Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — الفاتحة 1:1 – البقرة 2:60

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. الفاتحة 1:1
  2. الفاتحة 1:2
  3. الفاتحة 1:3
  4. الفاتحة 1:4
  5. الفاتحة 1:5
  6. الفاتحة 1:6
  7. الفاتحة 1:7
  8. البقرة 2:1
  9. البقرة 2:2
  10. البقرة 2:3
  11. البقرة 2:4
  12. البقرة 2:5
  13. البقرة 2:6
  14. البقرة 2:7
  15. البقرة 2:8
  16. البقرة 2:9
  17. البقرة 2:10
  18. البقرة 2:11
  19. البقرة 2:12
  20. البقرة 2:13
  21. البقرة 2:14
  22. البقرة 2:15
  23. البقرة 2:16
  24. البقرة 2:17
  25. البقرة 2:18
  26. البقرة 2:19
  27. البقرة 2:20
  28. البقرة 2:21
  29. البقرة 2:22
  30. البقرة 2:23
  31. البقرة 2:24
  32. البقرة 2:25
  33. البقرة 2:26
  34. البقرة 2:27
  35. البقرة 2:28
  36. البقرة 2:29
  37. البقرة 2:30
  38. البقرة 2:31
  39. البقرة 2:32
  40. البقرة 2:33
  41. البقرة 2:34
  42. البقرة 2:35
  43. البقرة 2:36
  44. البقرة 2:37
  45. البقرة 2:38
  46. البقرة 2:39
  47. البقرة 2:40
  48. البقرة 2:41
  49. البقرة 2:42
  50. البقرة 2:43
  51. البقرة 2:44
  52. البقرة 2:45
  53. البقرة 2:46
  54. البقرة 2:47
  55. البقرة 2:48
  56. البقرة 2:49
  57. البقرة 2:50
  58. البقرة 2:51
  59. البقرة 2:52
  60. البقرة 2:53
  61. البقرة 2:54
  62. البقرة 2:55
  63. البقرة 2:56
  64. البقرة 2:57
  65. البقرة 2:58
  66. البقرة 2:59
  67. البقرة 2:60

الفاتحة 1:1

(p-7)سُورَةُ فاتِحَةِ الكِتابِ وهي سَبْعُ آياتٍ الفاتِحَةُ في الأصْلِ أوَّلُ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يُفْتَحَ؛ كالكِتابِ، والثَّوْبِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ واسِطَةً في فَتْحِ الكُلِّ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى أوَّلِ كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ تَدْرِيجٌ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ كالكَلامِ التَّدْرِيجِيِّ حُصُولًا؛ والسُّطُورِ والأوْراقِ التَّدْرِيجِيَّةِ قِراءَةً وعَدًّا؛ والتّاءُ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ؛ أوْ هي مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفَتْحِ؛ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِ تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِاسْمِ المَصْدَرِ؛ إشْعارًا بِأصالَتِهِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الفَتْحِ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَهُ بِهِ بِالذّاتِ؛ وبِالباقِي بِواسِطَتِهِ؛ لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّهُ واسِطَةٌ في تَعَلُّقِهِ بِالباقِي ثانِيًا؛ حَتّى يَرُدَّ أنَّهُ لا يَتَسَنّى في الخاتِمَةِ؛ لِما أنَّ خَتْمَ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنْ بُلُوغِ آخِرِهِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بَعْدَ انْقِطاعِ المُلابَسَةِ عَنْ أجْزائِهِ الأُوَلِ؛ بَلْ عَلى مَعْنى أنَّ الفَتْحَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ فَتْحٌ لَهُ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ وهو بِعَيْنِهِ فَتَحٌ لِلْجُمُوعِ بِواسِطَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ جُزْءًا مِنهُ؛ وكَذا الكَلامُ في الخاتِمَةِ؛ فَإنَّ بُلُوغَ آخِرِ الشَّيْءِ يَعْرِضُ لِلْآخِرِ أوَّلًا؛ وبِالذّاتِ؛ ولِلْكُلِّ بِواسِطَتِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقَتْهُ؛ والمُرادُ بِالأوَّلِ ما يَعُمُّ الإضافِيَّ؛ فَلا حاجَةَ إلى الِاعْتِذارِ بِأنَّ إطْلاقَ الفاتِحَةِ عَلى السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِتَمامِها؛ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الأوَّلِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ هو المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ؛ لا القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أجْزائِهِ عَلى ما عَلَيْهِ اصْطِلاحُ أهْلِ الأُصُولِ؛ ولا ضَيْرَ في اشْتِهارِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِهَذا الِاسْمِ في أوائِلِ عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ قَبْلَ تَحَصُّلِ المَجْمُوعِ بِنُزُولِ الكُلِّ؛ لِما أنَّ التَّسْمِيَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ اسْمُهُ؛ أوْ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ بِالإذْنِ؛ فَيَكْفِي فِيها تَحَصُّلُهُ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أوْ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ وأمْلاهُ جِبْرِيلُ عَلى السَّفَرَةِ؛ ثُمَّ كانَ يُنْزِلُهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ ما في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ والإضافَةُ بِمَعْنى اللّامِ؛ كَما في جُزْءِ الشَّيْءِ؛ لا بِمَعْنى "مِن"؛ كَما في خاتَمِ فِضَّةٍ؛ لِما عَرَفْتَ أنَّ المُضافَ جُزْءٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ لا جُزْئِيٌّ لَهُ؛ ومَدارُ التَّسْمِيَةِ كَوْنُهُ مَبْدَأً لِلْكِتابِ عَلى التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ لا في القِراءَةِ في الصَّلاةِ؛ ولا في التَّعْلِيمِ؛ ولا في (p-8)النُّزُولِ كَما قِيلَ؛ أمّا الأوَّلُ فَبَيِّنٌ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِالكِتابِ القَدْرَ المُشْتَرَكَ الصّادِقَ عَلى ما يُقْرَأُ في الصَّلاةِ حَتّى تُعْتَبَرَ في التَّسْمِيَةِ مَبْدَئِيَّتُها لَهُ؛ وأمّا الأخِيرانِ فَلِأنَّ اعْتِبارَ المَبْدَئِيَّةِ مِن حَيْثُ التَّعْلِيمُ؛ أوْ مِن حَيْثُ النُّزُولُ يَسْتَدْعِي مُراعاةَ التَّرْتِيبِ في بَقِيَّةِ أجْزاءِ الكِتابِ مِن تَيْنِكَ الحَيْثِيَّتَيْنِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ التَّرْتِيبَ التَّعْلِيمِيَّ والتَّرْتِيبَ النُّزُولِيَّ لَيْسا عَلى نَسَقِ التَّرْتِيبِ المَعْهُودِ؛ وتُسَمّى أُمَّ القرآن؛ لِكَوْنِها أصْلًا ومَنشَأً لَهُ؛ إمّا لِمَبْدَئِيَّتِها لَهُ؛ وإمّا لِاشْتِمالِها عَلى ما فِيهِ مِنَ الثَّناءِ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - والتَّعَبُّدِ بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ وبَيانِ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ؛ أوْ عَلى جُمْلَةِ مَعانِيهِ مِنَ الحِكَمِ النَّظَرِيَّةِ؛ والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ الَّتِي هي سُلُوكُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ والِاطِّلاعِ عَلى مَعارِجِ السُّعَداءِ، ومَنازِلِ الأشْقِياءِ؛ والمُرادُ بِالقرآن هو المُرادُ بِالكِتابِ؛ وتُسَمّى أُمَّ الكِتابِ أيْضًا؛ كَما يُسَمّى بِها اللَّوْحُ المَحْفُوظُ؛ لِكَوْنِهِ أصْلًا لِكُلِّ الكائِناتِ؛ والآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى مَعانِيها؛ لِكَوْنِها بَيِّنَةً تُحْمَلُ عَلَيْها المُتَشابِهاتُ؛ ومَناطُ التَّسْمِيَةِ ما ذُكِرَ في أُمِّ القرآن؛ لا ما أوْرَدَهُ الإمامُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ مِن أنَّهُ يُبْدَأُ بِقِراءَتِها في الصَّلاةِ؛ فَإنَّهُ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالتَّسْمِيَةِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وتُسَمّى سُورَةَ الكَنْزِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: « "إنَّها أُنْزِلَتْ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ"؛» أوْ لِما ذُكِرَ في أُمِّ القرآن؛ كَما أنَّهُ الوَجْهُ في تَسْمِيَتِها: "الأساسَ"؛ و"الكافِيَةَ"؛ و"الوافِيَةَ"؛ وتُسَمّى سُورَةَ "الحَمْدِ"؛ و"الشُّكْرِ"؛ و"الدُّعاءِ"؛ و"تَعْلِيمِ المَسْألَةِ"؛ لِاشْتِمالِها عَلَيْها؛ وسُورَةَ "الصَّلاةِ"؛ لِوُجُوبِ قِراءَتِها فِيها؛ وسُورَةَ "الشِّفاءِ"؛ و"الشّافِيَةِ"؛ لِقَوْلِهِ ﷺ «هِيَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ؛» «وَ"السَّبْعَ المَثانِيَ"؛» لِأنَّها سَبْعُ آياتٍ تُثَنّى في الصَّلاةِ؛ أوْ لِتَكَرُّرِ نُزُولِها عَلى ما رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ مَرَّةً بِمَكَّةَ حِينَ فُرِضَتِ الصَّلاةُ؛ وبِالمَدِينَةِ أُخْرى حِينَ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ؛ وقَدْ صَحَّ أنَّها مَكِّيَّةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي﴾؛ وهو مَكِّيٌّ بِالنَّصِّ. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ . اخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في شَأْنِ التَّسْمِيَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ؛ فَقِيلَ: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ القرآن أصْلًا؛ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ومَذْهَبُ مالِكٍ؛ والمَشْهُورُ مِن مَذْهَبِ قُدَماءِ الحَنَفِيَّةِ؛ وعَلَيْهِ قُرّاءُ المَدِينَةِ والبَصْرَةِ والشّامِ؛ وفُقَهاؤُها؛ وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ فَذَّةٌ مِنَ القرآن؛ أُنْزِلَتْ لِلْفَصْلِ والتَّبَرُّكِ بِها؛ وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ الحَنَفِيَّةِ؛ وقِيلَ: هي آيَةٌ تامَّةٌ مِن كُلِّ سُورَةٍ صُدِّرَتْ بِها؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقَدْ نُسِبَ إلى ابْنِ عُمَرَ أيْضًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وعَلَيْهِ يُحْمَلُ إطْلاقُ عِبارَةِ ابْنِ الجَوْزِيِّ في "زادِ المَسِيرِ"؛ حَيْثُ قالَ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها أُنْزِلَتْ مَعَ كُلِّ سُورَةٍ؛ وهو أيْضًا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ والزُّهْرِيِّ؛ وعَطاءٍ؛ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ؛ وعَلَيْهِ قُرّاءُ مَكَّةَ والكُوفَةِ؛ وفُقَهاؤُهُما؛ وهو القَوْلُ الجَدِيدُ لِلشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -؛ ولِذَلِكَ يُجْهَرُ بِها عِنْدَهُ؛ فَلا عِبْرَةَ بِما نُقِلَ عَنِ الجَصّاصِ مِن أنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ الشّافِعِيِّ لَمْ يَسْبِقْهُ إلَيْهِ أحَدٌ؛ وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ مِنَ الفاتِحَةِ؛ مَعَ كَوْنِها قُرْآنًا في سائِرِ السُّوَرِ أيْضًا؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِها جُزْءًا مِنها أوْ لا؛ ولا لِكَوْنِها آيَةً تامَّةً أوْ لا؛ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ عَلى ما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ؛ ونُقِلَ عَنِ الخَطابِيِّ أنَّهُ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وقِيلَ: إنَّها آيَةٌ تامَّةٌ في الفاتِحَةِ؛ وبَعْضٌ في البَواقِي؛ وقِيلَ: بَعْضُ آيَةٍ في الفاتِحَةِ؛ وآيَةٌ تامَّةٌ في البَواقِي؛ وقِيلَ: إنَّها بَعْضُ آيَةٍ في الكُلِّ؛ وقِيلَ: إنَّها آياتٌ مِنَ القرآن مُتَعَدِّدَةٌ بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنها؛ وهَذا القَوْلُ غَيْرُ مَعْزِيٍّ في الكُتُبِ إلى أحَدٍ؛ وهُناكَ قَوْلٌ آخَرُ؛ ذَكَرَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ؛ ولَمْ يَنْسُبْهُ إلى أحَدٍ؛ وهُوَ: إنَّها آيَةٌ تامَّةٌ في الفاتِحَةِ؛ ولَيْسَتْ بِقُرْآنٍ في سائِرِ السُّوَرِ؛ ولَوْلا اعْتِبارُ كَوْنِها آيَةً تامَّةً لَكانَ ذَلِكَ أحَدَ مَحْمَلَيْ تَرَدُّدِ الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ قَدْ نُقِلَ عَنْهُ أنَّها بَعْضُ آيَةٍ في الفاتِحَةِ؛ وأمّا في غَيْرِها فَقَوْلُهُ فِيها (p-9)مُتَرَدِّدٌ؛ فَقِيلَ: بَيْنَ أنْ يَكُونَ قُرْآنًا أوْ لا؛ وقِيلَ: بَيْنَ أنْ يَكُونَ آيَةً تامَّةً أوْ لا؛ قالَ الإمامُ الغَزالِيُّ: والصَّحِيحُ مِنَ الشّافِعِيِّ هو التَّرَدُّدُ الثّانِي؛ وعَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ في كَوْنِها آيَةً كامِلَةً؛ وفي كَوْنِها مِنَ الفاتِحَةِ؛ رِوايَتانِ؛ ذَكَرَهُما ابْنُ الجَوْزِيِّ؛ ونُقِلَ أنَّهُ مَعَ مالِكٍ وغَيْرِهِ مِمَّنْ يَقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ مِنَ القرآن؛ هَذا والمَشْهُورُ مِن هَذِهِ الأقاوِيلِ هي الثَّلاثُ الأُوَلُ؛ والِاتِّفاقُ عَلى إثْباتِها في المَصاحِفِ - مَعَ الإجْماعِ عَلى أنَّ ما بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ كَلامُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - يَقْضِي بِنَفْيِ القَوْلِ الأوَّلِ؛ وثُبُوتِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ الأخِيرَيْنِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى خُصُوصِيَّةِ أحَدِهِما؛ فَإنَّ كَوْنَها جُزْءًا مِنَ القرآن لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها جُزْءًا مِن كُلِّ سُورَةٍ مِنهُ؛ كَما لا يَسْتَدْعِي كَوْنَها آيَةً مُنْفَرِدَةً مِنهُ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ مَن تَرَكَها فَقَدْ تَرَكَ مِائَةً وأرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ وما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "فاتِحَةُ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ؛ أُولاهُنَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"؛» وما رُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِن «أنَّهُ ﷺ قَرَأ سُورَةَ الفاتِحَةِ؛ وعَدَّ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ؛ آيَةً؛» وإنْ دَلَّ كُلُّ واحِدٍ مِنها عَلى نَفْيِ القَوْلِ الثّانِي فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنها نَصًّا في إثْباتِ القَوْلِ الثّالِثِ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهُ لا يَدُلُّ إلّا عَلى كَوْنِها آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها؛ لا عَلى ما هو المَطْلُوبُ مِن كَوْنِها آيَةً تامَّةً مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنها؛ إلّا أنْ يُلْتَجَأ إلى أنْ يُقالَ: إنَّ كَوْنَها آيَةً مُتَعَدِّدَةً بِعَدَدِ السُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ جُزْءًا مِنها؛ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ؛ وأمّا الثّانِي فَساكِتٌ عَنِ التَّعَرُّضِ لِحالِها في بَقِيَّةِ السُّورِ؛ وأمّا الثّالِثُ فَناطِقٌ بِخِلافِهِ مَعَ مُشارَكَتِهِ لِلثّانِي في السُّكُوتِ المَذْكُورِ؛ والباءُ فِيها مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفِعْلُ المُصَدَّرُ بِها؛ كَما أنَّها كَذَلِكَ في تَسْمِيَةِ المُسافِرِ عِنْدَ الحُلُولِ والِارْتِحالِ؛ وتَسْمِيَةِ كُلِّ فاعِلٍ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأفْعالِ؛ ومَعْناها الِاسْتِعانَةُ؛ أوِ المُلابَسَةُ؛ تَبَرُّكًا؛ أيْ "بِاسْمِ اللَّهِ أقْرَأُ"؛ أوْ "أتْلُو"؛ وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ؛ والقَصْدِ إلى التَّخْصِيصِ؛ كَما في "إيّاكَ نَعْبُدُ"؛ وتَقْدِيرُ "أبْدَأُ" - لِاقْتِضائِهِ اقْتِصارَ التَّبَرُّكِ عَلى البِدايَةِ - مُخِلٌّ بِما هو المَقْصُودُ؛ أعْنِي شُمُولَ البَرَكَةِ لِلْكُلِّ؛ وادِّعاءُ أنَّ فِيهِ امْتِثالًا بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ مِن جِهَةِ اللَّفْظِ والمَعْنى مَعًا؛ وفي تَقْدِيرِ "أقْرَأُ" مِن جِهَةِ المَعْنى فَقَطْ؛ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ فَإنَّ مَدارَ الِامْتِثالِ هو البَدْءُ بِالتَّسْمِيَةِ؛ لا تَقْدِيرُ فِعْلِهِ؛ إذْ لَمْ يَقُلْ في الحَدِيثِ الكَرِيمِ « "كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ"؛» لَمْ يَقُلْ فِيهِ أوْ لَمْ يُضْمِرْ فِيهِ "أبْدَأُ"؛ وهَذا إلى آخِرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ مَقُولٌ عَلى ألْسِنَةِ العِبادِ؛ تَلْقِينًا لَهُمْ؛ وإرْشادًا إلى كَيْفِيَّةِ التَّبَرُّكِ بِاسْمِهِ تَعالى؛ وهِدايَةً إلى مِنهاجِ الحَمْدِ وسُؤالِ الفَضْلِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ السُّورَةُ الكَرِيمَةُ بِما ذُكِرَ مِن تَعْلِيمِ المَسْألَةِ؛ وإنَّما كُسِرَتْ - ومِن حَقِّ الحُرُوفِ المُفْرَدَةِ أنْ تُفْتَحَ - لِاخْتِصاصِها بِلُزُومِ الحَرْفِيَّةِ والجَرِّ؛ كَما كُسِرَتْ لامُ الأمْرِ؛ ولامُ الإضافَةِ - داخِلَةً عَلى المُظْهَرِ - لِلْفَصْلِ بَيْنَهُما وبَيْنَ لامِ الِابْتِداءِ؛ والِاسْمُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الأسْماءِ المَحْذُوفَةِ الأعْجازِ؛ المَبْنِيَّةِ الأوائِلِ عَلى السُّكُونِ؛ قَدْ أُدْخِلَتْ عَلَيْها عِنْدَ الِابْتِداءِ هَمْزَةٌ؛ لِأنَّ مِن دَأْبِهِمُ البَدْءَ بِالمُتَحَرِّكِ؛ والوَقْفَ عَلى السّاكِنِ؛ ويَشْهَدُ لَهُ تَصْرِيفُهم عَلى "أسْماءٌ" و"سُمِّيَ" و"سُمِّيَتْ"؛ و"سُمًى" - كَـ "هُدًى" - لُغَةٌ فِيهِ؛ قالَ: ؎ واللَّهُ أسْماكَ سُمًى مُبارَكًا ∗∗∗ آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ إيثارَكا والقَلْبُ بَعِيدٌ؛ غَيْرُ مُطَّرِدٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِنَ السُّمُوِّ لِأنَّهُ رَفْعٌ لِلْمُسَمّى؛ وتَنْوِيهٌ لَهُ؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِنَ السِّمَةِ؛ وأصْلُهُ "وَسْمٌ"؛ حُذِفَتِ الواوَ؛ وعَوَّضَتْ عَنْها هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ لِيَقِلَّ إعْلالُها؛ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الهَمْزَةَ لَمْ تُعْهَدْ داخِلَةً عَلى ما حُذِفَ صَدْرُهُ في كَلامِهِمْ؛ ومِن لُغاتِهِمْ "سِمٌ"؛ و"سُمٌ"؛ قالَ: ؎ بِاسْمِ الَّذِي في كُلِّ سُورَةٍ سِمُهْ ∗∗∗ وَإنَّما لَمْ يَقُلْ: "بِاللَّهِ"؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ اليَمِينِ؛ والتَّيَمُّنِ؛ أوْ لِتَحْقِيقِ ما هو المَقْصُودُ بِالِاسْتِعانَةِ هَهُنا؛ فَإنَّها تَكُونُ تارَةً بِذاتِهِ (تَعالى) - وحَقِيقَتُها طَلَبُ المَعُونَةِ؛ عَلى إيقاعِ (p-10)الفِعْلِ وإحْداثِهِ؛ أيْ "إفاضَةُ القُدْرَةِ"؛ المُفَسَّرَةُ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ مِن أصْحابِنا بِما يَتَمَكَّنُ بِهِ العَبْدُ مِن أداءِ ما لَزِمَهُ؛ المُنْقَسِمَةُ إلى مُمْكِنَةٍ؛ ومُيَسَّرَةٍ؛ وهي المَطْلُوبَةُ بِـ "إيّاكَ نَسْتَعِينُ" -؛ وتارَةً أُخْرى بِاسْمِهِ - عَزَّ وعَلا - وحَقِيقَتُها طَلَبُ المَعُونَةِ في كَوْنِ الفِعْلِ مُعْتَدًّا بِهِ شَرْعًا؛ فَإنَّهُ ما لَمْ يُصَدَّرْ بِاسْمِهِ (تَعالى) يَكُونُ بِمَنزِلَةِ المَعْدُومِ؛ ولَمّا كانَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ الِاسْتِعانَتَيْنِ واقِعَةً؛ وجَبَ تَعْيِينُ المُرادِ بِذِكْرِ الِاسْمِ؛ وإلّا فالمُتَبادَرُ مِن قَوْلِنا "بِاللَّهِ"؛ عِنْدَ الإطْلاقِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ الوَصْفِ بِـ "الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ" هي الِاسْتِعانَةُ الأُولى؛ إنْ قِيلَ: فَلْيُحْمَلِ الباءُ عَلى التَّبَرُّكِ؛ ولْيُسْتَغْنَ عَنْ ذِكْرِ الِاسْمِ لِما أنَّ التَّبَرُّكَ لا يَكُونُ إلّا بِهِ؛ قُلْنا: ذاكَ فَرْعُ كَوْنِ المُرادِ بِـ "اللَّهِ" هو الِاسْمُ؛ وهَلِ التَّشاجُرُ إلّا فِيهِ؟! فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِ الِاسْمِ؛ لِيَنْقَطِعَ احْتِمالُ إرادَةِ المُسَمّى؛ ويَتَعَيَّنُ حَمْلُ الباءِ عَلى الِاسْتِعانَةِ الثّانِيَةِ؛ أوِ التَّبَرُّكِ؛ وإنَّما لَمْ يُكْتَبِ الألِفَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ؛ قالُوا: وطُوِّلَتِ الباءُ عِوَضًا عَنْها. وَ " اللَّهِ "؛ أصْلُهُ "الإلَهُ"؛ فَحُذِفَتْ هَمْزَتُهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وُجُوبُ الإدْغامِ؛ وتَعْوِيضُ الألِفِ واللّامِ عَنْها؛ حَيْثُ لَزِماهُ وجُرِّدا عَنْ مَعْنى التَّعْرِيفِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: "يالَلَّهُ"؛ بِالقَطْعِ؛ فَإنَّ المَحْذُوفَ القِياسِيَّ في حُكْمِ الثّابِتِ؛ فَلا يَحْتاجُ إلى التَّدارُكِ بِما ذُكِرَ مِنَ الإدْغامِ والتَّعْوِيضِ؛ وقِيلَ: عَلى قِياسِ تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ؛ فَيَكُونُ الإدْغامُ والتَّعْوِيضُ مِن خَواصِّ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِيَمْتازَ بِذَلِكَ عَمّا عَداهُ امْتِيازَ مُسَمّاهُ عَمّا سِواهُ؛ بِما لا يُوجَدُ فِيهِ مِن نُعُوتِ الكَمالِ؛ و"الإلَهُ" في الأصْلِ اسْمُ جِنْسٍ؛ يَقَعُ عَلى كُلِّ مَعْبُودٍ بِحَقٍّ أوْ باطِلٍ؛ أيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ وصْفِ الحَقِّيَّةِ والبُطْلانِ؛ لا مَعَ اعْتِبارِ أحَدِهِما؛ لا بِعَيْنِهِ؛ ثُمَّ غَلَبَ عَلى المَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ كالنَّجْمِ؛ والصَّعْقِ؛ وأمّا "اللَّهُ" بِحَذْفِ الهَمْزَةِ فَعَلَمٌ مُخْتَصٌّ بِالمَعْبُودِ بِالحَقِّ؛ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ واشْتِقاقُهُ مِن "الإلاهَةُ"؛ و"الأُلُوهَةُ"؛ و"الأُلُوهِيَّةُ"؛ بِمَعْنى العِبادَةِ؛ حَسْبَما نَصَّ عَلَيْهِ الجَوْهَرِيُّ؛ عَلى أنَّهُ اسْمٌ مِنها بِمَعْنى "المَأْلُوهُ"؛ كَـ "الكِتابُ"؛ بِمَعْنى "المَكْتُوبُ"؛ لا عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مِنها؛ بِدَلِيلِ أنَّهُ يُوصَفُ؛ ولا يُوصَفُ بِهِ؛ حَيْثُ يُقالُ: إلَهٌ واحِدٌ؛ ولا يُقالُ: شَيْءٌ إلَهٌ؛ كَما يُقالُ: كِتابٌ مَرْقُومٌ؛ ولا يُقالُ: شَيْءٌ كِتابٌ؛ والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ المَوْضُوعَ لَهُ في الصِّفَةِ هو الذّاتُ المُبْهَمَةُ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِها بِمَعْنًى مُعَيَّنٍ؛ وقِيامِهِ بِها؛ فَمَدْلُولُها مُرَكَّبٌ مِن ذاتٍ مُبْهَمَةٍ؛ لَمْ يُلاحَظْ مَعَها خُصُوصِيَّةٌ أصْلًا؛ ومِن مَعْنًى مُعَيَّنٍ قائِمٍ بِها؛ عَلى أنَّ مِلاكَ الأمْرِ تِلْكَ الخُصُوصِيَّةُ؛ فَبِأيِّ ذاتٍ يَقُومُ ذَلِكَ المَعْنى يَصِحُّ إطْلاقُ الصِّفَةِ عَلَيْها؛ كَما في الأفْعالِ؛ ولِذَلِكَ تَعْمَلُ عَمَلَها كاسْمَيِ الفاعِلِ والمَفْعُولِ؛ والمَوْضُوعُ لَهُ في الِاسْمِ المَذْكُورِ هو الذّاتُ المُعَيَّنَةُ؛ والمَعْنى الخاصُّ؛ فَمَدْلُولُهُ مُرَكَّبٌ مِن ذَيْنِكَ المَعْنَيَيْنِ مِن غَيْرِ رُجْحانٍ لِلْمَعْنى عَلى الذّاتِ؛ كَما في الصِّفَةِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَها؛ وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِن "ألِهَ"؛ بِمَعْنى "تَحَيَّرَ"؛ لِأنَّهُ سُبْحانَهُ يَحارُ في شَأْنِهِ العُقُولُ والأفْهامُ؛ وأمّا "ألَهَ"؛ كَـ "عَبَدَ"؛ وزْنًا ومَعْنًى؛ فَمُشْتَقٌّ مِن "الإلَهُ"؛ المُشْتَقِّ مِن "إلْهٌ"؛ بِالكَسْرِ؛ وكَذا "تَألَّهَ"؛ و"اسْتَأْلَهَ"؛ اشْتِقاقَ "اسْتَنْوَقَ"؛ و"اسْتَحْجَرَ"؛ مِنَ النّاقَةِ؛ والحَجَرِ؛ وقِيلَ: مِن "ألِهَ إلى فُلانٍ"؛ أيْ "سَكَنَ إلَيْهِ"؛ لِاطْمِئْنانِ القُلُوبِ بِذِكْرِهِ تَعالى؛ وسُكُونِ الأرْواحِ إلى مَعْرِفَتِهِ؛ وقِيلَ: مِن "ألِهَ" إذا فَزِعَ مِن أمْرٍ نَزَلَ بِهِ؛ و"آلَهَهُ غَيْرُهُ"؛ إذا أجارَهُ؛ إذِ العائِذُ بِهِ (تَعالى) يَفْزَعُ إلَيْهِ؛ وهو يُجِيرُهُ حَقِيقَةً؛ أوْ في زَعْمِهِ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لاهٌ"؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن "لاهَ"؛ "يَلِيهُ؛ بِمَعْنى احْتَجَبَ؛ وارْتَفَعَ؛ أُطْلِقَ عَلى الفاعِلِ مُبالَغَةً؛ وقِيلَ: هو اسْمُ عَلَمٍ لِلذّاتِ الجَلِيلِ ابْتِداءً؛ وعَلَيْهِ مَدارُ أمْرِ التَّوْحِيدِ في قَوْلِنا: "لا إلَهَ إلّا اللَّهُ"؛ ولا يَخْفى أنَّ اخْتِصاصَ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِذاتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إطْلاقُهُ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ كافٍ في ذَلِكَ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ كَوْنُ ذَلِكَ الِاخْتِصاصِ بِطَرِيقِ الغَلَبَةِ؛ بَعْدَ أنْ كانَ اسْمَ جِنْسٍ في الأصْلِ؛ وقِيلَ: هو وصْفُ الأصْلِ؛ لَكِنَّهُ لِما (p-11)غَلَبَ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ أصْلًا؛ صارَ كالعَلَمِ؛ ويَرُدُّهُ امْتِناعُ الوَصْفِ بِهِ؛ واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالمُنَكَّرِ في كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ هو المَعْبُودُ بِالحَقِّ؛ فَمَعْناها لا فَرْدَ مِن أفْرادِ المَعْبُودِ بِالحَقِّ إلّا ذَلِكَ المَعْبُودُ بِالحَقِّ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "لاها"؛ بِالسُّرْيانِيَّةِ؛ فَعُرِّبَ بِحَذْفِ الألِفِ الثّانِيَةِ؛ وإدْخالِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ؛ وتَفْخِيمِ لامِهِ إذا لَمْ يَنْكَسِرْ ما قَبْلَهُ سُنَّةً؛ وقِيلَ: مُطْلَقًا؛ وحَذْفُ ألِفِهِ لَحْنٌ؛ تَفْسَدُ بِهِ الصَّلاةُ؛ ولا يَنْعَقِدُ بِهِ صَرِيحُ اليَمِينِ؛ وقَدْ جاءَ لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ في قَوْلِهِ: ؎ ألا لا بارَكَ اللَّهُ في سُهَيْلٍ ∗∗∗ إذا ما اللَّهُ بارَكَ في الرِّجالِ وَ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ صِفَتانِ مَبْنِيَّتانِ مِن "رَحِمَ"؛ بَعْدَ جَعْلِهِ لازِمًا بِمَنزِلَةِ الغَرائِزِ؛ بِنَقْلِهِ إلى "رَحُمَ"؛ بِالضَّمِّ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ "الرَّحِيمِ" لَيْسَ بِصِفَةٍ مُشَبَّهَةٍ؛ بَلْ هي صِيغَةُ مُبالَغَةٍ؛ نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ؛ في قَوْلِهِمْ: هو رَحِيمٌ فُلانًا؛ والرَّحْمَةُ في اللُّغَةِ: رِقَّةُ القَلْبِ؛ والِانْعِطافُ؛ ومِنهُ "الرَّحِمُ"؛ لِانْعِطافِها عَلى ما فِيها؛ والمُرادُ هَهُنا: التَّفَضُّلُ؛ والإحْسانُ؛ وإرادَتُهُما؛ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ - بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا - عَلى مُسَبِّبِهِ البَعِيدِ؛ أوِ القَرِيبِ؛ فَإنَّ أسْماءَ اللَّهِ (تَعالى) تُؤْخَذُ بِاعْتِبارِ الغاياتِ الَّتِي هي أفْعالٌ؛ دُونَ المَبادِئِ الَّتِي هي انْفِعالاتٌ؛ والأوَّلُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُطْلَقْ عَلى غَيْرِهِ (تَعالى)؛ وإنَّما امْتَنَعَ صَرْفُهُ إلْحاقًا لَهُ بِالأغْلَبِ في بابِهِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الِاخْتِصاصِ العارِضِ؛ فَإنَّهُ كَما حُظِرَ وُجُودُ "فَعْلى"؛ حُظِرَ وُجُودُ "فَعْلانَةٌ"؛ فاعْتِبارُهُ يُوجِبُ اجْتِماعَ الصَّرْفِ؛ وعَدَمِهِ؛ فَلَزِمَ الرُّجُوعُ إلى أصْلِ هَذِهِ الكَلِمَةِ قَبْلَ الِاخْتِصاصِ بِأنْ تُقاسَ إلى نَظائِرِها مِن بابِ "فَعَلَ يَفْعَلُ"؛ فَإذا كانَ كُلُّها مَمْنُوعَةٌ مِنَ الصَّرْفِ - لِتَحَقُّقِ وُجُودِ "فَعْلى" فِيها - عُلِمَ أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ أيْضًا في أصْلِها مِمّا تَحَقَّقَ فِيها وُجُودُ "فَعْلى"؛ فَتُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في "الرَّحِيمِ"؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: يا رَحْمَنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ورَحِيمَ الدُّنْيا؛ وتَقْدِيمُهُ - مَعَ كَوْنِ القِياسِ تَأْخِيرَهُ - رِعايَةٌ لِأُسْلُوبِ التَّرَقِّي إلى الأعْلى؛ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ عالِمٌ نِحْرِيرٌ؛ وشُجاعٌ باسِلٌ؛ وجَوادٌ فَيّاضٌ؛ لِأنَّهُ بِاخْتِصاصِهِ بِهِ عَزَّ وجَلَّ صارَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ قَرِينًا لِلِاسْمِ الجَلِيلِ الخاصِّ بِهِ (تَعالى)؛ ولِأنَّ ما يَدُلُّ عَلى جَلائِلِ النِّعَمِ وعَظائِمِها وأُصُولِها أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى دَقائِقِها وفُرُوعِها؛ وإفْرادُ الوَصْفَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ بِالذِّكْرِ لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ.

الفاتحة 1:2

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾: الحَمْدُ هو النَّعْتُ بِالجَمِيلِ عَلى الجَمِيلِ؛ اخْتِيارِيًّا كانَ أوْ مَبْدَأً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ ذَلِكَ بِتَوْجِيهِهِ إلى المَنعُوتِ؛ وبِهَذِهِ الحَيْثِيَّةِ يَمْتازُ عَنِ المَدْحِ؛ فَإنَّهُ خالٍ عَنْها؛ يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ ما تَرى بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ في قَوْلِكَ: حَمِدْتُهُ؛ ومَدَحْتُهُ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ الثّانِي بِمَفْعُولِهِ عَلى مِنهاجِ تَعَلُّقِ عامَّةِ الأفْعالِ بِمَفْعُولاتِها؛ وأمّا الأوَّلُ فَتَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ مُنْبِئٌ عَنْ مَعْنى الإنْهاءِ؛ كَما في قَوْلِكَ: كَلَّمْتُهُ؛ فَإنَّهُ مُعْرِبٌ عَمّا يُقَيِّدُهُ لامُ التَّبْلِيغِ في قَوْلِكَ: "قُلْتُ لَهُ"؛ ونَظِيرِهِ؛ و"شَكَرْتُهُ"؛ و"عَبَدْتُهُ"؛ و"خَدَمْتُهُ"؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنها مُنْبِئٌ عَنِ المَعْنى المَذْكُورِ؛ وتَحْقِيقُهُ أنَّ مَفْعُولَ كُلِّ فِعْلٍ في الحَقِيقَةِ هو الحَدَثُ الصّادِرُ عَنْ فاعِلِهِ؛ ولا يُتَصَوَّرُ في كَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ - أيِّ فِعْلٍ كانَ - اخْتِلافٌ أصْلًا؛ وأمّا المَفْعُولُ بِهِ الَّذِي هو مَحَلُّهُ ومَوْقِعُهُ؛ فَلَمّا كانَ تَعَلُّقُهُ بِهِ؛ ووُقُوعُهُ عَلَيْهِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ خُصُوصِيّاتُ الأفْعالِ؛ بِحَسَبِ مَعانِيها المُخْتَلِفَةِ؛ فَإنَّ بَعْضَها يَقْتَضِي أنْ يُلابِسَهُ مُلابَسَةً تامَّةً؛ مُؤَثِّرَةً فِيهِ؛ كَعامَّةِ الأفْعالِ؛ وبَعْضَها يَسْتَدْعِي أنْ يُلابِسَهُ أدْنى مُلابَسَةٍ؛ إمّا بِالِانْتِهاءِ إلَيْهِ؛ كالإعانَةِ مَثَلًا؛ أوْ بِالِابْتِداءِ مِنهُ؛ كالِاسْتِعانَةِ مَثَلًا -؛ اعْتُبِرَ في كُلِّ نَحْوِ مِن أنْحاءِ تَعَلُّقِهِ بِهِ كَيْفِيَّةٌ لائِقَةٌ بِذَلِكَ النَّحْوِ؛ مُغايِرَةٌ لِما اعْتُبِرَ في النَّحْوَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ فَنُظِمَ القِسْمُ الأوَّلُ مِنَ التَّعَلُّقِ في سِلْكِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ الحَقِيقِيِّ؛ مُراعاةً لِقُوَّةِ المُلابَسَةِ؛ وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ الأخِيرَيْنِ (p-12)مِن قَبِيلِ التَّعَلُّقِ بِواسِطَةِ الجارِّ المُناسِبِ لَهُ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: أعَنْتُهُ؛ مُشْعِرٌ بِانْتِهاءِ الإعانَةِ إلَيْهِ؛ وقَوْلَكَ: اسْتَعَنْتُهُ؛ بِابْتِدائِها مِنهُ؛ وقَدْ يَكُونُ لِفِعْلٍ واحِدٍ مَفْعُولانِ؛ يَتَعَلَّقُ بِأحَدِهِما عَلى الكَيْفِيَّةِ الأُولى؛ وبِالآخَرِ عَلى الثّانِيَةِ؛ أوِ الثّالِثَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: حَدَّثَنِي الحَدِيثَ؛ وسَألَنِي المالَ؛ فَإنَّ التَّحْدِيثَ؛ مَعَ كَوْنِهِ فِعْلًا واحِدًا؛ قَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّانِيَةِ؛ وبِالحَدِيثِ عَلى الأُولى؛ وكَذا السُّؤالُ؛ فَإنَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ؛ وقَدْ تَعَلَّقَ بِكَ عَلى الكَيْفِيَّةِ الثّالِثَةِ؛ وبِالمالِ عَلى الأُولى؛ ولا رَيْبَ في أنَّ اخْتِلافَ هَذِهِ الكَيْفِيّاتِ الثَّلاثِ؛ وتَبايُنَها واخْتِصاصَ كُلٍّ مِنَ المَفاعِيلِ المَذْكُورَةِ بِما نُسِبَ إلَيْهِ مِنها؛ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَرَدُّدٌ؛ ولا نَكِيرٌ؛ وإنْ كانَ لا يَتَّضِحُ حَقَّ الِاتِّضاحِ إلّا عِنْدَ التَّرْجَمَةِ والتَّفْسِيرِ؛ وإنَّ مَدارَ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ لَيْسَ إلّا اخْتِلافَ الفِعْلِ؛ أوِ اخْتِلافَ المَفْعُولِ؛ وإذْ لا اخْتِلافَ في مَفْعُولِ الحَمْدِ والمَدْحِ؛ تَعَيَّنَ أنَّ اخْتِلافَهُما في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ؛ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى قَطْعًا؛ هَذا وقَدْ قِيلَ: المَدْحُ مُطْلَقٌ عَنْ قَيْدِ الِاخْتِيارِ؛ يُقالُ: مَدَحْتُ زَيْدًا عَلى حُسْنِهِ ورَشاقَةِ قَدِّهِ؛ وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ بَيْنَهُما تَرادُفٌ؛ بَلْ أُخُوَّةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ الكَبِيرِ؛ وتَناسُبٌ تامٌّ في المَعْنى؛ كالنَّصْرِ والتَّأْيِيدِ؛ فَإنَّهُما مُتَناسِبانِ مَعْنًى؛ مِن غَيْرِ تَرادُفٍ؛ لِما تَرى بَيْنَهُما مِنَ الِاخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ التَّعَلُّقِ بِالمَفْعُولِ؛ وإنَّما مُرادِفُ النَّصْرِ الإعانَةُ؛ ومُرادِفُ التَّأْيِيدِ التَّقْوِيَةُ؛ فَتَدَبَّرْ؛ ثُمَّ إنَّ ما ذُكِرَ مِنَ التَّفْسِيرِ هو المَشْهُورُ مِن مَعْنى الحَمْدِ؛ واللّائِقُ بِالإدارَةِ في مَقامِ التَّعْظِيمِ؛ وأمّا ما ذُكِرَ في كُتُبِ اللُّغَةِ مِن مَعْنى الرِّضا مُطْلَقًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾؛ وفي قَوْلِهِمْ: لِهَذا الأمْرِ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ وفي قَوْلِ الأطِبّاءِ: بُحْرانٌ مَحْمُودٌ؛ مِمّا لا يَخْتَصُّ بِالفاعِلِ؛ فَضْلًا عَنْ الِاخْتِيارِ؛ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ اسْتِحْقاقِ الإرادَةِ هَهُنا اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِتْباعًا؛ بِحَمْلِ الحَمْدِ عَلى ما يَعُمُّ المَعْنَيَيْنِ؛ إذْ لَيْسَ في إثْباتِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ فائِدَةٌ يُعْتَدُّ بِها؛ وأمّا الشُّكْرُ فَهو مُقابَلَةُ النِّعْمَةِ بِالثَّناءِ؛ وآدابِ الجَوارِحِ؛ وعَقْدِ القَلْبِ عَلى وصْفِ المُنْعِمِ بِنَعْتِ الكَمالِ؛ كَما قالَ مَن قالَ: ؎ أفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ∗∗∗ يَدِي ولِسانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبا فَإذَنْ هو أعَمُّ مِنهُما مِن جِهَةٍ؛ وأخَصُّ مِن أُخْرى؛ ونَقِيضُهُ الكُفْرانُ؛ ولَمّا كانَ الحَمْدُ مِن بَيْنِ شُعَبِ الشُّكْرِ؛ أُدْخِلَ في إشاعَةِ النِّعْمَةِ والِاعْتِدادِ بِشَأْنِها؛ وأدَلَّ عَلى مَكانِها؛ لِما في عَمَلِ القَلْبِ مِنَ الخَفاءِ؛ وفي أعْمالِ الجَوارِحِ مِنَ الِاحْتِمالِ؛ جُعِلَ الحَمْدُ رَأْسَ الشُّكْرِ ومِلاكًا لِأمْرِهِ في قَوْلِهِ ﷺ: « "الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ؛ ما شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ".» وارْتِفاعُهُ بِالِابْتِداءِ؛ وخَبَرُهُ الظَّرْفُ؛ وأصْلُهُ النَّصْبُ؛ كَما هو شَأْنُ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالِها المُضْمَرَةِ الَّتِي لا تَكادُ تُسْتَعْمَلُ مَعَها؛ نَحْوَ: شُكْرًا؛ وعَجَبًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ حَمْدًا؛ بِنُونِ الحِكايَةِ؛ لِيُوافِقَ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ لِاتِّحادِ الفاعِلِ في الكُلِّ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ بَيانٌ لِحَمْدِهِمْ لَهُ (تَعالى)؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَحْمَدُونَ؟ فَقِيلَ: إيّاكَ نَعْبُدُ؛ فَمَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ مِمّا لا صِحَّةَ لَهُ في نَفْسِهِ؛ فَإنَّ السُّؤالَ المُقَدَّرَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ يَقْتَضِيهِ انْتِظامُ الكَلامِ؛ ويَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ والأفْهامُ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ الحامِدَ بَعْدَما ساقَ حَمْدَهُ (تَعالى) عَلى تِلْكَ الكَيْفِيَّةِ اللّائِقَةِ لا يَخْطُرُ بِبالِ أحَدٍ أنْ يَسْألَ عَنْ كَيْفِيَّتِهِ؛ عَلى أنَّ ما قُدِّرَ مِنَ السُّؤالِ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْجَوابِ؛ فَإنَّهُ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ؛ لا لِبَيانِ العِبادَةِ؛ حَتّى يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ بَيانًا لِكَيْفِيَّةِ حَمْدِهِمْ؛ والِاعْتِذارُ بِأنَّ المَعْنى: نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ؛ وبِهِ يَتَبَيَّنُ كَيْفِيَّةُ الحَمْدِ؛ تَعْكِيسٌ لِلْأمْرِ؛ وتَمَحُّلٌ لِتَوْفِيقِ المُنَّزَلِ المُقَرَّرِ؛ بِالمَوْهُومِ المُقَدَّرِ؛ وبَعْدَ (اللَّتَيّا والَّتِي) أنْ فُرِضَ السُّؤالُ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ؛ فَأتَتْ نُكْتَةُ الِالتِفاتِ الَّتِي أجْمَعَ عَلَيْها السَّلَفُ والخَلَفُ؛ وإنْ فُرِضَ مِن جِهَةِ الغَيْرِ يَخْتَلُّ النِّظامُ لِابْتِناءِ الجَوابِ عَلى خِطابِهِ (تَعالى)؛ (p-13)وَبِهَذا يَتَّضِحُ فَسادُ ما قِيلَ إنَّهُ اسْتِئْنافٌ؛ جَوابًا لِسُؤالٍ يَقْتَضِيهِ إجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ العِظامِ عَلى المَوْصُوفِ بِها؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما شَأْنُكم مَعَهُ؟ وكَيْفَ تَوَجُّهُكم إلَيْهِ؟ فَأُجِيبُ بِحَصْرِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ فِيهِ؛ فَإنَّ تَناسِيَ جانِبِ السّائِلِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وبِناءَ الجَوابِ عَلى خِطابِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّهُ اسْتِئْنافٌ صَدَرَ عَنِ الحامِدِ بِمَحْضِ مُلاحَظَةِ اتِّصافِهِ (تَعالى) بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ هُناكَ شَيْءٌ آخَرُ؛ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا؛ وإيثارُ الرَّفْعِ عَلى النَّصْبِ الَّذِي هو الأصْلُ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَ الحَمْدِ لَهُ (تَعالى) لِذاتِهِ؛ لا لِإثْباتِ مُثْبَتٍ؛ وأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ دائِمٌ مُسْتَمِرٌّ؛ لا حادِثٌ مُتَجَدِّدٌ؛ كَما تُفِيدُهُ قِراءَةُ النَّصْبِ؛ وهو السِّرُّ في كَوْنِ تَحِيَّةِ الخَلِيلِ لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ التَّحِيَّةُ والسَّلامُ - أحْسَنَ مِن تَحِيَّتِهِمْ لَهُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾؛ وتَعْرِيفُهُ لِلْجِنْسِ؛ ومَعْناهُ الإشارَةُ إلى الحَقِيقَةِ مِن حَيْثُ هي حاضِرَةٌ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ والمُرادُ تَخْصِيصُ حَقِيقَةِ الحَمْدِ بِهِ (تَعالى) المُسْتَدْعِي لِتَخْصِيصِ جَمِيعِ أفْرادِها بِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ لَكِنْ لا بِناءً عَلى أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ فَتَكُونُ الأفْرادُ الواقِعَةُ بِمُقابَلَةِ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأفْعالِ الجَمِيلَةِ راجِعَةً إلَيْهِ (تَعالى)؛ بَلْ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ تِلْكَ الأفْرادِ ودَواعِيها في المَقامِ الخِطابِيِّ مَنزِلَةَ العَدَمِ كَيْفًا وكَمًّا؛ وقَدْ قِيلَ: لِلِاسْتِغْراقِ الحاصِلِ بِالقَصْدِ إلى الحَقِيقَةِ؛ مِن حَيْثُ تَحَقُّقِها في ضِمْنِ جَمِيعِ أفْرادِها؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ وقُرِئَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾؛ بِكَسْرِ الدّالِ إتْباعًا لَها بِاللّامِ؛ وبِضَمِّ اللّامِ إتْباعًا لَها بِالدّالِ؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ الكَلِمَتَيْنِ - لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِما مُقْتَرِنَتَيْنِ - مَنزِلَةَ كَلِمَةٍ واحِدَةٍ؛ مِثْلَ "المُغِيرَةُ ومُنْحَدَرُ الجَبَلِ". ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾: بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّهِ؛ فَإنَّ إضافَتَهُ حَقِيقِيَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِلتَّعْرِيفِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ ضَرُورَةٌ تُعَيِّنُ إرادَةَ الِاسْتِمْرارِ؛ وقُرِئَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ؛ أوْ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: نَحْمَدُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ؛ ولا مَساغَ لِنَصْبِهِ بِـ "الحَمْدُ" لِقِلَّةِ إعْمالِ المَصْدَرِ المُحَلّى بِاللّامِ؛ ولِلُزُومِ الفَصْلِ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِالخَبَرِ؛ و"الرَّبُّ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى التَّرْبِيَةِ؛ وهي تَبْلِيغُ الشَّيْءِ إلى كَمالِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ وُصِفَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً؛ كالعَدْلِ؛ وقِيلَ: صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِن "رَبَّهُ يَرُبُّهُ"؛ مِثْلَ "نَمَّهُ يَنُمُّهُ"؛ بَعْدَ جَعْلِهِ لازِمًا بِنَقْلِهِ إلى "فَعُلَ" بِالضَّمِّ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ سُمِّيَ بِهِ المالِكُ؛ لِأنَّهُ يَحْفَظُ ما يَمْلِكُهُ ويُرَبِّيهِ؛ ولا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِ (تَعالى)؛ إلّا مُقَيَّدًا؛ كَـ "رَبُّ الدّارِ"؛ و"رَبُّ الدّابَّةِ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ﴾؛ وما في الصَّحِيحَيْنِ مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "لا يَقُلْ أحَدُكُمْ: أطْعِمْ رَبَّكَ؛ وضِّئْ رَبَّكَ؛ ولا يَقُلْ أحَدُكُمْ: رَبِّي؛ ولْيَقُلْ: سَيِّدِي ومَوْلايَ"؛» فَقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّهْيَ فِيهِ لِلتَّنْزِيهِ؛ وأمّا الأرْبابُ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ جازَ في إطْلاقِهِ الإطْلاقُ والتَّقْيِيدُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ الآيَةِ؛ والعالَمُ: اسْمٌ لِما يُعْلَمُ بِهِ؛ كَـ الخاتَمُ"؛ و"القالَبُ"؛ غَلَبَ فِيما يُعْلَمُ بِهِ الصّانِعُ (تَعالى) مِنَ المَصْنُوعاتِ؛ أيْ في القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ أجْناسِها؛ وبَيْنَ مَجْمُوعِها؛ فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى كُلِّ جِنْسٍ جِنْسٌ مِنها؛ في قَوْلِهِمْ: عالَمُ الأفْلاكِ؛ وعالَمُ العَناصِرِ؛ وعالَمُ النَّباتِ؛ وعالَمُ الحَيَوانِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ أيْضًا؛ كَما في قَوْلِنا: العالَمُ بِجَمِيعِ أجْزائِهِ مُحْدَثٌ؛ وقِيلَ: هو اسْمٌ لِأُولِي العِلْمِ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ؛ وتَناوُلُهُ لِما سِواهم بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ النّاسُ فَقَطْ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم - مِن حَيْثُ اشْتِمالِهِ عَلى نَظائِرِ ما في العالَمِ الكَبِيرِ مِنَ الجَواهِرِ والأعْراضِ - يُعْلَمُ بِها الصّانِعُ؛ كَما يُعْلَمُ بِما فِيهِ عالَمٌ عَلى حِيالِهِ؛ ولِذَلِكَ أُمِرَ بِالنَّظَرِ في الأنْفُسِ؛ كالنَّظَرِ في الآفاقِ؛ فَقِيلَ: ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾؛ والأوَّلُ هو الأحَقُّ الأظْهَرُ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ لِبَيانِ شُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ (تَعالى) لِجَمِيعِ (p-14)الأجْناسِ؛ والتَّعْرِيفُ لِاسْتِغْراقِ أفْرادِ كُلٍّ مِنها بِأسْرِها؛ إذْ لَوْ أفْرَدَ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّعْرِيفِ هو الحَقِيقَةُ مِن حَيْثُ هِيَ؛ أوِ اسْتِغْراقُ أفْرادِ جِنْسٍ واحِدٍ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ في تَعْرِيفِ الحَمْدِ؛ وحَيْثُ صَحَّ ذَلِكَ بِمُساعَدَةِ التَّعْرِيفِ نَزَلَ العالَمُ - وإنْ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلى آحادِ مَدْلُولِهِ - مَنزِلَةَ الجَمْعِ؛ حَتّى قِيلَ: إنَّهُ جَمْعٌ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ فَكَما أنَّ الجَمْعَ المُعَرَّفَ يَسْتَغْرِقُ آحادَ مُفْرَدِهِ - وإنْ لَمْ يَصْدُقْ عَلَيْها؛ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى):﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ كُلَّ مُحْسِنٍ - كَذَلِكَ العالَمُ يَشْمَلُ أفْرادَ الجِنْسِ المُسَمّى بِهِ؛ وإنْ لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْها؛ كَأنَّها آحادُ مُفْرَدِهِ التَّقْدِيرِيِّ؛ ومِن قَضِيَّةِ هَذا التَّنْزِيلِ تَنْزِيلُ جَمْعِهِ مَنزِلَةَ جَمْعِ الجَمْعِ؛ فَكَما أنَّ "الأقاوِيلُ" يَتَناوَلُ كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأقْوالِ؛ يَتَناوَلُ لَفْظُ "العالَمِينَ" كُلَّ واحِدٍ مِن آحادِ الأجْناسِ الَّتِي لا تَكادُ تُحْصى؛ رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ أنَّهُ قالَ: "لِلَّهِ (تَعالى) ثَمانِيَةَ عَشَرَ ألْفَ عالَمٍ؛ والدُّنْيا عالَمٌ مِنها"؛ وإنَّما جُمِعَ بِالواوِ والنُّونِ مَعَ اخْتِصاصِ ذَلِكَ بِصِفاتِ العُقَلاءِ؛ وما في حُكْمِها مِنَ الأعْلامِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى العَلَمِ؛ مَعَ اعْتِبارِ تَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ؛ واعْلَمْ أنَّ عَدَمَ انْطِلاقِ اسْمِ العالَمِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الآحادِ لَيْسَ إلّا بِاعْتِبارِ الغَلَبَةِ والِاصْطِلاحِ؛ وأمّا بِاعْتِبارِ الأصْلِ فَلا رَيْبَ في صِحَّةِ الإطْلاقِ قَطْعًا؛ لِتَحْقِيقِ المِصْداقِ حَتْمًا؛ فَإنَّهُ كَما يُسْتَدَلُّ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - بِمَجْمُوعِ ما سِواهُ؛ وبِكُلِّ جِنْسٍ مِن أجْناسِهِ؛ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ (تَعالى) بِكُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ المَجْمُوعِ؛ وبِكُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ تِلْكَ الأجْناسِ لِتَحَقُّقِ الحاجَةِ إلى المُؤَثِّرِ الواجِبِ لِذاتِهِ في الكُلِّ؛ فَإنَّ كُلَّ ما ظَهَرَ في المَظاهِرِ؛ مِمّا عَزَّ وهانَ؛ وحَضَرَ في هَذِهِ المَحاضِرِ كائِنًا ما كانَ؛ دَلِيلٌ لائِحٌ عَلى الصّانِعِ المُجِيدِ؛ وسَبِيلٌ واضِحٌ إلى عالَمِ التَّوْحِيدِ؛ وأمّا شُمُولُ رُبُوبِيَّتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْكُلِّ فَمِمّا لا حاجَةَ إلى بَيانِهِ؛ إذْ لا شَيْءَ مِمّا أحْدَقَ بِهِ نِطاقُ الإمْكانِ والوُجُودِ مِنَ العُلْوِيّاتِ، والسُّفْلِيّاتِ، والمُجَرَّداتِ، والمادِّيّاتِ، والرُّوحانِيّاتِ، والجُسْمانِيّاتِ؛ إلّا وهو في حَدِّ ذاتِهِ؛ بِحَيْثُ لَوْ فُرِضَ انْقِطاعُ آثارِ التَّرْبِيَةِ عَنْهُ آنًا واحِدًا لَما اسْتَقَرَّ لَهُ القَرارُ؛ ولا اطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ؛ إلّا في مَطْمُورَةِ العَدَمِ؛ ومَهاوِي البَوارِ؛ لَكِنْ يُفِيضُ عَلَيْهِ مِنَ الجَنابِ الأقْدَسِ - تَعالى شَأْنُهُ؛ وتَقَدَّسَ في كُلِّ زَمانٍ يَمْضِي؛ وكُلِّ آنٍ يَمُرُّ ويَنْقَضِي - مِن فُنُونِ الفُيُوضِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتِهِ، ووُجُودِهِ، وصِفاتِهِ، وكَمالاتِهِ؛ ما لا يُحِيطُ بِهِ فَلَكُ التَّعْبِيرِ؛ ولا يَعْلَمُهُ إلّا العَلِيمُ الخَبِيرُ؛ ضَرُورَةً؛ إنَّهُ كَما لا يَسْتَحِقُّ شَيْءٌ مِنَ المُمْكِناتِ بِذاتِهِ الوُجُودَ ابْتِداءً؛ لا يَسْتَحِقُّهُ بَقاءً؛ وإنَّما ذَلِكَ مِن جَنابِ المَبْدَإ الأوَّلِ - عَزَّ وعَلا -؛ فَكَما لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُهُ ابْتِداءً ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الأصْلِيِّ؛ لا يُتَصَوَّرُ بَقاؤُهُ عَلى الوُجُودِ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ بِعِلَّتِهِ ما لَمْ يَنْسَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ أنْحاءِ عَدَمِهِ الطّارِئِ؛ لِما أنَّ الدَّوامَ مِن خَصائِصِ الوُجُودِ الواجِبِيِّ؛ وظاهِرِ أنَّ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وُجُودُهُ مِنَ الأُمُورِ الوُجُودِيَّةِ الَّتِي هي عِلَلُهُ؛ وشَرائِطُهُ؛ وإنْ كانَتْ مُتَناهِيَةً؛ لِوُجُوبِ تَناهِي ما دَخَلَ تَحْتَ الوُجُودِ؛ لَكِنَّ الأُمُورَ العَدَمِيَّةَ الَّتِي لَها دَخْلٌ في وُجُودِهِ - وهي المُعَبَّرُ عَنْها بِارْتِفاعِ المَوانِعِ - لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ إذْ لا اسْتِحالَةَ في أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ واحِدٍ مَوانِعُ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ؛ يَتَوَقَّفُ وُجُودُهُ أوْ بَقاؤُهُ عَلى ارْتِفاعِها؛ أيْ بَقائِها عَلى العَدَمِ؛ مَعَ إمْكانِ وُجُودِها في نَفْسِها؛ فَإبْقاءُ تِلْكَ المَوانِعِ الَّتِي لا تَتَناهى عَلى العَدَمِ تَرْبِيَةٌ لِذَلِكَ الشَّيْءِ مِن وُجُوهٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ؛ وبِالجُمْلَةِ فَآثارُ تَرْبِيَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ - الفائِضَةُ عَلى كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَوْجُوداتِ؛ في كُلِّ آنٍ مِن آناتِ الوُجُودِ؛ غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ؛ فَسُبْحانَهُ؛ سُبْحانَهُ؛ ما أعْظَمَ سُلْطانَهُ! لا تُلاحِظُهُ العُيُونُ بِأنْظارِها؛ ولا تُطالِعُهُ العُقُولُ بِأفْكارِها؛ شَأْنُهُ لا يُضاهى؛ وإحْسانُهُ لا يَتَناهى؛ ونَحْنُ في مَعْرِفَتِهِ حائِرُونَ؛ وفي إقامَةِ مَراسِمِ شُكْرِهِ قاصِرُونَ؛ نَسْألُكَ اللَّهُمَّ الهِدايَةَ (p-15)إلى مَناهِجِ مَعْرِفَتِكَ؛ والتَّوْفِيقَ لِأداءِ حُقُوقِ نِعْمَتِكَ؛ لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ؛ نَسْتَغْفِرُكَ ونَتُوبُ إلَيْكَ.

الفاتحة 1:3

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: صِفَتانِ لِلَّهِ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِما فِيهِما مِنَ الرَّحْمَةِ ما يَخْتَصُّ بِالعُقَلاءِ مِنَ العالَمِينَ؛ أوْ ما يَفِيضُ عَلى الكُلِّ بَعْدَ الخُرُوجِ إلى طَوْرِ الوُجُودِ مِنَ النِّعَمِ؛ فَوَجْهُ تَأْخِيرِهِما عَنْ وصْفِ الربوبية ظاهِرٌ؛ وإنْ أُرِيدَ ما يَعُمُّ الكُلَّ في الأطْوارِ كُلِّها؛ حَسْبَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ أنَّ التَّرْبِيَةَ لا تَقْتَضِي المُقارَنَةَ لِلرَّحْمَةِ؛ فَإيرادُهُما في عَقِبِها لِلْإيذانِ بِأنَّهُ (تَعالى) مُتَفَضِّلٌ فِيها؛ فاعِلٌ بِقَضِيَّةِ رَحْمَتِهِ السّابِقَةِ؛ مِن غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ؛ وبِأنَّها واقِعَةٌ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ والِاقْتِصارُ عَلى نَعْتِهِ (تَعالى) بِهِما في التَّسْمِيَةِ لِما أنَّهُ الأنْسَبُ بِحالِ المُتَبَرِّكِ المُسْتَعِينِ بِاسْمِهِ الجَلِيلِ؛ والأوْفَقُ لِمَقاصِدِهِ.

الفاتحة 1:4

﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: صِفَةٌ رابِعَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ وتَأْخِيرُها عَنِ الصِّفاتِ الأُوَلِ مِمّا لا حاجَةَ إلى بَيانِ وجْهِهِ؛ وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ المُحْتَرَمَيْنِ: "مَلِكِ"؛ مِنَ المُلْكِ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ السُّلْطانِ القاهِرِ؛ والِاسْتِيلاءِ الباهِرِ؛ والغَلَبَةِ التّامَّةِ؛ والقُدْرَةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ في أُمُورِ العامَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ؛ وهو الأنْسَبُ بِمَقامِ الإضافَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾؛ وقُرِئَ: "مَلْكِ"؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ و"مَلَكَ"؛ بِلَفْظِ الماضِي؛ و"مالِكَ"؛ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ؛ أوِ الحالِ؛ وبِالرَّفْعِ؛ مُنَوَّنًا ومُضافًا؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ و"مَلِكُ"؛ مُضافًا بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ؛ و"اليَوْمُ" في العُرْفِ: عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وغُرُوبِها؛ مِنَ الزَّمانِ؛ وفي الشَّرْعِ: عَمّا بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي؛ وغُرُوبِ الشَّمْسِ؛ والمُرادُ هَهُنا مُطْلَقُ الوَقْتِ؛ و"الدِّينُ": الجَزاءُ؛ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا؛ ومِنهُ الثّانِي في المَثَلِ السّائِرِ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"؛ والأوَّلُ في بَيْتِ الحَماسَةِ ؎ ولَمْ يَبْقَ سِوى العُدْوا ∗∗∗ نِ دِنّاهم كَما دانُوا وَأمّا الأوَّلُ في الأوَّلِ؛ والثّانِي في الثّانِي؛ فَلَيْسَ بِجَزاءٍ حَقِيقَةً؛ وإنَّما سُمِّيَ بِهِ مُشاكَلَةً؛ أوْ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ مُسَبِّبِهِ؛ كَما سُمِّيَتْ إرادَةُ القِيامِ والقِراءَةِ بِاسْمِهِما في قَوْلِهِ - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾؛ ولَعَلَّهُ هو السِّرُّ في بِناءِ المُفاعَلَةِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَقُومُ أسْبابُها بِمَفْعُولاتِها؛ نَحْوَ: عاقَبْتُ اللِّصَّ؛ ونَظائِرِهِ؛ فَإنَّ قِيامَ السَّرِقَةِ؛ الَّتِي هي سَبَبٌ لِلْعُقُوبَةِ بِاللِّصِّ؛ نُزِّلَ مَنزِلَةَ قِيامِ المُسَبِّبِ بِهِ؛ وهي العُقُوبَةُ؛ فَصارَ كَأنَّها قامَتْ بِالجانِبَيْنِ؛ وصَدَرَتْ عَنْهُما؛ فَبُنِيَتْ صِيغَةُ المُفاعَلَةِ الدّالَّةِ عَلى المُشارَكَةِ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ؛ وإضافَةُ اليَوْمِ إلَيْهِ - لِأدْنى مُلابَسَةٍ - كَإضافَةِ سائِرِ الظُّرُوفِ الزَّمانِيَّةِ إلى ما وقَعَ فِيها مِنَ الحَوادِثِ؛ كَـ "يَوْمُ الأحْزابِ"؛ و"عامُ الفَتْحِ"؛ وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ القِيامَةِ، والجَمْعِ، والحِسابِ؛ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ القِيامَةِ؛ وغَيْرِها؛ مِن مَبادِئِ الجَزاءِ؛ ومُقَدِّماتِهِ؛ وإضافَةُ "مالِكِ" إلى "اليَوْمِ" مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى الظَّرْفِ - عَلى نَهْجِ الِاتِّساعِ المَبْنِيِّ عَلى إجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ مَعَ بَقاءِ المَعْنى عَلى حالِهِ؛ كَقَوْلِهِمْ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ -؛ أيْ: مالِكِ أُمُورِ العالَمِينَ كُلِّها في يَوْمِ الدِّينِ؛ وخُلُوُّ إضافَتِهِ عَنْ إفادَةِ التَّعْرِيفِ المُسَوِّغِ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ إنَّما هو إذا أُرِيدَ بِهِ الحالُ؛ أوْ الِاسْتِقْبالُ؛ وأمّا عِنْدَ إرادَةِ الِاسْتِمْرارِ الثُّبُوتِيِّ - كَما هو اللّائِقُ بِالمَقامِ - فَلا رَيْبَ في كَوْنِها إضافَةً حَقِيقِيَّةً؛ كَإضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى غَيْرِ مَعْمُولِها؛ في قِراءَةِ "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ"؛ ويَوْمُ الدِّينِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَمِرًّا في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ؛ إلّا أنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ وبَقائِهِ أبَدًا - أُجْرِيَ مُجْرى المُتَحَقَّقِ المُسْتَمِرِّ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الماضِي بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ كَما يَشْهَدُ بِهِ القِراءَةُ عَلى صِيغَةِ الماضِي؛ وما ذُكِرَ مِن إجْراءِ الظَّرْفِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ إنَّما هو مِن حَيْثُ المَعْنى؛ لا مِن حَيْثُ الإعْرابُ؛ حَتّى يَلْزَمَ كَوْنُ الإضافَةِ لَفْظِيَّةً؛ ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ في "مالِكُ عَبْدِهِ (p-16)أمْسِ"؛ إنَّهُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ بِهِ؛ عَلى مَعْنى أنَّهُ كَذَلِكَ مَعْنًى؛ لا أنَّهُ مَنصُوبٌ مَحَلًّا؟ وتَخْصِيصُهُ بِالإضافَةِ إمّا لِتَعْظِيمِهِ؛ وتَهْوِيلِهِ؛ أوْ لِبَيانِ تَفَرُّدِهِ (تَعالى) بِإجْراءِ الأمْرِ فِيهِ. وانْقِطاعُ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ بَيْنَ "المَلاكِ"؛ و"الأمْلاكِ" حِينَئِذٍ بِالكُلِّيَّةِ؛ وإجْراءُ هاتِيكَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ؛ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ اخْتِصاصِ الحَمْدِ بِهِ (تَعالى)؛ المُسْتَلْزِمِ لِاخْتِصاصِ اسْتِحْقاقِهِ بِهِ (تَعالى)؛ وتَمْهِيدٌ لِما لَحِقَ مِنَ اقْتِصارِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مُفْصِحَةٌ عَنْ وُجُوبِ ثُبُوتِ كُلِّ واحِدٍ مِنها لَهُ (تَعالى)؛ وامْتِناعِ ثُبُوتِها لِما سِواهُ؛ أمّا الأُولى والرّابِعَةُ فَظاهِرٌ؛ لِأنَّهُما مُتَعَرِّضَتانِ صَراحَةً لِكَوْنِهِ (تَعالى) رَبًّا مالِكًا؛ وما سِواهُ مَرْبُوبًا مَمْلُوكًا لَهُ (تَعالى)؛ وأمّا الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ فَلِأنَّ اتِّصافَهُ تَعالى بِهِما لَيْسَ إلّا بِالنِّسْبَةِ إلى ما سِواهُ مِنَ العالَمِينَ؛ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُنْعَمًا عَلَيْهِمْ؛ فَظَهَرَ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الصِّفاتِ - كَما دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ ثُبُوتِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لَهُ (تَعالى) - دَلَّتْ عَلى امْتِناعِ ثُبُوتِها لِما عَداهُ عَلى الإطْلاقِ؛ وهو المَعْنِيُّ بِالِاخْتِصاصِ.

الفاتحة 1:5

﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ؛ وتَلْوِينٌ لِلنَّظْمِ مِن بابٍ إلى بابٍ؛ جارٍ عَلى نَهْجِ البَلاغَةِ؛ في افْتِنانِ الكَلامِ ومَسْلَكِ البَراعَةِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِي المَقامُ؛ لِما أنَّ التَّنَقُّلَ مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ أدْخُلُ في اسْتِجْلابِ النُّفُوسِ؛ واسْتِمالَةِ القُلُوبِ؛ يَقَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّكَلُّمِ والخِطابِ والغَيْبَةِ؛ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الآخَرَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾؛ الآيَةِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الِالتِفاتاتِ الوارِدَةِ في التَّنْزِيلِ؛ لِأسْرارٍ تَقْتَضِيها؛ ومَزايا تَسْتَدْعِيها؛ ومِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ هَذا المَقامُ الجَلِيلُ مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ بِهِ (تَعالى) لِما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُ (تَعالى) أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ وأتَمَّ ظُهُورٍ؛ بِحَيْثُ تُبَدِّلُ خَفاءَ الغَيْبَةِ بِجَلاءِ الحُضُورِ؛ فاسْتَدْعى اسْتِعْمالُ صِيغَةِ الخِطابِ؛ والإيذانُ بِأنَّ حَقَّ التّالِي بَعْدَما تَأمَّلَ فِيما سَلَفَ - مِن تَفَرُّدِهِ تَعالى بِذاتِهِ الأقْدَسِ؛ المُسْتَوْجِبِ لِلْعُبُودِيَّةِ؛ وامْتِيازِهِ بِذاتِهِ عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ واسْتِبْدادِهِ بِجَلائِلِ الصِّفاتِ وأحْكامِ الربوبية المُمَيِّزَةِ لَهُ عَنْ جَمِيعِ أفْرادِ العالَمِينَ؛ وافْتِقارِ الكُلِّ إلَيْهِ في الذّاتِ والوُجُودِ ابْتِداءً؛ وبَقاءً؛ عَلى التَّفْصِيلِ الَّذِي مَرَّتْ إلَيْهِ الإشارَةُ - أنْ يَتَرَقّى مِن رُتْبَةِ البُرْهانِ إلى طَبَقَةِ العِيانِ؛ ويَنْتَقِلَ مِن عالَمِ الغَيْبَةِ إلى مَعالِمِ الشُّهُودِ؛ ويُلاحِظَ نَفْسَهُ في حَظائِرِ القُدْسِ حاضِرًا في مَحاضِرِ الأُنْسِ؛ كَأنَّهُ واقِفٌ لَدى مَوْلاهُ؛ ماثِلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو يَدْعُو بِالخُضُوعِ والإخْباتِ؛ ويَقْرَعُ بِالضَّراعَةِ بابَ المُناجاةِ؛ قائِلًا: يا مَن هَذِهِ شُئُونُ ذاتِهِ وصِفاتِهِ؛ نَخُصُّكَ بِالعِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ؛ فَإنَّ كُلَّ ما سِواكَ - كائِنًا ما كانَ - بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ؛ فَضْلًا عَنِ اسْتِحْقاقِ أنْ يُعْبَدَ؛ أوْ يُسْتَعانَ؛ ولَعَلَّ هَذا هو السِّرُّ في اخْتِصاصِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِوُجُوبِ القِراءَةِ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ؛ الَّتِي هي مُناجاةُ العَبْدِ لِمَوْلاهُ؛ ومَئِنَّةٌ لِلتَّبَتُّلِ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ. وَ"إيّا" ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ؛ مَنصُوبٌ؛ وما يَلْحَقُهُ مِنَ الكافِ والياءِ والهاءِ حُرُوفٌ زِيدَتْ لِتَعْيِينِ الخِطابِ؛ والتَّكَلُّمِ والغَيْبَةِ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ كالتّاءِ في "أنْتَ"؛ والكافِ في "أرَأيْتَكَ"؛ وما ادَّعاهُ الخَلِيلُ مِنَ الإضافَةِ - مُحْتَجًّا عَلَيْهِ بِما حَكاهُ عَنْ بَعْضِ العَرَبِ: إذا بَلَغَ الرَّجُلُ السِّتِّينَ فَإيّاهُ وإيّا الشَّوابَّ -؛ فَمِمّا لا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: هي الضَّمائِرُ؛ و"إيّا" دِعامَةٌ لَها؛ لِتُصَيِّرَها مُنْفَصِلَةً؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ هو المَجْمُوعُ؛ وقُرِئَ "إيّاكَ" بِالتَّخْفِيفِ؛ وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ والتَّشْدِيدِ؛ و"هِيّاكَ" بِقَلْبِ الهَمْزَةِ هاءً. والعِبادَةُ أقْصى غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ومِنهُ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ؛ أيْ مُذَلَّلٌ؛ والعُبُودِيَّةُ أدْنى مِنها؛ وقِيلَ: العِبادَةُ فِعْلُ ما يَرْضى بِهِ اللَّهُ؛ والعُبُودِيَّةُ (p-17)الرِّضا بِما فَعَلَ اللَّهُ تَعالى؛ والِاسْتِعانَةُ طَلَبُ المَعُونَةِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ فِيهِما لِما ذُكِرَ مِنَ القَصْرِ والتَّخْصِيصِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ والِاهْتِمامِ بِهِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: مَعْناهُ: نَعْبُدُكَ ولا نَعْبُدُ غَيْرَكَ؛ وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ لِلتَّنْصِيصِ عَلى تَخْصِيصِهِ (تَعالى) بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ؛ ولِإبْرازِ الِاسْتِلْذاذِ بِالمُناجاةِ والخِطابِ؛ وتَقْدِيمُ العِبادَةِ لِما أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ مَدْلُولِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ وإنْ ساعَدَهُ الصِّفاتُ المُجْراةُ عَلَيْهِ أيْضًا؛ وأمّا الِاسْتِعانَةُ فَمِنَ الأحْكامِ المَبْنِيَّةِ عَلى الصِّفاتِ المَذْكُورَةِ؛ ولِأنَّ العِبادَةَ مِن حُقُوقِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والِاسْتِعانَةَ مِن حُقُوقِ المُسْتَعِينِ؛ ولِأنَّ العِبادَةَ واجِبَةٌ حَتْمًا؛ والِاسْتِعانَةَ تابِعَةٌ لِلْمُسْتَعانِ فِيهِ؛ في الوُجُوبِ وعَدَمِهِ؛ وقِيلَ: لِأنَّ تَقْدِيمَ الوَسِيلَةِ عَلى المَسْؤُولِ أدْعى إلى الإجابَةِ والقَبُولِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ إطْلاقِ الِاسْتِعانَةِ عَلى المَفْعُولِ فِيهِ؛ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُسْتَعانٍ فِيهِ؛ كَما قالُوا؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ لِما أنَّ المَسْؤُولَ هو المَعُونَةُ في العِبادَةِ؛ والتَّوْفِيقُ لِإقامَةِ مَراسِمِها عَلى ما يَنْبَغِي؛ وهو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ والمُناسِبُ لِحالِ الحامِدِ؛ فَإنَّ اسْتِعانَتَهُ مَسْبُوقَةٌ بِمُلاحَظَةِ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ؛ لِيَسْتَعِينَهُ (تَعالى) في إيقاعِهِ؛ ومِنَ البَيِّنِ أنَّهُ عِنْدَ اسْتِغْراقِهِ في مُلاحَظَةِ شُئُونِهِ (تَعالى)؛ واشْتِغالِهِ بِأداءِ ما يُوجِبُهُ تِلْكَ المُلاحَظَةُ مِنَ الحَمْدِ والثَّناءِ؛ لا يَكادُ يَخْطُرُ بِبالِهِ مِن أفْعالِهِ وأحْوالِهِ إلّا الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلَيْهِ؛ والتَّوَجُّهُ التّامُّ إلَيْهِ؛ ولَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى) أوَّلًا؛ وبِاسْتِدْعاءِ الهِدايَةِ إلى ما يُوصِلُ إلَيْهِ آخِرًا؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْتَغِلَ فِيما بَيْنَهُما بِما لا يَعْنِيهِ مِن أُمُورِ دُنْياهُ؛ أوْ بِما يَعُمُّها وغَيْرَها؟! كَأنَّهُ قِيلَ: وإيّاكَ نَسْتَعِينُ في ذَلِكَ؛ فَإنّا غَيْرُ قادِرِينَ عَلى أداءِ حُقُوقِهِ مِن غَيْرِ إعانَةٍ مِنكَ؛ فَوَجْهُ التَّرْتِيبِ حِينَئِذٍ واضِحٌ؛ وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ عِبادَتِهِ (تَعالى)؛ وعِزَّةِ مَنالِها؛ وبِكَوْنِها عِنْدَ العابِدِ أشْرَفُ المَباغِي والمَقاصِدِ؛ وبِكَوْنِها مِن مَواهِبِهِ (تَعالى)؛ لا مِن أعْمالِ نَفْسِهِ؛ ومِنَ المُلاءَمَةِ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الدُّعاءِ ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ إيّاكَ نَعْبُدُ مُسْتَعِينِينَ بِكَ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ في الفِعْلَيْنِ لِلْإيذانِ بِقُصُورِ نَفْسِهِ؛ وعَدَمِ لِياقَتِهِ بِالوُقُوفِ في مَواقِفِ الكِبْرِياءِ مُنْفَرِدًا؛ وعَرْضِ العِبادَةِ واسْتِدْعاءِ المَعُونَةِ والهِدايَةِ مُسْتَقِلًّا؛ وأنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ مِن عِصابَةٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ وجَماعَةٍ هو مِن زُمْرَتِهِمْ؛ كَما هو دَيْدَنُ المُلُوكِ؛ أوْ لِلْإشْعارِ بِاشْتِراكِ سائِرِ المُوَحِّدِينَ لَهُ في الحالِ العارِضَةِ لَهُ؛ بِناءً عَلى تَعاضُدِ الأدِلَّةِ المُلْجِئَةِ إلى ذَلِكَ؛ وقُرِئَ: "نِسْتَعِينُ"؛ بِكَسْرِ النُّونِ؛ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ.

الفاتحة 1:6

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾: إفْرادٌ لِمُعْظَمِ أفْرادِ المَعُونَةِ المَسْؤُولَةِ بِالذِّكْرِ؛ وتَعْيِينٌ لِما هو الأهَمُّ؛ أوْ بَيانٌ لَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ أُعِينُكُمْ؟ فَقِيلَ: اهْدِنا؛ والهِدايَةُ دَلالَةٌ بِلُطْفٍ عَلى ما يُوَصِّلُ إلى البُغْيَةِ؛ ولِذَلِكَ اخْتُصَّتْ بِالخَيْرِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجحيم﴾؛ وارِدٌ عَلى نَهْجِ التَّهَكُّمِ؛ والأصْلُ تَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" و"اللّامِ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَهْدِي إلى الحَقِّ قُلْ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾؛ فَعُومِلَ مُعامَلَةَ "اخْتارَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾؛ وهِدايَةُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ تَنَوُّعِها إلى أنْواعٍ لا تَكادُ تُحْصَرُ - مُنْحَصِرَةٌ في أجْناسٍ مُتَرَتِّبَةٍ؛ مِنها أنْفُسِيَّةٌ؛ كَإفاضَةِ القُوى الطَّبِيعِيَّةِ والحَيَوانِيَّةِ الَّتِي بِها يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ أفاعِيلُهُ الطَّبِيعِيَّةُ والحَيَوانِيَّةُ؛ والقُوى المُدْرِكَةِ؛ والمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ الَّتِي بِها يَتَمَكَّنُ مِن إقامَةِ مَصالِحِهِ المَعاشِيَّةِ والمَعادِيَّةِ؛ ومِنها آفاقِيَّةٌ؛ فَإمّا تَكْوِينِيَّةٌ مُعْرِبَةٌ عَنِ الحَقِّ بِلِسانِ الحالِ - وهي نَصْبُ الأدِلَّةِ المُودَعَةِ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ العالَمِ؛ حَسْبَما لُوِّحَ بِهِ فِيما سَلَفَ -؛ وإمّا تَنْزِيلِيَّةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ تَفاصِيلِ الأحْكامِ النَّظَرِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ بِلِسانِ المَقالِ؛ بِإرْسالِ الرُّسُلِ؛ (p-18)وَإنْزالِ الكُتُبِ المُنْطَوِيَةِ عَلى فُنُونِ الهِداياتِ - الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإرْشادُ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِتِلْكَ الأدِلَّةِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ -؛ والتَّنْبِيهِ عَلى مَكانِها؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾؛ وفي قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾؛ ومِنها الهِدايَةُ الخاصَّةُ؛ وهي كَشْفُ الأسْرارِ عَلى قَلْبِ المَهْدِيِّ بِالوَحْيِ؛ أوِ الإلْهامِ؛ ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ صاحِبٌ يَنْتَحِيها؛ وطالِبٌ يَسْتَدْعِيها؛ والمَطْلُوبُ إمّا زِيادَتُها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾؛ وإمّا الثَّباتُ عَلَيْها؛ كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وأُبَيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: اهْدِنا: ثَبِّتْنا؛ ولَفْظُ الهِدايَةِ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مَجازٌ - قَطْعًا -؛ وأمّا عَلى الأوَّلِ فَإنِ اعْتُبِرَ مَفْهُومُ الزِّيادَةِ داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ كانَ مَجازًا أيْضًا؛ وإنِ اعْتُبِرَ خارِجًا عَنْهُ؛ مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالقَرائِنِ؛ كانَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّ الهِدايَةَ الزّائِدَةَ هِدايَةٌ؛ كَما أنَّ العِبادَةَ الزّائِدَةَ عِبادَةٌ؛ فَلا يَلْزَمُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ؛ وقُرِئَ: "أرْشِدْنا"؛ و"الصِّراطَ": الجادَّةَ؛ أصْلُهُ السِّينُ؛ قُلِبَتْ صادًا لِمَكانِ الطّاءِ؛ كَـ "مُصَيْطِرٍ"؛ في "مُسَيْطِرٍ"؛ مِن سَرْطِ الشَّيْءِ إذا ابْتَلَعَهُ؛ سُمِّيَتْ بِهِ لِأنَّها تَسْتَرِطُ السّابِلَةَ إذا سَلَكُوها؛ كَما سُمِّيَتْ لَقْمًا لِأنَّها تَلْتَقِمُهُمْ؛ وقَدْ تُشَمُّ الصّادُ صَوْتَ الزّايِ؛ تَحَرِّيًا لِلْقُرْبِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ؛ وقَدْ قُرِئَ بِهِنَّ جَمِيعًا؛ وفُصْحاهُنَّ إخْلاصُ الصّادِ؛ وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ؛ وهي الثّابِتَةُ في الإمامِ؛ وجَمْعُهُ "صُرُطٌ"؛ كَـ "كِتابٌ؛ وكُتُبٌ"؛ وهو كَـ "الطَّرِيقِ" و"السَّبِيلِ" في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ؛ و"المُسْتَقِيمَ": المُسْتَوِي؛ والمُرادُ بِهِ طَرِيقُ الحَقِّ؛ وهي المِلَّةُ الحَنَفِيَّةُ السَّمْحَةُ المُتَوَسِّطَةُ بَيْنَ الإفْراطِ؛ والتَّفْرِيطِ.

الفاتحة 1:7

﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾: بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ؛ وهو في حُكْمِ تَكْرِيرِ العامِلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّسْبَةِ؛ وفائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ؛ والتَّنْصِيصُ عَلى أنَّ طَرِيقَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ - وهُمُ المُسْلِمُونَ - هو العَلَمُ في الِاسْتِقامَةِ؛ والمَشْهُودُ لَهُ بِالِاسْتِواءِ؛ بِحَيْثُ لا يَذْهَبُ الوَهْمُ عِنْدَ ذِكْرِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ إلّا إلَيْهِ؛ وإطْلاقُ الإنْعامِ لِقَصْدِ الشُّمُولِ؛ فَإنَّ نِعْمَةَ الإسْلامِ عُنْوانُ النِّعَمِ كُلِّها؛ فَمَن فازَ بِها فَقَدْ حازَها بِحَذافِيرِها؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَعَلَّ الأظْهَرَ أنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾؛ بِشَهادَةِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾؛ وقِيلَ: هم أصْحابُ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَبْلَ النَّسْخِ والتَّحْرِيفِ؛ وقُرِئَ: "صِراطَ مَن أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ"؛ والإنْعامُ: إيصالُ النِّعْمَةِ؛ وهي في الأصْلِ الحالَةُ الَّتِي يَسْتَلِذُّها الإنْسانُ مِنَ النِّعْمَةِ؛ وهي اللِّينُ؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى ما تَسْتَلِذُّهُ النَّفْسُ مِن طَيِّباتِ الدُّنْيا؛ ونِعَمُ اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ اسْتِحالَةِ إحْصائِها - يَنْحَصِرُ أُصُولُها فِي: دُنْيَوِيٍّ؛ وأُخْرَوِيٍّ؛ والأوَّلُ قِسْمانِ: وهْبِيٌّ؛ وكَسْبِيٌّ؛ والوَهْبِيُّ أيْضًا قِسْمانِ: رُوحانِيٌّ؛ كَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ وإمْدادِهِ بِالعَقْلِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ؛ فَإنَّها - مَعَ كَوْنِها مِن قَبِيلِ الهِداياتِ - نِعَمٌ جَلِيلَةٌ في أنْفُسِها؛ وجُسْمانِيٌّ؛ كَتَخْلِيقِ البَدَنِ؛ والقُوى الحالَّةِ فِيهِ؛ والهَيْئاتِ العارِضَةِ لَهُ؛ مِنَ الصِّحَّةِ؛ وسَلامَةِ الأعْضاءِ؛ والكَسْبِيُّ: تَخْلِيَةُ النَّفْسِ عَنِ الرَّذائِلِ؛ وتَحْلِيَتُها بِالأخْلاقِ السَّنِيَّةِ؛ والمَلَكاتِ البَهِيَّةِ؛ وتَزْيِينُ البَدَنِ بِالهَيْئاتِ المَطْبُوعَةِ؛ والحُلِيِّ المُرْضِيَةِ؛ وحُصُولُ الجاهِ والمالِ؛ والثّانِي مَغْفِرَةُ ما فَرَطَ مِنهُ؛ والرِّضا عَنْهُ؛ وتَبْوِئَتُهُ في أعْلى عِلِّيِّينَ مَعَ المُقَرَّبِينَ؛ والمَطْلُوبُ هو القِسْمُ الأخِيرُ؛ وما هو ذَرِيعَةٌ إلى نَيْلِهِ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ؛ اللَّهُمَّ ارْزُقْنا ذَلِكَ بِفَضْلِكَ العَظِيمِ؛ ورَحْمَتِكَ الواسِعَةِ. ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾: صِفَةٌ لِلْمَوْصُولِ؛ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إحْدى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ المَشْهُورَةِ بِالإنْعامِ عَلَيْهِمْ؛ وبِاسْتِقامَةِ المَسْلَكِ؛ ومِن ضَرُورَةِ (p-19)هَذِهِ الشُّهْرَةِ شُهْرَتُهم بِالمُغايَرَةِ لِما أُضِيفَ إلَيْهِ كَلِمَةُ "غَيْرِ"؛ مِنَ المُتَّصِفِينَ بِضِدَّيِ الوَصْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ أعْنِي مُطْلَقَ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ؛ والضّالِّينَ؛ فاكْتَسَبَتْ بِذَلِكَ تَعَرُّفًا مُصَحِّحًا لِوُقُوعِها صِفَةً لِلْمَعْرِفَةِ؛ كَما في قَوْلِكَ: عَلَيْكَ بِالحَرَكَةِ غَيْرِ السُّكُونِ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ تَكْمِلَةً لِما قَبْلَهُ؛ وإيذانًا بِأنَّ السَّلامَةَ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ أُولَئِكَ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ في نَفْسِها؛ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ النِّعْمَةِ المُطْلَقَةِ - الَّتِي هي نِعْمَةُ الإيمانِ -؛ ونِعْمَةِ السَّلامَةِ مِنَ الغَضَبِ والضَّلالِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ لا بِأعْيانِهِمْ؛ فَيَكُونُ بِمَعْنى النَّكِرَةِ؛ كَذِي اللّامِ؛ إذا أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ؛ لا بِعَيْنِهِ؛ وهو المُسَمّى بِـ "المَعْهُودُ الذِّهْنِيُّ"؛ وبِـ "المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" و"الضّالِّينَ": اليَهُودُ؛ والنَّصارى؛ كَما ورَدَ في مُسْنَدِ أحْمَدَ؛ والتِّرْمِذِيِّ؛ فَيَبْقى لَفْظُ "غَيْرِ" عَلى إبْهامِهِ نَكِرَةً؛ كَمِثْلِ مَوْصُوفِهِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ جَعْلَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ مِن طائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ مُخِلٌّ بِبَدَلِيَّةِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ مِمّا قَبْلَهُ؛ فَإنَّ مَدارَها كَوْنُ صِراطِ المُؤْمِنِينَ عَلَمًا في الِاسْتِقامَةِ مَشْهُودًا لَهُ بِالِاسْتِواءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَحَقَّقْتَهُ فِيما سَلَفَ؛ ومِنَ البَيِّنِ أنَّ ذَلِكَ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ وانْتِسابُهُ إلى كُلِّهِمْ؛ لا إلى بَعْضٍ مُبْهَمٍ مِنهُمْ؛ وبِهَذا تَبَيَّنَ أنْ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ "غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ" بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ؛ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ شَأْنَ البَدَلِ أنْ يُفِيدَ مَتْبُوعَهُ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ وتَقْرِيرٍ؛ وفَضْلَ إيضاحٍ وتَفْسِيرٍ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ قُصارى أمْرِ ما نَحْنُ فِيهِ أنْ يَكْتَسِبَ مِمّا أُضِيفَ إلَيْهِ نَوْعَ تَعَرُّفٍ مُصَحِّحٍ لِوُقُوعِهِ صِفَةً لِلْمَوْصُولِ؛ وأمّا اسْتِحْقاقُ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًا بِالنِّسْبَةِ؛ مُفِيدًا لِما ذُكِرَ مِنَ الفَوائِدِ فَكَلّا؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى الحالِ؛ والعامِلُ "أنْعَمْتَ"؛ أوْ عَلى المَدْحِ؛ أوْ عَلى الِاسْتِثْناءِ؛ إنْ فُسِّرَ النِّعْمَةُ بِما يَعُمُّ القَبِيلَيْنِ؛ والغَضَبُ هَيَجانُ النَّفْسِ لِإرادَةِ الِانْتِقامِ؛ وعِنْدَ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - يُرادُ بِهِ غايَتُهُ؛ بِطَرِيقِ إطْلاقِ اسْمِ السَّبَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْنا عَلى مُسَبِّبِهِ القَرِيبِ إنْ أُرِيدَ بِهِ إرادَةُ الِانْتِقامِ؛ وعَلى مُسَبِّبِهِ البَعِيدِ إنْ أُرِيدَ بِهِ نَفْسُ الِانْتِقامِ؛ ويَجُوزُ حَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّمْثِيلِ؛ بِأنْ يُشَبِّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن سَخَطِهِ (تَعالى) لِلْعُصاةِ؛ وإرادَةَ الِانْتِقامِ مِنهم لِمَعاصِيهِمْ؛ بِما يُنْتَزَعُ مِن حالِ المَلِكِ إذا غَضِبَ عَلى الَّذِينَ عَصَوْهُ؛ وأرادَ أنْ يَنْتَقِمَ مِنهم ويُعاقِبَهُمْ؛ و"عَلَيْهِمْ" مُرْتَفِعٌ بِـ "المَغْضُوبِ"؛ قائِمٌ مَقامَ فاعِلِهِ؛ والعُدُولُ عَنْ إسْنادِ الغَضَبِ إلَيْهِ (تَعالى) - كالإنْعامِ - جَرى عَلى مِنهاجِ الآدابِ التَّنْزِيلِيَّةِ في نِسْبَةِ النِّعَمِ والخَيْراتِ إلَيْهِ - عَزَّ وجَلَّ - دُونَ أضْدادِها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ ﴿وَإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾؛ و"لا" مَزِيدَةٌ؛ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ "غَيْرِ" مِن مَعْنى النَّفْيِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ؛ ولِذَلِكَ جازَ "أنا زَيْدًا غَيْرُ ضارِبٍ"؛ جَوازَ "أنا زَيْدًا لا ضارِبٌ"؛ وإنِ امْتَنَعَ "أنا زَيْدًا مِثْلُ ضارِبٍ"؛ والضَّلالُ هو العُدُولُ عَنِ الصِّراطِ السَّوِيِّ؛ وقُرِئَ: "وَغَيْرِ الضّالِّينَ"؛ وقُرِئَ: "وَلا الضَّأْلِينَ"؛ بِالهَمْزَةِ؛ عَلى لُغَةِ مَن جَدَّ في الهَرَبِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. ﴿آمِّينَ﴾؛ اسْمُ فِعْلٍ هو "اسْتَجِبْ"؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَعْنى "آمِينَ" فَقالَ: "افْعَلْ"؛» بُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَـ "أيْنَ"؛ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ وفِيهِ لُغَتانِ: مَدُّ ألِفِهِ؛ وقَصْرُها؛ قالَ: ... ويَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدًا قالَ آمِينا وَقالَ: ... أمِينَ فَزادَ اللَّهُ ما بَيْنَنا بُعْدا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَقَّنَنِي جِبْرِيلُ آمِينَ؛ عِنْدَ فَراغِي مِن قِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ؛ وقالَ: إنَّهُ كالخَتْمِ عَلى الكِتابِ"؛» ولَيْسَتْ مِنَ القرآن وِفاقًا؛ ولَكِنْ يُسَنُّ خَتْمُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِها؛ والمَشْهُورُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ المُصَلِّيَ يَأْتِي بِها مُخافَتَةً؛ وعَنْهُ أنَّهُ لا يَأْتِي بِها الإمامُ؛ لِأنَّهُ الدّاعِي؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِثْلُهُ؛ ورَوى الإخْفاءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ؛ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ (p-20) وَعِنْدَ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُجْهَرُ بِها؛ لِما رَوى وائِلُ بْنُ حَجْرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ "وَلا الضّالِّينَ"؛ قالَ: "آمِينَ"؛ ورَفَعَ بِها صَوْتَهُ؛» «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "ألا أُخْبِرُكَ بِسُورَةٍ لَمْ يَنْزِلْ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقرآن مِثْلُها؟"؛ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: "فاتِحَةُ الكِتابِ؛ إنَّها السَّبْعُ المَثانِي والقرآن العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ"؛» وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿إنَّ القَوْمَ لَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَذابَ حَتْمًا مَقْضِيًّا؛ فَيَقْرَأُ صَبِيٌّ مِن صِبْيانِهِمْ في الكِتابِ "الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ" فَيَسْمَعُهُ اللَّهُ (تَعالى) فَيَرْفَعُ عَنْهم بِذَلِكَ العَذابَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ .

البقرة 2:1

(سُورَةُ البَقَرَةِ؛ مَدَنِيَّةٌ؛ وهي مِائَتانِ وسَبْعٌ وثَمانُونَ آيَةً) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الـم﴾: الألْفاظُ الَّتِي يُعَبَّرُ بِها عَنْ حُرُوفِ المُعْجَمِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُقَطَّعاتُ المَرْقُومَةُ في فَواتِحِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ أسْماءً لَها؛ لِانْدِراجِها تَحْتَ حَدِّ الِاسْمِ؛ ويَشْهَدُ بِهِ ما يَعْتَرِيها مِنَ التَّعْرِيفِ؛ والتَّنْكِيرِ؛ والجَمْعِ؛ والتَّصْغِيرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن خَصائِصِ الِاسْمِ؛ وقَدْ نَصَّ عَلى ذَلِكَ أساطِينُ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ؛ وما وقَعَ في عِباراتِ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ التَّصْرِيحِ بِحَرْفِيَّتِها مَحْمُولٌ عَلى المُسامَحَةِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن أنَّهُ ﷺ قالَ: « "مَن قَرَأ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ فَلَهُ حَسَنَةٌ؛ والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمْثالِها؛ لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ بَلْ "ألِفٌ" حَرْفٌ؛ و"لامٌ" حَرْفٌ؛ و"مِيمٌ" حَرْفٌ"؛» وفي رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ؛ والدّارِمِيِّ: « "لا أقُولُ "الـم" حَرْفٌ؛ و"ذَلِكَ الكِتابُ" حَرْفٌ؛ ولَكِنِ الألِفُ حَرْفٌ؛ واللّامُ حَرْفٌ؛ والمِيمُ حَرْفٌ؛ والذّالُ حَرْفٌ؛ والكافُ حَرْفٌ"؛» فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِما نَحْنُ فِيهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ إطْلاقَ الحَرْفِ عَلى ما يُقابِلُ الِاسْمَ والفِعْلَ عُرْفٌ جَدِيدٌ؛ اخْتَرَعَهُ أئِمَّةُ الصِّناعَةِ؛ وإنَّما الحَرْفُ عِنْدَ الأوائِلِ ما يَتَرَكَّبُ مِنهُ الكَلِمُ؛ مِنَ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ؛ ورُبَّما يُطْلَقُ عَلى الكَلِمَةِ أيْضًا تَجَوُّزًا؛ فَأُرِيدَ بِالحَدِيثِ الشَّرِيفِ دَفْعُ تَوَهُّمِ التَّجَوُّزِ؛ وزِيادَةُ تَعْيِينِ إرادَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ لِيَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ أنَّ الحَسَنَةَ المَوْعُودَةَ لَيْسَتْ بِعَدَدِ الكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ بَلْ بِعَدَدِ حُرُوفِها المَكْتُوبَةِ في المَصاحِفِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ ذِكْرُ كِتابِ اللَّهِ؛ دُونَ كَلامِ اللَّهِ؛ أوِ القرآن؛ ولَيْسَ هَذا مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ مَدْلُولِهِ في شَيْءٍ؛ كَما قِيلَ؛ كَيْفَ لا والمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالحَرْفِيَّةِ واسْتِتْباعِ الحَسَنَةِ إنَّما هي المُسَمَّياتُ البَسِيطَةُ الواقِعَةُ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - سَواءٌ عُبِّرَ عَنْها بِأسْمائِها؛ أوْ بِأنْفُسِها كَما في قَوْلِكَ: السِّينُ مُهْمَلَةٌ؛ والشِّينُ مُعْجَمَةٌ مُثَلَّثَةٌ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَصْدُقُ المَحْمُولُ [فِيها] إلّا عَلى ذاتِ المَوْضُوعِ - لا أسْماؤُها المُؤَلَّفَةُ؛ كَما إذا قُلْتَ: الألِفُ مُؤَلَّفٌ مِن ثَلاثَةِ أحْرُفٍ؟! فَكَما أنَّ الحَسَناتِ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ البَسِيطَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ كَذَلِكَ في قِراءَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): "الـم"؛ بِمُقابَلَةِ حُرُوفِهِ الثَّلاثَةِ المَكْتُوبَةِ؛ ومُوافِقَةٌ لِعَدَدِها؛ لا بِمُقابَلَةِ أسْمائِها المَلْفُوظَةِ والألِفاتِ المُوافِقَةِ في العَدَدِ؛ إذِ الحُكْمُ بِأنَّ كُلًّا مِنها حَرْفٌ واحِدٌ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحُكْمِ بِأنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِحَسَنَةٍ واحِدَةٍ؛ فالعِبْرَةُ في ذَلِكَ بِالمُعَبَّرِ عَنْهُ؛ دُونَ المُعَبَّرِ بِهِ؛ ولَعَلَّ السِّرَّ فِيهِ أنَّ اسْتِتْباعَ الحَسَنَةِ مَنُوطٌ بِإفادَةِ المَعْنى المُرادِ بِالكَلِماتِ القرآنيَّةِ؛ فَكَما أنَّ سائِرَ الكَلِماتِ الشَّرِيفَةِ لا تُفِيدُ مَعانِيَها إلّا بِتَلَفُّظِ حُرُوفِها بِأنْفُسِها؛ كَذَلِكَ الفَواتِحُ المَكْتُوبَةُ لا تُفِيدُ المَعانِيَ المَقْصُودَةَ بِها إلّا بِالتَّعْبِيرِ عَنْها بِأسْمائِها؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ تَلَفُّظًا بِالمُسَمَّياتِ كالقِسْمِ (p-21)الأوَّلِ؛ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَهُما؛ ألا يُرى إلى ما في الرِّوايَةِ الأخِيرَةِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: « "والذّالُ حَرْفٌ؛ والكافُ حَرْفٌ"؛» كَيْفَ عَبَّرَ عَنْ طَرَفَيْ ذَلِكَ بِاسْمَيْهِما؛ مَعَ كَوْنِهِما مَلْفُوظَيْنِ بِأنْفُسِهِما؟! ولَقَدْ رُوعِيَتْ في هَذِهِ التَّسْمِيَةِ نُكْتَةٌ رائِعَةٌ؛ حَيْثُ جُعِلَ كُلُّ مُسَمًّى - لِكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ الألْفاظِ - صَدْرًا لِاسْمِهِ؛ لِيَكُونَ هو المَفْهُومَ مِنهُ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؛ خَلا أنَّ الألِفَ - حَيْثُ تَعَذَّرَ الِابْتِداءُ بِها - اسْتُعِيرَتْ مَكانَها الهَمْزَةُ؛ وهي مُعْرَبَةٌ؛ إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَها وبَيْنَ مَبْنِيِّ الأصْلِ؛ لَكِنَّها؛ ما لَمْ تَلِها العَوامِلُ؛ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ؛ كَأسْماءِ الأعْدادِ؛ وغَيْرِها؛ حِينَ خَلَتْ عَنِ العَوامِلِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: "صادْ"؛ و"قافْ"؛ مَجْمُوعًا فِيهِما بَيْنَ السّاكِنَيْنِ؛ ولَمْ يُعامَلْ مُعامَلَةَ "أيْنَ"؛ و"كَيْفَ"؛ و"هَؤُلاءِ"؛ وإنْ ولِيَها عامِلٌ مَسَّها الإعْرابُ؛ وقَصْرُ ما آخِرُهُ ألِفٌ عِنْدَ التَّهَجِّي؛ لِابْتِغاءِ الخِفَّةِ؛ لا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانٌ لا تُقْصَرُ تارَةً فَتَكُونُ حَرْفًا؛ وتُمَدُّ أُخْرى فَتَكُونُ اسْمًا لَها؛ كَما في قَوْلِ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎ ما قالَ لا قَطُّ إلّا في تَشَهُّدِهِ ∗∗∗ لَوْلا التَّشَهُّدُ لَمْ تُسْمَعْ لَهُ لاءُ هَذا.. وقَدْ تَكَلَّمُوا في شَأْنِ هَذِهِ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ وما أُرِيدَ بِها؛ فَقِيلَ: إنَّها مِنَ العُلُومِ المَسْتُورَةِ؛ والأسْرارِ المَحْجُوبَةِ؛ رُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: في كُلِّ كِتابٍ سِرٌّ؛ وسِرُّ القرآن أوائِلُ السُّوَرِ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ لِكُلِّ كِتابٍ صَفْوَةً؛ وصَفْوَةُ هَذا الكِتابِ حُرُوفُ التَّهَجِّي؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: عَجِزَتِ العُلَماءُ عَنْ إدْراكِها؛ وسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْها؛ فَقالَ: سِرُّ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَلا تَطْلُبُوهُ؛ وقِيلَ: إنَّها أسْماءُ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: كُلُّ حَرْفٍ مِنها إشارَةٌ إلى اسْمٍ مِن أسْماءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: إنَّها صِفاتُ الأفْعالِ: الألِفُ آلاؤُءُ؛ واللّامُ لُطْفُهُ؛ والمِيمُ مَجْدُهُ؛ ومُلْكُهُ؛ قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ؛ وقِيلَ: إنَّها مِن قَبِيلِ الحِسابِ؛ وقِيلَ: الألِفُ مِن "اللَّهُ"؛ واللّامُ مِن "جِبْرِيلُ"؛ والمِيمُ مِن "مُحَمَّدٌ"؛ أيْ أنْزَلَ اللَّهُ الكِتابَ؛ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ؛ عَلى مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقِيلَ: هي أقْسامٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) بِهَذِهِ الحُرُوفِ المُعْجَمَةِ؛ لِشَرَفِها؛ مِن حَيْثُ إنَّها أُصُولُ اللُّغاتِ؛ ومَبادِئُ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ؛ ومَبانِي أسْمائِهِ الكَرِيمَةِ؛ وقِيلَ: إشارَةٌ إلى انْتِهاءِ كَلامٍ؛ وابْتِداءِ كَلامٍ آخَرَ؛ وقِيلَ.. وقِيلَ.. ولَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ إمّا كَوْنُها أسْماءً لِلسُّوَرِ المُصَدَّرَةِ بِها؛ وعَلَيْهِ إجْماعُ الأكْثَرِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الخَلِيلُ؛ وسِيبَوَيْهِ؛ قالُوا: سُمِّيَتْ بِها إيذانًا بِأنَّها كَلِماتٌ عَرَبِيَّةٌ؛ مَعْرُوفَةُ التَّرْكِيبِ مِن مُسَمَّياتِ هَذِهِ الألْفاظِ؛ فَيَكُونُ فِيهِ إيماءٌ إلى الإعْجازِ والتَّحَدِّي عَلى سَبِيلِ الإيقاظِ؛ فَلَوْلا أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لَما عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ؛ ويَقْرُبُ مِنهُ ما قالَهُ الكَلْبِيُّ؛ والسُّدِّيُّ؛ وقَتادَةُ؛ مِن أنَّها أسْماءٌ لِلْقُرْآنِ؛ والتَّسْمِيَةُ بِثَلاثَةِ أسْماءٍ فَصاعِدًا إنَّما تُسْتَنْكَرُ في لُغَةِ العَرَبِ إذا رُكِّبَتْ؛ وجُعِلَتِ اسْمًا واحِدًا؛ كَما في "حَضْرَمَوْتُ"؛ فَأمّا إذا كانَتْ مَنثُورَةً فَلا اسْتِنْكارَ فِيها؛ والمُسَمّى هو المَجْمُوعُ؛ لا الفاتِحَةُ فَقَطْ؛ حَتّى يَلْزَمَ اتِّحادُ الِاسْمِ؛ والمُسَمّى؛ غايَةُ الأمْرِ دُخُولُ الِاسْمِ في المُسَمّى؛ ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ كَما لا مَحْذُورَ في عَكْسِهِ؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ آنِفًا؛ وإنَّما كُتِبَتْ في المَصاحِفِ صُوَرُ المُسَمَّياتِ؛ دُونَ صُوَرِ الأسْماءِ؛ لِأنَّهُ أدَلُّ عَلى كَيْفِيَّةِ التَّلَفُّظِ بِها؛ وهي أنْ يَكُونَ عَلى نَهْجِ التَّهَجِّي؛ دُونَ التَّرْكِيبِ؛ ولِأنَّ فِيهِ سَلامَةً مِنَ التَّطْوِيلِ؛ لا سِيَّما في الفَواتِحِ الخُماسِيَّةِ؛ عَلى أنَّ خَطَّ المُصْحَفِ مِمّا لا يُناقَشُ فِيهِ؛ بِمُخالَفَةِ القِياسِ؛ وإمّا كَوْنُها مَسْرُودَةً؛ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ؛ وإلَيْهِ جَنَحَ أهْلُ التَّحْقِيقِ؛ قالُوا: إنَّما ورَدَتْ هَكَذا لِيَكُونَ إيقاظًا لِمَن تُحُدِّيَ بِالقرآن؛ وتَنْبِيهًا لَهم عَلى أنَّهُ مُنْتَظِمٌ مِن عَيْنِ ما يَنْظِمُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ؛ فَلَوْلا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ نازِلٌ مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ؛ لَما تَضاءَلَتْ قُوَّتُهُمْ؛ ولا تَساقَطَتْ قدرتهمْ؛ وهم (p-22)فُرْسانُ حَلْبَةِ الحِوارِ؛ وأُمَراءُ الكَلامِ في نادِي الفَخارِ؛ دُونَ الإتْيانِ بِما يُدانِيهِ؛ فَضْلًا عَنِ المُعارَضَةِ بِما يُساوِيهِ؛ مَعَ تَظاهُرِهِمْ في المُضادَّةِ؛ والمُضارَّةِ؛ وتَهالُكِهِمْ عَلى المُعازَّةِ؛ والمُعارَّةِ؛ أوْ لِيَكُونَ مَطْلَعُ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ مُسْتَقِلًّا بِضَرْبٍ مِنَ الغَرابَةِ؛ أُنْمُوذَجًا لِما في الباقِي مِن فُنُونِ الإعْجازِ؛ فَإنَّ النُّطْقَ بِأنْفُسِ الحُرُوفِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ - وإنْ كانَ عَلى طَرَفِ الثُّمامِ؛ يَتَناوَلُهُ الخَواصُّ؛ والعَوامُّ؛ مِنَ الأعْرابِ والأعْجامِ -؛ لَكِنَّ التَّلَفُّظَ بِأسْمائِها إنَّما يَتَأتّى مِمَّنْ دَرَسَ وخَطَّ؛ وأمّا مِمَّنْ لَمْ يَحُمْ حَوْلَ ذَلِكَ قَطُّ فَأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُوقِ؛ وأبْعَدُ مِن مَناطِ العَيُّوقِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ؛ وأُسْلُوبٍ غَرِيبٍ؛ مُنْبِئٍ عَنْ سِرٍّ سِرِّيٍّ؛ مَبْنِيٍّ عَلى نَهْجٍ عَبْقَرِيٍّ؛ بِحَيْثُ يَحارُ في فَهْمِهِ أرْبابُ العُقُولِ؛ ويَعْجَزُ عَنْ إدْراكِهِ ألْبابُ الفُحُولِ؛ كَيْفَ لا.. وقَدْ ورَدَتْ تِلْكَ الفَواتِحُ في تِسْعٍ وعِشْرِينَ سُورَةً؛ عَلى عَدَدِ حُرُوفِ المُعْجَمِ؛ مُشْتَمِلَةً عَلى نِصْفِها تَقْرِيبًا؛ بِحَيْثُ يَنْطَوِي عَلى أنْصافِ أصْنافِها؛ تَحْقِيقًا؛ أوْ تَقْرِيبًا؛ كَما يَتَّضِحُ عِنْدَ الفَحْصِ والتَّنْقِيرِ؛ حَسْبَما فَصَّلَهُ بَعْضُ أفاضِلِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ؛ فَسُبْحانَ مَن دَقَّتْ حِكْمَتُهُ مِن أنْ يُطالِعَها الأنْظارُ؛ وجَلَّتْ قدرته عَنْ أنْ يَنالَها أيْدِي الأفْكارِ؛ وإيرادُ بَعْضِها فُرادى؛ وبَعْضِها ثُنائِيَّةً؛ إلى الخُماسِيَّةِ؛ جَرى عَلى عادَةِ الِافْتِنانِ؛ مَعَ مُراعاةِ أبْنِيَةِ الكَلِمِ؛ وتَفْرِيقِها عَلى السُّوَرِ؛ دُونَ إيرادِ كُلِّها مَرَّةً لِذَلِكَ؛ ولِما في التَّكْرِيرِ والإعارَةِ مِن زِيادَةِ إفادَةٍ؛ وتَخْصِيصُ كُلٍّ مِنها بِسُورَتِها مِمّا لا سَبِيلَ إلى المُطالَبَةِ بِوَجْهِهِ؛ وعَدُّ بَعْضِها آيَةً؛ دُونَ بَعْضٍ؛ مَبْنِيٌّ عَلى التَّوْقِيفِ البَحْتِ؛ أمّا "الـم"؛ فَآيَةٌ حَيْثُما وقَعَتْ؛ وقِيلَ: في "آلِ عِمْرانَ" لَيْسَتْ بِآيَةٍ؛ و"الـمـص"؛ آيَةٌ؛ و"الـمـر"؛ لَمْ تُعَدَّ آيَةً؛ و"الـر"؛ لَيْسَتْ بِآيَةٍ في شَيْءٍ مِن سُوَرِها الخَمْسِ؛ و"طسم"؛ آيَةٌ في سُورَتَيْها؛ و"طـه"؛ و"يس"؛ آيَتانِ؛ و"طس"؛ لَيْسَتْ بِآيَةٍ؛ و"حم"؛ آيَةٌ في سُوَرِها كُلِّها؛ و"كهيعص"؛ آيَةٌ؛ و"حم عسق"؛ آيَتانِ؛ و"ص"؛ و"ق"؛ و"ن"؛ لَمْ تُعَدَّ واحِدَةٌ مِنها آيَةً؛ هَذا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ؛ وقَدْ قِيلَ: إنَّ جَمِيعَ الفَواتِحِ آياتٌ عِنْدَهم في السُّوَرِ كُلِّها؛ بِلا فَرْقٍ بَيْنَها؛ وأمّا مَن عَداهم فَلَمْ يَعُدُّوا شَيْئًا مِنها آيَةً؛ ثُمَّ إنَّها عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لا تَشُمُّ رائِحَةَ الإعْرابِ؛ ويُوقَفُ عَلَيْها وقْفَ التَّمامِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها أسْماءً لِلسُّوَرِ؛ أوْ لِلْقُرْآنِ؛ كانَ لَها حَظٌّ مِنهُ؛ إمّا الرَّفْعُ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ أوْ عَلى الخَبَرِيَّةِ؛ وإمّا النَّصْبُ؛ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ كَـ "اذْكُرْ"؛ أوْ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ القَسَمِ؛ عَلى طَرِيقَةِ "اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ"؛ وإمّا الجَرُّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ؛ ولا وقْفَ فِيما عَدا الرَّفْعِ عَلى الخَبَرِيَّةِ؛ والتَّلَفُّظِ بِالكُلِّ عَلى وجْهِ الحِكايَةِ؛ ساكِنَةَ الأعْجازِ؛ إلّا أنَّ ما كانَتْ مِنها مُفْرَدَةً - مِثْلَ "ص"؛ و"ق"؛ و"ن" -؛ يَتَأتّى فِيها الإعْرابُ اللَّفْظِيُّ أيْضًا؛ وقَدْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ؛ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ؛ أيْ "اذْكُرْ - أوْ "اقْرَأْ" - صادَ؛ وقافَ؛ ونُونَ"؛ وإنَّما لَمْ تُنَوَّنْ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ؛ وكَذا ما كانَتْ مِنها مُوازِنَةً لِمُفْرَدٍ؛ نَحْوَ: "حم"؛ و"يس"؛ و"طس"؛ المُوازِنَةَ لِـ "قابِيلَ"؛ و"هابِيلَ"؛ حَيْثُ أجازَ سِيبَوَيْهِ فِيها مِثْلَ ذَلِكَ؛ قالَ: بابُ أسْماءِ السُّوَرِ؛ مِن كِتابِهِ؛ وقَدْ قَرَأ بَعْضُهُمْ: "ياسِينَ والقرآن"؛ و"قافَ والقرآن"؛ فَكَأنَّهُ جَعَلَهُ اسْمًا أعْجَمِيًّا؛ ثُمَّ قالَ: اذْكُرْ ياسِينَ؛ انْتَهى. وحَكى السِّيرافِيُّ أيْضًا عَنْ بَعْضِهِمْ قِراءَةَ "ياسِينَ"؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الكُلِّ تَحْرِيكًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ ولا مَساغَ لِنَصْبٍ بِإضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها مِنَ القرآن؛ والقَلَمِ؛ مَحْلُوفٌ بِهِما؛ وقَدِ اسْتَكْرَهُوا الجَمْعَ بَيْنَ قَسَمَيْنِ عَلى مُقْسَمٍ عَلَيْهِ واحِدٍ قَبْلَ انْقِضاءِ الأوَّلِ؛ وهو السِّرُّ في جَعْلِ ما عَدا الواوِ الأُولى في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ ﴿والنَّهارِ إذا تَجَلّى﴾ ﴿وَما خَلَقَ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ عاطِفَةً؛ ولا مَجالَ لِلْعَطْفِ هَهُنا؛ لِلْمُخالَفَةِ بَيْنَ الأوَّلِ؛ والثّانِي؛ في الإعْرابِ؛ نَعَمْ.. يَجُوزُ ذَلِكَ بِجَعْلِ الأوَّلِ مَجْرُورًا؛ (p-23) بِإضْمارِ الباءِ القَسَمِيَّةِ؛ مَفْتُوحًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ وقُرِئَ "ص"؛ و"ق"؛ بِالكَسْرِ عَلى التَّحْرِيكِ؛ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ؛ ويَجُوزُ في "طاسِينِ مِيمِ"؛ أنْ تُفْتَحَ نُونُها؛ وتُجْعَلَ مِن قَبِيلِ "دارا بِجْرَدَ"؛ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ؛ وأمّا ما عَدا ذَلِكَ مِنَ الفَواتِحِ فَلَيْسَ فِيها إلّا الحِكايَةُ؛ وسَيَجِيءُ تَفاصِيلُ سائِرِ أحْكامِ كُلٍّ مِنها مَشْرُوحَةً في مَواقِعِها بِإذْنِ اللَّهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ -؛ أمّا هَذِهِ الفاتِحَةُ الشَّرِيفَةُ فَإنْ جُعِلَتِ اسْمًا لِلسُّورَةِ؛ أوِ القرآن؛ فَمَحَلُّها الرَّفْعُ؛ إمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ والتَّقْدِيرُ: "هَذا الـم"؛ أيْ مُسَمًّى بِهِ؛ وإنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ إلى القرآن بَعْضًا؛ أوْ كُلًّا؛ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ؛ لِأنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِصَدَدِ الذِّكْرِ صارَ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهَدِ؛ كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ؛ وإمّا عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ أيِ المُسَمّى بِهِ؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانَ المَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ عِنْدَ المُخاطَبِ؛ وإذْ لا عِلْمَ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها؛ وادِّعاءُ شُهْرَتِها؛ يَأْباهُ التَّرَدُّدُ في أنَّ المُسَمّى هي السُّورَةُ؛ أوْ كُلُّ القرآن.

البقرة 2:2

﴿ذَلِكَ﴾: "ذا" اسْمُ إشارَةٍ؛ واللّامُ عِمادٌ جِيءَ بِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ المُشارِ إلَيْهِ؛ والكافُ لِلْخِطابِ؛ والمُشارُ إلَيْهِ هو المُسَمّى؛ فَإنَّهُ مُنْزَلٌ مَنزِلَةَ المُشاهَدِ بِالحِسِّ البَصَرِيِّ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ؛ وكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الفَضْلِ والشَّرَفِ؛ إثْرَ تَنْوِيهِهِ بِذِكْرِ اسْمِهِ؛ وما قِيلَ مِن أنَّهُ بِاعْتِبارِ التَّقَصِّي؛ أوْ بِاعْتِبارِ الوُصُولِ مِنَ المُرْسِلِ إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ؛ في حُكْمِ المُتَباعِدِ؛ وإنْ كانَ مُصَحِّحًا لِإيرادِهِ؛ لَكِنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن تَرْجِيحِهِ عَلى إيرادِ ما وُضِعَ لِلْإشارَةِ إلى القَرِيبِ؛ وتَذْكِيرُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى هي السُّورَةَ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ هو المُسَمّى بِالِاسْمِ المَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِهِ؛ لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِالسُّورَةِ؛ ولَئِنِ ادُّعِيَ اعْتِبارُ الحَيْثِيَّةِ الثّانِيَةِ في الأوَّلِ؛ بِناءً عَلى أنَّ التَّسْمِيَةَ لِتَمْيِيزِ السُّوَرِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ؛ فَذَلِكَ لِتَذْكِيرِ ما بَعْدَهُ؛ وهو - عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مُبْتَدَأٌ عَلى حِدَةٍ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُبْتَدَأٌ ثانٍ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿الكِتابُ﴾؛ إمّا خَبَرٌ لَهُ؛ أوْ صِفَةٌ؛ أمّا إذا كانَ خَبَرًا لَهُ فالجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الأُولى مِن نَباهَةِ شَأْنِ المُسَمّى؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ واسْمُ الإشارَةِ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ؛ و"الكِتابُ" إمّا مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً؛ كالخَلْقِ والتَّصْوِيرِ لِلْمَخْلُوقِ والمُصَوَّرِ؛ وإمّا "فِعالٌ" بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ كَـ "اللِّباسُ"؛ مِن "الكَتْبُ"؛ الَّذِي هو ضَمُّ الحُرُوفِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ؛ وأصْلُهُ الجَمْعُ؛ والضَّمُّ في الأُمُورِ البادِيَةِ لِلْحِسِّ البَصَرِيِّ؛ ومِنهُ "الكَتِيبَةُ" لِلْعَسْكَرِ؛ كَما أنَّ أصْلَ القِراءَةِ الجَمْعُ والضَّمُّ في الأشْياءِ الخافِيَةِ عَلَيْهِ؛ وإطْلاقُ "الكِتابُ" عَلى المَنظُومِ عِبارَةً لِما أنَّ مَآلَهُ الكِتابَةُ؛ والمُرادُ بِهِ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى هي السُّورَةَ - جَمِيعُ القرآن الكَرِيمِ؛ وإنْ لَمْ يَتِمَّ نُزُولُهُ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ؛ إمّا بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوْ بِاعْتِبارِ ثُبُوتِهِ في اللَّوْحِ؛ أوْ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ حَسْبَما ذُكِرَ في فاتِحَةِ الكِتابِ. واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ والمَعْنى: أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي الكِتابُ؛ أيِ العُمْدَةُ القُصْوى مِنهُ؛ كَأنَّهُ في إحْرازِ الفَضْلِ كُلُّ الكِتابِ المَعْهُودِ الغَنِيِّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ؛ لِاشْتِهارِهِ بِهِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ ﷺ: « "الحَجُّ عَرَفَةُ"؛» وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُسَمّى كُلَّ القرآن فالمُرادُ بِالكِتابِ الجِنْسُ؛ واللّامُ لِلْحَقِيقَةِ؛ والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ هو الكِتابُ (p-24)الكامِلُ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ؛ لِغايَةِ تَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ الأفْرادِ في حِيازَةِ كَمالاتِ الجِنْسِ؛ كَأنَّ ما عَداهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ خارِجٌ مِنهُ؛ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ كَما يُقالُ: هو الرَّجُلُ؛ أيِ الكامِلُ في الرُّجُولِيَّةِ؛ الجامِعُ لِما يَكُونُ في الرِّجالِ مِن مَراضِي الخِصالِ؛ وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ: ؎ ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ فالمَدْحُ كَما تَرى مِن جِهَةِ حَصْرِ كَمالِ الجِنْسِ في فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ؛ وفي الصُّورَةِ الأُولى مِن جِهَةِ حَصْرِ كَمالِ الكُلِّ في الجُزْءِ؛ ولا مَساغَ هُناكَ لِحَمْلِ الكِتابِ عَلى الجِنْسِ؛ لِما أنَّ فَرْدَهُ المَعْهُودَ هو مَجْمُوعُ القرآن؛ المُقابِلُ لِسائِرِ أفْرادِهِ؛ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ لا بَعْضُهُ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الكِتابِ؛ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جُزْءًا لِهَذا الفَرْدِ؛ لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ جُزْئِيًّا لِلْجِنْسِ عَلى حِيالِهِ؛ ولِأنَّ حَصْرَ الكَمالِ في السُّورَةِ مُشْعِرٌ بِنُقْصانِ سائِرِ السُّوَرِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ الحَصْرُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْها؛ لِتَحْقِيقِ المُغايَرَةِ بَيْنَهُما؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الكِتابُ"؛ خَبَرًا لِـ "ذَلِكَ"؛ وأمّا إذا كانَ صِفَةً لَهُ فَـ "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الـم"؛ خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ إمّا خَبَرٌ ثانٍ؛ أوْ بَدَلٌ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ مُسْتَقِلٌّ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً؛ إمّا خَبَرٌ لَهُ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الأوَّلِ؛ والمُشارُ إلَيْهِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ هو المُسَمّى؛ سَواءٌ كانَ هي السُّورَةَ؛ أوِ القرآن؛ ومَعْنى البُعْدِ ما ذُكِرَ مِنَ الإشْعارِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِ؛ والمَعْنى: ذَلِكَ الكِتابُ العَجِيبُ الشَّأْنِ؛ البالِغُ أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ؛ وقِيلَ: المُشارُ إلَيْهِ هو الكِتابُ المَوْعُودُ؛ فَمَعْنى البُعْدِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ؛ خَلا أنَّهُ إنْ كانَ المُسَمّى هي السُّورَةَ يَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِالوَعْدِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا﴾؛ كَما قِيلَ: وإنْ كانَ هو القرآن فَهو ما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الـم"؛ اسْمًا لِلسُّورَةِ؛ أوِ القرآن؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَـ "ذَلِكَ"؛ مُبْتَدَأٌ؛ و"الكِتابُ"؛ إمّا خَبَرُهُ؛ أوْ صِفَتُهُ؛ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ؛ عَلى نَحْوِ ما سَلَفَ؛ أوْ يُقَدَّرُ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: المُؤَلَّفُ مِن هَذِهِ الحُرُوفِ ذَلِكَ الكِتابُ؛ وقُرِئَ: "الـم تَنْزِيلُ الكِتابِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ إمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِـ "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ عَلى الصُّوَرِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ "الـم"؛ أوْ لِـ "ذَلِكَ"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الكِتابُ"؛ خَبَرَهُ؛ أوْ لِلْمُبْتَدَإ المُقَدَّرِ آخِرًا؛ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾؛ وإمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن "ذَلِكَ"؛ أوْ مِن "الكِتابُ"؛ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ؛ وإمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها؛ وكَلِمَةُ "لا" نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ؛ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ عامِلَةٌ عَمَلَ "إنَّ"؛ بِحَمْلِها عَلَيْها؛ لِكَوْنِها نَقِيضًا لَها؛ ولازِمَةً لِلِاسْمِ لُزُومَها؛ واسْمُها مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ؛ لِكَوْنِهِ مُفْرَدًا نَكِرَةً؛ لا مُضافًا؛ ولا شَبِيهًا بِهِ؛ وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ مِن أنَّهُ مُعْرَبٌ وإنَّما حُذِفَ التَّنْوِينُ لِلتَّخْفِيفِ فَمِمّا لا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ وسَبَبُ بِنائِهِ تَضَمُّنُهُ لِمَعْنى "مِن" الِاسْتِغْراقِيَّةِ؛ لا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مَعَها تَرْكِيبَ "خَمْسَةَ عَشَرَ" كَما تُوُهِّمَ؛ وخَبَرُها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "لا رَيْبَ مَوْجُودٌ"؛ أوْ نَحْوُهُ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾؛ والظَّرْفُ صِفَةٌ لِاسْمِها؛ ومَعْناهُ: نَفْيُ الكَوْنِ المُطْلَقِ وسَلْبُهُ عَنِ الرَّيْبِ المَفْرُوضِ في الكِتابِ؛ أوِ الخَبَرُ هو الظَّرْفُ؛ ومَعْناهُ: سَلْبُ الكَوْنِ فِيهِ عَنِ الرَّيْبِ المُطْلَقِ؛ وقَدْ جُعِلَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ ظَرْفًا؛ وجُعِلَ المَذْكُورُ خَبَرًا لِما بَعْدَهُ؛ وقُرِئَ: "لا رَيْبٌ فِيهِ"؛ عَلى أنَّ "لا" بِمَعْنى "لَيْسَ"؛ والفارِقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأوَّلِ أنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ وهَذا مُجَوِّزٌ لَهُ؛ والرَّيْبُ في الأصْلِ مَصْدَرُ "رابَنِي"؛ إذا حَصَلَ فِيكَ الرِّيبَةُ؛ وحَقِيقَتُها قَلَقُ النَّفْسِ؛ واضْطِرابُها؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْنى الشَّكِّ مُطْلَقًا؛ أوْ مَعَ تُهْمَةٍ؛ لِأنَّهُ يُقْلِقُ النَّفْسَ؛ ويُزِيلُ الطُّمَأْنِينَةَ؛ وفي (p-25)الحَدِيثِ ﴿دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ﴾؛ ومَعْنى نَفْيِهِ عَنِ الكِتابِ أنَّهُ في عُلُوِّ الشَّأْنِ وسُطُوعِ البُرْهانِ بِحَيْثُ لَيْسَ فِيهِ مَظِنَّةٌ أنْ يُرْتابَ في حَقِيقَتِهِ وكَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لا أنَّهُ لا يَرْتابُ فِيهِ أحَدٌ أصْلًا؛ ألا يُرى كَيْفَ جُوِّزَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا﴾؛ إلَخْ..؟ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: وإنْ كانَ لَكم رَيْبٌ فِيما نَزَّلْنا؛ أوْ إنِ ارْتَبْتُمْ فِيما نَزَّلْنا؛.. إلَخْ.. إلّا أنَّهُ خُولِفَ في الأُسْلُوبِ؛ حَيْثُ فُرِضَ كَوْنُهم في الرَّيْبِ؛ لا كَوْنُ الرَّيْبِ فِيهِ؛ لِزِيادَةِ تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ؛ مَعَ نَوْعِ إشْعارٍ بِأنَّ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ؛ ولَمْ يُقْصَدْ هَهُنا ذَلِكَ الإشْعارُ؛ كَما لَمْ يُقْصَدِ الإشْعارُ بِثُبُوتِ الرَّيْبِ في سائِرِ الكُتُبِ؛ لِيَقْتَضِيَ المَقامُ تَقْدِيمَ الظَّرْفِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ . ﴿هُدًى﴾: مَصْدَرٌ مِن "هَداهُ"؛ كَـ "السُّرى"؛ و"البُكى"؛ وهو الدَّلالَةُ بِلُطْفٍ عَلى ما يُوصِلُ إلى البُغْيَةِ؛ أيْ ما مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ؛ وقِيلَ: هي الدَّلالَةُ المُوصِلَهُ إلَيْها؛ بِدَلِيلِ وُقُوعِ الضَّلالَةِ في مُقابَلَتِهِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾؛ ولا شَكَّ في أنَّ عَدَمَ الوُصُولِ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِ الضَّلالِ؛ فَيُعْتَبَرُ الوُصُولُ في مَفْهُومِ مُقابِلِهِ؛ ومِن ضَرُورَةِ اعْتِبارِهِ فِيهِ اعْتِبارُهُ في مَفْهُومِ الهُدى المُتَعَدِّي؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا مِن حَيْثُ التَّأْثِيرُ والتَّأثُّرُ؛ ومُحَصِّلُهُ أنَّ الهُدى هو التَّوْجِيهُ المُوصِلُ؛ لِأنَّ اللّازِمَ هو التَّوَجُّهُ المُوصِلُ؛ بِدَلِيلِ أنَّ مُقابِلَهُ الَّذِي هو الضَّلالُ تَوَجُّهٌ غَيْرُ مُوصِلٍ قَطْعًا؛ وهَذا - كَما تَرى - مَبْنِيٌّ عَلى أمْرَيْنِ: اعْتِبارِ الوُصُولِ وُجُوبًا في مَفْهُومِ اللّازِمِ؛ واعْتِبارِ وُجُودِ اللّازِمِ وُجُوبًا في مَفْهُومِ المُتَعَدِّي؛ وكِلا الأمْرَيْنِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الثُّبُوتِ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ مَدارَ التَّقابُلِ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ لَيْسَ هو الوُصُولَ وعَدَمَهُ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ بَلْ هُما مُعْتَبَرانِ في مَفْهُومَيْهِما عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ بِهِ؛ لِيَتَحَقَّقَ التَّقابُلُ بَيْنَهُما؛ وتَوْضِيحُهُ أنَّ الهُدى لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اعْتِبارِ تَوَجُّهٍ عَنْ عِلْمٍ إلى ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ إلى البُغْيَةِ؛ كَما أنَّ الضَّلالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ اعْتِبارِ الجَوْرِ عَنِ القَصْدِ إلى ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الإيصالُ قَطْعًا؛ وهَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ الِاعْتِبارِ مُسَلَّمَةٌ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ؛ ومُحَقِّقَةٌ لِلتَّقابُلِ بَيْنَهُما؛ وإنَّما النِّزاعُ في أنَّ إمْكانَ الوُصُولِ إلى البُغْيَةِ هَلْ هو كافٍ في تَحَصُّلِ مَفْهُومِ الهُدى؛ أوْ لا بُدَّ فِيهِ مِن خُرُوجِ الوُصُولِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ؛ كَما أنَّ عَدَمَ الوُصُولِ بِالفِعْلِ مُعْتَبَرٌ في مَفْهُومِ الضَّلالِ قَطْعًا؛ إذا تَقَرَّرَ هَذا نَقُولُ: إنْ أُرِيدَ بِاعْتِبارِ الوُصُولِ بِالفِعْلِ في مَفْهُومِ الهُدى اعْتِبارُهُ مُقارِنًا لَهُ في الوُجُودِ زَمانًا؛ حَسَبَ اعْتِبارِ عَدَمِهِ في مَفْهُومِ مُقابِلِهِ؛ فَذَلِكَ بَيِّنُ البُطْلانِ؛ لِأنَّ الوُصُولَ غايَةٌ لِلتَّوَجُّهِ المَذْكُورِ؛ فَيَنْتَهِي بِهِ قَطْعًا لِاسْتِحالَةِ التَّوَجُّهِ إلى تَحْصِيلِ الحاصِلِ؛ وما يَبْقى بَعْدَ ذَلِكَ هو إمّا تَوَجُّهٌ إلى الثَّباتِ عَلَيْهِ؛ وإمّا تَوَجُّهٌ إلى زِيادَتِهِ؛ ولِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى المَقْصِدِ تَدْرِيجِيٌّ؛ والوُصُولَ إلَيْهِ دَفْعِيٌّ؛ فَيَسْتَحِيلُ اجْتِماعُهُما في الوُجُودِ ضَرُورَةً؛ وأمّا عَدَمُ الوُصُولِ فَحَيْثُ كانَ أمْرًا مُسْتَمِرًّا - مِثْلَ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الضَّلالِ - وجَبَ مُقارَنَتُهُ لَهُ في جَمِيعِ أزْمِنَةِ وُجُودِهِ؛ إذْ لَوْ فارَقَهُ في آنٍ مِن آناتِ تِلْكَ الأزْمِنَةِ لَقارَنَهُ في ذَلِكَ الآنِ مُقابَلَةَ الَّذِي هو الوُصُولُ؛ فَما فَرَضْناهُ ضَلالًا لا يَكُونُ ضَلالًا؛ وإنْ أُرِيدَ اعْتِبارُهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ غايَةٌ لَهُ واجِبَةُ التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّوَجُّهُ المُقارِنُ لِغايَةِ الجِدِّ في السُّلُوكِ إلى ما مِن شَأْنِهِ الوُصُولُ عِنْدَ تَخَلُّفِهِ عَنْهُ؛ لِمانِعٍ خارِجِيٍّ؛ كاخْتِرامِ المَنِيَّةِ مَثَلًا مِن غَيْرِ تَقْصِيرٍ؛ ولا جَوْرٍ مِن قِبَلِ المُتَوَجِّهِ؛ ولا خَلَلٍ مِن جِهَةِ المَسْلَكِ ضَلالًا؛ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما؛ مَعَ أنَّهُ جَوْرٌ فِيهِ عَنِ القَصْدِ أصْلًا؛ فَبَطَلَ اعْتِبارُ وُجُوبِ الوُصُولِ في مَفْهُومِ اللّازِمِ قَطْعًا؛ (p-26)وَتَبَيَّنَ مِنهُ عَدَمُ اعْتِبارِهِ في مَفْهُومِ المُتَعَدِّي حَتْمًا؛ وأمّا اعْتِبارُ وُجُودِ اللّازِمِ فِيهِ وُجُوبًا - وهو الأمْرُ الثّانِي - فَبَيانُهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَمْهِيدِ أصْلٍ؛ وهو أنَّ فِعْلَ الفاعِلِ حَقِيقَةً هو الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ؛ ويَتِمُّ مِن قِبَلِهِ؛ لَكِنْ.. لَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُ في تَحَقُّقِهِ في نَفْسِهِ بُدٌّ مِن تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ اعْتُبِرَ ذَلِكَ في مَدْلُولِ اسْمِهِ قَطْعًا؛ ثُمَّ لِما كانَ لَهُ بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ صُدُورِهِ عَنْ فاعِلِهِ؛ وكَيْفِيَّةِ تَعَلُّقِهِ بِمَفْعُولِهِ؛ وغَيْرُ ذَلِكَ آثارٌ شَتّى مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ؛ مُتَمايِزَةٌ في أنْفُسِها؛ مُسْتَقِلَّةٌ بِأحْكامٍ مُقْتَضِيَةٍ لِإفْرادِها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ؛ وعُرِضَ لَهُ - بِالقِياسِ إلى كُلِّ أثَرٍ مِن تِلْكَ الآثارِ - إضافَةٌ خاصَّةٌ مُمْتازَةٌ عَمّا عَداها مِنَ الإضافاتِ العارِضَةِ لَهُ - بِالقِياسِ إلى سائِرِها -؛ وكانَتْ تِلْكَ الآثارُ تابِعَةً لَهُ في التَّحَقُّقِ؛ غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنْهُ أصْلًا - إذْ لا مُؤَثِّرَ لَها سِوى فاعِلِهِ -؛ عُدَّتْ مِن مُتَمِّماتِهِ؛ واعْتُبِرَتِ الإضافَةُ العارِضَةُ لَهُ بِحَسَبِها داخِلَةً في مَدْلُولِهِ؛ كالِاعْتِمادِ المُتَعَلِّقِ بِالجِسْمِ مَثَلًا؛ وُضِعَ لَهُ - بِاعْتِبارِ الإضافَةِ العارِضَةِ لَهُ مِنَ انْكِسارِ ذَلِكَ الجِسْمِ الَّذِي هو أثَرٌ خاصٌّ لِذَلِكَ الِاعْتِمادِ - اسْمُ الكَسْرِ؛ وبِاعْتِبارِ الإضافَةِ العارِضَةِ لَهُ مِنَ انْقِطاعِهِ الَّذِي هو أثَرٌ آخَرُ لَهُ؛ اسْمُ القَطْعِ.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإضافاتِ العارِضَةِ لَهُ بِالقِياسِ إلى آثارِهِ اللّازِمَةِ لَهُ؛ وهَذا أمْرٌ مُطَّرِدٌ في آثارِهِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وأمّا الآثارُ الَّتِي لَهُ مُدْخَلٌ في وُجُودِها في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ إيجابٍ لَها تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تارَةً؛ وتُفارِقُهُ أُخْرى؛ بِحَسَبِ وُجُودِ أسْبابِها المُوجِبَةِ لَها؛ وعَدَمِها؛ كالآثارِ الِاخْتِيارِيَّةِ الصّادِرَةِ عَنْ مُؤَثِّراتِها بِواسِطَةِ كَوْنِهِ داعِيًا إلَيْها؛ فَحَيْثُ كانَتْ تِلْكَ الآثارُ مُسْتَقِلَّةً في أنْفُسِها؛ مُسْتَنِدَةً إلى مُؤَثِّراتِها؛ غَيْرَ لازِمَةٍ لَهُ لُزُومَ الآثارِ الطَّبِيعِيَّةِ التّابِعَةِ لَهُ؛ لَمْ تَعُدْ مِن مُتَمِّماتِهِ؛ ولَمْ تُعْتَبَرِ الإضافَةُ العارِضَةُ لَهُ بِحَسَبِها داخِلَةً في مَدْلُولِهِ؛ كالإضافَةِ العارِضَةِ لِلْأمْرِ؛ بِحَسَبِ امْتِثالِ المَأْمُورِ؛ والإضافَةِ العارِضَةِ لِلدَّعْوَةِ؛ بِحَسَبِ إجابَةِ المَدْعُوِّ؛ فَإنَّ الِامْتِثالَ؛ والإجابَةَ - وإنْ عُدّا مِن آثارِ الأمْرِ والدَّعْوَةِ؛ بِاعْتِبارِ تَرَتُّبِهِما عَلَيْهِما غالِبًا؛ لَكِنَّهُما حَيْثُ كانا فِعْلَيْنِ اخْتِيارِيَّيْنِ لِلْمَأْمُورِ؛ والمَدْعُوِّ؛ مُسْتَقِلَّيْنِ في أنْفُسِهِما؛ غَيْرَ لازِمَيْنِ لِلْأمْرِ والدَّعْوَةِ - لَمْ يُعَدّا مِن مُتَمِّماتِهِما؛ ولَمْ يُعْتَبَرِ الإضافَةُ العارِضَةُ لَهُما بِحَسَبِهِما داخِلَةً في مَدْلُولِ اسْمِ الأمْرِ والدَّعْوَةِ؛ بَلْ جُعِلا عِبارَةً عَنْ نَفْسِ الطَّلَبِ المُتَعَلِّقِ بِالمَأْمُورِ والمَدْعُوِّ؛ سَواءٌ وُجِدَ الِامْتِثالُ والإجابَةُ أوْ لا؛ إذا تَمَهَّدَ هَذا نَقُولُ: كَما أنَّ الِامْتِثالَ والإجابَةَ فِعْلانِ مُسْتَقِلّانِ في أنْفُسِهِما؛ صادِرانِ عَنِ المَدْعُوِّ والمَأْمُورِ بِاخْتِيارِهِما؛ غَيْرُ لازِمَيْنِ لِلْأمْرِ والدَّعْوَةِ لُزُومَ الآثارِ الطَّبِيعِيَّةِ التّابِعَةِ لِلْأفْعالِ المُوجِبَةِ لَها - وإنْ كانا مُتَرَتِّبَيْنِ عَلَيْهِما في الجُمْلَةِ -؛ كَذَلِكَ هُدى المَهْدِيِّ - أيْ تَوَجُّهُهُ إلى ما ذُكِرَ مِنَ المَسْلَكِ - فِعْلٌ مُسْتَقِلٌّ لَهُ؛ صادِرٌ عَنْهُ بِاخْتِيارِهِ؛ غَيْرُ لازِمٍ لِلْهِدايَةِ - أعْنِي التَّوْجِيهَ إلَيْهِ - لُزُومَ ما ذُكِرَ مِنَ الآثارِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ وإنْ كانَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْها في الجُمْلَةِ؛ فَلَمّا لَمْ يُعَدّا مِن مُتَمِّماتِ الأمْرِ والدَّعْوَةِ؛ ولَمْ يُعْتَبَرِ الإضافَةُ العارِضَةُ لَهُما بِحَسَبِهِما داخِلَةً في مَدْلُولِهِما؛ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يُعَدَّ الهُدى اللّازِمُ مِن مُتَمِّماتِ الهِدايَةِ؛ ولَمْ يُعْتَبَرِ الإضافَةُ العارِضَةُ لَها بِحَسَبِهِ داخِلَةً في مَدْلُولِها إنْ قِيلَ: لَيْسَ الهُدى بِالنِّسْبَةِ إلى الهِدايَةِ كالِامْتِثالِ والإجابَةِ بِالقِياسِ إلى أصْلَيْهِما؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ الأمْرِ والدَّعْوَةِ بِالمَأْمُورِ والمَدْعُوِّ لا يَقْتَضِي إلّا اتِّصافَهُما بِكَوْنِهِما مَأْمُورًا ومَدْعُوًّا؛ ولَيْسَ مِن ضَرُورَتِهِ اتِّصافُهُما بِالِامْتِثالِ والإجابَةِ؛ إذْ لا تَلازُمَ بَيْنَهُما وبَيْنَ الأوَّلَيْنِ أصْلًا؛ بِخِلافِ الهُدى بِالنِّسْبَةِ إلى الهِدايَةِ؛ فَإنَّ تَعَلُّقَها بِالمَهْدِيِّ يَقْتَضِي اتِّصافَهُ بِهِ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ بِمَفْعُولِهِ يَدُلُّ عَلى اتِّصافِهِ بِمَصْدَرِهِ المَأْخُوذِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ قَطْعًا؛ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِاتِّصافِهِ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ اللّازِمِ؛ وهَلْ هو إلّا اعْتِبارُ وُجُودِ اللّازِمِ في مَدْلُولِ المُتَعَدِّي حَتْمًا؛ قُلْنا: كَما أنَّ تَعَلُّقَ الأمْرِ والدَّعْوَةِ بِالمَأْمُورِ والمَدْعُوِّ لا يَسْتَدْعِي إلّا اتِّصافَهُما بِما ذُكِرَ؛ (p-27)مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِامْتِثالِ والإجابَةِ إيجابًا وسَلْبًا؛ كَذَلِكَ تَعَلُّقُ الهِدايَةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ الدَّلالَةِ المَذْكُورَةِ بِالمَهْدِيِّ لا يَسْتَدْعِي إلّا اتِّصافَهُ بِالمَدْلُولِيَّةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ المَأْخُوذِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِقَبُولِ تِلْكَ الدَّلالَةِ؛ كَما هو مَعْنى الهُدى اللّازِمِ؛ ولا لِعَدَمِ قَبُولِهِ؛ بَلِ الهِدايَةُ عَيْنُ الدَّعْوَةِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ؛ والِاهْتِداءُ عَيْنُ الإجابَةِ؛ فَكَيْفَ يُؤْخَذُ في مَدْلُولِها؟ واسْتِلْزامُ الِاتِّصافِ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ المُتَعَدِّي المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ لِلِاتِّصافِ بِمَصْدَرِ الفِعْلِ اللّازِمِ مُطْلَقًا؛ إنَّما هو في الأفْعالِ الطَّبِيعِيَّةِ؛ كالمَكْسُورِيَّةِ والِانْكِسارِ؛ والمَقْطُوعِيَّةِ والِانْقِطاعِ؛ وأمّا الأفْعالُ الِاخْتِيارِيَّةُ فَلَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ كَما تَحَقَّقْتَهُ فِيما سَلَفَ؛ إنْ قِيلَ: التَّعَلُّمُ مِن قَبِيلِ الأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ مَعَ أنَّهُ مُعْتَبَرٌ في مَدْلُولِ التَّعْلِيمِ قَطْعًا؛ فَلْيَكُنِ الهُدى مَعَ الهِدايَةِ كَذَلِكَ؛ قُلْنا: لَيْسَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِعْلًا اخْتِيارِيًّا عَلى الإطْلاقِ؛ ولا لِكَوْنِ التَّعْلِيمِ عِبارَةً عَنْ تَحْصِيلِ العِلْمِ لِلْمُتَعَلِّمِ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ المُعَلَّمَ لَيْسَ بِمُسْتَقِلٍّ في ذَلِكَ؛ فَفي إسْنادِهِ إلَيْهِ ضَرْبُ تَجَوُّزٍ؛ بَلْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما مُفْتَقِرٌ في تَحَقُّقِهِ وتَحَصُّلِهِ إلى الآخَرِ؛ فَإنَّ التَّعْلِيمَ عِبارَةٌ عَنْ إلْقاءِ المَبادِئِ العِلْمِيَّةِ عَلى المُتَعَلِّمِ؛ وسَوْقِها إلى ذِهْنِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ عَلى تَرْتِيبٍ يَقْتَضِيهِ الحالُ؛ بِحَيْثُ لا يُساقُ إلَيْهِ بَعْضٌ مِنها إلّا بَعْدَ تَلَقِّيهِ لِبَعْضٍ آخَرَ؛ فَكُلٌّ مِنهُما مُتَمِّمٌ لِلْآخَرِ؛ مُعْتَبَرٌ في مَدْلُولِهِ؛ وأمّا الهُدى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ التَّوَجُّهِ المَذْكُورِ فَفِعْلٌ اخْتِيارِيٌّ؛ يَسْتَقِلُّ بِهِ فاعِلُهُ؛ لا دَخْلَ لِلْهِدايَةِ فِيهِ سِوى كَوْنِها داعِيَةً إلى إيجادِهِ بِاخْتِيارِهِ؛ فَلَمْ يَكُنْ مِن مُتَمِّماتِها؛ ولا مُعْتَبَرًا في مَدْلُولِها؛ إنْ قِيلَ: التَّعْلِيمُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الهِدايَةِ؛ والتَّعَلُّمُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الِاهْتِداءِ؛ فَيَكُونُ اعْتِبارُهُ في مَدْلُولِ التَّعْلِيمِ اعْتِبارًا لِلْهُدى في مَدْلُولِ الهِدايَةِ؛ قُلْنا: إطْلاقُ الهِدايَةِ عَلى التَّعْلِيمِ إنَّما هو عِنْدَ وُضُوحِ المَسْلَكِ؛ واسْتِبْدادِ المُتَعَلِّمِ بِسُلُوكِهِ؛ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِلتَّعْلِيمِ فِيهِ؛ سِوى كَوْنِهِ داعِيًا إلَيْهِ؛ وقَدْ عَرَفْتَ جَلِيَّةَ الأمْرِ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ؛ إنْ قِيلَ: ألَيْسَ تَخَلُّفُ الهُدى عَنِ الهِدايَةِ كَتَخَلُّفِ التَّعَلُّمِ عَنِ التَّعْلِيمِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَعْلِيمًا في الحَقِيقَةِ؛ فَلْيَكُنِ الهِدايَةُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ ولْيُحْمَلْ تَسْمِيَةُ ما لا يَسْتَتْبِعُ الهُدى بِها عَلى التَّجَوُّزِ؛ قُلْنا: شَتّانَ بَيْنَ التَّخَلُّفَيْنِ؛ فَإنَّ تَخَلُّفَ التَّعَلُّمِ عَنِ التَّعْلِيمِ يَكُونُ لِقُصُورٍ فِيهِ؛ كَما أنَّ تَخَلُّفَ الِانْكِسارِ عَنِ الضَّرْبِ الضَّعِيفِ لِذَلِكَ؛ وأمّا تَخَلُّفُ الهُدى عَنِ الهِدايَةِ فَلَيْسَ لِشائِبَةِ قُصُورٍ مِن جِهَتِها؛ بَلْ إنَّما هو لِفَقْدِ سَبَبِهِ المُوجِبِ لَهُ مِن جِهَةِ المَهْدِيِّ؛ بَعْدَ تَكامُلِ ما يَتِمُّ مِن قِبَلِ الهادِي؛ وبِهَذا التَّحْرِيرِ اتَّضَحَ طَرِيقُ الهِدايَةِ؛ وتَبَيَّنَ أنَّها عِبارَةٌ عَنْ مُطْلَقِ الدَّلالَةِ عَلى ما مِن شَأْنِهِ الإيصالُ إلى البُغْيَةِ؛ بِتَعْرِيفِ مَعالِمِهِ؛ وتَبْيِينِ مَسالِكِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُشْتَرَطَ في مَدْلُولِها الوُصُولُ؛ ولا القَبُولُ؛ وأنَّ الدَّلالَةَ المُقارِنَةَ لَهُما - أوْ لِأحَدِهِما -؛ والمُفارِقَةَ عَنْهُما؛ كُلُّ ذَلِكَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَيْدِ المُقارَنَةِ وعَدَمِها - أفْرادٌ حَقِيقِيَّةٌ لَها؛ وأنَّ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ﴾؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا اعْتُبِرَ فِيهِ الوُصُولُ مِن قَبِيلِ المَجازِ؛ وانْكَشَفَ أنَّ الدَّلالاتِ التَّكْوِينِيَّةَ المَنصُوبَةَ في الأنْفُسِ؛ والآفاقِ؛ والبَياناتِ التَّشْرِيعِيَّةِ الوارِدَةِ في الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ عَلى الإطْلاقِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى كافَّةِ البَرِيَّةِ؛ بَرِّها وفاجِرِها؛ هِداياتٌ حَقِيقِيَّةٌ فائِضَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ؛ والحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا؛ وما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أيِ المُتَّصِفِينَ بِالتَّقْوى حالًا أوْ مَآلًا؛ وتَخْصِيصُ الهُدى بِهِمْ لِما أنَّهُمُ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ؛ المُنْتَفِعُونَ بِآثارِهِ؛ وإنْ كانَ ذَلِكَ شامِلًا لِكُلِّ ناظِرٍ؛ مِن مُؤْمِنٍ وكافِرٍ؛ وبِذَلِكَ الِاعْتِبارِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾؛ والمُتَّقِي اسْمُ فاعِلٍ مِن بابِ الِافْتِعالِ؛ مِنَ الوِقايَةِ؛ وهي فَرْطُ الصِّيانَةِ؛ والتَّقْوى في عُرْفِ الشَّرْعِ عِبارَةٌ عَنْ كَمالِ التَّوَقِّي عَمّا يَضُرُّهُ في (p-28)الآخِرَةِ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "جِماعُ التَّقْوى في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾» الآيَةُ.. وعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ: تَرْكُ ما حَرَّمَ اللَّهُ؛ وأداءُ ما فَرَضَ اللَّهُ؛ وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ: المُتَّقِي مَن يَتْرُكُ ما لا بَأْسَ بِهِ؛ حَذَرًا مِنَ الوُقُوعِ فِيما فِيهِ بَأْسٌ؛ وعَنْ أبِي يَزِيدَ أنَّ التَّقْوى هو التَّوَرُّعُ عَنْ كُلِّ ما فِيهِ شُبْهَةٌ؛ وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَنِيفٍ أنَّهُ مُجانَبَةُ كُلِّ ما يُبْعِدُكَ عَنِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعَنْ سَهْلٍ: المُتَّقِي مَن تَبَرَّأ عَنْ حَوْلِهِ وقدرته؛ وقِيلَ: التَّقْوى أنْ لا يَراكَ اللَّهُ حَيْثُ نَهاكَ؛ ولا يَفْقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ؛ وعَنْ مَيْمُونِ بْنِ مَهْرانَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ تَقِيًّا حَتّى يَكُونَ أشَدَّ مُحاسَبَةً لِنَفْسِهِ مِنَ الشَّرِيكِ الشَّحِيحِ؛ والسُّلْطانِ الجائِرِ؛ وعَنْ أبِي تُرابٍ: بَيْنَ يَدَيِ التَّقْوى خَمْسُ عَقَباتٍ؛ لا يَنالُهُ مَن لا يُجاوِزُهُنَّ: إيثارُ الشِّدَّةِ عَلى النِّعْمَةِ؛ وإيثارُ الضَّعْفِ عَلى القُوَّةِ؛ وإيثارُ الذُّلِّ عَلى العِزَّةِ؛ وإيثارُ الجُهْدِ عَلى الرّاحَةِ؛ وإيثارُ المَوْتِ عَلى الحَياةِ؛ وعَنْ بَعْضِ الحُكَماءِ أنَّهُ: لا يَبْلُغُ الرَّجُلُ سَنامَ التَّقْوى إلّا أنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ جُعِلَ ما في قَلْبِهِ في طَبَقٍ؛ فَطِيفَ بِهِ في السُّوقِ؛ لَمْ يَسْتَحْيِ مِمَّنْ يَنْظُرُ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: التَّقْوى أنْ تُزَيِّنَ سِرَّكَ لِلْحَقِّ؛ كَما تُزَيِّنُ عَلانِيَتَكَ لِلْخَلْقِ؛ والتَّحْقِيقُ أنَّ لِلتَّقْوى ثَلاثَ مَراتِبَ: الأُولى: التَّوَقِّي عَنِ العَذابِ المُخَلِّدِ بِالتَّبَرُّؤِ عَنِ الكُفْرِ؛ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾؛ والثّانِيَةُ: التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤْثِمُ مِن فِعْلٍ؛ أوْ تَرْكٍ؛ حَتّى الصَّغائِرِ عِنْدَ قَوْمٍ؛ وهو المُتَعارَفُ بِالتَّقْوى في الشَّرْعِ؛ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾؛ والثّالِثَةُ: أنْ يَتَنَزَّهَ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنِ الحَقِّ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ويَتَبَتَّلَ إلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ؛ وهو التَّقْوى الحَقِيقِيُّ المَأْمُورُ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾؛ ولِهَذِهِ المَرْتَبَةِ عَرْضٌ عَرِيضٌ؛ يَتَفاوَتُ فِيهِ طَبَقاتُ أصْحابِها؛ حَسَبَ تَفاوُتِ دَرَجاتِ اسْتِعْداداتِهِمُ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ؛ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الأبِيَّةِ؛ أقْصاها ما انْتَهى إلَيْهِ هِمَمُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حَيْثُ جَمَعُوا بِذَلِكَ بَيْنَ رِياسَتَيِ النُّبُوَّةِ والوِلايَةِ؛ وما عاقَهُمُ التَّعَلُّقُ بِعالَمِ الأشْباحِ عَنِ العُرُوجِ إلى مَعالِمِ الأرْواحِ؛ ولَمْ يَصُدَّهُمُ المُلابَسَةُ بِمَصالِحِ الخَلْقِ عَنْ الِاسْتِغْراقِ في شُئُونِ الحَقِّ؛ لِكَمالِ اسْتِعْدادِ نُفُوسِهِمُ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدَةِ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ. وَهِدايَةُ الكِتابِ المُبِينِ شامِلَةٌ لِأرْبابِ هَذِهِ المَراتِبِ أجْمَعِينَ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ إرْشادُهُ إيّاهم إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الأُولى ونَيْلِها؛ فالمُرادُ بِهِمُ المُشارِفُونَ لِلتَّقْوى مَجازًا؛ لِاسْتِحالَةِ تَحْصِيلِ الحاصِلِ إيثارُهُ عَلى العِبارَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ ذَلِكَ؛ لِلْإيجازِ. وتَصْدِيرُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ بِذِكْرِ أوْلِيائِهِ (تَعالى)؛ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِمْ؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِ إرْشادُهُ إلى تَحْصِيلِ إحْدى المَرْتَبَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ الطَّبَقَةِ الأُولى تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ؛ وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ إحْدى الطَّبَقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ تَعَيَّنَ المَجازُ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْهِما إنَّما يَتَحَقَّقُ بِهِدايَتِهِ المُتَرَقَّبَةِ؛ وكَذا الحالُ فِيما بَيْنَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ والثّالِثَةِ؛ فَإنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالهُدى الإرْشادُ إلى تَحْصِيلِ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ؛ فَإنْ عَنى بِالمُتَّقِينَ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ تَعَيَّنَتِ الحَقِيقَةُ؛ وإنْ عَنى بِهِمْ أصْحابَ المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ تَعَيَّنَ المَجازُ؛ ولَفْظُ "الهِدايَةُ" حَقِيقَةٌ في جَمِيعِ الصُّوَرِ؛ وأمّا إنْ أُرِيدَ بِكَوْنِهِ هُدًى لَهم تَثْبِيتُهم عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ أوْ إرْشادُهم إلى الزِّيادَةِ فِيهِ؛ عَلى أنْ يَكُونَ مَفْهُومُها داخِلًا في المَعْنى المُسْتَعْمَلِ فِيهِ؛ فَهو مَجازٌ لا مَحالَةَ؛ ولَفْظُ "المُتَّقِينَ" حَقِيقَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهُدًى؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أوْ حالًا مِنهُ؛ ومَحَلُّ "هُدًى" الرَّفْعُ؛ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ - أيْ: هو هُدًى -؛ أوْ خَبَرٌ مَعَ "رَيْبَ فِيهِ"؛ لِـ "ذَلِكَ الكِتابُ"؛ أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ أوِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِن "ذَلِكَ"؛ أوْ مِن "الكِتابُ"؛ والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "فِيهِ"؛ والعامِلُ ما في الجارِّ (p-29) والمَجْرُورِ مِن مَعْنى الفِعْلِ المَنفِيِّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ الرَّيْبُ حالَ كَوْنِهِ هادِيًا؛ عَلى أنَّهُ قَيْدٌ لِلنَّفْيِ لا لِلْمَنفِيِّ؛ وحاصِلُهُ: انْتَفى الرَّيْبُ فِيهِ حالَ كَوْنِهِ هادِيًا؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ وحَمْلُهُ عَلى "الكِتابُ"؛ إمّا لِلْمُبالَغَةِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى؛ أوْ لِجَعْلِ المَصْدَرِ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ هَذا.. والَّذِي يَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ في شَأْنِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الجُمَلِ أنْ تَكُونَ مُتَناسِقَةً؛ تُقَرِّرُ اللّاحِقَةُ مِنها السّابِقَةَ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَها عاطِفٌ؛ فَـ "الـم"؛ جُمْلَةٌ بِرَأْسِها؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مُضْمَرٍ؛ أوْ طائِفَةٌ مِن حُرُوفِ المُعْجَمِ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِها؛ دالَّةٌ عَلى أنَّ المُتَحَدّى بِهِ هو المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما يُؤَلِّفُونَ مِنهُ كَلامَهُمْ؛ و"ذَلِكَ الكِتابُ"؛ جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ التَّحَدِّي؛ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ مِن كَوْنِهِ مَنعُوتًا بِالكَمالِ الفائِقِ؛ ثُمَّ سَجَّلَ عَلى غايَةِ فَضْلِهِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ فِيهِ؛ إذْ لا فَضْلَ أعْلى مِمّا لِلْحَقِّ واليَقِينِ؛ و"هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ"؛ مَعَ ما يُقَدَّرُ لَهُ مِنَ المُبْتَدَإ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَوْنِهِ حَقًّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ شَكٍّ ما؛ ودالَّةٌ عَلى تَكْمِيلِهِ بَعْدَ كَمالِهِ؛ أوْ يَسْتَتْبِعُ السّابِقَةَ مِنها اللّاحِقَةُ اسْتِتْباعَ الدَّلِيلِ لِلْمَدْلُولِ؛ فَإنَّهُ لَمّا نَبَّهَ أوَّلًا عَلى إعْجازِ المُتَحَدّى بِهِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ مِن جِنْسِ كَلامِهِمْ؛ وقَدْ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ بِالمَرَّةِ؛ ظَهَرَ أنَّهُ الكِتابُ البالِغُ أقْصى مَراتِبِ الكَمالِ؛ وذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِكَوْنِهِ في غايَةِ النَّزاهَةِ عَنْ مَظِنَّةِ الرَّيْبِ؛ إذْ لا أنْقَصَ مِمّا يَعْتَرِيهِ الشَّكُّ؛ وما كانَ كَذَلِكَ كانَ لا مَحالَةَ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ؛ وفي كُلٍّ مِنها مِنَ النُّكَتِ الرّائِقَةِ؛ والمَزايا الفائِقَةِ ما لا يَخْفى جَلالَةُ شَأْنِهِ؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ.

البقرة 2:3

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾: إمّا مَوْصُولٌ بِالمُتَّقِينَ؛ ومَحَلُّهُ الجَرُّ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لَهُ إنْ فُسِّرَ التَّقْوى بِتَرْكِ المَعاصِي فَقَطْ؛ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ تَرَتُّبَ التَّحْلِيَةِ عَلى التَّخْلِيَةِ؛ ومُوَضِّحَةٌ إنْ فُسِّرَ بِما هو المُتَعارَفُ شَرْعًا؛ والمُتَبادَرُ عُرْفًا مِن فِعْلِ الطّاعاتِ؛ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ مَعًا؛ لِأنَّها حِينَئِذٍ تَكُونُ تَفْصِيلًا لِما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُ المَوْصُوفِ إجْمالًا؛ وذَلِكَ لِأنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما هو عِمادُ الأعْمالِ؛ وأساسُ الحَسَناتِ؛ مِنَ الإيمانِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؛ فَإنَّها أُمَّهاتُ الأعْمالِ النَّفْسانِيَّةِ؛ والعِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِسائِرِ القُرَبِ الدّاعِيَةِ إلى التَّجَنُّبِ عَنِ المَعاصِي غالِبًا؛ ألا يُرى إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "الصَّلاةُ عِمادُ الدِّينِ؛ والزَّكاةُ قَنْطَرَةُ الإسْلامِ"؟» أوْ مادِحَةٌ لِلْمَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى المُفَسَّرِ بِما مَرَّ مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ السَّيِّئاتِ. وتَخْصِيصُ ما ذُكِرَ مِنَ الخِصالِ الثَّلاثِ بِالذِّكْرِ لِإظْهارِ شَرَفِها وأنافَتِها عَلى سائِرِ ما انْطَوى تَحْتَ اسْمِ التَّقْوى مِنَ الحَسَناتِ؛ أوِ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ؛ بِتَقْدِيرِ "أعْنِي"؛ أوِ الرَّفْعُ عَلَيْهِ؛ بِتَقْدِيرِ "هُمْ"؛ وإمّا مَفْصُولٌ عَنْهُ؛ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ؛ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ؛ فالوَقْفُ عَلى "المُتَّقِينَ"؛ حِينَئِذٍ وقْفٌ تامٌّ؛ لِأنَّهُ وقْفٌ عَلى مُسْتَقْبَلٍ؛ ما بَعْدَهُ أيْضًا مُسْتَقْبَلٌ؛ وأمّا عَلى الوُجُوهِ الأُوَلِ فَحَسَنٌ؛ لِاسْتِقْلالِ المَوْقُوفِ عَلَيْهِ؛ غَيْرَ تامٍّ؛ لِتَعَلُّقِ ما بَعْدَهُ بِهِ؛ وتَبَعِيَّتُهُ لَهُ؛ أمّا عَلى تَقْدِيرِ الجَرِّ عَلى الوَصْفِيَّةِ فَظاهِرٌ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى المَدْحِ فَلِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ المَنصُوبَ والمَرْفُوعَ مُدِحا؛ وإنْ خَرَجا عَنِ التَّبَعِيَّةِ لِما قَبْلَهُما صُورَةً؛ حَيْثُ لَمْ يَتْبَعاهُ في الإعْرابِ؛ وبِذَلِكَ سُمِّيا قَطْعًا؛ لَكِنَّهُما تابِعانِ لَهُ حَقِيقَةً؛ ألا يُرى كَيْفَ التَزَمُوا حَذْفَ الفِعْلِ والمُبْتَدَإ في النَّصْبِ والرَّفْعِ رَوْمًا؛ لِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن مُتَعَلِّقاتِ ما قَبْلَهُ؛ وتَنْبِيهًا عَلى شِدَّةِ الِاتِّصالِ بَيْنَهُما؟ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا ذُكِرَتْ صِفاتٌ لِلْمَدْحِ وخُولِفَ في بَعْضِها الإعْرابُ فَقَدْ خُولِفَ لِلِافْتِنانِ؛ أيْ لِلتَّفَنُّنِ المُوجِبِ لِإيقاظِ السّامِعِ وتَحْرِيكِهِ إلى الجِدِّ في الإصْغاءِ؛ فَإنَّ تَغْيِيرَ الكَلامِ المَسُوقِ لِمَعْنًى (p-30)مِنَ المَعانِي؛ وصَرْفَهُ عَنْ سَنَنِهِ المَسْلُوكِ يُنْبِئُ عَنِ اهْتِمامٍ جَدِيدٍ بِشَأْنِهِ مِنَ المُتَكَلِّمِ؛ ويَسْتَجْلِبُ مَزِيدَ رَغْبَةٍ فِيهِ مِنَ المُخاطَبِ؛ إنْ قِيلَ: لا رَيْبَ في أنَّ حالَ المَوْصُولِ عِنْدَ كَوْنِهِ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ - كَحالِهِ عِنْدَ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى﴾؛ في أنَّهُ يَنْسَبِكُ بِهِ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِاتِّصافِ المُتَّقِينَ بِالصِّفاتِ الفاضِلَةِ - ضَرُورَةُ أنَّ كُلًّا مِنَ الضَّمِيرِ المَحْذُوفِ؛ والمَوْصُولِ عِبارَةٌ عَنْ "المُتَّقِينَ"؛ وأنَّ كُلًّا مِنَ اتِّصافِهِمْ بِالإيمانِ وفُرُوعِهِ؛ وإحْرازِهِمْ لِلْهُدى والفَلاحِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ فَما السِّرُّ في أنَّهُ جُعِلَ ذَلِكَ في الصُّورَةِ الأُولى مِن تَوابِعِ المُتَّقِينَ؛ وعُدَّ الوَقْفُ غَيْرَ تامٍّ؛ وفي الثّانِيَةِ مُقْتَطَعًا عَنْهُ؛ وعُدَّ الوَقْفُ تامًّا؟ قُلْنا: السِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ المُبْتَدَأ في الصُّورَتَيْنِ - وإنْ كانَ عِبارَةً عَنْ "المُتَّقِينَ" -؛ لَكِنَّ الخَبَرَ في الأُولى - لَمّا كانَ تَفْصِيلًا لِما تَضَمَّنَهُ المُبْتَدَأُ إجْمالًا؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ؛ مَعْلُومَ الثُّبُوتِ لَهُ بِلا اشْتِباهٍ - غَيْرُ مُفِيدٍ لِلسّامِعِ؛ سِوى فائِدَةِ التَّفْصِيلِ والتَّوْضِيحِ؛ نُظِمَ ذَلِكَ في سِلْكِ الصِّفاتِ؛ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى؛ وإنْ سُمِّيَ قَطْعًا؛ مُراعاةً لِجانِبِ اللَّفْظِ؛ كَيْفَ لا.. وقَدِ اشْتُهِرَ في الفَنِّ أنَّ الخَبَرَ إذا كانَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلى المُخْبَرِ عَنْهُ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُ؛ كَما أنَّ الوَصْفَ إذا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لَهُ؛ حَتّى قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ؛ والأخْبارَ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ؟ وأمّا الخَبَرُ في الثّانِيَةِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ - بَلْ كانَ مُشْتَمِلًا عَلى ما لا يُنْبِئُ عَنْهُ المُبْتَدَأُ مِنَ المَعانِي اللّائِقَةِ؛ كَما سَتُحِيطُ بِهِ؛ خَبَرًا مُفِيدًا لِلْمُخاطَبِ فَوائِدَ رائِقَةً -؛ جُعِلَ ذَلِكَ مُقْتَطَعًا عَمّا قَبْلَهُ؛ مُحافَظَةً عَلى الصُّورَةِ والمَعْنى جَمِيعًا. والإيمانُ "إفْعالٌ"؛ مِن "الأمْنُ" المُتَعَدِّي إلى واحِدٍ؛ يُقالُ: آمَنتُهُ؛ وبِالنَّقْلِ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ؛ يُقالُ: آمَنَنِيهِ غَيْرِي؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في التَّصْدِيقِ؛ لِأنَّ المُصَدِّقَ يُؤَمِّنُ المُصَدَّقَ؛ أيْ يَجْعَلُهُ أمِينًا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُخالَفَةِ؛ واسْتِعْمالُهُ بِالباءِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ؛ وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الوُثُوقِ؛ فَإنَّ الواثِقَ يَصِيرُ ذا أمْنٍ وطُمَأْنِينَةٍ؛ ومِنهُ ما حُكِيَ عَنِ العَرَبِ: ما آمَنتُ أنْ أجِدَ صَحابَةً؛ أيْ: ما صِرْتُ ذا أمْنٍ وسُكُونٍ؛ وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ هَهُنا؛ وهو في الشَّرْعِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ التَّصْدِيقِ بِما عُلِمَ ضَرُورَةً أنَّهُ مِن دِينِ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ كالتَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ؛ ونَظائِرِها؛ وهَلْ هو كافٍ في ذَلِكَ؛ أوْ لا بُدَّ مِنَ انْضِمامِ الإقْرارِ إلَيْهِ لِلْمُتَمَكِّنِ مِنهُ؟ والأوَّلُ رَأْيُ الشَّيْخِ الأشْعَرِيِّ؛ ومَن شايَعَهُ؛ فَإنَّ الإقْرارَ عِنْدَهُ مُنْشَأٌ لِإجْراءِ الأحْكامِ؛ والثّانِي مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ ومَن تابَعَهُ؛ وهو الحَقُّ؛ فَإنَّهُ جَعَلَهُما جُزْأيْنِ لَهُ؛ خَلا أنَّ الإقْرارَ رُكْنٌ مُحْتَمِلٌ لِلسُّقُوطِ بِعُذْرٍ؛ كَما عِنْدَ الإكْراهِ؛ وهو مَجْمُوعُ ثَلاثَةِ أُمُورٍ: اعْتِقادِ الحَقِّ؛ والإقْرارِ بِهِ؛ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ؛ عِنْدَ جُمْهُورِ المُحْدَثِينَ؛ والمُعْتَزِلَةِ؛ والخَوارِجِ؛ فَمَن أخَلَّ بِالِاعْتِقادِ وحْدَهُ فَهو مُنافِقٌ؛ ومَن أخَلَّ بِالإقْرارِ فَهو كافِرٌ؛ ومَن أخَلَّ بِالعَمَلِ فَهو فاسِقٌ اتِّفاقًا؛ وكافِرٌ عِنْدَ الخَوارِجِ؛ وخارِجٌ عَنِ الإيمانِ؛ غَيْرُ داخِلٍ في الكُفْرِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ. وقُرِئَ: "يُومِنُونَ"؛ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ. والغَيْبُ إمّا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الغائِبُ؛ مُبالَغَةً؛ كالشَّهادَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾؛ أوْ "فَيْعِلٌ" خُفِّفَ؛ كَـ "قَيْلٌ"؛ في "قَيِّلٌ"؛ و"هَيْنٌ"؛ في "هَيِّنٌ"؛ و"مَيْتٌ"؛ في "مَيِّتٌ"؛ لَكِنْ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِيهِ الأصْلُ كَما اسْتُعْمِلَ في نَظائِرِهِ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو ما غابَ عَنِ الحِسِّ والعَقْلِ غَيْبَةً كامِلَةً؛ بِحَيْثُ لا يُدْرَكُ بِواحِدٍ مِنهُما ابْتِداءً؛ بِطَرِيقِ البَداهَةِ؛ وهو قِسْمانِ: قِسْمٌ لا دَلِيلَ عَلَيْهِ؛ وهو الَّذِي أُرِيدَ بِقَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾؛ وقِسْمٌ نُصِّبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ كالصّانِعِ وصِفاتِهِ؛ والنُّبُوّاتِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ؛ واليَوْمِ الآخِرِ وأحْوالِهِ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والحِسابِ والجَزاءِ؛ وهو المُرادُ هَهُنا؛ فالباءُ صِلَةٌ لِلْإيمانِ - إمّا بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الِاعْتِرافِ؛ أوْ (p-31)بِجَعْلِهِ مَجازًا مِنَ الوُثُوقِ؛ وهو واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ؛ وإمّا مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ؛ كالغَيْبَةِ -؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الفاعِلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: يُؤْمِنُونَ مُتَلَبِّسِينَ بِالغَيْبَةِ؛ إمّا عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ أيْ غائِبِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ غَيْرَ مُشاهِدِينَ لِما فِيهِ مِن شَواهِدِ النُّبُوَّةِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أصْحابَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ذَكَرُوا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإيمانَهُمْ؛ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ بَيِّنًا لِمَن رَآهُ؛ والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما آمَنَ مُؤْمِنٌ أفْضَلَ مِنَ الإيمانِ بِغَيْبٍ؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ؛ وإمّا عَنِ النّاسِ؛ أيْ غائِبِينَ عَنِ المُؤْمِنِينَ؛ لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا؛ وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا: إنّا مَعَكُمْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ القَلْبُ؛ لِأنَّهُ مَسْتُورٌ؛ والمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ؛ لا كالَّذِينَ يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ؛ فالباءُ حِينَئِذٍ لِلْآلَةِ؛ وتَرْكُ ذِكْرِ المُؤْمَنِ بِهِ عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ إمّا لِلْقَصْدِ إلى إحْداثِ نَفْسِ الفِعْلِ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ؛ أيْ يَفْعَلُونَ الإيمانَ؛ وإمّا لِلِاكْتِفاءِ بِما سَيَجِيءُ؛ فَإنَّ الكُتُبَ الإلَهِيَّةَ ناطِقَةٌ بِتَفاصِيلِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾: إقامَتُها عِبارَةٌ عَنْ تَعْدِيلِ أرْكانِها؛ وحِفْظِها مِن أنْ يَقَعَ في شَيْءٍ مِن فَرائِضِها وسُنَنِها وآدابِها زَيْغٌ؛ مِن "أقامَ العُودَ"؛ إذا قَوَّمَهُ وعَدَّلَهُ؛ وقِيلَ: عَنِ المُواظَبَةِ عَلَيْها؛ مَأْخُوذٌ مِن "قامَتِ السُّوقُ"؛ إذا نَفَقَتْ؛ و"أقَمْتُها"؛ إذا جَعَلْتَها نافِقَةً؛ فَإنَّها إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالنّافِقِ الَّذِي يُرْغَبُ فِيهِ؛ وقِيلَ: عَنِ التَّشَمُّرِ؛ لِأدائِها عَنْ غَيْرِ فُتُورٍ وتَوانٍ؛ مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ؛ وأقامَهُ؛ إذا جَدَّ فِيهِ واجْتَهَدَ؛ وقِيلَ: عَنْ أدائِها؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإقامَةِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى القِيامِ؛ كَما عَبَّرَ عَنْهُ بِالقُنُوتِ - الَّذِي هو القِيامُ - وبِالرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ؛ لِأنَّهُ أشْهَرُ؛ وإلى الحَقِيقَةِ أقْرَبُ؛ و"الصَّلْوَةُ"؛ "فَعْلَةٌ" مِن "صَلّى"؛ إذا دَعا؛ كَـ "الزَّكْوَةُ"؛ مِن "زَكّى"؛ وإنَّما كُتِبَتا بِالواوِ مُراعاةً لِلَّفْظِ المُفَخَّمِ؛ وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ؛ وقِيلَ: أصْلُ "صَلّى" حَرَّكَ الصَّلَوَيْنِ؛ وهُما العَظْمانِ النّاتِئانِ في أعْلى الفَخِذَيْنِ؛ لِأنَّ المُصَلِّيَ يَفْعَلُهُ في رُكُوعِهِ وسُجُودِهِ؛ واشْتِهارُ اللَّفْظِ في المَعْنى الثّانِي دُونَ الأوَّلِ لا يَقْدَحُ في نَقْلِهِ عَنْهُ؛ وإنَّما سُمِّيَ الدّاعِي مُصَلِّيًا تَشْبِيهًا لَهُ في تَخَشُّعِهِ بِالرّاكِعِ والسّاجِدِ. ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾: الرِّزْقُ في اللُّغَةِ: العَطاءُ؛ ويُطْلَقُ عَلى الحَظِّ المُعْطى؛ نَحْوَ: "ذِبْحٌ"؛ و"رِعْيٌ"؛ لِلْمَذْبُوحِ؛ والمَرْعِيِّ؛ وقِيلَ: هو بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ؛ وبِالكَسْرِ اسْمٌ؛ وفي العُرْفِ: ما يَنْتَفِعُ بِهِ الحَيَوانُ. والمُعْتَزِلَةُ؛ لَمّا أحالُوا تَمْكِينَ اللَّهِ (تَعالى) مِنَ الحَرامِ؛ لِأنَّهُ مَنَعَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ؛ وأمَرَ بِالزَّجْرِ عَنْهُ؛ قالُوا: الرِّزْقُ لا يَتَناوَلُ الحَرامَ؛ ألا يُرى أنَّهُ (تَعالى) أسْنَدَ الرِّزْقَ إلى ذاتِهِ؛ إيذانًا بِأنَّهم يُنْفِقُونَ مِنَ الحَلالِ الصِّرْفِ - فَإنَّ إنْفاقَ الحَرامِ بِمَعْزِلٍ مِن إيجابِ المَدْحِ -؛ وذَمَّ المُشْرِكِينَ عَلى تَحْرِيمِ بَعْضِ ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾ ؟ وأصْحابُنا جَعَلُوا الإسْنادَ المَذْكُورَ لِلتَّعْظِيمِ؛ والتَّحْرِيضِ عَلى الإنْفاقِ؛ والذَّمَّ لِتَحْرِيمِ ما لَمْ يُحَرِّمْ؛ واخْتِصاصَ "ما رَزَقْناهُمْ"؛ بِالحَلالِ لِلْقَرِينَةِ؛ وتَمَسَّكُوا لِشُمُولِ الرِّزْقِ لَهُما بِما رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ قُرَّةَ؛ حِينَ أتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيَّ الشِّقْوَةَ؛ فَلا أُرى أُرْزَقُ إلّا مِن دُفِّي بِكَفِّي؛ فَأْذَنْ لِي في الغِناءِ مِن غَيْرِ فاحِشَةٍ؛ مِن أنَّهُ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "لا آذَنُ لَكَ؛ ولا كَرامَةَ؛ ولا نُعْمَةَ [عَيْنٍ]؛ كَذَبْتَ؛ أيْ عَدُوَّ اللَّهِ؛ واللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا؛ فاخْتَرْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن رِزْقِهِ؛ مَكانَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن حَلالِهِ"؛» وبِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنِ الحَرامُ رِزْقًا لَمْ يَكُنِ المُتَغَذِّي بِهِ طُولَ عُمْرِهِ مَرْزُوقًا؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ إلا عَلى اللَّهِ رِزْقُها﴾؛ والإنْفاقُ والإنْفادُ أخَوانِ؛ خَلا أنَّ (p-32) فِي الثّانِي مَعْنى الإذْهابِ بِالكُلِّيَّةِ؛ دُونَ الأوَّلِ؛ والمُرادُ بِهَذا الإنْفاقِ الصَّرْفُ إلى سَبِيلِ الخَيْرِ؛ فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا؛ ومَن فَسَّرَ بِالزَّكاةِ ذَكَرَ أفْضَلَ أنْواعِهِ؛ والأصْلَ فِيهِ؛ أوْ خَصَّصَهُ بِها لِاقْتِرانِهِ بِما هو شَقِيقُها؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الصِّلَةِ؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ والمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ؛ وإدْخالُ "مِن" التَّبْعِيضِيَّةِ عَلَيْهِ لِلْكَفِّ عَنِ التَّبْذِيرِ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِ الإنْفاقُ مِن جَمِيعِ المَعاوِنِ الَّتِي مَنَحَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ مِنَ النِّعَمِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «إنَّ عِلْمًا لا يُنالُ بِهِ كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ»؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ مَن قالَ: ومِمّا خَصَصْناهم مِن أنْوارِ المَعْرِفَةِ يُفِيضُونَ.

البقرة 2:4

﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ - عَلى تَقْدِيرَيْ وصْلِهِ بِما قَبْلَهُ؛ وفَصْلِهِ عَنْهُ -؛ مُنْدَرِجٌ مَعَهُ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ - مِن حَيْثُ الصُّورَةُ والمَعْنى مَعًا؛ أوْ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقَطِ -؛ انْدِراجَ خاصَّيْنِ تَحْتَ عامٍّ؛ إذِ المُرادُ بِالأوَّلِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ الشِّرْكِ والغَفْلَةِ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ؛ كَما يُؤْذِنُ بِهِ التَّعْبِيرُ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ بِالغَيْبِ؛ وبِالآخِرِينَ: الَّذِينَ آمَنُوا بِالقرآن بَعْدَ الإيمان بالكُتُبِ المُنْزَلَةِ قَبْلُ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ أوْ عَلى "المُتَّقِينَ"؛ عَلى أنْ يُرادَ بِهِمُ الأوَّلُونَ خاصَّةً؛ ويَكُونَ تَخْصِيصُهم بِوَصْفِ الِاتِّقاءِ لِلْإيذانِ بِتَنَزُّهِهِمْ عَنْ حالَتِهِمُ الأُولى بِالكُلِّيَّةِ؛ لِما فِيها مِن كَمالِ القَباحَةِ؛ والمُبايَنَةِ لِلشَّرائِعِ كُلِّها؛ المُوجِبَةِ لِلِاتِّقاءِ عَنْها؛ بِخِلافِ الآخِرِينَ؛ فَإنَّهم غَيْرُ تارِكِينَ لِما كانُوا عَلَيْهِ بِالمَرَّةِ؛ بَلْ مُتَمَسِّكُونَ بِأُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تَكادُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْصارِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ كِلا المَوْصُولَيْنِ عِبارَةً عَنِ الكُلِّ مُنْدَرِجًا تَحْتَ "المُتَّقِينَ"؛ ولا يَكُونُ تَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَهُما لِاخْتِلافِ الذَّواتِ بَلْ لِاخْتِلافِ الصِّفاتِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ∗∗∗ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ وَقَوْلِهِ: ؎ يا لَهْفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصْـ ∗∗∗ صابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الإيمانِ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الغائِبَةِ؛ والإيمانِ بِما يَشْهَدُ بِثُبُوتِها مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ؛ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ؛ لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرَدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ؛ ولا يُجْعَلَ أحَدُهُما تَتِمَّةً لِلْآخَرِ؛ وقَدْ شُفِعَ الأوَّلُ بِأداءِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ اللَّتَيْنِ هُما مِن جُمْلَةِ الشَّرائِعِ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ تِلْكَ الأُمُورِ المُؤْمَنِ بِها؛ تَكْمِلَةً لَهُ؛ فَإنَّ كَمالَ العِلْمِ العَمَلُ؛ وقُرِنَ الثّانِي بِالإيقانِ بِالآخِرَةِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُنْطَوِيًا تَحْتَ الأوَّلِ؛ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ صِحَّتِهِ؛ وتَعْرِيضًا بِما في اعْتِقادِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِنَ الخَلَلِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ الباءِ بِالإيمانِ؛ وقِسْ عَلَيْهِ الحالَ عِنْدَ تَعَلُّقِها بِالمَحْذُوفِ؛ فَإنَّ كُلًّا مِنَ الإيمانِ الغَيْبِيِّ المَشْفُوعِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِبادَتَيْنِ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ والإيمان بالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ الشّارِحَةِ لِتَفاصِيلِ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها مَقْرُونًا بِما قُرِنَ - فَضِيلَةٌ باهِرَةٌ؛ مُسْتَدْعِيَةٌ لِما ذُكِرَ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ؛ وقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلى مَعْنى أنَّهُمُ الجامِعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِما يُدْرِكُهُ العَقْلُ جُمْلَةً؛ والإتْيانِ بِما يُصَدِّقُهُ مِنَ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ؛ وبَيْنَ الإيمانِ بِما لا طَرِيقَ إلَيْهِ غَيْرُ السَّمْعِ. وتَكْرِيرُ المَوْصُولِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَغايُرِ القَبِيلَيْنِ؛ وتَبايُنِ السَّبِيلَيْنِ؛ فَلْيُتَأمَّلْ؛ وأنْ يُرادَ بِالمَوْصُولِ الثّانِي بَعْدَ انْدِراجِ الكُلِّ في الأوَّلِ فَرِيقٌ خاصٌّ مِنهُمْ؛ وهم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ؛ بِأنْ يُخَصُّوا بِالذِّكْرِ تَخْصِيصَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بِهِ؛ إثْرَ جَرَيانِ ذِكْرِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ وتَرْغِيبًا لِأمْثالِهِمْ وأقْرانِهِمْ في تَحْصِيلِ ما لَهم مِنَ الكَمالِ. والإنْزالُ: النَّقْلُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ؛ وتَعَلُّقُهُ (p-33) بِالمَعانِي إنَّما هو بِتَوَسُّطِ تَعَلُّقِهِ بِالأعْيانِ المُسْتَتْبِعَةِ لَها؛ فَنُزُولُ ما عَدا الصُّحُفَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ إلى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ - بِأنْ يَتَلَقّاها المَلَكُ مِن جَنابِهِ - عَزَّ وجَلَّ - تَلَقِّيًا رُوحانِيًّا؛ أوْ يَحْفَظَها مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ؛ فَيَنْزِلَ بِها إلى الرُّسُلِ؛ فَيُلْقِيَها عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُرادُ بِـ " ما أُنْزِلَ إلَيْكَ "؛ هو القرآن بِأسْرِهِ؛ والشَّرِيعَةُ عَنْ آخِرِها؛ والتَّعْبِيرُ عَنْ إنْزالِهِ بِالماضِي - مَعَ كَوْنِ بَعْضِهِ مُتَرَقَّبًا حِينَئِذٍ - لِتَغْلِيبِ المُحَقَّقِ عَلى المِقْدارِ؛ أوْ لِتَنْزِيلِ ما في شَرَفِ الوُقُوعِ لِتَحَقُّقِهِ مَنزِلَةَ الواقِعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾؛ مَعَ أنَّ الجِنَّ ما كانُوا سَمِعُوا الكِتابَ جَمِيعًا؛ ولا كانَ الجَمِيعُ إذْ ذاكَ نازِلًا؛ وبِـ "ما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ"؛ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ؛ وسائِرُ الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِقَصْدِ الإيجازِ؛ مَعَ عَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِالتَّفْصِيلِ؛ حَسَبَ تَعَلُّقِهِ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ الآيَةُ.. والإيمان بالكُلِّ جُمْلَةً فَرْضٌ؛ وبِالقرآن تَفْصِيلًا - مِن حَيْثُ إنّا مُتَعَبِّدُونَ بِتَفاصِيلِهِ - فَرْضُ كِفايَةٍ؛ فَإنَّ في وُجُوبِهِ عَلى الكُلِّ عَيْنًا حَرَجًا بَيِّنًا؛ وإخْلالًا بِأمْرِ المَعاشِ. وبِناءُ الفِعْلَيْنِ لِلْمَفْعُولِ لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ؛ والجَرْيِ عَلى شَأْنِ الكِبْرِياءِ؛ وقَدْ قُرِئا عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. ﴿وَبِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾: الإيقانُ: إتْقانُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ؛ بِنَفْيِ الشَّكِّ والشُّبْهَةِ عَنْهُ؛ ولِذَلِكَ لا يُسَمّى عِلْمُهُ (تَعالى) يَقِينًا؛ أيْ: يَعْلَمُونَ عِلْمًا قَطْعِيًّا مُزِيحًا لِما كانَ أهْلُ الكِتابِ عَلَيْهِ مِنَ الشُّكُوكِ والأوْهامِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها زَعْمُهم أنَّ الجَنَّةَ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ وأنَّ النّارَ لَنْ تَمَسَّهم إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ. واخْتِلافُهم في أنَّ نَعِيمَ الجَنَّةِ هَلْ هو مِن قَبِيلِ نَعِيمِ الدُّنْيا؛ أوْ لا؛ وهَلْ هو دائِمٌ؛ أوْ لا؛ وفي تَقْدِيمِ الصِّلَةِ؛ وبِناءِ "يُوقِنُونَ" عَلى الضَّمِيرِ تَعْرِيضٌ بِمَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّ اعْتِقادَهم في أُمُورِ الآخِرَةِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّحَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى مَرْتَبَةِ اليَقِينِ. والآخِرَةُ تَأْنِيثُ الآخِرِ؛ كَما أنَّ الدُّنْيا تَأْنِيثُ الأدْنى؛ غَلَبَتا عَلى الدّارَيْنِ؛ فَجَرَتا مُجْرى الأسْماءِ؛ وقُرِئَ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ؛ وقُرِئَ "يُؤْقِنُونَ"؛ بِقَلْبِ الواوِ هَمْزَةً؛ إجْراءً لِضَمِّ ما قَبْلَها مُجْرى ضَمِّها في "وُجُوهٌ"؛ و"وُقِّتَتْ"؛ ونَظِيرُهُ ما في قَوْلِهِ: ؎ لَحَبُّ المُؤْقِدانِ إلَيَّ مُؤْسى ∗∗∗ وجَعْدَةُ إذْ أضاءَهُما الوَقُودُ

البقرة 2:5

وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾؛ إشارَةٌ إلى الَّذِينَ حُكِيَتْ خِصالُهُمُ الحَمِيدَةُ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِها؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِذَلِكَ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ مُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿عَلى هُدًى﴾؛ خَبَرُهُ؛ وما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ المَفْهُومِ مِنَ التَّنْكِيرِ لِكَمالِ تَفْخِيمِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ هُدًى؛ هُدًى لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ؛ ولا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ وإيرادُ كَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ بِناءً عَلى تَمْثِيلِ حالِهِمْ في مُلابَسَتِهِمْ بِالهُدى بِحالِ مَن يَعْتَلِي الشَّيْءَ ويَسْتَوْلِي عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَما يُرِيدُ؛ أوْ عَلى اسْتِعارَتِها لِتَمَسُّكِهِمْ بِالهُدى؛ اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً مُتَفَرِّعَةً عَلى تَشْبِيهِهِ بِاعْتِلاءِ الرّاكِبِ واسْتِوائِهِ عَلى مَرْكُوبِهِ؛ أوْ عَلى جَعْلِها قَرِينَةً لِلِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ بَيْنَ الهُدى والمَرْكُوبِ؛ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ تَمَكُّنِهِمْ مِنهُ؛ وكَمالِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ مُبَيِّنَةً لِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ؛ إثْرَ بَيانِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ؛ (p-34)مُؤَكِّدَةً لَها؛ أيْ: عَلى هُدًى كائِنٍ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ أنْواعِ هِدايَتِهِ (تَعالى)؛ وفُنُونِ تَوْفِيقِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِغايَةِ تَفْخِيمِ المَوْصُوفِ؛ والمُضافِ إلَيْهِمْ؛ وتَشْرِيفِهِما؛ ولِزِيادَةِ تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ وتَقْرِيرِهِ بِبَيانِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ؛ وقَدْ أُدْغِمَتِ النُّونُ في الرّاءِ؛ بِغُنَّةٍ أوْ بِغَيْرِ غُنَّةٍ؛ والجُمْلَةُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المَوْصُولَيْنِ مَوْصُولَيْنِ بِـ "المُتَّقِينَ" - مُسْتَقِلَّةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ مَعَ زِيادَةِ تَأْكِيدٍ لَهُ وتَحْقِيقٍ؛ كَيْفَ لا.. وكَوْنُ الكِتابِ هُدًى لَهم فَنٌّ مِن فُنُونِ ما مُنِحُوهُ واسْتَقَرُّوا عَلَيْهِ مِنَ الهُدى؛ حَسْبَما تَحَقَّقْتَهُ؛ لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنَ الفَوْزِ والفَلاحِ؟ وقِيلَ: هي واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَنْ سُؤالٍ؛ رُبَّما يَنْشَأُ مِمّا سَبَقَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لِلْمَنعُوتِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ اخْتُصُّوا بِهِدايَةِ ذَلِكَ الكِتابِ العَظِيمِ الشَّأْنِ؟ وهَلْ هم أحِقّاءُ بِتِلْكَ الأثَرَةِ؟ فَأُجِيبَ بِأنَّهُمْ؛ بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِذَلِكَ؛ مالِكُونَ لِزِمامِ أصْلِ الهُدى؛ الجامِعِ لِفُنُونِهِ؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْفَوْزِ والفَلاحِ؛ فَأيُّ رَيْبٍ في اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هو فَرْعٌ مِن فُرُوعِهِ؟ ولَقَدْ جارَ عَنْ سَنَنِ الصَّوابِ مَن قالَ في تَقْرِيرِ الجَوابِ: إنَّ أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ أنْ يَفُوزُوا دُونَ النّاسِ بِالهُدى عاجِلًا؛ وبِالفَلاحِ آجِلًا. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِما مَفْصُولَيْنِ عَنْهُ فَهي في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو المَوْصُولُ الأوَّلُ؛ والثّانِي مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِن تَخْصِيصِ ما ذُكِرَ بِالمُتَّقِينَ قَبْلَ بَيانِ مَبادِي اسْتِحْقاقِهِمْ لِذَلِكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما بالُ المُتَّقِينَ مَخْصُوصِينَ بِهِ؟ فَأُجِيبَ بِشَرْحِ ما انْطَوى عَلَيْهِ اسْمُهم إجْمالًا مِن نُعُوتِ الكَمالِ؛ وبَيانِ ما يَسْتَدْعِيهِ مِنَ النَّتِيجَةِ؛ أيْ: الَّذِينَ هَذِهِ شُئُونُهم أحِقّاءُ بِما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ؛ كَقَوْلِكَ: أُحِبُّ الأنْصارَ الَّذِينَ قارَعُوا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبَذَلُوا مُهْجَتَهم في سَبِيلِ اللَّهِ؛ أُولَئِكَ سَوادُ عَيْنَيَّ؛ وسُوَيْداءُ قَلْبِي. واعْلَمْ أنَّ هَذا المَسْلَكَ يُسْلَكُ تارَةً بِإعادَةِ اسْمِ مَنِ اسْتُؤْنِفَ عَنْهُ الحَدِيثُ؛ كَقَوْلِكَ: "أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ؛ زَيْدٌ حَقِيقٌ بِالإحْسانِ"؛ وأُخْرى بِإعادَةِ صِفَتِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "أحْسَنْتُ إلى زَيْدٍ؛ صَدِيقُكَ القَدِيمُ أهْلٌ لِذَلِكَ"؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا أبْلَغُ مِنَ الأوَّلِ؛ لِما فِيهِ مِن بَيانِ المُوجِبِ لِلْحُكْمِ؛ وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ بِمَنزِلَةِ إعادَةِ المَوْصُوفِ بِصِفاتِهِ المَذْكُورَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِها؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والإيماءِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ كَما مَرَّ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَوْصُولُ الأوَّلُ مُجْرًى عَلى "المُتَّقِينَ"؛ حَسْبَما فُصِّلَ؛ والثّانِي مُبْتَدَأٌ؛ و"أُولَئِكَ"؛ إلَخْ.. خَبَرُهُ؛ ويُجْعَلُ اخْتِصاصُهم بِالهُدى والفَلاحِ تَعْرِيضًا بِغَيْرِ المُؤْمِنِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى الهُدى؛ ويَطْمَعُونَ في نَيْلِ الفَلاحِ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾: تَكْرِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُشارِ إلَيْهِمْ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِتِلْكَ الصِّفاتِ يَقْتَضِي نَيْلَ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تَيْنِكَ الأثَرَتَيْنِ؛ وأنَّ كُلًّا مِنهُما كافٍ في تَمْيِيزِهِمْ بِها عَمَّنْ عَداهُمْ؛ ويُؤَيِّدُهُ تَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ بِخِلافِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هم الغافِلُونَ﴾؛ فَإنَّ التَّسْجِيلَ عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الغَفْلَةِ عِبارَةٌ عَمّا يُفِيدُهُ تَشْبِيهُهم بِالبَهائِمِ؛ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُقَرِّرَةً لِلْأُولى؛ وأمّا الإفْلاحُ؛ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ؛ فَلَمّا كانَ مُغايِرًا لِلْهُدى؛ نَتِيجَةً لَهُ؛ وكانَ كُلٌّ مِنهُما في نَفْسِهِ أعَزَّ مَرامٍ؛ يَتَنافَسُ فِيهِ المُتَنافِسُونَ؛ فَعَلَ ما فَعَلَ؛ و"هُمْ" ضَمِيرُ فَصْلٍ؛ يَفْصِلُ الخَبَرَ عَنِ الصِّفَةِ؛ ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ؛ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ "المُفْلِحُونَ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أُولَئِكَ"؛ وتَعْرِيفُ المُفْلِحِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ هُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهُمُ المُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ؛ أوْ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن (p-35) حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ؛ وخَصائِصِهِمْ. هَذا.. وفي بَيانِ اخْتِصاصِ المُتَّقِينَ بِنَيْلِ هَذِهِ المَراتِبِ الفائِقَةِ عَلى فُنُونٍ مِنَ الِاعْتِباراتِ الرّائِقَةِ؛ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ تَفْسِيرِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّرْغِيبِ في اقْتِفاءِ أثَرِهِمْ؛ والإرْشادِ إلى اقْتِداءِ سَيْرِهِمْ؛ ما لا يَخْفى مَكانُهُ؛ واللَّهُ ولِيُّ الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.

البقرة 2:6

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ سِيقَ لِشَرْحِ أحْوالِ الكَفَرَةِ الغُواةِ المَرَدَةِ العُتاةِ؛ إثْرَ بَيانِ أحْوالِ أضْدادِهِمُ المُتَّصِفِينَ بِنُعُوتِ الكَمالِ؛ الفائِزِينَ بِمَباغِيهِمْ في الحالِ والمَآلِ؛ وإنَّما تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَهُما؛ ولَمْ يُسَلَكْ بِهِ مَسْلَكَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ ﴿وَإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ﴾؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّنافِي في الأُسْلُوبِ؛ والتَّبايُنِ في الغَرَضِ؛ فَإنَّ الأُولى مَسُوقَةٌ لِبَيانِ رِفْعَةِ شَأْنِ الكِتابِ في بابِ الهِدايَةِ والإرْشادِ؛ وأمّا التَّعَرُّضُ لِأحْوالِ المُهْتَدِينَ بِهِ فَإنَّما هو بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرادِ؛ سَواءٌ جُعِلَ المَوْصُولُ مَوْصُولًا بِما قَبْلَهُ؛ أوْ مَفْصُولًا عَنْهُ؛ فَإنَّ الِاسْتِئْنافَ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ؛ فَهو مِن مُسْتَتْبِعاتِهِ لا مَحالَةَ؛ وأمّا الثّانِيَةُ فَمَسُوقَةٌ لِبَيانِ أحْوالِ الكَفَرَةِ أصالَةً؛ وتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَوايَةِ والضَّلالِ إلى حَيْثُ لا يُجْدِيهِمُ الإنْذارُ والتَّبْشِيرُ؛ ولا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ العِظَةُ والتَّذْكِيرُ؛ فَهم ناكِبُونَ في تِيهِ الغَيِّ والفَسادِ عَنْ مِنهاجِ العُقُولِ؛ وراكِبُونَ في مَسْلَكِ المُكابَرَةِ والعِنادِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ؛ وإنَّما أُوثِرَتْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ؛ ولَمْ يُؤَسَّسِ الكَلامُ عَلى بَيانِ أنَّ الكِتابَ هادٍ لِلْأوَّلِينَ؛ وغَيْرُ مُجْدٍ لِلْآخِرِينَ؛ لِأنَّ العُنْوانَ الأخِيرَ لَيْسَ مِمّا يُورِثُهُ كَمالًا حَتّى يُتَعَرَّضَ لَهُ في أثْناءِ تَعْدادِ كَمالاتِهِ؛ و"إنَّ" مِنَ الحُرُوفِ الَّتِي تُشابِهُ الفِعْلَ في عَدَدِ الحُرُوفِ؛ والبِناءِ عَلى الفَتْحِ؛ ولُزُومِ الأسْماءِ؛ ودُخُولِ نُونِ الوِقايَةِ عَلَيْها؛ كَـ "إنَّنِي"؛ و"لَعَلَّنِي"؛ ونَظائِرِهِما؛ وإعْطاءِ مَعانِيهِ؛ والمُتَعَدِّي - خاصَّةً في الدُّخُولِ عَلى اسْمَيْنِ -؛ ولِذَلِكَ أُعْمِلَتْ عَمَلَهُ الفَرْعِيَّ؛ وهو نَصْبُ الأوَّلِ؛ ورَفْعُ الثّانِي؛ إيذانًا بِكَوْنِهِ فَرْعًا في العَمَلِ؛ دَخِيلًا فِيهِ؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ لا عَمَلَ لَها في الخَبَرِ؛ بَلْ هو باقٍ عَلى حالِهِ بِقَضِيَّةِ الِاسْتِصْحابِ؛ وأُجِيبَ بِأنَّ ارْتِفاعَ الخَبَرِ مَشْرُوطٌ بِالتَّجَرُّدِ عَنِ العَوامِلِ؛ وإلّا لَما انْتَصَبَ خَبَرُ "كانَ"؛ وقَدْ زالَ بِدُخُولِها؛ فَتَعَيَّنَ إعْمالُ الحَرْفِ؛ وأثَرُها تَأْكِيدُ النِّسْبَةِ؛ وتَحْقِيقُها؛ ولِذَلِكَ يُتَلَقّى بِها القَسَمُ؛ ويُصَدَّرُ بِها الأجْوِبَةُ؛ ويُؤْتى بِها في مَواقِعِ الشَّكِّ والإنْكارِ؛ لِدَفْعِهِ ورَدِّهِ؛ قالَ المُبَرِّدُ: قَوْلُكَ: "عَبْدُ اللَّهِ قائِمٌ"؛ إخْبارٌ عَنْ قِيامِهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ قائِمٌ"؛ جَوابُ سائِلٍ عَنْ قِيامِهِ شاكٍّ فِيهِ؛ و"إنَّ عَبْدَ اللَّهِ لَقائِمٌ"؛ جَوابُ مُنْكِرٍ لِقِيامِهِ. وتَعْرِيفُ المَوْصُولِ إمّا لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ ناسٌ بِأعْيانِهِمْ؛ كَأبِي لَهَبٍ؛ وأبِي جَهْلٍ؛ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ؛ وأضْرابِهِمْ؛ وأحْبارِ اليَهُودِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وقَدْ خُصَّ مِنهُ غَيْرُ المُصِرِّينَ؛ بِما أُسْنِدَ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ إلَخْ.. والكُفْرُ في اللُّغَةِ سَتْرُ النِّعْمَةِ؛ وأصْلُهُ "الكَفْرُ" بِالفَتْحِ؛ أيِ السَّتْرُ؛ ومِنهُ قِيلَ لِلزّارِعِ؛ واللَّيْلِ: "كافِرٌ"؛ قالَ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾؛ وعَلَيْهِ قَوْلُ لَبِيدٍ: ؎ ∗∗∗ في لَيْلَةٍ كَفَرَ النُّجُومَ غَمامُها وَمِنهُ المُتَكَفِّرُ بِسِلاحِهِ؛ وهو الشّاكِي الَّذِي غَطّى السِّلاحُ بَدَنَهُ؛ وفي الشَّرِيعَةِ: إنْكارُ ما عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ ﷺ بِهِ؛ وإنَّما عُدَّ لُبْسُ الغِيارِ وشَدُّ الزُّنّارِ بِغَيْرِ اضْطِرارٍ؛ ونَظائِرُهُما كُفْرًا؛ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّكْذِيبِ؛ فَإنَّ مَن صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ لا يَكادُ يَجْتَرِئُ عَلى أمْثالِ ذَلِكَ؛ إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ؛ كالزِّنى؛ وشُرْبِ الخَمْرِ؛ واحْتَجَّتِ المُعْتَزِلَةُ عَلى حُدُوثِ القرآن بِما جاءَ فِيهِ بِلَفْظِ الماضِي عَلى وجْهِ الإخْبارِ؛ (p-36)فَإنَّهُ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ المُخْبَرِ عَنْهُ لا مَحالَةَ؛ وأُجِيبَ بِأنَّهُ مِن مُقْتَضَياتِ التَّعَلُّقِ؛ وحُدُوثُهُ لا يَسْتَدْعِي حُدُوثَ الكَلامِ؛ كَما أنَّ حُدُوثَ تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالمَعْلُومِ لا يَسْتَدْعِي حُدُوثَ العِلْمِ. ﴿سَواءٌ﴾: هو اسْمٌ بِمَعْنى الِاسْتِواءِ؛ نُعِتَ بِهِ كَما يُنْعَتُ بِالمَصادِرِ مُبالَغَةً؛ قالَ (تَعالى): ﴿تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكُمْ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ مَعْناهُ: "عِنْدَهُمْ"؛ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾؛ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِأنَّ الهَمْزَةَ و"أمْ" مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الِاسْتِفْهامِ؛ لِتَحْقِيقِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ مَدْخُولَيْهِما؛ كَما جُرِّدَ الأمْرُ والنَّهْيُ لِذَلِكَ عَنْ مَعْنَيَيْهِما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِكَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنا أيَّتُها العِصابَةُ؛ عَنْ مَعْنى الطَّلَبِ لِمُجَرَّدِ التَّخْصِيصِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُسْتَوٍ عَلَيْهِمْ إنْذارُكَ وعَدَمُهُ؛ كَقَوْلِكَ: إنَّ زَيْدًا مُخْتَصِمٌ أخُوهُ وابْنُ عَمِّهِ؛ أوْ مُبْتَدَأٌ؛ و ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ خَبَرٌ قُدِّمَ عَلَيْهِ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ؛ والجُمْلَةِ خَبَرٌ لـ "إنَّ"؛ والفِعْلُ إنَّما يَمْتَنِعُ الإخْبارُ عَنْهُ عِنْدَ بَقائِهِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ أمّا لَوْ أُرِيدَ بِهِ اللَّفْظُ أوْ مُطْلَقُ الحَدَثِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ ضِمْنًا عَلى طَرِيقَةِ الِاتِّساعِ فَهو كالِاسْمِ في الإضافَةِ والإسْنادِ إلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا﴾؛ وفي قَوْلِهِمْ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْذارُكَ وعَدَمُهُ سِيّانِ عَلَيْهِمْ؛ والعُدُولُ إلى الفِعْلِ لِما فِيهِ مِن إيهامِ التَّجَدُّدِ؛ والتَّوَصُّلُ إلى إدْخالِ الهَمْزَةِ ومُعادِلِها عَلَيْهِ لِإفادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى الِاسْتِواءِ وتَأْكِيدِهِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وقِيلَ "سَواءٌ" مُبْتَدَأٌ؛ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ؛ ولَيْسَ بِذاكَ؛ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ كَوْنِ الإنْذارِ وعَدَمِهِ سَواءً؛ لا بَيانُ كَوْنِ المُسْتَوِي الإنْذارَ وعَدَمَهُ. والإنْذارُ: إعْلامُ المَخُوفِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْهُ؛ "إفْعالٌ" مِن نُذِرَ بالشَّيْءِ إذا عَلِمَهُ فَحَذِرَهُ؛ والمُرادُ هَهُنا التَّخْوِيفُ مِن عَذابِ اللَّهِ (تَعالى) وعِقابِهِ عَلى المَعاصِي؛ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ لِما أنَّهم لَيْسُوا بِأهْلٍ لِلْبِشارَةِ أصْلًا؛ ولِأنَّ الإنْذارَ أوْقَعُ في القُلُوبِ وأشَدُّ تَأْثِيرًا في النُّفُوسِ؛ فَإنَّ دَفْعَ المَضارِّ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَنافِعِ؛ فَحَيْثُ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِهِ فَلَأنْ لا يَرْفَعُوا لِلْبِشارَةِ رَأْسًا أوْلى؛ وقُرِئَ بِتَوْسِيطِ ألِفٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ مَعَ تَحْقِيقِهِما؛ وبِتَوْسِيطِها والثّانِيَةُ بَيْنَ بَيْنَ؛ وبِتَخْفِيفِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ بِلا تَوْسِيطٍ؛ وبِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ؛ وبِحَذْفِهِ وإلْقاءِ حَرَكَتِهِ عَلى السّاكِنِ قَبْلَهُ؛ كَما قُرِئَ " قَدْ أفْلَحَ "؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الثّانِيَةِ ألِفًا؛ وقَدْ نُسِبَ ذَلِكَ إلى اللَّحْنِ. ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما قَبْلَها؛ مُبَيِّنَةٌ لِما فِيهِ مِن إجْمالِ ما فِيهِ الِاسْتِواءُ؛ فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لَهُ؛ أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ أوْ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ وما قَبْلَها اعْتِراضٌ بِما هو عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ؛ أوْ خَبَرٌ ثانٍ؛ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُهُ عِنْدَ كَوْنِهِ جُمْلَةً؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) قَدْ أخْبَرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ؛ فَظَهَرَ اسْتِحالَةُ إيمانِهِمْ؛ لِاسْتِلْزامِهِ المُسْتَحِيلَ الَّذِي هو عَدَمُ مُطابَقَةِ إخْبارِهِ (تَعالى) لِلْواقِعِ؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مَأْمُورِينَ بِالإيمانِ؛ باقِينَ عَلى التَّكْلِيفِ؛ ولِأنَّ مِن جُمْلَةِ ما كُلِّفُوهُ الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ والحَقُّ أنَّ التَّكْلِيفَ بِالمُمْتَنَعِ لِذاتِهِ - وإنْ جازَ عَقْلًا مِن حَيْثُ إنَّ الأحْكامَ لا تَسْتَدْعِي أغْراضًا؛ لا سِيَّما الِامْتِثالُ - لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ لِلِاسْتِقْراءِ؛ والإخْبارُ بِوُقُوعِ الشَّيْءِ أوْ بِعَدَمِهِ لا يَنْفِي القُدْرَةَ عَلَيْهِ؛ كَإخْبارِهِ (تَعالى) عَمّا يَفْعَلُهُ هو أوِ العَبْدُ بِاخْتِيارِهِ؛ ولَيْسَ ما كُلِّفُوهُ الإيمانَ بِتَفاصِيلِ ما نَطَقَ بِهِ القرآن حَتّى يَلْزَمَ أنْ يُكَلَّفُوا الإيمانَ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ بَلْ هو الإيمانُ بِجَمِيعِ ما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إجْمالًا عَلى أنَّ كَوْنَ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْهم لَيْسَ مَعْلُومًا لَهُمْ؛ وفائِدَةُ الإنْذارِ بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّهُ لا يُفِيدُ إلْزامُ الحُجَّةِ؛ وإحْرازُ الرَّسُولِ ﷺ فَضْلَ الإبْلاغِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ ولَمْ يَقُلْ: عَلَيْكَ؛ كَما قِيلَ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ: ﴿سَواءٌ عَلَيْكم أدَعَوْتُمُوهم أمْ أنْتُمْ صامِتُونَ﴾؛ (p-37) وَفِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إخْبارٌ بِالغَيْبِ عَلى ما هو بِهِ إنْ أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ أشْخاصٌ بِأعْيانِهِمْ؛ فَهي مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.

البقرة 2:7

﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾: اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ؛ وبَيانٌ لِما يَقْتَضِيهِ؛ أوْ بَيانٌ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ والمُرادُ بِالقَلْبِ مَحَلُّ القُوَّةِ العاقِلَةِ مِنَ الفُؤادِ؛ والخَتْمُ عَلى الشَّيْءِ الِاسْتِيثاقُ مِنهُ؛ بِضَرْبِ الخاتَمِ عَلَيْهِ؛ صِيانَةً لَهُ؛ أوْ لِما فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ؛ كَما في البَيْتِ الفارِغِ؛ والكِيسِ المَمْلُوءِ؛ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالمَقامِ؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ صِيانَةَ ما في قُلُوبِهِمْ؛ بَلْ إحْداثَ حالَةٍ تَجْعَلُها - بِسَبَبِ تَمادِيهِمْ في الغَيِّ؛ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ؛ وإعْراضِهِمْ عَنْ مِنهاجِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ؛ بِحَيْثُ لا يُؤَثِّرُ فِيها الإنْذارُ؛ ولا يَنْفُذُ فِيها الحَقُّ أصْلًا - إمّا عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ بِأنْ يُشَبِّهَ ذَلِكَ بِضَرْبِ الخاتَمِ؛ عَلى نَحْوِ أبْوابِ المَنازِلِ الخالِيَةِ المَبْنِيَّةِ لِلسُّكْنى؛ تَشْبِيهَ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ؛ بِجامِعٍ عَقْلِيٍّ؛ هو الِاشْتِمالُ عَلى مَنعِ القابِلِ عَمّا مِن شَأْنِهِ وحَقِّهِ أنْ يَقْبَلَهُ؛ ويُسْتَعارَ لَهُ الخَتْمُ؛ ثُمَّ يُشْتَقَّ مِنهُ صِيغَةُ الماضِي؛ وإمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِأنْ يُشَبِّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن قُلُوبِهِمْ؛ وقَدْ فُعِلَ بِها ما فُعِلَ مِن إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ المانِعَةِ مِن أنْ يَصِلَ إلَيْها ما خُلِقَتْ هي لِأجْلِهِ مِنَ الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ النّافِعَةِ؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِالمَرَّةِ؛ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِن مُحالٍ؛ مُعَدَّةٍ لِحُلُولِ ما يَحُلُّها حُلُولًا مُسْتَتْبِعًا لِمَصالِحَ مُهِمَّةٍ؛ وقَدْ مَنَعَ مِن ذَلِكَ بِالخَتْمِ عَلَيْها؛ وحِيلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما أُعِدَّتْ لِأجْلِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ ثُمَّ يُسْتَعارَ لَها ما يَدُلُّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ فَيَكُونَ كُلٌّ مِن طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ مُرَكَّبًا مِن أُمُورٍ عِدَّةٍ؛ قَدِ اقْتُصِرَ مِن جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما عَلَيْهِ يَدُورُ الأمْرُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الهَيْئَةِ وانْتِزاعِها؛ وهو الخَتْمُ؛ والباقِي مَنَوِيٌّ؛ مُرادٌ قَصْدًا بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها يَتَحَقَّقُ التَّرْكِيبُ؛ وتِلْكَ الألْفاظُ - وإنْ كانَ لَها مُدْخَلٌ في تَحْقِيقِ وجْهِ الشَّبَهِ الَّذِي هو أمْرٌ عَقْلِيٌّ مُنْتَزَعٌ مِنها؛ وهو امْتِناعُ الِانْتِفاعِ بِما أُعِدَّ لَهُ بِسَبَبٍ مانِعٍ قَوِيٍّ - لَكِنْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها عَلى الِانْفِرادِ تَجَوُّزٌ؛ بِاعْتِبارِ هَذا المَجازِ؛ بَلْ هي باقِيَةٌ عَلى حالِها مِن كَوْنِها حَقِيقَةً؛ أوْ مَجازًا؛ أوْ كِنايَةً؛ وإنَّما التَّجَوُّزُ في المَجْمُوعِ؛ وحَيْثُ كانَ مَعْنى المَجْمُوعِ مَجْمُوعَ مَعانِي تِلْكَ الألْفاظِ الَّتِي لَيْسَ فِيها التَّجَوُّزُ المَعْهُودُ؛ ولَمْ تَكُنِ الهَيْئَةُ المُنْتَزَعَةُ مِنها مَدْلُولًا وضْعِيًّا لَها؛ لِيَكُونَ ما دَلَّ عَلى الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ في الهَيْئَةِ المُشَبَّهَةِ؛ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ فَيَنْدَرِجَ تَحْتَ الِاسْتِعارَةِ؛ الَّتِي هي قِسْمٌ مِنَ المَجازِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الكَلِمَةِ المُسْتَعْمَلَةِ في غَيْرِ ما وُضِعَ لَهُ؛ ذَهَبَ قُدَماءُ المُحَقِّقِينَ؛ كالشَّيْخِ عَبْدِ القاهِرِ؛ وأضْرابِهِ إلى جَعْلِ التَّمْثِيلِ قِسْمًا بِرَأْسِهِ؛ ومَن رامَ تَقْلِيلَ الأقْسامِ عَدَّ تِلْكَ الهَيْئَةَ المُشَبَّهَ بِها مِن قَبِيلِ المَدْلُولاتِ الوَضْعِيَّةِ؛ وجَعَلَ الكَلامَ المُفِيدَ لَها؛ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِ فِيما يُشَبَّهُ بِها مِن هَيْئَةٍ أُخْرى مُنْتَزَعَةٍ مِن أُمُورٍ أُخَرَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ؛ وسَمّاهُ اسْتِعارَةً تَمْثِيلِيَّةً؛ وإسْنادُ إحْداثِ تِلْكَ الحالَةِ في قُلُوبِهِمْ إلى اللَّهِ (تَعالى) لِاسْتِنادِ جَمِيعِ الحَوادِثِ عِنْدَنا مِن حَيْثُ الخَلْقُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ ووُرُودُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ناعِيَةً عَلَيْهِمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ؛ ووَخامَةَ عاقِبَتِهِمْ؛ لِكَوْنِ أفْعالِهِمْ مِن حَيْثُ الكَسْبُ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ؛ فَإنَّ خَلْقَها مِنهُ - سُبْحانَهُ - لَيْسَ بِطَرِيقِ الجَبْرِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ التَّرْتِيبِ عَلى ما اقْتَرَفُوهُ مِنَ القَبائِحِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ وأمّا المُعْتَزِلَةُ فَقَدْ سَلَكُوا مَسْلَكَ التَّأْوِيلِ؛ وذَكَرُوا في ذَلِكَ عِدَّةً مِنَ الأقاوِيلِ؛ مِنها أنَّ القَوْمَ لَمّا أعْرَضُوا عَنِ الحَقِّ؛ وتَمَكَّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ؛ حَتّى صارَ كالطَّبِيعَةِ لَهُمْ؛ شُبِّهَ بِالوَصْفِ الخَلْقِيِّ المَجْبُولِ عَلَيْهِ؛ ومِنها أنَّ المُرادَ بِهِ تَمْثِيلُ قُلُوبِهِمْ بِقُلُوبِ البَهائِمِ الَّتِي خَلَقَها (p-38)اللَّهُ (تَعالى) خالِيَةً عَنِ الفَطْنِ؛ أوْ بِقُلُوبٍ قُدِّرَ خَتْمُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْها؛ كَما فِي: "سالَ بِهِ الوادِي"؛ إذا هَلَكَ؛ و"طارَتْ بِهِ العَنْقاءُ"؛ إذا طالَتْ غَيْبَتُهُ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الشَّيْطانِ؛ أوِ الكافِرِ؛ وإسْنادُهُ إلَيْهِ (تَعالى) بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِإقْدارِهِ (تَعالى)؛ وتَمْكِينِهِ؛ ومِنها أنَّ أعْراقَهم لَمّا رَسَخَتْ في الكُفْرِ؛ واسْتَحْكَمَتْ - بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى تَحْصِيلِ إيمانِهِمْ طَرِيقٌ سِوى الإلْجاءِ والقَسْرِ؛ ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مُحافَظَةً عَلى حِكْمَةِ التَّكْلِيفِ - عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالخَتْمِ؛ لِأنَّهُ سَدٌّ لِطَرِيقِ إيمانِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِتَرامِي أمْرِهِمْ في الغَيِّ والعِنادِ؛ وتَناهِي انْهِماكِهِمْ في الشَّرِّ والفَسادِ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ لِما كانَتِ الكَفَرَةُ يَقُولُونَهُ؛ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾؛ تَهَكُّمًا بِهِمْ؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ في الآخِرَةِ؛ وإنَّما أُخْبِرَ عَنْهُ بِالماضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ؛ ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وبُكْمًا﴾؛ ومِنها أنَّ المُرادَ بِالخَتْمِ وسْمُ قُلُوبِهِمْ بِسِمَةٍ يَعْرِفُها المَلائِكَةُ؛ فَيُبْغِضُونَهُمْ؛ ويَتَنَفَّرُونَ عَنْهم. ﴿وَعَلى سَمْعِهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ داخِلٌ في حُكْمِ الخَتْمِ؛ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾؛ ولِلْوِفاقِ عَلى الوَقْفِ عَلَيْهِ؛ لا عَلى "قُلُوبِهِمْ"؛ ولِاشْتِراكِهِما في الإدْراكِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ؛ وإعادَةُ الجارِّ لِلتَّأْكِيدِ؛ والإشْعارِ بِتَغايُرِ الخَتْمَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ خَتْمِ قُلُوبِهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّها الأصْلُ في عَدَمِ الإيمانِ؛ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ خَتْمَها لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ؛ بِخَتْمِ سَمْعِهِمْ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْها؛ فالخَتْمُ عَلَيْهِ خَتْمٌ عَلَيْها؛ بَلْ هي مَخْتُومَةٌ بِخَتْمٍ عَلى حِدَةٍ؛ لَوْ فُرِضَ عَدَمُ الخَتْمِ عَلى سَمْعِهِمْ؛ فَهو باقٍ عَلى حالِهِ؛ حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ القُوَّةِ السّامِعَةِ؛ وقَدْ يُطْلَقُ عَلَيْها وعَلى العُضْوِ الحامِلِ لَها؛ وهو المُرادُ هَهُنا؛ إذْ هو المَخْتُومُ عَلَيْهِ أصالَةً؛ وتَقْدِيمُ حالِهِ عَلى حالِ أبْصارِهِمْ لِلِاشْتِراكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُلُوبِهِمْ في تِلْكَ الحالِ؛ أوْ لِأنَّ جِنايَتَهم مِن حَيْثُ السَّمْعُ الَّذِي بِهِ يُتَلَقّى الأحْكامُ الشَّرْعِيَّةُ؛ وبِهِ يَتَحَقَّقُ الإنْذارُ أعْظَمَ مِنها؛ مِن حَيْثُ البَصَرُ الَّذِي بِهِ يُشاهَدُ الأحْوالُ الدّالَّةُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ فَبَيانُها أحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ؛ وأنْسَبُ بِالمَقامِ؛ قالُوا: السَّمْعُ أفْضَلُ مِنَ البَصَرِ؛ لِأنَّهُ - عَزَّ وعَلا - حَيْثُ ذَكَرَهُما قَدَّمَ السَّمْعَ عَلى البَصَرِ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ شَرْطُ النُّبُوَّةِ؛ ولِذَلِكَ ما بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) رَسُولًا أصَمَّ؛ ولِأنَّ السَّمْعَ وسِيلَةٌ إلى اسْتِكْمالِ العَقْلِ بِالمَعارِفِ الَّتِي تُتَلَقَّفُ مِن أصْحابِها؛ وتَوْحِيدُهُ لِلْأمْنِ عَنِ اللَّبْسِ؛ واعْتِبارِ الأصْلِ؛ أوْ لِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: وعَلى حَواسِّ سَمْعِهِمْ؛ والكَلامُ في إيقاعِ الخَتْمِ عَلى ذَلِكَ كَما مَرَّ مِن قَبْلُ. ﴿وَعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾: الأبْصارُ جَمْعُ "بَصَرٌ"؛ والكَلامُ فِيهِ كَما سَمِعْتَهُ في السَّمْعِ؛ والغِشاوَةُ: "فِعالَةٌ" مِنَ التَّغْشِيَةِ؛ أيِ التَّغْطِيَةِ؛ بُنِيَتْ لِما يَشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ؛ كَـ "العِصابَةُ"؛ و"العِمامَةُ"؛ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ؛ وهي عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلْإيذانِ بِدَوامِ مَضْمُونِها؛ فَإنَّ ما يُدْرَكُ بِالقُوَّةِ الباصِرَةِ مِنَ الآياتِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ؛ حَيْثُ كانَتْ مُسْتَمِرَّةً؛ كانَ تَعامُّهم مِن ذَلِكَ أيْضًا كَذَلِكَ؛ وأمّا الآياتُ الَّتِي تُتَلَقّى بِالقُوَّةِ السّامِعَةِ - فَلَمّا كانَ وُصُولُها إلَيْها حِينًا فَحِينًا - أُوثِرَ في بَيانِ الخَتْمِ عَلَيْها وعَلى ما هي أحَدُ طَرِيقَيْ مَعْرِفَتِهِ - أعْنِي القَلْبَ - الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ؛ وعَلى رَأْيِ الأخْفَشِ مُرْتَفِعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ مِمّا تَعَلَّقَ بِهِ الجارُّ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ناصِبٍ؛ أيْ: وجَعَلَ عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً؛ وقِيلَ: عَلى حَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الخَتْمِ إلَيْهِ؛ والمَعْنى: وخُتِمَ عَلى أبْصارِهِمْ بِغِشاوَةٍ؛ وقُرِئَ بِالضَّمِّ؛ والرَّفْعِ؛ وبِالفَتْحِ؛ والنَّصْبِ؛ وهُما لُغَتانِ فِيها؛ و"غِشْوَةٌ" بِالكَسْرِ مَرْفُوعَةً؛ وبِالفَتْحِ مَرْفُوعَةً؛ ومَنصُوبَةً؛ و"عَشاوَةٌ" بِالعَيْنِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ؛ والرَّفْعِ. ﴿وَلَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وعِيدٌ وبَيانٌ لِما يَسْتَحِقُّونَهُ (p-39) فِي الآخِرَةِ؛ و"العَذابُ" كَـ "النَّكالُ"؛ بِناءً ومَعْنًى؛ يُقالُ: أعْذَبَ عَنِ الشَّيْءِ؛ إذا أمْسَكَ عَنْهُ؛ ومِنهُ: الماءُ العَذْبُ؛ لِما أنَّهُ يَقْمَعُ العَطَشَ ويَرْدَعُهُ؛ ولِذَلِكَ يُسَمّى نُقاخًا؛ لِأنَّهُ يَنْقَخُ العَطَشَ ويَكْسِرُهُ؛ وفُراتًا؛ لِأنَّهُ يَفْرُتُهُ عَلى القَلْبِ ويَكْسِرُهُ؛ ثُمَّ اتُسِعَ فِيهِ؛ فَأُطْلِقَ عَلى كُلِّ ألَمٍ فادِحٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ عِقابًا يُرادُ بِهِ رَدْعُ الجانِي عَنِ المُعاوَدَةِ؛ وقِيلَ: اشْتِقاقُهُ مِنَ التَّعْذِيبِ؛ الَّذِي هو إزالَةُ العَذابِ؛ كَـ "التَّقْذِيَةُ"؛ و"التَّمْرِيضُ"؛ و"العَظِيمُ" نَقِيضُ "الحَقِيرُ"؛ و"الكَبِيرُ" نَقِيضُ "الصَّغِيرُ"؛ فَمِن ضَرُورَةِ كَوْنِ الحَقِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ كَوْنُ العَظِيمِ فَوْقَ الكَبِيرِ؛ ويُسْتَعْمَلانِ في الجُثَثِ؛ والأحْداثِ؛ تَقُولُ: رَجُلٌ عَظِيمٌ؛ وكَبِيرٌ؛ تُرِيدُ جُثَّتَهُ؛ أوْ خَطَرَهُ؛ ووُصِفَ العَذابُ بِهِ لِتَأْكِيدِ ما يُفِيدُهُ التَّنْكِيرُ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ والمُبالَغَةِ في ذَلِكَ؛ والمَعْنى أنَّ عَلى أبْصارِهِمْ ضَرْبًا مِنَ الغِشاوَةِ؛ خارِجًا مِمّا يُتَعارَفُهُ النّاسُ؛ وهي غِشاوَةُ التَّعامِي عَنِ الآياتِ؛ ولَهم مِنَ الآلامِ العِظامِ نَوْعٌ عَظِيمٌ لا يُبْلَغُ كُنْهُهُ؛ ولا يُدْرَكُ غايَتُهُ. اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.

البقرة 2:8

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ أنَّ بَعْضَ مَن حُكِيَتْ أحْوالُهُمُ السّالِفَةُ لَيْسُوا بِمُقْتَصِرِينَ عَلى ما ذُكِرَ مِن مَحْضِ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والعِنادِ؛ بَلْ يَضُمُّونَ إلَيْهِ فُنُونًا أُخَرَ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ؛ وتَعْدِيدٌ لِجِناياتِهِمُ الشَّنِيعَةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِأحْوالٍ هائِلَةٍ؛ عاجِلَةٍ وآجِلَةٍ؛ وأصْلُ "ناسٌ"؛ "أُناسٌ"؛ كَما يَشْهَدُ لَهُ "إنْسانٌ"؛ و"أناسِيُّ"؛ و"إنْسٌ"؛ حُذِفَتْ هَمْزَتُهُ تَخْفِيفًا؛ كَما قِيلَ: "لُوقَةٌ"؛ في "ألْوِقَةٌ"؛ وعَوَّضَ عَنْها حَرْفُ التَّعْرِيفِ؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يُجْمَعُ بَيْنَهُما؛ وأمّا ما في قَوْلِهِ: ؎ إنَّ المَنايا يَطَّلِعْـ ∗∗∗ ـنَ عَلى الأُناسِ الآمِنِينا فَشاذٌّ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِظُهُورِهِمْ؛ وتَعَلُّقِ الأُناسِ بِهِمْ؛ كَما سُمِّيَ الجِنُّ جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ؛ وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ أصْلَهُ "النَّوَسُ"؛ وهو الحَرَكَةُ؛ انْقَلَبَتْ واوُهُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلَها؛ وبَعْضُهم إلى أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن "نَسِيَ"؛ نُقِلَتْ لامُهُ إلى مَوْضِعِ العَيْنِ؛ فَصارَ "نَيَسًا"؛ ثُمَّ قُلِبَتْ ألِفًا؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِنِسْيانِهِمْ؛ ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَ الإنْسانُ إنْسانًا لِأنَّهُ عُهِدَ إلَيْهِ فَنَسِيَ؛ واللّامُ فِيهِ إمّا لِلْعَهْدِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ المَقْصُورِ عَلى المُصِرِّينَ؛ حَسْبَما ذُكِرَ في المَوْصُولِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِنهُمْ؛ أوْ مِن أُولَئِكَ؛ والعُدُولُ إلى "النّاسِ" لِلْإيذانِ بِكَثْرَتِهِمْ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّبْعِيضُ؛ ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ؛ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أوْ نَعْتٌ لِمُبْتَدَإٍ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: وجَمْعٌ مِنّا؛ إلَخْ.. و"مَن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن يَقُولُ﴾؛ مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ ومَحَلُّها الرَّفْعُ؛ عَلى الخَبَرِيَّةِ؛ والمَعْنى: وبَعْضُ النّاسِ؛ أوْ: وبَعْضٌ مِنَ النّاسِ الَّذِي يَقُولُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾؛ الآيَةُ.. أوْ: فَرِيقٌ يَقُولُ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ﴾؛ إلَخْ.. عَلى أنْ يَكُونَ مَناطُ الإفادَةِ؛ والمَقْصُودُ بِالأصالَةِ اتِّصافَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ أوِ الصِّفَةِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصِّفاتِ جَمِيعًا؛ لا كَوْنَهم ذَواتَ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ وأمّا جَعْلُ الظَّرْفِ خَبَرًا - كَما هو الشّائِعُ في مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ - فَيَأْباهُ جَزالَةُ المَعْنى؛ لِأنَّ كَوْنَهم مِنَ النّاسِ ظاهِرٌ؛ فالإخْبارُ بِهِ عارٍ عَنِ الفائِدَةِ؛ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ مَبْناهُ تُوهِمُ كَوْنَ المُرادِ بِـ "النّاسِ"؛ الجِنْسَ مُطْلَقًا؛ وكَذا مَدارُ الجَوابِ عَنْهُ بِأنَّ الفائِدَةَ هو التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الصِّفاتِ المَذْكُورَةَ تُنافِي الإنْسانِيَّةَ؛ فَحَقُّ مَن يَتَّصِفُ بِها ألّا يُعْلَمَ كَوْنُهُ مِنَ النّاسِ؛ فَيُخْبَرَ بِهِ؛ ويُتَعَجَّبَ مِنهُ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ "النّاسِ" عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودِينَ؛ أوْ عَنِ الجِنْسِ المَقْصُورِ عَلى المُصِرِّينَ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالفائِدَةُ ظاهِرَةٌ؛ بَلْ لِأنَّ خَبَرِيَّةَ الظَّرْفِ تَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ اتِّصافُ هَؤُلاءِ بِتِلْكَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ المُفَصَّلَةِ في ثَلاثَ عَشْرَةَ آيَةً عُنْوانًا (p-40) لِلْمَوْضُوعِ؛ مَفْرُوغًا عَنْهُ؛ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ؛ ويَكُونُ مَناطُ الإفادَةِ كَوْنَهم مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ ولا رَيْبَ لِأحَدٍ في أنَّهُ يَجِبُ حَمْلُ النَّظْمِ الجَلِيلِ عَلى أجْزَلِ المَعانِي وأكْمَلِها؛ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في "يَقُولُ"؛ بِاعْتِبارِ لَفْظَةِ "مَن"؛ وجَمْعُهُ في قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ وما بَعْدَهُ؛ بِاعْتِبارِ مَعْناها؛ والمُرادُ بِـ "اليَوْمِ الآخِرِ": مِن وقْتِ الحَشْرِ إلى ما لا يَتَناهى؛ أوْ إلى أنْ يَدْخُلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ؛ وأهْلُ النّارِ النّارَ؛ إذْ لا حَدَّ وراءَهُ؛ وتَخْصِيصُهم لِلْإيمانِ بِهِما بِالذِّكْرِ مَعَ تَكْرِيرِ الباءِ لِادِّعاءِ أنَّهم قَدْ حازُوا الإيمانَ مِن قُطْرَيْهِ؛ وأحاطُوا بِهِ مِن طَرَفَيْهِ؛ وأنَّهم قَدْ آمَنُوا بَكُلٍّ مِنهُما عَلى الأصالَةِ والِاسْتِحْكامِ؛ وقَدْ دَسُّوا تَحْتَهُ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَقائِدِ الفاسِدَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ إيمانُهم بِواحِدٍ مِنهُما إيمانًا في الحَقِيقَةِ؛ إذْ كانُوا مُشْرِكِينَ بِاللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ وجاحِدِينَ بِاليَوْمِ الآخِرِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ وحِكايَةُ عِبارَتِهِمْ لِبَيانِ كَمالِ خُبْثِهِمْ؛ ودِعارَتِهِمْ؛ فَإنَّ ما قالُوا لَوْ صَدَرَ عَنْهم لا عَلى وجْهِ الخِداعِ والنِّفاقِ - وعَقِيدَتُهم عَقِيدَتُهم - لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إيمانًا؛ فَكَيْفَ وهم يَقُولُونَهُ تَمْوِيهًا عَلى المُؤْمِنِينَ؛ واسْتِهْزاءً بِهِمْ. ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾: رَدٌّ لِما ادَّعَوْهُ؛ ونَفْيٌ لِما انْتَحَلُوهُ؛ و"ما" حِجازِيَّةٌ؛ فَإنَّ جَوازَ دُخُولِ الباءِ في خَبَرِها لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ اتِّفاقِيٌّ؛ بِخِلافِ التَّمِيمِيَّةِ؛ وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ المُوافِقَةِ لِدَعْواهُمُ المَرْدُودَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ بِإفادَةِ انْتِفاءِ الإيمانِ عَنْهم في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ؛ لا في الماضِي فَقَطْ؛ كَما يُفِيدُهُ الفِعْلِيَّةُ؛ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ تُفِيدُ دَوامَ الثُّبُوتِ؛ فَعِنْدَ دُخُولِ النَّفْيِ عَلَيْها يَتَعَيَّنُ الدَّلالَةُ عَلى نَفْيِ الدَّوامِ؛ فَإنَّها بِمَعُونَةِ المَقامِ تَدُلُّ عَلى دَوامِ النَّفْيِ قَطْعًا؛ كَما أنَّ المُضارِعَ الخالِيَ عَنْ حَرْفِ الِامْتِناعِ يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الوُجُودِ؛ وعِنْدَ دُخُولِ حَرْفِ الِامْتِناعِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الِامْتِناعِ؛ لا عَلى امْتِناعِ الِاسْتِمْرارِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾؛ فَإنَّ عَدَمَ قَضاءِ الأجْلِ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّعْجِيلِ؛ لا لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ التَّعْجِيلِ؛ وإطْلاقُ الإيمانِ عَمّا قَيَّدُوهُ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّهم لَيْسُوا مِن جِنْسِ الإيمانِ في شَيْءٍ أصْلًا؛ فَضْلًا عَنِ الإيمانِ بِما ذَكَرُوا؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ؛ ويَكُونَ الإطْلاقُ لِلظُّهُورِ؛ ومَدْلُولُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ مَن أظْهَرَ الإيمانَ؛ واعْتِقادُهُ بِخِلافِهِ؛ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا؛ فَلا حُجَّةَ فِيها عَلى الكَرامِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ مَن تَفَوَّهَ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ - فارِغَ القَلْبِ عَمّا يُوافِقُهُ أوْ يُنافِيهِ - مُؤْمِنٌ.

البقرة 2:9

﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾: بَيانٌ لِـ "يَقُولُ"؛ وتَوْضِيحٌ لِما هو غَرَضُهم مِمّا يَقُولُونَ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يَقُولُونَ ذَلِكَ وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ؟ فَقِيلَ: يُخادِعُونَ اللَّهَ؛ إلَخْ.. أيْ: يَخْدَعُونَ؛ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ لِإفادَةِ المُبالَغَةِ في الكَيْفِيَّةِ؛ فَإنَّ الفِعْلَ مَتى غُولِبَ فِيهِ بُولِغَ فِيهِ قَطْعًا؛ أوْ في الكِمِّيَّةِ؛ كَما في المُمارَسَةِ والمُزاوَلَةِ؛ فَإنَّهم كانُوا مُداوِمِينَ عَلى الخَدْعِ؛ والخَدْعُ: أنْ يُوهِمَ صاحِبَهُ خِلافَ ما يُرِيدُ بِهِ مِنَ المَكْرُوهِ؛ لِيُوقِعَهُ فِيهِ؛ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ؛ أوْ يُوهِمَهُ المُساعَدَةَ عَلى ما يُرِيدُ هو بِهِ لِيَغْتَرَّ بِذَلِكَ فَيَنْجُوَ مِنهُ بِسُهُولَةٍ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ضَبٌّ خادِعٌ؛ وخُدَعٌ؛ وهو الَّذِي إذا أمَرَّ الحارِشُ يَدَهُ عَلى بابِ جُحْرِهِ يُوهِمُهُ الإقْبالَ عَلَيْهِ؛ فَيَخْرُجُ مِن بابِهِ الآخَرِ؛ وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُناسِبٌ لِلْمَقامِ؛ فَإنَّهم كانُوا يُرِيدُونَ بِما صَنَعُوا أنْ يَطَّلِعُوا عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ فَيُذِيعُوها إلى المُنابِذِينَ؛ وأنْ يَدْفَعُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يُصِيبُ سائِرَ (p-41) الكَفَرَةِ؛ وأيًّا ما كانَ فَنِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - إمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ لِإفادَةِ كَمالِ شَناعَةِ جِنايَتِهِمْ؛ أيْ يُعامَلُونَ مُعامَلَةَ الخادِعِينَ؛ وإمّا عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ العَقْلِيِّ بِأنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ (تَعالى) ما حَقُّهُ أنْ يُنْسَبَ إلى الرَّسُولِ ﷺ إبانَةً لِمَكانَتِهِ عِنْدَهُ (تَعالى)؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهَ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾؛ مَعَ إفادَةِ كَمالِ الشَّناعَةِ؛ كَما مَرَّ؛ وإمّا لِمُجَرَّدِ التَّوْطِئَةِ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ؛ مِن نِسْبَتِهِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا؛ والإيذانِ بِقُوَّةِ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ تَعالى؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾؛ وإبْقاءُ صِيغَةِ المُخادَعَةِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ بِناءً عَلى زَعْمِهِمِ الفاسِدِ؛ وتَرْجَمَةً عَنِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يَزْعُمُونَ أنَّهم يَخْدَعُونَ اللَّهَ؛ واللَّهُ يَخْدَعُهُمْ؛ أوْ عَلى جَعْلِها اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً؛ أوْ تَمْثِيلًا لِما أنَّ صُورَةَ صُنْعِهِمْ مَعَ اللَّهِ (تَعالى)؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وصُنْعِهِ (تَعالى) مَعَهم بِإجْراءِ أحْكامِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ؛ وهم عِنْدَهُ أخْبَثُ الكَفَرَةِ؛ وأهْلُ الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ؛ اسْتِدْراجًا لَهُمْ؛ وامْتِثالُ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى) في ذَلِكَ مُجازاةً لَهم بِمِثْلِ صَنِيعِهِمْ صُورَةَ صَنِيعِ المُتَخادِعِينَ؛ كَما قِيلَ؛ مِمّا لا يَرْتَضِيهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ؛ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ المُنافِقِينَ لَوِ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَخْدَعُهم بِمُقابَلَةِ خَدْعِهِمْ لَهُ؛ لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ التَّصَدِّي لِلْخَدْعِ؛ وأمّا الثّانِي فَلِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ إيرادُ حالِهِمْ خاصَّةً؛ وتَصْوِيرُها بِما يَلِيقُ بِها مِنَ الصُّورَةِ المُسْتَهْجَنَةِ؛ وبَيانِ غائِلَتِها؛ آيِلَةً إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾؛ فالتَّعَرُّضُ لِحالِ الجانِبِ الآخَرِ مِمّا يُخِلُّ بِتَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ؛ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُخادِعُونَ"؛ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ والحالُ أنَّهم ما يَضُرُّونَ بِذَلِكَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ فَإنَّ دائِرَةَ فِعْلِهِمْ مَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمْ؛ أوْ ما يَخْدَعُونَ حَقِيقَةً إلّا أنْفُسَهُمْ؛ حَيْثُ يُغْرُونَها بِالأكاذِيبِ؛ فَيُلْقُونَها في مَهاوِي الرَّدى؛ وقُرِئَ: "وَما يُخادِعُونَ"؛ والمَعْنى هو المَعْنى؛ ومَن حافَظَ عَلى الصِّيغَةِ فِيما قَبْلُ قالَ: وما يُعامَلُونَ تِلْكَ المُعامَلَةَ الشَّبِيهَةَ بِمُعامَلَةِ المُخادِعِينَ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَها لا يَحِيقُ إلّا بِهِمْ؛ أوْ: ما يُخادِعُونَ حَقِيقَةً إلّا أنْفُسَهُمْ؛ حَيْثُ يُمَنُّونَها الأباطِيلَ؛ وهي أيْضًا تَغُرُّهم وتُمَنِّيهِمُ الأمانِيَّ الفارِغَةَ؛ وقُرِئَ: "وَما يُخَدَّعُونَ"؛ مِنَ التَّخْدِيعِ؛ و"ما يُخَدِّعُونَ"؛ أيْ: يَخْتَدِعُونَ؛ و"يُخْدَعُونَ"؛ و"يُخادَعُونَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ونَصْبُ "أنْفُسَهُمْ" بِنَزْعِ الخافِضِ؛ والنَّفْسُ: ذاتُ الشَّيْءِ؛ وحَقِيقَتُهُ؛ وقَدْ يُقالُ: لِلرُّوحِ؛ لِأنَّ نَفْسَ الحَيِّ بِهِ؛ ولِلْقَلْبِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الرُّوحِ؛ أوْ مُتَعَلِّقُهُ؛ ولِلدَّمِ أيْضًا؛ لِأنَّ قِوامَها بِهِ؛ ولِلْماءِ أيْضًا؛ لِشِدَّةِ حاجَتِها إلَيْهِ؛ والمُرادُ هُنا هو المَعْنى الأوَّلُ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ أنَّ ضَرَرَ مُخادَعَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ؛ لا يَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾؛ حالٌ مِن ضَمِيرِ "ما يَخْدَعُونَ"؛ أيْ: يَقْتَصِرُونَ عَلى خَدْعِ أنْفُسِهِمْ؛ والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ؛ أيْ: ما يُحِسُّونَ بِذَلِكَ؛ لِتَمادِيهِمْ في الغَوايَةِ؛ وحَذْفُ المَفْعُولِ إمّا لِظُهُورِهِ؛ أوْ لِعُمُومِهِ؛ أيْ: ما يَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ أصْلًا؛ جُعِلَ لُحُوقُ وبالِ ما صَنَعُوا بِهِمْ في الظُّهُورِ بِمَنزِلَةِ الأمْرِ المَحْسُوسِ؛ الَّذِي لا يَخْفى إلّا عَلى مَؤُوفِ الحَواسِّ؛ مُخْتَلِّ المَشاعِرِ.

البقرة 2:10

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾: المَرَضُ عِبارَةٌ عَمّا يَعْرِضُ لِلْبَدَنِ فَيُخْرِجُهُ عَنْ الِاعْتِدالِ اللّائِقِ بِهِ؛ ويُوجِبُ الخَلَلَ في أفاعِيلِهِ؛ ويُؤَدِّي إلى المَوْتِ؛ اسْتُعِيرَ هَهُنا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَهْلِ؛ وسُوءِ العَقِيدَةِ؛ وعَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ (p-42)وَغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الكُفْرِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ الرُّوحانِيِّ؛ والتَّنْكِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ نَوْعًا مُبْهَمًا غَيْرَ ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِنَ الأمْراضِ؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾؛ مِنَ اسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ؛ أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم لا يُؤْمِنُونَ؟ فَقِيلَ: في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَمْنَعُهُ. ﴿فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾؛ بِأنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ لِعِلْمِهِ (تَعالى) بِأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ فِيها التَّذْكِيرُ والإنْذارُ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ مَضْمُونِها عَلَيْهِ؛ وبِهِ اتَّضَحَ كَوْنُهم مِنَ الكَفَرَةِ المَخْتُومِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ مَعَ زِيادَةِ بَيانِ السَّبَبِ؛ وقِيلَ: زادَهم كُفْرًا بِزِيادَةِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا كُلَّما ازْدادَ التَّكالِيفُ بِنُزُولِ الوَحْيِ يَزْدادُونَ كُفْرًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَرَضُ مُسْتَعارًا لِما تَداخَلَ قُلُوبَهم مِنَ الضَّعْفِ والجُبْنِ والخَوَرِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِعِزَّةِ المُسْلِمِينَ؛ فَزِيادَتُهُ (تَعالى) إيّاهم مَرَضًا ما فَعَلَ بِهِمْ مِن إلْقاءِ الرَّوْعِ وقَذْفِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ عِنْدَ إعْزازِ الدِّينِ بِإمْدادِ النَّبِيِّ ﷺ بِإنْزالِ المَلائِكَةِ؛ وتَأْيِيدِهِ بِفُنُونِ النَّصْرِ والتَّمْكِينِ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾؛ إلَخْ.. حِينَئِذٍ اسْتِئْنافٌ تَعْلِيلِيٌّ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ﴾؛ إلَخْ.. كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهم يُخادِعُونَ ويُداهِنُونَ؟ ولِمَ لا يُجاهِرُونَ بِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ الكُفْرِ؟ فَقِيلَ: في قُلُوبِهِمْ ضَعْفٌ مُضاعَفٌ؛ هَذِهِ حالُهم في الدُّنْيا؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ في الآخِرَةِ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ مُؤْلِمٌ؛ يُقالُ: "ألَمٌ"؛ و"هُوَ ألِيمٌ"؛ كَـ "وَجَعٌ"؛ و"هُوَ وجِيعٌ"؛ وُصِفَ بِهِ العَذابُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ عَلى طَرِيقَةِ "جَدَّ جِدُّهُ"؛ فَإنَّ الألَمَ والوَجَعَ حَقِيقَةٌ لِلْمُؤْلَمِ والمَضْرُوبِ؛ كَما أنَّ الجِدَّ لِلْجادِّ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "المُؤْلِمُ"؛ كَـ "السَّمِيعُ"؛ بِمَعْنى "المُسْمِعُ"؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِثَبْتٍ؛ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أوْ لِلْمُقابَلَةِ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ داخِلَةٌ في الحَقِيقَةِ عَلى "يَكْذِبُونَ"؛ وكَلِمَةُ "كانُوا" مُقْحَمَةٌ لِإفادَةِ دَوامِ كَذِبِهِمْ وتَجَدُّدِهِ؛ أيْ بِسَبَبِ كَذِبِهِمْ؛ أوْ بِمُقابَلَةِ كَذِبِهِمُ المُتَجَدِّدِ المُسْتَمِرِّ؛ الَّذِي هو قَوْلُهُمْ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ وهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهُ إخْبارٌ بِإحْداثِهِمُ الإيمانَ فِيما مَضى؛ لا إنْشاءٌ لِلْإيمانِ؛ ولَوْ سُلِّمَ فَهو مُتَضَمِّنٌ لِلْإخْبارِ؛ بِصُدُورِهِ عَنْهُمْ؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ القَلْبِيِّ بِمَعْنى الإذْعانِ والقَبُولِ قَطْعًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الظّاهِرِ؛ بِناءً عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ أنْ يَكُونَ لِـ "كانَ" النّاقِصَةِ مَصْدَرٌ؛ كَما صُرِّحَ بِهِ في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎ بِبَذْلٍ وحِلْمٍ سادَ في قَوْمِهِ الفَتى ∗∗∗ وكَوْنُكَ إيّاهُ عَلَيْكَ يَسِيرُ أيْ: لَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ يَكْذِبُونَ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ وتَرْتِيبُ العَذابِ عَلَيْهِ مِن بَيْنِ سائِرِ مُوجِباتِهِ القَوِيَّةِ؛ إمّا لِأنَّ المُرادَ بَيانُ العَذابِ الخاصِّ بِالمُنافِقِينَ؛ بِناءً عَلى ظُهُورِ شِرْكَتِهِمْ لِلْمُجاهِرِينَ فِيما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ العَظِيمِ؛ حَسَبَ اشْتِراكِهِمْ فِيما يُوجِبُهُ مِنَ الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾؛ إلَخْ.. وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ سائِرِ جِناياتِهِمُ العَظِيمَةِ مِنَ العَذابِ ما لا يُوصَفُ؛ وإمّا لِلرَّمْزِ إلى كَمالِ سَماجَةِ الكَذِبِ؛ نَظَرًا إلى ظاهِرِ العِبارَةِ المُخَيِّلَةِ لِانْفِرادِهِ بِالسَّبَبِيَّةِ؛ مَعَ إحاطَةِ عِلْمِ السّامِعِ بِأنَّ لُحُوقَ العَذابِ بِهِمْ مِن جِهاتٍ شَتّى؛ وأنَّ الِاقْتِصارَ عَلَيْهِ لِلْإشْعارِ بِنِهايَةِ قُبْحِهِ؛ والتَّنْفِيرِ عَنْهُ؛ عَنِ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ويُرْوى مَرْفُوعًا أيْضًا إلى النَّبِيِّ ﷺ: «إيّاكم والكَذِبَ؛ فَإنَّهُ مُجانِبٌ لِلْإيمانِ؛» وما رُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَذَبَ ثَلاثَ كِذْباتٍ؛ فالمُرادُ بِهِ التَّعْرِيضُ؛ وإنَّما سُمِّيَ بِهِ لِشَبَهِهِ بِهِ صُورَةً؛ وقِيلَ: "ما" مَوْصُولَةٌ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِالَّذِي يُكَذِّبُونَهُ؛ وقُرِئَ: "يُكَذِّبُونَ"؛ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ وهو إمّا النَّبِيُّ ﷺ؛ أوِ القرآن؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوِ القرآن؛ أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: بِالَّذِي يُكَذِّبُونَهُ؛ عَلى أنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِيغَةُ التَّفْعِيلِ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "بَيَّنَ"؛ في "بانَ"؛ و"قَلَّصَ"؛ (p-43)فِي "قَلَصَ"؛ أوْ لِلتَّكْثِيرِ؛ كَما في "مَوَّتَتِ البَهائِمُ"؛ و"بَرَّكَتِ الإبِلُ"؛ وأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: كَذَبَ الوَحْشِيُّ؛ إذا جَرى شَوْطًا ثُمَّ وقَفَ لِيَنْظُرَ ما وراءَهُ؛ فَإنَّ المُنافِقَ مُتَوَقِّفٌ في أمْرِهِ؛ مُتَرَدِّدٌ في رَأْيِهِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لَهُ: مُذَبْذَبٌ.

البقرة 2:11

﴿وَإذا قِيلَ لَهم لا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾: شُرُوعٌ في تَعْدِيدِ بَعْضٍ مِن قَبائِحِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ و"إذا" ظَرْفُ زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ؛ ويَلْزَمُها مَعْنى الشَّرْطِ غالِبًا؛ ولا تَدْخُلُ إلّا في الأمْرِ المُحَقَّقِ؛ أوِ المُرَجَّحِ وُقُوعُهُ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "قِيلَ"؛ ومَعْناها الإنْهاءُ والتَّبْلِيغُ؛ والقائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ جُمْلَةُ "لا تُفْسِدُوا"؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِها اللَّفْظُ؛ وقِيلَ: هو مُضْمَرٌ؛ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ؛ والفَسادُ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الحالَةِ اللّائِقَةِ بِهِ؛ والصَّلاحُ مُقابِلُهُ؛ والفَسادُ في الأرْضِ هَيْجُ الحُرُوبِ والفِتَنِ المُسْتَتْبِعَةِ لِزَوالِ الِاسْتِقامَةِ عَنْ أحْوالِ العِبادِ؛ واخْتِلالِ أمْرِ المَعاشِ والمَعادِ؛ والمُرادُ بِما نُهُوا عَنْهُ: ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ مِن إفْشاءِ أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفّارِ؛ وإغْرائِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ الشُّرُورِ؛ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: لا تَقْتُلْ نَفْسَكَ بِيَدِكَ؛ ولا تُلْقِ نَفْسَكَ في النّارِ؛ إذا أقْدَمَ عَلى ما تِلْكَ عاقِبَتُهُ؛ وهو إمّا مَعْطُوفٌ عَلى "يَقُولُ"؛ فَإنْ جُعِلَتْ كَلِمَةُ "مَن" مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ ولا بَأْسَ بِتَخَلُّلِ البَيانِ؛ أوْ الِاسْتِئْنافِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِما بَيْنَ أجْزاءِ الصِّلَةِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ تَوْسِيطًا بِالأجْنَبِيِّ؛ وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ؛ والمَعْنى: ومِنَ النّاسِ مَن إذا نُهُوا مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ في الارْضِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ إراءَةً لِلنّاهِينَ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صادِرٍ عَنْهُمْ؛ مَعَ أنَّ مَقْصُودَهُمُ الأصْلِيَّ إنْكارُ كَوْنِ ذَلِكَ إفْسادًا؛ وادِّعاءُ كَوْنِهِ إصْلاحًا مَحْضًا؛ كَما سَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾؛ أيْ: مَقْصُورُونَ عَلى الإصْلاحِ المَحْضِ؛ بِحَيْثُ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ شائِبَةُ الإفْسادِ والفَسادِ؛ مُشِيرِينَ بِكَلِمَةِ "إنَّما" إلى أنَّ ذَلِكَ مِنَ الوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتابَ فِيهِ؛ وإمّا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ سِيقَ لِتَعْدِيدِ شَنائِعِهِمْ، وأمّا عَطْفُهُ عَلى "يَكْذِبُونَ" بِمَعْنى: ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ بِكَذِبِهِمْ؛ وبِقَوْلِهِمْ حِينَ نُهُوا عَنِ الإفْسادِ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ أنَّ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّعْلِيلِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ بِأوْصافٍ ظاهِرَةِ العِلِّيَّةِ؛ مُسَلَّمَةِ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ؛ غَنِيَّةٍ عَنِ البَيانِ؛ لِشُهْرَةِ الِاتِّصافِ بِها عِنْدَ السّامِعِ؛ أوْ لِسَبْقِ ذِكْرِهِ صَرِيحًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾؛ فَإنَّ مَضْمُونَهُ عِبارَةٌ عَمّا حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ؛ أوْ لِذِكْرِ ما يَسْتَلْزِمُهُ اسْتِلْزامًا ظاهِرًا؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مِمّا يُوجِبُ حَتْمًا نِسْيانَ جانِبِ الآخِرَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها يَوْمُ الحِسابِ؛ وما لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَحَقُّهُ أنْ يُخْبَرَ بِعِلِّيَّتِهِ قَصْدًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾؛ الآيَةِ.. وقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾؛ الآيَةِ.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذِهِ الشَّرْطِيَّةَ؛ وما بَعْدَها مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ المَعْطُوفَتَيْنِ عَلَيْها؛ لَيْسَ مَضْمُونُ شَيْءٍ مِنها مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِمْ عِنْدَ السّامِعِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ حَتّى تَسْتَحِقَّ الِانْتِظامَ في سِلْكِ التَّعْلِيلِ المَذْكُورِ؛ فَإذَنْ حَقُّها أنْ تَكُونَ مَسُوقَةً عَلى سَنَنِ تَعْدِيدِ قَبائِحِهِمْ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ مُفِيدَةً لِاتِّصافِهِمْ بِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأوْصافِ؛ قَصْدًا واسْتِقْلالًا؛ كَيْفَ لا..

البقرة 2:12

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾؛ يُنادِي بِذَلِكَ نِداءً (p-44) جَلِيًّا؟ فَإنَّهُ رَدٌّ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِدَعْواهُمُ المَحْكِيَّةِ؛ أبْلَغُ رَدٍّ؛ وأدَلُّهُ عَلى سَخَطٍ عَظِيمٍ؛ حَيْثُ سُلِكَ فِيهِ مَسْلَكُ الِاسْتِئْنافِ المُؤَدِّي إلى زِيادَةِ تَمَكُّنِ الحُكْمِ في ذِهْنِ السّامِعِ؛ وصُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ: "ألا" المُنَبِّهَةِ عَلى تَحَقُّقِ ما بَعْدَها؛ فَإنَّ الهَمْزَةَ الإنْكارِيَّةَ الدّاخِلَةَ عَلى النَّفْيِ تُفِيدُ تَحْقِيقَ الإثْباتِ قَطْعًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾؛ ولِذَلِكَ لا يَكادُ يَقَعُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ إلّا مُصَدَّرَةً بِما يَلْتَقِي بِهِ القَسَمُ؛ وأُخْتُها الَّتِي هي "أما" مِن طَلائِعِ القَسَمِ؛ وقِيلَ: هُما حَرْفانِ بَسِيطانِ مَوْضُوعانِ لِلتَّنْبِيهِ والِاسْتِفْتاحِ؛ و"إنَّ" المُقَرِّرَةِ لِلنِّسْبَةِ؛ وعُرِّفَ الخَبَرُ؛ ووُسِّطَ ضَمِيرُ الفَصْلِ لِرَدِّ ما في قَصْرِ أنْفُسِهِمْ عَلى الإصْلاحِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالمُؤْمِنِينَ؛ ثُمَّ اسْتُدْرِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ كَوْنَهم مُفْسِدِينَ مِنَ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ؛ لَكِنْ لا حِسَّ لَهم حَتّى يُدْرِكُوهُ؛ وهَكَذا الكَلامُ في الشَّرْطِيَّتَيْنِ الآتِيَتَيْنِ؛ وما بَعْدَهُما مِن رَدِّ مَضْمُونِهِما؛ ولَوْلا أنَّ المُرادَ تَفْصِيلُ جِناياتِهِمْ؛ وتَعْدِيدُ خَبائِثِهِمْ؛ وهَنّاتِهِمْ؛ ثُمَّ إظْهارُ فَسادِها؛ وإبانَةُ بُطْلانِها لَمّا فُتِحَ هَذا البابُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

البقرة 2:13

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ مِن قِبَلِ المُؤْمِنِينَ؛ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ إثْرَ نَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ إتْمامًا لِلنُّصْحِ؛ وإكْمالًا لِلْإرْشادِ: ﴿آمِنُوا﴾؛ حُذِفَ المُؤْمَنُ بِهِ لِظُهُورِهِ؛ أوْ أُرِيدَ: افْعَلُوا الإيمانَ ﴿كَما آمَنَ النّاسُ﴾؛ الكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: آمِنُوا إيمانًا مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ كافَّةٌ؛ كَما في "رُبَّما"؛ فَإنَّها تَكُفُّ الحَرْفَ عَنِ العَمَلِ؛ وتُصَحِّحُ دُخُولَها عَلى الجُمْلَةِ؛ وتَكُونُ لِلتَّشْبِيهِ بَيْنَ مَضْمُونَيِ الجُمْلَتَيْنِ؛ أيْ: حَقِّقُوا إيمانَكم كَما تَحَقَّقَ إيمانُهُمْ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ: الكامِلُونَ في الإنْسانِيَّةِ؛ العامِلُونَ بِقَضِيَّةِ العَقْلِ؛ فَإنَّ اسْمَ الجِنْسِ؛ كَما يُسْتَعْمَلُ في مُسَمّاهُ؛ يُسْتَعْمَلُ فِيما يَكُونُ جامِعًا لِلْمَعانِي الخاصَّةِ بِهِ؛ المَقْصُودَةِ مِنهُ؛ ولِذَلِكَ يُسْلَبُ عَمّا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَيُقالُ: هو لَيْسَ بِإنْسانٍ؛ وقَدْ جَمَعَهُما مَن قالَ: ؎ ∗∗∗ إذِ النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانُ أوْ لِلْعَهْدِ؛ والمُرادُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ومَن مَعَهُ؛ أوْ مَن آمَنَ مِن أهْلِ جِلْدَتِهِمْ؛ كابْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ والمَعْنى: آمِنُوا إيمانًا مَقْرُونًا بِالإخْلاصِ؛ مُتَمَحِّضًا عَنْ شَوائِبِ النِّفاقِ؛ مُماثِلًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿قالُوا﴾؛ مُقابِلِينَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ بِالإنْكارِ المُنْكِرِ؛ واصِفِينَ لِلْمَراجِيحِ الرِّزانِ بِضِدِّ أوْصافِهِمُ الحِسانِ: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾؛ مُشِيرِينَ بِاللّامِ إلى مَن أُشِيرَ إلَيْهِمْ في النّاسِ مِنَ الكامِلِينَ؛ أوِ المَعْهُودِينَ؛ أوْ إلى الجِنْسِ بِأسْرِهِ؛ وهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ؛ والسَّفَهُ: خِفَّةٌ وسَخافَةُ رَأْيٍ؛ يُورِثُهُما قُصُورُ العَقْلِ؛ ويُقابِلُهُ الحِلْمُ والأناةُ؛ وإنَّما نَسَبُوهم إلَيْهِ مَعَ أنَّهم في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الرُّشْدِ والرَّزانَةِ والوَقارِ؛ لِكَمالِ انْهِماكِ أنْفُسِهِمْ في السَّفاهَةِ؛ وتَمادِيهِمْ في الغَوايَةِ؛ وكَوْنِهِمْ مِمَّنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا؛ فَمَن حَسِبَ الضَّلالَ هُدًى يُسَمِّي الهُدى لا مَحالَةَ ضَلالًا؛ أوْ لِتَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ؛ فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ المُؤْمِنِينَ كانُوا فُقَراءَ؛ ومِنهم مَوالٍ كَصُهَيْبٍ؛ وبِلالٍ؛ أوْ لِلتَّجَلُّدِ؛ وعَدَمِ المُبالاةِ بِمَن آمَنَ مِنهُمْ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالنّاسِ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ؛ وأمْثالَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ أنْ يَكُونَ صُدُورُ هَذا القَوْلِ عَنْهم - بِمَحْضَرٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ النّاصِحِينَ لَهم - جَوابًا (p-45)عَنْ نَصِيحَتِهِمْ؛ وحَيْثُ كانَ فَحْواهُ تَسْفِيهَ أُولَئِكَ المَشاهِيرِ الأعْلامِ؛ والقَدَحَ في إيمانِهِمْ لَزِمَ كَوْنُهم مُجاهِرِينَ؛ مُنافِقِينَ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ؛ وعَنْ هَذا قالُوا: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عَلى وجْهِ المُؤْمِنِينَ؛ قالَ الإمامُ الواحِدِيُّ: إنَّهم كانُوا يُظْهِرُونَ هَذا القَوْلَ فِيما بَيْنَهُمْ؛ لا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ (تَعالى) نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ عَنْهم. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ إبْرازَ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِ المُتَحاوِرَيْنِ في الخَلاءِ في مَعْرِضِ ما جَرى بَيْنَهُما في مَقامِ المُحاوَرَةِ مِمّا لا عَهْدَ بِهِ في الكَلامِ؛ فَضْلًا عَمّا هو في مَنصِبِ الإعْجازِ؛ فالحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ قَوْلَهم هَذا - وإنْ صَدَرَ عَنْهم بِمَحْضَرٍ مِنَ النّاصِحِينَ - لا يَقْتَضِي كَوْنَهم مُجاهِرِينَ؛ فَإنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ الكُفْرِ أنِيقٌ؛ وفَنٌّ في النِّفاقِ عَرِيقٌ؛ مَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾؛ فَكَما أنَّهُ كَلامٌ ذُو وجْهَيْنِ مِثْلُهم مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: اسْمَعْ مِنّا غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ؛ ونَحْوِهِ؛ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا؛ كانُوا يُخاطِبُونَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً بِهِ؛ مُظْهِرِينَ إرادَةَ المَعْنى الأخِيرِ؛ وهم مُضْمِرُونَ في أنْفُسِهِمُ المَعْنى الأوَّلَ؛ مُطْمَئِنُّونَ بِهِ؛ ولِذَلِكَ نُهُوا عَنْهُ. كَذَلِكَ هَذا الكَلامُ مُحْتَمِلٌ لِلشَّرِّ؛ كَما ذُكِرَ في تَفْسِيرِهِ؛ ولِلْخَيْرِ بِأنْ يُحْمَلَ عَلى ادِّعاءِ الإيمانِ؛ كَإيمانِ النّاسِ؛ وإنْكارِ ما اتُّهِمُوا بِهِ مِنَ النِّفاقِ؛ عَلى مَعْنى: أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ والمَجانِينُ الَّذِينَ لا اعْتِدادَ بِإيمانِهِمْ لَوْ آمَنُوا؛ ولا نُؤْمِنُ كَإيمانِ النّاسِ حَتّى تَأْمُرُونا بِذَلِكَ؟ قَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ؛ مُرائِينَ لِإرادَةِ المَعْنى الأخِيرِ؛ وهم مُعَوِّلُونَ عَلى الأوَّلِ؛ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أبْلَغِ رَدٍّ؛ وجُهِّلُوا أشْنَعَ تَجْهِيلٍ؛ حَيْثُ صُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ؛ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ؛ وجُعِلَتِ السَّفاهَةُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ؛ وبالِغَةً إلى حَيْثُ يَدْرُونَ أنَّهم سُفَهاءُ؛ ومِن هَذا اتَّضَحَ سِرُّ ما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾؛ فَإنَّ حَمْلَهُ عَلى المَعْنى الأخِيرِ - كَما هو رَأْيُ الجُمْهُورِ - مُنافٍ لِحالِهِمْ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُشافَهَتَهم لِلنّاصِحِينَ - بِادِّعاءِ كَوْنِ ما نُهُوا عَنْهُ مِنَ الإفْسادِ إصْلاحًا؛ كَما مَرَّ - إظْهارٌ مِنهم لِلشِّقاقِ؛ وبُرُوزُ أشْخاصِهِمْ مِن نَفَقِ النِّفاقِ؛ والِاعْتِذارُ بِأنَّ المُرادَ بِما نُهُوا عَنْهُ مُداراتُهم لِلْمُشْرِكِينَ؛ كَما ذُكِرَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ؛ وبِالإصْلاحِ الَّذِي يَدَّعُونَهُ إصْلاحُ ما بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ؛ وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾؛ أنَّهم في تِلْكَ المُعامَلَةِ مُفْسِدُونَ لِمَصالِحِ المُؤْمِنِينَ؛ لِإشْعارِها بِإعْطاءِ الدَّنِيَّةِ؛ وإنْبائِها عَنْ ضَعْفِهِمُ المُلْجِئِ إلى تَوْسِيطِ مَن يَتَصَدّى لِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِمْ مُصْلِحِينَ؛ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا؛ فَإنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ ناطِقٌ بِفَسادِهِ؛ كَيْفَ لا.. وإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُنافِقُونَ في تِلْكَ الدَّعْوى صادِقِينَ؛ قاصِدِينَ لِلْإصْلاحِ؛ ويَأْتِيهِمُ الإفْسادُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ؟ ولا رَيْبَ في أنَّهم فِيها كاذِبُونَ؛ لا يُعاشِرُونَهم إلّا مُضارَّةً لِلدِّينِ؛ وخِيانَةً لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَإذَنْ طَرِيقُ حَلِّ الإشْكالِ لَيْسَ إلّا ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ مُحْتَمِلٌ لِلْحَمْلِ عَلى الكَذِبِ؛ وإنْكارُ صُدُورِ الإفْسادِ المَنسُوبِ إلَيْهِمْ عَنْهم عَلى مَعْنى: إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ؛ لا يَصْدُرُ عَنّا ما تَنْهَوْنَنا عَنْهُ مِنَ الإفْسادِ؛ وقَدْ خاطَبُوا بِهِ النّاصِحِينَ اسْتِهْزاءً بِهِمْ؛ وإراءَةً؛ لِإرادَةِ هَذا المَعْنى؛ وهم مُعَرِّجُونَ عَلى المَعْنى الأوَّلِ؛ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألا إنَّهم هُمُ المُفْسِدُونَ﴾؛ الآيَةِ.. واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِما أوْدَعَهُ في تَضاعِيفِ كِتابِهِ المَكْنُونِ؛ مِنَ السِّرِّ المَخْزُونِ؛ نَسْألُهُ العِصْمَةَ والتَّوْفِيقَ؛ والهِدايَةَ إلى سَواءِ الطَّرِيقِ. وتَفْصِيلُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِـ "لا يَعْلَمُونَ" لِما أنَّهُ أكْثَرُ طِباقًا لِذِكْرِ السَّفَهِ الَّذِي هو فَنٌّ مِن فُنُونِ الجَهْلِ؛ ولِأنَّ الوُقُوفَ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ ثابِتُونَ عَلى الحَقِّ؛ وهم عَلى (p-46) الباطِلِ مَنُوطٌ بِالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَسَنّى إلّا بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ وأمّا النِّفاقُ وما فِيهِ مِنَ الفِتْنَةِ والإفْسادِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن كَوْنِ مَن يَتَّصِفُ بِهِ مُفْسِدًا؛ فَأمْرٌ بَدِيهِيٌّ يَقِفُ عَلَيْهِ مَن لَهُ شُعُورٌ؛ ولِذَلِكَ فُصِّلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ السّابِقَةُ بِـ "لا يَشْعُرُونَ".

البقرة 2:14

﴿وَإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾: بَيانٌ لِتَبايُنِ أحْوالِهِمْ؛ وتَناقُضِ أقْوالِهِمْ في أثْناءِ المُعامَلَةِ والمُخاطَبَةِ؛ حَسَبَ تَبايُنِ المُخاطَبِينَ؛ ومَساقِ ما صُدِّرَتْ بِهِ قِصَّتُهُمْ؛ لِتَحْرِيرِ مَذْهَبِهِمْ؛ والتَّرْجَمَةِ عَنْ نِفاقِهِمْ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ هَهُنا لِمُتَعَلَّقِ الإيمانِ؛ فَلَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ التَّكْرِيرِ؛ رُوِيَ «أنَّ عَبَدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ؛ وأصْحابَهُ خَرَجُوا ذاتَ يَوْمٍ؛ فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِنَ الصَّحابَةِ؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: انْظُرُوا كَيْفَ أرُدُّ هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ عَنْكُمْ؛ فَلَمّا دَنَوْا مِنهم أخَذَ بِيَدِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِالصِّدِّيقِ؛ سَيِّدِ بَنِي تَمِيمٍ؛ وشَيْخِ الإسْلامِ؛ وثانِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الغارِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ؛ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِسَيِّدِ بَنِي عَدِيٍّ؛ الفارُوقِ؛ القَوِيِّ في دِينِهِ؛ الباذِلِ نَفْسَهُ ومالَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - فَقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وخَتَنِهِ؛ وسَيِّدِ بَنِي هاشِمٍ؛ ما خَلا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فَنَزَلَتْ؛ وقِيلَ: قالَ لَهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: يا عَبْدَ اللَّهِ؛ اتَّقِ اللَّهَ؛ ولا تُنافِقْ؛ فَإنَّ المُنافِقِينَ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَقالَ لَهُ: مَهْلًا يا أبا الحَسَنِ؛ أفِيَّ تَقُولُ هَذا؟ واللَّهِ إنَّ إيمانَنا كَإيمانِكُمْ؛ وتَصْدِيقَنا كَتَصْدِيقِكُمْ؛ ثُمَّ افْتَرَقُوا؛ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ لِأصْحابِهِ: كَيْفَ رَأيْتُمُونِي فَعَلْتُ؟ فَإذا رَأيْتُمُوهم فافْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلْتُ؛ فَأثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا؛ وقالُوا: ما نَزالُ بِخَيْرٍ ما عِشْتَ فِينا؛ فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأخْبَرُوهُ بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ.» واللِّقاءُ: المُصادَفَةُ؛ يُقالُ: لَقِيتُهُ؛ ولاقَيْتُهُ؛ أيْ: صادَفْتُهُ واسْتَقْبَلْتُهُ؛ وقُرِئَ: "إذا لاقَوْا". ﴿وَإذا خَلَوْا﴾: مِن خَلَوْتُ إلى فُلانٍ؛ أيِ انْفَرَدْتُ مَعَهُ؛ وقَدْ يُسْتَعْمَلُ بِالباءِ؛ أوْ مِن "خَلا" بِمَعْنى مَضى؛ ومِنهُ: القُرُونُ الخالِيَةُ؛ وقَوْلُهُمْ: خَلاكَ ذَمٌّ؛ أيْ: جاوَزَكَ ومَضى عَنْكَ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ مِن "خَلَوْتُ بِهِ"؛ إذا سَخِرْتُ مِنهُ؛ عَلى أنَّ تَعْدِيَتَهُ بِـ "إلى" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلى شَياطِينِهِمْ﴾؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإنْهاءِ؛ أيْ: وإذا أنْهَوْا إلَيْهِمُ السُّخْرِيَةَ.. إلَخْ.. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَقْيِيدَ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ بِذَلِكَ الإنْهاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ؛ والمُرادُ بِـ "شَياطِينِهِمْ": المُماثِلُونَ مِنهم لِلشَّيْطانِ في التَّمَرُّدِ والعِنادِ؛ المُظْهِرُونَ لِكُفْرِهِمْ؛ وإضافَتُهم إلَيْهِمْ لِلْمُشارَكَةِ في الكُفْرِ؛ أوْ كِبارُ المُنافِقِينَ؛ والقائِلُونَ؛ صِغارُهُمْ؛ وجَعَلَ سِيبَوَيْهِ نُونَ الشَّيْطانِ تارَةً أصْلِيَّةً؛ فَوَزْنُهُ "فَيْعالٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شَطَنَ"؛ إذا بَعُدَ؛ فَإنَّهُ بَعِيدٌ مِنَ الخَيْرِ والرَّحْمَةِ؛ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُمْ: تَشَيْطَنَ؛ وأُخْرى زائِدَةً؛ فَوَزْنُهُ "فَعْلانٌ"؛ عَلى أنَّهُ مِن "شاطَ"؛ أيْ: هَلَكَ؛ أوْ بَطَلَ؛ ومِن أسْمائِهِ الباطِلُ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: هاجَ واحْتَرَقَ. ﴿قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾؛ أيْ في الدِّينِ والِاعْتِقادِ؛ لا نُفارِقُكم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ وإنَّما خاطَبُوهم بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِأنَّ مُدَّعاهم عِنْدَهم تَحْقِيقُ الثَّباتِ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ؛ والتَّأْكِيدُ لِلْإنْباءِ عَنْ صِدْقِ رَغْبَتِهِمْ؛ ووُفُورِ نَشاطِهِمْ؛ لا لِإنْكارِ الشَّياطِينِ؛ بِخِلافِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّهم إنَّما يَدَّعُونَ عِنْدَهم إحْداثَ الإيمانِ؛ لِجَزْمِهِمْ بَعَدَمِ رَواجِ ادِّعاءِ الكَمالِ فِيهِ؛ أوِ الثَّباتِ عَلَيْهِ؛ ﴿إنَّما نَحْنُ﴾؛ أيْ: في إظْهارِ الإيمانِ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾؛ بِهِمْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِنا الإيمانُ حَقِيقَةً؛ وهو اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِنَ ادِّعاءِ المَعِيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَهم - عِنْدَ قَوْلِهِمْ: إنّا مَعَكم -: فَما بالُكم تُوافِقُونَ المُؤْمِنِينَ في الإتْيانِ بِكَلِمَةِ الإيمانِ؟ فَقالُوا: إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ بِهِمْ؛ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في (p-47) كَوْنِنا مَعَكُمْ؛ بَلْ يُؤَكِّدُهُ؛ وقَدْ ضَمَّنُوا جَوابَهم أنَّهم يُهِينُونَ المُؤْمِنِينَ؛ ويَعُدُّونَ ذَلِكَ نُصْرَةً لِدِينِهِمْ؛ أوْ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ المُسْتَهْزِئَ بِالشَّيْءِ مُصِرٌّ عَلى خِلافِهِ؛ أوْ بَدَلٌ مِنهُ؛ لِأنَّ مَن حَقَّرَ الإسْلامَ فَقَدْ عَظَّمَ الكُفْرَ. والِاسْتِهْزاءُ بِالشَّيْءِ: السُّخْرِيَةُ مِنهُ؛ يُقالُ: هَزَأْتُ؛ واسْتَهْزَأْتُ؛ بِمَعْنًى؛ وأصْلُهُ الخِفَّةُ مِن "الهَزْءُ"؛ وهو القَتْلُ السَّرِيعُ؛ وهَزَأ؛ يَهْزَأُ؛ ماتَ عَلى مَكانِهِ؛ وتَهْزَأُ بِهِ ناقَتُهُ أيْ تُسْرِعُ بِهِ وتَخِفُّ.

البقرة 2:15

﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾: أيْ يُجازِيهِمْ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ؛ سُمِّيَ جَزاؤُهُ بِاسْمِهِ؛ كَما سُمِّيَ جَزاءُ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةً؛ إمّا لِلْمُشاكَلَةِ في اللَّفْظِ؛ أوِ المُقارَنَةِ في الوُجُودِ؛ أوْ يَرْجِعُ وبالُ الِاسْتِهْزاءِ عَلَيْهِمْ؛ فَيَكُونُ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أوْ يُنْزِلُ بِهِمُ الحَقارَةَ؛ والهَوانَ الَّذِي هو لازِمُ الِاسْتِهْزاءِ؛ أوْ يُعامِلُهم مُعامَلَةَ المُسْتَهْزِئِ بِهِمْ؛ أمّا في الدُّنْيا فَبِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ؛ واسْتِدْراجِهِمْ بِالإمْهالِ؛ والزِّيادَةِ في النِّعْمَةِ عَلى التَّمادِي في الطُّغْيانِ؛ وأمّا في الآخِرَةِ فَبِما يُرْوى أنَّهُ يُفْتَحُ لَهم بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ؛ فَإذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾؛ وإنَّما اسْتُؤْنِفَ لِلْإيذانِ بِأنَّهم قَدْ بَلَغُوا في المُبالَغَةِ في اسْتِهْزاءِ المُؤْمِنِينَ إلى غايَةٍ؛ ظَهَرَتْ شَناعَتُهُ عِنْدَ السّامِعِينَ؛ وتَعاظَمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَتّى اضْطَرَّهم إلى أنْ يَقُولُوا: ما مَصِيرُ أمْرِ هَؤُلاءِ؟ وما عاقِبَةُ حالِهِمْ؟ وفِيهِ أنَّهُ (تَعالى) هو الَّذِي يَتَوَلّى أمْرَهُمْ؛ ولا يُحْوِجُهم إلى المُعارَضَةِ بِالمِثْلِ؛ ويَسْتَهْزِئُ بِهِمْ الِاسْتِهْزاءَ الأبْلَغَ؛ الَّذِي لَيْسَ اسْتِهْزاؤُهم عِنْدَهُ مِن بابِ الِاسْتِهْزاءِ؛ حَيْثُ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنَ النَّكالِ؛ ويُحِلُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّلِّ والهَوانِ ما لا يُوصَفُ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾؛ وما كانُوا خالِينَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ مِن تَهَتُّكِ أسْتارٍ؛ وتَكَشُّفِ أسْرارٍ؛ ونُزُولٍ في شَأْنِهِمْ؛ واسْتِشْعارِ حَذَرٍ مِن ذَلِكَ؛ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ . ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾: أيْ: يَزِيدُهم ويُقَوِّيهِمْ؛ مِن "مَدَّ الجَيْشَ"؛ و"أمَدَّهُ"؛ إذا زادَهُ وقَوّاهُ؛ ومِنهُ: مَدَدْتُ الدَّواةَ؛ والسِّراجَ؛ إذا أصْلَحَتُهُما بِالحِبْرِ؛ والزَّيْتِ؛ وإيثارُهُ عَلى "يَزِيدُهُمْ" لِلرَّمْزِ إلى أنَّ ذَلِكَ مَنُوطٌ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ؛ لِما أنَّهُ إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الِاسْتِمْدادِ؛ وما يَجْرِي مُجْراهُ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ؛ كَما في الأمْثِلَةِ المَذْكُورَةِ؛ وقُرِئَ: "يُمِدُّهُمْ" مِن "الإمْدادُ"؛ وهو صَرِيحٌ في أنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ لَيْسَتْ مِنَ المَدِّ في العُمْرِ؛ عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ بِاللّامِ كَـ "الإمْلاءُ"؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾؛ وحَذْفُ الجارِّ؛ وإيصالُ الفِعْلِ إلى الضَّمِيرِ - خِلافَ الأصْلِ - لا يُصارُ إلَيْهِ إلّا بِدَلِيلٍ. ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَمُدُّهُمْ"؛ والطُّغْيانُ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في كُلِّ أمْرٍ؛ والمُرادُ إفْراطُهم في العُتُوِّ؛ وغُلُوُّهم في الكُفْرِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ كَـ "لِقْيانٌ"؛ لُغَةٍ في "لُقْيانٌ"؛ وفي إضافَتِهِ إلَيْهِمْ إيذانٌ بِاخْتِصاصِهِ بِهِمْ؛ وتَأْيِيدٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن تَرَتُّبِ المَدِّ عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ. ﴿يَعْمَهُونَ﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ أوِ المَجْرُورِ؛ لِكَوْنِ المُضافِ مَصْدَرًا؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ والعَمَهُ في البَصِيرَةِ كالعَمى في البَصَرِ؛ وهو التَّحَيُّرُ؛ والتَّرَدُّدُ؛ بِحَيْثُ لا يَدْرِي أيْنَ يَتَوَجَّهُ؛ وإسْنادُ هَذا المَدِّ إلى اللَّهِ (تَعالى) - مَعَ إسْنادِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ - مُحَقِّقٌ لِقاعِدَةِ أهْلِ الحَقِّ مِن أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مُسْتَنِدٌ - مِن حَيْثُ الخَلْقُ - إلَيْهِ - سُبْحانَهُ -؛ وإنْ كانَتْ أفْعالُ العِبادِ - مِن حَيْثُ الكَسْبُ - مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ؛ والمُعْتَزِلَةُ - لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ إجْراءُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى (p-48) مَسْلَكِهِ - نَكَبُوا إلى شِعابِ التَّأْوِيلِ؛ فَأجابُوا أوَّلًا بِأنَّهم لَمّا أصَرُّوا عَلى كُفْرِهِمْ خَذَلَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ومَنَعَهم ألْطافَهُ؛ فَتَزايَدَ الرَّيْنُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَسُمِّيَ ذَلِكَ مَدَدًا في الطُّغْيانِ؛ فَأُسْنِدَ إيلاؤُهُ إلَيْهِ (تَعالى)؛ فَفي السَّنَدِ مَجازٌ لُغَوِيٌّ؛ وفي الإسْنادِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ لِلْفِعْلِ إلى المُسَبِّبِ لَهُ؛ وفاعِلُهُ الحَقِيقِيُّ هُمُ الكَفَرَةُ؛ وثانِيًا بِأنَّهُ أُرِيدَ بِالمَدِّ في الطُّغْيانِ تَرْكُ القَسْرِ والإلْحادِ؛ إلى الإيمانِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؛ فالمَجازُ في المُسْنَدِ فَقَطْ؛ وثالِثًا بِأنَّ المُرادَ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ؛ وهو فِعْلُ الشَّيْطانِ؛ لَكِنَّهُ أُسْنِدَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - مَجازًا؛ لِأنَّهُ بِتَمْكِينِهِ (تَعالى)؛ وإقْدارِهِ.

البقرة 2:16

﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ الشَّنِيعَةِ المُمَيِّزَةِ لَهم عَمَّنْ عَداهم أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ بِحَيْثُ صارُوا كَأنَّهم حُضّارٌ؛ مُشاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ وسُوءِ الحالِ؛ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾؛ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها؛ وبَيانٌ لِكَمالِ جَهالَتِهِمْ فِيما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ بِإظْهارِ غايَةِ سَماجَتِها؛ وتَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ مَن لَهُ أدْنى تَمْيِيزٍ؛ فَضْلًا عَنِ العُقَلاءِ. والضَّلالَةُ: الجَوْرُ عَنِ القَصْدِ؛ والهُدى: التَّوَجُّهُ إلَيْهِ؛ وقَدِ اسْتُعِيرَ الأوَّلُ لِلْعُدُولِ عَنِ الصَّوابِ في الدِّينِ؛ والثّانِي لِلِاسْتِقامَةِ عَلَيْهِ. والِاشْتِراءُ: اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ أخْذُها بِهِ؛ لا بَذْلُهُ لِتَحْصِيلِها؛ كَما قِيلَ؛ وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ؛ فَإنَّ المُعْتَبَرَ في عَقْدِ الشِّراءِ ومَفْهُومِهِ هو الجَلْبُ؛ دُونَ السَّلْبِ؛ الَّذِي هو المُعْتَبَرُ في عَقْدِ البَيْعِ؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بِإعْطاءِ ما في يَدِهِ - عَيْنًا كانَ كُلٌّ مِنهُما أوْ مَعْنًى -؛ لا لِلْإعْراضِ عَمّا في يَدِهِ مُحَصِّلًا بِهِ غَيْرَهُ؛ كَما قِيلَ؛ وإنِ اسْتَلْزَمَهُ؛ لِما مَرَّ سِرُّهُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: أخَذْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا ... وبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدُّرْدُرا وَبِالطَّوِيلِ العُمْرِ عُمْرًا جَيْدَرا ... كَما اشْتَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا فاشْتِراءُ الضَّلالَةِ بِالهُدى مُسْتَعارٌ لِأخْذِها بَدَلًا مِنهُ أخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيها؛ والإعْراضِ عَنْهُ؛ ولَمّا اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما يُجْرى مُجْرى الثَّمَنِ حاصِلًا لِلْكَفَرَةِ قَبْلَ العَقْدِ؛ وما يُجْرى مُجْرى المَبِيعِ غَيْرَ حاصِلٍ لَهم إذْ ذاكَ؛ حَسْبَما هو في البَيْتِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الهُدى؛ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الضَّلالَةِ؛ اسْتَدْعى الحالُ تَحْقِيقَ ما جَرى مُجْرى العِوَضَيْنِ؛ فَنَقُولُ - وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ -: لَيْسَ المُرادُ بِما تُعَلِّقَ بِهِ الِاشْتِراءُ هَهُنا جِنْسَ الضَّلالَةِ الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ أصْنافِ الكَفَرَةِ؛ حَتّى تَكُونَ حاصِلَةً لَهم مِن قَبْلُ؛ بَلْ هو فَرْدُها الكامِلُ الخاصُّ بِهَؤُلاءِ؛ عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ؛ وهو عَمَهُهُمُ المَقْرُونُ بِالمَدِّ في الطُّغْيانِ؛ المُتَرَتِّبُ عَلى ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ؛ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ لَهم عِنْدَ اليَأْسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ؛ والخَتْمِ عَلى قُلُوبِهِمْ؛ وكَذا لَيْسَ المُرادُ بِما في حَيِّزِ الثَّمَنِ نَفْسَ الهُدى؛ بَلْ هو التَّمَكُّنُ التّامُّ مِنهُ؛ بِتَعاضُدِ الأسْبابِ؛ وتَأْخُذُ المُقَدِّماتُ المُسْتَتْبِعَةُ لَهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى؛ بِجامِعِ المُشارَكَةِ في اسْتِتْباعِ الجَدْوى؛ ولا مِرْيَةَ في أنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّمَكُّنِ كانَتْ حاصِلَةً لَهم بِما شاهَدُوهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ والمُعْجِزاتِ القاهِرَةِ؛ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وبِما سَمِعُوهُ مِن نَصائِحِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الإفْسادِ في الأرْضِ؛ والأمْرِ بِالإيمانِ الصَّحِيحِ؛ وقَدْ نَبَذُوها وراءَ ظُهُورِهِمْ؛ وأخَذُوا بَدَلَها الضَّلالَةَ الهائِلَةَ الَّتِي هي العَمَهُ في تِيهِ الطُّغْيانِ؛ وحَمْلُ الهُدى عَلى الفِطْرَةِ الأصْلِيَّةِ الحاصِلَةِ لِكُلِّ أحَدٍ يَأْباهُ أنَّ إضاعَتَها غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَؤُلاءِ؛ ولَئِنْ حُمِلَتْ عَلى الإضاعَةِ التّامَّةِ الواصِلَةِ إلى حَدِّ الخَتْمِ عَلى القُلُوبِ المُخْتَصَّةِ (p-49)بِهِمْ فَلَيْسَ في إضاعَتِها فَقَطْ مِنَ الشَّناعَةِ ما في إضاعَتِها مَعَ مُؤَيِّدِها مِنَ المُؤَيِّداتِ العَقْلِيَّةِ؛ والنَّقْلِيَّةِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ يَقْضِي إلى كَوْنِ ذِكْرِ ما فُصِّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا ضائِعًا؛ وأبْعَدُ مِنهُ حَمْلُ اشْتِراءِ الضَّلالَةِ بِالهُدى عَلى مُجَرَّدِ اخْتِيارِها عَلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَوْنِهِ في أيْدِيهِمْ؛ بِناءً عَلى أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ اتِّساعًا في إيثارِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ الكائِنَيْنِ في شَرَفِ الوُقُوعِ عَلى الآخَرِ؛ فَإنَّهُ - مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ المَزايا المَذْكُورَةِ بِالمَرَّةِ - مُخِلٌّ بِرَوْنَقِ التَّرْشِيحِ الآتِي؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ جَعْلِ الِاشْتِراءِ المَذْكُورِ عِبارَةً عَنْ مُعامَلَتِهِمُ السّابِقَةِ المَحْكِيَّةِ؛ وهو الأنْسَبُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وأمّا إذا جُعِلَ تَرْجَمَةً عَنْ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ فالمُرادُ بِالهُدى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن مَعْرِفَةِ صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ وحَقِيقَةِ دِينِهِ؛ بِما كانُوا يُشاهِدُونَهُ مِن نُعُوتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في التَّوْراةِ؛ وقَدْ كانُوا عَلى يَقِينٍ مِنهُ؛ حَتّى كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ؛ ويَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا؛ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمٍ؛ فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ؛ كَما سَيَأْتِي؛ ولا مَساغَ لِحَمْلِ الهُدى عَلى ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ؛ فَإنَّها ضَلالَةٌ مُضاعَفَةٌ. ﴿فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ داخِلٌ في حَيِّزِها؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ مَضْمُونِهِ عَلَيْها؛ والتِّجارَةُ: صِناعَةُ التُّجّارِ؛ وهو التَّصَدِّي لِلْبَيْعِ والشِّراءِ؛ لِتَحْصِيلِ الرِّبْحِ؛ وهو الفَضْلُ؛ عَلى رَأْسِ المالِ؛ يُقالُ: رَبِحَ فُلانٌ في تِجارَتِهِ؛ أيِ اسْتَشَفَّ فِيها؛ وأصابَ الرِّبْحَ؛ وإسْنادُ عَدَمِهِ - الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الخُسْرانِ - إلَيْها؛ وهو لِأرْبابِها؛ بِناءً عَلى التَّوَسُّعِ المَبْنِيِّ عَلى ما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ؛ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَخْسِيرِهِمْ؛ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَثْرَةِ الخَسارِ وعُمُومِهِ المُسْتَتْبِعِ لِسَرايَتِهِ إلى ما يُلابِسُهُمْ؛ وإيرادُهُما إثْرَ الِاشْتِراءِ المُسْتَعارِ لِلِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ؛ وتَصْوِيرٌ لِما فاتَهم مِن فَوائِدِ الهُدى؛ بِصُورَةِ خَسارِ التِّجارَةِ؛ الَّذِي يَتَحاشا عَنْهُ كُلُّ أحَدٍ؛ لِلْإشْباعِ في التَّخْسِيرِ؛ والتَّحْسِيرِ؛ ولا يُنافِي ذَلِكَ أنَّ التِّجارَةَ في نَفْسِها اسْتِعارَةٌ لِانْهِماكِهِمْ فِيما هم عَلَيْهِ مِن إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى؛ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ؛ مُعْرِبَةٌ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ صِناعَةً لَهم راسِخَةً؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورِيّاتِ التَّرْشِيحِ أنْ يَكُونَ باقِيًا عَلى الحَقِيقَةِ؛ تابِعًا لِلِاسْتِعارَةِ؛ لا يُقْصَدُ بِهِ إلّا تَقْوِيَتُها؛ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ أسَدًا وافِيَ البَراثِنِ؛ فَإنَّكَ لا تُرِيدُ بِهِ إلّا زِيادَةَ تَصْوِيرٍ لِلشُّجاعِ؛ وأنَّهُ أسَدٌ كامِلٌ مِن غَيْرِ أنْ تُرِيدَ بِلَفْظِ البَراثِنِ مَعْنًى آخَرَ؛ بَلْ قَدْ يَكُونُ مُسْتَعارًا مِن مُلائِمِ المُسْتَعارِ مِنهُ؛ لِمُلائِمِ المُسْتَعارِ لَهُ؛ ومَعَ ذَلِكَ يَكُونُ تَرْشِيحًا لِأصْلِ الِاسْتِعارَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ فَلَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دَأْيَةٍ ∗∗∗ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي فَإنَّ لَفْظَ الوَكْرَيْنِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعارًا مِن مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ؛ الَّذِي هو مَوْضِعٌ يَتَّخِذُهُ الطّائِرُ لِلتَّفْرِيخِ؛ لِلرَّأْسِ واللِّحْيَةِ؛ أوْ لِلْفَوْدَيْنِ؛ أعْنِي جانِبَيِ الرَّأْسِ - تَرْشِيحٌ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ الأصْلِيِّ لِاسْتِعارَةِ لَفْظِ النَّسْرِ لِلشَّيْبِ؛ ولَفْظِ ابْنِ دَأْيَةٍ لِلشَّعْرِ الأسْوَدِ؛ وكَذا لَفْظُ التَّعْشِيشِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسْتَعارًا لِلْحُلُولِ والنُّزُولِ المُسْتَمِرَّيْنِ - تَرْشِيحٌ لِتَيْنِكَ الِاسْتِعارَتَيْنِ؛ بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ؛ وقُرِئَ: "تِجاراتُهُمْ"؛ وتَعَدُّدُها لِتَعَدُّدِ المُضافِ إلَيْهِمْ؛ ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ إلى طُرُقِ التِّجارَةِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ مِنها سَلامَةُ رَأْسِ المالِ مَعَ حُصُولِ الرِّبْحِ؛ ولَئِنْ فاتَ الرِّبْحُ في صَفْقَةٍ فَرُبَّما يُتَدارَكُ في صَفْقَةٍ أُخْرى؛ لِبَقاءِ الأصْلِ؛ وأمّا إتْلافُ الكُلِّ بِالمَرَّةِ فَلَيْسَ مِن بابِ التِّجارَةِ قَطْعًا؛ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ كانَ رَأْسُ مالِهِمُ الهُدى قَدِ اسْتَبْدَلُوا بِها الضَّلالَةَ؛ فَأضاعُوا كِلْتا الطِّلْبَتَيْنِ؛ فَبَقُوا خائِبِينَ؛ خاسِرِينَ؛ نائِينَ عَنْ طَرِيقِ التِّجارَةِ بِألْفِ مَنزِلٍ؛ فالجُمْلَةُ راجِعَةٌ إلى التَّرْشِيحِ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ مُشارِكَةٌ لَهُ في التَّرْتِيبِ عَلى الِاشْتِراءِ (p-50) المَذْكُورِ؛ والأوْلى عَطْفُها عَلى "اشْتَرَوُا"؛ إلَخْ.

البقرة 2:17

﴿مَثَلُهُمْ﴾: زِيادَةُ كَشْفٍ لِحالِهِمْ؛ وتَصْوِيرٌ لَها غِبَّ تَصْوِيرِها بِصُورَةِ ما يُؤَدِّي إلى الخَسارِ بِحَسَبِ المَآلِ بِصُورَةِ ما يُفْضِي إلى الخَسارِ مِن حَيْثُ النَّفْسُ؛ تَهْوِيلًا لَها؛ وإبانَةً لِفَظاعَتِها؛ فَإنَّ التَّمْثِيلَ ألْطَفُ ذَرِيعَةٍ إلى تَسْخِيرِ الوَهْمِ لِلْعَقْلِ؛ واسْتِنْزالِهِ مِن مَقامِ الِاسْتِعْصاءِ عَلَيْهِ؛ وأقْوى وسِيلَةٍ إلى تَفْهِيمِ الجاهِلِ الغَبِيِّ؛ وقَمْعِ سُورَةِ الجامِحِ الأبِيِّ؛ كَيْفَ لا.. وهو رَفْعُ الحِجابِ عَنْ وُجُوهِ المَعْقُولاتِ الخَفِيَّةِ؛ وإبْرازٌ لَها في مَعْرِضِ المَحْسُوساتِ الجَلِيَّةِ؛ وإبْداءٌ لِلْمُنْكَرِ في صُورَةِ المَعْرُوفِ؛ وإظْهارٌ لِلْوَحْشِيِّ في هَيْئَةِ المَأْلُوفِ؟ و"المَثَلُ" في الأصْلِ بِمَعْنى "المِثْلُ"؛ و"النَّظِيرُ"؛ يُقالُ: "مِثْلٌ"؛ و"مَثَلٌ"؛ و"مَثِيلٌ؛ كَـ "شِبْهٌ"؛ و"شَبَهٌ"؛ و"شَبِيهٌ"؛ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَوْلِ السّائِرِ الَّذِي يُمَثِّلُ مَضْرِبُهُ بِمَوْرِدِهِ؛ وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا قَوْلًا بَدِيعًا؛ فِيهِ غَرابَةٌ صَيَّرَتْهُ جَدِيرًا بِالتَّسْيِيرِ في البِلادِ؛ وخَلِيقًا بِالقَبُولِ فِيما بَيْنَ كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ؛ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ حالٍ؛ أوْ صِفَةٍ؛ أوْ قِصَّةٍ لَها شَأْنٌ عَجِيبٌ؛ وخَطَرٌ غَرِيبٌ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُلاحَظَ بَيْنَها وبَيْنَ شَيْءٍ آخَرَ تَشْبِيهٌ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾؛ أيِ الوَصْفُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ؛ وخَطَرٌ جَلِيلٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾؛ أيْ قِصَّتِها العَجِيبَةِ الشَّأْنِ. ﴿كَمَثَلِ الَّذِي﴾: أيْ "الَّذِينَ"؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾؛ خَلا أنَّهُ وُحِّدَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْتَوْقَدَ نارًا﴾؛ نَظَرًا إلى الصُّورَةِ؛ وإنَّما جازَ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ جَوازِ وضْعِ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بِالوَصْفِ هي الجُمْلَةُ الواقِعَةُ صِلَةً لَهُ؛ دُونَ نَفْسِهِ؛ بَلْ إنَّما هو وصْلَةٌ لِوَصْفِ المَعارِفِ بِها؛ ولِأنَّهُ حَقِيقٌ بِالتَّخْفِيفِ لِاسْتِطالَتِهِ بِصِلَتِهِ؛ ولِذَلِكَ بُولِغَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ ياؤُهُ؛ ثُمَّ كَسْرَتُهُ؛ ثُمَّ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في أسْماءِ الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ؛ ولِأنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ تامٍّ؛ بَلْ هو كَجُزْئِهِ؛ فَحَقُّهُ أنْ يُجْمَعَ؛ ويَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والمُتَعَدِّدُ؛ كَما هو شَأْنُ أخَواتِهِ؛ ولَيْسَ "الَّذِينَ" جَمْعَهُ المُصَحَّحَ؛ بَلِ النُّونُ فِيهِ مَزِيدَةٌ لِلدَّلالَةِ عَلى زِيادَةِ المَعْنى؛ ولِذَلِكَ جاءَ بِالياءِ أبَدًا؛ عَلى اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ؛ أوْ قُصِدَ بِهِ جِنْسُ المُسْتَوْقِدِ؛ أوِ الفَوْجُ؛ أوِ الفَرِيقُ المُسْتَوْقِدُ؛ والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ؛ مُضِيءٌ؛ حارٌّ؛ مُحْرِقٌ؛ واشْتِقاقُها مِن "نارَ؛ يَنُورُ"؛ إذا نَفَرَ؛ لِأنَّ فِيها حَرَكَةً واضْطِرابًا؛ واسْتِيقادُها: طَلَبُ وُقُودِها؛ أيْ سُطُوعِها؛ وارْتِفاعِ لَهَبِها؛ وتَنْكِيرُها لِلتَّفْخِيمِ. ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾: الإضاءَةُ فَرْطُ الإنارَةِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾؛ وتَجِيءُ مُتَعَدِّيَةً؛ ولازِمَةً؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِها عَلى الِاسْتِيقادِ؛ أيْ: فَلَمّا أضاءَتِ النّارُ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ؛ أوْ: فَلَمّا أضاءَ ما حَوْلَهُ؛ والتَّأْنِيثُ لِكَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الأماكِنِ والأشْياءِ؛ أوْ: أضاءَتِ النّارُ نَفْسَها فِيما حَوْلَهُ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظَرْفٌ لِإشْراقِ النّارِ المُنَزَلِ مَنزِلَتَها؛ لا لِنَفْسِها؛ أوْ "ما" مَزِيدَةٌ؛ وحَوْلَهُ ظَرْفٌ؛ وتَأْلِيفُ الحَوْلِ لِلدَّوَرانِ؛ وقِيلَ لِـ "العامُ"؛ "حَوْلٌ"؛ لِأنَّهُ يَدُورُ. ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾: النُّورُ ضَوْءُ كُلِّ نَيِّرٍ؛ واشْتِقاقُهُ مِنَ النّارِ؛ والضَّمِيرُ لِـ "الَّذِي"؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ أيْ: أطْفَأ اللَّهُ نارَهُمُ الَّتِي هي مَدارُ نُورِهِمْ؛ وإنَّما عَلَّقَ الإذْهابَ بِالنُّورِ؛ دُونَ نَفْسِ النّارِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالِاسْتِيقادِ؛ لا الِاسْتِدْفاءُ؛ ونَحْوُهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلَمّا أضاءَتْ﴾؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: "فَلَمّا شَبَّ ضِرامُها"؛ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ وهو جَوابٌ لِـ "ما"؛ أوِ اسْتِئْنافٌ أُجِيبَ بِهِ عَنْ سُؤالِ سائِلٍ يَقُولُ: (p-51) ما بالُهم أشْبَهَتْ حالُهم حالَ مُسْتَوْقِدٍ انْطَفَأتْ نارُهُ؟ أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ؛ عَلى وجْهِ البَيانِ؛ والضَّمِيرُ عَلى الوَجْهَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾؛ لِلْإيجازِ؛ والأمْنِ مِنَ الإلْباسِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ خَمَدَتْ فَبَقُوا في الظُّلُماتِ؛ خابِطِينَ؛ مُتَحَيِّرِينَ؛ خائِبِينَ بَعْدَ الكَدْحِ في إحْيائِها؛ وإسْنادُ الإذْهابِ إلى اللَّهِ (تَعالى) إمّا لِأنَّ الكُلَّ بِخَلْقِهِ (تَعالى)؛ وإمّا لِأنَّ الِانْطِفاءَ حَصَلَ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ؛ أوْ أمْرٍ سَماوِيٍّ؛ كَرِيحٍ أوْ مَطَرٍ؛ وإمّا لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما يُؤْذِنُ بِهِ تَعْدِيَةُ الفِعْلِ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ؛ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِصْحابِ والإمْساكِ؛ يُقالُ: ذَهَبَ السُّلْطانُ بِمالِهِ؛ إذا أخَذَهُ؛ وما أخَذَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَأمْسَكَهُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ؛ ولِذَلِكَ عُدِلَ عَنِ الضَّوْءِ؛ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ؛ إلى النُّورِ؛ لِأنَّ ذَهابَ الضَّوْءِ قَدْ يُجامِعُ بَقاءَ النُّورِ في الجُمْلَةِ؛ لِعَدَمِ اسْتِلْزامِ عَدَمِ القَوِيِّ؛ لِعَدَمِ الضَّعِيفِ؛ والمُرادُ إزالَتُهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾؛ فَإنَّ الظُّلْمَةَ الَّتِي هي عَدَمُ النُّورِ؛ وانْطِماسُهُ بِالمَرَّةِ - لا سِيَّما إذا كانَتْ مُتَضاعِفَةً؛ مُتَراكِمَةً مُتَراكِبًا بَعْضُها عَلى بَعْضٍ؛ كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ والتَّنْكِيرُ التَّفْخِيمِيُّ -؛ وما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾؛ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بَعْدَ أنْ لا يَبْقى مِنَ النُّورِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ؛ وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالنُّورِ ما لا يَرْضى بِهِ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ النّارِ المَجازِيَّةِ؛ الَّتِي هي نارُ الفِتْنَةِ والفَسادِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾؛ ووَصْفُها بِإضاءَةِ ما حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ مِن بابِ التَّرْشِيحِ؛ أوِ النّارُ الحَقِيقَةُ الَّتِي يُوقِدُها الغُواةُ لِيَتَوَصَّلُوا بِها إلى بَعْضِ المَعاصِي؛ ويَهْتَدُوا بِها في طُرُقِ العَيْثِ والفَسادِ؛ فَأطْفَأها اللَّهُ (تَعالى)؛ وخَيَّبَ آمالَهم. و"تَرَكَ" في الأصْلِ بِمَعْنى "طَرَحَ"؛ و"خَلّى"؛ ولَهُ مَفْعُولٌ واحِدٌ؛ فَضُمِّنَ مَعْنى التَّصْيِيرِ؛ فَجَرى مُجْرى أفْعالِ القُلُوبِ؛ قالَ: ؎ فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ ∗∗∗ يَقْضَمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ والظُّلْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا؟ أيْ: ما مَنَعَكَ؟ لِأنَّها تَسُدُّ البَصَرَ؛ وتَمْنَعُهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ وقُرِئَ: "فِي ظُلْماتٍ"؛ بِسُكُونِ اللّامِ؛ و"فِي ظُلْمَةٍ"؛ بِالتَّوْحِيدِ. ومَفْعُولُ "لا يُبْصِرُونَ"؛ مِن قَبِيلِ المَطْرُوحِ؛ كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ والمَعْنى أنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ؛ الَّتِي هي اشْتِراؤُهُمُ الضَّلالَةَ - الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ظُلْمَتَيِ الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِظُلْمَةِ سُخْطِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وظُلْمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾؛ وظُلْمَةِ العِقابِ السَّرْمَدِيِّ - بِالهُدى؛ الَّذِي هو النُّورُ الفِطْرِيُّ المُؤَيَّدُ بِما شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ الحَقِّ؛ أوْ بِالهُدى الَّذِي كانُوا حَصَّلُوهُ مِنَ التَّوْراةِ؛ حَسْبَما ذُكِرَ؛ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا عَظِيمَةً؛ حَتّى يَكادَ يَنْتَفِعُ بِها؛ فَأطْفَأها اللَّهُ (تَعالى)؛ وتَرَكَهُ في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ؛ لا يَتَسَنّى فِيها الإبْصارُ.

البقرة 2:18

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾: أخْبارٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ هو ضَمِيرُ المُنافِقِينَ؛ أوْ خَبَرٌ واحِدٌ؛ بِالتَّأْوِيلِ المَشْهُورِ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ. والصَّمَمُ آفَةٌ مانِعَةٌ مِنَ السَّماعِ؛ وأصْلُهُ الصَّلابَةُ؛ واكْتِنازُ الأجْزاءِ؛ ومِنهُ: الحَجَرُ الأصَمُّ؛ والقَناةُ الصَّمّاءُ؛ وصِمامُ القارُورَةِ سِدادُها؛ سُمِّيَ بِهِ فِقْدانُ حاسَّةِ السَّمْعِ؛ لِما أنَّ سَبَبَهُ اكْتِنازُ باطِنِ الصِّماخِ؛ وانْسِدادُ مَنافِذِهِ؛ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَدْخُلُهُ هَواءٌ يَحْصُلُ الصَّوْتُ بِتَمَوُّجِهِ. والبَكَمُ: الخَرَسُ؛ والعَمى عَدَمُ البَصَرِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يُبْصَرَ؛ وُصِفُوا بِذَلِكَ مَعَ سَلامَةِ مَشاعِرِهِمُ المَعْدُودَةِ؛ لِما أنَّهم حَيْثُ سَدُّوا مَسامِعَهم عَنِ الإصاخَةِ لِما يُتْلى عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ والذِّكْرِ الحَكِيمِ؛ وأبَوْا أنْ يَتَلَقَّوْها بِالقَبُولِ؛ ويُنْطِقُوا بِها ألْسِنَتَهُمْ؛ ولَمْ يَجْتَلُوا ما شاهَدُوا مِنَ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدَيْ رَسُولِ (p-52) اللَّهِ ﷺ؛ ولَمْ يَنْظُرُوا إلى آياتِ التَّوْحِيدِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ بِعَيْنِ التَّدَبُّرِ؛ وأصَرُّوا عَلى ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُمُ احْتِمالُ الِارْعِواءِ عَنْهُ؛ صارُوا كَفاقِدِي تِلْكَ المَشاعِرِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وهَذا عِنْدَ مُفْلِقِي سَحَرَةِ البَيانِ مِن بابِ التَّمْثِيلِ البَلِيغِ المُؤَسَّسِ عَلى تَناسِي التَّشْبِيهِ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ ويَصْعَدُ حَتّى يَظُنَّ الجَهُولُ ∗∗∗ بِأنَّ لَهُ حاجَةً في السَّماءْ لِما أنَّ المُقَدَّرَ في النَّظْمِ في حُكْمِ المَلْفُوظِ؛ لا مِن قَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ الَّتِي يُطْوى فِيها ذِكْرُ المُسْتَعارِ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ حَتّى لَوْ لَمْ يَكُنْ هُناكَ قَرِينَةٌ لِحَمْلٍ عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ؛ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ؎ لَدى أسَدٍ شاكِي السِّلاحِ مُقَذَّفٍ ∗∗∗ لَهُ لِبَدٌ أظْفارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ ﴿فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: هم - بِسَبَبِ اتِّصافِهِمْ بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ - لا يَعُودُونَ إلى الهُدى الَّذِي تَرَكُوهُ وضَيَّعُوهُ؛ أوْ عَنِ الضَّلالَةِ الَّتِي أخَذُوها؛ والآيَةُ نَتِيجَةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ مُفِيدَةٌ لِزِيادَةِ تَهْوِيلٍ وتَفْظِيعٍ؛ فَإنَّ قُصارى أمْرِ التَّمْثِيلِ بَقاؤُهم في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِمَشْعَرَيِ السَّمْعِ والنُّطْقِ؛ ولِاخْتِلالِ مَشْعَرِ الإبْصارِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ المُقَدَّرُ؛ وما بَعْدَهُ لِلْمَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى كالضَّمائِرِ المُتَقَدِّمَةِ؛ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَتِمَّةٌ لِلتَّمْثِيلِ؛ وتَكْمِيلٌ لَهُ؛ بِأنَّ ما أصابَهم لَيْسَ مُجَرَّدَ انْطِفاءِ نارِهِمْ؛ وبَقائِهِمْ في ظُلُماتٍ كَثِيفَةٍ هائِلَةٍ؛ مَعَ بَقاءِ حاسَّةِ البَصَرِ بِحالِها؛ بَلِ اخْتَلَّتْ مَشاعِرُهم جَمِيعًا؛ واتَّصَفُوا بِتِلْكَ الصِّفاتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ؛ أوِ الحَقِيقَةِ؛ فَبَقُوا جامِدِينَ في مَكاناتِهِمْ لا يَرْجِعُونَ؛ ولا يَدْرُونَ أيَتَقَدَّمُونَ أمْ يَتَأخَّرُونَ؛ وكَيْفَ يَرْجِعُونَ إلى ما ابْتَدَؤُوا مِنهُ. والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِمْ. وقُرِئَ: "صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا"؛ إمّا عَلى الذَّمِّ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَمّالَةَ الحَطَبِ﴾؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هُمُ المُنافِقُونَ؛ أوِ المُسْتَوْقِدُونَ؛ وإمّا عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في "تَرَكَهُمْ"؛ أوِ المَرْفُوعِ في "لا يُبْصِرُونَ"؛ وإمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "تَرَكَهُمْ"؛ فالضَّمِيرانِ لِلْمُسْتَوْقِدِينَ.

البقرة 2:19

﴿أوْ كَصَيِّبٍ﴾: تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ إثْرَ تَمْثِيلٍ؛ لِيَعُمَّ البَيانُ مِنها كُلَّ دَقِيقٍ وجَلِيلٍ؛ ويُوَفّى حَقُّها مِنَ التَّفْظِيعِ والتَّهْوِيلِ؛ فَإنَّ تَفَنُّنَهم في فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ؛ وتَنَقُّلَهم فِيها مِن حالٍ إلى حالِ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُضْرَبَ في شَأْنِهِ الأمْثالُ؛ ويُرْخى في حَلْبَتِهِ أعِنَّةُ المَقالِ؛ ويُمَدَّ لِشَرْحِهِ أطْنابُ الإطْنابِ؛ ويُعْقَدَ لِأجْلِهِ فُصُولٌ وأبْوابٌ؛ لِما أنَّ كُلَّ كَلامِ لَهُ حَظٌّ مِنَ البَلاغَةِ؛ وقِسْطٌ مِنَ الجَزالَةِ والبَراعَةِ؛ لا بُدَّ أنْ يُوَفّى فِيهِ حَقُّ كُلٍّ مِن مَقامَيِ الإطْنابِ والإيجازِ؛ فَما ظَنُّكَ بِما في ذُرْوَةِ الإعْجازِ مِنَ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ ولَقَدْ نُعِيَ عَلَيْهِمْ في هَذا التَّمْثِيلِ تَفاصِيلُ جِناياتِهِمْ؛ وهو عَطْفٌ عَلى الأوَّلِ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ لِما سَيَأْتِي مِنَ الضَّمائِرِ المُسْتَدْعِيَةِ لِذَلِكَ؛ أيْ: كَمَثَلِ ذَوِي صَيِّبٍ. وكَلِمَةُ "أوْ" لِلْإيذانِ بِتَساوِي القِصَّتَيْنِ في الِاسْتِقْلالِ بِوَجْهِ التَّشْبِيهِ؛ وبِصِحَّةِ التَّمْثِيلِ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما؛ وبِهِما مَعًا. و"الصَّيِّبُ": "فَيْعِلٌ"؛ مِن "الصَّوْبُ"؛ وهو النُّزُولُ الَّذِي لَهُ وقْعٌ وتَأْثِيرٌ؛ يُطْلَقُ عَلى المَطَرِ؛ وعَلى السَّحابِ؛ قالَ الشَّمّاخُ: ؎ عَفا آيَهُ نَسْجُ الجَنُوبِ مَعَ الصَّبا ∗∗∗ وأسْحَمُ دانٍ صادِقُ الوَعْدِ صَيِّبُ وَلَعَلَّ الأوَّلَ هو المُرادُ هَهُنا؛ لِاسْتِلْزامِهِ الثّانِي؛ وتَنْكِيرُهُ لِما أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنهُ شَدِيدٌ هائِلٌ؛ كالنّارِ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ؛ وأُمِدَّ بِهِ ما فِيهِ مِنَ المُبالَغاتِ مِن جِهَةِ مادَّتِهِ الأُولى؛ الَّتِي هي الصّادُ المُسْتَعْلِيَةُ؛ والياءُ المُشَدَّدَةُ؛ والباءُ الشَّدِيدَةُ؛ ومادَّتِهِ (p-53)الثّانِيَةِ؛ أعْنِي "الصَّوْبُ"؛ المُنْبِئَ عَنْ شِدَّةِ الِانْسِكابِ؛ ومِن جِهَةِ بِنائِهِ الدّالِّ عَلى الثَّباتِ؛ وقُرِئَ: "أوْ كَصائِبٍ". ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "صَيِّبٍ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ هَذِهِ المِظَلَّةُ؛ وهي في الأصْلِ كُلُّ ما عَلاكَ مِن سَقْفٍ؛ ونَحْوِهِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّها مَوْجٌ مَكْفُوفٌ؛ أيْ مَمْنُوعٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ السَّيَلانِ؛ وتَعْرِيفُها لِلْإيذانِ بِأنَّ انْبِعاثَ الصَّيِّبِ لَيْسَ مِن أُفُقٍ واحِدٍ؛ فَإنَّ كُلَّ أُفُقٍ مِن آفاقِها - أيْ كُلَّ ما يُحِيطُ بِهِ كُلُّ أُفُقٍ مِنها - سَماءٌ عَلى حِدَةٍ؛ قالَ: ؎ ∗∗∗ ومِن بُعْدِ أرْضٍ بَيْنَنا وسَماءِ كَما أنَّ كُلَّ طَبَقَةٍ مِن طِباقِها سَماءٌ؛ قالَ (تَعالى): ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾؛ والمَعْنى أنَّهُ صَيِّبٌ عامٌّ؛ نازِلٌ مِن غَمامٍ مُطْبِقٍ؛ آخِذٍ بِالآفاقِ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالسَّماءِ السَّحابُ؛ واللّامُ لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ. ﴿فِيهِ ظُلُماتٌ﴾: أيْ: أنْواعٌ مِنها؛ وهِيَ: ظُلْمَةُ تَكاثُفِهِ وانْتِساجِهِ بِتَتابُعِ القَطْرِ؛ وظُلْمَةُ إظْلالِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الغَمامِ الأسْحَمِ المُطْبِقِ الآخِذِ بِالآفاقِ؛ مَعَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ؛ وجَعَلَهُ مَحَلًّا لَها مَعَ أنَّ بَعْضَها لِغَيْرِهِ؛ كَظُلْمَتَيِ الغَمامِ؛ واللَّيْلِ؛ لِما أنَّهُما جُعِلَتا مِن تَوابِعِ ظُلْمَتِهِ؛ مُبالَغَةً في شِدَّتِهِ؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِهِ؛ وإيذانًا بِأنَّهُ مِنَ الشِّدَّةِ والهَوْلِ بِحَيْثُ تَغْمُرُ ظُلْمَتُهُ ظُلُماتِ اللَّيْلِ والغَمامِ؛ وهو السِّرُّ في عَدَمِ جَعْلِ الظُّلُماتِ هو الأصْلَ المُسْتَتْبِعَ لِلْبَواقِي؛ مَعَ ظُهُورِ ظَرْفِيَّتِها لِلْكُلِّ؛ إذْ لَوْ قِيلَ: "أوْ كَظُلُماتٍ فِيها صَيِّبٌ"؛ إلَخْ.. لَما أفادَ أنَّ لِلصَّيِّبِ ظُلْمَةً خاصَّةً بِهِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها غالِبَةً عَلى غَيْرِها. ﴿وَرَعْدٌ﴾: وهو صَوْتٌ يُسْمَعُ مِنَ السَّحابِ؛ والمَشْهُورُ أنَّهُ يَحْدُثُ مِنَ اصْطِكاكِ أجْرامِ السَّحابِ بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ أوْ مِنَ انْقِلاعِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ؛ عِنْدَ اضْطِرابِها بِسَوْقِ الرِّياحِ إيّاهُ سَوْقًا عَنِيفًا. ﴿وَبَرْقٌ﴾: وهو ما يَلْمَعُ مِنَ السَّحابِ؛ مِن "بَرَقَ الشَّيْءُ بَرِيقًا"؛ أيْ: "لَمَعَ"؛ وكِلاهُما في الأصْلِ مَصْدَرٌ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعا؛ وكَوْنُهُما في الصَّيِّبِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما في أعْلاهُ ومَصَبِّهِ؛ ووُصُولِ أثَرِهِما إلَيْهِ؛ وكَوْنِهِما في الظُّلُماتِ الكائِنَةِ فِيهِ. والتَّنْوِينُ في الكُلِّ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "فِيهِ ظُلُماتٌ شَدِيدَةٌ داجِيَةٌ؛ ورَعْدٌ قاصِفٌ؛ وبَرْقٌ خاطِفٌ"؛ وارْتِفاعُ الجَمِيعِ بِالظَّرْفِ عَلى الفاعِلِيَّةِ؛ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ العَمَلِ بِالِاتِّفاقِ؛ وقِيلَ: بِالِابْتِداءِ؛ والجُمْلَةُ إمّا صِفَةٌ لِـ "صَيِّبٍ"؛ أوْ حالٌ مِنهُ؛ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ؛ أوْ بِالعَمَلِ فِيما بَعْدَهُ مِنَ الجارِّ؛ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الظَّرْفِ الأوَّلِ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِـ "صَيِّبٍ"؛ والضَّمائِرُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾؛ لِلْمُضافِ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَهُ المُضافُ إلَيْهِ؛ فَإنَّ مَعْناهُ باقٍ؛ وإنْ حُذِفَ لَفْظُهُ؛ تَعْوِيلًا عَلى الدَّلِيلِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾؛ فَإنَّ الضَّمِيرَ لِلْأهْلِ؛ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما قامَ مَقامَهُ مِنَ القَرْيَةِ؛ قالَ حَسّانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎ يَسْقُونَ مَن ورَدَ البَرِيصَ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ بَرَدى يُصَفَّقُ بِالرَّحِيقِ السَّلْسَلِ فَإنَّ تَذْكِيرَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في يُصَفَّقُ لِرُجُوعِهِ إلى الماءِ المُضافِ إلى بَرَدى؛ وإلّا لَأنَّثَ حَتْمًا؛ وإيثارًا لِجَعْلِ المُنْبِئِ عَنْ دَوامِ المُلابَسَةِ واسْتِمْرارِ الِاسْتِقْرارِ عَلى الإدْخالِ المُفِيدِ لِمُجَرَّدِ الِانْتِقالِ مِنَ الخارِجِ إلى الدّاخِلِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ سَدِّ المَسامِعِ؛ بِاعْتِبارِ الزَّمانِ؛ كَما أنَّ إيرادَ الأصابِعِ بَدَلَ الأنامِلِ لِلْإشْباعِ في بَيانِ سَدِّها؛ بِاعْتِبارِ الذّاتِ؛ كَأنَّهم سَدُّوها بِجُمْلَتِها؛ لا بِأنامِلِها فَحَسْبُ؛ كَما هو المُعْتادُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا إيماءً إلى كَمالِ حَيْرَتِهِمْ؛ وفَرْطِ دَهْشَتِهِمْ؛ وبُلُوغِهِمْ إلى حَيْثُ لا يَهْتَدُونَ إلى اسْتِعْمالِ الجَوارِحِ عَلى النَّهْجِ المُعْتادِ؛ وكَذا الحالُ في عَدَمِ تَعْيِينِ الأُصْبُعِ المُعْتادَةِ؛ أعْنِي السَّبّابَةَ؛ وقِيلَ: ذَلِكَ لِرِعايَةِ الأدَبِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمُ الهائِلَةِ: فَماذا يَصْنَعُونَ في تَضاعِيفِ تِلْكَ الشِّدَّةِ؟ فَقِيلَ: يَجْعَلُونَ.. إلَخْ.. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ الصَّواعِقِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَجْعَلُونَ"؛ أيْ: مِن أجْلِ الصَّواعِقِ المُقارِنَةِ لِلرَّعْدِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: سَقاهُ مِنَ (p-54) العَيْمَةِ؛ والصّاعِقَةُ قَصْفَةُ رَعْدٍ هائِلٍ؛ تَنْقَضُّ مَعَها بَثْقَةُ نارٍ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ إلّا أتَتْ عَلَيْهِ؛ مِن "الصَّعْقُ"؛ وهو شِدَّةُ الصَّوْتِ؛ وبِناؤُها إمّا أنْ يَكُونَ صِفَةً لِقَصْفَةِ الرَّعْدِ؛ أوْ لِلرَّعْدِ؛ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في الرِّوايَةِ؛ أوْ مَصْدَرًا كَـ "العافِيَةُ"؛ وقَدْ تُطْلَقُ عَلى كُلِّ هائِلٍ مَسْمُوعٍ؛ أوْ مُشاهَدٍ؛ يُقالُ: صَعَقَتْهُ الصّاعِقَةُ؛ إذا أهْلَكَتْهُ بِالإحْراقِ؛ أوْ بِشِدَّةِ الصَّوْتِ. وسَدُّ الآذانِ إنَّما يُفِيدُ عَلى التَّقْدِيرِ الثّانِي؛ دُونَ الأوَّلِ؛ وقُرِئَ: "مِنَ الصَّواقِعِ"؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِقَلْبٍ مِن "الصَّواعِقُ"؛ لِاسْتِواءِ كِلا البِناءَيْنِ في التَّصَرُّفِ؛ يُقالُ: "صَقَعَ الدِّيكُ"؛ و"خَطِيبٌ مِصْقَعٌ"؛ أيْ مُجْهِرٌ بِخُطْبَتِهِ. ﴿حَذَرَ المَوْتِ﴾: مَنصُوبٌ بِـ "يَجْعَلُونَ"؛ عَلى العِلَّةِ؛ وإنْ كانَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ؛ كَقَوْلِهِ: ؎ وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ ∗∗∗ وأصْفَحُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّما وَلا ضَيْرَ في تَعَدُّدِ المَفْعُولِ لَهُ؛ فَإنَّ الفِعْلَ يُعَلَّلُ بِعِلَلٍ شَتّى؛ وقِيلَ: هو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: يَحْذَرُونَ حَذَرًا مِثْلَ حَذَرِ المَوْتِ. والحَذَرُ والحِذارُ هو شِدَّةُ الخَوْفِ؛ وقُرِئَ: "حِذارَ المَوْتِ"؛ والمَوْتُ زَوالُ الحَياةِ؛ وقِيلَ: عَرَضٌ يُضادُّها؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾؛ ورُدَّ بِأنَّ الخَلْقَ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ؛ والإعْدامُ مُقَدَّرَةٌ. ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾: أيْ لا يَفُوتُونَهُ؛ كَما لا يَفُوتُ المُحاطُ بِهِ المُحِيطَ؛ شَبَّهَ شُمُولَ قدرته (تَعالى) لَهُمْ؛ وانْطِواءَ مَلَكُوتِهِ عَلَيْهِمْ؛ بِإحاطَةِ المُحِيطِ بِما أحاطَ بِهِ؛ في اسْتِحالَةِ الفَوْتِ؛ أوْ شَبَّهَ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ مِن شُئُونِهِ (تَعالى) مَعَهم؛ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن أحْوالِ المُحِيطِ مَعَ المُحاطِ؛ فالِاسْتِعارَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ في الصِّفَةِ؛ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى ما في مَصْدَرِها مِنَ الِاسْتِعارَةِ؛ والمَبْنِيَّةُ عَلى الثّانِي تَمْثِيلِيَّةٌ؛ قَدِ اقْتُصِرَ مِن طَرَفِ المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو العُمْدَةُ في انْتِزاعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ أعْنِي الإحاطَةَ؛ والباقِي مَنَوِيٌّ بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها يَحْصُلُ التَّرْكِيبُ المُعْتَبَرُ في التَّمْثِيلِ؛ كَما مَرَّ تَحْرِيرُهُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ ما صَنَعُوا مِن سَدِّ الآذانِ بِالأصابِعِ لا يُغْنِي عَنْهم شَيْئًا؛ فَإنَّ القَدَرَ لا يُدافِعُهُ الحَذَرُ؛ والحِيَلُ لا تَرُدُّ بَأْسَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وفائِدَةُ وضْعِ الكافِرِينَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى أصْحابِ الصَّيِّبِ الإيذانُ بِأنَّ ما دَهَمَهم مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المَحْكِيَّةِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَأهْلَكَتْهُ﴾؛ فَإنَّ الإهْلاكَ النّاشِئَ مِنَ السُّخْطِ أشَدُّ؛ وقِيلَ: هَذا الِاعْتِراضُ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ المُشَبَّهِ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِالكافِرِينَ المُنافِقُونَ؛ قَدْ دَلَّ بِهِ عَلى أنَّهُ لا مُدافِعَ لَهم مِن عَذابِ اللَّهِ (تَعالى) في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَ أحْوالِ المُشَبَّهِ - مَعَ أنَّ القِياسَ تَقْدِيمُهُ؛ أوْ تَأْخِيرُهُ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ؛ وفَرْطِ الِاهْتِمامِ بِشَأْنِ المُشَبَّهِ.

البقرة 2:20

﴿يَكادُ البَرْقُ﴾: اسْتِئْنافٌ آخَرُ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ حالُهم مَعَ ذَلِكَ البَرْقِ؟ فَقِيلَ: يَكادُ ذَلِكَ ﴿يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾؛ أيْ يَخْتَلِسُها ويَسْتَلُّها بِسُرْعَةٍ؛ و"كادَ" مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ وُضِعَتْ لِمُقارَبَةِ الخَبَرِ مِنَ الوُجُودِ؛ لِتَآخُذِ أسْبابِهِ؛ وتَعاضُدِ مَبادِيهِ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدُ؛ لِفَقْدِ شَرْطٍ؛ أوْ لِعُرُوضِ مانِعٍ؛ ولا يَكُونُ خَبَرُها إلّا مُضارِعًا؛ عارِيًا عَنْ كَلِمَةِ "أنْ"؛ وشَذَّ مَجِيئُهُ اسْمًا صَرِيحًا؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ ∗∗∗ فَأُبْتُ إلى فَهْمٍ وما كِدْتُ آيِبا وَكَذا مَجِيئُهُ مَعَ "أنْ"؛ حَمْلًا لَها عَلى "عَسى"؛ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ: ؎ ∗∗∗ قَدْ كادَ مِن طُولِ البِلى أنْ يُمْحَصا كَما تُحْمَلُ (p-55)هِيَ عَلَيْها بِالحَذْفِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُقارَنَةِ في أصْلِ المُقارَبَةِ؛ ولَيْسَ فِيها شائِبَةُ الإنْشائِيَّةِ؛ كَما في "عَسى"؛ وقُرِئَ: "يَخْطِفُ"؛ بِكَسْرِ الطّاءِ؛ و"يَخْتَطِفُ"؛ و"يَخَطَّفُ"؛ بِفَتْحِ الياءِ والخاءِ؛ بِنَقْلِ فَتْحَةِ التّاءِ إلى الخاءِ؛ وإدْغامِها في الطّاءِ؛ و"يِخِطَّفُ"؛ بِكَسْرِهِما؛ عَلى إتْباعِ الياءِ والخاءِ؛ و"يَخَطَّفُ"؛ مِن صِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ و"يَتَخَطَّفُ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ . ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ﴾: "كُلَّ": ظَرْفٌ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ والزَّمانُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ زَمانِ إضاءَةٍ؛ وقِيلَ: "ما" نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ؛ مَعْناها: الوَقْتُ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كُلَّ وقْتٍ أضاءَ لَهم فِيهِ؛ والعامِلُ في "كُلَّما" جَوابُها؛ وهو اسْتِئْنافٌ ثالِثٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ما يَفْعَلُونَ في أثْناءِ ذَلِكَ الهَوْلِ؟ أيَفْعَلُونَ بِأبْصارِهِمْ ما فَعَلُوا بِآذانِهِمْ؛ أمْ لا؟ فَقِيلَ: كُلَّما نَوَّرَ البَرْقُ لَهم مَمْشًى ومَسْلَكًا - عَلى أنَّ "أضاءَ" مُتَعَدٍّ؛ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ -؛ أوْ كُلَّما لَمَعَ لَهم - عَلى أنَّهُ لازِمٌ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "كُلَّما ضاءَ" -؛ ﴿مَشَوْا فِيهِ﴾؛ أيْ في ذَلِكَ المَسْلَكِ؛ أوْ في مَطْرَحِ نُورِهِ؛ خُطُواتٍ يَسِيرَةً؛ مَعَ خَوْفِ أنْ يُخْطَفَ أبْصارُهُمْ؛ وإيثارُ المَشْيِ عَلى ما فَوْقَهُ مِنَ السَّعْيِ والعَدْوِ لِلْإشْعارِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَتِهِمْ لَهُما؛ ﴿وَإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ﴾: أيْ خُفِيَ البَرْقُ؛ واسْتَتَرَ؛ والمُظْلِمُ وإنْ كانَ غَيْرَهُ لَكِنْ لَمّا كانَ الإظْلامُ دائِرًا عَلى اسْتِتارِهِ أُسْنِدَ إلَيْهِ مَجازًا؛ تَحْقِيقًا لِما أُرِيدَ مِنَ المُبالَغَةِ في مُوجِباتِ تَخَبُّطِهِمْ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا؛ مَنقُولًا مِن "ظَلَمَ اللَّيْلُ"؛ ومِنهُ ما جاءَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ: ؎ هُما أظْلَما حالَيَّ ثُمَّتَ أجْلَيا ∗∗∗ ظَلامَيْهِما عَنْ وجْهِ أمْرَدَ أشْيَبَ وَيُعَضِّدُهُ قِراءَةُ "أُظْلِمَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿قامُوا﴾؛ أيْ وقَفُوا في أماكِنِهِمْ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الهَيْئَةِ؛ مُتَحَيِّرِينَ؛ مُتَرَصِّدِينَ لِخَفْقَةٍ أُخْرى؛ عَسى يَتَسَنّى لَهُمُ الوُصُولُ إلى المَقْصِدِ؛ أوْ الِالتِجاءُ إلى مَلْجَإٍ يَعْصِمُهُمْ؛ وإيرادُ "كُلَّما" مَعَ الإضاءَةِ؛ و"إذا" مَعَ الظَّلامِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم حُرّاصٌ عَلى المَشْيِ؛ مُتَرَقِّبُونَ لِما يُصَحِّحُهُ؛ فَكُلَّما وجَدُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوها؛ ولا كَذَلِكَ الوُقُوفُ؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ التَّحَيُّرِ؛ وتَطايُرِ اللُّبِّ ما لا يُوصَفُ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ﴾: كَلِمَةُ "لَوْ" لِتَعْلِيقِ حُصُولِ أمْرٍ ماضٍ؛ هو الجَزاءُ؛ بِحُصُولِ أمْرٍ مَفْرُوضٍ فِيهِ؛ هو الشَّرْطُ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ حَقِيقَةً؛ أوِ ادِّعاءً؛ ومِن قَضِيَّةِ مَفْرُوضِيَّةِ الشَّرْطِ دَلالَتُها عَلى انْتِفائِهِ قَطْعًا؛ والمُنازِعُ فِيهِ مُكابِرٌ؛ وأمّا دَلالَتُها عَلى انْتِفاءِ الجَزاءِ فَقَدْ قِيلَ؛ وقِيلَ.. والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّهُ إنْ كانَ ما بَيْنَهُما مِنَ الدَّوَرانِ؛ كُلِّيًّا أوْ جُزْئِيًّا؛ قَدْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِهِ؛ فَهي دالَّةٌ عَلَيْهِ بِواسِطَةِ مَدْلُولِها الوَضْعِيِّ لا مَحالَةَ؛ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ العِلَّةِ لِانْتِفاءِ المَعْلُولِ؛ أمّا في مادَّةِ الدَّوَرانِ الكُلِّيِّ - كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾؛ وقَوْلِكَ: لَوْ جِئْتَنِي لَأكْرَمْتُكَ؛ فَظاهِرٌ؛ لَأنَّ وُجُودَ المَشِيئَةِ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الهِدايَةِ حَقِيقَةً؛ ووُجُودَ المَجِئِ عِلَّةٌ لِوُجُودِ الإكْرامِ ادِّعاءً؛ وقَدِ انْتَفَيا بِحُكْمِ المَفْرُوضِيَّةِ؛ فانْتَفى مَعْلُولاهُما حَتْمًا؛ ثُمَّ إنَّهُ قَدْ يُساقُ الكَلامُ لِتَعْلِيلِ انْتِفاءِ الجَزاءِ بِانْتِفاءِ الشَّرْطِ؛ كَما في المِثالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ وهو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ لِكَلِمَةِ "لَوْ"؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: هي لِامْتِناعِ الثّانِي؛ لِامْتِناعِ الأوَّلِ؛ وقَدْ يُساقُ لِلِاسْتِدْلالِ بِانْتِفاءِ الثّانِي؛ لِكَوْنِهِ ظاهِرًا؛ أوْ مُسَلَّمًا عَلى ابْتِغاءِ الأوَّلِ؛ لِكَوْنِهِ خَفِيًّا؛ أوْ مُتَنازَعًا فِيهِ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾؛ وفي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾؛ فَإنَّ فَسادَهُما لازِمٌ لِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ حَقِيقَةً؛ وعَدَمَ سَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الإيمانِ لازِمٌ لِخَيْرِيَّتِهِ؛ في زَعْمِ الكَفَرَةِ؛ ولا رَيْبَ في انْتِفاءِ اللّازِمَيْنِ؛ فَتَعَيَّنَ انْتِفاءُ المَلْزُومَيْنِ؛ حَقِيقَةً في الأوَّلِ؛ وادِّعاءً باطِلًا في الثّانِي؛ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ انْتِفاءِ اللّازِمِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ؛ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ السَّبَبِيَّةِ الخارِجِيَّةِ؛ كَما في المِثالَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ بَلْ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ العَقْلِيَّةِ الرّاجِعَةِ إلى سَبَبِيَّةِ العِلْمِ بِانْتِفاءِ الثّانِي؛ لِلْعِلْمِ بِانْتِفاءِ الأوَّلِ؛ ومَن لَمْ يَتَنَبَّهْ لَهُ زَعَمَ أنَّهُ لِانْتِفاءِ الأوَّلِ لِانْتِفاءِ الثّانِي؛ وأمّا (p-56)فِي مادَّةِ الدَّوَرانِ الجُزْئِيِّ - كَما في قَوْلِكَ: لَوْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ -؛ فَلِأنَّ الجَزاءَ المَنُوطَ بِالشَّرْطِ الَّذِي هو طُلُوعُها لَيْسَ وُجُودَ أيِّ ضَوْءٍ كانَ؛ كَضَوْءِ القَمَرِ المُجامِعِ لِعَدَمِ الطُّلُوعِ مَثَلًا؛ بَلْ إنَّما وُجُودُ الضَّوْءِ الخاصِّ النّاشِئِ مِنَ الطُّلُوعِ؛ ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ بِانْتِفاءِ الطُّلُوعِ؛ هَذا إذا بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ الدَّوَرانِ؛ وأمّا إذا بُنِيَ عَلى عَدَمِهِ فَإمّا أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ لَهُ؛ أوْ لا؛ فَإنِ اعْتُبِرَ فالدَّلالَةُ تابِعَةٌ لِحالِ المَدارِ؛ فَإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ انْتِفاءِ الأوَّلِ مُنافاةٌ تَعَيَّنَ الدَّلالَةَ؛ كَما إذا قُلْتَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ يُوجَدُ الضَّوْءُ؛ فَإنَّ وُجُودَ الضَّوْءِ؛ وإنْ عُلِّقَ صُورَةً بِعَدَمِ الطُّلُوعِ؛ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ لَهُ ضَرُورَةٌ؛ أنَّ عَدَمَ الطُّلُوعِ - مِن حَيْثُ هو هو - لَيْسَ مَدارًا لِوُجُودِ الضَّوْءِ في الحَقِيقَةِ؛ وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ المَدارِ؛ لِكَوْنِهِ كاشِفًا عَنْ تَحَقُّقِ مَدارٍ آخَرَ لَهُ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ لَوُجِدَ الضَّوْءُ بِسَبَبٍ آخَرَ؛ كالقَمَرِ مَثَلًا؛ ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا الجَزاءَ مُنْتَفٍ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ؛ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ الضَّوْءِ القَمَرِيِّ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما مُنافاةٌ تَعَيَّنَ عَدَمُ الدَّلالَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ في بِنْتِ أبِي سَلَمَةَ: « "لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي في حِجْرِي ما حَلَّتْ لِي؛ إنَّها لِابْنَةِ أخِي مِنَ الرَّضاعَةِ"؛» فَإنَّ المَدارَ المُعْتَبَرَ في ضِمْنِ الشَّرْطِ - أعْنِي كَوْنَها ابْنَةَ أخِيهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ الرَّضاعَةِ - غَيْرُ مُنافٍ لِانْتِفائِهِ؛ الَّذِي هو كَوْنُها رَبِيبَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَلْ مُجامِعٌ لَهُ؛ ومِن ضَرُورَتِهِ مُجامَعَةُ أثَرَيْهِما؛ أعْنِي الحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن كَوْنِها رَبِيبَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والحُرْمَةَ النّاشِئَةَ مِن كَوْنِها ابْنَةَ أخِيهِ مِنَ الرَّضاعَةِ؛ وإنْ لَمْ يُعْتَبَرْ هُناكَ تَحَقُّقُ مَدارٍ آخَرَ؛ بَلْ بُنِيَ الحُكْمُ عَلى اعْتِبارِ عَدَمِهِ؛ فَلا دَلالَةَ لَها عَلى ذَلِكَ أصْلًا؛ كَيْفَ لا.. ومَساقُ الكَلامِ حِينَئِذٍ لِبَيانِ ثُبُوتِ الجَزاءِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ بِتَعْلِيقِهِ بِما يُنافِيهِ؛ لِيُعْلَمَ ثُبُوتُهُ عِنْدَ وُقُوعِ ما لا يُنافِيهِ بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إذًا لأمْسَكْتُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لَوْ كانَ الإيمانُ في الثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن فارِسٍ"؛» وقَوْلِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَوْ كُشِفَ الغِطاءُ ما ازْدَدْتُ يَقِينًا؟ فَإنَّ الأجْزِيَةَ المَذْكُورَةَ قَدْ نِيطَتْ بِما يُنافِيها؛ ويَسْتَدْعِي نَقائِضَها؛ إيذانًا بِأنَّها في أنْفُسِها؛ بِحَيْثُ يَجِبُ ثُبُوتُها مَعَ فَرْضِ انْتِفاءِ أسْبابِها؛ أوْ تَحَقُّقِ أسْبابِ انْتِفائِها؛ فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ "لَوْ" الوَصْلِيَّةِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ - ولَها تَفاصِيلُ وتَفارِيعُ حَرَّرْناها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ -؛ وقَوْلِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: نِعْمَ العَبْدُ صُهَيْبٌ؛ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ؛ إنْ حُمِلَ عَلى تَعْلِيقِ عَدَمِ العِصْيانِ؛ في ضِمْنِ عَدَمِ الخَوْفِ؛ بِمَدارٍ آخَرَ؛ نَحْوَ الحَياءِ والإجْلالِ؛ وغَيْرِهِما؛ مِمّا يُجامِعُ الخَوْفَ؛ كانَ مِن قَبِيلِ حَدِيثِ ابْنَةِ أبِي سَلَمَةَ؛ وإنْ حُمِلَ عَلى بَيانِ اسْتِحالَةِ عِصْيانِهِ مُبالَغَةً؛ كانَ مِن هَذا القَبِيلِ؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ وارِدَةٌ عَلى الِاسْتِعْمالِ الشّائِعِ؛ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ؛ وغايَةِ هَوْلِ ما دَهَمَهم مِنَ المَشاقِّ؛ وأنَّها قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الشِّدَّةِ إلى حَيْثُ لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَةُ اللَّهِ (تَعالى) بِإزالَةِ مَشاعِرِهِمْ؛ لَزالَتْ لِتَحَقُّقِ ما يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً تامًّا. وقِيلَ: كَلِمَةُ "لَوْ" فِيها لِرَبْطِ جَزائِها بِشَرْطِها؛ مُجَرَّدَةً عَنِ الدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ أحَدِهِما لِانْتِفاءِ الآخَرِ؛ بِمَنزِلَةِ كَلِمَةِ "إنْ"؛ ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ جَرْيًا عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ؛ فَإنَّها إذا وقَعَتْ شَرْطًا؛ وكانَ مَفْعُولُها مَضْمُونًا لِلْجَزاءِ؛ فَلا يَكادُ يُذْكَرُ؛ إلّا أنْ يَكُونَ شَيْئًا مُسْتَغْرَبًا؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ فَلَوْ شِئْتُ أنْ أبْكِيَ دَمًا لَبَكَيْتُهُ ∗∗∗ عَلَيْهِ ولَكِنْ ساحَةُ الصَّبْرِ أوْسَعُ أيْ: لَوْ شاءَ أنْ يَذْهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ لَفَعَلَ؛ ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ؛ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ والمَصالِحِ؛ وقُرِئَ: "لَأذْهَبَ بِأسْماعِهِمْ" عَلى زِيادَةِ الباءِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾؛ والإفْرادُ في المَشْهُورَةِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ مَصْدَرٌ في الأصْلِ؛ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمَلِ الِاسْتِئْنافِيَّةِ؛ وقِيلَ: عَلى "كُلَّما أضاءَ"؛ إلَخْ.. وقَوْلُهُ (p-57)- عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ تَعْلِيلٌ لِلشَّرْطِيَّةِ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِها النّاطِقِ بِقدرته (تَعالى) عَلى إزالَةِ مَشاعِرِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ و"الشَّيْءُ" - بِحَسَبِ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ - يَقَعُ عَلى كُلِّ ما يَصِحُّ أنْ يُعْلَمَ ويُخْبَرَ عَنْهُ؛ كائِنًا ما كانَ؛ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرُ "شاءَ"؛ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ؛ واكْتُفِيَ في ذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِهِ؛ مِن حَيْثُ العِلْمُ؛ والإخْبارُ عَنْهُ فَقَطْ؛ وقَدْ خُصَّ هَهُنا بِالمُمْكِنِ؛ مَوْجُودًا كانَ أوْ مَعْدُومًا؛ بِقَضِيَّةِ اخْتِصاصِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِهِ؛ لِما أنَّها عِبارَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الإيجادِ والإعْدامِ؛ الخاصَّيْنِ بِهِ؛ وقِيلَ: هي صِفَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ التَّمَكُّنَ؛ و"القادِرُ" هو الَّذِي إنْ شاءَ فَعَلَ؛ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ؛ و"القَدِيرُ" هو الفَعّالُ لِكُلِّ ما يَشاءُ؛ كَما يَشاءُ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يُوصَفْ بِهِ غَيْرُ البارِي - جَلَّ جَلالُهُ -؛ ومَعْنى قدرته (تَعالى)؛ عَلى المُمْكِنِ المَوْجُودِ حالَ وُجُودِهِ؛ أنَّهُ إنْ شاءَ إبْقاءَهُ عَلى الوُجُودِ أبْقاهُ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ عِلَّةَ الوُجُودِ هي عِلَّةُ البَقاءِ؛ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ وإنْ شاءَ إعْدامَهُ أعْدَمَهُ؛ ومَعْنى قدرته؛ عَلى المَعْدُومِ حالَ عَدَمِهِ؛ أنَّهُ إنْ شاءَ إيجادَهُ أوْجَدَهُ؛ وإنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يُوجِدْهُ؛ وقِيلَ: قُدْرَةُ الإنْسانِ هَيْئَةٌ بِها يَتَمَكَّنُ مِنَ الفِعْلِ والتَّرْكِ؛ وقُدْرَةُ اللَّهِ (تَعالى) عِبارَةٌ عَنْ نَفْيِ العَجْزِ؛ واشْتِقاقُ "القُدْرَةُ" مِن "القَدْرُ"؛ لِأنَّ القادِرَ يُوقِعُ الفِعْلَ بِقَدْرِ ما تَقْتَضِيهِ إرادَتُهُ؛ أوْ بِقَدْرِ قُوَّتِهِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَقْدُورَ العَبْدِ مَقْدُورٌ لِلَّهِ (تَعالى) حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ شَيْءٌ؛ وكُلُّ شَيْءٍ مَقْدُورٌ لَهُ (تَعالى)؛ واعْلَمْ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ وإنِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ التَّمْثِيلِ المُفَرَّقِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ كَأنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا ويابِسًا ∗∗∗ لَدى وكْرِها العُنّابُ والحَشَفُ البالِي بِأنْ يُشَبَّهَ المُنافِقُونَ في التَّمْثِيلِ الأوَّلِ بِالمُسْتَوْقِدِينَ؛ وهُداهُمُ الفِطْرِيُّ بِالنّارِ؛ وتَأْيِيدُهم إيّاهُ بِما شاهَدُوهُ مِنَ الدَّلائِلِ بِاسْتِيقادِها؛ وتَمَكُّنُهُمُ التّامُّ مِنَ الِانْتِفاعِ بِهِ بِإضاءَتِها ما حَوْلَهُمْ؛ وإزالَتُهُ بِإذْهابِ النُّورِ النّارِيِّ؛ وأخْذُ الضَّلالَةِ بِمُقابَلَتِهِ بِمُلابَسَتِهِمُ الظُّلُماتِ الكَثِيفَةِ وبَقائِهِمْ فِيها؛ ويُشَبَّهُوا في التَّمْثِيلِ الثّانِي بِالسّابِلَةِ؛ والقرآن؛ وما فِيهِ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي هي مَدارُ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ بِالصَّيِّبِ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ الأرْضِيَّةِ؛ وما عَرَضَ لَهم بِنُزُولِهِ مِنَ الغُمُومِ؛ والأحْزانِ؛ وانْكِسافِ البالِ بِالظُّلُماتِ؛ وما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِالرَّعْدِ والبَرْقِ؛ وتَصامُّهم عَمّا يَقْرَعُ أسْماعَهم مِنَ الوَعِيدِ بِحالِ مَن يَهُولُهُ الرَّعْدُ والبَرْقُ؛ فَيَخافُ صَواعِقَهُ؛ فَيَسُدُّ أُذُنَهُ عَنْها؛ ولا خَلاصَ لَهُ مِنها؛ واهْتِزازُهم لِما يَلْمَعُ لَهم مِن رُشْدٍ يُدْرِكُونَهُ؛ أوْ رِفْدٍ يُحْرِزُونَهُ بِمَشْيِهِمْ في مَطْرَحِ ضَوْءِ البَرْقِ؛ كُلَّما أضاءَ لَهُمْ؛ وتَحَيُّرُهم في أمْرِهِمْ؛ حِينَ عَنَّ لَهم مُصِيبَةٌ بِوُقُوفِهِمْ إذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ؛ لَكِنَّ الحَمْلَ عَلى التَّمْثِيلِ المُرَكَّبِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَشْبِيهُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُفْرَداتِ؛ الواقِعَةِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ بِواحِدٍ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في الجانِبِ الآخَرِ؛ عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ؛ بَلْ يُنْتَزَعُ فِيهِ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في جانِبِ المُشَبَّهِ هَيْئَةٌ؛ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ أُخْرى مُنْتَزَعَةٍ مِنَ المُفْرَداتِ الواقِعَةِ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ؛ بِأنْ يُنْتَزَعَ مِنَ المُنافِقِينَ؛ وأحْوالِهِمُ المُفَصَّلَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ التَّمْثِيلَيْنِ؛ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ؛ ويُنْتَزَعُ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ المُسْتَوْقِدِينَ؛ وأصْحابِ الصَّيِّبِ؛ وأحْوالِهِمُ المَحْكِيَّةِ؛ هَيْئَةٌ بِحِيالِها؛ فَتَشْبِيهُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الأُولَيَيْنِ بِما يُضاهِيها مِنَ الأُخْرَيَيْنِ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ؛ ويَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى التَّشْبِيهِ الأوَّلِ إجْمالًا؛ مَعَ أمْرٍ زائِدٍ؛ هو تَشْبِيهُ الهَيْئَةِ؛ وإيذانُهُ بِأنَّ اجْتِماعَ تِلْكَ المُفْرَداتِ مُسْتَتْبِعٌ لِهَيْئَةٍ عَجِيبَةٍ حَقِيقَةٍ بِأنْ تَكُونَ مَثَلًا في الغَرابَةِ.

البقرة 2:21

(p-58)﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾: إثْرَ ما ذَكَرَ اللَّهُ (تَعالى) عُلُوَّ طَبَقَةِ كِتابِهِ الكَرِيمِ؛ وتَحَزُّبَ النّاسِ في شَأْنِهِ إلى ثَلاثِ فِرَقٍ؛ مُؤْمِنَةٍ بِهِ؛ مُحافِظَةٍ عَلى ما فِيهِ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ؛ وكافِرَةٍ قَدْ نَبَذَتْهُ وراءَ ظَهْرِها؛ بِالمُجاهَرَةِ والشِّقاقِ؛ وأُخْرى مُذَبْذَبَةٍ بَيْنَهُما بِالمُخادَعَةِ؛ والنِّفاقِ؛ ونَعَتَ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنها بِما لَها مِنَ النُّعُوتِ والأحْوالِ؛ وبَيَّنَ ما لَهم مِنَ المَصِيرِ والمَآلِ؛ أقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالخِطابِ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ هَزًّا لَهم إلى الإصْغاءِ؛ وتَوْجِيهًا لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ التَّلَقِّي؛ وجَبْرًا لِما في العِبادَةِ مِنَ الكُلْفَةِ بِلَذَّةِ الخِطابِ؛ فَأمَرَهم كافَّةً بِعِبادَتِهِ؛ ونَهاهم عَنِ الإشْراكِ بِهِ؛ و"يا" حَرْفٌ وُضِعَ لِنِداءِ البَعِيدِ؛ وقَدْ يُنادى بِهِ القَرِيبُ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ البَعِيدِ؛ إمّا إجْلالًا؛ كَما في قَوْلِ الدّاعِي: "يا اللَّهُ"؛ و"يا رَبِّ"؛ وهو أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ؛ اسْتِقْصارًا لِنَفْسِهِ؛ واسْتِبْعادًا لَها مِن مَحافِلِ الزُّلْفى؛ ومَنازِلِ المُقَرَّبِينَ؛ وإمّا تَنْبِيهًا عَلى غَفْلَتِهِ؛ وسُوءِ فَهْمِهِ؛ وقَدْ يُقْصَدُ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما يَعْقُبُهُ أمْرٌ خَطِيرٌ؛ يُعْتَنى بِشَأْنِهِ؛ و"أيُّ" اسْمٌ مُبْهَمٌ؛ جُعِلَ وصْلَةً إلى نِداءِ المُعَرَّفِ بِاللّامِ؛ لا عَلى أنَّهُ المُنادى أصالَةً؛ بَلْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُوَضِّحَةٌ لَهُ؛ مُزِيلَةٌ لِإبْهامِهِ؛ والتُزِمَ رَفْعُهُ مَعَ انْتِصابِ مَوْصُوفِهِ مَحَلًّا؛ إشْعارًا بِأنَّهُ المَقْصُودُ بِالنِّداءِ؛ وأُقْحِمَتْ بَيْنَهُما كَلِمَةُ التَّنْبِيهِ؛ تَأْكِيدًا لِمَعْنى النِّداءِ؛ وتَعْوِيضًا عَمّا يَسْتَحِقُّهُ "أيُّ" مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ولِما تَرى مِنَ اسْتِقْلالِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ بِضُرُوبٍ مِن أسْبابِ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ كَثُرَ سُلُوكُها في التَّنْزِيلِ المَجِيدِ؛ كَيْفَ لا.. وكُلُّ ما ورَدَ في تَضاعِيفِهِ عَلى العِبادِ مِنَ الأحْكامِ؛ والشَّرائِعِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ خُطُوبٌ جَلِيلَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تَقْشَعِرَّ مِنها الجُلُودُ؛ وتَطْمَئِنَّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ ويَتَلَقَّوْها بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأكْثَرَهم عَنْها غافِلُونَ؛ فاقْتَضى الحالُ المُبالَغَةَ؛ والتَّأْكِيدَ في الإيقاظِ والتَّنْبِيهِ؛ والمُرادُ بِالنّاسِ كافَّةُ المُكَلَّفِينَ المَوْجُودِينَ في ذَلِكَ العَصْرِ؛ لِما أنَّ الجُمُوعَ؛ وأسْماءَها المُحَلّاةَ بِاللّامِ لِلْعُمُومِ؛ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْناءِ مِنها؛ والتَّأْكِيدِ بِما يُفِيدُ العُمُومَ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ واسْتِدْلالُ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - بِعُمُومِها شائِعٌ ذائِعٌ؛ وأمّا مَن عَداهُمْ؛ مِمَّنْ سَيُوجَدُ مِنهُمْ؛ فَغَيْرُ داخِلِينَ في خِطابِ المُشافَهَةِ؛ وإنَّما دُخُولُهم تَحْتَ حُكْمِهِ؛ لِما تَواتَرَ مِن دِينِهِ ﷺ ضَرُورَةً؛ إنَّ مُقْتَضى خِطابِهِ وأحْكامِهِ شامِلٌ لِلْمَوْجُودِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ؛ ولِمَن سَيُوجَدُ مِنهم إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ ولا يَقْدَحُ في العُمُومِ ما رُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ؛ والحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ مِن أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ فِيهِ "يا أيُّها النّاسُ" فَهو مَكِّيٌّ؛ إذْ لَيْسَ مِن ضَرُورَةِ نُزُولِهِ بِمَكَّةَ - شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى) - اخْتِصاصُ حُكْمِهِ بِأهْلِها؛ ولا مِن قَضِيَّةِ اخْتِصاصِهِ بِهِمُ اخْتِصاصُهُ بِالكُفّارِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّ أهْلِها حِينَئِذٍ كَفَرَةً؛ ولا ضَيْرَ في تَحَقُّقِ العِبادَةِ في بَعْضِ المُكَلَّفِينَ قَبْلَ وُرُودِ هَذا الأمْرِ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لِإنْشاءِ العِبادَةِ؛ والثَّباتِ عَلَيْها؛ والزِّيادَةِ فِيها؛ مَعَ أنَّها مُتَكَرِّرَةٌ حَسَبَ تَكَرُّرِ أسْبابِها؛ ولا في انْتِفاءِ شَرْطِها في الآخَرِينَ مِنهُمْ؛ أعْنِي الإيمانَ؛ لِأنَّ الأمْرَ بِها مُنْتَظِمٌ لِلْأمْرِ بِما لا تَتِمُّ إلّا بِهِ؛ وقَدْ عُلِمَ مِنَ الدِّينِ ضَرُورَةُ اشْتِراطِها بِهِ؛ فَإنَّ أمْرَ المُحْدِثِ بِالصَّلاةِ مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالتَّوَضِّي؛ لا مَحالَةَ؛ وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالعِبادَةِ ما يَعُمُّ أفْعالَ القَلْبِ أيْضًا؛ لِما أنَّها عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ التَّذَلُّلِ والخُضُوعِ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ كُلَّ ما ورَدَ في القرآن مِنَ العِباداتِ مَعْناها التَّوْحِيدُ؛ وقِيلَ: مَعْنى "اعْبُدُوا": وحِّدُوا؛ وأطِيعُوا؛ ولا في كَوْنِ بَعْضٍ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ؛ مِمَّنْ لا يُجْدِي فِيهِمُ الإنْذارُ؛ بِمُوجِبِ النَّصِّ القاطِعِ؛ لِما أنَّ الأمْرَ لِقَطْعِ الأعْذارِ (p-59)لَيْسَ فِيهِ تَكْلِيفُهم بِما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ مِنَ الإيمانِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ أصْلًا؛ إذْ لا قَطْعَ لِأحَدٍ مِنهم بِدُخُولِهِ في حُكْمِ النَّصِّ قَطْعًا؛ ووُرُودُ النَّصِّ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ - بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ - كَذَلِكَ؛ لا أنَّ كَوْنَهم كَذَلِكَ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ؛ فَلا جَبْرَ أصْلًا؛ نَعَمْ.. لِتَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ وجْهٌ لَطِيفٌ؛ سَنَقِفُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ وإيرادُهُ (تَعالى) بِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ لِتَأْكِيدِ مُوجِبِ الأمْرِ بِالإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْعِبادَةِ. ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾: صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِلتَّبْجِيلِ؛ والتَّعْلِيلِ إثْرَ التَّعْلِيلِ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها لِلتَّقْيِيدِ؛ والتَّوْضِيحِ؛ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُشْرِكِينَ؛ وحَمْلِ "الرَّبُّ" عَلى ما هو أعَمُّ مِنَ الرَّبِّ الحَقِيقِيِّ؛ والآلِهَةِ الَّتِي يُسَمُّونَها أرْبابًا. والخَلْقُ: إيجادُ الشَّيْءِ عَلى تَقْدِيرٍ واسْتِواءٍ؛ وأصْلُهُ التَّقْدِيرُ؛ يُقالُ: "خَلَقَ النَّعْلَ"؛ أيْ: قَدَّرَها وسَوّاها بِالمِقْياسِ؛ وقُرِئَ: "خَلَقْكُمْ"؛ بِإدْغامِ القافِ في الكافِ. ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ؛ ومُتَمِّمٌ لِما قُصِدَ مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّعْلِيلِ؛ فَإنَّ خَلْقَ أُصُولِهِمْ مِن مُوجِباتِ العِبادَةِ؛ كَخَلْقِ أنْفُسِهِمْ؛ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكُمْ؛ وقِيلَ: خَلَقَهم مِن قَبْلِ خَلْقِكُمْ؛ فَحُذِفَ "الخَلْقُ"؛ وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَكانَهُ؛ والمُرادُ بِهِمْ: مَن تَقَدَّمَهم مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ كافَّةً؛ ومِن ضَرُورَةِ عُمُومِ الخِطابِ بَيانُ شُمُولِ خَلْقِهِ (تَعالى) لِلْكُلِّ؛ وتَخْصِيصُهُ بِالمُشْرِكِينَ يُؤَدِّي إلى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِخَلْقِ مَن عَداهم مِن مُعاصِرِيهِمْ؛ وإخْراجُ الجُمْلَةِ مُخْرَجَ الصِّلَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُولِ عِنْدَهم أيْضًا؛ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ بِغايَةِ الخَلْقِ؛ وإنِ اعْتَرَفُوا بِنَفْسِهِ؛ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ خَلْقَهم لِلتَّقْوى مِنَ الظُّهُورِ بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ إنْكارُهُ؛ وقُرِئَ: "وَخَلَقَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ وقُرِئَ: "والَّذِينَ مَن قَبْلَكُمْ"؛ بِإقْحامِ المَوْصُولِ الثّانِي بَيْنَ الأوَّلِ وصِلَتِهِ؛ تَوْكِيدًا؛ كَإقْحامِ اللّامِ بَيْنَ المُضافَيْنِ في "أبا لَكَ"؛ أوْ بِجَعْلِهِ مَوْصُوفًا بِالظَّرْفِ؛ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِينَ هم أُناسٌ كائِنُونَ مِن قَبْلِكم. ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾: المَعْنى الوَضْعِيُّ لِكَلِمَةِ "لَعَلَّ" هو إنْشاءُ تَوَقُّعِ أمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ إمّا مَحْبُوبٍ؛ فَيُسَمّى تَرَجِّيًا؛ أوْ مَكْرُوهٍ؛ فَيُسَمّى إشْفاقًا؛ وذَلِكَ المَعْنى قَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالفِعْلِ إمّا مِن جِهَةِ المُتَكَلِّمِ؛ كَما في قَوْلِكَ: لَعَلَّ اللَّهَ يَرْحَمُنِي؛ وهو الأصْلُ الشّائِعُ في الِاسْتِعْمالِ؛ لِأنَّ مَعانِيَ الإنْشاءاتِ قائِمَةٌ بِهِ؛ وإمّا مِن جِهَةِ المُخاطَبِ؛ تَنْزِيلًا لَهُ مَنزِلَةَ المُتَكَلِّمِ في التَّلَبُّسِ التّامِّ بِالكَلامِ الجارِي بَيْنَهُما؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ إيذانًا بِأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ في نَفْسِهِ مَئِنَّةٌ لِلتَّوَقُّعِ؛ مُتَّصِفٌ بِحَيْثِيَّةٍ مُصَحِّحَةٍ لَهُ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ هُناكَ تَوَقُّعٌ بِالفِعْلِ مِن مُتَوَقَّعٍ أصْلًا؛ فَإنْ رُوعِيَتْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ جِهَةُ المُتَكَلِّمِ يَسْتَحِيلُ إرادَةُ ذَلِكَ المَعْنى؛ لِامْتِناعِ التَّوَقُّعِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَيُصارُ إمّا إلى الِاسْتِعارَةِ؛ بِأنْ يُشَبَّهَ طَلَبُهُ (تَعالى) مِن عِبادِهِ التَّقْوى؛ مَعَ كَوْنِهِمْ مَئِنَّةً لَها؛ لِتَعاضُدِ أسْبابِها؛ بِرَجاءِ الرّاجِي مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ أمْرًا هَيِّنَ الحُصُولِ؛ في كَوْنِ مُتَعَلِّقِ كُلٍّ مِنهُما مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ؛ مَعَ رُجْحانِ الأوَّلِ؛ فَيُسْتَعارُ لَهُ كَلِمَةُ "لَعَلَّ" اسْتِعارَةً تَبَعِيَّةً حَرْفِيَّةً؛ لِلْمُبالَغَةِ في الدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الطَّلَبِ؛ وقُرْبِ المَطْلُوبِ مِنَ الوُقُوعِ؛ وإمّا إلى التَّمْثِيلِ؛ بِأنْ يُلاحَظَ خَلْقُهُ (تَعالى) إيّاهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ وطَلَبُهُ إيّاها مِنهُمْ؛ وهم مُتَمَكِّنُونَ مِنها؛ جامِعُونَ لِأسْبابِها؛ ويُنْتَزَعَ مِن ذَلِكَ هَيْئَةٌ؛ فَتُشَبَّهَ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِنَ الرّاجِي؛ ورَجائِهِ مِنَ المَرْجُوِّ مِنهُ شَيْئًا سَهْلَ المَنالِ؛ فَيُسْتَعْمَلَ في الهَيْئَةِ الأُولى ما حَقُّهُ أنْ يُسْتَعْمَلَ في الثّانِيَةِ؛ فَيَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ قَدْ صُرِّحَ مِن ألْفاظِها بِما هو العُمْدَةُ في انْتِزاعِ الهَيْئَةِ المُشَبَّهِ بِها؛ أعْنِي كَلِمَةَ التَّرَجِّي؛ والباقِي مَنوِيٌّ بِألْفاظٍ مُتَخَيَّلَةٍ؛ بِها (p-60) يَحْصُلُ التَّرْكِيبُ المُعْتَبَرُ في التَّمْثِيلِ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ وأمّا جَعْلُ المُشَبَّهِ إرادَتَهُ (تَعالى) في الِاسْتِعارَةِ والتَّمْثِيلِ فَأمْرٌ مُؤَسَّسٌ عَلى قاعِدَةِ الِاعْتِزالِ؛ القائِلَةِ بِجَوازِ تَخَلُّفِ المُرادِ عَنْ إرادَتِهِ (تَعالى)؛ فالجُمْلَةُ حالٌ؛ إمّا مِن فاعِلِ "خَلَقَكُمْ"؛ أيْ: طالِبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ عَلى الغائِبِينَ؛ لِأنَّهُمُ المَأْمُورُونَ بِالعِبادَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم مَطْلُوبًا مِنكُمُ التَّقْوى؛ أوْ عِلَّةٌ لَهُ؛ فَإنَّ خَلْقَهم عَلى تِلْكَ الحالِ في مَعْنى خَلْقِهِمْ لِأجْلِ التَّقْوى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا؛ أوْ: كَيْ تَتَّقُوا؛ إمّا بِناءً عَلى تَجْوِيزِ تَعْلِيلِ أفْعالِهِ (تَعالى) بِأغْراضٍ راجِعَةٍ إلى العِبادِ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ؛ وإمّا تَنْزِيلًا لِتَرَتُّبِ الغايَةِ عَلى ما هي ثَمَرَةٌ لَهُ مَنزِلَةَ تَرَتُّبِ الغَرَضِ عَلى ما هو غَرَضٌ لَهُ؛ فَإنَّ اسْتِتْباعَ أفْعالِهِ (تَعالى) لِغاياتٍ ومَصالِحَ مُتْقَنَةٍ جَلِيلَةٍ؛ مِن غَيْرِ أنْ تَكُونَ هي عِلَّةً غائِيَّةً لَها؛ بِحَيْثُ لَوْلاها لَما أُقْدِمَ عَلَيْها؛ مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ؛ وتَقْيِيدُ خَلْقِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الحالِ؛ أوِ العِلَّةِ لِتَكْمِيلِ عِلِّيَّتِهِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وتَأْكِيدِها؛ فَإنَّ إتْيانَهم بِما خُلِقُوا لَهُ أدْخَلُ في الوُجُوبِ؛ وإيثارُ "تَتَّقُونَ" عَلى "تَعْبُدُونَ"؛ مَعَ مُوافَقَتِهِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ العِبادَةِ؛ والتَّشْدِيدِ في إلْزامِها؛ لِما أنَّ التَّقْوى قُصارى أمْرِ العابِدِ؛ ومُنْتَهى جُهْدِهِ؛ فَإذا لَزِمَتْهُمُ التَّقْوى كانَ ما هو أدْنى مِنها ألْزَمَ؛ والإتْيانُ بِهِ أهْوَنَ؛ وإنْ رُوعِيَتْ جِهَةُ المُخاطَبِ فَـ "لَعَلَّ" في مَعْناها الحَقِيقِيِّ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "اعْبُدُوا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوا رَبَّكم راجِينَ لِلِانْتِظامِ في زُمْرَةِ المُتَّقِينَ الفائِزِينَ بِالهُدى والفَلاحِ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّقْوى مَرْتَبَتُها الثّالِثَةُ؛ الَّتِي هي التَّبَتُّلُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالكُلِّيَّةِ؛ والتَّنَزُّهُ عَنْ كُلِّ ما يَشْغَلُ سِرَّهُ عَنْ مُراقَبَتِهِ؛ وهي أقْصى غاياتِ العِبادَةِ؛ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ؛ وبِالِانْتِظامِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ إنْشائِهِ والثَّباتِ عَلَيْهِ؛ لِيَرْتَجِيَهُ أرْبابُ هَذِهِ المَرْتَبَةِ؛ وما دُونَها مِن مَرْتَبَتَيِ التَّوَقِّي عَنِ العَذابِ المُخَلَّدِ؛ والتَّجَنُّبِ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ؛ أوْ تَرْكٍ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "المُتَّقِينَ"؛ ولَعَلَّ تَوْسِيطَ الحالِ مِنَ الفاعِلِ بَيْنَ وصْفَيِ المَفْعُولِ لِما في التَّقْدِيمِ مِن فَواتِ الإشْعارِ بِكَوْنِ الوَصْفِ الأوَّلِ مُعْظَمَ أحْكامِ الربوبية؛ وكَوْنِهِ عَرِيقًا في إيجابِ العِبادَةِ؛ وفي التَّأْخِيرِ مِن زِيادَةِ طُولِ الكَلامِ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ اعْتِبارِ تَحَقُّقِ التَّوَقُّعِ بِالفِعْلِ؛ فَأمّا إنِ اعْتُبِرَ تَحَقُّقُهُ بِالقُوَّةِ فالجُمْلَةُ حالٌ مِن مَفْعُولِ "خَلَقَكُمْ"؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ؛ أيْ: خَلَقَكم وإيّاهم حالَ كَوْنِكم جَمِيعًا؛ بِحَيْثُ يَرْجُو مِنكم كُلُّ راجٍ أنْ تَتَّقُوا؛ فَإنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَمّا بَرَأهم مُسْتَعِدِّينَ لِلتَّقْوى؛ جامِعِينَ لِمَبادِيها الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ كانَ حالُهم بِحَيْثُ يَرْجُو مِنهم كُلُّ راجٍ أنْ يَتَّقُوا لا مَحالَةَ؛ وهَذِهِ الحالَةُ مُقارِنَةٌ لِخَلْقِهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الرَّجاءُ قَطْعًا؛ واعْلَمْ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ - مَعَ كَوْنِها بِعِبارَتِها ناطِقَةً بِوُجُوبِ تَوْحِيدِهِ (تَعالى)؛ وتُحَتِّمُ عِبادَتَهُ عَلى كافَّةِ النّاسِ - مُرْشِدَةٌ لَهم بِإشارَتِها إلى أنَّ مُطالَعَةَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ؛ والآفاقِ؛ ومِمّا يَقْضِي بِذَلِكَ قَضاءً مُتْقَنًا؛ وقَدْ بَيَّنَ فِيها أوَّلًا مِن تِلْكَ الآياتِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ؛ لِما أنَّهُ أقْوى شَهادَةً؛ وأظْهَرُ دَلالَةً؛ ثُمَّ عَقَّبَ بِما يَتَعَلَّقُ بِمَعاشِهِمْ؛ فَقِيلَ:

البقرة 2:22

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ فِراشًا﴾؛ وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَبَّكُمْ"؛ مُوَضِّحَةٌ؛ أوْ مادِحَةٌ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ "أخُصُّ"؛ أوْ "أمْدَحُ"؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ (p-61)عَلى المَدْحِ والتَّعْظِيمِ؛ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَإ؛ قالَ ابْنُ مالِكٍ: التُزِمَ حَذْفُ الفِعْلِ في المَنصُوبِ عَلى المَدْحِ؛ إشْعارًا بِأنَّهُ إنْشاءٌ؛ كَما في المُنادى؛ وحَذْفُ المُبْتَدَإ في المَرْفُوعِ إجْراءً لِلْوَجْهَيْنِ عَلى سَنَنٍ واحِدٍ؛ وأمّا كَوْنُهُ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ "فَلا تَجْعَلُوا"؛ كَما قِيلَ؛ فَيَسْتَدْعِي أنْ يَكُونَ مَناطُ النَّهْيِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ فَقَطْ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِما سَلَفَ مِن خَلْقِهِمْ وخَلْقِ مَن قَبْلَهم مُدْخَلٌ في ذَلِكَ؛ مَعَ كَوْنِهِ أعْظَمَ شَأْنًا. و"جَعَلَ" بِمَعْنى "صَيَّرَ"؛ والمَنصُوبانِ بَعْدَهُ مَفْعُولاهُ؛ وقِيلَ: هو بِمَعْنى "خَلَقَ"؛ وانْتِصابُ الثّانِي عَلى الحالِيَّةِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِ ما يَعْقُبُهُ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ - لا سِيَّما بَعْدَ الإشْعارِ بِمَنفَعَتِهِ - مُتَرَقِّبَةٌ لَهُ؛ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ وُرُودِهِ عَلَيْها أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ أوْ لِما في المُؤَخَّرِ؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ مِن نَوْعِ طُولٍ؛ فَلَوْ قُدِّمَ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ ومَعْنى جَعَلَها فِراشًا: جَعَلَ بَعْضَها بارِزًا مِنَ الماءِ - مَعَ اقْتِضاءِ طَبْعِها الرُّسُوبَ -؛ وجَعَلَها مُتَوَسِّطَةً بَيْنَ الصَّلابَةِ واللِّينِ؛ صالِحَةً لِلْقُعُودِ عَلَيْها؛ والنَّوْمِ فِيها؛ كالبِساطِ المَفْرُوشِ؛ ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ كَوْنُها سَطْحًا حَقِيقِيًّا؛ فَإنَّ كُرِّيَّةَ شَكْلِها - مَعَ عِظَمِ جِرْمِها - مُصَحِّحَةٌ لِافْتِراشِها؛ وقُرِئَ: "بِساطًا"؛ و"مِهادًا"؛ ﴿والسَّماءَ بِناءً﴾: عَطْفٌ عَلى المَفْعُولَيْنِ السّابِقَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ حالِ الأرْضِ لِما أنَّ احْتِياجَهم إلَيْها وانْتِفاعَهم بِها أكْثَرُ؛ وأظْهَرُ؛ أيْ جَعْلَها قُبَّةً مَضْرُوبَةً عَلَيْكُمْ؛ و"السَّماءُ" اسْمُ جِنْسٍ؛ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ؛ والمُتَعَدِّدِ؛ أوْ جَمْعُ "سَماوَةٌ"؛ أوْ "سِماءَةٌ"؛ و"البِناءُ" في الأصْلِ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَبْنِيُّ؛ بَيْتًا كانَ أوْ قُبَّةً أوْ خِباءً؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: "بَنى عَلى امْرَأتِهِ"؛ لِما أنَّهم كانُوا إذا تَزَوَّجُوا امْرَأةً ضَرَبُوا عَلَيْها خِباءً جَدِيدًا. ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾: عَطْفٌ عَلى "جَعَلَ"؛ أيْ: أنْزَلَ مِن جِهَتِها؛ أوْ مِنها؛ إلى السَّحابِ؛ ومِنَ السَّحابِ إلى الأرْضِ؛ كَما رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ أوِ المُرادُ بِـ "السَّماءِ" جِهَةُ العُلُوِّ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أنْزَلَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ؛ أيْ كائِنًا مِنَ السَّماءِ؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنِ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ - فَإمّا لِأنَّ السَّماءَ أصْلُهُ ومَبْدَؤُهُ؛ وإمّا لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن مَزِيدِ انْتِظامٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجَ بِهِ﴾؛ أيْ بِسَبَبِ الماءِ؛ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾؛ وذَلِكَ بِأنْ أوْدَعَ في الماءِ قُوَّةً فاعِلَةً؛ وفي الأرْضِ قُوَّةً مُنْفَعِلَةً؛ فَتَوَلَّدَ مِن تَفاعُلِهِما أصْنافُ الثِّمارِ؛ أوْ بِأنْ أجْرى عادَتَهُ بِإفاضَةِ صُوَرِ الثِّمارِ؛ وكَيْفِيَّتِها المُتَخالِفَةِ عَلى المادَّةِ المُمْتَزِجَةِ مِنهُما؛ وإنْ كانَ المُؤَثِّرُ - في الحَقِيقَةِ - قدرته (تَعالى)؛ ومَشِيئَتَهُ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) قادِرٌ عَلى أنْ يُوجِدَ جَمِيعَ الأشْياءِ بِلا مَبادٍ؛ ومَوادَّ؛ كَما أبْدَعَ نُفُوسَ المَبادِي؛ والأسْبابَ؛ لَكِنْ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ - في إنْشائِها مُتَقَلِّبَةً في الأحْوالِ؛ ومُتَبَدِّلَةً في الأطْوارِ؛ مِن بَدائِعِ حِكَمٍ باهِرَةٍ؛ تُجَدِّدُ لِأُولِي الأبْصارِ عِبَرًا؛ ومَزِيدَ طُمَأْنِينَةٍ إلى عَظِيمِ قدرته؛ ولَطِيفِ حِكْمَتِهِ؛ ما لَيْسَ في إبْداعِها بَغْتَةً؛ و"مِن" لِلتَّبْعِيضِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ﴾؛ ولِوُقُوعِها بَيْنَ مُنَكَّرَيْنِ؛ أعْنِي: "ماءً"؛ و"رِزْقًا"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ بَعْضَ الماءِ؛ فَأخْرَجَ بِهِ بَعْضَ الثَّمَراتِ؛ لِيَكُونَ بَعْضَ رِزْقِكُمْ؛ وهَكَذا الواقِعُ؛ إذْ لَمْ يُنَزِّلْ مِنَ السَّماءِ كُلَّ الماءِ؛ ولا أخْرَجَ مِنَ الأرْضِ كُلَّ الثَّمَراتِ؛ ولا جَعَلَ كُلَّ المَرْزُوقِ ثِمارًا؛ أوْ لِلتَّبْيِينِ؛ و"رِزْقًا" مَفْعُولٌ؛ بِمَعْنى "المَرْزُوقُ"؛ و"مِنَ الثَّمَراتِ" بَيانٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ: أنْفَقْتُ مِنَ الدَّراهِمِ ألْفًا؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مِنَ الثَّمَراتِ" مَفْعُولًا؛ و"رِزْقًا" حالًا مِنهُ؛ أوْ مَصْدَرًا مِن "أخْرَجَ"؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى "رَزَقَ"؛ وإنَّما شاعَ وُرُودُ الثَّمَراتِ؛ دُونَ الثِّمارِ؛ مَعَ أنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ (p-62)كَثْرَةٍ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِالثَّمَراتِ جَماعَةُ الثَّمَرَةِ؛ في قَوْلِكَ: أدْرَكْتُ ثَمَرَةَ بُسْتانِهِ؛ ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ عَلى التَّوْحِيدِ؛ أوْ لِأنَّ الجُمُوعَ يَقَعُ بَعْضُها مَوْقِعَ بَعْضٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾؛ أوْ لِأنَّها مُحَلّاةٌ بِاللّامِ؛ خارِجَةٌ عَنْ حَدِّ القِلَّةِ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً لِـ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ المَرْزُوقَ؛ أيْ: رِزْقًا كائِنًا لَكُمْ؛ أوْ دِعامَةٌ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ "رِزْقًا"؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: رِزْقًا إيّاكم. ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾: إمّا مُتَعَلِّقٌ بِالأمْرِ السّابِقِ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا أُمِرْتُمْ بِعِبادَةِ مَن هَذا شَأْنُهُ مِنَ التَّفَرُّدِ بِهَذِهِ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ والأفْعالِ الجَمِيلَةِ؛ فَلا تَجْعَلُوا لَهُ شَرِيكًا؛ وإنَّما قِيلَ: "أنْدادًا" بِاعْتِبارِ الواقِعِ؛ لا لِأنَّ مَدارَ النَّهْيِ هو الجَمْعِيَّةُ؛ وقُرِئَ: "نِدًّا"؛ وإيقاعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْقِعَ الضَّمِيرِ لِتَعْيِينِ المَعْبُودِ بِالذّاتِ؛ إثْرَ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ؛ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الوَحْدانِيَّةِ؛ واسْتِحالَةِ الشَّرِكَةِ؛ والإيذانِ بِاسْتِتْباعِها لِسائِرِ الصِّفاتِ؛ وإمّا مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾؛ والفاءُ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما قَبْلَها مِنَ الصِّفاتِ المُجْراةِ عَلَيْهِ (تَعالى)؛ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ؛ أوْ لِأنَّ مَآلَ النَّهْيِ هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ المُتَرَتِّبُ عَلى أصْلِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اعْبُدُوهُ فَخُصُّوها بِهِ؛ والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ آنِفًا؛ وقِيلَ: هو نَفْيٌ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ" جَوابًا لِلْأمْرِ؛ ويَأْباهُ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَكُونُ الأوَّلُ سَبَبًا لِلثّانِي؛ ولا رَيْبَ في أنَّ العِبادَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلتَّوْحِيدِ؛ الَّذِي هو أصْلُها ومَبْناها؛ وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِـ "لَعَلَّ" نَصْبَ "فَأطَّلِعَ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾ ﴿أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾؛ أيْ: خَلَقَكم لِتَتَّقُوا وتَخافُوا عِقابَهُ؛ فَلا تُشَبِّهُوهُ بِخَلْقِهِ؛ وحَيْثُ كانَ مَدارُ هَذا النَّصْبِ تَشْبِيهَ "لَعَلَّ" في بُعْدِ المَرْجُوِّ بِـ "لَيْتَ" كانَ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَقْصِيرِهِمْ؛ بِجَعْلِهِمُ المَرْجُوَّ القَرِيبَ بِمَنزِلَةِ المُتَمَنّى البَعِيدِ؛ وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّذِي جَعَلَ﴾ "؛ إلَخْ.. عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِ عَلى المَدْحِ؛ أيْ: هو الَّذِي حَفَّكم بِهَذِهِ الآياتِ العِظامِ؛ والدَّلائِلِ النَّيِّرَةِ؛ فَلا تَتَّخِذُوا لَهُ شُرَكاءَ؛ وفِيهِ ما مَرَّ مِن لُزُومِ كَوْنِ خَلْقِهِمْ وخَلْقِ أسْلافِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِن مَناطِيَةِ النَّهْيِ؛ مَعَ عَراقَتِهِما فِيها؛ وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ بِتَأْوِيلِ مَقُولٍ في حَقِّهِ؛ وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ؛ مَعَ لُزُومِ المَصِيرِ إلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ في تَنْزِيلِ الِاسْمِ الظّاهِرِ مَنزِلَةَ الضَّمِيرِ؛ كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ قامَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ؛ إذا كانَ ذَلِكَ كُنْيَتَهُ. و"النِّدُّ": المِثْلُ المُساوِي؛ مِن "نَدَّ؛ نُدُودًا"؛ إذا نَفَرَ؛ و"نادَدْتُهُ": خالَفْتُهُ؛ خُصَّ بِالمُخالِفِ المُماثِلِ بِالذّاتِ؛ كَما خُصَّ المُساوِي بِالمُماثِلِ في المِقْدارِ؛ وتَسْمِيَةُ ما يَعْبُدُهُ المُشْرِكُونَ مِن دُونِ اللَّهِ "أنْدادًا" - والحالُ أنَّهم ما زَعَمُوا أنَّها تُماثِلُهُ (تَعالى) في صِفاتِهِ؛ ولا أنَّها تُخالِفُهُ في أفْعالِهِ - لِما أنَّهم لَمّا تَرَكُوا عِبادَتَهُ (تَعالى) إلى عِبادَتِها؛ وسَمَّوْها آلِهَةً؛ شابَهَتْ حالُهم حالَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّها ذَواتٌ واجِبَةٌ بِالذّاتِ؛ قادِرَةٌ عَلى أنْ تَدْفَعَ عَنْهم بَأْسَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وتَمْنَحَهم ما لَمْ يُرِدِ اللَّهُ (تَعالى) بِهِمْ مِن خَيْرٍ؛ فَتَهَكَّمَ بِهِمْ؛ وشَنَّعَ عَلَيْهِمْ أنْ جَعَلُوا أنْدادًا لِمَن يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ واحِدٌ؛ وفي ذَلِكَ قالَ مُوَحِّدُ الجاهِلِيَّةِ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ؎ أرَبًّا واحِدًا أمْ ألْفَ رَبٍّ ∗∗∗ أدِينُ إذا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ ؎ تَرَكْتُ اللّاتَ والعُزّى جَمِيعًا ∗∗∗ كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "لا تَجْعَلُوا"؛ بِصَرْفِ التَّقْيِيدِ إلى ما أفادَهُ النَّهْيُ مِن قُبْحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ ومَفْعُولُ "تَعْلَمُونَ" مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَجْعَلُوا ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ قَبِيحٌ؛ واجِبُ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ والحالُ أنَّكم مِن أهْلِ العِلْمِ بِدَقائِقِ الأُمُورِ؛ وإصابَةِ الرَّأْيِ؛ أوْ مُقَدَّرٌ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ نَحْوَ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ؛ أوْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يُماثِلُهُ شَيْءٌ؛ أوْ تَعْلَمُونَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَها مِنَ التَّفاوُتِ؛ أوْ (p-63) تَعْلَمُونَ أنَّها لا تَفْعَلُ مِثْلَ أفْعالِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿هَلْ مِن شُرَكائِكم مِن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ﴾؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ وحاصِلُهُ تَنْشِيطُ المُخاطَبِينَ؛ وحَثُّهم عَلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ هَذا الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ عُمُومُ الخِطابِ في النَّهْيِ؛ بِجَعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ القَدْرَ المُشْتَرَكَ المُنْتَظِمَ لِإنْشاءِ الِانْتِهاءِ؛ كَما هو المَطْلُوبُ مِنَ الكَفَرَةِ؛ ولِلثَّباتِ عَلَيْهِ؛ كَما هو شَأْنُ المُؤْمِنِينَ؛ حَسْبَما مَرَّ مِثْلُهُ في الأمْرِ؛ وأمّا صَرْفُ التَّقْيِيدِ إلى نَفْسِ النَّهْيِ فَيَسْتَدْعِي تَخْصِيصَ الخِطابِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ بِطَرِيقِ قَصْرِ النَّهْيِ عَلى حالَةِ العِلْمِ؛ ضَرُورَةَ شُمُولِ التَّكْلِيفِ لِلْعالِمِ والجاهِلِ المُتَمَكِّنِ مِنَ العِلْمِ؛ بَلْ إنَّما يَتَأتّى بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ؛ والتَّقْرِيعِ؛ بِناءً عَلى أنَّ تَعاطِيَ القَبائِحِ مِنَ العالِمِينَ بِقُبْحِها أقْبَحُ؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حَقِّ الكَفَرَةِ؛ فَمَن صَرَفَ التَّقْيِيدَ إلى نَفْسِ النَّهْيِ مَعَ تَعْمِيمِ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا فَقَدْ نَأى عَنِ التَّحْقِيقِ؛ إنْ قُلْتَ: ألَيْسَ في تَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ في الأمْرِ والنَّهْيِ خَلاصٌ مِن أمْثالِ ما مَرَّ مِنَ التَّكَلُّفاتِ؛ وحُسْنُ انْتِظامٍ بَيْنَ السِّباقِ والسِّياقِ - إذْ لا مَحِيدَ في آيَةِ التَّحَدِّي مِن تَجْرِيدِ الخِطابِ؛ وتَخْصِيصِهِ بِالكَفَرَةِ لا مَحالَةَ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن رِباءٍ؛ مَحَلَّ المُؤْمِنِينَ؛ ورَفْعِ شَأْنِهِمْ عَنْ جَبْرِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الكَفَرَةِ؛ والإيذانِ بِأنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الطّاعَةِ والعِبادَةِ؛ حَسْبَما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ مُسْتَغْنُونَ في ذَلِكَ عَنِ الأمْرِ والنَّهْيِ - قُلْتُ: بَلى؛ إنَّهُ وجْهٌ سَرِيٌّ؛ ونَهْجٌ سَوِيٌّ؛ لا يَضِلُّ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ؛ ولا يَزِلُّ مَن ثَبَّتَ قَدَمَهُ عَلَيْهِ؛ فَتَأمَّلْ.

البقرة 2:23

﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾: شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ الكِتابَ الكَرِيمَ؛ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما تُلِيَ مِنَ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ؛ النّاطِقَتَيْنِ بِوُجُوبِ العِبادَةِ والتَّوْحِيدِ؛ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى رَسُولِهِ ﷺ؛ كَما أنَّ ما ذُكِرَ فِيهِما مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ صادِرَةٌ عَنْهُ (تَعالى)؛ لِتَوْضِيحِ اتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الشَّرِيفَةِ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نَزاهَتُهُ عَنْ أنْ يَعْتَرِيَهُ رَيْبٌ ما؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ؛ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِكَوْنِهِ مِن كَلامِ البَشَرِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ أقْصى ما يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُمْ؛ وإنْ كانُوا في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ؛ هو الِارْتِيابُ في شَأْنِهِ؛ وأمّا الجَزْمُ المَذْكُورُ فَخارِجٌ مِن دائِرَةِ الِاحْتِمالِ؛ كَما أنَّ تَنْكِيرَهُ؛ وتَصْدِيرَهُ بِكَلِمَةِ الشَّكِّ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حَقَّهُ أنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مَشْكُوكَ الوُقُوعِ؛ وإمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَزْمَهم ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الرَّيْبِ الضَّعِيفِ؛ لِكَمالِ وُضُوحِ دَلائِلِ الإعْجازِ؛ ونِهايَةِ قُوَّتِها؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وإنِ ارْتَبْتُمْ فِيما نَزَّلْنا.. إلَخْ.. لِما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ مِنَ المُبالَغَةِ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ شائِبَةِ وُقُوعِ الرَّيْبِ فِيهِ؛ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ والإشْعارِ بِأنَّ ذَلِكَ إنْ وقَعَ فَمِن جِهَتِهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ. واعْتِبارُ اسْتِقْرارِهِمْ فِيهِ؛ وإحاطَتِهِ بِهِمْ؛ لا يُنافِي اعْتِبارَ ضَعْفِهِ وقِلَّتِهِ؛ لِما أنَّ ما يَقْتَضِيهِ ذَلِكَ هو دَوامُ مُلابَسَتِهِمْ بِهِ؛ لا قُوَّتُهُ؛ وكَثْرَتُهُ؛ و"مِن" في "مِمّا" ابْتِدائِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَيْبٍ"؛ وحَمْلُها عَلى السَّبَبِيَّةِ رُبَّما يُوهِمُ كَوْنَهُ مَحَلًّا لِلرَّيْبِ في الجُمْلَةِ؛ وحاشاهُ ذَلِكَ؛ و"ما" - مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً - عِبارَةٌ عَنِ الكِتابِ الكَرِيمِ؛ لا عَنِ القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبْعاضِهِ؛ ولَيْسَ مَعْنى كَوْنِهِمْ (p-64)فِي رَيْبٍ مِنهُ ارْتِيابَهم في اسْتِقامَةِ مَعانِيهِ؛ وصِحَّةِ أحْكامِهِ؛ بَلْ في نَفْسِ كَوْنِهِ وحْيًا مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإيثارُ التَّنْزِيلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّدْرِيجِ عَلى مُطْلَقِ الإنْزالِ لِتَذْكِيرِ مَنشَإ ارْتِيابِهِمْ؛ وبِناءِ التَّحَدِّي عَلَيْهِ؛ إرْخاءً لِلْعِنانِ؛ وتَوْسِيعًا لِلْمَيْدانِ؛ فَإنَّهم كانُوا اتَّخَذُوا نُزُولَهُ مُنَجَّمًا وسِيلَةً إلى إنْكارِهِ؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ مِن مَبادِي الِاعْتِرافِ بِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنِ ارْتَبْتُمْ في شَأْنِ ما نَزَّلْناهُ عَلى مَهْلٍ وتَدْرِيجٍ؛ فَهاتُوا أنْتُمْ مِثْلَ نَوْبَةٍ فَذَّةٍ مِن نُوَبِهِ؛ ونَجْمٍ فَرْدٍ مِن نُجُومِهِ؛ فَإنَّهُ أيْسَرُ عَلَيْكم مِن أنْ يُنَزَّلَ جُمْلَةً واحِدَةً؛ ويُتَحَدّى بِالكُلِّ؛ وهَذا - كَما تَرى - غايَةُ ما يَكُونُ في التَّبْكِيتِ؛ وإزاحَةِ العِلَلِ؛ وفي ذِكْرِهِ ﷺ بِعُنْوانِ العُبُودِيَّةِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ مِنَ التَّشْرِيفِ؛ والتَّنْوِيهِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِهِ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - وانْقِيادِهِ لِأوامِرِهِ (تَعالى) ما لا يَخْفى؛ وقُرِئَ: "عَلى عِبادِنا"؛ والمُرادُ هو ﷺ؛ وأُمَّتُهُ؛ أوْ جَمِيعُ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الِارْتِيابَ فِيهِ ارْتِيابٌ فِيما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ؛ لِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَهُ؛ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ؛ والأمْرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾؛ مِن بابِ التَّعْجِيزِ؛ وإلْقامِ الحَجَرِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾؛ والفاءُ لِلْجَوابِ؛ وسَبَبِيَّةُ الِارْتِيابِ لِلْأمْرِ؛ أوِ الإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ؛ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ جَزْمِهِمُ المَذْكُورِ؛ فَإنَّهُ سَبَبٌ لِلْأوَّلِ مُطْلَقًا؛ ولِلثّانِي عَلى تَقْدِيرِ الصِّدْقِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ؛ مِن كَوْنِهِ كَلامَ البَشَرِ؛ فَأْتُوا بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّكم تَقْدِرُونَ عَلى ما عَلَيْهِ سائِرُ بَنِي نَوْعِكم. والسُّورَةُ: الطّائِفَةُ مِنَ القرآن العَظِيمِ؛ المُتَرْجِمَةُ؛ وأقَلُّها ثَلاثُ آياتٍ؛ وواوُها أصْلِيَّةٌ؛ مَنقُولَةٌ مِن "سُورُ البَلَدِ"؛ لِأنَّها مُحِيطَةٌ بِطائِفَةٍ مِنَ القرآن؛ مُفْرِزَةٍ؛ مَحُوزَةٍ عَلى حِيالِها؛ أوْ مُحْتَوِيَةٍ عَلى فُنُونٍ رائِقَةٍ مِنَ العُلُومِ؛ احْتِواءَ سُورِ المَدِينَةِ عَلى ما فِيها؛ أوْ مِن "السَّوْرَةُ" الَّتِي هي الرُّتْبَةُ؛ قالَ: ؎ ولِرَهْطِ حَرّابٍ وقَذٍّ سَوْرَةٌ ∗∗∗ في المَجْدِ لَيْسَ غُرابُها بِمُطارِ فَإنَّ سُوَرَ القرآن مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها رُتَبًا؛ مِن حَيْثُ الفَضْلُ والشَّرَفُ؛ أوْ مِن حَيْثُ الطُّولُ والقِصَرُ؛ فَهي مِن حَيْثُ انْتِظامُها مَعَ أخَواتِها في المُصْحَفِ مَراتِبُ يَرْتَقِي إلَيْها القارِئُ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ وقِيلَ: واوُها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ؛ فَمَعْناها: البَقِيَّةُ مِنَ الشَّيْءِ؛ ولا يَخْفى ما فِيهِ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿مِن مِثْلِهِ﴾؛ بَيانِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً؛ لِـ "سُورَةٍ"؛ والضَّمِيرُ لِـ "ما نَزَّلْنا"؛ أيْ: بِسُورَةٍ كائِنَةٍ مِن مِثْلِهِ في عُلُوِّ الرُّتْبَةِ؛ وسُمُوِّ الطَّبَقَةِ؛ والنَّظْمِ الرّائِقِ؛ والبَيانِ البَدِيعِ. وحِيازَةُ سائِرِ نُعُوتِ الإعْجازِ؛ وجَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً؛ يُوهِمُ أنَّ لَهُ مِثْلًا مُحَقَّقًا؛ قَدْ أُرِيدَ تَعْجِيزُهم عَنِ الإتْيانِ بِبَعْضِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأْتُوا بِبَعْضِ ما هو مِثْلٌ لَهُ؛ يُفْهَمُ مِنهُ كَوْنُ المُماثَلَةِ مِن تَتِمَّةِ المَعْجُوزِ عَنْهُ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِها مَدارًا لِلْعَجْزِ؛ مَعَ أنَّهُ المُرادُ. وبِناءُ الأمْرِ عَلى المُجاراةِ مَعَهم - بِحَسَبِ حُسْبانِهِمْ؛ حَيْثُ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾؛ أوْ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ - يَأْباهُ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الرَّيْبِ؛ فَإنَّ مَبْنى التَّهَكُّمِ عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ وتَسْوِيفِهِ؛ ولَوْ بِغَيْرِ جِدٍّ؛ وقِيلَ: هي زائِدَةٌ؛ عَلى ما هو رَأْيُ الأخْفَشِ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾؛ ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾؛ وقِيلَ: هي ابْتِدائِيَّةٌ؛ فالضَّمِيرُ حِينَئِذٍ لِلْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ حَتْمًا؛ لِما أنَّ رُجُوعَهُ إلى المُنَزَّلِ يُوهِمُ أنَّ لَهُ مِثْلًا مُحَقَّقًا؛ قَدْ ورَدَ الأمْرُ التَّعْجِيزِيُّ بِالإتْيانِ بِشَيْءٍ مِنهُ؛ وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ؛ بِخِلافِ رُجُوعِهِ إلى المُنَزَّلِ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ تَحَقُّقَ مِثْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في البَشَرِيَّةِ؛ والعَرَبِيَّةِ؛ والأُمِّيَّةِ؛ يُهَوِّنُ الخَطْبَ في الجُمْلَةِ؛ خَلا أنَّ تَخْصِيصَ التَّحَدِّي بِفَرْدٍ يُشارِكُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِيما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ المُنافِيَةِ لِلْإتْيانِ بِالمَأْمُورِ بِهِ؛ لا يَدُلُّ عَلى عَجْزِ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ مِن عُلَمائِهِمْ؛ بَلْ رُبَّما يُوهِمُ قدرتهمْ عَلى ذَلِكَ في الجُمْلَةِ فُرادى؛ أوْ مُجْتَمِعِينَ؛ مَعَ أنَّهُ يَسْتَدْعِي عَراءَ المُنَزَّلِ عَمّا فُصِّلَ مِنَ النُّعُوتِ المُوجِبَةِ لِاسْتِحالَةِ وُجُودِ مِثْلِهِ؛ فَأيْنَ هَذا مِن تَحَدِّي أُمَّةٍ جَمَّةٍ؛ وأمْرِهِمْ بِأنْ يَحْتَشِدُوا في حَلْبَةِ المُعارَضَةِ (p-65)بِخَيْلِهِمْ ورَجِلِهِمْ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وادْعُوا شُهَداءَكم مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ ويَتَعاوَنُوا عَلى الإتْيانِ بِقَدْرٍ يَسِيرٍ مُماثِلٍ في صِفاتِ الكَمالِ لِما أتى بِجُمْلَتِهِ واحِدٌ مِن أبْناءِ جِنْسِهِمْ؟ و"الشُّهَداءُ": جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ بِمَعْنى: "الحاضِرُ"؛ أوْ: "القائِمُ بِالشَّهادَةِ"؛ أوْ: "النّاصِرُ"؛ ومَعْنى "دُونَ": أدْنى مَكانٍ مِن شَيْءٍ؛ يُقالُ: هَذا دُونَ ذاكَ؛ إذا كانَ أحَطَّ مِنهُ قَلِيلًا؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّفاوُتِ في الأحْوالِ؛ والرُّتَبِ؛ فَقِيلَ: زَيْدٌ دُونَ عَمْرٍو؛ أيْ في الفَضْلِ؛ والرُّتْبَةِ؛ ثُمَّ اتُّسِعَ فاسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَجاوُزِ حَدٍّ إلى حَدٍّ؛ وتَخَطِّي حُكْمٍ إلى حُكْمٍ؛ مِن غَيْرِ مُلاحَظَةِ انْحِطاطِ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ؛ فَجَرى مُجْرى أداةِ الِاسْتِثْناءِ؛ وكَلِمَةُ "مِن" إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "ادْعُوا"؛ فَتَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ والظَّرْفُ مُسْتَقِرٌّ؛ والمَعْنى: ادْعُوا مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ (تَعالى) لِلِاسْتِظْهارِ مَن حَضَرَكُمْ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ أوِ الحاضِرِينَ في مَشاهِدِكم ومَحاضِرِكُمْ؛ مِن رُؤَسائِكم وأشْرافِكُمُ؛ الَّذِينَ تَفْزَعُونَ إلَيْهِمْ في المُلِمّاتِ؛ وتُعَوِّلُونَ عَلَيْهِمْ في المُهِمّاتِ؛ أوِ القائِمِينَ بِشَهاداتِكُمُ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَكم مِن أُمَنائِكُمُ المُتَوَلِّينَ لِاسْتِخْلاصِ الحُقُوقِ؛ بِتَنْفِيذِ القَوْلِ عِنْدَ الوُلاةِ؛ أوِ القائِمِينَ بِنُصْرَتِكُمْ؛ حَقِيقَةً أوْ زَعْمًا؛ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ؛ لِيُعِينُوكم. وإخْراجُهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِن حُكْمِ الدُّعاءِ في الأوَّلِ - مَعَ انْدِراجِهِ في الحُضُورِ - لِتَأْكِيدِ تَناوُلِهِ لِجَمِيعِ ما عَداهُ؛ لا لِبَيانِ اسْتِبْدادِهِ (تَعالى) بِالقُدْرَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوهِمُ أنَّهم لَوْ دَعَوْهُ (تَعالى) لَأجابَهم إلَيْهِ؛ وأمّا في سائِرِ الوُجُوهِ فَلِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِبَراءَتِهِمْ مِنهُ (تَعالى)؛ وكَوْنِهِمْ في عُدْوَةِ المُحادَّةِ والمُشاقَّةِ لَهُ؛ قاصِرِينَ اسْتِظْهارَهم عَلى ما سِواهُ؛ والِالتِفاتُ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وقِيلَ: المَعْنى: ادْعُوا مِن دُونِ أوْلِياءِ اللَّهِ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ هم وُجُوهُ النّاسِ؛ وفُرْسانُ المُقاوَلَةِ والمُناقَلَةِ؛ لِيَشْهَدُوا لَكم أنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ؛ إيذانًا بِأنَّهم يَأْبَوْنَ أنْ يَرْضَوْا لِأنْفُسِهِمُ الشَّهادَةَ بِصِحَّةِ ما هو بَيِّنُ الفَسادِ؛ وجَلِيُّ الِاسْتِحالَةِ؛ وفِيهِ أنَّهُ يُؤْذِنُ بِعَدَمِ شُمُولِ التَّحَدِّي لِأُولَئِكَ الرُّؤَساءِ؛ وقِيلَ: المَعْنى: ادْعُوا شُهَداءَكم فَصَحِّحُوا بِهِمْ دَعْواكُمْ؛ ولا تَسْتَشْهِدُوا بِاللَّهِ (تَعالى) قائِلِينَ: اللَّهُ يَشْهَدُ أنَّ ما نَدَّعِيهِ حَقٌّ؛ فَإنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُ المَحْجُوجِ؛ وفِيهِ أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِما يَدَّعُونَ حَقِّيَّةَ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الباطِلِ فَلا مِساسَ لَهُ بِمَقامِ التَّحَدِّي؛ وإنْ أُرِيدَ مِثْلِيَّةُ ما أتَوْا بِهِ لِلْمُتَحَدّى بِهِ؛ فَمَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِابْتِداءِ التَّحَدِّي يُوهِمُ أنَّهم قَدْ تَصَدَّوْا لِلْمُعارَضَةِ؛ وأتَوْا بِشَيْءٍ مُشْتَبِهِ الحالِ؛ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ المِثْلِيَّةِ وعَدَمِها؛ وأنَّهُمُ ادَّعَوْها مُسْتَشْهِدِينَ في ذَلِكَ بِاللَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ إذْ عِنْدَ ذَلِكَ تَمَسُّ الحاجَةُ إلى الأمْرِ بِالِاسْتِشْهادِ بِالنّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنْ الِاسْتِشْهادِ بِهِ (تَعالى)؛ وأنّى لَهم ذَلِكَ وما نَبَضَ لَهم عِرْقٌ؛ ولا نَبَسُوا بِبِنْتِ شَفَةٍ؟ وإمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "شُهَداءَكُمْ"؛ والمُرادُ بِهِمُ الأصْنامُ؛ و"دُونِ" بِمَعْنى التَّجاوُزِ؛ عَلى أنَّها ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ؛ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ والعامِلُ ما دَلَّ عَلَيْهِ "شُهَداءَكُمْ"؛ أيْ: ادْعُوا أصْنامَكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم آلِهَةً؛ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ (تَعالى) في اتِّخاذِها كَذَلِكَ؛ وكَلِمَةُ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ فَإنَّ الِاتِّخاذَ ابْتِداءٌ مِنَ التَّجاوُزِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنِ الأصْنامِ بِالشُّهَداءِ لِتَعْيِينِ مَدارِ الِاسْتِظْهارِ بِها؛ بِتَذْكِيرِ ما زَعَمُوا مِن أنَّها بِمَكانٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأنَّها تَنْفَعُهم بِشَهادَتِها لَهم أنَّهم عَلى الحَقِّ؛ فَإنَّ ما هَذا شَأْنُهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَلاذًا لَهم في كُلِّ أمْرٍ مُهِمٍّ؛ ومَلْجَأً يَأْوُونَ إلَيْهِ في كُلِّ خَطْبٍ مُلِمٍّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ عُدَّتُكُمْ؛ فادْعُوهم لِهَذِهِ الدّاهِيَةِ الَّتِي دَهَمَتْكُمْ؛ فَوَجْهُ الِالتِفاتِ الإيذانُ بِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ؛ حَيْثُ آثَرُوا عَلى عِبادَةِ مَن لَهُ الأُلُوهِيَّةُ الجامِعَةُ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ عِبادَةَ ما لا أحْقَرَ مِنهُ؛ وقِيلَ: لَفْظَةُ "دُونَ" مُسْتَعارٌ مِن مَعْناها الوَضْعِيِّ الَّذِي هو أدْنى مَكانٍ مِن شَيْءٍ لِقُدّامِهِ؛ كَما في قَوْلِ الأعْشى: ؎ تُرِيكَ القَذى مِن دُونِها وهْيَ دُونَهُ ∗∗∗ أيْ: تُرِيكَ القَذى قُدّامَها؛ وهي قُدّامَ القَذى؛ فَتَكُونُ ظَرْفًا لَغْوًا؛ مَعْمُولًا لِـ "شُهَداءَكُمْ"؛ لِكِفايَةِ رائِحَةِ الفِعْلِ فِيهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى (p-66) اعْتِمادٍ؛ ولا إلى تَقْدِيرِ "يَشْهَدُونَ"؛ أيْ: ادْعُوا شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيُعِينُوكم في المُعارَضَةِ؛ وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ لِما مَرَّ مِنَ الإشْعارِ بِمَناطِ الِاسْتِعانَةِ بِها؛ ووَجْهُ الِالتِفاتِ تَرْبِيَةُ المَهابَةِ؛ وتَرْشِيحُ ذَلِكَ المَعْنى؛ فَإنَّ ما يَقُومُ بِهَذا الأمْرِ في ذَلِكَ المَقامِ الخَطِيرِ حَقُّهُ أنْ يُسْتَعانَ بِهِ في كُلِّ مَرامٍ؛ وفي أمْرِهِمْ عَلى الوَجْهَيْنِ - بِأنْ يَسْتَظْهِرُوا في مُعارَضَةِ القرآن الَّذِي أخْرَسَ كُلَّ مِنطِيقٍ بِالجَمادِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ - ما لا يُوصَفُ؛ وكَلِمَةُ "مِن" هَهُنا تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِما أنَّهم يَقُولُونَ: "جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ وخَلْفَهُ"؛ بِمَعْنى "فِي" لِأنَّهُما طَرَفانِ لِلْفِعْلِ؛ و"مِن بَيْنِ يَدَيْهِ؛ ومِن خَلْفِهِ"؛ لِأنَّ الفِعْلَ إنَّما يَقَعُ في بَعْضِ تَيْنِكَ الجِهَتَيْنِ؛ كَما تَقُولُ: جِئْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ؛ تُرِيدُ بَعْضَ اللَّيْلِ؛ وقَدْ يُقالُ: كَلِمَةُ "مِن" الدّاخِلَةُ عَلى "دُونِ" في جَمِيعِ المَواقِعِ بِمَعْنى "فِي"؛ كَما في سائِرِ الظُّرُوفِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ؛ وتَكُونُ مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ أبَدًا؛ ولا تَنْجَرُّ إلّا بِـ "مِن" خاصَّةً؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالشُّهَداءِ مَدارُهُ القَوْمُ ووُجُوهُ المَحافِلِ والمَحاضِرِ؛ و"دُونِ" ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ؛ و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ أيْ: ادْعُوا الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لَكم أنَّ ما أتَيْتُمْ بِهِ مِثْلُهُ؛ مُتَجاوِزِينَ في ذَلِكَ أوْلِياءَ اللَّهِ؛ ومُحَصِّلُهُ: شُهَداءَ مُغايِرِينَ لَهُمْ؛ إيذانًا بِأنَّهم أيْضًا لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ؛ وإنَّما قُدِّرَ المُضافُ إلى اللَّهِ (تَعالى) رِعايَةً لِلْمُقابَلَةِ؛ فَإنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ (تَعالى) يُقابِلُونَ أوْلِياءَ الأصْنامِ؛ كَما أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ (تَعالى) يُقابِلُ ذِكْرَ الأصْنامِ؛ والمَقْصُودُ بِهَذا الأمْرِ إرْخاءُ العِنانِ؛ والِاسْتِدْراجُ إلى غايَةِ التَّبْكِيتِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: تَرَكْنا إلْزامَكم بِشُهَداءَ لا مَيْلَ لَهم إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ؛ كَما هو المُعْتادُ؛ واكْتَفَيْنا بِشُهَدائِكُمُ المَعْرُوفِينَ بِالذَّبِّ عَنْكُمْ؛ فَإنَّهم أيْضًا لا يَشْهَدُونَ لَكُمْ؛ حِذارًا مِنَ اللّائِمَةِ؛ وأنَفَةً مِنَ الشَّهادَةِ البَيِّنَةِ البُطْلانِ؛ كَيْفَ لا.. وأمْرُ الإعْجازِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ لَمْ يَبْقَ إلى إنْكارِهِ سَبِيلٌ قَطْعًا؟ وفِيهِ ما مَرَّ مِن عَدَمِ المُلاءَمَةِ لِابْتِداءِ التَّحَدِّي؛ وعَدَمِ تَناوُلِهِ لِأُولَئِكَ الشُّهَداءِ؛ وإيهامِ أنَّهم تَعَرَّضُوا لِلْمُعارَضَةِ؛ وأتَوْا بِشَيْءٍ احْتاجُوا في إثْباتِ مِثْلِيَّتِهِ لِلْمُتَحَدّى بِهِ إلى الشَّهادَةِ؛ وشَتّانَ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ في زَعْمِكم أنَّهُ مِن كَلامِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ؛ إلَخْ.. واسْتِلْزامُ المُقَدَّمِ لِلتّالِي مِن حَيْثُ إنَّ صِدْقَهم في ذَلِكَ الزَّعْمِ يَسْتَدْعِي قدرتهمْ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ؛ بِقَضِيَّةِ مُشارَكَتِهِمْ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في البَشَرِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ؛ مَعَ ما بِهِمْ مِن طُولِ المُمارَسَةِ لِلْخُطَبِ والأشْعارِ؛ وكَثْرَةِ المُزاوَلَةِ لِأسالِيبِ النَّظْمِ والنَّثْرِ؛ والمُبالَغَةِ في حِفْظِ الوَقائِعِ والأيّامِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ المُظاهَرَةِ والتَّعاوُنِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ القُدْرَةَ عَلى الشَّيْءِ مِن مُوجِباتِ الإتْيانِ بِهِ؛ ودَواعِي الأمْرِ بِهِ.ْ

البقرة 2:24

﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾: أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الإتْيانِ بِالمِثْلِ؛ بَعْدَما بَذَلْتُمْ في السَّعْيِ غايَةَ المَجْهُودِ؛ وجاوَزْتُمْ في الحَدِّ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ؛ مُتَشَبِّثِينَ بِالذُّيُولِ؛ راكِبِينَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ؛ وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ إيذانًا بِعَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ تَهالُكِهِمْ عَلى ذَلِكَ؛ وإنَّما أُورِدَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ مُطْلَقُ الفِعْلِ؛ وجُعِلَ مَصْدَرُ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مَفْعُولًا لَهُ؛ لِلْإيجازِ البَدِيعِ المُغْنِي عَنِ التَّطْوِيلِ والتَّكْرِيرِ؛ مَعَ سِرٍّ سِرِّيٍّ اسْتَقَلَّ بِهِ المَقامَ؛ وهو الإيذانُ بِأنَّ المَقْصُودَ بِالتَّكْلِيفِ هو إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ؛ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ عَنْهُ؛ لا لِتَحْصِيلِ المَفْعُولِ؛ أيِ المَأْتِيِّ بِهِ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَتِهِ؛ وأنَّ مَناطَ الجَوابِ في الشَّرْطِيَّةِ - أعْنِي الأمْرَ بِاتِّقاءِ النّارِ - هو عَجْزُهم عَنْ إيقاعِهِ؛ لا فَوْتُ حُصُولِ المَفْعُولِ؛ فَإنَّ مَدْلُولَ لَفْظِ (p-67)الفِعْلِ هو أنْفُسُ الأفْعالِ الخاصَّةِ؛ لازِمَةً كانَتْ أوْ مُتَعَدِّيَةً؛ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ تَعَلُّقاتِها بِمَفْعُولاتِها الخاصَّةِ؛ فَإذا عُلِّقَ بِفِعْلٍ خاصٍّ مُتَعَدٍّ فَإنَّما يُقْصَدُ بِهِ إيقاعُ نَفْسِ ذَلِكَ الفِعْلِ؛ وإخْراجُهُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ؛ وأمّا تَعَلُّقُهُ بِمَفْعُولِهِ المَخْصُوصِ فَهو خارِجٌ عَنْ مَدْلُولِ الفِعْلِ المُطْلَقِ؛ وإنَّما يُسْتَفادُ ذَلِكَ مِنَ الفِعْلِ الخاصِّ؛ ولِذَلِكَ تَراهم يَتَوَسَّلُونَ بِذَلِكَ إلى تَجْرِيدِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ عَنْ مَفْعُولاتِها؛ وتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ الأفْعالِ اللّازِمَةِ؛ فَيَقُولُونَ - مَثَلًا -: مَعْنى "فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ": "يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ"؛ يُرْشِدُكَ إلى هَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾؛ فَإنَّهُ لَمّا كانَ مَقْصُودُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالأمْرِ؛ ومَرْمى غَرَضِهِ بِالتَّكْلِيفِ مِنهُ؛ اسْتِحْضارَ "بِنْيامِينَ" لَمْ يَكْتَفِ في الشَّرْطِيَّةِ الدّاعِيَةِ لَهم إلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ والسَّعْيِ في تَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ؛ بِالإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى الفِعْلِ؛ الَّذِي ورَدَ بِهِ الأمْرُ؛ بِأنْ يَقُولَ: "فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا"؛ بَلْ أعادَهُ بِعَيْنِهِ؛ مُتَعَلِّقًا بِمَفْعُولِهِ؛ تَحْقِيقًا لِمَطْلَبِهِ؛ وإعْرابًا عَنْ مَقْصِدِهِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: أُطْلِقَ الفِعْلُ؛ وأُرِيدَ بِهِ الإتْيانُ؛ مَعَ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ إمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَنِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بِالضَّمائِرِ الرّاجِعَةِ إلَيْها؛ حَذَرًا مِنَ التَّكْرارِ؛ أوْ عَلى طَرِيقَةِ ذِكْرِ اللّازِمِ وإرادَةِ المَلْزُومِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ المُصَحِّحِ لِلِانْتِقالِ بِمَعُونَةِ قَرائِنِ الحالِ؛ فَتَدَبَّرُوا إيثارَ كَلِمَةِ "إنْ" المُفِيدَةِ لِلشَّكِّ؛ عَلى "إذا"؛ مَعَ تَحَقُّقِ الجَزْمِ بِعَدَمِ فِعْلِهِمْ؛ مُجاراةً مَعَهم بِحَسَبِ حُسْبانِهِمْ قَبْلَ التَّجْرِبَةِ؛ أوِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ. ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾: كَلِمَةُ "لَنْ" لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ؛ كَـ "لا"؛ خَلا أنَّ في "لَنْ" زِيادَةَ تَأْكِيدٍ؛ وتَشْدِيدٍ؛ وأصْلُها عِنْدَ الخَلِيلِ: "لا أنْ"؛ وعِنْدَ الفَرّاءِ: "لا"؛ أُبْدِلَتْ ألِفُها نُونًا؛ وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: حَرْفٌ مُقْتَضَبٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ؛ وهي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنِ الخَلِيلِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُزْأيِ الشَّرْطِيَّةِ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ مُقَدَّمِها؛ ومُؤَكِّدٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِتالِيها؛ وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ باهِرَةٌ؛ حَيْثُ أخْبَرَ بِالغَيْبِ الخاصِّ عِلْمُهُ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقَدْ وقَعَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ كَيْفَ لا.. ولَوْ عارَضُوهُ بِشَيْءٍ يُدانِيهِ في الجُمْلَةِ لَتَناقَلَهُ الرُّواةُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ. ﴿فاتَّقُوا النّارَ﴾: جَوابٌ لِلشَّرْطِ؛ عَلى أنَّ اتِّقاءَ النّارِ كِنايَةٌ عَنْ الِاحْتِرازِ مِنَ العِنادِ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ تَسَبُّبُهُ عَنْهُ؛ وتَرَتُّبُهُ عَلَيْهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ - كَما هو المُقَرَّرُ - فاحْتَرِزُوا مِن إنْكارِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ فَإنَّهُ مُسْتَوْجِبٌ لِلْعِقابِ بِالنّارِ؛ لَكِنْ أُوثِرَ عَلَيْهِ الكِنايَةُ المَذْكُورَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى تَصْوِيرِ العِنادِ بِصُورَةِ النّارِ؛ وجُعِلَ الِاتِّصافُ بِهِ عَيْنَ المُلابَسَةِ بِها؛ لِلْمُبالَغَةِ في تَهْوِيلِ شَأْنِهِ؛ وتَفْظِيعِ أمْرِهِ؛ وإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِتَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنهُ؛ وتَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ؛ وحَثِّهِمْ عَلى الجِدِّ في تَحْقِيقِ المَكْنِيِّ عَنْهُ؛ وفِيهِ مِنَ الإيجازِ البَدِيعِ ما لا يَخْفى؛ حَيْثُ كانَ الأصْلُ: فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَقَدْ صَحَّ صِدْقُهُ عِنْدَكُمْ؛ وإذا صَحَّ ذَلِكَ كانَ لُزُومُكُمُ العِنادَ؛ وتَرْكُكُمُ الإيمانَ بِهِ؛ سَبَبًا لِاسْتِحْقاقِكُمُ العِقابَ بِالنّارِ؛ فاحْتَرِزُوا مِنهُ؛ واتَّقُوا النّارَ؛ ﴿الَّتِي وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾؛ صِفَةٌ لِلنّارِ؛ مُوَرِّثَةٌ لَها زِيادَةَ هَوْلٍ؛ وفَظاعَةٍ - أعاذَنا اللَّهُ مِن ذَلِكَ -؛ والوَقُودُ: ما يُوقَدُ بِهِ النّارُ؛ وتُرْفَعُ مِنَ الحَطَبِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الواوِ؛ وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَفْعُولُ مُبالَغَةً؛ كَما يُقالُ: فُلانٌ فَخْرُ قَوْمِهِ؛ وزَيْنُ بَلَدِهِ؛ والمَعْنى أنَّها مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا تَمَسُّ شَيْئًا مِن رَطْبٍ أوْ يابِسٍ إلّا أحْرَقَتْهُ؛ لا كَنِيرانِ الدُّنْيا؛ تَفْتَقِرُ في الِالتِهابِ إلى وقُودٍ مِن حَطَبٍ أوْ حَشِيشٍ؛ وإنَّما جُعِلَ هَذا الوَصْفُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ؛ مُقْتَضِيَةً لِكَوْنِ انْتِسابِها إلى ما نُسِبَتْ هي إلَيْهِ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِ؛ بِناءً عَلى أنَّهم سَمِعُوهُ مِن أهْلِ الكِتابِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ أوْ مِنَ الرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ سَمِعُوا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ المَدَنِيَّةِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾؛ فَأُشِيرَ هَهُنا إلى ما سَمِعُوهُ أوَّلًا؛ وكَوْنُ سُورَةِ التَّحْرِيمِ مَدَنِيَّةً لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ (p-68) جَمِيعِ آياتِها كَذَلِكَ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ وأمّا أنَّ الصِّفَةَ أيْضًا يَجِبُ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ؛ فالخَطْبُ فِيهِ هَيِّنٌ لِما أنَّ المُخاطَبَ هُناكَ المُؤْمِنُونَ؛ وظاهِرٌ أنَّهم سَمِعُوا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والمُرادُ بِالحِجارَةِ: الأصْنامُ؛ وبِالنّاسِ: أنْفُسُهُمْ؛ حَسْبَما ورَدَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ الآيَةِ. ﴿أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾: أيْ: هُيِّئَتْ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِما نَزَّلْناهُ؛ وجُعِلَتْ عُدَّةً لِعَذابِهِمْ؛ والمُرادُ إمّا جِنْسُ الكُفّارِ؛ والمُخاطَبُونَ داخِلُونَ فِيهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وإمّا هم خاصَّةً؛ ووُضِعَ "الكافِرِينَ" مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِذَمِّهِمْ؛ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِكُفْرِهِمْ؛ وقُرِئَ: "أُعْتِدَتْ"؛ مِن "العَتادُ"؛ بِمَعْنى "العُدَّةُ"؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النّارَ مَخْلُوقَةٌ؛ مَوْجُودَةٌ الآنَ؛ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ ومُؤَكِّدَةٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِهِ؛ ومُبَيِّنَةٌ لِمَن أُرِيدَ بِالنّاسِ؛ دافِعَةٌ لِاحْتِمالِ العُمُومِ؛ وقِيلَ: حالٌ بِإضْمارِ "قَدْ"؛ مِن "النّارَ"؛ لا مِن ضَمِيرِها في "وَقُودُها"؛ لِما في ذَلِكَ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالخَبَرِ؛ وقِيلَ: صِلَةٌ بَعْدَ صِلَةٍ؛ أوْ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ؛ بِتَرْكِ العاطِفِ.

البقرة 2:25

﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ بِأنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ لَكِنْ لا عَلى أنَّ المَقْصُودَ عَطْفُ نَفْسِ الأمْرِ حَتّى يُطْلَبَ لَهُ مُشاكِلٌ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ؛ بَلْ عَلى أنَّهُ عَطْفُ قِصَّةِ المُؤْمِنِينَ بِالقرآن؛ ووَصْفِ ثَوابِهِمْ؛ عَلى قِصَّةِ الكافِرِينَ بِهِ؛ وكَيْفِيَّةِ عِقابِهِمْ؛ جَرْيًا عَلى السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ؛ مِن شَفْعِ التَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ؛ والوَعْدِ بِالوَعِيدِ؛ وكَأنَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ لِتَخْيِيلِ كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ حالِ الفَرِيقَيْنِ؛ وقُرِئَ: "وَبُشِّرَ"؛ عَلى صِيغَةِ الفِعْلِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ عَطْفًا عَلى أُعِدَّتْ؛ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا؛ وتَعْلِيقُ التَّبْشِيرِ بِالمَوْصُولِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ لَكِنْ لا لِذاتِهِما؛ فَإنَّهُما لا يُكافِئانِ النِّعَمَ السّابِقَةَ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقْتَضِيا ثَوابًا فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ بَلْ بِجَعْلِ الشّارِعِ؛ ومُقْتَضى وعْدِهِ؛ وجَعْلِ صِلَتِهِ فِعْلًا مُفِيدًا لِلْحُدُوثِ؛ بَعْدَ إيرادِ الكُفّارِ بِصِيغَةِ الفاعِلِ؛ لِحَثِّ المُخاطَبِينَ بِالِاتِّقاءِ عَلى إحْداثِ الإيمانِ؛ وتَحْذِيرِهِمْ مِنَ الِاسْتِمْرارِ عَلى الكُفْرِ. والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ وقِيلَ: لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّبْشِيرُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "بَشِّرِ المَشّائِينَ إلى المَساجِدِ في ظُلَمِ اللَّيالِي بِالنُّورِ التّامِّ يَوْمَ القِيامَةِ"؛» فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ واحِدًا بِعَيْنِهِ؛ بَلْ كُلَّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ ذَلِكَ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ الأمْرَ لِعِظَمِهِ؛ وفَخامَةِ شَأْنِهِ حَقِيقٌ بِأنْ يَتَوَلّى التَّبْشِيرَ بِهِ كُلُّ مَن يَقْدِرُ عَلَيْهِ. والبِشارَةُ: الخَبَرُ السّارُّ؛ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ أثَرُ السُّرُورِ في البَشْرَةِ؛ وتَباشِيرُ الصُّبْحِ: أوائِلُ ضَوْئِهِ. ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: الصّالِحَةُ كالحَسَنَةِ في الجَرَيانِ مُجْرى الِاسْمِ؛ وهي كُلُّ ما اسْتَقامَ مِنَ الأعْمالِ؛ بِدَلِيلِ العَقْلِ والنَّقْلِ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ والجَمْعُ لِإفادَةِ أنَّ المُرادَ بِها جُمْلَةٌ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ الَّتِي أُشِيرَ إلى أُمَّهاتِها في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ وطائِفَةٌ مِنها مُتَفاوِتَةٌ؛ حَسَبَ تَفاوُتِ حالِ المُكَلَّفِينَ في مَواجِبِ التَّكْلِيفِ؛ وفي عَطْفِ العَمَلِ عَلى الإيمانِ دَلالَةٌ عَلى تَغايُرِهِما؛ وإشْعارٌ بِأنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ البِشارَةِ مَجْمُوعُ الأمْرَيْنِ؛ فَإنَّ الإيمانَ أساسٌ؛ والعَمَلَ الصّالِحَ كالبِناءِ عَلَيْهِ؛ ولا غَناءَ بِأُسٍّ لا بِناءَ بِهِ ﴿أنَّ لَهم جَنّاتٍ﴾: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ؛ أوْ مَجْرُورٌ بِإضْمارِهِ؛ مِثْلَ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ. والجَنَّةُ هي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ (p-69)"جَنَّهُ"؛ إذا سَتَرَهُ؛ تُطْلَقُ عَلى النَّخْلِ؛ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ؛ المُظَلِّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ؛ قالَ زُهَيْرٌ: ؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقا أيْ: نَخْلًا طُوالًا؛ كَأنَّها لِفَرْطِ تَكاثُفِها والتِفافِها وتَغْطِيَتِها لِما تَحْتَها بِالمَرَّةِ نَفْسُ السُّتْرَةِ؛ وعَلى الأرْضِ ذاتُ الشَّجَرِ؛ قالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ؛ والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ؛ فَحَقُّ المَصْدَرِ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ مَأْخُوذًا مِنَ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ وإنَّما سُمِّيَتْ دارُ الثَّوابِ بِها - مَعَ أنَّ فِيها ما لا يُوصَفُ مِنَ الغُرُفاتِ والقُصُورِ - لِما أنَّها مَناطُ نَعِيمِها؛ ومُعْظَمُ مَلاذِها. وجَمْعُها مَعَ التَّنْكِيرِ لِأنَّها سَبْعٌ؛ عَلى ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ؛ وجَنَّةُ عَدْنٍ؛ وجَنَّةُ النَّعِيمِ؛ ودارُ الخُلْدِ؛ وجَنَّةُ المَأْوى؛ ودارُ السَّلامِ؛ وعِلِّيُّونَ؛ وفي كُلِّ واحِدَةٍ مِنها مَراتِبُ ودَرَجاتٌ مُتَفاوِتَةٌ؛ بِحَسَبِ تَفاوُتِ الأعْمالِ وأصْحابِها. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "جَنّاتٍ"؛ فَإنْ أُرِيدَ بِها الأشْجارُ فَجَرَيانُ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ؛ وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَمِلَةُ عَلَيْها فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: مِن تَحْتِ أشْجارِها؛ وإنْ أُرِيدَ بِها مَجْمُوعُ الأرْضِ والأشْجارِ فاعْتِبارُ التَّحْتِيَّةِ بِالنَّظَرِ إلى الجُزْءِ الظّاهِرِ المُصَحِّحِ لِإطْلاقِ اسْمِ الجَنَّةِ عَلى الكُلِّ. عَنْ مَسْرُوقٍ أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ تَجْرِي في غَيْرِ أُخْدُودٍ. واللّامُ في "الأنْهارُ" لِلْجِنْسِ؛ كَما في قَوْلِكَ: لِفُلانٍ بُسْتانٌ؛ فِيهِ الماءُ الجارِي؛ والتِّينُ؛ والعِنَبُ؛ أوْ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ أوْ لِلْعَهْدِ؛ والإشارَةِ إلى ما ذُكِرَ في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾؛ الآيَةِ.. و"النَّهْرُ" بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِها: المَجْرى الواسِعُ؛ فَوْقَ الجَدْوَلِ؛ ودُونَ البَحْرِ؛ كالنِّيلِ؛ والفُراتِ؛ والتَّرْكِيبُ لِلسَّعَةِ؛ والمُرادُ بِها ماؤُها؛ عَلى الإضْمارِ؛ أوْ عَلى المَجازِ اللُّغَوِيِّ؛ أوْ: المَجارِي أنْفُسُها؛ وقَدْ أُسْنِدَ إلَيْها الجَرَيانُ مَجازًا عَقْلِيًّا؛ كَما في "سالَ المِيزابُ". ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ﴾: صِفَةٌ أُخْرى لِـ "جَنّاتٍ"؛ أُخِّرَتْ عَنِ الأُولى لِأنَّ جَرَيانَ الأنْهارِ مِن تَحْتِها وصْفٌ لَها بِاعْتِبارِ ذاتِها؛ وهَذا وصْفٌ لَها باعْتِبارِ أهْلِها المُتَنَعِّمِينَ بِها؛ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ كَأنَّهُ حِينَ وُصِفَتِ الجَنّاتُ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفَةِ وقَعَ في ذِهْنِ السّامِعِ: أثِمارُها كَثِمارِ جَنّاتِ الدُّنْيا أوْ لا؟ فَبُيِّنَ حالُها؛ و"كُلَّما" نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ و"رِزْقًا" مَفْعُولٌ بِهِ؛ و"مِن" الأُولى؛ والثّانِيَةُ؛ لِلِابْتِداءِ؛ واقِعَتانِ مَوْقِعَ الحالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كُلَّ وقْتٍ رُزِقُوا مَرْزُوقًا مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ؛ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرَةٍ؛ عَلى أنَّ الرِّزْقَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِنَ الجَنّاتِ؛ وابْتِداؤُهُ مِنها مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِن ثَمَرَةٍ؛ فَصاحِبُ الحالِ الأُولى "رِزْقًا"؛ وصاحِبُ الثّانِيَةِ ضَمِيرُهُ المُسْتَكِنُّ في الحالِ؛ ويَجُوزُ كَوْنُ "مِن ثَمَرَةٍ" بَيانًا قُدِّمَ عَلى المُبَيَّنِ؛ كَما في قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا؛ وهَذا إشارَةٌ إلى ما رُزِقُوا؛ وإنْ وقَعَتْ عَلى فَرْدٍ مُعَيَّنٍ مِنهُ؛ كَقَوْلِكَ - مُشِيرًا إلى نَهْرٍ جارٍ -: هَذا الماءُ لا يَنْقَطِعُ؛ فَإنَّكَ إنْ أشَرْتَ إلى ما تُعايِنُهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ - لَكِنَّكَ إنَّما تَعْنِي بِذَلِكَ النَّوْعَ المَعْلُومَ المُسْتَمِرَّ - فالمَعْنى: هَذا مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ؛ أيْ: مِن قَبْلِ هَذا؛ في الدُّنْيا؛ ولَكِنْ لَمّا اسْتَحْكَمَ الشَّبَهُ بَيْنَهُما جُعِلَ ذاتُهُ ذاتَهُ؛ وإنَّما جُعِلَ ثَمَرُ الجَنَّةِ كَثِمارِ الدُّنْيا لِتَمِيلَ النَّفْسُ إلَيْهِ حِينَ تَراهُ؛ فَإنَّ الطِّباعَ مائِلَةٌ إلى المَأْلُوفِ؛ مُتَنَفِّرَةٌ عَنْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ؛ ولِيَتَبَيَّنَ لَها مَزِيَّتُهُ؛ وكُنْهُ النِّعْمَةِ فِيهِ؛ إذْ لَوْ كانَ جِنْسًا غَيْرَ مَعْهُودٍ لَظُنَّ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ؛ أوْ: مِثْلُ الَّذِي رُزِقْناهُ مِن قَبْلُ في الجَنَّةِ؛ لِأنَّ طَعامَها مُتَشابِهُ الصُّوَرِ؛ كَما يُحْكى عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ أحَدَهم يُؤْتى بِالصَّحْفَةِ فَيَأْكُلُ مِنها؛ ثُمَّ يُؤْتى بِأُخْرى فَيَراها مِثْلَ الأُولى؛ فَيَقُولُ ذَلِكَ؛ فَيَقُولُ المَلَكُ: كُلْ؛ فاللَّوْنُ واحِدٌ؛ والطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ؛ أوْ كَما رُوِيَ أنَّهُ ﷺ قالَ: « "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لَيَتَناوَلُ الثَّمَرَةَ لِيَأْكُلَها؛ فَما هي واصِلَةٌ إلى فِيهِ حَتّى يُبَدِّلَ (p-70)اللَّهُ (تَعالى) مَكانَها مِثْلَها"؛» والأوَّلُ أنْسَبُ؛ لِمُحافَظَةِ عُمُومِ "كُلَّما"؛ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَرْدِيدِهِمْ هَذِهِ المَقالَةَ كُلَّ مَرَّةٍ رُزِقُوا؛ لا فِيما عَدا المَرَّةَ الأُولى؛ يُظْهِرُونَ التَّبَجُّحَ؛ وفَرْطَ الِاسْتِغْرابِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ مِن حَيْثُ اللَّذَّةُ؛ مَعَ اتِّحادِهِما في الشَّكْلِ؛ واللَّوْنِ؛ كَأنَّهم قالُوا: هَذا عَيْنُ ما رُزِقْناهُ في الدُّنْيا؛ فَمِن أيْنَ لَهُ هَذِهِ الرُّتْبَةُ مِنَ اللَّذَّةِ والطِّيبِ؟ ولا يَقْدُحُ فِيهِ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ لَيْسَ في الجَنَّةِ مِن أطْعِمَةِ الدُّنْيا إلّا الِاسْمُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ لِبَيانِ كَمالِ التَّفاوُتِ بَيْنَهُما؛ مِن حَيْثُ اللَّذَّةُ؛ والحُسْنُ؛ لا لِبَيانِ أنْ لا تَشابُهَ بَيْنَهُما أصْلًا؛ كَيْفَ لا.. وإطْلاقُ الأسْماءِ مَنُوطٌ بِالِاتِّحادِ النَّوْعِيِّ قَطْعًا؟ هَذا.. وقَدْ فُسِّرَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِأنَّ مُسْتَلَذّاتِ أهْلِ الجَنَّةِ - بِمُقابَلَةِ ما رُزِقُوهُ في الدُّنْيا مِنَ المَعارِفِ والطّاعاتِ - مُتَفاوِتَةُ الحالِ؛ فَيَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا: هَذا ثَوابُ الَّذِي رُزِقْناهُ في الدُّنْيا مِنَ الطّاعاتِ؛ ولا يُساعِدُهُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالثَّمَراتِ؛ فَإنَّ الجَنَّةَ؛ وما فِيها مِن فُنُونِ الكَراماتِ مِن قَبِيلِ الثَّوابِ. ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾: اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ فَحْوى الكَلامِ؛ مِمّا رُزِقُوا في الدّارَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾؛ أيْ: بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ؛ والفَقِيرِ؛ وعَلى الثّانِي إلى الرِّزْقِ. ﴿وَلَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾: أيْ مِمّا في نِساءِ الدُّنْيا مِنَ الأحْوالِ المُسْتَقْذَرَةِ؛ كالحَيْضِ؛ والدَّرَنِ؛ ودَنَسِ الطَّبْعِ؛ وسُوءِ الخُلُقِ؛ فَإنَّ التَّطَهُّرَ يُسْتَعْمَلُ في الأجْسامِ؛ والأخْلاقِ؛ والأفْعالِ. وقُرِئَ: "مُطَهَّراتٌ"؛ وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ؛ يُقالُ: "النِّساءُ فَعَلَتْ؛ وفَعَلْنَ"؛ و"هُنَّ فاعِلَةٌ؛ وفَواعِلُ"؛ قالَ: ؎ وإذا العَذارى بِالدُّخانِ تَقَنَّعَتْ ∗∗∗ واسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ فالجَمْعُ عَلى اللَّفْظِ؛ والإفْرادُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ؛ وقُرِئَ: "مُطَّهِرَةٌ" بِتَشْدِيدِ الطّاءِ؛ وكَسْرِ الهاءِ؛ بِمَعْنى "مُتَطَهِّرَةٌ"؛ و"مُطَهَّرَةٌ" أبْلَغُ مِن "طاهِرَةٌ"؛ و"مُتَطَهِّرَةٌ"؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مُطَهِّرًا طَهَّرَهُنَّ؛ وما هو إلّا اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ وأمّا التَّطَهُّرُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِ أنْفُسِهِنَّ؛ كَما عِنْدَ اغْتِسالِهِنَّ؛ و"الزَّوْجُ" يُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ؛ والأُنْثى؛ وهو في الأصْلِ اسْمٌ لِما لَهُ قَرِينٌ مِن جِنْسِهِ؛ ولَيْسَ في مَفْهُومِهِ اعْتِبارُ التَّوالُدِ؛ الَّذِي هو مَدارُ بَقاءِ النَّوْعِ؛ حَتّى لا يَصِحَّ إطْلاقُهُ عَلى أزْواجِ أهْلِ الجَنَّةِ؛ لِخُلُودِهِمْ فِيها؛ واسْتِغْنائِهِمْ عَنِ الأوْلادِ؛ كَما أنَّ المَدارِيَّةَ لِبَقاءِ الفَرْدِ لَيْسَتْ بِمُعْتَبَرَةٍ في مَفْهُومِ اسْمِ الرِّزْقِ؛ حَتّى يُخِلَّ ذَلِكَ بِإطْلاقِهِ عَلى ثِمارِ الجَنَّةِ. ﴿وَهم فِيها خالِدُونَ﴾: أيْ دائِمُونَ؛ والخُلُودُ في الأصْلِ: الثَّباتُ المَدِيدُ؛ دامَ أوْ لَمْ يَدُمْ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْأثافِيِّ والأحْجارِ: الخَوالِدُ؛ ولِلْجُزْءِ الَّذِي يَبْقى مِنَ الإنْسانِ عَلى حالِهِ: خَلَدَ؛ ولَوْ كانَ وضْعُهُ الدَّوامَ لَما قُيِّدَ بِالتَّأْبِيدِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: " خالِدِينَ فِيها أبَدًا "؛ ولَما اسْتُعْمِلَ؛ حَيْثُ لا دَوامَ فِيهِ؛ لَكِنَّ المُرادَ هَهُنا الدَّوامُ قَطْعًا؛ لِما يُفْضِي بِهِ مِنَ الآياتِ والسُّنَنِ؛ وما قِيلَ - مِن أنَّ الأبْدانَ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الأجْزاءِ المُتَضادَّةِ في الكَيْفِيَّةِ؛ مُعَرَّضَةٌ لِلِاسْتِحالاتِ المُؤَدِّيَةِ إلى الِانْحِلالِ؛ والِانْفِكاكِ - مَدارُهُ قِياسُ ذَلِكَ العالَمِ الكامِلِ؛ بِما يُشاهَدُ في عالَمِ الكَوْنِ؛ والفَسادِ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُعِيدَها الخالِقُ (تَعالى) بِحَيْثُ لا يَعْتَوِرُها الِاسْتِحالَةُ؛ ولا يَعْتَرِيها الِانْحِلالُ قَطْعًا؛ بِأنْ تُجْعَلَ أجْزاؤُها مُتَفاوِتَةً في الكَيْفِيّاتِ؛ مُتَعادِلَةً في القُوى؛ بِحَيْثُ لا يَقْوى شَيْءٌ مِنها - عِنْدَ التَّفاعُلِ - عَلى إحالَةِ الآخَرِ؛ مُتَعانِقَةً؛ مُتَلازِمَةً؛ لا يَنْفَكُّ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ؛ وتَبْقى هَذِهِ النِّسْبَةُ مُنْخَفِضَةً فِيما بَيْنَها أبَدًا؛ لا يَعْتَرِيها التَّغْيِيرُ بِالأكْلِ؛ والشُّرْبِ؛ والحَرَكاتِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ واعْلَمْ أنَّ مُعْظَمَ اللَّذّاتِ الحِسِّيَّةِ - لِما كانَ مَقْصُورًا عَلى المَساكِنِ؛ والمَطاعِمِ؛ والمَناكِحِ؛ حَسْبَما يَقْضِي بِهِ الِاسْتِقْراءُ؛ وكانَ مِلاكُ جَمِيعِ ذَلِكَ الدَّوامَ والثَّباتَ؛ إذْ كُلُّ نِعْمَةٍ؛ وإنْ جَلَّتْ حَيْثُ كانَتْ؛ في شَرَفِ الزَّوالِ؛ ومَعْرِضِ الِاضْمِحْلالِ؛ فَإنَّها مُنَغَّصَةٌ؛ غَيْرُ صافِيَةٍ مِن شَوائِبِ (p-71) الألَمِ - بَشَّرَ المُؤْمِنِينَ بِها؛ وبِدَوامِها؛ تَكْمِيلًا لِلْبَهْجَةِ والسُّرُورِ. اللَّهُمَّ وفِّقْنا لِمَراضِيكَ؛ وثَبِّتْنا عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْها مِنَ العَقْدِ والعَمَلِ.

البقرة 2:26

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا ما بَعُوضَةً﴾: شُرُوعٌ في تَنْزِيهِ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ تَعَلُّقِ رَيْبٍ خاصٍّ؛ اعْتَراهم مِن جِهَةِ ما وقَعَ فِيهِ مِن ضَرْبِ الأمْثالِ؛ وبَيانٌ لِحِكْمَتِهِ؛ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ إثْرَ تَنْزِيهِها عَمّا اعْتَراهم مِن مُطْلَقِ الرَّيْبِ؛ بِالتَّحَدِّي؛ وإلْقامِ الحَجَرِ؛ وإفْحامِ كافَّةِ البُلَغاءِ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ؛ رَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُنافِقُونَ طَعَنُوا في ضَرْبِ الأمْثالِ بِالنّارِ؛ والظُّلُماتِ؛ والرَّعْدِ؛ والبَرْقِ؛ وقالُوا: اللَّهُ أجَلُّ وأعْلى مِن ضَرْبِ الأمْثالِ؛ ورَوى عَطاءٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنَّ هَذا الطَّعْنَ كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾؛ الآيَةُ.. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾؛ الآيَةُ.. قالَتِ اليَهُودُ: أيُّ قَدْرٍ لِلذُّبابِ؛ والعَنْكَبُوتِ؛ حَتّى يَضْرِبَ اللَّهُ (تَعالى) بِهِما الأمْثالَ؟ وجَعَلُوا ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى إنْكارِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ مَعَ أنَّهُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ - مِمَّنْ لَهُ تَمْيِيزٌ - أنَّهُ لَيْسَ مِمّا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّرَدُّدُ؛ فَضْلًا عَنِ النَّكِيرِ؛ بَلْ هو مِن أوْضَحِ أدِلَّةِ كَوْنِهِ خارِجًا عَنْ طَوْقِ البَشَرِ؛ نازِلًا مِن عِنْدِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ؛ كَيْفَ لا.. وإنَّ التَّمْثِيلَ؛ كَما مَرَّ؛ لَيْسَ إلّا إبْرازَ المَعْنى المَقْصُودِ في مَعْرِضِ الأمْرِ المَشْهُودِ؛ وتَحْلِيَةَ المَعْقُولِ بِحِلْيَةِ المَحْسُوسِ. وتَصْوِيرُ أوابِدِ المَعانِي بِهَيْئَةِ المَأْنُوسِ لِاسْتِمالَةِ الوَهْمِ؛ واسْتِنْزالِهِ عَنْ مُعارَضَتِهِ لِلْعَقْلِ؛ واسْتِعْصائِهِ عَلَيْهِ؛ في إدْراكِ الحَقائِقِ الخَفِيَّةِ؛ وفَهْمِ الدَّقائِقِ الأبِيَّةِ؛ كَيْ يُتابِعَهُ فِيما يَقْتَضِيهِ ويُشايِعُهُ؛ إلى ما يَرْتَضِيهِ؛ ولِذَلِكَ شاعَتِ الأمْثالُ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ والكَلِماتِ النَّبَوِيَّةِ؛ وذاعَتْ في عِباراتِ البُلَغاءِ؛ وإشاراتِ الحُكَماءِ؛ ومِن قَضِيَّةِ وُجُوبِ التَّماثُلِ بَيْنَ المُمَثَّلِ والمُمَثَّلِ بِهِ في مَناطِ التَّمْثِيلِ؛ تَمْثِيلُ العَظِيمِ بِالعَظِيمِ؛ والحَقِيرِ بِالحَقِيرِ؛ وقَدْ مُثِّلَ في الإنْجِيلِ غِلُّ الصَّدْرِ بِالنُّخالَةِ؛ ومُعارَضَةُ السُّفَهاءِ بِإثارَةِ الزَّنابِيرِ؛ وجاءَ في عِباراتِ البُلَغاءِ: أجْمَعُ مِن ذَرَّةٍ؛ وأجْرَأُ مِنَ الذُّبابِ؛ وأسْمَعُ مِن قُرادٍ؛ وأضْعَفُ مِن بَعُوضَةٍ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ؛ والحَياءُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ؛ وانْقِباضُها عَمّا يُعابُ بِهِ؛ أوْ يُذَمُّ عَلَيْهِ؛ يُقالُ: "حَيِيَ الرَّجُلُ"؛ و"هُوَ حَيِيٌّ"؛ واشْتِقاقُهُ مِن "الحَياةُ"؛ اشْتِقاقَ "شَظِيَ"؛ و"نَسِيَ"؛ و"حَشِيَ"؛ مِن "الشَّظْيُ"؛ و"النَّسْيُ"؛ و"الحَشْيُ"؛ يُقالُ: "شَظِيَ الفَرَسُ؛ ونَسِيَ؛ وحَشِيَ"؛ إذا اعْتَلَّتْ مِنهُ تِلْكَ الأعْضاءُ؛ كَأنَّ مَن يَعْتَرِيهِ الحَياءُ تَعْتَلُّ قُوَّتُهُ الحَيَوانِيَّةُ؛ وتُنْتَقَصُ. و"اسْتَحْيا" بِمَعْناهُ؛ خَلا أنَّهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ؛ وبِحَرْفِ الجَرِّ؛ يُقالُ: اسْتَحْيَيْتُهُ؛ واسْتَحْيَيْتُ مِنهُ؛ والأوَّلُ لا يَتَعَدّى إلّا بِحَرْفِ الجَرِّ؛ وقَدْ يُحْذَفُ مِنهُ إحْدى الياءَيْنِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ ألا يَسْتَحِي مِنّا المُلُوكُ ويَتَّقِي ∗∗∗ مَحارِمَنا لا يَبْوُءُ الدَّمُ بِالدَّمِ وَقَوْلُهُ: ؎ إذا ما اسْتَحَيْنَ الماءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ ∗∗∗ كَرَعْنَ بِسَبْتٍ في إناءٍ مِنَ الوَرْدِ فَكَما أنَّهُ إذا أُسْنِدَ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِطَرِيقِ الإيجابِ - في مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ: « "إنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي مِن ذِي الشَّيْبَةِ المُسْلِمِ أنْ يُعَذِّبَهُ"؛» وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ؛ يَسْتَحْيِي إذا رَفَعَ إلَيْهِ العَبْدُ يَدَهُ أنْ يُرُدَّهُما صِفْرًا حَتّى يَضَعَ فِيهِما خَيْرًا﴾ - يُرادُ بِهِ التَّرْكُ الخاصُّ؛ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ؛ حَيْثُ مُثِّلَ في (p-72)الحَدِيثَيْنِ الكَرِيمَيْنِ تَرْكُهُ تَعْذِيبَ ذِي الشَّيْبَةِ؛ وتَخْيِيبُ العَبْدِ مِن عَطائِهِ؛ بِتَرْكِ مَن يَتْرُكُهُما حَياءً؛ كَذَلِكَ إذا نُفِيَ عَنْهُ (تَعالى) في المَوادِّ الخاصَّةِ؛ كَما في هَذِهِ الآيَةِ الشَّرِيفَةِ؛ وفي قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾؛ يُرادُ بِهِ سَلْبُ ذَلِكَ التَّرْكِ الخاصِّ المُضاهِي لِتَرْكِ المُسْتَحْيِي عَنْهُ؛ لا سَلْبُ وصْفِ الحَياءِ عَنْهُ (تَعالى) رَأْسًا؛ كَما في قَوْلِكَ: إنَّ اللَّهَ لا يُوصَفُ بِالحَياءِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ السَّلْبِ بِبَعْضِ المَوادِّ يُوهِمُ كَوْنَ الإيجابِ مِن شَأْنِهِ (تَعالى) في الجُمْلَةِ؛ فالمُرادُ هَهُنا عَدَمُ تَرْكِ ضَرْبِ المَثَلِ المُماثِلِ لِتَرْكِ مَن يَسْتَحْيِي مِن ضَرْبِهِ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى تَعاضُدِ الدَّواعِي إلى ضَرْبِهِ؛ وتَآخُذِ البَواعِثِ إلَيْهِ؛ إذْ الِاسْتِحْياءُ إنَّما يُتَصَوَّرُ في الأفْعالِ المَقْبُولَةِ لِلنَّفْسِ؛ المَرْضِيَّةِ عِنْدَها؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وُرُودُهُ عَلى طَرِيقَةِ المُشاكَلَةِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: أما يَسْتَحْيِي رَبُّ مُحَمَّدٍ أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا بِالأشْياءِ المُحَقَّرَةِ؟ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ مَن مُبْلِغٌ أفَناءَ يَعْرُبَ كُلَّها ∗∗∗ أنِّي بَنَيْتُ الجارَ قَبْلَ المَنزِلِ وَضَرْبُ المَثَلِ: اسْتِعْمالُهُ في مَضْرِبِهِ؛ وتَطْبِيقُهُ بِهِ؛ لا صُنْعُهُ وإنْشاؤُهُ في نَفْسِهِ؛ وإلّا لَكانَ إنْشاءُ الأمْثالِ السّائِرَةِ في مَوارِدِها ضَرْبًا لَها دُونَ اسْتِعْمالِها بَعْدَ ذَلِكَ في مَضارِبِها؛ لِفِقْدانِ الإنْشاءِ هُناكَ؛ والأمْثالُ الوارِدَةُ في التَّنْزِيلِ - وإنْ كانَ اسْتِعْمالُها في مَضارِبِها - عَيْنُ إنْشائِها في أنْفُسِها؛ لَكِنَّ التَّعْبِيرَ عَنْهُ بِالضَّرْبِ لَيْسَ بِهَذا الِاعْتِبارِ؛ بَلْ بِالِاعْتِبارِ الأوَّلِ؛ قَطْعًا؛ وهو مَأْخُوذٌ إمّا مِن ضَرْبِ الخاتَمِ؛ بِجامِعِ التَّطْبِيقِ؛ فَكَما أنَّ ضَرْبَهُ تَطْبِيقُهُ بِقالَبِهِ؛ كَذَلِكَ اسْتِعْمالُ الأمْثالِ في مَضارِبِها تَطْبِيقُها بِها؛ كَأنَّ المَضارِبَ قَوالِبُ تُضْرَبُ الأمْثالُ عَلى شاكِلَتِها؛ لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّها تَنْشَأُ بِحَسَبِها؛ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ؛ بَلْ بِمَعْنى أنَّها تُورَدُ مُنْطَبِقَةً عَلَيْها؛ سَواءٌ كانَ إنْشاؤُها حِينَئِذٍ - كَعامَّةِ الأمْثالِ التَّنْزِيلِيَّةِ؛ فَإنَّ مَضارِبَها قَوالِبُها -؛ أوْ قَبْلَ ذَلِكَ - كَسائِرِ الأمْثالِ السّائِرَةِ -؛ فَإنَّها وإنْ كانَتْ مَصْنُوعَةً مِن قَبْلُ إلّا أنَّ تَطْبِيقَها - أيْ إيرادَها مُنْطَبِقَةً عَلى مَضارِبِها - إنَّما يَحْصُلُ عِنْدَ الضَّرْبِ؛ وإمّا مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الجِدارِ لِيَلْتَزِقَ بِهِ؛ بِجامِعِ الإلْصاقِ؛ كَأنَّ مَن يَسْتَعْمِلُها يُلْصِقُها بِمَضارِبِها؛ ويَجْعَلُها ضَرْبَةَ لازِبٍ؛ لا تَنْفَكُّ عَنْها؛ لِشَدَّةِ تَعَلُّقِها بِها؛ ومَحَلُّ "أنْ يَضْرِبَ" - عَلى تَقْدِيرِ تَعْدِيَةِ "يَسْتَحْيِي" بِنَفْسِهِ - النَّصْبُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ تَعْدِيَتِهِ بِالجارِّ فَعِنْدَ الخَلِيلِ: الخَفْضُ؛ بِإضْمارِ "مِن"؛ وعِنْدَ سِيبَوَيْهِ: النَّصْبُ؛ بِإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ بَعْدَ حَذْفِها؛ و"مَثَلًا" مَفْعُولٌ لِـ "يَضْرِبَ"؛ و"ما" اسْمِيَّةٌ؛ إبْهامِيَّةٌ؛ تَزِيدُ ما تُقارِنُهُ مِنَ الِاسْمِ المُنَكَّرِ إبْهامًا وشَياعًا؛ كَما في قَوْلِكَ: أعْطِنِي كِتابًا ما؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "مَثَلًا ما مِنَ الأمْثالِ؛ أيَّ مَثَلٍ كانَ"؛ فَهي صِفَةٌ لِما قَبْلَها؛ أوْ حَرْفِيَّةٌ؛ مَزِيدَةٌ لِتَقْوِيَةِ النِّسْبَةِ وتَوْكِيدِها؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ . و"بَعُوضَةً": بَدَلٌ مِن "مَثَلًا"؛ أوْ عَطْفُ بَيانٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ في النَّكِراتِ؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "يَضْرِبَ"؛ و"مَثَلًا" حالٌ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها؛ لِكَوْنِها نَكِرَةً؛ أوْ هُما مَفْعُولاهُ؛ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الجَعْلِ والتَّصْيِيرِ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو بَعُوضَةٌ؛ والجُمْلَةُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "ما" مَوْصُولَةَ صِلَةٍ لَها؛ مَحْذُوفَةَ الصَّدْرِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾؛ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ؛ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُوفَةَ صِفَةٍ لَها كَذَلِكَ. ومَحَلُّ "ما" عَلى الوَجْهَيْنِ: النَّصْبُ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن "مَثَلًا"؛ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ "يَضْرِبَ"؛ وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها إبْهامِيَّةً: صِفَةٌ لِـ "مَثَلًا" كَذَلِكَ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اسْتِفْهامِيَّةً فَهي خَبَرٌ لَها؛ كَأنَّهُ لَمّا ورَدَ اسْتِبْعادُهم ضَرْبَ المَثَلِ قِيلَ: ما بَعُوضَةٌ؟ وأيُّ مانِعٍ فِيها حَتّى لا يُضْرَبَ بِها المَثَلُ؟ بَلْ لَهُ (تَعالى) أنْ يُمَثِّلَ بِما هو أصْغَرُ مِنها وأحْقَرُ؛ كَجَناحِها؛ عَلى ما وقَعَ في قَوْلِهِ ﷺ: "لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى الكافِرَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ". و"البَعُوضُ": "فَعُولٌ" مِن "البَعْضُ"؛ وهو "القَطْعُ"؛ كَـ "البَضْعُ" و"العَضْبُ"؛ غَلَبَ عَلى هَذا النَّوْعِ؛ كَـ "الخَمُوشُ"؛ في لُغَةِ هُذَيْلٍ؛ مِن "الخَمْشُ"؛ وهو "الخَدْشُ". ﴿فَما فَوْقَها﴾: عَطْفٌ عَلى "بَعُوضَةً"؛ عَلى (p-73)تَقْدِيرِ نَصْبِها عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ صِلَتُها الظَّرْفُ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِها فَهو عَطْفٌ عَلى "ما" الأُولى؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً؛ أوْ مَوْصُوفَةً؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها اسْتِفْهامِيَّةً فَهو عَطْفٌ عَلى خَبَرِها؛ أعْنِي "بَعُوضَةً"؛ لا عَلى نَفْسِها؛ كَما قِيلَ؛ والمَعْنى: ما بَعُوضَةٌ فالَّذِي فَوْقَها؛ أوْ فَشَيْءٌ فَوْقَها؛ حَتّى لا يُضْرَبَ بِها المَثَلُ؟ وكَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها صِفَةً لِلنَّكِرَةِ؛ أوْ زائِدَةٌ؛ و"بَعُوضَةٌ" خَبَرٌ لِلْمُضْمَرِ؛ وذِكْرُ البَعُوضَةِ؛ فَما فَوْقَها؛ مِن بَيْنِ أفْرادِ المَثَلِ إنَّما هو بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ؛ دُونَ التَّعْيِينِ والتَّخْصِيصِ؛ فَلا يُخِلُّ بِالشُّيُوعِ؛ بَلْ يُقَرِّرُهُ ويُؤَكِّدُهُ؛ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ؛ والمُرادُ بِالفَوْقِيَّةِ إمّا الزِّيادَةُ في المَعْنى الَّذِي أُرِيدَ بِالتَّمْثِيلِ؛ أعْنِي الصِّغَرَ والحَقارَةَ؛ وإمّا الزِّيادَةُ في الحَجْمِ والجُثَّةِ؛ لَكِنْ لا بالِغًا ما بَلَغَ؛ بَلْ في الجُمْلَةِ؛ كالذُّبابِ؛ والعَنْكَبُوتِ؛ وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما" الثّانِيَةُ خاصَّةً اسْتِفْهامِيَّةً إنْكارِيَّةً؛ والمَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَأيَّ شَيْءٍ فَوْقَها في الصِّغَرِ والحَقارَةِ؛ فَإذَنْ لَهُ (تَعالى) أنْ يُمَثِّلَ بِكُلِّ ما يُرِيدُ؛ ونَظِيرُهُ في احْتِمالِ الأمْرَيْنِ ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا بِمِنًى خَرَّ عَلى طُنُبِ فُسْطاطٍ؛ فَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - حِينَ ذُكِرَ لَها ذَلِكَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ يُشاكُ شَوْكَةً فَما فَوْقَها إلّا كُتِبَتْ لَهُ بِها دَرَجَةٌ؛ ومُحِيَتْ عَنْهُ بِها خَطِيئَةٌ"؛» فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ما يُجاوِزُ الشَّوْكَةَ في القِلَّةِ؛ كَنَخْبَةِ النَّمْلَةِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "ما أصابَ المُؤْمِنَ مِن مَكْرُوهٍ فَهو كَفّارَةٌ لِخَطاياهُ؛ حَتّى نَخْبَةُ النَّمْلَةِ"؛» وما تَجاوَزَها مِنَ الألَمِ؛ كَأمْثالِ ما حُكِيَ مِنَ الحَرُورِ. ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى ضَرْبِ المَثَلِ مِنَ الحُكْمِ؛ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ صُدُورِهُ عَنْهُ (تَعالى)؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما قَبْلَها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَضْرِبُهُ فَأمّا الَّذِينَ.. إلَخْ.. وتَقْدِيمُ بَيانِ حالِ المُؤْمِنِينَ عَلى ما حُكِيَ مِنَ الكَفَرَةِ؛ مِمّا لا يَفْتَقِرُ إلى بَيانِ السَّبَبِ؛ وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِـ "أمّا" مِن إحْمادِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ؛ وذَمِّ الكَفَرَةِ؛ ما لا يَخْفى؛ وهو حَرْفٌ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ؛ وفِعْلُهُ بِمَنزِلَةِ "مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ"؛ ولِذَلِكَ يُجابُ بِالفاءِ؛ وفائِدَتُهُ تَوْكِيدُ ما صُدِّرَ بِهِ؛ وتَفْصِيلُ ما في نَفْسِ المُتَكَلِّمِ مِنَ الأقْسامِ؛ فَقَدْ تُذْكَرُ جَمِيعًا؛ وقَدْ يُقْتَصَرُ عَلى واحِدٍ مِنها؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ مِن قائِلٍ -: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؛ إلَخْ.. قالَ سِيبَوَيْهِ: "أمّا زَيْدٌ فَذاهِبٌ" مَعْناهُ: مَهْما يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَهو ذاهِبٌ لا مَحالَةَ؛ وأنَّهُ مِنهُ عَزِيمَةٌ؛ وكانَ الأصْلُ دُخُولَ الفاءِ عَلى الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها الجَزاءُ؛ لَكِنْ كَرِهُوا إيلاءَها حَرْفَ الشَّرْطِ؛ فَأدْخَلُوها الخَبَرَ؛ وعَوَّضَ المُبْتَدَأُ عَنِ الشَّرْطِ لَفْظًا؛ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: فَرِيقُ المُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ؛ كَما أنَّ المُرادَ بِالمَوْصُولِ الآتِي فَرِيقُ الكَفَرَةِ؛ لا مَن يُؤْمِنُ بِضَرْبِ المَثَلِ؛ ومَن يَكْفُرُ بِهِ؛ لِاخْتِلالِ المَعْنى؛ أيْ: فَأمّا المُؤْمِنُونَ؛ ﴿فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾؛ كَسائِرِ ما ورَدَ مِنهُ (تَعالى)؛ والحَقُّ هُوَ: الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ لا مَحالَةَ؛ بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لِلْعَقْلِ إلى إنْكارِهِ؛ لا الثّابِتُ مُطْلَقًا؛ واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ مَشْهُودٌ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ؛ وأنَّ لَهُ حِكَمًا؛ ومَصالِحَ؛ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ المَجازِيَّةِ؛ وعامِلُها مَحْذُوفٌ؛ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "الحَقُّ"؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المَثَلِ؛ أوْ إلى ضَرْبِهِ؛ أيْ: كائِنًا وصادِرًا مِن رَبِّهِمْ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ لِتَشْرِيفِهِمْ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ ضَرْبَ المَثَلِ تَرْبِيَةٌ لَهُمْ؛ وإرْشادٌ إلى ما يُوَصِّلُهم إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ؛ والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "يَعْلَمُونَ"؛ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ومَسَدَّ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ؛ والثّانِي مَحْذُوفٌ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ أيْ: فَيَعْلَمُونَ حَقِّيَّتَهُ ثابِتَةً؛ ولَعَلَّ الِاكْتِفاءَ بِحِكايَةِ عِلْمِهِمُ المَذْكُورِ عَنْ حِكايَةِ اعْتِرافِهِمْ بِمُوجِبِهِ - كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ - لِلْإشْعارِ بِقُوَّةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّلازُمِ؛ وظُهُورِهِ المُغْنِي عَنِ الذِّكْرِ. ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ مِمَّنْ حُكِيَتْ (p-74)أقْوالُهم وأحْوالُهُمْ؛ ﴿فَيَقُولُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾: أُوثِرَ "يَقُولُونَ" عَلى "لا يَعْلَمُونَ"؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَرِينِهِ؛ دَلالَةً عَلى كَمالِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ؛ وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ عَدَمِ العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ لَيْسَ بِمَثابَةِ إنْكارِها؛ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ صَرِيحًا؛ وتَمْهِيدًا لِتَعْدادِ ما نُعِيَ عَلَيْهِمْ في تَضاعِيفِ الجَوابِ مِنَ الضَّلالِ؛ والفِسْقِ؛ ونَقْضِ العَهْدِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شَنائِعِهِمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ؛ عَلى أنَّ عَدَمَ العِلْمِ بِحَقِّيَّتِهِ لا يَعُمُّ جَمِيعَهُمْ؛ فَإنَّ مِنهم مَن يَعْلَمُ بِها؛ وإنَّما يَقُولُ ما يَقُولُ مُكابَرَةً وعِنادًا؛ وحَمَلَهُ عَلى عَدَمِ الإذْعانِ؛ والقَبُولِ الشّامِلِ لِلْجَهْلِ والعِنادِ؛ تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: كانَ مِن حَقِّهِ "وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَعْلَمُونَ"؛ لِيُطابِقَ قَرِينَهُ؛ ويُقابِلَ قَسِيمَهُ؛ لَكِنْ لَمّا كانَ قَوْلُهم هَذا دَلِيلًا واضِحًا عَلى جَهْلِهِمْ عُدِلَ إلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ؛ لِيَكُونَ كالبُرْهانِ عَلَيْهِ؛ فَتَأمَّلْ؛ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ؛ و"ماذا" إمّا مُؤَلَّفَةٌ مِن كَلِمَةِ اسْتِفْهامٍ وقَعَتْ مُبْتَدَأً؛ خَبَرُهُ "ذا"؛ بِمَعْنى "الَّذِي"؛ وصِلَتُهُ ما بَعْدَهُ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ فالأحْسَنُ أنْ يَجِيءَ جَوابُهُ مَرْفُوعًا؛ وإمّا مُنْزَلَةٌ مَنزِلَةَ اسْمٍ واحِدٍ؛ بِمَعْنى: "أيُّ شَيْءٍ"؛ فالأحْسَنُ في جَوابِهِ النَّصْبُ؛ والإرادَةُ: نُزُوعُ النَّفْسِ ومَيْلُها إلى الفِعْلِ؛ بِحَيْثُ يَحْمِلُها إلَيْهِ؛ أوِ القُوَّةُ الَّتِي هي مَبْدَؤُةٌ؛ والأوَّلُ مَعَ الفِعْلِ؛ والثّانِي قَبْلَهُ؛ وكِلاهُما مِمّا لا يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ (تَعالى)؛ ولِذَلِكَ اخْتَلَفُوا في إرادَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَقِيلَ: إرادَتُهُ (تَعالى) لِأفْعالِهِ كَوْنُهُ غَيْرَ ساهٍ فِيهِ؛ ولا مُكْرَهٍ؛ ولِأفْعالِ غَيْرِهِ أمْرُهُ بِها؛ فَلا تَكُونُ المَعاصِي بِإرادَتِهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: هي عِلْمُهُ بِاشْتِمالِ الأمْرِ عَلى النِّظامِ الأكْمَلِ؛ والوَجْهِ الأصْلَحِ؛ فَإنَّهُ يَدْعُو القادِرَ إلى تَحْصِيلِهِ؛ والحَقُّ أنَّها عِبارَةٌ عَنْ تَرْجِيحِ أحَدِ طَرَفَيِ المَقْدُورِ عَلى الآخَرِ؛ وتَخْصِيصُهُ بِوَجْهٍ دُونَ وجْهٍ؛ أوْ مَعْنًى يُوجِبُهُ؛ وهي أعَمُّ مِنَ الِاخْتِيارِ؛ فَإنَّهُ تَرْجِيحٌ مَعَ تَفْضِيلٍ؛ وفي كَلِمَةِ "هَذا" تَحْقِيرٌ لِلْمُشارِ إلَيْهِ؛ واسْتِرْذالٌ لَهُ؛ و"مَثَلًا" نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ أوْ عَلى الحالِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾؛ ولَيْسَ مُرادُهم بِهَذِهِ العَظِيمَةِ اسْتِفْهامَ الحِكْمَةِ في ضَرْبِ المَثَلِ؛ ولا القَدْحَ في اشْتِمالِهِ عَلى الفائِدَةِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِصُدُورِهِ عَنْهُ - جَلَّ وعَلا -؛ بَلْ غَرَضُهُمُ التَّنْبِيهُ بِادِّعاءِ أنَّهُ مِنَ الدَّناءَةِ والحَقارَةِ بِحَيْثُ لا يَلِيقُ بِأنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ إرادَتِهِ (تَعالى)؛ عَلى اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ المَثْلِ بِهِ مِن عِنْدِهِ - سُبْحانَهُ -؛ فَقَوْلُهُ - عَزَّ مِن قائِلٍ -: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾؛ جَوابٌ عَنْ تِلْكَ المَقالَةِ الباطِلَةِ؛ ورَدٌّ لَها بِبَيانِ أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى حِكْمَةٍ جَلِيلَةٍ؛ وغايَةٍ جَمِيلَةٍ؛ هي كَوْنُهُ ذَرِيعَةً إلى هِدايَةِ المُسْتَعِدِّينَ لِلْهِدايَةِ؛ وإضْلالِ المُنْهَمِكِينَ في الغَوايَةِ؛ فَوُضِعَ الفِعْلانِ مَوْضِعَ الفِعْلِ الواقِعِ في الِاسْتِفْهامِ؛ مُبالَغَةً في الدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِهِما؛ فَإنَّ إرادَتَهُما دُونَ وُقُوعِهِما بِالفِعْلِ؛ وتَجافِيًا عَنْ نَظْمِ الإضْلالِ مَعَ الهِدايَةِ في سِلْكِ الإرادَةِ لِإيهامِهِ تَساوِيهِما في تَعَلُّقِهِما؛ ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالذّاتِ مِن ضَرْبِ المَثَلِ هو التَّذَكُّرُ والِاهْتِداءُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ ونَظائِرُهُ؛ وأمّا الإضْلالُ فَهو أمْرٌ عارِضٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى سُوءِ اخْتِيارِهِمْ؛ وأُوثِرَ صِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ إيذانًا بِالتَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ؛ وقِيلَ: وُضِعَ الفِعْلانِ مَوْضِعَ مَصْدَرَيْهِما؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أرادَ إضْلالَ كَثِيرٍ؛ وهِدايَةَ كَثِيرٍ؛ وقُدِّمَ الإضْلالُ عَلى الهِدايَةِ مَعَ تَقَدُّمِ حالِ المُهْتَدِينَ عَلى حالِ الضّالِّينَ فِيما قَبْلَهُ؛ لِيَكُونَ أوَّلُ ما يَقْرَعُ أسْماعَهم مِنَ الجَوابِ أمْرًا فَظِيعًا يَسُوءُهُمْ؛ ويَفُتُّ في أعَضادِهِمْ؛ وهو السِّرُّ في تَخْصِيصِ هَذِهِ الفائِدَةِ بِالذِّكْرِ؛ وقِيلَ: هو بَيانٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِـ "أمّا"؛ وتَسْجِيلٌ بِأنَّ العِلْمَ بِكَوْنِهِ حَقًّا هُدًى؛ وأنَّ الجَهْلَ بِوَجْهِ إيرادِهِ؛ والإنْكارَ لِحُسْنِ مَوْرِدِهِ؛ ضَلالٌ وفُسُوقٌ وكَثْرَةُ كُلِّ فَرِيقٍ إنَّما هي بِالنَّظَرِ إلى أنْفُسِهِمْ؛ لا بِالقِياسِ إلى مُقابِلِيهِمْ؛ فَلا يَقْدَحُ في (p-75) ذَلِكَ أقَلِّيَّةُ أهْلِ الهُدى بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الضَّلالِ؛ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ واعْتِبارُ كَثْرَتِهِمُ الذّاتِيَّةِ دُونَ قِلَّتِهِمُ الإضافِيَّةِ؛ لِتَكْمِيلِ فائِدَةِ ضَرْبِ المَثَلِ وتَكْثِيرِها؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ في الأوَّلِينَ الكَثْرَةُ مِن حَيْثُ العَدَدُ؛ وفي الآخِرِينَ مِن حَيْثُ الفَضْلُ والشَّرَفُ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ إنَّ الكِرامَ كَثِيرٌ في البِلادِ وإنْ ∗∗∗ قَلُّوا كَما غَيْرُهم قَلٌّ وإنْ كَثُرُوا وَإسْنادُ الإضْلالِ؛ أيْ خَلْقِ الضَّلالِ؛ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ (تَعالى)؛ وإنْ كانَ أفْعالُ العِبادِ مِن حَيْثُ الكَسْبُ مُسْتَنِدَةً إلَيْهِمْ؛ وجَعْلُهُ مِن قَبِيلِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ يَأْباهُ التَّصْرِيحُ بِالسَّبَبِ؛ وقُرِئَ: "يُضَلُّ بِهِ كَثِيرٌ ويُهْدى بِهِ كَثِيرٌ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وتَكْرِيرُ "بِهِ" مَعَ جَوازِ الِاكْتِفاءِ بِالأوَّلِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ السَّبَبِيَّةِ؛ وتَأْكِيدِها. ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ﴾: أيْ بِالمَثَلِ؛ أوْ بِضَرْبِهِ؛ ﴿إلا الفاسِقِينَ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَكْمِلَةٌ لِلْجَوابِ والرَّدِّ؛ وزِيادَةُ تَعْيِينٍ لِمَن أُرِيدَ إضْلالُهم بِبَيانِ صِفاتِهِمُ القَبِيحَةِ؛ المُسْتَتْبِعَةِ لَهُ؛ وإشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إضْلالًا ابْتِدائِيًّا؛ بَلْ هو تَثْبِيتٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن فُنُونِ الضَّلالِ؛ وزِيادَةٌ فِيهِ؛ وقُرِئَ: "وَما يُضَلُّ بِهِ إلّا الفاسِقُونَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ والفِسْقُ في اللُّغَةِ: الخُرُوجُ؛ يُقالُ: فَسَقَتِ الرُّطْبَةُ عَنْ قِشْرِها؛ والفَأْرَةُ مِن جُحْرِها؛ أيْ "خَرَجَتْ"؛ قالَ رُؤْبَةُ: ؎ يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائِرًا ∗∗∗ فَواسِقًا عَنْ قَصْدِها جَوائِرا وَفِي الشَّرِيعَةِ: الخُرُوجُ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإصْرارُ عَلى الصَّغِيرَةِ؛ ولَهُ طَبَقاتٌ ثَلاثٌ: الأُولى: التَّغابِي؛ وهو ارْتِكابُها أحْيانًا مُسْتَقْبِحًا لَها؛ والثّانِيَةُ: الِانْهِماكُ في تَعاطِيها؛ والثّالِثَةُ: المُثابَرَةُ عَلَيْها مَعَ جُحُودِ قُبْحِها؛ وهَذِهِ الطَّبَقَةُ مِن مَراتِبِ الكُفْرِ؛ فَما لَمْ يَبْلُغْها الفاسِقُ لا يُسْلَبْ عَنْهُ اسْمُ "المُؤْمِنُ"؛ لِاتِّصافِهِ بِالتَّصْدِيقِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ الإيمانُ؛ ولِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾؛ والمُعْتَزِلَةُ لَمّا ذَهَبُوا إلى أنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ؛ والإقْرارِ؛ والعَمَلِ؛ والكُفْرَ عَنْ تَكْذِيبِ الحَقِّ؛ وجُحُودِهِ؛ ولَمْ يَتَسَنَّ لَهم إدْخالُ الفاسِقِ في أحَدِهِما؛ فَجَعَلُوهُ قِسْمًا بَيْنَ قِسْمَيِ المُؤْمِنِ؛ والكافِرِ؛ لِمُشارَكَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما في بَعْضِ أحْكامِهِ. والمُرادُ بِالفاسِقِينَ هَهُنا: العاتُونَ؛ المارِدُونَ في الكُفْرِ؛ الخارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ؛ مِمَّنْ حُكِيَ عَنْهم ما حُكِيَ مِن إنْكارِ كَلامِ اللَّهِ (تَعالى)؛ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ؛ وتَخْصِيصُ الإضْلالِ بِهِمْ مُتَرَتِّبًا عَلى صِفَةِ الفِسْقِ؛ وما أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ القَبائِحِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو الَّذِي أعَدَّهم لِلْإضْلالِ؛ وأدّى بِهِمْ إلى الضَّلالِ؛ فَإنَّ كُفْرَهم وعُدُولَهم عَنِ الحَقِّ؛ وإصْرارَهم عَلى الباطِلِ؛ صَرَفَتْ وُجُوهَ أنْظارِهِمْ عَنِ التَّدَبُّرِ في حِكْمَةِ المَثَلِ؛ إلى حَقارَةِ المُمَثَّلِ بِهِ؛ حَتّى رَسَخَتْ بِهِ جَهالَتُهُمْ؛ وازْدادَتْ ضَلالَتُهُمْ؛ فَأنْكَرُوهُ؛ وقالُوا فِيهِ ما قالُوا.

البقرة 2:27

﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾: صِفَةٌ لِـ "الفاسِقِينَ"؛ لِلذَّمِّ؛ وتَقْرِيرِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الفِسْقِ. والنَّقْضُ: فَسْخُ التَّرْكِيبِ مِنَ المُرَكَّباتِ الحِسِّيَّةِ؛ كالحَبْلِ؛ والغَزْلِ؛ ونَحْوِهِما؛ واسْتِعْمالُهُ في إبْطالِ العَهْدِ مِن حَيْثُ اسْتِعارَةُ الحَبْلِ لَهُ؛ لِما فِيهِ مِنَ ارْتِباطِ أحَدِ كَلامَيِ المُتَعاهِدَيْنِ بِالآخَرِ؛ فَإنْ شُفِعَ بِالحَبْلِ وأُرِيدَ بِهِ العَهْدُ؛ كانَ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ؛ وإنْ قُرِنَ بِالعَهْدِ كانَ رَمْزًا إلى ما هو مِن رَوادِفِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى مَكانِهِ؛ وأنَّ المَذْكُورَ قَدِ اسْتُعِيرَ لَهُ؛ كَما يُقالُ: "شُجاعٌ يَفْتَرِسُ أقْرانَهُ؛ (p-76) وَعالِمٌ يَغْتَرِفُ مِنهُ النّاسُ"؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ أسَدٌ في شَجاعَتِهِ؛ وبَحْرٌ في إفاضَتِهِ. والعَهْدُ: المَوْثِقُ؛ يُقالُ: عَهِدَ إلَيْهِ كَذا؛ إذا وصّاهُ بِهِ؛ ووَثَّقَهُ عَلَيْهِ؛ والمُرادُ هَهُنا إمّا العَهْدُ المَأْخُوذُ بِالعَقْلِ؛ وهو الحُجَّةُ القائِمَةُ عَلى عِبادِهِ؛ الدّالَّةُ عَلى وُجُودِهِ؛ ووَحْدَتِهِ؛ وصِدْقِ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وبِهِ أُوِّلَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾؛ أوِ المَعْنى الظّاهِرُ مِنهُ؛ أوِ المَأْخُوذُ مِن جِهَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى الأُمَمِ بِأنَّهم إذا بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ بِالمُعْجِزاتِ صَدَّقُوهُ؛ واتَّبَعُوهُ؛ ولَمْ يَكْتُمُوا أمْرَهُ؛ وذِكْرَهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ؛ ولَمْ يُخالِفُوا حُكْمَهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾؛ ونَظائِرُهُ؛ وقِيلَ: عُهُودُ اللَّهِ (تَعالى) ثَلاثَةٌ: الأوَّلُ: ما أخَذَهُ عَلى جَمِيعِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ يُقِرُّوا عَلى رُبُوبِيَّتِهِ؛ والثّانِي: ما أخَذَهُ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِأنْ يُقِيمُوا الدِّينَ؛ ولا يَتَفَرَّقُوا فِيهِ؛ والثّالِثُ: ما أخَذَهُ عَلى العُلَماءِ بِأنْ يُبَيِّنُوا الحَقَّ؛ ولا يَكْتُمُوهُ. ﴿مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾: المِيثاقُ إمّا اسْمٌ لِما يَقَعُ بِهِ الوَثاقَةُ والإحْكامُ؛ وإمّا مَصْدَرٌ بِمَعْنى "التَّوْثِقَةُ"؛ كَـ "المِيعادُ"؛ بِمَعْنى "الوَعْدُ"؛ فَعَلى الأوَّلِ إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى العَهْدِ؛ كانَ المُرادُ بِالمِيثاقِ ما وثَّقُوهُ بِهِ؛ مِنَ القَبُولِ؛ والِالتِزامِ؛ وإنْ رَجَعَ إلى لَفْظِ الجَلالَةِ يُرادُ بِهِ آياتُهُ؛ وكُتُبُهُ؛ وإنْذارُ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُضافُ مَحْذُوفٌ عَلى الوَجْهَيْنِ؛ أيْ: مِن بَعْدِ تَحَقُّقِ مِيثاقِهِ؛ وعَلى الثّانِي إنْ رَجَعَ الضَّمِيرُ إلى العَهْدِ - والمِيثاقُ مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ - فالمَعْنى: مِن بَعْدِ أنْ وثَّقُوهُ بِالقَبُولِ والِالتِزامِ؛ أوْ: مِن بَعْدِ أنْ وثَّقَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإنْذارِ الرُّسُلِ؛ وإنْ كانَ مَصْدَرًا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فالمَعْنى: مِن بَعْدِ كَوْنِهِ مُوَثَّقًا؛ إمّا بِتَوْثِيقِهِمْ إيّاهُ بِالقَبُولِ؛ وإمّا بِتَوْثِيقِهِ (تَعالى) إيّاهُ بِإنْزالِ الكُتُبِ؛ وإنْذارِ الرُّسُلِ. ﴿وَيَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾: يَحْتَمِلُ كُلَّ قَطِيعَةٍ لا يَرْضى بِها اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - كَقَطْعِ الرَّحِمِ؛ ومُوالاةِ المُؤْمِنِينَ؛ والتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - والكُتُبِ في التَّصْدِيقِ؛ وتَرْكِ الجَماعاتِ المَفْرُوضَةِ؛ وسائِرِ ما فِيهِ رَفْضُ خَيْرٍ؛ أوْ تَعاطِي شَرٍّ؛ فَإنَّهُ يَقْطَعُ ما بَيْنَ اللَّهِ (تَعالى) وبَيْنَ العَبْدِ مِنَ الوَصْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ مِن كُلِّ وصْلٍ وفَصْلٍ. والأمْرُ هُوَ: القَوْلُ الطّالِبُ لِلْفِعْلِ؛ مَعَ العُلُوِّ؛ وقِيلَ: بِالِاسْتِعْلاءِ؛ وبِهِ سُمِّيَ الأمْرُ - الَّذِي هو واحِدُ الأُمُورِ - تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ؛ فَإنَّهُ مِمّا يُؤْمَرُ بِهِ؛ كَما يُقالُ: "لَهُ شَأْنٌ"؛ وهُوَ: القَصْدُ؛ والطَّلَبُ؛ لِما أنَّهُ أثَرٌ لِلشَّأْنِ؛ وكَذا يُقالُ: "لَهُ شَيْءٌ"؛ وهو مَصْدَرُ "شاءَ"؛ لِما أنَّهُ أثَرٌ لِلْمَشِيئَةِ. ومَحَلُّ "أنْ يُوصَلَ" إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أوْ مِن ضَمِيرِهِ؛ والثّانِي أوْلى لَفْظًا ومَعْنًى. ﴿وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾: بِالمَنعِ عَنِ الإيمانِ؛ والِاسْتِهْزاءِ بِالحَقِّ؛ وقَطْعِ الوَصْلِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ نِظامِ العالَمِ وصَلاحُهُ. ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الفاسِقِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ؛ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم مُتَمَيِّزُونَ بِها؛ أكْمَلَ تَمَيُّزٍ؛ ومُنْتَظِمُونَ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المَحْسُوسَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلدَّلالَةِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَسادِ. ﴿هُمُ الخاسِرُونَ﴾: الَّذِينَ خَسِرُوا بِإهْمالِ العَقْلِ عَنِ النَّظَرِ؛ واقْتِناصِ ما يُفِيدُهُمُ الحَياةَ الأبَدِيَّةَ؛ واسْتِبْدالِ الإنْكارِ؛ والطَّعْنِ في الآياتِ؛ بِالإيمانِ بِها؛ والتَّأمُّلِ في حَقائِقِها؛ والِاقْتِباسِ مِن أنْوارِها؛ واشْتِراءِ النَّقْضِ بِالوَفاءِ؛ والفَسادِ بِالصَّلاحِ؛ والقَطِيعَةِ بِالصِّلَةِ؛ والعِقابِ بِالثَّوابِ.

البقرة 2:28

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾: التِفاتٌ إلى خِطابِ المَذْكُورِينَ؛ مَبْنِيٌّ عَلى إيرادِ ما عَدَّدَ مِن (p-77) قَبائِحِهِمُ السّابِقَةِ؛ لِتَزايُدِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِلْمُشافَهَةِ بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ لا بِمَعْنى إنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ رَسُولِهِ﴾؛ إلَخْ.. بَلْ بِمَعْنى إنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الكُفْرِ؛ بِأنْ يُقالَ: "أتَكْفُرُونَ؟"؛ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ قَطْعًا؛ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِ وُجُودِهِ فَقَدِ انْتَفى وُجُودُهُ عَلى الطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُنْتُمْ أمْواتًا﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ: حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ في "تَكْفُرُونَ"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ بِما عُدِّدَ فِيها مِنَ الشُّؤُونِ العَظِيمَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلى الإيمانِ؛ الرّادِعَةِ عَنِ الكُفْرِ؛ مِن حَيْثُ كَوْنُها نِعْمَةً عامَّةً؛ ومِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى قُدْرَةٍ تامَّةٍ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ . وكَيْفَ مَنصُوبَةٌ عَلى التَّشْبِيهِ بِالظَّرْفِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وبِالحالِ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ أيْ: في أيِّ حالٍ؛ - أوْ: عَلى أيِّ حالٍ - تَكْفُرُونَ بِهِ (تَعالى)؛ والحالُ أنَّكم كُنْتُمْ أمْواتًا؛ أيْ أجْسامًا لا حَياةَ لَها؛ عَناصِرَ؛ وأغْذِيَةً؛ ونُطَفًا؛ ومُضَغًا؛ مُخَلَّقَةً؛ وغَيْرَ مُخَلَّقَةٍ؟ والأمْواتُ: جَمْعُ "مَيْتٌ"؛ كَـ "أقْوالٌ"؛ جَمْعُ "قَيْلٌ"؛ وإطْلاقُها عَلى تِلْكَ الأجْسامِ بِاعْتِبارِ عَدَمِ الحَياةِ مُطْلَقًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ﴾ . ﴿فَأحْياكُمْ﴾؛ بِنَفْخِ الأرْواحِ فِيكُمْ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّعْقِيبِ؛ فَإنَّ الإحْياءَ حاصِلٌ إثْرَ كَوْنِهِمْ أمْواتًا؛ وإنْ تَوارَدَ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ أطْوارٌ مُتَرَتِّبَةٌ؛ بَعْضُها مُتَراخٍ عَنْ بَعْضٍ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا؛ ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾: أيْ عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِكُمْ؛ وكَوْنُ الإماتَةِ مِن دَلائِلِ القُدْرَةِ ظاهِرٌ؛ وأمّا كَوْنُها مِنَ النِّعَمِ فَلِكَوْنِها وسِيلَةً إلى الحَياةِ الثّانِيَةِ؛ الَّتِي هي الحَيَوانُ؛ والنِّعْمَةُ العُظْمى؛ والتَّراخِي المُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ "ثُمَّ"؛ بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ الإحْياءِ؛ دُونَ زَمانِ الحَياةِ؛ فَإنَّ زَمانَ الإماتَةِ غَيْرُ مُتَراخٍ عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾؛ بِالنُّشُورِ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ؛ أوْ لِلسُّؤالِ في القُبُورِ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مُتَراخٍ مِن زَمانِ الإماتَةِ؛ وإنْ كانَ إثْرَ زَمانِ المَوْتِ المُسْتَمِرِّ؛ ﴿ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ بَعْدَ الحَشْرِ؛ لا إلى غَيْرِهِ؛ فَيُجازِيكم بِأعْمالِكُمْ؛ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ؛ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ؛ أوْ: إلَيْهِ تُنْشَرُونَ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ؛ وهَذِهِ الأفْعالُ - وإنْ كانَ بَعْضُها ماضِيًا؛ وبَعْضُها مُسْتَقْبَلًا - لا يَتَسَنّى مُقارَنَةُ شَيْءٍ مِنها لِما هو حالٌ مِنهُ في الزَّمانِ؛ لَكِنَّ الحالَ في الحَقِيقَةِ هو العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وأنْتُمْ عالِمُونَ بِهَذِهِ الأحْوالِ المانِعَةِ مِنهُ؟ ومَآلُهُ التَّعْجِيبُ مِن وُقُوعِهِ؛ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَنْفِيهِ؛ وإنَّما نُظِمَ ما يُنْكِرُونَهُ مِنَ الإحْياءِ الأخِيرِ؛ والرَّجْعِ؛ في سِلْكِ ما يَعْتَرِفُونَ بِهِ مِنَ الإحْياءِ الأوَّلِ؛ والإماتَةِ؛ تَنْزِيلًا لِتَمَكُّنِهِمْ مِنَ العِلْمِ لِما عايَنُوهُ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ؛ مَنزِلَةَ العِلْمِ بِذَلِكَ بِالفِعْلِ؛ في إزاحَةِ العِلَلِ؛ والأعْذارِ؛ و"الحَياةُ": حَقِيقَةٌ في القُوَّةِ الحَسّاسَةِ؛ أوْ ما يَقْتَضِيها؛ وبِها سُمِّيَ الحَيَوانُ حَيَوانًا؛ مَجازٌ في القُوَّةِ النّامِيَةِ؛ لِكَوْنِها مِن طَلائِعِها؛ وكَذا فِيما يَخُصُّ الإنْسانَ مِنَ العَقْلِ؛ والعِلْمِ؛ والإيمانِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ كَمالُها وغايَتُها؛ و"المَوْتُ" بِإزائِها؛ يُطْلَقُ عَلى ما يُقابِلُ كُلَّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ وقالَ (تَعالى): ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾؛ وعِنْدَ وصْفِهِ (تَعالى) بِها يُرادُ صِحَّةُ اتِّصافِهِ (تَعالى) بِالعِلْمِ؛ والقُدْرَةِ اللّازِمَةِ لِهَذِهِ القُوَّةِ فِينا؛ أوْ مَعْنًى قائِمٌ بِذاتِهِ (تَعالى)؛ مُقْتَضٍ لِذَلِكَ؛ وقُرِئَ: "تَرْجِعُونَ"؛ بِفَتْحِ التّاءِ؛ والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ.

البقرة 2:29

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ (p-78): تَقْرِيرٌ لِلْإنْكارِ؛ وتَأْكِيدٌ لَهُ مِنَ الحَيْثِيَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ؛ غُيِّرَ سَبْكُهُ عَنْ سَبْكِ ما قَبْلَهُ؛ مَعَ اتِّحادِهِما في المَقْصُودِ؛ إبانَةً لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ؛ فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِذَواتِهِمْ مِنَ الإحْياءِ؛ والإماتَةِ؛ والحَشْرِ؛ أدْخَلُ في الحَثِّ عَلى الإيمانِ؛ والكَفِّ عَنِ الكُفْرِ؛ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِمَعايِشِهِمْ؛ وما يُجْرى مُجْراها؛ وفي جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً؛ والمَوْصُولِ خَبَرًا؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الجَلالَةِ ما لا يَخْفى؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ؛ بِبَيانِ كَوْنِهِ نافِعًا لِلْمُخاطَبِينَ؛ ولِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ؛ كَما سَلَفَ؛ أيْ: خَلَقَ لِأجْلِكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِنَ المَوْجُوداتِ؛ لِتَنْتَفِعُوا بِها في أُمُورِ دُنْياكم بِالذّاتِ؛ أوْ بِالواسِطَةِ؛ وأُمُورِ دِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ بِها عَلى شُئُونِ الصّانِعِ - تَعالى شَأْنُهُ -؛ والِاسْتِشْهادُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها عَلى ما يُلائِمُهُ مِن لَذّاتِ الآخِرَةِ؛ وآلامِها؛ وما يَعُمُّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ؛ لا نَفْسِها؛ إلّا أنْ يُرادَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ؛ كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ؛ نَعَمْ.. يَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها؛ فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما فِيها ضَرُورَةُ وُجُودِ الجُزْءِ في الكُلِّ؛ و"جَمِيعًا" حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما فِيهِ مِنَ العُمُومِ؛ فَإنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ ما في الأرْضِ - بَلْ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ العالَمِ - لَهُ مَدْخَلٌ في اسْتِمْرارِهِ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ النِّظامِ اللّائِقِ؛ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ انْتِظامُ مَصالِحِ النّاسِ؛ أمّا مِن جِهَةِ المَعاشِ فَظاهِرٌ؛ وأمّا مِن جِهَةِ الدِّينِ فَلِما أنَّهُ لَيْسَ في العالَمِ شَيْءٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّظَرُ؛ وما لا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ إلّا وهو دَلِيلٌ عَلى القادِرِ الحَكِيمِ - جَلَّ جَلالُهُ -؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبِّ العالَمِينَ﴾؛ وإنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ بِهِ أحَدٌ بِالفِعْلِ. ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾: أيْ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ ومَشِيئَتِهِ؛ قَصْدًا سَوِيًّا؛ بِلا صارِفٍ يَلْوِيهِ؛ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ عَنْ إرادَةِ خَلْقِ شَيْءٍ آخَرَ في تَضاعِيفِ خَلْقِها؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ؛ وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ هَهُنا إمّا لِعَدَمِ تَحَقُّقِهِ في خَلْقِ السُّفْلِيّاتِ؛ لِما رُوِيَ مِن تَخَلُّلِ خَلْقِ السَّمَواتِ بَيْنَ خَلْقِ الأرْضِ؛ ودَحْوِها؛ عَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: خَلَقَ اللَّهُ (تَعالى) الأرْضَ في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ؛ عَلَيْها دُخانٌ يَلْتَزِقُ بِها؛ ثُمَّ أصْعَدَ الدُّخانَ؛ وخَلَقَ مِنهُ السَّمَواتِ؛ وأمْسَكَ الفِهْرَ في مَوْضِعِها؛ وبَسَطَ مِنها الأرْضِينَ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾؛ وإمّا لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِإبْداعِ العُلْوِيّاتِ؛ وقِيلَ: اسْتَوى: اسْتَوْلى؛ ومَلَكَ؛ والأوَّلُ هو الظّاهِرُ؛ وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِلْإيذانِ بِما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ والفَضْلِ عَلى خَلْقِ السُّفْلِيّاتِ؛ لا لِلتَّراخِي الزَّمانِيِّ؛ فَإنَّ تَقَدُّمَهُ عَلى خَلْقِ ما في الأرْضِ؛ المُتَأخِّرِ عَنْ دَحْوِها؛ مِمّا لا مِرْيَةَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾؛ ولِما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. والمُرادُ بِـ "السَّماءِ": إمّا الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ؛ فَإنَّ القَصْدَ إلَيْها بِالإرادَةِ لا يَسْتَدْعِي سابِقَةَ الوُجُودِ؛ وإمّا جِهاتُ العُلُوِّ؛ ﴿فَسَوّاهُنَّ﴾: أيْ: أتَمَّهُنَّ؛ وقَوَّمَهُنَّ؛ وخَلَقَهُنَّ ابْتِداءً مَصُونَةً عَنِ العِوَجِ؛ والفُطُورِ؛ لا أنَّهُ (تَعالى) سَوّاهُنَّ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنَّ كَذَلِكَ؛ ولا يَخْفى ما في مُقارَنَةِ التَّسْوِيَةِ والِاسْتِواءِ مِن حُسْنِ المَوْقِعِ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنْ لا تَغَيُّرَ فِيهِنَّ بِالنُّمُوِّ والذُّبُولِ؛ كَما في السُّفْلِيّاتِ؛ والضَّمِيرُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلسَّماءِ؛ فَإنَّها في مَعْنى الجِنْسِ؛ وقِيلَ: هي جَمْعُ "سَماءَةٌ"؛ أوْ "سَماوَةٌ"؛ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي مُبْهَمٌ؛ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿سَبْعَ سَماواتٍ﴾؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "رُبَّهُ رَجُلًا"؛ وهو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ؛ وتَأْخِيرُ ذِكْرِ هَذا الصُّنْعِ البَدِيعِ عَنْ ذِكْرِ خَلْقِ ما في الأرْضِ - مَعَ كَوْنِهِ أقْوى مِنهُ في الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ القُدْرَةِ القاهِرَةِ؛ كَما نُبِّهَ عَلَيْهِ - لِما أنَّ المَنافِعَ المَنُوطَةَ بِما في الأرْضِ أكْثَرُ؛ وتَعَلُّقَ مَصالِحِ النّاسِ بِذَلِكَ أظْهَرُ؛ وإنْ كانَ في إبْداعِ العُلْوِيّاتِ أيْضًا مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ ما لا يُحْصى؛ هَذا ما قالُوا؛ وسَيَأْتِي في "حم السَّجْدَةِ" مَزِيدُ تَحْقِيقٍ؛ وتَفْصِيلٍ؛ بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى). ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾: اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ (p-79) مِن خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ؛ وما فِيها؛ عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ؛ المُنْطَوِي عَلى الحِكَمِ الفائِقَةِ؛ والمَصالِحِ اللّائِقَةِ؛ فَإنَّ عِلْمَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِجَمِيعِ الأشْياءِ - ظاهِرِها وباطِنِها؛ بارِزِها وكامِنِها؛ وما يَلِيقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنها - يَسْتَدْعِي أنْ يَخْلُقَ كُلَّ ما يَخْلُقُهُ عَلى الوَجْهِ الرّائِقِ؛ وقُرِئَ: "وَهْوَ"؛ بِسُكُونِ الهاءِ؛ تَشْبِيهًا لَهُ؛ يُعَضِّدُ.

البقرة 2:30

﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾: بَيانٌ لِأمْرٍ آخَرَ؛ مِن جِنْسِ الأُمُورِ المُتَقَدِّمَةِ؛ المُؤَكِّدَةِ لِلْإنْكارِ؛ والِاسْتِبْعادِ؛ فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما خَصَّهُ بِهِ مِنَ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ المَحْكِيَّةِ؛ مِن أجَلِّ النِّعَمِ الدّاعِيَةِ لِذُرِّيَّتِهِ إلى الشُّكْرِ والإيمانِ؛ النّاهِيَةِ عَنِ الكُفْرِ والعِصْيانِ؛ وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾؛ وتَوْضِيحٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ والِانْتِفاعِ بِما فِيها. وتَلْوِينُ الخِطابِ؛ بِتَوْجِيهِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ فَحْوى الكَلامِ لَيْسَ مِمّا يُهْتَدى إلَيْهِ بِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ كالأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ الَّتِي نُبِّهَ عَلَيْها الكَفَرَةُ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ بَلْ إنَّما طَرِيقُهُ الوَحْيُ الخاصُّ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِنَ الإنْباءِ عَنْ تَشْرِيفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ما لا يَخْفى؛ و"إذْ": ظَرْفٌ؛ مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ؛ وقَعَ فِيهِ نِسْبَةٌ أُخْرى مِثْلُها؛ كَما أنَّ "إذا" مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ؛ يَقَعُ فِيهِ أُخْرى مِثْلُها؛ ولِذَلِكَ يَجِبُ إضافَتُهُما إلى الجُمَلِ؛ وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ؛ صُرِّحَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾؛ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ - مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها؛ لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ؛ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ؛ ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها؛ فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها؛ كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا؛ وقِيلَ: لَيْسَ انْتِصابُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ بَلْ عَلى تَأْوِيلِ "اذْكُرِ الحادِثَ فِيهِ"؛ بِحَذْفِ المَظْرُوفِ؛ وإقامَةِ الظَّرْفِ مَقامَهُ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ آخَرَ؛ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - غُبَّ ما أُوحِيَ إلَيْهِ؛ ما خُوطِبَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِتَفاصِيلِ الأُمُورِ السّابِقَةِ؛ الزّاجِرَةِ عَنِ الكُفْرِ بِهِ (تَعالى) -: ذَكِّرْهم بِذَلِكَ؛ واذْكُرْ لَهم هَذِهِ النِّعْمَةَ؛ لِيَتَنَبَّهُوا بِذَلِكَ لِبُطْلانِ ما هم فِيهِ؛ ويَنْتَهُوا عَنْهُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُقَدَّرَ هُوَ: "اشْكُرِ النِّعْمَةَ في خَلْقِ السَّمَواتِ والأرْضِ"؛ أوْ: "تَدَبَّرْ ذَلِكَ"؛ فَغَيْرُ سَدِيدٍ؛ ضَرُورَةَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ تَذْكِيرُ المُخِلِّينَ بِمَواجِبِ الشُّكْرِ؛ وتَنْبِيهِهِمْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ؛ وأيْنَ ذاكَ مِن مَقامِهِ الجَلِيلِ - ﷺ؟ وقِيلَ: انْتِصابُهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾؛ ويَأْباهُ أنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هو المَقْصُودَ بِالذّاتِ؛ دُونَ سائِرِ القِصَّةِ؛ وقِيلَ: بِما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ولا يَخْفى بُعْدُهُ؛ وقِيلَ: بِمُضْمَرٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ؛ مِثْلَ: وبَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ؛ إلَخْ.. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا فائِدَةَ في تَقْيِيدِ بَدْءِ الخَلْقِ بِذَلِكَ الوَقْتِ؛ وقِيلَ: بِـ "خَلَقَكُمْ"؛ أوْ بِـ "أحْياكُمْ"؛ مُضْمَرًا؛ وفِيهِ ما فِيهِ؛ وقِيلَ: "إذْ" زائِدَةٌ؛ ويُعْزى ذَلِكَ إلى أبِي عُبَيْدٍ؛ ومَعْمَرٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنى "قَدْ". و"اللّامُ" في قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ لِلتَّبْلِيغِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ في هَذا البابِ مُطَّرِدٌ؛ لِما في المَقُولِ مِنَ الطُّولِ غالِبًا؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ (p-80)الِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ؛ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ و"المَلائِكَةُ" جَمْعُ "مَلَكٌ"؛ بِاعْتِبارِ أصْلِهِ الَّذِي هو "مَلْأكَ"؛ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَزِيدَةٌ؛ كَـ "الشَّمائِلُ"؛ في جَمْعِ "شَمْألٌ"؛ والتّاءُ لِتَأْكِيدِ تَأْنِيثِ الجَماعَةِ؛ واشْتِقاقُهُ مِن "مَلَكٌ" لِما فِيهِ مِن مَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ؛ وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن "مَأْلَكٌ" مِن "الألُوكَةُ"؛ وهي الرِّسالَةُ؛ أيْ مَوْضِعُ الرِّسالَةِ؛ أوْ مُرْسَلٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ؛ فَإنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ (تَعالى) وبَيْنَ النّاسِ؛ فَهم رُسُلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوْ بِمَنزِلَةِ رُسُلِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في حَقِيقَتِهِمْ؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها ذَواتٌ مَوْجُودَةٌ؛ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها؛ فَذَهَبَ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ؛ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّ الرُّسُلَ كانُوا يَرَوْنَهم كَذَلِكَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وذَهَبَ الحُكَماءُ إلى أنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ؛ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ؛ وأنَّها أكْمَلُ مِنها قُوَّةً؛ وأكْثَرُ عِلْمًا؛ تَجْرِي مِنها مُجْرى الشَّمْسِ مِنَ الأضْواءِ؛ مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٍ شَأْنُهم الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ؛ والتَّنَزُّهُ عَنْ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ؛ كَما نَعَتَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِقَوْلِهِ: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾؛ وهُمُ العِلِّيُّونَ؛ المُقَرَّبُونَ؛ وقِسْمٍ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ؛ حَسْبَما جَرى عَلَيْهِ قَلَمُ القَضاءِ والقَدَرِ؛ وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا؛ فَمِنهم سَماوِيَّةٌ؛ ومِنهم أرْضِيَّةٌ؛ وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النَّصارى: هي النُّفُوسُ الفاضِلَةُ البَشَرِيَّةُ؛ المُفارِقَةُ لِلْأبْدانِ؛ ونُقِلَ في شَرْحِ كَثْرَتِهِمْ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قالَ: « "أطَّتِ السَّماءُ؛ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ؛ ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ؛ أوْ راكِعٌ"؛» ورُوِيَ أنَّ بَنِي آدَمَ عُشْرُ الجِنِّ؛ وهُما عُشْرُ حَيَواناتِ البَرِّ؛ والكُلُّ عُشْرُ الطُّيُورِ؛ والكُلُّ عُشْرُ حَيَواناتِ البِحارِ؛ وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ الأرْضِ المُوَكَّلِينَ؛ وهَؤُلاءِ كُلُّهم عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الدُّنْيا؛ وكُلُّ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ السَّماءِ الثّانِيَةِ؛ وهَكَذا.. إلى السَّماءِ السّابِعَةِ؛ ثُمَّ كُلُّ أُولَئِكَ في مُقابَلَةِ مَلائِكَةِ الكُرْسِيِّ نَزْرٌ قَلِيلٌ؛ ثُمَّ جَمِيعُ هَؤُلاءِ عُشْرُ مَلائِكَةِ سُرادِقٍ واحِدٍ مِن سُرادِقاتِ العَرْشِ؛ الَّتِي عَدَدُها سِتُّمائَةُ ألْفٍ؛ طُولُ كُلِّ سُرادِقٍ؛ وعَرْضُهُ؛ وسُمْكُهُ؛ إذا قُوبِلَتْ بِهِ السَّمَواتُ والأرْضُ وما فِيهِما وما بَيْنَهُما لا يَكُونُ لَها عِنْدَهُ قَدْرٌ مَحْسُوسٌ؛ وما مِنهُ مِن مِقْدارِ شِبْرٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ؛ أوْ راكِعٌ؛ أوْ قائِمٌ؛ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ؛ والتَّقْدِيسِ؛ ثُمَّ كُلُّ هَؤُلاءِ في مُقابَلَةِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَحُومُونَ حَوْلَ العَرْشِ كالقَطْرَةِ في البَحْرِ؛ ثُمَّ مَلائِكَةُ اللَّوْحِ؛ الَّذِينَ هم أشْياعُ إسْرافِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والمَلائِكَةُ الَّذِينَ هم جُنُودُ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُحْصِي أجْناسَهُمْ؛ ولا مُدَّةَ أعْمارِهِمْ؛ ولا كَيْفِيّاتِ عِباداتِهِمْ؛ إلّا بارِئُهُمُ العَلِيمُ الخَبِيرُ؛ عَلى ما قالَ (تَعالى): ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾؛ ورُوِيَ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - حِينَ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ؛ رَأى مَلائِكَةً في مَوْضِعٍ بِمَنزِلَةِ شَرَفٍ؛ يَمْشِي بَعْضُهم تُجاهَ بَعْضٍ؛ فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "إلى أيْنَ يَذْهَبُونَ؟"؛ فَقالَ جِبْرِيلُ: "لا أدْرِي؛ إلّا أنِّي أراهم مُنْذُ خُلِقْتُ؛ ولا أرى واحِدًا مِنهم قَدْ رَأيْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ"؛ ثُمَّ سَألا واحِدًا مِنهُمْ: "مُنْذُ كَمْ خُلِقْتَ؟"؛ فَقالَ: "لا أدْرِي؛ غَيْرَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَخْلُقُ في كُلِّ أرْبَعِمائَةِ ألْفِ سَنَةٍ كَوْكَبًا؛ وقَدْ خَلَقَ مُنْذُ خَلَقَنِي أرْبَعَمائَةِ ألْفِ كَوْكَبٍ".» فَسُبْحانَهُ مِن إلَهٍ؛ ما أعْظَمَ قَدْرَهُ! وما أوْسَعَ مَلَكُوتَهُ! واخْتُلِفَ في المَلائِكَةِ الَّذِينَ قِيلَ لَهم ما قِيلَ؛ فَقِيلَ: هم مَلائِكَةُ الأرْضِ؛ ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُمُ المُخْتارُونَ مَعَ إبْلِيسَ؛ حِينَ بَعْثَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِمُحارَبَةِ الجِنِّ؛ حَيْثُ كانُوا سُكّانَ الأرْضِ؛ فَأفْسَدُوا فِيها؛ وسَفَكُوا الدِّماءَ؛ فَقَتَلُوهم إلّا قَلِيلًا؛ قَدْ أخْرَجُوهم مِنَ الأرْضِ؛ وألْحَقُوهم بِجَزائِرِ البِحارِ؛ وقُلَلِ الجِبالِ؛ وسَكَنُوا الأرْضَ؛ وخَفَّفَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُمُ العِبادَةَ؛ وأعْطى إبْلِيسَ مُلْكَ الأرْضِ؛ ومُلْكَ السَّماءِ الدُّنْيا؛ وخِزانَةَ الجَنَّةِ؛ فَكانَ يَعْبُدُ اللَّهَ (تَعالى) تارَةً في الأرْضِ؛ (p-81)وَتارَةً في السَّماءِ؛ وأُخْرى في الجَنَّةِ؛ فَأخَذَهُ العُجْبُ؛ فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ. وقالَ أكْثَرُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ - في أنَّهم كُلُّ المَلائِكَةِ؛ لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ وعَدَمِ المُخَصَّصِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ مَقُولُ "قالَ"؛ وصِيغَةُ الفاعِلِ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ؛ ولِذَلِكَ عَمِلَتْ عَمَلَهُ؛ وفِيها ما لَيْسَ في صِيغَةِ المُضارِعِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ ذَلِكَ لا مَحالَةَ؛ وهي مِن "الجَعْلُ"؛ بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ؛ فَقِيلَ: أوَّلُهُما: "خَلِيفَةٌ"؛ وثانِيهِما: الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ عَلى ما هو مُقْتَضى الصِّناعَةِ؛ فَإنَّ مَفْعُولَيِ التَّصْيِيرِ في الحَقِيقَةِ اسْمُ "صارَ" وخَبَرُهُ؛ أوَّلُهُما الأوَّلُ؛ وثانِيهِما الثّانِي؛ وهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ والأصْلُ: "فِي الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ ثُمَّ قِيلَ: "صارَ في الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ ثُمَّ: "مُصَيِّرٌ في الأرْضِ خَلِيفَةٌ"؛ فَمَعْناهُ - بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي -: "إنِّي جاعِلٌ خَلِيفَةً مِنَ الخَلائِفِ؛ أوْ خَلِيفَةً بِعَيْنِهِ؛ كائِنًا في الأرْضِ"؛ فَإنَّ خَبَرَ "صارَ" في الحَقِيقَةِ هو الكَوْنُ المُقَدَّرُ؛ العامِلُ في الظُّرُوفِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ أصْلًا؛ وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ هو الإخْبارُ بِجَعْلِ آدَمَ خَلِيفَةً فِيها؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَوابُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإذَنْ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿خَلِيفَةً﴾؛ مَفْعُولٌ ثانٍ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاعِلٌ"؛ قُدِّمَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ؛ لِما مَرَّ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ وأمّا المَفْعُولُ الأوَّلُ فَمَحْذُوفٌ؛ تَعْوِيلًا عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾؛ حُذِفَ فِيهِ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ وهو ضَمِيرُ الأمْوالِ؛ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ وكَذا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هو خَيْرًا لَهُمْ﴾؛ حَيْثُ حُذِفَ فِيهِ المَفْعُولُ الأوَّلُ؛ لِدَلالَةِ "يَبْخَلُونَ" عَلَيْهِ؛ أيْ: لا يَحْسَبَنَّ البُخَلاءُ بُخْلَهم هو خَيْرًا لَهُمْ؛ ولا رَيْبَ في تَحْقِيقِ القَرِينَةِ هَهُنا؛ أمّا إنْ حُمِلَ عَلى الحَذْفِ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ فَهي واضِحَةٌ؛ لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ ذِكْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى ما سَنُفَصِّلُهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ؛ وجاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً"؛ وأمّا إنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ لَمْ يُحْذَفْ هُناكَ؛ بَلْ قِيلَ - مَثَلًا -: "وَجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ"؛ لَكِنَّهُ حُذِفَ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ فالقَرِينَةُ ما ذُكِرَ مِن جَوابِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ - في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ -: "إنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أنْ يَقُولَ لَهُمْ: "بَشَرًا"؛ وما عَرَفُوا ما البَشَرُ؛ ولا عَهِدُوا بِهِ؟ قُلْتُ: وجْهُهُ أنْ يَكُونَ قَدْ قالَ لَهُمْ: "إنِّي خالِقٌ خَلْقًا مِن صِفَتِهِ كَيْتُ وكَيْتُ"؛ ولَكِنَّهُ حِينَ حَكاهُ اقْتَصَرَ عَلى الِاسْمِ". انْتَهى. فَحَيْثُ جازَ الِاكْتِفاءُ عِنْدَ الحِكايَةِ عَنْ ذَلِكَ التَّفْصِيلِ بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ؛ مِن غَيْرِ قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ؛ فَما ظَنُّكَ بِما نَحْنُ فِيهِ؛ ومَعَهُ قَرِينَةٌ ظاهِرَةٌ؟! ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن "الجَعْلُ" بِمَعْنى "الخَلْقُ"؛ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ هو "خَلِيفَةً"؛ وحالُ الظَّرْفِ في التَّعَلُّقِ والتَّقْدِيمِ؛ كَما مَرَّ؛ فَحِينَئِذٍ لا يَكُونُ ما سَيَأْتِي مِن كَلامِ المَلائِكَةِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ بِالذّاتِ؛ بَلْ بِالواسِطَةِ؛ فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا قالَ لَهُمْ: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ قالُوا: رَبَّنا.. وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةُ؟ قالَ (تَعالى): "يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ؛ ويَتَحاسَدُونَ؛ ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا"؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا ما قالُوا؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. والخَلِيفَةُ: مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ؛ ويَنُوبُ مَنابَهُ؛ "فَعِيلٌ" بِمَعْنى "الفاعِلُ"؛ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ؛ والمُرادُ بِهِ: إمّا آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَنُوهُ؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلَيْهِ اسْتِغْناءً بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛ كَما يُسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ القَبِيلَةِ بِذِكْرِ أبِيها؛ كَـ "مُضَرٍ"؛ و"هاشِمٍ"؛ ومِنهُ الخِلافَةُ في قُرَيْشٍ؛ وإمّا مَن يَخْلُفُ؛ أوْ "خَلَفَ يَخْلُفُ"؛ فَيَعُمُّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وغَيْرَهُ مِن خُلَفاءِ ذُرِّيَّتِهِ؛ والمُرادُ بِالخِلافَةِ: إمّا الخِلافَةُ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - في إجْراءِ أحْكامِهِ؛ وتَنْفِيذِ أوامِرِهِ بَيْنَ النّاسِ؛ وسِياسَةِ الخَلْقِ؛ لَكِنْ لا لِحاجَةٍ بِهِ (تَعالى) إلى ذَلِكَ؛ بَلْ لِقُصُورِ اسْتِعْدادِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِمْ؛ وعَدَمِ لِياقَتِهِمْ لِقَبُولِ الفَيْضِ بِالذّاتِ؛ فَتَخْتَصُّ (p-82)بِالخَواصِّ مِن بَنِيهِ؛ وإمّا الخِلافَةُ مِمَّنْ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَتَعُمُّ حِينَئِذٍ الجَمِيعَ. ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الأذْهانُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَتِ المَلائِكَةُ حِينَئِذٍ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾؛ وهو أيْضًا مِن "الجَعْلُ"؛ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ؛ فَقِيلَ فِيهِما ما قِيلَ في الأوَّلِ؛ والظّاهِرُ أنَّ الأوَّلَ كَلِمَةُ "مَن"؛ والثّانِي مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما ذُكِرَ في الكَلامِ السّابِقِ؛ كَما حُذِفَ الأوَّلُ ثَمَّةَ؛ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ هُنا؛ قالَ قائِلُهُمْ: لا تَخَلْنا عَلى عَزائِكَ إنّا ... طالَما قَدْ وشى بِنا الأعْداءُ بِحَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي؛ أيْ: لا تَخَلْنا جازِعِينَ عَلى عَزائِكَ؛ والمَعْنى: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها خَلِيفَةً؛ والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَجْعَلُ"؛ وتَقْدِيمُهُ لِما مَرَّ مِرارًا؛ والثّانِي بِـ "يُفْسِدُ"؛ وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الِاسْتِبْعادِ؛ لِما أنَّ في اسْتِخْلافِ المُفْسِدِ في مَحَلِّ إفْسادِهِ مِنَ البُعْدِ ما لَيْسَ في اسْتِخْلافِهِ في غَيْرِهِ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ مِن "الجَعْلُ"؛ بِمَعْنى "الخَلْقُ"؛ المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ هو كَلِمَةُ "مَن"؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَدارَ تَعَجُّبِهِمْ لَيْسَ خَلْقَ مَن يُفْسِدُ في الأرْضِ؛ كَيْفَ لا.. وأنَّ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ النّاطِقَةِ بِدَعْوى أحَقِّيَّتِهِمْ مِنهُ يَقْضِي بِبُطْلانِهِ حَتْمًا؛ إذْ لا صِحَّةَ لِدَعْوى الأحَقِّيَّةِ مِنهُ بِالخَلْقِ وهم مَخْلُوقُونَ؟ بَلْ مَدارُهُ أنْ يُسْتَخْلَفَ لِعِمارَةِ الأرْضِ؛ وإصْلاحِها؛ بِإجْراءِ أحْكامِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأوامِرِهِ؛ أوْ يُسْتَخْلَفَ مَكانَ المَطْبُوعِينَ عَلى الطّاعَةِ مَن مِن شَأْنِ بَنِي نَوْعِهِ الإفْسادُ؛ وسَفْكُ الدِّماءِ؛ وهو - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وإنْ كانَ مُنَزَّهًا عَنْ ذَلِكَ؛ إلّا أنَّ اسْتِخْلافَهُ مُسْتَتْبِعٌ لِاسْتِخْلافِ ذُرِّيَّتِهِ؛ الَّتِي لا تَخْلُو عَنْهُ غالِبًا؛ وإنَّما أظْهَرُوا تَعَجُّبَهُمُ اسْتِكْشافًا عَمّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِكَمِ؛ الَّتِي بَذَّتْ عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ؛ وألْغَتْها؛ واسْتِخْبارًا عَمّا يُزِيحُ شُبْهَتَهُمْ؛ ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَةِ ما فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي جَعَلَتْهُ أهْلًا لِذَلِكَ؛ كَسُؤالِ المُتَعَلِّمِ عَمّا يَنْقَدِحُ في ذِهْنِهِ؛ لا اعْتِراضًا عَلى فِعْلِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ولا شَكًّا في اشْتِمالِهِ عَلى الحِكْمَةِ؛ والمَصْلَحَةِ إجْمالًا؛ ولا طَعْنًا فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ولا في ذُرِّيَّتِهِ عَلى وجْهِ الغَيْبَةِ؛ فَإنَّ مَنصِبَهم أجَلُّ مِن أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أمْثالُ ذَلِكَ؛ قالَ (تَعالى): ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾؛ وإنَّما عَرَفُوا ما قالُوا إمّا بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ حَسْبَما نُقِلَ مِن قَبْلُ؛ أوْ بِتَلَقٍّ مِنَ اللَّوْحِ؛ أوْ بِاسْتِنْباطٍ عَمّا ارْتَكَزَ في عُقُولِهِمْ في اخْتِصاصِ العِصْمَةِ بِهِمْ؛ أوْ بِقِياسٍ لِأحَدِ الثَّقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ. ﴿وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾: السَّفْكُ؛ والسَّفْحُ؛ والسَّبْكُ؛ والسَّكْبُ: أنْواعٌ مِنَ الصَّبِّ؛ والأوَّلانِ مُخْتَصّانِ بِالدَّمِ؛ بَلْ لا يُسْتَعْمَلُ أوَّلُهُما إلّا في الدَّمِ المُحَرَّمِ؛ أيْ بِقَتْلِ النُّفُوسِ المُحَرَّمَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِسَفْكِ الدِّماءِ لِما أنَّهُ أقْبَحُ أنْواعِ القَتْلِ؛ وأفْظَعُهُ؛ وقُرِئَ: "يُسْفِكُ"؛ بِضَمِّ الفاءِ؛ و"يُسْفِكُ"؛ و"يَسْفِكُ"؛ مِن "أسْفَكَ"؛ و"سَفَكَ"؛ وقُرِئَ: "يُسْفَكُ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وحُذِفَ الرّاجِعُ إلى "مَن"؛ مَوْصُولَةً أوْ مَوْصُوفَةً؛ أيْ: يَسْفِكُ الدِّماءَ فِيهِمْ. ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِلتَّعَجُّبِ السّابِقِ؛ ومُؤَكِّدَةٌ لَهُ؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن يَجِدُّ في خِدْمَةِ مَوْلاهُ؛ وهو يَأْمُرُ بِها غَيْرَهُ: أتَسْتَخْدِمُ العُصاةَ وأنا مُجْتَهِدٌ فِيها؟ كَأنَّهُ قِيلَ: أتَسْتَخْلِفُ مَن مِن شَأْنِ ذُرِّيَّتِهِ الفَسادُ؛ مَعَ وُجُودِ مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ أصْلًا؟ والمَقْصُودُ: عَرْضُ أحَقِّيَّتِهِمْ مِنهم بِالخِلافَةِ؛ واسْتِفْسارٌ عَمّا رَجَّحَهم عَلَيْهِمْ؛ مَعَ ما هو مُتَوَقَّعٌ مِنهم مِنَ المَوانِعِ؛ لا العُجْبُ والتَّفاخُرُ؛ فَكَأنَّهم شَعَرُوا بِما فِيهِمْ مِنَ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ؛ الَّتِي رَذِيلَتُها الإفْراطِيَّةُ الفَسادُ في الأرْضِ؛ والقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ؛ الَّتِي رَذِيلَتُها الإفْراطِيَّةُ سَفْكُ الدِّماءِ؛ فَقالُوا ما قالُوا؛ وذَهِلُوا عَمّا إذا سَخَّرَتْهُما القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ؛ ومَرَّنَتْهُما عَلى الخَيْرِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ما يُقَصِّرُ عَنْ بُلُوغِ رُتْبَةِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ؛ عِنْدَ انْفِرادِها في أفاعِيلِها؛ كالإحاطَةِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ الجُزْئِيّاتِ؛ واسْتِنْباطِ الصِّناعاتِ؛ واسْتِخْراجِ مَنافِعِ الكائِناتِ مِنَ (p-83) القُوَّةِ إلى الفِعْلِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ أمْرُ الخِلافَةِ. والتَّسْبِيحُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَبْعِيدُهُ اعْتِقادًا؛ وقَوْلًا؛ وعَمَلًا؛ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ - سُبْحانَهُ -؛ مِن "سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ"؛ إذا أبْعَدَ فِيهِما وأمْعَنَ؛ ومِنهُ "فَرَسٌ سَبُوحٌ"؛ أيْ: واسِعُ الجَرْيِ. وكَذَلِكَ تَقْدِيسُهُ (تَعالى): مِن "قَدَسَ في الأرْضِ"؛ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ؛ ويُقالُ: "قَدَّسَهُ"؛ أيْ: "طَهَّرَهُ"؛ فَإنَّ مُطَهِّرَ الشَّيْءِ مُبْعِدُهُ عَنِ الأقْذارِ. والباءُ في "بِحَمْدِكَ" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ؛ أيْ: نُنَزِّهُكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ؛ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِكَ عَلى ما أنْعَمْتَ بِهِ عَلَيْنا مِن فُنُونِ النِّعَمِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَوْفِيقُنا لِهَذِهِ العِبادَةِ. فالتَّسْبِيحُ لِإظْهارِ صِفاتِ الجَلالِ؛ والحَمْدُ لِتَذْكِيرِ صِفاتِ الإنْعامِ؛ واللّامُ في "لَكَ": إمّا مَزِيدَةٌ؛ والمَعْنى: نُقَدِّسُكَ؛ وإمّا صِلَةٌ لِلْفِعْلِ؛ كَما في "سَجَدْتُ لِلَّهِ"؛ وإمّا لِلْبَيانِ؛ كَما في "سُقْيًا لَكَ"؛ فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: نُقَدِّسُ تَقْدِيسًا لَكَ؛ أيْ: نَصِفُكَ بِما يَلِيقُ بِكَ مِنَ العُلُوِّ والعِزَّةِ؛ ونُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: نُطَهِّرُ نُفُوسَنا عَنِ الذُّنُوبِ لِأجْلِكَ؛ كَأنَّهم قابَلُوا الفَسادَ - الَّذِي أعْظَمُهُ الإشْراكُ - بِالتَّسْبِيحِ؛ وسَفْكَ الدِّماءِ - الَّذِي هو تَلْوِيثُ النَّفْسِ بِأقْبَحِ الجَرائِمِ - بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ عَنِ الآثامِ؛ لا تَمَدُّحًا بِذَلِكَ؛ ولا إظْهارًا لِلْمِنَّةِ؛ بَلْ بَيانًا لِلْواقِعِ. قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: لَيْسَ المُرادُ بَيانَ أنَّهُ (تَعالى) يَعْلَمُ ما لا يَعْلَمُونَهُ مِنَ الأشْياءِ؛ كائِنًا ما كانَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا لا شُبْهَةَ لَهم فِيهِ حَتّى يَفْتَقِرُوا إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؛ لا سِيَّما بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ؛ بَلْ بَيانَ أنَّ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعانِيَ مُسْتَدْعِيَةً لِاسْتِخْلافِهِ؛ إذْ هو الَّذِي خَفِيَ عَلَيْهِمْ؛ وبَنَوْا عَلَيْهِ ما بَنَوْا مِنَ التَّعَجُّبِ والِاسْتِبْعادِ؛ فَـ "ما" - مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً - عِبارَةٌ عَنْ تِلْكَ المَعانِي؛ والمَعْنى: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ مِن دَواعِي الخِلافَةِ فِيهِ؛ وإنَّما لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ تَحَقُّقِها فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنْ قِيلَ - مَثَلًا -: إنَّ فِيهِ ما يَقْتَضِيهِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإحاطَتِهِ (تَعالى) بِهِ؛ وغَفْلَتِهِمْ عَنْهُ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ وإيذانًا بِابْتِناءِ أمْرِهِ (تَعالى) عَلى العِلْمِ الرَّصِينِ؛ والحِكْمَةِ المُتْقَنَةِ؛ وصُدُورِ قَوْلِهِمْ عَنِ الغَفْلَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: إنِّي أعْلَمُ مِنَ المَصالِحِ في اسْتِخْلافِهِ ما هو خَفِيٌّ عَلَيْكم. وإنَّ هَذا إرْشادٌ لِلْمَلائِكَةِ إلى العِلْمِ بِأنَّ أفْعالَهُ (تَعالى) كُلَّها حَسَنَةٌ؛ وحِكْمَةٌ؛ وإنْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ وجْهُ الحُسْنِ؛ والحِكْمَةِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِمْ غَيْرَ عالِمِينَ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ؛ ويَكُونُ تَعَجُّبُهم مَبْنِيًّا عَلى تَرَدُّدِهِمْ في اشْتِمالِ هَذا الفِعْلِ لِحِكْمَةٍ ما؛ وذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ؛ فَإنَّهم عالِمُونَ بِأنَّ ذَلِكَ مُتَضَمِّنٌ لِحِكْمَةٍ ما؛ ولَكِنَّهم مُتَرَدِّدُونَ في أنَّها ماذا؛ هَلْ هو أمْرٌ راجِعٌ إلى مَحْضِ حُكْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ أوْ إلى فَضِيلَةٍ مِن جِهَةِ المُسْتَخْلَفِ؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لَهم أوَّلًا عَلى وجْهِ الإجْمالِ والإبْهامِ أنَّ فِيهِ فَضائِلَ غائِبَةً عَنْهُمْ؛ لِيَسْتَشْرِفُوا إلَيْها؛ ثُمَّ أبْرَزَ لَهم طَرَفًا مِنها؛ لِيُعايِنُوهُ جَهْرَةً؛ ويَظْهَرَ لَهم بَدِيعُ صُنْعِهِ؛ وحِكْمَتُهُ؛ ويَنْزاحَ شُبْهَتُهم بِالكُلِّيَّةِ.

البقرة 2:31

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها﴾: شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما جَرى بَعْدَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ تَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ؛ وتَفْسِيرًا لِإبْهامِهِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قالَ"؛ والِابْتِداءُ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ بِظاهِرِهِ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ المَحْكِيَّةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَحْضَرٍ مِنهُ؛ وهو الأنْسَبُ بِوُقُوفِ المَلائِكَةِ عَلى أحْوالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً؛ فَقِيلَ ما قِيلَ؛ (p-84)كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وإيرادُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ لِزِيادَةِ تَعْيِينِ المُرادِ بِالخَلِيفَةِ؛ ولِأنَّ ذِكْرَهُ بِعُنْوانِ الخِلافَةِ لا يُلائِمُ مَقامَ تَمْهِيدِ مَبادِيها؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ والأقْرَبُ أنَّ وزْنَهُ "فاعِلُ" كَـ "شالِخُ"؛ و"عاذِرُ"؛ و"عابِرُ"؛ و"فالِغُ"؛ لا "أفْعَلُ"؛ والتَّصَدِّي لِاشْتِقاقِهِ مِن "الأُدْمَةُ"؛ أوْ "الأدَمَةُ"؛ بِالفَتْحِ؛ بِمَعْنى الأُسْوَةِ؛ أوْ مِن "أدِيمُ الأرْضِ"؛ بِناءً عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِن «أنَّهُ (تَعالى) قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ؛ سَهْلِها وحَزْنِها؛ فَخَلَقَ مِنها آدَمَ؛» ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ ألْوانُ ذُرِّيَّتِهِ. أوْ مِن "الأدْمُ"؛ و"الأدْمَةُ": بِمَعْنى "الأُلْفَةُ"؛ تَعَسُّفٌ؛ كاشْتِقاقِ "إدْرِيسُ" مِن "الدَّرْسُ"؛ و"يَعْقُوبُ" مِن "العَقْبُ"؛ و"إبْلِيسُ" مِن "الإبْلاسُ". والِاسْمُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ؛ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ؛ والصِّفاتِ؛ والأفْعالِ؛ واسْتِعْمالُهُ عُرْفًا في اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِمَعْنًى؛ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا؛ مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا؛ أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما؛ واصْطِلاحًا: في المُفْرَدِ الدّالِّ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ؛ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِالزَّمانِ؛ والمُرادُ هَهُنا: إمّا الأوَّلُ؛ أوِ الثّانِي؛ وهو مُسْتَلْزِمٌ لِلْأوَّلِ؛ إذِ العِلْمُ بِالألْفاظِ - مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ عَلى المَعانِي - مَسْبُوقٌ بِالعِلْمِ بِها؛ والتَّعْلِيمُ - حَقِيقَةً - عِبارَةٌ عَنْ فِعْلٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ بِلا تَخَلُّفِ عَنْهُ؛ ولا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ إضافَةِ المُعَلِّمِ؛ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلى اسْتِعْدادِ المُتَعَلِّمِ لِقَبُولِ الفَيْضِ؛ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَتِهِ؛ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ "الهُدى"؛ وهو السِّرُّ في إيثارِهِ عَلى الإعْلامِ والإنْباءِ؛ فَإنَّهُما إنَّما يَتَوَقَّفانِ عَلى سَماعِ الخَبَرِ؛ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ البَشَرُ؛ والمَلِكُ؛ وبِهِ يَظْهَرُ أحَقِّيَّتُهُ بِالخِلافَةِ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ لِما أنَّ جِبِلَّتَهم غَيْرُ مُسْتَعِدَّةٍ لِلْإحاطَةِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ الجُزْئِيّاتِ الجُسْمانِيَّةِ خُبْرًا؛ فَمَعْنى تَعْلِيمِهِ (تَعالى) إيّاهُ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ إذْ ذاكَ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِأسْماءِ جَمِيعِ المُسَمَّياتِ؛ وأحْوالِها؛ وخَواصِّها اللّائِقَةِ بِكُلٍّ مِنها؛ أوْ يُلْقِيَ في رُوعِهِ تَفْصِيلًا أنَّ هَذا فَرَسٌ؛ وشَأْنُهُ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وذاكَ بَعِيرٌ؛ وحالُهُ ذَيْتُ وذَيْتُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أحْوالِ المَوْجُوداتِ؛ فَيَتَلَقّاها - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ قابِلِيَّتُهُ المُتَفَرِّعَةُ عَلى فِطْرَتِهِ المُنْطَوِيَةِ عَلى طَبائِعَ مُتَبايِنَةٍ؛ وقُوًى مُتَخالِفَةٍ؛ وعَناصِرَ مُتَغايِرَةٍ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعِكْرِمَةُ؛ وقَتادَةُ؛ ومُجاهِدٌ؛ وابْنُ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: عَلَّمَهُ أسْماءَ جَمِيعِ الأشْياءِ؛ حَتّى القَصْعَةَ؛ والقُصَيْعَةَ؛ وحَتّى الجَفْنَةَ؛ والمِحْلَبَ؛ وأنْحى مَنفَعَةَ كُلِّ شَيْءٍ إلى جِنْسِهِ. وقِيلَ: أسْماءَ ما كانَ؛ وما سَيَكُونُ؛ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾: خَلَقَهُ مِن أجْزاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ وقُوًى مُتَبايِنَةٍ؛ مُسْتَعِدًّا لِإدْراكِ أنْواعِ المُدْرَكاتِ مِنَ المَعْقُولاتِ؛ والمَحْسُوساتِ؛ والمُتَخَيَّلاتِ؛ والمَوْهُوماتِ؛ وألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ ذَواتِ الأشْياءِ؛ وأسْمائِها؛ وخَواصِّها؛ ومَعارِفِها؛ وأُصُولَ العِلْمِ؛ وقَوانِينَ الصِّناعاتِ؛ وتَفاصِيلَ آلاتِها؛ وكَيْفِيّاتِ اسْتِعْمالاتِها؛ فَيَكُونُ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: التَّعْلِيمُ عَلى ظاهِرِهِ؛ ولَكِنَّ هُناكَ جُمَلًا مَطْوِيَّةً؛ عُطِفَ عَلَيْها المَدْلُولُ المَذْكُورُ؛ أيْ: فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ؛ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ وعَلَّمَهُ؛ إلَخْ.. ﴿ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ﴾: الضَّمِيرُ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِالأسْماءِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾؛ والتَّذْكِيرُ لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ؛ وقُرِئَ: "عَرَضَهُنَّ"؛ و"عَرَضَها"؛ أيْ: عَرَضَ مُسَمَّياتِهِنَّ؛ أوْ مُسَمَّياتِها؛ في الحَدِيثِ أنَّهُ (تَعالى) عَرَضَهم أمْثالَ الذَّرِّ؛ ولَعَلَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِن أفْرادِ كُلِّ نَوْعٍ ما يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ أُنْمُوذَجًا يُتَعَرَّفُ مِنهُ أحْوالُ البَقِيَّةِ؛ وأحْكامُها. ﴿فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ﴾: تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ وإظْهارًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ إقامَةِ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم مِن أمْرِ الخِلافَةِ؛ فَإنَّ التَّصَرُّفَ؛ والتَّدْبِيرَ؛ وإقامَةَ المَعْدَلَةِ بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ؛ ومَقادِيرِ الحُقُوقِ؛ مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ. والإنْباءُ: إخْبارٌ فِيهِ إعْلامٌ؛ ولِذَلِكَ يُجْرى مُجْرى كُلٍّ مِنهُما؛ والمُرادُ هَهُنا ما خَلا عَنْهُ. وإيثارُهُ (p-85) عَلى الإخْبارِ لِلْإيذانِ بِرِفْعَةِ شَأْنِ الأسْماءِ؛ وعِظَمِ خَطَرِها؛ فَإنَّ النَّبَأ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ الخَطِيرِ؛ والأمْرِ العَظِيمِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: أيْ في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ مِمَّنِ اسْتَخْلَفْتُهُ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ مَقالُكم. والتَّصْدِيقُ - كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ - قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ أدْنى مَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ هو الوُقُوفُ عَلى أسْماءِ ما في الأرْضِ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ في الأرْضِ مُفْسِدِينَ؛ سَفّاكِينَ لِلدِّماءِ؛ فَلَيْسَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ وإنْ أُوِّلَ بِأنْ يُقالَ: في زَعْمِكم أنِّي أسْتَخْلِفُ مَن غالِبُ أمْرِهِ الإفْسادُ؛ وسَفْكُ الدِّماءِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مَزِيَّةٌ مِن جِهَةٍ أُخْرى؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِأمْرِهِمْ بِالإنْباءِ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ.

البقرة 2:32

﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الجَوابِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَئِذٍ؟ هَلْ خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ ما كُلِّفُوهُ؛ أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ﴾: قِيلَ: هو عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ؛ ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا مُضافًا؛ وقَدْ جاءَ غَيْرَ مُضافٍ عَلى الشُّذُوذِ؛ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ؛ لِلتَّعْرِيفِ؛ والألِفِ والنُّونِ المَزِيدَتَيْنِ؛ كَما في قَوْلِهِ: ؎ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وَأمّا ما في قَوْلِهِ: ؎ سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ بِهِ ∗∗∗ فَقِيلَ: صَرَفَهُ لِلضَّرُورَةِ؛ وقِيلَ: إنَّهُ مَصْدَرٌ مُنَكَّرٌ كَـ "غُفْرانٌ"؛ لا اسْمُ مَصْدَرٍ؛ ومَعْناهُ - عَلى الأوَّلِ -: نُسَبِّحُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ الأقْدَسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خُلُوُّ أفْعالِكَ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؛ وعَنَوْا بِذَلِكَ تَسْبِيحًا ناشِئًا عَنْ كَمالِ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ؛ والإيقانِ بِاشْتِمالِ اسْتِخْلافِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ؛ وعَلى الثّانِي: تَنَزَّهْتَ عَنْ ذَلِكَ تَنَزُّهًا ناشِئًا عَنْ ذاتِكَ. وأرادَ بِهِ أنَّهم قالُوهُ عَنْ إذْعانٍ؛ لَمّا عَلِمُوا إجْمالًا بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُكَلَّفُ ما كُلِّفُوهُ؛ وأنَّهُ يَقْدِرُ عَلى ما قَدْ عَجَزُوا عَنْهُ؛ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الخِلافَةُ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾: اعْتِرافٌ مِنهم بِالعَجْزِ عَمّا كُلِّفُوهُ؛ إذْ مَعْناهُ: لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَناهُ - بِحَسَبِ قابِلِيَّتِنا - مِنَ العُلُومِ المُناسِبَةِ لِعالَمِنا؛ ولا قُدْرَةَ بِنا عَلى ما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ اسْتِعْدادِنا؛ حَتّى لَوْ كُنّا مُسْتَعِدِّينَ لِذَلِكَ؛ لَأفَضْتَهُ عَلَيْنا؛ و"ما"؛ في "ما عَلَّمْتَنا": مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ مِن صِلَتِها عائِدُها؛ أوْ: مَصْدَرِيَّةٌ؛ ولَقَدْ نَفَوْا عَنْهُمُ العِلْمَ بِالأسْماءِ؛ عَلى وجْهِ المُبالَغَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى بَيانِ عَدَمِهِ؛ بِأنْ قالُوا - مَثَلًا -: لا عِلْمَ لَنا بِها؛ بَلْ جَعَلُوهُ مِن جُمْلَةِ ما لا يَعْلَمُونَهُ؛ وأشْعَرُوا بِأنَّ كَوْنَهُ مِن تِلْكَ الجُمْلَةِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ. ﴿إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ﴾: الَّذِي لا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى تَحْقِيقِهِمْ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ ﴿الحَكِيمُ﴾: أيْ: المُحْكِمُ لِمَصْنُوعاتِهِ؛ الفاعِلُ لَها؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ وهو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ أوْ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ؛ و"أنْتَ" ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ لَهُ مَحَلٌّ مِنهُ؛ مُشارِكٌ لِما قَبْلَهُ؛ كَما قالَهُ الفَرّاءُ؛ أوْ لِما بَعْدَهُ؛ كَما قالَهُ الكِسائِيُّ؛ وقِيلَ: تَأْكِيدٌ لِلْكافِ؛ كَما في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكَ أنْتَ؛ وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"؛ وتِلْكَ الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ مِن قَصْرِ عِلْمِهِمْ بِما عَلَّمَهُمُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ مِن عِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِما خَفِيَ عَلَيْهِمْ؛ فَكَأنَّهم قالُوا: أنْتَ العالِمُ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها اسْتِعْدادُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما نَحْنُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لَهُ؛ مِنَ العُلُومِ الخَفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِما في الأرْضِ مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ خِلافَةِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما يَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ومِن جُمْلَتِهِ تَعْلِيمُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما هو قابِلٌ مِنَ العُلُومِ الكُلِّيَّةِ؛ والمَعارِفِ الجُزْئِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالأحْكامِ الوارِدَةِ عَلى ما في الأرْضِ؛ وبِناءِ أمْرِ الخِلافَةِ (p-86) عَلَيْها.

البقرة 2:33

قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَلَفَ؛ ﴿يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ﴾: أيْ: أعْلِمْهُمْ؛ أُوثِرَ عَلى "أنْبِئْنِي"؛ كَما وقَعَ في أمْرِ المَلائِكَةِ؛ مَعَ حُصُولِ المُرادِ مَعَهُ أيْضًا؛ وهو ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ إبانَةً لِما بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ الجَلِيِّ؛ وإيذانًا بِأنَّ عِلْمَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِها أمْرٌ واضِحٌ؛ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى ما يُجْرى مُجْرى الِامْتِحانِ؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقِيقٌ بِأنْ يُعَلِّمَها غَيْرَهُ؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ وبِحَذْفِها أيْضًا؛ والهاءُ مَكْسُورَةٌ فِيهِما؛ ﴿بِأسْمائِهِمْ﴾؛ الَّتِي عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها؛ واعْتَرَفُوا بِتَقاصُرِ هِمَمِهِمْ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِها. ﴿فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ﴾: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مَحْذُوفٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ لِلْإيذانِ بِتَقَرُّرِهِ؛ وغِناهُ عَنِ الذِّكْرِ؛ ولِلْإشْعارِ بِتَحَقُّقِهِ في أسْرَعِ ما يَكُونُ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ وإظْهارُ الأسْماءِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها؛ والإيذانِ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْبَأهم بِها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ؛ دُونَ الإجْمالِ؛ والمَعْنى: فَأنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ مُفَصَّلَةً؛ وبَيَّنَ لَهم أحْوالَ كُلٍّ مِنهُمْ؛ وخَواصَّهُ؛ وأحْكامَهُ المُتَعَلِّقَةَ بِالمَعاشِ والمَعادِ؛ فَعَلِمُوا ذَلِكَ لَمّا رَأوْا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَتَلَعْثَمْ في شَيْءٍ مِنَ التَّفاصِيلِ الَّتِي ذَكَرَها؛ مَعَ مُساعَدَةِ ما بَيْنَ الأسْماءِ والمُسَمَّياتِ مِنَ المُناسَباتِ؛ والمُشاكَلاتِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ القَرائِنِ المُوجِبَةِ لِصِدْقِ مَقالاتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَمّا أنْبَأهم بِذَلِكَ؛ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -؛ تَقْرِيرًا لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ؛ واسْتِحْضارًا لَهُ: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لَكِنْ لا لِتَقْرِيرِ نَفْسِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾؛ ونَظائِرِهِ؛ بَلْ لِتَقْرِيرِ ما يُفِيدُهُ مِن تَحَقُّقِ دَواعِي الخِلافَةِ في آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِظُهُورِ مِصْداقِهِ. وإيرادُ ما لا يَعْلَمُونَ بِعُنْوانِ الغَيْبِ مُضافًا إلى السَّمَواتِ والأرْضِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ؛ وغايَةِ سَعَتِهِ؛ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ ما ظَهَرَ مِن عَجْزِهِمْ؛ وعِلْمِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِأهْلِ السَّمَواتِ؛ وأهْلِ الأرْضِ؛ وهَذا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ "ما لا تَعْلَمُونَ"؛ فِيما سَبَقَ؛ ما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ فِيهِ مِن دَواعِي الخِلافَةِ ما لا تَعْلَمُونَهُ فِيهِ؛ هو هَذا الَّذِي عايَنْتُمُوهُ؟ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "ألَمْ أقُلْ لَكُمْ"؛ لا عَلى "أعْلَمُ"؛ إذْ هو غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ؛ و"ما"؛ في المَوْضِعَيْنِ؛ مَوْصُولَةٌ؛ حُذِفَ عائِدُها؛ أيْ: أعْلَمُ ما تُبْدُونَهُ؛ وما تَكْتُمُونَهُ؛ وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ كَتْمِهِمْ؛ قِيلَ: المُرادُ بِما يُبْدُونَ قَوْلُهُمْ: "أتَجْعَلُ..." إلَخْ؛ وبِما يَكْتُمُونَ اسْتِبْطانُهم أنَّهم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ؛ وأنَّهُ (تَعالى) لا يَخْلُقُ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهُمْ؛ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا خَلَقَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأتِ المَلائِكَةُ فِطْرَتَهُ العَجِيبَةَ؛ وقالُوا: لِيَكُنْ ما شاءَ؛ فَلَنْ يَخْلُقَ رَبُّنا خَلْقًا إلّا كُنّا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ. وقِيلَ: هو ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبْرِ؛ وتَرْكِ السُّجُودِ؛ فَإسْنادُ الكِتْمانِ حِينَئِذٍ إلى الجَمِيعِ؛ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا؛ والقاتِلُ واحِدٌ مِن بَيْنِهِمْ. قالُوا: في الآيَةِ الكَرِيمَةِ دَلالَةٌ عَلى شَرَفِ الإنْسانِ؛ ومَزِيَّةِ العِلْمِ؛ وفَضْلِهِ عَلى العِبادَةِ؛ وأنَّ ذَلِكَ هو المَناطُ لِلْخِلافَةِ؛ وأنَّ التَّعْلِيمَ يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وإنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلاقُ "المُعَلِّمُ" عَلَيْهِ؛ لِاخْتِصاصِهِ عادَةً (p-87) بِمَن يَحْتَرِفُ بِهِ؛ وأنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ؛ إذِ الأسْماءُ تَدُلُّ عَلى الألْفاظِ؛ بِخُصُوصٍ أوْ بِعُمُومٍ؛ وتَعْلِيمُها ظاهِرٌ في إلْقائِها عَلى المُتَعَلِّمِ مُبَيِّنًا لَهُ مَعانِيَها؛ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ وضْعٍ؛ وما هو إلّا مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وأنَّ مَفْهُومَ الحِكْمَةِ زائِدٌ عَلى مَفْهُومِ العِلْمِ؛ والألْزَمُ التَّكْرارُ؛ وأنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتِهِمْ تَقْبَلُ الزِّيادَةَ؛ والحُكَماءُ مَنَعُوا ذَلِكَ؛ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ؛ وحَمَلُوا عَلى ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾؛ وأنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ- أعْلَمُ مِنهُمْ؛ وأنَّهُ (تَعالى) يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ حُدُوثِها.

البقرة 2:34

﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾: عَطْفٌ عَلى الظَّرْفِ الأوَّلِ؛ مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ مِنَ المُضْمَرِ؛ أوْ بِناصِبٍ مُسْتَقِلٍّ؛ مَعْطُوفٍ عَلى ناصِبِهِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ أيْ: واذْكُرْ وقْتَ قَوْلِنا لَهم. وقِيلَ: بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: أطاعُوا وقْتَ قَوْلِنا.. إلَخْ.. وقَدْ عَرَفْتَ ما في أمْثالِهِ؛ وتَخْصِيصُ هَذا القَوْلِ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إيرادَهُ عَلى مِنهاجِ ما قَبْلَهُ مِنَ الأقْوالِ المَحْكِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما في حَيِّزِهِ قِصَّةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِالذِّكْرِ؛ والتَّذْكِيرِ؛ عَلى حِيالِها. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِإظْهارِ الجَلالَةِ؛ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الِاسْتِقْلالِ؛ وكَذا إظْهارُ المَلائِكَةِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ والكَلامُ في "اللّامِ" وتَقْدِيمِها مَعَ مَجْرُورِها عَلى المَفْعُولِ؛ كَما مَرَّ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ تاءِ "المَلائِكَةِ"؛ إتْباعًا لِضَمِّ الجِيمِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾؛ كَما قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): " الحَمْدُ لِلَّهِ "؛ إتْباعًا لِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ. والسُّجُودُ في اللُّغَةِ: الخُضُوعُ؛ والتَّطامُنُ؛ وفي الشَّرْعِ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ؛ عَلى قَصْدِ العِبادَةِ؛ فَقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى وجْهِ التَّحِيَّةِ والتَّكْرِمَةِ؛ تَعْظِيمًا لَهُ؛ واعْتِرافًا بِفَضْلِهِ؛ وأداءً لِحَقِّ التَّعْلِيمِ؛ واعْتِذارًا عَمّا وقَعَ مِنهم في شَأْنِهِ؛ وقِيلَ: أُمِرُوا بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ وإنَّما كانَ آدَمُ قِبْلَةً لِسُجُودِهِمْ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ؛ أوْ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ؛ فَكَأنَّهُ (تَعالى) لَمّا بَرَأهُ أُنْمُوذَجًا لِلْمُبْدَعاتِ كُلِّها؛ ونُسْخَةً مُنْطَوِيَةً عَلى تَعَلُّقِ العالَمِ الرُّوحانِيِّ بِالعالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ وامْتِزاجِهِما عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ؛ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ (تَعالى)؛ لِما عايَنُوا مِن عَظِيمِ قدرته؛ فاللّامُ فِيهِ كَما في قَوْلِ حَسّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ؎ ألَيْسَ أوَّلَ مَن صَلّى لِقِبْلَتِكم ∗∗∗ وأعْرَفَ النّاسِ بِالقرآن والسُّنَنِ؟ أوْ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ والأوَّلُ هو الأظْهَرُ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَجَدُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "قُلْنا"؛ والفاءُ لِإفادَةِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِامْتِثالِ؛ وعَدَمِ تَلَعْثُمِهِمْ في ذَلِكَ؛ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّ أوَّلَ مَن سَجَدَ جِبْرِيلُ؛ ثُمَّ مِيكائِيلُ؛ ثُمَّ إسْرافِيلُ؛ ثُمَّ عِزْرائِيلُ؛ ثُمَّ سائِرُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إلا إبْلِيسَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ؛ لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا؛ مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ؛ مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِمْ؛ فَغَلَبُوا عَلَيْهِ في "فَسَجَدُوا"؛ ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنُهُمْ؛ أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ؛ يُقالُ لَهم "الجِنُّ"؛ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وهو مِنهُمْ؛ أوْ لِأنَّ الجِنَّ أيْضًا كانُوا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ لَكِنِ اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ المَلائِكَةِ عَنْ ذِكْرِهِمْ؛ أوْ مُنْقَطِعٌ؛ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ؛ ومَن جَعَلَهُ مُشْتَقًّا مِن "الإبْلاسُ" - وهو "اليَأْسُ" - قالَ: إنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالعُجْمَةِ؛ حَيْثُ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ؛ فَكانَ كالِاسْمِ الأعْجَمِيِّ؛ واعْلَمْ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ والَّتِي في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن قَوْلِهِ (p-88)(تَعالى): ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾؛ الآيَةِ.. والَّتِي في سُورَةِ "بَنِي إسْرائِيلَ"؛ وسُورَةِ "الكَهْفِ"؛ وسُورَةِ "طـه"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): " وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا "؛ الآيَةِ.. أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ إنَّما تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ الوارِدِ بَعْدَ خَلْقِهِ؛ وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ البَتَّةَ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ حِكايَةُ امْتِثالِهِمْ بِعِبارَةِ السُّجُودِ؛ دُونَ الوُقُوعِ؛ الَّذِي بِهِ ورَدَ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ؛ ولَكِنَّ ما في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾؛ وما في سُورَةِ "ص" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ.. يَسْتَدْعِيانِ بِظاهِرِهِما تَرَتُّبَهُ عَلى ما فِيهِما مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ غَيْرُ ما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ وهْبٍ أنَّهُ كانَ السُّجُودُ - كَما نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ - بِلا تَأْخِيرٍ؛ وتَأْوِيلُ الآياتِ السّابِقَةِ يَحْمِلُ ما فِيها مِنَ الأمْرِ عَلى حِكايَةِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ بَعْدَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ إجْمالًا؛ فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ في حُكْمِ التَّنْجِيزِ؛ يَأْباهُ ما في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن كَلِمَةِ "ثُمَّ" المُنادِيَةِ بِتَأخُّرِ وُرُودِ الأمْرِ عَنِ التَّصْوِيرِ؛ المُتَأخِّرِ عَنِ الخَلْقِ؛ المُتَأخِّرِ عَنِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ والِاعْتِذارُ بِحَمْلِ التَّراخِي عَلى الرُّتْبِيِّ أوِ التَّراخِي في الإخْبارِ؛ أوْ بِأنَّ الأمْرَ التَّعْلِيقِيَّ قَبْلَ تَحَقُّقِ المُعَلَّقِ بِهِ - لَمّا كانَ في عَدَمِ إيجابِ المَأْمُورِ بِهِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ - جُعِلَ كَأنَّهُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ تَحَقُّقِهِ؛ فَحُكِيَ عَلى صُورَةِ التَّنْجِيزِ؛ يُؤَدِّي - بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي - إلى أنَّ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - في شَأْنِ الخِلافَةِ؛ وما قالُوا فِيهِ؛ وما سَمِعُوا؛ إنَّما جَرى بَعْدَ السُّجُودِ المَسْبُوقِ بِمَعْرِفَةِ جَلالَةِ مَنزِلَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وخُرُوجِ إبْلِيسَ مِنَ البَيْنِ بِاللَّعْنِ المُؤَبَّدِ؛ لِعِنادِهِ؛ وبَعْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِذَلِكَ كُلِّهِ عِيانًا؛ وهَلْ هو إلّا خَرْقٌ لِقَضِيَّةِ العَقْلِ والنَّقْلِ؟ والِالتِجاءُ في التَّفَصِّي عَنْهُ إلى تَأْوِيلِ نَفْخِ الرُّوحِ؛ بِحَمْلِهِ عَلى ما يَعُمُّ إفاضَةَ ما بِهِ حَياةُ النُّفُوسِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَعْلِيمُ الأسْماءِ؛ تَعَسُّفٌ يُنْبِئُ عَنْ ضِيقِ المَجالِ؛ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ التَّحْقِيقُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الأنِيقُ؛ بَعْدَ التَّصَفُّحِ في مُسْتَوْدَعاتِ الكِتابِ المَكْنُونِ؛ والتَّفَحُّصِ عَمّا فِيهِ مِنَ السِّرِّ المَخْزُونِ؛ أنَّ سُجُودَهم لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما تَرَتَّبَ عَلى الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ المُتَفَرِّعِ عَلى ظُهُورِ فَضْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المَبْنِيِّ عَلى المُحاوَرَةِ المَسْبُوقَةِ بِالإخْبارِ بِخِلافَتِهِ؛ المُنْتَظِمِ جَمِيعَ ذَلِكَ في سِلْكِ ما نِيطَ بِهِ الأمْرُ التَّعْلِيقِيُّ مِنَ التَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ؛ إذْ لَيْسَ مِن قَضِيَّتِهِ وُجُوبُ السُّجُودِ عُقَيْبَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ فَإنَّ الفاءَ الجَزائِيَّةَ لَيْسَتْ بِنَصٍّ في وُجُوبِ وُقُوعِ مَضْمُونِ الجَزاءِ عُقَيْبَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ مِن غَيْرِ تَراخٍ؛ لِلْقَطْعِ بِعَدَمِ وُجُوبِ السَّعْيِ عُقَيْبَ النِّداءِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا﴾؛ الآيَةِ.. وبِعَدَمِ وُجُوبِ إقامَةِ الصَّلاةِ غِبَّ الِاطْمِئْنانِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾؛ بَلْ إنَّما الوُجُوبُ عِنْدَ دُخُولِ الوَقْتِ؛ كَيْفَ لا.. والحِكْمَةُ الدّاعِيَةُ إلى وُرُودِ ما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ - إثْرَ ذِي أثِيرٍ - إنَّما هي حَمْلُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - عَلى التَّأمُّلِ في شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِيَتَدَبَّرُوا في أحْوالِهِ طُرًّا؛ ويُحِيطُوا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا؛ ويَسْتَفْهِمُوا ما عَسى يَسْتَبْهِمُ عَلَيْهِمْ في أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى حِكَمٍ أبِيَّةٍ؛ وأسْرارٍ خَفِيَّةٍ؛ طُوِيَتْ عَنْ عُلُومِهِمْ؛ ويَقِفُوا عَلى جَلِيَّةِ الحالِ؛ قَبْلَ وُرُودِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ؛ وتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ؛ وقَدْ قالُوا بِحَسَبِ ذَلِكَ ما قالُوا؛ وعايَنُوا ما عايَنُوا؟ وعَدَمُ نَظْمِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ في سِلْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في السُّورَتَيْنِ؛ عِنْدَ الحِكايَةِ؛ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ انْتِظامِهِ فِيهِ؛ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ؛ كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ التَّنْجِيزِيِّ (p-89)فِي السُّورَةِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ لا يُوجِبُ عَدَمَ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِهِ؛ فَإنَّ حِكايَةَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ؛ لَيْسَتْ بِعَزِيزَةٍ في الكِتابِ العَزِيزِ؛ وناهِيكَ بِما نُقِلَ في تَوْجِيهِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَشَرًا﴾؛ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ مَعْرِفَةِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِذَلِكَ؛ وحَيْثُ صِيرَ إلَيْهِ؛ مَعَ أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ نَقْلٌ؛ فَما ظَنُّكَ بِما قَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ؟! فَلَعَلَّهُ قَدْ أُلْقِيَ إلَيْهِمُ ابْتِداءً جَمِيعُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الأمْرُ التَّنْجِيزِيُّ إجْمالًا؛ بِأنْ قِيلَ - مَثَلًا -: "إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن كَذا وكَذا؛ وجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي؛ وتَبَيَّنَ لَكم شَأْنُهُ؛ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ"؛ فَخَلَقَهُ؛ فَسَوّاهُ؛ ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ؛ فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ما قالُوا؛ أوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ خَبَرُ الخِلافَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرائِطِ المَعْدُودَةِ؛ بِأنْ قِيلَ - إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ -: "إنِّي جاعِلٌ هَذا خَلِيفَةً في الأرْضِ"؛ فَهُناكَ ذَكَرُوا في حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما ذَكَرُوا؛ فَأيَّدَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ؛ فَشاهَدُوا مِنهُ ما شاهَدُوا؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ ورَدَ الأمْرُ التَّنْجِيزِيُّ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ؛ وتَعْيِينًا لِوَقْتِهِ؛ وقَدْ حُكِيَ بَعْضُ الأُمُورِ؛ في بَعْضِ المَواطِنِ؛ وبَعْضُها في بَعْضِها؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ؛ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ؛ والَّذِي يَحْسِمُ مادَّةَ الِاشْتِباهِ أنَّ ما في سُورَةِ "ص" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ إلَخْ.. بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ فِيما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ بِكَلامِهِمْ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ؛ والمُرادُ بِالمَلَإ الأعْلى المَلائِكَةُ؛ وآدَمُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإبْلِيسُ - حَسْبَما أطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ -؛ وبِاخْتِصامِهِمْ ما جَرى بَيْنَهم في شَأْنِ خِلافَةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ التَّقاوُلِ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الإنْباءِ بِالأسْماءِ. ومِن قَضِيَّةِ البَدَلِيَّةِ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ المَذْكُورِ في تَضاعِيفِ ما ذُكِرَ فِيهِ تَفْصِيلًا مِنَ الأمْرِ التَّعْلِيقِيِّ؛ وما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ؛ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ؛ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وعِنادِ إبْلِيسَ؛ وما تَبِعَهُ مِن لَعْنِهِ؛ وإخْراجِهِ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ؛ وما جَرى بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ وإذْ لَيْسَ تَمامُ الِاخْتِصامِ بَعْدَ سُجُودِ المَلائِكَةِ؛ ومُكابَرَةِ إبْلِيسَ؛ المُسْتَتْبِعَةِ لِطَرْدِهِ مِن بَيْنِهِمْ؛ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أحَدُ المُخْتَصِمِينَ؛ كَما أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الخَلْقِ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ الإنْباءِ بِالأسْماءِ حِينَئِذٍ؛ فَهو إذَنْ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ؛ وقَبْلَ السُّجُودِ حَتْمًا؛ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ. ﴿أبى واسْتَكْبَرَ﴾: اسْتِئْنافٌ؛ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ؛ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلتَّرَدُّدِ؛ أوْ لِلتَّأمُّلِ. و"الإباءُ": الِامْتِناعُ بِالِاخْتِيارِ؛ و"التَّكَبُّرُ": أنْ يَرى نَفْسَهُ أكْبَرَ مِن غَيْرِهِ؛ و"الِاسْتِكْبارُ": طَلَبُ ذَلِكَ؛ بِالتَّشَبُّعِ؛ أيْ: امْتَنَعَ عَمّا أُمِرَ بِهِ؛ واسْتَكْبَرَ مِن أنْ يُعَظِّمَهُ؛ أوْ يَتَّخِذَهُ وصْلَةً في عِبادَةِ رَبِّهِ. وتَقْدِيمُ الإباءِ عَلى الِاسْتِكْبارِ - مَعَ كَوْنِهِ مُسَبَّبًا عَنْهُ - لِظُهُورِهِ؛ ووُضُوحِ أثَرِهِ؛ واقْتُصِرَ في سُورَةِ "ص" عَلى ذِكْرِ الِاسْتِكْبارِ؛ اكْتِفاءً بِهِ؛ وفي سُورَةِ "الحِجْرِ" عَلى ذِكْرِ الإباءِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿أبى أنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾ . ﴿وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾: أيْ في عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ إذْ كانَ أصْلُهُ مِن كَفَرَةِ الجِنِّ؛ فَلِذَلِكَ ارْتَكَبَ ما ارْتَكَبَهُ؛ عَلى ما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما سَبَقَ مِنَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ؛ أوْ صارَ مِنهم بِاسْتِقْباحِ أمْرِهِ (تَعالى) إيّاهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - زَعْمًا مِنهُ أنَّهُ أفْضَلُ مِنهُ؛ والأفْضَلُ لا يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِالخُضُوعِ لِلْمَفْضُولِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾؛ حِينَ قِيلَ لَهُ: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾؛ لا بِتَرْكِ الواجِبِ وحْدَهُ؛ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ وإيثارُ الواوِ عَلى الفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَحْضَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ كُفْرٌ؛ لا أنَّهُما سَبَبانِ لَهُ؛ كَما يُفِيدُهُ الفاءُ.(p-90)

البقرة 2:35

﴿وَقُلْنا﴾: شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ تَمامِ ما جَرى بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَ المَلائِكَةِ؛ وإبْلِيسَ؛ مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ تَوْبِيخِ إبْلِيسَ؛ وجَوابِهِ؛ ولَعْنِهِ؛ واسْتِظْهارِهِ؛ وإنْظارِهِ؛ اجْتِزاءً بِما فُصِّلَ في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ"؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اخْتِلافُ وقْتَيْهِما؛ فَإنَّ المُرادَ بِالزَّمانِ - المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِكَلِمَةِ "إذْ" - زَمانٌ مُمْتَدٌّ؛ واسِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ؛ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "إذْ قُلْنا"؛ بِإضْمارِ "إذْ"؛ وهَذا تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مُوجِبَةٍ لِلشُّكْرِ؛ مانِعَةٍ مِنَ الكُفْرِ. وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَلَقِّي المَأْمُورِ بِهِ. وتَخْصِيصُ أصْلِ الخِطابِ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ؛ في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ. و"اسْكُنْ": مِن "السُّكْنى"؛ وهو اللُّبْثُ؛ والإقامَةُ؛ والِاسْتِقْرارُ؛ دُونَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ. و"أنْتَ": ضَمِيرٌ أُكِّدَ بِهِ المُسْتَكِنُّ؛ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ؛ واخْتُلِفَ في وقْتِ خَلْقِ زَوْجِهِ؛ فَذَكَرَ السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أخْرَجَ إبْلِيسَ مِنَ الجَنَّةِ؛ وأسْكَنَها آدَمَ؛ بَقِيَ فِيها وحْدَهُ؛ وما كانَ مَعَهُ مَن يَسْتَأْنِسُ بِهِ؛ فَألْقى اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِ النَّوْمَ؛ ثُمَّ أخَذَ ضِلْعًا مِن جانِبِهِ الأيْسَرِ؛ ووَضَعَ مَكانَهُ لَحْمًا؛ وخَلَقَ حَوّاءَ مِنهُ؛ فَلَمّا اسْتَيْقَظَ وجَدَها عِنْدَ رَأْسِهِ قاعِدَةً؛ فَسَألَها: ما أنْتِ؟ قالَتْ: امْرَأةٌ؛ قالَ: ولِمَ خُلِقْتِ؟ قالَتْ: لِتَسْكُنَ إلَيَّ؛ فَقالَتِ المَلائِكَةُ - تَجْرِبَةً لِعِلْمِهِ -: مَن هَذِهِ؟ قالَ: امْرَأةٌ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتِ امْرَأةً؟ قالَ: لِأنَّها مِنَ المَرْءِ أُخِذَتْ؛ فَقالُوا: ما اسْمُها؟ قالَ: حَوّاءُ؛ قالُوا: لِمَ سُمِّيَتْ حَوّاءَ؟ قالَ: لِأنَّها خُلِقَتْ مِن شَيْءٍ حَيٍّ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ؛ فَحَمَلُوا آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ عَلى سَرِيرٍ مِن ذَهَبٍ؛ كَما يُحْمَلُ المُلُوكُ؛ ولِباسُهُما النُّورُ؛ حَتّى أدْخَلُوهُما الجَنَّةَ. وهَذا كَما تَرى يَدُلُّ عَلى خَلْقِها قَبْلَ دُخُولِ الجَنَّةِ؛ والمُرادُ بِها دارُ الثَّوابِ؛ لِأنَّها المَعْهُودَةُ؛ وقِيلَ: هي جَنَّةٌ بِأرْضِ "فِلَسْطِينَ"؛ أوْ بَيْنَ "فارِسَ"؛ و"كَرْمانَ"؛ خَلَقَها اللَّهُ (تَعالى) امْتِحانًا لَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وحُمِلَ الإهْباطُ عَلى النَّقْلِ مِنها إلى أرْضِ الهِنْدِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾؛ لِما أنَّ خَلْقَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ في الأرْضِ؛ بِلا خِلافٍ؛ ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ القِصَّةِ رَفْعُهُ إلى السَّماءِ؛ ولَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَكانَ أوْلى بِالذِّكْرِ والتَّذْكِيرِ؛ لِما أنَّهُ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ؛ ولِأنَّها لَوْ كانَتْ دارَ الخُلْدِ لَما دَخَلَها إبْلِيسُ؛ وقِيلَ: إنَّها كانَتْ في السَّماءِ السّابِعَةِ؛ بِدَلِيلِ "اهْبِطُوا"؛ ثُمَّ إنَّ الإهْباطَ الأوَّلَ كانَ مِنها إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ والثّانِيَ مِنها إلى الأرْضِ؛ وقِيلَ: الكُلُّ مُمْكِنٌ؛ والأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ مُتَعارِضَةٌ؛ فَوَجَبَ التَّوَقُّفُ؛ وتَرْكُ القَطْعِ. ﴿وَكُلا مِنها﴾ أيْ: مِن ثِمارِها؛ وإنَّما وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِما تَعْمِيمًا لِلتَّشْرِيفِ؛ والتَّرْفِيهِ؛ ومُبالَغَةً في إزالَةِ العِلَلِ؛ والأعْذارِ؛ وإيذانًا بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ؛ فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأكْلِ؛ بِخِلافِ السَّكَنِ؛ فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيهِ. ﴿رَغَدًا﴾: صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ المُؤَكِّدِ؛ أيْ: أكْلًا واسِعًا رافِهًا؛ ﴿حَيْثُ شِئْتُما﴾؛ أيْ: أيَّ مَكانٍ أرَدْتُما مِنها؛ وهَذا - كَما تَرى - إطْلاقٌ كُلِّيٌّ؛ حَيْثُ أُبِيحَ لَهُما الأكْلُ مِنها؛ عَلى وجْهِ التَّوْسِعَةِ؛ البالِغَةِ؛ المُزِيحَةِ لِلْعِلَلِ؛ ولَمْ يُحْظَرْ عَلَيْهِما بَعْضُ الأكْلِ؛ ولا بَعْضُ المَواضِعِ الجامِعَةِ لِلْمَأْكُولاتِ؛ حَتّى لا يَبْقى (p-91) لَهُما عُذْرٌ في تَناوُلِ ما مُنِعا مِنهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَقْرَبا﴾؛ بِفَتْحِ الرّاءِ؛ مِن "قَرِبْتُ الشَّيْءَ"؛ بِالكَسْرِ؛ "أقْرَبُهُ"؛ بِالفَتْحِ؛ إذا التَبَسْتَ بِهِ؛ وتَعَرَّضْتَ لَهُ؛ وقالَ الجَوْهَرِيُّ: "قَرُبَ"؛ بِالضَّمِّ؛ "يَقْرُبُ؛ قُرْبًا"؛ إذا دَنا؛ و"قَرِبْتُهُ"؛ بِالكَسْرِ؛ "قُرْبانًا"؛ دَنَوْتُ مِنهُ. ﴿هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾: نَصْبٌ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ اسْمِ الإشارَةِ؛ أوْ نَعْتٌ لَهُ؛ بِتَأْوِيلِها بِمُشْتَقٍّ؛ أيْ: هَذِهِ الحاضِرَةَ مِنَ الشَّجَرَةِ؛ أيْ: لا تَأْكُلا مِنها؛ وإنَّما عُلِّقَ النَّهْيُ بِالقُرْبانِ مِنها مُبالَغَةً في تَحْرِيمِ الأكْلِ؛ ووُجُوبِ الِاجْتِنابِ عَنْهُ؛ والمُرادُ بِها: الحِنْطَةُ؛ أوْ: العِنَبَةُ؛ أوْ: التِّينَةُ؛ وقِيلَ: هي شَجَرَةٌ مَن أكَلَ مِنها أحْدَثَ؛ والأوْلى عَدَمُ تَعْيِينِها مِن غَيْرِ قاطِعٍ؛ وقُرِئَ: "هَذِي"؛ بِالياءِ؛ وبِكَسْرِ شِينِ "الشَّجَرَةَ"؛ وتاءِ "تَقْرَبا"؛ وقُرِئَ: "الشِّيَرَةَ"؛ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وفَتْحِ الياءِ. ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾: مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "تَقْرَبا"؛ أوْ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلنَّهْيِ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالقُرْبُ - أيِ الأكْلُ مِنها - سَبَبٌ لِكَوْنِهِما مِنَ الظّالِمِينَ؛ أيِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِارْتِكابِ المَعْصِيَةِ؛ أوْ نَقَصُوا حُظُوظَهم بِمُباشَرَةِ ما يُخِلُّ بِالكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ؛ أوْ تَعَدَّوْا حُدُودَ اللَّهِ (تَعالى).

البقرة 2:36

﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها﴾: أيْ: أصْدَرَ زَلَّتَهُما؛ أيْ زَلَقَهُما؛ وحَمَلَهُما عَلى الزَّلَّةِ بِسَبَبِها؛ ونَظِيرَةٌ عَنْ هَذِهِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾؛ أوْ: أزَلَّهُما عَنِ الجَنَّةِ؛ بِمَعْنى أذْهَبَهُما؛ وأبْعَدَهُما عَنْها؛ يُقالُ: "زَلَّ عَنِّي كَذا"؛ إذا ذَهَبَ عَنْكَ؛ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ: "أزالَهُما"؛ وهُما مُتَقارِبانِ في المَعْنى؛ فَإنَّ الإزْلالَ - أيِ الإزْلاقَ - يَقْتَضِي زَوالَ الزّالِّ عَنْ مَوْضِعِهِ؛ البَتَّةَ؛ وإزْلالُهُ: قَوْلُهُ لَهُما: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾؛ وقَوْلُهُ: ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾؛ ومُقاسَمَتُهُ لَهُما: ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾؛ وهَذِهِ الآياتُ مُشْعِرَةٌ بِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يُؤْمَرْ بِسُكْنى الجَنَّةِ عَلى وجْهِ الخُلُودِ؛ بَلْ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ والتَّشْرِيفِ؛ لِما قُلِّدَ مِن خِلافَةِ الأرْضِ إلى حِينِ البَعْثِ إلَيْها. واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ تَوَصُّلِهِ إلَيْهِما؛ بَعْدَما قِيلَ لَهُ: ﴿فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾؛ فَقِيلَ: إنَّهُ إنَّما مُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ عَلى وجْهِ التَّكْرِمَةِ؛ كَما يَدْخُلُها المَلائِكَةُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ ولَمْ يُمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ لِلْوَسْوَسَةِ؛ ابْتِلاءً لِآدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ وقِيلَ: قامَ عِنْدَ البابِ؛ فَناداهُما؛ وقِيلَ: تَمَثَّلَ بِصُورَةِ دابَّةٍ؛ فَدَخَلَ؛ ولَمْ يَعْرِفْهُ الخَزَنَةُ؛ وقِيلَ: دَخَلَ في فَمِ الحَيَّةِ؛ فَدَخَلَ مَعَها؛ وقِيلَ: أرْسَلَ بَعْضَ أتْباعِهِ؛ فَأزَلَّهُما؛ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ. ﴿فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾: أيْ: مِنَ الجَنَّةِ؛ إنْ كانَ ضَمِيرُ "عَنْها" لِلشَّجَرَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِفَخامَتِها وجَلالَتِها؛ ومُلابَسَتُهُما لَهُ؛ أيْ: مِنَ المَكانِ العَظِيمِ؛ الَّذِي كانا مُسْتَقِرَّيْنِ فِيهِ؛ أوْ مِنَ الكَرامَةِ والنَّعِيمِ؛ إنْ كانَ الضَّمِيرُ لِلْجَنَّةِ. ﴿وَقُلْنا اهْبِطُوا﴾: الخِطابُ لَآدَمَ وحَوّاءَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾؛ وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُما أصْلُ الجِنْسِ؛ فَكَأنَّهُما الجِنْسُ كُلُّهُمْ؛ وقِيلَ: لَهُما؛ ولِلْحَيَّةِ؛ وإبْلِيسَ؛ عَلى أنَّهُ أُخْرِجَ مِنها ثانِيَةً؛ بَعْدَما كانَ يَدْخُلُها لِلْوَسْوَسَةِ؛ أوْ يَدْخُلُها مُسارَقَةً؛ أوْ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ. ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾: حالٌ اسْتُغْنِيَ فِيها عَنِ الواوِ بِالضَّمِيرِ؛ أيْ: مُتَعادِينَ؛ يَبْغِي بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ؛ بِتَضْلِيلِهِ؛ أوِ اسْتِئْنافٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ؛ وإفْرادُ "العَدُوِّ" إمّا لِلنَّظَرِ إلى لَفْظِ "البَعْضِ"؛ وإمّا لِأنَّ وِزانَهُ وِزانُ المَصْدَرِ؛ كَـ "القَبُولُ". ﴿وَلَكم في الأرْضِ﴾؛ الَّتِي هي مَحَلُّ الإهْباطِ؛ والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ؛ أعْنِي "لَكُمْ"؛ مِنَ (p-92)الِاسْتِقْرارِ ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾: أيِ اسْتِقْرارٌ؛ أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ؛ ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أيْ تَمَتُّعٌ بِالعَيْشِ؛ وانْتِفاعٌ بِهِ؛ ﴿إلى حِينٍ﴾؛ هو حِينُ المَوْتِ؛ عَلى أنَّ المُغَيّا تَمَتُّعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ؛ أوِ القِيامَةِ؛ عَلى أنَّهُ تَمَتُّعُ الجِنْسِ في ضِمْنِ بَعْضِ الأفْرادِ؛ والجُمْلَةُ كَما قَبْلَها - في كَوْنِها حالًا -؛ أيْ مُسْتَحِقِّينَ لِلِاسْتِقْرارِ؛ والتَّمَتُّعِ؛ أوِ اسْتِئْنافًا.

البقرة 2:37

﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ﴾: أيْ: اسْتَقْبَلَها بِالأخْذِ؛ والقَبُولِ؛ والعَمَلِ بِها؛ حِينَ عَلِمَها؛ ووُفِّقَ لَها؛ وقُرِئَ بِنَصْبِ "آدَمُ"؛ ورَفْعِ "كَلِماتٍ"؛ دَلالَةً عَلى أنَّها اسْتَقْبَلَتْهُ وبَلَغَتْهُ؛ وهي قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾؛ الآيَةُ.. وقِيلَ: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ؛ وتَبارَكَ اسْمُكَ؛ وتَعالى جَدُّكَ؛ لا إلَهَ إلّا أنْتَ؛ ظَلَمْتُ نَفْسِي؛ فاغْفِرْ لِي؛ إنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ"؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِن رُوحِكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ ألَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: ألَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قالَ: بَلى. قالَ: يا رَبِّ؛ إنِّي تُبْتُ؛ وأصْلَحْتُ؛ أراجِعِي أنْتَ إلى الجَنَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ". والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ حَصَلَتْ عُقَيْبَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ؛ قَبْلَ تَحَقُّقِ المَأْمُورِ بِهِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِعِلِّيَّتِهِ لِإلْقاءِ الكَلِماتِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِتَلَقِّيها. ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾: أيْ: رَجَعَ عَلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ؛ وقَبُولِ التَّوْبَةِ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِ عَلى تَلَقِّي الكَلِماتِ؛ المُتَضَمِّنِ لِمَعْنى التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ الِاعْتِرافِ بِالذَّنْبِ؛ والنَّدَمِ عَلَيْهِ؛ والعَزْمِ عَلى عَدَمِ العَوْدِ إلَيْهِ؛ واكْتُفِيَ بِذِكْرِ شَأْنِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أنَّ حَوّاءَ تَبَعٌ لَهُ في الحُكْمِ؛ ولِذَلِكَ طُوِيَ ذِكْرُ النِّساءِ في أكْثَرِ مَواقِعِ الكِتابِ؛ والسُّنَةِ. ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ﴾: أيْ: الرَّجّاعُ عَلى عِبادِهِ بِالمَغْفِرَةِ؛ أوْ: الَّذِي يُكْثِرُ إعانَتَهم عَلى التَّوْبَةِ؛ وأصْلُ التَّوْبِ: الرُّجُوعُ؛ فَإذا وُصِفَ بِهِ العَبْدُ كانَ رُجُوعًا عَنِ المَعْصِيَةِ؛ وإذا وُصِفَ بِهِ البارِي - عَزَّ وعَلا - أُرِيدَ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ العِقابِ إلى المَغْفِرَةِ. ﴿الرَّحِيمُ﴾: المُبالِغُ في الرَّحْمَةِ؛ وفي الجَمْعِ بَيْنَ الوَصْفَيْنِ وعْدٌ بَلِيغٌ لِلتّائِبِ بِالإحْسانِ؛ مَعَ العَفْوِ والغُفْرانِ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَتابَ عَلَيْهِ﴾ .

البقرة 2:38

﴿قُلْنا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا وقَعَ بَعْدَ قَبُولِ تَوْبَتِهِ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا﴾؛ كُرِّرَ الأمْرُ بِالهُبُوطِ إيذانًا بِتَحَتُّمِ مُقْتَضاهُ؛ وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ؛ ودَفْعًا لِما عَسى يَقَعُ في أُمْنِيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ اسْتِتْباعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لِلْعَفْوِ عَنْ ذَلِكَ؛ وإظْهارًا لِنَوْعِ رَأْفَةٍ بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِما بَيْنَ الأمْرَيْنِ مِنَ الفَرْقِ النَّيِّرِ؛ كَيْفَ لا.. والأوَّلُ مَشُوبٌ بِضَرْبِ سُخْطٍ؛ مُذَيَّلٌ بِبَيانِ أنَّ مَهْبِطَهم دارُ بَلِيَّةٍ؛ وتَعادٍ؛ لا يُخَلَّدُونَ فِيها؛ والثّانِي مَقْرُونٌ بِوَعْدِ إيتاءِ الهُدى؛ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ؛ والنَّجاحِ؟ وأمّا ما فِيهِ مِن وعِيدِ العِقابِ فَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ مِنَ التَّكْلِيفِ قَصْدًا أوَّلِيًّا؛ بَلْ إنَّما هو دائِرٌ عَلى سُوءِ اخْتِيارِ المُكَلَّفِينَ؛ قِيلَ: وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الحازِمَ يَكْفِيهِ في الرَّدْعِ عَنْ مُخالَفَةِ حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى) مَخافَةُ الإهْباطِ؛ المُقْتَرِنِ بِأحَدِ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ؛ فَكَيْفَ بِالمُقْتَرِنِ بِهِما؟ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: الأوَّلُ: مِنَ الجَنَّةِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ والثّانِي: مِنها إلى الأرْضِ؛ ويَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِاسْتِقْرارِهِمْ في الأرْضِ في الأوَّلِ. ورُجُوعُ الضَّمِيرِ (p-93) إلى الجَنَّةِ في الثّانِي. و"جَمِيعًا": حالٌ في اللَّفْظِ؛ وتَأْكِيدٌ في المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "اهْبِطُوا أنْتُمْ أجْمَعُونَ"؛ ولِذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي الِاجْتِماعَ عَلى الهُبُوطِ في زَمانٍ واحِدٍ؛ كَما في قَوْلِكَ: جاؤُوا جَمِيعًا؛ بِخِلافِ قَوْلِكَ: جاؤُوا مَعًا. ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى الهُبُوطِ المَفْهُومِ مِنَ الأمْرِ بِهِ؛ و"إمّا": مُرَكَّبَةٌ مِن "إنْ" الشَّرْطِيَّةِ؛ و"ما" المَزِيدَةِ؛ المُؤَكِّدَةِ لِمَعْناها؛ والفِعْلُ في مَحَلِّ الجَزْمِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ لِاتِّصالِهِ بِنُونِ التَّأْكِيدِ. وقِيلَ: مُعْرَبٌ مُطْلَقًا؛ وقِيلَ: مَبْنِيٌّ مُطْلَقًا؛ والصَّحِيحُ التَّفْصِيلُ: إنْ باشَرَتْهُ النُّونُ بُنِيَ؛ وإلّا أُعْرِبَ؛ نَحْوَ: هَلْ يَقُومانِ؟ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ؛ والمَعْنى: إنْ يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى بِرَسُولٍ أبْعَثُهُ إلَيْكُمْ؛ وكِتابٍ أُنْزِلُهُ عَلَيْكم. وجَوابُ الشَّرْطِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ كَما في قَوْلِكَ: إنْ جِئْتَنِي فَإنْ قَدِرْتُ أحْسَنْتُ إلَيْكَ. وإيرادُ كَلِمَةِ الشَّكِّ؛ مَعَ تَحْقِيقِ الإتْيانِ لا مَحالَةَ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ الإيمان باللَّهِ والتَّوْحِيدَ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ بِعْثَةُ الرُّسُلِ؛ وإنْزالُ الكُتُبِ؛ بَلْ يَكْفِي في وُجُوبِهِ إفاضَةُ العَقْلِ؛ ونَصْبُ الأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ؛ والتَّمْكِينُ مِنَ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ؛ أوْ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ العُظَماءِ في إيرادِ "عَسى"؛ و"لَعَلَّ"؛ في مَواقِعِ القَطْعِ والجَزْمِ؛ والمَعْنى: إنَّ مَن تَبِعَ هُدايَ مِنكم فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ؛ ولا هم يَحْزَنُونَ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ ذَلِكَ؛ لَكِنَّهم لا يَخافُونَ؛ ولا يَحْزَنُونَ؛ ولا أنَّهُ لا يَعْتَرِيهِمْ نَفْسُ الخَوْفِ والحُزْنِ أصْلًا؛ بَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلى السُّرُورِ؛ والنَّشاطِ؛ كَيْفَ لا.. واسْتِشْعارُ الخَوْفِ؛ والخَشْيَةِ؛ اسْتِعْظامًا لِجَلالِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - وهَيْبَتِهِ؛ واسْتِقْصارًا لِلْجِدِّ؛ والسَّعْيِ في إقامَةِ حُقُوقِ العُبُودِيَّةِ؛ مِن خَصائِصِ الخَواصِّ؛ والمُقَرَّبِينَ؟ والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما؛ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما؛ كَما يُتَوَهَّمُ مِن كَوْنِ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ أنَّ النَّفْيَ - وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ - يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ؛ بِحَسَبِ المَقامِ. وإظْهارُ الهُدى مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ لِتَعْظِيمِهِ؛ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِالثّانِي ما هو أعَمُّ مِنَ الهِداياتِ التَّشْرِيعِيَّةِ؛ وما ذُكِرَ مِن إفاضَةِ العَقْلِ؛ ونَصْبِ الأدِلَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ؛ كَما قِيلَ؛ وقُرِئَ: "هُدَيَّ" عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ؛ و"لا خَوْفَ"؛ بِالفَتْحِ.

البقرة 2:39

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾: عَطْفٌ عَلى "مَن تَبِعَ".. إلَخْ.. قَسِيمٌ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَمَن لَمْ يَتَّبِعْهُ"؛ وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما ذُكِرَ تَفْظِيعًا لِحالِ الضَّلالَةِ؛ وإظْهارًا لِكَمالِ قُبْحِها. وإيرادُ المَوْصُولِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ لِلْإشْعارِ بِكَثْرَةِ الكَفَرَةِ. والجَمْعُ بَيْنَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ لِلْإيذانِ بِتَنَوُّعِ الهُدى إلى ما ذُكِرَ مِنَ النَّوْعَيْنِ. وإيرادُ نُونِ العَظَمَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ. وإضافَةُ الآياتِ إلَيْها لِإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ التَّكْذِيبِ بِها؛ أيْ: "والَّذِينَ كَفَرُوا بِرُسُلِنا المُرْسَلَةِ إلَيْهِمْ؛ وكَذَّبُوا بِآياتِنا المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ". وقِيلَ: المَعْنى: كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَذَّبُوا بِآياتِهِ الَّتِي أنْزَلَها عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ أوْ أظْهَرَها بِأيْدِيهِمْ؛ مِنَ المُعْجِزاتِ. وقِيلَ: كَفَرُوا بِالآياتِ جَنانًا؛ وكَذَّبُوا بِها لِسانًا؛ فَيَكُونُ كِلا الفِعْلَيْنِ مُتَوَجِّهًا إلى الجارِّ والمَجْرُورِ. و"الآيَةُ"؛ في الأصْلِ: العَلامَةُ الظّاهِرَةُ؛ قالَ النّابِغَةُ: ؎ تَوَهَّمْتُ آياتٍ لَها فَعَرَفْتُها ∗∗∗ لِسِتَّةِ أعْوامٍ وذا العامُ سابِعُ وَيُقالُ لِلْمَصْنُوعاتِ؛ مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى الصّانِعِ (تَعالى)؛ وعِلْمِهِ؛ وقدرته؛ ولِكُلِّ طائِفَةٍ مِن كَلِماتِ القرآن المُتَمَيِّزَةِ عَنْ غَيْرِها بِفَصْلٍ؛ لِأنَّها عَلامَةٌ لِانْفِصالِ ما قَبْلَها مِمّا بَعْدَها؛ وقِيلَ: لِأنَّها تَجْمَعُ كَلِماتٍ مِنهُ؛ فَيَكُونُ مِن قَوْلِهِمْ: خَرَجَ فُلانٌ بِآيَتِهِمْ؛ أيْ (p-94) بِجَماعَتِهِمْ؛ قالَ: ؎ خَرَجْنا مِنَ البَيْتَيْنِ لا حَيَّ مِثْلُنا ∗∗∗ بِآيَتِنا نُزْجِي النِّعاجَ المَطافِلا واشْتِقاقُها مِن "أيُّ"؛ لِأنَّها تُبَيِّنُ أيًّا مِن أيٍّ؛ أوْ "أوى إلَيْهِ"؛ أيْ "رَجَعَ"؛ وأصْلُها "أوْيَةٌ"؛ أوْ "أيَّةٌ"؛ فَأُبْدِلَتْ عَيْنُها ألِفًا؛ عَلى غَيْرِ قِياسٍ؛ أوْ "أوَيَةٌ"؛ أوْ "أيَيَةٌ" كَـ "رَمَكَةٌ"؛ فَأُعِلَّتْ؛ أوْ "آئِيَةٌ"؛ كَـ "قائِلَةٌ"؛ فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ تَخْفِيفًا. ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِتَمَيُّزِهِمْ بِذَلِكَ الوَصْفِ؛ تَمَيُّزًا مُصَحِّحًا لِلْإشارَةِ الحِسِّيَّةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ فِيهِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أصْحابُ النّارِ﴾: أيْ: مُلازِمُوها؛ ومُلابِسُوها؛ بِحَيْثُ لا يُفارِقُونَها؛ خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ. أوِ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ؛ و"أصْحابُ النّارِ"؛ خَبَرٌ لَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ؛ لِوُرُودِ التَّصْرِيحِ بِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها﴾؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ النّارِ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها؛ والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ؛ أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِـ "أُولَئِكَ"؛ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ وُقُوعَ الجُمْلَةِ خَبَرًا ثانِيًا؛ و"فِيها" مُتَعَلِّقٌ بِـ "خالِدُونَ". والخُلُودُ؛ في الأصْلِ: المُكْثُ الطَّوِيلُ؛ وقَدِ انْعَقَدَ الإجْماعُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ الدَّوامُ.

البقرة 2:40

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى طائِفَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ لِتَذْكِيرِهِمْ بِفُنُونِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وأمْرِهِ بِتَذْكِيرِ كُلِّهِمْ بِالنِّعْمَةِ العامَّةِ لِبَنِي آدَمَ قاطِبَةً؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ.. ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ إلَخْ.. لِأنَّ المَعْنى - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ -: "بَلِّغْهم كَلامِي؛ واذْكُرْ لَهم إذْ جَعَلْنا أباهم خَلِيفَةً في الأرْضِ؛ ومَسْجُودًا لِلْمَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وشَرَّفْناهُ بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ؛ وقَبِلْنا تَوْبَتَهُ". و"الِابْنُ": مِن "البِناءُ"؛ لِأنَّهُ مَبْنِيُّ أبِيهِ؛ ولِذَلِكَ يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ؛ فَيُقالُ: "أبُو الحَرْبِ"؛ و"بِنْتُ فِكَرٍ". و"إسْرائِيلُ": لَقَبُ "يَعْقُوبَ" عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ومَعْناهُ - بِالعِبْرِيَّةِ -: "صَفْوَةُ اللَّهِ"؛ وقِيلَ: "عَبْدُ اللَّهِ"؛ وقُرِئَ: "إسْرائِلَ"؛ بِحَذْفِ الياءِ؛ و"إسْرالَ"؛ بِحَذْفِهِما؛ و"إسْرايِلَ"؛ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً؛ و"إسْراءَلَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ؛ و"إسْرَئِلَ"؛ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ. وتَخْصِيصٌ هَذِهِ الطّائِفَةِ بِالذِّكْرِ؛ والتَّذْكِيرِ؛ لِما أنَّهم أوْفَرُ النّاسِ نِعْمَةً؛ وأكْثَرُهم كُفْرًا بِها. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: بِالتَّفَكُّرِ فِيها؛ والقِيامِ بِشُكْرِها؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم قَدْ نَسُوها بِالكُلِّيَّةِ؛ ولَمْ يُخْطِرُوها بِالبالِ؛ لا أنَّهم أهْمَلُوا شُكْرَها فَقَطْ؛ وإضافَةُ النِّعْمَةِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِتَشْرِيفِها؛ وإيجابِ تَخْصِيصِ شُكْرِها بِهِ (تَعالى). وتَقْيِيدُ النِّعْمَةِ بِهِمْ لِما أنَّ الإنْسانَ مَجْبُولٌ عَلى حُبِّ النِّعْمَةِ؛ فَإذا نَظَرَ إلى ما فاضَ عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ حَمَلَهُ ذَلِكَ عَلى الرِّضا والشُّكْرِ. قِيلَ: أُرِيدَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ - مِنَ النِّعَمِ الَّتِي سَيَجِيءُ تَفْصِيلُها -؛ وعَلَيْهِمْ؛ مِن فُنُونِ النِّعَمِ الَّتِي أجَلُّها إدْراكُ عَصْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقُرِئَ: "اذَّكَّرُوا"؛ مِنَ الِافْتِعالِ. و"نِعْمَتِيَ"؛ بِإسْكانِ الياءِ؛ وإسْقاطِها في الدَّرَجِ؛ وهو مَذْهَبُ مَن لا يُحَرِّكُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها. ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِي﴾: بِالإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾: بِحُسْنِ الإثابَةِ؛ والعَهْدُ يُضافُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِمَّنْ يَتَوَلّى طَرَفَيْهِ؛ ولَعَلَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ؛ والثّانِي إلى المَفْعُولِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) عَهِدَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ (p-95) بِنَصْبِ الدَّلائِلِ؛ وإرْسالِ الرُّسُلِ؛ وإنْزالِ الكُتُبِ؛ ووَعْدٍ لَهم بِالثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ. ولِلْوَفاءِ بِهِما عَرْضٌ عَرِيضٌ؛ فَأوَّلُ مَراتِبِهِ مِنّا هو الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ؛ ومِنَ اللَّهِ (تَعالى) حَقْنُ الدِّماءِ؛ والأمْوالِ؛ وآخِرُها مِنّا الِاسْتِغْراقُ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ؛ بِحَيْثُ نَغْفُلُ عَنْ أنْفُسِنا؛ فَضْلًا عَنْ غَيْرِنا؛ ومِنَ اللَّهِ (تَعالى) الفَوْزُ بِاللِّقاءِ الدّائِمِ؛ وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "أوْفُوا بِعَهْدِي في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ أُوفِ بِعَهْدِكم في رَفْعِ الآصارِ؛ والأغْلالِ"؛ وعَنْ غَيْرِهِ: "أوْفُوا بِأداءِ الفَرائِضِ؛ وتَرْكِ الكَبائِرِ أُوفِ بِالمَغْفِرَةِ؛ والثَّوابِ"؛ أوْ: "أوْفُوا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ أُوفِ بِالكَرامَةِ؛ والنَّعِيمِ المُقِيمِ"؛ فَبِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ. وقِيلَ: كِلاهُما مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ والمَعْنى: "أوْفُوا بِما عاهَدْتُمُونِي مِنَ الإيمانِ؛ والتِزامِ الطّاعَةِ؛ أُوفِ بِما عاهَدْتُكم مِن حُسْنِ الإثابَةِ. وتَفْصِيلُ العَهْدَيْنِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ﴾؛ إلَخْ.. وقُرِئَ: "أُوَفِّ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ والتَّأْكِيدِ. ﴿وَإيّايَ فارْهَبُونِ﴾: فِيما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ خُصُوصًا في نَقْضِ العَهْدِ؛ وهو آكَدُ في إفادَةِ التَّخْصِيصِ مِن "إيّاكَ نَعْبُدُ"؛ لِما فِيهِ - مَعَ التَّقْدِيمِ - مِن تَكْرِيرِ المَفْعُولِ؛ والفاءِ الجَزائِيَّةِ؛ الدّالَّةِ عَلى تَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فارْهَبُونِي". والرَّهْبَةُ: خَوْفٌ مَعَهُ تَحَرُّزٌ؛ والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ؛ ودالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ؛ والوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ وأنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي ألّا يَخافَ إلّا اللَّهَ (تَعالى) .

البقرة 2:41

﴿وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾: أفْرَدَ الإيمان بالقرآن بِالأمْرِ بِهِ؛ لِما أنَّهُ العُمْدَةُ القُصْوى في شَأْنِ الوَفاءِ بِالعُهُودِ. ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾: مِنَ التَّوْراةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِعِلْمِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ لَها؛ فَإنَّ المَعِيَّةَ مَئِنَّةٌ لِتَكَرُّرِ المُراجَعَةِ إلَيْها؛ والوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِها؛ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها؛ ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لِلتَّوْراةِ أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ فِيها؛ أوْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُوافِقٌ لَها في القَصَصِ؛ والمَواعِيدِ؛ والدَّعْوَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ؛ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ؛ وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَها في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ المُتَفاوِتَةِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأعْصارِ؛ فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ؛ بَلْ هي مُوافَقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنها حَقٌّ؛ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ وزَمانِهِ؛ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكَمِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّشْرِيعِ؛ ولَيْسَ في التَّوْراةِ دَلالَةٌ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِها المَنسُوخَةِ؛ حَتّى يُخالِفَها ما يَنْسَخُها؛ وإنَّما تَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقائِها وزَوالِها؛ بَلْ نَقُولُ: هي ناطِقَةٌ بِنَسْخِ تِلْكَ الأحْكامِ؛ فَإنَّ نُطْقَها بِصِحَّةِ القرآن النّاسِخِ لَها نُطْقٌ بِنَسْخِها؛ فَإذَنْ مَناطُ المُخالَفَةِ في الأحْكامِ المَنسُوخَةِ إنَّما هو اخْتِلافُ العَصْرِ؛ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَأخِّرِ؛ ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ قَطْعًا؛ ولِذَلِكَ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي"؛» وتَقْيِيدُ المُنْزَلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ؛ فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم مِمّا يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا. ﴿وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾: أيْ: لا تُسارِعُوا إلى الكُفْرِ بِهِ؛ فَإنَّ وظِيفَتَكم أنْ تَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ؛ لِما أنَّكم تَعْرِفُونَ شَأْنَهُ؛ وحَقِّيَّتَهُ؛ بِطَرِيقِ التَّلَقِّي؛ مِمّا مَعَكم مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ كَما تَعْرِفُونَ أبْناءَكُمْ؛ وقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ وتُبَشِّرُونَ (p-96) بِزَمانِهِ؛ كَما سَيَجِيءُ؛ فَلا تَضَعُوا مَوْضِعَ ما يُتَوَقَّعُ مِنكُمْ؛ ويَجِبُ عَلَيْكم ما لا يُتَوَهَّمُ صُدُورُهُ عَنْكُمْ؛ مِن كَوْنِكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ؛ ووُقُوعُ "أوَّلَ كافِرٍ بِهِ" خَبَرًا مِن ضَمِيرِ الجَمْعِ بِتَأْوِيلِ: "أوَّلَ فَرِيقٍ" أوْ "فَوْجٍ"؛ أوْ بِتَأْوِيلِ: "لا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ"؛ كَقَوْلِكَ: "كَسانا حُلَّةً". ونَهْيُهم عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ بِهِ - مَعَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ أقْدَمُ مِنهم - لِما أنَّ المُرادَ بِهِ التَّعْرِيضُ؛ لا الدَّلالَةُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الظّاهِرِ؛ كَقَوْلِكَ: "أمّا أنا فَلَسْتُ بِجاهِلٍ"؛ لِأنَّ المُرادَ نَهْيُهم عَنْ كَوْنِهِمْ أوَّلَ كافِرٍ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ أوْ مِمَّنْ كَفَرَ بِما عِنْدَهُ؛ فَإنَّ مَن كَفَرَ بِالقرآن فَقَدْ كَفَرَ بِما يُصَدِّقُهُ؛ أوْ مِثْلَ مَن كَفَرَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ و"أوَّلُ": "أفْعَلُ"؛ لا فِعْلَ لَهُ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "أوْألُ"؛ مِن "وَألَ إلَيْهِ"؛ إذا نَجا وخَلَصَ؛ فَأُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ واوًا تَخْفِيفًا غَيْرَ قِياسِيٍّ؛ أوْ "أأْوَلُ"؛ مِن "آلَ"؛ فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا؛ وأُدْغِمَتْ. ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾: أيْ لا تَأْخُذُوا لِأنْفُسِكم بَدَلًا مِنها؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ مِنَ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّها وإنْ جَلَّتْ قَلِيلَةٌ؛ مُسْتَرْذَلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فاتَ عَنْهم مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ؛ بِتَرْكِ الإيمانِ؛ قِيلَ: كانَتْ لَهم رِياسَةٌ في قَوْمِهِمْ؛ ورُسُومٌ؛ وهَدايا؛ فَخافُوا عَلَيْها لَوِ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ فاخْتارُوها عَلى الإيمانِ؛ وإنَّما عَبَّرَ عَنِ المُشْتَرى - الَّذِي هو العُمْدَةُ في عُقُودِ المُعاوَضَةِ؛ والمَقْصُودُ فِيها - بِالثَّمَنِ؛ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً فِيها؛ وقُرِنَتِ الآياتُ الَّتِي حَقُّها أنْ يَتَنافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ بِالباءِ الَّتِي تَصْحَبُ الوَسائِلَ؛ إيذانًا بِتَعْكِيسِهِمْ حَيْثُ جَعَلُوا ما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ وسِيلَةً؛ والوَسِيلَةَ مَقْصِدًا. ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾: بِالإيمانِ؛ واتِّباعِ الحَقِّ؛ والإعْراضِ عَنْ حُطامِ الدُّنْيا؛ ولَمّا كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو كالمَبادِي لِما في الآيَةِ الثّانِيَةِ؛ فُصِّلَتْ بِالرَّهْبَةِ؛ الَّتِي هي مِن مُقَدِّماتِ التَّقْوى؛ أوْ لِأنَّ الخِطابَ بِها لَمّا عَمَّ العالِمَ والمُقَلِّدَ أُمِرَ فِيها بِالرَّهْبَةِ؛ المُتَناوِلَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ وأمّا الخِطابُ بِالثّانِيَةِ؛ فَحَيْثُ خُصَّ بِالعُلَماءِ؛ أُمِرَ فِيها بِالتَّقْوى؛ الَّذِي هو المُنْتَهى.

البقرة 2:42

﴿وَلا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ واللَّبْسُ: الخَلْطُ؛ وقَدْ يَلْزَمُهُ الِاشْتِباهُ بَيْنَ المُخْتَلِطَيْنِ؛ والمَعْنى: لا تَخْلِطُوا الحَقَّ المُنْزَلَ؛ بِالباطِلِ الَّذِي تَخْتَرِعُونَهُ؛ وتَكْتُبُونَهُ؛ حَتّى يَشْتَبِهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ؛ أوْ: لا تَجْعَلُوا الحَقَّ مُلْتَبِسًا بِسَبَبِ الباطِلِ الَّذِي تَكْتُبُونَهُ في تَضاعِيفِهِ؛ أوْ تَذْكُرُونَهُ في تَأْوِيلِهِ. ﴿وَتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾: مَجْزُومٌ؛ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِ النَّهْيِ؛ كَأنَّهم أُمِرُوا بِالإيمانِ؛ وتَرْكِ الضَّلالِ؛ ونُهُوا عَنِ الإضْلالِ بِالتَّلْبِيسِ عَلى مَن سَمِعَ الحَقَّ؛ والإخْفاءِ عَمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ. أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "أنْ"؛ عَلى أنَّ الواوَ لِلْجَمْعِ؛ أيْ: لا تَجْمَعُوا بَيْنَ لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ؛ وبَيْنَ كِتْمانِهِ؛ ويَعْضُدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَتَكْتُمُونَ"؛ أيْ: وأنْتُمْ تَكْتُمُونَ؛ أيْ: كاتِمِينَ؛ وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ اسْتِقْباحَ اللَّبْسِ لِما يَصْحَبُهُ مِن كِتْمانِ الحَقِّ. وتَكْرِيرُ "الحَقَّ" إمّا لِأنَّ المُرادَ بِالأخِيرِ لَيْسَ عَيْنَ الأوَّلِ؛ بَلْ هو نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي كَتَمُوهُ؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ غَيْرَهُ؛ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾؛ وإمّا لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذْ في التَّصْرِيحِ بِاسْمِ الحَقِّ ما لَيْسَ في ضَمِيرِهِ. ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾: أيْ كَوْنَكم عالِمِينَ بِأنَّكم لابِسُونَ؛ كاتِمُونَ؛ أوْ: "وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ"؛ أوْ: "وَأنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ"؛ ولَيْسَ إيرادُ الحالِ لِتَقْيِيدِ النَّهْيِ بِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾؛ بَلْ لِزِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ؛ إذِ الجاهِلُ عَسى يُعْذَرُ.(p-97)

البقرة 2:43

﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: أيْ صَلاةَ المُسْلِمِينَ؛ وزَكاتَهم؛ فَإنَّ غَيْرَهُما بِمَعْزِلٍ مِن كَوْنِهُ صَلاةً وزَكاةً؛ أمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِفُرُوعِ الإسْلامِ بَعْدَ الأمْرِ بِأُصُولِهِ. ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾: أيْ في جَماعَتِهِمْ؛ فَإنَّ صَلاةَ الجَماعَةِ تُفَضَّلُ عَلى صَلاةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ لِما فِيها مِن تَظاهُرِ النُّفُوسِ في المُناجاةِ؛ وعُبِّرَ عَنِ الصَّلاةِ بِالرُّكُوعِ؛ احْتِرازًا عَنْ صَلاةِ اليَهُودِ؛ وقِيلَ: الرُّكُوعُ: الخُضُوعُ؛ والِانْقِيادُ لِما يُلْزِمُهُمُ الشّارِعُ؛ قالَ الأضْبَطُ بْنُ قُرَيْعٍ السَّعْدِيُّ: ؎ لا تَحْقِرَنَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أنْ ∗∗∗ تَرْكَعَ يَوْمًا والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ

البقرة 2:44

﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى بَعْضِهِمْ؛ بَعْدَ تَوْجِيهِهِ إلى الكُلِّ؛ والهَمْزَةُ فِيها تَقْرِيرٌ مَعَ تَوْبِيخٍ؛ وتَعْجِيبٍ. والبِرُّ: التَّوَسُّعُ في الخَيْرِ؛ مِن "البَرُّ"؛ الَّذِي هو الفَضاءُ الواسِعُ؛ يَتَناوَلُ جَمِيعَ أصْنافِ الخَيْراتِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: البِرُّ ثَلاثَةٌ: بِرٌّ في عِبادَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وبِرٌّ في مُراعاةِ الأقارِبِ؛ وبِرٌّ في مُعامَلَةِ الأجانِبِ. ﴿وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾: أيْ: تَتْرُكُونَها مِنَ البِرِّ؛ كالمَنسِيّاتِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّها نَزَلَتْ في أحْبارِ المَدِينَةِ؛ كانُوا يَأْمُرُونَ سِرًّا مَن نَصَحُوهُ بِاتِّباعِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ طَمَعًا في الهَدايا والصِّلاتِ الَّتِي كانَتْ تَصِلُ إلَيْهِمْ مِن أتْباعِهِمْ؛ وقِيلَ: كانُوا يَأْمُرُونَ بِالصَّدَقَةِ ولا يَتَصَدَّقُونَ؛ وقالَ السُّدِّيُّ: "إنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِطاعَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ ويَنْهَوْنَهم عَنْ مَعْصِيَتِهِ؛ وهم يَتْرُكُونَ الطّاعَةَ؛ ويُقْدِمُونَ عَلى المَعْصِيَةِ"؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالصَّلاةِ؛ والزَّكاةِ؛ وهم يَتْرُكُونَهُما". ومَدارُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ هي الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ؛ دُونَ ما عُطِفَتْ هي عَلَيْهِ. ﴿وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتابَ﴾: تَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَقْرِيعٌ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ والحالُ أنَّكم تَتْلُونَ التَّوْراةَ النّاطِقَةَ بِنُعُوتِهِ ﷺ الآمِرَةَ بِالإيمانِ بِهِ؛ أوْ بِالوَعْدِ بِفِعْلِ الخَيْرِ؛ والوَعِيدِ عَلى الفَسادِ؛ والعِنادِ؛ وتَرْكِ البِرِّ؛ ومُخالَفَةِ القَوْلِ العَمَلَ. ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: أيْ: "أتَتْلُونَهُ فَلا تَعْقِلُونَ ما فِيهِ؛ أوْ قُبْحَ ما تَصْنَعُونَ؛ حَتّى تَرْتَدِعُوا عَنْهُ؟"؛ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ العَقْلِ؛ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ؛ فالمُبالَغَةُ مِن حَيْثُ الكَيْفُ؛ أوْ: "ألا تَتَأمَّلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ؟"؛ فالإنْكارُ مُتَوَجِّهٌ إلى كِلا الأمْرَيْنِ؛ والمُبالَغَةُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ الكَمُّ. والعَقْلُ في الأصْلِ: المَنعُ؛ والإمْساكُ؛ ومِنهُ "العِقالُ"؛ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ وظِيفُ البَعِيرِ إلى ذِراعِهِ؛ لِحَبْسِهِ عَنِ الحَراكِ؛ سُمِّيَ بِهِ النُّورُ الرُّوحانِيُّ؛ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ النَّفْسُ العُلُومَ الضَّرُورِيَّةَ؛ والنَّظَرِيَّةَ؛ لِأنَّهُ يَحْبِسُهُ عَنْ تَعاطِي ما يَقْبُحُ؛ ويَعْقِلُهُ عَلى ما يَحْسُنُ؛ والآيَةُ - كَما تَرى - ناعِيَةٌ عَلى كُلِّ مَن يَعِظُ غَيْرَهُ ولا يَتَّعِظُ بِسُوءِ صَنِيعِهِ؛ وعَدَمِ تَأثُّرِهِ؛ وأنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الجاهِلِ بِالشَّرْعِ؛ أوِ الأحْمَقِ الخالِي عَنِ العَقْلِ؛ والمُرادُ بِها - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ - حَثُّهُ عَلى تَزْكِيَةِ النَّفْسِ؛ والإقْبالِ عَلَيْها بِالتَّكْمِيلِ؛ لِتَقُومَ بِالحَقِّ؛ فَتُقِيمَ غَيْرَها؛ لا مَنعُ الفاسِقِ عَنِ الوَعْظِ. يُرْوى أنَّهُ كانَ عالِمٌ مِنَ العُلَماءِ مُؤَثِّرَ الكَلامِ؛ قَوِيَّ التَّصَرُّفِ في القُلُوبِ؛ وكانَ كَثِيرًا ما يَمُوتُ مِن أهْلِ مَجْلِسِهِ واحِدٌ أوِ اثْنانِ؛ مِن شِدَّةِ تَأْثِيرِ وعْظِهِ؛ وكانَ في بَلَدِهِ عَجُوزٌ لَها ابْنٌ صالِحٌ؛ رَقِيقُ القَلْبِ؛ سَرِيعُ الِانْفِعالِ؛ وكانَتْ تَحْتَرِزُ عَلَيْهِ؛ وتَمْنَعُهُ مِن حُضُورِ مَجْلِسِ الواعِظِ؛ فَحَضَرَهُ يَوْمًا عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنها؛ فَوَقَعَ مِن أمْرِ اللَّهِ (تَعالى) ما وقَعَ؛ ثُمَّ إنَّ العَجُوزَ لَقِيَتِ الواعِظَ يَوْمًا في الطَّرِيقِ؛ فَقالَتْ: ؎ لَتَهْدِي الأنامَ (p-98)وَلا تَهْتَدِي ∗∗∗ ألا إنَّ ذَلِكَ لا يَنْفَعُ ؎ فَيا حَجَرَ الشَّحْذِ حَتّى مَتى ∗∗∗ تَسُنُّ الحَدِيدَ ولا تَقْطَعُ؟ فَلَمّا سَمِعَهُ الواعِظُ شَهَقَ شَهْقَةً فَخَرَّ مِن فَرَسِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ؛ فَحَمَلُوهُ إلى بَيْتِهِ؛ فَتُوُفِّيَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ.

البقرة 2:45

﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾: مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهم لَمّا كُلِّفُوا ما فِيهِ مَشَقَّةٌ - مِن تَرْكِ الرِّياسَةِ؛ والإعْراضِ عَنِ المالِ - عُولِجُوا بِذَلِكَ؛ والمَعْنى: اسْتَعِينُوا عَلى حَوائِجِكم بِانْتِظارِ النُّجْحِ؛ والفَرَجِ؛ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ بِالصَّوْمِ الَّذِي هو الصَّبْرُ عَنِ المُفْطِراتِ؛ لِما فِيهِ مِن كَسْرِ الشَّهْوَةِ؛ وتَصْفِيَةِ النَّفْسِ؛ والتَّوَسُّلِ في الصَّلاةِ؛ والِالتِجاءِ إلَيْها؛ فَإنَّها جامِعَةٌ لِأنْواعِ العِباداتِ النَّفْسانِيَّةِ؛ والبَدَنِيَّةِ؛ مِنَ الطَّهارَةِ؛ وسَتْرِ العَوْرَةِ؛ وصَرْفِ المالِ فِيهِما؛ والتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ؛ والعُكُوفِ عَلى العِبادَةِ؛ وإظْهارِ الخُشُوعِ بِالجَوارِحِ؛ وإخْلاصِ النِّيَّةِ بِالقَلْبِ؛ ومُجاهَدَةِ الشَّيْطانِ؛ ومُناجاةِ الحَقِّ؛ وقِراءَةِ القرآن؛ والتَّكَلُّمِ بِالشَّهادَةِ؛ وكَفِّ النَّفْسِ عَنِ الأطْيَبَيْنِ؛ حَتّى تَجابُّوا إلى تَحْصِيلِ المَآرِبِ؛ وجَبْرِ المَصائِبِ؛ رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - «كانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ؛» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الدُّعاءُ. ﴿وَإنَّها﴾: أيْ الِاسْتِعانَةَ بِهِما؛ أوِ الصَّلاةَ؛ وتَخْصِيصُها بِرَدِّ الضَّمِيرِ إلَيْها لِعِظَمِ شَأْنِها؛ واشْتِمالِها عَلى ضُرُوبٍ مِنَ الصَّبْرِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾؛ أوْ جُمْلَةَ ما أُمِرُوا بِها؛ ونُهُوا عَنْها. ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾: لَثَقِيلَةٌ؛ شاقَّةٌ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَبُرَ عَلى المُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ﴾؛ ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾: الخُشُوعُ: الإخْباتُ؛ ومِنهُ "الخُشْعَةُ"؛ لِلرَّمْلَةِ المُتَطامِنَةِ. والخُضُوعُ: اللِّينُ؛ والِانْقِيادُ؛ ولِذَلِكَ يُقالُ: الخُشُوعُ بِالجَوارِحِ؛ والخُضُوعُ بِالقَلْبِ. وإنَّما لَمْ تَثْقُلْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ ما أُعِدَّ لَهم بِمُقابَلَتِها؛ فَتَهُونُ عَلَيْهِمْ؛ ولِأنَّهم يَسْتَغْرِقُونَ في مُناجاةِ رَبِّهِمْ؛ فَلا يُدْرِكُونَ ما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ المَشاقِّ والمَتاعِبِ؛ ولِذَلِكَ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "وَقُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ"؛» والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.

البقرة 2:46

﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: أيْ: يَتَوَقَّعُونَ لِقاءَهُ (تَعالى)؛ ونَيْلَ ما عِنْدَهُ مِنَ المَثُوباتِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِفَيَضانِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ. أوْ: يَتَيَقَّنُونَ أنَّهم يُحْشَرُونَ إلَيْهِ لِلْجَزاءِ؛ فَيَعْمَلُونَ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ؛ رَغْبَةً؛ ورَهْبَةً؛ وأمّا الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالجَزاءِ؛ ولا يَرْجُونَ الثَّوابَ؛ ولا يَخافُونَ العِقابَ؛ كانَتْ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةً خالِصَةً؛ فَتَثْقُلُ عَلَيْهِمْ كالمُنافِقِينَ؛ والمُرائِينَ؛ فالتَّعَرُّضُ لِلْعُنْوانِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ الربوبية؛ والمالِكِيَّةِ لِلْحُكْمِ؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "يَعْلَمُونَ"؛ وكَأنَّ الظَّنَّ - لَمّا شابَهَ العِلْمَ في الرُّجْحانِ - أُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ لِتَضْمِينِ مَعْنى التَّوَقُّعِ؛ قالَ: ؎ فَأرْسَلْتُهُ مُسْتَيْقِنَ الظَّنِّ أنَّهُ ∗∗∗ مُخالِطُ ما بَيْنَ الشَّراسِيفِ جائِفُ وَجَعْلُ خَبَرِ "أنَّ" في المَوْضِعَيْنِ اسْمًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ اللِّقاءِ؛ والرُّجُوعِ؛ وتَقَرُّرِهِما عِنْدَهم.

البقرة 2:47

﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾: كُرِّرَ التَّذْكِيرُ لِلتَّأْكِيدِ؛ ولِرَبْطِ ما بَعْدَهُ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِ. ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "نِعْمَتِيَ"؛ عَطْفَ الخاصِّ عَلى العامِّ؛ لِكَمالِهِ؛ أيْ: "فَضَّلْتُ آباءَكُمْ"؛ ﴿عَلى العالَمِينَ﴾: أيْ: "عالَمِي زَمانِهِمْ؛ بِما مَنَحْتُهم مِنَ العِلْمِ؛ والإيمانِ؛ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ وجَعَلْتُهم أنْبِياءَ؛ ومُلُوكًا مُقْسِطِينَ"؛ وهم آباؤُهُمُ (p-99)الَّذِينَ كانُوا في عَصْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وبَعْدَهُ؛ قَبْلَ أنْ يُغَيِّرُوا؛ .

البقرة 2:48

﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾: أيْ: حِسابَ يَوْمٍ؛ أوْ: عَذابَ يَوْمٍ؛ ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا﴾: أيْ: لا تَقْضِي عَنْها شَيْئًا مِنَ الحُقُوقِ؛ فانْتِصابُ "شَيْئًا" عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أوْ: شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "لا تُجْزِئُ"؛ أيْ: لا تُغْنِي عَنْها؛ فَيَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ وإيرادُهُ مُنَكَّرًا - مَعَ تَنْكِيرِ النَّفْسِ - لِلتَّعْمِيمِ؛ والإقْناطِ الكُلِّيِّ؛ والجُمْلَةُ صِفَةُ "يَوْمًا"؛ والعائِدِ مِنها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لا تَجْزِي فِيهِ؛ ومَن لَمْ يُجَوِّزُ الحَذْفَ قالَ: اتُّسِعَ فِيهِ؛ فَحُذِفَ الجارُّ؛ وأُجْرِيَ المَجْرُورُ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ؛ ثُمَّ حُذِفَ؛ كَما حُذِفَ في قَوْلِ مَن قالَ: ؎ فَما أدْرِي أغَيَّرَهم تَناءٍ ∗∗∗ وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أصابُوا أيْ: أصابُوهُ. ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾: أيْ: مِنَ النَّفْسِ الثّانِيَةِ العاصِيَةِ؛ أوْ مِنَ الأُولى؛ والشَّفاعَةُ: مِن "الشَّفْعُ"؛ كَأنَّ المَشْفُوعَ لَهُ كانَ فَرْدًا؛ فَجَعَلُهُ الشَّفِيعُ شَفْعًا؛ والعَدْلُ: الفِدْيَةُ؛ وقِيلَ: البَدَلُ؛ وأصْلُهُ "التَّسْوِيَةُ"؛ سُمِّيَ بِهِ الفِدْيَةُ لِأنَّها تُساوِي المَفْدِيَّ؛ وتَجْزِي مَجْزاهُ؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾: أيْ: يُمْنَعُونَ مِن عَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ والضَّمِيرُ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ الثّانِيَةُ المُنَكَّرَةُ؛ الواقِعَةُ في سِياقِ النَّفْيِ؛ مِنَ النُّفُوسِ الكَثِيرَةِ؛ والتَّذْكِيرُ لِكَوْنِها عِبارَةً عَنِ العِبادِ؛ والأناسِيِّ؛ والنُّصْرَةُ هَهُنا أخَصُّ مِنَ المَعُونَةِ؛ لِاخْتِصاصِها بِدَفْعِ الضَّرَرِ؛ وكَأنَّهُ أُرِيدَ بِالآيَةِ نَفْيُ أنْ يَدْفَعَ العَذابَ أحَدٌ عَنْ أحَدٍ؛ مِن كُلِّ وجْهٍ مُحْتَمَلٍ؛ فَإنَّهُ إمّا أنْ يَكُونَ قَهْرًا أوْ لا؛ والأوَّلُ النُّصْرَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ مَجّانًا أوْ لا؛ والأوَّلُ الشَّفاعَةُ؛ والثّانِي إمّا أنْ يَكُونَ بِأداءِ عَيْنِ ما كانَ عَلَيْهِ؛ وهو أنْ يَجْزِيَ عَنْهُ؛ أوْ بِأداءِ غَيْرِهِ؛ وهو أنْ يُعْطِيَ عَنْهُ عَدْلًا؛ وقَدْ تَمَسَّكَتِ المُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى نَفْيِ الشَّفاعَةِ لِأهْلِ الكَبائِرِ؛ والجَوابُ أنَّها خاصَّةٌ بِالكُفّارِ؛ لِلْآياتِ الوارِدَةِ في الشَّفاعَةِ؛ والأحادِيثِ المَرْوِيَّةِ فِيها؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الخِطابَ مَعَهُمْ؛ ولِرَدِّهِمْ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ اعْتِقادِ أنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهم.

البقرة 2:49

﴿وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾: تَذْكِيرٌ لِتَفاصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾؛ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ؛ وصُنُوفِ الآلاءِ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ تَنْجِيَتِنا إيّاكُمْ؛ أيْ: آباءَكُمْ؛ فَإنَّ تَنْجِيَتَهم تَنْجِيَةٌ لِأعْقابِهِمْ؛ وقُرِئَ: "أنْجَيْتُكُمْ"؛ وأصْلُ "آلٌ": "أهْلٌ"؛ لِأنَّ تَصْغِيرَهُ "أُهَيْلٌ"؛ وخُصَّ بِالإضافَةِ إلى أُولِي الأخْطارِ؛ كالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والمُلُوكِ. و"فِرْعَوْنُ": لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ؛ كَـ "كِسْرى"؛ لِمَلِكِ الفُرْسِ؛ و"قَيْصَرُ"؛ لِمَلِكِ الرُّومِ؛ و"خاقانُ"؛ لِمَلِكِ التُّرْكِ. ولِعُتُوِّهِ اشْتُقَّ مِنهُ "تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ"؛ إذا عَتا وتَمَرَّدَ؛ وكانَ فِرْعَوْنُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُصْعَبَ بْنَ رَيّانَ؛ وقِيلَ: ابْنَهُ ولِيدًا؛ مِن بَقايا عادٍ؛ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ عَطّارًا أصْفَهانِيًّا؛ رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ؛ فَأفْلَسَ؛ فاضْطُرَّ إلى الخُرُوجِ؛ فَلَحِقَ بِالشّامِ؛ فَلَمْ يَتَسَنَّ لَهُ المُقامُ بِهِ؛ فَدَخَلَ مِصْرَ؛ فَرَأى في ظاهِرِهِ حِمْلًا مِنَ البِطِّيخِ بِدِرْهَمٍ؛ وفي نَفْسِهِ بِطِّيخًا بِدِرْهَمٍ؛ فَقالَ في نَفْسِهِ: إنْ تَيَسَّرَ لِي أداءُ الدَّيْنِ فَهَذا طَرِيقُهُ؛ فَخَرَجَ إلى السَّوادِ فاشْتَرى حِمْلًا (p-100) بِدِرْهَمٍ؛ فَتَوَجَّهَ بِهِ إلى السُّوقِ؛ فَكُلُّ مَن لَقِيَهُ مِنَ المَكّاسِينَ أخَذُوا مِنهُ بِطِّيخًا؛ فَدَخَلَ البَلَدَ وما مَعَهُ إلّا بِطِّيخَةٌ فَذَّةٌ؛ فَباعَها بِدِرْهَمٍ؛ ومَضى لِوَجْهِهِ؛ ورَأى أهْلَ البَلَدِ مَتْرُوكِينَ سُدًى؛ لا يَتَعاطى أحَدٌ سِياسَتَهُمْ؛ وكانَ قَدْ وقَعَ بِهِمْ وباءٌ عَظِيمٌ؛ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ المَقابِرِ؛ فَرَأى مَيْتًا يُدْفَنُ؛ فَتَعَرَّضَ لِأوْلِيائِهِ؛ فَقالَ: أنا أمِينُ المَقابِرِ؛ فَلا أدَعُكم تَدْفِنُونَهُ حَتّى تُعْطُونِي خَمْسَةَ دَراهِمَ؛ فَدَفَعُوها إلَيْهِ؛ ومَضى لِآخَرَ؛ وآخَرَ؛ حَتّى جَمَعَ في مِقْدارِ ثَلاثَةِ أشْهُرٍ مالًا عَظِيمًا؛ ولَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ قَطُّ؛ إلى أنْ تَعَرَّضَ يَوْمًا لِأوْلِياءِ مَيْتٍ فَطَلَبَ مِنهم ما كانَ يَطْلُبُ مِن غَيْرِهِمْ؛ فَأبَوْا ذَلِكَ؛ فَقالُوا: مَن نَصَّبَكَ هَذا المَنصِبَ؟ فَذَهَبُوا بِهِ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: مَن أنْتَ؟ ومَن أقامَكَ بِهَذا المُقامِ؟ قالَ: لَمْ يُقِمْنِي أحَدٌ؛ وإنَّما فَعَلْتُ ما فَعَلْتُ لِيُحْضِرَنِي أحَدٌ إلى مَجْلِسِكَ؛ فَأُنَبِّهَكَ عَلى اخْتِلالِ قَوْمِكَ؛ وقَدْ جَمَعْتُ بِهَذا الطَّرِيقِ هَذا المِقْدارَ مِنَ المالِ؛ فَأحْضَرَهُ؛ ودَفَعَهُ إلى فِرْعَوْنَ؛ فَقالَ: ولِّنِي أُمُورَكَ؛ تَرَنِي أمِينًا كافِيًا؛ فَوَلّاهُ إيّاها؛ فَسارَ بِهِمْ سِيرَةً حَسَنَةً؛ فانْتَظَمَتْ مَصالِحُ العَسْكَرِ؛ واسْتَقامَتْ أحْوالُ الرَّعِيَّةِ؛ ولَبِثَ فِيهِمْ دَهْرًا طَوِيلًا؛ وتَرامى أمْرُهُ في العَدْلِ والصَّلاحِ؛ فَلَمّا ماتَ فِرْعَوْنُ أقامُوهُ مَقامَهُ؛ فَكانَ مِن أمْرِهِ ما كانَ. وكانَ فِرْعَوْنُ يُوسُفَ: رَيّانُ؛ وكانَ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن أرْبَعِمائَةِ سَنَةٍ. ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾: أيْ: يَبْغُونَكُمْ؛ مِن "سامَهُ خَسْفًا"؛ إذا أوْلاهُ ظُلْمًا؛ وأصْلُهُ: "الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ"؛ ﴿سُوءَ العَذابِ﴾: أيْ: أفْظَعَهُ؛ وأقْبَحَهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ؛ و"السُّوءُ": مَصْدَرٌ مِن "ساءَ؛ يَسُوءُ"؛ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "نَجَّيْناكُمْ"؛ أوْ مِن "آلِ فِرْعَوْنَ"؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرَيْهِما. ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾: بَيانٌ لِـ "يَسُومُونَكُمْ"؛ ولِذَلِكَ تُرِكَ العَطْفُ بَيْنَهُما؛ وقُرِئَ: "يَذْبَحُونَ"؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ وإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا لِما أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ؛ أوْ أخْبَرَهُ الكَهَنَةُ أنَّهُ سَيُولَدُ مِنهم مَن يَذْهَبُ بِمُلْكِهِ؛ فَلَمْ يَرُدَّ اجْتِهادُهم مِن قَضاءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - شَيْئًا؛ قِيلَ: قَتَلُوا بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ تِسْعَمائَةِ ألْفِ مَوْلُودٍ؛ وتِسْعِينَ ألْفًا؛ وقَدْ أعْطى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ القُوَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ ما كانَ يُعْطِيهِ أُولَئِكَ المَقْتُولِينَ؛ لَوْ كانُوا أحْياءً؛ ولِذَلِكَ كانَتْ مُعْجِزاتُهُ ظاهِرَةً؛ باهِرَةً. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾:إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّذْبِيحِ؛ والِاسْتِحْياءِ؛ أوْ إلى الإنْجاءِ مِنهُ؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ لِلْمُخاطَبِينَ؛ فَعَلى الأوَّلِ مَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلاءٌ﴾: مِحْنَةٌ؛ وبَلِيَّةٌ؛ وكَوْنُ اسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ؛ أيِ اسْتِبْقائِهِنَّ عَلى الحَياةِ؛ مِحْنَةً - مَعَ أنَّهُ عَفْوٌ وتَرْكٌ لِلْعَذابِ - لِما أنَّ ذَلِكَ كانَ لِلِاسْتِعْمالِ في الأعْمالِ الشّاقَّةِ؛ وعَلى الثّانِي: نِعْمَةٌ؛ وأصْلُ "البَلاءُ": الِاخْتِبارُ؛ ولَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - مُحالًا؛ وكانَ ما يُجْرى مُجْرى الِاخْتِبارِ لِعِبادِهِ؛ تارَةً بِالمِحْنَةِ؛ وأُخْرى بِالمِنحَةِ؛ أُطْلِقَ عَلَيْهِما. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يُشارَ بِـ "ذَلِكُمْ" إلى الجُمْلَةِ؛ ويُرادُ بِالبَلاءِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ الشّامِلُ لَهُما. ﴿عَظِيمٌ﴾: صِفَةٌ لِـ "بَلاءٌ"؛ وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ؛ وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُ العَبْدَ مِنَ السَّرّاءِ والضَّرّاءِ مِن قَبِيلِ الِاخْتِبارِ؛ فَعَلَيْهِ الشُّكْرُ في المَسارِّ؛ والصَّبْرُ عَلى المَضارِّ.

البقرة 2:50

﴿وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾: بَيانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ؛ وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِها؛ إثْرَ تَذْكِيرِها؛ وبَيانِ عِظَمِها وهَوْلِها؛ وقَدْ بَيَّنَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرى؛ هي الإنْجاءُ مِنَ الغَرَقِ؛ أيْ: "واذْكُرُوا إذْ فَلَقْناهُ بِسُلُوكِكُمْ؛ أوْ مُلْتَبِسًا بِكم - كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ -؛ أوْ بِسَبَبِ إنْجائِكُمْ؛ وفَصَلْنا بَيْنَ بَعْضِهِ وبَعْضٍ؛ حَتّى حَصَلَتْ مَسالِكُ"؛ وقُرِئَ: (p-101)بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ لِأنَّ المَسالِكَ كانَتِ اثْنَيْ عَشَرَ؛ بِعَدَدِ الأسْباطِ. ﴿فَأنْجَيْناكُمْ﴾: أيْ: مِنَ الغَرَقِ؛ بِإخْراجِكم إلى السّاحِلِ؛ كَما يُلَوِّحُ بِهِ العُدُولُ إلى صِيغَةِ الإفْعالِ؛ بَعْدَ إيرادِ التَّخْلِيصِ مِن فِرْعَوْنَ بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾؛ أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ؛ وإنَّما اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ أوْلى بِهِ مِنهُمْ؛ وقِيلَ: شَخْصُهُ؛ كَما رُوِيَ أنَّ الحَسَنَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ"؛ أيْ: شَخْصِهِ؛ واسْتُغْنِيَ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ قَوْمِهِ. ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ ذَلِكَ؛ أوْ غَرَقَهُمْ؛ وإطْباقَ البَحْرِ عَلَيْهِمْ؛ أوِ انْفِلاقَ البَحْرِ عَنْ طُرُقٍ يابِسَةٍ مُذَلَّلَةٍ؛ أوْ جُثَثَهُمُ الَّتِي قَذَفَها البَحْرُ إلى السّاحِلِ؛ أوْ يَنْظُرُ بَعْضُكم بَعْضًا؛ رُوِيَ أنَّهُ (تَعالى) أمَرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَسْرِيَ بِبَنِي إسْرائِيلَ؛ فَخَرَجَ بِهِمْ؛ فَصَبَّحَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ؛ وصادَفُوهم عَلى شاطِئِ البَحْرِ؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ؛ فَضَرَبَهُ بِها فَظَهَرَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا يابِسًا؛ فَسَلَكُوها؛ فَقالُوا: نَخافُ أنْ يَغْرَقَ بَعْضُ أصْحابِنا؛ فَلا نَعْلَمَ؛ فَفَتَحَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها كُوًى؛ فَتَراءَوْا؛ وتَسامَعُوا؛ حَتّى عَبَرُوا البَحْرَ؛ فَلَمّا وصَلَ إلَيْهِ فِرْعَوْنُ فَرَآهُ مُنْفَلِقًا اقْتَحَمَهُ هو وجُنُودُهُ؛ فَغَشِيَهم ما غَشِيَهم. واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الواقِعَةَ - كَما أنَّها لِمُوسى مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ؛ تَخِرُّ لَها أُطُمُ الجِبالِ؛ ونِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ لِأوائِلِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مُوجِبَةٌ عَلَيْهِمْ شُكْرَها؛ كَذَلِكَ اقْتِصاصُها عَلى ما هي عَلَيْهِ - مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعْجِزَةٌ جَلِيلَةٌ تَطْمَئِنُّ بِها القُلُوبُ الأبِيَّةُ؛ وتَنْقادُ لَها النُّفُوسُ الغَبِيَّةُ؛ مُوجِبَةٌ لِأعْقابِهِمْ أنْ يَتَلَقَّوْها بِالإذْعانِ؛ فَلا تَأثَّرَتْ أوائِلُهم بِمُشاهَدَتِها ورُؤْيَتِها؛ ولا تَذَكَّرَتْ أواخِرُهم بِتَذْكِيرِها ورِوايَتِها؛ فَيا لَها مِن عِصابَةٍ ما أعْصاها! وطائِفَةٍ ما أطْغاها!

البقرة 2:51

﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾: لَمّا عادُوا إلى مِصْرَ؛ بَعْدَ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ؛ وعَدَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُعْطِيَهُ التَّوْراةَ؛ وضَرَبَ لَهُ مِيقاتًا: ذا القِعْدَةِ؛ وعَشْرَ ذِي الحِجَّةِ؛ وقِيلَ: وعَدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ الكِتابَ؛ فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ - وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ - ثُمَّ زادَ عَشْرًا مِن ذِي الحِجَّةِ؛ وعَبَّرَ عَنْها بِاللَّيالِي لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ؛ وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ بِمَعْنى الثُّلاثِيِّ؛ وقِيلَ: عَلى أصْلِها؛ تَنْزِيلًا لِقَبُولِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَنزِلَةَ الوَعْدِ؛ و"أرْبَعِينَ لَيْلَةً": مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ "واعَدْنا"؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: تَمامَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ وقُرِئَ: "وَعَدْنا"؛ ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾؛ بِتَسْوِيلِ السّامِرِيِّ إلَهًا ومَعْبُودًا؛ و"ثُمَّ": لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾: أيْ: مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ إلى المِيقاتِ؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: بِإشْراكِكُمْ؛ ووَضْعِكم لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذْتُمْ"؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ؛ .

البقرة 2:52

﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾؛ حِينَ تُبْتُمْ؛ والعَفْوُ: مَحْوُ الجَرِيمَةِ؛ مِن "عَفاهُ": "دَرَسَهُ"؛ وقَدْ يَجِيءُ لازِمًا؛ قالَ: ؎ عَرَفْتُ المَنزِلَ الخالِي ∗∗∗ عَفا مِن بَعْدِ أحْوالِ ؎ عَفاهُ كُلُّ هَتّانٍ ∗∗∗ كَثِيرِ الوَبْلِ هَطّالِ وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أيْ: مِن بَعْدِ الِاتِّخاذِ؛ الَّذِي هو مُتَناهٍ في القُبْحِ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ بُعْدِ العَفْوِ؛ بَعْدَ تِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الظُّلْمِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: لِكَيْ تَشْكُرُوا نِعْمَةَ العَفْوِ؛ وتَسْتَمِرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى الطّاعَةِ.

البقرة 2:53

(p-102)﴿وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾: أيِ التَّوْراةَ؛ الجامِعَةَ بَيْنَ كَوْنِها كِتابًا وحُجَّةً؛ تُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِالفُرْقانِ مُعْجِزاتُهُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُحِقِّ؛ والمُبْطِلِ؛ في الدَّعْوى؛ أوْ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمانِ؛ وقِيلَ: الشَّرْعُ الفارِقُ بَيْنَ الحَلالِ؛ والحَرامِ؛ أوِ النَّصْرُ الَّذِي فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَدُوِّهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾؛ يُرِيدُ بِهِ يَوْمَ بَدْرٍ؛ ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾: لِكَيْ تَهْتَدُوا بِالتَّدَبُّرِ فِيهِ؛ والعَمَلِ بِما يَحْوِيهِ.

البقرة 2:54

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ العَفْوِ المَذْكُورِ؛ ﴿يا قَوْمِ إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكم بِاتِّخاذِكُمُ العِجْلَ﴾: أيْ مَعْبُودًا؛ ﴿فَتُوبُوا﴾: أيْ: فاعْزِمُوا عَلى التَّوْبَةِ؛ ﴿إلى بارِئِكُمْ﴾: أيْ إلى مَن خَلَقَكم بَرِيئًا مِنَ العُيُوبِ؛ والنُّقْصانِ؛ والتَّفاوُتِ؛ ومَيَّزَ بَعْضَكم مِن بَعْضٍ؛ بِصُوَرٍ وهَيْئاتٍ مُخْتَلِفَةٍ؛ وأصْلُ التَّرْكِيبِ: الخُلُوصُ عَنِ الغَيْرِ؛ إمّا بِطَرِيقِ التَّفَصِّي؛ كَما في "بَرِئَ المَرِيضُ"؛ أوْ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ؛ كَما في "بَرَأ اللَّهُآدَمَ مِنَ الطِّينِ"؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ البارِئِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّهم بَلَغُوا مِنَ الجَهالَةِ أقْصاها؛ ومِنَ الغَوايَةِ مُنْتَهاها؛ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ العَلِيمِ الحَكِيمِ؛ الَّذِي خَلَقَهم بِلَطِيفِ حِكْمَتِهِ بَرِيئًا مِنَ التَّفاوُتِ؛ والتَّنافُرِ؛ إلى عِبادَةِ البَقَرِ؛ الَّذِي هو مَثَلٌ في الغَباوَةِ؛ وأنَّ مَن لَمْ يَعْرِفْ حُقُوقَ مُنْعِمِهِ حَقِيقٌ بِأنْ تُسْتَرَدَّ هي مِنهُ؛ ولِذَلِكَ أُمِرُوا بِالقَتْلِ؛ وفَكِّ التَّرْكِيبِ؛ ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: تَمامًا لِتَوْبَتِكم بِالبَخْعِ؛ أوْ بِقَطْعِ الشَّهَواتِ؛ وقِيلَ: أُمِرُوا أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وقِيلَ: أُمِرَ مَن لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ بِقَتْلِ مَن عَبَدَهُ؛ يُرْوى أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَرى قَرِيبَهُ؛ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى المُضِيِّ لِأمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَأرْسَلَ اللَّهُ (تَعالى) ضَبابَةً وسَحابَةً سَوْداءَ؛ لا يَتَباصَرُونَ بِها؛ فَأخَذُوا يَقْتُلُونَ مِنَ الغَداةِ إلى العَشِيِّ؛ حَتّى دَعا مُوسى وهارُونُ - عَلَيْهِما السَّلامُ - فَكُشِفَتِ السَّحابَةُ؛ ونَزَلَتِ التَّوْبَةُ؛ وكانَتِ القَتْلى سَبْعِينَ ألْفًا؛ والفاءُ الأُولى لِلتَّسْبِيبِ؛ والثّانِيَةُ لِلتَّعْقِيبِ؛ ﴿ذَلِكُمْ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّوْبِ؛ والقَتْلِ؛ ﴿خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكُمْ﴾؛ لِما أنَّهُ طُهْرَةٌ عَنِ الشِّرْكِ؛ ووَصْلَةٌ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ والبَهْجَةِ السَّرْمَدِيَّةِ؛ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ؛ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ؛ الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِباقُهُ؛ فَإنَّ مَبْنى الجَمِيعِ عَلى التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِ "بارِئِكُمْ"؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْإيذانِ بِعِلِّيَّةِ عُنْوانِ البارِئِيَّةِ؛ والخَلْقِ؛ والإحْياءِ؛ لِقَبُولِ التَّوْبَةِ؛ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَفْوِ عَنِ القَتْلِ؛ تَقْدِيرُهُ: "فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ فَتابَ عَلَيْكم بارِئِكُمْ"؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "فَتابَ عَلَيْهِمْ"؛ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقَوْمِ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ أُرِيدَ التَّذْكِيرُ بِها لِلْمُخاطَبِينَ؛ لا لِأسْلافِهِمْ؛ هَذا.. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ "فَتابَ عَلَيْكُمْ" مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ؛ عَلى أنَّهُ مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِقَوْمِهِ؛ تَقْدِيرُهُ: "إنْ فَعَلْتُمْ ما أُمِرْتُمْ بِهِ فَقَدْ تابَ عَلَيْكُمْ"؛ ولا يَخْفى أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ اللِّياقَةِ بِجَلالَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ كَيْفَ لا.. وهو حِينَئِذٍ حِكايَةٌ لِوَعْدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَوْمَهُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهُ (تَعالى)؛ لا لِقَبُولِهِ (تَعالى) حَتْمًا؟ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ تَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ القَبُولِ المَحْكِيِّ فِيما قَبْلَ؛ وأنَّ المُرادَ تَذْكِيرُ المُخاطَبِينَ بِتِلْكَ النِّعْمَةِ. ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾: تَعْلِيلٌ (p-103)لِما قَبْلَهُ؛ أيْ أنَّ الَّذِي يُكْثِرُ تَوْفِيقَ المُذْنِبِينَ لِلتَّوْبَةِ؛ ويُبالِغُ في قَبُولِها مِنهُمْ؛ وفي الإنْعامِ عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:55

﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ؛ بَعْدَما صَدَرَ عَنْهم ما صَدَرَ؛ مِنَ الجِنايَةِ العَظِيمَةِ؛ الَّتِي هي اتِّخاذُ العِجْلِ؛ أيْ: لَنْ نُؤْمِنَ لِأجْلِ قَوْلِكَ ودَعْوَتِكَ؛ أوْ: لَنْ نُقِرَّ لَكَ. والمُؤْمَنُ بِهِ: إعْطاءُ اللَّهِ (تَعالى) إيّاهُ التَّوْراةَ؛ أوْ تَكْلِيمُهُ إيّاهُ؛ أوْ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ أوْ أنَّهُ (تَعالى) جَعَلَ تَوْبَتَهم بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهُمْ؛ ﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ أيْ: عِيانًا؛ وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ قَوْلِكَ: "جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ"؛ اسْتُعِيرَتْ لِلْمُعايَنَةِ؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّحادِ في الوُضُوحِ؛ والِانْكِشافِ؛ إلّا أنَّ الأوَّلَ في المَسْمُوعاتِ؛ والثّانِي في المُبْصَراتِ؛ ونَصْبُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ لِأنَّها نَوْعٌ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ؛ أوِ المَفْعُولِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الهاءِ؛ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَـ "الغَلَبَةُ"؛ أوْ جَمْعٌ كَـ "الكَتَبَةُ"؛ فَيَكُونُ حالًا مِنَ الفاعِلِ لا غَيْرَ؛ والقائِلُونَ هُمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ لِمِيقاتِ التَّوْبَةِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ رُوِيَ أنَّهم لَمّا نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا؛ وقالُوا: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَجْمَعَ سَبْعِينَ رَجُلًا؛ ويَحْضُرَ مَعَهُمُ الطُّورَ؛ يُظْهِرُونَ فِيهِ تِلْكَ التَّوْبَةَ؛ فَلَمّا خَرَجُوا إلى الطُّورِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودٌ مِنَ الغَمامِ؛ وتَغْشّاهُ كُلَّهُ؛ فَكَلَّمَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَأْمُرُهُ؛ ويَنْهاهُ؛ وكانَ كُلَّما كَلَّمَهُ (تَعالى) أوْقَعَ عَلى جَبْهَتِهِ نُورًا ساطِعًا؛ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ السَّبْعِينَ النَّظَرَ إلَيْهِ؛ وسَمِعُوا كَلامَهُ ّ(تَعالى) مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: "افْعَلْ؛ ولا تَفْعَلْ"؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ طَمِعُوا في الرُّؤْيَةِ؛ فَقالُوا ما قالُوا؛ كَما سَيَأْتِي في سُورَةِ "الأعْرافِ"؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ وقِيلَ: عَشَرَةُ آلافٍ مِن قَوْمِهِ؛ ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾؛ لِفَرْطِ العِنادِ؛ والتَّعَنُّتِ؛ وطَلَبِ المُسْتَحِيلِ؛ فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - مِمّا يُشْبِهُ الأجْسامَ؛ وتَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّؤْيَةُ تَعَلُّقَها بِها؛ عَلى طَرِيقِ المُقابَلَةِ في الجِهاتِ؛ والأحْيازِ؛ ولا رَيْبَ في اسْتِحالَتِهِ؛ إنَّما المُمْكِنُ في شَأْنِهِ (تَعالى) الرُّؤْيَةُ المُنَزَّهَةُ عَنِ الكَيْفِيّاتِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ؛ ولِلْأفْرادِ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ بَلَغُوا في صَفاءِ الجَوْهَرِ إلى حَيْثُ تَراهم كَأنَّهُمْ؛ وهم في جَلابِيبَ مِن أبْدانِهِمْ؛ قَدْ نَضَوْها وتَجَرَّدُوا عَنْها إلى عالَمِ القُدْسِ؛ في بَعْضِ الأحْوالِ في الدُّنْيا؛ قِيلَ: جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأحْرَقَتْهُمْ؛ وقِيلَ: صَيْحَةٌ؛ وقِيلَ: جُنُودٌ سَمِعُوا بِحَسِيسِها فَخَرُّوا صَعِقِينَ مَيِّتِينَ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ وعَنْ وهْبٍ أنَّهم لَمْ يَمُوتُوا؛ بَلْ لَمّا رَأوْا تِلْكَ الهَيْئَةَ الهائِلَةَ أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ؛ ورَجَفُوا حَتّى كادَتْ تَبِينُ مَفاصِلُهُمْ؛ وتُنْقَضُ ظُهُورُهُمْ؛ وأشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ؛ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ودَعا رَبَّهُ؛ فَكَشَفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَنْهم ذَلِكَ؛ فَرَجَعَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم ومَشاعِرُهُمْ؛ ولَمْ تَكُنْ صَعْقَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْتًا؛ بَلْ غَشْيَةٌ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾؛ ﴿وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أيْ ما أصابَكم بِنَفْسِهِ؛ أوْ بِآثارِهِ.

البقرة 2:56

﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾؛ بِتِلْكَ الصّاعِقَةِ؛ قَيَّدَ البَعْثَ بِهِ لِما أنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الإغْماءِ؛ وقَدْ يَكُونُ مِنَ النَّوْمِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ﴾؛ إلَخْ.. ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: أيْ نِعْمَةَ البَعْثِ؛ أوْ ما كَفَرْتُمُوهُ بِما رَأيْتُمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ (تَعالى).

البقرة 2:57

﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾: أيْ جَعَلْناها بِحَيْثُ تُلْقِي عَلَيْكم ظِلَّها؛ وذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) سَخَّرَ (p-104) لَهُمُ السَّحابَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ وهم في التِّيهِ؛ يُظِلُّهم مِنَ الشَّمْسِ؛ ويَنْزِلُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ في ضَوْئِهِ؛ وثِيابُهم لا تَتَّسِخُ؛ ولا تَبْلى؛ ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾: أيْ: التَّرَنْجَبِينَ؛ والسُّمانى؛ وقِيلَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ؛ لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ؛ وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى؛ فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ؛ ﴿كُلُوا﴾: عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ قائِلِينَ لَهُمْ؛ أوْ قِيلَ لَهُمْ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ مِن مُسْتَلَذّاتِهِ؛ و"ما" - مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً - عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾: كَلامٌ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِ الخِطابِ السّابِقِ؛ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ جِناياتِ المُخاطَبِينَ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وتَعْدادِ قَبائِحِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ المُباثَّةِ؛ مَعْطُوفٌ عَلى مُضْمَرٍ قَدْ حُذِفَ لِلْإيجازِ والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا تِلْكَ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ؛ وما ظَلَمُونا بِذَلِكَ؛ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾؛ بِالكُفْرانِ؛ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرُورَةً؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى القَصْرِ؛ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ؛ وفِيهِ ضَرْبُ تَهَكُّمٍ بِهِمْ؛ والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ في الظُّلْمِ؛ واسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

البقرة 2:58

﴿وَإذْ قُلْنا﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن جَنابِهِ (تَعالى)؛ وكُفْرَةٌ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ قَوْلِنا لِآبائِكُمْ؛ إثْرَ ما أنْقَذْناهم مِنَ التِّيهِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾: مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ؛ وعَلى المَفْعُولِيَّةِ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وقِيلَ: أرِيحا؛ ﴿فَكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾؛ أيْ: واسِعًا هَنِيئًا؛ ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أوِ الحالِيَّةِ؛ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ الدُّخُولُ عَلى وجْهِ الإقامَةِ؛ والسُّكْنى؛ فَيَؤُولُ إلى ما في سُورَةِ "الأعْرافِ" مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾؛ ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾: أيْ بابَ القَرْيَةِ؛ عَلى ما رُوِيَ مِن أنَّهم دَخَلُوا أرِيحا في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَما سَيَجِيءُ في سُورَةِ "المائِدَةِ"؛ أوْ بابَ القُبَّةِ؛ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها؛ فَإنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿سُجَّدًا﴾؛ أيْ: مُتَطامِنِينَ؛ مُخْبِتِينَ؛ أوْ ساجِدِينَ لِلَّهِ (تَعالى) شُكْرًا عَلى إخْراجِهِمْ مِنَ التِّيهِ؛ ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾؛ أيْ: مَسْألَتُنا؛ أوْ: أمْرُكَ حِطَّةٌ؛ وهي "فِعْلَةٌ" مِن "الحَطُّ"؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الأصْلِ؛ بِمَعْنى: حُطَّ عَنّا ذُنُوبَنا حِطَّةً؛ أوْ عَلى أنَّها مَفْعُولُ "قُولُوا"؛ أيْ: قُولُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: أرِنا حِطَّةً؛ أيْ: أنْ نَحُطَّ رِحالَنا في هَذِهِ القَرْيَةِ؛ ونُقِيمَ بِها؛ ﴿نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾؛ لِما تَفْعَلُونَ مِنَ السُّجُودِ والدُّعاءِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ والتّاءِ؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ وأصْلُ "خَطايا": "خَطايِئُ" كَـ "خَضايِعُ"؛ فَعِنْدَ سِيبَوَيْهِ أُبْدِلَتِ الياءُ الزّائِدَةُ هَمْزَةً لِوُقُوعِها بَعْدَ الألِفِ؛ واجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ؛ وأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ياءً؛ ثُمَّ قَلِبَتْ ألِفًا؛ وكانَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ ألِفَيْنِ؛ فَأُبْدِلَتْ ياءً؛ وعِنْدَ الخَلِيلِ قُدِّمَتِ الهَمْزَةُ عَلى الياءِ؛ ثُمَّ فُعِلَ بِها ما ذُكِرَ؛ ﴿وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾؛ ثَوابًا؛ جُعِلَ الِامْتِثالُ تَوْبَةً لِلْمُسِيءِ؛ وسَبَبًا لِزِيادَةِ الثَّوابِ لِلْمُحْسِنِ؛ وأُخْرِجَ ذَلِكَ عَنْ صُورَةِ الجَوابِ؛ إلى الوَعْدِ؛ إيذانًا بِأنَّ المُحْسِنَ بِصَدَدِ ذَلِكَ؛ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ فَكَيْفَ إذا فَعَلَهُ؟ وإنَّهُ يَفْعَلُهُ لا مَحالَةَ.

البقرة 2:59

(p-105)﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ بِما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوْبَةِ؛ والِاسْتِغْفارِ؛ بِأنْ أعْرَضُوا عَنْهُ؛ وأوْرَدُوا مَكانَهُ ﴿قَوْلا﴾ آخَرَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ رُوِيَ أنَّهم قالُوا - مَكانَ "حِطَّةٌ" - حِنْطَةٌ؛ وقِيلَ: قالُوا - بِالنَّبَطِيَّةِ -: حُطًّا سَمْقاثًا؛ يَعْنُونَ: حِنْطَةً حَمْراءَ؛ اسْتِخْفافًا بِأمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: نَعْتٌ لِـ "قَوْلًا"؛ وإنَّما صُرِّحَ بِهِ؛ مَعَ اسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ التَّبْدِيلِ بِلا مُغايَرَةٍ؛ تَحْقِيقًا لِمُخالَفَتِهِمْ؛ وتَنْصِيصًا عَلى المُغايَرَةِ مِن كُلِّ وجْهٍ. ﴿فَأنْزَلْنا﴾؛ أيْ عُقَيْبَ ذَلِكَ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ بِما ذُكِرَ مِنَ التَّبْدِيلِ؛ وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى المَوْصُولِ الأوَّلِ لِلتَّعْلِيلِ؛ والمُبالَغَةِ في الذَّمِّ؛ والتَّقْرِيعِ؛ ولِلتَّصْرِيحِ بِأنَّهم بِما فَعَلُوا قَدْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ (تَعالى). ﴿رِجْزًا مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: عَذابًا مُقَدَّرًا مِنها؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّهْوِيلِ؛ والتَّفْخِيمِ؛ ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ؛ وتَعْلِيلُ إنْزالِ الرِّجْزِ بِهِ - بَعْدَ الإشْعارِ بِتَعْلِيلِهِ بِظُلْمِهِمْ - لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فِسْقٌ؛ وخُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ؛ وغُلُوٌّ في الظُّلْمِ؛ وأنَّ تَعْذِيبَهم بِجَمِيعِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ القَبائِحِ؛ لا بِعَدَمِ تَوْبَتِهِمْ فَقَطْ؛ كَما يُشْعِرُ بِهِ تَرْتِيبُهُ عَلى ذَلِكَ بِالفاءِ؛ والرِّجْزُ في الأصْلِ: ما يُعافُ عَنْهُ؛ وكَذَلِكَ الرِّجْسُ؛ وقُرِئَ بِالضَّمِّ؛ وهو لُغَةٌ فِيهِ؛ والمُرادُ بِهِ الطّاعُونُ؛ رُوِيَ أنَّهُ ماتَ بِهِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا.

البقرة 2:60

﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى كَفَرُوها؛ وكانَ ذَلِكَ في التِّيهِ؛ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِمُ العَطَشُ الشَّدِيدُ؛ وتَغْيِيرُ التَّرْتِيبِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِرارًا مِن قَصْدِ إبْرازِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في مَعْرِضِ أمْرٍ مُسْتَقِلٍّ واجِبِ التَّذْكِيرِ والتَّذَكُّرِ؛ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُقُوعِيُّ لَفُهِمَ أنَّ الكُلَّ أمْرٌ واحِدٌ؛ أُمِرَ بِذِكْرِهِ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ؛ أيْ: اسْتَسْقى لِأجْلِ قَوْمِهِ. ﴿فَقُلْنا اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾؛ رُوِيَ أنَّهُ كانَ حَجَرًا طُورِيًّا؛ مُكَعَّبًا؛ حَمَلَهُ مَعَهُ؛ وكانَ يَنْبُعُ مِن كُلِّ وجْهٍ مِنهُ ثَلاثُ أعْيُنٍ؛ يَسِيلُ كُلُّ عَيْنٍ في جَدْوَلٍ إلى سِبْطٍ؛ وكانُوا سِتَّمائَةِ ألْفٍ؛ وسِعَةُ المُعَسْكَرِ اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا؛ أوْ كانَ حَجَرًا أهْبَطَهُ اللَّهُ (تَعالى) مَعَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الجَنَّةِ؛ ووَقَعَ إلى شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأعْطاهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ العَصا؛ أوْ كانَ هو الحَجَرَ الَّذِي فَرَّ بِثَوْبِهِ حِينَ وضَعَهُ عَلَيْهِ لِيَغْتَسِلَ وبَرَّأهُ اللَّهُ (تَعالى) بِهِ عَمّا رَمَوْهُ بِهِ مِنَ الأُدَرَةِ؛ فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَحْمِلَهُ؛ أوْ كانَ حَجَرًا مِنَ الحِجارَةِ؛ وهو الأظْهَرُ في الحُجَّةِ؛ قِيلَ: لَمْ يُؤْمَرْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِضَرْبِ حَجَرٍ بِعَيْنِهِ؛ ولَكِنْ لَمّا قالُوا: كَيْفَ بِنا لَوْ أفْضَيْنا إلى أرْضٍ لا حِجارَةَ بِها؟ حَمَلَ حَجَرًا في مِخْلاتِهِ؛ وكانَ يَضْرِبُهُ بِعَصاهُ إذا نَزَلَ؛ فَيَتَفَجَّرُ؛ ويَضْرِبُهُ إذا ارْتَحَلَ فَيَيْبَسُ؛ فَقالُوا: إنْ فَقَدَ مُوسى عَصاهُ مِتْنا عَطَشًا؛ فَأوْحى اللَّهُ (تَعالى) إلَيْهِ أنْ لا تَقْرَعِ الحَجَرَ؛ وكَلِّمْهُ يُطِعْكَ؛ لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ؛ وقِيلَ: كانَ الحَجْرُ مِن رُخامٍ؛ حَجْمُهُ ذِراعٌ في ذِراعٍ؛ والعَصا عَشْرَةُ أذْرُعٍ؛ عَلى طُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ (p-106) مِن آسِ الجَنَّةِ؛ ولَها شُعْبَتانِ تَتَّقِدانِ في الظُّلْمَةِ؛ ﴿فانْفَجَرَتْ﴾: عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُرْعَةِ تَحَقُّقِ الِانْفِجارِ؛ كَأنَّهُ حَصَلَ عُقَيْبَ الأمْرِ بِالضَّرْبِ؛ أيْ: فَضَرَبَ؛ فانْفَجَرَتْ ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾؛ وأمّا تَعَلُّقُ الفاءِ بِمَحْذُوفٍ - أيْ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْفَجَرَتْ - فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ كَما لا يَخْفى عَلى أحَدٍ؛ وقُرِئَ: "عَشِرَةَ"؛ بِكَسْرِ الشِّينِ؛ وفَتْحِها؛ وهُما أيْضًا لُغَتانِ؛ ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾: كُلُّ سِبْطٍ؛ ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ؛ ﴿كُلُوا واشْرَبُوا﴾: عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ ﴿مِن رِزْقِ اللَّهِ﴾: هو ما رَزَقَهم مِنَ المَنِّ؛ والسَّلْوى؛ والماءِ؛ وقِيلَ: هو الماءُ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ يُؤْكَلُ ما يَنْبُتُ بِهِ مِنَ الزُّرُوعِ؛ والثِّمارِ؛ ويَأْباهُ أنَّ المَأْمُورَ بِهِ أكْلُ النِّعْمَةِ العَتِيدَةِ؛ لا ما سَيَطْلُبُونَهُ؛ وإضافَتُهُ إلَيْهِ (تَعالى) - مَعَ اسْتِنادِ الكُلِّ إلَيْهِ خَلْقًا ومِلْكًا - إمّا لِلتَّشْرِيفِ؛ وإمّا لِظُهُورِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ عادِيٍّ؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "مِن رِزْقِنا"؛ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَقُلْنا﴾؛ إلَخْ.. إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ بِالأكْلِ والشُّرْبِ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ الخِطابِ؛ بَلْ بِواسِطَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾: العَثْيُ: أشَدُّ الفَسادِ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: لا تَتَمادَوْا في الفَسادِ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾؛ وقِيلَ: إنَّما قُيِّدَ بِهِ لِأنَّ العَثْيَ في الأصْلِ: مُطْلَقُ التَّعَدِّي؛ وإنْ غَلَبَ في الفَسادِ؛ وقَدْ يَكُونُ في غَيْرِ الفَسادِ؛ كَما في مُقابَلَةِ الظّالِمِ المُعْتَدِي بِفِعْلِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ فِيهِ صَلاحٌ راجِحٌ؛ كَقَتْلِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْغُلامِ؛ وخَرْقِهِ لِلسَّفِينَةِ؛ ونَظِيرُهُ "العَبَثُ"؛ خَلا أنَّهُ غالِبٌ فِيما يُدْرَكُ حِسًّا.