Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — محمد 47:1 – الحجرات 49:18
المحتويات
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
محمد 47:1
(p-١٩٤)سُورَةُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وتُسَمّى القِتالَ، وتُسَمّى أيْضًا الَّذِينَ كَفَرُوا.
مَقْصُودُها التَّقَدُّمُ إلى المُؤْمِنِينَ في حِفْظِ حَظِيرَةِ الدِّينِ بِإدامَةِ الجِهادِ لِلْكُفّارِ، حَتّى يُلْزِمُوهُمُ الصَّغارَ، أوْ يُبْطِلُوا ضَلالَهم كَما أضَلَّ [اللَّهُ] أعْمالَهُمْ، لا سِيَّما أهْلُ الرِّدَّةِ الَّذِينَ [فَسَقَوْا عَنْ مُحِيطِ الدِّينِ إلى] أوْدِيَةِ الضَّلالِ المُبِينِ، والتِزامِ هَذا الخُلُقِ الشَّرِيفِ إلى أنْ تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها بِإسْلامِ أهْلِ الأرْضِ كُلِّهِمْ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِكَ قاتَلْتَهُ و[أنَّكَ] إنْ لَمْ تُقاتِلْهُ كُنْتَ مِثْلَهُ، واسْمُها مُحَمَّدٌ واضِحٌ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ الجِهادَ كانَ خُلُقَهُ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى وهو نَبِيُّ الرَّحْمَةِ بِالمَلْحَمَةِ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ حَمْدٌ وثَمَّ نَوْعُ ذَمٍّ كَما تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ فاطِرٍ وفي سَبَإ وفي الفاتِحَةِ، ومَتى كانَ كَفٌّ عَنْ أعْداءِ اللَّهِ [كانَ] الذَّمُّ، [و] أوْضَحُ أسْمائِها في (p-١٩٥)هَذا المَقْصِدِ القِتالُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لِأهْلِ الضَّلالِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي [أقامَ] جُنْدَهُ لِلذَّبِّ عَنْ حِماهُ ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ تارَةً بِالبَيانِ وأُخْرى بِالسَّيْفِ والسِّنانِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ حِزْبَهُ بِالحِفْظِ في طَرِيقِ الجِنانِ.
* *
لَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ في الحَوامِيمِ حَتّى صارَتْ كالشَّمْسِ، لا يَزِيغُ عَنْها إلّا هالِكٌ، وخَتَمَ بِأنَّهُ يَهْلَكُ بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ القَوْمُ الفاسِقُونَ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالتَّعْرِيفِ بِهِمْ فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا أنْوارَ الأدِلَّةِ فَضَّلُوا عَلى عِلْمٍ ﴿وصَدُّوا﴾ أيِ امْتَنَعُوا بِأنْفُسِهِمْ ومَنَعُوا غَيْرَهم لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الطَّرِيقِ الرَّحْبِ المُسْتَقِيمِ الَّذِي شَرَعَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿أضَلَّ﴾ أيْ: أبْطَلَ إبْطالًا عَظِيمًا [يُزِيلُ العَيْنَ والأثَرَ] ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي هي أرْواحُهُمُ المَعْنَوِيَّةُ وهي كُلُّ شَيْءٍ يَقْصِدُونَ بِهِ نَفْعَ أنْفُسَهم مِن جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ بَعْدَ أنْ وفَّرَ سَيِّئاتِهِمْ وأفْسَدَ بالَهُمْ، ومِن جُمْلَةِ أعْمالِهِمْ ما يَكِيدُونَكم بِهِ؛ لِأنَّها إذا ضَلَّتْ عَمّا قَصَدُوا بِها بِجَعْلِهِ سُبْحانَهُ لَها ضالَّةً ضائِعَةً هَلَكَتْ مِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في المَهالِكِ ومِن جِهَةِ أنَّها ذَهَبَتْ في غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي قُصِدَتْ لَها فَبَطَلَتْ مَنفَعَتُها المَقْصُودَةُ مِنها فَصارَتْ هي باطِلَةً فَأذْهِبُوا أنْتُمْ أرْواحَهُمُ الحِسِّيَّةَ بِأنْ تُبْطِلُوا صُوَرَهم وأشْباحَهم بِأنْ تُقَطِّعُوا أوْصالَهم (p-١٩٦)وأنْتُمْ في غايَةِ الِاجْتِراءِ عَلَيْهِمْ؛ فَإنَّ رَبَّهُمُ الَّذِي أوْجَدَهم قَدْ أبْطَلَهم وأذِنَ لَكم في إبْطالِهِمْ، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنْ لا صَلاحَ لَهم والمُؤْذِي طَبْعًا يُقْتَلُ شَرْعًا، فَمَن قَدَرْتُمْ عَلى قَتْلِهِ فَهو مَحْكُومٌ بِكُفْرِهِ، مَحْتُومٌ بِخَيْبَتِهِ وخُسْرِهِ.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْبَنَتْ سُورَةُ الأحْقافِ عَلى ما ذُكِرَ مِن مَآلِ مَن كَذَّبَ وافْتَرى وكَفَرَ وفَجَرَ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِإعْراضِهِمْ، خُتِمَتْ بِما [قَدْ] تَكَرَّرَ مِن تَقْرِيعِهِمْ وتَوْبِيخِهِمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣] أيْ: لَوِ اعْتَبَرُوا بِالبُداءَةِ لَتَيَسَّرَ عَلَيْهِمْ أمْرُ العَوْدَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَرْضَهم عَلى النّارِ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥] فَلَمّا خَتَمَ بِذِكْرِ هَلاكِهِمْ، افْتَتَحَ السُّورَةَ الأُخْرى بِعاجِلِ ذَلِكَ اللّاحِقِ لَهم في دُنْياهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. بَعْدَ ابْتِداءِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ فَنَبَّهَ عَلى أنَّ أصْلَ مِحْنَتِهِمْ إنَّما هو (p-١٩٧)بِما أرادَهُ تَعالى بِهِمْ في سابِقِ عِلْمِهِ لِيَعْلَمَ المُؤْمِنُونَ أنَّ الهُدى والضَّلالَ بِيَدِهِ، فَنَبَّهَ عَلى الطَّرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ في الآخَرِ: ﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢] ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ تَعالى لَوْ شاءَ لانْتَصَرَ مِنهم ولَكِنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِقِتالِهِمُ ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ثُمَّ حَضَّ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أمَرَهم بِهِ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ. انْتَهى.
محمد 47:2
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الكُفْرِ مُعَبِّرًا عَنْهم بِأدْنى طَبَقاتِهِمْ لِيَشْمَلَ مَن فَوْقَهُمْ، ذَكَرَ أضْدادَهم كَذَلِكَ لِيَعُمَّ مَن كانَ مِنهم مِن جَمِيعِ الفِرَقِ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ بِاللِّسانِ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِدَعْواهم ذَلِكَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيِ: الأعْمالَ الكامِلَةَ في الصَّلاةِ بِتَأْسِيسِها عَلى الإيمانِ. ولَمّا كانَ هَذا الوَصْفُ لا يَخُصُّ أتْباعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، خَصَّهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآمَنُوا﴾ أيْ: مَعَ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ بَعْضُهم كَحُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ ومَن نَحا نَحْوَهُ قَدْ طَعَنَ في القُرْآنِ بِنُزُولِهِ مُنَجَّمًا مَعَ أنَّ التَّوْراةَ ما نَزَلَتْ إلّا كَذَلِكَ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنهم يَقْدِرُ أنْ يُنْكِرَهُ قالَ: ﴿بِما نُـزِّلَ﴾ أيْ: مِمَّنْ لا مُنْزِلَ إلّا هو مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا لِيُجَدِّدُوا بَعْدَ (p-١٩٨)الإيمانِ بِهِ إجْمالًا الإيمانَ بِكُلِّ نَجْمٍ مِنهُ ﴿عَلى مُحَمَّدٍ﴾ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ العَرَبِيِّ القُرَشِيِّ المَكِّيِّ [ثُمَّ] المَدَنِيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﷺ، [ولَمّا كانَ هَذا مُعْلِمًا بِأنَّ كُلَّ إيمانٍ لَمْ يَقْتَرِنْ بِالإيمانِ بِهِ ﷺ] لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، اعْتُرِضَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وجَوابِهِ بِما يُفْهِمُ عِلَّتَهُ حَثًّا عَلَيْهِ وتَأْكِيدًا لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿وهُوَ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ مُخْتَصٌّ بِأنَّهُ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ: الكامِلُ في الحَقِّيَّةِ لِأنْ يُنْسَخَ ولا يُنْسَخَ كائِنًا ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِإرْسالِهِ، أمّا إحْسانُهُ إلى أُمَّتِهِ فَواضِحٌ، وأمّا سائِرُ الأُمَمِ فَبِكَوْنِهِ هو الشّافِعُ فِيهِمُ الشَّفاعَةَ العُظْمى يَوْمَ القِيامَةِ، وأُمَّتُهُ هي الشّاهِدَةُ لَهم.
ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِالحَقِّ، بَيَّنَ ما أثْمَرَ لَهم ذَلِكَ دالًّا عَلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ [أحَدٌ] أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، فَلا يَسْعَ الخَلْقَ إلّا العَفْوُ؛ لِأنَّهم وإنِ اجْتَهَدُوا في الإصْلاحِ بَدا لَهم لِنُقْصانِهِمْ مِن سَيِّئاتٍ أوْ هَفَواتٍ فَقالَ تَعالى: ﴿كَفَّرَ﴾ أيْ: غَطّى تَغْطِيَةً عَظِيمَةً ﴿عَنْهُمْ﴾ في الدّارَيْنِ بِتَوْبَتِهِمْ وإيمانِهِمْ؛ لِأنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ ما كانَ قَبْلَها كالإيمانِ ﴿سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيِ: الأعْمالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي لَحِقَتْهم قَبْلَ ذَلِكَ بِما يَظْهَرُ لَهم مِن (p-١٩٩)المَحاسِنِ وهُدى أعْمالِهِمْ. ولَمّا كانَ مَن يَعْمَلُ سُوءًا يَخافُ عاقِبَتَهُ فَيَتَفَرَّقُ فِكْرُهُ، إذْ لا عِيشَةَ لِخائِفٍ قالَ تَعالى: ﴿وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: مَوْضِعَ سِرِّهِمْ وفِكْرِهِمْ بِالأمْنِ والتَّوْفِيقِ والسَّدادِ وقُوَّةِ الفَهْمِ والرَّشادِ لِما يُوَفِّقُهم لَهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ ويَطِيبُ بِهِ اسْمُهم في الدّارَيْنِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: وإذا أُصْلِحَ ذَلِكَ [مِنَ العَبْدِ] صَلُحَ ما يَدْخُلُ إلَيْهِ وما يَخْرُجُ عَنْهُ وما يَثْبُتُ فِيهِ، وإذا فَسَدَ فَبِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ. ولِذَلِكَ إذا اشْتَغَلَ البالُ لَمْ يَنْتَفِعْ مِن صِفاتِ الباطِنِ بِشَيْءٍ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ضَلالَ الكُفّارِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إرادَةِ الهُدى لِلْمُؤْمِنِينَ ثانِيًا، وإصْلاحَ البالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى [حَذْفِ] إفْسادِهِ أوَّلًا.
محمد 47:3
ولَمّا كانَ الجَزاءُ مِن جِنْسِ العَمَلِ، عَلَّلَ ما تَقَدَّمَ مِن فِعْلِهِ بِالفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي ذُكِرَ هُنا مِن جَزاءِ الطّائِفَتَيْنِ ﴿بِأنَّ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمْ ﴿اتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ومُعالَجَتِهِمْ لِما قادَتْهم إلَيْهِ فِطَرُهُمُ الأُولى ﴿الباطِلَ﴾ مِنَ العَمَلِ الَّذِي لا حَقِيقَةَ [لَهُ] في الخارِجِ يُطابِقُهُ، وذَلِكَ هو الِابْتِداعُ والمَيْلُ مَعَ الهَوى إيثارًا لِلْحُظُوظِ فَضَلُّوا ﴿وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ولَوْ كانُوا في أقَلِّ دَرَجاتِ الإيمانِ ﴿اتَّبَعُوا﴾ (p-٢٠٠)أيْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ مُتابِعِينَ لِما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مُخالِفِينَ لِنَوازِعِ الشَّهَواتِ ودَواعِي الحُظُوظِ عَلى كَثْرَتِها وقُوَّتِها ﴿الحَقَّ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ واقِعٌ يُطابِقُهُ وذَلِكَ هو الحِكْمَةُ وهي العَمَلُ بِمُوافَقَةِ العِلْمِ وهو مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلى ما [هُوَ] عَلَيْهِ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ بِإيجادِهِمْ وما سَبَّبَهُ مِن حُسْنِ اعْتِقادِهِمْ فاهْتَدَوْا.
ولَمّا عُلِمَ مِن هَذا أنَّ باطِنَ حالِ الَّذِينَ كَفَرُوا الباطِلُ، وباطِنَ حالِ الَّذِينَ آمَنُوا الحَقُّ، وتَقَدَّمَ في البَقَرَةِ أنَّ المَثَلَ هو ما يَتَحَصَّلُ في باطِنِ الإدْراكِ مِن حَقائِقِ الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، فَيَكُونُ ألْطَفَ مِنَ الشَّيْءِ المَحْسُوسِ، وأنَّ ذَلِكَ هو وجْهُ الشَّبَهِ، عُلِمَ أنَّ مَثَلَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ ما عُلِمَ مِن باطِنِ حالِهِ فَمَثَلُ الأوَّلِ الباطِلُ ومَثَلُ الثّانِي الحَقُّ؛ فَلِذَلِكَ قالَ سُبْحانَهُ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِمَن كَأنْ قالَ لِما أدْرَكَهُ مِن دَهَشِ العَقْلِ لِما راعَهُ مِن عُلُوِّ هَذا المَقالِ: هَلْ [يُضْرَبُ] مَثَلٌ مِثْلَ هَذا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الضَّرْبِ العَظِيمِ الشَّأْنِ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿لِلنّاسِ﴾ أيْ: كُلِّ مَن فِيهِ قُوَّةُ الِاضْطِرابِ والحَرَكَةِ ﴿أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: أمْثالَ أنْفُسِهِمْ وأمْثالَ (p-٢٠١)الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ أوْ أمْثالَ جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي يَحْتاجُونَ إلى بَيانِ أمْثالِها مُبَيِّنًا لَها مِثْلَ هَذا البَيانِ لِيَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ جَزاءَ حالِهِ، فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا المَثَلِ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الباطِلَ أضَلَّ اللَّهُ عَمَلَهُ ووَفَّرَ سَيِّئاتِهِ وأفْسَدَ بالَهُ، ومَنِ اتَّبَعَ الحَقَّ عَمِلَ بِهِ ضِدَّ ذَلِكَ كائِنًا مَن كانَ، وهو غايَةُ الحَثِّ عَلى طَلَبِ العِلْمِ في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ والعَمَلِ بِهِما.
محمد 47:4
ولَمّا تَحَرَّرَ أنَّ الكُفّارَ أحَقُّ الخَلْقِ بِالعَدَمِ لِأنَّ الباطِلَ مَثَلُهم وحَقِيقَةُ حالِهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ﴾ أيْ: أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولَوْ بِأدْنى أنْواعِ الكُفْرِ في أيِّ مَكانٍ كانَ وأيِّ زَمانٍ اتَّفَقَ. ولَمّا كانَ المُرادُ القَتْلَ المُجْهِرَ بِغايَةِ التَّحَقُّقِ، عَبَّرَ عَنْهُ مُؤَكِّدًا لَهُ مِنَ الِاخْتِصارِ بِذِكْرِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الفِعْلِ مُصَوِّرًا لَهُ بِأشْنَعِ صُوَرِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ والِاسْتِهانَةِ (p-٢٠٢)بِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أيْ: عَقَّبُوا لُقْيَكم لَهم مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ بِأنْ تَضْرِبُوا رِقابَهم ضَرْبًا بِالصِّدْقِ في الضَّرْبِ بِما يُزْهِقُ أرْواحَهُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ انْتِهازٌ لِلْفُرْصَةِ وعَمَلٌ بِالأحْوَطِ، وكَذَلِكَ النَّفْسُ الَّتِي هي أعْدى العَدُوِّ إذا ظَفِرْتَ بِها وجَبَ عَلَيْكَ أنْ لا تَدْعَ لَها بَقِيَّةً، قالَ القُشَيْرِيُّ: فالحَيَّةُ إذا بَقِيَتْ مِنها بَقِيَّةٌ فَوُضِعَتْ عَلَيْها إصْبَعٌ بَثَّتْ فِيها سُمَّها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولا يَزالُ ذَلِكَ فِعْلَكُمْ، غَيّاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى﴾ وبَشَّرَهم بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّحَقُّقِ فَقالَ تَعالى: ﴿إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أغْلَظْتُمُ القَتْلَ فِيهِمْ وأكْثَرْتُمُوهُ بِحَيْثُ صارُوا لا حَراكَ بِهِمْ كالَّذِي ثَخُنَ فَأفْرَطَ ثِخَنُهُ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ شَرْطًا لِلْأسْرِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧] ثُمَّ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِما بَعْدَ الثَّخْنِ: ﴿فَشُدُّوا﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا مانِعَ لَكُمُ الآنَ مِنَ الأسْرِ ﴿الوَثاقَ﴾ أيِ: (p-٢٠٣)الرِّباطَ الَّذِي يُسْتَوْثَقُ بِهِ مِنَ الأسْرِ بِالرَّبْطِ عَلى أيْدِيهِمْ مَجْمُوعَةً إلى أعْناقِهِمْ - مَجازٌ عَنِ الأسْرِ بِغايَةِ الِاسْتِيلاءِ والقَهْرِ.
ولَمّا كانَ الإمامُ مُخَيَّرًا في أسْراهم بَيْنَ أرْبَعَةِ أشْياءَ: القَتْلِ والإطْلاقِ مَجّانًا والإطْلاقِ بِالفِدْيَةِ وهي شَيْءٌ يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ رِقابِهِمْ والِاسْتِرْقاقِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُفَصَّلًا: ﴿فَإمّا مَنًّا﴾ أيْ: أنْ يُنْعِمُوا عَلَيْهِمْ إنْعامًا ﴿بَعْدُ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أزْمانِ ما بَعْدَ الأسْرِ بِاسْتِبْقائِهِمْ ثُمَّ بَعْدَ الإنْعامِ بِاسْتِبْقائِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعَ الِاسْتِرْقاقِ أوْ مَعَ الإطْلاقِ ثُمَّ الإطْلاقِ إمّا مَجّانًا ﴿وإمّا فِداءً﴾ بِمالٍ أوْ بِأسْرى مِنَ المُسْلِمِينَ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَأفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِالمَنِّ الَّذِي مَعْناهُ الإنْعامُ أنَّ الإبْقاءَ غَيْرُ واجِبٍ بِكُلِّ جائِزٍ، ودَخَلَ في الإبْقاءِ ثَلاثُ صُوَرٍ: الِاسْتِرْقاقُ والإطْلاقُ مَجّانًا وبِالفِداءِ فَصَرَّحَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالفِداءِ الَّذِي مَعْناهُ الأخْذُ (p-٢٠٤)عَلى وجْهِ أنَّهُ قَسِيمٌ لِلْمَنِّ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ بِهِ الإبْقاءُ مَعَ عَدَمِ الأخْذِ فَدَخَلَ فِيهِ الإطْلاقُ مَجّانًا وهو واضِحٌ والِاسْتِرْقاقُ؛ لِأنَّهُ إنْعامٌ بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ، وأفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِالمَنِّ الَّذِي مَعْناهُ الإنْعامُ مِنَ المَنّانِ الَّذِي هو اسْمُهُ تَعالى ومَعْناهُ المُعْطِي ابْتِداءً جَوازَ [القَتْلِ] لِأنَّ الإنْعامَ مُخَيَّرٌ فِيهِ لا واجِبَ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ واجِبًا كانَ حَقًّا لا نِعْمَةً، فَقَدْ دَخَلَتِ السُّوَرُ الأرْبَعُ في التَّعْبِيرِ بِهاتَيْنِ الكَلِمَتَيْنِ. واللَّهُ الهادِي، وكُلُّ هَذا عَلى ما يَراهُ الإمامُ أوْ نائِبُهُ مَصْلَحَةً، قالَ القُشَيْرِيُّ: كَذَلِكَ حالُ المُجاهَدَةِ مَعَ النَّفْسِ إذا كانَ في إغْفاءِ ساعَةٍ وإفْطارِ يَوْمٍ تَرْوِيحٌ لِلنَّفْسِ مِنَ الكَدِّ وقُوَّةٌ عَلى الجُهْدِ فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الأمْرِ عَلى ما يَحْصُلُ بِهِ الِاسْتِصْوابُ مِن شَيْخِ المُرِيدِ وفَتْوى لِسانِ الوَقْتِ أوْ فِراسَةِ صاحِبِ المُجاهَدَةِ. انْتَهى.
وقَدْ أفْهَمَ هَذا السِّياقُ أنَّ هَذا الحُكْمَ ثابِتٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ والأمْرَ بِالقَتْلِ [وحْدَهُ] في غَيْرِها مِنَ الآياتِ عامٌّ [غَيْرُ] مَخْصُوصٍ بِما أفْهَمَتْهُ الغايَةُ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: والجِهادُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ باقٍ وماضٍ مَعَ كُلِّ أمِيرٍ بَرًّا كانَ أوْ فاجِرًا، لا يَزالُ طائِفَةٌ مِنَ الأُمَّةِ قائِمِينَ بِهِ ظاهِرِينَ عَلى الحَقِّ لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ، وهو -واللَّهُ أعْلَمُ- المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ أيِ افْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ عَلى ما جَدَّدْتُ لَكم إلى أنْ ﴿تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ (p-٢٠٥)وهِيَ أثْقالُها أيِ الآلاتُ الَّتِي تُثْقِلُ القائِمِينَ بِها مِنَ النَّفَقاتِ والسِّلاحِ والكُراعِ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ وفي الأرْضِ كافِرٌ، وذَلِكَ عَلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ تُخْرِجُ الأرْضُ بَرَكاتِها، وتَكُونُ المِلَّةُ واحِدَةً وهي الإسْلامُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَتَّخِذُ [النّاسُ] حَدِيدَ السِّلاحِ سِكَكًا ومَناجِلَ وفُؤُوسًا يَنْتَفِعُونَ بِها في مَعاشِهِمْ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «”الجِهادُ ماضٍ [مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ] إلى أنْ يُقاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجّالَ“،» رَواهُ في الفِرْدَوْسِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ”الجِهادُ واجِبٌ عَلَيْكم مَعَ كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ“ رَواهُ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
ولَمّا كانَتِ الحَرْبُ كَرِيهَةً إلى النُّفُوسِ شَدِيدَةَ المَشَقَّةِ، أكَّدَ أمْرَها بِما مَعْناهُ: إنَّ هَذا أمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ العالِي الحُسْنِ النّافِعُ المُوجِبُ لِكُلِّ خَيْرٍ. ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ التَّأْكِيدَ في هَذا الأمْرِ لِكَوْنِ الحالِ لا يُمْكِنُ انْتِظامُهُ إلّا بِهِ، أتْبَعَهُ ما يُزِيلُ [هَذا] الإيهامَ فَقالَ: ﴿ولَوْ﴾ ولَمّا كانَ لَوْ عَبَّرَ بِالماضِي أفادَ أنَّهُ كانَ ولَمْ يَبْقَ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلى الحالِ وما بَعْدَهُ (p-٢٠٦)فَقالَ: ﴿يَشاءُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ والقُدْرَةِ عَلى ما يُمْكِنُ ﴿لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ أيْ: بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ أحَدٍ انْتِصارًا عَظِيمًا بِأنْ لا يُبْقِيَ مِنهم أحَدًا ﴿ولَكِنْ﴾ أوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْكم ﴿لِيَبْلُوَ﴾
ولَمّا كانَ الِابْتِلاءُ لَيْسَ خاصًّا بِفَرِيقٍ مِنهم بَلْ عامًّا لِلْفَرِيقَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَكْشِفُ عَنْ أهْلِ المَحاسِنِ وأهْلِ المَساوِئِ مِن كُلٍّ مِنهُمْ، قالَ تَعالى: ﴿بَعْضَكُمْ﴾ مِنَ الفِرْقَةِ المُؤْمِنِينَ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ مِنَ الفِرْقَةِ الطّاغِينَ حَتّى يَكُونَ لَهم بِذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ ﴿بِبَعْضٍ﴾ أيْ: يَفْعَلُ في ذَلِكَ فِعْلَ المُخْتَبِرِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الجَزاءُ عَلى حَسَبِ ما تَأْلَفُونَهُ مِنَ العَوائِدِ.
ولَمّا أفْهَمُ هَذا أنَّ الِابْتِلاءَ بَيْنَ فَرِيقَيْنِ بِالجِهادِ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فالَّذِينَ قاتَلُوا أوْ قُتِلُوا في سَبِيلِ الشَّيْطانِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا﴾ وفي قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ وحَفْصٍ: ”قَتَلُوا“ وهي أكْثَرُ تَرْغِيبًا والأُولى أعْظَمُ تَرْجِيَةً ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: لِأجْلِ تَسْهِيلِ (p-٢٠٧)طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُتَّصِفِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ.
ولَمّا كانَ في سِياقِ التَّرْغِيبِ، قَرَنَ الخَبَرَ بِالفاءِ إعْلامًا بِأنَّ أعْمالَهم سَبَبُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ﴾ أيْ: يَضِيعَ ويُبْطِلَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ لِكَوْنِها غَيْرَ تابِعَةٍ لِدَلِيلٍ بَلْ يُبَصِّرُهم بِالأدِلَّةِ ويُوَفِّقُهم لِاتِّباعِها، وهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى تَعْلِيلًا:
محمد 47:5
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ المُجاهَدَةِ إلى كُلِّ ما يَنْفَعُهم مُجَدِّدًا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ أيْ: مَوْضِعَ فِكْرِهِمْ فَيَجْعَلُهُ مُهَيَّأً لِكُلِّ خَيْرٍ بَعِيدًا عَنْ كُلِّ شَرٍّ آمِنًا مِنَ المَخاوِفِ مُطَمْئِنًا بِالإيمانِ بِما فِيهِ مِنَ السَّكِينَةِ، فَإذا قُتِلَ أحَدٌ في سَبِيلِهِ تَوَلّى سُبْحانَهُ وتَعالى ورَثَتُهُ بِأحْسَنِ مِن تَوَلِّي المَقْتُولِ لَوْ كانَ حَيًّا.
محمد 47:6
ولَمّا كانَ هَذا ثَوابًا عَظِيمًا ونَوالًا جَسِيمًا، أتْبَعَهُ ثَوابًا أعْظَمَ مِنهُ فَقالَ تَعالى: ﴿ويُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ﴾ أيْ: دارَ القَرارِ الكامِلَةَ في النَّعِيمِ، وأجابَ مَن كَأنَّهُ يَسْألُ عَنْ كَيْفِيَّةِ إدْخالِهِمْ إيّاها وكَيْفِيَّتِها عِنْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَرَّفَها لَهُمْ﴾ [أيْ] بِتَعْرِيفِ الأعْمالِ المُوصِلَةِ (p-٢٠٨)إلَيْها والتَّوْفِيقِ لَهم إلَيْها في الدُّنْيا وأيْضًا بِالتَّبْصِيرِ بِالمَنازِلِ في الآخِرَةِ حَتّى أنَّ أحَدَهم يَصِيرُ أعْرَفَ بِمَنزِلِهِ فِيها مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا، وطِيبِ رائِحَتِها وجَعْلِ مَوْضِعِها عالِيًا وجُدْرانِها عالِيَةً وهي ذاتُ أغْرافٍ وشُرُفٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ بُشْرى عَظِيمَةٌ لِمَن جاهَدَ ساعَةً ما؛ بِأنَّ اللَّهَ يُمِيتُهُ عَلى الإسْلامِ المُسْتَلْزِمِ لِئَلّا يَضِيعُ لَهُ عَمَلٌ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”لِلْإسْلامِ ثَلاثُ أبْياتٍ: سُفْلى وعُلْيا وغُرْفَةٌ، فَأمّا السُّفْلى فالإسْلامُ دَخَلَ فِيهِ عامَّةُ المُسْلِمِينَ فَلا تَسْألْ أحَدًا مِنهم إلّا قالَ: أنا مُسْلِمٌ، وأمّا العُلْيا فَتَفاضُلُ أعْمالِهِمْ؛ بَعْضُ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، وأمّا الغُرْفَةُ العُلْيا فالجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَنالُها إلّا أفْضَلُهُمْ“».
محمد 47:7
ولَمّا ذَكَرَ القِتالَ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى حالِ المُقاتِلِ مِنَ النَّصْرِ والخِذْلانِ فَأجابَ بِما يُعْرَفُ بِشَرْطِ النَّصْرِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِذَلِكَ وإنْ كانَ في أدْنى الدَّرَجاتِ بِما أشْعَرَتْ بِهِ أداةُ البُعْدِ (p-٢٠٩)والصِّلَةُ بِالماضِي ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ لَكم نِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وفِعْلٌ دائِمٌ عَلى نُصْرَةِ دِينِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِإيضاحِ أدِلَّتِهِ وتَبْيِينِها وتَوْهِيَةِ شِبْهِ أهْلِ الباطِلِ وقِتالِهِمْ، ويَكُونُ ذَلِكَ خالِصًا لَهُ لا لِغَيْرِهِ مِنَ النِّيّاتِ الفاسِدَةِ المَعْلُولَةِ بِطَلَبِ الدُّنْيا أوِ الشُّهْرَةِ بِالشَّجاعَةِ والعِلْمِ وطِيبِ الذِّكْرِ الغَضَبِ لِلْأهْلِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ فَإنَّهُ النّاصِرُ لا غَيْرُهُ مِن عَدَدٍ أوْ عُدَدٍ فَيَقْمَعُ أعْداءَ الدِّينِ بِأيْدِيكم.
ولَمّا كانَ النَّصْرُ قَدْ يَكُونُ مَعَ العَجْزِ والكَسَلِ والجُبْنِ والفَشَلِ بَيَّنَ أنَّهُ يَحْمِيهِمْ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا بِأنْ يَمْلَأ قُلُوبَكم سَكِينَةً واطْمِئْنانًا وأبْدانَكم قُوَّةً وشَجاعَةً في حالِ القَتْلِ ووَقْتَ البَحْثِ والجِدالِ، وعِنْدَ مُباشَرَةِ جَمِيعِ الأعْمالِ، فَتَكُونُوا عالِينَ [قاهِرِينَ] في غايَةِ ما يَكُونُ مِن طِيبِ النُّفُوسِ وانْشِراحِ الصُّدُورِ ثِقَةً بِاللَّهِ واعْتِزازًا بِهِ وإنْ تَمالَأ عَلَيْكم أهْلُ الأرْضِ.
محمد 47:8
ولَمّا ذَكَرَ أهْلَ الإيمانِ، بَيَّنَ ما لِأهْلِ الكُفْرانِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ وقادَتْ إلَيْهِ الفِطَرُ الأُولى، وبَيَّنَ أنَّ سُوءَ أعْمالِهِمْ أسْبابُ وبالِهِمْ بِالفاءِ. فَقالَ مُؤَكِّدًا بِجَعْلِ الخَبَرِ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِأجْلِ اسْتِبْعادِهِمْ بِما لَهم مِنَ القُوَّةِ بِكَثْرَةِ العَدَدِ (p-٢١٠)والمُلاءَةِ بِالعَدَدِ: ﴿فَتَعْسًا﴾ أيْ: فَقَدْ عَثَرُوا فَيُقالُ لَهم ما يُقالُ لِلْعاثِرِ الَّذِي يُرادُ أنَّهُ لا يَقُومُ: تَعْسًا لا قِيامَ مَعَهُ، كَما يُقالُ لِمَن عَثَرَ وأُرِيدَ قِيامُهُ: تَعْسًا [لَكَ]، والمُرادُ بِالتَّعْسِ الِانْحِطاطُ والسُّفُولُ والهَوانُ والقَلَقُ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَن هَذا؟ قِيلَ: ﴿لَهُمْ﴾ فَلا يَكادُونَ يَثْبُتُونَ في قِتالٍ لِمَن صَلَحَتْ مِنَ الأعْمالِ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَعْثُرُ ويَقَعُ ويُقالُ لَهُ: تَعْسًا، ويَقُومُ بَعْدَ ذَلِكَ، ولا يَبْطُلُ عَمَلُهُ، بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ مَهْما قالَهُ كانَ لا يَتَخَلَّفُ أصْلًا، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي إشارَةً إلى التَّحَتُّمِ فِيهِ، وأمّا الِاسْتِقْبالُ فَرُبَّما تابَ عَلى بَعْضِهِمْ فِيهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ فَقالَ تَعالى لَهم ذَلِكَ: ﴿وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةَ الإيقانِ لِأجْلِ تَضْيِيعِ الأساسِ بِالإيمانِ.
محمد 47:9
ولَمّا بَيَّنَ ما صَنَعَ بِهِمْ لِيَجْتَرِئَ بِهِ حِزْبُهُ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ سَبَبَهُ لِيُجْتَنَبَ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الخَيْرِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَرِهُوا﴾ بَغِضُوا وخالَفُوا وأنْكَرُوا ﴿ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ (p-٢١١)الأعْظَمُ الَّذِي لا نِعْمَةَ إلّا مِنهُ، والَّذِي أنْزَلَهُ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ هو رُوحُ الوُجُودِ الَّذِي لا يُعانِدُونَهُ، فَلَمّا كَرِهُوا الرُّوحَ الأعْظَمَ بَطَلَتْ أرْواحُهم فَتَبِعَتْها أشْباحُهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ مُسَبَّبًا بَيانًا لِمَعْنى إضْلالِ أعْمالِهِمْ: ﴿فَأحْبَطَ﴾ أيْ: أبْطَلَ إبْطالًا لا صَلاحَ مَعَهُ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم أفْسَدُوها بِنِيّاتِهِمْ فَصارَتْ وإنْ كانَتْ صُوَرُها صالِحَةً لَيْسَ لَها أرْواحٌ، لِكَوْنِها واقِعَةً عَلى غَيْرِ ما أمَرَ بِهِ اللَّهُ الَّذِي لا أمْرَ إلّا لَهُ يَقْبَلُ مِنَ العَمَلِ إلّا ما حَدَّهُ ورَسَمَهُ، وهَذا وعِيدٌ لِلْأُمَّةِ بِأنَّها إنْ تَخَلَّتْ عَنْ نَصْرِ اللَّهِ والجِهادِ في سَبِيلِهِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وكَلَها سُبْحانَهُ إلى نَفْسِها وتَخَلّى عَنْ نَصْرِها [وسَلَّطَ عَلَيْها عَدُوَّها]، ولَقَدْ وُجِدَ بَعْضُ ذَلِكَ مِن تَسَلُّطِ الفَسَقَةِ لَمّا وُجِدَ التَّهاوُنُ في بَعْضِ ذَلِكَ والتَّواكُلُ فِيهِ.
محمد 47:10
ولَمّا كانَ لا يَسْتَهِينُ بِهَذِهِ القَضايا ويَجْتَرِئُ مِثْلَ هَذِهِ البَلايا إلّا مَن أمِنَ العُقُوبَةَ، ولا يَأْمَنُ العُقُوبَةَ إلّا مَن أعْرَضَ عَنِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وكانَ يَكْفِي في الصَّدِّ عَنِ الأمْرَيْنِ وقائِعُهُ تَعالى بِالأُمَمِ الخالِيَةِ لِأجْلِ تَكْذِيبِ رُسُلِهِ ومُناصَبَةِ أوْلِيائِهِ والِاعْتِداءِ عَلى حُدُودِهِ، قالَ مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ ومُوَبِّخًا لَهم تَقَدُّمًا إلَيْهِمْ بِالتَّحْذِيرِ مِن بَطْشِهِ وسَطْوَتِهِ وشَدِيدِ أخْذِهِ وعُقُوبَتِهِ، مُسَبِّبًا عَنْ كَراهِيَتِهِمُ المَذْكُورَةِ وما تَأثَّرَ عَنْها (p-٢١٢)مِنَ العَداوَةِ لِأهْلِ اللَّهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ [أيْ] بِسَبَبِ تَصْحِيحِ أعْمالِهِمْ وبِنائِها عَلى أساسٍ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيِ: الَّتِي فِيها آثارُ الوَقائِعِ؛ فَإنَّها هي الأرْضُ في الحَقِيقَةِ لِما لَها مِن زِيادَةِ التَّعْرِيفِ بِاللَّهِ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ عَقِبَ سَيْرِهِمْ وبِسَبِّهِ. ولَمّا كانَتْ وقائِعُهُ خِلْعَةً لِلْقُلُوبِ بِما فِيها مِنَ الأُمُورِ الباهِرَةِ النّاطِقَةِ بِها ألْسِنَةُ الأحْوالِ بَعْدَ التَّنْبِيهِ بِالمَقالِ، ساقَ ذَلِكَ بِسَوْقِهِ في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ مَساقًا مُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ يُفَرِّغُ الزَّمانَ لِلْعِنايَةِ بِالسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ يُمْكِنُهم مَعْرِفَةُ [ذَلِكَ مِن جَمِيعِ المُهْلَكِينَ، نَبَّهَ بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهم بَعْضُهم بَلْ بَعْضُ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، وهُمُ الَّذِينَ سَمِعُوا أخْبارَهم ورَأوْا دِيارَهُمْ] بِعادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ وسا وقَوْمِ لُوطٍ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُمْ؟ قالَ: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ﴾ أيْ: أوْقَعَ المَلِكُ الأعْظَمُ الهَلاكَ العَظِيمَ الدّاخِلَ بِغَيْرِ إذْنٍ، الهاجِمِ بَغْتَةً ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بِما عَلِمَ أهالِيهِمْ وأحْوالُهم وكُلُّ مَن رَضِيَ فِعالَهم أوْ مَقالَهُمْ، وعَدَلَ [عَنْ] أنْ يَقُولَ: ”ولِهَؤُلاءِ“ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولِلْكافِرِينَ﴾ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ وهو العَراقَةُ في الكُفْرِ، فَكانَ فِيهِ بِشارَةٌ بِأنَّ بَعْضَهم سَيُنْجِيهِ اللَّهُ تَعالى مِن أسْبابِ الهَلاكِ لِكَوْنِهِ (p-٢١٣)لَيْسَ عَرِيقًا في الكُفْرِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُطْبَعْ عَلَيْهِ ﴿أمْثالُها﴾ أيْ: أمْثالُ هَذِهِ العاقِبَةِ.
محمد 47:11
ولَمّا بَيَّنَ أنْ يُعْلِيَ أوْلِياءَهُ ويُذِلَّ أعْداءَهُ، بَيَّنَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي فَعَلَهُ بِالفَرِيقَيْنِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ: القَرِيبُ مِنَ المُصَدِّقِينَ بِهِ المُرْضِينَ لَهُ، فَهو يَفْعَلُ مَعَهم بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ بِقَرِيبِهِ الحَبِيبِ لَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ويَصِحُّ أنْ يُقالَ: أرْجى آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ هَذِهِ الآيَةُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلِ: الزُّهّادُ والعُبّادُ وأصْحابُ الأوْرادِ والِاجْتِهادِ. يَعْنِي بَلْ ذَكَرَ أدْنى أسْنانِ أهْلِ الإيمانِ.
﴿وأنَّ الكافِرِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ ﴿لا مَوْلى لَهُمْ﴾ بِهَذا المَعْنى؛ لِأنَّهم بَعِيدُونَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي لا يُعْبَدُ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا هُوَ، فَلا يَنْفَعُهم قُرْبُ قَرِيبٍ [أصْلًا] وإنَّ [كانَ] اللَّهُ مَوْلاهم بِغَيْرِ هَذا المَعْنى بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ سَيِّدُهم ومالِكُهُمْ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيُّ مَن لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في الكُفْرِ فَيُخْرِجُهُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ.
محمد 47:12
ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى تَعَرُّفِ تَمامِ آثارِ الوِلايَةِ، قالَ شافِيًا (p-٢١٤)لِعِيِّ سُؤالِهِمْ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ كَثْرَةِ المُكَذِّبِينَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ﴿يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّصْدِيقَ ﴿وعَمِلُوا﴾ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَوْا أنَّهم أوْقَعُوهُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ فَتَمَتَّعُوا بِما رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنَ المَلاذِّ لا عَلى وجْهِ أنَّها مَلاذُّ بَلْ عَلى وجْهِ أنَّها مَأْذُونٌ فِيها، وهي بَلاغٌ إلى الآخِرَةِ وأكَلُوا لا لِلتَّرَفُّهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ البَدَنِ عَلى ما أُمِرُوا بِهِ تَقَوُّتًا لا تَمَتُّعًا ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ مَوْصُوفَةً بِأنَّها ﴿تَجْرِي﴾ وبَيَّنَ قُرْبَ الماءِ مَن وجْهِها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَهي دائِمَةُ النُّمُوِّ والبَهْجَةِ والنَّضارَةِ والثَّمَرَةِ؛ لِأنَّ أُصُولَ أشْجارِها رُبًى وهي بِحَيْثُ مَتى أثَّرَتْ بُقْعَةٌ مِنها أدْنى إثارَةٍ جَرى مِنها نَهْرٌ، فَأنْساهم دُخُولُهم غُصَصَ ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِن نَكَدِ العَيْشِ ومُعاناةِ الشَّدائِدِ، وضَمُّوا نَعِيمَها إلى ما كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا مِن نَعِيمِ الوَصْلَةِ بِاللَّهِ ثُمَّ لا يَحْصُلُ لَهم كَدَرٌ ما أصْلًا، وهي مَأْواهم لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا، وهَذا في نَظِيرِ ما زُوِيَ عَنْهم مِنَ [الدُّنْيا] وضُيِّقَ فِيها عَيْشُهم نَفاسَةً مِنهم عَنْها حَتّى فَرَّغَهم لِخِدْمَتِهِ وألْزَمَهم حَضْرَتَهُ حُبًّا لَهم وتَشْرِيفًا لِمَقادِيرِهِمْ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا ما دَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ فَعَمِلُوا لِأجْلِ كُفْرِهِمُ الأعْمالَ الفاسِدَةَ المُبْعِدَةَ عَنْ جَنابِ اللَّهِ ﴿يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِالمَلاذِّ (p-٢١٥)لِكَوْنِها مَلاذَّ كَما تَتَمَتَّعُ الأنْعامُ، ناسِينَ ما أمَرَ اللَّهُ مُعْرِضِينَ عَنْ لِقائِهِ بَلْ عَنِ المَوْتِ أصْلًا بَلْ يَكُونُ ذِكْرُ المَوْتِ حاثًّا لَهم عَلى الِانْهِماكِ في اللَّذّاتِ مُسابَقَةً لَهُ جَهْلًا مِنهم بِاللَّهِ ﴿ويَأْكُلُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ أكْلَ التِذاذٍ ومَرَحٍ مِن أيِّ مَوْضِعٍ كانَ وكَيْفَ كانَ الأكْلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ، أيْ في جَمِيعِ بُطُونِهِمْ مِن غَيْرِ تَمْيِيزٍ لِلْحَرامِ مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْطاهُمُ الدُّنْيا ووَسَّعَ عَلَيْهِمْ فِيها وفَرَّغَهم لَها حَتّى شَغَلَهم عَنْهُ هَوانًا بِهِمْ وبُغْضًا لَهُمْ؛ لِأنَّهُ عَلِمَ حالَهم قَبْلَ أنْ يُوجِدَهم فَيُدْخِلُهم نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ ﴿والنّارُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ ذاتَ الحَرارَةِ العُظْمى والإحْراقِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ ﴿مَثْوًى﴾ أيْ: مَنزِلٌ ومَقامٌ ﴿لَهُمْ﴾ تُنْسِيهِمْ أوَّلَ انْغِماسِهِمْ فِيها كُلَّ نَعِيمٍ كانُوا فِيهِ ثُمَّ لا يَصِيرُ لَهم نَعِيمٌ ما أصْلًا، بَلْ لا يَنْفَكُّ عَنْهُمُ العَذابُ وقْتًا ما، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ ودُخُولَ الجَنّاتِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ الفاسِدَةِ ودُخُولِ النّارِ ثانِيًا، والتَّمَتُّعِ والمَثْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ التَّعَلُّلِ والمَأْوى أوَّلًا، فَهو احْتِباكٌ [فِي احْتِباكٍ] (p-٢١٦)واشْتِباكٌ مُقارِنٌ لِاشْتِباكٍ.
محمد 47:13
ولَمّا وعَدَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَنْصُرُ مَن يَنْصُرُهُ لِأنَّهُ مَوْلاهُ ويُدْخِلُهُ دارَ نِعْمَتِهِ، ويَخْذُلُ مَن يُعانِدُهُ لِأنَّهُ عاداهُ إلى أنْ يُدْخِلَهُ دارَ شِقْوَتِهِ، كانَ التَّقْدِيرُ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ: فَكَأيِّنْ مِن قَوْمٍ هم أضْعَفُ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ نَصَرْناهم عَلى مَن كَذَّبَهُمْ، فَلا خاذِلَ لَهُمْ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وكَأيِّنْ﴾ ولَمّا كانَتْ قُوَّةُ قُرَيْشٍ في الحَقِيقَةِ بِبَلَدِهِمْ، وكانَ الإسْنادُ إلَيْها أدَلَّ عَلى تَمالُؤِ أهْلِها وشَدَّةِ اتِّفاقِهِمْ حَتّى كَأنَّهم كالشَّيْءِ الواحِدِ [قالَ]: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: كَذَّبَتْ رَسُولَها ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً﴾ وأكْثَرُ عُدَّةً ﴿مِن قَرْيَتِكَ﴾ ولَمّا كانَ إنْزالُ هَذِهِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، عَيَّنَ فَقالَ: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ أيْ: أخْرَجَكَ أهْلُها مُتَّفِقِينَ في أسْبابِ الإخْراجِ مِن أنْواعِ الأذى عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ حَتّى كَأنَّ قُلُوبَهم قَلْبٌ واحِدٌ فَكَأنَّها هي المُخْرِجَةُ - وهي مَكَّةُ - كَذَّبُوكَ وآذَوْكَ حَتّى أخْرَجْناكَ مِن عِنْدِهِمْ لِنَنْصُرَكَ عَلَيْهِمْ بِمَن أيَّدْناكَ بِهِمْ مِن قَرْيَتِكَ هَذِهِ الَّتِي آوَتْكَ مِنَ الأنْصارِ نَصْرًا جارِيًا عَلى ما تَأْلَفُونَهُ وتَعْتادُونَهُ ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَما اقْتَضَتْ عَظَمَتُنا، وحَكى حالَهُمُ الماضِيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾
محمد 47:14
ولَمّا كانَ هَذا دَلِيلًا شُهُودِيًّا بَعْدَ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ الوَعْدُ (p-٢١٧)بِهِ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ﴾ أيْ: في جَمِيعِ أحْوالِهِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: حالَةٍ ظاهِرَةِ البَيانِ في أنَّها حَقٌّ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ المُرَبِّي المُدَبِّرِ لَهُ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِما يُقِيمُ مِنَ الأدِلَّةِ الَّتِي تُعْجِزُ الخَلائِقَ أجْمَعَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِواحِدٍ مِنها فَبَصُرَ سُوءَ عَمَلِهِ وأُرِيهِ عَلى حَقِيقَتِهِ فَرَآهُ سَيِّئًا فاجْتَنَبَهُ مُخالِفًا لِهَواهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: العُلَماءُ في ضِياءِ بُرْهانِهِمْ والعارِفُونَ في ضِياءِ بَيانِهِمْ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ﴾ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِتَسْلِيطِنا لَهُ عَلَيْهِ وخَلْقِنا لِلْآثارِ بِأيْسَرِ أمْرٍ ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ مِن شِرْكٍ أوْ مَعْصِيَةٍ دُونَهُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَآهُ حَسَنًا فَعَمِلَهُ مُلازِمًا لَهُ، فَكانَ عَلى عَمًى وضَلالٍ، وكانَ قَدْ أفْرَدَ الضَّمِيرَ لِقَبُولِ ”مَن“ لَهُ مِن جِهَةِ لَفْظِها، جَمَعَ رَدًّا عَلى مَعْناها بِتَعْمِيمِ القُبْحِ مَثْنى وفُرادى، وإشارَةً إلى [أنَّ] القَبِيحَ يَكُونُ أوَّلًا قَلِيلًا جِدًّا، فَمَتى غُفِلَ عَنْهُ فَلَمْ تُحْسَمْ مادَّتُهُ دَبَّ وانْتَشَرَ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما قَدَّرْتُهُ: ﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ فَلا شُبْهَةَ لَهم في شَيْءٍ مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ فَضْلًا عَنْ دَلِيلِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ (p-٢١٨)ذَكَرَ البَيِّنَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، والتَّزْيِينَ واتِّباعَ الهَوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ الأصْلَ الجامِعَ لِلْخَيْرِ تَرْغِيبًا والأصْلَ الجامِعَ لِلشَّرِّ تَرْهِيبًا.
محمد 47:15
ولَمّا تَكَرَّرَ ذِكْرُ الجَنَّةِ والنّارِ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى أنْ خَتَمَ بِهَذِهِ الآيَةِ الَّتِي قَسَّمَ النّاسَ فِيها إلى أوْلِياءَ مُهْتَدِينَ وأعْداءٍ ضالِّينَ مُعْتَدِينَ، فَهَدى سِياقُها إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أحْياهُ الحَياةَ الطَّيِّبَةَ في الدّارَيْنِ، ومَن تَبِعَ هَواهُ أرْداهُ فِيها، أتْبَعَهُ وصْفَ الجَنَّةِ الَّتِي هي دارُ أوْلِيائِهِ قادَهم إلَيْها الهُدى، والنّارِ الَّتِي هي دارُ أعْدائِهِ ساقَهم إلَيْها الضَّلالُ المُحَتِّمُ لِلرَّدى، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ أيِ: البَساتِينِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَسْتُرُ داخِلَها مِن كَثْرَةِ أشْجارِها.
ولَمّا تَكَرَّرَ وعْدُهُ سُبْحانَهُ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِالجَنَّةِ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ وبَعْضُها بِالضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْهِ، صارَ الوَعْدُ بِها في غايَةِ التَّحَقُّقِ فَعَبَّرَ عَنْهُ هُنا بِالماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّهُ أمْرٌ قَدْ تَحَقَّقَ بِأسْهَلِ أمْرٍ، وفُرِغَ مِنهُ إلى أنْ صارَ حاضِرًا لا مانِعَ مِنهُ إلّا الوَصْفُ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الوَعْدُ ووَصَفَها بِصِفاتٍ تُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ فَصارَ مُجَرَّدُ (p-٢١٩)ذِكْرِها والإخْبارُ بِهِ عَنْها بِصِيغَةِ المَجْهُولِ أعْلى لِأمْرِهِ فَقالَ: ﴿الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ حَمَلَتْهم تَقْواهم بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ كُلِّ فِعْلٍ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلى أنِ اسْتَمَعُوا مِنكَ فانْتَفَعُوا بِما دَلَلْتَهم عَلَيْهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ حَتّى انْقَسَمَ النّاسُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: مُقْبِلٍ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ فَهو مُتَّبِعٌ، ومُعْرِضٍ عَنْهُ جُمْلَةً، ومُسْتَمِعٍ غَيْرِ مُنْتَفِعٍ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: مِثْلَ بُسْتانٍ عَظِيمٍ لا يَسْقُطُ ورَقُهُ ولا يَنْقَطِعُ ثَمَرُهُ ولا يُتَفَطَّنُ نَعِيمُهُ لِما فِيهِ مِنَ الأنْهارِ المُتَنَوِّعَةِ، وكانَ ما هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ إنَّما هو مَوْهُومٌ لَنا لا مَعْلُومٌ، طَواهُ وذَكَرَهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِن صِفَةِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ المَعْلُومَةِ بِوَعْدِ الصّادِقِ الَّذِي ثَبَتَ صِدْقُهُ بِالمُعْجِزاتِ فَقالَ اسْتِئْنافًا: ﴿فِيها﴾ أيِ: الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ. ولَمّا كانَ ما يَعْهَدُونَهُ مِنَ الجِنانِ لا يَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أنْهارٍ، عَبَّرَ بِالجَمْعِ الَّذِي يُسْتَعارُ لِلْكَثْرَةِ إذا دَلَّتْ قَرِينَةٌ، وهي هُنا المَدْحُ والِامْتِنانُ، فَقالَ: ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ﴾ ولَمّا كانَ ماءُ الدُّنْيا مُخْتَلِفَ الطُّعُومِ عَلى ثَلاثَةٍ: حُلْوٍ وعَذْبٍ ومِلْحٍ، مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ بِبَساطَتِها وشِدَّةِ اتِّصالِها لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] فاعِلَ ذَلِكَ [قادِرٌ] مُخْتارٌ، وقَدْ يَكُونُ آسِنًا أيْ مُتَغَيِّرًا عَنِ الماءِ الَّذِي يُشْرَبُ بِرِيحٍ مُنْتِنَةٍ مِن أصْلِ خَلْقِهِ أوْ مِن عارِضٍ عَرَضَ لَهُ مِن مَنبَعِهِ أوْ مَجْراهُ قالَ: ﴿غَيْرِ آسِنٍ﴾ أيْ: ثابِتٍ لَهُ في وقْتٍ ما شَيْءٌ مِنَ الطَّعْمِ أوِ الرِّيحِ (p-٢٢٠)أوِ اللَّوْنِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ طالَتْ إقامَتُهُ وإنْ أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرُهُ؛ فَإنَّهُ لا يَقْبَلُ التَّغَيُّرَ بِوَجْهٍ.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ شَرابِهِمْ بَعْدَ الماءِ اللَّبَنَ، ثَنّى بِهِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ﴾ ولَمّا كانَ التَّغَيُّرُ غَيْرَ مَحْمُودٍ، وكانُوا يَعْهَدُونَ في الدُّنْيا أنَّ اللَّبَنَ كُلَّهُ عَلى جَمِيعِ أنْواعِهِ طَيِّبٌ حالَ نُزُولِهِ مِنَ الضَّرْعِ مَعَ اخْتِلافِ ذَواتِ الدَّرِّ في الأشْكالِ والأنْواعِ والمَقادِيرِ والأمْزِجَةِ، ومَعَ انْفِصالِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مِنَ الأُخْرى، وأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ بَعْدَ حَلْبِهِ، عَبَّرَ بِما يَنْفِي التَّغَيُّرَ في الماضِي فَقالَ: ﴿لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ أيْ: بِنَفْسِهِ عَنْ أصْلِ خِلْقَتِهِ وإنْ أقامَ مَدى الدَّهْرِ، وهَذا يُفْهِمُ أنَّهم لَوْ أرادُوا تَغْيِيرَهُ لِشَهْوَةٍ اشْتَهَوْها تَغَيَّرَ، وأنَّهُ مَعَ طِيبِهِ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ كَما كانَ في الدُّنْيا مُتَنَوِّعًا.
ولَمّا كانَ أكْثَرُ ما بَعْدَ اللَّبَنِ الخَمْرَ قالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ﴾ ولَمّا كانَتِ الخَمْرُ يَكْثُرُ طَعْمُها، وإنَّما يَشْرَبُها شارِبُوها لِأثَرِها، وأنَّهُ مَتى تَغَيَّرَ طَعْمُها زالَ اسْمُها، عُرِفَ أنَّ كُلَّ ما في خَمْرِ الجَنَّةِ في غايَةِ الحُسْنِ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِطَعْمٍ فَقالَ: ﴿لَذَّةٍ﴾ أيْ: ثابِتَةٍ لَها اللَّذَّةُ ودائِمَةٍ حالَ شُرْبِها وبَعْدَهُ ﴿لِلشّارِبِينَ﴾ في طِيبِ الطَّعْمِ وحُسْنِ العاقِبَةِ.
(p-٢٢١)ولَمّا كانَ العَسَلُ أعَزَّها وأقَلَّها، أخَّرَهُ وإنْ كانَ أجَلَّها فَقالَ: ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ﴾ ولَمّا كانَ عَسَلُ الدُّنْيا لا يُوجَدُ إلّا مَخْلُوطًا بِالشَّمْعِ وغَيْرِهِ مِنَ القَذى قالَ: ﴿مُصَفًّى﴾ أيْ: [هُوَ] صافٍ صَفاءَ ما اجْتُهِدَ في تَصْفِيَتِهِ مِن ذَلِكَ، وهَذا الوَصْفِ ثابِتٌ لَهُ دائِمًا لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ في وقْتٍ ما، فَقَدْ حَصَلَ بِهَذا غايَةُ التَّشْوِيقِ إلى الجَنَّةِ بِالتَّمْثِيلِ بِما يَسْتَلِذُّ بِهِ مِن أشْرِبَةِ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ غايَةُ ما نَعْلَمُ مِن ذَلِكَ مُجَرَّدًا عَمّا يَنْقُصُهُ أوْ يُنَغِّصُهُ مَعَ الوَصْفِ بِالغَزارَةِ والِاسْتِمْرارِ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: نَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ ماءِ أهْلِ الجَنَّةِ، ونَهْرُ الفُراتِ نَهْرُ لَبَنِهِمْ، ونَهْرُ مِصْرَ نَهْرُ خَمْرِهِمْ، ونَهْرُ سَيْحانَ نَهْرُ عَسَلِهِمْ. وهَذِهِ الأنْهارُ الأرْبَعَةُ تَخْرُجُ مِن نَهْرِ الكَوْثَرِ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في فُتُوحِ مِصْرَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ صالِحٍ [ثَنا] ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ [أبِي] حَبِيبٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما سَألَ كَعْبَ الأحْبارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ تَجِدُ لِهَذا النِّيلِ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى خَبَرًا؟ قالَ: إي والَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى، إنِّي لَأجِدُهُ في كِتابِ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يُوحِي إلَيْهِ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، يُوحِي إلَيْهِ عَنْ جَرْيِهِ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تُجْرِيَ، فَيَجْرِي ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثُمَّ يُوحِي إلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ: يا نَيْلُ غُرْ حَمِيدًا. حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ حَدَّثَنا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ (p-٢٢٢)عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أرْبَعَةٌ أنْهارِ مِنَ الجَنَّةِ وضَعَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في الدُّنْيا. فالنِّيلُ نَهْرُ العَسَلِ في الجَنَّةِ، والفُراتُ نَهْرُ الخَمْرِ في الجَنَّةِ. وسَيْحانُ نَهْرُ الماءِ في الجَنَّةِ. وجَيْحانُ نَهْرُ اللَّبَنِ في الجَنَّةِ. حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ قالا حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ عَنْ أبِي الخَيْرِ عَنْ أبِي جُنادَةَ الكِنانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ كَعْبًا يَقُولُ: النَّيْلُ في الآخِرَةِ عَسَلًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ودِجْلَةُ في الآخِرَةِ لَبَنًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، [والفُراتُ خَمْرًا أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ]، وجَيْحانُ ماءً أغْزَرَ ما يَكُونُ مِنَ الأنْهارِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ وأصْلُ هَذا كُلِّهِ ما في الصَّحِيحِ في صِفَةِ الجَنَّةِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««سَيْحانُ وجَيْحانُ والنَّيْلُ والفُراتُ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ»». وقالَ أبُو حَيّانَ في حِكْمَةِ تَرْتِيبِها غَيْرَ ما تَقَدَّمَ: إنَّهُ بُدِئَ بِالماءِ الَّذِي لا يُسْتَغْنى عَنْهُ في المَشْرُوباتِ، ثُمَّ بِاللَّبَنِ؛ إذْ كانَ يَجْرِي مَجْرى المَطْعُوماتِ في كَثِيرٍ مِن أقْواتِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، ثُمَّ بِالخَمْرِ لِأنَّهُ إذا حَصَلَ الرَّيُّ والمَطْعُومُ تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى ما يُتَلَذَّذُ بِهِ، ثُمَّ بِالعَسَلِ؛ لِأنَّ فِيهِ الشِّفاءَ في الدُّنْيا مِمّا يَعْرِضُ مِنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ. انْتَهى. وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهُ لَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّعَجُّبِ في ضَرْبِ المَثَلِ لِأنَّهُ قَوْلٌ (p-٢٢٣)لا يَنْفَكُّ عَنْ غَرابَةٍ بَدَأ بِأنْهارِ الماءِ لِغَرابَتِها في بِلادِهِمْ وشَدَّةِ حاجَتِهِمْ إلَيْها، ولَمّا كانَ خُلُوُّها عَنْ تَغَيُّرٍ أغْرَبَ نَفاهُ، ولَمّا كانَ اللَّبَنُ أقَلَّ فَكانَ جَرْيُهُ أنْهارًا [أغْرَبَ، ثَنّى] بِهِ، ولَمّا كانَ الخَمْرُ أعَزَّ ثَلَّثَ بِهِ، ولَمّا كانَ العَسَلُ أشْرَفَها وأقَلَّها خَتَمَ بِهِ، ونَبَّهَ - مَعَ هَذا التَّذْكِيرِ بِقُدْرَتِهِ تَعالى - عَلى ما يُرِيدُ بِسَبَبٍ وبِغَيْرِ سَبَبٍ؛ فَإنَّ هَذِهِ المَشْرُوباتِ الثَّلاثَةَ الَّتِي وبَعْضُها مُتَمَحِّضٌ لِلشَّرابِيَّةِ كالخَمْرِ وبَعْضُها في غِذائِيَّةٍ وهي فِيهِ أغْلَبُ، وهو العَسَلُ، وبَعْضُها يَنْزِعُ إلى كُلٍّ مِنهُما وهو اللَّبَنُ كُلُّها مِنَ الماءِ مَعَ تَمايُزِها مَذاقًا وأثَرًا في الغِذاءِ والدَّواءِ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإنَّ الماءَ أصْلُ النَّباتِ، ومِنَ النَّباتِ يَكُونُ اللَّبَنُ والخَمْرُ والعَسَلُ بِما لا يَخْفى مِنَ الأسْبابِ، وأمّا الآخِرَةُ فَغَنِيَّةٌ عَنِ الأسْبابِ لِظُهُورِ اسْمِهِ الظّاهِرِ سُبْحانَهُ هُناكَ؛ لِأنَّهُ لا ابْتِلاءَ فِيها، وبِهَذا فُهِمَ لِلتَّرْتِيبِ سِرٌّ آخَرُ؛ وهو أنَّهُ تَعالى قَدَّمَ الماءَ؛ لِأنَّهُ الأصْلُ لَها، وتَلاهُ بِأقْرَبِ الأشْياءِ إلَيْهِ في الشَّرابِيَّةِ والطَّبْعِ: اللَّبَنُ، [ثُمَّ] بِما هو أقْرَبُ إلى اللَّبَنِ مِن جِهَةِ أنَّهُ شَرابٌ فَقَطْ، ثُمَّ بِالعَسَلِ لِأنَّهُ أبْعَدُها مِنهُ.
ولَمّا كانَتِ الثِّمارُ ألَذَّ مُسْتَطابٍ بَعْدَ سائِغِ الشَّرابِ قالَ تَعالى: (p-٢٢٤)﴿ولَهم فِيها﴾ ولَمّا كانَ أهْلُها مُتَفاوِتِينَ في الدَّرَجاتِ فَلا تَجْمَعُ جِنانُ أغْلَبِهِمْ جَمِيعَ ما في الجَنَّةِ مِنَ الثِّمارِ بَعَّضَ فَقالَ: ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: جَمِيعِ أصْنافِها عَلى وجْهٍ لا حاجَةَ مَعَهُ مِن قِلَّةٍ ولا انْقِطاعٍ.
ولَمّا كانَ العَيْشُ لا يَطِيبُ مَعَ الإنْصافِ بِما يُوجِبُ العَتَبَ، قالَ مُشِيرًا إلى أنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، لِأنَّ الرُّتَبَ مُتَضائِلَةٌ عَنْ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ومَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِمُ السّالِفَةِ أعْيانُها وآثارُها بِحَيْثُ لا يَخْشَوْنَ لَها عاقِبَةً بِعِقابٍ ولا عِتابٍ، وعَدَمِ بُلُوغِهِمْ إلى ما يَحِقُّ لَهُ مِنَ الشُّكْرِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا أرْشَدَ هَذا السِّياقُ إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: أفَمَن هو في هَذا النَّعِيمِ الأكْبَرِ المُقِيمِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ﴾ أيْ: مُقِيمٌ إقامَةً لا انْقِطاعَ مَعَها، ووَحَّدَهُ؛ لِأنَّ الخُلُودَ يَعُمُّ مَن فِيها عَلى حَدٍّ سَواءٍ ﴿فِي النّارِ﴾ أيِ: الَّتِي لا يُطْفَأُ لَهِيبُها، لا يُفَكُّ أسِيرُها ولا يُؤْنَسُ عَرِيبُها. ولَمّا كانَ كُلُّ واحِدٍ مِن داخِلِيها لَهُ سَقْيٌ يَخُصُّهُ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا. كانَ المُؤَثِّرُ لِضُرِّهِمُ السَّقْيَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الَّتِي تُذْكَرُ لا كَوْنَهُ مِن ساقٍ مُعَيَّنٍ، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ مُسْنِدًا إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ قَوْلَهُ تَعالى: (p-٢٢٥)﴿وسُقُوا﴾ أيْ: عِوَضِ ما ذُكِرَ مِن شَرابِ أهْلِ الجَنَّةِ ﴿ماءً حَمِيمًا﴾ أيْ: في غايَةِ الحَرارَةِ ﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ أنَّ المُؤْمِنِينَ في جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ، وأنَّ الكافِرِينَ مَأْواهُمُ النّارُ، وكانَ التَّقْدِيرُ إنْكارَهُ عَلى مَن لَمْ يَرْتَدِعْ لِلزَّواجِرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَمَلَهُ عَمَلُ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِأنَّ كَوْنَ النّارِ جَزاءً لِمِثْلِهِ والجَنَّةِ جَزاءَ المُؤْمِنِ صارَ في حَدٍّ لا يَسُوغُ إنْكارُهُ: أمِثْلَ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ كَمِثْلِ النّارِ، ومَن هو خالِدٌ في الجَنَّةِ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.
محمد 47:16
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بَعْدَ هَذا التَّمْثِيلِ والوَصْفِ والتَّشْوِيقِ الَّذِي يُبْهِرُ العُقُولَ: [فَمِنَ النّاسِ مَن] يَسْمَعُ مِنكَ بِغايَةِ المَحَبَّةِ والإنْصافِ فَيُعْلِيهِ اللَّهُ بِفَهْمِ ما يَتْلُوهُ واعْتِقادِهِ والعَمَلِ بِهِ واعْتِمادِهِ وهُمُ المُتَّقُونَ الَّذِينَ وُعِدُوا الجَنَّةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِ لَعَلَّهُ يَجِدُ في المَتْلُوِّ مَطْعَنًا يَشُكُّ بِهِ عَلى الضُّعَفاءِ، وبَيَّنَ تَعالى بُعْدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إلَيْكَ﴾ ولَمّا أفْرَدَ المُسْتَمِعَ نَظَرًا إلى لَفْظِ ”مَن“ إشارَةً إلى قِلَّةِ المُسْتَمِعِ جَمَعَ نَظَرًا إلى مَعْناهُ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُعْرِضِينَ الجامِدِينَ المُسْتَهْزِئِينَ مِنَ المُسْتَمِعِينَ مِنهم والسّامِعِينَ فَقالَ تَعالى: ﴿حَتّى﴾ أيْ: واسْتَمَرَّ (p-٢٢٦)إجْهادُهم لِأنْفُسِهِمْ بِالإصْغاءِ حَتّى ﴿إذا خَرَجُوا﴾ أيِ المُسْتَمِعُونَ والسّامِعُونَ جَمِيعًا ﴿مِن عِنْدِكَ قالُوا﴾ أيِ الفَرِيقانِ عَمًى وتَعامِيًا واسْتِهْزاءً. ولَمّا كانَ مُجَرَّدُ حُصُولِ العِلْمِ النّافِعِ مُسْعِدًا، أشارَ إلى تَعْظِيمِهِ بِبِنائِهِ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ تَهْيِئَةِ اللَّهِ لَهم بِما آتاهم مِن صَفاءِ الأفْهامِ لِتَجَرُّدِهِمْ عَنِ النُّفُوسِ والحُظُوظِ وانْقِيادِهِمْ لَمّا تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى: ﴿ماذا قالَ﴾ أيِ النَّبِيُّ ﷺ ﴿آنِفًا﴾ أيْ: قَبْلَ افْتِراقِنا وخُرُوجِنا عَنْهُ مِن ساعَةٍ - أيْ أوَّلَ وقْتٍ - تَقَرَّبَ مِنهُ، مِن أنَفَةِ الصَّلاةِ- بِالتَّحْرِيكِ، وهو ابْتِداؤُها وأوَّلُها، قالَ أبُو حَيّانَ: حالَ، أيْ مُبْتَدِئًا، أيْ ما القَوْلُ [الَّذِي] ائْتَنَفَهُ الآنَ قَبْلَ انْفِصالِنا عَنْهُ. ورَدَّ كَوْنَهُ ظَرْفًا بِأنَّهُ تَفْسِيرُ مَعْنًى، وأنَّهُ لا يَعْلَمُ أحَدًا مِنَ النُّحاةِ عَدَّهُ في الظُّرُوفِ. [و] قالَ [ البَغَوِيُّ ]: ائْتَنَفْتُ الأمْرَ: ابْتَدَأْتُهُ، وأنَفُ الشَّيْءِ أوَّلُهُ، قالَ مُقاتِلٌ: وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْطُبُ ويَعِيبُ المُنافِقِينَ، فَإذا خَرَجُوا مِنَ المَسْجِدِ سَألُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتِهْزاءً: ماذا قالَ مُحَمَّدٌ ﷺ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وقَدْ سُئِلْتُ فِيمَن سُئِلَ.
ولَمّا دَلَّ هَذا مِنَ المُصْغِي ومِنَ المُعْرِضِ عَلى غايَةِ الجُمُودِ الدّالِّ (p-٢٢٧)عَلى غايَةِ الشَّقاءِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيْ: خاصَّةً هَؤُلاءِ البُعَداءُ مِنَ الفَهْمِ ومِن كُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا تَناهِيَ لِعِظَمِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: فَلَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْهَمُوا فَهْمَ الِانْتِفاعِ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الجُمُودِ لا يَكُونُ إلّا بِذَلِكَ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهم ضَلُّوا حَتّى صارُوا كالبَهائِمِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو مِن أفْعالِ البَهائِمِ فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أهْواءَهُمْ﴾ أيْ: مُجانَبِينَ لِوازِعِ العَقْلِ وناهِي المُرُوءَةِ، فَلِذَلِكَ هم يَتَهاوَنُونَ بِأعْظَمِ الكَلامِ ويُقْبِلُونَ عَلى جَمْعِ الحُطامِ، فَهم أهْلُ النّارِ المُشارُ إلَيْهِمْ قَبْلَ آيَةِ ”مَثَلُ الجَنَّةِ“ بِأنَّهم زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ.
محمد 47:17
ولَمّا ذَكَرَ ما هم عَلَيْهِ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ أقْبَحَ الذِّكْرِ، ذَكَرَ الَّذِينَ آتاهُمُ العِلْمَ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ أيِ اجْتَهَدُوا بِاسْتِماعِهِمْ مِنكَ في مُطاوَعَةِ داعِي الفِطْرَةِ الأُولى إلى الوُقُوعِ عَلى الهُدى بِالصِّدْقِ في الإيمانِ والتَّسْلِيمِ والإذْعانِ بِأنْواعِ المُجاهَداتِ ﴿زادَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي طَبَعَ عَلى قُلُوبِ الجَهَلَةِ ﴿هُدًى﴾ بِأنْ شَرَحَ صُدُورَهم ونَوَّرَها بِأنْوارِ المُشاهَداتِ فَصارَتْ أوْعِيَةً لِلْحِكْمَةِ ”إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهم بِإيمانِهِمْ“ ﴿وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أيْ: بَيَّنَ لَهم ما هو أهْلٌ لِأنْ يُحْذَرَ ووَفَّقَهم لِاجْتِنابِهِ (p-٢٢٨)مُخالَفَةً لِلْهَوى، فَهُمُ القِسْمُ الأوَّلُ مِن آيَةِ تَوْطِئَةِ المَثَلِ: ”الَّذِينَ هم عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ“ ومَعْنى الإضافَةِ أنَّهُ آتى كُلًّا مِنهم مِنها بِحَسْبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُهُ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: التَّقْوى عَمَلُ الإيمانِ كَما أنَّ أعْمالَ الجَوارِحِ عَمَلُ الإسْلامِ. انْتَهى.
محمد 47:18
ولَمّا كانَ أشَدُّ ما يُتَّقى القِيامَةُ الَّتِي هم بِها مُكَذِّبُونَ، سَبَّبَ عَنِ اتِّباعِهِمُ الهَوى قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: يَنْتَظِرُونَ، ولَكِنَّهُ جَرَّدَهُ إشارَةً إلى شِدَّةِ قُرْبِها ﴿إلا السّاعَةَ﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: [ما] يَنْتَظِرُونَ مِن أمْرِها؟ أبْدَلَ مِنها قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ أيْ: تَقُومَ عَلَيْهِمْ، وعَبَّرَ بِالإتْيانِ زِيادَةً في التَّخْوِيفِ ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ: فُجاءَةً مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِها ولا اسْتِعْدادٍ لَها.
ولَمّا دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَزِيدِ القُرْبِ، وكانَ مَجِيءُ عَلاماتِ الشَّيْءِ أدَلَّ عَلى قُرْبِهِ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَتِهِ، قالَ مُعَلِّلًا لِلْبَغْتَةِ: ﴿فَقَدْ﴾ ودَلَّ عَلى القُوَّةِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ فَقالَ: ﴿جاءَ أشْراطُها﴾ أيْ: عَلاماتُها المُنْذِراتُ بِها (p-٢٢٩)مِن مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ ««بُعِثْتُ أنا والسّاعَةُ كَهاتَيْنِ»». انْشِقاقِ القَمَرِ المُؤْذِنِ بِآيَةِ الشَّمْسِ في طُلُوعِها مِن مَغْرِبِها وغَيْرِ ذَلِكَ، وما بَعْدَ مُقَدِّماتِ الشَّيْءِ إلّا حُضُورُهُ.
ولَمّا كانَ المَجِيءُ مِن أهْوالِها تَذَكَّرَها قَبْلَ حُلُولِها لِلْعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ التَّذَكُّرُ، وكانَتْ إذا جاءَتْ شاغِلَةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، سَبَّبَ عَنْ مَجِيئِها قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأنّى﴾ أيْ: فَكَيْفَ ومِن أيْنَ ﴿لَهم إذا جاءَتْهُمْ﴾ أيِ: السّاعَةُ وأشْراطُها المُعَيِّنَةُ لَها مِثْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها ﴿ذِكْراهُمْ﴾ لِأنَّهم في أشْغَلِ الشَّغْلِ ولَوْ فَرَغُوا لَما تَذَكَّرُوا فَعَمِلُوا ما أفادَ لِفَواتِ وقْتِ الأعْمالِ وشَرْطِها، وهو العَمَلُ عَلى الإيمانِ بِالغَيْبِ، وهَكَذا ساعَةُ الإنْسانِ الَّتِي (p-٢٣٠)تَخُصُّهُ وهي مَوْتُهُ وأشْراطُها الجاثَّةُ عَلى الذِّكْرى وهو المَرَضُ والشَّيْبُ ونَحْوَ ذَلِكَ، ومِن أشْراطِها المُعَيَّنَةِ لَها الَّتِي [لا] يَنْفَعُ مَعَها العَمَلُ الوُصُولُ إلى حَدِّ الغَرْغَرَةِ.
محمد 47:19
ولَمّا عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّ الذِّكْرى غَيْرُ نافِعَةٍ إذا انْقَضَّتْ هَذِهِ الدّارُ الَّتِي جُعِلَتْ لِلْعَمَلِ أوْ جاءَتِ الأشْراطُ المُحَقَّقَةُ الكاشِفَةُ لَها، سَبَّبَ عَنْهُ أمْرَ أعْظَمِ الخَلْقِ وأشْرَفِهِمْ وأرْقاهم وأجْمَلِهِمْ ﷺ تَكْوِينًا لِيَكُونَ لِغَيْرِهِ تَكْلِيفًا فَقالَ تَعالى: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ﴾ أيِ: الشَّأْنَ الأعْظَمَ الَّذِي ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أيِ انْتَفى انْتِفاءً عَظِيمًا أنْ يَكُونَ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ غَيْرَ المَلِكِ الأعْظَمِ؛ فَإنَّ هَذا العِلْمَ هو أعْظَمُ الذِّكْرى المُنْجِيَةِ مِن أهْوالِ السّاعَةِ، وإنَّما تَكُونُ عالِمًا إذا كانَ نافِعًا [وإنَّما يَكُونُ نافِعًا ] إذا كانَ مَعَ الإذْعانِ والعَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ وإلّا فَهو جَهْلٌ صِرْفٌ، [و] هَذا العِلْمُ يُفِيدُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن قِيامِ السّاعَةِ لِأنَّ الإلَهَ وعَدَ بِذَلِكَ وهو مُتَّصِفٌ (p-٢٣١)بِالكَمالِ ولا شَرِيكَ لَهُ يَمْنَعُهُ مِن إنْجازِ وعْدِهِ. قالَ القُشَيْرِيُّ: والعَبْدُ يَعْلَمُ أوَّلًا رَبَّهُ بِدَلِيلٍ وبِحُجَّةٍ فَعِلْمُهُ بِنَفْسِهِ ضَرُورِيٌّ وهَذا هو أصْلُ الأُصُولِ، وعَلَيْهِ بُنِيَ كُلُّ عِلْمٍ اسْتِدْلالِيٍّ، ثُمَّ تَزْدادُ قُوَّةُ عِلْمِهِ بِزِيادَةِ البَيانِ وكَثْرَةِ الحُجَجِ، وتَناقُصُ عِلْمِهِ بِنَفْسِهِ بِغَلَباتِ ذِكْرِهِ لِلَّهِ بِقَلْبِهِ، فَإذا انْتَهى إلى حالِ المُشاهَدَةِ واسْتِيلاءِ سُلْطانِ الحَقِيقَةِ عَلَيْهِ صارَ عِلْمُهُ في تِلْكَ الحالَةِ ضَرُورِيًّا ويَقِلُّ إحْساسُهُ بِنَفْسِهِ حَتّى يَصِيرَ عِلْمُهُ بِنَفْسِهِ كالِاسْتِدْلالِ وكَأنَّهُ غافِلٌ عَنْ نَفْسِهِ أوْ ناسٍ لِنَفْسِهِ، ويُقالُ: الَّذِي رَأى البَحْرَ غَلَبَ عَلَيْهِ ما يَأْخُذُهُ في الرُّؤْيَةِ لِلْبَحْرِ عَنْ ذِكْرِ نَفْسِهِ فَإذا رَكِبَ البَحْرَ قَوِيَ هَذا الحالُ، فَإذا غَرِقَ في البَحْرِ فَلا إحْساسَ لَهُ بِشَيْءٍ سِوى ما هو مُسْتَغْرِقٌ فِيهِ ومُسْتَهْلَكٌ، ولِهَذِهِ الكَلِمَةِ مِنَ الأسْرارِ ما يَمْلَأُ الأقْطارَ مِنها أنَّها بِكَلِماتِها الأرْبَعِ مُرَكَّبَةٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ إشارَةً إلى الوِتْرِ الَّذِي هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى والشَّفْعِ الَّذِي هو الخَلْقُ أنْشَأهُ تَعالى أزْواجًا، [و] مِنها حَرْفٌ لِسانِيٌّ وحَرْفانِ حَلْقِيّانِ: الهاءُ والألِفُ، غَيْرَ أنَّ الألِفَ عَبَّرَ عَنْها بِمَظْهَرِها وهو الهَمْزَةُ ظاهِرًا مَرَّتَيْنِ وخَفِيًّا في أداةِ التَّعْرِيفِ في الِابْتِداءِ مَرَّةً، وذُكِرَتْ (p-٢٣٢)بِلَفْظِها أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَتِلْكَ سَبْعٌ هي أتَمُّ العَدَدِ لِذَلِكَ وبَنى الخَلْقُ عَلَيْهِ، فالسَّماواتُ سُبْعٌ، والأراضِي كَذَلِكَ سَبْعٌ؛ إشارَةً إلى [أنَّ] الإلَهَ الحَقَّ الَّذِي هو غَيْبٌ مَحْضٌ إنَّما عُلِمَ بِالتَّنْزِيلِ بِأفْعالِهِ، فَهي وصْلَةٌ إلى مَعْرِفَتِهِ وهي مُنْقَسِمَةٌ إلى عُلْوِيٍّ وسُفْلِيٍّ كَما أنَّ الألِفَ الَّتِي هي كالغَيْبِ لِأنَّها لا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِها ابْتِداءً نَزَلَتْ في مَظْهَرِ الهَمْزَةِ الَّتِي تَكَرَّرَتْ في هَذِهِ الكَلِمَةِ مَرَّتَيْنِ في مُقابَلَةِ الكَوْنَيْنِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ وبَيْنَهُما ما لا نَعْلَمُهُ مِمّا خَفِيَ عَنّا كَما خَفِيَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ.
وعَبَّرَ في الأمْرِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ بِالعِلْمِ إعْلامًا بِأنَّ عَمَلَ القَلْبِ بِها هو العُمْدَةُ العُظْمى لَكِنْ لَمّا كانَتْ حُرُوفُها حَلْقِيًّا ولِسانِيًّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكْفِي في أمْرِها إلّا إذْعانُ الباطِنِ ومُطابَقَةُ الظّاهِرِ الَّذِي هو اللِّسانُ، فَهو تُرْجُمانُ القَلْبِ، ومَتى لَمْ يُطابِقِ اللِّسانُ القَلْبَ حَيْثُ لا مانِعَ كانَ صاحِبُهُ مِن أهْلِ آيَةِ الصّافّاتِ وأحْرُفُها اللَّفْظِيَّةُ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا عَلى عَدَدِ السَّماواتِ والأرْضِ الدّالَّةِ عَلى الذّاتِ الأقْدَسِ الَّذِي هو غَيْبٌ مَحْضٌ والمَقْصُودُ مِنها مُسَمّى الجَلالَةِ الَّذِي هو الإلَهُ الحَقُّ سُبْحانَهُ وتَعالى والجَلالَةُ الدّالَّةُ عَلَيْهِ خَمْسَةُ أحْرُفٍ عَلى عِدَّةِ دَعائِمِ الإسْلامِ الخَمْسِ: ووَتْرِيَّتُهُ دَلالَةٌ عَلى التَّوْحِيدِ، ولَمْ يَجْعَلْ فِيها شَيْئًا شَفَهِيًّا لِتَمَكُّنِ مُلازَمَتِها لِكَوْنِها أعْظَمَ مُقَرِّبٍ إلى اللَّهِ وأقْرَبَ مُوصِلٍ (p-٢٣٣)إلَيْهِ مَعَ الإخْلاصِ، فَإنَّ الذّاكِرَ بِها يَقْدِرُ عَلى المُواظَبَةِ عَلَيْها ولا يَعْلَمُ جَلِيسُهُ بِذَلِكَ أصْلًا، لِأنَّ غَيْرَكَ لا يَعْلَمُ ما [فِي] وراءَ شَفَتَيْكَ إلّا بِإعْلامِكَ، وكَما دَلَّ الكَلامُ عَلى التَّوْحِيدِ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ صَرِيحًا دَلَّ عَلى كَلِمَةِ الرِّسالَةِ الَّتِي لا يَنْفَعُ التَّوْحِيدُ إلّا بِها تَلْوِيحًا بِتَسْمِيَةِ السُّورَةِ ”سُورَةَ مُحَمَّدٍ“، فَهي القِتالُ لِأنَّهُ أُمِرَ ﷺ أنْ يُقاتِلَ النّاسَ حَتّى يُصَرِّحُوا بِما صَرَّحَتْ بِهِ السُّورَةُ مِن كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ، وهي سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ لِأنَّ التَّوْحِيدَ لا يَنْفَعُ بِدُونِ الشَّهادَةِ لَهُ بِالرِّسالَةِ، وبَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ مَزِيدُ اتِّفاقٍ يَدُلُّ عَلى تَمامِ الِاتِّحادِ والِاعْتِناقِ؛ وذَلِكَ أنَّ أحْرُفَ كُلٍّ مِنهُما إنْ نَظَرْنا إلَيْها خَطًّا كانَتِ اثْنَيْ عَشْرَةَ حَرْفًا عَلى عَدَدِ أجْزاءِ السَّنَةِ يَكْفُرُ كُلُّ حَرْفٍ مِنها شَهْرًا، وإنْ نَظَرْنا إلَيْها نُطْقًا كانَتْ أرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا لَمَلَأ الخافِقَيْنِ نُورًا وعَظَمَةً ومَهابَةً وجَلالَةً واحْتِشامًا، وإنْ نَظَرْنا إلَيْها بِالنَّظَرَيْنِ مَعًا كانَتْ خَمْسَةَ عَشَرَ لا يُوقِفُها عَنْ ذِي العَرْشِ خالِقِ الكَوْنَيْنِ مُوقِفٌ، وهو سِرٌّ غَرِيبٌ دالٌّ عَلى الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هو عَدَمُ انْفِكاكِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى، فَمَن لَمْ يَجْمَعْهُما اعْتِقادُهُ لَمْ يُقْبَلْ (p-٢٣٤)إيمانُهُ، وقُدِّمَتْ هَذِهِ السُّورَةُ [فِي هَذا] سابِقَةً لِأنَّ لَها السَّبْقَ، وذُكِرَتِ الأُخْرى في الفَتْحِ تالِيَةً، وسُمِّيَتْ سُورَةُ هَذِهِ بِالقِتالِ وسُورَةُ الكَلِمَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالفَتْحِ إشارَةً إلى أنَّهُ ما قاتَلَ أحَدٌ عَلَيْهِما مَعَ الإخْلاصِ إلّا فُتِحَ عَلَيْهِ ولا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى مُخالَفَتِهِ مَعَ مُناصَبَتِهِ إلّا نِفاقًا عَلى وجْهِ الذُّلِّ والِاضْطِرابِ.
ولَمّا كانَ حُصُولُ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو كَمالُ النَّفْسِ مُوجِبًا لِلْإجابَةِ كَما في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وأبِي يَعْلى: ««ما مِن مُؤْمِنٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ ما لَمْ يَكُنْ إثْمًا أوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ»» الحَدِيثَ. قالَ مُعَلِّمًا أنَّهُ يَجِبُ عَلى الإنْسانِ بَعْدَ تَكْمِيلِ نَفْسِهِ السَّعْيَ في تَكْمِيلِ غَيْرِهِ لِيَحْصُلَ التَّعاوُنُ عَلى ما خُلِقَ العِبادُ لَهُ،
﴿واسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبِ الغُفْرانَ مِنَ اللَّهِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ بِالدُّعاءِ لَهُ وبِالِاجْتِهادِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿لِذَنْبِكَ﴾ وهو كُلُّ مَقامٍ [عالٍ] ارْتَفَعْتَ عَنْهُ إلى أعْلى مِنهُ، وأوْجِدْهُ أنْتَ مِن نَفْسِكَ مَن أساءَ إلَيْكَ لِتُكْثِرَ أتْباعَكَ، فَإنَّ الِاسْتِقامَةَ مُهَيِّئَةٌ لِلْإمامَةِ.
(p-٢٣٥)ولَمّا كانَ تَكْمِيلُ النَّفْسِ مُرَقِّيًا إلى تَكْمِيلِ الغَيْرِ لِيَكُونَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِهَذِهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَةِ والمِنَّةِ الجَسِيمَةِ مُعِيدًا لِلْجارِّ مُعَبِّرًا بِالإيمانِ والوَصْفِ إيذانًا بِأنَّ أعْلى الأُمَّةِ مُحْتاجٌ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وهَذا مُشَرِّفًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَيْثُ أمَرَ الشَّفِيعَ المُجابَ الدَّعْوَةِ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم [وهُوَ] بِالدُّعاءِ والحَثِّ عَلى الِاجْتِهادِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ، حاذِفًا المُضافَ إشارَةً إلى الِاحْتِياجِ إلى المَغْفِرَةِ في كُلِّ حالٍ لِما لِلْإنْسانِ مِنَ النُّقْصانِ بِالخَطَأِ والنِّسْيانِ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ؛ لِأنَّهم أحَقُّ النّاسِ بِذَلِكَ مِنكَ؛ لِأنَّ ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ كانَ لَكَ مِثْلُ أجْرِهِ، ولا يَخْلُو أحَدٌ مِنهم مِن تَقْصِيرٍ في المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها أوْ هَفْوَةٍ.
ولَمّا كانَ مَعْرِفَةُ مَن يُذْنِبُ ومَن لا يُذْنِبُ مُتَوَقِّفَةً عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ يَعْلَمُ حَرَكاتِكم وسَكَناتِكم سِرًّا وجَهْرًا ويَعْلَمُ أنَّكم لا بُدَّ أنْ تَعْمَلُوا ما جَبَلَكم عَلَيْهِ مِن ذَنْبٍ وهو يَغْفِرُ لِمَن أرادَ مِمَّنْ يَسْعى في كَمالِ نَفْسِهِ وتَكْمِيلِ غَيْرِهِ بِغَسْلِ الذُّنُوبِ، بِالرُّجُوعِ إلى طاعَةِ عَلّامِ الغُيُوبِ ﴿واللَّهُ﴾ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ أيْ: تَقَلُّبَكم ومَكانَهُ وزَمانَهُ ﴿ومَثْواكُمْ﴾ أيْ: مَوْضِعَ (p-٢٣٦)سُكُونِكم وقَرارَهُ لِلرّاحَةِ وكُلَّ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الثَّواءِ في وقْتِهِ - في الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن حِينِ كَوْنِكم نُطَفًا إلى ما لا آخِرَ لَهُ.
محمد 47:20
ولَمّا كانَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، عِلْمَ ما أبْطَنَهُ الإنْسانُ ولا سِيَّما إنْ كانَ مُخالِفًا لِما أظْهَرَهُ، قالَ دالًّا عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِإظْهارِ أسْرارِ المُنافِقِينَ عاطِفًا عَلى ﴿ومِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ [محمد: ١٦] ﴿ويَقُولُ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ المُسْتَمِرِّ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ ادَّعَوْا ذَلِكَ بِألْسِنَتِهِمْ وفِيهِمُ الصّادِقُ والمُنافِقُ دالِّينَ عَلى صِدْقِهِمْ في إيمانِهِمْ بِالتَّحْرِيضِ عَلى طَلَبِ الخَيْرِ بِتَجَدُّدِ الوَحْيِ الَّذِي هو الرُّوحُ الحَقِيقِيُّ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَتْ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى إظْهارِ أنَّهم صارُوا في صِدْقِهِمْ في الإيمانِ اعْتِقادُهم أنَّ التَّنْزِيلَ لا يَكُونُ إلّا مِنَ اللَّهِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُونَ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ ﴿سُورَةٌ﴾ أيَّ سُورَةٍ كانَتْ لِنُسَرَّ بِسَماعِها ونَتَعَبَّدَ بِتِلاوَتِها ونَعْمَلَ بِما فِيها كائِنًا ما كانَ، ويَسْتَمِرُّ الوَحْيُ فِينا مُتَجَدِّدًا مَعَ تَجَدُّدِ الزَّمانِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أنْشَطَ لَنا وأدْخَلَ في تَحْرِيكِ عَزائِمِنا ﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: قِطْعَةٌ مِنَ القُرْآنِ تَكامَلَ نُزُولُها [كُلِّها] تَدْرِيجًا أوْ جُمْلَةً، وزادَتْ عَلى مَطْلُوبِهِمْ بِالحِسِّ بِأنَّها ﴿مُحْكَمَةٌ﴾ أيْ: (p-٢٣٧)مُبَيَّنَةٌ [لا] يُلْبَسُ شَيْءٌ مِنها بِنَوْعِ إجْمالٍ ولا يُنْسَخُ لِكَوْنِهِ جامِعًا لِلْمَحاسِنِ في [كُلِّ] زَمانٍ ومَكانٍ ﴿وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ بِأيِّ ذِكْرٍ كانَ، والواقِعُ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا ذِكْرًا مُبَيَّنًا [أنَّهُ] لا يَزْدادُ إلّا وُجُوبًا وتَأكُّدًا حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، قالَ البَغَوِيُّ: وكُلُّ سُورَةٍ ذُكِرَ فِيها الجِهادُ فَهي مُحْكَمَةٌ وهي أشَدُّ القُرْآنِ عَلى المُنافِقِينَ. وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ ﴿رَأيْتَ﴾ [أيْ] بِالعَيْنِ والقَلْبِ ﴿الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفٌ في الدِّينِ أوْ نِفاقٌ مِنَ الَّذِينَ أقَرُّوا بِالإيمانِ وطَلَبُوا تَنْزِيلَ القُرْآنِ وكانُوا قَدْ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ: لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ كَراهَةً لِما نَزَلَ عَلَيْكَ بَعْدَ أنْ حَرَّضُوا عَلى طَلَبِهِ ﴿نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ﴾ ولَمّا كانَ لِلْغَشْيِ أسْبابٌ، بَيَّنَ أنَّ هَذا أشُدُّها فَقالَ تَعالى: ﴿مِنَ المَوْتِ﴾ الَّذِي هو نِهايَةُ الغَشْيِ فَهو لا يَطْرِفُ بِعَيْنِهِ بَلْ هو شاخِصٌ لا يَطْرِفُ كَراهَةً لِلْقِتالِ مِنَ الجُبْنِ والخَوَرِ.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا مُنابِذًا لِلْإنْسانِيَّةِ؛ لِأنَّهُ مُباعِدٌ لِلدِّينِ والمُرُوءَةِ، سَبَّبَ عَنْهُ أعْلى التَّهْدِيدِ فَقالَ مُتَوَعِّدًا لَهم بِصُورَةِ الدُّعاءِ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ: (p-٢٣٨)﴿فَأوْلى﴾ أيْ: أشَدُّ مَيْلٍ ووَيْلٍ وانْتِكاسٍ وعِثارِ مَوْضِعٍ لَهم في الهَلَكَةِ كائِنٌ ﴿لَهُمْ﴾ أيْ: خاصٌّ بِهِمْ، وفَسَّرْتُهُ بِذَلِكَ لِما تَقَدَّمَ في آخِرِ الأنْفالِ مِن أنَّ مادَّةَ ”ولِيَ“ تَدُورُ عَلى المَيْلِ، فَإذا كانَتْ عَلى صِيغَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ - وهو قَوْلُ الأكْثَرِ - جاءَتِ الشِّدَّةُ، قالَ الأصْمَعِيُّ: إنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ؛ أيْ قارَبَهم ما يُهْلِكُهُمْ، وأوْلاهُمُ اللَّهُ الهَلاكَ، وقالَ الرَّضِيُّ في بابِ المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ: إنَّهُ عَلَمٌ لِلْوَعِيدِ وفِيهِ وزْنُ الفِعْلِ؛ فَلِذا مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ، ولَيْسَ بِأفْعَلِ تَفْضِيلٍ ولا أفْعَلُ فِعْلًا ولا اسْمَ فِعْلٍ لِأنَّ أبا زَيْدٍ حَكى لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لَهُ فَقالُوا: أوُلاةٌ الآنَ - كَأرْمَلَةٍ وهو مِن ولَهِ الشَّرِّ أيْ قَرَنَهُ حالٌ، وقَبُولُهُ لِلتّاءِ لا يَضُرُّ الوَزْنَ، لِأنَّ ذَلِكَ في عِلْمٍ آخَرَ.
محمد 47:21
ولَمّا عِلْمُ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّسَبُّبِ أنَّ هَذا الدُّعاءَ عَلَيْهِمْ لِما تَقَدَّمَ مِن سُوءِ أدَبِهِمْ في مَقالِهِمْ، وقُبْحِ ما ظَهَرَ مِن فِعالِهِمْ، حَصَلَ التَّشَوُّفُ إلى ما يَنْبَغِي لَهُمْ، فَقالَ تَعالى عَلى طَرِيقِ النَّشْرِ المُشَوِّشِ: ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ: (p-٢٣٩)مِنهم ﴿وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ أيْ: بِالتَّسْلِيمِ والإذْعانِ وحُسْنِ الِانْقِيادِ خَيْرٌ لَهم مِمّا أظْهَرُوا مِنَ المَحَبَّةِ في الطّاعَةِ وما كَشَفَ حالُهم عَنْهُ مِنَ الكَراهَةِ، [و] نَكَّرَ الِاسْمَيْنِ لِيَكُونا صالِحَيْنِ لِلتَّعْظِيمِ وما دُونَهُ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْهُما قَوْلَهُ مُسْنَدًا إلى الأمْرِ ما [هُوَ] لِأهْلِهِ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِ الكَلامِ: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ: فَإذا أُمِرَ بِالقِتالِ الَّذِي ذُكِرَ [فِي] أوَّلِ السُّورَةِ وغَيْرِهِ مِنَ الأوامِرِ أمْرًا مَجْزُومًا بِهِ مَعْزُومًا عَلَيْهِ ﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا في قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ في طَلَبِ التَّنْزِيلِ ﴿لَكانَ﴾ صِدْقُهم لَهُ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِن تَعَلُّلِهِمْ وتَسَلُّلِهِمْ عَنْهُ لِواذًا عَلى تَقْدِيرِ التَّنْزِيلِ في تَسْلِيمِ أنَّ في جِماحِهِمْ عَنِ الأمْرِ وتَقاعُدِهِمْ عَنْهُ نَوْعُ خَيْرٍ، ويَجُوزُ [أنْ يَكُونَ] ”خَيْرٌ“ اسْمًا لا لِلتَّفْضِيلِ لِيُفْهَمَ أنَّ كَذِبَهم شَرٌّ لَهم.
محمد 47:22
ولَمّا كانَ هَذا تَبْكِيتًا لَهم مِن أجْلِ فُتُورِهِمْ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، سَبَّبَ [عَنْ] ذَلِكَ الفُتُورِ بَيانَ ما يَحْصُلُ مِنهُ مِن عَظِيمِ الفَسادِ ويَتَأثَّرُ بِهِ (p-٢٤٠)[مِن] خَرابِ البِلادِ وشَتاتِ العِبادِ في مَعْرِضِ سُؤالٍ في أُسْلُوبِ الخِطابِ بَعْدَ التَّبْكِيتِ والتَّهْدِيدِ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ تَنْبِيهًا عَلى تَناهِي الغَضَبِ وبُلُوغِهِ الغايَةَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَسَرُّعِكم إلى السُّؤالِ في أنْ يَأْمُرَكُمُ المَلِكُ بِما يُرْضِيهِ، فَإذا أجابَكم فَرَحِمَكم بِما يَعْلَمُ أنَّهُ أصْلَحُ الأشْياءِ لَكم وهو الجِهادُ كَرِهْتُمُوهُ ووَجَّهْتُمْ مِنهُ وقَعَدْتُمْ عَنْهُ أنْ يُقالَ لَكم لِما يُرى مِنكم مِنَ المَخايِلِ الدّالَّةِ عَلى ضَعْفِ الإيمانِ: هَلْ يُمْكِنُ عِنْدَكم نَوْعُ إمْكانٍ وتَتَوَقَّعُونَ شَيْئًا مِن تَوَقُّعِ أنْ يَكُونَ حالُكم جَدِيرًا وخَلِيقًا لِتَغْطِيَةِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْكم فَتَخافُونَ مِن أنْفُسِكم.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِذَمِّ الإعْراضِ عَنِ الأمْرِ، فَصَلَ بَيْنَ ”عَسى“ وخَبَرِها بِشَرْطِيَّةٍ مُعَبَّرٍ فِيها بِالتَّوَلِّي بِصِيغَةِ التَّفَعُّلِ إشارَةً مَعَ نِهايَةِ الذَّمِّ إلى أنَّ المُعْرِضَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ مُعْرِضٌ عَمّا تَدْعُوهُ الفِطْرَةُ الأُولى القَوِيمَةُ والعَقْلُ السَّدِيدُ إلى حُسْنِهِ، فَهو لا يُعْرِضُ عَنْهُ إلّا بِمُجاهَدَةٍ مِنهُ لِنَفْسِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: بِأنْفُسِكم عَنِ الجِهادِ الَّذِي أمَرَكم بِهِ رَبُّكُمُ الَّذِي عَرَّفَكم مِن فَوائِدِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ مِمّا لا يَتْرُكُهُ مَعَهُ عاقِلٌ ولا يُتَخَيَّلُ تَرْكُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ الشَّرْطِ - أوْ حَصَلَتْ (p-٢٤١)تَوْلِيَتُكم بِتَحْصِيلِ مُحَصَّلٍ أوْجَبَها لَكم وزَيَّنَها في أعْيُنِكم حَتّى فَعَلْتُمُوها، وهَذا المَعْنى الثّانِي هو المُرادُ بِبِنائِهِ لِلْمَجْهُولِ في رِوايَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ.
﴿أنْ تُفْسِدُوا﴾ أيْ: تُوقِعُوا الإفْسادَ العَظِيمَ الَّذِي يَسْتَمِرُّ تَجْدِيدُهُ مِنكم ﴿فِي الأرْضِ﴾ بِقِتالٍ يَكْرَهُهُ اللَّهُ ويَسْخَطُهُ ويَغْضَبُ أشَدَّ غَضَبٍ عَلى فاعِلِهِ وتَكُونُوا في غايَةِ الجُرْأةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ الَّذِي رَحِمَكم بِإنْزالِ ما أُنْزِلَ حَكَمَ بِأنَّ مَن جَبُنَ عَمّا يُرْضِيهِ رَغْبَةً في الآخِرَةِ اجْتَرَأ عَلى [ما] يُسْخِطُهُ حُبًّا في الدُّنْيا، وقَدْ كُنْتُمْ في الجاهِلِيَّةِ عَلى ذَلِكَ في الغارَةِ مِن بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿وتُقَطِّعُوا﴾ تَقْطِيعًا عَظِيمًا شَدِيدًا كَثِيرًا مُنْتَشِرًا كَبِيرًا ﴿أرْحامَكُمْ﴾ فَتَكُونُوا بِذَلِكَ أعِزَّةً عَلى المُؤْمِنِينَ كَما كُنْتُمْ أذِلَّةً عَلى الكافِرِينَ، وأقَلُّ ما في إعْراضِكم خِذْلانُكم لِلْمُؤْمِنِينَ المُجاهِدِينَ بِما قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِظُهُورِ الكافِرِينَ عَلَيْهِمْ فَتَكُونُوا بِذَلِكَ قَدْ جَمَعْتُمْ بَيْنَ قَطِيعَةِ أرْحامِهِمْ وفَقْدِكم لِما كانَ يَصِلُ إلَيْكم مِن مَنافِعِهِمْ، فَإنْ كَفَفْتُمْ بَعْدَهم عَنْ قَتْلِهِمْ كُنْتُمْ مَعَ ما فاتَكم مِن خَيْرِهِمْ [أجْبَنَ] النّاسِ وأرْضاهم بِالعارِ، وإنْ تَعاطَيْتُمُ الأخْذَ بِثَأْرِهِمْ كُنْتُمْ كَمَن أخَذَ في (p-٢٤٢)فِعْلِ ما أُمِرَ بِهِ بَعْدَ فَواتِهِ وأنّى لَهُ ذَلِكَ، وقَدْ عَلِمَ مِن هَذا أنَّ مَن أمَرَ بِالمَعْرُوفِ وجاهَدَ أهْلَ المُنْكَرِ أمِنَ الإفْسادَ في الأرْضِ وقَطِيعَةَ الرَّحِمِ، ومَن تَرَكَهُ وقَعَ فِيهِما، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ”تَوَلَّيْتُمْ“ مِن وِلايَةِ الأمْرِ، فَتَكُونُ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى وِلايَةِ الفَجَرَةِ ومُنْذِرَةً بِذَلِكَ أنِ اصْنَعِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، وقَدْ وقَعَ ذَلِكَ وشُوهِدَ ما ابْتَنى عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ والقَطِيعَةِ، وعَزائِمِ الأنْكادِ وسُوءِ الصَّنِيعَةِ.
محمد 47:23
ولَمّا بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ مِمَّنْ تَثاقَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ لِأنَّ المَلِكَ لا يَطْرُقُ احْتِمالًا في شَيْءٍ إلّا وهو واقِعٌ فَرْقًا بَيْنَ كَلامِهِ وكَلامِ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، بَيَّنَ حالَهُمُ الَّذِي أنْتَجَ لَهم ذَلِكَ، فَقالَ مُلْتَفِتًا عَنْهم إيذانًا بِالغَضَبِ مُخاطِبًا لِمَن جُبِلَ عَلى الشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ والرَّحْمَةِ لَهم إعْلامًا لَهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ تَحَتَّمَ شَقاؤُهم فَلَيْسُوا بِأهْلٍ لِلشَّفاعَةِ فِيهِمْ ولا لِلْأسى عَلَيْهِمْ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم أشَدَّ الطَّرْدِ المَلِكُ الأعْظَمُ لِما ذُكِرَ مِن إفْسادِهِمْ وتَقْطِيعِهِمْ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ لَعِبِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأصَمَّهُمْ﴾ عَنِ الِانْتِفاعِ بِما يَسْمَعُونَ ﴿وأعْمى أبْصارَهُمْ﴾ عَنِ الِارْتِفاقِ بِما يُبْصِرُونَ، (p-٢٤٣)فَلَيْسَ سَماعُهم سَماعَ ادِّكارٍ، ولا إبْصارُهم إبْصارَ اعْتِبارٍ، فَلا سَماعَ لَهم ولا إبْصارَ.
محمد 47:24
ولَمّا أخْبَرَ بِذَلِكَ فَكانَ رُبَّما سَألَ مَن لا يَعِي الكَلامَ حَقَّ وعْيِهِ عَنِ السَّبَبِ المُوجِبِ لِلَّعْنِ المُسَبِّبِ لِلصَّمِّ والعَمى، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا مُظْهِرًا لِتاءِ التَّفَعُّلِ إشارَةً إلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ صَرْفُ جَمِيعِ الهِمَّةِ إلى التَّأمُّلِ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ أيْ: كُلُّ مَن لَهُ أهْلِيَّةُ التَّدَبُّرِ بِقُلُوبٍ مُنْفَتِحَةٍ مُنْشَرِحَةٍ لِيَهْتَدُوا إلى [كُلِّ] خَيْرٍ ﴿القُرْآنَ﴾ بِأنْ يُجْهِدُوا أنْفُسَهم في أنْ يَتَفَكَّرُوا في الكِتابِ الجامِعِ لِكُلِّ خَيْرٍ الفارِقِ بَيْنَ كُلِّ مُلْبِسٍ تَفَكُّرَ مَن يَنْظُرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وماذا يَلْزَمُ مِن عَواقِبِها لِيَعْلَمُوا أنَّهُ لا عَوْنَ عَلى الإصْلاحِ في الأرْضِ وصِلَةِ الأرْحامِ والإخْلاصِ لِلَّهِ في لُزُومِ كُلِّ طاعَةِ والبَراءَةِ مِن كُلِّ مَعْصِيَةٍ مِثْلَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مِنَ الجِهادِ بِالسَّيْفِ وما دُونَهُ، ورُبَّما دَلَّ إظْهارُ التّاءِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن أظْهَرِ ما في القُرْآنِ مِنَ المَعانِي، فَلا يُحْتاجُ في العُثُورِ عَلَيْهِ إلى كَبِيرِ تَدَبُّرٍ. واللَّهُ أعْلَمُ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا فَكانَ مَعْناهُ نَفْيًا، فَهو لِكَوْنِهِ داخِلًا عَلى النَّفْيِ نُفِيَ لَهُ فَصارَ إثْباتًا، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ يُجَدِّدُونَ التَّدَبُّرَ تَجْدِيدًا مُسْتَمِرًّا لِتَرِقَّ قُلُوبُهم بِهِ وتُنِيرَ بَصائِرُهم لَهُ، فَيَكُفُّوا عَنْ (p-٢٤٤)الإفْسادِ والتَّقْطِيعِ، عادَلَهُ بِقَوْلِهِ مُشَبِّهًا لِلْقُلُوبِ بِالصَّنادِيقِ دالًّا عَلى ذَلِكَ التَّشْبِيهِ بِذِكْرِ ما هو مُخْتَصٌّ بِالصَّنادِيقِ مِنَ الأقْفالِ: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ﴾ مِن قُلُوبِ الغافِلِينَ لِذَلِكَ، ونَكَّرَها لِتَبْعِيضِها وتَحْقِيرِها بِتَعْظِيمِ قَسْوَتِها ﴿أقْفالُها﴾ أيِ: الحَقِيقَةُ بِها الجَدِيرَةُ بِأنْ تُضافَ إلَيْها، فَهي لِذَلِكَ لا تَعِي شَيْئًا ولا تَفْهَمُ أمْرًا ولا تَزْدادُ إلّا غَباوَةً وعِنادًا، لِأنَّها لا تَقْدِرُ عَلى التَّدَبُّرِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَلا تَدْخُلُها زَواجِرُ التَّنْبِيهِ ولا يَنْبَسِطُ عَلَيْها شُعاعُ العِلْمِ، فَلا يَحْصُلُ لَهم فَهْمُ الخِطابِ، والبابُ إذا كانَ مُقْفَلًا فَكَما لا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ فَلا يَخْرُجُ ما فِيهِ، فَلا كُفْرُهم يَخْرُجُ ولا الإيمانُ الَّذِي يُدْعَوْنَ إلَيْهِ يَدْخُلُ. انْتَهى.
والإضافَةُ تُشْعِرُ بِأنَّ [بَعْضَ] المُتَوَلِّينَ عَلى قُلُوبِهِمْ أقْفالٌ، لَكِنْ لَيْسَتْ مُتَمَكِّنَةً فِيها، فَهو سُبْحانُهُ يَفْتَحُها بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ إذا أرادَ، وأمّا الأوَّلُونَ فَلا صَلاحِيَةَ لَهُمْ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أعْظَمُ حاثٍّ عَلى قَبُولِ أوامِرِ اللَّهِ لا سِيَّما الجِهادُ في سَبِيلِهِ وأشَدُّ زاجِرٍ عَنِ الإعْراضِ عَنْهُ؛ لِأنَّ حاصِلَها أنَّهُ لَعَنَ مَن أعْرَضَ عَنْهُ لِكَوْنِهِ لا يَتَدَبَّرُ القُرْآنَ مَعَ وُضُوحِهِ ويُسْرِهِ لِيَعْلَمَ فَوائِدَ الجِهادِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ المُحَبِّبَةِ فِيهِ، فَكانَ [كَأنَّ] قَلْبَهُ مُقْفَلٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٢٤٥)ذَكَرَ التَّدَبُّرَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، والأقْفالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ نَتِيجَةَ الخَيْرِ الكافِلَةَ بِالسَّعادَةِ أوَّلًا وسَبَبَ الشَّرِّ الجامِعِ لِلشَّقاوَةِ ثانِيًا.
محمد 47:25
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأقْفالِ قُلُوبِهِمْ، بَيَّنَ مَنشَأ ذَلِكَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنَبُّهًا [لِمَن لا يَهْتَمُّ بِهِ] عَلى أنَّهُ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالنَّظَرِ فِيهِ لِيُخَلِّصَ الإنْسانُ نَفْسَهُ مِنهُ، وتَكْذِيبًا لِمَن يُقالُ: إنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا﴾ أيْ: عالَجُوا نُفُوسَهم في مُنازَعَةِ الفِطْرَةِ الأُولى في الرُّجُوعِ عَنِ الإسْلامِ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى أدْبارِهِمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، فَقَلَّبُوا وُجُوهَ الأُمُورِ إلى ظُهُورِها، فَوَقَعُوا في الضَّلالِ فَكَفَرُوا.
ولَمّا كانَ الَّذِي يُلامُونَ عَلَيْهِ تَرْكَ ما أتاهم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِمّا أوْحاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ، لا ما في غَرائِزِهِمْ مِنَ المِلَّةِ الَّتِي يَكْفِي في الهِدايَةِ إلَيْها نُورُ العَقْلِ، وكانَ الذَّمُّ لاحِقًا بِهِمْ ولَوْ كانَ ارْتِدادُهم في أدْنى وقْتٍ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ غايَةَ البَيانِ الَّذِي لا خَفاءَ مَعَهُ بِوَجْهٍ، وظَهَرَ غايَةَ الظُّهُورِ ﴿لَهُمُ﴾ بِالدَّلائِلِ الَّتِي هي مِن شِدَّةِ ظُهُورِها غَنِيَّةٌ عَنْ بَيانٍ مُبِينٍ ﴿الهُدى﴾ أيِ: الَّذِي أتاهم بِهِ رَسُولُنا ﷺ.
(p-٢٤٦)ولَمّا كانُوا قَدْ أحْرَقُوا بِذَلِكَ أنْفُسَهم وأبْعَدُوها بِهِ غايَةَ البُعْدِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، عَبَّرَ عَنِ المَغْوِيِّ بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿الشَّيْطانُ﴾ أيِ: المُحْتَرِقُ بِاللَّعْنَةِ البَعِيدُ مِنَ الرَّحْمَةِ ﴿سَوَّلَ﴾ أيْ: حَسَّنَ ﴿لَهُمُ﴾ بِتَزْيِينِهِ وإغْوائِهِ الَّذِي حَصَلَ لَهم مِنهُ اسْتِرْخاءٌ في عَزائِمِهِمْ وفُتُورٌ في هِمَمِهِمْ فَجَرَوْا مَعَهُ في مُرادِهِ في طُولِ الأمَلِ، والإكْثارِ مِن مَواقَعَةِ الزَّلَلِ والأمانِيِّ مِن جَمِيعِ الشَّهَواتِ والعِلَلِ، بَعْدَ أنْ زَيَّنَ لَهم سُوءَ العَمَلِ، بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِنهُمْ، وهَذا لِما عَلِمَ سُبْحانَهُ مِنهم حالَ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿وأمْلى لَهُمْ﴾ أيْ: أطالَ في ذَلِكَ ووَسَّعَ بِتَكْرارِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَلى تَعاقُبِ المَلَوَيْنِ ومَرِّ الجَدِيدَيْنِ حَتّى نَسُوا المَواعِظَ وأعْرَضُوا عَنِ الذِّكْرِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ واللّامِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ البَصْرِيِّينَ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ اللّامِ فالمُرادُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُمْلِي - أيِ المُمْهِلُ - لَهم بِإطالَةِ العُمْرِ وإسْباغِ النِّعَمِ، وتَسْهِيلِ الأمانِيِّ والحِلْمِ عَنِ المُعاجَلَةِ بِالنِّقَمِ، حَتّى اغْتَرُّوا، وهي أيْضًا مُوافِقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٥] وأمّا في قِراءَةِ (p-٢٤٧)أبِي عَمْرٍو بِفَتْحِ الياءِ فَهو فِعْلٌ ماضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ودَلَّ عَلى أنَّ المُمْلِيَ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قِراءَةُ يَعْقُوبَ بِإسْكانِ الياءِ عَلى أنَّهُ مُضارِعٌ هَمْزَتُهُ لِلْمُتَكَلِّمِ.
محمد 47:26
ولَمّا بَيَّنَ تَسْلِيطَهُ الشَّيْطانَ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ سَبَبَهُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ البَعِيدُ مِنَ الخَيْرِ وما دَلَّ عَلَيْهِ صَرِيحُ العَقْلِ ﴿بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَوَلِّينَ ﴿قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما﴾ أيْ: جَمِيعَ ما ﴿نَـزَّلَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ عَلى التَّدْرِيجِ بِحَسْبِ الوَقائِعِ تَنْزِيلًا فِيهِ إعْجازُ الخَلْقِ في بَلاغَةِ التَّرْكِيبِ مَعَ فَصاحَةِ المُفْرَداتِ وجَزالَتِها مَعَ السُّهُولَةِ في النُّطْقِ والعُذُوبَةِ في السَّمْعِ والمُلاءَمَةِ لِلطَّبْعِ كَما يَشْهَدُ بِهِ كُلُّ ذَوْقٍ مِنَ الأغْبِياءِ والأذْكِياءِ عَلى تَبايُنِهِمْ في مَراتِبِ الغَباوَةِ والذَّكاءِ، وإعْجازٍ آخَرَ لَهم في رَصانَةِ المَعْنى وحِكْمَتِهِ، وثالِثٌ في مُطابَقَتِهِ لِلْحالِ الَّذِي اقْتَضى نُزُولُهُ مُطابَقَةً يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِها، ورابِعٌ بِنَظْمِهِ مَعَ ما نَزَلَ قَبْلَهُ مِنَ الآياتِ، لا عَلى تَرْتِيبِ النُّزُولِ، بَلْ عَلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الَّتِي تَتَضاءَلُ دُونَها الأفْكارُ، وتُوَلِّي خاسِئَةً مِن جَلالَتِها عَلى الأدْبارِ، بَصائِرُ أُولِي الأبْصارِ، وهَؤُلاءِ المَقُولُ لَهم هَذا الكَلامُ هم -واللَّهُ أعْلَمُ- المُصارِحُونَ بِالكُفْرِ، قالُوا لَهم بَعْدَ هَذِهِ الأدِلَّةِ مِنَ الإعْجازاتِ، وما تَقَدَّمَها مِن (p-٢٤٨)الآياتِ البَيِّناتِ الواضِحاتِ: ﴿سَنُطِيعُكُمْ﴾ بِوَعْدٍ صادِقٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿فِي بَعْضِ الأمْرِ﴾ وهو القِتالُ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي تَقَدَّمَ أنَّهم عِنْدَ نُزُولِ سُورَةٍ يُذْكَرُ بِها يَصِيرُونَ كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ، [فَأنْتُمْ في أمانٍ] مِن أنْ نُقاتِلَكم أبَدًا؛ فَإنّا إنَّما أسْلَمْنا لِلْأمانِ عَلى دِمائِنا وأمْوالِنا، والَّذِي نُحِبُّهُ مِمّا يَنْزِلُ هو التَّأْمِينُ لِمَن أقَرَّ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ والقَناعَةِ مِنهُ بِالظّاهِرِ والوَعْدِ العامِّ بِالتَّبَسُّطِ في البِلادِ والتَّوْسِعَةِ في الأرْزاقِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكانُوا بِذَلِكَ كَفَرَةً؛ فَإنَّ الدِّينَ لا يَتَجَزَّأُ، فَمَن أضاعَ مِن أُصُولِهِ شَيْئًا فَقَدْ أضاعَهُ كُلَّهُ، والتَّقْيِيدُ بِالبَعْضِ يُفْهِمُ أنَّهم لا يُطِيعُونَهم في البَعْضِ الآخَرِ، وهو إظْهارُ الإسْلامِ والتَّصَوُّرِ بِصُورَةِ المُسالَمَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَبَلَهم جِبِلَّةً هَيَّأهم فِيها لِمِثْلِ هَذا، فَلَمّا قالُوهُ مُضَيِّعِينَ لِما مَنَّ عَلَيْهِمْ مِن غَرِيزَةِ العَقْلِ اسْتَحَقُّوا في مَجارِي عاداتِنا لِاخْتِيارِهِمْ طاعَةَ العَدُوِّ - مَعَ تَغْيِيبِ عِلْمِ العَواقِبِ عَنْهم - أنْ يُخْذَلُوا ويُسَلَّطَ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ أخْذُهم في الظّاهِرِ مِمَّنْ أطاعُوهُ في الباطِنِ، ولَوْ أنَّهُمُ اسْتَمْسَكُوا بِدِينِهِمْ وكانُوا مَعَ أهْلِهِ يَدًا عَلى مَن سِواهم لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ عَدُوٌّ، ولا طَرَقَتْهم طارِقَةٌ يَكْرَهُونَها بِسُوءٍ.
(p-٢٤٩)ولَمّا كانَ مَن لَهُ أدْنى عَقْلٍ لا يَخُونُ إلّا [إذا] ظَنَّ أنَّ خِيانَتَهُ تَخْفى لِيَأْمَنَ عاقِبَتَها، صَوَّرَ قَباحَةَ ما ارْتَكَبُوهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: قالُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّ المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ عَلى مَرِّ الأوْقاتِ ﴿إسْرارَهُمْ﴾ أيْ: كُلَّها هَذا الَّذِي أفْشاهُ عَلَيْهِمْ وغَيْرُهُ مِمّا في ضَمائِرِهِمْ مِمّا لَمْ يَبْرُزْ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، ولَعَلَّهم لَمْ يَعْلَمُوهُ هم فَضْلًا عَنْ أقْوالِهِمُ الَّتِي تَحَدَّثَتْ بِها ألْسِنَتُهم فَبانَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا أدْيانَ لَهم ولا عُقُولَ ولا مُرُوءاتٍ.
محمد 47:27
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى إحاطَةَ عِلْمِهِ بِهِمْ، أتْبَعَهُ إحاطَةَ قُدْرَتِهِ فَقالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْ خِيانَتِهِمْ وهم في القَبْضَةِ بِما لا يَخْفى مِمّا يُرِيدُونَ بِهِ صِيانَةَ أنْفُسِهِمْ عَنِ القَتْلِ مُعَبِّرًا بِالِاسْتِفْهامِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ حالَهم مِمّا يُجازَوْنَ بِهِ عَلى هَذا الِاسْتِحْقاقِ لَهُ مِنَ البَشاعَةِ والقَباحَةِ والفَظاعَةِ ما يَحِقُّ السُّؤالُ عَنْهُ لِأجْلِهِ [فَقالَ]: ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ: حالُهم ﴿إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ: قَبَضَتْ رُسُلُنا وهم مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ أرْواحَهم كامِلَةً، فَجازَتْها إلى دارِ الجَزاءِ مَقْطُوعَةً عَنْ جَمِيعِ أسْبابِهِمْ [وأنْسابِهِمْ] فَلَمْ يَنْفَعْهم تَقاعُدُهم عَنِ الجِهادِ في تَأْخِيرِ آجالِهِمْ، وصَوَّرَ حالَهم وقْتَ تَوَفِّيهِمْ (p-٢٥٠)فَقالَ: ﴿يَضْرِبُونَ﴾ أيْ: يُتابِعُونَ في حالِ التَّوْفِيَةِ ضَرْبَهم ﴿وُجُوهَهُمْ﴾ الَّتِي هي أشْرَفُ جَوارِحِهِمُ الَّتِي جَبُنُوا عَنِ الحَرْبِ صِيانَةً [لَها] عَنْ ضَرْبِ الكُفّارِ. ولَمّا كانَ حالُهم في جُبْنِهِ مُقْتَضِيًا لِضَرْبِ الأقْفاءِ، صَوَّرَهُ بِأشْنَعِ صُوَرِهِ فَقالَ: ﴿وأدْبارَهُمْ﴾ الَّتِي ضَرْبُها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى هَوانِ المَضْرُوبِ وسَفالَتِهِ ثُمَّ تَتَّصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ [آلامُهم وعَذابُهم وهَوانُهم إلى ما لا آخِرَ لَهُ.
محمد 47:28
ولَمّا كانَ كُفْرانُ النَّعِيمِ يُوجِبُ] مَعَ إحْلالِ النِّعَمِ إبْطالَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الخَدَمِ قالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ الإهانَةِ مِن [فِعْلِ] رُسُلِنا [بِهِمْ] ﴿بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا﴾ أيْ: عالَجُوا فِطَرَهُمُ الأُولى في أنْ تَبِعُوا عِنادًا مِنهم ﴿ما أسْخَطَ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ وهو العَمَلُ بِمَعاصِيهِ مِن مُوالاةِ أعْدائِهِ ومُناواةِ أوْلِيائِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ فِعْلُ ما يُسْخِطُ قَدْ يَكُونُ مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ أنَّهُ يُسْخِطُ، بَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿وكَرِهُوا﴾ أيْ: بِالإشْراكِ ﴿رِضْوانَهُ﴾ بِكَراهَتِهِمْ [أعْظَمَ] أسْبابِ رِضاهُ وهو الإيمانُ، فَهم لِما دُونَهُ بِالقُعُودِ عَنْ سائِرِ الطّاعاتِ أكْرَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ ظاهِرٌ غايَةَ (p-٢٥١)الظُّهُورِ في أنَّهُ مُسْخِطٌ فَفاعِلُهُ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ مَعْذُورٍ في تَرْكِ النَّظَرِ فِيهِ ﴿فَأحْبَطَ﴾ أيْ: فَلِذَلِكَ تَسَبَّبَ عَنْهُ أنَّهُ أفْسَدَ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ الصّالِحَةَ فَأسْقَطَها بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَها وزْنٌ أصْلًا لِتَضْيِيعِ الأساسِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن قِرى الضَّيْفِ والأخْذِ بِيَدِ الضَّعِيفِ والصَّدَقَةِ والإعْتاقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الإرْفاقِ.
محمد 47:29
ولَمّا صَوَّرَ سُبْحانَهُ ما أثَّرَتْهُ خِيانَتُهم بِأقْبَحِ صُوَرِهِ، فَبانَ [بِهِ] أنَّهُ ما حَمَلَهم عَلى ما فَعَلُوهُ إلّا جَهْلُهم وسَفاهَتُهُمْ، فَأنْتَجَ إهانَتَهم بِالتَّبْكِيتِ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أعَلِمُوا حِينَ قالُوا ما يُسْخِطُنا أنّا نَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ، وإنَّ قُدْرَتَنا مُحِيطَةٌ بِهِمْ لِيَكُونُوا قَدْ وطَّنُوا أنْفُسَهم عَلى أنّا نُظْهِرُ لِلنّاسِ ما يَكْتُمُونَهُ ونَأْخُذُهم أخْذًا وبِيلًا فَيَكُونُوا أجْهَلَ الجَهَلَةِ: ﴿أمْ﴾ حَسِبُوا لِضَعْفِ عُقُولِهِمْ - بِما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالحُسْبانِ - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى الآفَةِ الَّتِي أدَّتْهم إلى ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ﴾ الَّتِي إذا فَسَدَتْ فَسَدَ جَمِيعُ أجْسادِهِمْ ﴿مَرَضٌ﴾ أيْ: آفَةٌ لا طِبَّ لَها حُسْبانًا هو في غايَةِ الثَّباتِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبْرِزَ مَن هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ الكَمالِ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (p-٢٥٢)عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿أضْغانَهُمْ﴾ أيْ: مَيْلَهم وما يُبْطِنُونَهُ [فِي] دَواخِلِ أكْشاحِهِمْ مِنَ اعْوِجاجِهِمُ الدّالِّ عَلى أحْقادِهِمْ، وهي أنَّهم كاتِمُونَ عَداوَةً في قُلُوبِهِمْ مُصِرُّونَ عَلَيْها يَتَرَقَّبُونَ الدَّوائِرَ لِانْتِهازِ فُرْصَتِها، لَيْسَ الأمْرُ كَما تَوَهَّمُوا بَلِ اللَّهُ يَفْضَحُهم ويَكْشِفُ تَلْبِيسَهم.
محمد 47:30
ولَمّا عُلِمَ مِن ذَلِكَ إحاطَةُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وشُمُولُ قُدْرَتِهِ عِلْمَ ما لَهُ سُبْحانَهُ مِن باهِرِ العَظَمَةِ وقاهِرِ العِزَّةِ، فَنَقَلَ الكَلامَ إلى أُسْلُوبِها تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: خابَتْ ظُنُونُهم وفالَتْ آراؤُهم فَلَنُخْرِجَنَّ ما يُبالِغُونَ في سَتْرِهِ حَتّى لا نَدَعَ مِنهُ شَيْئًا يُرِيدُونَ إخْفاءَهُ إلّا كَشَفْناهُ وأبْدَيْناهُ لِلنّاسِ وأوْضَحْناهُ، فَإنّا نَعْلَمُهم ونَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم مِن قَبْلَ أنْ نَخْلُقَهُمْ، فَلَوْ نَشاءُ لَفَضَحْناهم حَتّى يَعْرِفَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ، فَلا يَخْفى مِنهم أحَدٌ عَلى أحَدٍ [مِنهُمْ] فَقالَ تَعالى: ﴿ولَوْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوُهُ لِلْحالِ؛ أيْ: أمْ حَسِبُوا ذَلِكَ والحالُ أنّا لَوْ ﴿نَشاءُ﴾ أيْ: وقَعَتْ مِنّا مَشِيئَةٌ الآنَ أوْ قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ. ولَمّا كانُوا لِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ لا يَتَصَوَّرُونَ أنَّ سَرائِرَهم كُلَّها مَعْلُومَةٌ مَقْدُورٌ عَلى أنْ يَعْلَمَها بَشَرٌ مِثْلَهُمْ، أكَّدَ قَوْلَهُ: (p-٢٥٣)﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ أيْ: رُؤْيَةً تامَّةً كاشِفَةً لَكَ الغِطاءَ عَنْهم ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ﴾ أيْ: فَتَعَقَّبَتْ رُؤْيَتَكَ إيّاهم مَعْرِفَتُكَ لَهم أنْتَ بِخُصُوصِكَ ﴿بِسِيماهُمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ عَلاماتِهِمُ الَّتِي نَجْعَلُها عالِيَةً عَلَيْهِمْ [غالِبَةً لَهُمْ] في إظْهارِ ضَمائِرِهِمْ عَلَيْها لا يَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَتِها بِوَجْهٍ، ولَمْ يَذْكُرْهم سُبْحانَهُ بِأسْمائِهِمْ إبْقاءً عَلى قَراباتِهِمُ المُخَلَّصِينَ مِنَ الفِتَنِ.
ولَمّا انْقَضى ما عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ مِمّا كانَ مُمْكِنًا لَهُ في الماضِي وغَيْرِهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما يَجُزُّهُ لَهُ مِمّا كُشِفَ مِن أمْرِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِاسْتِبْعادِ مَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِنهم أوْ مِمَّنْ شارَكَهم في مَرَضِ القَلْبِ مِن غَيْرِهِمْ فَقالَ في جَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِاللّامِ: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا الوَقْتِ مَعْرِفَةً تَتَجَدَّدُ بِحَسْبِ تَجَدُّدِ أقْوالِهِمْ مُسْتَمِرَّةً بِاسْتِمْرارِ ضَمائِرِهِمُ الخَبِيثَةِ وإسْرارِهِمْ ﴿فِي لَحْنِ القَوْلِ﴾ أيِ: الصّادِرِ مِنهُمْ، ولَحْنُهُ فَحَواهُ؛ أيْ مَعْناهُ. ومَذْهَبُهُ [و] ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ويَلُوحُ بِهِ مِن مِثْلِهِ عَنْ حَقائِقِهِ إلى عَواقِبِهِ وما ”يَؤُلْ إلَيْهِ“ أمْرُهُ مِمّا يَخْفى عَلى غَيْرِكَ، (p-٢٥٤)وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: هو ما تَنْحُو إلَيْهِ بِلِسانِكَ؛ أيْ: تَمِيلُ إلَيْهِ لِيَفْطَنَ لَكَ صاحِبُكَ وتُخْفِيهِ عَلى مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ بِمُرادِكَ، وعَلى القَوْلِ بِالتَّحْقِيقِ فَلَحْنُ القَوْلِ ما يَبْدُو مِن غَرَضِ الكَلامِ وخَفِيّاتِ الخِطابِ وسِياقِ اللَّفْظِ وهَيْئَةِ السَّحْنَةِ حالَ القَوْلِ وإنْ لَمْ يُرِدِ المُتَكَلِّمُ أنْ يُظْهِرَهُ ولَكِنَّهُ عَلى الأغْلَبِ يُغَلِّبُهُ حالًا، فَلا يَقْدِرُ عَلى كُلِّ كَتْمِهِ وإنْ كانَ في تَكْلِيمِهِ مُعْتَمِدًا عَلى ذَلِكَ، وحَقِيقَتُهُ حالٌ يَلُوحُ عَنِ السِّرِّ وإظْهارِ كَلامِ الباطِنِ يَكادُ يُناقِضُ كَلامَ اللِّسانِ بِحالٍ خَفِيَّةٍ ومَعانٍ يَقِفُ عَلَيْها باطِنُ التَّخاطُبِ [و] قالَ:
؎ولَقَدْ لَحَنْتُ لَكم لِكَيْما تَفْقَهُوا واللَّحْنُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الألْبابِ
وقالَ [آخَرُ]:
؎عَيْناكَ قَدْ دَلَّتا عَيْنايَ مِنكَ عَلى ∗∗∗ أشْياءَ لَوْلاهُما ما كُنْتُ أدْرِيها
وقالَ أبُو حَيّانَ: كانُوا اصْطَلَحُوا عَلى ألْفاظٍ يُخاطِبُونَ بِها الرَّسُولَ ﷺ مِمّا ظاهِرُهُ حَسَنٌ ويَعْنُونَ بِهِ القَبِيحَ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: وقِيلَ لِلْمُخْطِئِ: لاحِنٌ؛ لِأنَّهُ يَعْدِلُ بِالكَلامِ عَنِ الصَّوابِ: وقالَ البَغَوِيُّ: لِلَّحْنِ وجْهانِ: صَوابٌ [وخَطَأٌ]، فالفِعْلُ مِنَ الصَّوابِ لَحَنَ يَلْحَنُ (p-٢٥٥)لَحْنًا فَهو لَحِنٌ، إذا فَطِنَ لِلشَّيْءِ، والفِعْلُ مِنَ الخَطَأِ لَحَنَ يَلْحَنُ لَحْنًا فَهو لاحِنٌ، والأصْلُ فِيهِ إزالَةُ الكَلامِ عَنْ جِهَتِهِ، [قالَ]: فَكانَ بَعْدَ هَذا لا يَتَكَلَّمُ مُنافِقٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إلّا عَرَفَهُ، وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: «وعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما خَفِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْءٌ مِنَ المُنافِقِينَ، [كانَ يَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ، ولَقَدْ كُنّا في غَزْوَةٍ وفِيها سَبْعَةٌ مِنَ المُنافِقِينَ] يَشْكُرُهُمُ النّاسُ فَنامُوا ذاتَ لَيْلَةٍ وأصْبَحُوا عَلى جَبْهَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مَكْتُوبٌ ”هَذا مُنافِقٌ“» ومَثَّلَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ”ما لَنا إنْ أطَعْنا مِنَ الثَّوابِ“ قالَ: ولا يَقُولُونَ: [ما لَنا] إنْ عَصَيْنا مِنَ العِقابِ.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يَعْلَمُ ظَواهِرَهم وبَواطِنَهُمْ، وأنَّهُ يُجَلِّيهِمْ لِنَبِيِّهِ ﷺ في صُوَرِ ما يُخْفُونَهُ مِن أقْوالِهِمْ، وأكَّدَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِشَكِّهِمْ فِيهِ، واجَهَهم بِالتَّبْكِيتِ زِيادَةً في إهانَتِهِمْ عامًّا لِغَيْرِهِمْ إعْلامًا بِأنَّهُ مُحِيطٌ بِالكُلِّ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاللَّهُ يَعْلَمُ أقَوْلَكُمْ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: مِمّا لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿يَعْلَمُ أعْمالَكُمْ﴾ كُلَّها الفِعْلِيَّةَ والقَوْلِيَّةَ جَلِيَّها وخَفِيَّها، عِلْمًا ثابِتًا غَيْبِيًّا وعِلْمًا راسِخًا شُهُودِيًّا يَتَجَدَّدُ (p-٢٥٦)بِحَسَبٍ تُجَدِّدُها مُسْتَمِرًّا بِاسْتِمْرارِ ذَلِكَ.
محمد 47:31
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ يُعَرِّفُهم لِنَبِيِّهِ ﷺ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ بِأنَّهُ يُعَرِّفُهم لِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ أيْضًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ظَنِّهِمْ أنَّ عِنْدَهم مِنَ المَلِكَةِ الشَّدِيدَةِ والعَقْلِ الرَّصِينِ ما يُخْفُونَ بِهِ أُمُورَهُمْ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أيْ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى بِأنْ نُخالِطَكم بِما لَنا مِن صِفاتِ العَظَمَةِ بِالأوامِرِ الشَّدِيدَةِ عَلى النُّفُوسِ والنَّواهِي الكَرِيهَةِ إلَيْها والمَصائِبِ، خَلْطَةً مُمِيلَةً مُحِيلَةً، وهَكَذا التَّقْدِيرُ في الفِعْلَيْنِ الآتِيَيْنِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالنُّونِ جَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ، وفي قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِالياءِ الضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي هو مُحِيطٌ بِصِفاتِ العَظَمَةِ الرّاجِعَةِ إلى القَهْرِ وغَيْرِها مِن صِفاتِ الإكْرامِ الآئِلَةِ إلى الإنْعامِ، فَهو في غايَةِ المُوافَقَةِ لِقِراءَةِ النُّونِ ﴿حَتّى نَعْلَمَ﴾ بِالِابْتِلاءِ عِلْمًا شُهُودِيًّا يَشْهَدُهُ غَيْرُنا مُطابِقًا لِما كُنّا نَعْلَمُهُ عِلْمًا غَيْبِيًّا فَنَسْتَخْرِجُ مِن سَرائِرِكم ما كَوَّنّاهُ فِيكم [وجَبَلْناكم عَلَيْهِ مِمّا لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنكُمْ] بَلْ ولا تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ حَقَّ عِلْمِهِ ﴿المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾ في القِتالِ و[فِي] سائِرِ الأعْمالِ والشَّدائِدِ والأهْوالِ امْتِثالًا لِلْأمْرِ بِذَلِكَ.
ولَمّا كانَ عِمادُ الجِهادِ الصَّبْرَ عَلى المَكارِهِ قالَ تَأْكِيدًا لِأمْرِهِ: (p-٢٥٧)﴿والصّابِرِينَ﴾ أيْ: عَلى شَدائِدِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْكادِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فَبِالِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ تَتَبَيَّنُ جَواهِرُ الرِّجالِ، فَيَظْهَرُ المُخْلِصُ ويَتَّضِحُ المُماذِقُ ويَنْكَشِفُ المُنافِقُ. ولَمّا نَصَبَ مِعْيارًا لِلْعِلْمِ بِالذَّواتِ، أتْبَعَهُ مِسْبارًا لِلْمَعْرِفَةِ لِلْأخْيارِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”نَعْلَمُ“ في رِوايَةِ الجَماعَةِ وعَلى ”نَبْلُو“ في الرِّوايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ بِإسْكانِ الواوِ: ﴿ونَبْلُوَ أخْبارَكُمْ﴾ أيْ: نُخالِطُها بِأنْ نُسَلِّطَ عَلَيْها مَن يُحَرِّفُها فَيَجْعَلُ حُسْنَها قَبِيحًا وقَبِيحًا مَلِيحًا لِيَظْهَرَ لِلنّاسِ العامِلُ لِلَّهِ والعامِلُ لِلشَّيْطانِ، فَإنَّ العامِلَ لِلَّهِ إذا سَمّى قَبِيحَهُ بِاسْمِ الحَسَنِ عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ إحْسانٌ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ فَيَسْتَحْيِي مِنهُ ويَرْجِعُ إلَيْهِ، وإذا سَمّى حَسَنَهُ بِاسْمِ القَبِيحِ واشْتُهِرَ بِهِ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لُطْفٌ مِنَ اللَّهِ بِهِ كَيْلا يُدْرِكَهُ العَجَبُ أوْ يُهاجِمَهُ الرِّياءُ فَيَزِيدُ في إحْسانِهِ، والعامِلُ لِلشَّيْطانِ يَزْدادُ في القَبائِحِ؛ لِأنَّ شُهْرَتَهُ عِنْدَ النّاسِ مَحَطُّ نَظَرِهِ، ويَرْجِعُ عَنِ الحَسَنِ لِأنَّهُ لَمْ يُوصِلْهُ إلى ما أرادَ بِهِ مِن ثَناءِ النّاسِ عَلَيْهِ بِالخَبَرِ ولَمْ يُؤَكِّدْ بِنا، وفي قِراءَةِ يَعْقُوبَ إشارَةً إلى أنَّ إحالَةَ حالِ المُخْبَرِ بَعْدَ ظُهُورِ خَبَرِهِ أسْهَلُ مِن إحالَتِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، وعَنِ الفُضَيْلِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ بَكى وقالَ: اللَّهُمَّ لا تَبْلُنا؛ فَإنَّكَ إنْ بَلَوْتَنا هَتَكْتَ أسْتارَنا وفَضَحْتَنا.
محمد 47:32
(p-٢٥٨)ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ الإنْسانَ لا يُعَذِّبُ ولا يُهَدِّدُ إلى مَن ضَرَّهُ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الإخْبارِ بِنَكالِهِمْ وقَبِيحِ أعْمالِهِمْ مُهَيِّئًا لِلسُّؤالِ عَنْ ذَلِكَ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِظَنِّهِمْ أنَّهم هُمُ الغالِبُونَ لِحِزْبِ اللَّهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: غَطَّوْا مَن دَلَّتْ عَلَيْهِ عُقُولُهم مِن ظاهِرِ آياتِ اللَّهِ لا سِيَّما بَعْدَ إرْسالِ الرَّسُولِ المُؤَيَّدِ بِواضِحِ المُعْجِزاتِ ﷺ ﴿وصَدُّوا﴾ أيِ امْتَنَعُوا ومَنَعُوا غَيْرَهم زِيادَةً في كُفْرِهِمْ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الطَّرِيقِ الواضِحِ الَّذِي نَهَجَهُ المَلِكُ الأعْظَمُ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ السِّياقِ لِلْمُساتِرِينَ بِكُفْرِهِمْ، أدْغَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وشاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أيِ: الكامِلَ في الرُّسْلِيَّةِ المَعْرُوفَةِ غايَةَ المَعْرِفَةِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ عَفا عَنْ إهْمالِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ عَلى الوَحْدانِيَّةِ قَبْلَ الإرْسالِ، قالَ مُثْبِتًا الجارَّ إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَغْفِرُ لِمُضَيِّعِهِ بَعْدَ الإرْسالِ ولَوْ في أدْنى وقْتٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ﴾ أيْ: غايَةَ التَّبَيُّنِ بِالمُعْجِزِ ﴿لَهُمُ الهُدى﴾ بِحَيْثُ صارَ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُحْتاجٍ بِما أظْهَرَهُ الرَّسُولُ مِنَ الخَوارِقِ إلى مُبِينٍ، ومِنهُ ما أخْبَرَتْ بِهِ الكُتُبُ القَدِيمَةُ الإلَهِيَّةُ.
ولَمّا كانَ المُناصِبُ لِلرَّسُولِ إنَّما ناصَبَ مَن أرْسَلَهُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُعَرِّيًا لَهُ مِنَ الفاءِ دَلالَةً عَلى عَدَمِ التَّسْبِيبِ بِمَعْنى أنَّ عَدَمَ هَذا الضُّرِّ (p-٢٥٩)مَوْجُودٌ عَمِلُوا أوْ لَمْ يَعْمَلُوا وجَدُوا أوْ لَمْ يُوجِدُوا ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أيْ: مَلِكَ المُلُوكِ، ولَمْ يَقُلِ: الرَّسُولَ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: كَثِيرًا ولا قَلِيلًا مِن ضَرَرٍ بِما تَجَمَّعُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إنَّما ضَرُّوا أنْفُسَهم ناجِزًا بِأنَّهم أتْعَبُوها مِمّا لَمْ يُغْنِ عَنْهم شَيْئًا. عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وسَيُحْبِطُ﴾ أيْ: يُفْسِدُ فَيُبْطِلُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ مِنَ المَحاسِنِ لِبِنائِها مِنَ المُنافِقِ [عَلى غَيْرِ أساسٍ ثابِتٍ، فَهو إنَّما يُرائِي بِها، ومِنَ المُجاهِرِ عَلى غَيْرِ] أساسٍ أصْلًا، فَلا يَنْفَعُهم شَيْءٌ مِنها، ومِنَ المَكائِدِ الَّتِي يُرِيدُونَ بِها تَوْهِينَ الإسْلامِ ونَجْعَلُ تَدْمِيرَهم بِها في تَدْبِيرِهِمْ وإنْ تَناهَوْا في إحْكامِها، فَلا تُثْمِرُ لَهم إلّا عَكْسَ مُرادِهِمْ سَواءٌ.
محمد 47:33
ولَمًّا حَدّا ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مِن تَرْغِيبِ المُخْلِصِ وتَرْهِيبِ المُتَرَدِّدِ والمُبْطِلِ إلى الإخْلاصِ ودَعا إلى ذَلِكَ مَعَ بَيانِ أنَّهُ لا غَرَضَ أصْلًا، وإنَّما هو رَحْمَةٌ ولُطْفٌ وإحْسانٌ [و] مِن، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُنادِيًا مَنِ احْتاجَ إلى النِّداءِ مِن نَوْعِ بُعْدٍ لِاحْتِياجِهِ إلى ذَلِكَ وعَدَمِ مُبادَرَتِهِ قَبْلَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ ﴿أطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ (p-٢٦٠)الأعْظَمِ تَصْدِيقًا لِدَعْواكم طاعَتَهُ بِشِدَّةِ الِاجْتِهادِ فِيها أنَّها خالِصَةٌ، وعَظَّمَ الرَّسُولَ ﷺ بِإفْرادِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ لِأنَّ طاعَتَهُ مِن طاعَةِ الَّذِي أرْسَلَهُ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ حَقَّقْتُمْ أنْفُسَكم وأعْمالَكم كَما مَضى أوَّلَ السُّورَةِ، فَتَكُونُ صَحِيحَةً بِبِنائِها عَلى الطّاعَةِ بِتَصْحِيحِ النِّيّاتِ وتَصْفِيَتِها مَعَ الإحْسانِ لِلصُّورَةِ في الظّاهِرِ لِيَكْمُلَ العَمَلُ صُورَةً ورُوحًا.
ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ قَدْ تُحْمَلُ عَلى إقامَةِ الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى الإخْلاصِ لِتَكْمُلَ حِسًّا ومَعْنًى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ أيْ: بِمَعْصِيَتِهِما؛ فَإنَّ الأعْمالَ الصّالِحَةَ إذا نَوى لَها ما لا يُرْضِيهِما بِطَلَبٍ وإنْ كانَتْ في الذُّرْوَةِ مِن حُسْنِ الصُّورَةِ، فَكانَتْ صُورَةً بِلا مَعْنًى، فَهي مِمّا يَكُونُ هَباءً مَنثُورًا مِثْلَ ما فَعَلَ أُولَئِكَ المُظْهِرُونَ لِلْإيمانِ المُبْطِنُونَ لِلْمُشاقَقَةِ بِالنِّفاقِ والرِّياءِ والعُجْبِ والمَلْءِ والأذى ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَعاصِي، ولَكِنَّ السِّياقَ بِسِياقِهِ ولَحاقِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفْرَ هو المُرادُ الأعْظَمُ بِذَلِكَ، والآيَةُ [مِنَ الِاحْتِباكِ]: ذَكَرَ الطّاعَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى المَعْصِيَةِ ثانِيًا، والإبْطالَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى الصِّحَّةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ أمَرَ بِمَبْدَأِ (p-٢٦١)السَّعادَةِ ونَهى عَنْ نِهايَةِ الفَسادِ ثانِيًا؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ في النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ لِما فِيهِ مِن تَقْبِيحِ صُورَتِهِ وهَتْكِ سَرِيرَتِهِ.
محمد 47:34
ولَمّا دَلَّ ما أخْبَرَ بِهِ أوَّلًا عَنِ المُشاقِقِينَ عَلى أنَّهم مَغْلُوبُونَ في الدُّنْيا خاسِرُونَ في الآخِرَةِ، وكانَتِ الخَسارَةُ في الآخِرَةِ مَشْرُوطَةً بِشَرْطٍ، عَلَّلَ ما أُمِرَ بِهِ المُؤْمِنُونَ هُنا مِنَ الطّاعَةِ ونُهُوا عَنْهُ مِن إبْطالِ الأعْمالِ بِالمَعْصِيَةِ، [زِيادَةً] في حَثِّهِمْ عَلى ما أمَرَ بِهِ بِعِلَّتَيْنِ كُلٌّ مِنها مُسْتَقِلٌّ بِامْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ: إحْداهُما عَدَمُ المَغْفِرَةِ، والثّانِيَةُ بُطْلانُ الأعْمالِ والأمْوالِ بِكَوْنِ الدُّنْيا لا حَقِيقَةَ لَها، وقَدَّمَ الأُولى لِأنَّ الثّانِيَةَ - وهي أنَّ الدُّنْيا لَعِبٌ - كالعِلَّةِ الحاصِلَةِ عَلى ما أوْجَبَها، ومِن حُسْنِ التَّعْلِيمِ بَيانُ الحُكْمِ ثُمَّ تَعْلِيلُهُ بِأقْرَبِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ أوْ يَصُدُّ عَنْهُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُبْطِلُوها بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ الحامِلِ عَلَيْهِ الإقْبالُ عَلى الدُّنْيا الَّتِي هي عَيْنُ الباطِلِ؛ فَإنَّكم إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فاتَتْكُمُ المَغْفِرَةُ، وذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ مَضْمُونَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الكُفْرَ بِفِعْلِهِمْ فِعْلَ السّاتِرِ لِما دَلَّهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ مِن آياتِ اللَّهِ المَرْئِيَّةِ ثُمَّ المَسْمُوعَةِ ﴿وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الأعْلى الواضِحِ المُسْتَقِيمِ المُوصِلِ إلى كُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ يَقْصِدَ كُلُّ مَن أرادَهُ بِتَمادِيهِمْ عَلى باطِلِهِمْ وأذاهم لِمَن خالَفَهم.
ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا قَبِيحًا مِن جِهاتٍ عَدِيدَةٍ لِما فِيهِ مِن مُخالَفَةِ (p-٢٦٢)المَلِكِ الأعْظَمِ المَرْهُوبِ بَطْشُهُ المَحْذُورَةُ سَطْوَتُهُ، ومَن تَرَكَ الواسِعَ إلى الضَّيِّقِ والمُسْتَقِيمَ إلى المُعْوَجِّ والمُوصِلَ إلى الفَوْزِ [إلى] المُوصِلِ إلى الخَيْبَةِ، فَكانَ التَّمادِي فِيهِ في غايَةِ البُعْدِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ ماتُوا﴾ أيْ: بَعْدَ المَدِّ لَهم في مِضْمارِهِمْ بِالتَّطْوِيلِ في أعْمارِهِمْ ﴿وهُمْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم ﴿كُفّارٌ﴾ ولَمّا كانَ السَّبَبُ الأعْظَمُ في الإحْباطِ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى رَبْطِ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ وتَسَبُّبِهِ عَنْهُ فَقالَ مُؤَكِّدًا [لَهُ] لِإنْكارِهِمْ ذَلِكَ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي تَمْنَعُ مِن تَسْوِيَةِ المُسِيءِ بِالمُحْسِنِ ﴿لَهُمْ﴾ فَلا يَمْحُو ذُنُوبَهم ولا يَسْتُرُ عُيُوبَهُمْ، بَلْ يَفْضَحُ سَرائِرَهم ويُوهِنُ كَيْدَهم ويَرُدُّهم عَلى أعْقابِهِمْ في كُلِّ ما يَتَقَلَّبُونَ فِيهِ؛ لِأنَّهم قَدْ أبْطَلُوا أعْمالَهم بِالخُرُوجِ عَنْ دائِرَةِ الطّاعَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهم ما يُغْفَرُ لَهم بِسَبَبِهِ، وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى ما دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ البَقَرَةِ مِن أنَّ إحْباطَ العَمَلِ في المُرْتَدِّ مَشْرُوطٌ بِالمَوْتِ عَلى الكُفْرِ.
محمد 47:35
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذَمَّ الكَفَرَةِ وأنَّهُ عَلَيْهِمْ وأنَّهُ يُبْطِلُ أعْمالَهم في الدُّنْيا في الحَرْبِ وغَيْرِها، وخَتَمَ بِأنَّ عَداوَتَهُ لَهم مُتَحَتِّمَةٌ لا انْفِكاكَ (p-٢٦٣)لَها، وكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِلِاجْتِراءِ عَلَيْهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُرَغِّبًا لَهم في لُزُومِ الجِهادِ مُحَذِّرًا مِن تَرْكِهِ: ﴿فَلا تَهِنُوا﴾ أيْ: تَضْعُفُوا ضَعْفًا يُؤَدِّي بِكم إلى الهَوانِ والذُّلِّ ﴿وتَدْعُوا﴾ أيْ: أعْداءَكم ﴿إلى السَّلْمِ﴾ أيِ: المُسالَمَةِ وهي الصُّلْحُ ﴿وأنْتُمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم ﴿الأعْلَوْنَ﴾ عَلى كُلِّ مَن ناواكم لِأنَّ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى الحالِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ولا كُفُوءَ لَهُ ﴿مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِنْصِرِهِ ومَعُونَتِهِ وجَمِيعِ ما يَفْعَلُهُ الكَرِيمُ إذا كانَ مَعَ غَيْرِهِ، ومَن عَلِمَ أنَّ سَيِّدَهُ مَعَهُ وعَلِمَ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ لَمْ يُبالِ بِشَيْءٍ أصْلًا ﴿ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [أيْ] فَيَسْلُبُكُمُوها فَيَجْعَلُكم وتْرًا مِنها بِمَعْنى أنَّهُ يُبْطِلُها كَما يَفْعَلُ مَعَ أعْدائِكم في إحْباطِ أعْمالِهِمْ فَيَصِيرُونَ مُفْرَدِينَ عَنْها؛ لِأنَّكم لَمْ تُبْطِلُوا أعْمالَكم بِجَعْلِ الدُّنْيا مَحَطَّ أمْرِكُمْ، فَلا يَجُوزُ لِإمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يُجِيبَ إلى مُسالَمَةِ الكُفّارِ وبِهِ قُوَّةٌ عَلى مُدافَعَتِهِمْ، ولا يَحِلُّ لَهُ تَرْكُ الجِهادِ إلّا لِمَعْنًى يَظْهَرُ فِيهِ النَّظَرُ لِلْمُسْلِمِينَ، ومَتى لَمْ يُجاهِدْ في سَبِيلِ اللَّهِ انْصَرَفَ بِأْسُهُ إلى المُسْلِمِينَ.
محمد 47:36
ولَمّا أتَمَّ العِلَّةَ الأُولى أقْبَلَ عَلى الثّانِيَةِ الصّادَّةِ عَنِ الطّاعَةِ القائِدَةِ إلى المَعْصِيَةِ المُلائِمَةِ لِلشَّهْوَةِ المُبْطِلَةِ لِلْأعْمالِ المُوجِبَةِ لِلتَّهاوُنِ المُؤَدِّي إلى عَدَمِ المَغْفِرَةِ، فَقالَ مُرَغِّبًا في طاعَتِهِ المُوجِبَةِ لِلْفَوْزِ الدّائِمِ بِبَيانِ قِصَرِ أيّامِ المِحْنَةِ (p-٢٦٤)وتَجَرُّعِ مِراراتِ المَشَقَّةِ: ﴿إنَّما الحَياةُ﴾ وأشارَ إلى دَناءَتِها تَنْفِيرًا عَنْها بِقَوْلِهِ: ﴿الدُّنْيا﴾ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ العُلُوِّ مُوجِبًا لِأعْظَمِ اللَّذاذَةِ فَكَيْفَ إذا كانَ مُوجِبُهُ الدِّينَ الضّامِنَ لِدَوامِ اللَّذَّةِ [مَوْصُولًا] دُنْيَوِيُّها بِأُخْرَوِيِّها، وكانَ اللَّعِبُ ما يَنْشَأُ مِن زِيادَةِ البَسْطِ ويَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ مَعَ دَلالَتِهِ عَلى الخِفَّةِ كالرَّقْصِ، قَدَّمَهُ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ مَن يَسْعى في زِيادَةِ بَسْطٍ يَحْمِلُ عَلى الرَّزانَةِ ويَدُومُ، وأتْبَعَهُ اللَّهْوَ؛ لِأنَّهُ ما يُسْتَجْلَبُ بِهِ السُّرُورُ كالغِنا إشارَةً إلى أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالدُّنْيا زِيادَةَ بَسْطِها فَهو يَنْقَضِي بِسُرْعَةٍ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرُّعُونَةِ، وإنْ كانَ المُرادُ أصْلَ البَسْطِ والسُّرُورِ فَعِنْدَكم مِنهُ بِالعُلُوِّ الحاصِلِ لَكم بِالجِهادِ ما هو في غايَةِ العَظَمَةِ والجِدِّ والثَّباتِ فَلا سَفَهَ أعْظَمُ مِنَ العُدُولِ عَنْهُ إلى ما إنْ سَرَّ [حَمَلَ] عَلى الطَّيْشِ وانْقَضى بِسُرْعَةٍ، فَقالَ: ﴿لَعِبٌ﴾ أيْ: أعْمالٌ ضائِعَةٌ سافِلَةٌ تَزِيدُ في السُّرُورِ ويُسْرِعُ اضْمِحْلالُهُ، فَيَبْطُلُ مِن غَيْرِ ثَمَرَةٍ ﴿ولَهْوٌ﴾ أيْ: مَشْغَلَةٌ يُطْلَبُ بِها إثارَةُ اللَّذَّةِ كالغِنا وحَيْرَةٍ وغَفْلَةٍ، فَإنْ (p-٢٦٥)تَتْبَعُوها تَكْفُرُوا وتَبْطُرُوا وتَجْتَرِئُوا عَلى اللَّهِ، [وإنْ تَكْفُرُوا بِهِ وتَجْتَرِئُوا عَلَيْهِ] تَبْطُلْ أُجُورُكم فَلا يَكُونُ لَكم [أجْرٌ] ولا مالٌ؛ لِأنَّهُ يُبْطِلُ أعْمالَكم وأمْوالَكم بِكَوْنِها تَصِيرُ صُوَرًا لا مَعانِيَ لَها.
ولَمّا صَوَّرَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا بِألَذِّ صُوَرِها عِنْدَ الجاهِلِ وأمَضِّها عِنْدَ العاقِلِ، وحاصِلُهُ أنَّها زِيادَةُ سُرُورٍ لِمَن كانَ مَسْرُورًا، واسْتِجْلابٌ [لَهُ] لِمَن كانَ مَضْرُورًا، لَكِنَّهُ سَرِيعُ الِانْصِرامِ بِخِلافِ ثَمَرَةِ الِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ مِن سُرُورِ العُلُوِّ بِالإسْلامِ، فَإنَّهُ باقٍ عَلى الدَّوامِ، عُلِمَ أنَّ التَّقْدِيرَ بِناءً عَلى ما تَبِعَ وصْفَ الدُّنْيا، والآخِرَةُ جِدٌّ وعَمَلٌ وحُضُورٌ؛ فَإنْ تُقْبِلُوا عَلَيْها تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا فَلا تَخْدَعَنَّكُمُ الدُّنْيا عَلى دَناءَتِها عَنْ نَيْلِ الآخِرَةِ بِالجِهادِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ عَلى شَرَفِها وشَرَفِهِ، [قالَ بانِيًا عَلى ما أرْشَدَ السِّياقُ إلى تَقْدِيرِهِ]: ﴿وإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا﴾ أيْ: تَخافُوا فَتَجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ غَضَبِهِ سُبْحانَهُ وِقايَةً مِن جِهادِ أعْدائِهِ ومُقاساةِ لَفْحِ إيقادِ الحُرُوبِ وحَرِّ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وإنْفاقِ الأمْوالِ في ذَلِكَ، فَتَكُونُوا جادِّينَ فَتَتْرُكُوا اللَّهْوَ واللَّعِبَ القائِدَيْنِ إلى الكُفْرِ ﴿يُؤْتِكُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ الَّذِي فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مِن أجْلِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ ﴿أُجُورَكُمْ﴾ أيْ: (p-٢٦٦)ثَوابَ كُلِّ أعْمالِكم لِبِنائِها عَلى الأساسِ؛ ولِأنَّهُ غَنِيٌّ لا يَنْقُصُهُ إلّا عَطاءٌ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الحَياةِ الدُّنْيا واللَّهْوِ واللَّعِبِ أوَّلًا دالٌّ عَلى ذِكْرِ الآخِرَةِ والجَدِّ ثانِيًا، وذِكْرُ الإيمانِ والتَّقْوى ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِما الكُفْرانِ والجُرْأةِ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ تَصْوِيرَ الشَّيْءِ بِحالِ الصَّبِيِّ والسَّفِيهِ أشَدُّ في الزَّجْرِ عَنْهُ عِنْدَ ذَوِي الهِمَمِ العالِيَةِ، وذِكْرُ الأجْرِ المُرَتَّبِ عَلى الخَوْفِ الَّذِي هو فِعْلُ الحَزَمَةِ أعْوَنُ عَلى تَرْكِهِ.
ولَمّا كانَ المَلْعُوبُ بِهِ المَلْهُوُّ مِنهُ يَسْألُ اللّاعِبَ اللّاهِيَ مِن مالِهِ، ولا يَقْنَعُ عِنْدَ سُؤالِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِضَياعِ أعْمالِهِ وأمْوالِهِ، [بَيَّنَ] أنَّ المَعْبُودَ بِخِلافِ ذَلِكَ في الأمْرَيْنِ، وأنَّهُ يُعْطِي ولا يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وإنَّما أخْذُهُ أمْرُهُ بِمُواصَلَةِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا يَسْألْكُمْ﴾ أيِ [اللَّهُ] في الدُّنْيا ﴿أمْوالَكُمْ﴾ أيْ: لِنَفْسِهِ ولا كُلَّها، وهَذا مُفْهِمٌ لِأنَّهم إنْ لَمْ يَتَّقُوا بِما ذُكِرَ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ مَن يَأْخُذُ أمْوالَهم بِما يُخْرِجُ أضْغانَهُمْ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: ومَتى سُئِلُوا أمْوالَهم بَخِلُوا، فَإنْ أُكْرِهُوا عَلى ذَلِكَ أُشْحِنُوا ضَغائِنَ وحَقائِدَ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الإمامِ لَهم نَصِيحَةٌ ولا مِنهم لِلْإمامِ ولا لِبَعْضِهِمُ البَعْضِ، وكانَ الخِلافُ، [و] في ذَلِكَ (p-٢٦٧)الحالِقَةُ، وهو إنْذارٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِما يَكُونُ بَعْدُ، وما أنْذَرَ شَيْئًا إلّا كانَ مِنهُ ما شاءَ اللَّهُ.
محمد 47:37
ولَمّا كانَ الإنْسانُ، لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، قَدْ يُهْلِكُ جَمِيعَ أمْوالِهِ لَهْوًا ولَعِبًا بِالمُقامَرَةِ ونَحْوِها، ولا يَنْهاهُ ذَلِكَ بَلْ لا يَزِيدُهُ إلّا إقْبالًا رَجاءَ أنْ يَظْفَرَ، ولَوْ سُئِلَ جَمِيعَ مالِهِ في الطّاعَةِ لَبَخِلَ، قالَ تَعالى ذاكِرًا لَهم ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَيْهِ وإيماءً إلى حِلْمِهِ تَعالى عَنْهم وتَحَبُّبِهِ إلَيْهِ مُعَلِّلًا ما قَبْلَهُ: ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها﴾ أيِ: الأمْوالَ كُلَّها، ولَمّا كانَتِ الأمْوالُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى مُعْظَمِها، حَقَّقَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ أيْ: يُبالِغْ في سُؤالِكم ويَبْلُغْ فِيهِ الغايَةَ حَتّى يَسْتَأْصِلَها فَيُجْهِدَكم بِذَلِكَ ﴿تَبْخَلُوا﴾ فَلا تُعْطُوا شَيْئًا ﴿ويُخْرِجْ﴾ أيِ: اللَّهُ أوِ المَصْدَرُ المَفْهُومُ مِن ”تَبْخَلُوا“ بِذَلِكَ السُّؤالِ ﴿أضْغانَكُمْ﴾ أيْ: مَيْلَكم عَنْهُ حَتّى يَكُونَ آخِرُ ذَلِكَ عَداوَةً وحِقْدًا، وقَدْ دَلَّ إضافَةُ الأضْغانِ إلى ضَمِيرِهِمْ أنَّ كُلَّ إنْسانٍ يَنْطَوِي بِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ، عَلى ما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ الأضْغانِ، إلّا مَن عَصَمَ الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ، قالَ الرّازِيُّ: وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ العَبْدَ إذا مُنِعَ في مَواسِمِ الخَيْراتِ سِوى الزَّكاةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ البُخْلِ، فَحَدُّ البُخْلِ مَنعُ ما يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ والمُرُوءَةُ فَلا بُدَّ مِن مُراعاةِ المُرُوءَةِ ورَفْعِ قُبْحِ الأُحْدُوثَةِ، وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأشْخاصِ، وقَدَّمَ المادَّةَ مَهْما ظَهَرَ لَهُ أنَّ فائِدَةَ البَذْلِ (p-٢٦٨)أعْظَمُ مِن فائِدَةِ الإمْساكِ ثُمَّ يَشُقُّ عَلَيْهِ البَذْلُ فَهو بَخِيلٌ مُحِبٌّ لِلْمالِ، والمالُ لا يَنْبَغِي أنْ يُحَبَّ لِذاتِهِ بَلْ لِفائِدَتِهِ، وحِفْظُ المُرُوءَةِ أعْظَمُ وأفْضَلُ وأقْوى مِنَ التَّنَعُّمِ بِالأكْلِ الكَثِيرِ مَثَلًا.
محمد 47:38
ولَمّا أخْبَرَ بِبُخْلِهِمْ لَوْ سُئِلُوا جَمِيعَ أمْوالِهِمْ أوْ أكْثَرِها، دَلَّ عَلَيْهِ بِمَن يَبْخَلُ مِنهم عَمّا سَألَهُ [مِنهُمْ] وهو جُزْءٌ يَسِيرٌ [جِدًّا] مِن أمْوالِهِمْ، فَقالَ مُنَبِّهًا لَهم عَلى حُسْنِ تَدْبِيرِهِ لَهم وعَفْوِهِ عَنْهم عِنْدَ مَن جَعَلَ ”ها“ لِلتَّنْبِيهِ، ومَن جَعَلَ الهاءَ بَدَلًا مِن هَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ جَعَلَها لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، لِأنَّ مِن حَقِّ مَن دَعاهُ مَوْلاهُ أنْ يُبادِرَ لِلْإجابَةِ مَسْرُورًا فَضْلًا أنْ يَبْخَلَ، وفي هاءِ التَّنْبِيهِ ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَرى تَكَرُّرَها تَأْكِيدٌ لِأجْلِ اسْتِبْعادِهِمْ أنَّ أحَدًا يَبْخَلُ عَمّا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ها أنْتُمْ﴾ وحَقَّرَ أمْرَهم أوْ أحْضَرَهُ في الذِّهْنِ وصَوَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ﴾ أيْ: إلى رَبِّكُمُ الَّذِي لا يُرِيدُ بِدُعائِكم إلّا نَفْعَكم وأمّا هو فَلا يَلْحَقُهُ نَفْعٌ ولا ضُرٌّ ﴿لِتُنْفِقُوا﴾ شَيْئًا يَسِيرًا مِنَ الزَّكاةِ وهي رُبْعُ العُشْرِ ونَحْوَهُ، ومِن نَفَقَةِ الغَزْوِ وقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الغَنِيمَةِ أضْعافُها وقَدْ يَحْصُلُ مِنَ المَتْجَرِ أوْ أكْثَرَ، وقَدْ عَمَّ ذَلِكَ وغَيْرَهُ (p-٢٦٩)قَوْلُهُ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي يُرْجى خَيْرُهُ ويُخْشى ضَيْرُهُ، بِخِلافِ مَن يَكُونُ وما يَكُونُ بِهِ اللَّهْوُ واللَّعِبُ.
ولَمّا أخْبَرَ بِدُعائِهِمْ، فَصَّلَهم فَقالَ تَعالى: ﴿فَمِنكُمْ﴾ أيْ: أيُّها المُدَّعُونَ ﴿مَن يَبْخَلُ﴾ وهو مِنكم لا شَكَّ فِيهِ، وحَذَفَ القَسَمَ [الآخَرَ] وهو ”ومِنكم مَن يَجُودُ“ لِأنَّ المُرادَ الِاسْتِدْلالُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ البُخْلِ. ولَمّا كانَ بُخْلُهُ عَمَّنْ أعْطاهُ المالَ بِجُزْءٍ يَسِيرٍ مِنهُ إنَّما طَلَبَهُ لِيَقَعَ المَطْلُوبُ مِنهُ فَقَطْ زادَ العَجَبُ بِقَوْلِهِ:﴿ومَن﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ مَن ﴿يَبْخَلُ﴾ بِذَلِكَ ﴿فَإنَّما يَبْخَلُ﴾ أيْ: بِمالِهِ بُخْلًا صادِرًا ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ الَّتِي هي مَنبَعُ الدَّنايا، فَلا تَنَفُّسَ و[لا] تَنافُسَ إلّا في الشَّيْءِ الخَسِيسِ؛ فَإنَّ نَفْعَ ذَلِكَ الَّذِي طُلِبَ مِنهُ فَبَخِلَ بِهِ إنَّما هو لَهُ، وأكَّدَهُ لِأنَّهُ لا يَكادُ أحَدٌ يُصَدِّقُ أنَّ عاقِلًا يَتَجاوَزُ بِمالِهِ عَنْ نَفْعِ نَفْسِهِ، ولِذا حَذَفَ: ”ومَن يَجُدْ فَإنَّما يَجُدْ عَلى نَفْسِهِ“ لِفَهْمِهِ عَنِ السِّياقِ واسْتِغْناءِ الدَّلِيلِ عَنْهُ، هَذا والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ ”يَبْخَلْ“ مُتَضَمِّنًا ”يُمْسِكْ“ ثُمَّ حَذَفَ ”يُمْسِكْ“ ودَلَّ عَلَيْهِ بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْها التَّعْدِيَةُ بِعَنْ.
ولَمّا كانَ سُؤالُ المالِ قَدْ يُوهِمُ شَيْئًا، قالَ مُزِيلًا لَهُ مُقَرِّرًا لِأنَّ بُخْلَ الإنْسانِ إنَّما هو عَنْ نَفْسِهِ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لِأنَّ ضَرَرَ بُخْلِهِ إنَّما (p-٢٧٠)يَعُودُ عَلَيْهِ وهو سُبْحانُهُ لَمْ يَسْألْكم ذَلِكَ لِحاجَتِهِ إلَيْهِ ولا إلى شَيْءٍ مِنكُمْ، بَلْ لِحاجَتِكم إلى الثَّوابِ، وهو سُبْحانُهُ قَدْ بَنى أُمُورَ هَذِهِ الدّارِ كَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ عَلى الأسْبابِ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿الغَنِيُّ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿وأنْتُمُ﴾ أيُّها المُكَلَّفُونَ خاصَّةً ﴿الفُقَراءُ﴾ لِأنَّ العَطاءَ يَنْفَعُكم والمَنعَ يَضُرُّكم. فَمَنِ افْتَقَرَ مِنكم إلى فَقِيرٍ مِثْلِهِ وقَعَ في الذُّلِّ والهَوانِ، وقَدْ جَرَتْ عادَتُكم أنْ يُداخِلَكم مِنَ السُّرُورِ ما لا يَجِدُ إذا طَلَبَ مِن أحَدٍ مِنكم أحَدٌ مِنَ الأجْوادِ الأغْنِياءِ شَيْئًا طَمَعًا في جَزائِهِ، فَكُونُوا كَذَلِكَ وأعْظَمَ إذا طَلَبَ مِنكُمُ الغِنى المُطْلَقَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تَقْبَلُوا بِنَوْلِكم تُفْلِحُوا عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُرَهِّبًا؛ لِأنَّ التَّرْهِيبَ أرْدَعُ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تَوَقَّعُوا التَّوَلِّيَ عَنْهُ تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى مِنَ السَّماحِ بِذَلِكَ الجَزاءِ اليَسِيرِ جِدًّا المُوجِبِ لِلثَّوابِ الخَطِيرِ والفَوْزِ الدّائِمِ، ومِنَ الجِهادِ في سَبِيلِهِ، والقِيامِ بِطاعَتِهِ، لِكَوْنِهِ المُحْسِنَ الَّذِي لا مُحْسِنَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿يَسْتَبْدِلْ﴾ أيْ: يُوجِدْ ﴿قَوْمًا﴾ فِيهِمْ قُوَّةٌ وكِفايَةٌ لِما يُطْلَبُ مِنهم مُحاوَلَتُهُ.
(p-٢٧١)ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا أنَّهم غَيْرُهُمْ، لَكِنَّهُ لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونُوا - مَعَ كَوْنِهِمْ غَيْرَ أعْيانِهِمْ - مِن قَوْمِهِمْ أوْ أنْ يَشَأْ دُونَهم في الصِّفاتِ وإنْ كانُوا مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ، نَبَّهَ عَلى أنَّهم يَكُونُونَ مِن غَيْرِ قَوْمِهِمْ وعَلى غَيْرِ صِفاتِهِمْ، بَلْ هم أعْلى مِنهم دَرَجَةً وأكْرَمُ خَلِيقَةً وأحْسَنُ فِعْلًا فَقالَ تَعالى: ﴿غَيْرَكُمْ﴾ أيْ: بَدَلًا مِنكم وهو عَلى غَيْرِ صِفَةِ التَّوَلِّي.
ولَمّا كانَ النّاسُ مُتَقارِبِينَ في الجِبِلّاتِ، وكانَ المالُ مَحْبُوبًا، كانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا أنْ يَكُونَ هَذا البَذْلُ عَلى غَيْرِ ما هم عَلَيْهِ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى ذَلِكَ بِحَرْفِ التَّراخِي تَأْكِيدًا لِما أفْهَمَهُ ما قُلْتُهُ مِنَ التَّعْبِيرِ بِ ”غَيْرَ“ وتَثْبِيتًا [لَهُ]: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ اسْتِبْعادِ مَن يُسْتَبْعَدُ وعُلُوِّ الهِمَّةِ في مُجاوَزَةِ جَمِيعِ عَقَباتِ النَّفْسِ والشَّيْطانِ: ﴿لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ في التَّوَلِّي عَنْهُ بِتَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَرَ بِهِ أوْ فِعْلِ شَيْءٍ مِمّا نَهى [عَنْهُ]، ومَن قَدَرَ عَلى الإيجادِ قَدَرَ عَلى الإعْدامِ.
بَلْ هو أهْوَنُ في مَجارِي العاداتِ، فَقَدْ ثَبَتَ [أنَّهُ] سُبْحانَهُ لَوْ شاءَ لانْتَصَرَ مِنَ الكُفّارِ، إمّا بِإهْلاكِهِمْ أوْ إمّا بِناسٍ غَيْرِكم بِضَرْبِ رِقابِهِمْ وأسْرِهِمْ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمْرِهِمْ، وثَبَتَ بِمُواصَلَةِ ذَمِّ الكُفّارِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ (p-٢٧٢)أنَّهُ أبْطَلَ أعْمالَهُمْ، فَرَجَعَ بِذَلِكَ أوَّلُ السُّورَةِ إلى آخِرِها، وعانَقَ مُوصِلُهُ ما تَرى مِن مُفَصَّلِها، وعُلِمَ أنَّ مَعْنى هَذا الآخَرِ وذَلِكَ الأوَّلِ: أنَّهُ سُبْحانَهُ لا بُدَّ مِن إذْلالِهِ لِلْكافِرِينَ وإعْزازِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم إنْ أقْبَلُوا عَلى ما يُرْضِيهِ فَجاهَدُوا نَصَرَهم نَصْرًا عَزِيزًا بِما ضَمِنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكم ويُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] وإنْ تَتَوَلَّوْا أتى بِقَوْمٍ غَيْرِكم يُقْبِلُونَ عَلَيْهِ فَيَصْدُقُهم وعْدَهُ، فَصارَ خِذْلانُهم أمْرًا مُتَحَتِّمًا، وهو مَعْنى أوَّلِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ. واللَّهُ المُوَفِّقُ لِما يُرِيدُ مِنَ الصَّوابِ.
الفتح 48:1
(p-٢٧٣)سُورَةُ الفَتْحِ
مَقْصُودُها مَدْلُولُ اسْمِها الَّذِي يَعُمُّ فَتْحَ مَكَّةَ وما تَقَدَّمَهُ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وفَتْحِ خَيْبَرَ ونَحْوِهِما، وما وقَعَ تَصْدِيقُ الخَبَرِ بِهِ مِن غَلْبِ الرُّومِ عَلى أهْلِ فارِسَ وما تَفَرَّعَ مِن فَتْحِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ مِن إسْلامِ أهْلِ جَزِيرَةِ العَرَبِ وقِتالِ أهْلِ الرِّدَّةِ وفُتُوحِ جَمِيعِ البِلادِ الَّذِي يَجْمَعُهُ كُلَّهُ إظْهارُ الدِّينِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهَذا كُلُّهُ في غايَةِ الظُّهُورِ بِما نَطَقَ ابْتِداؤُها وأثْناؤُها في مَواضِعَ مِنها ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ. وانْتِهاؤُها: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الفتح: ٢٨] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] أيْ: بِالفَتْحِ الأعْظَمِ وما دُونَهُ مِنَ الفُتُوحاتِ ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً﴾ [الفتح: ٢٩] كَما كانَ في أوَّلِها لِلرَّسُولِ ﷺ ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] كَذَلِكَ بِسائِرِ الفُتُوحاتِ وما حَوَتْ مِنَ الغَنائِمِ لِلثَّوابِ الجَزِيلِ عَلى ذَلِكَ في دارِ الجَزاءِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ المُكَلَّفِينَ بِنِعْمَةِ الوَعْدِ والوَعِيدِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي اخْتَصَّ أهْلَ حِزْبِهِ لِإقامَةِ دِينِهِ الحَقِّ فَأظْهَرَهم عَلى سائِرِ العَبِيدِ.
* *
لَمّا كانَتْ تِلْكَ سُورَةَ الجِهادِ وكانَتْ هَذِهِ سُورَةَ الفَتْحِ بِشارَةً (p-٢٧٤)لِلْمُجاهِدِينَ مِن أهْلِ هَذا الدِّينُ بِالفَوْزِ والنَّصْرِ والظَّفَرِ عَلى كُلِّ مَن كَفَرَ، وهَذا كَما سَيَأْتِي مِن إيلاءِ سُورَةِ النَّصْرِ لِسُورَةِ الكافِرُونَ، فَأخْبَرَتِ القِتالُ عَنِ الكافِرِينَ بِإبْطالِ الأعْمالِ والتَّدْمِيرِ وإهْلاكِهِمْ بِالقِتالِ، وإفْسادِ جَمِيعِ الأحْوالِ، وعَنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِالهِدايَةِ وإصْلاحِ البالِ، وخَتْمِها بِالتَّحْرِيضِ عَلى مُجاهَدَتِهِمْ بَعْدَ أنْ ضَمِنَ لِمَن نَصَرَهُ مِنهُمُ النَّصْرَ وتَثْبِيتَ الأقْدامِ، وهَدَّدَ مَن أعْرَضَ بِاسْتِبْدالِ غَيْرِهِ بِهِ، وإنَّ ذَلِكَ البَدَلَ لا يَتَوَلّى عَنِ العَدُوِّ ولا يَنْكُلُ عَنْهُ، فَكانَ ذَلِكَ مُحَتِّمًا لِسُفُولِ الكُفْرِ وعُلُوِّ الإيمانِ، وذَلِكَ بِعَيْنِهِ هو الفَتْحُ المُبِينُ، [فافْتَتَحَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ عَلى طَرِيقِ النَّتِيجَةِ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا إعْلامًا بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ وأنَّهُ] مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤَكَّدَ لِابْتِهاجِ النُّفُوسِ الفاضِلَةِ بِهِ، وتَكْذِيبِ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ وهم أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ.
﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا تَثْبُتُ لَها الجِبالُ ﴿فَتَحْنا﴾ أيْ: أوْقَعْنا الفَتْحَ المُناسِبَ لِعَظَمَتِنا لِكُلِّ مُتَعَلِّقٍ بِإتْقانِ الأسْبابِ المُنْتِجَةِ لَهُ مِن غَيْرِ شَكٍّ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي.
ولَمّا كانَتْ مَنفَعَةُ ذَلِكَ لَهُ ﷺ لِأنَّ إعْلاءَ كَلِمَةِ اللَّهِ يَكُونُ بِهِ فَيُعْلِيهِ ويَمْتَلِئُ الأرْضُ مِن أمْنِهِ، فَلا يَعْمَلُ مِنهم أحَدٌ حَسَنَةً (p-٢٧٥)إلّا كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِها ويَكُونُونَ عَلى قِصَرِ زَمَنِهِمْ ثُلْثَيْ أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ شَرَفًا لَهُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ، الَّتِي يَعْيا دُونَ أيْسَرِها الكُفّارُ، قالَ: ﴿لَكَ﴾ أيْ: بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ الَّتِي نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في شَأْنِهِ، يَصْحَبانِ في الرُّجُوعِ مِنهُ إلى المَدِينَةِ المُشَرَّفَةِ، قالَ الأزْهَرِيُّ: لَمْ يَكُنْ فَتْحٌ أعْظَمَ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ اخْتَلَطُوا بِالمُسْلِمِينَ فَسَمِعُوا كَلامَهم فَرَأوْا ما لا أعْدَلَ مِنهُ ولا أحْسَنَ، فاسْتَوْلى الإسْلامُ عَلى قُلُوبِهِمْ وتَمَكَّنَ مِنهم [فَأسْلَمَ مِنهُمْ] في ثَلاثِ سِنِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وكَذا كانَ مِنَ الفَتْحِ تَقْوِيَةُ أمْرِهِ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِن سُورَةٍ مِن غَلْبِهِمْ عَلى أهْلِ فارِسَ في رِوايَةِ مَن قالَ: إنَّهُ كانَ في زَمَنِ الحُدَيْبِيَةَ، ثُمَّ زادَهُ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَتْحًا﴾ وزادَ في إعْظامِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُبِينًا﴾ أيْ: لا لَبْسَ فِيهِ عَلى أحَدٍ، بَلْ يَعْلَمُ كُلُّ ذِي عَقْلٍ بِهِ أنَّكَ ظاهِرٌ عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ لِأنَّكَ كُنْتَ وحْدَكَ، وكانَ عِنْدَ أهْلِ الكُفْرِ أنَّكَ في أيْدِيهِمْ، وأنَّ أمْرَكَ لا يَعْدُو فَمَكَ، فَتَبِعَكَ ناسٌ ضُعَفاءُ فَعَذَّبُوهم وكانُوا مَعَهم في أسْوَأِ الأحْوالِ، وتَقَرَّرَ ذَلِكَ في أذْهانِهِمْ مَدَدًا طِوالًا ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أنْقَذَ اللَّهُ أتْباعَكَ مِنهم بِالهِجْرَةِ إلى النَّجاشِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا، وإلى (p-٢٧٦)المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ ثانِيًا، وهم مُطْمَئِنُّونَ بِأنَّكَ أنْتَ - وأنْتَ رَأْسُهم - لا يَنْتَظِمُ لَهم بِدُونِكَ أمْرٌ، ولا يَحْصُلُ لِكَسْرِهِمْ ما لَمْ تَكُنْ مَعَهم جَبْرٌ، بِأنَّكَ في قَبْضَتِهِمْ لا خَلاصَ لَكَ أبَدًا مِنهم ولا انْفِكاكَ مِن بَلْدَتِهِمْ، فاسْتَخْرَجَكَ اللَّهُ مِن عِنْدِهِمْ بَعْدَ أنْ حَماكَ عَلى خِلافِ القِياسِ وأنْتَ بَيْنُهم مِن أنْ يَقْتُلُوكَ، مَعَ اجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ واسْتِفْراغِهِمْ قُواهم في أذاكَ، ثُمَّ بَذَلُوا جُهْدَهم في مَنعِكَ مِنَ الهِجْرَةِ فَما قَدَرُوا، ثُمَّ [فِي] رَدِّكَ فَما أطاقُوا ولا فازُوا ولا ظَفِرُوا.
بَلْ غُلِبُوا وقُهِرُوا، ثُمَّ أيَّدَكَ بِأنْصارٍ أبْرارٍ أخْيارٍ فَكُنْتُمْ عَلى قِلَّتِكم كاللُّيُوثِ الكَواسِرِ والبِحارِ الزَّواخِرِ، ما مِلْتُمْ عَلى جِهَةٍ إلّا غَمَرْتُمُوها، وفُزْتُمْ بِالنَّصَفِ مِن أرْبابِها قَتَلْتُمُوها أوْ أسَرْتُمُوها ولَمْ تَزالُوا تَزْدادُونَ وتَقْوَوْنَ، وهم يَنْقُصُونَ ويَضْعُفُونَ، حَتّى أتَيْتُمُوهم في بِلادِهِمُ الَّتِي هم قاطِعُونَ بِأنَّهم مُلُوكُها، يَتَعَذَّرُ عَلى غَيْرِهِمْ غَلَبُهم عَلَيْها بَلْ سُلُوكُها، فَما دافَعُوكم عَنْ دُخُولٍ عَلَيْهِمْ إلّا بِالرّاحِ، وسَألُوكم في وضْعِ الحَرْبِ لِلدَّعَةِ والإصْلاحِ، فَقَدْ ظَهَرَتْ أعْلامُ الفَتْحِ أتَمَّ ظُهُورٍ، وعَلِمَ أرْبابُ القُلُوبِ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ في امْتِطائِكُمُ الذُّرى وسُمُوِّكم إلى رُتَبِ المَعالِي (p-٢٧٧)وأيِّ أُمُورٍ، ورَوى الإمامُ أحْمَدُ [عَنْ] مَجْمَعِ بْنِ جارِيَةَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «شَهِدْنا الحُدَيْبِيَةَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْصَرَفْنا مِنها إذا النّاسُ يَهُزُّونَ الأباعِرَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: ما بالُ النّاسِ؟ قالُوا: أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: فَخَرَجْنا نُوجِفُ، فَوَجَدْنا النَّبِيَّ ﷺ واقِفًا عَلى راحِلَتِهِ [عِنْدَ كُراعِ] الغَمِيمِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النّاسُ قَرَأ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أوَفَتْحٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ»».
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ارْتِباطُ هَذِهِ السُّورَةِ بِالَّتِي قَبْلَها واضِحٌ مِن جِهاتٍ - وقَدْ يَغْمُضُ بَعْضُها - مِنها أنَّ سُورَةَ القِتالِ لَمّا أُمِرُوا فِيها بِقِتالِ عَدُوِّهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤] الآيَةَ. وأُشْعِرُوا بِالمَعُونَةِ عِنْدَ وُقُوعِ الصِّدْقِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] اسْتَدْعى ذَلِكَ تَشَوُّفَ النُّفُوسِ إلى حالَةِ العاقِبَةِ فَعَرَفُوا ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآياتِ. فَعَرَّفَ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ بِعَظِيمِ صُنْعِهِ لَهُ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِشارَةَ المُؤْمِنِينَ العامَّةَ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] - الآياتِ. والتَحَمَتْ إلى التَّعْرِيفِ بِحالِ مَن نَكَثَ مِن مُبايَعَتِهِ صَلّى اللَّهُ (p-٢٧٨)عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُكْمِ المُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ، والحَضِّ عَلى الجِهادِ، وبَيانِ حالِ ذَوِي الأعْذارِ، وعَظِيمِ نِعْمَتِهِ سُبْحانَهُ عَلى أهْلِ بَيْعَتِهِ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ١٨] وأثابَهُمُ الفَتْحَ وأخْذَ المَغانِمِ وبِشارَتَهم بِفَتْحِ مَكَّةَ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] إلى ما ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن عَظِيمِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وذَكَّرَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ما تَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ، ووَجْهٌ آخَرُ [و] هو أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى في آخِرِ سُورَةِ القِتالِ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكم ولَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] كانَ هَذا إجْمالًا في عَظِيمِ ما مَنَحَهم وجَلِيلِ ما أعْطاهُمْ، فَتَضَمَّنَتْ سُورَةُ مُحَمَّدٍ تَفْسِيرَ هَذا الإجْمالِ وبَسْطَهُ، وهَذا يَسْتَدْعِي مِن بَسْطِ الكَلامِ ما لَمْ تَعْتَمِدْهُ في هَذا التَّعْلِيقِ، وهو بَعْدُ مَفْهُومٌ مِمّا سَبَقَ مِنَ الإشاراتِ في الوَجْهِ الأوَّلِ، ووَجْهٌ آخَرُ مِمّا يَغْمُضُ وهو أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] إشارَةٌ إلى مَن يَدْخُلُ في مِلَّةِ الإسْلامِ مِنَ الفُرْسِ وغَيْرِهِمْ عِنْدَ تَوَلِّي العَرَبِ، وقَدْ أشارَ أيْضًا إلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآياتِ. وأشارَ إلى ذَلِكَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِثْلُ هَذا»، وعَقَدَ السَّبّابَةَ بِالإبْهامِ، أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٢٧٩)إلى تَوَلِّي العَرَبِ واسْتِيلاءِ غَيْرِهِمُ الواقِعِ في الآيَتَيْنِ، وإنَّما أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: ”اليَوْمَ“ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، وفُرِّغَ هَذا الأمْرُ إلى أيّامِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، فَغَلَبَتِ الفُرْسُ والأكْرادُ وأهْلُ الصِّينِ وصِينِ الصِّينِ -وهُوَ ما يَلِي يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ- وكانَ فَتْحًا وعِزًّا وظُهُورًا لِكَلِمَةِ الإسْلامِ، وغَلَبَ هَؤُلاءِ في الخُطَطِ والتَّدْبِيرِ الإمارِيِّ وسادُوا غَيْرَهُمْ، ولِهَذا جَعَلَ ﷺ مَجِيئَهم فَتْحًا فَقالَ: «فُتِحَ اليَوْمَ». ولَوْ أرادَ غَيْرَ هَذا لَمْ يُعَبِّرْ بِ: ”فُتِحَ“، ألا تَرى قَوْلَ عَمَرَ لِحُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في حَدِيثِ الفِتَنِ حِينَ قالَ لَهُ: ”إنَّ بَيْنَكَ وبَيْنَها بابًا مُغْلَقًا“ فَقالَ عُمَرُ: أيُفْتَحُ ذَلِكَ البابُ أمْ يُكْسَرُ؟ فَقالَ: بَلْ يُكْسَرُ. فَفَرْقٌ بَيْنَ الفَتْحِ والكَسْرِ، وإنَّما أشارَ إلى قَتْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولِذا قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ”فُتِحَ“ وقالَ: «"مِن رَدْمِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ» وأرادَ مِن نَحْوِهِمْ وجِهَتِهِمْ وأقالِيمِهِمْ؛ لِأنَّ الفُرْسَ ومَن أتى مَعَهم هم أهْلُ الجِهاتِ الَّتِي تَلِي الرَّدْمَ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] (p-٢٨٠)إشارَةً إلى غَلَبَةِ مَن ذَكَرْنا وانْتِشارِهِمْ في الوِلاياتِ والخُطَطِ الدِّينِيَّةِ والمَناصِبِ العِلْمِيَّةِ. ولَمّا كانَ هَذا مِن قَبْلِ أنْ يُوَضَّحَ أمْرُهُ يُوهِمُ نَقْصًا وخَطَأً، بَيَّنَ أنَّهُ تَجْدِيدُ فَتْحٍ وإعْزازٌ مِنهُ تَعالى لِكَلِمَةِ الإسْلامِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآياتِ. ذَكَرَ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ في تَلْخِيصِ التَّلْخِيصِ عُلَماءَ المالِكِيَّةِ مُشِيرًا إلى تَفاوُتِ دَرَجاتِهِمْ ثُمَّ قالَ: وأمْضاهم في النَّظَرِ عَزِيمَةً وأقْواهم فِيهِ شَكِيمَةً أهْلُ خُراسانَ: العَجَمُ أنْسابًا وبُلْدانًا، العَرَبُ عَقائِدَ وإيمانًا، الَّذِينَ يُنْجَزُ فِيهِمْ وعْدُ الصّادِقِ المَصْدُوقِ، ومَلَّكَهُمُ اللَّهُ مَقالِيدَ التَّحْقِيقِ حِينَ أعْرَضَتِ العَرَبُ عَنِ العُلُومِ وتَوَلَّتْ عَنْها، وأقْبَلَتْ عَلى الدُّنْيا واسْتَوْثَقَتْ مِنها، «قالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] فَأشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى سَلْمانَ وقالَ: «لَوْ كانَ الإيمانُ في الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن هَؤُلاءِ»». انْتَهى.
الفتح 48:2
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِالفَتْحِ عَقِبَ سُورَةِ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ بِشارَةً بِظُهُورِ أهْلِ هَذا الدِّينِ وإدْبارِ الكافِرِينَ - كَما سَيَأْتِي في إيلاءِ سُورَةِ النَّصْرِ بِسُورَةِ الكافِرِينَ - لِذَلِكَ عَلَّلَ [الفَتْحَ] بِالمَغْفِرَةِ وما بَعْدَها رَمْزًا إلى وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ - بِرُوحِي هو وأبِي وأُمِّي - وإيماءً إلى أنَّ المُرادَ مِن إخْراجِهِ إلى دارِ الفَناءِ إنَّما [هُوَ] إظْهارُ الدِّينِ (p-٢٨١)القَيِّمِ وإزْهاقُ الباطِلِ لِتَعْلُوَ دَرَجَتُهُ وتَعْظُمَ رِفْعَتُهُ، فَعِنْدَ حُصُولِ الفَتْحِ ثُمَّ المُرادُ كَما كانَتْ سُورَةُ [النَّصْرِ] الوالِيَةُ لِلْكافِرِينَ رامِزَةً إلى ذَلِكَ كَما هو مَشْهُورٌ ومَذْكُورٌ ومَسْطُورٌ، فالفَتْحُ الَّذِي هو أحَدُ العَلاماتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ كَما في سُورَةِ النَّصْرِ عَلى جَمِيعِ المُناوِينَ، الَّذِي هو السَّبَبُ الأعْظَمُ في ظُهُورِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ الَّذِي هو العَلامَةُ العُظْمى عَلى اقْتِرابِ أجَلِهِ - نَفْسِي فَداؤُهُ، وإنْسانُ عَيْنِي مِن كُلِّ سُوءٍ وِقاؤُهُ - فَقالَ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ مُشِيرًا بِالِانْتِقالِ مِن أُسْلُوبِ العَظَمَةِ بِالنُّونِ إلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ المُشِيرِ إلى غايَةِ الكِبْرِياءِ بِالإسْنادِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ إلى أنَّ هَذِهِ المَغْفِرَةَ بِحَسْبِ إحاطَةِ هَذا الِاسْمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ الأسْماءِ الحُسْنى: ﴿ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ أيِ: الَّذِي تَقَدَّمَ في القِتالِ أمْرُكَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهُ وهو مِمّا يَنْتَقِلُ بِهِ مِن مَقامٍ كامِلٍ إلى مَقامٍ فَوْقَهُ أكْمَلَ مِنهُ، فَتَراهُ بِالنِّسْبَةِ إلى أكْمَلِيَّةِ المَقامِ الثّانِي ذَنْبًا، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وما تَأخَّرَ﴾ قالَ الرّازِيُّ: المَغْفِرَةُ المُعْتَبَرَةُ لَها دَرَجاتٌ كَما أنَّ الذُّنُوبَ لَها دَرَجاتٌ ”حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ“ انْتَهى.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: لِتُشاهِدَ المَغْفِرَةَ بِالنَّقْلَةِ إلَيْنا بَعْدَ عِلْمِ اليَقِينِ بِعَيْنِ اليَقِينِ وحَقِّ اليَقِينِ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَتَوَفّاهُ ﷺ عَقِبَ الفَتْحِ ودُخُولِ جَمِيعِ العَرَبِ الَّذِينَ (p-٢٨٢)يَفْتَتِحُونَ جَمِيعَ البِلادِ ويَهْدِي [اللَّهُ] بِهِمْ سائِرَ العِبادِ في دِينِهِ، ويَئِسَ الشَّيْطانُ مِن أنْ يُعْبُدَ في جَزِيرَتِهِمْ إلّا بِالمُحَقَّراتِ لِوُجُودِ المَقْصُودِ مِنَ امْتِلاءِ الأكْوانِ بِحَسَناتِهِ ﷺ، وعُمُومِ ما دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُهُ المَذْكُورُ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ مِن حَمْدِهِ تَعالى بِكَمالِهِ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ بِبُلُوغِ أتْباعِهِ إلى حَدٍّ لا يُحْصَرُونَ فِيهِ بَعْدُ، ولا يَقِفُ لَهم مَخْلُوقٌ عَلى حَدٍّ.
ولَمّا كانَ تَمامُ النِّعْمَةِ يَتَحَقَّقُ بِشَيْئَيْنِ: إظْهارِ الدِّينِ والتَّقِلَّةِ إلى مُرافَقَةِ النَّبِيِّينَ، قالَ تَعالى مُخْبِرًا بِالشَّيْئَيْنِ: ﴿ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بِنَقْلِكَ مِن عالَمِ الشَّهادَةِ إلى عالَمِ الغَيْبِ، ومِن عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ إلى عالَمِ الثَّباتِ والصَّلاحِ، الَّذِي هو أخَصُّ بِحَضْرَتِهِ وأوْلى بِرَحْمَتِهِ وإظْهارِ أصْحابِكَ مِن بَعْدِكَ عَلى جَمِيعِ أهْلِ المِلَلِ، ويَدْحَضُونَ شُبَهَ الشَّيْطانِ، ويَدْمَغُونَ كُلَّ كُفْرانٍ، ويَنْشُرُونَ راياتِ الإيمانِ في جَمِيعِ البُلْدانِ، بَعْدَ إذْلالِ أهْلِ العُدْوانِ، ومَحْوِ كُلِّ طُغْيانٍ.
ولَمّا كانَتْ هِدايَتُهم مِن هِدايَتِهِ، أضافَها سُبْحانَهُ إلَيْهِ إعْلامًا لَهُ أنَّها هِدايَةٌ تَلِيقُ بِجانِبِهِ الشَّرِيفِ سُرُورًا لَهُ فَقالَ: ﴿ويَهْدِيَكَ﴾ أيْ: بِهِدايَةِ جَمِيعِ قَوْمِكَ ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: واضِحًا جَلِيلًا جَلِيًّا مُوَصِّلًا إلى (p-٢٨٣)المُرادُ مِن كِتابٍ لا عِوَجَ فِيهِ بِوَجْهٍ، هِدايَةً تَقْتَضِي لُزُومَهُ والثَّباتَ عَلَيْهِ
الفتح 48:3
﴿ويَنْصُرَكَ اللَّهُ﴾ بِنَصْرِهِمْ عَلى مُلُوكِ الأُمَمِ وجَلائِهِمْ لِسائِرِ الغُمَمِ، نَصْرًا يَلِيقُ إسْنادُهُ إلى اسْمِهِ المُحِيطِ بِسائِرِ العِظَمِ ﴿نَصْرًا عَزِيزًا﴾ أيْ: يَغْلِبُ المَنصُورُ بِهِ كُلَّ مَن ناواهُ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ مَعَ دَوامِهِ فَلا ذُلَّ بَعْدَهُ لِأنَّ الأُمَّةَ الَّتِي تُنْصِفُ بِهِ لا يَظْهَرُ عَلَيْها أحَدٌ، والدِّينُ الَّذِي قَضاهُ لِأجْلِهِ لا يَنْسَخُهُ شَيْءٌ.
الفتح 48:4
ولَمّا كانَ ﷺ قَدْ أخْبَرَ المُؤْمِنِينَ بِرُؤْياهُ أنَّهُ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ، وعَزَّ عَلى العُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةَ، وخَرَجَ ﷺ وخَرَجَ مَعَهُ خُلاصَةُ أصْحابِهِ ألْفٌ وخَمْسُمِائَةٍ، فَكانُوا مُوقِنِينَ أنَّهم يَعْتَمِرُونَ في وجْهِهِمْ ذَلِكَ، وقَرَّ [ذَلِكَ] في صُدُورِهِمْ وأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهُمْ، فَصارَ نَزْعُهُ مِنها أشُقَّ شَيْءٍ يَكُونُ، قَصَدَهُمُ المُشْرِكُونَ بَعْدَ أنْ بَرَكَتْ ناقَتُهُ وصالَحَهم ﷺ عَلى أنْ يَرْجِعَ عَنْهم في ذَلِكَ العامِ ويَعْتَمِرَ في مِثْلِ ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ القابِلِ، وكانَ ذَلِكَ - بَلْ أدْنى مِنهُ - مُزَلْزِلًا لِلِاعْتِقادِ مُطْرِقًا لِشَيْطانِ الوَسْوَسَةِ في الدِّينِ، وقَدْ كانَ مِثْلُهُ في الإسْراءِ ولَمْ يَكُنْ ﷺ أخْبَرَ بِما يُوهِمُ في أمْرِهِ فارْتَدَّ ناسٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِهِ، قالَ تَعالى دالًّا عَلى النَّصْرِ بِتَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ في هَذا المَحَلِّ الضَّنْكِ إظْهارًا لِتَمامِ قُدْرَتِهِ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ: (p-٢٨٤)﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أنْـزَلَ﴾ في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿السَّكِينَةَ﴾ أيِ: الثَّباتَ عَلى الدِّينِ ﴿فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ أنْ دَهَمَهم فِيها ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُزْعِجَ النُّفُوسَ ويُزِيغَ القُلُوبَ مِن صَدِّ الكُفّارِ ورُجُوعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم دُونَ مَقْصُودِهِمْ، فَلَمْ يَرْجِعْ أحَدٌ مِنهم عَنِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ ماجَ النّاسُ وزُلْزِلُوا حَتّى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَعَ أنَّهُ الفارُوقُ ومَعَ وصْفِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ بِأنَّهُ قَرْنٌ مِن حَدِيدٍ - فَما الظَّنُّ بِغَيْرِهِ في فَلْقِ نَفْسِهِ وتَزَلْزُلِ قَلْبِهِ، وكانَ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنَ القَدَمِ الثّابِتِ والأصْلِ الرّاسِخِ ما عُلِمَ بِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ لا يُسابَقُ، ثُمَّ ثَبَّتَهُمُ اللَّهُ أجْمَعِينَ، قالَ الرّازِيُّ: والسَّكِينَةُ: الثِّقَةُ بِوَعْدِ اللَّهِ، والصَّبْرُ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، بَلِ السَّكِينَةُ هَهُنا مُعَيَّنٌ بِجَمْعٍ فَوْزًا وقُوَّةً ورُوحًا، يَسْكُنُ إلَيْهِ الخائِفُ ويَتَسَلّى بِهِ الحَزِينُ، وأثَرُ هَذِهِ السَّكِينَةِ الوَقارُ والخُشُوعُ وظُهُورُ الحَزْمِ في الأُمُورِ. انْتَهى. وكُلُّ مَن رَسَخَ في الإيمانِ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ نَصِيبٌ؛ جَناهُ دانٍ.
ولَمّا أخْبَرَ بِما [لا] يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا﴾ أيْ: بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ حِينَ قالَ لَهُمْ: إنَّهم لا بُدَّ أنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ ويَطُوفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ، وحَلَّهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الشُّبْهَةِ بِتَذَكُّرِهِمْ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ: إنَّهم (p-٢٨٥)يَدْخُلُونَ العامَ ﴿إيمانًا﴾ بِهَذا التَّصْدِيقِ بِالغَيْبِ مِن [أنَّ] صُلْحَهم لِلْكُفّارِ ورُجُوعَهم مِن [غَيْرِ] بُلُوغِ قَصْدِهِمْ هو عَيْنُ الفَتْحِ لِتَرَتُّبِ الصُّلْحِ عَلَيْهِ وتَرَتُّبِ فُشُوِّ الإسْلامِ عَلى الصُّلْحِ كَما كَشَفَ عَنْهُ الوُجُودُ بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقِيسُوا عَلَيْهِ غَيْرَهُ مِنَ الأوامِرِ ﴿مَعَ إيمانِهِمْ﴾ الثّابِتِ مِن قَبْلِ هَذِهِ الواقِعَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: بِطُلُوعِ أقْمارِ اليَقِينِ عَلى نُجُومِ عِلْمِ اليَقِينِ، ثُمَّ بِطُلُوعِ شَمْسِ [حَقِّ] اليَقِينِ عَلى بَدْرِ عَيْنِ اليَقِينِ.
ولَمّا كانَ رُبَّما ظَنَّ شَقِيٌّ مِن أخْذِ الأُمُورِ بِالتَّدْرِيجِ شَيْئًا في القُدْرَةِ قالَ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ نَصْرُهم في هَذِهِ العُمْرَةِ بِالقُوَّةِ ثُمَّ يَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ بِالفِعْلِ والحالِ أنَّهُ لَهُ وحْدَهُ ﴿جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُها، ومِنها السَّكِينَةُ، يُدَبِّرُهم بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وعَجِيبِ تَدْبِيرِهِ، فَلَوْ شاءَ لَنَصَرَ المُؤْمِنِينَ الآنَ بِالفِعْلِ، ودَمَّرَ عَلى أعْدائِهِمْ بِجُنُودٍ مِن جُنُودِهِ أوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، لَكِنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ النَّصْرُ بِكُمْ، فَيُعْلُوا أمْرُكم ويَعْظُمُ أجْرُكُمْ، ويَظْهَرَ الصّادِقُ في نَصْرِهِ مِنَ الكاذِبِ، فَإنَّ الدّارَ دارُ البَلاءِ، وبِناءُ المُسَبِّباتِ عَلى الأسْبابِ عَلى وجْهِ الأغْلَبِ فِيهِ الحِكْمَةُ، لا القَهْرُ وظُهُورُ الكَلِمَةِ، فاسْمُهُ الباطِنُ هو الظّاهِرُ في هَذِهِ الدّارِ، فَلِذَلِكَ تَرى المُسَبِّباتِ مَسْتُوراتٍ بِأسْبابِها، فَلا يَعْلَمُ الحَقائِقَ إلّا البُصَراءُ ألا تَرى أنَّهُ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ فَتَلاها (p-٢٨٦)عَلَيْهِمْ قالَ بَعْضُ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ: أيْ رَسُولَ اللَّهِ وفَتْحٌ هُوَ؟ قالَ بَعْضُهُمْ: لَقَدْ صَدُّونا عَنِ البَيْتِ وصَدُّوا هَدْيَنا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««بِئْسَ الكَلامُ هَذا، بَلْ هو أعْظَمُ الفَتْحِ، أما رَضِيتُمْ أنْ تَطْرُقُوهم في بِلادِهِمْ فَيَدْفَعُوكم عَنْها بِالرّاحِ ويَسْألُوكُمُ التَّضَيُّرَ ويَرْغَبُونَ إلَيْكم في الأمانِ وقَدْ رَأوْا مِنكم ما كَرِهُوا وأظْفَرَكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ورَدَّكم سالِمِينَ مَأْجُورِينَ، فَهو أعْظَمُ الفُتُوحِ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ أُحُدٍ إذْ تَصْعَدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ وأنا أدْعُوكم في أُخْراكُمْ، أنَسِيتُمْ يَوْمَ الأحْزابِ إذْ جاؤُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكم وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَ"،» فَقالَ المُسْلِمُونَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فَهو أعْظَمُ الفُتُوحِ. واللَّهِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ما فَكَّرْنا فِيما فَكَّرْتَ فِيهِ، لَأنْتَ أعْلَمُ بِاللَّهِ وأمْرِهِ مِنّا. وأنْزَلَ اللَّهُ تَأْكِيدًا لِأمْرِ الرُّؤْيا لِمَن أشْكَلَ عَلَيْهِمْ حالُها: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ﴾ [الفتح: ٢٧] الآيَةَ. فَهَذِهِ الأشْياءُ كُلُّها كَما تَرى راجِعَةً إلى الخَفاءِ بِالتَّعَجُّبِ في أسْتارِ الأسْبابِ، فَلا يُبْصِرُها إلّا أرْبابُ التَّدْقِيقِ في النَّظَرِ في حِكْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
ولَمّا كانَ مَبْنى ما مَضى كُلِّهِ عَلى القُدْرَةِ بِأُمُورٍ خَفِيَّةٍ يَظْهَرُ مِنها (p-٢٨٧)مِنَ الضَّعْفِ غَيْرُ ما كَشَفَ عَنْهُ الزَّمانُ مِنَ القُوَّةِ، وكانَ تَمامُ القُدْرَةِ مُتَوَقِّفًا عَلى شُمُولِ العِلْمِ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلِيمًا﴾ بِالذَّواتِ والمَعانِي ﴿حَكِيمًا﴾ في إتْقانِ ما يَصْنَعُ، فَرَدَّهُ لَهم عَنْ هَذِهِ العُمْرَةِ بَعْدَ أنْ دَبَّرَ أمْرَ الصُّلْحِ لِيَأْمَنَ النّاسُ فَيُداخِلُ بَعْضُهم بَعْضًا لِما عَلِمَ مِن أنَّهُ لا يَسْمَعُ القُرْآنَ أحَدٌ لَهُ عَقْلٌ مُسْتَقِيمٌ ويَرى ما عَلَيْهِ أهْلُهُ مِن شِدَّةِ الِاسْتِمْساكِ بِهِ والبُغْضِ لِما كانُوا فِيهِ مِن مُتابَعَةِ الآباءِ إلّا بادَرَ إلى المُتابَعَةِ ودَخَلَ في الدِّينِ بِرَغْبَةٍ، وأدْخَلَ سُبْحانَهُ خُزاعَةَ في صُلْحِ النَّبِيِّ ﷺ وبَنِي بَكْرٍ وهم أعْداؤُهم في صُلْحِ قُرَيْشٍ لِيَبْغُوا عَلَيْهِمْ فَتُعِينُهم قُرَيْشٌ الصُّلْحَ بَعْدَ أنْ كَثُرَتْ جُنُودُ اللَّهِ وعَزَّ ناصِرُ الدِّينِ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ بِهِمْ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ، فَتُنْشَرُ أعْلامُ الدِّينِ، وتَخْفِقُ ألْوِيَةُ النَّصْرِ المُبِينِ، ويَدْخُلُ النّاسُ في الدِّينِ أفْواجًا، فَيَظْهَرُ دِينُ الإسْلامِ عَلى جَمِيعِ الأدْيانِ.
الفتح 48:5
ولَمّا دَلَّ عَلى الفَتْحِ بِالنَّصْرِ وما مَعَهُ، وعَلَّلَ الدِّينَ بِالسَّكِينَةِ، عَلَّلَ عِلَّةَ الدَّلِيلِ وهي ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا﴾ [الفتح: ٤] وعَلَّلَ ما دَلَّ عَلَيْهِ مَلِكُ الجُنُودِ مِن تَدْبِيرِهِمْ وتَدْبِيرِ الأكْوانِ بِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى زِيادَةً في السَّكِينَةِ: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ أيْ: بِما أوْقَعَ في السَّكِينَةِ ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ الَّذِينَ جَبَلَهم جِبِلَّةَ خَيْرٍ بِجِهادِ بَعْضِهِمْ ودُخُولِ بَعْضِهِمْ في الدِّينِ بِجِهادِ (p-٢٨٨)المُجاهِدِينَ، ولَوْ سَلَّطَ عَلى الكُفّارِ جُنُودَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ فَأهْلَكُوهم أوْ دَمَّرَ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ لَفاتَ دُخُولُ أكْثَرِهِمُ الجَنَّةَ، وهم مَن آمَنَ مِنهم بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ ﴿جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ لا يَصِلُ إلى عُقُولِكم مِن وصْفِها إلّا ما تَعْرِفُونَهُ بِعُقُولِكم وإنْ كانَ الأمْرُ أعْظَمَ مِن ذَلِكَ ﴿تَجْرِي﴾ ودَلَّ وقَرَّبَ وبَعَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ فَأيُّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ أنْ تَجْرِيَ مِنهُ نَهْرًا قَدَرْتَ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّ الماءَ قَرِيبٌ مِن وجْهِ الأرْضِ مَعَ صَلابَتِها وحُسْنِها. ولَمّا كانَ الماءُ لا يَطِيبُ إلّا بِالقَرارِ قالَ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ: لا إلى آخِرَ.
ولَمّا كانَ السّامِعُ لِهَذا رُبَّما ظَنَّ أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقٍ، قالَ إشارَةً إلى أنَّهُ لا سَبَبَ إلّا رَحْمَتُهُ: ﴿ويُكَفِّرَ﴾ أيْ: يَسْتُرُ سَتْرًا بَلِيغًا شامِلًا ﴿عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي لَيْسَ مِنَ الحِكْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ دارِ القُدْسِ قَبْلَ تَكْفِيرِها، بِسَبَبِ ما كانُوا مُتَلَبِّسِينَ بِهِ مِنها مِنَ الكُفْرِ وغَيْرِهِ، فَكانَ ذَلِكَ التَّكْفِيرُ سَبَبًا لِدُخُولِهِمُ الجَنَّةَ ﴿وكانَ ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ العَظِيمُ مِنَ الإدْخالِ والتَّكْفِيرِ المُهَيِّئِ لَهُ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ تَعْظِيمًا لَها فَقالَ تَعالى: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (p-٢٨٩)يَمْلَأُ جَمِيعَ الجِهاتِ.
الفتح 48:6
ولَمّا كانَ مِن أعْظَمِ الفَوْزِ إقْرارُ العَيْنِ بِالِانْتِقامِ مِنَ العَدُوِّ وكانَ العَدُوُّ المُكاتِمُ أشَدَّ مِنَ العَدُوِّ المُجاهِرِ المُراغِمِ قالَ تَعالى: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ أيْ: يُزِيلُ كُلَّ ما لَهم مِنَ العُذُوبَةِ ﴿والمُنافِقاتِ﴾ بِما غاظَهم مِنَ ازْدِيادِ الإيمانِ ﴿والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ﴾ بِصَدِّهِمُ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِلْمَقامِ الدَّحْضِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِإنْزالِ السَّكِينَةِ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِقُوَّةِ أهْلِ الإسْلامِ بِما تَأثَّرَ عَنْهُ مِن كَثْرَةِ الدّاخِلِينَ فِيهِ، الَّذِي كانَ سَبَبًا لِتَدْمِيرِ أهْلِ الكُفْرانِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَذابِ النِّيرانِ.
ولَمّا أخْبَرَ بِعَذابِهِمْ، أتْبَعَهُ وصْفَهم بِما سَبَّبَ لَهم ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿الظّانِّينَ بِاللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ مِن أنَّهُ لا يَفِي بِوَعْدِهِ في أنَّهُ يَنْصُرُ رَسُولَهُ ﷺ وأتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ أوْ أنَّهُ لا يَبْعَثُهم. أوْ أنَّهُ لا يُعَذِّبُهم لِمُخالَفَةِ رَسُولِهِ ﷺ. ومُشاقَقَةِ أتْباعِهِ. ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِعَذابِهِمْ فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِما يُخْزِيهِمُ اللَّهُ بِهِ مِن كَثْرَةِ جُنُودِهِ وغَيْظِهِمْ مِنهم وقَهْرِهِمْ بِهِمْ ﴿دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الَّتِي دَبَّرُوها وقَدَّرُوها لِلْمُسْلِمِينَ لا خَلاصَ لَهم مِنها، فَهم مَخْذُولُونَ في كُلِّ مَوْطِنٍ خِذْلانًا ظاهِرًا يُدْرِكُهُ (p-٢٩٠)كُلُّ أحَدٍ، وباطِنًا يُدْرِكُهُ مَن أرادَ اللَّهُ تَعالى مِن أرْبابِ البَصائِرِ كَما اتَّفَقَ في هَذِهِ العُمْرَةِ، والسَّوْءُ - بِالفَتْحِ والضَّمِّ: ما يَسُوءُ كالكُرْهِ إلّا أنَّهُ غَلَبَ في أنْ يُضافَ إلى ما يُرادُ ذَمُّهُ، والمَضْمُومُ جارٍ مَجْرى الشَّرِّ الَّذِي هو ضِدَّ الخَيْرِ - قالَهُ في الكَشّافِ.
ولَمّا كانَ مَن دارَ عَلَيْهِ السَّوْءُ قَدْ لا يَكُونُ مَغْضُوبًا عَلَيْهِ، قالَ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ والجَمالِ فاسْتَعْلى غَضَبُهُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وهو عِبارَةٌ عَنْ أنَّهُ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ الغَضْبانِ بِما لا طاقَةَ لَهم بِهِ. ولَمّا كانَ الغَضَبُ قَدْ لا يُوجِبُ الإهانَةَ والإبْعادَ قالَ: ﴿ولَعَنَهُمْ﴾ أيْ: طَرَدَهم طَرْدًا سَفُلُوا بِهِ أسْفَلَ سافِلِينَ، فَبَعُدُوا بِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ.
ولَمّا قَرَّرَ ما لَهم في الدّارَيْنِ، وكانَ قَدْ يُظَنُّ أنَّهُ يَخُصُّ الدُّنْيا فَلا يُوجِبُ عَذابَ الآخِرَةِ، أتْبَعَهُ بِما يَخُصُّها فَقالَ: ﴿وأعَدَّ﴾ أيْ: هَيَّأ الآنَ ﴿لَهم جَهَنَّمَ﴾ تَلْقاهم بِالعُبُوسَةِ والغَيْظِ والزَّفِيرِ والتَّجَهُّمِ كَما كانُوا يَتَجَهَّمُونَ عِبادَ اللَّهِ مَعَ ما فِيها مِنَ العَذابِ بِالحَرِّ والبَرْدِ والإحْراقِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ المَشاقِّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَساءَتْ مُعَدًّا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾
الفتح 48:7
ولَمّا كانَ هَذا مُعْلِمًا بِأنَّ الكُفّارَ - مَعَ ما يُشاهَدُ مِنهم مَنِ الكَثْرَةِ الظّاهِرَةِ والقُوَّةِ المُتَضافِرَةِ المُتَوافِرَةِ - لا اعْتِبارَ لَهم لِأنَّ البَلاءَ (p-٢٩١)مُحِيطٌ بِهِمْ في الدّارَيْنِ، وكانَ ذَلِكَ أمْرًا يُوجِبُ تَشَعُّبَ الفِكْرِ في المُؤَثِّرِ فِيهِمْ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلى ما تَقْدِيرُهُ إعْلامًا بِأنَّ التَّدْبِيرَ عَلى هَذا الوَجْهِ لِحِكَمٍ ومَصالِحَ يَكِلُّ عَنْها الوَصْفُ، ودَفْعًا لِما قَدْ يَتَوَهَّمُهُ مَن لَمْ يَرْسَخْ إيمانُهُ مِمّا يَجِبُ التَّنْزِيهُ عَنْهُ: فَلِلَّهِ القُوَّةُ جَمِيعًا يَفْعَلُ ما يَشاءُ فِيمَن يَشاءُ مِن غَيْرِ سَبَبٍ تَرَوْنَهُ.
﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَهو يُسَلِّطُ ما يَشاءُ مِنها عَلى مَن يَشاءُ.
ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِن عَذابِ الأعْداءِ وثَوابِ الأوْلِياءِ مُتَوَقِّفًا عَلى تَمامِ العِلْمِ ونِهايَةِ القُدْرَةِ الَّتِي يَكُونُ بِها الِانْتِقامُ والسَّطْوَةُ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ المَلِكُ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَزِيزًا﴾ يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿حَكِيمًا﴾ يَضَعُ الشَّيْءَ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ، فَلا يُسْتَطاعُ نَقْضُ شَيْءٍ مِمّا يُنْسَبُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
الفتح 48:8
ولَمّا تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ مَدْخَلٌ في إيجادِ النَّصْرِ، وكانَتِ السُّورَةُ مِن أوَّلِها حَضْرَةَ مُخاطَبَةٍ وإقْبالٍ فَلَمْ يَدْعُ أمْرٌ إلى نِداءٍ [بِياءٍ] ولا غَيْرِها. وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما فائِدَةُ الرِّسالَةِ إلى النّاسِ؟ [أُجِيبَ] بِقَوْلِهِ تَقْرِيرًا لِما خُتِمَ بِهِ مِن صِفَتَيِ العِزَّةِ والحِكْمَةِ.
﴿إنّا﴾ بِما لَنا مِنَ العِزَّةِ والحِكْمَةِ ﴿أرْسَلْناكَ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي هي مَعْنى العِزَّةِ (p-٢٩٢)والحِكْمَةِ إلى الخَلْقِ كافَّةً ﴿شاهِدًا﴾ عَلى أفْعالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ وطاعَةٍ وعِصْيانٍ، مَن كانَ بِحَضْرَتِكَ فَبِنَفْسِكَ ومَن كانَ بَعْدَ مَوْتِكَ أوْ غائِبًا عَنْكَ فَبِكِتابِكَ، مَعَ ما أيَّدْناكَ بِهِ مِنَ الحَفَظَةِ مِنَ المَلائِكَةِ.
ولَمّا كانَتِ البِشارَةُ مَحْبُوبَةً إلى النُّفُوسِ رَغَّبَهم فِيما عِنْدَهُ مِنَ الخَيْراتِ وحَبَّبَهم فِيهِ بِصَوْغِ اسْمِ الفاعِلِ مِنها مُبالَغَةً فِيهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ومُبَشِّرًا﴾ أيْ: لِمَن أطاعَ بِأنْواعِ البَشائِرِ. ولَمّا كانَتِ النِّذارَةُ كَرِيهَةً جِدًّا، لا يُقْدِمُ [عَلى] إبْلاغِها [إلّا] مَن كَمُلَ عِرْفانُهُ بِما فِيها مِنَ المَنافِعِ المُوجِبَةِ لَتَجَشُّمِ مَرارَةِ الإقْدامِ عَلى الصَّدْعِ بِها، أتى بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿ونَذِيرًا﴾
الفتح 48:9
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الرِّسالَةِ، ذَكَرَ عِلَّتَها فَقالَ: ﴿لِتُؤْمِنُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ حَكَمْنا بِإيمانِهِمْ مِمَّنْ أرْسَلْناكَ إلَيْهِمْ - هَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو بِالغَيْبِ، وعَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالخِطابِ المَعْنى. أيُّها الرَّسُولُ ومَن قَضَيْنا بِهُداهُ مِن أُمَّتِهِ، مُجَدِّدِينَ لِذَلِكَ في كُلِّ لَحْظَةٍ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ، وكَذا الأفْعالُ بَعْدَهُ، وذَلِكَ أعْظَمُ لُطْفًا لِما في الأُنْسِ بِالخِطابِ مِن رَجاءِ الِاقْتِرابِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَسُوغُ لِأحَدٍ [مِن خَلْقِهِ] - والكُلُّ خَلْقُهُ - التَّوَجُّهُ إلى غَيْرِهِ لِاسْتِجْماعِهِ لِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ (p-٢٩٣)الَّذِي أرْسَلَهُ مَن لَهُ كُلُّ شَيْءٍ مُلْكًا ومِلْكًا إلى جَمِيعِ خَلْقِهِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ أمْرًا باطِنًا، فَلا يُقْبَلُ عِنْدَ اللَّهِ إلّا بِدَلِيلٍ، وكانَ الإيمانُ بِالرَّسُولِ إيمانًا بِمَن أرْسَلَهُ، والإيمانُ بِالمُرْسِلِ إيمانًا بِالرَّسُولِ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ”ويُعَزِّرُوهُ“ أيْ: يُعِينُوهُ ويُقَوُّوهُ ويَنْصُرُوهُ عَلى كُلِّ مَن ناواهُ ويَمْنَعُوهُ عَنْ كُلِّ مَن يَكِيدُهُ، مُبالِغِينَ في ذَلِكَ بِاليَدِ واللِّسانِ والسَّيْفِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّأْنِ فَيُؤْثِرُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ وغَيْرِها، تَعْظِيمًا لَهُ وتَفْخِيمًا، هَذا حَقِيقَةُ المادَّةِ، وما خالَفَهُ [فَهُوَ] إمّا مِن بابِ الإزالَةِ كالعَزُورِ بِمَعْنى الدَّيُّوثِ، وإمّا مِن بابِ الأوَّلِ كاللَّوْمِ والضَّرْبِ دُونَ الحَدِّ؛ فَإنَّهُ يُوجِبُ لِلْمَلُومِ والمَضْرُوبِ تَجَنُّبُ ما نُقِمَ عَلَيْهِ فَيَعْظُمُ، فَهو مِن إطْلاقِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، وهو مِن وادِي ما قِيلَ:
؎عِدايَ لَهم فَضْلٌ عَلَيَّ ومِنَّةٌ فَلا أذْهَبَ الرَّحْمَنُ عَنِّي الأعادِيا
؎هُمُ بَحَثُوا عَنْ زَلَّتِي فاجْتَنَبْتُها ∗∗∗ وهم نافَسُونِي فاقْتَنَيْتُ المَعالِيا
ولَمّا كانَ المَعْنى [يَحْتَمِلُ] الإزالَةَ كَما ذُكِرَ، خَلَّصَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ”ويُوَقِّرُوهُ“ أيْ: يَجْتَهِدُوا في حُسْنِ اتِّباعِهِ في تَبْجِيلِهِ وإجْلالِهِ بِأنْ يَحْمِلُوا عَنْهُ جَمِيعَ الأثْقالِ، لِيَلْزِمَ السَّكِينَةُ بِاجْتِماعِ هَمِّهِ وكِبَرِ عَزْمِهِ لِزَوالِ ما كانَ يُشَعِّبُ فِكْرَهُ مِن كُلِّ ما يَهُمُّهُ ”ويُسَبِّحُوهُ“ أيْ: يُنَزِّهُوهُ عَنْ (p-٢٩٤)كُلِّ وصْمَةٍ مِن إخْلافِ الوَعْدِ بِدُخُولِ مَكَّةَ والطَّوافِ بِالبَيْتِ الحَرامِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ويَعْتَقِدُوا فِيهِ الكَمالَ المُطْلَقَ، والأفْعالُ الثَّلاثَةُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّ مَن سَعى في قَمْعِ الكُفّارِ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلَ المُعَزِّرِ المُوَقِّرِ، فَيَكُونُ إمّا عائِدًا عَلى المَذْكُورِ وإمّا أنْ يَكُونَ جَعَلَ الِاسْمَيْنِ [واحِدًا] إشارَةً إلى اتِّحادِ المُسَمَّيَيْنِ، في الأمْرِ فَلَمّا اتَّحَدَ أمْرُها وحَّدَ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى ذَلِكَ.
ولَمّا كانَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ تُرْضى مِنها بِدُونِ النِّهايَةِ قالَ كائِنًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أيْ: وعَشِيًّا إيصانًا لِما بَيْنَ النَّهارِ واللَّيْلِ [بِذَلِكَ].
الفتح 48:10
[ولَمّا] ذَكَرَ الرَّسُولَ ﷺ وما أرْسَلَهُ لَهُ، وخَتَمَ الآيَةَ بِأنَّهُ لا يَرْضى مِن ذِكْرِهِ وذِكْرِ رَسُولِهِ إلّا بِالمُداوَمَةِ بِالفِعْلِ أوْ بِالقُوَّةِ مَعَ تَوْحِيدِهِ الضَّمِيرَ إشارَةً إلى وحْدَةِ الإرادَةِ والمَحَبَّةِ مِنَ الرَّسُولِ والمُرْسِلِ، أوْضَحَ المُرادَ بِتَوْحِيدِ الضَّمِيرِ بِقَوْلِهِ مُرَغِّبًا في اتِّباعِهِ ومُرَهِّبًا لِأتْباعِهِ عَنْ أدْنى فَتْرَةٍ أوْ تَوانٍ فِيما دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الإيمانِ (p-٢٩٥)الَّذِي هو عِلَّةُ الرِّسالَةِ، وما ذَكَرَهُ مَعَهُ في جَوابِ مَن يَسْألُ: ما سَبَبُ تَوْحِيدِ الضَّمِيرِ والمَذْكُورُ اثْنانِ؟ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما غَلَبَ عَلى الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ مِنَ التَّقَيُّدِ بِالوَهْمِ والنُّكُوصِ عَمّا غابَ ولا مُرْشِدَ إلَيْهِ سِوى العَقْلِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ .
ولَمّا كانَ المُضارِعُ قَدْ يُرادُ بِهِ مُطْلَقُ الوُقُوعِ لا بِقَيْدٍ زَمَنٍ مُعَيَّنٍ كَما نَقَلْتُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ أبِي حَيّانَ وغَيْرِهِ، عَبَّرَ بِهِ تَرْغِيبًا في تَجْدِيدِ مِثْلِ ذَلِكَ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿يُبايِعُونَكَ﴾ أيْ: في بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وقَبْلَها وبَعْدَها عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الرِّسالَةِ الَّتِي مَقْصُودُها الأعْظَمُ النِّذارَةُ الَّتِي مَبْناها عَلى المُخالَفَةِ الَّتِي تَتَقاضى الشَّدائِدَ الَّتِي عِمادُها الثَّباتُ والصَّبْرُ، وسُمِّيَتْ ”مُبايَعَةً“ لِأنَّهم بايَعُوا أنْفُسَهم فِيها مِنَ اللَّهِ بِالجَنَّةِ وهَذا مَعْنى الإسْلامِ، فَكُلُّ مَن أسْلَمَ فَقَدْ باعَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ [مِنهُ] ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةَ.
﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ لِأنَّ عَمَلَكَ كُلَّهُ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ لَهُ ﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣]
ولَمّا عَظَّمَ بَيْعَتَهُ بِما رَغَّبَ فِيها تَرْغِيبًا مُشْعِرًا بِالتَّرْهِيبِ، زادَها تَعْظِيمًا بِما التَّرْهِيبُ فِيهِ أظْهَرُ مِنَ الأوَّلِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلْأوَّلِ: ﴿يَدُ اللَّهِ﴾ أيْ: (p-٢٩٦)المُتَرَدِّي بِالكِبْرِياءِ. ولَمّا كانَ مُنَزَّهًا عَمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنَ الجارِحَةِ مِمّا فِيهِ شائِبَةُ نَقْصٍ، أوْمَأ إلى نَفْيِ ذَلِكَ بِالفَوْقِيَّةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَعْظِيمِ البَيْعَةِ فَقالَ: ﴿فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ: في المُبايَعَةِ عالِيَةً عَلَيْهِمْ بِالقُدْرَةِ والقُوَّةِ والقَهْرِ والعِزَّةِ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ، ولِذَلِكَ كَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ في هَذِهِ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ إشارَةً إلى العَظَمَةِ الفائِتَةِ لِلْوَصْفِ والغَيْبِ العالِي عَنِ الإدْراكِ، ثُمَّ أعادَ ذِكْرَهُ بِالضَّمِيرِ إيذانًا بِالغَيْبِ المَحْضِ، هَذا هو المُرادُ مِن تَعْظِيمِ البَيْعَةِ وإجْلالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ العِلْمِ القَطْعِيِّ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مِن حُلُولٍ أوِ اتِّحادٍ كَما هو واضِحٌ في مَجارِي عاداتِ العَرَبِ ظاهِرٌ جِدًّا في دَأْبِهِمْ في مُحاوَراتِهِمْ، لا يَشُكُّ فِيهِ مِنهم عاقِلٌ عالِمٌ أوْ جاهِلٌ أصْلًا، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى مَن حَمَلَهُ عَلى الظّاهِرِ مِن أهْلِ العِنادِ بِبِدْعَةِ الِاتِّحادِ عَلى مَن تَبِعَهم عَلى ذَلِكَ مِنَ الرِّعاعِ الطَّغامِ الَّذِينَ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وجَمِيعَ الأئِمَّةِ الأعْلامِ، وسائِرَ أهْلِ الإسْلامِ، ورَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا أتْباعَ فِرْعَوْنَ اللَّعِينِ، وناهِيكَ بِهِ في ضَلالٍ مُبِينٍ.
ولَمّا كانَ كَلامُ اللَّهِ تَعالى - وإنْ جَرى مَجْرى الشَّرْطِ والتَّهْدِيدِ لا بُدَّ أنْ يَقَعَ مِنهُ شَيْءٌ وإنْ قَلَّ، وكانَ مِن سِرِّ التَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ ”يُبايِعُونَكَ“ الإشارَةَ إلى نَكْثِ الجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أصْلَ بَيْعَتِهِ عَلى الإسْلامِ (p-٢٩٧)فَإنَّهُ اخْتَبَأ في الحُدَيْبِيَةَ وقْتَ البَيْعَةِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، فَلَمْ يُبايِعْ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ وفَصَّلَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي إيذانًا بِأنَّهُ لا يَنْكُثُ أحَدٌ مِن أهْلِ هَذِهِ البَيْعَةِ: ﴿فَمَن نَكَثَ﴾ أيْ: نَقَضَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ فَجَعَلَها كالكِساءِ الخَلِقِ والحَبْلِ البالِي الَّذِي يُنْقَضُ ﴿فَإنَّما يَنْكُثُ﴾ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّ مَن فَعَلَ النَّكْثَ فَهو في كُلِّ لَحْظَةٍ ناكِثٌ نَكْثًا جَدِيدًا ﴿عَلى نَفْسِهِ﴾ لا عَلى غَيْرِها؛ فَإنَّهُ بِمَرْأًى مِنَ اللَّهِ ومَسْمَعٍ [وهُوَ] قادِرٌ عَلَيْهِ جَدِيرٌ بِأنْ يُعاقِبَهُ بَعْدَ ما عَجَّلَ لِنَفْسِهِ مِنَ العارِ العَظِيمِ في الدُّنْيا ويَسْتَحِلُّ بِهِ عَلى نَكْثِهِ عَذابًا ألِيمًا، ولا يَضُرُّ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؛ فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُهُ لا مَحالَةَ، وكَذا كُلُّ مَنكُوثٍ بِهِ [إذا] أرادَ اللَّهُ نُصْرَتَهُ فَإنَّ يَدَهُ سُبْحانَهُ فَوْقَ كُلِّ يَدٍ.
ولَمّا أتَمَّ التَّرْهِيبَ لِأنَّهُ مَقامُهُ لِلْحَثِّ عَلى الوَفاءِ الَّذِي بِهِ قِيامُ الدِّينِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، أتْبَعَهُ عَلى عادَتِهِ التَّرْغِيبَ إتْمامًا لِلْحَثِّ فَقالَ تَعالى: ﴿ومَن أوْفى﴾ أيْ: فَعَلَ الإتْمامَ والإكْثارَ والإطالَةَ ﴿بِما عاهَدَ﴾ وقَدَّمَ الظَّرْفَ اهْتِمامًا بِهِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ المُحِيطَ بِكُلِّ (p-٢٩٨)شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا مِن هَذِهِ المُبايَعَةِ وغَيْرِها فَإنَّما وفاؤُهُ لِنَفْسِهِ ﴿فَسَيُؤْتِيهِ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يَسَعُ عُقُولَكم شَرْحُ وصْفِهِ، ومَن قَرَأ بِالنُّونِ أظْهَرَ ما سُتِرَ في الجَلالَةِ مِنَ التَّعْظِيمِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا أنَّ النَّكْثَ عَلَيْهِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الوَفاءَ لَهُ ثانِيًا، وإيتاءَ الأجْرِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى إحْلالِ العِقابِ أوَّلًا وسِرُّهُ أنَّهُ بَيَّنَ أنَّ ما يُرِيدُهُ النّاكِثُ مِنَ الأذى لِغَيْرِهِ إنَّما هو واقِعٌ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ في التَّرْهِيبِ عَنِ النَّكْثِ لِما جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِنَ النُّفْرَةِ عَنْ ضُرِّ نَفْسِهِ وبُعْدِهِ عَنْهُ، وذَكَرَ الأجْرَ لِلْمُوفِي؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ في التَّرْغِيبِ، وسَبَبُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ هَذِهِ: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَهِمَ مِن بُرُوكِ ناقَتِهِ في الحُدَيْبِيَةَ الإشارَةَ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى أنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ في دُخُولِهِمُ البَلَدَ الحَرامَ في هَذِهِ السَّفْرَةِ، فَمَشى مَعَ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهُ لَيْسَ فِيها مُخالَفَةٌ لِما أمَرَ بِهِ سُبْحانَهُ إلى أنَّ وقْعَ الصُّلْحِ الَّذِي كانَ الفَتْحَ هو بِعَيْنِهِ، وكانَ في غُضُونِ ذَلِكَ أنْ أرْسَلَ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِيُخْبِرَ قُرَيْشًا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ [لَمْ يَجِئْ لِقِتالٍ وأنَّهُ لا يُرِيدُ إلّا الِاعْتِمارَ، فَأرْجَفَ مُرْجِفُونَ بِأنَّهُ قَدْ قُتِلَ، فَعَزَمَ النَّبِيُّ ﷺ] عَلى مُناجَزَتِهِمْ فَبايَعَ الصَّحابَةَ (p-٢٩٩)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى أنْ لا يَفِرُّوا عَنْهُ، فَبايَعَ كُلُّ مَن [كانَ] مَعَهُ إلّا جَدِّ بْنِ قَيْسٍ؛ فَإنَّهُ اخْتَبَأ تَحْتَ إبِطِ بَعِيرِهِ فَلَمْ يُبايِعْ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««كُلُّكم مَغْفُورٌ لَهُ إلّا صاحِبَ الجَمَلِ الأحْمَرِ»».
الفتح 48:11
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وأضافَهم إلى حَضْرَةِ الرَّحْمَنِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى الخَبَرِ عَمَّنْ غابَ عَنْ ذَلِكَ الجَنابِ، وأبْطَأ عَنْ حَضْرَةِ تِلْكَ العُمْرَةِ، فاسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَمّا يُنافِقُونَ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ، وأكَّدَ أمْرَ نِفاقِهِمْ تَنْبِيهًا عَلى جَلَدِهِمْ فِيهِ ووِقاصِهِمْ بِهِ ولُطْفِ النَّبِيِّ ﷺ وشِدَّةِ رَحْمَتِهِ [ورِفْقِهِ] وشَفَقَتِهِ فَقالَ: ﴿لَكَ﴾ أيْ: لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّكَ ألْطَفُ الخَلْقِ عِشْرَةً وأعْظَمُهم شَفَقَةً عَلى عِبادِ اللَّهِ، فَهم يَطْمَعُونَ في قَبُولِكَ مِن فَسادِ عُذْرِهِمْ ما لا يَطْمَعُونَ فِيهِ مِن غَيْرِكَ مِن خُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وغابَ عَنْهُمْ، لِما عِنْدَهم مِن غِلَظِ الأكْبادِ أنَّ الكَذِبَ بِحَضْرَتِكَ في غايَةِ القَباحَةِ؛ لِأنَّكَ أعْظَمُ الخَلْقِ وأفْطَنُهُمْ، مَعَ ما يَأْتِيكَ مِنَ الأنْباءِ عَنْ عَلّامِ الغُيُوبِ، وحَقَّرَ أمْرَهم بِسَلْبِ العَقْلِ عَنْهم وجَعْلِهِمْ مَفْعُولِينَ لا فاعِلِينَ إشارَةً إلى أنَّهم طُرِدُوا عَنْ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّهم أشْرارٌ لِئامٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿المُخَلَّفُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ - خَلَّفَهُمُ اللَّهُ عَنْكَ ولَمْ يَرْضَهم (p-٣٠٠)لِصُحْبَتِكَ في هَذِهِ العُمْرَةِ، فَجَعَلَهم كالشَّيْءِ التّافِهِ الَّذِي يُخَلِّفُهُ الإنْسانُ؛ لِأنَّهُ لا فائِدَةَ فِيهِ فَلا يُؤْبَهُ لَهُ ولا يُعْبَأُ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ لَمّا أرادَ الِاعْتِمارَ نَدَبَ أصْحابَهُ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ لِذَلِكَ، ونَدَبَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ مَن كانَ قَدْ أقَرَّ بِالإسْلامِ، فَلَمْ يُرِدِ اللَّهُ حُضُورَهُمْ؛ لِأنَّ إسْلامَهم لَمْ يَكُنْ خالِصًا فَلَوْ حَضَرُوا لَفَسَدَ بِهِمُ الحالُ، وإنَّ حِفْظَ اللَّهِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ مِنَ الفَسادِ، أعْقَبَ ذَلِكَ فَسادًا آخَرَ وهو أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُمُ الأعْداءَ إلّا الكَثْرَةُ، فَتَخَلَّفُوا لِما عَلِمَ اللَّهُ في تَخَلُّفِهِمْ مِنَ الحِكَمِ.
ولَمّا كانَ قَدْ تَخَلَّفَ بِالجَسَدِ مِن خُلَّصِ الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ مَن كانَ حاضِرًا مَعَهُ ﷺ بِالقَلْبِ [أخْرَجَهم بِقَوْلِهِ]: ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: أهْلِ البادِيَةِ كَذِبًا وبُهْتانًا جُرْأةً عَلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿شَغَلَتْنا﴾ أيْ: عَنْ إجابَتِكَ في هَذِهِ العُمْرَةِ ﴿أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ أيْ: لِأنّا لَوْ تَرَكْناها ضاعَتْ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَنا مَن يَقُومُ بِها وأنْتَ قَدْ نَهَيْتَ عَنْ إضاعَةِ المالِ والتَّفْرِيطِ في العِيالِ، ثُمَّ سَبَّبُوا عَنْ هَذا القَوْلِ المُرادِ بِهِ السُّوءُ قَوْلَهُمْ: ﴿فاسْتَغْفِرْ﴾ أيِ اطْلُبِ المَغْفِرَةَ ﴿لَنا﴾ مِنَ اللَّهِ إنْ كُنّا أخْطَأْنا أوْ قَصَّرْنا.
ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما يَغْتَرُّ بِهِ مَن لا خِبْرَةَ لَهُ، رَدَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ مُنَبِّهًا (p-٣٠١)عَلى أنَّ مَن صَدَقَ مَعَ اللَّهِ لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْهُ شاغِلٌ، ومَن شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ كانَ شُؤْمًا عَلَيْهِ: ﴿يَقُولُونَ﴾ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّ هَذا دَيْدَنٌ لَهم لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ. ولَمّا صَحَّ بَعْدَ ذَلِكَ إيمانٌ، لَمْ يُعَبِّرْ بِالأفْواهِ دَأْبَهُ، في المُنافِقِينَ، بَلْ قالَ: ﴿بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ: في الشُّغْلِ والِاسْتِغْفارِ، وأكَّدَ ما أفْهَمَهُ ذِكْرُ اللِّسانِ مِن أنَّهُ قَوْلٌ ظاهِرِيٌّ نَفْيًا لِلْكَلامِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي هو النَّفْسِيُّ بِكُلِّ اعْتِبارٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم شُغْلٌ ولا كانَتْ لَهم نِيَّةٌ في سُؤالِ الِاسْتِغْفارِ.
ولَمّا كانَ فِعْلُهم هَذا مِن تَخَلُّفِهِمْ واعْتِلالِهِمْ وسُؤالِهِمُ الِاسْتِغْفارَ ظَنًّا مِنهم أنَّهم يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ المَكْرُوهِ ويُحَصِّلُونَ لَها المَحْبُوبَ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: قَدْ عَلِمَ كَذِبَهُمْ، فَماذا يُقالُ لَهُمْ؟ اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأغْبِياءِ واعِظًا لَهم مُسَبِّبًا عَنْ مُخادَعَتِهِمْ لِمَن لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ إشارَةً إلى أنَّ العاقِلَ يَقْبُحُ عَلَيْهِ أنْ يُقْدِمَ عَلى ما هو بِحَيْثُ تُخْشى عاقِبَتُهُ: ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ﴾ أيُّها المُخادِعُونَ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ لِأنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ ﴿شَيْئًا﴾ يَمْنَعُكم مِنهُ ﴿إنْ أرادَ بِكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿ضَرًّا﴾ أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الضَّرَرِ عَظِيمًا أوْ حَقِيرًا، فَأهْلَكَ الأمْوالَ والأهْلِينَ وأنْتُمْ مُحْتاطُونَ في حِفْظِهِما (p-٣٠٢)فَلا يَنْفَعُها حُضُورُكم أوْ أهْلَكَكم أنْتُمْ ﴿أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ بِحِفْظِهِما بِهِ مَعَ غَيْبَتِكم فَلا يَضُرُّها بُعْدُكم عَنْها، ويَحْفَظُكم في أنْفُسِكُمْ، وقَدْ عُلِمَ مِن تَصْنِيفِهِ سُبْحانَهُ حالَهم إلى صِنْفَيْنِ مَعَ الإبْهامِ أنَّهُ يَكُونُ لِبَعْضِهِمُ الضُّرُّ لِأنَّ مِنهم مَنِ ارْتَدَّ في زَمَنِ الرِّدَّةِ، ولِبَعْضِهِمُ النَّفْعُ لِأنَّهُ ثَبَتَ عَلى الإسْلامِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا: لا أحَدَ يَمْلِكُ مِنهُ سُبْحانَهُ لَهم شَيْئًا مِن ذَلِكَ بَلْ هو قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ مِنهُ، وفِعْلُكم لِما عِنْدَكم مِنَ الجَلافَةِ والغَباوَةِ والكَثافَةِ فِعْلُ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْكم ولا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ، فَيَخْفى عَلَيْهِ كَذِبُكُمْ، ولَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَنْتُمْ؛ فَإنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكُمْ، بَنى عَلَيْهِ ما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ أزَلًا وأبَدًا بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيِ: الجَهَلَةُ ﴿خَبِيرًا﴾ أيْ: يَعْلَمُ بَواطِنَ أُمُورِكم هَذِهِ وغَيْرِها كَما يَعْلَمُ ظَواهِرَها.
الفتح 48:12
ولَمّا أضْرَبَ عَنْ ظَنِّهِمْ أنَّ كَذِبَهم يَخْفى عَلَيْهِ بِأمْرٍ عامٍّ، وقَدَّمَهُ لِأنَّهُ أعَمُّ نَفْعًا بِما فِيهِ مِنَ الشُّمُولِ، أتْبَعَهُ الإضْرابَ عَنْ مَضْمُونِ كَلامِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَيْسَ تَخَلُّفُكم لِما أخْبَرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاشْتِغالِ بِالأهْلِ والأمْوالِ ﴿ظَنَنْتُمْ﴾ وأنْتُمْ واقِفُونَ مَعَ الظُّنُونِ الظّاهِرَةِ، لَيْسَ لَكم نُفُوذٌ إلى البَواطِنِ، وأشارَ إلى تَأكُّدِ ظَنِّهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ فَقالَ: ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ﴾ ولَمّا كانَ الكَلامُ فِيما هو شَأْنُ الرَّسُولِ مِنَ الِانْبِعاثِ (p-٣٠٣)والمَسِيرِ، قالَ مُشِيرًا إلى [أنَّ] مَن أرْسَلَ رَسُولًا إلى شَيْءٍ وهو لا يَقْدِرُ عَلى نَصْرِهِ لِيُبَلِّغَ ذَلِكَ الشَّيْءَ إلى الغايَةِ الَّتِي أرادَها مِنهُ كانَ عاجِزًا عَمّا يُرِيدُ: ﴿الرَّسُولُ﴾ وعَظَّمَ التّابِعِينَ فَقالَ: ﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ مُعَبِّرًا بِما يَحِقُّ لَهم مِنَ الوَصْفِ المُفْهِمِ لِلرُّسُوخِ وأفْهَمَ تَأْكِيدَ ذَلِكَ عِنْدَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا﴾ أيْ: لِما في قُلُوبِكم مِن عَظَمَةِ المُشْرِكِينَ وحَقارَةِ المُؤْمِنِينَ فَحَمَلَكم ذَلِكَ عَلى أنْ قُلْتُمْ: ما هم في قُرَيْشٍ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَظُنُّ ما لا يَجِبُ، قالَ مُشِيرًا بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى أنَّ ما حَوَتْهُ قُلُوبُهم مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ نِسْبَتِهِ إلَيْهِ وإنْ كانَ هو الفاعِلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ: ﴿وزُيِّنَ ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ القَبِيحُ الَّذِي خَرابُ الدُّنْيا ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ حَتّى أحْبَبْتُمُوهُ.
ولَمّا عُلِمَ أنَّ ذَلِكَ سُوءٌ، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿وظَنَنْتُمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن إظْهارِ الكُفْرِ وما يَتَفَرَّعُ مِنهُ ﴿ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أيِ: الَّذِي لَمْ يَدَعْ شَيْئًا مِمّا يُكْرَهُ غايَةَ الكَراهَةِ إلّا أحاطَ بِهِ. و[لَمّا] انْكَشَفَ جَمِيعُ أمْرِهِ كَشْفَ أثَرِهِ فَقالَ: ﴿وكُنْتُمْ﴾ أيْ: بِالنَّظَرِ إلى جَمْعِكم مِن حَيْثُ هو جَمْعٌ في عِلْمِنا قَبْلَ ذَلِكَ بِما جَبَلْناكم عَلَيْهِ وعَلى ما كَشَفَهُ الحالُ عَنْهُ مَن لَهُ بَصِيرَةٌ ﴿قَوْمًا﴾ (p-٣٠٤)أيْ مَعَ قُوَّتِكم عَلى ما تُحاوِلُونَهُ ﴿بُورًا﴾ أيْ: في غايَةِ الهَلاكِ والكَسادِ والفَسادِ، وعَدَمِ الخَيْرِ؛ لِأنَّكم جُبِلْتُمْ عَلى ذَلِكَ الفَسادِ، فَلا انْفِكاكَ لَهم عَنْهُ، وهَذا كَما مَضى بِالنَّظَرِ إلى الجَمِيعِ مِن حَيْثُ هو جَمْعٌ لا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ فَرْدٍ؛ فَإنَّهُ قَدْ أخْلَصَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ كَثِيرٌ، وثَبَتُوا فَلَمْ يَرْتَدُّوا.
الفتح 48:13
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ لِأنَّكم لَمْ تُؤْمِنُوا، فَمَن آمَنَ مِنكم ومِن غَيْرِكم وأخْلَصَ، أبَحْناهُ جَنَّةً وحَرِيرًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُعَمِّمًا: ﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن﴾ مِنكم ومِن غَيْرِكم ﴿بِاللَّهِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا مَوْجُودَ في الحَقِيقَةِ سِواهُ ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي أرْسَلَهُ لِإظْهارِ دِينِهِ وهو الحَقِيقُ بِالإضافَةِ إلَيْهِ، مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ، ولِلزِّيادَةِ في تَعْظِيمِهِ [وتَحْقِيرِ شانِئِهِ وتَوْهِيَةِ كَيْدِهِ] التَفَتَ إلى مَقامِ التَّكَلُّمِ بِمَظْهَرِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿فَإنّا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أعْتَدْنا﴾ لَهُ أوْ لَهم هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ مُعَلِّقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ إيذانًا بِأنَّ مَن لَمْ يَجْمَعِ الإيمانَ بِهِما فَهو كافِرٌ، وإنَّ [السَّعِيرَ لِمَن] كانَ كُفْرُهُ راسِخًا فَقالَ تَعالى: ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ لا يَجْمَعُونَ الإيمانَ بِالمُرْسِلِ والرَّسُولِ فَيَكُونُونَ بِذَلِكَ كُفّارًا، ويَسْتَمِرُّونَ عَلى وصْفِ الكُفْرِ لِأنَّهم جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا شَدِيدَةَ الإيقادِ والتَّلَهُّبِ، فَهي عَظِيمَةُ الحَرِّ تُوجِبُ الجُنُونَ (p-٣٠٥)وإيقادَ الباطِنِ بِالجُوعِ بِحَيْثُ لا يَشْبَعُ صاحِبُهُ والِانْتِشارَ بِكُلِّ شَرٍّ؛ فَإنَّ التَّنْكِيرَ هُنا لِلتَّهْوِيلِ والتَّعْظِيمِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَعَ ما أرْشَدَ السِّياقُ إلى عَطْفِها عَلَيْهِ مِمَّنْ يُؤْمِنُ دالَّةٌ - وإنْ كانَتْ في سِياقِ الشَّرْطِ - عَلى أنَّ أكْثَرَهم يُخْلِصُ إيمانَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
الفتح 48:14
ولَمّا انْقَضى حَدِيثُ الجُنُودِ عامَّةً ثُمَّ خاصَّةً مِنَ المُنْتَدَبِينَ والمُخْلِصِينَ وخَتَمَ بِعَذابِ الكافِرِينَ، وكانَ المُتَصَرِّفُ في الجُنُودِ رُبَّما كانَ بَعْضَ خَواصِّ المَلِكِ، فَلا يَكُونُ تَصَرُّفُهُ فِيهِمْ تامًّا، وكانَ المَلِكُ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى عَذابِ مَن أرادَ مِن جُنُودِهِ، وكانَ إذا قَدَرَ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى العَذابِ بِكُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ السَّعِيرِ المَوْصُوفِ وغَيْرِهِ لِعَدَمِ عُمُومِ مِلْكِهُ قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى آيَةِ الجُنُودِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ الجُنُودِ وغَيْرِها، يُدَبِّرُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَيْفَ يَشاءُ لا رادَّ لِحُكْمِهِ ولا مُعَقِّبَ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ في هَؤُلاءِ مَن عُذِّبَ بِما عُذِّبَ الأُمَمَ الماضِيَةَ مِنَ الرِّيحِ وغَيْرِها، لَمْ يَذْكُرْ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، وذَكَرَ نَتِيجَةَ التَّفَرُّدِ بِالمُلْكِ (p-٣٠٦)بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ: لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ما ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أيْ: لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يُكافِيهِ شَيْءٌ، ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لا يَتَمَكَّنُونَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الأكْفاءِ المُعارِضِينَ لَهم في الجُمْلَةِ، وعُلِمَ مِن هَذا التَّقْسِيمِ المُبْهَمِ [أيْضًا] أنَّ مِنهم مَن يَرْتَدُّ فَيُعَذِّبُهُ، ومِنهم مَن يَثْبُتُ عَلى الإسْلامِ فَيَغْفِرُ لَهُ لِأنَّهُ لا يُعَذِّبُ بِغَيْرِ ذَنْبٍ وإنْ كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ومِلْكُهُ تامٌّ، فَتَصَرُّفُهُ فِيهِ عَدْلٌ كَيْفَما كانَ، ولَمّا كانَ مَن يَفْعَلُ الشَّيْءَ في وقْتٍ قَدْ لا يَسْتَمِرُّ عَلى وصْفِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ أزَلًا وأبَدًا، لَمْ يَتَجَدَّدْ لَهُ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ. ولَمّا ابْتَدَأ الآيَةَ بِالمَغْفِرَةِ تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ، خَتَمَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقامَ لَهُ، وزادَ الرَّحْمَةَ تَشْرِيفًا لِنَبِيِّ المَرْحَمَةِ بِالتَّرْغِيبِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ رَحْمَتَهُ غَلَبَتْ غَضَبَهُ فَقالَ: ﴿غَفُورًا﴾ أيْ: لِذُنُوبِ المُسِيئِينَ ﴿رَحِيمًا﴾ أيْ: مُكْرِمًا بَعْدَ السَّتْرِ بِما لا تَسَعُهُ العُقُولُ، وقُدْرَتُهُ عَلى الإنْعامِ كَقُدْرَتِهِ عَلى الِانْتِقامِ.
الفتح 48:15
ولَمّا ذَمَّ المُخَلَّفِينَ بِما مِنهُ -أيْ مِنَ الذَّمِّ- أنَّهم هالِكُونَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّهُ لَعَنَهُمْ، وكانَ قَدْ وعَدَ (p-٣٠٧)سُبْحانَهُ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ فَتْحَ خَيْبَرَ جَبْرًا لَهم بِما مَنَعَهم مِنَ الِاسْتِيلاءِ عَلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ البالِغَةِ الدَّقِيقَةِ، وخَتَمَ بِأنَّهُ نافِذُ الأمْرِ، و[كانَ] ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإحاطَةِ العِلْمِ، دَلَّ عَلى كِلا الأمْرَيْنِ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا، جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: هَلْ يَغْفِرُ لِلْمُخَلَّفِينَ حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم ما تَخَلَّفُوا؟ ﴿سَيَقُولُ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ.
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِحَيْثُ لا مَطْمَعَ لِأحَدٍ في أنْ يَظْفَرَ مِنهُ بِشَيْءٍ مِن خِلافٍ لِأمْرِ اللَّهِ، أسْقَطَ ما عَبَّرَ بِهِ في ذِكْرِهِمْ أوَّلًا مِن خِطابِهِ وقالَ: ﴿المُخَلَّفُونَ﴾ أيْ: لِمَن يَطْمَعُونَ فِيهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنْ يَسْعى في تَمْكِينِهِمْ مِنَ المَسِيرِ في جَيْشِهِ ﷺ لِخَفاءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولَمْ يُقَيِّدْهم بِالأعْرابِ لِيَعُمَّ كُلَّ مَن كانَ يَتَخَلَّفُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ﴾ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَكم ﴿إلى مَغانِمَ﴾
ولَمّا أفْهَمَ اللَّفْظُ الأخْذَ، والتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ كَثْرَتَها، صَرَّحَ بِالأوَّلِ رَفْعًا لِلْمَجازِ فَقالَ: ﴿لِتَأْخُذُوها﴾ أيْ: مِن خَيْبَرَ ﴿ذَرُونا﴾ أيْ: عَلى أيِّ حالَةٍ شِئْتُمْ مِنَ الأحْوالِ الدَّنِيَّةِ ﴿نَتَّبِعْكُمْ﴾ ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِن تَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ إخْلافُ وعْدِ اللَّهِ بِأنَّها تَخُصُّ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ، وأنَّهُ طَرَدَ المُنافِقِينَ وخَيَّبَ قَصْدَهُمْ، عَلَّلَ تَعالى قَوْلَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ﴾ أيْ: بِذَهابِكم مَعَكم ﴿أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً (p-٣٠٨)وعِلْمًا في الإخْبارِ بِلَعْنِهِمْ وإبارَتِهِمْ، وأنَّ فَتْحَ خَيْبَرَ مُخْتَصٌّ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، لا يَشْرُكُهم فِيهِ إلّا مَن وافَقَهم في النِّيَّةِ والهِجْرَةِ، لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إلى تَشْكِيكِ أهْلِ الإسْلامِ فِيهِ، والمُرادُ أنَّ فِعْلَهم فِعْلُ مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونُوا صِنْفَيْنِ: مِنهم مَن يُرِيدُ ذَلِكَ، ومِنهم مَن لَمْ يُرِدْهُ ولَكِنْ فَعَلَ فِعْلَ مَن يُرِيدُهُ.
ولَمّا كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ يَسْألَ عَمّا يُقالُ لَهُمْ، قالَ مُخاطِبًا لِأصْدَقِ الخَلْقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: يا حَبِيبُ لَهم إذا بَلَغَكَ كَلامُهم أنْتَ بِنَفْسِكَ، فَإنَّ غَيْرَكَ لا يَقُومُ مَقامَكَ في هَذا الأمْرِ المُهِمِّ، قَوْلًا مُؤَكَّدًا: ﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾ وإنِ اجْتَهَدْتُمْ في ذَلِكَ، وساقَهُ مَساقَ النَّفْيِ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ النَّهْيُ؛ لِأنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ آكَدَ يَكُونُ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، وهو أزْجَرُ وأدُلُّ عَلى الِاسْتِهانَةِ.
ولَمّا أذِنَ هَذا التَّأْكِيدُ أنَّهُ مِن عِنْدِ مَن [لا] يُخالَفُ أصْلًا في مُرادِهِ، بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكُمْ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا القَوْلِ البَدِيعِ الشَّأْنِ العَلِيِّ الرُّتْبَةِ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَكُونُ إلّا ما يُرِيدُ ولَيْسَ هو كالمُلُوكِ الَّذِينَ لا قُدْرَةَ لَهم عَلى الغُفْرانِ لِمَن شاؤُوا والعِقابِ لِمَن شاؤُوا ﴿مِن قَبْلُ﴾ هَذا الوَقْتِ، وهو الَّذِي لا يُمْكِنُ الخُلْفُ في قَوْلِهِ، فَإنَّهُ قَضى أنْ لا يَحْضُرَ ”خَيْبَرَ“ المُرادَةَ بِهَذِهِ الغَنائِمِ إلّا مَن حَضَرَ الحُدَيْبِيَةَ، (p-٣٠٩)وأمَرَ بِذَلِكَ فَكانَ ما قالَ بَعْدَ اجْتِهادِ بَعْضِ المُخَلَّفِينَ في إخْلافِهِ فَإنَّهم غَيَّرَهُمُ الطَّمَعُ بَعْدَ سَماعِهِمْ قَوْلَ اللَّهِ هَذا، فَطَلَبُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ ﷺ فَمُنِعُوا فَلَمْ يَحْضُرْها غَيْرَهم أحَدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ ﷺ رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ، فَأقامَ إلى أثْناءِ مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ، وخَرَجَ بِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ إلى خَيْبَرَ فَفَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ، وأخَذَ جَمِيعَ أمْوالِها مِنَ المَنقُولاتِ والعَقاراتِ، وأتى إلَيْهِ ﷺ وهو بِها بَعْدَ فَتْحِها ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وبَعْضُ مَن مَعَهم مِن مُهاجِرَةِ الحَبَشَةِ، فَأشْرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُخَلَّفِينَ بَلْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ لِعُذْرِ عَدَمِ الإدْراكِ.
ولَمّا كانُوا مُنافِقِينَ لا يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ، بَلْ يَظُنُّونَ أنَّها حِيَلٌ عَلى التَّوَصُّلِ إلى المُراداتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِمْ لَهُ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى جَلافَتِهِمْ وفَسادِ ظُنُونِهِمْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ لَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِمّا ادَّعى أنَّهُ قَوْلُ اللَّهِ ﴿بَلْ﴾ إنَّما ذَلِكم لِأنَّكم ﴿تَحْسُدُونَنا﴾ فَلا تُرِيدُونَ أنْ يَصِلَ إلَيْنا مِن مالِ الغَنائِمِ شَيْءٌ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: لا يَفْهَمُونَ فَهْمَ الحاذِقِ الماهِرِ ﴿إلا قَلِيلا﴾ في أمْرِ دُنْياهُمْ، ومِن ذَلِكَ إقْرارُهم بِالإيمانِ لِأجْلِها، وأمّا أُمُورُ الآخِرَةِ فَلا يَفْهَمُونَ مِنها شَيْئًا.
الفتح 48:16
(p-٣١٠)ولَمّا كانَ ذَلِكَ يُوقِعُ في نَفْسِ السّامِعِ السُّؤالَ عَنْ هَذا الطَّرْدِ: هَلْ يَسْتَمِرُّ؟ أُجِيبَ بِأنَّهم سَيُمْتَحَنُونَ بِأمْرٍ شاقٍّ يُحْدِثُهُ اللَّهُ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الخُلَّصِ وغَيْرِهِمْ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِوَصْفِهِمْ بِالتَّخَلُّفِ إعْلامًا بِأنَّهم في الحَقِيقَةِ ما تَخَلَّفُوا، بَلْ مُنِعُوا طَرْدًا لَهم وإبْعادًا مُعَذِّبًا لَهم بِما خَلَّفَهم عَنِ اتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ العُمْرَةِ مِنَ الخَوْفِ مِن قِتالِ قُرَيْشٍ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ كَما أثابَ المُحِبِّينَ لَهُ ﷺ بِضِدِّ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ مِنَ القِتالِ إلى النَّصْرِ أوِ المَوْتِ مِن كَفِّ أيْدِيهِمْ عَنْهم بِما جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لِلْفَتْحِ الأعْظَمِ والتَّفَرُّغِ لِفَتْحِ خَيْبَرَ وأخْذِ غَنائِمِها الكَثِيرَةِ مِن غَيْرِ كَبِيرِ كُلْفَةٍ ﴿قُلْ﴾ يا أعْظَمَ الخَلْقِ ﴿لِلْمُخَلَّفِينَ﴾ وزادَ في ذَمِّهِمْ بِنِسْبَتِهِمْ إلى الجَلافَةِ فَقالَ: ﴿مِنَ الأعْرابِ﴾ أيْ: أهْلِ غِلَظِ الأكْبادِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا القَيْدُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ المُخَلَّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ [فَيَكُونُ إشارَةً إلى أنَّ الأعْرابَ يَنْقَسِمُونَ عِنْدَ هَذا الدُّعاءِ إلى مُطِيعٍ وعاصٍ - كَما أشارَ إلَيْهِ تَقْسِيمُهُ سُبْحانَهُ لَهُمْ- وأنَّ المُخَلَّفِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ] لِمِثْلِ ما اعْتَلَّ بِهِ الأعْرابُ لا مَطْمَعَ في صَلاحِهِمْ: ﴿سَتُدْعَوْنَ﴾ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بِإخْبارِ مُحِيطِ العِلْمِ والقُدْرَةِ دَعْوَةً مُحِيطَةً ونَفِيرًا عامًّا لِما أفْهَمَهُ الإسْنادُ إلى جَمِيعِهِمْ مِن داعٍ صَحَّتْ إمامَتُهُ (p-٣١١)فَوَجَبَتْ طاعَتُهُ، ودَلَّ عَلى بُعْدِهِمْ مِن أرْضِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى قَوْمٍ﴾
ولَمّا أفْهَمَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ أنَّ لَهم قُوَّةً وشِدَّةً عَلى ما يُحاوِلُونَهُ، أوْضَحَ المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولِي بَأْسٍ﴾ أيْ: شِدَّةٍ في الحَرْبِ وشَجاعَةٍ مَعَ مَكْرٍ ودَهاءٍ ﴿شَدِيدٍ﴾ ولَمّا كانَ المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: لِماذا؟ قالَ تَعالى: ﴿تُقاتِلُونَهُمْ﴾ أيْ: بِأمْرِ إمامِكم ﴿أوْ يُسْلِمُونَ﴾ أيْ: يَدْعُوكم إلَيْهِمْ لِيَكُونَ أحَدُ الأمْرَيْنِ المُظْهَرَيْنِ لِأنَّ كَلِمَةَ اللَّهِ هي العُلْيا: المُقاتَلَةُ مِنكم أوِ الإسْلامُ مِنهُمْ، فَإنْ لَمْ يُسْلِمُوا كانَ القِتالُ لا غَيْرَ، وإنْ أسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ قِتالٌ؛ لِأنَّ الإمامَ لا غَرَضَ لَهُ إلّا إعْلاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ مِن إبْقاءٍ بِجِزْيَةٍ أوْ مُصالَحَةٍ أوْ مُتارَكَةٍ إلى مُدَّةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا الدّاعِي هو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ والقَوْمُ بَنُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم مِن أهْلِ الرِّدَّةِ الَّذِينَ كانَ الدُّعاءُ لَهم أوَّلَ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهم ثَقِيفٌ، فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الدُّعاءَ لَمْ يَكُنْ إلَيْهِمْ إنَّما كانَ المَقْصُودُ بِالذّاتِ فَتْحَ مَكَّةَ، وكانَ أمْرُ هَوازِنَ وثَقِيفٍ وغَيْرِهِما تَبَعًا لَهُ في غَزْوَتِهِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم شَيْءٌ، وأيْضًا فَإنَّ ثَقِيفَ لَمّا عَسُرَ أمْرُهم تَرَكَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وتَرَكَ أيْضًا فِلالَ هَوازِنَ فَلَمْ يَتْبَعْهم ولَمْ يُؤْمَرْ بِاتِّباعِهِمْ، فَظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا انْتَشَبَ القِتالُ لَمْ يَتْرُكْ إلّا أنْ حَصَلَ الإسْلامُ، والقَوْلُ بِأنَّهم فارِسُ والرُّومُ ضَعِيفٌ أيْضًا، فَإنَّ كُلًّا مِنهم (p-٣١٢)تُقْبَلُ مِنهُ الجِزْيَةُ، وتَأْوِيلُهُ بِأنَّهُ إسْلامٌ لُغَوِيٌّ لا داعِيَ لَهُ مَعَ إمْكانِ الحَقِيقَةِ، وقَدْ كانَ ما أشارَ إلَيْهِ التَّقْسِيمُ فَإنَّهم لَمّا دُعُوا [إلَيْهِمُ انْقَسَمُوا] إلى مُجِيبٍ وهُمُ الأكْثَرُ، وقَدْ آتاهُمُ اللَّهُ الأجْرَ الحَسَنَ في الدُّنْيا بِالغَنِيمَةِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ وهو المَرْجُوُّ في الآخِرَةِ، ومُرْتَدٍّ وهم قَلِيلٌ وقَدْ أذاقَهُمُ اللَّهُ العَذابَ الألِيمَ في الدُّنْيا بِالقَتْلِ عَلى أقْبَحِ حالٍ، وهو يُذِيقُهم في الآخِرَةِ أعْظَمَ النَّكالِ، وأمّا قِتالُ غَيْرِ العَرَبِ فَأطاعَ فِيهِ الكُلُّ ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّقْسِيمِ، فَتَحَقَّقَ بِهَذا أنَّهم أهْلُ الرِّدَّةِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ دَعْوَةِ الحَقِّ قَوْلَهُ مُرَدِّدًا القَوْلَ في حالِهِمْ مُبْهِمًا لَهُ إشارَةً إلى أنَّهم عِنْدَ الدُّعاءِ يَنْقَسِمُونَ إلى مُقْبِلٍ ومُتَوَلٍّ: ﴿فَإنْ تُطِيعُوا﴾ أيْ: تُوقِعُوا الطّاعَةَ لِلدّاعِي إلى ذَلِكَ، وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ﴿يُؤْتِكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ والقُدْرَةُ عَلى الإعْطاءِ والمَنعِ، لا رادَّ لِأمْرِهِ ﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ دُنْيا وأُخْرى، جَعَلَ اللَّهُ طاعَةَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في هَذا الأمْرِ بِالخُصُوصِ كَطاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي طاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، جَزاءً لَهُ عَلى خُصُوصِهِ في مَزِيدِ تَسْلِيمِهِ لِما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الصُّلْحِ وثَباتِهِ بِما أجابَ بِهِ عَمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما بِمِثْلِ جَوابِ النَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ حاضِرًا لَهُ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ السِّيرَةِ.
(p-٣١٣)ولَمّا كانَتْ مُخالَفَةُ الرَّسُولِ ﷺ ومَن يَقُومُ مَقامَهُ لا تَكُونُ إلّا مِن مُنازَعَةٍ في الفِطْرَةِ الأُولى ومُعالَجَةٍ لَها، عَبَّرَ بِالتَّفَعُّلِ فَقالَ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عَنْ قَبُولِ دَعْوَتِهِ عِصْيانًا ﴿كَما تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ: عالَجْتُمْ أنْفُسَكم وكَلَّفْتُمُوها التَّوَلِّيَ بِالتَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: بَعْضَ الأزْمانِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلى هَذا الدُّعاءِ، وذَلِكَ في الحُدَيْبِيَةِ ﴿يُعَذِّبْكُمْ﴾ أيْ: يُخالِطُكم بِعُقُوبَةٍ تُزِيلُ العُذُوبَةَ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لِأجْلِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ مِنكم.
الفتح 48:17
ولَمّا تَوَعَّدَ المُتَخَلِّفِينَ بِتَخَلُّفِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ تَوَعَّدَهم في التَّقاعُدِ عَنْ هَذا الإمامِ القائِمِ بَعْدَهُ بِالحَقِّ، وكانَ أهْلُ الأعْذارِ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ما أُرِيدَ بِهَذا الدُّعاءِ، وكانَ الدِّينُ مَبْنِيًّا عَلى الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ تَعالى مُسَكِّنًا لِما اسْتَثارَهُ الوَعِيدُ مِن رَوْعِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى﴾ أيْ: في تَخَلُّفِهِ عَنِ الدُّعاءِ إلى الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِ مِن أئِمَّةِ الدُّعاءِ ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ: مَيْلٌ بِثِقْلِ الإثْمِ لِأجْلِ أنَّ عَماهُ مُوهِنٌ لِسَعْيِهِ وجَمِيعِ بَطْشِهِ، ولِأجْلِ تَأْكِيدِ المَعْنى تَسْكِينًا لِما ثارَ مِن رَوْعِ المُؤْمِنِ كَرَّرَ النّافِيَ والحَرَجَ في كُلِّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ تَأْكِيدًا لِهَذا الأمْرِ فَقالَ: ﴿ولا عَلى الأعْرَجِ﴾ وإنْ كانَ (p-٣١٤)نَقْصُهُ أدْنى مِن نَقْصِ العَمى ﴿حَرَجٌ﴾ وجَعَلَ كُلَّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً تَأْكِيدًا لِهَذا الحُكْمِ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذَيْنِ الأثَرَيْنِ الخاصَّيْنِ لِمَزِيدِ ضَرَرِهِما في العاقِبَةِ عَنْ كَمالِ الجِهادِ، عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى المَرِيضِ﴾ أيْ: بِأيِّ مَرَضٍ ﴿حَرَجٌ﴾ فَلَمْ يَخْرُجْ أهْلُ هَذِهِ الأعْذارِ الَّذِينَ لَمْ يَمْنَعُهم إلّا إعْذارُهم عَنْ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ، وأطْلَقَ الحَرَجَ المَنفِيَّ لِيَقْبَلَ التَّقْدِيرَ بِالتَّخَلُّفِ ولا حاجَةَ لِأنَّ حُضُورَهم لا يَخْلُو عَنْ نَفْعٍ في الجِهادِ، وذُكِرَ هَكَذا دُونَ أُسْلُوبِ الِاسْتِثْناءِ إيذانًا بِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا في الوَعِيدِ أصْلًا حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.
ولَمّا بَشَّرَ المُطِيعِينَ لِتِلْكَ الدَّعْوَةِ وتَوَعَّدَ القاعِدِينَ عَنْها وعَذَرَ المَعْذُورِينَ، وكانَتْ إجابَةُ المَعْذُورِينَ جائِزَةً، بَلْ أرْفَعَ مِن قُعُودِهِمْ، ولِذَلِكَ لَمْ يَنْفِ إجابَتَهم إنَّما نَفى الحَرَجَ، قالَ مُعَمِّمًا عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَمَن تَخَلَّفَ مِنهم فَتَخَلُّفُهُ مُباحٌ لَهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُفِيضِ مِن آثارِ صِفاتِهِ عَلى مَن يَشاءُ ولَوْ كانَ ضَعِيفًا، المانِعِ مِنها مَن يَشاءُ وإنْ كانَ قَوِيًّا ﴿ورَسُولَهُ﴾ مِنَ المَعْذُورِينَ وغَيْرِهِمْ فِيما نُدِبا إلَيْهِ مِن أيِّ طاعَةٍ كانَتْ إجابَتُهُ ﴿يُدْخِلْهُ﴾ أيِ: اللَّهُ المَلِكُ الأعْظَمُ جَزاءً لَهُ ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ ونَبَّهَ عَلى قُرْبِ مَنالِ الماءِ بِإثْباتِ الجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: فَفي أيِّ مَوْضِعٍ أرَدْتَ أجْرَيْتَ نَهْرًا ﴿ومَن يَتَوَلَّ﴾ أيْ: كائِنًا مَن كانَ مِنَ المُخاطَبِينَ الآنَ وغَيْرِهِمْ، عَنْ (p-٣١٥)طاعَةٍ مِنَ الطّاعاتِ الَّتِي أمَرا بِها مِن أيِّ طاعَةٍ كانَتْ ﴿يُعَذِّبْهُ﴾ أيْ: عَلى تَوَلِّيهِ في الدّارَيْنِ أوْ إحْداهُما ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ: ”نُدْخِلْهُ ونُعَذِّبْهُ“ بِالنُّونِ أظْهَرُ في إرادَةِ العَظَمَةِ لِأجْلِ تَعْظِيمِ النِّعْمَةِ والنِّقْمَةِ.
الفتح 48:18
ولَمّا وعَدَ المُطِيعَ وأوْعَدَ العاصِيَ، وكانَتِ النُّفُوسُ إلى الوَعْدِ أشَدَّ التِفاتًا، دَلَّ عَلَيْهِ بِثَوابٍ عَظِيمٍ مِنهُ أمْرٌ مَحْسُوسٌ يَعْظُمُ جَذْبُهُ لِلنُّفُوسِ القاصِرَةِ عَنِ النُّفُوذِ في عالَمِ الغَيْبِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ أعْظَمَ المُرادِ بِهِ المُذَبْذَبُونَ، مُفْتَتِحًا بِقَدْ؛ لِأنَّ السِّياقَ مُوجِبٌ لِلتَّوَقُّعِ لِما جَرى مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ أنَّها إذا شَوَّقَتْ إلى شَيْءٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ بِمَشْهُودٍ يُقَرِّبُ الغائِبَ المَوْعُودَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والجَمالُ ﴿عَنِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، أيْ: فَعَلَ مَعَهم فِعْلَ الرّاضِي بِما جَعَلَ لَهم مِنَ الفَتْحِ وما قَدَّرَ لَهُ مِنَ الثَّوابِ، وأفْهَمَ ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَرْضَ عَنِ الكافِرِينَ فَخَذَلَهم في الدُّنْيا مَعَ ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فالآياتُ تَقْرِيرٌ لِما ذُكِرَ مِن جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ بِأُمُورٍ مُشاهَدَةٍ.
ولَمّا ذَكَرَ الرِّضى، ذَكَرَ وقْتَهُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِهِ فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ، وصَوَّرَ حالَهم إعْلامًا بِأنَّها سارَّةٌ مُعْجِبَةٌ شَدِيدَةُ الرُّسُوخِ في الرِّضى فَقالَ: ﴿يُبايِعُونَكَ﴾ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ لَمّا صَدَّ المُشْرِكُونَ عَنِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ، فَبَعَثْتَ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَيْهِمْ لِيُخْبِرَهم بِأنَّكَ لَمْ تَجِئْ (p-٣١٦)لِقِتالٍ وإنَّما جِئْتَ لِلْعُمْرَةِ، فَبَلَغَكَ أنَّهم قَتَلُوهُ فَنَدَبْتَ إلى البَيْعَةِ لِمُناجَزَتِهِمْ فَبايَعَكَ كُلُّ مَن كانَ مَعَكَ عَلى أنْ لا يَفِرُّوا لِتُناجِزَ بِهِمُ القَوْمَ؛ وزادَ الأمْرَ بَيانًا وقَيَّدَهُ تَفْضِيلًا لِأهْلِ البَيْعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ واللّامُ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وكانَتْ شَجَرَةً في المَوْضِعِ الَّذِي كانَ النَّبِيُّ ﷺ نازِلًا بِهِ في الحُدَيْبِيَةِ، ولِأجْلِ هَذا الرِّضى سُمِّيَتْ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، ورَوى البَغَوِيُّ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»».
ولَمّا دَلَّ عَلى إخْلاصِهِمْ بِما وصَفَهُمْ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَعَلِمَ﴾ أيْ: لِما لَهُ مِنَ الإحاطَةِ ﴿ما في قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ: مِن مُطابَقَتِهِ لِما قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ في البَيْعَةِ، وأنَّ ما حَصَلَ لِبَعْضِهِمْ مِنَ الِاضْطِرابِ في قَبُولِ الصُّلْحِ والكَآبَةِ مِنهُ إنَّما هو لِمَحَبَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ وإيثارِ ما يُرِيدُ مِن إعْلاءِ دِينِهِ وإظْهارِهِ لا عَنْ شَكٍّ في الدِّينِ، وسَبَّبَ عَنْ هَذا العِلْمِ تَرْغِيبًا [فِي] مِثْلِ هَذا المُحْدَثِ عَنْهم قَوْلَهُ: ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أيْ: بِثَباتِ القُلُوبِ وطُمَأْنِينَتِها في كُلِّ حالَةٍ تُرْضِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ودَلَّ عَلى عِظَمِها بِحَيْثُ إنَّها تَغْلِبُ الخَوْفَ وإنْ عَظُمَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ فَأثَّرَ ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَخافُوا عاقِبَةَ القِتالِ لَمّا نُدِبُوا إلَيْهِ وإنْ كانُوا في كَثْرَةِ الكُفّارِ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جَنْبِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، لا أثَرَ الصُّلْحِ بِما يَتَراءى فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ وغَيْرِهِ مِن مَخايِلِ النَّقْصِ في قُلُوبِهِمْ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ (p-٣١٧)والمَواطِنِ الضَّنْكِ إلّا رَيْثَما رَأوْا صِدْقَ عَزِيمَةِ الرَّسُولِ ﷺ ومَضى أمْرُهُ في ذَلِكَ بِما يَفْعَلُ ويَقُولُ.
ولَمّا ذَكَرَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِما هو الأصْلُ الَّذِي لا يُبْنى إلّا عَلَيْهِ، أتْبَعَهُ آثارَهُ فَقالَ: ﴿وأثابَهُمْ﴾ أيْ: أعْطاهم جَزاءً لَهم عَلى ما وهَبَهم مِنَ الطّاعَةِ والسَّكِينَةِ فِيها جَزاءً، مُقْبِلًا عَلَيْهِمْ، يَمْلَأُ مَواضِعَ احْتِياجِهِمْ، هو أهْلٌ لِأنْ يَقْصِدَهُ الإنْسانُ ويَتَرَدَّدَ في طَلَبِهِ لِما لَهُ مِنَ الإقْبالِ والمُكْنَةِ والشُّمُولِ ﴿فَتْحًا﴾ بِما أوْقَعَ سُبْحانَهُ مِنَ الصُّلْحِ المُتَرَتِّبِ عَلى تَعْجِيزِ قُرَيْشٍ عَنِ القِتالِ ﴿قَرِيبًا﴾ بِتَرْكِ القِتالِ المُوجِبِ بَعْدَ راحَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ وجُمُومِهِمْ لِاخْتِلاطِ بَعْضِ النّاسِ بِبَعْضٍ فَيَدْخُلُ في الدِّينِ مَن كانَ مُباعِدًا لَهُ لِما يَرى مِن مَحاسِنِهِ، فَسَيَكُونُ الفَتْحُ الأعْظَمُ فَتْحَ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ الَّذِي هو سَبَبٌ لِفَتْحِ جَمِيعِ البِلادِ.
الفتح 48:19
ولَمّا ذَكَرَ الفَتْحَ ذَكَرَ بَعْضَ ثَمَرَتِهِ فَقالَ: ﴿ومَغانِمَ﴾ فَنَبَّهَ بِصِيغَةِ مُنْتَهى الجُمُوعِ إلى أنَّها عَظِيمَةٌ، ثُمَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿كَثِيرَةً﴾ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ رُبَّما أُطْلِقَ عَلى ما هو بِالقُوَّةِ دُونَ الفِعْلِ، أزالَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَها﴾ وهي خَيْبَرُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدًا لِكَثْرَةِ الكُفّارِ وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ، بَيَّنَ سَبَبَهُ فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: بِعَزَّةَ اللَّهِ وحِكْمَتِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ ﴿عَزِيزًا﴾ أيْ: يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ ﴿حَكِيمًا﴾ يُتْقِنُ ما يُرِيدُ فَلا يُنْقَضُ.
الفتح 48:20
(p-٣١٨)ولَمّا قَرَّبَ ذَلِكَ وتَأكَّدَ وتَحَرَّرَ وتَقَرَّرَ، أقْبَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ تَأْكِيدًا لِمَسامِعِهِمْ فَقالَ مُزِيلًا لِكُلِّ احْتِمالٍ يَتَرَدَّدُ في خَواطِرِ المُخَلَّفِينَ: ﴿وعَدَكُمُ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿مَغانِمَ﴾ وحَقَّقَ مَعْناها بِقَوْلِهِ: ﴿كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها﴾ أيْ: فِيما يَأْتِي مِن بُلْدانٍ شَتّى لا تَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ هَذا الوَعْدِ قَوْلَهُ: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ﴾ أيْ: مِنها ﴿هَذِهِ﴾ أيِ: القَضِيَّةَ الَّتِي أوْقَعَها بَيْنَكم وبَيْنَ قُرَيْشٍ مِن وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ، ومِن أنَّكم تَأْتُونَ في العامِ المُقْبِلِ في مِثْلِ هَذا الشَّهْرِ مُعْتَمِرِينَ فَإنَّها سَبَبُ ذَلِكَ كُلِّهِ، عَزاهُ أبُو حَيّانَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وهو في غايَةِ الظُّهُورِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: الَّتِي فَتَحَها عَلَيْكم مِن خَيْبَرَ مِن سَبْيِها وأمْوالِها المَنقُولاتِ وغَيْرِها ﴿وكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ﴾ أيْ: مِن أهْلِ خَيْبَرَ وحُلَفائِهِمْ أسَدٍ وغَطَفانَ أنْ يُعِينُوا أهْلَ خَيْبَرَ أوْ يُغِيرُوا عَلى عِيالاتِكم بَعْدَ ما هَمُّوا بِذَلِكَ بَعْدَ ما كَفَّ أيْدِيَ قُرَيْشٍ ومَن دَخَلَ في عَهْدِهِمْ بِالصُّلْحِ ﴿عَنْكُمْ﴾ عَلى ما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ القِلَّةِ والضَّعْفِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: رَحْمَةً لَكم عَلى طاعَتِكم لِلَّهِ ورَسُولِهِ وجَزاءً لِتَقْوى أيْدِيكُمْ، وتَرَوْا أسْبابَ الفَتْحِ القَرِيبَةَ بِما يَدْخُلُ مِنَ النّاسِ في دِينِكم عِنْدَ المُخاطَبَةِ بِسَبَبِ الإيمانِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولِتَكُونَ﴾ أيْ: هَذِهِ (p-٣١٩)الأسْبابُ مِنَ الفَتْحِ والإسْلامِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً هي في غايَةِ الوُضُوحِ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِنكم عَلى دُخُولِ المَسْجِدِ الحَرامِ آمِنِينَ في العُمْرَةِ ثُمَّ في الفَتْحِ ومِنكم ومِن غَيْرِكم مِنَ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ عَلى جَمِيعِ ما يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ عَلى ما وقَعَ التَّدْرِيبُ عَلَيْهِ في هَذا التَّدْبِيرِ الَّذِي دَبَّرَهُ لَكم مِن أنَّهُ لَطِيفٌ يُوصِلُ إلى الأشْياءِ العَظِيمَةِ بِأضْدادِ أسْبابِها فِيما يَرى النّاسُ فَلا يَرْتاعُ مُؤْمِنٌ لِكَثْرَةِ المُخالِفِينَ وقُوَّةِ المُنابِذِينَ أبَدًا؛ فَإنَّ سَبَبَ كَوْنِ اللَّهِ مَعَ العَبْدِ هو الِاتِّباعُ بِالإحْسانِ الَّذِي عِمادُهُ الرُّسُوخُ في الإيمانِ الَّذِي عَلَّقَ الحُكْمَ بِهِ، فَحَيْثُ ما وُجِدَ عَلَيْهِ وُجِدَ المُعَلَّقُ وهو النَّصْرُ بِأسْبابٍ جَلِيَّةٍ أوْ خَفِيَّةٍ ﴿ويَهْدِيَكُمْ﴾ في نَحْوِ هَذا الأمْرِ الَّذِي دَهَمَكم فَأزْعَجَكم بِالثَّباتِ عِنْدَ سَماعِ المَوْعِدِ والوَعِيدِ والثِّقَةِ بِمَضْمُونِهِ؛ لِأنَّهُ قادِرٌ حَكِيمٌ، فَهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ بِأنْ يَهْدِيَكم ﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أيْ: طَرِيقًا واسِعًا واضِحًا مُوَصِّلًا إلى الكَرامَةِ مِن غَيْرِ شَكٍّ، وهَذا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَزُغْ أحَدٌ مِنَ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ وهم أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ وكَأنَّهُ -واللَّهُ أعْلَمُ- لِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ويَهْدِيهِمْ - بِالغَيْبِ عَلى ما اقْتَضاهُ السِّياقُ لِئَلّا يَعُمَّ غَيْرَهم مِمَّنْ يَظْهَرُ صِدْقُهُ في الإيمانِ ثُمَّ يَزِيغُ، ولِذا أكْثَرُ تَفاصِيلِ هَذِهِ السُّورَةِ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ وقَعَ الإخْبارُ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ.
الفتح 48:21
ولَمّا سَرَّهم سُبْحانَهُ بِما بَشَّرَهم بِهِ مِن كَوْنِ القَضِيَّةِ فَتْحًا (p-٣٢٠)ومِن غَنائِمِ خَيْبَرَ، أتْبَعَ ذَلِكَ البِشارَةَ دالًّا عَلى أنَّها لا مَطْمَعَ لَهم في حَوْزِهِ ولا عِلاجِهِ لَوْلا مَعُونَتُهُ فَقالَ: ﴿وأُخْرى﴾ أيْ: ووَعَدَكم مَغانِمَ كَثِيرَةً غَيْرَ هَذِهِ وهي -واللَّهُ أعْلَمُ- مَغانِمُ هَوازِنَ الَّتِي لَمْ يَحْصُلْ قَبْلَها ما يُقارِبُها. ولَمّا كانَ في عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ الصَّحابَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم مُقِرُّونَ فِيها إلّا مَن لا يُمْكِنُهُ في العادَةِ أنْ يَهْزِمَهم لِيَحْوِيَ الغَنائِمَ، فَكانَ ما في عِلْمِهِ تَعالى لِتَحَقُّقِهِ كالَّذِي وقَعَ وانْقَضى، قالَ تَعالى: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا﴾ أيْ: بِما عَلِمْتُمْ مِن قَرارِكم ﴿عَلَيْها﴾ ولَمّا تَوَقَّعَ السّامِعُ بَعْدَ عِلْمِهِ بِعَجْزِهِمْ عَنْها الإخْبارَ عَنِ السَّبَبِ المُوصِلِ إلى أخْذِها بِما تَقَرَّرَ عِنْدَ مَن صَدَّقَ الوَعْدَ بِها، قالَ مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِها﴾ فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ ما أُدِيرَ عَلَيْهِ سُورَةُ مانِعٍ مِن أنْ يَغْلِبَ مِنها شَيْءٌ عَنْ حَوْزَتِكم أوْ يَقْدِرَ غَيْرُكم أنْ يَأْخُذَ مِنها شَيْئًا، ولِذَلِكَ [و] لِلتَّعْمِيمِ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ أزَلًا وأبَدًا ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنها ومِن غَيْرِها ﴿قَدِيرًا﴾ بالِغَ القُدْرَةِ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
الفتح 48:22
ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أنَّهُ كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم أجْمَعِينَ، ذَكَرَ حُكْمَهم لَوْ وقَعَ قِتالٌ، فَقالَ مُقَرِّرًا لِقُدْرَتِهِ عاطِفًا عَلى نَحْوِ: فَلَوْ أرادَ لَمَكَّنَكم مِنَ الِاعْتِمارِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اسْتِبْعادِ مَن يَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ مِنَ الأعْرابِ وغَيْرِهِمْ: (p-٣٢١)﴿ولَوْ قاتَلَكُمُ﴾ أيْ: في هَذا الوَجْهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا هَذا الوَصْفَ مِنَ النّاسِ عُمُومًا الرّاسِخَ فِيهِ ومَن دُونَهُ، وهم أهْلُ مَكَّةَ ومِن لافَّهُمْ، وكانُوا قَدِ اجْتَمَعُوا وجَمَعُوا الأحابِيشَ ومَن أطاعَهم وقَدَّمُوا خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ طَلِيعَةً لَهم إلى كُراعِ الغَمِيمِ، ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ بَعْدُ ﴿لَوَلَّوُا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿الأدْبارَ﴾ مُنْهَزِمِينَ.
ولَمّا كانَ عَدَمُ نَصْرِهِمْ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ مُسْتَبْعَدًا أيْضًا لِما لَهم مِن كَثْرَةِ الإمْدادِ وقُوَّةِ الحَمِيَّةِ، قالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ البُعْدِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ طُولِ الزَّمانِ وكَثْرَةِ الأعْوانِ ﴿لا يَجِدُونَ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿ولِيًّا﴾ أيْ: يَفْعَلُ مَعَهم فِعْلَ القَرِيبِ مِنَ الحِياطَةِ والشَّفَقَةِ والحِراسَةِ مِن عَظِيمِ ما يَحْصُلُ مِن رُعْبِ تِلْكَ التَّوْلِيَةِ ﴿ولا نَصِيرًا﴾
الفتح 48:23
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ عادَةً جارِيَةً قَدِيمَةً مَعَ أوْلِياءِ اللَّهِ تَعالى حَيْثُما كانُوا مِنَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ، وأنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ، قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أيْ: سَنَّ المُحِيطِ بِهَذا الخَلْقِ في هَذا الزَّمانِ وما بَعْدَهُ كَما كانَ مُحِيطًا بِالخَلْقِ في قَدِيمِ الدَّهْرِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ﴾ أيْ: سُنَّةً مُؤَكَّدَةً لا تَتَغَيَّرُ، وأكَّدَ الجارَّ لِأجَلِ [أنَّ] القِتالَ ما وقَعَ الزَّمانُ الماضِي إلّا بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَإنَّما كانَ يَحْصُلُ الهَلاكُ بِأمْرٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِغَيْرِ أيْدِي المُؤْمِنِينَ ﴿ولَنْ تَجِدَ﴾ أيُّها (p-٣٢٢)السّامِعُ ﴿لِسُنَّةِ اللَّهِ﴾ الَّذِي لا يُخْلِفُ قَوْلًا لِأنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿تَبْدِيلا﴾ أيْ: تَغَيُّرًا مِن مُغَيِّرٍ ما، يُغَيِّرُها بِما يَكُونُ بَدَلَها.
الفتح 48:24
ولَمّا تَقَرَّرَ أنَّ الكُفّارَ مَغْلُوبُونَ وإنْ قاتَلُوا، وكانَ ذَلِكَ مِن خَوارِقِ العاداتِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ دائِمًا وقِلَّةِ المُؤْمِنِينَ حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ مَوْقِعًا لِلْعِلْمِ القَطْعِيِّ بِأنَّهُ ما دَبَّرَهُ إلّا الواحِدُ القَهّارُ القادِرُ المُخْتارُ، عَطَفَ عَلَيْهِ عَجَبًا آخَرَ؛ وهو عَدَمُ تَغَيُّرِ أهْلِ مَكَّةَ في هَذِهِ العُمْرَةِ لِلْقِتالِ بَعْدَ تَعاهُدِهِمْ وتَعاقُدِهِمْ عَلَيْهِ مَعَ ما لَهم مِن قُوَّةِ العَزائِمِ وشِدَّةِ الشَّكائِمِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هو الَّذِي سَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ العامَّةَ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ﴾ أيْ: وحْدَهُ مِن غَيْرِ مُعِينٍ لَهُ عَلى ذَلِكَ ﴿أيْدِيَهُمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ، فَإنَّ الكُلَّ شَرْعٌ واحِدٌ ﴿عَنْكم وأيْدِيَكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ ﴿عَنْهُمْ﴾
ولَمّا كانَ الكُفّارُ لَوْ بَسَطُوا أيْدِيَهم مَعَ ما حَتَّمَهُ اللَّهُ وسَنَّهُ مِن تَوْلِيَةِ الكُفّارِ دَخَلُوا مَكَّةَ قالَ: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ أيْ: كائِنًا كُلٌّ مِنكم ومِنهم في داخِلِ مَكَّةَ هم حالًا وأنْتَ مَآلًا، وعَنِ القَفّالِ أنَّهُ قالَ: يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الحُدَيْبِيَةُ لِأنَّها مِنَ الحَرَمِ. انْتَهى.
وعَبَّرَ بِالمِيمِ دُونَ الباءِ كَما في آلِ عِمْرانَ إشارَةً إلى أنَّهُ فَعَلَ هُنا ما اقْتَضاهُ مَدْلُولُ هَذا الِاسْمِ مِنَ الجَمْعِ والنَّقْضِ والتَّنْقِيَةِ، فَسَبَّبَ لَهم أسْبابَ الِاجْتِماعِ والتَّنْقِيَةِ مِنَ الذُّنُوبِ (p-٣٢٣)بِما أشارَتْ إلَيْهِ آيَةُ المَعَرَّةِ حالًا وآياتُ الفَتْحِ مَآلًا، ووَفى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُها مِنَ الأهْلِ عَلى خِلافِ القِياسِ.
ولَمّا كانَ هَذا لَيْسَ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ الزَّمانِ الآتِي، بَلْ لا بُدَّ أنْ يَبْسُطَ أيْدِيَ المُؤْمِنِينَ بِها يَوْمَ الفَتْحِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكُمْ﴾ أيْ: أوْجَدَ فَوْزَكم بِكُلِّ ما طَلَبْتُمْ مِنهم وجَعَلَ لَكُمُ الطَّوْلَ والعِزَّ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وذَلِكَ فِيما رَواهُ أصْحابُ السِّيَرِ قالُوا: ودَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خِراشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزاعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَبَعَثَهُ إلى قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ وحَمَلَهُ عَلى بَعِيرٍ لَهُ فَقالَ لَهُ التَّغَلُّبُ: لِيُبْلِغْ أشْرافَهم عَنْهُ ما جاءَ لَهُ فَعَقَرُوا جَمَلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأرادُوا قَتْلَهُ، فَمَنَعَهُ الأحابِيشُ فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وبَعَثَتْ قُرَيْشٌ أرْبَعِينَ رَجُلًا مِنهم أوْ خَمْسِينَ وأمَرُوهم أنْ يَطُوفُوا بِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُصِيبُوا لَهم مِن أصْحابِهِ أحَدًا فَأخَذُوا أخْذًا فَأتى بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَفا عَنْهم وخَلّى سَبِيلَهُمْ، وقَدْ كانُوا رَمَوْا في عَسْكَرِهِ بِالحِجارَةِ والنَّبْلِ، ثُمَّ ذَكَرُوا إرْسالَهُ ﷺ (p-٣٢٤)لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى مَكَّةَ ثُمَّ إرْسالَ قُرَيْشٍ لِسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو في الصُّلْحِ، ورَوى مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ «عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَمّا اصْطَلَحْنا واخْتَلَطَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ أتَيْتُ شَجَرَةً فاضْطَجَعْتُ في أصْلِها، فَأتانِي أرْبَعَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَجَعَلُوا يَقَعُونَ في النَّبِيِّ ﷺ فَأبْغَضْتُهُمْ، فَتَحَوَّلْتُ إلى شَجَرَةٍ أُخْرى، وعَلَّقُوا سِلاحَهم واضْطَجَعُوا، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ نادى مُنادٍ مِن أسْفَلِ الوادِي: يا آلَ المُهاجِرِينَ: قُتِلَ ابْنُ زُنَيْمٍ، فاخْتَرَطْتُ سَيْفِي ثُمَّ شَدَدْتُ عَلى أُولَئِكَ الأرْبَعَةِ وهم رُقُودٌ فَأخَذْتُ سِلاحَهُمْ، فَجَعَلْتُهُ ضِغْثًا في يَدِي، ثُمَّ قُلْتُ: والَّذِي كَرَّمَ وجْهَ مُحَمَّدٍ ﷺ! لا يَرْفَعُ أحَدٌ مِنكم رَأْسَهُ إلّا [ضَرَبْتُ] الَّذِي فِيهِ عَيْناهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِمْ أسُوقُهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وجاءَ عَمِّي عامِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ مِنَ العَبَلاتِ يُقالُ لَهُ مِكْرَزٌ يَقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى فَرَسٍ مُجَفَّفٍ في سَبْعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَنَظَرَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: دَعُوهم يَكُنْ لَهم بَدْءُ الفُجُورِ وثِناهُ، فَعَفا عَنْهم فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (p-٣٢٥)﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ». انْتَهى.
ورَوى مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ ثَمانِينَ رَجُلًا مِن أهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن قَبْلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وفي رِوايَةِ النَّسائِيِّ: قالُوا: نَأْخُذُ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ، فَأخَذَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ سِلْمًا فاسْتَحْياهم فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ.
ولَمّا كانَ هَذا ونَحْوَهُ مِن عُنْفِ أهْلِ مَكَّةَ وغِلْظَتِهِمْ وصَلابَتِهِمْ وشِدَّتِهِمْ ورِفْقِ النَّبِيِّ ﷺ ولِينِهِ لَهم مِمّا أحْزَنَ أغْلَبَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم قالَ تَعالى يُسَلِّيهِمْ: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ ”بِما يَعْمَلُونَ“ أيِ: الكُفّارُ - عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو بِالغَيْبِ، وأنْتُمْ - عَلى قِراءَةِ الباقِينَ بِالخِطابِ في ذَلِكَ الوَقْتِ وفِيما بَعْدَهُ كَما كانَ قَبْلَهُ ﴿بَصِيرًا﴾ أيْ: مُحِيطَ العِلْمِ بِبَواطِنِ ذَلِكَ كَما هو مُحِيطٌ بِظَواهِرِهِ فَهو يُجْرِيهِ في هَذِهِ الدّارِ الَّتِي رَبَطَ فِيها المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها عَلى أوْثَقِ الأسْبابِ في نَصْرِكم وغَلَبِكم لَهم وقَسْرِكُمْ، وسَتَعْلَمُونَ ما دَبَّرَهُ مِن دُخُولِكم مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ آمِنِينَ لا تَخافُونَ في عُمْرَةِ القَضاءِ صُلْحًا ثُمَّ في الفَتْحِ بِجَحْفَلٍ جَرّارٍ قَدْ نِيطَتْ أظْفارُ المَنايا بِأسِنَّةِ رِماحِهِ، وعادَتْ (p-٣٢٦)كُؤُوسُ الحِمامِ طَوْعًا لِبِيضِ صِفاحِهِ، فَيُؤْمِنُ أكْثَرُ أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرُهم مِمَّنْ هو الآنَ جاهِدٌ عَلَيْكُمْ، ويَصِيرُونَ أحَبَّ النّاسِ فِيكم يُقَدِّمُونَ أنْفُسَهم في جِهادِ الكُفّارِ دُونَكُمْ، فَيَفْتَحُ اللَّهُ بِكُمُ البِلادَ، ويُظْهِرُكم - وهو أعْظَمُ المُحامِينَ عَنْكم - عَلى سائِرِ العِبادِ.
الفتح 48:25
ولَمّا كانَ ما مَضى مِن وصْفِهِمْ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ غَيْرَهم مِن جَمِيعِ الكُفّارِ، عَيَّنَهم مُبَيِّنًا لِسَبَبِ كَفِّهِمْ عَنْهم مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِلْبَوارِ والنَّكالِ والدَّمارِ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ ومَن لافَّهم ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْغَلُوا في هَذا الوَصْفِ بِجَمِيعِ بَواطِنِهِمْ وتَمامِ ظَواهِرِهِمْ ﴿وصَدُّوكُمْ﴾ زِيادَةً عَلى كُفْرِهِمْ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ هَذِهِ ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ أيْ: مَكَّةَ، ونَفْسِ المَسْجِدِ الحَرامِ، والكَعْبَةِ، لِلْإخْلالِ بِما أنْتُمْ فِيهِ مِن شَعائِرِ الإحْرامِ [بِالعُمْرَةِ] ﴿والهَدْيَ﴾ أيْ: وصَدُّوا ما أهْدَيْتُمُوهُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ لِتَذْبَحُوهُ بِها وتُفَرِّقُوهُ عَلى الفُقَراءِ، ومِنهُ أرْبَعُونَ، وفي رِوايَةٍ: سَبْعُونَ بَدَنَةً، كانَ أهْداها النَّبِيُّ ﷺ.
﴿مَعْكُوفًا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مَجْمُوعًا مَحْبُوسًا مَعَ رَعْيِكم لَهُ وإصْلاحِهِ لِما أُهْدِيَ لِأجْلِهِ ﴿أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ أيِ: المَوْضِعَ الَّذِي هو أوْلى المَواضِعِ لِنَحْرِهِ، وهو الَّذِي إذا أُطْلِقَ انْصَرَفَ الذِّهْنُ إلَيْهِ، وهو في العُمْرَةِ المَرْوَةُ، ويَجُوزُ الذَّبْحُ في الحَجِّ والعُمْرَةِ في أيِّ مَوْضِعٍ كانَ مِنَ الحَرَمِ، فالمَوْضِعُ الَّذِي نَحَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ في هَذِهِ (p-٣٢٧)المَرَّةِ عِنْدَ الإحْصارِ لَيْسَ مَحَلَّهُ المُطْلَقَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَلَوْلا ما أشارَ إلَيْهِ مِن رَبْطِ المُسَبِّباتِ بِأسْبابِها لَسَلَّطَكم عَلَيْهِمْ فَغَلَبْتُمُوهم عَلى المَسْجِدِ وأتْمَمْتُمْ عُمْرَتَكم عَلى ما أرَدْتُمْ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ أمْرًا أخَصَّ مِنهُ فَقالَ: ﴿ولَوْلا رِجالٌ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ بَيْنَ أظْهُرِ الكُفّارِ بِمَكَّةَ ﴿مُؤْمِنُونَ﴾ [أيْ عَرِيقُونَ في الإيمانِ فَكانُوا لِذَلِكَ أهْلًا لِلْوَصْفِ بِالرُّجُولِيَّةِ ﴿ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ﴾ أيْ:] كَذَلِكَ حَبَسَ الكُلَّ عَنِ الهِجْرَةِ العُذْرُ؛ لِأنَّ الكُفّارَ لِكَثْرَتِهِمُ اسْتَضْعَفُوهم فَمَنَعُوهُمُ الهِجْرَةَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ شامِلٌ لِمَن جَبَلَهُ اللَّهُ عَلى الخَيْرِ وعَلِمَ مِنهُ الإيمانَ وإنْ كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مُشْرِكًا ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ أيْ: لَمْ يُحِطْ عِلْمُكم بِهِمْ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ لِتُمَيِّزُوهم بِأعْيانِهِمْ عَنِ المُشْرِكِينَ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم قُوَّةُ التَّمْيِيزِ زَمَنَهم بِأنْفُسِهِمْ وأنْتُمْ لا تَعْرِفُونَ أماكِنَهم لِتُعامِلُوهم بِما هم لَهُ أهْلٌ ولا سِيَّما في حالِ الحَرْبِ والطَّعْنِ والضَّرْبِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِنَ ”الرِّجالِ والنِّساءِ“ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ أيْ: تُؤْذُوهم بِالقَتْلِ أوْ ما يُقارِبُهُ مِنَ الجِراحِ والضَّرْبِ والنَّهْبِ ونَحْوِهِ مِنَ الوَطْءِ الَّذِي هو الإيقاعُ بِالحَرْبِ، مِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: ««آخِرُ وطْأةٍ وطِئَها اللَّهُ بِوَجٍّ»». يَكُونُ ذَلِكَ الأذى مِنكم لَهم عَلى [ظَنِّ] أنَّهم مُشْرِكُونَ أذى الدّائِسِ لِمَدُوسٍ (p-٣٢٨)وتَضْغَطُوهم وتَأْخُذُوهم أخْذًا شَدِيدًا بِقَهْرٍ وغَلَبَةٍ تَصِيرُونَ بِهِ لا تَرُدُّونَ يَدَ لامِسٍ ولا تَقْدِرُونَ عَلى مُدافَعَةٍ ﴿فَتُصِيبَكُمْ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ هَذا الوَطْءِ أنْ يُصِيبَكم ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن جِهَتِهِمْ وبِسَبَبِهِمْ ﴿مَعَرَّةٌ﴾ أيْ: مَكْرُوهٌ وأذًى هو كالحَرْبِ في انْتِشارِهِ وأذاهُ، وإثْمٌ وخِيانَةٌ بِقِتالٍ دُونَ إذْنٍ خاصٍّ، وبِعَدَمِ الإمْعانِ في البَحْثِ، وغُرْمٌ وكَفّارَةٌ ودِيَةٌ وتَأسُّفٌ وتَعْيِيرٌ مِمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ، ثُمَّ عَلَّقَ بِالوَطْءِ المُسَبَّبِ عَنْهُ إصابَةُ المَعَرَّةِ إتْمامًا لِلْمَعْنى قَوْلَهُ: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بِأنَّهم مِنَ المُؤْمِنِينَ.
ولَمّا دَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَسَلَّطَكم عَلَيْهِمْ وما كَفَّ أيْدِيَكم عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ، وعَلِمَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ فَمَنَّ عَلَيْكم بِأنْ رَفَعَ حَرَجَ إصابَتِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ عَنْكُمْ، وسَبَّبَ لَكم أسْبابَ الفَتْحِ الَّذِي كانَ يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ تَسْلِيطِكم عَلَيْهِمْ بِأمْرٍ سَهْلٍ، وكَفَّ أيْدِيَكم ولَمْ يُسَلِّطْكم عَلَيْهِ ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿فِي رَحْمَتِهِ﴾ أيْ: إكْرامِهِ وإنْعامِهِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأنْ يَعْطِفَهم إلى الإسْلامِ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ بِأنْ يَسْتَنْقِذَهم مِنهم عَلى أرْفَقِ وجْهٍ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ، أنْتَجَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أيْ: تَفَرَّقُوا فَزالَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ عَنِ الآخَرِ زَوالًا عَظِيمًا بِحَيْثُ لا يَخْتَلِطُ صِنْفٌ (p-٣٢٩)بِغَيْرِهِ فَيُؤْمَنُ وطْءُ المُؤْمِنِينَ لَهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿لَعَذَّبْنا﴾ أيْ: بِأيْدِيكم بِتَسْلِيطِنا أبُو بِمُجَرَّدِ أيْدِنا مِن غَيْرِ واسِطَةٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا سَتْرَ الإيمانِ.
ولَمّا كانَ هَذا عامًّا لِجَمِيعِ مَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ مِن أهْلِ الأرْضِ، صَرَّحَ بِما دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ فَقالَ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيِ: الفَرِيقَيْنِ وهُمُ الصّادُّونَ ﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ أيْ: شَدِيدَ الإيجاعِ بِأيْدِيكم أوْ مِن عِنْدِنا لِنُوصِلَكم إلى قَصْدِكم مِنَ الِاعْتِمارِ والظَّهْرِ عَلى الكُفّارِ، فَفِيهِ اعْتِذارٌ وتَدْرِيبٌ عَلى تَأدُّبِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وفي الإشارَةِ إلى بَيانِ سِرٍّ مِن أسْرارِ مَنعِ اللَّهِ تَعالى لَهم مِنَ التَّسْلِيطِ عَلَيْهِمْ حَثٌّ لِلْعَبْدِ عَلى أنْ لا يَتَّهِمُ اللَّهَ في قَضائِهِ فَرُبَّما عَسَّرَ عَلَيْهِ أمْرًا يَظْهَرُ لَهُ أنَّ السَّعادَةَ كانَتْ فِيهِ وفي باطِنِهِ سُمٌّ قاتِلٌ، فَيَكُونُ مَنعُ اللَّهِ لَهُ مِنهُ رَحْمَةً في الباطِنِ وإنْ كانَ نِقْمَةً في الظّاهِرِ، فَألْزَمَ التَّسْلِيمَ مَعَ الِاجْتِهادِ في الخَيْرِ والحِرْصِ عَلَيْهِ والنَّدَمِ عَلى فَواتِهِ وإيّاكَ والِاعْتِراضَ، وفي الآيَةِ أيْضًا [أنَّ] اللَّهَ تَعالى قَدْ يَدْفَعُ عَنِ الكافِرِ لِأجْلِ المُؤْمِنِ.
الفتح 48:26
ولَمّا بَيَّنَ شَرْطَ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعَذابِ، بَيَّنَ وقْتَهُ، وفِيهِ بَيانٌ لِعِلَّتِهِ، فَقالَ: ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما تَراءى مِنَ الحَقِّ في مَرْأى عُقُولِهِمْ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ أيْ: قُلُوبِ أنْفُسِهِمْ ﴿الحَمِيَّةَ﴾ أيْ: (p-٣٣٠)المَنعَ الشَّدِيدَ والأنَفَةَ والإباءَ الَّذِي هو في شِدَّةِ حَرِّهِ ونُفُوذِهِ في أشَدِّ الأجْسامِ كالسُّمِّ والنّارِ، ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الحَمِيَّةِ قَدْ تَكُونُ مُوجِبَةً لِلرَّحْمَةِ بِأنْ تَكُونَ لِلَّهِ، قالَ مُبَيِّنًا مُعَظِّمًا لِجُرْمِها،
﴿حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ﴾ الَّتِي مَدارُها مُطْلَقُ المَنعِ؛ أيْ سَواءٌ كانَ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ، فَتَمْنَعُ مِنَ الإذْعانِ لِلْحَقِّ، ومَبْناها التَّشَفِّي عَلى مُقْتَضى الغَضَبِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَتُوجِبُ تَخَطِّيَ حُدُودِ الشَّرْعِ، ولِذَلِكَ أنِفُوا مِن دُخُولِ المُسْلِمِينَ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ لِزِيارَةِ البَيْتِ [العَتِيقِ] الَّذِي النّاسُ فِيهِ سَواءٌ، ومِنَ الإقْرارِ بِالبَسْمَلَةِ، فَأنْتَجَتْ لَهم هَذِهِ الحَمِيَّةُ أنْ تَكْبَّرُوا عَنْ كَلِمَةِ التَّقْوى وطاشُوا وخَفُّوا إلى الشِّرْكِ الَّذِي هو أبْطَلُ الباطِلِ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الحَمِيَّةُ مَعَ الكَثْرَةِ مُوجِبَةً ولا بُدَّ ذُلَّ مَن تُصَوَّبُ إلَيْهِ ولا سِيَّما إنْ كانَ قَلِيلًا، بَيَّنَ دَلالَةً عَلى أنَّ الأمْرَ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ لا لِجارِي العادَةِ أنَّهُ تَأثَّرَ عَنْها ضِدَّ ما تَقْتَضِيهِ عادَةٌ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ هَذِهِ الحَمِيَّةِ: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ وهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ بِسَبَبِ حَمِيَّتِهِمْ ﴿سَكِينَتَهُ﴾ أيِ: الشَّيْءَ اللّائِقَ إضافَتُهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ الفَهْمِ عَنِ اللَّهِ والرُّوحِ المُوجِبِ لِسُكُونِ القَلْبِ المُؤَثِّرِ لِلْإقْدامِ عَلى العَدُوِّ والنَّصْرِ عَلَيْهِ، إنْزالًا كائِنًا ﴿عَلى رَسُولِهِ﴾ ﷺ الَّذِي عَظَمَتُهُ مِن عَظَمَتِهِ، (p-٣٣١)فَفَهِمَ عَنِ اللَّهِ مُرادَهُ في هَذِهِ القَضِيَّةِ فَجَرى عَلى أتَمِّ ما يُرْضِيهِ ﴿وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ العَرِيقِينَ في الإيمانِ؛ لِأنَّهم أتْباعُ رَسُولِهِ ﷺ وأنْصارُ دِينِهِ فَألْزَمَهم قَبُولَ أمْرِهِ الَّذِي [فَهِمَهُ عَنِ اللَّهِ و] خَفِيَ عَنْ أكْثَرِهِمْ حَتّى [فَهِمْتُمُوهُ] ﷺ عِنْدَ نُزُولِ سُورَةِ مُحَمَّدٍ وحَماهم عَنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ، ولَمْ يَدْخُلْهم ما دَخَلَ الكُفّارَ مِنَ الحَمِيَّةِ لِيُقاتِلُوا غَضَبًا لِأنْفُسِهِمْ فَيَتَعَدَّوْا حُدُودَ الشَّرْعِ ﴿وألْزَمَهُمْ﴾ أيِ: المُؤْمِنِينَ إلْزامَ إكْرامٍ أوْ تَشْرِيفٍ، لا إلْزامَ إهانَةٍ وتَعْنِيفٍ ﴿كَلِمَةَ التَّقْوى﴾ وهي كُلُّ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ ناشِئٍ عَنِ التَّقْوى وإعْلاءِ كَلِمَةِ الإخْلاصِ المُتَقَدِّمِ في سُورَةِ القِتالِ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الَّتِي هي أحَقُّ الحَقِّ، يَقْتَضِي التَّحَقُّقُ بِمَدْلُولِها مِن أنَّهُ لا فاعِلَ إلّا اللَّهُ الثَّباتَ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والبَسْمَلَةِ والرِّسالَةِ مَعَ تَغْيِيرِ الكِتابَةِ بِكُلٍّ مِنهُما لِأجْلِ الكُفّارِ في ذَلِكَ المَقامِ الدَّحْضِ الَّذِي لا يَكادُ يَثْبُتُ فِيهِ قَدَمٌ، وأضافَها إلى التَّقْوى الَّتِي هي اتِّخاذُ ساتِرٍ يَقِي حَرَّ النّارِ فَجَعَلَها وصْفًا لازِمًا لَهم غَيْرَ مُنْفَكٍّ عَنْهم لِأنَّها سَبَبُها الحامِلُ عَلَيْها، ويَجْمَعُ الحامِلُ عَلى التَّقْوى اعْتِقادَ الوَحْدانِيَّةِ؛ وهي لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ فَإنَّها كَلِمَةٌ - كَما قالَ الرّازِيُّ - أوَّلُها نَفْيُ الشِّرْكِ، وآخِرُها تَعَلُّقٌ بِالإلَهِيَّةِ، وهَذا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ أُلْزِمُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ ماتُوا كُلُّهم (p-٣٣٢)عَلى الإسْلامِ ﴿وكانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا.
ولَمّا كانَ مِنَ الكُفّارِ مَن يَسْتَحِقُّها في عِلْمِ اللَّهِ فَيَصِيرُ مُؤْمِنًا، عَبَّرَ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ فَقالَ تَعالى: ﴿أحَقَّ بِها﴾ أيْ: كَلِمَةِ التَّقْوى مِنَ الكُفّارِ والأعْرابِ وغَيْرِهِمْ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، ولِمِثْلِ هَذا التَّعْمِيمِ أطْلَقَ الأمْرَ بِحَذْفِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الأحَقُّ بِالشَّيْءِ قَدْ لا يَكُونُ أهْلَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ قالَ تَعالى: ﴿وأهْلَها﴾ أيْ: وُلاتُها والمُلازِمُونَ لَها مُلازِمَةَ العَشِيرِ بِعَشِيرِهِ، والدّائِنُونَ لَها والآلِفُونَ لَها. ولَمّا كانَ الحُكْمُ بِذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِعالِمٍ قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَمّا عَلِمَ اللَّهُ مِن صَلاحِ قُلُوبِهِمْ وصَفائِها: ﴿وكانَ اللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِالكائِناتِ كُلِّها عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿عَلِيمًا﴾ أيْ: مُحِيطَ العِلْمِ الدَّقِيقِ والجَلِيِّ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ حَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، وكَلِمَةَ التَّقْوى ثانِيًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ ذَكَرَ مَجْمَعَ الشَّرِّ أوَّلًا تَرْهِيبًا مِنهُ ومَجْمَعَ الخَيْرِ ثانِيًا تَرْغِيبًا فِيهِ.
الفتح 48:27
ولَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ وتَعالى عِلْمَهُ بِالعَواقِبِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ ووَجَّهَ أسْبابَ كَفِّهِ أيْدِيَ الفَرِيقَيْنِ وبَيَّنَ ما فِيهِ مِنَ المَصالِحِ وما في التَّسْلِيطِ مِنَ المَفاسِدِ مِن قَتْلِ مَن حُكِمَ بِإيمانِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ وإصابَةِ (p-٣٣٣)مَن لا يُعْلَمُ مِنَ المُؤْمِنِينَ - وغَيْرِ ذَلِكَ إلى خَتْمٍ بِإحاطَةِ عِلْمِهِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ قُدْرَتِهِ. أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ لِمَن تَوَقَّعَ الإخْبارَ عَنِ الرُّؤْيا الَّتِي أقْلَقَهم أمْرُها وكادَ بَعْضُهم أنْ يُزَلْزِلَهُ ذِكْرُها عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ: ﴿لَقَدْ﴾ .
ولَمّا كانَ لِلنَّظَرِ إلى الرُّؤْيا اعْتِبارانِ: أحَدُهُما مِن جِهَةِ الواقِعِ وهو غَيْبٌ عَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ: والآخَرُ مِن جِهَةِ الإخْبارِ وهو مَعَ الرُّؤْيا شَهادَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، عَبَّرَ بِالصِّدْقِ والحَقِّ فَقالَ تَعالى: ﴿صَدَقَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ المُحِيطُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿رَسُولَهُ﴾ ﷺ الَّذِي هو أعَزُّ الخَلائِقِ عِنْدَهُ وهو غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ عَمّا لا يَكُونُ أنَّهُ يَكُونُ، فَكَيْفَ إذا كانَ المُخْبِرُ رَسُولَهُ ﴿الرُّؤْيا﴾ الَّتِي هي مِنَ الوَحْيِ؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَرى الواقِعَ ويَعْلَمُ مُطابَقَتَها في أنَّكم تَدْخُلُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ آمِنِينَ يُحَلِّقُ بَعْضٌ ويُقَصِّرُ آخَرُونَ، مُتَلَبِّسًا خَبَرُهُ ورُؤْيا رَسُولِهِ ﷺ ﴿بِالحَقِّ﴾ لِأنَّ مَضْمُونَ الخَبَرِ إذا وقَعَ فَطَبَّقَ بَيْنَ الواقِعِ وبَيْنَهُ، وكانَ الواقِعُ يُطابِقُهُ لا يَخْرِمُ شَيْءٌ مِنهُ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ، والحاصِلُ أنَّكَ إذا نَسَبْتَها لِلْواقِعِ طابَقَتْهُ فَكانَ صِدْقًا، وإذا نَسَبْتَ الواقِعَ إلَيْها طابَقَها فَكانَتْ حَقًّا.
(p-٣٣٤)ولَمّا أقْسَمَ لِأجْلِ التَّأْكِيدِ لِمَن كانَ يَتَزَلْزَلُ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا بِما يُفْهِمُ القَسَمَ أيْضًا إشارَةً إلى عِظَمِ الزِّلْزالِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا دُخُولًا قَدْ تَحَتَّمَ أمْرُهُ ﴿المَسْجِدَ﴾ أيِ: الَّذِي يُطافُ فِيهِ بِالكَعْبَةِ ولا يَكُونُ دُخُولُهُ إلّا بِدُخُولِ الحَرَمِ ﴿الحَرامَ﴾ أيِ: الَّذِي أجارَهُ اللَّهُ مِنَ امْتِهانِ الجَبابِرَةِ ومَنَعَهُ مِن كُلِّ ظالِمٍ.
ولَمّا كانَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى شَيْءٌ وإنْ وعَدَ بِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَأْدِيبًا لَهم أنْ يَقُولَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ: ألَمْ يَقُلْ إنَّنا نَدْخُلُ البَيْتَ ونَحْوَ ذَلِكَ، ولِغَيْرِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَحْنُ نَدْخُلُ: ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، حالَ كَوْنِكم ﴿آمِنِينَ﴾ لا تَخْشَوْنَ [إلّا] اللَّهَ مُنْقَسِمِينَ بِحَسْبِ التَّحْلِيقِ والتَّقْصِيرِ إلى قِسْمَيْنِ ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولَعَلَّهُ أشارَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ إلى أنَّ فاعِلَ الحَقِّ كَثِيرٌ، وكَذا ﴿ومُقَصِّرِينَ﴾ غَيْرَ أنَّ التَّقْدِيمَ يُفْهِمُ أنَّ الأوَّلَ أكْثَرُ.
ولَمّا كانَ الدُّخُولُ حالَ الأمْنِ لا يَسْتَلْزِمُ الأمْنَ بَعْدَهُ قالَ تَعالى: ﴿لا تَخافُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَكم خَوْفٌ بَعْدَ ذَلِكَ إلى أنْ تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ عامَ الفَتْحِ قاهِرِينَ لَهم بِالنَّصْرِ، ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ سَبَبَ هَذا الإخْبارِ إحاطَةُ العِلْمِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: هَذا أمْرٌ حَقٌّ يُوَثَقُ غايَةَ (p-٣٣٥)الوُثُوقِ؛ لِأنَّهُ إخْبارُ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، صَدَقَ سُبْحانَهُ فِيهِ، وما رَدَّكم عَنْهُ هَذِهِ الكَرَّةَ عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا لِأُمُورٍ دَبَّرَها وشُؤُونٍ أحْكَمَها وقَدَّرَها، قالَ عاطِفًا عَلى: ﴿صَدَقَ﴾ مُسَبِّبًا عَنْهُ أوْ مُعَلِّلًا: ﴿فَعَلِمَ﴾ أيْ: بِسَبَبٍ، أوْ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن أسْبابِ الفَتْحِ ومَوانِعِهِ وبِنائِهِ عَلى الحِكْمَةِ ﴿ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾ أيْ: أيُّها الأوْلِياءُ ﴿فَجَعَلَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إحاطَةِ عِلْمِهِ ﴿مِن دُونِ﴾ أيْ: أدْنى رُتْبَةٍ مِن ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الدُّخُولِ العَظِيمِ في هَذا العامِ ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ يُقَوِّيكم بِهِ مِن فَتْحِ خَيْبَرَ ووَضْعِ الحَرْبِ بَيْنَ العَرَبِ بِهَذا الصُّلْحِ، واخْتِلاطِ بَعْضِ النّاسِ بِسَبَبِ ذَلِكَ بِبَعْضٍ، المُوجِبِ لِإسْلامِ بَشَرٍ كَثِيرٍ تَتَقَوَّوْنَ بِهِمْ، فَتَكُونُ تِلْكَ الكَثْرَةُ والقُوَّةُ سَبَبَ هَيْبَةِ الكُفّارِ المانِعَةِ لَهم مِنَ القِتالِ، فَتَقِلُّ القَتْلى رِفْقًا بِأهْلِ حَرَمِ اللَّهِ تَعالى إكْرامًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ ﷺ عَنْ إغارَةٍ وإصابَةِ مَن عِنْدَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ المُسْتَضْعَفِينَ مِن غَيْرِ عِلْمٍ.
الفتح 48:28
ولَمّا أخْبَرَ بِهَذِهِ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ الدَّقِيقَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى إحاطَةِ العِلْمِ، عَلَّلَها سُبْحانَهُ وبَيَّنَ الصِّدْقَ فِيها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿الَّذِي أرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ أيِ: الَّذِي لا رَسُولَ أحَقُّ مِنهُ بِإضافَتِهِ إلَيْهِ (p-٣٣٦)ﷺ ﴿بِالهُدى﴾ الكامِلِ الَّذِي يَقْتَضِي أنْ يَسْتَقِيمَ بِهِ أكْثَرُ النّاسِ، ولَوْ أنَّهُ أخْبَرَ بِشَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ أدْنى مَقالٍ لَمْ يَكُنِ الإرْسالُ بِالهُدى ﴿ودِينِ الحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الكامِلِ في الثَّباتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أيْ: دِينَهُ ﴿عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ دِينِ أهْلِ مَكَّةَ [و] العَرَبِ عُبّادِ الأصْنامِ، الَّذِي يَقْتَضِي إظْهارُهُ عَلَيْهِ دُخُولَهُ إلَيْهِ آمِنًا، وإظْهارَهُ عَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ الباطِلَةِ بِأيْدِي صَحابَتِهِ الأبْرارِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ، إظْهارًا يَتَكامَلُ بِنُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ الرِّفْقِ بِالخَلْقِ والرَّحْمَةِ لَهُمْ، فَلا يُقْتَلُ إلّا مَن لا صَلاحَ لَهُ أصْلًا، وعَلى قَدْرِ الجَبَرُوتِ يَحْصُلُ القَهْرُ، فَلِأجْلِ ذَلِكَ هو يُدَبِّرُ أمْرَهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تُوجِبُ نَصْرَهُ وتُعْلِي قَدْرَهُ مَعَ الرِّفْقِ بِقَوْمِهِ وجَمِيلِ الصُّنْعِ لِأتْباعِهِ، فَلا بُدَّ أنْ تَرَوْا مِن فُتُوحِ أكْثَرِ البِلادِ وقَهْرِ المُلُوكِ الشِّدادِ ما تَعْرِفُونَ بِهِ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
ولَمّا كانَ في سِياقِ إحاطَةِ العِلْمِ، وكانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ بِتَصْدِيقِهِ في كُلِّ ما قالَهُ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِهِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى (p-٣٣٧)﴿وكَفى بِاللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ ﴿شَهِيدًا﴾ أيْ: ذا رُؤْيَةٍ وخِبْرَةٍ بِطَيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ ودُخْلَتِهِ لِما لَهُ الغِنى في أمْرِهِ، ولا شَهِيدَ في الحَقِيقَةِ إلّا هو سُبْحانَهُ؛ لِأنَّهُ لا إحاطَةَ وخِبْرَةَ ورُقْبَةَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، وهو يَشْهَدُ بِكُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ في هَذِهِ الصُّورَةِ خُصُوصًا وفي غَيْرِها عُمُومًا.
الفتح 48:29
ولَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ بِإحاطَةِ العِلْمِ بِالخَفايا والظَّواهِرِ في الإخْبارِ بِالرِّسالَةِ، عَيَّنَها في قَوْلِهِ جَوابًا لِمَن يَقُولُ: مَنِ الرَّسُولُ المُنَوَّهُ بِاسْمِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ، فَهو الرَّسُولُ الَّذِي لا رَسُولَ يُساوِيهِ؛ لِأنَّهُ رَسُولٌ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ مِمَّنْ أدْرَكَ زَمانَهُ بِالفِعْلِ في الدُّنْيا ومَن تَقَدَّمَهُ بِالقُوَّةِ فِيها وبِالفِعْلِ في الآخِرَةِ يَوْمَ يَكُونُ الكُلُّ تَحْتَ لِوائِهِ، وقَدْ أُخِذَ عَلى الأنْبِياءِ كُلِّهِمِ المِيثاقُ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ إنْ أدْرَكُوهُ، وأخَذَ ذَلِكَ الأنْبِياءُ عَلى أُمَمِهِمْ، لا يَكْتُبُ الرَّحْمَةَ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِمَن وقَعَ العِلْمُ بِالمُحِيطِ بِأنَّهُ يُؤْمِنُ بِهِ، فَما عَمِلَ عامِلٌ عَمَلًا صالِحًا إلّا كانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِهِ، تَقَدَّمَ ذَلِكَ العامِلُ أوْ تَأخَّرَ، كانَ مِن أهْلِ السَّماءِ أوْ مِن أهْلِ الأرْضِ، (p-٣٣٨)وهَذا أمْرٌ لا يُحْصِيهِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأشارَ بِذَلِكَ إلى هَذا الِاسْمِ بِخُصُوصِهِ في سُورَةِ مُحَمَّدٍ إلى أنَّهُ ﷺ هو الخاتَمُ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ المِيمُ الَّتِي مَخْرَجُها خِتامُ المَخارِجِ، وهي مُحِيطَةٌ بِما أشارَتْ إلَيْهِ صُورَتُهُ، وكُرِّرَتْ في الِاسْمِ بَعْدَهُ غايَةَ التَّأْكِيدِ، وهو ثَلاثٌ - كَما أشارَ إلَيْهِ اسْمُهُ: أحْمَدُ - إلى أنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ خاتَمًا فَهو فاتِحٌ بِما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: ««كُنْتُ أوَّلَهم خَلْقًا وآخِرَهم بَعْثًا»». واخْتَصَّتْ بِهِ سُورَةُ الصَّفِّ لِيُعادِلَ ذَلِكَ بِتَصْرِيحِ المُبَشِّرِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالبَعْدِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] وأشارَتِ المِيمُ أوَّلَهُ أيْضًا إلى بَعْثِهِ عِنْدَ الأرْبَعِينَ، وما بَقِيَ مِن حُرُوفِهِ وهي حَمْدٌ يُفِيدُ لَهُ كَمالَ الحَمْدِ بِالفِعْلِ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ والخَمْسِينَ مِن عُمْرِهِ وهي الثّانِيَةَ عَشْرَةَ مِن نُبُوَّتِهِ بِبَيْعَةِ الأنْصارِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ السُّورَةُ إلى كَلِمَةِ الإخْلاصِ تَلْوِيحًا مِمّا ذَكَرَتْ مِن كَلِمَةِ الرِّسالَةِ تَصْرِيحًا وبَطَنَتْ سَطْوَةَ الإلَهِيَّةِ وظَهَرَتِ الرَّحْمَةُ المُحَمَّدِيَّةُ، كَما أشارَتِ القِتالُ إلى الرِّسالَةِ تَلْوِيحًا [وصَرَّحَتْ بِسَطْوَةِ الإلَهِيَّةِ] بِكَلِمَةِ الإخْلاصِ والنّاشِئَةِ عَنْ (p-٣٣٩)القِتالِ تَصْرِيحًا، وقَدْ تَقَدَّمَ في القِتالِ نُبْذَةٌ مِن أسْرارِ الكَلِمَتَيْنِ. ولَمّا ذَكَرَ الرَّسُولَ ذَكَرَ المُرْسَلَ إلَيْهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾ أيْ: بِمَعِيَّةِ الصُّحْبَةِ مِن أصْحابِهِ وحُسْنِ التَّبَعِيَّةِ مِنَ التّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ: ولَمّا كانَ شَرَفُ القَوْمِ شَرَفًا لِرَئِيسِهِمْ، مَدَحَهم بِما يَشْمَلُهُ فَقالَ تَعالى: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ﴾ فَهم لا تَأْخُذُهم بِهِمْ رَأْفَةٌ بَلْ هم مَعَهم كالأسَدِ عَلى فَرِيسَتِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ كالوالِدِ مَعَ الوَلَدِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهم بِاللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ، ولا مُؤْمِنَ في زَمانِهِمْ إلّا مَن كانَ مِن أهْلِ دِينِهِمْ، فَهو يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ بِشَهادَةِ آيَةِ المائِدَةِ.
ولَمّا كانَ هَذا بِخِلافِ ما وُصِفَتْ بِهِ الأُمَمُ الماضِيَةُ مِن أنَّهم ما اخْتَلَفُوا إلّا مِن بَعْدَما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ، فَكانَ عَجَبًا، بَيْنَ الحامِلِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿تَراهُمْ﴾ أيْ: أيُّها النّاظِرُ لَهم ﴿رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ أيْ: دائِمِي الخُضُوعِ فَأكْثَرُ أوْقاتِهِمْ صَلاةٌ قَدْ غَلَبَتْ صِفَةُ المَلائِكَةِ عَلى صِفاتِهِمُ الحَيَوانِيَّةِ، فَكانَتِ الصَّلاةُ آمِرَةً لَهم بِالخَيْرِ مُصَفِّيَةً عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وضَيْرٍ.
ولَمّا كانَتِ الصَّلاةُ مِمّا يَدْخُلُهُ الرِّياءُ، بَيَّنَ إخْلاصَهم بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ بِذَلِكَ وغَيْرِهِ مِن جَمِيعِ أحْوالِهِمْ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ وتَغْلِيبًا لِعُقُولِهِمْ عَلى شَهَواتِهِمْ وحُظُوظِهِمْ ﴿فَضْلا﴾ أيْ: زِيادَةً في الخَيْرِ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ الَّذِي أعْطاهم مَلَكَةَ الغِلْظَةِ عَلى الكُفّارِ بِما وهَبَهم مِن جَلالِهِ، والرِّقَّةِ عَلى أوْلِيائِهِ بِما أعْطاهم مِن (p-٣٤٠)رَحْمَتِهِ الَّتِي هَيَّأهم بِها لِلْإحْسانِ إلى عِيالِهِ فَنَزَعُوا الهَوى مِن صُدُورِهِمْ فَصارُوا يَرَوْنَهُ وحْدَهُ سَيِّدَهُمُ المُحْسِنَ إلَيْهِمْ لا يَرَوْنَ سَيِّدًا غَيْرَهُ، ولا مُحْسِنَ سِواهُ. ولَمّا ذَكَرَ عِبادَتَهم وطَلَبَهُمُ الزِّيادَةَ مِنها ومِن غَيْرِها مِن فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي لا يُوصَلُ إلى عِبادَتِهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، أتْبَعَهُ المَطْلُوبَ الأعْلى فَقالَ: ﴿ورِضْوانًا﴾ أيْ: رِضاءً مِنهُ عَظِيمًا.
ولَمّا ذَكَرَ كَثْرَةَ عِبادَتِهِمْ وأتْبَعَها إخْلاصَهم فِيها اهْتِمامًا بِهِ لِأنَّهُ لا يَقْبَلُ عَمَلًا بِدُونِهِ، دَلَّ عَلى كَثْرَتِها بِقَوْلِهِ: ﴿سِيماهُمْ﴾ أيْ: عَلامَتُهُمُ الَّتِي لا تُفارِقُهم ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ العَلامَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾ فَهي نُورٌ يَوْمَ القِيامَةِ - رَواهُ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - هَذا مَعَ ما لَهم مِن مِثْلِ ذَلِكَ في الدُّنْيا مِن أثَرِ الخُشُوعِ والهَيْبَةِ بِحَيْثُ إنَّهُ إذا رُئِيَ أحَدُهم أوْرَثَ لِرائِيهِ ذِكْرَ اللَّهِ، وإذا قَرَأ أوْرَثَتْ قِراءَتُهُ حُزْنًا وخُشُوعًا وإخْباتًا وخُضُوعًا، وإنْ كانَ رَثَّ الحالِ رَدِيءَ الهَيْئَةِ، ولا يُظَنُّ أنَّ مِنَ السِّيما ما يَصْنَعُهُ بَعْضُ المُرائِينَ مِن هَيْئَةِ أثَرِ سُجُودٍ في جَبْهَتِهِ، فَإذا ذَلِكَ مِن سِيما الخَوارِجِ، وفي نِهايَةِ ابْنِ الأثِيرِ [فِي تَفْسِيرِ] الثَّفَنِ: ومِنهُ حَدِيثُ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: رَأى رَجُلًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ مِثْلَ ثَفِنَةِ العَنْزِ، فَقالَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ هَذا لَكانَ خَيْرًا - يَعْنِي كانَ عَلى جَبْهَتِهِ أثَرُ السُّجُودِ، وإنَّما كَرِهَها خَوْفًا مِنَ الرِّياءِ بِها، وقَدْ رَوى صاحِبُ الفِرْدَوْسِ (p-٣٤١)عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««إنِّي لَأُبْغِضُ الرَّجُلَ وأكْرَهُهُ إذا رَأيْتُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ أثَرَ السُّجُودِ»».
ولَمّا أتَمَّ وصْفَهم بِهَذا الأمْرِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ إلّا مَن صَفّاهُ اللَّهُ مِن جَمِيعِ حُظُوظِهِ وشَهَواتِهِ، أشارَ إلى عُلُوِّهِ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: هَذا الوَصْفُ العالِي جِدًّا البَدِيعُ المِثالِ البَعِيدُ المَنالِ ﴿مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ فَإنَّهُ قالَ فِيها: أتانا رَبُّنا مِن سَبَبِنا وشَرَقَ لَنا مِن جَبَلِ ساعِيرَ، وظَهَرَ لَنا مِن جَبَلِ فارانَ، مَعَهُ رُبُواتُ الأطْهارِ عَلى يَمِينِهِ، أعْطاهم وحَبَّبَهم إلى الشُّعُوبِ وبارَكَ عَلى جَمِيعِ أطْهارِهِ وهم يَتْبَعُونَ آثارَكَ. فَظُهُورُهُ مِن فارانَ صَرِيحٌ في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ فَإنَّهُ لَمْ يَأْتِ مِنها - وهي جِبالُ مَكَّةَ بِاتِّفاقِهِمْ - بَعْدَ نُزُولِ التَّوْراةِ بِالنُّبُوَّةِ غَيْرَهُ ﷺ، ورُبُواتُ الأطْهارِ إشارَةٌ إلى كَثْرَةِ أُمَّتِهِ، وأنَّهم في الطَّهارَةِ كالمَلائِكَةِ، وأيَّدَ ذَلِكَ جَعْلُهم مِن أهْلِ اليَمِينِ، ووَصْفُهم بِالتَّحْبِيبِ إلى الشُّعُوبِ، فَكُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى ما وُصِفُوا بِهِ مِنّا مِن شَهادَةِ الوُجُودِ - هَذا مَعَ ما وجَدْتُهُ في التَّوْراةِ بَعْدَ تَبْدِيلِهِمْ لِما بَدَّلُوا مِنها وإخْفائِهِمْ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى لِكَثِيرٍ، ورَوى أصْحابُ فُتُوحِ البِلادِ في فَتْحِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّ سَبَبَ إسْلامِهِ أنَّ أباهُ كانَ أخْبَرَهُ أنَّهُ ذَخَرَ (p-٣٤٢)عَنْهُ ورَقَتَيْنِ جَعَلَهُما في كُوَّةٍ وطِينٍ عَلَيْهِما، وأمَرَهُ أنْ يَعْمَلَ بِهِما بَعْدَ مَوْتِهِ، قالَ: فَلَمّا ماتَ فَتَحْتُ عَنْهُما فَإذا فِيهِما: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ، خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، ومُهاجَرُهُ بِطِيبَةَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، ولَكِنْ يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ ويَعْفُو ويَغْفِرُ ويَصْفَحُ، وإنَّ أُمَّتَهُ الحَمّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وعَلى كُلِّ حالٍ، ويُذَلِّلُ ألْسِنَتَهم بِالتَّكْبِيرِ، ويَنْصُرُ اللَّهُ نَبِيَّهم عَلى كُلِّ مَن ناواهُ، يَغْسِلُونَ فُرُوجَهم بِالماءِ، ويُؤْثِرُونَ عَلى أواسِطِهِمْ، وأناجِيلُهم في صُدُورِهِمْ، يَأْكُلُونَ قُرْبانَهم في بُطُونِهِمْ ويُؤْجَرُونَ عَلَيْها، تَراحُمُهم بَيْنَهم تَراحُمٌ بَيْنَ الأُمِّ والأبِ، وهم أوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الأُمَمِ، هُمُ السّابِقُونَ المُقَرَّبُونَ والشّافِعُونَ والمُشَفَّعُ لَهم.
وأصْلُهُ في الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وفي الدّارِمِيِّ عَنْ كَعْبٍ هَذا، ولِأصْحابِ الفُتُوحِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهو بِالشّامِ عِنْدَ انْصِرافِهِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! إنَّهُ مَكْتُوبٌ في كِتابِ اللَّهِ: ”إنَّ هَذِهِ البِلادَ الَّتِي كانَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ وكانُوا أهْلَها مَفْتُوحَةٌ عَلى رَجُلٍ مِنَ الصّالِحِينَ، رَحِيمٌ بِالمُؤْمِنِينَ شَدِيدٌ عَلى الكافِرِينَ، سِرُّهُ مِثْلُ عَلانِيَتِهِ، وعَلانِيَتُهُ مِثْلُ سِرِّهِ، وقَوْلُهُ لا يُخالِفُ فِعْلَهُ، والقَرِيبُ والبَعِيدُ عِنْدَهُ في الحَقِّ سَواءٌ، أتْباعُهُ رُهْبانٌ بِاللَّيْلِ أُسْدٌ بِالنَّهارِ، مُتَراحِمُونَ مُتَباذِلُونَ“. فَقالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ. أحَقٌّ ما تَقُولُ؟ قُلْتُ: إي والَّذِي (p-٣٤٣)أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى والَّذِي يَسْمَعُ ما نَقُولُ! إنَّهُ لَحَقٌّ، فَقالَ عُمَرُ: فالحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أعَزَّنا وشَرَّفَنا وأكْرَمَنا ورَحِمَنا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ورَحْمَتِهِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ - هَذا عَلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ الوَصْفُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ، ويَكُونُ الَّذِي في التَّوْراةِ ما تَرْجَمْتُهُ: ”هم عَلى أعْدائِهِمْ كَقَرْنِ الحَدِيدِ، وفِيما بَيْنَهم في النَّفْعِ والتَّواصُلِ كالماءِ والصَّعِيدِ، ولِرَبِّهِمْ كَخامَةِ الزَّرْعِ مَعَ الرِّيحِ والصَّدِيقِ النَّصِيحِ، وفي الإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ كالمُسافِرِ الشّاحِبِ والباكِي النّاحِبِ“ فَعَبَّرَ عَنْهُ في كِتابِنا بِما ذُكِرَ.
ولَمّا ذَكَرَ مَثَلَهم في الكِتابِ الأوَّلِ، أتْبَعَهُ الكِتابَ الثّانِيَ الَّذِي هو ناسِخٌ لِيُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أخَذَ عَلى كُلِّ ناسِخٍ لِشَرِيعَتِهِ أنْ يَصِفَهم لِأُمَّتِهِ لِيَتْبَعُوهم إذا دَعَوْهم فَقالَ: ﴿ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾ أيِ: الَّذِي نَسَخَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَ أحْكامِ التَّوْراةِ ﴿كَزَرْعٍ﴾ أيْ: مِثْلَ زَرْعٍ ﴿أخْرَجَ شَطْأهُ﴾ أيْ: فِراخَهُ ووَرَقَهُ وما خَرَجَ حَوْلَ أُصُولِهِ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مَثَلَهُ.
ولَمّا ذَكَرَ هَذا الإخْراجَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أيْ: فَأحاطَ بِهِ الشَّطْأُ، فَقَوّاهُ وطَهَّرَهُ مِن غَيْرِ نَبْتَةٍ نَبَتَتْ عَنْهُ فَتُضْعِفُهُ وساواهُ وحاذاهُ وعاوَنَهُ، ويَظْهَرُ أنَّ قِراءَةَ الهَمْزَةِ بِالمَدِّ عَلى المُفاعَلَةِ أبْلَغُ مِن قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ بِالقَصْرِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ إذا كانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ يَتَجاذَبانِهِ كانَ الِاجْتِهادُ (p-٣٤٤)فِيهِ أكْثَرَ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ المُؤازَرَةِ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَغْلَظَ﴾ أيْ: فَطَلَبَ المَذْكُورُ مِنَ الزَّرْعِ والشَّطْأِ الغِلَظَ وأوْجَدَهُ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ اعْتِدالُهُ ﴿فاسْتَوى﴾ أيْ: وُجِدَ فِيهِ القِيامُ العَدْلُ وُجُودًا عَظِيمًا كَأنَّهُ كانَ بِغايَةِ الِاجْتِهادِ والمُعالَجَةِ ﴿عَلى سُوقِهِ﴾ أيْ: قَصَبِهِ، جَمْعُ ساقٍ، وهو ما قامَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ، حالَ كَوْنِ هَذا المَذْكُورِ مِنَ الزَّرْعِ والشَّطْأِ ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ ويَجُوزُ كَوْنُهُ اسْتِئْنافًا لِلتَّعَجُّبِ مِنهُ والمُبالَغَةِ في مَدْحِهِ وإظْهارِ السُّرُورِ في أمْرِهِ، وإذا أعْجَبَهم وهم في غايَةِ العِنايَةِ بِأمْرِهِ والتَّفَقُّدِ لِحالِهِ والمُلابَسَةِ لَهُ ومَعْرِفَةِ مَعانِيهِ كانَ لِغَيْرِهِمْ أشَدَّ إعْجابًا، ومَثَّلَ لِأنَّهم يَكُونُونَ قَلِيلِينَ ثُمَّ يَكْثُرُونَ مَعَ البَهْجَةِ في عَيْنِ النّاظِرِ لِما لَهم مِنَ الرَّوْنَقِ الَّذِي مَنشَؤُهُ نُورُ الإيمانِ وثَباتُ الطُّمَأْنِينَةِ والإيقانِ وشِدَّةِ المُوافَقَةِ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ونَفْيِ المُخالِفِ لَهم وإبْعادِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في هَذا الكِتابِ في آخِرِ المائِدَةِ أمْثالٌ ضُرِبَتْ في الإنْجِيلِ بِالزَّرْعِ أقْرَبُها إلى هَذا مَثَلُ حَبَّةِ الخَرْدَلِ فَراجِعْهُ.
ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ مَثَلَهُمْ، ذَكَرَ الثَّمَرَةَ في جَعْلِهِمْ كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِيَغِيظَ﴾ مُعَلِّقًا لَهُ بِما يُؤْخَذُ مِن مَعْنى الكَلامِ وهو جَعْلُهم (p-٣٤٥)كَذَلِكَ لِأجْلِ أنْ يَغِيظَ ﴿بِهِمُ﴾ أيْ: غَيْظًا شَدِيدًا بالِغَ القُوَّةِ والإحْكامِ ﴿الكُفّارِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا كانُوا أوَّلَ الأمْرِ قَلِيلًا، كانَ الكُفّارُ طامِعِينَ في أنْ لا يَتِمَّ لَهم أمْرٌ، فَكُلَّما ازْدادُوا كَثْرَةً مَعَ تَمادِي الزَّمانِ زادَ غَيْظُ الكُفّارِ مِنهُمْ، فَكَيْفَ إذا رَأوْا مَعَ الزِّيادَةِ والقُوَّةِ مِنهم حُسْنًا ونَضارَةً ورَوْنَقًا وبَهْجَةً، فَهو في الغَيْظِ مِمّا لَوْ كانُوا في أوَّلِ الأمْرِ كَثِيرًا؛ لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ دَفْعُهُ ويَقْصُرُ زَمَنُهُ، فَمَن أبْغَضَ صَحابِيًّا خِيفَ عَلَيْهِ الكُفْرُ؛ لِأنَّهم أوَّلُ مُرادٍ بِالآيَةِ، وغَيْرُهم بِالقَصْدِ الثّانِي وبِالتَّبَعِ، ومِن أبْغَضَهم كُلَّهم كانَ كافِرًا، وإذا حَمَلْناهُ عَلى غَيْرِهِمْ كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلَّ مَن خالَفَ الإجْماعَ كَفَرَ - قالَهُ القُشَيْرِيُّ.
ولَمّا تَمَّ مَثَلُهم وعِلَّةُ جَعْلِهِمْ كَذَلِكَ، بَشَّرَهم فَقالَ في مَوْضِعِ وعْدِهِمْ لِتَعْلِيقِ الوَعْدِ بِالوَصْفِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ تَرْغِيبًا في التَّمَسُّكِ بِهِ وتَرْهِيبًا مِن مُجانَبَتِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولَمّا كانَ الكَلامُ في الَّذِينَ مَعَهُ ﷺ، وكانَتِ المَعِيَّةُ ظاهِرَةً في الِاتِّحادِ في الدِّينِ لَمْ تَكُنْ شامِلَةً لِلْمُنافِقِينَ، فَلَمْ يَكُنِ الِاهْتِمامُ بِالتَّقْيِيدِ بِمَنِّهِمْ هُنا (p-٣٤٦)كالِاهْتِمامِ بِهِ في سُورَةِ النُّورِ، فَأخَّرَهُ وقَدَّمَ العَمَلَ؛ لِأنَّ العِنايَةَ بِهِ هُنا أكْثَرُ؛ لِأنَّهُ مِن سِيماهُمُ المَذْكُورَةِ فَقالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ: تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الكَوْنَ مَعَهُ في الدِّينِ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ ”مَعَهُ“ يَعُمُّ كَما مَضى مِن بَعْدِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وكانَ الخَلَلُ فِيمَن بَعْدَهم كَثِيرًا، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِينَ مَعَهُ ﷺ سَواءٌ كانُوا مِن أصْلِ الزَّرْعِ أوْ فِراخِهِ الَّتِي أخْرَجَها وهُمُ التّابِعُونَ لَهم بِإحْسانٍ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ مُقَصِّرًا عَنْ بُلُوغِ ما يَحِقُّ لَهُ مِنَ العِبادَةِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَغْفِرَةً﴾ أيْ: لِما يَقَعُ مِنهم مَنِ الهَفَواتِ أوِ الذُّنُوبِ والسَّيِّئاتِ ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ بَعْدَ ذَلِكَ السَّتْرِ، وقَدْ جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ الخاتِمَةُ لِهَذِهِ السُّورَةِ جَمِيعَ حُرُوفِ المُعْجَمِ بِشارَةً تَلْوِيحِيَّةً مَعَ ما فِيها مِنَ البَشائِرِ التَّصْرِيحِيَّةِ بِاجْتِماعِ أمْرِهِمْ وعُلُوِّ نَصْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَتْ هَذِهِ العُمْرَةُ قَدْ حَصَلَ لَهم فِيها كَسْرٌ لِرُجُوعِهِمْ قَبْلَ وُصُولِهِمْ إلى قَصْدِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ والطَّوّافِ بِالبَيْتِ العَتِيقِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسَبَبِ خَلَلٍ أتى مِن قِبَلِهِمْ كَما كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ عَلى ما مَضى مِن بَيانِهِ في آلِ عِمْرانَ الَّتِي هي سُورَةُ التَّوْحِيدِ الَّذِي كَلِمَتُهُ (p-٣٤٧)كَلِمَةُ التَّقْوى عِنْدَ الآيَةِ الثّانِيَةِ لِهَذِهِ، بَشَّرَهم سُبْحانَهُ بِما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ البَشائِرِ الظّاهِرَةِ تَصْرِيحًا وبِما في هَذِهِ الآيَةِ الخاتِمَةِ مِن جَمْعِها لِجَمِيعِ حُرُوفِ المُعْجَمِ تَلْوِيحًا إلى أنَّ أمْرَهم لا بُدَّ مِن تَمامِهِ، واشْتِدادِ سَلْكِهِ وانْبِرامِهِ، واتِّساقِ شَأْنِهِ وانْتِظامِهِ، وخُفُوقِ ألْوِيَتِهِ وأعْلامِهِ، وافْتَتَحَها بِمِيمِ ”مُحَمَّدٍ“ وهي مَضْمُومَةٌ، وخَتَمَها بِمِيمِ ”عَظِيمًا“ المَنصُوبَةِ إشارَةً بِما لِلْمِيمِ مِنَ الخِتامِ بِمَخْرَجِها إلى أنَّ تَمامَ الأمْرِ قَدْ دَنا جِدًّا إبّانُهُ، وحَضَرَ زَمانُهُ، وبِما في أوَّلِها مِنَ الضَّمِّ إلى رِفْعَةٍ دائِمَةٍ في حَمَدٍ كَثِيرٍ، وبِما في آخِرِها مِنَ النَّصْبِ إلى تَمامِ الفَتْحِ وانْتِشارِهِ، وقُرْبِهِ واشْتِهارِهِ، عَلى وجْهٍ عَظِيمٍ، وشَرَفٍ في عُلُوٍّ جَسِيمٍ، وأوْمَأ تَدْوِيرُها إلى أنَّهُ أمْرٌ لا انْتِهاءَ لَهُ، بَلْ كُلَّما خُتِمَ ابْتَدَأ، وقَدْ ظَهَرَ مِن هَذا وما في صَرِيحِ الآيَةِ مِنَ القُوَّةِ المُعِزِّةِ لِلْمُؤْمِنِينَ المُذِلَّةِ لِلْكافِرِينَ رَدَّ مَقْطَعَها عَلى مَطْلَعِها بِالفَتْحِ لِلنَّبِيِّ ﷺ والتَّسْكِينِ العَظِيمِ لِأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، والرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ والفَوْزِ العَظِيمِ لِجَمِيعِ أتْباعِهِ وأنْصارِهِ وأشْياعِهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ، وجَعَلَنا بِمَنِّهِ وكَرَمِهِ مِنهُمْ، وهَذا آخِرُ القِسْمِ الأوَّلِ مِنَ القُرْآنِ، وهو المُطَوَّلُ، وقَدْ خُتِمَ - كَما تَرى - بِسُورَتَيْنِ هُما في الحَقِيقَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وحاصِلُهُما الفَتْحُ لَهُ بِالسَّيْفِ (p-٣٤٨)والنَّصْرُ عَلى مَن قاتَلَهُ ظاهِرًا كَما خُتِمَ الثّانِي المُفَصَّلُ بِسُورَتَيْنِ هُما نُصْرَةٌ لَهُ ﷺ بِالحالِ عَلى مَن قَصَدَهُ بِالضُّرِّ باطِنًا - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ.
الحجرات 49:1
(p-٣٤٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الحُجُراتِ
مَقْصُودُها الإرْشادُ إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بِتَوْقِيرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالأدَبِ مَعَهُ في نَفْسِهِ وفي أُمَّتِهِ، وحِفْظِ ذَلِكَ مِن إجْلالِهِ بِالظّاهِرِ [لِيَكُونَ] دَلِيلًا عَلى الباطِنِ فَيُسَمّى إيمانًا، كَما أنَّ الإيمانَ [بِاللَّهِ] يُشْتَرَطُ فِيهِ فِعْلُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والإذْعانُ لِفِعْلِها بِشَرائِطِها وأرْكانِها وحُدُودِها لِتَكُونَ بَيِّنَةً عَلى الباطِنِ وحُجَّةً شاهِدَةً لَهُ ﴿الم﴾ [العنكبوت: ١] ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] فَحاصِلُ مَقْصُودِها مُراقَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ في الأدَبِ مَعَهُ لِأنَّها أوَّلُ المُفَصَّلِ الَّذِي هو مُلَخَّصُ (p-٣٥٠)القُرْآنِ كَما كانَ مَقْصُودُ الفاتِحَةِ الَّتِي هي أوَّلُ القُرْآنِ مُراقَبَةَ اللَّهِ، وابْتُدِئَ ثانِي المُفَصَّلِ بِحَرْفٍ مِنَ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ كَما ابْتُدِئَ ثانِي ما عَداهُ بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ، واسْمُها الحُجُراتُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ [آيَتُهُ] ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الجَبّارِ المُتَكَبِّرِ الَّذِي مَن أخَلَّ بِتَعْظِيمِ رَسُولِهِ ﷺ لَمْ يَرْضَ عَنْهُ عَمَلًا ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي مِن عُمُومِ رَحْمَتِهِ إقامَةُ الآدابِ لِلتَّوَصُّلِ إلى حُسْنِ المَآبِ ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ أُولِي الألْبابِ بِالإقْبالِ عَلى ما يُوجِبُ [لَهُمْ] جَمِيلَ الثَّوابِ.
* *
ولَمّا نَوَّهَ سُبْحانَهُ في القِتالِ بِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ في ابْتِدائِها بِاسْمِهِ الشَّرِيفِ وسَمّى السُّورَةَ بِهِ، ومَلَأ سُورَةَ مُحَمَّدٍ بِتَعْظِيمِهِ، وخَتَمَها بِاسْمِهِ، ومَدَحَ أتْباعَهُ لِأجْلِهِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِاشْتِراطِ الأدَبِ مَعَهُ في القَوْلِ والفِعْلِ لِلْعَدِّ مِن حِزْبِهِ والفَوْزِ بِقُرْبِهِ، ومَدارُ ذَلِكَ مَعالِي الأخْلاقِ، وهي إمّا مَعَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أوْ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ أوْ مَعَ غَيْرِهِما وإنْ كانَ كُلُّ قِسْمٍ لا يَخْلُو عَنْ لَحْظَةِ الآخَرِ، وغَيْرُهُما إمّا أنْ يَكُونَ داخِلًا مَعَ المُؤْمِنِينَ في رُتْبَةِ الطّاعَةِ أوْ خارِجًا عَنْها، وهو الفاسِقُ، والدّاخِلُ في طاعَةِ المُؤْمِنِينَ السّالِكُ لِطَرِيقَتِهِمْ إمّا أنْ يَكُونَ حاضِرًا عِنْدَهم أوْ غائِبًا عَنْهُمْ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أقْسامٍ، فَصَلَ النِّداءُ بِسَبَبِها خَمْسَ مَرّاتٍ، كُلُّ مَرَّةٍ لِقِسْمٍ مِنها، وافْتَتَحَ بِاللَّهِ لِأنَّ الأدَبَ مَعَهُ هو (p-٣٥١)الأصْلُ الجامِعُ لِلْكُلِّ والأُسُّ الَّذِي لا يُبْنى إلّا عَلَيْهِ، فَقالَ مُنادِيًا لِلْمُتَّسِمِينَ بِأوَّلِ أسْنانِ القُلُوبِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِها مِن أفْعالِهِمْ [لا] مِن أفْعالِ أهْلِ الكَمالِ، فَهو هَفْوَةٌ تُقالُ، وما [كانَ] يَنْبَغِي أنْ يُقالَ، ولِيَشْمَلَ الخِطابُ المَعْهُودُ لِلْأدْنى - ولَوْ مَعَ النِّفاقِ - مَن فَوْقَهُ مِن بابِ الأوْلى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِيَعُمَّ كُلَّ ما يَصِحُّ تَقْدِيمُهُ فَيَذْهَبَ [الوَهْمُ] كُلَّ مَذْهَبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَذْفُهُ مِن قَصْدٍ إلَيْهِ أصْلًا، بَلْ يَكُونُ النَّهْيُ مُوَجَّهًا إلى نَفْسِ التَّقْدِمَةِ؛ أيْ: لا تَتَلَبَّسُوا بِهَذا الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَدَّمَ، بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى أقْدَمَ وتَقَدَّمَ؛ أيْ: شَجَّعَ نَفْسَهُ عَلى التَّقَدُّمِ، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ، وهم مُتَقَدِّمُوهُ، وأشارَ إلى تَهْجِينِ ما نُهُوا عَنْهُ وتَصْوِيرِ شَناعَتِهِ، وإلى أنَّهم في القَبْضَةِ تَرْهِيبًا لَهم فَقالَ: ﴿بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا يُطاقُ انْتِقامُهُ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلنَّهْيِ عَنِ التَّقْدِيمِ والتَّقَدُّمِ، وكانَ مُقْتَضى الرِّسالَةِ إنْفاذَ الأوامِرِ والنَّواهِي عَنِ المَلِكِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِنَ المُرْسَلِ (p-٣٥٢)إلَيْهِمُ اعْتِراضٌ أصْلًا، وبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ أنْ لا يُتَكَلَّمَ بِحَضْرَتِهِ في مُهِمٍّ ولا يُفْعَلُ مُهِمٌّ إلّا بِإذْنِهِ؛ لِأنَّ العَبِيدَ لِما لَهم مِنَ النَّقْصِ لا اسْتِقْلالَ لَهم بِشَيْءٍ أصْلًا، عَبَّرَ بِالرَّسُولِ دُونَ النَّبِيِّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ اسْمَهُ تَعالى الأعْظَمَ زِيادَةً في تَصْوِيرِ التَّعْظِيمِ فَقالَ: ﴿ورَسُولِهِ﴾ أيِ: الَّذِي عَظَمَتُهُ ظاهِرَةٌ جِدًّا، ولِذَلِكَ قَرَنَ اسْمَهُ بِاسْمِهِ وذِكْرَهِ بِذِكْرِهِ، فَهو تَمْهِيدٌ لِما يَأْتِي مِن تَعْظِيمِهِ، فالتَّعْبِيرُ بِذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا خُلِّيَتْ وفِطْرَتَها الأُولى، امْتَلَأتْ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ هَيْبَةً مِنهُ، وإجْلالًا لَهُ، فَلا يَفْعَلُ أحَدٌ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِتَشْجِيعٍ مِنهُ لِنَفْسِهِ وتَكْلِيفِها ضِدَّ ما تَدْعُو إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى القَوِيمَةُ، فالمَعْنى: لا تَكُونُوا مُتَقَدِّمِينَ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ واللَّهِ يَقُولُ الحَقَّ ويَهْدِي السَّبِيلَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُبَلِّغُ عَنْهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى، فَعَلى الغَيْرِ الِاقْتِداءُ والِاتِّباعُ، لا الِابْتِداءُ والِابْتِداعُ، سَواءٌ كانَ النَّبِيُّ ﷺ غائِبًا أوْ حاضِرًا بِمَوْتٍ أوْ غَيْرِهِ.
فَإنَّ آثارَهُ كَعَيْنِهِ، فَمَن بَذَلَ الجُهْدَ فِيها هُدِيَ لِلْأصْلَحِ،
﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾ [العنكبوت: ٦٩]
ولَمّا اسْتَعارَ لِلدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ التَّعْبِيرَ بِاليَدَيْنِ وصَوَّرَ البَيِّنَةَ تَرْهِيبًا مِنَ انْتِقامِ القادِرِ إذا خُولِفَ، صَرَّحَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ [غَضَبِ] المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً، فَإنَّ التَّقْوى (p-٣٥٣)مانِعَةٌ مِن أنْ تُضَيِّعُوا حَقَّهُ وتُخالِفُوا أمْرَهُ وتُقْدِمُوا عَلى شَيْءٍ لَمْ تَعْلَمُوا رِضاهُ فِيهِ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ مَعَ كُلٍّ بِعِلْمِهِ، وأقْرَبَ إلَيْهِ مِن نَفْسِهِ، فَكانَ مَعَ ذَلِكَ غَيْبًا مَحْضًا لِكَوْنِهِ مُحْتَجِبًا بِرِداءِ الكِبْرِ وإزارِ العَظَمَةِ والقَهْرِ، وكانَ الإنْسانُ لِما غابَ عَنْهُ نَسّاءً، ذَكَرَهُ مُرَهِّبًا بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ الغَرابَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي يَحِقُّ لِلْإنْسانِ مُجاهَدَةُ نَفْسِهِ لِأجْلِها في الإيمانِ بِهِ والمُواظَبَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ عَلى اسْتِحْضارِهِ؛ لِأنَّ أفْعالَ العاصِي أفْعالُ مَن يُنْكِرُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ. ولَمّا [كانَ] ما يَتَقَدَّمُ فِيهِ إمّا قَوْلًا أوْ فِعْلًا قالَ: ﴿سَمِيعٌ﴾ أيْ: لِأقْوالِكم أنْ تَقُولُوها ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بِأعْمالِكم قَبْلَ أنْ تَعْمَلُوها.
وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا وصَفَ سُبْحانَهُ عِبادَهُ المُصْطَفَيْنَ صَحابَةَ نَبِيِّهِ والمَخْصُوصِينَ بِفَضِيلَةِ مُشاهَدَتِهِ وكَرِيمِ عِشْرَتِهِ فَقالَ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] ”إلى آخِرِهِ“، فَأثْنى سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ وذَكَرَ وصْفَهُ تَعالى بِذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وهَذِهِ (p-٣٥٤)خَصِيصَةُ انْفَرَدُوا بِمَزِيَّةِ تَكْرِيمِها وجَرَتْ عَلى واضِحِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] إلى آخِرِهِ. وشَهِدَتْ لَهم بِعَظِيمِ المَنزِلَةِ لَدَيْهِ، ناسَبَ هَذا طَلَبَهم بِتَوْفِيَةِ الشُّعَبِ الإيمانِيَّةِ قَوْلًا وعَمَلًا، ظاهِرًا وباطِنًا عَلى أوْضَحِ عَمَلٍ وأخْلَصِ نِيَّةٍ، وتَنْزِيهِهِمْ عَمّا وقَعَ مِن قِبَلِهِمْ في مُخاطَباتِ أنْبِيائِهِمْ كَقَوْلِ بَنِي إسْرائِيلَ ﴿يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] [إلى] ما شَهِدَ مِن هَذا الضَّرْبِ بِسُوءِ حالِهِمْ فَقالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. [و] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ [الحجرات: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] فَطَلَبُوا بِآدابٍ تُناسِبُ عَلِيَّ إيمانِهِمْ وإنِ اغْتُفِرَ بَعْضُهُ لِغَيْرِهِمْ مَن لَيْسَ في دَرَجَتِهِمْ وقَدْ قِيلَ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ. فَكَأنْ قَدْ [قِيلَ] لَهُمْ: لا تَغْفُلُوا ما مُنِحَ لَكم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ فَإنَّها دَرَجَةٌ لَمْ يَنَلْها غَيْرُكم مِنَ الأُمَمِ فَقابِلُوها بِتَنْزِيهِ أعْمالِكم عَنْ أنْ يُتَوَهَّمَ في ظَواهِرِها أنَّها صَدَرَتْ عَنْ عَدَمِ اكْتِراثٍ في الخِطابِ، أوْ سُوءِ قَصْدٍ في الجَوابِ، وطابِقُوا بَيْنَ ظَواهِرِكم وبَواطِنِكم (p-٣٥٥)ولْيَكُنْ عَلَنُكم مُنْبِئًا بِسَلِيمِ سَرائِرِكم ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾ [الحجرات: ٣] ثُمَّ عَرَفُوا بِسُوءِ حالِ مَن عَدَلَ بِهِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحجرات: ٤] ثُمَّ أُمِرُوا بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ نَزْغَةِ الشَّيْطانِ، أوْ تَقَوُّلٍ ذِي بُهْتانٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآيَةَ. ثُمَّ أمَرَهم بِصَلاحِ ذاتِ بَيْنِهِمْ والتَّعاوُنِ في ذَلِكَ بِقِتالِ الباغِينَ العُتاةِ وتَحْسِينِ العِشْرَةِ والتِزامِ ما يُثْمِرُ الحُبَّ والتَّوَدُّدَ الإيمانِيَّ والتَّواضُعَ، وأنَّ الخَيْرَ كُلَّهُ في التَّقْوى ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] وكُلُّ ذَلِكَ مَحْذُرٌ لِعَلِيِّ صِفاتِهِمُ الَّتِي وُصِفُوا بِها في خاتِمَةِ سُورَةِ الفَتْحِ.
الحجرات 49:2
ولَمّا ثَبَتَ إعْظامُ الرَّسُولِ ﷺ بِأنْ لا يُفْتاتَ عَلَيْهِ بِأنْ يَتَأهَّبَ ما هو وظِيفَتُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الأُمُورِ وقَطْعِ المُهِمّاتِ، فَلا يُكَلَّمُ إلّا جَوابًا أوْ سُؤالًا في أمْرٍ ضَرُورِيٍّ لا يُمْكِنُ تَأْخِيرُهُ، وكانَ مَن يُكَلِّمُهُ لِذَلِكَ رُبَّما رَفَعَ صَوْتَهُ رَفْعًا الأوْلى بِهِ غَيْرُهُ مِمّا هو دُونَهُ، وكانَ مِن جُمْلَةِ أحْوالِهِ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِالأُمُورِ العَظِيمَةِ، وكانَ رَفْعُ الصَّوْتِ إذْ ذاكَ مِنَ المُشَوِّشاتِ في حُسْنِ التَّلَقِّي لِلْوَحْيِ مَعَ ما فِيهِ مِن قِلَّةِ الِاحْتِرامِ والإخْلاءِ بِالإجْلالِ والإعْظامِ، قالَ ذاكِرًا لِثانِي الأقْسامِ، وهو ما كانَ النَّظَرُ فِيهِ إلى مَقامِهِ ﷺ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، (p-٣٥٦)مُسْتَنْتِجًا مِمّا مَضّى مِن وصْفِهِ بِالرِّسالَةِ الدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ، آمِرًا بِحِفْظِ حُرْمَتِهِ ومُراعاةِ الأدَبِ في خِدْمَتِهِ وصُحْبَتِهِ بِتَبْجِيلِهِ وتَفْخِيمِهِ، وإعْزازِهِ وتَعْظِيمِهِ، مُكَرِّرًا لِنِدائِهِمْ بِما ألْزَمُوا أنْفُسَهم بِهِ مِن طاعَتِهِ بِتَصْدِيقِهِ واسْتِدْعاءٍ لِتَجْدِيدِ الِاسْتِنْصارِ وتَطْرِيَةِ النَّدْبِ إلى الإنْصاتِ وإشارَةٍ إلى أنَّ المُنادى لَهُ أمْرٌ يَسْتَحِقُّ أنْ يُفْرَدَ بِالنِّداءِ ويَسْتَقِلَّ بِالتَّوْصِيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُكَرِّرًا لِلتَّعْبِيرِ بِالأدْنى مِن أسْنانِ القُلُوبِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ فاعِلَ مِثْلِ هَذِهِ المَنهِيّاتِ والمُحْتاجَ فِيها إلى التَّنْبِيهِ بِالنَّهْيِ قَدْ فَعَلَ مَن هَذا حالُهُ ﴿لا تَرْفَعُوا أصْواتَكُمْ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ أيِ: الَّذِي يَتَلَقّى عَنِ اللَّهِ، وتَلَقِّيهِ عَنْهُ مُتَوَقَّعٌ في كُلِّ وقْتٍ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ أذى العُلَماءِ الَّذِينَ هَيَّأهُمُ اللَّهُ لِتَلَقِّي فَهْمِ دِينِهِ عَنْهُ شَدِيدٌ جِدًّا؛ فَإنَّ تَكْدِيرَ أوْقاتِهِمْ يَمْنَعُهم عَنْ كَثِيرٍ مِن ذَلِكَ.
ولَمّا بَيَّنَ ما في ذَلِكَ لِأجْلِ النُّبُوَّةِ، بَيَّنَ ما يَنْبَغِي في نَفْسِهِ مِنَ المَزِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ﴾ أيْ: إذا كَلَّمْتُمُوهُ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِمِثْلِ صَوْتِهِ أوْ أخْفِضَ مِن صَوْتِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُناسِبٍ لِما يَهابُ بِهِ العُظَماءُ، ويُوَقَّرُ (p-٣٥٧)الكُبَراءُ. ولَمّا شَمِلَ هَذا كُلَّ جَهْرٍ مَخْصُوصٍ، وهو ما يَكُونُ مُسْقِطًا لِلْمَزِيَّةِ، قالَ: ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾ أيْ: فَإنَّكم إنْ لَمْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ غَيْرِهِ. ولَمّا نَهى عَنْ ذَلِكَ، بَيَّنَ ضَرَرَهُ فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ مِنَ الأعْمالِ ما يُحْبِطُ ولا يُدْرى أنَّهُ مُحْبِطٌ، لِيَكُونَ العامِلُ كالماشِي في طَرِيقٍ خَطِرٍ لا [يَزالُ] يَتَوَقّى خَطَرَهُ ويُدِيمُ حَذَرَهُ: ﴿أنْ﴾ أيِ: النَّهْيَ لِأجْلِ [خَشْيَةِ] أنْ ﴿تَحْبَطَ﴾ أيْ: تَفْسُدَ فَتَسْقُطَ ﴿أعْمالُكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي [هِيَ] الأعْمالُ بِالحَقِيقَةِ وهي الحَسَناتُ كُلُّها ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ أيْ: بِأنَّها حَبِطَتْ، فَإنَّ ذَلِكَ إذا اجْتَرَأ الإنْسانُ عَلَيْهِ اسْتَخَفَّ بِهِ وإذا اسْتَخَفَّ بِهِ واظَبَ عَلَيْهِ، وإذا واظَبَ عَلَيْهِ أوْشَكَ أنْ يَسْتَخِفَّ بِالمُخاطَبِ فَيَكْفُرَ وهو لا يَشْعُرُ.
الحجرات 49:3
ولَمّا تَقَدَّمَ سُبْحانَهُ في الإخْلالِ بِشَيْءٍ مِن حُرْمَتِهِ ﷺ ونَهى عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ والجَهْرِ المَوْصُوفِ، أنْتَجَ المَخافَةَ عِنْدَهُ عَلى سَبِيلِ الإجْلالِ، فَبَيَّنَ ما لِمَن حافَظَ عَلى ذَلِكَ الأدَبِ العَظِيمِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ [فِي] المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ مَن يُكَذِّبُ بِذَلِكَ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ لَهُ ورِضاهُ بِهِ أهْلٌ لِأنْ يُؤَكَّدَ أمْرُهُ ويُواظَبَ عَلى فِعْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ﴾ أيْ: يُخْفِضُونَ ويُلِينُونَ لِما وقَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّكِينَةِ مِن هَيْبَةِ حَضَرْتِهِ، قالَ الطَّبَرِيُّ: وأصْلُ الغَضِّ الكَفُّ في لِينٍ ﴿أصْواتَهُمْ﴾ تَخَشُّعًا وتَخَضُّعًا (p-٣٥٨)ورِعايَةً لِلْأدَبِ وتَوْقِيرًا.
ولَمّا كانَ المُبَلِّغُ رُبَّما أنْساهُ اللَّغَطُ ورَفْعُ الأصْواتِ ما [كانَ] يُرِيدُ أنْ يُبَلِّغَهُ ««إنَّهُ بُيِّنَتْ لِي لَيْلَةُ القَدْرِ فَخَرَجْتُ لِأُخْبِرَكم بِها فَتَلاحى رَجُلانِ فَأُنْسِيتُها، وعَسى أنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ»». قالَ: ﴿عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَعْلُوَ كَلامُهُ عَلى كُلِّ كَلامٍ؛ لِأنَّهُ مُبَلِّغٌ مِنَ المَلِكِ الأعْظَمِ، وعَبَّرَ بِعِنْدَ الَّتِي لِلظّاهِرِ إشارَةً إلى أنَّ أهْلَ حَضْرَةِ الخُصُوصِيَّةِ لا يَقَعُ مِنهم إلّا أكْمَلُ الأدَبِ.
ولَمّا ابْتَدَأ ذِكْرَهم مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى عَظِيمِ ما نُدِبُوا إلَيْهِ، زادَهُ إعْظامًا بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتَبِ لِما لَهم مِن عُلُوِّ الهِمَمِ بِالخُضُوعِ لِمَن أرْسَلَهُ مَوْلاهُمُ الَّذِي لا إحْسانَ عِنْدِهِمْ إلّا مِنهُ ﴿الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ﴾ أيْ: فِعْلَ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فِعْلَ المُخْتَبِرِ بِالمُخالَطَةِ البَلِيغَةِ بِالشَّدائِدِ عَلى وجْهٍ يُؤَدِّي إلى المِنحَةِ بِاللِّينِ والخُلُوصِ مِن كُلِّ دَرَنٍ، والِانْشِراحِ والِاتِّساعِ ﴿قُلُوبَهُمْ﴾ فَأخْلَصَها ﴿لِلتَّقْوى﴾ أيِ: الخَوْفِ المُؤَدِّي إلى اسْتِعْدادِ صاحِبِهِ بِإقامَةِ ما يَقِيهِ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، والِامْتِحانُ: اخْتِبارٌ بَلِيغٌ يُؤَدِّي إلى خَبَرٍ، فالمَعْنى أنَّهُ طَهَّرَ قُلُوبَهم ونَقّاها (p-٣٥٩)كَما يَمْتَحِنُ الصّائِغُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ بِالإذابَةِ لِلتَّنْقِيَةِ والتَّخْلِيصِ مِن كُلِّ غِشٍّ لِأجْلِ إظْهارِ ما بَطَنَ فِيها مِنَ التَّقْوى لِيَصِيرَ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ في عالَمِ الشَّهادَةِ كَما كانَ مَعْلُومًا [لَهُ سُبْحانَهُ] في عالَمِ الغَيْبِ، وهو خُرُوجُهم عَنِ العاداتِ البَشَرِيَّةِ ومُفارَقَتِهِمْ لِما تُوجِبُهُ الطَّبِيعَةُ، وهو حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ؛ فَإنَّ التَّقْوى لا تَظْهَرُ إلّا عِنْدَ المِحَنِ والشَّدائِدِ بِالتَّكْلِيفِ وغَيْرِها، ولا تَثْبُتُ إلّا بِمُلازَمَةِ الطّاعَةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ والخُرُوجِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ وإنِ اجْتَهَدَ في الإحْسانِ مَحَلًّا لِلنُّقْصانِ، اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَزائِهِمْ بِقَوْلِهِ: مُعَرِّيًا لَهُ مِن فاءِ السَّبَبِ، إشارَةً [إلى] أنَّ ذَلِكَ بِمَحْضِ إحْسانِهِ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: لِهَفَواتِهِمْ وزَلّاتِهِمْ ﴿وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: جَزاءٌ لا يُمْكِنُ وصْفُهُ عَلى مَحاسِنِ ما فَعَلُوهُ.
الحجرات 49:4
ولَمّا نَهى سُبْحانَهُ عَنِ الإخْلالِ بِالأدَبِ، وأمَرَ بِالمُحافَظَةِ عَلى التَّعْظِيمِ، وذَكَرَ وصْفَ المُطِيعِ، أتْبَعَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ وصْفَ مَن أخَلَّ بِهِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ أنَّ حالَهم كانَ حالَ مَن يَدَعُ عَقْلًا تامًّا: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ نِداءَكَ مِن غَيْرِ تَوْبَةٍ، والحالُ أنَّ نِداءَهم إيّاكَ كائِنٌ ﴿مِن وراءِ﴾ إثْباتُ هَذا الجارِّ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ داخِلَها، ولَوْ سَقَطَ لَمْ يُفِدْ ذَلِكَ، بَلْ كانَ (p-٣٦٠)يُفِيدُ أنَّ نِسْبَةَ الأماكِنِ الَّتِي وراءَها الحُجُراتُ كُلُّها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ وإلَيْهِمْ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَكُونَ الكُلُّ خارِجَها، والوَراءُ: الجِهَةُ الَّتِي تُوارِيكَ وتُوارِيها مِن خَلْفٍ أوْ قُدّامٍ.
ولَمّا كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ العَظَمَةِ في نَفْسِهِ وفي تَبْلِيغِ رِسالاتِ اللَّهِ في هَيْئَتِها بِمَكانٍ مِنَ العَظَمَةِ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ. فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَفْتاتَ فِيها عَلَيْهِ ولا أنْ يُعْجِلَهُ عَنْ شَيْءٍ، وكانَ نِداؤُهُ لِذَلِكَ مِن وراءِ حُجْرَةٍ واحِدَةٍ كَنِدائِهِ مِن وراءِ كُلِّ حُجْرَةٍ، جَمَعَ فَقالَ: ﴿الحُجُراتِ﴾ ولَمْ يُضِفْها إلَيْهِ إجْلالًا لَهُ، ولِيَشْمَلَ كَوْنِي في غَيْرِها أيْضًا، والمَعْنى: مُبْتَدِئِينَ النِّداءَ مِن جِهَةٍ تَكُونُ الحُجُراتُ فِيها بَيْنَكَ وبَيْنَهم فَتَكُونُ مُوازِيَةً لَكَ مِنهم ولَهم مِنكَ، وهي جَمْعُ حُجْرَةٍ، وهي ما حُوِّطَ مِن قِطَعِ الأرْضِ بِحائِطٍ يَمْنَعُ مِمَّنْ يَكُونُ خارِجَهُ مِن أذى [مَن] يَكُونُ داخِلَهُ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، فَإنَّهُ يَكُونُ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِنَ الِاجْتِماعِ بِنِسائِهِ أوْ إصْلاحِ شَيْءٍ مِن حالِهِ، لا يَتَهَيَّأُ لَهُ بِحُضُورِ النّاسِ فِيما يَتَقاضاهُ المُرُوءَةُ، وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الجَمْعِ وإنْ كانَ المُنادِي بَعْضَهم لِلرِّضى بِهِ أوِ السُّكُوتِ عَنِ النَّهْيِ.
ولَمّا كانَ السّاكِتُ [قَدْ لا يَكُونُ راضِيًا قالَ: ﴿أكْثَرُهُمْ﴾ أيْ: (p-٣٦١)المُنادِي والرّاضِي] دُونَ [السّاكِتِ] لِعُذْرٍ ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا، بَلْ فَعَلُوا مَعَهُ ﷺ كَما يَفْعَلُ بَعْضُهم مَعَ مَن يُماثِلُهُ، والعَقْلُ يَمْنَعُ مِن مِثْلِ ذَلِكَ لِمَنِ اتَّصَفَ بِالرِّئاسَةِ فَكَيْفَ إذا كانَتْ رِئاسَةُ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَنِ المَلِكِ الجَبّارِ الواحِدِ القَهّارِ.
الحجرات 49:5
ولَمّا ذَمَّهم بِسُوءِ عَمَلِهِمْ، أرْشَدَهم إلى ما يُمْدَحُونَ بِهِ مِن حُسْنِهِ فَقالَ: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ﴾ أيِ: المُنادِي والرّاضِي ﴿صَبَرُوا﴾ أيْ: حَبَسُوا أنْفُسَهم ومَنَعُوها عَنْ مُناداتِهِمْ، والصَّبْرُ حَبْسُ النَّفْسِ عَنْ أنْ تُنازِعَ إلى هَواها وهو حَبْسٌ فِيهِ شِدَّةٌ، وصَبْرٌ عَنْ كَذا، مَحْذُوفُ الفِعْلِ لِكَثْرَةِ دَوْرِهِ، أيْ نَفْسَهُ ﴿حَتّى تَخْرُجَ﴾ مِن تِلْقاءِ نَفْسِكَ عِنْدَ فَراغِ ما أنْتَ فِيهِ مِمّا يَهُمُّكَ مِن وارِداتِ الحَقِّ ومَصالِحِ الخَلْقِ. ولَمّا كانَ الخُرُوجُ قَدْ يَكُونُ إلى غَيْرِهِمْ مِنَ المَصالِحِ، فَلا يَسُوغُ في الأدَبِ أنْ يَقْطَعَ ذاكَ عَلَيْهِ قالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ أيْ: لَيْسَ لَهم أنْ يُكَلِّمُوكَ حَتّى تَفْرَغَ لَهم فَتَقْصِدَهم فَإنَّكَ لا تَفْعَلُ [شَيْئًا] في غَيْرِ حِينِهِ بِمُقْتَضى أمْرِ الرِّسالَةِ ﴿لَكانَ﴾ أيِ: الصَّبْرُ.
ولَمّا كانَ العَرَبُ أهْلَ مَعالٍ فَهم بِحَيْثُ لا يَرْضَوْنَ إلّا الأحْسَنَ فَقالَ: ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ اسْتِعْجالِهِمْ في إيقاظِكَ وقْتَ الهاجِرَةِ وما لَوْ قَرَعُوا البابَ بِالأظافِيرِ كَما كانَ يَفْعَلُ غَيْرُهم مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، (p-٣٦٢)وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ ما ظَنُّوا مِن أنَّ فِيهِ خَيْرًا فَكانُوا يَعْقِلُونَ، فَفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ مَعَ الإنْصافِ بَلِ الإغْضاءِ والإحْسانِ هَزٌّ لَهم [إلى] المَعالِي، وإرْشادٌ إلى ما يَتَفاخَرُونَ بِهِ مِنَ المَحاسِنِ، قالَ الرّازِيُّ: قالَ أبُو عُثْمانَ: الأدَبُ عِنْدَ الأكابِرِ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ إلى الدَّرَجاتِ العُلى والخَيْرِ في الأُولى والعُقْبى. انْتَهى. وأخْيَرِيَّةِ صَبْرٍ في الدِّينِ مَعْرُوفَةٍ، وأمّا في الدُّنْيا فَإنَّهم لَوْ تَأدَّبُوا لِرَبِّهِمْ زادَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في الفَضْلِ فَأعْتَقَ جَمِيعَ سَبْيِهِمْ وزادَهُمْ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: حَذَفَ التَّعْلِيلَ بِعَدَمِ الصَّبْرِ أوَّلًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ ثانِيًا، والعَقْلَ ثانِيًا، لِما دَلَّ عَلَيْهِ [مِن] ذِكْرِهِ أوَّلًا.
ولَمّا ذَكَرَ التَّقْدِيرَ تَأْدِيبًا لَنا وتَدْرِيبًا عَلى الصَّفْحِ عَنِ الجاهِلِ وعُذْرِهِ وتَعْلِيمِهِ: ولَكِنَّهم لَمْ يَصْبِرُوا وأساؤُوا الأدَبَ فَكانَ ذَلِكَ شَرًّا لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِما فَعَلُوا حَلِيمٌ حَيْثُ لَمْ يُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ، عَطَفَ عَلَيْهِ اسْتِعْطافًا لَهم مَعَ إفْهامِهِ التَّرْهِيبَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: سَتُورٌ لِذَنْبِ مَن تابَ مِن جَهْلِهِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُعامِلُهُ مُعامَلَةَ الرّاحِمِ فَيُسْبِغُ عَلَيْهِ نِعَمَهُ. ولَمّا تابُوا، أعْتَبَهُمُ اللَّهُ في غِلْظَتِهِمْ عَلى خَيْرِ خَلْقِهِ أنْ جَعَلَهم أغْلَظَ النّاسِ عَلى شَرِّ النّاسِ: الدَّجّالِ؛ «فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّهم (p-٣٦٣)أشَدُّ النّاسِ عَلَيْهِ»».
الحجرات 49:6
ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِنَ النَّهْيِ عَنْ أذى الرَّسُولِ ﷺ في نَفْسِهِ، وكانَ مِن ذَلِكَ أذاهُ في أُمَّتِهِ، فَإنَّهُ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُوا وكانَ مَن آذاهُ فِيهِمْ فاسِقًا، وكانَ أعْظَمُ الأذى فِيهِمْ ما أوْرَثَ كَرْبًا فَأثارَ حَرْبًا، وكانَ رُبَّما اتَّخَذَ أهْلُ الأغْراضِ هَذِهِ الآدابَ ذَرِيعَةً إلى [أذى] بَعْضِ المُسْلِمِينَ فَقَذَفُوهم بِالإخْلالِ بِشَيْءٍ مِنها فَوَقَعُوا هم فِيها فِيما قَذَفُوا بِهِ غَيْرَهم مِنَ الإخْلالِ بِحَقِّهِ والتَّقَيُّدِ بِوَلائِهِ ورِقِّهِ، وكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الأخْلاقِ الطّاهِرَةِ والمَعالِي الظّاهِرَةِ ما يُؤْمَنُ مَعَهُ أنْ يُوقِعَ شَيْئًا في غَيْرِ مَحَلِّهِ، أنْ يَأْمُرَ بِأمْرٍ مِن غَيْرِ حِلِّهِ - هَذا مَعَ ما لَهُ مِنَ العِصْمَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ما في القِسْمِ الثّالِثِ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ مِن تَرْكِ العَجْزِ بِالِاعْتِمادِ عَلى أخْبارِ الفَسَقَةِ، تَخاطُبًا لِكُلِّ مَن أقَرَّ بِالإيمانِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِنْتاجِ مِمّا مَضى، نادِبًا إلى الِاسْتِرْشادِ بِالعَقْلِ الَّذِي نَفاهُ عَنْ أهْلِ الآيَةِ السّالِفَةِ، والعَفْوِ عَنِ المُذْنِبِ والرَّحْمَةِ لِعِبادِ اللَّهِ، مُنادِيًا بِأداةِ البُعْدِ إشارَةً إلى أنَّ مَنِ احْتاجَ إلى التَّصْرِيحِ بِمِثْلِ هَذا التَّنْبِيهِ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِما أفادَهُ مِن قَواعِدِ الشَّرْعِ وضَعَ نَفْسَهُ في مَحَلٍّ بَعِيدٍ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ ما في حَيِّزِها كَلامٌ لَهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ ووَقْعٌ جَسِيمٌ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وعَبَّرَ بِالفِعْلِ الماضِي الَّذِي هو (p-٣٦٤)لِأدْنى أسْنانِ القُلُوبِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إيذانًا بِقِلَّةِ الفاسِقِ فِيهِمْ وقِلَّةِ مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ بِخَبَرٍ لَهُ وقْعٌ، فَقالَ: ﴿إنْ جاءَكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿فاسِقٌ﴾ أيْ: خارِجٌ مِن رِبْقَةِ الدِّيانَةِ، أيَّ فاسِقٍ كانَ ﴿بِنَبَإٍ﴾ أيْ: خَبَرٍ يَعْظُمُ خَطْبُهُ فَيُؤَثِّرُ شَرًّا، أيَّ خَيْرٍ كانَ مِمّا يَكُونُ كَذَلِكَ؟ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيْ: عالِجُوا البَيانَ وهو فَصْلُ الخَطَأِ مِنَ الصَّوابِ، اسْتِعْمالًا لِغَرِيزَةِ العَقْلِ المَنفِيِّ عَنِ المُنادَيْنَ واتِّصافًا بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِيَرْحَمَكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرَ لَكُمْ، وهَذِهِ القِراءَةُ غايَةٌ لِقِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالمُثَلَّثَةِ ثُمَّ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، والسِّياقُ مُرْشِدٌ إلى أنَّ [خَبَرَ] الفاسِقِ كالنَّمّامِ والسّاعِي بِالفَسادِ كَما أنَّهُ لا يُقْبَلُ فَلِذَلِكَ لا يُرَدُّ حَتّى يُمْتَحَنَ، وإلى أنَّ خَبَرَ العَدْلِ لا وقْفَةَ فِيهِ، وإلّا لاسْتَوى مَعَ الفاسِقِ، فالتَّثَبُّتُ مُعَلَّلٌ بِالفِسْقِ، فَإذا انْتَفى ولَمْ تُوجَدْ عِلَّةٌ أُخْرى تُوجِبُ التَّثَبُّتَ وجَبَ القَبُولُ، والمُعَلَّقُ عَلى شَيْءٍ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَدَمٌ [عِنْدَ] عَدَمِهِ، والتَّبَيُّنُ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ: بِمُراجَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ إنْ كانَ حاضِرًا، وبِمُراجَعَةِ آثارِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّتِهِ إلى أنْ تَبَيَّنَ الأمْرُ مِنهُما [إنْ كانَ غائِبًا، فَإنَّهُ لا تَكُونُ أبَدًا كائِنَةً إلّا وفي الكِتابِ والسُّنَّةِ المَخْرَجُ مِنها].
ولَمّا أمَرَ بِالتَّبَيُّنِ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ فَقالَ: ﴿أنْ﴾ [أيْ] لِأجْلِ كَراهَةِ أنْ ﴿تُصِيبُوا﴾ أيْ: بِأذًى ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: هم مَعَ قُوَّتِهِمُ النّافِعَةِ (p-٣٦٥)لِأهْلِ الإسْلامِ بَراءٌ مِمّا نُسِبَ إلَيْهِمْ ﴿بِجَهالَةٍ﴾ أيْ: مَعَ الجَهْلِ بِحالِ اسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا وضَعَ شَيْئًا في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَدِيرًا بِالنَّدَمِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ أيْ: فَتَصِيرُوا، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِأنَّ أشْنَعَ النَّدَمِ ما اسْتَقْبَلَ الإنْسانَ صَباحًا وقْتَ انْتِباهِهِ وفَراغِهِ وإقْبالِهِ عَلى لَذّاتِهِ ﴿عَلى ما فَعَلْتُمْ﴾ [أيْ] مِن إصابَتِهِمْ ﴿نادِمِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الأسَفِ عَلى ما فاتَ مِمّا يُوقِعُ اللَّهُ في نُفُوسِكم مِن أُمُورٍ تَرْجُفُ القُلُوبُ وتَخُورُ الطِّباعُ، وتِلْكَ سُنَّتُهُ في كُلِّ باطِلٍ؛ فَإنَّهُ لِكَوْنِهِ مُزَلْزَلًا في نَفْسِهِ لا يَنْشَأُ عَنْهُ إلّا الزِّلْزالُ والنَّدَمُ عَلى ما وقَعَ مِن تَمَنِّي أنَّهُ لَمْ يَقَعْ، وهو غَمٌّ يَصْحَبُ الإنْسانَ صُحْبَةً لَها دَوامٌ بِما تَدُورُ مادَّتُهُ عَلَيْهِ مِمّا يُرْشِدُ [إلَيْهِ] مَدَنَ ودَمِنَ، وهو يَنْشَأُ مِن تَضْيِيعِ أثْقالِ الأسْبابِ الَّتِي أُمِرَ الإنْسانُ بِالسَّعْيِ فِيها كَما أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ: ««احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ ولا تَعْجِزْ، فَإنْ غَلَبَكَ أمْرٌ فَقُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وما شاءَ فَعَلَ، ولا تَقُلْ: [لَوْ أنِّي] فَعَلْتُ كَذا، فَإنَّ ”لَوْ“ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطانِ»». والفاسِقُ المَذْكُورُ في الآيَةِ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والَّذِي نَزَلَ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ هو الوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ولّاهُ الكُوفَةَ فَصَلّى بِالنّاسِ وهو سَكْرانُ صَلاةَ الفَجْرِ أرْبَعًا ثُمَّ قالَ: [هَلْ أزِيدُكم (p-٣٦٦)فَعَزَلَهُ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
الحجرات 49:7
ولَمّا كانَ إقْدامُهم عَلى كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ مِن غَيْرِ] مُشاوَرَةٍ لِمَن أرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِعِبادِهِ لِيُعْلِمَهم ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ عَمَلَ مَن لا يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرِيبٌ مِنهُ، وكانَ الإعْراضُ عَنْهُ حَيًّا وعَنْ بَذْلِ الجُهْدِ في اسْتِخْراجِ الأُمُورِ مِن شَرِيعَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أمْرًا مُفْسِدًا لِلْبَيْنِ إنْ لَمْ يُعْتَبَرْ ويُتَنَبَّهْ [لَهُ] غايَةَ التَّنَبُّهِ، أخْبَرَهم بِهِ مُنْزِلًا لَهم مَنزِلَةَ مَن [لا] يَعْلَمُ أنَّهُ مَوْجُودٌ مَعَهُ مُشِيرًا بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ إلى [أنَّ] مَن أخَلَّ بِمُراعاةِ ذَلِكَ في عِدادِ الغافِلِينَ [فَقالَ]: ﴿واعْلَمُوا﴾ أيْ: أيُّها الأُمَّةُ، وقَدَّمَ الخَبَرَ إيذانًا بِأنَّ بَعْضَهم بِاعْتِراضِهِ أوْ بِإقْدامِهِ عَلى ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَعْلَمُ مِقْدارَ ما خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِن إنْعامِهِ عَلَيْهِ بِهِ ﷺ، فَهو يُفِيدُ تَوْبِيخَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ: ﴿أنَّ فِيكُمْ﴾ [أيْ] عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ لَكم ويا لَهُ مِن شَرَفٍ.
﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الأعْظَمِ المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والإكْرامِ عَلى حالٍ هي أنَّكم تُرِيدُونَهُ [أنْ] يَتْبَعُ أذاكُمْ، وذَلِكَ أمْرٌ شَنِيعٌ جِدًّا؛ فَإنَّهُ لا يَلِيقُ أنْ يَتَحَرَّكَ إلّا بِأمْرِ مَن أرْسَلَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْكُمُ الرُّجُوعُ عَنْ تِلْكَ الحالَةِ؛ فَإنَّكم تَجْهَلُونَ أكْثَرَ مِمّا تَعْلَمُونَ، ولِإرادَتِهِمْ أنْ لا يُطِيعَهم في جَمِيعِ الأُمُورِ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ فَقالَ: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ وهو [لا] يُحِبُّ عَنَتَكم ولا شَيْئًا يَشُقُّ عَلَيْكم (p-٣٦٧)﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ﴾ أيِ: الَّذِي تُرِيدُونَهُ عَلى فِعْلِهِ مِن أنَّهُ يَعْمَلُ في الحَوادِثِ عَلى مُقْتَضى ما يَعِنُّ لَكم وتَسْتَصْوُبُونَهُ لِيَكُونَ فِعْلُهُ مَعَكم فِعْلَ المِطْواعِ لِغَيْرِهِ التّابِعِ لَهُ، فَيَنْقَلِبُ حِينَئِذٍ الحالُ، ويَصِيرُ المَبْتُوعُ تابِعًا والمُطاعُ طائِعًا ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ أيْ: لَأُمِتُّمْ وهَلَكْتُمْ، ومَن أرادَ دائِمًا أنْ يَكُونَ أمْرُ الرَّسُولِ ﷺ تابِعًا لِأمْرِهِ فَقَدْ زَيَّنَ لَهُ الشَّيْطانُ الكُفْرانَ، فَأُولَئِكَ هُمُ الغاوُونَ، وسِياقُ ”لَوْ“ مُعْلِمٌ قَطْعًا أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنَّهُ ﷺ لا يُطِيعُكم لِكَراهَةٍ لِما يَشُقُّ عَلَيْكم لِما هو مُتَخَلِّقٌ بِهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ والتَّقَيُّدِ في جَمِيعِ الحَرَكاتِ والسَّكَناتِ بِأمْرِهِ، مَعَ ما لَهُ مِنَ البَصْرَةِ في التَّمْيِيزِ بَيْنَ المُلْبِساتِ والخِبْرَةِ التّامَّةِ بِالأُمُورِ المُشْتَبِهاتِ، الَّتِي هي سَبَبُ هَلاكِ الأغْلَبِ لِكَوْنِها لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، والتَّقْيِيدُ بِالكَثِيرِ مُعْلِمٌ بِأنَّهم يُصِيبُونَ وجْهَ الرَّشادِ في كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا بِما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ: ولَوْ خالَفْتُمُوهُ في الأُمُورِ الَّتِي [لا] يُطِيعُكم فِيها لَعَنِتُّمْ، اسْتَدْرَكَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِي يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴿حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾ فَلَزِمْتُمْ طاعَتَهُ وعَشِقْتُمْ مُتابَعَتَهُ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُحِبُّ شَيْئًا وهو يَعْلَمُ فِيهِ عَيْبًا، فَيَكُونُ جَدِيرًا بِأنْ يَتَزَلْزَلَ فِيهِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (p-٣٦٨)﴿وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَلا شَيْءَ عِنْدَكم أحْسَنُ مِنهُ و[لا] يُعادِلُهُ ولا يُقارِبُهُ بِوَجْهٍ ﴿وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ﴾ وهو تَغْطِيَةُ ما أدَّتْ إلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى والعُقُولُ المُجَرَّدَةُ عَنِ الهَوى مِنَ الحَقِّ بِالجُحُودِ ﴿والفُسُوقَ﴾ وهو المُرُوقُ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ، ولَوْ مِن غَيْرِ تَغْطِيَةٍ بَلْ بِغَيْرِ تَأمُّلٍ ﴿والعِصْيانَ﴾ وهو الِامْتِناعُ مِنَ الِانْقِيادِ عامَّةً فَلَمْ تُخالِفُوهُ، ورَأيْتُمْ خِلافَهُ هَلاكًا، فَصِرْتُمْ والمِنَّةُ لِلَّهِ أطْوَعَ شَيْءٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَعُلِمَ [مِن هَذا] أنَّ اللَّهَ تَعالى هو الفاعِلُ وحْدَهُ لِجَمِيعِ الأفْعالِ مِنَ الطّاعاتِ والمَعاصِي والعاداتِ والعِباداتِ؛ لِأنَّهُ خالِقٌ لِكُلٍّ، ومُدِحُوا لِفِعْلِ اللَّهِ بِهِمْ لِأنَّهُمُ الفاعِلُونَ في الظّاهِرِ فَهو واقِعٌ مَوْقِعَ: أطَعْتُمُ الرَّسُولَ ﷺ ولَمْ تُخالِفُوهُ، [وإنَّما وُضِعَ] فِعْلُ اللَّهِ وهو لا يُمْدَحُونَ عَلَيْهِ مَوْضِعَ فِعْلِهِمُ الَّذِي يُمْدَحُونَ عَلَيْهِ لِلْحَثِّ عَلى الشُّكْرِ والِانْسِلاخِ مِنَ العُجْبِ.
ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ إلى مُتابَعَتِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مادِحًا لَهم ثانِيًا الكَلامَ عَنْ خِطابِهِمْ إلى خِطابِهِ ﷺ لِيَدُلَّ عَلى عِظَمِ هَذِهِ الأوْصافِ وبَيَّنَهُ بِأداةِ البُعْدِ عَلى عُلُوِّ مَقامِ المُتَّصِفِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ [أيِ] الَّذِينَ أعْلى اللَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مَقادِيرَهم ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الرّاشِدُونَ﴾ أيِ الكامِلُونَ في الرُّشْدِ وهو الهُدى عَلى أحْسَنِ سَمْتٍ وتَقْدِيرٍ، وفي تَفْسِيرِ الأصْبِهانِيِّ: الرُّشْدُ الِاسْتِقامَةُ عَلى طَرِيقِ الحَقِّ (p-٣٦٩)مَعَ تَصَلُّبٍ فِيهِ. انْتَهى.
والَّذِي أنْتَجَ الرَّشادَ مُتابَعَةُ الحَقِّ؛ فَإنَّ اللَّهَ تَكَفَّلَ لِمَن تَعَمَّدَ الخَيْرَ وجاهَدَ نَفْسَهُ عَلى البِرِّ بِإصابَةِ الصَّوابِ وإحْكامِ المَساعِي المُنافِي لِلنَّدَمِ.
﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا وإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩] وقَدْ دَلَّ السِّياقُ عَلى أنَّهم كانُوا في خَبَرِ الوَلِيدِ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ صَدَّقَهُ وأرادَ غَزْوَةَ بَنِي المُصْطَلَقِ وأشارَ بِهِ، وصِنْفٌ تَوَقَّفَ، وأنَّ الصِّنْفَيْنِ سَلَّمُوا آخِرَ الأمْرِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَهُدُوا، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ وهي شَبِيهَةٌ بِهِ: دَلَّتِ الشَّرْطِيَّةُ في ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ عَلى الِاسْتِدْراكِيَّةِ، والِاسْتِدْراكِيَّةُ في ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ﴾ عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِيَّةِ دَلالَةً ظاهِرَةً.
الحجرات 49:8
ولَمّا ذَكَرَ التَّحْبِيبَ والتَّزْيِينَ والتَّكْرِيهَ وما أنْتَجَهُ مِنَ الرَّشادِ، ذَكَرَ عِلَّتَهُ إعْلامًا بِأنَّهُ تَعالى لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَثًّا عَلى الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿فَضْلا﴾ أيْ: زِيادَةً وتَطَوُّلًا وامْتِنانًا عَظِيمًا جَسِيمًا ودَرَجَةً عالِيَةً مِنَ اللَّهِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ﴿ونِعْمَةً﴾ [أيْ] وعَيْشًا حَسَنًا ناعِمًا وخَفْضًا ودَعَةً وكَرامَةً.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاللَّهُ مُنْعِمٌ بِفَضْلٍ، بِيَدِهِ كُلُّ ضُرٍّ ونَفْعٍ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: المُحِيطُ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: مُحِيطُ العِلْمِ، فَهو يَعْلَمُ أحْوالَ المُؤْمِنِينَ وما بَيْنَهم مِنَ التَّفاضُلِ ﴿حَكِيمٌ﴾ بالِغُ الحِكْمَةِ، فَهو يَضَعُ الأشْياءَ في أوْفَقِ مَحالِّها وأتْقَنِها، فَلِذَلِكَ وضَعَ نِعْمَتَهُ مِنَ الرِّسالَةِ (p-٣٧٠)والإيمانِ عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
الحجرات 49:9
ولَمّا كانَتِ النَّمِيمَةُ ونَقْلُ الأخْبارِ الباطِلَةِ الذَّمِيمَةِ رُبَّما جَرَّتْ فِتَنًا وأوْصَلَتْ إلى القِتالِ، وكانَ العَلِيمُ الحَكِيمُ لا يَنْصُبُ سَبَبًا إلّا ذَكَرَ مُسَبِّبَهُ وأشارَ إلى دَوائِهِ، وكانَ لا يَنْهى عَنِ الشَّيْءِ إلّا مَن كانَ مُتَهَيِّئًا لَهُ لِما في جِبِلَّتِهِ مِنَ الدّاعِي إلَيْهِ، فَكانَ قَدْ يُواقِعُهُ ولَوْ في وقْتٍ، قالَ تَعالى مُعَلِّمًا لَنا طَرِيقَ الحِكْمَةِ في دَفْعِ ما جَرَّتْ إلَيْهِ الأخْبارُ الباطِلَةُ مِنَ القِتالِ، مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إشارَةً إلى أنَّ [ما] في حَيِّزِها لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ، ولا أنْ يَذْكُرُوهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ﴾ أيْ: جَماعَتانِ بِالفِعْلِ أوِ القُوَّةِ جَدِيرٌ كُلُّ جَماعَةٍ مِنهُما بِأنْ يَجْتَمِعَ [عَلى] ما دَهَمَها مِنَ الأمِيرِ بِحَيْثُ تَصِيرُ مِن شِدَّةِ مُراعاتِهِ كالطّائِفَةِ حَوْلَهُ والمُتَحَلِّقَةِ بِهِ، بِحَيْثُ لا يُدْرى مِن شِدَّةِ اجْتِماعِها عَلى ذَلِكَ أوَّلُها مِن آخِرِها ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: مِمَّنْ هو مَعْدُودٌ في عِدادِ العَرِيقِينَ في الإيمانِ سَواءٌ كانَ هو عَرِيقًا أوْ فاعِلًا ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ بِهِ الِاسْمُ فَقَطْ.
ولَمّا كانَتِ الشَّناعَةُ والفَسادُ في قِتالِ الجَماعَةِ أكْثَرَ، عَبَّرَ بِضَمِيرِ الجَمْعِ دُونَ التَّثْنِيَةِ تَصْوِيرًا لِذَلِكَ بِأقْبَحِ صُورَةٍ فَقالَ: ﴿اقْتَتَلُوا﴾ [أيْ] فاخْتَلَطُوا بِسَبَبِ القِتالِ حَتّى كانُوا كالفِرْقَةِ الواحِدَةِ ﴿فَأصْلِحُوا﴾ أيْ: (p-٣٧١)فَأوْقِعُوا الإصْلاحَ لِيَحْصُلَ الصُّلْحُ. ولَمّا كانَتِ العِبْرَةُ في الصُّلْحِ إذا وقَعَ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ ما يَسْكُنُ بِهِ الشَّرُّ وإنْ تَخَلَّفَ شَذّانِ مِنَ الجانِبَيْنِ لا يُعْبَأُ بِهِمْ، عَبَّرَ بِالتَّثْنِيَةِ دُونَ الجَمْعِ فَقالَ: ﴿بَيْنَهُما﴾ أيْ: بِالوَعْظِ والإرْشادِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ولا تَظُنُّوا أنَّ الباغِيَ غَيْرُ مُؤْمِنٍ فَتَتَجاوَزُوا فِيهِ أمْرَ اللَّهِ.
ولَمّا كانَ البَغْيُ مِن أشْنَعِ الأُمُورِ فَكانَ يَنْبَغِي أنَّ لا يَلُمَّ بِهِ أحَدٌ، عَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إرْشادًا إلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَإنْ بَغَتْ﴾ أيْ: أوْقَعَتِ الإرادَةُ السَّيِّئَةُ الكائِنَةُ مِنَ النُّفُوسِ الَّتِي لا تَأْمُرُ بِخَيْرٍ ﴿إحْداهُما﴾ أيِ: الطّائِفَتَيْنِ ﴿عَلى الأُخْرى﴾ فَلَمْ تَرْجِعْ إلى حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي خَرَجَتْ عَنْهُ ولَمْ تَقْبَلِ الحَقَّ. ولَمّا كانَ الإضْمارُ هُنا رُبَّما أوْهَمَ لَبْسًا فَتَمَسَّكَ بِهِ مُتَعَنِّتٌ في أمْرِ فَسادٍ، أزالَ بِالإظْهارِ كُلَّ لَبْسٍ فَقالَ: ﴿فَقاتِلُوا﴾ أيْ: أوْجِدُوا واطْلُبُوا مُقاتَلَةَ ﴿الَّتِي﴾
ولَمّا كانَ القِتالُ لا يَجُوزُ إلّا بِالِاسْتِمْرارِ عَلى البَغْيِ، عَبَّرَ بِالمُضارِعِ إفْهامًا لِأنَّهُ مَتى زالَ البَغْيُ ولَوْ بِالتَّوْبَةِ مِن غَيْرِ شَوْكَةٍ حَرُمَ القِتالُ فَقالَ: ﴿تَبْغِي﴾ أيْ: تُوقِعُ الإرادَةَ وتُصِرُّ عَلَيْها، وأدِيمُوا القِتالَ لَها ﴿حَتّى تَفِيءَ﴾ أيْ: تَرْجِعَ مِمّا صارَتْ إلَيْهِ مِن جَرِّ القَطِيعَةِ الَّذِي كَأنَّهُ حَرُّ الشَّمْسِ حِينَ نَسَخَهُ الظِّلُّ إلى ما كانَتْ فِيهِ مِنَ البِرِّ والخَيْرِ الَّذِي هو كالظِّلِّ الَّذِي يَنْسَخُ الشَّمْسَ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ (p-٣٧٢)تَعالى: ﴿إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ [التِزامِ] ما أمَرَ بِهِ المَلِكُ الَّذِي لا يُهْمِلُ الظّالِمَ، بَلْ لا بُدَّ أنْ يُقاصِصَهُ وأمْرُهُ ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ العَدْلِ قَبْلَ البَغْيِ. ولَمّا كانَتْ مُقاتَلَةُ الباغِي جَدِيرَةً بِتَرْجِيعِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾ أيْ: رَجَعَتْ إلى ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِأمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو العَدْلُ ﴿فَأصْلِحُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا الإصْلاحَ ﴿بَيْنَهُما﴾
ولَمّا كانَ الخِصامُ يَجُرُّ في الغالِبِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ ما يُورِثُ لِلْمُصْلِحِينَ إحْنَةً عَلى بَعْضِ المُتَخاصِمِينَ، فَيُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى المَيْلِ مَعَ بَعْضٍ عَلى بَعْضٍ، قالَ: ﴿بِالعَدْلِ﴾ ولا يَحْمِلُكُمُ القِتالُ عَلى الحِقْدِ عَلى المُتَقاتِلِينَ فَتَحِيفُوا. ولَمّا كانَ العَدْلُ في مِثْلِ ذَلِكَ شَدِيدًا عَلى النُّفُوسِ لَما تَحَمَّلَتْ مِنَ الضَّغائِنِ قالَ تَعالى: ﴿وأقْسِطُوا﴾ أيْ: وأزِيلُوا القَسْطَ -بِالفَتْحِ وهو الجَوْرُ- بِأنْ تَفْعَلُوا القِسْطَ بِالكَسْرِ؛ وهو العَدْلُ العَظِيمُ الَّذِي لا جَوْرَ فِيهِ، في ذَلِكَ وفي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ عَلَّلَهُ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِن أعْظَمِ ما يُتَمادَحُ بِهِ، ورَدًّا عَلى مَن لَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ لا يُلْزِمُ نَفْسَهُ الوُقُوفَ عِنْدَهُ إلّا ضَعِيفٌ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي بِيَدِهِ النَّصْرُ والخِذْلانُ ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ أيْ: يَفْعَلُ مَعَ أهْلِ العَدْلِ مِنَ الإكْرامِ فِعْلَ المُحِبِّ.
الحجرات 49:10
ولَمّا أمَرَ بِما قَدْ يُفْضِي إلى القِتالِ، وكانَ الباغِي رُبَّما كانَ أقْرَبَ إلى الصُّلْحِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ مِنَ المَبْغِيِّ عَلَيْهِ فَرُوعِيَ، وكانَ القِتالُ أمْرًا شاقًّا رُبَّما حَمَلَ عَلى الإحْجامِ عَنِ الإصْلاحِ، عَلَّلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِما قَدَّمَ (p-٣٧٣)فِيهِ قَرابَةَ الدِّينِ عَلى قَرابَةِ النَّسَبِ، وكَشَفَ كَشْفًا [تامًّا] عَنْ أنَّهُ لا يَسُوغُ لَهُ تَرْكُهُ لِما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن تَفْرِيقِ الشَّمْلِ المُؤَدِّي إلى وهَنِ الإسْلامِ وأهْلِهِ المُؤَدِّي إلى ظُهُورِ الباطِلِ المُؤَدِّي إلى الفَسادِ الأعْظَمِ الَّذِي لا تَدارُكَ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: كُلُّهم وإنْ تَباعَدَتْ أنْسابُهم وأغْراضُهم وبِلادُهم ﴿إخْوَةٌ﴾ لِانْتِسابِهِمْ إلى أصْلٍ واحِدٍ وهو الإيمانُ، لا بُعْدَ بَيْنَهُمْ، ولا يَفْضُلُ أحَدٌ مِنهم عَلى أحَدٍ بِجِهَةٍ غَيْرِ جِهَةِ الإيمانِ.
ولَمّا كانَتِ الأُخُوَّةُ داعِيَةً ولا بُدَّ إلى الإصْلاحِ، سَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَأصْلِحُوا﴾
ولَمّا كانَتِ الطّائِفَةُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما هو أصْلٌ لِأنْ يُطافَ حَوْلَهُ كَما يُطْلَقُ عَلى ما فِيهِ أهْلِيَّةُ التَّحْلِيقِ والطَّوافِ، وكانَ أقَلُّ ما يَكُونُ ذَلِكَ في الِاثْنَيْنِ، وأنَّ مُخاصَمَتَهُما يَجُرُّ إلى مُخاصَمَةِ طائِفَتَيْنِ بِأنْ يَغْضَبَ لِكُلٍّ ناسٌ مِن قَبِيلَتِهِ وأصْحابِهِ، قالَ واضِعًا الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ مُبالَغَةً في تَقْرِيرِ الأمْرِ وتَأْكِيدِهِ، وإعْلامًا بِأنَّ المُرادَ بِالطّائِفَةِ القُوَّةُ لا الفِعْلُ بِحَيْثُ يَكُونُ ذَلِكَ شامِلًا لِلِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما: ﴿بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ أيِ: المُخْتَلِفِينَ بِقِتالٍ أوْ غَيْرِهِ كَما تُصْلِحُونَ بَيْنَ أخَوَيْكم مِنَ النَّسَبِ، إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ، بَلِ الأمْرُ كَما نُقِلَ عَنْ أبِي عُثْمانَ الحِيرِيِّ أنَّ أُخُوَّةَ الدِّينِ أثْبَتُ مِن أُخُوَّةِ النَّسَبِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ”إخْوَتِكُمْ“ (p-٣٧٤)بِالجَمْعِ، وقِراءَةُ الجَماعَةِ أبْلَغُ لِدَلالَتِها عَلى الِاثْنَيْنِ فَما فَوْقَهُما بِالمُطابَقَةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ الَّذِينَ هم عِبادُهُ في الإصْلاحِ بَيْنَهُما بِالقِتالِ وغَيْرِهِ، لا تَفْعَلُوا ما صُورَتُهُ إصْلاحٌ وباطِنُهُ إفْسادٌ، وأشارَ إلى سُهُولَةِ الأُمُورِ عِنْدَهُ ونُفُوذِ أمْرِهِ وأنَّ النُّفُوسَ إنَّما تَشَوُّفُها إلى الإكْرامِ لا إلى كَوْنِهِ مِن مُعَيَّنٍ، فَبَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ أيْ: لِتَكُونُوا إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ عَلى رَجاءٍ عِنْدَ أنْفُسِكم ومَن يُنْظِرُكم مِن أنْ يُكْرِمَكُمُ الَّذِي لا قادِرَ في الحَقِيقَةِ عَلى الإكْرامِ غَيْرُهُ بِأنْواعِ الكَراماتِ كَما رَحِمْتُمْ إخْوَتَكم بِإكْرامِهِمْ عَنْ إفْسادِ ذاتِ البَيْنِ الَّتِي هي الحالِقَةُ، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ أنَّ الفِسْقَ بِغَيْرِ الكُفْرِ لا يُخْرِجُ عَنِ الإيمانِ، وعَلى أنَّ الإصْلاحَ مِن أعْظَمِ الطّاعاتِ، وعَلى وُجُوبِ نَصْرِ المَظْلُومِ؛ لِأنَّ القِتالَ لا يُباحُ بِدُونِ الوُجُوبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى عِظَمِ وِزْرِ الواشِي والنَّمّامِ والمُضْرِبِ في إفْسادِ ذاتِ البَيْنِ، وقالَ: مِن شَرْطِ الأُخُوَّةِ أنْ لا تُحْوِجَ أخاكَ إلى الِاسْتِعانَةِ بِكَ والتِماسِ النُّصْرَةِ مِنكَ، ولا تُقَصِّرْ في تَفَقُّدِ أحْوالِهِ بِحَيْثُ يُشْكِلُ عَلَيْكَ مَوْضِعُ حاجَتِهِ فَيَحْتاجُ إلى مَسْألَتِكَ.
الحجرات 49:11
ولَمّا نَهى عَنِ الإسْراعِ بِالإيقاعِ بِمُجَرَّدِ سَماعِ ما يُوجِبُ النِّزاعَ، وخَتَمَ بِما تُرْجى بِهِ الرَّحْمَةُ، وكانَ رُبَّما كانَ الخَبَرُ الَّذِي أمَرَ سُبْحانَهُ بِتَبَيُّنِهِ صَرِيحًا، نَهى عَنْ مُوجِباتِ الشَّرِّ الَّتِي يُخْبِرُ بِها فَتَكُونُ سَبَبًا لِلضَّغائِنِ الَّتِي يَتَسَبَّبُ عَنْها الشَّرُّ الَّذِي هو سَبَبٌ لِلنِّقْمَةِ رَحْمَةً لِعِبادِ اللَّهِ وتَوَقُّعًا لِلرَّحْمَةِ مِنهُ، (p-٣٧٥)فَقالَ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ مِن ذَلِكَ ذاكِرًا ما في القِسْمِ الرّابِعِ مِنَ الآدابِ والمَنافِعِ مِن وُجُوبِ تَرْكِ أذى المُؤْمِنِينَ في حُضُورِهِمْ والإزْراءِ بِحالِهِمُ المُذْهِبِ لِسُرُورِهِمُ الجالِبِ لِشُرُورِهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الإقْرارَ بِالتَّصْدِيقِ ﴿لا يَسْخَرْ﴾ أيْ: يَهْزَأْ ويَسْتَذِلَّ.
ولَمّا كانَتِ السُّخْرِيَةُ تَكُونُ بِحَضْرَةِ ناسٍ، قالَ مُعَبِّرًا بِما يُفْهِمُ أنَّ مَن شارَكَ أوْ رَضِيَ أوْ سَكَتَ وهو قادِرٌ فَهو ساخِرٌ مُشارِكٌ لِلْقائِلِ: ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: ناسٌ فِيهِمْ قُوَّةُ المُحاوَلَةِ، وفي التَّعْبِيرِ بِذَلِكَ هَزٌّ إلى قِيامِ الإنْسانِ عَلى نَفْسِهِ وكَفِّها [عَمّا تُرِيدُهُ] مِنَ النَّقائِصِ شُكْرًا لِما أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ: ﴿مِن قَوْمٍ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ الشَّرَّ؛ لِأنَّ أضْعَفَ النّاسِ إذا حُرِّكَ لِلِانْتِقاصِ قَوِيَ بِما يَثُورُ عِنْدَهُ مِن حَظِّ النَّفْسِ.
ولَمّا كانَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الرَّأْيُ الأصِيلُ أنَّهُ لا يَسْتَذِلُّ الإنْسانُ إلّا مَن أمِنَ أنْ يَصِيرَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أقْوى مِنهُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى﴾ أيْ: لِأنَّهُ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ لَهم ﴿أنْ يَكُونُوا﴾ أيِ: المُسْتَهْزَأُ بِهِمْ ﴿خَيْرًا مِنهُمْ﴾ فَيَنْقَلِبُ الأمْرُ عَلَيْهِمْ ويَكُونُ لَهم سُوءُ العاقِبَةِ، قالَ [ ابْنُ] مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: البَلاءُ مُوَكَّلٌ بِالقَوْلِ و[لَوْ] سَخِرْتُ مِن كَلْبٍ خَشِيتُ [أنْ] أُحَوَّلَ كَلْبًا؛ وقالَ (p-٣٧٦)القُشَيْرِيُّ: ما اسْتَضْعَفَ أحَدٌ أحَدًا إلّا سُلِّطَ عَلَيْهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَعْتَبِرَ بِظاهِرِ أحْوالِ النّاسِ؛ فَإنَّ [فِي] الزَّوايا خَبايا، والحَقُّ سُبْحانَهُ يَسْتُرُ أوْلِياءَهُ في حِجابِ الظِّنَّةِ، كَذا في الخَبَرِ: ««كَمْ مِن أشْعَثَ أغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أقْسَمَ عَلى اللَّهِ لَأبَرَّهُ»».
ولَمّا كانَ إطْلاقُ القَوْمِ لِمَن كانَ فِيهِ أهْلِيَّةُ المُقاوَمَةِ وهُمُ الرِّجالُ، قالَ مُعَبِّرًا ما هو مِنَ النَّسْوَةِ بِفَتْحِ النُّونِ أنَّ تَرْكَ العَمَلِ: ﴿ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى﴾ أيْ: يَنْبَغِي أنْ يَخَفْنَ مِن ﴿أنْ يَكُنَّ﴾ المَسْخُورُ بِهِنَّ ﴿خَيْرًا مِنهُنَّ﴾ أيِ: السّاخِراتِ.
ولَمّا كانَتِ السُّخْرِيَةُ تَتَضَمَّنُ العَيْبَ، ولا يُصَرَّحُ فِيها، وكانَ اللَّمْزُ العَيْبَ نَفْسَهُ، رَقّى الأمْرَ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿ولا تَلْمِزُوا﴾ أيْ: تَعِيبُوا عَلى وجْهِ الخُفْيَةِ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ بِأنْ يَعِيبَ بَعْضُكم بَعْضًا بِإشارَةٍ أوْ نَحْوِها، فَكَيْفَ إذا كانَ عَلى وجْهِ الظُّهُورِ؛ فَإنَّكم في التَّواصُلِ والتَّراحُمِ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ يَعْمَلُ الإنْسانُ ما يُعابُ بِهِ، فَيَكُونُ قَدْ لَمَزَ نَفْسَهُ أوْ يَلْمِزُ غَيْرَهُ فَيَكُونُ لَمْزُهُ لَهُ سَبَبًا لِأنْ يَبْحَثَ عَنْ عُيُوبِهِ فَيَلْمِزَهُ فَيَكُونُ هو الَّذِي لَمَزَ نَفْسَهُ ﴿ولا تَنابَزُوا﴾ أيْ: يَنْبِزْ بَعْضُكم بَعْضًا، أيْ يَدْعُو عَلى وجْهِ التَّغَيُّرِ والتَّسَفُّلِ ﴿بِالألْقابِ﴾ بِأنْ يَدْعُوَ المَرْءُ صاحِبَهُ بِلَقَبٍ يَسُوءُهُ سَواءٌ (p-٣٧٧)كانَ هو المُخْتَرِعَ لَهُ أوَّلًا، وأمّا ألْقابُ المَدْحِ فَنِعْمَ هي كالصِّدِّيقِ والفارُوقِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ قَيْدًا لِأوابِدِ العِصْيانِ، وكانَ النَّبْزُ والسُّخْرِيَةُ قَطْعًا لِذَلِكَ القَيْدِ، عَلَّلَ بِما يُؤْذِنُ بِأنَّهُ فِسْقٌ، مُعَبِّرًا بِالكَلِمَةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ المَذامِّ تَنْفِيرًا مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ﴾ أيِ: الخُرُوجُ مِن رِبْقَةِ الدِّينِ ﴿بَعْدَ الإيمانِ﴾ تَرَكَ الجارَّ إيذانًا بِأنَّ مَن وقَعَ في ذَلِكَ أوْشَكَ أنْ يُلازِمَهُ فَيَسْتَغْرِقَ زَمانَهُ فِيهِ؛ فَإنَّ النَّفْسَ عَشّاقَةٌ لِلنَّقائِصِ، ولا سِيَّما ما فِيهِ اسْتِعْلاءٌ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ رَضِيَ لِنَفْسِهِ أنْ يُوسَمَ بِالفِسْقِ بَعْدَ أنْ كانَ مَوْصُوفًا بِالإيمانِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَن تابَ فَأُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ، وكانَ المَقامُ بِالتَّحْذِيرِ ألْيَقَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَتُبْ﴾ أيْ: يَرْجِعْ عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ، فَخَفَّفَ عَنْ نَفْسِهِ ما كانَ شُدِّدَ عَلَيْها ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ مِنَ اللَّهِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها.
الحجرات 49:12
ولَمّا كانَ الإنْسانُ رُبَّما دَعا صاحِبَهُ بِلَقَبٍ لَهُ شَيْءٌ غَيْرُ قاصِدٍ بِهِ عَيْبَهُ، أوْ فَعَلَ فِعْلًا يَتَنَزَّلُ عَلى الهُزْءِ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ الهُزْءَ، نَهى تَعالى عَنِ المُبادَرَةِ إلى الظَّنِّ مِن غَيْرِ تَثَبُّتٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها، الَّذِي هو مَعْنى الظُّلْمِ فَقالَ خاتِمًا بِالقَسَمِ الخامِسِ مُنَبِّهًا عَلى ما فِيهِ مِن (p-٣٧٨)المَعالِي والنَّفائِسِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيِ اعْتَرَفُوا بِالإيمانِ وإنْ كانُوا في أوَّلِ مَراتِبِهِ ﴿اجْتَنِبُوا﴾ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم أنْ تَتْرُكُوا وتَبْعُدُوا وتَجْعَلُوا في جانِبٍ بَعِيدٍ عَنْكم ﴿كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ أيْ: في النّاسِ وغَيْرِهِمْ فاحْتاطُوا في كُلِّ ظَنٍّ ولا تَمادَوْا مَعَهُ حَتّى تَجْزِمُوا بِهِ فَتَقَدَّمُوا بِسَبَبِهِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الشَّرِّ إلّا بَعْدَ التَّبَيُّنِ لِحَقِّهِ مِن باطِلِهِ بِأنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ أمارَةٌ صَحِيحَةٌ وسَبَبٌ ظاهِرٌ، والبَحْثُ عَنْ ذَلِكَ الَّذِي أوْجَبُ الظَّنِّ لَيْسَ بِمَنهِيٍّ عَنْهُ كَما فَتَّشَ النَّبِيُّ ﷺ في قِصَّةِ الإفْكِ وتَثَبَّتَ حَتّى جاءَهُ الخَبَرُ اليَقِينُ مِنَ اللَّهِ، وأفْهَمَ هَذا أنَّ كَثِيرًا مِنهُ مُجْتَنَبٌ كَما في الِاجْتِهادِ حَيْثُ لا قاطِعَ، وكَما في ظَنِّ الخَيْرِ بِاللَّهِ تَعالى، بَلْ [قَدْ] يَجِبُ كَما [قالَ] تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ١٢] وقَدْ أفادَ التَّنْكِيرُ شِياعَ النَّهْيِ في كُلِّ ظَنٍّ، فَكانَ بِمَعْنى ”بَعْضٍ“ مَعَ الكَفالَةِ بِأنَّ كَثِيرًا مِنهُ مَنهِيٌّ عَنِ الإقْدامِ عَلَيْهِ إلّا بَعْدَ تَبَيُّنِ أمْرِهِ، ولَوْ عُرِفَ لَأفْهَمَ أنَّهُ لا يُجْتَنَبُ إلّا إذا اتَّصَفَ بِالكَثْرَةِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والنَّفْسُ لا تُصَدِّقُ، والقَلْبُ لا يُكَذِّبُ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ النَّفْسِ والقَلْبِ مُشْكِلٌ، ومَن بَقِيَتْ عَلَيْهِ مِن حُظُوظِهِ بَقِيَّةٌ وإنْ قَلَّتْ فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُدْعى بَيانَ القَلْبِ، بَلْ هو بِنَفْسِهِ [ما] دامَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن بَقِيَّتِهِ، ويَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَتَّهِمَ نَفْسَهُ في كُلِّ ما يَقَعُ لَهُ مِن نُقْصانِ غَيْرِهِ، (p-٣٧٩)ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُثِيرًا إلى أنَّ العاقِلَ مَن يَكُفُّ نَفْسَهُ عَنْ أدْنى احْتِمالٍ مِنَ الضَّرَرِ احْتِمالًا مُؤَكَّدًا؛ لِأنَّ أفْعالَ النّاسِ عِنْدَ الظُّنُونِ أفْعالُ مَن هو جازِمٌ بِأنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الإثْمِ: ﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ أيْ: ذَنْبٌ يُوصِلُ صاحِبَهُ لِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ كالظَّنِّ في أُصُولِ الدِّينِ، وحَيْثُ يُخالِفُهُ قاطِعٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: الهَمْزَةُ في الإثْمِ عَنِ الواوِ وكَأنَّهُ يَثِمُ الأعْمالَ أيْ يَكْسِرُها بِإحْباطِهِ.
ولَمّا نَهى عَنِ اتِّباعِ الظَّنِّ، أتْبَعَهُ ما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ فَقالَ: ﴿ولا تَجَسَّسُوا﴾ أيْ: تَمَعَّنُوا في البَحْثِ عَنِ العَوْراتِ ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا في المَسْتُورِينَ.
ولَمّا كانَتِ الغِيبَةُ أعَمَّ مِنَ التَّجَسُّسِ، قالَ: ﴿ولا يَغْتَبْ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدْ أنْ يَذْكُرَ ﴿بَعْضُكم بَعْضًا﴾ في غَيْبَتِهِ بِما يَكْرَهُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ولَيْسَ تَحْصُلُ الغِيبَةُ مِنَ الخَلْقِ إلّا بِالغَيْبَةِ عَنِ الحَقِّ، وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الغِيبَةُ إدامُ كِلابِ النّاسِ.
ولَمّا كانَ تَمْزِيقُ عِرْضِ النّاسِ كَتَمْزِيقِ أدِيمِهِمْ ولا يَكُونُ ذَلِكَ ساتِرَ عَظَمَةِ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ كَما أنَّ عِرْضَهُ ساتِرٌ عَلَيْهِ، وكَوْنُهُ لا يَرُدُّ عَنْ نَفْسِهِ بِسَبَبِ غَيْبَتِهِ كَمَوْتِهِ وأعْمالِ الفَمِ والجَوْفِ في ذَلِكَ كُلِّهِ، (p-٣٨٠)وكانَ هَذا لَوْ تَأمَّلَهُ العاقِلُ كانَ مِنهُ عَلى غايَةِ النُّفْرَةِ، ولَكِنَّهُ لِخَفائِهِ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ، جَلّاهُ لَهُ في قَوْلِهِ تَقْرِيرًا وتَعْبِيرًا بِالحُبِّ عَمّا هو في غايَةِ الكَراهَةِ لِما لِلْمُغْتابِ مِنَ الشَّهْوَةِ [فِي الغِيبَةِ] لِيَكُونَ التَّصْوِيرُ بِذَلِكَ رادًّا لَهُ عَنْها ومُكَرِّهًا فِيها: ﴿أيُحِبُّ﴾ وعَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿أحَدُكُمْ﴾ وعَبَّرَ بِأنْ والفِعْلِ تَصْوِيرًا لِلْفِعْلِ فَقالَ: ﴿أنْ يَأْكُلَ﴾ وزادَ في التَّنْفِيرِ بِجَعْلِهِ في إنْسانٍ هو أخٌ فَقالَ: ﴿لَحْمَ أخِيهِ﴾ وأنْهى الأمْرَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَيْتًا﴾
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لا يُحِبُّ أحَدٌ ذَلِكَ، أشارَ إلَيْهِ بِما سَبَّبَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما ذُكِرَ طَبْعًا فَأوْلى أنْ تَكْرَهُوا الغِيبَةَ المُحَرَّمَةَ عَقْلًا؛ لِأنَّ داعِيَ العَقْلِ بَصِيرٌ عالِمٌ، وداعِي الطَّبْعِ أعْمى جاهِلٌ، وقَدْ رَتَّبَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الحِكَمَ أبْدَعَ تَرْتِيبٍ، فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِالتَّثَبُّتِ. وكانَ رُبَّما أحْدَثَ ضَغِينَةً، نَهى عَنِ العَمَلِ بِمُوجِبِهِ مِنَ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والنَّبْزِ والتَّمادِي مَعَ ما يَنْشُرُهُ ذَلِكَ مِنَ الظُّنُونِ، فَإنْ أبَتِ النَّفْسُ إلّا تَمادِيًا مَعَ الظَّنِّ فَلا يَصِلُ إلى التَّجَسُّسِ والبَحْثِ عَنِ المَعايِبِ، فَإنْ حَصَلَ الِاطِّلاعُ عَلَيْها كَفَّ عَنْ ذِكْرِها، وسَعى في سَتْرِها، وفَعَلَ ذَلِكَ كُلَّهُ لِخَوْفِ اللَّهِ، لا شَيْءَ غَيْرُهُ، فَإنْ وقَعَ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بادَرَ المَتابَ رَجاءَ الثَّوابِ.
(p-٣٨١)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاتْرُكُوهُ بِسَبَبِ كَراهَتِهِمْ لِما صَوَّرْتُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ ما دَلَّ عَلى العِلَّةِ العُظْمى وهي خَوْفُ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيِ اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ المَلِكِ الأعْظَمِ وِقايَةً بِتَرْكِ ذَلِكَ وإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْكم إنْ تَرَكْتُمُوهُ، عَلَّلَهُ بِما دَلَّ عَلى أنَّ ذَلِكَ صِفَةٌ لَهُ مُتَكَرِّرَةُ التَّعَلُّقِ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ ﴿تَوّابٌ﴾ أيْ: مُكَرِّرٍ لِلتَّوْبَةِ، وهي الرُّجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى [ما] كانَ قَبْلَها مِن مُعامَلَةِ التّائِبِ وإنْ كَرَّرَ الذَّنْبَ، فَلا يَيْأسْ أحَدٌ وإنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وعَظُمَتْ ﴿رَحِيمٌ﴾ يَزِيدُهُ عَلى ذَلِكَ أنْ يُكْرِمَهُ غايَةَ الإكْرامِ.
الحجرات 49:13
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ تَذْكِيرًا بِالعاطِفِ المُوجِبِ لِلْإكْرامِ، المانِعِ مِنَ الِانْتِقامِ، ونَهى عَنْ أُمُورٍ يَجُرُّ إلَيْها الإعْجابُ بِالنَّفْسِ مِن جِهَةِ التَّعْظِيمِ بِالآباءِ والعَراقَةِ في النَّسَبِ العالِي، أسْقَطَ [ذَلِكَ] مُبَيِّنًا أنْ لا نَسَبَ إلّا ما يُثْمِرُهُ الإيمانُ الَّذِي بَدَأ بِهِ مِنَ التَّقْوى، وعَبَّرَ بِما يَدُلُّ عَلى الذَّبْذَبَةِ والِاضْطِرابِ إشارَةً إلى سُفُولِ رُتْبَةِ مَنِ افْتَخَرَ بِالنَّسَبِ، وإلى [أنَّ] مَن [لَمْ] يَتَّعِظْ بِما مَضى فَيَعْلُو عَنْ رُتْبَةِ الَّذِينَ آمَنُوا فَقَدْ سَفَلَ سُفُولًا عَظِيمًا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: كافَّةً المُؤْمِنُ وغَيْرُهُ ﴿إنّا﴾ عَلى عَظَمَتِنا وقُدْرَتِنا ﴿خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: أوَجَدْناكم عَنِ العَدَمِ (p-٣٨٢)عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَقادِيرِ في صُوَرِكم وما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّشَعُّبِ الَّذِي يَفُوتُ الحَصْرَ، وأخْرَجْنا كُلَّ واحِدٍ مِنكم ﴿مِن ذَكَرٍ﴾ هو المَقْصُودُ بِالعَزْمِ والقُوَّةِ ﴿وأُنْثى﴾ هي مَوْضِعُ الضَّعْفِ والرّاحَةِ، لا مَزِيَّةَ لِأحَدٍ مِنكم في ذَلِكَ عَلى آخَرَ، ولا فَخْرَ في نَسَبٍ.
ولَمّا كانَ تَفْضِيلُهم إلى فِرَقٍ لِكُلٍّ مِنهُما تُعْرَفُ [بِهِ] أمْرًا باهِرًا، عَبَّرَ فِيهِ بِنُونِ العَظَمَةِ فَقالَ: ﴿وجَعَلْناكُمْ﴾ أيْ: بِعَظَمَتِنا ﴿شُعُوبًا﴾ تَتَشَعَّبُ مِن أصْلٍ واحِدٍ، جَمْعُ شَعْبٍ بِالفَتْحِ و[هُوَ] الطَّبَقَةُ الأُولى مِنَ الطَّبَقاتِ السِّتِّ مِن طَبَقاتِ النَّسَبِ الَّتِي عَلَيْهاالعَرَبُ ﴿وقَبائِلَ﴾ تَحْتَ الشُّعُوبِ، وعَمائِرَ تَحْتَ القَبائِلِ، وبُطُونًا تَحْتَ العَمائِرِ، [و] أفْخاذًا تَحْتَ البُطُونِ، وفَصائِلَ تَحْتَ الأفْخاذِ، والعَشائِرُ تَحْتَ الفَصائِلِ، خُزَيْمَةُ شَعْبٌ، وكِنانَةُ قَبِيلَةٌ، وقُرَيْشٌ عِمارَةٌ، وقُصَيٌّ بَطْنٌ، وعَبْدُ مُنافٍ فَخِذٌ، وهاشِمٌ فَصِيلَةٌ، والعَبّاسُ عَشِيرَةٌ، قالَ البَغَوِيُّ: ولَيْسَ بَعْدَ العَشِيرَةِ حَيٌّ يُوصَفُ بِهِ. انْتَهى. واقْتَصَرَ عَلى الأوَّلَيْنِ لِأنَّهُما أقْصى ما يَسْهُلُ عَلى الآدَمِيِّ مَعْرِفَتُهُ فَما دُونَهُ أوْلى، ثُمَّ ذَكَرَ عِلَّةَ التَّشَعُّبِ لِيُوقَفَ عِنْدَها فَقالَ: ﴿لِتَعارَفُوا﴾ أيْ: لِيَعْرِفَ الإنْسانُ مَن يُقارِبُهُ في النَّسَبِ لِيَصِلَ مِن رَحِمِهِ ما يَحِقُّ لَهُ، لا لِتَواصَفُوا وتَفاخَرُوا.
ولَمّا كانَتْ فائِدَةُ التَّفاخُرِ بِالتَّواصُفِ عِنْدَهُمُ الإكْرامَ لِمَن كانَ (p-٣٨٣)أفْخَرَ، فَكانَتِ الآيَةُ السّالِفَةُ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها هَذِهِ آمِرَةً بِالتَّقْوى كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَتَّقُوا اللَّهَ في أقارِبِكم وذَوِي أرْحامِكُمْ، فَقالَ مُبْطِلًا لِلتَّفاخُرِ بِالأنْسابِ مُعَلِّلًا لِما أرْشَدَ إلى تَقْدِيرِهِ السِّياقُ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما عِنْدَهم مِن أنَّ الكَرَمَ إنَّما هو بِالنَّسَبِ: ﴿إنَّ أكْرَمَكُمْ﴾ أيُّها المُتَفاخِرُونَ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيِ: المَلِكِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ولا كَرِيمَ إلّا مَن أكْرَمَكم بِكَرَمِهِ ولا كَمالَ لِأحَدٍ سِواهُ ﴿أتْقاكُمْ﴾ فَذَلِكَ هو الذَّكَرُ الَّذِي يَصِحُّ أصْلُهُ بِاقْتِدائِهِ بِأبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يَمِلْ إلى الأُنُوثَةِ وإنْ كانَ أدْناكم نَسَبًا ولِذَلِكَ أكَّدَهُ، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ: ««خِيارُكم في الجاهِلِيَّةِ خِيارُكم في الإسْلامِ إذا فَقِهُوا»». أيْ: عَلِمُوا بِأنْ كانَتْ لَهم مَلَكَةُ الفِقْهِ فَعَمِلُوا بِما عَلِمُوا كَما قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّما الفَقِيهُ العامِلُ بِعِلْمِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذا [هُوَ] المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] لِما دَلَّ عَلَيْهِ سِياقُها وسِباقُها، والأتْقى لا يَفْتَخِرُ عَلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ أنَّهُ أتْقى، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أكْرَمُ الكَرَمِ التَّقْوى، وهو مَجْمَعُ الفَضائِلِ الإنْسانِيَّةِ، وألْأمُ اللُّؤْمِ الفُجُورُ، وذَلِكَ أنَّ الكَرَمَ اسْمٌ لِلْأفْعالِ المَحْمُودَةِ، وهَذِهِ الأفْعالُ إنَّما تَكُونُ مَحْمُودَةً إذا كانَتْ عَنْ عِلْمٍ، وقُصِدَ بِها اللَّهُ، وهَذا هو التَّقْوى، فَلَيْسَ التَّقْوى إلّا العِلْمُ وتَحَرِّي الأفْعالِ المَحْمُودَةِ. انْتَهى. وذَلِكَ لِأنَّ التَّقْوى تُثْبِتُ الكَمالاتِ وتَنْفِي النَّقائِصَ فَيَصِيرُ (p-٣٨٤)صاحِبُها بَشَرِيًّا مَلَكِيًّا.
ولَمّا كانَ هَذا مَرْكُوزًا في طَبائِعِهِمْ مَغْرُوزًا في جِبِلّاتِهِمْ مُتَوارَثًا عِنْدَهم أنَّ الفَخْرَ إنَّما هو بِالأنْسابِ، وأنَّ الكَرِيمَ إنَّما هو مَن طابَ أصْلُهُ، وكانَ قَلْعُ ذَلِكَ مِن نُفُوسِهِمْ فِيما أجْرى بِهِ سُبْحانَهُ العادَةَ في دارِ الأسْبابِ يَتَوَقَّفُ عَلى تَأْكِيدٍ، أكَّدَ سُبْحانَهُ مُعَلِّلًا قَوْلَهُ لِإخْبارِهِ بِالأكْرَمِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ العِلْمِ بِالظَّواهِرِ ﴿خَبِيرٌ﴾ مُحِيطُ العِلْمِ بِالبَواطِنِ والسَّرائِرِ أيْضًا، رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ طافَ يَوْمَ الفَتْحِ عَلى راحِلَتِهِ لِيَسْتَلِمَ الأرْكانَ بِمِحْجَنِهِ، فَلَمّا خَرَجَ لَمْ يَجِدْ مُناخًا فَنَزَلَ عَلى أيْدِي الرِّجالِ، ثُمَّ قامَ فَخَطَبَهم ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: ««الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وتَكَبُّرَها بِآبائِها، [إنَّما] النّاسُ رَجُلانِ: بَرٌّ تَقِيٌّ كَرِيمٌ عَلى اللَّهِ، وفاجِرٌ شَقِيٌّ هَيِّنٌ عَلى اللَّهِ - ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: أقُولُ قَوْلِي هَذا وأسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُمْ»». وأخْرَجَهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ [وحَسَّنَهُ] والبَيْهَقِيُّ. قالَ المُنْذِرِيُّ، بِإسْنادٍ [حَسَنٍ، و] اللَّفْظُ لَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قالَ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أذْهَبَ عَنْكم عُبِّيَّةَ الجاهِلِيَّةِ وفَخْرَها بِالآباءِ، النّاسُ بَنُو آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وفاجِرٌ شَقِيٌّ، لَيَنْتَهِيَنَّ أقْوامٌ يَفْتَخِرُونَ (p-٣٨٥)بِرِجالٍ إنَّما هم فَحْمٌ مِن فَحْمِ جَهَنَّمَ أوْ لَيَكُونُنَّ أهْوَنَ عَلى اللَّهِ مِنَ الجِعْلانِ الَّتِي تَدْفَعُ النَّتِنَ بِأنْفِها»».
الحجرات 49:14
ولَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ بِإجْلالِ رَسُولِهِ ﷺ وإعْظامِهِ، ونَهى عَنْ أذاهُ في نَفْسِهِ أوْ في أُمَّتِهِ، ونَهى عَنِ التَّفاخُرِ الَّذِي هو سَبَبُ التَّقاطُعِ والتَّداحُرِ، وخَتَمَ بِصِفَةِ الخَبَرِ، دَلَّ عَلَيْها بِقَوْلِهِ [مُشِيرًا] إلى أنَّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيْءٍ مِمّا أمَرَ بِهِ أوْ نَهى عَنْهُ إلّا مَعَ الإخْلاصِ فَقالَ: ﴿قالَتِ الأعْرابُ﴾ أيْ: أهْلُ البادِيَةِ مِن بَنِي أسَدٍ وغَيْرِهِمُ الَّذِينَ هم مَعْدِنُ الغِلْظَةِ [والجَفاءِ] الَّذِينَ تَقَدَّمَ تَأْدِيبُهم في سُورَةِ الفَتْحِ، وألْحَقَ التّاءَ في فِعْلِهِمْ إشارَةً إلى ضَعْفِهِمْ في العَزائِمِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: هم قَوْمٌ شَهِدُوا شَهادَةَ الحَقِّ وهم لا يَعْلَمُونَ ما شَهِدُوا بِهِ غَيْرَ أنَّ أنْفُسَهم [لَيْسَتْ] تُنازِعُهم إلى التَّكْذِيبِ: ﴿آمَنّا﴾ [أيْ] بِجَمِيعِ ما جِئْتَ بِهِ فامْتَثَلْنا ما أُمِرْنا بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ولَنا النَّسَبُ الخالِصُ، فَنَحْنُ أشْرَفُ مِن غَيْرِنا مِن أهْلِ المَدَرِ.
ولَمّا كانَ الإيمانُ التَّصْدِيقَ بِالقَلْبِ فَلا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِآدَمِيٍّ إلّا بِإطْلاعِهِ سُبْحانَهُ فَكانُوا كاذِبِينَ في دَعْواهُ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا لَهم مَعَ مُراعاةِ الأدَبِ في عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: لَمْ تُصَدِّقْ قُلُوبُكُمْ؛ لِأنَّكم لَوْ آمَنتُمْ لَمْ تَمُنُّوا بِإيمانِكُمْ؛ لَأنَّ الإيمانَ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ (p-٣٨٦)ما لِلَّهِ مِنَ الكَمالِ الَّذِي مِنهُ أنَّهُ لَوْلا مَنُّهُ بِالهِدايَةِ لَمْ يَحْصُلِ الإيمانُ، فَلَهُ ولِرَسُولِهِ - الَّذِي كانَ ذَلِكَ عَلى يَدَيْهِ - المَنُّ والفَضْلُ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ ما كانَ الأصْلُ في أنْ يَكُونَ الرَّدُّ بِهِ وهُوَ: فَلا تَقُولُوا: آمَنّا، فَإنَّهُ كَذِبٌ، وعَدَلَ عَنْهُ لِلِاحْتِرازِ عَنِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَكِنْ قُولُوا﴾ لِأنَّكم أسْلَمْتُمْ لِلدُّنْيا لا لِلدِّينِ، وعَدَلَ عَنْهُ لِئَلّا تَكُونَ شَهادَةً لَهم بِالإسْلامِ في الجُمْلَةِ: ﴿أسْلَمْنا﴾ أيْ: أظْهَرْنا الِانْقِيادَ في الظّاهِرِ لِلْأحْكامِ الظّاهِرَةِ فَأمِنّا مِن أنْ نَكُونَ حِزْبًا لِلْمُؤْمِنِينَ وعَوْنًا لِلْمُشْرِكِينَ، يَقُولُ: أسْلَمَ الرَّجُلُ: إذا دَخَلَ في السِّلْمِ، كَما يُقالُ: أشْتى، إذا دَخَلَ في الشِّتاءِ، ولَمْ يَقُلْ: ولَكِنْ أسْلَمْتُمْ، لِما فِيهِ مِنَ الشَّهادَةِ لَهم بِالإسْلامِ المُلازِمِ لِلْإيمانِ المَنفِيِّ عَنْهُ، فَكانَ يَكُونُ تَناقُضًا، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفْيُ الإيمانِ الشَّرْعِيِّ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الإسْلامِ اللُّغَوِيِّ ثانِيًا، [والأمْرُ بِالقَوْلِ بِالإسْلامِ] ثانِيًا يَدُلُّ عَلى النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ بِالإيمانِ [أوَّلًا].
ولَمّا كانَتْ ”لَمْ“ غَيْرَ مُسْتَغْرِقَةٍ، عَطَفَ عَلَيْها ما يَسْتَغْرِقُ ما مَضى مِنَ الزَّمانِ كُلِّهِ لِيَكُونَ الحُكْمُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مُكْتَنِفًا بِأمْرِهِمْ بِالِاقْتِصادِ عَلى الإخْبارِ بِإسْلامِهِمْ، فَقالَ مُعْلِمًا بِأنَّ ما يَجْتَهِدُونَ في إخْفائِهِ مُنْكَشِفٌ لَدَيْهِ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ [الملك: ١٤] ﴿ولَمّا يَدْخُلِ﴾ [أيْ] إلى هَذا الوَقْتَ (p-٣٨٧)﴿الإيمانُ﴾ [أيِ] المَعْرِفَةُ التّامَّةُ ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فَلا يُعَدُّ إقْرارُ اللِّسانِ إيمانًا إلّا بِمُواطَأةِ القَلْبِ، فَعَصَيْتُمُ اللَّهَ ورَسُولَهُ ﷺ وأحْبَطْتُمْ أعْمالَكُمْ، والتَّعْبِيرُ بِ ”لَمّا“ يُفْهِمُ أنَّهم آمَنُوا بَعْدَ ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهَذا النَّفْيِ نَفْيَ التَّمَكُّنِ في القَلْبِ، لا نَفْيَ مُطْلَقِ الدُّخُولِ بِدَلِيلِ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] دُونَ ”إنَّما الَّذِينَ آمَنُوا“.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإنْ تُؤْمِنُوا يَعْلَمِ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قُلُوبِكم غَنِيًّا عَنْ قَوْلِكُمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَرْغِيبًا لَهم في التَّوْبَةِ: ﴿وإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الَّذِي مَن خالَفَهُ لَمْ يَأْمَن عُقُوبَتَهُ ﴿ورَسُولَهُ﴾ الَّذِي طاعَتُهُ مِن طاعَتِهِ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ الظّاهِرِيِّ فَتُؤْمِنُ قُلُوبُكم ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ أيْ: يُنْقِصْكم ويَبْخَسْكم مِن لاتَهُ يَلِيتُهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَرَأ البَصْرِيّانِ: ”يَأْلِتْكُمْ“ مِنَ الألْتِ وهو النَّقْصُ أيْضًا، وهي لُغَةُ أسَدٍ وغَطَفانَ، وهُما المُخاطَبُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ المُعاتَبُونَ بِها، قالَ أبُو حَيّانَ: قالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في [بَنِي] أسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. انْتَهى. فَلِذَلِكَ اخْتارَ أبُو عَمْرٍو القِراءَةَ بِها، وعَدَلَ عَنْ لُغَةِ الحِجازِ.
﴿مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ فَلا حاجَةَ إلى إخْبارِكم عَنْ إيمانِكم بِغَيْرِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَعُمُومُ النّاسِ وأكْثَرُ أهْلِ الغَفْلَةِ مُسْلِمُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، فَإنْ يَعْلَمُوا عِلْمَ ما شَهِدُوا وعَقَدُوا عَلَيْهِ عَقْدًا عِلْمًا ويَقِينًا فَهُمُ المُؤْمِنُونَ. وفي الآيَةِ احْتِباكٌ مِن (p-٣٨٨)وجْهٍ آخَرَ: ذَكَرَ عَدَمَ الإيمانِ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى إثْباتِهِ ثانِيًا، وذَكَرَ تَوْفِيرَ الأعْمالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى بَخْسِها أوْ إحْباطِها أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّهُ نَفى أساسَ الخَيْرِ أوَّلًا ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِحِفْظِ ما تَعِبُوا [عَلَيْهِ] مِنَ الأعْمالِ ثانِيًا.
ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَبْنِيًّا عَلى النُّقْصانِ، فَلَوْ وُكِلَ إلى عَمَلِهِ هَلَكَ، ولَذَهَبَ عَمَلُهُ فِيما يَعْتَرِيهِ مِنَ النَّقْصِ، قالَ مُسْتَعْطِفًا [لَهُمْ] إلى التَّوْبَةِ، مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ تَأْكِيدُهُ [لِأنَّ الخَلائِقَ] لا يَفْعَلُونَ مِثْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ: سَتُورٌ لِلْهَفَواتِ والزَّلّاتِ لِمَن تابَ وصَحَّتْ نِيَّتُهُ، ولِغَيْرِهِ إذا أرادَ، فَلا عِتابَ ولا عِقابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: يَزِيدُ عَلى السَّتْرِ عَظِيمَ الإكْرامِ.
الحجرات 49:15
ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ، وكانَ رُبَّما غَلِطَ شَخْصٌ في نَفْسِهِ [فَظَنَّ] أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أخْبَرَ بِالمُؤْمِنِ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ ذاكِرًا أمارَتَهُ الظّاهِرَةَ الباطِنَةَ، وهي أُمَّهاتُ الفَضائِلِ: العِلْمُ والعِفَّةُ والشَّجاعَةُ، فَقالَ جَوابًا لِمَن قالَ: فَمَنِ الَّذِي آمَنَ؟ عادِلًا عَنْ جَوابِهِ إلى وصْفِ الرّاسِخِ تَرْغِيبًا في الِاتِّصافِ بِوَصْفِهِ وإيذانًا بِأنَّ المُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهِ بِآيَةِ إيمانِهِ لا يُرِيدُ إلّا أنَّهُ راسِخٌ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ أيِ: العَرِيقُونَ في الإيمانِ الَّذِي هو حَياةُ القُلُوبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: والقُلُوبُ لا تَحْيا إلّا بَعْدَ ذَبْحِ النُّفُوسِ، (p-٣٨٩)والنُّفُوسُ لا تَمُوتُ ولَكِنَّها تَعِيشُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: صَدَّقُوا مُعْتَرِفِينَ ﴿بِاللَّهِ﴾ مُعْتَقِدِينَ جَمِيعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ﴿ورَسُولِهِ﴾ شاهِدِينَ بِرِسالَتِهِ، وهَذا هو المَعْرِفَةُ الَّتِي هي العِلْمُ، وغايَتُها الحِكْمَةُ، وهَذا الإثْباتُ هُنا يَدُلُّ عَلى [أنَّ] المَنفِيَّ فِيما قِيلَ الكَمالُ لا المُطْلَقُ، وإلّا لَقالَ: ”إنَّما الَّذِينَ آمَنُوا“.
ولَمّا كانَ هَذا عَظِيمًا والثَّباتُ عَلَيْهِ أعْظَمَ، وهو عَيْنُ الحِكْمَةِ، أشارَ إلى عَظِيمِ مَزِيَّةِ الثَّباتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ: بَعْدَ امْتِطاءِ هَذِهِ الرُّتْبَةِ العَظِيمَةِ [ ﴿لَمْ يَرْتابُوا﴾ أيْ: يُنازِعُوا] الفِطْرَةَ الأُولى في تَعَمُّدِ التَّسَبُّبِ إلى الشَّكِّ ولَمْ يُوقِعُوا الشَّكَّ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ الكائِنَةِ بَعْدَ الإيمانِ، فَلا يَزالُ عَلى تَطاوُلِ الأزْمِنَةِ وحُصُولِ الفِتَنِ وصْفُهم بَعْدَ الرَّيْبِ غَضًّا جَدِيدًا، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ إشارَةً إلى العَفْوِ عَنْ حَدِيثِ النَّفْسِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الإنْسانُ دَفْعَ أصْلِهِ ويَكْرَهُهُ غايَةَ الكَراهَةِ ويَجْتَهِدُ في دَفْعِهِ، فَإذا أنْفَسُ المَذْمُومِ المَشْيُ مَعَهُ والمُطاوَلَةُ مِنهُ حَتّى يَسْتَحْكِمَ.
ولَمّا ذَكَرَ الأمارَةَ الباطِنَةَ عَلى وجْهٍ جامِعٍ لِجَمِيعِ العِباداتِ المالِيَّةِ والبَدَنِيَّةِ قالَ: ﴿وجاهَدُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الجِهادَ بِكُلِّ ما يَنْبَغِي أنْ تُجْهَدَ النَّفْسُ فِيهِ تَصْدِيقًا لِما ادَّعَوْهُ بِألْسِنَتِهِمْ مِنَ الإيمانِ ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ وذَلِكَ هو العِفَّةُ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ أعَمُّ مِنَ النِّيَّةِ وغَيْرِها، وذَلِكَ هو (p-٣٩٠)الشَّجاعَةُ، وقَدَّمَ الأمْوالَ لِقِلَّتِها في ذَلِكَ الزَّمانِ عِنْدَ العَرَبِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: طَرِيقِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِقِتالِ الكُفّارِ وغَيْرِهِ مِن سائِرِ العِباداتِ المُحْتاجَةِ إلى المالِ والنَّفْسِ لا الَّذِينَ يَتَخَلَّفُونَ ويَقُولُونَ: شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا، قالَ القُشَيْرِيُّ: جَعَلَ [اللَّهُ] الإيمانَ مَشْرُوطًا بِخِصالٍ ذَكَرَها، وذَكَرَ بِلَفْظِ ”إنَّما“ وهي لِلتَّحْقِيقِ، تَقْتَضِي الطَّرْدَ والعَكْسَ، فَمَن أفْرَدَ الإيمانَ عَنْ شَرائِطِهِ الَّتِي جَعَلَها لَهُ فَمَرْدُودٌ [عَلَيْهِ] قَوْلُهُ، والإيمانُ لِلْعَبْدِ الأمانُ، فَإيمانٌ لا يُوجِبُ الأمانَ لِصاحِبِهِ فَخِلافُهُ أوْلى بِهِ.
ولَمّا عَرَّفَ بِهِمْ بِذِكْرِ أمارَتِهِمْ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ، أنْتَجَ ذَلِكَ حَصْرًا آخَرَ قَطْعًا لِأطْماعِ المُدَّعِينَ عَلى وجْهٍ أثْنى عَلَيْهِمْ فِيهِ بِما تَعْظُمُ المِدْحَةُ بِهِ عِنْدَهم تَرْغِيبًا في مِثْلِ حالِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ اسْتِواءُ الأخْلاقِ والعَدْلُ في الدِّينِ بِجَمِيعِ أُمَّهاتِ الأخْلاقِ ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الصّادِقُونَ﴾ قالا وحالًا وفِعالًا، وأمّا غَيْرُهم فَكاذِبٌ.
الحجرات 49:16
ولَمّا كانُوا كَأنَّهم يَقُولُونَ: نَحْنُ كَذَلِكَ، أمَرَهُ ﷺ بِالإنْكارِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ [لَهُمْ] دَلالَةً عَلى ما أشارَ إلَيْهِ خِتامُ الآيَةِ إحاطَةِ عِلْمِهِ الَّذِي تَمَيَّزَ بِهِ الصّادِقُ مِن غَيْرِهِ مِن جَمِيعِ الخَلْقِ فَقالَ: (p-٣٩١)﴿قُلْ﴾ أيْ: لِهَؤُلاءِ الأعْرابِ مُجْهِلًا [لَهُمْ] مُبَكِّتًا: ﴿أتُعَلِّمُونَ﴾ [أيْ] أتُخْبِرُونَ إخْبارًا [عَظِيمًا] بَلِيغًا، كَأنَّهم لَمّا آمَنُوا كانَ [ذَلِكَ] إعْلامًا مِنهُمْ، فَلَمّا قالُوا آمَنّا كانَ ذَلِكَ تَكْرِيرًا، فَكانَ في صُورَةِ التَّعْلِيمِ، فَبَكَّتَهم بِذَلِكَ ﴿اللَّهَ﴾ أيِ: المَلِكَ الأعْظَمَ المُحِيطَ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿بِدِينِكُمْ﴾ فَلِذَلِكَ تَقُولُونَ: آمَنّا، فَفي ذَلِكَ نَوْعُ بُشْرى لَهُمْ؛ لِأنَّهُ أوْجَدَ لَهم دِينًا وأضافَهُ إلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ بُرْجانَ. ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وبَكَّتَهم وصَلَ بِهِ ما يَشْهَدُ لَهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ المَلِكَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾ كُلِّها عَلى عِظَمِها وكَثْرَةِ ما فِيها ومَن فِيها. ولَمّا كانَ في سِياقِ الرَّدِّ [عَلَيْهِمْ] والتَّبْكِيتِ لَهم كانَ مَوْضِعَ التَّأْكِيدِ فَقالَ: ﴿وما في الأرْضِ﴾ كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ المَقامُ لِلتَّعْمِيمِ، أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يُوهِمَ الِاخْتِصاصَ بِما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِمّا ذُكِرَ ومِمّا لَمْ يُذْكَرْ ﴿عَلِيمٌ﴾
الحجرات 49:17
ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا صُورَتُهُ صُورَةُ المِنَّةِ، قالَ مُتَرْجِمًا لَهُ مُبَكِّتًا لَهم عَلَيْهِ مُعَبِّرًا بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِحالِهِ في شَناعَتِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ﴾ أيْ: يَذْكُرُونَ ذِكْرَ مَنِ اصْطَنَعَ [عِنْدَكَ] صَنِيعَةً وأسْدى إلَيْكَ نِعْمَةً، إنَّما فَعَلَها لِحاجَتِكَ إلَيْها لا لِقَصْدِ الثَّوابِ عَلَيْها؛ لِأنَّ المَنَّ هو القَطْعُ - قالَ في الكَشّافِ: لِأنَّهُ إنَّما يُسْدِيها إلَيْهِ لِيَقْطَعَ بِها حاجَتَهُ [لا غَيْرَ]، مِن (p-٣٩٢)غَيْرِ أنْ يَعْمِدَ لِطَلَبِ مَثُوبَةٍ، ثُمَّ يُقالُ: مَن عَلَيْهِ ضَيْعَةٌ - إذا اعْتَدَّهُ عَلَيْهِ مِنَّةً وإنْعامًا. ولَمّا كانَ الإسْلامُ ظاهِرًا في الدِّينِ الَّذِي هو الِانْقِيادُ بِالظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ [الباطِنِ] لَمْ يُعَبِّرْ بِهِ، وقالَ: ﴿فَإنْ أسْلَمُوا﴾ [آل عمران: ٢٠] أيْ: أوْقَعُوا الِانْقِيادَ لِلْأحْكامِ في الظّاهِرِ.
ولَمّا كانَ المَنُّ هو القَطْعَ مِنَ العَطاءِ الَّذِي لا يُرادُ عَلَيْهِ جَزاءٌ، قالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا: ﴿لا تَمُنُّوا﴾ مُعَبِّرًا بِما مِنَ المَنِّ إشارَةً إلى أنَّ الإسْلامَ لا يُطْلَبُ جَزاؤُهُ إلّا مِنَ اللَّهِ، فَلا يَنْبَغِي عَدُّهُ صَنِيعَةً عَلى أحَدٍ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُهُ ﴿عَلَيَّ إسْلامَكُمْ﴾ لَوْ فُرِضَ أنَّكم كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ أيْ مُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ الَّذِي هو انْقِيادُ الظّاهِرِ مَعَ إذْعانِ الباطِنِ، [أيْ] لا تَذْكُرُوهُ عَلى وجْهِ الِامْتِنانِ أصْلًا، فالفِعْلُ وهو ﴿تَمُنُّوا﴾ مُضَمَّنٌ: ”تَذْكُرُوا“ نَفْسِهِ لا مَعْناهُ كَما تَقَدَّمَ [فِي] ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] ﴿بَلِ اللَّهُ﴾ أيِ: المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ المِنَّةُ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ ولا مِنَّةَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ ﴿يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: يَذْكُرُ أنَّهُ أسْدى إلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً مِنها ما هو ﴿أنْ﴾ أيْ: بِأنْ ﴿هَداكم لِلإيمانِ﴾ أيْ: بَيَّنَهُ لَكم أوْ وفَّقَكم لِلِاهْتِداءِ وهو تَصْدِيقُ الباطِنِ مَعَ الِانْقِيادِ بِالظّاهِرِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ هَذا بِالمَنِّ أحَقُّ مَواضِعِهِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى عَمَلٍ؛ فَإنَّهُ لا نَفْعَ يَلْحَقُهُ ولا ضُرَّ، وإنَّما طَلَبَ الأعْمالَ لِنَفْعِ العامِلِينَ أنْفُسِهِمْ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ بِأنْ أرْسَلَ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ (p-٣٩٣)عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَبَيَّنَ لَهم فَكَذَّبُوهُ بِأجْمَعِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَوِّيهِ حَتّى أظْهَرَ فِيهِ [آيَةَ] مَجْدِهِ وأظْهَرَ دِينَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ودَخَلَ فِيهِ النّاسُ طَوْعًا وكَرْهًا عَلى وُجُوهٍ مِنَ المَجْدِ يَعْرِفُها مَنِ اسْتَحْضَرَ السِّيرَةَ ولا سِيَّما مَن عَرَفَ أمْرَ بَنِي أسَدٍ وغَطَفانَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآياتُ، وكَيْفَ كانَ حالُهم في غَزْوَةِ خَيْبَرَ وغَيْرِهِ.
ولَمّا كانَ [المُرادُ] بِهَذا تَجْهِيلَهم وتَعْلِيمَهم حَقائِقَ الأُمُورِ، لا الشَّهادَةَ لَهم بِالهِدايَةِ، قالَ مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: كَوْنًا أنْتُمْ عَرِيقُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ في ادِّعائِكم ذَلِكَ، فَإنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ الصِّدْقِ إنَّما هو بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وهو الَّذِي خَلَقَ لَكم قُدْرَةَ الطّاعَةِ، فَهو الفاعِلُ في الحَقِيقَةِ فَلَهُ المِنَّةُ عَلَيْكُمْ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ: مَن لاحَظَ شَيْئًا مِن أعْمالِهِ وأحْوالِهِ فَإنْ رَآها دُونَ نَفْسِهِ كانَ شِرْكًا، وإنْ رَآها لِنَفْسِهِ كانَ مَكْرًا، فَكَيْفَ يَمُنُّ العَبْدُ بِما هو شِرْكٌ أوْ مَكْرٌ، والَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ المِنَّةِ كَيْفَ يَرى لِنَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَّةٌ، هَذا لَعَمْرِي فَضِيحَةٌ، والمِنَّةُ تُكَدِّرُ الصَّنِيعَةَ، إذا كانَتْ مِنَ المَخْلُوقِينَ، وبِالمِنَّةِ تَطِيبُ النِّعْمَةُ إذا كانَتْ مِن قِبَلِ اللَّهِ.
الحجرات 49:18
ولَمّا نَفى عَنْهم ما هو باطِنٌ، وخَتَمَ جِدالَهم سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ، فَكانَ رُبَّما تَوَهَّمَ قاصِرُ النَّظَرِ جامِدُ الفِكْرِ عَدَمَ العِلْمِ بِما هو عَلَيْهِ، أزالَ (p-٣٩٤)ذَلِكَ عَلى وجْهٍ عامٍّ، وأكَّدَهُ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ ثُبُوتِ الصِّفَةِ وتَجْرِيدِ التَّعَلُّقِ واسْتِمْرارِهِ كُلَّما تَجَدَّدَ مُحْدَثٌ أوْ كانَ بِحَيْثُ يَتَجَدَّدُ ﴿غَيْبَ السَّماواتِ﴾ أيْ: كُلِّها ﴿والأرْضِ﴾ كَذَلِكَ.
ولَمّا أُرِيدَ التَّعْمِيمُ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالخافِقَيْنِ أظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِذَلِكَ وبِغَيْرِهِ مِمّا لا تَعْلَمُونَ ﴿بَصِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ أتَمَّ العِلْمَ ظاهِرًا وباطِنًا ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن ظاهِرِ إسْلامِكم وباطِنِ إيمانِكم في الماضِي والحاضِرِ والآتِي سَواءٌ كانَ ظاهِرًا أوْ باطِنًا سَواءٌ كانَ قَدْ حَدَثَ فَصارَ بِحَيْثُ تَعْلَمُونَهُ أنْتُمْ أوْ كانَ مَغْرُوزًا في جِبِلّاتِكم وهو خَفِيٌّ عَنْكُمْ، هَذا عَلى قِراءَةِ الخِطابِ التِفاتٌ إلَيْهِمْ لِاسْتِنْقاذِ مَن تَوَهَّمَ مِنهم هَذا التَّوَهُّمَ، وهي أبْلَغُ، وعَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ بِالغَيْبِ يَكُونُ عَلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ مِمّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإبْلاغِهِ لَهُمْ، فَهو سُبْحانُهُ عالِمٌ بِمَنِ انْطَوى ضَمِيرُهُ عَلى الإيمانِ، ومَن هو مُتَكَيِّفٌ بِالكُفْرانِ، ومَن يَمُوتُ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ومَن يَتَحَوَّلُ حالُهُ بِإبْعادٍ عَنْهُ أوْ جَذْبٍ إلَيْهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ومَن وقَفَ هَهُنا تَكَدَّرَ عَلَيْهِ العَيْشُ؛ إذْ لَيْسَ يَدْرِي ما غَيْبُهُ فِيهِ، وفي المَعْنى قالَ:(p-٣٩٥)
؎أبْكِي وهَلْ تَدْرِينَ ما يُبْكِينِي أبْكِي حِذارًا أنْ تُفارِقِينِي
وتَقْطَعِي حَبْلِي وتَهْجُرِينِي
انْتَهى.
وفِي ذَلِكَ أعْظَمُ زَجْرٍ وتَرْهِيبٍ لِمَن قَدَّمَ بَيْنَ [يَدِيِ] اللَّهِ ورَسُولِهِ ولَوْ أنَّ تَقَدُّمَهُ في سِرِّهِ؛ فَإنَّهُ لا تَهْدِيدَ أبْلَغُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ مُحِيطُ العِلْمِ فَهو يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ، فَقَدْ رَجَعَ هَذا الآخِرُ إلى الأوَّلِ، والتَفَّ بِهِ التِفافَ الأصْلِ بِالمُوصِلِ.