Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الضحى 93:1 – قريش 106:4

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. الضحى 93:1
  2. الضحى 93:2
  3. الضحى 93:3
  4. الضحى 93:4
  5. الضحى 93:5
  6. الضحى 93:6
  7. الضحى 93:7
  8. الضحى 93:8
  9. الضحى 93:9
  10. الضحى 93:10
  11. الضحى 93:11
  12. الشرح 94:1
  13. الشرح 94:2
  14. الشرح 94:3
  15. الشرح 94:4
  16. الشرح 94:5
  17. الشرح 94:6
  18. الشرح 94:7
  19. الشرح 94:8
  20. التين 95:1
  21. التين 95:2
  22. التين 95:3
  23. التين 95:4
  24. التين 95:5
  25. التين 95:6
  26. التين 95:7
  27. التين 95:8
  28. العلق 96:1
  29. العلق 96:2
  30. العلق 96:3
  31. العلق 96:4
  32. العلق 96:5
  33. العلق 96:6
  34. العلق 96:7
  35. العلق 96:8
  36. العلق 96:9
  37. العلق 96:10
  38. العلق 96:11
  39. العلق 96:12
  40. العلق 96:13
  41. العلق 96:14
  42. العلق 96:15
  43. العلق 96:16
  44. العلق 96:17
  45. العلق 96:18
  46. العلق 96:19
  47. القدر 97:1
  48. القدر 97:2
  49. القدر 97:3
  50. القدر 97:4
  51. القدر 97:5
  52. البينة 98:1
  53. البينة 98:2
  54. البينة 98:3
  55. البينة 98:4
  56. البينة 98:5
  57. البينة 98:6
  58. البينة 98:7
  59. البينة 98:8
  60. الزلزلة 99:1
  61. الزلزلة 99:2
  62. الزلزلة 99:3
  63. الزلزلة 99:4
  64. الزلزلة 99:5
  65. الزلزلة 99:6
  66. الزلزلة 99:7
  67. الزلزلة 99:8
  68. العاديات 100:1
  69. العاديات 100:2
  70. العاديات 100:3
  71. العاديات 100:4
  72. العاديات 100:5
  73. العاديات 100:6
  74. العاديات 100:7
  75. العاديات 100:8
  76. العاديات 100:9
  77. العاديات 100:10
  78. العاديات 100:11
  79. القارعة 101:1
  80. القارعة 101:2
  81. القارعة 101:3
  82. القارعة 101:4
  83. القارعة 101:5
  84. القارعة 101:6
  85. القارعة 101:7
  86. القارعة 101:8
  87. القارعة 101:9
  88. القارعة 101:10
  89. القارعة 101:11
  90. التكاثر 102:1
  91. التكاثر 102:2
  92. التكاثر 102:3
  93. التكاثر 102:4
  94. التكاثر 102:5
  95. التكاثر 102:6
  96. التكاثر 102:7
  97. التكاثر 102:8
  98. العصر 103:1
  99. العصر 103:2
  100. العصر 103:3
  101. الهمزة 104:1
  102. الهمزة 104:2
  103. الهمزة 104:3
  104. الهمزة 104:4
  105. الهمزة 104:5
  106. الهمزة 104:6
  107. الهمزة 104:7
  108. الهمزة 104:8
  109. الهمزة 104:9
  110. الفيل 105:1
  111. الفيل 105:2
  112. الفيل 105:3
  113. الفيل 105:4
  114. الفيل 105:5
  115. قريش 106:1
  116. قريش 106:2
  117. قريش 106:3
  118. قريش 106:4

الضحى 93:1

(p-١٠٠)سُورَةُ الضُّحى مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى آخِرِ اللَّيْلِ بِأنَّ أتْقى الأتْقِياءِ الَّذِي هو الأتْقى عَلى الإطْلاقِ في عَيْنِ الرِّضا دائِمًا، لا يَنْفَكُّ عَنْهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لِما تَحَلّى بِهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي هي الإيصالُ لِلْمَقْصُودِ بِما لَها مِنَ النُّورِ المَعْنَوِيِّ كالضُّحى بِما لَهُ مِنَ النُّورِ الحِسِّيِّ الَّذِي هو أشْرَفُ ما في النَّهارِ وقَدْ عَلِمَ بِهَذا أنَّ اسْمَها أدَلُّ ما فِيها عَلى مَقْصُودِها ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُعِزُّ لِمَن أرادَ، الكَرِيمُ البَرُّ الوَدُودُ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّنْ بِنِعْمَتِهِ الإيجادُ الخاصُّ والعامُّ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أعْلى أهْلَ وِدِّهِ فَخَصَّهم بِإتْمامِ الإنْعامِ. * * ولَمّا حَكَمَ في آخِرِ اللَّيْلِ بِإسْعادِ الأتْقِياءِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ أتْقى الخَلْقِ مُطْلَقًا، وكانَ قَدْ قُطِعَ عَنْهُ الوَحْيُ حِينًا ابْتِلاءٌ لِمَن شاءَ مِن عِبادِهِ، وكانَ بِهِ ﷺ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ المَلَوانِ سَبَبُ [صَلاحِ] مَعاشِ الخُلُقِ وكَثِيرٌ مِن مَعادِهِمْ، أقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِهِما عَلى أنَّهُ أسْعَدُ الخَلائِقِ دُنْيا (p-١٠١)وأُخْرى، فَقالَ مُقَدِّمًا ما يُناسِبُ حالَ الأتْقى الَّذِي قَصَدَ بِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَصْدًا أوَّلِيًّا مِنَ النُّورِ الَّذِي يَمْلَأُ الأقْطارَ، ويَمْحُو كُلَّ ظَلامٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ ويَصِلُ إلَيْهِ، مُفْهِمًا بِما ذَكَرَ مِن وقْتِ الضِّياءِ النّاصِعِ حالَةَ أوَّلِ النَّهارِ وآخِرَ اللَّيْلِ الَّتِي هي ظُلْمَةُ مُلْتَفٍّ بِساقِها ساقَ النَّهارَ عِنْدَ الإسْفارِ: ﴿والضُّحى﴾ فَذَكَرَ ما هو أشْرَفُ النَّهارِ وألْطَفُهُ وهو زَهْرَتُهُ، وأضْوَؤُهُ وهو صَدْرُهُ، وذَلِكَ وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ لِأنَّ المُقْسِمَ لِأجْلِهِ أشْرَفُ الخَلائِقِ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَبْلُغُ مِنَ الشَّرَفِ ما لا يَبْلُغُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ.

الضحى 93:2

ولَمّا ذَكَرَ النَّهارَ بِأشْرَفِ ما فِيهِ مُناسِبَةً لِأجْلِ المُقْسِمِ لِأجْلِهِ، أتْبَعَهُ اللَّيْلُ مُقَيَّدًا لَهُ بِما يَفْهَمُ إخْلاصَهُ لِأنَّهُ لَيْسَ لِأشْرَفِ ما فِيهِ اسْمٌ يَخُصُّهُ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي بِهِ تَمامُ الصَّلاحِ؛ ولَمّا كانَ أوَّلُهُ وآخِرُ النَّهارِ وآخِرُهُ وأوَّلُ النَّهارِ [ضَوْءًا] مُمْتَزِجًا بِظُلْمَةِ الِالتِفاتِ ساقُ اللَّيْلِ بِساقِ النَّهارِ، قَيْدٌ بِالظَّلامِ الخالِصِ فَقالَ: ﴿إذا سَجى﴾ أيْ سَكَنُ أهْلُهُ أوْ رَكَدَ ظَلامُهُ وإلْباسُهُ وسَوادُهُ واعْتَدَلَ فَخَلَصَ فَغَطّى بِظَلامِهِ كُلَّ شَيْءٍ، والمُتَسَجِّي: المُتَغَطِّي، ومَعَ تَغْطِيَتِهِ سَكَنَتْ رِيحُهُ، فَكانَ في غايَةِ الحُسْنِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ [الأوَّلُ] مُشِيرًا إلى ما يَأْتِي بِهِ هَذا الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُحْكَمِ، والثّانِي مُشِيرًا إلى المُتَشابِهِ، وهَذا الأرْبَعَةُ (p-١٠٢)الأحْوالُ لِلنُّورِ والظُّلْمَةِ - وهي ضَوْءٌ مُمْتَزِجٌ بِظُلْمَةٍ، [وظُلْمَةٌ] مُمْتَزِجَةٌ بِضَوْءٍ، وضِياءٌ خالِصٌ وظَلامٌ خالِصٌ - الحاصِلَةُ في الآفاقِ في الإنْسانِ مِثْلُها، فَرُوحُهُ نُورٌ خالِصٌ، وطَبْعُهُ ظَلامٌ حالِكٌ، وقَلْبُهُ نُورٌ مُمْتَزِجٌ بِظُلْمَةِ النَّفْسِ، والنَّفْسُ ظُلْمَةٌ مُمْتَزِجَةٌ بِنُورِ القَلْبِ، فَإنْ قَوِيَتْ شَهْوَةُ النَّفْسِ عَلى نُورانِيَّةِ القَلْبِ أظْلَمَ جَمِيعُهُ، وإنْ قَوِيَتْ نُورانِيَّةُ القَلْبِ عَلى ظُلْمَةِ النَّفْسِ صارَ نَوْرانِيًّا، وإنْ غَلَبَتِ الرُّوحُ عَلى الطَّبْعِ تُرَوِّحْنَ فارْتَفَعَ عَنْ رُتْبَةِ المَلائِكَةِ، وإنْ غَلَبَ الطَّبْعُ عَلى الرُّوحِ أنْزَلَهُ عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤٤]

الضحى 93:3

ولَمّا أقْسَمَ بِهَذا [القَسَمِ] المُناسِبِ لِحالِهِ ﷺ، أجابَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ أيْ تَرَكَكَ تَرْكًا يَحْصُلُ بِهِ فِرْقَةٌ كَفِرْقَةِ المُوَدِّعِ ولَوْ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ الَّذِي هو مُرادُ المُوَدِّعِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإيجادِكَ أوَّلًا، وجَعَلَكَ أكْمَلَ الخَلْقِ ثانِيًا، ورَبّاكَ أحْسَنَ تَرْبِيَةً ثالِثًا، كَما أنَّهُ لا يُمْكِنُ تَوْدِيعُ اللَّيْلِ لِلنَّهارِ بَلِ الضُّحى لِلنَّهارِ الَّذِي هو أشَدُّ ضِيائِهِ، ولا يُمْكِنُ تَوْدِيعُ الضُّحى لِلنَّهارِ ولا اللَّيْلِ وقْتَ سَجْوِهِ لَهُ. ولَمّا كانَ رُبَّما تَعَنَّتَ مُتَعَنِّتٌ فَقالَ: ما تَرَكَهُ ولَكِنَّهُ لا يُحِبُّهُ، فَكَمْ (p-١٠٣)مِن مُواصِلٍ ولَيْسَ بِواصِلٍ، قالَ نافِيًا لِكُلِّ تَرْكٍ: ﴿وما قَلى﴾ أيْ وما أبْغَضَكَ بُغْضًا ما، وحُذِفَ الضَّمِيرُ اخْتِصارًا لَفْظِيًّا لِيَعُمَّ، فَهو مِن تَقْلِيلِ اللَّفْظِ لِتَكْثِيرِ المَعْنى، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ انْقِطاعُ الوَحْيِ عَنْهُ مُدَّةً لِأنَّهم سَألُوهُ عَنِ الرُّوحِ وقِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ وذِي القَرْنَيْنِ فَقالَ: «أُخْبِرُكم بِذَلِكَ غَدًا»، ولَمْ يَسْتَثْنِ، فَقالُوا: [قَدْ] ودَّعَهُ رَبُّهُ وقَلاهُ، فَنَزَلَتْ لِذَلِكَ، ولَمّا نَزَلَتْ كَبُرَ ﷺ فَكانَ التَّكْبِيرُ فِيها وفِيما بَعْدَها سَنَةً كَما يَأْتِي إيضاحُهُ وحِكْمَتُهُ آخِرُها، وقَدْ أفْهَمَتْ هَذِهِ العِبارَةُ أنَّ المَراتِبَ التَّقْرِيبِيَّةَ أرْبَعٌ: تَقْرِيبٌ بِالطّاعاتِ ومَحَبَّةٌ وهي لِلْمُؤْمِنِينَ، وإبْعادٌ بِالمَعاصِي وبُغْضٌ وهي لِلْكَفّارِ، وتَقْرِيبٌ بِالطّاعاتِ مَخْلُوطٌ بِتَبْعِيدٍ لِلْمَعاصِي وهي لِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وإعْراضِ مَخْلُوطٍ بِتَقْرِيبٍ بِصُوَرِ طاعاتٍ لا قَبُولَ لَها وهي لِعِبادِ الكُفّارِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] ثُمَّ أتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ في اللَّيْلِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل: ٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] فَلَزِمَ الخَوْفُ واشْتَدَّ الفَزَعُ وتَعَيَّنَ عَلى المُوَحِّدِ الإذْعانَ لِلتَّسْلِيمِ والتَّضَرُّعِ في التَّخَلُّصِ والتِجاؤُهُ إلى السَّمِيعِ العَلِيمِ، أنِسَ تَعالى أحَبُّ عِبادِهِ إلَيْهِ وأعْظَمُهم مَنزِلَةً لَدَيْهِ، وذَكَرَ [لَهُ] (p-١٠٤)ما مَنَحَهُ مِن تَقْرِيبِهِ واجْتِبائِهِ وجَمَعَ خَيْرَ الدّارَيْنِ لَهُ فَقالَ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ [الضحى: ١] ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ [الضحى: ٢] ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿ولَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] ثُمَّ عَدَّدَ تَعالى عَلَيْهِ نِعَمَهُ بَعْدَ وعْدِهِ الكَرِيمِ لَهُ بِقَوْلِهِ: [ ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وأعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:] ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩] ﴿وأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] فَقَدْ آوَيْتُكَ قَبْلَ تَعَرُّضِكَ وأعْطَيْتُكَ قَبْلَ سُؤالِكَ، فَلا تُقابِلُهُ بِقَهْرِ مَن تَعْرِضُ وانْتِهارِ مَن سَألَ، وقَدْ حاشاهُ سُبْحانَهُ عَمّا نَهاهُ [عَنْهُ] ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالنِّعَمِ ولِيَسْتَوْضِحَ الطَّرِيقَ [مَن] وُفِّقَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أمّا هو ﷺ فَحَسْبُكَ مَن تَعَرُّفِ رَحْمَتِهِ ورِفْقِهِ ﴿وكانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ثُمَّ تَأْمَّلْ اسْتِفْتاحَ هَذِهِ السُّورَةِ ومُناسِبَةَ ذَلِكَ المَقْصُودِ ولِذَلِكَ السُّورَةُ قَبْلَها بِرَفْعِ القَسَمِ في الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١] تَنْبِيهًا عَلى إبْهامِ الأمْرِ في السُّلُوكِ عَلى المُكَلَّفِينَ وغَيْبَةِ حُكْمِ العَواقِبِ، ولِيُناسِبَ هَذا حالُ المُتَذَكِّرِ بِالآياتِ وما يَلْحَقُهُ مِنَ الخَوْفِ مِمّا أمَرَهُ غائِبٌ عَنْهُ مِن تَيْسِيرِهِ ومَصِيرِهِ واسْتِعْصامِهِ بِهِ يَحْصُلُ اليَقِينُ واسْتِصْغارُ دَرَجاتِ المُتَّقِينَ، ثُمَّ لَمّا لَمْ يَكُنْ هَذا غائِبًا بِالجُمْلَةِ (p-١٠٥)عَنْ آحادِ المُكَلَّفِينَ أعْنِي ما يُثْمِرُ العِلْمَ اليَقِينَ ويُعْلِي مِن أهْلٍ لِلتَّرَقِّي في دَرَجاتِ المُتَّقِينَ، بَلْ قَدْ يُطْلِعُ سُبْحانَهُ خَواصَّ عِبادِهِ - بِمُلازَمَتِهِ التَّقْوى والِاعْتِبارِ - عَلى واضِحَةِ السَّبِيلِ ويُرِيهِمْ مُشاهَدَةً وعَيانًا ما قَدِ انْتَهَجُوا قَبْلَ سَبِيلِهِ بِمَشَقَّةِ النَّظَرِ في الدَّلِيلِ، «قالَ ﷺ لِحارِثَةَ: ”وجَدْتَ فالزَمْ»“ وقالَ مِثْلَهُ لِلصَّدِيقِ، وقالَ تَعالى: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ ألا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠] ﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١] فَلَمْ يَبْقَ في حَقِّ هَؤُلاءِ ذَلِكَ الإبْهامُ، ولا كَدَرُ خَواطِرِهِمْ بِتَكاثُفِ ذَلِكَ الإظْلامِ، بِما مَنَحَهم سُبْحانَهُ وتَعالى مِن نِعْمَةِ الإحْسانِ بِما وعَدَهم في قَوْلِهِ: ﴿يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] و ﴿ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ [الأنعام: ١٢٢] فَعَمَلَ هَؤُلاءِ عَلى بَصِيرَةٍ، واسْتَوْلَوُا اجْتِهادًا بِتَوْفِيقِ رَبِّهِمْ عَلى أعْمالٍ جَلِيلَةٍ خَطِيرَةٍ، فَقَطَعُوا عَنِ الدُّنْيا الآمالَ، وتَأهَّبُوا لِآخِرَتِهِمْ بِأوْضَحِ الأعْمالِ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] فَلِابْتِداءِ الأمْرِ وشِدَّةِ الإبْهامِ والإظْلامِ أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿واللَّيْلِ إذا (p-١٠٦)يَغْشى﴾ [الليل: ١] ولَمّا يُؤَوَّلُ إلَيْهِ الحالُ في حَقِّ مَن كَتَبَ في قَلْبِهِ الإيمانَ وأيَّدَهُ بِرُوحٍ مِنهُ أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ [الليل: ٢] ولِانْحِصارِ السُّبُلِ وإنْ تَشَعَّبْتُ في طَرِيقِي ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] أشارَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [الليل: ٣] ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠] الواحِدُ مُطْلَقًا، فَقَدْ وضَحَ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ بَعْضَ ما يَسُرُّ مِن تَخْصِيصِ هَذا القَسَمِ - واللَّهُ أعْلَمُ، أمّا سُورَةُ الضُّحى فَلا إشْكالَ في مُناسَبَةٍ في اسْتِفْتاحِ القَسَمِ بِالضُّحى لِما يُسِرُّهُ بِهِ سُبْحانَهُ لا سِيَّما إذا اعْتَبَرَ ما ذَكَرَ مِن سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ، وأنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ فَتَرَ عَنْهُ الوَحْيُ حَتّى قالَ بَعْضُ الكُفّارِ: قَلى مُحَمَّدًا رَبُّهُ، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ مُشْعِرَةً عَنْ هَذِهِ النِّعْمَةِ والبِشارَةِ - انْتَهى.

الضحى 93:4

ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ في الدُّنْيا بِأنَّهُ لا يَزالُ يُواصِلُهُ بِالوَحْيِ والكَرامَةِ، ومِنهُ ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِهِ مِن بَعْدِهِ رُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أرَيْتَ ما هو مَفْتُوحٌ عَلى أُمَّتِي مِن بَعْدِي كُفْرًا كُفْرًا فَسَرَّنِي ذَلِكَ» . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ وكانَ ذِكْرُهُ عَلى وجْهٍ شَمِلَ الدّارَيْنِ صَرَّحَ بِالآخِرَةِ الَّتِي هي أعْلى وأجَلُّ، (p-١٠٧)ولِأدْنى مَن يَدْخُلُها فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، فَكَيْفَ بِما لَهُ ﷺ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ كَما أكَّدَ الأوَّلَ بِالقَسَمِ بِما لَهم فِيهِ مِنَ الإنْكارِ: ﴿ولَلآخِرَةُ﴾ أيِ الَّتِي هي المَقْصُودُ مِنَ الوُجُودِ بِالذّاتِ لِأنَّها باقِيَةٌ خالِصَةٌ عَنْ شَوائِبِ الكَدَرِ أوِ الحالَةِ المُتَأخِّرَةِ لَكَ لِيَفْهَمَ مِنهُ أنَّهُ لا يَزالُ في تَرَقٍّ مِن عَلَيٍّ إلى أعْلى مِنهُ وكامِلٍ إلى أكْمَلَ مِنهُ دائِمًا أبَدًا لا إلى نِهايَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ وقَيَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكَ﴾ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ أحَدٍ كَذَلِكَ ﴿مِنَ الأُولى﴾ أيِ الدُّنْيا الفانِيَةِ الَّتِي لا سُرُورَ فِيها خالِصٌ كَما أنَّ النَّهارَ الَّذِي هو بَعْدَ اللَّيْلِ خَيْرٌ مِنهُ وأشْرَفُ ولا سِيَّما الضُّحى مِنهُ، وقَدْ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: مِنهم مَن لَهُ الخَيْرُ في الدّارَيْنِ وهم أهْلُ الطّاعَةِ الأغْنِياءُ، [ومِنهم مَن لَهُ الشَّرُّ فِيهِما وهُمُ الكَفَرَةُ الفُقَراءُ]، ومِنهم مَن لَهُ صُورَةٌ [خَيْرٌ في الدُّنْيا وشَرٌّ في الآخِرَةِ وهُمُ الكَفَرَةُ الأغْنِياءُ، ومِنهم مَن لَهُ صُورَةُ شَرٍّ] في الدُّنْيا وخَيْرٍ في الآخِرَةِ وهُمُ المُؤْمِنُونَ الفُقَراءُ، قَدْ قالَ: ؎النّاسُ في الدُّنْيا عَلى أرْبَعٍ ∗∗∗ والنَّفْسُ في فِكْرَتِهِمْ حائِرَةٌ ؎فَواحِدٌ دُنْياهُ مَقْبُوضَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ إنَّ لَهُ مِن بَعْدِها آخِرَةٌ ؎وواحِدٌ دُنْياهُ مَبْسُوطَةٌ ∗∗∗ ∗∗∗ لَيْسَ لَهُ مِن بَعْدِها آخِرَةٌ ؎وواحِدٌ قَدْ حازَ حَظَّيْهِما ∗∗∗ ∗∗∗ سَعِيدٌ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ ؎(p-١٠٨)وواحِدٌ يَسْقُطُ مِن بَيْنِهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ فَذَلِكَ لا دُنْيا ولا آخِرَةَ

الضحى 93:5

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ الدُّنْيا والآخِرَةَ، ذَكَرَ ما يَشْمَلُهُما مِمّا زادَهُ مِن فَضْلِهِ، فَقالَ مُصَدِّرًا بِحَرْفِ الِابْتِداءِ تَأْكِيدًا لِلْكَلامِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَهُ ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ لِأنَّها إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ لَزِمَتْهُ النُّونُ المُؤَكِّدَةُ، وضَمَّ هَذِهِ اللّامَ إلى كَلِمَةِ التَّنْفِيسِ لِلدَّلالَةِ عَلى [أنَّ] العَطاءَ وإنْ تَأخَّرَ وقْتُهُ لِحِكْمَةِ كائِنٍ لا مَحالَةَ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ وقْتُهُ بِما أفْهَمَتْهُ الأداةُ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ يُحْسِنُ إلَيْكَ بِوَعْدِ الدُّنْيا ووَعْدِ الآخِرَةِ ﴿فَتَرْضى﴾ أيْ فَيَتَعَقَّبُ عَلى ذَلِكَ ويَتَسَبَّبُ عَنْهُ رِضاكَ. وهَذا شامِلٌ لِما مَنَحَهُ بَعْدَ كَمالِ النَّفْسِ مِن كَمالِ العِلْمِ وظُهُورِ الأمْرِ وإعْلاءِ الدِّينِ وفَتْحِ البِلادِ ودَيْنُونَةِ العِبادِ ونَقْصِ مَمالِكِ الجَبابِرَةِ، وإنْهابِ كُنُوزِ الأكاسِرَةِ [و] القَياصِرَةِ، وإحْلالُ الغَنائِمِ حَتّى كانَ يُعْطِي عَطاءَ مَن لا يَخافُ الفَقْرَ، وشامِلٌ لِما ادَّخَرَهُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الآخِرَةِ مِنَ المَقامِ المَحْمُودِ والحَوْضِ المَوْرُودِ، والشَّفاعَةِ العُظْمى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحُدُودِ، وقَدْ أفْهَمَتِ العِبارَةُ أنَّ النّاسَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: مُعْطًى راضٍ، ومَمْنُوعٌ غَيْرُ راضٍ، ومُعْطًى (p-١٠٩)غَيْرُ راضٍ، ومَمْنُوعٌ راضٍ، وعَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّها أرْجى آيَةٍ في القُرْآنِ لِأنَّهُ ﷺ لا يَرْضى واحِدًا مِن أُمَّتِهِ في النّارِ.

الضحى 93:6

ولَمّا وعَدَهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في كُلِّ لَحْظَةٍ يَرْقِيهِ في مَراقِي العُلا والشَّرَفِ، ذَكَرَهُ بِما رَقّاهُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن حِينِ تُوُفِّيَ أبَوْهُ وهو حَمْلٌ وماتَتْ أُمُّهُ وهو ابْنُ ثَمانِ سِنِينَ، فَتَمَّ يُتْمُهُ مِنَ الأبَوَيْنِ قَبْلَ بُلُوغِهِ لِئَلّا يَكُونُ عَلَيْهِ - كَما قالَ جَعْفَرُ الصّادِقُ - حَقٌّ لِمَخْلُوقٍ، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهُ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ﴾ أيْ يُصادِفْكَ أيْ يَفْعَلُ بِكَ فِعْلَ مَن صادَفَ آخَرَ حالَ كَوْنِهِ ﴿يَتِيمًا فَآوى﴾

الضحى 93:7

ولَمّا كانَ يَلْزَمُ مِنَ اليُتْمِ في الغالِبِ عَدَمَ العِلْمِ لِلْيَتِيمِ لِتَهاوُنِ الكافِلِ، ومِن عَدَمِ العِلْمِ الضَّلالُ، قالَ مُبَيِّنًا أنْ يُتْمَهُ وإهْمالَهُ مِنَ الحَمْلِ عَلى دِينِهِمْ كانَ نِعْمَةً عَظِيمَةً عَلَيْهِ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِ قَوْمِهِ في حِينٍ مِنَ الأحْيانِ أصْلًا: ﴿ووَجَدَكَ﴾ أيْ صادَفَكَ ﴿ضالا﴾ أيْ لا تَعْلَمُ الشَّرائِعَ ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢] فَأطْلَقَ اللّازِمَ وهو الضَّلالُ عَلى المَلْزُومِ، والمُسَبِّبَ عَلى السَّبَبِ، وهو عَدَمُ العِلْمِ، فَكُنْتُ لِأجْلِ ذَلِكَ [لا تُقْدِمُ] عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ لِأنَّكَ لا تَعْلَمُ الحُكْمَ فِيهِ إلّا ما عَلِمْتَ بِالعَقْلِ الصَّحِيحِ والفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ المُسْتَقِيمَةِ مِنَ التَّوْحِيدِ وبَعْضِ تَوابِعِهِ، وهَذا هو التَّقْوى كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ، ولَمْ يَرِدْ بِهِ حَقِيقَتُهُ وإنَّما أعْراهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرائِعِ ونَحْوِها بِإعْدامِ مَن يَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ لِيُفَرِّغَهُ (p-١١٠)ذَلِكَ التَّأمُّلُ بِنَفْسِهِ فَيُوصِلُهُ بِعَقْلِهِ السَّدِيدِ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ في الأُصُولِ [والوُقُوفُ فِي] الفُرُوعِ ﴿فَهَدى﴾ أيْ فَهَداكَ هُدًى مُحِيطًا بِكُلِّ عِلْمٍ، فَعِلْمُكَ بِالوَحْيِ والإلْهامِ والتَّوْفِيقِ لِلنَّظَرِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ.

الضحى 93:8

ولَمّا كانَ العِيالُ يَمْنَعُونَ مِنَ التَّفَرُّغِ لِعِلْمٍ أوْ غَيْرِهِ قالَ: ﴿ووَجَدَكَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ ﴿عائِلا﴾ أيْ ذا عِيالٍ لا تَقْدِرُ عَلى التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ أوْ فَقِيرًا، قالَ ابْنُ القَطّاعِ: عالَ الرَّجُلُ: افْتَقَرَ، وأعالَ: كَثُرَ عِيالُهُ. ﴿فَأغْنى﴾ بِما جُعِلَ لَكَ مِن رِبْحِ التِّجارَةِ ثُمَّ مِن كَسْبِ الغَنائِمِ وقَدْ أفْهَمَ ذَلِكَ أنَّ النّاسَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: مِنهم مَن وجَدَ الدِّينَ والدُّنْيا، ومِنهم مَن عَدِمَهُما، ومِنهم مَن وجَدَ الدِّينَ لا وجَدَ الدُّنْيا، ومِنهم مَن وجَدَ الدُّنْيا لا الدِّينَ.

الضحى 93:9

ولَمّا ذَكَرَهُ بِما أنْعَمَ عَلَيْهِ بِهِ مِن هَذِهِ [النِّعَمِ] الثَّلاثِ أوْصاهُ بِما يَفْعَلُ في ثَلاثٍ مُقابِلَةٍ لَها، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ مُقَدِّمًا مَعْمُولٌ ما بَعْدَ الفاءِ عَلَيْها اهْتِمامًا: ﴿فَأمّا اليَتِيمَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿فَلا تَقْهَرْ﴾ أيْ تَغَلُّبُهُ عَلى شَيْءٍ فَإنَّما أذَقْتُكَ اليُتْمَ تَأْدِيبًا بِأحْسَنِ الآدابِ لِتَعْرِفَ ضَعْفَ اليَتِيمِ وذُلَّهُ، وفَوْقَ ذَلِكَ كَفالَتَهُ وهي خِلافَةٌ عَنِ اللَّهِ لِأنَّ اليَتِيمَ لا كافِلَ لَهُ إلّا اللَّهُ، ولِهَذا قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنا وكافِلُ اليَتِيمِ كَهاتَيْنِ» - وأشارَ بِالسَّبّابَةِ والوُسْطى.

الضحى 93:10

(p-١١١)ولَمّا بَدَأ بِما كانَ بِدايَةً لَهُ، ثَنّى بِما هو نِهايَةٌ لَهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ يَصِيرُ رَأْسَ الخُلُقِ فَيَصِيرُ مَحَطَّ الرِّجالِ في كُلِّ سُؤالٍ مِن عِلْمٍ ومالٍ، فَقالَ مُقَدِّمًا لَهُ اهْتِمامًا بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ جَبْرُ الخَواطِرِ واسْتِئْلافُ الخُلُقِ مِن أعْظَمِ المَقاصِدِ في تَمامِ الدِّينِ: ﴿وأمّا السّائِلَ﴾ أيِ الَّذِي أحْوَجَتْهُ العَيْلَةُ أوْ غَيْرُها إلى السُّؤالِ ﴿فَلا تَنْهَرْ﴾ أيْ تَزْجُرُ زَجْرًا مُهِينًا، فَقَدْ عُلِمَتْ مَضاضَةُ العَيْلَةِ، بَلْ أعْطِهِ ولَوْ قَلِيلًا، أوْ رُدَّهُ رَدًّا جَمِيلًا، وكَذا السّائِلُ [فِي العِلْمِ].

الضحى 93:11

ولَمّا ذَكَرَ لَهُ تَفْصِيلَ ما يَفْعَلُ في اليَتِيمِ والفَقِيرِ والجاهِلِ، أمَرَهُ بِما يَفْعَلُ في العِلْمِ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ إعْلامًا بِأنَّهُ الآلَةُ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها في الأمْرَيْنِ الماضِيَيْنِ وغَيْرِهِما لِأنَّها أشْرَفُ أحْوالِ الإنْسانِ وهي أوْفَقُ الأُمُورِ لِأنْ يَكُونُ مَقْطَعَ السُّورَةِ لِتُوافُقِ مَطْلَعِها فَقالَ: ﴿وأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْكَ بِإصْلاحِ جَمِيعِ ما يُهِمُّكَ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ وبِالهِجْرَةِ ومَبادِئِها عند تَمامِ عَدِدِ آيِها [مِنَ] السِّينِ وهي إحْدى عَشْرَةَ ﴿فَحَدِّثْ﴾ أيْ فاذْكُرِ النُّبُوَّةَ وبَلِّغِ الرِّسالَةَ فاذْكُرْ جَمِيعَ نِعَمِهِ عَلَيْكَ فَإنَّها نِعَمٌ عَلى الخَلْقِ كافَّةً، ومِنها إنْقاذُكَ بِالهِجْرَةِ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ وإعْزازُكَ بِالأنْصارِ، وتَحْدِيثُكَ بِها شُكْرَها، فَإنَّكَ مُرْشِدٌ يَحْتاجُ النّاسُ إلى الِاقْتِداءِ بِكَ، ويَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْرِفُوا [لَكَ] ذَلِكَ ويَتَعَرَّفُوا مِقْدارَكَ لِيُؤَدُّوا (p-١١٢)حَقَّكَ، فَحِدِّثْهم أنِّي ما ودَّعْتُكَ ولا قَلِيْتُكَ، ومَن قالَ ذَلِكَ فَقَدْ خابَ وافْتَرى، واشْرَحْ لَهم تَفاصِيلَ ذَلِكَ بِما وهَبْتُكَ مِنَ العِلْمِ الَّذِي هو أضْوَأُ مِن [ضِياءِ] الضُّحى وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالتَّحْدِيثِ بِهَذا القَسَمِ والمُقْسَمِ لِأجْلِهِ، وما لِلْمَلِكِ الأعْلى في ذَلِكَ مِن عَمِيمِ فَضْلِهِ: ولَقَدِ امْتَثَلَ ﷺ وابْتَدَأ هَذا التَّحْدِيثَ الَّذِي يَشْرَحُ الصُّدُورَ، ويَمْلَأُ الأكْوانَ مِنَ السُّرُورِ، والنِّعْمَةَ والحُبُورِ، لِأنَّهُ بِأكْبَرِ النِّعَمِ المُزِيلَةِ لِكُلِّ النِّقَمِ بِالتَّكْبِيرِ كَما ورَدَ في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وفي رِوايَةِ السَّوَسِيِّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ ولَفْظِهِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو مِن أوَّلِ الضُّحى، وقالَ آخَرُونَ: مِن آخِرِها، وقالَ غَيْرُهم مَن أوَّلِ الشَّرْحِ، فَمَن قالَ لِلْأوَّلِ لَمْ يُكَبِّرْ آخِرُ النّاسِ، ومَن قالَ لِلْآخَرِ انْتَهى تَكْبِيرُهُ بِالتَّكْبِيرِ في آخِرِها، وسَبَبُهُ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام لَمّا أتى النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْيِ، فَتَلا السُّورَةَ عَلَيْهِ كَبَّرَ مَسْرُورًا لِما كانَ أحْزَنَهُ مِنَ الفَتْرَةِ ومِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: قَلاهُ رَبُّهُ، وتَحْدِيثًا بِالنِّعَمِ الَّتِي حَباهُ اللَّهُ بِها في هَذِهِ السُّورَةِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ (p-١١٣)امْتِثالًا لِما أمَرَ بِهِ واخْتَلَفَ عَنْهم في لَفْظِهِ، فَمِنهم مَنِ اقْتَصَرَ عَلى ”اللَّهُ أكْبَرُ“ ومِنهم مَن زادَ التَّهْلِيلَ فَقالَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ“ وهَذا هو المُسْتَعْمَلُ، ومِنهم مَن زادَ ”ولِلَّهِ الحَمْدُ“ والرّاجِحُ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ لِآخِرِ الضُّحى إسْنادًا ومَعْنى، لِأنَّها وإنْ كانَتْ هي السَّبَبُ والعادَةُ جارِيَةٌ بِأنَّ مَن دَهَمَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ يُكَبِّرُ مَعَ أوَّلِهِ، لَكِنَّ شَغْلَهُ ﷺ بِالإصْغاءِ إلى ما يُوحى إلَيْهِ مَنَعَهُ مِن ذَلِكَ، فَلَمّا خُتِمَتِ السُّورَةُ تَفَرَّغَ لَهُ، فَكانَ ذَلِكَ الوَقْتُ [كَأنَّهُ] ابْتِداءُ مُفاجَأةِ ذَلِكَ الأمْرِ العَظِيمِ لَهُ، وزادَ ما في السُّورَةِ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْمِيدِ وما في ذَلِكَ مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ المُوجِبِ لِلتَّهْلِيلِ، وقَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ سَبَبُ مَن ظَنَّهُ في أوَّلِها، وأمّا مَن ظَنَّهُ لِأوَّلِ الشَّرْحِ فَكَوْنُهُ كانَ في [آخِرِ] الضُّحى، فَإذا وصَلَ بِها ”ألَمْ نَشْرَحْ“ أُلْبِسَ الحالُ، وتَعْلِيقُ الأشْياءِ بِالأوائِلِ هو الأمْرُ المُعْتادُ، وحِكْمَتُهُ مَعَ ما مَضى مِن سَبَبِهِ أنَّ التَّهْلِيلَ تَوْحِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالأمْرِ، وامْتِناعُ شَرِيكٍ يَمْنَعُهُ مِن شَيْءٍ يُرِيدُهُ مِنَ الوَحْيِ وغَيْرِهِ، والتَّكْبِيرُ تَفْرِيدُهُ لَهُ بِالكِبْرِياءِ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ شَوْبِ نَقْصٍ يُلِمُّ بِهِ مِن أنْ يَتَجَدَّدَ لَهُ عِلْمُ ما لَمْ يَكُنْ لِيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا (p-١١٤)لِقَطْعِ مَن وصَلَهُ بِوَحْيٍ أوْ غَيْرِهِ، والتَّحْمِيدُ إثْباتُ التَّفَرُّدِ بِالكَمالِ لَهُ عَلى إسْباغِ نِعَمِهِ، وفي ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ آذَنَتْ بِأنَّ القُرْآنَ أشْرَفُ عَلى الخِتامِ، لِأنَّ عادَةَ الحُكَماءِ مِنَ المُدَبِّرِينَ تَخْفِيفُ المَنازِلِ في الأواخِرِ عَلى السّائِرِينَ كَتَخْفِيفِ أوَّلِ مَرْحَلَةٍ رِفْقًا بِالمُقَصِّرِينَ، فَناسَبَ الذِّكْرِ بِهَذا عِنْدَ الآخَرِ لِأنَّ تَذَكُّرَ الِانْقِضاءِ يُهَيِّجُ مِثْلَ ذَلِكَ عِنْدَ السّالِكِ، ولِأنَّ تَقْصِيرَ السُّورِ [رُبَّما] أوْهَمَ شَيْئًا مِمّا لا يَلِيقُ، فَسُنَّ التَّنْزِيهُ بِتَكْبِيرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كُلِّ ما يُوهِمُ نَقْصًا، وإثْباتِ الكَمالِ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ مُنَبِّهٌ عَلى الحَثِّ عَلى تَدَبُّرِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الجَمْعِ لِلْمَعانِي عَلى وِجازَتِها وقَصْرِ آياتِها وحَلاوَتِها مَعَ ما في ذَلِكَ مِن تَخْفِيفِ التَّعْلِيمِ، والتَّدْرِيبِ عَلى الحِفْظِ في المَبادِئِ والتَّحْبِيبِ [فِيهِ] والتَّهْيِيمِ، والتَّحْمِيدِ عَلى إتْمامِ النِّعْمَةِ عَلى غايَةِ الإحْكامِ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ.

الشرح 94:1

(p-١١٥)سُورَةُ الشَّرْحِ مَقْصُودها تَفْصِيلُ ما في آخِرِ الضُّحى مِنَ النِّعْمَةِ، وبَيانِ [أنَّ] المُرادَ بِالتَّحْدِيثِ بِبَها هو شُكْرُها بِالنَّصْبِ في عِبادَةِ اللَّهِ والرَّغْبَةِ إلَيْهِ بِتَذَكُّرِ إحْسانِهِ وعَظِيمِ رَحْمَتِهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ وامْتِنانِهِ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها الشَّرْحُ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي جَلَّ أمْرُهُ وتَعالى جَدُّهُ ولا إلَهَ غَيْرُهُ فَعَظُمَ ما لَهُ مِن إنْعامٍ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي أفاضَ جُودُهُ عَلى سائِرِ خَلْقِهِ لِأنَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي إلى أهْلِ حَضْرَتِهِ بِخاصِّ رَحْمَتِهِ في مَقاماتِ الِاخْتِصاصِ إلى أعْلى مَقامٍ. * * ولَمّا أمَرَهُ ﷺ آخِرَ الضُّحى بِالتَّحْدِيثِ بِنِعْمَتِهِ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِ فَصَّلَها في هَذِهِ السُّورَةِ فَقالَ مُثْبِتًا لَها في اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ مُبالَغَةً في إثْباتِها عِنْدَ مَن يُنْكِرُها والتَّقْرِيرُ بِها مُقَدِّمًا المِنَّةَ بِالشَّرْحِ في صُورَتِهِ قَبْلَ الإعْلامِ بِالمَغْفِرَةِ كَما فَعَلَ ذَلِكَ في سُورَةِ الفَتْحِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الشَّرْحِ، لِتَكُونَ البِشارَةُ بِالإكْرامِ أوَّلًا لافِتًا القَوْلَ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ تَعْظِيمًا لِلشَّرْحِ. ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ أيْ شَرْحًا يَلِيقُ بِعَظَمَتِنا (p-١١٦)﴿لَكَ﴾ أيْ خاصَّةً. ولَمّا عَيَّنَ المَشْرُوحَ لَهُ، فَكانَ المَشْرُوحُ مُبْهَمًا، فَزادَ تَشَوُّفُ النَّفْسِ إلَيْهِ لِيَكُونَ أضْخَمَ لَهُ، بَيَّنَهُ لِيَكُونَ بَيانًا بَعْدَ إبْهامٍ فَيَكُونُ [أعْظَمَ] في التَّنْوِيهِ بِهِ وأجَّلَ في التَّعْرِيفِ بِأمْرِهِ فَقالَ: ﴿صَدْرَكَ﴾ أيْ نُسِرُّهُ ونُفْرِحُهُ بِالهِجْرَةِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَدَنِيَّةٌ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ونُجِلُّهُ ونُعَظِّمُهُ ونُخْرِجُ مِنهُ قَلْبَكَ ونَشُقُّهُ ونَغْسِلُهُ ونَمْلَأهُ إيمانًا وحِكْمَةً ورَأْفَةً وعِلْمًا ورَحْمَةً، فانْفَسَحَ جِدًّا حَتّى وسِعَ مُناجاةَ الحَقِّ ودَعْوَةَ الخَلْقِ، فَكانَ مَعَ الحَقِّ بِعَظَمَتِهِ وارْتِفاعِهِ، ومَعَ الخَلْقِ بِفَيْضِ أنْوارِهِ وشُعاعِهِ، وقَدْ كانَ هَذا الشَّرْحُ حَقِيقَةً مِرارًا، وكانَ مَجازًا أيْضًا بِإحْلالِ جَمِيعِ مَعانِيهِ، وكُلِّ ذَلِكَ عَلى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوَصْفِ [لا] يُعَبِّرُ لَكم عَنْهُ بِأثَرٍ مِن أنَّهُ شَقٌّ بِعَظْمَتِنا، فالعِلْمُ الَّذِي شَقَّ بِهِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والدّارَ الآخِرَةَ والدِّينَ والدُّنْيا، والحِكْمَةُ الَّتِي دُرَّتْ فِيهِ هي وضْعُ الشَّيْءِ في مَحَلِّهِ، وإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَنصُورُ بِفَتْحِ حاءَ ﴿نَشْرَحْ﴾ وخَرَّجَها ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى التَّأْكِيدِ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ ثُمَّ أبْدَلَ ألِفَ مِنَ النُّونِ، ثُمَّ حَذَفَ النُّونَ تَخْفِيفًا، وقالَ أبُو حَيّانَ بِأنَّ اللِّحْيانِيَّ حَكى في نَوادِرِهِ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ النَّصْبَ بِلَمْ والجَزْمَ بِلَنْ، (p-١١٧)وسِرُّهُ هُنا أنَّ الفَتْحَ في اللَّفْظِ مُناسِبٌ غايَةَ المُناسَبَةِ لِلشَّرْحِ، ووَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ أنَّهُ لَمّا دَلَّ عَلى الفَتْحِ بِالشَّرْحِ دَلَّ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ مَعَ ذَلِكَ رابِطٌ لِما أوْدَعَهُ مِنَ الحُكْمِ ضابِطٌ لَهُ، هادٍ بِما فِيهِ مِن رَزانَةِ العِلْمِ، ووَقارِ التُّقى والحُلْمِ، قالَ ابْنُ بُرْجانَ: فَفَرَّقَ [ما] بَيْنَ النَّبِيِّ والوَلِيِّ في ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ شَرَحَ صَدْرَهُ ظاهِرًا فَأعْلى ظاهِرًا، والوَلِيُّ شَرَحَ ذَلِكَ مِنهُ باطِنًا فَعَلى بِهِ باطِنًا، والكافِرُ ضَيَّقَ ذَلِكَ مِنهُ وأبْقى [بِظُلْمَتِهِ] وحُظُوظِ الشَّيْطانِ مِنهُ فَهو لا يَسْتَطِيعُ قَبُولَ الهِدايَةَ ولا الصُّعُودَ في [مَعارِجِ العِبْرَةِ إلّا عَلى مِقْدارِ ما يَسْتَطِيعُ الصُّعُودَ فِي] السَّماءِ ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥] الآياتُ.

الشرح 94:2

ولَمّا كانَتْ سِعَةُ الصَّدْرِ بِالعِلْمِ والحِكْمَةِ هي الجَمالُ بِاجْتِماعِ المَحاسِنِ، وكانَ ذَلِكَ مَعَ حَمْلِ ما يَعْنِي مِن أعْظَمِ النَّكَدِ، وكانَ الجَمالُ بِجَمْعِ المَحاسِنِ لا يُكْمِلُ إلّا إذا جَمَعَ إلى الجَمالِ الجَلالَ بِانْتِفاءِ الرَّذائِلِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ إذا اجْتَمَعَ مَعَ النَّفْيِ صارَ إثْباتًا، لِأنَّهُ نُفِيَ لِلنَّفْيِ، قالَ عاطِفًا عَلَيْهِ ما لا يُعْطَفُ إلّا مَعَ الإثْباتِ ﴿ووَضَعْنا﴾ أيْ حَطَطْنا وأسْقَطْنا وأبْطَلْنا حَطًّا لا رَجْعَةَ لَهُ ولا فِيهِ بِوَجْهٍ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، مُجاوِزًا ﴿عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أيْ حَمْلِكَ الثَّقِيلَ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ حَمْلُهُ، ولِذَلِكَ (p-١١٨)وصَفَهُ بِقَوْلِهِ:

الشرح 94:3

﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ أيْ [جَعَلَهُ] وهو عِمادُ بَدَنِكَ تُصَوِّتُ مَفاصِلُهُ مِنَ الثِّقْلِ كَما يُصَوِّتُ الرَّحْلُ الجَدِيدُ إذا لَزَّ بِالحَمْلِ الثَّقِيلِ، وذَلِكَ هو [ما] دَهَمَهُ عِنْدَما أمَرَ بِإنْذارِ قَوْمِهِ ومُفاجَأتِهِمْ بِما يَكْرَهُونَ عَنْ عَيْبِ دِينِهِمْ وتَضْلِيلِ آبائِهِمْ وتَسْفِيهِ حُلُومِهِمْ في التَّدَيُّنِ بِدِينٍ لا يَرْضاهُ أدْنى العُقَلاءِ إذا تَأمَّلَ شَيْئًا مِن تَأمُّلٍ مَعَ التَّجَرُّدِ مِن حَظِّ النَّفْسِ مَعَ ما عِنْدَهم مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ وإلْقاءِ الأنْفُسِ في المَهالِكِ لِأدْنى غَضَبٍ، فَقالَ: ”يا رَبِّ إذَنْ يَثْلُغُوا رَأْسِي فَيَدْعُوهُ خُبْزَةً“ فَخَفَّفَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ ذَلِكَ بِما أظْهَرَ لَهُ مِنَ الكَراماتِ وأيَّدَهُ بِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، وضَمِنَ لَهُ مِنَ الحِمايَةِ إلى أُمُورٍ لا يُحِيطُ بِها عِلْمًا إلّا الَّذِي أيَّدَهُ بِها ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] حَتّى خَفَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَصارَ أشْفَقَ أهْلِهِ عَلَيْهِ يَمْنَعُهُ مِن بَعْضِ الإبْلاغِ ويَمْسِكُ بِثَوْبِهِ لِئَلّا يَخْرُجُ إلى النّارِ فَيَقُولُ لَهم ذَلِكَ فَيَحْصُلُ لَهُ ما يَكْرَهُ فَيَجْذِبُ نَفْسَهُ مِنهُ ويَخْرُجُ إلَيْهِمْ فَيُخْبِرَهم كَما وقَعَ في أمْرِ الإسْراءِ وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «هُوَ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام شُقَّ صَدْرُهُ فَأخْرَجَ مِنهُ قَلْبَهُ فَشَرَحَهُ وأخْرَجَ مِنهُ عَلَقَةً سَوْداءَ فَأنْقاهُ وغَسَلَهُ ثُمَّ مَلَأهُ عِلْمًا وإيمانًا وحِكْمَةً»، يَعْنِي فَصارَ يَحْتَمِلُ ما لا يَحْتَمِلُهُ غَيْرُهُ، وخَفَّ عَلَيْهِ ما يَثْقُلُ عَلى غَيْرِهِ، (p-١١٩)ولا شَكَّ أنَّ ذَلِكَ وِزْرٌ لُغَوِيٌّ، وهو واضِحٌ، وشَرْعِيٌّ بِالمالِ عَلى تَقْدِيرِ تَرْكِ الِامْتِثالِ اللّازِمِ لِلِاسْتِثْقالِ، وقَدْ أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: مَعْنى هَذِهِ السُّورَةِ مِن مَعْنى السُّورَةِ قَبْلَها، وحاصِلُ السُّورَتَيْنِ تَعْدادُ نِعَمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ، فَإنْ قُلْتَ: فَلِمَ فَصَلْتَ سُورَةَ ألَمْ نَشْرَحْ ولَمْ يُنَسِّقْ ذِكْرَ هَذِهِ النِّعَمَ في سُورَةٍ واحِدَةٍ، قُلْتُ: مِنَ المَعْهُودِ في البَشَرِ فِيمَن عَدَّدَ عَلى ولَدِهِ أوْ عَبْدِهِ نِعَمًا أنْ يَذْكُرَ لَهُ أوْلًا ما شاهَدَ الحَصُورُ عَلَيْهِ مِنها بِسَبَبِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَعَلَّقَ في بَعْضِها بِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ جَزاءً لا ابْتِداءً، فَإذا اسْتَوْفى لَهُ ما قَصَدَهُ مِن هَذا، أتْبَعَهُ بِذِكْرِ نِعَمٍ ابْتِدائِيَّةٍ قَدْ كانَ ابْتِداؤُهُ بِها قَبْلَ وُجُودِهِ كَقَوْلِ الأبِ مَثَلًا لِابْنِهِ: ألَمْ أخْتَرْ لِأجْلِكَ الأُمَّ والنَّفَقَةَ حَيْثُ اسْتَوْلَدْتُكَ وأعْدَدْتُ مِن مَصالِحِكَ كَذا وكَذا، ونَظِيرُ ما أشَرْنا إلَيْهِ [بِقَوْلِهِ] سُبْحانَهُ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] وقَدْ قَدَّمَ لَهُ ”إنّا نُبَشِّرُك بِيَحْيى“ وتَوَهَّمَ اسْتِبْدادَ الكَسْبِيَّةِ في وُجُودِ الوَلَدِ غَيْرِ خافِيَةٍ (؟ في حَقِّ مَن قَصَرَ نَظَرَهُ ولَمْ يُوَفَّقْ فابْتُدِئَ بِذِكْرِها ثُمَّ أعْقَبَ بِما لا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَهَّمَ فِيهِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: ٩] ولَهُ نَظائِرُ مِنَ الكُتُبِ وعَلَيْهِ جاءَ ما ورَدَ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ - (p-١٢٠)واللَّهُ أعْلَمُ - انْتَهى.

الشرح 94:4

ولَمّا شَرَّفَهُ في نَفْسِهِ بِالكَمالِ الجامِعِ لِلْجَلالِ إلى الجَلالِ، وكانَ ذَلِكَ لا يَصْفُو إلّا مَعَ الشَّرَفِ عِنْدَ النّاسِ قالَ: ﴿ورَفَعْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ الباهِرَةِ ﴿لَكَ﴾ أيْ خاصَّةً رِفْعَةً تَتَلاشى عِنْدَها رِفْعَةُ غَيْرِكَ مِنَ الخَلْقِ كُلِّهِمْ ﴿ذِكْرَكَ﴾ عِنْدَ جَمِيعِ العالَمِينَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ بِالصِّدْقِ والأمانَةِ والحِلْمِ والرَّزانَةِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ وطَهارَةِ الشِّيَمِ وانْتِفاءِ شَوائِبِ النَّقْصِ حَتّى [ما] كانَتْ شُهْرَتُكَ عِنْدَ قَوْمِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إلّا الأمِينُ، وكانُوا يَضْرِبُونَ المَثَلَ بِشَمائِلِكَ الطّاهِرَةِ، وأوْصافِكَ الزّاهِرَةِ الباهِرَةِ، ثُمَّ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ بِالرِّسالَةِ ثُمَّ بِالهِجْرَةِ، وبِأنَّ جَعْلَنا اسْمَكَ مَقْرُونًا بِاسْمِنا في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ والأذانِ والإقامَةِ والتَّشَهُّدِ والخُطْبَةِ، فَلا أُذْكَرُ إلّا وذُكِرْتَ مَعِي، ومِنَ الكَرامَةِ الظَّفْرُ عَلى أعْدائِكَ والكَرامَةُ لِأوْلِيائِكَ، وجُعِلَ رِضاكَ رِضايَ وطاعَتُكَ طاعَتِي، وأمْرُ مَلائِكَتِي بِالصَّلاةِ عَلَيْكَ، ومُخاطَبَتِي لَكَ بِالألْقابِ العَلِيَّةِ والسِّماتِ المُعِزَّةِ المُعْلِيَةِ مِنَ الرَّسُولِ والنَّبِيِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ الأسالِيبِ ومُناسَباتِ التَّراكِيبِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن فَضائِلَ ومَناقِبَ وشَمائِلَ لا تُضْبَطُ بِالوَصْفِ، قالَ الرّازِيُّ: ثُمَّ جَعَلَ لِأُمَّتِهِ مِن ذَلِكَ أوْفَرَ الحَظِّ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، (p-١٢١)مَن أوْلِياءُ اللَّهِ؟ قالَ: ”الَّذِينَ [إذا] ذُكِرُوا ذُكِرَ اللَّهُ»“. [وفِي حَدِيثِ: «الَّذِينَ إذا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ»]. وقالَ: «خِيارُكم مَن تَذَكَّرَ اللَّهَ رُؤْيَتَهُ، ويَزِيدُ في عِلْمِكم مَنطِقَهُ، ويُزَهِّدُكم في الدُّنْيا عَمَلُهُ». فَمُنْتَهى قِسْمَةِ الثَّناءِ أنْ خَلَطَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِهِ.

الشرح 94:5

ولَمّا ذَكَرَ هَذِهِ المَآثِرَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي هي الكَمالُ، وكانَ الكَمالُ لا يَصْفُو إلّا مَعَ مُساعَدَةِ الأقْدارِ، فَإنَّ الهِمَمَ إذا عَظُمَتْ [اتَّسَعَتْ] مَجالاتُها، فَإذا حَصَلَ فِيها تَعْطِيلٌ حَصَلَ فِيها نَكَدُ حَسْبِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ أزالَ عَنْهُ العَوائِقَ في عِبارَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّ سَبَبَ المِنحَةِ بِهَذِهِ الكَمالاتِ هو ما كانَ ﷺ فِيهِ مِنَ الصَّبْرِ عَلى الأكْدارِ، وتَجَرَّعَ مِراراتِ الأقْدارِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَرْغِيبًا في حَمْلٍ مِثْلِ ذَلِكَ رَجاءً في الإثابَةِ بِما يَلِيقُ مِن هَذِهِ المَعالِي مُبالَغًا في الحَثِّ عَلى تَحَمُّلِهِ بِذِكْرِ المَعِيَّةِ إشارَةً إلى تَقارُبِ الزَّمَنَيْنِ بِحَيْثُ إنَّهُما كانا كالمُتَلازِمَيْنِ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى ذِكْرُهُ مِن حالِهِ مِنَ الضُّحى: ﴿فَإنَّ﴾ أيْ فَعَلَ بِكَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الكِمالاتِ الكِبارَ بِسَبَبِ أنَّهُ قَضى في الأزَلِ قَضاءً لا مَرَدَّ لَهُ [ولا مُعَقِّبَ] لِشَيْءٍ مِنهُ أنَّ ﴿مَعَ العُسْرِ﴾ أيْ [هَذا] النَّوْعُ خاصَّةً ﴿يُسْرًا﴾ أيْ عَظِيمًا جِدًّا يَجْلِبُ بِهِ المَصالِحَ ويَشْرَحُ بِهِ ما كانَ قَيَّدَهُ مِنَ القَرائِحِ، فَإنَّ أهْلَ البَلاءِ ما زالُوا يَنْتَظِرُونَ الرَّخاءَ عِلْمًا مِنهم بِالفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي (p-١٢٢)فُطِرَ النّاسُ عَلَيْها أنَّهُ المُتَفَرِّدُ بِالكَمالِ، وأنَّهُ الفاعِلُ بِالِاخْتِيارِ لِنَسِمَهُ الكَوائِنَ بِأضْدادِها، وقَدْ أجْرى سُنَّتَهُ القَدِيمَةَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، فَلَمّا قاسى ﷺ مِمّا ذَكَرَ في الضُّحى مِنَ اليُتْمِ الشَّدِيدِ وضَلالِ قَوْمِهِ العَرَبِ خاصَّةً كُلُّهُمُ الَّذِينَ ألْهَمَهُ اللَّهُ تَعالى مُخالَفَتَهم في أصْلِ الدِّينِ بِتَجَنُّبِ الأوْثانِ، وفي فَرْعِهِ بِالوُقُوفِ مَعَ النّاسِ في الحَجِّ في عَرَفَةَ مَوْقِفَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام، ومِنَ العَيْلَةِ ما لَمْ يَحْمِلْهُ أحَدٌ حَتّى كانَ بِحَيْثُ يَمْتَنُّ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ بِإنْقاذِهِ مِنهُ في كِتابِهِ القَدِيمِ وذِكْرِهِ الحَكِيمِ، وكانَ مَعَ تَحَمُّلِ ذَلِكَ قائِمًا بِما يَحِقُّ لَهُ مِنَ الصَّبْرِ ويَعْلُو إلى مَعالِي الشُّكْرِ«”فَيَحْمِلُ“ - كَما قالَتِ الصِّدِّيقَةُ الكُبْرى خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها - ”الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ»“ . ثُمَّ حَمَلَ أعْباءَ النُّبُوَّةِ فَكانَ يَلْقى مِن قَوْمِهِ [مِنَ] الأذى والكَرْبِ والبَلاءِ ما لَمْ يَحْمِلْهُ غَيْرُهُ، بَشَّرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يُيَسِّرُ لَهُ جَمِيعَ ذَلِكَ ويُلَيِّنُ قُلُوبَهم فَيَظْهَرُ دِينُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ويُغْنِي أصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم بَعْد عَيْلَتِهِمْ، ويُكَثِّرُهم بَعْدَ قِلَّتِهِمْ، ويُعِزُّهم بَعْدَ ذِلَّتِهِمْ، ويَصِيرُ هَؤُلاءِ المُخالِفُونَ لَهُ أعْظَمَ الأعْضادِ، ويَنْقادُ لَهُ المُخالِفُ أتَمَّ انْقِيادٍ، ويَفْتَحُ لَهُ أكْثَرَ البِلادِ، لِيَكُونَ هَذا العَطاءُ في اليُسْرِ بِحَسَبِ ما كانَ وقَعَ (p-١٢٣)مِنَ العُسْرِ، فَإنَّهُ قَضى سُبْحانَهُ وتَعالى قَضاءً لا يَرْتَدُّ أنَّهُ يُخالِفُ بَيْنَ الأحْوالِ، دَلِيلًا قاطِعًا عَلى أنَّهُ تَعالى وحْدَهُ الفَعّالُ، وأنَّ فِعْلَهُ بِالِاخْتِيارِ، لا بِالذّاتِ والإجْبارِ.

الشرح 94:6

ولَمّا كانَ العُسْرُ مَكْرُوهًا إلى النُّفُوسِ، وكانَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ حِكَمًا عَظِيمَةً، وكانَتِ الحِكَمُ لا تَتَراءى إلّا لِلْأفْرادِ مِنَ العِبادِ، كَرَّرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى طَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ لِجَوابِ مَن يَقُولُ: وهَلْ بَعْدَهُ مِن عُسْرٍ؟ مُؤَكِّدًا لَهُ تَرْغِيبًا في أمْرِهِ تَرَقُّبًا لِما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مُبَشِّرًا بِتَكْرِيرِهِ مَعَ وحْدَةِ العُسْرِ وإنْ كانَ حَمْلُ كُلِّ [واحِدٍ] مِنهُما عَلى شَيْءٍ غَيْرِ ما قَصَدَ بِهِ الآخَرُ مُمْكِنًا فَقالَ: ﴿إنَّ مَعَ العُسْرِ﴾ أيِ المَذْكُورِ فَإنَّهُ مَعْرِفَةٌ، والمَعْرِفَةُ إذا أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَتْ غَيْرَ الأُولى سَواءٌ أُرِيدُ العَهْدَ أوِ الجِنْسَ ﴿يُسْرًا﴾ أيْ آخَرَ لِدَفْعِ المَضارِّ والمَكارِهِ، فَإنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً احْتُمِلَ أنْ تَكُونَ غَيْرَ الأُولى، وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّها غَيْرُها» فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: إنَّ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أتاكُمُ اليُسْرُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» . وقَدْ رَوى هَذا مِن أوْجُهٍ كَثِيرَةٍ، ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَوْ كانَ العُسْرُ في جُحْرِ ضَبٍّ لِتَبِعَهُ اليُسْرُ حَتّى يُخْرِجَهُ» . [ ولِلطَّبَرانِيِّ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ كانَ (p-١٢٤)العُسْرُ في جُحْرٍ لَدَخَلَ عَلَيْهِ اليُسْرُ حَتّى يُخْرِجَهُ»]، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الآيَةَ، قالَ الحافِظُ نُورُ الدِّينِ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ أبُو مالِكٍ النَّخْعِيُّ وهو ضَعِيفٌ، ورَواهُ الطَّبَرانِيُّ أيْضًا في الأوْسَطِ والبَزّارُ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَحْوِهِ، قالَ الهَيْثَمِيُّ: وفِيهِ عائِذُ بْنُ شُرَيْحٍ وهو ضَعِيفٌ، ورَوى الفَرّاءُ عَنِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ «خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ وهو يَضْحَكُ ويَقُولُ: ”لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ»“ ورَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرَ عَنْ أيُّوبَ عَنِ الحَسَنِ بِهِ مُرْسَلًا، ومِن طَرِيقِهِ أخْرَجَهُ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ [و] رَواهُ الطَّبَرِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرَ، ورَواهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مَوْصُولًا وإسْنادُهُ ضَعِيفٌ، وفي البابِ عَنْ عُمَرَ ذَكَرَهُ مالِكٌ في المُوَطَّإ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أبا عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَضَرَ بِالشّامِ فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتابًا فِيهِ «ولَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ» " ومِن طَرِيقِهِ رَواهُ الحاكِمُ، قالَ ذَلِكَ شَيْخُنا ابْنُ حَجَرٍ في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ، وقالَ: وهَذا أصَحُّ طُرُقِهِ - انْتَهى، وهَذا مِن جِهَةِ أنَّ اليُسْرَ نَكِرَةٌ والعُسْرَ مَعْرِفَةٌ، وقَدِ اشْتُهِرَ أنَّ النَّكِرَةَ إذا أُعِيدَتْ نَكِرَةً فالثّانِي غَيْرُ الأوَّلِ، والمَعْرِفَةُ بِالعَكْسِ، قالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتازانِيُّ في أوَّلِ تَلْوِيحِهِ في الكَلامِ عَلى المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ: (p-١٢٥)الكَلامُ فِيما إذا أُعِيدَ اللَّفْظُ الأوَّلُ إمّا مَعَ كَيْفِيَّتِهِ مِنَ التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ أوْ بِدُونِها، وحِينَئِذٍ يَكُونُ طَرِيقُ التَّعْرِيفِ هو اللّامُ أوِ الإضافَةُ لِيَصِحَّ إعادَةُ المَعْرِفَةِ نَكِرَةً وبِالعَكْسِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ أنَّ المَذْكُورَ أوَّلًا إمّا أنْ يَكُونَ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ إمّا أنْ يُعادَ نَكِرَةً أوْ مَعْرِفَةً فَيَصِيرُ أرْبَعَةَ أقْسامٍ، وحُكْمُها أنْ يَنْظُرَ إلى الثّانِي، فَإنْ كانَ نَكِرَةً فَهو مُغايِرٌ لِلْأوَّلِ، وإلّا لَكانَ المُناسِبُ هو التَّعْرِيفُ بِناءً عَلى كَوْنِهِ مَعْهُودًا سابِقًا بِالذِّكْرِ، إنْ كانَ مَعْرِفَةً فَهو الأوَّلُ حَمْلًا لَهُ عَلى المَعْهُودِ الَّذِي هو الأصْلُ في اللّامِ والإضافَةِ، وذَكَرَ في الكَشْفِ أنَّهُ إذا أُعِيدَتِ النَّكِرَةُ نَكِرَةً فالثّانِي مُغايِرٌ لِلْأوَّلِ وإلّا فَعَيْنُهُ فَإنَّ المَعْرِفَةَ تَسْتَغْرِقُ الجِنْسَ، والنَّكِرَةُ تَتَناوَلُ البَعْضَ، فَيَكُونُ داخِلًا في الكُلِّ سَواءٌ قَدَّمَ أوْ أخَّرَ، وفِيهِ نَظَرٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ التَّعْرِيفَ لا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ لِلِاسْتِغْراقِ بَلِ العَهْدُ هو الأصْلُ، وعِنْدَ تَقَدُّمِ المَعْهُودِ لا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ النَّكِرَةُ عَيْنَهُ، وأمّا ثانِيًا فَلِأنَّ مَعْنى كَوْنِ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ هو المُرادُ بِالأوَّلِ، والجُزْءُ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ لَيْسَ كَذَلِكَ، وأمّا ثالِثًا فَإنَّ إعادَةَ المَعْرِفَةِ نَكِرَةٌ مَعَ مُغايَرَةِ الثّانِي لِلْأوَّلِ كَثِير في (p-١٢٦)الكَلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا﴾ [الأنعام: ١٥٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] وقالَ تَعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤] وقالَ تَعالى: ﴿ورَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وقالَ غَيْرُهُ: أيَسْألُك أهْلُ الكِتابِ أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ كتابًا مِنَ السَّماءِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إذا النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ فَإنَّ الثّانِي لَوْ كانَ عَيْنَ الأوَّلِ لَمْ يَكُنْ في الإخْبارِ بِهِ فائِدَةٌ - انْتَهى. قالَ: واعْلَمْ أنَّ المُرادَ أنَّ هَذا هو الأصْلُ عِنْدَ الإطْلاقِ وخُلُوُّ المَقامِ عَنِ القَرائِنِ وإلّا فَقَدَ تُعادُ النَّكِرَةُ مَعَ عَدَمِ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] ﴿وقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَـزِّلَ آيَةً﴾ [الأنعام: ٣٧] ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً﴾ [الروم: ٥٤] يَعْنِي قُوَّةَ الشَّبابِ، ومِنهُ بابُ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، وقَدْ تُعادُ النَّكِرَةُ مَعْرِفَةً مَعَ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾ [الأنعام: ١٥٦] وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨] المُرادُ (p-١٢٧)بِالنَّكِرَةِ خاصٌّ وهو الصُّلْحُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وبِالمَعْرِفَةِ عامٌّ في كُلِّ صُلْحٍ جائِزٍ ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨] فَإنَّ الشَّيْءَ لا يَكُونُ فَوْقَ نَفْسِهِ - انْتَهى. قالَ: وقَدْ تُعادُ المَعْرِفَةُ مَعْرِفَةً مَعَ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: [ ﴿وأنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٤٨] وقالَ غَيْرُهُ]: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦] الأوَّلُ عامٌّ والثّانِي خاصٌّ، ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] الأوَّلُ العَمَلُ والثّانِي الثَّوابُ ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الأُولى القاتِلَةُ والثّانِيَةُ المَقْتُولَةُ - انْتَهى، قالَ: وقَدْ تُعادُ المَعْرِفَةُ نَكِرَةً مَعَ عَدَمِ المُغايَرَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨] ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، والمَعْرِفَةُ مِثْلُ النَّكِرَةِ في حالَتَيِ الإعادَةِ مَعْرِفَةٌ والإعادَةُ نَكِرَةٌ في أنَّها إنْ أُعِيدَتْ مَعْرِفَةً كانَ الثّانِي هو الأوَّلُ، وإنْ أُعِيدَتْ نَكِرَةً كانَ غَيْرَهُ، ثُمَّ مَثَّلَ بِالآيَةِ الَّتِي هُنا، وقالَ: وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى [أنْ] تَنْكِيرَ ﴿يُسْرًا﴾ لِلتَّفْخِيمِ وتَعْرِيفَ العُسْرِ لِلْعَهْدِ، أيِ العُسْرُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ أوِ الجِنْسُ [أيْ] الَّذِي يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، فَيَكُونُ اليُسْرُ الثّانِي مُغايِرًا لِلْأوَّلِ بِخِلافِ العُسْرِ - انْتَهى. وقالَ في الكَشّافِ: وأمّا اليُسْرُ فَمُنْكَرٌ مُتَناوَلٌ لِبَعْضِ [الجِنْسِ]، فَإذا كانَ الكَلامُ الثّانِي مُسْتَأْنَفًا عَنْ مُنْكَرٍ تَناوَلَ بَعْضًا غَيْرَ البَعْضِ الأوَّلِ بِغَيْرِ الإشْكالِ.

الشرح 94:7

(p-١٢٨)ولَمّا عَلِمَ مِن هَذا أنَّ المَوادَّ تَكُونُ بِحَسَبَ الأوْرادِ الشِّدادِ لِما عَلى المَمْدُودِ مِنَ الشُّكْرِ، ولَمّا عَلِمَ لِلشّاكِرِ مِنَ الوَعْدِ بِالمَزِيدِ، قالَ مُسَبِّبًا عَمّا أعْطاهُ مِنَ اليُسْرِ بَعْدَ ذَلِكَ العُسْرِ نَدْبًا لَهُ إلى الشُّكْرِ وإعْلامًا بِأنَّهُ لا يَنْفَكُّ عَنْ تَحَمُّلِ أمِرٍ في اللَّهِ: ﴿فَإذا فَرَغْتَ﴾ أيْ بِما آتاكَ مِنَ اليُسْرِ يُسْرٌ مِن جِهادِكَ الَّذِي أنْتَ فِيهِ في وقْتِ المُخاطَبَةِ بِهَذا الكَلامِ مِمّا يُوجِبُ عُسْرًا في المَآلِ أوِ الحالِ، وعَقِبَهُ العُسْرُ في [أيِّ] مَوْضِعٍ كانَ لا سِيَّما عِنْدَ دُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، أوْ مِنَ العِبادَةِ الثَّقِيلَةِ العَظِيمَةِ بِسَماعِ الوَحْيِ وتَحَمُّلِهِ، أوْ مِنَ الغَرَضِ بِالتَّيْسِيرِ الَّذِي بَشَّرْناكَ بِهِ ﴿فانْصَبْ﴾ أيْ بالِغْ في التَّعَبِ بِعِبادَةٍ أُخْرى مِنَ التَّسْبِيحِ والِاسْتِغْفارِ، أوِ النَّفْلِ لِمَن أوْلاكَ هَذا المَعْرُوفَ

الشرح 94:8

﴿وإلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِما ذَكَرَ في هاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ خاصَّةً ﴿فارْغَبْ﴾ أيْ بِالسُّؤالِ لِأنَّهُ القادِرُ وحْدَهُ كَما قَدَرَ عَلى تَرْبِيَتِكَ فِيما مَضى وحْدَهُ، لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِالعَظَمَةِ، فَلا قُدْرَةَ أصْلًا إلّا لِمَن يُعْطِيهِ ما يُرِيدُهُ مِنها، والرَّغْبُ شِعارُ العَبْدِ دائِمًا في كُلِّ حالٍ أيِ افْعَلْ ذَلِكَ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] فَقَدِ اتَّصَلَ هَذا الآخَرُ بِالأوَّلِ اتِّصالَ المَعْلُولِ بِالعِلَّةِ، ولاءَمَ ما بَعْدَها بِذَلِكَ أيْضًا بِعَيْنِهِ (p-١٢٩)مُلاءَمَةَ الشَّمْسِ بِالأهِلَّةِ، وآخِرُ هَذِهِ السُّورَةِ مُشِيرٌ إلى الِاجْتِهادِ في العِبادَةِ عِنْدَ الفَراغِ مِن جِهادِ الكُفّارِ في جَزِيرَةِ العَرَبِ بَعْدَ انْقِضاءِ ما يُوازِي عَدَدَ آيِ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ السِّنِينَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهي ثَمانٍ، رَغْبَةً في الأُخْرى الَّتِي هي [خَيْرٌ] مِنَ الأوْلى، إشارَةً إلى قُرْبِ الأجَلِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ سُورَةُ النَّصْرِ - كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

التين 95:1

(p-١٣٠)سُورَةُ التِّينِ. مَقْصُودُها [سِرٌّ] مَقْصُودُ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] وذَلِكَ هو إثْباتُ القُدْرَةِ الكامِلَةِ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِاسْمِها، فَإنَّ في خَلْقِ التِّينِ والزَّيْتُونِ مِنَ الغَرائِبِ ما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وكَذا فِيما أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ مِنَ النُّبُوّاتِ، وضَمِّ القَسَمِ إلى المُقْسَمِ عَلَيْهِ وهو الإنْسانُ، الَّذِي هو أعْجَبُ ما في الأكْوانِ، [واضِحٌ] في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَتِهِ إيجادَهُ وبَيانَهُ جَمِيعَ خَلْقِهِ أسْفَلَهُ وأعْلاهُ [وأدْناهُ] وأقْصاهُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مِن بَيْنِهِمْ أهْلَ وِدِّهِ بِما يَرْضاهُ، وأرْدى مَن عَداهم وأشْقاهُ. لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى [فِي] تِلْكَ السُّورَةِ أكْمَلَ خَلْقِهِ وما كَمَّلَهُ بِهِ، [و] خَتَمَها بِالأمْرِ بِتَخْصِيصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَكانَ (ﷺ يَقُومُ حَتّى تَوَرَّمَ قَدَماهُ ويَبْذُلَ الجُهْدَ لِمَوْلاهُ في [كُلِّ] ما يَرْضاهُ، ذَكَرَ في هَذِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما جَعَلَ ذاتَهُ (p-١٣١)أكْمَلَ ذَواتِ المَخْلُوقاتِ، خَصَّهُ بِأنْ جَعَلَ نَوْعَهُ (ﷺ أكْمَل الأنْواعِ وهو الإنْسانُ، وأصْلُهُ أعْظَمُ الأُصُولِ هو إبْراهِيمُ (ﷺ، وبَلَدَهُ أفْضَلَ البِلادِ وهي مَكَّةُ، و[أنَّ] مَن عاداهُ بِمُنابَذَةِ شَرْعِهِ أسْفَلَ الخَلْقِ، وأنَّ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَمامَ القُدْرَةِ، وهو فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ، يُعْلِي مَن يَشاءُ ويَسْفُلُ مَن يَشاءُ، فَمَنزِلَتُها مِن آخِرِ تِلْكَ مَنزِلَةَ العِلَّةِ مِنَ المَعْلُولِ، وأقْسَمَ فِيها بِأشْياءَ أشارَ بِها إلى شَرَفِها في أنْفُسِها وفي عَجِيبِ صُنْعِها وشَرَفِ البِقاعِ الَّتِي يَكُونُ بِها إيماءً إلى ما شَرَّفَها بِهِ مِمّا أظْهَرَ بِها مِنَ الخَيْرِ والبَرَكاتِ بِسُكْنى الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، والصّالِحِينَ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَكانَتْ مُهاجِرَ إبْراهِيمَ ومَوْلِدَ عِيسى وأكْثَرَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَنشَأهُمْ، وكانَ مِنها مَظْهَرُ نُبُوَّةِ مُوسى، ومَظْهَرُ نُبُوَّةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ ووَلَدِهِ خاتَمِ الأنْبِياءِ الكِرامِ، عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَكانَ البَيْتِ الَّذِي هو قَواتِمُ لِلنّاسِ، وهُدًى لِلْعالَمِينَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ الظّاهِراتِ والدَّلالاتِ الواضِحاتِ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ، لِأنَّهُ يُعْلِي مَن يَشاءُ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ مِنَ البِقاعِ وغَيْرِها عَلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ويَسْفُلُ مَن يَشاءُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ. (p-١٣٢)وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَر بْنُ الزُّبَيْرِ: هَذِهِ سُورَةُ مُوَضِّحَةٌ ومُتَمِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ في السُّورَتَيْنِ قَبْلَها، فَبانَ لَكَ أنَّ الصُّورَةَ الإنْسانِيَّةَ بِظاهِرِ الأمْرِ - مِمّا [هِيَ] عَلَيْهِ مِنَ التَّرْتِيبِ والإتْقانِ - قَدْ كانَتْ تَقْتَضِي الِاتِّفاقَ بِظاهِرِ ارْتِباطِ الكَمالِ [بِها] مِن حَيْثُ إلَهًا في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، والِافْتِراقُ يَبْعُدُ في الظّاهِرِ، فَكَيْفَ افْتَرَقَ الحُكْمُ واخْتَلَفَ السُّلُوكُ، فَمَن صاعَدَ بِالِاسْتِيضاحِ والِامْتِثالِ، ونازَلَ أسْفَلَ سافِلِينَ فَضْلًا عَنْ تَرَقِّي بَعْضِ دَرَجاتِ الكَمالِ، فَإذًا لَيْسَ يَرْقى مِن خَصَّ بِمَزِيَّةِ التَّقْرِيبِ إلّا لِأنَّهُ نُودِيَ مِن قَرِيبٍ فَأسْرَعَ في إجابَةِ مُنادِيهِ وأصاخَ، وما اعْتَلَّ بِحادِيهِ فَسَلْ مِن واضِحاتِ السَّبِيلِ ما رَسَمَ لَهُ، وبَنى [عَلى] ما كَتَبَ لَهُ مِن ذَلِكَ عَمَلَهُ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] فَعَلى العاقِلِ المُنْصِفِ في نَفْسِهِ أنْ يَعْلَمَ أنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ فَيَضْرَعُ إلى خالِقِهِ في طَلَبِ الإخْلاصِ «مَن وجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ» فَأوْضَحَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أنَّ ما أعْطى اللَّهُ نَبِيَّهُ (ﷺ وخَصَّهُ بِهِ مِن ضُرُوبِ الكَراماتِ وابْتَدَأهُ مِن عَظِيمِ الآلاءِ مِمّا تَضَمَّنَتْهُ السُّورَتانِ إلى ما مَنَحَهُ مِن خَيْرِ الدّارِينَ وما تَضْمَّنَهُ. قَسَمَهُ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ ما ودَّعَهُ ولا قَلاهُ مِنَ المُلاطَفَةِ والتَّأْنِيسِ ودَلائِلِ الحُبِّ والتَّقْرِيبِ - كُلُّ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وإحْسانًا لا لِعَمَلِ (p-١٣٣)تَقَدُّمٍ يَسْتَوْجِبُ ذَلِكَ أوْ بَعْضَهُ، ولَوْ تَقَدَّمَ عَمْلٌ لَمْ يَقَعْ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وتَوْفِيقِهِ وإرادَتِهِ، ولا يَسْتَوْجِبُ أحَدٌ عَلَيْهِ شَيْئًا، وإنَّما هو فَضْلُهُ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ، فَقالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَبِّهًا عَلى ما وقَعَ الإيماءُ إلى بَعْضِهِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ومَعَ ذَلِكَ لا يَنْفَعُهُ وُقُوعُ صُورَتِهِ الظّاهِرَةِ في عالَمِ الشَّهادَةِ عَلى أكْمَلِ خَلْقٍ ولِأتَمَّ وضْعٍ بَلْ إذا لَمْ يَصْحَبْهُ [تَوْفِيقٌ] وسَبَقَتْهُ سَعادَةٌ مِن خالِقِهِ ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ نُورٌ يَمْشِي بِهِ لَمْ يَرَ غَيْرَ نَفْسِهِ ولا عَرَفَ إلّا أبْناءَ جِنْسِهِ، فَقَصَرَ نَظَرَهُ عَلى أوَّلِ ما شاهَدَ، ووَقَفَ عِنْدَ ما عايَنَ مِن غَيْرِ اعْتِيادٍ يَحُدُّهُ إلى تَحَقُّقِ مَآلِهِ وتَبَيُّنِ جُحالِهِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا، فَلَمّا قَصَرَ وما أبْصَرَ اعْتَقَدَ لِنَفْسِهِ الكَمالَ، وعَمِيَ عَنِ المُبْتَدَأِ والمَآلِ، فَصارَ أسْفَلَ سافِلِينَ حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِالآياتِ نَظَرُهُ، ولا عَرَفَ حَقِيقَةَ خَبَرِهِ ﴿أوَلَمْ يَرَ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس: ٧٧] ﴿وضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨] ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [التين: ٦] فَهُمُ الَّذِينَ هَداهم رَبُّهم [ ﴿بِإيمانِهِمْ﴾ [يونس: ٩] ] فَجَرَوْا بِسَبَبِهِ مِن خَلْقِهِ في [أحْسَنِ] تَقْوِيمٍ واسْتَوْضَحُوا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ، واسْتُبْصَرُوا فَأبْصَرُوا، ونَظَرُوا فاعْتَبَرُوا. وقالُوا: رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا، فَلَهم أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [انْتَهى]. (p-١٣٤) * * ولَمّا كانَ التِّينُ أحْسَنَ الفَواكِهِ تَقْوِيمًا فِيما ذَكَرُوا مِن فَضِيلَتِهِ، وهو - مَعَ كَوْنِهِ فاكِهَةً شَهِيَّةً حُلْوَةً جِدًّا - غِذاءٌ يُقِيمُ الصُّلْبَ وقُوتٌ كالبُرِّ [و] سَرِيعُ الهَضْمِ، ودَواءٌ كَثِيرُ النَّفْعِ يُوَلِّدُ دَمًا صالِحًا ويَنْفَعُ الرِّئَةَ والكُلى ويَلِينُ الطَّبْعَ ويُحَلِّلُ البَلْغَمَ ويُزِيلُ رَمْلَ المَثانَةِ ويَفْتَحَ سَدَدَ الكَبِدِ والطِّحالَ، فَكانَ جامِعًا لِجَمِيعِ مَنافِعِ المُتَناوِلاتِ مِنَ الغِذاءِ والتَّفَكُّهِ والتَّحَلِّي والتَّداوِي، فَهو كامِلٌ في مَجْمُوعِ ما هو فِيهِ مِن لَذَّةِ طَعْمِهِ وكَثْرَةِ نَفْعِهِ، وكَوْنِهِ كَفاكِهَةِ الجَنَّةِ بِلا شائِبَةٍ تَعُوقُ عَنْ أكْلِهِ مَن صِنْوانٍ يَتْعَبُ أوْ نَوى يُرْمى، مَعَ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ رَطْبًا ويابِسًا، وهو مَعَ ذَلِكَ في سُرْعَةِ فَسادِهِ وسُوءِ تَغَيُّرِهِ أسْفَلَها رُتْبَةً وأرْدَؤُها مَغَبَّةً، فَهو كالفِطْرَةِ الأُولى [فِي] مَبْدَئِهِ سُهُولَةً وحُسْنًا وقَبُولًا لِكُلٍّ مِنَ الإصْلاحِ والتَّغَيُّرِ، كَآخِرِ الهَرَمِ عِنْدَ نِهايَتِهِ في عَظِيمِ تَغَيُّرِهِ بِحَيْثُ [إنَّهُ] لا يَنْتَفِعُ بِشَيْءٍ مِنهُ إذا تَغَيَّرَ، وغَيْرُهُ مِنَ الفَواكِهِ إذا فَسَدَ جانِبٌ مِنهُ بَقِيَ آخَرُ، فَكانَ في هَذا كالقِسْمِ لِلسّافِلِ مِنَ الإنْسانِ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِهِ فَقالَ: ﴿والتِّينِ﴾ بادِئًا بِهِ لِأنَّ القَسَمَ المُشارَ بِهِ إلَيْهِ أكْثَرُ، فالِاهْتِمامُ بِهِ أكْبَرُ. ولَمّا كانَ الزَّيْتُونُ في [عَدَمِ] فَسادٍ يَطْرُقُهُ أوْ تَغَيُّرِ يَلْحَقُهُ، وفِيهِ الدُّسُومَةُ والحَرافَةُ والمَرارَةُ، وهو إدامٌ ودَواءٌ مَعَ تَهَيُّئِهِ لِلنَّفْعِ (p-١٣٥)بِكُلِّ حالٍ في أكْلِهِ بَعْدَ تَزْيِيتِهِ والتَّنْوِيرِ بِدَهْنِهِ والِادِّهانِ بِهِ لِإزالَةِ الشَّعَثِ وتَنْعِيمِ البَشْرَةِ وتَقْوِيَةِ العَظْمِ وشَدِّ العَصَبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ مَعَ لَدْنِهِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِن فَضائِلِهِ الجَمَّةِ كالمُؤْمِنِ [تَلاهُ بِهِ] فَقالَ: ﴿والزَّيْتُونِ﴾

التين 95:2

ولَمّا كانَ [مَعَ] ذَلِكَ مُشارًا بِهِما إلى مَواضِعِ نَباتِهِما وهي الأرْضُ المُقَدَّسَةُ مِن جَمِيعِ بِلادِ الشّامِ إيماءً إلى مَن كانَ بِها مِنَ الأنْبِياءِ والتّابِعِينَ لَهم بِإحْسانٍ لا سِيَّما إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي كانَتْ مُهاجِرَهُ فَأحْياها اللَّهُ تَعالى بِعِبادِهِ وتَرَدَّدَ المَلائِكَةُ إلَيْهِ بِالوَحْيِ ومِن بَعْدِهِ أوْلادُهُ الَّذِينَ طَهَّرَها اللَّهُ بِهِمْ مِنَ الشِّرْكِ وأنارَها بِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ، وخَتَمَهم بِعِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحَدُ أُولِي العَزْمِ المُشَرَّفِ بِكَوْنِهِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلى نَبِيِّنا أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وكانَتِ الكِنايَةُ بِالشَّجَرَتَيْنِ عَنِ البَلَدِ المُرادِ بِهِ سُكّانُهُ أبْلَغَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِالمُرادِ مِن أوَّلِ وهْلَةٍ، ساقَهُ عَلى هَذا المَنهَجِ العَزِيزِ، ولَمْ يَبْقَ مِمَّنْ لَمْ يَسْكُنْها مِن أشْرافِهِمْ إلّا مُوسى وهارُونُ وإسْماعِيلُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأشارَ إلى الأوَّلَيْنِ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا بِما يَدُلُّ عَلى أحْسَنِ التَّقْوِيمِ [لِأنَّ] الطُّورَ الجَبَلُ ذُو النَّبْتِ مِنَ النَّجْمِ والشَّجَرِ [المُثْمِرِ] وغَيْرِهِ: ﴿وطُورِ﴾ أيْ جَبَلُ المَكانِ [المُسَمّى] بِهَذا الِاسْمِ. (p-١٣٦)ولَمّا كانَ الكَلامُ في التَّقْوِيمِ، كانَ المُناسِبُ لَهُ صُورَةَ جَمْعِ السَّلامَةِ فَقالَ تَعالى: ﴿سِينِينَ﴾ أيْ وما كانَ بِالجَبَلِ ذِي النَّبْتِ الحَسَنِ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن لَذِيذِ المُناجاةِ وعَجائِبِ المُواعَدَةِ وحِكَمِ الكَلامِ مَعَ أنَّ فِيهِ [مِنَ] الأشْجارِ والأماكِنِ ما يَكُنْ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ، وفِيهِ لِخُلُوِّهِ وحُسْنِهِ وعُلُوِّهِ جَمْعُ الخاطِرِ لِلْمُتَفَرِّدِ وطُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ لِلتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ والتَّحَصُّنِ مِمّا يَخْشى لِعُلُوِّهِ وصُعُوبَتِهِ، وفِيهِ ما يَصْلُحُ لِلزَّرْعِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ، وفِيهِ ما يَأْكُلُهُ النّاسُ والدَّوابُّ مَعَ الماءِ العَذْبِ والفَناءِ الرَّحْبِ والمَنظَرِ الأنِيقِ، وسِنِينَ وسَيْناءَ - اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ الَّذِي هَذا الجَبَلُ بِهِ، وأشارَ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى الأخِيرَيْنِ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خِتامًا لِلْقَسَمِ بِأكْمَلِ المُقَسَمِ بِهِ كَما جَعَلَ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ [الَّذِي] هو خِتامُ الرُّسُلِ أكْمَلَ النَّوْعِ [المُقْسَمِ] لِأجْلِهِ لِيَكُونَ في البَدْءِ بِما يَرِدُ بَعْدَ حُسْنِ التَّقْوِيمِ إلى الفَسادِ والخَتْمِ بِما هو أشْرَفُ المَذْكُورِينَ بِكُلِّ اعْتِبارِ طِباقٍ حازَ أعْلى الأسْرارِ:

التين 95:3

﴿وهَذا البَلَدِ﴾ أيْ مَكَّةُ، صَرَّحَ هُنا بِهَذَيْنَ المَكانَيْنِ تَرْشِيحًا لِأنَّ المُرادَ (p-١٣٧)بِالأوَّلَيْنِ مَواضِعُ نَبْتِهِما مَعَ تِلْكَ الإشارَةِ اللَّطِيفَةِ بِذِكْرِ اسْمَيْهِما إلى مُناسَبَتِهِما لِلْمُقْسَمِ مِن أجْلِهِ ﴿الأمِينِ﴾ [أيِ] الَّذِي يَأْمَنُ فِيهِ مَن حَلَّ بِهِ مِنَ البَشَرِ والطَّيْرِ والوَحْشِ، فَكانَ بِذَلِكَ كالرَّجُلِ الأمِينِ الَّذِي يَأْتَمِنُهُ آخَرُ عَلى نَفْسِهِ وما يَعِزُّ عَلَيْهِ فَيُؤَدِّيهِ إلَيْهِ ويُوَقِّرُهُ عَلَيْهِ، وأمانَتُهُ شامِلَةٌ لِكُلِّ ما يَخْشى حَتّى الفَقْرُ والعَيْلَةُ والجُوعُ وتَغَيُّرُ الدِّينِ بَعْدَ تُقَرِّرِهِ مَعَ أنَّ بِهِ البَيْتَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ هُدًى لِلْعالَمِينَ وقِيامًا لِلنّاسِ فَهو مَدارُ الدِّينِ والدُّنْيا، وكانَ بِهِ مِنَ الأسْرارِ بِالوَحْيِ وآثارِهِ ما لَمْ يَكُنْ في بَلَدٍ مِنَ البِلادِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى كَما جَعَلَ النَّبِيَّ المَبْعُوثَ مِنهُ في [آخِرِ] الزَّمانِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ جَعَلَهُ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ البُلْدانِ إذْ كانَ آمِنًا مِن غَيْرِ مَلِكٍ [مَرْهُوبٍ -] والنّاسُ يُتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِهِ، وهو مَحَلُّ الأُنْسِ بِالنّاسِ كَما أنَّ الَّذِي قَبْلَهُ مَحَلُّ الأُنْسِ بِالِانْفِرادِ، وهو مَجْمَعُ المَرافِقِ ومَعْدِنُ المَنافِعِ ومَحِلُّ ذَوِي الوَجاهَةِ دِينًا ودُنْيا، ومَحَلُّ الرِّفْعَةِ والمَناصِبِ مَعَ ما حازَهُ المَكانانِ مَن تَنَزُّلِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ وإشْراقِ الأنْوارِ الإلَهِيَّةِ الدِّينِيَّةِ فِيهِما، وفي ذَلِكَ تَخْوِيفٌ [لَهُمْ] بِأنَّهم إنْ لَمْ يَرْجِعُوا عَنْ غَيِّهِمْ أخافَهُ إخافَةً لَمْ يُخِفْها [بَلَدًا] مِن بِلادِ العَرَبِ (p-١٣٨)فَيَكُونُونَ بِذَلِكَ قَدْ رُدُّوا أسْفَلَ سافِلِينَ في البَلَدِ، كَما رُدُّوا في الأخْلاقِ بِالشِّقاقِ واللِّدادِ.

التين 95:4

ولَمّا كانَ هَذا القَسَمُ مَعَ كَوْنِهِ جامِعًا لِبَدائِعِ المَصْنُوعاتِ الَّتِي هي [لِما ذُكِرَ] مِن حُكْمِها دالَّةً عَلى كَمالِ عِلْمِ خالِقِها وتَمامِ قُدْرَتِهِ جامِعًا لِأكْثَرِ الَّذِينَ آمَنُوا، وكانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِكَوْنِهِ أباهم مَذْكُورًا مَرَّتَيْنِ بِالأرْضِ المُقَدَّسَةِ مِنَ القُدْسِ ومَكَّةَ، فَتُوقِعُ أكْمَلَ الخَلْقِ وأفْطَنَهُمُ المُخاطَبُ بِهَذا الذِّكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ عِلْمًا مِنهُ بِبُلُوغِ القَسَمِ إلى غايَتِهِ واسْتِوائِهِ عَلى نِهايَتِهِ، أُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى مُحَقِّقًا: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا﴾ أيْ قَدَرْنا وأوْجَدْنا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الباهِرَةِ والعِزَّةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ الشَّهْوَةَ والعَقْلَ وفِيهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ ما يُنْسِيهِ أكْثَرَ مُهِمِّهِ، ولِهَذا قالَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ [البقرة: ٣٠] لِأنَّهم عَلِمُوا [أنَّهُ] إذا جُمِعَ الغَضَبُ والشَّهْوَةُ إلى العَقْلِ جاءَتِ المُنازَعَةُ فَيَتَوَلَّدُ الفَسادُ مِنَ الشَّهْوَةِ والسَّفْكِ مِنَ الغَضَبِ ﴿فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أيْ كائِنٍ مِنّا رُوحًا وعَقْلًا أوْ أعَمَّ مِن ذَلِكَ بِما جَعَلَنا لَهُ مِن حُسْنِ الخَلْقِ (p-١٣٩)والخُلُقِ بِما خَصَّ بِهِ مِنَ انْتِصابِ القامَةِ وحُسْنِ الصُّورَةِ واجْتِماعِ خَواصِّ الكائِناتِ ونَظائِرِ سائِرِ المُمْكِناتِ بَعْدَ ما شارَكَ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والذَّوْقِ واللَّمْسِ والشَّمِّ الجَوارِحِ الَّتِي هَيَّأتْهُ لِما خُلِقَ لَهُ حَتّى قِيلَ إنَّهُ العالَمُ الأصْغَرُ كَما مَضى بَسْطُ ذَلِكَ في سُورَةِ الشَّمْسِ، ثُمَّ مَيَّزْناهُ بِما أوْدَعْناهُ فِيهِ بِما جَعَلْناهُ عَلَيْهِ مِنَ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي لا تَبْدِيلَ لَها مِنَ الطَّبْعِ الأوَّلِ السَّلِيمِ الَّذِي هَيَّأْناهُ بِهِ وقَوَّيْناهُ بِقُدْرَتِنا لِقَبُولِ الحَقِّ، وبِمِثْلِ ما قُلْتُهُ في حَمْلِ الآيَةِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى قالَ الأصْفَهانِيُّ في تَفْسِيرِ ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] في البَقَرَةِ، [و] قالَ ابْنُ بُرْجانَ هُنا: مَفْطُورٌ عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ الدِّينِ القَيِّمِ، ثُمَّ لَمّا مَنَحْناهُ بِهِ مِنَ العَقْلِ المُدْرِكِ القَوِيمِ، فَكَما جَعَلْنا لَهُ شَكْلًا يُمَيِّزُهُ عَنْ سائِرِ الحَيَوانِ مَنَحْناهُ عَقْلًا يَهْدِيهِ إلى العُرُوجِ عَنْ دَرْكِ النِّيرانِ إلى دُرْجِ الجِنانِ بِالإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ البالِغَةِ نِهايَةَ الإحْسانِ، بِدَلِيلِ مَن فِيهِ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ أكْمَلُهم [ مُحَمَّدٌ ] عَلى جَمِيعِهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ والتَّحِيَّةِ والإكْرامِ والتّابِعِينَ لَهُ بِإحْسانٍ الَّذِينَ مَلَئُوا الأرْضَ عِلْمًا وحِكْمَةً ونُورًا، قالَ البَغْوِيُّ: خَلَقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَدِيدَ القامَةِ يَتَناوَلُ مَأْكُولَهُ بِيَدِهِ مُزَيَّنًا (p-١٤٠)بِالعَقْلِ والتَّمْيِيزِ - انْتَهى، والعَقْلُ هو المَقْصُودُ في الحَقِيقَةِ مِنَ الإنْسانِ لِأنَّ مِن أسْمائِهِ اللُّبَّ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ المَقْصُودَ مِن [كُلِّ] شَيْءٍ لُبَّهُ وهو الشَّرْعُ كَما مَضى في آخِرِ النِّساءِ، والظّاهِرُ أنَّ عُقُولَ النّاسِ بِحَسَبِ الخَلْقِ مُتَقارِبَةٌ و[أنَّها] إنَّما تَفاوَتَتْ بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ فَبَعْضُهم جَعَلَ سُبْحانَهُ وتَعالى عُنْصُرَهُ وجِبِلَّتَهُ في غايَةِ الفَسادِ فَلا تَزالُ جِبِلَّتُهُ تُرْدِي عَلى عَقْلِهِ فَيَتَناقَصُ إلى أنْ يَصِيرَ إلى أسُوءِ الأحْوالِ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، وبَعْضُهم يَصْرِفُ عَقْلَهُ بِحَسَبِ ما هَيَّأهُ اللَّهُ لَهُ إلى ما يُنْجِيهِ، وبَعْضُهم يَصْرِفُهُ لِذَلِكَ إلى ما يُرْدِيهِ، لِأنَّكَ تَجِدُ أعْقَلَ النّاسِ في شَيْءٍ وأُعَرَفَهم بِهِ أشَدَّهم بَلادَةً في شَيْءٍ آخَرَ، وأغْباهم في شَيْءٍ أذْكاهم في شَيْءٍ آخَرَ - فاعْتَبَرَ ذَلِكَ، وبِذَلِكَ انْتَظَمَ أمْرُ الخَلْقِ في أمْرِ مَعاشِهِمْ بِالعُلُومِ والصَّنائِعِ والأحْوالِ - واللَّهُ الهادِي، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ التَّرْكِيبِ والصُّورَةِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ في شَيْءٍ مِنهُما لَكانَ هو الأحْسَنُ لَأنَّ كُلَّ صِفَةٍ يَشْتَرِكُ فِيها الخَلْقُ والحَقُّ فالمُبالَغَةُ لِلْحَقِّ كالعالِمِ والأعْلَمِ والكَرِيمِ والأكْرَمِ - قالَهُ الأُسْتاذُ أبُو القاسِمِ القُشَيْرِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وصِيغَةُ ”أفْعَلُ“ لا تَدُلُّ عَلى ما قالَهُ الزَّنادِقَةُ، وإنَّ عُزِيَ ذَلِكَ (p-١٤١)إلى بَعْضِ الأكابِرِ مِن قَوْلِهِمْ: لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ، لِأنَّ الدَّرَجَةَ الواحِدَةَ تَتَفاوَتُ إلى ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ كَتَفاوُتِ أفْرادِ الإنْسانِ في صُوَرِهِ وألْوانِهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أكْوانِهِ وبَدِيعِ شَأْنِهِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ في تَصْنِيفِ مُفْرَدٍ لِهَذِهِ الكَلِمَةِ سَمَّيْتُهُ: تَهْدِيمُ الأرْكانِ مَن ”لَيْسَ في الإمْكانِ أبْدَعُ مِمّا كانَ“، [وأوْضَحْتُهُ غايَةَ الإيضاحِ والبَيانِ، وجَرَتْ فِيهِ فِتَنٌ تُصِمُّ الآذانَ، ونَصَرَ اللَّهُ الحَقَّ بِمُوافَقَةِ الأعْيانِ، وقَهَرَ أهْلَ الطُّغْيانِ، ثُمَّ أرْدَفْتُهُ بِكِتابِ ”دَلالَةِ البُرْهانِ عَلى أنَّ في الإمْكانِ أبْدَعَ مِمّا كانَ] ثُمَّ شُفِيَتِ الأسْقامُ، ودُمِغَتِ الأخْصامُ، وخَسَأْتِ الأوْهامُ، بِالقَوْلِ الفارِقِ بَيْنَ الصّادِقِ والمُنافِقِ، وهو نَحْوُ ورَقَتَيْنِ في غايَةِ الإبْداعِ في قَطْعِ النِّزاعِ، ويُمْكِنُ أنْ تَكُونَ صِيغَةُ أفْعَلَ مُفِيدَةً [بِالنِّسْبَةِ] إلى شَيْءٍ أرادَهُ اللَّهُ بِحَيْثُ أنْ نَتَفَطَّنَ لَهُ [نَحْنُ] لِأنَّ مِنَ المُجْمَعِ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ السُّنَّةِ وصَرَّحَ بِهِ الأشْعَرِيُّ وغَيْرُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِن كُتُبِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا تَتَناهى مَقْدُوراتُهُ، ومِمَّنْ صَرَّحَ بِما صَرَّحَ بِهِ الأشْعَرِيُّ وأكْثَرُ في الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزالِيِّ في كُتُبِهِ الإحْياءُ وغَيْرُهُ ولا سِيَّما كِتابُهُ“ تَهافُتُ الفَلاسِفَةِ "وبَيَّنَ أنَّ هَذا مِن قَواعِدِهِمْ لِنَفْيِهِمْ صِفَةَ الإرادَةِ وقَوْلِهِمْ بِأنَّ فِعْلَهُ بِالذّاتِ، وبَيَّنَ فَسادَ ذَلِكَ، (p-١٤٢)وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قادِرٌ عَلى اخْتِراعِ [عالَمٍ] آخَرَ وثالِثٍ مُتَفاوِتَةٍ بِالصِّغَرِ والكِبَرِ، وعَلى كُلِّ مُمْكِنٍ، وعَرَفَ أنَّ المُمْكِنَ هو المَقْدُورُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ يَرْجِعُ إلى المَقْدُورِ عَلَيْهِ أيْضًا مُمْكِنٌ، وعُرِفَ المُمْتَنِعِ بِأنَّهُ إثْباتُ الشَّيْءِ مَعَ نَفْيِهِ، وإثْباتُ الأخَصِّ مَعَ نَفْيِ الأعَمِّ، وإثْباتُ الِاثْنَيْنِ مَعَ نَفْيِ الواحِدِ، وقالَ: وما لا يَرْجِعُ إلى ذَلِكَ فَهو مُمْكِنٌ، فَدَخَلَ فِيهِ عالَمٌ أبْدَعُ مِن هَذا العالَمِ - واللَّهُ المُوَفَّقُ لِما يُرِيدُ.

التين 95:5

ولَمّا كانَ الإنْسانُ مَعَ هَذِهِ المَحاسِنِ قَدْ سَلَّطَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلَيْهِ شَهَواتٍ وهَيَّأ طَبْعَهُ لِرَذائِلَ وأخْلاقَ دَنِيئاتٍ، وأهْوِيَةٍ وحُظُوظٍ لِلْأنْفُسِ مُمِيلاتٍ، وكانَ أكْثَرُ الخَلْقِ بِها هالِكًا لِتَتَبَيَّنَ قُدْرَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، لَمْ يَسْتَثْنِ بَلْ حَكَمَ عَلى الجِنْسِ كُلِّهِ بِها كَما حَكَمَ عَلَيْهِ بِالتَّقْوِيمِ، فَقالَ تَعالى دالًّا بِأداةِ التَّراخِي عَلى أنَّ اعْوِجاجَهُ بَعْدَ ذَلِكَ العَقْلِ الرَّصِينِ والذِّهْنِ الصّافِي المُسْتَنِيرِ في غايَةِ البُعْدِ لَوْلا القُدْرَةُ الباهِرَةُ والقُوَّةُ القاسِرَةُ القاهِرَةُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الكامِلَةِ والعِلْمِ الشّامِلِ، فَعَطَّلَ مَنافِعَ ما خَلَقْناهُ لَهُ فَضَيَّعَ نَفْسَهُ وفَوَّتَ أسْبابَ سَعادَتِهِ ونَكَّسْناهُ نَحْنُ في خَلْقِهِ، فَصارَ بِالأمْرَيْنِ في خُلُقِهِ وخَلْقِهِ نَفْسًا وهَوًى أوْ أعَمُّ (p-١٤٣)مِن ذَلِكَ بِالنَّكْسِ ﴿أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ أيْ إلى ما تَحْتَ رُتْبَةِ الجَماداتِ المُسْتَقْذِراتِ، فَصارَ يَعْمَلُ الأعْمالَ السَّيِّئاتِ المُقْتَضِيَةَ بَعْدَ حُسْنِ الجَمْعِ لِغايَةِ الشَّتاتِ، أمّا رَدُّهُ في خُلُقِهِ فَبِأنْ سَلَّطْنا عَلَيْهِ الشَّهَواتِ الَّتِي رَكَّبْناها في النُّفُوسِ، وجَعَلْناها داعِيَةً إلى كُلِّ بُؤْسٍ، فَغَلَبَتْ عَلى عَقْلِهِ فَأعْمَتْهُ حَتّى أوْرَدَتْهُ المَوارِدَ، وأوْقَعَتْهُ في المُهاوِي والمَعاطِبِ، حَتّى أنَّهُ لَيَرْكَبُ كَثِيرًا مِن أُمُورِهِ وهو قاطِعٌ بِأنَّهُ باطِلٌ شَنِيعٌ، لا يُقْدِمُ عَلى مِثْلِهِ عاقِلٌ، فَصارَ يَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ ما [هُوَ] دُونَ البَشَرِ بَلْ ومُطْلَقُ الحَيَوانِ مِمّا لا ضُرَّ فِيهِ ولا نَفْعَ، وصارَ يَرْكَبُ الظُّلْمَ والعُدْوانَ والإفْكَ والبُهْتانَ، وما لا يُحْصى بِالعَدِّ مِن أنْواعِ الفَواحِشِ والعِصْيانِ، ويَظْلِمُ أبْناءَ جِنْسِهِ وغَيْرِهِمْ، ويَجْتَهِدُ في الفُجُورِ، ويَتَصَرَّفُ بِما لا يَشُكُّ هو في أنَّهُ لا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ مَن لَهُ أدْنى نَظَرٍ مِمَّنْ يُلْزِمُهُ أمْرَهُ ويَعْنِيهِ شَأْنَهُ، فَصارَ بِذَلِكَ أحَطَّ رُتْبَةً مِنَ البَهائِمِ بَلْ مِن أدْنى الحَشَراتِ المُسْتَقْذَراتِ لِأنَّها وإنْ كانَتْ لَها شَهَواتٌ إلّا أنَّها لَيْسَ لَها عَقْلٌ تُغَطِّيهِ بِها وتَطْمِسُ نُورَهُ بِظَلامِها، فَلا تُنْسَبُ إلى أنَّها فَوَّتَتْ شَيْئًا لِعَدَمِ تَكْلِيفِها لِعَدَمِ العَقْلِ المُوجِبِ لِلشَّرَفِ، وأمّا هو فاسْتَعْمَلَ ما خَلَقْناهُ لَهُ مِنَ الآلاتِ، وما فَضَّلْناهُ بِهِ مِنَ الكَمالاتِ، (p-١٤٤)فِي غَيْرِ ما خَلَقْناهُ لَهُ فاسْتَحَقَّ العَذابَ المُهِينَ، ثُمَّ يَمُوتُ مِن غَيْرِ مُجازاةٍ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أوْ عَلى كَثِيرٍ مِنهُ، فَلا بُدَّ في الحِكْمَةِ حِينَئِذٍ مِن بَعْثِهِ، ولَهُ بَعْدَ البَعْثِ عِنْدَ رَبِّهِ عَلى ذَلِكَ عَذابٌ مُقِيمٌ، وأمّا في خُلُقِهِ فَبِالهَرَمِ حَتّى صارَ بَعْدَ تِلْكَ القُوى ضَعِيفًا، وبَعْدَ ذَلِكَ العِزِّ ذَلِيلًا مُهِينًا، وبَعْدَ ذَلِكَ العِلْمِ الغَزِيرِ والفِكْرِ المُنِيرِ لا يَعْلَمُ شَيْئًا، وصارَ يَسْتَقْذِرُهُ ويُنْكِرُهُ مَن كانَ يَأْلَفُهُ ويَسْتَعْطِرُهُ، وقالَ ابْنُ بُرْجانَ: أمّا رَدُّهُ في طَرِيقِ الدِّيانَةِ فَبِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وأمّا فِيما سَبِيلُهُ الجَزاءُ فَبِالمَسْخِ في دارِ البَرْزَخِ وتَحْوِيلِ صُورَتِهِ إلى ما غَلَبَ عَلَيْهِ خِلْقَتُهُ وعَمَلُهُ في الدُّنْيا مِنَ الدَّوابِّ والهَوامِّ والبَهائِمِ، وفي الآخِرَةِ تَزْرَقُّ عَيْناهُ ويُشَوَّهُ خَلْقُهُ، وقالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ الإقْلِيشِيُّ في شَرْحِ ”المُقَدَّمِ المُؤَخَّرِ“ مِن شَرْحِهِ لِلسَّماءِ الحُسْنى: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ. أيِ الإنْسانُ - أوَّلًا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَكَّبَهُ في هَذا الجِسْمِ الَّذِي يَجْذِبُهُ إلى أسْفَلِ سافِلِينَ، فَإنَّ قَدَّمَ عَقْلَهُ عَلى هَواهُ صَعِدَ إلى أعْلى عِلِّيِّينَ، وكانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ المُقَدَّمِينَ، وإنَّ قَدَّمَ هَواهُ هَبَطَ إلى إدْراكِ الجَحِيمِ، وكانَ مِنَ المُبْعَدِينَ المُؤَخَّرِينَ.

التين 95:6

(p-١٤٥)ولَمّا حَكَمَ بِهَذا الرَّدِّ عَلى جَمِيعِ النَّوْعِ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُتَّصِفِ بِهِ مِنهُمْ، وكانَ الصّالِحُ قَلِيلًا جِدًّا، جَعَلَهُ مَحَطَّ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ فَكانُوا [مِن] ذَوِي البَصائِرِ والمَعارِفِ، فَغَلَبْنا بِلُطْفِنا عُقُولَهم بِما دَعَتْ إلَيْهِ وأعانَتْ عَلَيْهِ الفِطْرَةُ الأُولى عَلى شَهَواتِهِمْ، وحَمَيْناهم مِن أرْذَلِ العُمْرِ، فَكانُوا [كُلَّما] زِدْناهم سِنًّا زِدْنا أنْوارَ عُقُولِهِمْ ونَقَصْنا نارَ شَهَواتِهِمْ بِما أضْعَفْنا مِن إحْكامِ طَبائِعِهِمْ وتَعَلُّقِهِمْ بِهَذا العالَمِ، وأحْكَمْنا مِن مَدارِكِ أنْوارِ الحَقِّ وإشْراقاتِهِ مِنهُمْ، وأعْظَمْنا مِن قُوى أرْواحِهِمْ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يَدَّعِي الإيمانَ كاذِبًا قالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانَ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ ثابِتَةَ الأرْكانِ عَلى أساسِ الإيمانِ، مُحْكَمَةً بِما آتَيْناهم مِنَ العِلْمِ غايَةَ الإحْكامِ، مُتْقَنَةً غايَةَ الإتْقانِ، فَإنّا حَفِظْناهم - وقَلِيلٌ ما هم - بِما كَمَّلْناهم بِهِ وشَرَّفْناهم عَلى جَمِيعِ الحَيَواناتِ وسائِرِ مَن سِواهم فَلَمْ نُمَكِّنْ مِنهُمُ الشَّهَواتِ ولا غَيْرَها، وأقَمْناهم عَلى ما اقْتَضاهُ مِنهاجُ العَقْلِ، فَتَبِعُوا الرُّسُلَ بِسَبَبِ إبْقائِنا لَهم عَلى الفِطْرَةِ الأوْلى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، لَمْ يُدَنِّسْ مَحْياها بِشَهْوَةٍ ولا حَظٍّ ولا هَوًى، فَسَهُلَ انْقِيادُهُمْ، فَأدّاهم ذَلِكَ إلى العَدْلِ (p-١٤٦)والنَّصَفَةِ والإحْسانِ، وجَمِيعِ مَكارِمِ الأخْلاقِ ومَعالِي الأُمُورِ، ولَمْ يَزِيغُوا عَنْ [مِنهاجِ] الرُّسُلِ في قَوْلٍ ولا عَمَلٍ، فالآيَةُ [كَما تَرى] مِنَ الِاحْتِباكِ: حُذِفَ أوَّلًا بِما أفْهَمْتُهُ الآيَةُ عَمَلَ السَّيِّئاتِ، وثانِيًا الإبْقاءُ عَلى أصْلِ الخَلْقِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى، لِيَكُونَ نَظْمُها في الأصْلِ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] بِعَمَلِ السَّيِّئاتِ فَلَهُ عَلى ذَلِكَ عَذابٌ مُهِينٌ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فَإنّا أبْقَيْناهم عَلى الفِطْرَةِ الأُولى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ولَمّا كانَ السِّياقُ لِمَدْحِ المُؤْمِنِينَ، حَسُنَ أنْ يُعِدَّ أعْمالَهُمُ الَّتِي تَفْضُلُ عَلَيْهِمْ بِها سَبَبًا كَما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِنَ الثَّوابِ فَقالَ: ﴿فَلَهُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ كانَ لَهم في الدّارَيْنِ عَلى ما وُفِّقُوا لَهُ مِمّا يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿أجْرٌ﴾ أيْ عَظِيمٍ جِدًّا وهو مَعَ ذَلِكَ ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ أوْ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ حَتّى في حالَةِ المَرَضِ والهَرَمِ [لِكَوْنِهِمْ] سَعَوْا في مَرْضاةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وعَزَمُوا عَزْمًا صادِقًا أنَّهم لا يُنْقَصُونَ مِن أعْمالِ البِرِّ ذَرَّةً ولَوْ عاشُوا مَدى الدَّهْرِ، وذَلِكَ الأجْرُ جَزاءً لِأعْمالِهِمْ فَضْلًا مِنهُ بِالأصْلِ والفَرْعِ حَتّى أنَّهم إذا عَجَزُوا بِالهَرَمِ كَتَبَ لَهم أجْرَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ في حالِ الصِّحَّةِ، ولِمَن تابَعَ هَواهُ في السُّفُولِ عَذابٌ عَظِيمٌ لِأنَّهُ رُدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ.

التين 95:7

(p-١٤٧)ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّهُ لا يَجُوزُ في الحِكْمَةِ تَرْكُهم بِغَيْرِ جَزاءٍ مَعَ ما يُشاهِدُ مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مُعانَدَةً لِما يَقْتَضِيهِ [قَوِيمُ] العَقْلِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَرْضاهُ أحَدٌ مِنهم ولا يُقِرُّ مَخْلُوقٌ عَبِيدًا في مِلْكِهِ عَلى مِثْلِهِ بِأنْ يَبْغِيَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ فَيُهْمِلُهم بَلْ لا بُدَّ أنْ يَحْجِزَ بَيْنَهم أوْ يَأْخُذَ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ المالِكُ أقَلَّ النّاسِ وأجْهَلَهم فَكَيْفَ إنْ كانَ عاقِلًا فَكَيْفَ إنْ كانَ حاكِمًا فَكَيْفَ إنْ كانَ لا يَخافُ أحَدًا فَكَيْفَ إنْ كانَ عَدْلًا مُقْسِطًا قَدْ ثَبَتَتْ إحاطَةُ عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، حَسَنٌ كُلَّ الحُسْنِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ يُهْمِلُ عِبادَهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَهم لِمُجازاةِ كُلٍّ مِنَ المُطِيعِ والعاصِي بِما عَمِلَ مَعَ ما تَرى مِن ظُلْمِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وأنَّ الظّالِمَ قَدْ يَمُوتُ قَبْلَ القَصاصِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنِ الوَعْدِ بِما أفْصَحَ بِهِ الكُتّابُ مِن إثابَةِ المُؤْمِنِينَ الَّذِي طالَما بَغى عَلَيْهِمُ الظَّلَمَةُ، وانْتَقَصَهم حُقُوقَهُمُ الفَسَقَةُ، والوَعِيدُ بِما أفْهَمَهُ الخِطابُ لِعِتابِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ طالَما بَغَوْا عَلى غَيْرِهِمْ: ﴿فَما﴾ أيْ فَتُسَبِّبَ عَنْ إقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وعَلى بَغْيِ العَبِيدِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ أنَّهُ يُقالُ لَكَ تَصْدِيقًا لَكَ فِيما أخْبَرْتَ بِهِ مِن [أنَّ] (p-١٤٨)اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَبْعَثُ الخَلائِقَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِيُجازِيَ كُلًّا بِما عَمِلَ وإنْكارًا عَلى مَن كَذَّبَكَ: [ما] ﴿يُكَذِّبُكَ﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ يَنْسَبِكُ إلى الكَذِبِ يا أشْرَفَ الخَلْقِ وأكْمَلَهم نَفْسًا وأتْقاهم عِرْضًا وأطْهَرَهم خَلْقًا وخُلُقًا، وعَبَّرَ بِـ ”ما“ إشارَةً إلى أنَّ الكَذِبَ بِهَذا مَعَ [هَذا] الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ في عِدادِ ما لا يَعْقِلُ بَلْ دُونَهُ ﴿بَعْدُ﴾ أيْ بَعْدَ مُشاهِدَةِ بَغْيِ بَعْضِ النّاسِ عَلى بَعْضٍ اسْتِعْمالًا لِحالِ النَّكْسِ، وأعْراهُ مِنَ الجارِ إشارَةً إلى أنَّ مَن آمَنَ قَبْلَ الغَرْغَرَةِ واتَّصَلَ إيمانُهُ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ كانَ مِمَّنْ لَهُ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴿بِالدِّينِ﴾ أيِ الجَزاءُ لِكُلِّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّهُ عَلى سَبِيلِ العَدْلِ والإنْصافِ لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ الَّتِي غَلَبَتْ فِيها الحُظُوظُ عَلى العُقُولِ، فَوَقَعَ بِها مِنَ الظُّلْمِ والأذى ما لا يَسَعُ عاقِلًا مِنَ العِبادِ أنْ يُحْسِنَ عِنْدَهُ تَرْكُ فاعِلِها مِن غَيْرِ جَزاءٍ حَتّى كانَ أكْثَرَ أفْعالِ العِبادِ ظُلْمًا، ومِن شَأْنِ المُلُوكِ الإنْصافُ بَيْنَ عَبِيدِهِمْ ورَعاياهُمْ، فَكَيْفَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي شَرَعَ لِعِبادِهِ ذَلِكَ، وقَدْ ثَبَتَ بِما لَهُ مِن هَذا الخُلُقِ العَظِيمِ، عَلى هَذا النِّظامِ المُحْكَمِ والمِنهاجِ الأقْوَمِ أنَّهُ الحَكِيمُ، الَّذِي لا حَكِيمَ غَيْرِهِ، العَلِيمُ الَّذِي لا عَلِيمَ سِواهُ.

التين 95:8

(p-١٤٩)ولَمّا صَحَّ أنَّ تارِكَ الظّالِمِ بِغَيْرِ انْتِقامٍ والمُحْسِنِ بِلا إكْرامٍ لَيْسَ [عَلى] مِنهاجِ العَدْلِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى، حَسُنَ جِدًّا تَكْرِيرُ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ﴾ أيْ عَلى ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأكَّدَهُ بِالجارِّ في قَوْلِهِ: ﴿بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ أيْ حَتّى يَدَعَ الخَلْقَ يُهْلِكُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن غَيْرِ جَزاءٍ، فَيَكُونُ خَلْقُهم عَبَثًا، بَلْ هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ عِلْمًا وقُدْرَةً وعَدْلًا وحِكْمَةً بِما شُوهِدَ مِن إبْداعِهِ الخَلْقَ ومُفاوَتَتِهِ بَيْنَهُمْ، وجَعَلَ الإنْسانَ مِن بَيْنِهِمْ عَلى أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَلا بُدَّ أنْ يُقِيمَ الجَزاءَ ويَضَعَ المُوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَيَظْهَرُ عَدْلُهُ وحِكْمَتُهُ وفَضْلُهُ، وهَذا الآخَرُ هو أوَّلُها قِسْمًا مِن جِهَةِ النُّبُوّاتِ الَّتِي ظَهَرَ بِها حُكْمُهُ وحِكْمَتُهُ، ومُقْسِمًا عَلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّ الخَلْقَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَقْتَضِي العَدْلَ لا مَحالَةَ، والرَّدَّ أسْفَلَ سافِلِينَ يَتَقاضى الحِكَمَ حَتْمًا لِأجْلِ ما يَقَعُ مِنَ الظُّلْمِ والتَّشاجُرِ بَيْنَ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ ومَن رُدَّ لِأسْفَلِ سافِلِينَ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى وجازَتِها عَلى جَمِيعِ مَقاصِدِ التَّوْراةِ إجْمالًا، وزادَتِ الدَّلالَةُ عَلى الآخِرَةِ، وذَلِكَ أنْ قَسَمَها هو قَوْلُهُ في التَّوْراةِ ”أتانا رَبُّنا مِن سَيْناءَ وشَرَّقَ بِنا مِن جَبَلِ ساعِرٍ، وظَهَرَ لَنا مِن جِبالِ فارّانَ“ والخَلْقُ في [أحْسَنِ] تَقْوِيمٍ هو خَلْقُ آدَمَ (p-١٥٠)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ المَذْكُورُ في أوَّلِها وخَلْقُ زَوْجِهِ وما يَحْتاجانِ إلَيْهِ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، وخَلْقُ الأصْفِياءِ مِن أوْلادِهِما وما جاؤُوا بِهِ مِنَ الخَيْرِ، والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ هو ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، وقَوْلُهُ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المَعْبَّرِ بِالمُقَسَمِ عَنْهُ ”مَعَهُ رُبُواتُ الأطْهارِ عَنْ يَمِينِهِ أعْطاهم وحَبَّبَهم إلى الشُّعُوبِ، وبارَكَ عَلى جَمِيعِ أطِّهارِهِ“ والرَّدُّ أسْفَلَ سافِلِينَ هو ما ذَكَرَ أوَّلَها مِنَ العُصاةِ مِن قابِيلَ ومِن بَعْدِهِ إلى آخِرِها، عَلى ما أشارَ إلَيْهِ مِن عِصْيانِ بَنِي إسْرائِيلَ المُوجِبِ لِلَعْنِهِمْ، فَقَدِ اكْتَنَفَتْ بِأوَّلِ التَّوْراةِ وآخِرِها وأوْسَطِها، وابْتَدَأ بِآخِرِها لِأنَّهُ في النُّبُوّاتِ، وهي أهَمُّ المُهِمِّ لِأنَّها المُنْجِيَةُ مِن شَرِّ قُطّاعِ الطَّرِيقِ، وآخِرُها أدَلُّ ما فِيها عَلى النُّبُوّاتِ لا سِيَّما الثَّلاثُ [العِظامُ -] المُشارُ إلَيْهِ بِقَسَمِ هَذِهِ السُّورَةِ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالغَيْبِ.

العلق 96:1

(p-١٥١)سُورَةُ العَلَقِ وتُسَمّى اقْرَأْ. مَقْصُودُها الأمْرُ لا سِيَّما لِلْمَقْصُودِ بِالتَّفْضِيلِ في سُورَةِ التِّينِ بِعِبادَةِ مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، شُكْرًا لِإحْسانِهِ واجْتِنابًا لِكُفْرانِهِ وطَمَعًا في جِنانِهِ وخَوْفًا مِن نِيرانِهِ، لِما ثَبَتَ أنَّهُ يُدِينُ العِبادَ يَوْمَ المَعادِ، وكُلٌّ مِنَ اسْمَيْها دالٌّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ المُرَبِّيَ يَجِبُ شُكْرَهُ، ويُحَرِّمُ غايَةَ التَّحْرِيمِ كُفْرَهُ، عَلى أنْ ”اقْرَأْ“ يُشِيرُ إلى الأمْرِ، ”والعَلَقِ“ يُشِيرُ إلى الخَلْقِ، و”اقْرَأْ“ يَدُلُّ عَلى البِدايَةِ وهي العِبادَةُ بِالمُطابَقَةِ، وعَلى النِّهايَةِ وهي النَّجاةُ يَوْمَ الدِّينِ بِاللّازِمِ، والعَلَقُ يَدُلُّ عَلى كُلٍّ مِنَ النِّهايَةِ ثُمَّ البِدايَةِ بِالِالتِزامِ، لِأنَّ مَن عَرَفَ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِن دَمٍ عَرِفَ أنَّ خالِقَهُ قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ مِن تُرابٍ، فَإنَّ التُّرابَ أقْبَلُ لِلْحَياةِ مِنَ الدَّمِ، ومِن صَدَقَ [بِالإعادَةِ] عَمِلَ لَها، وخَصَّ العَلَقَ لِأنَّهُ مَرْكَّبُ الحَياةِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ نَفْسًا ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ فاسْتَحَقَّ التَّفَرُّدَ بِالإلَهِيَّةِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَتُهُ فاسْتَوْجَبَ بِالشُّكْرِ مِن سائِرِ البَرِيَّةِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي وفَّقَ مَن شاءَ (p-١٥٢)مِن خَواصِّهِ لِما أنالَهم بِهِ المَواهِبَ السِّنِّيَّةَ والعَطايا الوَفِيَّةَ. * * لِما أمَرَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في الضُّحى بِالتَّحْدِيثِ بِنِعْمَتِهِ، وذَكَّرَهُ بِمَجامِعِها في ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] فَأنْتَجَ ذَلِكَ إفْرادَهُ بِما أمَرَهُ بِهِ في خَتْمِها مِن تَخْصِيصِهِ بِالرَّغْبَةِ إلَيْهِ، فَدَلَّ في الزَّيْتُونِ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِذَلِكَ لِتَمامِ قُدْرَتِهِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنهُ أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ إلّا بِهِ، فَأنْتَجَ ذَلِكَ تَمامَ الحِكْمَةِ فَأثْمَرَ قَطْعًا البَعْثَ لِلْجَزاءِ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يُوجِبُ حُسْنَ الجَزاءِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وبِأيِّ وسِيلَةٍ يَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الأعْلى في يَوْمِ الجَمْعِ الأكْبَرِ مِن خِصالِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، فَأرْشَدَ إلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ، فَقالَ بادِئًا بِالتَّعْرِيفِ بِالعِلْمِ الأصْلِيِّ ذاكِرًا أصْلَ مَن خَلَقَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ وبَعْضَ أطْوارِهِ الحَسَنَةِ والقَبِيحَةِ تَعْجِيبًا مِن تَمامِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَنْبِيهًا عَلى تَعَرُّفِها وإنْعامِ النَّظَرِ فِيها، وقَدَّمَ الفِعْلَ العامِلَ في الجارِّ والمَجْرُورِ هُنا لِأنَّهُ أوْقَعَ في النَّفْسِ لِكَوْنِها أوَّلَ ما نَزَلَ فَكانَ الأمْرُ بِالقِراءَةِ أهَمَّ: ﴿اقْرَأْ﴾ وحُذِفَ مَفْعُولُهُ إشارَةً إلى أنَّهُ لا قِراءَةَ إلّا بِما أمَرَهُ بِهِ، وهي الجَمْعُ الأعْظَمُ، فالمَعْنى: أوْجَدَ القِراءَةَ لِما لا مَقْرُوءَ غَيْرَهُ، وهو القُرْآنُ الجامِعُ لِكُلِّ خَيْرٍ، وأفْصَحَ لَهُ بِأنَّهُ لا يَقْدِرُ (p-١٥٣)عَلى ذَلِكَ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ الَّذِي أدَّبَهُ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَهُ، ورَبّاهُ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَهُ، فَقالَ ما أرْشَدَ المَعْنى إلى [أنَّ] تَقْدِيرَهُ: حالَ كَوْنِكَ مُفْتَتِحًا القِراءَةَ ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أيْ بِأنْ تُبَسْمِلَ، أوْ مُسْتَعِينًا بِالمُحْسِنِ إلَيْكَ لِما لَهُ مِنَ الأسْماءِ الحُسْنى والصِّفاتِ العُلى بِما خَصَّكَ بِهِ في ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] أوْ بِذِكْرِ اسْمِهِ، والمُرادُ عَلى هَذا بِالِاسْمِ الصِّفاتُ العُلى، وعَبَّرَ بِهِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن حُسْنِ الِاسْمِ حُسْنِ مَدْلُولِهِ، ومِن تَعْظِيمِ الِاسْمِ تَعْظِيمِ المُسَمّى وجَمِيعِ ما يَتَّصِفُ بِهِ ويُنْسَبُ إلَيْهِ، قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ القِراءَةَ لا تَكُونُ تامَّةً إلّا بِالتَّسْمِيَةِ، ولِكَوْنِهِ في سِياقِ الأمْرِ بِالطّاعَةِ الدّاعِي إلَيْها تَذَكُّرُ النِّعَمِ لَمْ يَذْكُرْ الِاسْمَ الأعْظَمَ الجامِعَ، وذَكَرَ صِفَةَ الإحْسانِ بِالتَّرْبِيَةِ الجامِعِ لِما عَداهُ وتَأْنِيسًا لَهُ ﷺ لِكَوْنِهِ أوَّلَ ما نَزَلَ حِينَ حُبِّبَ إلَيْهِ الخَلاءُ، فَكانَ يَخْلُو بِنَفْسِهِ يَتَعَبَّدُ بِرَبِّهِ في غارِ حِراءَ، فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخَمْسِ آياتٍ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥] ولِهَذا السِّرِّ ساقَهُ مَساقَ البَسْمَلَةِ بِعِبارَةٍ هي أكْثَرُ تَأْنِيسًا في أوَّلِ الأمْرِ وأبْسَطِ مِنها، فَأشارَ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ بِما في مَجْمُوعِ الكَلامِ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وأشارَ إلى عُمُومِ مِنَّةِ الرَّحْمَنِ بِصِفَةِ الخَلْقِ المُشارِ إلى تَعْمِيمِها بِحَذْفِ المَفْعُولِ، وإلى خُصُوصِ صِفَةِ الرَّحِيمِ بِالأكْرَمِيَّةِ الَّتِي مِن شَأْنِها (p-١٥٤)بُلُوغُ النِّهايَةِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ بِدُونِ إفاضَةِ العَمَلِ بِما يُرْضِي، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْكَرامَةِ الدّائِمَةِ، وبِالتَّعْلِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَهْدِيَ إلى الرِّضْوانِ، وأشارَ إلى الِاسْتِعاذَةِ بِالأمْرِ بِالقُرْآنِ لِما أفْهَمَهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الإسراء: ٤٥] [أيْ مِن شَياطِينِ الإنْسِ والجِنِّ-] ﴿حِجابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] ولَمّا خَصَّهُ تَشْرِيفًا بِإضافَةِ هَذا الوَصْفِ الشَّرِيفِ إلَيْهِ، وصَفَهُ عَلى جِهَةِ العُمُومِ بِالخَلْقِ والأمْرِ إعْلامًا بِأنَّ لَهُ التَّدْبِيرَ والتَّأْثِيرَ، وبَدَأ بِالخَلْقِ لِأنَّهُ مَحْسُوسٌ بِالعَيْنِ، فَهو أعْلَقُ بِالفَهْمِ، وأقْرَبُ إلى التَّصَوُّرِ، وأدَلُّ عَلى الوُجُودِ وعَظِيمِ القُدْرَةِ وكَمالِ الحِكْمَةِ، فَكانَتِ البُداءَةُ بِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي هي أوَّلُ ما نَزَلَ أنْسَبُ الأُمُورِ لِأنَّ أوَّلَ الواجِباتِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وهي بِالنَّظَرِ إلى أفْعالِهِ في غايَةِ الوُضُوحِ فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ وحَذْفُ مَفْعُولِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لَهُ هَذا الوَصْفُ وهو التَّقْدِيرُ والإيجادُ عَلى وفْقِ التَّقْدِيرِ الآنَ وفِيما يَكُونُ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَدْخُلُ في الوُجُودِ فَهو مِن صُنْعِهِ ومُتَرَدِّدٌ بَيْنَ إذْنِهِ ومَنعِهِ وضُرِّهِ ونَفْعِهِ.

العلق 96:2

(p-١٥٥)ولَمّا كانَ الحَيَوانُ أكْمَلُ المَخْلُوقاتِ، وكانَ الإنْسانُ أكْمَلُ الحَيَوانِ وزُبْدَةُ مَخْضِهِ، ولُبابُ حَقِيقَتِهِ وسِرُّ مَحْضِهِ، وأدَلُّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ لِكَوْنِهِ جامِعًا لِجَمِيعِ ما في الأكْوانِ، فَكانَ خَلْقُهُ أبْدَعَ مِن خَلْقِ غَيْرِهِ، فَكانَ لِذَلِكَ أدَلَّ عَلى كَمالِ الصّانِعِ وعَلى وُجُوبِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، خَصَّهُ فَقالَ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا الجِنْسَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ وما رَأى ما أخْلاقُهُ وحِسُّهُ، وما ألِفَهُ مِن أبْناءِ جِنْسِهِ. ولَمّا كانَتِ العَرَبُ تَأْكُلُ الدَّمَ، وكانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ حَرَّمَهُ لِأنَّهُ أصْلُ الإنْسانِ وغَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ وهو مَرْكَّبُ الحَياةِ، فَإذا أكَلَ تَطْبَّعَ آكِلُهُ بِخَلْقِ ما هو دَمُهُ، قالَ مَعْرُفًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَنى هَذِهِ الدّارَ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلى الإيجادِ مِن غَيْرِ تَطْوِيرٍ في تَسْبِيبِ: ﴿مِن عَلَقٍ﴾ أيْ [خَلَقَ] هَذا النَّوْعَ مِن هَذا الشَّيْءِ وهو دَمٌ شَدِيدُ الحُمْرَةِ جامِدٌ غَلِيظٌ، جُمِعَ عَلَقَةً، وكَذا الطِّينُ الَّذِي يُعَلَّقُ بِاليَدِ يُسَمّى عَلَقًا، وهم مُقِرُّونَ بِخَلْقِ الآدَمِيِّ مِنَ الأمْرَيْنِ كِلَيْهِما، فالآيَةُ مِن أدِلَّةِ إمامِنا الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى اسْتِعْمالِ المُشْتَرِكِ في مَعْنَيَيْهِ، ولَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهِ لِيَعُمَّ الطِّينُ فَيَكُونُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى بَدِيعِ الصَّنْعَةِ - إشارَةً إلى حُرْمَةِ أكْلِ ما هو أصْلُنا مِنَ الدَّمِ والتُّرابِ قَبْلَ أنْ يَسْتَحِيلَ، فَإذا (p-١٥٦)اسْتَحالَ وُصِفَ بِالحَلّالِ لِأنَّ الِاسْتِحْالاتِ لَها مَدْخَلٌ في الإحْلالاتِ في النِّكاحِ وغَيْرِهِ، واحْمِرارُ النُّطْفَةِ لَيْسَ اسْتِحالَةً لِأنَّها كانَتْ حَمْراءُ قَبْلَ قَصْرِ الشَّهْوَةِ لَها، ورُبَّما ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ عَنْ قَصْرِها فَنَزَلَتْ [حَمْراءَ]، فَإذا تَحَوَّلَ الدَّمُ لَحْمًا صارَ إلى جِنْسِ ما يَحِلُّ، وكَذا إذا تَحَوَّلَ التُّرابُ بِمُخالَطَةِ الماءِ تَمْرًا أوْ حَبًّا حَلَّ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين: ٧] ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ [التين: ٨] وكانَ مَعْنى ذَلِكَ: أيُّ شَيْءٍ حَمَلَ عَلَّ هَذا بَعْدَ وُضُوحِ الأمْرِ لَكَ وبَيانِهِ وقَدْ نَزَّهَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ التَّكْذِيبِ بِالحِسابِ وأعْلى قَدْرَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ سَبِيلٌ مِثْلُ هَذا إذا ورَدَ كَسَبِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] وبابُهُ، وحُكْمُ هَذا القَبِيلِ واضِحٌ في حَقِّ مَن تَعَدّى إلَيْهِ الخِطابُ وقَصَدَ بِالحَقِيقَةِ بِهِ مِن أُمَّتِهِ ﷺ مِن حَيْثُ عَدَمُ عِصْمَتِهِمْ وإمْكانُ تَطَرُّقِ الشُّكُوكِ والشُّبْهَةِ إلَيْهِمْ، فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: أيْ شَيْءٌ يُمْكِنُ فِيهِ أنْ يَحْمِلَكم عَلى التَّوَقُّفِ أوِ التَّكْذِيبِ بِأمْرِ الحِسابِ، وقَدْ وضَحَ لَكم ما يَرْفَعُ الرَّيْبَ ويُزِيلُ الإشْكالَ، ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ رَبَّكم أحْكَمُ الحاكِمِينَ؟ أفَيَلِيقُ بِهِ وهو العَلِيمُ الخَبِيرُ أنْ يَجْعَلَ اخْتِلافَ أحْوالِكم في (p-١٥٧)الشُّكُوكِ بَعْدَ خَلْقِكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ؟ أفَيَحْسُنُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ عَبَثًا؟ وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا﴾ [ص: ٢٧] فَلَمّا قَرَّرَ سُبْحانَهُ العَبِيدَ عَلى أنَّهُ أحْكَمُ الحاكِمِينَ مَعَ ما تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِن مُوجَبِ نَفْيِ الِاسْتِرابَةِ في نَوْعِ الحَقِّ إذا اعْتَبَرَ ونَظَرَ، ووَقَعَتْ في التَّرْتِيبِ سُورَةُ العَلَقِ مُشِيرَةً إلى ما بِهِ يَقَعُ [الشِّفاءُ]، ومِنهُ يَعْلَمُ الِابْتِداءَ والِانْتِهاءَ، وهو كِتابُهُ المُبِينُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ، فَأمَرَ بِقِراءَتِهِ لِيَتَدَبَّرُوا آياتِهِ فَقالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] مُسْتَعِينًا بِهِ فَسَوْفَ يَتَّضِحُ سَبِيلَكَ ويَنْتَهِجُ دَلِيلَكَ ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وأيْضًا فَإنَّهُ تَعالى أعْلَمُ عِبادِهِ بِخَلْقِهِ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ [التين: ٥] وحَصَلَ مِنهُ عَلى ما قَدَّمَ بَيانَهُ افْتِراقُ الطَّرَفَيْنِ وتَبايُنُ القائِلِينَ، كُلُّ ذَلِكَ بِسابِقِ حِكْمَتِهِ وإرادَتِهِ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ لَنا أقْصى غايَةً يَنالُها أكْرَمُ خِلْقِهِ وأجَلُّ عِبادِهِ لَدَيْهِ مِنَ الصِّنْفِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ فِيما أوْضَحَتِ السُّورَتانِ قَبْلُ مِن حالِ نَبِيِّنا المُصْطَفى ﷺ وجَلِيلِ وعْدِهِ الكَرِيمِ لَهُ في قَوْلِهِ ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] وفَضْلُ حالِ ابْتِداءِ ﴿ألَمْ نَشْرَحْ﴾ [الشرح: ١] عَلى تَقَدُّمِ سُؤالِ ﴿رَبِّ اشْرَحْ﴾ [طه: ٢٥] إلى ما أشارَتْ إلَيْهِ آيُ السُّورَتَيْنِ مِن خَصائِصِهِ الجَلِيلَةِ، وذَلِكَ أعْلى مَقامٍ يَنالُهُ أحَدٌ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَوَقَعَ [تَعْقِيبُ -] ذَلِكَ بِسُورَةِ (p-١٥٨)تَضَمَّنَتِ الإشارَةَ إلى حالِ مَن جَعَلَ في الظَّرْفِ الآخَرِ مِنَ الجِنْسِ الإنْسانِيِّ، وذَلِكَ حالُ مَن أُشِيرَ إلَيْهِ مِن لَدُنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَلا لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩] لِيَظْهَرَ تَفاوُتُ المَنزِلَتَيْنِ وتُبايُنَ ما بَيْنَ الحالَتَيْنِ، وهي العادَةُ المُطَّرِدَةُ في الكُتُبِ، ولَمْ يَقَعْ صَرِيحُ التَّعْرِيفِ هُنا كَما وقَعَ في الظَّرْفِ الآخِرَةِ لِيُطابِقَ المَقْصُودَ، ولَعَلَّ بَعْضَ مَن لَمْ يَتَفَطَّنْ يَعْتَرِضُ هُنا بِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَن أوَّلِ ما أنْزَلَ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ مُرادُكَ مِنَ ادِّعاءِ تَرْتِيبِها عَلى ما تَأخَّرَ [عَنْها] نُزُولًا، فَنَقُولُ لَهُ: وأيْنَ غابَ اعْتِراضُكَ في عِدَّةِ سُوَرٍ مِمّا تَقَدَّمَ بَلْ في مُعْظَمِ ذَلِكَ، وإلّا فَلَيْسَتْ سُورَةُ البَقَرَةِ مِنَ المَدَنِيِّ، ومُقْتَضى تَأْلِيفِنا هَذا بِناءً ما بَعْدَها مِنَ السُّوَرِ عَلى التَّرْتِيبِ الحاصِلِ في مُصْحَفِ الجَماعَةِ إنَّما هو عَلَيْها وفِيها بُعْدٌ مِنَ المَكِّيِّ ما لا يُحْصى، فَإنَّما غابَ عَنْكَ نِسْيانُ ما قَدَّمْناهُ في الخُطْبَةِ مِن أنَّ تَرْتِيبَ السُّوَرِ ما هي عَلَيْهِ راجِعٌ إلى فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكانَ ذَلِكَ بِتَوْقِيفٍ مِنهُ أوْ بِاجْتِهادِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم عَلى ما قَدَّمْناهُ، فارْجِعْ بَصَرَكَ، وأعِدْ في الخُطْبَةِ نَظَرَكَ، واللَّهُ يُوَفِّقُنا إلى اعْتِبارِ بَيِّناتِهِ وتَدَبُّرِ آياتِهِ، ويَحْمِلُنا في ذَلِكَ عَلى ما يُقَرِّبُنا إلَيْهِ بِمَنِّهِ وفَضْلِهِ - انْتَهى.

العلق 96:3

ولَمّا أتَمَّ سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن أمْرِ الخَلْقِ وهو الإيجادُ [بِالأسْبابِ] (p-١٥٩)بِالتَّدْرِيجِ، أخَذَ في التَّنْبِيهِ عَلى عالَمِ الأمْرِ وهو الإبْداعُ مِن غَيْرِ أسْبابٍ، فَقالَ مُكَرِّرًا لِلْأمْرِ بِالقِراءَةِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِ شَأْنِها وتَأْنِيسًا لَهُ ﷺ ومُسَكِّنًا لِرَوْعِهِ ومُعْلِمًا أنَّ مَن جاءَهُ الأمْرُ مَن قَبْلِهِ لَيْسَ كَأرْبابِهِمْ: ﴿اقْرَأْ﴾ ولَمّا كانَ قَدْ قالَ ﷺ عِنْدَ هَذا الأمْرِ إخْبارًا بِالواقِعِ كَما يَقُولُ لِسانُ الحالِ لَوْ لَمْ يَنْطِقْ بِلِسانِ المَقالِ: ما أنا بِقارِئِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: فَرَبُّكَ الَّذِي رَبّاكَ فَأحْسَنَ تَرْبِيَتَكَ وأدَّبَكَ فَأحْسَنَ تَأْدِيبَكَ أمَرَكَ بِالقِراءَةِ وهو قادِرٌ عَلى جَعْلِكَ قارِئًا، عَطَفَ عَلَيْهِ [قَوْلَهُ]: ﴿ورَبُّكَ﴾ أيْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: والحالُ أنَّ الَّذِي خَصَّكَ بِالإحْسانِ الجَمِّ ﴿الأكْرَمُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ الأعْظَمُ مُطْلَقًا مِن جِهَةِ الذّاتِ ومِن جِهَةِ الصِّفاتِ ومِن جِهَةِ الأفْعالِ، فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ [أصْلًا] لِأنَّ حَقِيقَتَهُ البَعِيدُ عَنِ اللَّوْمِ الجامِعِ لِمَساوِئِ الأخْلاقِ، فَهو الجامِعُ لِمَعالِي الأخْلاقِ، ولَيْسَ غَيْرُهُ يَتَّصِفُ بِذَلِكَ، فَهو يُعْطِيكَ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الحَصْرِ، وأشارَ إلى [أنَّ] مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَفِيضُ عَلى أُمَّتِهِ الأُمِّيَّةِ مِنَ العِلْمِ والحَظِّ ما لَمْ يَفُضْهُ عَلى أُمَّةٍ قَبْلَها عَلى قِصَرِ أعْمارِهِمْ، فَقالَ مُشِيرًا إلى العِلْمِ التَّعْلِيمِ، مُشْعِرًا بِوَصْفِهِ سُبْحانَهُ بِالمَنحِ بِالعِلْمِ إلى تَرْتِيبِ الحُكْمِ بِالأكْرَمِيَّةِ عَلى هَذا الوَصْفِ النّاقِلِ لِلْإنْسانِ مِنَ الحالِ العَقْلِيِّ السّافِلِ إلى هَذا الحالِ (p-١٦٠)العالِي الكامِلِ

العلق 96:4

﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾ أيْ بَعْدَ الحِلْمِ عَنْ مُعاجَلَتِهِمْ بِالعَذابِ والعِقابِ جُودًا مِنهُ مِن غَيْرِ مانِعٍ مِن خَوْفِ عاقِبَةٍ ولا رَجاءِ مَنفَعَةٍ ﴿بِالقَلَمِ﴾ أيِ الكِتابَةُ بِهِ.

العلق 96:5

ولَمّا نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى [ ما فِي] الكِتابَةِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي لا يُحِيطُ بِها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، لِأنَّها انْبَنَتْ عَلَيْها اسْتِقامَةُ أُمُورِ الدُّنْيا والدِّينِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهي كافِيَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى دَقِيقِ حِكْمَتِهِ تَعالى ولَطِيفِ تَدْبِيرِهِ، زادَ ذَلِكَ عَظَمَةً عَلى وجْهٍ يَعُمُّ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿عَلَّمَ﴾ أيِ العِلْمَ الضَّرُورِيَّ والنَّظَرِيَّ ﴿الإنْسانَ﴾ أيِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِما هو فِيهِ لا يَنْتَقِلُ إلى غَيْرِهِ بَلْ يَنْساهُ إنْ لَمْ يُلْهِمْهُ رَبُّهُ إيّاهُ ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ أيْ بِلُطْفِهِ وحِكْمَتِهِ لِيَنْتَظِمَ بِهِ حالُهُ [فِي دِينِهِ] مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ ودُنْياهُ مِنَ المُعامَلاتِ والصَّنائِعِ، فَيَفِيضُ عَلَيْهِ مِن عِلْمِهِ اللَّدُنْيِّ الَّذِي لا سَبَبَ لَهُ ظاهِرُ ما يُعْرَفُ بِهِ تَرْتِيبُ المُقَدِّماتِ بِالحُدُودِ والوُسْطى، فَيَعْلَمُ النَّتائِجَ، وما يُعْرَفُ بِهِ الحَدْسِيّاتُ، وذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ القُوى ونَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الآياتِ، ولَوْ كانَ ذَلِكَ بِالأسْبابِ فَقَطْ لَتَساوى النّاسُ في مُدَّةِ التَّعْلِيمِ [و] في أصْلِ المَعْلُومِ كَما تَساوَوْا في مُدَّةِ الحَمْلِ وأصْلِ الإنْسانِيَّةِ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَبْدَأ الإنْسانِ ومُنْتَهاهُ بِنَقْلِهِ مِن أخَسِّ الحالاتِ إلى أعْلاها تَقْرِيرًا لِرُبُوبِيَّتِهِ وتَحْقِيقًا لِأكْرَمِيَّتِهِ، (p-١٦١)قالَ المَلَّوِيُّ: ولَوْ كانَ شَيْءٌ مِنَ العَطاءِ والنِّعَمِ أشْرَفَ مِنَ العِلْمِ لِذَكَرَهُ عَقِبَ صِفَةِ الأكْرَمِيَّةِ - انْتَهى، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَزِيدِ كَرَمِ العُلَماءِ بِالتَّعْلِيمِ، وفي الآيَةِ الإشارَةُ إلى مُطالَعَةِ عالَمَيِ الخَلْقِ والأمْرِ، قالَ الرّازِيُّ، وفي كُلٍّ مِنَ العالَمَيْنِ خُصُوصٌ وعُمُومٌ - انْتَهى، فالمَعْنى أنَّهُ يُعَلِّمُكَ أيُّها النَّبِيُّ الكَرِيمُ وإنْ كُنْتَ أُمِّيًّا لا تَعْلَمُ الآنَ شَيْئًا كَما عَلَّمَ بِالقَلَمِ مَن لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، فَتَكُونُ أنْتَ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ صِفَةُ الأكْرَمِيَّةِ عَلى ما أنْتَ فِيهِ مِنَ الأُمِّيَّةِ - أعْلَمُ مِن أهْلِ الأقْلامِ - وأعْلى مِن [كُلِّ] مَقامٍ سامٍ.

العلق 96:6

ولَمّا كانَ الدَّمُ أكْثَرَ الأخْلاطِ وأشَدَّها هَيَجانًا، فَإنَّ مَرَضَهُ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِن أمْراضِ بَقِيَّةِ الأخْلاطِ، وكانَ مَعَ ذَلِكَ سَرِيعُ البُرْءِ إنْ أُصِيبَ عِلاجُهُ وعُولِجَ بِأمْرٍ قاهِرٍ أقْوى مِنهُ، وكانَ العِلْمُ قَرِينَ الغِنى في الأغْلَبِ، وكانَ زَلَّةَ العالِمِ تَفُوقُ زَلَّةَ غَيْرِهِ، قالَ مُعَرِّفًا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِالإلَهِيّاتِ بِأمْرِ النَّفْسِ مُبَيِّنًا لِقَسَمِ الإنْسانِ المَرْدُودِ أسْفَلَ سافِلِينَ مُقَرَّرًا لِحالِهِ، ورادِعًا لَهُ عَنْ ضَلالِهِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدَعَ أيُّها العالَمُ عَنِ الطُّغْيانِ إنَّ نِلْتَ الغِنى حَقًّا ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الَّذِي هو نَوْعُكَ ومِن شَأْنِهِ الأُنْسُ بِنَفْسِهِ والنَّظَرُ في عَطْفِهِ ﴿لَيَطْغى﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ - إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ - أنْ يَزِيدَ عَلى الحَدِّ الَّذِي لا يَنْبَغِي لَهُ مُجاوَزَتَهُ كَما يَزِيدُ الخَلْطَ الدَّمَوِيَّ، وأكَّدَهُ لِما لِأكْثَرِ الخَلْقِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِهِ فَإنَّهُ لا طاغِيَ يُقِرُّ بِأنَّهُ طَغى

العلق 96:7

﴿أنْ﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ ﴿رَآهُ﴾ أيْ عَلَّمَ الإنْسانُ نَفْسَهُ (p-١٦٢)عِلْمًا وُجْدانِيًّا ﴿اسْتَغْنى﴾ أيْ وجَدَ لَهُ الغِنى، هَذا هو الطَّبْعُ الغالِبُ في الإنْسانِ مَتى اسْتَغْنى عَنْ شَيْءٍ عَمِيَ عَنْ مَواضِعِ افْتِقارِهِ، فَتَغَيَّرَتْ أحْوالُهُ مَعَهُ، وتَجاوَزَ فِيهِ ما يَنْبَغِي لَهُ الوُقُوفُ عِنْدَهُ «ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ» ومَن كانَ مُفْتَقِرًا إلى شَيْءٍ كانَ مُنْطاعًا لَهُ كَما في حَدِيثِ آخِرُ أهْلِ النّارِ خُرُوجًا مِنها يُقْسِمُ لِرَبِّهِ أنَّهُ لا يَسْألُ غَيْرَ ما طَلَبَهُ، فَإذا أعْطَيْتَهُ واسْتَغْنى بِهِ سَألَ غَيْرَهُ حَتّى يَدْخُلَ دارَ القَرارِ، [و] لَعَلَّهُ نَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ المُحْتاجَةَ سَتُفْتَحُ لَها خَزائِنُ الأرْضِ فَيُطْغِيها الغِنى كَما أطْغى مَن قَبْلَها وإنْ كانُوا هم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ كَما قالَ ﷺ حِينَ بَشَّرَهم بِالفُتُوحاتِ وقالَ: «إنَّهُ يُغَدّى عَلى أحَدِكم بِصَفْحَةٍ ويُراحُ عَلَيْهِ بِأُخْرى ثُمَّ قالَ لَهُمْ: أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أمْ يَوْمَئِذٍ، فَقالُوا: بَلْ يَوْمَئِذٍ، نَتَفَرَّغُ لِعِبادَةِ رَبِّنا، فَقالَ: بَلْ أنْتُمُ اليَوْمَ خَيْرٌ مِنكم يَوْمَئِذٍ، قالَ ﷺ: واللَّهِ ما الفَقْرُ أخْشى عَلَيْكُمْ، ولَكِنْ أخْشى أنْ يَبْسُطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيا كَما بَسَطَتْ عَلى مَن كانَ قَبْلكم فَتُنافِسُوها كَما تُنافِسُوها فَتُهْلِكُكم كَما أهْلَكَتْهم» أوْ كَما قالَ ﷺ.

العلق 96:8

ولَمّا كانَ لا دَواءَ [لِذَلِكَ] مِثْلُ تَذَكُّرِ الجَزاءِ، قالَ مَعْرُفًا أنَّ (p-١٦٣)الإنْسانَ لا يَزالُ مُفْتَقِرًا إلى مَوْلاهُ في حَياتِهِ و[مَماتِهِ] وغِناهُ وفَقْرِهِ، مُحَذِّرًا لَهُ سُوءَ حالاتِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ ذَلِكَ: ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِالرِّسالَةِ الَّتِي رَفَعَ بِها ذِكْرَكَ، لا إلى غَيْرِهِ مِنَ التُّرابِ ونَحْوِهِ ﴿الرُّجْعى﴾ أيِ الرُّجُوعُ الأعْظَمُ الثّابِتُ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، أمّا في الدُّنْيا فَلا مَحِيدَ عَنِ الإقْرارِ بِهِ، فَإنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ إلّا بِتَقْدِيرِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما أثْبَتَ في بُرْهانِهِ في سُورَةِ التِّينِ، فَيُحاسِبُ النّاسَ بِأعْمالِهِمْ، ويُجازِي كُلَّ أحَدٍ بِما يَسْتَحِقُّ مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، فَفِيهِ وعِيدٌ لِلطّاغِي [وتَحْقِيرٌ -] لِغِنى يَنْقَطِعُ.

العلق 96:9

ولَمّا أخْبَرَ بِطُغْيانِهِ وعَجَّلَ بِذِكْرِ دَوائِهِ لِأنَّ المُبادَرَةَ بِالدَّواءِ لِئَلّا يَتَحَكَّمَ الدّاءُ واجِبَةً، دَلَّ عَلى طُغْيانِهِ مَخُوفًا مِن عَواقِبِ الرُّجْعى في أُسْلُوبِ التَّقْرِيرِ لِأنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ وأرْوَعُ لِلُّبِّ لِأنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُعَفِّرُ وجْهَهُ لَأفْضَخَنَّ رَأْسَهُ بِصَخْرَةٍ، فَجاءَ لِيَفْعَلَ ما زَعَمَ فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ ويَبِسَتْ يَداهُ عَلى حِجْرِهِ فَسُئِلَ عَمّا دَهاهُ، فَقالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَهَوْلًا وأجْنِحَةً، وفي رِوايَةٍ: لَخَنْدَقًا مِنَ النّارِ، وفي رِوايَةٍ: لَفَحْلًا مِنَ الإبِلِ، فَما رَأيْتُ مِثْلَهُ، ولَوْ دَنَوْتُ [مِنهُ] لَأكَلَنِي» وأصْلُ الحَدِيثِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [فَقالَ]: ﴿أرَأيْتَ﴾ تَقَدَّمَ (p-١٦٤)فِي الأنْعامِ أنَّ هَذا الفِعْلَ إذا لَمْ يَكُنْ بَصَرِيًّا كانَ بِمَعْنى أخْبَرَ، فالمَعْنى: [أخْبَرَنِي] هَلْ عَلِمْتَ بِقَلْبِكَ عِلْمًا هو في الجَلاءِ كَرُؤْيَةِ بَصَرِكَ ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ.

العلق 96:10

ولَمّا كانَ أفْحَشَ ما يَكُونُ صَدَّ العَبْدَ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ، قالَ مُعَبِّرًا بِالعُبُودِيَّةِ مُنْكِرًا لِلْمُبالَغَةِ في تَقْبِيحِ النَّهْيِ والدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العُبُودِيَّةِ: ﴿عَبْدًا﴾ أيْ مِنَ العَبِيدِ ﴿إذا صَلّى﴾ أيْ خَدَمَ سَيِّدَهُ الَّذِي لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُنْكِرَ سِيادَتَهُ بِإيقاعِ الصَّلاةِ الَّتِي هي وصْلَتُهُ بِهِ، وهي أعْظَمُ أنْواعِ العِبادَةِ لِأنَّها مَعَ كَوْنِها أقْرَبُ وصْلَةً إلى الحَقِّ انْقِطاعٌ وتَجَرُّدٌ بِالكُلِّيَّةِ عَنِ الخَلْقِ، فَكانَ نَهْيُهُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ نَهْيًا عَنْ أداءِ الحَقِّ لِأهْلِهِ حَسَدًا أوْ بَغْيًا، فَكانَ دالًّا عَلى أنَّ مِن طَبْعِ [أهْلِ] كُلِّ زَمانٍ عَداوَةَ أهْلِ الفَضْلِ وصَدِّهِمْ عَنِ الخَيْرِ لِئَلّا يَخْتَصُّوا بِالكَمالِ.

العلق 96:11

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا خارِجًا عَنِ الحَدِّ في الطُّغْيانِ، وكانَ السُّؤالُ إنَّما هو عَنْ رُؤْيَةِ حالِهِ في نَهْيِهِ العَبْدَ عَنِ الصَّلاةِ، لا عَنْ رُؤْيَةِ ذاتِهِ، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ [الحالِ]، كَرَّرَ التَّقْرِيرُ بِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِ والتَّحْذِيرِ، فَقالَ مُكَرِّرًا العامِلَ زِيادَةً في التَّأْكِيدِ وبَيانًا لِأنَّ هَذا في الحَقِيقَةِ أوَّلُ السُّؤالِ عَنِ الحالِ: ﴿أرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرْنِي عَنْ حالِهِ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ هَذا النّاهِي، وعَبَّرَ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ إشارَةً إلى أنَّهُ في غايَةِ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ فَقالَ: ﴿عَلى الهُدى﴾ أيِ الكامِلِ (p-١٦٥)فِي الهِدايَةِ فَكَفَّ عَنْ نَهْيِ هَذا المُصَلِّي عَنْ خِدْمَةِ مَوْلاهُ الَّذِي هو مُعْتَرِفٌ بِسِيادَتِهِ وإنِ ادَّعى كَذِبًا أنَّ لَهُ شَرِيكًا كَما أنَّهُ لا يَنْهى عَنِ السُّجُودِ لِلْأصْنامِ.

العلق 96:12

ولَمّا ذَكَرَ ما لَعَلَّهُ يَكُونُ عَلَيْهِ في تَكْمِيلِ نَفْسِهِ، ذَكَرَ ما لَعَلَّهُ يُعانِيهِ مِن إنْجاءِ غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿أوْ أمَرَ﴾ أيْ ذَلِكَ النّاهِي ﴿بِالتَّقْوى﴾ أيِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ، وهي عِمارَةُ الباطِنِ بِالنُّورِ النّاشِئَةِ عَنِ الهُدى، وعِمارَةِ الظّاهِرَةِ لِذَلِكَ، المُتَرَشِّحَةِ مِن عِمارَةِ الباطِنِ، المُوجِبِ لِذَلِكَ، فَأمَرَ هَذا المُصَلِّي بِمُلازَمَةِ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ المُجْمَعِ عَلى سِيادَتِهِ، ولا شَكَّ في تَوْحِيدِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ بِالإقْبالِ عَلى ما يُرْضِيهِ مِن أفْعالِ العِبادَةِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ وِقايَةً لِفاعِلٍ مِن سُخْطِهِ فَيَأْمَنُ الهَلاكَ، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَكُنْ خَيْرًا لَهُ فَلْيَتَدَبَّرْ كُلَّ أمْرٍ مِن أُمُورِهِ فَلا يُقَدَّمْ عَلَيْهِ حَتّى يَعْلَمَ بِالدَّلِيلِ أنَّهُ هُدًى وتَقْوى.

العلق 96:13

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ حَتْمًا كَما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ ما قَدَّرْتَهُ مِن جَوابِ السُّؤالَيْنِ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ والتَّقْرِيعِ اسْتِفَهامًا عَنْ حالٍ لِهَذا النّاهِي مُنافٍ لِلْحالِ الأوَّلِ مُعِيدًا الفِعْلَ إيضاحًا لِذَلِكَ: ﴿أرَأيْتَ﴾ أيْ أخْبِرْنِي أيُّها السّامِعُ ولا تَسْتَعْجِلْ ﴿إنْ كَذَّبَ﴾ أيْ [أوْقَعَ] هَذا النّاهِي التَّكْذِيبُ بِأنَّ المُصَلِّيَ عَلى الهُدى بِخِدْمَةِ سَيِّدِهِ (p-١٦٦)المُتَّفَقِ عَلى سِيادَتِهِ، فَكانَ بِذَلِكَ مُرْتَكِبًا لِلضَّلالِ الَّذِي لا شَكَّ في كَوْنِهِ ضَلالًا، ولا يَدْعُو إلَيْهِ إلّا الهُدى. ولَمّا كانَ المُكَذِّبُ [قَدْ] لا يَتْرُكُ مِن كَذِبِهِ، أشارَ إلى أنَّ حالَ هَذا عَلى غَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وتَوَلّى﴾ أيْ وكَلَّفَ فِطْرَتَهُ الأوْلى بَعْدَ مُعالَجَتِها الإعْراضَ عَنْ قَبُولِ الأمْرِ بِالتَّقْوى، وذَلِكَ التَّوَلِّي إخْرابُ الباطِنِ بِالأخْلاقِ السَّيِّئَةِ النّاشِئَةِ عَنِ التَّكْذِيبِ [وإخْرابُ الظّاهِرِ بِالأعْمالِ القَبِيحَةِ النّاشِئَةِ عَنِ التَّكْذِيبِ]، والجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّوَلِّي والتَّكْذِيبُ شَرًّا لَهُ لِأنَّ التَّكْذِيبَ والتَّوَلِّيَ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ شَرٌّ مَحْضٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ الدَّلِيلُ قائِمًا عَلى ضِدِّهِما.

العلق 96:14

ولَمّا عَجِبَ مِن حالَتِهِ البَعِيدَةِ عَنِ العَقْلِ مَعَ نَفْسِهِ ومَعَ أبْناءِ جِنْسِهِ، أنْكَرَ عَلَيْهِ مُعَجِّبًا مِن كَوْنِهِ يَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ بِيَدِهِ شَيْءٌ، المُنْتَجُ لِأنَّهُ مُراقَبٌ وحالُهُ مَضْبُوطٌ غايَةَ الضَّبْطِ ويَنْسى ذَلِكَ، فَقالَ ذاكِرًا مَفْعُولُ ”أرَءَيْتَ“ الثّانِي وهو لا يَكُونُ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً: [ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ ] أيْ يَقَعُ لَهُ عَمَلٌ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ ﴿بِأنَّ اللَّهَ﴾ أيْ وهو المَلِكُ الأعْلى ﴿يَرى﴾ أيْ [لَهُ] صِفَتا البَصَرِ والعِلْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَهو يَعْلَمُ كُلَّ مَعْلُومٍ ويُبَصِّرُ كُلَّ مُبَصِّرٍ، ومَن كانَ لَهُ ذَلِكَ كانَ جَدِيرًا بِأنْ يَهْلَكَ مَن يَراهُ عَلى الضَّلالِ والإضْلالِ ويَنْصُرُ مَن يُطِيعُ أمْرَهُ عَلى كُلِّ مَن يُعادِيهِ، وإنَّما جاءَ هَذا الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ عَلى هَذا الوَجْهِ لِأنَّهم يَعْتَرِفُونَ بِكُلِّ ما أنْكَرَ عَلَيْهِمْ (p-١٦٧)فِيهِ ويَلْزَمُهم [بِما يَفْعَلُونَ] مِن عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَكُونُوا مُنْكِرِينَ لَهُ، وذَلِكَ هو عَيْنُ التَّناقُضِ الَّذِي لا أشْنَعَ عِنْدَهم مِنهُ، هَذا ويُمْكِنُ، وهو أحْسَنُ، أنْ تَنْزِلَ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ فَيُقالُ: لَمّا كانَ السُّؤالُ عَنْ حالِ النّاهِي لِأنَّ الرُّؤْيَةَ عِلْمَيَّةً لا بَصَرِيَّةً، فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَتِها، وكانَ لِلنّاهِي حالانِ: طاعَةٌ ومَعْصِيَةٌ، بَدَأ بِالأُولى لِشَرَفِها عَلى الأُسْلُوبِ الماضِي في التَّقْرِيرِ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيبِ فَقالَ: ”أرَءَيْتَ“ أيْ أخْبِرْنِي ”إنْ كانَ“ النّاهِي ثابِتًا في نَهْيِهِ هَذا مُتَمَكِّنًا ”عَلى الهُدى“ أيِ الكامِلِ ”أوْ“ كانَ قَدْ ”أمَرَ“ في ذَلِكَ الأمْرِ أوْ في أمْرٍ ما مِن عِبادَةِ الأوْثانِ وغَيْرِها ”بِالتَّقْوى“ وحَذَفَ جَوابَ السُّؤالِ عَنْ هَذا الحالِ لِدَلالَةِ جَوابِ الحالِ الثّانِي عَلَيْهِ، وهو ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يُرى، فَيَنْهى عَنْهُ إنْ كانَ مَكْرُوهًا ولا يُقِرُّ عَلَيْهِ ويُحاسَبُ بِهِ لِيَزِنَ هَذا النّاهِي أفْعالَهُ بِما شَرَعَهُ سُبْحانَهُ مِنَ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ فَيَعْلَمُ أهِيَ مِمّا يُرْضِيهِ لِيُقِرَّهُ عَلَيْهِ كَما يُقِرُّ [سائِرَ] ما يُرْضِيهِ أوْ يُسْخِطُهُ فَيَمْنَعُهُ مِنهُ. ولَمّا ذَكَرَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ حالُ النّاهِي مِنَ السَّدادِ، ذَكَرَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ، فَقالَ مُقَرِّرًا مُعَجِّبًا مُعِيدًا العامِلَ لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ عَلى النَّمَطِ الأوَّلِ: ”أرَأيْتَ إنَّ كَذَّبَ“ أيْ هَذا النّاهِي بِالحَقِّ في وقْتِ النَّهْيِ - ولَمّا كانَ لا يَلْزَمُ مِنَ التَّكْذِيبِ التَّوَلِّي (p-١٦٨)قالَ: ”وتَوَلّى“ أيْ عَنِ الدِّينِ بِنَهْيهِ هَذا، فَكانَ عَلى الضَّلالِ والهَوى مُتَمَكِّنًا في ذَلِكَ بِحَيْثُ [إنَّهُ] لا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلٌ إلّا فاسِدًا ”ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى“ فَيُحاسِبُ نَفْسَهُ بِما أرْشَدَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مِنَ البَراهِينِ فَيَعْلَمُ أنَّ ما هو عَلَيْهِ مِنَ الرُّشْدِ إنْ كانَ الله يُقِرُّهُ عَلَيْهِ ويُمَكِّنُهُ مِنهُ أوِ الغَوايَةُ إنْ كانَ يَنْهاهُ عَنْهُ ولا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ، كَما فَعَلَ بِهَذا الَّذِي أقْسَمَ: لَيَرْضَخْنَّ رَأْسَ هَذا المُصَلِّي، وأقْدَمَ عَلَيْهِ بِصَخْرَتِهِ وهو عِنْدَ نَفْسِهِ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ بِزَعْمِهِ فَمَنَعَهُ اللَّهُ مِنهُ ورَدَّهُ عَنْهُ فَرَجَعَ عَلى عَقِبَيْهِ خاسِئًا ظاهِرًا عَلَيْهِ الجُبْنُ والرُّعْبُ وغَيْرُهُما مِمّا يَتَحاماهُ الرِّجالُ، ويَأْنَفُ مِنهُ الضَّراغِمَةُ الأبْطالُ، والِاحْتِباكُ هُنا بِطَلَبِ ”أرَءَيْتَ“ جُمْلَةً لَيْسَ هو مِنَ التَّنازُعِ لِأنَّهُ يَسْتَدْعِي إضْمارًا والجَمَلُ لا تُضْمَرُ، إنَّما هو مِن بابِ الحَذْفِ لِدَلِيلٍ، فَحَذْفُ الكَوْنِ عَلى الضَّلالِ ثانِيًا لِدَلالَةِ الكَوْنِ عَلى الهُدى [عَلَيْهِ] أوَّلًا، وحَذَفَ ”ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى“ أوَّلًا لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ آخِرًا عَلَيْهِ.

العلق 96:15

ولَمّا كانَ هَذا الخَبِيثُ مُعْرِضًا عَنْ هَذا العِلْمِ الَّذِي هو مُعْتَرَفٌ بِهِ كُلِّهِ، وإنَّما كانَ إعْراضُهُ لِما عِنْدَهُ مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ المُوقِعَةِ لَهُ (p-١٦٩)- بِحُكْمِ الرَّدِّ أسْفَلَ سافِلِينَ - إلى رُتْبَةِ البَهائِمِ، أتى بِأعْظَمِ أدَواتِ الرَّدْعِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِسُفُولِ رُتْبَتِهِ عَنْ رُتْبَةِ البَهائِمِ ولا في يَدِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، فَهو لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا رامَهُ مِنَ الأذى، فَلْيَرْتَدِعْ عَنْ تَعاطِي ذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَضُرُّ إلّا نَفْسَهُ. ولَمّا كانَ نَفْيُ العِلْمِ عَنْهُ يُوهِمُ أنَّهُ في عِدادِ الغافِلِينَ الَّذِي لا مَلامَةَ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ أنَّ انْتِفاءَ العِلْمِ عَنْهُ لَيْسَ عَنْ غَفْلَةٍ يُعْذَرُ صاحِبُها، إنَّما هو عَنْ تَهاوُنٍ بِالخَيْرِ ورِضًى بِالعَمى والتَّقْلِيدِ، فَهو مِن قِسْمِ الضّالِّ الَّذِي فَرَّطَ في اسْتِعْمالِ القُوَّةِ العِلْمِيَّةِ المَذْكُورِ في الفاتِحَةِ، فاسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْهُ في جَوابِ مَن يَقُولُ: فَما يَفْعَلُ [بِهِ] ؟ مُعَبِّرًا بِأداةِ الشَّكِّ إقامَةً لَهُ ولِغَيْرِهِ في مَحَلِّ الرَّجاءِ لِانْتِهائِهِ إبْقاءً لِلتَّكْلِيفِ ومُؤَكِّدًا لِأنَّهم مُنْكِرُونَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾ أيْ يَفْتَعِلُ هَذا النّاهِي لِهَذا العَبْدِ المُطِيعِ فَيَقِفُ ويَكُفُّ عَمّا هو فِيهِ مِن نَهْيِهِ وتَكْذِيبِهِ وتَوَلِّيهِ. ولَمّا كانَ الحالُ غَيْرَ مُحْتاجٍ إلى أكْثَرِ مِنَ التَّأكُّدِ لِإيقاعِ الفِعْلِ، عَبَّرَ بِالحَقِيقَةِ ولَمْ يَنْقُلْها إشارَةً إلى أنَّ هَذا النّاهِي أقَلُّ مِن أنْ يَحْتاجَ فِيهِ إلى فِعْلٍ شَدِيدٍ، بَلْ أقَلُّ نَفْحَةٍ مِنَ العَذابِ تَكْفِي في إهْلاكِهِ، وما كانَ أصْلُ التَّأْكِيدِ إلّا تَطْبِيبًا لِقُلُوبِ الأوْلِياءِ وتَكْذِيبًا لِلْأعْداءِ فَقالَ: (p-١٧٠)﴿لَنَسْفَعًا﴾ أيْ واللَّهِ لَنَأْخُذَنَّ ونَقْبِضَنَّ قَبْضًا وأخْذًا بِشِدَّةٍ وعُنْفٍ مَعَ الجَرِّ والِاجْتِذابِ واللَّطْمِ والدَّفْعِ والغَيْظِ أخْذَ مَن يَعَضُّ مَأْخُوذَهُ ويُذِلُّهُ ويُسَوِّدُ وجْهَهُ ويُقْذِرُهُ ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ أيْ بِالشَّعْرِ الَّذِي في مُقَدَّمِ رَأْسِهِ وهو أشْرَفُ ما فِيهِ، والعَرَبُ لا تَأْنَفُ مِن شَيْءٍ أنَفَتُهم مِن أخْذِ النّاصِيَةِ، وإذا انْتَهَكَتْ حُرْمَةُ الأشْرَفِ فَما بالُكَ بِغَيْرِهِ، واسْتَغْنى بِتَعْرِيفِ العَهْدِ عَنِ الإضافَةِ.

العلق 96:16

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن صارَ في القَبْضَةِ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ المُهِينَةِ المُزْرِيَةِ فَهو هالِكٌ، اغْتَنى بِهِ عَنْ أنْ يَقُولَ: ولَنَسْحَبَنَّهُ بِها عَلى وجْهِهِ إلى النّارِ، ووَصَفَها بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقالَ مُبَدِّلًا لِأنَّ البَدَلَ وصْفٌ بِما قَرَّبَهُ مِنَ المَعْرِفَةِ: ﴿ناصِيَةٍ﴾ أيْ عَظِيمَةُ القُبْحِ ﴿كاذِبَةٍ﴾ أيْ مُتَعَمِّدَةٍ لِلْكَذِبِ ﴿خاطِئَةٍ﴾ فَهي صادِرٌ عَنْها الذَّنْبُ مِنَ الكَذِبِ وغَيْرِهِ مِن غَيْرِ تَعَمُّدٍ، فَأغْلَبُ أحْوالِها عَلى [غَيْرِ] صَوابٍ تارَةً عَنْ عَمْدٍ وتارَةً عَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، وما ذاكَ إلّا لِسُوءِ جِبِلَّةِ صاحِبِها حَتّى كادَ لا يَصْدُرُ عَنْهُ فِعْلٌ سَدِيدٌ، ووَصْفُها بِما هو لِصاحِبِها عَلى الإسْنادِ المُجازِي مُبالَغَةً في تَكْذِيبِهِ في أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مَنعِ المُهْتَدِي أوْ إذْلالِهِ أوْ شَيْءٍ مِن أذاهُ إلّا إنْ أذِنَ لَهُ صاحِبُ الأمْرِ كُلِّهِ فِيما يَكُونُ سَبَبًا لِزِيادَةِ رِفْعَتِهِ، وفي العُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ، كَأنْ يُقالُ: ناصِيَةُ كاذِبٍ خاطِئٍ، بِالإضافَةِ إلى هَذا المَجازِ، (p-١٧١)مِنَ الجَزالَةِ والفَخامَةِ والجَلالَةِ ما لا يَخْفى.

العلق 96:17

ولَمّا كانَ هَذا هو غايَةُ الإهانَةِ، وكانَ الكَفّارُ إنَّما يَقْصِدُونَ بِأعْراضِهِمُ الشَّمّاخَةِ والأنَفَةِ والعِزِّ عَنْ أنْ يَكُونُوا أتْباعًا أذْنابًا، وإنَّما عَزَّهم بِقَوْمِهِمْ، وأقْرَبُ مَن يَعْتَزُّ بِهِ الإنْسانُ أهْلُ نادِيَهُ، وهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ يَجْتَمِعُونَ نَهارًا لِيُحَدِّثَ بَعْضُهم بَعْضًا ويَسْتَرْوِحُ بَعْضُهم إلى بَعْضِهِمْ لِما عِنْدَهم مِنَ التَّصافِي لِأنَّهم لا يَتْرُكُونَ أشْغالَهم نَهارًا ويَجْتَمِعُونَ لِذَلِكَ إلّا عَنْ ذَلِكَ، قالَ تَعالى مُسَبِّبًا عَنْ أخْذِهِ عَلى هَذا الوَجْهِ المُزْرِي: ﴿فَلْيَدْعُ﴾ أيْ دُعاءِ اسْتِغاثَةٍ ﴿نادِيَهُ﴾ أيِ [القَوْمُ] الَّذِينَ كانُوا يَجْتَمِعُونَ مَعَهُ نَهارًا يَتَحَدَّثُونَ في مَكانٍ يُنادِي فِيهِ بَعْضُهم بَعْضًا مِن أنْصارِهِ وعَشِيرَتِهِ لِيُخَلِّصُوهُ مِمّا هو فِيهِ، والَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هو أبُو جَهْلٍ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أتَهَدَّدُنِي وأنا أكْثَرُ أهْلِ الوادِي نادِيًا» .

العلق 96:18

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَوْ دَعا نادِيَهُ يَكُونُ ماذا؟ قالَ: ﴿سَنَدْعُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿الزَّبانِيَةَ﴾ أيِ الأعْوانُ المُوكِلِينَ بِالنّارِ لِيَجُرُّوهُ إلَيْها، وهم في الأصْلِ الشَّرْطُ، الواحِدُ زَبْنِيَةٌ كَهِبْرِيَةٌ، مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ أوْ زَبْنِي عَلى النِّسْبَةِ، أصْلُها زَبانِي والتّاءُ عِوَضٌ عَنِ الياءِ، وهم كُلُّ مَن عَظُمَ خَلْقُهُ، واشْتَدَّ بَطْشُهُ، وقَدِ اجْتَمَعَتِ المَصاحِفُ العُثْمانِيَّةُ عَلى حَذْفِ الواوِ مِن هَذا [الفِعْلِ] خَطَأً، ولا مُوجِبَ لِحَذْفِهِ مِنَ العَرَبِيَّةِ لَفْظًا، (p-١٧٢)وكَأنَّ المَعْنى في ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ لا يَظُنَّ أنَّهم دَعَوْا لِرَفْعَةٍ لَهم في ذَواتِهِمْ يُسْتَعانُ بِهِمْ بِسَبَبِها لِأنَّ مَعْنى الواوِ عِنْدَ الرَّبّانِيِّينَ العُلُوُّ والرِّفْعَةُ، إشارَةً إلى أنَّهم لا قُوَّةَ لَهم إلّا بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، أوْ يُقالُ: إنَّ الحَذْفَ دالٌّ عَلى تَشْبِيهِ الفِعْلِ بِالأمْرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الدُّعاءَ أمْرٌ لا بُدَّ مِن إيقاعِ مَضْمُونِهِ، ومِن إجابَةِ المَدْعُوِّينَ إلى ما دَعَوْا إلَيْهِ، وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَكُونُ [عَلى] غايَةِ الإحْكامِ، والِاتِّساقِ بَيْنَ خَطِّهِ ومَعْناهُ والِانْتِظامِ، لا سِيَّما مَعَ التَّأْكِيدِ بِالسِّينِ، الدّالُّ عَلى تَحَتُّمِ الِاتِّحادِ والتَّمْكِينِ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: إنّا نَدْعُوهم بِأيْسَرِ دُعاءٍ وأسْهَلِ أمْرٍ، فَيَكُونُ مِنهم ما لا يُطاقُ ولا يُسْتَطاعُ دِفاعُهُ بِوَجْهٍ، فَكَيْفَ لَوْ أكَّدْنا دَعْوَتَهم وقَوَّيْنا عَزْمَتَهم.

العلق 96:19

ولَمّا كانَ الَّذِي تَقَدَّمَ نَهْيُ النّاهِي لِلْمُصَلِّي والسَّفْعُ بِناصِيَتِهِ إنْ لَمْ يَنْتَهِ وأمْرُهُ بِدُعاءِ نادِيهِ، وكانَ الحُكْمُ في الأوَّلِ أنَّهُ لا يُجِيبُهُ إلى تَرْكِ الصَّلاةِ، وفي الثّانِي أنَّ النّاهِيَ لا يَنْتَهِي عَنْ عِصْيانِهِ بِالتَّهْدِيدِ وأنَّهُ لا يُفِيدُهُ [دُعاءُ] نادِيهِ، فالكُلّ مَنفِيٌّ، حَسَنٌ كُلَّ الحُسْنِ الإتْيانُ بِأداةِ الرَّدْعُ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَقْدِرُ عَلى دُعاءِ نادِيهِ ولا يَنْتَهِي عَنْ أذاهُ لِلْمُطِيعِ بِالتَّهْدِيدِ فَلْيَرْتَدِعْ عَنْ كُلٍّ [مِن] ذَلِكَ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما أفْعَلُ؟ قالَ مَعْرُفًا أنَّ مَن عَلِمَ أنَّ (p-١٧٣)طَبْعَ الزَّمانِ وأهْلِهِ الفَسادُ، وجَبَ [عَلَيْهِ] الإقْبالُ [عَلى شَأْنِهِ] والإعْراضُ عَنْ سائِرِ العِبادِ ﴿لا تُطِعْهُ﴾ أيْ في نَهْيِهِ لَكَ عَنِ الطّاعَةِ بِالصَّلاةِ أوْ غَيْرِها. ولَمّا كانَ نَهْيُهُ عَنِ الصَّلاةِ الَّتِي هي عِمادُ الدِّينِ، وكانَتِ الصَّلاةُ يُعَبَّرُ عَنْها بِالسُّجُودِ لِأنَّهُ - مَعَ أنَّهُ جُزْؤُها - هو أشْرَفُها، وهو أيْضًا يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ العِبادَةِ، قالَ تَعالى مُشِيرًا إلى النَّصْرِ لَهُ ﷺ ولِأتْباعِهِ عَلى كُلِّ مَن يَمْنَعُهم عِبادَتُهُ: ﴿واسْجُدْ﴾ أيْ دُمْ عَلى صَلاتِكَ وخُضُوعِكَ بِنَفَسِكَ وجَدِّدْ ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ. ولَمّا كانَ السُّجُودُ أقْرَبَ مُقَرَّبٍ لِلْعَبْدِ إلى اللَّهِ قالَ: ﴿واقْتَرِبْ﴾ أيِ اجْتَهِدْ بِسِرِّكَ في بُلُوغِ دَرَجَةِ القُرْبِ إلى رَبِّك والتَّحَبُّبِ إلَيْهِ بِكُلِّ عِبادَةٍ لا سِيَّما الصَّلاةُ فَإنَّهُ أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ، وقَدْ شَرَحَ هَذا المَقامَ كَما تَقَدَّمَ في الفاتِحَةِ قَوْلُهُ ﷺ ”أعُوذُ بِعَفْوِكَ [مِن] عُقُوبَتِكَ“ فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ أفادَتْ - كَما قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ في كِتابِ الشُّكْرِ - مُشاهَدَةَ أفْعالِ اللَّهِ فَقَطْ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَ إلّا اللَّهَ وأفْعالَهُ، فاسْتَعاذَ بِفِعْلِهِ مَن فِعْلِهِ، قالَ: ثُمَّ اقْتَرَبَ فَفَنِيَ في مُشاهَدَةِ الأحْوالِ، وتَرَقّى إلى مَصادِرِ الأفْعالِ، وهي الصِّفاتُ، فَقالَ: «أعُوذُ بِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ» وهُما صِفَتانِ، ثُمَّ رَأى ذَلِكَ نُقْصانًا في التَّوْحِيدِ (p-١٧٤)فاقْتَرَبَ وتَرَقّى مِن [مَقامِ] مُشاهَدَةِ الصِّفاتِ إلى مُشاهَدَةِ الذّاتِ فَقالَ «وأعُوذُ بِكَ مِنكَ» فِرارًا مِنهُ إلَيْهِ مِن غَيْرِ رُؤْيَةِ فِعْلٍ وصِفَةٍ، ولَكِنَّهُ رَأى نَفْسَهُ فارًّا مِنهُ إلَيْهِ ومُسْتَعِيذًا ومُثْنِيًا فَفَنِيَ عَنْ مُشاهَدَةِ نَفْسِهِ إذا رَأى ذَلِكَ نُقْصانًا فاقْتَرَبَ فَقالَ «أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ» فَقَوْلُهُ: ”لا أُحْصِي“ [خَبَّرَ عَنْ -] فَناءَ نَفْسِهِ وخُرُوجِهِ عَنْ مُشاهَدَتِها، وقَوْلُهُ: ”[أنْتَ] كَما أثْنَيْتَ“ بَيانُ أنَّهُ المُثْنِي والمُثْنى عَلَيْهِ، وأنَّ الكُلَّ مِنهُ بَدَأ وإلَيْهِ يَعُودُ، وأنَّ كُلَّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، فَكانَ أوَّلُ مَقامِهِ نِهايَةَ مَقاماتِ المُوَحِّدِينَ وهو أنْ لا يُرى إلّا اللَّهُ وأفْعالُهُ فَيَسْتَعِيذُ بِفِعْلٍ مِن فِعْلٍ، فانْظُرْ إلى ماذا انْتَهَتْ نِهايَتُهُ إذا انْتَهى إلى الواحِدِ الحَقِّ حَتّى ارْتَفَعَ مِن نَظَرِهِ ومُشاهَدَتِهِ سِوى الذّاتِ الحَقِّ، ولَقَدْ كانَ ﷺ لا يَرْقى مِن مَرْتَبَةٍ إلى أُخْرى إلّا ويَرى الأُولى بُعْدًا بِالإضافَةِ إلى الثّانِيَةِ، فَكانَ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنَ الأُولى، ويَرى ذَلِكَ نَقْصًا في سُلُوكِهِ وتَقْصِيرًا في مَقامِهِ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ: «إنَّهُ لَيُغانِ عَلى قَلْبِي حَتّى أسْتَغْفِرَ اللَّهَ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ سَبْعِينَ مَرَّةً» فَكانَ [ذَلِكَ] لِتَرَقِّيهِ إلى سَبْعِينَ مَقامًا بَعْضُها يُعَدُّ نَقْصًا لِنَقْصِ أوائِلِها وإنْ كانَ مُجاوِزًا أقْصى غاياتِ مَقاماتِ الخَلْقِ، ولَكِنْ كانَ نُقْصانًا بِالإضافَةِ إلى أواخِرِها، فَكانَ اسْتِغْفارُهُ لِذَلِكَ. (p-١٧٥)ولَمّا قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: «قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ، فَما هَذا البُكاءُ في السُّجُودِ وما هَذا الجُهْدُ الشَّدِيدُ؟ قالَ: ”أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»“ مَعْناهُ: أفَلا أكُونُ طالِبًا لِلْمَزِيدِ في المَقاماتِ، فَإنَّ الشُّكْرَ سَبَبُ الزِّيادَةِ حَيْثُ قالَ تَعالى ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] انْتَهى. وهُوَ عَلى ما تَرى مِنَ النَّفاسَةِ فَمَن أكْثَرَ مِنَ الدُّعاءِ في سُجُودِهِ فَقُمْنَ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ، والصَّلاةُ لا تَكُونُ إلّا بِالقِراءَةِ فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ احْتَجَبْتَ عَنِ الأغْيارِ بِحِجابٍ مَنِيعٍ، فازْدَدْتَ صَفاءً وصُنْتَ حالَكَ عَنِ الغَيْرِ - كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ ما في صُحُفِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام ”يَنْبَغِي لِلْعاقِلِ أنْ يَكُونَ حافِظًا لِلِسانِهِ عارِفًا بِزَمانِهِ مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ“ فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها إلى الأوَّلِ، عَلى أحْسَنِ وجْهٍ وأجْمَلَ وأكْمَلَ - واللَّهُ الهادِي.

القدر 97:1

(p-١٧٦)سُورَةُ القَدْرِ مَقْصُودُها تَفْصِيلُ الأمْرِ الَّذِي هو أحَدُ قِسْمَيْ ما ضَمِنَهُ مَقْصُودُ ”اقْرَأْ“ وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها لِأنَّ اللَّيْلَةَ فُضِّلَتْ بِهِ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ، وهو دَلِيلٌ لِمَن يَقُولُ بِاعْتِبارِ تَفْضِيلِ الأوْقاتِ لِأجْلِ ما كانَ فِيها، [كَما] قالَ ذَلِكَ اليَهُودِيُّ في اليَوْمِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأفْرَدَهُ الفارُوقُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ذَلِكَ وأعْلَمَهُ أنَّهُ صارَ لَنا عِيدَيْنِ: عِيدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وعِيدًا مِن جِهَةِ كَوْنِهِ يَوْمَ جُمْعَةٍ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي جَلَّ أمْرُهُ وتَنَزَّهَ ذاتُهُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ فَبَدَعَتْ صِفاتُهُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ التَّوْحِيدِ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ فاخْتُصَّتْ بِهِمْ جَنّاتُهُ. * * لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى كِتابَهُ في هَذا الذِّكْرِ العَرَبِيِّ المُعْجِزِ، ذَكَرَ إنْزالَهُ مُسْتَحْضِرًا في كُلِّ قَلْبٍ، كانَ ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنْ إعادَتِهِ بِصَرِيحِ اسْمِهِ، فَكانَ مَتى أضْمَرَهُ عِلْمُهُ المُخاطَبَ بِما في السِّياقِ مِنَ القَرائِنِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ، وبِما لَهُ في القَلْبِ مِنَ العَظَمَةِ وفي الذِّهْنِ مِنَ الحُضُورِ لا سِيَّما في هَذِهِ (p-١٧٧)السُّورَةِ لِافْتِتاحِ العَلَقِ بِالأمْرِ بِقِراءَتِهِ، وخَتَمَها بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أعْظَمُ أرْكانِها، فَكانَتْ دَلالَتُها عَلَيْهِ دَلالَةً هي في غايَةِ الوُضُوحِ، فَكانَ كَأنَّهُ قالَ: واقْتَرَبَ بِقِراءَةِ القُرْآنِ في الصَّلاةِ، فَكانَ إضْمارُهُ أدَلَّ عَلى العَظَمَةِ الباهِرَةِ مِن إظْهارِهِ، لِدَلالَةِ الإضْمارِ عَلى أنَّهُ ما تَمَّ شَيْءٌ يُنْزِلُ غَيْرَهُ فَهو بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ، قالَ مُفَخِّمًا لَهُ بِأُمُورٍ: إضْمارُهُ، وإسْنادُ إنْزالِهِ إلَيْهِ، وجَعَلَ ذَلِكَ في مَظْهَرِ العَظَمَةِ، وتَعْظِيمِ وقْتِ إنْزالِهِ المُتَضَمِّنِ لِعَظَمَةِ البَلَدِ الَّذِي أنْزِلَ فِيهِ - عَلى قَوْلِ الأكْثَرِ، والنَّبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ ما لَهم مِنَ الإنْكارِ، ﴿إنّا﴾ أيْ لِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿أنْـزَلْناهُ﴾ أيْ هَذا الذِّكْرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ [الدُّنْيا] مُرَتِّبًا هَذا التَّرْتِيبَ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ الأُمَّةَ المَعْصُومَةَ عَلَيْهِ، وهو المَوْجُودُ الآنَ، وكَذا كانَ إنْزالُ أوَّلِ نَجْمٍ مِنهُ، وهو أوَّلُ السُّورَةِ الماضِيَةِ إنْزالًا مُصَدِّقًا لِأنَّ عَظَمَتَهُ مِن عَظَمَتِنا بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ في نَظْمِهِ، ومِن تَضاؤُلِ القُوى عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، وأوَّلُ ما أُنْزِلَ مِنهُ صَدْرُها إلى خَمْسِ آياتٍ مِنها [آخِرُها] ”ما لَمْ يَعْلَمْ“ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُجاوِرٌ في هَذا الشَّهْرِ الشَّرِيفِ بِجَبَلِ حِراءٍ مِن جِبالِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ، ثُمَّ صارَ يَنْزِلُ مُفَرَّقًا بِحَسَبَ الوَقائِع حَتّى تَمَّ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وكُلَّما نَزَلَ مِنهُ نَجْمٌ يَأْمُرُ النَّبِيَّ ﷺ (p-١٧٨)بِتَرْتِيبِهِ في سُورَتِهِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى حَتّى تَمَّ في السُّوَرِ عَلى ما هو عَلَيْهِ الآنَ ما هو عَلَيْهِ في بَيْتِ العِزَّةِ. ولَمّا عَظَّمَهُ بِما ذَكَرَ، زادَهُ عِظَمًا بِالوَقْتِ الَّذِي اخْتارَ إنْزالُهُ فِيهِ لِيَكُونَ طالِعُهُ سَعِيدًا لَمّا كانَ أثَرُهُ حَمِيدًا فَقالَ: ﴿فِي لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ أيِ اللَّيْلَةِ الَّتِي لَها قَدْرٌ عَظِيمٌ وشَرَفٌ كَبِيرٌ، والأعْمالُ فِيها ذاتُ قَدْرٍ وشَرَفٍ، فَكانَتْ بِذَلِكَ كَأنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالقَدَرِ فَلا قَدَرَ لِغَيْرِها. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ورَدَّ تَعْرِيفًا بِإنْزالِ ما تَقَدَّمَ الأمْرُ بِقِراءَتِهِ لِما قَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى عَظِيمِ أمْرِ الكُتُبِ، وأنَّ السُّلُوكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ إنَّما هو مِن ذَلِكَ البابِ، أعْلَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِلَيْلَةِ إنْزالِهِ وعَرَفْنا بِقَدَرِها لِنَعْتَمِدَها في مَظانِّ دُعائِنا وتُعَلِّقِ رَجائِنا ونَبْحَثُ في الِاجْتِهادِ في العَمَلِ لَعَلَّنا نُوافِقُها وهي كالسّاعَةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ في إبْهامِ أمْرِها مَعَ جَلِيلِ قَدْرِها ومِن قَبِيلِ الصَّلاةِ الوُسْطى، ولِلَّهِ سُبْحانَهُ في إخْفاءِ ذَلِكَ أعْظَمُ رَحْمَةٍ، وكانَ في التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ قَدْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ التَّعْرِيفُ بِجَلالَةِ المَنزِلِ فِيها، فَصارَتْ سُورَةُ القَدْرِ مِن تَمامِ ما تَقَدَّمَ ووَضَحَ اتِّصالُها - انْتَهى.

القدر 97:2

ولَمّا عَلِمَ مِنَ السِّياقِ تَعْظِيمَها بِعَظَمَةِ ما أُنْزِلَ فِيها وبِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِهَذا، قالَ مُؤَكِّدًا لِذَلِكَ التَّعْظِيمِ حَثًّا عَلى الِاجْتِهادِ في إحْيائِها لِأنَّ (p-١٧٩)لِلْإنْسانِ مِنَ الكَسَلِ والتَّداعِي إلى البِطالَةِ ما يُزَهِّدُهُ في ذَلِكَ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وأنْتَ شَدِيدُ التَّفَحُّصِ ﴿ما لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ أيْ لَمْ تَبْلُغْ دِرايَتُكَ وأنْتَ أعْلَمُ النّاسِ غايَةَ فَضْلِها ومُنْتَهى عَلَيَّ قَدْرِها عَلى ما لَكَ مِن سِعَةِ العِلْمِ وإحاطَةِ الفِكْرِ وعَظِيمِ المَواهِبِ.

القدر 97:3

ولَمّا ثَبَتَتْ عَظَمَتُها بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّها أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْ خَصائِصِها، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿لَيْلَةُ القَدْرِ﴾ أيِ الَّتِي خَصَصْناها بِإنْزالِنا [لَهُ] فِيها ﴿خَيْرٌ مِن ألْفِ شَهْرٍ﴾ أيْ خالِيَةً [عَنْها] أوِ العَمَلُ فِيها خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ في ألْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيها لَيْلَةَ القَدْرِ، وذَلِكَ ثَلاثٌ وثَمانُونَ سَنَةً وأرْبَعَةُ أشْهُرٍ، قالُوا: وهي مُدَّةُ مُلْكِ بَنِي أُمَيَّةَ سَواءٌ، وتَسْمِيَتُها بِذَلِكَ لِشَرَفِها ولِعَظِيمِ قَدْرِها، أوْ لِأنَّهُ يَفْصِلُ فِيها مِن أُمِّ الكِتابِ مَقادِيرُ الأُمُورِ، فَيَكْتُبُ فِيها عَنِ اللَّهِ حُكْمُ ما يَكُونُ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، مِن قَوْلِهِمْ: قَدَّرَ اللَّهُ عَلى هَذا الأمْرِ يُقَدِّرُهُ قَدْرًا، أيْ قَضاهُ، وهي اللَّيْلَةُ المُرادَةُ في سُورَةِ الدُّخانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] وذِكْرُ الألْفِ إمّا لِلْمُبالَغَةِ بِنِهايَةِ مَراتِبِ العَدَدِ لِيَكُونَ أبْلَغَ مِنَ السَّبْعِينَ في تَعْظِيمِها أوْ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ شَخْصًا مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ لَبِسَ السِّلاحَ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ ألْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ المُؤْمِنُونَ مِنهُ فَتَقاصَرَتْ إلَيْهِمْ أعْمالُهُمْ، فَأعْطاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْلَةً مَن قامَها (p-١٨٠)كانَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، وأبْهَمَها في العَشْرِ الأخِيرِ مِن شَهْرِ رَمَضانَ في قَوْلِ الجُمْهُورِ عَلى ما صَحَّ مِنَ الأحادِيثِ لِيَجْتَهِدُوا في إدْراكِها كَما أخْفى ساعَةَ الإجابَةِ في يَوْمِ الجُمْعَةِ والصَّلاةُ الوُسْطى في الخَمْسِ، واسْمُهُ الأعْظَمُ في الأسْماءِ، ورِضاهُ في سائِرِ الطّاعاتِ لِيَرْغَبُوا في جَمِيعِها، وسُخْطُهُ في المَعاصِي لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِها، وقِيامُ السّاعَةِ في الأوْقاتِ لِيَجْتَهِدُوا في كُلِّ لَحْظَةٍ حَذَرًا مِن قِيامِها، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النَّفِيسَ لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِاجْتِهادٍ عَظِيمٍ إظْهارًا لِنَفاسَتِهِ وإعْظامًا لِلرَّغْبَةِ فِيهِ وإيذانًا بِالسُّرُورِ بِهِ، لَكِنْ جَعَلَ السُّورَةَ ثَلاثِينَ كَلِمَةً سَواءٌ يُرَجِّحُ أنَّهُمُ السّابِعَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي وازاها قَوْلُهُ هي - كَما نُقِلَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ.

القدر 97:4

ولَمّا عَظَّمَها، ذَكَرَ وجْهَ العِظَمِ لِيَكُونَ إعْلامًا بَعْدَ إبْهامٍ وهو أوْقَعُ في النَّفْسِ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿تَنَـزَّلُ﴾ أيْ تَنَزُّلًا مُتَدَرِّجًا هو أصْلًا عَلى غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الخِفَّةِ والسُّرْعَةِ بِما أشارَ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ ﴿المَلائِكَةُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ العَظِيمُ الَّذِي هو خَيْرٌ كُلُّهُ ﴿والرُّوحُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام، خُصَّهُ بَيانًا لِفَضْلِهِ أوْ هو مَعَ أشْرافِ المَلائِكَةِ أوْ هو خَلْقٌ أكْبَرُ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ هو أمْرٌ تَسْكُنُ إلَيْهِ نُفُوسُ العارِفِينَ ويَحْصُلُ بِهِ اليُمْنُ والبَرَكَةُ ﴿فِيها﴾ وأشارَ إلى خَفاءِ ذَلِكَ التَّنَزُّلُ بِإسْقاطِ تاءِ التَّنَزُّلِ [مَعَ] ما تَقَدَّمَ مِنَ الإشاراتِ، ودَلَّ عَلى زِيادَةِ البَرَكَةِ في (p-١٨١)ذَلِكَ التَّنَزُّلِ وعَظِيمِ طاعَةِ المَلائِكَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ بِعِلْمِ المُحْسِنِ إلَيْهِمُ المُرَبِّي لَهم وتَمْكِينِهِ، وتُنْزِلُهم إلى الأرْضِ أوِ السَّماءِ الدُّنْيا أوْ تُقَرِّبُهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، مُتَبَدِّئٌ تَنَزُّلَهم ﴿مِن كُلِّ أمْرٍ﴾ أيِ الأُمُورِ الكُلِّيَّةِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ فِيها بِإذْنِ [اللَّهِ] تَفاصِيلُ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُها سُبْحانَهُ في ذَلِكَ العامِ في أوْقاتِها مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ إلى مِثْلِها مِنَ العامِ المُقْبِلِ، أوْ مِن أجْلِ تَقْدِيرِ كُلِّ شَيْءٍ يَكُونُ في تِلْكَ السَّنَةِ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّيْءِ بِالأمْرِ إعْلامًا بِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِهِ.

القدر 97:5

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ هَذِهِ الفَضائِلَ، كانَتِ النَّتِيجَةُ أنَّها مُتَّصِفَةٌ بِالسَّلامَةِ التّامَّةِ كاتِّصافِ الجَنَّةِ - الَّتِي هي سَبَبُها - بِها، فَكانَ ذَلِكَ أدُلُّ عَلى عَظَمَتِها فَقالَ تَعالى: ﴿سَلامٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿هِيَ﴾ أيْ ما هي إلّا سَلامَةٌ وخَيْرٌ لَيْسَ فِيها شَرٌّ، ولا يَزالُ ذَلِكَ السَّلامُ والبِرْكَةُ فِيها ﴿حَتّى﴾ أيْ إلى ﴿مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ أيْ طُلُوعِهِ ووَقْتِ طُلُوعِهِ ومَوْضِعِ طُلُوعِهِ، لا يَكُونُ فِيهِ شَرٌّ كَما في غَيْرِ لَيْلَتِها، فَلا تَطْلُعُ الشَّمْسُ في صَبِيحَتِها بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطانِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ سِرُّ قِراءَةِ الكِسائِيِّ [بِالكَسْرِ] - واللَّهُ أعْلَمُ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بـ ”حَتّى“ دُونَ ”إلى“ لِيَفْهَمَ أنَّ لَمّا بَعْدَها حُكْمُ ما قَبْلَها، فَيَكُونُ المَطْلَعُ في حُكْمِ اللَّيْلَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَنْزِلُ لَيْلَةَ القَدْرِ في كَوْكَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ ومَعَهُ لِواءٌ أخْضَرُ يُرَكِّزُهُ (p-١٨٢)فَوْقَ الكَعْبَةِ، ثُمَّ يُفَرِّقُ المَلائِكَةَ في النّاسِ حَتّى يُسَلِّمُوا عَلى كُلِّ قائِمٍ وقاعِدٍ وذاكِرٍ وراكِعٍ وساجِدٍ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، فَمَن تَأمَّلَ هَذِهِ السُّورَةَ عُلِمَ مِنهُ ما لِلْقُرْآنِ مِنَ العَظَمَةِ فَأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ يَتْلُوهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ كَما أمَرَ في سُورَةِ ”اقْرَأْ“ فَأمِنَ مِن غَيْرِ شَكٍّ مِن هَوْلِ يَوْمِ الدِّينِ المَذْكُورِ في التِّينِ، ومِن تِلاوَتِهِ بِحَقِّهِ تَعْظِيمُ لَيْلَةِ القَدْرِ لِما ذَكَرَ مِن شَرَفِها، وذَلِكَ جازَ إلى الحِرْصِ عَلَيْها في كُلِّ السَّنَةِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي كُلِّ رَمَضانَ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي جَمِيعِ لَيالِي العَشْرِ الأخِيرَةِ مِنهُ، لِيَكُونَ لَهُ مِنَ الأعْمالِ بِسَبَبِ فَضْلِها ومُضاعَفَةِ العَمَلِ فِيها ما لا يُحْصِيهِ إلى اللَّهِ تَعالى بِحَيْثُ إنَّهُ رُبَّما يَكُونُ خَيْرًا مَن عَمِلَ مَنِ اجْتَهَدَ فِيما قَبْلَنا ألْفَ سَنَةٍ، ورُجُوعُ آخِرِها بِكَوْنِ هَذا التَّنَزُّلِ في لَيْلَةِ القَدْرِ عَلى أوَّلِها في غايَةِ الوُضُوحِ لِأنَّ أعْظَمَ السَّلامِ فِيها نُزُولُ القُرْآنِ، ولَعَلَّ كَوْنَها ثَلاثِينَ كَلِمَةً إشارَةٌ إلى أنَّ خِلافَةَ النُّبُوَّةِ الَّتِي هي ثَلاثُونَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي آخِرُها يَوْمَ نَزَلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فِيهِ عَنِ الخِلافَةِ لِمُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ سَنَةَ إحْدى وأرْبَعِينَ هي كَلَيْلَةِ القَدْرِ في الزَّمانِ، وما بَعْدَها كَلَيالِي العامِ فِيهِ الفاضِلُ وغَيْرُهُ، وتِلْكَ المُدَّةُ كانَتْ لِخَمْسَةِ خُلَفاءَ أشارَتْ إلَيْهِمْ حُرُوفُ الكَلِمَةِ الأخِيرُ مِنها، فالألِفُ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ (p-١٨٣)وهِيَ في غايَةِ المُناسِبَةِ لَهُ، فَإنَّ الرَّبّانِيِّينَ قالُوا: هو اسْمٌ لِلْقائِمِ المُحِيطِ الأعْلى الغائِبِ عَنْ مَقامِهِ لَكِنَّها الحاضِرُ مَعَهُ وُجُودًا كالرُّوحِ، وكَذا كانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حاضِرًا مَعَ الأُمَّةِ بِوُجُودِهِ وهو غائِبٌ عَنْهم بِتَوَجُّهِهِ، وجَمِيعُ قَلْبِهِ إنَّما هو مَعَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، واللّامُ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وهي شَدِيدَةُ المُناسَبَةِ لَهُ فَإنَّها صِلَةٌ بَيْنَ باطِنِ الألِفِ وظاهِرِ المِيمِ الَّذِي هو لِمُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ لِلتَّمامِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ - وصَلَ بَيْنَ السِّيرَيتن وصْلًا تامًّا بِحَيْثُ وصَلَ ضَعْفُ الصِّدِّيقِ في بَدَنِهِ وقُوَّتِهِ في أمْرِ اللَّهِ بِقُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَظَمَ بِهِ الأمْرُ انْتِظامًا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، والفاءُ لِعُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو إشارَةٌ لِبَدْءِ خُلُوصِ مِنَّتِهِ لِتَنَقُّلٍ بِمَزِيدٍ أوْ نَقْصٍ، وآيَتُهُ الفِطْرَةُ الأُولى، وآيَتُها المَحْسُوسَةُ اللَّبَنُ أوَّلُ خُرُوجِهِ إذا أصابَهُ أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ الهَواءِ المَمْدُودِ غَيَّرَهُ، وكَذَلِكَ الفِطْرَةُ إذا أصابَها أقَلُّ شَيْءٍ مِنَ الهَوى المَقْصُودِ غَيَّرَها، وكَذا [كانَ] حالُهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، حَصَلَتْ لَهُ آفاتُ الإحْسانِ إلى أقارِبِهِ الَّذِي قادَهُ إلَيْهِ قَوِيمَ فِطْرَتِهِ حَتّى حَصَلَتْ [لَهُ] الآفاتُ الكِبارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والجِيمُ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [وهُوَ] إشارَةٌ إلى الجَمْعِ، والإجْمالُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ عَنّا وهو أنْسَبُ الأُمُورِ لَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَإنَّهُ حَصَلَ بِهِ الجَمْعُ بَعْدَ (p-١٨٤)الِافْتِراقِ العَظِيمِ بِقَتْلِ [ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ ] عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَهِيدًا مَظْلُومًا، وحَصَلَ بِهِ الإجْمالُ لَكِنْ لَمْ يَتِمَّ التَّفْصِيلُ بِسَبَبِ ما حَصَلَ مِنَ العِنادِ، والرّاءُ إشارَةٌ إلى الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهي تَطْوِيرٌ وتَصْيِيرٌ وتَرْبِيَةٌ، وهي لِكُلِّ مُرَبٍّ مِثْلَ زَوْجِ المَرْأةِ وسَيِّدِ العَبْدِ، ولِذَلِكَ فَعَلَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا رَأى المُلْكَ يَهْلَكُ بِقَتْلِ المُسْلِمِينَ رَبّاهُ بِنُزُولِهِ عَنِ الأمْرِ لِمُعاوِيَةَ، فَكانَ كالسَّيِّدِ أذِنَ لِعَبْدِهِ ورُبِّي أمَرُهُ بِهِ، وقَدْ سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَيِّدًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، [واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ].

البينة 98:1

(p-١٨٥)سُورَةُ لَمْ يَكُنْ وتُسَمّى القِيامَةُ والمُنْفَكِّينَ مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ هَذا الكِتابَ القَيِّمَ مِن عُلُوِّ مِقْدارِهِ وجَلِيلِ آثارِهِ أنَّهُ كَما أنَّهُ لِقَوْمِ نُورٌ وهُدًى فَهو لِآخَرِينَ وقَّرَ وعَمى، فَيَقُودُ إلى الجَنَّةِ دارِ الأبْرارِ، ويَسُوقُ إلّا النّارِ دارِ الأشْقِياءِ الفُجّارِ، وعَلى ذَلِكَ [دَلَّ] كُلُّ مِنَ أسْمائِها ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ ”والمُنْفَكِّينَ“ بِتَأمُّلِ الآيَةِ في انْقِسامِ النّاسِ إلى أهْلِ الشَّقاوَةِ وأهْلِ السَّعادَةِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العُلُوُّ المُطْلَقُ فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ إيجادِهِ وبَيانِهِ جَمِيعَ عِبادِهِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدادِهِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ المُتَكَلِّفَةِ بِإنْجاءِ العامِلِ بِها وإسْعادِهِ. * * لَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّ اللَّيْلَةَ الشَّرِيفَةَ الَّتِي صانَها بِنَوْعِ خَفاءٍ في تَنَزُّلِ مَن يَتَنَزَّلُ فِيها وفي تَعْيِينِها لا تَزالُ قائِمَةً عَلى ما لَها مِن تِلْكَ الصِّفَةِ حَتّى يَأْتِيَ الفَجْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ غايَةَ البَيانِ، أخْبَرَ أنَّ أهْلَ الأدْيانِ سَواءٌ كانَ لَها أصْلٌ مِنَ الحَقِّ أمْ لا لَمْ يَصِحَّ في العادَةِ الجارِيَةِ عَلى حِكْمَةِ الأسْبابِ في دارِ الأسْبابِ أنْ يَتَحَوَّلُوا عَمّا هم فِيهِ إلّا بِسَبَبٍ عَظِيمٍ (p-١٨٦)يَكُونُ بَيانُهُ أعَظُمَ مِن بَيانِ الفَجْرِ، وهو القُرْآنُ المَذْكُورُ في القَدَرِ والرَّسُولُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ﴾ أيْ في مُطْلَقِ الزَّمانِ الماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ كَوْنًا هو كالجِبِلَّةِ والطَّبْعِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ مِن أنَّهم يُبَدِّلُونَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ أوِ الإيمانِ بِكُفْرٍ أوْ بِدْعَةٍ ثُمَّ لا يُثْبِتُونَ عَلَيْهِ [لِأنَّ] ذَلِكَ لَيْسَ في جِبِلّاتِهِمْ، وإنَّما هو خاطِرٌ عارِضٌ كَما هو مَحْكِيٌّ عَنْ سِيرَتِهِمْ مِن بَعْدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام [لَمّا كانَتْ تَسُوسُهُمُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ] كَما دَلَّ عَلى بَعْضِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١] وكَذا المُشْرِكُونَ كانُوا يُبَدِّلُونَ دِينَ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام ولا يَنْفَصِلُونَ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتارَةً يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وتارَةَ المَلائِكَةِ، وأُخْرى الجِنُّ، ولَمْ يَكُونُوا يُثْبِتُونَ عَلى حالَةٍ واحِدَةٍ ثَباتًا كُلِّيًّا مِثْلَ ثَباتِهِمْ عَلى الإسْلامِ بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ ونِسْيانِهِمْ أُمُورَ الجاهِلِيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى نَسُوا المَيْسِرَ، فَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن أوْلادِهِمْ يَعْرِفُ كَيْفِيَّتَهُ وكَذا السّائِبَةُ وما مَعَها وغَيْرُها ذَلِكَ مِن خُرافاتِهِمْ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَواءٌ كانُوا عَرِيقِينَ في الكُفْرِ أمْ لا. ولَمّا كانَ العالَمُ أوْلى بِاتِّباعِ الحَقِّ وأشَدَّ جُرْمًا عِنْدَ فِعْلٍ ما يَقْتَضِي اللَّوْمَ، بَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ كانَ أصْلَ دِينِهِمْ حَقًّا، فَألْحَدُوا فِيهِ بِالتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ والِاعْوِجاجِ (p-١٨٧)فِي صِفاتِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ نَسَخَهُ اللَّهُ تَعالى بِما شَرَعَ مِن مُخالَفَتِهِ في الفُرُوعِ ومُوافَقَتِهِ في الأُصُولِ فَكَذَّبُوا ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيْ بِعِبادَةِ الأصْنامِ والنّارِ والشَّمْسِ ونَحْوَ ذَلِكَ مِمَّنْ هم عَرِيقُونَ في دِينٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في الحَقِّ بِأنْ [لَمْ] يَكُنْ لَهم كِتابٌ ﴿مُنْفَكِّينَ﴾ أيْ مُنْفَصِلِينَ زائِلِينَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِهِمُ انْفِكاكًا يُزِيلُهم عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ لا يَبْقى لَهم بِهِ عَلَقَةٌ، ويُثْبِتُونَ عَلى ذَلِكَ الِانْفِكاكَ، وأصْلُ الفَكِّ الفَتْحُ والِانْفِصالُ لَمّا كانَ مُلْتَحِمًا، مِن فَكِّ الكِتابِ والخَتْمِ والعَظْمِ - إذا زايَلَ ما كانَ مُلْتَصِقًا ومُتَّصِلًا بِهِ، أوْ عَمّا في أنْفُسِهِمْ مَن ظَنَّ اتِّباعَ الحَقِّ إذا جاءَهُمُ الرَّسُولُ المُبَشَّرُ بِهِ بِما كانَ أهْلُ الكِتابِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ والمُشْرِكُونَ يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ ﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾ [فاطر: ٤٢] فَيَصِيرُوا بِذَلِكَ أحْزابًا وفِرَقًا ﴿حَتّى﴾ أيْ [إلى] أنْ ﴿تَأْتِيَهُمُ﴾ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ لِتُجَدِّدِ البَيانِ في كُلِّ وقْتٍ بِتَجَدُّدِ الرِّسالَةِ والتِّلاوَةِ ﴿البَيِّنَةُ﴾ أيِ الآيَةُ الَّتِي هي في البَيانِ كالفَجْرِ المُنِيرِ الَّذِي لا يَزْدادُ بِالتَّمادِي إلّا ظُهُورًا وضِياءً ونُورًا، وذَلِكَ هو الرَّسُولُ وما مَعَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي أعْظَمُها الكِتابُ سَواءٌ كانَ التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ أوِ الزَّبُورَ (p-١٨٨)أوِ الفَرْقانَ، ولِذَلِكَ أبْدَلَ مِنها قَوْلَهُ:

البينة 98:2

﴿رَسُولٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ جِدًّا، وزادَ عَظَمَتَهُ بِقَوْلِهِ واصِفًا [لَهُ]: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ [أيِ] الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ ﴿يَتْلُو﴾ أيْ يَقْرَأُ قِراءَةً مُتَواتِرَةً ذَلِكَ الرَّسُولُ بَعْدَ تَعْلِيمِنا لَهُ ﴿صُحُفًا﴾ جَمْعُ صَحِيفَةٍ وهي القِرْطاسُ والمُرادُ ما فِيها، عَبَّرَ بِها عَنْهُ لِشِدَّةِ المُواصَلَةِ ﴿مُطَهَّرَةً﴾ أيْ هي في غايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ والنَّزاهَةِ مِن كُلِّ قَذَرٍ بِما جَعَلْنا لَها مِنَ البُعْدِ مِنَ الأدْناسِ بِأنَّ الباطِلَ مِنَ الشِّرْكِ بِالأوْثانِ وغَيْرِها مَن كُلِّ زَيْغٍ لا يَأْتِيها مِن بَيْنِ يَدَيْها ولا مِن خَلْفِها وأنَّها لا يَمَسُّها إلّا المُطَهَّرُونَ، وقِراءَتُهُ وإنْ كانَ أُمِّيًّا لِمِثْلِ ما فِيها قِراءَةٌ لَها.

البينة 98:3

ولَمّا عَظَّمَهُ بِأنْ وصَفَ صُحُفَهُ الَّتِي [هِيَ] مَحَلُّ المَكْتُوبِ بِالطَّهارَةِ، بَيْنَ سَبَبِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿فِيها﴾ أيْ تِلْكَ الصُّحُفُ ﴿كُتُبٌ﴾ جَمْعُ كِتابٍ أيْ عُلُومٍ هي لِنَفاسَتِها حَقِيقَةٌ بِأنْ تُكْتَبَ ﴿قَيِّمَةٌ﴾ أيْ هي في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ لِنُطْقِها بِالحَقِّ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ لَيْسَ فِيها شِرْكٌ ولا عِوَجٌ بِنَوْعٍ مِنَ الأنْواعِ، فَإذا أتَتْهم هَذِهِ البَيِّنَةُ انْفَكُّوا [و] انْفِكاكُهم أنَّهم كانُوا مُجْتَمِعِينَ قَبْلَ هَذا، أهْلُ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِما عِنْدَهم مِنَ البَشائِرِ الصَّرِيحَةِ بِهِ، والمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَئِنْ جاءَنا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ (p-١٨٩)نَعْرِفُ الحَقَّ لِأهْلِهِ ولا نَدْفَعُهُ بِوَجْهٍ، فَلَمّا جاءَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما لا شُبْهَةَ فِيهِ تَفَرَّقُوا، فَبَعْضُهم آمَنَ وبَعْضُهم كَفَرَ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: هي مِن كَمالِ ما تَقَدَّمَها لِأنَّهُ لَمّا أمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقِراءَةِ كِتابِهِ الَّذِي [بِهِ] اتَّضَحَتْ سَبِيلُهُ وقامَتْ حُجَّتُهُ، [و] أتْبَعَ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيفِ بِلَيْلَةِ إنْزالِهِ وتَعْظِيمِها بِتَعْظِيمِ ما أُهِّلَتْ لَهُ مِمّا أنْزَلَ فِيها، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِهِ ﷺ بِأنَّ هَذا الكِتابَ هو الَّذِي كانَتِ اليَهُودُ تَسْتَفْتِحُ بِهِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ وتُعَظِّمُ أمْرَهُ وأمْرَ الآتِي بِهِ، حَتّى إذا حَصَلَ ذَلِكَ مُشاهَدًا لَهم كانُوا هم أوَّلُ كافِرٍ بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] - إلى قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وفي التَّعْرِيفِ بِهَذا تَأْكِيدُ ما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِمّا يُثْمِرُ الخَوْفَ ويَنْهَجُ بِإذْنِ اللَّهِ التَّسْلِيمِ والتَّبَرُّؤِ مِنَ ادِّعاءِ حَوْلٍ أوْ قُوَّةٍ، فَإنَّ هَؤُلاءِ قَدْ كانُوا قِدَمَ إلَيْهِمْ في أمْرِ الكِتابِ والآتِي بِهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ كانُوا إلَيْهِمْ في أمْرِ الكِتابِ والآتِي بِهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وقَدْ كانُوا يُؤَمِّلُونَ الِانْتِصارَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن أعْدائِهِمْ ويَسْتَفْتِحُونَ بِكِتابِهِ، فَرَحِمَ اللَّهُ مَن لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنهُ كَأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأنْظارِهِما رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، وحَرَّمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قَدْ كانُوا (p-١٩٠)عَلى بَصِيرَةٍ مِن أمْرِهِ وجَعَلَهم بِكُفْرِهِمْ شَرَّ البَرِيَّةِ، ورَضِيَ عَنِ الآخَرِينَ ورَضُوا عَنْهُ، وأسْكَنَهم في جِوارِهِ ومَنَحَهُمُ الفَوْزَ الأكْبَرَ والحَياةَ الأبَدِيَّةَ وإنْ كانُوا قَبْلَ بَعْثِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى جَهالَةٍ وعَمًى، فَلَمْ يَضُرُّهم إذا قَدْ سَبَقَ لَهم في الأزَلِ ”أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيَّةِ“ انْتَهى.

البينة 98:4

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَإذا أتَتْهُمُ انْفَكُّوا، فَلَقَدْ تَفَرَّقَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ إتْيانِكَ وأتَتِ البَيِّنَةُ العُظْمى إلَيْهِمْ إلى مُهْتَدٍ وضالٍّ، والضّالُّ إلى مُجاهِرٍ ومُساتِرٍ، وكَذا أهْلُ الكِتابِ، ثُمَّ [ما] اجْتَمَعَ العَرَبُ عَلى الهُدى إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، عَطَفَ عَلى هَذا الَّذِي أفْهَمَهُ السِّياقُ قَوْلَهُ مُعْلِمًا بِزِيادَةِ القُبْحِ في وُقُوعِ الذَّنْبِ مِنَ العالَمِ بِإفْرادِهِمْ بِالتَّصْرِيحِ عَنِ المُشْرِكِينَ: ﴿وما تَفَرَّقَ﴾ أيِ الآنَ وفِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ تَفَرُّقًا عَظِيمًا ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانُوا في حالٍ هي ألْيَقُ بِالإعْراضِ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿أُوتُوا الكِتابَ﴾ أيْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الإطْباقِ عَلى الضَّلالِ أوِ الوَعْدِ بِاتِّباعِ الحَقِّ المُنْتَظَرِ في مُحَمَّدٍ ﷺ، وكَذا كانَ فِعْلُهم في عِيسى ﷺ مِن قَبْلُ، فاسْتَمَرَّ بَعْضُهم عَلى الضَّلالِ وبالَغَ في نَقْضِ العَهْدِ والعِنادِ، ووَفى بَعْضٍ بِالوَعْدِ فاهْتَدى، وكانَ تَفَرُّقُهم لَمْ يَعُدْ تَفَرُّقًا إلّا زَمَنًا يَسِيرًا، ثُمَّ اجْتَمَعُوا فَلَمْ يُؤْمَن مِنهم مَن يَعُدُّ (p-١٩١)خِلافَتَهُ لِباقِيهِمْ تَفَرُّقًا لِكَوْنِهِ قَلِيلًا مِن كَثِيرٍ، فَلِذَلِكَ أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿إلا مِن بَعْدِ﴾ وكانَ ذَلِكَ الزَّمَنُ اليَسِيرُ هو بِإسْلامِ مَن أسْلَمَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ أطْبَقُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ مِن تَنَوَّخَ وغَسّانَ وعامِلَةَ وبَكْرِ بْنِ وائِلٍ وعَبْدِ القَيْسِ ونَحْوِهِمْ وكَذا مَن كانَ تَهَوَّدَ مِن قَبائِلِ اليَمَنِ وأسْلَمَ، ثُمَّ أطْبَقَ اليَهُودَ والنَّصارى عَلى الضَّلالِ فَلَمْ يُسْلِمْ مِنهُ إلى مَن لا يَعُدْ لِقِلَّتِهِ مُفَرِّقًا لَهم ﴿ما﴾ أيِ الزَّمَنُ الَّذِي ﴿جاءَتْهُمُ﴾ فِيهِ أوْ مَجِيءُ ﴿البَيِّنَةُ﴾ فَكانَ حالُهم كَما قالَ سُبْحانَهُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وقَدْ كانَ مَجِيءُ البَيِّنَةِ يَقْتَضِي اجْتِماعَهم عَلى الحَقِّ، لا تُفَرِّقُهم فِيهِ، وكَأنَّهُ أشارَ إلى المُشْرِكِينَ بِالعاطِفِ ولَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِمْ لِأنَّهم كانُوا عَكْسَ أهْلِ الكِتابِ لَمْ يَتَفَرَّقُوا إلّا زَمَنًا يَسِيرًا في أوَّلِ الأمْرِ، فَكانَ الضّالُّ مِنهم أكْثَرَ، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلى الهُدى لِما لَهم مِن قَوِيمِ الطَّبْعِ ومُعْتَدِلِ المِزاجِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ العِوَجِ لِأهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم كانُوا لِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ أوْلى مِنَ المُشْرِكِينَ بِالِاجْتِماعِ عَلى الهُدى، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ وُقُوعَ اللَّدَدِ والعِنادِ مِنَ العالَمِ أكْثَرَ، وحُصُولُهُ الآفَةَ لَهم مِن قُوَّةِ ما لِطِباعِهِمْ مِن كَدَرِ النَّقْصِ بِتَرْبِيَتِهِ وتَنْمِيَتِهِ (p-١٩٢)بِالمَعاصِي مِن أكْلِ السُّحْتِ مِنَ الرِّبا وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ والتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ، فَألِفَتْ ذَلِكَ أبْدانُهم فَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُهم حَتّى تَراكُمَ ظَلامُها، وتَكاثَفَ رَيْنُها وغَمامُها، فَلَمّا دَعَوْا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن نُورٍ تَكُونُ لَهم بِهِ قابِلِيَّةُ الِانْقِيادِ لِلدُّعاءِ.

البينة 98:5

ولَمّا كانَ حالُ مَن ضَلَّ عَلى عِلْمٍ أشْنَعَ، زادَ في فَضِيحَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ فَعَلُوا ذَلِكَ والحالُ أنَّهم ما. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بُرُوزَ الأمْرِ المُطاعِ، لا تَعْيِينَ الآمِرِ، قالَ بَعْدَ وصْفِ الصُّحُفِ بِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّها قِيمَةٌ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ: ﴿أُمِرُوا﴾ أيْ وقَعَ أمْرُهم بِما أمَرُوا بِهِ مِمَّنْ إذا أطْلَقَ الأمْرَ لَمْ يَسْتَحِقَّ أنْ يَنْصَرِفَ إلّا إلَيْهِ، في تِلْكَ الكُتُبِ الَّتِي وجَبَ ثُبُوتُ اتِّباعِها وأذْعَنُوا [لَهُ] ﴿إلا لِيَعْبُدُوا﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ يَعْبُدُوا ﴿اللَّهَ﴾ أيِ الإلَهُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ولا أمْرَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ بِأنْ يُوجِدُوا عِبادَتَهُ ويُجَدِّدُوها في كُلِّ وقْتٍ، والعِبادَةُ امْتِثالُ أمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما أمَرَ عَلى الوَجْهِ المَأْمُورِ بِهِ مِن أجْلِ أنَّهُ آمِرٌ، مَعَ المُبادَرَةِ بِغايَةِ الحُبِّ والخُضُوعِ والتَّعْظِيمِ، وذَلِكَ مَعَ الِاقْتِصادِ لِئَلّا يَمَلَّ الإنْسانُ فَيُخِلَّ أوْ يَحْصُلَ لَهُ الإعْجابُ فَتَفْسَدَ عِبادَتُهُ، حالَ كَوْنِهِمْ ﴿مُخْلِصِينَ﴾ أيْ ثابِتًا غايَةَ الثَّباتِ إخْلاصُهم ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ بِحَيْثُ لا يَكُونُ فِيهِ شَوْبُ شَيْءٍ مِمّا يُكَدِّرُهُ مِن شِرْكٍ جَلِيٍّ ولا خَفِيٍّ بِأنْ (p-١٩٣)يَكُونَ الِامْتِثالُ لِكَوْنِهِ أمَرَ لِرِضاهُ لا لِشَيْءٍ مِن نَفْعٍ ولا دَفْعٍ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى الصَّوابِ، فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ العامِلِينَ يَكُونُ مُخْلِصًا، ويَكُونُ بِناؤُهُ بِغَيْرِ أساسٍ صالِحٍ، فَلا يَنْفَعُهُ بَلْ يَكُونُ وبالًا عَلَيْهِ، فَإنَّهُ ضَيَّعَ الأصْلَ كالرُّهْبانِ وكَذا كَثِيرٌ مِمَّنْ يَعْتَقِدُ وِلايَةَ شَخْصٍ وهو لا يَعْرِفُ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الوَلِيِّ والعَدُوِّ والمُكْرِمِ والمُسْتَدْرِجِ، وحَقِيقَةُ الإخْلاصِ بِأنَّهُ إفْرادُ الحَقِّ في الطّاعَةِ بِالقَصْدِ مَعَ نِسْيانِ الخُلُقِ في الأعْمالِ والتَّوَصُّلِ إلَيْهِ بِالتَّوَقِّي مِن مُلاحَظَتِهِمْ مَعَ التَّنَقِّي عَنْ مُطالَعَةِ النَّفْسِ بِرُؤْيَةِ العَبْدِ نَفْسِهِ عَبْدًا مَأْمُورًا لا يُرِيدُ ثَوابًا، جاعِلًا كُلَّ شَيْءٍ وسِيلَةً إلى اللَّهِ، وعَلامَتُهُ عَدَمُ رُؤْيَةِ العَمَلِ، ويُعْرَفُ ذَلِكَ بِالخَوْفِ وعَدَمِ الِالتِفاتِ إلى طَلَبِ الثَّوابِ، وبِالحَياءِ مِنهُ لِكَوْنِهِ يَرى أنَّهُ ما قامَ بِحَقِّ السَّيِّدِ عَلى ما يَنْبَغِي كَما قالَ تَعالى: ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠] قالَ القُشَيْرِيُّ: [ويُقالُ]: الإخْلاصُ تَصْفِيَةُ العَمَلِ مِنَ الخَلَلِ، وقالَ الرّازِيُّ: الإخْلاصُ النِّيَّةُ الصّافِيَةُ لِأنَّ [النِّيَّةَ] دائِمَةٌ، والعَمَلُ يَنْقَطِعُ، والعَمَلُ يَحْتاجُ إلى النِّيَّةِ، والنِّيَّةُ لا تَحْتاجُ إلى العَمَلِ، ولِأجْلِ ما أفْهَمَهُ التَّعْبِيرُ بِالِاسْمِ مِنَ التَّمَكُّنِ والثَّباتِ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حُنَفاءَ﴾ أيْ في غايَةِ المَيْلِ (p-١٩٤)مَعَ الدَّلِيلِ إلى القَوْمِ بِحَيْثُ لا يَكُونُ عِنْدَهُمُ اعْوِجاجٌ أصْلًا، بَلْ مَهْما حَصَلَ أدْنى زَيْغٍ عَرَضُوهُ عَلى الدَّلِيلِ فَمالُوا مَعَهُ بِما لَهم مِنَ الحَنَفِ فَقادَهم إلى الصَّلاحِ فَصارُوا في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ، وتِلْكَ هي العِبادَةُ الإحْسانِيَّةُ، وأصْلُ الحَنَفِ في اللُّغَةِ: المَيْلُ، قالَ المَلْوِيُّ: وخَصَّهُ العُرْفُ بِالمَيْلِ إلى الخَيْرِ، ولِذا سُمِّيَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ [لِمَيْلٍ] في رِجْلَيْهِ إلى داخِلٍ مِن جِهَةِ القُدّامِ إلى الوَراءِ، وسَمُّوا المَيْلَ إلى الشَّرِّ إلْحادًا، فالحَنِيفُ المُطْلَقُ الَّذِي يَكُونُ مُتَبَرِّئًا عَنْ أُصُولِ المِلَلِ الخَمْسِ: اليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ والمَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، وعَنْ فُرُوعِها مِن جَمِيعِ النَّحْلِ إلى الِاعْتِقاداتِ الحَقَّةِ، وعَنْ تَوابِعِها مِنَ الخَطايا والسَّيِّئاتِ إلى العَمَلِ الصّالِحِ وهو مَقامٌ التُّقى، [و]، عَنِ المَكْرُوهاتِ إلى المُسْتَحَبّاتِ وهو المَقامُ الأوَّلُ مِنَ الوَرَعِ، وعَنِ الفُضُولِ شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ وهو ما لا يَعْنِي إلى الَّذِي يَعْنِي، وهو المَقامُ [الثّانِي مِنَ الوَرَعِ، وعَمّا يَجُرُّ إلى الفُضُولِ وهُوَ] مَقامُ الزُّهْدِ، فالآيَةُ جامِعَةٌ لِمَقامَيِ الإخْلاصِ النّاظِرِ أحَدُهُما إلى الحَقِّ، والثّانِي إلى الخَلْقِ، فالإخْلاصُ لِمَقامِ المُشْتَغِلِ بِالمُصَفّى لَهُ لِأنَّهُ إفْرادُ الحَقِّ بِالقَصْدِ في الطّاعَةِ، والخَوْفِ لِمَقامِ المُشْتَغِلِ بِالمُصَفّى مِنهُ لِأنَّهُ المَيْلُ عَنْ سائِرِ المَخْلُوقاتِ إلى اللَّهِ تَعالى وإلى ما يُرْضِيهِ. (p-١٩٥)ولَمّا ذَكَرَ أصْلَ الدِّينِ، أتْبَعَهُ الفُرُوعَ، فَبَدَأ بِأعْظَمِها الَّذِي هو مُجَمَّعُ الدِّينِ ومَوْضِعُ التَّجَرُّدِ عَنِ العَوائِقِ فَقالَ: ﴿ويُقِيمُوا﴾ أيْ يُعَدِّلُوا مِن غَيْرِ اعْوِجاجٍ ما، بِجَمِيعِ الشَّرائِطِ والأرْكانِ والحُدُودِ ﴿الصَّلاةَ﴾ لِتَصِيرَ بِذَلِكَ أهْلًا لِأنْ تَقُومَ بِنَفْسِها، وهي التَّعْظِيمُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى. ولَمّا ذَكَرَ صِلَةَ الخالِقِ، أتْبَعَها وصِلَةَ الخَلائِقِ فَقالَ: ﴿ويُؤْتُوا الزَّكاةَ﴾ [أيْ] بِأنْ يَحْضُرُوها لِمُسْتَحِقِّيها شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ إعانَةً عَلى الدِّينِ، ولَكِنَّهم حَرَّفُوا ذَلِكَ وبَدَّلُوهُ بِطِباعِهِمُ المُعْوَجَّةِ، وتَدْخُلُ الزَّكاةُ عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ في كُلِّ ما رَزَقَ اللَّهُ مِن عَقْلٍ وسَمْعٍ وبَصَرٍ ولِسانٍ ويَدٍ ورِجْلٍ ووَجاهَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ - كَما هو واضِحٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [الأنفال: ٣] ولَمّا كانَ هَذا دِينًا حَسَنًا [بَيِّنًا] فَضَّلُوا عَنْهُ عَلى [ما] عِنْدَهم مِنَ الأدِلَّةِ، زادَ في تَوْبِيخِهِمْ بِمَدْحِهِ فَقالَ: ﴿وذَلِكَ﴾ أيْ والحالُ أنَّ هَذا المَوْصُوفَ مِنَ العِبادَةِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ الَّذِي هو في غايَةِ العُلُوِّ والخَيْرِ ﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾ أيِ المِلَّةُ أوِ النُّفُوسُ أوِ الكُتُبُ الَّتِي لا عِوَجَ فِيها، وهو عَلى الأوَّلِ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، وعَنِ الخَلِيلِ أنَّهُ قالَ: هو جَمْعُ قَيِّمٍ، والقَيِّمُ والقائِمُ واحِدٌ، والمَعْنى دِينُ القائِمِينَ لِلَّهِ تَعالى بِالتَّوْحِيدِ، ودَلَّ عَلى ما قَدَّرَتْهُ في أمْرِ المُشْرِكِينَ بِذِكْرِهِمْ في نَتِيجَةِ ما (p-١٩٦)مَضى في قَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ:

البينة 98:6

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ وقَعَ مِنهُمُ السَّتْرُ لِمُرائِي عُقُولِهِمْ بَعْدَ صَرْفِها لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فَضَلُّوا واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُونُوا عَرِيقِينَ فِيهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيِ اليَهُودِ والنَّصارى ﴿والمُشْرِكِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الشِّرْكِ، ودَلَّ بِالإتْيانِ بِالوَصْفِ هُنا والفِعْلِ في أُولَئِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّ المُشْرِكَ يَرْجِعُ عَنْ شِرْكِهِ ويُؤْمِنُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَرِيقًا في الشِّرْكِ بِخِلافِ أهْلِ الكِتابِ مَتى تَلَبَّسَ أحَدٌ مِنهم بِكُفْرٍ لا يَرْجِعُ عَنْهُ وإنْ كانَ تَلَبُّسُهُ بِهِ عَلى أضْعَفِ الوُجُوهِ، وكَذا كُلُّ مَن يُنْسَبُ إلى عِلْمٍ ولا سِيَّما إنْ كانَ بَلِيدًا مَتّى عَرَضَتْ لَهُ شُبْهَةٌ بَعْدَ رُجُوعِهِ عَنْها، فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَهم في قَوْلِهِ: ﴿فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي تَلْقاهم بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةِ تَكُونُ عَذابًا لِأجْسامِهِمْ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ في الحالِ لِسَعْيِهِمْ في مُوجِباتِها، واشْتِراكِ الفَرِيقَيْنِ في جِنْسِ العَذابِ لا يُوجِبُ التَّساوِي في النَّوْعِ بَلْ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اشْتِدادِ الكُفْرِ وخِفَّتِهِ. ولَمّا كانَ مُعْظَمُ السِّياقِ لِلْعِبادَةِ والتَّرْغِيبِ فِيها مِنَ القِراءَةِ والسُّجُودِ والِانْفِكاكِ عَنِ الكُفْرِ، لَمْ يَذْكُرِ التَّأْبِيدَ بِلَفْظِهِ، بَلِ اكْتَفى بِما دَلَّ عَلَيْهِ وقالَ في نَتِيجَةِ ما مَضى: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً بِما لِضَمائِرِهِمْ مِنَ الخُبْثِ ﴿شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ أيِ الخَلِيقَةِ الَّذِينَ أهْمَلُوا (p-١٩٧)إصْلاحَ أنْفُسِهِمْ، وفَرَّطُوا في حَوائِجِهِمْ ومَآرِبِهِمْ، وهَذا نارٌ لِأرْواحِهِمْ حِينَ يُنادى عَلَيْهِمْ بِهِ.

البينة 98:7

ولَمّا ذَكَرَ الأعْداءَ وبَدَأ بِهِمْ، لِأنَّ السِّياقَ لِذَمِّ مَن جَمَّدَ مِنَ المَأْلُوفِ وتَرَكَ المَعْرُوفَ، أتْبَعَهُ الأوْلِياءَ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِلْكُفّارِ مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ مِنَ الخَلْقِ كُلِّهِمُ المَلائِكَةُ وغَيْرُهم ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ [هَذا] النَّوْعُ، ولَمّا كانَ نَعِيمُ القَلْبِ أعْظَمُ، قَدَّمَهُ عَلى نَعِيمِ البَدَنِ إبْلاغًا في مَدْحِهِمْ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُوُّ الدَّرَجاتِ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿خَيْرُ البَرِيَّةِ﴾

البينة 98:8

ولَمّا خَصَّصَهم بِالخَيْرِيَّةِ، ذَكَّرَ ثَوابَهُمْ، فَقالَ ذاكِرًا جَنَّةَ أبْدانِهِمْ مُعَظِّمًا لَهم بِالتَّعْبِيرِ عَنْ إنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ الجَزاءِ المُؤَذِّنِ بِأنَّهُ مُقابَلَةُ ما وُصِفُوا بِهِ: ﴿جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ عَلى طاعاتِهِمْ، وعَظَّمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلَيْهِمُ المُرَبِّي لَهم وأيِ المُحْسِنُ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ أيْ إقامَةٍ لا تَحُولُ عَنْها ﴿تَجْرِي﴾ أيْ جَرْيًا دائِمًا لا انْقِطاعَ لَهُ. ولَمّا كانَ عُمُومُ الماءِ مانِعًا مِن تَمامِ اللَّذَّةِ، قَرُبَ وبَعْضُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ أرْضِها وغُرَفِها وأشْجارِها ﴿الأنْهارُ﴾ ولَمّا كانَتِ اللَّذَّةُ لا تَكْمُلُ إلّا بِالدَّوامِ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ ولَمّا كانَ النَّظَرُ إلى التَّرْغِيبِ في هَذا السِّياقِ أتَمَّ حَثًّا عَلى اتِّباعِ الدَّلِيلِ (p-١٩٨)المَعْرُوفِ، والمُفارَقَةُ لِلْحالِ المَأْلُوفِ، أكَّدَ مَعْنى الخُلُودِ تَعْظِيمًا لِجَزائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾ ولَمّا كانَ هَذا [كُلُّهُ] ثَمَرَةَ الرِّضا، وكانَ التَّصْرِيحُ بِهِ أقَرَّ لِلْعَيْنِ لِأنَّهُ جَنَّةُ الرُّوحِ، قالَ مُسْتَأْنِفًا أوْ مُعَلِّلًا: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾ أيْ بِما لَهُ مِن نُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ بِما كانَ سَبَقَ لَهم مِنَ العِنايَةِ والتَّوْفِيقِ. ولَمّا كانَ الرِّضا إذا كانَ مِنَ الجانِبَيْنِ، كانَ أتَمَّ وأعْلى لَهم قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم أُمْنِيَةٌ إلّا أعْطاهُمُوها مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ مُتَفَضِّلٌ في جَمِيعِ ذَلِكَ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ ولا يُقَدِّرُهُ أحَدٌ حَقَّ قَدْرِهِ، فَلَوْ أخَذَ الخَلْقَ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ أهْلَكَهُمْ، وأعْظَمَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن مُتابَعَتِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ سَبَبًا لِكُلِّ خَيْرٍ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما ادَّعى أنَّهُ لِناسٍ مَخْصُوصِينَ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ، قالَ مُعَمِّمًا لَهُ ومُنَبِّهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي كانَ سَبَبَ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانَتْ سَبَبَ جَزائِهِمْ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الَّذِي جَوَّزُوا بِهِ ﴿لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ أيْ خافَ المُحْسِنُ إلَيْهِ خَوْفًا يَلِيقُ بِهِ، فَلَمْ يَرْكَنْ إلى التَّسْوِيفِ والتَّكاسُلِ، ولَمْ يَطْبَعْ نَفْسَهُ بِالشَّرِّ بِالجَرْيِ مَعَ الهَوى في التَّطَعُّمِ بِالمُحَرَّماتِ بَلْ كانَ مِمَّنْ (p-١٩٩)يَطْلُبُ مَعالِي الأخْلاقِ فَيَسْتَفْتِي قَلْبَهُ فِيما يُرْضِي رَبَّهُ، فَكانَ تَواتُرُ إحْسانِهِ يَزِيدُهُ خَوْفًا فَيَزِيدُهُ شُكْرًا، فَإنَّ الخَشْيَةَ مَلاكُ الأمْرِ، والباعِثُ عَلى كُلِّ خَيْرٍ، وهي لِلْعارِفِينَ، قالَ المَلْوِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّ الإنْسانَ إذا اسْتَشْعَرَ عِقابًا يَأْتِيهِ أوْ خُسْرًا، لَحِقَتْهُ حالَةٌ يُقالُ لَها الخَوْفُ وهي انْخِلاعُ القَلْبِ عَنْ طُمَأْنِينَةِ الأمْنِ وقَلَقِهِ واضْطِرابِهِ لِتَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ، فَإنِ اشْتَدَّ سُمِّيَ وجَلًا لِجَوَلانِهِ في نَفْسِهِ، فَإذا اشْتَدَّ سُمِّيَ رَهَبًا لِأدائِهِ إلى الهَرَبِ، وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ الفارِّينَ إلى اللَّهِ ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ الحُبُّ لِاسْتِغْراقٍ في شُهُودِ الجَمالِيّاتِ لِحَقَتْهُ حالَةٌ تُسَمّى مَهابَةً إذْ لا يَنْفَكُّ عَنْ خَوْفِ إبْعادٍ أوْ صَدِّ لِغَفْلَةٍ أوْ ذِلَّةٍ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ التَّعْظِيمُ لِاسْتِغْراقٍ في شُهُودٍ الجَلالِيّاتِ صارَ في الإجْلالِ، ووَراءَ هَذِهِ الخَشْيَةِ ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨] فَمَن خافَ رَبَّهُ هَذا الخَوْفَ انْفَكَّ مِن جَمِيعِ ما عِنْدَهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ سُبْحانَهُ، ولَمْ يَقْدَحْ في البَيِّنَةِ ولا تُوقَفْ فِيها، وما فارَقَ الخَوْفُ قَلْبًا إلّا خَرَّبَ، فَكانَ جَدِيرًا بِأنْ يَقْدَحَ في كُلِّ ما أدّى إلى العِمارَةِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها بِذَلِكَ، وبِتَصْنِيفِ النّاسِ صِنْفَيْنِ: صِنْفٌ انْفَكَّ عَنْ هَوى نَفْسِهِ فَأنْجاها، وصِنْفٌ اسْتَمَرَّ في أسْرِها فَأرْداها، وقَدْ ذَكَرَتْ في ”مَصاعِدَ النَّظَرِ لِلْإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ“ سِرُّ تَخْصِيصِ النَّبِيِّ ﷺ لِأُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِها، وحاصِلُهُ (p-٢٠٠)أنَّ سَبَبَ تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ أنَّهُ وجَدَ اثْنَيْنِ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم قَدْ خالَفاهُ في القِراءَةِ فَرَفَعَهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأمَرَهُما فَعَرَضا عَلَيْهِ فَحَسُنَ لَهُما، قالَ: فَسَقَطَ في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ أشَدَّ مِمّا [كانَ] في الجاهِلِيَّةِ، فَضَرَبَ ﷺ في صَدْرِي فَفِضْتُ عَرَقًا، وكَأنَّما أنْظُرُ إلى اللَّهِ فَرْقًا، ثُمَّ قَصَّ عَلَيَّ خَبَرَ التَّخْفِيفِ بِالسَّبْعَةِ الأحْرُفِ، وكانَتِ السُّورَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الخِلافُ النَّحْلُ وفِيها أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ رَسُولَهُ ﷺ يَوْمَ البَعْثِ شَهِيدًا، وأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً، وأنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ رُوحُ القُدُسِ بِالحَقِّ لِيَثْبُتَ الَّذِينَ آمَنُوا، وأنَّ اليَهُودَ اخْتَلَفُوا في السَّبْتِ، وسُورَةُ ”لَمْ يَكُنْ“ عَلى قِصَرِها حاوِيَةٌ إجْمالًا لِكُلِّ ما في النَّحْلِ عَلى طُولِها بِزِيادَةٍ، وفِيها التَّحْذِيرُ مِنَ الشَّكِّ بَعْدَ البَيانِ، وتَقْبِيحُ حالِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وأنَّ حالَهُ يَكُونُ كَحالِ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ في العِنادِ، فَيَكُونُ شَرَّ البَرِيَّةِ، فَقَرَأها النَّبِيُّ ﷺ [عَلَيْهِ] رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَذْكِيرًا لَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلى وجْهٍ أبْلَغَ وأخْصَرَ لِيَكُونَ أسْرَعَ لَهُ تَصَوُّرًا فَيَكُونُ أرْسَخَ في النَّفْسِ وأثْبَتَ في القَلْبِ وأعْشَقَ لِلطَّبْعِ، فاخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالتَّثْبِيتِ وأرادَ لَهُ الثَّباتَ، فَكانَ مِنَ المُرِيدِينَ المُرادِينَ لِما وصَلَ إلَيْهِ قَلْبُهُ بِبَرَكَةِ ضَرْبِ النَّبِيِّ ﷺ لِصَدْرِهِ مِن كَشْفِهِ الحُجُبَ ونَفْيِ الشَّياطِينِ والنَّظَرِ إلى سَبَحاتِ القُدْسِ (p-٢٠١)وشُهُودُ تِلْكَ الحَضْرَةِ الشَّمّاءِ، وصَيْرُورَتُهُ إلى أنْ يَكُونَ أصْفى الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مُراقَبَةً لِتِلاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِما يَتَذَكَّرُ مِنَ الأمْرِ الشَّرِيفِ بِتَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ، فَيَصِيرُ كُلَّما قَرَأ هَذِهِ السُّورَةَ الجامِعَةَ غائِبًا عَنْ تِلاوَةِ نَفْسِهِ مُصْغِيًا بِأُذُنَيْ قَلْبِهِ إلى رُوحِ النُّبُوَّةِ يَتْلُو عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَدُومُ لَهُ حالُ الشُّهُودِ الَّذِي وصَلَ إلَيْهِ بِسِرِّ تِلْكَ الضَّرْبَةِ. ولِثُبُوتِهِ في هَذا المَقامِ قالَ ﷺ: «أقْرَؤُكم أُبَيُّ» رَواهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وهو صَحِيحٌ، ورَواهُ بَعْضُهم مُرْسَلًا، ومِمّا فِيهِ ولَمْ أذْكُرْهُ في المَصاعِدِ سَنَةَ التَّواضُعِ حَتّى لا يَمْنَعَ أحَدًا ما يَراهُ مِن عُلُوِّهِ مِنَ القِراءَةِ عَلى مَن هو دُونَهُ فَإنَّهُ ما مَنَعَ أكْثَرَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الإسْلامِ إلّا رُؤْيَةُ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِكُتُبِ اللَّهِ وسُنَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وجَهْلُ العَرَبِ بِذَلِكَ، فَنَظَرُوا إلى ما كانَ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى الحالَةِ الرّاهِنَةِ الآنَ، فَحَلَقَ الحَسَدُ أدْيانَهم وسَلَبَهم إيمانَهُمْ، وصارُوا أشْقى النّاسِ - كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ - نَسْألُ اللَّهَ العَفْوَ والعافِيَةَ في الدِّينِ والدُّنْيا والآخِرَةِ - آمِينَ.

الزلزلة 99:1

(p-٢٠٢)سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ مَقْصُودُها انْكِشافُ الأُمُورِ، وظُهُورُ المَقْدُورِ أتَمَّ ظُهُورٍ، وانْقِسامُ النّاسِ في الجَزاءِ في دارِ البَقاءِ إلى سَعادَةٍ وشَقاءٍ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ اسْمُها بِتَأمُّلِ الظَّرْفِ ومَظْرُوفِهِ، وما أفادَ مِن بَدِيعِ القَدْرِ وصُرُوفِهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ الخَلْقَ بِنِعْمَتِهِ الظّاهِرَةِ قَسَمًا ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ النِّعْمَةَ عَلى خَواصِّهِ حَقِيقَةً واسْمًا، عَيْنًا ورَسْمًا. * * لِما خَتَمَ تِلْكَ بِجَزاءِ الصّالِحِ والطّالِحِ في دارِ البَقاءِ عَلى ما أسْلَفُوهُ في مُواطِنِ الفَناءِ، ذَكَرَ في هَذِهِ أوَّلَ مَبادِئِ تِلْكَ الدّارِ وأوائِلَ غاياتِها، وذَكَرَ في القارِعَةِ ثَوانِي مَبادِئِها وآخِرِ غاياتِها، وأبْلَغُ في التَّحْذِيرِ بِالإخْبارِ بِإظْهارِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الجَزاءُ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِأداةِ التَّحَقُّقِ لِأنَّ الأمْرَ حَتْمٌ لا بُدَّ مِن كَوْنِهِ: ﴿إذا﴾ . ولَمّا كانَ المُخَوِّفُ الزَّلْزَلَةَ ولَوْ لَمْ يُعْلَمْ فاعِلُها، وكانَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى سُهُولَةِ الفِعْلِ ويُسْرِهِ جِدًّا، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿زُلْزِلَتِ الأرْضُ﴾ أيْ حُرِّكَتْ واضْطَرَبَتْ زَلْزَلَةُ البَعْثِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ بِحَيْثُ يَعُمُّها ذَلِكَ (p-٢٠٣)لا كَما كانَ يَتَّفِقُ قَبْلَ ذَلِكَ مِن زَلْزَلَةِ بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ وعَلى وجْهٍ دُونَ ذَلِكَ، وعِظَمِ هَذا الزِّلْزالِ وهَوْلِهِ بِإبْهامِهِ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، فَقالَ كاسِرًا الزّاءَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، ولَوْ فَتَحَها لَكانَ اسْمًا لِلْحَرَكَةِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَيْسَ إلّا في المُضاعَفِ. ﴿زِلْزالَها﴾ أيْ تَحَرُّكُها واضْطِرابُها الَّذِي يَحِقُّ لَها في مُناسَبَتِهِ لِعَظَمَةِ جُرْمِ الأرْضِ وعَظَمَةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَوْ شَرَحَ بِما يَلِيقُ بِهِ لَطالَ الشَّرْحُ، وذَلِكَ كَما تَقُولُ: أُكْرِمُ التَّقِيَّ إكْرامَةً وأهِنُ الفاسِقَ [الشَّقِيَّ] إهانَةً، أيْ عَلى حَسَبِ ما يَلِيقُ بِهِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ورَدَتْ عَقِبَ سُورَةِ البَرِيَّةِ لِيُبَيِّنَ بِها حُصُولَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ ومَآلَ الصِّنْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ٦] - إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيَّةِ﴾ [البينة: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البينة: ٧] - إلى آخِرِ السُّورَةِ. ولَمّا كانَ حاصِلُ ذَلِكَ افْتِراقُهم عَلى صِنْفَيْنِ ولَمْ يَقَعْ تَعْرِيفٌ بِتَبايَنُ أحْوالَهُمْ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِمَآلِ الصِّنْفَيْنِ واسْتِيفاءِ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ المُجْمَلِ ذِكْرُهم فَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.

الزلزلة 99:2

(p-٢٠٤)ولَمّا كانَ الِاضْطِرابُ العَظِيمُ يَكْشِفُ عَنِ الخَفِيِّ في المُضْطَرِبِ قالَ: ﴿وأخْرَجَتِ﴾ وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ تَحْقِيقًا لِلْعُمُومِ فَقالَ: ﴿الأرْضُ﴾ أيْ كُلُّها ﴿أثْقالَها﴾ أيْ مِمّا هو مَدْفُونٌ فِيها كالأمْواتِ والكُنُوزِ الَّتِي كانَ أمْرُها ثَقِيلًا عَلى النّاسِ، وهو جَمْعُ ثِقْلٍ بِالكَسْرِ، وذَلِكَ حِينَ يَكُونُ البَعْثُ والقِيامُ مُتَأثِّرًا ذَلِكَ الإخْراجَ عَنْ ذَلِكَ الزِّلْزالِ، كَما يَتَأثَّرُ عَنْ زِلْزالِ البِساطِ بِالنَّفْضِ إخْراجَ ما في بَطْنِهِ وطَيِّهِ وغُضُونِهِ مِن وسَخٍ وتُرابٍ وغَيْرِهِ، وما كانَ عَلى ظَهْرِها فَهو ثِقَلٌ عَلَيْها لِأنَّها يُعْطِيها اللَّهُ قُوَّةً إخْراجُ ذَلِكَ كُلِّهِ كَما كانَ يُعْطِيها قُوَّةً أنَّ تُخْرِجَ النَّبْتَ الصَّغِيرَ اللَّطِيفَ الطَّرِيَّ الَّذِي هو أنْعَمُ مِنَ الحَرِيرِ فَيَشُقُّ الأرْضَ الصَّلْبَةَ الَّتِي تَكِلُّ عَنْها المَعاوِلُ والحَدِيدُ، ويَشُقُّ النَّواةَ مَعَ ما لَها مِنَ الصَّلابَةِ الَّتِي تَسْتَعْصِي بِها عَلى الحَدِيدِ فَيَنْفَلِقُ نِصْفَيْنِ ويَنْبُتُ مِنها ما يُرِيدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَفْلِقُ قِشْرَ الجَوْزِ واللَّوْزِ ونَوى الخَوْخِ وغَيْرَهُ مِمّا هو في غايَةِ الصَّلابَةِ كَما نُشاهِدُهُ، ويَخْرُجُ مِنهُ الشَّجَرُ بِشَقِّ الأرْضِ عَلى ضَعْفِهِ ولِينِهِ وصَلابَتِها وبِكَوْنِهِ عَلى ظَهْرِها حَتّى يَصِيرَ أغْلَظَ شَيْءٍ وأشَدَّهُ، وكَذا الحُبُّ سَواءٌ، فالَّذِي قَدَرَ عَلى ذَلِكَ هو سُبْحانَهُ وتَعالى (p-٢٠٥)قادِرٌ عَلى تَكْوِينِ المَوْتى في بَطْنِ الأرْضِ وإعادَتِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ كَما يَكُونُ الجَنِينُ في البَطْنِ ويَشُقُّ جَمِيعَ مَنافِذِهِ عَلى التَّحْذِيرِ مِنَ السَّمْعِ والبَصَرِ والفَمِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن [غَيْرِ] أنْ يَدْخُلَ [إلى] هُناكَ بِيكارٍ ولا مِنشارٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ البَطْنِ، فَكَذا إخْراجُ المَوْتى مِن غَيْرِ فَرْقٍ، كُلٌّ عَلَيْهِ هَيِّنٌ - سُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأعَزَّ سُلْطانَهُ.

الزلزلة 99:3

ولَمّا كانَ الإنْسانُ إذا رَأى هَذا عَجِبَ لَهُ ولَمْ يُدْرِكْ سَبَبَهُ لِأنَّهُ أمْرٌ عَظِيمٌ فَظِيعٌ يُبْهِرُ عَقْلَهُ ويَضِيقُ عَنْهُ ذَرْعَهُ، عَبَّرَ [عَنْهُ] بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الإنْسانُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الصّادِقُ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ لِما لَهُ مِنَ النِّسْيانِ لِما تَأكَّدَ عِنْدَهُ مِن أمْرِ البَعْثِ بِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ والنَّظَرِ في عَطْفِهِ، عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ والدَّهَشِ أوِ الحِيرَةِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ القائِلُ الكافِرُ كَما يَقُولُ: ﴿مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] فَيَقُولُ لَهُ المُؤْمِنُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] ﴿ما لَها﴾ أيْ أيُّ شَيْءٍ لِلْأرْضِ في هَذا الأمْرِ الَّذِي لَمْ يَعْهَدْ مَثَلَهُ.

الزلزلة 99:4

ولَمّا طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ التَّهْوِيلُ، أُبْدِلَ مِن ”إذا“ قَوْلُهُ مَعْرُفًا لِلْإنْسانِ ما سَألَ عَنْهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ما ذَكَرَ مِنَ الزِّلْزالِ (p-٢٠٦)وما لَزِمَ عَنْهُ ونَصَبَهُ وكَذا ما أُبْدِلَ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تُحَدِّثُ﴾ أيِ الأرْضُ بِلِسانِ الحالِ بِإخْراجِ ما في بَطْنِها مِنَ المَوْتى والكُنُوزِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَعْلَمُ الإنْسانُ بِهِ لِمَ زُلْزِلَتْ ولِمَ أُخْرِجَتْ، وأنَّ الإنْذارَ بِذَلِكَ كانَ حَقًّا، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَحَدَّثَ بِلِسانِ المَقالِ. ﴿أخْبارَها﴾ أيِ الَّتِي زُلْزِلَتْ وأخْرَجَتْ ما أخْرَجَتْ لِأجْلِها، وكُلُّ شَيْءٍ عُمِلَ عَلَيْها شَهادَةٌ مِنها عَلى العامِلِينَ فَتَقُولُ: عَمِلَ فُلانٌ كَذا وكَذا - تَعَدَّدَ حَتّى يَوَدَّ المُجْرِمُ أنَّهُ يُساقُ إلى النّارِ لِيَنْقَطِعَ عَنْهُ تَعْدادُ ذَلِكَ الَّذِي يُلْزَمُ مِنهُ العارُ، وتَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِما عَمِلَ حَتّى يَسُرَّهُ ذَلِكَ، فَيَشْهَدُ لِلْمُؤَذِّنِ كُلُّ ما امْتَدَّ إلَيْهِ صَوْتُهُ مِن رَطْبٍ ويابِسٍ.

الزلزلة 99:5

ولَمّا كانَ مِنَ المُقَرَّرِ أنَّهُ لا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى، وكانَ قَدْ بَنى الأفْعالَ لِما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَكانَ الجاهِلُ رُبَّما خَفِيَ عَلَيْهِ فاعِلُ ذَلِكَ قالَ: ﴿بِأنَّ﴾ أيْ تُحَدِّثَ بِسَبَبِ أنْ ﴿رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإحْقاقِ الحَقِّ وإزْهاقِ الباطِلِ لِإعْلاءِ شَأْنِكَ ﴿أوْحى﴾ وعَدَلَ عَنْ حَرْفِ النِّهايَةِ إيذانًا بِالإسْراعِ في الإيحادِ فَقالَ: ﴿لَها﴾ أيْ بِالإذْنِ في التَّحْدِيثِ المَذْكُورِ بِالحالِ أوِ المَقالِ.

الزلزلة 99:6

ولَمّا أخْبَرَ تَعالى بِإخْراجِ الأثْقالِ الَّتِي مِنها الأمْواتُ، اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ (p-٢٠٧)إلى هَيْئَةِ ذَلِكَ الإخْراجِ وما يَتَأثَّرُ عَنْهُ، فَقالَ مُكَرِّرًا ذِكْرَ اليَوْمِ زِيادَةً في التَّهْوِيلِ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَ ما تَقَدَّمَ وهو حِينُ يَقُومُ النّاسُ مِنَ القُبُورِ ﴿يَصْدُرُ﴾ أيْ يَرْجِعُ رُجُوعًا هو في غايَةِ السُّرْعَةِ والِاهْتِداءِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يُنادُونَ مِنهُ لا يَغْلَطُ أحَدٌ مِنهم فِيهِ ولا يَضِلُّ [عَنْهُ] ﴿النّاسُ﴾ مِن قُبُورِهِمْ إلى رَبِّهِمُ الَّذِي كانَ لَهم بِالمِرْصادِ لِيَفْصِلَ بَيْنَهم ﴿أشْتاتًا﴾ أيْ مُتَفَرِّقِينَ بِحَسَبِ مَراتِبِهِمْ في الذَّواتِ والأحْوالِ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، وآمِنٍ وخائِفٍ، ومُطِيعٍ وعاصٍ. ولَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ، أتْبَعَهُ عِلَّتَهُ فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ عَلى طَرِيقَةِ كَلامِ القادِرِينَ: ﴿لِيُرَوْا﴾ أيْ يَرى اللَّهُ المُحْسِنَ مِنهم والمُسِيءَ بِواسِطَةِ مَن يَشاءُ مِن جُنُودِهِ أوْ بِغَيْرِ واسِطَةٍ حِينَ يُكَلِّمُ سُبْحانَهُ وتَعالى كُلَّ أحَدٍ مِن غَيْرِ تُرْجُمانٍ ولا واسِطَةٍ كَما أخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُهُ ﷺ ﴿أعْمالَهُمْ﴾ فَيَعْلَمُوا جَزاءَها أوْ صادِرِينَ عَنِ المَوْقِفِ كُلٌّ إلى دارِهِ لِيَرى جَزاءَ عَمَلِهِ، ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُفَّصِلًا الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَهُ:

الزلزلة 99:7

﴿فَمَن يَعْمَلْ﴾ مِن مُحْسِنٍ أوْ مُسِيءٍ مُسْلِمٍ أوْ كافِرٍ ﴿مِثْقالَ﴾ أيْ مِقْدارُ وزْنِ ﴿ذَرَّةٍ خَيْرًا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الخَيْرِ ﴿يَرَهُ﴾ أيْ حاضِرًا لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنهُ لِأنَّ المُحاسِبَ لَهُ الإحاطَةُ عِلْمًا وقُدْرَةً، فالكافِرُ يُوقَفُ عَلى (p-٢٠٨)أنَّهُ جُوزِيَ بِهِ في الدُّنْيا أوْ أنَّهُ أُحْبِطَ لِبِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسِ الإيمانِ، فَهو صُورَةٌ بِلا مَعْنًى لِيَشْتَدَّ نَدَمُهُ ويَقْوى حُزْنُهُ وأسَفُهُ، والمُؤْمِنُ يَراهُ لِيَشْتَدَّ سُرُورُهُ بِهِ.

الزلزلة 99:8

ولَمّا ذَكَرَ الخَيْرَ، أتْبَعَهُ ضِدَّهُ فَقالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الشَّرِّ ﴿يَرَهُ﴾ فَما فَوْقَهُ، فالمُؤْمِنُ يَراهُ ويَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ لِيَشْتَدَّ فَرَحُهُ، والكافِرُ يَراهُ فَيَشْتَدَّ حُزْنُهُ وتَرَحُهُ، والذَّرَّةُ النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ أوِ الهَباءَةُ الَّتِي تَرى [طائِرَةً] في الشُّعاعِ الدّاخِلِ مِنَ الكُوَّةِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِتَحْدِيثِ الأخْبارِ وإظْهارِ الأسْرارِ، وقَدْ ورَدَ في حَدِيثِ الأعْرابِيِّ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ جامِعَةٌ لِهَذِهِ الآيَةِ الأخِيرَةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّها أحْكَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﷺ [يُسَمِّيها] الفاذَّةَ الجامِعَةَ، ومِن فِقْهِ ذَلِكَ لَمْ يُحَقِّرْ ذَنْبًا وإنْ دَقَّ لِأنَّهُ يَجْتَمِعُ إلى أمْثالِهِ فَيَصِيرُ كَبِيرًا كَما «قالَ ﷺ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ”إيّاكَ ومُحَقِّراتِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ لَها مِنَ اللَّهِ طالِبًا»“ ورُوِيَ كَما ذَكَرْتُهُ في كِتابِي ”مَصاعِدُ النَّظَرِ في الإشْرافِ عَلى مَقاصِدِ السُّوَرِ“ في حَدِيثِ (p-٢٠٩)[«إنَّها تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ» وفي حَدِيثٍ] آخَرَ أنَّها تَعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ، ولا تَعارَضَ، فالأوَّلُ نَظَرَ إلَيْها مِن جِهَةِ أنَّ الأحْكامَ تَنْقَسِمُ إلى أحْكامِ الدُّنْيا وأحْكامِ الآخِرَةِ، وهَذِهِ السُّورَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى أحْكامِ الآخِرَةِ إجْمالًا، وزادَتْ عَلى القارِعَةِ بِإخْراجِ الأثْقالِ وأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَرى كُلَّ ما عَمِلَ، والثّانِي نَظَرَ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتّى يُؤْمِنَ بِأرْبَعٍ: يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالحَقِّ، ويُؤْمِنُ بِالمَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ويُؤْمِنُ بِالقَدَرِ». [فاقْتَضى] هَذا الحَدِيثُ أنَّ الإيمانَ بِالبَعْثِ الَّذِي قَرَّرَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ رُبْعَ الإيمانِ الكامِلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأيْضًا فَأمْرُ الدِّينِ أرْبَعَةُ أجْزاءٍ: أمْرُ المَعْبُودِ، وأمْرُ العَبِيدِ، وأمْرُ العِبادَةِ، [وأمْرُ] الجَزاءِ، فَهَذِهِ السُّورَةُ تَكَفَّلَتْ بِأمْرِ الجَزاءِ، وسُورَةُ الكافِرُونَ رُبْعٌ لِأنَّها في أمْرِ العِبادَةِ عَلى وجْهِ الخُصُوصِ والخَفاءِ وإنْ كانَتْ عَلى وجْهِ التَّمامِ والوَفاءِ، وسُورَةُ النَّصْرِ رُبْعٌ لِأنَّها لِأمْرِ العِبادَةِ عَلى وجْهِ العُمُومِ والجَلاءِ والظُّهُورِ والعَلاءِ - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَآبُ.

العاديات 100:1

(p-٢١٠)سُورَةُ العادِياتِ مَقْصُودُها الإعْلامُ بِأنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ يَوْمَ الزَّلْزَلَةِ هالِكٌ لِإيثارِ الفانِي مِنَ العِزِّ [والمالِ] عَلى الباقِي عِنْدَ ذِي الجَلالِ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالقَسَمِ وهو والعادِياتُ والمُقْسَمُ عَلَيْهِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ اسْمَها أدَلُّ شَيْءٍ عَلى ذَلِكَ لِما هَدى إلَيْهِ القَسَمَ والمُقْسَمَ عَلَيْهِ: ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ فَلا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِنِعْمَةِ إيجادِهِ وبَيانِهِ فَنِعْمَتُهُ أتَمُّ نِعْمَةٍ وأشْمَلُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ خُلَّصَ عِبادِهِ بِتَوْفِيقِهِ فَأتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وأكْمَلَ. * * لَمّا خَتَمَ الزَّلْزَلَةَ بِالجَزاءِ لِأعْمالِ الشَّرِّ يَوْمَ الفَصْلِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِبَيانِ ما يَجُرُّ إلى تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ الطَّبْعِ، وما يَنْجَرُّ إلَيْهِ ذَلِكَ الطَّبْعُ مِمّا يَتَخَيَّلُهُ مِنَ النَّفْعِ، مُوَبِّخًا مَن لا يَسْتَعِدُّ لِذَلِكَ اليَوْمِ بِالِاحْتِرازِ التّامِّ مِن تِلْكَ الأعْمالِ، مُعَنِّفًا مِن أثَرِ دُنْياهُ عَلى أُخْراهُ، مُقْسِمًا بِما لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ أهْلِ النِّعَمِ الكِبارِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الرُّوحُ شَكَرَ، ومَن غَلَبَ (p-٢١١)عَلَيْهِ الطَّبْعُ - وهُمُ الأكْثَرُ - كَفَرَ فَقالَ: ﴿والعادِياتِ﴾ أيِ الدَّوابِّ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَجْرِيَ بِغايَةِ السُّرْعَةِ، وهي الخَيْلُ الَّتِي ظُهُورُها عَزَّ وبُطُونُها كَنْزٌ، وهي لِرَجُلٍ وِزْرٌ ولِرَجُلٍ أجْرٌ، فَمَن فاخَرَ بِها ونادى بِها أهْلَ الإسْلامِ وأبْطَرَهُ عِزَّها حَتّى قَطَعَ الطَّرِيقَ وأخافَ الرَّفِيقَ كانَتْ لَهُ شَرًّا، ومَن جَعَلَها في سَبِيلِ اللَّهِ كانَتْ لَهُ أجْرًا، ومَن حَمَلَ عَلَيْها ولَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في رِقابِها وظُهُورِها وكانَتْ لَهُ سِتْرًا، وإنَّما أقْسَمَ بِها لِيَتَأمَّلَ ما فِيها مِنَ الأسْرارِ الكِبارِ الَّتِي بايَنَتْ بِهِ أمْثالَها مِنَ الدَّوابِّ كالثَّوْرِ مَثَلًا والحِمارِ لِيَعْلَمَ أنَّ الَّذِي خَصَّها بِذَلِكَ فاعِلٌ مُخْتارٌ واحِدٌ قَهّارٌ، فالقَسَمُ في الحَقِيقَةِ بِهِ سُبْحانَهُ. ولَمّا كانَتْ دالَّةً عَلى الضّابِحاتِ بِالِالتِزامِ، قالَ ناصِبًا بِهِ أوْ بِـ ”تُضْبَحُ“ مُقَدَّرًا: ﴿ضَبْحًا﴾ [والضَّبْحُ] صَوْتٌ جَهِيرٌ مِن أفْواهِها عِنْدَ العَدْوِ الشَّدِيدِ، لَيْسَ بِصَهِيلٍ ولا حَمْحَمَةٍ ولا رُغاءٍ وهو النَّفْسُ، ولَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوابِّ يُضْبَحُ غَيْرُ الفَرَسِ والكَلْبِ والثَّعْلَبِ، وأصْلُهُ لِلثَّعْلَبِ واسْتُعِيرَ لِلْخَيْلِ، وحَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقالَ: أحَّ أحَّ، أوِ الضَّبْحُ عَدْوٌ دُونَ التَّقْرِيبِ.

العاديات 100:2

(p-٢١٢)ولَمّا ذَكَرَ عَدْوَها، أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ عَنْهُ، فَقالَ عاطِفًا بِأداةِ التَّعْقِيبِ لِأنَّ العَدُوَّ بِحَيْثُ يَتَسَبَّبُ عَنْهُ ويَتَعَقَّبُهُ الإيراءُ: ﴿فالمُورِياتِ﴾ أيِ المُخْرِجاتُ لِلنّارِ بِما يَصْطَكُّ مِن نَعْلِها بِالأحْجارِ، لا سِيَّما عِنْدَ سُلُوكِ الأوْعارِ. ولَمّا كانَ الإيراءُ أثَرُ القَدَحِ قالَ: ﴿قَدْحًا﴾ أيْ تُقْدَحُ ضَرْبًا بِعُنْفٍ كَضَرْبِ الزِّنْدِ لِيُوَرِّيَ النّارَ، ونَسَبَ الإيراءَ إلَيْها لِإيجادِها صُورَتَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها قَصْدٌ إلَيْهِ.

العاديات 100:3

ولَمّا ذَكَرَ العَدْوَ وما يَتَأثَّرُ عَنْهُ، ذَكَرَ نَتِيجَتَهُ وغايَتَهُ فَقالَ: ﴿فالمُغِيراتِ﴾ أيْ بِإغارَةِ أهْلِها عَلَيْها عَلى [العَدْوِ و] الإغارَةُ والرَّكْضُ الشَّدِيدُ لِإرادَةِ القَتْلِ والنَّهْبِ. ولَمّا كانَتِ الإغارَةُ الكائِنُ عَنْها الثُّبُورُ والوَيْلُ أرْوَعُ ما تَكُونُ في أعْقابِ اللَّيْلِ قالَ: ﴿صُبْحًا﴾ أيْ ذاتُ دُخُولٍ في الصَّباحِ.

العاديات 100:4

ولَمّا كانَ الأعْداءُ حالَ الإغارَةِ يَكُونُ مُخْتَلِفًا تارَةً يَمِينًا [وتارَةً] شَمالًا وتارَةً أمامًا وتارَةً وراءً بِحَسَبَ الكَرِّ والفَرِّ في المُصاوَلَةِ والمُحاوَلَةِ تارَةً أثَرَ الهارِبِ، وأُخْرى في مُصاوَلَةِ المُقْبِلِ المُحارِبِ، فَيَنْشَأُ عَنْها الغُبارُ الكَثِيرُ لِإثارَةِ الهَواءِ لَهُ واصْطِدامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لِتُعاكِسَهُ بِقُوَّةِ الدَّفْعِ مِن قَوائِمِها وما تُحَرِّكُهُ مِنهُ، وكانَ المُقْسَمُ بِهِ مَنظُورًا فِيهِ إلى ذاتِهِ ونَتِيجَةُ القَسَمِ مَنظُورًا فِيها إلى الفِعْلِ بادِئَ بَدْءٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ بِالأصالَةِ عَنِ الذّاتِ، عُطِفَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ حَلِّهِ إلى أنْ وصَلَتْها فَقالَ: (p-٢١٣)﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ [أيْ] بِفِعْلِ الإغارَةِ ومَكانِها وزَمانِها مِن شِدَّةِ العَدُوِّ ﴿نَقْعًا﴾ أيْ غُبارًا مَعَ الأعْناقِ والصِّياحِ والزَّجْرِ بِالعُنُقِ حَتّى صارَ ذَلِكَ الغُبارُ مُنْحَبِكًا ومُنْعَقِدًا عَلَيْها.

العاديات 100:5

ولَمّا كانَ المُغِيرُ يَتَوَسَّطُ الجَمْعَ عِنْدَ اخْتِلالِ حالِهِمْ فَيُفَرِّقُ شَمْلَهم لِأنَّهم مَتى افْتَرَقُوا حَصَلَ فِيهِمُ الخَلَلُ، ومَتى اخْتَلَفُوا تَخَلَّلَهُمُ العَدُوُّ فَفَرَّقَ شَمْلَهم قالَ: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أيْ بِذَلِكَ النَّقْعِ أوِ الفِعْلِ والوَقْتُ والمَوْضِعُ ﴿جَمْعًا﴾ أيْ وهو المَقْصُودُ بِالإغارَةِ، فَدَخَلَتْ في وسَطِ ذَلِكَ الجَمْعِ لِشَجاعَتِها وقُوَّتِها وطَواعِيَتِها وشَجاعَةِ فُرْسانِها.

العاديات 100:6

ولَمّا أقْسَمَ بِالخَيْلِ الَّتِي هي أشْرَفُ الحَيَوانِ كَما أنَّ الإنْسانَ المُقْسَمَ لِأجْلِهِ أشْرَفُ ما اتَّصَفَ مِنهُ بِالبَيانِ، وتَجْرِي بِهِ أفْكارُهُ كَخَيْلِ الرِّهانِ، وتَقْدَحُ المَعانِي تارَةً مُقْتَرِنَةً بِأشْرَفِ اللَّمَعانِ، وأُخْرى بِأخَسِّ ما يَقَعُ بِهِ الِاقْتِرانُ، مِنَ الزُّورِ والبُهْتانِ، والإلْحادِ والطُّغْيانِ، وتَغَيَّرَ مِنهُ ثَواقِبُ الأذْهانِ، تارَةً عَلى شُبَهِ الخُصُومِ بِالبُرْهانِ، وأُخْرى بِما يُغَيِّرُ بِهِ مِنَ الشُّبَهِ المُلْتَبِسَةِ في وُجُوهِ المَعانِي الحِسانِ، ويَنْثُرُ تارَةً المَعانِي الصَّحِيحَةَ عَلى أهْلِ الطُّغْيانِ، (p-٢١٤)مِن ذَوِي البِدَعِ والكُفْرانِ، وأُخْرى الفاسِدَةُ عَلى حِزْبِ المَلِكِ الدَّيّانِ، وتَتَوَسَّطُ تارَةً جَمْعَ أُولِي الطُّغْيانِ، وأُخْرى جَمْعُ أُولِي الإيمانِ، وكانَتِ الإغارَةُ في الغالِبِ لِأجْلِ قَهْرِ المُغارِ عَلَيْهِمْ عَلى أمْوالِهِمْ عُدْوانًا إنْ كانَ ذَلِكَ في غَيْرِ الجِهادِ، وإنْ كانَتْ في الجِهادِ فَقَلَّ مَن يُخْلِصُ في ذَلِكَ الحالِ، فَيَكُونُ عَمَلُهُ لَيْسَ إلّا لِلَّهِ كَما أشارَ إلَيْهِ الحَدِيثُ القُدْسِيُّ: «إنَّ عَبْدِي كُلُّ عَبْدِي لَلَّذِي يَذْكُرُنِي عِنْدَ لِقاءِ قَرْنِهِ» قالَ مُجِيبًا لِلْقَسَمِ بِذِكْرِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ حاكِمًا عَلى النَّوْعِ بِاعْتِبارِ عَدِّ المُخْلِصِ لِقِلَّتِهِ عَدَمًا، مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِن تَكْذِيبِ ذَلِكَ فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ يَتَبَرَّأُ مِن مِثْلِ هَذا الحالِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ بِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ والنِّسْيانِ لِما يَنْفَعُهُ ﴿لِرَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِإبْداعِهِ ثُمَّ إبْقائِهِ وتَدْبِيرِهِ وتَرْبِيَتِهِ ﴿لَكَنُودٌ﴾ أيْ كُفُورٌ نَكَدٌ لِسُوءِ المُعامَلَةِ حَيْثُ يُقَدِّمُ بِما أحْسَنَ بِهِ اللَّهُ إلَيْهِ مِنَ الصّافِناتِ الجِيادِ وبِما آتاهُ مِن قُوَّةِ الجِنانِ والأرْكانِ عَلى ما نَهاهُ عَنْهُ، ومَصْدَرُهُ الكَنُودُ بِالضَّمِّ وهو كُفْرانُ النِّعْمَةِ، فالمُرادُ هُنا - بِالتَّعْبِيرِ [عَنْهُ] بِهَذِهِ الصِّيغَةِ الَّتِي هي لِلْمُبالَغَةِ - مَن يَزْدَرِي القَلِيلَ ولا يَشْكُرُ الكَثِيرَ، ويَنْسى كَثِيرَ النِّعْمَةِ بِقَلِيلِ المِحْنَةِ، ويَلُومُ رَبَّهُ في أيْسَرِ نِقْمَةٍ، وقالَ الفُضَيْلُ بْنُ عِياضٍ: هو مَن أنْسَتْهُ (p-٢١٥)الخَصْلَةُ الواحِدَةُ مِنَ الإساءَةِ الخِصالِ الكَثِيرَةِ مِنَ الإحْسانِ، والشَّكُورُ ضِدُّهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى [حالِ] الإنْسانِ بِما هو فَقالَ: ”إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لِكَنُودٌ“ أيْ لَكَفُورٌ، يَبْخَلُ بِما لَدَيْهِ مِنَ المالِ كَأنَّهُ لا يُجازى ولا يُحاسَبُ عَلى قَلِيلِ ذَلِكَ وكَثِيرِهِ مِن أيْنَ اكْتَسَبَهُ وفِيما أنْفَقَهُ، وكَأنَّهُ ما سَمِعَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] ﴿وإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] أيِ المالِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] لَبَخِيلٌ، ﴿وإنَّهُ عَلى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات: ٧] فَإنَّ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ لِمُطَّلِعٌ فَلا نَظَرَ في أمْرِهِ وعاقِبَةِ مَآلِهِ ﴿إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠] أيْ مَيَّزَ ما فِيها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَقَعَ الجَزاءُ عَلَيْهِ ﴿إنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات: ١١] لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أمْرِهِمْ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿ومَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] - انْتَهى.

العاديات 100:7

ولَمّا كانَ إقْدامُ الإنْسانِ عَلى الظُّلْمِ عَجَبًا، فَإذا كانَ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِالظُّلْمِ كانَ أعْجَبَ، قالَ مُؤَكِّدًا لِما لِأكْثَرِ الخَلْقِ قَبْلَ البَعْثِ والمُحاقَقَةِ مِن إنْكارِ كُفْرانِهِ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ الإنْسانُ ﴿عَلى ذَلِكَ﴾ أيِ الكَنُودُ العَظِيمُ حَيْثُ أقْدَمَ عَلى مُخالَفَةِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحْسِنِ مَعَ الكُفْرِ لِإحْسانِهِ (p-٢١٦)﴿لَشَهِيدٌ﴾ لِأنَّهُ مُقِرٌّ إذا حُوقِقَ بِأنَّ جَمِيعَ ما هو فِيهِ مِن إحْسانِ رَبِّهِ وبِأنَّ رَبَّهُ نَهاهُ عَنِ المُخالَفَةِ، أوْ أنَّهُ لا أمْرٌ عِنْدَهُ [مِنهُ] بِما فَعَلَ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يَتَحَرَّكَ بِحَرَكَةٍ يُمْكِنُ أنْ يَكْرَهَها المَلِكُ الَّذِي هو في خِدْمَتِهِ ولا شَيْءَ لَهُ إلّا مِنهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وأنَّهُ إنْ تَحَرَّكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ كانَ كافِرًا لِإحْسانِهِ مُسْتَحِقًّا لِعِقابِهِ، لا يَقْدِرُ عَلى إنْكارِ شَيْءٍ مِنهُ.

العاديات 100:8

ولَمّا كانَ مِنَ العَجائِبِ أنْ يَكْفُرَ أحَدٌ إحْسانَ المُنْعِمِ، وهو شاهِدٌ عَلى نَفْسِهِ، ذَكَرَ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ حَتّى هانَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وإنَّهُ﴾ أيِ الإنْسانُ مِن حَيْثُ هو مَعَ شَهادَتِهِ عَلى نَفْسِهِ بِالكُفْرِ الَّذِي يَقْتَضِي سَلْبَ النِّعَمِ ﴿لِحُبِّ﴾ أيْ لِأجْلِ حُبِّ ﴿الخَيْرِ﴾ أيِ المالِ الَّذِي لا يُعَدُّ غَيْرُهُ لِجَهْلِهِ خَيْرًا ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ بَخِيلٍ بِالمالِ ضابِطٍ لَهُ مُمْسِكٍ عَلَيْهِ، أوْ بَلِيغِ القُوَّةِ في حُبِّهِ لِأنَّ مَنفَعَتَهُ في الدُّنْيا وهو مُتَقَيِّدٌ بِالعاجِلِ الحاضِرِ المَحْسُوسِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ أقَلَّ ما فِيهِ أنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ حُسْنِ الخِدْمَةِ لِرَبِّهِ وهو مُعْرِضٌ عَنِ الدِّينِ حَيْثُ كانَتْ مَنفَعَتُهُ آجِلَةً غائِبَةً مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ المُعَرَّفَ بِما يَرْضى مِن خِدْمَةِ رَبِّهِ الحاثِّ عَلَيْها الدّاعِي إلَيْها فَهو لِحُبِّ عِبادَةِ اللَّهِ ضَعِيفٌ مُتَقاعِسٌ، وكانَ حُبُّهُ الخَيْرَ يَقْتَضِي عَنْهُ الشُّكْرُ الَّذِي يَتَقاضى الزِّيادَةَ، ولا يَتَخَيَّلُ أنَّ شَدِيدًا عامَلَ في الحُبِّ لِأنَّ ما بَعْدَ اللّامِ لا يَعْمَلُ فِيها قَبْلَها، وإنَّما ذَلِكَ المُتَقَدِّمُ دَلِيلٌ عَلى المَعْمُولِ المَحْذُوفِ.

العاديات 100:9

(p-٢١٧)ولَمّا كانَ المالُ فانِيًا لا يَنْبَغِي لِعاقِلٍ أنْ يُعَلِّقَ أمَلَهُ بِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُؤْثِرَهُ عَلى الباقِي، نَبَّهَهُ عَلى ذَلِكَ بِتَهْدِيدٍ بَلِيغٍ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ مُعَجِّبًا، مُوَقِّفًا لَهُ عَلى ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ: ﴿أفَلا يَعْلَمُ﴾ أيْ هَذا الإنْسانُ الَّذِي أنْساهُ أُنْسَهُ بِنَفْسِهِ. ولَمّا كانَ الحُبُّ أمْرًا قَلْبِيًّا، لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إلّا عالَمُ الغَيْبِ، وكانَ [البَعْثُ مِن عالَمِ الغَيْبِ، وكانَ] أمْرًا لا بُدَّ مِنهُ، وكانَ المُخَوِّفُ مُطْلَقَ كَوْنِهِ، لَمْ يَحْتَجْ إلى تَعْيِينِ الفاعِلِ، فَبَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ مُهَدِّدًا مُؤْذِنًا بِأنَّهُ شَدِيدُ القُدْرَةِ عَلى إثارَةِ الخَفايا، مُعَلِّقًا بِما يُقَدِّرُهُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن أنَّ اللَّهَ يُحاسِبُهُ ويُجازِيهِ عَلى أعْمالِهِ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ مالٌ ولا غَيْرُهُ، ولا يُنْجِيهِ إلّا ما كانَ مِن أعْمالِهِ مُوافِقًا لِأمْرِ رَبِّهِ مَبْنِيًّا عَلى أساسِ الإيمانِ واقِعًا بِالإخْلاصِ: ﴿إذا بُعْثِرَ﴾ أيْ أثِيرٌ بِغايَةِ السُّهُولَةِ وأخْرَجَ وفَرَّقَ ونَظَّرَ وفَتَّشَ بِغايَةِ السُّهُولَةِ. ولَمّا كانَ المَيِّتُ قَبْلَ البَعْثِ جَمادًا، عَبَّرَ عَنْهُ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ فَقالَ: ﴿ما في القُبُورِ﴾ أيْ أخْرَجَ ما فِيها مِنَ المَوْتى الَّذِينَ تَنَكَّرَ العَرَبُ بَعْثَهم فَنَشَرُوا لِلْحِسابِ، أوْ مِن عِظامِهِمْ ولُحُومِهِمْ وأعْصابِهِمْ وجُلُودِهِمْ وجَمِيعِ أجْسامِهِمْ، وقَلْبِ بَعْضِهِ عَلى بَعْضٍ حَتّى أُعِيدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أُعِيدَتْ إلَيْهِ الرُّوحُ، فَكانَ كُلُّ أحَدٍ عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ.

العاديات 100:10

(p-٢١٨)ولَمّا كانَ المُخَوِّفُ إنَّما هو ما يَتَأثَّرُ عَنِ البَعْثِ مِنَ الجَزاءِ عَلى الأعْمالِ الفاسِدَةِ قالَ: ﴿وحُصِّلَ﴾ أيْ أخْرَجَ ومَيَّزَ وجَمَعَ فَعَرَفَ أنَّهُ مَعْلُومٌ كُلُّهُ بِغايَةِ السُّهُولَةِ كَما أشارَ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ ﴿ما في الصُّدُورِ﴾ أيْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ مِمّا يَظُنُّ مُضْمِرُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ أصْلًا، وظَهَرَ مَكْتُوبًا في صَحائِفِ الأعْمالِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى [أنَّ] النِّيّاتِ يُحاسِبُ بِها كَما يُحاسَبُ عَلى ما يَظْهَرُ مِن آثارِها.

العاديات 100:11

ولَمّا كانَ عِلْمُ ما في الصُّدُورِ أمْرًا باهِرًا لِلْعَقْلِ، قالَ جامِعًا نَظَرًا إلى المَعْنى لِما عَبَّرَ عَنْهُ بِالإفْرادِ بِالنَّظَرِ إلى اللَّفْظِ، لِأنَّ العِلْمَ بِالكُلِّ يُلازِمُهُ العِلْمَ بِالبَعْضِ بِخِلافِ العَكْسِ مُؤَكِّدًا إشارَةً إلى أنَّهُ مِمّا لا يَكادُ يُصَدَّقُ، مُعَلِّلًا لِلْجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ الدّالَّةِ عَلى الحِسابِ: ﴿إنَّ رَبَّهُمْ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْهِمْ بِخَلْقِهِمْ ورِزْقِهِمْ وتَرْبِيَتِهِمْ وجَعْلِهِمْ أقْوِياءَ سَوِيِّينَ ﴿بِهِمْ﴾ قَدَّمَ هَذا الجارَّ والمَجْرُورَ لا لِلِاخْتِصاصِ، بَلْ لِلشّارَةِ إلى نِهايَةِ الخَبَرِ. ولَمّا كانَتِ الخِبْرَةُ لِلْإحاطَةِ بِالشَّيْءِ ظاهِرًا وباطِنًا، وكانَ يَلْزَمُ مِنَ الخِبْرَةِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ كَوْنِهِ بِمَدَدٍ طَوالَ الخِبْرَةِ بِهِ حالَ كَوْنِهِ مِن بابِ الأوْلى قالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَتْ [هَذِهِ] الأُمُورُ وهو يَوْمُ القِيامَةِ ﴿لَخَبِيرٌ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ عالِمٌ غايَةَ العِلْمِ بِبَواطِنِ أُمُورِهِمْ، فَكَيْفَ (p-٢١٩)بِظَواهِرِها جَواهِرَ وأعْراضًا، أقْوالًا وأفْعالًا، خِفْيَةً كانَتْ أوْ ظاهِرَةً، سِرًّا كانَتْ أوْ عَلانِيَةً، خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ فِيها الظُّلْمَ وغَيْرَهُ، ومِنهُمُ المُحْسِنُ وغَيْرُهُ، فَلِأجْلِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ غايَةَ العِلْمِ يُحاسِبُهم لِئَلّا يَقَعَ ما يُنافِي الحِكْمَةَ وهو أنْ تَسْتَوِيَ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، فالقَصْدُ بِالقَيْدِ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ الإبْلاغُ في التَّعْرِيفِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحِيطُ العِلْمِ بِذَلِكَ كَما إذا قِيلَ لَكَ: تَعْرِفُ فُلانًا؟ فَقُلْتَ: ولا أعْرِفُ إلّا هُوَ، فَإنَّ قَصَدَكَ بِذَلِكَ أنَّ مَعْرِفَتَكَ بِهِ في غايَةِ الإتْقانِ، لا نَفْيَ مَعْرِفَةِ غَيْرِهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْرِفُ غايَةَ المَعْرِفَةِ في ذَلِكَ اليَوْمِ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [عالِمٌ] بِأحْوالِهِ لا ذُهُولَ لَهُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ كَما يَقَعُ في هَذِهِ الدّارِ مِن أنَّ الإنْسانَ يَعْمَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً وهو غافِلٌ عَنْ أنَّ رَبَّهُ سُبْحانَهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ فِيها، ولَوْ نَبَّهَ لِعِلْمٍ، فَلِإحاطَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ كانَ عالِمًا بِأنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لِكَنُودٌ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها إلى أوَّلِها، وتَكَفَّلَ مُفَصَّلُها بِشَرْحِ مُجْمَلِها - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ.

القارعة 101:1

(p-٢٢٠)سُورَةُ القارِعَةِ مَقْصُودُها إيضاحُ يَوْمِ الدِّينِ بِتَصْوِيرِ ثَوانِي أحْوالِهِ في مَبْدَئِهِ ومَآلِهِ، وتَقْسِيمِ النّاسِ فِيهِ إلى ناجٍ وهالِكٍ، واسْمُها القارِعَةُ واضِحٌ في ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكِ الأعْلى ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّتْ نِعْمَةُ إيجادِهِ وبَيانِهِ جَمِيعَ الوَرى ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ حِزْبِهِ بِالتَّوْفِيقِ لِما يَجِبُ ويَرْضى. * * لَمّا خَتَمَ العادِيّاتِ بِالبَعْثِ ذَكَرَ صَيْحَتَهُ فَقالَ: ﴿القارِعَةُ﴾ أيِ الصَّيْحَةُ أوِ القِيامَةُ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقْرَعُ أسْماعَ النّاسِ وتَدُقُّها دَقًّا شَدِيدًا [عَظِيمًا] مُزْعِجًا بِالأفْزاعِ، والأجْرامِ الكَثِيفَةِ بِالتَّشَقُّقِ والِانْفِطار، والأشْياءِ الثّابِتَةِ بِالِانْتِثارِ.

القارعة 101:2

ولَمّا كانَتْ تَفُوقُ الوَصْفَ في عِظَمِ شَأْنِها [و] جَلِيلِ سُلْطانِها، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ وزادَهُ عِظَمًا بِالإلْهامِ والإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ مُشِيرًا بِالِاسْتِفْهامِ إلى أنَّها مِمّا يَسْتَحِقُّ السُّؤالَ عَنْهُ عَلى وجْهِ التَّعْجِيبِ والِاسْتِعْظامِ فَقالَ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ وأكَّدَ تَعْظِيمَها [إعْلامًا -] (p-٢٢١)بِأنَّهُ [مَهْما] خَطَرَ بِبالِكَ مِن عِظَمِها فَهي أعْظَمُ مِنهُ فَقالَ:

القارعة 101:3

﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وإنْ بالَغْتَ في التَّعَرُّفِ، وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ لِذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما القارِعَةُ﴾ أيْ أنَّكَ لا تَعْرِفُها لِأنَّكَ لَمْ تَعْهَدْ مِثْلَهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ”﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] ﴿وحُصِّلَ ما في الصُّدُورِ﴾ [العاديات: ١٠]“ كانَ ذَلِكَ مَظِنَّةً لِأنْ يَسْألَ: مَتى ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ الهائِلُ الأمْرِ، الفَظِيعُ الحالِ، الشَّدِيدُ البَأْسِ، والقِيامَةُ هي القارِعَةُ، وكَرَّرَتْ تَعْظِيمًا لِأمْرِها كَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢] و[فِي] قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] ثُمَّ زادَ عَظِيمَ هَوْلِهِ إيضاحًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤] والفَراشُ ما تَهافَتَ في النّارِ مِنَ البَعُوضِ، والمَبْثُوثُ: المُنْتَشِرُ ﴿وتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] والعِهْنِ: الصُّوفُ المَصْبُوغُ، وخَصَّ لِإعْدادِهِ لِلْغَزْلِ إذْ لا يُصْبَغُ لِغَيْرِهِ بِخِلافِ الأبْيَضِ [فَإنَّهُ -] لا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَكَرَ حالَ الخَلْقِ في وزْنِ الأعْمالِ وصَيْرُورَةِ كُلِّ فَرِيقٍ إلى ما كُتِبَ لَهُ وقُدِّرَ - انْتَهى.

القارعة 101:4

ولَمّا ألْقى السّامِعُ جَمِيعَ فِكْرِهِ إلى تَعَرُّفِ أحْوالِها، قالَ ما تَقْدِيرُهُ: تَكُونُ ﴿يَوْمَ يَكُونُ﴾ أيْ كَوْنًا كَأنَّهُ جِبِلَّةٌ ﴿النّاسُ﴾ أيِ الَّذِينَ حالُهم (p-٢٢٢)النَّوْسُ عَلى كَثْرَتِهِمْ واخْتِلافِ ذَواتِهِمْ وأحْوالِهِمْ ومَراتِبِهِمْ ومَقادِيرِهِمْ وانْتِشارِهِمْ بَعْدَ بَعْثَرَةِ القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ ﴿كالفَراشِ﴾ أيْ صِغارِ الجَرادِ لِأنَّها تَتَفَرَّشُ وتَتَهافَتُ عَلى النّارِ، أوْ هو طَيْرٌ غَيْرُ ذَلِكَ لا دَمَ لَهُ، يَتَساقَطُ في النّارِ ولَيْسَ بِبَعُوضٍ ولا ذُبابٍ، وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: شَبَّهَهم بِالفَراشِ الَّتِي تَطِيرُ مِن هُنا ومِن هُنا ولا تَجْرِي عَلى سَمْتٍ واحِدٍ وهي هَمَجٌ يَجْتَلِبُها السِّراجُ، وقالَ غَيْرُهُ: وجْهُ الشَّبَهِ الكَثْرَةُ والِانْتِشارُ والضَّعْفُ والذِّلَّةُ والتَّطايُرُ إلى الدّاعِي مِن كُلِّ جانِبٍ كَما تَتَطايَرُ الفَراشُ، وكَثْرَةُ التَّهافُتِ في النّارِ ورُكُوبِ بَعْضِهِمْ [بَعْضًا -] ومَوْجِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ مِن شِدَّةِ الهَوْلِ كَما قالَ تَعالى ﴿كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧] ﴿المَبْثُوثِ﴾ أيِ المُنْتَشِرِ المُتَفَرِّقِ.

القارعة 101:5

ولَمّا كانَتِ الجِبالُ أشَدَّ ما تَكُونُ، عَظُمَ الرَّهْبَةُ بِالإخْبارِ بِما يَفْعَلُ بِها فَقالَ تَعالى: ﴿وتَكُونُ الجِبالُ﴾ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ الشِّدَّةِ والصَّلابَةِ وأنَّها صُخُورٌ راسِخَةٌ ﴿كالعِهْنِ﴾ أيِ الصُّوفِ المُصَبَّغِ لِأنَّها مُلَوَّنَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ومِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧] أيْ وغَيْرُ ذَلِكَ ﴿المَنفُوشِ﴾ أيِ المَندُوفِ المُفَرِّقِ الأجْزاءِ الَّذِي لَيْسَ هو بِمُتَلَبِّدٍ شَيْءٌ مِنهُ عَلى غَيْرِهِ، (p-٢٢٣)فَتَراها لِذَلِكَ مُتَطايِرَةً في الجَوِّ كالهَباءِ المَنثُورِ حَتّى تَعُودَ الأرْضُ كُلُّها لا عِوَجَ فِيها ولا أمْتًا.

القارعة 101:6

ولَمّا كانَ اليَوْمُ إنَّما يُوصَفُ لِأجْلِ ما يَقَعُ فِيهِ، سَبَبٌ عَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ مُفَصَّلًا لَهُمْ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ﴾ أيْ بِالرُّجْحانِ. ولَمّا كانَتِ المَوْزُوناتُ كَثِيرَةَ الأنْواعِ جِدًّا، جَمَعَ المِيزانَ بِاعْتِبارِها فَقالَ: ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ مَقادِيرُ أنْواعِ حَسَناتِهِ بِاتِّباعِ [الحَقِّ] لِأنَّهُ ثَقِيلٌ في الدُّنْيا واجْتِنابُ الباطِلِ، والمَوْزُونُ الأعْمالُ أنْفُسُها تَجَسُّدًا وصَحائِفُها

القارعة 101:7

﴿فَهُوَ﴾ بِسَبَبِ رُجْحانِ حَسَناتِهِ ﴿فِي عِيشَةٍ﴾ أيْ حَياةٍ تَتَقَلَّبُ فِيها، ولَعَلَّهُ ألْحَقَها الهاءَ الدّالَّةَ عَلى الوَحْدَةِ - والمُرادُ العَيْشُ - لِيَفْهَمَ أنَّها عَلى حالَةٍ [واحِدَةٍ] - في الصَّفاءِ واللَّذَّةِ ولَيْسَتْ ذاتَ ألْوانٍ كَحَياةِ الدُّنْيا ﴿راضِيَةٍ﴾ أيْ ذاتُ رِضًى أوْ مَرَضِيَّةً [لِأنَّ أُمَّهُ -] جَنَّةٌ عالِيَةٌ

القارعة 101:8

﴿وأمّا مَن خَفَّتْ﴾ أيْ طاشَتْ ﴿مَوازِينُهُ﴾ أيْ بِأنْ غَلَبَتْ سَيِّئاتُهُ أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ لِاتِّباعِهِ الباطِلَ وخِفَّتِهِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا

القارعة 101:9

﴿فَأُمُّهُ﴾ أيِ الَّتِي تُؤْوِيهِ وتَضُمُّهُ إلَيْها كَما يُقالُ لِلْأرْضِ: أمْ - لِأنَّها تَقْصِدُ لِذَلِكَ، ويَسْكُنُ إلَيْها كَما يَسْكُنُ إلى الأُمِّ، وكَذا المَسْكَنُ، وهو يَفْهَمُ أنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنها غَلَبَ عَلَيْهِ طَبْعُ الشَّيْطانِ لِكَوْنِ العُنْصُرِ النّارِيِّ أكْثَرَ أجْزائِهِ، وعَظَّمَها بِالتَّنْكِيرِ والتَّعْبِيرِ بِالوَصْفِ المُعْلَمِ بِأنَّهُ لا قَرارَ لَها فَقالَ: ﴿هاوِيَةٌ﴾ أيْ نارٌ نازِلَةٌ سافِلَةٌ جِدًّا فَهو بِحَيْثُ لا يَزالُ يَهْوِي فِيها نازِلًا وهو في عِيشَةٍ ساخِطَةٍ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ، ذَكَرَ العِيشَةَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذَكَرَ (p-٢٢٤)الأُمَّ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا.

القارعة 101:10

ولَمّا كانَتْ مِمّا يَفُوتُ الوَصْفُ بِعَظِيمِ أهْوالِها وشَدِيدِ زِلْزالِها، جَمَعَ الأمْرَ فِيها فَقالَ مُنْكِرًا أنْ يَكُونَ مَخْلُوقٌ يَعْرِفُ وصْفَها: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ وإنِ اشْتَدَّ تَكَلُّفُكَ ﴿ما هِيَهْ﴾ أيِ الهاوِيَةُ لِأنَّهُ لَمْ يَعْهَدْ أحَدٌ مِثَلَها لِيَقِيسَها عَلَيْهِ، وهاءُ السَّكْتِ إشارَةٌ إلى إنَّ ذِكْرَها مِمّا يَكْرِبُ القَلْبَ حَتّى لا يَقْدِرَ عَلى الِاسْتِرْسالِ في الكَلامِ أوْ [إلى -] أنَّها مِمّا يَنْبَغِي لِلسّامِعِ أنْ يَقْرَعَ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ عَنْها سَمْعُهُ فَيَسْكُتُ لِسَماعِ الجَوابِ وفَهْمِهِ غايَةَ السُّكُوتِ ويُصْغِي غايَةَ الإصْغاءِ.

القارعة 101:11

ولَمّا هَوَّلَها بِما ذَكَرَ، أتْبَعَها ما يُمْكِنُ البِشْرُ مَعْرِفَتَهُ مِن وصْفِها فَقالَ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ أيْ قَدِ انْتَهى حَرُّها، هَذا ما تَتَعارَفُونَهُ بَيْنَكُمْ، وأمّا التَّفاصِيلُ فَأمْرٌ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وهَذا نِهايَةُ القارِعَةِ، فَتَلاؤُمُ الأوَّلِ لِلْآخَرِ واضِحٌ جِدًّا وظاهِرٌ - واللَّهُ أعْلَمُ.

التكاثر 102:1

(p-٢٢٥)سُورَةُ التَّكاثُرِ مَقْصُودُها التَّصْرِيحُ بِما أشارَتْ إلَيْهِ العادِياتُ مِن أنَّ سَبَبَ الهَلاكِ يَوْمَ الجَمْعِ -الَّذِي صُورَتُهُ القارِعَةُ- الجَمْعُ لِلْمالِ، والإخْلادُ إلى دارِ الزَّوالِ، واسْمُها واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ بِالإنْعامِ، [بِالبَيانِ -] بَعْدَ الِاتِّهامِ، والإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِدِّهِ بِدَوامِ نِعْمَتِهِمْ بِالإتْمامِ. * * لَمّا أثْبَتَ في القارِعَةِ أمْرَ السّاعَةِ، وقَسَّمَ النّاسَ فِيها إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وخَتَمَ بِالشَّقِيِّ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِعِلَّةِ الشَّقاوَةِ ومَبْدَأِ الحَشْرِ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُ عَنْ هَذا السَّبَبِ لِيَكُونَ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، فَقالَ ما حاصِلُهُ: انْقَسَمْتُمْ فَكانَ قِسْمٌ مِنكم هالِكًا لِأنَّهُ ﴿ألْهاكُمُ﴾ أيْ أغْفَلَكم إلّا النّادِرَ مِنكم غَفْلَةً عَظِيمَةً عَنِ المَوْتِ الَّذِي هو وحْدَهُ كافٍ في البَعْثِ عَلى الزُّهْدِ فَكَيْفَ بِما بَعْدَهُ﴿التَّكاثُرُ﴾ وهو المُباهاةُ والمُفاخَرَةُ بِكَثْرَةِ الأعْراضِ الفانِيَةِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا: المالِ والجاهِ والبَنِينَ ونَحْوِها مِمّا هو شاغِلٌ عَنِ اللَّهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا لِصَرْفِ الهِمَّةِ كُلِّها إلى الجَمْعِ، فَصَرَفَكم ذَلِكَ إلى اللَّهْوِ، فَأغْفَلَكم (p-٢٢٦)عَمّا أمامَكم مِنَ الآخِرَةِ والدِّينِ الحَقِّ وعَنْ ذِكْرِ رَبِّكم وعَنْ كُلِّ ما يُنْجِيكم مِن سُخْطِهِ، أوْ عَنِ المُنافَسَةِ في الأعْمالِ المُوصِلَةِ إلى أعْلى الدَّرَجاتِ بِكَثْرَةِ الطّاعاتِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لِأنَّكم لا تُسَلِّمُونَ بِما غَلَبَ عَلَيْكم مِنَ الجَهْلِ الَّذِي سَبَبُهُ شَهْوَةُ النَّفْسِ وحُبُّ الرّاحَةِ فَخَفَّتْ مَوازِينُكُمْ، وحَذَفَ هَذا الشَّيْءَ المَلْهُوَّ عَنْهُ لِتَعْظِيمِهِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ غَيْرُهُ مِمّا يُؤْسِفُ عَلى اللَّهْوِ عَنْهُ.

التكاثر 102:2

ولَمّا كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، ويَعْتَقِدُونَ [دَوامَ -] الإقامَةَ في القُبُورِ، عَبَّرَ بِالزِّيارَةِ إشارَةً إلى أنَّ البَعْثَ لا بُدَّ مِنهُ ولا مِرْيَةَ فِيهِ، وأنَّ اللُّبْثَ في البَرْزَخِ وإنْ طالَ فَإنَّما هو كَلُبْثِ الزّائِرِ عِنْدَ مُزَوِّرِهِ في جَنْبِ الإقامَةِ بَعْدَ البَعْثِ في دارِ النَّعِيمِ أوْ غارِ الجَحِيمِ، وأنَّ الإقامَةَ [فِيهِ] مَحْبُوبَةٌ لِلْعِلْمِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الأهْوالِ والشَّدائِدِ والأوْجالِ، فَقالَ: ﴿حَتّى﴾ أيِ اسْتَمَرَّتْ مُباهاتُكم ومُفاخَرَتُكم إلى أنْ ﴿زُرْتُمُ المَقابِرَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ والدَّفْنِ، فَكُنْتُمْ فِيها عُرْضَةً لِلْبَعْثِ لا تَتَمَكَّنُونَ مِن عَمَلِ ما يُنْجِيكم لِأنَّ دارَ العَمَلِ فاتَتْ كَما أنَّ الزّائِرَ لَيْسَ بِصَدَدِ العِلْمِ عِنْدَ المَزُورِ، لا يَمْكُثُونَ بِها إلّا رَيْثَما يَتَكَمَّلُ المَجْمُوعُونَ بِالمَوْتِ كَما أنَّ الزّائِرَ مُعَرَّضٌ لِلرُّجُوعِ (p-٢٢٧)إلى دارِهِ وحَلِّ قَرارِهِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لَكم وازِعٌ عَنِ الإقْبالِ عَلى الدُّنْيا إلّا المَوْتُ لَكانَ كافِيًا فَكَيْفَ والأمْرُ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؟ فَإنَّ المَوْتَ مُقَدِّمَةٌ مِن مُقَدِّماتِ العَرْضِ، قالَ أبُو حَيّانَ: سَمِعَ بَعْضُ الأعْرابِ الآيَةَ فَقالَ: بَعْثُ القَوْمِ لِلْقِيامَةِ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فَإنَّ الزّائِرَ مُنْصَرِفٌ لا مُقِيمٌ، ورَوى ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قَرَأها ثُمَّ قالَ: ما [أرى] المَقابِرَ إلّا زِيارَةً، ولا بُدَّ لِمَن زارَ أنْ يَرْجِعَ إلى بَيْتِهِ، إمّا إلى الجَنَّةِ أوْ إلى النّارِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ القارِعَةِ وعَظِيمُ أهْوالِها، أعْقَبَ بِذِكْرِ ما شَغَلَ وصَدَّ عَنِ الِاسْتِعْدادِ لَها وألْهى عَنْ ذِكْرِها، وهو التَّكاثُرُ بِالعَدَدِ والقَراباتِ والأهْلِينَ فَقالَ: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وهو في مَعْرِضِ التَّهْدِيدِ والتَّقْرِيعِ وقَدْ أعْقَبَ بِما يَعْضُدُ ذَلِكَ وهو قَوْلُهُ ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] ثُمَّ قالَ: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ والتَّقْدِيرُ: لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليَقِينِ لِما شَغَلَكُمُ التَّكاثُرُ، قالَ ﷺ: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ تَعالى ”لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ“ جَوابُ لِقَسَمٍ مُقَدَّرٍ أيْ واللَّهِ لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ، وتَأكَّدَ بِها التَّهْدِيدُ وكَذا ما بَعْدُ (p-٢٢٨)إلى آخِرِ السُّورَةِ - انْتَهى.

التكاثر 102:3

ولَمّا كانَ الِاشْتِغالُ بِالتَّكاثُرِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى السَّفَهِ لِأنَّ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ هَذا الكَوْنَ عَلى هَذا النِّظامِ لا يَكُونُ إلّا بِصانِعٍ حَكِيمٍ، وكانَ العُقَلاءُ المُنْتَفِعُونَ بِالكَوْنِ في غايَةِ التَّظالُمِ، وكانَ الحَكِيمُ لا يَرْضى أصْلًا أنْ يَكُونَ عَبِيدُهُ يَظْلِمُ بَعْضُهم بَعْضًا ثُمَّ لا يُحْكِمُ بَيْنَهم ولا يَنْظِرُ في مَصالِحِهِمْ عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ يَبْعَثُهُ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم لِأنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى إبْدائِهِمْ يَقْدِرُ عَلى إعادَتِهِمْ، وقَدْ وعَدَ بِذَلِكَ وأرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، فَثَبَتَ ذَلِكَ ثُبُوتًا لا مِرْيَةَ فِيهِ ولا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وكانَ الحالُ مُقْتَضِيًا لِأنْ يَرْدَعُ غايَةَ الرَّدْعِ مَن أعْرَضَ عَمّا يَعْنِيهِ وأقْبَلَ عَلى ما لا يَعْنِيهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ مُعَبِّرًا بِأُمِّ الرَّوادِعِ، وجامِعَةِ الزَّواجِرِ والصَّوادِعِ: ﴿كَلا﴾ أيِ ارْتَدِعُوا أتَمَّ رَدْعٍ وانْزَجِرُوا أعْظَمَ زَجْرٍ عَنِ الِاشْتِغالِ بِما لا يُجْدِي، فَإنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَما تَظُنُّونَ مِن أنَّ الفَخْرَ في المُكاثَرَةِ بِالأعْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ولَمْ تُخْلِقُوا لِذَلِكَ، إنَّما خُلِقْتُمْ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، فَهو الَّذِي يُهِمُّكم [فاشْتَغَلْتُمْ عَنْهُ بِما لا يُهِمُّكم -] فَكُنْتُمْ لاهِينَ كَمَن كانَ يَكْفِيهِ كُلَّ يَوْمٍ دِرْهَمٌ فاشْتَغَلَ بِتَحْصِيلٍ أكْثَرَ، وكَذا مَن تَرَكَ المُهِمَّ مِنَ التَّفْسِيرِ واشْتَغَلَ بِالأقْوالِ الشّاذَّةِ أوْ تَرَكَ المُهِمَّ مِنَ الفِقْهِ واشْتَغَلَ بِنَوادِرِ الفُرُوعِ وعِلَلِ النَّحْوِ وغَيْرِها وتَرَكَ (p-٢٢٩)ما هو أهَمُّ مِنهُ مِمّا لا عَيْشَ لَهُ إلّا بِهِ. ولَمّا كانَ الرَّدْعُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ ضارٍّ يَجُرُّ وبالًا وحَسْرَةً، دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿سَوْفَ﴾ أيْ بَعْدَ مُهْلَةٍ طَوِيلَةٍ يَتَذَكَّرُ فِيها مَن تَذَكَّرَ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ لَكُمُ العِلْمُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الخَطَإ عِنْدَ مُعايَنَةِ ما يَكْشِفُهُ المَوْتُ ويَجُرُّ حُزْنَهُ الفَوْتُ مِن عاقِبَةِ ذَلِكَ ووَبالِهِ.

التكاثر 102:4

ولَمّا كانَ مِنَ الأُمُورِ ما لَوْ شَرَحَ شَأْنَهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ لَطالَ وأدّى إلى المَلالِ، دَلَّ عَلى أنَّ شَرْحَ هَذا الوَعِيدِ مَهُولٌ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا مَعَ التَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي الدّالَّةِ عَلى عُلُوِّ الرُّتْبَةِ: ﴿ثُمَّ كَلا﴾ أيِ ارْتَدِعُوا ارْتِداعًا أكْبَرَ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ يَأْتِيكُمُ العِلْمُ مِن غَيْرِ شَكٍّ وإنَّ تَأخُّرَ زَمَنِهِ يَسِيرًا بِالبَعْثِ.

التكاثر 102:5

ولَمّا كانَ هَذا أمْرًا صادِعًا، أشارَ إلى أنَّهُ يَكْفِي هَذِهِ الأُمَّةَ المَرْحُومَةَ التَّأْكِيدُ بِمَرَّةٍ، فَقالَ مُرَدِّدًا لِلْأمْرِ بَيْنَ تَأْكِيدِ الرَّدْعِ ثالِثًا بِالأداةِ الصّالِحَةِ لَهُ ولِأنْ تَكُونَ لِمَعْنًى - حَقًّا كَما يَقُولُهُ أئِمَّةُ القِراءَةِ: ﴿كَلا﴾ [أيْ -] لِيَشْتَدَّ ارْتِداعُهم عَنِ التَّكاثُرِ فَإنَّهُ أساسُ كُلِّ بَلاءٍ فَإنَّكم ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ أيُّها المُتَكاثِرُونَ. ولَمّا كانَ العِلْمُ قَدْ يُطْلَقُ عَلى الظَّنِّ رُفِعَ مَجازُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عِلْمَ اليَقِينِ﴾ أيْ لَوْ يَقَعُ لَكم عِلْمٌ [عَلى -] وجْهِ اليَقِينِ (p-٢٣٠)مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ لَعَلِمْتُمْ ما بَيْنَ أيْدِيكُمْ، فَلَمْ يُلْهِكُمُ التَّكاثُرُ ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصَّعَداتِ تَجْأرُونَ - فَحَذَفَ هَذا الجَوابَ بَعْدَ حَذْفِ المَفْعُولِ لِلتَّفْخِيمِ فَهو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَقِينَ غَيْرُهُ، والمَعْنى أنَّ أعْمالَكم أعْمالُ مَن لا يَتَيَقَّنُهُ، قالَ الرّازِيُّ: واليَقِينُ مُرَكَّبُ الأخْذِ في هَذا الطَّرِيقِ، وهو غايَةُ دَرَجاتِ العامَّةِ، وأوَّلُ خُطْوَةِ الخاصَّةِ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام: «خَيْرٌ ما أُلْقِيَ في القَلْبِ اليَقِينُ». وعِلْمُ قَبُولِ ما ظَهَرَ مِنَ الحَقِّ وقَبُولِ ما غابَ لِلْحَقِّ والوُقُوفِ عَلى ما قامَ بِالحَقِّ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الإلْهاءَ أوَّلًا وحُذِفَ سَبَبُهُ وهو الجَهْلُ لِدَلالَةِ الثّانِي [عَلَيْهِ -]، وذَكَرَ ثانِيًا العِلْمَ الَّذِي هو الثَّمَرَةُ وحَذَفَ ما يَتَسَبَّبُ عَنْهُ مِن عَدَمِ اللَّهْوِ الَّذِي هو ضِدُّ الأوَّلِ، وزادَ في التَّفْخِيمِ لِهَذا الوَعِيدِ بِإيضاحِ المُتَوَعِّدِ بِهِ بَعْدَ إبْهامِهِ مَعَ قَسَمٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِلامِهِ، فَقالَ:

التكاثر 102:6

﴿لَتَرَوُنَّ﴾ أيْ بِالمُكاشَفَةِ وعَزَّتْنا، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابًا لِما قَبْلَهُ لِأنَّهُ مُحَقَّقٌ ﴿الجَحِيمَ﴾ أيِ النّارَ الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبِينَ بِها بِكَراهَةٍ وتَغَيُّظٍ وعُتُوٍّ [و- شَدِيدِ تَوَقُّدٍ، فالمُؤْمِنُ يَراها ويَنْجُو مِنها سَواءٌ خالَطَها أمْ لا والكافِرُ يَخْلُدُ فِيها.

التكاثر 102:7

ولَمّا كانَ هَذا تَوَعُّدًا عَلى التَّكاثُرِ لِأنَّهُ يَقْتَضِي الإعْراضَ عَنِ الآخِرَةِ (p-٢٣١)فَيُوقِعُ في غَمَراتِ البَلايا الكِبارِ، أكَّدَ فَقالَ مُفَخِّمًا لَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها﴾ وعِزَّةُ اللَّهِ، ورُقِيُّ العِلْمِ عَنْ رُتْبَةِ الأوَّلِ فَقَطْ فَقالَ تَعالى: ﴿عَيْنَ اليَقِينِ﴾ أيِ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي نَفْسُ اليَقِينِ، وذَلِكَ هو المُعايَنَةُ بِغايَةِ ما يَكُونُ مِن صَفاءِ العِلْمِ لِكَوْنِهِ لا رِيبَةَ فِيهِ فَإنَّ المُشاهَدَةَ أعْلى أنْواعِ العِلْمِ، قالَ الرّازِيُّ: [و-] هو المُغْنِي بِالِاسْتِدْراكِ عَنِ الِاسْتِدْلالِ، وعَنِ الخَبَرِ بِالعِيانِ، وخَرَقَ الشُّهُودُ حِجابَ - العِلْمِ - انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الثّانِي بِالمُلامَسَةِ والدُّخُولِ، فالمُؤْمِنُ وارِدٌ والكافِرُ خالِدٌ.

التكاثر 102:8

ولَمّا كانَ مَن أهْوَلِ الخِطابِ التَّهْدِيدُ بِرُؤْيَةِ العَذابِ، زادَ في التَّخْوِيفِ بِأنَّهُ لِأجْلِ أنْ يَكُونَ ما يُعَذَّبُ بِهِ العاصِي عَتِيدًا، فَإذا أوْجَبَ السُّؤالُ النَّكالَ كانَ حاضِرًا لا مانِعَ مِن إيقاعِهِ في الحالِ، ولَوْ [لَمْ -] يَكُنْ حاضِرًا كانَ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ في مُدَّةِ إحْضارِهِ مُحالٌ، فَقالَ مُفَخِّمًا بِأداةِ التَّراخِي: ﴿ثُمَّ﴾ أيْ بَعْدَ أُمُورٍ طَوِيلَةٍ عَظِيمَةٍ مَهُولَةٍ جِدًّا ﴿لَتُسْألُنَّ﴾ وعِزَّتُنا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ -] تَرَوْنَ الجَحِيمَ ﴿عَنِ النَّعِيمِ﴾ أيِ الَّذِي أدّاكُمُ التَّكاثُرُ إلَيْهِ حَتّى عَنِ الماءِ البارِدِ في الصَّيْفِ والحارِّ في (p-٢٣٢)الشِّتاءِ هَلْ كانَ اسْتِمْتاعُكم بِهِ عَلى وجْهِ السَّرَفِ لِإرادَةِ التَّرَفِ أوْ كانَ لِإرادَةِ القُوَّةِ لِلنَّشْأةِ إلى الخَيْرِ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنِ السَّرَفِ، فالمُؤْمِنُ المُطِيعُ يَسْألُ سُؤالَ تَشْرِيفٍ، والعاصِي يَسْألُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَأْفِيفٍ، ولامُ النَّعِيمِ قَدْ تَكُونُ لِمُطْلَقِ الجِنْسَ وإلَيْهِ يُشِيرُ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وغَيْرِهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضافَ أبا الهَيْثَمِ بْنَ التِّيهانِ مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَأطْعَمَهم بُسْرًا ورُطَبًا وسَقاهم ماءً بارِدًا وبَسَطَ لَهم بِساطًا في ظِلٍّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنَّ هَذا مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تَسْألُونَ عَنْهُ: ظِلٌّ بارِدٌ ورَطْبٌ طَيِّبٌ وماءٌ بارِدٌ»“ [و -] قَدْ يَكُونُ لِلْكَمالِ فَيَكُونُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ كَما في حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ أحْمَدَ مِن وجْهٍ حَسَنٍ «إنْ شاءَ اللَّهُ أنَّهم قالُوا عِنْدَ نُزُولِها: أيْ نَعِيمٍ وإنَّما هُما الأسْوَدانِ: التَّمْرُ والماءُ، وسُيُوفُنا عَلى رِقابِنا والعَدُوُّ حاضِرٌ، قالَ: ”إنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ»“. لَهُ شاهِدٌ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعِنْدَ الطَّبَرانِيِّ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ مُرْسَلًا، فَقَدِ التَحَمَ آخِرُها بِأوَّلِها عَلى وجْهٍ [هُوَ -] مِن ألْطَفِ الخِطابِ، وأدَقِّ المَسالِكِ في النَّهْيِ عَمّا يَجُرُّ إلى العَذابِ، لِأنَّ العاقِلَ إذا عَلِمَ أنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ سُؤالًا عَنْ كُلِّ ما يَتَلَذَّذُ بِهِ عَلِمَ أنَّهُ يَعُوقُهُ (p-٢٣٣)ذَلِكَ في زَمَنِ السُّؤالِ عَنْ لَذاذاتِ الجَنَّةِ العِوالِ الغِوالِ، فَكانَ خَوْفُهُ مِن مُطْلَقِ السُّؤالِ مانِعًا لَهُ عَنِ التَّنَعُّمِ بِالمُباحِ فَكَيْفَ بِالمَكْرُوهِ فَكَيْفَ ثُمَّ كَيْفَ بِالمُحَرَّمِ؟ فَكَيْفَ إذا كانَ السُّؤالُ مَن مَلَكٍ تَذُوبُ لِهَيْبَتِهِ الجِبالُ؟ فَكَيْفَ إذا كانَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ العِتابِ؟ فَكَيْفَ إذا جَرَّ إلى العَذابِ؟ فَتَأمَّلَ كَلامَ خالِقِكَ ما ألْطَفَ إشاراتِهِ وأجَلَّ عِباراتِهِ، في نِذاراتِهِ وبِشاراتِهِ - واللَّهُ أرْحَمُ.

العصر 103:1

(p-٢٣٤)سُورَةُ العَصْرِ قالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنَّها سُورَةٌ لَوْ لَمْ يَنْزِلْ إلى النّاسِ إلّا هي لَكَفَتْهُمْ، وهو مَعْنى قَوْلِ غَيْرِهِ: ”إنَّها شَمِلَتْ جَمِيعَ عُلُومِ القُرْآنِ، مَقْصُودُها تَفْضِيلُ نَوْعِ الإنْسانِ المَخْلُوقِ مِن عَلَقٍ، وبَيانُ خُلاصَتِهِ وعُصارَتِهِ وهُمُ الحِزْبُ النّاجِي يَوْمَ السُّؤالِ عَنْ زَكاءِ الأعْمالِ بَعْدَ الإشارَةِ إلى أضْدادِهِمْ، والإعْلامُ بِما يُنْجِي مِنَ الأعْمالِ والأحْوالِ بِتَرْكِ الفانِي والإقْبالِ عَلى الباقِي لِأنَّهُ خُلاصَةُ الكَوْنِ ولُبابُ الوُجُودِ، واسْمُها العَصْرُ واضِحٌ في ذَلِكَ فَإنَّ العَصْرَ يُخَلِّصُ رُوحَ المَعْصُورِ ويُمَيِّزُ صَفاوَتَهُ، ولِذَلِكَ كانَ وقْتُ هَذا النَّبِيِّ الخاتَمِ الَّذِي هو خُلاصَةُ الخَلْقِ وقْتَ العَصْرِ، وكانَتْ صَلاةُ العَصْرِ أفْضَلَ الصَّلَواتِ، وبَيانُ اشْتِمالِها عَلى عُلُومِ القُرْآنِ تَنْزِيلُ جُمْلَتِها عَلى [ما -] قالَ الغَزالِيُّ: إنَّ القُرْآنَ كالبَحْرِ الَّذِي فِيهِ جَزائِرُ (p-٢٣٥)بِها مَعادِنُ سِتَّةٍ، مِنها أرْبَعَةٌ مُهِمَّةٌ: مُهِمّانِ مِنها هُما ياقُوتٌ أفْخَرُ فَأحْمَرُهُ لِلْعِلْمِ بِاللَّهِ، وأخْضَرُهُ لِصِفاتِهِ، وأزْرَقُهُ لِأفْعالِهِ، وزُمُرُّدٌ أخْضَرُ هو العِلْمُ بِاليَوْمِ الآخِرِ وما فِيهِ، ومُهِمّانِ أوَّلُهُما دُرٌّ أنْضَرُ وهو العِلْمُ بِالعِباداتِ المُقَرَّبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وثانِيهِما مِسْكُ أذْفَرُ، وهو العِلْمُ بِالعاداتِ الَّتِي بِها تُهَيَّأُ العِباداتُ، ومُتِمّانِ وهُما دِرْياقُ أكْبَرُ وهو العِلْمُ بِإزاحَةِ الشُّكُوكِ، والشُّبَهِ والأوْهامِ لِأنَّها سَمُومٌ ومُهْلِكَةٌ لِلدِّينِ، وعَنْبَرٌ أشْهَبُ وهو الِاعْتِبارُ بِمَن هَلَكَ بِاجْتِنابِ ما كانَ سَبَبَ هَلاكِهِ، والِاقْتِفاءِ بِمَن نَجا بِاتِّباعِ ما كانَ سَبَبَ نَجاتِهِ، فالجُمْلَةُ الأُولى لِلْعَنْبَرِ لِأنَّ فِيها شَمَّ رَوائِحِ الهالِكِ وضِدُّهُ النّاجِي، وبُدِئَ بِها لِأنَّ دَرْءَ المَفاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلى جَلْبِ المَصالِحِ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ لِلْياقُوتِ بِصِفاتِهِ الثَّلاثِ والزُّمُرُّدِ، والثّالِثَةُ لِلدُّرِّ والمِسْكِ، وهُما عِباداتٌ مَقْصُودَةٌ، وعاداتٌ وسِيلَةٌ إلَيْها مَمْدُودَةٌ، والرّابِعَةُ لِلدِّرْياقِ لِأنَّ الشُّبَهَ والشُّكُوكَ إنَّما هي مِن أوْهامٍ عاطِلَةٍ وخَيالاتٍ باطِلَةٍ، والخامِسَةُ وسِيلَةٌ إلَيْها ومُتِمَّةٌ لَها لِأنَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ واجْتِنابَهُ لا يَكُونُ إلّا بِبَذْلِ الجُهْدِ في الصَّبْرِ“ بِسْمِ اللَّهِ ”الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ“ الرَّحْمَن ”الَّذِي عَمَّ بِالنِّعْمَةِ البَرُّ والفاجِرُ فَلَيْسَ شَيْءٌ شَبَهَهُ“ الرَّحِيم " الَّذِي [خُصِّيَ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ أوْلِياءَهُ، فَكانُوا لِلدَّهْرِ غُرَّةً ولِأهْلِهِ جَبْهَةً. * * (p-٢٣٦)لَمّا كانَتْ لَذَّةُ هَذِهِ الدُّنْيا الظّاهِرَةِ التَّنَعُّمَ بِما فِيها مِنَ المَتاعِ، وكانَ الإنْسانُ مَسْؤُولًا بِما شَهِدَ بِهِ، خَتَمَ التَّكاثُرُ عَنْ ذَلِكَ النَّعِيمِ مُتَوَعِّدًا بِرُؤْيَةِ الجَحِيمِ، فَكانَ ساكِنَ هَذِهِ الدّار عَلى غايَةِ الخَطَرِ، فَكانَ نَعِيمُهُ في غايَةِ الكَدَرِ، قالَ دالًّا عَلى ذَلِكَ بِأنَّ أكْثَرَ النّاسِ هالِكٌ، مُؤَكِّدًا بِالقَسَمِ والأداةِ لِما لِلْأغْلَبِ مِنَ التَّكْذِيبِ لِذَلِكَ إمّا بِالمَقالِ أوْ بِالحالِ: ﴿والعَصْرِ﴾ أيِ الزَّمانِ الَّذِي خُلِقَ فِيهِ أصْلُهُ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو في عَصْرِ يَوْمِ الجُمْعَةِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في مُسْلِمٍ، أوِ الصَّلاةِ الوُسْطى أوْ وقْتَها الَّذِي هو زَمانُ صاحِبِ هَذا الشَّرْعِ الَّذِي مِقْدارُهُ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ بِمِقْدارِ وقْتِ العَصْرِ مِنَ النَّهارِ أوْ بَعْضِهِ، أوْ زَمانُ كُلِّ أحَدٍ الَّذِي هو الخُلاصَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَنْبِيهًا لَهُ عَلى نَفاسَتِهِ إشارَةً إلى اغْتِنامِ إنْفاقِهِ في الخَيْرِ إشْفاقًا مِنَ الحَشْرِ، أوْ وقْتَ الأصِيلِ لِأنَّهُ أفْضَلُهُ بِما يَحْوِيهِ مِنَ الفَراغِ مِنَ الأشْغالِ واسْتِقْبالِ الرّاحَةِ والحُصُولِ عَلى فائِدَةِ ما أنْفَقَ فِيهِ ذَلِكَ النَّهارَ، [و] بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن طُولِ السّاعَةِ ورَبِحِ مَن كانَ لَهُ فِيها بِضاعَةً بِاخْتِتامِ الأعْمالِ وتَقَوُّضِ النَّهارِ، والدّالُّ عَلى البَعْثِ، أوْ جَمِيعُ الدَّهْرِ الَّذِي أوْجَدَ فِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى المَخْلُوقاتِ وقَدَّرَ فِيهِ المَقْدُوراتِ بِما ظَهَرَ [فِيهِ -] مِنَ العَجائِبِ الدّالَّةِ عَلى ما لِلَّهِ (p-٢٣٧)تَعالى مِنَ العِزِّ والعَظَمَةِ الدّاعِي إلى صَرْفِ الهِمَّةِ إلَيْهِ وقَصْرِها عَلَيْهِ:

العصر 103:2

﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعَ الَّذِي هو أشْرَفُ الأنْواعِ لِكَوْنِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ كَما أنَّ العَصْرَ خُلاصَةُ الزَّمانِ، والعَصْرُ يَكُونُ لِاسْتِخْراجِ خُلاصاتِ الأشْياءِ ﴿لَفِي خُسْرٍ﴾ أيْ نَقْصٍ بِحَسَبَ مَساعِيهِمْ في أهْوائِهِمْ وصَرْفِ أعْصارِهِمْ في أغْراضِهِمْ لِما لَهم بِالطَّبْعِ مِنَ المَيْلِ إلى الحاضِرِ والإعْراضِ عَنِ الغائِبِ والِاغْتِرارِ بِالفانِي أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ الخُسْرُ قَلِيلًا أوْ جَلِيلًا بِحَسَبَ تُنَوِّعُ النّاسِ إلى أكْياسٍ وأرْجاسٍ، فَمَن كانَ كافِرًا كانَ في كُفْران،ٍ ومَن كانَ مُؤْمِنًا عاصِيًا كانَ في خُسْرانٍ إنْ كانَ بِالغًا في المَعْصِيَةِ وإلّا كانَ في مُطْلَقِ الخُسْرِ، وهو مَدْلُولُ المَصْدَرِ المُجَرَّدِ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى العِلْمِ بِالِاحْتِياجِ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ لِبَيانِ المُرْضِي [لِلَّهِ] مِنَ الِاعْتِقاداتِ والعِباداتِ والعاداتِ إيمانًا وإسْلامًا وإدامَةً لِذَلِكَ لِيَكُونَ فاعِلُهُ مِن قَبْضَةِ اليَمِينِ وتارِكُهُ مِن أصْحابِ الشِّمالِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ألْهاكُمُ التَّكاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] وتَضَمَّنَ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى قُصُورِ نَظَرِ الإنْسانِ وحَصْرِ إدْراكِهِ في العاجِلِ دُونَ الآجِلِ الَّذِي فِيهِ فَوْزُهُ وفَلاحُهُ، وذَلِكَ لِبُعْدِهِ عَنِ العِلْمِ بِمُوجِبِ الطَّبْعِ ﴿إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾ [الأحزاب: ٧٢] أخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الإنْسانِ بِما (p-٢٣٨)هُوَ إنْسانٌ فَقالَ ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ فالقُصُورُ شَأْنُهُ، والظُّلْمُ طَبْعُهُ، والجَهْلُ جِبِلَّتُهُ، فَيَحِقُّ أنْ يُلْهِيَهُ التَّكاثُرُ، ولا يُدْخِلُ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَ الإيمانِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣] إلى آخِرِها، فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] انْتَهى.

العصر 103:3

ولَمّا كانَ الحُكْمُ عَلى الجِنْسِ حُكْمًا عَلى الكُلِّ لِأنَّهم لَيْسَ لَهم مِن ذَواتِهِمْ إلّا ذَلِكَ، وكانَ فِيهِمْ مَن خَلَّصَهُ الله سُبْحانَهُ وتَعالى مِمّا طُبِعَ عَلَيْهِ الإنْسانُ بِجَعْلِهِ في أحْسَنِ تَقْوِيمِ، وحِفْظِهِ عَنِ المَيْلِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ النَّقائِصِ، اسْتَثْناهم سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّهم قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الخُسْرِ فَقالَ دالًّا بِالِاسْتِثْناءِ عَلى أنَّ النُّفُوسَ داعِيَةٌ إلى الشَّرِّ مُخَلَّدَةٌ إلى البِطالَةِ واللَّهْوِ، فالمُخْلِصُ واحِدٌ مِن ألْفٍ كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا الإيمانَ وهو التَّصْدِيقُ بِما عَلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءَ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ مِن تَوْحِيدِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى والتَّصْدِيقِ بِمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولَعَلَّ حِكْمَةَ التَّعْبِيرِ بِالماضِي الحَثُّ عَلى الدُّخُولِ في الدِّينِ ولَوْ عَلى أدْنى الدَّرَجاتِ، والبِشارَةِ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ بِشَرْطِهِ بِالنَّجاةِ مِنَ الخُسْرِ. (p-٢٣٩)ولَمّا كانَ الإنْسانُ حَيَوانًا ناطِقًا، وكانَ كَمالُ حَيَوانِيَّتِهِ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ لِلْحَرَكَةِ بِالإرادَةِ لا بِمُقْتَضى الشَّهْوَةِ القاسِرَةِ البَهِيمِيَّةِ قالَ تَعالى: ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا بِما أقَرُّوا بِهِ مِنَ الإيمانِ ﴿الصّالِحاتِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسِ، وهو اتِّباعُ الأوامِرِ واجْتِنابُ النَّواهِي في العِباداتِ كالصَّلاةِ والعاداتِ كالبَيْعِ فَكانُوا بِهَذا مُسْلِمِينَ بَعْدَ أنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فاشْتَرَوُا الآخِرَةَ بِالدُّنْيا فَلَمْ يُلْهِهِمُ التَّكاثُرُ، فَفازُوا بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ والسَّعادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ فَلَمْ يَلْقَهم شَيْءٌ مِنَ الخُسْرِ. [ولَمّا كانَ الإنْسانُ بَعْدَ كَمالِهِ في نَفْسِهِ بِالأعْمالِ لا يَنْتَفِي عَنْهُ مُطْلَقُ الخُسْرِ -] إلّا بِتَكْمِيلِ غَيْرِهِ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ وارِثًا لِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلام بُعِثُوا لِلتَّكْمِيلِ، وكانَ الدِّينُ لا يَقُومُ، وإذا قامَ لا يَتِمُّ إلّا بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ النّاشِئِ عَنْ نُورِ القَلْبِ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِالِاجْتِماعِ، قالَ مُخَصِّصًا لِما دَخَلَ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ تَنْبِيهًا عَلى عِظَمِهِ: ﴿وتَواصَوْا﴾ أيْ أوْصى بَعْضُهم بَعْضًا بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ: ﴿بِالحَقِّ﴾ أيِ الأمْرِ الثّابِتِ، وهو كُلُّ ما حَكَمَ الشَّرْعُ بِصِحَّتِهِ فَلا يَصْحُ بِوَجْهِ نَفْيِهِ مِن قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ أوِ اعْتِقادٍ أوْ غَيْرِهِ مِن فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ، فَكانُوا مُحْسِنِينَ، والتَّكْمِيلُ في القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ بِاجْتِلابِ الخُيُورِ. (p-٢٤٠)ولَمّا كانَ [الإنْسانُ -] مَيّالًا إلى النُّقْصانِ، فَكانَ فاعِلُ ذَلِكَ الإحْسانِ مُعَرَّضًا لِلشَّنَآنِ مِن أهْلِ العُدْوانِ، وهُمُ الأغْلَبُ في كُلِّ زَمانٍ، قالَ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا﴾ لِأنَّ الإنْسانَ يَنْشَطُ بِالوَعْظِ ويَنْفَعُهُ اللَّحْظُ واللَّفْظُ ﴿بِالصَّبْرِ﴾ أيِ النّاشِئِ عَنْ زَكاةِ النَّفْسِ عَلى العَمَلِ بِطاعَةِ اللَّهِ مِن إحْقاقِ الحَقِّ وإبْطالِ الباطِلِ والنَّفْيِ لَهُ والمُحِقِّ وعَلى ما يَحْصُلُ بِسَبَبِ ذَلِكَ مِنَ الأذى بِاجْتِنابِ الشُّرُورِ إلى المَماتِ الَّذِي هو سَبَبٌ مُوَصِّلٌ إلى دارِ السَّلامِ، فَكانُوا مُكَمِّلِينَ لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ حافِظِينَ لِما قَبْلَها مِنَ العِلْمِيَّةِ، وذَلِكَ هو حِكْمَةُ العِباداتِ فَإنَّ حِكْمَةَ الشَّيْءِ هي الغايَةُ والفائِدَةُ المَقْصُودَةُ مِنهُ، وهي هُنا أمْرانِ: خارِجٌ عَنِ العامِلِ وهو الجَنَّةُ، وداخِلٌ قائِمٌ بِهِ وهو النُّورُ المُقَرَّبُ مِنَ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِالوَصِيَّةِ إشارَةً إلى الرِّفْقِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واسْتِعْمالِ اللِّينِ بِغايَةِ الجُهْدِ، والصَّبْرُ هو خُلاصَةُ الإنْسانِ وسِرِّهِ وصَفاوَتِهِ وزُبْدَتِهِ وعُصارَتِهِ، الَّذِي لا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بِضَغْطِ الإنْسانِ لِنَفْسِهِ وقَسْرِها عَلى أفْعالِ الطّاعَةِ وقَهْرِها عَلى لُزُومِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ حَتّى يَصِيرَ الصَّبْرُ لَها بِالتَّدْرِيبِ عادَةً وصِناعَةً، فَقَدْ عانَقَ آخِرُها أوَّلَها، وواصَلَ مَفْصِلَها مُوصِلَها، (p-٢٤١)وهِيَ أرْبَعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً تُشِيرُ إلى أنَّ في السَّنَةِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ يَكُونُ الإذْنُ في الجِهادِ الَّذِي هو رَأْسُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ بِالفِعْلِ لِإظْهارِ الحَقِّ وهي سَنَةُ الهِجْرَةِ الَّتِي تَمَّ فِيها بَدْرُهُ، وعَمَّ نُورُهُ وقَدْرُهُ، وجَمَّ عِزُّهُ ونَصْرُهُ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها أرْبَعَ كَلِماتٍ البَسْمَلَةُ كانَتْ مُوازِيَةً في العَدَدِ لِسَنَةِ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وكانَ فِيها غَزْوَةُ بَدْرٍ المَوْعِدُ وغَزْوَةُ الأحْزابِ، وقَدْ وقَعَ فِيهِما أتَمُّ الصَّبْرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مِمَّنْ وافَقَهُ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم لِإظْهارِ الحَقِّ والصَّوابِ، فَإنَّهم في بَدْرٍ خُذِلُوا مِن رَكْبِ عَبْدِ القَيْسِ أوْ مِن نَعِيمِ بْنِ مَسْعُودٍ ومُوافَقَةِ المُنافِقِينَ وخَوِّفُوا حَتّى كادَ يَعُمُّهُمُ الرُّعْبُ والفَشَلُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهِ لَأخْرُجَنَّ ولَوْ لَمْ يَخْرُجْ مَعِي أحَدٌ» وأنْزَلَ الله فِيها ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآياتُ، وفي الأحْزابِ زاغَتِ الأبْصارُ وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ وأسْفَرَتْ عاقِبَةُ الصَّبْرِ فِيها عَمّا قالَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ ذَهابِهِمْ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونَنا». فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمائِرَ الأرْبَعَةَ أشارَتْ إلى سَنَةِ تِسْعٍ، وقَدْ كانَتْ فِيها غَزْوَةُ تَبُوكَ وهي غَزْوَةُ العُسْرَةِ لِما [كانَ] (p-٢٤٢)فِيها مِنَ الشِّدَّةِ الَّتِي أسْفَرَتْ عاقِبَةً الصَّبْرِ فِيها عَنْ إقْبالِ الوُفُودِ، بِفَخامَةِ العِزِّ والجُدُودِ وتَواتُرِ السُّعُودِ، بِلُطْفِ الرَّحِيمِ الوَدُودِ، وبِذَلِكَ كانَ نُورَ الوُجُودِ، وتَواتُرَ الفَضْلِ والجُودِ مِنَ الإلَهِ المَعْبُودِ - وصَلّى اللَّهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّد وآلِهِ وصَحْبِهِ خِيارِ الوُجُودِ.

الهمزة 104:1

(p-٢٤٣)سُورَةُ الهُمَزَةِ مَقْصُودُها بَيانُ الحِزْبِ الأكْبَرِ الخاسِرِ الَّذِي أهاهَ التَّكاثُرُ، فَبانَتْ خَسارَتُهُ يَوْمَ القارِعَةِ الخافِضَةِ الرّافِعَةِ، واسْمُها الهَمْزَةُ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ تَمامُ العِزِّ وهو الحُكْمُ العَدْلُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّ ظاهَرَ نِعْمَتِهِ أهْلُ البُخْلِ وأُولِي البَذْلِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي أتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلى مَن شاءَ مِن عِبادِهِ فَخَصَّهم بِالفَضْلِ. * * لِما بَيْنَ النّاجِينَ مِن قَسَمَيْ الإنْسانِ في العَصْرِ، وخَتَمَ بِالصَّبْرِ، حَصَلَ تَمامُ التَّشَوُّفِ إلى أوْصافِ الهالِكِينَ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِأضَلَّهم وأشْقاهُمُ الَّذِي الصَّبْرُ عَلى أذاهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ لِيَكُونَ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَسْلاةً لِلصّابِرِ: ﴿ويْلٌ﴾ أيْ هَلاكٌ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿لِكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ أيِ الَّذِي صارَ لَهُ الهَمْزُ عادَةً لِأنَّهُ خَلْقٌ ثابِتٌ في جِبِلَّتِهِ وكَذا ﴿لُمَزَةٍ﴾ والهَمْزُ الكَسْرُ كالهَزْمِ، واللَّمْزُ الطَّعْنُ - هَذا أصْلُهُما، ثُمَّ خُصّا بِالكَسْرِ مِن أعْراضِ النّاسِ والطَّعْنِ فِيهِمْ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ في تَهْذِيبِ السِّيرَةِ: الهُمَزَةُ الَّذِي يَشْتَمُّ الرَّجُلَ عَلانِيَةً، ويَكْسِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهِ ويَهْمِزُ بِهِ، واللُّمَزَةُ الَّذِي (p-٢٤٤)يَعِيبُ النّاسَ سِرًّا - انْتَهى. وقالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُ الهَمْزِ الكَسْرُ والعَضُّ عَلى الشَّيْءِ بِالعُنْفِ، والَّذِي دَلَّ عَلى الِاعْتِيادِ صِيغَةُ فِعْلٍ بِضَمٍّ وفَتْحٍ كَما يُقالُ ضِحْكَةٌ لِلَّذِي يَفْعَلُ الضَّحِكَ كَثِيرًا حَتّى صارَ عادَةً لَهُ وضْرى بِهِ، والفِعْلَةُ بِالسُّكُونِ لِلْمَفْعُولِ وهو الَّذِي يَهْمِزُهُ النّاسُ ويَلْمِزُونَهُ، وقُرِئَ بِها وكَأنَّهُ إشارَةٌ إلى مَن يَتَعَمَّدُ أنْ يَأْتِيَ بِما يَهْمِزُ بِهِ ويَلْمِزُ بِهِ فَيَصِيرُ مَسْخَرَةً يُضْحَكُ مِنهُ - واللَّهُ أعْلَمُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] أتْبَعَهُ بِمِثالِ [مَن ذَكَرَ نَقْصَهُ وقُصُورَهُ واغْتِرارَهُ، وظَنَّهُ الكَمالُ لِنَفْسِهِ حَتّى يَعِيبَ غَيْرُهُ، واعْتِمادُهُ عَلى ما جَمَعَهُ مِنَ المالِ ظَنًّا أنَّهُ يُخَلِّدُهُ ويُنْجِيهِ، وهَذا كُلُّهُ هو عَيْنُ النَّقْصِ، الَّذِي هو شَأْنُ الإنْسانِ، وهو المَذْكُورُ في السُّورَةِ قَبْلُ، فَقالَ تَعالى ﴿ويْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ فافْتُتِحَتِ السُّورَةُ] بِذِكْرِ ما أعَدَّ لَهُ مِنَ العَذابِ جَزاءً لَهُ [عَلى] هَمْزِهِ ولَمْزِهِ الَّذِي أتَمَّ حَسَدَهُ، والهَمْزَةُ العَيّابُ الطَّعّانُ واللُّمَزَةُ مِثْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مالَهُ ومُسْتَقَرَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ في الحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: ٤] أيْ لِيُطْرَحَنَّ في النّارِ جَزاءً لَهُ عَلى اغْتِرارِهِ وطَعْنِهِ - انْتَهى.

الهمزة 104:2

ولَمّا كانَ الَّذِي يَفْعَلُ النَّقِيصَةَ مِن غَيْرِ حاجَةٍ تُحْوِجُهُ إلَيْها أقْبَحُ حالًا (p-٢٤٥)وكانَ المُتَمَوِّلُ عِنْدَهم هو الرّابِحُ، وهم يَتَفاخَرُونَ بِالرِّبْحِ ويَعُدُّونَ الفائِزَ بِهِ مِن ذَوِي المَعالِي، قالَ مُقَيَّدًا لـ ”كُلٍّ“ بِالوَصْفِ مُبَيِّنًا الخاسِرَ كُلَّ الخَسارَةِ: ﴿الَّذِي جَمَعَ﴾ ولَمّا كانَ مُطْلَقُ الجَمْعِ يَدُلُّ عَلى الكَثْرَةِ جاءَ التَّشْدِيدُ في فِعْلِهِ لِأبِي جَعْفَرٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ، وخِلْتُ تَصْرِيحًا بِما عَلِمَ تَلْوِيحًا ودَلالَةً عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِهِ مَن جَعَلَ الدُّنْيا أكْبَرَ هَمِّهِ، والتَّخْفِيفَ لِمَن عَداهُمُ اكْتِفاءً بِأصْلِ مَدْلُولِهِ بِخِلافِ عَدَدٍ، فَإنَّ مُجَرَّدَهُ يَكُونُ لِما قَلَّ، ولِهَذا أجْمَعُوا عَلى التَّضْعِيفِ فِيهِ: ﴿مالا﴾ أيْ عَظِيمًا، وأكَّدَ مُرادَ الكَثْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وعَدَّدَهُ﴾ أيْ جَعَلَهُ بِحَيْثُ إذا أُرِيدَ عَدَدُهُ طالَ الزَّمانُ فِيهِ وكَثُرَ التَّعْدادُ، أوِ ادَّخَرَهُ وأمْسَكَهُ إعْدادًا لِما يَنُوبُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا المُنْقَضِيَةِ، وزادَهُ قَيْدًا آخَرَ في بَيانِ حالِهِ فَقالَ:

الهمزة 104:3

﴿يَحْسَبُ﴾ لِقِلَّةِ عَقْلِهِ ﴿أنَّ مالَهُ﴾ أيْ ذَلِكَ الَّذِي عَدَّدَهُ ﴿أخْلَدَهُ﴾ أيْ أوْصَلَهُ إلى رُتْبَةِ الخُلْدِ في الدُّنْيا، فَأحَبَّ ذَلِكَ المالَ كَما يُحِبُّ الخُلُودَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّهُ عَمَلٌ - بِانْهِماكِهِ في المَعاصِي والإعْراضِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والإقْبالِ عَلى التَّوَسُّعِ في الشَّهَواتِ والأعْراضِ الزّائِلاتِ - عَمَلُ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَمُوتُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ الخُلْدَ إلّا الأعْمالُ الصّالِحَةُ المُسْعِدَةُ (p-٢٤٦)فِي الدّارِ الآخِرَةِ.

الهمزة 104:4

ولَمّا كانَ هَذا الحُسْبانُ لِشِدَّةِ وهْيِهِ وبَيانِ ضَعْفِهِ لا يَحْتاجُ إلى إقامَةِ دَلِيلٍ عَلى فَسادِهِ، اكْتَفى فِيهِ بِأداةِ الرَّدْعِ الجامِعَةِ لِكُلِّ زَجْرٍ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ لا يَكُونُ ما حَسِبَهُ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لَهُ ما لا يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِن أمْثالِهِ بَلْ يَمُوتُ كَما ماتَ كُلُّ حَيٍّ مَخْلُوقٍ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِي يَفْعَلُ بِهِ بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَ مُقْسِمًا [دالًّا -] بِاللّامِ الدّاخِلَةِ عَلى الفِعْلِ عَلى القَسَمِ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾ أيْ لَيَطْرَحَنَّ بَعْدَ مَوْتِهِ طَرْحَ ما هو خَفِيفٌ هَيِّنٌ جِدًّا عَلى كُلِّ طارِحٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِالنَّبْذِ وبِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ ﴿فِي الحُطَمَةِ﴾ أيِ الطَّبَقَةِ مِنَ النّارِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُحَطَّمَ أيْ تُكَسَّرَ وتُهَشَّمَ بِشِدَّةٍ وعُنْفٍ كُلِّ ما طَرَحَ فِيها فَيَكُونُ أخْسَرَ الخاسِرِينَ، وعَبَّرَ بِها في مُقابَلَةِ الِاسْتِعْدادِ بِالمالِ الحامِلِ عَلى الِاسْتِهانَةِ بِالخَلْقِ، قالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِيُّ: فَلِمَعْنى ما يَخْتَصُّ بِالحُكْمِ يُسَمِّي تَعالى بِاسْمٍ مِن أسْمائِها مِن نَحْوِ جَهَنَّمَ فِيما يَكُونُ مُواجَهَةً ومِن نَحْوِ الحُطَمَةِ فِيما يَكُونُ جَزاءً لِقُوَّةِ قَهْرٍ واسْتِعْدادٍ بِعَدَدٍ، ونَحْوُ ذَلِكَ في سائِرِ أسْمائِها، وعَظَّمَ شَأْنَها سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ:

الهمزة 104:5

﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ولَوْ بِمُحاوَلَةٍ مِنكَ لِلْعِلْمِ واجْتِهادٍ في التَّعَرُّفِ مَعَ (p-٢٤٧)كَوْنِكَ أعْلَمَ الخَلْقِ ﴿ما الحُطَمَةُ﴾ أيْ ما الدِّرْكَةُ النّارِيَّةُ الَّتِي سُمِّيَتْ هَذا الِاسْمَ لِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ فَإنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ الَّذِي شاهَدْتُمُوهُ ما يُقارِبُها لِيَكُونَ مِثالًا لَها، ثُمَّ فَسَّرَها بِقَوْلِهِ:

الهمزة 104:6

﴿نارُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي عَدَلَ المُشْرِكُونَ عَنْهُ إلى شُرَكائِهِمْ، فَعَظَمَةُ هَذِهِ النّارِ مِن عَظَمَتِهِ، وانْتِقامُهُ مِن نِقْمَتِهِ ﴿المُوقَدَةُ﴾ أيِ الَّتِي وجَدَ وتَحَتَّمَ إيقادُها بِإيقادِهِ، ومَنِ الَّذِي يُطِيقُ مُحاوَلَةَ ما أوْقَدَهُ؟ فَهي لا يَزالُ لَها هَذا الِاسْمُ ثابِتًا.

الهمزة 104:7

ولَمّا وصَفَ الهامِزُ الهازِمُ، وصْفَ الحاطِمِ فَقالَ تَعالى: ﴿الَّتِي﴾ ولَمّا كانَ لا يَطَّلِعُ عَلى أحْوالِ الشَّيْءِ إلّا مَن قَبْلِهِ عِلْمًا قالَ: ﴿تَطَّلِعُ﴾ اطِّلاعًا شَدِيدًا ﴿عَلى الأفْئِدَةِ﴾ جَمْعُ فُؤادٍ وهو القَلْبُ الَّذِي يَكادُ يَحْتَرِقُ مِن شِدَّةِ ذَكائِهِ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ ذَكاءَهُ في أسْبابِ الخَلاصِ، واطِّلاعَها عَلَيْهِ بِأنْ تَعْلُوَ وسَطَهُ وتَشْتَمِلَ عَلَيْهِ اشْتِمالًا بَلِيغًا، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِشَدَّةٍ تُوقِدُهُ، وخُصَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ ألْطَفُ ما في البَدَنِ وأشَدَّهُ تَألُّمًا بِأدْنى شَيْءٍ مِنَ الأذى، ولِأنَّهُ مَنشَأُ العَقائِدِ الفاسِدَةِ ومَعْدِنِ حُبِّ المالِ الَّذِي هو مَنشَأُ الفَسادِ والضَّلالِ، وعَنْهُ تَصْدُرُ الأفْعالُ القَبِيحَةُ.

الهمزة 104:8

(p-٢٤٨)ولَمّا كانَ الِاطِّلاعُ عَلى الفُؤادِ مَظِنَّةَ المَوْتِ، وفي المَوْتِ راحَةٌ مِنَ العَذابِ، أشارَ إلى خُلُودِهِمْ فِيها وأنَّهم لا يَمُوتُونَ ولا يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ العَذابَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّهم يُكَذِّبُونَ [بِها -]: ﴿إنَّها﴾ وأشارَ إلى قَهْرِهِمْ وغَلَبَتِهِمْ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ وآذَنَ بِسُهُولَةِ التَّصَرُّفِ في تَعْذِيبِهِمْ وانْقِطاعِ الرَّجاءِ مِن خَلاصِهِمْ بِقَوْلِهِ مُعَبِّرًا باسِمِ المَفْعُولِ: ﴿مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطَبَّقَةً بِغايَةِ الضِّيقِ، مِن أوْصَدْتُ البابَ - إذا أطْبَقْتُهُ.

الهمزة 104:9

ولَمّا كانَتْ عادَتُهم في المَنعِ مِنَ التَّصَرُّفِ أنْ يَضَعُوا خَشَبَةً عَظِيمَةً تُسَمّى المُقَطَّرَةَ فِيها حِلَقٌ تُوَثَّقُ فِيها الرَّجُلُ، فَلا يَقْدِرُ صاحِبُها بَعْدَ ذَلِكَ عَلى حَراكٍ، قالَ مُصَوِّرًا لِعَذابِهِمْ بِحالٍ مِن ضَمِيرِ ”عَلَيْهِمْ“: ﴿فِي﴾ [أيْ -] حالَ كَوْنِهِمْ مُوَثَّقِينَ في ﴿عَمَدٍ﴾ بِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عَمُودٍ ﴿مُمَدَّدَةٍ﴾ أيْ مُعْتَرِضَةٍ كَأنَّها مَوْضُوعَةٌ عَلى الأرْضِ، فَهي في غايَةِ المُكْنَةِ فَلا يَسْتَطِيعُ المُوثَقُ بِها عَلى نَوْعِ حِيلَةٍ في أمْرِها فَهو تَأْكِيدٌ لِيَأْسِهِمْ مِنَ الخُرُوجِ بِالإيثاقِ بَعْدَ الإيصادِ، وهَذا أعْظَمُ الوَيْلِ وأشَدُّ النَّكالِ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها إلى أوَّلِها، وكانَ لِمَفْصِلِها [أشَدُّ -] التِحامٍ بِمُوصِلِها - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

الفيل 105:1

(p-٢٤٩)سُورَةُ الفِيلِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى آخِرِ الهَمْزَةِ مِن إهْلاكِ المُكاثِرِينَ في دارِ التَّعاضُدِ والتَّناصُرِ بِالأسْبابِ، فَعِنْدَ انْقِطاعِها أوْلى لِاخْتِصاصِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِتَمامِ القُدْرَةِ دُونَ التَّمَكُّنِ بِالمالِ والرِّجالِ، واسْمُها الفِيلِ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ سُورَتِهِ، وما حَصَلَ في سِيرَةِ جَيْشِهِ وصُورَتِهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ فَقُدْرَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ عامِلَةٌ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي لَهُ النِّعْمَةُ الشّامِلَةُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي يَخْتَصُّ أهْلَ الِاصْطِفاءِ بِالنِّعْمَةِ الكامِلَةِ. * * لَمّا قَدَّمَ في الهَمْزَةِ أنَّ كَثْرَةَ الأمْوالِ المُسَبِّبَةِ بِالقُوَّةِ بِالرِّجالِ رُبَّما أعْقَبَتِ الوَبالَ، دَلَّ عَلَيْهِ في هَذِهِ بِدَلِيلٍ شُهُودِيٍّ وصَلَ في تَحْرِيقِهِ وتَغَلْغُلِهِ في الأجْسامِ وتَجْرِيفِهِ إلى القُلُوبِ في العَذابِ الأدْنى كَما ذَكَرَ فِيما قَبْلَها لِلْعَذابِ الأكْبَرِ الأخْفى، مُحَذِّرًا مِنَ الوَجاهَةِ في الدُّنْيا وعُلُوِّ الرُّتْبَةِ، مُشِيرًا إلى أنَّها كُلَّما عَظُمَتْ زادَ ضَرَرُها بِما يَكْسِبُهُ مِنَ الطُّغْيانِ حَتّى يُنازِعَ صاحِبُها المَلِكَ الأعْلى، ومَعَ كَوْنِهِ شُهُودِيًّا فَلِلْعَرَبِ ولا سِيَّما قُرَيْشٌ بِهِ الخِبْرَةُ التّامَّةُ، فَقالَ مُقَرِّرًا مُنْكِرًا عَلى مَن يَخْطُرُ لَهُ خِلافُ ذَلِكَ: (p-٢٥٠)﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَعَلَمَ عِلْمًا [هُوَ -] في تَحَقُّقِهِ كالحاضِرِ المَحْسُوسِ بِالبَصَرِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ﷺ وإنْ لَمْ يَشْهَدْ تِلْكَ الوَقْعَةَ فَإنَّهُ شاهَدَ آثارَها، وسَمِعَ بِالتَّواتُرِ مَعَ إعْلامِ اللَّهِ لَهُ أخْبارُها، وخَصَّهُ ﷺ إعْلامًا بِأنَّ ذَلِكَ لا يَعْلَمُهُ ويَعْمَلُ بِهِ إلّا هو ﷺ ومَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِحُسْنِ اتِّباعِهِ، لِما لِلْإنْسانِ مِن عَلائِقَ النُّقْصانِ، وعَلائِقَ الحُظُوظِ والنِّسْيانِ، وقُرِئَ ”تَرْ“ بِإسْكانِ الرّاءِ، قالُوا جِدًّا في إظْهارِ أثَرِ الجازِمِ، وكانَ السِّرُّ في هَذِهِ القِراءَةِ الإشارَةُ إلى الحَثِّ في الإسْراعِ بِالرُّؤْيَةِ إيماءً إلى أنَّ أمْرَهم عَلى كَثْرَتِهِمْ كانَ كَلَمْحِ البَصَرِ، مَن لَمْ يَعْتَنِ بِهِ ويُسارِعْ إلى تَعَمُّدِهِ لا يُدْرِكُهُ حَقَّ إدْراكِهِ. ولَمّا كانَ لِلنّاظِرِ في الكَيْفِيَّةِ مِنَ التَّدْقِيقِ والوُقُوفِ عَلى التَّحْقِيقِ في وُجُوهِ الدَّلالاتِ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ وإعْزازِ نَبِيِّهِ بِالإرْهاصِ لِنُبُوَّتِهِ والتَّمْكِينِ لِرِسالَتِهِ لِتَعْظِيمِ بَلَدِهِ وتَشْرِيفِ قَوْمِهِ ما لَيْسَ لِلنّاظِرِ إلى مُطْلَقِ الفِعْلِ قالَ: ﴿كَيْفَ﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: ما ﴿فَعَلَ﴾ أيْ فِعْلُ مَن لَهُ أتَمُّ داعِيَةً إلى ذَلِكَ الفِعْلِ، وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنْ ”كَيْفَ“ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ فَلا يَتَقَدَّمُ عامِلُهُ عَلَيْهِ، بَلْ ناصِبُهُ فِعْلٌ، وجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالفِعْلِ المُعَلَّقِ ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ (p-٢٥١)ومِن إحْسانِهِ [إحْسانُهُ -] إلى قَوْمِكَ بِكَ وبِهَذِهِ الواقِعَةِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ إرْهاصًا لِنُبُوَّتِكَ [كَما -] هو مَعْلُومٌ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ فِيما يَقَعُ بَيْنَ أيْدِي نُبُوّاتِهِمْ مِن مِثْلِ ذَلِكَ لِيَكُونَ مُؤَيِّدًا لِادِّعائِهِمُ النُّبُوَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ، وفي تَخْصِيصِهِ ﷺ بِالخِطابِ والتَّعْبِيرِ بِالرَّبِّ مَعَ التَّشْرِيفِ لَهُ والإشارَةِ بِذِكْرِهِ التَّعْرِيضُ بِحَقارَةِ الأصْنامِ الَّتِي سَمَّوْها أرْبابًا لَهُمْ، يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم عِلْمَ اليَقِينِ مَن آمَنَ، ومَنِ اسْتَمَرَّ عَلى كُفْرِهِ فَسَيَعْلَمُ ذَلِكَ حَقَّ اليَقِينِ عِنْدَما يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ بِالبَلَدِ الحَرامِ، ويُحِلُّها لَهُ عَلى أعْلى حالٍ ومَرامٍ ﴿بِأصْحابِ الفِيلِ﴾ أيِ الَّذِينَ قَصَدُوا انْتِهاكَ حُرُماتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى فَيُخَرِّبُوا بَيْتَهُ ويُمَزِّقُوا جِيرانَهُ بِما أوْصَلَهم إلى البَطَرِ مِنَ الأمْوالِ والقُوَّةِ الَّتِي مَنَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ وتَعالى بِها، فَحَسِبُوا أنَّها تُخَلِّدُهم فَبانَ أنَّها تُورِدُهُمُ المَهالِكَ ضِدَّ ما حَسِبُوهُ، وهُمُ الحَبَشَةُ الَّذِينَ كانُوا غُلِّبُوا عَلى بِلادِ اليَمَنِ، بَنى أمِيرُهم وهو أبُو يَكْسُومَ أبَرْهَةُ بْنُ الصَّباحِ الأشْرَمِ بَيْعَةً بِصَنْعاءَ وسَمّاها القَلِيسَ وزْنُ قَبِيطَ، وأرادَ أنْ يَصْرِفَ إلَيْها - فِيما زَعَمَ - حَجَّ العَرَبِ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِن كِنانَةَ فَقَعَدَ فِيها لَيْلًا - يَعْنِي تَغَوَّطَ ولَطَّخَها بِهِ، فَأغْضَبُ ذَلِكَ الأشْرَمَ (p-٢٥٢)فَسَألَ فَقِيلَ لَهُ: نَرى الفاعِلَ مِن أهْلِ البَيْتِ الَّذِي بِمَكَّةَ - فَحَلَفَ: لِيَهْدِمَنَّ الكَعْبَةَ، ومِن عَجائِبِ صُنْعِ اللَّهِ أنَّهُ ألْهَمَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى تَسْمِيَتَها هَذا الِاسْمَ الَّذِي هو مُشْتَقٌّ مِنَ القَلْسِ الَّذِي أحُدُّ مَعانِيهِ أنَّهُ ماءٌ خَرَجَ مِنَ الحَلْقِ مِلْءَ الفَمِ، فَهو مَبْدَأُ القَيْءِ الَّذِي هو أخُو الغائِطِ الَّذِي آلَ أمْرُها إلَيْهِ، فَكانَ سَبَبَ هَلاكِها بِهَلاكِ بانِيها، وذَلِكَ أنَّهُ غَضِبَ مِن ذَلِكَ فَخَرَجَ بِجَيْشِهِ لِهَدْمِ بَيْتِ اللَّهِ الكَعْبَةِ ومَعَهُ أفْيالٌ كَثِيرَةٌ مِنها فِيلٌ عَظِيمٌ اسْمُهُ مَحْمُودُ، فَقاتَلَهُ بَعْضُ العَرَبِ فَهَزَمَهم وقَتَلَ مِنهُمْ، فَلَمّا دَوَّخَهم دانُوا لَهُ، فَلَمّا وصَلَ إلى المُغَمَّسِ خَرَجَ إلَيْهِ عَبْدُ المُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ ثُلْثَ أمْوالِ تِهامَةَ عَلى أنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ، وقِيلَ: بَلْ كانَتْ طَلائِعُهُ أخَذَتْ لَهُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَطَلَبَها مِنهُ فَقالَ: قَدْ كُنْتُ أعْجَبَتْنِي حِينَ رَأيْتُكَ، فَزَهِدْتُ فِيكَ حِينَ تُكَلِّمُنِي في مِائَتَيْ بَعِيرٍ، وتَتْرُكُ كَلامِي في بَيْتٍ هو دِينُكم وفي عِزِّكُمْ؟ فَقالَ: أنْتَ وذاكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ إبِلَهُ فَساقَها ومَضى، وأمَرَ قُرَيْشًا أنْ يَتَفَرَّقُوا في الشِّعابِ ويَتَحَرَّزُوا في (p-٢٥٣)الجِبالِ، وأتى عَبْدُ المُطَّلِبِ الكَعْبَةَ فَأخَذَ بِحَلْقَةِ البابِ وجَعَلَ يَقُولُ: [ ؎يا رَبِّ لا أرْجُو لَهم سِواكا ∗∗∗ فامْنَعْهم أنْ يَقْرُبُوا قِراكا -] وقالَ: ؎لا هم إنَّ المَرْءَ يِمْـ ∗∗∗ ـنَعُ رَحْلَهُ فامْنَعْ حَلالَكَ ؎لا يَغْلِبْنَّ صَلِيبُهم ∗∗∗ ومَحالُهم عَدُوًّا مُحالِكَ ؎جَرْوًا جَمِيعَ تَلادِهِمْ ∗∗∗ في الفِيلِ كَيْ يَسُبُّوا عِيالَكَ ؎عَمَدُوا حِماكَ بِكَيْدِهِمْ ∗∗∗ جَهْلًا وما رَقَبُوا جَلالَكَ ؎إنْ كُنْتَ تارِكْهم وكَعْـ ∗∗∗ ـبَتَنا فَأْمُرْ ما بَدا لَكَ ثُمَّ تَرَكَ الحَلْقَةَ وتُوَجَّهَ [فِي -] بَعْضِ تِلْكَ الوُجُوهِ فَلَمّا أصْبَحَ أبَرْهَةُ تَهَيَّأ لِلدُّخُولِ إلى الحَرَمِ وعَبَّأ جَيْشَهُ وقَدِمَ الفِيلُ فَبَرَكَ فَعالَجُوهُ فَلَمْ تُفِدْ فِيهِ حِيلَةٌ، فَوَجَّهُوهُ إلى غَيْرِ الحَرَمِ فَقامَ يُهَرْوِلُ فَوَجَّهُوهُ إلى الحَرَمِ فَبَرَكَ، وكانَ هَذا دَأْبُهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذا أرْسَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، كُلُّ طائِرٍ مِنها في مِنقارِهِ حَجَرٌ، وفي رِجْلَيْهِ حَجَرانِ، الحَجَرُ مِنها أكْبَرُ مِنَ العَدَسَةِ وأصْغَرُ مِنَ الحِمَّصَةِ، فَرَمَتْهم بِها، فَكانَ الحَجَرُ مِنها يَقَعُ في رَأْسِ الرَّجُلِ فَيَخْرُجُ مِن دُبُرِهِ فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وأهْلُ مَكَّةَ ومَن حَضَرَ مِنَ العَرَبِ [فِي رُؤُوسِ الجِبالِ -] يَنْظُرُونَ إلى صُنْعِ اللَّهِ تَعالى بِهِمْ وإحْسانِهِ إلَيْهِمْ - أيْ أهْلِ مَكَّةَ - وكانَ ذَلِكَ إرْهاصًا لِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ كانَ (p-٢٥٤)عامَ مَوْلِدِهِ، وقالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: [وفِي رِوايَةٍ -]: يَوْمَ مَوْلِدِهِ، وكَأنَّهُ كانَ سَبَبًا لِضَعْفِهِمْ حَتّى ذَهَبَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ إلى كِسْرى وأتى مِنهُ بِجَيْشٍ فاسْتَأْصَلَ بَقِيَّتَهم - كَما هو مَشْهُورٌ في السَّيْرِ، ومَأْثُورٌ في الخَبَرِ، ووَفَدَتْ قُرَيْشٌ لِتَهْنِئَتِهِ بِالنُّصْرَةِ عَلَيْهِمْ، وكانَ رَئِيسُهم عَبْدُ المُطَّلَبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ، وبَشَّرَهُ سَيْفُ بِأنَّهُ يُولَدُ لَهُ وُلَدٌ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَأعْلَمَهُ بِأنْ ولَدٌ وأنَّ أباهُ تُوُفِّيَ، فَأخْبَرَهُ سَيْفٌ بِأنَّهُ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ في آخِرِ الزَّمانِ، وأنَّ يَثْرِبَ مُهاجِرُهُ، وأنَّهُ لَوْ عَلِمَ أنَّهُ يَعِيشُ إلى زَمَنِ بِعْثَتِهِ لَأتى يَثْرِبَ وجَعَلَها قَرارَهُ حَتّى يَنْصُرَ النَّبِيَّ ﷺ بِها - ويُظْهِرَ نُبُوَّتَهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَضَمَّنَتْ سُورَةُ الهُمَزَةِ ذَكَرَ اغْتِرارَ مَن فُتِنَ بِمالِهِ حَتّى ظَنَّ أنَّهُ يُخْلِدُهُ وما أعْقَبَهُ ذَلِكَ، أتْبَعَ هَذا أصْحابَ الفِيلِ الَّذِينَ غَرَّهم تَكاثُرُهُمْ، وخَدَعَهُمُ امْتِدادُهم في البِلادِ واسْتِيلاؤُهم حَتّى هَمُّوا بِهَدْمِ البَيْتِ المُكَرَّمِ، فَتَعَجَّلُوا النِّقْمَةَ، وجَعَلَ اللَّهُ كَيْدَهم في تَضْلِيلٍ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أبابِيلَ، أيْ جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِن سِجِّيلٍ حَتّى اسْتَأْصَلَتْهم وقَطَعَتْ دابِرَهم فَجَعَلَهم كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ، وأثْمَرَ لَهم ذَلِكَ اغْتِرارُهم بِتَوَفُّرِ حَظِّهِمْ مِنَ الخُسْرِ (p-٢٥٥)المُتَقَدِّمِ - انْتَهى.

الفيل 105:2

ولَمّا قَرَّرَهُ بِالكَيْفِيَّةِ تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِن وُجُوهِ الدَّلالَةِ عَلى مُقَدِّماتِ الرِّسالَةِ، أشارَ إلى تِلْكَ الوُجُوهِ مُقَدِّمًا عَلَيْها تَقْرِيرًا آخَرَ جامِعًا لِقِصَّتِهِمْ ومُعْلِمًا بِغُصَّتِهِمْ فَقالَ: ﴿ألَمْ يَجْعَلْ﴾ أيْ بِما لَهُ مِنَ الإحْسانِ إلى العَرَبِ لا سِيَّما قُرَيْشٌ ﴿كَيْدَهُمْ﴾ [أيْ -] في تَعْطِيلِ الكَعْبَةَ بِتَخْرِيبِها وبِصَرْفِ الحَجِّ إلى كَنِيسَتِهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ و[قَدْ -] كانَ كَيْدُهم عَظِيمًا غَلَبُوا بِهِ مَن ناوَأهم مِنَ العَرَبِ ﴿فِي تَضْلِيلٍ﴾ أيْ مَظْرُوفًا لِتَضْيِيعٍ عَمّا قَصَدُوا لَهُ مِن نَسْخِ الحَجِّ إلى الكَعْبَةِ أوَّلًا ومَن هَدَمَها ثانِيًا وإبْطالٍ وبُعْدٍ عَنِ السَّدادِ وإهْمالٍ بِحَيْثُ صارَ بِكَوْنِهِ مَظْرُوفًا لِذَلِكَ مَعْمُورًا بِهِ لا مُخَلِّصَ لَهُ مِنهُ، وهَذا مُشِيرٌ إلى أنَّ كُلَّ مَن تَعَرَّضَ لِشَيْءٍ مِن حُرُماتِ اللَّهِ كَبَيْتٍ مِن بُيُوتِهِ أوْ ولِيٍّ مِن أوْلِيائِهِ أوْ عالِمٍ مِن عُلَماءِ الدِّينِ وإنْ كانَ مُقَصِّرًا نَوْعَ تَقْصِيرٍ وقَعَ في مَكْرِهِ، وعادَ عَلَيْهِ وبالَ شَرِّهِ «مَن عادى لِي ولِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ» وإلى أنَّ مَن جاهَرَ بِالمَعْصِيَةِ أسْرَعَ إلَيْهِ الهَلاكُ بِخِلافِ مَن تَسَتَّرَ، وإلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْتِي مَن يُرِيدُ عَذابَهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ لِيَدُومَ الحَذَرُ مِنهُ ولا يُؤْمَنُ (p-٢٥٦)مَكْرُهُ ولَوْ كانَ الخَصْمُ أقَلَّ عِبادِهِ، لَمْ يَخْطُرْ لِلْحَبَشَةِ ما وقَعَ لَهم أصْلًا ولا خَطَرَ لِأحَدٍ سِواهم أنْ طُيُورًا تَقْتُلُ جَيْشًا دَوَّخَ الأبْطالَ ودانَتْ لَهُ غَلَبُ الرِّجالِ، يَقُودُهُ مَلَكٌ جَبّارٌ كَتِيبَتُهُ في السَّهْلِ تَمْشِي ورِجْلُهُ عَلى القاذِفاتِ في رُؤُوسِ المَناقِبِ.

الفيل 105:3

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمَنَعَهم مِنَ الدُّخُولِ إلى حَرَمِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى بَلَدِهِ الرَّسُولِ ﷺ، عَطْفٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى ”يَجْعَلُ“ مُعَبِّرًا بِالماضِي لِأنَّهُ بِمَعْناهُ وهو أصْرَحُ والتَّعْبِيرُ بِهِ أقْعَدُ. قَوْلُهُ ﴿وأرْسَلَ﴾ وبَيَّنَ أنَّهُ إرْسالُ عَذابٍ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً مِن بَيْنِ مَن كانَ هُناكَ مِن كَفّارِ العَرَبِ، وأشارَ إلى تَحْقِيرِهِمْ وتَخْسِيسِهِمْ عَنْ أنْ يُعَذِّبَهم بِشَيْءٍ عَظِيمٍ لِكَوْنِهِمْ عَظَّمُوا أنْفُسَهم وتَجَبَّرُوا عَلى خالِقِهِمْ بِالقَصْدِ القَبِيحِ لِبَيْتِهِ فَقالَ تَعالى مُعْلِمًا بِأنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ ما [لا -] يَقْتُلُ مِثْلَهُ في العادَةِ: ﴿طَيْرًا﴾ وهو اسْمُ جَمْعٍ يُذَكَّرُ عَلى اللَّفْظِ، ويُؤَنَّثُ عَلى المَعْنى، وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، ولِذَلِكَ قالَ مُبَيِّنًا الكَثْرَةَ ﴿أبابِيلَ﴾ أيْ جَماعاتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا مُتَفَرِّقَةً يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا مِن نَواحٍ شَتّى فَوْجًا فَوْجًا وزُمْرَةً زُمْرَةً، أمامَ كُلِّ فُرْقَةٍ مِنها طَيْرٌ يَقُودُها أحْمَرَ المِنقارِ أسْوَدَ الرَّأْسِ طَوِيلَ العُنُقِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ: جاءَتْ (p-٢٥٧)الخَيْلُ أبابِيلَ مِن هاهُنا وهاهُنا، وهو جَمْعُ إبّالَةَ بِالكَسْرِ والتَّشْدِيدِ وهي الحِزْمَةُ الكَبِيرَةُ - شُبِّهَتْ بِها الجَماعَةُ مِنَ الطَّيْرِ في تَضامِّها، وفي أمْثالِهِمْ: ضَغَثٌ عَلى إبّالَةَ، أيْ بَلِيَّةٍ عَلى أُخْرى.

الفيل 105:4

ولَمّا تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى فِعْلِ الطَّيْرِ بِهِمْ، قالَ مُسْتَأْنِفًا: ﴿تَرْمِيهِمْ﴾ أيِ الطَّيْرُ ﴿بِحِجارَةٍ﴾ أيْ عَظِيمَةٍ في الكَثْرَةِ والفِعْلِ، صَغِيرَةٍ في المِقْدارِ والحَجْمِ، كانَ كُلُّ [واحِدٍ -] مِنها في نَحْوِ مِقْدارِ العَدَسَةِ، في مِنقارِ كُلِّ طائِرٍ مِنها واحِدٌ وفي كُلِّ رِجْلٍ واحِدٌ. ولَمّا كانَ الشَّيْءُ إذا كانَ مَصْنُوعًا لِلْعَذابِ كانَ أشَدَّ فِعْلًا فِيهِ قالَ: ﴿مِن سِجِّيلٍ﴾ أيْ طِينٍ مُتَحَجِّرٍ مَصْنُوعٍ لِلْعَذابِ في مَوْضِعٍ هو في غايَةِ العُلُوِّ كَما بَيَّنَ في سُورَةِ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قالَ حَمْزَةُ الكَرْمانِيُّ: قالَ أبُو صالِحٍ: رَأيْتُ تِلْكَ الحِجارَةَ مُخَطَّطَةً بِالحُمْرَةِ.

الفيل 105:5

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا المَرْمى هَلاكَهُمْ، وكانَ ذَلِكَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى القادِرُ عَلى ما أرادَ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَ الأثَرَ قَطْعًا لِأنَّ مِثْلَهُ لا يَنْشَأُ عَنْهُ ما نَشَأ مِنَ الهَلاكِ، قالَ: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ أيْ رَبُّكَ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإحْسانِهِ إلى (p-٢٥٨)قَوْمِكَ لِأجْلِكَ بِذَلِكَ ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ أيْ ورَقِ زَرْعٍ وقَعَ فِيهِ الأكّالُ وهو أنْ يَأْكُلَهُ الدُّودُ ويُجَوِّفَهُ لِأنَّ الحَجَرَ كانَ يَأْتِي في الرَّأْسِ فَيَخْرُقُ بِما لَهُ مِنَ الحَرارَةِ وشِدَّةِ الوَقْعِ كُلُّ ما مَرَّ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ مِنَ الدُّبُرِ ويَصِيرَ مَوْضِعَ تَجْوِيفِهِ أسْوَدَ لِما لَهُ مِنَ النّارِيَّةِ، أوْ أكَلَ حَبَّةً فَبَقِيَ صَفَرًا مِنهُ أوْ كَتِبْنٍ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ وراثَتْهُ، ولَكِنَّهُ جاءَ عَلى ما عَلَيْهِ آدابُ القُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ [المائدة: ٧٥] وهَذا الإهْلاكُ في إعْجابِهِ هو مِن مَعانِي الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ في أوَّلِها، فَقَدْ تَعانَقَ طَرَفاها، والتَفَّ أُخْراها بِأُولاها - واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

قريش 106:1

(p-٢٥٩)سُورَةُ قُرَيْشٍ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى [ضِدِّ -] ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الفِيلُ بِأنَّ إهْلاكَ الجاحِدِينَ المُعانِدِينَ لِإصْلاحِ المُقَرَّبِينَ العابِدِينَ، وهو بِشارَةٌ عَظِيمَةٌ لِقُرَيْشٍ خاصَّةً بِإظْهارِ شَرَفِهِمْ في الدّارَيْنِ، واسْمُها قُرَيْشٌ ظاهِرُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، والتَّعْبِيرُ بِقُرَيْشٍ دُونَ قَوْمِكَ أوِ الحَمْسِ مَثَلًا ونَحْوِهِ دالٌّ عَلى أنَّهم يَغْلِبُونَ النّاسَ أجْمَعَ بِقُوَّةٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وبِغَيْرِ قُوَّةٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما فَعَلَ لِأجْلِهِمْ مِن قِصَّةِ الفِيلِ: ”بِسْمِ اللَّهِ“ ذِي السَّبَحاتِ والحَمْدِ فَلَهُ جَمِيعُ الكَمالِ ”الرَّحْمَن“ ذِي النِّعَمِ العامَّةِ بِالإيجادِ والبَيانِ فَهو ذُو الأفْضالِ ”الرَّحِيم“ ذِي الِانْتِقامِ بِالإبْعادِ والِاخْتِصاصِ بِمَن يَشاءُ بِالإسْعادِ بِالتَّقْرِيبِ والإجْلالِ. * * لَمّا كانَ ما فَعَلَهُ سُبْحانَهُ - مِن مَنعِ هَذا الجَيْشِ العَظِيمِ - الَّذِي مِن قُوَّتِهِ طاعَةُ أكْبَرَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الحَيَوانِ البَرِّيِّ فِيما نَعْلَمُهُ لَهُ - مِن دُخُولِ الحَرَمِ الَّذِي هو مَظْهَرُ قُدْرَتِهِ ومَحَلُّ عَظَمَتِهِ الباهِرَةِ وعِزَّتِهِ والمُذَكَّرُ بِخَلِيلِهِ عَلَيْهِ (p-٢٦٠)الصَّلاةُ والسَّلامُ وما كانَ مِنَ الوَفاءِ بِعَظِيمِ خُلَّتِهِ - كَرامَةً لِقُرَيْشٍ عَظِيمَةً ظاهِرَةً عاجِلَةً حِمايَةً لَهم عَنْ أنْ تُسْتَباحَ دِيارُهم وتُسْبى ذَرارِيهِمْ لِكَوْنِهِمْ أوْلادَ خَلِيلِهِ وخُدّامَ بَيْتِهِ وقُطّانَ حَرَمِهِ ومُتَعَزِّزِينَ بِهِ ومُنْقَطِعِينَ إلَيْهِ، وعَنْ أنْ يُخَرِّبَ مَوْطِنَ عِزِّهِمْ ومَحَلِّ أمْنِهِمْ وعَيْشِهِمْ وحِرْزِهِمْ، ذَكَّرَهم سُبْحانَهُ وتَعالى ما فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ الآجِلَةِ إكْرامًا ثانِيًا بِالنَّظَرِ في العاقِبَةِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى أنَّ مَن تَعاظَمَ عَلَيْهِ قَصَمَهُ، ومَن ذَلَّ لَهُ وخَدَمَهُ أكْرَمَهُ وعَظَّمَهُ: ﴿لإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ أيْ لِهَذا الأمْرِ لا غَيْرِهِ فَعَلْنا ذَلِكَ وهو إيقاعُهُمُ الإيلافَ وهو ألِفُهم لِبَلَدِهِمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ طُمَأْنِينَتُهم وهَيْبَةُ النّاسِ لَهُمْ، وذَلِكَ مَلْزُومٌ لِإلْفِهِمْ أوَّلًا في أنْفُسِهِمْ، فَإذا كانَ لَهُمُ الإلْفُ بِحَرَمِهِمْ بِما حَصَلَ لَهم مِنَ العِزِّ والمُكْنَةِ بِهِ بِما دافَعَ عَنْهم فِيهِ مَعَ ما لَهُ مِن بَعْدِ الآفاتِ عَنْهُ، وكانَ لَهُمُ الإلْفُ بَيْنَهُمْ، فَكانَ بَعْضُهم يَأْلَفُ بَعْضًا، قَوِيَ أمْرُهم فَألِفُوا غَيْرَهم أيْ جَعَلُوهُ يَأْلَفُ ما ألِفُوهُ إيّاهُ أيْ سَنُّوهُ لَهُ وأمَرُوهُ بِهِ، أوْ يَكُونَ اللّامُ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ العِبادَةِ بِدَلالَةِ ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ [قريش: ٣] أيْ لِيَعْبُدُونا لِأجْلِ ما أوْقَعْنا مِن إلْفِهِمْ وإيلافِهِمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الإلْفُ عِلَّةٌ لِلْعِبادَةِ أوْ لِما يُوجِبُ الشُّكْرَ بِالعِبادَةِ، وفي هَذا إشارَةٌ إلى تَمامِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّهُ إذا أرادَ شَيْئًا يَسَّرَ سَبَبَهُ لِأنَّ (p-٢٦١)التَّدْبِيرَ كُلَّهُ لَهُ يُخَفِّضُ مَن يَشاءُ وإنَّ عَزَّ، ويَرْفَعُ مَن يَشاءُ وإنَّ ذَلَّ، لِيُثْمِرَ اعْتِقادُ ذَلِكَ حُبَّهُ والِانْقِطاعَ لِعِبادَتِهِ والِاعْتِمادِ عَلَيْهِ في [كُلِّ] نَفْعٍ ودَفْعٍ، وقُرَيْشٌ ولَدُ النَّضِرِ ابْنِ كِنانَةَ واسْمِهِمْ واسْمِ قَبِيلَتِهِمْ مُشْتَقٌّ مِنَ القِرْشِ [والتَّقَرُّشِ] وهو التَّكَسُّبُ والجَمْعُ، يُقالُ: فُلانٌ يَقْرَشُ لِعِيالِهِ ويَقْتَرِشُ أيْ يَكْتَسِبُ، وقالَ البَغَوِيُّ: وقالَ [ أبُو -] رَيْحانَةَ: سَألَ مُعاوِيَةُ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لِمَ سَمُّوا بِهَذا؟ فَقالَ: لِدابَّةٍ تَكُونُ في البَحْرِ [هِيَ -] أعْظَمُ دَوابِّهِ، يُقالُ لَها القِرْشُ، لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الغَثِّ والسَّمِينِ إلّا أكْلَتْهُ، وهي تَأْكُلُ ولا تُؤْكَلُ وتَعْلُو ولا تُعْلى، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ في أشْعارِها؟ قالَ: نَعَمْ، وأنْشَدَ لِلْجُمَحِيِّ: ؎وقُرَيْشٌ هي الَّتِي تَسْكُنُ البَحْرَ بِها ∗∗∗ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؎سَلَّطَتْ بِالعُلُوِّ في لُجَّةِ البَحْرِ عَلى ∗∗∗ ∗∗∗ سائِرِ الجُيُوشِ جُيُوشًا وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هي دابَّةٌ عَظِيمَةٌ تَعْبَثُ بِالسُّفُنِ ولا تُطاقُ إلّا بِالنّارِ، والتَّصْغِيرُ لِلتَّعْظِيمِ - انْتَهى. وقِيلَ: سَمُّوا بِذَلِكَ لِتَجَمُّعِهِمْ إلى الحَرَمِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ، فَإنَّ القِرْشَ - كَما تَقَدَّمَ - الجَمْعُ، وكانَ المَجْمَعُ لَهم قَصِيًّا، والقِرْشُ أيْضًا الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو مِن تَقَرَّشَ الرَّجُلُ - إذا تَنَزَّهَ عَنْ مَدانِيسِ (p-٢٦٢)الأُمُورِ، ومَن تَقارَشَتِ الرِّماحُ في الحَرْبِ - إذا دَخَلَ بَعْضُها في [بَعْضٍ -]. والمادَّةُ كُلُّها لِلشِّدَّةِ والِاخْتِلاطِ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا الِاسْمِ لِمَدْحِهِمْ. وكَما أجْرى سُبْحانَهُ وتُعالى مَدْحَهم عَلى الألْسِنَةِ جَعَلَهم مَوْضِعًا لِلْمَدْحِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى كِنانَةَ مِن بَنِي إسْماعِيلَ واصْطَفى قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ واصْطَفى بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ واصْطَفانِي مَن بَنِي هاشِم» وقالَ ﷺ: «الأئِمَّةُ مِن قُرَيْشٍ» قالَ العُلَماءُ: وذَلِكَ أنَّ طَيِّبَ العُنْصُرِ يُؤَدِّي إلى مَحاسِنِ الأخْلاقِ، ومَحاسِنِ الأخْلاقِ تُؤَدِّي إلى صَفاءِ القَلْبِ، وصَفاءِ القَلْبِ عَوْنٌ عَلى إدْراكِ العُلُومِ، وبِإدْراكِ العُلُومِ تَنالُ الدَّرَجاتِ العُلا في [الدُّنْيا و-] الآخِرَةِ، وصَرَفَ الِاسْمَ هُنا عَلى مَعْنى الحَيِّ لِيَكُونَ الِاسْمُ بِمادَّتِهِ دالًّا عَلى الجَمْعِ، وبِصَرْفِهِ دالًّا عَلى الحَياةِ إشارَةً إلى كَمالِ حَياتِهِمْ ظاهِرًا وباطِنًا، قالَ سِيبَوَيْهِ في مَعْدٍ وقُرَيْشٍ وثَقِيفٍ: صَرَفَ هَذِهِ الأحْياءَ أكْثَرَ، وإنْ جَعَلْتَها اسْمًا لِلْقَبائِلِ - يَعْنِي فَمَنَعْتَها - فَجائِزٌ حَسَنٌ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى تَعَلُّقِ اللّامِ بِفِعْلٍ دَلَّتْ عَلَيْهِ الفِيلُ أنَّ السُّورَتَيْنِ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُورَةٌ واحِدَةٌ مِن غَيْرِ (p-٢٦٣)فَصْلٍ، وأنَّ عَبْدَ الرَّزّاقِ وابْنَ أبِي شَيْبَةَ رَوَيا عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: صَلّى بِنا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ المَغْرِبَ فَقَرَأ في الأُولى بِالتِّينِ والزَّيْتُونِ، وفي الثّانِيَةِ ألَمْ تَرَ كَيْفَ ولِئِيلافِ قُرَيْشٍ. وقالَ [الإمامُ] أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: خَفاءٌ في اتِّصالِهِما أيْ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَعَلَ ذَلِكَ بِأصْحابِ الفِيلِ ومَنَعَهم عَنْ بَيْتِهِ وحَرَمَهُ لِانْتِظامِ شَمْلِ قُرَيْشٍ، وهم سُكّانُ الحَرَمِ وقُطّانُ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، ولِيُؤَلِّفُهم بِهاتَيْنِ الرِّحْلَتَيْنِ فَيُقِيمُوا بِمَكَّةَ وتَأْمَنَ ساحَتُهم - انْتَهى.

قريش 106:2

ولَمّا عَلَّلَ بِالإيلافِ وكانَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا، تَقُولُ: آلَفْتُ المَكانَ أُولِفُهُ إيلافًا فَأنا مُؤَلَّفٌ وآلَفْتُ فُلانًا هَذا الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتَهُ آلِفًا لَهُ، وكانَ الإتْيانُ بِالشَّيْءِ مُحْتَمَلًا لِشَيْئَيْنِ ثُمَّ إبْدالُ أحَدِهِما مِنهُ أضْخَمُ لِشَأْنِهِ وأعْلى لِأمْرِهِ، أبْدَلُ مِنهُ قَوْلُهُ: ﴿إيلافِهِمْ﴾ أيْ إيلافُنا إيّاهم ﴿رِحْلَةَ الشِّتاءِ﴾ الَّتِي يُرَحِّلُونَها في زَمَنِهِ إلى اليَمَنِ لِأنَّها بِلادٌ حارَّةٌ يَنالُونَ بِها مَتاجِرَ الجَنُوبِ ﴿والصَّيْفِ﴾ الَّتِي يُرَحِّلُونَها إلى الشّامِ في زَمَنِهِ لِأنَّها بِلادٌ بارِدَةٌ يَنالُونَ فِيها مَنافِعُ الشَّمالِ، وهم آمَنُونَ مِن سائِرِ العَرَبِ لِأجْلِ عِزِّهِمْ بِالحَرَمِ (p-٢٦٤)المُكَرَّمِ المُعَظَّمِ بِبَيْتِ اللَّهِ والنّاسِ يَتَخَطَّفُونَ مِن حَوْلِهِمْ، فَفَعَلَ اللَّهُ تَعالى بِأصْحابِ الفِيلِ ما فَعَلَ لِيَزْدادَ العَرَبُ لَهم هَيْبَةً وتَعْظِيمًا فَتَزِيدُ في إكْرامِهِمْ لِما رَأتْ مِن إكْرامِ اللَّهِ تَعالى لَهم فَيَكُونُ لَهم غايَةُ التَّمَكُّنِ في رِحْلَتِهِمْ، والرِّحْلَةُ بِالكَسْرِ هَيْئَةُ الرَّحِيلِ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ وهي الجِهَةُ الَّتِي يَرْحَلُ إلَيْها، وكانُوا مَعْذُورِينَ لِذَلِكَ لِأنَّ بَلَدَهم لا زَرْعَ بِهِ [ولا ضَرْعَ -]، فَكانُوا إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ قالُوا: نَحْنُ سُكّانُ حَرَمِ اللَّهِ ووُلاةُ بَيْتِهِ، فَلا يُعَرَّضُ أحَدٌ بِسُوءٍ، فَلَوْلا الرِّحْلَتانِ لَمْ يَكُنْ لَهم مَقامٌ بِمَكَّةَ، ولَوْلا الأمْنُ بِجِوارِ البَيْتِ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّصَرُّفِ، وأوَّلُ مَن سَنَّ لَهُمُ الرِّحْلَةَ هاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنافٍ، وكانَ يُقَسِّمُونَ رِبْحَهم بَيْنَ الغَنِيِّ والفَقِيرِ حَتّى كانَ فَقِيرُهم كَغَنِيِّهِمْ، وفي ذَلِكَ يَقُولُ الشّاعِرُ: ؎قُلْ لِلَّذِي طَلَبَ السَّماحَةَ والنَّدى ∗∗∗ هَلّا مَرَرْتَ بِآلَ عَبْدِ مَنافِ ؎الرّائِشِينَ ولَيْسَ يُوجَدُ رائِشٌ ∗∗∗ ∗∗∗ والقائِلِينَ هَلُمَّ لِلْإضْيافِ ؎والخالِطِينَ فَقِيرِهِمْ بِغَنِيِّهِمْ ∗∗∗ ∗∗∗ حَتّى يَكُونَ فَقِيرُهم كالكافِّ ؎القائِلِينَ بِكُلِّ وعْدٍ صادِقٍ ∗∗∗ ∗∗∗ والرّاحِلِينَ بِرِحْلَةِ الإيلافِ ؎عَمْرُو العُلا هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ ؎(p-٢٦٥)سِفْرَيْنِ سَنَّهُما لَهُ ولِقَوْمِهِ ∗∗∗ ∗∗∗ سِفْرُ الشِّتاءِ ورِحْلَةُ الأصْيافِ وتَبِعَ هاشِمًا عَلى ذَلِكَ إخْوَتُهُ، فَكانَ هاشِمٌ يُؤَلِّفُ إلى الشّامِ وعَبْدُ شَمْسٍ إلى الحَبَشَةِ، والمُطَّلِبُ إلى اليَمَنِ، ونَوْفَلُ إلى فارِسٍ، وكانَ تُجّارُ قُرَيْشٍ يَخْتَلِفُونَ إلى هَذِهِ الأمْصارِ بِحِبالٍ هَذِهِ الإخْوَةِ - أيْ عُهُودُهم - الَّتِي أخَذُوها بِالأمانِ لَهم مِن مَلِكِ كُلَّ ناحِيَةٍ [مِن هَذِهِ النَّواحِي -]، وأفْرَدَ الرِّحْلَةَ في مَوْضِعِ التَّثْنِيَةِ لِتَشْمَلِ كُلَّ رِحْلَةٍ - كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ وأسْماءُ الأجْناسِ، إشارَةٌ [لَهم -] بِالبِشارَةِ بِأنَّهم يَتَمَكَّنُونَ عَنْ قَرِيبٍ مِنَ الرِّحْلَةِ إلى أيِّ بَلَدٍ أرادُوا لِشُمُولِ الأمْنِ لَهم وبِهِمْ جَمِيعَ الأرْضِ بِما نَشَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الخَيْرِ في قُلُوبِ عِبادِهِ في سائِرِ الأرْضِ بِواسِطَةِ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ الَّذِي هو أشْرَفُهم وأعْظَمُهم وأجَلُّهم وأكْرَمُهم.

قريش 106:3

ولَمّا كانَ هَذا التَّدْبِيرُ لَهم مِنَ اللَّهِ كافِيًا لِهُمُومِهِمُ الظّاهِرَةِ بِالغِنى والباطِنَةِ بِالأمْنِ، وكانَ شُكْرُ المُنْعِمِ واجِبًا، فَإذا أنْعَمَ بِما يَفْرَغُ المُنْعِمُ عَلَيْهِ لِلشُّكْرِ كانَ وُجُوبُهُ عَلَيْهِ أعْظَمَ، سَبَبٌ عَنِ الإنْعامِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَعْبُدُوا﴾ أيْ قُرَيْشٌ عَلى سَبِيلِ الوُجُوبِ شُكْرًا عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ خاصَّةً إنْ لَمْ يَشْكُرُوهُ عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ الَّتِي لا تُحْصى لِأنَّهم يَدَّعُونَ (p-٢٦٦)أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ وأبْعَدُهم عَنِ الكُفْرانِ ﴿رَبَّ هَذا البَيْتِ﴾ أيِ المُوجِدِ لَهُ والمُحْسِنِ إلى أهْلِهِ بِتَرْبِيَتِهِمْ بِهِ وبِحِفْظِهِ مِن كُلِّ طاغٍ، وتَأْثِيرِهِ لِأجْلِ حُرْمَتِهِ في كُلِّ باغٍ، وبِإذْلالِ الجَبابِرَةِ لَهُ لِيَكْمُلَ إحْسانُهُ إلَيْهِمْ وعَطْفُهُ عَلَيْهِمْ بِإكْمالِ إعْزازِهِ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وجَعَلَ ما دامُوا عابِدِينَ لَهُ مَوْصُولًا بِعِزِّ الآخِرَةِ، فَتَتِمُّ النِّعْمَةُ وتُكْمِلُ الرَّحْمَةَ، والمُرادُ بِهِ الكَعْبَةُ، عَبَّرَ عَنْها بِالإشارَةِ تَعْظِيمًا إشارَةً إلى أنَّ ما تَقَدَّمَ في السُّورَةِ الماضِيَةِ مِنَ المُدافَعَةِ عَنْهم مَعْرُوفٌ أنَّهُ بِسَبَبِهِ لا يَحْتاجُ إلى تَصْرِيحٍ، وأنَّ ذَلِكَ جَعَلَهُ مُتَصَّورًا في كُلِّ ذِهْنٍ حاضِرًا مُشاهَدًا لِكُلِّ مُخاطَبٍ، وفي هَذا التَّلْوِيحِ مِنَ التَّعْظِيمِ ما لَيْسَ لِلتَّصْرِيحِ، ثُمَّ وصَفَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ بِما هو ثَمَرَةُ الرِّحْلَتَيْنِ ومَظْهَرٌ لِزِيادَةِ شَرَفِ البَيْتِ فَقالَ تَعالى:

قريش 106:4

﴿الَّذِي أطْعَمَهُمْ﴾ أيْ قُرَيْشًا بِحَمْلِ المِيرَةِ إلى مَكَّةَ بِالرِّحْلَتَيْنِ آمَنِينَ مِن أنْ يُهاجُوا، وبِإهْلاكِ الَّذِينَ أرادُوا إخْرابَ البَيْتِ الَّذِي بِهِ نِظامُهُمْ، إطْعامًا مُبْتَدِئًا ﴿مِن جُوعٍ﴾ أيْ عَظِيمٍ فِيهِ غَيْرُهم مِنَ العَرَبِ، أوْ كانُوا هم فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِأنَّ بَلَدَهم مُهَيَّأٌ لِذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ بِذِي زَرْعٍ، فَهم عُرْضَةٌ لِلْفَقْرِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُوعُ، فَكَفاهم ذَلِكَ وحْدَهُ ولَمْ يُشْرِكْهُ أحَدٌ في كِفايَتِهِمْ، فَلَيْسَ مِنَ الشُّكْرِ إشْراكُهم في عِبادَتِهِ ولا مِنَ البِرِّ بِأبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ (p-٢٦٧)الصَّلاةُ والسَّلامُ الَّذِي دَعا لَهم بِالرِّزْقِ ونَهى أشَدَّ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ الأصْنامِ، ولَمْ [يَقُلْ: أشْبَعُهم -] لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّهم كانَ يَشْبَعُ، ولِأنَّ مَن كانَ يَشْبَعُ مِنهم طالِبٌ لِأكْثَرَ مِمّا [هُوَ -] عِنْدَهُ «ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ» . ولَمّا ذَكَرَ السَّبَبَ في إقامَةِ الظّاهِرِ، ذَكَرَ السَّبَبَ في إقامَةِ العَيْشِ بِنِعْمَةِ الباطِنِ فَقالَ: ﴿وآمَنَهُمْ﴾ أيْ تَخْصِيصًا لَهم ﴿مِن خَوْفٍ﴾ أيْ شَدِيدٍ جِدًّا مِن أصْحابِ الفِيلِ ومِمّا يَنالُ مِن حَوْلِهِمْ مِنَ التَّخَطُّفِ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ والغاراتِ وبِالأمْنِ مِنَ الجُذامِ بِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، [ومِنَ الطّاعُونِ والدَّجّالِ بِتَأْمِينِ النَّبِيِّ ﷺ -]، وعَنْ ذَلِكَ تَسَبَّبَ الِاتِّحافُ بِما خَصَّهم بِهِ مِنَ الإيلافِ، فَعَلِمَ [أنَّ -] آخِرَها عِلَّةٌ لِأوَّلِها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إلْفُهم لِلْبَلَدِ وقَعَ أوَّلًا فَحَماهُ اللَّهُ لَهم مِمّا ذَكَرَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مُسَبِّبًا عَنِ الإلْفِ فَيَكُونُ أوَّلُها عِلَّةً لِآخِرِها، فَقَدِ التَقى الطَّرَفانِ، والتَأمَ البَحْرانِ المُغْتَرِفانِ، وكَما التَقى آخِرُ كُلِّ سُورَةٍ مَعَ أوَّلِها فَكَذَلِكَ التَقى آخِرُ القُرْآنِ العَظِيمِ بِأوَّلِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى تِسْعِ سُوَرٍ هَذِهِ أوَّلُها إذا عَدَدْتَ مِنَ الآخِرِ إلَيْها، فَإنَّ حاصِلَها المَنُّ عَلى قُرَيْشٍ بِالإعانَةِ عَلى المَتْجَرِ إيلافًا لَهم بِالرِّحْلَةِ فِيهِ والضَّرْبِ في الأرْضِ بِسَبَبِهِ (p-٢٦٨)واخْتِصاصِهِمْ بِالأمْرِ بِعِبادَةِ الَّذِي مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالبَيْتِ الحَرامِ وجَلَبَ لَهم بِهِ الأرْزاقَ والأمانَ، ومَن أعْظَمِ مَقاصِدِ التَّوْبَةِ - المُناظَرَةُ لِهَذِهِ بِكَوْنِها التّاسِعَةَ مِنَ الأوَّلِ - البَراءَةُ مِن كُلِّ مارِقٍ، وأنَّ فِعْلَ ذَلِكَ يَكُونُ سَبَبًا لِلْأُلْفَةِ بَعْدَ ما ظَنَّ أنَّهُ سَبَبُ الفُرْقَةِ، وذَكَرَ مَناقِبَ البَيْتِ ومَن يَصْلُحُ لِخِدْمَتِهِ، والفَوْزِ بِأمانِهِ ونِعْمَتِهِ، والبِشارَةُ بِالغِنى عَلى وجْهٍ أعْظَمَ مِن تَحْصِيلِهِ بِالمَتْجَرِ وأبْهى وأبْهَرَ، وأوْفى وأوْفَرَ، وأزْهى وأزْهَرَ، وأجَّلَ وأفْخَرَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٧] الآياتُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] فَعُلِمَ بِهَذا عِلْمًا جَلِيًّا أنَّهُ شَرَعَ سُبْحانَهُ في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ مِن سُورَةِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِإنْزالِ القُرْآنِ بِلِسانِهِمْ وأرْسَلَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِمْ كَما أكْرَمَهم بِبِناءِ البَيْتِ في شَأْنِهِمْ، وتَعْظِيمِهِ لِغِناهم وأمانِهِمْ، ومِن أعْظَمِ المُناسَباتِ في ذَلِكَ كَوْنُ أوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي أخَذَ فِيها في رَدِّ المَقْطَعِ عَلى المَطْلَعِ شَدِيدِ المُشابَهَةِ لِلسُّورَةِ المُناظِرَةِ لَها حَتّى أنَّ في كُلٍّ مِنهُما مَعَ الَّتِي قَبْلَها كالسُّورَةِ الواحِدَةِ فَإنَّ بَراءَةً مَعَ الأنْفالِ كَذَلِكَ حَتّى قالَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ (p-٢٦٩)ولَمْ يُبَيِّنْ أمْرَها، فَلَمْ يَتَحَرَّرْ لَهُ أنَّها مُسْتَقِلَّةٌ عَنْها، ولِذَلِكَ لَمْ يَكْتُبْ بَيْنَهُما سَطْرَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وكانَتْ هَذِهِ الَّتِي مِنَ الآخِرِ مَقْطُوعًا بِأنَّها مُسْتَقِلَّةٌ مَعَ ما ورَدَ مِن كَوْنِها مَعَ الَّتِي قَبْلَها سُورَةٌ واحِدَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وقِراءَةُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ [لَهُما] عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِذَلِكَ كَما مَضى إشارَةً إلى أنَّ الآخَرَ يَكُونُ أوْضَحَ مِنَ الأوَّلِ، ومِن أغْرَبِ ذَلِكَ أنَّ السُّورَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ سُورَتِيِّ المُناظَرَةِ بَيْنَ أمْرَيْهِما طِباقٌ، فالأوْلى في الآخِرِ وهي الفِيلُ أكْرَمَ اللَّهُ فِيها قُرَيْشًا بِإهْلاكِ [أهْلِ -] الإنْجِيلِ، والأوْلى في الأوَّلِ وهي الأنْفالُ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ فِيها بِنَصْرِ أهْلِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ بِإهْلاكِ جَبابِرَتِهِمْ، فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ وسُقُوطِ نَخْوَتِهِمُ المُفْضِي إلى سَعادَتِهِمْ، وعَلِمَ أنَّ البَراءَةَ وغَيْرَها إنَّما عَمِلَ لِإكْرامِهِمْ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِالذّاتِ وبِالقَصْدِ الأوَّلِ بِالإرْسالِ والنّاسُ لَهم تَبَعٌ كَما أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ تَبَعٌ لِلرَّسُولِ الفاتِحِ الخاتَمِ الَّذِي شُرِّفُوا بِإرْسالِهِ إلَيْهِ ﷺ، وكانَ عَدَدُ التِّسْعِ مُشِيرًا إلى أنَّ قُرَيْشًا أهْلٌ لِأنْ يَتَّصِلُوا بِعُرُوجِ الأسْرارِ في المَلَكُوتِ إلى [الفُلْكِ -] التّاسِعِ، وهو العَرْشُ الَّذِي هو مَقْلُوبُ الشَّرْعِ، فَهم يَصْعَدُونَ بِأسْرارِ الشَّرْعِ - الَّتِي مِن أعْظَمِها الصَّلاةُ - مِنَ الأسْفَلِ إلى الأعْلى (p-٢٧٠)مِنَ الطَّرَفَيْنِ مَعًا كَما أنَّهُ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ بِالبَرَكاتِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وإذا ضَمَمْتَ التِّسْعَ الأُولى إلى الأُخْرى كانَتْ ثَمانِ عَشْرَةَ، فَكانَتْ مُشِيرَةً إلى رَكَعاتِ الصَّلَواتِ مَضْمُومًا إلَيْها الوِتْرُ، وإلى ظُهُورِ الدِّينِ ظُهُورًا كامِلًا [عَلى -] غالِبِ أقْطارِ الأرْضِ كَما كانَ في سَنَةِ ثَمانٍ وعِشْرِينَ، وهي الثّامِنَةَ عَشَرَ مِن مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ في أثْناءِ خِلافَةِ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَإنَّهُ كانَ فِيها قَدْ تَمَزَّقَ مُلْكُ كِسْرى وضَعُفَ جِدًّا، وكَذا مَلِكُ.الرُّومِ مَعَ ما كانَ مِن زَوالِ أمْرِ القِبْطِ بِالكُلِّيَّةِ، ومِن بَدِيعِ الإشاراتِ أيْضًا أنَّك إذا نَظَرْتَ إلى نُزُولِ بَراءَةٍ وجَدْتَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وعَقِبَ الرُّجُوعِ مِنها، فَكانَ كَوْنُها تاسِعَةً ونُزُولُها في السَّنَةِ التّاسِعَةِ مُشِيرًا إلى كَوْنِ الدِّينِ يَظْهَرُ عَلى كُلِّ مُخالِفٍ بَعْدَ تِسْعِ سِنِينَ، وهي السَّنَةُ الثّامِنَةُ مِن مَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ في وسَطِ خِلافَةِ الفارُوقِ حِينَ ظَهَرَ المُسْلِمُونَ عَلى الفُرْسِ والرُّومِ، فَقَتَلُوا رِجالَهُمْ، وانْتَثَلُوا أمْوالَهُمْ، كَما كانَ قَدْ ظَهَرَ عِنْدَ نُزُولِها عَلى عُبّاد الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ، ومِنَ الغَرِيبِ أنَّ قِصَّةَ الفِيلِ كانَتْ سَنَةَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَهي قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِأرْبَعِينَ سَنَةً بِعَدَدِ كَلِماتِ السُّورَتَيْنِ: [الفِيلُ -] وقُرَيْشٌ، فَإنَّ الفِيلَ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ وقُرَيْشٌ سَبْعَ عَشْرَةَ، وذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - إشارَةٌ إلى أنَّ ابْتِداءَ الأمْنِ - بِإهْلاكِهِمْ والإشْباعِ بِنَهْبِ ما كانَ مَعَهم مِن أمْوالِهِمْ ومَتاعِهِمْ - كانَ لِمَوْلِدِهِ ﷺ (p-٢٧١)وتَشْرِيفُ الوُجُودِ بِوُجُودِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ ظاهِرًا كَما كانَ السَّبَبُ - الَّذِي هو وُجُودُهُ ﷺ - ظاهِرًا، وإلى أنَّ وسَطَهُ يَكُونُ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ، ويَكُونُ ذَلِكَ باطِنًا كَما أنَّ السَّبَبَ - وهو الوَحْيُ باطِنٌ، ثُمَّ كانَ أمْنُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في السَّنَةِ الثّامِنَةِ المُوازِيَةِ لِعَدَدِ كَلِماتِ البَسْمَلَتَيْنِ عَلى يَدِ النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ الَّذِينَ كانَ الأمْنُ أوَّلًا بِإهْلاكِهِمْ، وإذا ضَمَمْتَ إلَيْها أحَدَ عَشَرَ ضَمِيرًا - سَبْعَةٌ في الفِيلِ وأرْبَعَةٌ في قُرَيْشٍ - كانَتْ تِسْعًا وخَمْسِينَ تُوازِيها إذا حَسَبْتَ مِنَ المَوْلِدِ سُنَّةَ [سِتٍّ -] مِنَ الهِجْرَةِ، وفِيها كانَتْ عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ وهي الفَتْحُ السَّبَبِيُّ [الخَفِيُّ -]، وإلى ذَلِكَ أشارَ ﷺ بِقَوْلِهِ في بُرُوكِ ناقَتِهِ الشَّرِيفَةِ حِينَ بَرَكَتْ فَقالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ: خَلَأتِ القُصْوى - أيْ حَرَنَتْ: «”ما خَلَأتْ ولَكِنْ حَبَسَها حابِسُ الفِيلِ»“ وفِيها نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، فَكانَ سَبَبُ الأمْنِ العَظِيمِ والغِنى، وعَقِبَها في سَنَتِها كانَ البَعْثُ إلى مُلُوكِ الأمْصارِ، وفَتْحُ خَيْبَرَ و[انْبِساطُ] ذِكْرِ الإسْلامِ في جَمِيعِ الأقْطارِ، وكَذا كانَ عَقِبَها قَبْلَ عُمْرَةِ القَضِيَّةِ إسْلامُ عَمْرِو بْنِ العاصِ عَلى يَدِ النَّجاشِيِّ لَمّا سَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ عَمْرَو بْنَ أُمَّيْهِ الضَّمْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ (p-٢٧٢)عَنْهُ لِيَقْتُلَهُ، وذَلِكَ حِينَ أرْسَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ فَأنْكَرَ النَّجاشِيُّ ذَلِكَ عَلى ابْنِ العاصِ وشَهِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالرِّسالَةِ وأمَرَهُ بِأنْ يُؤْمِنَ بِهِ، فَفَعَلَ فَكانَ مَلِكُ الحَبَشَةِ بِدُعاءِ النَّبِيِّ ﷺ ناجِيًا هادِيًا، [و -] إلى النَّبِيِّ ﷺ [داعِيًا، عَكْسَ ما كانَ لِمَلِكِ الحَبَشَةِ بِمَوْلِدِهِ ﷺ -] مِن أنَّهُ كانَ هالِكًا، وإلى الجَحِيمِ هاوِيًا، وإنْ حَسِبْتَ مِن سَنَةِ بُنْيانِ الكَعْبَةِ في الخامِسَةِ والعِشْرِينَ مِن مَوْلِدِهِ ﷺ كانَتِ السَّنَةُ التّاسِعَةُ والخَمْسُونَ هي الحادِيَةُ والثَّلاثُونَ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وهي سَنَةُ اسْتِئْصالِ مُلْكِ الفُرْسِ بِقَتْلِ آخِرِ مُلُوكِهِمْ يَزْدَجَرْدَ، والفُرْسِ هُمُ الَّذِينَ أزالُوا الحَبَشَةَ عَنْ بِلادِ اليَمَنِ وطَهَّرُوا مِنهم أرْضَ العَرَبِ، ولَعَلَّ قِسْمَةَ السُّورَتَيْنِ إلى ثَلاثٍ وعِشْرِينَ وسَبْعَ عَشْرَةَ إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا المَوْلِدِ الشَّرِيفِ الَّذِي حُرِسَتِ الكَعْبَةُ بِمَوْلِدِهِ ﷺ وحَصَلَ الأمْنُ والعِزُّ بِبَرَكَتِهِ تَبَنّى الكَعْبَةَ وتَجَدَّدَ بَعْدَ بِضْعٍ وعِشْرِينَ سَنَةً مِن مَوْلِدِهِ، قالُوا: كانَ بُنْيانُها [و -] سِنُّهُ خَمْسٌ وعِشْرُونَ [سَنَةً -]، فَلَعَلَّهُ كانَ في آخِرِ الرّابِعَةِ والعِشْرِينَ، ولَعَلَّ قِصَّةَ الفِيلِ كانَتْ ولَهُ نَحْوُ سَنَةٌ مِن حِينِ الوِلادَةِ، وبِهِ حِينَ البُنْيانِ ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُرَيْشٍ بَعْدَ أنْ كانُوا تَنافَرُوا أشَدَّ المُنافَرَةِ وتَعاقَدُوا عَلى الحَرْبِ في أمْرِ الحَجْرِ (p-٢٧٣)الأسْوَدِ مِن يَضَعُهُ في مَوْضِعِهِ حَتّى أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَهم بِهِ ﷺ فَوَضَعَهُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ في ثَوْبٍ، وأمَرَهم فَأمْسَكَتْ جَمِيعُ القَبائِلِ بِأطْرافِهِ، ثُمَّ رَفَعُوهُ حَتّى وازَوْا بِهِ مَوْضِعَهُ فَأخَذَهُ [هُوَ -] ﷺ فَوَضَعَهُ في مَكانِهِ، فَكانَ الشَّرَفُ لَهُ خاصَّةً في الإصْلاحِ والبُنْيانِ، وتُشِيرُ مَعَ ذَلِكَ إلى أنَّهُ يَبْقى في النُّبُوَّةِ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَتَوَفّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ جَعَلَ اللَّهُ كَيْدَ جَمِيعِ الكَفَرَةِ في تَضْلِيلٍ مِن عُبّادِ الأوْثانِ والفُرْسِ والرُّومِ وغَيْرِهِمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ الَّتِي ألَّفَ اللَّهُ بِها بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ حَتّى انْسابُوا عَلى غَيْرِهِمْ فَما وافَقَهم أحَدٌ ناوَشُوهُ القِتالَ وساوَمُوهُ النِّضالَ والنِّزالَ، ولَعَلَّ الإشارَةَ بِكَوْنِ قُرَيْشٍ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً إلى أنَّهُ ﷺ بَعْدَ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً مِن بُنْيانِ البَيْتِ يَبْعَثُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأمْرِ قُرَيْشٍ بِالعِبادَةِ الَّتِي أجَلُّها الصَّلاةُ الَّتِي أعْظَمُها الفَرائِضُ الَّتِي هي سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً شُكْرًا لِنِعْمَةِ مَن آمَنَهم مِن خَوْفٍ وأطْعَمَهم مِن جُوعٍ بِأعْظَمِ العِبادَةِ، وإلى أنَّ ابْتِداءَ أُلْفَةِ قُرَيْشٍ بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ بَعْدَ الشَّتاتِ العَظِيمِ الظّاهِرِ وجَعَلَ كَيْدَ الكُفّارِ في تَضْلِيلٍ يَكُونُ في السَّنَةِ السّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ، وذَلِكَ سَنَةُ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ فَإنَّ فِيها كانَ إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ مِنَ اليَهُودِ (p-٢٧٤)مِنَ المَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وإخْلافِ قُرَيْشٍ [المَوْعِدَ -] في بَدَلِ المَوْعِدِ وهَنًا مِنهم عَنْ لِقاءِ جَيْشِ النَّبِيِّ ﷺ، وكانَتْ بَعْدُ بِيَسِيرِ غَزْوَةِ الأحْزابِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ انْصِرافِهِمْ: «الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا» - يَعْنِي أنَّ نَخْوَةَ الشَّيْطانِ مِنهم وحَمِيَّةَ الجاهِلِيَّةِ أخَذَتْ في الِاضْمِحْلالِ لِانْتِهاءِ قُوَّتِهِمْ في الباطِلِ الَّذِي كانَ سَبَبَ عِزِّهِمُ الظّاهِرِيِّ الَّذِي هو الذُّلُّ في الباطِنِ، وكانَ ذَلِكَ ابْتِداءَ عِزِّهِمْ في الباطِنِ الَّذِي هو ذُلُّهم لِأهْلِ الإسْلامِ في الظّاهِرِ، وفي أثَرِ الأحْزابِ كانَتْ غَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإذا ضَمَمْتَ إلى الكَلِماتِ الضَّمائِرَ الأرْبَعَةَ كانَتْ إحْدى وعِشْرِينَ تَوازِيها سَنَةَ ثَمانٍ مِنَ الهِجْرَةِ وهي سَنَةُ الفَتْحِ الأعْظَمِ الَّذِي وقَعَتْ بِهِ الأُلْفَةُ العُظْمى بَيْنَ قُرَيْشٍ وأمْنِهِمْ وغِناهُمُ الَّذِي وعَدَهم [اللَّهُ -] بِهِ في السُّورَةِ المُناظِرَةِ لَها - وهي بَراءَةُ - بِائْتِلافِ جَمِيعِ العَرَبِ وانْبِعاثِهِمْ لِاجْتِماعِ كَلِمَتِهِمْ إلى جِهادِ الفُرْسِ والرُّومِ والقِبْطِ وأخْذِهِمْ لِبِلادِهِمْ، وانْتِثالِهِمْ لِكُنُوزِهِمْ وتَحَكُّمِهِمْ في نِسائِهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَسُبْحانَ مَن هَذا كَلامُهُ، وتَعالى شَأْنُهُ وعَزَّ مَرامُهُ.