْسِيرِ ”حـم السَّجْدَةِ“: وقالَ المِنهالُ عَنْ سَعِيدٍ: قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنِّي أجِدُ في القُرْآنِ أشْياءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ؛ قالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]؛ فَقَدْ كَتَمُوا في هَذِهِ الآيَةِ؛ وقالَ: ﴿السَّماءُ بَناها﴾ [النازعات: ٢٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ فَذَكَرَ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ خَلْقِ الأرْضِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]؛ إلى: ﴿طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]؛ فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ؛ وقالَ: ”وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا“؛ ”عَزِيزًا حَكِيمًا“؛ ”سَمِيعًا بَصِيرًا“؛ فَكَأنَّهُ كانَ؛ ثُمَّ مَضى؛ فَقالَ: ﴿فَلا أنْسابَ بَيْنَهُمْ﴾ [المؤمنون: ١٠١]؛ في النَّفْخَةِ الأُولى؛ ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ؛ (p-٢٢٤)فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ؛ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ؛ فَلا أنْسابَ عِنْدَ ذَلِكَ؛ ولا يَتَساءَلُونَ؛ ثُمَّ في النَّفْخَةِ الآخِرَةِ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]؛ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لِأهْلِ الإخْلاصِ ذُنُوبَهُمْ؛ وقالَ المُشْرِكُونَ: تَعالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مُشْرِكِينَ؛ فَخُتِمَ عَلى أفْواهِهِمْ؛ فَتَنْطِقُ أيْدِيهِمْ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ عُرِفَ أنَّ اللَّهَ لا يُكْتَمُ حَدِيثًا؛ وعِنْدَهُ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ الآيَةَ؛ وخَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ؛ ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ؛ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ ثُمَّ دَحا الأرْضَ؛ و﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ أيْ: أخْرَجَ مِنها الماءَ؛ والمَرْعى؛ وخَلَقَ الجِبالَ؛ والآكامَ؛ وما بَيْنَهُما في يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ؛ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿دَحاها﴾ [النازعات: ٣٠]؛ وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]؛ فَجُعِلَتِ الأرْضُ وما فِيها مِن شَيْءٍ في أرْبَعَةِ أيّامٍ؛ وخُلِقَتِ السَّماواتُ في يَوْمَيْنِ؛ ”وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا“؛ سَمّى نَفْسَهُ ذَلِكَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ؛ أيْ: لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إلّا أصابَ بِهِ الَّذِي أرادَ؛ فَلا يَخْتَلِفْ عَلَيْكَ القُرْآنُ؛ فَإنَّ كُلًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ.
وقالَ في سُورَةِ ”المُرْسَلاتِ“: وسُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ﴾ [يس: ٦٥]؛ فَقالَ: إنَّهُ ذُو ألْوانٍ؛ مَرَّةً يَنْطِقُونَ؛ ومَرَّةً يَخْتِمُ عَلَيْهِمْ.
الصافات 37:34
(p-٢٢٥)ولَمّا أخْبَرَ - سُبْحانَهُ - بِاشْتِراكِهِمُ؛ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِما يُهَوِّلُ أمْرَ عَذابِهِمْ؛ ويُشِيرُ إلى عُمُومِهِ في الدّارَيْنِ لِكُلِّ مَن شارَكَهم في الإجْرامِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ دَفْعًا لِظَنِّ مَن يُنْكِرُ القِيامَةَ؛ وظَنِّ مَن يَرى الإمْلاءَ لِلْمُجْرِمِ في الدُّنْيا نِعْمَةً؛ ويَنْفِي كَوْنَهُ نِقْمَةً؛ أوْ يَفْعَلُ في التَّمادِي في الإجْرامِ فِعْلَ المُنْكِرِ -: ﴿إنّا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَفُوتُها شَيْءٌ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الفِعْلِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؛ ﴿نَفْعَلُ﴾؛ بِهِمْ؛ هَكَذا كانَ الأصْلُ؛ ولَكِنَّهُ عَلَّقَ بِالوَصْفِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيلًا؛ فَقالَ: ﴿بِالمُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ قاطِعٍ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ؛ في الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ؛ نُمْهِلُ؛ ثُمَّ نَأْخُذُ أخْذًا عَنِيفًا؛ يَصِيرُ بِهِ المُشْتَرِكُونَ في الظُّلْمِ أعْداءً يَتَخاصَمُونَ؛ ويُحِيلُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ؛ بَلْ نُشارِكُ بَيْنَهم في العُقُوبَةِ؛
الصافات 37:35
ثُمَّ عَلَّلَ تَعْذِيبَهُ لَهم بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِلتَّعَجُّبِ مِنهُمْ؛ لِأنَّ فِعْلَهم هَذا أهْلٌ لِأنْ يُنْكَرَ؛ لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لا يُصَدِّقُ عاقِلٌ أنَّ أحَدًا يَسْتَكْبِرُ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ لا شَيْءَ أعْدَلُ مِنها -: ﴿إنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: دائِمًا ﴿إذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ: ﴿لا إلَهَ﴾؛ أيْ: يُمْكِنُ؛ وإذا نُفِيَ المُمْكِنُ كانَ المَوْجُودُ أوْلى؛ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ إلّا ما يُمْكِنُ وُجُودُهُ؛ وإنْ كانَ واجِبًا؛ ﴿إلا اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْلى المُبايِنُ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ في ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وأفْعالِهِ؛ كَما (p-٢٢٦)هُوَ الحَقُّ؛ لِيُفْرِدُوهُ بِالإلَهِيَّةِ؛ كَما تَفَرَّدَ بِالخالِقِيَّةِ؛ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ وقَدَّمَ النَّفْيَ لِأنَّ التَّحْلِيَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ التَّخْلِيَةِ؛ ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾؛ أيْ: يُوجِدُونَ الكِبْرَ عَنِ الإقْرارِ بِهَذا الحَقِّ؛ الَّذِي لا أعْدَلَ مِنهُ؛ وعَنْ مُتابَعَةِ الدّاعِي إلَيْهِ؛ اسْتِكْبارَ مَن هو طالِبٌ لِلْكِبْرِ مِن نَفْسِهِ؛ ومِن غَيْرِهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ العَراقَةِ والعُتُوِّ؛ فَلَمْ يَكُنْ لَهم مانِعٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ السَّبْعَةِ؛ الَّتِي جُعِلَتْ كُلُّ كَلِمَةٍ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ مَعَ قَرِينَتِها الشّاهِدَةِ بِإرْسالِهِ؛ مانِعَةً مِن بابٍ مِنها؛ وإلّا كانَ في شَيْءٍ مِن ساعاتِ أيّامِهِمُ - الَّتِي هي بِعَدَدِ حُرُوفِهِما أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ - خَيْرٌ يُنْجِيهِمْ مِنَ المَكارِهِ.
الصافات 37:36
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهُمُ اسْتَكْبَرُوا عَلى تَوْحِيدِ الإلَهِ؛ أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهم تَكَلَّمُوا في رَسُولِهِ ﷺ بِما لا يَرْضاهُ؛ فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾؛ أيْ: كُلَّ حِينٍ؛ ما دَلُّوا بِهِ عَلى بُعْدِهِمْ عَنِ الإيمانِ كُلَّ البُعْدِ؛ بِسَوْقِهِمْ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ في اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ؛ مُؤَكِّدٍ؛ ﴿أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا﴾؛ أيْ: عِبادَتِها؛ وكانَ تَأْكِيدُ أصْلِ الكَلامِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَكْذِيبَهم صادِرٌ مِنهُمْ؛ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ كُلَّ عالِمٍ بِحالِهِمْ يَراهم جَدِيرِينَ بِتَرْكٍ ما هم عَلَيْهِ؛ لِما جاءَ بِهِ ﷺ؛ ولِذَلِكَ أعْلَمَ بِأنَّ ما هم عَلَيْهِ عِنادٌ؛ بِسَوْقِ تَكْذِيبِهِمْ عَلى وجْهٍ مَعْلُومِ التَّناقُضِ بِالبَدِيهَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾؛ فَإنَّ الجُنُونَ (p-٢٢٧)لا نِظامَ مَعَهُ؛ والشِّعْرَ يَحْتاجُ إلى عَقْلٍ رَصِينٍ؛ وقَصْدٍ قَوِيمٍ؛ وطَبْعٍ في الوَزْنِ سَلِيمٍ؛ أوْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ إنْكارَ المُؤَكَّدِ إنْكارٌ لِغَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
الصافات 37:37
ولَمّا كانَ مُرادُهم بِذَلِكَ أنَّ كَلامَهُ باطِلٌ؛ فَإنَّ أكْثَرَ كَلامِ الشّاعِرِ غُلُوٌّ وكَذِبٌ؛ وكَلامُ المَجْنُونِ تَخْلِيطٌ؛ كانَ كَأنَّهُ قالَ في جَوابِهِمْ: إنَّهُ لَمْ يَجِئْ بِشِعْرٍ؛ ولا بِجُنُونٍ؛ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: الكامِلِ في الحَقِّيَّةِ.
ولَمّا كانَ ما جاءَ بِهِ أهْلًا لِكَوْنِهِ حَقًّا لِأنْ يُقْبَلَ؛ وإنْ خالَفَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ؛ وكانَ مُوافِقًا مَعَ ذَلِكَ لِمَن تَقَرَّرَ صِدْقُهُمْ؛ واشْتُهِرَ اتِّباعُ النّاسِ لَهُمْ؛ فَكانَ أهْلًا لِأنْ يَقْبَلَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْزَلُوا أنْفُسَهم عَنْ أوْجِ مَعْرِفَةِ الرِّجالِ بِالحَقِّ؛ إلى حَضِيضِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ؛ عَلى زَعْمِهِمْ بِالرِّجالِ؛ فَكانَ مَآلُ أمْرِهِمُ التَّقْلِيدَ؛ قالَ: ﴿وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عَلِمَ كُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّهم أكْمَلُ بُدُورٍ أضاءَ اللَّهُ بِهِمُ الأكْوانَ في كُلِّ أوانٍ؛ وتَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ ”فاطِرٍ“؛ أنَّهم عابُوا مَن كَذَّبَهُمْ؛ وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهم أحَدٌ مِنهم لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ؛ فَكَذَّبُوا؛ بِأنْ كَذَّبُوا سَيِّدَهم بِهَذا الكَلامِ المُتَناقِضِ.
الصافات 37:38
ولَمّا وصَلُوا إلى هَذا الحَدِّ مِنَ الطُّغْيانِ؛ والزُّورِ الظّاهِرِ؛ والبُهْتانِ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَزائِهِمْ؛ فاسْتَأْنَفَ الإخْبارَ بِذَلِكَ؛ مُظْهِرًا لَهُ في أُسْلُوبِ الخِطابِ؛ إيذانًا بِتَناهِي الغَضَبِ؛ فَقالَ - في قالَبِ التَّأْكِيدِ؛ نَفْيًا لِما يُتَرْجِمُونَهُ (p-٢٢٨)مِنَ العَفْوِ؛ بِشَفاعَةِ مَنِ ادَّعَوْا أنَّهم يُقَرِّبُونَهم زُلْفى؛ ووَعْظًا لَهُمْ؛ ولِأمْثالِهِمْ في الدُّنْيا؛ فِيما يُنْكِرُونَهُ حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا -: ﴿إنَّكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُخاطَبُونَ عَلى وجْهِ التَّحْقِيرِ؛ المُجْرِمِينَ؛ ﴿لَذائِقُو﴾؛ أيْ: بِما كُنْتُمْ تُضَيِّقُونَ عَلى أوْلِياءِ اللَّهِ؛ ﴿العَذابِ الألِيمِ﴾
الصافات 37:39
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - الحَكَمَ العَدْلَ؛ فَلا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ؛ فَلا يَزِيدُ في جَزائِهِ شَيْئًا عَلى ما يَسْتَحِقُّ؛ مَعَ أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ ولا يَكُونَ فِعْلُهُ - كَيْفَما كانَ - إلّا عَدْلًا؛ قالَ: ﴿وما﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّكم ما؛ ﴿تُجْزَوْنَ﴾؛ أيْ: جُزْءًا مِنَ الجَزاءِ؛ ﴿إلا ما﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما؛ ولَمّا كانُوا مَطْبُوعِينَ عَلى تِلْكَ الخِلالِ السَّيِّئَةِ؛ بَيَّنَ أنَّها كانَتْ خُلُقًا لَهُمْ؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ الكَوْنِ؛ فَقالَ: ﴿كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ نَفْيًا لِوَهْمِ مَن قَدْ يَظُنُّ أنَّهم فَعَلُوا شَيْئًا بِغَيْرِ تَقْدِيرِهِ - سُبْحانَهُ.
الصافات 37:40
ولَمّا كانَ في المُخاطَبِينَ بِهَذا مَن عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ؛ واسْتَثْنى مِن واوِ ”ذائِقُو“؛ قَوْلَهُ - مُرَغِّبًا لَهم في الإيمانِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهم لا يَحْمِلُهم عَلى الثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالِ إلّا غِشُّ الضَّمائِرِ بِالرِّياءِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ بِهَذا الِاعْتِبارِ الدَّقِيقِ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ فَرَغَّبَهم بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ؛ الَّذِي لا أعَزَّ مِنهُ؛ وأضافَهم - زِيادَةً في الِاسْتِعْطافِ - إلى الِاسْمِ (p-٢٢٩)الأعْظَمِ؛ الدّالِّ عَلى جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ وزادَ رَغَبًا بِالوَصْفِ الَّذِي لا وصْفَ أجَلُّ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿المُخْلَصِينَ﴾
الصافات 37:41
ولَمّا خَلَّصَهم مِنهُمْ؛ ذَكَرَ ما لَهُمْ؛ فَقالَ - مُعَظِّمًا لَهم بِأداةِ البُعْدِ -: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ أيْ: العالُو القَدْرِ بِما صَفَّوْا أنْفُسَهم عَنْ أكْدارِ الأهْوِيَةِ؛ ﴿لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾؛ أيْ: يَعْلَمُونَ غائِبَهُ؛ وكائِنَهُ؛ وآتِيَهُ؛ وطَعْمَهُ؛ ونَفْعَهُ؛ وقَدْرَهُ؛ وغَبَّهُ؛ وجَمِيعَ ما يُمْكِنُ عِلْمُهُ مِن أُمُورِهِ؛ ولَيْسُوا مِثْلَ ما هم عَلَيْهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن كَدَرِ الأخْطارِ: ﴿وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]؛ لِأنَّ النَّفْسَ إلى المَعْلُومِ أسْكَنُ؛ وبِالأُنْسِ إلَيْهِ أمْكَنُ.
الصافات 37:42
ولَمّا كانَ أهْلُ الجَنَّةِ لا يَأْكُلُونَ تَقَوُّتًا واحْتِياجًا؛ بَلْ تَنَعُّمًا والتِذاذًا وابْتِهاجًا؛ لِأنَّ أجْسامَهم مُحْكَمَةٌ؛ مَخْلُوقَةٌ لِلْأبَدِ؛ فَهي غَيْرُ مُحْتاجَةٍ إلى حِفْظِ الصِّحَّةِ؛ قالَ: ﴿فَواكِهُ﴾؛ أيْ: يَتَنَعَّمُونَ بِها؛ بِما كَدَّرُوا مِن عَيْشِهِمْ في الدُّنْيا؛ ولَمّا كانَ الَّذِي هو نَعِيمُ الجِسْمِ لا يُحْمَدُ غايَةَ الحَمْدِ إلّا مَعَ العِزِّ؛ الَّذِي هو غِذاءُ الرُّوحِ؛ قالَ: ﴿وهم مُكْرَمُونَ﴾؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ وُجُودَ إكْرامِهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ أمْرٌ حَتْمٌ؛ لا يَكُونُ غَيْرُهُ أصْلًا.
الصافات 37:43
ولَمّا كانَ الإكْرامُ لا يَتِمُّ إلّا مَعَ طِيبِ المُقامِ؛ قالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا يُتَصَوَّرُ فِيها غَيْرُهُ.
الصافات 37:44
ولَمّا كانَ التَّلَذُّذُ لا يَكْمُلُ إلّا مَعَ الأحْبابِ؛ وكانَتْ عادَةُ المُلُوكِ الِاخْتِصاصَ بِالمَحَلِّ الأعْلى؛ بَيَّنَ أنَّهم كُلَّهم مُلُوكٌ؛ فَقالَ: ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾؛ أيْ: لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ وجْهُهُ إلى غَيْرِ وجْهِ (p-٢٣٠)الآخَرِ؛ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ؛
الصافات 37:45
ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ إلّا بِالشَّرابِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الطَّوافَ فِيهِ؛ لا كَوْنَهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ قالَ: ﴿يُطافُ﴾؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وكَأنَّها تُدَلّى إلَيْهِمْ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ لِيَكُونَ أشْرَفَ لَها؛ وأصْوَنَ؛ فَنَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: وهم فَوْقَ أسِرَّتِهِمْ كالمُلُوكِ؛ ﴿بِكَأْسٍ﴾؛ أيْ: إناءٍ فِيهِ خَمْرٌ؛ قالُوا: وإنْ لَمْ يَكُنْ في الزُّجاجَةِ خَمْرٌ فَهي قَدَحٌ؛ ولا تُسَمّى كَأْسًا إلّا والخَمْرُ فِيها؛ ﴿مِن مَعِينٍ﴾؛ أيْ: مِن خَمْرٍ جارِيَةٍ في أنْهارِها؛ ظاهِرَةٍ لِلْعُيُونِ؛ تَنْبُعُ كَما يَنْبُعُ الماءُ؛ لا يُعالِجُونَها بِعَصِيرٍ؛ ولا يَحْمِلُهم عَلى الرِّفْقِ بِها؛ والتَّقْصِيرِ فِيها؛ نَوْعُ تَقْصِيرٍ؛ قالَ الرّازِيُّ: إنَّما سُمِّيَتْ بِهِ إمّا مِن ظُهُورِها لِلْعَيْنِ؛ أوْ لِشِدَّةِ جَرْيِها؛ مِنَ الإمْعانِ في السَّيْرِ؛ أوْ لِكَثْرَتِها؛ مِن ”المَعْنُ“؛ وهو الكَثِيرُ؛ وسُمِّيَ الماعُونُ لِكَثْرَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ ويُقالُ: مَشْرَبٌ مَمْعُونٌ: لا يَكادُ يَنْقَطِعُ.
الصافات 37:46
ولَمّا كانَ أوَّلُ ما يُخْتارُ في الشَّرابِ لَوْنَهُ؛ ثُمَّ طَعْمَهُ؛ قالَ - واصِفًا ما في الكَأْسِ مِنَ الخَمْرِ اسْتِخْدامًا -: ﴿بَيْضاءَ﴾؛ أيْ: مُشْرِقَةً صافِيَةً؛ هي في غايَةِ اللَّطافَةِ؛ تَتَلَأْلَأُ نُورًا؛ وأعْرَقَ في وصْفِها بِالطِّيبِ؛ بِجَعْلِها تَفْسِيرًا لِلْمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾؛ بِما كانُوا يَتَجَرَّعُونَ مِن كَأْساتِ الأحْزانِ والأنْكادِ؛ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ؛ (p-٢٣١)وجَمَعَ إشارَةً إلى أنَّهم لا يَعْلُونَها إلّا كَذَلِكَ؛ بِما فِيهِ مِن مَزِيدِ اللَّذَّةِ.
الصافات 37:47
ولَمّا كانَ قَدْ أثْبَتَ لَها الكَمالَ؛ نَفى عَنْها النَّقْصَ؛ فَقالَ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾؛ أيْ: فَسادٌ مِن تَصْدِيعِ رَأْسٍ؛ أوْ إرْخاءِ مَفْصِلٍ؛ أوْ إخْماءِ كَبِدٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَغْتالُ؛ أيْ: يُهْلِكُ؛ أوْ يَكُونُ سَبَبًا لِلْهَلاكِ؛ ﴿ولا هم عَنْها﴾؛ أيْ: عادَةً بَعْدَ شُرْبِها؛ ﴿يُنْـزَفُونَ﴾؛ أيْ: يَذْهَبُ شَيْءٌ مِن عُقُولِهِمْ؛ وإنْ طالَ شُرْبُهم وكَثُرَ؛ لِئَلّا يَنْقُصَ نَعِيمُهُمْ؛ ولا يَنْفَدَ شَرابُهُمْ؛ أوْ ما عِنْدَهم مِنَ الجِدَةِ؛ لِكُلِّ ما يُسَرُّ بِهِ؛ عَلى قِراءَةِ حَمْزَةَ؛ والكِسائِيِّ؛ بِكَسْرِ الزّايِ؛ مِن ”أنْزَفَ“؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ مِثْلَ ”أقَلَّ“؛ و”أعْسَرَ“؛ إذا صارَ قَلِيلَ المالِ؛ أوْ ذَهَبَ عَقْلُهُ؛ وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ”نَزَفَ“؛ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن نَفادِ الشَّرابِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَتِ الرَّكِيَّةُ“؛ أيْ: ذَهَبَ ماؤُها؛ وأنْ تَكُونَ مِن ذَهابِ العَقْلِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَ الرَّجُلُ“؛ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ و”نُزِفَ“؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ بِمَعْنى: ذَهَبَ عَقْلُهُ؛ بِالسُّكْرِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ”أنْزَفَ“؛ وحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن ذَهابِ العَقْلِ؛ مِن ”أنْزَفَ الرَّجُلُ“؛ إذا ذَهَبَ عَقْلُهُ بِالسُّكْرِ؛ وأنْ تَكُونَ مِن عَدَمِ الشَّرابِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”نَزَفَ الرَّجُلُ الخَمْرَةَ“؛ سَواءٌ (p-٢٣٢)كانَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ أوْ لِلْمَفْعُولِ؛ إذا أفْناها.
الصافات 37:48
ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لا يَكْمُلُ إلّا بِالجِماعِ؛ والخَمْرُ أدْعى شَيْءٍ إلَيْهِ؛ وهو لا يَكْمُلُ النَّعِيمُ بِهِ إلّا بِالِاخْتِصاصِ؛ قالَ: ﴿وعِنْدَهُمْ﴾؛ نِساءٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا؛ وغَيْرِها؛ ﴿قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾؛ أيْ: لا تَطْرِفُ واحِدَةٌ مِنهُنَّ إلى غَيْرِ زَوْجِها؛ ولا يَدَعُهُ تَناهِي حُسْنِها؛ وفَرْطُ جَمالِها؛ طَرْفُهُ يَطْرِفُ إلى غَيْرِها؛ ﴿عِينٌ﴾؛ أيْ: نُجْلُ العُيُونِ؛ جَمْعُ ”عَيْناءُ“؛ كُسِرَتْ عَيْنُهُ لِمُناسَبَةِ الياءِ.
الصافات 37:49
ولَمّا كانَ أحْسَنُ الألْوانِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ العَرَبِ؛ الأبْيَضَ الأحْمَرَ المُشْرَبَ صُفْرَةً أكْسَبَتْهُ صَفاءً وإشْراقًا وبَهاءً؛ قالَ: ﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ﴾؛ أيْ: بَيْضُ نَعامٍ؛ ﴿مَكْنُونٌ﴾؛ أيْ: مَصُونٌ مِن دَنَسٍ يَلْحَقُهُ؛ وغُبارٍ يَرْهَقُهُ؛ ولِمَحَبَّةِ العَرَبِ لِهَذا اللَّوْنِ كانَتْ تَقُولُ عَنِ النِّساءِ: بَيْضاتُ الخُدُورِ؛ لِأنَّ لَوْنَهُ أبْيَضُ مُشْرَبٌ صُفْرَةً صافِيَةً؛ وقَدْ صَرَّحَ امْرُؤُ القَيْسِ بِهَذا في لامِيَّتِهِ المَشْهُورَةِ؛ فَقالَ:
؎كَبِكْرٍ مُقاناةِ البَياضِ بِصُفْرَةٍ ∗∗∗ غَذاها نَمِيرُ الماءِ غَيْرُ المُحَلَّلِ
(p-٢٣٣)أيْ: مُخالِطَةِ البَياضِ المائِلِ إلى الحُمْرَةِ بِصُفْرَةٍ؛ وهو أصْفى الألْوانِ؛ وأعْدَلُها؛ يُشابِهُ لَوْنَ نُورِ القَمَرِ.
الصافات 37:50
ولَمّا كانَ ذَلِكَ الِاجْتِماعُ إنَّما هو لِلسُّرُورِ؛ وكانَ السُّرُورُ لا يَتِمُّ إلّا بِالمُنادَمَةِ؛ وكانَ أحْلى المُنادَمَةِ ما يُذَكِّرُ بِحُلُولِ نِعْمَةٍ؛ أوِ انْحِلالِ نِقْمَةٍ؛ تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلُهُ - إشارَةً إلى فَراغِ البالِ؛ وصِحَّةِ العَقْلِ؛ بِالإصابَةِ في المَقالِ -: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾؛ أيْ: أهْلُ الجَنَّةِ بِالكَلامِ؛ وأشارَ إلى أنَّ مُجَرَّدَ الإقْبالِ بِالقَصْدِ يَلْفِتُ القُلُوبَ إلى سَماعِهِ؛ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى بَعْضٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِ الكَلامِ الَّذِي هو رُوحُ ذَلِكَ المُقامِ؛ وأمّا المُواجَهَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّها دائِمَةٌ؛ وبَيَّنَ حالَ هَذا الإقْبالِ فَقالَ: ﴿يَتَساءَلُونَ﴾؛ أيْ: يَتَحَدَّثُونَ حَدِيثًا بَيِّنًا؛ لا خَفاءَ بِشَيْءٍ مِنهُ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإظْهارُ بِما حَقُّهُ أنْ يُهْتَمَّ بِهِ؛ ويُسْألَ عَنْهُ مِن أحْوالِهِمُ الَّتِي خَلَصُوا مِنها؛ بَعْدَ أنْ كادَتْ تُرْدِيهِمْ؛ وسَمّاهُ سُؤالًا؛ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ أهْلًا لِأنْ يُسْألَ عَنْهُ؛ لا يَخْلُو عَنْ سُؤالٍ؛ أدْناهُ سُؤالُ المُحادِثِ أنْ يُصْغِيَ إلى الحَدِيثِ؛ وعَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي إعْلامًا بِتَحَقُّقِهِ تَحَقُّقَ ما وقَعَ.
الصافات 37:51
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى سَماعِ شَيْءٍ مِنها يَكُونُ نَمُوذَجًا لِلْباقِي؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: في هَذا التَّساؤُلِ؛ وشَتّانَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مَضى خَبَرُهُ مِن تَساؤُلِ أهْلِ النّارِ. (p-٢٣٤)ولَمّا كانَ ظَنُّهُ أنَّهُ لا يَخْلُصُ مِن شَرِّ ذَلِكَ القَرِينِ الَّذِي يُحَدِّثُ عَنْهُ؛ فَنَجّاهُ اللَّهُ مِنهُ؛ عَلى خِلافِ الظّاهِرِ؛ فَكانَ ذَلِكَ إحْدى النِّعَمِ الكُبْرى؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالتَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾؛ أيْ: جَلِيسٌ مِنَ النّاسِ؛ كَأنَّهُ شَيْطانٌ مُبِينٌ؛
الصافات 37:52
﴿يَقُولُ﴾؛ أيْ: مُكَذِّبًا بِالبَعْثِ؛ مُسْتَبْعِدًا لَهُ غايَةَ الِاسْتِبْعادِ؛ مُجَدِّدًا لِقَوْلِهِ في كُلِّ وقْتٍ؛ يُرِيدُ أنْ يَخْتَدِعَنِي بِلَطافَةِ قِيادِهِ إلى سُوءِ اعْتِقادِهِ؛ ﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾؛ أيْ: بِالبَعْثِ؛ يُوَبِّخُنِي بِذَلِكَ؛ ويَسْتَقْصِرُ باعِي في النَّظَرِ؛ اسْتِثارَةً لِهِمَّتِي؛ وإلْهابًا لِنَخْوَتِي؛ وحَمِيَّتِي؛
الصافات 37:53
ويُكَرِّرُ الإنْكارَ بِقَوْلِهِ: ﴿أإذا مِتْنا﴾؛ أيْ: فَذَهَبَتْ أرْواحُنا؛ ﴿وكُنّا﴾؛ أيْ: كَوْنًا راسِخًا؛ ﴿تُرابًا وعِظامًا﴾؛ أيْ: فانْمَحَقَتْ أجْسامُنا الَّتِي هي مَراكِبُ الأرْواحِ؛ ﴿أإنّا لَمَدِينُونَ﴾؛ أيْ: لَمَجْزِيُّونَ بَعْدَ ذَلِكَ بِما عَمِلْنا؛ بِأنْ نُبْعَثَ ونُجازى؛ وكانَ تَأْكِيدُهُ لِلْإشارَةِ مِنهُ إلى كُلِّ عاقِلٍ جَدِيرٍ بِأنْ يُكَذِّبَ بِما أقْرَرْتُ بِهِ لِبُعْدِهِ؛ أوْ إلى أنَّهُ مُكَذِّبٌ بِهِ؛ ولَوْ كانَ مُؤَكَّدًا.
الصافات 37:54
ولَمّا كانَ هَذا المَقالُ سَبَبًا لِعَظِيمِ تَشَوُّفِ السّامِعِ إلى ما يَكُونُ بَعْدَهُ؛ وكانَ أهْلُ الجَنَّةِ مِن عُلُوِّ المَكانِ؛ والمَكانَةِ؛ وصِحَّةِ الأجْسامِ؛ وقُوَّةِ التَّرْكِيبِ؛ ونُفُوذِ الأبْصارِ؛ بِحَيْثُ يَنْظُرُونَ ما شاؤُوا مِنَ النّارِ وغَيْرِها مِمّا دُونَهُمْ؛ مَتى شاؤُوا؛ اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ - مُشِيرًا إلى أنَّ حالَهُ هَذا مُعْلِمٌ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ -: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: هَذا القائِلُ؛ لِشِرْبِهِ هَؤُلاءِ؛ الَّذِينَ هم كَما قالَ (p-٢٣٥)بَعْضُهم في مُوَشَّحٍ:
؎رُبَّ شِرْبٍ كالعِقْدِ قَدْ نُظِمُوا ∗∗∗ في ثِيابٍ طِرازُها الكَرَمُ
؎فاغْتَنَمْتُ الهَنا كَما اغْتَنَمُوا ∗∗∗ ∗∗∗ وظَنَنْتُ الكُؤُوسَ بَيْنَهُمُ
؎أنْجُمًا في سَما الهَناءِ تُرى ∗∗∗ ∗∗∗ كُلُّ نَجْمٍ يَغِيبُ في بَدْرِ
﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾؛ أيْ: شافُونَ قَلْبِي بِأنْ تَتْرُكُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِن تَمامِ اللَّذَّةِ؛ وتُكَلِّفُوا أنْفُسَكُمُ النَّظَرَ مَعِي في النّارِ؛ لِتَسُرُّونِي بِذَلِكَ.
الصافات 37:55
ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ المُخْلَصِينَ؛ وهم أهْلُ الجَنَّةِ كُلُّهُمْ؛ أوْ جُلُّهُمْ؛ وكانَ الضَّمِيرُ يَعُودُ لِما سَبَقَهُ بِعَيْنِهِ؛ وكانَ مُخاطَبُو هَذا القائِلِ إنَّما هم شِرْبُهُ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ مِمّا مَضى مِنَ التَّقابُلِ؛ والتَّوادِّ؛ والتَّواصُلِ بِالمُنادَمَةِ؛ والتَّساؤُلِ؛ أنَّهم يَنْتَدِبُونَ نَدْبَهم إلَيْهِ؛ ويُقْبِلُونَ قَطْعًا عَلَيْهِ؛ وكانَ النّافِعُ لَنا إنَّما هو قَوْلُهُ فَقَطْ - في تَوْبِيخِ عَدُوِّهِ؛ وتَغْبِيطِ نَفْسِهِ ووَلِيِّهِ؛ لَمْ يَجْمَعِ الضَّمِيرَ؛ لِئَلّا يُلْبِسَ؛ فَيُوهِمَ أنَّهُ لِلْجَمِيعِ؛ وأعادَهُ عَلَيْهِ وحْدَهُ؛ لِنَعْتَبِرَ بِمَقالِهِ؛ ونَتَّعِظَ بِما قَصَّ عَلَيْنا مِن حالِهِ - فَقالَ: ﴿فاطَّلَعَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما رَأى لِنَفْسِهِ في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ اللَّذَّةِ؛ إلى أهْلِ النّارِ؛ ﴿فَرَآهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ القَرِينَ السُّوءِ؛ ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: في وسَطِها؛ وغَمْرَتِها؛ تَضْطَرِمُ عَلَيْهِ أشَدَّ اضْطِرامٍ؛ بِما كانَ يُضْرِمُ في قَلْبِهِ في الدُّنْيا مِنَ الحَرِّ؛ كُلَّما قالَ لَهُ ذَلِكَ المَقالَ؛ (p-٢٣٦)وسَمّى الوَسَطَ سَواءً لِاسْتِواءِ المَسافَةِ مِنهُ إلى الجَوانِبِ؛ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ؛
الصافات 37:56
ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ مُكافَأتِهِ لَهُ بِما كانَ مِن تَقْرِيعِهِ؛ وتَوْبِيخِهِ عَلى التَّصْدِيقِ بِالآخِرَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ أيْ: لِقَرِينِهِ ذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ لا يَقَعُ في فِكْرٍ أنَّهُ كانَ يَلْتَفِتُ إلى قَوْلِهِ هَذا نَوْعَ التِفاتٍ؛ لِأنَّهُ ظاهِرُ البُطْلانِ؛ ولِأنَّ هَذا القائِلَ مَحْكُومٌ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ؛ أكَّدَ قَوْلَهُ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ كانَ يُؤَثِّرُ فِيهِ قَوْلُهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ بِما يُزَيِّنُهُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ وتُحَسِّنُهُ النُّفُوسُ بِالشَّهَواتِ؛ والرّاحَةِ مِن كَلَفِ الطّاعاتِ؛ وساقَهُ في أُسْلُوبِ القَسَمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى التَّعَجُّبِ مِن سَلامَتِهِ مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿تاللَّهِ﴾؛ وزادَ التَّأْكِيدَ بَعْدَما عَلَّقَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ بِالمُخَفَّفَةِ مِنَ المُثَقَّلَةِ؛ فَقالَ: ﴿إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾؛ أيْ: إنَّكَ قارَبْتَ أنْ تُهْلِكَنِي؛ وتَجْعَلَنِي في أرْدَإ ما يَكُونُ مِنَ الأماكِنِ؛ وفي هَذا التَّأْكِيدِ غايَةُ التَّرْغِيبِ في الثَّباتِ لِمَن كانَ قَرِيبًا مِنَ التَّزَلْزُلِ؛ وفي المُباعَدَةِ لِقُرَناءِ السُّوءِ.
الصافات 37:57
ولَمّا ذَكَرَ سُوءَ ما كانَ يَأْتِي إلَيْهِ؛ ذَكَرَ حُسْنَ أثَرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - عِنْدَهُ؛ فَقالَ - لافِتًا الكَلامَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ؛ لِأنَّهُ مَقامُهُ -: ﴿ولَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيَّ؛ بِما رَبّانِي بِهِ مِن تَثْبِيتِي عَنِ اتِّباعِكَ؛ والتَّجاوُزِ عَنِّي في مُخالَطَتِكَ؛ ﴿لَكُنْتُ﴾؛ كَوْنًا ثابِتًا؛ ﴿مِنَ المُحْضَرِينَ﴾ (p-٢٣٧)أيْ: المُكْرَهِينَ عَلى حُضُورِ هَذا المَوْطِنِ الضَّنْكِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ؛ فَيالَلَّهِ! ما أعْظَمَ إحْسانَ هَذِهِ الآيَةِ في التَّنْفِيرِ مِنَ العِشْرَةِ لِقُرَناءِ السُّوءِ؛ لِأنَّها شَدِيدَةُ الخَطَرِ؛ قَبِيحَةُ الأثَرِ! ولَقَدْ أبانَ نَظَرُهُ هَذا عَنْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أعْلى لَذَّةً مِمّا كانَ فِيهِ؛ فَلَيْسَ بِأدْنى مِنهُ؛ فَإنَّهُ لا شَيْءَ ألَذُّ مِن رُؤْيَةِ العَدُوِّ الماكِرِ الَّذِي طالَما أحْرَقَ الأكْبادَ؛ وشَوَّشَ الأفْكارَ؛ في مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ الإنْكارِ؛ وعَظائِمِ الأكْدارِ؛ مِن غَمَراتِ النّارِ.
الصافات 37:58
ولَمّا رَأى ذاكَ فِيما هو فِيهِ مِنَ الجَحِيمِ؛ ورَأى نَفْسَهُ فِيما هي فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ؛ ما مَلَكَ نَفْسَهُ أنْ قالَ - كَما يَعْرِضُ لِمَن يَكُونُ في شِدَّةٍ فَيَأْتِيهِ الفَرَجُ فَجْأةً؛ فَيَصِيرُ كَأنَّهُ في مَنامٍ؛ أوْ أضْغاثِ أحْلامٍ؛ لا يُصَدِّقُ ما صارَ إلَيْهِ؛ سُرُورًا -: ﴿أفَما﴾؛ أيْ: أنْحَنُ يا إخْوانِي مُنَعَّمُونَ؛ مُخَلَّدُونَ؟ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنا ما ﴿نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ حالَتِنا هَذِهِ؛ وأكَّدَهُ؛ لِأنَّ مِثْلَهُ لِأجْلِ نَفاسَتِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛
الصافات 37:59
ثُمَّ أعْرَقَ في العُمُومِ بِما هو مِعْيارُهُ؛ فَقالَ: ﴿إلا مَوْتَتَنا الأُولى﴾؛ أيْ: الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا.
ولَمّا ذَكَرَ نِعْمَةَ الخَلاصِ مِنَ المَوْتِ؛ ذَكَرَ نِعْمَةَ الإنْقاذِ مِنَ الأكْدارِ؛ فَقالَ: ﴿وما نَحْنُ﴾؛ وأكَّدَ النَّفْيَ؛ فَقالَ: ﴿بِمُعَذَّبِينَ﴾
الصافات 37:60
ولَمّا تَذَكَّرَ هَذا فاسْتَفَزَّهُ السُّرُورُ؛ وازْدَهَتْهُ الغِبْطَةُ والحُبُورُ؛ (p-٢٣٨)لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ أنْ قالَ - في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ النَّشاطِ؛ لِما لَهُ مِن خَرْقِ العادَةِ؛ مُنَبِّهًا عَلى عَظَمَتِهِ؛ لِتَعْظِيمِ الغِبْطَةِ -: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: المُلْكَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ؛ ﴿لَهُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا شَيْءَ يَعْدِلُهُ؛
الصافات 37:61
ولَمّا دَلَّ هَذا السِّياقُ عَلى عَظِيمِ ما نالُوهُ؛ زادَ في تَعْظِيمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمِثْلِ هَذا﴾؛ أيْ: الجَزاءِ؛ ﴿فَلْيَعْمَلِ العامِلُونَ﴾؛ أيْ: لِيَنالُوهُ؛ فَإنَّهم يَغْتَنُونَ غِنًى لا فَقْرَ بَعْدَهُ؛ بِخِلافِ ما يَتَنافَسُونَ فِيهِ؛ ويَتَدالَجُونَ عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الدُّنْيا؛ فَإنَّهُ مَعَ سُرْعَةِ زَوالِهِ مُنَغَّضٌ بِكَدَرِهِ؛ ومَلالِهِ.
الصافات 37:62
ولَمّا فاتَ الوَصْفَ هَذا التَّشْوِيقُ إلى هَذا النَّعِيمِ؛ رَمى في نَعْتِهِ رَمْيَةً أُخْرى؛ سَبَقَتِ العُقُولَ؛ وتَجاوَزَتْ حَدَّ الإدْراكِ؛ وعَلَتْ عَنْ تَخَيُّلِ الوَهْمِ؛ في اسْتِفْهامٍ مُنَفِّرٍ مِن ضِدِّهِ؛ بِمِقْدارِ التَّرْغِيبِ فِيهِ لِمَن كانَ لَهُ لُبٌّ؛ فَقالَ: ﴿أذَلِكَ﴾؛ الجَزاءُ البَعِيدُ المَنالِ؛ البَدِيعُ المِثالِ؛ ﴿خَيْرٌ نُـزُلا﴾؛ فَأشارَ بِذَلِكَ إلى أنَّهُ إنَّما هو شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ كَما يُقَدَّمُ لِلضَّيْفِ عِنْدَ نُزُولِهِ عَلى ما لاحَ في جَنْبِ ما لَهم وراءَ ذَلِكَ؛ مِمّا لا تَسَعُهُ العُقُولُ؛ ولا تَضْبِطُهُ الفُهُومُ؛ ﴿أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾؛ أيْ: الَّتِي تَعْرِفُها بِأنَّها في غايَةِ النُّتْنِ؛ والمَرارَةِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ”تَزَقَّمَ الطَّعامُ“؛ إذا تَناوَلَهُ عَلى كُرْهٍ؛ ومَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ؛ وعادَلَ بَيْنَ ما لا مُعادَلَةَ بَيْنَهُما بِوَجْهٍ؛ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ؛ ولِأنَّهم كانُوا يَرَوْنَ (p-٢٣٩)ما سَبَّبَ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ خَيْرًا مِن أعْمالِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّتِي سَبَّبَتْ لَهُمُ النَّعِيمَ؛ فَكَأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ هَذا العَذابَ خَيْرٌ مِنَ النَّعِيمِ؛ فَسِيقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَوْبِيخًا لَهم عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ.
الصافات 37:63
ولَمّا كانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ نَباتَها في النّارِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ كانَ سَبَبًا لِضِيقِ عُقُولِهِمْ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ رَدًّا عَلى مَن يَظُنُّ أنَّهُ - سُبْحانَهُ - لا يَفْتِنُ عِبادَهُ؛ لِأنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ ذَلِكَ -: ﴿إنّا جَعَلْناها﴾؛ أيْ: الشَّجَرَةَ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَضَعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها؛ كَمَن هو في الظَّلامِ؛ بِكَوْنِها عَذابًا لَهم في الأُخْرى؛ وسَبَبًا لِزِيادَةِ ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا؛ ولَوْ وضَعُوها مَواضِعَها لَعَلِمُوا أنَّ مَن جَعَلَ في الشَّجَرِ الأخْضَرِ نارًا لا تَحْرِقُهُ؛ يَسْتَخْرِجُونَها هم مَتى شاؤُوا؛ فَيَحْرِقُونَ بِها ما شاؤُوا مِن حَطَبٍ وغَيْرِهِ؛ قادِرٌ عَلى أنْ يُنْبِتَ في النّارِ شَجَرًا أخْضَرَ لا تَحْرِقُهُ النّارُ؛
الصافات 37:64
ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ مَحَلَّ الفِتْنَةِ جَعْلُها فِيما يُنْكِرُونَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ؛ مُعَلِّلًا لِجَعْلِها فِتْنَةً تُخالِطُهم فَتُحِيلُهم في الدُّنْيا بِحَرِّها؛ وفي الأُخْرى بِأثَرِها -: ﴿إنَّها﴾؛ وحَقَّقَ أمْرَ نَباتِها؛ بِقَوْلِهِ: ﴿شَجَرَةٌ﴾؛ وزادَ الأمْرَ بَيانًا بِقَوْلِهِ: ﴿تَخْرُجُ﴾؛ وأكَّدَهُ بِالظَّرْفِ؛ فَقالَ: ﴿فِي أصْلِ﴾؛ أيْ: ثابِتِ؛ وقَعْرِ؛ ومُعْظَمِ؛ وقَرارِ ﴿الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: النّارِ الشَّدِيدَةِ الِاضْطِرامِ؛ وفُرُوعُها تَرْتَفِعُ إلى دَرَكاتِها؛
الصافات 37:65
ثُمَّ زادَ ذَلِكَ وُضُوحًا؛ (p-٢٤٠)وتَصْوِيرًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿طَلْعُها﴾؛ أيْ: الَّذِي هو مِثْلُ طَلْعِ النَّخْلِ في نُمُوِّهِ؛ ثُمَّ تَشَقُّقِهِ عَنْ ثَمَرِهِ؛ ﴿كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾؛ فِيما هو مَثَلٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فِيهِ؛ وهو القَباحَةُ الَّتِي بَلَغَتِ النِّهايَةُ؛ وهَذا المَثَلُ واقِعٌ في أتَمِّ مَواقِعِهِ؛ سَواءٌ كانَ الشَّيْطانُ عِنْدَهُمُ اسْمًا لِلْحَيَّةِ؛ أوْ لِغَيْرِها؛ لِأنَّ قُبْحَ الشَّياطِينِ؛ وما يَتَّصِلُ بِهِمْ؛ في أنَّهم شَرٌّ مَحْضٌ؛ لا يَخْلِطُهُ خَيْرٌ؛ مُقَرَّرٌ في النُّفُوسِ؛ ولِهَذا كانَ كُلُّ مَنِ اسْتَقْبَحَ مَنظَرَ إنْسانٍ؛ أوْ فِعْلَهُ؛ يَقُولُ: ”كَأنَّهُ شَيْطانٌ“؛ كَما انْطَبَعَ في النُّفُوسِ حُسْنُ المَلائِكَةِ؛ وجَلالَتُهُمْ؛ فَشُبِّهُوا لَهُمُ الصُّوَرَ الحِسانَ؛ ولِذَلِكَ سَمَّتِ العَرَبُ ثَمَرَ شَجَرٍ يُقالُ لَهُ ”الأسْتَنُ“؛ بِهَذا الِاسْمِ؛ وهو شَجَرٌ خَشِنٌ؛ مُرٌّ؛ مُنْتِنٌ؛ مُنْكَرُ الصُّورَةِ.
الصافات 37:66
ولَمّا أثْبَتَ أمْرَها بِما هو في غايَةِ الفِتْنَةِ لَها؛ واللُّطْفِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ سَبَّبَ عَنِ الفِتْنَةِ بِها قَوْلَهُ - رادًّا لِإنْكارِهِمْ أنْ يَأْكُلُوا مِمّا لا يَشْتَهُونَهُ؛ ومُكَذِّبًا لِما كانُوا يَدَّعُونَ مِنَ المُدافَعَةِ -: ﴿فَإنَّهُمْ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرانِهِمْ بِها؛ وبِغَيْرِها؛ مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ؛ ﴿لآكِلُونَ مِنها﴾؛ أيْ: مِن هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ مِن شَوْكِها؛ وطَلْعِها؛ وما يُرِيدُ اللَّهُ؛ بِما يُؤْلِمُ مِنها؛ ولَمّا كانُوا قَدْ زادُوا في بابِ التَّهَكُّمِ في أمْرِها؛ زادَ التَّأْكِيدَ في مُقابَلَةِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمالِئُونَ مِنها﴾؛ ومِن غَيْرِها؛ في ذَلِكَ الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ اللَّهُ أكْلَهم مِنها؛ ﴿البُطُونَ﴾ (p-٢٤١)قَهْرًا عَلى ذَلِكَ؛ وإجْبارًا؛ ولَمّا أحْرَقَ أكْبادَهم مِن شَدِيدِ الجُوعِ زِيادَةً في العَذابِ؛
الصافات 37:67
ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ الآكِلَ المُتَنَعِّمَ يَتَفَكَّهُ بَعْدَ أكْلِهِ بِما يُبَرِّدُ غِلَّةَ كَبِدِهِ؛ قالَ - مُشِيرًا إلى تَناهِي شَناعَةِ مُتَفَكَّهِهِمْ؛ وطَوِيلِ تَلَهُّبِهِمْ مِن عَطَشِهِمْ؛ بِأداةِ التَّراخِي؛ وآلَةِ التَّأْكِيدِ لِما لَهم في ذَلِكَ مِن عَظِيمِ الإنْكارِ -: ﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها﴾؛ أيْ: عَلى أكْلِهِمْ مِنها؛ ﴿لَشَوْبًا﴾؛ أيْ: خَلْطًا عَظِيمَ الإحْراقِ؛ ﴿مِن حَمِيمٍ﴾؛ أيْ: ماءٍ حارٍّ؛ كَأنَّهُ مُجَمَّعٌ مِن مِياهٍ مِن عُصاراتٍ شَتّى؛ مِن قَيْحٍ؛ وصَدِيدٍ؛ ونَحْوِهِما - نَسْألُ اللَّهَ العافِيَةَ.
الصافات 37:68
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ لِلْفَرِيقَيْنِ إنَّما هو النُّزُلُ الَّذِي مَدْلُولُهُ ما يَكُونُ في أوَّلِ القُدُومِ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ؛ وكانُوا يُورَدُونَ الحَمِيمَ؛ كَما يُورَدُ الإبِلُ الماءَ؛ وكانَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤]؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ خارِجَها؛ أوْ خارِجَ غَمْرَتِها؛ كَما تَكُونُ الأحْواضُ في الحِيشانِ؛ خارِجَ الأماكِنِ المُعَدَّةِ لِلْإبِلِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا أنَّ لَهم ما هو أشَدُّ شَناعَةً مِن ذَلِكَ؛ مُلَوِّحًا إلَيْهِ بِأداةِ التَّراخِي -: ﴿ثُمَّ إنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِن دارِ ضِيافَتِهِمُ الزَّقُّومِيَّةِ؛ ﴿لإلى الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: ذاتِ الِاضْطِرامِ الشَّدِيدِ؛ والزَّفِيرِ؛ والبُكاءِ؛ والِاغْتِمامِ الطَّوِيلِ المَدِيدِ؛ كَما أنَّ حِزْبَ اللَّهِ يَتَقَلَّبُونَ مِن جَنّاتِ النَّعِيمِ إلى جَنّاتِ المَأْوى؛ مَثَلًا؛ إلى جَنّاتِ عَدْنٍ؛ إلى (p-٢٤٢)الفِرْدَوْسِ؛ الَّتِي لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا؛ كَما يَنْقُلُ أهْلُ السَّعَةِ والأكابِرُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ضُيُوفَهم في البَساتِينِ المُتَواصِلَةِ؛ والمَناظِرِ؛ ويُنَزِّهُونَهم في القُصُورِ العالِيَةِ؛ والدَّساكِرِ.
الصافات 37:69
ولَمّا أخْبَرَ عَنْ عَذابِهِمْ هَذا؛ وكانَ سَبَبُهُ الجُمُودَ؛ مَعَ العادَةِ الجارِيَةِ عَلى غَيْرِ الحَقِّ؛ والتَّقَيُّدَ بِما ألِفَتْهُ النَّفْسُ؛ ومالَ إلَيْهِ الطِّباعُ؛ مِمّا أصَّلَهُ مَن يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ أكْبَرُ مِنهُمْ؛ وأتَمُّ عَقْلًا؛ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِهِ؛ لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ هَلاكِ أكْثَرِ الخَلْقِ؛ وأكَّدَهُ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ ضَلالَ مَن أصَّلَ لَهُمْ؛ فَتِلْكَ العَوائِدُ مِن آبائِهِمْ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿إنَّهم ألْفَوْا﴾؛ أيْ: وجَدُوا وِجْدانًا ألِفُوهُ؛ ﴿آباءَهم ضالِّينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الضَّلالِ؛ فَما هم فِيهِ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ أنَّهُ ضَلالٌ؛ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ النَّفْرَةُ عَنْ صاحِبِهِ؛
الصافات 37:70
﴿فَهُمْ﴾؛ أيْ: البُعَداءُ؛ البُغَضاءُ؛ ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾؛ أيْ: الَّتِي لا تَكادُ تَبِينُ لِأحَدٍ؛ لِخَفاءِ مَذاهِبِها؛ لِوَهْيِها؛ وشِدَّةِ ضَعْفِها؛ وانْطِماسِ مَعالِمِها؛ لا عَلى غَيْرِها؛ ﴿يُهْرَعُونَ﴾؛ أيْ: كَأنَّهم يُلْجِئُهم مُلْجِئٌ إلى الإسْراعِ؛ فَهم في غايَةِ المُبادَرَةِ إلى ذَلِكَ؛ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى دَلِيلٍ؛ ولا اسْتِضاءَةٍ بِحُجَّةٍ؛ (p-٢٤٣)بِحَيْثُ يَلْحَقُ صاحِبَ هَذا الإسْراعِ؛ مِن شِدَّةِ تَكالُبِهِ عَلَيْهِ؛ شَيْءٌ هو كالرِّعْدَةِ؛ وذَلِكَ ضِدَّ تَوَقُّفِهِمْ؛ وجُمُودِهِمْ فِيما أتاهم بِهِ رَسُولُنا ﷺ مِن شَجَرَةِ الزَّقُّومِ؛ وغَيْرِها؛ مِمّا هو في غايَةِ الوُضُوحِ؛ والجَلاءِ؛ فَأمْعَنُوا في التَّكْذِيبِ بِهِ؛ والِاسْتِهْزاءِ؛ وأصَرُّوا بَعْدَ قِيامِ الدَّلائِلِ؛ فَكانُوا كالجِبالِ ثَباتًا عَلى ضَلالِهِمْ؛ والحِجارَةِ الصِّلابِ الثِّقالِ؛ رُسُوخًا في لازِبِ أوْحالِهِمْ.
الصافات 37:71
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ شَدِيدَ المَحَبَّةِ لِهُداهُمْ؛ والحُزْنِ عَلى ضَلالِهِمْ؛ والأسَفِ عَلى غَيِّهِمْ ومِحالِهِمْ؛ وكانَ الضَّلالُ مَعَ العَقْلِ أوَّلًا؛ ثُمَّ مَعَ وُجُودِ الرُّسُلِ - الَّذِينَ هم مِنَ الصِّدْقِ؛ والمُعْجِزاتِ؛ والأُمُورِ المُلْجِئَةِ إلى الهُدى - ثانِيًا كالمُحالِ؛ سَلاهُ - سُبْحانَهُ - بِقَوْلِهِ - عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ لِزِيادَةِ التَّحْقِيقِ -: ﴿ولَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ﴾؛ أيْ: قَبْلَ مَن يَدْعُوهُمْ؛ في جَمِيعِ الزَّمانِ الَّذِي تَقَدَّمَهُمْ؛ ﴿أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾؛ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَمْضِ قَرْنٌ بَعْدَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلّا وكُلُّهُ؛ أوْ جُلُّهُ؛ ضَلالٌ.
الصافات 37:72
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ لِعَدَمِ الرُّسُلِ؛ نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِنَحْوِ ذَلِكَ -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تُوجِبُ الإتْيانَ بِما لا رَيْبَ فِيهِ مِنَ البَيانِ؛ ﴿فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾؛ أيْ: فَأنْذَرُوهم بِأْسَ اللَّهِ؛ وبَيَّنُوا لَهم أحْسَنَ البَيانِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الضَّلالُ؛ وعِنادُ أهْلِ الحَقِّ بِالمِحالِ؛ حَتّى أهْلَكَهُمُ اللَّهُ بِما لَهُ مِن شَدِيدِ المَجالِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ:
الصافات 37:73
(p-٢٤٤)﴿فانْظُرْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الإرْسالِ أنا فَعَلْنا في إهْلاكِهِمْ مِنَ العَجائِبِ ما يَسْتَحِقُّ التَّعْجِيبَ بِهِ؛ والتَّحْذِيرَ مِن مِثْلِهِ؛ بِأنْ يُقالَ لِمَن تَخَلَّفَ عَنْهُمْ: انْظُرْ ﴿كَيْفَ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ عادَةً مُسْتَمِرَّةً؛ لَمْ تَخْتَلِفْ أصْلًا؛ قالَ: ﴿كانَ عاقِبَةُ﴾؛ أيْ: آخِرُ أمْرِ؛ ﴿المُنْذَرِينَ﴾؛ أيْ: في أنّا أهْلَكْناهم لِتَكْذِيبِهِمْ؛ فاصْبِرْ عَلى الشَّدائِدِ كَما صَبَرُوا؛ واسْتَمِرَّ عَلى الدُّعاءِ بِالبِشارَةِ؛ والنِّذارَةِ؛ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرُ اللَّهِ.
الصافات 37:74
ولَمّا أفْهَمَ الحُكْمُ عَلى الأكْثَرِ بِالضَّلالِ أنَّ الأقَلَّ عَلى غَيْرِ حالِهِمْ؛ نَبَّهَ عَلى حالِ الطّائِعِينَ بِقَوْلِهِ - مُسْتَثْنِيًا مِن ضَمِيرِ ”المُنْذَرِينَ“ -: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ اسْتَخْلَصَهم - سُبْحانَهُ - بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فاسْتَحَقُّوا الإضافَةَ إلى اسْمِهِ الأعْظَمِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصَهم لَهُ؛ فَأخْلَصُوا هم أعْمالَهُمْ؛ فَلَمْ يَجْعَلُوا فِيها شَوْبًا لِغَيْرِهِ.
الصافات 37:75
ولَمّا كانَ مَقْصُودَ السُّورَةِ التَّنْزِيهَ؛ الَّذِي هو الإبْعادُ عَنِ النَّقائِصِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أنْسَبُ الأشْياءِ الإقْسامَ أوَّلَها بِالمَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ هم أنْزَهُ الخَلْقِ؛ وكانَ أعْلى الخَلْقِ مَن جَرَّدَ نَفْسَهُ عَنِ الحُظُوظِ؛ بِما يُؤْتِيهِ اللَّهُ مِنَ المُجاهَداتِ؛ والمُنازَلاتِ؛ والمُعالَجاتِ؛ حَتّى يَلْحَقَ بِهِمْ؛ فَيَجُوزُ مَعَ فَضْلِهِمْ مَعالِيَ الجِهادِ؛ فَكانَ أحَقُّ الأنْبِياءِ بِالذِّكْرِ مَن كانَ أكْثَرَ تَجْرِيدًا لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّواغِلِ؛ سَيْرًا إلى مَوْلاهُ؛ وتَعْرِيجًا عَنْ كُلِّ ما سِواهُ؛ وكانَ الأبُ (p-٢٤٥)الثّانِي مِن أحَقِّهِمْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَجَرَّدَ في الجِهادِ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ ألْفَ عامٍ؛ ثُمَّ تَجَرَّدَ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلى ظَهْرِ الماءِ بَيْنَ الأرْضِ؛ والسَّماءِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّهُ دَعا إلى التَّأْكِيدِ مِن أنَّ مُكْثَهُ في قَوْمِهِ المُدَّةَ الطَّوِيلَةَ مُبْعِدٌ لِأنْ يَكُونُوا وافَقُوهُ ومالُوا مَعَهُ وتابَعُوهُ؛ ولِأنَّ فِعْلَ العَرَبِ في التَّكْذِيبِ؛ مَعَ تَرادُفِ المُعْجِزاتِ؛ وتَواتُرِ العِظاتِ؛ عَمَلُ مَن هو مُكَذِّبٌ بِوُقُوعِ النُّصْرَةِ لِلْمُرْسَلِينَ؛ والعَذابِ لِلْمُكَذِّبِينَ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَقاسى الرُّسُلُ مِنَ الشَّدائِدِ ما لا تَسَعُهُ الأوْراقُ؛ وجاهَدُوهم بِأنْفُسِهِمْ؛ والتَّضَرُّعِ إلى اللَّهِ (تَعالى) في أمْرِهِمْ“ -: ﴿ولَقَدْ نادانا﴾؛ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿نُوحٌ﴾؛ بِقَوْلِهِ: ”رَبِّ إنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ“؛ ونَحْوِهِ؛ مِمّا أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ بِهِ بَعْدَ أُمُورٍ عَظِيمَةٍ لَقِيَها مِنهم مِنَ الكُرُوبِ؛ والشَّدائِدِ والخُطُوبِ؛ لِنَكْشِفَ عَنْهُ ما أعْياهُ مِن أمْرِهِمْ.
ولَمّا أغْنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنْ شَرْحِ القِصَّةِ وتَطْوِيلِها؛ وكانَ قَدْ تَسَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ إجابَتُهُ؛ قالَ - بِالتَّأْكِيدِ بِالِاسْمِيَّةِ؛ والإشارَةِ إلى القَسَمِ؛ والأداةِ الجامِعَةِ لِكُلِّ مَدْحٍ؛ وصِيغَةِ العَظَمَةِ؛ إلى أنَّ هَوْلَ عَذابِهِمْ؛ وعِظَمَ مُصابِهِمْ بَلَغَ إلى أنَّهُ مَعَ شُهْرَتِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ فَهو يَحْتاجُ إلى اجْتِهادٍ كَبِيرٍ؛ وشِدَّةِ اعْتِناءٍ؛ فَكانَتِ الإجابَةُ إجابَةَ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ؛ وإنْ (p-٢٤٦)كانَتِ الأفْعالُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لا تَحْتاجُ إلى غَيْرِ مُطْلَقِ الإرادَةِ -: ﴿فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾؛ أيْ: كُنّا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ لَهُ؛ ولِغَيْرِهِ مِمَّنْ كانَ نِعْمَ المُجِيبُ لَنا؛ هَذِهِ صِفَتُنا؛ لا تَغَيُّرَ لَها.
الصافات 37:76
ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا: فَأجَبْناهُ إجابَةً هي النِّهايَةُ في اسْتِحْقاقٍ عَلى المَمادِحِ؛ مِن إيصالِهِ إلى مُرادِهِ؛ مِن حَمْلِهِ؛ وحَمْلِ مَن آمَنَ بِهِ؛ والِانْتِقامِ مِمَّنْ كَذَّبَهُ؛ كَما هي عادَتُنا دائِمًا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونَجَّيْناهُ﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿وأهْلَهُ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ وافَقُوهُ في الدِّينِ؛ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾؛ وهو الأذى مِنَ الغَرَقِ؛
الصافات 37:77
﴿وجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الباقِينَ﴾؛ لِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ غَرِقُوا؛ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ أصْلًا؛ وأهْلُ السَّفِينَةِ لَمْ يُعَقِّبْ مِنهم أحَدٌ غَيْرُ أوْلادِهِ؛ فَأثَبْناهُ عَلى نَزاهَتِهِ أنْ كانَ هو الأبَ الثّانِيَ؛ فالعَرَبُ والعَجَمُ أوْلادُ سامٍ؛ والسُّودانُ أوْلادُ حامٍ؛ والتُّرْكُ والصَّقالِبَةُ ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ أوْلادُ يافِثَ؛ فَكُلُّ مَن تَبِعَ سُنَّتَهُ في الخَيْرِ كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ.
الصافات 37:78
ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ بارَكَ في نَسْلِهِ؛ أعْلَمَ أنَّهُ أدامَ ذِكْرَهُ بِالخَيْرِ في أهْلِهِ؛ فَقالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: ثَناءً حَسَنًا؛ لَكِنَّهُ حَذَفَ المَفْعُولَ (p-٢٤٧)وجَعَلَهُ لازِمًا؛ فَصارَ المَعْنى: أوْقَعْنا عَلَيْهِ التَّرْكَ بِشَيْءٍ هو مِن عَظَمَتِهِ؛ وحُسْنِ ذِكْرِهِ؛ بِحَيْثُ يَعِزُّ وصْفُهُ؛ ﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَن تَأخَّرَ عَنْ زَمانِهِ؛ إلى يَوْمِ الدِّينِ.
الصافات 37:79
ولَمّا كانَ قَدْ كَتَبَ اللَّهُ في القِدَمِ سَلامَتَهُ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ عَلى كَثْرَةِ الأعْداءِ؛ وطُولِ الإقامَةِ فِيهِمْ؛ وشِدَّةِ الخِلافِ؛ قالَ (تَعالى) - مُسْتَأْنِفًا؛ مادِحًا -: ﴿سَلامٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ؛ ﴿عَلى نُوحٍ﴾؛ مِن كُلِّ حَيٍّ؛ مِنَ الجِنِّ؛ والإنْسِ؛ والمَلائِكَةِ؛ لِسَلامِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ لِسانُ جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ في زَمانِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - واحِدًا؛ فَكانُوا كُلُّهم قَوْمَهُ؛ ولَمْ يَكُنْ في زَمانِهِ نَبِيٌّ؛ فَكانَتْ نُبُوَّتُهُ قُطْبَ دائِرَةِ ذَلِكَ الوَقْتِ؛ فَكانَتْ رِسالَتُهُ عامَّةً لِأهْلِهِ؛ وكانَ غَيْرُ النّاسِ مِنَ الخَلْقِ لَهم تَبَعًا؛ خَصَّهُ في السَّلامِ؛ بِأنْ قالَ: ﴿فِي العالَمِينَ﴾؛ أيْ: مَذْكُورٌ فِيهِمْ كُلِّهِمْ؛ لَفْظًا ومَعْنًى؛ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ دائِمًا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ؛ وخُصُوصِيَّةُ نَبِيِّنا ﷺ بِأنَّهُ أُرْسِلَ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ؛ مَعَ اخْتِلافِ الألْسِنَةِ؛ ومَعَ اسْتِمْرارِ الرِّسالَةِ؛ أبَدَ الآبادِ؛ وكَوْنِ شَرِيعَتِهِ ناسِخَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ؛ وكَوْنِ جَمِيعِ الخَلْقِ في القِيامَةِ تَحْتَ لِوائِهِ؛ فَهُناكَ يَظْهَرُ تَمامُ ما أُوتِيَهُ مِن عُمُومِ البِعْثَةِ؛ إلى ما ظَهَرَ مِنهُ في الدُّنْيا.
الصافات 37:80
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَعَلْنا بِهِ ذَلِكَ لِإحْسانِهِ؛ وكانَ الضّالُّونَ يُنْكِرُونَ أنْ تَنْجُوَ الدُّعاةُ إلى اللَّهِ وأتْباعُهُمْ؛ مِنهُمْ“؛ أخْبَرَ في سِياقِ التَّأْكِيدِ أنَّهُ يَفْعَلُ بِكُلِّ مُحْسِنٍ ما فَعَلَ بِهِ؛ فَقالَ ﴿إنّا﴾؛ أيْ: عَلى عَظَمَتِنا؛ ﴿كَذَلِكَ﴾ (p-٢٤٨)أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ؛ بِالذِّكْرِ الحَسَنِ؛ والنَّجاةِ مِن كُلِّ سُوءٍ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَتَجَرَّدُونَ مِنَ الظُّلُماتِ النَّفْسانِيَّةِ؛ إلى الأنْوارِ المَلَكِيَّةِ؛ بِحَيْثُ لا يَغْفُلُونَ عَنِ المَعْبُودِ؛ ولا يَنْفَكُّونَ لَحْظَةً عَنِ الشُّهُودِ.
الصافات 37:81
ولَمّا أفْهَمَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ - ولا بُدَّ - إحْسانَهُ إلى المُحْسِنِ؛ عَلَّلَ ما أفْهَمَتْهُ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إظْهارًا لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ؛ بِأنْ ذَكَّرَهُ ما يَرْغَبُ فِيهِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَن كَذَّبَهُ -: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِأنْ نُضِيفَهم إلى مَقامِ عَظَمَتِنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الرّاسِخِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ المُتَمَكِّنِينَ فِيهِ؛ فَعُلِمَ أنَّ الإيمانَ هو المُرادُ الأقْصى مِنَ الإنْسانِ؛ لِأنَّهُ عَلَّلَ الإنْجاءَ بِالإحْسانِ؛ والإحْسانَ بِالبَيانِ؛
الصافات 37:82
ولَمّا أفْهَمَ تَخْصِيصُ ذُرِّيَّتِهِ بِالبَقاءِ إهْلاكَ غَيْرِهِمْ؛ وقَدَّمَ ما هو أهْلٌ لَهُ؛ مِن مَدْحِهِ؛ اهْتِمامًا بِهِ؛ وتَرْغِيبًا في مِثْلِهِ؛ أخْبَرَ عَنْ أعْدائِهِ بِأنَّهُ أوْقَعَ بِهِمْ؛ لِأنَّهم لَمْ يَتَحَلَّوْا بِما كانَ سَبَبَ سَعادَتِهِ؛ مِنَ الإيمانِ؛ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى العَظَمَةِ الَّتِي أوْجَدَها - سُبْحانَهُ - في إغْراقِهِمْ؛ بِأداةِ التَّراخِي -: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ؛ ﴿الآخَرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ غايَرُوهُ في الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ فاسْتَحَقُّوا أضْدادَ أفْعالِنا مَعَهُ؛ وهم أهْلُ الأرْضِ كُلُّهُمْ؛ غَيْرُ أهْلِ السَّفِينَةِ؛ وكُلُّهم (p-٢٤٩)قَوْمُهُ؛ كَما هو ظاهِرُ الآياتِ؛ إذا تُؤُمِّلَ تَعْبِيرُها عَنِ الدَّعْوَةِ؛ والإغْراقِ؛ ودُعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَيْهِمْ؛ وظاهِرُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ؛ وغَيْرُهُما؛ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ؛ أنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: ائْتُوا نُوحًا؛ أوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى أهْلِ الأرْضِ؛ وإنَّما كانُوا قَوْمًا لا أكْثَرَ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى لِسانٍ واحِدٍ؛ قَبْلَ بَلْبَلَةِ الألْسُنِ؛ بِاتِّفاقِ أهْلِ التَّأْرِيخِ؛ وذَلِكَ كَما أنَّ العَرَبَ يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ كُلُّهُمْ؛ عَلى انْتِشارِهِمْ؛ واتِّساعِ بِلادِهِمْ؛ أنَّهم قَوْمٌ؛ لِاجْتِماعِهِمْ في اللِّسانِ؛ مَعَ أنَّهم قَبائِلُ لا يُحْصِيهِمُ العَدُّ؛ ولا يَجْمَعُهم نَسَبٌ واحِدٌ؛ إلّا في إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: فِيما فَوْقَهُ؛ فَإنَّ النَّسّابِينَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ عَدْنانَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالُوا: هو مِن ولَدِ عَدْنانَ؛ واخْتَلَفُوا في قَحْطانَ؛ أبِي اليَمَنِ؛ وكَذا ثَقِيفٍ؛ فَقِيلَ: هُما مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: لا؛ ثُمَّ مَن قالَ: إنَّ ثَقِيفًا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالُوا: هو مِن ولَدِ عَدْنانَ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: لا؛ ثُمَّ إنَّ مِن ولَدِ عَدْنانَ رَبِيعَةَ؛ ومُضَرَ؛ ومِن دُونِ مُضَرَ كِنانَةُ؛ وهُذَيْلٌ؛ والقارَّةُ؛ وخُزاعَةُ؛ وأسَدٌ؛ وتَمِيمٌ؛ ومُزَيْنَةُ؛ والرَّبابُ؛ وضَبَّةُ؛ وقَيْسٌ؛ ودُونَ ذَلِكَ باهِلَةُ؛ وأشْجَعُ؛ وفَزارَةُ؛ وكِنانَةُ؛ وقُرَيْشٌ؛ وخَلائِقُ؛ ومِن دُونِ رَبِيعَةَ بَكْرُ بْنُ وائِلٍ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ومِن دُونِ ذَلِكَ شَيْبانُ؛ وعَبْدُ القَيْسِ؛ والنَّمِرُ؛ وخَلائِقُ؛ ودُونَ قَحْطانَ؛ أبِي اليَمَنِ؛ لَخْمٌ؛ وجُذامٌ؛ وعائِلَةُ؛ وغَسّانُ؛ وكِنْدَةُ؛ وهَمَدانُ؛ والأزْدُ؛ ومِنهُمُ الأنْصارُ؛ وخَلائِقُ غَيْرُ ذَلِكَ؛ (p-٢٥٠)فَهَؤُلاءِ كُلُّهم - عَلى هَذا التَّشَعُّبِ؛ والِانْتِشارِ؛ والِاخْتِلافِ في الأدْيانِ؛ بَلْ وفي بَعْضِ اللُّغَةِ - يُسَمَّوْنَ ”أُمَّةً واحِدَةً“؛ و”قَوْمًا“؛ لِجَمْعِ اللِّسانِ لَهم في أصْلِ العَرَبِيَّةِ؛ وبَنُو إسْحاقَ لَيْسُوا مِنهُمْ؛ بِلا خِلافٍ؛ مَعَ أنَّهم أوْلادُ عَمِّهِمْ؛ لِمُخالَفَتِهِمْ لَهم في اللِّسانِ؛ عَلى أنَّهم أقْرَبُ مِن قَحْطانَ؛ وثَقِيفٍ؛ في النَّسَبِ؛ عِنْدَ مَن قالَ: إنَّهم لَيْسُوا مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكَذا بَنُو إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - افْتَرَقُوا بِافْتِراقِ اللِّسانِ؛ فَبَنُو إسْماعِيلَ قَوْمٌ؛ وبَنُو العِيصِ - وهُمُ الرُّومُ - قَوْمٌ؛ وكَذا سائِرُ الأُمَمِ؛ إنَّما يُفَرِّقُ بَيْنَهُمُ اللِّسانُ؛ وعُمُومُ دَعْوَتِهِ لِبَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ لا يَقْدَحُ في خُصُوصِيَّةِ نَبِيِّنا ﷺ بِعُمُومِ الدَّعْوَةِ والإرْسالِ؛ إلى غَيْرِ قَوْمِهِ؛ أمّا العُمُومُ فَإنَّهُ أُرْسِلَ إلى كُلِّ مَن يَنُوسُ مِنَ الإنْسِ؛ والمَلائِكَةِ؛ والجِنِّ؛ وأمّا دُعاءُ الأقْوامِ؛ فالمُرادُ أنَّهُ أُرْسِلَ إلى المُوافِقِ في اللِّسانِ؛ والمُخالِفِ فِيهِ؛ وأمّا غَيْرُهُ فَما أُرْسِلَ إلى مَن خالَفَهُ في اللِّسانِ؛ ولا إلى غَيْرِ جِنْسِهِ؛ وإنْ كانَ يُنْدَبُ لَهُ أنَّهُ يَأْمُرُ بِالمُخالِفِينَ في اللِّسانِ؛ ويَنْهاهُمْ؛ مِن بابِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ؛ ولَوْ سَلَّمْنا في نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ إلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ؛ انْتُقِضَ بِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ كَما رَوى ذَلِكَ الإمامُ أحْمَدُ؛ وأبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ؛ ومُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى بْنِ أبِي عُمَرَ؛ وأبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ؛ والحارِثُ (p-٢٥١)ابْنُ أبِي أُسامَةَ؛ وأبُو يَعْلى المَوْصِلِيُّ؛ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ؛ في مَسانِيدِهِمْ؛ والطَّبَرانِيُّ في مُعْجَمِهِ الأوْسَطِ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ؛ وأبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وفي بَعْضِ طُرُقِ أبِي ذَرٍّ التَّصْرِيحُ بِالإرْسالِ؛ ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ كانَ رَسُولًا إلى جَمِيعِ مَن أدْرَكَهُ مِن أوْلادِهِ؛ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ وكَذَلِكَ نُوحٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لا يَشُكُّ أحَدٌ أنَّهُ كانَ بَعْدَ الغَرَقِ رَسُولًا إلى جَمِيعِ أهْلِ السَّفِينَةِ؛ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ وهم جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ؛ فَما قَدَّمْتُ مِن أنَّ الخُصُوصِيَّةَ بِالإرْسالِ إلى ذَوِي الألْسُنِ المُخْتَلِفَةِ مِن جَمِيعِ بَنِي آدَمَ؛ وإلى المُخالِفِ في الجِنْسِ مِن كُلِّ مَن يَنُوسُ؛ هو المُزِيلُ لِلْإشْكالِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الصافات 37:83
ولَمّا كانَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّجَرُّدِ عَنِ النُّعُوتِ البَشَرِيَّةِ؛ والعَلائِقِ النَّفْسانِيَّةِ إلى الأحْوالِ المَلَكِيَّةِ؛ ما لَمْ يَكُنْ لِمَن بَيْنُهُما مِنَ النَّبِيِّينَ؛ مِنَ المُصارَحَةِ بِالمُعارَضَةِ لِقَوْمِهِ؛ والإبْلاغِ فِيها بِكَسْرِ الأوْثانِ؛ وتَوْهِيَةِ مَذْهَبِ الكُفْرانِ؛ والِانْفِرادِ عَمّا سِوى اللَّهِ في غَمَراتِ النِّيرانِ؛ حَتّى عَنِ الدُّعاءِ بِقَلْبٍ؛ أوْ لِسانِ فَناءٍ عَنْ جَمِيعِ الأكْوانِ؛ ثُمَّ الهِجْرَةِ عَنِ الأوْطانِ؛ ثُمَّ بِالخُرُوجِ عَنِ الأحْبابِ؛ والإخْوانِ؛ بِوَضْعِ ابْنِهِ بِكْرِهِ؛ وسُرِّيَّتِهِ؛ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي لَيْسَ بِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ؛ ثُمَّ بِمُعالَجَةِ ذَبْحِهِ؛ بِأتَمِّ قُوَّةٍ؛ وأقْوى جَنانٍ؛ ثُمَّ بِبِناءِ البَيْتِ ذَوِي الأرْكانِ؛ قِبْلَةً لِلْمُتَجَرِّدِينَ مِن أهْلِ الإيمانِ في كُلِّ أوانٍ؛ عَمّا سِوى المَلِكِ الدَّيّانِ؛ يُصَفُّونَ عِنْدَ كُلِّ (p-٢٥٢)صَلاةٍ مِثْلَ صُفُوفِ المَلائِكَةِ الكِرامِ؛ وكانَ مُوافِقًا لِنُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مَعَ ما تَقَدَّمَ في البَرَكَةِ في نَسْلِهِ؛ بِحَيْثُ إنَّهم قَرِيبُ نِصْفِ أهْلِ الأرْضِ الآنَ؛ وكانَ أشْهَرُ أمْرِهِ في النّارِ؛ الَّتِي هي ضِدُّ أشْهَرِ أمْرِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الماءِ؛ تَلاهُ بِهِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ إظْهارًا أيْضًا لِما لَهُ مِنَ الكَرامَةِ؛ والمَنزِلَةِ العالِيَةِ في الإمامَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِلنَّشاطِ في الثَّناءِ عَلَيْهِ؛ المُنَبِّهَةِ عَلى ما يَنْبَغِي مِن إتْمامِ العَزْمِ في مُتابَعَتِهِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَنِ ادَّعى أنَّهُ ابْتَدَعَ؛ وخالَفَ مَن كانَ قَبْلَهُ -: ﴿وإنَّ مِن شِيعَتِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ خالَطَ سِرُّهُ سِرَّهُمْ؛ ووافَقَ أمْرُهُ أمْرَهُمْ؛ في التَّصَلُّبِ في الدِّينِ؛ والمُصابَرَةِ لِلْمُفْسِدِينَ؛ ﴿لإبْراهِيمَ﴾؛
الصافات 37:84
ثُمَّ عَلَّقَ بِمَعْنى المُشايَعَةِ؛ بَيانًا لِما كانَتْ بِهِ المُتابَعَةُ؛ قَوْلَهُ - عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن قالَ: مَتى شايَعَهُ؟ - ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿جاءَ رَبَّهُ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ في تَرْبِيَتِهِ؛ ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾؛ أيْ: بالِغِ السَّلامَةِ عَنْ حُبِّ غَيْرِهِ؛ والمَجِيءُ مَجازٌ عَنِ الإخْلاصِ؛ الَّذِي لا شائِبَةَ فِيهِ؛ كَما أنَّ الآتِيَ إلَيْكَ لا يَكُونُ شَيْءٌ مِن بَدَنِهِ عِنْدَ غَيْرِكَ؛
الصافات 37:85
ثُمَّ أبْدَلَ مِن ذَلِكَ ما هو دَلِيلٌ عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو أعْظَمُ النّاسِ عِنْدَهُ؛ وأجَلُّهم في عَيْنِهِ؛ وأعَزُّهم لَدَيْهِ؛ ﴿وقَوْمِهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لَهم مِنَ القُوَّةِ والجُدُودِ ما تَهابُهم بِهِ الأُسُودُ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: ما الَّذِي ﴿تَعْبُدُونَ﴾؛ تَحْقِيرًا لِأمْرِهِمْ؛ وأمْرِ مَعْبُوداتِهِمْ؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ لا عِلَّةَ لَهم في الحَقِيقَةِ تَحْمِلُ عَلى عِبادَتِها؛ غَيْرَ (p-٢٥٣)مُكْتَرِثٍ بِكَثْرَتِهِمْ؛ ولا هائِبٍ لِقُوتِهِمْ؛ ولا مُراعٍ لِمَيْلِ الطَّبْعِ البَشَرِيِّ إلى مَوَدَّتِهِمْ.
الصافات 37:86
ولَمّا لَوَّحَ لَهم بِالإنْكارِ؛ صَرَّحَ؛ فَقالَ - مُقَدِّمًا لِلْمَفْعُولِ؛ تَخْصِيصًا -: ﴿أإفْكًا﴾؛ أيْ: صَرْفًا لِلْحَقِّ عَنْ وجْهِهِ إلى قَفاهُ؛ ولَمّا جَعَلَ مَعْبُوداتِهِمْ نَفْسَ الإفْكِ؛ أبْدَلَ مِنهُ قَوْلَهُ: ﴿آلِهَةً﴾؛ ثُمَّ حَقَّرَ شَأْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿دُونَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿تُرِيدُونَ﴾؛
الصافات 37:87
ولَمّا كانَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ عِنْدَ تَحْقِيرِهِ لَهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْدِيدًا عَلى فِعْلِهِمْ عَظِيمًا؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى أنَّهُ يَكْفِي العاقِلَ في النَّهْيِ ظَنُّ العَطَبِ -: ﴿فَما ظَنُّكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ كُفْرانُ الإحْسانِ شَدِيدًا؛ ذَكَّرَهم بِإحْسانِهِ؛ حافِظًا لِسِياقِ التَّهْدِيدِ؛ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ يَكْفِي في ذَلِكَ الخَوْفُ مِن قَطْعِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿بِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِي تَوَحَّدَ بِخَلْقِ جَمِيعِ الجَواهِرِ؛ والأعْراضِ؛ وتَرْبِيَتِهِمْ؛ فَهو مُسْتَحِقٌّ لِتَوْحِيدِهِمْ إيّاهُ في عِبادَتِهِمْ؛ أتَظُنُّونَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُكم وقَدْ صَرَفْتُمْ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم إلى عِبادَةِ غَيْرِهِ؟ إشارَةً إلى إنْكارِ تَجْوِيزِ مِثْلِ هَذا؛ وأنَّ المَقْطُوعَ بِهِ أنَّ مُحْسِنًا لا يَرْضى بِدَوامِ إدْرارِ إحْسانِهِ إلى مَن يَنْسِبُهُ إلى غَيْرِهِ.
الصافات 37:88
ولَمّا أفْهَمَ السِّياقُ شِدَّةَ عَداوَتِهِ ﷺ؛ وكانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ أجْرى عادَتَهُ بِأنْ جَعَلَ في النُّجُومِ أدِلَّةً عَلى بَعْضِ المَسائِلِ الظَّنِّيَّةِ؛ لا سِيَّما البَحْراناتِ في أنْواعِ الأسْقامِ؛ وكانَ أهْلُ تِلْكَ البِلادِ؛ (p-٢٥٤)وهُمُ الكَسْدانِيُّونَ؛ كَما تَقَدَّمَ في ”الأنْعامِ“؛ وكَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ كُتُبُ الفُتُوحاتِ - مِن أشَدِّ النّاسِ نَظَرًا في النُّجُومِ؛ والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى أحْوالِ هَذا العالَمِ؛ في بَعْضِ ما كانَ؛ وبَعْضِ ما يَكُونُ؛ وكانَ ﷺ يُرِيدُ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنِ الذَّهابِ مَعَهم إلى المَحَلِّ الَّذِي يَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِلْعِيدِ؛ لِيُكَسِّرَ الأصْنامَ؛ ويُرِيدُ إخْفاءَ وقْتِ الكَسْرِ عَلَيْهِمْ؛ لِيَتَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى) - حاكِيًا عَنْهُ؛ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِالتَّسَبُّبِ عَمّا مَضى -: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً﴾؛ أيْ: واحِدَةً؛ ﴿فِي النُّجُومِ﴾؛ حِينَ طَلَبُوا مِنهُ أنْ يَخْرُجَ مَعَهم إلى عِيدِهِمْ؛ لِئَلّا يُنْكِرُوا تَخَلُّفَهُ عَنْهُمْ؛ مُوهِمًا لَهم أنَّهُ اسْتَدَلَّ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ عَلى مَرَضٍ باطِنِيٍّ يَحْصُلُ لَهُ؛ لِأنَّهم رُبَّما أنْكَرُوا كَوْنَهُ مَرِيضًا إذا أخْبَرَهم بِغَيْرِ النَّظَرِ في النُّجُومِ؛ لِأنَّ الصِّحَّةَ ظاهِرَةٌ عَلَيْهِ؛
الصافات 37:89
﴿فَقالَ﴾؛ أيْ: عَقِبَ هَذِهِ النَّظْرَةِ؛ مُوهِمًا أنَّها سَبَبُهُ؛ ولَمّا كانَ بَدَنُهُ صَحِيحًا؛ فَكانَ بِصَدَدِ أنْ يُتَوَقَّفَ في خَبَرِهِ؛ أكَّدَ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾؛ فَأوْهَمَ أنَّ مُرادَهُ أنَّهُ مَرِيضُ الجَسَدِ؛ وأرادَ أنَّهُ مَرِيضُ القَلْبِ بِسَبَبِ آلِهَتِهِمْ؛ مُقَسِّمَ الفِكْرِ في أمْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُرِيدُ أمْرًا عَظِيمًا؛ وهو كَسْرُها؛ ومادَّةُ ”سَقَمَ“؛ بِتَقالِيبِها الخَمْسَةِ: ”سَقَمَ“؛ ”سَمَقَ“؛ ”قَسَمَ“؛ ”قَمَسَ“؛ ”مَقَسَ“؛ تَدُورُ عَلى القَسْمِ؛ فَـ ”السَّقامُ“؛ كَـ ”سَحابٌ“؛ و”جَبَلٌ“؛ و”قُفْلٌ“: المَرَضُ؛ أيْ: (p-٢٥٥)لِأنَّهُ يُقَسِّمُ القُوَّةَ؛ والفِكْرَ؛ وقالَ ابْنُ القَطّاعِ: ”سَقِمَ“: طاوَلَهُ المَرَضُ؛ وقَسَّمَهُ: جَزَّأهُ؛ و”الدَّهْرُ القَوْمَ“: فَرَّقَهُمْ؛ و”القِسْمُ“؛ بِالكَسْرِ: النَّصِيبُ؛ و”القَسْمُ“؛ أيْ بِالفَتْحِ: العَطاءُ؛ ولا يُجْمَعُ؛ والرَّأْيُ؛ والشَّكُّ؛ والعَيْبُ؛ والماءُ؛ والقَدْرُ؛ والخُلُقُ؛ والعادَةُ؛ ويُكْسَرُ فِيهِما؛ والتَّفْرِيقُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ أمّا العَطاءُ فَيُفَرِّقُ المالَ ويُقَسِّمُهُ؛ والرَّأْيُ يُقَسِّمُ الفِكْرَ؛ والشَّكُّ كَذَلِكَ؛ والعَيْبُ يُقَسِّمُ العِرْضَ؛ والماءُ في غايَةِ ما يَكُونُ مِن سُهُولَةِ القَسْمِ؛ والقَدْرُ يَفْصِلُ صاحِبَهُ مِن غَيْرِهِ؛ وكَذا الخُلُقُ والعادَةُ؛ و”المُقَسَّمُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: المَهْمُومُ؛ لِتَوَزُّعِ فِكْرِهِ؛ والجَمِيلُ؛ لِأنَّهُ يُقَسِّمُ القَوْلَ في وصْفِهِ؛ و”القَسَمُ“؛ مُحَرَّكَةً: اليَمِينُ بِاللَّهِ؛ و”قَدْ أقْسَمَ“؛ أيْ: أزالَ تَقْسِيمَ الفِكْرِ؛ و”القَسامَةُ“: الحُسْنُ؛ لِأنَّهُ يُوَزِّعُ فِكْرَ النّاظِرِ؛ وجَوْنَةُ العَطّارِ كَذَلِكَ؛ لِطِيبِ رِيحِها؛ و”القَسامُ“؛ كَـ ”سَحابٌ“: شِدَّةُ الحَرِّ؛ لِأنَّها تُزْعِجُ الفِكْرَ فَتُقَسِّمُهُ؛ أوْ هو أوَّلُ وقْتِ الهاجِرَةِ؛ أوْ وقْتُ ذُرُورِ الشَّمْسِ؛ وهي حِينَئِذٍ أحْسَنُ ما تَكُونُ مِرْآةً؛ فَيَنْقَسِمُ الفِكْرُ فِيها لِحُسْنِها إذْ ذاكَ؛ وما يَطْرَأُ عَلَيْها بَعْدَهُ؛ و”القَمْسُ“: الغَوْصُ؛ لِأنَّ الغائِصَ قَسَّمَ الماءَ بِغَوْصِهِ؛ و”القَمْسُ“؛ أيْضًا: اضْطِرابُ الوَلَدِ في البَطْنِ؛ لِأنَّهُ يُقَسِّمُ الفِكْرَ؛ ويَكادُ أنْ يُقَسِّمَ البَطْنَ بِاضْطِرابِهِ؛ و”القامُوسُ“: مُعْظَمُ البَحْرِ؛ لِأنَّ البَحْرَ قَسَّمَ الأرْضَ؛ ومُعْظَمُهُ (p-٢٥٦)أحَقُّ بِهَذا الِاسْمِ؛ و”القَوامِسُ“: الدَّواهِي؛ لِتَقْسِيمِها الفِكْرَ؛ و”انْقَمَسَ النَّجْمُ“: غَرَبَ؛ أيْ: أخَذَ قِسْمَهُ مِنَ الغُرُوبِ؛ كَما أخَذَهُ مِنَ الشُّرُوقِ؛ أوْ أزالَ التَّقْسِيمَ بِالسَّيْرِ؛ و”مَقَسَهُ في الماءِ“: غَطَّهُ؛ فانْقَسَمَ الماءُ بِغَمْسِهِ فِيهِ؛ و”القِرْبَةَ“: مَلَأها؛ فَصَيَّرَ فِيها مِنَ الماءِ ما يَسْهُلُ قَسْمُهُ؛ وأخْذُهُ الماءَ الَّذِي وضَعَهُ فِيها تَقْسِيمٌ لِلْماءِ المَأْخُوذِ مِنهُ؛ و”مَقَسَ الشَّيْءَ“: كَسَرَهُ؛ و”الماءُ“: جَرى؛ فانْقَسَمَ؛ وقَسَمَ الأرْضَ؛ و”هُوَ يَمْقُسُ الشِّعْرَ كَيْفَ شاءَ“؛ أيْ: يَقُولُهُ؛ فَيَقْسِمُهُ مِن باقِي الكَلامِ؛ و”التَّقْمِيسُ في الماءِ“: الإكْثارُ مِن صَبِّهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ تَقْسِيمٌ لَهُ؛ و”سَمَقَ سُمُوقًا“: عَلا؛ وطالَ؛ فَصارَ بِطُولِهِ يَقْبَلُ مِنَ القِسْمَةِ ما لا يَقْبَلُهُ ما هو دُونَهُ.
الصافات 37:90
ولَمّا فَهِمُوا عَنْهُ ظاهِرَ قَوْلِهِ؛ وظَنُّوا فِيهِ ما يَظْهَرُ مِن حالِهِ؛ ولَكِنَّهم لَمْ يَسَعْهم لِعَظَمَتِهِ فِيهِمْ إلّا التَّسْلِيمُ؛ تَرَكُوهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُسَبِّبًا عَنْ قَوْلِهِ؛ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِهِمْ مَرَضَهُ بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ -: ﴿فَتَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: عالَجُوا أنْفُسَهُمْ؛ وكَلَّفُوها أنِ انْصَرَفُوا؛ ﴿عَنْهُ﴾؛ إلى مَحَلِّ اجْتِماعِهِمْ؛ وإقامَةِ عِيدِهِمْ؛ وأكَّدَ المَعْنى؛ ونَصَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُدْبِرِينَ﴾؛ أيْ: إلى مَعْبَدِهِمْ؛ فَخَلا لَهُ الوَقْتُ مِن رَقِيبٍ؛
الصافات 37:91
﴿فَراغَ﴾؛ أيْ: ذَهَبَ في خُفْيَةٍ بِرَشاقَةٍ؛ وخِفَّةٍ؛ ونَشاطٍ؛ وهِمَّةٍ؛ قالَ البَيْضاوِيُّ: وأصْلُهُ المَيْلُ بِحِيلَةٍ؛ ﴿إلى آلِهَتِهِمْ﴾؛ أيْ: أصْنامِهِمُ الَّتِي زَعَمُوها آلِهَةً؛ وقَدْ وضَعُوا عِنْدَها طَعامًا؛ فَخاطَبَها مُخاطَبَةَ مَن يَعْقِلُ؛ لِجَعْلِهِمْ إيّاها بِذَلِكَ في عِدادِ مَن يَعْقِلُ؛ ﴿فَقالَ﴾؛ مُنْكِرًا عَلَيْها؛ (p-٢٥٧)مُتَهَكِّمًا بِها ظاهِرًا؛ ومُوَبِّخًا لِقَوْمِهِ حَقِيقَةً؛ ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾؛
الصافات 37:92
ثُمَّ زادَ في إظْهارِ الحَقِّ؛ والِاسْتِهْزاءِ بِانْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ عابِدِيها؛ فَقالَ: ﴿ما﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ ﴿لَكُمْ﴾؛ في أنَّكُمْ؛ ﴿لا تَنْطِقُونَ﴾
الصافات 37:93
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ أظْهَرَ ما يَعْرِفُهُ باطِنًا مِنَ الحُجَّةِ؛ فَقالَ: ﴿فَراغَ﴾؛ أيْ: سَبَّبَ عَنْ إقامَتِهِ الحُجَّةَ أنَّهُ أقْبَلَ مُسْتَعْلِيًا؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ بِغايَةِ النَّشاطِ؛ والخِفَّةِ؛ والرَّشاقَةِ؛ يَضْرِبُهُمْ؛ ﴿ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾؛ أيْ: بِغايَةِ القُوَّةِ؛ وجَعَلَ السِّياقَ لِلْمَصْدَرِ إشارَةً إلى قُوَّةِ الهِمَّةِ؛ بِحَيْثُ صارَ كُلُّهُ ضَرْبًا؛
الصافات 37:94
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهم لَمّا عَلِمُوا بِكَسْرِها ظَنُّوا فِيهِ؛ لِما كانُوا يَسْمَعُونَهُ مِنهُ مِن ذَمِّها؛ وحَلِفِهِ بِأنَّهُ لَيَكِيدَنَّها؛ فَأتَوْهُ؛ أخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُسَبِّبًا -: ﴿فَأقْبَلُوا﴾؛ ودَلَّ عَلى أنَّهُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾؛ أيْ: يُسْرِعُونَ؛ وقِراءَةُ حَمْزَةَ - بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ - أدَلُّ عَلى شِدَّةِ الإسْراعِ؛ لِدَلالَتِها عَلى أنَّهم جاؤُوا عَلى حالَةٍ كَأنَّ حامِلًا يَحْمِلُهم فِيها عَلى الإسْراعِ؛ وقاهِرًا يَقْهَرُهم عَلَيْهِ؛ مِن شِدَّةِ ما في نُفُوسِهِمْ مِنَ الوَجْدِ.
الصافات 37:95
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم كَلَّمُوهُ في ذَلِكَ؛ فَطالَ كَلامُهُمْ؛ وكانَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلى جَوابِهِ أكْثَرَ؛ اسْتَأْنَفَ الخَبَرَ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾؛ غَيْرَ هائِبٍ لَهُمْ؛ ولا مُكْتَرِثٍ بِهِمْ؛ لِرُؤْيَتِهِ لَهم فانِينَ؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿أتَعْبُدُونَ﴾؛ ونَدَبَهم بِالمُضارِعِ إلى التَّوْبَةِ؛ والرُّجُوعِ إلى اللَّهِ؛ وعَبَّرَ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ؛ (p-٢٥٨)كَما هو الحَقُّ؛ فَقالَ: ﴿ما تَنْحِتُونَ﴾؛ أيْ: إنْ كانَتِ العِبادَةُ تَحِقُّ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ فَهم أحَقُّ أنْ يَعْبُدُوكُمْ؛ لِأنَّكم صَنَعْتُمُوهُمْ؛ ولَمْ يَصْنَعُوكم.
الصافات 37:96
ولَمّا كانَ المُتَفَرِّدُ بِالنِّعْمَةِ؛ وهو المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ؛ وكانَ الإيجادُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ وكانَ قَدْ بَيَّنَ أنَّهم إنَّما عَبَدُوها لِأجْلِ عَمَلِهِمُ الَّذِي عَمِلُوهُ فِيها؛ فَصَيَّرَها إلى ما صارَتْ إلَيْهِ مِنَ الشَّكْلِ؛ قالَ (تَعالى) - مُبَيِّنًا أنَّهُ هو وحْدَهُ خالِقُهُمْ؛ وخالِقُ أعْمالِهِمُ الَّتِي ما عَبَدُوا في الحَقِيقَةِ إلّا هِيَ؛ وأنَّهُ لا مُدْخَلَ لِمَنحُوتاتِهِمْ في الخَلْقِ؛ فَلا مُدْخَلَ لَها في العِبادَةِ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ أيْ: أوَجَدَكم عَلى هَذِهِ الأشْكالِ؛ ﴿وما تَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: وخَلَقَ عَمَلَكُمْ؛ ومَعْمُولَكُمْ؛ فَهو المُتَفَرِّدُ بِجَمِيعِ الخَلْقِ مِنَ الذَّواتِ؛ والمَعانِي؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا يُعْبَدُ إلّا مَن كانَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَشْكُرَ عَلى النِّعْمَةِ إلّا رَبَّها.
الصافات 37:97
ولَمّا كانَ السّامِعُ يَعْلَمُ أنَّهم لا بُدَّ وأنْ لا يُجِيبُوهُ بِشَيْءٍ؛ فَتَشَوَّفَ إلى ذَلِكَ؛ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِ؛ ﴿بُنْيانًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأحْطابِ؛ حَتّى تَصِيرَ كالجَبَلِ العَظِيمِ؛ فاحْرِقُوها حَتّى يَشْتَدَّ لَهَبُها جِدًّا؛ فَيَصِيرَ جَحِيمًا؛ ﴿فَألْقُوهُ فِي﴾؛ ذَلِكَ ﴿الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: مُعْظَمِ النّارِ؛ وهي عَلى أشَدِّ ما يَكُونُ إيقادًا.
الصافات 37:98
ولَمّا كانَ هَذا مُسَبَّبًا عَنْ إرادَتِهِمْ لِإهانَتِهِ؛ قالَ: ﴿فَأرادُوا بِهِ﴾؛ أيْ: إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِسَبَبِ هَذا الَّذِي عَمِلُوهُ؛ ﴿كَيْدًا﴾؛ أيْ: تَدْبِيرًا؛ (p-٢٥٩)يُبْطِلُ أمْرَهُ؛ لِيُعْلُوا أمْرَهُمْ؛ ولا يَبْطُلَ بِما أظْهَرَ مِن عَجْزِهِمْ دِينُهُمْ؛ ﴿فَجَعَلْناهُمُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِسَبَبِ عَمَلِهِمْ؛ ﴿الأسْفَلِينَ﴾؛ المَقْهُورِينَ؛ بِما أبْطَلْنا مِن نارِهِمْ؛ وجَعَلْناها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا؛ بِضِدِّ عادَتِها في العَمَلِ؛ فَنُفِّذَ عَمَلُنا؛ وهو خارِقٌ لِلْعادَةِ؛ وبَطَلَ عَمَلُهُمُ الَّذِي هو عَلى مُقْتَضى العادَةِ؛ فَظَهَرَ عَجْزُهم في فِعْلِهِمْ؛ كَما ظَهَرَ عَجْزُهم في قَوْلِهِمْ؛ بِما أظْهَرْناهُ مِنَ الحُجَّةِ عَلى لِسانِ خَلِيلِنا - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وظَهَرَتْ قُدْرَتُنا واخْتِيارُنا؛ وإنَّما فَسَّرْتُ الكَيْدَ بِما ذَكَرْتُ لِأنَّهُ المَكْرُ؛ والخُبْثُ؛ والِاحْتِيالُ؛ والخَدِيعَةُ؛ والتَّدْبِيرُ - بِحَقٍّ؛ أوْ باطِلٍ -؛ والحَرْبُ؛ والخَوْفُ؛ فَكُلُّ هَذِهِ المَعانِي - كَما تَرى - تَدُورُ عَلى التَّدْبِيرِ؛ وإعْمالِ الفِكْرِ وإدارَةِ الرَّأْيِ.
الصافات 37:99
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَأجْمَعَ النُّزُوحَ عَنْ بِلادِهِمْ؛ لِأنَّهم عَدَلُوا عَنِ الحُجَّةِ إلى العِنادِ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقالَ﴾؛ أيْ: إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِمَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ أنَّ كَلامَهُ يُحْيِيهِ مِن مَوْتِ الجَهْلِ؛ مُؤَكِّدًا لِأنَّ فِراقَ الإنْسانِ لِوَطَنِهِ لا يَكادُ يُصَدَّقُ بِهِ؛ ﴿إنِّي ذاهِبٌ﴾؛ أيْ: مُهاجِرٌ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ؛ قالُوا: وهو أوَّلُ مَن هاجَرَ مِنَ الخَلْقِ؛ ﴿إلى رَبِّي﴾؛ أيْ: إلى المَوْضِعِ الَّذِي أمَرَنِي المُحْسِنُ إلَيَّ بِالهِجْرَةِ إلَيْهِ؛ فَلا يَحْجُرُ عَلَيَّ أحَدٌ في عِبادَتِهِ فِيهِ. (p-٢٦٠)ولَمّا كانَ حالُ سامِعِهِ جَدِيرًا بِأنْ يَقُولَ: مَن لَكَ بِالمَعْرِفَةِ بِما يُحَصِّلُ قَصْدَكَ هَذا؛ مِنَ التَّعْرِيفِ بِالمَوْضِعِ؛ وبِما تَفْعَلُ فِيهِ؛ مِمّا يَكُونُ بِهِ الصَّلاحُ؟ وما تَفْعَلُ في التَّوَصُّلِ إلَيْهِ؟ قالَ: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ أيْ: إلى جَمِيعِ ذَلِكَ؛ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ إلى كُلِّ ما فِيهِ تَرْبِيَةٌ لِي في أمْرِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّهُ أمَرَنِي بِها؛ وهو لا يَأْمُرُ بِشَيْءٍ إلّا نَصَبَ عَلَيْهِ دَلِيلًا يَهْدِي إلَيْهِ؛ ويُسَهِّلُ لِقاصِدِهِ المُجْتَهِدِ في أمْرِهِ سَبِيلَهُ؛ وقَدِ اخْتَلَفَتِ العِباراتُ عَنْ سَيْرِ الأصْفِياءِ إلى الحَضْراتِ القُدْسِيَّةِ؛ فَهَذِهِ العِبارَةُ عَنْ أمْرِ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وعَبَّرَ عَنْ أمْرِ الكَلِيمِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ [الأعراف: ١٤٣]؛ وعَنْ أمْرِ الحَبِيبِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]؛ قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ؛ وفَصَلَ بَيْنَ هَذِهِ المَقاماتِ: إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ بِعَيْنِ الفَرَقِ - يَعْنِي أنَّهُ بَعْدَما كانَ فِيهِ مِنَ الجَمْعِ حِينَ كَسَرَ الأصْنامَ مِنَ الفَناءِ عَمّا سِوى اللَّهِ؛ رَجَعَ إلى حالِ الفَرَقِ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ -؛ ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعَيْنِ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ عَنْ فِعْلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْسِبَ إلَيْهِ قَوْلًا؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ قالَ:“رَبِّ أرِنِي"؛ فَلَمْ يَرَ غَيْرُهُ - سُبْحانَهُ -؛ فَطَلَبَ أنْ يُرِيَهُ؛ وهَذا هو الفَناءُ؛ ونَبِيُّنا ﷺ بِعَيْنِ جَمْعِ الجَمْعِ - لِأنَّهُ لَمْ يُنْسَبْ إلَيْهِ قَوْلٌ ولا فِعْلٌ؛ بَلْ هو المُرادُ؛ إلى أنْ قالَ: ﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾ [الإسراء: ١] فَهَذا هو الفَناءُ حَتّى عَنِ الفَناءِ؛ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُ هو (p-٢٦١)السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] فَأثْبَتَ لَهُ - مَعَ ذَلِكَ - الكَمالَ.
الصافات 37:100
ولَمّا لَمْ يَجِدْ لَهُ مُعِينًا عَلى الهِجْرَةِ غَيْرَ لُوطٍ؛ ابْنِ أخِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ قالَ - مُنادِيًا مُناداةَ الخَواصِّ؛ بِإسْقاطِ الأداةِ -: ﴿رَبِّ﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ؛ ﴿هَبْ لِي مِنَ﴾؛ أيْ: ولَدًا مِن ﴿الصّالِحِينَ﴾؛ وأسْقَطَ المَوْصُوفَ؛ لِأنَّ لَفْظَ الهِبَةِ غَلَبَ في الوَلَدِ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ دَعْوَتِهِ أنّا اسْتَجَبْناها لَهُ؛
الصافات 37:101
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ﴾؛ أيْ: بِذَكَرٍ في غايَةِ القُوَّةِ؛ الَّتِي يَنْشَأُ عَنْها الغِلْمَةُ.
ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ رُبَّما أفْهَمَ الطَّيْشَ؛ وصَفَهُ بِما أبْقى صَفاءَهُ؛ ونَفى كَدَرَهُ؛ فَقالَ: ﴿حَلِيمٍ﴾؛ أيْ: لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ مَعَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ في غايَةِ الرَّزانَةِ؛ والثَّباتِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ إشارَةً إلى حُصُولِ بَلاءٍ ما؛ يَتَبَيَّنُ بِهِ أنَّهُ سِرُّ أبِيهِ: ”إنَّ إبْراهِيمَ لِحَلِيمٌ“؛ والحِلْمُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ العِلْمِ؛ ورُسُوخُ العِلْمِ سَبَبٌ لِوُجُودِ الحِلْمِ؛ وهو اتِّساعُ الصَّدْرِ لِمَساوِئِ الخَلْقِ؛ ومَدانِئِ أخْلاقِهِمْ؛ وهَذا الوَلَدُ هو إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِلا شَكٍّ؛ لِوُجُوهٍ: مِنها وصْفُهُ بِالحَلِيمِ؛ ووَصْفُ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ ”الحِجْرِ“؛ بِالعَلِيمِ؛ ومِنها أنَّ هَذا الدُّعاءَ عِنْدَ الهِجْرَةِ؛ حَيْثُ كانَ شابًّا يَرْجُو الوَلَدَ؛ وهو بِكْرُهُ الَّذِي وُلِدَ لَهُ بِهَذِهِ البُشْرى؛ وهو الَّذِي كانَ بِمَكَّةَ مَوْضِعِ الذَّبْحِ؛ فَجُعِلَتْ (p-٢٦٢)أفْعالُهُ في ذَبْحِهِ مَناسِكَ لِلْحَجِّ؛ في ”مِنًى“؛ كَما جُعِلَتْ أفْعالُ أُمِّهِ في مَكَّةَ المُشْرَّفَةِ - أوَّلَ أمْرِهِ؛ عِنْدَما أشْرَفَ عَلى المَوْتِ مِنَ العَطَشِ -؛ مَناسِكَ ومَعالِمَ هُناكَ؛ وأمّا إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأتَتْهُ البُشْرى؛ فَجْأةً؛ وهو لا يَرْجُو الوَلَدَ؛ لِكِبَرِهِ؛ ويَأْسِ امْرَأتِهِ؛ ولِذَلِكَ راجَعَ في أمْرِهِ؛ ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ فارَقَ أُمَّهُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ؛ ولَوْ كانَ هو الذَّبِيحَ لَذَكَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِوَصْفِهِ؛ حِينَ سُئِلَ عَنِ الأكْرَمِ؛ فَقالَ: ”يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ؛ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ؛ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ؛ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ“؛ والرِّوايَةُ الَّتِي ورَدَتْ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ الذَّبِيحُ ضَعِيفَةٌ؛ بَلْ صَرَّحَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ بِأنَّ في سَنَدِها وُضّاعًا؛ ولِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةُ التَّنْزِيهِ؛ فَأحَقُّ النّاسِ بِالذِّكْرِ فِيها - كَما سَلَفَ - أعْرَقُ النّاسِ في قِدَمِ التَّجْرِيدِ؛ وهو أوْلى النّاسِ بِذَلِكَ؛ مِن حِينِ كانَ حَمْلًا؛ إلى أنْ عُولِجَ ذَبْحُهُ؛ ولَمْ يُذْكَرْ ظاهِرًا؛ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ المُرادَ بِهَذا الكَلامِ؛ لَكانَ تُرِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ - الَّتِي حالُها هَذا - مَن هو أرْسَخُ النّاسِ في الوَصْفِ المَقْصُودِ بِها؛ وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ نَهْجِ البَلاغَةِ؛ الَّتِي هي مُطابَقَةُ المَقالِ لِمُقْتَضى الحالِ؛ بَلْ هَذا الحالُ لا يَقْتَضِي ذِكْرَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ تَجَرُّدٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ وما كانَ ذِكْرُهُ إلّا لِبَيانِ جَزاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما اقْتَضاهُ مَقامُهُ في الإحْسانِ؛ في بابِ التَّجْرِيدِ والفَناءِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الصافات 37:102
(p-٢٦٣)ولَمّا كانَتِ البُشْرى مِنَ اللَّهِ لا تَتَخَلَّفُ؛ كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَوُلِدَ لَهُ غُلامٌ كَما قُلْنا“؛ ﴿فَلَمّا بَلَغَ﴾؛ أنْ يَسْعى كائِنًا؛ ﴿مَعَهُ﴾؛ أيْ: مَعَ أبِيهِ خاصَّةً؛ ومُصاحِبًا لَهُ؛ ﴿السَّعْيَ﴾؛ الَّذِي يَرْضى بِهِ الأبُ؛ ويُوَطِّنُ نَفْسَهُ عِنْدَهُ عَلى الوَلَدِ؛ ويَثِقُ بِهِ؛ ولا يَتَعَلَّقُ مَعَ مَبْلَغٍ؛ لِاقْتِضائِهِ بُلُوغَهُما مَعًا حَدَّ السَّعْيِ؛ ولا مَعْنى لِذَلِكَ في حَقِّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا بِالسَّعْيِ؛ لِأنَّ صِلَةَ المَصْدَرِ لا تَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ أُخِّرَ عَنْهُ لَمْ يُفِدْ الِاخْتِصاصَ المُفْهِمَ لِصِغَرِ سِنِّهِ؛ المُفِيدِ لِلْإعْلامِ بِأنْ يَبْلُغَ في ذَلِكَ مَعَهُ ما لا يَبْلُغُهُ مَعَ غَيْرِهِ؛ لِعَظِيمِ شَفَقَةِ الأبِ؛ واسْتِحْكامِ مَيْلِ الِابْنِ؛ المُوجِبِ لِطاعَتِهِ؛ واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَقْدِيرِ ذَلِكَ بِالسِّنِّ؛ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وبَعْضُهُمْ: سَبْعُ سِنِينَ؛ ولِذَلِكَ قَيَّدَهُ بِالأبِ؛ لِأنَّ غَيْرَهُ لا يُشْفِقُ عَلى الوَلَدِ؛ فَيُكَلِّفُهُ ما لَيْسَ في وُسْعِهِ؛ وهو لَمْ يَبْلُغْ كَمالَ السَّعْيِ؛ ﴿قالَ﴾؛ أيْ: إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿يا بُنَيَّ﴾؛ مُنادِيًا لَهُ بِصِيغَةِ التَّعَطُّفِ؛ والشَّفَقَةِ؛ والتَّحَبُّبِ؛ ذاكِرًا لَهُ بِالمُضارِعِ الحالَ الَّذِي رَآهُ عَلَيْهِ؛ ومُصَوِّرًا لَهُ؛ لا لِتَكْرارِ الرُّؤْيا؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّكْرارِ؛ ولا إلى التَّرَوِّي؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) أراهُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ؛ وأكَّدَ - لِما في طِباعِ البَشَرِ مِن إحالَةِ أنْ يُقالَ ذَلِكَ عَلى حَقِيقَتِهِ -؛ وإعْلامًا بِأنَّهُ مَنامُ وحْيٍ؛ لا أضْغاثُ أحْلامٍ؛ (p-٢٦٤)﴿إنِّي أرى في المَنامِ﴾؛ أيْ: وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ رُؤْيا الأنْبِياءِ وحْيٌ؛ ﴿أنِّي أذْبَحُكَ﴾؛ أيْ: أُعالِجُ ذَبْحَكَ في اليَقَظَةِ؛ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولِذَلِكَ كانَ كَما قالَ؛ ولَوْ عَبَّرَ بِالماضِي لَمَضى وتَمَّ؛ وإنَّما كانَ في المَنامِ في هَذا الأمْرِ الخَطِرِ جِدًّا؛ لِيُعْلَمَ وُثُوقُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِما يَأْتِيهِمْ عَنِ اللَّهِ في كُلِّ حالٍ.
ولَمّا كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - أشْفَقَ النّاسِ؛ وأنْصَحَهُمْ؛ أحَبَّ أنْ يَرى ما عِنْدَهُ؛ فَإنْ كانَ عَلى ما يُحِبُّ سُرَّ؛ وثَبَّتَهُ؛ وإلّا سَعى في جَعْلِهِ عَلى ما يُحِبُّ؛ فَيَلْقى البَلاءَ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ؛ ويَكُونُ ذَلِكَ أعْظَمَ لِأجْرِهِ؛ لِتَمامِ انْقِيادِهِ؛ ولِتَكُونَ المُشاوَرَةُ سُنَّةً؛ فَإنَّهُ «”ما نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ“؛» سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فانْظُرْ﴾؛ بِعَيْنِ بَصِيرَتِكَ؛ ﴿ماذا﴾؛ أيْ: ما الَّذِي؛ ﴿تَرى﴾؛ أيْ: في هَذِهِ الرُّؤْيا؛ فَهو اخْتِبارٌ لِصَبْرِهِ؛ لا مُؤامَرَةٌ لَهُ؛ ﴿قالَ﴾؛ تَصْدِيقًا لِثَناءِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالحِلْمِ؛ ﴿يا أبَتِ﴾؛ تَأدُّبًا مَعَهُ؛ بِما دَلَّ عَلى التَّعْظِيمِ؛ والتَّوْقِيرِ؛ ﴿افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾؛ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ وقَعَ لَكَ بِهِ أمْرٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) ويَتَجَدَّدُ لَكَ بِهِ أمْرٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لِأنِّي لا أتَّهِمُكَ في شَفَقَتِكَ؛ وحُسْنِ نَظَرِكَ؛ ولا أتَّهِمُ اللَّهَ في قَضائِهِ؛ والقِصَّةُ دَلِيلٌ عَلى وُقُوعِ الأمْرِ؛ بِالمُمْتَنِعِ لِغَيْرِهِ؛ ولِأكْثَرِ الأوامِرِ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ عِنْدَ: ”أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ“. (p-٢٦٥)ولَمّا عَلِمَ طاعَتَهُ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى اسْتِسْلامِهِ وصَبْرِهِ؛ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿سَتَجِدُنِي﴾؛ أيْ: بِوَعْدٍ جازِمٍ؛ لا تَرَدُّدَ فِيهِ؛ صادِقٍ؛ كَما أخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ؛ لا خُلْفَ فِيهِ؛ وكانَ صادِقَ الوَعْدِ.
ولَمّا كانَ مِن أخْلاقِ الكُمَّلِ عَدَمُ القَطْعِ في المُسْتَقْبَلاتِ؛ لِما يَعْلَمُونَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ (تَعالى) عَلى نَقْضِ العَزائِمِ؛ بِالحَيْلُولَةِ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ؛ قالَ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي اخْتَصَّ بِالإحاطَةِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ وأكَّدَ وعْدَهُ بِهَذا الأمْرِ؛ الَّذِي لا يَكادُ يُصَدَّقُ مِثْلُهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّابِرِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الصَّبْرِ؛ البالِغِينَ فِيهِ حَدَّ النِّهايَةِ؛ وهو مِن أعْظَمِ ما أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]
؎ولَوْ بِيَدِ الحَبِيبِ سُقِيتُ سُمًّا ∗∗∗ لَكانَ السُّمُّ مِن يَدِهِ يَطِيبُ
وجَعَلَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ في المَنامِ دَلالَةً عَلى صِدْقِ أحْوالِ الأنْبِياءِ؛ نَوْمًا ويَقَظَةً؛ وصِدْقِ عَزائِمِهِمْ؛ وانْقِيادِهِمْ لِجَمِيعِ الأوامِرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ ورُوِيَ أنَّ الشَّيْطانَ وسْوَسَ لَهُ في ذَبْحِهِ؛ فَعَرَفَهُ؛ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ؛ فَصارَ ذَلِكَ شَرِيعَةً في الجِمارِ؛ ومِن ألْطَفِ ما في ذَلِكَ أنَّهم لَمّا كانُوا في نِهايَةِ التَّجَرُّدِ عَنْ عَلائِقِ الشَّواغِلِ جُعِلَتْ أفْعالُهم شَعائِرَ؛ وشَرائِعَ لِعِبادَةِ الحَجِّ؛ الَّتِي رُوحُها التَّجَرُّدُ لِلْوُفُودِ إلى اللَّهِ (تَعالى).
الصافات 37:103
ولَمّا وثِقَ مِنهُ؛ بادَرَ إلى ما أُمِرَ بِهِ؛ ودَلَّ عَلى قُرْبِ زَمَنِهِ مِن زَمَنِ هَذا القَوْلِ بِالفاءِ؛ فَقالَ: ﴿فَلَمّا أسْلَما﴾؛ أيْ: ألْقَيا بِالفِعْلِ؛ عَلى غايَةِ الإخْلاصِ؛ حِينَ المُباشَرَةِ؛ بِجَمِيعِ قُواهُما؛ في يَدِ الأمْرِ؛ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ أحَدٍ مِنهُما شَيْءٌ مِن إباءٍ؛ ولا امْتِناعٍ؛ ولا حَدِيثِ نَفْسٍ؛ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ (p-٢٦٦)﴿وتَلَّهُ﴾؛ أيْ: صَرَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - صَرْعًا جَيِّدًا سَرِيعًا؛ مَعَ غايَةِ الرِّضا مِنهُ؛ والمُطاوَعَةِ مِن إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودَلَّ عَلى السُّرْعَةِ بِاللّامِ؛ الواقِعَةِ مَوْقِعَ ”عَلى“؛ فَقالَ: ﴿لِلْجَبِينِ﴾؛ أيْ: أحَدِ شِقَّيِ الجَبْهَةِ؛ وهي هَيْئَةُ إضْجاعِ ما يُذْبَحُ؛ وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: تَلَّهُ - إذا صَرَعَهُ؛ وبِهِ سُمِّيَ التَّلُّ مِنَ التُّرابِ؛ و”تَلَلْتَ فُلانًا في يَدِكَ“؛ أيْ: دَفَعْتَهُ سِلْمًا؛ والجَبِينُ - قالَ في الصِّحاحِ: فَوْقَ الصُّدْغِ؛ وهُما جَبِينانِ عَنْ يَمِينِ الجَبْهَةِ؛ وشِمالِها.
الصافات 37:104
ولَمّا كانَ مِنَ الواضِحِ أنَّ التَّقْدِيرَ ”جَوابًا؛ لَمّا عالَجَ ذَبْحَهُ بِعَزْمٍ أمْضى مِنَ السِّنانِ؛ وجَنانٍ في ثَباتِهِ أيِّما جَنانٍ؛ فَمَنَعْناهُ مِنَ التَّأْثِيرِ بِقُدْرَتِنا؛ ورَدَدْنا شَفْرَتَهُ الماضِيَةَ عَنْ عُنُقِهِ اللَّيِّنَةِ بِأيْدِينا؛ وقُوَّتِنا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ونادَيْناهُ﴾؛ وفَخَّمَ هَذا النِّداءَ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ؛ فَقالَ: ﴿أنْ يا إبْراهِيمُ﴾؛
الصافات 37:105
ولَمّا كانَ مَحَلُّ التَّوَقُّعِ الثَّناءَ عَلَيْهِ؛ قالَ: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا عَظِيمًا؛ ﴿الرُّؤْيا﴾؛ في أنَّكَ تَذْبَحُهُ؛ فَإنَّكَ قَدْ عالَجْتَ ذَلِكَ؛ وبَذَلْتَ الوُسْعَ فِيهِ؛ وفَعَلْتَ ما رَأيْتَهُ في المَنامِ؛ فَما انْذَبَحَ؛ لِأنَّكَ لَمْ تَرَ أنَّكَ ذَبَحْتَهُ؛ فاكْفُفْ عَنْ مُعالَجَةِ الذَّبْحِ بِأزْيَدَ مِن هَذا؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”فَجَزَيْناكَ عَلى ذَلِكَ لِإحْسانِكَ فَوْقَ ما تُحِبُّ؛ وجَعَلْناكَ إمامًا لِلْمُتَّقِينَ؛ ووَهَبْناكَ لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ؛ وجَعَلْنا آلَكَ هُمُ المُصْطَفَيْنَ؛ ومَلَأْنا مِنهُمُ الخافِقَيْنِ“؛ عَلَّلَهُ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّتُهُ دائِمًا؛ قَدِيمًا وحَدِيثًا؛ فَقالَ ما يَأْتِي. (p-٢٦٧)ولَمّا كانَ ﷺ في هِمَّةِ الذَّبْحِ وعَزْمِهِ؛ فَكانَتْ تِلْكَ الهِمَّةُ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْها رُتْبَةُ السُّها والسِّماكِ؛ والعَزْمَةُ الَّتِي تَتَضاءَلُ دُونَ عَلِيِّ مَكانَتِها؛ وسَنِيِّ عَظَمَتِها عَوالِي الأفْلاكِ؛ لا تَسْكُنُ عَنْ ثَوَرانِها؛ ولا تَبْرُدُ عَنْ غَلَيانِها؛ وفَوَرانِها؛ إلّا بِأمْرٍ شَدِيدٍ؛ وقَوْلٍ جازِمٍ أكِيدٍ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هِمَّتَهُ قَدْ وصَلَتْ إلى ما هَذا حَدُّهُ؛ وأنَّ امْتِثالَ الأمْرِ أيْسَرُ مِنَ الكَفِّ بَعْدَ المُباشَرَةِ بِالنَّهْيِ -: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾
الصافات 37:106
ولَمّا كانَ جَزاؤُهُ عَظِيمًا جِدًّا؛ دَلَّ عَلى عِظَمِهِ بِأنْ عَلَّلَ إكْرامَهُ بِهِ بِقَوْلِهِ - مُعَجِّبًا ومُعَظِّمًا؛ مُؤَكِّدًا؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ خارِقٌ لِلْعادَةِ -: ﴿إنَّ هَذا﴾؛ أيْ: الأمْرَ؛ والطّاعَةَ فِيهِ؛ ﴿لَهُوَ البَلاءُ﴾؛ أيْ: الِاخْتِبارُ الَّذِي يُحِيلُ ما خُولِطَ بِهِ؛ كائِنًا ما كانَ؛ ﴿المُبِينُ﴾؛ أيْ: الظّاهِرُ في بابِهِ جِدًّا؛ المُظْهِرُ لِرائِيهِ أنَّهُ بَلاءٌ.
الصافات 37:107
ولَمّا قَدَّمَ ما هو الأهَمُّ مِن نَهْيِهِ عَنْ عِلاجِهِ؛ ومِنَ البِشارَةِ بِالجَزاءِ؛ ذَكَرَ فِداءَهُ بِما جَعَلَهُ سُنَّةً باقِيَةً يُذْكَرُ بِها الذِّكْرَ الجَمِيلَ؛ عَلى مَرِّ الأيّامِ؛ وتَعاقُبِ السِّنِينِ؛ ولَمّا كانَ المُفْتَدى مِنهُ مَن كانَ الأسِيرُ في يَدِهِ؛ وكانَ إسْماعِيلُ في يَدِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وهو يُعالِجُ إتْلافَهُ؛ جَعَلَ (تَعالى) نَفْسَهُ المُقَدَّسَ فادِيًا؛ لِأنَّ الفادِيَ مَن أعْطى الفِداءَ؛ وهو ما يَدْفَعُ لِفِكاكِ (p-٢٦٨)الأسِيرِ؛ وجَعَلَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُفْتَدًى مِنهُ؛ تَشْرِيفًا لَهُ؛ وإنْ كانَ في الحَقِيقَةِ كالآلَةِ الَّتِي لا فِعْلَ لَها؛ واللَّهُ (تَعالى) هو المُفْتَدى مِنهُ حَقِيقَةً؛ فَقالَ: ﴿وفَدَيْناهُ﴾؛ أيْ: الذَّبِيحَ؛ عَنْ إنْفاذِ ذَبْحِهِ؛ وإتْمامِهِ؛ تَشْرِيفًا لَهُ؛ ﴿بِذِبْحٍ﴾؛ أيْ: بِما يَنْبَغِي أنْ يُذْبَحَ؛ ويَكُونَ مَوْضِعًا لِلذَّبْحِ؛ وهو كَبْشٌ مِنَ الجَنَّةِ؛ قِيلَ: إنَّهُ الَّذِي قَرَّبَهُ هابِيلُ؛ فَتَقَبَّلَهُ اللَّهُ مِنهُ؛ ﴿عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: في الجُثَّةِ؛ والقَدْرِ؛ والرُّتْبَةِ؛ لِأنَّهُ مَقْبُولٌ؛ ومُسْتَنٌّ بِهِ؛ ومَجْعُولٌ دِينًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
الصافات 37:108
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - إذا مَنَّ بِشَيْءِ عُلِمَ أنَّهُ عَظِيمٌ؛ فَإذا ذَكَرَ الفِعْلَ؛ وتَرَكَ المَفْعُولَ؛ أرادَ فَخامَتَهُ؛ وعَظَمَتَهُ؛ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى الذَّبِيحِ؛ شَيْئًا هو في الحُسْنِ بِحَيْثُ يَطُولُ وصْفُهُ؛ ولَمّا كانَ بِحَيْثُ لا يُنْسى؛ قالَ: ﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ ومِن هَذا التَّرْكِ ما تَقَدَّمَ مِن وصْفِهِ بِصِدْقِ الوَعْدِ؛ لِأنَّهُ وعَدَ بِالصَّبْرِ عَلى الذَّبْحِ؛ فَصَدَقَ.
الصافات 37:109
ولَمّا عَظَّمَ الغُلامَ؛ اسْتَأْنَفَ تَعْظِيمَ والِدِهِ؛ بِما يَدُلُّ - مَعَ تَشْرِيفِهِ - عَلى سَلامَتِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿سَلامٌ عَلى إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: سَلامَةٌ لَهُ؛ ولِوَلَدِهِ؛ وتَسْلِيمٌ؛ وتَحِيَّةٌ؛ وتَكْرِيمٌ في الدّارَيْنِ؛
الصافات 37:110
ولَمّا كانَ هَذا خِطابًا لِمَن بَعْدَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهم كُلُّهم مُحَبُّونَ؛ مُجَلُّونَ؛ مُعَظَّمُونَ؛ مُبَجَّلُونَ؛ لَمْ يَكُنْ هُناكَ حالٌ يُحْوِجُ إلى تَأْكِيدٍ؛ فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢٦٩)مِن غَيْرِ أنْ يَذْكُرَ ”إنَّ“؛ المُؤَكِّدَةَ؛
الصافات 37:111
ولَمّا كانَتْ أهْلُ المِلَلِ كُلِّها مُتَّفِقَةٌ عَلى حُبِّهِ؛ وكانَ كُلُّهم يَدَّعِي اتِّباعَهُ؛ ورُتْبَةَ قُرْبِهِ؛ قالَ - مُعَلِّلًا لِجَزائِهِ بِهَذا المَدْحِ؛ في سِياقِ التَّأْكِيدِ؛ اسْتِعْطافًا لَهم إلى اتِّباعِهِ في الإيمانِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَن يُنْكِرُ أنْ يَكُونَ الإيمانُ مُوجِبًا لِلْإحْسانِ -: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَ الإضافَةَ في العُبُودِيَّةِ؛ والعِبادَةِ إلَيْنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ فَلا يَطْمَعْ أحَدٌ عُرِّيَ عَنِ الإيمانِ في رُتْبَةِ اتِّباعِهِ؛ قالَ الرّازِيُّ: الإيمانُ المُطْلَقُ الحَقِيقِيُّ: شُهُودُ جَلالِ اللَّهِ؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ والطُّمَأْنِينَةُ إلَيْهِ في كُلِّ مَحْبُوبٍ ومَكْرُوهٍ؛ وتَرْكُ المَشِيئَةِ لِمَشِيئَتِهِ؛ والِانْقِيادُ لِأمْرِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ؛ ولَمّا أتَمَّ قِصَّتَهُ في أمْرِ الذَّبِيحِ؛
الصافات 37:112
وشَرَعَ في ذِكْرِ ما جازاهُ بِهِ عَلى ذَلِكَ؛ جَعَلَ مِنهُ أمْرَ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿وبَشَّرْناهُ﴾؛ أيْ: جَزاءً عَلى صَبْرِهِ في المُبادَرَةِ إلى امْتِثالِ الأمْرِ في إعْدامِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿بِإسْحاقَ﴾؛ مَوْلُودًا؛ زِيادَةً لَهُ؛ بَعْدَما سَلَّمْنا إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حالَ كَوْنِهِ ﴿نَبِيًّا﴾؛ أيْ: في قَضائِنا؛ أوْ بِوُجُودِهِ مُقَدَّرَةً نُبُوَّتُهُ؛ ولَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى المُتَنَبِّئِ؛ أزالَ إشْكالَ هَذا الِاحْتِمالِ؛ وإنْ كانَ واهِيًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في رُتْبَةِ الصَّلاحِ؛ لِيَصْلُحَ لِأكْثَرِ الأوْصافِ الصّالِحَةِ؛
الصافات 37:113
ولَمّا أثْنى عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما عالَجَ؛ مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ جَزاءِ الإنْسانِ البَرَكَةُ في ذُرِّيَّتِهِ؛ قالَ: ﴿وبارَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى الغُلامِ الحَلِيمِ؛ وهو الذَّبِيحُ المُحَدَّثُ عَنْهُ؛ الَّذِي جَرَّ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ الحَدِيثُ عَنْهُ؛ وكانَ آخِرُ ضَمِيرٍ مُحَقَّقٍ عادَ عَلَيْهِ (p-٢٧٠)الهاءَ؛ في ﴿وفَدَيْناهُ﴾ [الصافات: ١٠٧] ثُمَّ فِي: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨] وهَذا عِنْدِي أوْلى مِن إعادَةِ الضَّمِيرِ عَلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِأنَّهُ اسْتَوْفى مَدْحَهُ؛ ثُمَّ رَأيْتُ حَمْزَةَ الكَرْمانِيَّ صَنَعَ هَكَذا؛ وقالَ: حَتّى كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ والعَرَبُ مِن صُلْبِهِ؛ ﴿وعَلى إسْحاقَ﴾؛ أيْ: أخِيهِ؛ قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: حَتّى كانَ إسْرائِيلُ اللَّهِ والأسْباطُ مِن صُلْبِهِ؛ وقالَ غَيْرُهُ: خَرَجَ مِن صُلْبِهِ ألْفُ نَبِيٍّ؛ أوَّلُهم يَعْقُوبُ؛ وآخِرُهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما﴾؛ أيْ: الأخَوَيْنِ؛ ولا شَكَّ أنَّ هَذا أقْرَبُ؛ وأقْعَدُ مِن أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْأبِ؛ والِابْنِ؛ لِأنَّ قِرانَ الأخَوَيْنِ في الإخْبارِ عَنْ ذُرِّيَّتِهِما أوْلى مِن قِرانِ الِابْنِ مَعَ أبِيهِ في ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ الِابْنُ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِذُرِّيَّةِ الأبِ؛ ﴿مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾؛ حَيْثُ وضَعَها بِما سُبِّبَ عَنِ المَعاصِي في غَيْرِ مَوْضِعِها الَّذِي يُحِبُّهُ؛ وهَذا مِمّا يَهْدِمُ أمْرَ الطَّبائِعِ؛ حَيْثُ كانَ البَرُّ يُوجَدُ مِنَ الفاجِرِ؛ والفاجِرُ يُوجَدُ مِنَ البَرِّ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ؛ وإنِ اجْتَهَدَ في الإحْسانِ؛ لا بُدَّ أنْ يَحْتاجَ إلى الغُفْرانِ؛ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ؛ لِأنَّ رُتْبَةَ الإلَهِيَّةِ لا تَصِلُ إلى القِيامِ بِحَقِّها العَوائِقُ البَشَرِيَّةُ؛ بَيَّنَ أنَّ الظُّلْمَ المُرادَ هُنا إنَّما هو التَّجاوُزُ في الحُدُودِ؛ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ؛ فَقالَ: ﴿مُبِينٌ﴾؛ وأمّا غَيْرُ ذَلِكَ فَمَغْفُورٌ؛ كَما قَرَّرَ في نَحْوِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] «”...ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ ولَمْ (p-٢٧١)يَعْمَلْها؛ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً“؛» ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]
قِصَّةُ ذَبْحِ إبْراهِيمَ لِوَلَدِهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِنَ التَّوْراةِ؛ وبَيانُ أنَّهم بَدَّلُوها؛ قالَ مُتَرْجِمُهُمْ: (فَغَرَسَ إبْراهِيمُ بِبِئْرِ سَبْعٍ غَرْسًا؛ وبَنى هُنالِكَ بِاسْمِ الرَّبِّ إلَهِ العالَمِينَ؛ وسَكَنَ إبْراهِيمُ أرْضَ فِلَسْطِينَ - يَعْنِي عِنْدَ تِلْكَ البِئْرِ - أيّامًا كَثِيرَةً؛ ولَمّا كانَ مِن بَعْدِ هَذِهِ الخُطُوبِ امْتَحَنَ اللَّهُ إبْراهِيمَ؛ وقالَ لَهُ: يا إبْراهِيمُ؛ فَقالَ: لَبَّيْكَ؛ فَقالَ لَهُ: انْطَلِقْ بِابْنِكَ الوَحِيدِ؛ إسْحاقَ؛ الَّذِي تُحِبُّهُ إلى أرْضِ الأمُورانِيِّينَ - وفي نُسْخَةٍ: إلى بَلْدَةِ العِبادَةِ - وأصْعِدْهُ إلَيَّ قُرْبانًا عَلى أحَدِ تِلْكَ الجِبالِ؛ الَّذِي أقُولُ لَكَ؛ فَأدْلَجَ إبْراهِيمُ باكِرًا؛ فَأسْرَجَ حِمارَهُ؛ وانْطَلَقَ بِغُلامَيْهِ؛ وإسْحاقَ ابْنِهِ؛ وشَقَّ حَطَبًا لِلْقُرْبانِ؛ ونَهَضَ؛ وانْطَلَقَ إلى المَوْضِعِ الَّذِي قالَ اللَّهُ لَهُ؛ وفي اليَوْمِ الثّالِثِ رَفَعَ إبْراهِيمُ بَصَرَهُ؛ ونَظَرَ إلى ذَلِكَ المَوْضِعِ مِن بَعِيدٍ؛ فَقالَ لِغُلامَيْهِ: ”امْكُثا هَهُنا عِنْدَ الحِمارِ؛ وأنا والغُلامُ نَنْطَلِقُ إلى هَهُنا؛ نُصَلِّي ونَرْجِعُ إلَيْكُما“؛ فَأخَذَ إبْراهِيمُ حَطَبَ القُرْبانِ؛ وحَمَلَهُ إسْحاقُ ابْنُهُ؛ وأخَذَ مَعَهُ نارًا؛ وسِكِّينًا؛ وانْطَلَقا كِلاهُما جَمِيعًا؛ وقالَ إسْحاقُ لِأبِيهِ إبْراهِيمَ: ”يا أُبَيَّةُ“؛ فَقالَ لَهُ: ”لَبَّيْكَ“؛ فَقالَ لَهُ: ”هَذِهِ النّارُ والحَطَبُ؛ (p-٢٧٢)أيْنَ حَمَلُ القُرْبانِ؟“؛ فَقالَ إبْراهِيمُ: ”اللَّهُ يُعِدُّ لَنا حَمَلًا لِلْقُرْبانِ يا بُنَيَّ“؛ فانْطَلَقا جَمِيعًا حَتّى انْتَهَيا إلى المَوْضِعِ الَّذِي قالَ اللَّهُ؛ فَبَنى هُنالِكَ إبْراهِيمُ مَذْبَحًا؛ ونَضَّدَ عَلَيْهِ الحَطَبَ؛ وكَتَّفَ إسْحاقَ؛ فَوَضَعَهُ في أعْلى المَذْبَحِ عَلى الحَطَبِ؛ ومَدَّ يَدَهُ إبْراهِيمُ؛ فَأخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ؛ فَدَعاهُ مَلاكُ الرَّبِّ مِنَ السَّماءِ؛ وقالَ: ”يا إبْراهِيمُ؛ يا إبْراهِيمُ“؛ فَقالَ: ”لَبَّيْكَ“؛ فَقالَ: ”لا تَبْسُطْ يَدَكَ عَلى الغُلامِ؛ ولا تَصْنَعْ بِهِ شَيْئًا؛ لِأنَّكَ قَدْ أظْهَرْتَ الآنَ أنَّكَ تَتَّقِي اللَّهَ؛ إذْ لَمْ تَمْنَعْنِي ابْنَكَ الوَحِيدَ“؛ فَمَدَّ إبْراهِيمُ بَصَرَهُ؛ فَإذا كَبْشٌ مُعَلَّقٌ في شَجَرَةٍ بِقَرْنَيْهِ؛ فانْطَلَقَ إبْراهِيمُ؛ فَأخَذَ الكَبْشَ؛ فَأصْعَدَهُ قُرْبانًا؛ بَدَلَ ابْنِهِ إسْحاقَ؛ فَسَمّى إبْراهِيمُ ذَلِكَ المَوْضِعَ ”اللَّهُ يَتَجَلّى“؛ كَما يُقالُ: اللَّهُ في هَذا الجَبَلِ؛ اللَّهُ يَتَجَلّى؛ فَدَعا مَلاكُ الرَّبِّ إبْراهِيمَ ثانِيَةً مِنَ السَّماءِ؛ وقالَ: ”بِي أقْسَمْتُ؛ يَقُولُ الرَّبُّ: (بَدَلَ ما صَنَعْتَ هَذا الصَّنِيعَ؛ ولَمْ تَمْنَعْنِي ابْنَكَ الوَحِيدَ لَأُبارِكَنَّكَ بَرَكَةً تامَّةً؛ ولَأُكَثِّرَنَّ نَسْلَكَ مِثْلَ كَواكِبِ السَّماءِ؛ ومِثْلَ الرَّمْلِ الَّذِي عَلى شاطِئِ البَحْرِ؛ ويَرِثُ زَرْعُكَ أراضِيَ أعْدائِي - وفي نُسْخَةٍ: أعْداءَهُ - ويَتَبارَكُ بِنَسْلِكَ جَمِيعُ الشُّعُوبِ؛ لِأنَّكَ أطَعْتَنِي)“؛ فَرَجَعَ إبْراهِيمُ إلى غُلامَيْهِ؛ وانْصَرَفُوا جَمِيعًا إلى بِئْرِ السَّبْعِ؛ وأقامَ ثَمَّ - وفي نُسْخَةٍ: وسَكَنَ إبْراهِيمُ (p-٢٧٣)بِئْرَ السَّبْعِ)؛ انْتَهى ما عِنْدَهم بِلَفْظِهِ؛ فانْظُرْ إلَيْهِ؛ واجْمَعْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما تَقَدَّمَ في ”البَقَرَةِ“؛ مِن قِصَّةِ إسْماعِيلَ؛ وإسْحاقَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ تَجِدْهم قَدْ بَدَّلُوها بِلا شَكٍّ؛ لِأنَّ الكَلامَ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ وذَلِكَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ”انْطَلِقْ بِابْنِكَ الوَحِيدِ“؛ وكَرَّرَ وصْفَهُ بِالوَحِيدِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ وهَذا الوَصْفُ إنَّما يَكُونُ حَقِيقَةً لِإسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهو دُونُ البُلُوغِ؛ وأمّا إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمْ يَكُنْ وحِيدًا ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ؛ بَلْ وُلِدَ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ونَيِّفٍ؛ بِشَهادَةِ ما عِنْدَهم مِنَ التَّوْراةِ؛ وقَوْلُهُ في آخِرِ القِصَّةِ: ”ويَتَبارَكُ بِنَسْلِكَ جَمِيعُ الشُّعُوبِ“؛ لا يَكُونُ في غايَةِ المُلاءَمَةِ إلّا لِإسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأمّا إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَإنَّما بُورِكَ بِنَسْلِهِ الأراضِي المُقَدَّسَةُ فَقَطْ؛ ولَمْ يَتْبَعْهم مِن غَيْرِهِمْ إلّا قَلِيلٌ؛ بَلْ كانُوا هم في كُلِّ قَلِيلٍ يَتْبَعُونَ غَيْرَهم عَلى عِبادَةِ أوْثانِهِمْ؛ بِشَهادَةِ تَوْراتِهِمْ؛ وأسْفارِ أنْبِيائِهِمْ؛ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ؛ ومَن بَعْدَهُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأمّا نَسْلُ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَبِعَهم عَلى الدِّينِ الحَقِّ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ ما لا يُحْصى عَدَدُهُ؛ ولَمْ يَتْبَعُوا هم بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ أحَدًا مِنَ الأُمَمِ؛ عَلى عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ -؛ هَذا وفي المُتَقَدِّمِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“؛ أنَّ هِبَةَ سارَةَ أمَتَها هاجَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ بَعْدَ أنْ سَكَنَ كَنْعانَ (p-٢٧٤)بِعَشْرِ سِنِينَ؛ وأنَّ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وُلِدَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ابْنُ سِتٍّ وثَمانِينَ سَنَةً؛ وأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَهُ بِالخِتانِ وهو ابْنُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً؛ وأنَّهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بُشِّرَ بِإسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَخَتَنَ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ أتى عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ؛ ثُمَّ قالَ ما نَصُّهُ: (وصَنَعَ إبْراهِيمُ يَوْمَ فَطَمَ إسْحاقَ ابْنَهُ مَأْدُبَةً عَظِيمَةً؛ فَأبْصَرَتْ سارَةُ ابْنَ هاجَرَ المِصْرِيَّةَ؛ المَوْلُودَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لاعِبًا؛ فَقالَتْ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: أخْرِجْ هَذِهِ الأمَةَ عَنِّي؛ لِأنَّ ابْنَ الأمَةِ لا يَرِثِ مَعَ إسْحاقَ ابْنِي؛ فَشَقَّ هَذا الأمْرُ عَلى إبْراهِيمَ؛ لِمَكانِ ابْنِهِ؛ فَقالَ اللَّهُ (تَعالى) لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (لا يَشُقَّنَّ عَلَيْكَ حالُ الصَّبِيِّ وأمَتِكَ؛ أطِعْ سارَةَ في جَمِيعِ ما تَقُولُ؛ لِأنَّ نَسْلَكَ إنَّما يُذْكَرُ بِإسْحاقَ؛ وابْنُ الأمَةِ أجْعَلُهُ لِشَعْبٍ كَثِيرٍ؛ لِأنَّهُ مِن ذُرِّيَّتِكَ)؛ فَغَدا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - باكِرًا؛ وأخَذَ خُبْزًا؛ وإداوَةً مِن ماءٍ؛ فَأعْطاها هاجَرَ؛ وحَمَّلَها الصَّبِيَّ والطَّعامَ...)؛ إلى آخِرِ ما في ”البَقَرَةِ“؛ فَقَوْلُهُ: ”إنَّ هاجَرَ طُرِدَتْ بَعْدَ فِطامِ إسْحاقَ؛ وابْنَها تَحْمِلُ“؛ لا يَصِحُّ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ عُمْرَهُ يَوْمَ فِطامِ إسْحاقَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً؛ وتَقَدَّمَ أيْضًا أنَّ سارَةَ أمَرَتْهُ بِطَرْدِها وهي حُبْلى؛ وأنَّهُ سَلَّمَها لَها؛ فَطَرَدَتْها؛ وأنَّ المَلَكَ لَقِيَها فَبَشَّرَها بِإسْماعِيلَ؛ (p-٢٧٥)ولَمْ يَذْكُرْ في نُسْخَتِي - وهي قَدِيمَةٌ جِدًّا - شَيْئًا يَدُلُّ عَلى رُجُوعِها؛ وأمّا في نُسْخَةٍ عِنْدَهم فَقالَ: (إنَّ المَلَكَ قالَ لَها: ارْجِعِي إلى سَيِّدَتِكِ واسْتَكِدِّي تَحْتَ يَدِها)؛ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّها رَجَعَتْ؛ وقَدْ صَحَّ الخَبَرُ عِنْدَنا بِقَوْلِ نَبِيِّنا ﷺ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وضَعَ هاجَرَ وابْنَها إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ عِنْدَ البَيْتِ الحَرامِ وهو يَرْضَعُ؛ واسْتَمَرّا هُناكَ إلى أنْ ماتَتْ هاجَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -؛ وتَزَوَّجَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ”لِأنَّ نَسْلَكَ إنَّما يُذْكَرُ بِإسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ“؛ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ فَإنَّ شُهْرَةَ العَرَبِ بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنْ لَمْ تَكُنْ أكْثَرَ مِن شُهْرَةِ بَنِي إسْحاقَ بِذَلِكَ؛ فَهي مِثْلُها؛ وخَبَرُ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ؛ فَدَلَّ هَذا كُلُّهُ أنَّهم بَدَّلُوا القِصَّةَ؛ وحَرَّفُوها؛ فَلا مُتَمَسَّكَ فِيها لَهُمْ؛ ودَلالَتُها عَلى أنَّ الذَّبِيحَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوْلى مِن دَلالَتِها عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِوَصْفِهِ بِـ ”الوَحِيدُ“؛ واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَتِ القِصَّةُ قَبْلَ التَّبْدِيلِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما فَهِمْتُ مِن تَبْدِيلِهِمْ لَها ما قالَ البَغَوِيُّ: قالَ القُرَظِيُّ - يَعْنِي مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ -: سَألَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَجُلًا؛ كانَ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ؛ أسْلَمَ؛ وحَسُنَ إسْلامُهُ: أيُّ ابْنَيْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أُمِرَ بِذَبْحِهِ؟ فَقالَ: إسْماعِيلُ؛ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ إنَّ اليَهُودَ لَتَعْلَمُ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكم مَعْشَرَ العَرَبِ عَلى أنْ يَكُونَ أباكُمُ الَّذِي كانَ مِن أمْرِ اللَّهِ (p-٢٧٦)بِذَبْحِهِ ما كانَ؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ أبُوهُمْ؛ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا بَشَّرَ بِإسْحاقَ؛ بَشَّرَ بِأنَّهُ يُولَدُ لَهُ يَعْقُوبُ؛ فَلا يَلِيقُ الِامْتِحانُ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِأنَّهُ لا يَمُوتُ حَتّى يُولَدَ لَهُ؛ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَرْنَيِ الكَبْشِ كانا مَنُوطَيْنِ بِالكَعْبَةِ؛ في أيْدِي بَنِي إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى أنِ احْتَرَقَ البَيْتُ؛ واحْتَرَقَ القَرْنانِ؛ في زَمانِ ابْنِ الزُّبَيْرِ؛ والحَجّاجِ؛ قالَ الشَّعْبِيُّ: رَأيْتُ قَرْنَيِ الكَبْشِ مَنُوطَيْنِ بِالكَعْبَةِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ لَقَدْ كانَ أوَّلُ الإسْلامِ؛ وإنَّ رَأْسَ الكَبْشِ لَمُعَلَّقٌ بِقَرْنَيْهِ في مِيزابِ الكَعْبَةِ؛ وقالَ الأصْمَعِيُّ: سَألْتُ أبا عَمْرِو بْنَ العَلاءِ عَنِ الذَّبِيحِ: إسْحاقَ كانَ؛ أوْ إسْماعِيلَ؟ فَقالَ: يا أُصَيْمِعُ؛ أيْنَ ذَهَبَ عَقْلُكَ؟ مَتى كانَ إسْحاقُ بِمَكَّةَ؟ إنَّما كانَ إسْماعِيلُ بِمَكَّةَ؛ وهو الَّذِي بَنى البَيْتَ مَعَ أبِيهِ؛ انْتَهى ما قالَ البَغَوِيُّ.
وفِي كِتابِ الحَجِّ؛ مِن سُنَنِ أبِي داوُدَ؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعُثْمانَ - وهو الحَجْبِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”إنِّي نَسِيتُ أنْ آمُرَكَ أنْ تُخَمِّرَ القَرْنَيْنِ؛ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في البَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ المُصَلِّيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ في جامِعِهِ؛ ولَفْظُهُ «أنَّ عُثْمانَ بْنَ شَيْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ (p-٢٧٧)قالَ لَهُ: ”إنِّي رَأيْتُ قَرْنَيِ الكَبْشِ؛ فَنَسِيتُ أنْ آمُرَكَ أنْ تُخَمِّرَهُما؛ فَإنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في البَيْتِ شَيْءٌ يَشْغَلُ مُصَلِّيًا“؛» هَكَذا قالَ: عُثْمانُ بْنُ شَيْبَةَ؛ ولَعَلَّهُ ابْنُ طَلْحَةَ؛ فَيَكُونُ المُتَقَدِّمَ؛ ويَكُونُ تَسْمِيَةُ أبِيهِ شَيْبَةَ وهْمًا؛ أوْ يَكُونُ شَيْبَةَ بْنَ عُثْمانَ؛ وهو ابْنُ عَمِّ الَّذِي عِنْدَ أبِي داوُدَ؛ فانْقَلَبَ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ أيْضًا؛ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ؛ وسَألْتُهُ: هَلْ كانَ في البَيْتِ قَرْنا كَبْشٍ؟ قالَ: نَعَمْ؛ كانا فِيهِ؛ قُلْتُ: أرَأيْتَهُما؟ قالَ: حَسِبْتُ؛ ولَكِنْ أخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بابَيْهِ أنْ قَدْ رَآهُما؛ قالَ: وغَيْرُهُ قَدْ رَآهُما فِيهِ؛ قالَ: ويَقُولُونَ: إنَّهُما قَرْنا الكَبْشِ الَّذِي ذَبَحَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ؛ وقالَتْ صَفِيَّةُ ابْنَةُ شَيْبَةَ: كانَ فِيهِ قَرْنا الكَبْشِ؛ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وحُدِّثْتُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: كانا فِيهِ؛ قالَ: وحُدِّثْتُ عَنْ عَجُوزٍ قالَتْ: رَأيْتُهُما فِيهِ؛ ومِمّا يُؤَيِّدُ القَوْلَ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصْفُ اللَّهِ (تَعالى) لَهُ بِأنَّهُ صادِقُ الوَعْدِ؛ ولا صِدْقَ في وعْدٍ أعْظَمَ مِن صِدْقِهِ في وعْدِهِ بِالصَّبْرِ عَلى الذَّبْحِ؛ ومِمَّنْ قالَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَكاهُ عَنِ ابْنِ الجَوْزِيِّ؛ وعَدَّ القائِلِينَ بِكُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ فَقالَ: (p-٢٧٨)إنَّ القائِلِينَ بِأنَّهُ إسْحاقُ: عُمَرُ؛ وعَلِيٌّ؛ والعَبّاسُ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وأبُو مُوسى؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ وأنَسٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وبِأنَّهُ إسْماعِيلُ: ابْنُ عُمَرَ؛ وإنَّ الرِّوايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَرَوى عَنْهُ عِكْرِمَةُ أنَّهُ إسْحاقُ؛ وعَطاءٌ؛ ومُجاهِدٌ؛ والشَّعْبِيُّ؛ وأبُو الجَوْزاءِ؛ ويُوسُفُ بْنُ مِهْرانَ؛ أنَّهُ إسْماعِيلُ؛ فَعُلِمَ مِن هَذا رُجْحانُ القَوْلِ بِأنَّهُ إسْماعِيلُ؛ لِأنَّ ابْنَ عُمَرَ؛ وابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - تَأخَّرا بَعْدَ مَن ذُكِرَ مِن أكابِرِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ -؛ فَلَوْلا أنَّهُ رَجَحَ عِنْدَهُما؛ ما خالَفا أبَوَيْهِما؛ ونَقْلُ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِمُوافَقَةِ أبِيهِ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ؛ بَلْ يُؤَيِّدُهُ؛ لِأنَّ الأكْثَرَ؛ كَما تَرى؛ رَوَوْا عَنْهُ الثّانِيَ؛ فَلَوْلا أنَّهُ صَحَّ عِنْدَهُ ما رَجَعَ عَنِ الأوَّلِ؛ الَّذِي هو مُوافِقٌ لِرَأْيِ أبِيهِ؛ ولِأجْلِ ثَباتِهِ عَلَيْهِ اشْتُهِرَ عَنْهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
الصافات 37:114
ولَمّا ذَكَرَ هَؤُلاءِ السّادَةَ الَّذِينَ لَهم مِن رُتْبَةِ التَّجَرُّدِ والنَّزاهَةِ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ؛ وخَتَمَهم بِأخَوَيْنِ ما اجْتَمَعا قَطُّ؛ وكانَ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ بِذِكْرِهِمُ المِنَّةَ عَلى مَنِ اتَّصَفَ بِمِثْلِ صِفاتِهِمْ بِالقُرْبِ؛ والنُّصْرَةِ؛ تَسْلِيَةً؛ وتَرْجِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ مِمَّنْ قارَبَ - مِن شِدَّةِ البَلاءِ؛ والقَهْرِ - اليَأْسَ مِنَ النَّصْرِ؛ أتْبَعَهم بِأمْثالِهِمْ في التَّجَرُّدِ؛ وابْتَدَأهم بِأخَوَيْنِ افْتَرَقا حِينَ وِلادَةِ الثّانِي؛ عَلى حالَةٍ لا يُمْكِنُ الِاجْتِماعُ (p-٢٧٩)مَعَها عادَةً؛ ثُمَّ اجْتَمَعا في الباطِنِ؛ مَعَ الِافْتِراقِ في الظّاهِرِ؛ ثُمَّ افْتَرَقا عَلى حالَةٍ يَبْعُدُ الِاجْتِماعُ مَعَها عادَةً؛ ثُمَّ اجْتَمَعا اجْتِماعًا لَمْ يَفْتَرِقا مِنهُ إلّا بِالمَوْتِ؛ وبَدَأهُما بِأوَّلِ مَن تَجَرَّدَ مِنهُما؛ مِن حِينِ وِلادَتِهِ إلى أوانِ هِجْرَتِهِ؛ ثُمَّ مِن حِينِ رَجْعَتِهِ إلى أنْ جَرَّدَ آلَهُ - وهم بَعْضُ ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْقَذَهم مِن عَلائِقِ الكَفَرَةِ؛ ثُمَّ تَجَرَّدَ مَعَهم هو وأخُوهُ عَنِ المُدُنِ؛ والقُرى؛ وأكْثَرِ عَلائِقِ البَشَرِ؛ مُلازِمَيْنِ البَرارِيَ والفَلَواتِ؛ حَيْثُ يَكْثُرُ ظُهُورُ الكَلِمَةِ؛ مَعَ إرْسالِ اللَّهِ إلَيْهِما بِمَعادِنِ الحِكْمَةِ؛ إلى أنْ ماتا - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ -؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ تَنْبِيهًا لِمَن يَعُدُّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ مُحالًا؛ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَقَدْ أنْشَأْنا مِنهُما مِنَ الأُمَمِ ما يُعْجِزُ الوَصْفَ؛ ويَفُوتُ الحَصْرَ؛ ومَنَنّا عَلى كَثِيرٍ مِنهم بِالإحْسانِ؛ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ إلى أنْ غَيَّرَ دِينَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ ومِن ولَدِ إسْحاقَ؛ يَعْقُوبَ؛ والأسْباطِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ومَن شاءَ اللَّهُ مِن أوْلادِهِمْ“ -: ﴿ولَقَدْ مَنَنّا﴾؛ أيْ: أنْعَمْنا إنْعامًا مَقْطُوعًا بِهِ؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ عَلى أوَّلِ مَن أظْهَرَ لِسانَ الصِّدْقِ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وذُرِّيَّتِهِ؛ إظْهارًا تامًّا؛ وبَدَأهُما بِأعْرَقِهِما - كَما تَقَدَّمَ - في التَّجَرُّدِ؛ وأحَقِّهِما بِالتَّقَدُّمِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى مُوسى﴾؛ أحَدِ أعْيانِ المُتَجَرِّدِينَ؛ ومَن لَهُ القَدَمُ الرّاسِخُ في ذَلِكَ؛ ﴿وهارُونَ﴾؛ أيِّ عَيْنٍ! مَن تَجَرَّدَ مَعَ أخِيهِ؛ ووافَقَهُ أتَمَّ مُوافَقَةٍ؛ ووازَرَهُ أعْظَمَ مُوازَرَةٍ؛ بِما أتَيا بِهِ مِنَ (p-٢٨٠)النُّبُوَّةِ؛ والكِتابِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخِطابِ.
الصافات 37:115
ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ - كَما مَضى - مَقامَ التَّجَرُّدِ؛ والإعْلامَ بِنَصْرِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما﴾؛ أيْ: بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَدْ كانُوا مَرَّتْ لَهم دُهُورٌ في ذُلٍّ لا يُقارِبُهُ ذُلٌّ المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ في أوَّلِ أمْرِهِمْ؛ ﴿مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾؛ أيْ: الِاسْتِعْبادِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِن عَظائِمِ الأنْكادِ؛ وكانَ ذَلِكَ بِهَلاكِ القِبْطِ؛ الَّذِينَ اسْتَمَرُّوا عَلى الضَّلالِ؛ وهم أضْعافُ أضْعافِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ إلى أنْ أهْلَكْناهُمْ؛ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنهم إنْسانٌ؛ فَصَحَّ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ التَّجَرُّدُ؛ وزالَ عَنْهم ذُلُّ التَّجَبُّرِ والتَّمَرُّدِ.
الصافات 37:116
ولَمّا بَيَّنَ نِعْمَةَ النَّجاةِ مِنَ الأسْرِ؛ أتْبَعَها نِعْمَةَ الِالتِذاذِ بِالنَّصْرِ؛ فَقالَ: ﴿ونَصَرْناهُمْ﴾؛ أيْ: مُوسى؛ وهارُونَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - وقَوْمَهُما؛ عَلى كُلِّ مَن نازَعَهم في ذَلِكَ الزَّمانِ؛ مِن فِرْعَوْنَ وغَيْرِهِ؛ ﴿فَكانُوا هُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الغالِبِينَ﴾؛ أيْ: عَلى كُلِّ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ؛ وهو فِرْعَوْنُ وآلُهُ؛ وعَلى جَمِيعِ مَن ناوَؤُوهُ أوْ ناوَأهُمْ؛ فاحْذَرُوا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ (p-٢٨١)والعَرَبِ مِن مِثْلِ ذَلِكَ؛ ولَقَدْ كانَ ما حَذَّرَهم مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أعْظَمِ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ؛ إلّا أنَّ نَبِيَّنا ﷺ لَمّا كانَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ لَيَّنَ اللَّهُ قُلُوبَهم حَتّى رَدَّهم إلى ما اغْتُبِطُوا بِهِ مِن مُتابَعَتِهِ؛ فَصارُوا بِهِ مُلُوكَ الدُّنْيا؛ والآخِرَةِ.
الصافات 37:117
ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ النُّصْرَةِ التَّمَكُّنَ مِن إقامَةِ الدِّينِ؛ قالَ: ﴿وآتَيْناهُما﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بَعْدَ إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ؛ ﴿الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ؛ البَيِّنَ؛ الَّذِي هو لِشِدَّةِ بَيانِهِ طالِبٌ لِأنْ يَكُونَ بَيِّنًا؛ وهو كَذَلِكَ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الكُتُبِ مِثْلَ التَّوْراةِ في سُهُولَةِ مَأْخَذِها؛ وجَمَعَ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُ في الضَّمِيرِ؛ لِأنَّهُ مِثْلُهُ في تَقَبُّلِ الكِتابِ؛ والعَمَلِ بِجَمِيعِ ما فِيهِ؛ والثَّباتِ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ نُزُولُهُ خاصًّا بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛
الصافات 37:118
﴿وهَدَيْناهُما الصِّراطَ﴾؛ أيْ: الطَّرِيقَ الواضِحَ في الإيصالِ إلى المَقْصُودِ؛ ﴿المُسْتَقِيمَ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو لِعَظِيمِ تَقَوُّمِهِ كَأنَّهُ طالِبٌ لِأنْ يَكُونَ قَوِيمًا؛ فَهو في غايَةِ المُحافَظَةِ عَلى القَوْمِ؛ فَلا يَزِيغُ أصْلًا؛ ولِذَلِكَ هو شَرائِعُ الدِّينِ القَيِّمِ.
الصافات 37:119
ولَمّا كانَ الذِّكْرُ الجَمِيلُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ؛ والعَزائِمِ الوافِيَةِ؛ هو الشَّرَفَ؛ قالَ: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: ما تَعْرِفُونَ مِنَ الثَّناءِ الحَسَنِ؛ (p-٢٨٢)﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَن يَجِيءُ بَعْدَهُما إلى يَوْمِ الدِّينِ؛
الصافات 37:120
ولَمّا ظَهَرَ بِهَذا أنَّ لَهُما مِنَ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ أمْرًا عَظِيمًا؛ كانَتْ نَتِيجَتُهُ: ﴿سَلامٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ؛ ﴿عَلى مُوسى﴾؛ صاحِبِ الشَّرِيعَةِ؛ العَرِيقِ في الِاتِّصافِ بِمَقْصُودِ السُّورَةِ؛ ﴿وهارُونَ﴾؛ وزِيرِهِ؛ وأخِيهِ؛
الصافات 37:121
ولَمّا كانَ نَصْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَن مَعَهُ مِنَ الضُّعَفاءِ عَلى قُرَيْشٍ وسائِرِ العَرَبِ؛ عِنْدَ قُرَيْشٍ؛ في غايَةِ البُعْدِ؛ وكانَ التَّقْدِيرُ: "فَعَلْنا مَعَهُما ذَلِكَ لِإحْسانِهِما؛ عَلَّلَهُ بِما يُقَطِّعُ قُلُوبَ قُرَيْشٍ؛ في مَظْهَرِ التَّأْكِيدِ؛ فَقالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ؛ ﴿نَجْزِي﴾؛ أيْ: دائِمًا في كُلِّ عَصْرٍ؛ ﴿المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛
الصافات 37:122
ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُما؛ وبَيَّنَهُ؛ وأكَّدَهُ؛ تَرْغِيبًا في مَضْمُونِهِ؛ وتَكْذِيبًا لِمَن يَقُولُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لا يُنْصَرُونَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُما مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ مَحَّضُوا العُبُودِيَّةَ والخُضُوعَ لَنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: الثّابِتِينَ في وصْفِ الإيمانِ.
الصافات 37:123
ولَمّا كانَ إلْياسُ أعْظَمَ المُتَجَرِّدِينَ مِن أتْباعِهِما المُجَدِّدِينَ لِما دَرَسَ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وكانَ تَرْكُ أحْكامِها مَعَ ما وُصِفَتْ بِهِ مِنَ البَيانِ؛ وما دَعَتْ إلَيْهِ مِنَ الِاسْتِقامَةِ؛ في غايَةٍ مِنَ الضَّلالِ تَكادُ ألّا يُصَدَّقَ (p-٢٨٣)مِثْلُها؛ أشارَ إلى الزَّيْغِ عَنْهُ؛ بَيانًا لِأنَّ القُلُوبَ بِيَدِهِ - سُبْحانَهُ - فَقالَ - مُؤَكِّدًا -: ﴿وإنَّ إلْياسَ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ أحَدَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ عِنْدَ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ؛ إلّا ابْنَ مَسْعُودٍ؛ وعِكْرِمَةَ؛ وهو مِن سِبْطِ لاوِي؛ ومِن أوْلادِ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هو عَمُّ اليَسَعَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وأرْسَلْناهُ إلى مَن كانَ مِنهم في أرْضِ بَعْلَبَكَّ ونَواحِيها؛ فَلَمّا لَمْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ نَزَعْنا عَنْهُ الشَّهَواتِ الإنْسانِيَّةِ؛ وخَلَّقْناهُ بِالأوْصافِ المَلَكِيَّةِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي إلى تَسْمِيَتِهِ بِهَذا الِاسْمِ ما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ يَيْأسُ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ؛ فَيَكُونُ مِمَّنْ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ وما مَعَهُ إلّا الواحِدُ؛ أوْ الِاثْنانِ؛ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ كَما رَواهُ الشَّيْخانِ؛ البُخارِيُّ؛ في الرُّقاقِ والطِّبِّ؛ ومُسْلِمٌ؛ في الإيمانِ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: «”عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ؛ فَرَأيْتُ النَّبِيَّ ومَعَهُ رُهَيْطٌ؛ والنَّبِيَّ ومَعَهُ الرَّجُلُ؛ والرَّجُلانِ؛ والنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ“؛» فَجَعَلَ - سُبْحانَهُ - اسْمَهُ مُناسِبًا لِأمْرِهِ في قَوْمِهِ؛ بِيَأْسِهِ مِنهُمْ؛ حِينَ فَرَّ إلى الجِبالِ مِن شَرِّهِمْ؛ ويَأْسِهِمْ مِنَ القُدْرَةِ عَلى قَتْلِهِ؛ فَإنَّهُمُ اجْتَهَدُوا في ذَلِكَ حَتّى أعْياهُمْ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ؛ بِخِلافٍ عَنْهُ؛ بِوَصْلِ الهَمْزَةِ في الدَّرْجِ؛ وفَتْحِها في الِابْتِداءِ؛ وإنْ قالَ العُلَماءُ - كَما حَكاهُ السَّمِينُ؛ في إعْرابِهِ -: إنَّ ذَلِكَ مِن تَلاعُبِ (p-٢٨٤)العَرَبِ بِالأسْماءِ العَجَمِيَّةِ؛ قَطَعُوا هَمْزَتَهُ تارَةً؛ ووَصَلُوها أُخْرى؛ يَعْنِي فَخاطَبَهم - سُبْحانَهُ - بِما ألِفُوهُ مِن لِسانِهِمْ؛ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: إلى مَن بَدَّلَ أمْرَ التَّوْراةِ؛ ونابَذَ ما دَعَتْ إلَيْهِ؛
الصافات 37:124
﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾؛ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ما مِن حَقِّهِ الإنْكارُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا تَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ مِنكم تَقْوى؛ وخَوْفٌ؛ فَإنَّ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ يَقْتَضِي شَرًّا طَوِيلًا؛ وعَذابًا وبِيلًا؛ وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ السُّكُونِ والدَّعَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا خَوْفَ عِنْدَكم أصْلًا؛ وذَلِكَ غايَةُ الجَهْلِ والِاغْتِرارِ بِمَن تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا خالِقَ لَكم ولا رازِقَ غَيْرُهُ.
الصافات 37:125
ولَمّا كانَ هَذا الإنْكارُ سَبَبًا لِلْإصْغاءِ؛ كَرَّرَهُ مُفْصِحًا بِسَبَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿أتَدْعُونَ بَعْلا﴾؛ أيْ: إلَهًا ورَبًّا؛ وهو صَنَمٌ كانَ لَهم في مَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ؛ كانَ مِن ذَهَبٍ؛ طُولُهُ عِشْرُونَ ذِراعًا؛ ولَهُ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ؛ فَكانَ الشَّيْطانُ يَدْخُلُ في جَوْفِهِ ويَتَكَلَّمُ بِشَرِيعَةِ الضَّلالَةِ؛ والسَّدَنَةُ يَحْفَظُونَها؛ وهم أرْبَعُمِائَةٍ؛ ويُعَلِّمُونَها النّاسَ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلَمًا عَلى الصَّنَمِ المَذْكُورِ؛ فَيَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي مَنوِيًّا؛ وحُذِفَ لِيُفْهَمَ الدُّعاءُ الَّذِي لا دُعاءَ يُشْبِهُهُ؛ وهو الدُّعاءُ بِالإلَهِيَّةِ؛ ومَن قَرَأ شاذًّا ”بَعْلاءَ“؛ بِوَزْنِ ”حَمْراءَ“؛ فَهو إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ حَثِّ امْرَأةِ المَلِكِ عَلى عِبادَةِ بَعْلٍ؛ وقَتْلِ إلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وطاعَةِ زَوْجِها لَها في ذَلِكَ - كَما حَكاهُ البَغَوِيُّ -؛ فاسْتَحَقَّ التَّأْنِيثَ لِذَلِكَ؛ (p-٢٨٥)فَأُنِّثَ لِكَثْرَةِ مُلابَسَتِها لَهُ؛ والجِنْسِيَّةُ عِلَّةُ الصَّنَمِ.
ولَمّا كانَ دُعاؤُهم إيّاهُ لِلْعِبادَةِ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وتَذَرُونَ﴾؛ ومادَّةُ ”وذَرَ“؛ تَدُورُ عَلى ما يُكْرَهُ؛ فالمَعْنى: وتَتْرُكُونَ تَرْكَ المُهْمِلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَزْهَدَ فِيهِ؛ ولَوْ قِيلَ: ”وتَدَعُونَ“؛ تَهافُتًا عَلى الجِناسِ؛ لَمْ يُفِدْ هَذا؛ وانْقَلَبَ المُرادُ؛ ولَمّا كانَ الدّاعِي لا يَدْعُو إلّا بِكَشْفِ ضُرٍّ؛ أوْ إلْباسِ نَفْعٍ؛ فَكانَ لا يَجُوزُ أنْ يَدْعُوَ إلّا مَن يَقْدِرُ عَلى إعْدامِ ما يَشاءُ؛ وإيجادِ ما يُرِيدُ؛ قالَ - مُنَبِّهًا لَهم عَلى غَلَطِهِمْ في الفِعْلِ؛ والتَّرْكِ -: ﴿أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾؛ أيْ: وهو مَن لا يَحْتاجُ في الإيجادِ؛ والإعْدامِ إلى أسْبابٍ؛ فَلا تَعْبُدُونَهُ.
الصافات 37:126
ولَمّا كانَ الإنْسانُ يَعْلَمُ يَقِينًا أنَّهُ لَمْ يُرَبِّ نَفْسَهُ؛ لا بِالإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ ولا بِما بَعْدَهُ؛ وكانَ الإحْسانُ أعْظَمَ عاطِفٍ لِلْإنْسانِ؛ قالَ - مُبَيِّنًا لِمَن أرادَ؛ مُذَكِّرًا لَهم بِإحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ وإلى مَن يُحامُونَ عَنْهُمْ؛ ويُوادُّونَ مَن كانَ يُوادُّهم بِالتَّرْبِيَةِ بَعْدَ الإنْشاءِ مِنَ العَدَمِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ تَرْبِيَةٍ؛ مُفَخِّمًا لِلْأمْرِ؛ ومُعَظِّمًا بِالإبْدالِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِالرَّفْعِ -: ﴿اللَّهَ﴾؛ فَذَكَرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوَّلُ المُطْلَقُ؛ الَّذِي لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ إلّا بِهِ؛ ﴿رَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكم وحْدَهُ؛ ولَمّا كانُوا رُبَّما أسْنَدُوا إيجادَهم إلى مَن قَبْلَهُمْ؛ غَباوَةً مِنهُمْ؛ أوْ عِنادًا؛ قالَ: (p-٢٨٦)﴿ورَبَّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أوَّلٌ لَكُمْ؛ فَشَمَلَ ذَلِكَ آباءَهُمُ الأقْرَبِينَ؛ ومَن قَبْلَهم إلى آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
الصافات 37:127
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ - كَما مَضى - التَّسْلِيَةَ والتَّرْجِيَةَ؛ سَبَّبَ عَنْ دُعائِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ التَّرْجِيَةُ مُسْتَبْعَدَةً؛ سَبَّبَ عَنِ التَّكْذِيبِ قَوْلَهُ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ -: ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: مَقْهُورُونَ عَلى إقْحامِنا إيّاهم فِيما نُرِيدُ مِنَ العَذابِ الأدْنى؛ والأكْبَرِ؛ وذَكَّرَهم بِالسُّوءِ؛ واللَّعْنِ؛ عَلى مَرِّ الآبادِ؛ وإنْ كَرِهُوا؛
الصافات 37:128
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ عَلِمُوا ما لَهم مِن مَجامِعِ العَظَمَةِ؛ فَعَمِلُوا بِما عَلِمُوا؛ فَلَمْ يَدْعُوا غَيْرَهُ؛ فَإنَّهم لَمْ يُكَذِّبُوا؛ ثُمَّ وصَفَهم بِما أشارَ إلَيْهِ مِنَ الوَصْفِ بِالعُبُودِيَّةِ؛ والإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ فَقالَ: ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: لِعِبادَتِهِ؛ فَلَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا جَلِيًّا؛ ولا خَفِيًّا؛ فَإنَّهم ناجُونَ مِنَ العَذابِ.
الصافات 37:129
ولَمّا جاهَدَ في اللَّهِ (تَعالى)؛ وقامَ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن حُسْنِ الثَّناءِ؛ جازاهُ - سُبْحانَهُ - فَقالَ - عاطِفًا عَلى ﴿فَإنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢٧] -: ﴿وتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الثَّناءِ الجَمِيلِ؛ وجَمِيعِ ما يَسُرُّهُ؛ ﴿فِي الآخِرِينَ﴾؛ أيْ: كُلِّ مَن كانَ بَعْدَهُ إلى يَوْمِ الدِّينِ؛ ولَمّا كانَ السَّلامُ اسْمًا جامِعًا لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِأنَّهُ إظْهارُ الشَّرَفِ؛ والإقْبالِ عَلى المُسَلَّمِ عَلَيْهِ بِكُلِّ ما يُرِيدُ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ:
الصافات 37:130
﴿سَلامٌ﴾؛ ولَمّا كانَ في اسْمِهِ؛ عَلى حَسَبِ تَخْفِيفِ العَرَبِ لَهُ؛ لُغاتٌ؛ إحْداها تَوافُقُ الفَواصِلِ؛ فَكانَ لا فارِقَ في تَأْدِيَةِ المَعْنى بَيْنَ (p-٢٨٧)الإتْيانِ بِما اتَّفَقَ مِنها؛ وكانَ ما كَثُرَتْ حُرُوفُهُ مِنها أضْخَمَ وأجَلَّ وأفْخَمَ؛ وكانَ السِّياقُ بَعْدَ كَثِيرٍ مِن مَناقِبِهِ لِنِهايَةِ المِدْحَةِ؛ كانَ الأحْسَنُ التَّعْبِيرَ بِما هو أكْثَرُ حُرُوفًا؛ وهو مُوافِقٌ لِلْفَواصِلِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ تَمْكِينَهُ في الفَضائِلِ؛ ولِتَحَقُّقِ أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ لا عَرَبِيٌّ؛ مُشْتَقٌّ مِنَ اليَأْسِ؛ وإنْ أوْهَمَتْ ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ بِوَصْلِ هَمْزَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿عَلى إلْ ياسِينَ﴾؛ ومَن قَرَأ: ”آلِ يـس“؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ في قِراءَتِهِ ما أُرِيدَ مِنَ القِراءَةِ الأُخْرى؛ لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: إنَّ الآلَ هو الشَّخْصُ نَفْسُهُ؛ و”يـس“؛ إمّا لُغَةٌ في ”إلْياسَ“؛ أوِ اخْتُصِرَتِ اللُّغَةُ الثّانِيَةُ؛ الَّتِي هي ”إلْياسِينُ“؛ فَحُذِفَ مِنها الهَمْزَةُ المَكْسُورَةَ؛ مَعَ اللّامِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِآلِهِ أتْباعَهُ؛ ويَكُونَ ذَلِكَ أضْخَمَ في حَقِّهِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِمّا يَدْعُو إلَيْهِ السِّياقُ؛ ويَجُوزُ أنْ يُقْصَدَ بِهَذِهِ القِراءَةِ جَمِيعُ الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ الَّذِينَ هو أحَدُهُمْ؛ أيْ: عَلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ عَقِبَ سُورَةِ ”يـس“؛ دَلالَةً عَلى ما دَعَتْ إلَيْهِ مَعانِيها مِنَ الوَحْدانِيَّةِ؛ والرِّسالَةِ؛ والبَعْثِ؛ وإذْلالِ العاصِي؛ وإعْزازِ الطّائِعِ المُجَرِّدِ لِنَفْسِهِ في حُبِّ مَوْلاهُ عَنْ جَمِيعِ العَوائِقِ؛ القاطِعِ لِلطَّيَرانِ إلَيْهِ أقْوى العَلائِقَ؛ وخَصَّ بِهَذا هَذِهِ القِصَّةَ لِأنَّها خِتامُ القَصَصِ المُسَلَّمِ فِيها عَلى أهْلِها.
الصافات 37:131
(p-٢٨٨)ولَمّا أظْهَرَ - سُبْحانَهُ - شَرَفَ إلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ هو أحَدُهُمْ؛ عَلَّلَهُ؛ مُؤَكِّدًا لَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن إعْلاءِ النَّبِيِّ ﷺ وأتْباعِهِ عَلى كُلِّ مَن يُناوِئُهُمْ؛ وإنْ كَذَّبَتْ بِذَلِكَ قُرَيْشٌ؛ فَقالَ: ﴿إنّا كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ العَظِيمِ؛ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هو مِن أعْيانِهِمْ؛
الصافات 37:132
ثُمَّ عَلَّلَ الحُكْمَ بِإحْسانِهِ؛ مُؤَكِّدًا لِما مَضى في مِثْلِهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾؛ أيْ: الجَدِيرِينَ بِالإضافَةِ إلَيْنا؛ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾؛ ويُسْتَفادُ مِنَ التَّأْكِيدِ أيْضًا التَّنْبِيهُ عَلى رُسُوخِ قَدَمِهِ في الإيمانِ؛ وأنَّهُ بِحَيْثُ تَشْتَدُّ الرَّغْبَةُ؛ ويَقْوى النَّشاطُ في الإخْبارِ بِهِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ.
الصافات 37:133
ولَمّا أتَمَّ ما أرادَ - سُبْحانَهُ - مِن أُمُورِ المُحْسِنِينَ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُرْسَلِينَ إلى ذُرِّيَّتِهِ؛ في التَّسْلِيَةِ؛ والتَّرْجِيَةِ؛ وقَدَّمَهم لِأنَّ المِنَّةَ عَلَيْهِمْ مِنَّةٌ عَلَيْهِ؛ والإنْسانَ بِابْنِهِ أسَرُّ مِنهُ بِقَرِيبِهِ؛ وهُمُ الَّذِينَ أظْهَرَ اللَّهُ بِهِمْ ما تُرِكَ عَلَيْهِ؛ مِن لِسانِ الصِّدْقِ في الآخِرِينَ؛ أتْبَعُهم قِصَّةَ ابْنِ أخِيهِ مَعَ أهْلِ بِلادِ الأُرْدُنِّ؛ مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِلتَّنْبِيهِ عَلى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ؛ وإنْ كانُوا في القِلَّةِ؛ والذِّلَّةِ؛ عَلى حالٍ لا يُظَنُّ انْجِبارُهُ؛ وتَكْذِيبًا لِلْيَهُودِ المُكَذِّبِينَ بِرِسالَتِهِ؛ أوِ الشّاكِّينَ فِيها -: ﴿وإنَّ لُوطًا﴾؛ أيْ: الَّذِي جَرَّدَ نَفْسَهُ مِن مَأْلُوفِها مِن بِلادِهِ؛ وعَشائِرِهِ؛ بِالهِجْرَةِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ (p-٢٨٩)- عَلَيْهِما السَّلامُ - ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾؛
الصافات 37:134
ولَمّا كانَ جُلُّ المَقْصُودِ تَبْشِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ وتَحْذِيرَ الكافِرِينَ؛ وكانَ مُخالِفُهُ كَثِيرًا؛ وكانَ هو غَرِيبًا بَيْنَهُمْ؛ قالَ - في مَظْهَرِ العَظَمَةِ -: ﴿إذْ نَجَّيْناهُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لِمُخالِفِيهِ مِنَ الكَثْرَةِ؛ والقُوَّةِ؛ ولَمْ يَذْكُرْهم لِأنَّهم أكْثَرُ النّاسِ انْغِماسًا في العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ؛ والقاذُوراتِ البَهِيمِيَّةِ؛ الَّتِي لا تُناسِبُ مُرادَ هَذِهِ السُّورَةِ؛ المُنْبَنِيَ عَلى الصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ؛ ﴿وأهْلَهُ أجْمَعِينَ﴾؛
الصافات 37:135
ولَمّا كانَ الكُفْرُ قاطِعًا لِلسَّبَبِ القَرِيبِ؛ كَما أنَّ الإيمانَ واصِلٌ لِلسَّبَبِ البَعِيدِ؛ قالَ: ﴿إلا عَجُوزًا﴾؛ أيْ: وهي امْرَأتُهُ؛ فَإنَّ كُفْرَها قَطَعَها عَنِ الدُّخُولِ في حُكْمِ أهْلِهِ؛ فَجُرِّدُوا عَنْها؛ كائِنَةً ﴿فِي الغابِرِينَ﴾؛ أيْ: الباقِينَ في غَبَرَةِ العَذابِ؛ ومَساءَةِ الِانْقِلابِ.
الصافات 37:136
ولَمّا ذَكَرَ نَجاتَهُ؛ وابْتَدَأ بِها اهْتِمامًا بِالتَّرْجِيَةِ؛ قالَ - مُخَوِّفًا؛ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ؛ إفادَةً مَعَ التَّرْتِيبِ؛ لِعَظِيمِ رُتْبَةِ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ -: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنا﴾؛ أيْ: أهْلَكْنا؛ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿الآخَرِينَ﴾؛ أيْ: فَجَرَّدْنا الأرْضَ مِن قاذُوراتِهِمْ؛ ونَزَّهْنا البِلادَ المُقَدَّسَةَ مِنهُمْ؛ ومِن أرْجاسِ فِعْلاتِهِمْ؛ فَلَمْ نُبْقِ مِنهم أحَدًا؛ ولا احْتَجْنا في إهْلاكِهِمْ إلى اسْتِئْذانِ أحَدٍ؛
الصافات 37:137
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن مِثْلِ هَذا تَحْذِيرَ المُخالِفِينَ؛ وكانَ تُجّارُ قُرَيْشٍ يَرَوْنَ البُقْعَةَ الَّتِي كانَتْ فِيها أماكِنُ قَوْمِ لُوطٍ؛ وهي البُحَيْرَةُ المَعْرُوفَةُ؛ ولا يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ؛ عُدُّوا (p-٢٩٠)مُنْكِرِينَ لِلْمُرُورِ عَلَيْهِمْ؛ فَأبْرَزَ لَهُمُ الكَلامَ في سِياقِ التَّأْكِيدِ؛ فَقِيلَ: ﴿وإنَّكُمْ﴾؛ أيْ: فَعَلْنا بِهِمْ هَذا؛ والحالُ أنَّكم يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؛ ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: مَواضِعِ دِيارِهِمْ؛ في تِجاراتِكم إلى الشّامِ؛ ﴿مُصْبِحِينَ﴾؛ أيْ: داخِلِينَ في الصَّباحِ؛ الوَقْتِ الَّذِي قَلَبْنا مَدائِنَهم عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ ونَصَّ عَلَيْهِ لِلتَّذْكِيرِ بِحالِهِمْ فِيهِ.
الصافات 37:138
ولَمّا كانَ لِلَّيْلِ مَنظَرٌ في الهَوْلِ غَيْرُ مَنظَرِ النَّهارِ؛ قالَ: ﴿وبِاللَّيْلِ﴾؛ ولَمّا كانَ أمْرُهم كافِيًا لِلْعاقِلِ في التَّقْوى؛ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَمادِيَهم فِيما كانَ سَبَبَ أخْذِهِمْ؛ مِن تَكْذِيبِ النّاصِحِ؛ فَقالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ لَكم عُقُولٌ فَتَعْتَبِرُوا بِحالِهِمْ؛ فَتَخافُوا مِثْلَ مَآلِهِمْ؛ فَتُصَدِّقُوا رَسُولَكُمْ؛ فَإنَّكم أجْدَرُ مِنهم بِالأخْذِ؛ لِأنَّهُ مِنكُمْ؛ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ مِن شَرَفِ أصْلِهِ؛ وكَرِيمِ قَوْلِهِ؛ وفِعْلِهِ؛ ما لا يَعْرِفُهُ أُولَئِكَ مِن رَسُولِهِمْ.
الصافات 37:139
ولَمّا أكْمَلَ - سُبْحانَهُ - ما أرادَ مِن أُمُورِ مَن كانَ عَلى أيْدِيهِمْ هَلاكٌ في الدُّنْيا؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ خَتَمَ بِمَن آلَ أمْرُ قَوْمِهِ إلى سَلامَةٍ؛ وإيمانٍ؛ ونِعْمَةٍ؛ وإحْسانٍ؛ تَغْلِيبًا لِلتَّرْجِيَةِ عَلى التَّأْسِيَةِ؛ والتَّعْزِيَةِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ ما يَأْتِي مِن ذِكْرِ الإباقِ؛ رُبَّما أوْهَمَ شَيْئًا في أمْرِهِ -: ﴿وإنَّ يُونُسَ﴾؛ أيْ: أحَدَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو يُونُسُ بْنُ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَكى البَغَوِيُّ في قِصَّةِ إلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لَمّا أرْسَلَهُ اللَّهُ (تَعالى) إلى سِبْطِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ الَّذِينَ كانُوا في مَدِينَةِ بَعْلَبَكَّ؛ فَكَذَّبُوهُ؛ وأرادَ مَلِكُهم قَتْلَهُ؛ (p-٢٩١)فاخْتَفى في تِلْكَ الجِبالِ؛ اشْتاقَ إلى النّاسِ؛ فَنَزَلَ؛ فَمَكَثَ عِنْدَ امْرَأةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهي أُمُّ يُونُسَ بْنِ مَتّى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَ يُونُسُ إذْ ذاكَ رَضِيعًا؛ ثُمَّ رَجَعَ إلى الجِبالِ؛ فَماتَ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأتَتْ أُمُّهُ إلى تِلْكَ الجِبالِ؛ فَما زالَتْ تَطُوفُ حَتّى ظَفِرَتْ بِإلْياسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَسَألَتْهُ أنْ يَدْعُوَ لِابْنِها فَيُحْيِيَهُ اللَّهُ؛ فَقالَ لَها: إنِّي لَمْ أُومَرْ بِهَذا؛ وإنَّما أنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ؛ فَجَزِعَتْ؛ فَزادَ جَزَعُها وتَضَرُّعُها إلَيْهِ؛ فَرَقَّ لَها؛ ورَحِمَها؛ وسارَ مَعَها؛ فَوَصَلَ إلى بَيْتِها بَعْدَ أرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِن حِينِ ماتَ؛ وهو مُسْجًى في ناحِيَةِ البَيْتِ؛ فَدَعا اللَّهَ؛ فَأحْياهُ لَها؛ وعادَ إلْياسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى جَبَلِهِ؛ ﴿لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾
الصافات 37:140
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ التَّسْلِيَةَ عَلى اسْتِكْبارِهِمْ عَنْ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ؛ وقَوْلِهِمْ: إنَّهُ شاعِرٌ مَجْنُونٌ؛ ذَكَرَ مِن أمْرِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما يُعْرَفُ مِنهُ صُعُوبَةُ أمْرِ الرِّسالَةِ؛ وشِدَّةُ خَطْبِها؛ وثِقْلُ أمْرِها؛ وشِدَّةُ عِنايَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِالرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وأنَّهُ ما اخْتارَهم إلّا عَنْ عِلْمٍ؛ فَهو لا يَقُولُهُمْ؛ وإنِ اجْتَهَدُوا في دَفْعِ الرِّسالَةِ؛ لِيَزْدادُوا ثَباتًا لِأعْبائِها؛ وقُوَّةً في القِيامِ بِشَأْنِها؛ فَقالَ: ﴿إذْ أبَقَ﴾؛ أيْ: هَرَبَ؛ حِينَ أُرْسِلَ مِن سَيِّدِهِ الَّذِي شَرَّفَهُ - اللَّهُ - بِالرِّسالَةِ؛ ضَعْفًا عَنْ حَمْلِها؛ لِأنَّ الإباقَ الهَرَبُ مِنَ السَّيِّدِ؛ إلى حَيْثُ يَظُنُّ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ؛ ﴿إلى الفُلْكِ﴾؛ أيْ: البَيْتِ الَّذِي (p-٢٩٢)يُسافَرُ فِيهِ عَلى ظَهْرِ البَحْرِ.
ولَمّا كانَ فِعْلُهُ عَلى صُورَةِ فِعْلِ المُشاحِنِ؛ وكانَ قَصْدُهُ الإيغالَ في البُعْدِ؛ والإسْراعَ في النَّقْلَةِ؛ قالَ: ﴿المَشْحُونِ﴾؛ أيْ: المُوَقَّرِ مَلْئًا؛ فَلا سَعَةَ فِيهِ لِشَيْءٍ آخَرَ يَكُونُ فِيهِ؛ فَلَيْسَ لِأهْلِهِ حاجَةٌ في الإقامَةِ لَحْظَةً واحِدَةً لِانْتِظارِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ فَحِينَ وضَعَ رِجْلَهُ فِيهِ سارُوا؛ فاضْطَرَبَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ؛ وعَظُمَ الزِّلْزالُ؛ حَتّى أشْرَفَ مَرْكَبُهم عَلى الغَرَقِ؛ عَلى هَيْئَةٍ عَرَفُوا بِها أنَّ ذَلِكَ لِعَبْدٍ أبَقَ مِن سَيِّدِهِ؛ فَإنَّ عِنْدَ أهْلِ البَحْرِ أنَّ السَّفِينَةَ لا يَسْتَقِيمُ سَيْرُها وفِيها آبِقٌ؛ نَقَلَهُ الكَرْمانِيُّ وغَيْرُهُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ فَسَبَّبَ لَهم ذَلِكَ المُساهَمَةَ؛ أيْ: المُقارَعَةَ؛ كَما هو رَسْمُهم في مِثْلِ ذَلِكَ الأمْرِ؛ فاسْتَهَمُوا؛
الصافات 37:141
﴿فَساهَمَ﴾؛ أيْ قارَعَ يُونُسُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَهُمْ؛ قالَ البَغَوِيُّ: والمُساهَمَةُ إلْقاءُ السِّهامِ عَلى جِهَةِ القُرْعَةِ؛ ولَمّا آلَ وُقُوعُ القُرْعَةِ عَلَيْهِ إلى رَمْيِهِ مِنَ السَّفِينَةِ مِن مَحَلِّ عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ؛ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما يَدُلُّ عَلى الزَّلَقِ؛ الَّذِي يَكُونُ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ المُساهَمَةِ -: ﴿فَكانَ مِنَ المُدْحَضِينَ﴾؛ أيْ: المُوقَعِينَ في الدَّحْضِ؛ وهو الزَّلَقُ؛ فَنَزَلَ عَنْ مَكانِ الظَّفَرِ بِأنْ وقَعَتِ القُرْعَةُ؛ فَرَمَوْهُ في البَحْرِ؛
الصافات 37:142
﴿فالتَقَمَهُ﴾؛ أيْ: ابْتَلَعَهُ كَما تُبْتَلَعُ اللُّقْمَةَ؛ ﴿الحُوتُ﴾؛ أيْ: المَعْرُوفُ؛ مِن جِهَةِ أنَّهُ لا حُوتَ أكْبَرُ مِنهُ؛ فَكَأنَّهُ لا حُوتَ غَيْرُهُ؛ (p-٢٩٣)﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿مُلِيمٌ﴾؛ أيْ: داخِلٌ في المَلامَةِ.
الصافات 37:143
ولَمّا وقَعَ ما وقَعَ؛ فَتَجَرَّدَ عَنْ نَفْسِهِ وغَيْرِها؛ تَجَرُّدًا لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ مِثْلُ مَجْمُوعِهِ؛ لا جَرَمَ؛ زادَ في التَّجَرُّدِ بِالفَناءِ في مَقامِ الوَحْدانِيَّةِ؛ فَلازَمَ التَّنْزِيهَ؛ حَتّى أنْجاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وإلى ذَلِكَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ﴾؛ أيْ: خَلْقًا؛ وخُلُقًا؛ ﴿مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا المَقامِ؛ وهو ما يَصِحُّ إطْلاقُ ”التَّسْبِيحُ“؛ في اللُّغَةِ عَلَيْهِ؛ مِنَ التَّنْزِيهِ بِالقَلْبِ؛ واللِّسانِ؛ والأرْكانِ؛ بِالصَّلاةِ وغَيْرِها؛ لِأنَّ خَلْقَهُ مُطابِقٌ لِما هُيِّئَ لَهُ مِن خُلُقِهِ؛ فَهو لازِمٌ لِذَلِكَ في وقْتِ الرَّخاءِ؛ والدَّعَةِ؛ والخَفْضِ؛ والسَّعَةِ؛ فَكَيْفَ بِهِ في حالِ الشِّدَّةِ؛ وحَمَلَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - عَلى الصَّلاةِ؛
الصافات 37:144
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ﴾؛ أيْ: حَيًّا؛ أوْ بِأنْ يَكُونَ غِذاءً لَهُ؛ فَتَخْتَلِطَ أجْزاؤُهُ بِأجْزائِهِ؛ ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: هو والحُوتُ؛ وغَيْرُهُما مِنَ الخَلائِقِ؛ وعَبَّرَ بِالجَمْعِ لِإفادَةِ عُمُومِ البَعْثِ؛ ولَوْ أفْرَدَ لَمْ يُفِدْ بَعْثَ الحَيَواناتِ العُجْمِ؛ ولَوْ ثَنّى لَظُنَّ أنَّ ذَلِكَ لَهُ ولِلْحُوتِ خاصَّةً؛ لِمَعْنًى يَخُصُّهُما؛ فَلا يُفِيدُ بَعْثَ غَيْرِهِما؛ وقِيلَ: لَلَبِثَ حَيًّا في بَطْنِهِ؛ وفي الآيَةِ إشارَةٌ إلى حَدِيثِ: «”تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ؛ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ“؛» وحَثٌّ عَلى الذِّكْرِ؛ (p-٢٩٤)وتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ.
الصافات 37:145
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَكِنَّهُ لَمّا كانَ ذَكّارًا لِلَّهِ في حالِ الرَّخاءِ؛ ذَكَرْناهُ في حالِ الشِّدَّةِ؛ فَأنْجَيْناهُ مِن بَطْنِهِ؛ وأخْرَجْناهُ مِنهُ سالِمًا؛ وكانَ ذَلِكَ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ؛ أبْرَزَهُ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ فَقالَ: ﴿فَنَبَذْناهُ﴾؛ أيْ: ألْقَيْناهُ مِن بَطْنِ الحُوتِ؛ إلْقاءً لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ؛ وكانَ ذَلِكَ عَلَيْنا يَسِيرًا؛ ﴿بِالعَراءِ﴾؛ أيْ: المَكانِ القَفْرِ؛ الواسِعِ؛ الخالِي عَنْ ساتِرٍ مِن نَبْتٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ وذَلِكَ بِساحِلِ المَوْصِلِ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قَذَفَهُ في نَصِيبِينَ؛ مِن ناحِيَةِ المَوْصِلِ؛ ﴿وهُوَ سَقِيمٌ﴾؛ أيْ: عَلِيلٌ جِدًّا مِمّا نالَهُ مِن جَوْفِ الحُوتِ؛ بِحَيْثُ إنَّهُ كانَ كالطِّفْلِ ساعَةَ يُولَدُ؛ وهو إذْ ذاكَ مَحْمُودٌ غَيْرُ مَذْمُومٍ؛ بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي تَدارَكَتْهُ؛ فَكانَ مُجْتَبًى؛ ومِنَ الصّالِحِينَ؛
الصافات 37:146
﴿وأنْبَتْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ في ذَلِكَ المَكانِ؛ الَّذِي لا مُقْتَضى لِلنَّباتِ مُطْلَقًا فِيهِ؛ فَضْلًا عَمّا لا يَنْبُتُ إلّا بِالماءِ الكَثِيرِ.
ولَمّا كانَ سُقْمُهُ مُتَناهِيًا؛ بالِغًا إلى حَدٍّ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ نَبَّهَ عَلَيْهِ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ؛ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: ورَفَعْناها حالَ إنْباتِنا إيّاها فَوْقَهُ؛ لِتُظِلَّهُ كَما يُظِلُّ البَيْتُ الإنْسانَ؛ ولَمّا كانَ الدُّبّاءُ مِنَ النَّجْمِ؛ وكانَ قَدْ أعْظَمَها - سُبْحانَهُ - لِأجْلِهِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِما لَهُ ساقٌ؛ فَقالَ: ﴿شَجَرَةً﴾؛ ولَمّا كانَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُفْهِمَةً لِأنَّها مِمّا لَهُ ساقٌ؛ نَصَّ عَلى خَرْقِ العادَةِ بِقَوْلِهِ: (p-٢٩٥)﴿مِن يَقْطِينٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْجارِ الَّتِي تَلْزَمُ الأرْضَ؛ وتَقْطُنُ فِيها؛ وتَصْلُحُ لِأنْ يَأْوِيَ إلَيْها ويَقْطُنَ عِنْدَها؛ حَتّى يَصْلُحَ حالُهُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) عَظَّمَها؛ وأخْرَجَها عَنْ عادَةِ أمْثالِها؛ حَتّى صارَتْ عَلَيْهِ كالعَرِيشِ؛ و”اليَقْطِينُ“: كُلُّ ما يَمْتَدُّ ويَنْبَسِطُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ ولا يَبْقى عَلى الشِّتاءِ؛ ولا يَقُومُ عَلى ساقٍ؛ كالبِطِّيخِ؛ والقِثّاءِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - شَجَرَةُ القَرْعِ؛ لِعِظَمِ ورَقِها؛ وبَرَدِ ظِلِّها؛ ونُعُومَةِ مَلْمَسِها؛ وأنَّ الذُّبابَ لا يَقْرَبُها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وماءُ ورَقِهِ إذا رُشَّ بِهِ مَكانٌ لا يَقْرَبُهُ ذُبابٌ أصْلًا؛ وقالَ غَيْرُهُ: فِيهِ مُلاءَمَةٌ لِجَسَدِ الإنْسانِ؛ حَتّى لَوْ ذَهَبَتْ عَظْمَةٌ مِن رَأسِهِ فَوُضِعَ مَكانَها قِطْعَةٌ مِن جِلْدِ القَرْعِ؛ نَبَتَ عَلَيْها اللَّحْمُ وسَدَّ مَسَدَّهُ؛ وهو مِن ”قَطَنَ بِالمَكانِ“؛ إذا أقامَ بِهِ إقامَةَ زائِلٍ؛ لا ثابِتٍ.
الصافات 37:147
ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى التَّرْجِيَةِ أعْظَمَ؛ خَتَمَ بِها؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يُمِيتُهُ ﷺ حَتّى يُقِرَّ عَيْنَهُ بِأُمَّتِهِ كَثْرَةً؛ طَواعِيَةً ونِعْمَةً؛ فَقالَ: ﴿وأرْسَلْناهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ الَّتِي لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ؛ ولَمّا لَمْ يَتَعَلَّقِ الغَرَضُ (p-٢٩٦)بِتَعْيِينِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ وهَلْ هُمُ الَّذِينَ أبَقَ عَنْهم أوْ لا؛ قالَ: ﴿إلى مِائَةِ ألْفٍ﴾؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُمُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ أوَّلًا؛ قالَهُ أبُو حَيّانَ؛ ولَمّا كانَ العَدَدُ الكَثِيرُ لا يُمْكِنُ ناظِرَهُ الوُقُوعُ فِيهِ عَلى حَقِيقَةِ عَدَدِهِ؛ بَلْ يَصِيرُ - وإنْ كانَ أثْبَتَ النّاسِ نَظَرًا - يَقُولُ: هم كَذا؛ يَزِيدُونَ قَلِيلًا؛ أوْ يَنْقُصُونَهُ؛ وتارَةً يَجْزِمُ بِأنَّهم لا يَنْقُصُونَ عَنْ كَذا؛ وأمّا الزِّيادَةُ فَمُمْكِنَةٌ؛ وتارَةً يَغْلِبُ عَلى ظَنِّهِ الزِّيادَةُ؛ وهو المُرادُ هُنا؛ قالَ: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾؛ لِأنَّ التَّرْجِيَةَ في كَثْرَةِ الأتْباعِ أقَرُّ لِلْعَيْنِ؛ وأسَرُّ لِلْقَلْبِ؛ وإفْهامًا لِأنَّ الزِّيادَةَ واقِعَةٌ؛ وهَؤُلاءِ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ هم أهْلُ نِينَوى؛ وهم مِن غَيْرِ قَوْمِهِ؛ فَإنَّ حُدُودَ أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ الفُراتُ؛ ونِينَوى مِن شَرْقِيِّ الفُراتِ؛ بَعِيدَةٌ عَنْهُ جِدًّا.
الصافات 37:148
ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ إتْيانِهِ إلَيْهِمُ انْشِراحُ صَدْرِهِ؛ بَعْدَما كانَ حَصَلَ لَهُ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ ما تَقَدَّمَ؛ قالَ: ﴿فَآمَنُوا﴾؛ أيْ: تَجْرِيدًا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الحُظُوظِ النَّفْسانِيَّةِ؛ ولُحُوقًا بِالصِّفاتِ المَلَكِيَّةِ؛ ولَمّا كانَ إيمانُهم سَبَبَ رَفْعِ العَذابِ؛ الَّذِي كانَ أوْجَبَهُ لَهم كُفْرُهُمْ؛ قالَ: ﴿فَمَتَّعْناهُمْ﴾؛ أيْ: ونَحْنُ عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ؛ لَمْ يَنْقُصْ ذَلِكَ مِن عَظَمَتِنا شَيْئًا؛ ولا زادَ فِيها؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ أيْ: إلى انْقِضاءِ آجالِهِمُ الَّتِي ضَرَبْناها لَهم في الأزَلِ. (p-٢٩٧)ذِكْرُ قِصَّةِ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن سِفْرِ الأنْبِياءِ؛ قالَ مُتَرْجِمُهُ: نَبْدَأُ بِمَعُونَةِ اللَّهِ وقُوَّتِهِ بِكَتْبِ نُبُوَّةِ يُونانَ بْنِ مَتّى؛ النَّبِيِّ: كانَتْ كَلِمَةُ الرَّبِّ عَلى يُونانَ بْنِ مَتّى؛ يَقُولُ لَهُ: قُمْ فانْطَلِقْ إلى نِينَوى؛ المَدِينَةِ العَظِيمَةِ؛ ونادِ فِيها بِأنَّ شَرارَتَكم قَدْ صَعِدَتْ قُدّامِي؛ وقامَ يُونانُ لِيَفِرَّ إلى تَرْسِيسَ مِن قُدّامِ الرَّبِّ؛ وهَبَطَ إلى يافا؛ ووَجَدَ سَفِينَةً تُرِيدُ تَدْخُلُ إلى تَرْسِيسَ؛ فَأعْطى المَلّاحَ أُجْرَةً؛ ونَزَلَها لِيَدْخُلَ مَعَهم إلى تَرْسِيسَ هارِبًا مِن قُدّامِ الرَّبِّ؛ والرَّبُّ طَرَحَ رِيحًا عَظِيمَةً في البَحْرِ؛ فَكانَ في البَحْرِ مَوْجٌ عَظِيمٌ؛ والسَّفِينَةُ كانَتْ تَتَمايَلُ لِتَنْكَسِرَ؛ وفَرَقَ المَلّاحُونَ؛ وجَأرَ كُلُّ إنْسانٍ إلى إلَهِهِ؛ وطَرَحُوا مَتاعَ السَّفِينَةِ في البَحْرِ؛ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ؛ بِحَقٍّ هَبَطَ يُونانُ إلى أسْفَلِ السَّفِينَةِ؛ ونامَ؛ فَدَنا مِنهُ سَيِّدُ المَلّاحِينَ؛ وقالَ لَهُ: لِماذا أنْتَ نائِمٌ؟ قُمْ فادْعُ إلَهَكَ لَعَلَّ اللَّهَ يُخَلِّصُنا؛ ولا نَهْلِكُ؛ وقالَ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: تَعالَوْا نَقْتَرِعْ؛ ونَعْلَمْ: هَذا الشَّرُّ مِن قِبَلِ مَن جاءَ عَلَيْنا؟ فاقْتَرَعُوا فَجاءَتِ القُرْعَةُ عَلى يُونانَ؛ فَقالُوا لَهُ: أخْبِرْنا؛ ما هَذا الشَّرُّ؟ وماذا هو عَمَلُكَ؟ ومِن أيْنَ أنْتَ؟ ومِن (p-٢٩٨)أيِّ شَعْبٍ أنْتَ؟ وأيَّتُها أرْضُكَ؟ فَقالَ لَهم يُونانُ: أنا عِبْرانِيٌّ؛ ولَلَّهَ رَبَّ السَّماءِ أخْشى؛ الَّذِي خَلَقَ البَرَّ والبَحْرَ؛ فَفَرَقَ أُولَئِكَ القَوْمُ فَرَقًا شَدِيدًا؛ فَقالُوا لَهُ: ماذا صَنَعْتَ؟ لِأنَّ أُولَئِكَ النّاسَ عَلِمُوا أنَّهُ مِن قُدّامِ إلَهِهِ هَرَبَ؛ فَلَمّا أخْبَرَهم قالُوا: ما نَصْنَعُ بِكَ حَتّى يَسْكُنَ عَنّا البَحْرُ؛ لِأنَّ البَحْرَ هو ذا مُنْطَلِقٌ يَزْخَرُ عَلَيْنا؟ قالَ لَهم يُونانُ: خُذُونِي فاطْرَحُونِي في البَحْرِ؛ فَيَسْكُنْ عَنْكُمُ البَحْرُ؛ لِأنِّي أعْلَمُ أنَّ هَذا المَوْجَ العَظِيمَ مِن أجْلِي هاجَ عَلَيْكُمْ؛ فَجَهِدَ أُولَئِكَ النّاسُ أنْ يَرْجِعُوا إلى السّاحِلِ؛ فَلَمْ يَجِدُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلًا؛ لِأنَّ البَحْرَ كانَ ذاهِبًا يَزْخَرُ عَلَيْهِمْ؛ ودَعَوْا إلى الرَّبِّ؛ وقالُوا: أيُّها الرَّبُّ؛ لا يُحْسَبْ عَلَيْنا دَمٌ زَكِيٌّ؛ ولا نَهْلِكْ بِنَفْسِ هَذا الرَّجُلِ؛ مِن أجْلِ أنَّكَ أنْتَ الرَّبُّ؛ وكُلَّ ما شِئْتَ تَصْنَعُ؛ فَأخَذُوا يُونانَ وطَرَحُوهُ في البَحْرِ؛ فاسْتَقَرَّ البَحْرُ مِن أمْواجِهِ؛ وفَرَقَ أُولَئِكَ النّاسُ مِن قُدّامِ الرَّبِّ فَرَقًا شَدِيدًا؛ وذَبَحُوا ذَبائِحَ لِلرَّبِّ؛ ونَذَرُوا لَهُ النُّذُورَ؛ وهَيَّأ الرَّبُّ سَمَكَةً عَظِيمَةً فابْتَلَعَتْ يُونانَ؛ وكانَ يُونانُ في أمْعاءِ السَّمَكَةِ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ وثَلاثَ لَيالٍ؛ وقالَ: دَعَوْتُ الرَّبَّ في حُزْنِي فَأجابَنِي؛ ومِن بَطْنِ الجَحِيمِ تَضَرَّعْتُ إلَيْهِ؛ وسَمِعَ صَوْتِي؛ وطَرَحَنِي في الغَوْطِ؛ في قَلْبِ البَحْرِ؛ والأنْهارُ أحاطَتْ بِي؛ وكُلُّ أمْواجِكَ وأهْياجِكَ عَلَيَّ جازَتْ؛ (p-٢٩٩)أنا بِحَقٍّ قُلْتُ: إنِّي قَدْ تَباعَدْتُ مِن قُدّامِ عَيْنَيْكَ؛ مِنَ الآنَ أتُرى أعُودُ فَأنْظُرُ إلى هَيْكَلِكَ المُقَدَّسِ؛ وقَدْ أحاطَتْ بِيَ المِياهُ حَتّى نَفْسِي؛ والأهْوالُ أحاطَتْ بِي؛ وفي أسْفَلِ البَحْرِ احْتَبَسَ رَأْسِي؛ وإلى أسْفَلِ الجِبالِ هَبَطْتُ؛ والأرْضُ أطْبَقَتْ أغْلاقَها في وجْهِي إلى الدَّهْرِ؛ إذا اغْتَمَّتْ نَفْسِي لِلرَّبِّ ذَكَرْتُ؛ ودَخَلْتُ صَلاتِي قُدّامَكَ؛ إلى هَيْكَلِكَ المُقَدَّسِ؛ فَكُلُّ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ الأنْساكَ البَطّالَةَ رَحِمْتَهم فَتُرِكُوا؛ أنا بِحَقٍّ بِصَوْتِ الشُّكْرِ أُقَرِّبُ لَكَ؛ وأذْبَحُ؛ والَّذِي نَذَرْتُهُ أُوَفِّيهِ لِلرَّبِّ؛ فَأمَرَ الرَّبُّ السَّمَكَةَ؛ فَقَذَفَتْ يُونانَ في اليُبْسِ؛ وأتى كَلامُ الرَّبِّ إلَيْهِ المَرَّةَ الثّانِيَةَ؛ وقالَ لَهُ: قُمْ يا يُونانُ؛ فانْطَلِقْ إلى نِينَوى؛ المَدِينَةِ العَظِيمَةِ؛ ونادِ فِيها بِالنِّداءِ الَّذِي أقُولُهُ لَكَ؛ فَقامَ يُونانُ وانْطَلَقَ إلى نِينَوى؛ مِثْلَ كَلِمَةِ الرَّبِّ؛ ونِينَوى كانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلرَّبِّ؛ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ وتَبَدَّأ يُونانُ أنْ يَدْخُلَ إلى نِينَوى مَسِيرَةَ يَوْمٍ واحِدٍ؛ ونادى وقالَ: مِنَ الآنَ؛ وإلى أرْبَعِينَ يَوْمًا نِينَوى تَنْقَلِبُ؛ فَآمَنَ أهْلُ نِينَوى لِلَّهِ؛ وفَرَضُوا الصَّوْمَ؛ ولَبِسُوا المُسُوحَ؛ مِن عُظَمائِهِمْ حَتّى صَغائِرِهِمْ؛ وانْتَهَتِ الكَلِمَةُ إلى مَلِكِ نِينَوى؛ فَقامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ؛ (p-٣٠٠)ونَزَعَ تاجَهُ؛ واكْتَسى مَسْحَ شَعْرٍ؛ وجَلَسَ عَلى الرَّمادِ؛ ونادى في نِينَوى؛ وقالَ المَلِكُ وأشْرافُهُ: وكُلُّ النّاسِ؛ والغَدائِرِ؛ والثِّيرانِ؛ والغَنَمِ؛ فَلا يَذُوقُونَ شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ؛ ولا يَرْعَوْنَ؛ وماءً فَلا يَشْرَبُونَ؛ ولَكِنْ فَلْيَلْبَسِ النّاسُ؛ والغَدائِرُ؛ ويَدْعُوا اللَّهَ بِالتَّضَرُّعِ؛ ويَرْجِعْ كُلُّ إنْسانٍ عَنْ طَرِيقَةِ السُّوءِ؛ وعَنْ الِاخْتِطافِ الَّذِي في يَدِهِ؛ وقالُوا: مَن ذا الَّذِي يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ مِنّا؛ ويَتَرَحَّمُ عَلَيْنا؛ ويَرُدُّ عَنّا غَضَبَهُ ورِجْزَهُ؛ لِكَيْلا نَهْلِكَ؛ ونَظَرَ اللَّهُ إلى أعْمالِهِمْ أنَّهم قَدْ تابُوا عَنْ طُرُقِهِمُ السُّوءِ؛ فَرَدَّ عَنْهم غَضَبَ رِجْزِهِ؛ ولَمْ يُبِدْهُمْ؛ وحَزِنَ يُونانُ حُزْنًا شَدِيدًا؛ وتَكَرَّهَ مِن ذَلِكَ جِدًّا؛ وصَلّى قُدّامَ الرَّبِّ؛ وقالَ: أيُّها الرَّبُّ؛ ألَمْ تَكُنْ هَذِهِ كَلِمَتِي؛ وأنا بَعْدُ في بِلادِي؛ ولِذَلِكَ سَبَقْتُ وفَرَرْتُ إلى تَرْسِيسَ؛ قَدْ عَرَفْتُ بِحَقٍّ أنَّكَ الرَّحْمَنُ الإلَهُ الرَّؤُوفُ؛ طَوِيلٌ صَبْرُكَ؛ وكَثِيرَةٌ نِعْمَتُكَ؛ وتَرُدُّ السُّوءَ الآنَ يا رَبُّ؛ انْزِعْ نَفْسِي مِنِّي؛ لِأنَّ المَوْتَ أنْفَعُ لِي مِنَ الحَياةِ؛ فَقالَ لَهُ: جِدًّا حَزِنْتَ يا يُونانُ؛ وخَرَجَ يُونانُ مِنَ المَدِينَةِ؛ واتَّخَذَ لَهُ ثَمَّةَ مِظَلَّةً؛ وجَلَسَ تَحْتَها في الظِّلِّ؛ لِيَنْظُرَ ما الَّذِي يَعْرِضُ لِلْمَدِينَةِ؛ وأمَرَ اللَّهُ الرَّبَّ أصْلَ القَرْعِ؛ ونَبَتَ وارْتَفَعَ عَلى رَأْسِ يُونانَ؛ فَكانَ ظِلٌّ عَلى رَأْسِهِ؛ فَتَفَرَّجَ مِن شِدَّتِهِ؛ وفَرِحَ فَرَحًا كَثِيرًا يُونانُ بِأصْلِ القَرْعِ. (p-٣٠١)وفِي اليَوْمِ الآخَرِ أمَرَ اللَّهُ الرَّبُّ دُودَةً في مَطْلَعِ الصُّبْحِ؛ فَضَرَبَتْ أصْلَ القَرْعِ؛ وقَرَضَتْهُ؛ فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ أمَرَ اللَّهُ رِيحَ السَّمُومِ فَيَبَّسَتْ أصْلَ القَرْعِ؛ وحَمِيَتِ الشَّمْسُ في رَأْسِ يُونانَ؛ واغْتَمَّ؛ وسَألَ المَوْتَ لِنَفْسِهِ؛ وقالَ: إنَّكَ يا رَبُّ تَقْدِرُ تَنْزِعُ نَفْسِي مِنِّي؛ لِأنِّي لَمْ أكُنْ أخْبَرَ مِن إيّايَ؛ وقالَ الرَّبُّ لِيُونانَ: جِدًّا حَزِنْتَ عَلى أصْلِ القَرْعِ؟ فَقالَ يُونانُ: جِدًّا أحْزَنُ حَتّى المَوْتِ؛ قالَ لَهُ الرَّبُّ: أنْتَ أشْفَقْتَ عَلى أصْلِ القَرْعِ الَّذِي لَمْ تُعْنَ بِهِ؛ ولَمْ تُرَبِّهِ؛ الَّذِي في لَيْلَةٍ نَبَتَ؛ وفي لَيْلَةٍ يَبِسَ؛ فَكَيْفَ لا أُشْفِقُ أنا عَلى نِينَوى المَدِينَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي فِيها أكْثَرُ مِنَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَبْوَةً مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لا يَدْرُونَ ما بَيْنَ يَمِينِهِمْ مِن شِمالِهِمْ؛ وكَثْرَةٌ مِنَ الغَدائِرِ؛ انْتَهى.
ولَعَلَّ أصْلَ القَرْعِ المَذْكُورَ هُنا كانَ نَبَتَ عَلَيْهِ حِينَ خَرَجَ مِن بَطْنِ الحُوتِ؛ فَلَمّا اتَّفَقَ لَهُ ما ذُكِرَ هُنا رَجَعَ إلَيْهِ؛ وقَدْ زادَ عِظَمُهُ فَبَنى تَحْتَهُ عَرِيشًا؛ وجَلَسَ تَحْتَهُ؛ فَكانَ مِنهُ ما كانَ؛ فَلا يَكُونُ حِينَئِذٍ ما هُنا مُخالِفًا لِما ذَكَرَ أهْلُ الأخْبارِ في هَذِهِ القِصَّةِ؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ.
الصافات 37:149
ولَمّا كانَ الَّذِي سَبَقَ ادِّعاؤُهُ أمْرَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ هَؤُلاءِ المُنْذَرِينَ (p-٣٠٢)يُسارِعُونَ في اقْتِفاءِ آثارِ آبائِهِمْ في الضَّلالِ؛ والثّانِي أنَّ أكْثَرَ الأوَّلِينَ ضَلُّوا؛ وسِيقَتْ دَلِيلًا شُهُودِيًّا عَلى الثّانِي هَذِهِ القِصَصُ السِّتُّ؛ الَّتِي ما اهْتَدى مِن أهْلِها أُمَّةٌ بِكَمالِها إلّا قَوْمَ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْأمْرِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى ضَلالِ هَؤُلاءِ؛ تَبَعًا لِآبائِهِمْ؛ بِأمْرٍ لَيْسَ في بَيانِ الضَّلالِ أوْضَحُ مِنهُ؛ فَقالَ - مُتَهَكِّمًا بِهِمْ؛ مُخَصِّصًا الأمْرَ بِهِ ﷺ إشارَةً إلى عِظَمِ هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ وأنَّهُ لا يَفْهَمُها حَقَّ فَهْمِها سِواهُ ﷺ: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾؛ أيْ: فاطْلُبْ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ دَعْوَتِكَ إلى أباطِيلِهِمْ؛ أنْ يُجِيبُوكَ؛ فُتُوَّةً مِنهُمْ؛ وكَرَمًا: بِأيِّ دَلِيلٍ؛ وبِأيِّ حُجَّةٍ حَكَمُوا بِما يَقُولُونَهُ تَبَعًا لِآبائِهِمْ؛ في المَلائِكَةِ؛ الَّذِينَ تَقَدَّمَ في ”فاطِرٍ“؛ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ؛ وفي ”يـس“؛ أنَّهم في غايَةِ الشِّدَّةِ؛ بِحَيْثُ إنَّ عَذابَ الأُمَّةِ الكَثِيرَةِ يَكْفِي فِيهِ واحِدٌ مِنهُمْ؛ وبِحَيْثُ إنَّ صَيْحَةً واحِدَةً مِن أحَدِهِمْ تُمِيتُ الأحْياءَ كُلَّهُمْ؛ وصَيْحَةً أُخْرى تُحْيِي الأمْواتَ كُلَّهُمْ؟ هَذا إلى ما أفادَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ لَهم مِنَ الصَّفِّ؛ والزَّجْرِ؛ والتِّلاوَةِ؛ حِينَ ابْتَدَأتْ بِالإقْسامِ بِهِمْ؛ لِأنَّ لِمَقْصُودِها نَظَرًا عَظِيمًا إلى أحْوالِهِمْ في تَجَرُّدِهِمْ؛ وتَقْدِيسِهِمْ؛ ويَلْزَمُ مِن هَذا الِاسْتِفْتاءِ تَنْزِيهُهُمْ؛ وتَنْزِيهُ الَّذِي خَلَقَهُمْ؛ وذَلِكَ (p-٣٠٣)مَقْصُودُ السُّورَةِ؛ ولَفَتَ الكَلامَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى ما هو دَلِيلٌ عَلَيْها؛ فَإنَّ الرَّسُولَ دالٌّ عَلى قَدْرِ مَن أرْسَلَهُ؛ فَقالَ: ﴿ألِرَبِّكَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ وهو المَلِكُ الأعْلى؛ الَّذِي رَبّاكَ؛ وأحْسَنَ إلَيْكَ بِهِدايَتِكَ؛ والهِدايَةِ بِكَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِكَ؛ حَتّى كُنْتَ أكْمَلَ الخَلْقِ؛ وأعْلاهم في كُلِّ أمْرٍ يَكُونُ بِهِ الكَمالُ؛ والقُرْبُ مِنَ اللَّهِ؛ فاصْطَفاكَ لِرِسالَتِهِ؛ فَفي إفْرادِ الضَّمِيرِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَخْتارُ إلّا الأكْمَلَ الأشْرَفَ الأفْضَلَ.
ولَمّا كانَ المُرادُ تَبْكِيتَهُمْ؛ بِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا الأخَسَّ لِلَّهِ؛ وكانَتِ الإناثُ أضْعَفَ مِنَ الذُّكُورِ؛ ولَكِنَّها قَدْ تُطْلَقُ الأُنُوثَةُ عَلى غَيْرِ الحَيَوانِ؛ وكانَتِ الإناثُ في بَعْضِ الأجْناسِ - كالأسْحارِ - أشْرَفَ؛ عَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ بِالإناثِ؛ وعَبَّرَ بِما يَنُصُّ عَلى المُرادِ؛ فَقالَ: ﴿البَناتُ﴾؛ أيْ: دُونَ البَنِينَ؛ وهم - مَعَ أنَّهم مَرْبُوبُونَ مَقْهُورُونَ - يَأْنَفُونَ مِنهم غايَةَ الأنَفَةِ؛ ﴿ولَهُمُ﴾؛ أيْ: دُونَهُ؛ ﴿البَنُونَ﴾؛ مَعَ أنَّ الرَّبَّ؛ الَّذِي خَصُّوهُ بِأدْنى القَبِيلَيْنِ؛ تارَةً يَخْلُقُ الذَّكَرَ مِن تُرابٍ؛ ويُرَبِّيهِ أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ؛ وأُخْرى مِن غَيْرِهِ؛ أوْ يُخْرِجُهُ مِن بَطْنِ حُوتٍ؛ أوْ غَمَراتِ نارٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَبِأيِّ وسِيلَةٍ ادَّعَوْا لَهُ ولَدًا؛ والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا بِالتَّدْرِيجِ في أطْوارِ الخَلْقِ؛ مِنَ النُّطْفَةِ إلى ما فَوْقَها؛ ولا يَرْضى بِذَلِكَ إلّا عاجِزٌ؟ فَكَيْفَ بِادِّعاءِ أدْنى الصِّنْفَيْنِ مِنَ الوَلَدِ؛ سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ.
الصافات 37:150
ولَمّا كانَ دَعْواهم لِأُنُوثَةِ المَلائِكَةِ مُتَضَمِّنَةً لِادِّعاءِ العِلْمِ بِاخْتِصاصِهِ عِنْدَ دَعْوى الوَلَدِيَّةِ بِأدْنى القَبِيلَيْنِ؛ أوِ ادِّعاءِ العِلْمِ بِأنَّهُ خَلَقَهم إناثًا بِمُشاهَدَةٍ (p-٣٠٤)مِنهُمْ؛ أوْ كِتابٍ مِنهُ إلَيْهِمْ؛ وأمّا العَقْلُ فَإنَّهُ لا مُدْخَلَ لَهُ في ذَلِكَ؛ قالَ - مُعْلِمًا بِأنَّهم أهْلٌ لِأنْ يُبَكَّتُوا؛ ويُسْتَهْزَأ بِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا عِلْمَ عِنْدَهم بِإحْدى الطَّرِيقَيْنِ؛ ولا يَقْدِرُونَ أنْ يَدَّعُوا ذَلِكَ؛ لِئَلّا يُفْتَضَحُوا فَضِيحَةً لا تَنْجَبِرُ أصْلًا؛ عائِدًا إلى التَّصْرِيحِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ؛ إشارَةً إلى أنَّ مِن شَأْنِها كَثافَةَ الحِجابِ -: ﴿أمْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي إنْ لَمْ يَقْتَضِ اخْتِيارَ الأكْمَلِ؛ لَمْ يَقْتَضِ الِاخْتِصاصَ بِالأدْوَنِ؛ لِأنَّها مُنافِيَةٌ بِكُلِّ اعْتِبارٍ لِلدَّناءَةِ؛ ﴿المَلائِكَةَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ حَكَمُوا عَلَيْهِمْ بِالأُنُوثَةِ؛ وهم مِن أعْظَمِ رُسُلِنا؛ وأجَلِّ خَواصِّنا؛ ولَمْ يَرَوْا مِنهم أحَدًا؛ ولا سَبِيلَ لَهم إلى العِلْمِ بِأحْوالِهِمْ؛ بِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ؛ ولَمّا تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِالأُنُوثَةِ الخَساسَةُ؛ وكانَ في بَعْضِ الإناثِ قُوَّةُ الذُّكُورِ؛ عَبَّرَ بِالأُنُوثَةِ؛ إلْزامًا لَهم في حُكْمِهِمْ ذَلِكَ بِخُساسَتَيْنِ؛ فَقالَ: ﴿إناثًا وهُمْ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَنْسُبُونَ إلى اللَّهِ ما لا يَلِيقُ بِهِ؛ ﴿شاهِدُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ لَهم شُهُودُ ذَلِكَ؛ لا يَغِيبُونَ عَنْهُ؛ فَإنّا كُلَّ يَوْمٍ نُجَدِّدُ مِنهم مَن شِئْنا؛ قالَ الرّازِيُّ: وكُلُّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ نَوْعٌ بِرَأْسِهِ؛ أمّا الآدَمِيُّونَ فَكُلُّهم نَوْعٌ واحِدٌ؛ وهو ناقِصٌ في ابْتِداءِ الفِطْرَةِ؛ مُسْتَكْمَلٌ؛ ولَهُ دَرَجاتٌ في التَّرَقِّي؛ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقامَ المُشاهَدَةِ؛ وهو أنْ تَتَجَلّى لَهُ حِلْيَةُ الحَقِّ الأوَّلِ مِن ذاتِهِ؛ وصِفاتِهِ؛ وتَرْتِيبِ أفْعالِهِ؛ عِلْمًا لا يَنْفَصِلُ عَنْهُ؛ ولا يَغِيبُ فَيَتَرَقّى في إدْراكِهِ عَنِ المَحْسُوساتِ؛ والخَيالاتِ؛ ويَتَرَقّى فِعْلُهُ عَنْ أنْ (p-٣٠٥)يَكُونَ لِمُقْتَضى الغَضَبِ أوِ الشَّهْوَةِ؛ وبِهَذا يَقْرُبُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ انْتَهى.
الصافات 37:151
ولَمّا اشْتَدَّ تَشَوُّفُ السّامِعِ إلى أنْ يَعْلَمَ حَقِيقَةَ قَوْلِهِمُ الَّذِي تَسَبَّبَ عَنْهُ هَذا الِاسْتِفْتاءُ؛ أعْلَمَ - سُبْحانَهُ - بِذَلِكَ؛ في قَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ قَوْلٌ لا يَكادُ ألّا يُقِرَّ أحَدٌ أنَّهُ قالَهُ؛ مُعَجِّبًا مِنهم فِيهِ؛ مُنادِيًا عَلَيْهِمْ بِما أبانَ مِن فَضِيحَتِهِمْ بِما قَدَّمَ مِنَ اسْتِفْتائِهِمْ -: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ أنَّ صَرَفَهُمُ الأُمُورَ عَنْ وُجُوهِها عادَتُهُمْ؛ ﴿لَيَقُولُونَ﴾؛ أيْ: قَوْلًا هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ؛ وإنْ كانُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى إبْرازِهِ في مَقامِ المُناظَرَةِ؛ وعَدَلَ عَنْ مَظْهَرِ العَظَمَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ العَلَمِ عَلى الذّاتِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الصِّفاتِ إشارَةً إلى أنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ؛ ونَعْتٍ مِن نُعُوتِهِ يَأْبى الوَلَدِيَّةَ؛ فَقالَ:
الصافات 37:152
﴿ولَدَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وُجِدَ لَهُ - وهو المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ - ولَدٌ؛ وهم عَلى صِفَةِ الأُنُوثَةِ؛ أيْ أتى بِالوَلَدِ؛ فَـ ”ولَدَ“؛ فِعْلٌ ماضٍ؛ والجَلالَةُ فاعِلٌ؛ وقُرِئَ شاذًّا بِرَفْعِ ”ولَدَ“؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ وجَرِّ الجَلالَةِ بِالإضافَةِ؛ والوَلَدُ ”فَعَلٌ“؛ بِمَعْنى ”مَفْعُولٌ“؛ كَـ ”القَبَضُ“؛ فَلِذَلِكَ يُخْبَرُ بِهِ عَنِ المُفْرَدِ وغَيْرِهِ؛ والمُؤَنَّثِ وغَيْرِهِ.
ولَمّا أتى - سُبْحانَهُ - بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ إشارَةً إلى عَظِيمِ تَعالِيهِ عَنْ ذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ - دالًّا عَلى الثُّبُوتِ؛ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ دَعْواهم أنَّهم صادِقُونَ -: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾؛
الصافات 37:153
ودَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ أيْضًا بِإنْكارِهِ؛ مُوَبِّخًا لَهم في أُسْلُوبِ الخِطابِ؛ زِيادَةً في الإغْضابِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿أصْطَفى﴾؛ بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ (p-٣٠٦)الإنْكارِيِّ؛ ومَن أسْقَطَها فَهي عِنْدَهُ مُقَدَّرَةٌ؛ مُرادَةٌ؛ أيْ: أخْبِرُونِي: هَلِ اخْتارَ هَذا السَّيِّدُ الَّذِي أنْتُمْ مُقِرُّونَ بِتَمامِ عِلْمِهِ؛ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ؛ وعُلُوِّ سُؤْدُدِهِ؛ ما تَسْتَرْذِلُونَهُ.
ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِالبِنْتِ أكْرَهَ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالأُنْثى؛ والتَّعْبِيرُ بِالِابْنِ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ التَّعْبِيرِ بِالذُّكُورِ؛ وأنَصَّ عَلى المُرادِ؛ لِأنَّ الذَّكَرَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ؛ قالَ: ﴿البَناتِ﴾؛ اللّاتِي تَسْتَنْكِفُونَ أنْتُمْ مِن لُحُوقِهِنَّ بِكُمْ؛ وتَسْتَحْيُونَ مِن نِسْبَتِهِنَّ إلَيْكُمْ؛ حَتّى إنَّ بَعْضَكم لِيَصِلُ في إبْعادِهِنَّ إلى الوَأْدِ؛ ﴿عَلى البَنِينَ﴾؛ فَكانَ حِينَئِذٍ نَظَرُهُ لِنَفْسِهِ دُونَ نَظَرِ أقَلِّكُمْ؛ فَضْلًا عَنْ أجَلِّكُمْ؛ ولِذَلِكَ عَظُمَ حُسْنًا؛ وتَناهى بَلاغَةً قَوْلُهُ:
الصافات 37:154
﴿ما﴾؛ أيْ: يا مَعاشِرَ العَرَبِ المُدَّعِينَ لِصِحَّةِ العُقُولِ؛ وسَدادِ الأنْظارِ والفُهُومِ؛ أيُّ شَيْءٍ ﴿لَكُمْ﴾؛ مِنَ الخَيْرِ في هَذا المَقالِ؟ ثُمَّ زادَ في التَّقْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - مُعَجِّبًا مِنهم -: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما سَألْناكم عَنْهُ؛ بِمِثْلِ هَذِهِ الأحْكامِ الَّتِي لا تَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ أدْنى مَسْكَةٍ مِن عَقْلِهِ؛ وعَبَّرَ بِالحُكْمِ لِاشْتِهارِهِ فِيما يُبَتُّ؛ فَيَأْبى النَّقْصَ؛ فَكانَ التَّعْبِيرُ بِهِ أعْظَمَ في تَقْرِيعِهِمْ؛ حَيْثُ أطْلَقُوهُ عَلى ما لا أوْهى مِنهُ.
الصافات 37:155
ولَمّا كانَ هَذا شَدِيدَ المُنافاةِ لِلْعُقُولِ؛ عَظِيمَ البُعْدِ عَنِ الطِّباعِ؛ حَسُنَ جِدًّا قَوْلُهُ - أيْضًا مُبَكِّتًا -: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: أدْنى تَذَكُّرٍ؛ بِما أشارَتْ إلَيْهِ قِراءَةُ مَن خَفَّفَ؛ بِما جَمَعَتْ مِنَ التَّخْفِيفِ والحَذْفِ؛ فَإنَّ الأمْرَ في غايَةِ الظُّهُورِ؛ (p-٣٠٧)لِما في عُقُولِكُمْ؛ وطِباعِكُمْ؛ مِن أنَّكم لا تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكم أخَسَّ المَنازِلِ؛ فَكَيْفَ يَخْتارُهُ لِنَفْسِهِ رَبُّكُمُ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ؟ وإنَّهُ لا يَكُونُ الوَلَدُ مُطْلَقًا إلّا مِمَّنْ لَهُ جِنْسٌ؛ فَيَكُونُ مُحْتاجًا إلى جِنْسِهِ؛ والمُحْتاجُ لا يَكُونُ إلَهًا بِوَجْهٍ؛ وأشارَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ والإدْغامِ؛ إلى أنَّ الأمْرَ يَحْتاجُ إلى مَزِيدِ تَذَكُّرٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ التَّشْدِيدُ؛ مَعَ دِقَّةٍ؛ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ؛ لِأجْلِ حَلِّ شُبْهَةِ مَن يَرى أفْعالَ مَن يُحْيِي المَوْؤُودَةَ فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ رَغْبَةٌ مِنهم في الإناثِ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا رَغْبَةً في دَفْعِ فَسادِ القَتْلِ؛ ورَحْمَةً لِلضَّعِيفِ؛ ولَمْ يُقْرَأْ بِالفَكِّ؛ إشارَةً إلى أنَّ الأمْرَ غَنِيٌّ عَنِ الدَّرَجَةِ العُلْيا في التَّأمُّلِ.
الصافات 37:156
ولَمّا قَرَّرَهم عَلى شُهُودِ ذَلِكَ؛ بِما تَضَمَّنَ إبْطالَهُ عَقْلًا؛ فَلَمْ يَبْقَ مِن طُرُقِ الأدِلَّةِ إلّا السَّمْعُ؛ عادَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿أمْ لَكُمْ﴾؛ أيْ: عَلى ادِّعاءِ ذَلِكَ؛ ﴿سُلْطانٌ﴾؛ أيْ: دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ؛ بِخَبَرٍ سَماوِيٍّ قاهِرٍ؛ وأشارَ إلى أنَّهُ لا يُتَكَلَّمُ في أحْوالِ المُلُوكِ إلّا بِأمْرٍ واضِحٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينٌ﴾
الصافات 37:157
ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا - ولا بُدَّ - البُرْهانَ السَّمْعِيَّ؛ بَيَّنَهُ بِما سَبَّبَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي أتاكم بِذَلِكَ السُّلْطانِ مِنَ المَلِكِ؛ في أنَّهُ اخْتارَ لِنَفْسِهِ ذَلِكَ؛ ودَلَّ عَلى كَذِبِهِمْ تَلْوِيحًا؛ بَعْدَ أنْ أتى بِهِ تَصْرِيحًا؛ وهو أنَكى ما يَكُونُ بِالإتْيانِ بِأداةِ الشَّكِّ في قَوْلِهِ: (p-٣٠٨)﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ صادِرَةٌ عَنْ سُخْطٍ عَظِيمٍ؛ وإنْكارٍ فَظِيعٍ؛ والأسالِيبُ الَّتِي ورَدَتْ عَلَيْها ناطِقَةٌ بِتَسْفِيهِ أحْلامِ المُدَّعِي لِذَلِكَ؛ وبِجَهْلِ نُفُوسِهِمْ؛ واسْتِرْكاكِ عُقُولِهِمْ؛ مَعَ اسْتِهْزاءٍ؛ وتَهَكُّمٍ؛ وتَعْجِيبٍ مِن أنْ يَخْطُرَ مِثْلُ ذَلِكَ عَلى بالٍ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُتَّخَذَ مُعْتَقَدًا؛ ويُتَظاهَرَ بِهِ مَذْهَبًا.
الصافات 37:158
ولَمّا تَمَّ إظْهارُ ضَلالِهِمْ؛ بَكَّتَهم في أُسْلُوبٍ آخَرَ؛ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ؛ تَخْوِيفًا مِن إحْلالِ عَذابِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وجَعَلُوا﴾؛ أيْ: بَعْضُ العَرَبِ؛ مُنابِذِينَ لِما مَضى بَيانُهُ مِنَ الأدِلَّةِ؛ ﴿بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ﴾؛ أيْ: الجِنِّ؛ الَّذِينَ هم شَرُّ الطَّوائِفِ؛ وأنَّثَهُمْ؛ إشارَةً إلى تَحْقِيرِهِمْ عَنْ هَذا الأمْرِ الَّذِي أهَّلُوهم لَهُ؛ ﴿نَسَبًا﴾؛ بِأنْ قالُوا: إنَّهُ - جَلَّتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ؛ وعُظِّمَ؛ تَعالى جَدُّهُ - تَزَوَّجَ بَناتِ سَرَواتِ الجِنِّ؛ فَأوْلَدَ مِنهُنَّ المَلائِكَةَ؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ أحَدًا لا يَتَزَوَّجُ إلّا مَن يُجانِسُهُ؛ فَأبْعَدُوا غايَةَ البُعْدِ؛ لِأنَّهُ لا مُجانِسَ لَهُ؛ ولَمّا كانَ النَّسِيبُ يُكْرَمُ؛ ولا يُهانُ؛ قالَ - مُؤَنِّثًا لِضَمِيرِهِمْ؛ زِيادَةً في تَحْقِيرِهِمْ -: ﴿ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا؛ السَّرَواتُ مِنهُمْ؛ والأسافِلُ؛ ﴿إنَّهُمْ﴾؛ أيْ: الجِنَّ كُلَّهُمْ؛ ﴿لَمُحْضَرُونَ﴾؛ أيْ: إلَيْهِ؛ بِالبَعْثِ؛ كَرْهًا؛ لِيُعامَلُوا بِالعَدْلِ؛ مَعَ بَقِيَّةِ الخَلائِقِ؛ يَوْمَ فَصْلِ القَضاءِ؛ والتَّجَلِّي في مَظاهِرِ العِزِّ والعَظَمَةِ؛ والكِبْرِياءِ؛ فَهم أقَلُّ مِن أنْ يُدَّعى لَهم ذَلِكَ.
الصافات 37:159
(p-٣٠٩)ولَمّا ذَكَرَ اليَوْمَ الأعْظَمَ؛ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ لِكُلِّ أحَدٍ مَعاقِدُ الصِّفاتِ؛ وتَتَلاشى عِنْدَ تِلْكَ المَظاهِرِ أعْيانُ الكائِناتِ؛ وتَنْمَحِي لَدى تِلْكَ النُّعُوتِ آثارُ الفانِياتِ؛ وكانَ ذِكْرُهُ عَلى وجْهٍ مُبِينٍ بُعْدَ الجِنِّ عَنِ المُناسَبَةِ؛ كانَ مَجْزَأً لِلتَّنْزِيهِ؛ ومَوْضِعًا بَعْدَ تِلْكَ الضَّلالاتِ لِلتَّقْدِيسِ؛ نَتِيجَةً لِذَلِكَ؛ فَقالَ - مُصَرِّحًا بِاسْمِ التَّسْبِيحِ؛ الجامِعِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ؛ والجَلالَةِ؛ إشارَةً إلى عِظَمِ المَقامِ -: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: تَنَزَّهَ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ؛ تَنَزُّهًا يَفُوتُ الحَصْرَ؛ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: عَمّا يَصِفُهُ بِهِ جَمِيعُ الخَلائِقِ؛ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمُ الإحْضارُ ذَلِكَ اليَوْمَ؛ أوِ الكُفّارُ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَهُ الوَلَدَ؛ وجَعَلُوا المَلائِكَةَ مِنَ الوَلَدِ؛
الصافات 37:160
﴿إلا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَصْلُحُونَ لِلْإضافَةِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ؛ مِن حَيْثُ إطْلاقِهِ عَلى الذّاتِ الأعْظَمِ؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى عَيْنِ الماضِي؛ فَرُبَّما أوْهَمَ تَقْيِيدُهُ بِما ذُكِرَ في الأوَّلِ؛ فَيُفْهَمُ تَقْيِيدُ تَشْرِيفِهِمْ بِالتَّسْبِيحِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ؛ أوْ مِنَ العَرَبِ؛ وهم مَن أسْلَمَ مِنهم بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهم لا يَصِفُونَهُ إلّا بِما أُذِنَ لَهم فِيهِ؛ ولِأجْلِ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ سُورَةُ المُتَجَرِّدِينَ عَنْ عَلائِقِ العَوائِقِ عَنِ السَّيْرِ إلَيْهِ؛ كَرَّرَ وصْفَ الإخْلاصِ فِيها كَثِيرًا.
الصافات 37:161
ولَمّا نَزَّهَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ - سُبْحانَهُ - عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهم (p-٣١٠)وجَمِيعَ ما يَعْبُدُونَهُ مِن دُونِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ لَمْ يُقَدِّرْهُ؛ فَقالَ - مُسَبِّبًا عَنِ التَّنْزِيهِ؛ مُؤَكِّدًا؛ تَكْذِيبًا لِمَن يَظُنُّ أنَّ غَيْرَ اللَّهِ يَمْلِكُ شَيْئًا؛ مُواجِهًا لَهم بِالخِطابِ؛ لِأنَّهُ أنَكى؛ وأجْدَرُ بِالإغْضابِ -: ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها؛ مِن كُلِّ مَن زَعَمْتُمُوهُ إلَهًا؛ وابْتَدَأ الخَبَرَ عَنْ ”إنَّ“؛ فَصَدَّرَهُ بِالنّافِي؛ فَقالَ:
الصافات 37:162
﴿ما﴾؛ وغَلَّبَ المُخاطَبِينَ المُعَبَّرَ عَنْهم بِكافِ الخِطابِ عَلى مَن عَطَفَ عَلَيْهِمْ؛ وهم مَعْبُوداتُهُمْ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم عَدَمٌ؛ كَما حَقَّرَهم بِالتَّعْبِيرِ عَنْهم بِما دُونَ ”مَن“؛ فَقالَ - مُخاطِبًا -: ﴿أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى اللَّهِ خاصَّةً؛ ﴿بِفاتِنِينَ﴾؛ أيْ: بِمُغَيِّرِينَ أحَدًا مِنَ النّاسِ بِالإضْلالِ؛
الصافات 37:163
﴿إلا مَن هُوَ﴾؛ أيْ: في حُكْمِهِ؛ وتَقْدِيرِهِ؛ ﴿صالِ الجَحِيمِ﴾؛ أيْ: مُعَذَّبٌ بِعَذابِهِ؛ لِحُكْمِهِ عَلَيْهِ بِالشَّقاوَةِ؛ فَعُلِمَ أنَّكم لا تَقْدِرُونَ أنْ تُغَيِّرُوا عَلَيْهِ إلّا مَن غَيَّرَهُ هُوَ؛ فَبِحُكْمِهِ ضَلَّ؛ لا بِكم - نَعُوذُ بِكَ مِنكَ؛ لا مَهْرَبَ مِنكَ إلّا إلَيْكَ -؛ والمُرادُ بِتَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ غَيْرَهُ قَدْ يُقْدَرُ عَلى أنْ يُفْسَدَ عَلَيْهِ مَن لا يُرِيدُ فَسادَهُ؛ ويَعْجِزُ عَنْ رَدِّ المُفْسِدِ؛ فالتَّعْبِيرُ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ في أيْدِيكم مِنَ الإضْلالِ إلّا هَذا الَّذِي جَعَلَهُ لَكم مِنَ التَّسَبُّبِ؛ فَإنْ كانَ عِنْدَكم غَلَبَةٌ فَسَمُّوهُ بِها؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ عَلى لَفْظِ ”مَن“؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ المَيِّتَ عَلى الشِّرْكِ؛ بَعْدَ بَعْثِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ العَرَبِ قَلِيلٌ؛ وقُرِئَ شاذًّا ”صالُو“؛ دَفْعًا لِظَنِّ أنَّهُ واحِدٌ.
الصافات 37:164
(p-٣١١)ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا الِاسْتِفْتاءَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وقَعَ امْتِثالًا لِلْأمْرِ المُصَدَّرِ بِهِ؛ وبَطَلَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ قُدْرَتُهُمْ؛ وقُدْرَةُ مَعْبُوداتِهِمُ الَّتِي يَدَّعُونَ لَها بَعْضَ القُدْرَةِ؛ قالَ - مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ؛ ومُبْطِلًا لِقُدْرَةِ المُخْلَصِينَ أيْضًا؛ عَطْفًا عَلى ﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ١٦١] -: ﴿وما مِنّا﴾؛ أيْ: نَحْنُ؛ وأنْتُمْ؛ ومَعْبُوداتِكُمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ أحَدٍ؛ ﴿إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ (تَعالى) في الأزَلِ؛ ثُمَّ أعْلَمَ المَلائِكَةَ بِما أرادَ مِنهُ؛ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ عَلى أنْ يَتَجاوَزَ ما أقامَهُ فِيهِ - سُبْحانَهُ - نَوْعَ مُجاوَزَةٍ؛ فَلِكُلٍّ مِنَ المَلائِكَةِ مَقامٌ مَعْرُوفٌ لا يَتَعَدّاهُ؛ والأوْلِياءُ لَهم مَقامٌ مَسْتُورٌ بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ؛ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ أحَدٌ؛ والأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهم مَقامٌ مَشْهُورٌ؛ مُؤَيَّدٌ بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ؛ لِأنَّهم لِلْخَلْقِ قُدْوَةٌ؛ فَأمْرُهم عَلى (p-٣١٢)الشُّهْرَةِ؛ وأمْرُ الأوْلِياءِ عَلى السُّتْرَةِ؛ قالَهُ القُشَيْرِيُّ؛ وغَيْرُ المَذْكُورِينَ مِن أهْلِ السَّعادَةِ؛ لَهم مَقامٌ في الشَّقاوَةِ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعِنْدَ مَن أطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِن عِبادِهِ.
الصافات 37:165
ولَمّا سَلَبَ عَنِ الكُلِّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ القُدْرَةِ؛ إلّا ما وهَبَهُمْ؛ وكانَ الكُفّارُ يَدَّعُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ (تَعالى)؛ ويُنَزِّهُونَهُ؛ وأنَّ الإشْراكَ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ؛ بَيَّنَ أنَّ المُخْلَصِينَ خُصُّوا دُونَهم بِمَواقِفِ الصَّفاءِ؛ ومَقاماتِ الصِّدْقِ والوَفاءِ؛ لِأنَّ طاعَتَهم أبْطَلَها إشْراكُهُمْ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ ومُخَصِّصًا -: ﴿وإنّا﴾؛ أيْ: يا مَعْشَرَ المُخْلَصِينَ؛ ﴿لَنَحْنُ﴾؛ أيْ: دُونَكُمْ؛ ﴿الصّافُّونَ﴾؛ أيْ: أنْفُسَنا في الصَّلاةِ؛ والجِهادِ؛ وأجْنِحَتَنا في الهَواءِ فِيما أُرْسِلْنا بِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِاجْتِماعِ قُلُوبِنا عَلى الطّاعَةِ؛
الصافات 37:166
﴿وإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾؛ أيْ: المُنَزِّهُونَ لَهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ كُلِّ نَقْصٍ مِمّا ادَّعَيْتُمُوهُ مِنَ البَناتِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَنا هَذا الفِعْلُ؛ وهو الصَّفُّ؛ والتَّسْبِيحُ؛ ولا يُنْوى لَهُ مَفْعُولٌ البَتَّةَ.
الصافات 37:167
ولَمّا بَيَّنَ ضَلالَهُمْ؛ وهُداهُ ﷺ؛ وهُدى مَنِ اتَّبَعَهُ - بِما أشارَ إلَيْهِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ؛ الَّتِي أضافَها إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ”ألِرَبِّكَ“ -؛ أعْلَمَ بِأنَّهم زادُوا عَلى عَيْبِ الضَّلالِ في نَفْسِهِ؛ عَيْبَ الإخْلافِ لِلْوَعْدِ؛ والنَّقْضِ لِما (p-٣١٣)أكَّدُوهُ مِنَ العَهْدِ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ عاقِلًا يُؤَكِّدُ عَلى نَفْسِهِ في أمْرٍ؛ ثُمَّ يُخْلِفُهُ؛ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: هَلْ نَزَّهُوهُ كَما نَزَّهَهُ المُخْلَصُونَ؟ -: ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ مِنَ الضَّلالِ بِالشُّبَهِ الَّتِي افْتُضِحَتْ؛ بِما كَشَفْناهُ مِن سُتُورِها؛ ولَمْ يُنَزِّهُوا كَما نَزَّهَ المُخْلَصُونَ؛ والحالُ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا﴾؛ قَبْلَ هَذا؛ ﴿لَيَقُولُونَ﴾؛ أيْ: قَوْلًا لا يَزالُونَ يُجَدِّدُونَهُ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّأْكِيدِ؛
الصافات 37:168
﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ حالٍ كانَ مِن أحْوالِهِ؛ مِن كِتابٍ أوْ غَيْرِهِ؛ ﴿مِنَ الأوَّلِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الرُّسُلِ الماضِينَ؛
الصافات 37:169
﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: بِحَيْثُ أنّا نَصِيرُ أهْلًا لِلْإضافَةِ إلى المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿المُخْلَصِينَ﴾؛ أيْ: في العِبادَةِ لَهُ؛ بِلا شائِبَةٍ مِن شِرْكٍ أصْلًا.
الصافات 37:170
ولَمّا كانَ هَذا الذِّكْرُ - الَّذِي أتاهُمْ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ ذِكْرٍ؛ أتى مُصَدِّقًا لِكُتُبِ الأوَّلِينَ؛ وكانَ الرَّسُولُ الآتِي بِهِ أعْظَمَ الرُّسُلِ؛ فَكانَ لِذَلِكَ هو عَيْنَ ما عَقَدُوا عَلَيْهِ؛ مَعَ زِيادَةِ الشَّرَفِ - سَبَبًا لِكُفْرِهِمْ؛ قالَ: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَمّا عاهَدُوا عَلَيْهِ أنَّهم كَفَرُوا بِذَلِكَ الذِّكْرِ؛ مَعَ زِيادَتِهِ في الشَّرَفِ عَلى ما طَلَبُوا بِالإعْجازِ؛ وغَيْرِهِ؛ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تَهْدِيدُهم مِمَّنْ أخْلَفُوا وعْدَهُ؛ ونَقَضُوا مَعَ التَّأْكِيدِ عَهْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: بِوَعِيدٍ لَيْسَ هو مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ؛ بَلْ هو مِمّا لا خُلْفَ فِيهِ بِوَجْهٍ.
الصافات 37:171
(p-٣١٤)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ؛ كَما أرْشَدَ إلَيْهِ سِياقُ التَّهْدِيدِ: ”فَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا عَلى مَن خالَفَ رُسُلَنا بِالخِذْلانِ المُهِينِ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ﴾؛ أيْ: في الأزَلِ؛ ﴿كَلِمَتُنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِعِبادِنا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أخْلَصُوا لَنا العِبادَةَ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ؛ ﴿المُرْسَلِينَ﴾؛ الَّذِينَ زِدْناهم عَلى شَرَفِ الإخْلاصِ في العُبُودِيَّةِ شَرَفَ الرِّسالَةِ.
الصافات 37:172
ولَمّا آذَنَتِ اللّامُ بِعُلُوِّهِمْ؛ أوْضَحَ ذَلِكَ بِبَيانِ ما سَمّاهُ ”كَلِمَةً“؛ لِانْتِظامِهِ في مَعْنًى واحِدٍ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُمْ﴾؛ وزادَ في تَأْكِيدِهِ؛ في نَظِيرِ ما عِنْدَ الكَفَرَةِ؛ عَلى ما تَدُلُّ أعْمالُهم أنَّهُ في غايَةِ البُعْدِ؛ فَقالَ: ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿المَنصُورُونَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُ نَصْرُهم في الجِدالِ؛ والجِلادِ؛ وإنْ وقَعَ لِلْكُفّارِ عَلَيْهِمْ في الثّانِي ظُهُورٌ ما؛ ولَمّا خَصَّ بِذَلِكَ المُرْسَلِينَ؛ عَمَّ؛ فَقالَ:
الصافات 37:173
﴿وإنَّ جُنْدَنا﴾؛ أيْ: مِنَ المُرْسَلِينَ؛ وأتْباعِهِمْ؛ ولَمّا كانَ مَدْلُولُ الجُنْدِ في اللُّغَةِ العَسْكَرَ والأعْوانَ؛ والمَدِينَةَ؛ وصِنْفًا مِنَ الخَلْقِ عَلى حِدَةٍ؛ قالَ - جامِعًا عَلى المَعْنى؛ دُونَ اللَّفْظِ؛ نَصًّا عَلى المُرادِ -: ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُهُمْ؛ ﴿الغالِبُونَ﴾؛ أيْ: وإنْ رُئِيَ أنَّهم مَغْلُوبُونَ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ لَهم إنْ لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الدّارِ؛ فَهو في دارِ القَرارِ؛ وقَدْ جَمَعَ لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ فِيهِما؛ وسَمّى هَذا كُلَّهُ ”كَلِمَةً“؛ لِانْتِظامِهِ مَعْنًى واحِدًا؛ ولا يَضُرُّ انْهِزامٌ في بَعْضِ المَواطِنِ مِن بَعْضِهِمْ؛ ولا وهْنٌ قَدْ يَقَعُ؛ وكَفى دَلِيلًا عَلى هَذا (p-٣١٥)سِيرَةُ النَّبِيِّ ﷺ والخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
الصافات 37:174
ولَمّا ثَبَتَ لا مَحالَةَ بِهَذا أنَّهُ ﷺ هو المَنصُورُ؛ لِأنَّهُ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ ومِن جُنْدِ اللَّهِ؛ بَلْ هو أعْلاهُمْ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَوَلَّ﴾؛ أيْ: فَكَلِّفْ نَفْسَكَ الإعْراضَ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: عَنْ رَدِّهِمْ عَنِ الضَّلالِ قَسْرًا؛ ﴿حَتّى حِينٍ﴾؛ أيْ: مُبْهَمٍ؛ وهو الوَقْتُ الَّذِي عَيَّنّاهُ لِنَصْرِكَ في الأزَلِ؛
الصافات 37:175
﴿وأبْصِرْهُمْ﴾؛ أيْ: بِبَصَرِكَ؛ وبَصِيرَتِكَ عِنْدَ الحِينِ الَّذِي ضَرَبْناهُ لَكَ؛ وقَبْلَهُ: كَيْفَ تُؤَدِّيهِمْ أحْوالُهم وتَقَلُّباتُهم كُلَّما تَقَلَّبُوا إلى سُفُولٍ.
ولَمّا كانُوا قَبْلَ الإسْلامِ عُمْيًا؛ صُمًّا؛ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ وعْدًا؛ ولا وعِيدًا؛ ولا يُفَكِّرُونَ في عاقِبَةٍ؛ حَذَفَ المَفْعُولَ مِن فِعْلِهِمْ؛ فَقالَ - مُتَوَعِّدًا؛ مُحَقِّقًا بِالتَّسْوِيفِ؛ لا مُبْعِدًا -: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾؛ أيْ: يَحْصُلُ لَهُمُ الإبْصارُ الَّذِي لا غَلَطَ فِيهِ بِالعَيْنِ؛ والقَلْبِ؛ بَعْدَ ما هم فِيهِ مِنَ العَمى؛ وهَذا الحِينُ واضِحٌ في يَوْمِ ”بَدْرٍ“؛ وما كانَ مِن أمْثالِهِ قَبْلَ الفَتْحِ؛ فَإنَّهم كانَ لَهم في تِلْكَ الأوْقاتِ نَوْعٌ مِنَ القُوَّةِ؛ فَلِذَلِكَ أثْبَتَهم نَوْعَ إثْباتٍ في أبْصَرِهِمْ.
الصافات 37:176
ولَمّا كانَتْ عادَتُهم الِاسْتِعْجالَ بِما يُهَدِّدُونَ بِهِ اسْتِهْزاءً؛ كُلَّما ورَدَ عَلَيْهِمْ تَهْدِيدٌ؛ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ؛ عَلى وجْهِ تَهْدِيدٍ آخَرَ لَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿أفَبِعَذابِنا﴾؛ أيْ: عَلى ما عُلِمَ لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ بِإضافَتِهِ إلَيْنا؛ (p-٣١٦)﴿يَسْتَعْجِلُونَ﴾؛ أيْ: يَطْلُبُونَ أنْ يُعَجَّلَ لَهم فَيَأْتِيَهم قَبْلَ أوانِهِ الَّذِي ضَرَبْناهُ لَهُ؛
الصافات 37:177
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّهُ لا بُشْرى لَهم يَوْمَ حُلُولِهِ؛ ولا قَرارَ عِنْدَ نُزُولِهِ؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا﴾؛ أيْ: هَدَّدْناهُمْ؛ وأنْكَرْنا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ أنَّهُ إذا ﴿نَـزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾؛ أيْ: غَلَبَ عَلَيْها؛ لِأنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النّازِلِ بِالشَّيْءِ؛ مِن غَيْرِ إذْنِ صاحِبِهِ؛ ولا يَغْلِبُ عَلَيْها إلّا وقَدْ غَلَبَ عَلى أهْلِها؛ فَبَرَكَ عَلَيْهِمْ بُرُوكًا؛ لا يَقْدِرُونَ مَعَهُ عَلى البُرُوزِ إلى تِلْكَ السّاحَةِ وهي الفِناءُ الخالِي عَنِ الأبْنِيَةِ؛ كَأنَّهُ مُتَحَدَّثُ القَوْمِ؛ ومَوْضِعُ راحَتِهِمْ في أيِّ وقْتٍ كانَ بُرُوكُهُ؛ مِن لَيْلٍ أوْ نَهارٍ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَتْ عادَتُهُمُ الإغارَةَ صَباحًا؛ قالَ - عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ؛ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى أنَّهُ السَّبَبُ؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلتَّخْوِيفِ؛ مِن هَؤُلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ وهَذا التَّهْدِيدُ لا يَصْلُحُ لِأنْ يَنْطَبِقَ إلّا عَلى يَوْمِ الفَتْحِ؛ ولَقَدْ صارَ مَن لَمْ يَتَأهَّلْ لِغَيْرِ الإنْذارِ فِيهِ في غايَةِ السُّوءِ؛ وهُمُ الَّذِينَ قَتَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ومِنهم مَن تَعَلَّقَ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ؛ فَلَمْ يُفِدْهُ ذَلِكَ؛ ولَكِنَّهم كانُوا قَلِيلًا؛ والباقُونَ إنْ كانَ ذَلِكَ الصَّباحُ عَلى ما ساءَهم مَنظَرُهُ فَلَقَدْ سَرَّهم لَعَمْرُ اللَّهِ مَخْبَرُهُ.
الصافات 37:178
(p-٣١٧)ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ؛ لا يَسْتَأْصِلُ قَوْمَهُ بِعَذابٍ؛ قالَ - دالًّا عَلى ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ الأمْرِ؛ تَأْكِيدًا لِلتَّسْلِيَةِ؛ ووَعْدَ النُّصْرَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ المَعْنى عَلى الأوَّلِ؛ عاطِفًا عَلى ”تَوَلَّ“؛ الأُولى -: ﴿وتَوَلَّ﴾؛ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ الثّانِي؛ والإعْراضَ ﴿عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾؛ وكَذا فَعَلَ ﷺ فَإنَّهُ حَلَّ بِساحَتِهِمْ يَوْمَ الفَتْحِ صَباحًا؛ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى مُدافَعَةٍ.
الصافات 37:179
ولَمّا كابَرَ بَعْضُهُمْ؛ ودافَعَ؛ لَمْ يَكُنْ بِأسْرَعَ مِن أنْ ولَّوْا وطَلَبُوا السَّلامَةَ بِالدُّخُولِ فِيما جَعَلَهُ ﷺ عَلَمًا عَلى التَّأْمِينِ؛ وقالَ حَماسُ بْنُ قَيْسٍ أخُو بَنِي بَكْرٍ؛ لَمّا دَخَلَ بَيْتَهُ؛ لِامْرَأتِهِ: أغْلِقِي عَلَيَّ البابَ؛ فَعَيَّرَتْهُ بِالهَزِيمَةِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَنْهاهُ عَنْ مُنابَذَةِ المُسْلِمِينَ؛ فَلا يَنْتَهِي ويَقُولُ لَها: لا بُدَّ أنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ:
؎إنَّكَ لَوْ شَهِدْتَ يَوْمَ الحَنْدَمَةْ ∗∗∗ إذْ فَرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَةْ ∗∗∗ (p-٣١٨)واسْتَقْبَلَتْنا بِالسُّيُوفِ المُسْلِمَةْ
؎ ∗∗∗ يَقْطَعْنَ كُلَّ ساعِدٍ وجُمْجُمَةْ
؎ضَرْبًا فَلا يُسْمَعُ إلّا غَمْغَمَةْ ∗∗∗ ∗∗∗ لَهم نَهَيْتُ خَلْقَنا وهَمْهَمَةْ
لَمْ تَنْطِقِي في اللَّوْمِ أدْنى كَلِمَةْ
ولَمّا كانَ هَذا مُنْطَبِقًا عَلى يَوْمِ الفَتْحِ؛ وكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَدْ أحَلَّ الكُفّارَ مَحَلًّا صارُوا بِهِ بِحَيْثُ لا اعْتِبارَ لَهُمْ؛ قالَ: ﴿وأبْصِرْ﴾؛ مُسْقِطًا ضَمِيرَهُمْ؛ أيْ أبْصِرْ ما تُرِيدُ مِن شُؤُونِكَ الَّتِي يُهِمُّكَ النَّظَرُ فِيها؛ وأمّا هم فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُبالى بِهِمْ؛ ولا يُفَكَّرُ في أمْرِهِمْ؛ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِمْ؛ فَإنّا أبْدَلَنا مِن عِزَّتِهِمْ ذُلًّا؛ ومِن كَثْرَتِهِمْ قِلًّا؛ وجَرَّدَنا تِلْكَ الأراضِيَ مِن قاذُوراتِ الشِّرْكِ؛ وأحْلَلْنا بِها طَهارَةَ التَّنْزِيهِ وأقْداسَ التَّحْمِيدِ؛ وكَذا كانَ؛ فَإنَّهُ ﷺ قالَ لَهُمْ؛ وهو عَلى دَرَجِ الكَعْبَةِ؛ وهم تَحْتَهُ كالغَنَمِ المَجْمُوعَةِ في اليَوْمِ المَطِيرِ؛ بَعْدَ أنْ قالَ: «”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ؛ لا شَرِيكَ لَهُ؛ صَدَقَ وعْدَهُ؛ ونَصَرَ عَبْدَهُ وأعَزَّ جُنْدَهُ؛ وهَزَمَ الأحْزابَ وحْدَهُ“: ”ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم يا مَعاشِرَ قُرَيْشٍ؟“؛ قالُوا: (p-٣١٩)خَيْرًا؛ أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ؛ قالَ: ”اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ“؛» وقالَ لَهُ صَفْوانُ بْنُ أُمَيَّةَ: اجْعَلْنِي بِالخِيارِ شَهْرَيْنِ؛ قالَ: ”أنْتَ بِالخِيارِ أرْبَعَةَ أشْهُرِ“؛ ولَمْ يُكَلِّفْ أحَدًا مِنهُمُ الإسْلامَ؛ حَتّى أسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ طَوْعًا مِن عِنْدِ آخِرِهِمْ؛ ولَمّا حاصَرَ الطّائِفَ فَعَسُرَتْ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْها؛ فَما لَبِثُوا أنْ أرْسَلُوا إلَيْهِ رُسُلَهُمْ؛ وأسْلَمُوا؛ فَحَسُنَ إسْلامُهُمْ؛ ولَمْ يَرْتَدَّ أحَدٌ مِنهم في الرِّدَّةِ؛ وهَذا مِن مَعْنى ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾
الصافات 37:180
ولَمّا تَقَرَّرَ لَهُ - سُبْحانَهُ - مِنَ العَظَمَةِ ما ذَكَرَ؛ فَكانَ الأمْرُ أمْرَهُ؛ والخَلْقُ خَلْقَهُ؛ ثَبَتَ تَنَزُّهُهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ؛ واتِّصافُهُ بِكُلِّ كَمالٍ؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ نَتِيجَةُ ذَلِكَ الخَتْمَ بِمَجامِعِ التَّنْزِيهِ والتَّحْمِيدِ؛ فَقالَ: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ؛ وإقامَةِ الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُحَرَّرِ عَلى صِدْقِكَ بِكُلِّ ما يَكُونُ مِن أحْوالِ أعْدائِكَ؛ مِن كَلامٍ؛ أوْ سُكُوتٍ؛ وتَأْيِيدِكَ بِكُلِّ قُوَّةٍ؛ وإلْباسِكَ كُلَّ هَيْبَةٍ؛ ﴿رَبِّ العِزَّةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هو مُخْتَصٌّ بِها؛ بِما أفْهَمَتْهُ الإضافَةُ؛ وأفادَ شاهِدُ الوُجُودِ؛ وحاكِمُ العَقْلِ؛ وقَدْ عُلِمَ بِما ذُكِرَ في هَذِهِ السُّورَةِ أنَّها تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ؛ ولا يَغْلِبُها شَيْءٌ؛ وفي إضافَةِ الرَّبِّ إلَيْهِ؛ وإلى العِزَّةِ؛ إشارَةٌ إلى اخْتِصاصِهِ ﷺ وكُلِّ مَن وافَقَهُ في أمْرِهِ عَنْ جَمِيعِ الخَلْقِ؛ بِالعِزَّةِ؛ وإنْ رُئِيَ في ظاهِرِ الأمْرِ غَيْرُ ذَلِكَ؛ ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ مِمّا يَقْتَضِي النَّقائِصَ؛ لِما ثَبَتَ (p-٣٢٠)مِن ضَلالِهِمْ؛ وبُعْدِهِمْ عَنِ الحَقِّ.
الصافات 37:181
ولَمّا قَدَّمَ السَّلامَ عَلى مَن شاءَ تَخْصِيصُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن رُسُلِهِ؛ عَمَّهُمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”سُبْحانَ“ -: ﴿وسَلامٌ﴾؛ أيْ: تَنَزُّهٌ لَهُ؛ وسَلامَةٌ؛ وشَرَفٌ؛ وفَخْرٌ؛ وعُلًا؛ ﴿عَلى المُرْسَلِينَ﴾؛ أيْ: الواصِفِينَ لَهُ بِما هو لَهُ أهْلٌ؛ الَّذِينَ اصْطَفاهُمُ؛ الصّافِّينَ صَفًّا؛ الزّاجِرِينَ زَجْرًا؛ التّالِينَ ذِكْرًا؛ مِنَ البَشَرِ؛ والمَلائِكَةِ المَذْكُورِينَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ لِأجْلِ ما حَكَمَ لَهم بِهِ - سُبْحانَهُ - في الأزَلِ مِنَ العِزِّ؛ والنَّصْرِ؛
الصافات 37:182
﴿والحَمْدُ﴾؛ أيْ: الإحاطَةُ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى؛ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها مَجْمُوعُ خَلْقِهِ؛ وإلى ذَلِكَ أشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ فَهو حِينَئِذٍ الواحِدُ المُعَتالِ؛ الَّذِي تَنَزَّهَ عَنِ الأكْفاءِ؛ والأمْثالِ؛ والنُّظَراءِ؛ والأشْكالِ؛ في كُلِّ شَيْءٍ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ والشُّؤُونِ والأحْوالِ؛ ولَقَدْ تَرافَقَ آخِرُها - كَما تَرى - وأوَّلَها؛ وتَعانَقَ مَفْصِلُها ومَوْصِلُها؛ واللَّهُ الهادِي إلى الصَّوابِ.