Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — ق 50:1 – النجم 53:62

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. ق 50:1
  2. ق 50:2
  3. ق 50:3
  4. ق 50:4
  5. ق 50:5
  6. ق 50:6
  7. ق 50:7
  8. ق 50:8
  9. ق 50:9
  10. ق 50:10
  11. ق 50:11
  12. ق 50:12
  13. ق 50:13
  14. ق 50:14
  15. ق 50:15
  16. ق 50:16
  17. ق 50:17
  18. ق 50:18
  19. ق 50:19
  20. ق 50:20
  21. ق 50:21
  22. ق 50:22
  23. ق 50:23
  24. ق 50:24
  25. ق 50:25
  26. ق 50:26
  27. ق 50:27
  28. ق 50:28
  29. ق 50:29
  30. ق 50:30
  31. ق 50:31
  32. ق 50:32
  33. ق 50:33
  34. ق 50:34
  35. ق 50:35
  36. ق 50:36
  37. ق 50:37
  38. ق 50:38
  39. ق 50:39
  40. ق 50:40
  41. ق 50:41
  42. ق 50:42
  43. ق 50:43
  44. ق 50:44
  45. ق 50:45
  46. الذاريات 51:1
  47. الذاريات 51:2
  48. الذاريات 51:3
  49. الذاريات 51:4
  50. الذاريات 51:5
  51. الذاريات 51:6
  52. الذاريات 51:7
  53. الذاريات 51:8
  54. الذاريات 51:9
  55. الذاريات 51:10
  56. الذاريات 51:11
  57. الذاريات 51:12
  58. الذاريات 51:13
  59. الذاريات 51:14
  60. الذاريات 51:15
  61. الذاريات 51:16
  62. الذاريات 51:17
  63. الذاريات 51:18
  64. الذاريات 51:19
  65. الذاريات 51:20
  66. الذاريات 51:21
  67. الذاريات 51:22
  68. الذاريات 51:23
  69. الذاريات 51:24
  70. الذاريات 51:25
  71. الذاريات 51:26
  72. الذاريات 51:27
  73. الذاريات 51:28
  74. الذاريات 51:29
  75. الذاريات 51:30
  76. الذاريات 51:31
  77. الذاريات 51:32
  78. الذاريات 51:33
  79. الذاريات 51:34
  80. الذاريات 51:35
  81. الذاريات 51:36
  82. الذاريات 51:37
  83. الذاريات 51:38
  84. الذاريات 51:39
  85. الذاريات 51:40
  86. الذاريات 51:41
  87. الذاريات 51:42
  88. الذاريات 51:43
  89. الذاريات 51:44
  90. الذاريات 51:45
  91. الذاريات 51:46
  92. الذاريات 51:47
  93. الذاريات 51:48
  94. الذاريات 51:49
  95. الذاريات 51:50
  96. الذاريات 51:51
  97. الذاريات 51:52
  98. الذاريات 51:53
  99. الذاريات 51:54
  100. الذاريات 51:55
  101. الذاريات 51:56
  102. الذاريات 51:57
  103. الذاريات 51:58
  104. الذاريات 51:59
  105. الذاريات 51:60
  106. الطور 52:1
  107. الطور 52:2
  108. الطور 52:3
  109. الطور 52:4
  110. الطور 52:5
  111. الطور 52:6
  112. الطور 52:7
  113. الطور 52:8
  114. الطور 52:9
  115. الطور 52:10
  116. الطور 52:11
  117. الطور 52:12
  118. الطور 52:13
  119. الطور 52:14
  120. الطور 52:15
  121. الطور 52:16
  122. الطور 52:17
  123. الطور 52:18
  124. الطور 52:19
  125. الطور 52:20
  126. الطور 52:21
  127. الطور 52:22
  128. الطور 52:23
  129. الطور 52:24
  130. الطور 52:25
  131. الطور 52:26
  132. الطور 52:27
  133. الطور 52:28
  134. الطور 52:29
  135. الطور 52:30
  136. الطور 52:31
  137. الطور 52:32
  138. الطور 52:33
  139. الطور 52:34
  140. الطور 52:35
  141. الطور 52:36
  142. الطور 52:37
  143. الطور 52:38
  144. الطور 52:39
  145. الطور 52:40
  146. الطور 52:41
  147. الطور 52:42
  148. الطور 52:43
  149. الطور 52:44
  150. الطور 52:45
  151. الطور 52:46
  152. الطور 52:47
  153. الطور 52:48
  154. الطور 52:49
  155. النجم 53:1
  156. النجم 53:2
  157. النجم 53:3
  158. النجم 53:4
  159. النجم 53:5
  160. النجم 53:6
  161. النجم 53:7
  162. النجم 53:8
  163. النجم 53:9
  164. النجم 53:10
  165. النجم 53:11
  166. النجم 53:12
  167. النجم 53:13
  168. النجم 53:14
  169. النجم 53:15
  170. النجم 53:16
  171. النجم 53:17
  172. النجم 53:18
  173. النجم 53:19
  174. النجم 53:20
  175. النجم 53:21
  176. النجم 53:22
  177. النجم 53:23
  178. النجم 53:24
  179. النجم 53:25
  180. النجم 53:26
  181. النجم 53:27
  182. النجم 53:28
  183. النجم 53:29
  184. النجم 53:30
  185. النجم 53:31
  186. النجم 53:32
  187. النجم 53:33
  188. النجم 53:34
  189. النجم 53:35
  190. النجم 53:36
  191. النجم 53:37
  192. النجم 53:38
  193. النجم 53:39
  194. النجم 53:40
  195. النجم 53:41
  196. النجم 53:42
  197. النجم 53:43
  198. النجم 53:44
  199. النجم 53:45
  200. النجم 53:46
  201. النجم 53:47
  202. النجم 53:48
  203. النجم 53:49
  204. النجم 53:50
  205. النجم 53:51
  206. النجم 53:52
  207. النجم 53:53
  208. النجم 53:54
  209. النجم 53:55
  210. النجم 53:56
  211. النجم 53:57
  212. النجم 53:58
  213. النجم 53:59
  214. النجم 53:60
  215. النجم 53:61
  216. النجم 53:62

ق 50:1

(p-٣٩٦)سُورَةُ ”ق“ وتُسَمّى الباسِقاتِ مَقْصُودُها تَصْدِيقُ النَّبِيِّ ﷺ في الرِّسالَةِ الَّتِي مُعْظَمُها الإنْذارُ وأعْظَمُهُ الإعْلامُ بِيَوْمِ الخُرُوجِ بِالدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ الآياتِ المَسْمُوعَةِ الغَنِيَّةِ بِإعْجازِها عَنْ تَأْيِيدٍ بِالآياتِ المَرْئِيَّةِ الدّالَّةِ قَطْعًا عَلى الإحاطَةِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُقالَ: مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى إحاطَةِ القُدْرَةِ الَّتِي هي نَتِيجَةُ ما خُتِمَتْ بِهِ الحُجُراتُ مِن إحاطَةِ العِلْمِ لِبَيانِ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ البَعْثِ لِيَوْمِ الوَعِيدِ، فَتَكْتَنِفُ هَذِهِ الإحاطَةُ بِما يَحْصُلُ مِنَ الفَضْلِ بَيْنَ العِبادِ بِالعَدْلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو سِرُّ الوُجُودِ وذَلِكَ هو نَتِيجَةُ مَقْصُودِ البَقَرَةِ، والَّذِي تَكَفَّلَ بِالدَّلالَةِ عَلى هَذا كُلِّهِ ما شُوهِدَ مِن إحاطَةِ [مَجْدِ] القُرْآنِ بِإعْجازِهِ في بُلُوغِهِ في كُلٍّ مِن جَمِيعِ المَعانِي وعُلُوِّ التَّراكُبِ وجَلالَةِ المُفْرَداتِ وتَلازُمِ الحُرُوفِ وتَناسُبِ النَّظْمِ ورَشاقَةِ الجَمْعِ وحَلاوَةِ التَّفْضِيلِ إلى حَدٍّ لا تُطِيقُهُ القُوى، ومِن إحاطَةِ أوْصافِ الرَّسُولِ الَّذِي اخْتارَهُ سُبْحانَهُ لِإبْلاغِ هَذا الكِتابِ في الخَلْقِ، وما شُوهِدَ مِن إحاطَةِ القُدْرَةِ بِما هَدى إلَيْهِ القُرْآنُ مِن آياتِ الإيجادِ والإعْدامِ، وعَلى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ دَلَّ اسْمُها ”ق“ لِما في آياتِهِ مِن إثْباتِ المَجْدِ بِهَذا الكِتابِ، والمَجْدُ هو الشَّرَفُ والكَرَمُ (p-٣٩٧)والرِّفْعَةُ والعُلُوُّ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا والآتِي بِهِ كَذَلِكَ، وهو مُلازِمٌ لِصِدْقِهِ في جَمِيعِ ما أتى بِهِ، ولِلْقافِ وحْدَها أتَمُّ دَلالَةٍ عَلى ذَلِكَ، أوَّلًا بِمَخْرَجِها فَإنَّهُ مِن أصْلِ اللِّسانِ مِمّا يَلِي الحَلْقَ ويُحاذِيهِ مِنَ الحَنَكِ الأعْلى؛ فَإنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَقْصُودَ السُّورَةِ الأصْلُ والعُلُوُّ، وكُلٌّ مِنها دالٌّ عَلى الصِّدْقِ دَلالَةً قَوِيَّةً؛ فَإنَّ الأصْلَ في وضْعِ الخَبَرِ الصِّدْقُ، ودَلالَتُهُ عَلى الكَذِبِ وضْعِيَّةٌ لا عَقْلِيَّةٌ، وهي أيْضًا مُحِيطَةٌ بِاسْمِها أوْ مُسَمّاها بِالمَخارِجِ الثَّلاثِ، والإحاطَةُ بِالحَقِّ لا تَكُونُ إلّا مَعَ العُلُوِّ، وهو لا يَكُونُ إلّا مَعَ الصِّدْقِ، ولِإحاطَتِها سُمِّيَ بِها الجَبَلُ المُحِيطُ بِالأرْضِ، هَذا بِمَخْرَجِها، وأمّا صِفَتُها فَإنَّها عَظِيمَةٌ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ لَها الجَهْرَ والشِّدَّةَ والِانْفِتاحَ والِاسْتِعْلاءَ والقَلِقَةَ، وكُلٌّ مِنها ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ جِدًّا، وأدَلُّ ما فِيها مِنَ المَخْلُوقاتِ عَلى هَذا المَقْصِدِ النَّخْلُ؛ لِما انْفَرَدَتْ بِهِ عَمّا شارَكَها مِنَ النَّباتِ بِالإحاطَةِ بِالطُّولِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ؛ فَإنَّها جامِعَةٌ لِلتَّفَكُّهِ بِالقَلْبِ ثُمَّ الطَّلْعِ ثُمَّ البُسْرِ ثُمَّ الرُّطَبِ وبِالِاقْتِياتِ بِالتَّمْرِ وبِالخَشَبِ والحَطَبِ والقَطا والخُوصِ النّافِعِ لِلِافْتِراشِ واللِّيفِ النّافِعِ لِلْحِبالِ، ودُونَ ذَلِكَ وأعْلاهُ مِنَ الخِلالِ، هَذا مَعَ كَثْرَةِ مُلابَسَةِ العَرَبِ الَّذِينَ هم أوَّلُ مَدْعُوٍّ بِهَذا الكِتابِ الذِّكْرِ لَها ومَعْرِفَتُهم بِخَواصِّها، وأدُلُّ ما فِيها الطُّولُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِعُرُوقِها مِنَ الِامْتِدادِ في الأرْضِ والتَّمَكُّنِ ما لِغَيْرِها، ومِثْلُ ذَلِكَ غَيْرُ كافٍ في العادَةِ في الإمْساكِ عَنِ السُّقُوطِ وكَثْرَةِ الحَمْلِ وعِظَمِ الإفْناءِ وتَناضُدِ الثَّمَرِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ سُورَةَ الباسِقاتِ لا النَّخْلِ. (p-٣٩٨)”بِسْمَ اللَّهِ“ الَّذِي مِن إحاطَةِ حَمْدِهِ بَيانُهُ ما لِنَبِيِّهِ ﷺ مِن إحاطَةِ الحَمْدِ، ولِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ مِنَ الإحاطَةِ الَّتِي لَيْسَ لَها حَدٌّ. ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ حِينَ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ بِشَرائِعِهِ، فَهو أصْدَقُ العِبادِ، وأظْهَرَ بِعَظِيمِ مُعْجِزاتِهِ أنَّ قُدْرَتَهُ ما لَها مِن نَفادٍ. ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ بِالفَوْزِ في دارِ القَرارِ أهْلَ الرِّغادِ. * * لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ الحُجُراتِ بِإحاطَةِ العِلْمِ قالَ أوَّلَ هَذِهِ: ﴿ق﴾ إشارَةً إلى أنَّهُ هو سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً بِما لَهُ مِنَ العُلُوِّ والشِّدَّةِ والقُوَّةِ القَيُّومِيَّةِ والقَهْرِ ونافِذِ القَضاءِ والفَتْحِ لِما أرادَ مِنَ المُغْلَقاتِ، بِما أشارَتْ إلَيْهِ القافُ بِصِفاتِها وأظْهَرَتْهُ بِمَخْرَجِها المُحِيطِ بِما جَمَعَهُ مُسَمّاها مِنَ المَخارِجِ الثَّلاثِ: الحَلْقِ واللِّسانِ والشِّفاهِ. وقَدْ قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في سِرِّ افْتِتاحِ المُفَصَّلِ بِهَذا الحَرْفِ فَقالَ في آخِرِ كِتابِهِ في هَذا الحَرْفِ: اعْلَمْ أنَّ القُرْآنَ مُنَزَّلٌ مَثانِيَ، ضِمْنَ ما عَدا المُفَصَّلَ مِنهُ الَّذِي هو مِن قافٍ إلى آخِرِ الكِتابِ العَزِيزِ وفاتِحَةِ ما يَخْتَصُّ بِأُولِي العِلْمِ والفِقْهِ مِن مَبْسُوطاتِ الحِكَمِ ومُحْكَماتِ الأحْكامِ ومُطَوَّلاتِ الأقاصِيصِ، ومُتَشابِهِ الآياتِ، والسُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالحُرُوفِ الكُلِّيَّةِ لِلْإحاطَةِ لِغَيْبِيَّةِ المُتَهَجّى المُسْنَدَةِ إلى آحادِ الأعْدادِ، فَلِعُلُوِّ رُتْبَةِ إيرادِهِ وطُولِهِ ثَنّى الحَقُّ سُبْحانَهُ الخِطابَ وانْتَظَمَهُ في سُوَرٍ كَثِيرَةِ العَدَدِ يَسِيرَةِ عَدَدِ الآيِ قَصِيرَةٍ مِقْدارُها، ذَكَرَ فِيها مِن أطْرافِ القِصَصِ والمَواعِظِ والأحْكامِ والثَّناءِ وأمْرِ الجَزاءِ ما يَلِيقُ بِسَماعِ العامَّةِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِمْ (p-٣٩٩)سَماعُهُ ولِيَأْخُذُوا بِحَظٍّ مِمّا أخَذَهُ الخاصَّةُ ولِيُكَرِّرَ عَلى أسْماعِهِمْ في قِراءَةِ الأئِمَّةِ لَهُ في الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ الَّتِي لا مَندُوحَةَ لَهم عَنْها ما يَكُونُ لَهم خَلَفًا مِمّا يَعُولُهم مِن مَضْمُونِ سائِرِ السُّوَرِ المُطَوَّلاتِ، فَكانَ أحَقُّ ما افْتَتَحَ بِهِ مُفَصَّلَهم حَرْفَ ”ق“ الَّذِي هو وتْرُ الآحادِ، والظّاهِرُ مِنها مَضْمُونُ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ مِمّا افْتُتِحَ بِألِفْ لامْ مِيمْ، وكَذَلِكَ كانَ ﷺ يُكْثِرُ أنْ يَقْرَأ في خُطْبَةِ يَوْمِ الجُمْعَةِ إلَيْهِمْ لِأنَّها صَلاةٌ جامِعَةُ الظّاهِرِ بِفاتِحَةِ المُفَصَّلِ الخاصِّ بِهِمْ، وفي مَضْمُونِها مِن مَعْنى القُدْرَةِ والقَهْرِ المُحْتاجِ إلَيْهِ في إقامَةِ أمْرِ العامَّةِ ما فِيهِ كِفايَةٌ، وشُفِعَتْ بِسُورَةِ المُطَهِّرَةِ فَخُصُّوا بِما فِيهِ القَهْرُ والإنابَةُ، واخْتُصِرَتْ سُورَةُ نُونٍ مِن مُقْتَضى العِلْمِ بِما هو مُحِيطٌ بِأمْرِ العامَّةِ المُنْتَهِي إلى غايَةِ الذِّكْرِ الشّامِلِ لِلْعالَمِينَ. ولَمّا كانَ جَمِيعُ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِالحُرُوفِ المُتَضَمِّنَةِ لِلْمَراتِبِ التِّسْعِ، والعاشِرِ الجامِعِ قِوامًا وإحاطَةً في جَمِيعِ القُرْآنِ، ولِذَلِكَ كانَتْ سُورَةُ قافٍ وسُورَةُ ”ن“ قِوامًا خاصًّا وإحاطَةً خاصَّةً بِما يَخُصُّ العامَّةَ مِنَ القُرْآنِ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمُ الأرْضُ بِما أحاطَ بِظاهِرِها مِن صُورَةِ جَبَلِ قافٍ، وما أحاطَ بِباطِنِها مِن صُورَةِ حَيَوانِ ”نُونٍ“ الَّذِي تَمامُ أمْرِهِمْ بِما بَيْنَ مَدَدَيْ إقامَتِها ولِهَذِهِ السُّورَةِ المُفْتَتَحَةِ بِالحَرْفِ ظَهَرَ اخْتِصاصُ القُرْآنِ وتَمَيُّزُهُ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ لِتَضَمُّنِها الإحاطَةَ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا بِما لِلْخاتَمِ الجامِعِ، واقْتَرَنَ بِها مِنَ التَّفْضِيلِ في سُوَرِها ما يَلِيقُ بِإحاطَتِها، ولِإحاطَةِ مَعانِيها (p-٤٠٠)وإتْمامِها كانَ كُلُّ ما فُسِّرَتْ بِهِ مِن مَعْنًى يَرْجِعُ إلى مُقْتَضاها، فَهو صَحِيحٌ في إحاطَتِها ومَنزِلِها مِن أسْماءِ اللَّهِ وتَرَتُّبِها في جَمِيعِ العَوالِمِ، فَلا يُخْطِئُ فِيها مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ كُلَّما قَصَدَ وجْهًا مِنَ التَّفْسِيرِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ إحاطَةِ ما تَقْتَضِيهِ، ومَهْما فُسِّرَتْ بِهِ مِن [أنَّها مِن] أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ أوْ مِن أسْماءِ الأنْبِياءِ أوْ مِن مِثْلِ الأشْياءِ، وصُوَرِ المَوْجُوداتِ أوْ مِن أنَّها أقْسامٌ أقْسَمَ بِها، أوْ فَواتِحُ عُرِفَتْ بِها السُّوَرُ، أوْ أعْدادٌ تَدُلُّ عَلى حَوادِثَ وحُظُوظٍ مِن ظاهِرِ الأمْرِ أوْ باطِنِهِ عَلى اخْتِلافِ رُتَبٍ وأحْوالٍ مِمّا أُعْطِيَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن مِقْدارِ أمَدِ الخِلافَةِ والمُلْكِ والسَّلْطَنَةِ وما يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُهُ مِن ظُهُورِ الهِدايَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُحِيطُ بِأمَدِ يَوْمِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكُلٌّ داخِلٌ في إحاطَتِها، ولِذَلِكَ أيْضًا لا تَخْتَصُّ بِمَحَلٍّ مَخْصُوصٍ تَلْزَمُهُ عَلامَةُ إعْرابٍ مَخْصُوصَةٌ فَمَهْما قُدِّرَ في مَواقِعِها مِن هَذِهِ السُّورَةِ جَرًّا أوْ نَصْبًا أوْ رَفْعًا، فَتَداخَلَ في إحاطَةِ رُتْبَتِها ولَمْ يَلْزَمْها مَعْنًى خاصٌّ ولا إعْرابٌ خاصٌّ لِما لَمْ يَكُنْ لَها انْتِظامٌ؛ لِأنَّها مُسْتَقِلّاتٌ مُحِيطاتٌ، وإنَّما يَنْتَظِمُ ما يَتِمُّ مَعْنى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُنْتَظِمِينَ بِحُصُولِ الِانْتِظامِ، وذَلِكَ يَخْتَصُّ مِنَ الكَلِمِ بِما يَقْصُرُ عَنْ إحاطَةِ مَضْمُونِ الحُرُوفِ حَتّى أنَّهُ مَتى وقَعَ اسْتِقْلالٌ وإحاطَةٌ في (p-٤٠١)كَلِمَةٍ لَمْ يَقَعْ فِيها انْتِظامٌ. ولَمّا أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذِهِ الإحاطَةِ بِالقافِ، أقْسَمَ عَلى ذَلِكَ قَسَمًا هو في نَفْسِهِ دالٌّ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿والقُرْآنِ﴾ أيِ: الكِتابِ الجامِعِ الفارِقِ ﴿المَجِيدِ﴾ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ والشَّرَفُ والكَرَمُ والعَظَمَةُ عَلى كُلِّ كَلامٍ، والجَوابُ أنَّهم لَيَعْلَمُونَ ما أشارَتْ إلَيْهِ القافُ مِن قُوَّتِي وعَظَمَتِي وإحاطَةِ عِلْمِي وقُدْرَتِي، وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنَ المَجْدِ بِإعْجازِهِ واشْتِمالِهِ عَلى جَمِيعِ العَظَمَةِ، ولَمْ يُنْكِرُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِقُلُوبِهِمْ، ومَجِيدِ القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ في أثْناءِ الفاتِحَةِ ما جَرَّبْتَ أحْكامَهُ مِن بَيْنِ عاجِلِ ما شَهِدَ وآجِلِ ما عُلِمَ بِعِلْمِ ما شُهِدَ، وكانَ مَعْلُومًا بِالتَّجْرِبَةِ المُتَيَقَّنَةِ بِما تَواتَرَ مِنَ القَصَصِ الماضِي، وما شَهِدَ مِنَ الأثَرِ الحاضِرِ وما يَتَجَدَّدُ مَعَ الأوْقاتِ مِن أمْثالِهِ وأشْباهِهِ، وإذا تَأمَّلْتَ السُّورَةَ وجَدْتَ آيَها المُنَزَّلَةَ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَّرَهم [فِيها] ما يَعْلَمُونَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ [وما فِيهِما] ومِن مَصارِعِ الأوَّلِينَ وكَذا السُّورَةُ الماضِيَةُ ولا سِيَّما آخِرُها المُشِيرُ إلى أنَّهُ أدْخَلَ عَلى النّاسِ الإيمانَ بِرَجُلٍ واحِدٍ غَلَبَهم بِمَجْدِهِ وإعْجازِهِ لِمَجْدِ مُنْزِلِهِ بِقُدْرَتِهِ وإحاطَةِ عِلْمِهِ، واللَّهُ الهادِي، ومَن أحاطَ عِلْمًا بِمَعانِيهِ وعَمِلَ ما فِيهِ مُجِّدَ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ النّاسِ. (p-٤٠٢)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا كانَتْ سُورَةُ الفَتْحِ قَدِ انْطَوَتْ عَلى جُمْلَةٍ مِنَ الألْطافِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ كَذِكْرِهِ تَعالى أُخُوَّتَهم وأمَرَهم بِالتَّثَبُّتِ عِنْدَ غائِلَةِ مُعْتَدٍ فاسِقٍ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] الآيَةَ. وأمَرَهم بِغَضِّ الأصْواتِ عِنْدَ نَبِيِّهِمْ وأنْ لا يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْهِ ولا يُعامِلُوهُ في الجَهْرِ بِالقَوْلِ كَمُعامَلَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأمَرَهم بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ ونَهْيِهِمْ عَنِ التَّجَسُّسِ والغِيبَةِ، وأمَرَهم بِالتَّواضُعِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] وأخْبَرَهم تَعالى [أنَّ] اسْتِجابَتَهم وامْتِثالَهم هَذِهِ الأوامِرَ لَيْسَتْ بِحَوْلِهِمْ، ولَكِنْ بِفَضْلِهِ وإنْعامِهِ، فَقالَ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾ [الحجرات: ٧] الآيَتَيْنِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧] الآيَةَ. لِيَبِينَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بِيَدِهِ ومِن عِنْدِهِ، أراهم سُبْحانَهُ حالَ مَن قَضى عَلَيْهِ الكُفْرَ ولَمْ يُحَبِّبْ إلَيْهِ الإيمانَ ولا زَيَّنَهُ في قَلْبِهِ، بَلْ جَعَلَهُ في طَرَفٍ مِن حالِ مَن أمَرَ ونَهى في سُورَةِ الحُجُراتِ مَعَ المُساواةِ في الخَلْقِ وتَماثُلِ الأدَواتِ فَقالَ تَعالى: ﴿والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢] الآياتِ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى وُضُوحَ الأدِلَّةِ ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦] الآياتِ. ثُمَّ ذَكَرَ حالَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ كانَ عَلى رَأْيِهِمْ ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق: ١٢] لِيَتَذَكَّرَ بِمَجْمُوعِ هَذا مَن قُدِّمَ ذِكْرُهُ بِحالِهِ [و] (p-٤٠٣)أمْرِهِ ونَهْيِهِ في سُورَةِ الحُجُراتِ، ويَتَأدَّبَ المُؤْمِنُ بِآدابِ اللَّهِ ويَعْلَمَ أنَّ ما أصابَهُ مِنَ الخَيْرِ فَإنَّما هو مِن فَضْلِ رَبِّهِ وإحْسانِهِ، ثُمَّ التَحَمَتِ الآيُ إلى قَوْلِهِ خاتِمَةَ السُّورَةِ: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [ق: ٤٥] الآياتِ. انْتَهى.

ق 50:2

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا عَلى ما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ دَلالَةً أُخْرى عَلى شُمُولِ عِلْمِهِ: ﴿بَلْ﴾ [أيْ] أنَّ تَكْذِيبَهم لَيْسَ لِإنْكارِ شَيْءٍ مِن مَجْدِهِ ولا لِإنْكارِ صِدْقِكَ الَّذِي هو مِن مَجْدِهِ بَلْ لِأنَّهم ﴿عَجِبُوا﴾ أيِ: الكُفّارُ، وأضْمَرَهم قَبْلَ الذِّكْرِ إشارَةً إلى أنَّهُ إذا ذَكَرَ شَيْئًا خارِجًا عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقامَةَ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ، والعَجَبُ مِن تَغَيُّرِ النَّفْسِ لِأمْرٍ خارِجٍ [عَنِ العادَةِ]. ولَمّا كانَ المَقامُ لِتَخْوِيفِ مَن قَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ مَنَّ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ أوْ غَيْرِهِ، أوْ لِتَخْوِيفِ مَن أنْكَرَ البَعْثَ، اقْتَصَرَ عَلى النِّذارَةِ فَقالَ: ﴿أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ﴾ أنْذَرَهم حَقَّ الإنْذارِ مِن عَذابِ اللَّهِ عِنْدَ البَعْثِ الَّذِي هو مَحَطُّ الحِكْمَةِ، وعَجَّبَ مِنهم هَذا العَجَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُمْ﴾ لِأنَّ العادَةَ عِنْدَهم وعِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ [أنَّهُ] إذا كانَ النَّذِيرُ مِنهم لَمْ يُداخِلْهم في إنْذارِهِ شَكٌّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَؤُلاءِ خالَفُوا عادَةَ النّاسِ في تَعَجُّبِهِمْ مِن كَوْنِ النَّذِيرِ - وهو أحَدُهم - (p-٤٠٤)خُصَّ بِالرِّسالَةِ دُونَهُمْ، ولَمْ يُدْرِكُوا وجْهَ الخُصُوصِيَّةِ لِكَوْنِهِ مِثْلَهُمْ، فَكَذَلِكَ أنْكَرُوا رِسالَتَهُ وفَضْلَ كِتابِهِ بِألْسِنَتِهِمْ نَفاسَةً وحَسَدًا؛ لِأنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِخَصائِصِهِ الَّتِي رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِها قَبْلَ الرِّسالَةِ فَحَطَّهم عُجْبُهم ذَلِكَ إلى الحَضِيضِ مِن دَرَكاتِ السَّفَهِ وخِفَّةِ الأحْلامِ؛ لِأنَّهم عَجِبُوا أنْ كانَ الرَّسُولُ بَشَرًا وأوْجَبُوا [أنْ يَكُونَ] الإلَهُ حَجَرًا، وعَجِبُوا مِن أنْ يُعادُوا مِن تُرابٍ، وتَثْبُتَ لَهُ الحَياةُ، ولَمْ يَعْجَبُوا أنْ يُبْتَدَؤُوا مِن تُرابٍ ولَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ إنْذارِهِ بِالبَعْثِ وعَقِبَهُ ﴿الكافِرُونَ﴾ فَأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإنْذارِ إيذانًا بِأنَّهم لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِن أمْرِهِ، ولَكِنَّهم سَتَرُوا تَعَدِّيًا بِمَرْأى عُقُولِهِمُ الدّالَّةِ عَلى جَمِيعِ أمْرِهِ دَلالَةً ظاهِرَةً، وعَبَّرَ بِما دَلَّ عَلى النِّذارَةِ لِأنَّها المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، وجَمِيعُ سِياقِ الحُجُراتِ ظاهِرٌ فِيها: ﴿هَذا﴾ أنْ يَكُونَ النَّذِيرُ مِنّا خُصِّصَ بِالرِّسالَةِ مِن دُونِنا، وكَوْنُ ما أنْذَرَ بِهِ هو البَعْثُ بَعْدَ المَوْتِ ﴿شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أيْ: بَلِيغٌ في الخُرُوجِ عَنْ عادَةِ أشْكالِهِ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ، أمّا مِن جِهَةِ النَّذِيرِ فَإنَّ أكْثَرَ الرُّسُلِ مِنَ الطَّوائِفِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، وقَلِيلٌ مِنهم مَن كانَ غَرِيبًا مِمَّنْ أُرْسِلَ إلَيْهِ، وأمّا مِن جِهَةِ البَعْثِ فَإنَّ أكْثَرَ ما في الكَوْنِ مِثْلُ ذَلِكَ مِن إعادَةِ كُلٍّ مِنَ المَلَوَيْنِ بَعْدَ ذَهابِهِ وإحْياءِ الأرْضِ [مِن] بَعْدَ مَوْتِها وابْتِداءِ الإحْياءِ لِجَمِيعِ مَواتِ الحَيَوانِ وإخْراجِ النَّباتِ والأشْجارِ (p-٤٠٥)والثِّمارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا [هُوَ] ظاهِرٌ جِدًّا.

ق 50:3

ولَمّا كانَ المُتَعَجَّبُ مِنهُ مُجْمَلًا، أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم مُبالِغِينَ في الإنْكارِ، بِافْتِتاحِ إنْكارِهِمْ بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ: ﴿أإذا مِتْنا﴾ فَفارَقَتْ أرْواحُنا أشْباحَنا ﴿وكُنّا تُرابًا﴾ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ تُرابِ الأرْضِ. ولَمّا كانَ العامِلُ في الظَّرْفِ ما تَقْدِيرُهُ: نَرْجِعُ؟ دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ والإشارَةِ بِأداةِ البُعْدِ إلى عَظِيمِ اسْتِبْعادِهِمْ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي هو في تَمْيِيزِ تُرابِنا مِن بَقِيَّةِ التُّرابِ في غايَةِ البُعْدِ، وهو مَضْمُونُ الخَبَرِ بِرُجُوعِنا ﴿رَجْعٌ﴾ أيْ: رَدٌّ إلى ما كُنّا عَلَيْهِ ﴿بَعِيدٌ﴾ [جِدًّا] لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ تَمْيِيزُ تُرابِنا مِن بَقِيَّةِ التُّرابِ.

ق 50:4

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإحاطَةِ العِلْمِ بِما نَعْلَمُ وما لا نَعْلَمُ، تَوَقَّعَ السّامِعُ الجَوابَ عَنْ هَذا الجَهْلِ، فَقالَ مُزِيلًا لِسَبَبِهِ، مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ: ﴿قَدْ﴾ أيْ: بَلْ نَحْنُ عَلى ذَلِكَ في غايَةِ القُدْرَةِ لِأنّا قَدْ ﴿عَلِمْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أجْزائِهِمُ المُتَخَلِّلَةِ مِن أبْدانِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ وقَبْلَهُ، فَإنَّهُ [لَوْ] زادَ الإنْسانُ بِكُلِّ طَعامٍ يَأْكُلُهُ ولَمْ يَنْقُصْ صارَ كالجَبَلِ بَلْ نَحْنُ دائِمًا في إيجادِ وإعْدامِ تِلْكَ الأجْزاءِ، [و] ذَلِكَ فَرْعُ العِلْمِ بِها كُلُّ جُزْءٍ في وقْتِهِ الَّذِي كانَ نَقْصُهُ فِيهِ قَلَّ ذَلِكَ الجُزْءُ أوْ جَلَّ، ولَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِأعْيُنِنا (p-٤٠٦)بِما لَنا مِنَ القَيُّومِيَّةِ والخِبْرَةِ النّافِذَةِ في البَواطِنِ فَضْلًا عَنِ الظَّواهِرِ والحِفْظِ، الَّذِي لا يُصَوَّبُ إلى جَنابِهِ عِيٌّ ولا غَفْلَةٌ ولا غَيْرُ، ولَكِنَّهُ عَبَّرَ بِمِن؛ لِأنَّ الأرْضَ لا تَأْكُلُ عَجَبَ الذَّنَبِ؛ فَإنَّهُ كالبِزْرِ لِأجْسامِ بَنِي آدَمَ. ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً عِنْدَ جَمِيعِ النّاسِ بِأنَّ ما كُتِبَ حُفِظَ، أجْرى الأمْرَ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُهم فَقالَ مُشِيرًا بِنُونِ العَظَمَةِ إلى غِناهُ عَنِ الكِتابِ: ﴿وعِنْدَنا﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ الجَلالِ الغَنِيِّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ﴿كِتابٌ﴾ أيْ: جامِعٌ لِكُلِّ شَيْءٍ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ: بالِغٌ في الحِفْظِ لا يَشِذُّ عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ دَقَّ أوْ جَلَّ، فَكَيْفَ يَسْتَبْعِدُونَ عَلى عَظَمَتِنا أنْ لا نَقْدِرَ عَلى تَمْيِيزِ تُرابِهِمْ مِن تُرابِ الأرْضِ [ولَمْ يَخْتَلِطْ في عِلْمِنا شَيْءٌ مِن جُزْءٍ مِنهُ بِشَيْءٍ مِن جُزْءٍ آخَرَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَخْتَلِطَ شَيْءٌ مِنهُ بِشَيْءٍ آخَرَ مِن تُرابِ الأرْضِ] أوْ غَيْرِها.

ق 50:5

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وهم لا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ مِن عَظَمَتِنا لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنّا خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وخَلَقْناهم مِن تُرابٍ وإنّا نَحْنُ نُنْزِلُ الماءَ فَيَنْبُتُ النَّباتُ، أضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي لا أثْبَتَ مِنهُ ﴿لَمّا﴾ أيْ: حِينَ ﴿جاءَهُمْ﴾ لِما ثارَ عِنْدَهم مِن أجْلِ تَعَجُّبِهِمْ مِن إرْسالِ رَسُولِهِمْ مِن حُظُوظِ النُّفُوسِ وغَلَبَهم مِنَ الهَوى، حَسَدًا مِنهم مِن غَيْرِ تَأْمُّلٍ لِما قالُوهُ ولا تَدَبُّرٍ، ولا نَظَرٍ فِيهِ (p-٤٠٧)ولا تَفَكُّرٍ، فَلِذَلِكَ قالُوا ما لا يُعْقَلُ مِن أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إيجادِ شَيْءٍ مِنَ العَدَمِ وإبْدائِهِ لا يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِ بَعْدَ إعْدامِهِ وإفْنائِهِ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنِ انْتِسابِهِمْ في هَذا القَوْلِ الواهِي وارْتِهانِهِمْ في عُهْدَتِهِ اضْطِرابُهم في الرَّأْيِ: هَلْ يَرْجِعُونَ فَيَنْسُبُوا إلى الجَهْلِ والطَّيْشِ والسَّفَهِ والرُّعُونَةِ أمْ يَدُومُونَ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّي ذَلِكَ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالَّذِي خَلَقَهم إلى أعْظَمَ مِن ذَلِكَ مِنَ القِتالِ والقَتْلِ، والنِّسْبَةِ إلى الطَّيْشِ والجَهْلِ، قالَ مُعَبِّرًا عَنْ هَذا المَعْنى: ﴿فَهُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِ مُبادَرَتِهِمْ إلى هَذا القَوْلِ السَّفْسافِ ﴿فِي أمْرٍ مَرِيجٍ﴾ أيْ: مُضْطَرِبٍ جِدًّا مُخْتَلِطٍ، مِنَ المَرَجِ وهو اخْتِلاطُ النَّبْتِ بِالأنْواعِ المُخْتَلِفَةِ، فَهم [تارَةً] يَقُولُونَ: سِحْرٌ، وتارَةً كِهانَةٌ، وتارَةً شِعْرٌ، وتارَةً كَذِبٌ، وتارَةً غَيْرُ ذَلِكَ، والِاضْطِرابُ مُوجِبٌ لِلِاخْتِلافِ، وذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى الإبْطالِ كَما أنَّ الثَّباتَ والخُلُوصَ مُوجِبٌ لِلِاتِّفاقِ، وذَلِكَ أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى الحَقِيَةِ، قالَ الحَسَنُ: ما تَرَكَ قَوْمٌ الحَقَّ إلّا مَرَجَ أمْرُهم - وكَذا قالَ قَتادَةُ، وزادَ: والتَبَسَ عَلَيْهِمْ دِينُهم.

ق 50:6

ولَمّا أخْبَرَهم أنَّهم قالُوا عَنْ غَيْرِ تَأمُّلٍ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ مُوَبِّخًا لَهم دالًّا عَلى صِحَّةِ ما أنْكَرُوهُ وفَسادِ إنْكارِهِمْ بِقَوْلِهِ، مُسَبِّبًا عَنْ عَجَلَتِهِمْ إلى الباطِلِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ: بِعَيْنِ البَصَرِ والبَصِيرَةِ ﴿إلى السَّماءِ﴾ أيِ: المُحِيطِ بِهِمْ وبِالأرْضِ الَّتِي هم عَلَيْها. ولَمّا كانَ هَذا اللَّفْظُ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما عَلا مِن سَقْفٍ وسَحابٍ وغَيْرِهِ وإنْ كانَ ظاهِرًا في السَّقْفِ المُكَوْكَبِ (p-٤٠٨)حَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوْقَهُمْ﴾ فَإنَّ غَيْرَهم إنَّما هو فَوْقَ ناسٍ مِنهم لا فَوْقَ الكُلِّ. ولَمّا كانَ أمْرُها عَجَبًا، فَهو أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ دَلَّ عَلَيْهِ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ فَقالَ: ﴿كَيْفَ بَنَيْناها﴾ أيْ: أوْجَدْناها عَلى ما لَنا مِنَ المَجْدِ والعِزَّةِ مَبْنِيَّةً كالخَيْمَةِ إلّا أنَّها مِن غَيْرِ عَمَدٍ ﴿وزَيَّنّاها﴾ أيْ: بِما فِيها مِنَ الكَواكِبِ الصِّغارِ والكِبارِ السَّيّارَةِ والثّابِتَةِ ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿لَها﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فُرُوجٍ﴾ أيْ: فُتُوقٍ وطاقاتٍ وشُقُوقٍ، بَلْ هي مَلْساءُ مُتَلاصِقَةُ الأجْزاءِ، فَإنْ كانَتْ هَذِهِ الزِّينَةُ مِن تَحْتِها فالَّذِي أوْقَعَ ذَلِكَ عَلى هَذا الإحْكامِ الَّذِي يُشاهِدُونَهُ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ والسَّتْرِ الَّذِي لا يَخْتَلُّ عَلى مَرِّ الجَدِيدَيْنِ، فَهو مِنَ القُدْرَةِ بِحَيْثُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وإنْ كانَتِ الزِّينَةُ مِن فَوْقِها فَكَذَلِكَ، وإنْ كانَ بَعْضُها مِن فَوْقُ وبَعْضُها مِن تَحْتُ فالأمْرُ عَظِيمٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّماءَ كُرَةٌ مُجَوَّفَةُ الوَسَطِ مُقَبَّبَةٌ كالبَيْضَةِ؛ فَإنَّ نَفْيَ الفُرُوجِ فِيها عَلى هَذا الوَجْهِ المُؤَكَّدِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ دَلالَةً ظاهِرَةً، وأفْرَدَ السَّماءَ ولَمْ يَجْمَعْ؛ لِأنَّ بِناءَها عَلى ما ذُكِرَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً يَدُلُّ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ؛ فَإنَّ البِناءَ المُجَوَّفَ لا يُمْكِنُ بانِيهِ إكْمالُ بِنائِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فُرُوجٌ، وإنِ اخْتَلَّ ذَلِكَ كانَ مَوْضِعُ الوَصْلِ ظاهِرًا لِلرّائِينَ ما فِيهِ مِن فُتُورٍ وشُقُوقٍ وقُصُورٍ وما يُشْبِهُ ذاكَ، ولَمْ يُمْكِنْهُ مَعَ ذَلِكَ الخُرُوجُ مِنهُ، (p-٤٠٩)إنْ كانَ داخِلَهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى حِفْظِ خارِجِهِ، وإنْ كانَ خارِجَهُ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِن حِفْظِ داخِلِهِ، وهَذا الكَوْنَ مَحْفُوظٌ مِن ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، فَعُلِمَ أنَّ صانِعَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصافِ بِما تُحِيطُ بِهِ العُقُولُ بِكَوْنِهِ داخِلَ العِلْمِ أوْ خارِجَهُ أوْ مُتَّصِلًا بِهِ أوْ مُنْفَصِلًا [عَنْهُ]، أوْ مُحْتاجًا في الصَّنْعَةِ إلى إلَهٍ أوْ في الحِفْظِ إلى ظَهِيرٍ أوْ مُعِينٍ، وجَمَعَ الفَرْجَ لِلدَّلالَةِ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ بِالسَّماءِ بَعْدَ ما أفادَهُ إفْرادُ لَفْظِها، فَيَدُلُّ الجَمْعُ مَعَ إرادَةِ الجِنْسِ عَلى التَّوْزِيعِ، مَعَ الإفْهامِ إلى أنَّ البانِيَ لَوِ احْتاجَ في هَذا الخَلْقِ الواسِعِ الأطْرافِ المُتَباعِدِ الأكْنافِ إلى فَرْجٍ واحِدٍ لاحْتاجَ إلى فُرُوجٍ كَثِيرَةٍ. فَإنَّ هَذا الجِرْمَ الكَبِيرَ لا يَكْفِي فِيهِ فَرْجٌ واحِدٌ لِمَن يَحْتاجُ إلى الحَرَكَةِ، فَنَزَّلَ كَلامَ العَلِيمِ الخَبِيرِ عَلى مِثْلِ هَذِهِ المَعانِي، ولا يُظَنُّ أنَّهُ غَيَّرَتْ فِيهِ صَنْعَةٌ مِنَ الصُّنَعِ لِأجْلِ الفاصِلَةِ فَقَطْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا مِن مُحْتاجٍ، واللَّهُ مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ، ويَجُوزُ -وهُوَ أحْسَنُ- أنْ يُرادَ بِالفُرُوجِ قابِلِيَّةُ الإنْباتِ لِتَكُونَ -مِثْلِ الأرْضِ- يَتَخَلَّلُها المِياهُ فَيَمْتَدُّ فِيها عُرُوقُ الأشْجارِ والنَّباتِ وتَظْهَرُ مِنها، وأنْ يُرادَ بِها الخَلَلُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] أيْ: خَلَلٍ واخْتِلافٍ وفَسادٍ، وهو لا يَنْفِي الأبْوابَ والمَصاعِدَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

ق 50:7

(p-٤١٠)ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ عِلْمِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الكَمالِ بِآيَةِ السَّماءِ، أتْبَعَ ذَلِكَ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ لا يُقالُ فِيهِ: داخِلَ العالَمِ ولا خارِجَهُ؛ لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ [بِهِ] ولا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلالَةِ عَلى آيَةِ الأرْضِ، وأخَّرَها؛ لِأنَّ السَّماءَ أدَلُّ عَلى المَجْدِ الَّذِي هَذا سِياقُهُ، لِأنَّها أعْجَبُ صَنْعَةً وأعْلى عُلُوًّا وأجَلُّ مِقْدارًا وأعْظَمُ أثَرًا، وأنَّ الأرْضَ لِكَثْرَةِ المُلابَسَةِ لَها والِاجْتِناءِ مِن ثِمارِها يَغْفُلُ الإنْسانُ عَنْ دَلالَتِها، بِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الصَّنائِعِ والمَنافِعِ، فَقالَ: ﴿والأرْضَ﴾ أيِ: المُحِيطَةَ بِهِمْ ﴿مَدَدْناها﴾ أيْ: جَعَلْناها لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ مَبْسُوطَةً لا مُسَنَّمَةً. ولَمّا كانَ المَمْدُودُ يَتَكَفَّأُ، قالَ: ﴿وألْقَيْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿فِيها رَواسِيَ﴾ أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ كانَ سَبَبًا لِثَباتِها، وخالَفَتْ عادَةَ المَراسِي في أنَّها مِن فَوْقُ، والمَراسِي تُعالِجُونَها أنْتُمْ مِن تَحْتُ. ولَمّا كانَ سُكّانُها لا غِنى لَهم عَنِ الرِّزْقِ، قالَ مُمْتَنًّا عَلَيْهِمْ: ﴿وأنْبَتْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ وعَظَّمَ قُدْرَتَها بِالتَّبْعِيضِ فَقالَ: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ مِنَ النَّباتِ تُزاوِجُهُ أشْكالُهُ بِأرْزاقِكم كُلِّها ﴿بَهِيجٍ﴾ أيْ: هو في غايَةِ الرَّوْنَقِ والإعْجابِ، فَكانَ - مَعَ كَوْنِهِ رِزْقًا - مُتَنَزَّهًا.

ق 50:8

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ الصَّنائِعَ الباهِرَةَ، عَلَّلَها بِقَوْلِهِ: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أيْ: جَعَلْنا هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها، أيْ لِأجْلِ أنْ تَنْظُرُوها بِأبْصارِكُمْ، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا بِبَصائِرِكُمْ، فَتَعْبُرُوا مِنها إلى صانِعِها، فَتَعْلَمُوا ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: ولِتَتَذَكَّرُوا بِها تَذَكُّرًا عَظِيمًا، بِما لَكم مِنَ القُوى والقَدْرِ فَتَعْلَمُوا (p-٤١١)بِعَجْزِكم عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أنَّ صانِعَها لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، [لَوْ ألَمَّ] بِجَنابِهِ شائِبَةٌ مِن شَوائِبِ النَّقْصِ لَما فاضَ عَنْهُ هَذا الصُّنْعُ الغَرِيبُ البَدِيعُ. ولَمّا كانَ مَن لا يَنْتَفِعُ بِالشَّيْءِ كَأنَّهُ عادِمٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ، قَصَرَ الأمْرَ عَلى المُنْتَفِعِ فَقالَ: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ﴾ يَتَذَكَّرُ بِما لَهُ مِنَ النَّقْصِ وبِما دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الصُّنْعُ مِنَ الكَمالِ أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ لِصانِعِهِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ لِما لَهُ مِنَ النُّقْصانِ لا يَزالُ كُلَّما أعْلاهُ عَقْلُهُ أسْفَلَهُ طَبْعُهُ، فَكانَ رُبَّما ظَنَّ أنَّهُ لا يُقْبِلُ إذا رَجَعَ، رَغْبَةً في الرُّجُوعِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُنِيبٍ﴾ أيْ: رَجّاعٍ عَمّا حَطَّهُ عَنْهُ طَبْعُهُ إلى ما يُعْلِيهِ إلَيْهِ عَقْلُهُ، فَيَرْجِعُ مِن شُهُودِ هَذِهِ الأفْعالِ إلى شُهُودِ هَذِهِ الصِّفاتِ إلى عِلْمِ الذّاتِ.

ق 50:9

ولَمّا كانَ إنْزالُ الماءِ أبْهَرَ الآياتِ وأدَلَّها عَلى أنَّهُ أجَلُّ مِن أنْ يُقالَ: إنَّهُ داخِلَ العالَمِ أوْ خارِجَهُ، أوْ مُتَّصِلٌ بِهِ أوْ مُنْفَصِلٌ عَنْهُ، مَعَ أنَّ بِهِ تَكُونُ النَّباتُ وحُصُولُ الأقْواتِ وبِهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، أفْرَدَهُ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ونَـزَّلْنا﴾ أيْ: شَيْئًا فَشَيْئًا في أوْقاتٍ عَلى سَبِيلِ التَّقاطُرِ وبِما يُناسِبُ عَظَمَتَنا الَّتِي لا تُضاهى بِغَيْبٍ، بِما لَهُ مِنَ النَّقْلِ والنُّبُوعِ والنُّفُوذِ فَنَزَلَ دُفْعَةً واحِدَةً فَأهْلَكَ ما نَزَلَ عَلَيْهِ فَزالَتِ المُفَقَّرَةُ وعادَتِ المَنفَعَةُ مَضَرَّةً ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ أيِ: المَحَلِّ العالِي الَّذِي لا يُمْسَكُ فِيهِ الماءُ عَنْ دَوامِ التَّقاطُرِ إلّا بِقاهِرٍ ﴿ماءً مُبارَكًا﴾ أيْ: نافِعًا جِدًّا ثابِتًا لا خَيالًا مُحِيطًا (p-٤١٢)بِجَمِيعِ مَنافِعِكم. ولَمّا كانَ الماءُ سَبَبًا في تَكَوُّنِ الأشْياءِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا في انْعِقادِهِ حَتّى يَصِيرَ خَشَبًا وحَبًّا وعِنَبًا، وغَيْرَ ذَلِكَ عَجَبًا، قالَ: ﴿فَأنْبَتْنا﴾ مُعَبِّرًا بِنُونِ العَظَمَةِ ﴿بِهِ جَنّاتٍ﴾ مِنَ الثَّمَرِ والشَّجَرِ والزَّرْعِ وغَيْرِهِ مِمّا تَجْمَعُهُ البَساتِينُ فَتُجَنُّ - أيْ تَسْتُرُ - الدّاخِلَ فِيها. ولَمّا كانَ القَصَبُ الَّذِي يُحْصَدُ فَيَكُونُ حَبُّهُ قُوتًا لِلْحَيَوانِ وساقُهُ لِلْبَهائِمِ، خَصَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ أيِ: النَّجْمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُحْصَدَ مِنَ البُرِّ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما، وأوْمَأ بِالتَّقْيِيدِ إلى أنَّ هَذِهِ الحُبُوبَ أشْرَفُ مِن حَبِّ اللَآلِئِ الَّذِي يُنْبِتُهُ اللَّهُ مِنَ المَطَرِ لِأنَّها لِقِيامِ النَّبْتَةِ؟ وتِلْكَ لِلزِّينَةِ،

ق 50:10

ولَمّا كانَ النَّخْلُ مِن أعْجَبِهِ ما يَتَكَوَّنُ مِنهُ مَعَ ما لَهُ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا يُساوِيهِ فِيها شَجَرٌ، والطِّباقُ لِلزَّرْعِ بِالطُّولِ والقِصَرِ والِاتِّساقِ بِالِاقْتِياتِ لِلْآدَمِيِّينَ والبَهائِمِ، قالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ أيْ: عالِياتٍ طَوِيلاتٍ عَلى جَمِيعِ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ ذَواتِ أثْمارٍ طَيِّبَةٍ ﴿لَها﴾ مَعَ يُبْسِ ساقِها ﴿طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ أيْ: مَصْفُوفٌ مُتَراكِمٌ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهو حَشْوُ طَلْعِهِ، والطَّلْعُ ذَلِكَ الخارِجُ مِن أعْلى النَّخْلَةِ كَأنَّهُ فِعْلانِ مُطْبَقانِ، والحَمْلُ النَّضِيدُ بَيْنَهُما، والطَّرَفُ مُحَدَّدٌ، أوِ الطَّلْعُ ما يَبْدُو مِن ثَمَرِ النَّخْلِ أوَّلَ ظُهُورِها، وذَلِكَ القِشْرُ يُسَمّى الكُفُرّى لِتَغْطِيَتِهِ إيّاهُ عَلى أحْكَمَ مِمّا يَكُونُ وأوْثَقَ، والطَّلْعُ يُشْبِهُ ما لِلنّاقَةِ المُبَسَّقِ مِنَ اللَّبا المُتَكَوِّنِ في ضَرْعِها (p-٤١٣)قَبْلَ النِّتاجِ، ثُمَّ يَصِيرُ بَعْدَ اتِّحادِهِ في البَياضِ وهو طَلْعٌ إلى الِافْتِراقِ حالَ اليُنُوعِ إلى أحْمَرَ وأصْفَرَ وأخْضَرَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الألْوانِ الغَرِيبَةِ، والأوْصافِ العَجِيبَةِ، وهي مُحِيطَةُ المَنافِعِ بِالتَّفَكُّهِ عَلى عِدَّةِ أنْواعٍ والِاقْتِياتِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطَلْعُها مُخالِفٌ لِعادَةِ أكْثَرِ الأشْجارِ؛ فَإنَّ ثِمارَها مُفْرَدَةٌ، كُلُّ حَبَّةٍ مُنْفَرِدَةٍ عَنْ أُخْتِها.

ق 50:11

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَعْضَ ما لَهُ في الماءِ مِنَ العَظَمَةِ، ذَكَرَ لَهُ عِلَّةً هي غايَةٌ في المِنَّةِ عَلى الخَلْقِ فَقالَ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾ أيْ: أنْبَتْنا بِهِ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهُ بَعْضُ ما جَعَلْناهُ رِزْقَهم. ولَمّا كانَ ذَلِكَ أعْظَمَ مُذَكِّرٍ لِلْبُصَراءِ بِالبَعْثِ ولِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، أتْبَعَهُ ما لَهُ مِنَ التَّذْكِيرِ بِالبَعْثِ بِخُصُوصِهِ فَقالَ: ﴿وأحْيَيْنا بِهِ﴾ أيِ: الماءِ بِعَظَمَتِنا ﴿بَلْدَةً﴾ وسَمَها بِالتّاءِ إشارَةً إلى أنَّها في غايَةِ الضَّعْفِ والحاجَةِ إلى الثَّباتِ والخُلُوِّ عَنْهُ، وذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿مَيْتًا﴾ لِلزِّيادَةِ في تَقْرِيرِ تَمَكُّنِ الحاجَةِ فِيها. ولَمّا كانَ هَذا خاصَّةً مِن أوْضَحِ أدِلَّةِ البَعْثِ، قالَ عَلى سَبِيلِ النَّتِيجَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ هَذا الإخْراجِ العَظِيمِ ﴿الخُرُوجُ﴾ الَّذِي هو لِعَظَمَتِهِ كَأنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهَذا المَعْنى، وهو بَعْثُ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، لا فَرْقَ بَيْنَ خُرُوجِ النَّباتِ بَعْدَ ما تَهَشَّمَ في الأرْضِ وصارَ تُرابًا كَما كانَ مِن بَيْنَ أصْفَرِهِ وأبْيَضِهِ وأحْمَرِهِ وأخْضَرِهِ وأزْرَقِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وبَيْنَ إخْراجِ (p-٤١٤)ما تَفَتَّتَ مِنَ المَوْتى كَما كانُوا في الدُّنْيا، قالَ أبُو حَيّانَ: ذَكَرَ تَعالى في السَّماءِ ثَلاثَةً: البِناءَ والتَّزْيِينَ ونَفْيَ الفُرُوجِ، وفي الأرْضِ ثَلاثَةً: المَدَّ وإلْقاءَ الرَّواسِي والإنْباتَ، قابَلَ المَدَّ بِالبِناءِ؛ لِأنَّ المَدَّ وضْعٌ والبِناءَ رَفْعٌ، وإلْقاءُ الرَّواسِي بِالتَّزْيِينِ بِالكَواكِبِ لِارْتِكازِ كُلِّ واحِدٍ مِنها، أيْ عَلى سَطْحِ ما هو فِيهِ والإنْباتُ المُتَرَتِّبُ عَلى الشَّقِّ بِانْتِفاءِ الفُرُوجِ، فَلا شَقَّ فِيها، ونَبَّهَ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ الإنْباتُ عَلى ما يُقْطَفُ كُلَّ سَنَةٍ ويَبْقى أصْلُهُ، وما يُزْرَعُ كُلَّ سَنَةٍ أوْ سَنَتَيْنِ ويُقْطَفُ كُلَّ سَنَةٍ، وعَلى ما اخْتَلَطَ مِن جِنْسَيْنِ، فَبَعْضُ الثِّمارِ فاكِهَةٌ لا قُوتٌ، وأكْثَرُ الزَّرْعِ قُوتٌ والثَّمَرُ فاكِهَةٌ وقُوتٌ.

ق 50:12

ولَمّا وصَلَ الأمْرُ إلى حَدٍّ لا خَفاءَ مَعَهُ، فَصَحَّ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولَمْ يَحْمِلْهم عَلى التَّصْرِيحِ بِالتَّكْذِيبِ بِهِ إلّا المُبادَرَةُ إلى ذَلِكَ بِغَلَبَةِ الهَوى مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ لِعاقِبَتِهِ، فَصارَ مِن بابِ لُزُومِ الغَلَطِ، وكانَ السِّياقُ لِإنْكارِ البَعْثِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُنْذِرٌ مِنَ القَوْمِ المُنْذَرِينَ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ إنْكارَ هَؤُلاءِ أعْجَبُ؛ فَهَلْ وقَعَ هَذا لِأحَدٍ قَطُّ، فَقالَ تَعالى مُسَلِّيًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ؛ لِأنَّ المُصِيبَةَ إذا عَمَّتْ هانَتْ، مُبَيِّنًا لِمَجْدِ القُرْآنِ ولِمَجْدِ آياتِهِ تَحْقِيقًا لِلْإنْذارِ وتَحْذِيرًا بِهِ لا لِلنَّصِيحَةِ: ﴿كَذَّبَتْ﴾ وسَمَ الفِعْلَ بِالتّاءِ إشارَةً إلى هَوانِهِمْ في جَنْبِ هَذا المَجْدِ، ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ الأحْزابُ المَذْكُورُونَ لِقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ كَأنَّهم أهْلُ المَجْدِ قاطِبَةً قَدِ اسْتَغْرَقُوا زَمانَها ومَكانَها، أسْقَطَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ ولَمّا لَمْ تَكُنْ لَهم شُهْرَةٌ يُعْرَفُونَ بِها قالَ: ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ وأشارَ (p-٤١٥)إلى عَظِيمِ التَّسْلِيَةِ بِأنَّهم جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ، وكانُوا في القُوَّةِ في القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ والكَثْرَةِ بِحَيْثُ لا يَسَعُ الأفْهامَ جَمِيعُ أوْصافِهِمْ، فَآذَوْا رَسُولَهم وطالَ أذاهم قَرِيبًا مِن عَشَرَةِ قُرُونٍ، ولَمّا كانَ آخِرُ أمْرِهِمْ أنَّهُ التَقى عَلَيْهِمُ الماءانِ: ماءُ السَّماءِ، وطَلَعَ إلَيْهِمْ ماءُ الأرْضِ فَأغْرَقَهُمْ، أتْبَعَهم مِن طائِفَتِهِمْ قِصَّتَهم بِأنْ نَزَلَ بِهِمُ الماءُ فَأوْبَقَهم لِما بَيْنَ حالَيْهِمْ مِنَ الطِّباقِ دَلالَةً عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ فَقالَ: ﴿وأصْحابُ الرَّسِّ﴾ أيِ: البِئْرِ الَّتِي تَقَوَّضَتْ بِهِمْ فَخُسِفَتْ مَعَ ما حَوْلَها فَذَهَبَتْ بِهِمْ وبِكُلِّ ما لَهم كَما ذُكِرَتْ قِصَّتُهم في الفُرْقانِ. ولَمّا كانَتْ آيَةُ [قَوْمِ] صالِحٍ مِن أعْظَمِ الدَّلالاتِ عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، وكانَ إهْلاكُهم مُناسِبًا لِإهْلاكِ مَن قَبْلَهُمْ، أمّا لِأصْحابِ الرَّسِّ فَكانَ بِالرَّجْفَةِ الَّتِي هي [عَلى] مَبْدَأِ الخَسْفِ، وأمّا لِقَوْمِ نُوحٍ فَلِأنَّ الرَّجْفَةَ تَأثَّرَتْ عَنِ الصَّيْحَةِ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّيحُ الَّتِي مِن شَأْنِها حَمْلُ السَّحابِ الحامِلِ لِلْماءِ، أتْبَعَهم بِهِمْ، وكانُوا أصْحابَ بِئْرٍ ولَمْ يُخْسَفْ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وثَمُودُ﴾

ق 50:13

ولَمّا اتَّفَقَ قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والقِبْطُ بِالإهْلاكِ بِالرِّيحِ الَّتِي أثَّرَتْ بِها صَيْحَةُ ثَمُودَ، أُولَئِكَ مَعَ الحِجارَةِ والرَّمْلِ وهَؤُلاءِ بِالماءِ الَّذِي فَرَّقَهُ اللَّهُ بِالرِّيحِ عِنْدَ ضَرْبِ العَصِيِّ، وكانَ لِكُلٍّ مِنهُما مِن ضَخامَةِ المُلْكِ وعِزِّ السُّلْطانِ ما هو مَشْهُورٌ قَدَّمَ أشَدَّهُما أبْدانًا وأوْسَعَهُما مُلْكًا؛ لِأنَّ إهْلاكَهم كانَ أدَلَّ دَلِيلٍ عَلى القُدْرَةِ وأقْرَبَ شَبَهًا بِهَلاكِ ثَمُودَ فَقالَ: ﴿وعادٌ﴾ وعَطَفَ عَلَيْهِ (p-٤١٦)أقْرَبَ الطّائِفَتَيْنِ شَبَهًا بِالهَلاكِ بِقَوْمِ نُوحٍ وأصْحابِ الرَّسِّ فَقالَ: ﴿وفِرْعَوْنُ﴾ نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ في مادَّةِ هَذا الغَرَقِ كافِرٌ غَيْرُهُ، والنَّصُّ عَلَيْهِ يُفْهِمُ غَيْرَهُ، وما تَقَدَّمَ في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن وصْفِهِ بِأنَّهُ مَلِكٌ قاهِرٌ وأنَّهُ اسْتَخَفَّهم فَأطاعُوهُ فَيُعْلَمُ كُفْرُهم طاعَةً لَهُ، وأنَّهُ لَيُوافِقُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلْعِزَّةِ والشِّقاقِ، فَلَمْ يَدْعُ داعٍ إلى إثْباتِ ذِي الأوْتادِ. ولَمّا كانَ هَلاكُ المُؤْتَفِكاتِ جامِعًا في الشُّبْهَةِ بِهَلاكِ جَمِيعِ مَن تَقَدَّمَ بِالخَسْفِ وغَمْرَةِ الماءِ بَعْدَ القَلْبِ في الهَواءِ، أتْبَعَهم بِهِمْ مُعَبِّرًا عَنْهم بِأخْصَرَ مِن تَسْمِيَةِ قَبائِلِهِمْ أوْ مُدُنِهِمْ لِأنَّها عِدَّةُ مُدُنٍ، وعَبَّرَ بِالأُخُوَّةِ دُونَ القَوْمِ؛ لِأنَّ السِّياقَ لِتَكْذِيبِ مَن هو مِنهُمْ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ في التَّسْلِيَةِ فَقالَ: ﴿وإخْوانُ لُوطٍ﴾ أيْ: أصْهارُهُ الَّذِينَ جَبَرُوا بَيْنَهم وبَيْنَهُ مَعَ المُصاهَرَةِ بِالمُناصَرَةِ لِمُلُوكِهِمْ ورَعاياهم عَلى مَن ناواهم بِنَفْسِهِ وعَمِّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ كَما مَضى بَيانُهُ في البَقَرَةِ ما صارَ كالأُخُوَّةِ، ومَعَ ذَلِكَ عامَلُوهُ بِما اشْتُقَّ مِن لَفْظِ هَذا الجَمْعِ مِنَ الجِنايَةِ لَهُ ولِأنْفُسِهِمْ وغَيْرِهِمْ.

ق 50:14

ولَمّا كانَ الشَّجَرُ مَظِنَّةَ الهَواءِ البارِدِ والرَّوْحِ، وكانَ أصْحابُهُ قَدْ عُذِّبُوا بِضِدِّ ذَلِكَ قالَ: ﴿وأصْحابُ الأيْكَةِ﴾ لِمُشارَكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ بِالنّارِ، وأُولَئِكَ بِحِجارَةِ الكِبْرِيتِ النّازِلَةِ مِنَ العُلُوِّ وهَؤُلاءِ [بِالنّارِ] النّازِلَةِ مِن ظُلْمَةِ السَّحابِ، وعَبَّرَ عَنْهم بِالواحِدَةِ والمُرادُ الغَيْضَةُ إشارَةً إلى أنَّها (p-٤١٧)مِن شِدَّةِ التِفافِها كالشَّجَرَةِ الواحِدَةِ. ولَمّا كانَ ﴿تُبَّعٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مِن قَوْمِهِ مَلِكًا قاهِرًا، وخالَفُوهُ مَعَ ذَلِكَ، وكانَ لِقَوْمِهِ نارٌ [فِي بِلادِهِمْ] يَتَحاكَمُونَ إلَيْها فَتَأْكُلُ الظّالِمَ، خَتَمَ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مالِكًا، وهو يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، فَلا يُظَنُّ أنَّ التَّكْذِيبَ مَخْصُوصٌ بِمَن كانَ قَوِيًّا لِمَن كانَ مُسْتَضْعَفًا، بَلْ هو واقِعٌ بِمَن شِئْنا مِن قَوِيٍّ وضَعِيفٍ، لا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِنا. ولَمّا لَمْ يَكُنْ هُنا ما يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ مِمّا مَرَّ بَيانُهُ في ”ص“ قالَ مُعَرِّيًا مِنهُ: ﴿كُلٌّ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الفِرَقِ ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ أيْ: كُلَّهم بِتَكْذِيبِ رَسُولِهِمْ؛ فَإنَّ الكُلَّ مُتَساوُونَ فِيما يُوجِبُ الإيمانَ مِن إظْهارِ العَجْزِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ ﴿فَحَقَّ﴾ [أيْ] فَتَسَبَّبَ عَنْ تَكْذِيبِهِمْ لَهم أنَّهُ ثَبَتَ عَلَيْهِمْ ووَجَبَ ﴿وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] [أيِ] الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ عِنْدَ إنْذارِهِمْ لَهم إيّاهُ، فَعَجَّلْنا لَهم مِنهُ في الدُّنْيا ما حَكَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ فَأهْلَكْناهم إهْلاكًا عامًّا كَإهْلاكِ نَفْسٍ واحِدَةٍ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ كَما هو مَشْهُورٌ عِنْدَ مَن لَهُ بِأمْثالِهِ عِنايَةٌ، وأتْبَعْناهُ ما هو في البَرْزَخِ وأخَّرْنا ما هو في القِيامَةِ إلى البَعْثِ، بِإهْلاكِنا لَهم عَلى تَنائِي دِيارِهِمْ وتَباعُدِ أعْصارِهِمْ وكَثْرَةِ أعْدادِهِمْ أنَّ لَنا الإحاطَةَ البالِغَةَ فَتَسَلَّ بِإخْوانِكَ المُرْسَلِينَ وتَأسَّ بِهِمْ، ولْتُحَذِّرْ قَوْمَكَ ما حَلَّ بِمَن كَذَّبَهم إنْ أصَرُّوا.

ق 50:15

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّسْلِيَةَ بِتَكْذِيبِ هَذِهِ الأحْزابِ بَعْدَ ذِكْرِ (p-٤١٨)تَكْذِيبِ قُرَيْشٍ وإقامَةِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ عَلى ما كَذَّبُوا بِهِ وبُطْلانِ تَكْذِيبِهِمْ، وخَتَمَ بِحُقُوقِ الوَعِيدِ الَّذِي شُوهِدَتْ أوائِلُهُ بِإهْلاكِهِمْ، فَثَبَتَ صِدْقُ الرُّسُلِ وثَبَتَتِ القُدْرَةُ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهَذا الخَلْقِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ أنْكَرَ عَلَيْهِمُ التَّكْذِيبَ ووَبَّخَهم عَلَيْهِ تَقْرِيرًا لِحُقُوقِ الوَعِيدِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بَعْدَ ما ذُكِرَ أنَّهُ خَلَقَ جَمِيعَ الوُجُودِ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ﴾ أيْ: حَصَلَ لَنا عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الإعْياءُ، وهو العَجْزُ بِسَبَبِ الخَلْقِ في شَيْءٍ مِن إيجادِهِ وإعْدامِهِ ﴿الأوَّلِ﴾ أيْ: مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما حِينَ ابْتَدَأْناهُ اخْتِراعًا مِنَ العَدَمِ، ومَن خَلَقَ الإنْسانَ وسائِرَ الحَيَوانِ مُجَدَّدًا، ثُمَّ في كُلِّ أوانٍ مِنَ الأطْوارِ المُشاهَدَةِ عَلى هَذِهِ التَّدْرِيجاتِ المُعْتادَةِ بَعْدَ أنْ خَلَقْنا أصْلَهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مِمّا لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الحَياةِ، وفي إعْدامِهِ بَعْدَ خَلْقِهِ جُمْلَةً كَهَذِهِ الأُمَمِ أوْ تَدْرِيجًا كَغَيْرِهِمْ لِيَظُنُّوا بِسَبَبِ العَجْزِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ الَّذِي هو أصْعَبُ في مَجارِي العاداتِ مِنَ الإعادَةِ أنْ نَعْجِزَ عَنِ الإعادَةِ ثانِيًا، يُقالُ: عَيِيَ بِالأمْرِ، إذا لَمْ يَهْتَدِ لِأمْرِهِ أوْ لِوَجْهِ مُرادِهِ أوْ عَجَزَ عَنْهُ، ولَمْ يُطِقْ إحْكامَهُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ قَطْعًا بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الإنْكارِ: لَمْ نَعْيَ بِذَلِكَ بَلْ أوْجَدْناهُ عَلى غايَةِ الإحْكامِ لِلظَّرْفِ والمَظْرُوفِ وهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ ويُقِرُّونَ بِتَمامِ القُدْرَةِ عَلَيْهِ، [وفِي طَيِّهِ] الِاعْتِرافُ (p-٤١٩)بِالبَعْثِ وهم لا يَشْعُرُونَ أضْرَبَ عَنْهُ لِقَوْلِهِمُ الَّذِي يُخِلُّ بِاعْتِقادِهِمْ إيّاهُ فَقالَ: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ﴾ أيْ: خَلْطٍ شَدِيدٍ وشُبْهَةٍ [مُوجِبَةٍ] لِلتَّكَلُّمِ بِكَلامٍ مُخْتَلِطٍ لا يُعْقَلُ لَهُ مَعْنًى، بَلِ السُّكُوتُ عَنْهُ أجْمَلُ، قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا جارِ، إنَّهُ لَمَلْبُوسٌ عَلَيْكَ، اعْرِفْ بِالحَقِّ تَعْرِفْ أهْلَهُ. ولَبَّسَ الشَّيْطانُ عَلَيْهِمْ تَسْوِيلَهُ لَهم أنَّ البَعْثَ خارِجٌ عَنِ العادَةِ فَتَرَكُوا لِذَلِكَ القِياسَ الصَّحِيحَ والحُكْمَ بِطَرِيقِ الأوْلى ﴿مِن﴾ أجْلِ ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيِ: الإعادَةِ.

ق 50:16

ولَمّا ذَكَرَ خَلْقَ الخافِقَيْنِ، أتْبَعَهُ خَلْقَ ما هو جامِعٌ لِجَمِيعِ ما هو فِيها فَقالَ: ﴿ولَقَدْ﴾ أيْ: [و] الحالُ أنّا قَدْ ﴿خَلَقْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ وهو أعْجَبُ خَلْقًا وأجْمَعُ مِن جَمِيعِ ما مَضى ذِكْرُهُ بِما فِيهِ مِنَ الأُنْسِ والطُّغْيانِ، والذِّكْرِ والنِّسْيانِ، والجَهْلِ والعِرْفانِ، والطّاعَةِ والعِصْيانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن عَجِيبِ الشَّأْنِ، ووَكَّلْنا بِهِ مِن جُنُودِنا مَن يَحْفَظُهُ فَيَضْبُطُ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ وجَمِيعِ أحْوالِهِ ﴿ونَعْلَمُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّنا نَعْلَمُ بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ ﴿ما تُوَسْوِسُ﴾ أيْ: تَكَلَّمُ عَلى وجْهِ الخَفاءِ، ﴿بِهِ﴾ الآنَ وفِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يَنْقَدِحْ بَعْدُ مِن خَزائِنِ الغَيْبِ إلى [سِرِّ] النَّفْسِ كَما عَلِمْنا ما تَكَلَّمُ ﴿نَفْسُهُ﴾ وهي الخَواطِرُ الَّتِي تَعْتَرِضُ لَهُ حَتّى أنَّهُ هو رُبَّما عَجَزَ عَنْ ضَبْطِها، فَنَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ قُلُوبَهم عالِمَةٌ بِقُدْرَتِنا عَلى أكْمَلِ ما نُرِيدُ وبِصِحَّةِ القُرْآنِ وإعْجازِهِ وصِدْقِ الرَّسُولِ بِهِ ﷺ وامْتِيازِهِ، وإنَّما حَمَلَهُمُ الحَسَدُ والنَّفاسَةُ والكِبْرُ (p-٤٢٠)والرِّئاسَةُ عَلى الإنْكارِ بِاللِّسانِ حَتّى صارَ ذَلِكَ لَهم خُلُقًا وتَمادَوْا فِيهِ حَتّى غَطّى عَلى عُقُولِهِمْ، فَصارُوا في لَبْسٍ مُحِيطٍ [بِهِمْ] مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ. ولَمّا كانَ العالِمُ بِالشَّيْءِ كُلَّما كانَ قَرِيبًا مِنهُ كانَ عِلْمُهُ بِهِ أثْبَتَ وأمْكَنَ، قالَ مُمَثِّلًا لِعِلْمِهِ ومُصَوِّرًا لَهُ بِما نَعْلَمُ أنَّهُ مُوجِبُهُ: ﴿ونَحْنُ﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ قُرْبَ عِلْمٍ وشُهُودٍ مِن غَيْرِ مَسافَةٍ ﴿مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ لِأنَّ أبْعاضَهُ وأجْزاءَهُ تَحْجُبُ بَعْضُها بَعْضًا، ولا يَحْجُبُ عِلْمَ اللَّهِ شَيْءٌ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، والوَرِيدانِ عِرْقانِ كالحَبْلَيْنِ مُكْتَنِفانِ لِصَفْحَتَيِ العُنُقِ في مُقَدَّمِها مُتَّصِلاتٌ مِنَ الرَّأْسِ إلى الوَتِينِ وهو عِرْقُ القَلْبِ، وهَذا مَثَلٌ في فَرْطِ القُرْبِ، وإضافَتُهُ مِثْلَ مَسْجِدِ الجامِعِ، وقَدْ مَضى في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] ما يَنْفَعُ هُنا، قالَ القُشَيْرِيُّ: وفي هَذِهِ الآيَةِ هَيْبَةٌ وفَزَعٌ وخَوْفٌ لِقَوْمٍ، ورُوحٌ وأُنْسٌ وسُكُونُ قَلْبٍ لِقَوْمٍ.

ق 50:17

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ قَدْ وكَّلَ بِنا حَفَظَةً تَحْفَظُ أعْمالَنا وتَضْبُطُ أقْوالَنا وأحْوالَنا، فَكانَ المَعْرُوفُ لَنا أنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْفاظِ خَوْفُ الغَفْلَةِ والنِّسْيانِ، قَدَّمَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ بِكَمالِ عِلْمِهِ فَأُمِنَ ذَلِكَ المَحْذُورُ، عُلِّقَ بِأقْرَبَ، أوْ نَعْلَمُ (p-٤٢١)قَوْلَهُ تَأْكِيدًا لِما عُلِمَ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ مِن عَدَمِ حاجَتِهِ، وتَخْوِيفًا بِما هو أقْرَبُ إلى مَأْلُوفَتِنا ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿يَتَلَقّى﴾ أيْ: بِغايَةِ الِاجْتِهادِ والمُراقَبَةِ والمُراعاةِ مِن كُلِّ إنْسانٍ خَلَقْناهُ وأبْرَزْناهُ إلى هَذا الوُجُودِ ﴿المُتَلَقِّيانِ﴾ وما أدْراكَ ما هُما؟ [هُما] مَلَكانِ عَظِيمانِ حالَ كَوْنِهِما ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ لِكُلِّ إنْسانٍ [قَعِيدٌ مِنهُما] ﴿وعَنِ الشِّمالِ﴾ كَذَلِكَ ﴿قَعِيدٌ﴾ أيْ: رُصِدَ وحُبِسَ مَقاعِدُ لِذَلِكَ الإنْسانِ بِأبْلَغِ المُقاعَدَةِ ونَحْنُ أقْرَبُ مِنهُما وأعْلَمُ عِلْمًا، وإنَّما اسْتَحْفَظْناهُما لِإقامَةِ الحُجَّةِ بِهِما عَلى مَجارِي عاداتِكم وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ.

ق 50:18

ولَمّا كانَتِ الأفْعالُ اللِّسانِيَّةُ والقَلْبِيَّةُ والبَدَنِيَّةُ ناشِئَةً عَنْ كَلامِ النَّفْسِ، فَكانَ الكَلامُ جامِعًا، قالَ مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ عِلْمِهِ بِإحاطَةِ مَن أقامَهُ لِحِفْظِ هَذا الخَلْقِ الجامِعِ في جَوابِ مَن كَأنَّهُ قالَ: ما يَفْعَلُ المُتَلَقِّيانِ: ﴿ما يَلْفِظُ﴾ أيْ: يَرْمِي ويُخْرِجُ المُكَلَّفُ مِن فِيهِ، وعَمَّ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْلٍ﴾ أيْ: مِمّا تَقَدَّمَ النَّهْيُ عَنْهُ في الحُجُراتِ مِنَ الغِيبَةِ وما قَبْلَها وغَيْرِ ذَلِكَ قَلَّ أوْ جَلَّ ﴿إلا لَدَيْهِ﴾ أيِ: الإنْسانِ أوِ القَوْلِ عَلى هَيْئَةٍ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ هي مِن أغْرَبِ المُسْتَغْرَبَ ﴿رَقِيبٌ﴾ مِن حَفِظَتْنا شَدِيدُ المُراعاةِ لَهُ في كُلٍّ مِن أحْوالِهِ ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ مُراقَبٌ غَيْرُ غافِلٍ بِوَجْهٍ، رَوى البَغَوِيُّ بِسَنَدِهِ مِن طَرِيقِ الثَّعْلَبِيِّ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كاتِبُ الحَسَناتِ عَلى يَمِينِ (p-٤٢٢)الرَّجُلِ، وكاتِبُ السَّيِّئاتِ عَلى يَسارِ الرَّجُلِ، وكاتِبُ الحَسَناتِ أمِيرٌ عَلى كاتِبِ السَّيِّئاتِ، فَإذا عَمِلَ حَسَنَةً كَتَبَها صاحِبُ اليَمِينِ عَشْرًا، وإذا عَمِلَ سَيِّئَةً قالَ صاحِبُ اليَمِينِ لِصاحِبِ الشِّمالِ: دَعْهُ سَبْعَ ساعاتٍ لَعَلَّهُ يُسَبِّحُ أوْ يَسْتَغْفِرُ»».

ق 50:19

ولَمّا كانَ مَثَلُ إرْسالِ الخافِقَيْنِ ثُمَّ المَوْتِ ثُمَّ النَّفْخِ بِإرْسالِ المَلِكِ في الدُّنْيا إلى النّاسِ لِعَرْضِهِمْ فَيَصِيرُ الإنْسانُ مِنهم ساعِيًا في التَّزَيُّنِ لِلْمَلِكِ بِما يُعْجِبُهُ في مَقْصُودِ ذَلِكَ العَرْضِ في الأجَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُمْ، فَإذا جاءَ ذَلِكَ الوَقْتُ الَّذِي هو كالمَوْتِ أخَذَتْهُ الرُّسُلُ فَباءُوا بِهِ كَما يُفْعَلُ حالَ المَوْتِ بِالمَيِّتِ ومَن أحْضَرُوهُ مِنهم حَبَسُوهُ عَلى بابِ المَلِكِ لِتَكامُلِ المَعْرُوضِينَ، فَإذا كَمُلَ جَمْعُهم وأُمِرَ بِقِيامِهِمْ لِلْعَرْضِ زَعَقَ لَهُمُ المُنادِي بِالبُوقِ الَّذِي يُسَمّى النَّفِيرَ؛ وهو كالصُّورِ، فَلِهَذا قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِإحاطَةِ قُدْرَتِهِ بِجَمِيعِ خَلْقِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فاضْطَرَبَ ذَلِكَ الإنْسانُ المُوَكَّلُ بِهِ في الوَقْتِ المَأْمُورِ بِالتَّرَدُّدِ فِيهِ بِما يُرْضِي اللَّهَ بِالقَوْلِ والفِعْلِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ سَواءٌ كانَ مُوافِقًا لِلْأمْرِ أوْ مُخالِفًا إلى أنَّ أوانَ الرَّحِيلِ مُعَبَّرًا بِالماضِي تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَوْتَ مَعَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ قَرِيبٌ جِدًّا: ﴿وجاءَتْ﴾ أيْ: أتَتْ وحَضَرَتْ ﴿سَكْرَةُ المَوْتِ﴾ أيْ: حالَتُهُ عِنْدَ النَّزْعِ وشَدَّتِهِ وغَمْرَتِهِ، يَصِيرُ المَيِّتُ بِها كالسَّكْرانِ، لا يَعِي وتَخْرُجُ [بِها] أحْوالُهُ وأفْعالُهُ وأقْوالُهُ عَنْ قانُونِ الِاعْتِدالِ، ومَجِيئًا مُتَلَبِّسًا (p-٤٢٣)﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي يُطابِقُهُ الواقِعُ فَلا حِيلَةَ في الِاحْتِراسِ مِنهُ مِن بُطْلانِ الحَواسِّ وكَشْفِ الغِطاءِ عَنْ أحْوالِ البَرْزَخِ مِن فِتْنَةِ السُّؤالِ وضِيقِ المَجالِ أوْ سِعَةِ الحالِ، وقِيلَ لِلْمَيِّتِ بِلِسانِ الحالِ إنْ لَمْ يَكُنْ بِلِسانِ القالِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: هَذا الأمْرُ العَظِيمُ العالِي الرُّتْبَةِ الَّذِي يَحِقُّ لِكُلِّ أحَدٍ الِاعْتِدادُ لَهُ بِغايَةِ الجِدِّ ﴿ما﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي ﴿كُنْتَ﴾ جِبِلَّةً وطَبْعًا. ولَمّا كانَتْ نَفْرَتُهُ مِنهُ وهَرَبُهُ مِن وُقُوعِهِ بِحِفْظِ الصِّحَّةِ ودَواءِ الأداءِ في الغايَةِ، كانَ كَأنَّهُ لا يَنْفِرُ إلّا مِنهُ، فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِنهُ تَحِيدُ﴾ أيْ: تَمِيلُ وتَنْفِرُ وتُرَوَّعُ وتَهْرُبُ.

ق 50:20

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأُخِذَ ذَلِكَ الإنْسانُ بِالقَهْرِ مِن بَيْنِ الأهْلِ والإخْوانِ، والعَشائِرِ والجِيرانِ، وضُمَّ إلى عَسْكَرِ المَوْتى وهم بِالبَرْزَخِ نُزُولٌ، ولِانْتِظارِ بَقِيَّتِهِمْ حُلُولٌ، ولَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى تَكامَلَ القادِمُونَ عَلَيْهِمُ الواصِلُونَ إلَيْهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُبَيِّنًا لِإحاطَةٍ مِن عالَمِ المَلَكُوتِ والعِزِّ والجَبَرُوتِ: ﴿ونُفِخَ﴾ أيْ: بِأدْنى إشارَةٍ وأيْسَرِ أمْرٍ ﴿فِي الصُّورِ﴾ وهو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْمَوْتِ [العامِّ] والبَعْثِ العامِّ عِنْدَ التَّكامُلِ، وانْقِطاعِ أوانِ التَّعامُلِ، وهو بِحَيْثُ لا يُعْلَمُ قَدْرُ عِظَمِهِ واتِّساعِهِ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ التَقَمَ الصُّورَ مِن حِينِ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وحَنى جَبْهَتَهُ وأصْغى سَمْعَهُ يَنْتَظِرُ مَتى يُؤْمَرُ، فَيا لَها مِن عَظَمَةٍ ما أغْفَلَنا عَنْها، (p-٤٢٤)وأنْسانا لَها، وآمَنَنا مِنها، والمُرادُ بِهَذِهِ نَفْخَةُ البَعْثِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأثَرُ عَنِ النَّفْسِ هو سِرُّ الوُجُودِ، وأشارَ إلى عَظَمَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الوَقْتُ الكَبِيرُ العَظِيمُ الأهْوالِ والزَّلازِلِ والأوْجالِ ﴿يَوْمُ الوَعِيدِ﴾ أيِ: الَّذِي يَقَعُ فِيهِ ما وقَعَ الإيعادُ بِهِ.

ق 50:21

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكانَ مِن تِلْكَ النَّفْخَةِ صَيْحَةٌ هائِلَةٌ ورَجَّةٌ شامِلَةٌ، فَقامَ النّاسُ عامَّةً مِن قُبُورِهِمْ، وحَصَلَ ما في صُدُورِهِمْ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بَيانًا لِإحاطَةِ العَرْضِ: ﴿وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [أيْ] مُكَلَّفَةٌ [كائِنًا] ﴿مَعَها سائِقٌ﴾ يَسُوقُها إلى ما هي كارِهَةٌ لِلْغايَةِ لِعِلْمِهِ بِما قَدَّمَتْ مِنَ النَّقائِصِ ﴿وشَهِيدٌ﴾ يَشْهَدُ عَلَيْها بِما عَمِلَتْ، والظّاهِرُ مِن هَذا أنَّ السّائِقَ لا تَعَلُّقَ [لَهُ] بِالشَّهادَةِ أصْلًا؛ لِئَلّا تَقُولَ تِلْكَ النَّفْسُ: إنَّهُ خَصْمٌ، والخَصْمُ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ، ويُقالُ حِينَئِذٍ لِلْمُفَرِّطِ في الأعْمالِ في أُسْلُوبِ التَّأْكِيدِ جَرْيًا عَلى ما كانَ يَسْتَحِقُّهُ إنْكارُهُ في الدُّنْيا، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِعِظَمِهِ مِمّا يَحِقُّ تَأْكِيدُهُ:

ق 50:22

﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ أيْ: عَظِيمَةٍ مُحِيطَةٍ بِكَ ناشِئَةٍ لَكَ ﴿مِن هَذا﴾ أيْ: مِن تَصَوُّرِ هَذا اليَوْمِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ انْقِطاعِ الأسْبابِ، والجَزاءِ بِالثَّوابِ أوِ العِقابِ؛ لِأنَّهُ عَلى شِدَّةِ جَلائِهِ خَفِيٌّ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الشَّهَواتِ ﴿فَكَشَفْنا﴾ بِعَظَمَتِنا بِالمَوْتِ ثُمَّ بِالبَعْثِ ﴿عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ الَّذِي كانَ (p-٤٢٥)يَحْجُبُكَ عَنْ رُؤْيَتِهِ مِنَ الغَفْلَةِ بِالآمالِ في الجاهِ والأمْوالِ وسائِرِ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ، تَحْقِيقًا لِما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الإحاطَةِ بِالتَّقْدِيرِ والتَّعْجِيزِ، وعَنِ الواسِطِيِّ: مِن كُشِفَ عَنْهُ غِطاءُ الغَفْلَةِ أبْصَرَ الأشْياءَ كُلَّها في أسْرِ القُدْرَةِ وانْكَشَفَ لَهُ حَقائِقُ الأشْياءِ بِأسْرِها، وهَذا عِبارَةٌ عَنِ العِلْمِ بِأحْوالِ القِيامَةِ. ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الكَشْفِ الِانْكِشافُ التّامُّ، عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ﴾ أيْ: بَعْدَ البَعْثِ ﴿حَدِيدٌ﴾ أيْ: في غايَةِ الحِدَّةِ والنُّفُوذِ، فَلِذا تُقِرُّ بِما كُنْتَ تُنْكِرُ.

ق 50:23

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِما تَقُولُهُ لَهُ المَلائِكَةُ أوْ مَن أرادَ مِن جُنُودِهِ، وكانَ قَدْ أخْبَرَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ والشَّياطِينِ وغَيْرِها تَكُونُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ضِدًّا، أخْبَرَ بِما يَقُولُ القَرِينُ مِنَ السّائِقِ والشَّهِيدِ والشَّيْطانِ الَّذِي تَقَدَّمَ حَدِيثُهُ في الزُّخْرُفِ، فَقالَ [عاطِفًا] عَلى القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ ”لَقَدْ“ مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُضِيِّ تَأْكِيدًا لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقًا: ﴿وقالَ قَرِينُهُ﴾ أيِ: الشَّيْطانُ الَّذِي سُلِّطَ عَلى إغْوائِهِ واسْتِدْراجِهِ إلى ما يُرِيدُ؛نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ﴿هَذا﴾ أيِ: الإنْسانُ الَّذِي قَرَنْتَنِي بِهِ. ولَمّا كانَ الأمْرُ في كُلٍّ مِنَ الطّائِعِ والعاصِي في غايَةِ العَجَبِ؛ لِأنَّ الطّائِعَ يُنابِذُ هَواهُ فَيَكُونُ مَلَكِيًّا مُجَرَّدًا مِن حُظُوظِهِ ونَوازِعِ نُفُوسِهِ وما بُنِيَتْ عَلَيْهِ مِنَ النَّقائِصِ والشَّهَواتِ، [والعاصِي] طَوْعُ (p-٤٢٦)يَدَيِ الشَّيْطانِ، يُصِّرِفُهُ في أغْراضِهِ كَيْفَ يَشاءُ، فَيُطِيعُهُ بِغايَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَداوَتِهِ، وأنَّ طاعَتَهُ لا تَكُونُ إلّا بِمُخالَفَةِ أمْرِ اللَّهِ الوَلِيِّ الوَدُودِ، وكانَ العاصِي أكْثَرَ كَثْرَةً يَكُونُ الطّائِعُ فِيها بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كالشَّعْرَةِ البَيْضاءِ في جِلْدِ الثَّوْرِ الأسْوَدِ، وكانَ ذَلِكَ مُنابِذًا لِلْعَقْلِ، أشارَ إلى هَذِهِ المُنابَذَةِ بِأداةِ مَن لا يَعْقِلُ وإلى جَمِيعِ ما في أمْرِهِ مِنَ العَجَبِ بِلَدَيَّ فَقالَ: ﴿ما لَدَيَّ﴾ أيِ [الأمْرُ] الَّذِي عِنْدِي مِنَ الأمْرِ المُسْتَغْرَبِ جِدًّا لِكَوْنِ المُطِيعِ عَصانِي، وهو مَطْبُوعٌ عَلى النَّقائِصِ والحُظُوظِ الَّتِي يَرى [أنَّها] حَياتُهُ ولَذَّتُهُ وراحَتُهُ، والعاصِي أطاعَنِي وهو يَعْلَمُ بِعَقْلِهِ أنِّي شَرٌّ مَحْضٌ، وتَرَكَ الخَيْرَ المَحْضَ وهو عالِمٌ بِأنَّ في ذَلِكَ هَلاكَهُ ﴿عَتِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ مُهَيَّأٌ لِما يُرادُ مِنهُ.

ق 50:24

ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ مَن أُحْضِرَ إلَيْهِ شَيْءٌ تَبادَرَ إلى أمْرِهِ بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، وصَلَ بِذَلِكَ ما هو نَتِيجَتُهُ، وبَدَأ بِالعاصِي؛ لِأنَّ المَقامَ لَهُ، فَقالَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا وزْنَ لَهُ، فَلا وقْفَةَ في عَذابِهِ بِحِسابِهِ ولا غَيْرِهِ، مُؤَكِّدًا خِطابًا لِلْمُؤَكَّدِ بِالإلْقاءِ أوْ خِطابًا لِلسّائِقِ والشَّهِيدِ، أوِ السّائِقِ وحْدَهُ مُثَنِّيًا لِضَمِيرِهِ تَثْنِيَةً لِلْأمْرِ كَأنَّهُ قالَ: ألْقِ ألْقِ، تَأْكِيدًا لَهُ وتَهْوِيلًا: ﴿ألْقِيا﴾ أيِ اطْرَحا دَفْعًا مِن غَيْرِ شَفَقَةٍ، وقِيلَ: بَلْ هو تَثْنِيَةٌ؛ وأصْلُ ذَلِكَ أنَّ الرُّفْقَةَ أدْنى ما يَكُونُ ثَلاثَةً، فَجَرى كَلامُ الواحِدِ عَلى صاحِبِهِ، ألا تَرى أنَّ الشُّعَراءَ أكْثَرُ شَيْءٍ قِيلًا: يا صاحِبِيَّ، يا خَلِيلِيَّ، والسِّرُّ فِيهِ إذا كانَ المُخاطَبُ واحِدًا إفْهامُهُ أنَّهُ يُرادُ مِنهُ الفِعْلُ بِجِدٍّ عَظِيمٍ تَكُونُ قُوَّتُهُ (p-٤٢٧)فِيهِ مُعادِلَةً لِقُوَّةِ اثْنَيْنِ ﴿فِي جَهَنَّمَ﴾ أيِ: النّارِ الَّتِي تَلْقى المُلْقى فِيها بِما كانَ يُعامِلُ بِهِ عِبادَ اللَّهِ مِنَ الكِبْرِ والعُبُوسَةِ والتَّكَرُّهِ والتَّعَصُّبِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ تَعْلِيلَ إلْقائِهِ بِوَصْفٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ لِيَكُونَ لُطْفًا لِمَن أرادَ اللَّهُ عِصْمَتَهُ مِمَّنْ سَمِعَ هَذا المَقالَ وحُجَّةً عَلى مَن أرادَ اللَّهُ إهانَتَهُ: ﴿كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾ أيْ: مَبالِغٍ في سَتْرِ الحَقِّ والمُعاداةِ لِأهْلِهِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ حَمِيَّةً وأنَفَةً نَظَرًا إلى اسْتِحْسانِ ما عِنْدَهُ والثَّباتِ عَلَيْهِ تَجَبُّرًا وتَكَبُّرًا عَلى ما عِنْدَ غَيْرِهِ ازْدِراءً لَهُ كائِنًا مَن كانَ

ق 50:25

﴿مَنّاعٍ﴾ أيْ: كَثِيرِ المَنعِ ﴿لِلْخَيْرِ﴾ مِنَ المالِ وغَيْرِهِ مِن كُلِّ مَعْرُوفٍ يَتَعَلَّقُ بِالمالِ والقالِ والفِعالِ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُتَجاوِزٍ لِلْحُدُودِ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: داخِلٍ في الرَّيْبِ وهو الشَّكُّ والتُّهْمَةُ في أمْرِ الدِّينِ، ومُوقِعٍ غَيْرَهُ فِيهِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”كُلِّ“ قَوْلَهُ بَيانًا لِمُبالَغَتِهِ في الكُفْرِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ كُلَّ شَرٍّ

ق 50:26

﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ كُفْرًا مُضاعِفًا وعِنادًا ومَنعًا لِلْخَيْرِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ في قَلْبِهِ ولِسانِهِ وبَدَنِهِ، وتَجاوُزًا لِلْحُدُودِ دُخُولًا في الشَّكِّ وإدْخالًا لِغَيْرِهِ فِيهِ ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلَيْسَ أمْرُهُ خَفِيًّا عَنْ كُلِّ ذِي عَقْلٍ ﴿إلَهًا﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَنَزَّلَ الآيَةَ عَلى مَن يَدْعُو اللَّهَ بِغَيْرِ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ، صَرَّحَ بِالمُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ وزادَ الكَلامَ أنَّهُ مَأْخُوذٌ (p-٤٢٨)مِنَ التَّأخُّرِ النّاظِرِ إلى الرَّداءَةِ والسُّقُوطِ عَنْ [عَيْنِ] الِاعْتِبارِ بِالكُلِّيَّةِ. ولَمّا كانَ هَذا قَدْ جَحَدَ الحَقَّ الواجِبَ لِلَّهِ لِذاتِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ثُمَّ ما يَجِبُ لَهُ مِن [جِهَةِ] رُبُوبِيَّتِهِ وإنْعامِهِ عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، ثُمَّ مِن جِهَةِ إدامَةِ إحْسانِهِ مَعَ المَعْصِيَةِ بِالحِلْمِ، وعانَدَ في ذَلِكَ وفي إثْباتِهِ لِلْغَيْرِ ما لا يَصِحُّ لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، سَبَّبَ عَنْ وصْفِهِ قَوْلَهُ: ﴿فَألْقِياهُ في العَذابِ﴾ [أيِ] الَّذِي يُزِيلُ [كَلَّ] عُذُوبَةٍ ﴿الشَّدِيدِ﴾

ق 50:27

ولَمّا كانَ القَرِينُ قَدْ قالَ ما تَقَدَّمَ مُرِيدًا بِهِ - جَهْلًا مِنهُ - الخَلاصَ مِنَ العَذابِ بِإظْهارِ أنَّهُ لَيْسَ بِأوْصافِ هَذِهِ النَّفْسِ، بَلْ مِن كِبارِ المُؤْمِنِينَ، فَأُجِيبَ مَقالُهُ بِإلْقاءِ تِلْكَ النَّفْسِ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِإلْقائِها بِما شَمِلَ هَذا القَرِينَ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَكُونُ مِن حالِهِ، وكانَتِ العادَةُ جارِيَةً أنَّ مَن تَكَلَّمَ في شَخْصٍ بِما فِيهِ مِثْلُهُ ولا سِيَّما إنْ كانَ هو السَّبَبَ فِيهِ أوْ كانَ قَدْ تَكَلَّمَ ذَلِكَ الشَّخْصُ فِيهِ، فَكانَ قِياسٌ ذَلِكَ يَقْتَضِي ولا بُدَّ أنْ تَقُولَ تِلْكَ النَّفْسُ القَوْلَ فِيها، وهَذا عِنْدَ الأمْرِ بِإلْقائِها: رَبَّنا هو أطْغانِي: أجابَ تَعالى عِنْدَ هَذا التَّشَوُّفِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ قَرِينُهُ﴾ مُنادِيًا بِإسْقاطِ الأداةِ دَأْبَ أهْلِ القُرْبِ إيهامًا أنَّهُ مِنهُمْ: ﴿رَبَّنا﴾ أيُّها المُحْسِنُ [إلَيْنا] أيَّتُها الخَلائِقُ كُلُّهم ﴿ما أطْغَيْتُهُ﴾ أيْ: أوْقَعْتُهُ فِيما كانَ فِيهِ مِنَ الطُّغْيانِ؛ فَإنَّهُ لا سُلْطانَ لِي عَلَيْهِ وأنْتَ أعْلَمُ بِذَلِكَ ﴿ولَكِنْ كانَ﴾ بِجِبِلَّتِهِ وطَبْعِهِ (p-٤٢٩)﴿فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ مُحِيطٍ بِهِ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ لا يُمْكِنُ رُجُوعُهُ مَعَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ يُبادِرُ إلى كُلِّ ما يُغْضِبُ اللَّهَ، وإنَّ حَرَكَتَهُ إلَيْهِ إنْ فاتَهُ لا يَحْتاجُ إلى أدْنى تَحْرِيكٍ فَيَثُورُ لَهُ ثَوْرَةَ مَن هو مَجْبُولٌ مَرْكُوزٌ في طِباعِهِ.

ق 50:28

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ يُجابُ عَنْ هَذا؟ وهَلْ يُقْبَلُ مِنهُ؟ قِيلَ: لا ﴿قالَ﴾ أيِ المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا وقُدْرَةً الَّذِي حَكَمَ عَلَيْهِمْ في الأزَلِ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا﴾ أيْ: لا تُوقِعُوا الخُصُومَةَ بِهَذا الجِدِّ والِاجْتِهادِ ﴿لَدَيَّ﴾ أيْ: في دارِ الجَزاءِ بِهَذِهِ الحَضْرَةِ الَّتِي هي فَوْقَ ما كُنْتُمْ تُدْرِكُونَهُ مِنَ الأخْبارِ عَنْها بِكَثِيرٍ، وأعْجَبَ بِما يُدْرَكُ حَقَّ الإدْراكِ، فَقَدْ أتَمَّ انْكِشافُ ما كانَ يَسْتَغْرِبُهُ الخاصَّةُ بَلْ خاصَّةُ الخاصَّةِ، فَفاتَ بِانْكِشافِها نَفْعُ إيمانٍ جَدِيدٍ ﴿وقَدْ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿قَدَّمْتُ﴾ أيْ: تَقَدَّمْتُ، أيْ أمَرْتُ وأوْصَيْتُ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ مُوصِلًا ومُنْهِيًا ﴿إلَيْكُمْ﴾ أيْ: كُلَّ ما يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ لَبْسٌ ولا تَرَكْتُ لِأحَدٍ حُجَّةً بِوَجْهٍ، وجَعَلْتُ ذَلِكَ رِفْقًا بِكم مُلْتَبِسًا ﴿بِالوَعِيدِ﴾ أيِ: التَّهْدِيدِ وهو التَّخْوِيفُ العَظِيمُ عَلى جَمِيعِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ مِنَ الكُفْرانِ والعُدْوانِ في الوَقْتِ الَّذِي كانَتْ فِيهِ [هَذِهِ] الحَضْرَةُ الَّتِي هي غَيْبُ الغَيْبِ ومَسْتُورَةٌ بِسَتائِرِ الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ وبَلْ كانَ ما دُونَها مِنَ الغَيْبِ مَسْتُورًا، فَكانَ الإيمانُ بِهِ نافِعًا.

ق 50:29

ولَمّا كانَتِ الأوْقاتُ كُلُّها عِنْدَهُ سُبْحانَهُ حاضِرَةً، عَبَّرَ سُبْحانَهُ في تَعْلِيلِ ذَلِكَ بِ”ما“ الَّتِي لِلْحاضِرِ دُونَ ”لا“ الَّتِي لِلْمُسْتَقْبَلِ فَقالَ: ﴿ما يُبَدَّلُ﴾ أيْ: يُغَيَّرُ مِن مُغَيَّرٍ [ما كانَ مِن] كانَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ بِحَيْثُ يُجْعَلُ (p-٤٣٠)لَهُ بَدَلٌ فَيَكُونُ فِيهِ خُلْفٌ ﴿القَوْلُ لَدَيَّ﴾ أيِ: الواصِلُ إلَيْكم مِن حَضْرَتِي الَّتِي لا يُحاطُ بِأمْرِ غَرابَتِها بِأنَّ مَن أشْرَكَ بِي لا أغْفِرُ لَهُ وأغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن أشاءُ، والعَفْوُ عَنْ بَعْضِ المُذْنِبِينَ لَيْسَ تَبْدِيلًا؛ لِأنَّ دَلائِلَ العَفْوِ تَدُلُّ عَلى تَخْصِيصِ الوَعِيدِ، وأنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشَرائِطَ ﴿وما أنا﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿بِظَلامٍ﴾ أيْ: بِذِي ظُلْمٍ ﴿لِلْعَبِيدِ﴾ لا القَرِينِ ولا مَن أطْغاهُ ولا غَيْرِهِمْ، فَأُعَذِّبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ أوْ أعْفُو عَمَّنْ قُلْتُ: إنِّي لا أغْفِرُ لَهُ وأمَرْتُ جُنْدِي فَعادَوْهُ فِيَّ، ولَوْ عَفَوْتُ عَنْهُ كُنْتُ مَعَ تَبْدِيلِ القَوْلِ قَدْ سُؤْتُهم بِإكْرامِ مَن عادَوْهُ فِيَّ لَيْسَ إلّا.

ق 50:30

ولَمّا كانَ هَذا التَّقاوُلُ مِمّا يَهُولُ أمْرُهُ ويَقْلَعُ القُلُوبَ ذِكْرُهُ، صَوَّرَ وقْتَهُ بِصُورَةٍ تَزِيدُ في ذَلِكَ الهَوْلِ، ويَنْقَطِعُ دُونَ وصْفِها القَوْلُ، ولا يُطْمَعُ في الخَلاصِ مِنها بِقُوَّةٍ ولا حَوْلٍ، فَقالَ ما مَعْناهُ: [يَكُونُ] هَذا كُلُّهُ ﴿يَوْمَ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ الإعْلامَ بِأنَّ النّارَ كَبِيرَةٌ مَعَ ضِيقِها، فَهي تَسَعَ مِنَ الخَلائِقِ ما لا يَقَعُ تَحْتَ حَصْرٍ، وأنَّها مَعَ كَراهَتِها لِمَن يَصْلاها وتَجَهُّمِها لَهم تُحِبُّ تَهافُتَهم فِيها وجَلْبَهم إلَيْها عَبَّرَ عَنْهُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿نَقُولُ﴾ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي [لا] يَسُوغُ لِشَيْءٍ أنْ يَخْفى عَنْها ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ دارِ العَذابِ مَعَ الكَراهَةِ والعُبُوسَةِ والتَّجَهُّمِ إظْهارًا لِلْهَوْلِ بِتَصْوِيرِ الأمْرِ المُهَدَّدِ بِهِ، وتَقْرِيعِ الكُفّارِ، وتَنْبِيهِ مَن يَسْمَعُ (p-٤٣١)هَذا الخَبَرَ عَنْ هَذا السُّؤالِ مِنَ الغَفْلَةِ: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾ فَصَدَقَ قَوْلُنا ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وذَلِكَ بَعْدَ أنْ يُلْقى فِيها مِنَ الخَلائِقِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، فَتَقُولُ: لا. ﴿وتَقُولُ﴾ طاعَةً لِلَّهِ ومَحَبَّةً في عَذابِ أعْدائِهِ وإخْبارًا بِأنَّها لَمْ تَمْتَلِئْ؛ لِأنَّ النّارَ مِن شَأْنِها أنَّها كُلَّما زِيدَتْ حَطَبًا زادَتْ لَهَبًا: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ أيْ: زِيادَةٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ العُصاةِ إزادَةً، سَواءٌ كانَ كَثِيرًا أوْ قَلِيلًا؛ فَإنِّي أسَعُ ما يُؤْتى بِهِ إلَيَّ ولا تَزالُ كَذَلِكَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: ««لا تَزالُ جَهَنَّمُ يُلْقى فِيها وتَقُولُ: هَلْ مِن مَزِيدٍ حَتّى يَضَعَ الجَبّارُ فِيها قَدَمَهُ»». أيْ: يَضْرِبُها مِن جَبَرُوتِهِ بِسَوْطِ إهانَةٍ فَيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتَقُولُ: قَطْ قَطْ وعِزَّتِكَ، ثُمَّ يَسْتَمِرُّونَ بَيْنَ دُولَتَيِ الحَرِّ والزَّمْهَرِيرِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ آيَةً في هَذِهِ الدّارِ بِاخْتِلافِ الزَّمانِ في الحَرِّ والبَرْدِ، فَإذا أفْرَطَ الحُرُّ جاءَتْ رَحْمَتُهُ [تَعالى بِالبَرْدِ وبِالماءِ مِنَ السَّماءِ فامْتَزَجا مَعًا فَكانَ التَّوَسُّطُ، وإذا أفْرَطَ البَرْدُ جاءَتْ رَحْمَتُهُ] بِالحَرِّ بِواسِطَةِ الشَّمْسِ، فامْتَزَجَ المُوجَدانِ، فَكانَ لَهُ تَوَسُّطٌ، وكُلُّ ذَلِكَ [لَهُ] دَوائِرُ مَوْزُونَةٌ بِأقْساطٍ مُقَسَّطَةٍ مَعْلُومَةٍ بِتَقْدِيرِ العَزِيزِ العَلِيمِ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ بُرْجانَ.

ق 50:31

ولَمّا ذَكَرَ النّارَ وقَدَّمَها لِأنَّ المَقامَ لِلْإنْذارِ، أتْبَعَها دارَ الأبْرارِ، فَقالَ سارًّا لَهم بِإسْقاطِ مُؤْنَةِ السَّيْرِ وطَيِّ شُقَّةِ البُعْدِ: ﴿وأُزْلِفَتِ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ بِأيْسَرِ أمْرٍ مَعَ الدَّرَجاتِ والحِياضِ المُمْتَلِئَةِ ﴿الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ، فَإذا رَأوْها تَسابَقُوا إلَيْها وتَرَكُوا ما كانُوا فِيهِ مِن (p-٤٣٢)المَوْقِفِ مِن مَنابِرِ النُّورِ وكُثْبانَ المِسْكِ ونَحْوِ هَذا، وأمّا غَيْرُهم مِن أهْلِ الإيمانِ فَقَدْ يَكُونُ لَهم عَلى غَيْرِ هَذا الوَصْفِ، فَيُساقُ إلَيْها الَّذِينَ اتَّقَوْا كَما مَضى في الزُّمَرِ. ولَمّا كانَ القُرْبُ أمْرًا نِسْبِيًّا أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ أيْ: إزْلافًا لا يَصِحُّ وصْفُهُ بِبُعْدٍ.

ق 50:32

ولَمّا كانَ التَّقْرِيبُ قَدْ لا يَدْرِي النّاظِرُ ما سَبَبُهُ، قالَ سارًّا لَهُمْ: ﴿هَذا﴾ أيِ: الإزْلافُ والَّذِي تَرَوْنَهُ مِن كُلِّ ما يَسُرُّكم ﴿ما﴾ أيِ: الأمْرُ الَّذِي ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ: وقَعَ الوَعْدُ لَكم بِهِ في الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، وعَبَّرَ عَنِ الإزْلافِ بِالماضِي تَحْقِيقًا لِأمْرِهِ وتَصْوِيرًا لِحُضُورِهِ الآنَ لِيَكُونَ المُضارِعُ مِنَ الوَعْدِ في أحْكَمِ مَواضِعِهِ، وأبْهَمَ الأمْرَ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ تَشْوِيقًا، والتَّعْيِينُ بَعْدَ الإبْهامِ ألَذُّ، فَلِذَلِكَ قالَ بَيانًا لِلْمُتَّقِينَ، مُعِيدًا لِلْجارِّ لِما وقَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ مِنَ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: لِمَن هَذا الوَعْدُ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أوّابٍ﴾ أيْ: رَجّاعٍ إلى الِاسْتِقامَةِ بِتَقْوى القَلْبِ إنْ حَصَلَ في ظاهِرِهِ عِوَجٌ، فَنَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ مِن فَضْلِهِ لَمْ يَشْتَرِطْ في صِحَّةِ وصْفِهِ بِالتَّقْوى دَوامَ الِاسْتِقامَةِ ﴿حَفِيظٍ﴾ أيْ: مُبالِغٍ في حِفْظِ الحُدُودِ وسائِرِ العُهُودِ بِدَوامِ الِاسْتِقامَةِ والرُّجُوعِ بَعْدَ الزَّلَّةِ، ثُمَّ أبْدَلَ مِن ”كُلِّ“ [تَتْمِيمًا] لِبَيانِ المُتَّقِينَ قَوْلَهُ:

ق 50:33

﴿مَن خَشِيَ﴾ ولَمْ يُعِدِ الجارَّ لِأنَّهُ لا اعْتِراضَ قَبْلَهُ كالأوَّلِ، ونَبَّهَ عَلى كَثْرَةِ [خَشْيَتِهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنَ﴾ لِأنَّهُ إذا خافَ مَعَ اسْتِحْضارِ الرَّحْمَةِ العامَّةِ لِلْمُطِيعِ والعاصِي كانَ خَوْفُهُ مَعَ اسْتِحْضارِ غَيْرِها أوْلى، وقالَ القُشَيْرِيُّ: التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ (p-٤٣٣)لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خَشْيَةٌ تَكُونُ مَقْرُونَةً بِالأُنْسِ يَعْنِي الرَّجاءَ كَما هو المَشْرُوعُ، قالَ: ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ”الجَبّارَ“ أوِ ”القَهّارَ“ قالَ: ويُقالُ: الخَشْيَةُ ألْطَفُ مِنَ الخَوْفِ؛ فَكَأنَّها قَرِيبَةٌ مِنَ الهَيْبَةِ ﴿بِالغَيْبِ﴾ أيْ: مُصاحِبًا لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَطْلُبَ آيَةً أوْ أمْرًا يَصِيرُ بِهِ إلى حَدِّ المُكاشَفَةِ، بَلِ اسْتَغْنى بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي مِنها [أنَّهُ] مَرْبُوبٌ، فَلا بُدَّ لَهُ مِن رَبٍّ، وهو أيْضًا بَيانٌ لِبَلِيغِ خَشْيَتِهِ. ولَمّا كانَ النّافِعُ مِنَ الطّاعَةِ الدّائِمَ إلى المَوْتِ، قالَ: ﴿وجاءَ﴾ أيْ: بَعْدَ المَوْتِ ﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ أيْ: راجِعٍ إلى اللَّهِ تَعالى بِوازِعِ العِلْمِ، ولَمْ يُقَلْ: بِنَفْسٍ، لُطْفًا بِالعُصاةِ؛ لِأنَّهم وإنْ قَصَّرَتْ نُفُوسُهم لَمْ يَكُنْ لَها صِدْقُ القَدَمِ فَلَهُمُ الأسَفُ بِقُلُوبِهِمْ، وصِدْقُ النَّدَمِ.

ق 50:34

ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِكَوْنِها لَهم وإنْ كانَ أمْرًا سارًّا لا يَقْتَضِي دُخُولَها في ذَلِكَ الوَقْتِ، زادَ سُرُورُهم بِالإذْنِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِضَمِيرِ الجَمِيعِ بَيانًا لِأنَّ المُرادَ مِن ”مَن“ جَمِيعُ المُتَّقِينَ: ﴿ادْخُلُوها﴾ أيْ: يُقالُ لَهُمُ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ. ولَمّا كانَ المُرادُ اسْتِقْبالَهم بِالإلْذاذِ بِالبِشارَةِ قالَ: ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: مُصاحِبِينَ لِلسَّلامَةِ مِن كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُخافَ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ إنْهاءً لِلسُّرُورِ إلى غايَةٍ لا تُوصَفُ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: اليَوْمُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿يَوْمُ﴾ ابْتِداءٌ أوْ تَقْرِيرٌ ﴿الخُلُودِ﴾ أيِ: الإقامَةِ الَّتِي لا آخِرَ لَها ولا نَفاذَ لِشَيْءٍ مِن لَذّاتِها أصْلًا، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: عَلى أيِّ وجْهٍ خُلُودُهُمْ؟

ق 50:35

﴿لَهُمْ﴾ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿ما يَشاءُونَ﴾ أيْ: يَتَجَدَّدُ (p-٤٣٤)مَشِيئَتُهم أوْ تُمْكِنُ مَشِيئَتُهم [لَهُ] ﴿فِيها﴾ أيِ: الجَنَّةِ ﴿ولَدَيْنا﴾ أيْ: عِنْدَنا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي في غايَةِ الغَرابَةِ عِنْدَهم وإنْ كانَ كُلُّ ما عِنْدَهم مُسْتَغْرَبًا ﴿مَزِيدٌ﴾ أيْ: مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ أوْهامِهِمْ يَشاؤُوهُ؛ فَإنَّ سِياقَ الِامْتِنانِ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَنْوِينَهُ لِلتَّعْظِيمِ، والتَّعْبِيرُ بِلَدى يُؤَكِّدُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا يُناسِبُها؛ بِأنْ يَكُونُوا كُلَّ لَحْظَةٍ في زِيادَةٍ عَلى أمانِيهِمْ عَكْسَ ما كانُوا في الدُّنْيا، وبِذَلِكَ تَزْدادُ عُلُومُهُمْ، فَمَقْدُوراتُ اللَّهِ لا تَنْحَصِرُ؛ لِأنَّ مَعْلُوماتِهِ لا تَنْتَهِي.

ق 50:36

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلَ السُّورَةِ تَكْذِيبَهم بِالقُدْرَةِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِما يُكَذِّبُهم في ذَلِكَ التَّكْذِيبِ، ثُمَّ سَلّى وهَدَّدَ بِتَكْذِيبِ الأُمَمِ السّابِقَةِ، وذَكَرَ قُدْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، وأتْبَعَهُ الدَّلالَةَ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ إلى أنْ خَتَمَ بِالإشارَةِ إلى أنَّ قُدْرَتَهُ لا نِهايَةَ لَها، ولا تُحْصَرُ بِحَدٍّ ولا تُحْصى بِعَدٍّ، رَدًّا عَلى أهْلِ العِنادِ وبِدْعَةِ الِاتِّحادِ في قَوْلِهِمْ: ”لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“ عَطَفَ عَلى [ما] قَدَّرْتُهُ بَعْدُ ﴿فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] مِن إهْلاكِ تِلْكَ الأُمَمِ مِمّا هو أعَمُّ مِنهُ بِشُمُولِهِ جَمِيعَ الزَّمانِ الماضِي وأدَلَّ عَلى شُمُولِ القُدْرَةِ، فَقالَ: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. ولَمّا كانَ المُرادُ تَعْمِيمَ الإهْلاكِ في جَمِيعِ الأزْمانِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، نَزَعَ الجارَّ بَيانًا لِإحاطَةِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿قَبْلَهُمْ﴾ وزادَ في دَلالَةِ التَّعْمِيمِ فَأثْبَتَهُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَرْنٍ﴾ أيْ: جِيلٍ هم في غايَةِ القُوَّةِ، وزادَ في بَيانِ القُوَّةِ فَقالَ: (p-٤٣٥)﴿هُمْ﴾ أيْ: أُولَئِكَ القُرُونُ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿أشَدُّ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن قُرَيْشٍ ﴿بَطْشًا﴾ أيْ: قُوَّةً وأخْذًا لِما يُرِيدُونَهُ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ والشِّدَّةِ، وحَذْفُ الجارِّ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ قَبْلَ قُرَيْشٍ كانُوا أقْوى مِنهُمْ، وإثْباتُهُ في ”ص“ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَذْكُورِينَ بِالإهْلاكِ هُناكَ مَعَ الِاتِّصافِ بِالنِّداءِ المَذْكُورِ بَعْضُ المُهْلَكِينَ لا كُلُّهم. ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِأشَدِّيَّتِهِمْ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَنَقَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا النَّقْبَ ﴿فِي البِلادِ﴾ بِأنْ فَتَحُوا فِيها الأبْوابَ الحِسِّيَّةَ والمَعْنَوِيَّةَ وخَرَقُوا في أرْجائِها ما لَمْ يَقْدِرْ غَيْرُهم عَلَيْهِ وبالَغُوا في السَّيْرِ في النِّقابِ، وهي طُرُقُ الجِبالِ والطُّرُقُ الضَّيِّقَةُ فَضْلًا عَنِ الواسِعَةِ وما في السُّهُولِ، بِعُقُولِهِمُ الواسِعَةِ وآرائِهِمُ النّافِذَةِ وطَبائِعِهِمُ القَوِيَّةِ، وبَحَثُوا مَعَ ذَلِكَ عَنِ الأخْبارِ، وأخْبَرُوا غَيْرَهم بِما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِمْ، وكانَ كُلٌّ مِنهم نِقابًا في ذَلِكَ؛ أيْ عَلامَةً فِيهِ فَصارَتْ لَهُ بِهِ مَناقِبُ أوْ مَفاخِرُ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ولَمْ يَسْلَمُوا مَعَ كَثْرَةِ تَنْقِيبِهِمْ وشِدَّتِهِ مِن إهْلاكِنا بِغَوائِلِ الزَّمانِ ونَوازِلِ الحَدَثانِ، تَوَجَّهَ سُؤالُ كُلِّ سامِعٍ عَلى ما في ذَلِكَ مِنَ العَجائِبِ والشِّدَّةِ والهَوْلِ والمَخاوِفِ سُؤالَ تَنْبِيهٍ لِلذّاهِلِ الغافِلِ، وتَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ لِلْمُعانِدِ الجاهِلِ، بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾ أيْ: مَعْدِلٍ ومَحِيدٍ ومَهْرَبٍ وإنْ دَقَّ، مِن قَضائِنا لِيَكُونَ لِهَؤُلاءِ وجْهٌ ما في رَدِّ أمْرِنا.

ق 50:37

ولَمّا ذَكَرْنا هُنا مِنَ المَواعِظِ ما أرْقَصَ الجَمادَ، فَكَيْفَ بِمَن يَدَّعِي أنَّهُ مِن رُؤُوسِ النُّقّادِ، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُؤَكَّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الجاحِدِ وعِنادِ المُعانِدِ: (p-٤٣٦)﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ [الأمْرِ] البَدِيعِ مِنَ العِظاتِ الَّتِي صَرَّفْناها هُنا عَلى ما تَرَوْنَ مِنَ الأسالِيبِ العَجِيبَةِ والطُّرُقِ الغَرِيبَةِ في الإهْلاكِ وغَيْرِهِ ﴿لَذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرًا عَظِيمًا جِدًّا. ولَمّا كانَ المُتَذَكِّرُ بِمَصارِعِ المُهْلَكِينَ [تارَةً] بِأنْ يَكُونَ حاضِرًا فَيَرى مُصارِعَهم حالَ الإيقاعِ بِهِمْ أوْ يَرى آثارَهم بَعْدَ ذَلِكَ، وتارَةً يُخْبَرُ عَنْها، قالَ بادِئًا بِالرّائِي لِأنَّهُ أجْدَرُ بِالتَّذْكِيرِ: ﴿لِمَن كانَ﴾ أيْ: كَوْنًا عَظِيمًا ﴿لَهُ قَلْبٌ﴾ هو في غايَةِ العَظَمَةِ والنُّورانِيَّةِ إنْ رَأى شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَهو بِحَيْثُ يَفْهَمُ ما يَراهُ ويَعْتَزُّ بِهِ، ومَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلا قَلْبَ لَهُ؛ لِأنَّ قَلْبَهُ لَمّا كانَ غَيْرَ نافِعٍ كانَ عَدَمًا. ولَمّا كانَ قَدْ بَدَأ بِالنّاظِرِ لِأنَّهُ أوْلى بِالِاعْتِبارِ وأقْرَبُ إلى الِادِّكارِ، ثَنّى بِمَن نُقِلَتْ إلَيْهِ الأخْبارُ فَقالَ:﴿أوْ ألْقى﴾ أيْ: إلْقاءً عَظِيمًا بِغايَةِ إصْغائِهِ حَتّى كَأنَّهُ يَرْمِي بِشَيْءٍ ثَقِيلٍ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ ﴿السَّمْعَ﴾ أيِ: الكامِلَ الَّذِي قَدْ جَرَّدَهُ عَنِ الشَّواغِلِ مِنَ الحُظُوظِ وغَيْرِها إذا سَمِعَ ما غابَ عَنْهُ ﴿وهُوَ﴾ أيْ: [و] الحالُ أنَّهُ في حالِ إلْقائِهِ ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: حاضِرٌ بِكُلِّيَّتِهِ، فَهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَصْوِيبِ الفِكْرُ وجَمْعِ الخاطِرِ، فَلا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِمّا تُلِيَ عَلَيْهِ وأُلْقِيَ إلَيْهِ، فَيَتَذَكَّرُ بِما ذَكَّرْناهُ بِهِ عَنْ قُدْرَتِنا مِنَ الجُزْئِيّاتِ ما أنْتَجَهُ مِنَ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ورَأى مَجْدَ القُرْآنِ فَعَلِمَ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ فَسَمِعَهُ مِنهُ فَصَدَّقَ الرَّسُولَ، وقَبِلَ كُلَّ ما يُخْبِرُ بِهِ، ومَن سَمِعَ شَيْئًا ولَمْ يُحْضِرْ لَهُ ذِهْنَهُ فَهو غائِبٌ، فالأوَّلُ العالِمُ بِالقُوَّةِ وهو المَجْبُولُ (p-٤٣٧)عَلى الِاسْتِعْدادِ الكامِلِ فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِ التَّدَبُّرِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الكَمالِ المُهَيَّأِ بِفَهْمِ ما يُذَكِّرُ بِهِ القُرْآنُ، والثّانِي القاصِرُ بِما عِنْدَهُ مِن كَثافَةِ الطَّبْعِ فَهو بِحَيْثُ يَحْتاجُ إلى التَّعْلِيمِ فَيَتَذَكَّرُ بِشَرْطِ أنْ يَقْبَلَ بِكُلِّيَّتِهِ، ويُزِيلَ المَوانِعَ كُلَّها، فَلِذَلِكَ حَسُنَ جَدًّا مَوْقِعُ ”أوْ“ المُقَسِّمَةِ، وعُلِمَ مِنهُ عَظِيمُ شَرَفِ القُرْآنِ في أنَّهُ مُبَشِّرٌ لِلْكامِلِ والنّاقِصِ، لَيْسَ مِنهُ مانِعٌ غَيْرَ الإعْراضِ.

ق 50:38

ولَمّا دَلَّ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِخَلْقِ الإنْسانِ إثْرَ ما ذَكَرَهُ مِن جَمِيعِ الأكْوانِ، ثُمَّ بِإعْدامِهِ لِأصْنافِ الإنْسانِ في كُلِّ زَمانٍ، ذَكَّرَ بِخَلْقِ ما أكْبَرُ مِنهُ في المِقْدارِ والإنْسانُ بَعْضُهُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، فَقالَ عاطِفًا عَلى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ [ق: ١٦] وأكَّدَ تَنْبِيهًا لِمُنْكِرِي البَعْثِ وتَبْكِيتًا، وافْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ؛ لِأنَّ مِن ذُكِّرَ بِخَلْقِ شَيْءٍ [تَوَقَّعَ الإخْبارَ] عَمّا هو أكْبَرُ مِنهُ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُقَدَّرُ قَدْرُها ولا يُطاقُ حَصْرُها ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ الكِبَرِ وكَثْرَةِ المَنافِعِ ﴿وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي لا يَنْتَظِمُ الأمْرُ عَلى قاعِدَةِ الأسْبابِ والمُسَبِّباتِ بِدُونِها ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ، ومَنافِعَها في يَوْمَيْنِ، والسَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، ولَوْ شاءَ لَكانَ ذَلِكَ في أقَلَّ مِن لَمْحِ البَصَرِ، ولَكِنَّهُ سَنَّ لَنا التَّأنِّيَ بِذَلِكَ ﴿وما مَسَّنا﴾ لِأجْلِ ما لَنا مِن (p-٤٣٨)العَظَمَةِ ﴿مِن لُغُوبٍ﴾ أيْ: إعْياءٍ فَإنَّهُ لَوْ كانَ لاقْتَضى ضَعْفًا فاقْتَضى فَسادًا، فَكانَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ عَلى غَيْرِ ما أرَدْناهُ، فَكانَ تَصَرُّفُنا فِيهِ غَيْرَ تَصَرُّفِنا في الباقِي، وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ الأمْرَ في الكُلِّ عَلى حَدٍّ سَواءٍ مِن نُفُوذِ الأمْرِ وتَمامِ التَّصَرُّفِ، مِنَ اللَّغَبِ وهو الإعْياءُ، والرِّيشُ اللُّغابُ وهو الفاسِدُ.

ق 50:39

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى شُمُولِ العِلْمِ وإحاطَةِ القُدْرَةِ، وكَشَفَ فِيهِما الأمْرَ أتَمَّ كَشْفٍ، كانَ عِلْمُ الحَبِيبِ القادِرِ بِما يَفْعَلُ العَدُوُّ أعْظَمَ نِذارَةً لِلْعَدُوِّ وبِشارَةً لِلْوَلِيِّ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما﴾ أيْ: جَمِيعِ الَّذِي ﴿يَقُولُونَ﴾ أيِ: الكَفَرَةُ وغَيْرُهم. [ولَمّا] كانَتْ أقْوالُهم لا تَلِيقُ بِالجَنابِ الأقْدَسِ، أمَرَ سُبْحانَهُ بِما يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ بِإرادَتِهِ وأنَّهُ مُوجِبٌ لِتَنْزِيهِهِ وكَمالِهِ؛ لِأنَّهُ قَهَرَ قائِلَهُ عَلى قَوْلِهِ، ولَوْ كانَ الأمْرُ بِإرادَةِ ذَلِكَ القائِلِ اسْتِقْلالًا لَكانَ ذَلِكَ في غايَةِ البُعْدِ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ مُوجِبٌ لِلْهَلاكِ، فَقالَ: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ: أوْقِعِ التَّنْزِيهَ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ مُتَلَبِّسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيْ: بِإثْباتِ الإحاطَةِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ لِلسَّيِّدِ المُدَبِّرِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَمِيعِ هَذِهِ البَراهِينِ الَّتِي خَصَّكَ بِها تَفْضِيلًا لَكَ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ ما ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ بِصَلاةِ الصُّبْحِ، وما يَلِيقُ بِهِ مِنَ التَّسْبِيحِ غَيْرُها ﴿وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾ بِصَلاةِ العَصْرِ والظُّهْرِ كَذَلِكَ فالعَصْرُ أصْلٌ لِذَلِكَ الوَقْتِ والظُّهْرُ تَبَعٌ لَها.

ق 50:40

ولَمّا ذَكَرَ ما هو أدَلُّ عَلى الحُبِّ في المَعْبُودِ لِأنَّهُ وقْتُ الِانْتِشارِ (p-٤٣٩)إلى الأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ الَّتِي بِها القِوامُ والرُّجُوعُ لِقَصْدِ الرّاحَةِ الجَسَدِيَّةِ بِالأكْلِ والشُّرْبِ واللَّعِبِ والِاجْتِماعِ بَعْدَ الِانْتِشارِ والِانْضِمامِ مَعَ ما في الوَقْتَيْنِ مِنَ الدَّلالَةِ الظّاهِرَةِ عَلى طَيِّ الخَلْقِ ثُمَّ نَشْرِهِمْ، أتْبَعَهُ ما يَكُونُ وقْتَ السُّكُونِ المُرادُ بِهِ الرّاحَةُ بِلَذِيذِ الِاضْطِجاعِ والمَنامِ فَقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ أيْ: في بَعْضِ أقْواتِهِ ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ بِصَلاتَيِ المَغْرِبِ والعِشاءِ وقِيامِ اللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ وقْتُ الخَلَواتِ وهي ألَذُّ المُناجاةِ. ولَمّا ذَكَرَ الفَرائِضَ الَّتِي لا مَندُوحَةَ عَنْها عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ النَّوافِلَ مِنَ الصَّلاةِ وغَيْرِها، أتْبَعَها النَّوافِلَ المُقَيَّدَةَ بِها فَقالَ: ﴿وأدْبارَ السُّجُودِ﴾ أيِ: الَّذِي هو أكْمَلُ بابِهِ وهو صَلاةُ الفَرْضِ بِما يُصَلّى بَعْدَها مِنَ الرَّواتِبِ والتَّسْبِيحِ بِالقَوْلِ أيْضًا، قالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ ثَوابَ الكَلِماتِ بِقُدْرَةِ صُدُورِها عَنْ جِنانِ المَعْرِفَةِ والحِكْمَةِ وأنْ تَكُونَ عَيْنُ قَلْبِهِ تَدُورُ دَوَرانَ لِسانِهِ ويُلاحِظُ حَقائِقَها ومَعانِيَها، فالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهٌ مِن كُلِّ ما يُتَصَوَّرُ في الوَهْمِ أوْ يَرْتَسِمُ في الخَيالِ أوْ يَنْطَبِعُ في الحَواسِّ أوْ يَدُورُ في الهَواجِسِ، والحَمْدُ يَكْشِفُ عَنِ المِنَّةِ وصُنْعِ الصَّنائِعِ وأنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالنِّعَمِ. انْتَهى. ومَعْناهُ أنَّ هَذا الحَمْدَ هو الحَقِيقَةُ، فَإذا انْطَبَقَتْ في الجِنانِ قامَتْ بِاللِّسانِ، وتَصَوَّرَتْ بِالأرْكانِ، وحُمِلَ عَلى الصَّلاةِ لِأنَّها أفْضَلُ العِباداتِ، وهي جامِعَةٌ بِما فِيها مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ لِوَجْهَيِ الذِّكْرِ: التَّنْزِيهِ والتَّحْمِيدِ، وهاتانِ الصَّلاتانِ المُصَّدَرُ بِهِما أفْضَلُ الصَّلَواتِ فَهُما أعْظَمُ ما وقَعَ (p-٤٤٠)التَّسْبِيحُ بِالحَمْدِ، والمَعْنى -واللَّهُ أعْلَمُ-: أنَّ الِاشْتِغالَ اسْتِمْطارٌ مِنَ المَحْمُودِ المُسَبَّحِ لِلنَّصْرِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وأنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ تِرْياقٍ لِلنَّصْرِ وإزالَةِ الهَمِّ، ولِهَذا «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ».

ق 50:41

ولَمّا سَلّاهُ سُبْحانَهُ عَمّا يَسْمَعُ مِنهم مَنِ التَّكْذِيبِ [و] غَيْرِهِ مِنَ الأذى بِالإقْبالِ عَلى عَلِيِّ حَضَرْتِهِ والِانْتِظارِ لِنُصْرَتِهِ، أتْبَعَهُ تَعْزِيَةَ الإشارَةِ فِيها أظْهَرَ بِما صَوَّرَهُ يَوْمَ مُصِيبَتِهِمْ وقَرَّبَهُ حَتّى أنَّهُ يَسْمَعُ في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما فِيهِ لَهم مِنَ المَثُلاتِ وقَوارِعِ المُصِيباتِ، تَحْذِيرًا لَهم وبُشْرى لِأوْلِيائِهِ بِتَمامِ تَأْيِيدِهِ عَلَيْهِمْ ونَصْرِهِ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿واسْتَمِعْ﴾ أيِ اسْمَعْ بِتَعَمُّدِكَ لِلسَّمْعِ بِغايَةِ جُهْدِكَ بِإصْغاءِ سَمْعِكَ وإقْبالِ قَلْبِكَ بَعْدَ تَسْبِيحِكَ بِالحَمْدِ ما يُقالُ لَهم ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ لَهم في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ؛ أوَّلُ الأيّامِ الَّتِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيها لِأوْلِيائِهِ مَجْدَهُ بِالِانْتِقامِ مِن أعْدائِهِ، وفي الآخِرَةِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ وما بَعْدَهُ. ولَمّا كانَ المُرادُ إظْهارَ العَظَمَةِ بِتَصْوِيرِ تَمامِ القُدْرَةِ، وكانَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ بِإسْماعِ البَعِيدِ مِن مَحِلِّ المُنادِي كَما يَسْمَعُ القَرِيبُ سَواءٌ، وكانَ القُرْبُ مَلْزُومًا لِلسَّماعِ، قالَ مُصَوِّرًا لِذَلِكَ: ﴿مِن مَكانٍ﴾ هو صَخْرَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿قَرِيبٍ﴾ أيْ: يَسْمَعُ الصَّوْتَ مَن بَعُدَ كَما يَسْمَعُهُ مَن قَرُبَ، يَكُونُونَ في البِقاعِ سَواءً لا تَفاوُتَ بَيْنِهِمْ أصْلًا.

ق 50:42

ولَمّا عَظَّمَ هَذا المَقامَ بِما كَساهُ مِن ثَوْبِ الإجْمالِ أبْدَلَ مِنهُ إيضاحًا (p-٤٤١)وزِيادَةً في التَّعْظِيمِ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ يُنادَوْنَ ﴿الصَّيْحَةَ﴾ أيْ: صَيْحَةً أصْمَتَهُمُ المُسْتَنْفِرُ لَهم إلى بَدْرٍ في الدُّنْيا، فَكانَتْ صَيْحَةً قاضِيَةً بِصَمَمِهِمْ عَنْ جَمِيعِ تَصَرُّفاتِهِمْ، وصَيْحَةُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ في الصُّورِ في الآخِرَةِ فَهُما نَفْخَتا حَشْرٍ إلى القَضاءِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ. ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ: الأمْرِ الثّابِتِ الَّذِي كانُوا يُسَمُّونَهُ سِحْرًا، ويَعُدُّونَهُ خَيالًا، فَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ أنَّ الواقِعَ قَدْ يُطابِقُهُ، فَكانَ حَقًّا فَإنَّهُ قَدْ طابَقَهُ الواقِعُ، فَكانَ الإخْبارُ بِهِ صِدْقًا. ولَمّا عَظَّمَهُ سُبْحانَهُ بِإجْمالٍ بَعْدَ إجْمالٍ، إشارَةً إلى أنَّ ما فِيهِ مِن شَدِيدِ الأهْوالِ، يَطُولُ شَرْحُهُ بِالمَقالِ، زادَهُ تَعْظِيمًا بِما أنْتَجَهُ الكَلامُ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ المُجِدُّ ويَعْلُو بِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ المَجْدُ ﴿يَوْمُ الخُرُوجِ﴾ أيِ: الَّذِي لا خُرُوجَ أعْظَمُ مِنهُ؛ وهو خُرُوجُهم مِن بُيُوتِهِمْ في الدُّنْيا إلى مَصارِعِهِمْ بِبَدْرٍ، ومِن قُبُورِهِمْ مِنَ الأرْضِ الَّتِي خُلِقُوا مِنها إلى مَقامِعِهِمْ في النّارِ.

ق 50:43

ولَمّا بُنِيَتْ دَعائِمُ القُدْرَةِ ودَقَّتْ بَشائِرُ النُّصْرَةِ وخُتِمَ بِما يَصْدُقُ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو الإحْياءُ الأعْظَمُ دالًّا بِما هو مُشاهَدٌ مِن أفْعالِهِ، وأكَّدَهُ لِإنْكارِهِمُ البَعْثَ، فَقالَ: ﴿إنّا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نَحْنُ﴾ خاصَّةً ﴿نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ تَجَدُّدُ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ سُنَّةٌ مُسْتَقِرَّةٌ وعادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ كَما تُشاهِدُونَهُ، فَقَدْ كانَ مِنّا بِالإحْياءِ الأوَّلِ البَدْءُ ﴿وإلَيْنا﴾ خاصًّا بِالإماتَةِ ثُمَّ الإحْياءِ ﴿المَصِيرُ﴾ أيِ: الصَّيْرُورَةُ ومَكانُها وزَمانُها بِأنْ نُحْيِيَ جَمِيعَ مَن أمَتْناهُ يَوْمَ البَعْثِ ونَحْشُرُهم إلى مَحَلِّ الفَصْلِ، فَنَحْكُمُ (p-٤٤٢)بَيْنَهم ولَيْسَ المَعادُ بِأصْعَبَ مِنَ المَبْدَأِ، فَمَن أقَرَّ بِهِ وأنْكَرَ البَعْثَ كانَ مُعانِدًا أوْ مَجْنُونًا قَطْعًا.

ق 50:44

ولَمّا تَحَقَّقَ بِذَلِكَ أمْرُ البَعْثِ غايَةَ التَّحَقُّقِ، صَوَّرَ خُرُوجَهم فِيهِ فَقالَ مُعَلِّقًا بِما خَتَمَ بِهِ الِابْتِداءَ مِمّا قَبْلَهُ زِيادَةً في تَفْخِيمِهِ وتَعْظِيمِهِ وتَبْجِيلِهِ: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ﴾ وعَبَّرَ بِفِعْلِ المُطاوَعَةِ لِاقْتِضاءِ الحالِ لَهُ، وحَذَفَ تاءَ المُطاوَعَةِ إشارَةً إلى سُهُولَةِ الفِعْلِ وسُرْعَتِهِ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ: مُجاوَزَةً لَهم بَعْدَ أنْ كانُوا في بَطْنِها فَيَخْرُجُونَ مِنها أحْياءً كَما كانُوا عَلى ظَهْرِها أحْياءً، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿سِراعًا﴾ إلى إجابَةِ مُنادِيها، وأشارَ إلى عِظَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الإخْراجُ العَظِيمُ جِدًّا ﴿حَشْرٌ﴾ أيْ: جَمْعٌ بِكُرْهٍ، وزادَ في بَيانِ عَظَمَةِ هَذا الأمْرِ بِدَلالَتِهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ فَقالَ: ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَسِيرٌ﴾ فَكَيْفَ يَتَوَقَّفُ عاقِلٌ فِيهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْكِرَهُ، وأمّا غَيْرُنا فَلا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ. انْتَهى.

ق 50:45

ولَمّا أقامَ سُبْحانَهُ الأدِلَّةَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وشُمُولِ عِلْمِهِ وخَتَمَ بِسُهُولَتِهِ عَلَيْهِ واخْتِصاصِهِ بِهِ، وصَلَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالعِلْمِ الَّذِي هو أعْظَمُ التَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ﴾ أيْ: لا غَيْرُنا ولا هم أنْفُسُهم ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ العِلْمُ ﴿بِما يَقُولُونَ﴾ أيْ: في الحالِ والِاسْتِقْبالِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ وغَيْرِهِ مَعَ إقْرارِهِمْ بِقُدْرَتِنا. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى رَدِّهِمْ عَنْهُ بِما لَنا مِنَ العِلْمِ المُحِيطِ وأنْتَ لَهم مُنْذِرٌ تُنْذِرُهم وبالَ ذَلِكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ﴾ (p-٤٤٣)ولَمّا أفادَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ القَهْرَ والغَلَبَةَ صَرَّحَ بِهِ مُؤَكَّدًا في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِجَبّارٍ﴾ أيْ: مُتَكَبِّرٍ قَهّارٍ عاتٍ تَرُدُّهم قَهْرًا عَمّا تَكْرَهُ مِنهم مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ، إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ، ولَمّا نَفى عَنْهُ الجَبَرُوتَ، أثْبَتَ لَهم ما أفْهَمَهُ واوُ العَطْفِ مِنَ النِّذارَةِ كَما قَدَّرْتُهُ قَبْلَهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ مُعَبِّرًا بِالتَّذْكِيرِ الَّذِي يَكُونُ عَنْ نِسْيانٍ؛ لِأنَّ كُلَّ ما في القُرْآنِ مِن وعْظٍ إذا تَأمَّلَهُ الإنْسانُ وجَدَهُ شاهِدًا في نَفْسِهِ أوْ فِيما يَعْرِفُهُ مِنَ الآفاقِ ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: بِطَرِيقِ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ﴿بِالقُرْآنِ﴾ أيِ: الجامِعِ بِمَجْدِهِ لِكُلِّ خَيْرٍ، المُحِيطِ كُلَّ صَلاحٍ ﴿مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ أيْ: يُمْكِنُ خَوْفُهُ، وهو كُلُّ عاقِلٍ، ولَكِنَّهُ ساقَهُ هَكَذا إعْلامًا بِأنَّ الَّذِي يَخافُ بِالفِعْلِ فَيَكْشِفُ الحالُ عَنْ إسْلامِهِ هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، وغَيْرُهُ إنَّما يُقْصَدُ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ لا لَدَدُهُ ولا يُؤْسَفُ عَلَيْهِ ولا يُتَأثَّرُ بِتَكْذِيبِهِ بَلْ يُعْتَقَدُ أنَّهُ عَدَمٌ لا تَضُرُّ عَداوَتُهُ ولا تَنْفَعُ وِلايَتُهُ، وما آذى إلّا نَفْسَهُ وكُلَّ مَن والاهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهَذا هو المَجْدُ لِلْقُرْآنِ ولِمَن أنْزَلَهُ ولِمَن أتى بِهِ عَنْهُ بِتَمامِ قُدْرَةٍ، مَن هو صِفَتُهُ وشُمُولُ عِلْمِهِ، فَقَدِ انْعَطَفَ هَذا الآخَرُ عَلى [ذَلِكَ] الأوَّلِ أشَدَّ انْعِطافٍ، والتَفَّتْ فُرُوعُهُ بِأصْلِهِ أتَمَّ التِفافٍ، فاعْتَرَفَتْ بِهِ [أُولُو] بَراعَةٍ وأهْلُ الإنْصافِ [والِاتِّصافِ] بِالتَّقَدُّمِ في كُلِّ صِناعَةٍ بِالسَّبْقِ الَّذِي لا يُمْكِنُ لَحاقُهُ أيَّ اعْتِرافٍ. واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

الذاريات 51:1

(p-٤٤٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الذّارِياتِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى صِدْقِ ما أنْذَرَتْ بِهِ سُورَةُ ”ق“ تَصْرِيحًا وبَشَّرَتْ بِهِ تَلْوِيحًا ولا سِيَّما آخِرُها مِن مُصابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، واسْمُها الذّارِياتُ ظاهِرٌ في ذَلِكَ بِمُلاحَظَةِ جَوابِ القَسَمِ؛ فَإنَّهُ مَعَ القَسَمِ لِشِدَّةِ الِارْتِباطِ كالآيَةِ الواحِدَةِ وإنْ كانَ خَمْسًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الرِّياحِ بِالذّارِياتِ أتَمُّ إشارَةٍ إلى ذَلِكَ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِالوَعِيدِ لِكَوْنِهِمْ لا يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ مِن أسْبابِهِ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً مَعَهم كَما أنَّ ما يَأْتِي مِنَ السَّحابِ مِنَ الرَّحْمَةِ والنِّقْمَةِ أسْبابُهُ وإنْ كانَتْ مَوْجُودَةً، وهي الرِّياحُ وإنْ كانُوا لا يَرَوْنَها، والرِّيحُ مِن شَأْنِها الذَّرْءُ وهو التَّفْرِيقُ، فَإذا أرادَ اللَّهُ جُمِعَتْ فَكانَ ما أرادَ، فَإنَّها تُفَرِّقُ الأبْخِرَةَ، فَإذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ جَمْعَها فَحَمَلَها ما أوْجَدَ فِيها فَأوْقَرَها بِهِ فَأجْراها إجْراءً سَهْلًا، فَقَسَّمَ مِنها ما أرادَ تارَةً بَرْقًا وأُخْرى رَعْدًا، يَصِلُّ صَلِيلَ الحَدِيدِ عَلى الحَدِيدِ، أوِ الحَجَرِ عَلى مِثْلِهِ مَعَ لَطافَةِ السَّحابِ، كُلُّ ما يُشاهَدُ فِيهِ مِنَ الأسْبابِ، وآوِنَةً مَطَرًا شَدِيدَ الِانْصِبابِ ومَرَّةً بَرَدًا ومَرَّةً ثَلْجًا يُرْجى ويُهابُ، وحِينًا صَواعِقَ ونِيرانًا لَها أيُّ التِهابٍ، ووَقْتًا جَواهِرَ ومُرْجانًا بَدِيعَةَ الإعْجابِ، فَتَكُونُ مَرَّةً (p-٤٤٥)سُرُورًا ورِضْوانًا، وأُخْرى غُمُومًا وأحْزانًا، وغَبْنًا وخُسْرانًا، عَلى أنَّهم أخْيَلُ النّاسِ في بَعْضِ ذَلِكَ، يَعْرِفُونَ السَّحابَ الَّذِي يُخَيِّلُ المَطَرَ والَّذِي لا يُخَيِّلُهُ والَّذِي مَطَرُهُ دانٍ، والَّذِي لَمْ يَئِنْ لَهُ أنْ يُمْطِرَ. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أشْياءَ ذَكَرَها أهْلُ الأدَبِ وحَمَلَها أهْلُ اللُّغَةِ عَنْهُمْ، وكُلُّ ذَلِكَ بِتَصْرِيفِ المَلائِكَةِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ؛ ولِذَلِكَ -واللَّهُ أعْلَمُ- سُنَّ أنْ يُقالَ عِنْدَ سَماعِ الرَّعْدِ: سُبْحانَ اللَّهِ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، بَيانًا لِأنَّ المُصَرِّفَ الحَقَّ هو اللَّهُ تَعالى: ”رَبُّ المَلائِكَةِ“ أيِ: الَّذِينَ أُقِيمُوا لِهَذا ”والرُّوحِ“ الَّذِي يَحْمِلُهُ هَذا الجِسْمُ مِن مَطَرٍ أوْ نارٍ أوْ غَيْرِهِما. واللَّهُ المُوَفِّقُ. ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُحِيطِ بِصِفاتِ الكَمالِ فَهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. ”الرَّحْمَنِ“ الَّذِي عَمَّ الخَلائِقَ بِنِعْمَةِ الإيجادِ. ”الرَّحِيمِ“ الَّذِي خَصَّ مَنِ اخْتارَهُ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَرْضاهُ مِنَ المُرادِ. * * لَمّا خَتَمَ سُبْحانَهُ ”ق“ بِالتَّذْكِيرِ بِالوَعِيدِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالقَسَمِ البالِغِ عَلى صِدْقِهِ، فَقالَ مُناسِبًا بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ: ﴿والذّارِياتِ﴾ أيِ: الرِّياحِ الَّتِي مِن شَأْنِها الإطارَةُ والرَّمْيُ والتَّفْرِيقُ والإذْهابُ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَرْوًا﴾ أيْ: بِما تَصْرِفُها فِيهِ المَلائِكَةُ، قالَ الأصْبِهانِيُّ: الرِّياحُ تَحْتَ أجْنِحَةِ الكُرُوبِيِّينَ حَمَلَةِ العَرْشِ، فَتَهِيجُ مِن ثَمَّ فَتَقَعُ بِعَجَلَةِ الشَّمْسِ ثُمَّ تَهِيجُ عَنْ عَجَلَةِ الشَّمْسِ فَتَقَعُ بِرُؤُوسِ الجِبالِ، ثُمَّ مِن رُؤُوسِ الجِبالِ (p-٤٤٦)تَقَعُ في البَرِّ، فَأمّا الشَّمالُ فَإنَّها تَمُرُّ تَحْتَ عَدْنٍ فَتَأْخُذُ مِن عَرْفِ طِيبِها فَتَمُرُّ عَلى أرْواحِ الصِّدِّيقِينَ، ثُمَّ تَأْخُذُ حَدَّها مِن كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الدَّبُورُ حَدَّها مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلَعِ سُهَيْلٍ، وتَأْتِي الجَنُوبُ حَدَّها مِن مَطْلَعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلَعِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الصَّبا حَدَّها مِن مَطْلَعِ الشَّمْسِ إلى كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ، فَلا تَدْخُلُ هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ [ولا هَذِهِ في حَدِّ هَذِهِ].

الذاريات 51:2

ولَمّا كانَتْ غايَةُ الذَّرْوِ التَّهْيِئَةَ لِلْحَمْلِ، قالَ مُسَبِّبًا ومُعَقِّبًا: ﴿فالحامِلاتِ﴾ أيْ: مِنَ السُّحُبِ الَّتِي فَرَّقَتِ الرِّيحُ أصْلَها وهو الأبْخِرَةُ، وأطارَتْهُ في الجَوِّ في جِهَةِ العُلُوِّ ثُمَّ جَمَعَتْهُ، فانْعَقَدَ سَحابًا فَبَسَطَهُ مَعَ الِالتِئامِ فَحَمَّلَهُ اللَّهُ ما أوْجَدَ فِيهِ مِن مُرادِهِ مِنَ الماءِ والصَّواعِقِ وغَيْرِها. ﴿وِقْرًا﴾ أيْ: حِمْلًا ثَقِيلًا، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ لا يُرى شَيْءٌ مِنهُ ولا مِن مَحْمُولِهِ، فَتَحَقَّقُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ، ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ.

الذاريات 51:3

ولَمّا كانَ الحَمْلُ إنَّما هو الوَضْعُ في الأماكِنِ الَّتِي يُرادُ ضَرُّها أوْ نَفْعُها، وكانَ سَيْرُ الغَمامِ بَعْدَ الحَمْلِ في ساحَةِ الجَوِّ وباحَةِ الأُفُقِ مِن غَيْرِ مُمْسِكٍ يُرى أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ، ولا سِيَّما إذا كانَ مَعَ الجَرْيِ الَّذِي يُضْرَبُ [بِهِ] لِسُرْعَتِهِ المَثَلُ، وكَذا جَرْيُ السُّفُنِ في باحَةِ البَحْرِ بَعْدَ ثِقْلِها (p-٤٤٧)بِالوَسْقِ قالَ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ أيْ: جَرْيًا ذا سُهُولَةٍ.

الذاريات 51:4

ولَمّا كانَ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ بِغَرِيقِ مَحْمُولِها في الأراضِي المُجْتاحَةِ ولا سِيَّما إنْ تَباعَدَتْ أماكِنُ صَبِّهِ ومَواطِنُ سَكْبِهِ، وكانَ ذَلِكَ التَّفْرِيقُ [هُوَ] غايَةَ الجَرْيِ المُتَرَتِّبِ عَلى الحَمْلِ المُتَرَتِّبِ عَلى الذَّرْوِ، قالَ مُسَبِّبًا مُعَقِّبًا مُشِيرًا بِالتَّفْعِيلِ إلى غَرابَةِ فَصْلِها لِقَطَراتِها وبَداعَةِ تَفْرِيقِها لِرَحْمَتِها مِن عَذابِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ الجارِياتِ وتَصْرِيفِ السّارِياتِ: ﴿فالمُقَسِّماتِ﴾ أيْ: مِنَ السُّحُبِ بِما تُصَرِّفُها فِيهِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكَذا السُّفُنُ بِما يُصَرِّفُها اللَّهُ بِهِ مِنَ الرِّياحِ اللَّيِّنَةِ أوِ العاصِفَةِ مِن سَلامَةٍ وعَطَبٍ وسُرْعَةٍ وإبْطاءٍ، وكَذا غَيْرُهُما مِن كُلِّ أمْرٍ تُصَرِّفُهُ المَلائِكَةُ بَيْنَ العِبادِ وتُقَسِّمُهُ. ولَمّا كانَ المَحْمُولُ مُخْتَلِفًا كَما تَقَدَّمَ، قالَ جامِعًا لِذَلِكَ: ﴿أمْرًا﴾ أيْ: مِنَ الرَّحْمَةِ أوِ العَذابِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وهَذِهِ أقْسامٌ يُقْسِمُ اللَّهُ بِها ولا يُقْسِمُ بِها [الخَلْقُ؛ لِأنَّ قَسَمَ] الخَلْقِ اسْتِشْهادٌ عَلى صِحَّةِ قَوْلِهِمْ بِمَن يَعْلَمُ السِّرَّ كالعَلانِيَةِ؛ وهو اللَّهُ تَعالى، وقَسَمُ الخالِقِ إرادَةُ تَأْكِيدِ الخَبَرِ في نُفُوسِهِمْ فَيُقْسِمُ بِبَعْضِ بَدائِعِ خَلْقِهِ عَلى وجْهٍ يُوجِبُ الِاعْتِبارَ ويَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، فالرِّياحُ بِهُبُوبِها وسُكُونِها لِتَأْلِيفِ السَّحابِ وتَذْرِئَةِ الطَّعامِ واخْتِلافِ الهَواءِ وعُصُوفِها مَرَّةً ولِينِها أُخْرى والسَّحابُ بِنَحْوِ وُقُوفِها مُثْقَلاتٍ بِالماءِ مِن غَيْرِ عِمادٍ وصَرْفِها في وقْتِ الغِنى عَنْها (p-٤٤٨)بِما لَوْ دامَتْ لَأهْلَكَتْ، ولَوِ انْقَطَعَتْ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى قَطْرَةٍ مِنها، وبِتَفْرِيقِ المَطَرِ وإلّا هَلَكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ، والسُّفُنُ بِتَسْخِيرِ البَحْرِ لِجَرَيانِها وتَقْدِيرِ الرِّيحِ لَها بِما لَوْ زادَ لَغَرِقَ، ولَوْ رَكَدَ لَأهْلَكَ، والمَلائِكَةُ تُقَسِّمُ الأُمُورَ بِأمْرِ رَبِّها، كُلُّ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، والفاطِرِ العَلِيمِ، القادِرِ الماجِدِ الكَرِيمِ.

الذاريات 51:5

ولَمّا كانُوا يُكَذِّبُونَ بِالوَعِيدِ، أكَّدَ الجَوابَ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِنَفْسِ القَسَمِ فَقالَ: ﴿إنَّما﴾ [أيِ الَّذِي] ﴿تُوعَدُونَ﴾ أيْ: مِنَ الوَعْدِ لِلطّائِعِ والوَعِيدِ لِلْعاصِي، وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ، ولَمّا كانَ ما تُوُعِّدُوا بِهِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ وقُرْبِهِ كَأنَّهُ مَوْجُودٌ يُخاطِبُهم عَنْ نَفْسِهِ، عَبَّرَ عَنِ المَصْدَرِ بِاسْمِ الفاعِلِ فَقالَ: ﴿لَصادِقٌ﴾ أيْ: مُطابِقُ الإخْبارِ [بِهِ] لِلْواقِعِ، وسَتَرَوْنَ مُطابَقَتَهُ لَهُ إذا وقَعَ، وتَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ الواقِعَ حَقٌّ ثابِتٌ لا خَيالٌ لِمُطابَقَتِهِ لِلْخَبَرِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما أقْسَمَ بِقَسَمٍ إلّا مُطابِقًا مَعْناهُ لِمَعانٍ في المُقْسَمِ مِن أجْلِهِ بِسِراجٍ مُنِيرٍ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ تَعالى مَن يَشاءُ، وإنَّما يُعْمِي عَنْ رُؤْيَةِ ذَلِكَ ظَواهِرُ إشْخاصٍ لِلْمَحْسُوساتِ، ويَصُمُّ عَنْ إسْماعِ نِدائِها ضَوْضاءُ المُشاهِداتِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَنُودُوا بِها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وقالَ البَيْضاوِيُّ: كَأنَّهُ اسْتَدَلَّ بِاقْتِدارِهِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ العَجِيبَةِ المُخالِفَةِ لِمُقْتَضى الطَّبِيعَةِ عَلى اقْتِدارِهِ عَلى البَعْثِ.

الذاريات 51:6

ولَمّا كانَ أجَلُ وعِيدِهِمْ وما يَتَعَلَّقُ بِالجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ وكانُوا يُنْكِرُونَهُ، قالَ: ﴿وإنَّ الدِّينَ﴾ أيِ: المُجازاةَ لِكُلِّ أحَدٍ بِما كَسَبَ يَوْمَ (p-٤٤٩)البَعْثِ، والشَّرْعَ الَّذِي أرْسَلْتُ بِهِ هَذا النَّبِيَّ الكَرِيمَ ﴿لَواقِعٌ﴾ لا بُدَّ مِنهُ وإنْ أنْكَرْتُمْ ذَلِكَ، فَيَظْهَرُ دِينُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ كَما وعَدَ بِذَلِكَ، ثُمَّ نُقِيمُ النّاسَ كُلَّهم لِلْحِسابِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ المَواعِيدَ الأُخْرَوِيَّةَ في سُورَةِ ”ق“ وعَظِيمِ تِلْكَ الأحْوالِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِالقَسَمِ عَلى وُقُوعِهِ وصِدْقِهِ فَقالَ: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١] [إلى] قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥] ﴿وإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ والدِّينُ الجَزاءُ، أيْ أنَّهم سَيُجازَوْنَ عَلى ما كانَ مِنهم ويُوَفَّوْنَ قِسْطَ أعْمالِهِمْ ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] ولَمّا أقْسَمَ اللَّهُ عَلى صِدْقِ وعْدِهِ ووُقُوعِ الجَزاءِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَكْذِيبِهِمْ بِالجَزاءِ وازْدِرائِهِمْ فَقالَ: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢] ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى حالَ الفَرِيقَيْنِ وانْتِهاءَ الطَّرِيقَيْنِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] فَوَبَّخَ تَعالى مَن لَمْ يُعْمِلْ فِكْرَهُ ولا بَسَطَ نَظَرَهُ فِيما أوْدَعَ سُبْحانَهُ في العالَمِ مِنَ العَجائِبِ، وأعْقَبَ بِذِكْرِ إشاراتٍ إلى أحْوالِ الأُمَمِ وما أعْقَبَهم تَكْذِيبُهُمْ، وكُلُّ هَذا تَنْبِيهٌ لِبَسْطِ النَّظَرِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا﴾ [الذاريات: ٤٩] بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢] أيْ: إنَّ هَذا دَأْبُهم وعادَتُهم حَتّى كَأنَّهم تَعاهَدُوا عَلَيْهِ وألْقاهُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ فَقالَ (p-٤٥٠)تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ: عَجَبًا لَهم في جَرْيِهِمْ عَلى التَّكْذِيبِ [و] الفَسادِ في مِضْمارٍ واحِدٍ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣] أيْ أنَّ عِلَّةَ تَكْذِيبِهِمْ [هِيَ] الَّتِي اتَّحَدَتْ فاتَّحَدَ مَعْلُولُها، والعِلَّةُ طُغْيانُهم وإظْلامُ قُلُوبِهِمْ بِما سَبَقَ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] ثُمَّ زادَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أشْياءَ مِمّا ورَدَ عَلى طَرِيقَةِ تَخْيِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في أمْرِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤] ثُمَّ أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] إلى أنَّ إحْرازَ أجْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما هو في التِّذْكارِ والدُّعاءِ إلى اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ يَنْفَعُ اللَّهُ بِذَلِكَ مَن سَبَقَتْ لَهُ السَّعادَةُ ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] ثُمَّ أخْبَرَ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ تَكْذِيبَهُ سَيَنالُهم قِسْطٌ ونَصِيبٌ مِمّا نالَ غَيْرَهم مَنِ ارْتَكَبَ مُرْتَكَبَهُمْ، وسَلَكَ مَسْلَكَهُمْ، فَقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ [الذاريات: ٥٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ. انْتَهى.

الذاريات 51:7

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ عَنْ ثَباتِ خَبَرِهِ، أتْبَعَهُ الإخْبارَ عَنْ وهْيِ كَلامِهِمْ، فَقالَ مُقْسِمًا عَلَيْهِ لِمُبالَغَتِهِمْ في تَأْكِيدِ مَضامِينِهِ مَعَ التَّناقُضِ بِفِعْلِهِ الجَمِيلِ وصُنْعِهِ الجَلِيلِ، إشارَةً إلى أنَّهم [لَمْ] يَتَخَلَّقُوا مِن أخْلاقِهِ الحُسْنى بِقَوْلٍ ولا فِعْلٍ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ أيِ: الآياتِ المُحْتَبِكَةِ بِطَرائِقِ النُّجُومِ (p-٤٥١)المُحْكَمَةِ، الحَسَنَةِ الصَّنْعَةِ، الجَيِّدَةِ الرَّصْفِ والزِّينَةِ، حَتّى كَأنَّها مَنسُوجَةٌ، الجَمِيلَةِ الصَّنْعَةِ الجَلِيلَةِ الآثارِ، الجامِعَةِ بَيْنَ القَطْعِ والِاخْتِلاطِ والِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ، وأصْلُ الحَبْكِ الإحْكامُ في امْتِدادٍ واطِّرادٍ، قالَهُ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ.

الذاريات 51:8

﴿إنَّكُمْ﴾ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ﴿لَفِي قَوْلٍ﴾ مُحِيطٍ بِكم في أمْرِ القُرْآنِ [و] الآتِي بِهِ وجَمِيعِ أمْرِ دِينِكم وغَيْرِهِ مِمّا تُرِيدُونَ بِهِ إبْطالَ الدِّينِ الحَقِّ ﴿مُخْتَلِفٍ﴾ كاخْتِلافِ طَرائِقِ السَّماءِ الَّتِي لا تَكادُ تَنْتَظِمُ، ولا يُعْرَفُ أوَّلُها مِن آخِرِها، واخْتِلافُ هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها مِن أوَّلِ السُّورَةِ واخْتِلافُ غاياتِها لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَدافِعٌ، وإنْ كُنْتُمْ تَجْتَهِدُونَ في تَزْيِينِهِ وتَقْرِيبِهِ لِلْأفْهامِ وتَحْسِينِهِ فَإنَّهُ لا يَكادُ إذا عَرَضَهُ النّاقِدُ عَلى الفِكْرِ النّافِذِ يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ ولا يَرْتَبِطُ بِرابِطٍ، بَلْ تارَةً تَقُولُونَ: هَذا شَعْرٌ فَيَلْزَمُكم وصْفُهُ بِما تَصِفُونَ بِهِ الشِّعْرَ مِنَ الِاتِّساقِ بِالوَزْنِ المُجَرَّدِ والرَّوِيِّ المُتَّحِدِ، والعُذُوبَةِ والرَّشاقَةِ، وتارَةً تَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ فَيَلْزَمُكم مَعَ الإقْرارِ بِالعَجْزِ [عَنْهُ] أنَّهُ لا حَقائِقَ [لَهُ] والواقِعُ أنَّهُ لا يَتَأمَّلُهُ ذُو فَهْمٍ إلّا رَأى حَقائِقَهُ أثْبَتَ مِنَ الجِبالِ، وتارَةً تَقُولُونَ: أضْغاثُ أحْلامٍ، فَيَلْزَمُكم أنَّهُ لا يَنْضَبِطُ بِضابِطٍ، ولا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ يَحْصُلُ، ولا يَعْجِزُ أحَدٌ عَنْ تَلْفِيقِ مِثْلِهِ، فَقَدْ أبْطَلْتُمْ قَوْلَكُمْ: إنَّهُ شِعْرٌ وإنَّهُ سِحْرٌ. وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ كِهانَةٌ فَيَلْزَمُكم أنْ تَعْتَقِدُوا مِنهُ (p-٤٥٢)ما تَعْتَقِدُونَ في أقْوالِ الكُهّانِ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ وإظْهارِ الخَبْءِ وفَصْلِ الحُكْمِ، فَأبْطَلْتُمْ ما مَضى مِن قَوْلِكُمْ: أضْغاثُ أحْلامٍ وسِحْرٌ وشِعْرٌ، وتارَةً تَقُولُونَ: إنَّهُ جُنُونٌ، فَقَدْ نَقَضْتُمْ جَمِيعَ أقْوالِكُمُ الماضِيَةِ ونادَيْتُمْ عَلى أنْفُسِكم بِالمُباهَتَةِ، تَقُولُونَ في الآتِي بِهِ: إنَّهُ شاعِرٌ وساحِرٌ ومَجْنُونٌ وكاهِنٌ وكاذِبٌ، وكُلُّ قَوْلٍ مِنها يَنْقُضُ الآخَرَ، وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّكم أصْدَقُ النّاسِ وأبْعَدُهم عَنْ عارِ الكَذِبِ، وأنَّكم أعْقَلُ النّاسِ وأنْصَفُهُمْ، فَقَدْ تَباعَدَ أوَّلًا ما بَيْنَ أقْوالِكُمْ، ثُمَّ ما بَيْنَها وبَيْنَ أفْعالِكُمْ، فَكانَ اخْتِلافُ طَرائِقِ النُّجُومِ دالًّا عَلى مانِعٍ مُخْتارٍ تامِّ العِلْمِ كامِلِ القُدْرَةِ، وكَذا اخْتِلافُ قَوْلِكم عَلى هَذا الوَجْهِ مَعَ ما لَكم مِنَ العُقُولِ دالٌّ عَلى قاهِرٍ لَكم عَلى ذَلِكَ، فَهُما آيَتانِ في الآفاقِ وفي أنْفُسِكم.

الذاريات 51:9

ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ فِيهِ عاقِلٌ، بَيَّنَ سَبَبَهُ بِأنَّهم مَغْلُوبُونَ عَلَيْهِ بِقَهْرِ يَدِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿يُؤْفَكُ﴾ أيْ: يُصْرَفُ بِأيْسَرِ أمْرٍ وأسْهَلِهِ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقامَةِ، ويُقْلَبُ مِن وجْهِهِ لِقَفاهُ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ: يَصْدُرُ صَرْفُهُ عَنْ هَذا القَوْلِ مَجازًا لِما يَلْزَمُهُ مِن عارِهِ، فَهو لِأجْلِ ذَلِكَ يَقُولُهُ ﴿مَن أُفِكَ﴾ أيْ: قَلَبَهُ قَلْبٌ قاهِرٌ؛ أيْ تَبَيَّنَ بِهَذا الصَّرْفِ الَّذِي هو أعْظَمُ الصَّرْفِ أنَّهُ حَكَمَ في الأزَلِ حُكْمًا ثابِتًا جامِعًا، فَصارَ لا يَصُدُّ عَنْهُ قَوْلٌ ولا فِعْلٌ إلّا كانَ مَقْلُوبًا وجْهُهُ إلى قَفاهُ (p-٤٥٣)لا يُمْكِنُ أنْ يَأْتِيَ مِنهُ بِشَيْءٍ عَلى وجْهِهِ، فَكَأنَّهُ لا مَأْفُوكَ سِواهُ لِشِدَّةِ إفْكِهِ وعَجِيبِ أمْرِهِ.

الذاريات 51:10

ولَمّا كانَ الكَذِبُ الإخْبارَ بِما لا حَقِيقَةَ لَهُ وتَعَمُّدَ الِافْتِراءِ، وكانَ الخَرْصُ الكَذِبَ والِافْتِراءَ والِاخْتِلافَ وكُلَّ قَوْلٍ بِالظَّنِّ، قالَ مُعْلِمًا بِما لَهم عَلى قَوْلِهِمْ هَذا: قَتَلُوا أوْ قَتَلْتُمْ - هَكَذا كانَ الأصْلُ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ الوَصْفَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾ أيْ: حَصَلَ بِأيْسَرِ أمْرٍ قَتْلُ الكَذّابِينَ ولا مَحالَةَ مِن كُلِّ قاتِلٍ، والمُتَقَوِّلِينَ بِالظَّنِّ المُنْقَطِعِينَ لِلْكَلامِ مِن أصْلٍ لا يَصْلُحُ لِلْخَرْصِ وهو القَطْعُ، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ عَنْ غَيْرِ سَنَدٍ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ، وهو دُعاءٌ أوْ خَبَرٌ لِأنَّهُ مُجابٌ:

الذاريات 51:11

﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ خاصَّةً ﴿فِي غَمْرَةٍ﴾ أيْ: أعْماقٍ مِنَ العَمى والضَّلالِ، غارِقُونَ في سُكْرِهِمْ وجَهْلِهِمُ الَّذِي غَمَرَهُمْ، ولِذَلِكَ هم مُضْطَرِبُونَ اضْطِرابَ مَن هو يَمْشِي في مُعْظَمِ البَحْرِ فَهو لا يَكادُ يَنْتَظِمُ لَهُ أمْرٌ مِن قَوْلٍ ولا فِعْلٍ ولا حالٍ ﴿ساهُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في السَّهْوِ؛ وهو النِّسْيانُ والغَفْلَةُ والحَيْرَةُ وذَهابُ القَلْبِ إلى غَيْرِ ما يَهُمُّهُ، فَفاعِلُ ذَلِكَ ذُو ألْوانٍ مُتَخالِفَةٍ مِن هَوْلِ ما هو فِيهِ وشِدَّةِ كَرْبِهِ.

الذاريات 51:12

ولَمّا حَكَمَ بِسَهْوِهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَ﴾ أيْ: حِينًا بَعْدَ حِينٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ اسْتِهْزاءً بِقَوْلِهِمْ: ﴿أيّانَ﴾ أيْ: مَتى وأيَّ حِينٍ ﴿يَوْمُ الدِّينِ﴾ أيْ: وُقُوعُ الجَزاءِ الَّذِي يُخْبِرُنا بِهِ، ولَوْلا أنَّهم بِهَذِهِ الحالَةِ (p-٤٥٤)لَتَذَكَّرُوا مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنهم يَبُثُّ عَبِيدَهُ أوْ أُجَراءَهُ في عَمَلٍ مِنَ الأعْمالِ إلّا وهو يُحاسِبُهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَنْظُرُ قَطْعًا في أحْوالِهِمْ، ويَحْكُمُ بَيْنَهم في أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ فَكَيْفَ يُظَنُّ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ أنْ يَتْرُكَ عَبِيدَهُ الَّذِينَ خَلَقَهم عَلى هَذا النِّظامِ المُحْكَمِ وأبْدَعَ لَهم هَذَيْنِ الخافِقَيْنِ وهَيَّأ لِأجْلِهِمْ فِيهِما ما لا ضَرُورَةَ لَهم في التَّزَوُّدِ لِلْمَعادِ إلى سِواهُ فَيَتْرُكُهم سُدًى يُوجِدُهم عَبَثًا.

الذاريات 51:13

ولَمّا تَقَرَّرَ أمْرُ القِيامَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِساهُونَ قالَ: ﴿يَوْمَ﴾ أيْ: نَقُولُ يَوْمَ ﴿هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ أيْ: يُرْمَوْنَ فَيُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ ويُصْبِحُونَ... مِنَ الِاخْتِلافِ مَقُولًا لَهم عَلى سَبِيلِ القَرْعِ والتَّوْبِيخِ:

الذاريات 51:14

﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ ... العُقُوبَةَ مِنَ الفِتْنَةِ المُحِيطَةِ.. واسْتِعْجالَكم ما تُوعَدُونَ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا ﴿هَذا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ عَجَلَتَهُ ...

الذاريات 51:15

﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ كانَتِ التَّقْوى لَهم وصْفًا ثابِتًا ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: بَساتِينَ عَظِيمَةٍ نَحْنُ داخِلَها ... ﴿وعُيُونٍ﴾

الذاريات 51:16

﴿آخِذِينَ ما﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ ﴿آتاهم رَبُّهُمْ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْهِمْ... بِتَمامِ عِلْمِهِ وشامِلِ قُدْرَتِهِ وهو لا يَدَعُ لَهم لَذَّةً إلّا أتْحَفَهم بِها فَيَقْبَلُونَها بِغايَةِ الرَّغْبَةِ؛ لِأنَّها في غايَةِ النَّفاسَةِ. ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا عَظِيمًا يَذْهَبُ الوَهْمُ في سَبَبِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِنِسْبَةِ الكُفّارِ لَهم إلى الإساءَةِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ (p-٤٥٥)إمّا يَكُونُ مُطِيعًا في مَجْمُوعِ عُمْرِهِ أوْ في بَعْضِهِ... عَلى الطّاعَةِ، وكانَتِ الطّاعَةُ تَجُبُّ ما قَبْلَها، وتَكُونُ سَبَبًا في تَبْدِيلِ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ فَضْلًا مِنهُ سُبْحانَهُ، فَكانَ كُلُّ مِنَ القِسْمَيْنِ مُطِيعًا في جَمِيعِ زَمانِهِ، نَزَعَ الجارَّ فَقالَ: ﴿قَبْلَ ذَلِكَ﴾ أيْ: في دارِ العَمَلِ، وقِيلَ: أخَذُوا ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِغايَةِ القَبُولِ؛ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ فَرْضِ الفَرائِضِ يَعْمَلُونَ عَلى المَحَبَّةِ وهو مَعْنى ﴿مُحْسِنِينَ﴾ أيْ: في مُعامَلَةِ الخالِقِ والخَلائِقِ، يَعْبُدُونَ اللَّهَ كَأنَّهم يَرَوْنَهُ، ثُمَّ فَسَّرَ إحْسانَهم مُعَبِّرًا عَنْهُ بِما هو في غايَةِ المُبالَغَةِ بِقَوْلِهِ:

الذاريات 51:17

﴿كانُوا﴾ أيْ: لِما عِنْدَهم مِنَ الإجْلالِ لَهُ والحُبِّ فِيهِ بِحَيْثُ كَأنَّهم مَطْبُوعُونَ عَلَيْهِ، ولِغايَةِ التَّأْكِيدِ وقَعَ الإسْنادُ إلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ ﴿قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ﴾ الَّذِي هو وقْتُ الرّاحاتِ وقَضاءِ الشَّهَواتِ، وأكَّدَ المَعْنى بِإثْباتِ ”ما“ فَقالَ: ﴿ما يَهْجَعُونَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ الهُجُوعَ وهو النَّوْمُ الخَفِيفُ القَلِيلُ، فَما ظَنُّكَ بِما فَوْقَهُ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ تُثْبِتُ هُجُوعَهم وهو النَّوْمُ لِلرّاحَةِ وكَسْرِ التَّعَبِ وما يَنْفِيهِ، وذَكَرَ اللَّيْلَ لِتَحَقُّقِ المَعْنى؛ فَإنَّ الهُجُوعَ النَّوْمُ لَيْلًا، فالمَعْنى أنَّهم يُحْيُونَ أكْثَرَ اللَّيْلِ ويَنامُونَ أقَلَّهُ.

الذاريات 51:18

ولَمّا كانَ المُحْسِنُ لا يَرى نَفْسَهُ إلّا مُقَصِّرًا، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّ تَهَجُّدَهم يَتَّصِلُ بِآخِرِ اللَّيْلِ مُؤَكِّدًا بِالإسْنادِ مَرَّتَيْنِ أيْضًا: ﴿وبِالأسْحارِ﴾ قالَ ابْنُ زَيْدٍ: السَّحَرُ: السُّدْسُ الأخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ. ﴿هُمْ﴾ أيْ: دائِمًا بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أيْ: يَعُدُّونَ مَعَ هَذا الِاجْتِهادِ أنْفُسَهم مُذْنِبِينَ ويَسْألُونَ غُفْرانَ ذُنُوبِهِمْ لِوُفُورِ عِلْمِهِمْ بِاللَّهِ، وأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يُقَدِّرُوهُ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدُوا لِقَوْلِ سَيِّدِ الخَلْقِ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ». وإبْرازُ الضَّمِيرِ دالٌّ (p-٤٥٦)عَلى أنَّ غَيْرَهم لَوْ فَعَلَ هَذا لَيْلَةً لَأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ ورَأى أنَّهُ لا أحَدَ أفْضَلُ مِنهُ، وعَلى أنَّ اسْتِغْفارَهم في الكَثْرَةِ يَقْتَضِي أنَّهم يَكُونُونَ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهم أحَقُّ بِالتَّذَلُّلِ مِنَ المُصِرِّينَ عَلى المَعاصِي؛ فَإنَّ اسْتِغْفارَهم ذَلِكَ عَلى بَصِيرَةٍ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا ما لَهُ سُبْحانَهُ في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ مِنَ الآياتِ والحِكَمِ البالِغَةِ الَّتِي لا تُحْصى فَعَلِمُوا أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يُطاعَ ويُخْشى فاجْتَهَدُوا وتَرَكُوا الهُجُوعَ، وأجْرَوُا الدُّمُوعَ، ثُمَّ قابَلُوا ذَلِكَ بِنِعَمِهِ فَإذا الأعْمالُ في غايَةِ التَّقْصِيرِ فَأقْبَلُوا عَلى الِاسْتِغْفارِ عالِمِينَ بِأنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يُقَدَّرَ حَقَّ قَدْرِهِ.

الذاريات 51:19

ولَمّا ذَكَرَ مُعامَلَتَهم لِلْخالِقِ، أتْبَعَهُ المُعامَلَةَ لِلْخَلائِقِ تَكْمِيلًا لِحَقِيقَةِ الإحْسانِ فَقالَ: ﴿وفِي أمْوالِهِمْ﴾ أيْ: كُلِّ أصْنافِها ﴿حَقٌّ﴾ أيْ: نَصِيبٌ ثابِتٌ. ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِلْإحْسانِ، فَكانَ إحْسانُهم لِفَرْطِ مَحَبَّتِهِمْ إلى عِبادِ اللَّهِ لا يُوقِفُهم عَنِ الواجِبِ بِخِلافِ ما في ”سَألَ“ مِن سِياقِ المُصَلِّينَ مُطْلَقًا تَرَكَ وصْفَهُ بِالمَعْلُومِيَّةِ فَقالَ: ﴿لِلسّائِلِ﴾ أيِ: الَّذِي يُنَبَّهُ عَلى حاجَتِهِ بِسُؤالِ النّاسِ وهو المُتَكَفِّفُ ﴿والمَحْرُومِ﴾ وهو المُتَعَفِّفُ الَّذِي لا يَجِدُ ما يُغْنِيهِ، ولا يَسْألُ النّاسَ ولا يُفْطَنُ لَهُ لِيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وهَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الصِّفَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فالمُحْسِنُونَ يَعْرِفُونَ صاحِبَ [هَذا] الوَصْفِ لِما لَهم مِن نافِذِ البَصِيرَةِ ولِلَّهِ بِهِمْ مِنَ العِنايَةِ.

الذاريات 51:20

ولَمّا دَلَّ إقْسامُهُ بِالسَّماءِ وما قَبْلَها مِنَ الذّارِياتِ عَلى ما لَهُ في العُلْوِيّاتِ مِنَ الآياتِ إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْوالِ الَّتِي تُنْبِتُها الأرْضُ، فَكانَ (p-٤٥٧)التَّقْدِيرُ: فَفي السَّماواتِ آياتٌ لِلْمُؤْمِنِينَ دالّاتٌ عَلى عَظَمَتِهِ واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ بِغايَةِ الخُضُوعِ رَغَبًا ورَهَبًا، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ مِمّا فِيهِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ بِالمَعادِنِ الكَثِيرَةِ المُتَبايِنَةِ مَعَ اتِّحادِ أصْلِها والنَّباتِ والحَيَوانِ والجَمادِ والبَرِّ والبَحْرِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأسْرارِ الدّالَّةِ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ ﴿آياتٌ﴾ أيْ: دَلالاتٌ عَظِيماتٌ هي مَعَ وُضُوحِها بَعْدَ التَّأمُّلِ خَفِيّاتٌ ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ الَّذِينَ صارَ الإيقانُ لَهم غَرِيزَةً ثابِتَةً، فَهم لِذَلِكَ يَتَفَطَّنُونَ لِرُؤْيَةِ ما فِيها مَعَ ما يُلابِسُهم مِنها مِنَ الأسْبابِ فَيَشْغَلُهم ولا يَرَوْنَ أكْثَرَ أسْبابِ ما فِيها مِنَ الآياتِ فَأدّاهم ذَلِكَ إلى الإيقانِ بِما نَبَّهَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ مِمّا تَسْتَقِلُّ بِهِ العُقُولُ مِنَ البَعْثِ وغَيْرِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: مِنَ الآياتِ فِيها أنَّها تَحْمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، فَكَذَلِكَ العارِفُ يَحْمِلُ كُلَّ أحَدٍ ومَنِ اسْتَثْقَلَ أحَدًا أوْ تَبَرَّمَ بِرُؤْيَتِهِ أحَدًا فَلِغَيْبَتِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ ومُطالَعَةِ الخَلْقِ بِعَيْنِ التَّفْرِقَةِ. وأهْلُ الحَقائِقِ لا يَتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، ومِنَ الآياتِ فِيها أنَّهُ يُلْقى عَلَيْها كُلُّ قَذارَةٍ وقُمامَةٍ فَتُنْبِتُ كُلَّ زَهْرٍ ونَوْرٍ وكَذَلِكَ العارِفُ يَتَشَرَّبُ ما يَلْقى مِنَ الجَفاءِ ولا يَتَرَشَّحُ إلّا بِكُلِّ خُلُقٍ عَلِيٍّ وشِيمَةٍ زَكِيَّةٍ.

الذاريات 51:21

ولَمّا أشارَ إلى آياتِ الآفاقِ، أتْبَعَها آياتِ الأنْفُسِ فَقالَ: ﴿وفِي أنْفُسِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الآياتِ الَّتِي شارَكْتُمْ بِها الجَمادَ، ثُمَّ فارَقْتُمُوهُ بِالنُّمُوِّ ثُمَّ بِالحِسِّ ثُمَّ فارَقْتُمُ الحَيَوانَ الخَسِيسَ بِالعَقْلِ المُوصِلِ إلى بَدائِعِ (p-٤٥٨)العُلُومِ ودَقائِقِ الفُهُومِ. ولَمّا كانَتْ أظْهَرُ الآياتِ، سَبَّبَ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْها الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ الِاعْتِبارِ بِها فَقالَ: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ أيْ: بِأبْصارِكم وبَصائِرِكم فَتَتَأمَّلُوا ما في ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وتَتَفَكَّرُوا هَلْ تَرَوْنَ أسْبابَ أكْثَرِها؛ فَإنَّ كُلَّ هَذِهِ آياتٌ دالَّةٌ عَلى قُدْرَةِ الصّانِعِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ واخْتِيارِهِ، وأنَّهُ ما خَلَقَ هَذا الخَلْقَ سُدًى، فَلا بُدَّ أنْ يَجْمَعَهم إلَيْهِ لِلْعَرْضِ عَلَيْهِ، فالمُوقِنُونَ لا يَزالُونَ يَنْظُرُونَ في أمْثالِ هَذا بِعُيُونٍ باصِرَةٍ وأفْهامٍ نافِذَةٍ، فَكُلَّما رَأوْا آيَةً اعْتَبَرُوا بِها، فازْدادُوا إيمانًا إلى إيمانِهِمْ، وإيقانًا مَعَ إيقانِهِمْ، وأوَّلُ نَظَرِهِمْ فَما أُودِعُوا مِنَ الآياتِ الحاجَةُ، فَمَن تَأمَّلَها عَلِمَ أنَّهُ عَبْدٌ، ومَتّى عَلِمَ ذَلِكَ عَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ مُحْتاجٍ، ومَن أبْصَرَ جَمِيعَ الصِّفاتِ والأسْماءِ فَنَفَذَ فَهْمُهُ في شِفافِ الكائِناتِ، فارْتَقى إلى أعْلى الدَّرَجاتِ.

الذاريات 51:22

ولَمّا بانَ بِما قَدَّمْتُهُ في ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤] ما في جِهَةِ العُلُوِّ مِنَ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِلنِّعْمَةِ والعَذابِ، قالَ: ﴿وفِي السَّماءِ﴾ أيْ: جِهَةِ العُلُوِّ ﴿رِزْقُكُمْ﴾ بِما يَأْتِي مِنَ المَطَرِ والرِّياحِ والحَرِّ والبَرْدِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رَتَّبَهُ سُبْحانَهُ لِمَنافِعِ العِبادِ ﴿وما تُوعَدُونَ﴾ وجَمِيعُ ما أتَتْكم بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ والصَّعْقَةِ والزِّلْزالِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأهْوالِ ومُوجِباتِ النَّكالِ، وكَذا الرَّحْمَةُ والخَيْرُ والنِّعْمَةُ وكُلُّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الآمالُ، فَكَما أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ وأنْتُمْ لا تَرَوْنَهُ فَكَذَلِكَ صَدِّقُوا بِالجَنَّةِ والنّارِ وإنْ لَمْ تَرَوْها؛ فَإنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ماءٍ يُنْزِلُهُ اللَّهُ فَيَكُونُ مِنهُ رِياضٌ وجَنّاتٌ وشَوْكٌ وأدْواءُ (p-٤٥٩)[و] مَراراتٌ، وسُمُومٌ وعَقارِبُ وحَيّاتٌ، وخِشاشٌ وسِباعٌ وحَشَراتٌ، وبَيْنَ ماءٍ يُعِيدُ بِهِ الأمْواتَ، ثُمَّ يَحْشُرُهم إلى جِنانٍ ونِيرانٍ، فَكَما أنَّهُ لا مِرْيَةَ في إظْهارِ هَذا الغَيْبِ [فَكَذَلِكَ لا لَبْسَ في إظْهارِ ذَلِكَ الغَيْبِ]، ومِنَ المَعْنى أيْضًا أنَّكَ لا تَشْتَغِلُ بِرِزْقٍ؛ فَإنَّهُ في السَّماءِ، ولا سَبِيلَ لَكَ إلى العُرُوجِ إلَيْها، واشْتَغِلْ بِما كُلِّفْتَهُ مِنَ الخِدْمَةِ لِمَن عِنْدَهُ الرِّزْقُ؛ فَفي السَّماءِ الرِّزْقُ وإلَيْها يُرْفَعُ العَمَلُ، فَإنْ أرَدْتَ أنْ يَنْزِلَ إلَيْكَ رِزْقُكَ فَأصْعِدْ إلَيْها الصّالِحَ مِن عَمَلِكَ، ولِهَذا قالُوا: الصَّلاةُ فَرْعُ بابِ الرِّزْقِ ﴿واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه: ١٣٢]

الذاريات 51:23

ولَمّا أقْسَمَ بِما لَهُ مِنَ المَقْدُوراتِ لِمَن وقَفَ مَعَ المَحْسُوساتِ المَشْهُوراتِ، فَتَرَقَّوْا بِذَلِكَ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ، وانْكَشَفَ ما لَهُ مِنَ الكَمالِ انْكِشافًا تامًّا، وعَلِمَ أنَّ في خَزائِنِهِ سُبْحانَهُ كُلَّ ما أخْبَرَتْ عَنْهُ بِهِ الرُّسُلُ مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ مُقْسِمًا بِنَفْسِهِ الأقْدَسِ لَكِنْ بِصِفَةٍ مَأْلُوفَةٍ فَقالَ: ﴿فَوَرَبِّ﴾ أيْ: مُبْدِعِ ومُدَبِّرِ ﴿السَّماءِ والأرْضِ﴾ بِما أوْدَعَ فِيهِما مِمّا عَلِمْتُمُوهُ وما لَمْ تَعْلَمُوهُ ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ والجَنَّةِ والنّارِ وتَقَدَّمَ الإقْسامُ عَلَيْهِ أنَّهُ صادِقٌ ﴿لَحَقٌّ﴾ أيْ: ثابِتٌ يُطابِقُهُ الواقِعُ فَقَدْ جَمَعَ الحَقَّ مَعَ الصِّدْقِ ﴿مِثْلَ ما أنَّكُمْ﴾ أيْ: وأنْتُمْ مُساوُونَ لِبَقِيَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الجَماداتِ وغَيْرِها ﴿تَنْطِقُونَ﴾ نُطْقًا مُجَدَّدًا في كُلِّ وقْتٍ مُسْتَمِرًّا، لَيْسَ هو بِخَيالٍ ولا سِحْرٍ، أيْ أنَّ (p-٤٦٠)ذَلِكَ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنْ هَذا حَقٌّ، فالَّذِي جَعَلَ لَكم قُوَّةَ النُّطْقِ مِن بَيْنِ ما في الأرْضِ بِأسْبابٍ لا تَرَوْنَها وتُحْصُونَها، ومَعَ ما عَداكم مِن ذَلِكَ بِأسْبابٍ [مِثْلَ ذَلِكَ] قادِرٌ عَلى الإتْيانِ بِوَعْدِهِ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ ما دُمْتُمْ تَحْتاجُونَ إلى ذَلِكَ بِما جَعَلَ فِيكم مِنَ الحَياةِ الَّتِي يَصِحُّ بِها العِلْمُ النّاشِئُ عَنْهُ النُّطْقُ المُحْوِجُ إلى الرِّزْقِ مِن أيِّ جِهَةٍ أرادُوا، وإنْ لَمْ تَرَوْا أسْبابَهُ كَما أنَّهُ لَوْ أرادَ لَأنْطَقَ جَمِيعَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الجَماداتِ بِما يُقِيمُهُ لَها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أقامَها لَكم وإنْ لَمْ تَرَوْا ذَلِكَ.

الذاريات 51:24

ولَمّا بَيَّنَ بِما مَضى مِنَ القَسَمِ وما أتْبَعُهُ مِن أنَّهُ أوْدَعَ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما أسْبابًا صالِحَةً لِلْإتْيانِ بِما وعَدْناهُ مِنَ الخَيْرِ، وما تَوَعَّدْنا بِهِ مِنَ الشَّرِّ وإنْ كُنّا لَمْ نَرَها وهو قادِرٌ مُخْتارٌ، فَصارَ ذَلِكَ كالمُشاهَدِ، ولا وجْهَ لِلتَّكْذِيبِ بِوَعْدٍ ولا وعِيدٍ، دَلَّ عَلَيْهِ وصَوَّرَهُ بِما شُوهِدَ مِن أحْوالِ الأُمَمِ وبَدَأ -لِأنَّ السِّياقَ لِلْمُحْسِنِينَ- بِرَأْسِ المُحْسِنِينَ مِن أهْلِ هَذِهِ الأنْباءِ الَّذِي أخْبَرَتْهُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِما سَبَّبَهُ مَعَهُ وإنْ كانَ عَلى غَيْرِ العادَةِ. فَتَعَجَّبَتْ زَوْجَتُهُ مِن ذَلِكَ مَعَ كَوْنِها أعْلى نِساءِ ذَلِكَ الزَّمانِ، وأتْبَعَ قِصَّتَهُ قِصَّةَ لُوطٍ ابْنِ أخِيهِ عَلَيْهِما السَّلامُ لِاتِّصالِ ما بَيْنَ قِصَّتَيْهِما في الزَّمانِ، ولِمُناسَبَةِ عَذابِهِمْ لِما أقْسَمَ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ فَإنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَ الذّارِياتِ فاقْتَلَعَتْهم بِقُراهم وحَمَلَتْها كَما تَحْمِلُ السَّحابَ ثُمَّ كَبَّتْهم فَرَجَمَتْهُمْ، والأرْضَ فَخُسِفَتْ بِهِمْ، والمَلائِكَةَ المُوكَلَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، (p-٤٦١)فَفَعَلُوا جَمِيعَ ما أُمِرُوا بِهِ ورَأوْهم في قَرْيَتِهِمْ وقَصَدُوهم بِالمَكْرِ؛ لِأنَّهم خَفِيَ عَلَيْهِمْ أمْرُهُمْ، وأتَوُا الخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو أعْلى ذَلِكَ الزَّمانِ وهم في ذَلِكَ ولَمْ يَعْلَمْ أوَّلَ الأمْرِ بِشَيْءٍ مِن حالِهِمْ ولا ظَنَّهم إلّا آدَمِيِّينَ، فَقالَ مُفَخِّمًا لِأمْرِ القِصَّةِ بِتَخْصِيصِ الخِطابِ لِأعْلى الخَلْقِ وأنْفَذِهِمْ فَهْمًا إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَفْهَمُ هَذا حَقَّ فَهْمِهِ سِواهُ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ عَلى عادَةِ العَرَبِ في الإعْلامِ بِالأُمُورِ الماضِيَةِ وإنْ كانَ المُخْبَرُ عالِمًا بِأنَّ المُخاطَبَ لا عِلْمَ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ لَيْسَ إلّا التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ مِمّا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِهِ والبَحْثُ فِيهِ لِيُعْرَفَ ما فِيهِ، مِنَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: تَقْرِيرٌ لِتَجْتَمِعَ نَفْسُ المُخاطَبِ كَما تَبْدَأُ المَرْءَ إذا أرَدْتَ أنْ تُحَدِّثَهُ بِعَجِيبٍ فَتُقَرِّرُهُ: هَلْ سَمِعْتَ ذَلِكَ أمْ لا؟ فَكَأنَّكَ تَقْتَضِي بِأنْ يَقُولَ: لا. ويَسْتَطْعِمُكَ [الحَدِيثَ]. انْتَهى. ﴿هَلْ أتاكَ﴾ يا أكْمَلَ الخَلْقِ ﴿حَدِيثُ ضَيْفِ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِلَفْظِ الواحِدِ إشارَةً إلى اتِّحادِ كَلِمَتِهِمْ ﴿إبْراهِيمَ﴾ وهو خَلِيلُنا، ودَلَّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ شَيْئًا مِمّا أتَوْا بِهِ دالًّا عَلى أنَّهم جَمْعٌ ﴿المُكْرَمِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ هم أهْلُ الكَرامَةِ، وأكْرَمُهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَفي حَدِيثِهِ ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى ما بُيِّنَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وصِدْقِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّسْلِيَةِ لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ، والبِشارَةِ بِإكْرامِ المُصَدِّقِ وإهانَةِ المُكَذِّبِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وقِيلَ: كانَ عَدَدُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلِكًا، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مَعَهُ تِسْعَةٌ، (p-٤٦٢)وقِيلَ: [كانُوا] ثَلاثَةً:

الذاريات 51:25

﴿إذْ﴾ أيْ: حَدِيثُهم حِينَ ﴿دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ: دُخُولَ اسْتِعْلاءٍ مُخالِفٍ لِدُخُولِ بَقِيَّةِ الضُّيُوفِ ﴿فَقالُوا سَلامًا﴾ أيْ: نُحَدِّثُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: بِلِسانِهِ: ﴿سَلامٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ دائِمٌ، فَهو أحْسَنُ مِن تَحِيَّتِهِمْ. ولَمّا كانَ ما ذُكِرَ مِن دُخُولِهِمْ وسَلامِهِمْ غَيْرَ مُسْتَغْرَبٍ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِهَذا، وكانَتِ القِصَّةُ قَدِ ابْتُدِئَتْ بِما دَلَّ عَلى غَرابَةِ ما يُقَصُّ مِنها، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما كانَ بَعْدَ هَذا فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: ذَوُو قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ويَقُومُونَ فِيهِ ﴿مُنْكَرُونَ﴾ أيْ: حالُهم لِإلْباسِهِ أهْلٌ لِأنْ يُنْكِرُهُ المُنْكِرُ، وقَدَّمَ هَذا عَلى مَوْضِعِهِ الَّذِي كانَ ألْيَقَ بِهِ فِيما يَظْهَرُ بادِيَ الرَّأْيِ، وإيضاحًا لِأنَّ السِّياقَ لِخَفاءِ الأسْبابِ عَلى الآدَمِيِّ وبُعْدِها وإنْ كانَتْ في غايَةِ الظُّهُورِ والقُرْبِ ولَوْ أنَّهُ غايَةُ العُلُوِّ؛ فَإنَّ إنْكارَهُ لَهم كانَ مُتَأخِّرًا عَنْ إحْضارِ الأكْلِ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْكُلُوا، وهَذا القَوْلُ كانَ في نَفْسِهِ ولَمْ يُواجِهْهم بِهِ.

الذاريات 51:26

ولَمّا أشارَ إلى أنَّهُ حِينَ إنْكارِهِ لَهم لَمْ يَعْرِفْ مِن أيِّ نَوْعٍ هم ولا خُصُوصَ ما هم فِيهِ، رَتَّبَ عَلى رَدِّهِ لِسَلامِهِمْ أنَّهُ أسْرَعَ غايَةَ الإسْراعِ في إحْضارِ ما يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ عَلى ظَنِّ أنَّهم آدَمِيُّونَ فَقالَ: ﴿فَراغَ﴾ (p-٤٦٣)أيْ: ذَهَبَ في خُفْيَةٍ وخِفَّةٍ ومَواضِعِ سُتْرَةٍ عَنْ أعْيُنِهِمْ كَما هو مِن آدابِ الضِّيافَةِ خَوْفًا مِن أنْ يَمْنَعُوهُ أوْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِمُ الِانْتِظارُ: ﴿إلى أهْلِهِ﴾ [أيِ] الَّذِينَ عِنْدَهم بَقَرَةٌ ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ﴾ أيْ: فَتًى مِن أوْلادِ البَقَرِ ﴿سَمِينٍ﴾ قَدْ شَواهُ وأنْضَجَهُ

الذاريات 51:27

﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ﴾ ولَمّا أخْبَرَ بِما يَنْبَغِي [الإخْبارُ بِهِ] مِن أمْرِ الضِّيافَةِ إلّا الأكْلَ، كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا؟ قِيلَ: ﴿قالَ﴾ [أيْ] مُتَأدِّبًا غايَةَ التَّأدُّبِ مُلَوِّحًا بِالإنْكارِ: ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ أيْ: مِنهُ.

الذاريات 51:28

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَأْكُلُوا، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَأوْجَسَ﴾ أيْ: أضْمَرَ إضْمارَ الحالِ في [جَمِيعِ] سِرِّهِ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ لِأجْلِ إنْكارِهِ عَدَمَ أكْلِهِمْ؛ فَإنَّهُ لَمّا رَأى إعْراضَهم عَنِ الطَّعامِ ذَهَبَ وهْمُهُ في سَبَبِ إتْيانِهِمْ إلَيْهِ كُلَّ مَذْهَبٍ ﴿قالُوا﴾ مُؤْنِسِينَ لَهُ: ﴿لا تَخَفْ﴾ وأعْلَمُوهُ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ ﴿وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ﴾ عَلى شَيْخُوخَتِهِ ويَأْسِ امْرَأتِهِ بِالطَّعْنِ في السِّنِّ بَعْدَ عُقْمِها، وهو إسْحاقُ عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِخَفاءِ الأسْبابِ كانَ في الذُّرْوَةِ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٍ﴾ أيْ: مَجْبُولٍ جِبِلَّةً مُهَيَّأةً لِلْعِلْمِ ولا يَمُوتُ حَتّى يَظْهَرَ عِلْمُهُ بِالفِعْلِ في أوانِهِ.

الذاريات 51:29

ولَمّا كانا بَعِيدَيْنِ عَنْ قَبُولِ الوَلَدِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ، دالًّا (p-٤٦٤)عَلى أنَّ الوَلَدَ إسْحاقُ مَعَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ خَفاءَ الأسْبابِ لا يُؤَثِّرُ في وُجُودِ المُسَبِّباتِ: ﴿فَأقْبَلَتِ﴾ أيْ: مِن سَماعِ هَذا الكَلامِ ﴿امْرَأتُهُ﴾ ولَمّا كانَتْ قَدِ امْتَلَأتْ عَجَبًا، عَبَّرَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ أيْ: صَيْحَةٍ وكَرْبٍ مِنَ الصَّرِيرِ قَدْ أحاطَ بِها، فَذَهَبَ وهْمُهَما في ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ ﴿فَصَكَّتْ﴾ أيْ: ضَرَبَتْ بِسَبَبِ تَعَجُّبِها بِأطْرافِ أنامِلِها فِعْلَ المُتَعَجِّبِ ﴿وجْهَها﴾ لِتَلاشِي أسْبابِ الوَلَدِ في عِلْمِها بِسَبَبِ العادَةِ مَعَ مَعْرِفَتِها بِأنَّ العِبْرَةَ في الأسْبابِ وإنْ كانَتْ سَلِيمَةً بِالمُسَبِّبِ لا بِها، قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الصَّكِّ ضَرْبُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ العَرِيضِ ﴿وقالَتْ﴾ تُرِيدُ أنْ تَسْتَبِينَ الأمْرَ هَلِ الوَلَدُ مِنها أمْ مِن غَيْرِها: ﴿عَجُوزٌ﴾ ومَعَ العَجْزِ ﴿عَقِيمٌ﴾ فَهي في حالِ شَبابِها لَمْ تَكُنْ تَقْبَلُ الحَبَلَ، قالَ القُشَيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قِيلَ: إنَّها كانَتْ يَوْمَئِذٍ ابْنَةَ ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً.

الذاريات 51:30

ولَمّا كانَ [فِي] هَذا أشَدُّ تَشَوُّفٍ إلى الجَوابِ، اسْتَأْنَفَ تَعالى الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ما قُلْناهُ مِن هَذِهِ البُشْرى العَظِيمَةِ ﴿قالَ رَبُّكِ﴾ أيِ: المُحْسِنُ إلَيْكِ بِتَأْهِيلِكَ لِذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْتِ مِن حالِكِ وبِتَأْهِيلِكِ مِن قَبْلِ الِاتِّصالِ بِخَلِيلِهِ ﷺ. ولَمّا كانَ مَحَطُّ تَعَجُّبِها أنَّ ذَلِكَ كانَ بِأيّامِ شَبابِها أوْلى، عَلَّلُوا إخْبارَهم تَأْكِيدًا لَهُ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ قَوْلَها وفِعْلَها فِعْلُ المُنْكِرِ وإنْ كانَتْ ما أرادَتْ بِهِ إلّا الِاسْتِثْباتَ: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿العَلِيمُ﴾ الَّذِي يَضَعُ الأشْياءَ في أحَقِّ مَواضِعِها (p-٤٦٥)فَرَتَّبَ عَظَمَةَ هَذا المَوْلُودِ عَلى كُلٍّ مِن عُقْمِكِ وعَجْزِكِ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: المُحِيطُ العِلْمِ فَهو كَذَلِكَ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ لِما تَقَدَّمَ مِنَ البُرْهانِ في سُورَةِ ”طه“ أنَّ إحاطَةَ العِلْمِ مُسْتَلْزِمٌ شُمُولَ القُدْرَةِ.

الذاريات 51:31

ولَمّا كانَ الخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أعْلَمَ أهْلِ زَمانِهِ بِالأُمُورِ الإلَهِيَّةِ، عَلِمَ أنَّ اجْتِماعَ المَلائِكَةِ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الَّتِي يَراهم فِيها لَيْسَ لِهَذِهِ البِشارَةِ فَقَطْ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ تَعالى الجَوابَ لِمَن كانَ كَأنَّهُ قالَ: ما كانَ مِن حالِهِ وحالِهِمْ بَعْدَ هَذا؟ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: قالَ مُسَبِّبًا عَمّا رَأى مِن حالِهِمْ: ﴿فَما خَطْبُكُمْ﴾ أيْ: خَبَرُكُمُ العَظِيمُ ﴿أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ أيْ: لِأمْرٍ عَظِيمٍ

الذاريات 51:32

﴿قالُوا﴾ قاطِعِينَ بِالتَّأْكِيدِ بِأنَّ مَضْمُونَ خَبَرِهِمْ حَتْمٌ لا بُدَّ مِنهُ، ولا مَدْخَلَ لِلشَّفاعَةِ فِيهِ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أيْ: بِإرْسالِ مَن تَعْلَمُ ﴿إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: هم في غايَةِ القُوَّةِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وقَدْ صَرَفُوا ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ القُوَّةِ في قَطْعِ ما يَحِقُّ وصْلُهُ ووَصْلِ ما يَحِقُّ قَطْعُهُ

الذاريات 51:33

﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: مِنَ السَّماءِ الَّتِي فِيها ما وُعِدَ العِبادُ بِهِ وتُوُعِّدُوا ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ أيْ: مُهَيَّأً لِلِاحْتِراقِ والإحْراقِ

الذاريات 51:34

﴿مُسَوَّمَةً﴾ أيْ: مُعَلَّمَةً بِعَلامَةِ العَذابِ المَخْصُوصِ. ولَمّا كانَ قَدْ رَأوُا اهْتِمامَهُ بِالعِلْمِ بِخَبَرِهِمْ خَشْيَةَ مِن أنْ يَكُونُوا أُرْسِلُوا لِعَذابِ أحَدٍ يَعِزُّ عَلَيْهِ أمْرُهُ، أمَّنُوا خَوْفَهُ بِوَصْفِ الإحْسانِ فَقالُوا: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أيِ: المُحْسِنِ إلَيْكَ بِهَذِهِ البِشارَةِ وغَيْرِها ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (p-٤٦٦)[أيِ] المُتَجاوِزِينَ لِلْحُدُودِ غَيْرَ قانِعِينَ بِما أُبِيحَ لَهم.

الذاريات 51:35

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ القَوْمَ يَكُونُونَ تارَةً في مَدَرٍ وتارَةً في شَعْرٍ، وعُلِمَ مِنَ الآياتِ السّالِفَةِ أنَّ العَذابَ مُخْتَصٌّ بِذَوِي الإسْرافِ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ مُفَصِّلًا لِخَبَرِهِمْ قَوْلَهُ تَعالى مُعْلِمًا أنَّهم في مَدَرٍ: ﴿فَأخْرَجْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بَعْدَ أنْ ذَهَبَتْ رُسُلُنا إلَيْهِمْ ووَقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ لُوطٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُحاوَلاتٌ مَعْرُوفَةٌ لَمْ تَدْعُ الحالَ هُنا إلى ذِكْرِها، والمَلائِكَةُ سَبَبُ عَذابِهِمْ، وأهْلُ القَرْيَةِ المُحاوِلُونَ في أمْرِهِمْ لا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ، وهَذِهِ العِبارَةُ إنْ كانَتْ إخْبارًا لَنا كانَتْ خَبَرًا عَمّا وقَعَ لِنَعْتَبِرَ بِهِ، وإنْ كانَتْ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مَعْناها أنَّ الحُكْمَ الأعْظَمَ وقَعَ بِإخْراجِهِمْ بِشارَةً لَهُ بِنَجاتِهِمْ ﴿مَن كانَ فِيها﴾ أيْ: قُراها. ولَمّا كانَ القَلْبُ عِمادَ البَدَنِ الَّذِي [بِهِ] صَلاحُهُ أوْ فَسادُهُ، فَكانَ عَمَلُهُ أفْضَلَ الأعْمالِ أنَّهُ بِهِ يَكُونُ اسْتِسْلامُ الأعْضاءِ أوْ جِماحُها، بَدَأ بِهِ فَقالَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِقُلُوبِهِمْ لِأنّا لا نُسَوِّيهِمْ بِالمُجْرِمِينَ فَخَلَّصْناهم مِنَ العَذابِ عَلى قِلَّتِهِمْ وضَعْفِهِمْ وقُوَّةِ المُخالِفِينَ وكَثْرَتِهِمْ، وسَبَّبَ عَنِ التَّعَبُّسِ والسَّتْرِ والتَّعَرُّضِ لِلظَّواهِرِ والبَواطِنِ قَوْلَهُ:

الذاريات 51:36

﴿فَما وجَدْنا﴾ أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا لِرُسُلِهِ إعْلامًا بِأنَّ فِعْلَهم فِعْلُهُ ﴿فِيها غَيْرَ بَيْتٍ﴾ واحِدٍ وهو بَيْتُ لُوطٍ ابْنِ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَ عِدَّةُ النّاجِينَ مِنهم ثَلاثَةَ عَشَرَ، ولَمّا كانَ الإسْلامُ قَدْ تُطْلَقُ عَلى الظّاهِرِ فَقَطْ وإنْ كانَ المُرادُ هُنا الأخَصَّ أخَّرَهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ أيِ: العَرِيقِينَ في الإسْلامِ (p-٤٦٧)الظّاهِرِ والباطِنِ لِلَّهِ مِن غَيْرِ اعْتِراضٍ أصْلًا وهم إبْراهِيمُ وآلُهُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ فَإنَّهم أوَّلُ مَن وُجِدَ مِنهُ الإسْلامُ الأتَمُّ، وتُسَمَّوْا بِهِ كَما مَضى في البَقَرَةِ وسَمَّوْا بِهِ أتْباعَهُمْ، فَكانَ هَذا البَيْتُ الواحِدُ صادِقًا عَلَيْهِ الإيمانُ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ والإسْلامُ الَّذِي هو الِانْقِيادُ، قالَ البَغَوِيُّ: وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالإيمانِ والإسْلامِ جَمِيعًا لِأنَّهُ ما آمَنَ مُؤْمِنٌ إلّا وهو مُسْلِمٌ. يَعْنِي لِما بَيْنَها مِنَ التَّلازُمِ وإنِ اخْتَلَفَ المَفْهُومانِ، وقالَ الأصْبِهانِيُّ: [و] قِيلَ: كانَ لُوطٌ وأهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ نَجَوْا ثَلاثَةَ عَشَرَ.

الذاريات 51:37

و[لَمّا] وكانَ إبْقاءُ آثارِ المُهْلَكِينَ أدَلَّ عَلى قُدْرَةِ مَن أهْلَكَهم قالَ: ﴿وتَرَكْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِيها﴾ أيْ: تِلْكَ القُرى بِما أوْقَعَنا بِها مِنَ العَذابِ الَّذِي كانَ مَبْدَؤُهُ أنْسَبَ شَيْءٍ بِفِعْلِ الذّارِياتِ مِنَ السَّحابِ فَإنّا قَلَعْنا قُراهم كُلَّها وصَعِدَتْ في الجَوِّ كالغَمامِ إلى عَنانِ السَّماءِ ولَمْ يَشْعُرْ أحَدٌ مِن أهْلِها بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ ثُمَّ قُلِبَتْ وأُتْبِعَتِ الحِجارَةَ ثُمَّ خُسِفَ بِها وغُمِرَتْ بِالماءِ الَّذِي لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِن مِياهِ الأرْضِ كَما أنَّ خَباثَتَهم لَمْ تُشْبِهْ خَباثَةَ أحَدٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَهم مِن أهْلِ الأرْضِ ﴿آيَةً﴾ أيْ: عَلامَةً عَظِيمَةً عَلى قُدْرَتِنا عَلى ما نُرِيدُ ﴿لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ آخِرَ ”ق“ أنَّهُمُ المَقْصُودُونَ في الحَقِيقَةِ بِالإنْذارِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ مَن (p-٤٦٨)قَسا قَلْبُهُ ولَمْ يَعْتَبِرْ ﴿العَذابَ الألِيمَ﴾ أيْ: أنْ يَحِلَّ بِهِمْ كَما حَلَّ بِهَذِهِ القُرى في الدُّنْيا مِن رَفْعِ المَلائِكَةِ لَهم في الهَواءِ الذّارِي إلى عَنانِ السَّماءِ وقَلْبِهِمْ وإتْباعِهُمُ الحِجارَةَ المُحْرِقَةَ، وغَمْرِهِمْ بِالماءِ المُناسِبِ لِفِعْلِهِمْ بِنَتْنِهِ وعَدَمِ نَفْعِهِ، وما ادُّخِرَ لَهم في الآخِرَةِ أعْظَمُ.

الذاريات 51:38

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ أحَقَّ القِصَصِ الدّالَّةِ عَلى قَسَمِهِ وما أقْسَمَ عَلَيْهِ بِما فِيها مِن خَفاءِ الأسْبابِ مَعَ وُجُودِها، ثُمَّ ما فِيها مِن إنْزالِ ما بِهِ الوَعِيدُ مِنَ السَّماءِ بِالنّارِ والماءِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمُقَسِّماتِ، مَعَ الفُرْقَةِ بَيْنَ المُسْلِمِ والمُجْرِمِ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أيَّدَهُ بِحامِلاتٍ فِيها مَطَرٌ وبَرَدٌ ونارٌ مُضْطَرِمَةٌ، كَما مَضى بَيانُهُ في الأعْرافِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ بِرِيحٍ فَرَّقَتِ البَحْرَ ونَشَّفَتْ أرْضَهُ ودَخَلَهُ فِرْعَوْنُ والقِبْطُ، وهو واضِحُ الأمْرِ في أنَّهُ سَبَبٌ لِهَلاكِهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ بِهِ، فَقالَ عاطِفًا عَلى المُقَدَّرِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوِ الظّاهِرِ في ﴿وفِي الأرْضِ﴾ [الذاريات: ٢٠] أوْ عَلى ”فِي“ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ﴾ [الذاريات: ٣٧] وهَذا أقْرَبُ مِن غَيْرِهِ وأوْلى: ﴿وفِي مُوسى﴾ أيْ: في قِصَّتِهِ وأمْرِهِ آيَةٌ عَلى ذَلِكَ عَظِيمَةٌ ﴿إذْ أرْسَلْناهُ﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ الَّذِي كانَ قَدْ أساءَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ عَظِيمِ إحْسانِهِمْ إلَيْهِ وإلى جَمِيعِ قَوْمِهِ بِما أحْسَنَ إلَيْهِمْ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ: مُعْجِزاتٍ ظاهِرَةٍ في نَفْسِهِ مُنادِيَةٍ مِن شِدَّةِ (p-٤٦٩)ظُهُورِها بِأنَّها مُعْجِزَةٌ، فَكانَ فِيها دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى صِدْقِ وعِيدِهِ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفَعْهم عِلْمُها؛ ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ:

الذاريات 51:39

﴿فَتَوَلّى﴾ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ الإعْراضَ بَعْدَ ما دَعاهُ عِلْمُها إلى الإقْبالِ إلَيْها، وأشارَ إلى تَوَلِّيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرُكْنِهِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما يُرْكَنُ إلَيْهِ مِنَ القُوَّةِ في نَفْسِهِ وبِأعْوانِهِ وجُنُودِهِ أوْ بِجَمِيعِ جُنُودِهِ - كِنايَةً عَنِ المُبالَغَةِ في الإعْراضِ، ﴿وقالَ﴾ مُعْلِمًا بِعَجْزِهِ عَمّا أتاهُ بِهِ وهو لا يَشْعُرُ: ﴿ساحِرٌ﴾ ثُمَّ ناقَضَ كَمُناقَضَتِكم فَقالَ بِجَهْلِهِ عَمّا يَلْزَمُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ مَجْنُونٌ﴾ أيْ: لِاجْتِرائِهِ عَلَيَّ مَعَ ما لِي مِن عَظِيمِ المُلْكِ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَدْعُو إلَيْهِ ويَتَهَدَّدُ عَلَيْهِ.

الذاريات 51:40

ولَمّا وقَعَتِ التَّسْلِيَةُ بِهَذا لِلْأوْلِياءِ، قالَ تَعالى مُحَذِّرًا لِلْأعْداءِ: ﴿فَأخَذْناهُ﴾ أيْ: أخْذَ غَضَبٍ وقَهْرٍ بِعَظَمَتِنا بِما اسْتَدْرَجْناهُ بِهِ وأوْهَنّاهُ بِهِ مِنَ العَذابِ الَّذِي مِنهُ سَحابٌ حامِلٌ ماءً وبَرَدًا ونارًا وصَواعِقَ ﴿وجُنُودَهُ﴾ [أيْ] كُلَّهم ﴿فَنَبَذْناهُمْ﴾ أيْ: طَرَحْناهم طَرْحَ مُسْتَهِينٍ بِهِمْ [مُسْتَخِفٍّ لَهم كَما تُطْرَحُ] الحَصَياتُ ﴿فِي اليَمِّ﴾ أيِ [البَحْرِ] الَّذِي هو أهْلٌ لِأنْ [يُقْصَدَ] بَعْدَ أنْ سَلَّطْنا الرِّيحَ فَغَرَّقَتْهُ لَمّا ضَرَبَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِعَصاهُ ونَشَّفَتْ أرْضَهُ، فَأيْبَسَتْ ما أبْرَزَتْ فِيهِ مِنَ الطُّرُقِ لِنَجاةِ أوْلِيائِنا وهَلاكِ أعْدائِنا ﴿وهُوَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّ فِرْعَوْنَ ﴿مُلِيمٌ﴾ أيْ: آتٍ بِما هو بالِغٌ في اسْتِحْقاقِهِ المَلامَةَ، ويَجُوزُ (p-٤٧٠)أنْ يَكُونَ حالًا مِن ﴿اليَمِّ﴾ بِمَعْنى أنَّهُ فَعَلَ بِهِمْ فِعْلَ اللّائِمِ مِن ألامَهُ - إذا بالَغَ في عَذَلِهِ، وصارَ ذا لائِمَةٍ؛ أيْ لَهُمْ، مِن ألامَ - لازِمًا، [و] أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن لَأمَ المَهْمُوزِ فَيَكُونُ المَعْنى: فَهو مُصْلِحٌ؛ أيْ فاعِلٌ فِعْلَ المُصْلِحِينَ في إنْجاءِ الأوْلِياءِ وإغْراقِ الأعْداءِ بِالِالتِئامِ والِانْطِباقِ عَلَيْهِمْ، قالَ في القامُوسِ: اللَّوْمُ العَذْلُ، لامَ لَوْمًا وألامَهُ ولَوَّمَهُ لِلْمُبالَغَةِ، وألامَ: أتى ما يُلامُ عَلَيْهِ أوْ صارَ ذا لائِمَةٍ، ولَأمَهُ بِالهَمْزِ كَمَنَعَهُ، نَسَبَهُ إلى اللَّوْمِ، والسَّهْمَ: أصْلَحَهُ كَألامَهُ ولَأمَهُ فالتَأمَ، ولا يَضُرُّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُعَبَّرَ في حَقِّهِ بِنَحْوِ هَذِهِ العِبارَةِ؛ فَإنَّ أسْبابَ اللَّوْمِ تَخْتَلِفُ كَما أنَّ أسْبابَ المَعاصِي تَخْتَلِفُ في قَوْلِهِ: ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩] ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] وبِحَسَبِ ذَلِكَ يَكُونُ اخْتِلافُ نَفْسِ اللَّوّامِ ونَفْسِ المَعاصِي.

الذاريات 51:41

ولَمّا أتَمَّ قِصَّةَ مَن جُمِعَ لَهُ السَّحابُ والماءُ والنّارُ والرِّيحُ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أتاهم بِرِيحٍ ذارِيَةٍ لَمْ يُوجَدْ قَطُّ مِثْلَها، وكانَ أصْلُها مَوْجُودًا بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ وهم لا يَشْعُرُونَ، بَلْ قارَبَتِ الوُصُولَ إلَيْهِمْ وهم يَظُنُّونَها مِمّا يَنْفَعُهُمْ: ﴿وفِي عادٍ﴾ أيْ: آيَةٌ عَظِيمَةٌ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿أرْسَلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿عَلَيْهِمُ﴾ إرْسالَ عُلُوٍّ وأخْذٍ ﴿الرِّيحَ﴾ فَأتَتْهم تَحْمِلُ سَحابَةً سَوْداءَ وهي تَذْرُو الرَّمْلَ وتَرْمِي بِالحِجارَةِ عَلى كَيْفِيَّةٍ لا تُطاقُ ﴿العَقِيمَ﴾ أيِ: الَّتِي لا ثَمَرَةَ لَها فَلا تُلَقِّحُ شَجَرًا ولا تُنْشِئُ سَحابًا ولا تَحْمِلُ مَطَرًا ولا رَحْمَةً (p-٤٧١)فِيها ولا بَرَكَةً فَلِذَلِكَ أهْلَكَهم هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ، ثُمَّ بَيَّنَ عُقْمَها وإعْقامَها بِقَوْلِهِ:

الذاريات 51:42

﴿ما تَذَرُ﴾ أيْ: تَتْرُكُ عَلى حالٍ رَدِيَّةٍ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ ولَمّا كانَ إهْلاكُها إنَّما هو بِالفاعِلِ المُخْتارِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ فَقالَ: ﴿أتَتْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: إتْيانَ إرادَةِ مُرْسِلِها، اسْتَعْلاها عَلى ظاهِرِهِ وباطِنِهِ، وأمّا مَن أُرِيدَتْ رَحْمَتُهُ كَهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَكانَ لَهم رُوحًا وراحَةً لا عَلَيْهِمْ ﴿إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ أيِ: الشَّيْءِ البالِي الَّذِي ذَهَلَتْهُ الأيّامُ واللَّيالِي، فَصَيَّرَهُ البِلى إلى حالَةِ الرَّمادِ، وهو في كَلامِهِمْ ما يَبِسَ مِن نَباتِ الأرْضِ ودُثِرَ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وخَرَجَ بِالتَّعْبِيرِ بِ ”تَذَرُ“ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ؛ فَإنَّهم تَرَكَتْهم عَلى حالَةٍ حَسَنَةٍ لَمْ يَمَسَّهم مِنها سُوءٌ كَما أُشِيرَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ.

الذاريات 51:43

ولَمّا تَمَّ ما اقْتَضاهُ سِياقُ السُّورَةِ مِن قِصَّةِ أهْلِ الرِّيحِ الذّارِيَةِ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما يَحْمِلُهُ السَّحابُ مِنَ الرِّيحِ وما تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِن صَوْتِ الصَّيْحَةِ الرّاجِفَةِ الماحِقَةِ فَقالَ: ﴿وفِي ثَمُودَ﴾ أيْ: قَوْمِ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ كَذَلِكَ ﴿إذْ﴾ أيْ: حِينَ ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾ مِمَّنْ لا يُخْلِفُ المِيعادَ: ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: بِلَبَنِ النّاقَةِ وغَيْرِهِ مِمّا مَكَّنّاكم فِيهِ مِنَ الزَّرْعِ والنَّخِيلِ والأبْنِيَةِ في الجِبالِ والسُّهُولِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ الَّذِي أمَرْناكم بِهِ ولا تَطْغَوْا ﴿حَتّى حِينٍ﴾ أيْ: وقْتٍ ضَرَبْناهُ لِآجالِكُمْ

الذاريات 51:44

﴿فَعَتَوْا﴾ أيْ: أوْقَعُوا بِسَبَبِ إحْسانِنا إلَيْهِمُ العُتُوَّ، وهو التَّكَبُّرُ والإباءُ ﴿عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: مَوْلاهُمُ الَّذِي أعْظَمُ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ فَعَقَرُوا النّاقَةَ (p-٤٧٢)وأرادُوا قَتْلَ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿فَأخَذَتْهُمُ﴾ بِسَبَبِ عُتُوِّهِمْ أخْذَ قَهْرٍ وعَذابٍ ﴿الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: الصَّيْحَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّيحُ، فَأوْصَلَتْها إلى مَسامِعِهِمْ بِغايَةِ العَظَمَةِ، ورَجَّتْ دِيارَهم رَجَّةً أزالَتْ أرْواحَهم بِالصَّعْقِ، وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْظُرُونَ﴾ دالٌّ عَلى أنَّها كانَتْ في غَمامٍ، وكانَ فِيها نارٌ، ويَجُوزُ -مَعَ كَوْنِهِ مِنَ النَّظَرِ- أنْ يَكُونَ أيْضًا مِنَ الِانْتِظارِ؛ فَإنَّهم وُعِدُوا نُزُولَ العَذابِ بَعْدَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وجُعِلَ لَهم في كُلِّ يَوْمٍ عَلّامَةٌ وقَعَتْ بِهِمْ فَتَحَقَّقُوا وُقُوعَهُ اليَوْمَ الرّابِعَ

الذاريات 51:45

﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ما ﴿اسْتَطاعُوا﴾ أيْ: تَمَكَّنُوا، وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن قِيامٍ﴾ أيْ: بَعْدَ مَجِيئِها بِأنْ عاجَلَتْهم بِإهْلاكِها عَنِ القِيامِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ لا يَتَمَكَّنُ مِنَ القِيامِ لِعارِضٍ في رِجْلَيْهِ ويَنْتَصِفُ مِن عَدُوِّهِ بِما يُرَتِّبُهُ مِن عَقْلِهِ ويُدَبِّرُهُ بِرَأْيِهِ قالَ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا ما ﴿مُنْتَصِرِينَ﴾ أيْ: لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أهْلِيَّةٌ لِلِانْتِصارِ بِوَجْهٍ، لا بِأنْفُسِهِمْ ولا بِناصِرٍ يَنْصُرُهم فَيُطاوِعُونَهُ في النُّصْرَةِ؛ لِأنَّ تَهَيُّؤَهم لِذَلِكَ سَقَطَ بِكُلِّ اعْتِبارٍ.

الذاريات 51:46

ولَمّا أتَمَّ قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما مِن شَأْنِهِ الإهْلاكُ وهو الصّاعِقَةُ، أتْبَعَهم قِصَّةَ مَن أُهْلِكُوا بِما مِن شَأْنِهِ الإحْياءُ، وهو الماءُ الَّذِي جُلُّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الحَلاماتُ الَّتِي أثارَتْها الذّارِياتُ، وقَدْ كانُوا مَوْجُودِينَ في الأرْضِ والسَّماءِ - وأسْبابُهُ مُهَيَّأةٌ - وهم لا يُحِسُّونَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، (p-٤٧٣)وأمّا عِبادُنا المُؤْمِنُونَ فَهَيَّأْنا لَهم أسْبابَ النَّجاةِ مِنَ السَّفِينَةِ وغَيْرِها، وأعْلَمْناهم بِها، فَكانَ كُلُّ ما أرَدْنا وقالَهُ عَنّا أوْلِياؤُنا فَقالَ مُغَيِّرًا لِلْأُسْلُوبِ تَنْبِيهًا عَلى العَظَمَةِ بِنَفْسِ الإهْلاكِ لِكَوْنِهِ بِما مِن شَأْنِ الإحْياءِ والإبْقاءِ والتَّصَرُّفِ في الأسْبابِ: ﴿وقَوْمَ﴾ أيْ: وأهْلَكْنا قَوْمَ ﴿نُوحٍ﴾ عَلى ما كانَ فِيهِمْ مِنَ الكَثْرَةِ وقُوَّةِ المُحاوَلَةِ والقِيامِ بِما يُرِيدُونَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”فِيها“ أيْ: وتَرَكْناهم آيَةً، ويُحَسِّنُ هَذا الإعْرابَ أنَّهم هَلَكُوا جَمِيعًا وكانُوا جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ، وعَمَّ عَذابُهم جَمِيعَ الأرْضِ، كانُوا لَهُمُ الآيَةَ، ويُؤَيِّدُ هَذا الإعْرابَ قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى ضَمِيرِ ”فِيها“. ولَمّا كانَ إهْلاكُهم عَلى عِظَمِهِ وانْتِشارِهِ في بَعْضِ الزَّمانِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: قَبْلَ هَذِهِ الأُمَمِ كُلِّها، ثُمَّ عَلَّلَ إهْلاكَهم بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ خُلُقًا وطَبْعًا، لا حِيلَةً لِغَيْرِنا مِن أهْلِ الأسْبابِ في صَلاحِهِمْ ﴿قَوْمًا﴾ أيْ: أقْوِياءَ ﴿فاسِقِينَ﴾ أيْ: عَرِيقِينَ في الخُرُوجِ عَنْ حَظِيرَةِ الدِّينِ.

الذاريات 51:47

ولَمّا كانَ إهْلاكُهم بِالماءِ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وطَلَعَ مِنَ الأرْضِ بِغَيْرِ حِسابٍ، كانَ رُبَّما ظَنَّ ظانٌّ أنَّ ذَلِكَ كانَ لِخَلَلٍ كانَ فِيهِما، ثُمَّ أُصْلِحَ بَعْدَ ذَلِكَ كَما يَقَعُ لِبَعْضِ مَن يَصْنَعُ مِنَ المُلُوكِ صُنْعًا يُبالِغُ في إتْقانِهِ فَيَخْتَلُّ، قالَ عاطِفًا عَلى ما نُصِبَ ”يَوْمَ“ مُبَيِّنًا أنَّ فِعْلَ ذَلِكَ (p-٤٧٤)ما كانَ بِالِاخْتِيارِ، دالًّا عَلى وحْدانِيَّتِهِ لِتَمامِ [القُدْرَةِ] الدّالَّةِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ البَعْثِ: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِأيْدٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ عَظِيمَةٍ لا يُقَدَّرُ قَدْرُها. ولَمّا كانَتِ السَّماءُ ألْيَقَ لِعَظَمَتِها وطَهارَتِها بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، قالَ وأكَّدَ لِما يَلْزَمُ إنْكارَهُمُ البَعْثَ مِنَ الطَّعْنِ في القُدْرَةِ: ﴿وإنّا﴾ عَلى عَظَمَتِنا مَعَ ذَلِكَ ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أيْ: أغْنِياءُ وقادِرُونَ ذَوُو سِعَةٍ لا تَتَناهى، أيْ: قُدْرَةٍ، مِنَ الوُسْعِ وهو اللَّطافَةُ، وكَذَلِكَ أوْسَعْنا مِقْدارَ جِرْمِها وما فِيها مِنَ الرِّزْقِ عَنْ أهْلِها فالأرْضُ كُلُّها عَلى اتِّساعِها كالنُّقْطَةِ في وسَطِ دائِرَةِ السَّماءِ بِما اقْتَضَتْهُ صِفَةُ الإلَهِيَّةِ الَّتِي لا يَصِحُّ فِيها الشَّرِكَةُ أصْلًا، ومُطِيقُونَ لِما لا يُحْصى مِن أمْثالِ ذَلِكَ، ومِمّا هو أعْظَمُ مِنهُ مِمّا لا يَتَناهى، ومُحِيطُونَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا، وجَدِيرُونَ وحَقِيقُونَ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أوْصافِنا فَنُوصَفُ بِهِ لِما يُشاهَدُ لَنا مِنَ القُوَّةِ عَلى كُلِّ ما نُرِيدُ، فَلَسْنا كَمَن يَعْرِفُونَ مِنَ المُلُوكِ؛ لِأنَّهم إذا فَعَلُوا لا يَقْدِرُونَ عَلى أعْظَمَ مِنهُ وإنْ قَدَرُوا [كانَ] ذَلِكَ مِنهم بِكُلْفَةٍ ومَشَقَّةٍ، وسَتَرَوْنَ في اليَوْمِ الآخِرِ ما يَتَلاشى وما تُرِيدُونَ في جَنْبِهِ، ومِنَ اتِّساعِنا جَعْلُها بِلا عَمَدٍ مَعَ ما هي عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ:

الذاريات 51:48

﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾ كَذَلِكَ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، فَصارَتْ مُمَهَّدَةً جَدِيرَةً بِأنْ يَسْتَقِرَّ عَلَيْها الأشْياءُ وهي آيَةٌ عَلى تَمْهِيدِنا لِأرْضِ الجَنَّةِ وشَقِّنا لِأنْهارِها وغَرْسِنا لِأشْجارِها ﴿فَنِعْمَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ في وصْفِنا: نِعْمَ ﴿الماهِدُونَ﴾ أيْ: نَحْنُ لِكَمالِ قُدْرَتِنا، فَما نَزَلَ مِن (p-٤٧٥)السَّماءِ شَيْءٌ ولا نَبَعَ مِنَ الأرْضِ شَيْءٌ إلّا بِإرادَتِنا وتَقْدِيرِنا واخْتِيارِنا مِنَ الأزَلِ لِأنّا إذا صَنَعْنا شَيْئًا عَلِمْنا ما يَكُونُ مِنهُ مِن حِينِ إنْشائِهِ إلى حِينِ إنْباتِهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِتَقْدِيرِنا، وذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِالجَنَّةِ والنّارِ، فَما فَوْقَها مِن خَيْرٍ فَهو آيَةٌ عَلى الجَنَّةِ، وما فِيها مِن جِبالٍ ووِهادٍ وعْرٍ وخَرُّوبَةٍ فَهو آيَةٌ عَلى النّارِ.

الذاريات 51:49

ولَمّا كانَ الأشْياءُ المُتَضادَّةُ مِنَ الشَّيْءِ الواحِدِ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ مِن هَذا الوَجْهِ، قالَ: ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ: مِنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ ﴿خَلَقْنا﴾ بِعَظَمَتِنا. ولَمّا كانَ الفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ: لا يَنْشَأُ عَنِ الواحِدِ إلّا واحِدٌ، قالَ رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿زَوْجَيْنِ﴾ أيْ: مِثْلَهُ شَيْئَيْنِ كُلٌّ مِنهُما يُراوِحُ الآخَرَ مِن وجْهٍ وإنْ خالَفَهُ مِن آخَرَ، ولا يَتِمُّ نَفْعُ أحَدِهِما إلّا بِآخَرَ مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ وغَيْرِها ويَدْخُلُ فِيهِ الأضْدادُ مِنَ الغِنى والفَقْرِ، والحُسْنِ والقُبْحِ، والحَياةِ والمَوْتِ، والضِّياءِ والظَّلامِ، واللَّيْلِ والنَّهارِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والبَرِّ والبَحْرِ، والسَّهْلِ والجَبَلِ، والشَّمْسِ والقَمَرِ، والحَرِّ والبَرْدِ، والسَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ الحَرَّ والبَرْدَ مِن نَفْسِ جَهَنَّمَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ عَلَيْها، وبِناءَهُما عَلى الِاعْتِدالِ في بَعْضِ الأحْوالِ آيَةٌ عَلى الجَنَّةِ مُذَكِّرَةٌ بِها مُشَوِّقَةٌ إلَيْها. ولَمّا كانَ ذَلِكَ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَحْتاجُ إلى الآخَرِ وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ الأمْرُ إلى واحِدٍ لا مِثْلَ لَهُ، وأنَّهُ لا يُحْتاجُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ إلى تَأمُّلٍ كَبِيرٍ قالَ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ فَأدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ الدّالَّةَ عَلى العِلاجِ والِاجْتِهادِ والعَمَلِ فَصارَ: فَتَكُونُوا عِنْدَ (p-٤٧٦)مِن يَنْظُرُ ذَلِكَ حَقَّ النَّظَرِ عَلى الرَّجاءِ مِن أنْ يَتَذَكَّرُوا قَلِيلًا مِنَ التَّذَكُّرِ فَيَهْدِيَكم إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

الذاريات 51:50

ولَمّا كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِمّا سِواهُ لا بُدَّ لَهُ مِن ضِدٍّ يُضادُّهُ أوْ قَرِينٍ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، وأمّا سُبْحانُهُ فَلا مِثْلَ لَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ مِثْلٌ لَنازَعَهُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُ ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] وثَبَتَ أنَّهُ أهْلَكَ القُرُونَ الأُولى بِمُخالَفَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَثَبَتَ أنَّ وراءَ المُكَلَّفِينَ عَذابًا يَحِقُّ لَهُمُ الفِرارُ مِنهُ، وثَبَتَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَيْرِهِ مُحْتاجٌ إلى زَوْجِهِ يُثْبِتُ حاجَةَ الكُلِّ إلَيْهِ، وأنَّهُ لا كِفايَةَ عِنْدَ شَيْءٍ في كُلِّ ما يُرامُ مِنهُ، وجَبَ أنْ لا يَفْزَعَ إلّا إلى الواحِدِ الغَنِيِّ فَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَفِرُّوا﴾ أيْ: أقْبِلُوا والجَئُوا. ولَمّا دَرَّبَ عِبادَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ كَثِيرًا، فَتَأهَّلُوا إلى النُّفُوذِ في الغَيْبِ، وكانَتِ العِبادَةُ لا تَكُونُ خالِصَةً إلّا إنْ عُلِّقَتْ بِالذّاتِ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، ذَكَرَ اسْمَ الذّاتِ فَقالَ: ﴿إلى اللَّهِ﴾ أيْ: إلى الَّذِي لا مُسَمّى لَهُ مِن مُكافِئٍ، ولَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَهو في غايَةِ العُلُوِّ، فَلا يَقَرُّ ويَسْكُنُ أحَدٌ إلى مُحْتاجٍ مِثْلِهِ؛ فَإنَّ المُحْتاجَ لا غِنًى عِنْدَهُ، ولا يُقَرُّ سُبْحانَهُ. إلّا مَن تَجَرَّدَ عَنْ حَضِيضِ عَوائِقِهِ الجِسْمِيَّةِ إلى أوْجِ صِفاتِهِ الرُّوحانِيَّةِ، وذَلِكَ مِن وعِيدِهِ إلى وعْدِهِ اللَّذَيْنِ دَلَّ عَلَيْهِما بِالزَّوْجَيْنِ، فَتَنَقَّلَ السِّياقُ بِالتَّحْذِيرِ والِاسْتِعْطافِ والِاسْتِدْعاءِ، فَهو مِن بابِ: ««لا مَلْجَأ مِنكَ إلّا إلَيْكَ أعُوذُ بِكَ مِنكَ»». واسْتَمَرَّ إلى آخِرِ (p-٤٧٧)السُّورَةِ في ذِكْرِهِ إشارَةً إلى عَلِيِّ أمْرِهِ، ثُمَّ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: لا مِن غَيْرِهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ: مِن أنْ يَفِرَّ أحَدٌ إلى غَيْرِهِ فَإنَّهُ لا يَحْصُلُ لَهُ قَصْدُهُ. لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ العَقْلِيَّ الظّاهِرَ جِدًّا بِما يَعْلَمُهُ أحَدٌ في نَفْسِهِ عَلى ما قالَهُ في هَذا الكَلامِ الوَحِيدِ قالَ: ﴿مُبِينٌ﴾ فَفِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا، ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ حَذَرًا وحَزْمًا، ومِنَ الضِّيقِ إلى السِّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً، وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَيْرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ، وفِرارُ خاصَّةِ الخاصَّةِ مِمّا دُونَ الحَقِّ إلى الحَقِّ إشْهادًا في شُهُودِ جَلالِهِ واسْتِغْراقًا في وحْدانِيَّتِهِ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَن صَحَّ فِرارُهُ إلى اللَّهِ صَحَّ فِرارُهُ مَعَ اللَّهِ. انْتَهى. وهو بِكَمالِ المُتابَعَةِ لَيْسَ غَيْرَهُ، ومَن فَهِمَ مِنهُ اتِّحادًا بِصِفَةٍ أوْ ذاتٍ فَقَدَ ما حَدَّ طَرِيقَ القَوْمِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ.

الذاريات 51:51

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لا مَلْجَأ إلّا إلى اللَّهِ الواحِدِ المُنَزَّهِ عَنِ الزَّوْجِ، وذَلِكَ هو اللَّهُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وكانَ رُبَّما وقَعَ في وهْمٍ أنَّ [فِي] الوُجُودِ مِن غَيْرِ الزَّوْجَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ مَن نَفْزَعُ إلَيْهِ كَما نَفْزَعُ إلى وزِيرِ المَلِكِ وبَوّابِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُوصِلُ إلَيْهِ، قالَ مُحَذِّرًا مِن سَطَواتِهِ: ﴿ولا تَجْعَلُوا﴾ أيْ: بِأهْوائِكم ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ وكَرَّرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ ولَمْ يُضْمِرْ تَعْيِينًا لِلْمُرادِ لِأنَّهُ لَمْ يُشارِكْهُ في التَّسْمِيَةِ بِهِ أحَدٌ وتَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ مِن (p-٤٧٨)صِفاتِ الكَمالِ وتَعْمِيمًا لِوُجُوهِ المَقاصِدِ لِئَلّا يُظَنَّ، وقِيلَ: ”مَعَهُ“ إنَّ المُرادَ النَّهْيُ عَنِ الجَعْلِ مِن جِهَةِ الفِرارِ لا مِن جِهَةِ غَيْرِها ﴿إلَهًا﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ كَمالَ البَيانِ، [مَنَعَ] مَجازَ التَّجْرِيدِ مَنعَ تَعَنُّتِ مَن يَطْعَنُ بِتَكْثِيرِ الأسْماءِ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآيَةَ. بِقَوْلِهِ: ﴿آخَرَ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ مَعَ التَّأْكِيدِ لِطَعْنِهِمْ في نِذارَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي لَكم مِنهُ﴾ أيْ: لا مِن غَيْرِهِ فَإنَّ غَيْرَهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ: مُحَذِّرٌ مِنَ الهَلاكِ الأبَدِيِّ بِالعُقُوبَةِ الَّتِي لا خَلاصَ مِنها إنْ فَعُلْتُمْ ذَلِكَ ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ: لا أقُولُ شَيْئًا مِن واضِحِ النَّقْلِ إلّا ودَلِيلُهُ ظاهِرٌ مِن صَرِيحِ العَقْلِ. ولَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُمُ المُخْتَلِفَ الَّذِي مِنهُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ ونِسْبَتُهُ إلى السِّحْرِ والجُنُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الفُنُونِ، ومِنهُ الإشْراكُ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنَّهُ لا خالِقَ إلّا اللَّهُ ولا كاشِفَ ضُرٍّ غَيْرُهُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الِاضْطِرابِ، وأخْبَرَ بِهَلاكَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ وحَذَّرَهم مِنهُ ودَلَّ عَلَيْهِ إلى أنْ خَتَمَ بِإنْذارِ مَنِ اتَّخَذَ إلَهًا غَيْرَهُ قالَ مُسَلِّيًا:

الذاريات 51:52

﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ قَوْلِ قَوْمِكَ المُخْتَلِفِ العَظِيمِ الشَّناعَةِ، البَعِيدِ مِنَ الصَّوابِ، بِما لَهُ مِنَ الِاضْطِرابِ، وقَعَ لِمَن قَبْلَهُمْ، ودَلَّ عَلى هَذا المُقَدَّرِ بِقَوْلِهِ مُسْتَأْنِفًا: ﴿ما أتى الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الرُّسُلُ إنَّما كانَ إرْسالُهم في بَعْضِ الأزْمانِ الماضِيَةِ ولَمْ يَسْتَغْرِقُوا (p-٤٧٩)جَمِيعَها بِالفِعْلِ، أثْبَتَ الجارَّ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ وعَمَّمَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿إلا قالُوا﴾ ولَوْ بَعْضُهم بِرِضا الباقِينَ: ﴿ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ لِأنَّ الرَّسُولَ يَأْتِيهِمْ بِمُخالَفَةِ مَأْلُوفاتِهِمُ الَّتِي قادَتْهم إلَيْها أهْواؤُهُمْ، والهَوى هو الَّذِي أوْجَبَ لَهم هَذا التَّناقُضَ الظّاهِرَ سَواءٌ كانَتْ ”أوْ“ لِلتَّفْصِيلِ بِأنَّ بَعْضَهم قالَ واحِدًا وبَعْضُهم قالَ آخَرَ، أوْ كانَتْ لِلشَّكِّ؛ لِأنَّ السّاحِرَ يَكُونُ لَبِيبًا فَطِنًا آتِيًا بِما يَعْجِزُ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، والمَجْنُونُ بِالضِّدِّ مِن ذَلِكَ، ثُمَّ عَجَّبَ مِنهم بِقَوْلِهِ:

الذاريات 51:53

﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾ [أيْ] أوْصى بِهَذا بَعْضُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ بَعْضًا. ولَمّا ساقَ هَذا في أُسْلُوبِ الِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى قَوْلٍ يَنْبَغِي السُّؤالُ عَنْ سَبَبِهِ لِما لَهُ مِنَ الخَفاءِ، أجابَ عَنْهُ بِأنَّهم لَمْ يَتَواصَوْا بِهِ؛ لِأنَّ الأوَّلِينَ ما اجْتَمَعُوا مَعَ الآخِرِينَ: ﴿بَلْ هُمْ﴾ اجْتَمَعُوا في وصْفٍ أدّاهم إلى ذَلِكَ. وهو أنَّهم ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ: ذَوُو شَماخَةٍ وكِبْرٍ ﴿طاغُونَ﴾ أيْ: عالُونَ في الكُفْرِ مُسْرِفُونَ في الظُّلْمِ والمَعاصِي مُجاوَزُونَ لِلْمِقْدارِ، وأشارَ بِالضَّمِيرِ إلى أنَّ الطُّغْيانَ أمْرٌ ذاتِيٌّ لَهُمْ، فَهو يُمْدَحُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي قَهَرَهم بِسَوْقِهِمْ إلى هَلاكِهِمْ بِقُدْرَتِهِ التّامَّةِ وعِلْمِهِ الشّامِلِ.

الذاريات 51:54

ولَمّا كانَ ﷺ، يَكادُ يُتْلِفُ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ -بِأبِي هو وأُمِّي- غَمًّا عَلَيْهِمْ وأسَفًا لِتَخَلُّصِهِمْ عَنِ الإسْلامِ وخَوْفًا أنْ لا يَكُونَ وفى بِما عَلَيْهِ مِنَ التَّنْبِيهِ والإعْلامِ، سَبَّبَ تَعالى عَنْ حالِهِمْ قَوْلَهُ: (p-٤٨٠)﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أيْ: كَلِّفْ نَفْسَكَ الإعْراضَ عَنِ الإبْلاغِ في إبْلاغِهِمْ بِالمُجادَلَةِ والصَّدْعِ بِالتَّغْلِيظِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنكَ مِنَ الإبْلاغِ ﴿فَما أنْتَ﴾ بِسَبَبِ الإعْراضِ بَعْدَ الإنْذارِ ﴿بِمَلُومٍ﴾ أيْ: بِمُسْتَحَقِّ المَلامَةِ بِسَبَبِ إعْراضِ مَن أعْرَضَ مِنهم عَنْكَ، فَإنِّي إنَّما حَكَمْتُ بِذَلِكَ لِأنِّي إنَّما قَسَّمْتُ النّاسَ إلى مُؤْمِنٍ تَنْفَعُهُ الذِّكْرى، وطاغٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، ولِذَلِكَ قالَ:

الذاريات 51:55

﴿وذَكِّرْ﴾ أيْ: بِالرِّفْقِ واللِّينِ، ولَمّا أصَرُّوا عَلى التَّكْذِيبِ والإعْراضِ حَتّى أيِسَ مِنهُمْ، أكَّدَ ما سَبَّبَهُ عَنِ التَّذْكِيرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى﴾ أيِ: التَّذَكُّرَ بِالنِّذارَةِ البَلِيغَةِ ﴿تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قَدَّرَ اللَّهُ أنْ يَكُونُوا عَرِيقِينَ في وصْفِ الإيمانِ ولا بُدَّ مِن إكْثارِ التَّذْكِيرِ لِيَغْلِبَ ما عِنْدَهم مِن نَوازِعِ الحُظُوظِ وصَوارِفِ الشَّهَواتِ، مَعَ ما هم مَجْبُولُونَ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْيانِ.

الذاريات 51:56

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ سِواهم غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِمْ، قالَ مُؤَكِّدًا بِالحَصْرِ دالًّا عَلى أنَّهُ هو الَّذِي قَسَّمَ النّاسَ إلى طاغِينَ ومُؤْمِنِينَ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَما حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ الضَّلالِ والهُدى غَيْرِي، وما أرْسَلْتُ الرُّسُلَ وأنْزَلْتُ الكُتُبَ إلّا لِاسْتِخْلاصِ المُؤْمِنِينَ وإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى الضّالِّينَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ﴾ الَّذِينَ أكْثَرُهم كافِرُونَ ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ أيْ: لِيَنْجَرُّوا تَحْتَ أقَضِيَتِي عَلى وجْهٍ يَنْفَعُونَ بِهِ أنْفُسَهم أوْ يَضُرُّونَها لا لِشَيْءٍ يَلْحَقُنِي أنا مِنهُ شَيْءٌ مِن نَفْعٍ أوْ ضَرَرٍ، فَإنِّي (p-٤٨١)بَنَيْتُهم عَلى العَجْزِ وأوْدَعْتُهم نَوازِعَ الهَوى، ورَكَّبْتُ فِيهِمْ غَرائِزَ فَهَيَّأْتُهم لِاتِّباعِ الهُدى، فَمَن أطاعَ عَقْلَهُ كانَ عابِدًا لِي فارًّا إلَيَّ مَعَ جَرْيِهِ تَحْتَ الإرادَةِ، عِبادَةً شَرْعِيَّةً أمْرِيَّةً يَسْتَفِيدُ بِها الثَّوابَ، ومَن أطاعَ الهَوى كانَ عابِدًا لِي مَعَ مُخالَفَتِهِ أمْرِي عِبادَةً إرادِيَّةً قَسْرِيَّةً يَسْتَحِقُّ بِها العِقابَ، وكُلُّ تابِعٍ لِهَواهُ إذا حَقَّقَ النَّظَرَ عَلِمَ أنَّ الخَيْرَ في غَيْرِ ما هو مُرْتَكِبُهُ، فَما ألْزَمَهُ ما هو فِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ غَيْرَهُ خَيْرٌ مِنهُ إلّا قَهْرُ إرادَتِي، فَهَذِهِ عِبادَةٌ لُغَوِيَّةٌ، وذاكَ عِبادَةٌ شَرْعِيَّةٌ، وقَدْ مَرَّ في آخِرِ هُودٍ ما يَنْفَعُ هُنا، وهَذا كُلُّهُ مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: إلّا لِيُقِرُّوا لِي بِالعِبادَةِ طَوْعًا وكَرْهًا.

الذاريات 51:57

ولَمّا حَصَرَ سُبْحانَهُ خَلْقَهم في إرادَةِ العِبادَةِ، صَرَّحَ بِهَذا المَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أُرِيدُ مِنهُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، وعَمَّ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ عَلى وجْهٍ يَنْفَعُنِي مِن جَلْبٍ أوْ دَفْعٍ، لِأنِّي مُنَزَّهٌ عَنْ لَحاقِ نَفْعٍ أوْ ضُرٍّ، كَما يَفْعَلُ غَيْرِي مِنَ المَوالِي بِعَبِيدِهِمْ مِنَ الِاسْتِكْثارِ بِغَلّاتِهِمْ والِاسْتِعانَةِ بِقُوّاتِهِمْ لِأنِّي الغَنِيُّ المُطْلَقُ وكُلُّ شَيْءٍ مُفْتَقِرٌ إلَيَّ ﴿وما أُرِيدُ﴾ أصْلًا ﴿أنْ يُطْعِمُونِ﴾ أيْ: [أنْ] يَرْزُقُونِي رِزْقًا خاصًّا هو الإطْعامُ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ (p-٤٨٢)بِأصْنامِهِمْ؛ فَإنَّهم كانُوا يَعْمَلُونَ مَعَها ما يَنْفَعُها ويُحْضِرُونَ لَها الأكْلَ، فَرُبَّما أكَلَتْها الكِلابُ ثُمَّ بالَتْ عَلى الأصْنامِ. ثُمَّ لا يَصُدُّهم ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرِّزْقَ أعَمُّ مِنَ الأكْلِ، والتَّعْبِيرُ بِالإرادَةِ دالٌّ عَلى ما قُلْتُ إنَّهُ مَقْصُودٌ بِالعِبادَةِ. وهو الجَرْيُ تَحْتَ الإرادَةِ، تارَةً بِمُوافَقَةِ الشَّرْعِ وتارَةً بِمُخالَفَتِهِ.

الذاريات 51:58

ولَمّا كانَ الِاهْتِمامُ بِأمْرِ الرِّزْقِ -وقَدْ ضَمِنَهُ سُبْحانَهُ- شاغِلًا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ العِبادَةِ، وكانَ الإنْسانُ يَظُنُّ أنَّ الَّذِي حَصَلَ لَهُ ما حَواهُ مِنَ الرِّزْقِ سَعْيُهُ، قالَ حاصِرًا ذَلِكَ مُؤَكِّدًا إزالَةً لِتِلْكَ الظُّنُونِ مُعَلِّلًا لافِتًا الكَلامَ إلى سِياقِ الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي لَمْ يَتَّسِمْ بِهِ غَيْرُهُ، نَصًّا عَلى المُرادِ وبالِغًا مِنَ الإرْشادِ أقْصى المُرادِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ: المُحِيطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ المُنَزَّهَ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ ﴿هُوَ﴾ أيْ: لا غَيْرُهُ ﴿الرَّزّاقُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ لِكُلِّ حَيٍّ وفي كُلِّ وقْتٍ. ثُمَّ وصَفَهُ بِما يُبَيِّنُ هَوانَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ذُو القُوَّةِ﴾ أيِ: الَّتِي لا تَزُولُ بِوَجْهٍ ﴿المَتِينُ﴾ أيِ: الشَّدِيدُ الدّائِمُ الشِّدَّةِ.

الذاريات 51:59

ولَمّا أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى الصِّدْقِ في وعِيدِهِمْ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ حَتّى بِجَمِيعِ قَصْدِ أحْوالِهِمْ عَلى إرادَتِهِ. وخَتَمَ بِقُوَّتِهِ الَّتِي لا حَدَّ لَها، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ إيقاعَهُ بِالمُتَوَعِّدِينَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيِ: الَّذِينَ أوْقَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها. ولَمّا كانَ القَسَمُ عَلى ما (p-٤٨٣)يُوعَدُونَ بِما يَحْمِلُ المَطَرَ، عَبَّرَ عَنْ نَصِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ عَلَيْهِمْ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَنُوبًا﴾ أيْ: خَطًّا مِنَ العَذابِ طَوِيلَ الشَّرِّ، كَأنَّهُ مِن طُولِهِ صاحِبُ ذَنَبٍ وهو عَلى ذُنُوبِهِمْ ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَقَدَّمَ ظُلْمُهم بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ وهو في مُشابَهَتِهِ لَهُ كالدَّلْوِ الَّذِي يُساجَلُ بِهِ دَلْوٌ آخَرُ، وذَلِكَ دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ ما يُوعَدُونَ صادِقٌ، وأنَّ الدِّينَ واقِعٌ ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ أيْ: يَطْلُبُوا أنْ آتِيَهم بِهِ قَبْلَ أوانِهِ اللّاحِقِ بِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَفْعَلُهُ إلّا ناقِصٌ، وأنا مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ لا أخافُ الفَوْتَ ولا يَلْحَقُنِي عَجْزٌ ولا أُوصَفُ بِهِ، ولا بُدَّ أنْ أُوقِعَهُ بِهِمْ في الوَقْتِ الَّذِي قَضَيْتُ بِهِ في الأزَلِ؛ لِأنَّهُ أحَقُّ الأوْقاتِ بِعِقابِهِمْ لِتَكامُلِ ذُنُوبِهِمْ، وحِينَئِذٍ تَكُونُ، فَيا لَهُ مِن تَهْدِيدٍ ما أفْظَعَهُ، ووَعِيدٍ ما أعْظَمَهُ وأوْجَعَهُ، أمْرًا لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ، ولا يَمْنَعُ مِن وُقُوعِهِ مانِعٌ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ:

الذاريات 51:60

﴿فَوَيْلٌ﴾ أيْ: شَرُّ حالٍ وعَذابٍ يُوجِبُ النَّدْبَ والتَّفَجُّعَ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: سَتَرُوا ما ظَهَرَ مِن هَذِهِ الأدِلَّةِ الَّتِي لا يَسَعُ عاقِلًا إنْكارُها ﴿مِن يَوْمِهِمُ﴾ أضافَهُ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ خاصٌّ بِهِمْ دُونَ المُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِصِدْقِ الوَعِيدِ، وثَبَتَ بِالدَّلِيلِ القَطْعِيِّ لَكَ القَسَمُ الأكِيدُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

الطور 52:1

(p-١)سُورَةُ الطُّورِ مَقْصُودُها تَحْقِيقُ وُقُوعِ العَذابِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الوَعِيدِ المُقْسَمِ عَلى وُقُوعِهِ في الذّارِياتِ الَّذِي هو مَضْمُونُ الإنْذارِ المَدْلُولِ عَلى صِدْقِهِ في ق، فَإنَّ وُقُوعَهُ أثْبَتُ وأمْكَنُ مِنَ الجِبالِ الَّتِي أخْبَرَ الصّادِقُ بِسَيْرِها، وجَعَلَ دَكَّ بَعْضِها آيَةً عَلى ذَلِكَ، ومِنَ الكِتابِ في أثْبَتِ أوْضاعِهِ لِإمْكانِ غَسْلِهِ وحَرْقِهِ، ومِنَ البَيْتِ الَّذِي يُمْكِنُ عامِرُهُ وغَيْرُهُ إخْرابَهُ، والسَّقْفِ الَّذِي يُمْكِنُ رافِعُهُ وضْعَهُ، والبَحْرِ الَّذِي يُمْكِنُ مَن سَجَرَهُ أنْ يُرْسِلَهُ، وقَدْ بانَ أنَّ اسْمَها أدَلُّ ما يَكُونُ عَلى ذَلِكَ بِمُلاحَظَةِ القَسَمِ وجَوابِهِ حَتّى بِمُفْرَداتِ الألْفاظِ في خِطابِهِ (بِسْمِ اللَّهِ) المَلِكِ الأعْظَمِ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ بِالرَّحَمُوتِ مَن حَقَّقَهُ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ بِرَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ أهْلَ القُنُوتِ. * * لَمّا خُتِمَتِ الذّارِياتُ بِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِإثْباتِ العَذابِ الَّذِي هو رُوحُ الوَعِيدِ، فَقالَ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم لَمّا كانُوا يَقُولُونَ عَمّا أتاهم بِهِ الرَّسُولُ ﷺ: إنَّهُ سِحْرُ خَيالٍ لا حَقِيقَةَ (p-٢)لَهُ، أقْسَمَ بِالجَبَلِ - الَّذِي هو عِنْدَهم وعِنْدَ غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي العُقُولِ - أثْبَتُ الأرْضِ وأشَدُّها وأصْلَبُها، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالطُّورِ الَّذِي هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مُطْلَقِ الجَبَلِ وبَيْنَ المُضافِ إلى سِينا الَّذِي كانَ فِيهِ نُبُوَّةُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْزالُ كَثِيرٍ مِن كِتابِهِ وغَيْرُ ذَلِكَ - آياتٌ تَعْلَمُها بَنُو إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَسْتَنْصِحُونَهم ويَسْألُونَهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ويَرْضَوْنَ بِقَوْلِهِمْ فِيهِ، فَمِن آياتِهِ أنَّهُ كانَتْ فِيهِ الرَّحْمَةُ بِمُناجاةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وما كُتِبَ لَهُ فِيهِ عَلى ألْواحِ الجَوْهَرِ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ النّامُوسِ الَّذِي جَعَلَهُ هُدًى ورَحْمَةً ومَوْعِظَةً وذِكْرًا وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وكانَ فِيهِ مَعَ الرَّحْمَةِ العَذابُ بِما أتاهم مِنَ الصّاعِقَةِ الَّتِي أماتَتْهم ثُمَّ أحْياهُمُ اللَّهُ وبِما كانُوا يَشْهَدُونَ مِنَ السَّحابِ الَّذِي تَخَلَّلَهُ فَيَكُونُ كَقُتارِ الأتُونِ، وفِيهِ بُرُوقٌ كَأعْظَمِ ما يُشاهَدُ مِنَ النّارِ، وأبْواقٌ تَزْعَقُ بِصَوْتٍ هائِلٍ، ولِما شُوهِدَ مِنَ انْدِكاكِ الجَبَلِ عِنْدَ التَّجَلِّي وصَعْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَكْشِفُ الظُّلُماتِ، وأيْضًا فالطُّورُ كُلُّ جَبَلٍ يُنْبِتُ، وإنْباتُ الجَبَلِ عَجِيبٌ، فَإنَّ نَباتَهُ لا يَكُونُ إلّا بِسَبَبٍ، وسَبَبُ النَّباتِ الماءُ، والماءُ مُنْبَثٌّ في الأرْضِ لِتَرَكُّبِها عَلَيْهِ وهو مُوازٍ لِما انْكَشَفَ مِنهُ مِن ماءِ البِحارِ، وكُلَّما عَلَتِ الأرْضُ بَعُدَتْ عَنِ الماءِ، والجِبالُ أبْعَدُها مِنهُ، فَسَبَبُ إنْباتِهِ خَفِيٌّ جِدًّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ ومَن فَهَّمَهُ إيّاهُ.

الطور 52:2

(p-٣)ولَمّا كانَتِ الأرْضُ لَوْحَ السَّماءِ الَّتِي مِنها الوَعِيدُ، وكانَتِ الجِبالُ أشَدَّها، فَذَكَرَ أعْظَمَها آيَةً، وكانَ الكِتابُ لَوْحَ الكاتِبِ، وكانَتِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ أثْبَتَ الكُتُبِ، وكانَ طُورُ سِينا قَدْ نَزَلَ فِيهِ كِتابٌ إلَهِيٌّ قالَ: ﴿وكِتابٍ﴾ وحَقَّقَ أمْرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مَسْطُورٍ﴾ أيْ مُتَّفِقِ الكِتابَةِ بِسُطُورٍ مَصْفُوفَةٍ مِن حُرُوفٍ مُرَتَّبَةٍ جامِعَةٍ لِكَلِماتٍ مُتَّفِقَةٍ كَكِتابِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ وكَلَّمَهُ بِكَثِيرٍ مِنهُ في الطُّورِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ لِأنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِهِ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ فَهو أثْبَتُ الأشْياءِ، وإنْ كانَ المُرادُ القُرْآنَ بِخُصُوصِهِ فَهو أثْبَتُها لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، وإنْ كانَ المُرادُ صَحِيفَةَ قُرَيْشٍ فَقَدْ كانُوا ظَنُّوها أثْبَتَ العُهُودِ، وذَكَرَ أمْتَنَ ما يُكْتَبُ فِيهِ وأشَدَّهُ وأتْقَنَهُ فَقالَ:

الطور 52:3

﴿فِي رَقٍّ﴾ أيْ في جِلْدٍ مُهَيَّإٍ بِالقِشْرِ لِلْكِتابَةِ ﴿مَنشُورٍ﴾ أيْ مُهَيَّإٍ لِلْقِراءَةِ والِاتِّعاظِ بِما فِيهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عامًّا بَعْدَ خاصٍّ، قالَ الرّازِيُّ: قالَ الصّادِقُ: إنَّ اللَّهَ تَجَلّى لِعَبْدِهِ بِكِتابِهِ كَما تَجَلّى بِالطُّورِ لَمّا كانَ مَحَلًّا لِلتَّجَلِّي خَلْقًا، والكِتابِ لَمّا كانَ مَحَلًّا لِلتَّجَلِّي أمْرًا، أجْراهُما في قَرْنٍ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ سُبْحانَهُ صَحِيفَةَ الظُّلْمِ الَّتِي كَتَبُوها بِما تَعاقَدُوا عَلَيْهِ مِن أنَّهم لا يُعاشِرُونَ بَنِي هاشِمٍ (p-٤)ولا يُكَلِّمُونَهم ولا يُبايِعُونَهم ولا يُشاوِرُونَهم ولا يُناكِحُونَهم ولا يُؤازِرُونَهم ولا يُعامِلُونَهم حَتّى يُسَلِّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعَلَّقُوها في جَوْفِ الكَعْبَةِ فانْحازَ بَنُو هاشِمٍ إلى شِعْبِ أبِي طالِبٍ خَلْفَ أبِي قُبَيْسٍ وتَبِعَهم بَنُو المُطَّلِبِ رَهْطُ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَتَحَيَّزُوا مَعَهم مِن بَيْنِ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ شَرَفِهِمْ عَلى مَدى الدَّهْرِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلى الصَّحِيفَةِ - بَعْدَ أنْ مَضى عَلى ذَلِكَ سَنَتانِ حِينَ جَهِدَهُمُ العَيْشُ ومَضَّهُمُ الزَّمانُ وزَلْزَلَتْهُمُ القَوارِعُ زِلْزالًا شَدِيدًا وهم ثابِتُونَ لِيُظْهِرَ اللَّهُ بِذَلِكَ شَرَفَ مَن شاءَ مِن عِبادِهِ - الأرَضَةَ، فَأبْقَتْ ما فِيها مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى ومَحَتْ ما كانَ مِن ظُلْمِهِمْ وقَطِيعَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ قامَ في نَقْضِها مَعْشَرٌ مِنهُمْ، فَنَقَضَها اللَّهُ بِهِمْ، وكانُوا إذْ ذاكَ كَفَرَةً كُلُّهم لِيُظْهِرَ اللَّهُ قُدْرَتَهُ سُبْحانَهُ عَلى كُلٍّ مِنَ النَّقْضِ والإبْرامِ بِما شاءَ ومَن شاءَ.

الطور 52:4

﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ الَّذِي هو قِيامٌ لِلنّاسِ كَما كانَتْ قُبَّةُ الزَّمانِ قِيامًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، هَذا إنْ كانَ تَعالى أرادَ بِهِ الكَعْبَةَ الَّتِي عَلَّقُوا فِيها الصَّحِيفَةَ بَعْدَ أنْ كانُوا لَمّا عَمَّرُوها اخْتَلَفُوا فِيمَن يَضَعُ الحَجَرَ الأسْوَدَ في مَوْضِعِهِ، وزادَ بِهِمُ الِاخْتِلافُ حَتّى تَهَيَّئُوا لِلْقِتالِ وتَحالَفُوا عَلَيْهِ، فَكانَ مِنهم لَعَقَةُ الدَّمِ، ومِنهُمُ المُطَيِّبُونَ كَما هو مَشْهُورٌ في السِّيَرِ، ثُمَّ وُفِّقُوا لِأنْ رَضُوا أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم أوَّلُ داخِلٍ مِن بابٍ عَيَّنُوهُ، فَكانَ أوَّلَ داخِلٍ مِنهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالُوا بِأجْمَعِهِمْ: هَذا مُحَمَّدٌ هَذا الأمِينُ، رَضِينا (p-٥)بِحُكْمِهِ، فَحَكَمَ ﷺ بِأنْ يُوضَعَ الحَجَرُ الشَّرِيفُ في ثَوْبٍ ويَأْخُذَ رَئِيسُ كُلِّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ مِن أطْرافِهِ ويَرْفَعُوهُ كُلُّهُمْ، فَلَمّا وازى مَوْضِعَهُ أخَذَهُ هو ﷺ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ فَوَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ، فَكانَ الفَخْرُ لَهُ مُضاعَفًا بِحُكْمِهِ وإصْلاحِهِ بَيْنَهُمْ، واخْتِصاصِهِ بِوَضْعِهِ وهو مَعْمُورٌ بِالزُّوّارِ والخِدْمَةِ وكَثْرَةِ الحاشِيَةِ.

الطور 52:5

ولَمّا كانَ البَيْتُ لا بُدَّ في مُسَمّاهُ مِنَ السَّقْفِ قالَ: ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ يُرِيدُ سَقْفَ الكَعْبَةِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُحْكَمُ البِناءِ مُغْلَقُ البابِ مُتْقَنُ السَّقْفِ إتْقانًا هو أعْظَمُ مِن إتْقانِ سَقْفِ قُبَّةِ الزَّمانِ الَّتِي شاهَدَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ مِنَ العَظَمَةِ الإلَهِيَّةِ والجَلالِ ما إنْ سَألْتُمُوهم عَنْهُ أخْبَرُوكم بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ سَلَّطَ عَلى الصَّحِيفَةِ - الَّتِي في جَوْفِهِ، ولَعَلَّها كانَتْ في سَقْفِهِ بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها أحَدٌ - ما أفْسَدَها تَحْقِيقًا لِثُبُوتِ ما أرادَ مِن أمْرِهِ تَحْذِيرًا مِمّا تَوَعَّدَ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ مَعَ ذَلِكَ السَّماءُ الَّتِي فِيها ما تُوعَدُونَ، ومِنَ المَعْلُومِ لِكُلِّ ذِي عَقْلٍ أنَّ أقَلَّ السُّقُوفِ لا يَرْتَفِعُ بِغَيْرِ عَمَدٍ إلّا بِأسْبابٍ لا تُرى، فَكَيْفَ بِالسَّماءِ الَّتِي لَها مِنَ السَّعَةِ والعَظَمَةِ والثِّخَنِ وما فِيها مِنَ الكَواكِبِ ما لَها مِمّا لا يَسَعُ العُقُولَ شَرْحُهُ، وهم لا يَنْظُرُونَ أسْبابَهُ كَما قالَ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] ونُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّهُ العَرْشُ وهو سَقْفُ الجَنَّةِ.

الطور 52:6

ولَمّا كانَ الماءُ أقْوى مِن كُلِّ ما تَقَدَّمَ، خَتَمَ بِهِ فَقالَ: (p-٦)﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ أيِ الَّذِي فِيهِ مِنَ الماءِ أكْثَرُ مِن مَلْئِهِ وهو ساجِرُهُ أيْ مانِعُهُ - كَما يُمْنَعُ الكَلْبُ بِساجُورِهِ عَنِ الِانْسِباحِ، ولَوْ أرادَ خَلّاهُ فانْدَفَقَ فَجَرى فَأهْلَكَ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن جَبَلٍ وكِتابٍ وبَيْتٍ كَما شُوهِدَ لَمّا سَجَرَهُ سُبْحانَهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فانْفَلَقَ، ونَشِفَتْ أرْضُهُ ثُمَّ لَمّا أرادَ سَيَّبَهُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ فَعَذَّبَهم بِهِ فَأهْلَكَهم حَتّى لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.

الطور 52:7

ولَمّا أقْسَمَ بِما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وثَلَّثَ بِما أشارَ إلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وثَنّى بِما هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَهُما، وكانَ الأوَّلُ مَعَ ذَلِكَ دالًّا عَلى اسْتِقْرارِ الأرْضِ، والثّالِثُ عَلى صَلاحِيَتِها لِلسُّكْنى، والثّانِي عَلى الحافِظِ في ذَلِكَ، ورَبَّعَ بِما كَمَّلَ المَنافِعَ، وحَذَّرَ مِنَ السُّقُوطِ كَما خَوَّفَ بِالأوَّلِ مِنَ الخَسْفِ، وخَمَّسَ بِما دَلَّ عَلى ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَيْلٌ لانْطَلَقَ البَحْرُ إلى جِهَتِهِ، أجابَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ﴾ ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ عَظِيمَ الإكْرامِ لَهُ ﷺ، أضافَ العَذابَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ والتَّرْبِيَةِ الخاصَّةِ بِهِ، وأضافَ الصِّفَةَ إلى ضَمِيرِهِ إيذانًا بِأنَّهُ يُرِيهِ في أُمَّتِهِ ما يَسُرُّهُ، وأنَّ مُماثَلَةَ ”ذُنُوبِهِمْ كَذُنُوبِ أصْحابِهِمُ“ الماضِينَ إنَّما هي في مُجَرَّدِ الإذْلالِ، لا في أنَّهُ يَسْتَأْصِلُهم كَما اسْتَأْصَلَ أُولَئِكَ فَقالَ: ﴿رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَكَ أيَّ عَذابٍ أرادَهُ بِكُلِّ مَن أرادَ بِهِ لا سِيَّما المُعادِي لِأوْلِيائِهِ سُبْحانَهُ ﴿لَواقِعٌ﴾ أيْ ثابِتٌ نازِلٌ بِمَن أرادَ نُزُولَ ما هو ثَقِيلٌ (p-٧)مِن مَكانٍ عالٍ كَما أنَّهُ لَوْ أرادَ لَقَلَبَ الأرْضَ الَّتِي ثَبَّتَها وأوْقَعَ السَّقْفَ الَّذِي رَفَعَ، وأطْلَقَ البَحْرَ الَّذِي سَجَرَ، كَما عُلِمَ مِن إطْلاقِهِ البَحْرَ فَلْقَةً عَلى آلِ فِرْعَوْنَ حَتّى أغْرَقَهم بِهِ

الطور 52:8

﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ لِأنَّهُ لا شَرِيكَ لِمَوْقِعِهِ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الأقْسامُ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ وجَلالِ حِكْمَتِهِ وضَبْطِ أعْمالِ العِبادِ لِلْمُجازاةِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الكِتابَ هو الَّذِي يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ أوِ الَّذِي يَضْبِطُ الدِّينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الجَزاءَ بِهِمْ في الصَّحِيفَةِ، ونَقَضَ مُعاقَدَتَهُمْ، وفَضَّ جَمْعَهُمْ، أخْرَجَ مَعاشِرَكَ مِن ذَلِكَ الضِّيقِ فَكَذَلِكَ يُؤَيِّدُكَ حَتّى تُوقِعَ بِهِمْ وتَنْقُضَ جَمْعَهم وتَكْسِرَ شَوْكَتَهم وتَقْتُلَ سَرَواتِهِمْ ويَظْهَرَ دِينُكَ عَلى دِينِهِمْ، ويَصِيرَ مَن بَقِيَ مِنهم مِن حِزْبِكَ وأنْصارِ دِينِكَ، قالَ البَغْوِيُّ: «قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ لِأُكَلِّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في أسارى بَدْرٍ، فَدَفَعْتُ إلَيْهِ وهو يُصَلِّي بِأصْحابِهِ المَغْرِبَ وصَوْتُهُ يَخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ فَكَأنَّما صُدِعَ قَلْبِي حِينَ سَمِعْتُهُ، ولَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ، فَأسْلَمْتُ خَوْفًا مِن نُزُولِ العَذابِ ما كُنْتُ أظُنُّ أنْ أقُومَ مِن مَقامِي حَتّى يَقَعَ بِيَ العَذابُ». (p-٨)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَوَعَّدَ تَعالى كُفّارَ قُرَيْشٍ ومَن كانَ عَلى طَرِيقَتِهِمْ مِن سائِرِ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهم سَيُصِيبُهم ما أصابَ غَيْرَهم مِن مُكَذِّبِي الأُمَمِ، المُنَبَّهِ عَلى ذِكْرِهِمْ في السُّورَةِ قَبْلُ، ثُمَّ أشارَ سُبْحانَهُ إلى عَظِيمِ ما يَنالُهم مِنَ الخِزْيِ وألِيمِ العَذابِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٦٠] أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ ووُقُوعِهِ - والعِياذُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن سُخْطِهِ وألِيمِ عَذابِهِ - فَقالَ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ [الطور: ١] - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧] ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ ثُمَّ أوْمَأ سُبْحانَهُ إلى مُسْتَحِقِّيهِ ومُسْتَوْجِبِيهِ فَقالَ ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] ثُمَّ ذَكَرَ ما يُعَنَّفُونَ بِهِ ويُوَبَّخُونَ عَلى ما سَلَفَ مِنهم مِن نِسْبَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى السِّحْرِ فَقالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سبإ: ٤٢] ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] ثُمَّ أعْقَبَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ المُسْتَجِيبِينَ، ثُمَّ ذَكَرَ إثْرَ إعْلامِهِ بِحالِ الفَرِيقَيْنِ - نِعْمَتَهُ عَلى نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعِصْمَتَهُ ووِقايَتَهُ مِمّا يَقُولُ المُفْتَرُونَ فَقالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ [الطور: ٢٩] ثُمَّ جَرَتِ الآيُ عَلى تَوْبِيخِهِمْ في مَقالَتِهِمْ ووَهْنِ انْتِقالاتِهِمْ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: كاهِنٌ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: مَجْنُونٌ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: شاعِرٌ يَتَرَقَّبُ مَوْتَهُ. فَوَبَّخَهم عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ وبَيَّنَ كَذِبَهم وأرْغَمَهم وأسْقَطَ ما بِأيْدِيهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٤] (p-٩)وهَذا هو المُسْقِطُ لِما تَقَوَّلُوهُ أوَّلًا وآخِرًا، وهَذا الَّذِي لَمْ يَجِدُوا عَنْهُ جَوابًا، ورَضُوا بِالسَّيْفِ والجَلاءِ، لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَعاطِي مُعارَضَتِهِ، وهَذا هو الوارِدُ في قَوْلِهِ تَعالى في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَـزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآياتِ، فَما نَطَقُوا في جَوابِهِ بِبِنْتِ شَفَةٍ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فَتَبارَكَ مَن جَعَلَهُ آيَةً باهِرَةً وحُجَّةً قاهِرَةً - انْتَهى.

الطور 52:9

ولَمّا أثْبَتَ وُقُوعَ العَذابِ، تَشَوَّفَتْ نَفْسُ المُوقِنِ إلى وقْتِهِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا لِبَيانِ أنَّهُ واقِعٌ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ﴾ أيْ تَتَحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ وتَجِيءُ وتَذْهَبُ وتَتَكَفَّأُ تَكَفُّأ السَّفِينَةِ وتَدُورُ دَوَرانَ الرَّحى، ويَمُوجُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وتَخْتَلِفُ أجْزاؤُها بَعْضُها في بَعْضٍ، ولا تَزُولُ عَنْ مَكانٍ؛ قالَ البَغْوِيُّ: والمَوْرُ يَجْمَعُ هَذِهِ المَعانِيَ فَهو في اللُّغَةِ الذَّهابُ والمَجِيءُ والتَّرَدُّدُ والدَّوَرانُ والِاضْطِرابُ، قالَ الرّازِيُّ: وقِيلَ: تَجِيءُ وتَذْهَبُ كالدُّخانِ ثُمَّ تَضْمَحِلُّ. ﴿السَّماءُ﴾ الَّتِي هي سَقْفُ بَيْتِكُمُ الأرْضِ ﴿مَوْرًا﴾ أيِ اضْطِرابًا شَدِيدًا

الطور 52:10

﴿وتَسِيرُ الجِبالُ﴾ أيْ تَنْتَقِلُ مِن أمْكِنَتِها انْتِقالَ السَّحابِ، وحَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿سَيْرًا﴾ فَتَصِيرُ هَباءً (p-١٠)مَنثُورًا وتَكُونُ الأرْضُ قاعًا صَفْصَفًا.

الطور 52:11

ولَمّا حَقَّقَ العَذابَ وبَيَّنَ يَوْمَهُ، بَيَّنَ أهْلَهُ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَوَيْلٌ﴾ هي كَلِمَةٌ يَقُولُونَها لِمَن وقَعَ في الهَلاكِ، ومَعْناهُ حُلُولُ شَرٍّ فاضِحٍ يَكُونُ فِيهِ نُدْبَةٌ وتَفَجُّعٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّكْذِيبِ وهم مَن ماتَ عَلى نِسْبَةِ الصّادِقِينَ إلى الكَذِبِ.

الطور 52:12

ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ قَدْ يَكُونُ في مَحَلِّهِ، بَيَّنَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُ ما مَحَلُّهُ الصِّدْقُ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ مِن بَيْنِ النّاسِ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿فِي خَوْضٍ﴾ أيْ أعْمالُهم وأقْوالُهم أعْمالُ الخائِضِ في ماءٍ، فَهو لا يَدْرِي أيْنَ يَضَعُ رِجْلَهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ مِن دَهْشَةٍ بِهِمْ أوْ غَمٍّ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَلْعَبُونَ﴾ فاجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ أمْرانِ مُوجِبانِ لِلْباطِلِ: الخَوْضُ واللَّعِبُ، فَهم بِحَيْثُ لا يَكادُ يَقَعُ لَهم قَوْلٌ ولا فِعْلٌ في مَوْضِعِهِ، فَلا يُؤَسَّسُ عَلى بَيانٍ أوْ حُجَّةٍ.

الطور 52:13

ولَمّا صَوَّرَ تَكْذِيبَهم بِأشْنَعِ صُورَةٍ، بَيَّنَ ويْلَهم بِبَيانِ ظَرْفِهِ وما يُفْعَلُ فِيهِ فَقالَ: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ أيْ يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا بِجَفْوَةٍ وغِلْظَةٍ مِن كُلِّ ما يُقِيمُهُ اللَّهُ لِذَلِكَ، ذاهِبِينَ ومُنْتَهِينَ ﴿إلى نارِ جَهَنَّمَ﴾ وهي الطَّبَقَةُ الَّتِي تَلْقاهم بِالعُبُوسَةِ والكَراهَةِ والتَّغَيُّظِ والزَّفِيرِ، وأكَّدَ المَعْنى وحَقَّقَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿دَعًّا﴾ (p-١١)قالَ البَغْوِيُّ: وذَلِكَ أنَّ خَزَنَةَ جَهَنَّمَ يُعْلُونَ أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ ويَجْمَعُونَ نَواصِيَهم إلى أقْدامِهِمْ ثُمَّ يُدْفَعُونَ دَفْعًا عَلى وُجُوهِهِمْ وزَجًّا في أقْفِيَتِهِمْ، مَقُولًا لَهم تَبْكِيتًا وتَوْبِيخًا:

الطور 52:14

﴿هَذِهِ النّارُ﴾ أيِ الجِسْمُ المُحْرِقُ المُفْسِدُ لِما أتى عَلَيْهِ، الشّاغِلُ عَنِ اللَّعِبِ ﴿الَّتِي كُنْتُمْ﴾ بِجِبِلّاتِكُمُ الفاسِدَةِ. ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِها في أقْصى دَرَجاتِ التَّكْذِيبِ، وكانَ سَبَبًا لِكُلِّ تَكْذِيبٍ، كانَ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِ فَقالَ مُقَدِّمًا لِلظَّرْفِ إشارَةً إلى ذَلِكَ، ﴿بِها تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ في الدُّنْيا عَلى التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.

الطور 52:15

ولَمّا كانُوا يَقُولُونَ عِنادًا: إنَّ القُرْآنَ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ سِحْرٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الوَعِيدِ قَوْلَهُ مُبَكِّتًا مُوَبِّخًا مُتَهَكِّمًا: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ أيِ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِنَ العَذابِ مَعَ هَذا الإحْراقِ الَّذِي تُصْلَوْنَ مِنهُ ﴿أمْ أنْتُمْ﴾ في مَنامٍ ونَحْوِهِ ﴿لا تُبْصِرُونَ﴾ بِالقُلُوبِ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الدُّنْيا ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥] ولا بِالأعْيُنِ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ لِلْمُنْذِرِينَ ﴿ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت: ٥] أيْ أنْتُمْ عُمْيٌ عَنِ المُخْبَرِ عَنْهُ مَعَ إحْراقِهِ لَهم كَما كُنْتُمْ عُمْيًا عَنِ الخَبَرِ أيْ هَلْ تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَقُولُوا إنَّكم لا تُبْصِرُونَ المُخْبَرَ عَنْهُ كَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الخَبَرِ كَذِبًا وفُجُورًا، ثُمَّ يُقالُ لَهم بَعْدَ هَذا التَّبْكِيتِ الَّذِي يَقْطَعُ بِأنَّ جَوابَهم يَكُونُ بِأنْ يَقُولُوا: لا وعِزَّةِ رَبِّنا ما هو بِسِحْرٍ ولا خَيالٍ، بَلْ هو حَقِيقَةٌ، (p-١٢)ونَحْنُ في غايَةِ الإبْصارِ عَلى سَبِيلِ الإخْزاءِ، والِامْتِهانِ والإذْلالِ:

الطور 52:16

﴿اصْلَوْها﴾ أيْ باشِرُوا حَرَّها وقاسُوهُ وواصِلُوهُ كَما كُنْتُمْ تُواصِلُونَ أذى عِبادِي بِما يَحْرِقُ قُلُوبَهم ﴿فاصْبِرُوا﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ تَكْذِيبِكم في الدُّنْيا ومُباشَرَتِكم لَها الآنَ أنْ يُقالَ لَكُمُ: اصْبِرُوا عَلى هَذا الَّذِي لا طاقَةَ لَكم بِهِ ﴿أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ فَإنَّهُ لا مَحِيصَ لَكم عَنْها ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ الصَّبْرُ والجَزَعُ. ولَمّا كانَ المَعْهُودُ أنَّ الصَّبْرَ لَهُ مَزِيَّةٌ عَلى الجَزَعِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حَيْثُ لا تَكُونُ المُصِيبَةُ إلّا عَلى وجْهِ الجَزاءِ الواجِبِ وُقُوعُهُ فَقالَ مُعَلِّلًا: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ﴾ أيْ يَقَعُ جَزاؤُكُمُ الآنَ وفِيما يَأْتِي عَلى الدَّوامِ ﴿ما كُنْتُمْ﴾ أيْ دائِمًا بِما هو لَكم كالجِبِلَّةِ ﴿تَعْمَلُونَ﴾ مَعَ الأوْلِياءِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِمْ، فَكانَ هَذا ثَمَرَةَ فِعْلِكم بِهِمْ.

الطور 52:17

ولَمّا ذَكَرَ ما لِلْمُكَذِّبِينَ مِنَ العَذابِ المُشارِ إلَيْهِ بِكَلِماتِ القَسَمِ، أتْبَعَهُ ما لِأضْدادِهِمْ مِنَ الثَّوابِ المُنَبَّهِ عَلَيْهِ أيْضًا بِتِلْكَ الكَلِماتِ لِيُتِمَّ الخَبَرَ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا، فَقالَ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: فَما لِمَن عاداهم فِيكَ؟ مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ صارَتِ التَّقْوى لَهم صِفَةً راسِخَةً ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ بَساتِينَ دائِمًا في الدُّنْيا حُكْمًا وفي الآخِرَةِ. ولَمّا كانَتِ البَساتِينُ رُبَّما يَشْقى داخِلُها أوْ صاحِبُها، نَفى هَذا بِقَوْلِهِ: (p-١٣)﴿ونَعِيمٍ﴾ أيْ نَعِيمٍ في العاجِلِ، يَعْنِي بِما هم فِيهِ مِنَ الأُنْسِ، والآجِلِ بِالفِعْلِ، وزادَ في تَحْقِيقِ التَّنَعُّمِ بِقَوْلِهِ:

الطور 52:18

﴿فاكِهِينَ﴾ أيْ مُعْجَبِينَ مُتَلَذِّذِينَ ﴿بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ الَّذِي تَوَلّى تَرْبِيَتَهم بِعَمَلِهِمْ بِالطّاعاتِ إلى أنْ أوْصَلَهم إلى هَذا النَّعِيمِ، فَهو لِأنَّ عَظَمَتَهُ مِن عَظَمَتِهِ لا يُبْلَغُ كُنْهُ وصْفِهِ. ولَمّا كانَ المُتَنَعِّمُ قَدْ تَكُونُ نِعْمَتُهُ بَعْدَ عَذابٍ، فَبَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿ووَقاهُمْ﴾ أيْ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ المُتَفَضِّلُ بِتَرْبِيَتِهِمْ بِكَفِّهِمْ عَنِ المَعاصِي والقاذُوراتِ ﴿عَذابَ الجَحِيمِ﴾ أيِ النّارَ الشَّدِيدَةَ التَّوَقُّدِ.

الطور 52:19

ولَمّا كانَ مَن باشَرَ النِّعْمَةَ وجانَبَ النِّقْمَةَ في هَناءٍ عَظِيمٍ، قالَ مُتَرْجِمًا لِذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ: ﴿كُلُوا﴾ أيْ أكْلًا هَنِيئًا ﴿واشْرَبُوا﴾ شُرْبًا ﴿هَنِيئًا﴾ أيْ لا نَقْصَ فِيهِ، وهو صِفَةٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ أيْ هَنَأْتُمْ بِمَعْنى أنَّ كُلَّ ما تَتَناوَلُونَهُ مَأْمُونُ العاقِبَةِ مِنَ التُّخَمَةِ والسَّقَمِ ونَحْوِها ﴿بِما كُنْتُمْ﴾ أيْ كَوْنًا راسِخًا ﴿تَعْمَلُونَ﴾ أيْ مُجَدِّدِينَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ حَتّى كَأنَّهُ طَبْعٌ لَكم.

الطور 52:20

ولَمّا كانَ النَّعِيمُ لا يَتِمُّ إلّا بِأنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَخْدُومًا، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ أيْ مُسْتَنِدِينَ اسْتِنادَ راحَةٍ، لِأنَّهم يُخْدَمُونَ فَلا حاجَةَ لَهم إلى الحَرَكَةِ ﴿عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ أيْ مَنصُوبَةٍ واحِدًا إلى جَنْبِ واحِدٍ، مُسْتَوِيَةٍ كَأنَّها السُّطُورُ عَلى أحْسَنِ نِظامٍ وأبْدَعِهِ، قالَ الأصْبَهانِيُّ: والصِّفَةُ: مَدُّ الشَّيْءِ عَلى الوَلاءِ. ولَمّا كانَ السُّرُورُ لا يَتِمُّ إلّا بِالتَّنَعُّمِ بِالنِّساءِ قالَ: ﴿وزَوَّجْناهُمْ﴾ أيْ تَزْوِيجًا يَلِيقُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ. (p-١٤)ولَمّا كانَتْ تِلْكَ الدّارُ غَنِيَّةً عَنِ الأسْبابِ، فَكانُوا غَنِيِّينَ عَنِ العَقْدِ، قالَ مُشِيرًا بِالباءِ إلى صَرْفِ الفِعْلِ عَنْ ظاهِرِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ بِمَعْنى النِّكاحِ تَعَدّى بِنَفْسِهِ، وتَضْمِينِ الفِعْلِ ”قَرَنّاهُمْ“ أيْ جَعَلْناهم أزْواجًا مَقْرُونِينَ ﴿بِحُورٍ﴾ أيْ نِساءٍ هُنَّ في شِدَّةِ بَياضِ العَيْنِ وشِدَّةِ سَوادِها واسْتِدارَةِ حَدَقَتِها ورِقَّةِ جُفُونِها في غايَةٍ لا تُوصَفُ ﴿عِينٍ﴾ أيْ واسِعاتِ الأعْيُنِ في رَوْنَقٍ وحُسْنٍ.

الطور 52:21

ولَمّا وصَفَ حالَ المُتَّقِينَ مِن أعْداءِ المُكَذِّبِينَ وبَدَأ بِهِمْ لِشَرَفِهِمْ، أتْبَعَهم مَن هو أدْنى مِنهم حالًا لِتَكُونَ النِّعْمَةُ تامَّةً فَقالَ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعْنِي أقَرُّوا بِالإيمانِ ولَمْ يُبَدِّلُوا ولا بالَغُوا في الأعْمالِ الصّالِحَةِ. ولَمّا كانَ مِن هَؤُلاءِ مَن لا يَتَّبِعُهُ ذُرِّيَّتُهُ بِسَبَبِ إيمانِهِ لِأنَّهُ يَرْتَدُّ عَنْهُ، عَطَفَ عَلى فِعْلِهِمْ تَمْيِيزًا لَهم واحْتِرازًا عَمَّنْ لَمْ يُثْبِتْ قَوْلَهُ: ﴿واتَّبَعَتْهُمْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ الفَضْلِ النّاشِئِ عَمّا لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الصِّغارُ والكِبارُ وإنْ كَثُرُوا، والقَرارُ لِأعْيُنِهِمْ بِالكِبارِ بِإيمانِهِمْ والصِّغارِ بِإيمانِ آبائِهِمْ ﴿بِإيمانٍ﴾ أيْ بِسَبَبِ إيمانٍ حاصِلٍ مِنهُمْ، ولَوْ كانَ في أدْنى دَرَجاتِ الإيمانِ، ولَكِنَّهم ثَبَتُوا عَلَيْهِ إلى أنْ ماتُوا، وذَلِكَ هو شَرْطُ إتْباعِهِمُ الذُّرِّيّاتِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ وهو أقْرَبُ: بِسَبَبِ إيمانِ الذُّرِّيَّةِ حَقِيقَةً إنْ كانُوا كِبارًا، وحُكْمًا إنْ كانُوا صِغارًا، ثُمَّ أخْبَرَ عَنِ المَوْصُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ﴾ أيْ بِفَضْلِنا لِأجْلِ عَمَلِ آبائِهِمْ ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلذُّرِّيَّةِ أعْمالٌ، لِأنَّهُ قِيلَ في المَعْنى: ”ولِأجْلِ عَيْنٍ ألْفُ عَيْنٍ تُكْرَمُ“ (p-١٥)ويَلْحَقُ بِالذُّرِّيَّةِ مِنَ النَّسَبِ الذُّرِّيَّةُ بِالسَّبَبِ وهو المَحَبَّةُ، فَإنْ كانَ مَعَها آخِذٌ لِعِلْمٍ أوْ عَمَلٍ كانَتْ أجْدَرَ، فَتَكُونُ ذُرِّيَّةُ الإفادَةِ كَذُرِّيَّةِ الوِلادَةِ، وذَلِكَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «المَرْءُ مَعَ مَن أحَبَّ» في جَوابِ مَن سَألَ عَمَّنْ يُحِبُّ القَوْمَ ولَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ. ولَمّا كانَ رُبَّما خِيفَ أنْ يُنْقَصَ الآباءُ بِسَبَبِ إلْحاقِ ذُرِّيّاتِهِمْ بِهِمْ شَيْئًا مِن دَرَجاتِهِمْ، قالَ: ﴿وما ألَتْناهُمْ﴾ أيْ نَقَصْنا الآباءَ وحَبَسْنا عَنْهم ﴿مِن عَمَلِهِمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ بِسَبَبِ هَذا الإلْحاقِ وكانَ مِن فَوْقِ رُتْبَتِهِمْ مِنَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ والمُؤْمِنِينَ والمُتَّقِينَ وغَيْرِهِمْ أوْلى مِنهُمْ، وإنَّما فَصَلَهم مِنهم لِأنَّ هَؤُلاءِ قَدْ لا يُوقِنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ العَذابَ، قالَ جامِعًا لِلْفَرِيقَيْنِ، أوْ يُقالُ - ولَعَلَّهُ أقْرَبُ - أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ اتِّباعَ الأدْنى لِلْأعْلى في الخَيْرِ فَضْلًا، أشْفَقَتِ النَّفْسُ مِن أنْ يَكُونَ إتْباعًا في الشَّرِّ فَأجابَ تَعالى بِأنَّهُ لا يَفْعَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلُّ امْرِئٍ﴾ أيْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والمُتَّقِينَ وغَيْرِهِمْ ﴿بِما كَسَبَ﴾ أيْ مِن ولَدٍ وغَيْرِهِ ﴿رَهِينٌ﴾ أيْ مُسابِقٌ ومُخاطِرٌ ومَطْلُوبٌ وآخِذٌ شَيْئًا بَدَلَ كَسْبِهِ ومُوَفًّى عَلى قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّهُ ومُحْتَبَسٌ بِهِ إنْ كانَ عاصِيًا، فَمَن كانَ صالِحًا كانَ آخِذًا بِسَبَبِ صَلاحِ ولَدِهِ لِأنَّهُ كَسْبُهُ، ولا يُؤْخَذُ بِهِ ذُلًّا وهو حَسَنٌ في نَفْسِهِ لِأجْلِ الحُكْمِ بِإيمانِهِ سَواءٌ كانَ حَقِيقَةً أوْ حُكْمًا وكُلُّ حَسَنٍ مُرْتَفِعٌ، فَلِذَلِكَ يَلْتَحِقُ بِأبِيهِ، وأمّا الإساءَةُ فَقاصِرَةٌ عَلى صاحِبِها يُؤْخَذُ بِها ويُرْهَنُ بِذَنْبِهِ ولا يُؤْخَذُ بِذَنْبِ غَيْرِهِ، والحاصِلُ أنَّ المَعالِيَ الَّتِي هي (p-١٦)كالحَياةِ تَفِيضُ مِن صاحِبِها عَلى غَيْرِهِ فَتُحْيِيهِ، والمَساوِئَ الَّتِي هي كالمَوْتِ لا يَتَعَدّى صاحِبَها، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: اعْلَمْ أنَّ الذَّواتَ بَقاؤُها ودَوامُها بِبَقاءِ صُوَرِها، فَحَيْثُ ما كانَتِ الصُّورَةُ المُقَوِّمَةُ لَها أدْوَمَ كانَتِ الذَّواتُ بِها أقْوَمَ، وأنَّ النُّفُوسَ الإنْسانِيَّةَ ذَواتٌ وصُوَرَها عُلُومُها وأخْلاقُها، فَحَيْثُ ما كانَتِ العُلُومُ حَقَّ اليَقِينِ ثُمَّ عَيْنَ اليَقِينِ، والأخْلاقُ مُقَوَّمَةً عَلى نَهْجِ الشَّرْعِ المُبِينِ، كانَتِ النُّفُوسُ دائِمَةً بِدَوامِها غَيْرَ مُسْتَحِيلَةٍ، إذْ لا تَتَطَرَّقُ الِاسْتِحالَةُ إلى اليَقِينِ والعِلْمِ الحَقِّ، وغَيْرَ كائِنَةٍ ولا فاسِدَةٍ إذْ لَيْسَ عَيْنُ اليَقِينِ ولا العُلُومُ الحَقِيقِيَّةُ مِن عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وإنْ لَمْ تَبْلُغِ النَّفْسُ إلى كَمالِ اليَقِينِ فَتَعَلَّقَتْ بِدَلِيلِ صاحِبِهِ كَما انْخَرَطَتْ في سِلْكِها حَتّى يُخْرَطَ الإنْسانُ في سِلْكِ مَحَبَّتِهِ، لَوْ أحَبَّ أحَدُكم حَجَرًا لَحُشِرَ مَعَهُ، فَإنَّ الدِّينَ هو الحُبُّ في اللَّهِ والبُغْضُ في اللَّهِ، ولِهَذا اكْتَفى الشَّرْعُ مِنَ المُكَلَّفِينَ بِإسْلامٍ وتَسْلِيمٍ وتَفْوِيضٍ وتَحْكِيمٍ دُونَ الوُقُوفِ عَلى المَسائِلِ العَوِيصَةِ بِالبَراهِينِ الواضِحَةِ الصَّحِيحَةِ، وما لَمْ يَبْلُغِ الوَلَدُ حَدَّ التَّكْلِيفِ واخْتُرِمَ أُلْحِقُوا بِآبائِهِمْ وحُكِمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ عَقائِدِهِمْ وآرائِهِمْ حَتّى يَكُونَ حُكْمُ آبائِهِمْ جارِيًا عَلَيْهِمْ وحُكْمُ القِيامَةِ نافِذًا فِيهِمْ، وأمّا إذا كانَتِ الصُّورَةُ القائِمَةُ بِالذَّواتِ مُسْتَحِيلَةً بِأنْ كانَتْ جَهْلًا وباطِلًا يَنْقُصُ أوَّلُهُ آخِرَهُ وآخِرُهُ أوَّلَهُ، كانَتْ ذاتُ النَّفْسِ لا تَنْعَدِمُ ولا تَفْنى بَلْ تَبْقى عَلى حالٍ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيى، فَإنَّها لَوْ فَنِيَتْ لاسْتَراحَتْ ولَوْ بَقِيَتْ لاسْتَطابَتْ، فَهي عَلى اسْتِحالَةٍ بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ، وهَذِهِ الِاسْتِحالَةُ (p-١٧)لا تَكُونُ إلّا في أجْسادٍ وأبْدانٍ ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ [النساء: ٥٦] انْتَهى. وهُوَ كَما تَرى في غايَةِ النَّفاسَةِ، ويُؤَيِّدُهُ «يُحْشَرُ المَرْءُ عَلى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أحَدُكم مَن يُخالِلْ» ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلًا لِما قَبْلَها مِنَ النَّفْيِ، أيْ ما نَقَصْناهم لِأنَّهُ قَدْ سَبَقَ في حُكْمِنا بِأنْ يَكُونَ ”كُلُّ امْرِئٍ“ قَدَّرْنا أنْ يَرْتَهِنَ بِما قَدْ يَنْقُصُهُ ﴿بِما كَسَبَ﴾ أيْ لا يَضُرُّ ما كَسَبَ ما كَسَبَهُ غَيْرُهُ ﴿رَهِينٌ﴾ أيْ مُعَوَّقٌ عَنِ النَّعِيمِ حَتّى يَأْتِيَهُ بِما يُطْلِقُ مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ.

الطور 52:22

ولَمّا جَمَعَهم في إلْحاقِ الذُّرِّيَّةِ بِهِمْ لِأنَّهُ مِن أعْظَمِ النَّعِيمِ، وأمَّنَهم مِمّا قَدْ يُخْشى مِن نَقْصِهِمْ بِنَقْصِهِ غَيْرَهُمْ، وعَلَّلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ أرْسَخَ في النَّفْسِ، أتْبَعَهُ بِما يُشاكِلُهُ فَقالَ: ﴿وأمْدَدْناهُمْ﴾ أيِ الَّذِينَ آمَنُوا والمُتَّقِينَ ومَن أُلْحِقَ بِهِمْ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ زِيادَةً عَلى ما تَقَدَّمَ ﴿بِفاكِهَةٍ﴾ ولَمّا كانَتِ الفاكِهَةُ ظاهِرَةً فِيما يَعْرِفُونَهُ في الدُّنْيا وإنْ كانَ عَيْشُ الجَنَّةِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ تَفَكُّهًا لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُقْصَدُ بِهِ حِفْظُ البَدَنِ قالَ: ﴿ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنهُ مِمّا لا يُعْجِبُهم غايَةَ الإعْجابِ.

الطور 52:23

ولَمّا كانَ هَذا النَّعِيمُ العَظِيمُ المُقِيمُ يَدْعُو إلى المُعاشَرَةِ، بِالقَرِينَةِ العاطِرَةِ، بَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ حالُهُمُ اللّازِمَةُ الظّاهِرَةُ، مِنَ الخِصالِ اللّائِقَةِ الطّاهِرَةِ، فَقالَ: ﴿يَتَنازَعُونَ﴾ أيْ يَشْرَبُونَ مُتَجاذِبِينَ مُجاذَبَةَ المُلاعَبَةِ لِفَرْطِ المَحَبَّةِ والسُّرُورِ وتَحْلِيَةِ المُصاحَبَةِ ﴿فِيها كَأْسًا﴾ أيْ خَمْرًا مِن رِقَّةِ حاشِيَتِها تَكادُ أنْ لا تُرى في كَأْسِها. ولَمّا كانَ في خَمْرِ الدُّنْيا غَوائِلُ نَفاها عَنْها فَقالَ: ﴿لا لَغْوٌ﴾ أيْ سَقَطٌ مِمّا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ ﴿فِيها﴾ (p-١٨)أيْ في تَنازُعِها ولا بِسَبَبِها لِأنَّها لا تَذْهَبُ بِعُقُولِهِمْ ولا يَتَكَلَّمُونَ إلّا بِالحَسَنِ الجَمِيلِ ﴿ولا تَأْثِيمٌ﴾ أيْ ولا شَيْءَ فِيها مِمّا يَلْحَقُ شُرّابَها إثْمًا ولا يَسُوغُ نَسَبُهُ.

الطور 52:24

ولَمّا كانَتِ المُعاطاةُ لا يَكْمُلُ بَسْطُها ولا يَعْظُمُ إلّا بِخَدَمٍ وسُقاةٍ قالَ: ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ أيْ بِالكُؤُوسِ وغَيْرِها مِن أنْواعِ التُّحَفِ ﴿غِلْمانٌ﴾ ولَمّا كانَ أحَبَّ ما إلى الإنْسانِ ما يَخْتَصُّ بِهِ قالَ: ﴿لَهُمْ﴾ ولَمْ يُضِفْهم لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا يَخْدُمُونَهم في الدُّنْيا فَيُشْفِقَ كُلُّ مَن خَدَمَ أحَدًا في الدُّنْيا بِقَوْلٍ أوْ فِعْلٍ أنْ يَكُونَ خادِمًا لَهُ في الجَنَّةِ فَيَحْزَنَ بِكَوْنِهِ لا يَزالُ تابِعًا، وأفادَ التَّنْكِيرُ أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ وجَدَ لَهُ خَدَمًا لَمْ يَعْرِفْهم قَبْلَ ذَلِكَ ﴿كَأنَّهُمْ﴾ في بَياضِهِمْ وشِدَّةِ صَفائِهِمْ ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ أيْ مَصُونٌ في الصَّدَفِ لَمْ تُغَيِّرْهُ العَوارِضُ، هَذا حالُ الخادِمِ فَما ظَنُّكَ بِالمَخْدُومِ.

الطور 52:25

ولَمّا كانَ ألَذَّ ما إلى الحَبِيبِ وأعْظَمَ ما يَكُونُ مِن أرَبِهِ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ والثَّناءُ عَلَيْهِ بِما مَنَّ بِهِ، قالَ تَعالى شارِحًا لِذَلِكَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأقْبِلُوا عَلى تَعاطِي ما ذَكَرَ مِنَ النِّعَمِ: ﴿وأقْبَلَ بَعْضُهُمْ﴾ لِما ازْدَهاهم مِنَ السُّرُورِ، وراقَهم مِنَ اللَّذَّةِ والحُبُورِ ﴿عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا عَنِ السَّبَبِ المُوصِلِ لَهُ إلى هَذا النَّعِيمِ الَّذِي لا يَقْدِرُ مَخْلُوقٌ عَلى وصْفِهِ حَقَّ وصْفِهِ،

الطور 52:26

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ شَرْحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ (p-١٩)قالَ كُلٌّ مِنهم مُؤَكِّدًا اسْتِلْذاذًا بِما أدّاهم إلى ما هم فِيهِ لِأنَّهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، مُسْنِدِينَ النِّعْمَةَ بِفِعْلِ الكَوْنِ إلى اللَّهِ الَّذِي جَبَلَهم جِبِلَّةَ خَيْرٍ، مُسْقِطِينَ الجارَّ إشارَةً إلى دَوامِ خَوْفِهِمْ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الخَوْفَ الحامِلَ عَلى الكَفِّ عَنِ المَعاصِي يُشْتَرَطُ فِيهِ الدَّوامُ، بِخِلافِ الرَّجاءِ الحامِلِ عَلى الطّاعاتِ، فَإنَّهُ يَكْفِي فِيهِ ما تَيَسَّرَ كَما تَأْتِي الإشارَةُ إلَيْهِ بِإثْباتِ الجارِّ: ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ في دارِ العَمَلِ ﴿فِي أهْلِنا﴾ عَلى ما لَهم مِنَ العَدَدِ والعُدَدِ والنِّعْمَةِ والسَّعَةِ، ولَنا بِهِمْ مِن جَوالِبِ اللَّذَّةِ والدَّواعِي إلى اللَّعِبِ ﴿مُشْفِقِينَ﴾ أيْ عَرِيقِينَ في الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ لا يُلْهِينا عَنْهُ شَيْءٌ مَعَ لُزُومِنا لِما نَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن طاعَتِهِ لِعِلْمِنا بِأنّا لا نَقْدُرُهُ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ والكِبْرِياءِ والكَمالِ حَقَّ قَدْرِهِ، وأنَّهُ لَوْ واخَذَنا بِأصْغَرِ ذُنُوبِنا أهْلَكَنا؛ قالَ الرّازِيُّ: والإشْفاقُ: دَوامُ الحَذَرِ مَقْرُونًا بِالتَّرَحُّمِ، وهو أنْ يُشْفِقَ عَلى النَّفْسِ قَبْلَ أنْ تَجْمَحَ إلى العِنادِ، ولَهُ أقْسامٌ: إشْفاقٌ عَلى العَمَلِ أنْ يَصِيرَ إلى الضَّياعِ، وإشْفاقٌ عَلى الخَلِيقَةِ لِمَعْرِفَةِ مَقادِيرِها، وإشْفاقٌ عَلى الوَقْتِ أنْ يَشُوبَهُ تَفَرُّقٌ وعَلى القَلْبِ أنْ يُمازِجَهُ عارِضٌ وعَلى النَّفْسِ أنْ يُداخِلَها سَبَبٌ - انْتَهى.

الطور 52:27

ولَمّا حَكى عَنْهم سُبْحانَهُ أنَّهم أثْبَتُوا لِأنْفُسِهِمْ عَمَلًا تَدْرِيبًا لِمَن أُرِيدَتْ سَعادَتُهُ، فَكانَ بِحَيْثُ يُظَنُّ أنَّهم رَأوْهُ هو السَّبَبَ لِما وصَلُوا إلَيْهِ، قالُوا نافِينَ لِهَذا الظَّنِّ، مُبَيِّنِينَ أنَّ ما هم فِيهِ إنَّما هو ابْتِداءً تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِأنَّ إشْفاقَهم مِنهُ سُبْحانَهُ لِكَيْلا يَعْتَمِدَ الإنْسانُ عَلى شَيْءٍ مِن عَمَلِهِ (p-٢٠)فَلا يَزالُ مُعَظِّمًا لِرَبِّهِ خائِفًا مِنهُ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ الكَمالِ بِسَبَبِ إشْفاقِنا مِنهُ ﴿عَلَيْنا﴾ بِما يُناسِبُ كَمالَهُ فَأمَّنَنا ﴿ووَقانا﴾ أيْ وجَنَّبَنا بِما سَتَرَنا بِهِ ﴿عَذابَ السَّمُومِ﴾ أيِ الحَرِّ النّافِذِ في المَسامِّ نُفُوذَ السُّمِّ.

الطور 52:28

ولَمّا ذَكَرُوا إشْفاقَهُمْ، بَيَّنُوهُ مُؤَكِّدِينَ أيْضًا لِمِثْلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا﴾ أيْ بِما طُبِعْنا عَلَيْهِ وهُيِّئْنا لَهُ. ولَمّا كانَ الدُّعاءُ بِمَعْنى فِعْلِ العِبادَةِ، وكانَتْ تَقَعُ في بَعْضِ الزَّمانِ، أثْبَتَ الجارَّ إشارَةً إلى ذَلِكَ مَعَ إسْقاطِهِ قَبْلَ هَذا في الدُّعاءِ بِالقُوَّةِ إشارَةً إلى أنَّ التَّحَلِّيَ بِالفَضائِلِ يُرْضى مِنهُ بِاليُسْرِ، والتَّخَلِّيَ عَنِ الرَّذائِلِ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ البَراءَةِ عَنْ كُلِّ قَلِيلٍ وكَثِيرٍ فَقِيلَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿نَدْعُوهُ﴾ أيْ نَسْألُهُ ونَعْبُدُهُ بِالفِعْلِ، وأمّا خَوْفُنا بِالقُوَّةِ فَقَدْ كانَ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسَكَنَةٍ، ثُمَّ عَلَّلُوا دُعاءَهم إيّاهُ مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ مِمّا لا يَكادُ يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ، فَهو مِمّا يُعْجَبُ مِنهُ غايَةُ العَجَبِ فَقالُوا: ﴿إنَّهُ هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿البَرُّ﴾ الواسِعُ الجُودِ الَّذِي عَطاؤُهُ حِكْمَةٌ ومَنعُهُ رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ لا يَنْقُصُهُ إعْطاءٌ ولا يَزِيدُهُ مَنعٌ، فَهو يَبَرُّ عَبْدَهُ المُؤْمِنَ بِما يُوافِقُ نَفْسَهُ فَرُبَّما بَرَّهُ بِالنِّعْمَةِ ورُبَّما بَرَّهُ بِالبُؤْسِ، فَهو يَخْتارُ لَهُ مِنَ الأحْوالِ ما هو خَيْرٌ لَهُ لِيُوَسِّعَ لَهُ في العُقْبى، فَعَلى المُؤْمِنِ أنْ لا يَتَّهِمَ رَبَّهُ في شَيْءٍ مِن قَضائِهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ المُكْرِمُ لِمَن أرادَ مِن عِبادِهِ بِإقامَتِهِ فِيما يَرْضاهُ مِن طاعَتِهِ، (p-٢١)ثُمَّ بِإفْضالِهِ عَلَيْهِ وإنْ قَصَّرَ في خِدْمَتِهِ.

الطور 52:29

ولَمّا كانَ هَذا مَعَ تَشْوِيقِهِ إلى الجَنَّةِ والأعْمالِ المُوصِلَةِ إلَيْها وعْظًا يُرَقِّقُ القُلُوبَ ويُجْلِي الكُرُوبَ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ جَدِّدِ التَّذْكِيرَ بِمِثْلِ هَذا لِكُلِّ مَن يَرْجُو خَيْرَهُ ودُمْ عَلى ذَلِكَ، وسَمّاهُ تَذْكِيرًا لِأنَّهُ مِمّا يَعْلَمُهُ الإنْسانُ إذا أمْعَنَ النَّظَرَ مِن نَفْسِهِ أوْ مِنَ الآفاقِ، وعَلَّلَ التَّذْكِيرَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أنْتَ﴾ أيْ وأنْتَ أشْرَفُ النّاسِ عُنْصُرًا وأكْمَلُهم نَفْسًا وأزْكاهم خَلائِقَ هم بِها مُعْتَرِفُونَ لَكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ ﴿بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ أيْ بِسَبَبِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكَ المُحْسِنِ إلَيْكَ مِن هَذا النّامُوسِ الأعْظَمِ بَعْدَ تَأْهِيلِكَ لَهُ بِما هَيَّأكَ بِهِ مِن رَجاحَةِ العَقْلِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ وكَرَمِ الفِعالِ وجُودِ الكَفِّ وطَهارَةِ الأخْلاقِ وشَرَفِ النَّسَبِ، وأكَّدَ النَّفْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكاهِنٍ﴾ أيْ تَقُولُ كَلامًا - مَعَ كَوْنِهِ سَجْعًا مُتَكَلَّفًا - أكْثَرُهُ فارِغٌ وتَحْكُمُ عَلى المُغَيَّباتِ بِما يَقَعُ خِلافُ بَعْضِهِ. ولَمّا كانَ لِلْكاهِنِ والمَجْنُونِ اتِّصالٌ بِالجِنِّ، أتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿ولا مَجْنُونٍ﴾ أيْ تَقُولُ كَلامًا لا نِظامَ لَهُ مَعَ الإخْبارِ بِبَعْضِ المُغَيَّباتِ، فَلا يُفَتِّرْكَ قَوْلُهم هَذا عَنِ التَّذْكِيرِ فَإنَّهُ قَوْلٌ باطِلٌ لا تَلْحَقُكَ بِهِ مَعَرَّةٌ أصْلًا، وعَمّا قَلِيلٍ يَكُونُ عَيْبًا لَهم لا يَغْسِلُهُ عَنْهم إلّا اتِّباعُهم لَكَ، فَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنهم غَسَلَ عارَهُ، ومَنِ اسْتَمَرَّ عَلى عِنادِهِ اسْتَمَرَّ تَبابُهُ وخَسارُهُ.

الطور 52:30

(p-٢٢)ولَمّا كانَتْ نِسْبَتُهُ ﷺ فِيما أتاهم بِهِ مِن هَذا القُرْآنِ الآمِرِ بِالحِكْمَةِ إلى أنَّهُ أتى بِهِ عَنِ الجِنِّ الَّذِينَ طَبْعُهُمُ الفَسادُ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ أحَدٌ فَضْلًا أنْ يَقُولَهُ لَهُ ﷺ، ولا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ أحَدًا يَرْمِيهِ بِهِ، فَكانَ في طَيِّهِ سُؤالُ تَقْرِيعٍ وتَوْبِيخٍ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ بِالعَطْفِ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: أيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ البَعِيدَ مِن أقْوالِ أهْلِ العُقُولِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ ما هو أعْجَبُ في مُجَرَّدِ قَوْلِهِ فَضْلًا عَنْ تَكْرِيرِهِ، فَـ ”أمْ“ مُعادِلَةٌ لِلِاسْتِفْهامِ قَبْلَها لا مَقْطُوعَةٌ، وكَذا جَمِيعُ ما بَعْدَها وهو مَعْنى ما نَقَلَهُ البَغْوِيُّ عَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: ما في سُورَةِ الطُّورِ مِن ذِكْرِ ”أمْ“ كُلُّهُ اسْتِفْهامٌ ولَيْسَ بِعَطْفٍ. ﴿شاعِرٌ﴾ يَقُولُ كَلامًا مَوْزُونًا بِالقَصْدِ، يَلْزَمُهُ التَّكَلُّفُ لِذَلِكَ فَيَغْلِبُ إلْزامُ الوَزْنِ قائِلَهُ حَتّى يَجْعَلَ اللَّفْظَ هو الأصْلَ ويَجْعَلَ المَعْنى تابِعًا لَهُ، فَيَأْتِي كَثِيرٌ مِن كَلامِهِ ناقِصَ المَعانِي هَلْهَلَ النَّسْجِ مَغْلُوبًا فِيهِ عَلى أمْرِهِ مُعْتَرِفًا إذا وقَفَ عَلَيْهِ بِتَقْصِيرِهِ مُتَعَذِّرًا بِما زانَهُ بِهِ زَعَمَ مِن أوْزانِهِ، وساقَ سُبْحانَهُ هَذا وكَذا ما بَعْدَهُ مِنَ الأقْسامِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ مَعَ أنَّ نِسْبَتَها إلَيْهِمْ مُحَقَّقَةٌ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَقُولُهُ عاقِلٌ، وإنْ قالَهُ أحَدٌ لَمْ يَكَدِ النّاقِلُ عَنْهُ يُصَدِّقُ: (p-٢٣)﴿نَتَرَبَّصُ﴾ أيْ نَنْتَظِرُ ﴿بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ أيْ حَوادِثَ الدَّهْرِ مِنَ المَوْتِ وغَيْرِهِ القاطِعَةَ، مِنَ المَنِّ وهو القَطْعُ.

الطور 52:31

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: إنَّهم لَيَقُولُونَ ذَلِكَ، قالَ مُعْلِمًا جَوابَهُمْ: ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلى مُحاجَجَتِهِمْ في قَوْلِهِمْ هَذا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِنَ السُّقُوطِ بِمَنزِلَةٍ لا يَحْتاجُ مَعَها إلى رَدٍّ بِمُجادَلَةٍ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ أمْرِهِ لَهم بِالتَّرَبُّصِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِّي مَعَكُمْ﴾ وأكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يَرْجُو الفَرَحَ بِمُصِيبَتِهِمْ كَما يَرْجُونَ الفَرَحَ بِمُصِيبَتِهِ وإنْ كانَتْ كَثْرَتُهم وقُوَّتُهم عِنْدَهم مانِعَةً مِن مِثْلِ هَذا التَّرَبُّصِ ﴿مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في التَّرَبُّصِ وإنْ ظَنَنْتُمْ خِلافَ ذَلِكَ، وأشارَ بِالمَعِيَّةِ إلى أنَّهُ مُساوٍ لَهم في ذَلِكَ وإنْ ظَنُّوا لِكَثْرَتِهِمْ وقُوَّتِهِمْ ووَحْدَتِهِ وضَعْفِهِ أنَّ الأمْرَ خِلافُ ذَلِكَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ جَمِيعَهم - أيِ الَّذِينَ تَرَبَّصُوا بِهِ - ماتُوا، قالَ: ولا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُؤَمِّلَ نِفاقَ سُوقِهِ بِمَوْتِ أحَدٍ لِتَنْتَهِيَ النَّوْبَةُ إلَيْهِ فَقَلَّ مَن تَكُونُ هَذِهِ صِفَتَهُ إلّا سَبَقَتْهُ المَنِيَّةُ، ولا يُدْرِكُ ما تَمَنّاهُ مِنَ الأُمْنِيَةِ.

الطور 52:32

ولَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا مِمّا لا يُقالُ أصْلًا وإنْ قِيلَ عَلى بُعْدِهِ كانَ قَوْلُهُ كَأنَّهُ عَلى جِهَةِ سَبْقِ اللِّسانِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، نَبَّهَ عَلَيْهِ بِمُعادَلَةِ ما تَقْدِيرُهُ: أقالُوا ذَلِكَ ذُهُولًا: ﴿أمْ تَأْمُرُهُمْ﴾ أيْ تُزَيِّنُ لَهم تَزْيِينًا يَصِيرُ مَآلُهم إلَيْهِ مِنَ الِانْبِعاثِ كالأمْرِ ﴿أحْلامُهُمْ﴾ أيْ عُقُولُهُمُ الَّتِي يَزْعُمُونَ أنَّهُمُ اخْتُصُّوا بِجَوْدَتِها دُونَ النّاسِ بِحَيْثُ إنَّهُ كانَ يُقالُ فِيهِمْ: أُولُو الأحْلامِ والنُّهى (p-٢٤)﴿بِهَذا﴾ أيْ وهم يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهُ وأنَّهُ العَدْلُ السَّواءُ لِأنَّهم مُتَقَيِّدُونَ بِالأحْلامِ والنُّهى عَلى ما فِيهِ مِنَ الفَسادِ بِالتَّناقُضِ بَعْدَ اخْتِلالِ كُلِّ قَوْلٍ مِنهُ عَلى حِدَتِهِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ، وهو تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ بِالإشارَةِ إلى أنَّهُ لَيْسَتْ لَهم عُقُولٌ أصْلًا لِقَوْلِهِمْ هَذا، فَإنَّ الكاهِنَ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ في غايَةِ المَعْرِفَةِ عِنْدَهم حَتّى أنَّهم يَجْعَلُونَهُ حَكَمًا ورُبَّما عَبَدُوهُ، والمَجْنُونَ لا يَصْلُحُ لِصالِحَةٍ لِأنَّهُ لا يَعْقِلُ، والشّاعِرَ بَعِيدُ الأمْرِ بِوَزْنِ الكَلامِ وكَثْرَتِهِ مِن سَجْعِ الكاهِنِ وغَيْرِهِ وكَلامِ المَجْنُونِ: ﴿أمْ هُمْ﴾ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ﴿قَوْمٌ﴾ أيْ ذَوُو قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ فَهم لِذَلِكَ ﴿طاغُونَ﴾ أيْ مُجاوِزُونَ لِلْحُدُودِ، وذَلِكَ عادَةٌ لَهم بِما أفْهَمَهُ الوَصْفُ، فَهم لِذَلِكَ لا يُبالُونَ بِالعِنادِ الظّاهِرِ في مُخالَفَتِهِ لِما تَأْمُرُ بِهِ الأحْلامُ والنُّهى، ولا يَقُولُهُ إلّا الطُّغاةُ السُّفَهاءُ مَعَ ظُهُورِ الحَقِّ لَهُمْ، فَهم يَقُولُونَ الكَلامَ المُتَناقِضَ غَيْرَ مُبالِينَ بِأحَدٍ ولا مُسْتَحْيِينَ مِن أنْ يُنْسَبُوا إلى العُدْوانِ والمُبالَغَةِ في العِصْيانِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الأحْلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى ضِدِّها ثانِيًا، والطُّغْيانَ ثانِيًا عَلى ضِدِّهِ ”العَدْلِ السَّواءِ“ أوَّلًا، وسِرُّهُ أنَّ ما ذَكَرَ أشَدُّ تَنْفِيرًا مِنَ السُّوءِ وأعْظَمُ تَقْبِيحًا لَهُ وتَحْذِيرًا مِنهُ

الطور 52:33

﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ ما هو أفْحَشُ عارًا مِنَ التَّناقُضِ: ﴿تَقَوَّلَهُ﴾ أيْ تَكَلَّفَ قَوْلَهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ (p-٢٥)كَذِبًا ولَيْسَ بِشِعْرٍ ولا كِهانَةٍ ولا جُنُونٍ، وهم عَلى كَثْرَتِهِمْ وإلْمامِ بَعْضِهِمْ بِالعِلْمِ وعَراقَةِ آخَرِينَ في الشِّعْرِ والخُطَبِ والتَّرَسُّلِ والسَّجْعِ يَعْجِزُونَ عَنْ مِثْلِهِ بَلْ عَنْ مِثْلِ شَيْءٍ مِنهُ. ولَمّا كانَ الكَلامُ حَقِيقَةً في النَّفْسِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ بُطْلانَ جَمِيعِ ما يَقُولُونَهُ مِن ذَلِكَ، كانَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ حَقِيقَةً واعْتِقادًا ﴿بَلْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يُقِرُّونَ بِالحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِبُطْلانِ قَوْلِهِمْ وتَناقُضِهِ عِنادًا مِنهم لا تَكْذِيبًا في الباطِنِ.

الطور 52:34

ولَمّا كانَ هَذا القَوْلُ أظْهَرَ بُطْلانًا مِن كُلِّ ما قالُوهُ لِأنَّ تَكْذِيبَهم لَهُ عَلى تَقْدِيرِ كَذِبِهِ - عَلى زَعْمِهِمْ - غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلى شَيْءٍ خارِجٍ عَنِ القُوَّةِ، طالَبَهم بِالمُعارَضَةِ لِأنَّهم إذا عارَضُوهُ بِمِثْلِهِ انْفَصَلَ النِّزاعُ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَمّا مَضى قَوْلَهُ تَكْذِيبًا لَهم في قَوْلِهِمْ هَذا الَّذِي أظْهَرُوهُ بِألْسِنَتِهِمْ يُوقِفُونَ بِهِ غَيْرَهم عَنِ الخَيْرِ: ﴿فَلْيَأْتُوا﴾ أيْ عَلى أيِّ تَقْدِيرٍ أرادُوهُ ﴿بِحَدِيثٍ﴾ أيْ كَلامٍ مُفَرَّقٍ مُجَدَّدٍ إتْيانُهُ مَعَ الأوْقاتِ لا تُكَلِّفْهم أنْ يَأْتُوا بِهِ جُمْلَةً ﴿مِثْلِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ في البَلاغَةِ وصِحَّةِ المَعانِي والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ مِمّا كانَ أوْ يَكُونُ عَلى ما هي عَلَيْهِ والحِكَمِ. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ هَنا مُطْلَقَ التَّعْجِيزِ لِلْمُكَذِّبِينَ لا بِقَيْدِ الِاجْتِماعِ كَما في ”سُبْحانَ“ لِأنَّ نُزُولَ هَذِهِ أوائِلُ ما نَزَلَ، تَحَدّاهم بِالإتْيانِ بِالمِثْلِ في التَّنْجِيمِ والتَّطْبِيقِ عَلى الوَقائِعِ سُوَرًا أوْ آياتٍ أوْ دُونَ ذَلِكَ، تُحَدِّثُ وتَتَجَدَّدُ شَيْئًا في أثَرِ شَيْءٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالحُدُوثِ، ولِذَلِكَ أعْراهُ عَنْ تَظاهُرِهِمْ بِالِاجْتِماعِ ودُعاءِ المُسْتَطاعِ، ولِكَوْنِهِمْ كاذِبِينَ في جَزْمِهِمْ بِنِسْبَتِهِ إلى (p-٢٦)التَّقَوُّلِ وغَيْرِهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُقَرِّعًا لَهم إلْهابًا إلى الخَوْضِ في المُعارَضَةِ: ﴿إنْ كانُوا﴾ أيْ كَوْنًا هم راسِخُونَ فِيهِ ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ في أنَّهُ تَقَوَّلَهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، كَوْنًا هم عَرِيقُونَ فِيهِ كَما يَزْعُمُونَ سَواءٌ ادَّعَوْا أنَّهُ شاعِرٌ أوْ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ، لِأنَّ العادَةَ تُحِيلُ أنْ يَأْتِيَ واحِدٌ مِن قَوْمٍ وهو مُساوٍ لَهم بِما لا يَقْدِرُونَ كُلُّهم عَلى مِثْلِهِ، والعاقِلُ لا يَجْزِمُ بِشَيْءٍ إلّا وهو عالِمٌ بِهِ، ويَلْزَمُ مِن عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ قُدْرَتُهم عَلى مِثْلِ ما يَأْتِي بِهِ، فَإنَّهُ ﷺ مِثْلُهم في الفَصاحَةِ والبَلَدِ والنَّسَبِ، وبَعْضُهم يَزِيدُ عَلَيْهِ بِالكِتابَةِ وقَوْلِ الشِّعْرِ ومُخالَطَةِ العُلَماءِ، ومُزاوَلَةِ الخُطَبِ والرَّسائِلِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَلا يَقْدِرُ عَلى ما يَعْجِزُونَ عَنْهُ إلّا بِتَأْيِيدٍ إلَهِيٍّ، وهو المُرادُ مِن تَكْذِيبِهِمْ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا ومِمّا تَقَدَّمَ مِن نَحْوِهِ مُفَرَّقًا في السُّوَرِ الَّتِي فِيها مِثْلُهُ أنَّ المُتَحَدّى بِهِ في كُلِّ سُورَةٍ غَيْرُ المُتَحَدّى بِهِ في الأُخْرى - واللَّهُ الهادِي، وهَذِهِ الأقْسامُ الماضِيَةُ مِن تَكْذِيبِهِمْ تَتَأتّى أنْ تَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ الِاعْتِقادِ لِلْإلَهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ فَأتْبَعَها قَسَمًا عَلى تَقْدِيرِ التَّعْطِيلِ، وإذا لَمْ يَكُنْ إلَهٌ لَمْ يَكُنْ رَسُولٌ فَيَأْتِي التَّكْذِيبُ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ قَسَمًا آخَرَ هو عَلى تَقْدِيرِ إثْباتِ الإلَهِ لَكِنْ مَعَ الضَّعْفِ بِالشَّرِكَةِ، ولِكَوْنِ الشَّرِكَةِ تارَةً تَكُونُ مِنَ المُتَكَلِّمِ وتارَةً مِن غَيْرِهِ، قَدَّمَ مِنها ما لِلْمُتَكَلِّمِ عَلى زَعْمِهِ، وقَدَّمَ تَقْدِيرَ شَرِكَتِهِ بِالخَلْقِ ثُمَّ بِضَبْطِ الخَزائِنِ ثُمَّ بِالكِتابَةِ ثُمَّ بِسَماعِ (p-٢٧)الأسْرارِ ثُمَّ بِضَعْفِ السَّعَةِ بِالرِّضا بِالصِّنْفِ الأرْدَأِ.

الطور 52:35

ولَمّا مَضَتْ فَضِيحَتُهم بِالتَّحَدِّي، وكانَتْ عِنْدَهم فَضِيحَةُ التَّناقُضِ دُونَ فَضِيحَةِ المُعارَضَةِ، فَكانُوا يُقَدِّمُونَها عَلَيْها، فَلَمْ يُحَدِّثْ أحَدٌ مِنهم يَوْمًا مِنَ الأيّامِ بِشَيْءٍ مِمّا يُعارِضُهُ بِهِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّهم يَصِيرُونَ بِذَلِكَ إلى خِزْيٍ لا يُمْكِنُ أنْ يُغْسَلَ عارُهُ كَما صارَ مُسَيْلِمَةُ، لِأنَّهم كانُوا أعْقَلَ العَرَبِ وكانَ التَّقْدِيرُ كَما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ: فَإنَّكَ مُسْتَوٍ مَعَهم بِالنِّسْبَةِ إلى إيجادِ اللَّهِ لَكُمْ، هو سُبْحانَهُ خالِقُهم كَما أنَّهُ خالِقُكَ، ولا خُصُوصِيَّةَ لَكَ مِنهُ عَلى زَعْمِهِمْ: أهُوَ خالِقُهم كَما هو خالِقُكَ فَيَلْزَمُهم أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما تَأْتِي بِهِ، وكانَ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ إقْرارِهِمْ بِاللَّهِ وادِّعائِهِمْ لِكَذِبِهِ ﷺ، عادَلَهُ سُبْحانَهُ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِفَضائِحَ هي أشْنَعُ مِمّا فَرُّوا مِنهُ مِنَ المُعارَضَةِ بِقَوْلِهِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لِلْإلَهِ أوْ مُدَّعِينَ لِأنْ يَكُونُوا آلِهَةً: ﴿أمْ خُلِقُوا﴾ أيْ وقَعَ خَلْقُهم عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ المُتْقَنَةِ ﴿مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ فَيَكُونُوا مُخالِفِينَ لِصَرِيحِ العَقْلِ إذْ تَعَلُّقُ الخَلْقِ بِالخالِقِ مِن ضَرُورَةِ الِاسْمِ كَتَعَلُّقِهِ بِالمَخْلُوقِ لِيُسَلِّمَ لَهم أنَّكَ تَأْتِي بِما لا يَقْدِرُونَ عَلى مُعارَضَتِهِ لِأنَّكَ أقْوى مِنهم بِكَوْنِكَ مُسْتَنِدًا إلى خالِقٍ وهم لَيْسُوا مُسْتَنِدِينَ إلى شَيْءٍ أوْ لِيَكُونُوا لِذَلِكَ أقْوى مِنكَ وأعْلى، فَيَكُونَ لَهُمُ التَّكَبُّرُ عَلَيْكَ ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ أيِ الَّذِينَ لَهم هَذا الوَصْفُ فَيَكُونُونَ قَدْ خَلَقُوا أنْفُسَهم لِيَكُونُوا بِذَلِكَ شُرَكاءَ فَيَكُونُ الخالِقُ والمَخْلُوقُ واحِدًا، (p-٢٨)وهُوَ مِثْلُ القِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ في عَدَمِ الِاسْتِنادِ إلى شَيْءٍ أوْ يَكُونُ ثُبُوتُ هَذا الوَصْفِ لَهم مُوجِبًا لِأنْ يَكُونُوا عَلى ثِقَةٍ مِمّا يَقُولُونَ ولِلتَّكَبُّرِ عَلَيْكَ، فَإنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ حَكَمَ أدْنى الخَلْقِ بِجُنُونِهِمْ؛

الطور 52:36

﴿أمْ خَلَقُوا﴾ أيْ عَلى وجْهِ الشَّرِكَةِ ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾ فَهم لِذَلِكَ عالِمُونَ بِما فِيها عَلى وجْهِ الإحاطَةِ واليَقِينِ حَتّى عَلِمُوا أنَّكَ تَقَوَّلْتَهُ لِيَصِيرَ لَهم رَدُّهُ والتَّهَكُّمُ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ لِيَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ في الكَلامِ فِيكَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم نَوْعُ يَقِينٍ لِيَسْكُنُوا إلى شَيْءٍ واحِدٍ لِكَوْنِهِ الحَقَّ أوْ لِيَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ المَلازِمَ الفاضِحَةَ تَلْزَمُهم فَيَكُفُّوا عَنْ أمْثالِهِمْ

الطور 52:37

﴿أمْ عِنْدَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿خَزائِنُ﴾ ولَمّا كانَ ذِكْرُ الرَّحْمَةِ لا يَقْتَضِيهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ الَّذِي هو العَذابُ، لَمْ تُذْكَرْ كَما في (ص) و(سُبْحانَ) فَقِيلَ: ﴿رَبِّكَ﴾ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ بِهَذا الحَدِيثِ فَيَعْلَمُوا أنَّ هَذا الَّذِي أُثْبِتَ بِهِ لَيْسَ مِن قَوْلِهِ لِأنَّهُ لا تَصَرُّفَ لَهُ في الخَزائِنِ إلّا بِهِمْ، فَيَصِحَّ قَوْلُهُمْ: إنَّكَ تَقَوَّلْتَهُ وحِينَئِذٍ يَلْزَمُهم فَضائِحُ لا آخِرَ لَها، مِنها أنْ يَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ بَلْ أحْسَنَ مِنهُ مِن تِلْكَ الخَزائِنِ ﴿أمْ هُمُ﴾ لا غَيْرُهم ﴿المُصَيْطِرُونَ﴾ أيِ الرُّقَباءُ الحافِظُونَ والجَبّارُونَ والمُسَلَّطُونَ الرُّؤَساءُ الحُكَماءُ الكَتَبَةُ، لِيَكُونُوا ضابِطِينَ لِلْأشْياءِ كُلِّها كَما هو شَأْنُ كُتّابِ السِّرِّ عِنْدَ المُلُوكِ فَيَعْلَمُوا أنَّكَ تَقَوَّلْتَ هَذا (p-٢٩)الذِّكْرَ لِأنَّهم لَمْ يَكْتُبُوا بِهِ إلَيْكَ

الطور 52:38

﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ﴾ يَصْعَدُونَ بِهِ إلى السَّماءِ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ أيْ يَتَعَمَّدُونَ السَّمْعَ لِكُلِّ ما يَكُونُ فِيها ومِنها ﴿فِيهِ﴾ أيْ في ذَلِكَ السُّلَّمِ وبِسَبَبِهِ كَما يَكُونُ بَعْضُ مَن يَحْضُرُ مَجالِسَ المُلُوكِ في الدُّنْيا ويَعْلَمُ ما يَقَعُ فِيها لِيَكُونُوا ضابِطِينَ لِما يَأْتِي مِنَ المَلِكِ فَيَعْلَمُوا أنَّ ما قالُوهُ فِيكَ حَقٌّ. ولَمّا كانَ مَن يَكُونُ هَكَذا مُتَمَكِّنًا مِنَ الإتْيانِ مِنها بِالعَجائِبِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ إنِ ادَّعَوْا ذَلِكَ ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ قاهِرَةٍ بَيِّنَةٍ في نَفْسِها، مُوَضِّحَةٍ لِأنَّها مِنَ السَّماءِ عَلى صِحَّةِ ما يَرْمُونَكَ بِهِ.

الطور 52:39

ولَمّا كانَ ما مَضى عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الإلَهِ مَعَ الشَّرِكَةِ، وكانَ ادِّعاؤُهُمُ الوَلَدَ عَظِيمًا جِدًّا لِدَلالَتِهِ عَلى حاجَتِهِ وضَعْفِهِ، وكانَ جَعْلُهُ بَناتٍ أعْظَمَ لِأنَّهُ دالٌّ مَعَ ضَعْفِهِ عَلى سَفَهِهِ، دَلَّ عَلى اسْتِعْظامِهِ بِالِالتِفاتِ إلى خِطابِهِمْ بِعَذابِهِمْ فَقالَ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ﴾ أيْ كَما ادَّعَيْتُمْ ﴿ولَكُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿البَنُونَ﴾ لِتَكُونُوا أقْوى مِنهُ فَتُكَذِّبُوا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وتَرُدُّوا قَوْلَهُ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ فَتَكُونُوا آمِنِينَ مِن عَذابٍ يَأْتِيكم مِنهُ لِضَعْفِهِ وقُوَّتِكُمْ، وهَذِهِ الأقْسامُ كُلُّها عَلى تَقْدِيرِ التَّكْذِيبِ، وهي هُنا بِذِكْرِ ما عَلى تَقْدِيرِ التَّصْدِيقِ، وإنَّما وقَعَ الرَّدُّ فِيها لِعارِضٍ عَرَضَ.

الطور 52:40

ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ مُعْتَرِفًا بِأنَّهُ مِن عِنْدِ إلَهِهِ، وأنَّ (p-٣٠)إلَهَهُ مُتَّصِفٌ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ فَلا شَرِيكَ لَهُ، وإنَّما تَكْذِيبُهُ لِقادِحٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وكَرْبٍ رَمى بِجَمِيعِ أنْكادِهِ إلَيْهِ، أعْرَضَ عَنْهُمُ التِفاتًا إلى الأُسْلُوبِ الأوَّلِ فَقالَ مُخاطِبًا لَهُ ﷺ تَنْوِيهًا بِذِكْرِهِ ورَفْعًا لِعَظِيمِ قَدْرِهِ وتَسْلِيَةً لِما يَعْلَمُ مِن نَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ البَراءَةَ مِنهُ: ﴿أمْ تَسْألُهُمْ﴾ أيْ أيُّها الطّاهِرُ الشِّيَمِ البَعِيدُ عَنْ مَواضِعِ التُّهَمِ ﴿أجْرًا﴾ عَلى إبْلاغِ ما أتَيْتَهم بِهِ ﴿فَهم مِن مَغْرَمٍ﴾ ولَوْ قَلَّ، والمَغْرَمُ: التِزامُ ما لا يَجِبُ ﴿مُثْقَلُونَ﴾ أيْ حَمَلَ عَلَيْهِمْ حامِلٌ بِذَلِكَ ثِقْلًا فَهم لِذَلِكَ يُكَذِّبُونَ مَن كانَ سَبَبًا في هَذا الثِّقْلِ بِغَيْرِ مُسْتَنَدٍ لِيَسْتَرِيحُوا مِمّا جَرَّهُ لَهم مِنَ الثِّقْلِ.

الطور 52:41

ولَمّا كانَ مَن يَدَّعِي الِانْفِرادَ بِشَيْءٍ يَحْسُدُ مَن يَدَّعِي مُشارَكَتَهُ فِيهِ قالَ: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ﴾ أيْ خاصَّةً بِهِمْ ﴿الغَيْبُ﴾ أيْ عِلْمُهُ ﴿فَهم يَكْتُبُونَ﴾ أيْ يُجَدِّدُونَ لِلنّاسِ كِتابَةَ جَمِيعِ ما غابَ عَنْهم مِمّا يَنْفَعُهم ويَضُرُّهم حَتّى يَحْسُدُونَكَ فِيما شارَكْتَهم بِهِ مِنهُ، فَيَرُدُّوهُ لِذَلِكَ، ويَنْسِبُوكَ إلى ما نَسَبُوكَ إلَيْهِ مِمّا يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ تَرافُعَكَ عَنْهُ وبُعْدَكَ مِنهُ

الطور 52:42

﴿أمْ يُرِيدُونَ﴾ بِهَذا القَوْلِ الَّذِي يَرْمُونَكَ بِهِ ﴿كَيْدًا﴾ أيْ مَكْرًا أوْ ضَرَرًا عَظِيمًا يُطْفِئُونَ بِهِ نُورَ اللَّهِ بِزَعْمِهِمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّكَ صادِقٌ فِيهِ، فَهم بِسَبَبِ إرادَتِهِمْ ذَلِكَ هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ قالَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا الأدِلَّةَ تارَةً عِنادًا وتارَةً (p-٣١)بِالإعْراضِ عَنْ تَأمُّلِها ﴿هُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿المَكِيدُونَ﴾ أيْ يَخْتَصُّ وبالُ الكَيْدِ بِلُزُومِهِ لَهم وقَطْعِهِ لِدابِرِهِمْ لِأنَّ مَن كانَ الإلَهُ عَلَيْهِ كانَ خاسِرًا، وأقْرَبُ مَآلِهِمْ مِنَ الكَيْدِ الظّاهِرِ في بَدْرٍ عَنِ انْتِهاءِ سِنِينَ عِدَّتُها عِدَّةُ ما هُنا مِن ”أمْ“ وهي خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً لِأنَّ بَدْرًا كانَتْ في الثّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي الخامِسَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَقَدْ سَبَّبَ اللَّهُ فِيها مِنَ الأسْبابِ ما أوْجَبَ سَعْيَهم إلى هَلاكِهِمْ بِأُمُورٍ خارِقَةٍ لِلْعادَةِ، فَلَوْ كانَتْ لَهم بَصائِرُ لَكَفَتْهم في الهِدايَةِ، والرَّدِّ عَنِ الضَّلالَةِ والغَوايَةِ.

الطور 52:43

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أكَذَلِكَ الأمْرُ عادَلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ﴾ يَمْنَعُهم مِنَ التَّصْدِيقِ بِكِتابِنا، أوْ يَسْتَنِدُونَ إلَيْهِ لِلْأمانِ مِن عَذابِنا ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ الَّذِي أحاطَ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَلا يُمْكِنُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ أنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ، ولِذَلِكَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي تَعالى أنْ يُدانِيَ جَنابَهُ شائِبَةُ نَقْصٍ ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها، وأخَّرَ سُبْحانَهُ هَذا القِسْمَ وهو مِنَ الشَّرِكَةِ لَكِنْ بِالغَيْرِ لِأنَّهُ آتٍ عَلى تَقْدِيرِ التَّصْدِيقِ لِلرَّسُولِ ﷺ ولِأنَّهُ دِينُهُمُ الَّذِي أوْقَفَهم عَنِ الهُدى، فَأوْقَعَهم في الرَّدى، لِيُحَتَّمَ بِنَفْسِهِ والتَّنْزِيهِ عَنِ الأقْسامِ فَيَحْصُلَ بِهِ غايَةُ القَصْدِ والمَرامِ. والحاصِلُ أنَّهُ قَسَّمَ بِهِ سُبْحانَهُ حالَهم في رَدِّهِمُ القُرْآنَ إلى التَّكْذِيبِ وغَيْرِهِ، ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ - وهو النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ وهو عَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ - إمّا في الإرْسالِ، وإمّا في المَعانِي، وما وقَعَ بِهِ الإرْسالُ (p-٣٢)إمّا لِنَقْصٍ في الرَّسُولِ وإمّا النَّقْصُ في المُرْسِلِ، والَّذِي في الرَّسُولِ إمّا أنْ يَكُونَ لِأمْرٍ خارِجٍ عَنْهُ أوْ لِأمْرٍ داخِلٍ فِيهِ، ولَمّا كانَ الخارِجُ قَدْ يَكُونُ مَعَهُ نَقْصٌ دَخَلَ بِذاتِهِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَكُونُ فِيهِ ما يُمْدَحُ بِهِ ولَوْ مِن وجْهٍ، وهو الكِهانَةُ بَدَأ بِها، وأتْبَعَهُ الدّاخِلَ لِذَلِكَ بادِئًا بِما قَدْ يُمْدَحُ بِهِ وهو الشِّعْرُ. ولَمّا كانَ القَوْلُ بِجَمْعِ الكِهانَةِ والشِّعْرِ والجُنُونِ في شَخْصٍ واحِدٍ عَلى غايَةٍ مِن ظُهُورِ التَّناقُضِ لا يَخْفى، أتْبَعَها الرَّمْيَ بِالتَّهَكُّمِ عَلى عُقُولِهِمْ. ولَمّا كانَ الكَذِبُ في الرَّمْيِ بِالتَّقَوُّلِ قَدْ يَخْفى، أتْبَعَهُ دَلِيلَهُ بِالعَجْزِ عَنِ المُعارَضَةِ. ولَمّا قَسَّمَ ما رَمَوْا بِهِ الرَّسُولَ، أتْبَعَهم ما ألْزَمَهم بِهِ في المُرْسَلِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ إمّا أنْ يَكُونَ بِالتَّعْطِيلِ أوْ لا، وكانَ التَّعْطِيلُ أشَدَّ، بَدَأ بِهِ وهو الخَلْقُ مِن غَيْرِ شَيْءٍ، ولَمّا كانَ النَّقْصُ مَعَ الإقْرارِ بِالوُجُودِ إمّا أنْ يَكُونَ بِالشَّرِكَةِ أوْ لا، وكانَ ما بِالشَّرِكَةِ إمّا أنْ يَكُونَ المُكَذِّبُ هو المُشارِكَ أوْ لا، وكانَتْ شَرِكَةُ المُكَذِّبِ أقْعَدَ في التَّكْذِيبِ بِدَأْبِها، ولَمّا كانَتْ شَرِكَةُ المُكَذِّبِ إمّا أنْ تَكُونَ في الخَلْقِ أوْ لا، وكانَ الأوَّلُ إمّا أنْ يَكُونَ بِخَلْقِ النَّفْسِ أوِ الغَيْرِ، وكانَتِ الشَّرِكَةُ بِخَلْقِ النَّفْسِ ألْصَقَ، بَدَأ بِها قَوْلَهُ: ﴿أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ولَمّا كانَتِ الشَّرِكَةُ بِغَيْرِ الخَلْقِ إمّا أنْ يَكُونَ بِضَبْطِ الحَواسِّ أوْ لا، وكانَ الثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ بِضَبْطِ الكِتابِ فِيها وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالمُسَيْطِرِ، أوْ بِضَبْطِ ما يُؤْمَرُ بِهِ فِيها وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالسُّلَّمِ أوْ بِسَفَهِ صاحِبِ الخَزائِنِ لِرِضاهُ بِالبَناتِ، وكانَ كُلُّ قِسْمٍ أشَدَّ مِمّا بَعْدَهُ رَتَّبَهُ هَكَذا. ولَمّا انْتَهى ما يَرْجِعُ (p-٣٣)إلى التَّكْذِيبِ، أتْبَعَهُ الرَّدَّ لا لِلتَّكْذِيبِ بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ الأمْرُ إمّا مِنَ الآتِي أوْ مِنَ المَأْتِيِّ إلَيْهِ أوْ مِن غَيْرِهِما، كانَ ما مِنَ الآتِي ألْصَقَ بَدَأ بِهِ وهو المَغْرَمُ، ولَمّا كانَ ما مِنَ المَأْتِيِّ إلَيْهِ - إمّا لِحَسَدٍ أوْ غَيْرِهِ، وكانَ أمْرُ الحَسَدِ أشَدَّ، بَدَأ بِهِ وهو المُشارَكَةُ في الأبْناءِ بِما يَكُونُ بِهِ الفَخْرُ والرِّئاسَةُ وهو عِلْمُ الغَيْبِ - النّاظِرِ بِوَجْهٍ لِلْكِهانَةِ المَبْدُوءِ بِها في قِسْمِ التَّكْذِيبِ، وآخِرُ ما مِنَ الغَيْرِ وهو الشَّرِيكُ المانِعُ لَهم مِنَ القَبُولِ، وخَلَطَهُ بِهَذا القِسْمِ مَعَ كَوْنِهِ قَسِيمًا لِما فَرَضَ فِيهِ المُكَذِّبُ مُشارِكًا لِخُلُوِّهِ عَمّا قارَنَ تِلْكَ الأقْسامَ مِنَ التَّكْذِيبِ، هَذا تَمامُ القَوْلِ في إبْطالِ ما لَزِمَهم فِيما تَقَوَّلُوهُ في أمْرِ القُرْآنِ، وقَدْ تَضَمَّنَ ما تَرى مِن تَأْصِيلِهِ وتَقْسِيمِهِ وتَفْصِيلِهِ مِن بَيانِ مَقْدُوراتِ اللَّهِ وعَجائِبِ مَصْنُوعاتِهِ ما ألْزَمَهم حَتْمًا التَّوْحِيدَ المُلْزِمَ بِتَصْدِيقِ الرِّسالَةِ والإذْعانِ لِلْحَقِّ مَعَ ما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في تَرْتِيبِهِ ونَظْمِهِ وتَهْذِيبِهِ وتَسْهِيلِهِ وتَقْرِيبِهِ مَجْلُوًّا أُسْلُوبُهُ العَظِيمُ بِألْفاظٍ هي الدُّرُّ النَّظِيمُ، ومَعانٍ عَلَتْ عَنْ لاحِقٍ بِغَرِيزَةٍ أوْ تَعْلِيمٍ، يَكادُ لَها أثْبَتُ القُلُوبِ يَهِيمُ فَيَطِيرُ، وأبْلَغُ البُلَغاءِ في أفْنانِ رُوحِها يَتَدَلَّهُ ويُحَيَّرُ، فَكانَ ذَلِكَ كَما قالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ في المَغْرِبِ بِالطُّورِ،» وقالَ البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ: فَلَمّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ﴿أمْ خَلَقُوا السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٦] ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ (p-٣٤)أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور: ٣٧] كادَ قَلْبِي يَطِيرُ، وقالَ ابْنُ ماجَهْ: فَلَمّا سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] - إلى قَوْلِهِ - ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [الطور: ٣٨] كادَ قَلْبِي يَطِيرُ. وسَبَقَ في أوَّلِ السُّورَةِ ما ذَكَرَهُ البَغْوِيُّ مِن هَذا الحَدِيثِ.

الطور 52:44

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ تَسْكِينًا لِقَلْبِ مَن يُرِيدُ إجابَتَهم إلى الآياتِ المُقْتَرَحاتِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ: فَلَقَدْ تَلَوْنا عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها مِنَ الآياتِ، وخَلَوْنا مِنَ المُعْجِزاتِ البَيِّناتِ، وأتَيْنا مِن تَناقُضِهِمْ في هَذِهِ التَّقْسِيماتِ، بِما يَهُدُّ الجِبالَ الشّامِخاتِ، وبَيَّنّا مِن فَضائِحِهِمْ بِحُسْنِ سَوْقِها وحَلاوَةِ ذَوْقِها، وصِحَّةِ مَعانِيها وإحْكامِ مَبانِيها، ما يُزَلْزِلُ الرّاسِياتِ، ويَحُلُّ العَزَماتِ، ويُفَرِّجُ الأزَماتِ، ويَصُدُّ ذَوِي المُرُوّاتِ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ النَّقائِصِ الفاضِحاتِ، لِما لَها مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحاتِ، ولَكِنَّهم لَمّا ألْزَمْناهم بِهِ مِنَ العَكْسِ لا يُؤْمِنُونَ، وكِدْناهم بِما أعْمَيْنا مِن بَصائِرِهِمْ فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَكِيدُونَ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَرَوْا﴾ أيْ مُعايَنَةً ﴿كِسْفًا﴾ قِطْعَةً، وقِيلَ: قِطَعًا واحِدَتُها كِسْفَةٌ مِثْلُ سِدْرَةٍ وسِدْرٍ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ نَهارًا جِهارًا ﴿ساقِطًا يَقُولُوا﴾ لَدَدًا وتَجَلُّدًا في البَغْيِ إصْرارًا، وتَعَلُّقَهم بِما أمْكَنَهم مِنَ الشُّبَهِ تَخْيِيلًا عَلى العُقُولِ وإيقافًا لِذَوِي الآراءِ والفُهُومِ دَأْبَ الأصِيلِ في نَصْرِ الباطِلِ ومُكابَرَةِ الحَقِّ لِما لَهم مِنَ العَراقَةِ في عَمى القُلُوبِ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ عَلى صَرْفِهِمْ عَنْ وُجُوهِ الأمْرِ: هَذا ﴿سَحابٌ﴾ فَإنْ قِيلَ (p-٣٥)لَهُمْ: هو مُخالِفٌ لِلسَّحابِ بِصَلابَتِهِ، قالُوا: ﴿مَرْكُومٌ﴾ أيْ تَراكَمَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَتَصَلَّبَ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ هَذا الحالِ الدّالِّ عَلى أنَّهم وصَلُوا في عَمى البَصائِرِ إلى أنَّهُ لَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُونَ، قَوْلَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ومَن تَبِعَهُ:

الطور 52:45

﴿فَذَرْهُمْ﴾ أيِ اتْرُكْهم عَلى شَرِّ أحْوالِهِمْ ﴿حَتّى يُلاقُوا﴾ سَعْيًا بِسُوءِ أعْمالِهِمْ ﴿يَوْمَهُمُ﴾ كَما أنَّهُ هو يَسْعى إلَيْهِمْ لِاسْتِحْقاقِهِمْ لِما فِيهِ ﴿الَّذِي فِيهِ﴾ لا في غَيْرِهِ لِأنَّ ما حَكَمْنا بِهِ لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ ﴿يُصْعَقُونَ﴾ بِالمَوْتِ مِن شِدَّةِ الأهْوالِ وعَظِيمِ الزِّلْزالِ كَما صُعِقَ بَنُو إسْرائِيلَ في الطُّورِ، ولَكِنّا نُقِيمُهم كَما أقَمْنا أُولَئِكَ إلّا عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ لِنَحْشُرَهم إلى الحِسابِ الَّذِي يُكَذِّبُونَ بِهِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا اليَوْمَ يَوْمُ بَدْرٍ فَإنَّهم كانُوا قاطِعِينَ بِالنُّصْرَةِ فِيهِ فَما أغْنى أحَدٌ مِنهم عَنْ أحَدٍ شَيْئًا كَما قالَ أبُو سُفْيانَ بْنُ الحارِثِ: ما هو إلّا أنْ لَقِيناهم فَمَنَحْناهم أكْتافَنا يَقْتُلُونَنا كَيْفَ شاؤُوا ويَأْسِرُونَنا كَيْفَ شاؤُوا.

الطور 52:46

﴿يَوْمَ لا يُغْنِي﴾ أيْ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿عَنْهم كَيْدُهُمْ﴾ الَّذِي يَرْمُونَهُ بِهَذِهِ الأقْوالِ المُتَناقِضَةِ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ مِنَ الإغْناءِ في دَفْعِ شَيْءٍ يَكْرَهُونَهُ مِنَ المَوْتِ ولا غَيْرِهِ كَما يَظُنُّونَ أنَّهُ يُغْنِي عَنْهم في غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ هَذِهِ الدّارِ بِتَثْبِيطِ النّاسِ عَنِ اتِّباعِ القُرْآنِ بِما يَصِفُونَهُ بِهِ مِنَ البُهْتانِ ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهم نَصْرٌ مِن أحَدٍ ما في ساعَةٍ ما.

الطور 52:47

ولَمّا أفْهَمَ هَذا الكَلامُ السّابِقُ أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنَّ لِكُلِّ ظالِمٍ في ذَلِكَ (p-٣٦)اليَوْمِ عَذابًا لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، فَإنَّ الإصْعاقَ مِن أشَدِّ ما يَكُونُ مِنَ العَذابِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ أيْ يُنْصَرُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنُونَ وهم مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ بِحَيْثُ لا مَطْمَعَ فِيهِمْ لِأحَدٍ لاسِيَّما لِمَن هم مِثْلٌ في الضَّعْفِ والقِلَّةِ ﴿وإنَّ﴾ وكانَ الأصْلُ لَهُمْ، ولَكِنَّهُ أظْهَرَ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أوْقَعُوا الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها كَما يَقُولُونَهُ في القُرْآنِ، ويَفْعَلُونَهُ مِنَ العِصْيانِ ويَعْتَقِدُونَ مِنَ الشِّرْكِ والبُهْتانِ ﴿عَذابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أيْ غَيْرَ عَذابِ ذَلِكَ اليَوْمِ الصَّعْبِ المَرِيرِ، أوْ أدْنى رُتْبَةٍ مِنهُ، إنْ كانَ المُرادُ بِالصَّعْقِ ما يَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ فَبِعَذابِ البَرْزَخِ في القُبُورِ، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ المَوْتَ فِيما يَلْقَوْنَهُ في الدُّنْيا مِن عَذابِي بِواسِطَتِكم مِثْلِ تَحَيُّزِكم إلى الأنْصارِ في دارِ الهِجْرَةِ ومَعْدِنِ النُّصْرَةِ وصَيْرُورَتِكم في القُوَّةِ بِحَيْثُ تُناصِبُونَهُمُ الحَرْبَ، وتُعاطُونَهُمُ الطَّعْنَ والضَّرْبَ، فَتَكُونُوا بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ طَوْعَ أيْدِيهِمْ قَذًى في أعْيُنِهِمْ وشَجًّا في حُلُوقِهِمْ ودَحْضًا لِأقْدامِهِمْ ونَقْضًا لِإبْرامِهِمْ، ومِثْلِ القَحْطِ الَّذِي حَصَلَ لَهم والسَّرايا الَّتِي لَقِيتُمُوها فِيها مِثْلِ سَرِيَّةِ حَمْزَةَ أسَدِ اللَّهِ وأسَدِ رَسُولِهِ، وعُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ وعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّتِي كانَتْ مُقَدِّمَةً لِغَزْوَةِ بَدْرٍ. ولَمّا كانَ بَعْضُهم يُبْصِرُ هَذا مِثْلُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ والوَلِيدِ بْنِ مُغِيرَةٍ والنَّضْرِ بْنِ الحارِثِ ويَقُولُونَ: واللَّهِ ما هو شاعِرٌ ولا كاهِنٌ ولا ساحِرٌ ولا مَجْنُونٌ، ولَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي يَقُولُ نَبَأٌ، قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ (p-٣٧)بِسَبَبِ ما يَرَوْنَ مِن كَثْرَتِهِمْ وحُسْنِ حالِهِمْ في الدُّنْيا وقُوَّتِهِمْ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَهم عِلْمٌ بِتَقْوِيَتِكم عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لا عِلْمَ لَهم أصْلًا حَتّى يَرَوْا ذَلِكَ مُعايَنَةً.

الطور 52:48

ولَمّا كانَ العِلْمُ المُحِيطُ مِنَ المَلِكِ القاهِرِ أعْظَمَ مُسَلٍّ لِلْوَلِيِّ وأكْبَرَ مُخِيفٍ لِلْعَدُوِّ، قالَ عاطِفًا عَلى ﴿فَذَرْهُمْ﴾ [الطور: ٤٥] أوْ عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَكُنْ أنْتَ مِنَ العُلَماءِ بِذَلِكَ لِيَكُونَ فِيهِ لَكَ أعْظَمُ تَسْلِيَةٍ: ﴿واصْبِرْ﴾ أيْ أوْجِدْ هَذِهِ الحَقِيقَةَ لِتَصْبِرَ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِن أداءِ الرِّسالَةِ وما لَها مِنَ الكُلَفِ مِن أذى النّاسِ وغَيْرِهِ ولِكَوْنِهِ في مَقامِ الإعْراضِ عَنِ الكُفّارِ وكَوْنِ إعْراضِهِ عَنْهم أصْعَبَ عَلَيْهِ مِن مُقاساةِ إنْذارِهِ وإنْ نَشَأ عَنْها تَكْذِيبُهم واسْتِهْزاؤُهُمُ، اشْتَدَّتِ العِنايَةُ هُنا بِالصَّبْرِ فَقُدِّمَ، وأيْضًا فَإنَّ الإعْراضَ عَنْهم مُقْتَضٍ لِعَدِّهِمْ فانِينَ، وذَلِكَ هو مَقامُ الجَمْعِ، والجَمْعُ لا يَصْلُحُ إلّا بِالفَرْقِ، فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الأمْرَ بِالصَّبْرِ، وذَكَرَ الحُكْمَ إشارَةً إلى أنَّهُ مُتَمَكِّنٌ في مَقامِ الفَرْقِ كَما أنَّهُ عَرِيقٌ في مَقامِ الجَمْعِ بِخِلافِ المُدَّثِّرِ، فَإنَّ سِياقَها لِلْإنْذارِ النّاشِئِ عَنْهُ غايَةُ الأذى فاشْتَدَّتِ العِنايَةُ هُناكَ بِتَقْدِيمِ ذِكْرِ الإلَهِ نَظَرًا إلى الفَناءِ عَنِ الفانِينَ وإنْ كانَ مُباشِرًا لِدُعائِهِمْ، وعَبَّرَ بِما يُذَكِّرُ بِحُسْنِ التَّرْبِيَةِ زِيادَةً في التَّعْزِيَةِ فاقْتَضى هَذا السِّياقُ أنْ رَغَّبَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ فَإنَّهُ هو المُرِيدُ لِذَلِكَ ولَوْ لَمْ يُرِدْهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُ، فَهو إحْسانٌ مِنهُ إلَيْكَ وتَدْرِيبٌ لَكَ وتَرْقِيَةٌ في مَعارِجِ (p-٣٨)الحِكَمِ، وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ لِما يَغْلِبُ عَلى الطَّبْعِ البَشَرِيِّ في بَعْضِ أوْقاتِ الِامْتِحانِ مِن نَوْعِ نِسْيانٍ: ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ جَمَعَ لِما اقْتَضَتْهُ نُونُ العَظَمَةِ الَّتِي هَذا سِياقُها، وهي ظاهِرَةٌ في الجَمْعِ وإشارَةً إلى أنَّهُ مَحْفُوفٌ بِالجُنُودِ الَّذِينَ رُؤْيَتُهم مِن رُؤْيَتِهِ سُبْحانَهُ فَهو مَكْلُوءٌ مَرْعِيٌّ بِهِ وبِجُنُودِهِ وفاعِلٌ في حِفْظِهِ فِعْلَ مَن لَهُ أعْيُنٌ مُحِيطَةٌ بِمَحْفُوظِهِ مِن كُلِّ جِهَةٍ مِن جِهاتِهِ. ولَمّا كانَتِ الطّاعَةُ أعْظَمَ ناصِرٍ وأكْبَرَ مُعَزٍّ، وكانَتِ الصَّلاةُ أعْظَمَها قالَ: ﴿وسَبِّحْ﴾ أيْ أوْقِعِ التَّنْزِيهَ عَنْ شائِبَةِ كُلِّ نَقْصٍ بِالقَلْبِ واللِّسانِ والأرْكانِ، مُتَلَبِّسًا ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ، فَأثْبِتْ لَهُ كُلَّ كَمالٍ مَعَ تَنْزِيهِهِ لَهُ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، فَلا يَكُونُ في مُلْكِهِ ما لا يُرِيدُ ولا يُرِيدُ إلّا ما هو حِكْمَةٌ بالِغَةٌ ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ أيْ مِنَ اللَّيْلِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ الَّتِي هي مَظِنَّةُ القِيامِ عَلى الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأشْغالِ النَّفْسانِيَّةِ، وهي أوْقاتُ النَّهارِ الَّذِي هو لِلِانْتِشارِ بِصَلاةِ الصُّبْحِ والظُّهْرِ والعَصْرِ، وتَحْتَمِلُ العِبارَةُ التَّسْبِيحَ عِنْدَ كُلِّ قِيامٍ بِكَفّارَةِ المَجْلِسِ وهو «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إلَيْكَ» فَإنَّها تُكَفِّرُ ما كانَ في المَجْلِسِ - كَما رَواهُ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ

الطور 52:49

﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾ الَّذِي هو مَحَلُّ السُّكُونِ والرّاحَةِ ﴿فَسَبِّحْهُ﴾ كَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ والقَوْلِ كُلَّما انْتَبَهْتَ وبِالفِعْلِ بِصَلاةِ (p-٣٩)المَغْرِبِ والعِشاءِ وصَلاةِ اللَّيْلِ، ولِتَعْظِيمِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ وقَدَّمَهُ عَلى الفِعْلِ، والضَّمِيرُ يَعُودُ عَلى المُضافِ إلَيْهِ، وأشارَ إلى التَّهَجُّدِ بَعْدَ دُخُولِهِ فِيما قَبْلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإدْبارَ النُّجُومِ﴾ أيْ وسَبِّحْهُ في وقْتِ إدْبارِهِمْ أيْ إذا أدْبَرَتْ، وذَلِكَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ في نِصْفِهِ الثّانِي: وكُلَّما قارَبَ الفَجْرَ كانَ أعْلى وبِالإجابَةِ أوْلى، وإلى قُرْبِ الفَجْرِ تُشِيرُ قِراءَةُ الفَتْحِ جَمْعُ دابِرٍ أيْ في أعْقابِها عِنْدَ خَفائِها أوْ أُفُولِها، وذَلِكَ بِصَلاةِ الفَجْرِ سُنَّةً وفَرْضًا أحَقُّ وأوْلى لِأنَّهُ وقْتُ إدْبارِها حَقِيقَةً، فَصارَتْ عِبادَةُ الصُّبْحِ مَحْثُوثًا عَلَيْها مَرَّتَيْنِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْظِيمًا لِقَدْرِها فَإنَّ ذَلِكَ يُنْجِي مِنَ العَذابِ الواقِعِ، ويَنْصُرُ عَلى العَدُوِّ الدّارِعِ، مِنَ المُجاهِرِ المُدافِعِ، والمُنافِقِ المُخادِعِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، ومُقَطَّعُها عَلى مُوصَلِها، بِحُلُولِ العَذابِ عَلى الظّالِمِ، وبُعْدِهِ عَنِ الطّائِعِ السّالِمِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

النجم 53:1

(p-٤٠)سُورَةُ النَّجْمِ مَقْصُودُها ذَمُّ الهَوى لِإنْتاجِهِ الضَّلالَ والعَمى بِالإخْلادِ إلى الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكُدُورِ والبَلاءِ، والتَّصَرُّمِ والفَناءِ، ومَدْحُ العِلْمِ لِإثْمارِهِ الهُدى في الإقْبالِ عَلى الأُخْرى لِأنَّها دارُ البَقاءِ في السَّعادَةِ أوِ الشَّقاءِ، والحَثُّ عَلى اتِّباعِ النَّبِيِّ (ﷺ) في نِذارَتِهِ الَّتِي بَيَّنَتْها سُورَةُ (ق) وصَدَقَتْها (الذّارِياتُ) وأوْقَعَتْها وعَيَّنَتْها (الطُّورُ) كَما تُتُبِّعَ في بِشارَتِهِ لِأنَّ عِلْمَهُ هو العِلْمُ لِأنَّهُ لا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى لا في صَرِيحِ الكِنايَةِ ولا في بَيانِهِ لَهُ لِأنَّ الكُلَّ عَنِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فَلا بُدَّ مِن بَعْثِ الخَلْقِ إلَيْهِ وحَشْرِهِمْ لَدَيْهِ لِتَظْهَرَ حِكْمَتُهُ غايَةَ الظُّهُورِ فَيَرْفَعُ أهْلَ التَّزَكِّي والظُّهُورِ، ويَضَعُ أهْلَ الفُجُورِ، ويَفْضَحُ كُلَّ مُتَحَلٍّ بِالزُّورِ، مُتَجَلٍّ لِلشُّرُورِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها النَّجْمُ عَنْ تَأمُّلِ القَسَمِ والجَوابِ وما نُظِمَ بِهِ مِن نُجُومِ الكِتابِ (بِسْمِ اللَّهِ) الَّذِي أحاطَ بِصِفاتِ الكَمالِ فَلا يَكُونُ رَسُولُهُ إلّا مِن ذِي الكَمالِ (الرَّحْمَنِ) الَّذِي عَمَّ المَوْجُوداتِ بِصِفَةِ الجَمالِ (الرَّحِيمِ) الَّذِي خَصَّ أهْلَ وُدِّهِ بِالإنْقاذِ مِنَ الضَّلالِ والهِدايَةِ إلى ما يَرْضى مِنَ الخِلالِ وصالِحِ الأعْمالِ. * * ولَمّا خُتِمَتِ الطُّورُ بِأمْرِهِ ﷺ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وكانَ أمْرُهُ تَكْوِينًا لا تَكْلِيفًا، فَكانَ فاعِلًا لا مَحالَةَ، وذاكَ بَعْدَ تَقْسِيمِهِمُ القَوْلَ في النَّبِيِّ ﷺ بِأنَّهُ كاهِنٌ وساحِرٌ ومَجْنُونٌ، وكانَ (p-٤١)لِذَلِكَ تَعَلُّقٌ بِالشَّياطِينِ، وكانَتِ الشَّياطِينُ مُبايِنَةً لِلْقُرْآنِ بِخَتْلِها وبِمَنعِها بِالرُّجُومِ مِنَ النُّجُومِ كَما بَيَّنَ آخِرُ الشُّعَراءِ، افْتُتِحَتْ هَذِهِ بِالحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ والِاسْتِدْلالِ بِدَلِّهِ واتِّباعِ أثَرِهِ، ولَمّا كانَ مِن ذَلِكَ تَسْبِيحُهُ بِالحَمْدِ في إدْبارِ النُّجُومِ أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِالنَّجْمِ عَلى وجْهٍ أعَمَّ مِمّا في آخِرِ تِلْكَ فَعَبَّرَ بِعِبارَةٍ تُفْهِمُ عُرُوجَهُ وصُعُودَهُ لِأنَّهُ لا يَغِيبُ في الأُفُقِ الغَرْبِيِّ واحِدٌ مِنَ السَّيّارَةِ إلّا وطَلَعَ مِنَ الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ في نَظِيرٍ لَهُ مِنها لِما يَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ العِبارَةِ العالِيَةِ، والأذْكارِ الزّاكِيَةِ، مَعَ ما فِيهِ مِن عَجِيبِ الصُّنْعِ الدّالِّ عَلى وحْدانِيَّةِ مُبْدِعِهِ مِن زِينَةِ السَّماءِ الَّتِي فِيها ما تُوعَدُونَ والحِراسَةِ مِنَ المَرَدَةِ حِفْظًا لِنُجُومِ الكِتابِ والِاهْتِداءِ بِهِ في الدِّينِ والدُّنْيا، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي يَعْرِفُها الحُكَماءُ، فَقالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ مِن نُجُومِ السَّماءِ أوِ القُرْآنِ لِنُزُولِهِ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا وهم يُسَمُّونَ التَّفْرِيقَ تَنْجِيمًا - أوِ النَّباتِ، قالَ البَغْوِيُّ: سُمِّيَ النَّجْمُ نَجْمًا لِطُلُوعِهِ وكُلُّ طالِعٍ نَجْمٌ. ﴿إذا هَوى﴾ أيْ نَزَلَ لِلْأُفُولِ أوْ لِرَجْمِ الشَّياطِينِ عِنْدَ الِاسْتِراقِ كَما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إنْ كانَ المُرادُ السَّمائِيَّ، فَكانَتْ عِنْدَهُ العِبادَةُ والِاسْتِغْفارُ والدُّعاءُ لِلْمَلِكِ الجَبّارِ بِالأسْحارِ، أوْ صَعِدَ فَكانَ بِهِ اهْتِداءُ المُصَلِّي والقارِئِ والسّارِي، فَإنَّهُ يُقالُ: هَوى هَوِيًّا - بِالفَتْحِ إذا سَقَطَ، وبِالضَّمِّ - إذا عَلا وصَعِدَ، أوْ نَزَلَ بِهِ المَلَكُ لِلْإصْعادِ ولِلْإبْعادِ إنْ كانَ المُرادُ القُرْآنِيَّ لِما يَحْصُلُ مِنَ البَرَكاتِ في الدِّينِ والدُّنْيا والشَّرْحِ (p-٤٢)لِلصُّدُورِ، والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِ المَقْدُورِ، أوْ إذا سَقَطَ مُنْبَسِطًا عَلى الأرْضِ أوِ ارْتَفَعَ عَنْها إنْ كانَ المُرادُ النَّباتَ، لِما فِيهِ مِن غَرِيبِ الصَّنْعَةِ وجَلِيلِ التَّقْدِيرِ الدّالِّ عَلى عامِّ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ والتَّوَحُّدِ بِالمُلْكِ والغِنى المُطْلَقِ.

النجم 53:2

ولَمّا أقْسَمَ بِهَذا القَسَمِ الجَلِيلِ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِالماضِي نَفْيًا لِما كانُوا رَمَوْهُ بِهِ ولِيَسْهُلَ ما قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَيَكُونَ ما بَعْدَها بِطَرِيقِ الأوْلى: ﴿ما ضَلَّ﴾ أيْ عَدَلَ عَنْ سَواءِ المَحَجَّةِ المُوصِلَةِ إلى غايَةِ المَقْصُودِ أيْ أنَّهُ ما عَمِلَ عَمَلَ الضّالِّينَ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ فَمَتى تَقَوَّلَ القُرْآنَ عِنْدَهُ ولا عَمِلَ فِيهِ عَمَلَ المَجانِينِ ولا غَيْرِهِمْ مِمّا رَمَوْهُ بِهِ وأمّا ﴿ووَجَدَكَ ضالا﴾ [الضحى: ٧] فالمُرادُ غَيْرَ عالِمٍ، وعَبَّرَ بِالصُّحْبَةِ مَعَ كَوْنِها أدَلَّ عَلى القَصْدِ مُرَغِّبَةً لَهم فِيها ومُقْبِلَةً بِهِمْ إلَيْهِ ومُقَبِّحَةً عَلَيْهِمُ اتِّهامَهُ في إنْذارِهِ وهم يَعْرِفُونَ طِيبَ أعْرافِهِ وطَهارَةَ شَمائِلِهِ وأخْلاقِهِ فَقالَ: ﴿صاحِبُكُمْ﴾ أيْ في إنْذارِهِ لَكم في القِيامَةِ فَلا وجْهَ لَكم في اتِّهامِهِ. ولَمّا كانَ الهُدى قَدْ يَصْحَبُهُ مَيْلٌ لا يُقَرِّبُ المَوْصُولَ إلى القَصْدِ وإنْ حَصَلَ بِهِ نَوْعُ خَلَلٍ في القُرْبِ أوْ نَحْوِهِ فَقَدْ يَكُونُ القَصْدُ مَعَ غَيْرِ صالِحٍ قالَ: ﴿وما غَوى﴾ وما مالَ أدْنى مَيْلٍ ولا كانَ مَقْصُودُهُ مِمّا يَسُوءُ فَإنَّهُ مَحْرُوسٌ مِن أسْبابِهِ الَّتِي هي غَوايَةُ الشَّياطِينِ وغَيْرِها، وقَدْ دَفَعَ سُبْحانَهُ عَنْ نَبِيِّنا ﷺ، وأمّا بَقِيَّةُ الأنْبِياءِ فَدَفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾ [الأعراف: ٦١] ﴿لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧] ونَحْوُ ذَلِكَ - قالَهُ القُشَيْرِيُّ.

النجم 53:3

ولَمّا كانَ قَدْ يَكُونُ مَعَ الهُدى مُصادَفَةً قالَ: ﴿وما يَنْطِقُ﴾ (p-٤٣)أيْ يُجاوِزُ نُطْقُهُ فَمَهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ لا في الحالِ ولا في الِاسْتِقْبالِ، نُطْقًا ناشِئًا ﴿عَنِ الهَوى﴾ أيْ مِن أمْرِهِ كالكُهّانِ الَّذِينَ يَغْلِبُ كَذِبُهم صِدْقَهم والشُّعَراءِ وغَيْرِهِمْ، وما تَقَوَّلَ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ.

النجم 53:4

ولَمّا أكَّدَ سُبْحانَهُ في نَفْسِهِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّأْكِيدِ تَنْزِيهًا لَهُ عَمّا نُسِبَ إلَيْهِ، فَكانَ ذَلِكَ مَظِنَّةَ السُّؤالِ عَنْ أصْلِ ما تَقَوَّلَهُ، أجابَ بِالحَصْرِ والآيَةِ أصْرَحَ وأدْفَعَ لِإنْكارِهِمُ البالِغِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هُوَ﴾ أيِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ مِنَ القُرْآنِ وبَيانِهِ، وكُلِّ أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وأحْوالِهِ بَيانُهُ ﴿إلا وحْيٌ﴾ أيْ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُوحى﴾ أيْ يُجَدَّدُ إلَيْهِ إيحاؤُهُ مِنّا وقْتًا بَعْدَ وقْتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَجْتَهِدَ ﷺ، فَإذا اسْتَقَرَّ اجْتِهادُهُ عَلى شَيْءٍ أُوحِيَ إلَيْهِ أنَّكَ قَدْ أصَبْتَ الحَقَّ، مَعَ أنَّهُ سُبْحانَهُ قَدْ أذِنَ لَهُ في الِاجْتِهادِ بِالوَحْيِ مَعَ أنَّ مَن يَرُدُّ ما يَجْتَهِدُ فِيهِ إلى ما أُوحِيَ إلَيْهِ بَرِيءٌ مِنَ الهَوى. وقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ في بُرْهانِهِ: لَمّا قَطَعَ سُبْحانَهُ تَعْلِيقَهم بِقَوْلِهِ: ساحِرٌ وشاعِرٌ ومَجْنُونٌ - إلى ما هو بِهِ مِمّا عَلِمُوا أنَّهُ لا يَقُومُ عَلى ساقٍ، ولَكِنْ شَأْنُ المُنْقَطِعِ المَبْهُوتِ أنْ يَسْتَرِيحَ إلى ما أمْكَنَهُ وإنْ لَمْ يُغْنِ عَنْهُ، أعْقَبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِقَسَمِهِ عَلى تَنْزِيهِ نَبِيِّهِ وصَفِيِّهِ مِن خَلْقِهِ عَمّا تَقَوَّلَهُ وتَوَهَّمَهُ الضُّعَفاءُ فَقالَ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ [النجم: ١] ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢] ثُمَّ أتْبَعَ سُبْحانَهُ هَذا القَسَمَ بِبَسْطِ الحالِ في تَقْرِيبِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإدْنائِهِ وتَلَقِّيهِ لِما يَتَلَقّاهُ مِن رَبِّهِ وعَظِيمِ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ، وفي إبْداءِ ذَلِكَ يُحَرِّكُهم عَزَّ وجَلَّ ويُذَكِّرُهم ويُوَبِّخُهم عَلى سُوءِ نِكاياتِهِمْ بِلُطْفِ واسْتِدْعاءِ كَرِيمٍ (p-٤٤)مُنْعِمٍ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] والتَحَمَتِ الآيُ عَلى هَذِهِ الأغْراضِ إلى الإعْلامِ بِانْفِرادِهِ سُبْحانَهُ بِالإيجادِ والقَهْرِ والإعْزازِ والِانْتِقامِ، لا يُشارِكُهُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ غَيْرُهُ فَقالَ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ [النجم: ٤٢] ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] ولَمّا بَيَّنَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ [النجم: ٥٥] أيْ في أيِّ نِعْمَةٍ تَشُكُّونَ أمْ بِأيِّ آيَةٍ تُكَذِّبُونَ؟ ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ [النجم: ٥٦] وإذا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. . . فَشَأْنُ مُكَذِّبِيهِ شَأْنُ مُكَذِّبِي غَيْرِهِ - انْتَهى.

النجم 53:5

ولَمّا كانَ الوَحْيُ ظاهِرًا فِيما بِواسِطَةِ المَلَكِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى بَيانِ ذَلِكَ فَقالَ مُبَيِّنًا لَهُ بِأوْصافِهِ لِأنَّ ذَلِكَ أضْخَمُ في حَقِّهِ وأعْلى لِمِقْدارِهِ: ﴿عَلَّمَهُ﴾ أيْ صاحِبَكُمُ الوَحْيُ الَّذِي أتاكم بِهِ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ أفَلا تَعْجَبُونَ مِن هَذِهِ البِحارِ الزّاخِرَةِ الَّتِي فاقَكم بِها وهو أُمِّيٌّ فَإنَّ مُعَلِّمَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي هو بِها بِحَيْثُ يُنَفِّذُ كُلَّ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ

النجم 53:6

﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ جَزْمٍ في قُوَّةٍ وقُدْرَةٍ عَظِيمَةٍ عَلى الذَّهابِ فِيما أُمِرَ بِهِ والطّاقَةِ لِحَمْلِهِ في غَيْرِ آيَةِ النَّشاطِ والحِدَّةِ كَأنَّهُ ذُو مِزاجٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الحِدَّةُ فَهو صَعْبُ المِراسِ ماضٍ في مَراوَتِهِ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ عَلى غايَةٍ مِنَ الشِّدَّةِ لا تُوصَفُ لا التِفاتَ لَهُ بِوَجْهٍ إلى غَيْرِ ما أُمِرَ بِهِ، فَهو عَلى غايَةِ الخُلُوصِ فَهو مُجْتَمِعُ القُوى مُسْتَحْكِمُ الشَّأْنِ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ، لا بَيانَ في شَيْءٍ بِزَوالِهِ ومِن جُمْلَةِ ما أُعْطِيَ مِنَ القُوَّةِ والقُدْرَةِ عَلى التَّشَكُّلِ، وإلى ذَلِكَ كُلِّهِ أشارَ بِما سَبَّبَ عَنْ هَذا مِن قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَوى﴾ فاسْتَقامَ واعْتَدَلَ بِغايَةِ ما يَكُونُ (p-٤٥)مِن قُوَّتِهِ عَلى أكْمَلِ حالاتِهِ في الصُّورَةِ الَّتِي فُطِرَ عَلَيْها

النجم 53:7

﴿وهُوَ﴾ أيْ والحالُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المُنْفَصِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيِ اسْتَوى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ ﴿بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيِ النّاحِيَةِ الَّتِي هي النِّهايَةُ في العُلُوِّ والفَضْلِ مِنَ السَّماواتِ مُناسِبَةً لِحالَةِ هَذا الِاسْتِواءِ، وذَلِكَ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ جالِسًا عَلى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ.

النجم 53:8

ولَمّا كانَ الدُّنُوُّ مِنَ الحَضْرَةِ الإلَهِيَّةِ - الَّتِي هي مُهَيِّئَةٌ لِتَلَقِّي الوَحْيِ - مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ بِحَيْثُ لا يُوصَفُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ ذَلِكَ الِاسْتِواءِ العَظِيمِ ﴿دَنا﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ دُنُوَّ زِيادَةٍ في كَرامَةٍ لا دُنُوَّ مَسافَةٍ، وكُلُّ قُرْبٍ يَكُونُ مِنهُ سُبْحانَهُ فَهو مَعَ أنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ المَسافَةِ يَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ: قُرْبٍ إلى كُلِّ مَوْجُودٍ مِن نَفْسِهِ، وقُرْبِ وِلايَةٍ حَتّى يَكُونَ سَمْعَ المَوْجُودِ وبَصَرَهُ بِمَعْنى أنَّهُ لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ إلّا ما يَرْضاهُ - أشارَ إلَيْهِ ابْنُ بُرْجانَ، فَأخَذَ الوَحْيَ الَّذِي أذِنَ لَهُ في أخْذِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿فَتَدَلّى﴾ عَقِبَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ رَسُولًا إلى صاحِبِكم أيْ أُنْزِلَ إلَيْهِ نُزُولًا هو فِيهِ كالمُتَدَلِّي إلَيْهِ بِحَبْلٍ فَوَصَلَ إلَيْهِ ولَمْ يَنْفَصِلْ عَنْ مَحَلِّهِ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى لِما لَهُ مِنَ القُوَّةِ والِاسْتِحْكامِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: فَإنَّ التَّدَلِّيَ هو اسْتِرْسالٌ مَعَ تَعَلُّقٍ كَتَدَلِّي الثَّمَرَةِ

النجم 53:9

﴿فَكانَ﴾ في القُرْبِ مِن صاحِبِكم في رَأْيِ مَن يَراهُ مِنكم ﴿قابَ﴾ أيْ عَلى مَسافَةِ قَدْرِ ﴿قَوْسَيْنِ﴾ مِن قِسِيِّكُمْ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: أيْ بِحَيْثُ الوَتَرُ في القَوْسِ مَرَّتَيْنِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٤٦)رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: القَوْسُ الذِّراعُ بِلُغَةِ أزْدِ شَنُوءَةٍ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: قابُ القَوْسَيْنِ: ما بَيْنَ السِّيـَيْنِ، وقِيلَ: ما بَيْنَ القَبْضَةِ والوَتَرِ ﴿أوْ أدْنى﴾ بِمَعْنى أنَّ النّاظِرَ مِنكم لَوْ رَآهُ لَتَرَدَّدَ وقالَ ذَلِكَ لِشِدَّةِ ما يُرى لَهُ مِنَ القُرْبِ مِنهُ ﷺ، رَوى مُسْلِمٌ في الإيمانِ مِن صَحِيحِهِ «عَنِ الشَّيْبانِيِّ قالَ: ”سَألْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ فَقالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ“»

النجم 53:10

﴿فَأوْحى﴾ أيْ ألْقى سِرًّا مِن كَلامِ اللَّهِ بِسَبَبِ هَذا القُرْبِ، وعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى عَبْدِهِ﴾ أيْ عَبْدِ اللَّهِ، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا لِما هو مَعْلُومٌ مِمّا تَقَدَّمَ في آخِرِ الشُّورى أنَّ كَلامَ اللَّهِ يَكُونُ وحْيًا بِواسِطَةِ رَسُولٍ يُوحِي بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ، والمَقامُ يُناسِبُ الإضْمارَ لِأنَّ الكَلامَ هو الوَحْيُ الخَفِيُّ، وعَبَّرَ بِالبُعْدِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ لِيَسْتَحِقَّ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَعَبَّدْ قَطُّ لِأحَدٍ غَيْرِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن عاداهُ حَصَلَ مِنهم تَعَبُّدٌ لِغَيْرِهِ في الجُمْلَةِ، فَكانَ أحَقَّ الخَلْقِ بِهَذا الوَصْفِ مَعَ أنَّهُ كانَ يَتَعَبَّدُ لِلَّهِ في غارِ حِراءٍ وغَيْرِهِ، وهَذِهِ المَنزِلَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - كانَتْ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ في أوَّلِ الوَحْيِ لَمّا كانَ بِحِراءٍ وفَرَقَ مِنهُ ﷺ فَرَجَعَ تَرْجُفُ بَوادِرُهُ، وقالَ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي. وأشارَ إلى عَظَمَةِ ما أُنْزِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿ما أوْحى﴾ أيْ إنَّهُ يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ فَأجْمَلَ لَهُ ما فَصَّلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن تَفْسِيرٍ لِضَمائِرِ مَظاهِرِ العِبارَةِ وإنْ كانَ الإضْمارُ في جَمِيعِ الأفْعالِ لا يَخْلُو عَنِ التِباسٍ (p-٤٧)وإشْكالٍ، ويُمْكِنُ لِأجْلِ احْتِمالِ الضَّمائِرِ لِما يُناسِبُها مِنَ الظَّواهِرِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”دَنا“ وما بَعْدَهُ لِلَّهِ تَعالى، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ في ”عَبْدِهِ“ واضِحًا كَما تَقَدَّمَ في هَذا الوَجْهِ جَعَلَهُ لَهُ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ، رَوى البُخارِيُّ في التَّوْحِيدِ في بابِ ”﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]“ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في قِصَّةِ الإسْراءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَسْجِدِ الكَعْبَةِ «أنَّهُ جاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ وهو نائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ أوَّلُهُمْ”: أيُّهم هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهُمْ: هو خَيْرُهُمْ، فَقالَ آخِرُهُمْ: خُذُوا خَيْرَهُمْ، وكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ، فَلَمْ يَرَهم حَتّى أتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرى فِيما يَرى قَلْبُهُ وتَنامُ عَيْنُهُ ولا يَنامُ قَلْبُهُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تَنامُ أعْيُنُهم ولا تَنامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلّاهُ مِنهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بَيْنَ نَحْرِهِ إلى لَبَّتِهِ حَتّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ فَغَسَلَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتّى أنْقى جَوْفَهُ ثُمَّ أتى بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيهِ نُورٌ مِن ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إيمانًا وحِكْمَةً فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ ولَغادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ، ثُمَّ أطْبَقَهُ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَضَرَبَ بابًا مِن أبْوابِها فَناداهُ أهْلُ السَّماءِ: مَن هَذا؟ فَقالَ: جِبْرَئِيلُ، قالُوا: ومَن مَعَكَ، قالَ: مَعِي مُحَمَّدٌ، قالُوا: وبُعِثَ إلَيْهِ، قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَمَرْحَبًا بِهِ (p-٤٨)وأهْلًا - ثُمَّ ذَكَرَ عُرُوجَهُ إلى السَّماواتِ السَّبْعِ، وأنَّهُ لَمّا وصَلَ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى مِنهُ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأوْحى إلَيْهِ فِيما يُوحِي اللَّهُ إلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً - فَذَكَرَ مَشُورَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في سُؤالِ التَّخْفِيفِ حَتّى صارَتْ خَمْسًا كُلُّ واحِدَةٍ بِعَشْرَةٍ، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ في هَذا الوَجْهِ وهو رَبُّ العِزَّةِ»“وهُوَ في غايَةِ الحُسْنِ إذا جَمَعْتَهُ مَعَ ما يَأْتِي في هَذا الوَجْهِ المَنقُولِ عَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهُ ﷺ لَمّا اسْتَوى بِالأُفُقِ الأعْلى فَوَصَلَ إلى حَدٍّ لا يُمْكِنُ المَخْلُوقُ الصُّعُودَ عَنْهُ تَنَزَّلَ لَهُ الخالِقُ سُبْحانَهُ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِـ ”ثُمَّ“ يَعْنِي أنَّهُ سُبْحانَهُ تَنَزَّلَ لَهُ تَنَزُّلًا لا يُمْكِنُ الِاطِّلاعُ عَلى كُنْهِ رُتْبَتِهِ في العُلُوِّ والعَظَمَةِ، ثُمَّ نَزَلَ ثُمَّ تَنَزَّلَ. ولَمّا كانَتِ العِبارَةُ رُبَّما أوْهَمَتْ شَيْئًا لا يَلِيقُ بِهِ نَفاهُ ﷺ بِما في الرِّوايَةِ مِن تَخْصِيصِ التَّعْبِيرِ بِاسْمِ الجَبّارِ فَعُلِمَ أنَّهُ قَرَّبَهُ تَقْرِيبًا يَلِيقُ بِهِ، وسَمّى ذَلِكَ دُنُوًّا فَكانَ الدُّنُوُّ والتَّدَلِّي تَمْثِيلًا لِما وصَلَ مِنهُ سُبْحانَهُ إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِغايَةِ السُّهُولَةِ واليُسْرِ واللَّطافَةِ مَعَ اتِّصالِهِ بِالحَضَراتِ القُدْسِيَّةِ، والتَّعْبِيرُ بِالتَّدَلِّي لِإفْهامِ العُلُوِّ مِثْلَ ما كَنّى بِالنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا عَنْ إجابَةِ الدُّعاءِ بِفَتْحِ أبْوابِ (p-٤٩)السَّماءِ كَما رَوَيْناهُ في جُزْءِ العَيْشِيِّ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَمْثِيلًا بِما نَعْرِفُهُ مِن حالِ المُلُوكِ في أنَّ أحَدَهم يَكُونُ نُزُولُهُ عَنْ سَرِيرِهِ أدْنى في إتْيانِ خَواصِّهِ إلَيْهِ، وفَتْحُ بابِهِ أدْنى لِمَن يَلِيهِمْ، وكُلَّما نَزَلَ دَرَجَةً كانَ الإذْنُ أعَمَّ إلى أنْ يَصِلَ إلى الإذْنِ العامِّ لِجَمِيعِ النّاسِ، هَذا عِلْمُ المُخاطَبِينَ بِأنَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ بِمَن يَحْتاجُ إلى هَذِهِ الدَّرَجاتِ، وأمّا مَن هو غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَهُ سُبْحانَهُ المَثَلُ الأعْلى ولا يُشْبِهُ شَيْئًا، ولا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، وفي ”قُرْآنِ الفَجْرِ“ مِن سُورَةِ سُبْحانَ لِهَذا مَزِيدُ بَيانٍ، وقالَ القاضِي عِياضٌ في الشِّفاءِ ما حاصِلُهُ أنَّ تِلْكَ الضَّمائِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي الصّادِقَ بْنَ الباقِرِ: ”أدْناهُ رَبُّهُ حَتّى كانَ مِنهُ كَقابِ قَوْسَيْنِ“، وقالَ أيْضًا: انْقَطَعَتِ الكَيْفِيَّةُ عَنِ الدُّنُوِّ، ألا تَرى كَيْفَ حَجَبَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ دُنُوِّهِ ودَنا مُحَمَّدٌ ﷺ إلى ما أوْدَعَ قَلْبَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ والإيمانِ فَتَدَلّى بِسُكُونِ قَلْبِهِ إلى ما أدْناهُ وزالَ عَنْ قَلْبِهِ الشَّكُّ والِارْتِيابُ، وقالَ جَعْفَرُ أيْضًا: والدُّنُوُّ مِنَ اللَّهِ تَعالى لا حَدَّ لَهُ، ومِنَ العِبادِ بِالحُدُودِ - انْتَهى. وحِينَئِذٍ يَكُونُ ضَمِيرُ ”اسْتَوى“ لَهُ ﷺ، ويَكُونُ المَعْنى: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعْلِيمِ جِبْرِيلَ لَهُ اسْتِواؤُهُ - أيِ اعْتِدالُ عِلْمِهِ - إلى غايَةٍ لَمْ يَصِلْها غَيْرُهُ مِنَ الخَلْقِ عِلْمًا وكَسْبًا بِالمُلْكِ والمَلَكُوتِ والحالُ أنَّهُ بِالأُفُقِ الأعْلى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وتَدَلِّيهِ كِنايَةٌ عَنْ وُصُولِهِ بِسَبَبٍ عَظِيمٍ حامِلٍ السَّبَبَ لِلْمُتَدَلِّي، وعَبَّرَ بِهِ وهو ظاهِرٌ في النُّزُولِ مِن عُلُوٍّ مَعَ عَدَمِ الِانْفِصالِ مِنهُ لِئَلّا يُوهِمَ اخْتِصاصَ (p-٥٠)جِهَةِ العُلُوِّ بِهِ سُبْحانَهُ دُونَ بَقِيَّةِ الجِهاتِ، ومِنهُ «”أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ» وكَذا قِيلَ في الإشارَةِ بِـ «لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى» ومِنَ المَحاسِنِ جِدًّا أنْ تَكُونَ ألِفُ“ تَدَلّى " المُنْقَلِبَةُ عَنْ ياءٍ في هَذا الوَجْهِ بَدَلًا مِن لامٍ فَيَكُونَ مِنَ التَّدَلُّلِ وهو الِانْبِساطُ وُثُوقًا بِالمَحَبَّةِ، يُقالُ: تَدَلَّلَ عَلَيْهِ، أيِ انْبَسَطَ ووَثِقَ بِمَحَبَّتِهِ فَأفْرَطَ عَلَيْهِ، وانْبِساطُهُ ﷺ في تِلْكَ الحالَةِ إفْراطُ كَثْرَةِ سُؤالِهِ، وشَفاعَتُهُ في أُمَّتِهِ، وبِذَلِكَ ظَهَرَ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ أنَّهُ أرْحَمُ الخَلْقِ كَما كانَ مَعْلُومًا إلى عالَمِ الغَيْبِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ زِيادَةُ تَقْرِيبِهِ حَتّى كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، وإبْرازُ هَذا الكَلامِ في هَذِهِ الضَّمائِرِ المُتَحَمِّلَةِ لِهَذِهِ الوُجُوهِ مِن غَيْرِ ظاهِرٍ يُعَيِّنُ المُرادَ يُناسِبُ لِتِلْكَ الحالَةِ، فَإنَّها كانَتْ حالَةَ غَيْبٍ وخَفاءٍ وسَتْرٍ، وكانَ العِلْمُ فِيها واسِعًا، وسَوْقُ الضَّمائِرِ هَكَذا يُكْثِرُ احْتِمالَ الكَلامِ لِلْوُجُوهِ، فَيَتَّسِعُ العِلْمُ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ فِيها وجْهٌ يُؤَدِّي إلى لَبْسٍ في الدِّينِ ولا رَكاكَةٍ في مَعْنًى ولا نَظْمٍ ولا مَجالٍ لِلْعِلْمِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

النجم 53:11

ولَمّا أثْبَتَ هَذا الكَلامُ ما أثْبَتَ مِنَ القُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ أوْحى إلَيْهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، قَرَّرَهُ عَلى وجْهٍ أفادَ الرُّؤْيَةَ فَقالَ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيِ القَلْبُ الَّذِي هو في غايَةِ الذَّكاءِ والِاتِّقادِ ﴿ما رَأى﴾ البَصَرُ أيْ حِينَ رُؤْيَةِ البَصَرِ كانَ القَلْبُ، لا أنَّها رُؤْيَةُ بَصَرٍ فَقَطْ تُمْكِنُ فِيها - لِلْخُلُوِّ - عَنْ حُضُورِ القَلْبِ - النِّسْبَةُ إلى الغَلَطِ، وقالَ القُشَيْرِيُّ ما مَعْناهُ: ما كَذَبَ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ ما رَآهُ بَصَرُهُ، بَلْ (p-٥١)رَآهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي عَلِمَهُ قَبْلَ أنْ رَآهُ فَكانَ عِلْمُهُ حَقَّ اليَقِينِ، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ”هَلْ رَأيْتَ رَبَّكَ؟ قالَ: نُورٌ أنّى أراهُ“،» وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أيْضًا”«عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّهُ قالَ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لَمّا أنْكَرَتِ الرُّؤْيَةَ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى“ ﴿ولَقَدْ رَآهُ بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ”و“ ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ [النجم: ١٣] ”فَقالَتْ: أنا أوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَألَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ:“إنَّما هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ أرَهُ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْها غَيْرَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، رَأيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّماءِ سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» قالَ البَغْوِيُّ: وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ رَآهُ فَقالَ بَعْضُهُمْ: جَعَلَ بَصَرَهُ في فُؤادِهِ، ثُمَّ رُوِيَ مِن صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: «رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ» وذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ وهو قَوْلُ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ ما مَعْناهُ: إنَّ النَّوْمَ والصَّعْقَ مِن آياتِ اللَّهِ عَلى لِقاءِ اللَّهِ وهي مُقَدِّماتٌ لِذَلِكَ، ولِكُلِّ حَقِيقَةٍ حَقٌّ يَتَقَدَّمُها كَأشْراطِ السّاعَةِ، والإسْراءِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْتًا ولا صَعْقًا ولا نَوْمًا عَلى أظْهَرِ الوُجُوهِ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ مُشاهَداتِ الدُّنْيا إلى مُشاهَداتِ الأُفُقِ الأعْلى فَلا تُنْكَرُ الرُّؤْيَةُ هُنالِكَ، فالإسْراءُ حالَةٌ غَيْرُ حالَةِ الدُّنْيا، بَلْ هي مِن أحْوالِ الآخِرَةِ وعالَمِ الغَيْبِ - واللَّهُ الهادِي.

النجم 53:12

ولَمّا تَقَرَّرَ ذَلِكَ غايَةَ التَّقَرُّرِ، وكانَ مَوْضِعَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ، قالَ (p-٥٢)مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ أيْ تَسْتَخْرِجُونَ مِنهُ بِجِدالِكم لَهُ فِيما أخْبَرَكم بِهِ شَكًّا فِيهِ ولا شَكَّ فِيهِ، وعَبَّرَ بِالمُفاعَلَةِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ويَعْقُوبَ إشارَةً إلى اجْتِهادِهِمْ في تَشْكِيكِهِ، مِن مَرى الشَّيْءَ: اسْتَخْرَجَهُ، ومَرى النّاقَةَ: مَسَحَ ضَرْعَها، فَأمْرى: دَرَّ لَبَنُها، والمِرْيَةُ بِالكَسْرِ والضَّمِّ: الشَّكُّ والجَدَلُ ﴿عَلى ما يَرى﴾ عَلى صِفَةِ مُطابَقَةِ القَلْبِ والبَصَرِ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ تَجْرِ العادَةُ بِدُخُولِ الشَّكِّ فِيهِ ولا قَبُولِهِ لِلْجِدالِ، وزادَ الأمْرَ وُضُوحًا بِتَصْوِيرِ الحالِ الماضِيَةِ بِالتَّعْبِيرِ بِالمُضارِعِ إشارَةً إلى أنَّهُ كَما لَمْ يَهِمْ لَمْ يَلْبِسِ الأمْرُ عَلَيْهِ، بَلْ كَأنَّهُ الآنَ يَنْظُرُ.

النجم 53:13

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ أقْوى ما يَكُونُ إذا حَسُرَ البَصَرُ، فَإذا وافَقَهُ كَوْنُ القَلْبِ في غايَةِ الحُضُورِ كانَ أمْكَنَ، فَإذا تَكَرَّرَ انْقَطَعَتِ الأطْماعُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِالمُجادَلَةِ مِنهُ، قالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ﴾ أيِ اللَّهَ تَعالى أوْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ، رَوى مُسْلِمٌ في الإيمانِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم: ١١] ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ قالَ: ”رَآهُ بِفُؤادِهِ مَرَّتَيْنِ“» وجَعَلَ ابْنُ بُرْجانَ الإسْراءَ مَرَّتَيْنِ: الأُولى بِالفُؤادِ مُقَدَّمَةً وهَذِهِ بِالعَيْنِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا بِتَنَزُّلٍ يَقْطَعُ مَسافاتِ البُعْدِ الَّتِي هي الحُجُبُ لِيَصِيرَ بِهِ بِحَيْثُ يَراهُ البَشَرُ، عَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿نَـزْلَةً﴾ وانْتَصَبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ الفَعْلَةَ بِمَعْنى المَرَّةِ ﴿أُخْرى﴾ أيْ لِيَكْمُلَ لَهُ الأمْرُ مَرَّةً في عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ وأُخْرى في المَحَلِّ الأنْزَهِ الأعْلى، وعَيَّنَ الوَقْتَ بِتَعَيُّنِ (p-٥٣)المَكانِ فَقالَ:

النجم 53:14

﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ أيِ الشَّجَرَةِ الَّتِي هي كالسِّدْرِ ويَنْتَهِي إلَيْها عِلْمُ الخَلائِقِ ويَنْتَهِي إلَيْها ما يَعْرُجُ مِن تَحْتٍ وما يَنْزِلُ مِن فَوْقٍ، فَيَتَلَقّى هُنالِكَ، وذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - لَيْلَةَ الإسْراءِ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِقَلِيلٍ بَعْدَ التَّرَقِّي في مِعْراجِ الكَمالاتِ مِنَ السِّنِينَ عَلى عَدَدِ السَّماواتِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَسافاتِ، فانْتَهى إلى مُنْتَهًى يُسْمَعُ فِيهِ صَرِيفُ الأقْلامِ، وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ:

النجم 53:15

﴿عِنْدَها﴾ أيِ السِّدْرَةِ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾ الَّذِي لا مَأْوى في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ لِأنَّهُ لا يُوازى في عِظَمِهِ، وزادَ في تَعْظِيمِها بِقَوْلِهِ:

النجم 53:16

﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّيها ويَرْكَبُها وتُثْمِرُهُ؟ مِن فِراشِ الذَّهَبِ والرَّفْرَفِ الأخْضَرِ والمَلائِكَةِ والنَّبْقِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَإنَّ الغَشْوَ النَّبْقُ ﴿ما يَغْشى﴾ لا تَحْتَمِلُونَ وصْفَهُ وهو بِحَيْثُ يَكادُ أنْ لا يُحْصى، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ في الحَدِيثِ: «وغَشِيَها، ألا وإنِّي لا أدْرِي ما هي فَلَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها» أوْ كَما قالَ ﷺ، وأكَّدَ الرُّؤْيَةَ وقَرَّرَها مُسْتَأْنِفًا بِقَوْلِهِ:

النجم 53:17

﴿ما زاغَ﴾ أيْ ما مالَ أدْنى مَيْلٍ ﴿البَصَرُ﴾ أيِ الَّذِي لا بَصَرَ لِمَخْلُوقٍ أكْمَلُ مِنهُ، فَما قَصَّرَ عَنِ النَّظَرِ فِيما أُذِنَ لَهُ فِيهِ ولا زادَ ﴿وما طَغى﴾ أيْ تَجاوَزَ الحَدَّ إلى ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ العالَمَ غَرِيبٌ عَنْ بَنِي آدَمَ، وفِيهِ مِنَ العَجائِبِ ما يُحَيِّرُ النّاظِرَ، بَلْ كانَتْ لَهُ العِفَّةُ الصّادِقَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الشَّرَهِ والزَّهادَةِ عَلى أتَمِّ قَوانِينِ العَدْلِ، فَأثْبَتَ ما رَآهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، وكَما قالَ السُّهْرَوَرْدِيُّ في أوَّلِ البابِ الثّانِي والثَّلاثِينَ مِن عَوارِفِهِ: وأخْبَرَ تَعالى بِحُسْنِ أدَبِهِ في الحَضْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهَذِهِ غامِضَةٌ مِن (p-٥٤)غَوامِضِ الأدَبِ، اخْتُصَّ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.

النجم 53:18

ولَمّا كانُوا قَدْ أنْكَرُوا الإسْراءَ إنْكارًا لَمْ يَقَعْ لَهم في غَيْرِهِ مِثْلُهُ، زادَ في تَأْكِيدِهِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿لَقَدْ رَأى﴾ أيْ أبْصَرَ بِسَبَبِ ما أهَّلْناهُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ إبْصارًا سارِيًا إلى البَواطِنِ غَيْرَ مُقْتَصِرٍ عَلى الظَّواهِرِ ﴿مِن آياتِ رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِما لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ قَبْلَهُ ولا يَصِلْ إلَيْهِ أحَدٌ بَعْدَهُ، ومَنِ ادَّعى ذَلِكَ فَهو كافِرٌ ﴿الكُبْرى﴾ مِن ذَلِكَ ما رَآهُ في السَّماواتِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ إشارَةً بِكُلِّ شَيْءٍ إلى أمْرٍ دَقِيقٍ جَلِيلٍ وحالَةٍ شَرِيفَةٍ، وقالَ الإمامُ أبُو القاسِمِ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأنِفِ: والَّذِي أقُولُ في هَذا أنَّ مَأْخَذَ فَهْمِهِ مِن عِلْمِ التَّعْبِيرِ، فَإنَّهُ مِن عِلْمِ النُّبُوَّةِ، وأهْلُ التَّعْبِيرِ يَقُولُونَ: مَن رَأى نَبِيًّا بِعَيْنِهِ في المَنامِ فَإنَّ رُؤْياهُ تُؤْذِنُ بِما يُشْبِهُ مِن حالِ ذَلِكَ النَّبِيِّ في شِدَّةٍ أوْ رَخاءٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أُخْبِرَ بِها عَنِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ والحَدِيثِ، وحَدِيثُ الإسْراءِ كانَ بِمَكَّةَ، ومَكَّةُ حَرَمُ اللَّهِ وأمْنُهُ، وقُطّانُها جِيرانُ اللَّهِ لِأنَّ فِيها بَيْتَهُ، فَأوَّلُ مَن رَأى ﷺ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَ في أمْنِ اللَّهِ وجِوارِهِ، فَأخْرَجَهُ إبْلِيسُ عَدُوُّهُ مِنها، وهَذِهِ القِصَّةُ تُشْبِهُها الحالَةُ الأُولى مِن أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ أخْرَجَهُ أعْداؤُهُ مِن حَرَمِ اللَّهِ وجِوارِ بَيْتِهِ، فَكَرَبَهُ ذَلِكَ وغَمَّهُ فَأشْبَهَتْ قِصَّتُهُ في هَذا (p-٥٥)قِصَّةَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ آدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أرْواحُ ذُرِّيَّتِهِ البَرِّ والفاجِرِ مِنهُمْ، فَكانَ في السَّماءِ الدُّنْيا بِحَيْثُ يَرى الفَرِيقَيْنِ لِأنَّ أرْواحَ أهْلِ الشَّقاءِ لا تَلِجُ في السَّماءِ ولا تُفْتَحُ لَهم أبْوابُها، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ رَأى في الثّانِيَةِ عِيسى ويَحْيى عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وهُما المُمْتَحَنانِ بِاليَهُودِ، أمّا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَذَّبَتْهُ اليَهُودُ وآذَتْهُ وهَمُّوا بِقَتْلِهِ فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وأمّا يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَتَلُوهُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ انْتِقالِهِ إلى المَدِينَةِ صارَ إلى حالَةٍ ثانِيَةٍ مِنَ الِامْتِحانِ، وكانَتْ مِحْنَتُهُ فِيها بِاليَهُودِ آذَوْهُ وظاهَرُوا عَلَيْهِ وهَمُّوا بِإلْقاءِ الصَّخْرَةِ عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَنَجّاهُ اللَّهُ كَما نَجّى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُمْ، ثُمَّ سَمُّوهُ في الشّاةِ ولَمْ تَزَلْ تِلْكَ الأكْلَةُ تُعاوِدُهُ حَتّى قَطَعَتْ أبْهَرَهُ كَما قالَ عِنْدَ المَوْتِ وهَكَذا فَعَلُوا بِابْنَيِ الخالَةِ يَحْيى وعِيسى لِأنَّ أُمَّ يَحْيى أشْياعَ بِنْتَ عِمْرانَ أُخْتُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ أُمُّهُما جَنَّةُ، وأمّا لِقاؤُهُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّماءِ الثّالِثَةِ فَإنَّهُ يُؤْذِنُ بِحالَةٍ ثالِثَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ ظَفِرَ بِإخْوَتِهِ مِن بَعْدِ ما أخْرَجُوهُ مِن بَيْنِ ظَهْرانِيهِمْ فَصَفَحَ عَنْهم وقالَ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] الآيَةُ، وكَذَلِكَ نَبِيُّنا ﷺ أسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ جُمْلَةً مِن أقارِبِهِ الَّذِينَ أخْرَجُوهُ فِيهِمْ عَمُّهُ العَبّاسُ وابْنُ عَمِّهِ عَقِيلٌ فَمِنهم مَن أطْلَقَ، ومِنهم مَن قَبِلَ أفْدِيَتَهُ، (p-٥٦)ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عامَ الفَتْحِ فَجَمَعَهم فَقالَ لَهُمْ: «"أقُولُ ما قالَ أخِي يُوسُفُ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾ [يوسف: ٩٢]» ثُمَّ لِقاؤُهُ إدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلامُ في السَّماءِ الرّابِعَةِ وهو المَكانُ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ مَكانًا عَلِيًّا، وإدْرِيسُ أوَّلُ مَن آتاهُ اللَّهُ الخَطَّ بِالقَلَمِ، فَكانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِالحالَةِ الرّابِعَةِ وهو عُلُوُّ شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَتّى أخافَ المُلُوكَ وكَتَبَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهم إلى طاعَتِهِ حَتّى قالَ أبُو سُفْيانَ وهو عِنْدَ مَلِكِ الرُّومِ حِينَ جاءَ كُتّابُ النَّبِيِّ ﷺ ورَأى ما رَأى مِن خَوْفِ هِرَقْلَ: لَقَدْ أمِرَ أمْرُ ابْنِ أبِي كَبْشَةَ حَتّى أصْبَحَ يَخافُهُ مَلِكُ بَنِي الأصْفَرِ، وكُتِبَ عَنْهُ بِالقَلَمِ إلى جَمِيعِ مُلُوكِ الأرْضِ فَمِنهم مَنِ اتَّبَعَهُ عَلى دِينِهِ كالنَّجاشِيِّ ومَلِكِ بَنِي عَمّانَ ومِنهم مَن هادَنَهُ وأهْدى إلَيْهِ وأتْحَفَهُ كَهِرَقْلَ والمُقَوْقِسِ، ومِنهم مَن تَعَصّى عَلَيْهِ فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهَذا مَقامٌ عَلِيٌّ، وخَطٌّ بِالقَلَمِ كَنَحْوِ ما أُوتِيَ إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِقاؤُهُ في السَّماءِ الخامِسَةِ لِهارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ المُحَبَّبِ في قَوْمِهِ يُؤْذِنُ بِحُبِّ قُرَيْشٍ وجَمِيعِ العَرَبِ لَهُ بَعْدَ بُغْضِهِمْ فِيهِ، ولِقاؤُهُ في السَّماءِ السّادِسَةِ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُؤْذِنُ بِحالَةٍ تُشْبِهُ حالَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُمِرَ بِغَزْوِ الشّامِ، فَظَهَرَ عَلى الجَبابِرَةِ الَّذِينَ كانُوا فِيها، وأدْخَلَ بَنِي إسْرائِيلَ البَلَدَ الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ بَعْدَ هَلاكِ عَدُوِّهِمْ، ولِذَلِكَ غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ مِن أرْضِ الشّامِ وظَهَرَ عَلى صاحِبِ دُومَةَ (p-٥٧)حَتّى صالَحَهُ عَلى الجِزْيَةِ بَعْدَ أنْ أتى بِهِ أسِيرًا، وافْتَتَحَ مَكَّةَ ودَخَلَ أصْحابُهُ البَلَدَ الَّذِي خَرَجُوا مِنهُ، ثُمَّ لِقاؤُهُ في السَّماءِ السّابِعَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِحِكْمَتَيْنِ: إحْداهُما أنَّهُ رَآهُ عِنْدَ البَيْتِ المَعْمُورِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ، والبَيْتُ المَعْمُورُ جِبالُ مَكَّةَ، وإلَيْهِ تَحُجُّ المَلائِكَةُ كَما أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي بَنى الكَعْبَةَ وأذَّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ إلَيْها، والحِكْمَةُ الثّانِيَةُ أنَّ آخِرَ أحْوالِ النَّبِيِّ ﷺ حَجُّهُ إلى البَيْتِ الحَرامِ، وحَجَّ مَعَهُ في ذَلِكَ العامِ نَحْوٌ مِن سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ، ورُؤْيَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ أهْلِ التَّأْوِيلِ تُؤْذِنُ بِالحَجِّ لِأنَّهُ الدّاعِي إلَيْهِ والرّافِعُ لِقَواعِدِ الكَعْبَةِ المَحْجُوجَةِ - انْتَهى. وهَذا المَقامُ هو الإسْراءُ وما تَفَرَّعَ مِنهُ المُوصِلُ إلى أعْلى ما يَكُونُ مِن تَجْرِيدِ التَّوْحِيدِ، فَجَعَلَ سُبْحانَهُ عُنْوانَهُ المَفْرُوضَ فِيهِ الحاجِزَ بَيْنَ الإسْلامِ والشِّرْكِ وهو الصَّلاةُ الجامِعَةُ لِمَعانِي الدِّينِ الشّامِلَةُ لِجَمِيعِ البَرَكاتِ بِأنْ جُعِلَتْ خَمْسِينَ مُسْتَغْرِقَةً لِجَمِيعِ الفَراغِ ثُمَّ رُدَّتْ إلى خَمْسٍ دُونَ القُوى بِكَثِيرٍ ثُمَّ رَتَّبَ عَلَيْها جَزاءَ الخَمْسِينَ ورَفَعَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن صَلاةِ الجَماعَةِ إلى سَبْعٍ وعِشْرِينَ صَلاةً وفَضَّلَ صَلاتَيِ الطَّرَفَيْنِ: الصُّبْحَ الثُّنائِيَّةَ والعَصْرَ الرُّباعِيَّةَ بِشَهادَةِ فَرِيقَيِ المَلائِكَةِ وكِتابَتِهِما في صَحِيفَتَيْ كُلٍّ مِنَ الجَمْعَيْنِ، فَقالَ حَمْزَةُ الكِرْمانِيُّ في جَوامِعِ التَّفْسِيرِ: فَأُسْرِيَ بِهِ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ قَبْلَ الهِجْرَةِ مِن بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ الإسْراءِ مَساقًا عَجِيبًا جِدًّا طَوِيلًا.

النجم 53:19

(p-٥٨)ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ مِنَ اسْتِقامَةِ طَرِيقِ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا ثَبَتَتْ رِسالَتُهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ وما أراهُ مِن آياتِهِ الَّتِي ظَهَرَ بِها اسْتِحْقاقُهُ سُبْحانَهُ الإلَهِيَّةَ مُتَفَرِّدًا بِها، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في عِبادَةِ مَعْبُوداتِهِمْ عَلى وجْهٍ دالٍّ عَلى أنَّها لا تَصْلُحُ لِصالِحَةٍ فَقالَ: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ أيْ أخْبِرُونِي بِسَبَبِ ما تَلَوْتُ عَلَيْكم مِن هَذِهِ الآياتِ الباهِراتِ. هَلْ رَأيْتُمْ رُؤْيَةَ خِبْرَةٍ بِالباطِنِ والظّاهِرِ ﴿اللاتَ﴾ وهو صَنَمُ ثَقِيفٍ ﴿والعُزّى﴾ وهي شَجَرَةٌ لِغَطَفانَ وهُما أعْظَمُ أصْنامِهِمْ فَإنَّهم كانُوا يَحْلِفُونَ بِهِما

النجم 53:20

﴿ومَناةَ﴾ وهو صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ، ودَلَّ عَلى أنَّها عِنْدَهم بَعْدَهُما في الرُّبُوبِيَّةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِالتَّعَدُّدِ بِالتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِما عَبَّرَ بِهِ إلى أنَّ شَيْئًا مِنها لا يَصْلُحُ لِصالِحَةٍ حَتّى ولا أنْ يُذْكَرَ: ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ أيْ إنَّهُ ما كَفاهم في خَرْقِ سِياجٍ مِنها العَقْلُ في مُجَرَّدِ تَعْدِيدِ الإلَهِ بِجَعْلِهِ الِاثْنَيْنِ حَتّى أضافُوا ثالِثًا أقَرُّوا بِأنَّهُ مُتَأخِّرُ الرُّتْبَةِ فَكانَ الإلَهُ عِنْدَهم قَدْ يَكُونُ سافِلًا ويَكُونُ مُلازِمًا لِلْإنْزالِ ولِلسُّفُولِ بِكَوْنِهِ أُنْثى، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأنَّثُوا أسْماءَها تَشْبِيهًا لَها بِالمَلائِكَةِ عَلى زَعْمِهِمْ بِأنَّها بَناتُ اللَّهِ - انْتَهى، ولا شَكَّ عِنْدَ مَن لَهُ أدْنى مَعْرِفَةٍ بِالفَصاحَةِ أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ والتَّعْبِيرَ بِما شَأْنُهم بِالوِلادَةِ الَّتِي هي أحَبُّ الأشْياءِ إلى الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانُ لا يُوافِقُهُ أنْ يُقالَ بَعْدَهُ ما يَقْتَضِي مَدْحًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَتَبَيَّنَ بُطْلانُ ما نُقِلَ نَقْلًا واهِيًا مِن أنَّهُ قِيلَ حِينَ قُرِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في هَذا المَحَلِّ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلا - إلى آخِرِهِ لِعِلْمِ كُلِّ عَرَبِيٍّ أنَّ ذَلِكَ غايَةٌ في الهَذَيانِ في هَذا السِّياقِ، فَلا وصْلَةَ بِهَذا السِّياقِ المُعْجِزِ بِوَجْهٍ.

النجم 53:21

(p-٥٩)ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ بِما أفْهَمَهُ السِّياقُ: كَيْفَ ادَّعَيْتُمْ أنَّها آلِهَةٌ أهِيَ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ عادَتَكُمُ احْتِقارَ الإناثِ مِن أنْ تَكُونَ لَكم أوْلادًا، فَكَيْفَ رَضِيتُمْ أنْ تَكُونَ لَكم آلِهَةً، وتَكُونُوا لَها عِبادًا مَعَ أنَّها لَمْ تُنْزِلْ لَكم وحْيًا ولا أرْسَلَتْ لَكم رَسُولًا ولا فَعَلَتْ مَعَ أحَدٍ مِنكم شَيْئًا مِمّا كَرَّمْنا بِهِ عَبْدَنا مُحَمَّدًا ﷺ ولا أرَتْكم قَطُّ آيَةً ولا هي مُتَأهِّلَةٌ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، بَلْ لا تَمْلِكُ ضَرًّا ولا نَفْعًا وادَّعَيْتُمْ أنَّها بَناتُهُ واسْتَوْطَنَها جِنِّيّاتٍ هي بَناتُهُ وادَّعَيْتُمْ مَعَ ادِّعاءِ مُطْلَقِ الوَلَدِيَّةِ لِمَن لا يُلِمُّ بِهِ حاجَةٌ ولا شَبَهَ لَهُ أنَّ لَهُ أرْدَأ الصِّنْفَيْنِ، فَكانَ ذَلِكَ نَقْصًا مَضْمُومًا إلى نَقْصٍ - وعَلا سُبْحانَهُ تَعالى عَنْ صاحِبَةٍ أوْ ولَدٍ، فاسْتَحْقَقْتُمْ بِذَلِكَ الإنْكارَ الشَّدِيدَ، وعُلِمَ بِهَذا التَّقْدِيرِ الَّذِي هَدى إلَيْهِ السِّياقُ بُطْلانُ حَدِيثِ الغَرانِيقِ ولا سِيَّما مَعَ تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَكُمُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿الذَّكَرُ﴾ أيِ النَّوْعُ الأعْلى ﴿ولَهُ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الأُنْثى﴾ أيِ النَّوْعُ الأسْفَلُ.

النجم 53:22

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا رَدَّ الإنْكارَ بِقَوْلِهِ فَذْلَكَةً لِفِعْلِهِمْ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ هَذِهِ القِسْمَةُ البَعِيدَةُ عَنِ الصَّوابِ ﴿إذًا﴾ أيْ إذْ جَعَلْتُمُ البَناتِ لَهُ والبَنِينَ لَكم ﴿قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ جائِرَةٌ ناقِصَةٌ ظالِمَةٌ فِيما يَحْسُنُ لِلْحَقِّ لِلْغايَةِ عَرْجاءُ غَيْرُ مُعْتَدِلَةٍ حَيْثُ خَصَصْتُمْ بِهِ ما أوْصَلَتْكُمُ الكَراهَةُ لَهُ إلى دَفْنِهِ حَيًّا، وقَدْ عُلِمَ أنَّ الآيَةَ مِنَ الِاحْتِباكِ: دَلَّ ذِكْرُ اسْمِها في أُسْلُوبِ الإنْكارِ عَلى حَذْفِ إنْكارِ كَوْنِها آلِهَةً وإنْكارُ تَخْصِيصِهِ بِالإناثِ عَلى حَذْفِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوها بَناتِهِ.

النجم 53:23

ولَمّا أفْهَمَ هَذا الإنْكارُ بُطْلانَ قَوْلِهِمْ هَذا، حَصَرَ القَوْلَ الحَقَّ فِيها (p-٦٠)فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿هِيَ﴾ أيْ هَذِهِ الأصْنامُ ﴿إلا أسْماءٌ﴾ أيْ لا حَقائِقَ لَها، فَما ادَّعَيْتُمْ لَها مِنَ الإلَهِيَّةِ لَيْسَ لَها مِن ذَلِكَ إلّا الأسْماءَ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُبَيِّنًا: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ أيِ ابْتَدَعْتُمْ تَسْمِيَتَها أنْتُمْ، واجْتَثَّ قَوْلَهم مِن أصْلِهِ فَقالَ: ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ أيْ لا غَيْرَ بِمُجَرَّدِ الهَوى لَمْ تَرَوْا مِنها آيَةً ولا كَلَّمَتْكم قَطُّ كَلِمَةً تَعْتَدُّونَها، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ تَتَكَلَّمَ الشَّياطِينُ عَلى ألْسِنَتِها فَأيَّ طَرِيقَةٍ قَوِيمَةٍ شَرَعَتْ لَكم وأيُّ كَلامٍ مَلِيحٍ أوْ بَلِيغٍ وصَلَ إلَيْكم وأيَّ آيَةٍ كُبْرى أرَتْكُمُوها - انْتَهى. ولَمّا عُلِمَ بِهَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْمُرْهم بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، صَرَّحَ بِهِ نافِيًا أنْ يَدُلَّ عَلى ما وسَمُوهُ بِهِ دَلِيلٌ فَقالَ: ﴿ما﴾ ولَمّا قَدَّمَ في الأعْرافِ تَرْكَ النّافِي لِلتَّدْرِيجِ لِما تَقَدَّمَ بِما اقْتَضاهُ، نَفى هُنا الإفْعالَ النّافِيَ لِأصْلِ الفِعْلِ سَواءٌ كانَ بِالتَّدْرِيجِ أوْ غَيْرِهِ لِأنَّ المِفْصَلَ لِبابِ القُرْآنِ فَهو لِلْمَقاصِدِ، وذَلِكَ كافٍ في ذَمِّ الهَوى الَّذِي هو مَقْصُودُ السُّورَةِ فَقالَ: ﴿أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ ﴿بِها﴾ أيْ بِالِاسْتِحْقاقِ لِلْأسْماءِ ولا لِما وسَمْتُمُوها بِهِ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن سُلْطانٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ تَصْلُحُ مُسَلِّطًا عَلى ما يُدَّعى فِيها. ولَمّا كانَ هَذا النَّفْيُ المُسْتَغْرِقُ مُوجِبًا لِلْخَصْمِ إيساعَ الحِيلَةِ في ذِكْرِ دَلِيلٍ عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ، وكانَ هَؤُلاءِ قَدْ أبْلَسُوا عِنْدَ سَماعِ هَذا الكَلامِ ولَمْ يَجِدُوا ما يَقُولُونَ ولا يَجِدُوا، فَكانَ مِن حَقِّهِمْ أنْ يَرْجِعُوا فَلَمْ يَرْجِعُوا، أعْرَضَ عَنْهم إيذانًا بِشَدِيدِ الغَبْنِ قائِلًا: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ (p-٦١)أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ في أمْرِ هَذِهِ الأوْثانِ بِغايَةِ جُهْدِهِمْ مِن أنَّها آلِهَةٌ، وأنَّها تَشْفَعُ لَهم أوْ تُقَرِّبُهم مِنَ اللَّهِ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ أيْ غايَةُ أمْرِهِمْ لِمَن يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِمْ، فالظَّنُّ تَرْجِيحُ أحَدِ الجائِزَيْنِ عَلى رَغْمِ الظّانِّ. ولَمّا كانَ الظَّنُّ قَدْ يَكُونُ مُوافِقًا لِلْحَقِّ مُخالِفًا لِلْهَوى قالَ: ﴿وما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ تَشْتَهِي، وهي - لِما لَها مِنَ النَّقْصِ - لا تَشْتَهِي أبَدًا إلّا بِما يَهْوِي بِها عَنْ غايَةِ أوْجِها إلى أسْفَلِ حَضِيضِها، وأمّا المَعالِي وحُسْنُ العَواقِبِ فَإنَّما تَشَوَّقَ إلَيْها العَقْلُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: فالظَّنُّ الجَمِيلُ بِاللَّهِ فَلَيْسَ مِن هَذا البابِ، والتِباسُ عَواقِبِ الشَّخْصِ عَلَيْهِ لَيْسَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ بِسَبِيلٍ، إنَّما الظَّنُّ المَعْلُولُ في اللَّهِ وصِفاتِهِ وأحْكامِهِ. ﴿ولَقَدْ﴾ أيِ العَجَبُ أنَّهم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ والحالُ أنَّهُ قَدْ ﴿جاءَهم مِن رَبِّهِمُ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ ﴿الهُدى﴾ أيِ الكامِلُ في بابِهِ إلى الدِّينِ الحَقِّ النّاطِقِ بِالكِتابِ النّاطِقِ بِالصَّوابِ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ ﷺ، والرَّأْيُ يَقْتَضِي أنَّ مَن رَأى الهُدى تَبِعَهُ ولَوْ أتاهُ بِهِ عَدُوُّهُ، فَكَيْفَ إذا أتاهُ بِهِ مَن هو أفْضَلُ مِنهُ مِن عِنْدِ مَن إحْسانُهُ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ قَطُّ. ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: أعَلَيْهِمْ أنْ يَتْرُكُوا أهْوِيَتَهم ويَهْتَدُوا بِهُدى رَبِّهِمُ الَّذِي لا مِلْكَ لَهم مَعَهُ

النجم 53:24

﴿أمْ﴾ لَهم ما تَمَنَّوْا - هَكَذا كانَ الأصْلُ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ الأصْلَ المُوجِبَ لِاتِّباعِ الهَوى فَقالَ: ﴿لِلإنْسانِ﴾ أيِ الآنِسِ بِنَفْسِهِ المُحْسِنِ لِكُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ ﴿ما تَمَنّى﴾ أيْ مِنَ اتِّباعِ ما يَشْتَهِي مِن جاهٍ ومالٍ وطُولِ عُمْرٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ومِن كُفْرِهِ وعِنادِهِ، وقَوْلِهِ ﴿ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾ [فصلت: ٥٠]

النجم 53:25

(p-٦٢). ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ إنْكارِيًّا، كانَ المَعْنى: لَيْسَ لَهُ ما تَمَنّى، وكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا عَلى أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ مِمَّنْ لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَلِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ. ولَمّا كانَتِ الأُخْرى دارَ اللَّذّاتِ وبُلُوغِ جَمِيعِ الأمانِي وحِرْمانِها، وكانُوا يَدَّعُونَ فِيها عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها جَمِيعَ ما يَتَمَنَّوْنَ مِن شَفاعَةِ آلِهَتِهِمْ وإجابَتِها إلى إسْعادِهِمْ ونَحْوِ ذَلِكَ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿الآخِرَةُ﴾ فَهو لا يُعْطِي الأمانِيَ فِيها إلّا لِمَن تَبِعَ هُداهُ وخالَفَ هَواهُ ﴿والأُولى﴾ فَهو لا يُعْطِي جَمِيعَ الأمانِي فِيها لِأحَدٍ أصْلًا كَما هو مُشاهَدٌ، فَمَن تَرَكَ هَواهُ فِيها نالَ أمانِيهِ في الآخِرَةِ، ومَن تَبِعَ هَواهُ لَمْ يَصِلْ إلى مُرادِهِ في الدُّنْيا وحُرِمَ أمانِيَهُ في الآخِرَةِ، فَلِهَذا قَدَّمَها لا لِلْفاصِلَةِ فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ ”الأُخْرى“ لَصَلَحَتْ لِلْفاصِلَةِ.

النجم 53:26

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَكَمْ مِن شَخْصٍ تَرَوْنَهُ في الأرْضِ مَعَ أنَّهُ في غايَةِ المَكِنَةِ فِيما يَظْهَرُ لَكم لا يَصِلُ إلى رُبْعِ ما يَتَمَنّاهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، مُظْهِرًا لِضَخامَةِ مُلْكِهِ وأنَّهُ لا يُبالِي بِأحَدٍ، دالًّا عَلى الكَثْرَةِ: ﴿وكَمْ مِن مَلَكٍ﴾ أيْ مُقَرَّبٍ، ودَلَّ عَلى زِيادَةِ قُرْبِهِ بِشَرَفِ مَسْكَنِهِ فَقالَ: ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ وهم في الكَرامَةِ والزُّلْفى ﴿لا تُغْنِي﴾ أيْ لا تَجْزِي وتَسُدُّ وتَكْفِي، ولَمّا كانَ رَدُّ الجَمْعِ لِحالِ اجْتِماعِهِمْ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ، عَبَّرَ بِما يَحْتَمِلُ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿شَفاعَتُهُمْ﴾ أيْ عَنْ أحَدٍ مِنَ النّاسِ ﴿شَيْئًا﴾ فَقَصَرَ الأمْرَ ورَدَّهُ بِحَذافِيرِهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا﴾ ودَلَّ بِإثْباتِ الجارِّ عَلى أنَّهُ مَعَ ما يَحُدُّهُ سُبْحانَهُ لا مُطْلَقًا فَقالَ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ﴾ أيْ يُمَكِّنَ ويُرِيدَ ﴿اللَّهُ﴾ (p-٦٣)أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ أصْلًا مَعَهُ، وعَبَّرَ بِأنْ والفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّهُ لا عُمُومَ بَعْدَ الإذْنِ بِجَمِيعِ الأوْقاتِ، وإنَّما ذَلِكَ يُجَدَّدُ بَعْدَ تَجَدُّدِ الإذْنِ عَلى حِينِهِ وقَبْلَ الأمْرِ البابُ؟ لِعُمُومِ العَظَمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أيْ بِتَجَدُّدِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ بِهِ لِأنْ يَكُونُ مَشْفُوعًا أوْ شافِعًا. ولَمّا كانَ المَلِكُ قَدْ يَأْذَنُ في الشَّفاعَةِ وهو كارِهٌ، قالَ مُعْلِمًا أنَّهُ لَيْسَ كَأُولَئِكَ: ﴿ويَرْضى﴾ فَحِينَئِذٍ تُغْنِي شَفاعَتُهم إذا كانُوا مِنَ المَأْذُونِ لَهم - كُلُّ هَذا قَطْعًا لِأطْماعِهِمْ وعَنْ قَوْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ الهَوى أيْ آلِهَتُهم تَشْفَعُ لَهم. ولَمّا أخْبَرَ بِاتِّباعِهِمْ لِلْهَوى ونَفى أنْ يَكُونَ لَهم مِن ذَلِكَ ما يَتَمَنَّوْنَهُ دَلَّ عَلى اتِّباعِهِمْ لِلْهَوى بِقَوْلِهِ مَوْضِعَ ”أنَّهُمْ“:

النجم 53:27

﴿إنَّ الَّذِينَ﴾ وأكَّدَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قَوْلٌ بالِغٌ في العَجَبِ الغايَةَ فَلا يَكادُ يُصَدَّقُ أنَّ عاقِلًا بِالآخِرَةِ يَقُولُهُ بِما جَرى لَهم عَلى قَوْلِهِمْ ذَلِكَ وأمْثالِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ لا يُصَدِّقُونَ ولا هم يُقِرُّونَ ﴿بِالآخِرَةِ﴾ ولِذَلِكَ أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ أيْ كُلَّ واحِدٍ وهم رُسُلُ اللَّهِ ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ بِأنْ قالُوا: هي بَناتُ اللَّهِ، كَما يُقالُ في جِنْسِ الأُنْثى: بَناتٌ

النجم 53:28

﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ما ﴿لَهم بِهِ﴾ أيْ بِما سَمَّوْهم بِهِ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِلْمٍ﴾ ولَمّا نَفى عِلْمَهم تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى الحامِلِ لَهم عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ ما ﴿يَتَّبِعُونَ﴾ أيْ بِغايَةِ ما يَكُونُ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ ﴿إلا الظَّنَّ﴾ ولَمّا كانُوا كالقاطِعِينَ بِأنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُمْ، أكَّدَ قَوْلَهُ: ﴿وإنَّ الظَّنَّ﴾ (p-٦٤)أيْ مُطْلَقًا في هَذا وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ ﴿لا يُغْنِي﴾ إغْناءً مُبْتَدِئًا ﴿مِنَ الحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ في نَفْسِ الأمْرِ الَّذِي هو حَقِيقَةُ الشَّيْءِ وذاتُهُ بِحَيْثُ يَكُونُ الظَّنُّ بَدَلَهُ، والظَّنُّ إنَّما يُعَبَّرُ بِهِ في العَمَلِيّاتِ لا العِلْمِيّاتِ ولا سِيَّما الأُصُولِيَّةُ ﴿شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ عَنْ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ فَإنَّهُ لا يُؤَدِّي أبَدًا إلى الجَزْمِ بِالعِلْمِ بِالشَّيْءِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في نَفْسِ الأمْرِ فَهو مَمْنُوعٌ في أُصُولِ الدِّينِ، فَإنَّ المَقْصُودَ بِتَحَقُّقِ الأمْرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ في الواقِعِ، وأمّا الفُرُوعُ فَإنَّ المُكَلَّفَ بِهِ فِيها هو الظَّنُّ لَكِنْ بِشَرْطِهِ المَأْذُونِ فِيهِ، وهو رَدُّهُ إلى الأُصُولِ المُسْتَنْبَطِ مِنها لِعَجْزِ الإنْسانِ عَلى القَطْعِ في جَمِيعِ الفُرُوعِ، تَنْبِيهًا عَلى عَجْزِهِ وافْتِقارِهِ إلى اللَّهِ لِيُقْبِلَ عَلَيْهِ ويَتَبَرَّأ مِن حَوْلِهِ وقُوَّتِهِ لِيَكْشِفَ لَهُ مِنَ الأحْقافِ.

النجم 53:29

ولَمّا كانُوا بَعْدَ مَجِيءِ الهُدى قَدْ أصْبَرُوا عَلى الهَوى، وكانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في أوائِلِ ما نَزَلَ، والمُؤْمِنُونَ قَلِيلٌ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى﴾ أيْ كَلَّفَ نَفْسَهُ خِلافَ ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ والفِطْرَةُ مَن ولّى ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ ذِكْرِهِ إيّانا، فَأعْرَضَ عَنِ الذِّكْرِ الَّذِي أنْزَلْناهُ فَلَمْ يَنَلْهُ ولَمْ يَتَدَبَّرْ مَعانِيَهُ فَلا يَلْتَفِتُ إلى شَيْءٍ عَلِمَهُ فَإنَّهُ مَطْمُوسٌ عَلى قَلْبِهِ ولَوْ كانَ ذِهْنُهُ أرَقَّ مِنَ الشِّعْرِ فَإنَّهُ لا يَؤُولُ إلّا إلى شَرٍّ ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨] فَإنَّهُ ما عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ. (p-٦٥)ولَمّا كانَ المُعْرِضُ في وقْتٍ قَدْ يُقْبِلُ في آخَرٍ، دَلَّ عَلى دَوامِهِ عَلى وجْهٍ بَلِيغٍ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُرِدْ﴾ أيْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ الحاضِرَةَ لِيَقْصِدَهُ بِالمَحْسُوساتِ كالبَهائِمِ في العَمى عَنْ دَناءَتِها وحَقارَتِها، ثُمَّ تَرْجَمَ جُمْلَتَيِ الإعْراضِ والإرادَةِ بِقَوْلِهِ:

النجم 53:30

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ المُتَناهِي في الجَهْلِ والقَباحَةِ ﴿مَبْلَغُهُمْ﴾ أيْ نِهايَةُ بُلُوغِهِمْ ومَوْضِعُ بُلُوغِهِمْ والحاصِلُ لَهُمْ، وتَهَكَّمَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ العِلْمِ﴾ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم لِأنَّ عُيُونَ بَصائِرِهِمْ عُمْيٌ، ومَرائِيَها كَثِيفَةٌ مُظْلِمَةٌ لا تَكْشِفُ عَنْ نَظَرِ الآخِرَةِ الَّتِي هي أصْلُ العُلُومِ كُلِّها، ثُمَّ عَلَّلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا قَطْعًا لِطَمَعِ مَن يَظُنُّ أنَّ وعْظَهُ وكَلامَهُ يَرُدُّ أحَدًا مِن غَيِّهِ وإنْ أبْلَغَ في أمْرِهِ ودُعائِهِ في سِرِّهِ وجَهْرِهِ، وإعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما هو مِنَ اللَّهِ، فَمَن وعَظَ لَهُ سُبْحانَهُ راجِيًا مِنهُ في إيمانِهِ أوْشَكَ أنْ يَنْفَعَ بِهِ كَما فَعَلَ في وعْظِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَصَغى لَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في ساعَةٍ واحِدَةٍ كَما هو مَشْهُورٌ ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالإرْسالِ وغَيْرِهِ ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ضَلالًا مُسْتَمِرًّا، فَلا تُعَلِّقْ أمَلَكَ بِأنْ يَصِلَ عِلْمُهُ إلى ما وراءَ الدُّنْيا، وعَبَّرَ بِالرَّبِّ إشارَةً إلى أنَّ ضَلالَ هَذا مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ ﷺ لِأنَّهُ لَوْ دَخَلَ في دِينِهِ لَأفْسَدَ أكْثَرَ مِمّا يُصْلِحُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧] وذَلِكَ لِأنَّهُ جُبِلَ جِبِلَّةً غَيْرَ قابِلَةٍ لِلْخَيْرِ ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ (p-٦٦)﴿أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى﴾ أيْ ظاهِرًا وباطِنًا.

النجم 53:31

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ مَن ضَلَّ عَلى هَذِهِ الحالَةِ لَيْسَ في قَبْضِهِ، قالَ نافِعًا لِهَذا الإبْهامِ مُبَيِّنًا أنَّ لَهُ الأسْماءَ الحُسْنى ومُقْتَضَياتِها في العالَمِ مَوْضِعَ ”والحالُ أنَّهُ لَهُ“ أوْ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ وحْدَهُ ﴿ما في السَّماواتِ﴾ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي فَيَشْمَلُ ذَلِكَ السَّماواتِ والأراضِيَ، فَإنَّ كُلَّ سَماءٍ في الَّتِي تَلِيها، والأرْضُ في السَّماءِ ﴿وما في الأرْضِ﴾ وكَذَلِكَ الأراضِي والكُلُّ في العَرْشِ وهو ذُو العَرْشِ العَظِيمِ. ولَمّا أمَرَهُ ﷺ بِالإعْراضِ عَنْهم وسَلّاهُ وأعْلَمَهُ أنَّ الكُلَّ في مِلْكِهِ، فَلَوْ شاءَ لَهَداهم ورَفَعَ النِّزاعَ، ولَكِنَّهُ لَهُ في ذَلِكَ حِكَمٌ تَحارُ فِيها الأفْكارُ، عَلَّلَ الإعْراضَ كَما تَقَدَّمَ في الجاثِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ [الجاثية: ١٤] أيْ يُعاقِبَ هو سُبْحانَهُ كافِيًا لَكَ ما أهَمَّكَ مِن ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وكَما أنَّهُ سُبْحانَهُ مالِكُ ذَلِكَ فَهو مَلِكُهُ لِيَحْكُمَ بِجَزاءِ كُلٍّ عَلى حَسَبِ ما يَسْتَحِقُّ، فَإنَّ الحُكْمَ نَتِيجَةُ المُلْكِ ﴿الَّذِينَ أساءُوا﴾ بِالضَّلالِ ﴿بِما عَمِلُوا﴾ أيْ بِسَبَبِهِ وبِحَسَبِهِ إمّا بِواسِطَتِكَ وبِسُيُوفِكَ وسُيُوفِ أتْباعِكَ إذا أذِنْتُ لَكم في القِتالِ، وإمّا بِغَيْرِ ذَلِكَ بِالمَوْتِ حَتْفَ الأنْفِ بِضَرْبِ المَلائِكَةِ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ، ثُمَّ بِعَذابِ الآخِرَةِ عَلى جَمِيعِ ذُنُوبِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ عُجِّلَ لَهم في الدُّنْيا شَيْءٌ يَنْقُصُ بِسَبَبِهِ عَذابُ الآخِرَةِ ﴿ويَجْزِيَ﴾ أيْ يُثَبِّتَ ويُكْرِمَ ﴿الَّذِينَ أحْسَنُوا﴾ أيْ عَلى ثَباتِهِمْ عَلى الدِّينِ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِ وعَلى أذى أعْدائِهِمْ ﴿بِالحُسْنى﴾ (p-٦٧)أيِ الثُّبُوتِ الَّذِي هو في غايَةِ الحُسْنِ ما بَعْدَها غايَةٌ، فَإنَّ الحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ.

النجم 53:32

ولَمّا وعَدَ الَّذِينَ وقَعَ مِنهُمُ الإحْسانَ، وصَفَهم فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ﴾ أيْ يُكَلِّفُونَ أنْفُسَهم ويُجْهِدُونَها عَلى أنْ يَتْرُكُوا ﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾ أيْ ما عَظَّمَ الشّارِعُ إثْمَهُ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِالوَعِيدِ والحَدِّ، وعَطَفَ عَلى ”﴿كَبائِرَ الإثْمِ﴾“ قَوْلَهُ: ﴿والفَواحِشَ﴾ والفاحِشَةُ مِنَ الكَبائِرِ ما يَكْرَهُهُ الطَّبْعُ ويُنْكِرُهُ العَقْلُ ويَسْتَخِسُّهُ. ولَمّا أفْهَمَ هَذا التَّقْيِيدُ أنَّ مَن خالَطَ ما دُونَ فَما دُونَ كانَ مَغْفُورًا لَهُ، صَرَّحَ بِهِ فَقالَ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنَّ ﴿اللَّمَمَ﴾ مَعْفُوٌّ، فَمَن خالَطَهُ لا يَخْرُجُ عَنْ عِدادِ مَن أحْسَنَ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، ولَعَلَّهُ وضَعَ فِيهِ ”إلّا“ مَوْضِعَ ”لَكِنَّ“ إشارَةً إلى الصَّغِيرِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ كَبِيرًا بِاسْتِهانَتِهِ مَثَلًا كَما قالَ تَعالى ﴿وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] واللَّمَمُ هو صِغارُ الذُّنُوبِ، والمُرادُ هُنا ما يَحْصُلُ مِنها في الأحْيانِ كَأنَّهُ وقَعَ في صاحِبِهِ فَلْتَةً بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهُ، لا ما يُتَّخَذُ عادَةً أوْ يَكْثُرُ حَتّى يَصِيرَ كالعادَةِ، قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وأصْلُهُ مُقارَبَةُ الذَّنْبِ ثُمَّ الِامْتِناعُ مِنهُ قَبْلَ الفِعْلِ، قالَ ذُو النُّونِ: ذِكْرُ الفاحِشَةِ مِنَ العارِفِ كَفِعْلِها مِن غَيْرِهِ - انْتَهى. يُقالُ: وألَمَّ بِالمَكانِ - إذا قَلَّ لُبْثُهُ فِيهِ، وقالَ البَغْوِيُّ: قالَ السُّدِّيُّ: قالَ أبُو صالِحٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ اللَّمَمِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ يُلِمُّ بِالذَّنْبِ (p-٦٨)ثُمَّ لا يُعاوِدُهُ، قالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: لَقَدْ أعانَكَ عَلَيْها مَلَكٌ كَرِيمٌ، ثُمَّ قالَ البَغْوِيُّ: فَأصْلُ اللَّمَمِ والإلْمامِ ما يَعْمَلُهُ الإنْسانُ الحِينَ بَعْدَ الحِينِ، ولا يَكُونُ لَهُ إعادَةٌ ولا إقامَةٌ عَلَيْهِ - انْتَهى - وعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا. ولَمّا كانَ المُلُوكُ لا يَغْفِرُونَ لِمَن تَكَرَّرَتْ ذُنُوبُهُ إلَيْهِمْ وإنْ صَغُرَتْ، فَكانَ السّامِعُ يَسْتَعْظِمُ أنْ يَغْفِرَ مَلِكُ المُلُوكِ سُبْحانَهُ مِثْلَ هَذا، عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ والتَّخْفِيفِ عَنْ أُمَّتِكَ ﴿واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ فَهو يَغْفِرُ الصَّغائِرَ حَقًّا أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ ويَغْفِرُ الكَبائِرَ إنْ شاءَ بِخِلافِ غَيْرِهِ مِنَ المُلُوكِ فَإنَّهُ لَوْ أرادَ ذَلِكَ ما أمْكَنَهُ أتْباعُهُ، ولَوْ جاهَدَ حَتّى تَمَكَّنَ مِن ذَلِكَ في وقْتٍ فَسَدَتْ مَمْلَكَتُهُ فَأدّى ذَلِكَ إلى زَوالِ المُلْكِ مِن يَدِهِ أوِ اخْتِلالِهِ. ولَمّا وصَفَ الَّذِينَ أحْسَنُوا فَكانَ رُبَّما وُقِعَ في وهْمِ أنَّهُ لا يَعْلَمُهم سُبْحانَهُ إلّا بِأفْعالِهِمْ، ورُبَّما قَطَعَ مَن عَمِلَ بِمَضْمُونِ الآيَةِ أنَّهُ مِمَّنْ أحْسَنَ، قالَ نافِيًا لِذَلِكَ: ﴿هُوَ أعْلَمُ بِكُمْ﴾ أيْ بِذَواتِكم وأحْوالِكم مِنكم بِأنْفُسِكم ﴿إذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ ابْتِداءً ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ الَّتِي طَبْعُها طَبْعُ المَوْتِ: البَرْدُ واليُبْسُ بِإنْشاءِ أبِيكم آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها وتَهْيِئَتِكم لِلتَّكْوِينِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ فِيكم تَقْوِيَةٌ قَرِيبَةٌ ولا بَعِيدَةٌ أصْلًا يُمَيِّزُ الثَّوابَ الَّذِي يَصْلُحُ لِتَكَوُّنِكم مِنهُ والَّذِي لا يَصْلُحُ ﴿وإذْ﴾ أيْ حِينَ ﴿أنْتُمْ أجِنَّةٌ﴾ أيْ مَسْتُورُونَ. (p-٦٩)ولَمّا كانَ البَشَرُ قَدْ يَكُونُ في بَطْنِ الأرْضِ وإنْ كانَ الجَنِينُ مَعْرُوفًا لِلطِّفْلِ في البَطْنِ، حَقَّقَ مَعْناهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ بَعْدَ أنْ مُزِجَ بِذَلِكَ التُّرابِ البارِدِ اليابِسِ الماءُ والهَواءُ، فَنَشَأتِ الحَرارَةُ والرُّطُوبَةُ، فَكانَتْ هَذِهِ الأرْبَعَةُ الأخْلاطُ الزَّكِيَّةُ والدَّنِيَّةُ، ولَكِنْ لا عِلْمَ لَكم أصْلًا، فَهو يَعْلَمُ إذْ ذاكَ ما أنْتُمْ صائِرُونَ إلَيْهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ وإنْ عَمِلْتُمْ مُدَّةً مِنَ العُمْرِ بِخِلافِ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَعْلَمُ ما جَبَلَكم عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ إلّا ما يَكُونُ في أنْفُسِكم حالَ كَوْنِهِ أنَّكم لا تُحِيطُونَ بِهِ إذْ ذاكَ عِلْمًا. ولَمّا كانَ مِن عادَةِ مَن سَلِمَ مِنَ الذُّنُوبِ أنْ يَفْتَخِرَ عَلى مَن قارَفَها لِما بُنِيَ الإنْسانُ عَلَيْهِ مِن مَحَبَّةِ الفَخْرِ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ مِنَ النُّقْصانِ، وكانَ حالُهُ قَدْ يَتَبَدَّلُ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَشْقى، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَلا تُزَكُّوا﴾ أيْ تَمْدَحُوا بِالزَّكاةِ وهو البَرَكَةُ والطَّهارَةُ عَنِ الدَّناءَةِ ﴿أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ حَقِيقَةً بِأنْ يُثْنِيَ عَلى نَفْسِهِ فَإنَّ تَزْكِيَتَهُ لِنَفْسِهِ مِن عَلاماتِ كَوْنِهِ مَحْجُوبًا عَنِ اللَّهِ - قالَ القُشَيْرِيُّ - أوْ مَجازًا بِأنْ يُثْنِيَ عَلى غَيْرِهِ مِن إخْوانِهِ فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يُثْنِي بِشَيْءٍ فَيَظْهَرُ خِلافُهُ، ورُبَّما حَصَلَ لَهُ الأذى بِسَبَبِهِ «وإنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا باعٌ أوْ ذِراعٌ» الحَدِيثُ، ولِذَلِكَ عَلَّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ أعْلَمُ﴾ أيْ مِنكم ومِن جَمِيعِ الخَلْقِ ﴿بِمَنِ اتَّقى﴾ أيْ جاهَدَ نَفْسَهُ حَتّى حَصَلَ فِيهِ تَقْوى، فَهو يُوصِلُهُ فَوْقَ ما يُؤَمِّلُ مِنَ الثَّوابِ في الدّارَيْنِ، فَكَيْفَ بِمَن صارَتْ لَهُ التَّقْوى وصْفًا ثابِتًا.

النجم 53:33

ولَمّا أمَرَهُ سُبْحانَهُ بِالإعْراضِ عَمَّنْ تَوَلّى عَنِ التَّشَرُّفِ بِذِكْرِ المَلِكِ (p-٧٠)الأعْظَمِ واللِّجاءِ إلَيْهِ، ونَهى عَنِ التَّزْكِيَةِ لِلْجَهْلِ بِالعَواقِبِ، وكانَ قَدِ ارْتَدَّ ناسٌ عَنِ الإسْلامِ، كانَ سَبَبُ ارْتِدادِهِمْ إخْبارَهُ ﷺ عَنْ بَعْضِ ما رَأى مِنَ الآياتِ الكُبْرى لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ لَمّا نَزَلَتْ عَلَيْهِ ﷺ سَجْدَةُ النَّجْمِ وسَجَدَ فِيها ﷺ سَجَدَ مَعَهُ - كَما في البُخارِيِّ - المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ والجِنُّ والإنْسُ، ولَمْ يَكُنْ في ظَنِّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ انْقِلابُهم عَلى أدْبارِهِمْ بَعْدُ حَتّى ولا في ظَنِّ المُرْتَدِّينَ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿أفَرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرُونِي ﴿الَّذِي تَوَلّى﴾ أيْ عَنْ ذِكْرِنا بَعْدَ أنْ كانَ حَرِيصًا عَلَيْهِ، يَظُنُّ هو وأهْلُهُ أنَّهُ عَرِيقٌ في أهْلِهِ بِإيمانِهِ وأعْمالِهِ في أيّامِ إيمانِهِ

النجم 53:34

﴿وأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ ذَلِكَ العَطاءَ عَلى مَكْدِهِ وقِلَّتِهِ وأبْطَلَهُ وأفْسَدَهُ فَصارَ كالحافِرِ الَّذِي وصَلَ في حَفْرِهِ إلى كُدْيَةٍ، يُقالُ لِحافِرِ البِئْرِ: أجْبَلَ - إذا وصَلَ إلى جَبَلٍ، وأكْدى - إذا وصَلَ إلى كُدْيَةٍ أيْ صَفاةٍ عَظِيمَةٍ شَدِيدَةٍ لا تَعْمَلُ فِيها المَعاوِلُ، فَصارَ لا يَقْدِرُ مَعَها عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِيها بِشَيْءٍ مِن حِيَلِهِ، وقَدْ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمّا صادَفَ التُّرابَ اللَّيِّنَ يَظُنُّ أنَّهُ لا يَمْنَعُهُ مانِعٌ مِمّا يُرِيدُ، فَهَذا دَلِيلٌ خَبَرِيٌّ شُهُودِيٌّ عَلى أنَّهُ لا عِلْمَ لِأحَدٍ مِنَ الخَلْقِ بِما حَباهُ اللَّهُ في نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ ولا غَيْرَهُ، قِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ أسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ لِتَعْيِيرِ بَعْضِ المُشْرِكِينَ لَهُ، وقَوْلِهِ لَهُ ”ارْجِعْ وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ العَذابَ“ وهي تَصْلُحُ لِكُلِّ مَنِ ارْتَدَّ ظاهِرًا أوْ نافَقَ أوِ انْهَمَكَ في المَعاصِي بَعْدَ (p-٧١)إيمانِهِ مُعْرِضًا عَنِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

النجم 53:35

ولَمّا كانَ هَذا - وقَدْ وقَعَ في خَطَرٍ عَظِيمٍ مِن إفْسادِ العَمَلِ في الماضِي وتَرْكِهِ في المُسْتَقْبَلِ فَصارَ عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ في أحَدِهِما - يَتَعَلَّقُ بِأصْلِ الدِّينِ: الكُفْرِ والإيمانِ، وكانَ مِثْلُ هَذا لا يَفْعَلُهُ عاقِلٌ بِنَفْسِهِ إلّا عَنْ بَصِيرَةٍ، قالَ تَعالى مُوَبِّخًا لَهُ مُقَرِّعًا: ﴿أعِنْدَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿عِلْمُ الغَيْبِ﴾ أيْ كُلِّهِ بِحَيْثُ لا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ يُمْكِنُ أنْ يُخْفِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنهُ ﴿فَهُوَ﴾ أيْ فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنَّهُ ﴿يَرى﴾ أيِ الرُّؤْيَةَ الكامِلَةَ فَيَعْلَمُ جَمِيعَ ما يَنْفَعُهُ فَيَرْتَكِبُهُ وجَمِيعَ ما يَضُرُّهُ فَيَجْتَنِبُهُ ويَعْلَمُ أنَّ هَذا القَلِيلَ الَّذِي أعْطاهُ قَدْ قُبِلَ وأمِنَ بِهِ مِنَ العَطَبِ فاكْتَفى بِهِ.

النجم 53:36

ولَمّا كانَ الغَبِيُّ قَدْ يَظُنُّ أنَّ عَمَلَ غَيْرِهِ يَنْفَعُهُ، عَبَّرَ عَنْهُ جامِعًا لِلْوَعْظِ والتَّهْوِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ﴾ أيْ يُخْبَرْ إخْبارًا عَظِيمًا مُتَتابِعًا ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ أيِ التَّوْراةِ المَنسُوبَةِ إلَيْهِ بِإنْزالِها عَلَيْهِ وكَذا ما يَتْبَعُها مِن أسْفارِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَهُ بِتَقْرِيرِها.

النجم 53:37

ولَمّا قَدَّمَ كِتابَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِهِ أعْظَمَ كِتابٍ بَعْدَ القُرْآنِ مَعَ أنَّهُ مَوْجُودٌ بَيْنَ النّاسِ يُمْكِنُ مُراجَعَتُهُ، قالَ: ﴿وإبْراهِيمَ﴾ ومَدَحَهُ بِقَوْلِهِ دالًّا بِتَشْدِيدِ الفِعْلِ عَلى غايَةِ الوَفاءِ: ﴿الَّذِي وفّى﴾ أيْ أتَمَّ ما أُمِرَ بِهِ وما امْتُحِنَ بِهِ وما قَلِقَ شَيْئًا مِن قَلَقٍ، وكانَ أوَّلَ مَن هاجَرَ قَوْمَهُ وصَبَرَ عَلى حَرِّ ذَبْحِ الوَلَدِ وكَذا عَلى حَرِّ النّارِ ولَمْ يَسْتَعِنْ بِمَخْلُوقٍ، وخَصَّ هَذَيْنِ النَّبِيَّيْنِ لِأنَّ المُدَّعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ اليَهُودَ (p-٧٢)والنَّصارى يَدَّعُونَ مُتابَعَةَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ العَرَبِ يَدَّعُونَ مُتابَعَةَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن عَداهم لا مُتَمَسَّكَ لَهم ولا سَلَفَ في نُبُوَّةٍ مُحَقَّقَةٍ ولا شَرِيعَةٍ مَحْفُوظَةٍ، ثُمَّ فَسَّرَ الَّذِي في الصُّحُفِ أوِ اسْتَأْنَفَ بِقَوْلِهِ:

النجم 53:38

﴿ألا تَزِرُ﴾ أيْ تَأْثَمُ وتَحْمِلُ ﴿وازِرَةٌ﴾ أيْ نَفْسٌ بَلَغَتْ مَبْلَغًا تَكُونُ فِيهِ حامِلَةً ﴿وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ حِمْلَها الثَّقِيلَ مِنَ الإثْمِ، يَعْنِي فَمَن يَحْمِلُ عَنْهُ إثْمَ أحَدِ الشِّقَّيْنِ الَّذِي لَزِمَهُ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ آثِمًا وهُما قَبْلَ التَّوَلِّي وما بَعْدَهُ.

النجم 53:39

ولَمّا نَفى أنْ يَضُرَّهُ إثْمُ غَيْرِهِ نَفى أنْ يَنْفَعَهُ سَعْيُ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿وأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ﴾ كائِنًا مَن كانَ ﴿إلا ما سَعى﴾ فَلا بُدَّ أنْ يَعْلَمَ الحَقَّ في أيِّ جِهَةٍ فَيَسْعى، ودُعاءُ المُؤْمِنِينَ لِلْمُؤْمِنِ سَعْيُهُ بِمُوادَدَتِهِ لَهم ولَوْ بِمُوافَقَتِهِ لَهم في الدِّينِ وكَذا الحَجُّ عَنْهُ والصَّدَقَةُ ونَحْوُهُما، وأمّا الوَلَدُ فَواضِحٌ في ذَلِكَ، وأمّا ما كانَ لِسَبَبِ العِلْمِ ونَحْوِهِما فَكَذَلِكَ، وتَضْحِيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في عَزامَتِهِ أصْلٌ كَبِيرٌ في ذَلِكَ، فَإنَّ مَن تَبِعَهُ فَقَدْ وادَدَهُ، وهَذا أصْلٌ في التَّصَدُّقِ عَنِ الغَيْرِ وإهْداءُ ما لَهُ مِنَ الثَّوابِ في القِراءَةِ ونَحْوِها.

النجم 53:40

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولا عَلَيْهِ إلّا ما عَمِلَ، وكانَ في الدُّنْيا قَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ ولا يَراهُ مِن فِعْلِهِ لِأجْلِهِ ولا غَيْرِهِ، نَفى أنْ يَكُونَ الآخِرَةُ كَذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ سَعْيَهُ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ ﴿سَوْفَ﴾ أيْ مِن غَيْرِ شَكٍّ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ طالَ المَدى. (p-٧٣)ولَمّا كانَ الِاطِّلاعُ نَفْسُهُ مَرْضِيًّا أوْ مَخْزِيًّا لا بِالنِّسْبَةِ لِأحَدٍ بِعَيْنِهِ، بَناهُ لِلْمَجْهُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرى﴾

النجم 53:41

ولَمّا كانَ المَخُوفُ مِنهُ المُجازاةَ مُطْلَقًا لا مِن مُجازٍ مُعَيَّنٍ قالَ: ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ﴾ ولَمّا كانَ في هَذِهِ الدّارِ رُبَّما وقَعَتِ المُسامَحَةُ بِبَعْضِ الأشْياءِ والغَفْلَةُ عَنْ بَعْضِها، قالَ: ﴿الجَزاءَ الأوْفى﴾ أيِ الإثْمَ الأكْمَلَ، إنْ كانَ خَيْرًا فَمَعَ المُضاعَفَةِ، وإنْ كانَ غَيْرُهُ فَعَلى السَّواءِ لِمَن أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، لَكِنَّهُ تَذْكِرَةٌ لَهُ.

النجم 53:42

ولَمّا كانَتْ رُؤْيَةُ الأعْمالِ لا تَقْطَعُ بِرُؤْيَةِ المُتَوَكِّلِينَ بِها مِنَ المَلائِكَةِ أوْ غَيْرِها مِمَّنْ أقامَهُ اللَّهُ لِذَلِكَ، وكانَ الرّائِي كُلَّما كانَ أكْثَرَ كانَ الأمْرُ أهْوَلَ، وكانَ رُؤْيَةُ المَلِكِ الأعْظَمِ أخْوَفَ، قالَ عاطِفًا عَلى ”لا تَزِرُ“ مُبَيِّنًا بِحُرُوفِ الغايَةِ أنَّ الرّائِينَ لِلْأعْمالِ كَثِيرٌ لِكَثْرَةِ جُنُودِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وأنَّ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ لا غَيْرِهِ ﴿المُنْتَهى﴾ أيِ الِانْتِهاءَ بِرُجُوعِ الخَلائِقِ حِسًّا بِالبَعْثِ ومَعْنًى بِالعَمَلِ والعِلْمِ، وإسْنادِ الأُمُورِ وإرْسالِ الآمالِ، ومَكانِ رُجُوعِهِمْ وزَمانِهِ كَما كانَ مِنهُ المُبْتَدَأُ، أكَّدَ ذَلِكَ خَلْقًا لِذَلِكَ كُلِّهِ وحِسابًا عَلَيْهِ، رَوى البَغْوِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي جَعْفَرٍ الرّازِيِّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ «لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ» قالَ: ومِثْلُ هَذا ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تَتَفَكَّرُوا في الخالِقِ فَإنَّهُ لا يُحِيطُ بِهِ الفِكْرَةُ» ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «لا تَتَفَكَّرُوا في اللَّهِ فَإنَّكم لَنْ تَقْدُرُوا قَدْرَهُ»، هَذا هو (p-٧٤)المُرادُ وهو واضِحٌ، فَمَن أوَّلَ الآيَةَ بِاتِّحادٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإلْحادِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وعَلى الذّابِّ عَنْهُ والسّاكِتِ عَنْهُ.

النجم 53:43

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الأُمُورَ الِاخْتِيارِيَّةَ وقَدَّمَها لِأنَّها مَحَطٌّ لِلْبَلاءِ وسَلَبَ عِلْمَها عَنْ أصْحابِها، وحَذَّرَ مِن عاقِبَتِها بِإحاطَتِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، وكانَ مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ القادِرُ لا غَيْرُهُ والعالِمُ لا غَيْرُهُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ذاكِرًا لِلْأُمُورِ الِاضْطِرارِيَّةِ الَّتِي هي في غايَةِ التَّنافِي إكْمالًا لِلدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في النُّفُوسِ دُونَ أصْحابِها وغَيْرِهِمْ وأنَّهُ إلَيْهِ المُنْتَهى إعادَةً وإبْداءً، يُوقِفُ ما يَشاءُ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي تُفْعَلُ بِإذْنِهِ مِنَ الضَّحِكِ أوِ البُكاءِ وغَيْرِهِما مِنَ الأُمُورِ المُنافِيَةِ الَّتِي لَوْلا الإلْفُ لَها لَقَضى الإنْسانُ أنَّ المُتَلَبِّسَ بِأحَدِهِما لا يَتَلَبَّسُ بِضِدِّهِ أصْلًا مِن غَيْرِها ﴿وأنَّهُ﴾ ولَمّا كانَتِ التَّأْثِيراتُ الإدْراكِيَّةُ تُحالُ عَلى أسْبابِها، أكَّدَ الكَلامَ فِيها فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿أضْحَكَ وأبْكى﴾ أيْ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ قَبْلَ وقْتِ الضَّحِكِ أوِ البُكاءِ أنَّهُ يَضْحَكُ أوْ يَبْكِي ولا أنَّهُ يَأْتِيهِ ما يُعْجِبُهُ أوْ يُحْزِنُهُ، ولَوْ قِيلَ لَهُ حالَةَ الضَّحِكِ أنَّهُ بَعْدَ ساعَةٍ يَبْكِي لَأنْكَرَ ذَلِكَ، ورُبَّما أدْرَكَهُ ما أبْكاهُ وهو في الضَّحِكِ وبِالعَكْسِ.

النجم 53:44

ولَمّا كانَتِ الإماتَةُ والإحْياءُ أعْظَمَ تَنافِيًا بِما مَضى، فَكانَتِ القُدْرَةُ عَلى إيجادِها في الشَّخْصِ الواحِدِ أعْظَمَ ما يَكُونُ، وكانَ رُبَّما نُسِبَ إلى مَن قَتَلَ أوْ داوى مِن مَرَضٍ أوْ أطْلَقَ مَن وجَبَ قَتْلُهُ، أكَّدَ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ. ولَمّا كانَ الإلْباسُ في المَوْتِ أكْبَرَ، وكانَ المَوْتُ أنْسَبَ لِلْبُكاءِ، والإحْياءُ أنْسَبَ لِلضَّحِكِ، وكانَ طَرِيقُ النَّشْرِ المُشَوَّشِ (p-٧٥)أفْصَحَ، قَدَّمَهُ فَقالَ: ﴿أماتَ وأحْيا﴾ وإنْ رَأيْتُمْ أسْبابًا ظاهِرِيَّةً فَإنَّهُ لا عِبْرَةَ بِها أصْلًا في نَفْسِ الأمْرِ بَلْ هو الَّذِي خَلَقَها.

النجم 53:45

ولَمّا كانَ ذِكْرُ الإحْياءِ، وكانَ تَصْنِيفُ الوَلَدِ إلى نَوْعَيْهِ ظاهِرًا في اخْتِصاصِهِ، بَلْ وهو في غايَةِ التَّعَذُّرِ عَلى مَن سِواهُ، أعْراهُ عَنْ مِثْلِ التَّأْكِيدِ في الَّذِي قَبْلَهُ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ: ﴿الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ فَإنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِهِ لَمَنَعَ البَناتِ لِأنَّها مَكْرُوهَةٌ لِكُلِّ أحَدٍ، ثُمَّ ذَكَرَ ما يَظْهَرُ ولا بُدَّ أنَّهُ مِن صُنْعِهِ فَتَسَبَّبَ أنَّ مادَّةَ الِاثْنَيْنِ واحِدَةٌ وهو الماءُ الَّذِي هو أشَدُّ الأشْياءِ امْتِزاجًا فَقالَ:

النجم 53:46

﴿مِن نُطْفَةٍ﴾ وصَوَّرَ كَوْنَها مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿إذا تُمْنى﴾ أيْ تُراقُ وتُدْفَقُ بِالفِعْلِ لا قَبْلَ ذَلِكَ لِيُمْكِنَ فِيهِ طَعْنٌ بِأنَّهُ كانَ بَدْءًا أوْ غَيْرَهُ بَلْ أنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُخْلَقُ الوَلَدُ إلّا بَعْدَ الإمْناءِ بِالفِعْلِ، وخَرَجَ أصْلُهُ ما يُمَكِّنُ خَلْقًا مِن خَلْقِ اللَّهِ أنْ يَعْرِفَ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ أهُوَ صالِحٌ لِلْأُنْثى فَقَطْ أوْ لِلذَّكَرِ فَقَطْ أوْ لَهُما أوْ لِلْأشْكالِ بِالخُنُوثَةِ.

النجم 53:47

ولَمّا ساقَ هَذِهِ الأشْياءَ دَلِيلًا عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ فَلَزِمَها أنْ دَلَّتْ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ، وخَتَمَها بِالنَّشْأةِ الأُولى فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ الإقْرارُ حَتْمًا بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى البَعْثِ، عَبَّرَ بِما يَقْتَضِي أنَّهُ لَمّا تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ عَلى جَمِيعِ ألْسِنَةِ رُسُلِهِ صارَ واجِبًا عَلَيْهِ بِمَعْنى أنَّهُ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ، لا غَيْرَ ذَلِكَ، فَعَبَّرَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ تَأْكِيدًا لَهُ رَدًّا لِإنْكارِهِمْ إيّاهُ فَقالَ: ﴿وأنَّ عَلَيْهِ﴾ أيْ خاصًّا بِهِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿النَّشْأةَ﴾ أيِ الحَياةَ وهو مَمْدُودٌ لِابْنِ (p-٧٦)كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو ومَقْصُورٌ لِغَيْرِهِما مَصْدَرُ نَشَأ - إذا حَنى ورَبّى وسَنَّ ﴿الأُخْرى﴾ أيِ الَّتِي يَنْشَأُ بِها الخَلْقُ بَعْدَ أنْ يُمِيتَهم.

النجم 53:48

ولَمّا كانَ الغِنى والفَقْرُ مِنَ الأُمُورِ المُتَوَسِّطَةِ بَيْنَ الِاخْتِيارِيَّةِ والِاضْطِرارِيَّةِ لَهُ بِكُلِّ الأمْرَيْنِ لِسَبَبٍ وكانَ مَقْسُومًا بَيْنَ الإناثِ والذُّكُورِ بِحِكْمَةٍ رَبّانِيَّةٍ لا يَنْفَعُ الذَّكَرَ فِيها قُوَّتُهُ ولا يَضُرُّ الأُنْثى ضَعْفُها، وكانَ ذِكْرُ النَّشْأةِ الآخِرَةِ كالمُعْتَرِضِ إنَّما أوْجَبَ ذِكْرَ النَّشْأةِ الأُولى، تَعَقَّبَ ذِكْرَهُما بِهِ وكانَ ذِكْرُ الغِنى مَعَ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى الفَقْرِ ألْيَقَ بِالِامْتِنانِ، والنِّسْبَةُ إلى الرَّبِّ، وكانَ الغِنى الحَقِيقِيُّ إنَّما يَكُونُ في تِلْكَ الدّارِ، أخَّرَ ذِكْرَهُ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ﴾ ولَمّا كانَ رُبَّما نُسِبَ إلى السَّعْيِ وغَيْرِهِ، أكَّدَ بِالفِعْلِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى سَعْيِ ساعٍ ولا غَيْرِهِ ﴿أغْنى﴾ ولَمّا كانَ الغِنى في الحَقِيقَةِ إنَّما هو غِنى النَّفْسِ، وهو رِضاها بِما قُسِمَ لَها وسُكُونُها وطُمَأْنِينَتُها، وإنَّما سُمِّيَ ذُو المالِ غَنِيًّا لِأنَّ المالَ بِحَيْثُ تَطْمَئِنُّ مَعَهُ النَّفْسُ، فَمَن كانَ راضِيًا بِكُلِّ ما قَسَمَ اللَّهُ بِهِ فَهو غَنِيٌّ، وهو في الجِنانَةِ مَغْنِيٌّ وإنْ كانَ في الدُّنْيا ﴿وأقْنى﴾ أيْ أمْكَنَ مِنَ المالِ وأرْضى بِجَمِيعِ الأحْوالِ قالَ البَغْوِيُّ: أعْطى أُصُولَ المالِ وما يُدَّخَرُ بَعْدَ الكِفايَةِ، قالَ: وقالَ الأخْفَشُ أقْنى أفْقَرَ - انْتَهى. ونَقَلَ الأصْبَهانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أبِي زَيْدٍ، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ لِلْإزالَةِ ويُقالُ، أفْناهُ بِكَذا أرْضاهُ، وأقْناهُ الصَّدُّ: أمْكَنَهُ مِنهُ.

النجم 53:49

ولَمّا كانَتِ الشِّعْرى لِأنَّها تَقْطَعُ السَّماءَ عَرْضًا أدَلَّ النُّجُومِ بَعْدَ تَمامِ (p-٧٧)القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ مَعَ أنَّها مِمّا دَخَلَ تَحْتَ ذَلِكَ الجِنْسِ المُقْسَمِ بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ، وهي لِمُرُورِها في سَيْرِها عَرْضًا عَلى جَمِيعِ المَنازِلِ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تُسْتَمْطَرُ بِها وتُنْسَبُ بِالإتْيانِ بِالحَدِّ المُوجِبِ لِلْغِنى إلَيْها كانَتْ قَدْ عَبَدَها مِن دُونِ اللَّهِ أبُو كَبْشَةَ الخُزاعِيُّ لِكَوْنِها عِنْدَهُ أجَلَّ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى دالًّا بِالتَّأْكِيدِ عَلى سَفاهَةِ مَن عَبَدَها: ﴿وأنَّهُ هُوَ﴾ أيْ لا غَيْرُهُ ﴿رَبُّ الشِّعْرى﴾ أيِ الكامِلَةِ في مَعْناها وهي العُبُورُ، وأهْلُ عِلْمِ النُّجُومِ يَقُولُونَ، إنَّ الأحْكامَ النُّجُومِيَّةَ المَنسُوبَةَ إلَيْها أصَحُّ ما يُنْسَبُ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، وهي نَجْمٌ يُضِيءُ خَلْفَ الجَوْزاءِ، ويُسَمّى كَلْبَ الجَبّارِ، وسُمِّيَتِ الجَوْزاءُ بِالجَبّارِ تَشْبِيهًا لَها بِمَلِكٍ عَلى كُرْسِيِّهِ وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ، وقالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: هي أحَدُ كَوْكَبَيْ ذِراعَيِ الأسَدِ، وقالَ ابْنُ القاصِّ في كِتابِ دَلائِلِ القِبْلَةِ: وتُرى عِنْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ نَيِّرَةً زائِدًا نُورُها عَلى نُورِ سائِرِ الكَواكِبِ حَوْلَها، وقَدْ طَمَسَ الصُّبْحُ نُورَ سائِرِ الكَواكِبِ، وأمّا الشِّعْرى الأُخْرى فَهي الغُمَيْصاءُ - بِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ والصّادِ المُهْمَلَةِ - فَهي أقَلُّ نُورًا مِنها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الغُمَيْصاءَ، وقالَ القَزّازُ في جامِعِهِ: وقِيلَ: بَكَتْ عَلى أُخْتِها فَغَمِصَتْ عَيْنُها، أيْ غارَتْ وذَهَبَتْ.

النجم 53:50

ولَمّا دَلَّ سُبْحانَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وشُمُولِ قُدْرَتِهِ بِأُمُورِ الخافِقَيْنِ: العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ، فَكانَ ذَلِكَ داعِيًا إلى الإقْبالِ عَلى ما يُرْضِيهِ، وناهِيًا عَنِ الإلْمامِ بِما يُسْخِطُهُ، شَرَعَ في التَّهْدِيدِ لِمَن وقَفَ عَنْ ذَلِكَ بِما وقَعَ في مَصارِعِ الأوَّلِينَ مِن عَجائِبِ قُدْرَتِهِ فَقالَ: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا﴾ ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ لِأنَّهُ لَمْ يُدَّعَ في أحَدٍ غَيْرِهِ إهْلاكُهُمْ، وهَوَّلَ أمْرَهم بِقَوْلِهِ: (p-٧٨)﴿الأُولى﴾ أيِ القُدَماءَ في الزَّمانِ جِدًّا دَلالَةً عَلى أنَّهُ المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ، وقَدَّمَهم لِأنَّ الشَّرَّ أتاهم مِن حَيْثُ ظَنُّوهُ خَيْرًا وجَزَمُوا بِأنَّهُ مِنَ الأنْواءِ النّافِعَةِ الَّتِي كانَتْ عادَتُهُمُ اسْتِمْطارَها، وقِيلَ: إنَّ عادًا قَبِيلَتانِ: والأُولى قَوْمُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ والأُخْرى إرَمُ ذاتُ العِمادِ - قالَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ القُشَيْرِيُّ، قالَ البَغْوِيُّ: وكانَ لَهم عَقِبٌ فَكانُوا عادًا الأُخْرى، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وعادًا الأُولى هُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] ﴿إرَمَ﴾ [الفجر: ٧] وإنَّما قِيلَ لَهم عادًا الأُولى لِأنَّ بَنِي لُقْيَمِ بْنِ هَزّالٍ هَزِيلِ بْنِ عَنْبَلَ بْنِ عادٍ كانُوا أيّامَ أرْسَلَ اللَّهُ عَلى هَؤُلاءِ عَذابَهُ سُكّانًا بِمَكَّةَ مَعَ إخْوانِهِمْ مِنَ العَمالِقَةِ ولَدِ عِمْلِيقِ بْنِ لاوِذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمْ يُصِبْهم مِنَ العَذابِ ما أصابَ قَوْمَهُ وهم عادٌ الأُخْرى، ثُمَّ هَلَكُوا بَعْدَ بَغْيِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فَتَفانَوْا، وقالَ غَيْرُ ابْنِ جَرِيرٍ: إنَّ إرَمَ هم عادٌ الأُخْرى، وعَطَفَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ:

النجم 53:51

﴿وثَمُودَ﴾ أيْ أهْلَكَهم ثُمَّ سَبَّبَ عَنِ الإهْلاكِ قَوْلَهُ: ﴿فَما أبْقى﴾ أيْ مِنَ الفَرِيقَيْنِ أحَدًا، ومَن قالَ: إنَّ عادًا قَبِيلَتانِ جَعَلَ عَدَمَ الإبْقاءِ خاصًّا بِثَمُودَ، وقِراءَةُ عاصِمٍ وحَمْزَةَ ويَعْقُوبَ بِمَنعِ الصَّرْفِ نَصٌّ في أنَّهم قَوْمُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِراءَةُ الباقِينَ بِالصَّرْفِ أنْسَبُ لِلْإهْلاكِ والإعْدامِ.

النجم 53:52

ولَمّا قَدَّمَ مَن كانَ إهْلاكُهم بِنَفْسِ الرِّيحِ الَّتِي هي مَبْدَأُ الأمْطارِ الآتِيَةِ لَهم في السَّحابِ، وأتْبَعَهم مَن إهْلاكُهم بِها بِحَمْلِها لِلصَّيْحَةِ وإرْجافِها (p-٧٩)بِهِمْ، أتْبَعَهم مَن كانَ إهْلاكُهم بِالماءِ الَّذِي هو غايَةُ السَّحابِ فَقالَ: ﴿وقَوْمَ نُوحٍ﴾ أيْ أهْلَكَهم لِأجْلِ ظُلْمِهِمْ بِالتَّكْذِيبِ، ولَمّا كانَ إهْلاكُهم في بَعْضِ الزَّمانِ الماضِي قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ الفَرِيقَيْنِ فَصارَ في الكَلامِ تَهْوِيلانِ يَهُزّانِ القَلْبَ ويَفْعَلانِ في النَّفْسِ: وصْفُ هَؤُلاءِ بِالقَبِيلَتَيْنِ وأُولَئِكَ بِالأُولى، ولَوْلا تَقْدِيمُهم ما كانَ هَذا، وعَلَّلَ هَلاكَهم بِما يُؤْذِنُ أنَّهُ لا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ قَوِيٍّ وضَعِيفٍ وقَلِيلٍ وكَثِيرٍ مُؤَكِّدًا لِأنَّ ما اشْتَهَرَ مِن طُغْيانِ عادٍ يُوجِبُ أنَّهم أطْغى النّاسِ: ﴿إنَّهم كانُوا﴾ أيْ بِما لَهم مِنَ الأخْلاقِ الَّتِي هي كالجِبالِ الَّتِي لا انْفِكاكَ عَنْها ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أظْلَمَ﴾ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ ﴿وأطْغى﴾ أيْ وأشَدَّ تَجاوُزًا في الظُّلْمِ وعُلُوًّا وإسْرافًا في المَعاصِي وتَجَبُّرًا وعُتُوًّا لِتَمادِي دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِأنَّهم أطْوَلُ أعْمارًا وأشَدُّ أبْدانًا، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ مِلْءَ الأرْضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلْفِرَقِ الثَّلاثَةِ.

النجم 53:53

ولَمّا ذَكَرَ الهَلاكَ بِالرِّيحِ العاصِفَةِ النّاشِئَةِ عَنْها ثُمَّ بِالماءِ النّاشِئِ عَنِ السَّحابِ النّاشِئِ عَنِ الرِّيحِ، ذَكَرَ الإهْلاكَ بِالرِّيحِ والنّارِ والماءِ إعْلامًا بِأنَّهُ الفاعِلُ وحْدَهُ بِما أرادَ مِنَ العَذابِ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي سَبَبُ الحَياةِ مُجْتَمِعَةً ومُنْفَرِدَةً، فَقالَ مُقَدِّمًا عَنِ العامِلِ إعْلامًا بِالتَّخْصِيصِ بِما ذَكَرَ مِنَ العَذابِ إفادَةً بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ يُعَذِّبْ فِرْقَةً بِما عَذَّبَ بِهِ الأُخْرى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ﴾ أيِ المُدُنَ المُقَلَّبَةَ عَنْ وُجُوهِها إلى أقْفائِها بِقُدْرَةٍ جَعَلَتْها مِن شِدَّتِها وعَظَمَتِها كَأنَّها انْقَلَبَتْ بِنَفْسِها مِن غَيْرِ قالِبٍ وذَلِكَ أنَّهُ سُبْحانَهُ فَتَّقَها مِنَ الأرْضِ فَفَتَقَها ثُمَّ دَفَعَها في الهَواءِ إلى عَنانِ السَّماءِ ثُمَّ (p-٨٠)قَلَبَها وأتْبَعَها حِجارَةَ النّارِ الكِبْرِيتِيَّةَ وغَمَرَها بِالماءِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن مِياهِ الدُّنْيا، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أهْوى﴾ أيْ رَفَعَ وحَطَّ وأنْزَلَ، فَكانَ الإنْزالُ إهْواءً حَقِيقِيًّا، والرَّفْعُ مَجازِيًّا لِأنَّهُ سَبَبُهُ وهي مُدُنُ قَوْمِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى الحِجارَةِ والماءِ بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنِ الإهْواءِ ومُعَقِّبًا لَهُ:

النجم 53:54

﴿فَغَشّاها﴾ أيْ أتْبَعَها ما غَطّاها فَكانَ لَها بِمَنزِلَةِ الغِشاءِ، وهَوَّلَها بِقَوْلِهِ: ﴿ما غَشّى﴾ أيْ أمْرٌ عَظِيمٌ مِنَ الحِجارَةِ وغَيْرِها لا يَسَعُ العُقُولَ وصْفُهُ، وقَدِ اشْتَمَلَ ما ذَكَرَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الصُّحُفِ عَلى بَيانِ ما يَنْفَعُ مِنَ الأعْمالِ وما يَضُرُّ وبَيانِ التَّوْحِيدِ بِإحاطَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالنِّهاياتِ الَّتِي لا نِهايَةَ بَعْدَها عِلْمًا وقُدْرَةً لِاخْتِصاصِهِ بِبَيانِ المَصْنُوعاتِ وبِبَيانِ البَعْثِ لِلتَّخْوِيفِ بِالآجِلِ وإهْلاكِ المُرْتَدِّينَ لِلتَّخْوِيفِ بِالعاجِلِ لِمَن كانَ قَلْبُهُ جافِيًا عَنِ النُّفُوذِ إلى الآجِلِ.

النجم 53:55

ولَمّا أهْلَكَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ الفِرَقِ فَلَمْ يَبْقَ مِن فُجّارِها أحَدٌ، وأنْجى مَن أطاعَهُ مِنهم فَلَمْ يَهْلِكْ مِنهم أحَدٌ، وكانَ إهْلاكُهُ لِكُلٍّ مِنها بِشَيْءٍ غَيْرِ ما هَلَكَ بِهِ الفَرِيقُ الآخَرُ، فَدَلَّ كُلٌّ مِن ذَلِكَ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وكانَ كُلُّ ما تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ النِّعَمِ والنِّقَمِ لِكَوْنِهِ كانَ أتَمَّ أوْجُهِ الحُكْمِ نِعْمَةً عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ لِما فِيها مِنَ التَّرْغِيبِ في ثَوابِهِ والتَّرْهِيبِ مِن عِقابِهِ، خاطَبَ سُبْحانَهُ رَأْسَ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ خِطابَهُ لَهُ أشَدُّ في تَذْكِيرِ غَيْرِهِ فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ عَطِيَّةِ المُحْسِنِ إلَيْكَ الَّتِي هي وجْهُ الإنْعامِ والإكْرامِ وهي إشارَةُ المَعْرِفَةِ بِهِ سُبْحانَهُ بِمَنزِلَةِ ظِلِّ الشَّخْصِ مِنَ الشَّخْصِ كَما أنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ ظِلٌّ إلّا لِشَخْصٍ (p-٨١)فَكَذَلِكَ فِعْلُ الفاعِلِ ولا أثَرَ لِلْمُؤَثِّرِ ﴿تَتَمارى﴾ أيْ تَشُكُّ بِإجالَةِ الخَواطِرِ في فِكْرِكَ في إرادَةِ هِدايَةِ قَوْمِكَ بِحَيْثُ لا تُرِيدُ أنَّ أحَدًا مِنهم يَهْلِكُ وقَدْ حَكَمَ رَبُّكَ بِإهْلاكِ كَثِيرٍ مِنهم لِما اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ، وكانَ بَعْضُ خَطَرِكَ في تِلْكَ الإجالَةِ يُشَكِّكُ بَعْضًا، ولَمّا تَمَّ الكَلامُ عَلى هَذا المِنهاجِ البَدِيعِ والنَّمَطِ الرَّفِيعِ في حِسانِ البَيانِ لِلْمَواعِظِ والشَّرْعِ والقِصَصِ القَدِيمَةِ والإنْذارِ العَظِيمِ التّامِّ عَلى وجْهٍ مُعْجِزٍ مِن وُجُوهٍ شَتّى، أنْتَجَ قَوْلَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا خاتِمًا السُّورَةَ بِما بَدَأ هُنا بِهِ مِن ذِكْرِهِ ﷺ:

النجم 53:56

﴿هَذا﴾ النَّبِيُّ ﷺ ﴿نَذِيرٌ﴾ أيْ مُحَذِّرٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ، ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ الماضُونَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَدْ تَقَرَّرَتْ رِسالَتُهم في النُّفُوسِ وسَكَنَتْ إلَيْها القُلُوبُ، بِحَيْثُ أنَّهُ لا يُسَعُ إنْكارُها، فَكانَ قَدْ أخْبَرَ عَنْ إنْكارِ مَن كَذَّبَهم لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ، وإنْجائِهِمْ وإنْجاءِ مَن صَدَّقَهم لِأجْلِ نُصْرَتِهِمْ، وكانَ لا فَرْقَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهم في ذَلِكَ إلّا أنَّ الرَّحْمَةَ بِهِ أبْلَغُ وأغْلَبُ، مُرَغِّبًا في اتِّباعِهِ مُرَهِّبًا مِن نِزاعِهِ، قالَ: ﴿مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ يَجِبُ لَهُ ما وجَبَ لَهم وأنْتُمْ كالمُنْذَرِينَ الأوَّلِينَ، فاحْذَرُوا ما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنهم وارْجُوا ما كانَ لِلْمُصَدِّقِينَ.

النجم 53:57

ولَمّا كانَ كُلُّ آتٍ قَرِيبًا، وكانَتِ السّاعَةُ - وهي ما أنْذَرَ بِهِ مِنَ القِيامَةِ ومِمّا دُونَها - لا بُدَّ مِن إتْيانِها لِما وقَعَ مِنَ الوَعْدِ الصّادِقِ بِهِ المُتْحَفِ بِالدَّلائِلِ الَّتِي لا تَقْبَلُ شَكًّا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكانَ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لا شَيْءَ أقْرَبُ مِنها، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِصِيغَةِ الماضِي الَّذِي قَدْ تَحَقَّقَ وُقُوعُهُ وبِاشْتِقاقِ الواقِعِ الفاعِلِ مِمّا مِنهُ الفِعْلُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ أيْ دَنَتِ (p-٨٢)السّاعَةُ الدّانِيَةُ في نَفْسِها الَّتِي وُصِفَتْ لَكم بِالفِعْلِ بِالقُرْبِ غَيْرَ مَرَّةٍ لِأنَّها مَحَطُّ الحِكْمَةِ وإظْهارِ العَظَمَةِ، وما خُلِقَ الخَلْقُ إلّا لِأجْلِها، المُشْتَمِلَةُ عَلى الضِّيقِ وسُوءِ العَيْشِ مِنَ القِيامَةِ، وكُلِّ ما وُعِدْتُمُوهُ في الدُّنْيا مِمّا يَكُونُ بِهِ ظُهُورُ هَذا الدِّينِ وقَمْعُ المُفْسِدِينَ.

النجم 53:58

ولَمّا ضاقَ الخِناقُ مِن ذِكْرِها عَلى هَذا الوَجْهِ، تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى دَفْعِها، فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿لَيْسَ لَها﴾ واسْتَدْرَكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ مَن أدْنى رُتْبَةً مِن رُتْبَةِ المَلِكِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿كاشِفَةٌ﴾ أيْ كاشِفٌ يُوجِدُها ويُقِيمُها ويُجَلِّي عِلْمَها، أوْ يَدْفَعُ كَرْبَها وهَمَّها وإنْ بالَغَ في الكَشْفِ وبِذَلِكَ الجُهْدِ فِيهِ، فالهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا كالجاثِيَةِ والكاذِبَةِ والباقِيَةِ فَيَكُونَ الهاءُ لِلتَّأْنِيثِ.

النجم 53:59

ولَمّا أفْهَمَ هَذا أنَّ اللَّهَ يَكْشِفُها أيْ يَكْشِفُ كَرْبَها مِمَّنْ يُرِيدُ مِن عِبادِهِ ويُثْقِلُهُ عَلى مَن يَشاءُ، ويَكْشِفُ عِلْمَها بِإقامَتِها، ولا حِيلَةَ لِغَيْرِهِ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بِوَجْهٍ، سَبَّبَ عَنْهُ وعَمّا تَقَدَّمَهُ مِنَ الإنْذارِ قَوْلَهُ مُنْكِرًا مُوَبِّخًا: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ القَوْلِ العَظِيمِ الَّذِي يَأْتِيكم عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ بِحَسَبِ الوَقائِعِ والحاجاتِ ﴿تَعْجَبُونَ﴾ إنْكارًا وهو في غايَةِ ما يَكُونُ مِن تَرْقِيقِ القُلُوبِ.

النجم 53:60

ولَمّا كانَ المُعَجِّبُ قَدْ يُمْسِكُ نَفْسَهُ عَنِ الضَّحِكِ، بَيَّنَ أنَّهم لَيْسُوا كَذَلِكَ فَقالَ: ﴿وتَضْحَكُونَ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً تُجَدِّدُونَ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ مُبْتَدَأٍ ضَحِكُكم مِنهُ وهو بَعِيدٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا كانَ إنَّما يُورِثُ الحُزْنَ بِكَوْنِهِ (p-٨٣)نَزَلَ بِالحُزْنِ قالَ: ﴿ولا تَبْكُونَ﴾ أيْ كَما هو حَقُّ مَن يَسْمَعُهُ.

النجم 53:61

ولَمّا كانَ البُكاءُ قَدْ يَكُونُ عَلى التَّقْصِيرِ في العَمَلِ، بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ أخْطَرُ مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وأنْتُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّكم في حالِ بُكائِكم ﴿سامِدُونَ﴾ أيْ دائِبُونَ في العَمَلِ جاهِدُونَ في العَمَلِ، فَإنَّ الأمْرَ جِدٌّ، فالدَّأبُ في العَمَلِ والجِدُّ فِيهِ حِينَئِذٍ عِلَّةٌ لِلْبُكاءِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَدْأبُونَ في العَمَلِ فَتَبْكُونَ، وإنَّما قُلْتُ ذَلِكَ لِأنَّ (”سَمَدَ“ مَعْناهُ دَأبَ في العَمَلِ ورَفَعَ رَأْسَهُ تَكَبُّرًا وعَلا، وسَمَدَتِ الإبِلُ: جَدَّتْ في السَّيْرِ، وسارَتْ سَيْرًا شَدِيدًا، واسْمادَّ: ورِمَ، وسَمَّدَ: قامَ مُتَحَيِّرًا وحَزِنَ وسُرَّ وغَفَلَ ولَهًا وقامَ وحَصَلَ ونامَ واهْتَمَّ وتَكَبَّرَ وتَحَيَّرَ وبَطِرَ وأشِرَ، وسَمَّدَ الأرْضَ: سَهَّلَها، وأيْضًا جَعَلَ فِيها السَّمادَ، أيِ السِّرْقِينَ، والشَّعَرَ: اسْتَأْصَلَهُ، وهو لَكَ سَمْدًا أيْ سَرْمَدًا، والسَّمِيدُ: الحُوّارى)، ذَكَرَ ذَلِكَ مَبْسُوطًا القَزّازُ في جامِعِهِ وصاحِبُ القامُوسِ. فالمادَّةُ كَما تَرى تَدُورُ عَلى انْتِشارِها عَلى الدَّأبِ في العَمَلِ فَتارَةً بِذِكْرِ مَبْدَئِهِ الباعِثِ عَلَيْهِ، وتارَةً النّاشِئِ عَنْهُ، وتارَةً ما بَيْنَهُما، وهو الجِدُّ في العَمَلِ، فَيَنْطَلِقُ الِاسْمُ عَلى كُلٍّ مِن ذَلِكَ تارَةً حَقِيقَةً ومَرَّةً بِمَجازِ الأوَّلِ، وأُخْرى بِمَجازِ الكَوْنِ، فالقَصْدُ باعِثٌ، وكَذا الِاهْتِمامُ والقِيامُ ورَفْعُ الرَّأْسِ ناشِئانِ عَنْهُما، وذَلِكَ أوَّلُهُ، والسَّدَمُ بِمَعْنى الحِرْصِ والهَمِّ واللَّهَجِ بِالشَّيْءِ، والسَّدِيمُ: الضَّبابُ الرَّقِيقُ، هو مَبْدَأُ الكَشْفِ، والمُسَدَّمُ: البَعِيرُ المُهْمَلُ وما دَبِرَ ظَهْرُهُ، كَأنَّهُ مِنَ الإزالَةِ، ورَكِيَّةٌ سُدْمٌ: مُتَدَفِّقَةٌ - لِلْمُعالَجَةِ في فَتْحِها، ولِأنَّ تَدَفُّقَها دَأبٌ في العَمَلِ، وكَذا سَدَمَ البابَ أيْ رَدَمَهُ، والدَّسَمُ: الوَدَكُ، لِأنَّهُ مُنَشِّطٌ عَلى العَمَلِ ومُنْشَأٌ (p-٨٤)مِنهُ، والوَضَرُ والدَّنَسُ، ودَسَمَ المَطَرُ الأرْضَ: بَلَّها قَلِيلًا، لِأنَّهُ مَبْدَأُ الكَثِيرِ، والقارُورَةَ: سَدَّها، والبابَ: أغْلَقَهُ، لِأنَّهُ يُعالِجُ في فَتْحِهِ، والدُّسْمَةُ: غُبْرَةٌ إلى السَّوادِ - كَأنَّهُ مَبْدَأُ السَّوادِ والدَّسِيمُ لِما لَمْ يَكُنْ أبَواهُ مِن نَوْعٍ واحِدٍ - كَأنَّهُ مَبْدَأٌ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنهُما ولِأنَّهُ يَلْزَمُ الخَلْطُ في العادَةِ العِلاجَ، ومِنهُ الدُّسْمَةُ لِلرَّدِيءِ مِنَ الرِّجالِ - كَأنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ فِيهِ النَّوْعُ، ولِأنَّ نَقْصَ الشَّيْءِ عَنْ عادَتِهِ يَلْزَمُهُ العِلاجُ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ، والدَّيْسَمُ: الرَّفِيقُ بِالعَمَلِ المُشْفِقُ، وأنا عَلى دَسْمٍ مِنَ الأمْرِ أيْ طَرَفٍ مِنهُ، والمَسَدُ - مُحَرَّكَةً: المِحْوَرُ مِنَ الحَدِيدِ، لِأنَّهُ آلَةُ الفَتْلِ، وحَبْلٌ مِنَ اللِّيفِ أوْ لِيفِ المُقْلِ لِأنَّهُ مَحَلُّ الدَّأبِ، والمِسادُ: نِحْيُ السَّمْنِ، ودَمَسَهُ: دَفَنَهُ، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مَبْدَأً ومَقْصِدًا، ومِنهُ دَمَسَ بَيْنَهُمْ: أصْلَحَ لِأنَّهُ دَفَنَ أحْقادَهم وعالَجَ في ذَلِكَ، والدَّمْسُ: إخْفاءُ الشَّيْءِ والظَّلامُ، لِأنَّهُ مُنْشِئُ التَّعَبِ، ودَمَسَ المَوْضِعُ: دَرَسَ - لِلتَّعَبِ في مَعْرِفَتِهِ، ودَمَسَ الإهابَ: غَطّاهُ لِيُمَشِّطَ شَعَرَهُ، والدَّمْسُ: الشَّخْصُ، وبِالتَّحْرِيكِ: ما غُطِّيَ، والدُّودَمِسُ بِالضَّمِّ: حَيَّةٌ مُجْرَنْفِشَةُ الغَلاصِيمِ تَنْفُخُ فَتُحْرِقُ ما أصابَتْ بِنَفْخِها، ومِن آثارِهِ النّاشِئَةِ عَنْهُ الوَرَمُ، وكَذا القِيامُ مُتَحَيِّرًا والغَفْلَةُ والسُّرُورُ والحُزْنُ واللَّهْوُ والنَّوْمُ والكِبْرُ والتَّبَخْتُرُ والعُلُوُّ والعُتا، والسَّمِيدُ أيِ الحُوّارى، والسَّمْدُ بِمَعْنى السَّرْمَدِ: والسَّمْدُ: الهَمُّ مَعَ نَدَمٍ أوِ الغَيْظُ مَعَ حُزْنٍ، والدِّيماسُ: الكِنُّ، وما بَيْنَ ذَلِكَ سَمَّدَ الأرْضَ والشَّعْرَ والسَّيْرُ الشَّدِيدُ والجِدُّ فِيهِ، وهو نَفْسُ الدَّأبِ، وكَذا السَّدِيمُ لِلْكَثِيرِ الذِّكْرِ، وماءٌ مُسَدَّمٌ وعاشِقٌ مُسَدَّمٌ: شَدِيدُ العِشْقِ، والدَّسِيمُ: ظُلْمَةُ السَّوادِ، والدَّسِيمُ، الكَثِيرُ الذِّكْرِ، ودَسَمَ البَعِيرَ: طَلاهُ بِالحِنّاءِ - والمَسْدُ: (p-٨٥)ادْآبُ السَّيْرِ - وبِالتَّحْرِيكِ: المَضْفُورُ المُحْكَمُ الفَتْلِ، ورَجُلٌ مَمْسُودٌ: مَجْدُولُ الخَلْقِ - شُبِّهَ بِهِ - وهي بِهاءٍ، ودَمَسَ بَيْنَهُمْ: أصْلَحَ، وهو مِنَ الدَّفْنِ أيْضًا لِأنَّهُ دَفَنَ أحْقادَهم فَنُبَيِّنُ أنَّ جَعْلَ السُّمُودِ في الآيَةِ بِمَعْنى الدَّأبِ في العَمَلِ هو الأوْلى، وأنَّ كَوْنَ الجُمْلَةِ حالًا مِن جَعْلِها مَعْطُوفَةً عَلى ”تَضْحَكُونَ“ - انْتَهى واللَّهُ أعْلَمُ.

النجم 53:62

ولَمّا حَثَّ عَلى السُّمُودِ، فَسَّرَهُ مُسَبِّبًا عَنِ الِاسْتِفْهامِ ومَدْخُولِهِ قَوْلَهُ: ﴿فاسْجُدُوا﴾ أيِ اخْضَعُوا خُضُوعًا كَثِيرًا بِالسُّجُودِ الَّذِي في الصَّلاةِ ﴿لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿واعْبُدُوا﴾ أيْ بِكُلِّ أنْواعِ العِبادَةِ فَإنَّهُ ”﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢]“ عَنِ الأمْرِ بِذَلِكَ ”﴿وما غَوى﴾ [النجم: ٢]“ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: قالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: تَعَبَّدَنا رَبُّنا مُخْلِصِينَ أنْ نَكُونَ لَهُ كالعَبِيدِ وأنْ يَكُونَ لِعَبِيدِهِ كَما هو لَهُمُ - انْتَهى، ولَوْ كانَ السُّمُودُ بِمَعْنى اللَّهْوِ كانَ الأنْسَبُ تَقْدِيمَهُ عَلى ”تَبْكُونَ“ - واللَّهُ أعْلَمُ، وقَدْ ظَهَرَ أنَّ آخِرَها نَتِيجَةُ أوَّلِها، ومُفَصَّلَها ثَمَرَةُ مُوصَلِها - واللَّهُ الهادِي.