Lafzullah

Nazam Al-Durar Al-Biqa'i — الانشقاق 84:1 – الليل 92:21

المؤلف / المصدر: Nazam Al-Durar Al-Biqa'i

المحتويات
  1. الانشقاق 84:1
  2. الانشقاق 84:2
  3. الانشقاق 84:3
  4. الانشقاق 84:4
  5. الانشقاق 84:5
  6. الانشقاق 84:6
  7. الانشقاق 84:7
  8. الانشقاق 84:8
  9. الانشقاق 84:9
  10. الانشقاق 84:10
  11. الانشقاق 84:11
  12. الانشقاق 84:12
  13. الانشقاق 84:13
  14. الانشقاق 84:14
  15. الانشقاق 84:15
  16. الانشقاق 84:16
  17. الانشقاق 84:17
  18. الانشقاق 84:18
  19. الانشقاق 84:19
  20. الانشقاق 84:20
  21. الانشقاق 84:21
  22. الانشقاق 84:22
  23. الانشقاق 84:23
  24. الانشقاق 84:24
  25. الانشقاق 84:25
  26. البروج 85:1
  27. البروج 85:2
  28. البروج 85:3
  29. البروج 85:4
  30. البروج 85:5
  31. البروج 85:6
  32. البروج 85:7
  33. البروج 85:8
  34. البروج 85:9
  35. البروج 85:10
  36. البروج 85:11
  37. البروج 85:12
  38. البروج 85:13
  39. البروج 85:14
  40. البروج 85:15
  41. البروج 85:16
  42. البروج 85:17
  43. البروج 85:18
  44. البروج 85:19
  45. البروج 85:20
  46. البروج 85:21
  47. البروج 85:22
  48. الطارق 86:1
  49. الطارق 86:2
  50. الطارق 86:3
  51. الطارق 86:4
  52. الطارق 86:5
  53. الطارق 86:6
  54. الطارق 86:7
  55. الطارق 86:8
  56. الطارق 86:9
  57. الطارق 86:10
  58. الطارق 86:11
  59. الطارق 86:12
  60. الطارق 86:13
  61. الطارق 86:14
  62. الطارق 86:15
  63. الطارق 86:16
  64. الطارق 86:17
  65. الأعلى 87:1
  66. الأعلى 87:2
  67. الأعلى 87:3
  68. الأعلى 87:4
  69. الأعلى 87:5
  70. الأعلى 87:6
  71. الأعلى 87:7
  72. الأعلى 87:8
  73. الأعلى 87:9
  74. الأعلى 87:10
  75. الأعلى 87:11
  76. الأعلى 87:12
  77. الأعلى 87:13
  78. الأعلى 87:14
  79. الأعلى 87:15
  80. الأعلى 87:16
  81. الأعلى 87:17
  82. الأعلى 87:18
  83. الأعلى 87:19
  84. الغاشية 88:1
  85. الغاشية 88:2
  86. الغاشية 88:3
  87. الغاشية 88:4
  88. الغاشية 88:5
  89. الغاشية 88:6
  90. الغاشية 88:7
  91. الغاشية 88:8
  92. الغاشية 88:9
  93. الغاشية 88:10
  94. الغاشية 88:11
  95. الغاشية 88:12
  96. الغاشية 88:13
  97. الغاشية 88:14
  98. الغاشية 88:15
  99. الغاشية 88:16
  100. الغاشية 88:17
  101. الغاشية 88:18
  102. الغاشية 88:19
  103. الغاشية 88:20
  104. الغاشية 88:21
  105. الغاشية 88:22
  106. الغاشية 88:23
  107. الغاشية 88:24
  108. الغاشية 88:25
  109. الغاشية 88:26
  110. الفجر 89:1
  111. الفجر 89:2
  112. الفجر 89:3
  113. الفجر 89:4
  114. الفجر 89:5
  115. الفجر 89:6
  116. الفجر 89:7
  117. الفجر 89:8
  118. الفجر 89:9
  119. الفجر 89:10
  120. الفجر 89:11
  121. الفجر 89:12
  122. الفجر 89:13
  123. الفجر 89:14
  124. الفجر 89:15
  125. الفجر 89:16
  126. الفجر 89:17
  127. الفجر 89:18
  128. الفجر 89:19
  129. الفجر 89:20
  130. الفجر 89:21
  131. الفجر 89:22
  132. الفجر 89:23
  133. الفجر 89:24
  134. الفجر 89:25
  135. الفجر 89:26
  136. الفجر 89:27
  137. الفجر 89:28
  138. الفجر 89:29
  139. الفجر 89:30
  140. البلد 90:1
  141. البلد 90:2
  142. البلد 90:3
  143. البلد 90:4
  144. البلد 90:5
  145. البلد 90:6
  146. البلد 90:7
  147. البلد 90:8
  148. البلد 90:9
  149. البلد 90:10
  150. البلد 90:11
  151. البلد 90:12
  152. البلد 90:13
  153. البلد 90:14
  154. البلد 90:15
  155. البلد 90:16
  156. البلد 90:17
  157. البلد 90:18
  158. البلد 90:19
  159. البلد 90:20
  160. الشمس 91:1
  161. الشمس 91:2
  162. الشمس 91:3
  163. الشمس 91:4
  164. الشمس 91:5
  165. الشمس 91:6
  166. الشمس 91:7
  167. الشمس 91:8
  168. الشمس 91:9
  169. الشمس 91:10
  170. الشمس 91:11
  171. الشمس 91:12
  172. الشمس 91:13
  173. الشمس 91:14
  174. الشمس 91:15
  175. الليل 92:1
  176. الليل 92:2
  177. الليل 92:3
  178. الليل 92:4
  179. الليل 92:5
  180. الليل 92:6
  181. الليل 92:7
  182. الليل 92:8
  183. الليل 92:9
  184. الليل 92:10
  185. الليل 92:11
  186. الليل 92:12
  187. الليل 92:13
  188. الليل 92:14
  189. الليل 92:15
  190. الليل 92:16
  191. الليل 92:17
  192. الليل 92:18
  193. الليل 92:19
  194. الليل 92:20
  195. الليل 92:21

الانشقاق 84:1

(p-٣٣٥)سُورَةُ الِانْشِقاقِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى آخِرِ المُطَفِّفِينَ مِن أنَّ الأوْلِياءَ يُنَعَّمُونَ والأعْداءُ يُعَذَّبُونَ، لِأنَّهم كانُوا لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ ولا بِالعَرْضِ عَلى المَلِكِ الَّذِي أوَجَدَهم ورَبّاهم كَما يَعْرِضُ المُلُوكَ عَبِيدَهم ويَحْكُمُونَ بَيْنَهم فَيَنْقَسِمُونَ إلى أهْلِ ثَوابٍ وأهْلِ عِقابٍ واسْمُها الِانْشِقاقُ أدُلُّ دَلِيلٍ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ الظَّرْفِ وجَوابِهِ الدّالِّ عَلى النّاقِدِ البَصِيرِ وحِسابِهِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) ذِي الجَلالِ والإكْرامِ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي كَمُلَتْ نِعْمَتُهُ فَشَمَلَتِ الخاصَّ والعامَّ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي أتَمَّها بَعْدَ العُمُومِ عَلى أوْلِيائِهِ فَأسْعَدَهم بِإتْمامِ الإنْعامِ. * * لَمّا خَتَمَتِ التَّطْفِيفُ بِأنَّ الأوْلِياءَ في نَعِيمٍ، وأنَّ الأعْداءَ في جَحِيمٍ ثَوابًا وعِقابًا، ابْتَدَأ هَذِهِ بِالإقْسامِ عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إذا السَّماءُ﴾ أيْ عَلى ما لَها مِنَ الإحْكامِ والعَظَمَةِ والحِكْمَةِ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها غَيْرُهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ﴿انْشَقَّتْ﴾ أيْ فَصارَتْ واهِيَةً وفَتَحَتْ أبْوابًا فَتَخَرَّبَتْ وتَهَدَّمَتْ، وذَلِكَ بَعْدَ القِيامِ مِنَ القُبُورِ كَما مَضى في الحاقَّةِ عَنْ إحْدى رِوايَتَيِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما

الانشقاق 84:2

﴿وأذِنَتْ﴾ أيْ كانَتْ (p-٣٣٦)شَدِيدَةَ الِاسْتِماعِ والطَّواعِيَةِ والِانْقِيادِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ كَمَن لَهُ أُذُنٌ واعِيَةٌ ونَفْسٌ مُطَمْئِنَّةٌ راضِيَةٌ ﴿لِرَبِّها﴾ أيْ لِأمْرِ المُخْتَرِعِ لَها والمُدَبِّرِ لِجَمِيعِ أمْرِها، وهي الآنَ وإنْ كانَتْ مُنْقادَةً فانْقِيادُها ظاهِرٌ لِأكْثَرِ [الخَلْقِ - ] وهُمُ المُثَبَّتَةُ، وأمّا المُعَطِّلَةُ فَرُبَّما نَسَبُوا تَأْثِيراتِها إلى الطَّبائِعِ والكَواكِبِ وأمّا عِنْدَ الِانْشِقاقِ فَيَحْصُلُ الكَشْفُ التّامُّ فَلا يَبْقى لِأحَدٍ شُبْهَةٌ ﴿وحُقَّتْ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أنَّها مَجْبُولَةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ [عَلَيْها - ] ثابِتٌ لَها، فَهي حَقِيقَةٌ بِهِ لِأنَّها مَرْبُوبَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ، وكُلُّ مَرْبُوبٍ فَهو حَقِيقٌ بِالِانْقِيادِ لِرَبِّهِ، وهي لَمْ تَزَلْ مُطِيعَةً لَهُ في ابْتِدائِها وانْتِهائِها، لَكِنَّ هُناكَ يَكُونُ الكَشْفُ التّامُّ لِجَمِيعِ الأنامِ.

الانشقاق 84:3

ولَمّا بَدَأ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ لِأنَّهُ أعْلى مَكانَةٍ ومَكانًا، ثَنى بِالسُّفْلِيِّ فَقالَ تَعالى: ﴿وإذا الأرْضُ﴾ أيْ [عَلى - ] ما لَها مِنَ الصَّلابَةِ والثَّخانَةِ والكَثافَةِ، وأشارَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى سُهُولَةِ الفِعْلِ فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وسُرْعَةِ انْفِعالِها مَعَ كَوْنِهِ أعْجَبَ مِنَ انْشِقاقِ السَّماءِ فَإنَّهُ رُبَّما كانَ في الشَّيْءِ لِوَهْيِهِ مِن تَطاوُلِ مُرُورِ الزَّمانِ عَلَيْهِ بِخِلافِ المَدِّ فَقالَ: ﴿مُدَّتْ﴾ أيْ بَسَطْتُ بَسْطَ الأدِيمِ ومَطَّتْ فامْتَطَتْ فَزِيدَ في سِعَتِها جِدًّا بَعْدَ أنْ تَمَهَّدَتْ فَصارَتْ دَكاءً فَزالَتْ جِبالُها وآكامُها وتِلالُها، فَلا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا كَما أنَّ الأدِيمَ إذا مَدَّ كانَ كَذَلِكَ فَزالَ تَثَنِّيهِ واتَّسَعَ.

الانشقاق 84:4

(p-٣٣٧)ولَمّا كانَ الجِلْدُ جَدِيرًا بِأنَّهُ إذا مُدَّ أنْ يُبَيِّنَ عَنْ كُلِّ ما فِيهِ مِن غَيْرِهِ قالَ: ﴿وألْقَتْ ما فِيها﴾ أيْ أخْرَجَتْ ما في بَطْنِها مِنَ الأمْوالِ والكُنُوزِ والأمْواتِ إخْراجًا سَرِيعًا كَأنَّها تَقْذِفُهُ قَذْفًا، وذَلِكَ أيْضًا كالبِساطِ إذا نَقَضَ ﴿وتَخَلَّتْ﴾ أيْ تَعَمَّدَتْ وتَكَلَّفَتِ الخُلُوَّ عَنْ ذَلِكَ والتَّرْكَ لَهُ بِغايَةِ جُهْدِها، أيْ فَعَلَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ [ فِعْلًا كانَتِ الأرْضُ كَأنَّها فاعِلَةٌ لَهُ عَلى هَذا الوَجْهِ، فَصارَتْ خَلِيَّةً عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كانَ في بَطْنِها، وصارَ بارِزًا عَلى ظَهْرِها،

الانشقاق 84:5

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ بِغَيْرِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ - ] وتَعالى قالَ: ﴿وأذِنَتْ لِرَبِّها﴾ أيْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بِإذْنِ الخالِقِ [لَها - ] والمُرَبِّي وتَأثَّرَتْ في ذَلِكَ عَنْ تَأْثِيرِهِ لا بِنَفْسِها، وفَعَلَتْ فِيهِ كُلَّهُ فِعْلَ السَّمِيعِ المُجِيبِ ﴿وحُقَّتْ﴾ أيْ وكانَتْ حَقِيقَةً بِذَلِكَ كَما أنَّ كُلَّ مَرْبُوبٍ كَذَلِكَ وتَكْرِيرُ ”إذا“ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما في كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مِن عَظِيمِ القُدْرَةِ، والجَوابُ [مَحْذُوفٌ - ] - لِأنَّهُ في غايَةِ الِانْكِشافِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِنَ المُطَفِّفِينَ وما قَبْلَها مِنَ السُّورِ وما يَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ تَقْدِيرُهُ: لَيُحاسِبَنَّ كُلَّ أحَدٍ عَلى كَدْحِهِ كُلِّهِ فَلْيَثُوبَنَّ الكَفّارَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ولِيُجازِيَنَّ أهْلَ الإسْلامِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَقَدَّمَ في الِانْفِطارِ التَّعْرِيفُ بِالحَفَظَةِ وإحْصائِهِمْ عَلى العِبادِ في كُتُبِهِمْ، وعادَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ ما يُكْتَبُ عَلى البَرِّ والفاجِرِ واسْتِقْرارِ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ كِتابَ الأبْرارِ لَفي (p-٣٣٨)عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ التَّعْرِيفِ بِأخْذِ هَذِهِ الكُتُبِ في القِيامَةِ عِنْدَ العَرْضِ، وأنَّ أخْذَها بِالأيْمانِ عُنْوانُ السَّعادَةِ، وأخْذُها وراءَ الظَّهْرِ عُنْوانُ الشَّقاءِ إذْ قَدْ تَقَدَّمَ في السُّورَتَيْنِ قَبْلَ ذِكْرِ الكُتُبِ واسْتِقْرارِها بِحَسَبِ اخْتِلافِ مُضَمِّناتِها فَمِنها ما هو في عِلِّيِّينَ ومِنها ما هو في سِجِّينٍ إلى يَوْمِ العَرْضِ، فَيُؤْتى كُلُّ كُتّابِهِ فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وهو عُنْوانُ سَعادَتِهِ، وآخِذٌ [مِن - ] وراءِ ظَهْرِهِ وهو عُنْوانُ هَلاكِهِ، فَتَحَصَّلَ الإخْبارُ بِهَذِهِ الكُتُبِ ابْتِداءً واسْتِقْرارًا وتَفْرِيقًا يَوْمَ العَرْضِ، وافْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِذِكْرِ انْشِقاقِ السَّماءِ ومَدِّ الأرْضِ وإلْقائِها ما فِيها وتَحَلِّيها تَعْرِيفًا بِهَذا اليَوْمِ العَظِيمِ بِما يَتَذَكَّرُ بِهِ مَن سَبَقَتْ سَعادَتُهُ والمُناسَبَةُ بَيِّنَةٌ - انْتَهى.

الانشقاق 84:6

ولَمّا كانَ الجَوابُ ما ذَكَرْتُهُ، أتْبَعَهُ شَرْحَهُ فَقالَ مُنادِيًا بِأداةٍ صالِحَةٍ لِلْبُعْدِ لِأنَّ المُنادى أدْنى الأسْنانِ بادِئًا بِالأوْلِياءِ لِأنَّ آخِرَ التَّطْفِيفِ الَّذِي هَذا شَرْحُ لَهُ إدْخالُ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ﴾ [أيِ - ] الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاسِي لِرَبِّهِ. ولَمّا كانَ أكْثَرُ النّاسِ مُنْكِرًا لِلْبَعْثِ أكَّدَ فَقالَ: ﴿إنَّكَ كادِحٌ﴾ أيْ ساعٍ وعامِلٌ مَعَ الجُهْدِ لِنَفْسِكَ مِن خَيْرٍ (p-٣٣٩)أوْ شَرٍّ، وأكْثَرُهُ مِمّا يُؤَثِّرُ خُدُوشًا وشَيْنًا وفَسادًا وشَتاتًا، مُنْتَهِيًا ﴿إلى رَبِّكَ﴾ الَّذِي أوَجَدَكَ ورَبّاكَ بِالعَمَلِ بِما يُرِيدُ مَعْنًى وبِالمَوْتِ حِسًّا، وأشارَ إلى اجْتِهادِ كُلٍّ فِيما هو فِيهِ وخَلَقَ لَهُ بِالتَّأْكِيدِ بِالمَصْدَرِ فَقالَ: ﴿كَدْحًا﴾ أيْ عَظِيمًا ﴿فَمُلاقِيهِ﴾ أيْ فَمُتَعَقِّبٌ كَدْحَكَ لِقاؤُكَ لِرَبِّكَ، وأنَّهُ يَنْكَشِفُ لَكَ أنَّكَ كُنْتَ في سَيْرِكَ إلَيْهِ كالمُجْتَهِدِ في لِقائِهِ اجْتِهادَ مَن يُسابِقُ في ذَلِكَ آخَرَ، وكُلُّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ لِنُفُوذِ إرادَتِهِ ومُضِيِّ أُقْضِيَتِهِ بِسَبَبِ الِانْتِهاءِ إلَيْهِ، وحَقِيقَتُهُ تُلاقِي جَزاءَهُ ويَنْكَشِفُ لَكَ مِن عَظِيمِ أمْرِهِ [ما - ] يَنْكَشِفُ لِلْمُلاقِي مَعَ مَن يَلْقاهُ بِسَبَبِ اللِّقاءِ، وهَذا أمْرٌ أنْتَ ساعٍ فِيهِ غايَةَ السَّعْيِ لِأنَّ مَن كانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ مَطِيَّتَيْهِ أوْصَلاهُ بِلا شِكٍّ إلى مُنْتَهى سَفَرِهِ شاءَ أوْ أبى، فَذِكْرُ هَذا عَلى هَذا النَّمَطِ حَثٌّ عَلى الِاجْتِهادِ في الإحْسانِ في العَمَلِ لِأنَّ مَن أيْقَنَ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَرْضِ عَلى المَلِكِ أفْرَغَ جُهْدَهُ في العَمَلِ بِما يَحْمَدُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ لِقائِهِ.

الانشقاق 84:7

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ عَبِيدَ المَلِكِ إذا عَرَضُوا [عَلَيْهِ- ]، كانَ فِيهِمُ المَقْبُولُ والمَرْدُودُ، بِسَبَبِ أنَّ كَدْحَهم تارَةً يَكُونُ حَسَنًا وتارَةً يَكُونُ سَيِّئًا، قالَ مُعَرِّفًا أنَّ [الأمْرَ - ] في لِقائِهِ كَذَلِكَ [ عَلى ما نَعْهَدُ - ]، فَمَن كانَ مَقْبُولًا أُعْطِيَ كِتابَ حَسَناتِهِ بِيَمِينِهِ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مِن (p-٣٤٠)أهْلِ اليَمِينِ أيِ الدِّينِ المَرْضِيِّ، ومَن كانَ مَرْدُودًا أُعْطِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مَعَ أهْلِ الشِّمالِ وهو الدِّينُ الباطِلُ الَّذِي يَعْمَلُ مِن غَيْرِ إذْنِ المالِكِ، فَكَأنَّهُ يَفْعَلُ مِن ورائِهِ، فَتَرْجَمَ هَذا الغَرَضَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُفَصِّلًا [لِلْإنْسانِ - ] المُرادِ بِهِ الجِنْسُ جامِعًا لِلضَّمِيرِ بَعْدَ أنْ أفْرَدَهُ تَنْصِيصًا عَلى حَشْرِ كُلِّ فَرْدٍ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ﴾ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ أُمُورَ الآخِرَةِ كُلِّها قَهْرٌ وفي غايَةِ السُّهُولَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفي هَذِهِ الدّارِ لِلْأمْرِ وإنْ كانَ كَذَلِكَ إلّا أنَّ الفَرْقَ في انْكِشافِ سَتْرِ الأسْبابِ هُناكَ فَلا دَعْوى لِأحَدٍ ﴿كِتابَهُ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حِسابِهِ الَّتِي كَتَبَتْها المَلائِكَةُ وهو لا يَدْرِي ولا يَشْعُرُ ﴿بِيَمِينِهِ﴾ مِن أمامِهِ وهو المُؤْمِنُ المُطِيعُ

الانشقاق 84:8

﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ﴾ أيْ يَقَعُ حِسابُهُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ طالَ الأمَدُ لِإظْهارِ الجَبَرُوتِ والكِبْرِياءِ والقَهْرِ ﴿حِسابًا يَسِيرًا﴾ أيْ سَهْلًا لا يُناقِشُ فِيهِ لِأنَّهُ كانَ يُحاسِبُ نَفْسَهُ فَلا يَقَعُ لَهُ المُخالَفَةُ إلّا ذُهُولًا، فَلِأجْلِ ذَلِكَ تُعْرَضُ أعْمالُهُ فَيَقْبَلُ حَسَنَها ويَعْفُو عَنْ سَيِّئِها.

الانشقاق 84:9

ولَمّا كانَ هَذا دالًّا عَلى العَفْوِ، أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى الإكْرامِ فَقالَ: ﴿ويَنْقَلِبُ﴾ أيْ يَرْجِعُ مِن نَفْسِهِ مِن غَيْرِ مُزْعِجٍ بِرَغْبَةٍ وقَبُولٍ ﴿إلى أهْلِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ أهَّلَهُ اللَّهُ بِهِمْ في الجَنَّةِ فَيَكُونُ أعْرَفَ بِهِمْ وبِمَنزِلِهِ (p-٣٤١)الَّذِي أعَدَّ لَهُ مِنهُ بِمَنزِلِهِ في الدُّنْيا. ولَمّا كانَتِ السَّعادَةُ في حَصُورِ السُّرُورِ مِن غَيْرِ قَيْدٍ، بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿مَسْرُورًا﴾ [أيْ - ] قَدْ أُوتِيَ جَنَّةً وحَرِيرًا، فَإنَّهُ كانَ في الدُّنْيا في أهْلِهِ مُشْفِقًا مِنَ العَرْضِ عَلى اللَّهِ مَغْمُومًا مَضْرُورًا يُحاسِبُ نَفْسَهُ بَكْرَةً وعَشِيًّا حِسابًا عَسِيرًا مَعَ ما هو [فِيهِ - ] مِن نَكَدِ الأهْلِ وضِيقِ العَيْشِ وشُرُورِ المُخالِفِينَ، فَذَكَرَ هُنا الثَّمَرَةَ والمُسَبِّبَ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ، وفي الشِّقِّ الآخَرِ السَّبَبِ والأصْلِ، وقَدِ اسْتَشْكَلَتِ الصَّدِيقَةُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هَذِهِ الآيَةَ بِما ”رُوِيَ عَنْها في الصَّحِيحِ بِلَفْظَيْنِ أحَدُهُما «لَيْسَ أحَدٌ يُحاسَبُ إلّا هَلَكَ» والثّانِي «مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ» «قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ﴾ [الإنشقاق: ٧] الآيَةُ، فَقالَ: ﷺ: إنَّما ذَلِكَ العَرْضُ“» فَإنْ كانَ اللَّفْظُ الأوَّلِ هو الَّذِي سَمِعَتْهُ فالإشْكالُ فِيهِ واضِحٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَرْجِعُ إلى كُلِّيَّةٍ مُوجِبَةٍ هي ”كُلُّ مَن حُوسِبَ هَلَكَ“ والآيَةُ مَرْجِعٌ إلى جُزْئِيَّةٍ سالِبَةٍ وهي ”بَعْضُ مَن يُحاسِبُ لا يَهْلَكُ“ وهو نَقِيضٌ، وحِينَئِذٍ يَكُونُ اللَّفْظُ الثّانِي مِن تَصَرُّفِ الرُّواةِ، وإنْ كانَ الثّانِي هو الَّذِي سَمِعَتْهُ فَطَرِيقُ تَقْدِيرِ الإشْكالِ فِيهِ أنْ يُقالَ: المُناقَشَةُ في اللُّغَةِ مِنَ الِاسْتِقْصاءِ وهو بُلُوغُ الغايَةِ، وذَلِكَ في الحِسابِ (p-٣٤٢)بِذِكْرِ الجَلِيلِ والحَقِيرِ والمُجازاةِ عَلَيْهِ، فَرَجَعَ الأمْرُ أيْضًا إلى كُلِّيَّةٍ مُوجِبَةٍ هي ”كُلُّ مَن حُوسِبَ بِجَمِيعِ أعْمالِهِ عُذِّبَ“ وذَلِكَ شامِلٌ لِكُلِّ حِسابٍ سَواءٌ كانَ يَسِيرًا أوْ لا، لِأنَّ الأعَمَّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أُخْصِيّاتِهِ، والآيَةُ مُثْبِتَةٌ أنَّ مَن أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ يُحاسَبُ عَلَيْهِ ولا يَهْلَكُ، والصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عالِمَةٌ بِأنَّ الكِتابَ يَثْبُتُ فِيهِ جَمِيعُ الأعْمالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾ [الكهف: ٤٩] ومِن حَدِيثِ الحافِظِينَ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَرَجَعَ الأمْرُ إلى أنَّ بَعْضَ مَن يُحاسَبُ بِجَمِيعِ أعْمالِهِ لا يَهْلَكُ، وحِينَئِذٍ فالظّاهِرُ التَّعارُضُ فَسَألَتْ، فَأقَرَّها ﷺ عَلى الإشْكالِ وأجابَها بِما حاصِلُهُ أنَّ المُرادُ بِالحِسابِ في الحَدِيثِ مَدْلُولُهُ المُطابِقِيُّ، وهو ذِكْرُ الأعْمالِ [كُلِّها - ] - والمُقابَلَةُ عَلى كُلٍّ مِنها، وذَلِكَ هو مَعْنى المُناقَشَةِ، فَمَعْنى «مَن نُوقِشَ الحِسابَ» مَن حُوسِبَ حِسابًا حَقِيقِيًّا بِذِكْرِ جَمِيعِ أعْمالِهِ والمُقابِلَةِ عَلى كُلٍّ مِنها، وأنَّ المُرادَ بِالحِسابِ في الآيَةِ جُزْءُ المَعْنى المُطابَقِيِّ وهو ذِكْرُ الأعْمالِ فَقَطْ مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ، وذَلِكَ بِدَلالَةِ التَّضَمُّنِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّهُ إطْلاقُ اسْمِ الكُلِّ عَلى الجُزْءِ، ولِأجْلِ هَذا كانَتِ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها تَقُولُ بَعْدَ هَذا في تَفْسِيرِ الآيَةِ: يُقَرِّرُ بِذُنُوبِهِ ثُمَّ يَتَجاوَزُ عَنْها - كَما نَقَلَهُ عَنْها أبُو حَيّانَ، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ قَوْلُهُ ﷺ فِيما رَواهُ الشَّيْخانُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: (p-٣٤٣)«إنَّ اللَّهَ تَعالى يُدْنِي المُؤْمِنَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَضَعُ كَنَفَهُ عَلَيْهِ ويَسْتُرُهُ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا - حَتّى يُذَكِّرَهُ بِذُنُوبِهِ كُلِّها ويَرى في نَفْسِهِ أنَّهُ قَدْ هَلَكَ، قالَ الرَّبُّ سُبْحانَهُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا، وأنا أغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ» ولَفْظُ ”كَنَفُهُ“ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَإنَّ كَنَفَ الطّائِرِ جَناحُهُ، وهو إذا وقَعَ فَرْخُهُ في كَنَفِهِ عامَلَهُ بِغايَةِ اللُّطْفِ، فاللَّهُ تَعالى أرْحَمُ وألْطَفُ

الانشقاق 84:10

﴿وأمّا مَن أُوتِيَ﴾ أيْ بِغايَةِ السُّهُولَةِ وإنْ أبى هو ذَلِكَ ﴿كِتابَهُ﴾ أيْ صَحِيفَةَ حِسابِهِ ﴿وراءَ ظَهْرِهِ﴾ أيْ في شَمالِهِ إيتاءٌ مُسْتَغْرِقًا لِجَمِيعِ جِهَةِ الوَراءِ الَّتِي هي [عِلْمُ - ] السُّوءِ لِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَكَأنَّهُ عَمِلَ مِن ورائِهِ مِمّا يَظُنُّ أنَّهُ يَخْفى عَلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَكانَ حَقِيقًا بِأنْ تُغَلَّ يَمِينُهُ إلى عُنُقِهِ، وتَكُونُ شَمالُهُ [إلى - ] وراءِ ظَهْرِهِ، ويُوضَعُ كِتابُهُ فِيها، وهَذا احْتِباكٌ: ذِكْرُ اليَمِينِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى الشِّمالِ [ثانِيًا- ]، وذِكْرُ الوَراءِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى الأمامِ أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ ذَكَرَ دَلِيلَ المَوَدَّةِ والرِّفْقِ بِالمُصافَحَةِ ونَحْوِها في السَّعِيدِ، ودَلِيلُ الغَدْرِ والِاغْتِيالِ في الشَّقِيِّ

الانشقاق 84:11

﴿فَسَوْفَ يَدْعُو﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا مَحالَةَ في وُقُوعِهِ أبَدًا ﴿ثُبُورًا﴾ أيْ حَسْرَةً ونَدَمًا بِنَحْوِ قَوْلِهِ: واثَبُوراهُ، وهو الهَلاكُ الجامِعُ لِأنْواعِ المَكارِهِ كُلِّها لِأنَّ أعْمالَهُ في الدُّنْيا كانَتْ أعْمالَ الهالِكِينَ.

الانشقاق 84:12

(p-٣٤٤)ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا لِبَلاءٍ كَبِيرٍ، أتْبَعَهُ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عِلَّةً لَهُ فَقالَ: ﴿ويَصْلى سَعِيرًا﴾ أيْ ويُغْمَسُ في النّارِ الَّتِي هي في غايَةِ الِاتِّقادِ ويُقاسِي حَرَّها وهي عاطِفَةٌ عَلَيْهِ ومُحِيطَةٌ بِهِ لِأنَّهُ كانَ تابِعًا لِشَهَواتِهِ الَّتِي هي مَحْفُوفَةٌ بِها فَأوْصَلَتْهُ إلَيْها وأحاطَتْ بِهِ.

الانشقاق 84:13

ولَمّا ذَكَرَ هَذا العَذابَ الَّذِي لا يُطاقُ، أتْبَعُهُ سَبَبَهُ تَرْهِيبًا مِنهُ واسْتِعْطافًا إلى التَّوْبَةِ وتَحْذِيرًا مِنَ السُّرُورِ في دارِ الحُزْنِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُصَدِّقَ أنَّ عاقِلًا يَثْبُتُ لَهُ سُرُورٌ في الدُّنْيا: ﴿إنَّهُ كانَ﴾ أيْ بِما هو لَهُ كالجِبِلَّةِ والطَّبْعِ ﴿فِي أهْلِهِ﴾ أيْ في دارِ العَمَلِ ﴿مَسْرُورًا﴾ أيْ ثابِتًا لَهُ السُّرُورُ بَطَرًا بِالمالِ والجاهِ فَرَحًا بِهِ مُخَلَّدًا إلَيْهِ مُتْرَفًا مَعَ الفَراغِ والفِرارِ عَنْ ذِكْرِ حِسابُ الآخِرَةِ كَما قالَ في الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: ٣١] لا يَحْزَنُ أحَدُهم لِذَنْبٍ عَمِلَهُ ولا لِقَبِيحٍ ارْتَكَبَهُ، بَلْ يَسُرُّ بِكَوْنِهِ يَأْتِي لَهُ ذَلِكَ فَهو يُحاسَبُ في الآخِرَةِ حِسابًا عَسِيرًا، ويَنْقَلِبُ إلى أعْدائِهِ مَغْمُومًا كَسِيرًا، وقَدْ بانَ [أنَّ - ] الكَلامَ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الحِسابِ اليَسِيرِ الَّذِي هو الثَّمَرَةُ والمُسَبِّبِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وذَكَرَ السُّرُورَ في الأهْلِ الَّذِي هو السَّبَبُ [فِي - ] الثّانِي يَدُلُّ عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ وهو سَبَبُ السَّعادَةِ وهو (p-٣٤٥)الغَمُّ ومُحاسَبَةُ النَّفْسِ في الأوَّلِ، فَهو احْتِباكٌ في احْتِباكٍ، ثُمَّ عَلَّلَ ثَباتَ سُرُورِهِ فَقالَ [مُؤَكِّدًا - ] تَنْبِيهًا أيْضًا عَلى أنَّهُ لا يُصَدَّقُ أنَّ أحَدًا يُنْكِرُ البَعْثَ مَعَ ما لَهُ مِنَ الدَّلائِلِ الَّتِي تَفُوتُ الحَصْرَ:

الانشقاق 84:14

﴿إنَّهُ ظَنَّ﴾ لِضَعْفِ نَظَرِهِ ﴿أنْ﴾ أيْ أنَّهُ ﴿لَنْ يَحُورَ﴾ أيْ يَرْجِعُ إلى رَبِّهِ أوْ يَنْقُصُ أوْ يَهْلَكُ ﴿وقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] فَلِهَذا كانَ يَعْمَلُ عَمَلَ مَن لا يَخافُ عاقِبَةَ

الانشقاق 84:15

﴿بَلى﴾ لَيَرْجِعَنَّ صاغِرًا ناقِصًا هالكًا، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يُنْكِرُ: ﴿إنَّ رَبَّهُ﴾ أيِ الَّذِي ابْتَدَأ إنْشاءَهُ ورَبّاهُ ﴿كانَ﴾ أزَلًا وأبَدًا ﴿بِهِ﴾ أيْ هَذا الشَّقِيُّ في إعادَتِهِ كَما كانَ في ابْتِدائِهِ و[فِي - ] جَمِيعِ أعْمالِهِ وأحْوالِهِ الَّتِي لا يَجُوزُ في عَدْلٍ عادِلٍ تُرِكَ الحِسابُ عَلَيْها ﴿بَصِيرًا﴾ أيْ ناظِرًا لَهُ وعِالِمًا بِهِ أبْلَغَ نَظَرْ وأكْمَلَ عِلْمٍ، فَتَرَكَهُ مُهْمَلًا مَعَ العِلْمِ بِأعْمالِهِ مُنافٍ لِلْحِكْمَةِ والعَدْلِ والمَلِكِ، فَهو شَيْءٌ لا يُمْكِنُ في العَقْلِ بِوَجْهٍ.

الانشقاق 84:16

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِإنْكارِهِ لِما أتاهُ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الحَشْرِ عَلى وجْهٍ مُوَضِّحٍ لِلدَّلِيلِ عَلى بُطْلانِ إنْكارِهِ ولَمْ يَرْجِعْ، سَبَّبَ عَنْهُ الإقْسامَ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَ النَّذِيرِ النّاصِحِ الشَّفُوقِ بَعْدَ إقامَةِ الأدِلَّةِ إلّا (p-٣٤٦)بِالإيمانِ عَلى صِحَّةِ ما قالَ نَظَرًا مِنهُ لِلْمَنصُوحِ وشَفَقَةً عَلَيْهِ، وكانَ تَرْكُ الحَلِفِ عَلى ما هو ظاهِرٌ أبْلَغَ مِنَ الحَلِفِ لِما في ذَلِكَ التَّرْكِ مِن تَنْبِيهِ المُخاطَبِ عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ فَقالَ: ﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ أحْلِفُ حِلْفًا عَظِيمًا هو كَقامُوسِ البَحْرِ بِهَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي سَأذْكُرُها لِما لَها مِنَ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ عَلى الإبْداءِ والإعادَةِ، لا أُقْسِمُ بِها وإنْ كانَتْ في غايَةِ العِظَمِ بِما لَها مِنَ الدَّلالاتِ الواضِحَةِ لِأنَّ المُقْسَمَ عَلَيْهِ أجْلُّ مِنها وأظْهَرُ فَهو غَنِيٌّ عَنِ الإقْسامِ ﴿بِالشَّفَقِ﴾ أيِ الضِّياءِ الَّذِي يَكُونُ في المَغْرِبِ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ أطْباقًا حَمْرَةً ثُمَّ صُفْرَةً ثُمَّ كَدِرَةً إلى بَياضٍ ثُمَّ سَوادٍ، وكَذَلِكَ اللَّيْلُ أوَّلُهُ بَياضٌ بِغَبَرَةٍ ثُمَّ تَتَزايَدُ غَبَّرَتُهُ قَلِيلًا إلى أنْ يَسْوَدَّ مِرْبادًا فَيَوْسِقُ كُلَّ شَيْءٍ ظَلامًا، سُمِّيَ شَفَقًا لِرِقَّتِهِ ومِنهُ الشَّفَقَةُ لِرِقَّةِ القَلْبِ

الانشقاق 84:17

﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلُبُهُ فَيَذْهَبُهُ ﴿وما وسَقَ﴾ أيْ جَمَعَ في بَطْنِهِ وطَرَدَ وساقَ مِن ذَلِكَ الشَّفَقِ ومِنَ النَّهارِ الَّذِي كانَ قَبْلَهُ والنُّجُومَ الَّتِي أظْهَرَها وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الغَرائِبِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ مُوجِدَهُ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ ومَذْهَبُ ما كانَ بِهِ قادِرٌ عَلى الإبْداءِ والإعادَةِ وكُلِّ ما يُرِيدُ

الانشقاق 84:18

﴿والقَمَرِ﴾ أيِ الَّذِي هو آيَتُهُ ﴿إذا اتَّسَقَ﴾ أيِ انْتَظَمَ واسْتَوى واجْتَمَعَ كَمالُهُ وتَمَّ أمْرُهُ لَيْلَةَ إبْدارِهِ بَعْدَ أنْ كانَ قَدْ غابَ أصْلًا ثُمَّ بَدَأ هِلالًا خَفِيًّا ضَئِيلًا دَقِيقًا ولَمْ يَزَلْ يَزْدادُ حَتّى يَتِمَّ ثُمَّ يَنْقُصُ إلى أنْ يَخْفى (p-٣٤٧)ثُمَّ يَعُودُ إلى حالِهِ دَلِيلًا أظْهَرُ مِنَ الشَّمْسِ عَلى قُدْرَةِ مُوجِدِهِ كَذَلِكَ عَلى كُلِّ أمْرٍ مِنَ الإبْداءِ والإعادَةِ.

الانشقاق 84:19

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ عَظِيمَةً جِدًّا لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى ولَها مِنَ المَنافِعِ ما [لا - ] يَعْلَمُهُ حَقَّ عِلْمِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى، وكُلٌّ مِنها مَعَ ذَلِكَ دالٌّ عَلى [تَمامِ - ] قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الَّذِي يُرادُ تَقْرِيرُهُ في العُقُولِ وإيضاحُهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إعادَةِ الشَّيْءِ كَما كانَ سَواءً، ونَفْيُ الإقْسامِ بِها دَلِيلًا عَلى أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ، فالأمْرُ فِيهِ غَنِيٌّ عَنِ الإقْسامِ، قالَ في مَوْضِعِ جَوابِ القَسَمِ مَقْرُونًا بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى القَسَمِ ذاكِرًا ما هو في الظُّهُورِ والبَداهَةِ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى تَنْبِيهٍ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ ذَكَرَهُ: ﴿لَتَرْكَبُنَّ﴾ أيْ أيُّها المُكَلَّفُونَ - هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِضَمِّ الباءِ دَلالَةً عَلى حَذْفِ [واوِ - ] الجَمْعِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِها عَلى أنَّ الخِطابَ لِلْإنْسانِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ ﴿طَبَقًا﴾ مُجاوِزًا ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ أيْ حالًا بَعْدَ حالٍ مِن أطْوارِ الحَياةِ وأدْوارِ العَيْشِ وغَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ [مِن - ] أُمُورِ البَرْزَخِ وشُئُونِ البَعْثِ ودَواهِي الحَشْرِ بِدَلِيلِ ما كانَ لَكم قَبْلَ ذَلِكَ سَواءٌ بِتِلْكَ القُدْرَةِ الَّتِي كَوَّنَتْ تِلْكَ الكَوائِنَ وأوْجَدَتْ تِلْكَ العَجائِبَ سَواءً، فَتَكُونُونَ في تَمَكُّنِ الوُجُودِ في (p-٣٤٨)كُلِّ طَبَقٍ بِحالِ التَّمَكُّنِ عَلى الشَّيْءِ بِالرُّكُوبِ، وكُلُّ [حالٍ - ] مِنها مُطابِقٌ لِلْآخَرِ في ذَلِكَ فَإنَّ الطَّبَقَ ما يُطابِقُ غَيْرَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْغِطاءِ: طَبَقٌ - لِمُطابَقَتِهِ المُغَطّى، والطَّبَقُ كُلُّ ما ساوى شَيْئًا ووَجْهُ الأرْضِ والقَرْنِ مِنَ الزَّمانِ أوْ عِشْرُونَ سَنَةً، وكُلُّها واضِحُ الإرادَةِ هُنا وهو بَدِيهِيُّ الكَوْنِ، فَأوَّلُ أطْباقِ الإنْسانِ جَنِينٌ، ثُمَّ ولِيدٌ، ثُمَّ رَضِيعٌ ثُمَّ فَطِيمٌ، ثُمَّ يافِعٌ، ثُمَّ رَجُلٌ، ثُمَّ شابٌّ، ثُمَّ كَهْلٌ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ مَيِّتٌ، وبَعْدَهُ نَشْرٌ ثُمَّ حَشْرٌ ثُمَّ حِسابٌ ثُمَّ وزْنٌ ثُمَّ صِراطٌ ثُمَّ مَقَرٌّ، ومِثْلُ هَذِهِ الأطْباقِ المَحْسُوسَةِ أطْباقٌ مَعْنَوِيَّةٌ مِنَ الفَضائِلِ والرَّذائِلِ.

الانشقاق 84:20

ولَمّا ظَهَرَ المُرادُ ولَمْ يَبْقَ إلّا العِنادُ، سَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ والتَّهْدِيدُ، فَقالَ مُعْرِضًا عَنْ خِطابِهِمْ إلى الغَيْبَةِ إيذانًا بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِلْأخْذِ إنْ [لَمْ - ] يَرْجِعُوا: ﴿فَما لَهُمْ﴾ أيْ وأيُّ شَيْءٍ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ هَذا الكِتابَ المُعْجِزَ في أنَّهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ يُوقِعُونَ الإيمانَ ويُجَدِّدُونَهُ كُلَّ وقْتٍ عَلى الِاسْتِمْرارِ بِكُلِّ ما دَعا إلَيْهِ هَذا الكِتابُ الَّذِي خَصَّهم بِهِمْ مَلَكُ المُلُوكِ وقَدْ وضَحَتِ الدَّلالَةُ وقامَتِ البَراهِينُ لا سِيَّما دَلائِلُ القِيامَةِ هَلْ هي إلّا واحِدَةٌ مِن هَذِهِ الأطْباقِ المُنْتَقِلِ إلَيْها لِأنَّ مَن كانَ اليَوْمَ عَلى حالَةٍ وغَدًا عَلى أُخْرى جَدِيرٌ (p-٣٤٩)بِأنْ يَعْلَمَ أنَّ تَدْبِيرَهُ إلى سِواهُ، ومَن لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِجُنُونِهِ دَواءٌ، ومَن عَلِمَ أنَّ تَدْبِيرَهُ [ إلى سَواءِ عِلْمٍ أنَّ المَشِيئَةَ في التَّدْبِيرِ - ] إلَيْهِ لا إلى نَفْسِهِ، وقِيلَ لِأبِي بَكْرٍ الوَرّاقِ: ما الدَّلِيلُ عَلى الصّانِعِ؟ قالَ: تَحْوِيلُ الحالاتِ وعَجْزُ القُوَّةِ وضَعْفُ الأرْكانِ وقَهْرُ المَشِيئَةِ، وفَسْخُ العَزِيمَةِ.

الانشقاق 84:21

﴿وإذا قُرِئَ﴾ أيْ مِن أيِّ قارِئٍ كانَ ﴿عَلَيْهِمُ القُرْآنُ﴾ أيِ الجامِعُ لِكُلِّ ما يَنْفَعُهم في دُنْياهم وأُخْراهُمُ الفارِقُ بَيْنَ كُلِّ مُلْتَبِسٍ مِنَ الحَرامِ والحَلالِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿لا يَسْجُدُونَ﴾ أيْ يَخْضَعُونَ بِالقَلْبِ ويَتَذَلَّلُونَ لِلْحَقِّ بِالسُّجُودِ اللُّغَوِيِّ فَيَسْجُدُونَ بِالقالِبِ السُّجُودَ الشَّرْعِيَّ لِتِلاوَتِهِ لِأنَّهُ مَلَكَ الكَلامَ، قَدْ أبانَ عَنْ مَعارِفَ لا تُحْصَرُ، مَعَ الشَّهادَةِ لِنَفْسِهِ بِإعْجازِهِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لَيْسَ لَهم في ذَلِكَ عُذْرٌ إلّا الجَهْلُ أوِ العَجْزُ، ولا جَهْلَ مَعَ القُرْآنِ ولا عَجْزَ مَعَ القُوَّةِ والِاخْتِيارِ.

الانشقاق 84:22

ولَمّا كانَ هَذا اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا مَعْناهُ النَّفْيُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: إنَّهم [لا - ] يُؤْمِنُونَ ولا عُذْرَ لَهم في ذَلِكَ أصْلًا، أضْرَبَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلِ﴾ ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَعْمِيمًا وتَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي حَمَلَهم عَلى التَّكْذِيبِ فَقالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا مَرائِيَ عُقُولِهِمُ الدّالَّةَ عَلى الحَقِّ ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ أيْ بِالقُرْآنِ وبِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن (p-٣٥٠)حَقائِقِ العِرْفانِ المُعْلِيَةِ إلى أوْجِ الإيمانِ بِالواحِدِ الدَّيّانِ

الانشقاق 84:23

﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ المُحِيطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ مِنهم أنْفُسَهم ﴿بِما يُوعُونَ﴾ أيْ يَضَعُونَ في أوْعِيَةِ صُدُورِهِمْ مِنَ الكُفْرِ والعَداوَةِ بِسَبَبِ الشَّهَواتِ الشّاغِلَةِ لَهم وهي حَبُّ الرِّئاسَةِ وادِّعاءُ الأُلُوهِيَّةِ الشّاغِلَةِ لَهم عَنِ التَّدَبُّرِ لِهَذا القُرْآنِ وعَنْ شَواهِدِ المَوْجُوداتِ.

الانشقاق 84:24

ولَمّا كانَ هَذا مُوجِبًا لِشَدِيدِ الإنْذارِ، وضَعَ مَوْضِعَهُ تَهَكُّمًا بِهِمْ وإعْلامًا بِأنَّ الغَضَبَ قَدْ بَلَغَ مُنْتَهاهُ قَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ أيْ أخْبَرَهم يا أفْضَلَ الخَلْقِ وأكْمَلَهم وأعْدَلَهم خَبَرًا يُغَيِّرُ إبْشارَهم ﴿بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ شَدِيدِ الألَمِ لِشِدَّةِ إيلامِهِ، إنْ كانَ لَهم يَوْمًا مِنَ الأيّامِ بِشارَةٍ فَهي هَذِهِ.

الانشقاق 84:25

ولَمّا أخْبَرَ عَنْهم بِهَذا الهَوانِ، وكانَ قَدْ عَبَّرَ عَنْهم بِأدْنى الأسْنانِ إشارَةً إلى أنَّ مِنهم مَن يَقْبَلُ الإيمانَ، اسْتَثْنى مِنهم فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ﴿وعَمِلُوا﴾ دَلالَةً عَلى صِدْقِ إيمانِهِمْ ﴿الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا تَقَدَّمَ أنَّ مَن حُوسِبَ عُذِّبَ، وأنَّ النّاجِيَ إنَّما يَكُونُ حِسابُهُ عَرْضًا، عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْأعْمالِ دَخْلٌ في الحَقِيقَةِ في الأجْرِ، وإنَّما المَدارُ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى التَّغَمُّدِ بِالرَّحْمَةِ حَتّى في تَسْمِيَةِ النَّعِيمِ أجْرًا، (p-٣٥١)أسْقَطَ الفاءَ المُؤْذِنَةَ بِالسَّبَبِ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ بِخِلافِ ما في سُورَةِ التِّينِ لِما يَأْتِي مِنَ اقْتِضاءِ سِياقِها لِلْفاءِ فَقالَ: ﴿لَهم أجْرٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ وثَوابٌ جَزِيلٌ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعالى وهو التَّجاوُزُ عَنْ صَغائِرِهِمْ وسَتْرُها ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أيْ مَقْطُوعٍ أوْ مَنقُوصٍ أوْ يَمْتَنُّ عَلَيْهِمْ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ يُؤْتُونَ ذَلِكَ في يَوْمِ الدِّينِ يَوْمَ تَنْشَقُّ السَّماءُ وتَمُدُّ الأرْضُ ويَثُوبُ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ، فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، واعْتَلَقَ مَفْصِلُها حَقَّ الِاعْتِلاقِ بِمُوصِلِها.

البروج 85:1

(p-٣٥٢)سُورَةُ البُرُوجِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ عَلى مَقْصُودِ الِانْشِقاقِ الَّذِي هو صَرِيحُ آخِرِها مِن تَنْعِيمِ الوَلِيِّ وتَعْذِيبِ الشَّقِيِّ بِمَن عَذَّبَهُ في الدُّنْيا مِمَّنْ لا يُمْكِنُ في العادَةِ أنْ يَكُونَ عَذابُهُ ذَلِكَ إلّا مِنَ اللَّهِ وحْدَهُ تَسْلِيَةً لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَثْبِيتًا لَهم عَلى أذى الكافِرِينَ، وعَلى ذَلِكَ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ الخَلائِقَ عَدْلًا وحِلْمًا ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ عَيْنًا كَما أظْهَرَهُ رَسْمًا. * * لِما خَتَمَ تِلْكَ بِثَوابِ المُؤْمِنِ وعِقابِ الكافِرِ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمَ بِما يُضْمِرُ الأعْداءُ مِنَ المَكْرِ وما يَرُومُونَ مِنَ الأنْكادِ لِلْأوْلِياءِ وتَوَعَّدَهم بِما لا يُطِيقُونَ، وكانُوا قَدْ عَذَّبُوا المُؤْمِنِينَ بِأنْواعِ العَذابِ واجْتَهَدُوا في فِتْنَةِ مَن قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنهُمْ، وبالَغُوا في التَّضْيِيقِ عَلَيْهِمْ حَتّى ألْجَئُوهم إلى شِعْبِ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ مِنَ البُرُوجِ في البِلادِ، ومُفارَقَةِ الأهْلِ والأوْلادِ، ابْتَدَأ هَذِهِ بِما أوْقَعَ بِأهْلِ الجَبَرُوتِ (p-٣٥٣)مِمَّنْ تَقَدَّمَهم عَلى وجْهٍ مُعْلِمٍ أنَّ ذَلِكَ الإيقاعَ مِنهُ سُبْحانَهُ قَطْعًا، ومُعْلِمٍ أنَّ الماضِينَ تَجاوَزُوا ما فَعَلَ هَؤُلاءِ إلى القَذْفِ في النّارِ، وأنَّ أهْلَ الإيمانِ ثَبَتُوا، وذَلِكَ لِتَسْلِيَةِ المُؤْمِنِينَ وتَثْبِيتَهُمْ، وتَوْعِيدَ الكافِرِينَ وتَوْهِينَهم وتَفْتِيتَهُمْ، فَقالَ مُقْسِمًا لِأجْلِ إنْكارِهِمْ وفِعْلِهِمْ في التَّمادِي في عَداوَةِ حِزْبِ اللَّهِ فَعَلَ المُنْكِرُ أنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ لَهم بِما يَدُلُّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ عَلى القِيامَةِ: ﴿والسَّماءِ﴾ أيِ العالِيَةِ غايَةَ العُلُوِّ المُحْكَمَةِ غايَةَ الإحْكامِ ﴿ذاتِ البُرُوجِ﴾ أيِ المَنازِلِ لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ الَّتِي رَكَّبَها اللَّهُ تَعالى عَلى أوْضاعٍ جَعَلَ في بَعْضِها قُوَّةَ التَّسَبُّبِ لِلْإبْداءِ والإعادَةِ بِالإنْباتِ وفي بَعْضِها قُوَّةُ التَّرْبِيَةِ كَذَلِكَ، وفي الأُخْرى قُوَّةُ الِاسْتِحْصادِ بِأسْبابٍ خَفِيَّةٍ أقامَها سُبْحانَهُ لا تَرَوْنَها، غَيْرَ أنَّكم لِكَثْرَةِ إلْفِكم لِذَلِكَ صِرْتُمْ تُدْرِكُونَ مِنهُ بِالتَّجارِبِ أُمُورًا تَدُلُّكم عَلى تَمامِ القُدْرَةِ، فَنَسَبَها بَعْضُكم إلى الطَّبِيعَةِ لِقُصُورِ النَّظَرِ في أسْبابِ الأسْبابِ وكَلالِ الفِكْرِ عَنِ النُّفُوذِ إلى نِهايَةِ ما تَصِلُ إلَيْهِ الألْبابُ، فاسْتَبْدَلَ بِالشُّكْرِ الكُفْرَ، واسْتَدَلَّ بِالآياتِ عَلى ضِدِّ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ لِجُمُودِ الذِّهْنِ وانْعِكاسِ الفِكْرِ، والمُرادُ بِها المَنازِلُ الِاثْنا عَشَرَ: (p-٣٥٤)الحَمْلُ - والثَّوْرُ - والجَوْزاءُ - والسَّرَطانُ - والأسَدُ - والسُّنْبُلَةُ - والمِيزانُ - والعَقْرَبُ - والقَوْسُ - والجَدْيُ - والدَّلْوُ - والحُوتُ - وهي تَقْطَعُها الشَّمْسُ [فِي السَّنَةِ-]، أوْ هي الثَّمانِيَةُ والعِشْرُونَ الَّتِي يَقْطَعُها القَمَرُ في الشَّهْرِ، وهي مَنازِلُ الشَّمْسِ هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بِسَيْرِ القَمَرِ في كُلِّ واحِدٍ مِنها يَوْمَيْنِ وثُلُثًا، فَذَلِكَ ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ [يَوْمًا - ] ويَسْتَسِرُّ لَيْلَتَيْنِ، فَذَلِكَ شَهْرٌ، وهو إشارَةٌ إلى أنَّ الَّذِي فَصَّلَ السَّماءَ هَذا التَّفْصِيلَ وسَخَّرَ فِيها هَذِهِ الكَواكِبَ لِمَصالِحِ الإنْسانِ لا يَتْرُكُهُ سُدًى، بَلْ لا بُدَّ مِن دَيْنُونَتِهِ عَلى ما يَفْعَلُهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ شُبِّهَتْ بِالقُصُورِ لِأنَّها تَنْزِلُها السَّيّارَةُ وتَكُونُ فِيها الثَّوابِتُ وعِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها، أوْ أبْوابُ السَّماءِ فَإنَّ النَّوازِلَ تَخْرُجُ مِنها، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلظُّهُورِ.

البروج 85:2

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِنَ القَسَمِ دالَّةً عَلى البَعْثِ قالَ تَصْرِيحًا: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ أيْ يَوْمُ القِيامَةِ الَّذِي تَحَقَّقَ الوَعْدُ بِهِ وثَبَتَ ثُبُوتًا لا بُدَّ مِنهُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مِن قُدْرَتِنا في مَخْلُوقاتِنا وأنّا سَبَّبْنا لَهُ أسْبابًا هي عَتِيدَةٌ لَدَيْكم وأنْتُمْ لا تَرَوْنَها ولا تُحِسُّونَ شَيْئًا مِنها ولَمْ تُبَيِّنْها لَكُمُ الرُّسُلُ لِقُصُورِ عُقُولِكم عَنْها بِأكْثَرِ مِنَ الدَّلالَةِ بِالأسْبابِ الَّتِي ألِفْتُمُوها (p-٣٥٥)عَلى مِثْلِها مِن غَيْرِ فَرْقٍ غَيْرَ أنَّهُ وإنْ كانَ العَقْلُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ ولا يَفْقَهُ مِنهُ غَيْرَ السَّماءِ لِلْوَعْدِ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَهو لا يُحِيلُهُ بَعْدَ سَماعِهِ.

البروج 85:3

ولَمّا كانَ الجَمْعُ لِأجْلِ العَرْضِ، وكانَ العَرْضُ لا بُدَّ فِيهِ مِن شُهُودٍ ومَشْهُودٍ عَلَيْهِمْ وجِدالٍ عَلى عُهُودٍ، قالَ مُنْكِرًا لِلْإبْهامِ لِلتَّعْظِيمِ والتَّعْمِيمِ مِثْلُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] ﴿وشاهِدٍ﴾ أيْ كِرِيمٍ مِنَ الأوْلِياءِ ﴿ومَشْهُودٍ﴾ أيْ في نَفْسِهِ مِنَ الأعْيانِ والآثارِ الهائِلَةِ، أوْ عَلَيْهِ فَإنَّهُ [يَوْمٌ - ] تَشْهَدُهُ جَمِيعُ الخَلائِقِ، ويَحْضُرُ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ أُمُورٌ يَكِلُّ عَنْها الوَصْفُ، ويَحْضُرُهُ الأنْبِياءُ الشّاهِدُونَ وأُمَمُهُمُ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ، ولا تَبْقى صَغِيرَةٌ مِنَ الأعْمالِ ولا كَبِيرَةٌ إلّا أُحْصِيَتْ، وفي ذَلِكَ أشَدُّ وعِيدٍ لِجَمِيعِ العَبِيدِ.

البروج 85:4

ولَمّا كانَ جَوابُ القَسَمِ [عَلى - ] ما دَلَّ عَلَيْهِ مَقْصُودُ السُّورَةِ وسَوابِقُها ولَواحِقُها: لَنَثُوبَنَّ الفَرِيقَيْنِ الأوْلِياءِ والأعْداءِ، ولَنُدِينَنَّ كُلًّا بِما عَمِلَ، دَلَّ عَلَيْهِ بِأفْعالِهِ في الدُّنْيا بِبَعْضِ الجَبابِرَةِ فِيما مَضى، وفِيما يَفْعَلُ بِجَبابِرَةِ مَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ بادِئًا بِمَن عُذِّبَ بِعَذابِ اللَّهِ في القِيامَةِ لِلْبَداءَةِ في آخِرِ الِانْشِقاقِ بِقَسَمِ المُكَذِّبِينَ وهُمُ المُحَدَّثُ عَنْهُمْ، مُعَبِّرًا بِما يَصْلُحُ لِلدُّعاءِ والحَقِيقَةُ تَسْلِيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وتَثْبِيتًا لَهم بِما وقَعَ لِأمْثالِهِمْ، وتَحْذِيرًا مِمّا كانَ لِأشْكالِهِمْ: ﴿قُتِلَ﴾ أيْ لَعْنٌ بِأيْسَرِ أمْرٍ (p-٣٥٦)وأسْهَلِهِ مِن كُلِّ لاعِنٍ لَعْنًا لا فَلاحَ مَعَهُ، ووَقَعَ في الدُّنْيا أنَّهُ قَتَلَ حَقِيقَةً ﴿أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ أيِ الخَدِّ العَظِيمِ، وهو الشَّقُّ المُسْتَطِيلُ في الأرْضِ كالنَّهْرِ، رُوِيَ أنَّ مَلَكًا مِنَ الكُفّارِ - ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ كانَ مِن حِمْيَرٍ - مِن مُلُوكِ اليَمَنِ، وكانَ قَبْلَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبْعِينَ سَنَةٍ، آمَنَ في زَمانِهِ ناسٌ كَثِيرٌ، فَخَدَّ لَهم أُخْدُودًا في الأرْضِ وسَجَّرَهُ نارًا وعَرَضَ مَن آمَنَ عَلَيْهِ، فَمَن رَجَعَ عَنْ دِينِهِ تَرَكَهُ، ومَن ثَبَتَ - وهُمُ الأغْلَبُ - قَذَفَهُ في ذَلِكَ الأُخْدُودِ فَأحْرَقَهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ورَدَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في مَعْرِضِ الِالتِفاتِ والعُدُولِ إلى إخْبارِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ بِما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الأُخْدُودِ، و[قَدْ - ] تَقَدَّمَ هَذا الضَّرْبُ في سُورَةِ المُجادَلَةِ وسُورَةِ النَّبَأِ، وبَيَّنّا وُقُوعَهُ في أنْفَسِ السُّوَرِ ومُتُونِها وهو أقْرَبُ فِيما بَيْنَ السُّورَتَيْنِ وأوْضَحُ - انْتَهى.

البروج 85:5

ولَمّا ذَمَّهم سُبْحانَهُ وتَعالى، بَيَّنَ [وجْهَ - ] ذَمِّهِمْ بِبَدَلِ اشْتِمالٍ مِن أخُدُودِهِمْ فَقالَ: ﴿النّارِ﴾ أيِ العَظِيمَةُ الَّتِي صَنَعُوها لِعَذابِ أوْلِيائِنا، وزادَ في تَعْظِيمِها بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ أيِ الشَّيْءِ الَّذِي نُوقِدُ بِهِ مِن كُلِّ ما يَصْلُحُ لِذَلِكَ مِنَ الحَطَبِ وغَيْرِهِ، وعَلَّقَ بِ ”قَتَلَ“ قَوْلَهُ:

البروج 85:6

﴿إذْ هُمْ﴾ أيْ بِظَواهِرِهِمْ وضَمائِرِهِمْ ﴿عَلَيْها﴾ أيْ عَلى جَوانِبِ أُخْدُودِها (p-٣٥٧)﴿قُعُودٌ﴾ أيْ يَحْفَظُونَها ويَفْعَلُونَ مِمّا يَأْمُرُهم مَلِكُهم في أمْرِها مِن إلْقاءِ النّاسِ وغَيْرِهِ فِعْلَ القاعِدِ المُطَمَئِنِّ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شُغْلٌ غَيْرَها

البروج 85:7

﴿وهم عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ أيْ خاصَّةً بِقُوَّةِ دَواعِيهِمْ إلى فِعْلِهِ ورَغْبَتِهِمْ فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ بِالعَرْضِ عَلى النّارِ وغَيْرِهِ مُكِرِّرِينَ ذَلِكَ الفِعْلَ ﴿بِالمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ الَّذِي لَمْ يَثْنِهِمُ العَذابُ عَنْهُ ﴿شُهُودٌ﴾ أيْ يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدِ المَلِكِ أنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ فِيما أمَرَهُ بِهِ ويَشْهَدُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِما تَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِمْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِهَذا الظُّلْمِ، ويَشْهَدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ ويُعادِي بَعْضُهم بَعْضًا، ويُحِيلُ كُلٌّ عَلى الآخَرِ طَمَعًا في النَّجاةِ.

البروج 85:8

ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ العَظِيمُ لا يَكُونُ مِن عاقِلٍ إلّا لِسَبَبٍ يَلِيقُ بِهِ، بَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو لِسَبَبٍ يَبْعُدُ مِنهُ، فَقالَ عَلى طَرِيقَةٍ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ ﴿وما نَقَمُوا﴾ أيْ أنْكَرُوا وكَرِهُوا ﴿مِنهُمْ﴾ مِنَ الحالاتِ وكانَ دِينًا لَهم ونَقْصًا فِيهِمْ ﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ أيْ يُجَدِّدُوا الإيمانَ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ جَمِيعُ صِفاتِ الكَمالِ. (p-٣٥٨)ولَمّا كانَ رُبَّما أوْهَمَ تَرْكَ مُعالَجَتِهِ سُبْحانَهُ لَهم لِكَوْنِهِمْ يُعَذِّبُونَ مِن آمَنَ بِهِ لِأجْلِ الإيمانِ بِهِ ما [لا - ] يَلِيقُ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ واصِفًا لَهُ بِما يُحَقِّقُ وُجُوبَ العِبادَةِ لَهُ وتَفَرُّدَهُ بِها: ﴿العَزِيزِ﴾ أيِ الَّذِي يَغْلِبُ مَن أرادَ ولا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَلا يُظَنُّ إمْكانُهُ مِن أهْلِ وِلايَتِهِ لِعَجْزٍ، بَلْ هو يَبْتَلِيهِمْ لِيُعْظِمَ أُجُورَهم ويُعْظِمَ عِقابَ أعْدائِهِمْ ويُعْظِمَ الِانْتِقامَ مِنهم ﴿الحَمِيدِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، فَهو يُثِيبُ مَن أُصِيبَ فِيهِ أعْظَمَ ثَوابٍ، ويَنْتَقِمَ مِمَّنْ آذاهُ بِأشَدِّ العَذابِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:

البروج 85:9

﴿الَّذِي لَهُ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ عَلى جِهَةِ العُمُومِ مُطْلَقًا، فَكُلُّ ما فِيهِما جَدِيرٌ بِأنْ يَعْبُدَهُ وحْدَهُ ولا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ التَّحْذِيرَ بِالشّاهِدِ والمَشْهُودِ، وأنَّ الكافِرِينَ شُهُودٌ عَلى أنْفُسِهِمْ، زادَ في التَّحْذِيرِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ [أعْظَمَ - ] شَهِيدٍ في ذَلِكَ اليَوْمِ وغَيْرِهِ فَهو لا يَحْتاجُ إلى غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ أجْرى ذَلِكَ عَلى ما نَتَعارَفُهُ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾ [أيِ - ] المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ هَذا الفِعْلُ وغَيْرُهُ ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ أتَمُّ شَهادَةً لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ أصْلًا، ولا يَكُونُ شَيْءٌ ولا يَبْقى إلّا بِتَدْبِيرِهِ، ومَن هو بِهَذِهِ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ لا يَهْمِلُ أوْلِياءَهُ أصْلًا، بَلْ لا بُدَّ أنْ (p-٣٥٩)يَنْتَقِمَ لَهم مِن أعْدائِهِ ويُعْلِيهِمْ بِعَلائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ مُسْتَأْنِفًا جَوابًا لِمَن يَقُولُ: فَما فَعَلَ بِهِمْ؟ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِ الكُفّارِ ذَلِكَ:

البروج 85:10

﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ أيْ خالَطُوا مِنَ الأذى بِما لا تَحْتَمِلُهُ القُوى فَلا بُدَّ أنْ يَمِيلَ أوْ يُحِيلَ في أيْ زَمانٍ كانَ ومِن أيِّ قَوْمٍ كانُوا ﴿المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ ذَوِي الرُّسُوخِ في وصْفِ الإيمانِ. ولَمّا كانَتِ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً قَبْلَ الغَرْغَرَةِ ولَوْ طالَ الزَّمانُ، عَبَّرَ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أيْ عَنْ ذُنُوبِهِمْ وكُفْرِهِمْ. ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ لا يُعَذِّبُ أحَدًا إلّا بِسَبَبٍ، سَبَّبَ عَنْ ذَنْبِهِمْ وعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿فَلَهُمْ﴾ أيْ خاصَّةً لِأجْلِ كُفْرِهِمْ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ أيِ الطَّبَقَةِ الَّتِي تَلْقى داخِلَها بِغايَةِ الكَراهَةِ والتَّجَهُّمِ، هَذا في الآخِرَةِ ﴿ولَهُمْ﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ في الدّارَيْنِ لِأجْلِ فِتْنَتِهِمْ لِأوْلِياءِ اللَّهِ ﴿عَذابُ الحَرِيقِ﴾ أيِ العَذابَ الَّذِي مِن شَأْنِهِ المُبالَغَةُ في الإحْراقِ بِما أحْرَقُوا مِن قُلُوبِ الأوْلِياءِ، وقَدْ صَدَقَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ هَذا فِيمَن كَذَّبَ النَّبِيَّ ﷺ بِإهْلاكِهِمْ شَرَّ إهْلاكٍ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ مَعَ أنَّهم كانُوا قاطِعِينَ بِأنَّهم غالِبُونَ كَما فَعَلَ بِمَن كانَ قَبْلَهُمْ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ يُبْدِئُ ويُعِيدُ.

البروج 85:11

(p-٣٦٠)ولَمّا ذَكَرَ عِقابَ المُعانِدِينَ بادِئًا بِهِ لِأنَّ المَقامَ لَهُ، أتْبَعَهُ ثَوابَ العابِدِينَ، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِما لِأعْدائِهِمْ مِن إنْكارِ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أقَرُّوا بِالإيمانِ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ مِنَ المَقْذُوفِينَ في النّارِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ طائِفَةٍ في كُلِّ زَمانٍ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ وتَحْقِيقًا لَهُ. ولَمّا كانَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَن رَحِمَتِهِ قَدْ تَغَمَّدَ أوْلِياءَهُ بِعِنايَتِهِ ولَمْ يَكِلْهم إلى أعْمالِهِمْ لَمْ يَجْعَلْها سَبَبَ سَعادَتِهِمْ فَلَمْ يَقْرِنْ بِالفاءَ قَوْلَهُ: ﴿لَهُمْ﴾ أيْ جَزاءَ مُقاساتِهِمْ لِنِيرانِ الدُّنْيا مِن نارِ الأُخْدُودِ الحِسِّيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ، ومِن نِيرانِ الغُمُومِ والأحْزانِ المَعْنَوِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ المُباشِرُ لِأسْبابِها غَيْرُهُ سُبْحانَهُ فَيَكُونُ المُقاسِي لَها مَعَ حِفْظِهِ لِلدِّينِ كالقابِضِ عَلى الجَمْرِ ﴿جَنّاتٌ﴾ أيْ فَضْلًا مِنهُ ﴿تَجْرِي﴾ وقَرَّبَ مَنالَها بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها﴾ أيْ تَحْتَ غُرَفِها وأُسْرَتِها وجَمِيعِ أماكِنِها ﴿الأنْهارُ﴾ يَتَلَذَّذُونَ بِبَرْدِها في نَظِيرِ ذَلِكَ الحَرِّ الَّذِي صَبَرُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا ويَرُوقُهُمُ النَّظَرُ إلَيْها مَعَ خُضْرَةِ الجِنانِ والوُجُوهِ الحِسانِ الجالِبَةِ [لِلسُّرُورِ الجالِيَةِ -] لِلْأحْزانِ. ولَمّا ذَكَرَ هَذا الَّذِي يُسِرُّ النُّفُوسَ ويُذْهِبُ البُؤْسَ، [فَذْلَكَهُ - ] بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العالِي الدَّرَجَةِ العَظِيمِ البَرَكَةِ ﴿الفَوْزُ﴾ (p-٣٦١)أيِ الظَّفَرُ بِجَمِيعِ المَطالِبِ لا غَيْرُهُ ﴿الكَبِيرُ﴾ كِبْرًا لا تَفْهَمُونَ مِنهُ أكْثَرَ مَن ذَكَرَهُ بِهَذا الوَصْفِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وذَلِكَ أنَّ مَن كَبَّرَهُ أنَّ هَذا الوُجُودَ كُلَّهُ يَصْغُرُ عَنْ أصْغَرِ شَيْءٍ مِنهُ.

البروج 85:12

ولَمّا كانَ لا يُثِيبُ ويُعَذِّبُ عَلى هَذا الوَجْهِ إلّا مَن كانَ في غايَةِ العَظَمَةِ، قالَ مُعَلِّلًا لِفِعْلِهِ ذَلِكَ دالًّا بِذَلِكَ التَّعَلُّلِ عَلى ما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَتَقاصَرُ الأفْكارُ دُونَ عَلْيائِها، مُؤَكِّدًا لِما لِلْأعْداءِ مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ﴾ أيْ أخْذَ المُحْسِنِ إلَيْكَ المُدَبِّرِ لِأمْرِكَ أعْداءَ الدِّينِ بِالعُنْفِ والسَّطْوَةِ وغايَةِ الشِّدَّةِ ﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ شِدَّةٍ يَزِيدُ عُنْفُها عَلى ما في البَطْشِ مِنَ العُنْفِ المَشْرُوطِ في تَسْمِيَتِهِ، فَهو عُنْفٌ مُضاعَفٌ.

البروج 85:13

ولَمّا كانَ هَذا البَطْشُ لا يَتَأتّى إلّا لِكامِلِ القُدْرَةِ، دَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ واخْتِصاصِهِ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ الإنْكارِ: ﴿إنَّهُ﴾ وزادَ التَّأْكِيدَ بِمُبْتَدَأٍ آخَرَ لِيَدُلَّ عَلى الِاخْتِصاصِ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿يُبْدِئُ﴾ أيْ يُوجَدُ ابْتِداءً أيُّ خَلْقٍ أرادَ عَلى أيِّ هَيْئَةٍ أرادَ ﴿ويُعِيدُ﴾ أيْ ذَلِكَ المَخْلُوقُ بَعْدَ إفْنائِهِ في أيِّ وقْتٍ أرادَهُ، وغَيْرُهُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، ولَيْسَ هَذا الضَّمِيرُ بِفَصْلٍ لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا والخَبَرُ لا يَكُونُ إلّا مَعْرِفَةً، أوْ شَبِيهٌ بِها في أنَّهُ لا يَلْحَقُهُ ”ألْ“ المَعْرِفَةُ مِثْلُ خَيْرٍ مِنكَ، وأجازَ المازِنِيُّ وُقُوعُهُ قَبْلَ المُضارِعِ لِمُشابَهَتِهِ الِاسْمَ وامْتِناعَ دُخُولِ ”ألْ“ عَلَيْهِ (p-٣٦٢)فَأشْبَهَ المَعْرِفَةَ، [و - ] قالَ: ولا يَكُونُ قَبْلَ الماضِي لِأنَّ الماضِي لا يُشْبِهُ الِاسْمَ، قالَ الرَّضِيُّ: وما قالَهُ دَعْوى بِلا حُجَّةٍ [و - ] مِثْلُ ”ومَكْرُ أُولَئِكَ هو يَبُورُ“ لَيْسَ بِنَصٍّ في كَوْنِهِ فَصْلًا لِجَوازِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً بِما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، ونَقَضَ قَوْلَهُ في الماضِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾ [النجم: ٤٣] الآيَةُ.

البروج 85:14

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ بَطْشَهُ، وكانَ القادِرُ عَلى العُنْفِ قَدْ لا يَقْدِرُ عَلى اللُّطْفِ، وإنْ قَدَرَ فَرُبَّما [لَمْ - ] يَقْدِرْ عَلى الإبْلاغِ في ذَلِكَ، وكانَ لا يَقْدِرُ عَلى مَحْوِ الذُّنُوبِ أعْيانُها وآثارُها عَلى كُلِّ أحَدٍ بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ لِصاحِبِها عِقابٌ ولا عِتابٌ مِن أحَدٍ أصْلًا إلّا مَن كانَ قادِرًا عَلى كُلِّ شَيْءٍ، قالَ مُبَيِّنًا لِجَمِيعِ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، ومُؤَكِّدًا لِخُرُوجِهِ عَنِ العَوائِدِ: ﴿وهُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الغَفُورُ﴾ أيِ المَحّاءُ لِأعْيانِ الذُّنُوبِ وآثارِها إذا أرادَ بِحَيْثُ لا يَحْصُلُ لِمَن مَحا ذَنْبَهُ كَدَرٌ مِن جِهَةِ ذَلِكَ الذَّنْبِ أصْلًا ﴿الوَدُودُ﴾ أيِ الَّذِي يَفْعَلُ بِمَن أرادَ فِعْلَ المُحِبِّ الكَثِيرِ المَحَبَّةِ فَيُجِيبُهُ إلى ما شاءَ ويُلْقِي عَلى صاحِبِ الذَّنْبِ الَّذِي مَحاهُ عَنْهُ وُدًّا أيْ مَحَبَّةً كَبِيرَةً واسِعَةً ويَجْعَلُ لَهُ في قُلُوبِ الخَلْقِ رَحْمَةً، ومادَّةُ ”ودَّ“ تَدُورُ عَلى الِاتِّساعِ كَما بَيَّنْتُهُ في سُورَةِ الرُّومِ، وزادَ الأمْرَ تَأْكِيدًا بِذِكْرِ ما (p-٣٦٣)لا يُنازَعُ أصْلًا في اخْتِصاصِهِ بِهِ تَشْرِيفًا لَهُ [و - ] تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ:

البروج 85:15

﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيِ العِزِّ الأعْظَمِ أوِ السَّرِيرِ الدّالِّ عَلى اخْتِصاصِهِ المَلِكَ بِالمُلْكِ وانْفِرادِهِ بِالتَّدْبِيرِ والسِّيادَةِ والسِّياسَةِ، الَّذِي بِهِ قِوامُ الأُمُورِ ﴿المَجِيدُ﴾ أيِ الشَّرِيفُ الكَرِيمُ العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ الحَسَنُ الجَمِيلُ الرَّفِيعُ العالِي الكَثِيرُ العَطاءِ - هَذا إذا رَفَعَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ”ذُو“ وكَذا إنَّ جُرَّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْعَرْشِ في قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ.

البروج 85:16

ولَمّا كانَ الِاخْتِصاصُ يَدُلُّ قَطْعًا عَلى كَمالِ القُدْرَةِ، أنْتَجَ ذِكْرَ هَذِهِ الِاخْتِصاصاتِ قَوْلَهُ: ﴿فَعّالٌ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ والمُبالَغَةِ ﴿لِما يُرِيدُ﴾ لا يُؤَدِّهِ شَيْءٌ مِنَ الأفْعالِ سَواءٌ كانَتْ مَنسُوبَةً إلَيْهِ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ أوْ نُسِبَتْ في الظّاهِرِ إلى غَيْرِهِ.

البروج 85:17

ولَمّا تَمَّتِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ بَطْشَهُ شَدِيدٌ، قَرَّرَهُ بِما وجَدَ مِن ذَلِكَ وذَكَّرَهُ بِهِ تَخْوِيفًا وتَسْلِيَةً لَهُ لِأنَّ النَّظَرَ في المَحْسُوساتِ أمْكَنُ في النُّفُوسِ فَقالَ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ يا أعْظَمَ خَلْقِنا ﴿حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ أيِ اذْكُرْ ما أتاكَ مِمّا حَدَثَ لَهم مِن بَطْشِنا وما وقَعَ بِهِمْ مِن سَطَواتِنا لِتَكْذِيبِهِمْ رُسُلَنا عَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامُ بِحَيْثُ صارَ حَدِيثًا يُتْلى، وذِكْرًا بَيْنَ الخَلْقِ لِعَظْمَتِهِ لا يَبْلى، والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ بِالضَّمِّ وهو العَسْكَرُ المُعَدُّ لِلْقِتالِ والأعْوانِ والمَدِينَةِ، والكُلُّ ناظِرٌ إلى النَّجْدَةِ العَظِيمَةِ والغَلَبَةِ الزّائِدَةِ.

البروج 85:18

ولَمّا كانَ المَعْلُومُ مِنَ السِّياقِ أنَّ المُرادَ مِن حَدِيثِهِمْ ما حَصَلَ لَهم (p-٣٦٤)مِنَ البَطْشِ لِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ لا سِيَّما في البَعْثِ الَّذِي السِّياقُ لَهُ، وكانَ الواقِعُ مِن بَيانِهِ بِآياتِ مُوسى وصالِحٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ أبْيَنُ مِمّا وقَعَ بِآياتِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ زَمَنُهُ عَلى هَذِهِ الأزْمِنَةِ، وكانَتْ أُمَّةُ كُلِّ نَبِيٍّ مِنَ النَّبِيِّينَ وأتْباعِ فِرْعَوْنَ تَحْوِي أصْنافًا مِنَ الخَلْقِ كَثِيرَةً، حُكِيَ أنَّ طَلِيعَتَهُ يَوْمَ تَبِعَ بَنِي إسْرائِيلَ وغَرِقَ كانَتْ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، أبْدَلَ مِنَ ”الجُنُودِ“ إعْلامًا بِأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿فِرْعَوْنَ﴾ وكَذا أتْباعُهُ الَّذِينَ كانُوا أشَدَّ أهْلِ زَمانِهِمْ وأعْتاهم وأكْثَرُهم رُعُونَةُ في دَعْوى الإلَهِيَّةِ مِنهُ والتَّصْدِيقِ مِنهم وكانَ هَذا مِن عَماوَةِ قُلُوبِهِمْ مَعَ ظُهُورِ عَلاماتِ الرُّبُوبِيَّةِ السَّماوِيَّةِ والأرْضِيَّةِ، والرُّسُوخِ في التَّكْذِيبِ والسَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ مَعَ رُؤْيَةِ تِلْكَ الآياتِ العَظِيمَةِ عَلى كَثْرَتِها وطُولِ زَمَنِها حَتّى دَخَلَ البَحْرَ عَلى أمانٍ مِنَ الغَرَقِ مَعَ أنَّ خَطَرَ الغَرَقِ بِهِ في تِلْكَ الحالَةِ لَمْ يَكُنْ يَخْفى عَلى مَن لَهُ أدْنى مُسْكَةٍ مَن عَقْلِهِ فَأغْرَقَهُ اللَّهُ ومَن مَعَهُ أجْمَعِينَ ولَمْ يُبْقِ مِنهم أحَدًا، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى مَن كانَ مَعَهُ مِن أتْباعِهِ وأتْباعِهِمُ الطّائِفَةِ الِاتِّحادِيَّةِ العَرَبِيَّةِ الفارِضِيَّةِ الَّذِينَ يَكْفِي في ظُهُورِ كُفْرِهِمْ تَصْوِيبُهم فِرْعَوْنَ الَّذِي أجْمَعَ عَلى كُفْرِهِ جَمِيعُ الفِرَقِ ﴿وثَمُودَ﴾ الَّذِينَ حَمَلَتْهُمُ الخِفَّةُ (p-٣٦٥)عَلى أنْ عَقَرُوا النّاقَةَ بَعْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها تَتَكَوَّنُ مِنَ الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ غَيْرَ مُجَوَّزِينَ أنَّ الَّذِي خَرَقَ العادَةَ بِإخْراجِها ذَلِكَ يُهْلِكُهم في شَأْنِها، وقَدْ جَمَعَ سُبْحانَهُ بِهِما بَيْنَ العَرَبِ والعَجَمِ والإهْلاكِ بِالماءِ الَّذِي هو حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ والصَّيْحَةِ الَّتِي هي أمارَةُ السّاعَةِ، وإنَّما كانَتْ آياتُهُما أبْيَنُ لِأنَّ آيَةَ ثَمُودَ ناقَةٌ خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ، ومِن آياتِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إبْداعُ القَمْلِ الَّذِي لا يُحْصى كَثْرَةً مِنَ الكُثْبانِ، وإبْداعُ الضَّفادِعِ كَذَلِكَ والجَرادِ وإحْياءِ العَصا مَرَّةً أُخْرى، ولا شَكَّ عِنْدَ عاقِلٍ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ ابْتِداءً مِن شَيْءٍ لا أصْلَ في الحَياةِ فَهو عَلى إعادَةِ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَيًّا أشَدَّ قُدْرَةً.

البروج 85:19

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: نَعَمْ [قَدْ - ] أتانِي ذَلِكَ وعَلِمْتُ مِن خَبَرِهِما وغَيْرِهِ أنَّكَ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ، ولَكِنَّ [الكُفّارَ - ] لا يُصَدِّقُونَنِي، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ جاهَرُوا بِالكُفْرِ مِن هَؤُلاءِ القَوْمِ وغَيْرِهِمْ وإنْ كانُوا في أدْنى رُتْبَةٍ ﴿فِي تَكْذِيبٍ﴾ أيْ لَمّا رَأوْا مِنَ الآياتِ لا مُسْتَنَدَ لَهم فِيهِ وهو شَدِيدٌ مُحِيطٌ بِهِمْ لِاتِّباعِهِمْ أهْواءَهم وتَقْلِيدَهم آباءَهُمْ، فَهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الخُرُوجِ مِن ذَلِكَ التَّكْذِيبِ الَّذِي صارَ ظَرْفًا لَهم بَعْدَ سَماعِهِمْ لِأخْبارِ هَؤُلاءِ المُهْلِكِينَ ورُؤْيَةِ بَعْضِ آثارِهِمْ، وبَعْدَ ما أقَمْتُ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ عَلى البَعْثِ في هَذا القُرْآنِ المُعْجِزِ، ولَمْ يَعْتَبِرُوا (p-٣٦٦)بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ لِما عِنْدَهم مِن داءِ الحَسَدِ، فَحالُهم أعْجَبُ مِن حالِهِمْ فَحَذَّرَهم مِثْلَ مَآلِهِمْ.

البروج 85:20

ولَمّا كانَ هَذا رُبَّما أوْهَمَ أنَّ تَكْذِيبَهم عَلى غَيْرِ مُرادِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، قالَ دافِعًا لِذَلِكَ مُؤَكِّدًا [قُدْرَتَهُ - ] عَلى أخْذِهِمْ تَحْذِيرًا لَهم وتَسْلِيَةً لِمَن كَذَّبُوهُ: ﴿واللَّهُ﴾ أيْ والحالُ أنَّ المَلِكَ الَّذِي اخْتُصَّ بِالجَلالِ والإكْرامِ ﴿مِن ورائِهِمْ﴾ أيْ مِن كُلِّ جِهَةٍ يُوارُونَها أوْ تُوارِيهِمْ، وذَلِكَ كُلُّ جِهَةٍ ﴿مُحِيطٌ﴾ [فَهُوَ مُحِيطٌ -] بِهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، فَهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم في قَبْضَتِهِ لا يُفَوِّتُونَهُ بِوَجْهٍ كَما أنَّهُ لا يَفُوتُ مَن صارَ في القَبْضَةِ بِإحاطَةِ العَدُوِّ بِهِ مِن غَيْرِ مانِعٍ، فَهو سُبْحانُهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما أحَلَّ بِأُولَئِكَ، ولَعَلَّهُ خَصَّ الوَراءَ لِأنَّ الإنْسانَ يَحْمِي ما وراءَهُ ولِأنَّهُ جِهَةُ الفِرارِ مِنَ المَصائِبِ.

البروج 85:21

ولَمّا كانَ مِن تَكْذِيبِهِمْ، وهو أعْظَمُ تَكْذِيبِهِمْ، طَعَنَهم في أعْظَمِ آياتِ القُرْآنِ بِأنْ يَقُولُوا: هو كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ، إنَّما هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، أيْ أُكْذُوباتِهِمْ لا حَقائِقَ لِما يُخْبِرُ بِهِ مَعَ أنَّهُ قَدْ أقامَ الدَّلِيلَ الأعْظَمَ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ بِما لَهُ مِنَ الإعْجازِ عَلى أنَّهُ حَقٌّ، قالَ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ إيذانًا بِأنَّهُ (p-٣٦٧)لِعِظَمِهِ في كُلِّ قَلْبٍ لا غَيْبَةَ لَهُ أصْلًا، لَيْسَ لِأحَدٍ حَدِيثٌ إلّا فِيهِ، بانِيًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ الكُفّارُ في القُرْآنِ: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أيْ هَذا القُرْآنُ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴿قُرْآنٌ﴾ أيْ جامِعٍ لِكُلِّ مَنقَبَةٍ جَلِيلَةٍ بالِغِ الذُّرْوَةِ العُلْيا في كُلِّ شَرَفٍ ﴿مَجِيدٌ﴾ أيْ شَرِيفٍ كَرِيمٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن شَوائِبِ الذَّمِّ عَزِيزٍ [عَظِيمٍ - ] شَرِيفٍ عالٍ جَوادٍ حَسَنِ الخِلالِ وحِيدٍ في نَظْمِهِ ومَعانِيهِ المُغَيَّبَةِ والمُشاهَدَةِ حاوٍ لِمَجامِعِ الحَمْدِ لَيْسَ بِقَوْلٍ مَخْلُوقٍ ولا هو مَخْلُوقٌ بَلْ هو صِفَةُ الخالِقِ بَلْ هو جَوادٌ بِكُلِّ ما يُرادُ مِنهُ مِنَ المَحاسِنِ لِمَن صَدَقَتْ نِيَّتُهُ وطَهُرَتْ طَوِيَّتُهُ، وعَلَتْ هِمَّتُهُ وكَرُمَتْ سَجِيَّتُهُ، فَهو يَأْبى لَهُ مَجْدُهُ أنْ يُلِمَّ بِساحَتِهِ طَعْنٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ومَجْدُهُ تَجْرِيبُ أحْكامِهِ مِن بَيْنِ عاجِلِ ما شَهِدَ وآجِلِ ما عَلِمَ بِعالَمِ ما شَهِدَ، فَكانَ مَعْلُومًا بِالتَّجْرِبَةِ المُتَيَقَّنَةِ بِما تَواتَرَ مِنَ القَصَصِ الماضِي وما شَهِدَ لَهُ مِنَ الأثَرِ الحاضِرِ وما يَتَجَدَّدُ مَعَ الأوْقاتِ مِن أمْثالِهِ وأشْباهِهِ وأشْكالِهِ، فَكَذَّبَ مَن قالَ إنَّهُ شِعْرٌ أوْ كَهانَةٌ أوْ سِحْرٌ - أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأباطِيلِ.

البروج 85:22

ولَمّا وصَفَهُ في نَفْسِهِ مِمّا يَأْبى لَهُ لَحاقُ شَيْءٍ مِن شُبْهَةٍ، وصْفُ مَحَلِّهِ في المَلَأِ الأعْلى إعْلامًا بِأنَّهُ لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ما يُغَيِّرُهُ فَقالَ: ﴿فِي لَوْحٍ﴾ (p-٣٦٨)وهُوَ كُلُّ صَحِيفَةٍ [عَرِيضَةٍ - ] مِن خَشَبٍ أوْ عَظْمٍ أوْ غَيْرِهِما ﴿مَحْفُوظٍ﴾ أيْ لَهُ الحِفْظُ دائِمًا عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ مِن كُلِّ خَلَلٍ [ومِن - ] أنْ يَصِلَ [إلَيْهِ - ] إلّا المَلائِكَةُ الكِرامُ، قالَ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في كِتابِ المَوْتِ مِنَ الأحْياءِ: يُعَبِّرُ عَنْهُ تارَةً بِاللَّوْحِ، وتارَةً بِالكِتابِ المُبِينِ، وتارَةً بِإمامٍ مُبِينٍ، فَجَمَعَ ما جَرى في العالَمِ وما سَيَجْرِي مَكْتُوبٌ فِيهِ كُتُبًا لا يُشاهَدُ بِهَذِهِ العَيْنِ، ولَيْسَ مِمّا نَعْهَدُهُ مِنَ الألْواحِ، فَلَوْحُهُ تَعالى لا يُشْبِهُ ألْواحَ خَلَقْهِ كَما أنَّ ذاتَهُ تَعالى لا تُشْبِهُ ذَواتَ خَلْقِهِ، ومِثالُهُ مِثالُ قَلْبِ الإنْسانِ في حِفْظِ القُرْآنِ مَثَلًا كَلِماتِهِ وحُرُوفِهِ، ولَوْ فَتَّشَ قَلْبُهُ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَنْظُرُ ذَلِكَ إلّا نَبِيٌّ أوْ ولِيٌّ يَقْرُبُ مِن دَرَجَتِهِ - هَذا مَعْنى كَلامِ الإمامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَرَأ نافِعٌ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقُرْآنِ فَحَفِظَهُ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ وكُلُّ شُبْهَةٍ ورَيْبٍ في نَظْمِهِ أوْ مَعْناهُ كَما أنَّ البُرُوجَ مَحْفُوظَةٌ في لَوْحِ السَّماءِ المَحْفُوظِ، بَلِ القُرْآنُ بِذَلِكَ أوْلى لِأنَّهُ صِفَةُ الخالِقِ في بَيانِ وصْفِهِ لِما خَلَقَ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ الأعْدَلِ لِأنَّهُ تَرْجَمَةُ ما أوْجَدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في الوُجُودِ، فَصَحَّ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُصَدِّقَ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ، ومِن أعْظَمِهِ أنَّهُ سُبْحانَهُ يَحْشُرُ النّاسَ لِلدَّيْنُونَةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ كَما دانَ [مَن - ] كَذَّبَ أوْلِياءَهُ في الدُّنْيا (p-٣٦٩)بِمِثْلِ ذَلِكَ فَأخَذَ أعْداءَهُ وأنْجى أوْلِياءَهُ، فَرَجَعَ الخِتامَ مِنها عَلى المُبْتَدَأِ، وتَعانَقَ الِافْتِتاحُ بِالمُنْتَهى، فاقْتَضى ذَلِكَ تَنْزِيهُ المُتَكَلِّمِ [بِهِ - ] عَنْ أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَضْلًا عَنِ الأنْفُسِ بِغَيْرِ حِفْظٍ وعَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ، وإثْباتُ الكَمالاتِ لَهُ والأكْمَلِيّاتِ بِكُلِّ طَرِيقٍ - واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ، وإلَيْهِ المَهْرَبُ والمَتابُ.

الطارق 86:1

(p-٣٧٠)سُورَةُ الطّارِقِ مَقْصُودُها بَيانُ مَجْدِ القُرْآنِ في صِدْقِهِ في الإخْبارِ بِتَنْعِيمِ أهْلِ الإيمانِ، وتَعْذِيبِ أهْلِ الكُفْرانِ، في يَوْمِ القِيامَةِ حِينَ تُبْلى السَّرائِرُ وتَكْشِفُ المُخِبّاتُ [الضَّمائِرُ - ] عَنْ مِثْقالِ الذَّرِّ وما دُونُ المِثْقالِ، مِمّا دَوَّنَتْهُ الحَفَظَةُ الكِرامُ في صَحائِفِ الأعْمالِ، بَعْدَ اسْتِيفاءِ الآجالِ، كَما قُدِّرَ في أزَلِ الآزالِ، مِن غَيْرِ اسْتِعْجالٍ، ولا تَأْخِيرٍ عَنِ الوَقْتِ المَضْرُوبِ ولا إهْمالٍ، واسْمُها الطّارِقُ أدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَوْعُودِ الصّادِقِ بِتَأمُّلِ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ حَسَبَ ما اتَّسَقَ الكَلامُ إلَيْهِ ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ( الرَّحْمَنُ ) الَّذِي وسِعَ الخَلائِقَ فَضْلُهُ وعَدْلُهُ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِتَوْفِيقِهِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ جُودُهُ وإحْسانُهُ وكَرَمُهُ وفَضْلُهُ. * * لِما تَقَدَّمَ [فِي - ] آخِرِ البُرُوجِ أنَّ القُرْآنَ في لَوْحٍ مَحْفُوظٍ لِأنَّ مَنزِلَهُ مُحِيطٌ بِالجُنُودِ مِنَ المُعانِدِينَ وبِكُلِّ شَيْءٍ، أخْبَرَ أنَّ مِن إحاطَتِهِ حِفْظَ كُلِّ فَرْدٍ مِن جَمِيعِ الخَلائِقِ [المُخالِفِينَ - ] والمُوافِقِينَ والمُؤالِفِينَ، (p-٣٧١)لِيُجازى عَلى أعْمالِهِ يَوْمَ إحْقاقِ الحَقائِقِ وقَطْعِ العَلائِقِ، فَقالَ مُقْسِمًا عَلى ذَلِكَ لِإنْكارِهِمْ لَهُ: ﴿والسَّماءِ﴾ أيْ ذاتِ الأنْجُمِ المَوْضُوعَةِ لِحِفْظِها مِنَ المَرَدَةِ لِأجْلِ حِفْظِ [القُرْآنِ - ] المَجِيدِ الحافِظِ لِطَرِيقِ الحَقِّ، قالَ المَلْوِيُّ: [و - ] المُرادُ بِها [هُنا - ] ذاتُ الأفْلاكِ الدّائِرَةِ لا السَّماواتُ العُلى [بِما - ] جَعَلَ فِيها مِن لَيْلٍ ونَهارٍ ودَوْرَتُهُما ثَلاثُمِائَةٍ وسِتِّينَ دَرَجَةً لا تَتَغَيَّرُ أبَدًا في هَذِهِ [الدّارِ - ] بِنَقْصٍ و[لا - ] زِيادَةَ بِنِصْفِ دَرَجَةٍ ولا دَقِيقَةَ ولا ثانِيَةَ ولا ما دُونُ ذَلِكَ، بَلْ كُلَّما زادَ أحَدُهُما شَيْئًا نَقَصَ مِنَ الآخَرِ بِحِسابِهِ عَرَفَ ذَلِكَ مِنَ العَقْلِ والنَّقْلِ والتَّجْرِبَةِ فَعَرَفَ أنَّهُ يَحْفَظُ [حَفِيظٌ - ] حَيٌّ لا يَمُوتُ، قَيَوْمَ لا يَغْفُلُ ولا يَنامُ - انْتَهى. ولَمّا أقْسَمَ بِالسَّماءِ لِما لَها مِنَ الشَّرَفِ والمَجْدِ تَنْبِيهًا عَلى ما فِيها مِن بَدائِعِ الصُّنْعِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ. أقْسَمَ بِأعْجَبِ ما فِيها وهو جِنْسُ النُّجُومِ ثُمَّ بِأعْرُبِهِ وهو المُعَدُّ لِلْحِراسَةِ تَنْبِيهًا عَلى ما في ذَلِكَ مِن غَرائِبِ القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿والطّارِقِ﴾ أيْ جِنْسِ الكَواكِبِ الَّذِي يَبْدُو لَيْلًا ويَخْفى نَهارًا، ويُطْرَقُ مُسْتَرْقِي السَّمْعِ فَيُبَدِّدُ شَمْلَهم ويُهْلِكُ مَن أرادَ اللَّهُ مِنهم لِأجْلِ هِدايَةِ [النّاسِ - ] بِالقُرْآنِ في الطُّرُقِ المَعْنَوِيَّةِ وظُهُورِهِ وإشْراقِهِ في السَّماءِ لِهِدايَتِهِمْ في الطُّرُقِ الحِسِّيَّةِ وهو في الأصْلِ (p-٣٧٢)لِسالِكِ الطَّرِيقِ، واخْتَصَّ عُرْفًا بِالآتِي لَيْلًا لِأنَّهُ يَجِدُ الأبْوابَ مُغْلَقَةً فَيَحْتاجُ إلى طَرْقِها، ثُمَّ اسْتَعْمَلَ لِلْبادِي فِيهِ كالنَّجْمِ.

الطارق 86:2

ولَمّا كانَ الطّارِقُ [يُطْلَقُ - ] عَلى غَيْرِ النَّجْمِ أبْهَمَهُ أوَّلًا ثُمَّ عَظَّمَ المُقْسِمُ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ عَرَّفَكَ يا أشْرَفَ خَلْقِنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنْ حاوَلْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ وبالَغْتَ في الفَحْصِ عَنْهُ ﴿ما الطّارِقُ﴾

الطارق 86:3

ثُمَّ زادَهُ تَهْوِيلًا بِتَفْسِيرِهِ بَعْدَ إبْهامِهِ مَرَّةً أُخْرى بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ أيِ المُتَوَهِّجِ العالِي المُضِيءِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الظَّلامُ بِنُورِهِ فَيَنْفُذُ فِيهِ، يُقالُ: أثْقُبُ نارَكَ لِلْمَوْقِدِ، أوْ يَثْقُبُ بِضَوْئِهِ الأفْلاكَ فَتَشِفُّ عَنْهُ، أوْ يَثْقُبُ الشَّيْطانُ بِنارِهِ إذا اسْتَرَقَ السَّمْعَ، والمُرادُ الجِنْسُ أوْ مَعْهُودٌ بِالثُّقْبِ وهو زُحَلُ، عَبَّرَ عَنْهُ أوَّلًا بِوَصْفٍ عامٍّ ثُمَّ فَسَّرَهُ بِما يَخُصُّهُ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ لِعُلُوِّ مَكانِهِ.

الطارق 86:4

ولَمّا ذَكَرَ الَّذِي دَلَّ بِهِ عَلى حِفْظِ القُرْآنِ عَنِ التَّلْبِيسِ وعَلى حِفْظِ الإنْسانِ، ذَكَرَ جَوابَهُ في حِفْظِ النُّفُوسِ الَّتِي جَعَلَ فِيها قابِلِيَّةً لِحِفْظِ القُرْآنِ في الصُّدُورِ، ودَلَّ عَلى حِفْظِ ما خَلَقَ لِأجْلِها مِن هَذِهِ الأشْياءِ المُقْسَمِ بِها عَلى حِفْظِ الإنْسانِ لِأنَّها إذا كانَتْ مَحْفُوظَةً عَنْ أدْنى زَيْغٍ وهي مَخْلُوقَةٌ لِتَدْبِيرِ مَصالِحِهِ فَما الظَّنُّ بِهِ؟ فَقالَ مُؤَكِّدًا غايَةَ [التَّأْكِيدِ - ] لِما لِلْكَفَرَةِ مِن إنْكارِ ذَلِكَ والطَّعْنِ [فِيهِ- ] (p-٣٧٣)﴿إنْ﴾ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الثَّقِيلَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ [أيْ - ] أنَّ الشَّأْنَ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ مِنَ الأنْفُسِ مُطْلَقًا لا سِيَّما نُفُوسُ النّاسِ ﴿لَمّا عَلَيْها﴾ أيْ بِخُصُوصِها لا مُشارِكَ لَها في ذاتِها ﴿حافِظٌ﴾ أيْ رَقِيبٌ عَتِيدٌ لا يُفارِقُها، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَبَعْضُهم لِحِفْظِها مِنَ الآفاتِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِها مِنَ الوَساوِسِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِ أعْمالِها وإحْصائِها بِالكِتابَةِ، وبَعْضُهم لِحِفْظِ ما كُتِبَ لَها مِن رِزْقٍ وأجَلٍ وشَقاوَةٍ أوْ سَعادَةٍ ومَشْيٍ(؟) ونِكاحٍ وسَفَرٍ وإقامَةٍ، فَلا يَتَعَدّى شَيْئًا مِن ذَلِكَ نَحْنُ قَسَّمْنا نَحْنُ قَدْرَنا، فَإنْ قُلْتَ: إنَّ الحافِظَ المَلائِكَةُ، صَدَقْتَ، وإنْ قُلْتَ: إنَّهُ اللَّهُ، صَدَقْتَ، لِأنَّهُ الآمِرُ لَهم والمُقَدِّرُ عَلى الحِفْظِ، والحافِظُ [لَهم - ] مِنَ الوَهْنِ والزَّيْغِ، فَهو الحافِظُ الحَقِيقِيُّ، واللّامُ في هَذِهِ القِراءَةِ هي الفارِقَةُ بَيْنَ المُخَفَّفَةِ والنّافِيَةِ ”وما“ مُؤَكَّدَةٌ بِنَفْيِ [صَدْرَ - ] ما أثْبَتَتْهُ الجُمْلَةُ، ”وحافِظٌ“ خَبَرُ ”إنَّ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ الخَبَرَ، و”حافِظٌ“ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ بِتَشْدِيدِ ”لَمّا“ عَلى أنَّها بِمَعْنى ”إلّا“ و”إنَّ“ نافِيَةٌ بِمَعْنى ”ما“، والمُسْتَثْنى مِنهُ ”كُلُّ نَفْسٍ“ وخَبَرُ النّافِيَةِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كائِنَةٌ أوْ مَوْجُودَةٌ [أوْ نَحْوُهُما-]، والمُسْتَثْنى ”نَفْسٌ“ مَوْصُوفَةٌ بِ ”عَلَيْها حافِظٌ“ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا فَمَحَلُّهُ يَحْتَمِلُ (p-٣٧٤)الرَّفْعَ بِأنَّهُ خَبَرُ النّافِي [فِي - ] هَذا الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ، والنُّصْبُ بِأنَّهُ خَبَرٌ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ”نَفْسٍ“، لِأنَّها عامَّةُ، والتَّقْدِيرُ: ما كَلُّ نَفْسٍ مَوْجُودَةٌ إلّا نَفْسُ كائِنًا أوْ كائِنٌ عَلَيْها حافِظٌ، والنِّسْبَةُ بَيْنَ مَفْهُومَيِ القِراءَتَيْنِ أنَّ المُشَدِّدَ أخَصُّ لِأنَّها دائِمَةٌ مُطْلَقَةٌ، والمُخَفَّفَةُ مُطْلَقَةٌ عامَّةٌ، ولا يَظُنُّ أنَّ المُشَدَّدَةَ غَيْرُ مُساوِيَةٍ لِلْمُخَفِّفَةِ، فَضْلًا عَنْ أنْ تَكُونَ أخَصَّ لِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ دَخَلَ عَلى ”كُلٍّ“ وهو مِن أسْوارِ السَّلْبِ الجُزْئِيِّ كَما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ فَيَنْحَلُّ إلى أنَّ بَعْضَ النُّفُوسِ لَيْسَ إلّا عَلَيْها حافِظٌ [وإنَّما - ] كانَ لا يَظُنُّ ذَلِكَ لِأنَّها تَنْحَلُّ لِما فِيها مِنَ الحَصْرِ المُتَضَمِّنِ لِلنَّفْيِ والإثْباتِ إلى جُمْلَتَيْنِ، إحْداهُما إثْباتُ [الحِفْظِ - ] لِلنَّفْسِ المَوْصُوفَةِ والأُخْرى سَلْبُ نَقِيضِهِ عَنْها، لِأنَّهُ مَن قَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ. ونَقِيضُ الكُلِّيَّةِ المُوجِبَةِ الجُزْئِيَّةِ السّالِبَةِ أيْ لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ [ والسّالِبَةُ الجُزْئِيَّةُ أعَمُّ مِنَ السّالِبَةِ الكُلِّيَّةِ، فَإذا نَفَيْتَها قُلْتَ: لَيْسَ لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ - ] فَهو سَلْبُ السَّلْبِ الجُزْئِيِّ، وإذا سَلَبَ السَّلْبَ الجُزْئِيَّ [سَلَبَ الكُلِّيَّ -] لِما تَبَيَّنَ أنَّهُ أخَفُّ. وإذا انْتَفى الأعَمُّ انْتَفى الأخَصُّ فَلا شَيْءَ مِنَ الأنْفُسِ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، فانْحَلَّ الكَلامُ إلى: لا نَفْسَ (p-٣٧٥)كائِنَةٌ إلّا نَفْسٌ عَلَيْها حافِظٌ، وإنْ كانَ لَفْظُ ”لَيْسَ كُلُّ“ مِن أسْوارِ الجُزْئِيَّةِ لِما مَضى، فَصارَتِ الآيَةُ عَلى قِراءَةِ التَّشْدِيدِ مُرَكَّبَةً مِن مُطْلَقَةٍ عامَّةٍ هي ”كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها حافِظٌ“ بِالفِعْلِ. ومَن سَلَبَ نَقِيضَها وهو الدّائِمَةُ [المُطْلَقَةُ - ] الَّذِي هو ”دائِمًا لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ عَلَيْها [حافِظٌ“ - ] ورَفَعَهُ بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ دائِمًا لَيْسَ كُلُّ نَفْسٍ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، [ أيْ لَيْسَ دائِمًا كُلُّ نَفْسٍ لَيْسَ عَلَيْها حافِظٌ، وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الحَصْرِ وقَصْرِ المَوْصُوفِ عَلى الصِّفَةِ، مَعْناهُ أنَّ المَوْصُوفَ لا يَتَعَدّى صِفَتُهُ الَّتِي قَصَرَ عَلَيْها، فَأقَلُّ الأُمُورِ أنْ لا يَتَجاوَزُها إلى عَدَمِ الحِفْظِ، وذَلِكَ مَعْنى الدّائِمَةِ المُطْلَقَةِ وهو الحُكْمُ بِثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ ما دامَ ذاتُ المَوْضُوعِ مَوْجُودَةً، وهي عَلى قِراءَةِ التَّخْفِيفِ مُطْلَقَةٌ عامَّةٌ أيْ حُكِمَ فِيها بِثُبُوتِ المَحْمُولِ لِلْمَوْضُوعِ بِالفِعْلِ وهو الجُزْءُ الأوَّلُ مِمّا انْحَلَّتْ إلَيْهِ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ، فَمَفْهُومُ الآيَةِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ أخَصُّ مِنهُ في قِراءَةِ التَّخْفِيفِ، لِأنَّ كُلَّ دائِمٍ كائِنٌ بِالفِعْلِ، ولا يَنْعَكِسُ - هَذا إذا نَظَرْنا إلى نَفْسِ المَفْهُومِ مِنَ اللَّفْظِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الدَّلالَةِ الخارِجِيَّةِ، وأمّا بِالنَّظَرِ إلى نَفْسِ الأمْرِ فالجِهَةُ الدَّوامُ فَلا فَرْقَ، غَيْرَ أنَّهُ دَلَّ عَلَيْها بِاللَّفْظِ في قِراءَةِ التَّشْدِيدِ دُونَ قِراءَةِ التَّخْفِيفِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لِما قالَ اللَّهُ (p-٣٧٦)سُبْحانَهُ وتَعالى في سُورَةِ البُرُوجِ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج: ٩] ﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج: ٢٠] وكانَ في ذَلِكَ تَعْرِيفُ العِبادِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ ولا يَفُوتُهُ شَيْءٌ ولا يَنْجُو مِنهُ هارِبٌ، أرْدَفَ ذَلِكَ بِتَفْصِيلٍ يَزِيدُ إيضاحَ ذَلِكَ التَّعْرِيفِ الجُمَلِيِّ مِن شَهادَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ وإحاطَتِهِ بِهِ فَقالَ تَعالى ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ فَأعْلَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِخُصُوصِ كُلِّ نَفْسٍ مِمَّنْ يَحْفَظُ أنْفاسَها ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] لِيَعْلَمَ العَبْدُ أنَّهُ لَيْسَ بِمُهْمَلٍ ولا مُضَيَّعٍ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى الغَنِيُّ عَنْ كُتُبِ الحَفَظَةِ وإحْصائِهِمْ وشَهادَةِ الشُّهُودِ مِنَ الأعْضاءِ وغَيْرِهِمْ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ لِإظْهارِ عَدْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ولا أقَلَّ مِنَ المِثْقالِ، ولَكِنَّ هي سُنَّتُهُ حَتّى لا يَبْقى لِأحَدٍ حُجَّةٌ ولا تَعَلُّقٌ، وأقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى ذَلِكَ تَحْقِيقًا وتَأْكِيدًا يُناسِبُ القَصْدَ المَذْكُورَ - انْتَهى.

الطارق 86:5

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ العَرْضِ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِأنَّ التَّوْكِيلَ بِالإنْسانِ لا يَكُونُ إلّا لِعَرْضِهِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ صاحِبِ الأمْرِ والبُرْهانِ ومُحاسَبَتِهِ لَهُ عَلى ما كانَ، كانَ التَّقْدِيرُ: يَحْفَظُ أعْمالَها (p-٣٧٧)ويَكْتُبُها لِيُحاسِبَها المَلِكُ عَلى ذَلِكَ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ﴾ أيْ بِالبَصِيرَةِ ﴿الإنْسانُ﴾ أيِ الآنِسُ بِنَفَسِهِ النّاظِرُ في عَطْفِهِ إنْ كانَ يَسْلُكُ في ذَلِكَ ﴿مِمَّ﴾ أيْ مِن أيِّ شَيْءٍ، وبَنى لِلْمَفْعُولِ العامِلَ في [مَن - ] أمْرٌ بِالنَّظَرِ وهو قَوْلُهُ: ﴿خُلِقَ﴾ إعْلامًا بِأنَّ الدّالَّ هو مُطْلَقُ الخَلْقِ، وتَنْبِيهًا عَلى تَعْظِيمِ الفاعِلِ بِأنَّ العِلْمَ بِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى ذِكْرِهِ بِاللَّفْظِ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى صَنْعَةٍ مِن صَنائِعِهِ غَيْرُهُ، وأمَرَ الإنْسانَ بِهَذا النَّظَرِ لِيَعْلَمَ بِأمْرِ مَبْدَئِهِ أمْرَ مَعادِهِ، فَإنَّ مِن قَدَرَ عَلى الِابْتِداءِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ قَطْعًا، فَإذا صَحَّ عِنْدَهُ ذَلِكَ اجْتَهَدَ في أنْ لا يُمْلِي عَلى حافِظِيهِ إلّا ما يُرْضِي اللَّهَ تَعالى يَوْمَ عَرْضِهِ عَلى المَلِكِ الدَّيّانِ لِيُسْرِهِ وقْتَ حِسابِهِ.

الطارق 86:6

ولَمّا نَبَّهَ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّ هَذا أمْرٌ جِدًّا يَنْبَغِي لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يَتْرُكَ جَمِيعَ مُهِمّاتِهِ ويَتَفَرَّغَ لِلنَّظَرِ فِيهِ فَإنَّهُ يَكْسِبُهُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ الدّائِمَةَ، وكانَ الإنْسانُ - مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا عاجِزًا - لا يَنْفَكُّ عَنْ شاغِلٍ ومُفْتَرٍ، فَلا يَكادُ يَصِحُّ لَهُ نَظَرٌ، تَوَلّى سُبْحانَهُ وتَعالى شَرْحَ ذَلِكَ عَنْهُ فَأجابَ الِاسْتِفْهامَ بِقَوْلِهِ: ﴿خُلِقَ﴾ أيِ الإنْسانِ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ بَعْدَ خَلْقِ أبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تُرابِ، وأُمِّهُ حَوّاءُ عَلَيْها السَّلامُ مِن ضِلْعِهِ ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ أيْ هو - لِقُوَّةِ دَفْقِ الطَّبِيعَةِ لَهُ - (p-٣٧٨)كَأنَّهُ يَدْفُقُ بِنَفْسِهِ فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ، والدَّفْقُ لِصاحِبِهِ، أوْ هو مَثَلُ ”لِابْنِ“ أيْ ذِي دَفْقِ، والدَّفْقُ صَبٌّ فِيهِ دَفْعٌ، ولَمْ يَقُلْ: ماءَيْنِ - إشارَةً إلى أنَّهُما يَجْتَمِعانِ في الرَّحِمِ [و - ] يَمْتَزِجانِ أشَدَّ امْتِزاجٍ بِحَيْثُ يَصِيرانِ ماءً واحِدًا.

الطارق 86:7

ولَمّا كانَ المُرادُ بِهِ ماءُ الرَّجُلِ وماءُ المَرْأةِ قالَ: ﴿يَخْرُجُ﴾ وبَعْضٌ بِإثْباتِ الجارِّ فَأفْهَمَ الخُرُوجَ عَنْ مَقَرِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ الصُّلْبِ﴾ أيْ صُلْبِ الرَّجُلِ وهو عَظْمٌ مُجْتَمِعٌ مِن عِظامٍ مُفَلَّكَةٍ أحْكَمَ رَبْطَها غايَةَ الإحْكامِ مِن لَدُنِ الكاهِلِ إلى عَجَبِ الذَّنَبِ ﴿والتَّرائِبِ﴾ أيْ تَرائِبِ المَرْأةِ وهي عِظامُ الصَّدْرِ حَيْثُ تَكُونُ القِلادَةُ، وصَوَّبَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، أوْ ما ولِيَ التَّرْقُوَتَيْنِ مِنهُ، أوْ ما بَيْنَ الثَّدْيَيْنِ والتُّرْقَوَتَيْنِ [أوْ - ] أرْبَعَةُ أضْلاعٍ مِن يَمْنَةِ الصَّدْرِ، وأرْبَعَةٌ مِن يَسْرَتِهِ، أوِ اليَدانِ والرِّجْلانِ والعَيْنانِ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرِ شَهْوَتِها مِن أمامِها وشَهْوَةِ الرَّجُلِ فِيما غابَ عَنْهُ مِن ورائِهِ، ولَوْ نَزَعَ الخافِضَ لَأفْهَمَ أنَّ الماءَ يَمْلَأُ البَيْنَ المَذْكُورَ ولَمْ يَفْهَمْ أنَّهُ يَخْرُجُ عَنْ صاحِبِي البَيْنِ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولَوْ صَحَّ أنَّ النُّطْفَةَ تَتَوَلَّدُ (p-٣٧٩)مِن فَضْلِ الهَضْمِ [الرّابِعِ - ] وتَنْفَصِلُ عَنْ جَمِيعِ الأعْضاءِ حَتّى تَسْتَعِدَّ لِأنْ يَتَوَلَّدُ مِنها مِثْلُ تِلْكَ الأعْضاءِ، ومَقَرُّها عُرُوقُ مُلْتَفٍّ بَعْضُها بِالبَعْضِ عِنْدَ الأُنْثَيَيْنِ، فَلا شَكَّ أنَّ الدِّماغَ أعْظَمُ الأعْضاءِ مَعُونَةً في تَوْلِيدِها، ولِذَلِكَ تُشْبِهُهُ ويُسْرِعُ الإفْراطَ في الجِماعِ بِالضَّعْفِ فِيهِ ولَهُ خَلِيفَةٌ وهو النُّخاعُ وهو في الصُّلْبِ، وشُعَبٌ كَثِيرَةٌ نازِلَةٌ إلى التَّرائِبِ وهُما أقْرَبُ إلى أوْعِيَةِ المَنِيِّ فَلِذَلِكَ خُصّا بِالذِّكْرِ. وقالَ المَلْوِيُّ: فالَّذِي أخْرَجَهُ مِن ظُرُوفٍ عِظامِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ إلى أنْ صَيَّرَهُ في مَحَلِّهِ مِنَ الأُنْثَيَيْنِ إلى [أنْ - ] دَفَقَ واعْتَنى بَعْدَ ذَلِكَ بِنَقْلِهِ مِن خَلْقٍ إلى خَلْقٍ بَعْدَ كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا إلى أنْ صَيَّرَهُ إنْسانًا يَعْقِلُ ويَتَكَلَّمُ ويَبْنِي القُصُورَ، ويَهْدِمُ الصُّخُورَ، قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ.

الطارق 86:8

ولَمّا عَلِمَ بِالحِفْظِ والخَلْقِ في الأطْوارِ المُشارِ إلَيْها أنَّهُ خُلِقَ لِأمْرٍ عَظِيمٍ وهو الحِسابُ، وثَبَتَ بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِدائِهِ مِن هَذا الماءِ وبِتَطْوِيرِهِ في الحالاتِ المُشارِ إلَيْها بِذِكْرِ الماءِ، المَعْلُومَةِ لِكُلِّ أحَدٍ القُدْرَةُ عَلى الإعادَةِ بِلا فَرْقٍ إلّا كَوْنُ الإعادَةِ عَلى ما نَعْرِفُ أسْهَلُ، وكانَ العَرَبُ يُنْكِرُونَها، قالَ مُؤَكِّدًا اسْتِئْنافًا لِمَن يَقُولُ: قَدْ نَظَرْتُ في ذَلِكَ فَمَهْ: ﴿إنَّهُ﴾ (p-٣٨٠)أيْ خالِقُهُ القادِرُ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِهِ المَدْلُولِ عَلى عَظْمِهِ بِبِناءِ ”خُلِقَ“ لِلْمَفْعُولِ ﴿عَلى رَجْعِهِ﴾ أيْ رَجْعِ الإنْسانِ بِالعَبَثِ ورَدِّهِ إلى حالَتِهِ الأُولى وخَلْقِهِ الأوَّلِ كَما كانَ قَبْلَ المَوْتِ وعَلى رَدٍّ هَذا الماءِ الدّافِقِ إلى مَجارِيهِ الَّتِي خَرَجَ مِنها وحَلَّهُ إلى المائِيَّةِ بَعْدَ انْعِقادِهِ عَظْمًا ولَحْمًا ودَمًا ﴿لَقادِرٌ﴾ أيْ لِثابِتَةٌ قُدْرَتُهُ عَلى ذَلِكَ أتَمَّ ثَباتٍ، فَمِن أيْسَرِ ما يَكُونُ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [رَدُّهُ - ] بَعْدَ شَيْخُوخَتِهِ عَلى عَقِبِهِ بِأنْ يَجْعَلَهُ كَهْلًا ثُمَّ شابًّا ثُمَّ طِفْلًا ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ نُطْفَةً ثُمَّ يَدْفَعُهُ إلى ذِكْرِ الرَّجُلِ ورَحِمِ المَرْأةِ ثُمَّ إلى صُلْبِهِ وتَرائِبِها وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ، وذَلِكَ كَقُدْرَتِهِ عَلى رَدِّهِ بِالبَعْثِ، وعَبَّرَ بِـ”أنَّهُ“ ولَمْ يَقُلْ: إنَّ اللَّهَ - مَثَلًا لِأنَّهُ أقْعَدُ لِأنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ إنْسانٍ: مَن أخْرَجَكَ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَصَيَّرَكَ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ؟ فَإذا قالَ: القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ الكامِلَةِ، قِيلَ لَهُ: وبِتِلْكَ القُدْرَةِ بِعَيْنِها يُعِيدُكَ، ولَوْ سَمّى لَهُ اسْمَ غَيْرِ الضَّمِيرِ لَكانَ رُبَّما قالَ: [لَيْسَ - ] هو خالِقِي.

الطارق 86:9

ولَمّا كانَ هَذا يُحَرِّكُ السّامِعَ غايَةَ التَّحْرِيكِ لِأنْ يَقُولُ: مَتى تَكُونُ رَجْعُهُ لَهُ؟ قالَ مُجِيبًا لَهُ: ﴿يَوْمَ تُبْلى﴾ وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ إشارَةٌ مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى السُّهُولَةِ إلى [أنَّ - ] مِنَ الأمْرِ البَيِّنِ غايَةَ البَيانِ أنَّ الَّذِي يَبْلُوها (p-٣٨١)هُوَ الَّذِي يُرْجِعُها، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ احْتِياجٍ إلى ذِكْرِهِ ﴿السَّرائِرُ﴾ أيْ كُلُّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الصُّدُورُ مِنَ العَقائِدِ والنِّيّاتِ، وأخْفَتْهُ الجَوارِحُ مِنَ الإخْلالِ بِالوُضُوءِ والغُسْلِ ونَحْوُ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ الجِناياتِ، بِأنْ تُخالِطَ السَّرائِرَ في ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ ما يُمِيلُها فَيُحِيلُها عَمّا هي عَلَيْهِ فَتَعُودُ جَهْرًا بَعْدَ أنْ كانَتْ سِرًّا، فَيُمَيَّزُ طِيبَها مِن خَبِيثِها ويُجازى عَلَيْهِ صاحِبُهُ.

الطارق 86:10

ولَمّا كانَ المانِعُ مِن جَزائِهِ عِنْدَ إظْهارِ سَرائِرِهِ إمّا هو نَفْسُهُ أوْ أحَدٌ يَنْصُرُهُ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ إظْهارِ ما يَجْتَهِدُ في إخْفائِهِ: ﴿فَما لَهُ﴾ أيِ الإنْسانُ الَّذِي أخْرَجَتْ سَرائِرُهُ، وأعْرَقَ في التَّعْمِيمِ والنَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن قُوَّةٍ﴾ أيْ يَمْنَعُ بِها نَفْسَهُ مِنَ الجَزاءِ ﴿ولا ناصِرٍ﴾ أيْ يَنْصُرُهُ فَيَمْنَعُهُ مِن نُفُوذِ الحُكْمِ فِيهِ. ولَيْسَ الدَّفْعُ إلّا بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ: قُوَّةٌ قائِمَةٌ بِهِ أوْ قُوَّةٌ خارِجَةٌ عَنْهُ.

الطارق 86:11

ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الجُمَلُ عَلى وجازَتِها عَلى الذُّرْوَةِ العُلْيا مِنَ البَلاغَةِ في إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ والوَحْدانِيَّةِ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن بُحُورِ العُلُومِ، فَثَبَتَ أنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَثَبَتَ أنَّ (p-٣٨٢)كُلَّ ما فِيهِ حَقٌّ مَعَ مُنازَعَتِهِمْ في ذَلِكَ [كُلِّهِ- ]، اقْتَضى الحالُ الإقْسامَ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقالَ: ﴿والسَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي كانَ المَطْلَعُ الإقْسامُ بِها ووَصَفَها بِما يُؤَكِّدُ العِلْمَ بِالعَبَثِ الَّذِي هو مَنبَعُ العُلُومِ والتَّقْوى فَعَلَيْهِ مَدارُ السَّعادَةِ فَقالَ: ﴿ذاتِ الرَّجْعِ﴾ الَّتِي تَرْجِعُ بِالدَّوَرانِ إلى المَوْضِعِ الَّذِي ابْتَدَأتِ الدَّوَرانَ مِنهُ فَتَرْجِعُ الأحْوالُ الَّتِي كانَتْ وتَصَرَّمَتْ مِنَ اللَّيْلِ والنَّهارِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والفُصُولِ مِنَ الشِّتاءِ وما فِيهِ مِن بَرْدِ ومَطَرٍ، والصَّيْفِ وما فِيهِ مِن حَرٍّ وصَفاءٍ وسُكُونٍ وغَيْرِ ذَلِكَ والنَّباتُ بَعْدَ تَهَشُّمُهُ وصَيْرُورَتُهُ تُرابًا مُخْتَلِطًا بِتُرابِ الأرْضِ وتَرْجِعُ الماءُ عَلى قَوْلِ مَن يَقُولُ: إنَّ السَّحابَ يَأْخُذُهُ مِنَ البَحْرِ ويَعْلُو بِهِ فَيَعْصِرُهُ في الهَواءِ ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى الأرْضِ - وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الدّالُّ كُلٌّ مِنها قِطَعًا عَلى أنَّ فاعِلَ ذَلِكَ قادِرٌ عَلى إعادَةِ كُلِّ ما فَنِيَ كَما كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

الطارق 86:12

ولَمّا ذَكَرَ الأمْرَ العُلْوِيَّ بادِئًا بِهِ لِشَرَفِهِ، أتْبَعَهُ السُّفْلِيُّ فَقالَ تَعالى: ﴿والأرْضِ﴾ أيْ مَسْكَنُكُمُ الَّذِي أنْتُمْ مُلابِسُوهُ ومُعانُوهُ كُلَّ وقْتٍ ومُلامِسُوهُ ﴿ذاتِ الصَّدْعِ﴾ أيِ الَّتِي تَتَصَدَّعُ وتَنْشَقُّ فَيَخْرُجُ مِنها النَّباتُ (p-٣٨٣)والعُيُونُ بَدْءًا وإعادَةُ دَلالَةٍ ظاهِرَةٍ عَلى البَعْثِ، فَجَمَعَ بِالقِسْمِ العالَمَ العُلْوِيَّ الَّذِي هو كالرَّجُلِ والسُّفْلِيَّ الَّذِي هو كالمَرْأةِ، فَكَما أنَّ الرَّجُلَ يَسْقِيها مِن مائِهِ فَتَصَدَّعَ [ عَنِ الوَلَدِ، فَكَذَلِكَ السَّماءُ تَسْقِي الأرْضَ فَتَتَصَدَّعُ - ] عَنِ النَّباتِ [ وكَما أنَّها تَتَصَدَّعُ عَنِ النَّباتِ - ] بَعْدَ فَنائِهِ وصَيْرُورَتِهِ رُفاتًا فَيَعُودُ كَما كانَ فَكَذَلِكَ تَتَصَدَّعُ عَنِ النّاسِ بَعْدَ فَنائِهِمْ فَيَعُودُونَ كَما كانُوا بِإذْنِ رَبِّها مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

الطارق 86:13

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ كُلُّها بَراهِينٌ قاطِعَةٌ ودَلائِلُ باهِرَةٌ ساطِعَةٌ عَلى حَقِّيَّةِ القُرْآنِ وإتْيانِهِ بِأعْلى البَيانِ، فَكانَ مِنَ المُسْتَبْعَدِ جِدًّا طَعْنُهم في القُرْآنِ بَعْدَ هَذا البَيانِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ بِالتَّأْكِيدِ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ إشارَةً لِما مَضى إلى أنَّهُ المُحَدِّثُ عَنْهُ الآنَ، فَهو الثّابِتُ في جَمِيعِ الأذْهانِ لا غَيْبَةَ [لَهُ - ] عَنْ شَيْءٍ مِنها أصْلًا ﴿إنَّهُ﴾ أيِ القُرْآنِ الَّذِي أخْبَرَ بِهَذِهِ الإخْباراتِ الَّتِي هي في غايَةِ الوُضُوحِ وتَقَدَّمَ أنَّهُ مَجِيدٌ وفي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ، وأنَّ الكَفَرَةَ في تَكْذِيبٍ بِهِ ولا سِيَّما ما تَضَمَّنَ مِنهُ الإخْبارُ بِالبَعْثِ: ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أيْ جِدًّا يُرادُ بِهِ فَصْلُ الأُمُورِ، ولَهُ مِنَ العَراقَةِ في الفَرْقِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ ما صارَ بِهِ يُطْلَقُ عَلَيْهِ نَفْسُ الفَصْلِ،

الطارق 86:14

ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ لِشِدَّةِ إنْكارِهِمْ وجَحْدِهِمْ وتَغْطِيَتِهِمُ الحَقَّ بِالباطِلِ فَقالَ: ﴿وما هُوَ﴾ (p-٣٨٤)أيِ القُرْآنُ في باطِنِهِ و[لا - ] ظاهِرُهُ ﴿بِالهَزْلِ﴾ أيْ بِالضَّعِيفِ المَرْذُولِ الَّذِي لا طائِلَ تَحْتَهُ، فَمِن حَقِّهِ ما هو عَلَيْهِ الآنَ مِن كَوْنِهِ مَهِيبًا في القُلُوبِ مُعْظَّمًا في الصُّدُورِ يَرْتَفِعُ بِهِ قارِئُهُ وسامِعُهُ عَنْ أنْ [يُلِمُّ - ] بِهَزْلٍ ويَعْلَمَ بِهِ في أعْيُنِ العامَّةِ والخاصَّةِ.

الطارق 86:15

ولَمّا كانَ ثَباتُ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ مُقْتَضِيًا ولا بُدَّ رُجُوعُهم عَنِ العِنادِ، [ فَكانَ ذَلِكَ مُحَرِّكًا لِلسّامِعِ إلى تَعَرُّفِ ما كانَ مِن أمْرِهِمُ، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ دَلالَةً عَلى بَقائِهِمْ عَلى الإنْكارِ وأكَّدَهُ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ بَقاءَهم عَلى العِنادِ - ] مَعَ هَذا مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا ﴿إنَّهُمْ﴾ أيِ الكُفّارُ ﴿يَكِيدُونَ﴾ أيْ بِما يَعْمَلُونَ في أمْرِهِ مِنَ الحِيَلِ ﴿كَيْدًا﴾ في إبْطالِهِ وإطْفاءِ نُورِهِ بِإثْباتِكَ أوْ إخْراجِكَ أوْ قَتْلِكَ أوْ تَنْفِيرَ النّاسِ عَنْكَ والحالُ أنَّهُ لا قُوَّةَ لَهم أصْلًا عَلى ذَلِكَ ولا ناصِرَ لَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وسُمِّيَ جَزاؤُهُ لَهم سُبْحانَهُ كَيْدًا مُشاكَلَةً، ولِأنَّهُ خَفِيٌّ عَنْهم ومَكْرُوهٌ إلَيْهِمْ فَهو عَلى صُورَةِ الكَيْدِ فَقالَ:

الطارق 86:16

﴿وأكِيدُ﴾ أيْ أنا بِإتْمامِ اقْتِدارِي ﴿كَيْدًا﴾ بِاسْتِدْراجِي (p-٣٨٥)لَهم إلى تَوَغُّلِهِمْ فِيما يُغْضِبُنِي لِيُكْمِلَ ما يُوجِبُ أخْذِي لَهم مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ.

الطارق 86:17

ولَمّا كانَ هَذا مُعْلِمًا بِأنَّهم عَدَمٌ لا اعْتِبارَ بِهِمْ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ تَهْدِيدًا لَهم يا لَهُ مِن تَهْدِيدٍ ما أصْعَبَهُ: ﴿فَمَهِّلِ﴾ أيْ تَمْهِيلًا عَظِيمًا بِالتَّدْرِيجِ. ولَمّا كانَ في المُكَذِّبِينَ في عِلْمِ اللَّهِ مَن يُؤْمِنُ فَلَيْسَ مُسْتَحِقًّا لِإيقاعٍ مِثْلِ هَذا التَّهْدِيدِ، عَبَّرَ بِالوَصْفِ المُقْتَضِي لِلرُّسُوخِ فَقالَ: ﴿الكافِرِينَ﴾ أيْ فَلا تَدْعُ عَلَيْهِمْ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم بِالإهْلاكِ، فَإنّا لا نُعَجِّلُ لِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، حُكِيَ أنَّ الحَجّاجَ كانَ سِجْنُهُ مِن رُخامٍ وأرْضُهُ مِن رَصاصٍ، فَكانَ يَتَلَوَّنُ بِتَلَوُّنِ الأوْقاتِ، فَوَقْتُ الحُرِّ جَهَنَّمُ، ووَقْتُ البَرْدِ زَمْهَرِيرُ، فَمَرَّ بِهِ يَوْمًا فاسْتَغاثُوا فَطَأْطَأ رَأْسَهُ لَهم وقالَ: اخْسَؤُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ، فَأخَذَتِ الأرْضُ قَوائِمَ جَوادِهِ فَرَفَعَ طَرَفَهُ إلى السَّماءِ وقالَ: سُبْحانَكَ لا يُعَجِّلُ بِالعُقُوبَةِ إلّا مَن يَخافُ الفَوْتَ، وانْطَلَقَ مِن وقْتِهِ، فَإنَّ العَجَلَةَ - [وهِيَ - ] إيقاعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ الألْيَقِ بِهِ - نَقَصَ فَإنَّهُ لا يُعَجِّلُ إلّا مَن يَكُونُ [ما يَفْعَلُ -] المُسْتَعْجَلُ عَلَيْهِ خارِجًا عَنْ قَبْضَتِهِ. ولَمّا كانَتْ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ رُبَّما أفْهَمَتِ التَّطْوِيلَ، أكَّدَ ذَلِكَ مُجَرَّدًا لِلْفِعْلِ دَلالَةً عَلى أنَّ المُرادَ بِالأوَّلِ إيقاعُ الإمْهالِ مَعَ أنَّ زَمَنَهُ قَصِيرٌ بِالتَّدْرِيجِ لِيَطْمَئِنَّ المُمْهِلُ بِذَلِكَ وتَصِيرُ لَهُ [بِهِ - ] قُوَّةٌ عَظِيمَةٌ ودُرَّتُهُ؟ وعَزِيمَةٌ (p-٣٨٦)صادِقَةٌ لِأنَّ ما يَقُولُونَهُ مِمّا تَشْتَدُّ كَراهَةُ النُّفُوسِ لَهُ، فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإعْراضِ عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةٍ عَظِيمَةٍ: ﴿أمْهِلْهُمْ﴾ أيْ بِالإعْراضِ عَنْهم مَرَّةً واحِدَةً بَعْدَ التَّدْرِيجِ [ لِما صارَ لَكَ عَلى حَمْلِهِ مِنَ القُوَّةِ بِالتَّدْرِيجِ - ] الَّذِي أمَرْتَ بِهِ سابِقًا ﴿رُوَيْدًا﴾ أيْ إمْهالًا يَسِيرًا فَسَتَكُونُ عَنْ قَرِيبٍ لَهم أُمُورٌ، وأيُّ أُمُورٍ تُشْفِي الصُّدُورَ، وهو تَصْغِيرُ ”ارْوادًا“ تَصْغِيرُ تَرْخِيمٍ، قالَ ابْنُ بُرْجانِ: وهي كَلِمَةٌ تُعْطِي الرِّفْقً، وهَذا الآخَرُ هو المُرادُ بِما في أوَّلِها مِن أنَّ كُلًّا مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مَحْفُوظٌ بِحِفْظِهِ مَضْبُوطَةٌ أقْوالُهُ وأفْعالُهُ وحَرَكاتُهُ وسَكَناتُهُ وأحْوالُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزَمٌ لِأنَّهُ في القَبْضَةِ، فَقَدِ التَقى الطَّرَفانِ عَلى أعْظَمِ [شَأْنٍ بِأبْيَنِ -] بُرْهانٍ، ووَقَعَ أوَّلُ هَذا الوَعِيدِ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ تَوَلّى نَكالُهم وتَحْقِيرُهم وإسْفالُهم إلى أنْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنهم بِالسَّيْفِ وكَثِيرٌ مِنهم [بِالمَوْتِ - ] حَتْفَ الأنْفِ إلى النّارِ، وبَقِيَ الباقُونَ في الصَّغارِ إلى أنَّ أعَزَّهُمُ اللَّهُ بِعِزِّ الإسْلامِ، وصارُوا مِنَ الأكابِرِ الأعْلامَ، تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، واللَّهُ تَعالى هو أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

الأعلى 87:1

(p-٣٨٧)سُورَةُ سَبِّحْ وتُسَمّى الأعْلى قالَ المَلْوِيُّ: وكانَ النَّبِيُّ ﷺ [يُحِبُّها - ] لِكَثْرَةِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُلُومِ والخَيْراتِ – مَقْصُودُها إيجابُ التَّنْزِيهِ لِلْأعْلى سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ أنْ يَلْحَقَ ساحَةَ عَظَمَتِهِ شَيْءٌ مِن شَوائِبِ النَّقْصِ كاسْتِعْجالٍ في أمْرٍ مِن إهْلاكٍ لِلْكافِرِينَ أوْ غَيْرِهِ أوِ العَجْزِ عَنِ البَعْثِ أوْ إهْمالِ الخَلْقِ سُدًى يَبْغِي بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِغَيْرِ حِسابٍ، أوْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِما [لا - ] يُطابِقُ الواقِعَ أوْ بِما يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَتَكَلَّمَ بِمِثْلِهِ كَما أذِنَتْ بِذَلِكَ الطّارِقُ مُجْمَلًا وشَرَحَتْهُ هَذِهِ مُفَصَّلًا، وعَلى ذَلِكَ دَلَّ كُلٌّ مِنِ اسْمِها سَبِّحْ والأعْلى ( بِسْمِ اللَّهِ ) الَّذِي لَهُ العُلى كُلُّهُ فَلا نَقْصَ يَلْحَقُهُ ( الرَّحْمَنِ ) الَّذِي عَمَّ جُودُهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ هو الَّذِي أوْجَدَهُ وكُلُّ حَيَوانٍ هو الَّذِي يُرَبِّيهِ ويَرْزُقُهُ ( الرَّحِيمِ ) الَّذِي [مَن - ] كانَ مِن حِزْبِهِ فَإنَّهُ يَلْزَمُهُ الطّاعَةَ ويُيَسِّرُها لَهُ ويُوَفِّقُهُ. * * (p-٣٨٨)لِما تَضَمَّنَ أمْرُهُ سُبْحانَهُ في آخِرِ الطّارِقِ بِالإمْهالِ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِعْجالِ الَّذِي هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ لِكَوْنِهِ [نَقْصًا- ]، وأشارَ نَفْيُ الهَزْلِ [عَنِ القُرْآنِ -] - إلى أنَّهم وصَمُوهُ بِذَلِكَ وهو في غايَةِ البُعْدِ [عَنْهُ - ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ فِيها ونَزَّهَ نَفْسَهُ الأقْدَسَ سُبْحانَهُ عَنْهُ، أمَرَ أكْمَلَ خَلْقِهِ رَسُولَهُ المُنَزَّلُ عَلَيْهِ هَذا القُرْآنُ ﷺ بِتَنْزِيهِ اسْمِهِ لِأنَّهُ وحْدَهُ العالِمُ بِذَلِكَ حَقَّ عِلْمِهِ، وإذا نُزِّهَ اسْمُهُ عَنْ أنْ يَدْعُوَ بِهِ وثَنًا أوْ غَيْرَهُ أوْ يَضَعُهُ في غَيْرِ ما يَلِيقُ بِهِ، كانَ لِذاتِهِ سُبْحانَهُ أشَدَّ تَنْزِيهًا، فَقالَ مُرَغِّبًا في الذِّكْرِ لا سِيَّما بِالتَّنْزِيهِ الَّذِي هو نَفْيُ المُسْتَحِيلاتِ لِأنَّ التَّخَلِّي قَبْلَ التَّحَلِّي، شارِحًا لِأُصُولِ الدِّينِ مُقَدِّمًا لِلْإلَهِيّاتِ الَّتِي هي النِّهاياتُ مِنَ الذّاتِ ثُمَّ الصِّفاتُ لا سِيَّما القَيُّومِيَّةُ ثُمَّ الأفْعالُ عَلى النُّبُوّاتِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ النُّبُوَّةَ لِيَعْرِفَ العَبْدُ رَبَّهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ والجَمالِ، فَيَزُولُ عَنْهُ داءُ الجَهْلِ المُوقِعُ في التَّقْلِيدِ، وداءُ الكِبْرِ المُوقِعُ في إنْكارِ الحُقُوقِ، فَيَعْتَرِفُ بِالعُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، لا مُثْنِيًا عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالجَلالِ ثُمَّ الجَمالِ فَيَعْبُدُهُ عَلى ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ امْتِثالِ أمْرِهِ واجْتِنابِ نَهْيِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ: ﴿سَبِّحِ﴾ أيْ نَزَّهَ وبَرِئَ تَنْزِيهًا وتَبْرِئَةً عَظِيمَتَيْنِ جَدًّا قَوِيَّتَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ ﴿اسْمَ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بَعْدَ إيجادِكَ عَلى صِفَةِ الكَمالِ بِتَرْبِيَتِكَ (p-٣٨٩)عَلى أحْسَنِ الخِلالِ حَتّى كُنْتَ في غايَةِ الجَلالِ والجَمالِ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ مُحْتاجًا في أنْ تَكُونَ حَياتُهُ طَيِّبَةً لِيَتَمَكَّنَ مِمّا يُرِيدُ إلى ثَلاثَةِ أشْياءَ: كَبِيرٌ يَنْتَمِي إلَيْهِ لِيَكُونَ لَهُ بِهِ رِفْعَةٌ يَنْفَعُهُ بِها عِنْدَ مُهِمّاتِهِ، ويَدْفَعُ عَنْهُ عِنْدَ ضَرُوراتِهِ، ومُقْتَدى يَرْبُطُ بِهِ نَفْسَهُ عِنْدَ مُلِمّاتِهِ، وطَرِيقَةٌ مُثْلى تَرْتَكِبُها كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ «رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا ورَسُولًا وبِالإسْلامِ دِينًا» أرْشَدَهُ ﷺ إلى أنَّ الِانْقِطاعَ إلَيْهِ أعْلى الجاهِ، فَقالَ واصِفًا لِمَن أمَرَهُ بِتَسْبِيحِهِ بِإثْباتِ ما لَهُ مِنَ الواجِباتِ بَعْدَ نَفْيِ المُسْتَحِيلاتِ كَما أشارَ إلَيْهِ ”سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ“: ﴿الأعْلى﴾ [أيِ - ] الَّذِي لَهُ وصْفُ الأعْلَوِيَّةِ في المَكانَةِ لا المَكانُ عَلى الإطْلاقِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ وكُلِّ سُوءٍ مِنَ الإلْحادِ في شَيْءٍ مِن أسْمائِهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ وإطْلاقِهِ إلى غَيْرِهِ مَعَ زَعْمٍ أنَّهُما فِيهِ سَواءٌ، وذَكَرَهُ خالِيًا عَنِ التَّعْظِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ لِيَكُونَ راسِخًا في التَّنْزِيهِ فَيَكُونُ مِن أهْلِ العِرْفانِ الَّذِينَ يُضِيئُونَ عَلى النّاسِ مَعَ كَوْنِهِمْ في الرُّسُوخِ كالأوْتادِ الشّامِخَةِ الَّتِي هي مَعَ عُلُوِّها لا تَتَزَحْزَحُ، وقَدْ ذَكَرَ سُبْحانَهُ (p-٣٩٠)هَذا المَعْنى مُعَبِّرًا عَنْهُ بِجَمِيعِ جِهاتِهِ [الأرْبَعِ - ] في ابْتِداءِ سُوَرِ أرْبَعٌ اسْتِيعابًا لِهَذِهِ الكَلِمَةِ الحُسْنى الشَّرِيفَةِ مِن جَمِيعِ جِهاتِها. فابْتَدَأ سُورَةَ الإسْراءِ الَّتِي هي سُورَةُ الإحْسانِ بِ ”سُبْحانَ“ المَصْدَرُ الصّالِحُ لِجَمِيعِ مَعانِيهِ إعْلامًا بِأنَّ هَذا المَعْنى ثابِتٌ لَهُ مُطْلَقًا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِن زَمانٍ أوْ غَيْرِهِ، ثُمَّ ثَنى بِالماضِي في أوَّلِ الحَدِيدِ والحَشْرِ والصَّفِّ تَصْرِيحًا بِوُقُوعِ ما أفْهَمَهُ المَصْدَرُ في الماضِي الَّذِي يَشْمَلُ أزَلَ الآزالِ إلى وقْتِ الإنْزالِ، ثُمَّ ثُلْثٌ في أوَّلِ الجُمْعَةِ والتَّغابُنِ بِالمُضارِعِ لِأنْ يَفْهَمَ مَعَ ما أفْهَمَ المَصْدَرَ والماضِي دَوامَ التَّجَدُّدِ، فَلَمّا تَمَّ ذَلِكَ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ تَوَجَّهَ الأمْرُ فَخُصَّتْ بِهِ سُورَتُهُ، وقَدْ مَضى في أوَّلِ الحَدِيدِ والجُمْعَةِ ما يُتَمِّمُ هَذا.

الأعلى 87:2

ولَمّا كانَ الإبْداعُ أدَلَّ ما يَكُونُ مَعَ التَّنَزُّهِ عَلى الكَمالِ لا سِيَّما النُّورُ الَّذِي هو سَبَبُ الِانْكِشافِ والظُّهُورِ، مَعَ أنَّهُ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ ”مِمَّ خُلِقَ“ وهو أدَلُّ شَيْءٍ عَلى البَعْثِ المَذْكُورِ ”فِي [يَوْمِ - ] تُبْلى السَّرائِرُ“ قالَ مُبَيِّنًا لِلْفاعِلِ الَّذِي أبْهَمَهُ لِوُضُوحِهِ في ”مِمَّ خُلِقَ“ مُرَغِّبًا في الفِكْرِ في أفْعالِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي هو السَّبَبُ الأقْرَبُ لِلسَّعادَةِ بِالدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الجائِزاتِ بَعْدَ التَّرْغِيبِ في الذِّكْرِ الَّذِي هو المُهَيِّئُ لِلْفِكْرِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ (p-٣٩١)أيْ أوْجَدَ مِنَ العَدَمِ أيْ لَهُ صِفَةُ الإيجادِ لِكُلِّ ما أرادَهُ لا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ﴿فَسَوّى﴾ أيْ أوْقَعَ مَعَ الإيجادِ وعَقِبَهُ التَّسْوِيَةَ في كُلِّ خَلْقٍ بِأنْ جَعَلَ لَهُ ما يَتَأتّى مَعَهُ كَمالُهُ ويَتِمُّ مَعاشُهُ، وعَدَلَ بَيْنَ الأمْزِجَةِ الأرْبَعَةِ الماءِ والهَواءِ والنّارِ بَعْدَ أنْ قَهَرَها عَلى الجَمْعِ مَعَ التَّضادِّ لِئَلّا تَتَفاسَدَ، وذَلِكَ بِالعِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ دَلالَةً عَلى تَمامِ حِكْمَتِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُخْبِرًا عَنْ عَمَهِ الكُفّارِ في ظَلامِ حَيْرَتِهِمْ ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] وكانَ وُقُوعُ ذَلِكَ مِنَ العَبِيدِ المُحاطِ بِأعْمالِهِمْ ودَقائِقِ أنْفاسِهِمْ وأحْوالِهِمْ مِن أقْبَحِ مُرْتَكَبٍ وأبْعَدِهِ عَنِ المَعْرِفَةِ بِشَيْءٍ مِن عَظِيمِ أمْرِ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ وتَعالى عَلاؤُهُ وشَأْنُهُ، أتْبَعَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ بِأمْرِ نَبِيِّهِ ﷺ بِتَنْزِيهِ رَبِّهِ الأعْلى عَنْ شَنِيعِ اعْتِدائِهِمْ وإفْكِ افْتِرائِهِمْ، فَقالَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] أيْ نَزَّهَهُ عَنْ قَبِيحِ مَقالِهِمْ، وقَدَّمَ التَّنْبِيهَ عَلى التَّنْزِيهِ في أمْثالِ هَذا ونَظائِرِهِ ووُقُوعِ ذَلِكَ أثْناءَ السُّوَرِ [و - ] فِيما بَيْنَ سُورَةٍ وأُخْرى، وأتْبَعَ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ التَّعْرِيفِ بِعَظِيمِ قُدْرَتِهِ وعَلَيَّ حِكْمَتِهِ بِما يُبَيِّنُ ضَلالَهم فَقالَ ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣] (p-٣٩٢)﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] وتَنَزَّهَ عَمّا يَتَقَوَّلُهُ المُفْتَرُونَ - انْتَهى.

الأعلى 87:3

ولَمّا كانَ جَعْلُ الأشْياءِ عَلى أقْدارٍ مُتَفاوِتَةٍ مَعَ الهِدايَةِ إلى ما وقَعَ الخَلْقُ لَهُ عَلى أوْجُهٍ مُتَفاضِلَةٍ مَعَ التَّساوِي في العَناصِرِ مِمّا يَلِي التَّسْوِيَةَ، وهو مِن خَواصِّ المَلِكِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مَعَ الكَمالِ، أتْبَعَهُ بِهِ بِالواوِ دَلالَةً عَلى تَمَكُّنِ الأوْصافِ فَقالَ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ﴾ أيْ أوْقَعَ تَقْدِيرَهُ في أجْناسِ الأشْياءِ وأنْواعِها وأشْخاصِها ومَقادِيرِها وصِفاتِها وأفْعالِها وآجالِها، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِها، فَجَعَلَ البَطْشَ لِلْيَدِ والمَشْيَ لِلرَّجُلِ والسَّمْعَ لِلْأُذُنِ والبَصَرَ لِلْعَيْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ ﴿فَهَدى﴾ أيْ أوْقَعَ بِسَبَبِ تَقْدِيرِهِ وعَقِبِهِ الهِدايَةَ لِذَلِكَ الَّذِي وقَعَ التَّقْدِيرُ مِن أجْلِهِ مِنَ الشَّكْلِ والجَواهِرِ والأعْراضِ الَّتِي هَيَّأهُ بِها لِما يَلِيقُ بِهِ طَبْعًا أوِ اخْتِيارًا بِخَلْقِ المُيُولِ والإلْهاماتِ، ونَصْبِ الدَّلائِلِ والآياتِ لِدَفْعِ الشُّرُورِ وجَلْبِ الخُيُورِ، فَتَرى الطِّفْلَ أوَّلُ ما يَقَعُ مِنَ البَطْنِ يَفْتَحُ فاهُ لِلرَّضاعَةِ، وغَيْرُهُ مِن سائِرِ الحَيَواناتِ، يَهْتَدِي إلى ما يَنْفَعُهُ مِن سائِرِ الِانْتِفاعاتِ، فالخَلْقُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّسْوِيَةِ لِيَحْصُلَ الِاعْتِدالُ، والتَّقْدِيرُ لا بُدَّ لَهُ مِنَ الهِدايَةِ لِيَحْصُلَ الكَمالُ.

الأعلى 87:4

ولَمّا كانَتْ دَلائِلُ التَّوْحِيدِ تارَةً بِالنَّفْسِ وتارَةً بِالآفاقِ، ونَبَّهَ بِآياتِ النَّفْسِ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا آياتُ الآفاقِ، وكانَ النَّباتُ مِن آياتِها (p-٣٩٣)أدَلَّ المَخْلُوقاتِ عَلى البَعْثِ قالَ: ﴿والَّذِي أخْرَجَ﴾ أيْ أوْقَعَ إخْراجَ ﴿المَرْعى﴾ بِما أنْزَلَ مِنَ المُعْصِراتِ فَأنْبَتَ ما تَرْعاهُ الدَّوابُّ مِنَ النَّجْمِ وغَيْرِهِ بَدْءًا وإعادَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ لا سِيَّما عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أقْدَرُ عَلى جَمْعِ الأمْواتِ مِنَ الأرْضِ بِنَفْسِهِ بَعْدَ أنْ تَفَتَّتُوا مِنَ الماءِ عَلى جَمْعِهِ لِلنَّباتِ الَّذِي كانَ تُفَتَّتُ في الأرْضِ وصارَ [تُرابًا و-] إخْراجُهُ كَما كانَ في العامِ الماضِي بِإذْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو خَلْقٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ.

الأعلى 87:5

ولَمّا كانَ إيباسُهُ وتَسْوِيدُهُ بَعْدَ اخْضِرارِهِ ونُمُوِّهِ في غايَةِ الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ الِاخْتِيارِ بِمُعاقَبَةِ الأضْدادِ عَلى الذّاتِ الواحِدَةِ قالَ تَعالى: ﴿فَجَعَلَهُ﴾ أيْ بَعْدَ أطْوارٍ مِن زَمَنِ إخْراجِهِ ﴿غُثاءً﴾ أيْ كَثِيرًا، ثُمَّ أنْهاهُ فَأيْبَسَهُ وهَشَّمَهُ ومَزَّقَهُ فَجَمَعَ السَّيْلَ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ فَجَعَلَهُ زَبَدًا وهالِكًا وبالِيًا وفُتاتًا عَلى [وجْهِ - ] الأرْضِ ﴿أحْوى﴾ أيْ في غايَةِ الرَّيِّ حَتّى صارَ أسْوَدَ يَضْرِبُ إلى خُضْرَةٍ، أوْ أحْمَرَ يَضْرِبُ إلى سَوادٍ، أوِ اشْتَدَّتْ خُضْرَتُهُ فَصارَتْ تَضْرِبُ إلى سَوادٍ، وقالَ القَزّازُ رَحِمَهُ اللَّهُ في دِيوانِهِ: الحُوَّةُ شِيَةٌ مِن شِياتِ الخَيْلِ، وهى بَيْنَ الدُّهْمَةِ والكُمْتَةِ، وكَثُرَ هَذا حَتّى سَمَّوْا كُلَّ أسْوَدَ أحَوى - انْتَهى. فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدَ حِينَئِذٍ أنَّهُ أسْوَدُ مِن شِدَّةِ يَبْسِهِ فَحَوَتْهُ الرِّياحُ وجَمَعَتْهُ مِن كُلِّ أوْبٍ (p-٣٩٤)حَيْثُ تُفَتَّتُ، فَكُلٌّ مِنَ الكَلِمَتَيْنِ فِيها حَياةٌ ومَوْتٌ، وأخَّرَ الثّانِيَةَ لِتَحَمُّلِهِما لِأنَّ دَلالَتَها عَلى الخُضْرَةِ أتَمُّ، فَلَوْ قُدِّمَتْ لَمْ تُصْرَفْ إلى غَيْرِها، فَدَلَّ جَمْعُهُ بَيْنَ الأضْدادِ عَلى الذّاتِ الواحِدَةِ عَلى كَمالِ الِاخْتِيارِ، وأمّا الطَّبائِعُ فَلَيْسَ لَها مِنَ التَّأْثِيرِ الَّذِي أقامَها سُبْحانَهُ فِيهِ إلّا الإيجابِيُّ كالنّارِ مَتى أصابَتْ شَيْئًا أحْرَقَتْهُ، ولا تَقْدِرُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَنْقُلَهُ إلى صِفَةٍ أُخْرى غَيْرِ الَّتِي أثَرْتَها فِيهِ، وأشارَ بِالبِدايَةِ والنِّهايَةِ إلى تَذَكُّرِ ذَلِكَ، وأنَّهُ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ في كُلِّ عامٍ الدّالُّ عَلى بَعْثِ الخَلائِقِ، وخُصَّ المَرْعى لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ مِمّا يُنْبِتُهُ النّاسُ، وإذا انْتَهى تَهَشَّمَ وتَفَتَّتَ وصارَ تُرابًا، ثُمَّ يُعِيدُهُ سُبْحانَهُ بِالماءِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ سَواءٌ [ كَما يَفْعَلُ بِالأمْواتِ سَواءٌ - ] مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا.

الأعلى 87:6

ولَمّا اسْتَوْفى سُبْحانَهُ وتَعالى وصْفَ مَن أمَرَهُ ﷺ بِتَسْبِيحِهِ بِما دَلَّ عَلى أوْصافِ جِمالِهِ ونُعُوتِ كِبْرِيائِهِ وجَلالِهِ، وشَرَحَ ما لَهُ سُبْحانَهُ مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى الإبْداعِ والهِدايَةِ والتَّصَرُّفِ في الأرْواحِ الحِسِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ بِالنَّشْرِ والطَّيِّ والقَبْضِ والبَسْطِ، فَدَلَّ عَلى تَمامِ أُصُولِ الدِّينِ بِالدَّلالَةِ عَلى وُجُودِهِ سُبْحانَهُ عَلى سَبِيلِ التَّنَزُّلِ مِن ذاتِهِ إلى صِفاتِهِ ثُمَّ إلى أفْعالِهِ فَتَمَّ ما لِلْخالِقِ، أتْبَعَهُ ما لِلْخَلائِقِ وبَدَأ بِما لِأشْرَفِ (p-٣٩٥)خَلْقِهِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ تَقْدِيرًا لِلنُّبُوَّةِ الَّتِي بِها تَتِمُّ السَّعادَةُ بِالحَقائِقِ الواصِلَةِ مِنَ الحَقِّ إلى عَبْدِهِ، الَّتِي بِها يَتِمُّ أمْرُهُ مِنَ القُوَّتَيْنِ العِلْمِيَّةِ ثُمَّ العَمَلِيَّةِ بِقَبُولِ الرِّسالَةِ بَعْدَ التَّوْحِيدِ، لِأنَّ حَياةَ الإنْسانِ لا يَتِمُّ طِيبُها إلّا بِمُقْتَدِي يُقْتَدى بِهِ مِن أقْوالِهِ وأفْعالِهِ وسائِرِ أحْوالِهِ، ولا مُقْتَدِيَ مِثْلُ المَعْصُومِ عَنْ كُلِّ مَيْلٍ المُوجَبِ ذَلِكَ الحُبَّ مِن كُلِّ ما يَعْرِفُ حالَهُ، والحُبُّ في اللَّهِ أعْظَمُ دَعائِمِ الدِّينِ، فَقالَ مُعَلِّلًا لِلْأمْرِ بِالتَّسْبِيحِ لِلْمَوْصُوفِ بِالجَلالِ والجَمالِ دالًّا [عَلى - ] أنَّهُ يُحْيِي مَيِّتَ الأرْواحِ بِالعِلْمِ كَما يُحْيِي مَيِّتَ الأشْباحَ بِالأرْواحِ ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أيْ نَجْعَلُكَ بِعَظَمَتِنا بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ بِالتَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ قارِئًا، أيْ جامِعًا لِهَذا الذِّكْرِ الَّذِي هو حَياةُ الأرْواحِ بِمَنزِلَةِ حَياةِ الأشْباحِ، الَّذِي تُقَدِّمُ أنَّهُ قَوْلٌ فَصْلٌ، عالِمًا بِهِ كُلَّ عِلْمٍ، ناشِرًا لَهُ في كُلِّ حَيٍّ، فارِقًا بِهِ [بَيْنَ - ] كُلِّ مُلْتَبِسٍ، وإنْ كانَتْ أُمِّيًّا لا تَحْسُنُ الكِتابَةُ ولا القِراءَةُ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَنْسى﴾ أيْ شَيْئًا مِنهُ ولا مِن غَيْرِهِ لِيَكُونَ في ذَلِكَ آيَتانِ: كَوْنُكَ تَقْرَأُ وأنْتَ أُمِّيٌّ، وكَوْنُكَ تُخْبِرُ عَنِ المُسْتَقْبَلِ فَيَكُونُ كَما قُلْتَ فَلا تُحَرِّكْ [بِهِ - ] لِسانَكَ عِنْدَ التَّنْزِيلِ لِتَعْجَلَ بِهِ ولا تُتْعِبْ نَفْسَكَ فَإنَّ عَلَيْنا حِفْظَهُ في صَدْرِكَ وإنْطاقِ لِسانِكَ بِهِ.

الأعلى 87:7

ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَنْسَخُ مِنَ الشَّرِيعَةِ ما يَشاءُ بِحَسَبِ المَصالِحِ تَخْفِيفًا لِما لَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ مِنَ الرِّفْقِ، قالَ لافِتًا القَوْلَ إلى سِياقِ الغَيْبَةِ (p-٣٩٦)إَعْلامًا بِأنَّ ذِكْرَ الجَلالَةِ أعْظَمُ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأداةِ العَظَمَةِ: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْظَمُ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، أنْ تَنْساهُ لِأنَّهُ نَسَخَهُ، أوْ لِتَظْهَرَ عَظَمَتُهُ في أنَّ أعْظَمَ الخَلْقِ يَغْلِبُهُ القُرْآنُ لِأنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ فَتَنْسى الآيَةَ أوِ الكَلِمَةَ ثُمَّ تَذْكُرُها تارَةً بِتَذْكِيرِ أحَدٍ مِن آحادِ أُمَّتِكَ وتارَةً بِغَيْرِ ذَلِكَ. ولَمّا كانَ الفاعِلُ لِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها لا سِيَّما الإقْراءُ والحُكْمُ عَلى ما يَقْرَأُ بِأنَّهُ لا يَنْسى إلّا ما شاءَ مِنهُ إلّا يَكُونُ لا مُحِيطَ العِلْمِ، قالَ تَعالى مُصَرِّحًا بِذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ أهْلِ القُصُورِ في النَّظَرِ لِمَثَلِهِ جارِيًا عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ مُعَبِّرًا بِالضَّمِيرِ إشارَةً إلى تَعالِيهِ في العَظَمَةِ إلى حَيْثُ تَنْقَطِعُ أمانِي الخَلْقِ عَنْ إدْراكِهِ بِما كَثُرَ مِن أفْعالِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ الَّذِي مَهْما شاءَ كانَ ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ولَمّا كانَ المُرادُ بَيانَ إحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ نِسْبَةَ الجَلْيِّ والخَفِيِّ مِن جَهْرِهِ بِالقُرْآنِ وتَرْدِيدِهِ عَلى قَلْبِهِ سِرًّا وغَيْرِ ذَلِكَ إلَيْهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، وكانَ السِّياقُ لِلْجَلِيِّ، ذَكَرَهُما مُصَرِّحًا بِكُلٍّ مِنهُما مُقَدِّمًا الجَلِيَّ (p-٣٩٧)لِأنَّ هَذا مَقامُهُ، وذَكَرَهُ بِوَصْفِهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِهِ بِهِ فَقالَ: ﴿يَعْلَمُ الجَهْرَ﴾ أيْ ثابِتٌ لَهُ هَذا الوَصْفَ عَلى سَبِيلِ التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ في الإقْراءِ والقِراءَةِ وغَيْرِهِما. ولَمّا ذَكَرَهُ بِاسْمِهِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ يَعْلَمُهُ مُطْلَقًا لا بِقَيْدِ كَوْنِهِ جَهْرًا، قالَ مُصَرِّحًا بِذَلِكَ: ﴿وما يَخْفى﴾ أيْ يَتَجَدَّدُ خَفاؤُهُ مِنَ القِراءَةِ وغَيْرِها عَلى أيْ حالَةٍ كانَ الإخْفاءُ، فَيَدُلُّ عَلى عِلْمِهِ بِهِ إذا جَهَرَ بِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.

الأعلى 87:8

ولَمّا ذَكَرَ الإلَهِيّاتِ والنُّبُوَّةِ وأُشِيرَ إلى النُّسَخِ، أشارَ إلى أنَّ الدِّينَ المَشْرُوعَ لَهُ هو الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُقِيمُهُ في شَيْءٍ بِنَسْخٍ أوْ غَيْرِهِ إلّا كانَ هو الأيْسَرُ [لَهُ - ] والأرْفَقُ، لِأنَّ الرِّفْقَ والعُنْفَ يَتَغَيَّرانِ بِحَسَبِ الزَّمانِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لِلْقُوَّةِ العَمَلِيَّةِ أثَرَ بَيانِهِ لِلْعِلْمِيَّةِ: ﴿ونُيَسِّرُكَ﴾ أيْ نَجْعَلُكَ أنْتَ مُهَيَّأً مُسَهَّلًا [مُلَيَّنًا - ] مُوَفَّقًا ﴿لِلْيُسْرى﴾ أيْ في حِفْظِ الوَحْيِ وتَدَبُّرِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الطَّرائِقِ والحالاتِ كُلِّها الَّتِي هي لَيِّنَةٌ سَهْلَةٌ خَفِيفَةٌ - كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ”كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ“ ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: ونُيَسِّرُ لَكَ، لِأنَّهُ هو مَطْبُوعٌ عَلى حُبِّها.

الأعلى 87:9

ولَمّا كَمَّلَهُ ﷺ وهَيَّأهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِلْأيْسَرِ ويَسَّرَهُ غايَةَ التَّيْسِيرِ، سَبَّبَ عَنْهُ وُجُوبَ التَّذْكِيرِ لِكُلِّ أحَدٍ في كُلِّ حالَةٍ (p-٣٩٨)تَكْمِيلًا لِغَيْرِهِ شَفَقَةً عَلى خَلْقِ اللَّهِ بَعْدَ لَمّا [لَهُ - ] في نَفْسِهِ فَإنَّ لِلَّهِ ساعاتٍ لَهُ فِيها نَفَحاتٍ تُقْضى فِيها الحاجاتُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ صارَ كالطَّبِيبِ الحاذِقِ في عِلاجِ المَرْضى فَيَقُومُ بِنَفْعِ عِبادِهِ لِشُكْرِهِ [بَعْدَ - ] ذِكْرِهِ بِإذْنٍ مِنهُ إشارَةً إلى [أنَّ - ] التِّلْمِيذَ يَحْتاجُ إلى إذَنِ المَشايِخِ وتَزْكِيَتِهِمْ، [وإلى - ] أنَّ أعْظَمَ الأدْواءِ أنْ يَقْتَصِرَ الإنْسانُ عَلى ما عِنْدَهُ ولا يَطْلُبُ الِازْدِيادَ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ مِن خَيْرِ الزّادِ فَقالَ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ بِهَذا الذِّكْرِ الحَكِيمِ، وعَبَّرَ بِأداةِ الشَّكِّ إفْهامًا لِلْإطْلاقِ الكُلِّيِّ فَقالَ: ﴿إنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ أيْ إنْ جَوَّزْتَ نَفْعَها وتَرَجَّيْتَهُ [ولَوْ كانَ -] عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ - بِما أشارَ إلَيْهِ تَأْنِيثُ الفِعْلِ بَعْدَ ما أفادَتْهُ أداةُ الشَّكِّ، ولا شَكَّ أنَّ الإنْسانَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ الغَيْبَ لا يَقْطَعُ بِعَدَمِ نَفْعِ أحَدٍ بَلْ لا يَزالُ عَلى رَجاءٍ مِنهُ وإنِ اسْتَبْعَدَهُ، ولِهَذا كانَ النَّبِيُّ ﷺ لا يَزالُ يَدْعُو إلى اللَّهِ تَعالى وإنِ اشْتَدَّ الأمْرُ، ولا يُحَقِّرُ أحَدًا أنْ يَدْعُوَهُ ولا يَيْأسَ مِن أحَدٍ وإنِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، والأمْرُ بِالإعْراضِ عَمَّنْ تَوَلّى ونَحْوَ ذَلِكَ [ إنَّما هو بِالإعْراضِ عَنِ الحُزْنِ عَلَيْهِ ومِن تَقْطِيعِ النَّفْسِ لِأجْلِهِ حَسَراتٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. - ]

الأعلى 87:10

ولَمّا أمَرَهُ بِالتَّذْكِيرِ لِكُلِّ أحَدٍ، قَسَّمَ النّاسَ لَهُ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَقْبَلُ العِلاجَ، وقِسْمٌ لا يَقْبَلُهُ، إعْلامًا بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عالِمٌ بِكُلٍّ مِنَ القِسْمَيْنِ (p-٣٩٩)جُمْلَةً وأفْرادًا عَلى التَّعْيِينِ ولَمْ يَزَلْ عالِمًا بِذَلِكَ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنِ ابْتِلاءً مِنهُ لِعِبادِهِ لِتَقُومَ لَهُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ بِما يَتَعارَفُونَهُ بَيْنَهم ولَهُ الحُجَّةُ البالِغَةُ، فَقالَ حاثًّا عَلى شُكْرِ الجَوائِحِ [مِنَ - ] العَقْلِ ونَحْوِهِ والجَوارِحِ مِنَ القَلْبِ واللِّسانِ وغَيْرِهِما: ﴿سَيَذَّكَّرُ﴾ أيْ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ولَوْ عَلى أخْفى وُجُوهِ التَّذْكِيرِ - بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ ﴿مَن يَخْشى﴾ أيْ في جِبِلَّتِهِ نَوْعُ خَشْيَةٍ، وهو السَّعِيدُ لِما قُدِّرَ لَهُ في نَفْسِهِ مِنَ السَّعادَةِ العُظْمى لِقَبُولِ الحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ فَيَذْكُرُ ما يَعْلَمُ مِنها في نَفْسِهِ فَيَتَّعِظُ، فَإنَّ الخَشْيَةَ [حامِلَةٌ - ] عَلى كُلِّ خَيْرٍ فَيَتَنَعَّمُ بِقَلْبِهِ وقالَبِهِ في الجَنَّةِ العُلْيا ويَحْيى فِيها حَياةً طَيِّبَةً مِن غَيْرِ سُقْمٍ ولا تَوًى، دائِمًا بِلا آخِرَ وانْتِهاءٍ.

الأعلى 87:11

ولَمّا ذَكَرَ مَن يُحِبُّ حُبَّهُ في اللَّهِ ذَكَرَ مَن يُبْغِضُ في اللَّهِ، وعَلامَةُ الحُبِّ الِاقْتِداءُ، وعَلامَةُ البُغْضِ التَّجَنُّبُ والِانْتِهاءُ والِابْتِداعُ والإباءُ، فَقالَ: ﴿ويَتَجَنَّبُها﴾ أيْ يُكَلِّفُ نَفْسَهُ وفِطْرَتَهُ الأُولى المُسْتَقِيمَةُ تَجَنُّبُ الذِّكْرى الَّتِي نَشاءُ تَذْكِيرَهُ بِها مِن أشْرَفِ الخَلائِقِ وأعْظَمِهِمْ وصِلَةٍ بِالخالِقِ. ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي يُعالِجُ نَفْسَهُ عَلى العِوَجِ شَدِيدَ العُتُوِّ قالَ: ﴿الأشْقى﴾ أيِ الَّذِي لَهُ هَذا الوَصْفُ عَلى الإطْلاقِ لِأنَّهُ خالَفَ أشْرَفَ الرُّسُلِ فَهو لا يَخْشى فَكانَ أشْقى النّاسِ، كَما أنَّ مَن آمَنَ بِهِ (p-٤٠٠)أشْرَفُ مِمَّنْ آمَنَ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الأعلى 87:12

ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهُ الَّذِي أوْجَبَ لَهُ العَمَلَ السِّيِّئَ، ذَكَرَ جَزاءَهُ فَقالَ: ﴿الَّذِي يَصْلى﴾ أيْ يُباشِرُ مُباشَرَةَ الغَمُوسِ [بِقَلْبِهِ - ] وقالَبِهِ مُقاسِيًا ﴿النّارَ الكُبْرى﴾ [أيِ - ] الَّتِي هي أعْظَمُ الطَّبَقاتِ وهي السُّفْلى لِأنَّهُ لَيْسَ في طَبْعِهِ أنْ يُخْشى، بَلْ هو كالجُلْمُودِ الأقْسى لِأنَّهُ جاهِلٌ مُقَلِّدٌ أوْ مُتَكَبِّرٌ مُعانِدٌ، أوِ المُرادُ نارُ الأُخْرى فَإنَّها أعْظَمُ مِن نارِ البَرْزَخِ وأعْظَمُ مِن نارِ الدُّنْيا بِسَبْعِينَ جُزْءًا، فَلِهَذا اسْتَحَقَّتْ أنْ تَتَّصِفَ بِأفْعَلَ التَّفْضِيلِ عَلى الإطْلاقِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ الثَّمَرَةَ في الأوَّلِ وهي الخَشْيَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها مِنَ الثّانِي، وهي القَسْوَةُ النّاشِئَةُ عَلى الحُكْمِ بِالشَّقاوَةِ، وذَكَرَ الأصْلَ والسَّبَبَ في الثّانِي وهو الشَّقاوَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ في الأوَّلِ وهو السَّعادَةُ، فالإسْعادُ سَبَبٌ والخَشْيَةُ ثَمَرَةٌ، والإشْقاءُ سَبَبٌ والقَساوَةُ ثَمَرَةٌ ومُسَبِّبٌ، وكَذا ما نَبْعُهُ مِنَ النّارِ وما نَشَأ عَنْهُ، وسِرُّ ذَلِكَ [أنَّهُ - ] ذَكَرَ مَبْدَأ السَّعادَةِ أوَّلًا حَثًّا عَلَيْهِ، ومَآلُ الشَّقاوَةِ ثانِيًا تَحْذِيرًا مِنهُ، قالَ المَلْوِيُّ: ولا شَكَّ أنَّ القُرْآنَ العَظِيمَ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ البَراعَةِ في التَّرْكِيبِ وبَداعَةِ التَّرْتِيبِ (p-٤٠١)وكَثْرَةُ العُلُومِ مَعَ الِاخْتِصارِ وعَدَمُ التَّكْرارِ، فَيَكْتَفِي في مَوْضِعٍ بِالثَّمَرَةِ بِلا سَبَبٍ وفي آخَرَ بِالسَّبَبِ بِلا ثَمَرَةٍ لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي والثّانِي عَلى الأوَّلِ، فَيَضُمُّ السَّبَبَ إلى الثَّمَرَةِ والثَّمَرَةِ إلى السَّبَبِ كَما يُطْلَقُ القَضاءُ ويُكْتَفى بِهِ عَنِ القَدْرِ، ويُطْلَقُ القَدْرُ ويُكْتَفى بِهِ عَنِ القَضاءِ، وكَذَلِكَ يُذْكَرُ الحُكْمُ ويُتْرَكانِ فَيَدُلُّ عَلَيْهِما فَتُذْكَرُ الثَّلاثَةُ، ويَظْهَرُ بِمِثالٍ وهو أنَّ مَن أرادَ إقامَةَ دُولابٍ يُهَنْدِسُ أوَّلًا مَوْضِعَ البِئْرِ بِسَهْمِهِ وتُرْسِهِ ومَدارِهِ وحَوْضِهِ الَّذِي يَصُبُّ فِيهِ المارُّ وجَداوِلَهُ الَّتِي يَنْساقُ مِنها، فَهَذا هَنْدَسَةٌ وتَدْبِيرٌ وحُكْمٌ وإرادَةٌ، فَإذا صَنَعَ ذَلِكَ وأتَمَّهُ سُمِّيَ قَضاءً وإيجادًا وتَأْثِيرًا، فَإذا رَكِبَ عَلى الجِبالِ قَوادِيسُ تَحْمِلُ مِقْدارًا مِنَ الماءِ مُعِينًا إذا نَزَلَتْ إلى الماءِ أخَذَتْهُ، وإذا صَعِدَتْ فانْتَهَتْ وأرادَتِ الهُبُوطَ فَرَّغَتْهُ فَتُصَرِّفُ الماءَ مِن جَداوِلِهِ إلى ما صَنَعَ لَهُ كانَ ذَلِكَ قَدْرًا فَهو النِّهايَةُ، فَمَتى ذَكَرَ واحِدٌ مِنَ الثَّلاثَةِ: الحُكْمُ والقَضاءُ والقَدَرُ، دَلَّ عَلى الآخَرِ.

الأعلى 87:13

ولَمّا كانَ ما هَذا شَأْنُهُ يَهْلَكُ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ في أسْرَعِ وقْتٍ، فَإذا كانَ مِن شَأْنِهِ مَعَ هَذا العِظَمِ أنَّهُ لا يَهْلَكُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا واضِحًا عَلى أنَّهُ لا يَعْلَمُ كُنْهَ عَظَمَةِ مُقَدِّرِهِ إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى فَأشارَ إلى ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي إعْلامًا بِأنَّ مَراتِبَ هَذِهِ الشِّدَّةِ في التَّرَدُّدِ (p-٤٠٢)بَيْنَ المَوْتِ والحَياةِ لا يَعْلَمُ عُلُوَّها عَنْ شِدَّةِ الصَّلى إلّا اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها﴾ أيْ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ في هَذِهِ النّارِ مَوْتٌ وإنْ طالَ المَدى. ولَمّا كانَ مَن يَدْخُلُ النّارَ فَلا تُؤَثِّرُ في مَوْتِهِ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ مِن بابِ خَرْقِ العَوائِدِ، احْتَرَزَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْيا﴾ أيْ حَياةً تَنْفَعُهُ لِأنَّهُ ما تَزَكّى فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى.

الأعلى 87:14

ولَمّا ثَبَتَ بِهَذا أنَّ لِهَذا هَذا الشَّقاءُ الأعْظَمُ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: لِأنَّهُ لَمْ يُزَكِّ نَفْسَهُ لِأنَّهُ [ما - ] كانَ مَطْبُوعًا عَلى الخَشْيَةِ، أنْتَجَ ولا بُدَّ قَوْلُهُ تَعالى دالًّا عَلى الدِّينِ التَّكْلِيفِيِّ وهو اجْتِنابٌ واجْتِلابٌ، فَجَمَعَ الِاجْتِنابَ والِاجْتِلابَ بِالتَّزْكِيَةِ بِالتَّبَتُّلِ بِالأبْوابِ والمُلازَمَةِ لِلْأعْتابِ بِامْتِثالِ الأمْرِ واجْتِنابِ النَّهْيِ بِالمُجاهَداتِ المُقَرَّباتِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، المُنْجِياتِ بَعْدَ ما حَذَّرَ مِنَ المُهْلِكاتِ، لِلْمُسارَعَةِ في مَحابِّهِ ومَراضِيهِ اجْتِماعًا عَلى العِبادَةِ المُوصِلَةِ لِلْخالِقِ بَعْدَ حُصُولِ الكَمالِ والتَّكْمِيلِ فَإنَّهُ لا بُدَّ في الحَياةِ الطَّيِّبَةِ بَعْدَ الِانْتِماءِ إلى ذِي الجاهِ العَرِيضِ والِاقْتِداءِ بِمَن لا يَزِيغُ مِنَ الِارْتِباطِ بِطَرِيقَةٍ مُثْلى يَحْصُلُ بِها الِاغْتِباطُ لِيَصِلَ بِها إلى المَقْصُودِ ويُعَمِّرَ أوْقاتَهُ بِوَظائِفِها لِئَلّا يَحْصُلَ لَهُ خَلَلٌ ولا ضَياعٌ لِنَفائِسِ الأوْقاتِ ولا غَفْلَةٌ (p-٤٠٣)يَسْتَهْوِيهِ بِها قُطّاعُ الطَّرِيقِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ فازَ بِكُلِّ مُرادٍ ﴿مَن تَزَكّى﴾ أيْ أعْمَلَ نَفْسَهُ في تَطْهِيرِها مِن فاسِدِ الِاعْتِقاداتِ والأخْلاقِ والأقْوالِ والأفْعالِ والأمْوالِ وتَنْمِيَةِ أعْمالِها القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ وصَدَقَةِ أمْوالِها، وذَلِكَ هو التَّسْبِيحُ الَّذِي [أمَرَ - ] بِهِ أوَّلَ السُّورَةِ وما تَأثَّرَ عَنْهُ، مِن عَمَلٍ هَذا فَهو الأسْعَدُ.

الأعلى 87:15

ولَمّا كانَ أعْظَمَ الأعْمالِ المُزَكِّيَةِ الذِّكْرِ والصَّلاةِ قالَ تَعالى: ﴿وذَكَرَ﴾ أيْ بِالقَلْبِ واللِّسانِ ذِكْرٌ وذُكْرٌ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ ﴿اسْمَ رَبِّهِ﴾ أيْ صِفاتُ المُحْسِنِ إلَيْهِ فَإنَّهُ إذا ذَكَرَ الصِّفَةَ سُرَّ بِها فَأفاضَ باطِنُهُ عَلى ظاهِرِهِ ذِكْرَ اللَّفْظِ الدّالِّ عَلَيْها، وإذا ذَكَرَ اللَّفْظَ وهو الِاسْمُ الدّالُّ عَلَيْها انْطَبَعَ في قَلْبِهِ ذِكْرُ المُسَمّى ﴿فَصَلّى﴾ أيِ الصَّلاةَ الشَّرْعِيَّةَ لِأنَّها أعْظَمُ الذِّكْرِ، فَهي أعْظَمُ عِباداتِ البَدَنِ كَما أنَّ الزَّكاةَ أعْظَمُ عِباداتِ المالِ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ اسْتَراحَ مِن داءِ الإعْجابِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ النَّقائِصِ المُوجِبَةِ لِسُوءِ الِانْقِلابِ، وكانَ مُتَخَلِّقًا بِما ذَكَرَ مِن أخْلاقِ اللَّهِ في أوَّلِ السُّورَةِ مِنَ التَّخَلِّي عَنِ النَّقائِصِ بِالتَّزْكِيَةِ، والتَّحَلِّي بِالكَمالاتِ بِالذِّكْرِ والصَّلاةِ لِأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يَتَأهَّلُ لِذِكْرِهِ إلّا مَن واظَبَ إلى [ذِكْرِ - ] اسْمِهِ فَلا يَشْقى فَلا يَصْلى النّارَ الكُبْرى بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ - فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ في (p-٤٠٤)الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الصَّلى دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وثانِيًا التَّزْكِيَةُ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا، وقَدْ تَكَفَّلَ ذِكْرُ التَّزْكِيَةِ والذِّكْرِ، والصَّلاةُ مِن أسْبابِ التَّداوِي بِالإنْضاجِ ثُمَّ الأشْرِبَةِ ثُمَّ الأغْذِيَةِ، والآيَةُ صالِحَةٌ لِإرادَةِ زَكاةِ الفِطْرِ وتَكْبِيراتِ العِيدِ وصَلاتِهِ وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وفُرِضَ الصِّيامُ بِالمَدِينَةِ، لِأنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لِإحاطَةِ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالماضِي والحالِ والِاسْتِقْبالِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وتُقَدَّمُ زَكاةُ الفِطْرِ عَلى صَلاةِ العِيدِ، وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَصَدَّقَ ثُمَّ صَلّى - ثُمَّ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً، فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّزُولُ سابِقًا عَلى الحُكْمِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وأنْتَ حِلٌّ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ٢] والسُّورَةُ مَكِّيَّةُ، وظَهَرَ أثَرُ الحَلِّ يَوْمَ الفَتْحِ - انْتَهى، وأخَذَهُ مِنَ البَغَوِيِّ، وزادَ البَغَوِيُّ أنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما كانَ يَأْمُرُ نافِعًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِنَحْوِ ما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ويَقُولُ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا. ورَوى البَزّارُ: ”عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ بِزَكاةِ الفِطْرِ قَبْلَ أنْ يُصَلِّيَ صَلاةَ العِيدِ ويَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ“» وفي السَّنَدِ كُثَيِّرُ بْنُ (p-٤٠٥)عَبْدِ اللَّهِ - حَسَّنَ لَهُ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ غَيْرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.

الأعلى 87:16

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: وأنْتُمْ لا تَفْعَلُونَ ذَلِكَ، أوْ [و - ] هم لا يَفْعَلُونَهُ - عَلى القِراءَتَيْنِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ بِالخِطابِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى الِالتِفاتِ الدّالِّ عَلى تَناهِي [الغَضَبِ- ]، مُنَبِّهًا عَلى المُعامَلاتِ بِسَبَبِ التَّداوِي الرّابِعِ وهو الِاسْتِفْراغُ بِنَفْيِ الرَّذائِلِ والخَبائِثِ بِالذَّمِّ عَلى ما يَنْبَغِي البَراءَةَ مِنهُ والحَثَّ عَلى ما يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُهُ تَحْصِيلًا لِحُسْنِ الرِّعايَةِ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ﴾ أيْ تَخْتارُونَ وتَخُصُّونَ بِذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِبْدادِ، أيُّها الأشْقِياءُ، وبِالغَيْبِ عَلى الأصْلِ عِنْدَ أبِي عَمْرٍو ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾ أيِ الدَّنِيَّةِ بِالفَناءِ الحاضِرَةِ، مَعَ أنَّها [شَرٌّ و- ] فانِيَةٌ، اشْتِغالًا بِها لِأجْلِ حُضُورِها كالحَيَواناتِ الَّتِي هي مُقَيَّدَةٌ بِالمَحْسُوساتِ، فاسْتَغْرَقَ اشْتِغالُكم بِها أوْقاتَكم ومَنَعَكم عَنْ ذِكْرِ [اسْمِ - ] اللَّهِ المَنهِيِّ إلى ذِكْرِ اللَّهِ والمُهَيِّئِ لَهُ، وعَنْ تَزْكِيَةِ نُفُوسِكُمْ، فَأوْقَعَكم ذَلِكَ في داءِ القُبْقُبِ وهو البَطْنُ، والدُّبْدُبُ وهو الفَرْجُ، وحُبُّ المالِ المُؤَدِّي إلى شَرِّ الأعْمالِ، وتَتْرُكُونَ الآخِرَةَ

الأعلى 87:17

﴿والآخِرَةُ﴾ [أيْ - ] والحالُ أنَّ الدّارَ الَّتِي هي غايَةُ الخَلْقِ ومَقْصُودِ الأمْرِ، العالِيَةُ (p-٤٠٦)المُبَرِّئَةُ عَنِ العَبَثِ، المُنَزَّهَةُ عَنِ الخُرُوجِ عَنِ الحِكْمَةِ ﴿خَيْرٌ﴾ أيْ [مِنَ - ] الدُّنْيا عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِأنَّ فِيها خَيْرًا لِأنَّ نَعِيمَها خالِصٌ لا كَدَرَ فِيهِ بِوَجْهٍ ﴿وأبْقى﴾ أيْ مِنها عَلى تَقْدِيرِ المُحالِ في الدُّنْيا مِن أنَّ تَمادِيَها إلى وقْتِ زَوالِها تُسَمّى بَقاءً، لِأنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ دائِمٌ لا انْقِطاعَ لَهُ أصْلًا، وما كانَ [باقِيًا - ] لا يُعادِلُ بِما يُغْنِي بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَمَن عَلِمَ ذَلِكَ - وهو أمْرٌ لا يُجْهَلُ - اشْتَغَلَ بِما يَحْصُلُ الآخِرَةَ ويَنْفِي الدُّنْيا بِقِسْمَيْها مِنَ الأعْيانِ الحِسِّيَّةِ والشَّهَواتِ المَعْنَوِيَّةِ مِنَ الرَّعُوناتِ النَّفْسانِيَّةِ والمُسْتَلَذّاتِ الوَهْمِيَّةِ، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الإيثارِ والدُّنُوِّ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى التَّرْكِ والعُلُوِّ ثانِيًا، وذِكْرُ الخَيْرِ والبَقاءِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِما أوَّلًا، وسِرُّ ذَلِكَ أنَّهُ لا يُؤْثِرُ الدَّنِيءَ إلّا دَنِيءٌ فَذَكَرَهُ أوَّلًا لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّنْفِيرِ، وذَكَرَ الخَيْرَ والبَقاءَ ثانِيًا لِأنَّهُ أشَدُّ في التَّرْغِيبِ.

الأعلى 87:18

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ النَّتِيجَةُ - الَّتِي هي الفَلّاحُ بِالتَّزْكِيَةِ وما تَبِعَها - خالِصَةَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الَّتِي بِها تَدْبِيرُ البَقاءِ الأوَّلِ، وصَفَها تَرْغِيبًا فِيها بِوَصْفِ جَمْعِ القِدَمِ المُسْتَلْزِمِ لِلصِّحَّةِ بِتَوارُدِ الأفْكارِ عَلى تَعاقُبِ الأعْصارِ، لِأنَّ ما مَضَتْ عَلَيْهِ السُّنُونُ ومَرَّتْ عَلى قَبُولِهِ الدُّهُورُ تَكُونُ النَّفْسُ أقْبَلُ لِلْإذْعانِ [لَهُ - ] وأدْعى إلى إلْزامِهِ، وأفادَ مَعَ القِدَمِ أنَّ المُنَزَّلَ عَلَيْهِ ﷺ لَيْسَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَلْ هو عَلى (p-٤٠٧)مِنهاجِهِمْ، فَرَدَّ رِسالَتَهُ مِن بَيْنِهِمْ لا يَقُولُ بِهِ مُنْصِفٌ لا سِيَّما وقَدْ زادَ عَلَيْهِمْ في المُعْجِزاتِ و[سائِرِ - ] الكَراماتِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ مَن يَكْذِبُ: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الوَعْظِ العَظِيمِ بِالتَّسْبِيحِ الَّذِي ذَكَّرَ في هَذِهِ السُّوَرِ وما تَأثَّرَ عَنْهُ مِنَ التَّزْكِيَةِ بِالذَّكَرِ المُوجِبِ لِلصَّلاةِ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا والإقْبالِ عَلى الآخِرَةِ، لِأنَّهُ جامِعٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وهو ثابِتٌ في كُلِّ شَرِيعَةٍ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالحُكْمِ فَهو لا يَقْبَلُ النَّسْخَ ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولى﴾ فَمَن تَبِعَ هَذا القُرْآنَ الَّذِي هو في هَذِهِ الصُّحُفِ الرَّبّانِيَّةِ فَقَدْ تَحَلّى مِن زِينَةِ اللِّسانِ بِما يَنْقُلُهُ مِنَ البَيانِ الَّذِي هو في غايَةِ التَّحْرِيرِ وعِظَمِ الشَّأْنِ وما يَعْلَمُهُ مِنَ المُغَيَّباتِ مِمّا يَكُونُ أوْ كانَ، ونَسِيَهُ أهْلُ هَذِهِ الأزْمانِ، فاسْتَراحَ مِن ضَلالِ الشُّعَراءِ والكُهّانِ، المُوقِعِينَ في الإثْمِ والعُدْوانِ، فَإنَّ القُرْآنَ جَمْعُ المَدِيحِ الفائِقِ والنَّسِيبِ الرَّقِيقِ في وصْفِ الحَوَرِ والرَّحِيقِ والفَخْرِ الحَماسِيِّ والهِجاءِ البَلِيغِ لِأعْداءِ اللَّهِ، والتَّرْغِيبِ الجاذِبِ لِلْقُلُوبِ والتَّرْهِيبِ والمِلْحِ الخَبَرِيَّةِ والحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورٍ لا تَصِلُ إلَيْها الشُّعَراءُ، ولا يَنْتَهِي إلى أدْنى جَنابِها بَلاغاتُ البُلَغاءِ.

الأعلى 87:19

ولَمّا كانَ ذَلِكَ عامًا خُصَّ مِن بَيْنِهِ تَعْظِيمًا لِقَدْرِ هَذِهِ المَوْعِظَةِ (p-٤٠٨)أعْظَمَ الأنْبِياءِ الأقْدَمِينَ، فَقالَ مُبَدِّلًا مُشِيرًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالتَّجْرِبَةِ: ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ﴾ قَدَمُهُ لِأنَّ صُحُفَهُ أقْرَبُ إلى الوَعْظِ كَما نَطَقَ بِهِ حَدِيثُ أبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ ﴿ومُوسى﴾ خَتَمَ بِهِ لِأنَّ الغالِبَ عَلى كِتابِهِ الأحْكامُ، والمَواعِظُ فِيهِ قَلِيلَةٌ، ومِنها الزَّواجِرُ البَلِيغَةُ كاللَّعْنِ لِمَن خالَفَ أوامِرَ التَّوْراةِ الَّتِي أعْظَمُها البِشارَةُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والإخْبارُ بِأنَّهم يُخالِفُونَها كَما [هُوَ - ] مَذْكُورٌ في أواخِرِها مَعَ أنَّ ذِكْرَ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الوُجُودِ والأفْضَلِيَّةِ، وقَدْ حَثَّ آخِرُها عَلى التَّزَكِّي وهو التَّطَهُّرُ مِنَ الأدْناسِ الَّذِي هو مَعْنى التَّنَزُّهِ والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِ اللَّهِ بِحَسَبِ الطّاقَةِ، وكانَ في إتْيانِهِ والتَّذْكِيرِ بِهِ إعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُهْمِلِ الخَلْقَ مِنَ البَيانِ [ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم - ] لِأنَّهُ لَمْ يَخْلُقْهم سُدًى، لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَبَثِ الَّذِي هو مِن أكْبَرِ النَّقائِصِ [ وهو سُبْحانُهُ مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ شَوائِبِ النَّقْصِ - ] فَقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها، وكانَ تَنْزِيهُ الرَّبِّ سُبْحانَهُ وتَعالى وتَنْزِيهُ النَّفْسِ أيْضًا غايَةَ مِعْوَلِها - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ، وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

الغاشية 88:1

(p-١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الغاشِيَةِ مَقْصُودُها شَرْحُ ما في آخِرِ ”سَبِّحْ“ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنِ العَبَثِ بِإثْباتِ الدّارِ الآخِرَةِ الَّتِي الغاشِيَةُ مَبْدَؤُها، وذَكَرَ ما فِيها لِلْأتْقى والأشْقى، والدَّلالَةُ عَلى القُدْرَةِ عَلَيْها، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصُودِ الغاشِيَةُ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ القَلْبِ الغاشِي والبَصِيرَةِ الغاشِيَةِ، لِئَلّا تَكُونَ الغاشِيَةُ عَلَيْنا بِسُوءِ الأعْمالِ ناشِيَةً ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ البالِغَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ”الرحمنْ“ الَّذِي لَهُ الفَيْضُ الأعْلى والنِّعَمُ الظّاهِرَةُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي اصْطَفى أوْلِياءَ فَأصْلَحَ بَواطِنَ نِعَمِهِمْ حَتّى عادَتْ ظاهِرَةً طاهِرَةً. * * لَمّا خُتِمَتْ ”سَبِّحْ“ بِالحَثِّ عَلى تَطْهِيرِ النُّفُوسِ عَنْ وضَرِ الدُّنْيا، ورَغِبَ في ذَلِكَ بِخَيْرِيَّةِ الآخِرَةِ تارَةً والِاقْتِداءِ بِأُولِي العَزْمِ مِنَ الأنْبِياءِ أُخْرى، رَهِبَ أوَّلُ هَذِهِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذَلِكَ مَرَّةً، ومِنَ التَّزَكِّي بِغَيْرِ مِنهاجِ الرُّسُلِ أُخْرى، فَقالَ تَعالى مُذَكِّرًا بِالآخِرَةِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْها آخِرُ (p-٢)تِلْكَ مُقَرِّرًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ ﷺ لِأنَّ ذَلِكَ أعْظَمُ في تَقْدِيرِ اتِّباعِهِ وأقْعَدُ في تَحْرِيكِ النُّفُوسِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ بِالقَبُولِ: ﴿هَلْ أتاكَ﴾ أيْ جاءَكَ وكانَ لَكَ وواجَهَكَ عَلى وجْهِ الوُضُوحِ يا أعْظَمَ خَلْقَنا ﴿حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ أيِ القِيامَةِ الَّتِي تَغُشِّي النّاسَ بِدَواهِيها وشَدائِدِها العُظْمى وزَواجِرِها ونَواهِيها، فَإنَّ الغَشْيَ لا يَكُونُ إلّا فِيما يُكْرَهُ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: لَمّا تَقَدَّمَ تَنْزِيهُهُ سُبْحانَهُ عَمّا تَوَهَّمَ الظّالِمُونَ، واسْتَمَرَّتْ أيِ السُّورَةُ عَلى ما يُوَضِّحُ تَقَدُّسَ الخالِقِ جَلَّ جَلالُهُ عَنْ عَظِيمِ مَقالِهِمْ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الغاشِيَةِ بَعْدَ افْتِتاحِ السُّورَةِ بِصُورَةِ الِاسْتِفْهامِ تَعْظِيمًا لِأمْرِها، فَقالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ”هَلْ أتاك“ يا مُحَمَّدُ ”﴿حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾“ وهي القِيامَةُ، [فَكَأنَّهُ] سُبْحانَهُ وتَعالى يَقُولُ: في ذَلِكَ اليَوْمِ يُشاهِدُونَ جَزاءَهم ويَشْتَدُّ تَحَسُّرُهم حِينَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ عَرَفَ بِعَظِيمِ امْتِحانِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦] مَعَ ما بَعْدَ ذَلِكَ وما قَبْلَهُ، ثُمَّ عَرَفَ بِذِكْرِ حالِ مَن كانَ في نَقِيضِ حالِهِمْ إذْ ذَلِكَ أزْيَدُ في الفَرَحِ وأدْهى، ثُمَّ أرْدَفَ بِذِكْرِ ما نَصَبَ مِنَ الدَّلائِلِ وكَيْفَ لَمْ يُغْنِ فَقالَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية: ١٧] - الآياتُ، أيْ أفَلا يَعْتَبِرُونَ بِكُلِّ ذَلِكَ ويَسْتَدِلُّونَ بِالصَّنْعَةِ عَلى الصّانِعِ ثُمَّ أمَرَهُ بِالتِّذْكارِ - انْتَهى.

الغاشية 88:2

ولَمّا هَوَّلَ أمْرَها بِانْبِهامِها وعُمُومِها، زادَ في التَّهْوِيلِ بِما ذَكَرَ مِن (p-٣)أحْوالِها في تَفْصِيلِ النّاسِ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وبَدَأ بِالشَّقِيِّ لِأنَّ المَقامَ لِإنْذارِ المُؤْثِرِينَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، وسَوَّغَ الِابْتِداءَ بِالنَّكِرَةِ التَّفْصِيلُ فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ﴾ أيْ كَثِيرَةٌ جِدًّا كائِنَةٌ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [أيْ] إذْ تَغْشى النّاسَ ﴿خاشِعَةٌ﴾ أيْ ذَلِيلَةٌ مُخْبِتَةٌ مِنَ الخَجَلِ والفَضِيحَةِ والخَوْفِ والحَسْرَةِ الَّتِي لا تَنْفَعُ في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ

الغاشية 88:3

﴿عامِلَةٌ﴾ أيْ مُجْتَهِدَةٌ في الأعْمالِ الَّتِي تَبْتَغِي بِها النَّجاةَ حَيْثُ لا نَجاةَ بِفَواتِ دارِ العَمَلِ فَتَراها جاهِدَةً فِيما كَلَّفَتْها بِهِ الزَّبانِيَةُ مِن جَرِّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ وخَوْضِ الغَمَراتِ مِنَ النِّيرانِ ونَحْوِ ذَلِكَ كَأنْ يُقالُ لَهُ: أدِّ الأمانَةَ ثُمَّ تُمَثِّلُ لَهُ أمانَتَهُ في قَعْرِ جَهَنَّمَ، فَتُكَلِّفُ النُّزُولَ إلَيْها ثُمَّ يَحْمِلُها عَلى عُنُقِهِ ويَصْعَدَ في جِبالِ النِّيرانِ حَنى إذا كادَ أنْ يَصِلَ إلى أعْلاها سَقَطَتْ مِنهُ فَيَتَكَلَّفُ النُّزُولَ إلَيْها وهَكَذا، وهَذا بِما كانَ يُهْمِلُ العَمَلَ في الدُّنْيا ﴿ناصِبَةٌ﴾ أيْ هي في ذَلِكَ في غايَةِ التَّعَبِ والدُّؤُوبُ في العَمَلِ والِاجْتِهادِ - هَذِهِ رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وذَلِكَ لِأنَّهم لَمْ يَخْشَوُا اللَّهَ في الدُّنْيا فَلَمْ يَعْمَلُوا لَهُ فَلَمْ يَنْصِبُوا في طاعَتِهِ أجْسادَهم فاضْطَرَّهم في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى أعْظَمِ مِمّا أبَوْهُ في الدُّنْيا مَعَ المَضَرَّةِ دُونَ المَنفَعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الَّذِينَ تَعِبُوا ونَصَّبُوا في الدُّنْيا أجْسامَهم وهم عَلى غَيْرِ (p-٤)دِينِ الإسْلامِ كالرُّهْبانِ مِنَ النَّصارى بَعْدَ النُّسَخِ وزَنادِقَةِ المُتَصَوِّفَةِ مِنَ الفَلاسِفَةِ وأتْباعِهِمْ، بِأنْ يَكُونَ ”وُجُوه“ مُبْتَدَأٌ و”يَوْمَئِذٍ“ خَبَرُهُ أيْ كائِنَةٍ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ يُقَدَّرُ ما بَعْدَهُ في جَوابِ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: ما شَأْنُها؟ فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ: خاشِعَةٌ، أيْ في الدُّنْيا - إلى آخِرِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في رِوايَةِ عَطاءٍ عَنْهُ.

الغاشية 88:4

ولَمّا كانَ العَذابُ لا يَكُونُ إلّا [عَلى] ما يَكْرَهُهُ المُعَذَّبُ، دَلَّ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّهُ عَلى أنْهى ما يَكُونُ بِبِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ في قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ وأبِي بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ فَقالَ: ﴿تَصْلى﴾ أيْ يُصَلِّيها مُصَلٍّ عَلى أيْسَرِ وجْهٍ وأسْهَلِهِ بِأمْرِ مَن لَهُ الأمْرُ بِأنْ يَغْمِسَها قَهْرًا عَلى وجْهِ الإحاطَةِ بِها، والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ: تَدْخُلُ وتُباشِرُ بِأنْ يَدُسَّها فِيها أصْحابُها فَيُحِيطُ بِها مِن كُلِّ جانِبٍ وهو يَدُلُّ عَلى غايَةِ الذُّلُّ لِأنَّ مَن فَعَلَ بِنَفْسِهِ هَذا لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ ﴿نارًا حامِيَةً﴾ مُتَناهِيَةً في الحَرِّ لِأنَّها عَمِلَتْ بِالجَهْلِ عَلى خِلافِ ما حَدَّهُ لَها نَبِيُّها فَأخَلَّتْ بِرُكْنٍ لِلْعَمَلِ أوْ شَرْطٍ لِما اسْتَوْلى عَلَيْها مِنَ الغَفْلَةِ الَّتِي أحاطَتْ بِها، فَلَمْ تُدْعَ لَها مَوْضِعًا يَصْلُحُ لِدُخُولِ الرَّحْمَةِ مِنهُ.

الغاشية 88:5

ولَمّا كانَ مَن في الحَرِّ أحْوَجَ شَيْءٍ إلى ما يَبْرُدُ باطِنُهُ، قالَ بانِيًا [عِنْدَ الكُلِّ] لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى قِراءَةِ أبِي عَمْرٍو في الَّذِي قَبْلَهُ: ﴿تُسْقى﴾ (p-٥)أيْ يُسْقى كُلُّ مَن أذِنَ لَهُ المَلِكُ في ذَلِكَ عَلى أهْوَنِ وجْهٍ وأيْسَرِهِ ﴿مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ بَلَغَتْ غايَتُها في الحَرِّ فَنَضِجَتْ غايَةَ النُّضْجِ فَصارَتْ إذا قَرَّبُوها مِنهم سَقَطَ لَحْمُ وُجُوهِهِمْ، وإذا شَرِبُوا قَطَعَتْ أمْعاءَهم مِمّا شَرِبُوا في الدُّنْيا مِن كاساتِ الهَوى الَّتِي قَطَعُوا باسْتِلْذاذِهِمْ لَها قُلُوبُ الأوْلِياءِ.

الغاشية 88:6

ولَمّا ذَكَرَ ما يَسْقُونَهُ عَلى وجْهِ عِلْمٍ مِنهُ أنَّهُ لا يَلْذَذْ ولا يَرْوِي مِن عَطَشٍ، أتْبَعُهُ ما يُطْعِمُونَهُ فَقالَ حاصِرًا لَهُ: ﴿لَيْسَ لَهُمْ﴾ أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذابُوا أنْفُسَهم في عِبادَةٍ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيها ﴿طَعامٌ﴾ أصْلًا ﴿إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ أيْ يَبِيسٍ الشَّبْرَقِ، وهو شَوْكٌ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطِبًا، فَإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ، وهو سُمٌّ، [و] قالَ في القامُوسِ: والضَّرِيعُ كَأمِيرٍ: الشَّبْرَقُ أوْ يَبِيسُهُ أوْ نَباتُ رُطَبِهِ يُسَمّى شَبْرَقًا، ويابِسُهُ يُسَمّى ضَرِيعًا، لا تَقْرَبُهُ دابَّةٌ لِخُبْثِهِ، أوْ شَيْءٌ في جَهَنَّمَ أمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ وأنْتَنُ مِنَ الجِيفَةِ وأحَرُّ مِنَ النّارِ، ونَباتُ مُنْتِنٌ يُرْمى بِهِ البَحْرُ، وقالَ الهَرَوِيُّ في الغَرِيبَيْنِ وعَبْدِ الحَقِّ في الواعِي: الضَّرِيعُ: الشَّبْرَقُ، وهو نَباتٌ مَعْرُوفٌ بِالحِجازِ ذُو شَوْكٍ، ويُقالُ شَبْرَقَ ما دامَ رَطِبًا، فَإذا جَفَّ فَهو ضَرِيعٌ، وقالَ القَزّازُ في دِيوانِهِ: الضَّرِيعُ: يَبِيسٌ مَن يَبِيسُ الشَّجَرِ، وقِيلَ: هو يَبِيسُ الشَّبْرَقِ خاصَّةً، وقِيلَ: هو نَباتٌ أخْضَرُ يُرْمى [بِهِ] البَحْرُ وهو مُنْتِنٌ. أبُو حَنِيفَةَ (p-٦)رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: وهو مَرْعى لا تَعْقِدُ عَلَيْهِ السّائِمَةُ شَحْمًا و[لا] لَحْمًا، وإنْ لَمْ تُفارِقْهُ إلى غَيْرِهِ ساءَتْ حالُها. وقالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: الضَّرِيعُ هو نَبْتٌ بِالحِجازِ لَهُ شَوْكٌ كِبارٌ، وقالَ: الشَّبْرَقُ نَباتٌ حِجازِيٌّ يُؤْكَلُ ولَهُ شَوْكٌ، وإذا يَبِسَ سُمِّيَ الضَّرِيعُ. وهَذا ثَوْبٌ مُشَبْرَقٌ وهو الَّذِي أُفْسِدَ، وفي نَسْجِهِ سَخافَةٌ، وشَبْرَقْتُ الثَّوْبَ أيْضًا: حَرَقْتَهُ، وقالَ في القامُوسِ: الشَّبْرَقُ كَزِبْرِجَ: رُطَبُ الضَّرِيعِ واحِدُهُ بَهاءٍ، قالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وعِكْرِمَةُ: هو نَبْتٌ ذُو شَوْكٍ لاطِئٍ بِالأرْضِ، تُسَمِّيهِ قُرَيْشٌ الشَّبْرَقُ، فَإذا هاجَ سَمُّوهُ الضَّرِيعُ، وهو أخْبَثُ طَعامٍ وأبْشَعُهُ، وهو رِوايَةُ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. ولا يَمْتَنِعُ في قُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يَكُونَ الغِسْلِينُ إذا انْفَصَلَ عَنْ أبْدانِ أهْلِ النّارِ صارَ عَلى هَيْئَةِ الشَّبْرَقِ المُسَمّى ضَرِيعًا، فَيَكُونُ طَعامُهُمُ الغِسْلِينَ الَّذِي هو الضَّرِيعُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أقْبَحِ العَيْشِ ولا يُرادُ بِهِ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، قالَ المَلْوِيُّ: وسُمِّيَ ضَرِيعًا لِأنَّ الإنْسانَ يَتَضَرَّعُ عِنْدَ أكْلِهِ مِن خُشُونَتِهِ ومَرارَتِهِ ونَتْنِهِ.

الغاشية 88:7

(p-٧)ولَمّا حَصَرَ أكْلَهم في هَذا، وكانَ الضَّرِيعُ المَعْرُوفُ عِنْدَ العَرَبِ قَدْ يَتَصَوَّرُ مُتَصَوِّرٌ أنَّهُ لَوْ أُكْرِهَ شَيْءٌ عَلى أكْلِهِ أسْمَنَهُ أوْ سَدَّ جَوْعَتَهُ، وكانَ الضَّرِيعُ المَأْكُولُ لَهم في القِيامَةِ شَوْكًا مِن نارٍ كَما ورَدَ تَفْسِيرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ نَفى عِنْدَ فائِدَةِ الطَّعامِ، فَقالَ واصِفًا الضَّرِيعَ أوِ الطَّعامَ المُقَدَّرَ بَعْدَ ”إلّا“ بِما يَفْهَمُهُ تَحامِي الإبِلِ الَّتِي تَرْعى كُلَّ نابِتٍ وهي أعْظَمُ الحَيَواناتِ إقْبالًا عَلى أنْواعِ الشَّوْكِ لَهُ مِن أنَّهُ ضَرٌّ بِلا نَفْعٍ ﴿لا يُسْمِنُ﴾ [أيْ] فَلا يُشْبِعُ ولا يُقَوِّي لِأنَّهُ يَلْزَمُ ما يُسْمِنُ، فَعَدَمُهُ يُلازِمُ عَدَمَهُ. ولَمّا نَفى عَنْهُ ما هو مَقْصُودُ أهْلِ الرَّفاهِيَةِ وبَدَأ بِهِ [لِأنَّ المَقامَ] لَهُ نَفْيُ ما يُقْصَدُ لِلْكَفافِ فَقالَ تَعالى: ﴿ولا يُغْنِي﴾ أيْ يَكْفِي كِفايَةً مُبْتَدِئَةً ﴿مِن جُوعٍ﴾ فَلا يَحْفَظُ الصِّحَّةَ ولا يَمْنَعُ الهُزالَ، والمَقْصُودُ مِنَ الطَّعامِ أحَدُ الأمْرَيْنِ، وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَأْكُلُونَ الحَرامَ الَّذِي تَنْبُتُ عَلَيْهِ لُحُومُهم فَيُفْسِدُها بِفَسادِهِ وتَنْمُو بِهِ نُفُوسُهم فَيُخْبِثُها بِخُبْثِهِ ويَتَغَذَّوْنَ بِالشُّبَهِ أيْضًا ويُباشِرُونَها في جَمِيعِ أوْقاتِهِمْ ويُباشِرُونَ العُلُومَ الَّتِي تَظْلِمُ (p-٨)القُلُوبَ كالفَلْسَفَةِ والشِّعْرِ والسِّحْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَجُرُّ إلى البِدَعِ. والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: نَفْيُ السِّمَنِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى إثْباتِ الهُزالِ ثانِيًا، ونَفْيُ الإغْناءِ مِنَ الجَزَعِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الشِّبَعِ أوَّلًا، ومَن جَعَلَ ذَلِكَ صِفَةَ الطَّعامِ أفْسَدَ المَعْنى لِأنَّهُ يُؤَوَّلُ إلى: لَيْسَ لَهم طَعامٌ مَنفِيٌّ عَنْهُ الإسْمانُ والإغْناءُ، بَلْ لَهم طَعامٌ لا يَنْفِي عَنْهُ ذَلِكَ.

الغاشية 88:8

ولَمّا ذَكَرَ الأعْداءَ وقَدَّمَهم لِما تَقَدَّمَ، أتْبَعُهُ الأوْلِياءُ فَقالَ مُسْتَأْنِفًا ذَكَرَ ما لَهم مِن ضِدِّ ما ذَكَرَ لِلْأعْداءِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ [إذْ] كانَ ما ذَكَرَ ﴿ناعِمَةٌ﴾ أيْ ذاتَ بَهْجَةٍ وسُرُورٍ تَظْهَرُ عَلَيْها النِّعْمَةُ والنَّضْرَةُ والرّاحَةُ والرَّفاهِيَةُ بِضِدِّ تِلْكَ النّاصِبَةِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ أتْعَبُوا أنْفُسَهم في دارِ العَمَلِ الدُّنْيا وصَبَرُوا عَلى التَّقَشُّفِ وشَظَفِ العَيْشِ

الغاشية 88:9

﴿لِسَعْيِها﴾ أيْ عَمَلِها لِلْآخِرَةِ الَّذِي كَأنَّهُ لا سَعْيَ غَيْرُهُ خاصَّةً لِعِلْمِها أنَّهُ مُنْجٍ ﴿راضِيَةٌ﴾ لِما رَأتْ مِن ثَوابِهِ تَوَدُّ أنَّ جَمِيعَ سَعْيِها (p-٩)[فِي الدُّنْيا] كانَ لِذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ ذَلِكَ السَّعْيُ الَّذِي هو لِلْآخِرَةِ كَرِيهًا إلَيْها في الدُّنْيا لا تُباشِرُهُ إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ.

الغاشية 88:10

ولَمّا ذَكَرَ السَّعْيَ أتْبَعُهُ ثَوابَهُ فَقالَ: ﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ أيْ في المَكانِ العالِي والمَكانَةِ العالِيَةِ والأشْجارِ والغُرَفِ وغَيْرِ ذَلِكَ بِما صَرَفُوا أنْفُسَهم عَنِ الدَّنايا ورَفَعُوا هِمَمَهم إلى النَّفائِسِ.

الغاشية 88:11

ولَمّا كانَ ما كانَ مِن هَذا لا يَصْفُو، وفِيهِ ما يُكْرَهُ مِنَ الكَلامِ قالَ مُنَزِّهًا لَها عَنْ كُلِّ سُوءٍ: ﴿لا تَسْمَعُ﴾ أيْ أيُّها الدّاخِلُ إلَيْها - عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو أبْلَغُ في النَّفْيِ ﴿فِيها لاغِيَةً﴾ أيْ لَغْوٌ ما أوْ نَفْسٌ تَلْغُو أوْ كَلِمَةٌ ذاتُ لَغْوٍ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ، بَلِ المَسْمُوعُ فِيها الذِّكْرُ مِنَ التَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ والتَّنْزِيهِ لِحَمْلِ ما يَرى فِيها مِنَ البَدائِعِ عَلى ذَلِكَ مَعَ نَزْعِ الحُظُوظِ الحامِلَةِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ القُلُوبِ بِما كانُوا يَكْرَهُونَ مِن لَغْوِ أهْلِ الدُّنْيا المُنافِي لِلْحِكْمَةِ.

الغاشية 88:12

ولَمّا وصَفَ الجَنَّةَ بِأوَّلِ ما يُعْتَبَرُ فِيها وهو عَدَمُ المُنَغِّصِ، أتْبَعُهُ ما يَطْلُبُ بَعْدَهُ وهو تَناوُلُ المُلْتَذّاتِ، وكانَ الأكْلُ قَدْ فُهِمَ مِن ذِكْرِ لَفْظِ الجَنَّةِ، ذِكْرُ المَشْرُوبِ لِذَلِكَ ولِدَلالَتِهِ إذا كانَ جارِيًا عَلى (p-١٠)زِيادَةِ حُسْنِ الجَنَّةِ وكَثْرَةِ ما فِيها مِنَ النَّباتاتِ المَقِيتَةِ والمُفَكِّهَةِ مِنَ النَّجْمِ والأشْجارِ والرَّيِّ والأطْيارِ، فَقالَ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ جَنَّةٍ مِمّا نَعْرِفُهُ فِيهِ ماءٌ جارٍ بِنَفْسِهِ: ﴿فِيها﴾ أيِ الجَنَّةِ. ولَمّا كانَ الماءُ الجارِي صالِحًا لِأنْ يُقَسَّمَ إلى أماكِنَ كَثِيرَةٍ، وحَدَّ قَوْلَهُ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلْكَثِيرِ مُقابَلَةٌ لِعَيْنِ أهْلِ النّارِ في دارِ البَوارِ: ﴿عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أيْ عَظِيمَةُ الجَرْيِ جِدًّا، فَهي بِحَيْثُ لا تَنْقَطِعُ أصْلًا لِما لِأرْضِها مِنَ الزَّكاءِ والكَرْمِ و[ما] لِمائِها مِنَ الغَزارَةِ وطِيبِ العُنْصُرِ، فَهو صالِحٌ لِأنْ يَعُمُّ جَمِيعَ نَواحِيها أقاصِيها وأدانِيها وإنْ عَظُمَ [اتِّساعُها] وتَناءَتْ أقْطارُها وبِقاعُها، كَما نَراهُ يَجْرِي مِن ساقِ الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ جِدًّا فَيَسْقِي جَمِيعَ أغْصانِها وأوْراقِها وثِمارِها، ويَزِيدُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ جَرْيَهُ مِن أسْفَلِ إلى فَوْقٍ، يَجْدِبُهُ جادِبُ الشَّوْقِ ويَسُوقُهُ أيْ سَوْقٌ يُقَدِّرُهُ الخَلّاقُ العَلِيمُ، والَّذِي قَدَرَ عَلى هَذا كَما هو مُشاهِدٌ لَنا لا نَشُكُّ فِيهِ قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَ هَذِهِ العَيْنَ - الصّالِحَةَ لِلْجِنْسِ ولَوْ كانَتْ واحِدَةً بِالشَّخْصِ - عامَّةً لِجَمِيعِ مَرافِقِ الجَنَّةِ [تَجْرِي] إلى خِيامِها ورِياضِها وبَساتِينِها ومَصانِعِها ومَجالِسِها ويَصْعَدُها إلى أعالِي غُرَفِها وإنْ عَلَتْ، مُقَسَّمَةً بِحَسْبِ المَصالِحِ، مُوَزَّعَةً عَلى قَدْرِ المَنافِعِ، بِغايَةَ الإحْكامِ بِما كانَ لِداخِلِها مِنَ الخُضُوعِ الَّذِي يُجْرِي مِنهُمُ الدُّمُوعَ ويُقِلُّ الهُجُوعَ ويُكْثِرُ الظَّمَأ والجُوعَ.

الغاشية 88:13

(p-١١)ولَمّا لَمْ يَبْقَ بَعْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ إلّا الِاتِّكاءُ، قالَ مُفْهِمًا أنَّهم مَلُوكٌ: ﴿فِيها﴾ مُعِيدًا الخَبَرَ قَطْعًا لِلْكَلامِ عَنِ الأوَّلِ تَنْبِيهًا عَلى شَرَفِ العَيْنِ لِأنَّ الماءَ مِمّا لا حَياةَ بِدُونِهِ ﴿سُرُرٌ﴾ أيْ زائِدَةُ الحَدِّ في الكَثْرَةِ، جَمْعُ سَرِيرٍ وهو مُقْعَدٌ عالٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ المَلِكُ يَنْقُلُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُسْرُ النَّفْسِ، والمادَّةُ كُلُّها لِلسُّرُورِ والطِّيبِ والكَرْمِ، ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المُلْكِ والنِّعْمَةِ وخَفْضِ العَيْشِ ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾ أيْ رَفَعَها رافِعٌ عَظِيمٌ [فِي السَّمَكِ] وهو جِهَةُ العُلُوِّ لِيَرى الجالِسُ عَلَيْها جَمِيعَ مُلْكِهِ وما نَعِمَ بِهِ وما شاءَ اللَّهُ مِن غَيْرِهِ وفي القَدْرِ، لا كَما تَعْهَدُونَهُ في الدُّنْيا، بَلِ ارْتِفاعُها نَمَطٌ جَلِيلٌ مِن مِقْدارِ عَظَمَةِ رافِعِها الَّذِي رَفَعَ السَّماءَ، فالتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ، وبَنى الِاسْمَ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِن ذاتِها إلّا الِانْخِفاضُ، وأمّا ارْتِفاعُها فَبِقَسْرِ القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا يَدُلُّ [عَلى أنَّها] كَسَماءٍ لا عَمَدَ لَها، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ألْواحُها مِن ذَهَبٍ مُكَلَّلَةٌ بِالزَّبَرْجَدِ والدُّرِّ والياقُوتِ مُرْتَفِعَةٌ ما لَمْ يَجِئْ أهْلُها، فَإذا أرادَ أنْ يَجْلِسَ عَلَيْها [تَواضَعَتْ لَهُ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْها] - ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى مَواضِعِها - انْتَهى. وذَلِكَ بِما كانُوا يَتَواضَعُونَ ويُباشِرُونَ [مِن] مَشاقِّ العِباداتِ عَلى التُّرابِ ورِثَ الأثْوابَ.

الغاشية 88:14

(p-١٢)ولَمّا كانَ المُسْتَرِيحُ يَحْتاجُ إلى تَكْرارِ الشُّرْبِ وما يَشْرَبُ فِيهِ قالَ: ﴿وأكْوابٌ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ، فَهو صالِحٌ لِلْمُناوَلَةِ والشُّرْبِ مِن كُلِّ جِهَةٍ ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ مَلَآى وهي بِحَيْثُ يَسْهُلُ عَلَيْهِمْ تَناوُلُها.

الغاشية 88:15

ولَمّا كانَ مَن هو بِهَذِهِ المَثابَةِ يَحْتاجُ إلى المَسانِدِ والفُرُشِ الزّائِدَةِ قالَ تَعالى: ﴿ونَمارِقُ﴾ أيْ مَسانِدُ يَسْتَنِدُونَ إلَيْها، جَمْعُ نَمْرُقَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ وهي الوِسادَةُ ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ أيْ بَعْضُها إلى بَعْضٍ فَهي في غايَةِ الكَثْرَةِ كَأنَّها الرَّوابِي المِنضَدَةُ عَلى بِساطِ الأرْضِ

الغاشية 88:16

﴿وزَرابِيُّ﴾ أيْ بُسْطٌ عَرِيضَةٌ كَثِيرَةُ الوَبَرِ كَأنَّها الرِّياضُ فاخِرَةٌ ناضِرَةٌ زائِدَةٌ عَنْ مَواضِعِ اسْتِراحاتِهِمْ، وهي جُمَعٌ زَرَبِيَّةٍ ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أيْ مَبْسُوطَةٍ عَلى وجْهِ التَّفَرُّقِ في المَواضِعِ الَّتِي لا يُرادُ التَّنَزُّهُ بِها مِن مَواضِعِ الرَّياحِينَ النّابِتَةِ والأشْجارِ المُتَشابِكَةِ كَما بَسَطَ سُبْحانَهُ وتَعالى أدِيمَ الأرْضِ ورَصَّعَهُ بِأنْواعِ النَّباتِ الفاخِرَةِ بِما بَسَطُوا أنْفُسَهم في الدُّنْيا لِلْحَقِّ وألانُوها لَهُ.

الغاشية 88:17

ولَمّا أنْهى سُبْحانَهُ ما أرادَ مِن تَصْوِيرِ تِلْكَ الدّارِ عَلى ما يَلِيقُ بِهَذِهِ السُّوَرِ القِصارِ، وكانُوا يُنْكِرُونَ غايَةَ الإنْكارِ فَوَبَّخَهم بِما يَعْصِمُهم (p-١٣)مِنَ الزَّيْغِ عَنِ العَقائِدِ الحَقَّةِ في اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ مُذَكَّرًا لَهم بِأُمُورِهِمْ في غايَةِ الوُضُوحِ في نَفْسِها، لِأنَّ نُزُولَ هَذِهِ السُّوَرِ كانَ في [أوَّلِ الأمْرِ قَبْلَ أنْ يَتَمَرَّنُوا عَلى المَعارِفِ تَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وعَلى قُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ ما هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي أوْدَعَها الجِنانَ لِلَذَّةِ الإنْسانِ، وذَلِكَ لِما فِي] هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَ بِها سُبْحانَهُ مِن عَجائِبِ الصُّنْعِ مَعَ تَفاوُتِهِ في جَعْلِ بَعْضِها ذا اخْتِيارٍ في الخَفْضِ والرَّفْعِ، وبَعْضُها عَلى كَيْفِيَّةٍ واحِدَةٍ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلى الِانْفِكاكِ عَنْها مِن عُلُوٍّ أوْ سُفُولٍ مَعَ التَّمَهُّدِ أوِ التَّوَعُّرِ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا مَضى مِنَ الإخْبارِ عَنْ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ في الآخِرَةِ وعَنْ قُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ: ﴿أفَلا يَنْظُرُونَ﴾ أيِ المُنْكِرُونَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ لِقُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى الجَنَّةِ وما ذَكَرَ فِيها [والنّارُ وما ذَكَرَ فِيها -] نَظَرُ اعْتِبارٍ. ولَمّا كانَ [لَهُمْ] مِن مُلابَسَةِ الإبِلِ ما لَيْسَ لَهم مِن مُلابَسَةِ غَيْرِها، وكانَتْ فَرِدَةً في المَخْلُوقاتِ لا شَبِيهَ لَها مَعَ ما لَها مِن كَثْرَةِ المَنافِعِ - كَما قالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - مَعَ أكْلِها لِكُلِّ مَرْعًى واجْتِزائِها بِأيْسَرِ (p-١٤)شَيْءٍ لا سِيَّما في الماءِ وطُولُ صَبْرِها عَنْهُ مَعَ عِظَمِ خَلْقِها وكَبْرِ جُرْمِها وشَدَّةِ قُوَّتِها، فَكانَتْ أدَلَّ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، قالَ مُنَبِّهًا بِذِكْرِها عَلى التَّدَبُّرِ في الآياتِ المُنْبَثَّةِ في الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا بَعْدَ ما أشارَ إلى دَلالَتِها عَلى البَعْثِ في البُرُوجِ بِذِكْرِ ثَمُودَ بَعْدَ أنْ صَرَّحَ بِهِ في سُورَةِ سُبْحانَهُ كَما مَضى [بَيانُهُ] في المَوْضِعَيْنِ ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى في الفَجْرِ والشَّمْسُ، وأوْضَحَ التَّعْبِيرَ عَنْها هُنا بِما يَدُلُّ عَلى الخُلْطَةِ المُمِيلَةِ المُحِيلَةِ المُناسِبَةِ لِمَعْنى الغاشِيَةِ بِخِلافِ التَّعْبِيرِ في سُورَةِ النَّحْلِ بِالأنْعامِ لِأنَّها سُورَةُ النِّعَمِ ﴿إلى الإبِلِ﴾ ونَبَّهَ عَلى أنَّ عَجِيبَ خَلْقِها مِمّا يَنْبَغِي أنْ تَتَوَفَّرَ الدَّواعِي عَلى الِاسْتِفْهامِ والسُّؤالُ عَنْهُ بِأداةِ الِاسْتِفْهامِ، فَقالَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ إشارَةً إلى أنَّ الدّالَّ هو التَّأمُّلُ في مُجَرَّدِ خَلْقِها الدّالِّ عَلى إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ إحْسانِهِ وقُدْرَتِهِ تَعالى وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ وحُسْنِ تَدْبِيرِهِ حَيْثُ خَلَقَها لِجَرِّ الأثْقالِ [إلى البِلادِ] النّائِيَةِ فَجَعَلَها عَظِيمَةً بارِكَةً لِلْحَمْلِ ناهِضَةً بِهِ مِن غَيْرِ مُعَيَّنٍ، مُنْقادَةً لِمَنِ اقْتادَها طَوالَ الأعْناقِ لِتَنُوءَ بِالأوْقارِ الثِّقالِ تَرْعى كُلَّ نَباتٍ وتَحْتَمِلُ العَطَشَ إلى عَشْرٍ فَصاعِدًا لِيَتَأتّى بِها قَطْعُ المَفاوِزِ، فَهي سُفُنُ البَرِّ مَعَ ما لَها مِن مَنافِعَ أُخَرَ، قالَ البَيْضاوِيُّ: ولِذَلِكَ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِبَيانِ الآياتِ (p-١٥)المُنْبَثَّةِ في الحَيَواناتِ الَّتِي هي أشْرَفُ المَرْكَباتِ وأكْثَرُها صُنْعًا [و] لِأنَّها أعْجَبُ ما عِنْدَ العَرَبِ - انْتَهى، وتَنْفَعِلُ لِلْبَسْطِ وتَجِدُ في سَيْرِها [فَتَتَأثَّرُ] بِالصَّوْتِ الحَسَنِ جِدًّا، ومِن عَجائِبِها أنَّها لا تَكْذِبُ أصْلًا فَإنَّها لا تَبْرِكُ [عَجْزًا عَنِ الحَمْلِ -] إلّا ولَيْسَ فِيها مِنَ القُوى شَيْءٌ، ولَيْسَ فِيها ما تَعُمُّ كَراهَتُهُ إلّا كَثْرَةُ رُغائِها فَلَعَلَّهُ سُبْحانَهُ نَفى عَنِ الجَنَّةِ اللَّغْوَ لِذَلِكَ، ولَعَلَّهُ مِثْلُ العَيْنِ الجارِيَةِ وقُرْبُها بَدَرِّها، والسُّرُرُ المَرْفُوعَةُ الَّتِي حَكى أنَّها تَنْخَفِضُ حَتّى يَتَمَكَّنَّ المُنْتَفِعُ بِها مِن ظُهُورِها ثُمَّ تَرْتَفِعُ بِهِ بِالسَّماءِ في عُلُوِّها مَعَ ما يَعْهَدُونَ مَن بُرُوكِ الإبِلِ لِلْحَمْلِ والرُّكُوبِ ثُمَّ ارْتِفاعُها لِتَمامِ الِانْتِفاعِ، وقُرْبِ نَصْبِ الأكْوابِ بِسَنامِها والنَّمارِقِ بِبَقِيَّتِها حالَ بَرُوكِها، ثُمَّ فَصَلَ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الإبِلُ مِنَ الأكْوابِ بِالجِبالِ [الَّتِي] لا تُرْتَقى مِثْلَ جَبَلِ السَّدِّ، والنَّمارِقُ بِالَّتِي تُرْتَقى، وبَسَطَ الزَّرابِيَّ بِمَهْدِ الأرْضِ، قالَ أبُو حَيّانِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: و﴿كَيْفَ﴾ سُؤالٌ عَنْ حالٍ والعامِلُ فِيهِ ﴿خُلِقَتْ﴾ وإذا عَلَّقَ الفِعْلَ عَمّا فِيهِ الِاسْتِفْهامُ لَمْ يَبْقَ الِاسْتِفْهامُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

الغاشية 88:18

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذا المَخْلُوقَ المُفْرَدَ الَّذِي هو أدَلُّ ما يَكُونُ (p-١٦)عَلى هَذا القَوْلِ بِالطَّبِيعَةِ، أتْبَعُهُ ذِكْرَ السَّماءِ لِيَتَذَكَّرَ السّامِعُ ذَلِكَ فَيُباعِدُ مَن يَقُولُ بِهِ فَقالَ: ﴿وإلى السَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي هي مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِنا ﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أيْ حَصَلَ بِأيْسَرِ أمْرٍ رَفْعُها مِنَ الَّذِي خَلَقَها بِلا عَمَدٍ عَلى ما لَها مِنَ السِّعَةِ والكِبْرِ والثِّقَلِ والإحْكامِ وما فِيها مِن جِبالِ الكَواكِبِ والغَرائِبِ والعَجائِبِ، فَذَلِكَ دالٌّ عَلى القُدْرَةِ التّامَّةِ الَّتِي لا يُشارِكُ تَعالى فِيها أحَدٌ قَلَّ ولا جَلَّ عَلى إيجادِ الجَنَّةِ العالِيَةِ وعَلى رَفْعِ السُّرُرِ [فِيها] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ ونَفى حُكْمَ الطَّبِيعَةِ حُكْمًا وحَتْمًا، وذَلِكَ دالٌّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى كُلِّ شَيْءٍ.

الغاشية 88:19

ولَمّا ذَكَرَ العالِي مِنَ الحَيَوانِ المَلابِسِ لِلْإنْسانِ والعالِي [مِنَ] الأكْوانِ، أتْبَعَهُ أعْلى الأرْضِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى الجِبالِ﴾ أيِ الشّامِخَةِ وهي أشَدُّ الأرْضِ ﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أيْ كانَ نَصْبُها مَن ناصَبَها عالِيَةً جِدًّا عَلى بَقِيَّةِ الأرْضِ بِلا مُوجِبٍ فِيها لِذَلِكَ مِن طَبِيعَةٍ ولا غَيْرِها بَلْ بِفِعْلِ الفاعِلِ المُخْتارِ فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ، فَوَضَعَها كَذَلِكَ عَلى ما فِيها مِنَ المَنافِعِ مِنَ المِياهِ الجارِيَةِ والأشْجارِ المُخْتَلِفَةِ أعْجَبُ مِن وضْعِ الأكْوابِ (p-١٧)والنَّمارِقِ المُزَيَّنَةِ، وبِها مَعَ ذَلِكَ ثَبَتَتِ الأرْضُ وحُفِظَتْ مِنَ المَيْدِ، واعْتَدَلَ أمْرُ الكَواكِبِ في تَقْدِيرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ بِاعْتِدالِ البِلادِ بِالطَّلْقِ بِإعْلاءِ بَعْضِها قِبَلَ بَعْضٍ حَتّى كانَتِ المَطالِعُ والمَغارِبُ عَلى تَرْتِيبٍ مُطَّرِدٍ ونِظامٍ مُحْكَمٍ غَيْرِ مُنْخَرِمٍ تُقَدَّرُ بِهِ الأزْمانُ والفُصُولُ والسُّنُونُ والأيّامُ والشُّهُورُ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ لَها إلّا بِقاهِرٍ قادِرٍ مُخْتارٍ لا شَرِيكَ لَهُ.

الغاشية 88:20

ولَمّا كانَ الخَفْضُ لا يَكُونُ إلّا بِخافِضٍ قاهِرٍ كَما أنَّ الرَّفْعَ كَذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وإلى الأرْضِ﴾ أيْ مَعَ سِعَتِها ﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أيِ اتَّفَقَ بَسْطُها مَن باسَطَها حَتّى صارَتْ مِهادًا مَوْضُوعًا يَمْشِي عَلَيْهِ بِغايَةِ السُّهُولَةِ، والقُدْرَةِ عَلى جَعْلِها كَذَلِكَ عَلى ما هي فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ بِناضِرِ النَّباتِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافاتِ دالَّةٌ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ، ولَيْسَتْ بِدُونِ القُدْرَةِ عَلى بَثِّ الزَّرابِيِّ في الجَنَّةِ عَلى اخْتِلافِ أشْكالِها وصُوَرِها وألْوانِها.

الغاشية 88:21

ولَمّا دَلَّ ما ذَكَرَ مِن عَجائِبِ صُنْعِهِ في أنْواعِ المَخْلُوقاتِ مِنَ البَسائِطِ والمُرَكَّباتِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ [عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَدَلَّ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ -] عَلى البَعْثِ وعَلى كُلِّ ما ذَكَرَ أنَّهُ (p-١٨)يَفْعَلُهُ في الجَنَّةِ والنّارِ، وكانَ الحَثُّ عَلى النَّظَرِ في هَذِهِ الأشْياءِ بِاسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ، وكانَ ذَلِكَ مُفِيدًا لِانْتِفاءِ النَّظَرِ، قالَ سُبْحانَهُ مُسَبِّبًا عَنْهُ: ﴿فَذَكِّرْ﴾ كُلُّ مَن يُرْجى تَذَكُّرُهُ وانْتِفاعُهُ بِالتَّذْكِيرِ يا أشْرَفَ خَلْقِنا بِما في غَرائِزِهِمْ وفِطَرِهِمْ مِنَ العِلْمِ الأوْلى بِما في هَذِهِ الأشْياءِ وأمْثالِها مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما نَزَّلْنا عَلَيْكَ لِيَدُلَّهم عَلى كَمالِ قُدْرَةِ الَّذِي بَعَثَكَ فَيَنْقادُوا لَكَ أتَمَّ انْقِيادٍ لا سِيَّما في اعْتِقادِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ، ولا يُهِمَّنَّكَ كَوْنُهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَطَرَّفُونَ، ولَعَلَّ التَّذْكِيرَ يُوصِلُ المُتَذَكِّرَ إذا أقْبَلَ عَلَيْهِ بِحُسْنِ رَغْبَةٍ إلى أنْ يَعْرِفَ أنَّ الإبِلَ تُشْبِهُ الأنْفُسَ المُطْمَئِنَّةَ الذَّلُولَةَ المُطِيعَةَ المُنْقادَةَ، والسَّماءُ تُشْبِهُ الأرْواحَ القُدْسِيَّةَ النُّورانِيَّةَ، والجِبالُ تُشْبِهُ العُقُولَ والمَعارِفَ الثّابِتَةَ الرّاسِخَةَ، والأرْضُ تُشْبِهُ البَدَنَ المُشْتَمِلَ عَلى الأعْضاءِ والأرْكانِ. ولَمّا كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً مِن أوائِلِ ما أنْزَلَ، وكانَ مَأْمُورًا إذْ ذاكَ بِالصَّفْحِ قالَ: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ أيْ لا مُقاتِلَ قاهِر (p-١٩)قاسِر لَهم عَلى التَّذَكُّرِ والرُّجُوعِ، فَلا عَلَيْك إنْ لَمْ يَنْظُرُوا ولَمْ يَتَذَكَّرُوا لِأنَّهُ ما عَلَيْك إلّا البَلاغُ، ولِذَلِكَ قالَ

الغاشية 88:22

﴿لَسْتَ﴾ وأشارَ إلى القَهْرِ بِأداة الِاسْتِعْلاء فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّة ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ أيْ بِمُتَسَلِّط، وأمّا غَيْرُهم فَسَنُسَلِّطُك عَلَيْهِمْ عَنْ قَرِيب، وقَرَأها الكِسائِيّ بِالسِّين عَلى الأصْلِ.

الغاشية 88:23

ولَمّا نَفى عَنْهم تُسَلِّطُ الدُّنْيا، وكانَ التَّقْدِير: فَمَن أقْبَلَ وآمَنَ فَإنَّ اللَّهَ يُنَعِّمُهُ النَّعِيم الأكْبَر، قالَ مستدركًا قَسِيمهمْ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ ﴿مَن تَوَلّى﴾ أيْ كَلَف نَفْسه المُطْمَئِنَّة وفِطْرَته الأُولى المُسْتَقِيمَة لِلْإعْراضِ ﴿وكَفَرَ﴾ أيْ وأصَرَّ عَلى كُفْرِهِ، وأجابَ الشَّرْط بِقَوْلِهِ مسببًا عَنْهُ:

الغاشية 88:24

﴿فَيُعَذِّبُهُ﴾ أشَدّ العَذابِ الَّذِي لا يُطِيقُهُ أصْلَبَ الحَدِيدِ ولا أشَدَّ الجِبالِ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِسَبَبِ تَكَبُّرِهِ عَلى الحَقِّ ومُخالَفَتِهِ لِأمْرِكَ المُطاعِ ومُرادِكَ الَّذِي كُلُّهُ الحَسَنُ الجَمِيلُ، ولَعَلَّهُ صَوَّرَهُ وهو مُنْقَطِعٌ بِصُورَةِ المُتَّصِلِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداتِهِ إشارَةً إلى أنَّ العَذابَ مِنَ اللَّهِ عَذابٌ مِنهُ ﷺ، لِأنَّ سَبَبَهُ تَكْذِيبُهم لَهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ”ألا“ بِالفَتْحِ والتَّخْفِيفِ عَلى أنَّها اسْتِفْتاحِيَّةٌ ﴿العَذابَ الأكْبَرَ﴾ يَعْنِي عَذابَ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ (p-٢٠)مُتَّصِلًا فَيَكُونُ المَعْنى: [أنْ] مِن أصَرَّ عَلى الكُفْرِ يُسَلِّطُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ فَيُعَذِّبُهُ [اللَّهُ] في الدّارِ الآخِرَةِ،

الغاشية 88:25

ثُمَّ عَلَّلَ إخْبارَهُ عَنْهُ عَذابَهُ في الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا لِما لَهم مِنَ التَّكْذِيبِ: ﴿إنَّ إلَيْنا﴾ أيْ خاصَّةً بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ ﴿إيابَهُمْ﴾ أيْ رُجُوعُهم وإنْ أبَوْا بِالمَوْتِ ثُمَّ بِالبَعْثِ ثُمَّ بِالحَشْرِ.

الغاشية 88:26

ولَمّا كانَ الحِسابُ مُتَأخِّرًا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وعَظِيمًا كَمًّا وكَيْفًا، عَظَّمَهُ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: [ ﴿ثُمَّ إنَّ﴾ أكَّدَهُ لِإنْكارِهِمْ، وأتى بِأداةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّهُ كالواجِبِ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ فَقالَ]: ﴿عَلَيْنا﴾ أيْ خاصَّةً بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ والتَّنَزُّهِ عَنْ نَقْصِ العَبَثِ والجَوْرِ وكُلِّ نَقْصٍ، لا عَلى غَيْرِنا، لِأنَّ غَيْرَنا لا قُدْرَةَ لَهُ فَقَدْ تَقَدَّمْنا فِيهِ بِالوُعُودِ الصّادِقَةِ، وأكَّدْناها غايَةَ التَّأْكِيدِ ﴿حِسابَهُمْ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وذَلِكَ يَكُونُ في الغاشِيَةِ يَوْمَ يَنْقَسِمُ النّاسُ قِسْمَيْنِ: في دارِ هَوانٍ، ودارِ أمانٍ، فَقَدِ التَفَّ آخِرُها بِأوَّلِها، وتَعانَقَ مَفْصِلُها بِمُوصِلِها - واللَّهُ الهادِي لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَآبُ.

الفجر 89:1

(p-٢١)سُورَةُ الفَجْرِ مَقْصُودُها الِاسْتِدْلالُ عَلى آخِرِ الغاشِيَةِ الإيابُ والحِسابُ، وأدَلُّ ما فِيها عَلى هَذا المَقْصُودِ الفَجْرُ بِانْفِجارِ الصُّبْحِ عَنِ النَّهارِ الماضِي بِالأمْسِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ في شَيْءٍ مِنَ الذّاتِ وانْبِعاثِ النِّيامِ مِنَ المَوْتِ الأصْغَرِ وهو النَّوْمُ بِالِانْتِشارِ يَفِي ضِياءَ النَّهارِ لِطَلَبِ المُعايِشِ لِلْمُجازاةِ في الحِسابِ بِالثَّوابِ والعِقابِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ جامِعُ العِبادِ بَعْدَ تَمْزِيقِهِمْ بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي عَمَّهم بَعْدَ العُمُومِ بِالإيجادِ بِالبَيانِ المُهَيِّئِ مَن شاءَ لِلْإيمانِ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أوْلِياءَهُ بِالرِّضْوانِ المُبِيحِ الجِنانِ. * * لَمّا خَتَمَتْ تِلْكَ بِأنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الإيابِ والحِسابِ، وكانَ تَغْيِيرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَجْدِيدُ كُلٍّ مِنهُما بَعْدَ إعْدامِهِ دالًّا عَلى القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ، وكانَ الحَجُّ قَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ في شَرْعِهِ لَهُ عَلى وجْهِ التَّجَرُّدِ عَنِ المَخِيطِ ولُزُومِ التَّلْبِيَةِ والسَّيْرِ إلى الأماكِنِ المَخْصُوصَةِ آيَةٌ مُذَكِّرَةٌ بِذَلِكَ قالَ: ﴿والفَجْرِ﴾ أيِ الكامِلُ في هَذا الوَصْفِ لِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ حَتّى كَأنَّهُ لا فَجْرَ غَيْرُهُ، وهو فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ الَّذِي هو أوَّلُ الأيّامِ الآخِذَةِ في الإيابِ إلى (p-٢٢)بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ بِدُخُولِ حَرَمِهِ والتَّحَلُّلِ مِن مَحارِمِهِ وأكْلِ ضِيافَتِهِ.

الفجر 89:2

ولَمّا ذَكَرَ هَذا اليَوْمَ بِما العِبارَةُ بِهِ عَنْهُ أدَلُّ عَلى البَعْثِ لِأنَّهُ يَنْفَجِرُ عَنْ صُبْحٍ قَدْ أضاءَ، ونَهارٍ قَدِ انْبَرَمَ، وانْقَضى، لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما مَضى، عَمَّ فَقالَ مُعَبِّرًا بِالمُقابِلِ: ﴿ولَيالٍ عَشْرٍ﴾ هي أعْظَمُ لَيالِي العامِ. وهي آيَةُ اللَّهِ عَلى البَعْثِ بِالقِيامِ إلى إجابَةِ داعِي اللَّهِ تَعالى عَلى هَيْئَةِ الأمْواتِ

الفجر 89:3

﴿والشَّفْعِ﴾ أيْ لِمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ ﴿والوَتْرِ﴾ أيْ لِمَن أتَمَّ - قالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، ورَوى أحْمَدُ والبَزّارُ بِرِجالِ الصَّحِيحِ عَنْ عَيّاشِ بْنِ عُقْبَةَ وهو ثِقَةٌ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العَشْرُ الأضْحى، والشَّفْعُ يَوْمُ الأضْحى، والوِتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ» .

الفجر 89:4

ولَمّا كانَ تَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ أدُلَّ عَلى القُدْرَةِ وأظْهَرَ في النِّعْمَةِ، قالَ رادًّا لِآخِرِ القِسْمِ عَلى أوَّلِهِ، ومُذَكَّرًا بِالنِّعْمَةِ وكَمالِ القُدْرَةِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أخْفاهُما سُرى وسِرًّا، فَهو أعْظَمُهُما في ذَلِكَ أمْرًا، لِأنَّ سَيْرَ النَّهارِ ظاهِرٌ لِسَرايَتِهِ بِخِلافِ اللَّيْلِ فَإنَّهُ مَحْوى صَرْفِهِ فَكانَ أدَلَّ عَلى القُدْرَةِ ﴿واللَّيْلِ﴾ أيْ مِن لَيْلَةِ النَّفَرِ ﴿إذا يَسْرِ﴾ أيْ يَنْقَضِي كَما (p-٢٣)يَنْقَضِي لَيْلُ الدُّنْيا وظَلامُ ظُلْمِها فَيَخْلُفُهُ الفَجْرَ ويُسْرى فِيهِ الَّذِينَ آبُوا إلى اللَّهِ راجِعِينَ إلى دِيارِهِمْ بَعْدَ حَطِّ أوْزارِهِمْ، [وقَدْ رَجَعَ آخِرُ القَسَمِ عَلى أوَّلِهِ -] وأثْبَتَ الياءَ في يَسْرِي ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ وحَذَفَها الباقُونَ، وعِلَّةُ حَذْفِها قَدْ سَألَ عَنْها المُؤَرَّجُ الأخْفَشُ فَقالَ: اخْدِمْنِي سَنَةً، فَسَألَهُ بَعْدَ سَنَةٍ فَقالَ: اللَّيْلُ يُسْرى فِيهِ ولا يَسْرِي، فَعَدَلَ بِهِ عَنْ مَعْناهُ فَوَجَبَ أنْ يَعْدِلَ عَنْ لَفْظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] لِما عَدَلَ عَنْ ”باغِيَةِ“ عَدَلَ لَفْظُهُ فَلَمْ يَقُلْ: بُغْيَةً - انْتَهى، وهو يَرْجِعُ إلى اللَّفْظِ مَعَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ رَدُّ رِواياتِ الإثْباتَ، والحِكْمَةُ المَعْنَوِيَّةُ فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِن جِهَةِ السّارِي وما يَقَعُ السُّرى فِيهِ، فَأمّا مِن جِهَةِ السّارِي فانْقِسامُهم لَيْلَةَ النَّفَرِ إلى مُجاوِرٍ وراجِعٍ إلى بِلادِهِ، فَأُشِيرَ إلى المُجاوِرِينَ بِالحَذْفِ حَثًّا عَلى ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن جَلالَةِ المَسالِكِ، فَكانَ لَيْلُ وِصالِهِمْ ما انْقَضى كُلُّهُ، فَهم يَغْتَنِمُونَ حُلُولَهُ ويَلْتَذُّونَ طُولَهُ مِن تِلْكَ المَشاهِدِ والمَشاعِرِ والمَعاهِدِ، وإلى الرّاجِعِينَ بِالإثْباتِ لِما سَرى اللَّيْلُ بِحَذافِيرِهِ عَنْهم آبُوا راجِعِينَ إلى دِيارِهِمْ فِيما انْكَشَفَ مِن نَهارِهِمْ، وأمّا مِن جِهَةِ ما وقَعَ فِيهِ السُّرى فَلِلْإشارَةِ إلى طُولِهِ تارَةً وقِصَرِهِ أُخْرى، فالحَذْفُ إشارَةٌ إلى القَصِيرِ [و] الإثْباتُ إشارَة إلى الطَّوِيلِ بِما وقَعَ مِن تَمامِ سِراهُ وما (p-٢٤)وقَعَ لِلسّارِينَ فِيهِ مِن قِيامِ وصْفِ الأقْدَمِ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ العَلّامِ كَما قالَ الإمامُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ العِيدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى حَيْثُ قالَ مُشِيرًا لِذَلِكَ: ؎كَمْ لَيْلَةً فِيكَ وصَلْنا السُّرى ∗∗∗ لا نَعْرِفُ الغَمْضَ ولا نَسْتَرِيحُ الأبْياتُ المَذْكُورَةُ عَنْهُ في المُزَّمِّلِ، فَقَدِ انْقَسَمَ اللَّيْلُ إلى ذِي طُولٍ وقِصَرٍ، والسّارِي فِيهِ إلى ذِي حَضَرٍ وسَفَرٍ، فَدَلَّتِ المُفاوَتَةُ في ذَلِكَ وفي جَمِيعِ أفْرادِ القَسَمِ عَلى أنَّ فاعِلَها قادِرٌ مُخْتارٌ واحِدٌ قَهّارٌ، ولِذَلِكَ أتْبَعَهُ الدَّلالَةَ بِقَهْرِ القَهّارِينَ وإبارَةِ الجَبّارِينَ، وأمّا ”بَغِيٌّ“ فَذُكِرَتْ حِكْمَتُهُ في مَرْيَمَ.

الفجر 89:5

ولَمّا كانَ هَذا قَسَمًا عَظِيمًا في ذِكْرِ تِلْكَ اللَّيالِي المُتَضَمِّنِ لِذِكْرِ تِلْكَ المَشاعِرِ وما فِيها مِنَ الجُمُوعِ والبُكاءِ كَما قالَ أبُو طالِبٍ في قَصِيدَتِهِ اللّامِيَّةِ المَشْهُورَةِ: ؎ولَيْلَةَ جُمِعٍ والمَنازِلُ مِن مِنى ∗∗∗ وهَلْ فَوْقَها مِن حُرْمَةٍ ومَنازِلِ وفِي تَذْكِيرِهِ بِالبَعْثِ ودَلالَتِهِ عَلَيْهِ دَلالَةً عَقْلِيَّةً واضِحَةً بِالإيجادِ بَعْدَ الإعْدامِ مَعَ ما لِهَذِهِ الأشْياءِ في أنْفُسِها وفي نُفُوسِ المُخاطَبِينَ بِها مِنَ الجَلالَةِ، نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿هَلْ في ذَلِكَ﴾ أيِ المَذْكُورِ مَعَ ما لَهُ مِن عَلِيِّ الأمْرِ وواضِحِ القَدْرِ ﴿قَسَمٌ﴾ أيْ كافٍ مُقْنِعٍ ﴿لِذِي﴾ أيْ صاحِبُ ﴿حِجْرٍ﴾ أيْ عَقْلٍ فَيُحَجِّرُهُ ويَمْنَعُهُ عَنِ الهَوى في (p-٢٥)دَرْكِ الهَوى، فَيُعْلِيهِ إلى أوْجِ الهُدى، في دُرْجِ العُلا، حَتّى يَعْلَمَ أنَّ الَّذِي فَعَلَ ما تَضَمَّنَهُ هَذا القَسَمُ لا يَتْرُكُهُ سُدًى، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يُقالُ لِلرَّجُلِ إذا كانَ مالِكًا نَفْسَهُ قاهِرًا لَها ضابِطًا: إنَّهُ لَذُو حِجْرٍ [انْتَهى، فَمَن بَلَغَ أنْ يُحَجِّرَهُ عَقْلُهُ عَنِ المَآثِمِ ويَحْمِلَهُ عَلى المَكارِمِ فَهو ذُو حِجْرٍ]. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: ابْتَدَأ سُبْحانَهُ لِمَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وجْهًا آخَرَ مِنَ الِاعْتِبارِ، وهو أنْ يَتَذَكَّرُوا حالَ مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ وما أعْقَبَهم تَكْذِيبَهم واجْتِرامَهم فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ [الفجر: ٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] أيْ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُرْتَكِباتِ الخَلائِقِ ولا يَغِيبُ عَنْهُ ما أكَنُّوهُ ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] فَهَلّا اعْتُبِرَ هَؤُلاءِ بِما يُعايِنُونَهُ ويُشاهِدُونَهُ مِن خَلْقِ الإبِلِ ورَفْعِ السَّماءِ ونَصْبِ الجِبالِ وسَطْحِ الأرْضِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِمَصالِحِهِمْ ومَنافِعِهِمْ، فالإبِلُ لِأثْقالِهِمْ وانْتِقالِهِمْ، والسَّماءُ لِسَقْيِهِمْ وإظْلالِهِمْ، والجِبالُ لِاخْتِزانِ مِياهِهِمْ وأقْلالِهِمْ، والأرْضُ لِحَلِّهِمْ وتَرْحالِهِمْ، فَلا بِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها اسْتُبْصَرُوا، ولا بِمَن خَلا مِنَ القُرُونِ اعْتَبَرُوا، ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ﴾ [الفجر: ٦] عَلى عَظِيمِ طُغْيانِها وصَمِيمِ بُهْتانِها ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾ [الفجر: ١٤] فَيَتَذَكَّرُونَ (p-٢٦)حِين لا يَنْفَعُ التَّذَكُّرُ ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] ﴿وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٣] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ [الفجر: ٢٣] - انْتَهى.

الفجر 89:6

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ كَما هَدى إلَيْهِ السِّياقُ: لِيُبْعَثُنَّ كُلُّهم صاغِرِينَ ثُمَّ لِيُحْشَرُنَّ ثُمَّ لِيُحاسَبُنَّ فَيُجازى كُلُّ أحَدٍ بِما عَمِلَ، فَإنْ آمِنُوا بِذَلِكَ نَجَوْا وإلّا عَذَّبَهُمُ الَّذِي ثَبَتَتْ قُدْرَتُهُ عَلى العَذابِ الأكْبَرِ بَعْدَ العَذابِ الأدْنى بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى ما رَأيْتُمْ مِن خَلْقِ الإبِلِ والسَّماءِ والجِبالِ والأرْضِ عَلى ما في كُلٍّ مِنَ العَجائِبِ بِسَبَبِ قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وهَذا هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ، حَذْفُ زِيادَةٍ في تَعْظِيمِهِ واعْتِمادًا عَلى مَعْرِفَتِهِ بِما هَدى إلَيْهِ مِنَ السِّياقِ في جَمِيعِ السُّورَةِ وما قَبْلَها. ولَمّا طَوى جَوابَ القَسَمِ لِإرْشادِ السِّياقِ إلَيْهِ وتَعْوِيلِ المَعْنى عَلَيْهِ، وتَهْوِيلًا لَهُ مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يَكُونُ قَسَمٌ بِغَيْرِ مُقْسِمٍ عَلَيْهِ، وكانَ قَدْ عَلِمَتِ القُدْرَةُ عَلَيْهِ مِمّا أُشِيرَ إلَيْهِ بِالمُقْسَمِ بِهِ، أوْضَحَ تِلْكَ القُدْرَةِ بِأمْرِ العَذابِ [الأدْنى -] لِلْأُمَمِ الماضِيَةِ، فَقالَ مُخاطِبًا لِمَن قالَ لَهُ في آخِرِ تِلْكَ ﴿فَذَكِّرْ إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١] تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ وإشْعارًا بِأنَّهُ لا يَتَدَبَّرُهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ غَيْرُهُ، وتَهْدِيدًا لِمَن كَذَّبَ مِن قَوْمِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ أيْ تَنْظُرَ بِعَيْنِ الفِكْرِ يا أشْرَفَ رُسُلِنا فَتَعْلَمَ عِلْمًا هو في التَّيَقُّنِ بِهِ كالمَحْسُوسِ بِالبَصَرِ، وعَبَّرَ (p-٢٧)بِالِاسْتِفْهامِ إشارَةً إلى [أنَّ] ما نَدَبَهُ إلى رُؤْيَتِهِ مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يَسْألَ عَنْهُ: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِإرْسالِكَ خِتامًا لِجَمِيعِ الأنْبِياءِ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ بِما شارَكُوا بِهِ هَؤُلاءِ مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ وجَعْلِ مَحَطِّ نَظَرِهِمُ الدُّنْيا، وعَمِلُوا أعْمالَ مَن يَظُنُّ الخُلُودَ، [و] بَدَأ بِأشَدِّهِمْ في ذَلِكَ وأعْتاهُمُ الَّذِينَ قالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟ فَقالَ: ﴿بِعادٍ﴾ أيِ الَّذِينَ بَلَغُوا في الشِّدَّةِ أنْ قالُوا: مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً؟ وقالَ لَهم نَبِيُّهم هُودٌ ﷺ: ﴿وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩] ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِناؤُهم جَنَّةً في هَذِهِ الدُّنْيا [الفانِيَةِ] الَّتِي هي دارُ الزَّوالِ، والقَلْعَةِ والِارْتِحالِ، والنَّكَدِ والبَلاءِ والكَدَرِ، والمَرَضِ والبُؤْسِ والضَّرَرِ، فَقالَ مُبَيِّنًا لَهم عَلى حَذْفِ مُضافٍ:

الفجر 89:7

﴿إرَمَ﴾ أيْ أهْلُها وعُمْدَتُها، وأطْلَقَها عَلَيْهِمْ لِشِدَّةِ المُلابَسَةِ لِما لَها مِنَ البِناءِ العَجِيبِ والشَّأْنِ الغَرِيبِ، ثُمَّ بَيَّنَها بِقَوْلِهِ: ﴿ذاتِ﴾ أيْ صاحِبَةُ ﴿العِمادِ﴾ أيِ البِناءِ العالِي الثّابِتِ بِالأعْمِدَةِ الَّتِي لَمْ يَكُنْ في هَذِهِ الدّارِ مِثْلُها، ولِذا قالَ:

الفجر 89:8

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ﴾ أيْ يَقْدِرُ ويَصْنَعُ - بَناهُ لِلْمَفْعُولِ إرادَةً لِلتَّعْمِيمِ ﴿مِثْلُها﴾ يَصِحُّ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ”عادٍ“ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ، عَلى ”إرَمَ“ بِاعْتِبارِ البَلْدَةِ، وأوْضَحَ هَذا بِقَوْلِهِ مُعَمِّمًا لِلْأرْضِ كُلِّها: ﴿فِي البِلادِ﴾ أيْ في بِنائِها ومَرافِقِها (p-٢٨)وثِمارِها، وتَقْسِيمُ مِياهِها وأنْهارِها، وطِيبِ أرْضِها وحُسْنِ أطْيارِها، وما اجْتَمَعَ بِها مِمّا يَفُوتُ الحُصْرُ ويُعْجِزُ القُوى، ولا مِثْلَ أهْلِها الَّذِينَ بَنَوْها في قُوَّةِ أبْدانِهِمْ وعَظِيمِ شَأْنِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أُمُورِهِمْ، وكانَ صاحِبُها شَدّادٌ قَدْ مَلَكَ المَعْمُورَةَ كُلَّها فَتَحَيَّزَها فَبَناها في بَرِّيَّةٍ عَدْنٍ في ثَلاثمِائَةِ سَنَةٍ يُضاهِي بِها الجَنَّةَ عَلى ما زَعَمَ - قُلُوبٌ ضَلَّتْ وأضَلَّتْ وأضَلَّها بارِيها - قالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أوْصافٍ بَعِيدٍ أوْ مُسْتَحِيلٍ عادَةً أنْ يَكُونَ في الأرْضِ مِثْلُها، فَلَمّا تَمَّتْ عَلى ما أرادَ قَصَدَها لِلسَّكَنِ وعَمَّرَهُ إذْ ذاكَ تِسْعُمِائَةِ سَنَةٍ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَيْحَةً مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَهم فَكانُوا كَأمْسِ الذّاهِبِ، وأخْفى مَدِينَتَهم فَلَمْ يَرَها أحَدٌ إلّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قُلابَةَ، خَرَجَ في طَلَبِ إبِلٍ ضَلَّتْ لَهُ عَلى زَمَنِ مُعاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَقَعَ عَلَيْها، ولَمّا خَرَجَ مِنها وانْفَصَلَ عَنْها خَفِيَتْ عَنْهُ، وكانَ قَدْ حَمَلَ مَعَهُ بَعْضَ ما رَأى فِيها مِنَ اللُّؤْلُؤِ والمِسْكِ والزَّعْفَرانِ فَباعَهُ، وسَمِعَ بِهِ مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَحَدَّثَهُ، [فَأرْسَلَ]، مُعاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هي إرَمُ ذاتُ العِمادِ، وسَيَدْخُلُها رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ في زَمانِكَ أشْقَرُ أحْمَرُ قَصِيرٌ، عَلى حاجِبَيْهِ خالٍ، [و] عَلى عَقِبِهِ خالٍ، يَخْرُجُ في طَلَب إبِلٍ لَهُ، ثُمَّ (p-٢٩)التَفَتَ فَأبْصَرَ ابْنَ قُلابَةَ فَقالَ: هَذا واللَّهِ ذاكَ الرَّجُلُ - ذَكَرَهُ شَيْخُنا في تَخْرِيجِ أحادِيثِ الكَشّافِ [و] قالَ: وآثارُ الوَضْعِ عَلَيْهِ لائِحَةٌ، وقالَ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الأوْصافُ كُلُّها لِلْقَبِيلَةِ وهم عادٌ الأوْلى، واسْمُها إرَمُ بِاسْمِ جَدِّهِمْ، وكانُوا عَرَبًا سَيّارَةً يَبْنُونَ بُيُوتَهم عَلى الأعْمِدَةِ عَلى عادَةِ العَرَبِ، ولَمْ يَخْلُقْ مِثْلَهم أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ في جَمِيعِ البِلادِ.

الفجر 89:9

ولَمّا بَدَأ بِهَؤُلاءِ لِأنَّ أمْرَهم كانَ أعْجَبَ، وقِصَّتَهم أنْزَهُ وأغْرَبُ، ثَنى بِأقْرَبِ الأُمَمِ إلَيْهِمْ زَمانًا وأشْبَهَهم بِهِمْ شَأْنًا لِأنَّهم أُتْرِفُوا بِما حَبَوا بِهِ مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوعٍ ونَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ، فَجَعَلُوا مَوْضِعَ ما لَزِمَهم مِنَ الشُّكْرِ الكُفْرُ، واسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى، مَعَ ما في آيَتِهِمْ، وهي النّاقَةُ، مِن عَظِيمِ الدَّلالَةِ عَلى القُدْرَةِ فَقالَ: ﴿وثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا﴾ أيْ نَقَبُوا وقَطَعُوا قَطْعًا حَقِيقًا كَأنَّهُ عِنْدَهم كالواجِبِ ﴿الصَّخْرَ بِالوادِ﴾ أيْ [وادِي] الحَجَرِ أوْ وادِي القُرى، فَجَعَلُوا بُيُوتًا مَنقُورَةً في الجِبالِ فِعْلَ مَن يَغْتالُ الدَّهْرَ ويُفْنِي الزَّمانَ، قالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ أوَّلُ مَن نَحَتَ الجِبالَ والصُّخُورَ والرُّخامَ ثَمُودُ، وبَنَوْا ألْفًا وسَبْعمِائَةِ مَدِينَةٍ (p-٣٠)كُلُّها بِالحِجارَةِ.

الفجر 89:10

ولَمّا ذَكَرَ القَبِيلَتَيْنِ مِنَ العَرَبِ، ذَكَرَ [بَعْضَ] مَن جاوَرَهم مِن طُغاةِ العَجَمِ لِما في قِصَّتِهِمْ مِنَ العُتُوِّ والجَبَرُوتِ مَعَ ما حَوَتْهُ مِنَ الغَرائِبِ وخَوارِقِ العَجائِبِ لا سِيَّما في القُدْرَةِ عَلى البَعْثِ بِقَلْبِ العَصا حَيَّةً وإعادَتِها جَمادًا مَعَ التَّكَرُّرِ، وبِإيجادِ الضَّفادِعِ والقَمْلِ مِن كُثْبانِ الأرْضِ وغَيْرِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وفِرْعَوْنَ﴾ أيْ وفَعَلَ بِفِرْعَوْنَ ﴿ذِي الأوْتادِ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَّتَ مُلْكَهُ تَثْبِيتَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَزُولُ بِالعَساكِرِ والجُنُودِ وغَيْرِهِمْ مِن كُلِّ ما يَظُنُّ أنَّهُ يَشُدُّ أمْرَهُ مِنَ الجَنّاتِ والعُيُونِ والزُّرُوعِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ، فَصارَتْ لَهُ اليَدُ المَبْسُوطَةُ في المُلْكِ.

الفجر 89:11

ولَمّا كانَ المُرادُ بِفِرْعَوْنَ هو وجُنُودُهُ لِأنَّ الرَّأْسَ يُكَنّى بِهِ عَنِ البَدَنِ، لِأنَّهُ جَماعَةٌ وبِهِ قِوامُهُ، وصَفَهُ بِوَصْفٍ يَجْمَعُ قَوْمَهُ وجَمِيعَ مَن ذَكَرَ هُنا فَقالَ: ﴿الَّذِينَ﴾ أيْ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ وكُلُّ مَن ذَكَرَ هُنا مِنَ الكَفَرَةِ مِن عادٍ وثَمُودَ وأتْباعِهِمْ ﴿طَغَوْا﴾ أيْ تَجاوَزُوا الحُدُودَ ﴿فِي البِلادِ﴾ أيِ [الَّتِي] مَلَكُوها بِالفِعْلِ وغَيْرِها بِالقُوَّةِ

الفجر 89:12

﴿فَأكْثَرُوا﴾ عَقِبَ طُغْيانِهِمْ وبِسَبَبِهِ ﴿فِيها الفَسادَ﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والظُّلْمِ مِمّا صارَ سُنَّةً لِمَن سَمِعَ بِهِ.

الفجر 89:13

ولَمّا كانَ [ذَلِكَ] مُوجِبًا لِلْعَذابِ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَصَبَّ﴾ (p-٣١)أيْ أُنْزِلَ إنْزالًا هو في غايَةِ القُوَّةِ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ في الدُّنْيا ﴿رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ المُدَبِّرُ لِأمْرِكَ الَّذِي جَعَلَ ما مَضى مِن أخْبارِ الأُمَمِ وآثارِ الفِرَقِ مَوْطِئًا لَهم ﴿سَوْطَ عَذابٍ﴾ أيْ جَعَلَ عَذابَهم مِنَ الإغْراقِ والرَّجْفِ وغَيْرِهِما في وقْتِهِ وتَمَكُّنِهِ وعُلُوِّهِ وإحاطَتِهِ كالمَصْبُوبِ في شِدَّةِ ضَرْبِهِ ولُصُوقِهِ بِالمَضْرُوبِ وإسْراعِهِ إلَيْهِ والتِفافِهِ بِهِ كالسَّوْطِ وفي كَوْنِهِ مُنَوِّعًا إلى أنْواعٍ مُتَشابِكَةٍ، وأصْلُهُ الخَلْطُ، وإنَّما سُمِّيَ هَذا الجَلْدُ المَضْفُورُ الَّذِي يَضْرِبُ بِهِ لِكَوْنِهِ مَخْلُوطَ الطّاقاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ولِأنَّهُ يَخْلِطُ اللَّحْمَ والدَّمَ، وقِيلَ: شُبِّهَ بِالسَّوْطِ ما أحَلَّ بِهِمْ في الدُّنْيا إشْعارًا بِالتَّرْدِيدِ والتَّكْرِيرِ إلى أنْ يَهْلَكَ المُعَذَّبُ بِهِ وإيذانًا بِأنَّهُ بِالقِياسِ إلى ما أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ كالسَّوْطِ إذا قِيسَ إلى السَّيْفِ، هَذا سَوْطُ الدُّنْيا وسَيْفُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأحَدُّ وأمْضى، ثُمَّ عَلَّلَ أخْذَهُ لِكُلِّ ظالِمٍ وانْتِقامَهُ مِن كُلِّ مُفْسِدٍ بِأنَّهُ رَقِيبٌ، فَقالَ مُمَثِّلًا أنَّ العُصاةَ لا يُفَوِّتُونَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّ أعْمالَ مَن يُنْكِرُ ذَلِكَ أوْ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ:

الفجر 89:14

﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيْ مَوْلاكَ المُدَبِّرَ لِأمْرِ نُبُوَّتِكَ ﴿لَبِالمِرْصادِ﴾ أيْ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، بَلْ هو قادِرٌ ومُطَّلِعٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ اطِّلاعَ مَن يُرِيدُهُ بِالإقامَةِ في مَكانِ (p-٣٢)الرَّصْدِ وزَمانِهِ مَعَ غايَةِ الحِفْظِ والرَّعْيِ وهو قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ.

الفجر 89:15

ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ عادَةَ هَؤُلاءِ الفِرَقِ كانَتِ الطُّغْيانُ، وذَكَرَ أنَّ عادَةَ الرَّبِّ سُبْحانَهُ فِيمَن تَوَلّى وكَفَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُهُ [كَما] هَدَّدَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما شُوهِدَ في الأُمَمِ، وعَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ لا يَغْفُلُ، [ذِكْرُ] عادَةِ الإنْسانِ مِن حَيْثُ هو مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِهَؤُلاءِ الفِرَقِ عَنِ الِابْتِلاءِ في حالَيِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى جَوابِ ما كانَتِ الكُفّارُ تَقُولُهُ مِن أنَّهم آثَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ المُسْلِمِينَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا وتُقَلِّلُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم مِنَ الدُّنْيا مُسَبِّبًا عَمّا مَضى عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: هَذِهِ كانَتْ عادَةُ هَؤُلاءِ الأُمَمِ وعادَةُ اللَّهِ فِيهِمْ: ﴿فَأمّا الإنْسانُ﴾ أيِ الَّذِي أوْدَعَ الحِجْرَ لِيَعْقِلَ هَذِهِ الأقْسامَ وما يُرادُ مِنهُ مِنَ اعْتِقادِ المُقْسِمِ عَلَيْهِ بِها وجَبَلَ عَلى النِّسْيانِ والأُنْسِ بِنَفْسِهِ والمَحَبَّةِ لَها والرِّضى عَنْها. ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّعْرِيفَ بِحالِهِ عِنْدَ الِابْتِداءِ، قَدَّمَ الظَّرْفَ الدّالَّ عَلى ذَلِكَ عَلى الخَبَرِ فَقالَ: ﴿إذا﴾ وأكَّدَ الأمْرَ بِالنّافِي فَقالَ ﴿ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ عامِلَهُ مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ بِأنْ خالَطَهُ بِما أرادَ مُخالَطَةً تُمِيلُهُ وتُحِيلُهُ ﴿رَبُّهُ﴾ أيِ الَّذِي أبْدَعَهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِما يَحْفَظُ وُجُودَهُ لِيَظْهَرَ (p-٣٣)شُكْرُهُ أوْ كُفْرُهُ ﴿فَأكْرَمَهُ﴾ أيْ بِأنْ جَعَلَهُ عَزِيزًا [بَيْنَ النّاسِ] وأعْطاهُ ما يُكْرِمُونَهُ بِهِ مِنَ الجاهِ والمالِ ﴿ونَعَّمَهُ﴾ أيْ بِأنْ جَعَلَهُ مُتَلَذِّذًا مُتْرَفًا بِما أعْطاهُ [غَيْرَ تَعْبانٍ -] بِسَبَبِهِ ﴿فَيَقُولُ﴾ سُرُورًا بِذَلِكَ وافْتِخارًا: ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُوجِدِ لِي والمُدَبِّرِ لِأمْرِي ﴿أكْرَمَنِ﴾ أيْ فَيَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ عَنِ اسْتِحْقاقٍ فَيَرْتَفِعُ بِهِ

الفجر 89:16

﴿وأمّا﴾ هو ﴿إذا﴾ وأكَّدَ عَلى نَمَطِ الأوَّلِ فَقالَ: ﴿ما ابْتَلاهُ﴾ أيْ رَبُّهُ لِيُظْهِرَ صَبْرَهُ أوْ جَزَعَهُ. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ في الأوَّلِ ”فَأكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ“ كِنايَةً عَنْ ”فَوَسَّعَ عَلَيْهِ“ قابَلَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَقَدَرَ﴾ أيْ ضِيقُ تَضْيِيقِ مَن يَعْمَلُ الأمْرَ بِحِسابٍ وتَقْدِيرٍ ﴿عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الضِّيقِ كَما أنَّ العَطاءَ بِغَيْرِ حِسابٍ كِنايَةٌ عَنِ السِّعَةِ، فَجَعَلَهُ بِمِقْدارِ ضَرُورَتِهِ الَّذِي لا يَعِيشُ [عادَةً] بِدُونِهِ، ولَمْ يَجْعَلْهُ فِيهِ فَضْلًا عَنْ ذَلِكَ ولَمْ يَقُلْ ”فَأهانَهُ“ مَوْضِعَ ”قَدْرٍ عَلَيْهِ“ تَعْلِيمًا لِلْأدَبِ مَعَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى [و] صَوْنًا لِأهْلِ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ العِبارَةِ لِأنَّ أكْثَرَهم مُضَيَّقٌ عَلَيْهِ في دُنْياهُ، ولِأنَّ تَرْكَ الإكْرامِ لا يَنْحَصِرُ في كَوْنِهِ إهانَةً ﴿فَيَقُولُ﴾ أيِ الإنْسانُ (p-٣٤)[بِسَبَبِ الضِّيقِ]: ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُرَبِّي لِي ﴿أهانَنِ﴾ فَيَهْتَمُّ لِذَلِكَ ويَضِيقُ بِهِ ذَرْعًا، ويَكُونُ ذَلِكَ أكْبَرَ هَمِّهِ.

الفجر 89:17

ولَمّا كانَ نِسْبَةُ هَذا إلَيْهِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا لِقُصُورِ نَظَرِهِ فَإنَّ الإقْتارَ قَدْ يُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، والتَّوْسِعَةُ قَدْ تُؤَدِّي إلى شَقاوَتِهِما، وهَذا أكْثَرُ ما يُوجَدُ، قالَ رَدْعًا عَنْ مَثْلِ هَذا القَوْلِ بِأعْظَمِ أدَواتِ الزَّجْرِ مُعَلِّلًا لِلتَّوْسِعَةِ والإقْتارِ: ﴿كَلا﴾ [أيْ] إنِّي لا أُكْرِمُ بِتَكْثِيرِ الدُّنْيا ولا أُهِينُ بِتَقْلِيلِها، لا التَّوْسِعَةُ مُنْحَصِرَةٌ في الإكْرامِ ولا التَّضْيِيقُ مُنْحَصِرٌ في الإهانَةِ والصَّغارِ، وإنَّما أتَتْهُمُ الإهانَةُ مِن حَيْثُ إنَّهم لا يُطِيعُونَ اللَّهَ، ورُبَّما كانَ بِالتَّوْسِعَةِ، ورُبَّما كانَتْ بِالإقْتارِ، فَرُبَّما عَصى فَوَسَّعَ عَلَيْهِ إهانَةً لَهُ، وهَذا لِمَن يُرِيدُ سُبْحانَهُ بِهِ الشَّقاءَ فَيُعَجِّلُ لَهُ طَيِّباتِهِ في الدُّنْيا اسْتِدْراجًا، ورُبَّما عَصى فَضَيَّقَ عَلَيْهِ إكْرامًا [لَهُ] لِأنَّ ذَلِكَ يُكَفِّرُ عَنْهُ، وفي الصَّحِيحِ في حَدِيثِ أقْرَعَ وأبْرَصَ وأعْمى في بَنِي إسْرائِيلَ شاهِدٌ عَظِيمٌ لِذَلِكَ. ولَمّا زَجَرَ عَنِ اعْتِقادِ أنَّ التَّوْسِعَةَ لِلْكِرامِ والتَّضْيِيقَ لِلْهانَةِ، ذَكَرَ أنَّ مِعْيارَ مَن جَبَلَ عَلى حُبِّ الطّاعَةِ ومَن جَبَلَ عَلى [حُبِّ] المَعْصِيَةِ بُغْضُ الدُّنْيا وحُبُّها، فَقالَ [مُعْرِبًا] عَنْ كَلامِ الإنْسانِ في الشِّقَّيْنِ (p-٣٥)وأفْرَدَ أوَّلًا لِأنَّهُ أنَصُّ عَلى التَّعْمِيمِ وجَمَعَ ثانِيًا إعْلامًا بِأنَّ المُرادَ الجِنْسُ ﴿بَلْ﴾ أيْ يَسْتَهِينُونَ بِأمْرِ اللَّهِ بِما عِنْدَهم مِنَ العِصْيانِ، فَيُوَسِّعُ عَلى بَعْضِ مَن جَبَلَ عَلى الشَّقاءِ إهانَةً لَهُ بِالِاسْتِدْراجِ ويُضَيِّقُ عَلى [بَعْضِ] مَن لَمْ يُجْبَلْ عَلى ذَلِكَ إكْرامًا لَهُ ورَدْعًا عَنِ اتِّباعِ الهَوى ورَدّا إلى الإحْسانِ إلى الضُّعَفاءِ، وتَرْجَمَ هَذا العِصْيانَ الَّذِي هو سَبَبُ الخِذْلانِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُكْرِمُونَ﴾ أيْ أكْثَرَ النّاسِ ﴿اليَتِيمَ﴾ بِالإعْطاءِ ونَحْوِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِ ورَحْمَةً لَهُ لِأنَّهُ ضَعِيفٌ لا يُرْجى مِن قِبَلِهِ نَفْع بِثَناءٍ ولا غَيْرِهِ.

الفجر 89:18

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَمْنَعُهُ مِن حَثٍّ غَرَّهُ عَلى الخَيْرِ إلّا حُبُّ الدُّنْيا إنْ كانَ المَحْثُوثُ أعْظَمَ مِنهُ فَيَدَّخِرُهُ لِحَوائِجِهِ وإنْ كانَ مِثْلَهُ فَإنَّهُ يَخْشى أنْ يُقارِضَهُ بِذَلِكَ فَيَحُثُّهُ عَلى مِسْكِينٍ آخَرَ، وكانَ الإحْسانُ بِالحَثِّ عَلى الإعْطاءِ أعْظَمَ مِنَ الإعْطاءِ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ الإعْطاءُ بِخِلافِ العَكْسِ، قالَ: ﴿ولا تَحاضُّونَ﴾ أيْ يُحِثُّونَ حَثًّا عَظِيمًا لِأهْلِهِمْ ولا لِغَيْرِهِمْ ﴿عَلى طَعامِ المِسْكِينِ﴾ أيْ بَذْلِهِ لَهُ سَخاءً وجُودًا، فَكانَتْ إضافَتُهُ إلَيْهِ إشارَةً إلى أنَّهُ شَرِيكٌ لِلْغَنِيِّ في مالِهِ بِقَدْرِ الزَّكاةِ.

الفجر 89:19

(p-٣٦)ولَمّا دَلَّ عَلى حُبِّ الدُّنْيا بِأمْرٍ خارِجِيٍّ، دَلَّ عَلَيْهِ بِأمْرٍ في الإنْسانِ فَقالَ تَعالى: ﴿وتَأْكُلُونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ ﴿التُّراثَ﴾ أيِ المِيراثُ، أصْلُهُ وراثَ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً، [و] كَأنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِ دَلالَةً عَلى أخْذِ الظّاهِرِ الَّذِي تُشِيرُ إلَيْهِ الواوُ، والتَّفْتِيشُ عَنِ الباطِنِ المُشارِ إلَيْهِ بِمَخْرَجِ التّاءِ تَفْتِيشًا رُبَّما أدّى إلى أخْذِ بَعْضِ مالِ الغَيْرِ: ﴿أكْلا لَمًّا﴾ أيْ ذا لَمٍّ أيْ جَمْعٍ وخَلْطٍ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ فَإنَّهم كانُوا لا يُؤَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ [و] يَأْكُلُونَ ما جَمَعَهُ المُؤَرِّثُ وإنْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَرامٌ ويَقُولُونَ: لا يَسْتَحِقُّ المالَ إلّا مَن يُقاتِلُ ويَحْمِي الحَوْزَةَ.

الفجر 89:20

ولَمّا كانَ ذَلِكَ قَدْ يَفْعَلُ عَنْ ضَرُورَةٍ [مَعَ الكَراهَةِ] قالَ ما هو صَرِيحٌ في المَقْصُودِ: ﴿وتُحِبُّونَ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿المالَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ مِن أيِّ شَيْءٍ كانَ، وأكَّدَهُ بِالمَصْدَرِ والوَصْفِ فَقالَ: ﴿حُبًّا جَمًّا﴾ أيْ كَثِيرًا مَعَ حِرْصٍ وشَرَهٍ، [فَصارَ] قُصارى أمْرِهِمُ النَّظَرَ الدُّنْيَوِيَّ، ولَمْ يَصْرِفُوا أنْفُسَهم عَنْ حُبِّهِ إلى ما دَعا إلَيْهِ العَقْلُ الَّذِي يَعْقِلُ النَّفْسَ عَنِ الهَوى، والحَجْرُ الَّذِي يَحْجُرُها عَنِ الحُظُوظِ، والنُّهْيَةُ الَّتِي تَنْهاها عَنِ الشَّهَواتِ إلى الإقْبالِ عَلى اللَّهِ.

الفجر 89:21

(p-٣٧)ولَمّا كانَ السِّياقُ هادِيًا إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: يَحْسَبُونَ أنَّ ذَلِكَ يُوَفِّرُ أمْوالَهم ويُحْسِنُ أحْوالَهم ويَصْلُحُ بِالهَمِّ، زَجَرَ عَنْهُ بِمَجامِعِ الزَّجْرِ فَقالَ: ﴿كَلا﴾ أيْ ما هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأمْرُ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ ذِكْرُ ما يُوجِبُ نَدَمَهم ويُنَبِّهُهم مِن رَقْدَتِهِمْ ويُعَرِّفُهم أنَّ حُبَّ المالِ لا يَقْتَضِي نُمُوَّهُ، ولَوِ اقْتَضى نُمُوَّهُ ما اقْتَضى إيجابَهُ لِلسَّعادَةِ فَقالَ: ﴿إذا دُكَّتِ الأرْضُ﴾ أيْ حَصَلَ دَكَّها ورَجَّها وزَلْزَلَتَها لِتَسْوِيَتِها فَتَكُونُ كالأدِيمِ المَمْدُودِ بِشِدَّةِ المَطِّ لا عِوَجَ فِيها بِوَجْهٍ، وأشارَ بِالبُيَناءِ لِلْمَفْعُولِ إلى سُهُولَةٍ ذَلِكَ لِأنَّ الأمْرَ عَظِيمٌ لِعَظَمَةِ الفاعِلِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أيْ مُكَرَّرًا بِالتَّوْزِيعِ عَلى كُلِّ مَوْضِعٍ ناتٍ فِيها، فَيَكُونُ لِكُلِّ جَبَلٍ وأكَمَةٍ وثَنِيَّةٍ وعَقَبَةٍ دَكٌّ يَخُصُّهُ عَلى حِدَّتِهِ لِيُفِيدَ ذَلِكَ أنَّهُ دَكٌّ مُبالِغٌ فِيهِ فَتَصِيرُ جِبالُها وأكْمامُها هَباءً مَنثُورًا ثُمَّ تَسْتَوِي حَتّى لا يَكُونَ فِيها شَيْءٌ مِن عِوَجٍ، وهو كِنايَةٌ عَنْ زَلازِلَ عَظِيمَةٍ لا تَحْمِلُها الجِبالُ الرَّواسِي فَيَكُفُّ بِغَيْرِها.

الفجر 89:22

ولَمّا دَلَّتِ التَّسْوِيَةُ عَلى مَجِيءِ أمْرٍ عَظِيمٍ، فَإنَّ العادَةَ في الدُّنْيا أنَّ الطُّرُقَ لا تَعُمُّ بِالكَنْسِ أوِ الرَّشِّ أوِ التَّسْوِيَةِ إلّا لِحُضُورٍ عَظِيمٍ كالسُّلْطانِ، قالَ مُتَلَطِّفًا بِالمُخاطَبِ مِن أواخِرِ سُورَةِ البُرُوجِ إلى هُنا بِذِكْرِ صِفَةِ الإحْسانِ عَلى وجْهٍ يُفَتِّتُ أكْبادَ أضْدادِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ أيْ أمْرُ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإظْهارِ رِفْعَتِكَ العُظْمى في ذَلِكَ اليَوْمِ الأعْظَمِ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ العِبادِ (p-٣٨)بِشَفاعَتِكَ ﴿والمَلَكُ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ حالَ كَوْنِ المَلائِكَةِ مُصْطَفِّينَ ﴿صَفًّا صَفًّا﴾ أيْ مُوَزَّعًا اصْطِفافُهم عَلى أصْنافِهِمْ، كُلُّ صِنْفٍ صَفٌّ عَلى حِدَةٍ، ويُحِيطُ أهْلَ السَّماءِ الدُّنْيا بِالجِنِّ والإنْسِ، وأهْلَ كُلِّ سَماءٍ كَذَلِكَ، وهم عَلى الضَّعْفِ مِمَّنْ أحاطُوا بِهِ حَتّى يُحِيطُوا أهْلَ السَّماءِ السّابِعَةِ بِالكُلِّ وهم عَلى الضَّعْفِ مِن جَمِيعِ مَن أحاطُوا بِهِ مِنَ الخَلائِقِ، ومَعْنى مَجِيئِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَعْدَ أنْ نَنْفِيَ عَنْهُ أنْ يُشْبِهَ مَجِيءَ شَيْءٍ مِنَ الخَلْقِ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ ولا في أفْعالِهِ، فَإذا صَحَّحْنا العَقْدَ في ذَلِكَ في كُلِّ ما كانَ مِنَ المُتَشابِهِ قُلْنا في هَذا إنَّهُ مِثْلُ أمْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في ظُهُورِ آياتِ اقْتِدارِهِ وتَبْيِينِ آثارِ قُدْرَتِهِ وقَهْرِهِ وسُلْطانِهِ يُحالُ المَلِكُ إذا حَضَرَ بِنَفْسِهِ فَظَهَرَ بِحُضُورِهِ مِن آثارِ الهَيْبَةِ والسِّياسَةِ ما لا يَظْهَرُ بِظُهُورِ عَساكِرِهِ كُلِّها خالِيَةً عَنْهُ، فَمَجِيئُهُ عِبارَةٌ عَنْ حُكْمِهِ وإظْهارِ عَظَمَتِهِ وبَطْشِهِ وكُلُّ ما يُظْهِرُهُ المُلُوكُ إذا جاءُوا إلى مَكانٍ، وهو سُبْحانُهُ وتَعالى شَأْنُهُ حاضِرٌ مَعَ المَحْكُومِ بَيْنَهم بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ، لَمْ يُوصَفْ بِغَيْبَةٍ أصْلًا أزَلًا و[لا] أبَدًا، فَحُضُورُهُ في [ذَلِكَ] الحالِ وبُعْدُهُ كَما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ أصْلًا ولَمْ يَتَجَدَّدْ شَيْءٌ (p-٣٩)غَيْرُ تَعْلِيقِ قُدْرَتِهِ عَلى حَسَبِ إرادَتِهِ بِالفَصْلِ بَيْنَ الخَلْقِ، ولَوْ غابَ في وقْتٍ أوْ أمْكَنَتْ غَيْبَتُهُ بِحَيْثُ يَحْتاجُ إلى المَجِيءِ لَكانَ مُحْتاجًا، ولَوْ كانَ مُحْتاجًا لَكانَ عاجِزًا، ولَوْ عَجَزَ أوْ أمْكَنَ عَجْزُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإلَهِيَّةِ - تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ والجاحِدُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وفي تَكْرِيرِ ”صَفًّا“ تَنْبِيهٌ عَلى صَرْفِ المَجِيءِ عَنْ حَقِيقَتِهِ وإرْشادٌ إلى ما ذَكَرْتُ مِنَ التَّمْثِيلِ.

الفجر 89:23

ولَمّا كانَتْ جَهَنَّمُ لا تَأْتِي بِنَفْسِها لِأنَّها لَوْ أتَتْ بِنَفْسِها لَرُبَّما ظَنَّ أنَّها خارِجَةٌ عَنِ القُدْرَةِ بَلْ تَقُودُها المَلائِكَةُ، فَكُلَّما عالَجُوها ذِهابًا وإيابًا حَصَلَ لِلنّاسِ مِن ذَلِكَ مِنَ الهَوْلِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى، وكانَ المَهُولُ نَفْسَ المَجِيءِ بِها لا تَعْيِينَ الفاعِلِينَ، لِذَلِكَ بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿وجِيءَ﴾ أيْ بِأسْهَلِ أمْرٍ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَ ما ذَكَرَ ﴿بِجَهَنَّمَ﴾ أيِ النّارُ الَّتِي تَتَجَهَّمُ مَن يَصْلاها، رُوِيَ «أنَّهُ يُؤْتى بِها لَها سَبْعُونَ ألْفَ زِمامٍ مَعَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ»، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِمَن يَرى﴾ [النازعات: ٣٦] وأبْدَلَ مِن ”إذا“ تَوْضِيحًا لِطُولِ الفَصْلِ وتَهْوِيلًا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَرَأى الإنْسانُ ما أعَدَّ لِلشّاكِرِينَ وما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ. ولَمّا قَدَّمَ هَذِهِ الأُمُورَ الجَلِيلَةَ والقَوارِعَ المَهُولَةَ اهْتِمامًا [بِها] (p-٤٠)وتَنْبِيهًا عَلى أنَّها، لِما لَها مِن عَظِيمِ المَوْعِظَةِ، جَدِيرَةٌ بِأنْ يَتَّعِظَ بِها كُلُّ سامِعٍ، ذَكَرَ العامِلَ في ظَرْفِها وبَدَّلَهُ فَقالَ: ﴿يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ فَيَذْكُرُ كُلَّ ما [كانَ] يَنْفَعُهُ في الدُّنْيا وما يَضُرُّهُ فَيَعْلَمُ أنَّ حُبَّهُ لِلدُّنْيا لَمْ يُفِدْهُ إلّا خَسارًا، لا زادَ بِحُبِّها شَيْئًا لَمْ يُكْتَبْ لَهُ ولا كانَ يَنْقُصُهُ بِذُلِّها شَيْئًا كَما كَتَبَ لَهُ أوْ بَذَلَها، وإذا تَذَكَّرَ ذَلِكَ هانَ عَلَيْهِ البَذْلُ، ولَيْسَتْ تِلْكَ الدّارُ دارَ العَمَلِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿وأنّى﴾ أيْ كَيْفَ ومِن أيِّ وجْهٍ ﴿لَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ نَفْعِ التَّذَكُّرِ العَظِيمِ فَإنَّهُ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلا يَنْفَعُهُ أصْلًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لِفَواتِ دارِ العَمَلِ، ولا يَقَعُ بِذَلِكَ عَلى شَيْءٍ سِوى النَّدَمِ وتُضاعُفِ الغَمِّ والهَمِّ والآلامِ.

الفجر 89:24

ولَمّا كانَ النَّدَمُ يَقْتَضِي أنْ يَعْمَلَ الإنْسانُ ما يُنافِيهِ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ عَمَلٌ إلّا [إظْهارُ] النَّدَمِ فاسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ مُتَمَنِّيًا المُحالَ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ: ﴿يا لَيْتَنِي﴾ وهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا ”لَيْتَ“ ﴿قَدَّمْتُ﴾ أيْ أوْقَعَتِ التَّقْدِيمَ لِما يَنْفَعُنِي مِنَ الجِدِّ والعَمَلِ [بِهِ] ﴿لِحَياتِي﴾ أيْ أيّامَ حَياتِي في الدُّنْيا أوْ لِأجْلِ حَياتِي هَذِهِ الباقِيَةِ الَّتِي لا مَوْتَ بَعْدَها، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَبَبُ تَمَنِّيهِ هَذا عَلِمَهُ بِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا مُخْتارًا، وأنَّ الطّاعاتِ في نَفْسِها [كانَتْ] مُمْكِنَةً لا مانِعَ لَهُ مِنها في (p-٤١)الظّاهِرِ إلّا صَرَفَ نَفْسَهُ عَنْها وعَدَمُ تَعْلِيقِ ما أتاهُ اللَّهُ مِنَ القُوى بِها.

الفجر 89:25

ولَمّا كانَ هَذا غَيْرُ نافِعٍ لَهُ، سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ وقَعَتْ هَذِهِ الأُمُورُ كُلُّها ﴿لا يُعَذِّبُ﴾ أيْ يُوقِعُ ﴿عَذابَهُ﴾ أيْ عَذابَ [اللَّهِ، أيْ] مِثْلَ عَذابِهِ المُطْلَقِ المُجَرِّدِ فَكَيْفَ بِتَعْذِيبِهِ. ولَمّا اشْتَدَّ التَّشَوُّفُ إلى الفاعِلِ، أتى بِهِ عَلى وجْهٍ لا أعَمَّ مِنهُ أصْلًا فَقالَ: ﴿أحَدٌ﴾

الفجر 89:26

ولَمّا جَرَتِ العادَةُ بِأنَّ المُعَذَّبَ يَسْتَوْثِقُ مِنهُ بِسَجْنٍ أوْ غَيْرِهِ، ويَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أنْ يَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ، خَوْفًا مِن أنْ يَهْرُبَ أوْ يَهْلَكَ نَفْسَهُ قالَ: ﴿ولا يُوثِقُ﴾ أيْ يُوجَدُ ﴿وثاقَهُ﴾ [أيْ] مِثْلُ وِثاقِهِ فَكَيْفَ بِإيثاقِهِ ﴿أحَدٌ﴾ والمَعْنى أنَّهُ لا يَقَعُ في خَيالِ أحَدٍ لِأجْلِ انْقِطاعِ الأنْسابِ والأسْبابُ أنَّ أحَدًا يَقْدِرُ عَلى [مِثْلِ] ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ الضُّرِّ لِيَخْشى كَما يَقَعُ في هَذِهِ الدُّنْيا، بَلْ يَقَعُ في الدُّنْيا في أوْهامٍ كَثِيرَةٍ أنَّ عَذابَ مَن يَخْشَوْنَهُ أعْظَمَ مِن عَذابِ اللَّهِ - وأنَّ عَذابَ الدُّنْيا بِأسْرِهِ لَوِ اجْتَمَعَ عَلى إنْسانٍ وحْدَهُ لا يُساوِي رُؤْيَةَ جَهَنَّمَ بِذَلِكَ المَقامِ في ذَلِكَ المَحْفِلِ المُهَوِّلِ دُونَ دُخُولِها - ولِذَلِكَ تَقَدَّمَ خَوْفُهُ عَلى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ، وبَنى الكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ، والمَعْنى (p-٤٢)عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِبِنائِها لِلْفاعِلِ: لا يُعَذِّبُ أحَدٌ عَذابًا مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ أيْ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ غَيْرَ اللَّهِ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ مِثْلَ عَذابِ اللَّهِ [لَهُ]، والحاصِلُ أنَّهُ لا يَخافُ في القِيامَةِ مِن أحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ عَذابَهُ لا مِثْلَ لَهُ، ولَمْ يَذْكُرِ المُعَذَّبَ مَن هو فَيَرْجِعُ الأمْرُ إلى [أنَّ] المَعْنى: فَيَوْمَئِذٍ يَخافُ الإنْسانُ مِنَ اللَّهِ خَوْفًا لا مِثْلَ لَهُ، أيْ لا يَخافُ مِن أحَدِ مِثْلَ خَوْفِهِ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”عَذابِهِ“ لِلْإنْسانِ، أيْ لا يُعَذِّبُ أحَدٌ مِنَ الزَّبانِيَةِ أحَدًا غَيْرَ الإنْسانِ مِثْلَ عَذابِهِ، وفي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ: لا يُعَذِّبُ عَذابَ الإنْسانِ [أحَدٌ] لَكِنْ يُبْعِدُهُ أنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَذابُ الإنْسانِ أعْظَمَ مِن عَذابِ إبْلِيسَ - ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: إنَّهُ لا يَحْمِلُ أحَدٌ ما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العَذابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [فاطر: ١٨]

الفجر 89:27

ولَمّا عَلِمَ أنَّ هَذا الجَزاءَ المَذْكُورَ لا يَكُونُ إلّا لِلْهَلُوعِ الجَزُوعِ المُضْطَرِبِ النَّفْسِ الطّائِشِ في حالِ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، الَّذِي لا يُكْرِمُ اليَتِيمَ ولا المِسْكِينَ ويُحِبُّ الدُّنْيا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن لَيْسَ هو كَذَلِكَ، تَشَوَّفَتِ النَّفْسُ إلى جَزائِهِ فَشَفى عَيُّ هَذا التَّشَوُّفِ بِقَوْلِهِ، إعْلامًا بِأنَّهُ يُقالُ لِنُفُوسِهِمْ عِنْدَ النَّفْخِ في الصُّورِ وبَعْثَرَةِ ما في القُبُورِ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ أيِ الَّتِي هي في غايَةِ (p-٤٣)السُّكُونِ لا خَوْفَ عَلَيْها ولا حُزْنَ ولا نَقْصَ ولا غُبُونَ، لِأنَّها كانَتْ في الدُّنْيا في غايَةِ الثَّباتِ عَلى كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ عَنِ الدّارِ الآخِرَةِ وغَيْرِها مِن وعْدٍ ووَعِيدٍ وتَحْذِيرٍ وتَهْدِيدٍ، فَهم راجُونَ لِوَعْدِهِ خائِفُونَ مِن وعِيدِهِ، وإذا كانَتْ هَذِهِ حالُ النَّفْسِ الَّتِي شَأْنُها المَيْلُ إلى الدُّنْيا فَما ظَنُّكَ بِالرُّوحِ الَّتِي هي خَيْرُ صَرْفٍ

الفجر 89:28

﴿ارْجِعِي﴾ أيْ بِالبَعْثِ ﴿إلى رَبِّكِ﴾ أيْ مَوْعِدِ الَّذِي أوَجَدَكَ ورَبّاكَ تَرْبِيَةَ المُوَفَّقِينَ، أوْ إلى بَدَنِكَ حالَ كَوْنِكَ ﴿راضِيَةً﴾ أيْ بِما تُعْطِينَهُ. فَلا كَدَرَ يَلْحَقُكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا كَما كُنْتَ في دارِ القَلَقِ [والِاضْطِرابِ] مُطَمْئِنَةً ساكِنَةً تَحْتَ القَضاءِ والقَدَرِ سالِكَةً سَبِيلَ الرِّضا إنْ حَصَلَ ابْتِلاءٌ بِالتَّكْرِيمِ والتَّنْعِيمِ أوِ التَّضْيِيقِ والتَّغْرِيمِ وُثُوقًا بِما عِنْدَ اللَّهِ ﴿مَرْضِيَّةً﴾ عِنْدَ اللَّهِ وسائِرِ خَلْقِهِ، فَلا شَيْءَ يُكْرِهُكَ بِسَبَبِ ما كُنْتَ مُطَمْئِنَةً تَعْمَلِينَ الأعْمالَ الصّالِحَةَ تَحْتَ القَضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ حُلْوِهِ ومُرِّهِ،

الفجر 89:29

ثُمَّ بَيَّنَ ما أجْمَلَ مِنَ الرُّجُوعِ فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿فادْخُلِي﴾ أيْ بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ ﴿فِي عِبادِي﴾ أيْ في زُمْرَةِ الصّالِحِينَ الوافِدِينَ عَلَيَّ، الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلْإضافَةِ إلَيَّ، أوْ في أجْسادِ عِبادِي (p-٤٤)الَّتِي خَرَجَتْ في الدُّنْيا مِنها، وقِراءَةُ ”عَبْدِي“ بِالتَّوْحِيدِ [لِلْجِنْسِ] الشّامِلِ لِلْقَلِيلِ والكَثِيرِ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ

الفجر 89:30

﴿وادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [أيْ] وهي جَنَّةُ عَدْنٍ وهي أعْلى الجِنانِ، قالَ البَغَوِيُّ: قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما [ بِالطّائِفِ ] فَشَهِدَتْ جِنازَتَهُ فَجاءَ طائِرٌ لَمْ نَرَ عَلى [صُورَةِ] خَلْقِهِ، فَدَخَلَ نَعْشَهُ فَلَمْ نَرَ خارِجًا مِنهُ، فَلَمّا دُفِنَ تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ فَلَمْ نَدْرِ مَن تَلاها، وهَذا الآخَرُ هو أوَّلُها عَلى ما هو ظاهِرُ المُقْسِمِ عَلَيْهِ بِالفَجْرِ مِنَ البَعْثِ المَحْتُومِ، الَّذِي لَوْلا هو لَكانَ خَلْقُ الخَلْقِ مِنَ العَبَثِ المَذْمُومِ، المُنَزَّهِ عَنْهُ الحَيُّ القَيُّومُ، فَسُبْحانَ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هَذا كَلامُهُ، عَلَتْ مَعانِيهِ عَنْ طَعْنٍ وشَرُفَتْ أعْلامُهُ، وغَرَّ في ذُرْوَةِ الإعْجازِ تَرْكِيبُهُ ونِظامُهُ، ”وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَناوَلِ“ .

البلد 90:1

(p-٤٥)سُورَةُ البَلَدِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى نَفْيِ القُدْرَةِ عَنِ الإنْسانِ، وإثْباتُها لِخالِقِهِ الدَّيّانِ بِذِكْرِ المُخْلِصِ مِنها، المُوصِلِ إلى السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وهو ما هَدى إلَيْهِ رَبُّهُ سُبْحانَهُ، وذَلِكَ هو مَعْنى اسْمِها، فَإنَّ مِن تَأمُّلِ أمانِ أهْلِ الحَرَمِ وما هم فِيهِ مِنَ الرِّزْقِ والخَيْرِ عَلى قِلَّةِ الرِّزْقِ بِبَلَدِهِمْ - مَعَ ما فِيهِ غَيْرُهم مِمَّنْ هم أكْثَرُ مِنهم وأقْوى - مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ عُلِمَ ذَلِكَ ”بِسْمِ اللَّهِ“ المَلِكُ الواحِدُ القَهّارُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي أسْبَغَ نِعْمَتَهُ عَلى سائِرِ بَرِيَّتِهِ، وفاوَتَ بَيْنَهم في عَطِيَّتِهِ، فَكانَ كُلٌّ ساخِطًا لِحالَتِهِ في كَبَدِ ما يُهِمُّهُ في خاصَّتِهِ وعامَّتِهِ لِحُكْمٍ تَعْجِزُ الأفْكارُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ أهْلَ وِلايَتِهِ بِما يُرْضِيهِ عَنْهم مِن أقْضِيَتِهِ فَيُوصِلُهم إلى جَنَّتِهِ ويُنْجِيهِمْ مِنَ النّارِ. * * لَمّا خَتَمَ كَلِماتِ الفَجْرِ بِالجَنَّةِ الَّتِي هي أفْضَلُ الأماكِنِ الَّتِي يَسْكُنُها الخَلْقُ، لا سِيَّما المُضافَةُ إلى اسْمِهِ الأخَصُّ المُؤَذِّنُ بِأنَّها أفْضَلُ الجِنانِ، (p-٤٦)بَعْدَ ما خَتَمَ آياتِها بِالنَّفْسِ المُطْمَئِنَّةِ بَعْدَ ذِكْرِ الأمارَةِ الَّتِي وقَعَتْ في كَبِدِ النَّدَمِ الَّذِي يَتَمَنّى لِأجْلِهِ العَدَمَ، بَعْدَ ما تَقَدَّمَ [مِن] أنَّها لا تَزالُ في كَبِدِ ابْتِلاءِ المَعِيشَةِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، افْتَتَحَ هَذِهِ بِالأمارَةِ مُقْسِمًا في أمْرِها بِأعْظَمِ البِلادِ وأشْرَفِ أُولِي الأنْفُسِ المُطْمَئِنَّةِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا بِالنّافِي مِن حَيْثُ إنَّهُ يَنْفِي ضِدَّ ما ثَبَتَ مِن مَضْمُونِ الكَلامِ مَعَ القَطْعِ بِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ [بِهِ] غَيْرَ ذَلِكَ: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ أيْ أُقْسِمُ قَسَمًا أُثْبِتُ مَضْمُونَهُ وأنْفِي ضِدَّهُ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ النَّفْيُ عَلى ظاهِرِهِ، والمَعْنى أنَّ الأمْرَ في الظُّهُورِ غَنِيٌّ عَنِ الإقْسامِ حَتّى بِهَذا القَسَمِ الَّذِي أنْتُمْ عارِفُونَ بِأنَّهُ في غايَةِ العَظَمَةِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿وإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ أيِ الحَرامِ وهو مَكَّةُ الَّتِي لا يَصِلُ إلَيْها قاصِدُوها إلّا بِشِقِّ الأنْفُسِ، ولا يَزْدادُونَ لَها مَعَ ذَلِكَ إلّا حُبًّا، الدّالُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَها خَيْرَ البِلادِ، وقَذَفَ حُبَّها في قُلُوبِ مَنِ اخْتارَهم مَن كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ، لِأنَّها تَشَرَّفَتْ في أوَّلِها وآخِرِها وأثْنائِها بِخَيْرِ العِبادِ، ولَمْ يَصِفْهُ بِالأمْنِ لِأنَّهُ لا يُناسِبُ سِياقَ المَشَقَّةِ بِخِلافِ ما في التِّينِ، فَإنَّ المُرادَ هُناكَ الكِمالاتُ.

البلد 90:2

ولَمّا عَظُمَ البَلَدُ بِالإقْسامِ بِهِ، زادَهُ عِظَمًا بِالحالِ بِهِ إشْعارًا بِأنَّ (p-٤٧)شَرَفَ المَكانِ بِشَرَفِ السُّكّانِ، وذَلِكَ في جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ فَقالَ: ﴿وأنْتَ﴾ يَعْنِي وأنْتَ خَيْرُ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ ﴿حِلٌّ﴾ أيْ مُقِيمٍ أوْ حَلّالٍ لَكَ ما لَمْ يَحِلْ لِغَيْرِكَ مِن قَتْلِ مَن تُرِيدُ مِمَّنْ يَدَّعِي أنَّهُ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ ﴿بِهَذا البَلَدِ﴾ فَتَحِلُّ قَتْلَ ابْنِ خَطَلٍ وغَيْرِهِ وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وتُحَرِّمُ قَتْلَ مَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ بَعْدَ الهِجْرَةِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ المَكِّيَّةِ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ عَلَمًا مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ، أوْ مَعْنًى: يَسْتَحِلُّ أهْلُهُ مِنكَ وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ ما لا يَسْتَحِلُّونَهُ مِن صَيْدٍ ولا شَجَرٍ، وكَرَّرَ إظْهارَهُ ولَمْ يُضْمِرْهُ زِيادَةً في تَعْظِيمِهِ تَقْبِيحًا لِما يَسْتَحِلُّونَهُ مِن أذى المُؤْمِنِينَ فِيهِ، وإشارَةً إلى أنَّهُ يَتَلَذَّذُ بِذِكْرِهِ، فَقَدْ وقَعَ القَسَمُ بَسَيِّدِ البِلادِ وسَيِّدِ العِبادِ، ولِكُلِّ جِنْسٍ [سَيِّدٌ]، وهو انْتِهاؤُهُ في الشَّرَفِ، فَأشْرَفُ الجَمادِ الياقُوتُ وهو سَيِّدُهُ، ولَوِ ارْتَفَعَ عَنْ هَذا الشَّرَفِ لَصارَ نَباتًا يَنْمُو كَما في الجَنَّةِ، وأشْرَفُ جِنْسِ النَّباتِ النَّخْلُ [ولَوِ] ارْتَفَعَ صارَ حَيَوانًا يَتَحَرَّكُ بِالإرادَةِ، فالحَيَوانُ سَيِّدُ الأكْوانِ، وسَيِّدُهُ الإنْسانُ، لِما لَهُ مِنَ النُّطْقِ والبَيانِ، وسَيِّدُ الإنْسانِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، لِما لَهم مِن عَظِيمِ الوَصْلَةِ بِالمَلِكِ الدَّيّانِ، وسَيِّدُهم أشْرَفُ الخَلْقِ ﷺ الَّذِي خَتَمُوا بِهِ لِما فاقَ بِهِ مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي أعْلاها هَذا القُرْآنُ فَسَيِّدُ الخَلْقِ (p-٤٨)مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَسُولُ اللَّهِ أشْرَفُ المُمَكَّناتِ وسَيِّدُها لِأنَّهُ وصَلَ إلى أعْلى مَقامٍ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَها، ولَوْ بَقِيَ فَوْقَ ذَلِكَ مَقامٌ يُمْكِنُ لِلْمُمْكِنِ لِنَقَلَ إلَيْهِ، ولِكَوْنِهِ أشْرَفَ كانَتْ مُكابَدَتُهُ أعْلى المُكابَداتِ، يَصْبِرُ عَلى أذى قَوْمِهِ بِالكَلامِ الَّذِي هو أنْفَذُ مِنَ السِّهامِ، ووَضَعَ السِّلاءَ مِنَ الجَزُورِ عَلى ظَهْرِهِ الشَّرِيفِ - نَفْدِيهِ بِحُرِّ وُجُوهِنا ومَصُونِ جِباهِنا وخُدُودِنا - وهو ساجِدٌ، ووَضْعُ الشَّوْكِ في طَرِيقِهِ، والإجْماعُ عَلى قَصْدِهِ بِجَمِيعِ أنْواعِ الأذى مِنَ الحَبْسِ والنَّفْيِ والقَتْلِ بِحَيْثُ قالَ ﷺ «ما أُوذِيَ أحَدٌ في اللَّهِ ما أُوذِيتُ» .

البلد 90:3

ولَمّا أفْهَمَتْ هَذِهِ الحالُ أنَّ القَسَمَ إنَّما هو في الحَقِيقَةِ بِهِ ﷺ، كَرَّرَ الإقْسامَ بِهِ عَلى وجْهٍ يَشْمَلُ غَيْرَهُ فَقالَ: ﴿ووالِدٍ﴾ ولَمّا كانَ المُرادُ التَّعْجِيبَ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ بِالتَّوْلِيدِ مِن كُلِّ حَيَوانٍ في جَمِيعِ أمْرِ التَّوْلِيدِ ومِمّا عَلَيْهِ الإنْسانُ مِنَ النُّطْقِ والبَيانِ وغَرِيبِ الفَهْمِ وكانَ السِّياقُ لِذَمِّ أُولِي الأنْفُسِ الأمّارَةِ، وكانُوا هم أكْثَرَ النّاسِ، حُسْنُ التَّعْبِيرِ بِأداةٍ ما لا يَعْقِلُ لِأنَّها مِن أدَواتِ التَّعْجِيبُ فَقالَ: ﴿وما ولَدَ﴾ أيْ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى كائِنًا مَن كانَ، فَدَخَلَ كَما مَضى النَّبِيُّ ﷺ فَصارَ مُقْسِمًا بِهِ مِرارًا، وكَذا دَخَلَ أبَواهُ إبْراهِيمُ ووَلَدُهُ إسْماعِيلُ (p-٤٩)عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وما صَنَعا وما صَنَعَ اللَّهُ لَهُما بِذَلِكَ البَلَدِ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذِكْرَ الصَّنْعَةِ تَنْبِيهٌ عَلى صانِعِها، فالمَقْصُودُ القَسَمُ بِمَن جَعَلَ البَلَدَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الجَلالِ، وخَصَّ النَّبِيَّ ﷺ بِما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الإرْسالِ، وفاوَتَ بَيْنَ المُتَوالِدِينَ في الخِصالِ، مِنَ النَّقْصِ والكَمالِ وسائِرِ الأحْوالِ، تَنْبِيهًا عَلى ما لَهُ مِنَ الكَمالِ بِالجَلالِ والجَمالِ، ولَعَلَّهُ خَصَّ هَذِهِ الأشْياءَ بِالإقْسامِ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَثْبِيتًا لَهُ عَلى احْتِمالِ الأذى، إشارَةً إلى أنَّ مَن كانَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ لا يَزالُ في نَكَدٍ، كانَ الَّذِي يَنْبَغِي [لَهُ] أنْ يَخْتارَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ النَّكَدَ فِيما يُرْضِي اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ في مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ في أعْظَمِ شِدَّةٍ مِمّا يُعانِيهِ مِن أذى الكُفّارِ في نَفْسِهِ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِعُلُوِّ مَقامِهِ، فَإنَّ شِدَّةَ البَلاءِ لِلْأمْثَلِ فالأمْثَلِ كَما مَضى مَعَ أمْرِهِ ﷺ بِالصَّبْرِ والصَّفْحِ، وكُلُّ والِدٍ ومَوْلُودٍ في شِدَّةٍ بِالوالِدِيَّةِ والمَوْلُودِيَّةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى مِنَ الأنْكادِ البَشَرِيَّةِ، مِن حِينٍ هو نُطْفَةٌ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ في ضِيقِ مَمَرٍّ ومَقَرٍّ ثُمَّ وِلادَةٍ ورَبْطٍ في تابُوتٍ وفِطامٍ عَنِ الإلْفِ والأهْلِ؟ مِنَ المُؤَدِّبِ (p-٥٠)والمُعَلِّمِ وتَوْبِيخٍ مِنَ المَشايِخِ ومُعانَدَةٍ مِنَ الأقْرانِ، ومَن يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ مِنَ النِّسْوانِ، مَعَ أنَّهُ عُرْضَةٌ لِلْأمْراضِ، وسائِرِ ما يَكْرَهُ مِنَ الأعْراضِ والأغْراضِ، والفاقاتِ والنَّوائِبِ والآفاتِ، والمَطالِبِ والحاجاتِ، لا يَحْظى بِهَواهُ، ولا يَبْلُغُ مُناهُ، ولا يُدْرِكُ ما اجْتَباهُ، ولا يَنْجُو غالِبًا مِمّا يَخْشاهُ، وتَفاصِيلُ هَذا الإجْمالِ لا تُحْصى، ولا حَدَّ لَها فَتُسْتَقْصى، إلى المَوْتِ وما بَعْدَهُ، فَلِذَلِكَ كانَ المُقْسِمُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ:

البلد 90:4

﴿لَقَدْ خَلَقْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ التّامَّةِ والعَظَمَةِ الَّتِي لا تُضاهِيَ ﴿الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿فِي كَبَدٍ﴾ أيْ شِدَّةٍ شَدِيدَةٍ ومَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ مُحِيطَةٍ بِهِ إحاطَةَ الظَّرْفِ بِالمَظْرُوفِ، لَوْ وكَّلَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَيْءٍ مِنها إلى نَفْسِهِ هَلَكَ، ولَوْلا هَذِهِ البَلايا لادَّعى ما لا يَلِيقُ بِهِ مِن عَظِيمِ المَزايا، وقَدِ ادَّعى بَعْضُهم مَعَ ذَلِكَ الإلَهِيَّةَ وبَعْضُهُمُ الِاتِّحادَ بِرَبِّ العِبادِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمُ الواضِحِ الفَسادِ، بِما قَرَنَهُ بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ المَوْتِ والمَرَضِ وسائِرِ الأنْكادِ، فَعَلَ سُبْحانَهُ ذَلِكَ [لِيُظْهِرَ] بِما لِلْعَبْدِ مِنَ الضَّعْفِ والعَجْزِ - مَعَ ما مَنَحَهُ بِهِ مِنَ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ في القَوْلِ والفِعْلِ والبَطْشِ والعَقْلِ - ما لَهُ سُبْحانَهُ مِن تَمامِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، ولِيَظْهَرَ مَن خُلُقُهُ لَهُ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، عَلِمَ جَمِيعَ ما في السُّورَةِ، فَعَلِمَ قَطْعًا إنْكارَ ظَنِّهِ (p-٥١)لِتَناهِي قُدْرَتِهِ وتَعالِي عَظَمَتِهِ، وفَسادِ هَذا الظَّنِّ بِشاهِدِ العَقْلِ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَصْنُوعًا، وبِشاهِدِ الوُجُودِ مِن أجْلِ أنَّهُ يَسْلُكُ طَرِيقَ الشَّرِّ ولا يَقْدِرُ عَلى طَرِيقِ الخَيْرِ إلّا بِالتَّوْفِيقِ، فَعَلِمَ قَطْعًا إعْجازَ السُّورَةِ لِأنَّهُ لا قُدْرَةَ لِمَخْلُوقٍ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ تَجْمَعُ جَمِيعَ ما وراءَها مِنَ الجُمَلِ - هَذا إلى ما لَها مِن فُنُونِ الإيجازِ الَّتِي وصَلَتْ إلى حَدِّ الإعْجازِ، هَذا إلى ما لِبَقِيَّةِ الجُمَلِ مِنَ الإعْجازِ في حُسْنِ الرَّصْفِ وإحْكامِ التَّرْكِيبِ والرَّبْطِ والمُراعاةِ بِالألْفاظِ لِلْمَعانِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَبْلُغُ كُنْهَهُ إلى مَنزِلِهِ سُبْحانَهُ وعَزَّ شَأْنُهُ، وعَلِمَ أنَّ الإكْرامَ والإهانَةَ لَيْسَتا دائِرَتَيْنِ عَلى التَّنْعِيمِ في الدُّنْيا والتَّضْيِيقِ كَما تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ الفَجْرِ، ولِأجْلِ ما عَلِمَ مِن كَوْنِ الإنْسانِ لا يَزالُ في نَكَدٍ وشِدَّةٍ ونَصَبٍ مِن حَثِّ احْتِياجِهِ أوَّلًا إلى مُطْلَقِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، وثانِيًا إلى المَأْكَلِ والمُشْرَبِ، وثالِثًا إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما إلى غَيْرِ ذَلِكَ [مِمّا] يَعْيِي عَدَّهُ ويَجْهَلُ حَدَّهُ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ في قَوْلِهِ تَعالى بَيانًا لِلْأسْبابِ المُوقِعَةِ لَهُ في النَّكَدِ، وهي شَهْوَتانِ: نَفْسِيَّةٌ وحِسِّيَّةٌ، والنَّفْسِيَّةُ مُنْحَصِرَةٌ في أرْبَعٍ: الأُولى أنَّهُ يَشْتَهِي أنْ يَكُونَ كُلَّ مَن في الوُجُودِ في قَبْضَتِهِ فَأشارَ إلَيْها

البلد 90:5

﴿أيَحْسَبُ﴾ (p-٥٢)أيْ هَذا الإنْسانُ لِضَعْفِ عَقْلِهِ مَعَ ما هو فِيهِ مِن أنْواعِ الشَّدائِدِ ﴿أنْ لَنْ يَقْدِرَ﴾ ولَمّا أكَّدَ بِالفِعْلِيَّةِ وخُصُوصِ هَذا النّافِي قَدَّمَ الجارَّ تَأْكِيدًا بِما يُفِيدُ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالإنْسانِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ خاصَّةً ﴿أحَدٌ﴾ أيْ مِن أهْلِ الأرْضِ أوِ السَّماءِ فَيُغَلِّبُهُ حَتّى أنَّهُ يُعانِدُ خالِقَهُ مَعَ ما يَنْظُرُ مِنِ اقْتِدارِهِ عَلى أمْثالِهِ بِنَفْسِهِ وبِمَن شاءَ مِن جُنُودِهِ فَيُعادِي رُسُلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويَجْحَدُ آياتِهِ. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا أوْضَحَ سُبْحانَهُ وتَعالى حالَ [مَن] تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ في السُّورَتَيْنِ في عَظِيمِ حِيرَتِهِمْ وسُوءِ غَفْلَتِهِمْ وما أعْقَبَهم ذَلِكَ مِنَ التَّذَكُّرِ تَحَسُّرًا حِينَ لا يَنْفَعُ التَّنَدُّمُ، ولاتَ حِينَ مَطْمَعٍ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ مِنهم إنَّما جَرى عَلى حُكْمِ السّابِقَةِ الَّتِي شاءَها و[الحِكْمَةِ] الَّتِي قَدَّرَها كَما جاءَ في المَوْضِعِ الآخَرِ ﴿ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣] فَأشارَ تَعالى إلى هَذا بِقَوْلِهِ ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في كَبَدٍ﴾ [البلد: ٤] أيْ أنّا خَلَقْناهُ لِذَلِكَ ابْتِلاءً لِيَكُونَ ذَلِكَ قاطِعًا لِمَن سَبَقَ لَهُ الشَّقاءُ عَنِ التَّفَكُّرِ والِاعْتِبارِ ﴿وإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾ [الكهف: ٥٧] فَأعْماهم بِما (p-٥٣)خَلَقَهم فِيهِ مِنَ الكَبَدِ وأغْفَلَ قُلُوبَهم فَحَسِبُوا أنَّهم لا يَقْدِرُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ، وقَدْ بَيَّنَ سُبْحانَهُ وتَعالى فِعْلَهُ هَذا بِهِمْ في قَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ﴾ [الكهف: ٢٨] ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩] فَأنْتَ تُشاهِدُهم يا مُحَمَّدُ ذَوِي أبْصارٍ وآلاتٍ يَعْتَبِرُ بِها النُّظّارُ ﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] فَهَلّا أخَذَ في خَلاصِ نَفْسِهِ، واعْتَبَرَ بِحالِهِ وأمْسِهِ، ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] ولَكِنْ إذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ - انْتَهى.

البلد 90:6

ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا يَفْتَخِرُ بِالإنْفاقِ إلّا إذا أفْضى إلى الإمْلاقِ، فَعَلِمَ أنَّ مُرادَ الإشارَةِ إلى أنَّ مَعَهُ أضْعافَ ما أنْفَقَ مِن حَيْثُ إنَّهُ حَقَّرَهُ بِلَفْظِ الإهْلاكِ، إشارَةً إلى الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ مِن شَهَواتِهِ النَّفْسِيَّةِ وهُما إرادَتُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ الفَخارُ والِامْتِنانُ عَلى جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، وإرادَتُهُ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مِنَ الأمْوالِ ما لا تُحِيطُ بِهِ الأفْكارُ ولا تَحْوِيهِ الأقْطارُ - كَما يُشِيرُ إلَيْهِ حَدِيثٌ «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادٍ مِن ذَهَبٍ ”و“ لا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ» عَلَّلَ سُبْحانَهُ وتَعالى جَهْلَهُ في حِسابِهِ (p-٥٤)ذَلِكَ وما تَبِعَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُ﴾ أيْ مُفْتَخِرًا بِقُدْرَتِهِ وشِدَّتِهِ: ﴿أهْلَكْتُ مالا لُبَدًا﴾ ولِقَصْدِ المُبالَغَةِ في كَثْرَتِهِ جاءَتْ قِراءَةُ [ أبِي] جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ لا بُدَّ كَرُكَّعٍ وراكِعٍ فَأفْهَمَتْ أنَّهُ بِحَيْثُ لا يُحْصى، بَلْ لَوْ جَمَعَ لَمْ تَسَعْهُ الأرْضُ إلّا بِأنْ يَكُونَ [بَعْضُهُ] عَلى بَعْضٍ فَلا يَعُدْ ولا يَحِدْ، أيْ وذَلِكَ قَلِيلٌ مِنَ الكَثِيرِ الَّذِي مَعِي، قَلَّدْتُ بِهِ أعْناقَ الرِّجالِ المِنَنِ، واسْتَعْبَدْتُ بِهِ الأحْرارَ في كُلِّ زَمَنٍ، فَصِرْتُ بِحَيْثُ إذا دَعَوْتُ كَثُرَ المُلَبِّي، وإذا نادَيْتُ كَثُرَ المُجِيبُ، وإذا أمَرْتُ عَظُمَ المُمْتَثِلُ، وفاءَ لِصَنائِعِي الماضِيَةِ ورَغْبَةً في نِعَمِي الباقِيَةِ، فَمَن يَسْتَعْصِي عَلَيَّ ومَن يُخالِفُ أمْرِي، فَضْلًا عَنْ أنْ يُرِيدَ إخْمالَ ذِكْرِي أوْ نَقْصَ قَدْرِي.

البلد 90:7

ولَمّا كانَ الشَّيْءُ لا يَعْنِي إلّا إذا كانَ مَجْهُولًا ولَوْ مِن بَعْضِ الجِهاتِ، أنْكَرَ عَلَيْهِ هَذا الظَّنَّ عَلى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ فَإنَّهُ لا يُوصِلُ إلى ما ظَنَّهُ إلّا بِهِ، بِقَوْلِهِ مُشِيرًا إلى شَهْوَتِهِ النَّفْسِيَّةِ الرّابِعَةِ، وهي أنْ تَكُونَ أُمُورُهُ مَسْتُورَةً فَلا يَظْهَرُ عَلى غَيِّهِ أحَدٌ أصْلًا: ﴿أيَحْسَبُ﴾ أيْ هَذا الإنْسانُ العَنِيدُ بِقِلَّةِ عَقْلِهِ ﴿أنْ لَمْ يَرَهُ﴾ أيْ بِالبَصَرِ ولا بِالبَصِيرَةِ في الزَّمَنِ الماضِي ﴿أحَدٌ﴾ (p-٥٥)أيْ في عَمَلِهِ هَذا سَرِّهِ وجَهْرِهِ وجَمِيعِ أمْرِهِ، فَيَنْقُصُ جَمِيعَ ما عَمِلَ إذا أرادَ، و[كُلُّ] ما فاتَهُ مِن آثارِ هَذِهِ الشَّهَواتِ الأرْبَعِ، وهو لا يَزالُ فائِتًا لَهُ، كانَ مِن إرادَةِ تَحْصِيلِهِ في نَكَدٍ ومُعاناةٍ وكَبَدٍ بِحَيْثُ يَرْمِي نَفْسَهُ لِتَحْصِيلِهِ في المَهالِكِ، ولا يَحْصُلُ مِنهُ عَلى ما يُرْضِيهِ أبَدًا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ يَعْمَلُ مِنَ المَساوِئِ أعْمالَ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْواعِ التَّنْبِيهِ لِيَأْخُذَ حَذَرَهُ ويُحْرِزَ عُمْرَهُ.

البلد 90:8

ولَمّا أنْكَرَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ النَّقائِصَ قَرَّرَهُ عَلى ما أوْجَبَ شَهْوَتَهُ [الحِسِّيَّةَ] المُتَفَرِّعَةَ إلى أنْواعٍ بِما يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ [لَهُ] المانُّ عَلَيْهِ بِهِ مِن بَعْضِ فَيْضِهِ، عالِمًا بِجَمِيعِ أمْرِهِ قادِرًا عَلى نَفْعِهِ وضُرِّهِ بِنَفْسِهِ وبِمَن أرادَ مِن جُنْدِهِ، فَقالَ مُشِيرًا إلى ما يَتَرَتَّبُ عَلى نَظَرِ العَيْنِ الباصِرَةِ الجائِلَةِ في العالَمِ الحِسِّيِّ ونَظَرِ عَيْنِ البَصِيرَةِ الجائِلَةِ في العالَمِ المَعْنَوِيِّ مِن شَهْوَتِهِ أنْ يَحْصُلَ عَلى كُلِّ ما يَراهُ بِعَيْنِ باصِرَتِهِ ويَعْلَمُهُ بِعَيْنِ بَصِيرَتِهِ مِن مَلِيحٍ، ويَخْلُصَ مِن كُلِّ ما يَراهُ مِن قَبِيحٍ، ومُذَكِّرًا لَهُ بِما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ بِاسْتِعْمالِ هَذِهِ المَشاعِرِ فِيما شَرَعَ لَهُ (p-٥٦)وكَفَّها عَمّا مَنَعَ اللَّهُ مِنهُ: ﴿ألَمْ نَجْعَلْ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يُضاهِيَها ولا يَقْرُبَ مِنها ﴿لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ يُبْصِرُ بِهِما وإلّا لَتَعَطَّلَ عَلَيْهِ أكْثَرُ ما يُرِيدُ، شَقَقْناهُما وهو في الرَّحِمِ في ظُلُماتٍ ثَلاثَةٍ عَلى مِقْدارٍ مُناسِبٍ لا يَزِيدُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى شَيْئًا وقَدَّرْنا البَياضَ والسَّوادَ أوِ الزُّرْقَةَ أوِ الشُّهْلَةَ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ عَلى ما تَرَوْنَ، وأوْدَعْناهُما البَصَرَ عَلى كَيْفِيَّةٍ يَعْجِزُ الخَلْقُ عَنْ إدْراكِها.

البلد 90:9

ولَمّا قَدَّرَهُ سُبْحانَهُ عَلى ما يَنْشَأُ [عَنْهُ] شَهْوَتا تَحْصِيلِ المَلِيحِ ونَفْيِ القَبِيحِ، اتَّبَعَ [ذَلِكَ] ما يَنْشَأُ عَنْهُ شَهْوَتا الأمْرِ والنَّهْيِ وأنْواعُ الكَمالاتِ الكَمالِيَّةِ فَقالَ: ﴿ولِسانًا﴾ أيْ يُتَرْجِمُ بِهِ عَمّا في ضَمِيرِهِ ﴿وشَفَتَيْنِ﴾ أيْ يَسْتُرانِ فاهٍ ويُعِينانِهِ عَلى الأكْلِ والشُّرْبِ وعَلى النُّطْقِ بِفَصاحَةٍ وبَلاغَةٍ عَلى حَدٍّ مَعْلُومٍ لا يَبْلُغُهُ غَيْرُهُ، فَيَجْتَمِعُ لَهُ أمْرُهُ ويَصِلُ إلى مَقاصِدَ جَمَّةٍ وأهْوالٍ مُهِمَّةٍ، ولَمْ يَذْكُرِ السَّمْعَ لِأنَّ الكَلامَ يَسْتَلْزِمُهُ، والمَعْنى: ألَسْنا قادِرِينَ بِالقُدْرَةِ الَّتِي جَعَلْنا لَهُ بِها ما ذَكَرَ عَلى أنْ نَجْعَلَ لِغَيْرِهِ مِثْلَ ما جَعَلْنا لَهُ وأكْثَرَ فَيُقاوِمُهُ ويَغْلِبُهُ.

البلد 90:10

(p-٥٧)ولَمّا كانَ لِلَّهِ تَعالى عَلى كُلِّ أحَدٍ في كُلِّ لَمْحَةٍ مِنَّةٌ جَدِيدَةٌ في إبْقاءِ هَذِهِ الآلاتِ الثَّلاثِ، عَبَّرَ فِيها بِالمُضارِعِ، ولِمّا كانَتِ النِّعْمَةُ في العَقْلِ إنَّما هي بِهِبَتِهِ أوَّلًا ثُمَّ بِحَمْلِهِ بِهِ عَلى الخَيْرِ ثانِيًا، وكانَ أمْرُهُ خَفِيًّا، وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ أحَدٍ غَيْرُ مَهْدِيٍّ في كُلِّ حَرَكاتِهِ وسَكَناتِهِ إلى ما يُسْعِدُهُ، بَلْ كانَ هَذا المُنْكَرُ عَلَيْهِ لَمْ يُؤَهِّلْ لِطَرِيقِ الخَيْرِ، اخْتِيرَ لَهُ لَفْظُ الماضِي لِذَلِكَ تَحْقِيقًا لِكَوْنِهِ وجَعْلِهِ غَرِيزَةً لا تَتَحَوَّلُ وطَبِيعَةً لا تَتَبَدَّلُ، بَلْ هي غالِبَةٌ عَلى صاحِبِها، قائِدَةٌ إلى مُضارَّةٍ أوْ مُحابَّةٍ ومُسارَّةٍ وإنْ كَرِهَ، وهو السَّبَبُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ الخَلاصُ مِن شَرِّ تِلْكَ الأنْكادِ في دارِ الإسْعادِ فَقالَ تَعالى: ﴿وهَدَيْناهُ﴾ أيْ بِما آتَيْناهُ مِنَ العَقْلِ ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ أيْ طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، وصارَ بِما جَعَلْناهُ لَهُ مِن ذَلِكَ سَمِيعًا بَصِيرًا عالِمًا فَصارَ مَوْضِعًا لِلتَّكْلِيفِ، رَوى الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا أيُّها النّاسُ! هَلُمُّوا إلى رَبِّكم فَإنَّ ما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، يا أيُّها النّاسُ إنَّما هُما نَجْدانِ: نَجْدُ خَيْرٍ ونَجْدُ شَرٍّ، فَما جَعَلَ نَجْدَ الشَّرِّ أحَبَّ إلَيْكم مِن نَجْدِ الخَيْرِ» قالَ المُنْذِرِي: النَّجْدُ هُنا الطَّرِيقُ - انْتَهى. (p-٥٧)وهُوَ طَرِيقٌ في ارْتِفاعٍ، عَبَّرَ عَنِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِهِ لِإعْلائِهِما الإنْسانَ عَنْ رُتْبَةِ باقِي الحَيَوانِ، ولِأنَّ الإنْسانَ لا يَخْتارُ واحِدَةً مِنهُما إلّا بِمُعاناةٍ وتَكَلُّفٍ كَمُعاناةِ مَن يَصْعَدُ في عَقَبَةٍ، والنَّجْدُ لُغَةً المَوْضِعُ العالِي، واللَّهُ تَعالى يُعْلِي مَن أرادَ عَلى ما شاءَ مِنهُما بِخِلافِ ما كانَ يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ حالِهِ مِن أنَّهُ لا يُحِبُّ تَكَلُّفَ شَيْءٍ أصْلًا، ولا يُرِيدُ الأشْياءَ تَأْتِيهِ إلّا عَفْوًا، وذَلِكَ لِأجْلِ إظْهارِ قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، أمّا صُعُوبَةُ طَرِيقِ الخَيْرِ فَبِما حَفَّهُ بِهِ مِنَ المَكارِهِ حَتّى صارَ العَمَلُ بِهِ، مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْشَقُ اسْمَهُ ومَعْناهُ، أشَدُّ شَيْءٍ وأصْعَبُهُ، وأشَقُّهُ وأتْعَبُهُ، وأمّا صُعُوبَةُ طَرِيقِ الشَّرِّ فَواضِحَةٌ جِدًّا مَعَ أنَّ اللَّهَ يُلْزِمُهُ لِمَن أرادَ بِتَسْهِيلِهِ وتَحْبِيبِهِ وتَخْفِيفِهِ وتَقْرِيبِهِ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَكْرَهُ اسْمَهُ ويَنْفِرُ مِن مَعْناهُ، وجَعَلَ اللَّهُ تَعالى الفِطْرَةَ الأوْلى السَّلِيمَةَ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها مِنَ الِاسْتِقامَةِ بِحَيْثُ تُدْرِكُ الشَّرَّ وتَنْهى عَنْهُ، وتُدْرِكُ الخَيْرَ وتَأْمُرُ بِهِ، غَيْرَ أنَّ الشَّهَواتِ والحُظُوظَ تُعالِجُها، والغالِبُ مَن أعانَهُ اللَّهُ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ حَدِيثُ «إذا لَمْ تَسْتَحِي فاصْنَعْ ما شِئْتَ» وحَدِيثُ «البِرُّ ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ (p-٥٩)وانْشَرَحَ لَهُ الصَّدْرُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ وتَرَدَّدَ في القَلْبِ وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ» .

البلد 90:11

ولَمّا كانَ مَعْنى ما مَضى أنَّ هَذا الإنْسانَ عاجِزٌ وإنْ تَناهَتْ قَوَّتُهُ، وبَلَغَتِ الذُّرْوَةَ قُدْرَتُهُ، لِسَبْقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] وأنَّهُ مَعْلُومٌ جَمِيعُ أمْرِهِ مَفْضُوحٌ في سِرِّهِ كَما هو مَفْضُوحٌ في جَهْرِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ حَدِيثُ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ «ما أسَرَ عَبَدٌ سَرِيرَةً إلّا ألْبَسُهُ اللَّهُ رِداءَها» وحَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ أحْمَدَ وأبِي يَعْلى «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ يُخْرِجُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ» فَهو مَوْصُولٌ إلَيْهِ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وأنَّهُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ الشُّكْرُ عَلى ما جَعَلَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ القُوى الَّتِي جَعَلَها لِسُوءِ كَسْبِهِ آلاتٌ لِلْكُفْرِ، سَبَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْهُ قَوْلُهُ تَفْصِيلًا لِلْأشْياءِ المُوصِلَةِ إلى الرّاحَةِ في العُقْبى نافِيًا لِفِعْلِها عَنْهُ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ دَلالَةً عَلى عَجْزِهِ: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ أيْ وثَبَ ورَمى بِنَفْسِهِ بِسُرْعَةٍ وضَغْطٍ وشِدَّةٍ حَتّى كانَ مِن شِدَّةِ المَحَبَّةِ لِما يَراهُ فِيما دَخَلَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ. كَأنَّهُ أتاهُ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ولا رَوِيَّةٍ بَلْ هَجَمًا ﴿العَقَبَةَ﴾ وهي طَرِيقُ النَّجاةِ، والمُقَرَّرُ في اللُّغَةِ أنَّها الطَّرِيقُ الصّاعِدُ في الجَبَلِ المُسْتَعارِ اسْمُها لِأفْعالِ البِرِّ (p-٦٠)المُقَرَّرُ في النُّفُوسِ مُرِيحَةٌ لا مُتْعَبٌ، مَعَ كَوْنِها أعْظَمَ فَخْرًا وأعْلى مَنقَبَةً، لِأنّا حَجَبْناهُ عَنْها بِأيْدِينا وعَظِيمِ قُوَّتِنا وعَجِيبِ قُدْرَتِنا، وذَلِكَ أنَّ الخَيْرَ لَمّا كانَ مُحَبَّبًا إلى القُلُوبِ مَعْشُوقًا لِلنُّفُوسِ مَرْغُوبًا فِيهِ لا يَعْدِلُ عَنْهُ أحَدٌ، جَعَلْناهُ في بادِئِ الأمْرِ كَرِيهًا [و] عَلى النُّفُوسِ مُسْتَصْعِبًا ثَقِيلًا حَتّى صارَ لِمُخالَفَتِهِ الهَوى كَأنَّهُ عَقَبَةٌ كَؤُودُ، لا يَنالُ ما فِيهِ مِن مَشَقَّةِ الصُّعُودِ، إلّا بِعَزْمٍ شَدِيدٍ وهِمَّةٍ ماضِيَةٍ، ونِيَّةٍ جازِمَةٍ، ورِياضَةٍ وتَدْرِيبٍ، وتَأْدِيبٍ وتَهْذِيبٍ، وشَدِيدِ مُجاهَدَةٍ وعَظِيمِ مُكابَدَةٍ لِلنَّفْسِ والهَوى والشَّيْطانِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مُتَعاطِيهِ في فِعْلِهِ لَهُ كالرّامِي بِنَفْسِهِ فِيهِ [بِلا] رَوِيَّةِ رَمْيِ العاشِقِ لَهُ المُتَهالِكِ عَلَيْهِ، فَكانَ هَذا سَبَبًا لِأنَّ هَذا الجاهِلَ بِنَفَسِهِ المُتَعَدِّي لِطَوْرِهِ لَمْ يَخْتَرْ لِنَفْسِهِ الخَيْرَ بِما أُوتِيَ مِنَ البَصَرِ الَّذِي يُبَصِّرُ بِهِ صَنائِعَ اللَّهِ، والبَصِيرَةُ الَّتِي يَعْرِفُ بِها ما يَضُرُّهُ وما يَنْفَعُهُ شُكْرًا لِرَبِّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ويَكُونُ ذَلِكَ لِإحْسانِهِ إلَيْهِ، وهَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلّا الإحْسانُ، وهَلْ جَزاءُ النِّعْمَةِ إلّا الشُّكْرُ، بَلِ اخْتارَ الشَّرَّ وارْتَكَبَ الضُّرَّ مَعَ أنّا هَيَّأْناهُ لِكُلٍّ مِنهُما فَبانَتْ لَنا القُدْرَةُ. واتَّضَحَتْ في صِفاتِنا العَظَمَةُ، وتَحَقَّقَ لَهُ الضَّعْفُ وظَهَرَ مِنهُ النَّقْصُ والعَجْزُ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ لِعِزَّتِنا الخُضُوعُ، وإجْراءٌ مَصُونُ (p-٦١)الدُّمُوعِ وإظْهارُ الِافْتِقارِ والذُّلِّ والصَّغارِ، لِنُقْحِمَهُ سَبِيلَ الجَنَّةِ ونُنْجِيَهُ مِن طَرِيقِ النّارِ، ومَنِ اقْتَحَمَ هَذِهِ العَقَبَةَ الَّتِي هي لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ اقْتَحَمَ عَقَبَةَ الصِّراطِ، فَكانَتْ سُهُولَتُها عَلَيْهِ بِقَدْرِ مُكابَدَتِهِ لِهَذِهِ، واسْتَراحَ مِن تِلْكَ المُكابَداتِ والأحْزانِ والهُمُومِ وصارَ إلى حَياةٍ طَيِّبَةٍ كَما قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] الآيَةُ، واقْتِحامُها بِأنْ يَرْتَحِلَ مِن عالَمِهِ السّافِلِ إلى العالِمِ العالِي الكامِلِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إلّا اللَّذَّةَ، وذَلِكَ هو الِاعْتِرافُ بِحَقِّ العُبُودِيَّةِ، وتِلْكَ هي الحُرِّيَّةُ لِأنَّ الحُرَّ مَن خَرَجَ مِن رِقِّ الشَّهَواتِ إلى خِدْمَةِ المَوْلى، فَصارَ [طَوَّعَ] أمْرِهِ في سِرِّهِ وجَهْرِهِ لا حَظَّ لِشَهْوَةٍ فِيهِ ولا وُصُولَ لِحَظٍّ إلَيْهِ، وذَلِكَ يَكُونُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما جَذْبٌ والآخَرُ كَسْبٌ، فالمَجْذُوبُ مَحْمُولٌ. والكاسِبُ في تَعَبِ المُجاهَداتِ بِسَيْفِ الهِمَّةِ العالِيَةِ مُصُولٌ.

البلد 90:12

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ مِنَ النَّكَدِ إلّا بِهَذا الِاقْتِحامِ، شَرَعَ في تَفْسِيرِ العَقَبَةِ بادِئًا بِتَهْوِيلِ أمْرِها لِعَظِيمِ قَدْرِها، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالماضِي الَّذِي جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِأنَّهُ إذا عَبَّرَ بِهِ شَرْحَ المُسْتَفْهِمِ عَنْهُ: ﴿وما أدْراكَ﴾ أيْ أيُّها السّامِعُ لِكَلامِنا، الرّاغِبُ فِيما عِنْدَنا ﴿ما العَقَبَةُ﴾ أيْ إنَّكَ لَمْ تَعْرِفْ كُنْهَ صُعُوبَتِها وعَظْمَةَ ثَوابِها، فَلَمّا تَفَرَّغَ القَلْبُ بِالِاسْتِفْهامِ عَمّا لا يَعْرِفُهُ، وكانَ الإنْسانُ أشْهى ما إلَيْهِ تَعْرِفُ ما أشْكَلَ عَلَيْهِ، فَتَشَوَّفَتِ النُّفُوسُ إلى عِلْمِها، قالَ مُشِيرًا إلى الأُولى الَّتِي هي العِفَّةُ الَّتِي ثَمَرَتُها السَّخاءُ (p-٦٢)وإصْلاحُ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ مُعَبِّرًا بِالفَكِّ الَّذِي هو أدْنى ما يَكُونُ مِنَ العِتْقِ لِأنَّهُ الإعانَةُ فِيهِ ولَوْ بِما قَلَّ كَما ورَدَ في حَدِيث البَراء رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أعْتَقَ النَّسَمَة وفَكّ الرَّقَبَةِ» وعِتْقها أنْ تَفَرُّد بِهِ، وفَكّها أنْ تَعَيَّنَ في ثَمَنِها، وفَسَّرَ المُراد بِهَذِهِ العَقَبَةِ بِما دَلَّ عَلى مُعادِلٍ لا كَما يَأْتِي تَعْيِينُ تَقْدِيرِهِ فَإنَّها لا تُسْتَعْمَلُ إلّا مُكَرَّرَةً قالَ:

البلد 90:13

﴿فَكُّ﴾ أيِ الإنْسانُ ﴿رَقَبَةٍ﴾ أيْ مِنَ الأسْرِ أوِ الظُّلْمِ أوِ الغُرْمِ أوِ السَّقَمِ شُكْرًا لِمَن أوْلاهُ الخَيْرُ وتَنْفِيسًا لِلْكُرْبَةِ حُبًّا لِلْمَعالِي والمَكارِمِ لا رِياءَ وسُمْعَةً كَما فَعَلَ هَذا الظّانُّ الضّالُّ ولا لِطَمَعٍ في جَزاءٍ ولا لِخَوْفٍ مِن عَناءٍ

البلد 90:14

﴿أوْ إطْعامٌ﴾ أيْ أوْقَعَ الإطْعامَ لِشَيْءٍ لَهُ قابِلِيَّةُ ذَلِكَ ﴿فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ أيْ جُوعٍ عامٍّ في مَكانِ جُوعٍ وزَمانِ جُوعٍ - بِما أفْهَمَهُ الوَصْفُ والصِّيغَةُ، فَكانَ لِذَلِكَ يَحْمِلُ عَلى الضِّنَّةِ بِالمَوْجُودِ خَوْفًا مِن مِثْلِ ما فِيهِ المَطْعَمُ فَخالَفَ النَّفْسَ وآثَرَ عَلَيْها اعْتِمادًا عَلى اللَّهِ

البلد 90:15

﴿يَتِيمًا﴾ أيْ [إنْسانًا] صَغِيرًا لا أبَ لَهُ يُرْجى أوْ يَخافُ ﴿ذا مَقْرَبَةٍ﴾ لا يُرْجى بِإطْعامِهِ إلّا التَّوَدُّدُ لِأقارِبِهِ لِلتَّكْثِيرِ بِهِمْ مَعَ [أنَّهُ] يَجْمَعُ بِذَلِكَ بَيْنَ صَدَقَةٍ وصِلَةٍ وإنْ كانَ غَنِيًّا

البلد 90:16

﴿أوْ مِسْكِينًا﴾ (p-٦٣)أيْ شَخْصًا لا كِفايَةَ لَهُ ﴿ذا مَتْرَبَةٍ﴾ أيْ حاجَةٍ مُقْعَدَةٍ لَهُ عَلى التُّرابِ، لا يَقْدِرُ عَلى سِواهُ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ القُرْبِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذِكْرُ المَتْرَبَةِ ثانِيًا يَدُلُّ عَلى ضِدِّها أوَّلًا، وسَرُّ ذَلِكَ أنَّهُ [ذَكَرَ] في اليَتِيمِ القُرْبَ المُعْطَفَ، وفي المِسْكِينِ الوَصْفَ المُرَقَّقَ المُلَطَّفَ، فَهو لا يَقْصِدُ بِإطْعامِهِ إلّا سَدَّ فاقَتِهِ، ودَخَلَ فِيهِ اليَتِيمُ البَعِيدُ والفَقِيرُ مِن بابِ الأُولى وإنْ كانَ أجْنَبِيًّا.

البلد 90:17

ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ خَيْرًا في نَفْسِها تَدُلُّ عَلى جَوْدَةِ الطَّبْعِ وعُلُوِّ الهِمَّةِ وكَرَمِ العُنْصُرِ وإباءِ النَّفْسِ إشارَةً إلى شِدَّةِ حُسْنِها لِأنَّهُ لا يُوَفَّقُ لَها إلّا مُخْلِصٌ وإنْ كانَ غَيْرَ مُسْتَنِدٍ إلى شَرْعٍ وإلى ما يُفِيدُهُ مِن سَلاسَةِ الطَّبْعِ وسُهُولَةِ الِانْقِيادِ وإلى عَظَمَةِ الإيمانِ بِالتَّعْبِيرِ بِأداةِ التَّراخِي في قَوْلِهِ مُشِيرًا إلى العَقَبَةِ الثّانِيَةِ وهي الحِكْمَةُ المُزَكِّيَةُ لِلْقُوَّةِ النُّطْقِيَّةِ: ﴿ثُمَّ كانَ﴾ أيْ بَعْدَ التَّخَلُّقِ بِهَذِهِ الأخْلاقِ الزّاكِيَةِ العالِيَةِ النَّفِيسَةِ الغالِيَةِ في حالِ كُفْرِهِ أوْ مَبادِئِ إسْلامِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى صَفارِ جِبِلَّتِهِ وجَوْدَةِ عُنْصُرِهِ مِنَ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ المُعَبِّرِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ عِنْدِ ما دَعاهُ إلَيْهِ الهادِيَ، ولَمْ تَحْمِلْهُ حَمِيَّةُ الأنْفِ وشَمّاخَةُ النَّفْسِ (p-٦٤)عَلى الإباءِ عَنْ أنْ يَكُونَ تابِعًا بَعْدَ ما كانَ مَتْبُوعًا، وسافِلًا في زَعْمِهِ إثْرَ ما كانَ رَفِيعًا، بَلْ سَدَّدَ النَّظَرَ وقَوَّمَ الفِكْرَ فَأيْقَنَ أنَّهُ يُعْلِي نَفْسَهُ مِنَ الحَضِيضِ إلى ما فَوْقَ السَّهى، يُرَقِّيها في دُرْجِ المَعالِي إلى ما لَيْسَ لَهُ انْتِهاءٌ، إنْ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى، فَحِينَئِذٍ يَعْلَمُ اسْتِقامَةَ طَبْعِهِ وكَرَمَ غَرِيزَتِهِ وعَلَيَّ هِمَّتِهِ وحُسْنَ نِيَّتِهِ وجَمِيلَ طَوَيَّتِهِ وغَزارَةَ عَقْلِهِ وجَلالَةَ نُبْلِهِ وفَضْلِهِ واسْتِحْقاقِهِ التَّقَدُّمَ عَلى الأعْلامِ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، ولِذَلِكَ كانَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أعْلى النّاسِ دَرَجَةً بَعْدَ النَّبِيِّينَ عَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاة والسَّلام والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ، لِأنَّ هَذِهِ كانَتْ أفْعالَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قَبْلَ الإسْلامِ كَما قالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ حِينَ وجَدَهُ قَدْ خَرَجَ مِن مَكَّةَ المُشَرَّفَةَ يُرِيدُ الهِجْرَةَ حِينَ آذاهُ الكُفّارُ: إنَّ مِثْلَكَ يا أبا بَكْرٍ لا يَخْرُجُ ولا يُخْرَجُ، إنَّكَ لِتَصِلُ الرَّحِمَ وتَقْرِي الضَّيْفَ وتَحْمِلُ الكَلَّ وتُعِينُ عَلى نَوائِبِ الحَقِّ - كَما قالَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ رَجَعَ إلَيْها تَرْجُفُ بَوادِرُهُ مِن تَجَلِّي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام لَهُ سَواءٌ، فَلَمّا سَرَّبَ في رَحِيبِ مُسَرِّبِهِ، وشَرِبَ مِن صافِي مَشْرَبِهِ، تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ تَعالى لَمْ يَتَلَعْثَمْ حِينَ دَعاهُ إلى الدِّينِ و[لا] كانَتْ عِنْدَهُ كَبْوَةً ولا تَرَدُّدَ، ثُمَّ تَرْقى في دَرَجاتِ الإسْلامِ إلى أعْلى مَرامٍ بِحَيْثُ قالَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما حِينَ أظْهَرَ الكَراهَةَ لِلصُّلْحِ ما (p-٦٥)قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ سَواءٌ حَرْفًا بِحَرْفٍ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ حاضِرَهُ أوْ يَنْقُلُ إلَيْهِ كَلامَهُ، فَسارَ حِينَئِذٍ حائِزًا قَصَبَ السَّبْقِ، لا مَطْمَعَ في مُداناتِهِ، فَكَيْفَ بِلَحاقِهِ ومُساواتِهِ، ولِكَمالِهِ وعَظَمَتِهِ وجَلالِهِ لَمْ يَشْرَبْ قَطُّ خَمْرًا، وكانَ إذا لِيمَ عَلى ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ قالَ [لِعُشَراءَ]: واللَّهِ لَوْ وجَدْتُ شَيْئًا يَزِيدُ في عَقْلِي لاشْتَرَيْتُهُ بِجَمِيعِ مالِي فَكَيْفَ أشْتَرِي بِمالِي ما يُزِيلُ عَقْلِي. وتِلْكَ الأعْمالُ لا تَصِحُّ وإنْ كانَتْ مَمْدُوحَةً في كُلِّ حالٍ إلّا بِالإيمانِ، أمّا إنْ كانَتْ بَعْدَهُ فَواضِحٌ، وأمّا إنْ كانَتْ قَبْلَهُ فَبِانْعِطافِهِ عَلَيْها كَما قالَ ﷺ: «أسَلَمْتُ عَلى ما سَلَفَ مِنكَ مِن خَيْرٍ» . ولَمّا كانَ الإيمانُ مُعْلِيًا لِلْإنْسانِ عَنْ دَرْكِ الهَوانِ إلى عِظَمِ الشَّأْنِ، حامِلًا لَهُ عَلى مَحاسِنِ الأعْمالِ ومَكارِمِ الأفْعالِ، وذَلِكَ أنَّهُ يَقُودُ إلى جَمِيعِ شَرائِعِ الدِّينِ العَظِيمَةِ الشَّأْنِ، وكانَتْ مُوجِبَةً لِلْجِهادِ الأكْبَرِ مِن حَيْثُ مُخالَفَتُها لِلطَّبْعِ، وكانَ ذَلِكَ غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ إلّا بِالشَّجاعَةِ وهي القُوَّةُ الثّالِثَةُ الَّتِي إذا هُدِّئَتْ أراحَتْ، وكانَتْ لا تَكُونُ إلّا بِعَظِيمِ الصَّبْرِ، وكانَ الصَّبْرُ لِمَرارَتِهِ لا يَدُومُ إلّا بِالتَّعاوُنِ قالَ تَعالى: ﴿وتَواصَوْا﴾ (p-٦٦)أيْ صَبَرُوا وأوْصى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿بِالصَّبْرِ﴾ في اقْتِحامِ عَقَباتِ الأعْمالِ الَّتِي لا يُجَوِّزُها إلّا أبْطالُ الرِّجالِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إلى ما دَوَّنَهُ وإنْ كانَ فِيهِ الحُتُوفُ، فَإنَّ الشَّجاعَةَ كَما قِيلَ صَبْرُ ساعَةٍ. ولَمّا كانَ الإنْسانُ لا بُدَّ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الخِلافِ ما يُوجِبُ قَسْوَتَهُ عَلَيْهِ، فَكانَتِ الرَّحْمَةُ مِن ثَمَراتِ الِاصْطِبارِ المُثْمِرِ لِلْعَدالَةِ، وهي التَّوَسُّطُ بَيْنَ مَذَمَّتَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ في الفِسْقِ والبَلَهِ وهي العَقَبَةُ الرّابِعَةُ، قالَ مُؤَكِّدًا بِإعادَةِ العامِلِ إشارَةً إلى قِلَّةِ العامِلِينَ بِها: ﴿وتَواصَوْا بِالمَرْحَمَةِ﴾ أيِ الرَّحْمَةُ العَظِيمَةُ بِحَسَبِ زَمانِها ومَكانِها بِأنْ يُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى كُلِّ ما يَحْمِلُ عَلى الرَّحْمَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي تُوجِبُ لَهُمُ الحُبَّ في اللَّهِ والبُغْضَ فِيهِ لِأنَّهم كانُوا قَبْلَ الإيمانِ خالِصِينَ عَنِ الرِّياءِ والإعْجابِ مُتَهَيِّئِينَ لِلتَّزْكِيَةِ فَزَكّاهُمُ الإيمانُ، فَصارُوا في غايَةِ النُّورانِيَّةِ والعِرْفانِ.

البلد 90:18

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِن مَعالِي الأخْلاقِ، ومُوجِباتِ الفَواقِ والوِفاقِ، كانَتْ نَتِيجَتُهُ لا مَحالَةَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العُظَماءُ الكُبَراءُ العالُو المَنزِلَةِ، ولَمْ يَأْتِ بِضَمِيرِ الفَصْلِ كَما يَأْتِي لِأضْدادِهِمْ لِيُخْلِصَ الفِعْلَ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ضَمائِرِهِمُ الدّالَّةِ عَلى جِبِلّاتِهِمْ لِأنَّهُ هو الَّذِي جَبَلَها، وأغْنى عَنْهُ بِالإشارَةِ الدّالَّةِ عَلى عُلُوِّ مَقامِهِمْ وبُعْدِ مَرامِهِمْ (p-٦٧)﴿أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ أيِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ اليُمْنُ والبَرَكَةُ والنَّجاةُ مِن [كُلِّ] هَلَكَةٍ بِقِسْمَيْهِمْ مِنَ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ وأصْحابُ اليَمِينِ الأبْرارُ، كَما مَضى [شَرْحُهُ] في سُورَةِ الواقِعَةِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِذَلِكَ الَّذِي أتْلَفَ مالَهُ في المُنافَسَةِ. والمُشاقَقَةُ والمُعاكَسَةُ.

البلد 90:19

ولَمّا أرْشَدَ السِّياقُ لِمُعادَلَةِ ﴿فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] إلى أنَّ التَّقْدِيرَ: ولا أُحْجِمُ عَنِ المُعْطِبَةِ الَّتِي هي الأفْعالُ المُوجِبَةُ لِلْمَعْتَبَةِ مَعَ كَوْنِها مُتْعَبَةً، بَلْ قَطَعَ مَن يَسْتَحِقُّ الوَصْلَ ووَصَلَ مَن يَسْتَأْهِلُ القَطْعَ، ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وتَواصَوْا بِالمُلَأمَةِ واكْتَسَبُوا السَّيِّئاتِ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ وعامَلُوا بِالقَسْوَةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما تَظْهَرُ لَهم مُرائِي بَصائِرِهِمْ مِنَ العِلْمِ. ولَمّا كانَ الكُفْرُ بِالآياتِ مِن أسْوَأِ أنْواعِ الكُفْرِ لِأنَّهُ كُفْرٌ بِما جَعَلَهُ اللَّهُ عِلْمًا عَلى غَيْبِ عَهْدِهِ، وهي جَمِيعُ ما تُدْرِكُهُ الحَواسُّ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الدّالَّةِ عَلى ذِي الجَلالِ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى الصِّفاتِ الدّالَّةِ عَلى المَوْصُوفِ بِها الَّذِي ظَهَرَ بِأفْعالِهِ وبَطَّنَ بِعَظِيمِ جَلالِهِ، قالَ: ﴿بِآياتِنا﴾ [أيْ] ما لَها مِنَ العَظَمَةِ بِالإضافَةِ إلَيْنا والظُّهُورِ الَّذِي لا يُمْكِنُ خَفاؤُهُ ﴿هُمْ﴾ أيْ خاصَّةً لِسُوءِ ضَمائِرِهِمْ ولِفَسادِ جِبِلّاتِهِمْ ﴿أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ أيِ الخَصْلَةِ المُكْسِبَةِ لِلشُّؤْمِ والحِرْمانِ والهَلَكَةِ فَهَؤُلاءِ مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وكُفْرُهم دالٌّ عَلى فَسادِ جِبِلّاتِهِمْ فَهو (p-٦٨)يُشِيرُ إلى أنَّ مَن كانَ كُفْرُهُ أخَفَّ لَمْ يَكُنْ جِبِلِّيًّا، فَيُوشِكُ أنْ يُهْدى فَيَكُونُ مِن أصْحابِ المَيْمَنَةِ.

البلد 90:20

ولَمّا كانَ مَعْنى هَذا أنَّهم في الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الشُّؤْمُ والهَلَكَةُ، والبُعْدُ مِن كُلِّ بَرَكَةٍ، أنْتَجَ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أيْ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ ﴿نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ أيْ مُطْبَقَةُ البابِ مَعَ إحاطَتِها بِهِمْ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ - بِما أفْهَمَتْهُ أداةُ الِاسْتِعْلاءِ ومَعَ الضِّيقِ والوُعُورَةِ، وهَذا لَعَمُرِي أشَدُّ الضِّيقِ والكَبَدِ، والنَّصَبِ والنَّكَدِ فالمَلْجَأُ مِنهُ إلى اللَّهِ الأحَدِ، الواحِدِ الصَّمَدِ، وقَدْ [عُلِمَ] أنَّ أوَّلَهُ هو هَذا الآخَرُ، فَكانَ التَّقاطُرُ فِيها مِمّا تُشَدُّ بِهِ الأيْدِي وتُعْقَدُ عَلَيْهِ الخَناصِرُ - واللَّهُ تَعالى هو المَرْجُوُّ لِلْهِدايَةِ إلى خَيْرِ السَّرائِرِ، وهو الهادِي لِلصَّوابِ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.

الشمس 91:1

(p-٦٩)سُورَةُ الشَّمْسِ مَقْصُودُها إثْباتُ تَصَرُّفِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في النُّفُوسِ الَّتِي هي سَرْجُ الأبْدانِ، تَقُودُها إلى سَعادَةٍ أوْ كَيْدٍ وهَوانٍ ونَكَدٍ، كَما أنَّ الشَّمْسَ سِراجُ الفُلْكِ، يَتَصَرَّفُ سُبْحانَهُ في النُّفُوسِ بِالِاخْتِيارِ إضْلالًا وهِدايَةً ونَعِيمًا وشَقاوَةً تَصَرُّفُهُ سُبْحانَهُ في الشَّمْسِ بِمِثْلِ ذَلِكَ مِن صِحَّةٍ واعْتِلالٍ، وانْتِظامٍ واخْتِلالٍ، وكَذا في جَمِيعِ الأكْوانِ، بِما لَهُ مِن عَظِيمِ الشَّأْنِ، واسْمُها الشَّمْسُ واضِحُ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القَسَمِ [والمُقْسَمِ عَلَيْهِ] بِما أعْلَمَ بِهِ وأشارَ إلَيْهِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ [الَّذِي هُوَ] المَلِكُ الأعْظَمُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ العامُّ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي وسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ فَإلَيْهِ الإنْعامُ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مَن شاءَ بِالتَّوْفِيقِ فَبَنى إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ عَلى التَّمامِ. * * لَمّا أثْبَتَ في سُورَةِ البَلَدِ أنَّ الإنْسانَ في كَبَدٍ، وخَتَمَها بِأنَّ مِن حادَ عَنْ سَبِيلِهِ [كانَ] في أنْكَدِ النَّكَدِ، وهو النّارُ المُؤْصَدَةُ، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ عَلى أنَّ الفاعِلَ لِذَلِكَ أوَّلًا وآخِرًا هو اللَّهُ سُبْحانَهُ [لِأنَّهُ] يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وبَيْنَ القَلْبِ ولُبِّهِ، فَقالَ مُقْسِمًا بِما يَدُلُّ عَلى تَمامِ عِلْمِهِ (p-٧٠)وشُمُولِ قُدْرَتِهِ في الآفاقِ عُلْوِيِّها وسُفْلِيِّها، والأنْفُسُ سَعِيدُها وشَقِيُّها، وبَدَأ بِالعالَمِ العُلْوِيِّ، فَأفادَ ذَلِكَ قَطْعًا العِلْمَ بِأنَّهُ الفاعِلُ المُخْتارُ، وعَلى العِلْمِ بِوُجُوبِ ذاتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ، وذَلِكَ أقْصى دَرَجاتِ القُوى النَّظَرِيَّةِ، تَذْكِيرًا بِعَظائِمِ آلائِهِ، لِيَحْمِلَ عَلى الِاسْتِغْراقِ في شُكْرِ نَعْمائِهِ، الَّذِي هو مُنْتَهى [كِمالاتِ] القُوى العَمَلِيَّةِ، مَعَ أنَّ أوَّلَ المُقْسَمِ بِهِ مُذَكِّرٌ بِما خَتَمَ بِهِ آخِرُ تِلْكَ مِنَ النّارِ: ﴿والشَّمْسِ﴾ أيِ الجامِعَةُ بَيْنَ النَّفْعِ والضُّرِّ بِالنُّورِ والحَرِّ، كَما أنَّ العُقُولَ كَذَلِكَ لا أنْوَرَ مِنها إذا نارَتْ، ولا أظْلَمَ مِنها إذا بارَتْ ﴿وضُحاها﴾ أيْ [و] ضَوْئِها النّاشِئُ عَنْ جِرْمِها العَظِيمِ الشَّأْنِ البَدِيعِ التَّكْوِينِ المُذَكِّرِ بِالنِّيرانِ إذا أشْرَقَتْ وقامَ سُلْطانُها كَإشْراقِ أنْوارِ العُقُولِ، والضُّحى - بِالضَّمِّ والقَصْرِ: صَدْرُ النَّهارِ حِينَ ارْتِفاعِهِ، وبِالفَتْحِ والمَدِّ: شِدَّةُ الحَرِّ [بَعْدَ امْتِدادِ النَّهارِ، وشَيْءٌ ضاحٍ - إذا ظَهَرَ لِلشَّمْسِ والحَرِّ].

الشمس 91:2

ولَمّا افْتَتَحَ بِذِكْرِ آيَةِ النَّهارِ، أتْبَعُهُ ذِكْرَ آيَةِ اللَّيْلِ فَقالَ: ﴿والقَمَرِ﴾ أيِ المُكْتَسَبِ مِن نُورِها كَما أنَّ أنْوارَ النُّفُوسِ مِن أنْوارِ العُقُولِ ﴿إذا تَلاها﴾ أيْ تَبِعَها في الِاسْتِدارَةِ والنُّورِ بِما دَلَّ عَلى أنَّ نُورَهُ مِن نُورِها مِنَ القُرْبِ الماحِقِ لِنُورِهِ والبُعْدِ المُكْتَسَبِ لَهُ في مِقْدارِ ما يُقابِلُها مِن جِرْمِهِ، ولا يَزالُ يَكْثُرُ إلى أنْ تَتِمَّ المُقابَلَةُ فَيَتِمَّ النُّورُ لَيْلَةَ الإبْدارِ (p-٧١)عِنْدَ تَقابُلِهِما في أُفُقِ الشَّرْقِ والغَرْبِ، ومِن ثَمَّ يَأْخُذُ في المُقارَبَةِ فَيَنْقُصُ بِقَدْرِ ما يَنْحَرِفُ عَنِ المُقابَلَةِ، ونِسْبَةُ التَّبَعِ إلَيْهِ مَجازِيَّةٌ أُطْلِقَتْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَنْظُرُ مِنهُ كَذَلِكَ.

الشمس 91:3

ولَمّا ذَكَرَ الآيَتَيْنِ، ذَكَرَ ما هُما آيَتاهُ، وبَدا بِهِما لِأنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ إلّا بِهِما كَما أنَّهُ لا صَلاحَ لِلْبَدَنِ إلّا بِالنَّفْسِ والعَقْلِ فَقالَ: ﴿والنَّهارِ﴾ أيْ بِالَّذِي] هو مَحَلُّ الِانْتِشارِ فِيما جَرَتْ [بِهِ] الأقْدارُ ﴿إذا جَلاها﴾ أيْ جَلّى الشَّمْسَ بِحِلْيَةٍ عَظِيمَةٍ بَعْضُها أعْظَمُ مِن بَعْضٍ بِاعْتِبارِ الطُّولِ والقِصَرِ والصَّحْوِ والغَيْمِ والضَّبابِ والصَّفاءِ والكَدَرِ كَما أنَّ الأبْدانَ تارَةً تُزَكِّي القُلُوبَ والنُّفُوسَ والعُقُولَ وتارَةً تُدَنِّسُها، لِأنَّ العَقْلَ يَكُونُ في غايَةِ الصَّفاءِ والدُّعاءِ إلى الخَيْرِ في حالِ الصِّغَرِ ثُمَّ لا يَزالُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ بِحَسَبِ زَكاءِ البَدَنِ في حُسْنِ الجِبِلَّةِ، أوْ نَجاسَتِهِ بِسُوءِ الجِبِلَّةِ، حَتّى يَصِيرَ الشَّخْصُ نُورًا مَحْضًا مَلِكًا ناطِقًا إذا طابَقَ البَدَنُ العَقْلَ فَتَعاوَنا عَلى الخَيْرِ، أوْ يَصِيرَ ظَلامًا بَحْتًا شَيْطانًا رَجِيمًا إذْ خالَفَ البَدَنُ العَقْلَ بِسُوءِ الجِبِلَّةِ وشَرارَةِ الطَّبْعِ.

الشمس 91:4

ولَمّا ذَكَرَ مَعْدِنَ الضِّياءِ، ذَكَرَ مَحَلَّ الظَّلامِ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي هو ضِدُّ النَّهارِ فَهو مَحَلُّ السُّكُونِ والِانْقِباضِ والكُمُونِ (p-٧٢)﴿إذا يَغْشاها﴾ أيْ يُغَطِّي الشَّمْسَ فَيَذْهَبُ ضَوْءُها حِينَ تَغِيبُ فَتَمْتَدُّ ظِلالُ الأرْضِ عَلى وجْهِها المُماسِّ لَنا، فَيَأْخُذُ الأُفُقَ الشَّرْقِيَّ في الإظْلامِ، ويَمْتَدُّ ذَلِكَ الظَّلامُ بِحَسِبِ طُولِ اللَّيْلِ وقِصَرِهِ كَما يُغَطِّي البَدَنَ نُورُ العَقْلِ بِواسِطَةِ طَبْعِهِ بِخُبْثِهِ ورَداءَةِ عُنْصُرِهِ، وذَلِكَ كُلُّهُ بِمَقادِيرَ مَعْلُومَةٍ، ومَوازِينَ قِسْطٍ مَحْتُومَةٍ، لَيْسَ فِيها اخْتِلالٌ، ولا يَعْتَرِيها انْحِلالٌ، حَتّى يُرِيدَ ذُو الجَلالِ، ولَمْ يُعَبِّرْ بِالماضِي كَما في النَّهارِ لِأنَّ اللَّيْلَ لا يَذْهَبُ الضِّياءُ بِمَرَّةٍ بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، ولا يَنْفَكُّ عَنْ نُورٍ بِخِلافِ النَّهارِ، فَإنَّهُ إذا أبْدى الشَّمْسَ ولَمْ يَكُنْ غَيْمٌ ولا كَدَرٌ جَلّى الشَّمْسَ في آنٍ واحِدٍ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ ظَلامٌ بِوَجْهٍ.

الشمس 91:5

ولَمّا ذَكَرَ الآيَتَيْنِ ومَحَلَّ أثَرِهِما، ذَكَرَ مَحَلَّ الكُلِّ فَقالَ تَعالى: ﴿والسَّماءِ﴾ أيِ الَّتِي هي مَحَلٌّ ذَلِكَ كُلِّهِ ومَجْلاهُ كَما أنَّ الأبْدانَ مَحَلُّ النُّفُوسِ، والنُّفُوسُ مُرَكَّبُ العُقُولِ، ولَمّا رَقّى الأفْكارَ مِن أعْظَمِ المَحْسُوساتِ المُماسَّةِ إلى ما هو دُونَهُ في الحِسِّ وفَوْقَهُ في الِاحْتِياجِ إلى إعْمالِ فِكْرٍ، رُقِيَ إلى الباطِنِ الأعْلى المَقْصُودِ بِالذّاتِ وهو المُبْدِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ مُعَبِّرًا عَنْهُ بِأداةِ ما لا يَعْقِلُ، مَعَ الدَّلالَةِ بِنَفْسِ الإقْسامِ، عَلى أنَّ لَهُ العِلْمَ التّامَّ، والإحاطَةَ الكُبْرى بِالحِكْمَةِ البالِغَةِ، تَنْبِيهًا [عَلى] أنَّهم وصَفُوهُ بِالإشْراكِ (p-٧٣)وإنْكارِ الحَشْرِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ السُّفْلى والمُساواةِ بِالجَماداتِ الَّتِي عَبَدُوها مَعَ ما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ الَّتِي لَيْسَ لِغَيْرِهِ ما يُدانِي شَيْئًا مِنها، زَجْرًا لَهم بِالإشارَةِ والإيماءِ عَنْ ذَلِكَ ومُشِيرًا إلى شِدَّةِ التَّعْجِيبِ مِنهم لِكَوْنِها أداةَ التَّعَجُّبِ فَقالَ: ﴿وما بَناها﴾ أيْ هَذا البِناءُ المُحْكَمُ الَّذِي رَكَّبَ فِيهِ ما ذَكَرَهُ إشارَةً إلى ما وراءَهُ مِمّا يُعْجِزُ الوَصْفَ.

الشمس 91:6

ولَمّا ذَكَرَ البِناءَ ذَكَرَ المِهادَ فَقالَ: ﴿والأرْضِ﴾ [أيِ] الَّتِي هي فِراشُكم بِمَنزِلَةِ مَحالِّ تَصَرُّفاتِكم بِالعَقْلِ في المَعانِي المَقْصُودَةِ ﴿وما طَحاها﴾ أيْ بَسْطَها عَلى وجْهٍ هي فِيهِ مُحِيطَةٌ بِالحَيَوانِ كُلِّهِ ومُحاطٌ بِها في مُقَعَّرِ الأفْلاكِ، وهي [مَعَ] كَوْنِها مُمْسِكَةً بِالقُدْرَةِ كَأنَّها طائِحَةٌ في تَيّارِ بِحارِها، وهي مَوْضِعُ البُعْدِ والهَلاكِ ومَحِلُّ الجَمْعِ - كُلُّ هَذا بِما يُشِيرُ إلَيْهِ التَّعْبِيرُ بِهَذا اللَّفْظِ إشارَةً إلى ما [فِي] سَعْيِ الإنْسانِ مِن أمْثالِ هَذا، قالَ أهْلُ البَصائِرِ: ولَيْسَ في العالَمِ الآفاقِيِّ شَيْءٌ إلّا وفي العالِمِ النَّفْسانِيِّ نَظِيرُهُ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ: ؎دَواؤُكَ فِيكَ وما تَشْعُرُ ∗∗∗ وداؤُكَ مِنكَ وتَسْتَنْكِرُ ؎وتَحْسَبُ أنَّكَ جُزْءٌ صَغِيرٌ ∗∗∗ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالِمُ الأكْبَرُ فالسَّماواتُ سَبْعٌ كَطِباقِ الرَّأْسِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالقُوى المَعْنَوِيَّةِ والحِسِّيَّةِ (p-٧٤)كالذّاكِرَةِ والحافِظَةِ والواهِمَةِ والمُخَيَّلَةِ والمُفَكِّرَةِ والحِسِّ المُشْتَرَكِ وما هو لِمُقاسِمِ البَصَرِ في العَيْنِ، ونَظِيرُ الشَّمْسِ الرُّوحُ في إشْراقِهِ وحُسْنِهِ، ونَظِيرُ اللَّيْلِ الطَّبْعُ فَإنَّ ما بِهِ مِن نُورٍ فَإنَّما هو مِنَ الرُّوحِ كَما أنَّ اللَّيْلَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ نُورُهُ إلّا مِنَ الشَّمْسِ بِواسِطَةِ إفادَتِها لِلْقَمَرِ المُنِيرِ لَهُ والكَواكِبِ، ونَظِيرُ النَّهارِ - الَّذِي هو نَيِّرٌ في أصْلِهِ ومُتَكَدِّرٌ بِما يُخَيَّلُ لَهُ مِنَ السُّحُبِ ونَحْوِهِ - القَلْبُ وسُحُبُهُ الشُّكُوكُ والأوْهامُ النَّفْسِيَّةُ، ونَظِيرُ القَمَرِ في ظُلْمَتِهِ بِأصْلِهِ وإنارَتِهِ بِالشَّمْسِ النَّفْسُ، فَإذا أكْسَبَها القَلْبُ المُسْتَفِيدُ مِنَ الرُّوحِ النُّورُ أنارَ جَمِيعَ البَدَنِ، وإذا أظْلَمَتْ أظْلَمَ كُلُّهُ، والأعْضاءُ الباطِنَةُ كالكَواكِبِ يَقُومُ بِها البَدَنُ فَيُنِيرُ لَهُ الوُجُودَ بِواسِطَةِ الرُّوحِ والنَّفْسِ، والأمْطارِ كالدَّمْعِ، والحَرُّ كالحُزْنِ، والبَرْدُ كالسُّرُورِ، والرَّعْدُ كالنُّطْقِ، والبَرْقُ كالمُلِحِّ، والرِّياحِ كالنَّفْسِ - إلى غَيْرِ ذَلِكَ [مِنَ البَدائِعِ] لِمَن تَأمَّلَ، والعالَمُ السُّفْلِيُّ سَبْعُ طِباقٍ أيْضًا، قالَ المَلْوِيُّ: ”ونَظِيرُها طَبَقَةُ الجِلْدِ“ وهي ثَلاثٌ، [و] طَبَقَةُ اللَّحْمِ وطَبَقَةُ الشَّحْمِ (p-٧٥)وطَبَقَةُ العُرُوقِ وطَبَقَةُ العَصَبِ، والجِبالُ كالعِظامِ والمَعادِنِ مِنها المِياهُ وفِيها العَذْبُ كالرِّيقِ والمِلْحِ كالدَّمْعِ والمُرِّ كَما في الأُذُنِ والمُنْتِنِ مِنهُ كَما في الأنْفِ، ومِنهُ ما هو جارٍ كالبَوْلِ، ومِنهُ ما هو كالعُيُونِ وهو الدَّمُ، والسَّيْلُ كالعَرَقِ، والمَعادِنُ المُنْطَبِعَةُ كالحَدِيدِ والرَّصاصِ هي وسَخُ الأرْضِ وهي كالعَذْرَةِ وما يَخْرُجُ مِنَ الجِلْدِ مِن خُبْثٍ، [و] النَّباتُ كالشُّعُورِ تارَةً تُحْلَقُ [كالحَصادِ] وتارَةً تُقْلَعُ كالنَّتْفِ، والحَيَواناتُ الَّتِي فِيها كالقَمْلِ، وطُيُورُها كالبَراغِيثِ، وعامِرُ البَدَنِ ما أقْبَلَ مِنهُ، وخَرابُهُ ما أدْبَرَ.

الشمس 91:7

ولَمّا أتَمَّ الإشارَةَ إلى النُّفُوسِ لِأهْلِ البَصائِرِ، صَرَّحَ بِالعِبارَةِ لِمَن دُونَهم فَقالَ تَعالى: ﴿ونَفْسٍ﴾ أيْ أيُّ نَفْسٍ جَمَعَ فِيها سُبْحانَهُ العالَمَ بِأسْرِهِ. ولَمّا كانَتِ النُّفُوسُ أعْجَبُ ما في الكَوْنِ وأجْمَعُ، عَبَّرَ فِيها بِالتَّسْوِيَةِ حَثًّا عَلى تَدَبُّرِ أمْرِها لِلِاسْتِدْلالِ عَلى مُبْدِعِها لِلسَّعْيِ في إصْلاحِ شَأْنِها فَقالَ تَعالى: ﴿وما سَوّاها﴾ أيْ عَدَلَها عَلى هَذا القانُونِ الأحْكَمِ في أعْضائِها وما فِيها مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ والمَعانِي وعَجائِبِ المِزاجِ مِنَ الأخْلاطِ المُتَنافِرَةِ الَّتِي لاءَمَ بَيْنَها بِالتَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ فَجَعَلَها مُتَمازِجَةً (p-٧٦)وقَدْ أرْشَدَ السِّياقُ والسِّباقُ واللَّحاقُ إلى أنَّ جَوابَ القَسَمِ مُقَدَّرٌ تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ طَبَّعَ سُبْحانَهُ وتَعالى نُفُوسَكم عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ هَيَّأها بِها لِما يُرِيدُ مِنَ القُلُوبِ مِن تَزْكِيَةٍ وتَدْسِيَةٍ بِما جَعَلَ لَكم مِنَ القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ، وأبْلَغَ في التَّقَدُّمِ إلَيْكم في تَزْكِيَةِ نُفُوسِكم وتَطْهِيرِ قُلُوبِكم لِاعْتِقادِ الحَشْرِ بِما هو أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ لا شُبْهَةَ فِيهِ ولا لَبْسَ لِتَنْجُوَ مِن عَذابِ الدُّنْيا والآخِرَةِ بِالِاتِّصافِ بِالتَّقْوى، والِانْخِلاعِ مِنَ الفُجُورِ والطَّغْوى. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ الزُّبَيْرِ: لِما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَلَدِ تَعْرِيفُهُ تَعالى بِما خَلَقَ فِيهِ الإنْسانِ مِنَ الكَبَدِ مَعَ ما جُعِلَ لَهُ سُبْحانَهُ مِن آلاتِ النَّظَرِ، وبَسَطَ لَهُ مِنَ الدَّلائِلِ والعِبَرِ، وأظْهَرَ في صُورَةٍ مَن مَلَكَ قِيادَهُ، ومَيَّزَ رُشْدَهُ وعِنادَهُ ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠] ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ [الإنسان: ٣] وذَلِكَ بِما جُعِلَ لَهُ مِنَ القُدْرَةِ الكَسْبِيَّةِ الَّتِي حَقِيقَتُها اهْتِمامٌ أوْ لِمَ؟ وأنّى بِالِاسْتِبْدادِ والِاسْتِقْلالِ، ثُمَّ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] أقْسَمَ سُبْحانَهُ وتَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ عَلى فَلاحِ مَنِ اخْتارَ رُشْدَهُ واسْتَعْمَلَ جُهْدَهُ وأنْفَقَ وجْدَهُ ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] وخَيْبَةُ مَن غابَ هُداهُ فاتَّبَعَ هَواهُ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] فَبَيَّنَ حالَ الفَرِيقَيْنِ وسُلُوكَ الطَّرِيقَيْنِ - انْتَهى.

الشمس 91:8

ولَمّا كانَ أعْجَبُ أُمُورِها الفُجُورُ لِما غَلَبَ سُبْحانَهُ عَلَيْها مِنَ الحُظُوظِ والشَّهَواتِ، وهي تَعْلَمُ بِما لَها مِن زاجِرِ العَقْلِ بِصَحِيحِ النَّقْلِ أنَّ الفُجُورَ (p-٧٧)أقْبَحُ القَبِيحِ، والتَّقْوى لِما أقامَ عَلَيْها مِن [مِلْكِ] العَقْلِ المَلَكِيِّ وغَرِيزَةِ العِلْمِ النَّوْرانِيِّ أحْسَنُ الحُسْنِ، وتَذَوُّق أنَّ الفُجُورَ أشْهى شَهِيٍّ، وأنَّ التَّقْوى أمَرُّ شَيْءٍ وأصْعَبُهُ، وأثْقَلُهُ وأتْعَبُهُ، قالَ مُعَلِّمًا أنَّ هَذا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ سِواهُ لِأنَّهُ أعْجَبُ مِن جَمِيعِ ما مَضى لِأنَّ البَهِيمَةَ لا تُقْدِمُ عَلى ما يَضُرُّها وهي تُبْصِرُ ولَوْ قَطَعَتْ، والآدَمِيُّ يُقْدِمُ عَلى ما يَضُرُّهُ وهو يَعْلَمُ ويُقاتِلُ مَن مَنَعَهُ مِنهُ، فَقالَ مُسَبِّبًا عَمّا حَذَفَ مِن جَوابِ القَسَمِ: ﴿فَألْهَمَها﴾ أيِ النَّفْسُ إلْهامَ الفِطْرَةِ السّابِقَةِ الأوْلى قَبْلُ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿فُجُورَها﴾ أيِ انْبِعاثُها في المَيْلِ [مَعَ] دَواعِي الشَّهَواتِ وعَدَمِ الخَوْفِ الحامِلِ عَلى خَرْقِ سِياجِ الشَّرِيعَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ الطَّبْعِ الَّذِي عَدَلَ فِيهِ ذاتُها وصِفاتُها في قَسْرِ المُتَنافِراتِ عَلى التَّمازُجِ غايَةَ التَّعْدِيلِ ﴿وتَقْواها﴾ أيْ خَوْفُها الَّذِي أوْجَبَ سُكُونُها وتُحْرِزُها بِوِقاياتُ الشَّرِيعَةِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ الفُجُورِ أوَّلًا دالٌّ عَلى السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدَّهُ ثانِيًا، وذِكْرُ التَّقْوى ثانِيًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ، وهو عَدَمُ الخَوْفِ أوَّلًا، وإلْهامُها لِلْأمْرَيْنِ هو جَعْلُهُ لَها عارِفَةً بِالخَيْرِ والشَّرِّ مُسْتَعِدَّةً ومُتَهَيِّئَةً لِكُلٍّ مِنهُما؛ ثُمَّ زادَ ذَلِكَ بِالبَيانِ التّامِّ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لُبْسٌ، فَزالَتْ (p-٧٨)الشُّبَهُ عَقْلًا بِالغَرِيزَةِ والإلْهامِ ونَقْلًا بِالرِّسالَةِ والإعْلامِ. ودَلَّ بِالإضافَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَنسُوبٌ إلَيْها ومَكْتُوبٌ عَلَيْها وإنْ كانَ بِخُلُقِهِ وتَقْدِيرِهِ لِأنَّهُ أوْدَعَها قُوَّةً وجَعَلَ لَها اخْتِيارًا صالِحًا لِكُلٍّ مِنَ النَّجْدَيْنِ، وأوْضَحَ أمْرَ النَّجْدَيْنِ في الكُتُبِ وعَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما وهَبَهُ لَها مِنَ الفِطْرَةِ القَوِيمَةِ وأخْفى عَنْها سِرَّ القَضاءِ والقُدْرَةِ وعِلْمَ العاقِبَةِ، فَأقامَ بِذَلِكَ عَلَيْها الحُجَّةَ وأوْضَحَ المَحَجَّةَ.

الشمس 91:9

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مَن سَمِعِ هَذا الكَلامَ يَعْلَمُ أنَّ التَّقْوى لا يَكُونُ إلّا مَأْمُورًا بِها، والفُجُورُ لا يَكُونُ إلّا مَنهِيًّا عَنْهُ، فَيَتَوَقَّعُ ما يُقالُ فِيهِما مِمّا يَتَأثَّرُ عَنْهُما، قالَ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ﴾ أيْ ظَفَرَ بِجَمِيعِ المُراداتِ ﴿مَن زَكّاها﴾ أيْ نَمّاها وأصْلَحَها وصَفّاها تَصْفِيَةً عَظِيمَةً بِما يُسِرُّهُ اللَّهُ لَهُ مِنَ العُلُومِ النّافِعَةِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ وطَهَّرَها عَلى ما يُسِرُّهُ لِمُجانَبَتِهِ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ لِأنَّ كُلًّا مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ، والدِّينُ بُنِيَ عَلى التَّحْلِيَةِ والتَّخْلِيَةِ و”زَكّى“ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ

الشمس 91:10

﴿وقَدْ خابَ﴾ أيْ حَرُمَ مُرادُهُ مِمّا أعَدَّ لِغَيْرِهِ في الدّارِ الآخِرَةِ وخَسِرَ وكانَ سَعْيُهُ باطِلًا ﴿مَن دَسّاها﴾ أيْ أغْواها إغْواءً عَظِيمًا وأفْسَدَها ودَنَّسَ مَحْياها وقَذَرَها وحَقَّرَها وأهْلَكَها بِخَبائِثَ الِاعْتِقادِ ومَساوِئِ الأعْمالِ، وقَبائِحِ النِّيّاتِ والأحْوالِ، وأخْفاها بِالجَهالَةِ والفُسُوقِ، والجَلافَةِ والعُقُوقِ، وأصْلُ ”دَسّى“ دَسَسَ، فالتَّزْكِيَةُ أنْ يَحْرِصَ (p-٧٩)الإنْسانُ عَلى شَمْسِهِ أنْ لا تَكْسِفَ، وقَمَرِهِ أنْ لا يَخْسِفُ، ونَهارِهِ أنْ لا يَتَكَدَّرَ، ولَيْلِهِ ألّا يُطْفى، والتَّدْسِيسُ أقَلُّهُ إهْمالُ الأمْرِ حَتّى تُكْسَفَ شَمْسُهُ، ويُخْسَفَ قَمَرُهُ، ويَتَكَدَّرَ نَهارُهُ، ويَدُومَ لَيْلُهُ، وطُرُقُ ذَلِكَ اعْتِبارُ نَظائِرِ المَذْكُوراتِ مِنَ الرُّوحانِيّاتِ وإعْطاءِ كُلِّ ذِي حَقِّ حَقَّهُ، فَنَظِيرُ الشَّمْسِ هي النُّبُوَّةُ لِأنَّها كُلَّها ضِياءٌ باهِرٌ وصَفاءٌ قاهِرٌ، وضُحاها الرِّسالَةُ وقَمَرُها الوِلايَةُ، والنَّهارُ هو العِرْفانُ، والَيْلُ عَدَمُ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ بِذِكْرِ اللَّهِ وما جاءَ مِن عِنْدِهِ، وإعْراضُها عَنِ الِانْقِيادِ لِقَبُولِ ما جاءَ مِنَ النُّبُوَّةِ أوِ الوِلايَةِ، والعُلَماءُ العامِلُونَ هم أوْلِياءُ اللَّهِ، قالَ الإمامانِ أبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ لَمْ تَكُنِ العُلَماءُ أوْلِياءَ اللَّهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ ولِيٌّ - رَواهُ عَنْهُما الحافِظُ أبُو بَكْرٍ الخَطِيبُ، وهو مَذْكُورٌ في التِّبْيانِ وغَيْرِهِ مِن مُصَنَّفاتِ النَّوَوِيِّ، ونَظِيرُ السَّماءِ العِزَّةُ والتَّرَفُّعُ عَنِ الشَّهَواتِ وعَنْ خُطُواتِ الشَّياطِينِ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والأرْضُ نَظِيرُها التَّواضُعُ لِحَقِّ اللَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِإخْراجِهِ المَنافِعَ لَهم كالأرْضِ المُخْرِجَةِ لِنَباتِها، والتَّدْسِيَةُ خِلافُ ذَلِكَ، مَن عَمِلَ بِالسُّوءِ فَقَدْ هَضَمَ نَفْسَهُ وحَقَّرَها (p-٨٠)فَأخْفاها كَما أنَّ اللِّئامَ يَنْزِلُونَ بُطُونَ الأوْدِيَةِ ومَقاطِعَها بِحَيْثُ تَخْفى أماكِنُهم عَلى الطّارِقِينَ، والأجْوادُ يَنْزِلُونَ الرَّوابِيَ، ويُوقِدُونَ النِّيرانَ لِلطّارِقِينَ، ويُشْهِرُونَ أماكِنَهم لِلْمُضِيفِينَ مَنازِلَ الأشْرافِ في الأطْرافِ كَما قِيلَ: ؎قَوْمٌ عَلى المُحْتاجِ سَهْلٌ وصْلُهم ∗∗∗ ومَقامُهم وعْرٌ عَلى الفُرْسانِ

الشمس 91:11

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِلتَّرْهِيبِ بِما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَلَدِ وتَقْدِيمُ الفُجُورِ هُنا، وكانَ التَّرْهِيبُ أحَثُّ عَلى الزَّكاءِ، قالَ دالًّا عَلى خَيْبَةِ المُدَسِّي لِيَعْتَبِرَ بِهِ مِن سَمِعَ خَبَرَهُ لا سِيَّما إنْ كانَ يُعْرَفُ أثَرُهُ: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ﴾ أنَّثَ فِعْلَهم لِضَعْفِ أثَرِ تَكْذِيبِهِمْ لِأنَّ كُلَّ سامِعٍ لَهُ يَعْرِفُ ظُلْمَهم فِيهِ لِوُضُوحِ آيَتِهِمْ وقَبِيحِ غايَتِهِمْ، وما لَهم بِسُفُولِ الهِمَمِ وقَباحَةِ الشِّيَمِ، وخَصَّهم لِأنَّ آيَتَهم مَعَ أنَّها كانَتْ أوْضَحَ الآياتِ في نَفْسِها هي أدُلُّها عَلى السّاعَةِ، وقُرَيْشٌ وسائِرُ العَرَبِ عارِفُونَ بِهِمْ لِما يَرَوْنَ مِن آثارِهِمْ، ويَتَناقَلُونَ مِن أخْبارِهِمْ ﴿بِطَغْواها﴾ أيْ أوْقَعَتِ التَّكْذِيبَ لِرَسُولِها بِكُلِّ ما أتى بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِسَبَبِ ما كانَ لِنُفُوسِهِمْ مِن وصْفِ الطُّغْيانِ، وهو مُجاوَزَةُ القَدْرِ وارْتِفاعُهُ والغُلُوُّ في الكُفْرِ والإسْرافُ في المَعاصِي والظُّلْمِ، أوْ بِما تَوَعَّدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ العاجِلِ وهي الطّاغِيَةُ الَّتِي أُهْلِكُوا (p-٨١)بِها، وطَغى - واوِيٌّ يائِيٌّ يُقالُ: طَغى كَدَعا يَطْغُو طَغْوى وطُغْوانًا - بِضَمِّها كَطُغى يُطْغى، وطَغِيَ كَرَضِيَ طَغْيًا وطُغْيانًا - بِالكَسْرِ والضَّمِّ، فالطَّغْوى - بِالفَتْحِ اسْمٌ، وبِالضَّمِّ مَصْدَرٌ، فَقُلِبَتِ الياءُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يائِيًّا - واوًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الِاسْمِ والصِّفَةِ، واخْتِيرَ التَّعْبِيرُ بِهِ دُونَ اليائِيِّ لِقُوَّةِ الواوِ، فَأفْهَمُ أنَّهم بَلَغُوا النِّهايَةَ في تَكْذِيبِهِمْ، فَكانُوا عَلى الغايَةِ مِن سُوءِ تَعْذِيبِهِمْ.

الشمس 91:12

ولَمّا ذَكَرَ تَكْذِيبَهُمْ، دَلَّ [عَلَيْهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿إذِ﴾ أيْ تَحَقَّقَ تَكْذِيبُهم أوْ طُغْيانُهم بِالفِعْلِ حِينَ ﴿انْبَعَثَ أشْقاها﴾ أيْ أشَدَّ ثَمُودَ شَقاءً وهو عاقِرُ النّاقَةِ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ والزِّيادَةِ بِمُباشَرَةِ العُقْرِ، وهو قِدارُ بْنُ سالِفٍ، أوْ هو [و] مَن مالاهُ عَلى عَقْرِها، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ صَلُحَ لِلْواحِدِ والجَمْعِ

الشمس 91:13

﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ بِسَبَبِ الِانْبِعاثِ أوِ التَّكْذِيبِ الَّذِي دَلَّ عَلى قَصْدِهِمْ لَها بِالأذى، وأظْهَرَ ولَمْ يُضْمِرْ وعَيَّنَ الإظْهارَ بِالجَلالَةِ [إشارَةً] إلى عَظِيمِ آيَتِهِمْ وبَدِيعِ بِدايَتِهِمْ ونِهايَتِهِمْ فَقالَ: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَتَعْظِيمُهُ مِن تَعْظِيمِ مُرْسِلِهِ وهو صالِحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكَذا النّاقَةُ، وعَبَّرَ بِالرَّسُولِ لِأنَّ وظِيفَتَهُ الإبْلاغُ والتَّحْذِيرُ الَّذِي ذُكِرَ هُنا، ولِذا قالَ مُشِيرًا بِحَذْفِ العامِلِ إلى ضِيقِ الحالِ عَنْ ذِكْرِهِ لِعَظِيمِ الهَوْلِ وسُرْعَةِ التَّعْذِيبِ عِنْدَ مَسِّها بِالأذى، وزادَ في التَّعْظِيمِ (p-٨٢)بِإعادَةِ الجَلالَةِ: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي لَهُ الجَبَرُوتُ كُلُّهُ فَلا يُقِرُّ مَنِ انْتَهَكَ حُرْمَتَهُ واجْتَرَأ عَلى ما أضافَهُ إلَيْهِ، ولِهَذا أعادَ الإظْهارَ دُونَ الإضْمارِ، والعامِلُ: دَعَوْا أوِ احْذَرُوا - أوْ نَحْوُ ذَلِكَ أيِ احْذَرُوا أذاها بِكُلِّ اعْتِبارٍ ﴿وسُقْياها﴾ أيِ الماءُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى لَها لِسُقْيَها وهو بِئْرُها، فَلا تَذُودُوها عَنْ بِئْرِها في [اليَوْمِ] الَّذِي تَكُونُ فِيهِ نَوْبَتِها في الشُّرْبِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، وكَأنَّهُ ﷺ فَهم عَنْهم بَعْدَ مُدَّةٍ أنَّهم يُرِيدُونَ عَقَرَها فَكَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحْذِيرَ

الشمس 91:14

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ أوْقَعُوا تَكْذِيبَهُ بِسَبَبِ طُغْيانِهِمْ وعَقِبَ أمْرِهِ هَذا الأخِيرِ فِيما حَذَّرَ مِن حُلُولِ العَذابِ، أوْ تَكُونُ الفاءُ هي الفَصِيحَةُ أيْ قالَ لَهم ذَلِكَ فَكانَتْ [بَعْدَهُ] بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أمْرِها أُمُورٌ، فَأوْقَعُوا تَكْذِيبَهُ فِيها كُلَّها ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيْ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّكْذِيبِ بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالرِّضا بِهِ ﴿فَدَمْدَمَ﴾ أيْ عَذَّبَ عَذابًا تامًّا مُجَلِّلًا مُغَطِّيًا مُطْبَقًا مُسْتَأْصَلًا شَدَخَ بِهِ رُؤُوسُهم وأسْرَعَ في الإجْهازِ وطَحَنَهم طَحْنًا مَعَ الغَضَبِ الشَّدِيدِ؛ قالَ الرّازِيُّ: والدَّمْدَمَةُ: تَحْرِيكُ البِناءِ حَتّى يَنْقَلِبَ، ودَلَّ بِأداةِ الِاسْتِعْلاءِ عَلى شِدَّتِهِ وإحاطَتِهِ فَقالَ: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ودَلَّ عَلى شِدَّةِ العَذابِ لِشِدَّةِ الغَضَبِ بِلَفْتِ القَوْلِ بِذِكْرِ صِفَةِ الإحْسانِ الَّتِي كَفَرُوها لِأنَّهُ لا أشَدَّ غَضَبًا مِمَّنْ (p-٨٣)كَفَرَ إحْسانُهُ فَقالَ: ﴿رَبُّهُمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَغَرَّهم إحْسانُهُ فَقَطَعَهُ عَنْهم فَعادُوا كَأمْسِ الدّابِرِ ﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ أيْ بِسَبَبِهِ. ولَمّا اسْتَوَوْا في الظُّلْمِ والكُفْرِ بِسَبَبِ عَقْرِ النّاقَةِ بَعْضُهم بِالفِعْلِ وبَعْضُهم بِالرِّضا والحَثِّ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْ ذَلِكَ [ومُعَقِّبًا]: ﴿فَسَوّاها﴾ أيِ الدَّمْدَمَةِ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَها كَأنَّها أرْضٌ بُولِغَ في تَعْدِيلِها فَلَمْ يَكُنْ فِيها شَيْءٌ [خارِجٌ عَنْ شَيْءٍ كَما] سَوّى الشَّمْسَ المُقْسَمِ بِها وسَوّى بَيْنِ النّاسِ فِيها، [وكَذا] ما أقْسَمَ بِهِ بَعْدَها، فَكانَتِ الدَّمْدَمَةُ عَلى قَوِيِّهِمْ كَما كانَتْ عَلى ضَعِيفِهِمْ، فَلَمْ تَدْعُ مِنهم أحَدًا ولَمْ يَتَقَدَّمْ هَلاكُ أحَدٍ مِنهم عَلى أحَدٍ، بَلْ كانُوا كُلُّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ مِن قُوَّةِ الصَّعْقَةِ وشِدَّةِ الرَّجْفَةِ كَما أنَّهُمُ اسْتَوُوا في الكُفْرِ والرِّضا بِعُقْرِ النّاقَةِ وكُلُّ نَفْسٍ هي عِنْدَ صاحِبِها كالنّاقَةِ قَدْ أوْصى اللَّهُ صاحِبها أنْ يَرْعى نِعْمَتَهُ سُبْحانَهُ فِيها فَيُزَكِّيها ولا يُدَسِّيها، فَإنَّ النّاقَةَ عِبارَةٌ عَنْ مَطِيَّةٍ يَقْطَعُ عَلَيْها السَّيْرَ حِسًّا أوْ مَعْنًى، وذَلِكَ صالِحٌ لِأنْ يُرادُ بِهِ النَّفْسُ الَّتِي تَقْطَعُ بِها عَقَباتُ الأعْمالِ، والسُّقْيا ما يَعِيشُ المَسْقِيُّ بِهِ، وهو صالِحٌ لِأنْ يُرادُ بِهِ الذِّكْرُ والعِبادَةُ، فَمَن لَمْ يَرْعَ النِّعْمَةَ ويَشْكُرِ المُنْعِمَ فَقَدْ عَقَرَها، فاسْتَحَقَّ الدَّمْدَمَةَ مِنهُ، وكَما أنَّهُ سَوّى بَيْنَهم في الدَّمْدَمَةِ سَوّى بَيْنَ المُهْتَدِينَ في النَّجاةِ

الشمس 91:15

﴿ولا﴾ أيْ والحالُ (p-٨٤)أنَّهُ لا ﴿يَخافُ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أيْ رَبَّهُمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ والشّامِ بِالفاءِ المُسَبِّبَةِ عَنِ الدَّمْدَمَةِ [والتَّسْوِيَةِ] وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِهِمْ ﴿عُقْباها﴾ أيْ عاقِبَةَ هَذِهِ الدَّمْدَمَةِ وتَبِعَتِها فَإنَّهُ المَلِكُ الأعْلى الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ في قَبْضَتِهِ لا كَما يَخافُ كُلُّ مُعاقِبٍ مِنَ المُلُوكِ فَيَبْقى [بَعْضٌ] الإبْقاءَ فَعَلِمَ أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يُعْلِي أوْلِياءَهُ لِأنَّهم عَلى الحَقِّ، ويُسْفِلُ أعْداءَهُ لِأنَّهم عَلى الباطِلِ، فَلا يَضِلُّ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا هالِكٌ، بَصِيرَتُهُ أشُدُّ ظَلامًا مِنَ اللَّيْلِ الحالِكِ، وقَدْ رَجَعَ آخِرُها عَلى أوَّلِها بِالقَسَمِ وجَوابِهِ المَحْذُوفِ الَّذِي هو طَبْعُ النُّفُوسِ عَلى طَبائِعَ مُخْتَلِفَةٍ والتَّقَدُّمُ إلَيْهِمْ بِالإنْذارِ مِنَ الهَلاكِ، ونَفْسُ القَسَمِ أيْضًا فَإنَّ مَن لَهُ هَذِهِ الأفْعالَ الهائِلَةَ الَّتِي سَوّى بَيْنَ خَلْقِهِ [فِيها] وهَذا التَّدْبِيرُ المُحْكَمُ هو بِحَيْثُ لا يُعْجِزُهُ أمْرٌ ولا يَخْشى عاقِبَةً - واللَّهُ المُوَفِّق لِلصَّوابِ.

الليل 92:1

(p-٨٥)سُورَةُ اللَّيْلِ مَقْصُودُها الدَّلالَةُ عَلى مَقْصُودِ الشَّمْسِ، وهو التَّصَرُّفُ التّامُّ في النُّفُوسِ بِإثْباتِ كَمالِ القُدْرَةِ بِالِاخْتِيارِ بِاخْتِلافِ النّاسِ في السَّعْيِ مَعَ اتِّحادِ مَقاصِدِهِمْ، وزَهِيِّ الوُصُولِ إلى المَلاذِ مِن شَهْوَةِ البَطْنِ والفَرْجِ وما يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الرّاحَةِ، واسْمُها اللَّيْلُ أوْضَحُ ما فِيها عَلى ذَلِكَ بِتَأمُّلِ القَسَمِ والجَوابِ، والوُقُوعُ مِن ذَلِكَ عَلى الصَّوابِ، وأيْضًا لَيْلٌ نَفْسُهُ دالٌّ عَلى ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ مُرادِ النَّفْسِ بِما فِيهِ مِنَ الظَّلامِ والنَّوْمِ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، وذَلِكَ [مانِعٌ] عَنْ أكْثَرِ المُراداتِ، ومُقْتَضى لِأكْثَرِ المُضادّاتِ ”بِسْمِ اللَّهِ“ الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ الظّاهِرَةُ والحِكْمَةُ الباهِرَةُ ”الرَّحْمَن“ الَّذِي شَمِلَتْ نِعْمَتُهُ إيجادَهُ وبَيانَهُ المُتَواتِرَةَ ”الرَّحِيم“ الَّذِي خَصَّ مَن أرادَهُ بِما يُرْضِيهِ، فَجَعَلَهُ حامِدَهُ وشاكِرَهُ. * * لِما بَيَّنَ في الشَّمْسِ حالَ مَن زَكّى نَفْسَهُ وحالَ مَن دَسّاها، وأوْضَحَ (p-٨٦)فِي آخِرِها مِن مُخالَفَةِ ثَمُودَ لِرَسُولِهِمْ ما أهْلَكَهُمْ، فَعَلِمَ أنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُونَ في السَّعْيِ في تَحْصِيلِ نَجِدِ الخَيْرِ ونَجْدِ الشَّرِّ، فَمِنهم مَن تَغَلَّبَ عَلَيْهِ ظُلْمَةَ اللَّبْسِ، ومِنهم مَن يَغْلِبُ عَلَيْهِ نَهارُ الهُدى، فَتَبايَنُوا في مَقاصِدِهِمْ، وفي مَصادِرِهِمْ ومَوارِدِهِمْ، بَعْدَ أنْ أثْبَتَ أنَّهُ هو الَّذِي تَصَرَّفَ في النُّفُوسِ بِالفُجُورِ والتَّقْوى، أقْسَمَ أوَّلَ هَذِهِ بِما يَدُلُّ عَلى عَجائِبِ صُنْعِهِ في ضُرِّهِ ونَفْعِهِ عَلى ذَلِكَ، تَنْبِيهًا عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ في أنَّهُ الفاعِلُ بِالِاخْتِيارِ، يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ حَتّى يَحْمِلَهُ عَلى التَّوَصُّلِ إلى مُرادِهِ، بِضِدِّ ما يُوصِلُ إلَيْهِ بَلْ بِما يُوصِلُ إلى مُضادِّهِ، [و] عَلى أنَّهُ لا يَكادُ يُصَدِّقُ الِاتِّحادَ في القَصْدِ والِاخْتِلافَ في السَّعْيِ والتَّوَصُّلِ، وشَرَحَ جَزاءَ كُلٍّ تَحْذِيرًا مِن نَجْدِ الشَّرِّ وتَرْغِيبًا في نَجْدِ الخَيْرِ، وبَيْنَ ما بِهِ التَّزْكِيَةُ وما بِهِ التَّدْسِيَةُ فَقالَ: ﴿واللَّيْلِ﴾ أيِ الَّذِي هو آيَةُ الظَّلامِ الَّذِي هو سَبَبُ الخَبْطِ والخَلْطِ لِما يُحَدِّثُ عَنْهُ مِنَ الإشْكالِ واللَّبْسِ في الأحْوالِ والإهْلالِ المُوصِلِ إلى ظُلْمَةِ العَدَمِ، وهو مَحَلُّ الأسْرارِ بِما يَصِلُ الأخْيارَ ويَقْطَعُ الأشْرارَ: ﴿إذا يَغْشى﴾ أيْ يُغَطِّي ما كانَ مِنَ الوُجُودِ مُبْصِرًا بِضِياءِ النَّهارِ عَلى التَّدْرِيجِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جَلِيلِ مُبْدِعِهِ، وعَظِيمِ (p-٨٧)ماحِقِهِ ومَطْلَعِهِ

الليل 92:2

﴿والنَّهارِ﴾ [أيِ] الَّذِي هو سَبَبُ انْكِشافِ الأُمُورِ كالمَوْتِ الَّذِي يُزِيلُ عَنِ الرُّوحِ عَلائِقَ البَدَنِ فَيَنْجَلِي لَها ما كانَتْ فِيهِ مِنَ القَبائِحِ، والجَهْرِ الَّذِي يَشْرَحُ النَّفْسَ بِإزالَةِ اللَّبْسِ ﴿إذا تَجَلّى﴾ أيْ ظَهَرَ ظُهُورًا عَظِيمًا بِضِياءِ الشَّمْسِ، وأظْهَرَ ما كانَ خَفِيًّا فَلَمْ يَدَعْ لِمُبْصِرٍ شَيْئًا مَن لَبْسٍ، فَمَن كانَ يُرِيدُ السِّرَّ قَصَدَ اللَّيْلَ، ومَن أرادَ الجَهْرَ قَصَدَ النَّهارَ سَواءٌ كانَ مِنَ الأبْرارِ أوْ مِنَ الفُجّارِ.

الليل 92:3

ولَمّا ذَكَرَ المُتَخالِطِينَ مَعْنًى، أتْبَعَهُما المُتَخالِطِينَ حِسًّا، فَقالَ مُصَرِّحًا فِيهِما بِما هو مُرادٌ في الأوَّلِ، وخَصَّ هَذا بِالتَّصْرِيحِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ [لِكَوْنِهِ] عاقِلًا - عاقِدٌ يَغْلَطُ في نَفْسِهِ فَيَدَّعِي الإلَهِيَّةَ أوِ الِاتِّحادَ، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الإلْحادِ ﴿وما خَلَقَ﴾ وحُكْمُ التَّعْبِيرِ بِما الأغْلَبُ فِيهِ غَيْرُ العُقَلاءِ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الشَّمْسِ مِن تَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّهم [لَمّا] أشْرَكُوا بِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ما لا يَعْقِلُ نَزَّلُوهُ تِلْكَ المَنزِلَةَ وقَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ، وهو الَّذِي خَلَقَ العُلَماءَ، وهم لا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [مَعَ] ما يُفِيدُهُ [”ما“] مِنَ التَّعَجُّبِ مِنهم في ذَلِكَ لِكَوْنِها صِيغَةَ التَّعَجُّبِ (p-٨٨)﴿الذَّكَرَ﴾ أيْ حِسًّا بِآلَةِ الرَّجُلِ ومَعْنًى بِالهِمَّةِ والقُوَّةِ ﴿والأُنْثى﴾ حِسًّا بِآلَةِ المَرْأةِ ومَعْنًى بِسُفُولِ الهِمَّةِ وضَعْفِ القُوَّةِ وما دَلّا عَلَيْهِ مِن عَظِيمِ الِاصْطِناعِ، وباهِرِ الِاخْتِراعِ والِابْتِداعِ، فَإنَّهُ دَلَّ فَرْقَهُ بَيْنَهُما وهُما مِن غِيَرٍ؟ واحِدَةٍ وهي التُّرابُ عَلى تَمامِ قُدْرَتِهِ المُسْتَلْزِمِ لِشُمُولِ عِلْمِهِ وفِعْلِهِ بِالِاخْتِيارِ، فالآيَةُ [مِنَ الِاحْتِباكِ]: ذَكَرَ أوَّلًا الصَّنْعَةَ دَلالَةً عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وثانِيًا الصّانِعُ دَلالَةً عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا.

الليل 92:4

ولَمّا ذَكَرَ ما هو مَحْسُوسُ التَّخالُفِ مِنَ المَعانِي والأجْرامِ، أتْبَعُهُ ما هو مَعْقُولُ التَّبايُنِ مِنَ الأعْراضِ فَقالَ: ﴿إنَّ سَعْيَكُمْ﴾ أيْ عَمَلَكم أيُّها المُكَلَّفُونَ في التَّوَصُّلِ إلى مَقْصِدٍ واحِدٍ، ولِذَلِكَ أكَّدَهُ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَصْدُقُ اخْتِلافَ وُجُوهِ السَّعْيِ مَعَ اتِّحادِ المُرادِ، وعَبَّرَ بِالسَّعْيِ لِيَبْذُلَ كُلٌّ في عَمَلِهِ غايَةَ جُهْدِهِ ﴿لَشَتّى﴾ أيْ مُخْتَلِفٌ اخْتِلافًا شَدِيدًا بِاخْتِلافِ ما تَقَدَّمَ، وهو جَمْعٌ شَتِيتٌ كَقَتْلى وقَتِيلٍ، فَيَكُونُ الإنْسانُ رَجُلًا وهو أُنْثى الهِمَّةِ، ويَكُونُ أُنْثى وهو ذَكَرُ الفِعْلِ، فَتَنافَيْتُمْ في الِاعْتِقاداتِ، وتَعانَدْتُمْ في المَقالاتِ، وتَبايَنْتُمْ غايَةَ التَّبايُنِ بِأفْعالٍ طَيِّباتٍ وخَبِيثاتٍ، فَساعٍ في فِكاكِ نَفْسِهِ، وساعٍ في إيثامِها، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لا بُدَّ مِن مُحِقٍّ ومُبْطِلٍ ومُرْضٍ ومُغْضِبٍ لِأنَّهُ لا جائِزَ أنْ يَكُونَ المُتَنافِيانِ مُتَّحِدَيْنِ (p-٨٩)فِي الوَصْفِ بِالإرْضاءِ أوِ الإغْضابِ، فَبَطَلَ ما أرادَ المُشْرِكُونَ مِن قَوْلِهِمْ ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ [النحل: ٣٥] [الآيَةُ] وما ضاهاها. وقالَ الإمامُ أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا بَيَّنَ قَبْلَ حالِهِمْ في الِافْتِراقِ، أقْسَمَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ الشَّأْنِ في الخَلائِقِ بِحَسَبِ تَقْدِيرِهِ أزَلًا لِيَبْلُوَهم أيّهمْ أحْسَن عملًا، فَقالَ تَعالى: ﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ فاتَّصَلَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩] ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ [الشمس: ١٠] إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿فَأمّا مَن أعْطى واتَّقى﴾ [الليل: ٥] - إلى - ﴿لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ١٠] يُلائِمُهُ تَفْسِيرًا وتَذْكِيرًا بِما الأمْرُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإرادَتِهِ وإلْهامِهِ وبِحَسَبِ السَّوابِقِ قَوْلُهُ: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ [الشمس: ٨] فَهو سُبْحانُهُ المُلْهِمُ لِلْإعْطاءِ والِاتِّقاءِ والتَّصَدُّقِ، والمُقَدِّرُ لِلْبُخْلِ والِاسْتِغْناءِ والتَّكْذِيبِ ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ثُمَّ زادَ ذَلِكَ إيضاحًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى﴾ [الليل: ١٢] ﴿وإنَّ لَنا لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣] فَتَبًّا لِلْقَدَرِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] - انْتَهى.

الليل 92:5

ولَمّا طابَقَ بَيْنَ القَسَمِ والمُقْسَمِ عَلَيْهِ، ونَبَّهَ بِالقَسَمِ والتَّأْكِيدِ مَعَ ظُهُورِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ عَلى أنَّهم في أمْنِهِمْ مَعَ التَّحْذِيرِ كَمَن يَدَّعِي أنَّهُ لا فَرْقَ وأنَّ مَآلَ الكُلِّ واحِدٌ كَما يَقُولُهُ أصْحابُ الوَحْدَةِ - عَلَيْهِمُ الخِزْيُ واللَّعْنَةُ شَرَعَ في بَيانٍ تَشَتَّتَتِ المَساعِي وبَيانِ الجَزاءِ لَها، فَقالَ مُسَبِّبًا (p-٩٠)عَنِ اخْتِلافِهِمْ ما هو مَرْكُوزٌ في الطِّباعِ مِن أنَّهُ لا يَجُوزُ تَسْوِيَةً المُحْسِنِ بِالمُسِيءِ ناشِرًا لِمَن زَكّى نَفْسَهُ أوْ دَسّاها نَشْرًا مُسْتَوِيًا إيذانًا بِأنَّ المُطِيعَ فِيهِ هَذِهِ الأُمَّةِ - ولِلَّهِ الحَمْدُ - كَثِيرُ بِشارَةٍ لِنَبِيِّها ﷺ: ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ أيْ وقَعَ مِنهُ إعْطاءٌ عَلى ما حَدَّدْنا لَهُ وأمَرْناهُ بِهِ ﴿واتَّقى﴾ أيْ وقَعَتْ مِنهُ التَّقْوى وهو اتِّخاذُ الوَقاياتِ مِنَ الطّاعاتِ واجْتِنابِ المَعاصِي خَوْفًا مِن سَطْواتِنا

الليل 92:6

﴿وصَدَّقَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّصْدِيقَ لِلْمُخْبَرِ ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ وهي كَلِمَةُ العَدْلِ الَّتِي هي أحْسَنُ الكَلامِ مِنَ التَّوْحِيدِ وما يَتَفَرَّعُ عَنْهُ مِنَ الوُعُودِ الصّادِقَةِ بِالآخِرَةِ والإخْلافِ في النَّفَقَةِ في الدُّنْيا وإظْهارِ الدِّينِ وإنَّ قَلَّ أهْلُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما وعَدَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَدَلَ الكَلامُ إلى مَظْهَرِ العَظَمَةِ إشارَةً إلى صُعُوبَةِ الطّاعَةِ عَلى النَّفْسِ وإنْ كانَتْ في غايَةِ اليُسْرِ في نَفْسِها لِأنَّها في غايَةِ الثِّقَلِ عَلى النَّفْسِ فَقالَ:

الليل 92:7

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ أيْ نُهَيِّئُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لِلْيُسْرى﴾ أيِ الخَصْلَةِ الَّتِي هي في غايَةِ اليُسْرِ والرّاحَةِ مِنَ الرَّحْمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ سُبْحانَهُ وتَعالى لِيَصِلَ إلى ما يَرْضى بِهِ مِنَ (p-٩١)الحَياةِ الطَّيِّبَةِ ودُخُولِ الجَنَّةِ.

الليل 92:8

ولَمّا ذَكَرَ المُزَكِّي وثَمَرَتَهُ، أتْبَعُهُ المُدَسِّي وشِقْوَتَهُ فَقالَ: ﴿وأمّا مَن بَخِلَ﴾ أيْ أوْجَدَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ الخَبِيثَةَ فَمَنَعَ ما أمَرَ بِهِ ونَدَبَ إلَيْهِ ﴿واسْتَغْنى﴾ أيْ طَلَبَ الغِنى عَنِ النّاسِ وعَمّا وعَدَ بِهِ مِنَ الثَّوابِ وأوْجَدَهُ بِما زَعَمَتْ لَهُ نَفْسُهُ الخائِبَةُ، وظُنُونُهُ الكاذِبَةُ. فَلَمْ يُحْسِنْ إلى النّاسِ ولا عَمَلَ لِلْعُقْبى:

الليل 92:9

﴿وكَذَّبَ﴾ أيْ أوْقَعَ التَّكْذِيبَ أنْ يَسْتَحِقَّ التَّصْدِيقَ ﴿بِالحُسْنى﴾ أيْ فَأنْكَرَها، ولَمّا كانَ جامِدًا مَعَ المَحْسُوساتِ كالبَهائِمِ قالَ:

الليل 92:10

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ أيْ نُهَيِّئُهُ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ وعْدٌ لا خُلْفَ فِيهِ ﴿لِلْعُسْرى﴾ أيْ لِلْخَصْلَةِ الَّتِي هي أعْسَرُ الأشْياءِ وأنْكَدُها، وهي العَمَلُ بِما يُغْضِبُهُ سُبْحانَهُ المُوجِبُ لِدُخُولِ النّارِ وما أدّى إلَيْهِ، وأشارَ بِنُونِ العَظَمَةِ في كُلٍّ مِن نَجْدِ الخَيْرِ ونَجْدِ الشَّرِّ إلى أنَّ ارْتِكابَ الإنْسانِ لِكُلٍّ مِنهُما في غايَةِ البُعْدِ، أمّا نَجْدُ الخَيْرِ فَلَمّا حَفَّهُ مِنَ المَكارِهِ، وأمّا نَجْدُ الشَّرِّ فَلِما في العَقْلِ والفِطْرَةِ الأُولى مِنَ الزَّواجِرِ عَنْهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ أمْرٌ قَدْ فَرَغَ مِنهُ في الأزَلِ بِتَعْيِينِ أهْلِ السَّعادَةِ وأهْلِ الشَّقاوَةِ ”[ «وكُلٌّ - كَما قالَ ﷺ - مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»“ .

الليل 92:11

ولَمّا كانَ أهْلُ الدُّنْيا إذا وقَعُوا في ورْطَةٍ تَخَلَّصُوا مِنها بِأمْوالِهِمْ (p-٩٢)قالَ: ﴿وما يُغْنِي﴾ أيْ في تِلْكَ الحالَةِ ﴿عَنْهُ﴾ أيْ هَذا الَّذِي بَخِلَ وكَذَبَ ﴿مالُهُ﴾ أيِ الَّذِي بَخِلَ بِهِ رَجاءَ نَفْعِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا فَيَكُونُ نافِيًا لِلْإغْناءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ ﴿إذا تَرَدّى﴾ أيْ هَلَكَ بِالسُّقُوطِ في حُفْرَةِ القَبْرِ، والنّارُ، تَفْعَلَ مِنَ الرَّدى وهو الهَلاكُ والسُّقُوطُ في بِئْرٍ.

الليل 92:12

ولَمّا كانَ رُبَّما قالَ المُتَعَنِّتُ الجاهِلُ بِما لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْها: ما لَهُ لا يُيَسَّرُ الكُلُّ لِلْحُسْنى، اسْتَأْنَفَ جَوابَهُ مُبَيِّنًا مَن ألْزَمَ بِهِ نَفْسَهُ مِنَ المَصالِحِ تَفَضُّلًا مِنهُ بِما لَهُ مِنَ اللُّطْفِ والكَرَمِ وما يَفْعَلُهُ مِمّا هو لَهُ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى ذَلِكَ بِما لَهُ مِنَ الجَبَرُوتِ والكِبْرِ، فَقالَ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُحِبُّ العِلْمَ بِأنَّهُ لا حَقَّ لِأحَدٍ عَلَيْهِ أصْلًا: ﴿إنَّ عَلَيْنا﴾ أيْ عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَلْهُدى﴾ أيِ البَيانِ لِلطَّرِيقِ الحَقِّ وإقامَةِ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ عَلى ذَلِكَ.

الليل 92:13

ولَمّا بَيَّنَ ما ألْزَمُهُ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ فَصارَ كَأنَّهُ عَلَيْهِ لِتَحَتُّمِ وُقُوعِهِ فَكانَ رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، أتْبَعَهُ ما يَنْفِيهِ ويُفِيدُ أنَّ لَهُ غايَةَ التَّصَرُّفِ [فَلا يَعْسُرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أرادَهُ فَقالَ: ﴿وإنَّ لَنا﴾ أيْ يا أيُّها المُنْكِرُونَ خاصًّا بِنا، وقَدَّمَ ما العِنايَةُ بِهِ أشَدُّ لِأجْلِ إنْكارِهِمْ لا لِلْفاصِلَةِ، فَإنَّهُ يُفِيدُها مَثَلًا أنْ يُقالَ: لِلْعاجِلَةِ والأُخْرى، فَقالَ: ﴿لَلآخِرَةَ والأُولى﴾ (p-٩٣)فَمَن تَرَكَ ما بَيَّنّا لَهُ مِن طَرِيقِ الهِدايَةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ لَنا ولَمْ يَضُرَّ إلّا نَفْسَهُ ولَنا التَّصَرُّفُ] التّامُّ، بِما نُقِيمُ مِنَ الأسْبابِ المُقَرِّبَةِ لِلشَّيْءِ جِدًّا، ثُمَّ بِما نُقِيمُ مِنَ المَوانِعِ المُوجِبَةِ لِبُعْدِهِ غايَةَ البُعْدِ، فَنُعْطِي مَن نَشاءُ ما نَشاءُ ونَمْنَعُ مَن نَشاءُ ما نَشاءُ، ومَن طَلَبَ مِنهُما شَيْئًا مَن غَيْرِنا فالَ رَأْيُهُ وخابَ سَعْيُهُ، ولَيْسَ التَّقْدِيمُ لِأجْلِ الفاصِلَةِ، فَقَدْ ثَبَتَ بُطْلانُ هَذا وأنَّهُ لا يَحِلُّ اعْتِقادُهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنها آخِرُ سُورَةِ بَراءَةَ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ فِيهِ شَيْئًا مَوْزُونًا بِقَصْدِ الوَزْنِ فَقَطْ لِيَكُونَ شِعْرًا، وأنْ يَعْتَقِدَ أنَّ فِيهِ [شَيْئًا] قَدَّمَ أوْ أخَّرَ لِأجْلِ الفاصِلَةِ فَقَطْ لِيَكُونَ سَجْعًا، عَلى أنَّهُ لَوْ كانَ [هَذا] لِأجْلِ الفاصِلَةِ فَقَطْ لَكانَ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لِلْأُولى - أوْ لِلْأوْلَةِ - والأُخْرى مَثَلًا.

الليل 92:14

ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى أنَّهُ ألْزَمَ نَفْسَهُ المُقَدَّسَ البَيانَ، وأنَّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ، المُسْتَلْزِمُ لِإحاطَةِ العِلْمِ وشُمُولِ القُدْرَةِ، شَرَحَ ذَلِكَ بِما سَبَّبَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ لافِتًا القَوْلَ إلى تَجْرِيدِ الضَّمِيرِ مِن مَظْهَرِ العَظَمَةِ لِلتَّرَقُّقِ بِالمُخاطَبِينَ في تَبْعِيدِ الوَهْمِ وتَقْرِيبِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَأنْذَرْتُكُمْ﴾ أيْ حَذَّرْتُكم أيُّها المُخالِفُونَ لِلطَّرِيقِ الَّذِي بَيَّنْتُهُ ﴿نارًا تَلَظّى﴾ أيْ تَتَّقِدُ وتَتَلَهَّبُ تَلَهُّبًا هو في غايَةِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ كُلْفَةٍ فِيهِ عَلى مَوْقِدِها أصْلًا (p-٩٤)ولا أحَدَ مِن خَزَنَتِها - بِما أشارَ إلَيْهِ إسْقاطُ التّاءِ، وفي الإدْغامِ أيْضًا إشارَةٌ إلى أنَّ أدْنى نارِ الآخِرَةِ كَذَلِكَ، فَيَصِيرُ إنْذارُ ما يَتَلَظّى وما فَوْقَ ذَلِكَ مِن بابِ الأوْلى.

الليل 92:15

ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ تَخْصِيصُ كُلٍّ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِدارِهِ بِطَرِيقِ الحَصْرِ إنْكارًا لِأنْ يُسَوّى مُحْسِنٌ بِمُسِيءٍ في شَيْءٍ، وكانَ الحَصْرُ بـِ ”لا“ و”إلّا“ أصْرَحُ أنْواعِهِ قالَ: ﴿لا يَصْلاها﴾ أيْ يُقاسِي حَرَّها وشِدَّتَها عَلى طَرِيقِ اللُّزُومِ والِانْغِماسِ ﴿إلا الأشْقى﴾ أيِ الَّذِي هو في الذُّرْوَةِ مِنَ الشَّقاوَةِ وهو الكافِرُ، فَإنَّ الفاسِقَ وإنَّ دَخَلَها لا يَكُونُ ذَلِكَ لَهُ عَلى طَرِيقِ اللُّزُومِ، ولِذَلِكَ وصَفَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى:

الليل 92:16

﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أيْ أفْسَدَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ بِأنَّ أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ تَكَبُّرًا وعِنادًا فَلَمْ يُؤْتِ مالَهُ لِزَكاةِ نَفْسِهِ

الليل 92:17

﴿وسَيُجَنَّبُها﴾ أيِ النّارَ المَوْصُوفَةَ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ عَنْ قُرْبٍ - بِما أفْهَمَتْهُ السِّينُ مِنَ التَّأْكِيدِ مَعَ التَّنْفِيسِ، وتَجْنِيبِهِ لَهُ في غايَةِ السُّهُولَةِ - بِما أفْهَمَهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ ﴿الأتْقى﴾ أيِ الَّذِي أسَّسَ قُوَّتَهُ العِلْمِيَّةَ أمْكَنَ تَأْسِيسٍ، فَكانَ في الذُّرْوَةِ مِن رُتْبَةِ التَّقْوى وهو الَّذِي اتَّقى الشِّرْكَ والمَعاصِيَ، وهو يَفْهَمُ أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ (p-٩٥)[فِي الذُّرْوَةِ] لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَإنَّ الفاسِقَ يَدْخُلُها ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها، ولا يُنافِي الحَصْرَ السّابِقَ.

الليل 92:18

ولَمّا ذَكَرَ ما يَتَعَلَّقُ بِالقُوَّةِ العِلْمِيَّةِ، أتْبَعُهُ ما يَنْظُرُ إلى القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ فَقالَ: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ﴾ أيْ يَصْرِفُهُ في مَصارِفِ الخَيْرِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَزَكّى﴾ أيْ يَتَطَهَّرُ مِنَ الأوْضارِ والأدْناسِ بِتَطْهِيرِهِ لِنَفْسِهِ وتَنْمِيَتِها بِذَلِكَ الإيتاءِ بِالبُعْدِ عَنْ مَساوِئِ الأخْلاقِ ولُزُومِ مَحاسِنِها لِأنَّهُ ما كَذَبَ وما تَوَلّى، والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ التَّكْذِيبَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا، وإيتاءِ المالِ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ أوَّلًا.

الليل 92:19

ولَمّا كانَ الإنْسانُ قَدْ يُعْطِي لِيُزَكِّيَ نَفْسَهُ بِدَفْعِ مانِّهِ ومُكافَأةِ نِعَمِهِ قالَ: ﴿وما﴾ أيْ والحالُ أنَّهُ ما ﴿لأحَدٍ عِنْدَهُ﴾ وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن نِعْمَةٍ تُجْزى﴾ أيْ [هِيَ] مِمّا يَحِقُّ جَزاؤُهُ لِأجْلِها.

الليل 92:20

ولَمّا نَفى أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ قَصَدَ مُكافَأةً، قالَ مُبَيِّنًا قَصْدَهُ بِاسْتِثْناءٍ مُنْقَطِعٍ: ﴿إلا﴾ أيْ لَكِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ ﴿ابْتِغاءَ﴾ أيْ طَلَبَ وقَصَدَ، ولَفَتَ القَوْلَ إلى صِفَةِ الإحْسانِ إشارَةً إلى وصْفِهِ بِالشُّكْرِ فَقالَ: ﴿وجْهِ رَبِّهِ﴾ (p-٩٦)الَّذِي أوْجَدَهُ ورَبّاهُ وأحْسَنَ إلَيْهِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَرَ إحْسانًا إلّا مِنهُ ولا عِنْدَهُ شَيْءٌ إلّا وهو مَن فَضْلِهِ ﴿الأعْلى﴾ أيْ مُطْلَقًا فَهو أعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يُعْطِيَ أحَدٌ مِن نَفْسِهِ شَيْئًا يَقَعُ مُكافَأةً لَهُ، وعَبَّرَ عَنِ المُنْقَطِعِ بِأداةِ المُتَّصِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الِابْتِغاءَ المَذْكُورَ كَأنَّهُ نِعْمَةٌ مِمَّنْ آتاهُ المالَ لِأنَّ الِابْتِغاءَ - وهو تَطَلُّبُ رِضا اللَّهِ - كانَ السَّبَبَ في ذَلِكَ الإيتاءِ بِغايَةِ التَّرْغِيبِ، وقَدْ آلَ الأمْرُ بِهَذِهِ العِبارَةِ الرَّشِيقَةِ والإشارَةِ [الأنِيقَةِ] مَعَ ما أوْمَأتْ إلَيْهِ مِنَ التَّرْغِيبِ، وأعْطَتْهُ مِنَ التَّحْبِيبِ إلى أنَّ المَعْنى: [إنَّهُ] لا نَعْمى عَلَيْهِ لِأحَدٍ في ذَلِكَ إلّا اللَّهُ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ إشارَةً إلى أنَّ قَصْدَهُ أعْلى القُصُودِ فَلا نَظَرَ لَهُ إلّا إلى ذاتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ لِأنَّهُ أشْرَفُ الذّاتِ، وبِالنَّظَرِ إلَيْهِ تَحْصُلُ الحَياةُ والرَّغْبَةُ والرَّهْبَةُ، لا إلى طَلَبِ شَيْءٍ مِن دُنْيا ولا آخِرَةٍ.

الليل 92:21

ولَمّا كانَ هَذا مَقامًا لَيْسَ فَوْقَهُ مَقامٌ، قالَ تَعالى بَعْدَ وعْدِهِ مِنَ الإنْجاءِ مِنَ النّارِ: ﴿ولَسَوْفَ يَرْضى﴾ أيْ بِإعْطاءِ الجَنَّةِ العُلْيا والمَزِيدُ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ بَعْدَ المَذَلَّةِ في الحَياةِ الطَّيِّبَةِ - بِما أشارَتْ إلَيْهِ أداةُ التَّنْفِيسِ ولا بِدَعَ أنْ (p-٩٧)يَكُونَ هَذا الوَعْدُ عَلى هَذا الوَجْهِ الأعْلى لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ اشْتَرى بِلالًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في جَماعَةٍ مِنَ الضُّعَفاءِ المُسْلِمِينَ يُؤْذِيهِمُ المُشْرِكُونَ فَأعْتَقَهُمْ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلى تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ فَهو المُفْلِحُ كَما ذَكَرَ في سُورَةِ الشَّمْسِ، وأنَّهُ مُخْلِصٌ لِإعْطائِهِ الضُّعَفاءَ مِنَ الأيْتامِ والمَساكِينِ وإعْتاقِهِ الضُّعَفاءَ في كُلِّ حالٍ كَما ذَكَرَ في سُورَةِ البَلَدِ، نَقَلَ البَغِوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَنِ الزُّبَيْرِ [يَعْنِي] ابْنُ بَكّارٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَبْتاعُ الضُّعَفاءَ فَيُعْتِقُهم فَقالَ [لَهُ] أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ! لَوْ كُنْتَ تَبْتاعُ مَن يَمْنَعُ ظَهْرَكَ، قالَ: مَنعَ ظَهْرِي أُرِيدُ. وقالَ: إنَّهُ أعْتَقَ بِلالًا وأُمَّ عُمَيْسٍ وزَهْرَةَ فَأُصِيبَ بَصَرُها حِينَ أعْتَقَها، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: ما أذْهَبَ بَصَرَها إلّا اللّاتُ والعُزّى، فَقالَتْ: كَذَّبُوا وبَيْتِ اللَّهِ، ما تَضُرُّ اللّاتُ والعُزّى ولا تَنْفَعانِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْها بَصَرَها، وأعْتَقَ النَّهْدِيَّةَ وابْنَتَها وجارِيَةَ بَنِي المُؤَمِّلِ. وقالَ: إنَّهُ اشْتَرى بِلالًا مِن أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ اسْتِنْقاذًا لَهُ مِمّا كانَ فِيهِ مِنَ العَذابِ (p-٩٨)حِينَ كانَ يَشُدُّ يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وقْتَ الهاجِرَةِ ويُلْقِيهِ عُرَيانًا عَلى الرَّمْضاءِ ويَضْرِبُهُ، وكُلَّما ضَرَبَهُ صاحَ ونادى: أحَدٌ أحَدٌ، فَيَزِيدُهُ ضَرْبًا فاشْتَراهُ بِعَبْدٍ كانَ لِأبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، كانَ ذَلِكَ العَبْدُ صاحِبَ عَشْرَةِ الآفِ دِينارٍ وغِلْمانٍ وجَوارٍ ومَواشٍ وكانَ مُشْرِكًا، فَلَمّا اشْتَراهُ بِهِ وأعْتَقَهُ قالَ المُشْرِكُونَ: ما فَعَلَ هَذا بِبِلالٍ إلّا لِيَدٍ كانَتْ لِبِلالٍ عِنْدَهُ، يَعْنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَكْذِيبًا لَهم. ومِن أبْدَعِ الأشْياءِ تَعْقِيبُها بِالضُّحى الَّتِي هي في النَّبِيِّ ﷺ وفِيها ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] إشارَةً إلى أنَّهُ أقْرَبُ أُمَّتِهِ إلى مَقامِهِ ﷺ ما عَدا عِيسى ﷺ لِأنَّهُ الأتْقى بَعْدَ النَّبِيِّينَ مُطْلَقًا، وإلى [أنَّ] خِلافَتَهُ حَقٌّ لا مِرْيَةَ فِيهِ لِأنَّهُ مِمّا وعَدَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ يُرْضِيهِ وأنَّهُ لا يُرْضِيهِ غَيْرُهُ كَما أنَّهُ أرْضاهُ خِلافَتَهُ لَهُ في الصَّلاةِ ولَمْ يُرْضِهِ غَيْرُهُ حِينَ نَهى عَنْ ذَلِكَ بَلْ زَجَرَ لَمّا سَمِعَ قِراءَةَ غَيْرِهِ وقالَ: «يَأْبى اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ إلّا أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» وقَدْ رَجَعَ آخِرَها عَلى أوَّلِها بِأنَّ سَعْيَ هَذا الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مُبايِنٌ أتَمَّ مُبايَنَةً سَعْيَ ذَلِكَ الأشْقى، وقالَ بَعْضُهُمْ: (p-٩٩)إنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الأشْقى أبُو جَهْلٍ، وأيْضًا فَإنَّ [هَذا] الخَتْمَ دالٌّ عَلى أنَّ مَن صَفّى نَفْسَهُ وزَكّاها بِالتَّجَلِّي بِالنُّورِ المَعْنَوِيِّ مِن إنارَةِ ظَلامِ اللَّيْلِ بِما يُجَلِّيهِ بِهِ مِن ضِياءِ القِيامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الخَيْرِ يَرْضى بِالنُّورِ الحِسِّيِّ بَعْدَ المَوْتِ - واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ.