Tafsir Abi Al-Suaood — البقرة 2:61 – البقرة 2:209
المحتويات
- البقرة 2:61
- البقرة 2:62
- البقرة 2:63
- البقرة 2:64
- البقرة 2:65
- البقرة 2:66
- البقرة 2:67
- البقرة 2:68
- البقرة 2:69
- البقرة 2:70
- البقرة 2:71
- البقرة 2:72
- البقرة 2:73
- البقرة 2:74
- البقرة 2:75
- البقرة 2:76
- البقرة 2:77
- البقرة 2:78
- البقرة 2:79
- البقرة 2:80
- البقرة 2:81
- البقرة 2:82
- البقرة 2:83
- البقرة 2:84
- البقرة 2:85
- البقرة 2:86
- البقرة 2:87
- البقرة 2:88
- البقرة 2:89
- البقرة 2:90
- البقرة 2:91
- البقرة 2:92
- البقرة 2:93
- البقرة 2:94
- البقرة 2:95
- البقرة 2:96
- البقرة 2:97
- البقرة 2:98
- البقرة 2:99
- البقرة 2:100
- البقرة 2:101
- البقرة 2:102
- البقرة 2:103
- البقرة 2:104
- البقرة 2:105
- البقرة 2:106
- البقرة 2:107
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
- البقرة 2:197
- البقرة 2:198
- البقرة 2:199
- البقرة 2:200
- البقرة 2:201
- البقرة 2:202
- البقرة 2:203
- البقرة 2:204
- البقرة 2:205
- البقرة 2:206
- البقرة 2:207
- البقرة 2:208
- البقرة 2:209
البقرة 2:61
﴿وَإذْ قُلْتُمْ﴾: تَذْكِيرٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ وكُفْرانِهِمْ لِنِعْمَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وإخْلادِهِمْ إلى ما كانُوا فِيهِ مِنَ الدَّناءَةِ؛ والخَساسَةِ. وإسْنادُ القَوْلِ المَحْكِيِّ إلى أخْلافِهِمْ؛ وتَوْجِيهُ التَّوْبِيخِ إلَيْهِمْ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّحادِ.
﴿يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾: لَعَلَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ جَمْعَ ما طَلَبُوا مَعَ ما كانَ لَهم مِنَ النِّعْمَةِ؛ ولا زَوالَها وحُصُولَ ما طَلَبُوا مَكانَها؛ إذْ يَأْباهُ التَّعَرُّضُ لِلْوَحْدَةِ؛ بَلْ أرادُوا أنْ يَكُونَ هَذا تارَةً؛ وذاكَ أُخْرى؛ رُوِيَ أنَّهم كانُوا فَلّاحَةً؛ فَنَزَعُوا إلى عَكَرِهِمْ؛ فَأجِمُوا ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ العَتِيدَةِ؛ لِوَحْدَتِها النَّوْعِيَّةِ؛ وإطِّرادِها؛ وتاقَتْ أنْفُسُهم إلى الشَّقاءِ.
﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾: أيْ: سَلْهُ لِأجْلِنا بِدُعائِكَ إيّاهُ؛ والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ عَدَمِ الصَّبْرِ لِلدُّعاءِ. والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِتَمْهِيدِ مَبادِي الإجابَةِ.
﴿يُخْرِجْ لَنا﴾: أيْ: يُظْهِرْ لَنا؛ ويُوجِدْ؛ والجَزْمُ لِجَوابِ الأمْرِ؛ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾: إسْنادٌ مَجازِيٌّ بِإقامَةِ القابِلِ مَقامَ الفاعِلِ؛ و"مِن" تَبْعِيضِيَّةٌ؛ والَّتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها وعَدَسِها وبَصَلِها﴾: بَيانِيَّةٌ؛ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الحالِ؛ أيْ: كائِنًا مِن بَقْلِها؛ إلَخْ.. وقِيلَ: بَدَلٌ؛ بِإعادَةِ الجارِّ. والبَقْلُ: ما تُنْبِتُ الأرْضُ مِنَ الخُضَرِ؛ والمُرادُ أطايِبُهُ؛ الَّتِي تُؤْكَلُ؛ كالنَّعْناعِ؛ والكَرَفْسِ؛ والكُرّاثِ؛ وأشْباهِها. والفُومُ: الحِنْطَةُ؛ وقِيلَ: الثُّومُ؛ وقُرِئَ: "قُثّائِها"؛ بِضَمِّ القافِ؛ وهو لُغَةٌ فِيهِ.
قالَ: أيْ: اللَّهُ (تَعالى)؛ أوْ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ (p-107)إنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ وهو اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ﴾؛ أيْ: أتَأْخُذُونَ لِأنْفُسِكُمْ؛ وتَخْتارُونَ؛ ﴿الَّذِي هو أدْنى﴾؛ أيْ: أقْرَبُ مَنزِلَةً؛ وأدْوَنُ قَدْرًا؛ سَهْلُ المَنالِ؛ وهَيِّنُ الحُصُولِ؛ لِعَدَمِ كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ؛ وكَوْنِهِ تافِهًا؛ مَرْذُولًا؛ قَلِيلَ القِيمَةِ. وأصْلُ الدُّنُوِّ: القُرْبُ في المَكانِ؛ فاسْتُعِيرَ لِلْخِسَّةِ؛ كَما اسْتُعِيرَ البُعْدُ لِلشَّرَفِ؛ والرِّفْعَةِ؛ فَقِيلَ: بَعِيدُ المَحَلِّ؛ وبَعِيدُ الهِمَّةِ. وقُرِئَ: "أدْنَأُ"؛ مِن "الدَّناءَةُ"؛ وقَدْ حُمِلَتِ المَشْهُورَةُ عَلى أنَّ ألِفَها مُبْدَلَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ؛ ﴿بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾: أيْ: بِمُقابَلَةِ ما هو خَيْرٌ؛ فَإنَّ الباءَ تَصْحَبُ الذّاهِبَ الزّائِلَ؛ دُونَ الآتِي الحاصِلِ؛ كَما في التَّبْدِيلِ؛ في مِثْلِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾؛ وقَوْلِهِ: ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾؛ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ قَطْعًا عَلى أنَّهم أرادُوا زَوالَ المَنِّ والسَّلْوى بِالمَرَّةِ؛ وحُصُولَ ما طَلَبُوا مَكانَهُ؛ كَتَحْقِيقِ الِاسْتِبْدالِ؛ فِيما مَرَّ مِن صُورَةِ المُناوَبَةِ.
﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: أُمِرُوا بِهِ بَيانًا لِدَناءَةِ مَطْلَبِهِمْ؛ أوْ إسْعافًا لِمَرامِهِمْ؛ أيْ: انْحَدِرُوا إلَيْهِ مِنَ التِّيهِ؛ يُقالُ: "هَبَطَ الوادِيَ"؛ وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ؛ و"المِصْرُ": البَلَدُ العَظِيمُ؛ وأصْلُهُ الحَدُّ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ العَلَمُ؛ وإنَّما صُرِفَ لِسُكُونِ وسَطِهِ؛ أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالبَلَدِ دُونَ المَدِينَةِ؛ ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - غَيْرُ مُنَوَّنٍ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ "مِصْرايِيمُ"؛ فَعُرِّبَ.
﴿فَإنَّ لَكم ما سَألْتُمْ﴾: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ؛ أيْ: فَإنَّ لَكم فِيهِ ما سَألْتُمُوهُ؛ ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ الأشْياءِ المَسْؤُولَةِ بِـ "ما" لِلِاسْتِهْجانِ بِذِكْرِها؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنَّهُ كَثِيرٌ فِيهِ؛ مُبْتَذَلٌ؛ يَنالُهُ كُلُّ أحَدٍ بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ.
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾: أيْ: جُعِلَتا مُحِيطَتَيْنِ بِهِمْ إحاطَةَ القُبَّةِ بِمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ؛ أوْ أُلْصِقَتا بِهِمْ؛ وجُعِلَتا ضَرْبَةَ لازِبٍ؛ لا تَنْفَكّانِ عَنْهُمْ؛ مُجازاةً لَهم عَلى كُفْرانِهِمْ؛ مِن ضَرْبِ الطِّينِ عَلى الحائِطِ؛ بِطَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ؛ واليَهُودُ في غالِبِ الأمْرِ أذِلّاءُ مَساكِينُ؛ إمّا عَلى الحَقِيقَةِ؛ وإمّا لِخَوْفِ أنْ تُضاعَفَ جِزْيَتُهم.
﴿وَباءُوا﴾: أيْ: رَجَعُوا؛ ﴿بِغَضَبٍ﴾؛ عَظِيمٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ اللَّهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ هو صِفَةٌ لِـ "غَضَبٍ"؛ مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ؛ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: بِغَضَبٍ كائِنٍ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوْ صارُوا أحِقّاءَ بِهِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "باءَ فُلانٌ بِفُلانٍ"؛ أيْ: صارَ حَقِيقًا بِأنْ يُقْتَلَ بِمُقابَلَتِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُ مَن قالَ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ؛ وأصْلُ البَوْءِ: المُساواةُ.
﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ؛ والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ؛ ﴿بِأنَّهُمْ﴾: بِسَبَبِ أنَّهُمْ؛ ﴿كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿بِآياتِ اللَّهِ﴾؛ الباهِرَةِ الَّتِي هي المُعْجِزاتُ السّاطِعَةُ؛ الظّاهِرَةُ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِمّا عُدَّ؛ وما لَمْ يُعَدَّ.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ كَشَعْيا؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ - مَعَ أنَّ قَتْلَ الأنْبِياءِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ بِحَقٍّ - الإيذانُ بِأنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم أيْضًا بِغَيْرِ الحَقِّ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مُعْتَقِدًا بِحَقِّيَّةِ قَتْلِ أحَدٍ مِنهم - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وإنَّما حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ حُبُّ الدُّنْيا؛ واتِّباعُ الهَوى؛ والغُلُوُّ في العِصْيانِ؛ والِاعْتِداءُ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ أيْ: جَرَّهُمُ العِصْيانُ؛ والتَّمادِي في العُدْوانِ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ؛ وقَتْلِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإنَّ صِغارَ الذُّنُوبِ إذا دُووِمَ عَلَيْها أدَّتْ إلى كِبارِها؛ كَما أنَّ مُداوَمَةَ صِغارِ الطّاعاتِ مُؤَدِّيَةٌ إلى تَحَرِّي كِبارِها؛ وقِيلَ: كُرِّرَتِ الإشارَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما لَحِقَهم - كَما أنَّهُ بِسَبَبِ الكُفْرِ؛ والقَتْلِ -؛ فَهو بِسَبَبِ ارْتِكابِهِمُ المَعاصِيَ؛ واعْتِدائِهِمْ حُدُودَ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقِيلَ: الإشارَةُ إلى الكُفْرِ؛ والقَتْلِ. والباءُ بِمَعْنى "مَعَ"؛ ويَجُوزُ الإشارَةُ إلى المُتَعَدِّدِ بِالمُفْرَدِ؛ بِتَأْوِيلِ ما ذُكِرَ؛ أوْ تَقَدَّمَ؛ كَما في قَوْلِ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ: كانَ ما ذُكِرَ؛ والَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ في المُضْمَراتِ والمُبْهَماتِ (p-108)
أنَّ تَثْنِيَتَها وجَمْعَها لَيْسا عَلى الحَقِيقَةِ؛ ولِذَلِكَ جاءَ "الَّذِي" بِمَعْنى "الَّذِينَ".
البقرة 2:62
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أيْ بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ؛ وهُمُ المُنافِقُونَ؛ بِقَرِينَةِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ الكَفَرَةِ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِذَلِكَ؛ دُونَ عُنْوانِ النِّفاقِ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِأنَّ تِلْكَ المَرْتَبَةَ - وإنْ عُبِّرَ عَنْها بِالإيمانِ - لا تُجْدِيهِمْ نَفْعًا أصْلًا؛ ولا تُنْقِذُهم مِن ورْطَةِ الكُفْرِ قَطْعًا؛ ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾: أيْ تَهَوَّدُوا؛ مِن "هادَ"؛ إذا دَخَلَ في اليَهُودِيَّةِ؛ و"يَهُودٌ": إمّا عَرَبِيٌّ؛ مِن "هادَ"؛ إذا تابَ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ حِينَ تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ؛ وخُصُّوا بِهِ لَمّا كانَتْ تَوْبَتُهم هائِلَةً؛ وإمّا مُعَرَّبُ "يَهُوذا"؛ كَأنَّهم سُمُّوا بِاسْمِ أكْبَرِ أوْلادِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ﴿والنَّصارى﴾: جَمْعُ "نَصْرانُ"؛ كَـ "نَدامى"؛ جَمْعُ "نَدْمانُ"؛ يُقالُ: رَجُلٌ "نَصْرانُ"؛ وامْرَأةٌ نَصْرانَةٌ؛ والياءُ في "نَصْرانِيٌّ" لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "أحْمَرِيٌّ"؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأنَّهم نَصَرُوا المَسِيحَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ لِأنَّهُمُ كانُوا مَعَهُ في قَرْيَةٍ؛ يُقالُ لَها "نَصْرانُ"؛ فَسُمُّوا بِاسْمِها؛ أوْ نُسِبُوا إلَيْها؛ والياءُ لِلنِّسْبَةِ؛ وقالَ الخَلِيلُ: واحِدُ "النَّصارى": "نَصْرِيٌّ"؛ كَـ "مَهْرِيٌّ"؛ و"مَهارى"؛ ﴿والصّابِئِينَ﴾ هم قَوْمٌ بَيْنَ النَّصارى؛ والمَجُوسِ؛ وقِيلَ: أصْلُ دِينِهِمْ دِينُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: هم عَبَدَةُ المَلائِكَةِ؛ وقِيلَ: عَبَدَةُ الكَواكِبِ؛ فَهو إنْ كانَ عَرَبِيًّا فَمِن "صَبَأ"؛ إذا خَرَجَ مِن دِينٍ إلى آخَرَ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ إمّا لِلتَّخْفِيفِ؛ وإمّا لِأنَّهُ مِن "صَبا"؛ إذا مالَ؛ لِما أنَّهم مالُوا مِن سائِرِ الأدْيانِ إلى ما هم فِيهِ؛ أوْ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ؛ ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: أيْ: مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا بِالمَبْدَإ والمَعادِ؛ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ؛ ﴿وَعَمِلَ﴾؛ عَمَلًا؛ ﴿صالِحًا﴾: حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِما ذُكِرَ؛ ﴿فَلَهُمْ﴾؛ بِمُقابَلَةِ ذَلِكَ؛ ﴿أجْرُهُمْ﴾؛ المَوْعُودُ لَهُمْ؛ ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أيْ: مالِكِ أمْرِهِمْ؛ ومُبَلِّغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ؛ فَـ "مَن": إمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى الِابْتِداءِ؛ خَبَرُهُ جُمْلَةُ "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ﴾؛ الآيَةِ.. وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ؛ كَما أنَّ إفْرادَ ما في الصِّلَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ؛ والجُمْلَةُ - كَما هي - خَبَرُ "إنَّ"؛ والعائِدُ إلى اسْمِها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "مَن آمَنَ مِنهم..." إلَخْ.. وإمّا في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ اسْمِ "إنَّ"؛ وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ وخَبَرُها "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ و"عِنْدَ": مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ "لَهُمْ"؛ مِن مَعْنى الثُّبُوتِ؛ وفي إضافَتِهِ إلى الرَّبِّ؛ المُضافِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ؛ وإيذانٌ بِأنَّ أجْرَهم مُتَيَقَّنُ الثُّبُوتِ؛ مَأْمُونٌ مِنَ الفَواتِ؛﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ "فَلَهم أجْرُهُمْ"؛ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ حِينَ يَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ؛ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ؛ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ؛ والمُرادُ بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما؛ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما؛ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ النَّفْيَ - وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ - يُفِيدُ الدَّوامَ؛ والِاسْتِمْرارَ؛ بِحَسَبِ المَقامِ؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِـ "الَّذِينَ آمَنُوا": المُتَدَيِّنُونَ بِدِينِ الإسْلامِ؛ المُخْلِصُونَ مِنهم والمُنافِقُونَ؛ فَحِينَئِذٍ لا بُدَّ مِن تَفْسِيرِ "مَن آمَنَ"؛ بِـ "مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ"؛ عَلى الإطْلاقِ؛ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ؛ كَإيمانِ المُخْلِصِينَ؛ أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ؛ كَإيمانِ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ؛ وسائِرِ الطَّوائِفِ؛ وفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ مَزِيدُ تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأْخِيرَهم (p-109)فِي الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ؛ في اسْتِحْقاقِ الأجْرِ؛ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأمْنِ الدّائِمِ؛ وأمّا ما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ "مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ؛ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَإ والمَعادِ؛ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ"؛ فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا؛ لِأنَّ مُقْتَضى المَقامِ هو التَّرْغِيبُ في دِينِ الإسْلامِ؛ وأمّا بَيانُ حالِ مَن مَضى عَلى دِينٍ آخَرَ قَبْلَ انْتِساخِهِ؛ فَلا مُلابَسَةَ لَهُ بِالمَقامِ قَطْعًا؛ بَلْ رُبَّما يُخِلُّ بِمُقْتَضاهُ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى حَقِّيَّتِهِ في زَمانِهِ في الجُمْلَةِ؛ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ؛ والصّابِئِينَ؛ لا يَتَسَنّى في حَقِّهِمْ ما ذُكِرَ؛ أمّا المُنافِقُونَ؛ فَإنْ كانُوا مِن أهْلِ الشِّرْكِ فالأمْرُ بَيِّنٌ؛ وإنْ كانُوا مِن أهْلِ الكِتابِ فَمَن مَضى مِنهم قَبْلَ النَّسْخِ لَيْسُوا بِمُنافِقِينَ؛ وأمّا الصّابِئُونَ فَلَيْسَ لَهم دِينٌ يَجُوزُ رِعايَتُهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ولَوْ سُلِّمَ أنَّهُ كانَ لَهم دِينٌ سَماوِيٌّ؛ ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ؛ فَمَن مَضى مِن أهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ؛ قَبْلَ خُرُوجِهِمْ مِنهُ؛ فَلَيْسُوا مِنَ الصّابِئِينَ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ إرْجاعُ الضَّمِيرِ الرّابِطِ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ" وخَبَرِها إلَيْهِمْ؛ أوْ إلى المُنافِقِينَ؛ وارْتِكابُ إرْجاعِهِ إلى مَجْمُوعَةِ الطَّوائِفِ مِن حَيْثُ هو مَجْمُوعٌ؛ لا إلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها؛ قَصْدًا إلى دَرْجِ الفَرِيقِ المَذْكُورِ فِيهِ؛ ضَرُورَةَ أنَّ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ قَبْلَ نَسْخِهِ؛ مِن مَجْمُوعِ الطَّوائِفِ؛ بِحُكْمِ اشْتِمالِهِ عَلى اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُنافِقِينَ؛ والصّابِئِينَ؛ مِمّا يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ؛ عَلى أنَّ المُخْلِصِينَ - مَعَ انْدِراجِهِمْ في حَيِّزِ اسْمِ "إنَّ" - لَيْسَ لَهم في حَيِّزِ خَبَرِها عَيْنٌ؛ ولا أثَرٌ؛ فَتَأمَّلْ؛ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
البقرة 2:63
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: تَذْكِيرٌ لِجِنايَةٍ أُخْرى لِأسْلافِهِمْ؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا لِمِيثاقِكم بِالمُحافَظَةِ عَلى ما في التَّوْراةِ"؛ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾: عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ "أخَذْنا"؛ أوْ حالٌ؛ أيْ: "وَقَدْ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ؛ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ"؛ رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا جاءَهم بِالتَّوْراةِ؛ فَرَأوْا ما فِيها مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ؛ كَبُرَتْ عَلَيْهِمْ؛ فَأبَوْا قَبُولَها؛ فَأُمِرَجِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَلَعَ الطُّورَ؛ فَظَلَّلَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى قَبِلُوا؛ ﴿خُذُوا﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ ﴿ما آتَيْناكُمْ﴾؛ مِنَ الكِتابِ؛ ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ؛ ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾: أيِ احْفَظُوهُ؛ ولا تَنْسَوْهُ؛ أوْ تَفَكَّرُوا فِيهِ؛ فَإنَّهُ ذِكْرٌ بِالقَلْبِ؛ أوِ اعْمَلُوا بِهِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾: لِكَيْ تَتَّقُوا المَعاصِيَ؛ أوْ لِتَنْجُوا مِن هَلاكِ الدّارَيْنِ؛ أوْ رَجاءً مِنكم أنْ تَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ؛ أوْ طَلَبًا لِذَلِكَ؛ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ؛ .
البقرة 2:64
﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ أعْرَضْتُمْ عَنِ الوَفاءِ بِالمِيثاقِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: مِن بَعْدِ أخْذِ ذَلِكَ المِيثاقِ المُؤَكَّدِ؛ ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾؛ بِتَوْفِيقِكم لِلتَّوْبَةِ؛ أوْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ حَيْثُ يَدْعُوكم إلى الحَقِّ؛ ويَهْدِيكم إلَيْهِ؛ ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾؛ أيِ المَغْبُونِينَ بِالِانْهِماكِ في المَعاصِي؛ والخَبْطِ في مَهاوِي الضَّلالِ عِنْدَ الفَتْرَةِ؛ وقِيلَ: لَوْلا فَضْلُهُ (تَعالى) عَلَيْكم بِالإمْهالِ؛ وتَأْخِيرِ العَذابِ؛ لَكُنْتُمْ مِنَ الهالِكِينَ؛ وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ؛ وكَلِمَةُ "لَوْلا"؛ إمّا بَسِيطَةٌ؛ أوْ مُرَكَّبَةٌ مِن "لَوْ" الِامْتِناعِيَّةِ؛ وحَرْفِ النَّفْيِ؛ ومَعْناها: امْتِناعُ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ؛ كَما أنَّ "لَوْ" لِامْتِناعِهِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ؛ والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَها - عِنْدَ سِيبَوَيْهِ - مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ؛ وسَدَّ الجَوابُ (p-110)مَسَدَّهُ؛ والتَّقْدِيرُ: "لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ (تَعالى) حاصِلٌ"؛ وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: "لَوْلا ثَبَتَ فَضْلُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْكم.
البقرة 2:65
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾؛ أيْ: عَرَفْتُمْ؛ ﴿الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ﴾؛ رُوِيَ أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَتَمَحَّضُوا يَوْمَ السَّبْتِ لِلْعِبادَةِ؛ ويَتَجَرَّدُوا لَها؛ ويَتْرُكُوا الصَّيْدَ؛ فاعْتَدى فِيهِ أُناسٌ مِنهم في زَمَنِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فاشْتَغَلُوا بِالصَّيْدِ؛ وكانُوا يَسْكُنُونَ قَرْيَةً بِساحِلِ البَحْرِ؛ يُقالُ لَها "أيْلَةُ"؛ فَإذا كانَ يَوْمُ السَّبْتِ لَمْ يَبْقَ في البَحْرِ حُوتٌ إلّا بَرَزَ؛ وأخْرَجَ خُرْطُومَهُ؛ فَإذا مَضى تَفَرَّقَتْ؛ فَحَفَرُوا حِياضًا؛ وشَرَعُوا إلَيْها الجَداوِلَ؛ وكانَتِ الحِيتانُ تَدْخُلُها يَوْمَ السَّبْتِ فَيَصْطادُونَها يَوْمَ الأحَدِ؛ فالمَعْنى: وبِاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمُوهم حِينَ فَعَلُوا مِن قَبِيلِ جِناياتِكم ما فَعَلُوا؛ فَلَمْ نُمْهِلْهُمْ؛ ولَمْ نُؤَخِّرْ عُقُوبَتَهُمْ؛ بَلْ عَجَّلْناها؛ ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾؛ أيْ: جامِعِينَ بَيْنَ صُورَةِ القِرَدَةِ؛ والخُسُوءِ؛ وهو الطَّرْدُ؛ والصَّغارُ؛ عَلى أنَّ خاسِئِينَ نَعْتٌ لِـ "قِرَدَةً"؛ وقِيلَ: حالٌ مِنَ اسْمِ "كُونُوا"؛ عِنْدَ مَن يُجِيزُ عَمَلَ "كانَ" في الظُّرُوفِ؛ والحالِ؛ وقِيلَ: مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في "قِرَدَةً"؛ لِأنَّهُ في مَعْنى "مَمْسُوخِينَ"؛ وقالَ مُجاهِدٌ: ما مُسِخَتْ صُوَرُهُمْ؛ ولَكِنْ قُلُوبُهُمْ؛ فَمُثِّلُوا بِالقِرَدَةِ؛ كَما مُثِّلُوا بِالحِمارِ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾؛ والمُرادُ بِالأمْرِ بَيانُ سُرْعَةِ التَّكْوِينِ؛ وأنَّهم صارُوا كَذَلِكَ؛ كَما أرادَهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "قَرِدَةً"؛ بِفَتْحِ القافِ؛ وكَسْرِ الرّاءِ؛ و"خاسِينَ"؛ بِغَيْرِ هَمْزٍ.
البقرة 2:66
﴿فَجَعَلْناها﴾: أيِ المَسْخَةَ؛ والعُقُوبَةَ؛ ﴿نَكالا﴾: عِبْرَةً تُنَكِّلُ المُعْتَبِرَ بِها؛ أيْ تَمْنَعُهُ؛ وتَرْدَعُهُ؛ ومِنهُ "النَّكْلُ"؛ لِلْقَيْدِ؛ ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾: لِما قَبْلَها؛ وما بَعْدَها؛ مِنَ الأُمَمِ؛ إذْ ذُكِرَتْ حالُهم في زُبُرِ الأوَّلِينَ؛ واشْتُهِرَتْ قِصَصُهم في الآخِرِينَ؛ أوْ لِمُعاصِرِيهِمْ؛ ومَن بَعْدَهُمْ؛ أوْ لِما بِحَضْرَتِها مِنَ القُرى؛ وما تَباعَدَ عَنْها؛ أوْ لِأهْلِ تِلْكَ القَرْيَةِ؛ وما حَوالَيْها؛ أوْ لِأجْلِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْها مِن ذُنُوبِهِمْ؛ وما تَأخَّرَ مِنها؛ ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ مِن قَوْمِهِمْ؛ أوْ لِكُلِّ مُتَّقٍ سَمِعَها.
البقرة 2:67
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾: تَوْبِيخٌ آخَرُ لِأخْلافِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ بِتَذْكِيرِ بَعْضِ جِناياتٍ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأجْدادِكُمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾؛ وسَبَبُهُ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ مُوسِرٌ؛ فَقَتَلَهُ بَنُو عَمِّهِ؛ طَمَعًا في مِيراثِهِ؛ فَطَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ؛ ثُمَّ جاؤُوا يُطالِبُونَ بِدِيَتِهِ؛ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يَذْبَحُوا بَقَرَةً؛ ويَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها؛ فَيَحْيا؛ فَيُخْبِرَهم بِقاتِلِهِ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعُوا؟ هَلْ سارَعُوا إلى الِامْتِثالِ؛ أوْ لا؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾؛ بِضَمِّ الزّاءِ؛ وقَلْبِ الهَمْزَةِ واوًا؛ وقُرِئَ بِالهَمْزَةِ مَعَ الضَّمِّ والسُّكُونِ؛ أيْ: أتَجْعَلُنا مَكانَ هُزُؤٍ؛ أوْ أهْلَ هُزُؤٍ أوْ مَهْزُوءًا بِنا؛ أوِ الهُزُؤَ نَفْسَهُ؟ اسْتِبْعادًا لِما قالَهُ؛ واسْتِخْفافًا بِهِ؛ قالَ: اسْتِئْنافٌ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾؛ لِأنَّ الهُزُؤَ في أثْناءِ تَبْلِيغِ أمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - جَهْلٌ؛ وسَفَهٌ؛ نَفى عَنْهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - (p-111)ما تَوَهَّمُوهُ مِن قَبْلِهِ؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ ما لا مَكْرُوهَ وراءَهُ؛ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ؛ اسْتِفْظاعًا لَهُ؛ واسْتِعْظامًا لِما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ الَّتِي شافَهُوهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِها.
البقرة 2:68
﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: تَوَجَّهُوا نَحْوَ الِامْتِثالِ؛ وقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا﴾؛ أيْ لِأجْلِنا؛ ﴿رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾: "ما": مُبْتَدَأٌ؛ و"هِيَ": خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ. "يُبَيِّنْ": أيْ: يُبَيِّنْ لَنا جَوابَ هَذا السُّؤالِ؛ وقَدْ سَألُوا عَنْ حالِها؛ وصِفَتِها؛ لَمّا قَرَعَ أسْماعَهم ما لَمْ يَعْهَدُوهُ مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ؛ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيْتٌ؛ فَيَحْيا؛ فَإنَّ "ما"؛ وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ - كَما في "ما" الشّارِحَةِ والحَقِيقِيَّةِ - لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ؛ والحالُ؛ تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: طَبِيبٌ؛ أوْ عالِمٌ. وقِيلَ: كانَ حَقُّهُ أنْ يُسْتَفْهَمَ بِـ "أيُّ"؛ لَكِنَّهم لَمّا رَأوْا ما أُمِرُوا بِهِ عَلى حالَةٍ مُغايِرَةٍ لِما عَلَيْهِ الجِنْسُ؛ أخْرَجُوهُ عَنِ الحَقِيقَةِ؛ فَجَعَلُوهُ جِنْسًا عَلى حِيالِهِ.
قالَ: أيْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَما دَعا رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالبَيانِ؛ وأتاهُ الوَحْيُ: ﴿إنَّهُ﴾ (تَعالى) ﴿يَقُولُ إنَّها﴾؛ أيِ البَقَرَةَ المَأْمُورَ بِذَبْحِها؛ ﴿بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾؛ أيْ: لا مُسِنَّةٌ؛ ولا فَتِيَّةٌ؛ يُقالُ: "فَرَضَتِ البَقَرَةُ فُرُوضًا"؛ أيْ: أسَنَّتْ؛ مِن "الفَرْضُ"؛ بِمَعْنى "القَطْعُ"؛ كَأنَّها قَطَعَتْ سِنَّها؛ وبَلَغَتْ آخِرَها؛ وتَرْكِيبُ البِكْرِ لِلْأوَّلِيَّةِ؛ ومِنهُ "البَكَرَةُ"؛ و"الباكُورَةُ"؛ ﴿عَوانٌ﴾؛ أيْ: نِصْفٌ؛ لا قَحْمٌ؛ ولا ضَرَعٌ؛ قالَ:
؎ طِوالٌ مِثْلُ أعْناقِ الهَوادِي ∗∗∗ نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُونِ
﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن "الفارِضِ" و"البِكْرِ"؛ ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِ "بَيْنَ"؛ لِاخْتِصاصِهِ بِالإضافَةِ إلى المُتَعَدِّدِ؛ ﴿فافْعَلُوا﴾: أمْرٌ مِن جِهَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مُتَفَرِّعٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن بَيانِ صِفَةِ المَأْمُورِ بِهِ؛ ﴿ما تُؤْمَرُونَ﴾: أيْ: ما تُؤْمَرُونَهُ؛ بِمَعْنى "تُؤْمَرُونَ بِهِ"؛ كَما في قَوْلِهِ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ ...
فَإنَّ حَذْفَ الجارِّ قَدْ شاعَ في هَذا الفِعْلِ؛ حَتّى لَحِقَ بِالأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ وهَذا الأمْرُ مِنهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِحَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ؛ وزَجْرِهِمْ عَنِ المُراجَعَةِ؛ ومَعَ ذَلِكَ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِهِ. وقَوْلُهُ (تَعالى):
البقرة 2:69
﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ؛ كَما مَرَّ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ هَذا البَيانِ الشّافِي؛ والأمْرِ المُكَرَّرِ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾؛ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَنا البَقَرَةُ المَأْمُورُ بِها؛ قالَ؛ أيْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَعْدَ المُناجاةِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ ومَجِيءِ البَيانِ: ﴿إنَّهُ﴾ (تَعالى) ﴿يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾: إسْنادُ البَيانِ في كُلِّ مَرَّةٍ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِإظْهارِ كَمالِ المُساعَدَةِ في إجابَةِ مَسْؤُولِهِمْ بِقَوْلِهِمْ "يُبَيِّنْ لَنا"؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ؛ و"الفُقُوعُ": نُصُوعُ الصُّفْرَةِ؛ وخُلُوصُها؛ ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ بِهِ؛ ويُقالُ: "أصْفَرُ فاقِعٌ"؛ كَما يُقالُ: "أسْوَدُ حالِكٌ"؛ و"أحْمَرُ قانِئٌ"؛ وفي إسْنادِهِ إلى اللَّوْنِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن أحْوالِ المُلَوَّنِ؛ لِمُلابَسَتِهِ بِهِ؛ ما لا يَخْفى مِن فَضْلِ تَأْكِيدٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "صَفْراءُ شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ صُفْرَتُها"؛ كَما في "جَدَّ جِدُّهُ"؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ"؛ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُهُ (تَعالى): (p-112)﴿جِمالَتٌ صُفْرٌ﴾؛ قِيلَ: ولَعَلَّ التَّعْبِيرَ عَنِ السَّوادِ بِالصُّفْرَةِ لِما أنَّها مِن مُقَدِّماتِهِ؛ وإمّا لِأنَّ سَوادَ الإبِلِ يَعْلُوهُ صُفْرَةٌ؛ ويَأْباهُ وصْفُها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾؛ كَما يَأْباهُ وصْفُها بِفُقُوعِ اللَّوْنِ. والسُّرُورُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ عِنْدَ حُصُولِ نَفْعٍ؛ أوْ تَوَقُّعِهِ؛ مِن "السَّرِّ"؛ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "مَن لَبِسَ نَعْلًا صَفْراءَ قَلَّ هَمُّهُ".
البقرة 2:70
﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ كَنَظائِرِهِ؛ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾: زِيادَةُ اسْتِكْشافٍ عَنْ حالِها؛ كَأنَّهم سَألُوا بَيانَ حَقِيقَتِها؛ بِحَيْثُ تَمْتازُ عَنْ جَمِيعِ ما عَداها مِمّا تُشارِكُها في الأوْصافِ المَذْكُورَةِ؛ والأحْوالِ المَشْرُوحَةِ؛ في أثْناءِ البَيانِ؛ ولِذَلِكَ عَلَّلُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾؛ يَعْنُونَ أنَّ الأوْصافَ المَعْدُودَةَ يَشْتَرِكُ فِيها كَثِيرٌ مِنَ البَقَرِ؛ ولا نَهْتَدِي بِها إلى تَشْخِيصِ ما هو المَأْمُورُ بِها؛ بَلْ صادِقَةٌ عَلى سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ؛ وقُرِئَ: "إنَّ الباقِرَ"؛ وهو اسْمٌ لِجَماعَةِ البَقَرِ؛ و"الأباقِرَ"؛ و"البَواقِرَ"؛ و"يَتَشابَهُ"؛ بِالياءِ؛ والتّاءِ؛ و"يُشابَهُ"؛ بِطَرْحِ التّاءِ؛ والإدْغامِ؛ عَلى التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ؛ و"تَشابَهَتْ"؛ مُخَفَّفًا؛ ومُشَدَّدًا؛ و"تَشَبَّهُ"؛ بِمَعْنى "تَتَشَبَّهُ"؛ و"تَشَبَّهَ"؛ بِالتَّذْكِيرِ؛ و"مُتَشابِهٌ"؛ و"مُتَشابِهَةٌ"؛ و"مُتَشَبِّهٌ"؛ و"مُتَشَبِّهَةٌ"؛ وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم مَيَّزُوها عَنْ بَعْضِ ما عَداها في الجُمْلَةِ؛ وإنَّما بَقِيَ اشْتِباهٌ بِشَرَفِ الزَّوالِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُمْ: ﴿وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾؛ مُؤَكَّدًا بِوُجُوهٍ مِنَ التَّوْكِيدِ؛ أيْ: لَمُهْتَدُونَ بِما سَألْنا مِنَ البَيانِ إلى المَأْمُورِ بِذَبْحِها؛ وفي الحَدِيثِ: "لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ".
البقرة 2:71
﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾: أيْ: لَمْ تُذَلَّلْ لِلْكِرابِ؛ وسَقْيِ الحَرْثِ؛ و"لا ذَلُولٌ": صِفَةٌ لِـ "بَقَرَةٌ"؛ بِمَعْنى: "غَيْرُ ذَلُولٍ"؛ و"لا" الثّانِيَةُ لِتَأْكِيدِ الأُولى؛ والفِعْلانِ صِفَتا "ذَلُولٌ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ؛ وساقِيَةٌ؛ وقُرِئَ: "لا ذَلُولَ"؛ بِالفَتْحِ؛ أيْ: حَيْثُ هِيَ؛ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ؛ لا بَخِيلٍ؛ ولا جَبانٍ؛ أيْ حَيْثُ هُوَ؛ وقُرِئَ: "تُسْقِي"؛ مِن "أسْقى"؛ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾؛ أيْ: سَلَّمَها اللَّهُ (تَعالى) مِنَ العُيُوبِ؛ أوْ أهَّلَها مِنَ العَمَلِ؛ أوْ خَلَصَ لَها لَوْنُها مِن "سَلِمَ لَهُ كَذا"؛ إذا خَلَصَ لَهُ؛ ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾؛ أيْ: لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها؛ حَتّى قَرْنُها؛ وظِلْفُها؛ وهي في الأصْلِ مَصْدَرُ "وَشاهُ؛ وشْيًا؛ وشِيَةً"؛ إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ؛ ﴿قالُوا﴾؛ عِنْدَما سَمِعُوا هَذِهِ النُّعُوتَ: ﴿الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ؛ بِحَيْثُ مَيَّزْتَها عَنْ جَمِيعِ ما عَداها؛ ولَمْ يَبْقَ لَنا في شَأْنِها اشْتِباهٌ أصْلًا؛ بِخِلافِ المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ؛ فَإنَّ ما جِئْتَ بِهِ فِيهِما لَمْ يَكُنْ في التَّعْيِينِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ؛ ولَعَلَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ قَدْ رَأوْها؛ ووَجَدُوها جامِعَةً لِجَمِيعِ ما فُصِّلَ مِنَ الأوْصافِ المَشْرُوحَةِ في المَرّاتِ الثَّلاثِ؛ مِن غَيْرِ مُشارِكٍ لَها فِيما عُدَّ في المَرَّةِ الأخِيرَةِ؛ وإلّا فَمِن أيْنَ عَرَفُوا اخْتِصاصَ النُّعُوتِ الأخِيرَةِ بِها دُونَ غَيْرِها؟ وقُرِئَ: "آلْآنَ"؛ بِالمَدِّ؛ عَلى الِاسْتِفْهامِ؛ و"الانَ"؛ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ؛ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ؛ ﴿فَذَبَحُوها﴾: الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ كَما في "فانْفَجَرَتْ"؛ أيْ: فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ فَذَبَحُوها؛ ﴿وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾: "كادَ" (p-113)
مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ؛ وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ مِنَ الحُصُولِ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "ذَبَحُوا"؛ أيْ: فَذَبَحُوها والحالُ أنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنهُ؛ أوِ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ ومَآلُهُ اسْتِثْقالُ اسْتِعْصائِهِمْ؛ واسْتِبْطاءٌ لَهُمْ؛ وأنَّهم لِفَرْطِ تَطْوِيلِهِمْ؛ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ؛ ما كادَ يَنْتَهِي خَيْطُ إسْهابِهِمْ فِيها؛ قِيلَ: مَضى مِن أوَّلِ الأمْرِ إلى الِامْتِثالِ أرْبَعُونَ سَنَةً؛ وقِيلَ: وما كادُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِغَلاءِ ثَمَنِها؛ رُوِيَ أنَّهُ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ شَيْخٌ صالِحٌ؛ لَهُ عِجْلَةٌ؛ فَأتى بِها الغَيْضَةَ؛ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبَرَ؛ وكانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ؛ فَتُوُفِّيَ الشَّيْخُ؛ وشَبَّتِ العِجْلَةُ؛ فَكانَتْ مِن أحْسَنِ البَقَرِ؛ وأسْمَنِها؛ فَساوَمُوها اليَتِيمَ وأُمَّهُ؛ حَتّى اشْتَرَوْها بِمِلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا؛ لَمّا كانَتْ وحِيدَةً بِالصِّفاتِ المَذْكُورَةِ؛ وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ؛ واعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في أنَّ مَدْلُولَ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ بَقَرَةٌ مُطْلَقَةٌ مُبْهَمَةٌ؛ وأنَّ الِامْتِثالَ في آخِرِ الأمْرِ إنَّما وقَعَ بِذَبْحِ بَقَرَةٍ مُعَيَّنَةٍ؛ حَتّى لَوْ ذَبَحُوا غَيْرَها ما خَرَجُوا عَنْ عُهْدَةِ الأمْرِ؛ لَكِنِ اخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ المَأْمُورَ بِهِ؛ آثِرَ ذِي أثِيرٍ؛ هَلْ هي المُعَيَّنَةُ؛ وقَدْ أُخِّرَ البَيانُ عَنْ وقْتِ الخِطابِ؛ أوِ المُبْهَمَةُ؛ ثُمَّ لَحِقَها التَّغْيِيرُ إلى المُعَيَّنَةِ؛ بِسَبَبِ تَثاقُلِهِمْ في الِامْتِثالِ؛ وتَمادِيهِمْ في التَّعَمُّقِ والِاسْتِكْشافِ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهم إلى الأوَّلِ؛ تَمَسُّكًا بِأنَّ الضَّمائِرَ في الأجْوِبَةِ؛ أعْنِي: "إنَّها بَقَرَةٌ... إلى آخِرِهِ"؛ لِلْمُعَيَّنَةِ قَطْعًا؛ ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ في السُّؤالِ أيْضًا كَذَلِكَ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ السُّؤالَ إنَّما هو عَنِ البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها؛ فَتَكُونُ هي المُعَيَّنَةَ؛ وهو مَدْفُوعٌ بِأنَّهم لَمّا تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيْتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيْتٌ فَيَحْيا؛ ظَنُّوها مُعَيَّنَةً؛ خارِجَةً عَمّا عَلَيْهِ الجِنْسُ مِنَ الصِّفاتِ والخَواصِّ؛ فَسَألُوا عَنْها؛ فَرَجَعَتِ الضَّمائِرُ إلى المُعَيَّنَةِ في زَعْمِهِمْ واعْتِقادِهِمْ؛ فَعَيَّنَها اللَّهُ (تَعالى) تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِن أوَّلِ الأمْرِ هي المُعَيَّنَةَ؛ والحَقُّ أنَّها كانَتْ في أوَّلِ الأمْرِ مُبْهَمَةً؛ بِحَيْثُ لَوْ ذَبَحُوا أيَّةَ بَقَرَةٍ كانَتْ؛ لَحَصَلَ الِامْتِثالُ؛ بِدَلالَةِ ظاهِرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وتَكْرِيرِ الأمْرِ قَبْلَ بَيانِ اللَّوْنِ؛ وما بَعْدَهُ؛ مِن كَوْنِها مُسَلَّمَةً.. إلَخْ.. وقَدْ قالَ ﷺ: « "لَوِ اعْتَرَضُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَكَفَتْهُمْ"؛» ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ رَئِيسِ المُفَسِّرِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ثُمَّ رَجَعَ الحُكْمُ الأوَّلُ مَنسُوخًا بِالثّانِي؛ والثّانِي بِالثّالِثِ؛ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ؛ لَكِنْ لا عَلى وجْهِ ارْتِفاعِ حُكْمِ المُطْلَقِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وانْتِقالِهِ إلى المُعَيَّنِ؛ بَلْ عَلى طَرِيقَةِ تَقْيِيدِهِ؛ وتَخْصِيصِهِ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا؛ كَيْفَ لا.. ولَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَما عُدَّتْ مُراجَعاتُهُمُ المَحْكِيَّةُ مِن قَبِيلِ الجِناياتِ؛ بَلْ مِن قَبِيلِ العِبادَةِ؟ فَإنَّ الِامْتِثالَ بِالأمْرِ بِدُونِ الوُقُوفِ عَلى المَأْمُورِ بِهِ مِمّا لا يَكادُ يَتَسَنّى؛ فَتَكُونُ سُؤالاتُهم مِن بابِ الِاهْتِمامِ بِالِامْتِثالِ.
البقرة 2:72
﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ؛ كَما مَرَّتْ نَظائِرُهُ؛ والخِطابُ لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وإسْنادُ القَتْلِ والتَّدارُؤِ إلَيْهِمْ لِما مَرَّ مِن نِسْبَةِ جِناياتِ الأسْلافِ إلى الأخْلافِ؛ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا؛ وتَخْصِيصُهُما بِالإسْنادِ دُونَ ما مَرَّ مِن هَنّاتِهِمْ لِظُهُورِ قُبْحِ القَتْلِ؛ وإسْنادِهِ إلى الغَيْرِ؛ أيْ: اذْكُرُوا وقْتَ قَتْلِكم نَفْسًا مُحَرَّمَةً؛ ﴿فادّارَأْتُمْ فِيها﴾؛ أيْ: تَخاصَمْتُمْ في شَأْنِها؛ إذْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الخُصَماءِ يُدافِعُ الآخَرَ؛ أوْ: تَدافَعْتُمْ بِأنْ طَرَحَ كُلُّ واحِدٍ قَتْلَها إلى آخَرَ؛ وأصْلُهُ "تَدارَأْتُمْ"؛ فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ؛ واجْتُلِبَتْ لَها هَمْزَةُ الوَصْلِ؛ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: مُظْهِرٌ لِما تَكْتُمُونَهُ لا مَحالَةَ؛ والجَمْعُ (p-114)
بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ وإنَّما أُعْمِلَ "مُخْرِجٌ"؛ لِأنَّهُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ .
البقرة 2:73
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ﴾: عَطْفٌ عَلى "فادّارَأْتُمْ"؛ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ؛ والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والضَّمِيرُ لِلنَّفْسِ؛ والتَّذْكِيرُ بِاعْتِبارِ أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الرَّجُلِ؛ أوْ بِتَأْوِيلِ الشَّخْصِ؛ أوِ القَتِيلِ؛ ﴿بِبَعْضِها﴾؛ أيْ: بِبَعْضِ البَقَرَةِ؛ أيِّ بَعْضٍ كانَ؛ وقِيلَ: بِأصْغَرَيْها؛ وقِيلَ: بِلِسانِها؛ وقِيلَ: بِفَخِذِها اليُمْنى؛ وقِيلَ: بِأُذُنِها؛ وقِيلَ: بِعُجْبِها؛ وقِيلَ: بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ؛ وهَذا أوَّلُ القِصَّةِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلى البَقَرَةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها فَقُلْنا اذْبَحُوا بَقَرَةً؛ فاضْرِبُوهُ بِبَعْضِها"؛ وإنَّما غُيِّرَ التَّرْتِيبُ عِنْدَ الحِكايَةِ لِتَكْرِيرِ التَّوْبِيخِ؛ وتَثْنِيَةِ التَّقْرِيعِ؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن قَتْلِ النَّفْسِ المُحَرَّمَةِ؛ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والِافْتِياتِ عَلى أمْرِهِ؛ وتَرْكِ المُسارَعَةِ إلى الِامْتِثالِ بِهِ جِنايَةٌ عَظِيمَةٌ؛ حَقِيقَةٌ بِأنْ تُنْعى عَلَيْهِمْ بِحِيالِها؛ ولَوْ حُكِيَتِ القِصَّةُ عَلى تَرْتِيبِ الوُقُوعِ لَما عُلِمَ اسْتِقْلالُ كُلٍّ مِنها بِما يُخَصُّ بِها مِنَ التَّوْبِيخِ؛ وإنَّما حُكِيَ الأمْرُ بِالذَّبْحِ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ كالأمْرِ بِالضَّرْبِ؛ لِما أنَّ جِناياتِهِمْ كانَتْ بِمُراجَعَتِهِمْ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والِافْتِياتِ عَلى رَأْيِهِ؛ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾؛ عَلى إرادَةِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَضَرَبُوهُ؛ فَحَيِيَ؛ وقُلْنا: كَذَلِكَ يُحْيِي.. إلَخْ.. فَحُذِفَتِ الفاءُ الفَصِيحَةُ في "فَحَيِيَ"؛ مَعَ ما عُطِفَ بِها؛ وما عُطِفَ هو عَلَيْهِ لِدَلالَةِ "كَذَلِكَ" عَلى ذَلِكَ؛ فالخِطابُ في "كَذَلِكَ" حِينَئِذٍ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ حَياةِ القَتِيلِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْحاضِرِينَ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ فَلا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ بَلْ تَنْتَهِي الحِكايَةُ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِبَعْضِها﴾؛ مَعَ ما قُدِّرَ بَعْدَهُ؛ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الإحْياءِ العَجِيبِ يُحْيِي اللَّهُ (تَعالى) المَوْتى يَوْمَ القِيامَةِ؛ ﴿وَيُرِيكم آياتِهِ﴾؛ ودَلائِلَهُ الدّالَّةَ عَلى أنَّهُ (تَعالى) عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالآياتِ هَذا الإحْياءُ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالجَمْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُمُورٍ بَدِيعَةٍ مِن تَرَتُّبِ الحَياةِ عَلى عُضْوٍ مَيْتٍ؛ وإخْبارِهِ بِقاتِلِهِ؛ وما يُلابِسُهُ مِنَ الأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ تَكْمُلَ عُقُولُكُمْ؛ وتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ نَفْسٍ قادِرٌ عَلى إحْياءِ الأنْفُسِ كُلِّها؛ أوْ تَعْمَلُوا عَلى قَضِيَّةِ عُقُولِكُمْ؛ ولَعَلَّ الحِكْمَةَ في اشْتِراطِ ما اشْتُرِطَ في الإحْياءِ - مَعَ ظُهُورِ كَمالِ قدرته عَلى إحْيائِهِ ابْتِداءً؛ بِلا واسِطَةٍ أصْلًا - اشْتِمالُهُ عَلى التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وأداءِ الواجِبِ؛ ونَفْعِ اليَتِيمِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى بَرَكَةِ التَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ والشَّفَقَةِ عَلى الأوْلادِ؛ ونَفْعِ بِرِّ الوالِدَيْنِ؛ وأنَّ مِن حَقِّ الطّالِبِ أنْ يُقَدِّمَ قُرْبَةً؛ ومِن حَقِّ المُتَقَرِّبِ أنْ يَتَحَرّى الأحْسَنَ؛ ويُغالِيَ بِثَمَنِهِ؛ كَما يُرْوى عَنْ عُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ ضَحّى بِنَجِيبَةٍ اشْتَراها بِثُلْثِمائَةِ دِينارٍ؛ وأنَّ المُؤَثِّرَ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ وإنَّما الأسْبابُ أماراتٌ لا تَأْثِيرَ لَها؛ وأنَّ مَن رامَ أنْ يَعْرِفَ أعْدى عَدُوِّهِ السّاعِي في إماتَتِهِ المَوْتَ الحَقِيقِيَّ فَطَرِيقُهُ أنْ يَذْبَحَ بَقَرَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هي قُوَّتُهُ الشَّهَوِيَّةُ حِينَ زالَ عَنْها شَرَهُ الصِّبا؛ ولَمْ يَلْحَقْها ضَعْفُ الكِبَرِ؛ وكانَتْ مُعْجِبَةً؛ رائِقَةَ المَنظَرِ؛ غَيْرَ مُذَلَّلَةٍ في طَلَبِ الدُّنْيا؛ مُسَلَّمَةً عَنْ دَنَسِها؛ لا سِمَةَ بِها مِن قَبائِحِها؛ بِحَيْثُ يَتَّصِلُ أثَرُهُ إلى نَفْسِهِ؛ فَيَحْيا بِها حَياةً طَيِّبَةً؛ ويُعْرِبُ عَمّا بِهِ يَنْكَشِفُ الحالُ؛ ويَرْتَفِعُ ما بَيْنَ العَقْلِ؛ والوَهْمِ؛ مِنَ التَّدارُؤِ؛ والجِدالِ.
البقرة 2:74
﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾: الخِطابُ لِمُعاصِرِي النَّبِيِّ ﷺ؛ والقَسْوَةُ عِبارَةٌ عَنِ الغِلَظِ؛ والجَفاءِ؛ والصَّلابَةِ؛ كَما في الحَجَرِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِنُبُوِّ قُلُوبِهِمْ عَنِ التَّأثُّرِ (p-115)
بِالعِظاتِ؛ والقَوارِعِ الَّتِي تَمِيعُ مِنها الجِبالُ؛ وتَلِينُ بِها الصُّخُورُ؛ وإيرادُ الفِعْلِ المُفِيدِ لِحُدُوثِ القَساوَةِ - مَعَ أنَّ قُلُوبَهم لَمْ تَزَلْ قاسِيَةً - لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ بُلُوغِهِمْ إلى مَرْتَبَةٍ مَخْصُوصَةٍ مِن مَراتِبِ القَساوَةِ حادِثَةٍ؛ وإمّا لِأنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى شَيْءٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ أمْرٌ جَدِيدٌ؛ وصُنْعٌ حادِثٌ؛ و"ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما يُزِيلُها؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ .
﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن إحْياءِ القَتِيلِ؛ أوْ إلى جَمِيعِ ما عُدِّدَ مِنَ الآياتِ المُوجِبَةِ لِلِينِ القُلُوبِ؛ وتَوْجِيهِها نَحْوَ الحَقِّ؛ أيْ مِن بَعْدِ سَماعِ ذَلِكَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ وعُلُوِّ طَبَقَتِهِ. وتَوْحِيدُ حَرْفِ الخِطابِ؛ مَعَ تَعَدُّدِ المُخاطَبِينَ؛ إمّا بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ مُجَرَّدُ الخِطابِ؛ لا تَعْيِينُ المُخاطَبِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ﴾؛ في القَساوَةِ؛ ﴿أوْ أشَدُّ﴾؛ مِنها؛ ﴿قَسْوَةً﴾؛ أيْ: هي في القَسْوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ؛ أوْ زائِدَةٌ عَلَيْها فِيها؛ أوْ أنَّها مِثْلُها؛ أوْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ مِنها قَسْوَةً؛ كالحَدِيدِ؛ وحُذِفَ المُضافُ؛ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ ويَعْضُدُهُ القِراءَةُ بِالجَرِّ؛ عَطْفًا عَلى الحِجارَةِ؛ وإيرادُ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً؛ مَعَ كَوْنِ ما سَبَقَ فِعْلِيَّةً؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ؛ والفاءُ إمّا لِتَفْرِيعِ مُشابَهَتِها لَها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ القَساوَةِ؛ تَفْرِيعَ التَّشْبِيهِ عَلى بَيانِ وجْهِ الشَّبَهِ في قَوْلِكَ: "أحْمَرُ خَدُّهُ؛ فَهو كالوَرْدِ"؛ وإمّا لِلتَّعْلِيلِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "اعْبُدْ رَبَّكَ؛ فالعِبادَةُ حَقٌّ لَهُ"؛ وإنَّما لَمْ يَقُلْ: "أوْ أقْسى مِنها"؛ لِما في التَّصْرِيحِ بِالشِّدَّةِ مِن زِيادَةِ مُبالَغَةٍ؛ ودَلالَةٍ ظاهِرَةٍ عَلى اشْتِراكِ القَسْوَتَيْنِ في الشِّدَّةِ. واشْتِمالُ المُفَضَّلِ عَلى زِيادَةِ واوٍ لِلتَّخْيِيرِ؛ أوْ لِلتَّرْدِيدِ؛ بِمَعْنى أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ؛ أوْ بِما هو أقْسى؛ أوْ مَن عَرَفَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ؛ أوْ قالَ: هي أقْسى مِنَ الحِجارَةِ؛ وتَرْكُ ضَمِيرِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ لِلْأمْنِ مِنَ الِالتِباسِ.
﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾: بَيانٌ لِأشَدِّيَّةِ قُلُوبِهِمْ مِنَ الحِجارَةِ في القَساوَةِ؛ وعَدَمِ التَّأثُّرِ؛ واسْتِحالَةِ صُدُورِ الخَيْرِ مِنها؛ يَعْنِي أنَّ الحِجارَةَ رُبَّما تَتَأثَّرُ؛ حَيْثُ يَكُونُ مِنها ما يَتَفَجَّرُ مِنهُ المِياهُ العَظِيمَةُ؛ ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ﴾؛ أيْ: يَتَشَقَّقُ؛ ﴿فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ﴾؛ أيْ: العُيُونُ؛ ﴿وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَتَرَدّى مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ؛ بِقَضِيَّةِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيها مِنَ الثِّقَلِ الدّاعِي إلى المَرْكَزِ؛ وهو مَجازٌ مِنَ الِانْقِيادِ لِأمْرِهِ (تَعالى)؛ والمَعْنى أنَّ الحِجارَةَ لَيْسَ مِنها فَرْدٌ إلّا وهو مُنْقادٌ لِأمْرِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ آتٍ بِما خُلِقَ لَهُ مِن غَيْرِ اسْتِعْصاءٍ؛ وقُلُوبُهم لَيْسَتْ كَذَلِكَ؛ فَتَكُونُ أشَدَّ مِنها قَسْوَةً لا مَحالَةَ؛ واللّامُ في "لَما" لامُ الِابْتِداءِ؛ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ"؛ لِتَقَدُّمِ الخَبَرِ؛ وقُرِئَ: "إنْ" عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ واللّامُ فارِقَةٌ؛ وقُرِئَ "يَهْبُطُ" بِالضَّمِّ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "غافِلٍ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ؛ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ؛ وقُرِئَ بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى):
البقرة 2:75
(p-116)﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾: تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ؛ وصَرْفٌ لَهُ عَنِ اليَهُودِ؛ إثْرَ ما عُدَّتْ هَنّاتُهُمْ؛ ونُعِيَتْ عَلَيْهِمْ جِناياتُهم إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ كَما في قَوْلِكَ: أتَضْرِبُ أباكَ؟ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كَما في قَوْلِهِ: أأضْرِبُ أبِي؟ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ ويَسْتَدْعِيهِ نِظامُ الكَلامِ؛ لَكِنْ لا عَلى قَصْدِ تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا؛ كَما في " أفَلا تُبْصِرُونَ "؛ عَلى تَقْدِيرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَنفِيًّا؛ أيْ: "ألا تَنْظُرُونَ؛ فَلا تُبْصِرُونَ؟"؛ فالمُنْكَرُ كِلا الأمْرَيْنِ؛ بَلْ إلى تَرَتُّبِ الثّانِي عَلى الأوَّلِ؛ مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَقِيضُهُ؛ كَما إذا قُدِّرَ الأوَّلُ مُثْبَتًا؛ أيْ: "أتَنْظُرُونَ فَلا تُبْصِرُونَ؟"؛ فالمُنْكَرُ تَرَتُّبُ الثّانِي عَلى الأوَّلِ؛ مَعَ وُجُوبِ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ نَقِيضُهُ؛ أيْ: "أتَسْمَعُونَ أخْبارَهُمْ؛ وتَعْلَمُونَ أحْوالَهُمْ؛ فَتَطْمَعُونَ؟"؛ ومَآلُ المَعْنى: أبَعْدَ أنْ عَلِمْتُمْ تَفاصِيلَ شُؤُونِهِمُ المُؤْيِسَةِ عَنْهم تَطْمَعُونَ ﴿أنْ يُؤْمِنُوا﴾ ؟ فَإنَّهم مُتَماثِلُونَ في شِدَّةِ الشَّكِيمَةِ؛ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ؛ لا يَتَأتّى مِن أخْلاقِهِمْ إلّا مِثْلُ ما أتى مِن أسْلافِهِمْ؛ و"أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ؛ حَذِفَ عَنْها الجارُّ؛ والأصْلُ: "فِي أنْ يُؤْمِنُوا"؛ وهي - مَعَ ما في حَيِّزِها - في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ أوِ الجَرِّ؛ عَلى الخِلافِ المَعْرُوفِ؛ واللّامُ في "لَكُمْ" لِتَضْمِينِ مَعْنى الِاسْتِجابَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾؛ أيْ: في إيمانِهِمْ مُسْتَجِيبِينَ لَكُمْ؛ أوْ لِلتَّعْلِيلِ؛ أيْ: في أنْ يُحْدِثُوا الإيمانَ لِأجْلِ دَعْوَتِكُمْ؛ وصِلَةُ الإيمانِ مَحْذُوفَةٌ؛ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِ مَعْناهُ الشَّرْعِيُّ؛ وسَتَقِفُ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَزِيَّةِ؛ بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى).
﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾: "الفَرِيقُ": اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ؛ كَـ "الرَّهْطُ"؛ و"القَوْمُ"؛ والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ أيْ: فَرِيقٌ كائِنٌ مِنهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾؛ خَبَرُ "كانَ"؛ وقُرِئَ: "كَلِمَ اللَّهِ"؛ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ حاسِمَةٌ لِمادَّةِ الطَّمَعِ؛ مِثْلَ أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ المَحْكِيَّةِ فِيما سَلَفَ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهم لَكم عَدُوٌّ﴾؛ بَعْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّ طائِفَةً مِنهم - قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هم قَوْمٌ مِنَ السَّبْعِينَ المُخْتارِينَ لِلْمِيقاتِ - كانُوا يَسْمَعُونَ كَلامَهُ (تَعالى) حِينَ كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالطُّورِ؛ وما أُمِرَ بِهِ؛ ونُهِيَ عَنْهُ؛ ﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾؛ عَنْ مَواضِعِهِ؛ لا لِقُصُورِ فَهْمِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِتَفاصِيلِهِ؛ عَلى ما يَنْبَغِي؛ لِاسْتِيلاءِ الدَّهْشَةِ والمَهابَةِ؛ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ مَقامُ الكِبْرِياءِ؛ بَلْ ﴿مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ﴾؛ أيْ: فَهِمُوهُ؛ وضَبَطُوهُ بِعُقُولِهِمْ؛ ولَمْ تَبْقَ لَهم في مَضْمُونِهِ؛ ولا في كَوْنِهِ كَلامَ رَبِّ العِزَّةِ رِيبَةٌ أصْلًا؛ فَلَمّا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ أدّاهُ الصّادِقُونَ إلَيْهِمْ؛ كَما سَمِعُوا؛ وهَؤُلاءِ قالُوا: سَمِعْنا اللَّهَ (تَعالى) يَقُولُ - في آخِرِ كَلامِهِ -: "إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَفْعَلُوا هَذِهِ الأشْياءَ فافْعَلُوا؛ وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَفْعَلُوا؛ فَلا بَأْسَ"؛ فَـ "ثُمَّ" لِلتَّراخِي زَمانًا؛ أوْ رُتْبَةً؛ وقالَ القَفّالُ: سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ وعَقَلُوا مُرادَهُ (تَعالى) مِنهُ؛ فَأوَّلُوهُ تَأْوِيلًا فاسِدًا؛ وقِيلَ: هم رُؤَساءُ أسْلافِهِمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا تَحْرِيفَ التَّوْراةِ بَعْدَ ما أحاطُوا بِما فِيها عِلْمًا؛ وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ غَيَّرُوا نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ في عَصْرِهِ؛ وبَدَّلُوا آيَةَ الرَّجْمِ؛ ويَأْباهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي؛ والمُسْتَقْبَلِ؛ الدّالُّ عَلى وُقُوعِ السَّماعِ؛ والتَّحْرِيفِ؛ فِيما سَلَفَ؛ إلّا أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى تَقَدُّمِهِ عَلى زَمانِ نُزُولِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ لا عَلى تَقَدُّمِهِ عَلى عَهْدِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ هَذا.. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِالسَّماعِ والكَلامِ؛ إذِ (p-117)
التَّوْراةُ - وإنْ كانَتْ كَلامَ اللَّهِ - عَزَّ وعَلا - لَكِنَّها بِاسْمِ "الكِتابِ" أشْهَرُ؛ وأثَرُ التَّحْرِيفِ فِيهِ أظْهَرُ؛ ووَصْفُ اليَهُودِ بِتِلاوَتِها أكْثَرُ؛ لا سِيَّما رُؤَساؤُهُمُ المُباشِرُونَ لِلتَّحْرِيفِ؛ فَإنَّ وظِيفَتَهُمُ التِّلاوَةُ؛ دُونَ السَّماعِ؛ فَكانَ الأنْسَبَ حِينَئِذٍ أنْ يُقالَ: "يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ (تَعالى)"؛ فالمَعْنى: أفَتَطْمَعُونَ في أنْ يُؤْمِنَ هَؤُلاءِ بِواسِطَتِكُمْ؛ ويَسْتَجِيبُوا لَكُمْ؛ والحالُ أنَّ أسْلافَهُمُ؛ المُوافِقِينَ لَهم في خِلالِ السُّوءِ؛ كانُوا يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ بِلا واسِطَةٍ؛ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَلِمُوهُ يَقِينًا؛ ولا يَسْتَجِيبُونَ لَهُ؛ هَيْهاتَ؛ ومِن هَهُنا ظَهَرَ ما في إيثارِ "لَكُمْ"؛ عَلى "بِاللَّهِ"؛ مِنَ الفَخامَةِ؛ والجَزالَةِ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهم يَعْلَمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ "يُحَرِّفُونَهُ"؛ مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ؛ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّ تَحْرِيفَهم ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِناءً عَلى نِسْيانِ ما عَقَلُوهُ؛ أوْ عَلى الخَطَإ في بَعْضِ مُقَدِّماتِهِ؛ بَلْ كانَ ذَلِكَ حالَ كَوْنِهِمْ عالِمِينَ؛ مُسْتَحْضِرِينَ لَهُ؛ أوْ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ؛ ومُفْتَرُونَ.
البقرة 2:76
﴿وَإذا لَقُوا﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ سِيقَتْ إثْرَ بَيانِ ما صَدَرَ عَنْ أشْباهِهِمْ؛ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهم بِالذّاتِ؛ مِنَ الشَّنائِعِ المُؤْيِسَةِ عَنْ إيمانِهِمْ؛ مِن نِفاقِ بَعْضٍ؛ وعِتابِ آخَرِينَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَ مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ؛ لِما سَتَقِفُ عَلى سِرِّهِ؛ لا لِمُنافِقِيهِمْ خاصَّةً؛ كَما قِيلَ؛ تَحَرِّيًا لِاتِّحادِ الفاعِلِ في فِعْلَيِ الشَّرْطِ والجَزاءِ حَقِيقَةً؛ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: اللّاقُونَ؛ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ تَصَدِّي الكُلِّ لِلْقَوْلِ حَقِيقَةً؛ بَلْ بِمُباشَرَةِ مُنافِقِيهِمْ؛ وسُكُوتِ الباقِينَ؛ كَما يُقالُ: "بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا"؛ والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ؛ وهَذا أدْخَلُ في تَقْبِيحِ حالِ السّاكِتِينَ أوَّلًا؛ العاتِبِينَ ثانِيًا؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى نِفاقِهِمْ؛ واخْتِلافِ أحْوالِهِمْ؛ وتَناقُضِ آرائِهِمْ؛ مِن إسْنادِ القَوْلِ إلى المُباشِرِينَ خاصَّةً؛ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: قالَ مُنافِقُوهُمْ: ﴿آمَنّا﴾؛ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى ذَلِكَ؛ بَلْ عَلَّلُوهُ بِأنَّهم وجَدُوا نَعْتَ النَّبِيِّ ﷺ في التَّوْراةِ؛ وعَلِمُوا أنَّهُ النَّبِيُّ المُبَشَّرُ بِهِ؛ وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى شَهادَةِ التَّوْبِيخِ الآتِي: ﴿وَإذا خَلا بَعْضُهُمْ﴾؛ أيْ: بَعْضُ المَذْكُورِينَ؛ وهُمُ السّاكِتُونَ مِنهُمْ؛ أيْ: إذا فَرَغُوا مِنَ الِاشْتِغالِ بِالمُؤْمِنِينَ مُتَوَجِّهِينَ ومُنْضَمِّينَ؛ ﴿إلى بَعْضٍ﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ وهم مُنافِقُوهُمْ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مَعَهم غَيْرُهُمْ؛ وهَذا نَصٌّ عَلى اشْتِراكِ السّاكِتِينَ في لِقاءِ المُؤْمِنِينَ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا؛ إذِ الخُلُوُّ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ الِاشْتِغالِ؛ ولِأنَّ عِتابَهم مُعَلَّقٌ بِمَحْضِ الخُلُوِّ؛ ولَوْلا أنَّهم حاضِرُونَ عِنْدَ المُقاوَلَةِ لَوَجَبَ أنْ يُجْعَلَ سَماعُهم لَها مِن تَمامِ الشَّرْطِ؛ ولِأنَّ فِيهِ زِيادَةَ تَشْنِيعٍ لَهم عَلى ما أتَوْا مِنَ السُّكُوتِ؛ ثُمَّ العِتابِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ أيْ: السّاكِتُونَ؛ مُوَبِّخِينَ لِمُنافِقِيهِمْ عَلى ما صَنَعُوا: ﴿أتُحَدِّثُونَهُمْ﴾؛ يَعْنُونَ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾؛ "ما" مَوْصُولَةٌ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بَيَّنَهُ لَكم خاصَّةً في التَّوْراةِ؛ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالفَتْحِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ سِرٌّ مَكْنُونٌ؛ وبابٌ مُغْلَقٌ؛ لا يَقِفُ عَلَيْهِ أحَدٌ؛ وتَجْوِيزُ كَوْنِ هَذا التَّوْبِيخِ مِن جِهَةِ المُنافِقِينَ لِأعْقابِهِمْ إراءَةً لِلتَّصَلُّبِ في دِينِهِمْ؛ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ عِصابَةٌ؛ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ واللّامُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ﴾؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّحْدِيثِ؛ دُونَ الفَتْحِ؛ والمُرادُ تَأْكِيدُ النَّكِيرِ؛ وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ؛ فَإنَّ التَّحْدِيثَ بِذَلِكَ - وإنْ كانَ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ - لَكِنَّ التَّحْدِيثَ بِهِ لِأجْلِ هَذا الغَرَضِ (p-118)
مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ؛ أيْ: أتُحَدِّثُونَهم بِذَلِكَ لِيَحْتَجُّوا عَلَيْكم بِهِ فَيُبَكِّتُوكُمْ؟ والمُحَدِّثُونَ بِهِ؛ وإنْ لَمْ يَحُومُوا حَوْلَ ذَلِكَ الغَرَضِ؛ لَكِنَّ فِعْلَهم ذَلِكَ لَمّا كانَ مُسْتَتْبِعًا لَهُ البَتَّةَ جُعِلُوا فاعِلِينَ لِلْغَرَضِ المَذْكُورِ؛ وإظْهارًا لِكَمالِ سَخافَةِ عُقُولِهِمْ؛ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ.
﴿عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: في حُكْمِهِ؛ وكِتابِهِ؛ كَما يُقالُ: "هُوَ عِنْدَ اللَّهِ كَذا"؛ أيْ في كِتابِهِ؛ وشَرْعِهِ؛ وقِيلَ: "عِنْدَ رَبِّكم يَوْمَ القِيامَةِ"؛ ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ الإخْفاءَ لا يَدْفَعُهُ؛ إذْ هم عالِمُونَ بِأنَّهم مَحْجُوجُونَ يَوْمَئِذٍ؛ حَدَّثُوا بِهِ؛ أوْ لَمْ يُحَدِّثُوا؛ والِاعْتِذارُ بِأنَّ إلْزامَ المُؤْمِنِينَ إيّاهُمْ؛ وتَبْكِيتَهم - بِأنْ يَقُولُوا لَهُمْ: ألَمْ تُحَدِّثُونا بِما في كِتابِكم في الدُّنْيا مِن حَقِّيَّةِ دِينِنا؛ وصِدْقِ نَبِيِّنا؟ - أفْحَشُ؛ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْذُورُ عِنْدَهم هَذا الإلْزامَ؛ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ في "بِهِ" إلى التَّحْدِيثِ؛ دُونَ المُحَدَّثِ بِهِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مَدْفُوعٌ بِالإخْفاءِ؛ لا يُساعِدُهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ الآتِيَةُ؛ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ؛ بِإذْنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾: مِن تَمامِ التَّوْبِيخِ؛ والعِتابِ؛ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: "ألا تُلاحِظُونَ؛ فَلا تَعْقِلُونَ هَذا الخَطَأ الفاحِشَ؛ أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا؟"؛ فالمُنْكَرُ عَدَمُ التَّعَقُّلِ ابْتِداءً؛ أوْ: "أتَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَلا تَعْقِلُونَ بُطْلانَهُ؛ مَعَ وُضُوحِهِ؛ حَتّى تَحْتاجُوا إلى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ؟"؛ فالمُنْكَرُ حِينَئِذٍ عَدَمُ التَّعَقُّلِ بَعْدَ الفِعْلِ. هَذا.. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ خِطابٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - لِلْمُؤْمِنِينَ؛ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أفَتَطْمَعُونَ﴾؛ والمَعْنى: "أفَلا تَعْقِلُونَ حالَهُمْ؛ وأنْ لا مَطْمَعَ لَكم في إيمانِهِمْ؟"؛ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ (تَعالى):
البقرة 2:77
﴿أوَلا يَعْلَمُونَ﴾؛ فَإنَّهُ إلى آخِرِهِ تَجْهِيلٌ لَهم مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ فِيما حَكى عَنْهُمْ؛ فَيَكُونُ إيرادُ خِطابِ المُؤْمِنِينَ في أثْنائِهِ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ؛ عَلى أنَّ في تَخْصِيصِ الخِطابِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ التَّعَسُّفِ؛ وفي تَعْمِيمِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ أيْضًا؛ كَما في "أفَتَطْمَعُونَ" مِن سُوءِ الأدَبِ ما لا يَخْفى؛ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ كَما قَبْلَها؛ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ والضَّمِيرُ لِلْمُوَبَّخِينَ؛ أيْ: أيَلُومُونَهم عَلى التَّحْدِيثِ المَذْكُورِ؛ مَخافَةَ المُحاجَّةِ؛ ولا يَعْلَمُونَ ﴿أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ ؟ أيْ: يُسِرُّونَهُ فِيما بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أوْ ما يُضْمِرُونَهُ في قُلُوبِهِمْ؛ فَيَثْبُتُ الحُكْمُ في ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الأُولى؛ ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾؛ أيْ: يُظْهِرُونَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ أوْ لِأصْحابِهِمْ؛ حَسْبَما سَبَقَ؛ فَحِينَئِذٍ يُظْهِرُ اللَّهُ (تَعالى) ما أرادُوا إخْفاءَهُ؛ بِواسِطَةِ الوَحْيِ إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ فَتَحْصُلُ المُحاجَّةُ؛ ويَقَعُ التَّبْكِيتُ؛ كَما وقَعَ في آيَةِ الرَّجْمِ؛ وتَحْرِيمِ بَعْضِ المُحَرَّماتِ عَلَيْهِمْ؛ فَأيُّ فائِدَةٍ في اللَّوْمِ؛ والعِتابِ؟ ومِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم هو المُحاجَّةُ بِما فَتَحَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ وهي حاصِلَةٌ في الدّارَيْنِ؛ حَدَّثُوا بِهِ؛ أمْ لا؛ لا بِالتَّحْدِيثِ بِهِ؛ حَتّى يَنْدَفِعَ بِالإخْفاءِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ؛ أوْ لَهم ولِلْمُوَبَّخِينَ؛ أوْ لِآبائِهِمُ المُحَرِّفِينَ؛ أيْ: أيَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ ولا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) يَعْلَمُ جَمِيعَ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ؛ ومِن جُمْلَتِهِ إسْرارُهُمُ الكُفْرَ؛ وإظْهارُهُمُ الإيمانَ؛ وإخْفاءُ ما فَتَحَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ وإظْهارُ غَيْرِهِ؛ وكَتْمُ أمْرِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وإظْهارُ ما أظْهَرُوهُ افْتِراءً؟ وإنَّما قُدِّمَ الإسْرارُ عَلى الإعْلانِ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ؛ ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ والمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ؛ كَأنَّ عِلْمَهُ بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَمُ مِنهُ بِما يُعْلِنُونَهُ؛ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ؛ فَإنَّ عِلْمَهُ (تَعالى) بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ صُوَرِها؛ بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (تَعالى)؛ وفي (p-119)
هَذا المَعْنى لا يَخْتَلِفُ الحالُ بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ؛ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ حَيْثُ قُدِّمَ فِيهِ الإخْفاءُ عَلى الإبْداءِ؛ لِما ذُكِرَ مِنَ السِّرِّ؛ عَلى عَكْسِ ما وقَعَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾؛ فَإنَّ الأصْلَ في تَعَلُّقِ المُحاسَبَةِ بِهِ هو الأُمُورُ البادِيَةُ؛ دُونَ الخافِيَةِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ العَلَنِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُعْلَنُ إلّا وهو - أوْ مَبادِيهِ؛ قَبْلَ ذَلِكَ - مُضْمَرٌ في القَلْبِ؛ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا؛ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ (تَعالى) بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.
البقرة 2:78
﴿وَمِنهم أُمِّيُّونَ﴾؛ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ الياءِ؛ جَمْعُ "أُمِّيٌّ"؛ وهو مَن لا يَقْدِرُ عَلى الكِتابَةِ؛ والقِراءَةِ؛ واخْتُلِفَ في نِسْبَتِهِ؛ فَقِيلَ: إلى الأُمِّ؛ بِمَعْنى أنَّهُ شَبِيهٌ بِها في الجَهْلِ بِالكِتابَةِ؛ والقِراءَةِ؛ فَإنَّهُما لَيْسَتا مِن شُؤُونِ النِّساءِ؛ بَلْ مِن خِلالِ الرِّجالِ؛ أوْ بِمَعْنى أنَّهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي ولَدَتْهُ أمُّهُ؛ في الخُلُوِّ عَنِ العِلْمِ؛ والكِتابَةِ؛ وقِيلَ: إلى الأُمَّةِ؛ بِمَعْنى أنَّهُ باقٍ عَلى سَذاجَتِها؛ خالٍ عَنْ مَعْرِفَةِ الأشْياءِ؛ كَقَوْلِهِمْ: "عامِّيٌّ"؛ أيْ: عَلى عادَةِ العامَّةِ؛ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ؛ والضَّحّاكِ؛ أنَّ المُرادَ بِهِمْ نَصارى العَرَبِ؛ وقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ رُفِعَ كِتابُهم لِذُنُوبٍ ارْتَكَبُوها؛ فَصارُوا أُمِّيِّينَ؛ وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: هُمُ المَجُوسُ؛ والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّهم جَهَلَةُ اليَهُودِ؛ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ قَبائِحِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ شَنائِعِ الطَّوائِفِ السّالِفَةِ؛ وقِيلَ: هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ وما بَعْدَها؛ فَإنَّ الجَهْلَ بِالكِتابِ في مُنافاةِ الإيمانِ لَيْسَ بِمَثابَةِ تَحْرِيفِ كَلامِ اللَّهِ بَعْدَ سَماعِهِ؛ والعِلْمِ بِمَعانِيهِ؛ كَما وقَعَ مِنَ الأوَّلِينَ؛ أوِ النِّفاقِ؛ والنَّهْيِ عَنْ إظْهارِ ما في التَّوْراةِ؛ كَما وقَعَ مِنَ الفِرْقَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ أيْ: ومِنهم طائِفَةٌ جَهَلَةٌ؛ غَيْرُ قادِرِينَ عَلى الكِتابَةِ؛ والتِّلاوَةِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: لا يَعْرِفُونَ التَّوْراةَ؛ لِيُطالِعُوها؛ ويَتَحَقَّقُوا ما في تَضاعِيفِها مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ فَيُؤْمِنُوا. وحَمْلُ الكِتابِ عَلى الكِتابَةِ يَأْباهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِياقُهُ؛ ﴿إلا أمانِيَّ﴾؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ؛ جَمْعُ "أُمْنِيَّةٌ"؛ أصْلُها "أُمْنُويَةٌ"؛ "أُفْعُولَةٌ"؛ مِن "مَنّى" بِمَعْنى "قَدَّرَ"؛ أوْ بِمَعْنى "تَلا"؛ كَـ "تَمَنّى" في قَوْلِهِ:
؎ تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗
فَأُعِلَّتْ إعْلالَ "سَيِّدٌ"؛ و"مَيِّتٌ"؛ ومَعْناها - عَلى الأوَّلِ - ما يُقَدِّرُهُ الإنْسانُ في نَفْسِهِ؛ ويَتَمَنّاهُ؛ وعَلى الثّانِي ما يَتْلُوهُ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ إذْ لَيْسَ ما يُتَمَنّى؛ وما يُتْلى؛ مِن جِنْسِ عِلْمِ الكِتابِ؛ أيْ: لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ؛ لَكِنْ يَتَمَنَّوْنَ أمانِيَّ؛ حَسْبَما مَنَّتْهم أحْبارُهُمْ؛ مِن أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - يَعْفُو عَنْهُمْ؛ وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أمانِيِّهِمُ الفارِغَةِ المُسْتَنِدَةِ إلى الكِتابِ؛ عَلى زَعْمِ رُؤَسائِهِمْ؛ أوْ: لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ؛ لَكِنْ يَتَلَقَّوْنَهُ قَدْرَ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ؛ فَيَقْبَلُونَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّدَبُّرِ فِيهِ؛ وأمّا حَمْلُ الأمانِيَّ عَلى الأكاذِيبِ المُخْتَلِفَةِ عَلى الإطْلاقِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها مُلابَسَةٌ بِالكِتابِ؛ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
﴿وَإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾: ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ؛ والتَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَصِلُوا إلى رُتْبَةِ العِلْمِ؛ فَأنّى يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ المُؤَسَّسُ عَلى قَواعِدِ اليَقِينِ؟ ولَمّا بَيَّنَ حالَ هَؤُلاءِ في تَمَسُّكِهِمْ بِحِبالِ الأمانِيِّ؛ واتِّباعِ الظَّنِّ؛ عَقَّبَ بِبَيانِ حالِ الَّذِينَ أوْقَعُوهم في تِلْكَ الوَرْطَةِ؛ وبِكَشْفِ كَيْفِيَّةِ إضْلالِهِمْ؛ وتَعْيِينِ مَرْجِعِ الكُلِّ بِالآخِرَةِ؛ فَقِيلَ - عَلى وجْهِ الدُّعاءِ (p-120)عَلَيْهِمْ -:
البقرة 2:79
﴿فَوَيْلٌ﴾: هو وأمْثالُهُ؛ مِن "وَيْحٌ"؛ و"وَيْسٌ"؛ و"وَيْبٌ"؛ و"وَيْهٌ"؛ و"وَيْكٌ"؛ و"عَوْلٌ"؛ مِنَ المَصادِرِ المَنصُوبَةِ بِأفْعالٍ مِن غَيْرِ لَفْظِها؛ لا يَجُوزُ إظْهارُها البَتَّةَ؛ فَإنْ أُضِيفَ نُصِبَ؛ نَحْوَ: "وَيْلَكَ"؛ و"وَيْحَكَ"؛ وإذا فُصِلَ عَنِ الإضافَةِ رُفِعَ؛ نَحْوَ: "وَيْلٌ لَهُ"؛ ومَعْنى "الوَيْلُ": شِدَّةُ الشَّرِّ؛ قالَهُ الخَلِيلُ؛ وقالَ الأصْمَعِيُّ: الوَيْلُ: التَّفَجُّعُ؛ والوَيْحُ: التَّرَحُّمُ؛ وقالَ سِيبَوَيْهِ: "وَيْلٌ": لِمَن وقَعَ في الهَلَكَةِ؛ و"وَيْحٌ": زَجْرٌ لِمَن أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ. وقِيلَ: الوَيْلُ: الحُزْنُ. وهَلْ "وَيْحٌ"؛ و"وَيْبٌ"؛ و"وَيْسٌ"؛ بِذَلِكَ المَعْنى؛ أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَها فارِقٌ؟ وقِيلَ: "وَيْلٌ" في الدُّعاءِ عَلَيْهِ؛ و"وَيْحٌ" وما بَعْدَهُ في التَّرَحُّمِ عَلَيْهِ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "الوَيْلُ: العَذابُ الألِيمُ"؛ وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ أنَّهُ صَدِيدُ أهْلِ جَهَنَّمَ؛ ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "الوَيْلُ وادٍ في جَهَنَّمَ؛ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا؛ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ"؛» وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: "إنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ؛ لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ جِبالُ الدُّنْيا لَماعَتْ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ"؛ وقالَ ابْنُ بُرَيْدَةَ: "جَبَلُ قَيْحٍ ودَمٍ"؛ وقِيلَ: صِهْرِيجٌ في جَهَنَّمَ؛ وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ جَهَنَّمَ؛ وعَلى كُلِّ حالٍ فَهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾؛ أيِ المُحَرَّفَ؛ أوْ ما كَتَبُوهُ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الزّائِغَةِ؛ ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾: تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ المَجازِ؛ كَقَوْلِكَ: كَتَبْتُهُ بِيَمِينِي؛ ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا﴾؛ أيْ: جَمِيعًا؛ عَلى الأوَّلِ؛ وبِخُصُوصِهِ؛ عَلى الثّانِي؛ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ رُوِيَ أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ خافُوا ذَهابَ مَآكِلِهِمْ؛ وزَوالَ رِياسَتِهِمْ؛ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ؛ فاحْتالُوا في تَعْوِيقِ أسافِلِ اليَهُودِ عَنِ الإيمانِ؛ فَعَمَدُوا إلى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ في التَّوْراةِ؛ وكانَتْ هي فِيها: "حَسَنُ الوَجْهِ؛ حَسَنُ الشَّعْرِ؛ أكْحَلُ العَيْنَيْنِ؛ رَبْعَةٌ"؛ فَغَيَّرُوها؛ وكَتَبُوا مَكانَها: "طِوالٌ؛ أزْرَقُ؛ سِبْطُ الشَّعْرِ"؛ فَإذا سَألَهم سَفَلَتُهم عَنْ ذَلِكَ قَرَؤُوا عَلَيْهِمْ ما كَتَبُوا؛ فَيَجِدُونَهُ مُخالِفًا لِصِفَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَيُكَذِّبُونَهُ. و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي الرُّتَبِيِّ؛ فَإنَّ نِسْبَةَ المُحَرَّفِ والتَّأْوِيلِ الزّائِغِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - صَرِيحًا أشَدُّ شَناعَةً مِن نَفْسِ التَّحْرِيفِ؛ والتَّأْوِيلِ؛ ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يَأْخُذُوا لِأنْفُسِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ؛ ﴿ثَمَنًا﴾؛ هو ما أخَذُوهُ مِنَ الرُّشى؛ بِمُقابَلَةِ ما فَعَلُوا مِنَ التَّحْرِيفِ؛ والتَّأْوِيلِ؛ وإنَّما عُبِّرَ عَنِ المُشْتَرى؛ الَّذِي هو المَقْصُودُ بِالذّاتِ في عَقْدِ المُعاوَضَةِ؛ بِالثَّمَنِ الَّذِي هو وسِيلَةٌ فِيهِ؛ إيذانًا بِتَعْكِيسِهِمْ؛ حَيْثُ جَعَلُوا المَقْصُودَ بِالذّاتِ وسِيلَةَ؛ والوَسِيلَةَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ؛ ﴿قَلِيلا﴾: لا يُعْبَأُ بِهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ - وإنْ جَلَّ في نَفْسِهِ - فَهو أقَلُّ قَلِيلًا عِنْدَ ما اسْتَوْجَبُوا بِهِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾: تَكْرِيرٌ لِما سَبَقَ لِلتَّأْكِيدِ؛ وتَصْرِيحٌ بِتَعْلِيلِهِ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ؛ بَعْدَ الإشْعارِ بِهِ؛ فِيما سَلَفَ؛ بِإيرادِ بَعْضِهِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ وبَعْضِهِ في مَعْرِضِ الغَرَضِ؛ والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾: تَعْلِيلِيَّةٌ؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "وَيْلٌ"؛ أوْ بِالِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ؛ والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كَتَبَتْهُ؛ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ والأوَّلُ أدْخَلُ في الزَّجْرِ عَنْ تَعاطِي المُحَرَّفِ؛ والثّانِي في الزَّجْرِ عَنِ التَّحْرِيفِ؛ ﴿وَوَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾: الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي فِيما قَبْلَهُ؛ والتَّكْرِيرُ لِما مَرَّ مِنَ التَّأْكِيدِ؛ والتَّشْدِيدِ؛ والقَصْدِ إلى التَّعْلِيلِ بِكُلٍّ مِنَ الجِنايَتَيْنِ؛ وعَدَمِ التَّعَرُّضِ لِقَوْلِهِمْ: "هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ"؛ لِما أنَّهُ مِن مَبادِي تَرْوِيجِ ما كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ؛ فَهو (p-121)داخِلٌ في التَّعْلِيلِ بِهِ.
البقرة 2:80
﴿وَقالُوا﴾: بَيانٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ وفَصْلُهُ عَمّا قَبْلَهُ مُشْعِرٌ بِكَوْنِهِ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي اخْتَلَقُوها؛ ولَمْ يَكْتُبُوها في الكِتابِ؛ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾؛ في الآخِرَةِ؛ ﴿إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾: قَلِيلَةً؛ مَحْصُورَةً؛ عَدَدَ أيّامِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ؛ أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ مُدَّةَ غَيْبَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنْهُمْ؛ وحَكى الأصْمَعِيُّ عَنْ بَعْضِ اليَهُودِ أنَّ عَدَدَ أيّامِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ سَبْعَةٌ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُمْرُ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ؛ وإنَّما نُعَذَّبُ بِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ يَوْمًا واحِدًا؛ ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ اليَهُودَ زَعَمَتْ أنَّهم وجَدُوا في التَّوْراةِ أنَّ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً؛ إلى أنْ يَنْتَهُوا إلى شَجَرَةِ الزَّقُّومِ؛ وأنَّهم يَقْطَعُونَ في كُلِّ مَسِيرَةٍ سَنَةً فَيُكْمِلُونَها؛ قُلْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ وتَوْبِيخًا: ﴿أتَّخَذْتُمْ﴾ بِإسْقاطِ الهَمْزَةِ المُجْتَلَبَةِ؛ لِوُقُوعِها في الدَّرْجِ؛ وبِإظْهارِ الذّالِ؛ وقُرِئَ بِإدْغامِها في التّاءِ؛ ﴿عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾؛ خَبَرًا أوْ وعْدًا بِما تَزْعُمُونَ؛ فَإنَّ ما تَدَّعُونَ لا يَكُونُ إلّا بِناءً عَلى وعْدٍ قَوِيٍّ؛ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهُ بِالعَهْدِ؛ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾؛ الفاءُ فَصِيحَةٌ مُعْرِبَةٌ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ قالُوا خُراسانُ أقْصى ما يُرادُ بِنا ∗∗∗ ثُمَّ القُفُولُ فَقَدْ جِئْنا خُراسانا
أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَنْ يُخْلِفَهُ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ عَدَمَ الإخْلافِ مِن قَضِيَّةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ وإظْهارُ العَهْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِما ذُكِرَ؛ أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ جَمِيعُ عُهُودِهِ؛ لِعُمُومِهِ بِالإضافَةِ؛ فَيَدْخُلُ فِيهِ العَهْدُ المَعْهُودُ؛ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وفِيهِ تَجافٍ عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِ كَلامِهِمْ؛ وإنْ كانَ مُعَلَّقًا بِما لَمْ يَكَدْ يَشُمُّ رائِحَةَ الوُجُودِ قَطْعًا؛ أعْنِي اتِّخاذَ العَهْدِ؛ ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾؛ مُفْتَرِينَ؛ ﴿عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾؛ وُقُوعَهُ؛ وإنَّما عُلِّقَ التَّوْبِيخُ بِإسْنادِهِمْ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ؛ مَعَ أنَّ ما أسْنَدُوهُ إلَيْهِ (تَعالى) مِن قَبِيلِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ؛ والتَّنْكِيرِ؛ فَإنَّ التَّوْبِيخَ عَلى الأدْنى مُسْتَلْزِمٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى الأعْلى بِالطَّرِيقِ الأوْلى؛ وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ - وإنْ لَمْ يَكُنْ تَصْرِيحًا بِالِافْتِراءِ عَلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لَكِنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لَهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجَزْمَ لا يَكُونُ إلّا بِإسْنادِ سَبَبِهِ إلَيْهِ (تَعالى). و"أمْ" مُتَّصِلَةٌ؛ والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ المُؤَدِّي إلى التَّبْكِيتِ؛ لِتَحَقُّقِ العِلْمِ بِالشِّقِّ الأخِيرِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أمْ لَمْ تَتَّخِذُوهُ؛ بَلْ تَتَقَوَّلُونَ عَلَيْهِ (تَعالى)؛ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ؛ والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الِاتِّخاذِ؛ ونَفْيِهِ؛ ومَعْنى "بَلْ" فِيها الإضْرابُ؛ والِانْتِقالُ مِنَ التَّوْبِيخِ بِالإنْكارِ عَلى اتِّخاذِ العَهْدِ؛ إلى ما تُفِيدُ هَمْزَتُها مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى التَّقَوُّلِ عَلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ - كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ آللَّهُ أذِنَ لَكم أمْ عَلى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ .
البقرة 2:81
﴿بَلى...﴾؛ إلى آخِرِهِ: جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ؛ وإبْطالٌ لَهُ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ وبَيانٌ لِحَقِيقَةِ الحالِ تَفْصِيلًا؛ في ضِمْنِ تَشْرِيعٍ كُلِّيٍّ؛ شامِلٍ لَهم ولِسائِرِ الكَفَرَةِ؛ بَعْدَ إظْهارِ كَذِبِهِمْ إجْمالًا. وتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لِما أنَّ المُحاجَّةَ والإلْزامَ مِن وظائِفِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ (p-122)بِأنَّهُ أمْرٌ هَيِّنٌ؛ يَتَوَقَّفُ عَلى التَّوْقِيفِ؛ و"بَلى" حَرْفُ إيجابٍ؛ مُخْتَصٌّ بِجَوابِ النَّفْيِ خَبَرًا واسْتِفْهامًا؛ ﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: فاحِشَةً مِنَ السَّيِّئاتِ؛ أيْ كَبِيرَةً مِنَ الكَبائِرِ؛ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ؛ والكَسْبُ: اسْتِجْلابُ النَّفْعِ؛ وتَعْلِيقُهُ بِالسَّيِّئَةِ عَلى طَرِيقَةِ ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
﴿وَأحاطَتْ بِهِ﴾؛ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهُ جانِبٌ مِن قَلْبِهِ؛ ولِسانِهِ؛ وجَوارِحِهِ؛ إلّا وقَدِ اشْتَمَلَتْ واسْتَوْلَتْ عَلَيْهِ؛ ﴿خَطِيئَتُهُ﴾؛ الَّتِي كَسَبَها؛ وصارَتْ خاصَّةً مِن خَواصِّهِ؛ كَما تُنْبِئُ عَنْهُ الإضافَةُ إلَيْهِ؛ وهَذا إنَّما يَتَحَقَّقُ في الكافِرِ؛ ولِذَلِكَ فَسَّرَها السَّلَفُ بِالكُفْرِ؛ حَسْبَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وأبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي وائِلٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ وعَطاءٍ؛ والرَّبِيعِ؛ وقِيلَ: السَّيِّئَةُ: الكُفْرُ؛ والخَطِيئَةُ: الكَبِيرَةُ؛ وقِيلَ بِالعَكْسِ؛ وقِيلَ: الفارِقُ بَيْنَهُما أنَّ الأُولى قَدْ تُطْلَقُ عَلى ما يُقْصَدُ بِالذّاتِ؛ والثّانِيَةَ تَغْلِبُ عَلى ما يُقْصَدُ بِالعَرَضِ؛ لِأنَّها مِنَ الخَطَإ؛ وقُرِئَ: "خَطِيَّتُهُ"؛ و"خَطِيّاتُهُ"؛ عَلى القَلْبِ والإدْغامِ فِيهِما؛ و"خَطِيئاتُهُ"؛ و"خَطاياهُ"؛ وفي ذَلِكَ إيذانٌ بِكَثْرَةِ فُنُونِ كُفْرِهِمْ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾: خَبَرُهُ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ؛ وإيرادُ اسْمِ الإشارَةِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِحْضارِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ الأوْصافِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِصاحِبِيَّةِ النّارِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الكُفْرِ؛ والخَطايا؛ وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِعُنْوانِ الجَمْعِيَّةِ مُراعاةً لِجانِبِ المَعْنى في كَلِمَةِ "مَن"؛ بَعْدَ مُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ؛ لِما أنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ؛ فَإنَّ كَسْبَ السَّيِّئَةِ وإحاطَةَ خَطِيئَتِهِ بِهِ في حالَةِ الِانْفِرادِ؛ وصاحِبِيَّةَ النّارِ في حالَةِ الِاجْتِماعِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِن كَسْبِ السَّيِّئاتِ؛ وإحاطَةِ خَطاياهم بِهِمْ؛ أصْحابُ النّارِ؛ أيْ: مُلازِمُوها في الآخِرَةِ حَسَبَ مُلازَمَتِهِمْ في الدُّنْيا لِما يَسْتَوْجِبُها مِنَ الأسْبابِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هم عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَحْرِيفِ كَلامِهِ؛ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وإنَّما لَمْ يُخَصَّ الجَوابُ بِحالِهِمْ؛ بِأنْ يُقالَ - مَثَلًا -: بَلى إنَّهم أصْحابُ النّارِ.. إلَخْ.. لِما في التَّعْمِيمِ مِنَ التَّهْوِيلِ؛ وبَيانِ حالِهِمْ بِالبُرْهانِ والدَّلِيلِ؛ مَعَ ما مَرَّ مِن قَصْدِ الإشْعارِ بِالتَّعْلِيلِ.
﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ دائِمًا أبَدًا؛ فَأنّى لَهُمُ التَّفَصِّي عَنْها بَعْدَ سَبْعَةِ أيّامٍ؛ أوْ أرْبَعِينَ؛ كَما زَعَمُوا؟ فَلا حُجَّةَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى خُلُودِ صاحِبِ الكَبِيرَةِ؛ لِما عَرَفْتَ مِنَ اخْتِصاصِها بِالكافِرِ؛ ولا حاجَةَ إلى حَمْلِ الخُلُودِ عَلى اللُّبْثِ الطَّوِيلِ؛ عَلى أنَّ فِيهِ تَهْوِينَ الخَطْبِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ.
البقرة 2:82
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾: جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ عَلى شَفْعِ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ؛ مُراعاةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في إرْشادِ العِبادِ؛ مِنَ التَّرْغِيبِ تارَةً؛ والتَّرْهِيبِ أُخْرى؛ والتَّبْشِيرِ مَرَّةً؛ والإنْذارِ أُخْرى.
البقرة 2:83
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾: شُرُوعٌ (p-123)
فِي تَعْدادِ بَعْضٍ آخَرَ مِن قَبائِحِ أسْلافِ اليَهُودِ؛ مِمّا يُنادِي بِعَدَمِ إيمانِ أخْلافِهِمْ؛ وكَلِمَةُ "إذْ" نُصِبَتْ بِإضْمارِ فِعْلٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ والمُؤْمِنُونَ؛ لِيُؤَدِّيَهُمُ التَّأمُّلُ في أحْوالِهِمْ إلى قَطْعِ الطَّمَعِ عَنْ إيمانِهِمْ؛ أوِ اليَهُودُ المَوْجُودُونَ في عَهْدِ النُّبُوَّةِ؛ تَوْبِيخًا لَهم بِسُوءِ صَنِيعِ أسْلافِهِمْ؛ أيْ: اذْكُرُوا إذْ أخَذْنا مِيثاقَهُمْ؛ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: "قُلْنا"؛ أوْ: "قائِلِينَ": لا تَعْبُدُونَ.. إلَخْ.. وهو إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾؛ وكَما تَقُولُ: تَذْهَبُ إلى فُلانٍ؛ وتَقُولُ: كَيْتَ؛ وكَيْتَ؛ وهو أبْلَغُ مِن صَرِيحِ النَّهْيِ؛ لِما فِيهِ مِن إيهامِ أنَّ المَنهِيَّ حَقُّهُ أنْ يُسارِعَ إلى الِانْتِهاءِ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ؛ فَكَأنَّهُ انْتَهى عَنْهُ؛ فَيُخْبِرُ بِهِ النّاهِي؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ: "لا تَعْبُدُوا"؛ وعَطْفُ "قُولُوا"؛ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ألّا تَعْبُدُوا.. إلَخْ.. فَحُذِفَ النّاصِبُ؛ ورُفِعَ الفِعْلُ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى ∗∗∗ وأنْ أشْهَدَ اللَّذّاتِ هَلْ أنْتَ مُخْلِدِي؟
وَيَعْضُدُهُ قِراءَةُ: "ألّا تَعْبُدُوا"؛ فَيَكُونُ بَدَلًا مِنَ المِيثاقِ؛ أوْ مَعْمُولًا لَهُ؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ؛ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَحَلَّفْناهم لا تَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ"؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ لِأنَّهم غُيَّبٌ.
﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ؛ أيْ: وتُحْسِنُونَ؛ أوْ: أحْسِنُوا.
﴿وَذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ﴾: عَطْفٌ عَلى الوالِدَيْنِ؛ و"يَتامى": جَمْعُ "يَتِيمٌ"؛ كَـ "نَدامى"؛ جَمْعُ "نَدِيمٌ"؛ وهو قَلِيلٌ؛ و"مِسْكِينٌ": "مِفْعِيلٌ"؛ مِن "السُّكُونُ"؛ كَأنَّ الفَقْرَ أسْكَنَهُ مِنَ الحَراكِ؛ وأثْخَنَهُ عَنِ التَّقَلُّبِ.
﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾: أيْ: قَوْلًا حَسَنًا؛ سَمّاهُ "حُسْنًا"؛ مُبالَغَةً؛ وقُرِئَ كَذَلِكَ؛ و: "حُسُنًا"؛ بِضَمَّتَيْنِ؛ وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ؛ و"حُسْنى": كَـ "بُشْرى"؛ والمُرادُ بِهِ ما فِيهِ تَخَلُّقٌ وإرْشادٌ؛ ﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: هُما ما فُرِضَ عَلَيْهِمْ في شَرِيعَتِهِمْ؛ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾: إنْ جُعِلَ ناصِبُ الظَّرْفِ خِطابًا لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهَذا التِفاتٌ إلى خِطابِ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا؛ بِتَغْلِيبِ أخْلافِهِمْ عَلى أسْلافِهِمْ؛ لِجَرَيانِ ذِكْرِ كُلِّهِمْ حِينَئِذٍ عَلى نَهْجِ الغَيْبَةِ؛ فَإنَّ الخِطاباتِ السّابِقَةَ لِأسْلافِهِمْ مَحْكِيَّةٌ؛ داخِلَةٌ في حَيِّزِ القَوْلِ المُقَدَّرِ قَبْلَ "تَعْبُدُونَ"؛ كَأنَّهُمُ اسْتُحْضِرُوا عِنْدَ ذِكْرِ جِناياتِهِمْ؛ فَنُعِيَتْ هي عَلَيْهِمْ؛ وإنْ جُعِلَ خِطابًا لِلْيَهُودِ المُعاصِرِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ والمُؤْمِنِينَ؛ فَهَذا تَعْمِيمٌ لِلْخِطابِ؛ بِتَنْزِيلِ الأسْلافِ مَنزِلَةَ الأخْلافِ؛ كَما أنَّهُ تَعْمِيمٌ لِلتَّوَلِّي؛ بِتَنْزِيلِ الأخْلافِ مَنزِلَةَ الأسْلافِ؛ لِلتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ؛ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنِ المُضِيِّ؛ عَلى مُقْتَضى المِيثاقِ؛ ورَفَضْتُمُوهُ؛ ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾؛ وهُمْ: مِنَ الأسْلافِ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ عَلى وجْهِها؛ قَبْلَ النَّسْخِ؛ ومِنَ الأخْلافِ مَن أسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإعْراضُ عَنِ الطّاعَةِ؛ ومُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ. وأصْلُ الإعْراضِ: الذَّهابُ عَنِ المُواجَهَةِ؛ والإقْبالُ إلى جانِبِ العَرْضِ.
البقرة 2:84
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ؛ خُوطِبَ بِهِ اليَهُودُ قاطِبَةً؛ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّغْلِيبِ؛ ونُعِيَ عَلَيْهِمْ إخْلالُهم بِمَواجِبِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ العِبادِ؛ عَلى طَرِيقَةِ النَّهْيِ؛ إثْرَ بَيانِ ما فَعَلُوا بِالمِيثاقِ المَأْخُوذِ مِنهم في حُقُوقِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وما يُجْرى مُجْراها؛ عَلى سَبِيلِ الأمْرِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِنَ النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ (تَعالى) هو الأمْرُ بِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ أيْ: "واذْكُرُوا وقْتَ أخْذِنا مِيثاقَكم (p-124)
فِي التَّوْراةِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾؛ كَما قَبْلَهُ؛ إخْبارٌ في مَعْنى النَّهْيِ؛ غُيِّرَ السَّبْكُ إلَيْهِ لِما ذُكِرَ مِن نُكْتَةِ المُبالَغَةِ؛ والمُرادُ بِهِ النَّهْيُ الشَّدِيدُ عَنْ تَعَرُّضِ بَعْضِ بَنِي إسْرائِيلَ لِبَعْضٍ بِالقَتْلِ؛ والإجْلاءِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِسَفْكِ دِماءِ أنْفُسِهِمْ؛ وإخْراجِها مِن دِيارِهِمْ؛ بِناءً عَلى جَرَيانِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم مُجْرى أنْفُسِهِمْ؛ لِما بَيْنَهم مِنَ الِاتِّصالِ القَوِيِّ؛ نَسَبًا ودِينًا؛ لِلْمُبالَغَةِ في الحَمْلِ عَلى مُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ؛ بِتَصْوِيرِ المَنهِيِّ عَنْهُ بِصُورَةٍ تَكْرَهُها كُلُّ نَفْسٍ؛ وتَنْفِرُ عَنْها كُلُّ طَبِيعَةٍ؛ فَضَمِيرُ "أنْفُسَكُمْ"؛ لِلْمُخاطِبِينَ حَتْمًا؛ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ تَنْزِيلُ المُخْرِجِينَ مَنزِلَتَهُمْ؛ كَما أنَّ ضَمِيرَ "دِيارِكُمْ"؛ لِلْمُخْرَجِينَ قَطْعًا؛ إذِ المَحْذُورُ إنَّما هو إخْراجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لا مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهم مُخاطَبُونَ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾؛ وإنَّما الخِطابُ هَهُنا بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِ دِيارِهِمْ مَنزِلَةَ دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ أنْفُسِهِمْ مَنزِلَتَهُمْ؛ لِتَأْكِيدِ المُبالَغَةِ؛ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ؛ وأمّا ضَمِيرُ "دِماءَكُمْ"؛ فَمُحْتَمِلٌ لِوَجْهَيْنِ؛ مُفادُ الأوَّلِ كَوْنُ المَسْفُوكِ دِماءً ادِّعائِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ حَقِيقَةً؛ ومُفادُ الثّانِي كَوْنُهُ دِماءً حَقِيقِيَّةً لِلْمُخاطَبِينَ ادِّعاءً؛ وهُما مُتَقارِبانِ في إفادَةِ المُبالَغَةِ؛ فَتَدَبَّرْ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا تُباشِرُوا ما يُؤَدِّي إلى قَتْلِ أنْفُسِكم قِصاصًا؛ أوْ ما يُبِيحُ سَفْكَ دِمائِكُمْ؛ وإخْراجَكم مِن دِيارِكُمْ؛ أوْ: لا تَفْعَلُوا ما يُرْدِيكُمْ؛ ويَصْرِفُكم عَنِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ فَإنَّهُ القَتْلُ في الحَقِيقَةِ؛ ولا تَقْتَرِفُوا ما تُحَرَّمُونَ بِهِ عَنِ الجَنَّةِ؛ الَّتِي هي دارُكُمْ؛ فَإنَّهُ الجَلاءُ الحَقِيقِيُّ؛ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ بَلْ هو نَصٌّ فِيما قُلْناهُ؛ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾: أيْ: بِالمِيثاقِ؛ وبِوُجُوبِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ ﴿وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾: تَوْكِيدٌ لِلْإقْرارِ؛ كَقَوْلِكَ: "أقَرَّ فُلانٌ شاهِدًا عَلى نَفْسِهِ"؛ وأنْتُمْ أيُّها الحاضِرُونَ تَشْهَدُونَ اليَوْمَ عَلى إقْرارِ أسْلافِكم بِهَذا المِيثاقِ.
البقرة 2:85
﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾:خِطابٌ خاصٌّ في الحاضِرِينَ؛ فِيهِ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ؛ واسْتِبْعادٌ قَوِيٌّ لِما ارْتَكَبُوهُ؛ بَعْدَ ما كانَ مِنَ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِ؛ فَـ "أنْتُمْ": مُبْتَدَأٌ؛ وهَؤُلاءِ خَبَرُهُ؛ ومَناطُ الإفادَةِ اخْتِلافُ الصِّفاتِ المُنْزَلُ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذّاتِ؛ والمَعْنى: أنْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ هَؤُلاءِ المُشاهِدُونَ؛ النّاقِضُونَ؛ المُتَناقِضُونَ؛ حَسْبَما تُعْرِبُ عَنْهُ الجُمَلُ الآتِيَةُ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ .. إلَخْ.. بَيانٌ لَهُ؛ وتَفْصِيلٌ لِأحْوالِهِمُ المُنْكَرَةِ؛ المُنْدَرِجَةِ تَحْتَ الإشارَةِ ضِمْنًا؛ كَأنَّهم قالُوا: كَيْفَ نَحْنُ؟ فَقِيلَ: تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ؛ أيْ: الجارِينَ مُجْرى أنْفُسِكُمْ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "تُقَتِّلُونَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ لِلتَّكْثِيرِ؛ ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكُمْ﴾: الضَّمِيرُ إمّا لِلْمُخاطَبِينَ؛ والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أنْفُسِكُمْ؛ وإمّا لِلْمَقْتُولِينَ؛ والخِطابُ بِاعْتِبارِ أنَّهم جُعِلُوا أنْفُسَ المُخاطَبِينَ؛ وإلّا فَلا يَتَحَقَّقُ التَّكافُؤُ بَيْنَ المَقْتُولِينَ؛ والمُخْرَجِينَ؛ في ذَلِكَ العُنْوانِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ المُبالَغَةِ في تَأْكِيدِ المِيثاقِ؛ حَسْبَما نُصَّ عَلَيْهِ؛ ولا يَظْهَرُ كَمالُ قَباحَةِ (p-125)جِناياتِهِمْ في نَقْضِهِ؛ ﴿مِن دِيارِهِمْ﴾: الضَّمِيرُ لِلْفَرِيقِ؛ وإيثارُ الغَيْبَةِ مَعَ جَوازِ الخِطابِ أيْضًا؛ بِناءً عَلى اعْتِبارِ العُنْوانِ المَذْكُورِ؛ كَما مَرَّ في المِيثاقِ؛ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ كَوْنِ المُرادِ إخْراجَهم مِن دِيارِ المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ هي دِيارُهُمْ؛ لا مِن حَيْثُ هي دِيارُ المُخْرَجِينَ؛ وقِيلَ: "هَؤُلاءِ": مَوْصُولٌ؛ والجُمْلَتانِ في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ والمَجْمُوعُ هو الخَبَرُ لِـ "أنْتُمْ"؛ ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾: بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ وقُرِئَ بِإثْباتِهِما؛ وبِالإدْغامِ؛ و"تَظَّهَّرُونَ"؛ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ مِن "تَتَظَهَّرُونَ"؛ ومَعْنى الكُلِّ: تَتَعاوَنُونَ؛ وهي حالٌ مِن فاعِلِ "تُخْرِجُونَ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما جَمِيعًا؛ مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ الإخْراجِ؛ دافِعَةٌ لِتَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الحُرْمَةِ بِالإخْراجِ؛ بِطَرِيقِ الأصالَةِ؛ والِاسْتِقْلالِ؛ دُونَ المُظاهَرَةِ؛ والمُعاوَنَةِ؛ ﴿بِالإثْمِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "تَظاهَرُونَ"؛ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ؛ وهو الفِعْلُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ فاعِلُهُ الذَّمَّ؛ واللَّوْمَ؛ وقِيلَ: هو ما يَنْفِرُ عَنْهُ النَّفْسُ؛ ولا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ القَلْبُ؛ ﴿والعُدْوانِ﴾؛ وهو التَّجاوُزُ في الظُّلْمِ؛ ﴿وَإنْ يَأْتُوكم أُسارى﴾: جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ وهو مَن يُؤْخَذُ قَهْرًا؛ "فَعِيلٌ"؛ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ"؛ مِن "الأسْرُ"؛ أيْ: الشَّدُّ؛ أوْ جَمْعُ "أسْرى"؛ وهو جَمْعُ "أسِيرٌ"؛ كَـ "جَرْحى"؛ و"جَرِيحٌ"؛ وقَدْ قُرِئَ: "أسْرى"؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ؛ ﴿تُفادُوهُمْ﴾: أيْ: تُخْرِجُوهم مِنَ الأسْرِ؛ بِإعْطاءِ الفِداءِ؛ وقُرِئَ: "تَفْدُوهُمْ"؛ قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أخَذَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ المِيثاقَ؛ ألّا يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ ولا يُخْرِجَ بَعْضُهم بَعْضًا مِن دِيارِهِمْ؛ وأيُّما عَبْدٍ أوْ أمَةٍ وجَدْتُمُوهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فاشْتَرُوهُ؛ وأعْتِقُوهُ؛ وكانَتْ قُرَيْظَةُ حُلَفاءَ الأوْسِ؛ والنَّضِيرُ حُلَفاءَ الخَزْرَجِ؛ حِينَ كانَ بَيْنَهُما ما كانَ مِنَ العَداوَةِ؛ والشَّنَآنِ؛ فَكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يُقاتِلُ مَعَ حُلَفائِهِ؛ فَإذا غَلَبُوا خَرَّبُوا دِيارَهُمْ؛ وأخْرَجُوهم مِنها؛ ثُمَّ إذا أُسِرَ رَجُلٌ مِنَ الفَرِيقَيْنِ جَمَعُوا لَهُ مالًا؛ فَيَفْدُونَهُ؛ فَعَيَّرَتْهُمُ العَرَبُ؛ وقالَتْ: كَيْفَ تُقاتِلُونَهُمْ؛ ثُمَّ تَفْدُونَهُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أُمِرْنا أنْ نَفْدِيَهُمْ؛ وحُرِّمَ عَلَيْنا قِتالُهُمْ؛ ولَكِنْ نَسْتَحْيِي أنْ نُذِلَّ حُلَفاءَنا؛ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ (تَعالى) عَلى المُناقَضَةِ؛ ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهُمْ﴾: "هُوَ": ضَمِيرُ الشَّأْنِ؛ وقَعَ مُبْتَدَأً؛ و"مُحَرَّمٌ": فِيهِ ضَمِيرٌ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ؛ وقَعَ خَبَرًا مِن "إخْراجُهُمْ"؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ وقِيلَ: "مُحَرَّمٌ": خَبَرٌ لِضَمِيرِ الشَّأْنِ؛ و"إخْراجُهُمْ": مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ مُبْهَمٌ؛ يُفَسِّرُهُ "إخْراجُهُمْ"؛ أوْ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ "تُخْرِجُونَ"؛ مِنَ المَصْدَرِ؛ و"إخْراجُهُمْ": تَأْكِيدٌ أوْ بَيانٌ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "تُخْرِجُونَ"؛ أوْ مِن "فَرِيقًا"؛ أوْ مِنهُما؛ كَما مَرَّ؛ بَعْدَ اعْتِبارِ القَيْدِ بِالحالِ السّابِقَةِ؛ وتَخْصِيصُ بَيانِ الحُرْمَةِ هَهُنا بِالإخْراجِ - مَعَ كَوْنِهِ قَرِينًا لِلْقَتْلِ عِنْدَ أخْذِ المِيثاقِ - لِكَوْنِهِ مَظِنَّةً لِلْمُساهَلَةِ في أمْرِهِ؛ بِسَبَبِ قِلَّةِ خَطَرِهِ؛ بِالنِّسْبَةِ إلى القَتْلِ؛ ولِأنَّ مَساقَ الكَلامِ لِذَمِّهِمْ؛ وتَوْبِيخِهِمْ عَلى جِناياتِهِمْ؛ وتَناقُضِ أفْعالِهِمْ مَعًا؛ وذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الإخْراجِ؛ حَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهم تَدارُكُ القَتْلى بِشَيْءٍ مِن دِيَةٍ؛ أوْ قِصاصٍ؛ هو السِّرُّ في تَخْصِيصِ التَّظاهُرِ بِهِ فِيما سَبَقَ؛ وأمّا تَأْخِيرُهُ "مَن" الشَّرْطِيَّةَ المُعْتَرِضَةَ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ؛ كَما ذَكَرَهُالواحِدِيُّ - فَلِأنَّ نَظْمَ أفاعِيلِهِمُ المُتَناقِضَةِ في سَمْطٍ واحِدٍ مِنَ الذِّكْرِ أدْخَلُ في إظْهارِ بُطْلانِها.
﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ﴾: أيِ التَّوْراةِ؛ الَّتِي أُخِذَ فِيها المِيثاقُ المَذْكُورُ؛ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ؛ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَسْتَدْعِيهِ المَقامُ؛ أيْ: أتَفْعَلُونَ ذَلِكَ؛ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وهو المُفاداةُ؛ ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾؛ وهو حُرْمَةُ القِتالِ والإخْراجِ؟ مَعَ أنَّ مِن قَضِيَّةِ الإيمانِ بِبَعْضِهِ الإيمان بالباقِي؛ لِكَوْنِ الكُلِّ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى) داخِلًا في المِيثاقِ؛ فَمَناطُ التَّوْبِيخِ كُفْرُهم بِالبَعْضِ؛ مَعَ إيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ تَرْتِيبُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ فَإنَّ التَّقْدِيمَ يَسْتَدْعِي في المَقامِ الخِطابِيِّ أصالَةَ المُقَدَّمِ وتَقَدُّمَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَتْمًا؛ وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ هَهُنا بِاعْتِبارِ الإنْكارِ؛ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ؛ فَهو بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ قَطْعًا؛ (p-126)لا إيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالبَعْضِ؛ كَما هو المَفْهُومُ لَوْ قِيلَ: أفَتَكْفُرُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وتُؤْمِنُونَ بِبَعْضٍ؟ ولا مُجَرَّدِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْضِ؛ وإيمانِهِمْ بِالبَعْضِ؛ كَما يُفِيدُهُ أنْ يُقالَ: أفَتَجْمَعُونَ بَيْنَ الإيمانِ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ والكُفْرِ بِبَعْضٍ ؟ أوْ بِالعَكْسِ.
﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ﴾: "ما": نافِيَةٌ؛ و"مَن": إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً فَلا مَحَلَّ لِـ "يَفْعَلُ" مِنَ الإعْرابِ؛ وإنْ جُعِلَتْ مَوْصُوفَةً فَمَحَلُّهُ الجَرُّ؛ عَلى أنَّهُ صِفَتُها؛ و"ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى الكُفْرِ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ مَعَ الإيمانِ بِبَعْضٍ؛ أوْ إلى ما فَعَلُوا مِنَ القَتْلِ؛ والإجْلاءِ؛ مَعَ مُفاداةِ الأُسارى؛ ﴿مِنكُمْ﴾: حالٌ مِن فاعِلِ "يَفْعَلُ"؛ ﴿إلا خِزْيٌ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ؛ وقَعَ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَإ؛ والخِزْيُ: الذُّلُّ؛ والهَوانُ؛ مَعَ الفَضِيحَةِ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ؛ وهو قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ إلى أذْرِعاتٍ؛ وأرِيحاءَ مِنَ الشّامِ؛ وقِيلَ: الجِزْيَةُ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: في حَيِّزِ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "خِزْيٌ"؛ أيْ: خِزْيٌ كائِنٌ في الحَياةِ الدُّنْيا؛ أوْ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِنَفْسِ الخِزْيِ؛ ولَعَلَّ بَيانَ جَزائِهِمْ بِطَرِيقِ القَصْرِ عَلى ما ذُكِرَ لِقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِن ثَمَراتِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وإظْهارِ أنَّهُ لا أثَرَ لَهُ أصْلًا؛ مَعَ الكُفْرِ بِبَعْضٍ؛ ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ﴾؛ وقُرِئَ بِالتّاءِ؛ أُوثِرَ صِيغَةُ الجَمْعِ؛ نَظَرًا إلى مَعْنى "مَن"؛ بَعْدَما أُوثِرَ الإفْرادُ نَظَرًا إلى لَفْظِها؛ لِما أنَّ الرَّدَّ إنَّما يَكُونُ بِالِاجْتِماعِ؛ ﴿إلى أشَدِّ العَذابِ﴾؛ لِما أنَّ مَعْصِيَتَهم أشَدُّ المَعاصِي؛ وقِيلَ: "أشَدِّ العَذابِ" بِالنِّسْبَةِ إلى ما لَهم في الدُّنْيا مِنَ الخِزْيِ؛ والصَّغارِ؛ وإنَّما غُيِّرَ سَبْكُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ - مَثَلًا -: "وَأشَدُّ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ"؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ جَزاءَيِ النَّشْأتَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ "يَوْمَ القِيامَةِ" عَلى ذِكْرِ ما يَقَعُ فِيهِ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ؛ وتَفْظِيعِ الحالِ مِن أوَّلِ الأمْرِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا المُنْكَرُ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ عَلى نَهْجِ "يُرَدُّونَ"؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْوَعِيدِ.
البقرة 2:86
﴿أُولَئِكَ﴾؛ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ أيْ: آثَرُوا؛ ﴿الحَياةَ الدُّنْيا﴾؛ واسْتَبْدَلُوها؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ وأعْرَضُوا عَنْها؛ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن تَحْصِيلِها؛ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ بِبَعْضِ أحْكامِ الكِتابِ إنَّما كانَ لِمُراعاةِ جانِبِ حُلَفائِهِمْ؛ لِما يَعُودُ إلَيْهِمْ مِنهم مِن بَعْضِ المَنافِعِ الدَّنِيَّةِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾؛ دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا؛ ﴿وَلا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ بِدَفْعِهِ عَنْهُمْ؛ شَفاعَةً أوْ جَبْرًا؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ عَطْفَ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ أوْ "يُنْصَرُونَ" مُفَسِّرٌ لِمَحْذُوفٍ قَبْلَ الضَّمِيرِ؛ فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الفِعْلِيَّةِ عَلى مِثْلِها.
البقرة 2:87
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ؛ والمُرادُ بِالكِتابِ: التَّوْراةُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُما - أنَّ التَّوْراةَ لَمّا نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِحَمْلِها؛ فَلَمْ يُطِقْ بِذَلِكَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا؛ فَلَمْ يُطِيقُوا بِحَمْلِها؛ فَخَفَّفَها اللَّهُ (تَعالى) لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَحَمَلَها.
﴿وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾: يُقالُ: "قَفّاهُ بِهِ"؛ إذا (p-127)
أتْبَعَهُ إيّاهُ؛ أيْ: أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾؛ وهُمْ: يُوشَعُ؛ وأشْمَوِيلُ؛ وشَمْعُونُ؛ وداوُدُ؛ وسُلَيْمانُ؛ وشَعْيا؛ وأرْمَيا؛ وعُزَيْرٌ؛ وحَزْقِيلُ؛ وإلْياسُ؛ واليَسَعُ؛ ويُونُسُ؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ وغَيْرُهم - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾؛ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ مِن إحْياءِ المَوْتى؛ وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ؛ والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ؛ أوِ الإنْجِيلَ؛ و"عِيسى" بِالسِّرْيانِيَّةِ: "إيشُوعُ"؛ ومَعْناهُ: المُبارَكُ؛ و"مَرْيَمُ": بِمَعْنى "الخادِمُ"؛ وهو بِالعِبْرِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ؛ وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ رُؤْبَةَ:
؎ قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ∗∗∗ ضِلِّيلِ أهْواءِ الصِّبا تَنَدُّمُهْ
وَوَزْنُهُ "مَفْعَلُ"؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ "فَعْيَلُ"؛ ﴿وَأيَّدْناهُ﴾؛ أيْ: قَوَّيْناهُ؛ وقُرِئَ: "وَآيَدْناهُ"؛ ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾؛ بِضَمِّ الدّالِّ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِها؛ أيْ: بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ؛ وهي رُوحُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَقَوْلِكَ: "حاتِمُ الجُودِ"؛ و"رَجُلُ صِدْقٍ"؛ وإنَّما وُصِفَتْ بِالقُدْسِ لِكَرامَتِهِ؛ أوْ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ؛ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ؛ وقِيلَ: بِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بِالإنْجِيلِ؛ كَما قِيلَ في القرآن: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾؛ وقِيلَ: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي المَوْتى بِذِكْرِهِ. وتَخْصِيصُهُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالذِّكْرِ؛ ووَصْفُهُ بِما ذُكِرَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ؛ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ؛ لِما أنَّ بِعْثَتَهم كانَتْ لِتَنْفِيذِ أحْكامِ التَّوْراةِ؛ وتَقْرِيرِها؛ وأمّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقَدْ نُسِخَ بِشَرْعِهِ كَثِيرٌ مِن أحْكامِها؛ ولِحَسْمِ مادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلَ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِبَيانِ حَقِّيَّتِهِ؛ وإظْهارِ كَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾؛ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ؛ ﴿بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ﴾؛ مِنَ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيْ: لا تُحِبُّهُ؛ مِن "هَوِيَ"؛ كَـ "فَرِحَ"؛ إذا أحَبَّ؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ؛ والمُوافَقَةُ لَها؛ لا شَيْءَ آخَرَ؛ وتَوْسِيطُ الهَمْزَةِ بَيْنَ الفاءِ؛ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ مِنَ الأفْعالِ السّابِقَةِ؛ لِتَوْبِيخِهِمْ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا؛ ولِلتَّعْجِيبِ مِن شَأْنِهِمْ؛ ويَجُوزُ كَوْنُ الفاءِ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يُناسِبُ المَقامَ؛ أيْ: ألَمْ تُطِيعُوهُمْ؛ فَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ مِنهم بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ؛ ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَنْ الِاتِّباعِ لَهُ؛ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ (تَعالى)؟ ﴿فَفَرِيقًا﴾؛ مِنهُمْ؛ ﴿كَذَّبْتُمْ﴾؛ مِن غَيْرِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ المَضارِّ؛ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أوْ لِلتَّعْقِيبِ؛ ﴿وَفَرِيقًا﴾؛ آخَرَ مِنهُمْ؛ ﴿تَقْتُلُونَ﴾؛ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ؛ كَزَكَرِيّا ويَحْيى؛ وغَيْرِهِما - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وتَقْدِيمُ "فَرِيقًا" في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ؛ وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِمْ؛ لا لِلْقَصْرِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في القَتْلِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ الهائِلَةِ؛ أوْ لِلْإيماءِ إلى أنَّهم بَعْدُ عَلى تِلْكَ النِّيَّةِ؛ حَيْثُ هَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوهُ مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وسَحَرُوهُ؛ وسَمَّمُوا لَهُ الشّاةَ؛ حَتّى قالَ ﷺ: « "ما زالَتْ أكْلَةُ خَيْبَرَ تُعاوِدُنِي؛ فَهَذا أوانُ قَطَعَتْ أبْهَرِي".»
البقرة 2:88
﴿وَقالُوا﴾: بَيانٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ؛ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إشْعارًا بِإبْعادِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ؛ لِما فُصِّلَ مِن مَخازِيهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وحِكايَةِ نَظائِرِها لِكُلِّ مَن يَفْهَمُ بُطْلانَها وقَباحَتَها مِن أهْلِ الحَقِّ؛ والقائِلُونَ هُمُ المَوْجُودُونَ في عَصْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ -؛ ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾: جَمْعُ "أغْلَفُ"؛ مُسْتَعارٌ مِن "الأغْلَفُ"؛ الَّذِي لَمْ يُخْتَنْ؛ أيْ: مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ؛ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ؛ ولا تَفْقَهُهُ؛ كَقَوْلِهِمْ: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ﴾؛ وقِيلَ: هو تَخْفِيفُ "غُلُفٌ"؛ جَمْعُ "غِلافٌ"؛ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ القِراءَةِ بِضَمَّتَيْنِ؛ يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ؛ فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ (p-128)
غَيْرِهِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وعَطاءٌ؛ وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ: إنَّ قُلُوبَنا لا يَصِلُ إلَيْها حَدِيثٌ إلّا وعَتْهُ؛ ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ خَيْرٌ لَوْعَتْهُ أيْضًا؛ ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾: رَدٌّ لِما قالُوهُ؛ وتَكْذِيبٌ لَهم في ذَلِكَ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: بَلْ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - عَنْ رَحْمَتِهِ؛ بِأنْ خَذَلَهُمْ؛ وخَلّاهم وشَأْنَهُمْ؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ العارِضِ؛ وإبْطالِهِمْ لِاسْتِعْدادِهِمْ بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ بِالمَرَّةِ؛ وكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْفَعُهُمُ الإلْطافُ أصْلًا؛ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ؛ والتَّمَكُّنِ مِن قَبُولِ الحَقِّ؛ وعَلى الثّانِي: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ العِلْمِ الَّذِي هو أجَلُّ آثارِها؟ وعَلى الثّالِثِ: بَلْ أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ؛ فَلِذَلِكَ لا يَقْبَلُونَ الحَقَّ المُؤَدِّيَ إلَيْها؛ ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾: "ما" مَزِيدَةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: فَإيمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو إيمانُهم بِبَعْضِ الكِتابِ؛ وقِيلَ: فَزَمانًا قَلِيلًا يُؤْمِنُونَ؛ وهو ما قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمِنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾؛ وكِلاهُما لَيْسَ بِإيمانٍ حَقِيقَةً؛ وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقِلَّةِ العَدَمُ؛ والفاءُ لِسَبَبِيَّةِ اللَّعْنِ لِعَدَمِ الإيمانِ.
البقرة 2:89
﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ﴾: هو القرآن؛ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ؛ ووَصْفُهُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: كائِنٌ مِن عِنْدِهِ (تَعالى)؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ مِنَ التَّوْراةِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِما أنَّ المَعِيَّةَ مِن مُوجِباتِ الوُقُوفِ عَلى ما في تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها؛ وقُرِئَ: "مُصَدِّقًا"؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "كِتابٌ"؛ لِتَخْصِيصِهِ بِالوَصْفِ؛ ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ؛ ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: وقَدْ كانُوا قَبْلَ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلى المُشْرِكِينَ؛ ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ انْصُرْنا بِالنَّبِيِّ المَبْعُوثِ في آخِرِ الزَّمانِ؛ الَّذِي نَجِدُ نَعْتَهُ في التَّوْراةِ؛ ويَقُولُونَ لَهُمْ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا؛ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ والسُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ؛ والنَّضِيرِ؛ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وقِيلَ: مَعْنى يَسْتَفْتِحُونَ: يَفْتَتِحُونَ عَلَيْهِمْ؛ ويُعَرِّفُونَهم بِأنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنهم قَدْ قَرُبَ أوانُهُ؛ والسِّينُ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في "اسْتَعْجَبَ"؛ أيْ: يَسْألُونَ مِن أنْفُسِهِمُ الفَتْحَ عَلَيْهِمْ؛ أوْ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِمْ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِكَمال مُكابَرَتِهِمْ؛ وعِنادِهِمْ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وعَلا -: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْأوَّلِ؛ لِطُولِ العَهْدِ بِتَوَسُّطِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما عَرَفُوا﴾: عِبارَةٌ عَمّا سَلَفَ مِنَ الكِتابِ؛ لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَن أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ مَعْرِفَةٌ لَهُ؛ والِاسْتِفْتاحُ بِهِ اسْتِفْتاحٌ بِهِ؛ وإيرادُ المَوْصُولِ دُونَ الِاكْتِفاءِ بِالإضْمارِ؛ لِبَيانِ كَمالِ مُكابَرَتِهِمْ؛ فَإنَّ مَعْرِفَةَ ما جاءَهم مِن مَبادِي الإيمانِ بِهِ ودَواعِيهِ لا مَحالَةَ؛ والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَعْقِيبِ مَجِيئِهِ لِلِاسْتِفْتاحِ بِهِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَتَخَلَّلَ بَيْنَهُما مُدَّةٌ مُنْسِيَةٌ لَهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾: جَوابٌ لِـ "ما" الأُولى؛ كَما هو رَأْيُ المُبَرِّدِ؛ أوْ جَوابُهُما مَعًا؛ كَما قالَهُ أبُو البَقاءِ؛ وقِيلَ: جَوابُ الأُولى مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَكانُوا﴾؛ إلَخْ.. جُمْلَةً مَعْطُوفَةً عَلى الشَّرْطِيَّةِ؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ والمُرادُ بِـ "ما عَرَفُوا": النَّبِيُّ ﷺ؛ كَما هو المُرادُ بِـ "ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ"؛ فالمَعْنى: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِكِتابِهِمْ كَذَّبُوهُ؛ وكانُوا مِن قَبْلِ مَجِيئِهِ يَسْتَفْتِحُونَ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الكِتابُ؛ فَلَمّا جاءَهُمُ النَّبِيُّ الَّذِي عَرَفُوهُ كَفَرُوا بِهِ؛ ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾: اللّامُ لِلْعَهْدِ؛ (p-129)أيْ: عَلَيْهِمْ؛ ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ حُلُولَ اللَّعْنَةِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ؛ كَما أنَّ الفاءَ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِها عَلَيْهِ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ؛ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَهو مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ .
البقرة 2:90
﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: "ما" نَكِرَةٌ؛ بِمَعْنى "شَيْءٌ"؛ مَنصُوبَةٌ؛ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ "بِئْسَ"؛ و"اشْتَرَوْا": صِفَتُهُ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ وقِيلَ: اشْتَرَوْها بِهِ في زَعْمِهِمْ؛ حَيْثُ يَعْتَقِدُونَ أنَّهم بِما فَعَلُوا خَلَّصُوها مِنَ العِقابِ؛ ويَأْباهُ أنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَذْمُومُ ما كانَ حاصِلًا لَهُمْ؛ لا ما كانَ زائِلًا عَنْهُمْ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: أيْ: بِالكِتابِ المُصَدِّقِ لِما مَعَهُمْ؛ بَعْدَ الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ وتَبْدِيلُ الإنْزالِ بِالمَجِيءِ لِلْإيذانِ بِهِ؛ ﴿بَغْيًا﴾: حَسَدًا؛ وطَلَبًا لِما لَيْسَ لَهُمْ؛ وهو عِلَّةٌ لِـ "أنْ يَكْفُرُوا"؛ حَتْمًا؛ دُونَ "اشْتَرَوْا"؛ لِما قِيلَ مِنَ الفَصْلِ بِما هو أجْنَبِيٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ أجْنَبِيًّا بِالنِّسْبَةِ إلى فِعْلِ الذَّمِّ؛ وفاعِلِهِ؛ ولِأنَّ البَغْيَ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِعُنْوانِ البَيْعِ قَطْعًا؛ لا سِيَّما وهو مُعَلَّلٌ بِما سَيَأْتِي مِن تَنْزِيلِ اللَّهِ (تَعالى) مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاؤُهُ؛ وإنَّما الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَلاقَةٌ هو كُفْرُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى)؛ والمَعْنى: بِئْسَ شَيْئًا باعُوا بِهِ أنْفُسَهم كُفْرُهُمُ المُعَلَّلُ بِالبَغْيِ الكائِنِ؛ لِأجْلِ: ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾؛ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ ﴿عَلى مَن يَشاءُ﴾؛ أيْ: يَشاؤُهُ؛ ويَصْطَفِيهِ؛ ﴿مِن عِبادِهِ﴾؛ المُسْتَأْهِلِينَ لِتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ؛ ومَآلُهُ تَعْلِيلُ كُفْرِهِمْ بِالمُنْزَلِ؛ بِحَسَدِهِمْ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ؛ وإيثارُ صِيغَةِ التَّفْعِيلِ هَهُنا لِلْإيذانِ بِتَجَدُّدِ بَغْيِهِمْ؛ حَسَبَ تَجَدُّدِ الإنْزالِ؛ وتَكَثُّرِهِ؛ حَسَبَ تَكَثُّرِهِ.
﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾: أيْ رَجَعُوا مُلْتَبِسِينَ بِغَضَبٍ كائِنٍ عَلى غَضَبٍ؛ مُسْتَحِقِّينَ لَهُ حَسَبَ ما اقْتَرَفُوا مِن كُفْرٍ عَلى كُفْرٍ؛ فَإنَّهم كَفَرُوا بِنَبِيِّ الحَقِّ؛ وبَغَوْا عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بَعْدَ عِيسى؛ وقِيلَ: بَعْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ وقَوْلِهِمْ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾: أيْ: لَهُمْ؛ والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ كُفْرِهِمْ لِما حاقَ بِهِمْ؛ ﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾: يُرادُ بِهِ إهانَتُهُمْ؛ وإذْلالُهُمْ؛ لِما أنَّ كُفْرَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) كانَ مَبْنِيًّا عَلى الحَسَدِ المَبْنِيِّ عَلى طَمَعِ النُّزُولِ عَلَيْهِمْ؛ وادِّعاءِ الفَضْلِ عَلى النّاسِ؛ والِاسْتِهانَةِ بِمَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
البقرة 2:91
﴿وَإذا قِيلَ﴾؛ مِن جانِبِ المُؤْمِنِينَ؛ ﴿لَهُمْ﴾؛ أيْ: اليَهُودِ؛ وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ؛ لا سِيَّما في لامِ التَّبْلِيغِ؛ ﴿آمِنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ جَمِيعًا؛ والمُرادُ بِهِ الأمْرُ بِالإيمان بالقرآن؛ لَكِنْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْمِيمِ إيذانًا بِتَحَتُّمِ الِامْتِثالِ؛ مِن حَيْثُ مُشارَكَتُهُ لِما آمَنُوا بِهِ؛ فِيما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ ومُوافَقَتُهُ لَهُ في المَضْمُونِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الإيمانَ بِما عَداهُ مِن غَيْرِ إيمانٍ بِهِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِما أنْزَلَ اللَّهُ؛ ﴿قالُوا نُؤْمِنُ﴾: أيْ: نَسْتَمِرُّ عَلى الإيمانِ؛ ﴿بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾؛ يَعْنُونَ بِهِ التَّوْراةَ؛ وما نُزِّلَ عَلى (p-130)
أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِتَقْرِيرِ حُكْمِها؛ ويَدُسُّونَ فِيهِ أنَّ ما عَدا ذَلِكَ غَيْرُ مُنَزَّلٍ عَلَيْهِمْ؛ ومُرادُهم بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إمّا أنْفُسُهُمْ؛ فَمَعْنى الإنْزالِ عَلَيْهِمْ: تَكْلِيفُهم بِما في المُنَزَّلِ مِنَ الأحْكامِ؛ وإمّا أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وهو الظّاهِرُ؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَزِيَّةِ الإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِالفُرْقانِ لِما مَرَّ مِن بَغْيِهِمْ؛ وحَسَدِهِمْ عَلى نُزُولِهِ عَلى مَن لَيْسَ مِنهُمْ؛ ولِأنَّ مُرادَهم بِالمَوْصُولِ - وإنْ كانَ هو التَّوْراةَ؛ وما في حُكْمِها خاصَّةً - لَكِنَّ إيرادَها بِعُنْوانِ الإنْزالِ عَلَيْهِمْ مَبْنِيٌّ عَلى ادِّعاءِ أنَّ ما عَداها لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى وجْهِ التَّعْرِيضِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَلَوْ أُرِيدَ بِالإنْزالِ عَلَيْهِمْ ما ذُكِرَ مِن تَكْلِيفِهِمْ يَلْزَمُ مِن مُغايَرَةِ القرآن لِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ - حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ - عَدَمُ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِما فِيهِ؛ كَما يَلْزَمُ عَدَمُ كَوْنِهِ نازِلًا عَلى واحِدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ؛ وتَجْرِيدُ المَوْصُولِ - عِنْدَ الإضْمارِ - عَمّا عَرَّضُوا بِهِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى؛ والوَراءُ في الأصْلِ: مَصْدَرٌ جُعِلَ ظَرْفًا؛ ويُضافُ إلى الفاعِلِ؛ فَيُرادُ بِهِ ما يَتَوارى بِهِ وهو خَلْفَهُ؛ وإلى المَفْعُولِ؛ فَيُرادُ بِهِ ما يُوارِيهِ وهو أمامَهُ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا"؛ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ؛ أيْ: قالُوا ما قالُوا وهم يَكْفُرُونَ بِما عَداهُ؛ ولَيْسَ المُرادُ مُجَرَّدَ بَيانِ أنَّ إفْرادَ إيمانِهِمْ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ بِالذِّكْرِ لِنَفْيِ إيمانِهِمْ بِما وراءَهُ؛ بَلْ بَيانُ أنَّ ما يَدَّعُونَ مِنَ الإيمانِ لَيْسَ بِإيمانٍ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ حَقِيقَةً؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ اسْمُهُ -: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾: أيْ: المَعْرُوفُ بِالحَقِّيَّةِ؛ الحَقِيقُ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الحَقِّ عَلى الإطْلاقِ؛ حالٌ مِن فاعِلِ "يَكْفُرُونَ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مُصَدِّقًا﴾: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ صاحِبُها إمّا ضَمِيرُ "الحَقُّ"؛ وعامِلُها ما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ؛ قالَهُ أبُو البَقاءِ؛ وإمّا ضَمِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ وعامِلُها فِعْلٌ مُضْمَرٌ؛ أيْ: أحَقَّهُ مُصَدِّقًا؛ ﴿لِما مَعَهُمْ﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ والمَعْنى: قالُوا: نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا؛ وهم يَكْفُرُونَ بِالقرآن؛ والحالُ أنَّهُ حَقٌّ مُصَدِّقٌ لِما آمَنُوا بِهِ؛ فَيُلْزِمُهُمُ الكُفْرُ بِما آمَنُوا بِهِ؛ ومَآلُهُ أنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمان بالتَّوْراةِ؛ والحالُ أنَّهم يَكْفُرُونَ بِما يُلْزِمُ مِنَ الكُفْرِ بِها.
قُلْ: تَبْكِيتًا لَهُمْ؛ مِن جِهَةِ اللَّهِ - عَزَّ مِن قائِلٍ - بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ؛ ﴿فَلِمَ﴾: أصْلُهُ "لِما"؛ حُذِفَتْ عَنْهُ الألِفُ فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ والخَبَرِيَّةِ؛ ﴿تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ﴾: الخِطابُ لِلْحاضِرِينَ مِنَ اليَهُودِ؛ والماضِينَ؛ عَلى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ؛ وحَيْثُ كانُوا مُشارِكِينَ في العَقْدِ؛ والعَمَلِ؛ كانَ الِاعْتِراضُ عَلى أسْلافِهِمُ اعْتِراضًا عَلى أخْلافِهِمْ؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ وهو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: قُلْ لَهُمْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالتَّوْراةِ كَما تَزْعُمُونَ؛ فَلِأيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ تَقْتُلُونَ أنْبِياءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ؛ وهو فِيها حَرامٌ؟ وقُرِئَ: "أنْبِئاءَ اللَّهِ"؛ مَهْمُوزًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلِاعْتِراضِ؛ لِتَأْكِيدِ الإلْزامِ؛ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَلِمَ تَقْتُلُونَهُمْ؟ وقَدْ حُذِفَ مِن كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الشَّرْطِيَّتَيْنِ ما حُذِفَ ثِقَةً بِما أُثْبِتَ في الأُخْرى؛ وقِيلَ: لا حَذْفَ فِيهِ؛ بَلْ تَقْدِيمُ الجَوابِ عَلى الشَّرْطِ؛ وذَلِكَ لا يَتَأتّى إلّا عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ؛ وأبِي زَيْدٍ؛ وقِيلَ: "إنْ" نافِيَةٌ؛ أيْ: ما كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ؛ وإلّا لَما قَتَلْتُمُوهم.
البقرة 2:92
﴿وَلَقَدْ جاءَكم مُوسى بِالبَيِّناتِ﴾: مِن تَمامِ التَّبْكِيتِ؛ والتَّوْبِيخِ؛ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ؛ لا تَكْرِيرٌ لِما قُصَّ في تَضاعِيفِ تَعْدادِ النِّعَمِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَفْوُ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ واللّامُ لِلْقَسَمِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَكم مُوسى مُلْتَبِسًا بِالمُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ؛ الَّتِي هِيَ: العَصا؛ واليَدُ؛ والسُّنُونَ؛ ونَقْصُ الثَّمَراتِ؛ والدَّمُ؛ والطُّوفانُ؛ والجَرادُ؛ والقُمَّلُ؛ والضَّفادِعُ؛ وفَلْقُ البَحْرِ؛ وقَدْ عُدَّ مِنها التَّوْراةُ؛ ولَيْسَ بِواضِحٍ؛ فَإنَّ المَجِيءَ (p-131)بِها بَعْدَ قِصَّةِ العِجْلِ.
﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾؛ أيْ: إلَهًا؛ ﴿مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ بِها؛ وقِيلَ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ؛ فَتَكُونُ التَّوْراةُ حِينَئِذٍ مِن جُمْلَةِ البَيِّناتِ؛ و"ثُمَّ": لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ والدَّلالَةِ عَلى نِهايَةِ قُبْحِ ما صَنَعُوا؛ ﴿وَأنْتُمْ ظالِمُونَ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "اتَّخَذْتُمْ"؛ بِمَعْنى: اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ ظالِمِينَ بِعِبادَتِهِ؛ واضِعِينَ لَها في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ أوْ بِإخْلالٍ بِحُقُوقِ آياتِ اللَّهِ (تَعالى)؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ أيْ: وأنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الظُّلْمُ.
البقرة 2:93
﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾: تَوْبِيخٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وتَكْذِيبٌ لَهم في ادِّعائِهِمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ؛ بِتَذْكِيرِ جِناياتِهِمُ النّاطِقَةِ بِكَذِبِهِمْ؛ أيْ: واذْكُرُوا حِينَ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ؛ ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾؛ قائِلِينَ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾؛ أيْ: خُذُوا بِما أُمِرْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ؛ واسْمَعُوا ما فِيها؛ سَمْعَ طاعَةٍ؛ وقَبُولٍ؛ ﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالِ سائِلٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَمِعْنا﴾؛ قَوْلَكَ؛ ﴿وَعَصَيْنا﴾؛ أمْرَكَ؛ فَإذا قابَلَ أسْلافُهم مِثْلَ ذَلِكَ الخِطابِ المُؤَكَّدِ؛ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ مِثْلَ تِلْكَ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ؛ بِمِثْلِ هَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ؛ وكَفَرُوا بِما في تَضاعِيفِ التَّوْراةِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِن أخْلافِهِمُ الإيمانُ بِما فِيها؟ ﴿وَأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾: عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: تَداخَلَهم حُبُّهُ؛ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ صُورَتُهُ؛ لِفَرْطِ شَغَفِهِمْ بِهِ؛ وحِرْصِهِمْ عَلى عِبادَتِهِ؛ كَما يَتَداخَلُ الصَّبْغُ الثَّوْبَ؛ والشَّرابُ أعْماقَ البَدَنِ؛ و"فِي قُلُوبِهِمْ": بَيانٌ لِمَكانِ الإشْرابِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قالُوا"؛ بِتَقْدِيرِ "قَدْ"؛ ﴿بِكُفْرِهِمْ﴾؛ بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ؛ المُوجِبِ لِذَلِكَ؛ قِيلَ: كانُوا مُجَسَّمَةٌ؛ أوْ حُلُولِيَّةٌ؛ ولَمْ يَرَوْا جِسْمًا أعْجَبَ مِنهُ؛ فَتَمَكَّنَ في قُلُوبِهِمْ ما سَوَّلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ. قُلْ: تَوْبِيخًا لِحاضِرِي اليَهُودِ؛ إثْرَ ما تَبَيَّنَ مِن أحْوالِ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ بِهِمْ يَقْتَدُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكُمْ﴾؛ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكم مِنَ التَّوْراةِ؛ حَسْبَما تَدَّعُونَ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما ذُكِرَ مِن قَوْلِهِمْ: سَمِعْنا؛ وعَصَيْنا؛ وعِبادَتِهِمُ العِجْلَ؛ وفي إسْنادِ الأمْرِ إلى الإيمانِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ؛ وإضافَةُ الإيمانِ إلَيْهِمْ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ لَيْسَ بِإيمانٍ حَقِيقَةً؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ فَإنَّهُ قَدْحٌ في دَعْواهُمُ الإيمانَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ؛ وإبْطالٌ لَها؛ وتَقْرِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِها؛ عامِلِينَ فِيما ذُكِرَ مِنَ القَوْلِ؛ والعَمَلِ بِما فِيها؛ فَبِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم بِها؛ وإذْ لا يُسَوِّغُ الإيمانُ بِها مِثْلَ تِلْكَ القَبائِحِ فَلَسْتُمْ بِمُؤْمِنِينَ بِها قَطْعًا؛ وجَوابُ الشَّرْطِ - كَما تَرى - مَحْذُوفٌ؛ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ.
البقرة 2:94
قُلْ: كَرَّرَ الأمْرَ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالأمْرِ السّابِقِ؛ لِما أنَّهُ أمْرٌ بِتَبْكِيتِهِمْ؛ وإظْهارِ كَذِبِهِمْ؛ في فَنٍّ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يُحْكَ عَنْهم قَبْلَ الأمْرِ بِإبْطالِهِ؛ بَلِ اكْتُفِيَ بِالإشارَةِ إلَيْهِ في تَضاعِيفِ الكَلامِ؛ حَيْثُ قِيلَ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾؛ أيْ: الجَنَّةُ؛ أوْ نَعِيمُ الدّارِ (p-132)الآخِرَةِ؛ ﴿عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً﴾؛ أيْ: سالِمَةً لَكُمْ؛ خاصَّةً بِكُمْ؛ كَما تَدَّعُونَ أنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى؛ ونَصْبُها عَلى الحالِيَّةِ مِن "الدّارُ"؛ و"عِنْدَ": ظَرْفٌ لِلِاسْتِقْرارِ في الخَبَرِ؛ أعْنِي: "لَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن دُونِ النّاسِ﴾: في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ بِـ "خالِصَةً"؛ يُقالُ: "خَلَصَ لِي كَذا مِن كَذا"؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: النّاسِ كافَّةً؛ أوْ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾؛ فَإنَّ مَن أيْقَنَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ اشْتاقَ إلى التَّخَلُّصِ إلَيْها مِن دارِ البَوارِ؛ وقَرارَةِ الأكْدارِ؛ لا سِيَّما إذا كانَتْ خالِصَةً لَهُ؛ كَما قالَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ -: "لا أُبالِي أسْقَطْتُ عَلى المَوْتِ؛ أوْ سَقَطَ المَوْتُ عَلَيَّ"؛ وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِصِفِّينَ: "الآنَ أُلاقِي الأحِبَّةَ؛ مُحَمَّدًا وحِزْبَهُ"؛ وقالَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ - حِينَ احْتُضِرَ؛ وقَدْ كانَ يَتَمَنّى المَوْتَ قَبْلُ -:
؎ جاءَ حَبِيبٌ عَلى فاقَةٍ ∗∗∗ فَلا أفْلَحَ اليَوْمَ مَن قَدْ نَدِمْ
؛ أيْ: عَلى التَّمَنِّي؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْكَلامِ؛ لِتَشْدِيدِ الإلْزامِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَرَتُّبَ الجَوابَ لَيْسَ عَلى تَحَقُّقِ الشَّرْطِ في نَفْسِ الأمْرِ فَقَطْ؛ بَلْ في اعْتِقادِهِمْ أيْضًا؛ وأنَّهم قَدِ ادَّعَوْا ذَلِكَ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِدَلالَةٍ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَتَمَنَّوْهُ؛ .
البقرة 2:95
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ؛ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ؛ سِيقَ مِن جِهَتِهِ - سُبْحانَهُ - لِبَيانِ ما يَكُونُ مِنهم مِنَ الإحْجامِ عَمّا دَعَوْا إلَيْهِ؛ الدّالِّ عَلى كَذِبِهِمْ في دَعْواهُمْ؛ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾: بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ المَعاصِي المُوجِبَةِ لِدُخُولِ النّارِ؛ كالكُفْرِ بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والقرآن؛ وتَحْرِيفِ التَّوْراةِ؛ ولَمّا كانَتِ اليَدُ - مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ - مَناطَ عامَّةِ صَنائِعِهِ؛ ومَدارَ أكْثَرِ مَنافِعِهِ؛ عَبَّرَ بِها تارَةً عَنِ النَّفْسِ؛ وأُخْرى عَنِ القُدْرَةِ؛ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾: أيْ: بِهِمْ؛ وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ لِذَمِّهِمْ؛ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ادِّعاءُ ما لَيْسَ لَهُمْ؛ ونَفْيُهُ عَنْ غَيْرِهِمْ؛ والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها؛ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ؛ أيْ: عَلِيمٌ بِهِمْ؛ وبِما صَدَرَ عَنْهُمْ؛ مِن فُنُونِ الظُّلْمِ؛ والمَعاصِي؛ المُفْضِيَةِ إلى أفانِينِ العَذابِ؛ وبِما سَيَكُونُ مِنهم مِنَ الِاحْتِرازِ عَمّا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ؛ فَلَمْ يَتَمَنَّ مِنهم مَوْتَهُ أحَدٌ؛ إذْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ واشْتُهِرَ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَغُصَّ كُلُّ إنْسانٍ بِرِيقِهِ؛ فَماتَ مَكانَهُ؛ وما بَقِيَ يَهُودِيٌّ عَلى وجْهِ الأرْضِ".»
البقرة 2:96
﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ﴾؛ مِنَ الوِجْدانِ العَقْلِيِّ؛ وهو جارٍ مُجْرى العِلْمِ؛ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِما يَقَعُ بَعْدَ التَّجْرِبَةِ؛ ونَحْوِها؛ ومَفْعُولاهُ الضَّمِيرُ؛ و"أحْرَصَ"؛ والتَّنْكِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿عَلى حَياةٍ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُرادَهم نَوْعٌ خاصٌّ مِنها؛ وهي الحَياةُ المُتَطاوِلَةُ؛ وقُرِئَ بِالتَّعْرِيفِ.
﴿وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أحْرَصَ مِنَ النّاسِ؛ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا؛ وإفْرادُهم بِالذِّكْرِ مَعَ دُخُولِهِمْ في النّاسِ لِلْإيذانِ بِامْتِيازِهِمْ مِن بَيْنِهِمْ بِشِدَّةِ الحِرْصِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في تَوْبِيخِ اليَهُودِ؛ فَإنَّ حِرْصَهم وهم مُعْتَرِفُونَ بِالجَزاءِ - لَمّا كانَ أشَدَّ مِن حِرْصِ المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لَهُ - دَلَّ ذَلِكَ عَلى جَزْمِهِمْ بِمَصِيرِهِمْ إلى النّارِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَذْفِ المَعْطُوفِ؛ ثِقَةً بِإنْباءِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْهُ؛ أيْ: و"أحْرَصَ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا"؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): (p-133)﴿يَوَدُّ أحَدُهُمْ﴾: بَيانٌ لِزِيادَةِ حِرْصِهِمْ؛ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِئْنافِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في حَيِّزِ الرَّفْعِ؛ صِفَةً لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ؛ عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالمُشْرِكِينَ: اليَهُودُ؛ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: ومِنهم طائِفَةٌ يَوَدُّ أحَدُهم أيُّهم كانَ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾؛ وهو حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَنِي أُعَمَّرُ؛ وإنَّما أُجْرِيَ عَلى الغَيْبَةِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَوَدُّ﴾؛ كَما تَقُولُ: حَلَفَ بِاللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "يَوَدُّ"؛ إجْراءً لَهُ مُجْرى القَوْلِ؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ قَلْبِيٌّ؛ ﴿وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ﴾: "ما" حِجازِيَّةٌ؛ والضَّمِيرُ العائِدُ عَلى "أحَدُهُمْ" اسْمُها؛ و"بِمُزَحْزِحِهِ": خَبَرُها؛ والباءُ زائِدَةٌ؛ ﴿أنْ يُعَمَّرَ﴾: فاعِلُ "مُزَحْزِحِهِ"؛ أيْ: وما أحَدُهم بِمَن يُزَحْزِحُهُ؛ أيْ: يُبْعِدُهُ؛ ويُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ تَعْمِيرُهُ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ "يُعَمَّرُ"؛ مِنَ المَصْدَرِ؛ و"أنْ يُعَمَّرَ": بَدَلٌ مِنهُ؛ وقِيلَ: هو مُبْهَمٌ؛ و"أنْ يُعَمَّرَ": مُفَسِّرُهُ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِن "أحَدُهُمْ"؛ والعامِلُ "يَوَدُّ"؛ لا "يُعَمَّرُ"؛ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِهِ لِفَسادِ المَعْنى؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ وأصْلُ "سَنَةٌ": "سَنَوَةٌ"؛ لِقَوْلِهِمْ: "سَنَواتٌ"؛ و"سِنِيَّةٌ"؛ وقِيلَ: "سَنْهَةٌ"؛ كَـ "جَبْهَةٌ"؛ لِقَوْلِهِمْ: "سانَهْتُهُ" و"سُنَيْهَةٌ"؛ و"تَسَنَّهَتِ النَّخْلَةُ"؛ إذا أتَتْ عَلَيْها السُّنُونُ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾: البَصِيرُ في كَلامِ العَرَبِ: العالِمُ بِكُنْهِ الشَّيْءِ؛ الخَبِيرُ بِهِ؛ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: فُلانٌ بَصِيرٌ بِالفِقْهِ؛ أيْ: عَلِيمٌ بِخَفِيّاتِ أعْمالِهِمْ؛ فَهو مُجازِيهِمْ بِها لا مَحالَةَ؛ وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابُ التِفاتًا؛ وفِيهِ تَشْدِيدٌ لِلْوَعِيدِ.
البقرة 2:97
﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾: نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيّا؛ مِن أحْبارِ فَدَكٍ؛ حاجَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وسَألَهُ عَمَّنْ نَزَلَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ؛ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ"؛ فَقالَ: هو عَدُوُّنا؛ لَوْ كانَ غَيْرُهُ لَآمَنّا بِكَ؛ وفي بَعْضِ الرِّواياتِ: ورَسُولُنا مِيكائِيلُ؛ فَلَوْ كانَ هو الَّذِي يَأْتِيكَ لَآمَنّا بِكَ؛ وقَدْ عادانا مِرارًا؛ وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخْرِبُهُ بُخْتَ نَصَّرُ؛ فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ؛ فَلَقِيَهُ بِبابِلَ غُلامًا مِسْكِينًا؛ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم آمِرَهُ بِهَلاكِكم فَإنَّهُ لا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ؛ وإلّا فَبِأيِّ حَقٍّ تَقْتُلُونَهُ؟ وقِيلَ: أمَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِينا فَجَعَلَها في غَيْرِنا؛ ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أرْضٌ بِأعْلى المَدِينَةِ؛ وكانَ مَمَرُّهُ عَلى مَدارِسِ اليَهُودِ؛ فَكانَ يَجْلِسُ إلَيْهِمْ؛ ويَسْمَعُ كَلامَهُمْ؛ فَقالُوا: يا عُمَرُ؛ قَدْ أحْبَبْناكَ؛ وإنّا لَنَطْمَعُ فِيكَ؛ فَقالَ: واللَّهِ ما أجِيئُكم لِحُبِّكُمْ؛ ولا أسْألُكم لِشَكٍّ في دِينِي؛ وإنَّما أدْخُلُ عَلَيْكم لِأزْدادَ بَصِيرَةً في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وأرى آثارَهُ في كِتابِكُمْ؛ ثُمَّ سَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَقالُوا: ذاكَ هو عَدُوُّنا؛ يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا؛ وهو صاحِبُ كُلِّ خَسْفٍ؛ وعَذابٍ؛ ومِيكائِيلُ يَجِيءُ بِالخِصْبِ؛ والسَّلامِ؛ فَقالَ لَهُمْ: وما مَنزِلَتُهُما عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؟ قالُوا: جِبْرِيلُ أقْرَبُ مَنزِلَةً؛ هو عَنْ يَمِينِهِ؛ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ؛ وهُما مُتَعادِيانِ؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إنْ كانا كَما تَقُولُونَ فَما هُما بِعَدُوَّيْنِ؛ ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ؛ ومَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدِهِما فَهو عَدُوٌّ لِلْآخَرِ؛ ومَن كانَ عَدُوًّا لَهُما كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ"؛ فَقالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لَقَدْ رَأيْتُنِي في دِينِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ. وقُرِئَ: "جَبْرَئِيلَ"؛ كَـ "سَلْسَبِيلَ"؛ و"جَبْرَئِلَ"؛ كَـ "جَحْمَرِشَ"؛ و"جَبْرِيلَ"؛ و"جِبْرِئِلَ"؛ و"جِبْرائِيلَ"؛ كَـ "جِبْراعِيلَ"؛ و"جِبْرائِلَ"؛ كَـ "جِبْراعِلَ"؛ (p-134)وَمَنعُ الصَّرْفِ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: "عَبْدُ اللَّهِ"؛ ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ﴾: تَعْلِيلٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ؛ قائِمٌ مَقامَهُ؛ والبارِزُ الأوَّلُ لِـ "جِبْرِيلَ" - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والثّانِي لِلْقُرْآنِ؛ أُضْمِرَ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ إيذانًا بِفَخامَةِ شَأْنِهِ؛ واسْتِغْنائِهِ عَنِ الذِّكْرِ؛ لِكَمالِ شُهْرَتِهِ؛ ونَباهَتِهِ؛ لا سِيَّما عِنْدَ ذِكْرِ شَيْءٍ مِن صِفاتِهِ؛ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾: زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِلتَّنْزِيلِ؛ بِبَيانِ مَحَلِّ الوَحْيِ؛ فَإنَّهُ القائِلُ الأوَّلُ لَهُ؛ ومَدارُ الفَهْمِ؛ والحِفْظِ؛ وإيثارُ الخِطابِ عَلى التَّكَلُّمِ المَبْنِيِّ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ (تَعالى) بِعَيْنِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِما في النَّقْلِ بِالعِبارَةِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرٍ لِمَضْمُونِ المَقالَةِ؛ ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾: بِأمْرِهِ؛ وتَيْسِيرِهِ؛ مُسْتَعارٌ مِن تَسْهِيلِ الحِجابِ؛ وفِيهِ تَلْوِيحٌ بِكَمالِ تَوَجُّهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَنْزِيلِهِ؛ وصِدْقِ عَزِيمَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهو حالٌ مِن فاعِلِ "نَزَّلَهُ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أيْ: مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْراةُ؛ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ وكَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾؛ والعامِلُ في الكُلِّ "نَزَّلَهُ"؛ والمَعْنى: مَن عادى جِبْرِيلَ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلا وجْهَ لِمُعاداتِهِ؛ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَحَبَّتُهُ؛ فَإنَّهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ كِتابًا مُصَدِّقًا لِكُتُبِهِمْ؛ أوْ فالسَّبَبُ في عَداوَتِهِ تَنْزِيلُهُ لِكِتابٍ مُصَدِّقٍ لِكِتابِهِمْ؛ مُوافِقٍ لَهُ؛ وهم لَهُ كارِهُونَ؛ ولِذَلِكَ حَرَّفُوا كِتابَهُمْ؛ وجَحَدُوا مُوافَقَتَهُ لَهُ؛ لِأنَّ الِاعْتِرافَ بِها يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ؛ وذَلِكَ يَسْتَدْعِي انْتِكاسَ أحْوالِهِمْ؛ وزَوالَ رِياسَتِهِمْ؛ وقِيلَ: إنَّ الجَوابَ: فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإنْصافِ؛ أوْ فَقَدْ كَفَرَ بِما مَعَهُ مِنَ الكُتُبِ؛ أوْ فَلْيَمُتْ غَيْظًا؛ أوْ فَهو عَدُوٌّ لِي؛ وأنا عَدُوٌّ لَهُ.
البقرة 2:98
﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾: أُرِيدَ بِعَداوَتِهِ (تَعالى) مُخالَفَةُ أمْرِهِ عِنادًا؛ والخُرُوجُ عَنْ طاعَتِهِ مُكابَرَةً؛ أوْ عَداوَةُ خَواصِّهِ ومُقَرَّبِيهِ؛ لَكِنْ صَدَّرَ الكَلامَ بِذِكْرِهِ الجَلِيلِ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِمْ؛ وإيذانًا بِأنَّ عَداوَتَهم عَداوَتُهُ - عَزَّ وعَلا -؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾؛ ثُمَّ صُرِّحَ بِالمَرامِ؛ فَقِيلَ: ﴿وَمَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾؛ وإنَّما أُفْرِدا بِالذِّكْرِ؛ مَعَ أنَّهُما أوَّلُ مَن يَشْمَلُهُ عُنْوانُ المَلَكِيَّةِ والرِّسالَةِ لِإظْهارِ فَضْلِهِما؛ كَأنَّهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِن جِنْسٍ آخَرَ أشْرَفَ مِمّا ذُكِرَ؛ تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ في الوَصْفِ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ في الجِنْسِ؛ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ عَداوَةَ أحَدِهِما عَداوَةٌ لِلْآخَرِ؛ حَسْمًا لِمادَّةِ اعْتِقادِهِمُ الباطِلِ في حَقِّهِما؛ حَيْثُ زَعَمُوا أنَّهُما مُتَعادِيانِ؛ ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ مُعاداةَ الواحِدِ والكُلِّ سَواءٌ في الكُفْرِ؛ واسْتِتْباعِ العَداوَةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وأنَّ مَن عادى أحَدَهم فَكَأنَّما عادى الجَمِيعَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾: أيْ لَهُمْ؛ جَوابُ الشَّرْطِ؛ والمَعْنى: مَن عاداهم عاداهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وعاقَبَهُ أشَدَّ العِقابِ؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ؛ والثَّباتِ؛ ووَضْعُ الكافِرِينَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَداوَةَ المَذْكُورِينَ كُفْرٌ؛ وأنَّ ذَلِكَ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ إلى الإخْبارِ بِهِ؛ وأنَّ مَدارَ عَداوَتِهِ (تَعالى) لَهُمْ؛ وسُخْطِهِ المُسْتَوْجِبِ لِأشَدِ العُقُوبَةِ؛ والعَذابِ؛ هو كُفْرُهُمُ المَذْكُورُ؛ وقُرِئَ: "مِيكائِلَ"؛ كَـ "مِيكاعِلَ"؛ و"مِيكائِيلَ"؛ كَـ "مِيكاعِيلَ"؛ و"مِيكَئِلَ"؛ كَـ "مِيكَعِلَ"؛ و"مِيكَئِيلَ"؛ كَـ "مِيكَعِيلَ".
البقرة 2:99
﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾: واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى مَعانِيها؛ وعَلى كَوْنِها مِن عِنْدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وَما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾: أيْ: المُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ؛ الخارِجُونَ عَنْ حُدُودِهِ؛ فَإنَّ مَن (p-135)لَيْسَ عَلى تِلْكَ الصِّفَةِ مِنَ الكَفَرَةِ لا يَجْتَرِئُ عَلى الكُفْرِ بِمِثْلِ هاتِيكَ البَيِّناتِ؛ قالَ الحَسَنُ: إذا اسْتُعْمِلَ الفِسْقُ في نَوْعٍ مِنَ المَعاصِي وقَعَ عَلى أعْظَمِ أفْرادِ ذَلِكَ النَّوْعِ مِن كُفْرٍ أوْ غَيْرِهِ؛ «وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ قالَ: قالَ ابْنُ صُورِيّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ؛ وما أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَها؛ فَنَزَلَتْ.» واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ أيْ: الفاسِقُونَ المَعْهُودُونَ؛ وهم أهْلُ الكِتابِ المُحَرِّفُونَ لِكِتابِهِمُ الخارِجُونَ عَنْ دِينِهِمْ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
البقرة 2:100
﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾: الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: أكَفَرُوا بِها وهي في غايَةِ الوُضُوحِ؟ وكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا؛ ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ مِن قَوْلِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ: قَدْ أظَلَّ زَمانُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ بِتَصْدِيقِ ما قُلْنا فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ؛ وقُرِئَ بِسُكُونِ الواوِ؛ عَلى أنَّ تَقْدِيرَ النَّظْمِ الكَرِيمِ: وما يَكْفُرُ بِها إلّا الَّذِينَ فَسَقُوا؛ أوْ نَقَضُوا عُهُودَهم مِرارًا كَثِيرَةً؛ وقُرِئَ: "عُوهِدُوا"؛ و"عَهِدُوا"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عَهْدًا﴾: إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "عاهَدُوا"؛ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ أوْ مَفْعُولٌ لَهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى "أعْطَوُا العَهْدَ"؛ ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: رَمَوْا بِالزِّمامِ؛ ورَفَضُوهُ؛ وقُرِئَ: "نَقَضَهُ"؛ وإسْنادُ النَّبْذِ إلى فَرِيقٍ مِنهم لِأنَّ مِنهم مَن لَمْ يَنْبِذْهُ؛ ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾: أيْ بِالتَّوْراةِ؛ وهَذا دَفْعٌ لِما يُتَوَهَّمُ مِن أنَّ النّابِذِينَ هُمُ الأقَلُّونَ؛ وأنَّ مَن لَمْ يَنْبِذْ جِهارًا فَهم يُؤْمِنُونَ بِها سِرًّا.
البقرة 2:101
﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ﴾؛ هو النَّبِيُّ ﷺ؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ؛ ﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاءَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَسُولٌ"؛ لِإفادَةِ مَزِيدِ تَعْظِيمِهِ؛ بِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ؛ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ ﷺ قَرَّرَ صِحَّتَها؛ وحَقَّقَ حَقِّيَّةَ نُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِما أُنْزِلَ عَلَيْهِ؛ أوْ مِن حَيْثُ إنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جاءَ عَلى وفْقِ ما نُعِتَ فِيها؛ ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: أيِ التَّوْراةَ؛ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ مِمَّنْ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لا الَّذِينَ كانُوا في عَهْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَما قِيلَ؛ لِأنَّ النَّبْذَ عِنْدَ مَجِيءِ النَّبِيِّ ﷺ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمْ؛ وإفْرادُ هَذا النَّبْذِ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ انْدِراجِهِ تَحْتَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ جِناياتِهِمْ؛ ولِأنَّهُ تَمْهِيدٌ لِذِكْرِ اتِّباعِهِمْ لِما تَتْلُو الشَّياطِينُ؛ وإيثارِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ؛ والمُرادُ بِإيتائِها إمّا إيتاءُ عِلْمِها بِالدِّراسَةِ؛ والحِفْظِ؛ والوُقُوفِ عَلى ما فِيها؛ فالمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عُلَمائِهِمْ؛ وإمّا مُجَرَّدُ إنْزالِها عَلَيْهِمْ؛ فَهو عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ؛ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَوَضْعُهُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَ ما أُثْبِتَ لَهم في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ وبَيْنَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ النَّبْذِ؛ ﴿كِتابَ اللَّهِ﴾: أيِ الَّذِي أُوتُوهُ؛ قالَ السُّدِّيُّ: لَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ؛ فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والفُرْقانُ؛ فَنَبَذُوا التَّوْراةَ؛ وأخَذُوا بِكِتابِ آصِفَ؛ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ؛ فَلَمْ يُوافِقِ القرآن؛ فَهَذا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾؛ إلَخْ.. وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِـ "كِتابَ اللَّهِ" تَشْرِيفًا لَها؛ وتَعْظِيمًا لِحَقِّها عَلَيْهِمْ؛ وتَهْوِيلًا لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ (p-136)
بِها؛ وقِيلَ: كِتابُ اللَّهِ: القرآن؛ نَبَذُوهُ بَعْدَما لَزِمَهم تَلَقِّيهِ بِالقَبُولِ؛ لا سِيَّما بَعْدَما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ مِن قَبْلُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قَبُولٌ لَهُ؛ وتَمَسُّكٌ بِهِ؛ فَيَكُونُ الكُفْرُ بِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ نَبْذًا لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: كِتابَ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ؛ فَإنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ مُعْرِبٌ عَنْ مَجِيءِ الكِتابِ؛ ﴿وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾: مَثَلٌ لِتَرْكِهِمْ؛ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ مَثَلٌ بِما يُرْمى بِهِ وراءَ الظَّهْرِ؛ اسْتِغْناءً عَنْهُ؛ وقِلَّةَ التِفاتٍ إلَيْهِ؛ ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ مُشَبَّهِينَ بِمَن لا يَعْلَمُهُ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِهِمْ أحْبارُهم فالمَعْنى: كَأنَّهم يَعْلَمُونَهُ عَلى وجْهِ الإيقانِ؛ ولا يَعْرِفُونَ ما فِيهِ مِن دَلائِلِ نُبُوَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ عِلْمَهم بِهِ رَصِينٌ؛ لَكِنَّهم يَتَجاهَلُونَ؛ أوْ كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ كِتابُ اللَّهِ؛ أوْ لا يَعْلَمُونَهُ أصْلًا؛ كَما إذا أُرِيدَ بِهِمُ الكُلُّ؛ وفي هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ زِيادَةُ مُبالَغَةٍ في إعْراضِهِمْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ هَذا.. وإنْ أُرِيدَ بِما نَبَذُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ القرآن فالمُرادُ بِالعِلْمِ المَنفِيِّ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾؛ هو العِلْمُ بِأنَّهُ كِتابُ اللَّهِ؛ فَفِيهِ ما في الوَجْهِ الأوَّلِ مِنَ الإشْعارِ بِأنَّهم مُتَيَقِّنُونَ في ذَلِكَ؛ وإنَّما يَكْفُرُونَ بِهِ مُكابَرَةً؛ وعِنادًا؛ قِيلَ: إنَّ جِيلَ اليَهُودِ أرْبَعُ فِرَقٍ؛ فَفِرْقَةٌ آمَنُوا بِالتَّوْراةِ؛ وقامُوا بِحُقُوقِها؛ كَمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ وهُمُ الأقَلُّونَ؛ المُشارُ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ وفِرْقَةٌ جاهَرُوا بِنَبْذِ العُهُودِ؛ وتَعَدِّي الحُدُودِ تَمَرُّدًا وفُسُوقًا؛ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾؛ وفِرْقَةٌ لَمْ يُجاهِرُوا بِنَبْذِها؛ ولَكِنْ نَبَذُوها لِجَهْلِهِمْ بِها؛ وهُمُ الأكْثَرُونَ؛ وفِرْقَةٌ تَمَسَّكُوا بِها ظاهِرًا؛ ونَبَذُوها خُفْيَةً؛ وهُمُ المُتَجاهِلُونَ.
البقرة 2:102
﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾: عَطْفٌ عَلى جَوابِ "لَمّا"؛ أيْ: نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ؛ واتَّبَعُوا كُتُبَ السحرةِ الَّتِي كانَتْ تَقْرَؤُها الشَّياطِينُ؛ وهُمُ المُتَمَرِّدُونَ مِنَ الجِنِّ؛ و"تَتْلُو": حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ والمُرادُ بِالِاتِّباعِ التَّوَغُّلُ والتَّمَحُّضُ فِيهِ؛ والإقْبالُ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ وإلّا فَأصْلُ الِاتِّباعِ كانَ حاصِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ ﷺ؛ فَلا يَتَسَنّى عَطْفُهُ عَلى جَوابِ "لَمّا"؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ؛ وقِيلَ: عَلى "أُشْرِبُوا".
﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾: أيْ في عَهْدِ مُلْكِهِ؛ قِيلَ: كانَتِ الشَّياطِينُ يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ؛ ويَضُمُّونَ إلى ما سَمِعُوا أكاذِيبَ يُلَفِّقُونَها؛ ويُلْقُونَها إلى الكَهَنَةِ؛ وهم يُدَوِّنُونَها؛ ويُعَلِّمُونَها النّاسَ؛ وفَشا ذَلِكَ في عَهْدِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَتّى قِيلَ: إنَّ الجِنَّ تَعْلَمُ الغَيْبَ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: هَذا عِلْمُ سُلَيْمانَ؛ وما تَمَّ لَهُ مُلْكُهُ إلّا بِهَذا العِلْمِ؛ وبِهِ سَخَّرَ الإنْسَ؛ والجِنَّ؛ والطَّيْرَ؛ والرِّيحَ الَّتِي تَجْرِي بِأمْرِهِ؛ وقِيلَ: إنَّ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ قَدْ دَفَنَ كَثِيرًا مِنَ العُلُومِ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ (تَعالى) بِها تَحْتَ سَرِيرِ مُلْكِهِ؛ فَلَمّا مَضَتْ عَلى ذَلِكَ مُدَّةٌ تَوَصَّلَ إلَيْها قَوْمٌ مِنَ المُنافِقِينَ؛ فَكَتَبُوا في خِلالِ ذَلِكَ أشْياءَ مِن فُنُونِ السحر تُناسِبُ تِلْكَ (p-137)الأشْياءَ المَدْفُونَةَ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ ثُمَّ بَعْدَ مَوْتِهِ واطِّلاعِ النّاسِ عَلى تِلْكَ الكُتُبِ أوْهَمُوهم أنَّهُ مِن عَمَلِ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنَّهُ ما بَلَغَ هَذا المَبْلَغَ إلّا بِسَبَبِ هَذِهِ الأشْياءِ.
﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾: تَنْزِيهٌ لِساحَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَنِ السحر؛ وتَكْذِيبٌ لِمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ بِأنَّهُ كانَ يَعْتَقِدُهُ؛ ويَعْمَلُ بِهِ؛ والتَّعَرُّضُ لِكَوْنِهِ كُفْرًا لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ نَزاهَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكَذِبِ باهِتِيهِ بِذَلِكَ؛ ﴿وَلَكِنَّ الشَّياطِينَ﴾؛ وقُرِئَ بِتَخْفِيفِ "لَكِنَّ"؛ ورَفْعِ "الشَّياطِينَ"؛ والواوُ عاطِفَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْتِدْراكِيَّةِ عَلى ما قَبْلَها؛ وكَوْنُ المُخَفَّفَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ لِلْعَطْفِ إنَّما هو عِنْدَ عَدَمِ الواوِ؛ وكَوْنِ ما بَعْدَها مُفْرَدًا؛ ﴿كَفَرُوا﴾؛ بِاسْتِعْمالِ السحر؛ وتَدْوِينِهِ؛ ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السحر﴾؛ إغْواءً وإضْلالًا؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ "كَفَرُوا"؛ أوْ مِن "الشَّياطِينَ"؛ فَإنَّ ما في "لَكِنَّ" مِن رائِحَةِ الفِعْلِ كافٍ في العَمَلِ في الحالِ؛ أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ لِـ "لَكِنِّ"؛ أوْ بَدَلٌ مِنَ الخَبَرِ الأوَّلِ؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ التَّعْلِيمِ؛ وتَجَدُّدِهِ؛ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الضَّمِيرِ لِلشَّياطِينِ؛ وأمّا عَلى تَقْدِيرِ رُجُوعِهِ إلى فاعِلِ "اتَّبَعُوا"؛ فَهي إمّا حالٌ مِنهُ؛ وإمّا اسْتِئْنافِيَّةٌ فَحَسْبُ؛ واعْلَمْ أنَّ السحر أنْواعٌ؛ مِنها سِحْرُ الكَلْدانِيِّينَ؛ الَّذِينَ كانُوا في قَدِيمِ الدَّهْرِ؛ وهم قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ؛ ويَزْعُمُونَ أنَّها هي المُدَبِّرَةُ لِهَذا العالَمِ؛ ومِنها تَصْدُرُ الخَيْراتُ؛ والشُّرُورُ؛ والسَّعادَةُ؛ والنُّحُوسَةُ؛ ويَسْتَحْدِثُونَ الخَوارِقَ بِواسِطَةِ تَمْزِيجِ القُوى السَّماوِيَّةِ بِالقُوى الأرْضِيَّةِ؛ وهُمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِإبْطالِ مَقالَتِهِمْ؛ وهم ثَلاثُ فِرَقٍ؛ فَفِرْقَةٌ مِنهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأفْلاكَ والنُّجُومَ واجِبَةُ الوُجُودِ لِذَواتِها؛ وهُمُ الصّابِئَةُ؛ وفِرْقَةٌ يَقُولُونَ بِإلَهِيَّةِ الأفْلاكِ؛ ويَتَّخِذُونَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنها هَيْكَلًا؛ ويَشْتَغِلُونَ بِخِدْمَتِها؛ وهم عَبَدَةُ الأوْثانِ؛ وفِرْقَةٌ أثْبَتُوا لِلْأفْلاكِ ولِلْكَواكِبِ فاعِلًا مُخْتارًا؛ لَكِنَّهم قالُوا: إنَّهُ أعْطاها قُوَّةً عالِيَةً نافِذَةً في هَذا العالَمِ؛ وفَوَّضَ تَدْبِيرَهُ إلَيْها؛ ومِنها سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ؛ والنُّفُوسِ القَوِيَّةِ؛ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الإنْسانَ تَبْلُغُ رُوحُهُ بِالتَّصْفِيَةِ في القُوَّةِ والتَّأْثِيرِ إلى حَيْثُ يَقْدِرُ عَلى الإيجادِ؛ والإعْدامِ؛ والإحْياءِ؛ وتَغْيِيرِ البِنْيَةِ والشَّكْلِ؛ ومِنها سِحْرُ مَن يَسْتَعِينُ بِالأرْواحِ الأرْضِيَّةِ؛ وهو المُسَمّى بِالعَزائِمِ؛ وتَسْخِيرِ الجِنِّ؛ ومِنها التَّخْيِيلاتُ الآخِذَةُ بِالعُيُونِ؛ وتُسَمّى الشَّعْوَذَةُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ الأُمَّةِ في أنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الأوَّلَ فَقَدْ كَفَرَ؛ وكَذا مَنِ اعْتَقَدَ الثّانِيَ؛ وهو سِحْرُ أصْحابِ الأوْهامِ؛ والنُّفُوسِ القَوِيَّةِ؛ وأمّا مَنِ اعْتَقَدَ أنَّ الإنْسانَ يَبْلُغُ بِالتَّصْفِيَةِ وقِراءَةِ العَزائِمِ والرُّقى إلى حَيْثُ يَخْلُقُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - عُقَيْبَ ذَلِكَ؛ عَلى سَبِيلِ جَرَيانِ العادَةِ؛ بَعْضَ الخَوارِقِ؛ فالمُعْتَزِلَةُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ كافِرٌ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُهُ بِهَذا الِاعْتِقادِ مَعْرِفَةُ صِدْقِ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ؛ بِخِلافِ غَيْرِهِمْ؛ ولَعَلَّ التَّحْقِيقَ أنَّ ذَلِكَ الإنْسانَ إنْ كانَ خَيِّرًا مُتَشَرِّعًا في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ؛ وكانَ مَن يَسْتَعِينُ بِهِ مِنَ الأرْواحِ الخَيِّرَةِ؛ وكانَتْ عَزائِمُهُ ورُقاهُ غَيْرَ مُخالِفَةٍ لِأحْكامِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ؛ ولَمْ يَكُنْ فِيما ظَهَرَ في يَدِهِ مِنَ الخَوارِقِ ضَرَرٌ شَرْعِيٌّ لِأحَدٍ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِن قَبِيلِ السحر؛ وإنْ كانَ شِرِّيرًا غَيْرَ مُتَمَسِّكٍ بِالشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ فَظاهِرٌ أنَّ مَن يَسْتَعِينُ بِهِ مِنَ الأرْواحِ الخَبِيثَةِ الشِّرِّيرَةِ لا مَحالَةَ؛ ضَرُورَةَ امْتِناعِ تَحَقُّقِ التَّضامِّ والتَّعاوُنِ بَيْنَهُما مِن غَيْرِ اشْتِراكٍ في الخُبْثِ؛ والشَّرارَةِ؛ فَيَكُونُ كافِرًا قَطْعًا؛ وأمّا الشَّعْوَذَةُ؛ وما يَجْرِي مُجْراها مِن إظْهارِ الأُمُورِ العَجِيبَةِ بِواسِطَةِ تَرْتِيبِ الآلاتِ الهَنْدَسِيَّةِ؛ وخِفَّةِ اليَدِ والِاسْتِعانَةِ بِخَواصِّ الأدْوِيَةِ والأحْجارِ؛ فَإطْلاقُ السحر عَلَيْها بِطَرِيقِ التَّجَوُّزِ؛ أوْ لِما فِيها (p-138)مِنَ الدِّقَّةِ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما لَطُفَ مَأْخَذُهُ؛ وخَفِيَ سَبَبُهُ؛ أوْ مِنَ الصَّرْفِ عَنِ الجِهَةِ المُعْتادَةِ؛ لِما أنَّهُ في أصْلِ اللُّغَةِ: "الصَّرْفُ"؛ عَلى ما حَكاهُ الأزْهَرِيُّ عَنِ الفَرّاءِ؛ ويُونُسَ.
﴿وَما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾: عَطْفٌ عَلى السحر؛ أيْ: ويُعَلِّمُونَهم ما أُنْزِلَ عَلَيْهِما؛ والمُرادُ بِهِما واحِدٌ؛ والعَطْفُ لِتَغايُرِ الِاعْتِبارِ؛ أوْ هو نَوْعٌ أقْوى مِنهُ؛ أوْ عَلى "ما تَتْلُو"؛ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ؛ أيْ: واتَّبَعُوا ما أُنْزِلَ.. إلَخْ.. وهُما مَلَكانِ أُنْزِلا لِتَعْلِيمِ السحر؛ ابْتِلاءً مِنَ اللَّهِ (تَعالى) لِلنّاسِ؛ كَما ابْتُلِيَ قَوْمُ طالُوتَ بِالنَّهَرِ؛ أوْ تَمْيِيزًا بَيْنَهُ وبَيْنَ المُعْجِزَةِ؛ لِئَلّا يَغْتَرَّ بِهِ النّاسُ؛ أوْ لِأنَّ السحرةَ كَثُرَتْ في ذَلِكَ الزَّمانِ؛ واسْتَنْبَطَتْ أبْوابًا غَرِيبَةً مِنَ السحر؛ وكانُوا يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) هَذَيْنِ المَلَكَيْنِ لِيُعَلِّما النّاسَ أبْوابَ السحر؛ حَتّى يَتَمَكَّنُوا مِن مُعارَضَةِ أُولَئِكَ الكَذّابِينَ؛ وإظْهارِ أمْرِهِمْ عَلى النّاسِ؛ وأمّا ما يُحْكى مِن أنَّ المَلائِكَةَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لَمّا رَأوْا ما يَصْعَدُ مِن ذُنُوبِ بَنِي آدَمَ عَيَّرُوهُمْ؛ وقالُوا لِلَّهِ - سُبْحانَهُ -: هَؤُلاءِ الَّذِينَ اخْتَرْتَهم لِخِلافَةِ الأرْضِ؛ يَعْصُونَكَ فِيها؛ فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: "لَوْ رَكَّبْتُ فِيكم ما رَكَّبْتُ فِيهِمْ لَعَصَيْتُمُونِي"؛ قالُوا: سُبْحانَكَ؛ ما يَنْبَغِي لَنا أنْ نَعْصِيَكَ؛ قالَ (تَعالى): "فاخْتارُوا مِن خِيارِكم مَلَكَيْنِ"؛ فاخْتارُوا هارُوتَ؛ ومارُوتَ؛ وكانا مِن أصْلَحِهِمْ؛ وأعْبَدِهِمْ؛ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ؛ بَعْدَما رُكِّبَ فِيهِما ما رُكِّبَ في البَشَرِ مِنَ الشَّهْوَةِ؛ وغَيْرِها مِنَ القُوى؛ لِيَقْضِيا بَيْنَ النّاسِ نَهارًا؛ ويَعْرُجا إلى السَّماءِ مَساءً؛ وقَدْ نُهِيا عَنِ الإشْراكِ؛ والقَتْلِ؛ بِغَيْرِ الحَقِّ؛ وشُرْبِ الخَمْرِ؛ والزِّنا؛ وكانا يَقْضِيانِ بَيْنَهم نَهارًا؛ فَإذا أمْسَيا ذَكَرا اسْمَ اللَّهِ الأعْظَمَ فَصَعِدا إلى السَّماءِ؛ فاخْتَصَمَتْ إلَيْهِما ذاتَ يَوْمٍ امْرَأةٌ مِن أجْمَلِ النِّساءِ؛ تُسَمّى زُهْرَةَ؛ وكانَتْ مِن لَخْمٍ؛ وقِيلَ: كانَتْ مِن أهْلِ فارِسَ مَلِكَةً في بَلَدِها؛ وكانَتْ خُصُومَتُها مَعَ زَوْجِها؛ فَلَمّا رَأياها افْتُتِنا بِها؛ فَراوَداها عَنْ نَفْسِها فَأبَتْ؛ فَألَحّا عَلَيْها؛ فَقالَتْ: لا.. إلّا أنْ تَقْضِيا لِي عَلى خَصْمِي؛ فَفَعَلا؛ ثُمَّ سَألاها ما سَألا؛ فَقالَتْ: لا.. إلّا أنْ تَقْتُلاهُ؛ فَفَعَلا؛ ثُمَّ سَألاها ما سَألا؛ فَقالَتْ: لا.. إلّا أنْ تَشْرَبا الخَمْرَ؛ وتَسْجُدا لِلصَّنَمِ؛ فَفَعَلا كُلًّا مِن ذَلِكَ؛ بَعْدَ اللَّتَيّا والَّتِي؛ ثُمَّ سَألاها ما سَألا؛ فَقالَتْ: لا: إلّا أنْ تُعَلِّمانِي ما تَصْعَدانِ بِهِ إلى السَّماءِ؛ فَعَلَّماها الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ فَدَعَتْ بِهِ؛ وصَعِدَتْ إلى السَّماءِ؛ فَمَسَخَها اللَّهُ - سُبْحانَهُ - كَوْكَبًا؛ فَهَمّا بِالعُرُوجِ حَسَبَ عادَتِهِما؛ فَلَمْ تُطِعْهُما أجْنِحَتُهُما؛ فَعَلِما ما حَلَّ بِهِما؛ وكانَ في عَهْدِ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فالتَجَآ إلَيْهِ لِيَشْفَعَ لَهُما؛ فَفَعَلَ؛ فَخَيَّرَهُما اللَّهُ (تَعالى) بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا؛ وعَذابِ الآخِرَةِ؛ فاخْتارا الأوَّلَ؛ لِانْقِطاعِهِ عَمّا قَلِيلٍ؛ فَهُما مُعَذَّبانِ بِبابِلَ؛ قِيلَ: مُعَلَّقانِ بِشُعُورِهِما؛ وقِيلَ: مَنكُوسانِ؛ يُضْرَبانِ بِسِياطِ الحَدِيدِ إلى قِيامِ السّاعَةِ؛ فَمِمّا لا تَعْوِيلَ عَلَيْهِ؛ لِما أنَّ مَدارَهُ رِوايَةُ اليَهُودِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المُخالَفَةِ لِأدِلَّةِ العَقْلِ؛ والنَّقْلِ؛ ولَعَلَّهُ مِن مَقُولَةِ الأمْثالِ والرُّمُوزِ الَّتِي قُصِدَ بِها إرْشادُ اللَّبِيبِ الأرِيبِ؛ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ وقِيلَ: هُما رَجُلانِ؛ سُمِّيا مَلَكَيْنِ لِصَلاحِهِما؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ "المَلِكَيْنِ"؛ بِالكَسْرِ.
﴿بِبابِلَ﴾ الباءُ بِمَعْنى "فِي"؛ وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أُنْزِلَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ حالًا مِن "المَلَكَيْنِ"؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "أُنْزِلَ"؛ وهي بابِلُ العِراقِ؛ وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بابِلُ أرْضُ الكُوفَةِ؛ وقِيلَ: جَبَلُ دَماوَنْدَ؛ ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ؛ أوْ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ.
﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَلَكَيْنِ؛ عَلَمانِ لَهُما؛ ومُنِعَ صَرْفُهُما لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ؛ ولَوْ كانا مِن "الهَرْتُ"؛ و"المَرْتُ"؛ بِمَعْنى "الكَسْرُ"؛ لانْصَرَفا؛ وأمّا مَن قَرَأ: "المَلِكَيْنِ"؛ بِكَسْرِ اللّامِ؛ أوْ قالَ: كانا رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ؛ فَقالَ: هُما اسْمانِ لَهُما؛ وقِيلَ: هُما اسْما قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الجِنِّ؛ هُما المُرادُ مِن "المَلِكَيْنِ"؛ بِالكَسْرِ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ عَلى: هُما هارُوتُ ومارُوتُ.
﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾: "مِن" مَزِيدَةٌ في المَفْعُولِ بِهِ؛ لِإفادَةِ تَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ الَّذِي يُفِيدُهُ "أحَدٍ"؛ لا لِإفادَةِ نَفْسِ الِاسْتِغْراقِ كَما في قَوْلِكَ: (p-139)ما جاءَنِي مِن رَجُلٍ؛ وقُرِئَ: "يُعْلِمانِ"؛ مِن "الإعْلامُ"؛ ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾: الفِتْنَةُ: الِاخْتِبارُ؛ والِامْتِحانُ؛ وإفْرادُها مَعَ تَعَدُّدِهِما لِكَوْنِهِما مَصْدَرًا؛ وحَمْلُها عَلَيْهِما مُواطَأةٌ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَأنَّهُما نَفْسُ الفِتْنَةِ؛ والقَصْرُ لِبَيانِ أنَّهُ لَيْسَ لَهُما فِيما يَتَعاطَيانِهِ شَأْنٌ سِواها؛ لِيَنْصَرِفَ النّاسُ عَنْ تَعَلُّمِهِ؛ أيْ: وما يُعَلِّمانِ ما أُنْزِلَ عَلَيْهِما مِنَ السحر أحَدًا مِن طالِبِيهِ حَتّى يَنْصَحاهُ قَبْلَ التَّعْلِيمِ؛ ويَقُولا لَهُ: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ؛ وابْتِلاءٌ؛ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَمَن عَمِلَ بِما تَعَلَّمَ مِنّا واعْتَقَدَ حَقِّيَّتَهُ كَفَرَ؛ ومَن تَوَقّى عَنِ العَمَلِ بِهِ؛ أوِ اتَّخَذَهُ ذَرِيعَةً لِلِاتِّقاءِ عَنْ الِاغْتِرارِ بِمِثْلِهِ؛ بَقِيَ عَلى الإيمانِ.
﴿فَلا تَكْفُرْ﴾؛ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ؛ وجَوازِ العَمَلِ بِهِ (؛ والظّاهِرُ أنَّ غايَةَ النَّفْيِ لَيْسَتْ هَذِهِ المَقالَةَ فَقَطْ؛ بَلْ مِن جُمْلَتِها التِزامُ المُخاطَبِ بِمُوجِبِ النَّهْيِ؛ لَكِنْ لَمْ يُذْكَرْ لِظُهُورِهِ؛ وكَوْنِ الكَلامِ في بَيانِ اعْتِناءِ المَلَكَيْنِ بِشَأْنِ النُّصْحِ والإرْشادِ؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ؛ مِن ضَمِيرِ "يُعَلِّمُونَ"؛ لا مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ؛ كَما قِيلَ؛ أيْ: ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا؛ يُعَلِّمُونَ النّاسَ السحر؛ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ؛ ويَحْمِلُونَهم عَلى العَمَلِ بِهِ؛ إغْواءً وإضْلالًا؛ والحالُ أنَّهُما ما يُعَلِّمانِ أحَدًا حَتّى يَنْهَياهُ عَنِ العَمَلِ بِهِ؛ والكُفْرِ بِسَبَبِهِ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ "ما"؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما أُنْزِلَ﴾؛ إلَخْ.. نافِيَةٌ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾؛ جِيءَ بِها لِتَكْذِيبِ اليَهُودِ في القِصَّةِ؛ أيْ: لَمْ يُنْزَلْ عَلى المَلَكَيْنِ إباحَةُ السحر؛ وأنَّ هارُوتَ ومارُوتَ بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ؛ عَلى أنَّهُما قَبِيلَتانِ مِنَ الجِنِّ خُصَّتا بِالذِّكْرِ لِأصالَتِهِما؛ وكَوْنِ باقِي الشَّياطِينِ أتْباعًا لَهُما؛ وأنَّ المَعْنى: ما يُعَلِّمانِ أحَدًا حَتّى يَقُولا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ؛ فَتَكُونَ مِثْلَنا؛ فَيَأْباهُ أنَّ مَقامَ وصْفِ الشَّيْطانِ بِالكُفْرِ؛ وإضْلالِ النّاسِ مِمّا لا يُلائِمُهُ وصْفُ رُؤَسائِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الكُفْرِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِنِظامِ الكَلامِ؛ فَإنَّ الإبْدالَ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ.
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾: عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ؛ فَإنَّها في قُوَّةِ المُثْبَتَةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: يُعَلِّمانِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِما: إنَّما نَحْنُ.. إلَخْ.. والضَّمِيرُ لِـ "أحَدٍ"؛ حَمْلًا عَلى المَعْنى؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ .
﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ﴾: أيْ: بِسَبَبِهِ؛ وبِاسْتِعْمالِهِ؛ ﴿بَيْنَ المَرْءِ﴾؛ وقُرِئَ بِضَمِّ المِيمِ؛ وكَسْرِها؛ مَعَ الهَمْزَةِ؛ وتَشْدِيدِ الرّاءِ بِلا هَمْزَةٍ؛ ﴿وَزَوْجِهِ﴾؛ بِأنْ يُحْدِثَ اللَّهُ (تَعالى) بَيْنَهُما التَّباغُضَ؛ والفَرْكَ؛ والنُّشُوزَ؛ عِنْدَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ السحر؛ عَلى حَسَبِ جَرْيِ العادَةِ الإلَهِيَّةِ مِن خَلْقِ المُسَبِّباتِ عُقَيْبَ حُصُولِ الأسْبابِ العادِيَّةِ ابْتِلاءً؛ لا أنَّ السحر هو المُؤَثِّرُ في ذَلِكَ؛ وقِيلَ: فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يَعْمَلُونَ بِهِ؛ فَيَراهُ النّاسُ ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ حَقٌّ؛ فَيَكْفُرُونَ؛ فَتَبِينُ أزْواجُهم.
﴿وَما هم بِضارِّينَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِما تَعَلَّمُوهُ؛ واسْتَعْمَلُوهُ مِنَ السحر؛ ﴿مِن أحَدٍ﴾؛ أيْ: أحَدًا؛ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِما ذُكِرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾؛ والمَعْهُودُ؛ وإنْ كانَ زِيادَتَها في مَعْمُولِ فِعْلٍ مَنفِيٍّ؛ إلّا أنَّهُ حُمِلَتْ الِاسْمِيَّةُ في ذَلِكَ عَلى الفِعْلِيَّةِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما يَضُرُّونَ بِهِ مِن أحَدٍ؛ ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾؛ لِأنَّهُ وغَيْرَهُ مِنَ الأسْبابِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ بِالذّاتِ؛ وإنَّما هو بِأمْرِهِ (تَعالى)؛ فَقَدْ يُحْدِثُ عِنْدَ اسْتِعْمالِهِمُ السحر فِعْلًا مِن أفْعالِهِ ابْتِلاءً؛ وقَدْ لا يُحْدِثُهُ؛ والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "ضارِّينَ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ وإنْ كانَ نَكِرَةً؛ لِاعْتِمادِها عَلى النَّفْيِ؛ أوِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "بِهِ"؛ أيْ: وما يَضُرُّونَ بِهِ أحَدًا إلّا مَقْرُونًا بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقُرِئَ: "بِضارِّي"؛ عَلى الإضافَةِ؛ بِجَعْلِ الجارِّ جُزْءًا مِنَ المَجْرُورِ؛ وفَصْلِ ما بَيْنَ المُضافَيْنِ بِالظَّرْفِ.
﴿وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ﴾؛ لِأنَّهم يَقْصِدُونَ بِهِ العَمَلَ؛ أوْ لِأنَّ العِلْمَ يَجُرُّ إلى العَمَلِ غالِبًا؛ ﴿وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ صَرَّحَ بِذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِنَ الأُمُورِ المَشُوبَةِ بِالنَّفْعِ؛ والضَّرَرِ؛ بَلْ هو شَرٌّ بَحْتٌ؛ وضَرَرٌ مَحْضٌ؛ لِأنَّهم لا يَقْصِدُونَ بِهِ التَّخَلُّصَ عَنْ الِاغْتِرارِ بِأكاذِيبِ مَن يَدَّعِي النُّبُوَّةَ (p-140)
مَثَلًا مِنَ السحرةِ؛ أوْ تَخْلِيصَ النّاسِ مِنهُ؛ حَتّى يَكُونَ فِيهِ نَفْعٌ في الجُمْلَةِ؛ وفِيهِ أنَّ الِاجْتِنابَ عَمّا لا يُؤْمَنُ غَوائِلُهُ خَيْرٌ؛ كَتَعَلُّمِ الفَلْسَفَةِ؛ الَّتِي لا يُؤْمَنُ أنْ تَجُرَّ إلى الغَوايَةِ؛ وإنْ قالَ مَن قالَ:
؎ عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرْ ∗∗∗ رِ ولَكِنْ لِتَوَقِّيهِ
؎ ومَن لا يَعْرِفِ الشَّرَّ ∗∗∗ مِنَ النّاسِ يَقَعْ فِيهِ
﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾؛ أيِ اليَهُودُ الَّذِينَ حُكِيَتْ جِناياتُهُمْ؛ ﴿لَمَنِ اشْتَراهُ﴾؛ أيِ اسْتَبْدَلَ ما تَتْلُو الشَّياطِينُ بِكِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - واللّامُ الأُولى جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ والثّانِيَةُ لامُ ابْتِداءٍ عُلِّقَ بِهِ "عَلِمُوا" عَنِ العَمَلِ؛ و"مَن": مَوْصُولَةٌ في حَيِّزِ الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ؛ واشْتَراهُ صِلَتُها؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾؛ أيْ: مِن نَصِيبٍ؛ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَإٍ وخَبَرٍ؛ و"مِن" مَزِيدَةٌ في المُبْتَدَإ؛ و"فِي الآخِرَةِ": مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ حالًا مِنهُ؛ ولَوْ أُخِّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ والتَّقْدِيرُ: ما لَهُ خَلاقٌ في الآخِرَةِ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ؛ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "عَلِمُوا"؛ إنْ جُعِلَ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ؛ أوْ مَفْعُولِهِ الواحِدِ إنْ جُعِلَ مُتَعَدِّيًا إلى واحِدٍ؛ فَجُمْلَةُ "وَلَقَدْ عَلِمُوا".. إلَخْ.. مُقْسَمٌ عَلَيْها دُونَ جُمْلَةِ "لَمَنِ اشْتَراهُ".. إلَخْ.. هَذا ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ؛ وهو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ؛ وقالَ الفَرّاءُ - وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ -: إنَّ اللّامَ الأخِيرَةَ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ و"مَن" شَرْطِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ؛ و"اشْتَراهُ" خَبَرُها؛ و"ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ" جَوابُ القَسَمِ؛ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ اكْتِفاءً عَنْهُ بِجَوابِ القَسَمِ؛ لِأنَّهُ إذا اجْتَمَعَ الشَّرْطُ والقَسَمُ يُجابُ سابِقُهُما غالِبًا؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الجُمْلَتانِ مُقْسَمًا عَلَيْهِما.
﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾: أيْ: باعُوها؛ واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: "وَبِاللَّهِ لَبِئْسَما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمُ السحر؛ أوِ الكُفْرُ "؛ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم حَيْثُ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ فَقَدْ عَرَّضُوا أنْفُسَهم لِلْهَلَكَةِ؛ وباعُوها بِما لا يَزِيدُهم إلّا تَبارًا؛ وتَجْوِيزُ كَوْنِ الشَّرْيِ بِمَعْنى الِاشْتِراءِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المُشْتَرى مُتَعَيِّنٌ؛ وهو ما تَتْلُو الشَّياطِينُ؛ ولِأنَّ مُتَعَلِّقَ الذَّمِّ هو المَأْخُوذُ؛ لا المَنبُوذُ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾: أيْ: يَعْمَلُونَ بِعِلْمِهِمْ؛ جُعِلُوا غَيْرَ عالِمِينَ لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ؛ أوْ: لَوْ كانُوا يَتَفَكَّرُونَ فِيهِ؛ أوْ يَعْلَمُونَ قُبْحَهُ عَلى اليَقِينِ؛ أوْ حَقِيقَةَ ما يَتْبَعُهُ مِنَ العَذابِ عَلَيْهِ؛ عَلى أنَّ المُثْبَتَ لَهم أوَّلًا عَلى التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ العَقْلُ الغَرِيزِيُّ؛ أوِ العِلْمُ الإجْمالِيُّ بِقُبْحِ الفِعْلِ؛ أوْ تَرَتُّبِ العِقابِ مِن غَيْرِ تَحْقِيقٍ؛ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا.
البقرة 2:103
﴿وَلَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾: أيْ بِالرَّسُولِ المُومى إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ...﴾؛ إلَخْ.. أوْ بِما أنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾؛ أوْ بِالتَّوْراةِ؛ الَّتِي أُرِيدَتْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾؛ فَإنَّ الكُفْرَ بِالقرآن؛ والرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كُفْرٌ بِها.
﴿واتَّقَوْا﴾؛ المَعاصِيَ المَحْكِيَّةَ عَنْهُمْ؛ ﴿لَمَثُوبَةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾: جَوابُ "لَوْ"؛ وأصْلُهُ: لَأُثِيبُوا مَثُوبَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ خَيْرًا مِمّا شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ؛ وغُيِّرَ السَّبْكُ إلى ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ دَلالَةً عَلى ثَباتِ المَثُوبَةِ لَهُمْ؛ والجَزْمِ بِخَيْرِيَّتِها؛ وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ؛ إجْلالًا لِلْمُفَضَّلِ مِن أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ؛ وتَنْكِيرُ المَثُوبَةِ لِلتَّقْلِيلِ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً تَشْرِيفِيَّةً لِـ "مَثُوبَةٌ"؛ أيْ: لَشَيْءٌ ما مِنَ المَثُوبَةِ كائِنَةٌ مِن عِنْدِهِ (تَعالى) خَيْرٌ؛ وقِيلَ: جَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَأُثِيبُوا؛ وما بَعْدَهُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ فَإنَّ وُقُوعَ (p-141)الجُمْلَةِ الِابْتِدائِيَّةِ جَوابًا لِـ "لَوْ" غَيْرُ مَعْهُودٍ في كَلامِ العَرَبِ؛ وقِيلَ: "لَوْ" لِلتَّمَنِّي؛ ومَعْناهُ أنَّهم مِن فَظاعَةِ الحالِ بِحَيْثُ يَتَمَنّى العارِفُ إيمانَهُمْ؛ واتِّقاءَهُمْ؛ تَلَهُّفًا عَلَيْهِمْ؛ وقُرِئَ: "لَمَثْوَبَةٌ"؛ وإنَّما سُمِّيَ الجَزاءُ ثَوابًا؛ ومَثُوبَةً؛ لِأنَّ المُحْسِنَ يَثُوبُ إلَيْهِ؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّ ثَوابَ اللَّهِ خَيْرٌ؛ نُسِبُوا إلى الجَهْلِ لِعَدَمِ العَمَلِ بِمُوجِبِ العِلْمِ.
البقرة 2:104
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ فِيهِ إرْشادٌ لَهم إلى الخَيْرِ؛ وإشارَةٌ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِ اليَهُودِ؛ ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾: المُراعاةُ: المُبالَغَةُ في الرَّعْيِ؛ وهو حِفْظُ الغَيْرِ؛ وتَدْبِيرُ أُمُورِهِ؛ وتَدارُكُ مَصالِحِهِ؛ وكانَ المُسْلِمُونَ إذا ألْقى عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ يَقُولُونَ: راعِنا يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أيْ: راقِبْنا؛ وانْتَظِرْنا؛ وتَأنَّ بِنا؛ حَتّى نَفْهَمَ كَلامَكَ؛ ونَحْفَظَهُ؛ وكانَتْ لِلْيَهُودِ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ؛ أوْ سُرْيانِيَّةٌ؛ يَتَسابُّونَ بِها فِيما بَيْنَهُمْ؛ وهِيَ: "راعِينا"؛ قِيلَ: مَعْناها: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ؛ فَلَمّا سَمِعُوا بِقَوْلِ المُؤْمِنِينَ ذَلِكَ افْتَرَصُوهُ؛ واتَّخَذُوهُ ذَرِيعَةً إلى مَقْصِدِهِمْ؛ فَجَعَلُوا يُخاطِبُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ؛ يَعْنُونَ بِهِ تِلْكَ المِسَبَّةَ؛ أوْ نِسْبَتَهُ ﷺ إلى الرَّعَنِ؛ وهو الحُمْقُ؛ والهَوَجُ؛ رُوِيَ أنَّ سَعْدَ بْنَ عُبادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَمِعَها مِنهم فَقالَ: يا أعْداءَ اللَّهِ؛ عَلَيْكم لَعْنَةُ اللَّهِ؛ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ سَمِعْتُها مِن رَجُلٍ مِنكم يَقُولُها لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَأضْرِبَنَّ عُنُقَهُ؛ قالُوا: أوَلَسْتُمْ تَقُولُونَها؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ؛ ونُهِيَ فِيها المُؤْمِنُونَ عَنْ ذَلِكَ؛ قَطْعًا لِألْسِنَةِ اليَهُودِ عَنِ التَّدْلِيسِ؛ وأُمِرُوا بِما في مَعْناها؛ ولا يُقْبَلُ التَّلْبِيسُ؛ فَقِيلَ: ﴿وَقُولُوا انْظُرْنا﴾؛ أيْ: انْظُرْ إلَيْنا؛ بِالحَذْفِ والإيصالِ؛ أوْ: انْتَظِرْنا؛ عَلى أنَّهُ مِن "نَظَرَهُ"؛ إذا انْتَظَرَهُ؛ وقُرِئَ: "أنْظِرْنا"؛ مِن: "النَّظْرَةُ"؛ أيْ: أمْهِلْنا حَتّى نَحْفَظَ؛ وقُرِئَ: "راعُونا"؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ لِلتَّوْقِيرِ؛ و"راعِنًا"؛ عَلى صِيغَةِ الفاعِلِ؛ أيْ: قَوْلًا ذا رَعَنٍ؛ كَـ "دارِعٌ"؛ و"لابِنٌ"؛ لِأنَّهُ لَمّا أشْبَهَ قَوْلَهُمْ: راعِينا؛ وكانَ سَبَبًا لِلسَّبِّ بِالرَّعَنِ اتُّصِفَ بِهِ.
﴿واسْمَعُوا﴾: وأحْسِنُوا سَماعَ ما يُكَلِّمُكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ ويُلْقِي عَلَيْكم مِنَ المَسائِلِ بِآذانٍ واعِيَةٍ؛ وأذْهانٍ حاضِرَةٍ؛ حَتّى تَحْتاجُوا إلى الِاسْتِعاذَةِ؛ وطَلَبِ المُراعاةِ؛ أوْ: واسْمَعُوا ما كُلِّفْتُمُوهُ مِنَ النَّهْيِ؛ والأمْرِ؛ بِجِدٍّ واعْتِناءٍ؛ حَتّى لا تَرْجِعُوا إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ؛ أوْ: واسْمَعُوا سَماعَ طاعَةٍ؛ وقَبُولٍ؛ ولا يَكُنْ سَماعُكم مِثْلَ سَماعِ اليَهُودِ؛ حَيْثُ قالُوا: سَمِعْنا وعَصَيْنا؛ ﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾؛ أيِ اليَهُودِ؛ الَّذِينَ تَوَسَّلُوا بِقَوْلِكُمُ المَذْكُورِ إلى كُفْرَياتِهِمْ؛ وجَعَلُوهُ سَبَبًا لِلتَّهاوُنِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وقالُوا لَهُ ما قالُوا؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾: لِما اجْتَرَؤُوا عَلَيْهِ مِنَ العَظِيمَةِ؛ وهو تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ؛ فِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ؛ ونَوْعُ تَحْذِيرٍ لِلْمُخاطَبِينَ عَمّا نُهُوا عَنْهُ.
البقرة 2:105
﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: الوُدُّ: حُبُّ الشَّيْءِ مَعَ تَمَنِّيهِ؛ ولِذَلِكَ يُسْتَعْمَلُ في كُلٍّ مِنهُما؛ ونَفْيُهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَراهَةِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ ولَعَلَّ تَعَلُّقَهُ بِما قَبْلَهُ مِن حَيْثُ إنَّ القَوْلَ المَنهِيَّ عَنْهُ كَثِيرًا ما كانَ يَقَعُ عِنْدَ تَنْزِيلِ الوَحْيِ المُعَبَّرِ عَنْهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِالخَيْرِ؛ فَكَأنَّهُ أُشِيرَ إلى أنَّ سَبَبَ تَحْرِيفِهِمْ لَهُ إلى ما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ لِوُقُوعِهِ في أثْناءِ حُصُولِ ما يَكْرَهُونَهُ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ وقِيلَ: كانَ فَرِيقٌ مِنَ اليَهُودِ يُظْهِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ مَحَبَّةً؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهم يَوَدُّونَ لَهُمُ الخَيْرَ فَنَزَلَتْ تَكْذِيبًا لَهم في ذَلِكَ؛ و"مِن" في (p-142)
قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ﴾؛ لِلتَّبْيِينِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾؛ و"لا" مَزِيدَةٌ لِما سَتَعْرِفُهُ؛ ﴿أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "يَوَدُّ"؛ وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلثِّقَةِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ؛ والتَّصْرِيحُ الآتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن خَيْرٍ﴾؛ هو القائِمُ مَقامَ فاعِلِهِ؛ و"مِن" مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ والنَّفْيُ وإنْ لَمْ يُباشِرْهُ ظاهِرًا لَكِنَّهُ مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ مَعْنًى؛ والخَيْرُ: الوَحْيُ؛ وحَمْلُهُ عَلى ما يَعُمُّهُ وغَيْرِهِ مِنَ العِلْمِ؛ والنُّصْرَةِ؛ كَما قِيلَ؛ يَأْباهُ وصْفُهُ فِيما سَيَأْتِي بِالِاخْتِصاصِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلَيْهِ - مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ عَنْهُ - لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ المَدارُ لِعَدَمِ وُدِّهِمْ؛ و"مِن" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ ابْتِدائِيَّةٌ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِتَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والإضافَةُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَشْرِيفِهِمْ؛ ولَيْسَتْ كَراهَتَهم لِتَنْزِيلِهِ عَلى المُخاطَبِينَ؛ مِن حَيْثُ تَعَبُّدُهم بِما قَبْلَهُ؛ وتَعَرُّضُهم بِذَلِكَ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ مِن جُمْلَةِ مَن نَزَلَ عَلَيْهِمُ الخَيْرُ؛ بَلْ مِن حَيْثُ وُقُوعُ ذَلِكَ التَّنْزِيلِ عَلى النَّبِيِّ - ﷺ؟ وصِيغَةُ الجَمْعِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ كَراهَتِهِمْ لَيْسَ مَعْنًى خاصًّا بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ بَلْ وصْفٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الكُلِّ؛ وهو الخُلُوُّ عَنِ الدِّراسَةِ عِنْدَ اليَهُودِ؛ وعَنِ الرِّياسَةِ عِنْدَ المُشْرِكِينَ؛ والمَعْنى: أنَّهم يَرَوْنَ أنْفُسَهم أحَقَّ بِأنْ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ويَكْرَهُونَ؛ فَيَحْسُدُونَكم أنْ يَنْزِلَ عَلَيْكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ؛ أمّا اليَهُودُ؛ فَبِناءً عَلى أنَّهم أهْلُ الكِتابِ؛ وأبْناءُ الأنْبِياءِ؛ النّاشِئُونَ في مَهابِطِ الوَحْيِ؛ وأنْتُمْ أُمِّيُّونَ؛ وأمّا المُشْرِكُونَ؛ فَإدْلالًا بِما كانَ لَهم مِنَ الجاهِ؛ والمالِ؛ زَعْمًا مِنهم أنَّ رِياسَةَ الرِّسالَةِ كَسائِرِ الرِّياساتِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ مَنُوطَةٌ بِالأسْبابِ الظّاهِرَةِ؛ ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾؛ ولَمّا كانَتِ اليَهُودُ بِهَذا الدّاءِ أشْهَرَ؛ لا سِيَّما في أثْناءِ ذِكْرِ ابْتِلائِهِمْ بِهِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِن نَفْيِ وِدادَتِهِمْ لِما ذُكِرَ نَفْيُ وِدادَةِ المُشْرِكِينَ لَهُ؛ فَزِيدَتْ كَلِمَةُ "لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.
﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾: جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ؛ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن تَنْزِيلِ الخَيْرِ؛ والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَتِهِ؛ وإرْغامِ الكارِهِينَ لَهُ؛ والمُرادُ بِرَحْمَتِهِ الوَحْيُ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ عَبَّرَ عَنْهُ بِاعْتِبارِ نُزُولِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالخَيْرِ؛ وبِاعْتِبارِ إضافَتِهِ إلَيْهِ (تَعالى) بِالرَّحْمَةِ؛ قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: بِنُبُوَّتِهِ؛ خَصَّ بِها مُحَمَّدًا ﷺ؛ فالفِعْلُ مُتَعَدٍّ؛ وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِلْإنْباءِ عَنْ الِاصْطِفاءِ. وإيثارُهُ عَلى التَّنْزِيلِ؛ المُناسِبِ لِلسِّياقِ؛ المُوافِقِ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ﴾؛ لِزِيادَةِ تَشْرِيفِهِ ﷺ؛ وإقْناطِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ؛ والباءُ داخِلَةٌ عَلى المَقْصُودِ؛ أيْ: يُؤْتِي رَحْمَتَهُ؛ ﴿مَن يَشاءُ﴾؛ مِن عِبادِهِ؛ ويَجْعَلُها مَقْصُورَةً عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحْقاقِهِ الذّاتِيِّ الفائِضِ عَلَيْهِ؛ بِحَسَبِ إرادَتِهِ - عَزَّ وعَلا -؛ تَفَضُّلًا؛ لا تَتَعَدّاهُ إلى غَيْرِهِ؛ وقِيلَ: الفِعْلُ لازِمٌ؛ و"مَن" فاعِلُهُ؛ والضَّمِيرُ العائِدُ إلى "مَن" مَحْذُوفٌ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾: تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ؛ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِهِ؛ وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إيتاءَ النُّبُوَّةِ مِن فَضْلِهِ العَظِيمِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾؛ وأنَّ حِرْمانَ مَن حُرِمَ ذَلِكَ لَيْسَ لِضِيقِ ساحَةِ فَضْلِهِ؛ بَلْ لِمَشِيئَتِهِ الجارِيَةِ عَلى سَنَنِ الحِكْمَةِ البالِغَةِ؛ وتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ مَضْمُونَيْهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُسْتَقِلَّةً بِشَأْنِها؛ فَإنَّ الإضْمارَ في الثّانِيَةِ مُنْبِئٌ عَنْ تَوَقُّفِها عَلى الأُولى.
البقرة 2:106
﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ مَسُوقٌ لِبَيانِ سِرِّ النَّسْخِ؛ الَّذِي هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ تَنْزِيلِ الوَحْيِ؛ وإبْطالِ مَقالَةِ الطّاعِنِينَ فِيهِ؛ إثْرَ تَحْقِيقِ (p-143)
حَقِيقَةِ الوَحْيِ؛ ورَدِّ كَلامِ الكارِهِينَ لَهُ رَأْسًا؛ قِيلَ نَزَلَتْ حِينَ قالَ المُشْرِكُونَ - أوِ اليَهُودُ -: ألا تَرَوْنَ إلى مُحَمَّدٍ يَأْمُرُ أصْحابَهُ بِأمْرٍ؛ ثُمَّ يَنْهاهم عَنْهُ؛ ويَأْمُرُ بِخِلافِهِ. والنَّسْخُ في اللُّغَةِ: الإزالَةُ؛ والنَّقْلُ؛ يُقالُ: "نَسَخَتِ الرِّيحُ الأثَرَ"؛ أيْ: أزالَتْهُ؛ و"نَسَخْتُ الكِتابَ"؛ أيْ: نَقْلَتُهُ؛ ونَسْخُ الآيَةِ: بَيانُ انْتِهاءِ التَّعَبُّدِ بِقِراءَتِها؛ أوْ بِالحُكْمِ المُسْتَفادِ مِنها؛ أوْ بِهِما جَمِيعًا؛ وإنْساؤُها: إذْهابُها مِنَ القُلُوبِ؛ و"ما": شَرْطِيَّةٌ؛ جازِمَةٌ لِـ "نَنْسَخْ"؛ مُنْتَصِبَةٌ بِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ وقُرِئَ: "نُنْسِخْ"؛ مِن "أنْسَخَ"؛ أيْ: نَأْمُرْكَ؛ أوْ جِبْرِيلَ؛ بِنَسْخِها؛ أوْ تَجِدْها مَنسُوخَةً؛ و"نَنْسَأْها"؛ مِن "النَّسْءُ"؛ أيْ: نُؤَخِّرْها؛ و"نُنَسِّها"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ و"تَنْسَها"؛ و"تُنْسَها"؛ عَلى خِطابِ الرَّسُولِ ﷺ؛ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ؛ ولِلْمَفْعُولِ؛ وقُرِئَ: "ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِكَها"؛ وقُرِئَ: "ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها"؛ والمَعْنى: أنَّ كُلَّ آيَةٍ نَذْهَبُ بِها عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ مِن إزالَةِ لَفْظِها؛ أوْ حُكْمِها؛ أوْ كِلَيْهِما مَعًا؛ إلى بَدَلٍ؛ أوْ إلى غَيْرِ بَدَلٍ؛ ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها﴾؛ أيْ: نَوْعٍ آخَرَ؛ هو خَيْرٌ لِلْعِبادِ؛ بِحَسَبِ الحالِ في النَّفْعِ؛ والثَّوابِ؛ مِنَ الذّاهِبَةِ؛ وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ألِفًا؛ ﴿أوْ مِثْلِها﴾؛ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ النَّفْعِ؛ والثَّوابِ؛ وهَذا الحُكْمُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِنَسْخِ الآيَةِ التّامَّةِ؛ فَما فَوْقَها؛ بَلْ جارٍ فِيما دُونَها أيْضًا؛ وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ بِاعْتِبارِ الغالِبِ؛ والنَّصُّ - كَما تَرى - دالٌّ عَلى جَوازِ النَّسْخِ؛ كَيْفَ لا.. وتَنْزِيلُ الآياتِ؛ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الحِكَمِ؛ والمَصالِحِ؟ وذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأحْوالِ؛ ويَتَبَدَّلُ حَسَبَ تَبَدُّلِ الأشْخاصِ؛ والأعْصارِ؛ كَأحْوالِ المَعاشِ؛ فَرُبَّ حُكْمٍ تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ في حالٍ؛ تَقْتَضِي في حالٍ أُخْرى نَقِيضَهُ؛ فَلَوْ لَمْ يُجَزِ النَّسْخُ لاخْتَلَّ ما بَيْنَ الحِكْمَةِ؛ والأحْكامِ؛ مِنَ النِّظامِ.
﴿ألَمْ تَعْلَمْ﴾: الهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ؛ كَما في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾: سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "تَعْلَمْ"؛ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ ومَسَدَّ مَفْعُولِهِ الأوَّلِ؛ والثّانِي مَحْذُوفٌ؛ عِنْدَ الأخْفَشِ؛ والمُرادُ بِهَذا التَّقْرِيرِ الِاسْتِشْهادُ بِعِلْمِهِ بِما ذُكِرَ عَلى قدرته (تَعالى) عَلى النَّسْخِ؛ وعَلى الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ؛ وبِما هو مِثْلُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْهُورَةِ تَحْتَ قدرته - سُبْحانَهُ -؛ فَمَن عَلِمَ شُمُولَ قدرته (تَعالى) لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ عَلِمَ قدرته عَلى ذَلِكَ قَطْعًا؛ والِالتِفاتُ بِوَضْعِ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والإشْعارِ بِمَناطِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ شُمُولَ القُدْرَةِ لِجَمِيعِ الأشْياءِ؛ مِنَ الأحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ؛ وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ - عَزَّ سُلْطانُهُ -:
البقرة 2:107
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَدارُ أحْكامِ مَلَكُوتِهِما؛ والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"مُلْكُ السَّمَواتِ والأرْضِ": مُبْتَدَأٌ؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "أنَّ"؛ وإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: "أنَّ لِلَّهِ مُلْكَ السَّمَواتِ والأرْضِ"؛ لِلْقَصْدِ إلى تَقَوِّي الحُكْمِ بِتَكَرُّرِ الإسْنادِ؛ وهو إمّا تَكْرِيرٌ لِلتَّقْرِيرِ؛ وإعادَةٌ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ؛ وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ "أنَّ"؛ مَعَ ما في حَيِّزِها؛ عَلى ما سَبَقَ مِن مِثْلِها؛ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ؛ وإشْعارًا بِاسْتِقْلالِ العِلْمِ بِكُلٍّ مِنهُما؛ وكِفايَتِهِ في الوُقُوفِ عَلى ما هو المَقْصُودُ؛ وإمّا تَقْرِيرٌ مُسْتَقِلٌّ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى قدرته (تَعالى) عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ؛ والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ؛ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما؛ إيجادًا؛ وإعْدامًا؛ وأمْرًا؛ ونَهْيًا؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ لا مُعارِضَ لِأمْرِهِ؛ ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ فَمَن هَذا شَأْنُهُ؛ كَيْفَ يَخْرُجُ عَنْ قدرته شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾؛ (p-144)مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِـ "أنَّ"؛ داخِلٌ مَعَها تَحْتَ تَعَلُّقِ العِلْمِ المُقَرَّرِ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى تَناوُلِ الخِطابَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْأُمَّةِ أيْضًا؛ وإنَّما إفْرادُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِما لِما أنَّ عُلُومَهم مُسْتَنِدَةٌ إلى عِلْمِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى اسْمِ "أنَّ" لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ والإيذانِ بِمُقارَنَةِ الوِلايَةِ؛ والنُّصْرَةِ؛ لِلْقُوَّةِ؛ والعِزَّةِ؛ والمُرادُ بِهِ الِاسْتِشْهادُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ مِنَ العِلْمِ عَلى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ (تَعالى) بِما ذُكِرَ مِنَ الإتْيانِ بِما هو خَيْرٌ مِنَ المَنسُوخِ؛ أوْ بِمِثْلِهِ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ قدرته (تَعالى) عَلى ذَلِكَ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَهُ البَتَّةَ؛ وإنَّما الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ كَوْنُهُ (تَعالى) مَعَ ذَلِكَ ولِيًّا ونَصِيرًا لَهُمْ؛ فَمَن عَلِمَ أنَّهُ (تَعالى) ولِيُّهُ؛ ونَصِيرُهُ؛ عَلى الِاسْتِقْلالِ؛ يَعْلَمُ قَطْعًا أنَّهُ لا يَفْعَلُ بِهِ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُ؛ فَيُفَوِّضُ أمْرَهُ إلَيْهِ (تَعالى)؛ ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ رِيبَةٌ في أمْرِ النَّسْخِ؛ وغَيْرِهِ أصْلًا؛ والفارِقُ بَيْنَ الوَلِيِّ؛ والنَّصِيرِ: أنَّ الوَلِيَّ قَدْ يَضْعُفُ عَنِ النُّصْرَةِ؛ والنَّصِيرَ قَدْ يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِنَ المَنصُورِ؛ و"ما": إمّا تَمِيمِيَّةٌ؛ لا عَمَلَ لَها؛ و"لَكُمْ": خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"مِن ولِيٍّ": مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ؛ زِيدَتْ فِيهِ كَلِمَةُ "مِن" لِلِاسْتِغْراقِ؛ وإمّا حِجازِيَّةٌ؛ و"لَكُمْ": خَبَرُها المَنصُوبُ؛ عِنْدَ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَهُ؛ واسْمُها "مِن ولِيٍّ"؛ و"مِن": مَزِيدَةٌ لِما ذُكِرَ؛ و"مِن دُونِ اللَّهِ": في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ اسْمِها؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ؛ فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا؛ ومَعْناهُ: "سِوى اللَّهِ"؛ والمَعْنى أنَّ قَضِيَّةَ العِلْمِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ هو الجَزْمُ؛ والإيقانُ بِأنَّهُ (تَعالى) لا يَفْعَلُ بِهِمْ في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ؛ أوْ دُنْياهُمْ؛ إلّا ما هو خَيْرٌ لَهُمْ؛ والعَمَلُ بِمُوجِبِهِ مِنَ الثِّقَةِ بِهِ؛ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ؛ وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ؛ مِن غَيْرِ إصْغاءٍ إلى أقاوِيلِ الكَفَرَةِ؛ وتَشْكِيكاتِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما قالُوا في أمْرِ النَّسْخِ.
البقرة 2:108
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أمْ تُرِيدُونَ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالمُؤْمِنِينَ؛ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ؛ ومَعْنى "بَلْ" فِيها الإضْرابُ والِانْتِقالُ مِن حَمْلِهِمْ عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ عِلْمِهِمْ بِما ذُكِرَ عِنْدَ ظُهُورِ بَعْضِ مَخابِلِ المُساهَلَةِ مِنهم في ذَلِكَ؛ وأماراتِ التَّأثُّرِ مِن أقاوِيلِ الكَفَرَةِ؛ إلى التَّحْذِيرِ مِن ذَلِكَ؛ ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ وُقُوعِ الإرادَةِ مِنهُمْ؛ واسْتِبْعادُهُ؛ لِما أنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ وازِعَةٌ عَنْها؛ وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ؛ دُونَ مُتَعَلِّقِها؛ لِلْمُبالَغَةِ في إنْكارِهِ؛ واسْتِبْعادِهِ؛ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ؛ فَضْلًا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ؛ والمَعْنى: بَلْ أتُرِيدُونَ؛ ﴿أنْ تَسْألُوا﴾؛ وأنْتُمْ مُؤْمِنُونَ؛ ﴿رَسُولَكُمْ﴾؛ وهو في تِلْكَ الرُّتْبَةِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ؛ وتَقْتَرِحُوا عَلَيْهِ ما تَشْتَهُونَ؛ غَيْرَ واثِقِينَ في أُمُورِكم بِفَضْلِ اللَّهِ (تَعالى) حَسْبَما يُوجِبُهُ قَضِيَّةُ عِلْمِكم بِشُئُونِهِ - سُبْحانَهُ؟ قِيلَ: لَعَلَّهم كانُوا يَطْلُبُونَ مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيانَ تَفاصِيلِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى النَّسْخِ؛ وقِيلَ: سَألَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْعَلَ لَهم ذاتَ أنْواطٍ؛ كَما كانَتْ لِلْمُشْرِكِينَ -؛ وهي شَجَرَةٌ؛ كانُوا يَعْبُدُونَها؛ ويُعَلِّقُونَ عَلَيْها المَأْكُولَ؛ والمَشْرُوبَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كَما سُئِلَ مُوسى﴾: مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ؛ أيْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ؛ مَحْذُوفٍ؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: سُؤالًا مُشَبَّهًا بِسُؤالِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا؛ وأرِنا اللَّهَ جَهْرَةً؛ وغَيْرَ ذَلِكَ؛ ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: كَما سَألُوا مُوسى؛ لِأنَّ المُشَبَّهَ هو المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ؛ أعَنِي سائِلِيَّةَ المُخاطَبِينَ؛ لا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أعَنِي مَسْؤُولِيَّةَ (p-145)
الرَّسُولِ ﷺ؛ حَتّى يُشَبَّهَ بِمَسْؤُولِيَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ التَّشْبِيهُ فِيهِما مَعًا؛ ولَكِنَّهُ أوْجَزَ النَّظْمَ فَذَكَرَ في جانِبِ المُشَبَّهِ السّائِلِيَّةَ؛ وفي جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ المَسْؤُولِيَّةَ؛ واكْتَفى بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْضِعٍ؛ عَمّا تَرَكَ في المَوْضِعِ الآخَرِ؛ كَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً؛ عَلى أنَّ العائِدَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كالسُّؤالِ الَّذِي سُئِلَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن قَبْلُ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "سُئِلَ"؛ جِيءَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ؛ وقُرِئَ: "سِيلَ"؛ بِالياءِ؛ وكَسْرِ السِّينِ؛ وبِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَيْنَ بَيْنَ.
﴿وَمَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ﴾: أيْ: يَخْتَرْ؛ ويَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ؛ ﴿بِالإيمانِ﴾؛ بِمُقابَلَتِهِ؛ بَدَلًا مِنهُ؛ وقُرِئَ: "وَمَن يُبْدِلْ"؛ مِن "أبْدَلَ"؛ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ؛ أيِ السُّؤالَ المَذْكُورَ؛ أوْ إرادَتَهُ. وحاصِلُهُ: ومَن يَتْرُكِ الثِّقَةَ بِالآياتِ البَيِّنَةِ المُنْزَلَةِ؛ بِحَسَبِ المَصالِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاسِخَةُ؛ الَّتِي هي خَيْرٌ مَحْضٌ؛ وحَقٌّ بَحْتٌ؛ واقْتَرَحَ غَيْرَها؛ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: عَدَلَ؛ وجارَ - مِن حَيْثُ لا يَدْرِي - عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ؛ المُوصِلِ إلى مَعالِمِ الحَقِّ؛ والهُدى؛ وتاهَ في تِيهِ الهَوى؛ وتَرَدّى في مَهاوِي الرَّدى؛ وإنَّما أُوثِرَ عَلى ذَلِكَ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلتَّصْرِيحِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهُ كُفْرٌ؛ وارْتِدادٌ؛ وأنَّ كَوْنَهُ كَذَلِكَ أمْرٌ واضِحٌ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِيَّةِ بِأنْ يُقالَ: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَكْفُرْ؛ حَقِيقٌ بِأنْ يُعَدَّ مِنَ المُسَلَّماتِ؛ ويُجْعَلَ مُقَدَّمًا لِلشَّرْطِيَّةِ؛ رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ والإفْراطِ في الرَّدْعِ. و"سَواءَ السَّبِيلِ": مِن بابِ إضافَةِ الوَصْفِ إلى المَوْصُوفِ؛ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في بَيانِ قُوَّةِ الِاتِّصافِ؛ كَأنَّهُ نَفْسُ السَّواءِ؛ عَلى مِنهاجِ حُصُولِ الصُّورَةِ في الصُّورَةِ الحاصِلَةِ؛ وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ؛ حِينَ سَألُوا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ؛ وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ؛ حِينَ قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾؛ إلَخْ.. فَإضافَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلَيْهِمْ عَلى القَوْلَيْنِ؛ بِاعْتِبارِ أنَّهم مِن أُمَّةِ الدَّعْوَةِ؛ ومَعْنى "تَبَدُّلُ الكُفْرِ بِالإيمانِ؛ وهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ": تَرْكُ صَرْفِ قدرتهمْ إلَيْهِ؛ مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ؛ وإيثارُهم لِلْكُفْرِ عَلَيْهِ.
البقرة 2:109
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: هم رَهْطٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ؛ رُوِيَ «أنَّ فِنْحاصَ بْنَ عازُوراءَ؛ وزَيْدَ بْنَ قَيْسٍ؛ ونَفَرًا مِنَ اليَهُودِ؛ قالُوا لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ؛ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ: ألَمْ تَرَوْا ما أصابَكُمْ؟ ولَوْ كُنْتُمْ عَلى الحَقِّ ما هُزِمْتُمْ؛ فارْجِعُوا إلى دِينِنا؛ فَهو خَيْرٌ لَكُمْ؛ وأفْضَلُ؛ ونَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا؛ فَقالَ عَمّارٌ: كَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ فِيكُمْ؟ قالُوا: شَدِيدٌ؛ قالَ: فَإنِّي عاهَدْتُ ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما عِشْتُ؛ فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا هَذا فَقَدَ صَبَأ؛ وقالَ حُذَيْفَةُ: أمّا أنا فَقَدْ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِالقرآن إمامًا؛ وبِالكَعْبَةِ قِبْلَةً؛ وبِالمُؤْمِنِينَ إخْوانًا؛ ثُمَّ أتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ وأخْبَراهُ؛ فَقالَ: أصَبْتُما خَيْرًا؛ وأفْلَحْتُما؛ فَنَزَلَتْ؛» ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾: حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ؛ و"لَوْ": في مَعْنى التَّمَنِّي؛ وصِيغَةُ الغَيْبَةِ كَما في قَوْلِهِ: حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ؛ وقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ "أنْ"؛ النّاصِبَةِ؛ فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ؛ ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِـ "وَدَّ"؛ والتَّقْدِيرُ: ودُّوا رَدَّكُمْ؛ وقِيلَ: هي عَلى حَقِيقَتِها؛ وجَوابُها مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يَرُدُّونَكم كُفّارًا لَسُرُّوا بِذَلِكَ.
﴿مِن بَعْدِ إيمانِكُمْ﴾: (p-146)مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَرُدُّونَكُمْ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كُفّارًا﴾: مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ؛ عَلى تَضْمِينِ الرَّدِّ مَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أيْ: يُصَيِّرُونَكم كُفّارًا؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ رَمى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ∗∗∗ بِمِقْدارٍ سَمَدْنَ لَهُ سُمُودا
؎ فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ∗∗∗ ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودا
وَقِيلَ: هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ والأوَّلُ أدْخَلُ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ؛ صَرِيحًا عَلى كَوْنِ الكُفْرِ المَفْرُوضِ بِطَرِيقِ القَسْرِ. وإيرادُ الظَّرْفِ - مَعَ عَدَمِ الحاجَةِ إلَيْهِ؛ ضَرُورَةَ كَوْنِ المُخاطَبِينَ مُؤْمِنِينَ؛ واسْتِحالَةِ تَحَقُّقِ الرَّدِّ إلى الكُفْرِ بِدُونِ سَبْقِ الإيمانِ؛ مَعَ تَوْسِيطِهِ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ - لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما أرادُوهُ؛ وغايَةِ بُعْدِهِ مِنَ الوُقُوعِ؛ إمّا لِزِيادَةِ قُبْحِهِ الصّارِفِ لِلْعاقِلِ عَنْ مُباشَرَتِهِ؛ وإمّا لِمُمانَعَةِ الإيمانِ لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: مِن بَعْدِ إيمانِكُمُ الرّاسِخِ؛ وفِيهِ مِن تَثْبِيتِ المُؤْمِنِينَ ما لا يَخْفى.
﴿حَسَدًا﴾: عِلَّةٌ لِـ "وَدَّ"؛ أوْ حالٌ أُرِيدَ بِهِ نَعْتُ الجَمْعِ؛ أيْ: حاسِدِينَ لَكُمْ؛ والحَسَدُ: الأسَفُ عَلى مَن لَهُ خَيْرٌ بِخَيْرِهِ؛ ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "وَدَّ"؛ أيْ: ودُّوا ذَلِكَ مِن أجْلِ تَشَهِّيهِمْ؛ وحُظُوظِ أنْفُسِهِمْ؛ لا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ؛ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ؛ ولَوْ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أوْ: بِحَسَدٍ؛ أيْ: حَسَدًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ؛ بالِغًا أقْصى مَراتِبِهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾؛ بِالمُعْجِزاتِ السّاطِعَةِ؛ وبِما عايَنُوا في التَّوْراةِ مِنَ الدَّلائِلِ؛ وعَلِمُوا أنَّكم مُتَمَسِّكُونَ بِهِ؛ وهم مُنْهَمِكُونَ في الباطِلِ؛ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾؛ العَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخَذَةِ؛ والعُقُوبَةِ؛ والصَّفْحُ: تَرْكُ التَّثْرِيبِ؛ والتَّأْنِيبِ؛ ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾؛ الَّذِي هو قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وإجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ؛ وإذْلالَهم بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ أوِ الإذْنُ في القِتالِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ضَرْبُ الغايَةِ؛ لِأنَّها لا تُعْلَمُ إلّا شَرْعًا؛ ولا يَخْرُجُ الوارِدُ بِذَلِكَ مِن أنْ يَكُونَ ناسِخًا؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فاعْفُوا؛ واصْفَحُوا؛ إلى وُرُودِ النّاسِخِ.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَيَنْتَقِمُ مِنهم إذا حانَ حِينُهُ؛ وآنَ أوانُهُ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ.
البقرة 2:110
﴿وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾: عَطْفٌ عَلى "فاعْفُوا"؛ أُمِرُوا بِالصَّبْرِ؛ والمُداراةِ؛ واللُّجُوءِ إلى اللَّهِ (تَعالى) بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ؛ والمالِيَّةِ؛ ﴿وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾؛ كَصَلاةٍ؛ أوْ صَدَقَةٍ؛ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْراتِ تُقَدِّمُوهُ لِمَصْلَحَةِ أنْفُسِكُمْ؛ ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ؛ وقُرِئَ: "تُقْدِمُوا"؛ مِن "أقْدَمَ"؛ ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾؛ فَلا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلٌ؛ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وقُرِئَ بِالياءِ؛ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
البقرة 2:111
﴿وَقالُوا﴾: عَطْفٌ عَلى "وَدَّ"؛ والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ جَمِيعًا؛ ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا؛ وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى؛ فَلَفَّ بَيْنَ القَوْلَيْنِ؛ ثِقَةً بِأنَّ السّامِعَ يَرُدُّ كُلًّا مِنهُما إلى قائِلِهِ. ونَحْوُهُ: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾؛ ولَيْسَ مُرادُهم بِأُولَئِكَ مَن أقامَ اليَهُودِيَّةَ؛ والنَّصْرانِيَّةَ؛ قَبْلَ النَّسْخِ؛ (p-147)
والتَّحْرِيفِ؛ عَلى وجْهِها؛ بَلْ أنْفُسُهُمْ؛ عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ لِأنَّهم إنَّما يَقُولُونَهُ لِإضْلالِ المُؤْمِنِينَ؛ ورَدِّهِمْ إلى الكُفْرِ. و"الهُودُ": جَمْعُ "هائِدٌ"؛ كَـ "عُوذٌ"؛ جَمْعُ "عائِذٌ"؛ و"بُزْلٌ"؛ جَمْعُ "بازِلٌ"؛ والإفْرادُ في "كانَ" بِاعْتِبارِ لَفْظِ "مَن"؛ والجَمْعُ في خَبَرِهِ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ؛ وقُرِئَ: "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا"؛ ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾؛ الأمانِيُّ: جَمْعُ "أُمْنِيَّةٌ"؛ وهي ما يُتَمَنّى؛ كَـ "الأُعْجُوبَةُ"؛ و"الأُضْحُوكَةُ"؛ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ؛ مُبَيِّنَةٌ لِبُطْلانِ ما قالُوا؛ و"تِلْكَ": إشارَةٌ إلَيْهِ؛ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ صُدُورِهِ عَنِ الجَمِيعِ؛ وقِيلَ: فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ؛ أيْ: أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهُمْ؛ وقِيلَ: "تِلْكَ": إشارَةٌ إلَيْهِ؛ وإلى ما قَبْلَهُ؛ مِن ألّا يَنْزِلَ عَلى المُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن رَبِّهِمْ؛ وأنْ يَرُدَّهم كُفّارًا؛ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ فَإنَّهُما لَيْسا مِمّا يُطْلَبُ لَهُ البُرْهانُ؛ ولا مِمّا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ والكَذِبَ؛ قِيلَ: "هاتُوا" أصْلُهُ: "آتُوا"؛ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ هاءً؛ أيْ: أحْضِرُوا حُجَّتَكم عَلى اخْتِصاصِكم بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمْ؛ هَذا ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الجَلِيلِ؛ والَّذِي يَسْتَدْعِيهِ إعْجازُ التَّنْزِيلِ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ التَّبْكِيتِيُّ عَلى طَلَبِ البُرْهانِ؛ عَلى أصْلِ الدُّخُولِ؛ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ دَعْوى الِاخْتِصاصِ بِهِ؛ فَإنَّ
البقرة 2:112
قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿بَلى﴾؛ إلَخْ.. إثْباتٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِما نَفَوْهُ؛ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِ ما أثْبَتُوهُ؛ وإذْ لَيْسَ الثّابِتُ بِهِ مُجَرَّدَ دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ؛ ولَوْ مَعَهُمْ؛ لِيَكُونَ المَنفِيُّ مُجَرَّدَ اخْتِصاصِهِمْ بِهِ؛ مَعَ بَقاءِ أصْلِ الدُّخُولِ عَلى حالِهِ؛ بَلْ هو اخْتِصاصُ غَيْرِهِمْ بِالدُّخُولِ؛ كَما سَتَعْرِفُهُ - بِإذْنِ اللَّهِ (تَعالى) -؛ ظَهَرَ أنَّ المَنفِيَّ أصْلُ دُخُولِهِمْ؛ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي كُلِّفُوا إقامَةَ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لا اخْتِصاصُهم بِهِ؛ لِيَتَّحِدَ مَوْرِدُ الإثْباتِ والنَّفْيِ؛ وإنَّما عَدَلَ عَنْ إبْطالِ ما ادَّعَوْهُ؛ وسَلَكَ هَذا المَسْلَكَ؛ إبانَةً لِغايَةِ حِرْمانِهِمْ مِمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمْ؛ وإظْهارًا لِكَمالِ عَجْزِهِمْ عَنْ إثْباتِ مُدَّعاهُمْ؛ لِأنَّ حِرْمانَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِالدُّخُولِ؛ وعَجْزَهم عَنْ إقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ؛ لا يَقْتَضِيانِ حِرْمانَهم مِن أصْلِ الدُّخُولِ؛ وعَجْزَهم عَنْ إثْباتِهِ؛ وأمّا نَفْسُ الدُّخُولِ؛ فَحَيْثُ ثَبَتَ حِرْمانُهم مِنهُ؛ وعَجْزُهم عَنْ إثْباتِهِ؛ فَهم مِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ أبْعَدُ؛ وعَنْ إثْباتِهِ أعْجَزُ؛ وإنَّما الفائِزُ بِهِ مَنِ انْتَظَمَهُ قَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ (تَعالى)؛ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا؛ عَبَّرَ عَنْها بِالوَجْهِ؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ؛ ومَجْمَعُ المَشاعِرِ؛ ومَوْضِعُ السُّجُودِ؛ ومَظْهَرُ آثارِ الخُضُوعِ؛ الَّذِي هو مِن أخَصِّ خَصائِصِ الإخْلاصِ؛ أوْ تَوَجُّهَهُ؛ وقَصْدَهُ؛ بِحَيْثُ لا يَلْوِي عَزِيمَتَهُ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ؛ ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾: حالٌ مِن ضَمِيرِ "أسْلَمَ"؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ مُحْسِنٌ في جَمِيعِ أعْمالِهِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإسْلامُ؛ المَذْكُورُ. وحَقِيقَةُ الإحْسانِ: الإتْيانُ بِالعَمَلِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ؛ وهو حُسْنُهُ الوَصْفِيُّ؛ التّابِعُ لِحُسْنِهِ الذّاتِيِّ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: « "أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ؛ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ"؛» ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾؛ الَّذِي وُعِدَ لَهُ عَلى عَمَلِهِ؛ وهو عِبارَةٌ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ؛ أوْ عَمّا يَدْخُلُ هو فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَتَصْوِيرُهُ بِصُورَةِ الأجْرِ لِلْإيذانِ بِقُوَّةِ ارْتِباطِهِ بِالعَمَلِ؛ واسْتِحالَةِ نَيْلِهِ بِدُونِهِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿عِنْدَ رَبِّهِ﴾: حالٌ مِن "أجْرُهُ"؛ والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ؛ والعِنْدِيَّةِ؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ ووَضْعُ اسْمِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ "مَن أسْلَمَ" مَوْضِعَ ضَمِيرِ الجَلالَةِ؛ لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ؛ وتَقْرِيرِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: فَلَهُ أجْرُهُ (p-148)
عِنْدَ مالِكِهِ؛ ومُدَبِّرِ أُمُورِهِ؛ ومُبَلِّغِهِ إلى كَمالِهِ؛ والجُمْلَةُ جَوابُ "مَن"؛ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً؛ وخَبَرُها إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً؛ والفاءُ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الشَّرْطِ؛ فَيَكُونُ الرَّدُّ بِقَوْلِهِ (تَعالى) ﴿بَلى﴾؛ وحْدَهُ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَن" فاعِلًا لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: بَلى؛ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلَهُ أجْرُهُ﴾؛ مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ المُقَدَّرِ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فَتَعَلُّقُ ثُبُوتِ الأجْرِ بِما ذُكِرَ مِنَ الإسْلامِ؛ والإحْسانِ؛ المُخْتَصَّيْنِ بِأهْلِ الإيمانِ قاضٍ بِأنَّ أُولَئِكَ المُدَّعِينَ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ بِمَعْزِلٍ؛ ومِنَ الِاخْتِصاصِ بِهِ بِألْفِ مَعْزِلٍ؛ ﴿وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾؛ في الدّارَيْنِ؛ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ؛ ﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾؛ مِن فَواتِ مَطْلُوبٍ؛ أيْ: يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ؛ لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ لَكِنَّهم يَخافُونَ ويَحْزَنُونَ؛ والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن"؛ كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
البقرة 2:113
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾: بَيانٌ لِتَضْلِيلِ كُلِّ فَرِيقٍ صاحِبَهُ بِخُصُوصِهِ؛ إثْرَ بَيانِ تَضْلِيلِهِ كُلَّ مَن عَداهُ؛ عَلى وجْهِ العُمُومِ؛ نَزَلَتْ لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وأتاهم أحْبارُ اليَهُودِ؛ فَتَناظَرُوا؛ فارْتَفَعَتْ أصْواتُهُمْ؛ فَقالُوا لَهُمْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ؛ أيْ أمْرٍ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الدِّينِ؛ أوْ عَلى شَيْءٍ ما مِنهُ أصْلًا؛ مُبالَغَةً في ذَلِكَ؛ كَما قالُوا: "أقَلُّ مِن لا شَيْءَ"؛ وكَفَرُوا بِعِيسى؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿وَقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ وكَفَرُوا بِمُوسى؛ والتَّوْراةِ؛ لا أنَّهم قالُوا ذَلِكَ بِناءً لِلْأمْرِ عَلى مَنسُوخِيَّةِ التَّوْراةِ؛ ﴿وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾؛ الواوُ لِلْحالِ؛ واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ أيْ: قالُوا ما قالُوا؛ والحالُ أنَّ كُلَّ فَرِيقٍ مِنهم مِن أهْلِ العِلْمِ والكِتابِ؛ أيْ: كانَ حَقُّ كُلٍّ مِنهم أنْ يَعْتَرِفَ بِحَقِّيَّةِ دِينِ صاحِبِهِ؛ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ كِتابُهُ؛ فَإنَّ كُتَبَ اللَّهِ (تَعالى) مُتَصادِقَةٌ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ؛ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّها نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ قُدِّمَ عَلى عامِلِهِ؛ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ أيْ: قَوْلًا مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ بِعَيْنِهِ؛ قَوْلًا مُغايِرًا لَهُ؛ ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾؛ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ؛ والمُعَطِّلَةِ؛ ونَحْوِهِمْ مِنَ الجَهَلَةِ؛ أيْ: قالُوا لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ؛ وإمّا عَلى أنَّها حالٌ مِنَ المَصْدَرِ المُضْمَرِ؛ المُعَرَّفِ؛ الدّالِّ عَلَيْهِ "قالَ"؛ أيْ: قالَ القَوْلَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ حالَ كَوْنِهِ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الَّذِي سَمِعْتَ بِهِ؛ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ إمّا بَدَلٌ مِن مَحَلِّ الكافِ؛ وإمّا مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَنفِيِّ قَبْلَهُ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ قالَ الجاهِلُونَ بِمِثْلِ مَقالَةِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وهَذا تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهُمْ؛ حَيْثُ نَظَمُوا أنْفُسَهم - مَعَ عِلْمِهِمْ - في سِلْكِ مَن لا يَعْلَمُ أصْلًا؛ ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ لِبَيانِ حالِهِمْ؛ وإنَّما التَّعَرُّضُ لِمَقالَةِ غَيْرِهِمْ لِإظْهارِ كَمالِ بُطْلانِ مَقالِهِمْ؛ ولِأنَّ المُحاجَّةَ المُحْوِجَةَ إلى الحُكْمِ إنَّما وقَعَتْ بَيْنَهُمْ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَحْكُمُ"؛ وكَذا ما قَبْلَهُ؛ وما بَعْدَهُ؛ ولا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِاخْتِلافِ المَعْنى؛ ﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ بِما يُقْسَمُ لِكُلِّ فَرِيقٍ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ العِقابِ؛ وقِيلَ: حُكْمُهُ بَيْنَهم أنْ يُكَذِّبَهُمْ؛ ويُدْخِلَهُمُ النّارَ؛ والظَّرْفُ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَخْتَلِفُونَ"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلْمُحافَظَةِ عَلى رُؤُوسِ الآيِ؛ لا بِـ "كانُوا".
البقرة 2:114
(p-149)﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾: إنْكارٌ؛ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ؛ أوْ مُساوِيًا لَهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ؛ ونَفْيُها يَشْهَدُ بِهِ العُرْفُ الفاشِي؛ والِاسْتِعْمالُ المُطَّرِدُ؛ فَإذا قِيلَ: "مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ؟!"؛ أوْ: "لا أفْضَلُ مِن فُلانٍ"؛ فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ؛ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ؛ وهَذا الحُكْمُ عامٌّ لِكُلِّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ؛ في أيِّ مَسْجِدٍ كانَ؛ وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ فِعْلَ طائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ في مَسْجِدٍ مَخْصُوصٍ؛ رُوِيَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَطْرَحُونَ في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى؛ ويَمْنَعُونَ النّاسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ؛ وأنَّ الرُّومَ غَزَوْا أهْلَهُ؛ فَخَرَّبُوهُ؛ وأحْرَقُوا التَّوْراةَ؛ وقَتَلُوا؛ وسَبَوْا؛ وقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ طِيطَيُوسَ الرُّومِيَّ؛ مَلِكَ النَّصارى؛ وأصْحابَهُ؛ غَزَوْا بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقَتَلُوا مُقاتِلَتَهُمْ؛ وسَبَوْا ذَرارِيَهُمْ؛ وأحْرَقُوا التَّوْراةَ؛ وخَرَّبُوا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ وقَذَفُوا فِيهِ الجِيَفَ؛ وذَبَحُوا فِيهِ الخَنازِيرَ؛ ولَمْ يَزَلْ خَرابًا حَتّى بَناهُ المُسْلِمُونَ في عَهْدِ عُمْرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وإنَّما أُوقِعَ المَنعُ عَلى المَساجِدِ؛ وإنْ كانَ المَمْنُوعُ هو النّاسَ؛ لِما أنَّ فِعْلَهُمْ؛ مِن طَرْحِ الأذى؛ والتَّخْرِيبِ؛ ونَحْوِهِما؛ مُتَعَلِّقٌ بِالمَسْجِدِ؛ لا بِالنّاسِ؛ مَعَ كَوْنِهِ عَلى حالِهِ؛ وتَعَلُّقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما قَبْلَها؛ مِن حَيْثُ إنَّها مُبْطِلَةٌ لِدَعْوى النَّصارى اخْتِصاصَهم بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ وقِيلَ: هو مَنعُ المُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرامَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ فَتَعَلُّقُها بِما تَقَدَّمَها مِن جِهَةِ أنَّ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ؛ القائِلِينَ لِكُلِّ مَن عَداهُمْ: لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ؛ ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾: ثانِي مَفْعُولَيْ "مَنَعَ"؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): " وما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا "؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَذْفِ الجارِّ؛ مَعَ "أنْ"؛ وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَفْعُولًا لَهُ؛ أيْ: "يُذَكَرَ فِيها اسْمُهُ"؛ ﴿وَسَعى في خَرابِها﴾؛ بِالهَدْمِ؛ أوِ التَّعْطِيلِ؛ بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾؛ المانِعُونَ؛ الظّالِمُونَ؛ السّاعُونَ في خَرابِها؛ ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾؛ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا بِخَشْيَةٍ؛ وخُضُوعٍ؛ فَضْلًا عَنْ الِاجْتِراءِ عَلى تَخْرِيبِها؛ أوْ تَعْطِيلِها؛ أوْ: ما كانَ الحَقُّ أنْ يَدْخُلُوها إلّا عَلى حالِ التَّهَيُّبِ؛ وارْتِعادِ الفَرائِصِ؛ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ؛ أنْ يَبْطِشُوا بِهِمْ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَسْتَوْلُوا عَلَيْها؛ ويَلُوها؛ ويَمْنَعُوهم مِنها؛ أوْ: ما كانَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وقَضائِهِ بِالآخِرَةِ؛ إلّا ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنُّصْرَةِ؛ واسْتِخْلاصِ ما اسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ مِنهُمْ؛ وقَدْ أُنْجِزَ الوَعْدُ؛ ولِلَّهِ الحَمْدُ؛ رُوِيَ أنَّهُ لا يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا مُتَنَكِّرًا؛ مُسارَقَةً؛ وقِيلَ: مَعْناهُ النَّهْيُ عَنْ تَمْكِينِهِمْ مِنَ الدُّخُولِ في المَسْجِدِ؛ واخْتَلَفَ الأئِمَّةُ في ذَلِكَ؛ فَجَوَّزَهُ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا؛ ومَنَعَهُ مالِكٌ مُطْلَقًا؛ وفَرَّقَ الشّافِعِيُّ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرامِ وغَيْرِهِ؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ أيْ: لِأُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ ﴿فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾؛ أيْ: خِزْيٌ فَظِيعٌ؛ لا يُوصَفُ؛ بِالقَتْلِ؛ والسَّبْيِ؛ والإذْلالِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾؛ وهو عَذابُ النّارِ؛ لِما أنَّ سَبَبَهُ أيْضًا - وهو ما حُكِيَ مِن ظُلْمِهِمْ - كَذَلِكَ في العِظَمِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّشْوِيقِ إلى ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِنَ الخِزْيِ؛ والعَذابِ؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ مُوجِبٌ لِتَوَجُّهِ النَّفْسِ إلَيْهِ؛ فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ وُرُودِهِ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ كَما في (p-150)قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾؛ و﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
البقرة 2:115
﴿وَلِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾؛ أيْ: لَهُ كُلُّ الأرْضِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ناحِيَتَيِ المَشْرِقِ؛ والمَغْرِبِ؛ لا يَخْتَصُّ بِهِ؛ مِن حَيْثُ المِلْكُ؛ والتَّصَرُّفُ؛ ومِن حَيْثُ المَحَلِّيَّةُ؛ لِعِبادَتِهِ مَكانٌ مِنها دُونَ مَكانٍ؛ فَإنْ مُنِعْتُمْ مِن إقامَةِ العِبادَةِ في المَسْجِدِ الأقْصى؛ أوِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾؛ أيْ: فَفي أيِّ مَكانٍ فَعَلْتُمْ تَوْلِيَةَ وُجُوهِكم شَطْرَ القِبْلَةِ؛ ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾؛ "ثَمَّ": اسْمُ إشارَةٍ لِلْمَكانِ البَعِيدِ خاصَّةً؛ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ؛ ولا يَتَصَرَّفُ؛ سِوى الجَرِّ بِـ "مِن"؛ وهو خَبَرٌ مُقَدَّمٌ؛ و"وَجْهُ اللَّهِ": مُبْتَدَأٌ؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الجَزْمِ؛ عَلى أنَّها جَوابُ الشَّرْطِ؛ أيْ: هُناكَ جِهَتُهُ الَّتِي أمَرَ بِها؛ فَإنَّ إمْكانَ التَّوْلِيَةِ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِمَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ؛ أوْ مَكانٍ دُونَ آخَرَ؛ أوْ "فَثَمَّ ذاتُهُ"؛ بِمَعْنى الحُضُورِ العِلْمِيِّ؛ أيْ فَهو عالِمٌ بِما يُفْعَلُ فِيهِ؛ ومُثِيبٌ لَكم عَلى ذَلِكَ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ واللّامِ؛ أيْ: فَأيْنَما تَوَجَّهُوا القِبْلَةُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ﴾؛ بِإحاطَتِهِ بِالأشْياءِ؛ أوْ بِرَحْمَتِهِ يُرِيدُ التَّوْسِعَةَ عَلى عِبادِهِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بِمَصالِحِهِمْ؛ وأعْمالِهِمْ في الأماكِنِ كُلِّها؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ؛ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: نَزَلَتْ في صَلاةِ المُسافِرِينَ عَلى الرّاحِلَةِ؛ أيْنَما تَوَجَّهُوا؛ وقِيلَ: في قَوْمٍ عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ؛ فَصَلَّوْا إلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ؛ فَلَمّا أصْبَحُوا تَبَيَّنُوا خَطَأهُمْ؛ وعَلى هَذا لَوْ أخْطَأ المُجْتَهِدُ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ الخَطَأُ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّدارُكُ؛ وقِيلَ: هي تَوْطِئَةٌ لَنَسْخِ القِبْلَةِ؛ وتَنْزِيهٌ لِلْمَعْبُودِ عَنْ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ.
البقرة 2:116
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾: حِكايَةٌ لِطَرَفٍ آخَرَ مِن مَقالاتِهِمُ الباطِلَةِ المَحْكِيَّةِ فِيما سَلَفَ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالَتِ﴾؛ إلَخْ.. لا عَلى صِلَةِ "مَن"؛ لِما بَيْنَهُما مِنَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ الأجْنَبِيَّةِ؛ والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ؛ والنَّصارى؛ ومَن شارَكَهم فِيما قالُوا مِنَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؛ وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ نَزَلَتْ حِينَ قالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ والنَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ ومُشْرِكُو العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. والِاتِّخاذُ: إمّا بِمَعْنى "الصُّنْعُ"؛ و"العَمَلُ"؛ فَلا يَتَعَدّى إلّا إلى واحِدٍ؛ وإمّا بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ والمَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: صَيَّرَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِهِ ولَدًا؛ ﴿سُبْحانَهُ﴾: تَنْزِيهٌ؛ وتَبْرِئَةٌ لَهُ (تَعالى) عَمّا قالُوا؛ و"سُبْحانَ": عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ؛ كَـ "عُثْمانَ"؛ لِلرَّجُلِ؛ وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ؛ أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُهُ تَنْزِيهًا لائِقًا بِهِ؛ وفِيهِ مِنَ التَّنْزِيهِ البَلِيغِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِن "السَّبْحُ"؛ الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ؛ ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ؛ ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً؛ لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ؛ ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ؛ كَـ "غُفْرانَ"؛ بِمَعْنى "التَّنَزُّهُ"؛ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا حَقِيقًا بِهِ؛ فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إسْنادُ البَراءَةِ إلى الذّاتِ المُقَدَّسَةِ؛ وإنْ كانَ التَّنْزِيهُ اعْتِقادَ نَزاهَتِهِ (تَعالى) عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ لا إثْباتَها لَهُ (تَعالى)؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾: رَدٌّ لِما زَعَمُوا؛ وتَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِهِ؛ وكَلِمَةُ "بَلْ": لِلْإضْرابِ عَمّا يَقْتَضِيهِ مَقالَتُهُمُ الباطِلَةُ مِن مُجانَسَتِهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - لِشَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ؛ ومِن سُرْعَةِ فَنائِهِ المُحْوِجَةِ إلى اتِّخاذِ ما يَقُومُ مَقامَهُ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإمْكانِ والفَناءِ لا يُوجِبُ ذَلِكَ؛ ألا يُرى أنَّ الأجْرامَ الفَلَكِيَّةَ؛ مَعَ إمْكانِها وفَنائِها بِالآخِرَةِ؛ مُسْتَغْنِيَةٌ (p-151)بِدَوامِها؛ وطُولِ بَقائِها عَمّا يَجْرِي مُجْرى الوَلَدِ مِنَ الحَيَوانِ؛ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا؛ بَلْ هو خالِقُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عُزَيْرٌ؛ والمَسِيحُ؛ والمَلائِكَةُ؛ ﴿كُلٌّ﴾: التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ؛ أيْ كُلُّ ما فِيهِما - كائِنًا ما كانَ - مِن أُولِي العِلْمِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ ﴿لَهُ قانِتُونَ﴾؛ مُنْقادُونَ؛ لا يَسْتَعْصِي شَيْءٌ مِنهم عَلى تَكْوِينِهِ؛ وتَقْدِيرِهِ؛ ومَشِيئَتِهِ؛ ومَن كانَ هَذا شَأْنُهُ لَمْ يُتَصَوَّرْ مُجانَسَتُهُ لِشَيْءٍ؛ ومِن حَقِّ الوَلَدِ أنْ يَكُونَ مِن جِنْسِ الوالِدِ؛ وإنَّما جِيءَ بِـ "ما" المُخْتَصَّةِ بِغَيْرِ أُولِي العِلْمِ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ؛ وإيذانًا بِكَمالِ بُعْدِهِمْ عَمّا نَسَبُوا إلى بَعْضٍ مِنهم. وصِيغَةُ جَمْعِ العُقَلاءِ في "قانِتُونَ"؛ لِلتَّغْلِيبِ؛ أوْ: كُلُّ مَن جَعَلُوهُ لِلَّهِ (تَعالى) ولَدًا لَهُ قانِتُونَ؛ أيْ: مُطِيعُونَ؛ عابِدُونَ لَهُ؛ مُعْتَرِفُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ (تَعالى)؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ .
البقرة 2:117
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ: مُبْدِعُهُما؛ ومُخْتَرِعُهُما بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ؛ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ؛ فَإنَّ البَدِيعَ - كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْتَدِعِ - يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ؛ نَصَّ عَلَيْهِ أساطِينُ أهْلِ اللُّغَةِ؛ وقَدْ جاءَ "بَدَعَهُ"؛ كَـ "مَنَعَهُ"؛ بِمَعْنى أنْشَأهُ؛ كَـ "ابْتَدَعَهُ"؛ كَما ذُكِرَ في القامُوسِ؛ وغَيْرِهِ؛ ونَظِيرُهُ "السَّمِيعُ"؛ بِمَعْنى "المُسْمِعُ"؛ في قَوْلِهِ:
؎ أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗
وَقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى فاعِلِها لِلتَّخْفِيفِ؛ بَعْدَ نَصْبِهِ عَلى تَشْبِيهِها بِاسْمِ الفاعِلِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ أيْ: بَدِيعُ سَمَواتِهِ؛ مِن "بَدَعَ"؛ إذا كانَ عَلى شَكْلٍ فائِقٍ؛ وحُسْنٍ رائِقٍ؛ وهو حُجَّةٌ أُخْرى لِإبْطالِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ؛ تَقْرِيرُها أنَّ الوالِدَ عُنْصُرُ الوَلَدِ؛ المُنْفَعِلُ بِانْفِصال مادَّتِهِ عَنْهُ؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - مُبْدِعُ الأشْياءِ كُلِّها؛ عَلى الإطْلاقِ؛ مُنَزَّهٌ عَنْ الِانْفِعالِ؛ فَلا يَكُونُ والِدًا. ورَفْعُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو بَدِيعُ.. إلَخْ.. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى المَدْحِ؛ وبِالجَرِّ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُ"؛ عَلى رَأْيِ مَن يَجُوِّزُ الإبْدالَ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
...
؎ عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ
﴿وَإذا قَضى أمْرًا﴾: أيْ: أرادَ شَيْئًا؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا﴾؛ وأصْلُ "القَضاءُ": "الإحْكامُ"؛ أُطْلِقَ عَلى الإرادَةِ الإلَهِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ لِإيجابِها إيّاهُ البَتَّةَ؛ وقِيلَ: "الأمْرُ"؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَقَضى رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ..
﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾: كِلاهُما مِن "الكَوْنُ التّامُّ"؛ أيْ: "احْدُثْ؛ فَيَحْدُثُ"؛ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ حَقِيقَةَ الأمْرِ؛ والِامْتِثالِ؛ وإنَّما هو تَمْثِيلٌ لِسُهُولَةِ تَأتِّي المَقْدُوراتِ بِحَسَبِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ (تَعالى)؛ وتَصْوِيرٌ لِسُرْعَةِ حُدُوثِها؛ بِما هو عَلَمٌ في البابِ؛ مِن طاعَةِ المَأْمُورِ؛ المُطِيعِ لِلْآمِرِ المُطاعِ؛ وفِيهِ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى الإبْداعِ؛ وتَلْوِيحٌ لِحُجَّةٍ أُخْرى لِإبْطالِ ما زَعَمُوهُ؛ بِأنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ شَأْنُ مَن يَفْتَقِرُ في تَحْصِيلِ مُرادِهِ إلى مَبادٍ يَسْتَدْعِي تَرْتِيبُها مُرُورَ زَمانٍ؛ وتَبَدُّلَ أطْوارٍ؛ وفِعْلُهُ (تَعالى) مُتَعالٍ عَنْ ذَلِكَ.
البقرة 2:118
﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾: حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن قَبائِحِهِمْ؛ وهو قَدْحُهم في أمْرِ النُّبُوَّةِ؛ بَعْدَ حِكايَةِ قَدْحِهِمْ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى -؛ واخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القائِلِينَ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: اليَهُودُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النَّصارى. ووَصْفُهم بِعَدَمِ العِلْمِ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِالتَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ كَما يَنْبَغِي؛ أوْ لِعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِمُوجِبِ عَمَلِهِمْ؛ أوْ لِأنَّ ما يُحْكى عَنْهم لا يَصْدُرُ عَمَّنْ لَهُ شائِبَةُ عِلْمٍ أصْلًا؛ وقالَ قَتادَةُ؛ (p-152)وَأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾؛ وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ .
﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾: أيْ: هَلّا يُكَلِّمُنا؛ بِلا واسِطَةٍ؛ أمْرًا؛ أوْ نَهْيًا؛ كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ؛ أوْ: هَلّا يُكَلِّمُنا تَنْصِيصًا عَلى نُبُوَّتِكَ؛ ﴿أوْ تَأْتِينا آيَةٌ﴾: حُجَّةٌ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ؛ بَلَغُوا مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ إلى حَيْثُ أمَّلُوا نَيْلَ مَرْتَبَةِ المُفاوَضَةِ الإلَهِيَّةِ مِن غَيْرِ تَوَسُّطِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والمَلَكِ؛ ومِنَ العِنادِ والمُكابَرَةِ إلى حَيْثُ لَمْ يَعُدُّوا ما آتاهم مِنَ البَيِّناتِ الباهِرَةِ؛ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ؛ مِن قَبِيلِ الآياتِ؛ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ الشَّنِيعِ؛ الصّادِرِ عَنِ العِنادِ والفَسادِ؛ ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ ﴿مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾؛ هَذا الباطِلِ الشَّنِيعِ؛ فَقالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾؛ وقالُوا: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾؛ الآيَةَ.. وقالُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ إلَخْ.. وقالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾؛ إلَخْ..
﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: أيْ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ؛ وأُولَئِكَ؛ في العَمى؛ والعِنادِ؛ وإلّا لَما تَشابَهَتْ أقاوِيلُهُمُ الباطِلَةُ؛ ﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ﴾: أيْ: نَزَّلْناها بَيِّنَةً؛ بِأنْ جَعَلْناها كَذَلِكَ في أنْفُسِها؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ؛ وكَبَّرَ الفِيلَ"؛ لا أنّا بَيَّنّاها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةً؛ ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾: أيْ: يَطْلُبُونَ اليَقِينَ؛ ويُوقِنُونَ بِالحَقائِقِ؛ لا يَعْتَرِيهِمْ شُبْهَةٌ؛ ولا رِيبَةٌ؛ وهَذا رَدٌّ لِطَلَبِهِمُ الآيَةَ؛ وفي تَعْرِيفِ الآياتِ؛ وجَمْعِها؛ وإيرادِ التَّبْيِينِ المُفْصِحِ عَنْ كَمالِ التَّوْضِيحِ؛ مَكانَ الإتْيانِ؛ الَّذِي طَلَبُوهُ؛ ما لا يَخْفى مِنَ الجَزالَةِ؛ والمَعْنى أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا آيَةً فَذَّةً؛ ونَحْنُ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ العِظامَ لِقَوْمٍ يَطْلُبُونَ الحَقَّ؛ واليَقِينَ؛ وإنَّما لَمْ يُتَعَرَّضْ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾؛ إيذانًا بِأنَّهُ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ؛ بِحَيْثُ لا حاجَةَ لَهُ إلى الرَّدِّ والجَوابِ.
البقرة 2:119
﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾: أيْ: مُلْتَبِسًا بِالقرآن؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾؛ أوْ بِالصِّدْقِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أحَقٌّ هُوَ﴾ . وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾: حالٌ مِنَ المَفْعُولِ؛ بِاعْتِبارِ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الأُولى؛ أيْ: أرْسَلْناكَ مُلْتَبِسًا بِالقرآن حالَ كَوْنِكَ بَشِيرًا لِمَن آمَنَ بِما أُنْزِلَ عَلَيْكَ؛ وعَمِلَ بِهِ؛ ونَذِيرًا لِمَن كَفَرَ بِهِ؛ أوْ: أرْسَلْناكَ صادِقًا حالَ كَوْنِكَ بَشِيرًا لِمَن صَدَّقَكَ بِالثَّوابِ؛ ونَذِيرًا لِمَن كَذَّبَكَ بِالعَذابِ؛ لِيَخْتارُوا لِأنْفُسِهِمْ ما أحَبُّوا؛ لا قاسِرَ لَهم عَلى الإيمانِ؛ فَلا عَلَيْكَ إنْ أصَرُّوا وكابَرُوا؛ ﴿وَلا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجحيم﴾: ما لَهم لَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَما بَلَّغْتَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ؟ وقُرِئَ: "لَنْ تُسْألَ"؛ و"ما تُسْألُ"؛ وقُرِئَ: "لا تَسْألْ"؛ عَلى صِيغَةِ النَّهْيِ؛ إيذانًا بِكَمالِ شِدَّةِ عُقُوبَةِ الكُفّارِ؛ وتَهْوِيلًا لَها؛ كَأنَّها لِغايَةِ فَظاعَتِها لا يَقْدِرُ المُخْبِرُ عَلى إجْرائِها عَلى لِسانِهِ؛ أوْ لا يَسْتَطِيعُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَ خَبَرَها؛ وحَمْلُهُ عَلى نَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ السُّؤالِ عَنْ حالِ أبَوَيْهِ مِمّا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ و"الجحيم": المُتَأجِّجُ مِنَ النّارِ؛ وفي التَّعْبِيرِ عَنْهم بِصاحِبِيَّةِ الجحيم؛ دُونَ الكُفْرِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ ونَحْوِهِما؛ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهُمْ؛ وإيذانٌ بِأنَّهم مَطْبُوعٌ عَلَيْهِمْ؛ لا يُرْجى مِنهُمُ الإيمانُ قَطْعًا؛ .
البقرة 2:120
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾: بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ شَكِيمَةِ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ خاصَّةً؛ إثْرَ بَيانِ ما يَعُمُّهُما؛ والمُشْرِكِينَ؛ مِنَ الإصْرارِ عَلى ما هم عَلَيْهِ إلى المَوْتِ. وإيرادُ "لا" (p-153)النّافِيَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ؛ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ لِما مَرَّ مِن أنَّ تَصَلُّبَ اليَهُودِ في أمْثالِ هَذِهِ العَظائِمِ أشَدُّ مِنَ النَّصارى؛ والإشْعارِ بِأنَّ رِضا كُلٍّ مِنهُما مُبايِنٌ لِرِضا الأُخْرى؛ أيْ: لَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ؛ ولَوْ خَلَّيْتَهم وشَأْنَهُمْ؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ ولا النَّصارى؛ ولَوْ تَرَكْتَهم ودِينَهُمْ؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ؛ فَأُوجِزَ النَّظْمُ ثِقَةً بِظُهُورِ المُرادِ؛ وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في إقْناطِهِ ﷺ مِن إسْلامِهِمْ ما لا غايَةَ وراءَهُ؛ فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولَوْ خَلّاهم يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ؛ بَلْ أمَلُّوا مِنهُ ﷺ ما لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الإمْكانِ؛ مِنَ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمِلَّتِهِمْ؛ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ اتِّباعُهم لِمِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهَذِهِ حالَتُهم في أنْفُسِهِمْ؛ ومَقالَتُهم فِيما بَيْنَهُمْ؟ وأمّا أنَّهم أظْهَرُوها لِلنَّبِيِّ ﷺ وشافَهُوهُ بِذَلِكَ؛ وقالُوا: لَنْ نَرْضى عَنْكَ؛ وإنْ بالَغْتَ في طَلَبِ رِضانا؛ حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَنا؛ كَما قِيلَ؛ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ بَلْ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى خِلافِهِ؛ فَإنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾؛ صَرِيحٌ في أنَّ ما وقَعَ هَذا جَوابًا عَنْهُ لَيْسَ عَيْنَ تِلْكَ العِبارَةِ؛ بَلْ ما يَسْتَلْزِمُ مَضْمُونَها؛ أوْ يَلْزَمُهُ مِنَ الدَّعْوَةِ إلى اليَهُودِيَّةِ؛ والنَّصْرانِيَّةِ؛ وادِّعاءِ أنَّ الِاهْتِداءَ فِيهِما كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ - حِكايَةً عَنْهم -: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾؛ أيْ: قُلْ - رَدًّا عَلَيْهِمْ -: إنَّ هُدى اللَّهِ؛ الَّذِي هو الإسْلامُ؛ هو الهُدى بِالحَقِّ؛ والَّذِي يَحِقُّ ويَصِحُّ أنْ يُسَمّى هُدًى؛ وهو الهُدى كُلُّهُ؛ لَيْسَ وراءَهُ هُدًى؛ وما تَدْعُونَ إلَيْهِ لَيْسَ بِهُدًى؛ بَلْ هو هَوًى؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾؛ أيْ: آراءَهُمُ الزّائِغَةَ؛ الصّادِرَةَ عَنْهم بِقَضِيَّةِ شَهَواتِ أنْفُسِهِمْ؛ وهي الَّتِي عُبِّرَ عَنْها فِيما قَبْلُ بِـ "مِلَّتَهُمْ"؛ إذْ هي الَّتِي يَنْتَمُونَ إلَيْها؛ وأمّا ما شَرَعَهُ اللَّهُ (تَعالى) لَهم مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو المَعْنى الحَقِيقِيُّ لِلْمِلَّةِ؛ فَقَدْ غَيَّرُوها تَغْيِيرًا؛ ﴿بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾؛ أيْ: الوَحْيِ؛ أوْ: الدِّينِ المَعْلُومِ صِحَّتُهُ؛ ﴿ما لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾: مِن جِهَتِهِ العَزِيزَةِ؛ ﴿مِن ولِيٍّ﴾؛ يَلِي أمْرَكَ عُمُومًا؛ ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾؛ يَدْفَعُ عَنْكَ عِقابَهُ؛ وحَيْثُ لَمْ يَسْتَلْزِمْ نَفْيُ الوَلِيِّ نَفْيَ النَّصِيرِ؛ وُسِّطَ "لا" بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ؛ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ وهَذا بابُ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ؛ وإلّا فَأنّى يُتَوَهَّمُ إمْكانُ اتِّباعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمِلَّتِهِمْ؟ وهو جَوابٌ لِلْقَسَمِ الَّذِي وطَّأهُ اللّامُ؛ واكْتُفِيَ بِهِ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ.
البقرة 2:121
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾؛ هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ؛ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ؛ وأضْرابِهِ؛ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾؛ بِمُراعاةِ لَفْظِهِ عَنِ التَّحْرِيفِ؛ وبِالتَّدَبُّرِ في مَعانِيهِ؛ والعَمَلِ بِما فِيهِ؛ وهو حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ؛ أوْ خَبَرٌ؛ وما بَعْدَهُ مُقَرِّرٌ لَهُ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِإيتاءِ الكِتابِ؛ وتِلاوَتِهِ؛ كَما هو حَقُّهُ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِكِتابِهِمْ؛ دُونَ المُحَرِّفِينَ؛ فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإيمانِ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُجامِعُ الكُفْرَ بِبَعْضٍ مِنهُ؛ ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ﴾؛ بِالتَّحْرِيفِ؛ والكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ؛ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾؛ حَيْثُ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ.
البقرة 2:122
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾؛ ومِن جُمْلَتِها التَّوْراةُ؛ وذِكْرُ النِّعْمَةِ إنَّما (p-154)يَكُونُ بِشُكْرِها؛ وشُكْرُها الإيمانُ بِجَمِيعِ ما فِيها؛ ومِن جُمْلَتِهِ نَعْتُ النَّبِيِّ ﷺ؛ ومِن ضَرُورَةِ الإيمانِ بِها الإيمانُ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ ﴿وَأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾؛ أُفْرِدَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ بِالذِّكْرِ؛ مَعَ كَوْنِها مُنْدَرِجَةً تَحْتَ النِّعْمَةِ السّالِفَةِ؛ لِإنافَتِها فِيما بَيْنَ فُنُونِ النِّعَمِ.
البقرة 2:123
﴿واتَّقُوا﴾؛ إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا؛ ﴿يَوْمًا لا تَجْزِي﴾؛ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ ﴿نَفْسٌ﴾؛ مِنَ النُّفُوسِ؛ ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾؛ أُخْرى؛؛ ﴿شَيْئًا﴾؛ مِنَ الأشْياءِ؛ أوْ شَيْئًا مِنَ الجَزاءِ؛ ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾؛ أيْ: فِدْيَةٌ؛ ﴿وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾؛ وتَخْصِيصُهم بِتَكْرِيرِ التَّذْكِيرِ؛ وإعادَةِ التَّحْذِيرِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ؛ والمَقْصُودُ مِنَ القِصَّةِ؛ لِما أنَّ نِعَمَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ أعْظَمُ؛ وكُفْرُهم بِها أشَدُّ وأقْبَحُ.
البقرة 2:124
﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾: شُرُوعٌ في تَحْقِيقِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ الَّذِي هو مِلَّةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنَّ ما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابَيْنِ أهْواءٌ زائِغَةٌ؛ وأنَّ ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فِرْيَةٌ بِلا مِرْيَةٍ؛ بِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْ إبْراهِيمَ؛ وأبْنائِهِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِنَ الأقاوِيلِ؛ والأفاعِيلِ النّاطِقَةِ بِحَقِّيَّةِ التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ وبُطْلانِ الشِّرْكِ؛ وبِصِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وبِكَوْنِهِ ذَلِكَ النَّبِيَّ الَّذِي اسْتَدْعاهُ إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ بِقَوْلِهِما: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾؛ الآيَةِ.. فَـ "إذْ" مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ؛ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ ابْتِلائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِيَتَذَكَّرُوا بِما وقَعَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى التَّوْحِيدِ؛ الوازِعَةِ عَنِ الشِّرْكِ؛ فَيَقْبَلُوا الحَقَّ؛ ويَتْرُكُوا ما هم فِيهِ مِنَ الباطِلِ. وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ؛ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ؛ مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ في أثْناءِ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾؛ وقِيلَ: عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ؛ أيْ: وإذِ ابْتَلاهُ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ؛ وقِيلَ: بِما سَيَجِيءُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): قالَ؛ إلَخْ.. والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ؛ ولا يَبْعُدُ أنْ يَنْتَصِبَ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى "اذْكُرُوا"؛ خُوطِبَ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ؛ لِيَتَأمَّلُوا فِيما يُحْكى عَمَّنْ يَنْتَمُونَ إلى مَلَّتِهِ مِن إبْراهِيمَ؛ وأبْنائِهِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ فَيَقْتَدُوا بِهِمْ؛ ويَسِيرُوا سِيرَتَهم. والِابْتِلاءُ؛ في الأصْلِ: الِاخْتِبارُ؛ أيْ: تَطَلُّبُ الخِبْرَةِ بِحالِ المُخْتَبَرِ؛ بِتَعْرِيضِهِ لِأمْرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ غالِبًا فِعْلُهُ؛ أوْ تَرْكُهُ؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ حَقِيقَةً مِمَّنْ لا وُقُوفَ لَهُ عَلى عَواقِبِ الأُمُورِ؛ وأمّا مِنَ العَلِيمِ الخَبِيرِ فَلا يَكُونُ إلّا مَجازًا؛ مِن تَمْكِينِهِ لِلْعَبْدِ مِنَ اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ؛ قَبْلَ أنْ يُرَتِّبَ عَلَيْهِ شَيْئًا هو مِن مَبادِيهِ العادِيَّةِ؛ كَمَن يَخْتَبِرُ عَبْدَهُ لِيَتَعَرَّفَ حالَهُ مِنَ الكِياسَةِ؛ فَيَأْمُرُهُ بِما يَلِيقُ بِحالِهِ مِن مَصالِحِهِ. و"إبْراهِيمَ": اسْمٌ أعْجَمِيٌّ؛ قالَ السُّهَيْلِيُّ: كَثِيرًا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ؛ أوِ التَّقارُبُ بَيْنَ (p-155)السُّرْيانِيِّ؛ والعَرَبِيِّ؛ ألا يُرى أنَّ "إبْراهِيمَ" تَفْسِيرُهُ: أبٌ راحِمٌ؛ ولِذَلِكَ جُعِلَ هو وزَوْجَتُهُ سارَةُ كافِلَيْنِ لِأطْفالِ المُؤْمِنِينَ؛ الَّذِينَ يَمُوتُونَ صِغارًا؛ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ عَلى ما رَوى البُخارِيُّ؛ في حَدِيثِ الرُّؤْيا؛ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في الرَّوْضَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وحَوْلَهُ أوْلادُ النّاسِ.» وهو مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ لِإضافَةِ فاعِلِهِ إلى ضَمِيرِهِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية تَشْرِيفٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ تَرْبِيَةٌ لَهُ؛ وتَرْشِيحٌ لِأمْرٍ خَطِيرٍ؛ والمَعْنى: عامَلَهُ - سُبْحانَهُ - مُعامَلَةَ المُخْتَبَرِ؛ حَيْثُ كَلَّفَهُ أوامِرَ ونَواهِيَ يَظْهَرُ بِحُسْنِ قِيامِهِ بِحُقُوقِها قدرته عَلى الخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الإمامَةِ العُظْمى؛ وتَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ. وهَذِهِ المُعامَلَةُ وتَذْكِيرُها لِلنّاسِ لِإرْشادِهِمْ إلى طَرِيقِ إتْقانِ الأُمُورِ؛ بِبِنائِها عَلى التَّجْرِبَةِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ بِعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ أيْضًا مَبْنِيَّةٌ عَلى تِلْكَ القاعِدَةِ الرَّصِينَةِ؛ واقِعَةٌ بَعْدَ ظُهُورِ اسْتِحْقاقِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنُّبُوَّةِ العامَّةِ؛ كَيْفَ لا.. وهي الَّتِي أُجِيبَ بِها دَعْوَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَما سَيَأْتِي؛ واخْتُلِفَ في الكَلِماتِ؛ فَقالَ مُجاهِدٌ: هي المَذْكُورَةُ بَعْدَها؛ ورُدَّ بِأنَّهُ يَأْباهُ الفاءُ في "فَأتَمَّهُنَّ"؛ ثُمَّ الِاسْتِئْنافُ؛ وقالَ طاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: هي عَشْرُ خِصالٍ؛ كانَتْ فَرْضًا في شَرْعِهِ؛ وهُنَّ سُنَّةٌ في شَرْعِنا: خَمْسٌ في الرَّأْسِ: المَضْمَضَةُ؛ والِاسْتِنْشاقُ؛ وفَرْقُ الرَّأْسِ؛ وقَصُّ الشّارِبِ؛ والسِّواكُ؛ وخَمْسٌ في البَدَنِ: الخِتانُ؛ وحَلْقُ العانَةِ؛ ونَتْفُ الإبِطِ؛ وتَقْلِيمُ الأظْفارِ؛ والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ. وفي الخَبَرِ أنَّ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوَّلُ مَن قَصَّ الشّارِبَ؛ وأوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ؛ وأوَّلُ مَن قَلَّمَ الأظْفارَ؛ وقالَ عِكْرِمَةُ: عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يُبْتَلَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ؛ فَأقامَهُ كُلَّهُ؛ إلّا إبْراهِيمَ؛ ابْتَلاهُ اللَّهُ (تَعالى) بِثَلاثِينَ خَصْلَةً مِن خِصالِ الإسْلامِ؛ عَشْرٌ مِنها في سُورَةِ "بَراءَةَ": ﴿التّائِبُونَ﴾؛ إلَخْ.. وعَشْرٌ في "الأحْزابِ": ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾؛ إلَخْ.. وعَشْرٌ في "المُؤْمِنُونَ": و"سَألَ سائِلٌ"؛ إلى قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ . وقِيلَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِسَبْعَةِ أشْياءَ؛ بِالشَّمْسِ؛ والقَمَرِ؛ والنُّجُومِ؛ والِاخْتِتانِ عَلى الكِبَرِ؛ والنّارِ؛ وذَبْحِ الوَلَدِ؛ والهِجْرَةِ؛ فَوَفّى بِالكُلِّ؛ وقِيلَ: هُنَّ مُحاجَّتُهُ قَوْمَهُ؛ والصَّلاةُ؛ والزَّكاةُ؛ والصَّوْمُ؛ والضِّيافَةُ؛ والصَّبْرُ عَلَيْها؛ وقِيلَ: هي مَناسِكُ؛ كالطَّوافِ؛ والسَّعْيِ؛ والرَّمْيِ؛ والإحْرامِ؛ والتَّعْرِيفِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ وقِيلَ: هي قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ .. الآياتُ؛ ثُمَّ قِيلَ: إنَّما وقَعَ هَذا الِابْتِلاءُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ؛ وهو الظّاهِرُ؛ وقِيلَ: بَعْدَها؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي سابِقَةَ الوَحْيِ؛ وأُجِيبَ بِأنَّ مُطْلَقَ الوَحْيِ لا يَسْتَلْزِمُ البِعْثَةَ إلى الخَلْقِ؛ وقُرِئَ بِرَفْعِ "إبْراهِيمَ"؛ ونَصْبِ "رَبُّهُ"؛ أيْ: دَعاهُ بِكَلِماتٍ مِنَ الدُّعاءِ؛ فِعْلَ المُخْتَبِرِ هَلْ يُجِيبُهُ إلَيْهِنَّ؛ أوْ لا؛ ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾؛ أيْ: قامَ بِهِنَّ حَقَّ القِيامِ؛ وأدّاهُنَّ أحْسَنَ التَّأْدِيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَفْرِيطٍ؛ وتَوانٍ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾؛ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ: فَأعْطاهُ اللَّهُ (تَعالى) ما سَألَهُ مِن غَيْرِ نَقْصٍ؛ ويُعَضِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّهُ فَسَّرَ الكَلِماتِ بِما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ﴾ .. الآياتِ.. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: قالَ: عَلى تَقْدِيرِ انْتِصابِ "إذْ" بِمُضْمَرٍ: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ؛ نَشَأ مِنَ الكَلامِ؛ فَإنَّ الِابْتِلاءَ تَمْهِيدٌ لِأمْرٍ مُعَظَّمٍ؛ وظُهُورُ فَضِيلَةِ المُبْتَلى مِن دَواعِي الإحْسانِ إلَيْهِ؛ فَبَعْدَ حِكايَتِهِما تَتَرَقَّبُ النَّفْسُ إلى ما وقَعَ بَعْدَهُما؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾؛ أوْ بَيانٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ابْتَلى﴾؛ عَلى رَأْيِ مَن جَعَلَ الكَلِماتِ عِبارَةً عَمّا ذُكِرَ أثَرُهُ؛ مِنَ الإمامَةِ؛ وتَطْهِيرِ البَيْتِ؛ ورَفْعِ قَواعِدِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وعَلى تَقْدِيرِ انْتِصابِ "إذْ" بِـ "قالَ"؛ فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ؛ والواوُ في المَعْنى داخِلَةٌ عَلى "قالَ"؛ أيْ: "وَقالَ ابْتَلى".. إلَخْ.. والجَعْلُ: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أحَدُ مَفْعُولَيْهِ الضَّمِيرُ؛ والثّانِي: "إمامًا"؛ واسْمُ الفاعِلِ بِمَعْنى المُضارِعِ؛ وأوْكَدُ مِنهُ لِدَلالَتِهِ عَلى أنَّهُ جاعِلٌ (p-156)
لَهُ البَتَّةَ؛ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ؛ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ؛ و"لِلنّاسِ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "جاعِلُكَ"؛ أيْ: لِأجْلِ النّاسِ؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "إمامًا"؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ والإمامُ: اسْمٌ لِمَن يُؤْتَمُّ بِهِ؛ وكُلُّ نَبِيٍّ إمامٌ لِأُمَّتِهِ؛ وإمامَتُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عامَّةٌ؛ مُؤَبَّدَةٌ؛ إذْ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَهُ نَبِيٌّ إلّا كانَ مِن ذُرِّيَّتِهِ؛ مَأْمُورًا بِاتِّباعِ مِلَّتِهِ.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَهُ؟ فَقِيلَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾: عَطْفٌ عَلى الكافِ؛ و"مِن": تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "جاعِلُ"؛ أيْ: وجاعِلُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِي؟ كَما تَقُولُ: وزَيْدًا؟ لِمَن يَقُولُ: "سَأُكْرِمُكَ"؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: واجْعَلْ فَرِيقًا مِن ذُرِّيَّتِي إمامًا؛ وتَخْصِيصُ البَعْضِ بِذَلِكَ لِبَداهَةِ اسْتِحالَةِ إمامَةِ الكُلِّ؛ وإنْ كانُوا عَلى الحَقِّ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وماذا يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِي؟ والذُّرِّيَّةُ: نَسْلُ الرَّجُلِ؛ "فُعُولَةٌ" مِن "ذَرَوْتُ"؛ أوْ "ذَرَيْتُ"؛ والأصْلُ: "ذُرُووَةٌ"؛ أوْ: "ذُرِّوْيَةٌ"؛ فاجْتَمَعَ في الأُولى واوانِ؛ زائِدَةٌ؛ وأصْلِيَّةٌ؛ فَقُلِبَتِ الأصْلِيَّةُ ياءً؛ فَصارَتْ كالثّانِيَةِ؛ فاجْتَمَعَتْ واوٌ وياءٌ؛ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ؛ فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً؛ وأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ؛ فَصارَتْ "ذَرِّيَّةً"؛ أوْ "فُعَيْلَةٌ"؛ مِنهُما؛ والأصْلُ في الأُولى "ذُرَيْوَةٌ"؛ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِما سَبَقَ؛ مِنَ اجْتِماعِهِما؛ وسَبْقِ إحْداهُما بِالسُّكُونِ؛ فَصارَتْ "ذُرِّيْيَةٌ" كالثّانِيَةِ؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في مِثْلِها؛ فَصارَتْ "ذُرِّيَّةٌ" أوْ "فِعِّيلَةٌ" مِن "الذَّرْءُ"؛ بِمَعْنى "الخَلْقُ"؛ والأصْلُ "ذِرِّيئَةٌ"؛ فَخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً؛ كَهَمْزَةِ "خَطِيئَةٌ"؛ ثُمَّ أُدْغِمَتِ الياءُ الزّائِدَةُ في المُبْدَلَةِ؛ أوْ "فِعِّيْلَةٌ"؛ مِن "الذَّرُّ"؛ بِمَعْنى "التَّفْرِيقُ"؛ والأصْلُ: "ذِرِّيرَةٌ"؛ قَلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً لِتَوالِي الأمْثالِ؛ كَما في "تَسَرِّي"؛ و"تَقَضِّي"؛ و"تَظَنِّي"؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الياءِ؛ كَما مَرَّ؛ أوْ "فَعُولَةٌ" مِنهُ؛ والأصْلُ: "ذَرُورَةٌ"؛ فَقُلِبَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً؛ فَجاءَ الإدْغامُ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الذّالِ؛ وهي لُغَةٌ فِيها؛ وقَرَأ أبُو جَعْفَرَ المَدَنِيُّ؛ بِالفَتْحِ؛ وهي أيْضًا لُغَةٌ فِيها.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ؛ كَما سَبَقَ؛ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾: لَيْسَ هَذا رَدًّا لِدَعْوَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بَلْ إجابَةٌ خَفِيَّةٌ لَها؛ وعِدَةٌ إجْمالِيَّةٌ مِنهُ (تَعالى) بِتَشْرِيفِ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنَيْلِ عَهْدِ الإمامَةِ؛ حَسْبَما وقَعَ في اسْتِدْعائِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لَهم بِوَصْفٍ مُمَيِّزٍ لَهم عَنْ جَمِيعِ مَن عَداهُمْ؛ فَإنَّ التَّنْصِيصَ عَلى حِرْمانِ الظّالِمِينَ مِنهُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ التَّمْيِيزِ؛ إذْ لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ يَنالُ كُلَّ مَن لَيْسَ بِظالِمٍ مِنهُمْ؛ ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ ذَلِكَ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ ولَعَلَّ إيثارَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ عَلى تَعْيِينِ الجامِعِينَ لِمَبادِئِ الإمامَةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ إجْمالًا؛ أوْ تَفْصِيلًا؛ وإرْسالِ الباقِينَ؛ لِئَلّا يَنْتَظِمَ المُقْتَدُونَ بِالأئِمَّةِ مِنَ الأُمَّةِ في سِلْكِ المَحْرُومِينَ؛ وفي تَفْصِيلِ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنَ الإطْنابِ ما لا يَخْفى؛ مَعَ ما في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِن تَخْيِيبِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ النُّبُوَّةَ؛ وقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ مِن نَيْلِها؛ وإنَّما أُوثِرَ النَّيْلُ عَلى الجَعْلِ إيماءً إلى أنَّ إمامَةَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِن ذُرِّيَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَإسْماعِيلَ؛ وإسْحاقَ؛ ويَعْقُوبَ؛ ويُوسُفَ؛ ومُوسى؛ وهارُونَ؛ وداوُدَ؛ وسُلَيْمانَ؛ وأيُّوبَ؛ ويُونُسَ؛ وزَكَرِيّا؛ ويَحْيى؛ وعِيسى؛ وسَيِّدِنا مُحَمَّدٍ - ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيرًا -؛ لَيْسَتْ بِجَعْلٍ مُسْتَقِلٍّ؛ بَلْ هي حاصِلَةٌ في ضِمْنِ إمامَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنالُ كُلًّا مِنهم في وقْتٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "الظّالِمُونَ"؛ عَلى أنَّ "عَهْدِي" مَفْعُولٌ قُدِّمَ عَلى الفاعِلِ اهْتِمامًا؛ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مِنَ الكَبائِرِ؛ عَلى الإطْلاقِ؛ وعَدَمِ صَلاحِيَةِ الظّالِمِ لِلْإمامَةِ.
البقرة 2:125
وَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾: أيْ: الكَعْبَةَ المُعَظَّمَةَ؛ غَلَبَ عَلَيْها غَلَبَةَ النَّجْمِ عَلى الثُّرَيّا؛ مَعْطُوفٌ (p-157)عَلى "إذِ ابْتَلى"؛ عَلى أنَّ العامِلَ فِيهِ هو العامِلُ فِيهِ؛ أوْ مُضْمَرٌ مُسْتَقِلٌّ؛ مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ الأوَّلِ؛ والجَعْلُ: إمّا بِمَعْنى "التَّصْيِيرُ"؛ فَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثابَةً﴾؛ - أيْ: مَرْجِعًا يَثُوبُ إلَيْهِ الزُّوّارُ بَعْدَما تَفَرَّقُوا عَنْهُ؛ أوْ أمْثالُهُمْ؛ أوْ مَوْضِعَ ثَوابٍ يُثابُونَ بِحَجِّهِ واعْتِمارِهِ - مَفْعُولُهُ الثّانِي؛ وإمّا بِمَعْنى "الإبْداعُ"؛ فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ واللّامُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِلنّاسِ﴾؛ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ صِفَةً لِـ "مَثابَةً"؛ أيْ: كائِنَةً لِلنّاسِ؛ أوْ بِجَعْلِنا؛ أيْ: جَعَلْناهُ لِأجْلِ النّاسِ؛ وقُرِئَ: "مَثاباتٍ"؛ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ الثّائِبِينَ؛ ﴿وَأمْنًا﴾؛ أيْ: آمِنًا؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾؛ عَلى إيقاعِ المَصْدَرِ مَوْقِعَ اسْمِ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أوْ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: ذا أمْنٍ؛ أوْ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ؛ أيْ: آمِنًا مَن حَجَّهُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ؛ مِن حَيْثُ أنَّ الحَجَّ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ؛ أوْ: مَن دَخَلَهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لَهُ بِالعُقُوبَةِ؛ وإنْ كانَ جانِيًا؛ حَتّى يَخْرُجَ؛ عَلى ما هو رَأْيُ أبِي حَنِيفَةَ؛ ويَجُوزُ أنْ يُعْتَبَرَ الأمْنُ بِالقِياسِ إلى كُلِّ شَيْءٍ؛ كائِنًا ما كانَ؛ ويَدْخُلُ فِيهِ أمْنُ النّاسِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وقَدِ اعْتِيدَ فِيهِ أمْنُ الصَّيْدِ؛ حَتّى إنَّ الكَلْبَ كانَ يَهُمُّ بِالصَّيْدِ خارِجَ الحَرَمِ فَيَفِرُّ مِنهُ؛ وهو يَتْبَعُهُ؛ فَإذا دَخَلَ الصَّيْدُ الحَرَمَ لَمْ يَتْبَعْهُ الكَلْبُ.
﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ عَلى إرادَةِ قَوْلٍ؛ هو عَطْفٌ عَلى "جَعَلْنا"؛ أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: "وَقُلْنا"؛ أوْ: "قائِلِينَ لَهُمُ اتَّخِذُوا.."؛ إلَخْ.. وقِيلَ: هو بِنَفْسِهِ مَعْطُوفٌ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَتَضَمَّنُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "ثُوبُوا إلَيْهِ؛ واتَّخِذُوا.."؛ إلَخْ.. وقِيلَ: عَلى المُضْمَرِ العامِلِ في "إذْ"؛ وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ والخِطابُ عَلى الوُجُوهِ الأخِيرَةِ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولِأُمَّتِهِ؛ والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ والأمْرُ - صَرِيحًا كانَ؛ أوْ مَفْهُومًا مِنَ الحِكايَةِ - لِلِاسْتِحْبابِ؛ و"مِن": تَبْعِيضِيَّةٌ؛ والمَقامُ: اسْمُ مَكانٍ؛ وهو الحَجَرُ الَّذِي عَلَيْهِ أثَرُ قَدَمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والمَوْضِعُ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ حِينَ قامَ ودَعا النّاسَ إلى الحَجِّ؛ أوْ حِينَ رَفَعَ قَواعِدَ البَيْتِ؛ وهو مَوْضِعُهُ اليَوْمَ؛ والمُرادُ بِالمُصَلّى: إمّا مَوْضِعُ الصَّلاةِ؛ أوْ مَوْضِعُ الدُّعاءِ؛ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أخَذَ بِيَدِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقالَ: "هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ"؛ فَقالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَقالَ: "لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ"؛ فَلَمْ تَغِبِ الشَّمْسُ حَتّى نَزَلَتْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأمْرُ بِرَكْعَتَيِ الطَّوافِ؛ لِما رَوى جابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا فَرَغَ مِن طَوافِهِ؛ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ؛ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ؛ وقَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾؛ ولِلشّافِعِيِّ في وُجُوبِهِما قَوْلانِ؛ وقِيلَ: مَقامُ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ؛ وقِيلَ: مَواقِفُ الحَجِّ: عَرَفَةُ؛ والمُزْدَلِفَةُ؛ والجِمارُ؛ واتِّخاذُها مُصَلًّى: أنْ يُدْعى فِيها ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وقُرِئَ: "واتَّخَذُوا"؛ عَلى صِيغَةِ الماضِي؛ عَطْفًا عَلى "جَعَلْنا"؛ أيْ: "واتَّخَذَ النّاسُ مِن مَكانِ إبْراهِيمَ الَّذِي وُسِمَ بِهِ لِاهْتِمامِهِ بِهِ؛ وإسْكانِ ذُرِّيَّتِهِ عِنْدَهُ؛ قِبْلَةً يُصَلُّونَ إلَيْها".
﴿وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾؛ أيْ: أمَرْناهُما أمْرًا مُؤَكَّدًا؛ ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾؛ بِأنْ طَهِّراهُ؛ عَلى أنَّ "أنْ" المَصْدَرِيَّةَ حُذِفَ عَنْها الجارُّ حَذْفًا مُطَّرِدًا؛ لِجَوازِ كَوْنِ صِلَتِها أمْرًا ونَهْيًا؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾؛ لِأنَّ مَدارَ جَوازِ كَوْنِها فِعْلًا إنَّما هو دَلالَتُهُ عَلى المَصْدَرِ؛ وهي مُتَحَقِّقَةٌ فِيهِما؛ ووُجُوبُ كَوْنِها خَبَرِيَّةً في صِلَةِ المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ؛ وهي لا يُوصَفُ بِها إلّا إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً؛ وأمّا المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ ولَمّا كانَ الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ سَواءً؛ ساغَ وُقُوعُ الأمْرِ والنَّهْيِ صِلَةً؛ حَسَبَ وُقُوعِ الفِعْلِ؛ فَيَتَجَرَّدُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ؛ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ؛ والِاسْتِقْبالِ؛ أوْ أيْ: طَهِّراهُ؛ عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِتَضْمِينِ العَهْدِ مَعْنى القَوْلِ؛ وإضافَةُ البَيْتِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّشْرِيفِ؛ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالتَّطْهِيرِ هَهُنا إلَيْهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لا يُنافِي ما في سُورَةِ "الحَجِّ"؛ مِن تَخْصِيصِهِ بِإبْراهِيمَ (p-158)
- عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَإنَّ ذَلِكَ واقِعٌ قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾؛ وكانَ إسْماعِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَئِذٍ بِمَعْزِلٍ مِن مَثابَةِ الخِطابِ؛ وظاهِرٌ أنَّ هَذا بَعْدَ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الأمْرِ والنَّهْيِ. وتَمامُ البِناءِ بِمُباشَرَتِهِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيرادُهُ إثْرَ حِكايَةِ جَعْلِهِ مَثابَةً لِلنّاسِ.. إلَخْ.. والمُرادُ تَطْهِيرُهُ مِنَ الأوْثانِ؛ والأنْجاسِ؛ وطَوافِ الجُنُبِ؛ والحائِضِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِهِ؛ ﴿لِلطّائِفِينَ﴾؛ حَوْلَهُ؛ ﴿والعاكِفِينَ﴾؛ المُجاوِرِينَ؛ المُقِيمِينَ عِنْدَهُ؛ أوِ المُعْتَكِفِينَ؛ أوِ القائِمِينَ في الصَّلاةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ﴾؛ ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: جَمْعُ "راكِعٌ"؛ و"ساجِدٌ"؛ أيْ: لِلطّائِفِينَ؛ والمُصَلِّينَ؛ لِأنَّ القِيامَ؛ والرُّكُوعَ؛ والسُّجُودَ؛ مِن هَيْئاتِ المُصَلِّي؛ ولِتَقارُبِ الأخِيرَيْنِ ذاتًا وزَمانًا تُرِكَ العاطِفُ بَيْنَ مَوْصُوفَيْهِما؛ أوْ: "أخْلِصاهُ لِهَؤُلاءِ؛ لِئَلّا يَغْشاهُ غَيْرُهُمْ"؛ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُلابَسَةَ غَيْرِهِمْ بِهِ؛ وإنْ كانَتْ مَعَ مُقارَنَةِ أمْرٍ مُباحٍ؛ مِن قَبِيلِ تَلْوِيثِهِ وتَدْنِيسِهِ.
البقرة 2:126
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإذْ جَعَلْنا﴾؛ إلَخْ.. إمّا بِالذّاتِ؛ أوْ بِعامِلِهِ المُضْمَرِ؛ كَما مَرَّ؛ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾؛ ذا أمْنٍ؛ كَـ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾؛ أوْ: آمِنًا أهْلُهُ؛ كَـ "لَيْلَةُ نائِمٍ"؛ أيْ: اجْعَلْ هَذا الوادِيَ مِنَ البِلادِ الآمِنَةِ؛ وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ ما قَدِمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكَّةَ؛ كَما رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا أسْكَنَ إسْماعِيلَ وهاجَرَ هُناكَ؛ وعادَ مُتَوَجِّهًا إلى الشّامِ؛ تَبِعَتْهُ هاجَرُ تَقُولُ: إلى مَن تَكِلُنا في هَذا البَلْقَعِ؟ وهو لا يَرُدُّ عَلَيْهِما جَوابًا؛ حَتّى قالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ فَقالَ: نَعَمْ؛ قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنا؛ فَرَضِيَتْ؛ ومَضى؛ حَتّى إذا اسْتَوى عَلى ثَنِيَّةِ كَداءَ أقْبَلَ عَلى الوادِي فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ﴾؛ الآيَةَ.. وتَعْرِيفُ البَلَدِ؛ مَعَ جَعْلِهِ صِفَةً لِـ "هَذا"؛ في سُورَةِ "إبْراهِيمَ"؛ إنْ حُمِلَ عَلى تَعَدُّدِ السُّؤالِ؛ لِما أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَ أوَّلًا كِلا الأمْرَيْنِ: البَلَدِيَّةَ؛ والأمْنَ؛ فاسْتُجِيبَ لَهُ في أحَدِهِما؛ وتَأخَّرَ الآخَرُ إلى وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ؛ لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ؛ ثُمَّ كَرَّرَ السُّؤالَ حَسْبَما هو المُعْتادُ في الدُّعاءِ والِابْتِهالِ؛ أوْ كانَ المَسْؤُولُ أوَّلًا البَلَدِيَّةَ؛ ومُجَرَّدَ الأمْنِ المُصَحِّحِ لِلسُّكْنى؛ كَما في سائِرِ البِلادِ؛ وقَدْ أُجِيبَ إلى ذَلِكَ؛ وثانِيًا الأمْنَ المَعْهُودَ؛ أوْ كانَ هو المَسْؤُولَ أوَّلًا أيْضًا؛ وقَدْ أُجِيبَ إلَيْهِ؛ لَكِنَّ السُّؤالَ الثّانِيَ لِاسْتِدامَتِهِ. والِاقْتِصارُ عَلى سُؤالِهِ مَعَ جَعْلِ البَلَدِ صِفَةً لِهَذا؛ لِأنَّهُ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ؛ أوْ لِأنَّ المُعْتادَ في البَلَدِيَّةِ الِاسْتِمْرارُ بَعْدَ التَّحَقُّقِ؛ بِخِلافِ الأمْنِ؛ وإنْ حُمِلَ عَلى وحْدَةِ السُّؤالِ؛ وتَكَرُّرِ الحِكايَةِ - كَما هو المُتَبادَرُ - فالظّاهِرُ أنَّ المَسْؤُولَ كِلا الأمْرَيْنِ؛ وقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ هَهُنا؛ واقْتُصِرَ هُناكَ عَلى حِكايَةِ سُؤالِ الأمْنِ؛ اكْتِفاءً عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ البَلَدِيَّةِ بِحِكايَةِ سُؤالِ جَعْلِ أفْئِدَةِ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِ؛ كَما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ هُناكَ؛ بِإذْنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾؛ مِن أنْواعِها؛ بِأنْ تَجْعَلَ بِقُرْبٍ مِنهُ قُرًى يَحْصُلُ فِيها ذَلِكَ؛ أوْ يُجْبى إلَيْهِ مِنَ الأقْطارِ الشّاسِعَةِ؛ وقَدْ حَصَلَ كِلاهُما؛ حَتّى إنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيهِ الفَواكِهُ الرَّبِيعِيَّةُ؛ والصَّيْفِيَّةُ؛ والخَرِيفِيَّةُ؛ في يَوْمٍ واحِدٍ؛ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ الطّائِفَ كانَتْ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ؛ فَلَمّا دَعا إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ؛ رَفَعَها اللَّهُ (تَعالى) فَوَضَعَها حَيْثُ وضَعَها؛ رِزْقًا لِلْحَرَمِ؛ وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ (تَعالى) نَقَلَ قَرْيَةً مِن (p-159)
قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾: بَدَلٌ مِن "أهْلَهُ"؛ بَدَلَ البَعْضِ؛ خَصَّهم بِالدُّعاءِ؛ إظْهارًا لِشَرَفِ الإيمانِ؛ وإبانَةً لِخَطَرِهِ؛ واهْتِمامًا بِشَأْنِ أهْلِهِ؛ ومُراعاةً لِحُسْنِ الأدَبِ؛ وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِقَوْمِهِ في الإيمانِ؛ وزَجْرٌ عَنِ الكُفْرِ؛ كَما أنَّ في حِكايَتِهِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا لِقُرَيْشٍ؛ وغَيْرِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ.
قالَ: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَما مَرَّ مِرارًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾: عَطْفٌ عَلى مَفْعُولِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: ارْزُقْ مَن آمَنَ؛ ومَن كَفَرَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾: مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ؛ أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى) ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ خَبَرُهُ؛ أيْ: "فَأنا أُمَتِّعُهُ"؛ وإنَّما دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالشَّرْطِ. والكُفْرُ - وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا لِلتَّمْتِيعِ المُطْلَقِ - لَكِنَّهُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِتَقْلِيلِهِ؛ وكَوْنِهِ مَوْصُولًا بِعَذابِ النّارِ؛ وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "مَن آمَنَ"؛ عَطَفَ تَلْقِينٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ: وارْزُقْ مَن كَفَرَ؛ فَإنَّهُ أيْضًا مُجابٌ؛ كَأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قاسَ الرِّزْقَ عَلى الإمامَةِ؛ فَنَبَّهَهُ (تَعالى) عَلى أنَّهُ رَحْمَةٌ دُنْيَوِيَّةٌ؛ شامِلَةٌ لِلْبَرِّ؛ والفاجِرِ؛ بِخِلافِ الإمامَةِ الحاصِلَةِ بِالخَواصِّ؛ وقُرِئَ: "فَأُمْتِعُهُ"؛ مِن "أمْتَعَ"؛ وقُرِئَ: "فَنُمَتِّعُهُ؛ ﴿قَلِيلا﴾: تَمْتِيعًا قَلِيلًا؛ أوْ زَمانًا قَلِيلًا؛ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ﴾؛ أيْ: ألُزُّهُ إلَيْهِ لَزَّ المُضْطَرِّ لِكُفْرِهِ؛ وتَضْيِيعِهِ ما مَتَّعَهُ بِهِ مِنَ النِّعَمِ؛ وقُرِئَ: "ثُمَّ نَضْطَرُّهُ"؛ عَلى وفْقِ قِراءَةِ: "فَنُمَتِّعُهُ"؛ وقُرِئَ: "فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا ثُمَّ اضْطَرَّهُ"؛ بِلَفْظِ الأمْرِ فِيهِما؛ عَلى أنَّهُما مِن دُعاءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وفي "قالَ" ضَمِيرُهُ؛ وإنَّما فَصَلَهُ عَمّا قَبْلَهُ لِكَوْنِهِ دُعاءً عَلى الكَفَرَةِ؛ وتَغْيِيرُ سَبْكِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الكُفْرَ سَبَبٌ لِاضْطِرارِهِمْ إلى عَذابِ النّارِ؛ وأمّا رِزْقُ مَن آمَنَ فَإنَّما هو عَلى طَرِيقَةِ التَّفْضِيلِ؛ والإحْسانِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ؛ عَلى لُغَةِ مَن يَكْسِرُ حَرْفَ المُضارَعَةِ؛ و"أطَّرُّهُ"؛ بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ؛ وهي لُغَةٌ مَرْذُولَةٌ؛ فَإنَّ حُرُوفَ "ضُمَّ شُفْرٌ" يُدْغَمُ فِيها ما يُجاوِرُها؛ بِلا عَكْسٍ؛ ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾؛ المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: بِئْسَ المَصِيرُ النّارُ؛ أوْ عَذابُها.
البقرة 2:127
﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾؛ عَلى أحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في "وَإذْ جَعَلْنا"؛ وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها العَجِيبَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ المُعْجِزَةِ الباهِرَةِ. والقَواعِدُ: جَمْعُ "قاعِدَةٌ"؛ وهي الأساسُ؛ صِفَةٌ غالِبَةٌ مِن "القُعُودُ"؛ بِمَعْنى: "الثَّباتُ"؛ ولَعَلَّهُ مَجازٌ مِن مُقابِلْ "القِيامُ"؛ ومِنهُ: "قَعَدَكَ اللَّهُ". ورَفْعُها: البِناءُ عَلَيْها؛ لِأنَّهُ يَنْقُلُها مِن هَيْئَةِ الِانْخِفاضِ إلى هَيْئَةِ الِارْتِفاعِ؛ والمُرْتَفِعُ حَقِيقَةً - وإنْ كانَ هو الَّذِي بُنِيَ عَلَيْها - لَكِنَّهُما لَمّا التَأما صارا شَيْئًا واحِدًا؛ فَكَأنَّها نَمَتْ وارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِها سافاتُ البِناءِ؛ فَإنَّ كُلَّ سافٍ قاعِدَةٌ لِما يُبْنى عَلَيْها؛ وبِرَفْعِها بِناءَ بَعْضِها عَلى بَعْضٍ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ مَكانَةِ البَيْتِ؛ وإظْهارُ شَرَفِهِ؛ ودُعاءُ النّاسِ إلى حَجِّهِ؛ وفي إبْهامِها أوَّلًا؛ ثُمَّ تَبْيِينِها مِن تَفْخِيمِ شَأْنِها ما لا يَخْفى؛ وقِيلَ: المَعْنى: وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ ما قُعِّدَ مِنَ البَيْتِ؛ واسْتَوْطَأ؛ يَعْنِي: يَجْعَلُ هَيْئَةَ القاعِدَةِ المُسْتَوْطَأةِ مُرْتَفِعَةً عالِيَةً بِالبِناءِ؛ رُوِيَ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْزَلَ البَيْتَ ياقُوتَةً مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ؛ لَهُ بابانِ مِن زُمُرُّدٍ؛ شَرْقِيٌّ؛ وغَرْبِيٌّ؛ وقالَ لَآدَمَ: أهْبَطْتُ لَكَ ما يُطافُ بِهِ؛ كَما يُطافُ حَوْلَ عَرْشِي؛ فَتَوَجَّهَ آدَمُ مِن أرْضِ الهِنْدِ إلَيْهِ ماشِيًا؛ وتَلَقَّتْهُ المَلائِكَةُ؛ فَقالُوا: بَرَّ حَجَّكَ يا آدَمُ؛ لَقَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ؛ وحَجَّ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرْبَعِينَ حَجَّةً؛ مِن أرْضِ الهِنْدِ إلى مَكَّةَ؛ عَلى رِجْلَيْهِ؛ فَكانَ عَلى ذَلِكَ إلى أنْ رَفَعَهُ اللَّهُ أيّامَ الطُّوفانِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ؛ فَهو البَيْتُ المَعْمُورُ؛ (p-160)وَكانَ مَوْضِعُهُ خالِيًا إلى زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأمَرَهُ - سُبْحانَهُ - بِبِنائِهِ؛ وعَرَّفَهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمَكانِهِ؛ وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) السَّكِينَةَ لِتَدُلَّهُ عَلَيْهِ؛ فَتَبِعَها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى أتَيا مَكَّةَ المُعَظَّمَةَ؛ وقِيلَ: بَعَثَ اللَّهُ (تَعالى) سَحابَةً عَلى قَدْرِ البَيْتِ؛ وسارَ إبْراهِيمُ في ظِلِّها إلى أنْ وافَتْ مَكَّةَ المُعَظَّمَةَ؛ فَوَقَفَتْ في مَوْضِعِ البَيْتِ؛ فَنُودِيَ أنِ ابْنِ عَلى ظِلِّها؛ ولا تَزِدْ؛ ولا تَنْقُصْ؛ وقِيلَ: بَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ: طُورِ سَيْناءَ؛ وطُورِ زَيْتا؛ ولُبْنانَ؛ والجُودِيِّ؛ وأسَّسَهُ مِن حِراءَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَجَرِ الأسْوَدِ مِنَ السَّماءِ؛ وقِيلَ: تَمَخَّضَ أبُو قُبَيْسٍ فانْشَقَّ عَنْهُ؛ وقَدْ خُبِّئَ فِيهِ في أيّامِ الطُّوفانِ؛ وكانَ ياقُوتَةً بَيْضاءَ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ؛ فَلَمّا لَمَسَتْهُ الحُيَّضُ في الجاهِلِيَّةِ اسْوَدَّ؛ وقالَ الفاسِيُّ - في "مُثِيرِ الغَرامِ في تارِيخِ البَلَدِ الحَرامِ" -: والَّذِي يُتَحَصَّلُ مِن جُمْلَةِ ما قِيلَ في عَدَدِ بِناءِ الكَعْبَةِ أنَّها بُنِيَتْ عَشْرَ مَرّاتٍ؛ مِنها بِناءُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في تَهْذِيبِ الأسْماءِ؛ واللُّغاتِ؛ والأزْرَقِيُّ في تارِيخِهِ؛ وذَكَرَ أنَّهُ كانَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِنها بِناءُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ذَكَرَهُ البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ ورَوى فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جِبْرِيلَ إلى آدَمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ فَقالَ لَهُ؛ ولِحَوّاءَ: ابْنِيا لِيَ بَيْتًا؛ فَخَطَّ جِبْرِيلُ؛ وجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ؛ وحَوّاءُ تَنْقُلُ التُّرابَ؛ حَتّى إذا أصابَ الماءَ نُودِيَ مِن تَحْتِهِ: حَسْبُكَ آدَمُ؛ فَلَمّا بَنَياهُ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَطُوفَ بِهِ؛ فَقِيلَ لَهُ: أنْتَ أوَّلُ النّاسِ؛ وهَذا أوَّلُ بَيْتٍ؛ وهَكَذا ذَكَرَهُ الأزْرَقِيُّ في تارِيخِهِ؛ وعَبْدُ الرَّزّاقِ في مُصَنَّفِهِ؛ ومِنها بِناءُ بَنِي آدَمَ عِنْدَما رُفِعَتِ الخَيْمَةُ الَّتِي عَزّى اللَّهُ (تَعالى) بِها آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وكانَتْ ضُرِبَتْ في مَوْضِعِ البَيْتِ؛ فَبَنى بَنُوهُ مَكانَها بَيْتًا مِنَ الطِّينِ؛ والحِجارَةِ؛ فَلَمْ يَزَلْ مَعْمُورًا يُعَمِّرُونَهُ هم ومَن بَعْدَهم إلى أنْ مَسَّهُ الغَرَقُ في عَهْدِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ذَكَرَهُ الأزْرَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلى وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ؛ ومِنها بِناءُ الخَلِيلِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وهو مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في القرآن؛ مَشْهُورٌ فِيما بَيْنَ قاصٍ ودانٍ؛ ومِنها بِناءُ العَمالِقَةِ؛ ومِنها بِناءُ جُرْهُمَ؛ ذَكَرَهُما الأزْرَقِيُّ بِسَنَدِهِ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ومِنها بِناءُ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ؛ ذَكَرَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في كِتابِ النَّسَبِ؛ ومِنها بِناءُ قُرَيْشٍ؛ وهو مَشْهُورٌ؛ ومِنها بِناءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ ومِنها بِناءُ الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ؛ وما كانَ ذَلِكَ بِناءً لِكُلِّها؛ بَلْ لِجِدارٍ مِن جُدْرانِها؛ وقالَ الحافِظُ السُّهَيْلِيُّ: إنَّ بِناءَها لَمْ يَكُنْ في الدَّهْرِ إلّا خَمْسَ مَرّاتٍ؛ الأُولى: حِينَ بَناها شِيثُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ انْتَهى؛ واللَّهُ - سُبْحانَهُ - أعْلَمُ.
﴿وَإسْماعِيلُ﴾: عَطْفٌ عَلى "إبْراهِيمُ"؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأصْلَ في الرَّفْعِ هو إبْراهِيمُ؛ وإسْماعِيلُ تَبَعٌ لَهُ؛ قِيلَ: إنَّهُ كانَ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ وهو يَبْنِيها؛ وقِيلَ: كانا يَبْنِيانِهِ مِن طَرَفَيْنِ؛ ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾؛ عَلى إرادَةِ القَوْلِ؛ أيْ: يَقُولانِ؛ وقَدْ قُرِئَ بِهِ؛ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ وقِيلَ عَلى أنَّهُ هو العامِلُ في "إذْ"؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها؛ والتَّقْدِيرُ: يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا؛ إذْ يَرْفَعانِ؛ أيْ: وقْتَ رَفْعِهِما؛ وقِيلَ: "وَإسْماعِيلُ" مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلٌ مَحْذُوفٌ؛ وهو العامِلُ في "رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا"؛ فَيَكُونُ إبْراهِيمُ هو الرّافِعَ؛ وإسْماعِيلُ هو الدّاعِيَ؛ والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ؛ والحالُ أنَّ إسْماعِيلَ يَقُولُ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا. والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنْ إفاضَةِ ما فِيهِ صَلاحُ المَرْبُوبِ؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِما - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الإجابَةِ. وتَرْكُ مَفْعُولِ "تَقَبَّلْ"؛ مَعَ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾؛ وغَيْرِهِ؛ مِنَ القُرَبِ والطّاعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما هُما بِصَدَدِهِ مِنَ البِناءِ؛ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ جَعْلُ الجُمْلَةِ الدُّعائِيَّةِ حالِيَّةً؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ﴾؛ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دُعاؤُنا؛ ﴿العَلِيمُ﴾؛ بِكُلِّ (p-161)المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها نِيّاتُنا في جَمِيعِ أعْمالِنا؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِاسْتِدْعاءِ التَّقَبُّلِ؛ لا مِن حَيْثُ إنَّ كَوْنَهُ (تَعالى) سَمِيعًا لِدُعائِهِما؛ عَلِيمًا بِنِيّاتِهِما؛ مُصَحِّحٌ لِلتَّقَبُّلِ في الجُمْلَةِ؛ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَهُ (تَعالى) بِصِحَّةِ نِيّاتِهِما وإخْلاصِهِما في أعْمالِهِما مُسْتَدْعٍ لَهُ؛ بِمُوجِبِ الوَعْدِ؛ تَفَضُّلًا. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِغَرَضِ كَمالِ قُوَّةِ يَقِينِهِما بِمَضْمُونِها؛ وقَصْرُ نَعْتَيْ "السَّمْعُ"؛ و"العِلْمُ" عَلَيْهِ (تَعالى) لِإظْهارِ اخْتِصاصِ دُعائِهِما بِهِ (تَعالى)؛ وانْقِطاعِ رَجائِهِما عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ؛ واعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ أنَّ أوَّلَ ما جَرى مِنَ الأُمُورِ المَحْكِيَّةِ هو الِابْتِلاءُ؛ وما يَتْبَعُهُ؛ ثُمَّ دُعاءُ البَلَدِيَّةِ والأمْنِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ ثُمَّ رَفْعُ قَواعِدِ البَيْتِ؛ وما يَتْلُوهُ؛ ثُمَّ جَعْلُهُ مَثابَةً لِلنّاسِ؛ والأمْرُ بِتَطْهِيرِهِ؛ ولَعَلَّ تَغْيِيرَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ في الحِكايَةِ لِنَظْمِ الشُّؤُونِ الصّادِرَةِ عَنْ جَنابِهِ (تَعالى) في سِلْكٍ مُسْتَقِلٍّ؛ ونَظْمِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مِن جِهَةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - مِنَ الأفْعالِ؛ والأقْوالِ؛ في سِلْكٍ آخَرَ؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن كَفَرَ﴾؛ إلَخْ.. فَإنَّما وقَعَ في تَضاعِيفِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِإبْراهِيمَ لِاقْتِضاءِ المَقامِ؛ واسْتِيجابِ ما سَبَقَ مِنَ الكَلامِ ذَلِكَ؛ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنهُ أصْلًا؛ كَما أنَّ وُقُوعَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾؛ في خِلالِ كَلامِهِ - سُبْحانَهُ - لِذَلِكَ.
البقرة 2:128
﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾: مُخْلِصَيْنِ لَكَ؛ أوْ: مُسْتَسْلِمَيْنِ؛ مِن "أسْلَمَ"؛ إذا اسْتَسْلَمَ؛ وانْقادَ؛ وأيًّا ما كانَ فالمَطْلُوبُ الزِّيادَةُ والثَّباتُ عَلى ما كانا عَلَيْهِ مِنَ الإخْلاصِ؛ والإذْعانِ؛ وقُرِئَ: "مُسْلِمِينَ"؛ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ؛ بِإدْخالِ هاجَرَ مَعَهُما في الدُّعاءِ؛ أوْ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ مِن مَراتِبِ الجَمْعِ؛ ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾؛ أيْ: واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِنا؛ وإنَّما خَصّاهم بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ؛ ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ الأتْباعُ؛ وإنَّما خَصّا بِهِ بَعْضَهم لِما عَلِما أنَّ مِنهم ظَلَمَةً؛ وأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَقْتَضِي اتِّفاقَ الكُلِّ عَلى الإخْلاصِ والإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِأمْرِ المَعاشِ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْلا الحَمْقى لَخَرِبَتِ الدُّنْيا؛ وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ المُسْلِمَةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ "مِن" مُبَيِّنَةً؛ قُدِّمَتْ عَلى المُبَيَّنِ؛ وفُصِلَ بِها بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾؛ والأصْلُ: وأُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ مِن ذُرِّيَّتِنا؛ ﴿وَأرِنا﴾؛ مِن "الرُّؤْيَةُ"؛ بِمَعْنى: "الإبْصارُ"؛ أوْ بِمَعْنى: "التَّعْرِيفُ"؛ أيْ: بَصِّرْنا؛ أوْ: عَرِّفْنا؛ ﴿مَناسِكَنا﴾؛ أيْ: مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ؛ أوْ مَذابِحَنا؛ والنُّسُكُ في الأصْلِ: غايَةُ العِبادَةِ؛ وشاعَ في الحَجِّ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ؛ والبُعْدِ عَنِ العادَةِ؛ وقُرِئَ: "أرْنا"؛ قِياسًا عَلى "فَخْذٌ"؛ في "فَخِذٌ"؛ وفِيهِ إحْجافٌ؛ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ؛ دَلِيلٌ عَلَيْها؛ وقُرِئَ بِالِاخْتِلاسِ؛ ﴿وَتُبْ عَلَيْنا﴾: اسْتِتابَةٌ لِذُرِّيَّتِهِما؛ وحِكايَتُها عَنْهُما لِتَرْغِيبِ الكَفَرَةِ في التَّوْبَةِ؛ والإيمانِ؛ أوْ تَوْبَةٌ لَهُما عَمّا فَرَطَ مِنهُما سَهْوًا؛ ولِعِلْمِهِما قالاهُ هَضْمًا لِأنْفُسِهِما؛ وإرْشادًا لِذُرِّيَّتِهِما؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ؛ ومَزِيدُ اسْتِدْعاءٍ لِلْإجابَةِ؛ قِيلَ: إذا أرادَ العَبْدُ أنْ يُسْتَجابَ لَهُ فَلْيَدْعُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بِما يُناسِبُهُ مِن أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.
البقرة 2:129
﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ﴾: أيْ: في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ (p-162)
﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أنْفُسِهِمْ؛ فَإنَّ البَعْثَ فِيهِمْ لا يَسْتَلْزِمُ البَعْثَ مِنهُمْ؛ ولَمْ يُبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَهو الَّذِي أُجِيبَ بِهِ دَعْوَتُهُما - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ رُوِيَ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ؛ وهو في آخِرِ الزَّمانِ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ؛ وبُشْرى عِيسى؛ ورُؤْيا أُمِّي"؛» وتَخْصِيصُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالِاسْتِجابَةِ لَهُ؛ لِما أنَّهُ الأصْلُ في الدُّعاءِ؛ وإسْماعِيلُ تَبَعٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ﴾؛ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ؛ ويُبَلِّغُهم ما يُوحى إلَيْهِ مِنَ البَيِّناتِ؛ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ﴾؛ بِحَسَبِ قُوَّتِهِمُ النَّظَرِيَّةِ؛ ﴿الكِتابَ﴾؛ أيِ القرآن؛ ﴿والحِكْمَةَ﴾؛ وما يُكْمِلُ بِهِ نُفُوسَهم مِن أحْكامِ الشَّرِيعَةِ؛ والمَعارِفِ الحَقَّةِ؛ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾؛ بِحَسَبِ قُوَّتِهِمُ العَمَلِيَّةِ؛ أيْ: يُطَهِّرُها عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ؛ وفُنُونِ المَعاصِي؛ ﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾؛ الَّذِي لا يُقْهَرُ؛ ولا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ والمَصْلَحَةُ؛ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ؛ وإجابَةُ المَسْؤُولِ؛ فَإنَّ وصْفَ الحِكْمَةِ مُقْتَضٍ لِإفاضَةِ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَعْثُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ووَصْفُ العِزَّةِ مُسْتَدْعٍ لِامْتِناعِ وُجُودِ المانِعِ بِالمَرَّةِ.
البقرة 2:130
﴿وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾: إنْكارٌ؛ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ في العُقَلاءِ مَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ؛ الَّتِي هي الحَقُّ الصَّرِيحُ؛ والدِّينُ الصَّحِيحُ؛ أيْ: لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ الواضِحَةِ الغَرّاءِ؛ ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾؛ أيْ: أذَلَّها؛ واسْتَمْهَنَها؛ واسْتَخَفَّ بِها؛ وقِيلَ: خَسِرَ نَفْسَهُ؛ وقِيلَ: أوْبَقَ؛ أوْ: أهْلَكَ؛ أوْ جَهَّلَ نَفْسَهُ؛ قالَ المُبَرِّدُ؛ وثَعْلَبٌ: "سَفِهَ"؛ بِالكَسْرِ مُتَعَدٍّ؛ وبِالضَّمِّ لازِمٌ؛ ويَشْهَدُ لَهُ ما ورَدَ في الخَبَرِ: "الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ"؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: ضَلَّ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ؛ وقِيلَ: أصْلُهُ: "سَفِهَ نَفْسُهُ"؛ بِالرَّفْعِ؛ فَنُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ؛ نَحْوَ: غَبِنَ رَأْيُهُ؛ وألِمَ رَأْسُهُ؛ ونَحْوَ قَوْلِهِ:
؎ ونَأْخُذُ بَعْدَهُ بِذِنابِ عَيْشٍ ∗∗∗ أجَبَّ الظَّهْرِ لَيْسَ لَهُ سَنامُ
وَقَوْلِهِ:
؎ وما قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدٍ ∗∗∗ ولا بِفَزارَةَ الشِّعْرَ الرِّقابا
ذَلِكَ لِأنَّهُ إذا رَغِبَ عَمّا لا يَرْغَبُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ العُقَلاءِ فَقَدْ بالَغَ في إذْلالِ نَفْسِهِ؛ وإذالَتِها وإهانَتِها؛ حَيْثُ خالَفَ بِها كُلَّ نَفْسٍ عاقِلَةٍ؛ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ سَلَمَةَ؛ ومُهاجِرًا؛ إلى الإسْلامِ؛ فَقالَ لَهُما: قَدْ عَلِمْنا أنَّ اللَّهَ (تَعالى) قالَ في التَّوْراةِ: "إنِّي باعِثٌ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نَبِيًّا اسْمُهُ أحْمَدُ؛ فَمَن آمَنَ بِهِ فَقَدِ اهْتَدى؛ ورَشَدَ؛ ومَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو مَلْعُونٌ؛ فَأسْلَمَ سَلَمَةُ؛ وأبى مُهاجِرٌ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا﴾؛ أيْ: اخْتَرْناهُ بِالنُّبُوَّةِ؛ والحِكْمَةِ مِن بَيْنِ سائِرِ الخَلْقِ؛ وأصْلُهُ: اتِّخاذُ صَفْوَةِ الشَّيْءِ؛ كَما أنَّ أصْلَ الِاخْتِيارِ اتِّخاذُ خَيْرِهِ؛ واللّامُ لِجَوابِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اصْطَفَيْناهُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المَشْهُودِ لَهم بِالثَّباتِ عَلى الِاسْتِقامَةِ؛ والخَيْرِ. والصَّلاحُ مَعْطُوفٌ عَلَيْها؛ داخِلٌ في حَيِّزِ القَسَمِ؛ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِها؛ مُقَرِّرٌ لِما تُقَرِّرُهُ؛ ولا حاجَةَ إلى جَعْلِهِ اعْتِراضًا آخَرَ؛ أوْ حالًا مُقَدَّرَةً؛ فَإنَّ مَن كانَ صَفْوَةً لِلْعِبادِ في الدُّنْيا؛ مَشْهُودًا لَهُ بِالصَّلاحِ في الآخِرَةِ؛ كانَ حَقِيقًا بِالِاتِّباعِ؛ لا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ إلّا سَفِيهٌ؛ أوْ مُتَسَفِّهٌ؛ أذَلَّ نَفْسَهُ بِالجَهْلِ؛ والإعْراضِ عَنِ النَّظَرِ؛ والتَّأمُّلِ. وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِما أنَّ انْتِظامَهُ في زُمْرَةِ صالِحِي أهْلِ الآخِرَةِ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ في الدّارَيْنِ؛ لا أنَّهُ (p-163)يَحْدُثُ في الآخِرَةِ؛ والتَّأْكِيدُ بِـ "إنَّ" واللّامِ لِما أنَّ الأُمُورَ الأُخْرَوِيَّةَ خَفِيَّةٌ عِنْدَ المُخاطَبِينَ؛ فَحاجَتُها إلى التَّأْكِيدِ أشَدُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُشاهَدُ آثارُها؛ وكَلِمَةُ "فِي" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "الصّالِحِينَ"؛ عَلى أنَّ اللّامَ لِلتَّعْرِيفِ؛ ولَيْسَتْ بِمَوْصُولَةٍ حَتّى يَلْزَمَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصِّلَةِ عَلَيْها؛ عَلى أنَّهُ قَدْ يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا تَمَعْدَدا ∗∗∗ كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا
أوْ بِمَحْذُوفٍ مِن لَفْظِهِ؛ أيْ: وإنَّهُ لَصالِحٌ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ؛ أوْ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ؛ أيْ: أعْنِي: في الآخِرَةِ؛ نَحْوَ: لَكَ بَعْدُ رَعْيًا؛ وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "اصْطَفَيْناهُ"؛ عَلى أنَّ في النَّظْمِ الكَرِيمِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا؛ تَقْدِيرُهُ: "وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وإنَّهُ لَمِنَ الصّالِحِينَ".
البقرة 2:131
﴿إذْ قالَ لَهُ﴾: ظَرْفٌ لِـ "اصْطَفَيْناهُ"؛ لِما أنَّ المُتَوَسِّطَ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ؛ بَلْ هو مُقَرِّرٌ لَهُ؛ لِأنَّ اصْطِفاءَهُ في الدُّنْيا إنَّما هو لِلنُّبُوَّةِ؛ وما يَتَعَلَّقُ بِصَلاحِ الآخِرَةِ؛ أوْ تَعْلِيلٌ لَهُ؛ أوْ مَنصُوبٌ بِـ "اذْكُرْ"؛ كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِتَقِفَ عَلى أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ؛ المُسْتَحِقُّ لِلْإمامَةِ؛ والتَّقَدُّمِ؛ وأنَّهُ ما نالَ ما نالَ إلّا بِالمُبادَرَةِ إلى الإذْعانِ؛ والِانْقِيادِ لِما أُمِرَ بِهِ؛ وإخْلاصِ سِرِّهِ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ؛ حِينَ ﴿قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ﴾؛ أيْ: لِرَبِّكَ؛ ﴿قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ ولَيْسَ الأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ بَلْ هو تَمْثِيلٌ؛ والمَعْنى: أخْطَرَ بِبالِهِ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ المُؤَدِّيَةَ إلى المَعْرِفَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلى الإسْلامِ؛ مِنَ الكَوْكَبِ؛ والقَمَرِ؛ والشَّمْسِ؛ وقِيلَ: أسْلِمْ أيْ: أذْعِنْ؛ وأطِعْ؛ وقِيلَ: اثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ؛ والإخْلاصِ؛ أوْ: اسْتَقِمْ؛ وفَوِّضْ أُمُورَكَ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ فالأمْرُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ والِالتِفاتُ مَعَ التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية؛ والإضافَةِ إلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِإظْهارِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ؛ والِاعْتِناءِ بِتَرْبِيَتِهِ؛ وإضافَةُ الرَّبِّ في جَوابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى العالَمِينَ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ إسْلامِهِ؛ حَيْثُ أيْقَنَ حِينَ النَّظَرِ بِشُمُولِ رُبُوبِيَّتِهِ لِلْعالَمِينَ قاطِبَةً؛ لا لِنَفْسِهِ وحْدَهُ؛ كَما هو المَأْمُورُ بِهِ.
البقرة 2:132
﴿وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ تَكْمِيلِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِغَيْرِهِ؛ إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ في نَفْسِهِ؛ وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُوبِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والتَّوْصِيَةُ: التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِما فِيهِ خَيْرٌ وصَلاحٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ مِن فِعْلٍ؛ أوْ قَوْلٍ؛ وأصْلُها: "الوَصْلَةُ"؛ يُقالُ: "وَصاهُ"؛ إذا وصَلَهُ؛ و"فَصاهُ"؛ إذا فَصَلَهُ؛ كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فِعْلَهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ؛ والضَّمِيرُ في "بِها" لِلْمِلَّةِ؛ أوْ قَوْلِهِ: ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾؛ بِتَأْوِيلِ الكَلِمَةِ؛ كَما عَبَّرَ بِها عَنْ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾؛ وقُرِئَ: "أوْصى"؛ والأوَّلُ أبْلَغُ؛ ﴿وَيَعْقُوبُ﴾: عَطْفٌ عَلى "إبْراهِيمُ"؛ أيْ: وصّى بِها هو أيْضًا؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلى "بَنِيهِ"؛ ﴿يا بَنِيَّ﴾: عَلى إضْمارِ القَوْلِ؛ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ ومُتَعَلِّقٌ بِـ "وَصّى"؛ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى القَوْلِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ رَجْلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا ∗∗∗ إنّا رَأيْنا رَجُلًا عُرْيانا
فَهُوَ عِنْدَ الأوَّلِينَ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ وعِنْدَ الآخِرِينَ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْبارِ؛ الَّذِي هو في مَعْنى القَوْلِ؛ وقُرِئَ: "أنْ يا بَنِيَّ"؛ وبَنُو إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانُوا أرْبَعَةً: إسْماعِيلُ؛ وإسْحاقُ؛ ومَدْيَنُ؛ ومَدّانُ؛ وقِيلَ: ثَمانِيَةً؛ وقِيلَ: أرْبَعَةً وعِشْرِينَ؛ وكانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ: رُوبِينُ؛ وشَمْعُونُ؛ ولاوِي؛ ويَهُوذا؛ ويَشْسُوخُورُ؛ وزَبُولُونُ؛ وزُوانا؛ وتَفْتُونا؛ (p-164)
وَكُوذا؛ وأُوشِيرُ؛ وبِنْيامِينُ؛ ويُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾: دِينَ الإسْلامِ؛ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ؛ ولا دِينَ غَيْرُهُ عِنْدَهُ (تَعالى)؛ ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾: ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ؛ والمَقْصُودُ: الأمْرُ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ؛ إلى حِينِ المَوْتِ؛ أيْ: فاثْبُتُوا عَلَيْهِ؛ ولا تُفارِقُوهُ أبَدًا؛ كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ؛ وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ؛ وأنَّ حَقَّهُ ألّا يَحِلَّ بِهِمْ؛ وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ؛ ونَظِيرُهُ: مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ؛ رُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بِاليَهُودِيَّةِ يَوْمَ ماتَ؟ فَنَزَلَتْ:
البقرة 2:133
﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾: "أمْ": مُنْقَطِعَةٌ؛ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةِ؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ؛ الرّاغِبِينَ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ و"شُهَداءَ": جَمْعُ "شَهِيدٌ"؛ أوْ "شاهِدٌ"؛ بِمَعْنى: "الحاضِرُ"؛ و"إذْ": ظَرْفٌ لِـ "شُهَداءَ"؛ والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ؛ وتَقْدِيمُ "يَعْقُوبَ" - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ إذِ المُرادُ كَيْفِيَّةُ وصِيَّتِهِ لِبَنِيهِ؛ بَعْدَما بَيَّنَ ذَلِكَ إجْمالًا؛ ومَعْنى "بَلْ": الإضْرابُ؛ والِانْتِقالُ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ عَلى رَغْبَتِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى تَوْبِيخِهِمْ عَلى افْتِرائِهِمْ عَلى يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِاليَهُودِيَّةِ؛ حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُمْ؛ وأمّا تَعْمِيمُ الِافْتِراءِ هَهُنا لِسائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ تَخْصِيصُ يَعْقُوبَ بِالذِّكْرِ؛ وما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ﴾؛ إلَخْ.. ومَعْنى الهَمْزَةِ: إنْكارُ وُقُوعِ الشُّهُودِ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَبْكِيتُهُمْ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذْ قالَ﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ حَضَرَ"؛ أيْ: ما كُنْتُمْ حاضِرِينَ عِنْدَ احْتِضارِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾: أيْ: أيُّ شَيْءٍ تَعْبُدُونَهُ بَعْدَ مَوْتِي؟ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَدَّعُوا عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَدَّعُونَ؛ رَجْمًا بِالغَيْبِ؟ وعِنْدَ هَذا تَمَّ التَّوْبِيخُ؛ والإنْكارُ؛ والتَّبْكِيتُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ الأمْرَ قَدْ جَرى حِينَئِذٍ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا؛ وأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ بِسُؤالِهِ ذَلِكَ تَقْرِيرَ بَنِيهِ عَلى التَّوْحِيدِ؛ والإسْلامِ؛ وأخْذَ مِيثاقِهِمْ عَلى الثَّباتِ عَلَيْهِما؛ إذْ بِهِ يُتِمُّ وصِيَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾؛ و"ما": يُسْألُ بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ما لَمْ يُعْرَفْ؛ فَإذا عُرِفَ خُصَّ العُقَلاءُ بِـ "مَن"؛ إذا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ بِعَيْنِهِ؛ وإنْ سُئِلَ عَنْ وصْفِهِ قِيلَ: "ما زَيْدٌ؟ أفَقِيهٌ أمْ طَبِيبٌ؟"؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ؛ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ سُؤالِ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾؛ حَسْبَما كانَ مُرادُ أبِيهِمْ بِالسُّؤالِ؛ أيْ: نَعْبُدُ الإلَهَ المُتَّفَقَ عَلى وُجُودِهِ؛ وإلَهِيَّتِهِ؛ ووُجُوبِ عِبادَتِهِ. وعَدُّ إسْماعِيلَ مِن آبائِهِ تَغْلِيبًا لِلْأبِ؛ والجَدِّ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أبِيهِ"؛» وقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - في العَبّاسِ -: « "هَذا بَقِيَّةُ آبائِي"؛» وقُرِئَ: "أبِيكَ"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ بِالواوِ والنُّونِ؛ كَما في قَوْلِهِ
؎ فَلَمّا تَبَيَّنَّ أصْواتَنا ∗∗∗ بَكَيْنَ وفَدَّيْنَنا بِالأبِينا
وَقَدْ سَقَطَتِ النُّونُ بِالإضافَةِ؛ أوْ مُفْرَدٌ؛ و"إبْراهِيمَ": عَطْفُ بَيانٍ لَهُ؛ و"إسْماعِيلَ"؛ و"إسْحاقَ": مَعْطُوفانِ عَلى "أبِيكَ"؛ ﴿إلَهًا واحِدًا﴾: بَدَلٌ مِن "إلَهَ آبائِكَ"؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ﴾؛ وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِالتَّوْحِيدِ؛ ودَفْعُ التَّوَهُّمِ النّاشِئِ مِن تَكْرِيرِ المُضافِ لِتَعَذُّرِ العَطْفِ عَلى المَجْرُورِ؛ أوْ نُصِبَ (p-165)عَلى الِاخْتِصاصِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾: حالٌ مِن فاعِلِ "نَعْبُدُ"؛ أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا مُحَقِّقًا لِمَضْمُونِ ما سَبَقَ.
البقرة 2:134
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ والإشارَةُ إلى إبْراهِيمَ؛ ويَعْقُوبَ؛ وبَنِيهِما المُوَحِّدِينَ؛ والأُمَّةُ: هي الجَماعَةُ الَّتِي تَؤُمُّها فِرَقُ النّاسِ؛ أيْ: يَقْصِدُونَها؛ ويَقْتَدُونَ بِها؛ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾: صِفَةٌ لِلْخَبَرِ؛ أيْ: مَضَتْ بِالمَوْتِ؛ وانْفَرَدَتْ عَمَّنْ عَداها؛ وأصْلُهُ: صارَتْ إلى الخَلاءِ؛ وهي الأرْضُ الَّتِي لا أنِيسَ بِها؛ ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِـ "أُمَّةٌ"؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "خَلَتْ"؛ و"ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لَها ما كَسَبَتْهُ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ المَحْكِيَّةِ؛ تَتَخَطّاها إلى غَيْرِها؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ يُوجِبُ قَصْرَ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلَيْهِ؛ كَما هو المَشْهُورُ؛ ﴿وَلَكم ما كَسَبْتُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى نَظِيرَتِها؛ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وجُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ؛ إذْ لا رابِطَ فِيها؛ ولا بُدَّ مِنهُ في الصِّفَةِ؛ ولا مُقارَنَةَ في الزَّمانِ؛ ولا بُدَّ مِنها في الحالِ؛ أيْ: لَكم ما كَسَبْتُمُوهُ؛ لا ما كَسَبَهُ غَيْرُكُمْ؛ فَإنَّ تَقْدِيمَ المُسْنَدِ قَدْ يُقْصَدُ بِهِ قَصْرُهُ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ؛ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَكم دِينُكم ولِيَ دِينِ﴾؛ أيْ: ولِيَ دِينِي لا دِينُكُمْ؛ وحَمْلُ الجُمْلَةِ الأُولى عَلى هَذا القَصْرِ عَلى مَعْنى أنَّ أُولَئِكَ لا يَنْفَعُهم إلّا ما اكْتَسَبُوا؛ كَما قِيلَ؛ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ انْتِفاعَهم بِكَسْبِ هَؤُلاءِ حَتّى يُحْتاجَ إلى بَيانِ امْتِناعِهِ؛ وإنَّما الَّذِي يُتَوَهَّمُ انْتِفاعُ هَؤُلاءِ بِكَسْبِهِمْ؛ فَبَيَّنَ امْتِناعَهُ بِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ مَخْصُوصَةٌ بِهِمْ؛ لا تَتَخَطّاهم إلى غَيْرِهِمْ؛ ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ إلّا ما كَسَبُوا؛ فَلا يَنْفَعُهُمُ انْتِسابُهم إلَيْهِمْ؛ وإنَّما يَنْفَعُهُمُ اتِّباعُهم لَهم في الأعْمالِ؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "يا بَنِي هاشِمَ لا يَأْتِيَنِّي النّاسُ بِأعْمالِهِمْ وتَأْتُونِي بِأنْسابِكُمْ".»
﴿وَلا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: إنْ أُجْرِيَ السُّؤالُ عَلى ظاهِرِهِ فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما مَرَّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ؛ تَقْرِيرًا ظاهِرًا؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِ مُسَبِّبُهُ - أعْنِي الجَزاءَ - فَهو تَتْمِيمٌ لِما سَبَقَ؛ جارٍ مُجْرى النَّتِيجَةِ لَهُ؛ وأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ تَخْيِيبُ المُخاطَبِينَ؛ وقَطْعُ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ الِانْتِفاعِ بِحَسَناتِ الأُمَّةِ الخالِيَةِ؛ وإنَّما أُطْلِقَ العَمَلُ لِإثْباتِ الحُكْمِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ في ضِمْنِ قاعِدَةٍ كُلِّيَّةٍ؛ هَذا وقَدْ جُعِلَ السُّؤالُ عِبارَةً عَنِ المُؤاخَذَةِ؛ والمَوْصُولُ عَنِ السَّيِّئاتِ؛ فَقِيلَ: أيْ: لا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ؛ كَما لا تُثابُونَ بِحَسَناتِهِمْ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ؛ كَيْفَ لا.. وهم مُنَزَّهُونَ مِن كَسْبِ السَّيِّئاتِ؟ فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ تَحْمِيلُها عَلى غَيْرِهِمْ حَتّى يُتَصَدّى لِبَيانِ انْتِفاعِهِ؟
البقرة 2:135
﴿وَقالُوا﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ فَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ؛ وهو إضْلالُهم لِغَيْرِهِمْ؛ إثْرَ بَيانِ ضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ؛ والضَّمِيرُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ المُؤْذِنِ بِاسْتِيجابِ حالِهِمْ لِإبْعادِهِمْ مِن مَقامِ المُخاطَبَةِ؛ والإعْراضِ عَنْهُمْ؛ وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِمْ؛ أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ لَيْسَ هَذا القَوْلُ مَقُولًا لِكُلِّهِمْ؛ أوْ لِأيِّ طائِفَةٍ كانَتْ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ؛ بَلْ هو مُوَزَّعٌ عَلَيْهِما عَلى وجْهٍ خاصٍّ؛ يَقْتَضِيهِ حالُهُما اقْتِضاءً مُغْنِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: كُونُوا هُودًا؛ والنَّصارى: كُونُوا نَصارى؛ فَفُعِلَ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ ما فُعِلَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ اعْتِمادًا عَلى ظُهُورِ المَرامِ؛ ﴿تَهْتَدُوا﴾: جَوابٌ (p-166)
لِلْأمْرِ؛ أيْ: إنْ تَكُونُوا كَذَلِكَ تَهْتَدُوا؛ قُلْ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ أيْ: قُلْ لَهم - عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ وبَيانِ ما هو الحَقُّ لَدَيْهِمْ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ -: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: لا نَكُونُ كَما تَقُولُونَ؛ بَلْ نَكُونُ أهْلَ مِلَّتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقِيلَ: بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: بَلِ اتَّبِعُوا أنْتُمْ مِلَّتَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ: كُونُوا أهْلَ مِلَّتِهِ؛ وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: بَلْ مِلَّتُنا؛ أوْ أمْرُنا؛ مِلَّتُهُ؛ أوْ: نَحْنُ مِلَّتُهُ؛ أيْ: أهْلُ مِلَّتِهِ؛ ﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الباطِلِ إلى الحَقِّ؛ وهو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ كَما فِي: "رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً"؛ أوِ المُضافِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾؛ إلَخْ..
﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾: تَعْرِيضٌ بِهِمْ؛ وإيذانٌ بِبُطْلانِ دَعْواهُمُ اتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ إشْراكِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.
البقرة 2:136
﴿قُولُوا﴾: خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ بَعْدَ خِطابِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ بِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ؛ عَلى الإجْمالِ؛ وإرْشادٌ لَهم إلى طَرِيقِ التَّوْحِيدِ؛ والإيمانِ؛ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ أيْ: قُولُوا لَهم - بِمُقابَلَةِ ما قالُوا؛ تَحْقِيقًا؛ وإرْشادًا ضِمْنِيًّا لَهم إلَيْهِ -:﴿آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾؛ يَعْنِي القرآن؛ قُدِّمَ عَلى سائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ؛ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْها نُزُولًا؛ لِاخْتِصاصِهِ بِنا؛ وكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْإيمانِ بِها؛ ﴿وَما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾: الصُّحُفِ؛ وإنْ كانَتْ نازِلَةً إلى إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَكِنَّ مَن بَعْدَهُ - حَيْثُ كانُوا مُتَعَبِّدِينَ بِتَفاصِيلِها؛ داخِلِينَ تَحْتَ أحْكامِها - جُعِلَتْ مُنْزَلَةً إلَيْهِمْ؛ كَما جُعِلَ القرآن مُنْزَلًا إلَيْنا. والأسْباطُ: جَمْعُ "سِبْطٌ"؛ وهو الحافِدُ؛ والمُرادُ بِهِمْ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ أوْ أبْناؤُهُ الِاثْنا عَشَرَ؛ وذَرارِيهِمْ؛ فَإنَّهم حَفَدَةُ إبْراهِيمَ؛ وإسْحاقَ؛ ﴿وَما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى﴾؛ مِنَ التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ وسائِرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الظّاهِرَةِ بِأيْدِيهِما؛ حَسْبَما فُصِّلَ في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وإيرادُ الإيتاءِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ التَّعْمِيمِ؛ وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ﴿وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ﴾؛ أيْ: جُمْلَةُ المَذْكُورِينَ؛ وغَيْرُهُمْ؛ ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ؛ والمُعْجِزاتِ الباهِراتِ؛ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾؛ كَدَأْبِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ وإنَّما اعْتُبِرَ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمْ؛ مَعَ أنَّ الكَلامَ فِيما أُوتُوهُ؛ لِاسْتِلْزامِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهم بِالتَّصْدِيقِ؛ والتَّكْذِيبِ؛ لِعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ ما أُوتُوهُ. وهَمْزَةُ "أحَدٍ": إمّا أصْلِيَّةٌ؛ فَهو اسْمٌ؛ مَوْضُوعٌ لِمَن يَصْلُحُ أنْ يُخاطَبَ؛ يَسْتَوِي فِيهِ المُفْرَدُ؛ والمُثَنّى؛ والمَجْمُوعُ؛ والمُذَكَّرُ؛ والمُؤَنَّثُ؛ ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ "بَيْنَ" عَلَيْهِ؛ كَما في مِثْلِ: "المالُ بَيْنَ النّاسِ"؛ ومِنهُ ما في قَوْلِهِ ﷺ: « "ما أُحِلَّتِ الغَنائِمُ لِأحَدٍ سُودِ الرُّؤُوسِ غَيْرِكُمْ"؛» حَيْثُ وُصِفَ بِالجَمْعِ؛ وإمّا مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ؛ فَهو بِمَعْنى "واحِدٍ"؛ وعُمُومُهُ لِوُقُوعِهِ في حَيِّزِ النَّفْيِ؛ وصِحَّةُ دُخُولِ "بَيْنَ" عَلَيْهِ بِاعْتِبارِ مَعْطُوفٍ قَدْ حُذِفَ لِظُهُورِهِ؛ أيْ: "بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ غَيْرِهِ"؛ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ:
؎ فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ
أيْ: بَيْنَ الخَيْرِ؛ وبَيْنِي؛ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ صَرِيحًا عَلى تَحَقُّقِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنهُمْ؛ وبَيْنَ مَن عَداهُ؛ كائِنًا مَن كانَ؛ ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: لا نُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "آمَنّا". وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ مُخْلِصُونَ لَهُ؛ ومُذْعِنُونَ؛ حالٌ أُخْرى مِنهُ؛ أوْ عَطْفٌ عَلى "آمَنّا".
البقرة 2:137
(p-167)﴿فَإنْ آمَنُوا﴾: الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ فَإنَّ ما تَقَدَّمَ مِن إيمانِ المُخاطَبِينَ عَلى الوَجْهِ المُحَرَّرِ مَظِنَّةٌ لِإيمانِ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ لِما أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو مَقْبُولٌ عِنْدَهُمْ؛ ﴿بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِما آمَنتُمْ بِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ عَلى أنَّ المِثْلَ مُقْحَمٌ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "بِما آمَنتُمْ بِهِ"؛ وقِراءَةُ أُبَيٍّ: "بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الباءُ لِلِاسْتِعانَةِ عَلى أنَّ المُؤْمَنَ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ بِمُرُورِهِ آنِفًا؛ أوْ عَلى أنَّ الفِعْلَ مُجْرًى مُجْرى اللّازِمِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا بِما مَرَّ مُفَصَّلًا؛ أوْ فَإنْ فَعَلُوا الإيمانَ بِشَهادَةٍ مِثْلِ شَهادَتِكُمْ؛ وأنْ تَكُونَ الأُولى زائِدَةً؛ والثّانِيَةُ صِلَةً لِـ "آمَنتُمْ"؛ و"ما": مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مِثْلَ إيمانِكم بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًا؛ وأنْ تَكُونَ لِلْمُلابَسَةِ؛ أيْ: فَإنْ آمَنُوا مُلْتَبِسِينَ بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ مُلْتَبِسِينَ بِهِ؛ أوْ فَإنْ آمَنُوا إيمانًا مُلْتَبِسًا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ إيمانًا مُلْتَبِسًا بِهِ مِنَ الإذْعانِ؛ والإخْلاصِ؛ وعَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ فَإنَّ ما وُجِدَ فِيهِمْ وصَدَرَ عَنْهم مِنَ الشَّهادَةِ؛ والإذْعانِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ مِثْلُ ما لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لا عَيْنُهُ؛ بِخِلافِ المُؤْمَنِ بِهِ؛ فَإنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّعَدُّدُ؛ ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ إلى الحَقِّ؛ وأصابُوهُ؛ كَما اهْتَدَيْتُمْ؛ وحَصَلَ بَيْنَكم الِاتِّحادُ؛ والِاتِّفاقُ؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فَإنْ تَحَرَّوُا الإيمانَ بِطَرِيقٍ يَهْدِي إلى الحَقِّ مِثْلِ طَرِيقِكُمْ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا؛ فَإنَّ وحْدَةَ المَقْصِدِ لا تَأْبى تَعَدُّدَ الطَّرِيقِ؛ فَيَأْباهُ أنَّ مَقامَ تَعْيِينِ طَرِيقِ الحَقِّ؛ وإرْشادِهِمْ إلَيْهِ بِعَيْنِهِ؛ لا يُلائِمُ تَجْوِيزَ أنْ يَكُونَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ وراءَهُ؛ ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإيمانِ؛ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ؛ بِأنْ أخَلُّوا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ كَأنْ آمَنُوا بِبَعْضٍ؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ كَما هو دِينُهُمْ؛ ودَيْدَنُهُمْ؛ ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾؛ المُشاقَّةُ؛ والشِّقاقُ: مِن "الشَّقُّ"؛ كَـ "المُخالَفَةُ"؛ و"الخِلافُ"؛ مِن "الخُلْفِ"؛ و"المُعاداةُ"؛ و"العَداءُ"؛ مِن "العُدْوَةُ"؛ أيْ: "الجانِبُ"؛ فَإنَّ أحَدَ المُخالِفَيْنِ يُعْرِضُ عَنِ الآخَرِ؛ صُورَةً؛ أوْ مَعْنًى؛ ويُوَلِّيهِ خَلْفَهُ؛ ويَأْخُذُ في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّهِ؛ وعُدْوَةٍ غَيْرِ عُدْوَتِهِ؛ والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: هم مُسْتَقِرُّونَ في خِلافٍ عَظِيمٍ؛ بَعِيدٍ مِنَ الحَقِّ؛ وهَذا لِدَفْعِ ما يُتَوَهَّمُ مِنَ احْتِمالِ الوِفاقِ؛ بِسَبَبِ إيمانِهِمْ بِبَعْضِ ما آمَنَ بِهِ المُؤْمِنُونَ؛ والجُمْلَةُ إمّا جَوابُ الشَّرْطِ؛ كَما هِيَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ مُشاقَّتُهُمُ الحادِثَةُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِمْ عَنِ الإيمانِ؛ كَجَوابِ الشَّرْطِيَّةِ الأُولى؛ وإنَّما أُوثِرَتِ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِهِمْ؛ واسْتِقْرارِهِمْ في ذَلِكَ؛ وإمّا بِتَأْوِيلِ "فاعْلَمُوا أنَّما هم في شِقاقٍ؛ هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ؛ وقَدْ قِيلَ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾؛ إلَخْ.. مِن بابِ التَّعْجِيزِ؛ والتَّبْكِيتِ؛ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾؛ والمَعْنى: فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُماثِلًا لَهُ في الصِّحَّةِ؛ والسَّدادِ؛ فَقَدِ اهْتَدَوْا؛ وإذْ لا إمْكانَ لَهُ؛ فَلا إمْكانَ لِاهْتِدائِهِمْ؛ ولا رَيْبَ في أنَّهُ مِمّا لا يَلِيقُ بِحَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ؛ ولَمّا دَلَّ تَنْكِيرُ الشِّقاقِ عَلى امْتِناعِ الوِفاقِ؛ وأنَّ ذَلِكَ مِمّا يُؤَدِّي إلى الجِدالِ؛ والقِتالِ؛ لا مَحالَةَ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَفْرِيحِ المُؤْمِنِينَ بِوَعْدِ النَّصْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وضَمانِ التَّأْيِيدِ؛ والإعْزازِ؛ وعَبَّرَ بِالسِّينِ الدّالَّةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ البَتَّةَ؛ فَقِيلَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: سَيَكْفِيكَ شِقاقَهُمْ؛ فَإنَّ الكِفايَةَ لا تَتَعَلَّقُ بِالأعْيانِ؛ بَلْ بِالأفْعالِ؛ وقَدْ أنْجَزَ - عَزَّ وجَلَّ - وعْدَهُ الكَرِيمَ؛ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ؛ وسَبْيِهِمْ؛ وإجْلاءِ بَنِي (p-168)النَّضِيرِ. وتَلْوِينُ الخِطابِ بِتَجْرِيدِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ مَعَ أنَّ ذَلِكَ كِفايَةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ - لِلْكُلِّ؛ لِما أنَّهُ الأصْلُ؛ والعُمْدَةُ في ذَلِكَ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ القِيامَ بِأُمُورِ الحُرُوبِ؛ وتَحَمُّلَ المُؤَنِ والمَشاقِّ؛ ومُقاساةَ الشَّدائِدِ؛ في مُناهَضَةِ الأعْداءِ؛ مِن وظائِفِ الرُّؤَساءِ؛ فَنِعْمَتُهُ (تَعالى) في الكِفايَةِ؛ والنَّصْرِ؛ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أتَمُّ وأكْمَلُ؛ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾: تَذْيِيلٌ لِما سَبَقَ مِنَ الوَعْدِ؛ وتَأْكِيدٌ لَهُ؛ والمَعْنى أنَّهُ (تَعالى) يَسْمَعُ ما تَدْعُونَ بِهِ؛ ويَعْلَمُ ما في نِيَّتِكَ مِن إظْهارِ الدِّينِ؛ فَيَسْتَجِيبُ لَكَ؛ ويُوصِّلُكَ إلى مُرادِكَ. أوْ وعِيدٌ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: يَسْمَعُ ما يَنْطِقُونَ بِهِ؛ ويَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ في قُلُوبِهِمْ؛ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ؛ وهو مُعاقِبُهم عَلَيْهِ؛ ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ الوَعْدِ السّابِقِ؛ فَإنَّ وعِيدَ الكَفَرَةِ وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ.
البقرة 2:138
﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾: "الصِّبْغَةُ": مِن "الصَّبْغُ"؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ مِن "الجُلُوسُ"؛ وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ؛ عَبَّرَ بِها عَنِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي فُصِّلَ؛ لِكَوْنِهِ تَطْهِيرًا لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أوَضارِ الكُفْرِ؛ وحِلْيَةً تُزَيِّنُهم بِآثارِهِ الجَمِيلَةِ؛ ومُتَداخِلًا في قُلُوبِهِمْ؛ كَما أنَّ شَأْنَ الصَّبْغِ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّوْبِ كَذَلِكَ؛ وقِيلَ: لِلْمُشارَكَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ؛ فَإنَّ النَّصارى كانُوا يَغْمِسُونَ أوْلادَهم في ماءٍ أصْفَرَ؛ يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ؛ ويَزْعُمُونَ أنَّهُ تَطْهِيرٌ لَهُمْ؛ وبِهِ يَحِقُّ نَصْرانِيَّتُهُمْ؛ وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ مَعَ اسْتِنادِهِ فِيما سَلَفَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ؛ لِلتَّشْرِيفِ؛ والإيذانِ بِأنَّها عَطِيَّةٌ مِنهُ - سُبْحانَهُ -؛ لا يَسْتَقِلُّ العَبْدُ بِتَحْصِيلِها؛ فَهي إذَنْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿آمَنّا﴾؛ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ "قُولُوا"؛ مُنْتَصِبٌ عَنْهُ انْتِصابَ وعْدِ اللَّهِ عَمّا تَقَدَّمَهُ؛ لِكَوْنِهِ بِمَثابَةِ فِعْلِهِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: صَبَغَنا اللَّهُ صِبْغَةً؛ وقِيلَ: هي مَنصُوبَةٌ بِفِعْلِ الإغْراءِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وإنَّما وُسِّطَ بَيْنَهُما الشَّرْطِيَّتانِ؛ وما بَعْدَهُما اعْتِناءً بِبَيانِ أنَّهُ الإيمانُ الحَقُّ؛ وبِهِ الِاهْتِداءُ؛ ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ أوْ خَبَرٌ؛ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿صِبْغَةَ﴾: نُصِبَ عَلى تَمْيِيزِ "مَن أحْسَنُ"؛ مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ؛ والتَّقْدِيرُ: ومَن صِبْغَتُهُ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ فالتَّفْضِيلُ جارٍ بَيْنَ الصِّبْغَتَيْنِ؛ لا بَيْنَ فاعِلَيْهِما؛ أيْ: لا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَتِهِ (تَعالى)؛ عَلى مَعْنى أنَّها أحْسَنُ مِن كُلِّ صِبْغَةٍ؛ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ﴾؛ إلَخْ.. وحَيْثُ كانَ مَدارُ التَّفْضِيلِ عَلى تَعْمِيمِ الحُسْنِ الحَقِيقِيِّ؛ والفَرَضِيِّ؛ المَبْنِيِّ عَلى زَعْمِ الكَفَرَةِ؛ لَمْ يَلْزَمْ مِنهُ أنْ يَكُونَ في صِبْغَةِ غَيْرِهِ (تَعالى) حُسْنٌ في الجُمْلَةِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما في "صِبْغَةَ اللَّهِ"؛ مِن مَعْنى التَّبَجُّحِ؛ والِابْتِهاجِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ؛ الَّذِي أوْلانا تِلْكَ النِّعْمَةَ الجَلِيلَةَ؛ ﴿عابِدُونَ﴾؛ شُكْرًا لَها؛ ولِسائِرِ نِعَمِهِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ؛ ورِعايَةِ الفَواصِلِ؛ وهو عَطْفٌ عَلى "آمَنّا"؛ داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ الأمْرِ؛ وإيثارُ الِاسْمِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِدَوامِ العِبادَةِ؛ أوْ عَلى فِعْلِ الإغْراءِ؛ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: الزَمُوا صِبْغَةَ اللَّهِ؛ وقُولُوا: نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾؛ حِينَئِذٍ يُجْرى مُجْرى التَّعْلِيلِ؛ لِلْإغْراءِ.
البقرة 2:139
﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا﴾: تَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ عُقَيْبَ الكَلامِ الدّاخِلِ تَحْتَ الأمْرِ الوارِدِ بِالخِطابِ العامِّ؛ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقُرِئَ بِإدْغامِ النُّونِ. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا؟ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: في دِينِهِ؛ وتَدَّعُونَ أنَّ دِينَهُ الحَقَّ هو اليَهُودِيَّةُ؛ (p-169)
والنَّصْرانِيَّةُ؛ وتَبْنُونَ دُخُولَ الجَنَّةِ؛ والِاهْتِداءَ؛ عَلَيْهِما؛ وتَقُولُونَ - تارَةً -: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ وتارَةً: ﴿كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ .
﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ وكَذَلِكَ ما عُطِفَ عَلَيْها؛ أيْ: أتُجادِلُونَنا والحالُ أنَّهُ لا وجْهَ لِلْمُجادَلَةِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ (تَعالى) رَبُّنا؛ أيْ: مالِكُ أمْرِنا؛ وأمْرِكُمْ؟ ﴿وَلَنا أعْمالُنا﴾؛ الحَسَنَةُ؛ المُوافِقَةُ لِأمْرِهِ؛ ﴿وَلَكم أعْمالُكُمْ﴾؛ السَّيِّئَةُ؛ المُخالِفَةُ لِحُكْمِهِ؛ ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾؛ في تِلْكَ الأعْمالِ؛ لا نَبْتَغِي بِها إلّا وجْهَهُ؛ فَأنّى لَكُمُ المُحاجَّةُ؛ وادِّعاءُ حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والطَّمَعُ في دُخُولِ الجَنَّةِ بِسَبَبِهِ؛ ودَعْوَةُ النّاسِ إلَيْهِ؟
البقرة 2:140
وَكَلِمَةُ "أمْ" في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أمْ تَقُولُونَ﴾: إمّا مُعادِلَةٌ لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أتُحاجُّونَنا﴾؛ داخِلَةٌ في حَيِّزِ الأمْرِ عَلى مَعْنى: أيَّ الأمْرَيْنِ تَأْتُونَ: إقامَةَ الحُجَّةِ؛ وتَنْوِيرَ البُرْهانِ عَلى حَقِّيَّةِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ؛ والحالُ ما ذُكِرَ؛ أمِ التَّشَبُّثَ بِذَيْلِ التَّقْلِيدِ؛ والِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ؛ وتَقُولُونَ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى﴾؛ فَنَحْنُ بِهِمْ مُقْتَدُونَ؛ والمُرادُ إنْكارُ كِلا الأمْرَيْنِ؛ والتَّوْبِيخُ عَلَيْهِما؛ وإمّا مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِـ "بَلْ"؛ والهَمْزَةُ دالَّةٌ عَلى الإضْرابِ؛ والِانْتِقالِ مِنَ التَّوْبِيخِ عَلى المُحاجَّةِ؛ إلى التَّوْبِيخِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ؛ وقُرِئَ: "أمْ يَقُولُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهي مُنْقَطِعَةٌ لا غَيْرَ؛ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ؛ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ تَوْبِيخًا لَهُمْ؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ لا مِن جِهَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ عَلى نَهْجِ الِالتِفاتِ؛ كَما قِيلَ هَذا؛ وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أتُحاجُّونَنا في شَأْنِ اللَّهِ؛ واصْطِفائِهِ نَبِيًّا مِنَ العَرَبِ دُونَكُمْ؟ لِما رُوِيَ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: الأنْبِياءُ كَلُّهم مِنّا؛ فَلَوْ كُنْتَ نَبِيًّا لَكُنْتَ مِنّا؛ فَنَزَلَتْ. ومَعْنى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ رَبُّنا ورَبُّكم ولَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكُمْ﴾: أنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ (تَعالى) بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؛ يُصِيبُ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ؛ فَلا يَبْعُدُ أنْ يُكْرِمَنا بِأعْمالِنا؛ كَما أكْرَمَكم بِأعْمالِكُمْ؛ كَأنَّهُ ألْزَمَهم عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ يَنْتَحُونَهُ؛ إفْحامًا؛ وتَبْكِيتًا؛ فَإنَّ كَرامَةَ النُّبُوَّةِ إمّا تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ (تَعالى) عَلى مَن يَشاءُ؛ فالكُلُّ فِيهِ سَواءٌ؛ وإمّا إفاضَةُ حَقٍّ عَلى المُسْتَحِقِّينَ لَها بِالمُواظَبَةِ عَلى الطّاعَةِ؛ والتَّحَلِّي بِالإخْلاصِ؛ فَكَما أنَّ لَكم أعْمالًا؛ رُبَّما يَعْتَبِرُها اللَّهُ (تَعالى) في إعْطائِها؛ فَلَنا أيْضًا أعْمالٌ؛ ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ؛ أيْ: لا أنْتُمْ؛ فَمَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وسِياقِهِ؛ لا سِيَّما عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ كَلِمَةِ "أمْ" مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ؛ غَيْرُ صَحِيحٍ في نَفْسِهِ؛ لِما أنَّ المُرادَ بِالأعْمالِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ والسَّيِّئَةِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ أمْرَ الصَّلاحِ؛ والسُّوءِ؛ يَدُورُ عَلى مُوافَقَةِ الدِّينِ؛ المَبْنِيِّ عَلى البَعْثَةِ؛ ومُخالَفَتِهِ؛ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اعْتِبارُ تِلْكَ الأعْمالِ في اسْتِحْقاقِ النُّبُوَّةِ؛ واسْتِعْدادِها المُتَقَدِّمِ عَلى البَعْثَةِ بِمَراتِبَ؟ ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾: إعادَةُ الأمْرِ لَيْسَتْ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ؛ وتَشْدِيدِ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ؛ بَلْ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ؛ بَلْ بَيْنَهُما كَلامٌ لِلْمُخاطَبِينَ؛ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما سَبَقَ؛ مُسْتَتْبِعٌ لِما لَحِقَ؛ قَدْ ضُرِبَ عَنْهُ الذِّكْرُ صَفْحًا؛ لِظُهُورِهِ؛ وهو تَصْرِيحُهم بِما وُبِّخُوا عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾؛ وقَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾؛ فَإنَّ تَكْرِيرَ "قالَ" في المَوْضِعَيْنِ؛ وتَوْسِيطَهُ بَيْنَ قَوْلَيْ قائِلٍ واحِدٍ؛ (p-170)لِلْإيذانِ بِأنَّ بَيْنَهُما كَلامًا لِصاحِبِهِ مُتَعَلِّقًا بِالأوَّلِ؛ والثّانِي؛ بِالتَّبَعِيَّةِ؛ والِاسْتِتْباعِ؛ كَما حُرِّرَ في مَحَلِّهِ؛ أيْ: كَذَّبَهم في ذَلِكَ؛ وبَكَّتَهم قائِلًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ وقَدْ نَفى عَنْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كِلا الأمْرَيْنِ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾؛ واحْتُجَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلا مِن بَعْدِهِ﴾؛ وهَؤُلاءِ المَعْطُوفُونَ عَلَيْهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتْباعُهُ في الدِّينِ وِفاقًا؛ فَكَيْفَ تَقُولُونَ ما تَقُولُونَ؟ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا تَصِفُونَ.
﴿وَمَن أظْلَمُ﴾: إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ؛ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾؛ ثابِتَةً؛ ﴿عِنْدَهُ﴾؛ كائِنَةً؛ ﴿مِنَ اللَّهِ﴾؛ وهي شَهادَتُهُ (تَعالى) لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالحَنِيفِيَّةِ؛ والبَراءَةِ مِنَ اليَهُودِيَّةِ؛ والنَّصْرانِيَّةِ؛ حَسْبَما تُلِيَ آنِفًا؛ فَـ "عِنْدَهُ": صِفَةٌ لِـ "شَهادَةً"؛ وكَذا "مِنَ اللَّهِ"؛ جِيءَ بِهِما لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ؛ وتَأْكِيدِهِ؛ فَإنَّ ثُبُوتَ الشَّهادَةِ عِنْدَهُ؛ وكَوْنَها مِن جَنابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن أقْوى الدَّواعِي إلى إقامَتِها؛ وأشَدِّ الزَّواجِرِ عَنْ كِتْمانِها؛ وتَقْدِيمُ الأوَّلِ؛ مَعَ أنَّهُ مُتَأخِّرٌ في الوُجُودِ؛ لِمُراعاةِ طَرِيقَةِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى؛ والمَعْنى أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ حَيْثُ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ؛ وأثْبَتُوا نَقِيضَها بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ؛ وتَعْلِيقُ الأظْلَمِيَّةِ بِمُطْلَقِ الكِتْمانِ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مَرْتَبَةَ مَن يَرُدُّها ويَشْهَدُ بِخِلافِها في الظُّلْمِ؛ خارِجَةٌ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ أوْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِنّا لَوْ كَتَمْناها؛ فالمُرادُ بِكَتْمِها عَدَمُ إقامَتِها في مَقامِ المُحاجَّةِ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ أهْلِ الكِتابِ عَلى نَحْوِ ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ وفي إطْلاقِ الشَّهادَةِ؛ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها ما ذُكِرَ مِنَ الشَّهادَةِ المَعْنِيَّةِ؛ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ شَهادَةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلنَّبِيِّ ﷺ في التَّوْراةِ؛ والإنْجِيلِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ مِن فُنُونِ السَّيِّئاتِ؛ فَيَدْخُلُ فِيها كِتْمانُهم لِشَهادَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وافْتِراؤُهم عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: هو مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ فَيُعاقِبُكم بِذَلِكَ أشَدَّ عِقابٍ؛ وقُرِئَ: "عَمّا يَعْمَلُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فالضَّمِيرُ إمّا لِـ "مَن كَتَمَ"؛ بِاعْتِبارِ المَعْنى؛ وإمّا لِأهْلِ الكِتابِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَمَن أظْلَمُ﴾؛ إلى آخِرِ الآيَةِ؛ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى) لِوَصْفِهِمْ بِغايَةِ الظُّلْمِ؛ وتَهْدِيدِهِمْ بِالوَعِيدِ.
البقرة 2:141
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: تَكْرِيرٌ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الِافْتِخارِ بِالآباءِ؛ والِاتِّكالِ عَلى أعْمالِهِمْ؛ وقِيلَ: الخِطابُ السّابِقُ لَهُمْ؛ وهَذا لَنا؛ تَحْذِيرًا عَنْ الِاقْتِداءِ بِهِمْ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالأُمَّةِ الأُولى: الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ وبِالثّانِيَةِ: أسْلافُ اليَهُودِ.
البقرة 2:142
﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾: أيْ: الَّذِينَ خَفَّتْ أحْلامُهُمْ؛ واسْتَمْهَنُوها بِالتَّقْلِيدِ؛ والإعْراضِ عَنِ التَّدَبُّرِ؛ والنَّظَرِ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "ثَوْبٌ سَفِيهٌ"؛ إذا كانَ خَفِيفَ النَّسْجِ؛ وقِيلَ: السَّفِيهُ: البَهّاتُ؛ الكَذّابُ؛ المُتَعَمِّدُ خِلافَ ما يَعْلَمُ؛ وقِيلَ: الظَّلُومُ؛ الجَهُولُ؛ والمُرادُ بِالسُّفَهاءِ هُمُ اليَهُودُ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ قالُوهُ إنْكارًا لِلنَّسْخِ؛ وكَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ؛ حَيْثُ كانُوا يَأْنَسُونَ بِمُوافَقَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَهم في القِبْلَةِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُنافِقُونَ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ﴾؛ وإنَّما قالُوهُ لِمُجَرَّدِ الِاسْتِهْزاءِ؛ والطَّعْنِ؛ لا لِاعْتِقادِهِمْ حَقِّيَّةَ القِبْلَةِ الأُولى؛ وبُطْلانَ الثّانِيَةِ؛ إذْ لَيْسَ (p-171)
كُلُّهم مِنَ اليَهُودِ؛ وقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ؛ ولَمْ يَقُولُوهُ كَراهَةً لِلتَّحْوِيلِ إلى مَكَّةَ؛ بَلْ طَعْنًا في الدِّينِ؛ فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: رَغِبَ عَنْ قِبْلَةِ آبائِهِ؛ ثُمَّ رَجَعَ؛ ولَيَرْجِعَنَّ إلى دِينِهِمْ أيْضًا؛ وقِيلَ: هُمُ القادِحُونَ في التَّحْوِيلِ مِنهم جَمِيعًا؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِنَ النّاسِ﴾؛ أيْ: الكَفَرَةِ؛ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ القَوْلَ المَحْكِيَّ لَمْ يَصْدُرْ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ مِن تِلْكَ الطَّوائِفِ الثَّلاثِ؛ بَلْ عَنْ أشْقِيائِهِمُ المُعْتادِينَ لِلْخَوْضِ في فُنُونِ الفَسادِ؛ وهو الأظْهَرُ؛ إذْ لَوْ أُرِيدَ بِهِمْ طائِفَةٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهم لَما كانَ لِبَيانِ كَوْنِهِمْ مِنَ النّاسِ مَزِيدُ فائِدَةٍ؛ وتَخْصِيصُ سُفَهائِهِمْ بِالذِّكْرِ لا يَقْتَضِي تَسْلِيمَ الباقِينَ لِلتَّحْوِيلِ؛ وارْتِضاءَهم إيّاهُ؛ بَلْ عَدَمَ التَّفَوُّهِ بِالقَدْحِ مُطْلَقًا؛ أوْ بِالعِبارَةِ المَحْكِيَّةِ؛ ﴿ما ولاهُمْ﴾؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ صَرَفَهُمْ؟ والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ؛ والنَّفْيِ؛ ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾؛ القِبْلَةُ: "فِعْلَةٌ" مِن "المُقابَلَةُ"؛ كَـ "الوِجْهَةُ"؛ مِن "المُواجَهَةُ"؛ وهي الحالُ الَّتِي يُقابِلُ الشَّيْءُ غَيْرَهُ عَلَيْها؛ كَـ "الجِلْسَةُ"؛ لِلْحالَةِ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الجُلُوسُ؛ يُقالُ: "لا قِبْلَةَ لَهُ؛ ولا دِبْرَةَ"؛ إذا لَمْ يَهْتَدِ لِجِهَةِ أمْرِهِ؛ غَلَبَتْ عَلى الجِهَةِ الَّتِي يَسْتَقْبِلُها الإنْسانُ في الصَّلاةِ؛ والمُرادُ بِها هَهُنا بَيْتُ المَقْدِسِ؛ وإضافَتُها إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ؛ ووَصْفُها بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلى التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ ومُراعاتِها؛ واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها؛ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ؛ فَإنَّ الِاخْتِصاصَ بِالشَّيْءِ؛ والِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بِاعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ مِمّا يُنافِي الِانْصِرافَ عَنْهُ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِالقائِلِينَ اليَهُودُ فَمَدارُ الإنْكارِ كَراهَتُهم لِلتَّحْوِيلِ عَنْها؛ وزَعْمُهم أنَّهُ خَطَأٌ؛ وإنْ أُرِيدَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ فَمَدارُهُ مُجَرَّدُ القَصْدِ إلى الطَّعْنِ في الدِّينِ؛ والقَدْحِ في أحْكامِهِ؛ وإظْهارِ أنَّ كُلًّا مِنَ التَّوَجُّهِ إلَيْها؛ والِانْصِرافِ عَنْها؛ واقِعٌ بِغَيْرِ داعٍ إلَيْهِ؛ لا لِكَراهَتِهِمْ الِانْصِرافَ عَنْها؛ أوِ التَّوَجُّهَ إلى مَكَّةَ. وتَعْلِيقُ الإنْكارِ بِما يُوَلِّيهِمْ عَنْها لا بِما يُوَجِّهُهم إلى غَيْرِها؛ مَعَ تَلازُمِهِما في الوُجُودِ؛ لِما أنَّ تَرْكَ الدِّينِ القَدِيمِ أبْعَدُ عِنْدَ العُقُولِ؛ وإنْكارَ سَبَبِهِ أدْخَلُ؛ لا لِلْإيذانِ بِأنَّ المُنْكِرِينَ هُمُ اليَهُودُ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُنْكَرَ عِنْدَهم هو التَّحْوِيلُ عَنْ خُصُوصِيَّةِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ الَّذِي هو القِبْلَةُ الحَقَّةُ عِنْدَهُمْ؛ لا التَّوَجُّهُ إلى خُصُوصِيَّةِ قِبْلَةٍ أُخْرى؛ أوْ هُمُ المُشْرِكُونَ؛ بِناءً عَلى أنَّ المُنْكَرَ عِنْدَهم تَرْكُ القِبْلَةِ القَدِيمَةِ؛ عَلى وجْهِ الطَّعْنِ؛ والقَدْحِ؛ لا التَّوَجُّهُ إلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّهُ الحَقُّ عِنْدَهُمْ؛ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ؛ كَيْفَ لا.. والمُنافِقُونَ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ؛ لا مَحالَةَ؟ والإخْبارُ بِذَلِكَ قَبْلَ الوُقُوعِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ؛ حَيْثُ وقَعَ كَما أخْبَرَ؛ لِتَوْطِينِ النُّفُوسِ؛ وإعْدادِ ما يُبَكِّتُهُمْ؛ فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ عَلى النَّفْسِ أشَقُّ وأشَدُّ؛ والجَوابُ العَتِيدُ لِشَغَبِ الخَصْمِ الألَدِّ أرَدُّ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أقُولُ عِنْدَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: "قُلْ.." إلَخْ.. أيْ: لِلَّهِ (تَعالى) ناحِيَتا الأرْضِ؛ أيْ: الجِهاتُ كُلُّها؛ مِلْكًا؛ ومُلْكًا؛ وتَصَرُّفًا؛ فَلا اخْتِصاصَ لِناحِيَةٍ مِنها لِذاتِها بِكَوْنِها قِبْلَةً دُونَ ما عَداها؛ بَلْ إنَّما هو بِأمْرِ اللَّهِ - سُبْحانَهُ - ومَشِيئَتِهِ؛ ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾؛ أنْ يَهْدِيَهُ؛ مَشِيئَةً تابِعَةً لِلْحِكَمِ الخَفِيَّةِ؛ الَّتِي لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ؛ ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ مَوَصِّلٍ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ وقَدْ هَدانا إلى ذَلِكَ؛ حَيْثُ أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تارَةً؛ وإلى الكَعْبَةِ أُخْرى؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المُقارِنَةُ لِحِكَمٍ أبِيَّةٍ؛ ومَصالِحَ خَفِيَّةٍ.
البقرة 2:143
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾: تَوْجِيهٌ لِلْخِطابِ إلى المُؤْمِنِينَ (p-172)بَيْنَ الخِطابَيْنِ المُخْتَصَّيْنِ بِالرَّسُولِ ﷺ لِتَأْيِيدِ ما في مَضْمُونِ الكَلامِ مِنَ التَّشْرِيفِ؛ و"ذَلِكَ": إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ "جَعَلْناكُمْ"؛ لا إلى جَعْلٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ؛ كَما قِيلَ؛ وتَوْحِيدُ الكافِ؛ مَعَ القَصْدِ إلى المُؤْمِنِينَ؛ لِما أنَّ المُرادَ مُجَرَّدُ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ؛ والمُنْقَضِي؛ دُونَ تَعْيِينِ المُخاطَبِينَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ؛ وكَمالِ تَمَيُّزِهِ؛ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ؛ والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ وأصْلُ التَّقْدِيرِ: جَعَلْناكم أمَّةً وسَطًا؛ جَعْلًا كائِنًا؛ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ؛ فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ؛ واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً؛ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ؛ فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ؛ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلَ البَدِيعَ جَعَلْناكُمْ؛ ﴿أُمَّةً وسَطًا﴾؛ لا جَعْلًا آخَرَ أدْنى مِنهُ؛ والوَسَطُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِما يَسْتَوِي نِسْبَةُ الجَوانِبِ إلَيْهِ؛ كَمَرْكَزِ الدّائِرَةِ؛ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْخِصالِ المَحْمُودَةِ البَشَرِيَّةِ؛ لَكِنْ لا لِأنَّ الأطْرافَ يَتَسارَعُ إلَيْها الخَلَلُ؛ والإعْوازُ؛ والأوْساطُ مَحْمِيَّةٌ مَحُوطَةٌ؛ كَما قِيلَ؛ واسْتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ ابْنِ أوْسٍ الطّائِيِّ:
؎ كانَتْ هي الوَسَطَ المَحْمِيَّ فاكْتَنَفَتْ ∗∗∗ بِها الحَوادِثُ حَتّى أصْبَحَتْ طَرَفا
فَإنَّ تِلْكَ العَلاقَةَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاعْتِبارِ في هَذا المَقامِ؛ إذْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَها؛ وبَيْنَ أهْلِيَّةِ الشَّهادَةِ؛ الَّتِي جُعِلَتْ غايَةً لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ؛ بَلْ لِكَوْنِ تِلْكَ الخِصالِ أوْساطًا لِلْخِصالِ الذَّمِيمَةِ المُكْتَنِفَةِ بِها؛ مِن طَرَفَيِ الإفْراطِ؛ والتَّفْرِيطِ؛ كالعِفَّةِ الَّتِي طَرَفاها الفُجُورُ؛ والخُمُودُ؛ وكالشَّجاعَةِ الَّتِي طَرَفاها الظُّهُورُ؛ والجُبْنُ؛ وكالحِكْمَةِ الَّتِي طَرَفاها الجَرْبَزَةُ؛ والبَلادَةُ؛ وكالعَدالَةِ الَّتِي هي كَيْفِيَّةٌ مُتَشابِهَةٌ؛ حاصِلَةٌ مِنَ اجْتِماعِ تِلْكَ الأوْساطِ المَحْفُوفَةِ بِأطْرافِها؛ ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى المُتَّصِفِ بِها مُبالَغَةً؛ كَأنَّهُ نَفْسُها؛ وسُوِّيَ فِيهِ بَيْنَ المُفْرَدِ؛ والجَمْعِ؛ والمُذَكَّرِ؛ والمُؤَنَّثِ؛ رِعايَةً لِجانِبِ الأصْلِ؛ كَدَأْبِ سائِرِ الأسْماءِ الَّتِي يُوصَفُ بِها؛ وقَدْ رُوعِيَتْ هَهُنا نُكْتَةٌ رائِقَةٌ؛ هي أنَّ الجَعْلَ المُشارَ إلَيْهِ عِبارَةٌ عَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ مِن هِدايَتِهِ (تَعالى) إلى الحَقِّ؛ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ الَّذِي هو الطَّرِيقُ السَّوِيُّ؛ الواقِعُ في وسَطِ الطُّرُقِ الجائِرَةِ عَنِ القَصْدِ؛ إلى الجَوانِبِ؛ فَإنّا إذا فَرَضْنا خُطُوطًا كَثِيرَةً؛ واصِلَةً بَيْنَ نُقْطَتَيْنِ مُتَقابِلَتَيْنِ؛ فالخَطُّ المُسْتَقِيمُ إنَّما هو الخَطُّ الواقِعُ في وسَطِ تِلْكَ الخُطُوطِ المُنْحَنِيَةِ؛ ومِن ضَرُورَةِ كَوْنِهِ وسَطًا بَيْنَ الطُّرُقِ الجائِرَةِ كَوْنُ الأُمَّةِ المَهْدِيَّةِ إلَيْهِ أمَّةً وسَطًا بَيْنَ الأُمَمِ السّالِكَةِ إلى تِلْكَ الطُّرُقِ الزّائِغَةِ؛ أيْ: مُتَّصِفَةً بِالخِصالِ الحَمِيدَةِ؛ خِيارًا؛ وعُدُولًا؛ مُزَكَّيْنَ بِالعِلْمِ؛ والعَمَلِ؛ ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾؛ بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أوْضَحَ السُّبُلَ؛ وأرْسَلَ الرُّسُلَ؛ فَبَلَّغُوا؛ ونَصَحُوا؛ وذَكَّرُوا؛ فَهَلْ مِن مُدَكِّرٍ؟ وهي غايَةٌ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ؛ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْهِ؛ فَإنَّ العَدالَةَ - كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ حَيْثُ كانَتْ - هي الكَيْفِيَّةُ المُتَشابِهَةُ المُتَألِّفَةُ مِنَ العِفَّةِ الَّتِي هي فَضِيلَةُ القُوَّةِ الشَّهَوِيَّةِ البَهِيمِيَّةِ؛ والشَّجاعَةِ الَّتِي هي فَضِيلَةُ القُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ السَّبُعِيَّةِ؛ والحِكْمَةِ الَّتِي هي فَضِيلَةُ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ المَلَكِيَّةِ؛ المُشارِ إلى رُتْبَتِها بِقَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾؛ كانَ المُتَّصِفُ بِها واقِفًا عَلى الحَقائِقِ المُودَعَةِ في الكِتابِ المُبِينِ؛ المُنْطَوِي عَلى أحْكامِ الدِّينِ؛ وأحْوالِ الأُمَمِ أجْمَعِينَ؛ حاوِيًا لِشَرائِطِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ؛ رُوِيَ أنَّ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ يَجْحَدُونَ تَبْلِيغَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - فَيُطالِبُهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِالبَيِّنَةِ؛ وهو أعْلَمُ؛ إقامَةً لِلْحُجَّةِ عَلى المُنْكِرِينَ؛ وزِيادَةً لِخِزْيِهِمْ بِأنْ كَذَّبَهم مَن بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ؛ فَيُؤْتى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَيَشْهَدُونَ؛ فَيَقُولُ الأُمَمُ: مِن أيْنَ عَرَفْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: عَلِمْنا ذَلِكَ بِإخْبارِ اللَّهِ (تَعالى) في كِتابِهِ النّاطِقِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ الصّادِقِ؛ فَيُؤْتى عِنْدَ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ؛ ويُسْألُ عَنْ حالِ أُمَّتِهِ؛ فَيُزَكِّيهِمْ؛ ويَشْهَدُ بِعَدالَتِهِمْ؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾؛ وكَلِمَةُ (p-173)الِاسْتِعْلاءِ لِما في الشَّهِيدِ مِن مَعْنى الرَّقِيبِ؛ والمُهَيْمِنِ؛ وقِيلَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا؛ فِيما لا يُقْبَلُ فِيهِ الشَّهادَةُ إلّا مِنَ العُدُولِ الأخْيارِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلدَّلالَةِ عَلى اخْتِصاصِ شَهادَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِمْ.
﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾: جَرَّدَ الخِطابَ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ رَمْزًا إلى أنَّ مَضْمُونَ الكَلامِ مِنَ الأسْرارِ الحَقِيقَةِ بِأنْ يُخَصَّ مَعْرِفَتُهُ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولَيْسَ المَوْصُولُ صِفَةً لِـ "القِبْلَةَ"؛ بَلْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ؛ وما قِيلَ مِن أنَّ الجَعْلَ تَحْوِيلُ الشَّيْءِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى؛ فالمُلْتَبِسُ بِالحالَةِ الثّانِيَةِ هو المَفْعُولُ الثّانِي؛ كَما في قَوْلِكَ: جَعَلْتُ الطِّينَ خَزَفًا؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولَ؛ والثّانِي هو القِبْلَةَ؛ فَكَلامٌ صِناعِيٌّ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ بِحَسَبِ النَّظَرِ الجَلِيلِ؛ ولَكِنَّ التَّأمُّلَ اللّائِقَ يَهْدِي إلى العَكْسِ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ إفادَتُهُ لَيْسَ جَعْلَ الجِهَةِ قِبْلَةً لا غَيْرُ؛ كَما يُفِيدُهُ ما ذُكِرَ؛ بَلْ هو جَعْلُ القِبْلَةِ المُحَقَّقَةِ الوُجُودِ هَذِهِ الجِهَةَ دُونَ غَيْرِها؛ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ هي الكَعْبَةُ؛ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي إلَيْها أوَّلًا؛ ثُمَّ لَمّا هاجَرَ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى الصَّخْرَةِ؛ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ؛ أوْ هي الصَّخْرَةُ؛ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّ قِبْلَتَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِمَكَّةَ كانَتْ بَيْتَ المَقْدِسِ؛ إلّا أنَّهُ كانَ يَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ؛ وبَيْنَهُ؛ وعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ لا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالقِبْلَةِ الأُولى الكَعْبَةُ؛ وأمّا الصَّخْرَةُ فَيَتَأتّى إرادَتُها عَلى الرِّوايَتَيْنِ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها؛ آثَرَ ذِي أثِيرٍ؛ وهي الكَعْبَةُ؛ وعَلى الثّانِي وما جَعَلْناها الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قَبْلَ هَذا الوَقْتِ؛ وهي الصَّخْرَةُ؛ ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: وما جَعَلْنا ذَلِكَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ إلّا لِنَمْتَحِنَ النّاسَ؛ أيْ نُعامِلُهم مُعامَلَةَ مَن يَمْتَحِنُهُمْ؛ ونَعْلَمَ حِينَئِذٍ؛ ﴿مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾؛ في التَّوَجُّهِ إلى ما أُمِرَ بِهِ مِنَ الدِّينِ؛ أوِ القِبْلَةِ. والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ؛ مَعَ إيرادِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الِاتِّباعِ؛ ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾؛ يَرْتَدُّ عَنْ دِينِ الإسْلامِ؛ أوْ لا يَتَوَجَّهُ إلى القِبْلَةِ الجَدِيدَةِ؛ أوْ لِنَعْلَمَ الآنَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ لا يَتَّبِعُهُ؛ وما كانَ لِعارِضٍ يَزُولُ بِزَوالِهِ؛ وعَلى الأوَّلِ: ما رَدَدْناكَ إلى ما كُنْتَ عَلَيْهِ إلّا لِنَعْلَمَ الثّابِتَ عَلى الإسْلامِ؛ والنّاكِصَ عَلى عَقِبَيْهِ؛ لِقَلَقِهِ؛ وضَعْفِ إيمانِهِ؛ والمُرادُ بِالعِلْمِ ما يَدُورُ عَلَيْهِ فَلَكُ الجَزاءِ مِنَ العِلْمِ الحالِيِّ؛ أيْ: لِيَتَعَلَّقَ عِلْمُنا بِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ؛ وقِيلَ: المُرادُ: عِلْمُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والمُؤْمِنِينَ؛ وإسْنادُهُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - لِما أنَّهم خَواصُّهُ؛ ولِيَتَمَيَّزَ الثّابِتُ عَنِ المُتَزَلْزِلِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ فَوَضَعَ العِلْمَ مَوْضِعَ التَّمْيِيزِ؛ الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ؛ ويَشْهَدُ لَهُ قِراءَةُ: "لِيُعْلَمَ"؛ عَلى بِناءِ المَجْهُولِ؛ مِن صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ والعِلْمُ: إمّا بِمَعْنى "المَعْرِفَةُ"؛ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِما في "مَن" مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ؛ أوْ مَفْعُولِهِ الثّانِي "مِمَّنْ يَنْقَلِبُ.."؛ إلَخْ.. أيْ: لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مُتَمَيِّزًا مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ؛ ﴿وَإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾؛ أيْ: شاقَّةً؛ ثَقِيلَةً؛ و"إنْ": هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ؛ دَخَلَتْ عَلى ناسِخِ المُبْتَدَإ والخَبَرِ؛ واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها؛ وبَيْنَ النّافِيَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾؛ وزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّها نافِيَةٌ؛ واللّامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ أيْ: ما كانَتْ إلّا كَبِيرَةً؛ والضَّمِيرُ؛ الَّذِي هو اسْمُ "كانَ"؛ راجِعٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾؛ مِنَ الجَعْلَةِ؛ أوِ التَّوْلِيَةِ؛ أوِ التَّحْوِيلَةِ؛ أوِ الرِّدَّةِ؛ أوِ القِبْلَةِ؛ وقُرِئَ: "لَكَبِيرَةٌ"؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّ "كانَ" مَزِيدَةٌ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ∗∗∗ وإخْوانٍ لَنا كانُوا كِرامِ
وَأصْلُهُ: وإنْ هي لَكَبِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: "إنْ زَيْدٌ لَمُنْطَلِقٌ"؛ ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى سِرِّ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ إجْمالًا؛ وتَفْصِيلًا؛ وهُمُ المَهْدِيُّونَ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ؛ الثّابِتُونَ عَلى الإيمانِ؛ واتِّباعِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾؛ أيْ: ما صَحَّ؛ وما اسْتَقامَ لَهُ (p-174)
أنْ يُضِيعَ ثَباتَكم عَلى الإيمانِ؛ بَلْ شَكَرَ صَنِيعَكُمْ؛ وأعَدَّ لَكُمُ الثَّوابَ العَظِيمَ؛ وقِيلَ: إيمانَكم بِالقِبْلَةِ المَنسُوخَةِ؛ وصَلاتَكم إلَيْها؛ لِما رُوِيَ أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا تَوَجَّهَ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: كَيْفَ حالُ إخْوانِنا الَّذِينَ مَضَوْا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَنَزَلَتْ. واللّامُ في "لِيُضِيعَ": إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَبَرِ المُقَدَّرِ لِـ "كانَ"؛ كَما هو رَأْيُ البَصْرِيَّةِ؛ وانْتِصابُ الفِعْلِ بَعْدَها بِـ "أنْ" المُقَدَّرَةِ؛ أيْ: ما كانَ اللَّهُ مُرِيدًا؛ أوْ مُتَصَدِّيًا لِأنْ يُضِيعَ.. إلَخْ.. فَفي تَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى إرادَةِ الفِعْلِ تَأْكِيدٌ؛ ومُبالَغَةٌ؛ لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ؛ وإمّا مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ بِنَفْسِها؛ كَما هو رَأْيُ الكُوفِيَّةِ؛ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ زِيادَتُها؛ كَما لا يَقْدَحُ زِيادَةُ حُرُوفِ الجَرِّ في عَمَلِها؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾: تَحْقِيقٌ؛ وتَقْرِيرٌ لِلْحُكْمِ؛ وتَعْلِيلٌ لَهُ؛ فَإنَّ اتِّصافَهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِما يَقْتَضِي لا مَحالَةَ ألّا يُضِيعَ أُجُورَهُمْ؛ ولا يَدَعَ ما فِيهِ صَلاحُهُمْ؛ والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "رَؤُوفٌ"؛ وتَقْدِيمُهُ عَلى "رَحِيمٌ"؛ مَعَ كَوْنِهِ أبْلَغَ مِنهُ؛ لِما مَرَّ في وجْهِ تَقْدِيمِ "الرَّحْمَنِ"؛ عَلى "الرَّحِيمِ"؛ وقِيلَ: الرَّحْمَةُ أكْثَرُ مِنَ الرَّأْفَةِ في الكَمِّيَّةِ؛ والرَّأْفَةُ أقْوى مِنها في الكَيْفِيَّةِ؛ لِأنَّها عِبارَةٌ عَنْ إيصالِ النِّعَمِ؛ الصّافِيَةِ عَنِ الآلامِ؛ والرَّحْمَةُ إيصالُ النِّعْمَةِ مُطْلَقًا؛ وقَدْ يَكُونُ مَعَ الألَمِ؛ كَقَطْعِ العُضْوِ المُتَآكِلِ؛ وقُرِئَ: "رَؤُفٌ"؛ بِغَيْرِ مَدٍّ كَـ "نَدُسٌ".
البقرة 2:144
﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾: أيْ: تَرَدُّدَهُ؛ وتَصَرُّفَ نَظَرِكَ في جِهَتِها؛ تَطَلُّعًا لِلْوَحْيِ؛ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقَعُ في رَوْعِهِ؛ ويَتَوَقَّعُ مِن رَبِّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُحَوِّلَهُ إلى الكَعْبَةِ؛ لِأنَّها قِبْلَةُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وأدْعى لِلْعَرَبِ إلى الإيمانِ؛ لِأنَّها مَفْخَرَتُهُمْ؛ ومَزارُهُمْ؛ ومَطافُهُمْ؛ ولِمُخالَفَةِ اليَهُودِ؛ فَكانَ يُراعِي نُزُولَ جِبْرِيلَ بِالوَحْيِ بِالتَّحْوِيلِ؛ ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها؛ وهي في الحَقِيقَةِ داخِلَةٌ عَلى قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ اللّامُ؛ أيْ: فَواللَّهِ لَنُوَلِّيَنَّكَ؛ أيْ: لَنُعْطِيَنَّكَها؛ ولَنُمَكِّنَنَّكَ مِنَ اسْتِقْبالِها؛ مِن قَوْلِكَ: "وَلَّيْتُهُ كَذا"؛ أيْ: صَيَّرْتُهُ والِيًا لَهُ؛ أوْ: لَنَجْعَلَنَّكَ تَلِي جِهَتَها؛ أوْ لَنُحَوِّلَنَّكَ؛ عَلى أنَّ نَصْبَ "قِبْلَةً"؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ أيْ: إلى قِبْلَةٍ؛ وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ﴿تَرْضاها﴾؛ تُحِبُّها؛ وتَشْتاقُ إلَيْها؛ لَمَقاصِدَ دِينِيَّةٍ؛ وافَقَتْ مَشِيئَتَهُ (تَعالى)؛ وحِكْمَتَهُ؛ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ﴾: الفاءُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالتَّوْلِيَةِ؛ عَلى الوَعْدِ الكَرِيمِ؛ وتَخْصِيصُ التَّوْلِيَةِ بِالوَجْهِ لِما أنَّهُ مَدارُ التَّوَجُّهِ؛ ومِعْيارُهُ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِهِ كُلُّ البَدَنِ؛ أيْ: فاصْرِفْهُ؛ ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أيْ: نَحْوَهُ؛ وهو نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ مِن "وَلِّ"؛ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أوْ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ لَهُ؛ وقِيلَ: الشَّطْرُ في الأصْلِ: اسْمٌ لِما انْفَصَلَ مِنَ الشَّيْءِ؛ و"دارٌ شَطُورٌ"؛ إذا كانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنِ الدُّورِ؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِجانِبِهِ؛ وإنْ لَمْ يَنْفَصِلْ؛ كَـ "القُطْرُ"؛ والحَرامُ: المُحَرَّمُ؛ أيْ: مُحَرَّمٌ فِيهِ القِتالُ؛ أوْ مَمْنُوعٌ مِنَ الظَّلَمَةِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ؛ وفي ذِكْرِ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ دُونَ الكَعْبَةِ؛ إيذانٌ بِكِفايَةِ مُراعاةِ الجِهَةِ؛ لِأنَّ في مُراعاةِ العَيْنِ مِنَ البَعِيدِ حَرَجًا عَظِيمًا؛ بِخِلافِ القَرِيبِ؛ رُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ؛ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا؛ ثُمَّ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ؛ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في رَجَبٍ؛ بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ؛ قُبَيْلَ قِتالِ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ؛ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في (p-175)مَسْجِدِ بَنِي سَلَمَةَ؛ وقَدْ صَلّى بِأصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ؛ فَتَحَوَّلَ في الصَّلاةِ؛ واسْتَقْبَلَ المِيزابَ؛ وحُوِّلَ الرِّجالُ مَكانَ النِّساءِ؛ والنِّساءُ مَكانَ الرِّجالِ؛ فَسُمِّيَ المَسْجِدُ "مَسْجِدَ القِبْلَتَيْنِ"؛» ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾؛ خُصَّ الرَّسُولُ ﷺ بِالخِطابِ؛ تَعْظِيمًا لِجَنابِهِ؛ وإيذانًا بِإسْعافِ مَرامِهِ؛ ثُمَّ عُمِّمَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ مَعَ التَّعَرُّضِ لِاخْتِلافِ أماكِنِهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِلْحُكْمِ؛ وتَصْرِيحًا بِعُمُومِهِ لِكافَّةِ العِبادِ؛ مِن كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ؛ وحَثًّا لِلْأُمَّةِ عَلى المُتابَعَةِ؛ و"حَيْثُما": شَرْطِيَّةٌ؛ و"كُنْتُمْ": في مَحَلِّ الجَزْمِ بِها؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَوَلُّوا﴾؛ جَوابُها؛ وتَكُونُ هي مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِـ "كُنْتُمْ"؛ نَحْوَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ .
﴿وَإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ مِن فَرِيقَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ﴾؛ أيْ: التَّحْوِيلَ؛ أوْ: التَّوَجُّهَ؛ المَفْهُومَ مِنَ التَّوْلِيَةِ؛ ﴿الحَقُّ﴾؛ لا غَيْرُ؛ لِعِلْمِهِمْ بِأنَّ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - جارِيَةٌ عَلى تَخْصِيصِ كُلِّ شَرِيعَةٍ بِقِبْلَةٍ؛ ومُعايَنَتِهِمْ لِما هو مَسْطُورٌ في كُتُبِهِمْ مِن أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ؛ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّعْبِيرُ عَنْهم بِالِاسْمِ المَوْصُولِ بِإيتاءِ الكِتابِ؛ و"أنَّ"؛ مَعَ اسْمِها وخَبَرِها؛ سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "يَعْلَمُونَ"؛ أوْ مَسَدَّ مَفْعُولِهِ الواحِدِ؛ عَلى أنَّ العِلْمَ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ وقَعَ حالًا مِنَ "الحَقُّ"؛ أيْ: كائِنًا مِن رَبِّهِمْ؛ أوْ صِفَةً لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذْفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ؛ أيْ: الكائِنَ مِن رَبِّهِمْ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ وعْدٌ؛ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ؛ والخِطابُ لِلْكُلِّ؛ تَغْلِيبًا؛ وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهو وعِيدٌ لِأهْلِ الكِتابِ.
البقرة 2:145
﴿وَلَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾: وضَعَ المَوْصُولَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ مِنَ العِنادِ؛ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُرْغِمُهم مِنهُ مِنَ الكِتابِ النّاطِقِ بِحَقِّيَّةِ ما كابَرُوا في قَبُولِهِ؛ ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾؛ أيْ: حُجَّةٍ قَطْعِيَّةٍ؛ دالَّةٍ عَلى حَقِيقَةِ التَّحْوِيلِ؛ واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾: جَوابٌ لِلْقَسَمِ المُضْمَرِ؛ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ؛ والمَعْنى أنَّهم ما تَرَكُوا قِبْلَتَكَ لِشُبْهَةٍ تُزِيلُها الحُجَّةُ؛ وإنَّما خالَفُوكَ مُكابَرَةً؛ وعِنادًا؛ وتَجْرِيدُ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ؛ بَعْدَ تَعْمِيمِهِ لِلْأُمَّةِ؛ لِما أنَّ المُحاجَّةَ؛ والإتْيانَ بِالآيَةِ؛ مِنَ الوَظائِفِ الخاصَّةِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾: جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ؛ لا عَلى جَوابِها؛ مَسُوقَةٌ لِقَطْعِ أطْماعِهِمُ الفارِغَةِ؛ حَيْثُ قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ ثَبَتَّ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ تَكُونَ صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُهُ؛ تَغْرِيرًا لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وطَمَعًا في رُجُوعِهِ؛ وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى دَوامِ مَضْمُونِها؛ واسْتِمْرارِهِ؛ وإفْرادُ قَبِلْتِهِمْ مَعَ تَعَدُّدِها؛ بِاعْتِبارِ اتِّحادِها في البُطْلانِ؛ ومُخالَفَةِ الحَقِّ؛ ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ مَدارَ النَّفْيِ هو التَّعَدُّدُ؛ وقُرِئَ: "بِتابِعِ قِبْلَتِهِمْ"؛ عَلى الإضافَةِ؛ ﴿وَما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾؛ فَإنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ الصَّخْرَةَ؛ والنَّصارى مَطْلِعَ الشَّمْسِ؛ لا يُرْجى تَوافُقُهُمْ؛ كَما لا يُرْجى مُوافَقَتُهم لَكَ؛ لِتَصَلُّبِ كُلِّ فَرِيقٍ فِيما هو فِيهِ؛ ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾؛ الزّائِغَةَ؛ المُتَخالِفَةَ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِن العِلْمِ﴾؛ بِبُطْلانِها؛ وحَقِّيَّةِ ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ وهَذِهِ الشَّرْطِيَّةُ الفَرَضِيَّةُ وارِدَةٌ عَلى مِنهاجِ التَّهْيِيجِ؛ والإلْهابِ؛ لِلثَّباتِ عَلى الحَقِّ؛ أيْ: ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهم فَرَضًا؛ ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾؛ وفِيهِ لُطْفٌ لِلسّامِعِينَ؛ وتَحْذِيرٌ لَهم عَنْ (p-176)مُتابَعَةِ الهَوى؛ فَإنَّ مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ إذا نُهِيَ عَنْهُ؛ ورُتِّبَ عَلى فَرْضِ وُقُوعِهِ ما رُتِّبَ مِنَ الِانْتِظامِ في سِلْكِ الرّاسِخِينَ في الظُّلْمِ؛ فَما ظَنُّ مَن لَيْسَ كَذَلِكَ؟ و"إذَنْ" حَرْفُ جَوابٍ؛ وجَزاءٍ؛ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ اسْمِ "إنَّ"؛ وخَبَرِها؛ لِتَقْرِيرِ ما بَيْنَهُما مِنَ النِّسْبَةِ؛ إذْ كانَ حَقُّها أنْ تَتَقَدَّمَ؛ أوْ تَتَأخَّرَ؛ فَلَمْ تَتَقَدَّمْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّها لِتَقْرِيرِ النِّسْبَةِ الَّتِي بَيْنَ الشَّرْطِ؛ وجَوابِهِ المَحْذُوفِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ جَوابُ القَسَمِ؛ ولَمْ تَتَأخَّرْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ؛ ولَقَدْ بُولِغَ في التَّأْكِيدِ مِن وُجُوهٍ؛ تَعْظِيمًا لِلْحَقِّ المَعْلُومِ؛ وتَحْرِيضًا عَلى اقْتِفائِهِ؛ وتَحْذِيرًا عَنْ مُتابَعَةِ الهَوى؛ واسْتِعْظامًا لِصُدُورِ الذَّنْبِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
البقرة 2:146
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾: أيْ: عُلَماؤُهُمْ؛ إذْ هُمُ العُمْدَةُ في إيتائِهِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ؛ والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ لَيْسَ مَعْرِفَتَهم لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِن حَيْثُ ذاتُهُ؛ ونَسَبُهُ الزّاهِرُ؛ بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَسْطُورًا في الكِتابِ؛ مَنعُوتًا فِيهِ بِالنُّعُوتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُصَلِّي إلى القِبْلَتَيْنِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَ مَن وصَفْناهُ فِيهِ؛ وبِهَذا يَظْهَرُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وقِيلَ: هو إضْمارٌ قَبْلَ الذِّكْرِ؛ لِلْإشْعارِ بِفَخامَةِ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهُ عِلْمٌ مَعْلُومٌ بِغَيْرِ إعْلامٍ؛ فَتَأمَّلْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْعِلْمِ؛ أوْ سَبَبِهِ الَّذِي هو الوَحْيُ؛ أوِ القرآن؛ أوِ التَّحْوِيلُ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾؛ أيْ: يَعْرِفُونَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأوْصافِهِ الشَّرِيفَةِ؛ المَكْتُوبَةِ في كِتابِهِمْ؛ ولا يُشْتَبَهُ عَلَيْهِمْ كَما لا يُشْتَبَهُ أبْناؤُهُمْ؛ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ؛ دُونَ ما يَعُمُّ البَناتِ؛ لِكَوْنِهِمْ أعْرَفُ عِنْدَهم مِنهُنَّ؛ بِسَبَبِ كَوْنِهِمْ أحَبَّ إلَيْهِمْ؛ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَقالَ: أنا أعْلَمُ بِهِ مِنِّي بِابْنِي؛ قالَ: ولِمَ؟ قالَ: لِأنِّي لَسْتُ أشُكُّ فِيهِ أنَّهُ نَبِيٌّ؛ فَأمّا ولَدِي فَلَعَلَّ والِدَتَهُ خانَتْ؛ فَقَبَّلَ عُمَرُ رَأْسَهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
﴿وَإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾: هُمُ الَّذِينَ كابَرُوا وعانَدُوا الحَقَّ؛ والباقُونَ هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهُمْ؛ فَإنَّهم يُظْهِرُونَ الحَقَّ؛ ولا يَكْتُمُونَهُ؛ وأمّا الجَهَلَةُ مِنهم فَلَيْسَتْ لَهم مَعْرِفَةٌ بِالكِتابِ؛ ولا بِما في تَضاعِيفِهِ؛ فَما هم بِصَدَدِ الإظْهارِ؛ ولا بِصَدَدِ الكَتْمِ؛ وإنَّما كُفْرُهم عَلى وجْهِ التَّقْلِيدِ.
البقرة 2:147
﴿الحَقُّ﴾: بِالرَّفْعِ؛ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ خَبَرُهُ؛ واللّامُ لِلْعَهْدِ؛ والإشارَةِ إلى ما عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ؛ أوْ إلى الحَقِّ الَّذِي يَكْتُمُونَهُ؛ أوْ لِلْجِنْسِ؛ والمَعْنى أنَّ الحَقَّ ما ثَبَتَ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ كالَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ؛ لا غَيْرُهُ؛ كالَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ؛ أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَقُّ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿مِن رَبِّكَ﴾: إمّا حالٌ؛ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "يَعْلَمُونَ"؛ وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى؛ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾؛ أيْ: الشّاكِّينَ في كِتْمانِهِمُ الحَقَّ؛ عالِمِينَ بِهِ؛ وقِيلَ: في أنَّهُ مِن رَبِّكَ؛ ولَيْسَ المُرادُ بِهِ نَهْيَ الرَّسُولِ ﷺ عَنِ الشَّكِّ فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُتَوَقَّعٍ (p-177)مِنهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ ولَيْسَ بِقَصْدٍ؛ واخْتِيارٍ؛ بَلْ إمّا تَحْقِيقُ الأمْرِ؛ وأنَّهُ بِحَيْثُ لا يَشُكُّ فِيهِ ناظِرٌ؛ أوْ أمْرُ الأُمَّةِ بِاكْتِسابِ المَعارِفِ المُزِيحَةِ لِلشَّكِّ؛ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ.
البقرة 2:148
﴿وَلِكُلٍّ﴾ أيْ: ولِكُلِّ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ؛ عَلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ؛ ﴿وِجْهَةٌ﴾؛ أيْ: قِبْلَةٌ؛ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ؛ أوْ لِكُلِّ قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ جانِبٌ مِن جَوانِبِ الكَعْبَةِ؛ ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾: أحَدُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مُوَلِّيها وجْهَهُ؛ أوْ: اللَّهُ مَوَلِّيها إيّاهُ؛ وقُرِئَ: "وَلِكُلِّ وِجْهَةٍ"؛ بِالإضافَةِ؛ والمَعْنى: ولِكُلِّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها أهْلُها؛ واللّامُ مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ؛ وجَبْرِ ضَعْفِ العامِلِ؛ وقُرِئَ: "مَوْلاها"؛ أيْ: مَوْلى تِلْكَ الجِهَةِ؛ قَدْ ولِيَها؛ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾؛ أيْ: تَسابَقُوا إلَيْها؛ بِنَزْعِ الجارِّ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ ثَنائِي عَلَيْكم آلَ حَرْبٍ ومَن يَمِلْ ∗∗∗ سِواكم فَإنِّي مُهْتَدٍ غَيْرُ مائِلِ
وَهُوَ أبْلَغُ مِنَ الأمْرِ بِالمُسارَعَةِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الحَثِّ عَلى إحْرازِ قَصَبِ السَّبْقِ؛ والمُرادُ بِـ "الخَيْراتِ": جَمِيعُ أنْواعِها؛ مِن أمْرِ القِبْلَةِ؛ وغَيْرِهِ؛ مِمّا يُنالُ بِهِ سَعادَةُ الدّارَيْنِ؛ أوِ الفاضِلاتُ مِنَ الجِهاتِ؛ وهي المُسامِتَةُ لِلْكَعْبَةِ؛ ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾: أيْ: في أيِّ مَوْضِعٍ تَكُونُوا مِن مُوافِقٍ؛ أوْ مُخالِفٍ؛ مُجْتَمِعِ الأجْزاءِ؛ أوْ مُتَفَرِّقِها؛ يَحْشُرْكُمُ اللَّهُ (تَعالى) إلى المَحْشَرِ؛ لِلْجَزاءِ؛ أوْ: أيْنَما تَكُونُوا مِن أعْماقِ الأرْضِ؛ وقُلَلِ الجِبالِ؛ يَقْبِضْ أرْواحَكُمْ؛ أوْ: أيْنَما تَكُونُوا مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ؛ المُتَقابِلَةِ؛ يَجْعَلْ صَلَواتِكم كَأنَّها صَلاةٌ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فَيَقْدِرُ عَلى الإماتَةِ؛ والإحْياءِ؛ والجَمْعِ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِلْحُكْمِ السّابِقِ.
البقرة 2:149
﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾: تَأْكِيدٌ لِحُكْمِ التَّحْوِيلِ؛ وتَصْرِيحٌ بِعَدَمِ تَفاوُتِ الأمْرِ في حالَتَيِ السَّفَرِ؛ والحَضَرِ؛ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَلِّ﴾؛ أوْ بِمَحْذُوفٍ؛ عُطِفَ هو عَلَيْهِ؛ أيْ: مِن أيِّ مَكانٍ خَرَجَتْ إلَيْهِ لِلسَّفَرِ فَوَلِّ؛ ﴿وَجْهَكَ﴾؛ عِنْدَ صَلاتِكَ؛ ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أوْ: افْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن أيِّ مَكانٍ خَرَجْتَ إلَيْهِ فُولِّ.. إلَخْ..
﴿وَإنَّهُ﴾؛ أيْ هَذا الأمْرَ؛ ﴿لَلْحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: الثّابِتُ؛ المُوافِقُ لِلْحِكْمَةِ؛ ﴿وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾؛ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ أحْسَنَ جَزاءٍ؛ فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وقُرِئَ: "يَعْمَلُونَ"؛ عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ؛ فَهو وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ.
البقرة 2:150
﴿وَمِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾؛ إلَيْهِ في أسْفارِكَ؛ ومَغازِيكَ؛ مِنَ المَنازِلِ القَرِيبَةِ؛ والبَعِيدَةِ؛ ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ آنِفًا؛ ﴿وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾؛ مِن أقْطارِ الأرْضِ؛ مُقِيمِينَ؛ أوْ مُسافِرِينَ؛ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ إيثارُ (p-178)
"كُنْتُمْ"؛ عَلى "خَرَجْتُمْ"؛ فَإنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكافَّةِ المُؤْمِنِينَ؛ المُنْتَشِرِينَ في الآفاقِ؛ مِنَ الحاضِرِينَ؛ والمُسافِرِينَ؛ فَلَوْ قِيلَ: "وَحَيْثُما خَرَجْتُمْ"؛ لَما تَناوَلَ الخِطابُ المُقِيمِينَ في الأماكِنِ المُخْتَلِفَةِ؛ مِن حَيْثُ إقامَتُهم فِيها؛ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ مِن مَحالِّكُمْ؛ ﴿شَطْرَهُ﴾؛ والتَّكْرِيرُ لِما أنَّ القِبْلَةَ لَها شَأْنٌ خَطِيرٌ؛ والنَّسْخُ مِن مَظانِّ الشُّبْهَةِ؛ والفِتْنَةِ؛ فَبِالحَرِيِّ أنْ يُؤَكِّدَ أمْرَها مَرَّةً غِبَّ أُخْرى؛ مَعَ أنَّهُ قَدْ ذَكَرَ في كُلِّ مَرَّةٍ حِكْمَةً مُسْتَقِلَّةً؛
﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَوَلُّوا﴾؛ وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِئَلّا.. إلَخْ.. والمَعْنى أنَّ التَّوْلِيَةَ عَنِ الصَّخْرَةِ تَدْفَعُ احْتِجاجَ اليَهُودِ بِأنَّ المَنعُوتَ في التَّوْراةِ مِن أوْصافِهِ أنَّهُ يُحَوَّلُ إلى الكَعْبَةِ؛ واحْتِجاجَ المُشْرِكِينَ بِأنَّهُ يَدَّعِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ ويُخالِفُ قِبْلَتَهُ؛ ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾؛ وهم أهْلُ مَكَّةَ؛ أيْ: لِئَلّا يَكُونَ لِأحَدٍ مِنَ النّاسِ حُجَّةٌ إلّا المُعانِدِينَ مِنهُمْ؛ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ما تَحَوَّلَ إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ؛ وحُبًّا لِبَلَدِهِ؛ أوْ بَدا لَهُ فَرَجَعَ إلى قِبْلَةِ آبائِهِ؛ ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِهِمْ؛ وتَسْمِيَةُ هَذِهِ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ "حُجَّةً"؛ مَعَ أنَّها أفْحَشُ الأباطِيلِ؛ مِن قَبِيلِ ما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾؛ حَيْثُ كانُوا يَسُوقُونَها مَساقَ الحُجَّةِ؛ وقِيلَ: الحُجَّةُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الِاحْتِجاجِ؛ وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ الحُجَّةِ رَأْسًا؛ كالَّذِي في قَوْلِهِ:
؎ ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ضَرُورَةَ أنْ لا حُجَّةَ لِلظّالِمِ؛ وقُرِئَ: "ألا الَّذِينَ"؛ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ؛ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ؛ ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ فَإنَّ مَطاعِنَهم لا تَضُرُّكم شَيْئًا؛ ﴿واخْشَوْنِي﴾؛ فَلا تُخالِفُوا أمْرِي؛ ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم ولَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾؛ عِلَّةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ أيْ: وأمَرْتُكم بِما مَرَّ لِإتْمامِ النِّعْمَةِ عَلَيْكُمْ؛ لِما أنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ؛ ولِإرادَتِي اهْتِداءَكم لِما أنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ؛ مُؤَدٍّ إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾؛ وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الإرادَةِ بِكَلِمَةِ "لَعَلَّ" - المَوْضُوعَةِ لِلتَّرَجِّي؛ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ؛ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ العِنايَةِ بِالهِدايَةِ - ما لا يَخْفى؛ أوْ عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: واخْشَوْنِي لِأحْفَظَكم عَنْهُمْ؛ وأُتِمَّ.. إلَخْ.. أوْ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِئَلا يَكُونَ﴾؛ وتَوَسُّطُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ إلَخْ.. بَيْنَهُما؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّسْلِيَةِ؛ والتَّثْبِيتِ؛ وفي الخَبَرِ: « "تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ"؛» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ.
البقرة 2:151
﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾: مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ؛ والظَّرْفُ الأوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ؛ قُدِّمَ عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِما في صِفاتِهِ مِنَ الطُّولِ؛ والظَّرْفُ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ صِفَةً لِـ "رَسُولًا"؛ مُبَيِّنَةً لِتَمامِ النِّعْمَةِ؛ أيْ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في أمْرِ القِبْلَةِ؛ أوْ في الآخِرَةِ؛ إتْمامًا كائِنًا كَإتْمامِي لَها بِإرْسالِ رَسُولٍ كائِنٍ مِنكُمْ؛ فَإنَّ إرْسالَ الرَّسُولِ؛ لا سِيَّما المُجانِسُ لَهُمْ؛ نِعْمَةٌ لا يُكافِئُها نِعْمَةٌ قَطُّ؛ وقِيلَ: مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: "كَما ذُكِّرْتُمْ بِالإرْسالِ فاذْكُرُونِي.. إلَخْ.."؛ وإيثارُ صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ؛ بَعْدَ التَّوْحِيدِ فِيما قَبْلَهُ؛ افْتِنانٌ؛ وجَرَيانٌ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ؛ ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا﴾: صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ "رَسُولًا"؛ كاشِفَةٌ لِكَمالِ النِّعْمَةِ؛ ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "يَتْلُو"؛ أيْ: يَحْمِلُكم عَلى ما تَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ؛ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾: صِفَةٌ أُخْرى؛ مُتَرَتِّبَةٌ في الوُجُودِ عَلى التِّلاوَةِ؛ وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي (p-179)هِيَ عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ؛ بِحَسَبِ القُوَّةِ العَمَلِيَّةِ؛ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّعِ عَلى تَكْمِيلِها؛ بِحَسَبِ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ؛ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ؛ عَلى حِيالِها؛ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ؛ فَلَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾؛ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنُ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً؛ كَما مَرَّ نَظِيرُهُ في قِصَّةِ البَقَرَةِ؛ وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القرآن تارَةً بِـ "الآياتِ"؛ وأُخْرى بِـ "الكِتابِ والحِكْمَةِ"؛ رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةً عَلى حِدَةٍ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ شُمُولُ الحِكْمَةِ لِما في تَضاعِيفِ الأحادِيثِ الشَّرِيفَةِ مِنَ الشَّرائِعِ. وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾: صَرِيحٌ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ المَوْصُولَ؛ مَعَ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الكِتابِ والحِكْمَةِ قَطْعًا؛ قَدْ عُطِفَ تَعْلِيمُهُ عَلى تَعْلِيمِهِما؛ وما ذَلِكَ إلّا لِتَفْصِيلِ فُنُونِ النِّعَمِ في مَقامٍ يَقْتَضِيهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾؛ عُقَيْبَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾؛ والمُرادُ بِعَدَمِ عِلْمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَعْلَمُوهُ بِالفِكْرِ؛ والنَّظَرِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن طُرُقِ العِلْمِ؛ لِانْحِصارِ الطَّرِيقِ في الوَحْيِ.
البقرة 2:152
﴿فاذْكُرُونِي﴾: الفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن مُوجِباتِهِ؛ أيْ: فاذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ؛ ﴿أذْكُرْكُمْ﴾؛ بِالثَّوابِ؛ وهو تَحْرِيضٌ عَلى الذِّكْرِ؛ مَعَ الإشْعارِ بِما يُوجِبُهُ؛ ﴿واشْكُرُوا لِي﴾؛ ما أنْعَمْتُ بِهِ عَلَيْكم مِنَ النِّعَمِ؛ ﴿وَلا تَكْفُرُونِ﴾؛ بِجَحْدِها؛ وعِصْيانِ ما أمَرْتُكم بِهِ.
البقرة 2:153
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وصَفَهم بِالإيمانِ إثْرَ تَعْدادِ ما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ؛ تَنْشِيطًا لَهُمْ؛ وحَثًّا عَلى مُراعاةِ ما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ؛ ﴿اسْتَعِينُوا﴾؛ في كُلِّ ما تَأْتُونَ؛ وما تَذَرُونَ؛ ﴿بِالصَّبْرِ﴾؛ عَلى الأُمُورِ الشّاقَّةِ عَلى النَّفْسِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُعاداةُ الكَفَرَةِ؛ ومُقابَلَتُهُمُ المُؤَدِّيَةُ إلى مُقاتَلَتِهِمْ؛ ﴿والصَّلاةِ﴾؛ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ؛ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ؛ ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾: تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ خاصَّةً؛ لِما أنَّهُ المُحْتاجُ إلى التَّعْلِيلِ؛ وأمّا الصَّلاةُ؛ فَحَيْثُ كانَتْ عِنْدَ المُؤْمِنِينَ أجَلَّ المَطالِبِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ"؛» لَمْ يَفْتَقِرِ الأمْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِها إلى التَّعْلِيلِ؛ ومَعْنى المَعِيَّةِ: الوِلايَةُ الدّائِمَةُ؛ المُسْتَتْبِعَةُ لِلنُّصْرَةِ؛ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ. ودُخُولُ "مَعَ" عَلى "الصّابِرِينَ"؛ لِما أنَّهُمُ المُباشِرُونَ لِلصَّبْرِ حَقِيقَةً؛ فَهم مَتْبُوعُونَ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ.
البقرة 2:154
﴿وَلا تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى "اسْتَعِينُوا.."؛ إلَخْ.. مَسُوقٌ لِبَيانِ أنْ لا غائِلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ؛ وأنَّ الشَّهادَةَ الَّتِي رُبَّما يُؤَدِّي إلَيْها الصَّبْرُ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ؛ ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾؛ أيْ: هم أمْواتٌ؛ ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾؛ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ؛ ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بِحَياتِهِمْ؛ وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِمّا يُشْعَرُ بِهِ بِالمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ مِنَ الحَياةِ الجُسْمانِيَّةِ؛ وإنَّما هي أمْرٌ رُوحانِيٌّ؛ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ؛ بَلْ بِالوَحْيِ؛ وعَنِ الحَسَنِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ (تَعالى)؛ تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ؛ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ؛ كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا؛ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الألَمُ؛ والوَجَعُ. قُلْتُ: رَأيْتُ في المَنامِ؛ سَنَةَ (p-180)تِسْعٍ وثَلاثِينَ وتِسْعِمائَةٍ؛ أنِّي أزُورُ قُبُورَ شُهَداءِ أُحُدٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهم أجْمَعِينَ - وأنا أتْلُو هَذِهِ الآيَةَ؛ وما في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ"؛ وأُرَدِّدُهُما مُتَفَكِّرًا في أمْرِهِمْ؛ وفي نَفْسِي أنَّ حَياتَهم رُوحانِيَّةٌ؛ لا جُسْمانِيَّةٌ؛ فَبَيْنَما أنا عَلى ذَلِكَ إذْ رَأيْتُ شابًّا مِنهم قاعِدًا في قَبْرِهِ؛ تامَّ الجَسَدِ؛ كامِلَ الخِلْقَةِ؛ في أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الهَيْئَةِ والمَنظَرِ؛ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ اللِّباسِ؛ قَدْ بَدا مِنهُ ما فَوْقَ السُّرَّةِ؛ والباقِي في القَبْرِ؛ خَلا أنِّي أعْلَمُ يَقِينًا أنَّ ذَلِكَ أيْضًا كَما ظَهَرَ؛ وإنَّما لا يَظْهَرُ لِكَوْنِهِ عَوْرَةً؛ فَنَظَرْتُ إلى وجْهِهِ؛ فَرَأيْتُهُ يَنْظُرُ إلَيَّ مُبْتَسِمًا؛ كَأنَّهُ يُنَبِّهُنِي عَلى أنَّ الأمْرَ بِخِلافِ رَأْيِي؛ فَسُبْحانَ مَن عَلَتْ كَلِمَتُهُ؛ وجَلَّتْ حِكْمَتُهُ؛ وقِيلَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ؛ وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ؛ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْواحَ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها؛ مُغايِرَةٌ لِما يُحَسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ؛ تَبْقى بَعْدَ المَوْتِ دَرّاكَةً؛ وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ - رِضْوانُ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -؛ وبِهِ نَطَقَتِ الآياتُ والسُّنَنُ؛ وعَلى هَذا فَتَخْصِيصُ الشُّهَداءِ بِذَلِكَ لِما يَسْتَدْعِيهِ مَقامُ التَّحْرِيضِ عَلى مُباشَرَةِ مَبادِي الشَّهادَةِ؛ ولِاخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وعَلا.
البقرة 2:155
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: لَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ أحْوالَكُمْ؛ أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؛ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؛ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ ما وقاهم عَنْهُ أكْثَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أصابَهم بِألْفِ مَرَّةٍ؛ وكَذا ما يُصِيبُ بِهِ مُعانِدِيهِمْ؛ وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ؛ ويَزْدادَ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ؛ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ؛ ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: عَطْفٌ عَلى "شَيْءٍ"؛ وقِيلَ: عَلى "الخَوْفِ"؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ؛ والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ؛ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ: الزَّكاةُ والصَّدَقاتُ؛ ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ؛ ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ"؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ (تَعالى) لِلْمَلائِكَةِ: "أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ - عَزَّ وجَلَّ -: "أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ (تَعالى): "ماذا قالَ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ؛ واسْتَرْجَعَ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا -: "ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ"؛» ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ. والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ"؛» ولَيْسَ الصَّبْرُ هو الِاسْتِرْجاعُ بِاللِّسانِ؛ بَلْ بِالقَلْبِ؛ بِأنْ يَتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ؛ وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ؛ ويَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِ؛ ويَرى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافَ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ؛ فَيُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويَسْتَسْلِمُ؛ والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ؛ .
البقرة 2:156
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾: لَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ أحْوالَكُمْ؛ أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؛ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؛ ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾؛ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ؛ فَإنَّ ما وقاهم عَنْهُ أكْثَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى ما أصابَهم بِألْفِ مَرَّةٍ؛ وكَذا ما يُصِيبُ بِهِ مُعانِدِيهِمْ؛ وإنَّما أخْبَرَ بِهِ قَبْلَ الوُقُوعِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ؛ ويَزْدادَ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ؛ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ؛ ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ لَهُ عاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ؛ ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾: عَطْفٌ عَلى "شَيْءٍ"؛ وقِيلَ: عَلى "الخَوْفِ"؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: "الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ؛ والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ؛ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ: الزَّكاةُ والصَّدَقاتُ؛ ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ؛ ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ"؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ (تَعالى) لِلْمَلائِكَةِ: "أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ - عَزَّ وجَلَّ -: "أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟"؛ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ (تَعالى): "ماذا قالَ عَبْدِي؟"؛ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ؛ واسْتَرْجَعَ؛ فَيَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وعَلا -: "ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ"؛» ﴿وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ. والمُصِيبَةُ: ما يُصِيبُ الإنْسانَ مِن مَكْرُوهٍ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "كُلُّ شَيْءٍ يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو لَهُ مُصِيبَةٌ"؛» ولَيْسَ الصَّبْرُ هو الِاسْتِرْجاعُ بِاللِّسانِ؛ بَلْ بِالقَلْبِ؛ بِأنْ يَتَصَوَّرَ ما خُلِقَ لَهُ؛ وأنَّهُ راجِعٌ إلى رَبِّهِ؛ ويَتَذَكَّرَ نِعَمَ اللَّهِ (تَعالى) عَلَيْهِ؛ ويَرى أنَّ ما أبْقى عَلَيْهِ أضْعافَ ما اسْتَرَدَّهُ مِنهُ؛ فَيُهَوِّنُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ؛ ويَسْتَسْلِمُ؛ والمُبَشَّرُ بِهِ مَحْذُوفٌ؛ دَلَّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ؛ .
البقرة 2:157
﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الصّابِرِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ؛ ومَعْنى البُعْدِ فِيهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ؛ ﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾؛ (p-181)الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ - سُبْحانَهُ -: المَغْفِرَةُ؛ والرَّأْفَةُ؛ وجَمْعُها لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَثْرَتِها؛ وتَنَوُّعِها؛ والجَمْعُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الرَّحْمَةِ لِلْمُبالَغَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾؛ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾؛ والتَّنْوِينَ فِيهِما لِلتَّفْخِيمِ؛ والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية؛ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ؛ لِإظْهارِ مَزِيدِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ فُنُونُ الرَّأْفَةِ؛ الفائِضَةِ مِن مالِكِ أُمُورِهِمْ؛ ومُبَلِّغِهِمْ إلى كَمالاتِهِمُ اللّائِقَةِ بِهِمْ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ؛ وأحْسَنَ عُقْباهُ؛ وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ"؛» ﴿وَأُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلَيْهِمْ؛ إمّا بِالِاعْتِبارِ السّابِقِ؛ والتَّكْرِيرُ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِهِمْ؛ وإمّا بِاعْتِبارِ حِيازَتِهِمْ لِما ذُكِرَ مِنَ الصَّلَواتِ؛ والرَّحْمَةِ؛ المُتَرَتِّبِ عَلى الِاعْتِبارِ الأوَّلِ؛ فَعَلى الأوَّلِ المُرادُ بِالِاهْتِداءِ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُمُ المُهْتَدُونَ﴾؛ هو الِاهْتِداءُ لِلْحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ مُطْلَقًا؛ لا الِاهْتِداءُ لِما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ؛ والِاسْتِسْلامِ؛ خاصَّةً؛ لِما أنَّهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِما؛ فَلا بُدَّ لِتَأْخِيرِهِ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لَهُما مِن داعٍ يُوجِبُهُ؛ ولَيْسَ بِظاهِرٍ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وأُولَئِكَ هُمُ المُخْتَصُّونَ بِالِاهْتِداءِ لِكُلِّ حَقٍّ وصَوابٍ؛ ولِذَلِكَ اسْتَرْجَعُوا؛ واسْتَسْلَمُوا لِقَضاءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وعَلى الثّانِي هو الِاهْتِداءُ؛ والفَوْزُ بِالمَطالِبِ؛ والمَعْنى: أُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ بِمَباغِيهِمُ الدِّينِيَّةِ؛ والدُّنْيَوِيَّةِ؛ فَإنَّ مَن نالَ رَأْفَةَ اللَّهِ (تَعالى)؛ ورَحْمَتَهُ لَمْ يَفُتْهُ مَطْلَبٌ.
البقرة 2:158
﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾: عَلَمانِ لِجَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ المُعَظَّمَةِ؛ كالصَّمّانِ؛ والمُقَطَّمِ؛ ﴿مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾؛ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ؛ جَمْعُ "شَعِيرَةٌ"؛ وهي العَلامَةُ؛ ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ﴾؛ الحَجُّ (فِي اللُّغَةِ: القَصْدُ. والِاعْتِمارُ: الزِّيارَةُ. غَلَبا في الشَّرِيعَةِ عَلى قَصْدِ البَيْتِ؛ وزِيارَتِهِ؛ عَلى الوَجْهَيْنِ المَعْرُوفَيْنِ؛ كَـ "البَيْتُ"؛ و"النَّجْمُ"؛ في الأعْيانِ؛ وحَيْثُ أُظْهِرَ البَيْتُ وجَبَ تَجْرِيدُهُ عَنِ التَّعَلُّقِ بِهِ؛ ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾؛ أيْ: في أنْ يَطُوفَ بِهِما؛ أصْلُهُ: "يَتَطَوَّفُ"؛ قُلِبَتِ التّاءُ طاءً؛ فَأُدْغِمَتِ الطّاءُ في الطّاءِ؛ وفي إيرادِ صِيغَةِ التَّفَعُّلِ إيذانٌ بِأنَّ مِن حَقِّ الطّائِفِ أنْ يَتَكَلَّفَ في الطَّوافِ؛ ويَبْذُلَ فِيهِ جُهْدَهُ؛ وهَذا الطَّوافُ واجِبٌ عِنْدَنا؛ وعَنْ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ - رَحِمَهُما اللَّهُ - أنَّهُ رُكْنٌ؛ وإيرادُهُ بِعَدَمِ الجُناحِ؛ المُشْعِرِ بِالتَّخْيِيرِ؛ لِما أنَّهُ كانَ في عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ عَلى الصَّفا صَنَمٌ؛ يُقالُ لَهُ: إسافُ؛ وعَلى المَرْوَةِ آخَرُ؛ اسْمُهُ: نائِلَةُ؛ وكانُوا إذا سَعَوْا بَيْنَهُما مَسَحُوا بِهِما؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ؛ وكَسَّرَ الأصْنامَ؛ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَهُما لِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هو تَطَوُّعٌ؛ ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما"؛ ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ أيْ: فَعَلَ طاعَةً؛ فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا؛ أوْ زادَ عَلى ما فُرِضَ عَلَيْهِ مِن حَجٍّ؛ أوْ عُمْرَةٍ؛ أوْ طَوافٍ؛ و"خَيْرًا" حِينَئِذٍ نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تَطَوُّعًا خَيْرًا؛ أوْ عَلى حَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ؛ أوْ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى "فَعَلَ"؛ وقُرِئَ: "يَطَّوَّعْ"؛ وأصْلُهُ: "يَتَطَوَّعْ"؛ مِثْلَ "يَطَّوَّفَ"؛ وقُرِئَ: "وَمَن يَتَطَوَّعْ بِخَيْرٍ"؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ﴾؛ أيْ: مُجازٍ عَلى الطّاعَةِ؛ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالشُّكْرِ؛ مُبالَغَةً في الإحْسانِ إلى العِبادِ؛ ﴿عَلِيمٌ﴾: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ؛ فَيَعْلَمُ مَقادِيرَ أعْمالِهِمْ؛ وكَيْفِيّاتِها؛ فَلا يُنْقِصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا؛ وهو عِلَّةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ؛ قائِمٌ مَقامَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا جازاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ وأثابَهُ؛ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
البقرة 2:159
(p-182)﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾: قِيلَ: نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كَتَمُوا ما في التَّوْراةِ مِن نُعُوتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ؛ والحَسَنِ؛ والسُّدِّيِّ؛ والرَّبِيعِ؛ والأصَمِّ؛ أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلِّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الدِّينِ؛ لِعُمُومِ الحُكْمِ لِلْكُلِّ؛ والأقْرَبُ هو الأوَّلُ؛ فَإنَّ عُمُومَ الحُكْمِ لا يَأْبى خُصُوصَ السَّبَبِ. والكَتْمُ؛ والكِتْمانَ: تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ قَصْدًا؛ مَعَ مِساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ وتَحَقُّقِ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ؛ وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ سَتْرِهِ؛ وإخْفائِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ بِإزالَتِهِ؛ ووَضْعِ شَيْءٍ آخَرَ في مَوْضِعِهِ؛ وهو الَّذِي فَعَلَهُ هَؤُلاءِ؛ ﴿ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ﴾؛ مِنَ الآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ ﴿والهُدى﴾؛ أيْ: والآياتِ الهادِيَةِ إلى كُنْهِ أمْرِهِ؛ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ؛ والإيمانِ بِهِ؛ عَبَّرَ عَنْها بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً؛ ولَمْ يَجْمَعْ؛ مُراعاةً لِلْأصْلِ؛ وهي المُرادَةُ بِالبَيِّناتِ أيْضًا؛ والعَطْفُ لِتَغايُرِ العُنْوانِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ﴾؛ إلَخْ.. وقِيلَ: المُرادُ بِالهُدى الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ؛ ويَأْباهُ الإنْزالُ والكَتْمُ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَكْتُمُونَ"؛ والمُرادُ بِالنّاسِ: الكُلُّ؛ لا الكاتِمُونَ فَقَطْ؛ واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "بَيَّنّاهُ"؛ وكَذا الظَّرْفُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ فَإنَّ تَعَلُّقَ جارَّيْنِ بِفِعْلٍ واحِدٍ؛ عِنْدَ اخْتِلافِ المَعْنى؛ مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ؛ أوِ الأخِيرُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: كائِنًا في الكِتابِ؛ وتَبْيِينُهُ لَهُمْ: تَلْخِيصُهُ؛ وإيضاحُهُ؛ بِحَيْثُ يَتَلَقّاهُ كُلُّ أحَدٍ مِنهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ شُبْهَةٌ؛ وهَذا عُنْوانٌ مُغايِرٌ لِكَوْنِهِ بَيِّنًا في نَفْسِهِ؛ و"هُدًى": مُؤَكِّدٌ لِقُبْحِ الكَتْمِ؛ أوْ تَفْهِيمُهُ لَهم بِواسِطَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ والأوَّلُ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِي الكِتابِ﴾؛ والمُرادُ بِكَتْمِهِ: إزالَتُهُ؛ ووَضْعُ غَيْرِهِ في مَوْضِعِهِ؛ فَإنَّهم مَحَوْا نْعَتْهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ ما يُخالِفُهُ؛ كَما ذَكَرْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾؛ إلَخْ..
﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ ما وُصِفُوا بِهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِما حاقَ بِهِمْ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِتَرامِي أمْرِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَسادِ؛ ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يَطْرُدُهم ويُبْعِدُهم مِن رَحْمَتِهِ؛ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإظْهارِ اسْمِ الذّاتِ الجامِعِ لِلصِّفاتِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ والإشْعارِ بِأنَّ مَبْدَأ صُدُورِ اللَّعْنِ عَنْهُ - سُبْحانَهُ - صِفَةُ الجَلالِ؛ المُغايِرَةُ لِما هو مَبْدَأُ الإنْزالِ والتَّبْيِينِ مِن وصْفِ الجَمالِ والرَّحْمَةِ؛ ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ؛ أيْ: الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِاللَّعْنِ؛ مِنَ المَلائِكَةِ؛ ومُؤْمِنِي الثَّقَلَيْنِ؛ والمُرادُ بَيانُ دَوامُ اللَّعْنِ؛ واسْتِمْرارُهُ؛ وعَلَيْهِ يَدُورُ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ في
البقرة 2:160
قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾؛ أيْ: عَنِ الكِتْمانِ؛ ﴿وَأصْلَحُوا﴾؛ أيْ: ما أفْسَدُوا؛ بِأنْ أزالُوا الكَلامَ المُحَرَّفَ؛ وكَتَبُوا مَكانَهُ ما كانُوا أزالُوهُ عِنْدَ التَّحْرِيفِ؛ ﴿وَبَيَّنُوا﴾؛ لِلنّاسِ مَعانِيَهُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ الإصْلاحِ المَذْكُورِ؛ أوْ بَيَّنُوا لَهم ما وقَعَ مِنهم أوَّلًا؛ وآخِرًا؛ فَإنَّهُ أدْخَلُ في إرْشادِ النّاسِ إلى الحَقِّ؛ وصَرْفِهِمْ عَنْ طَرِيقِ الضَّلالِ؛ الَّذِي كانُوا أوْقَعُوهم فِيهِ؛ أوْ بَيَّنُوا تَوْبَتَهم لِيَمْحُوا بِهِ سِمَةَ ما كانُوا فِيهِ؛ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ أضْرابُهُمْ؛ (p-183)وَحَيْثُ كانَتْ هَذِهِ التَّوْبَةُ المَقْرُونَةُ بِالإصْلاحِ؛ والتَّبْيِينِ؛ مُسْتَلْزِمَةً لِلتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ؛ مَبْنِيَّةً عَلَيْها؛ لَمْ يُصَرَّحْ بِالإيمانِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِهِ لِلْحُكْمِ؛ والفاءُ لِتَأْكِيدِ ذَلِكَ؛ ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: بِالقَبُولِ؛ وإفاضَةِ المَغْفِرَةِ؛ والرَّحْمَةِ. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾؛ أيْ: المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبِ؛ ونَشْرِ الرَّحْمَةِ؛ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ؛ مُحَقِّقٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ؛ والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلِافْتِنانِ في النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّلْوِيحِ؛ والرَّمْزِ إلى ما مَرَّ مِنَ اخْتِلافِ المَبْدَإ في فِعْلَيْهِ (تَعالى)؛ السّابِقِ؛ واللّاحِقِ.
البقرة 2:161
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ؛ سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ بَقاءِ اللَّعْنِ فِيما وراءَ الِاسْتِثْناءِ؛ وتَأْكِيدِ دَوامِهِ؛ واسْتِمْرارِهِ عَلى غَيْرِ التّائِبِينَ؛ حَسْبَما يُفِيدُهُ الكَلامُ؛ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ في الصِّلَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ والإصْلاحِ؛ والتَّبْيِينِ؛ مَبْنِيٌّ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ فَكَما أنَّ وُجُودَ تِلْكَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ؛ المُوجِبِ لِعَدَمِ الكُفْرِ؛ كَذَلِكَ وُجُودُ الكُفْرِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِها جَمِيعًا؛ أيْ أنَّ ذَلِكَ اسْتِمْرارٌ عَلى الكُفْرِ؛ المُسْتَتْبِعِ لِلْكِتْمانِ؛ وعَدَمِ التَّوْبَةِ؛ ﴿وَماتُوا وهم كُفّارٌ﴾؛ لا يَرْعَوُونَ عَنْ حالَتِهِمُ الأُولى؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: الكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ مُسْتَقِرٌّ عَلَيْهِمْ؛ ﴿لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾؛ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِلَعْنَتِهِمْ؛ وهَذا بَيانٌ لِدَوامِها الثُّبُوتِيِّ؛ بَعْدَ بَيانِ دَوامِها التَّجَدُّدِيِّ؛ وقِيلَ: الأوَّلُ لَعْنَتُهم أحْياءً؛ وهَذا لَعْنَتُهم أمْواتًا؛ وقُرِئَ: "والمَلائِكَةُ والنّاسُ أجْمَعُونَ"؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ اسْمِ "اللَّهِ"؛ لِأنَّهُ فاعِلٌ في المَعْنى؛ كَقَوْلِكَ: "أعْجَبَنِي ضَرْبُ زَيْدٍ؛ وعُمَرُ"؛ تُرِيدُ: "مِن أنْ ضَرَبَ زَيْدٌ؛ وعُمَرُ"؛ وكَأنَّهُ قِيلَ: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ أنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ؛ والمَلائِكَةُ.. إلَخْ.. وقِيلَ: هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: ويَلْعَنُهُمُ المَلائِكَةُ.
البقرة 2:162
﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ أيْ: في اللَّعْنَةِ؛ أوْ في النّارِ؛ عَلى أنَّها أُضْمِرَتْ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ؛ تَفْخِيمًا لِشَأْنِها؛ وتَهْوِيلًا لِأمْرِها؛ ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ﴾؛ إمّا مُسْتَأْنِفٌ لِبَيانِ كَثْرَةِ عَذابِهِمْ؛ مِن حَيْثُ الكَيْفُ؛ إثْرَ بَيانِ كَثْرَتِهِ مِن حَيْثُ الكَمُّ؛ أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "خالِدِينَ"؛ عَلى وجْهِ التَّداخُلِ؛ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "عَلَيْهِمْ"؛ عَلى طَرِيقَةِ التَّرادُفِ؛ ﴿وَلا هم يُنْظَرُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ جارٍ فِيهِ ما جَرى فِيهِ؛ وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ النَّفْيِ؛ واسْتِمْرارِهِ؛ أيْ: لا يُمْهَلُونَ؛ ولا يُؤَجَّلُونَ؛ أوْ: لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا؛ أوْ: لا يُنْظَرُ إلَيْهِمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ.
البقرة 2:163
﴿وَإلَهُكُمْ﴾: خِطابٌ عامٌّ لِكافَّةِ النّاسِ؛ أيْ: المُسْتَحِقُّ مِنكم لِلْعِبادَةِ؛ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: فَرْدٌ في الإلَهِيَّةِ؛ لا صِحَّةَ لِتَسْمِيَةِ غَيْرِهِ "إلَهًا" أصْلًا؛ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾: خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ؛ أوْ صِفَةٌ أُخْرى لِلْخَبَرِ؛ أوِ اعْتِراضٌ؛ وأيًّا ما كانَ فَهو مُقَرِّرٌ لِلْوَحْدانِيَّةِ؛ ومُزِيحٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ أنَّ في الوُجُودِ إلَهًا؛ لَكِنْ لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ؛ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾: خَبَرانِ آخَرانِ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ وهو تَقْرِيرٌ لِلتَّوْحِيدِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) حَيْثُ كانَ مُولِيًا لِجَمِيعِ النِّعَمِ؛ أُصُولِها؛ وفُرُوعِها؛ جَلِيلِها؛ ودَقِيقِها؛ وكانَ ما سِواهُ؛ كائِنًا ما كانَ؛ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ في وُجُودِهِ؛ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِن كَمالاتِهِ؛ تَحَقَّقَتْ وحْدانِيَّتُهُ بِلا رَيْبٍ؛ وانْحَصَرَ اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ فِيهِ (تَعالى) قَطْعًا؛ قِيلَ: كانَ لِلْمُشْرِكِينَ (p-184)حَوْلَ الكَعْبَةِ المُكَرَّمَةِ ثُلْثُمائَةٍ وسِتُّونَ صَنَمًا؛ فَلَمّا سَمِعُوا هَذِهِ الآيَةَ تَعَجَّبُوا؛ أوْ قالُوا: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأْتِ بِآيَةٍ نَعْرِفْ بِها صِدْقَكَ؛ فَنَزَلَتْ.
البقرة 2:164
﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾: أيْ: في إبْداعِهِما عَلى ما هُما عَلَيْهِ؛ مَعَ ما فِيهِما مِنَ التَّعاجِيبِ؛ العِبَرُ؛ وبَدائِعُ صَنائِعَ؛ يَعْجِزُ عَنْ فَهْمِها عُقُولُ البَشَرِ؛ وجَمْعُ "السَّمَواتِ" لِما هو المَشْهُورُ مِن أنَّها طَبَقاتٌ مُتَخالِفَةُ الحَقائِقِ؛ دُونَ الأرْضِ؛ ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾؛ أيْ: اعْتِقابِهِما؛ وكَوْنِ كُلٍّ مِنهُما خَلَفًا لِلْآخَرِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾؛ أوْ: اخْتِلافِ كُلٍّ مِنهُما في أنْفُسِهِما؛ ازْدِيادًا؛ وانْتِقاصًا؛ عَلى ما قَدَّرَهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ وتَأْنِيثُهُ إمّا بِتَأْوِيلِ السَّفِينَةِ؛ أوْ بِأنَّهُ جَمْعٌ؛ فَإنَّ ضَمَّةَ الجَمْعِ مُغايِرَةٌ لِضَمَّةِ الواحِدِ في التَّقْدِيرِ؛ إذِ الأُولى كَما في "حُمْرٌ"؛ والثّانِيَةُ كَما في "قُفْلٌ"؛ وقُرِئَ: بِضَمِّ اللّامِ؛ ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِالَّذِي يَنْفَعُهُمْ؛ مِمّا يُحَمَلُ فِيها مِن أنْواعِ المَنافِعِ؛ أوْ بِنَفْعِهِمْ؛ ﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنَ ماءٍ﴾: عَطْفٌ عَلى "الفُلْكِ"؛ وتَأْخِيرُهُ عَنْ ذِكْرِها؛ مَعَ كَوْنِهِ أعَمَّ مِنها نَفْعًا؛ لِما فِيهِ مِن مَزِيدِ تَفْصِيلٍ؛ وقِيلَ: المَقْصُودُ الِاسْتِدْلالُ بِالبَحْرِ؛ وأحْوالِهِ؛ وتَخْصِيصُ الفُلْكِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ سَبَبُ الخَوْضِ فِيهِ؛ والِاطِّلاعِ عَلى عَجائِبِهِ؛ ولِذَلِكَ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ المَطَرِ؛ والسَّحابِ؛ لِأنَّ مَنشَأهُما البَحْرُ؛ في غالِبِ الأمْرِ؛ و"مِن" الأُولى: ابْتِدائِيَّةٌ؛ والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ وأيًّا ما كانَ فَتَأْخِيرُها لِما مَرَّ مِرارًا؛ مِنَ التَّشْوِيقِ؛ والمُرادُ بِالسَّماءِ: الفَلَكُ؛ أوِ السَّحابُ؛ أوْ جِهَةُ العُلُوِّ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ بِأنْواعِ النَّباتِ؛ والأزْهارِ؛ وما عَلَيْها مِنَ الأشْجارِ؛ ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاسْتِيلاءِ اليُبُوسَةِ عَلَيْها؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ طَبِيعَتُها؛ كَما يُوزَنُ بِهِ إيرادُ المَوْتِ في مُقابَلَةِ الإحْياءِ؛ ﴿وَبَثَّ فِيها﴾؛ أيْ: فَرَّقَ؛ ونَشَرَ؛ ﴿مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾؛ مِنَ العُقَلاءِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "أنْزَلَ"؛ داخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الصِّلَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى) ﴿فَأحْيا﴾؛ إلَخْ.. مُتَّصِلٌ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ بِحَيْثُ كانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْزَلَ في الأرْضِ مِن ماءٍ؛ وبَثَّ فِيها.. إلَخْ.. أوْ عَلى "أحْيا"؛ بِحَذْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ العائِدِ إلى المَوْصُولِ؛ وإنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ الشَّرائِطُ المَعْهُودَةُ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ وإنَّ لِسانِي شَهْدَةٌ يُشْتَفى بِها ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى مَن صَبَّهُ اللَّهُ عَلْقَمُ
أيْ: عَلْقَمٌ عَلَيْهِ؛ وقَوْلِهِ:
؎ لَعَلَّ الَّذِي أصْعَدْتَنِي أنْ يَرُدَّنِي ∗∗∗ إلى الأرْضِ إنْ لَمْ يَقْدُرِ الخَيْرَ قادِرُهْ
عَلى مَعْنى: فَأحْيا بِالماءِ الأرْضَ؛ وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ؛ فَإنَّهم يَنْمُونَ بِالخِصْبِ؛ ويَعِيشُونَ بِالحَيا؛ ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾: عَطْفٌ عَلى "ما أنْزَلَ"؛ أيْ: تَقْلِيبِها مِن مَهَبٍّ إلى آخَرَ؛ أوْ مِن حالٍ إلى أُخْرى؛ وقُرِئَ عَلى الإفْرادِ؛ ﴿والسَّحابِ﴾: عَطْفٌ عَلى "تَصْرِيفِ"؛ أوْ "الرِّياحِ"؛ وهو اسْمُ جِنْسٍ؛ واحِدُهُ "سَحابَةٌ"؛ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِانْسِحابِهِ في الجَوِّ؛ ﴿المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾: صِفَةٌ لِلسَّحابِ؛ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ؛ وقَدْ يُعْتَبَرُ مَعْناهُ؛ فَيُوصَفُ بِالجَمْعِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿سَحابًا ثِقالا﴾؛ وتَسْخِيرُهُ: تَقْلِيبُهُ في الجَوِّ؛ بِواسِطَةِ الرِّياحِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَةُ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولَعَلَّ تَأْخِيرَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ؛ وتَسْخِيرِ السَّحابِ؛ في الذِّكْرِ عَنْ جَرَيانِ الفُلْكِ؛ وإنْزالِ الماءِ؛ مَعَ انْعِكاسِ التَّرْتِيبِ الخارِجِيِّ؛ لِما مَرَّ في قِصَّةِ البَقَرَةِ؛ مِنَ الإشْعارِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ في (p-185)كَوْنِها آيَةً؛ ولَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الخارِجِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ كَوْنُ المَجْمُوعِ المُتَرَتِّبِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ آيَةً واحِدَةً؛ ﴿لآياتٍ﴾: اسْمُ "إنَّ"؛ دَخَلَتْهُ اللّامُ لِتَأخُّرِهِ عَنْ خَبَرِها؛ والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ؛ كَمًّا وكَيْفًا؛ أيْ: آياتٍ عَظِيمَةً؛ كَثِيرَةً؛ دالَّةً عَلى القُدْرَةِ؛ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ؛ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: يَتَفَكَّرُونَ فِيها؛ ويَنْظُرُونَ إلَيْها بِعُيُونِ العُقُولِ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِجَهْلِ المُشْرِكِينَ؛ الَّذِينَ اقْتَرَحُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ آيَةً تُصَدِّقُهُ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ وتَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ بِسَخافَةِ العُقُولِ؛ وإلّا فَمَن تَأمَّلَ في تِلْكَ الآياتِ وجَدَ كُلًّا مِنها ناطِقَةً بِوُجُودِهِ (تَعالى)؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ وسائِرِ صِفاتِهِ الكَمالِيَّةِ؛ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ (تَعالى)؛ واسْتُغْنِيَ بِها عَنْ سائِرِها؛ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ قَدْ وُجِدَ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ؛ دُونَ ما عَداهُ؛ مُسْتَتْبِعًا لِآثارٍ مُعَيَّنَةٍ؛ وأحْكامٍ مَخْصُوصَةٍ؛ مِن غَيْرِ أنْ يَقْتَضِيَ ذاتُهُ وُجُودَهُ؛ فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ عَلى نَمَطٍ مُعَيَّنٍ؛ مُسْتَتْبِعٍ لِحُكْمٍ مُسْتَقِلٍّ؛ فَإذَنْ.. لا بُدَّ لَهُ حَتْمًا مِن مُوجِدٍ؛ قادِرٍ؛ حَكِيمٍ؛ يُوجِدُهُ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ؛ وتَسْتَدْعِيهِ مَشِيئَتُهُ؛ مُتَعالٍ عَنْ مُعارَضَةِ الغَيْرِ؛ إذْ لَوْ كانَ مَعَهُ آخَرُ؛ يَقْدِرُ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ؛ لَزِمَ إمّا اجْتِماعُ المُؤَثِّرَيْنِ عَلى أثَرٍ واحِدٍ؛ أوِ التَّمانُعُ المُؤَدِّي إلى فَسادِ العالَمِ.
البقرة 2:165
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ﴾: بَيانٌ لِكَمالِ رَكاكَةِ آراءِ المُشْرِكِينَ؛ إثْرَ تَقْرِيرِ وحْدانِيَّتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ وتَحْرِيرِ الآياتِ الباهِرَةِ؛ المُلْجِئَةِ لِلْعُقَلاءِ إلى الِاعْتِرافِ بِها؛ الفائِضَةِ بِاسْتِحالَةِ أنْ يُشارِكَهُ شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ في صِفَةٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فَضْلًا عَنِ المُشارَكَةِ في صِفَةِ الأُلُوهِيَّةِ؛ والكَلامُ في إعْرابِهِ كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلَخْ.. و"مِن دُونِ اللَّهِ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَتَّخِذُ"؛ أيْ: مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ذَلِكَ الإلَهِ الواحِدِ؛ الَّذِي ذُكِرَتْ شُئُونُهُ الجَلِيلَةُ؛ وإيثارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْيِينِهِ (تَعالى) بِالذّاتِ؛ غِبَّ تَعْيِينِهِ بِالصِّفاتِ؛ ﴿أنْدادًا﴾؛ أيْ: أمْثالًا؛ وهم رُؤَساؤُهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم فِيما يَأْتُونَ؛ وما يَذَرُونَ؛ لا سِيَّما في الأوامِرِ؛ والنَّواهِي؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما سَيَأْتِي مِن وصْفِهِمْ بِالتَّبَرِّي مِنَ المُتَّبِعِينَ؛ وقِيلَ: هي الأصْنامُ؛ وإرْجاعُ ضَمِيرِ العُقَلاءِ إلَيْها؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾؛ مَبْنِيٌّ عَلى آرائِهِمُ الباطِلَةِ في شَأْنِها مِن وصْفِهِمْ بِما لا يُوصَفُ بِهِ إلّا العُقَلاءُ؛ والمَحَبَّةُ: مَيْلُ القَلْبِ؛ مِن "الحَبُّ"؛ اسْتُعِيرَ لِحَبَّةِ القَلْبِ؛ ثُمَّ اشْتُقَّ مِنهُ "الحُبُّ"؛ لِأنَّهُ أصابَها؛ ورَسَخَ فِيها؛ والفِعْلُ مِنها "حَبَّ"؛ عَلى حَدِّ "مَدَّ"؛ لَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ المُسْتَفِيضَ عَلى "أحَبَّ؛ حُبًّا؛ ومَحَبَّةً"؛ فَهو "مُحِبٌّ"؛ وذاكَ "مَحْبُوبٌ"؛ و"مُحَبٌّ" قَلِيلٌ؛ و"حابٌّ"؛ أقَلُّ مِنهُ؛ ومَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ - إرادَةُ طاعَتِهِ في أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ والِاعْتِناءُ بِتَحْصِيلِ مَراضِيهِ؛ فَمَعْنى "يُحِبُّونَهُمْ": يُطِيعُونَهُمْ؛ ويُعَظِّمُونَهُمْ؛ والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ إمّا صِفَةً لِـ "أنْدادًا"؛ أوْ حالًا مِن فاعِلِ "يَتَّخِذُ"؛ وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مِن"؛ كَما أنَّ إفْرادَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾: مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ؛ أيْ: نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لِلْفِعْلِ السّابِقِ؛ ومِن قَضِيَّةِ كَوْنِهِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ كَوْنُهُ أيْضًا كَذَلِكَ؛ والظّاهِرُ اتِّحادُ فاعِلِهِما؛ فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِهِ (تَعالى) أيْضًا؛ ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ؛ فالمَعْنى: يُحِبُّونَهم حُبًّا كائِنًا كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ (تَعالى)؛ أيْ: يُسَوُّونَ بَيْنَهُ (تَعالى)؛ وبَيْنَهم في الطّاعَةِ؛ والتَّعْظِيمِ؛ وقِيلَ: فاعِلُ الحُبِّ المَذْكُورِ هم (p-186)المُؤْمِنُونَ؛ فالمَعْنى: حُبًّا كائِنًا كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لَهُ (تَعالى)؛ فَلا بُدَّ مِنَ اعْتِبارِ المُشابَهَةِ بَيْنَهُما في أصْلِ الحُبِّ؛ لا في وصْفِهِ كَمًّا أوْ كَيْفًا؛ لِما سَيَأْتِي مِنَ التَّفاوُتِ البَيِّنِ؛ وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: كَما يُحَبُّ اللَّهُ (تَعالى)؛ ويُعَظَّمُ؛ وإنَّما اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ مَن يُحِبُّهُ لِأنَّهُ غَيْرُ مُلْبَسٍ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُشابَهَةَ بَيْنَ مَحَبِّيَتِهِمْ لِأنْدادِهِمْ؛ وبَيْنَ مَحْبُوبِيَّتِهِ (تَعالى)؛ فالمَصِيرُ حِينَئِذٍ ما أسْلَفْناهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ - عَزَّ قائِلًا -: ﴿كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وتَفْخِيمِ المُضافِ؛ وإبانَةِ كَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾: جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ؛ جِيءَ بِها تَوْطِئَةً لِما يَعْقُبُها مِن بَيانِ رَخاوَةِ حُبِّهِمْ؛ وكَوْنِهِ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ؛ والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: المُؤْمِنُونَ أشَدُّ حُبًّا لَهُ (تَعالى) مِنهم لِأنْدادِهِمْ؛ ومَآلُهُ أنَّ حُبَّ أُولَئِكَ لَهُ (تَعالى) أشَدُّ مِن حُبِّ هَؤُلاءِ لِأنْدادِهِمْ؛ فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِ الحُبِّ مَصْدَرًا مِنَ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ ما لا يَخْفى؛ وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ حُبَّهم لِلَّهِ (تَعالى) لِما أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ انْقِطاعِهِ؛ وانْقِلابِهِ بُغْضًا؛ وذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في حُبِّهِمْ لِأنْدادِهِمْ؛ لِكَوْنِهِ مَنُوطًا بِمَبانٍ فاسِدَةٍ؛ ومَبادٍ مَوْهُومَةٍ؛ يَزُولُ بِزَوالِها؛ قِيلَ: ولِذَلِكَ كانُوا يَعْدِلُونَ عَنْها عِنْدَ الشَّدائِدِ إلى اللَّهِ - سُبْحانَهُ -؛ وكانُوا يَعْبُدُونَ صَنَمًا أيّامًا؛ فَإذا وجَدُوا آخَرَ رَفَضُوهُ إلَيْهِ؛ وقَدْ أكَلَتْ باهِلَةُ إلَهَها عامَ المَجاعَةِ؛ وكانَ مِن "حَيْسٍ"؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَدارَ ذَلِكَ اعْتِبارُ اخْتِلالِ حُبِّهِمْ لَها في الدُّنْيا؛ ولَيْسَ الكَلامُ فِيهِ؛ بَلْ في انْقِطاعِهِ؛ في الآخِرَةِ؛ عِنْدَ ظُهُورِ حَقِيقَةِ الحالِ؛ ومُعايَنَةِ الأهْوالِ كَما سَيَأْتِي؛ بَلِ اعْتِبارُهُ مُخِلٌّ بِما يَقْتَضِيهِ مَقامُ المُبالَغَةِ في بَيانِ كَمالِ قُبْحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ وغايَةِ عِظَمِ ما اقْتَرَفُوهُ. وإيثارُ الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ الحُبِّ؛ والإشْعارِ بِعِلَّتِهِ.
﴿وَلَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: بِاتِّخاذِ الأنْدادِ؛ ووَضْعِها مَوْضِعَ المَعْبُودِ؛ ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾؛ المُعَدَّ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ؛ أيْ: لَوْ عَلِمُوا إذا عايَنُوهُ؛ وإنَّما أُوثِرَ صِيغَةُ المُسْتَقْبَلِ لِجَرَيانِها مُجْرى الماضِي في الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ في إخْبارِ عَلّامِ الغُيُوبِ؛ ﴿أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾: سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ "يَرى"؛ ﴿وَأنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ﴾: عَطْفٌ عَلَيْهِ؛ وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في تَهْوِيلِ الخَطْبِ؛ وتَفْظِيعِ الأمْرِ؛ فَإنَّ اخْتِصاصَ القُوَّةِ بِهِ (تَعالى) لا يُوجِبُ شِدَّةَ العَذابِ؛ لِجَوازِ تَرْكِهِ عَفْوًا مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ؛ وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ؛ لِلْإيذانِ بِخُرُوجِهِ عَنْ دائِرَةِ البَيانِ؛ إمّا لِعَدَمِ الإحاطَةِ بِكُنْهِهِ؛ وإمّا لِضِيقِ العِبارَةِ عَنْهُ؛ وإمّا لِإيجابِ ذِكْرِهِ ما لا يَسْتَطِيعُهُ المُعَبِّرُ؛ أوِ المُسْتَمِعُ مِنَ الضَّجَرِ؛ والتَّفَجُّعِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ عَلِمُوا إذْ رَأوُا العَذابَ قَدْ حَلَّ بِهِمْ؛ ولَمْ يُنْقِذْهم مِنهُ أحَدٌ مِن أنْدادِهِمْ؛ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا؛ ولا دَخْلَ لَأحَدٍ في شَيْءٍ أصْلًا؛ لَوَقَعُوا مِنَ الحَسْرَةِ؛ والنَّدَمِ؛ فِيما لا يَكادُ يُوصَفُ؛ وقُرِئَ: "وَلَوْ تَرى"؛ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ عَلى أنَّ الخِطابَ لِلرَّسُولِ ﷺ؛ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ؛ فالجَوابُ حِينَئِذٍ: لَرَأيْتَ أمْرًا لا يُوصَفُ؛ مِنَ الهَوْلِ؛ والفَظاعَةِ؛ وقُرِئَ: "إذْ يُرَوْنَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ و"إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العَذابِ"؛ عَلى الِاسْتِئْنافِ؛ وإضْمارِ القَوْلِ.
البقرة 2:166
﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾: بَدَلٌ مِن "إذْ يَرَوْنَ"؛ أيْ: إذْ تَبَرَّأ الرُّؤَساءُ؛ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ مِنَ الأتْباعِ؛ بِأنِ اعْتَرَفُوا بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ في الدُّنْيا؛ ويَدْعُونَهم إلَيْهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ؛ والضَّلالِ؛ واعْتَزَلُوا عَنْ مُخالَطَتِهِمْ؛ وقابَلُوهم بِاللَّعْنِ؛ كَقَوْلِ إبْلِيسَ: إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِي مِن قَبْلُ؛ وقُرِئَ بِالعَكْسِ؛ أيْ: تَبَرَّأ الأتْباعُ مِنَ الرُّؤَساءِ؛ والواوُ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَأوُا العَذابَ﴾؛ (p-187)حالِيَّةٌ؛ و"قَدْ" مُضْمَرَةٌ؛ وقِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ والضَّمِيرُ في "رَأوْا" لِلْمَوْصُوفِينَ جَمِيعًا؛ ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾؛ والوُصُلُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُمْ؛ مِنَ التَّبَعِيَّةِ؛ والمَتْبُوعِيَّةِ؛ والِاتِّفاقِ عَلى المِلَّةِ الزّائِغَةِ؛ والأغْراضِ الدّاعِيَةِ إلى ذَلِكَ؛ وأصْلُ "السَّبَبُ": الحَبْلُ الَّذِي يُرْتَقى بِهِ الشَّجَرُ؛ ونَحْوُهُ؛ مَعْطُوفَةٌ عَلى "تَبَرَّأ"؛ وتَوْسِيطُ الحالِ بَيْنَهُما لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ التَّبَرِّي؛ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُها عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ.
البقرة 2:167
﴿وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾؛ حِينَ عايَنُوا تَبَرُّؤَ الرُّؤَساءِ مِنهُمْ؛ ونَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ اتِّباعِهِمْ لَهم في الدُّنْيا: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾؛ أيْ: لَيْتَ لَنا رَجْعَةً إلى الدُّنْيا؛ ﴿فَنَتَبَرَّأ مِنهُمْ﴾؛ هُناكَ؛ ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾؛ اليَوْمَ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ؛ لا إلى شَيْءٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ مَعَ كَمالِ تَمَيُّزِهِ عَمّا عَداهُ؛ وانْتِظامِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ. والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ؛ ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ الإراءَ الفَظِيعَ؛ ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: نَداماتٍ شَدِيدَةً؛ فَإنَّ الحَسْرَةَ شِدَّةُ النَّدَمِ؛ والكَمَدِ؛ وهي تَألُّمُ القَلْبِ؛ وانْحِسارُهُ عَمّا يُؤْلِمُهُ؛ واشْتِقاقُها مِن قَوْلِهِمْ: "بَعِيرٌ حَسِيرٌ"؛ أيْ: مُنْقَطِعُ القُوَّةِ؛ وهي ثالِثُ مَفاعِيلِ "يُرِي"؛ إنْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ؛ وإلّا فَهي حالٌ؛ والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهم تَنْقَلِبُ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ؛ فَلا يَرَوْنَ إلّا حَسَراتٍ مَكانَ أعْمالِهِمْ؛ ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾: كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ؛ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ دُخُولِهِمُ النّارَ؛ والأصْلُ: "وَما يَخْرُجُونَ"؛ والعُدُولُ إلى الِاسْمِيَّةِ لِإفادَةِ دَوامِ نَفْيِ الخُرُوجِ؛ والضَّمِيرُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ أمْرِهِمْ فِيما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ هُمُ يَفْرُشُونَ اللِّبْدَ كُلَّ طِمِرَّةٍ ∗∗∗ وأجْرَدَ سَبّاقٍ يَبُذُّ المَغالِيا
البقرة 2:168
﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: بَعْضِ ما فِيها مِن أصْنافِ المَأْكُولاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حَرَّمْتُمُوهُ؛ افْتِراءً عَلى اللَّهِ؛ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن ثَقِيفٍ؛ وبَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ؛ وخُزاعَةَ؛ وبَنِي مُدْلِجٍ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ ما حَرَّمُوهُ مِنَ الحَرْثِ؛ والبَحائِرِ؛ والسَّوائِبِ؛ والوَصائِلِ؛ والحامِ"؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَلالا﴾: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كُلُوهُ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا؛ أوْ مَفْعُولٌ لِـ "كُلُوا"؛ عَلى أنَّ "مِن" ابْتِدائِيَّةٌ؛ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَيْنِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿طَيِّبًا﴾؛ فَإنَّهُ صِفَةٌ لَهُ؛ ووَصْفُ الأكْلِ بِهِ غَيْرُ مُعْتادٍ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ رَفِيعَ الأطْعِمَةِ؛ والمَلابِسِ؛ ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ أيْ: لا تَقْتَدُوا بِها في اتِّباعِ الهَوى؛ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ الخِطابَ لِلْكَفَرَةِ؛ كَيْفَ لا.. وتَحْرِيمُ الحَلالِ عَلى نَفْسِهِ تَزَهُّدًا لَيْسَ مِن بابِ اتِّباعِ خُطُواتِ الشَّيْطانِ؛ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ تَقَوُّلًا؛ وافْتِراءً عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ وإنَّما نَزَلَ فِيهِمْ ما في (p-188)سُورَةِ "المائِدَةِ"؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ الآيَةِ.. وقُرِئَ: "خُطْواتِ"؛ بِسُكُونِ الطّاءِ؛ وهُما لُغَتانِ في جَمْعِ "خُطْوَةٌ"؛ وهي ما بَيْنَ قَدَمَيِ الخاطِي؛ وقُرِئَ بِضَمَّتَيْنِ وهَمْزَةٍ؛ جُعِلَتِ الضَّمَّةُ عَلى الطّاءِ؛ كَأنَّها عَلى الواوِ؛ وبِفَتْحَتَيْنِ عَلى أنَّها جَمْعُ "خَطْوَةٌ" وهي المَرَّةُ مِن "الخَطْوُ"؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾: تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: ظاهِرُ العَداوَةِ عِنْدَ ذَوِي البَصِيرَةِ؛ وإنْ كانَ يُظْهِرُ الوِلايَةَ لِمَن يُغْوِيهِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ "وَلِيًّا"؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ﴾ .
البقرة 2:169
﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ والفَحْشاءِ﴾: اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَداوَتِهِ؛ وتَفْصِيلٌ لِفُنُونِ شَرِّهِ؛ وإفْسادِهِ؛ وانْحِصارِ مُعامَلَتِهِ مَعَهم في ذَلِكَ؛ والسُّوءُ في الأصْلِ: مَصْدَرُ "ساءَهُ؛ يَسُوؤُهُ؛ سُوءًا؛ ومَساءَةً"؛ إذا أحْزَنَهُ؛ يُطْلَقُ عَلى جَمِيعِ المَعاصِي؛ سَواءٌ كانَتْ مِن أعْمالِ الجَوارِحِ؛ أوْ أفْعالِ القُلُوبِ؛ لِاشْتِراكِ كُلِّها في أنَّها تَسُوءُ صاحِبَها؛ والفَحْشاءُ أقْبَحُ أنْواعِها؛ وأعْظَمُها مَساءَةً؛ ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾: عَطْفٌ عَلى الفَحْشاءِ؛ أيْ: وبِأنْ تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ بِأنَّهُ حَرَّمَ هَذا؛ وذاكَ؛ ومَعْنى "ما لا تَعْلَمُونَ": ما لا تَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ بِهِ؛ وتَعْلِيقُ أمْرِهِ بِتَقَوُّلِهِمْ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ لا بِتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ أنَّ حالَهم ذَلِكَ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ؛ فَإنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الأوَّلِ؛ مَعَ كَوْنِهِ في القُبْحِ والشَّناعَةِ دُونَ الثّانِي؛ تَحْذِيرٌ عَنِ الثّانِي؛ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ؛ وآكَدِهِ؛ ولِلْإيذانِ بِأنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ ألّا يَقُولَ عَلى اللَّهِ (تَعالى) ما لا يَعْلَمُ وُقُوعَهُ مِنهُ (تَعالى)؛ مَعَ الِاحْتِمالِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَقُولَ عَلَيْهِ ما يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مِنهُ (تَعالى)؛ قالُوا: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى المَنعِ مِنَ اتِّباعِ الظَّنِّ رَأْسًا؛ وأمّا اتِّباعُ المُجْتَهِدِ لِما أدّى إلَيْهِ ظَنُّهُ؛ فَمُسْتَنِدٌ إلى مَدْرَكٍ شَرْعِيٍّ؛ فَوُجُوبُهُ قَطْعِيٌّ؛ والظَّنُّ في طَرِيقِهِ.
البقرة 2:170
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾: التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ؛ تَسْجِيلًا بِكَمالِ ضَلالِهِمْ؛ وإيذانًا بِإيجابِ تَعْدادِ ما ذُكِرَ مِن جِناياتِهِمْ؛ لِصَرْفِ الخِطابِ عَنْهُمْ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى العُقَلاءِ؛ وتَفْصِيلِ مَساوِي أحْوالِهِمْ لَهُمْ؛ عَلى نَهْجِ المُباثَّةِ؛ أيْ: إذا قِيلَ لَهم - عَلى وجْهِ النَّصِيحَةِ والإرْشادِ -: اتَّبِعُوا كِتابَ اللَّهِ؛ الَّذِي أنْزَلَهُ؛ ﴿قالُوا﴾: لا نَتَّبِعُهُ؛ ﴿بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ أيْ: وجَدْناهم عَلَيْهِ؛ إمّا عَلى أنَّ الظَّرْفَ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن "آباءَنا"؛ و"ألْفَيْنا" مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ؛ وإمّا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ مُقَدَّمٌ عَلى الأوَّلِ. نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ؛ أُمِرُوا بِاتِّباعِ القرآن؛ وسائِرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) مِنَ الحُجَجِ الظّاهِرَةِ؛ والبَيِّناتِ الباهِرَةِ؛ فَجَنَحُوا لِلتَّقْلِيدِ؛ والمَوْصُولُ إمّا عِبارَةٌ عَمّا سَبَقَ مِنَ اتِّخاذِ الأنْدادِ؛ وتَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ؛ وإمّا باقٍ عَلى عُمُومِهِ؛ وما ذُكِرَ داخِلٌ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ؛ دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: "بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا؛ لِأنَّهم كانُوا خَيْرًا مِنّا؛ وأعْلَمَ"؛ فَعَلى هَذا يَعُمُّ ما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) التَّوْراةَ؛ لِأنَّها أيْضًا تَدْعُو إلى الإسْلامِ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ (تَعالى)؛ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الحَمْقاءِ؛ وإظْهارًا لِبُطْلانِ آرائِهِمْ؛ والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ؛ واسْتِقْباحِهِ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهُ؛ لا (p-189)لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ كالَّتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾؛ وكَلِمَةُ "لَوْ" في أمْثالِ هَذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الزَّمانِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ؛ فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ؛ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً؛ بِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ؛ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ بِالذّاتِ؛ أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ؛ بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ؛ وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ؛ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ؛ أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ؛ ثُبُوتُهُ؛ أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ؛ بِطَرِيقِ الأوَّلِيَّةِ لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى؛ ولِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ؛ ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ؛ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها؛ المُتَناوِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها؛ وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ؛ وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ في الخَبَرِ المُوجَبِ؛ والمَنفِيِّ؛ والأمْرِ؛ والنَّهْيِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "فُلانٌ جَوادٌ؛ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا؛ وبَخِيلٌ؛ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا"؛ وقَوْلِكَ: "أحْسِنْ إلَيْهِ؛ ولَوْ أساءَ إلَيْكَ؛ ولا تُهِنْهُ؛ ولَوْ أهانَكَ"؛ لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ؛ وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ؛ ناشِئٍ مِن وُرُودِ الإنْكارِ عَلَيْهِ؛ لَكِنَّ الأصْلَ في الكُلِّ واحِدٌ؛ إلّا أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها؛ وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو نَفْسُ مَدْلُولِهِ؛ وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ؛ أوْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وأنَّ ما في حَيِّزِ "لَوْ" باقٍ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ غالِبًا؛ بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ؛ لِما أنَّ كَلِمَةَ "لَوْ" مُتَعَلِّقَةٌ فِيهِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ يَقْتَضِيهِ المَذْكُورُ؛ وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ مَدْلُولُهُ؛ لا مَدْلُولُ المَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مَدْلُولُهُ؛ وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لا مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالمَذْكُورِ؛ مِن حَيْثُ هو مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ وأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنْكارُ مَدْلُولِهِ؛ بِاعْتِبارِ مُقارَنَتِهِ لِلْحالَةِ المَذْكُورَةِ؛ وأمّا تَقْدِيرُ مُقارَنَتِهِ لِغَيْرِها فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ؛ وأنَّ ما في حَيِّزِ "لَوْ" لا يُقْصَدُ اسْتِبْعادُهُ في نَفْسِهِ؛ بَلْ يُقْصَدُ الإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ؛ إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الِاسْتِبْعادِ؛ مُعامَلَةً مَعَ المُخاطَبِينَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ؛ لِئَلّا يَلْبِسُوا مِنَ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى كَمالِ الجَهالَةِ؛ والضَّلالَةِ؛ جِلْدَ النَّمِرِ؛ فَيَرْكَبُوا مَتْنَ العِنادِ؛ ومُبالَغَةً في الإنْكارِ مِن جِهَةِ اتِّباعِهِمْ لِآبائِهِمْ؛ حَيْثُ كانَ مُنْكَرًا؛ مُسْتَقْبَحًا عِنْدَ احْتِمالِ كَوْنِ آبائِهِمْ؛ كَما ذُكِرَ؛ احْتِمالًا بَعِيدًا؛ فَلَأنْ يَكُونَ مُنْكَرًا عِنْدَ تَحَقُّقِ ذَلِكَ أوْلى؛ والتَّقْدِيرُ: أيَتَّبِعُونَ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ؛ ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ؟ ولَوْ كانُوا كَذَلِكَ فالجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى الحالِيَّةِ مِن "آباؤُهُمْ"؛ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾؛ كَأنَّهُ قِيلَ: أيَتَّبِعُونَ دِينَ آبائِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ غافِلِينَ؛ وجاهِلِينَ؛ ضالِّينَ؟ إنْكارًا لِما أفادَهُ كَلامُهم مِنَ الِاتِّباعِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ مِنَ الحالَتَيْنِ؛ غَيْرَ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحالَةِ الثّانِيَةِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وتَعْوِيلًا عَلى اقْتِضائِها لِلْحالَةِ الأُولى اقْتِضاءً بَيِّنًا؛ فَإنَّ اتِّباعَهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ؛ حَيْثُ تَحَقَّقَ مَعَ كَوْنِ آبائِهِمْ جاهِلِينَ؛ ضالِّينَ؛ فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ كَوْنِهِمْ عاقِلِينَ؛ ومُهْتَدِينَ أوْلى؛ إنْ قُلْتَ: الإنْكارُ المُسْتَفادُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ بِمَنزِلَةِ النَّفْيِ؛ ولا رَيْبَ في أنَّ الأوْلَوِيَّةَ في صُورَةِ النَّفْيِ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْيِ؛ ألا يُرى أنَّ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما ذُكِرَ مِن مِثالِ النَّفْيِ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها؛ أعْنِي عَدَمَ الغِنى؛ هو عَدَمُ الإعْطاءِ؛ لا نَفْسُهُ؛ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما نَحْنُ فِيهِ؛ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها؛ وهي حالَةُ كَوْنِ آبائِهِمْ عاقِلِينَ؛ ومُهْتَدِينَ؛ إنْكارَ الِاتِّباعِ؛ لا نَفْسَهُ؛ إذْ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ "أيَتَّبِعُونَ.. إلَخْ.."؛ فَلِمَ اخْتَلَفَتِ الحالُ بَيْنَهُما؟ قُلْتُ: لِما أنَّ مَناطَ الأوْلَوِيَّةِ هو الحُكْمُ الَّذِي أُرِيدَ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وذَلِكَ (p-190)فِي مِثالِ النَّفْيِ؛ عَدَمُ الإعْطاءِ؛ المُسْتَفادُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المَذْكُورِ؛ وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهو نَفْسُ الِاتِّباعِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ؛ أعْنِي قَوْلَهُمْ: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ﴾؛ إلَخْ.. وأمّا الِاسْتِفْهامُ فَخارِجٌ عَنْهُ؛ وارِدٌ عَلَيْهِ لِإنْكارِ ما يُفِيدُهُ؛ واسْتِقْباحِ ما يَقْتَضِيهِ؛ لا أنَّهُ مِن تَمامِهِ؛ كَما في صُورَةِ النَّفْيِ؛ وكَذا الحالُ فِيما إذا كانَتِ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ؛ ونَفْيِهِ؛ مَعَ كَوْنِهِ بِمَنزِلَةِ صَرِيحِ النَّفْيِ؛ كَما سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾؛ وقِيلَ: الواوُ حالِيَّةٌ؛ ولَكِنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ المَعْنى يَدُورُ عَلى مَعْنى العَطْفِ في سائِرِ اللُّغاتِ أيْضًا.
البقرة 2:171
﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ؛ وارِدَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها؛ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ؛ وفِيها مُضافٌ قَدْ حُذِفَ لِدَلالَةِ "مَثَلُ" عَلَيْهِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى ما يَرْجِعُ إلَيْهِ الضَّمائِرُ السّابِقَةُ؛ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ؛ ولِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ ما أثْبَتَ لَهم مِنَ الحُكْمِ؛ والتَّقْدِيرُ: مَثَلُ ذَلِكَ القائِلِ؛ وحالِهِ الحَقِيقَةِ لِغَرابَتِها بِأنْ تُسَمّى "مَثَلًا"؛ وتَسِيرَ في الآفاقِ فِيما ذُكِرَ مِن دَعْوَتِهِ إيّاهم إلى اتِّباعِ الحَقِّ؛ وعَدَمِ رَفْعِهِمْ إلَيْهِ رَأْسًا؛ لِانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ؛ وإخْلادِهِمْ إلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ؛ وعَدَمِ فَهْمِهِمْ مِن جِهَةِ الدّاعِي إلى الدُّعاءِ؛ مِن غَيْرِ أنْ يُلْقُوا أذْهانَهم إلى ما يُلْقى عَلَيْهِمْ؛ ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ مِنَ البَهائِمِ؛ فَإنَّها لا تَسْمَعُ إلّا صَوْتَ الرّاعِي؛ وهَتْفَهُ بِها؛ مِن غَيْرِ فَهْمٍ لِكَلامِهِ أصْلًا؛ وقِيلَ: إنَّما حُذِفَ المُضافُ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي لِدَلالَةِ كَلِمَةِ "ما" عَلَيْهِ؛ فَإنَّها عِبارَةٌ عَنْهُ؛ مُشْعِرَةٌ مَعَ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ بِما هو مَدارُ التَّمْثِيلِ؛ أيْ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِيما ذُكِرَ مِنَ انْهِماكِهِمْ فِيما هم فِيهِ؛ وعَدَمِ التَّدَبُّرِ فِيما أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ؛ كَمَثَلِ بِهائِمِ الَّذِي يَنْعِقُ بِها؛ وهي لا تَسْمَعُ مِنهُ إلّا جَرْسَ النَّغْمَةِ؛ ودَوِيَّ الصَّوْتِ؛ وقِيلَ: المُرادُ تَمْثِيلُهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ جاهِلِينَ بِحَقِيقَتِها؛ بِالبَهائِمِ الَّتِي تَسْمَعُ الصَّوْتَ؛ ولا تَفْهَمُ ما تَحْتَهُ؛ وقِيلَ: تَمْثِيلُهم في دُعائِهِمُ الأصْنامَ بِالنّاعِقِ في نَعْقِهِ؛ وهو تَصْوِيتُهُ عَلى البَهائِمِ؛ وهَذا غَنِيٌّ عَنِ الإضْمارِ؛ لَكِنْ لا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ: ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾؛ فَإنَّ الأصْنامَ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ حُسْنَ التَّمْثِيلِ فِيما تَشابَهَ أفْرادُ الطَّرَفَيْنِ؛ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾؛ بِالرَّفْعِ؛ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: هم صُمٌّ.. إلَخْ..
﴿فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾؛ شَيْئًا؛ لِأنَّ طَرِيقَ التَّعَقُّلِ هو التَّدَبُّرُ في مَبادِي الأُمُورِ المَعْقُولَةِ؛ والتَّأمُّلُ في تَرْتِيبِها؛ وذَلِكَ إنَّما يَحْصُلُ بِاسْتِماعِ آياتِ اللَّهِ؛ ومُشاهَدَةِ حُجَجِهِ الواضِحَةِ؛ والمُفاوَضَةِ مَعَ مَن يُؤْخَذُ مِنهُ العُلُومُ؛ فَإذا كانُوا صُمًّا؛ بُكْمًا؛ عُمْيًا؛ فَقَدِ انْسَدَّ عَلَيْهِمْ أبْوابُ التَّعَقُّلِ؛ وطُرُقُ الفَهْمِ بِالكُلِّيَّةِ.
البقرة 2:172
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ؛ ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾؛ الَّذِي رَزَقَكُمُوها؛ والِالتِفاتُ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾؛ فَإنَّ عِبادَتَهُ (تَعالى) لا تَتِمُّ إلّا بِالشُّكْرِ لَهُ؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "يَقُولُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (إنِّي والإنْسُ والجِنُّ في نَبَإٍ عَظِيمٍ؛ أخْلُقُ ويُعْبَدُ غَيْرِي؛ وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي)".»(p-191)
البقرة 2:173
﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾؛ أيْ: أكْلَها؛ والِانْتِفاعَ بِها؛ وهي الَّتِي ماتَتْ عَلى غَيْرِ ذَكاةٍ؛ والسَّمَكُ؛ والجَرادُ خارِجانِ عَنْها بِالعُرْفِ؛ أوِ اسْتِثْناءِ الشَّرْعِ؛ وخَرَجَ الطِّحالُ مِنَ الدَّمِ؛ ﴿والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾؛ إنَّما خُصَّ لَحْمُهُ؛ (مَعَ أنَّ سائِرَ أجْزائِهِ أيْضًا في حُكْمِهِ؛ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يُؤْكَلُ مِنَ الحَيَوانِ؛ وسائِرُ أجْزائِهِ بِمَنزِلَةِ التّابِعِ لَهُ؛ ﴿وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: رُفِعَ بِهِ الصَّوْتُ عِنْدَ ذَبْحِهِ لِلصَّنَمِ؛ والإهْلالُ أصْلُهُ: رُؤْيَةُ الهِلالِ؛ لَكِنْ لَمّا جَرَتِ العادَةُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَها سُمِّيَ ذَلِكَ "إهْلالًا"؛ ثُمَّ قِيلَ: لِرَفْعِ الصَّوْتِ؛ وإنْ كانَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾؛ بِالِاسْتِئْثارِ عَلى مُضْطَرِّ آخَرَ؛ ﴿وَلا عادٍ﴾؛ سَدَّ الرَّمَقِ والجَوْعَةِ؛ وقِيلَ: غَيْرَ باغٍ عَلى الوالِي؛ وعادٍ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ؛ وعَلى هَذا لا يُباحُ لِلْعاصِي بِالسَّفَرِ؛ وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ؛ وقَوْلُ أحْمَدَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ في تَناوُلِهِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾؛ لِما فُعِلَ؛ ﴿رَحِيمٌ﴾؛ بِالرُّخْصَةِ؛ إنْ قِيلَ: كَلِمَةُ "إنَّما" تُفِيدُ قَصْرَ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ؛ وكَمْ مِن حَرامٍ لَمْ يُذْكَرْ! قُلْنا: المُرادُ قَصْرُ الحُرْمَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِمّا اسْتَحَلُّوهُ؛ لا مُطْلَقًا؛ أوْ قَصْرُ حُرْمَتِهِ عَلى حالَةِ الِاخْتِيارِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءَ ما لَمْ تُضْطَرُّوا إلَيْها.
البقرة 2:174
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾؛ المُشْتَمِلِ عَلى فُنُونِ الأحْكامِ؛ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ المُحَلَّلاتِ؛ والمُحَرَّماتِ؛ حَسْبَما ذُكِرَ آنِفًا؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ؛ حِينَ كَتَمُوا نَعْتَ النَّبِيِّ - ﷺ"؛ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ؛ ﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ عِوَضًا حَقِيرًا؛ وقَدْ مَرَّ سِرُّ التَّعْبِيرِ عَنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ؛ الَّذِي هو وسِيلَةٌ في عُقُودِ المُعاوَضَةِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الوَصْفَيْنِ الشَّنِيعَيْنِ؛ المُمَيِّزَيْنِ لَهم عَمَّنْ عَداهُمْ؛ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ؛ الجاعِلَيْنِ إيّاهم بِحَيْثُ كَأنَّهم حُضّارٌ؛ شاهِدُونَ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ بُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾؛ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ "إنَّ"؛ أوْ: اسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ ثانٍ؛ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ؛ والخَبَرُ "ما يَأْكُلُونَ.. إلَخْ.."؛ ومَعْنى أكْلِهِمُ النّارَ أنَّهم يَأْكُلُونَ في الحالِ ما يَسْتَتْبِعُ النّارَ ويَسْتَلْزِمُها؛ فَكَأنَّهُ عَيْنُ النّارِ؛ وأكْلُهُ أكْلُها؛ كَقَوْلِهِ:
؎ أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكَ بِضَرَّةٍ ∗∗∗ بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
أوْ: يَأْكُلُونَ في المَآلِ يَوْمَ القِيامَةِ عَيْنَ النّارِ؛ عُقُوبَةً عَلى أكْلِهِمُ الرِّشا في الدُّنْيا؛ و"فِي بُطُونِهِمْ": مُتَعَلِّقٌ بِـ "يَأْكُلُونَ"؛ وفائِدَتُهُ تَأْكِيدُ الأكْلِ؛ وتَقْرِيرُهُ بِبَيانِ مَقَرِّ المَأْكُولِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ مَلْءُ بُطُونِهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِمْ: "أكَلَ في بَطْنِهِ؛ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ"؛ ومِنهُ: "كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا"؛ فَلا بُدَّ مِنَ الِالتِجاءِ إلى تَعْلِيقِهِ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُقَدَّرَةً مِن "النّارَ"؛ مَعَ تَقْدِيمِهِ عَلى حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ؛ وإلّا فَتَعْلِيقُهُ بِـ "يَأْكُلُونَ" يُؤَدِّي إلى قَصْرِ ما يَأْكُلُونَهُ إلى الشَّبَعِ عَلى النّارِ؛ والمَقْصُودُ قَصْرُ ما يَأْكُلُونَهُ مُطْلَقًا عَلَيْها؛ (p-192)﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾: عِبارَةٌ عَنْ غَضَبِهِ العَظِيمِ عَلَيْهِمْ؛ وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ ما أُتِيحَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ السَّنِيَّةِ؛ والزُّلْفى؛﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾: يُثْنِي عَلَيْهِمْ؛ ﴿وَلَهُمْ﴾؛ مَعَ ما ذُكِرَ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾: مُؤْلِمٌ.
البقرة 2:175
أُولَئِكَ: إشارَةٌ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِنَظِيرِهِ؛ بِالِاعْتِبارِ المَذْكُورِ خاصَّةً؛ لا مَعَ ما يَتْلُوهُ مِن أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ؛ إذْ لا دَخْلَ لَها في الحُكْمِ الَّذِي يُرادُ إثْباتُهُ هَهُنا؛ فَإنَّ المَقْصُودَ تَصْوِيرُ ما باشَرُوهُ مِنَ المُعامَلَةِ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ تَنْفِرُ مِنها الطِّباعُ؛ ولا يَتَعاطاها عاقِلٌ أصْلًا؛ بِبَيانِ حَقِيقَةِ ما نَبَذُوهُ؛ وإظْهارِ كُنْهِ ما أخَذُوهُ؛ وإبْداءِ فَظاعَةِ تَبِعاتِهِ؛ وهو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ المَوْصُولُ؛ أيْ: أُولَئِكَ المُشْتَرُونَ بِكِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ثَمَنًا قَلِيلًا؛ لَيْسُوا بِمُشْتَرِينَ لِلثَّمَنِ؛ وإنْ قَلَّ؛ بَلْ هُمْ: ﴿الَّذِينَ اشْتَرَوُا﴾؛ بِالنِّسْبَةِ إلى الدُّنْيا؛ ﴿الضَّلالَةَ﴾؛ الَّتِي لَيْسَتْ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يُشْتَرى قَطْعًا؛ ﴿بِالهُدى﴾؛ الَّذِي لَيْسَ مِن قَبِيلِ ما يُبْذَلُ بِمُقابَلَةِ شَيْءٍ؛ وإنْ جَلَّ؛ ﴿والعَذابَ﴾؛ أيْ: اشْتَرَوْا؛ بِالنَّظَرِ إلى الآخِرَةِ؛ العَذابَ؛ الَّذِي لا يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مِمّا يُشْتَرى؛ ﴿بِالمَغْفِرَةِ﴾؛ الَّتِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ؛ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾؛ تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمُ الهائِلَةِ؛ الَّتِي هي مُلابَسَتُهم بِما يُوجِبُ النّارَ إيجابًا قَطْعِيًّا؛ كَأنَّهُ عَيْنُها؛ و"ما" عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نَكِرَةٌ تامَّةٌ؛ مُفِيدَةٌ لِمَعْنى التَّعَجُّبِ؛ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ؛ وتَخَصُّصُها كَتَخَصُّصِ "شَرٌّ" فِي: "شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ"؛ خَبَرُها ما بَعْدَها؛ أيْ: شَيْءٌ ما عَظِيمٌ جَعَلَهم صابِرِينَ عَلى النّارِ؛ وعِنْدَ الفَرّاءِ: اسْتِفْهامِيَّةٌ؛ وما بَعْدَها خَبَرُها؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى النّارِ؟! وقِيلَ: هي مَوْصُولَةٌ؛ وقِيلَ: مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها؛ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ؛ أوْ شَيْءٌ أصْبَرَهم عَلى النّارِ؛ أمْرٌ عَجِيبٌ؛ فَظِيعٌ.
البقرة 2:176
﴿ذَلِكَ﴾؛ العَذابُ؛ ﴿بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ؛ ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِهِ؛ فَلا جَرَمَ يَكُونُ مَن يَرْفُضُهُ بِالتَّكْذِيبِ؛ والكِتْمانِ؛ ويَرْكَبُ مَتْنَ الجَهْلِ؛ والغَوايَةِ مُبْتَلًى بِمِثْلِ هَذا مِن أفانِينِ العَذابِ؛ ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾؛ أيْ في جِنْسِ الكِتابِ الإلَهِيِّ؛ بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ كُتُبِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وكَفَرُوا بِبَعْضِها؛ أوْ في التَّوْراةِ؛ بِأنْ آمَنُوا بِبَعْضِ آياتِها؛ وكَفَرُوا بِبَعْضٍ؛ كالآياتِ المُغَيَّرَةِ؛ المُشْتَمِلَةِ عَلى أمْرِ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ ونُعُوتِهِ الكَرِيمَةِ؛ فَمَعْنى الِاخْتِلافِ: التَّخَلُّفُ عَنِ الطَّرِيقِ الحَقِّ؛ أوْ الِاخْتِلافُ في تَأْوِيلِها؛ أوْ في القرآن؛ بِأنْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ سِحْرٌ؛ وبَعْضُهُمْ: إنَّهُ شِعْرٌ؛ وبَعْضُهُمْ: أساطِيرُ الأوَّلِينَ؛ كَما حُكِيَ عَنِ المُفَسِّرِينَ؛ ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾؛ عَنِ الحَقِّ؛ والصَّوابِ؛ مُسْتَوْجِبٍ لِأشَدِّ العَذابِ.
البقرة 2:177
﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾؛ (p-193)البِرُّ: اسْمٌ جامِعٌ لِمَراضِي الخِصالِ؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ؛ فَإنَّهم كانُوا أكْثَرُوا الخَوْضَ في أمْرِ القِبْلَةِ؛ حِينَ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ؛ وكانَ كُلُّ فَرِيقٍ يَدَّعِي خَيْرِيَّةَ التَّوَجُّهِ إلى قِبْلَتِهِ مِنَ القُطْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ؛ وتَقْدِيمُ المَشْرِقِ عَلى المَغْرِبِ؛ مَعَ تَأخُّرِ زَمانِ المِلَّةِ النَّصْرانِيَّةِ؛ إمّا لِرِعايَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّرْتِيبِ المُتَفَرِّعِ عَلى تَرْتِيبِ الشُّرُوقِ والغُرُوبِ؛ وإمّا لِأنَّ تَوَجُّهَ اليَهُودِ إلى المَغْرِبِ لَيْسَ لِكَوْنِهِ مَغْرِبًا؛ بَلْ لِكَوْنِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ واقِعًا في جانِبِ الغَرْبِ؛ فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ البِرَّ ما ذَكَرْتُمْ مِنَ التَّوَجُّهِ إلى تَيْنِكَ الجِهَتَيْنِ؛ عَلى أنَّ "البِرَّ" خَبَرُ "لَيْسَ"؛ مُقَدَّمًا عَلى اسْمِها؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنِّي وعَنْهُمُ ∗∗∗ فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ
وَقَوْلِهِ:
؎ ألَيْسَ عَظِيمًا أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ∗∗∗ ولَيْسَ عَلَيْنا في الخُطُوبِ مَقُولُ
وَإنَّما أُخِّرَ ذَلِكَ لِما أنَّ المَصْدَرَ المُؤَوَّلَ أعْرَفُ مِنَ المُحَلّى بِاللّامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الضَّمِيرَ؛ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يُوصَفُ؛ ولا يُوصَفُ بِهِ؛ والأعْرَفُ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ؛ ولِأنَّ في الِاسْمِ طُولًا؛ فَلَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ المَعْهُودُ لَفاتَ تَجاوُبُ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ وقُرِئَ بِرَفْعِ "البِرَّ"؛ عَلى أنَّهُ اسْمُها؛ وهو أقْوى؛ بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّ كُلَّ فَرِيقٍ يَدَّعِي أنَّ البِرَّ هَذا؛ فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّدُّ مُوافِقًا لِدَعْواهُمْ؛ وما ذَلِكَ إلّا بِكَوْنِ "البِرَّ" اسْمًا؛ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ جَعْلُهُ مُخْبَرًا عَنْهُ في الِاسْتِدْراكِ؛ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾؛ وهو تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ؛ بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ الباطِلِ؛ وتَفْصِيلٌ لِخِصالِ البِرِّ؛ مِمّا لا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الشَّرائِعِ؛ وما يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها؛ أيْ: ولَكِنَّ البِرَّ المَعْهُودَ؛ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يُهْتَمَّ بِشَأْنِهِ؛ ويُجَدَّ في تَحْصِيلِهِ؛ بِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ؛ وحْدَهُ؛ إيمانًا بَرِيئًا مِن شائِبَةِ الإشْراكِ؛ لا كَإيمانِ اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ والمُشْرِكِينَ؛ بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ؛ وقَوْلِهِمْ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ؛ ﴿واليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: عَلى ما هو عَلَيْهِ؛ لا كَما يَزْعُمُونَ؛ مِن أنَّ النّارَ لا تَمَسُّهم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً؛ وأنَّ آباءَهُمُ الأنْبِياءَ يَشْفَعُونَ لَهُمْ؛ فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ إيمانَ أهْلِ الكِتابَيْنِ؛ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ كَما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ الصَّحِيحِ؛ لَمْ يَكُنْ إيمانًا؛ وفي تَعْلِيقِ "البِرَّ" بِهِما مِن أوَّلِ الأمْرِ عُقَيْبَ نَفْيِهِ عَنِ التَّوَجُّهِ إلى المَشْرِقِ؛ والمَغْرِبِ؛ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ البِرَّ هو التَّوَجُّهُ إلى المَبْدَإ؛ والمَعادِ؛ اللَّذَيْنِ هُما المَشْرِقُ والمَغْرِبُ في الحَقِيقَةِ؛ ﴿والمَلائِكَةِ﴾؛ أيْ: وآمَنَ بِهِمْ؛ وبِأنَّهم عِبادٌ مُكْرَمُونَ؛ مُتَوَسِّطُونَ بَيْنَهُ (تَعالى) وبَيْنَ أنْبِيائِهِ؛ بِإلْقاءِ الوَحْيِ؛ وإنْزالِ الكُتُبِ؛ ﴿والكِتابِ﴾؛ أيْ: بِجِنْسِ الكِتابِ؛ الَّذِي مِن أفْرادِهِ الفُرْقانُ؛ الَّذِي نَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ؛ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِكِتْمانِهِمْ نُعُوتَ النَّبِيِّ ﷺ؛ واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) ثَمَنًا قَلِيلًا؛ ﴿والنَّبِيِّينَ﴾؛ جَمِيعًا؛ مِن غَيْرِ تَفْرِقَةٍ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ؛ كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابَيْنِ؛ ووَجْهُ تَوْسِيطِ الكِتابِ بَيْنَ حَمَلَةِ الوَحْيِ؛ وبَيْنَ النَّبِيِّينَ؛ واضِحٌ؛ وسَيَأْتِي في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ .
﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾؛ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "آتى"؛ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِـ "المالَ"؛ أيْ: آتاهُ كائِنًا عَلى حُبِّ المالِ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ حِينَ سُئِلَ: أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ -: "أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ"؛ وقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "أنْ تُؤْتِيَهُ وأنْتَ صَحِيحٌ؛ شَحِيحٌ؛ تَأْمُلُ العَيْشَ؛ وتَخْشى الفَقْرَ؛ ولا تُمْهِلَ؛ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا؛ ولِفُلانٍ كَذا"؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِـ "اللَّهِ" (تَعالى)؛ أيْ: آتاهُ كائِنًا عَلى مَحَبَّتِهِ (تَعالى)؛ لا عَلى قَصْدِ الشَّرِّ؛ والفَسادِ؛ فَفِيهِ نَوْعُ تَعْرِيضٍ لِباذِلِي الرِّشى؛ وآخِذِيها؛ لِتَغْيِيرِ التَّوْراةِ؛ وقِيلَ: لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: كائِنًا عَلى حُبِّ الإيتاءِ؛ ﴿ذَوِي القُرْبى﴾؛ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ "آتى"؛ قُدِّمَ عَلَيْهِ مَفْعُولُهُ الثّانِي؛ أعْنِي "المالَ"؛ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ أوْ لِأنَّ في الثّانِي؛ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ طُولًا؛ لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ لَفاتَ تَجاوُبُ الأطْرافِ (p-194)فِي الكَلامِ؛ وهو الَّذِي اقْتَضى تَقْدِيمَ الحالِ أيْضًا؛ وقِيلَ: هو المَفْعُولُ الثّانِي؛ ﴿واليَتامى﴾؛ أيْ: المَحاوِيجَ مِنهُمْ؛ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ؛ وتَقْدِيمُ ذَوِي القُرْبى عَلَيْهِمْ لِما أنَّ إيتاءَهم صَدَقَةٌ؛ وصِلَةٌ؛ ﴿والمَساكِينَ﴾: جَمْعُ "مِسْكِينٌ"؛ وهو الدّائِمُ السُّكُونِ لِما أنَّ الخَلَّةَ أسْكَنَتْهُ؛ بِحَيْثُ لا حَراكَ بِهِ؛ أوْ دائِمُ السُّكُونِ إلى النّاسِ؛ ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: المُسافِرَ؛ سُمِّيَ بِهِ لِمُلازَمَتِهِ إيّاهُ؛ كَما سُمِّيَ القاطِعُ "ابْنَ الطَّرِيقِ"؛ وقِيلَ: الضَّيْفَ؛ ﴿والسّائِلِينَ﴾؛ الَّذِينَ ألْجَأتْهُمُ الحاجَةُ؛ والضَّرُورَةُ إلى السُّؤالِ؛ قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "أعْطُوا السّائِلَ؛ ولَوْ عَلى فَرَسٍ"؛» ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾؛ أيْ: وضْعَهُ في فَكِّ الرِّقابِ؛ بِمُعاوَنَةِ المُكاتَبِينَ؛ حَتّى يَفُكُّوا رِقابَهُمْ؛ وقِيلَ: في فَكِّ الأُسارى؛ وقِيلَ: في ابْتِياعِ الرِّقابِ وإعْتاقِها؛ وأيًّا ما كانَ فالعُدُولُ عَنْ ذِكْرِهِمْ بِعُنْوانٍ مُصَحِّحٍ لِلْمالِكِيَّةِ؛ كالَّذِينِ مِن قَبْلِهِمْ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ قَرارِ مِلْكِهِمْ فِيما أُوتُوا؛ كَما في الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ؛ أوْ بِعَدَمِ ثُبُوتِهِ رَأْسًا؛ كَما في الوَجْهِ الأخِيرِ؛ وإمّا لِلْإشْعارِ بِرُسُوخِهِمْ في الِاسْتِحْقاقِ؛ والحاجَةِ؛ لِما أنَّ "فِي" لِلظَّرْفِيَّةِ؛ المُنْبِئَةِ عَنْ مَحَلِّيَّتِهِمْ لِما يُؤْتى؛ ﴿وَأقامَ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: المَفْرُوضَةَ مِنها؛ ﴿وَآتى الزَّكاةَ﴾؛ أيْ: المَفْرُوضَةَ؛ عَلى أنَّ المُرادَ بِما مَرَّ مِن إيتاءِ المالِ التَّنَفُّلُ بِالصَّدَقاتِ؛ قُدِّمَ عَلى الفَرِيضَةِ مُبالَغَةً في الحَثِّ عَلَيْهِ؛ أوِ المُرادُ بِهِما المَفْرُوضَةُ؛ والأوَّلُ لِبَيانِ المَصارِفِ؛ والثّانِي لِبَيانِ وُجُوبِ الأداءِ؛ ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "مَن آمَنَ"؛ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: "وَمَن أوْفَوْا بِعَهْدِهِمْ"؛ وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ لِلدَّلالَةِ عَلى وُجُوبِ اسْتِمْرارِ الوَفاءِ؛ والمُرادُ بِالعَهْدِ ما لا يُحَرِّمُ حَلالًا؛ ولا يُحَلِّلُ حَرامًا؛ مِنَ العُهُودِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَ النّاسِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إذا عاهَدُوا﴾؛ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ كَوْنِهِ مِن ضَرُورِيّاتِ الدِّينِ؛ ﴿والصّابِرِينَ﴾: نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ غُيِّرَ سَبْكُهُ عَمّا قَبْلَهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى فَضِيلَةِ الصَّبْرِ؛ ومَزِيَّتِهِ؛ وهو في الحَقِيقَةِ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: إذا ذُكِرَتْ صِفاتٌ لِلْمَدْحِ؛ أوْ لِلذَّمِّ؛ فَخُولِفَ في بَعْضِها الإعْرابُ؛ فَقَدْ خُولِفَ لِلِافْتِنانِ؛ ويُسَمّى ذَلِكَ قَطْعًا؛ لِأنَّ تَغْيِيرَ المَأْلُوفِ يَدُلُّ عَلى زِيادَةِ تَرْغِيبٍ في اسْتِماعِ المَذْكُورِ؛ ومَزِيدِ اهْتِمامٍ بِشَأْنِهِ؛ كَما مَرَّ في صَدْرِ السُّورَةِ؛ وقَدْ قُرِئَ: "والصّابِرُونَ"؛ كَما قُرِئَ: "والمُوفِينَ"؛ ﴿فِي البَأْساءِ﴾؛ أيْ: في الفَقْرِ؛ والشِّدَّةِ؛ ﴿والضَّرّاءِ﴾؛ أيْ: المَرَضِ؛ والزَّمانَةِ؛ ﴿وَحِينَ البَأْسِ﴾؛ أيْ: وقْتَ مُجاهَدَةِ العَدُوِّ؛ في مَواطِنِ الحَرْبِ؛ وزِيادَةُ الحِينِ لِلْإشْعارِ بِوُقُوعِهِ أحْيانًا؛ وسُرْعَةِ انْقِضائِهِ؛ ﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِالنُّعُوتِ الجَمِيلَةِ المَعْدُودَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ؛ وسُمُوِّ رُتْبَتِهِمْ؛ ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾؛ أيْ: في الدِّينِ؛ واتِّباعِ الحَقِّ؛ وتَحَرِّي البِرِّ؛ حَيْثُ لَمْ تُغَيِّرْهُمُ الأحْوالُ؛ ولَمْ تُزَلْزِلْهُمُ الأهْوالُ؛ ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾؛ عَنِ الكُفْرِ؛ وسائِرِ الرَّذائِلِ؛ وتَكْرِيرُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَنْوِيهِ شَأْنِهِمْ؛ وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ لِلْإشارَةِ إلى انْحِصارِ التَّقْوى فِيهِمْ؛ والآيَةُ الكَرِيمَةُ؛ كَما تَرى؛ حاوِيَةٌ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ بِرُمَّتِها؛ تَصْرِيحًا؛ أوْ تَلْوِيحًا؛ لِما أنَّها مَعَ تَكَثُّرِ فُنُونِها؛ وتَشَعُّبِ شُجُونِها؛ مُنْحَصِرَةٌ في خِلالٍ ثَلاثٍ: صِحَّةِ الِاعْتِقادِ؛ وحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ العِبادِ؛ وتَهْذِيبِ النَّفْسِ؛ وقَدْ أُشِيرَ إلى الأُولى بِالإيمانِ؛ بِما فُصِّلَ؛ وإلى الثّانِيَةِ بِإيتاءِ المالِ؛ وإلى الثّالِثَةِ بِإقامَةِ الصَّلاةِ.. إلَخْ.. ولِذَلِكَ وُصِفَ الحائِزُونَ لَها بِالصِّدْقِ؛ نَظَرًا إلى إيمانِهِمْ؛ واعْتِقادِهِمْ؛ وبِالتَّقْوى اعْتِبارًا بِمُعاشَرَتِهِمْ مَعَ الخَلْقِ؛ ومُعامَلَتِهِمْ مَعَ الحَقِّ؛ وإلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُهُ ﷺ: "مَن (p-195)عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ".
البقرة 2:178
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ عَلى وجْهِ التَّلافِي؛ لِما فَرَطَ مِنَ المُخِلِّينَ بِما ذُكِرَ مِن أُصُولِ الدِّينِ؛ وقَواعِدِهِ؛ الَّتِي عَلَيْها بُنِيَ أساسُ المَعاشِ؛ والمَعادِ؛ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ أيْ: فُرِضَ؛ وأُلْزِمَ؛ عِنْدَ مُطالَبَةِ صاحِبِ الحَقِّ؛ فَلا يَقْدَحُ فِيهِ قُدْرَةُ الوَلِيِّ عَلى العَفْوِ؛ فَإنَّ الوُجُوبَ إنَّما اعْتُبِرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الحُكّامِ؛ أوِ القاتِلِينَ؛ ﴿القِصاصُ في القَتْلى﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ قَتْلِهِمْ؛ كَما في قَوْلِهِ ﷺ: « "إنَّ امْرَأةً دَخَلَتِ النّارَ في هِرَّةٍ؛ رَبَطَتْها"؛» أيْ: بِسَبَبِ رَبْطِها إيّاها؛ ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾؛ كانَ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِن أحْياءِ العَرَبِ دِماءٌ؛ وكانَ لِأحَدِهِما طَوْلٌ عَلى الآخَرِ؛ فَأقْسَمُوا لَنَقْتُلَنَّ الحُرَّ مِنكم بِالعَبْدِ؛ والذَّكَرَ بِالأُنْثى؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَتْ؛ فَأمَرَهم أنْ يَتَباوَؤُوا؛ ولَيْسَ فِيها دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أيْضًا؛ لِأنَّ اعْتِبارَ المَفْهُومِ؛ حَيْثُ لَمْ يَظْهَرْ لِلتَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ وجْهٌ سِوى اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِالمَنطُوقِ؛ وقَدْ رَأيْتَ الوَجْهَ هَهُنا؛ وإنَّما يَتَمَسَّكُ في ذَلِكَ هو ومالِكٌ - رَحِمَهُما اللَّهُ - بِما رَوى عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «أنَّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ؛ فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَفاهُ سَنَةً؛ ولَمْ يَقُدَّهُ؛» وبِما رُوِيَ عَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: « "مِنَ السُّنَّةِ ألّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِذِي عَهْدٍ؛ ولا حُرٌّ بِعَبْدٍ"؛» وبِأنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - كانا لا يَقْتُلانِ الحُرَّ بِالعَبْدِ؛ بَيْنَ أظْهُرِ الصَّحابَةِ؛ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ؛ وبِالقِياسِ عَلى الأطْرافِ؛ وعِنْدَنا يُقْتَلُ الحُرُّ بِالعَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ فَإنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَنا إذا قُصَّتْ عَلَيْنا مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى نَسْخِها فالعَمَلُ بِها واجِبٌ؛ عَلى أنَّها شَرِيعَةٌ لَنا؛ ولِأنَّ القِصاصَ يَعْتَمِدُ المُساواةَ في العِصْمَةِ؛ وهي بِالدِّينِ؛ أوْ بِالدّارِ؛ وهُما سِيّانِ فِيهِما؛ وقُرِئَ: "كَتَبَ"؛ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ؛ ونَصْبِ "القِصاصُ"؛ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ؛ لِأنَّ "عَفا" لازِمٌ؛ وفائِدَتُهُ الإشْعارُ بِأنَّ بَعْضَ العَفْوِ بِمَنزِلَةِ كُلِّهِ؛ في إسْقاطِ القِصاصِ؛ وهو الواقِعُ أيْضًا في العادَةِ؛ إذْ كَثِيرًا ما يَقَعُ العَفْوُ مِن بَعْضِ الأوْلِياءِ؛ فَهو شَيْءٌ مِنَ العَفْوِ؛ وقِيلَ: مَعْنى "عُفِيَ": تَرَكَ؛ و"شَيْءٌ": مَفْعُولٌ بِهِ؛ وهو ضَعِيفٌ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ "عَفّاهُ" بِمَعْنى: "تَرَكَهُ"؛ بَلْ "أعْفاهُ"؛ وحُمِلَ العَفْوُ عَلى المَحْوِ؛ كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ دِيارٌ عَفاها جَوْرُ كُلِّ مُعانِدِ ∗∗∗
وَقَوْلِهِ:
؎ عَفاها كُلُّ حَنانٍ ∗∗∗ كَثِيرِ الوَبْلِ هَطّالِ
فَيَكُونُ المَعْنى: فَمَن مُحِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ؛ صَرْفٌ لِلْعِبارَةِ المُتَداوَلَةِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ عَنْ مَعْناها المَشْهُورِ؛ المَعْهُودِ؛ إلى ما لَيْسَ بِمَعْهُودٍ فِيهِما؛ وفي اسْتِعْمالِ النّاسِ؛ فَإنَّهم لا يَسْتَعْمِلُونَ العَفْوَ؛ في بابِ الجِناياتِ؛ إلّا فِيما ذُكِرَ مِن قَبْلُ؛ و"عَفا" يُعَدّى بِـ "عْنَ"؛ إلى الجانِي؛ والذَّنْبِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾؛ وقالَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾؛ فَإذا تَعَدّى إلى الذَّنْبِ قِيلَ: عَفَوْتُ لِفُلانٍ عَمّا جَنى؛ كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن عُفِيَ لَهُ عَنْ جِنايَتِهِ مِن جِهَةِ أخِيهِ؛ يَعْنِي: ولِيَّ الدَّمِ؛ وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الأُخُوَّةِ الثّابِتَةِ بَيْنَهُما؛ بِحُكْمِ كَوْنِهِما مِن بَنِي آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ لِتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرِّقَّةِ؛ والعَطْفِ عَلَيْهِ؛ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾؛ فالأمْرُ: اتِّباعٌ؛ أوْ: فَلْيَكُنِ اتِّباعٌ؛ والمُرادُ (p-196)وَصِيَّةُ العافِي بِالمُسامَحَةِ؛ ومُطالَبَةِ الدِّيَةِ بِالمَعْرُوفِ؛ مِن غَيْرِ تَعَسُّفٍ؛ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾: حَثٌّ لِلْمَعْفُوِّ عَنْهُ عَلى أنْ يُؤَدِّيَها بِإحْسانٍ؛ مِن غَيْرِ مُماطَلَةٍ؛ وبَخْسٍ.
﴿ذَلِكَ﴾: أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ؛ ﴿تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾؛ لِما فِيهِ مِنَ التَّسْهِيلِ؛ والنَّفْعِ؛ وقِيلَ: كُتِبَ عَلى اليَهُودِ القِصاصُ وحْدَهُ؛ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ العَفْوُ؛ والدِّيَةُ؛ وعَلى النَّصارى العَفْوُ عَلى الإطْلاقِ؛ وحُرِّمَ عَلَيْهِمُ القِصاصُ والدِّيَةُ؛ وخُيِّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ بَيْنَ الثَّلاثِ؛ تَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ؛ وتَنْزِيلًا لِلْحُكْمِ عَلى حَسَبِ المَنازِلِ؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ بِأنْ قَتَلَ غَيْرَ القاتِلِ؛ بَعْدَ وُرُودِ هَذا الحُكْمِ؛ أوْ قَتَلَ القاتِلَ؛ بَعْدَ العَفْوِ؛ أوْ أخْذِ الدِّيَةِ؛ ﴿فَلَهُ﴾؛ بِاعْتِدائِهِ؛ ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ إمّا في الدُّنْيا؛ فَبِالِاقْتِصاصِ بِما قَتَلَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وإمّا في الآخِرَةِ؛ فَبِالنّارِ.
البقرة 2:179
﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾: بَيانٌ لِمَحاسِنِ الحُكْمِ المَذْكُورِ؛ عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ؛ لا تُنالُ غايَتُهُ؛ حَيْثُ جُعِلَ الشَّيْءُ مَحَلًّا لِضِدِّهِ؛ وعُرِّفَ القِصاصُ ونُكِّرَ الحَياةُ؛ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ في هَذا الجِنْسِ نَوْعًا مِنَ الحَياةِ عَظِيمًا؛ لا يَبْلُغُهُ الوَصْفُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ العِلْمَ بِهِ يَرْدَعُ القاتِلَ عَنِ القَتْلِ؛ فَيَتَسَبَّبُ لِحَياةِ نَفْسَيْنِ؛ ولِأنَّهم كانُوا يَقْتُلُونَ غَيْرَ القاتِلِ؛ والجَماعَةَ بِالواحِدِ؛ فَتَثُورُ الفِتْنَةُ بَيْنَهُمْ؛ فَإذا اقْتُصَّ مِنَ القاتِلِ سَلِمَ الباقُونَ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِحَياتِهِمْ؛ وعَلى الأوَّلِ فِيهِ إضْمارٌ؛ وعَلى الثّانِي تَخْصِيصٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ بِالحَياةِ هي الأُخْرَوِيَّةُ؛ فَإنَّ القاتِلَ إذا اقْتُصَّ مِنهُ في الدُّنْيا؛ لَمْ يُؤاخَذْ بِهِ في الآخِرَةِ؛ والظَّرْفانِ إمّا خَبَرانِ لِـ "حَياةٌ"؛ أوْ أحَدُهُما خَبَرٌ؛ والآخَرُ صِلَةٌ لَهُ؛ أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ؛ وقُرِئَ: "فِي القَصَصِ"؛ أيْ: فِيما قُصَّ عَلَيْكم مِن حُكْمِ القَتْلِ حَياةٌ؛ أوْ: في القرآن حَياةٌ لِلْقُلُوبِ؛ ﴿يا أُولِي الألباب﴾؛ أيْ: ذَوِي العُقُولِ الخالِصَةِ عَنْ شَوْبِ الأوْهامِ؛ خُوطِبُوا بِذَلِكَ بَعْدَما خُوطِبُوا بِعُنْوانِ الإيمانِ؛ تَنْشِيطًا لَهم إلى التَّأمُّلِ في حِكْمَةِ القِصاصِ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: تَقُونَ أنْفُسَكم مِنَ المُساهَلَةِ في أمْرِهِ؛ والإهْمالِ في المُحافَظَةِ عَلَيْهِ؛ والحُكْمِ بِهِ؛ والإذْعانِ لَهُ؛ أوْ في القِصاصِ؛ فَتَكُفُّوا عَنِ القَتْلِ المُؤَدِّي إلَيْهِ.
البقرة 2:180
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: حَضَرَ أسْبابُهُ؛ وظَهَرَ أماراتُهُ؛ أوْ دَنا نَفْسُهُ مِنَ الحُضُورِ؛ وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ؛ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها؛ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ أيْ: مالًا؛ وقِيلَ: مالًا كَثِيرًا؛ لِما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ مَوْلًى لَهُ أرادَ أنْ يُوصِيَ؛ ولَهُ سَبْعُمائَةِ دِرْهَمٍ؛ فَمَنَعَهُ؛ وقالَ: "قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ؛ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ"؛ وعَنْ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنَّ رَجُلًا أرادَ الوَصِيَّةَ؛ ولَهُ عِيالٌ؛ وأرْبَعُمائَةِ دِينارٍ؛ فَقالَتْ: "ما أرى فِيهِ فَضْلًا"؛ وأرادَ آخَرُ أنْ يُوصِيَ؛ فَسَألَتْهُ: "كَمْ مالُكَ؟"؛ فَقالَ: ثَلاثَةَ آلافِ دِرْهَمٍ؛ قالَتْ: "كَمْ عِيالُكَ؟"؛ قالَ: أرْبَعَةٌ؛ قالَتْ: "إنَّما قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾؛ وإنَّ هَذا لَشَيْءٌ يَسِيرٌ؛ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ؛ ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾: مَرْفُوعٌ بِـ "كُتِبَ"؛ أُخِّرَ عَمّا بَيْنَهُما لِما مَرَّ مِرارًا؛ وإيثارُ تَذْكِيرِ الفِعْلِ؛ مَعَ جَوازِ تَأْنِيثِهِ أيْضًا؛ لِلْفَصْلِ؛ أوْ عَلى تَأْوِيلِ: "أنْ يُوصِيَ"؛ أوْ: "الإيصاءُ"؛ ولِذَلِكَ ذُكِّرَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾؛ و"إذا": ظَرْفٌ مَحْضٌ؛ والعامِلُ فِيهِ "كُتِبَ"؛ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ (p-197)
صُدُورُ الكَتْبِ عَنْهُ (تَعالى)؛ بَلْ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُهُ بِهِمْ تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا؛ مُسْتَتْبِعًا لِوُجُوبِ الأداءِ؛ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ؛ وكَلِمَةُ الإيجابِ؛ ولا مَساغَ لِجَعْلِ العامِلِ هو الوَصِيَّةَ لِتَقَدُّمِهِ عَلَيْها؛ وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ؛ خَبَرُهُ "لِلْوالِدَيْنِ"؛ والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ؛ بِإضْمارِ الفاءِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗
وَرُدَّ بِأنَّهُ إنْ صَحَّ فَمِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ؛ ومَعْنى "كُتِبَ": فُرِضَ؛ وكانَ هَذا الحُكْمُ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ؛ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ ألا لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ"؛» فَإنَّهُ؛ وإنْ كانَ مِن أخْبارِ الآحادِ؛ لَكِنْ حَيْثُ تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بِالقَبُولِ انْتَظَمَ في سِلْكِ المُتَواتِرِ؛ في صَلاحِيَتِهِ لِلنَّسْخِ عِنْدَ أئِمَّتِنا؛ عَلى أنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ النّاسِخَ حَقِيقَةً هي آيَةُ المَوارِيثِ؛ وإنَّما الحَدِيثُ مُبَيِّنٌ لِجِهَةِ نَسْخِها؛ بِبَيانِ أنَّهُ (تَعالى) كانَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكم أنْ تُؤَدُّوا إلى الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ حُقُوقَهُمْ؛ بِحَسَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ مِن غَيْرِ تَبْيِينٍ لِمَراتِبِ اسْتِحْقاقِهِمْ؛ ولا تَعْيِينٍ لِمَقادِيرِ أنْصِبائِهِمْ؛ بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى آرائِكُمْ؛ حَيْثُ قالَ: ﴿بِالمَعْرُوفِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ؛ فالآنَ قَدْ رَفَعَ ذَلِكَ الحُكْمَ عَنْكُمْ؛ لِتَبْيِينِ طَبَقاتِ اسْتِحْقاقِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُمْ؛ وتَعْيِينِ مَقادِيرِ حُقُوقِهِمْ بِالذّاتِ؛ وأعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ مِنهم حَقَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ؛ بِحُكْمِ القَرابَةِ؛ مِن غَيْرِ نَقْصٍ ولا زِيادَةٍ؛ ولَمْ يَدَعْ ثَمَّةَ شَيْئًا فِيهِ مُدْخَلٌ لِرَأْيِكم أصْلًا؛ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ بِـ "لا" النّافِيَةِ لِلْجِنْسِ؛ وتَصْدِيرُها بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ؛ إذا تَحَقَّقْتَ هَذا ظَهَرَ لَكَ أنَّ ما قِيلَ مِن أنَّ آيَةَ المَوارِيثِ لا تُعارِضُهُ؛ بَلْ تُحَقِّقُهُ؛ وتُؤَكِّدُهُ؛ مِن حَيْثُ إنَّها تَدُلُّ عَلى تَقْدِيمِ الوَصِيَّةِ مُطْلَقًا؛ والحَدِيثُ مِنَ الآحادِ؛ وتَلَقِّي الأُمَّةِ إيّاهُ بِالقَبُولِ لا يُلْحِقُهُ بِالمُتَواتِرِ؛ ولَعَلَّهُ احْتَرَزَ عَنْهُ مَن فَسَّرَ الوَصِيَّةَ بِما أوْصى بِهِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن تَوْرِيثِ الوالِدَيْنِ؛ والأقْرَبِينَ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ أوْ بِإيصاءِ المُحْتَضَرِ لَهُمْ؛ بِتَوْفِيرِ ما أوْصى بِهِ اللَّهُ (تَعالى) عَلَيْهِمْ؛ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ؛ وكَذا ما قِيلَ مِن أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ كانَتْ واجِبَةً بِهَذِهِ الآيَةِ؛ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ لِأنْصِبائِهِمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ المَوارِيثِ بَيانًا لِلْأنْصِباءِ فُهِمَ مِنها بِتَنْبِيهِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ المُرادَ هَذِهِ الوَصِيَّةُ الَّتِي كانَتْ واجِبَةً؛ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْصى بِنَفْسِهِ تِلْكَ الوَصِيَّةَ؛ ولَمْ يُفَوِّضْها إلَيْكُمْ؛ فَقامَ المِيراثُ مَقامَ الوَصِيَّةِ؛ فَكانَ هَذا مَعْنى النَّسْخِ؛ لا أنَّ فِيها دَلالَةً عَلى رَفْعِ ذَلِكَ الحُكْمِ؛ فَإنَّ مَدْلُولَ آيَةِ الوَصِيَّةِ حَيْثُ كانَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى آراءِ المُكَلَّفِينَ عَلى الإطْلاقِ؛ وتَسَنّى الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِأداءِ ما أدّى إلَيْهِ آراؤُهم بِالمَعْرُوفِ؛ فَتَكُونُ آيَةُ المَوارِيثِ - النّاطِقَةُ بِمَراتِبِ الِاسْتِحْقاقِ؛ وتَفاصِيلِ مَقادِيرِ الحُقُوقِ؛ القاطِعَةُ بِامْتِناعِ الزِّيادَةِ والنَّقْصِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ - ناسِخَةً لَها؛ رافِعَةً لِحُكْمِها؛ مِمّا لا يَشْتَبِهُ عَلى أحَدٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَقًّا عَلى المُتَّقِينَ﴾: مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: حُقَّ ذَلِكَ حَقًّا.
البقرة 2:181
﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾؛ أيْ: غَيَّرَهُ مِنَ الأوْصِياءِ؛ والشُّهُودِ؛ ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما وصَلَ إلَيْهِ؛ وتَحَقَّقَ لَدَيْهِ؛ ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾؛ أيْ: إثْمُ الإيصاءِ المُغَيِّرِ؛ أوْ إثْمُ التَّبْدِيلِ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾؛ لِأنَّهم خانُوا؛ وخالَفُوا حُكْمَ الشَّرْعِ؛ ووَضْعُ المَوْصُولِ في مَوْضِعِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى "مَن" لِتَأْكِيدِ الإيذانِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ الأُولى؛ وإيثارُ الجَمْعِ لِلْإشْعارِ بِتَعْدادِ المُبَدِّلِينَ أنْواعًا؛ أوْ كَثْرَتِهِمْ أفْرادًا؛ والإيذانِ بِشُمُولِ الإثْمِ لِجَمِيعِ الأفْرادِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾؛ وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْمُبَدِّلِينَ.(p-198)
البقرة 2:182
﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾؛ أيْ: تَوَقَّعَ؛ وعَلِمَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: "أخافُ أنْ يُرْسِلَ السَّماءُ"؛ وقُرِئَ: "مِن مُوَصٍّ"؛ ﴿جَنَفًا﴾؛ أيْ: مَيْلًا بِالخَطَإ في الوَصِيَّةِ؛ ﴿أوْ إثْمًا﴾؛ أيْ: تَعَمُّدًا لِلْجَنَفِ؛ ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ المُوصى لَهم بِإجْرائِهِمْ عَلى مِنهاجِ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: في هَذا التَّبْدِيلِ؛ لِأنَّهُ تَبْدِيلُ باطِلٍ إلى حَقٍّ؛ بِخِلافِ الأوَّلِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ وعْدٌ لِلْمُصْلِحِ؛ وذِكْرُ المَغْفِرَةِ لِمُطابَقَةِ ذِكْرِ الإثْمِ؛ وكَوْنِ الفِعْلِ مِن جِنْسِ ما يُؤْثِمُ.
البقرة 2:183
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾: بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ. والصِّيامُ؛ والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ عَمّا تَنْزِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ؛ ومِنهُ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ﴾؛ الآيَةُ.. وقِيلَ: هو الإمْساكُ عَنِ الشَّيْءِ مُطْلَقًا؛ ومِنهُ: "صامَتِ الرِّيحُ"؛ إذا أمْسَكَتْ عَنِ الهُبُوبِ؛ و"الفَرَسُ"؛ إذا أمْسَكَتْ عَنِ العَدْوِ؛ قالَ:
؎ خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلِكُ اللُّجُما
وَفِي الشَّرِيعَةِ: هو الإمْساكُ نَهارًا؛ مَعَ النِّيَّةِ؛ عَنِ المُفْطِراتِ المَعْهُودَةِ؛ الَّتِي هي مُعْظَمُ ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ؛ ﴿كَما كُتِبَ﴾: في حَيِّزِ النَّصْبِ؛ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَصْدَرِ المُؤَكِّدِ؛ أيْ: كِتابًا كائِنًا كَما كُتِبَ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الكَتْبَ مُشَبَّهًا بِما كُتِبَ؛ فَـ "ما" عَلى الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مِن لَفْظِ الصِّيامِ: أيْ: صَوْمًا مُماثِلًا لِلصَّوْمِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَكُمْ؛ فَـ "ما" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن "الصِّيامُ"؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِما كُتِبَ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ والأُمَمِ؛ مِن لَدُنْ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ؛ وتَرْغِيبٌ فِيهِ؛ وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ بِهِ؛ فَإنَّ الشّاقَّ إذا عَمَّ سَهُلَ عَمَلُهُ؛ والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ: إمّا المُماثَلَةُ في أصْلِ الوُجُوبِ؛ وإمّا في الوَقْتِ؛ والمِقْدارِ؛ كَما يُرْوى أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ كانَ مَكْتُوبًا عَلى اليَهُودِ؛ والنَّصارى؛ أمّا اليَهُودُ فَقَدْ تَرَكَتْهُ؛ وصامَتْ يَوْمًا مِنَ السَّنَةِ؛ زَعَمُوا أنَّهُ يَوْمُ غَرَقِ فِرْعَوْنَ؛ وكَذَبُوا في ذَلِكَ؛ فَإنَّهُ كانَ يَوْمَ عاشُوراءَ؛ وأمّا النَّصارى فَإنَّهم صامُوا رَمَضانَ؛ حَتّى صادَفُوا حَرًّا شَدِيدًا؛ فاجْتَمَعَتْ آراءُ عُلَمائِهِمْ عَلى تَعْيِينِ فَصْلٍ واحِدٍ؛ بَيْنَ الصَّيْفِ والشِّتاءِ؛ فَجَعَلُوهُ في الرَّبِيعِ؛ وزادُوا عَلَيْهِ عَشْرَةَ أيّامٍ؛ كَفّارَةً لِما صَنَعُوا؛ فَصارَ أرْبَعِينَ؛ ثُمَّ مَرِضَ مَلِكُهُمْ؛ أوْ وقَعَ فِيهِمْ مَوْتانِ؛ فَزادُوا عَشْرَةَ أيّامٍ؛ فَصارَ خَمْسِينَ؛ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: المَعاصِيَ؛ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ الدّاعِيَةَ إلَيْها؛ كَما قالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ"؛» أوْ: تَتَّقُونَ الإخْلالَ بِأدائِهِ لِأصالَتِهِ؛ أوْ: تَصِلُونَ بِذَلِكَ إلى رُتْبَةِ التَّقْوى.
البقرة 2:184
﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾: مُوَقَّتاتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ؛ أوْ: قَلائِلَ؛ فَإنَّ القَلِيلَ مِنَ المالِ يُعَدُّ عَدًّا؛ والكَثِيرَ يُهالُ هَيْلًا؛ والمُرادُ بِها: إمّا رَمَضانُ؛ أوْ ما وجَبَ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ ثُمَّ نُسِخَ بِهِ؛ مِن صَوْمِ عاشُوراءَ؛ وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ؛ وانْتِصابُهُ (p-199)لَيْسَ بِـ "الصِّيامُ"؛ كَما قِيلَ؛ لِوُقُوعِ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِأجْنَبِيٍّ؛ بَلْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ هو عَلَيْهِ؛ أعْنِي: "صُومُوا"؛ إمّا عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ اتِّساعًا؛ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُتِبَ﴾؛ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ وفِيهِ أنَّ الأيّامَ لَيْسَتْ مَحَلًّا لَهُ؛ بَلْ لِلْمَكْتُوبِ؛ فَلا يَتَحَقَّقُ الظَّرْفِيَّةُ؛ ولا المَفْعُولِيَّةُ المُتَفَرِّعَةُ عَلَيْها اتِّساعًا؛ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾؛ أيْ: مَرَضًا يَضُرُّهُ الصَّوْمُ؛ أوْ يَعْسُرُ مَعَهُ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْهِ؛ وفِيهِ تَلْوِيحٌ؛ ورَمْزٌ إلى أنَّ مَن سافَرَ في أثْناءِ اليَوْمِ لَمْ يُفْطِرْ؛ ﴿فَعِدَّةٌ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ صَوْمُ عِدَّةِ أيّامِ المَرَضِ؛ والسَّفَرِ؛ ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾؛ إنْ أفْطَرَ؛ فَحُذِفَ الشَّرْطُ؛ والمُضافُ؛ ثِقَةً بِالظُّهُورِ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ أيْ: "فَلْيَصُمْ عِدَّةً"؛ وهَذا عَلى سَبِيلِ الرُّخْصَةِ؛ وقِيلَ: عَلى الوُجُوبِ؛ وإلَيْهِ ذَهَبَ الظّاهِرِيَّةُ؛ وبِهِ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ ﴿وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾؛ أيْ: وعَلى المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ؛ وإنْ أفْطَرُوا؛ ﴿فِدْيَةٌ﴾؛ أيْ: إعْطاءُ فِدْيَةٍ؛ وهِيَ: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾؛ وهو نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ؛ أوْ مِن غَيْرِهِ عِنْدَ أهْلِ العِراقِ؛ ومُدٌّ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ؛ وكانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ؛ لِما أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ؛ وما كانُوا مُتَعَوِّدِينَ لَهُ؛ فاشْتَدَّ عَلَيْهِمْ؛ فَرُخِّصَ لَهم في الإفْطارِ والفِدْيَةِ؛ وقُرِئَ "يُطَوَّقُونَهُ"؛ أيْ: يُكَلَّفُونَهُ؛ أوْ يُقَلَّدُونَهُ؛ و"يُتَطَوَّقُونَهُ"؛ و"يُطَّوَّقُونَهُ"؛ بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ؛ و"يُطَيَّقُونَهُ"؛ و"يُطَّيَّقُونَهُ"؛ بِمَعْنى "يَتَطَيَّقُونَهُ"؛ وأصْلُهُما: "يُطَيْوَقُونَهُ"؛ و"يُتَطَيْوَقُونَهُ"؛ مِن "فَعْيَلَ"؛ و"تَفَعْيَلَ"؛ مِن "الطَّوْقُ"؛ فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ؛ بَعْدَ قَلْبِها ياءً؛ كَقَوْلِهِمْ: "تَدَيَّرَ المَكانُ وما بِها دَيّارُ"؛ وفِيهِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما نَحْوَ مَعْنى يُطِيقُونَهُ؛ والثّانِي يُكَلَّفُونَهُ؛ أوْ يُتَكَلَّفُونَهُ؛ عَلى جُهْدٍ مِنهُمْ؛ وعُسْرٍ؛ وهُمُ الشُّيُوخُ؛ والعَجائِزُ؛ وحُكْمُ هَؤُلاءِ الإفْطارُ؛ والفِدْيَةُ؛ وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا مَعْنى "يُطِيقُونَهُ"؛ أيْ: يَصُومُونَهُ جُهْدَهُمْ؛ وطاقَتَهُمْ؛ ومَبْلَغَ وُسْعِهِمْ؛ ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾؛ فَزادَ في الفِدْيَةِ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ أيْ: التَّطَوُّعُ؛ أوْ: الخَيْرُ الَّذِي تَطَوَّعَهُ؛ ﴿خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا﴾؛ أيُّها المُطِيقُونَ؛ أوِ المُطَوَّقُونَ؛ وتَحْمِلُوا عَلى أنْفُسِكُمْ؛ وتَجْهَدُوا طاقَتَكُمْ؛ أوِ المُرَخَّصُونَ في الإفْطارِ؛ مِنَ المَرْضى؛ والمُسافِرِينَ؛ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ مِنَ الفِدْيَةِ؛ أوْ مِن تَطَوُّعِ الخَيْرِ؛ أوْ مِنهُما؛ أوْ مِنَ التَّأْخِيرِ إلى أيّامٍ أُخَرَ؛ والِالتِفاتُ إلى الخِطابِ لِلْهَزِّ؛ والتَّنْشِيطِ؛ ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما في صَوْمِكُمْ؛ مَعَ تَحَقُّقِ المُبِيحِ لِلْإفْطارِ؛ مِنَ الفَضِيلَةِ؛ والجَوابُ مَحْذُوفٌ؛ ثِقَةً بِظُهُورِهِ؛ أيْ: اخْتَرْتُمُوهُ؛ أوْ: سارَعْتُمْ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: إنْ كُنْتُمْ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ والتَّدْبِيرِ؛ عَلِمْتُمْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ.
البقرة 2:185
﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ سَيَأْتِي خَبَرُهُ؛ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضانَ؛ أوْ بَدَلٌ مِن "الصِّيامُ"؛ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ؛ وقُرِئَ بِالنَّصْبِ؛ عَلى إضْمارِ "صُومُوا"؛ أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ "تَصُومُوا"؛ أوْ بَدَلٌ مِن "أيّامًا مَعْدُوداتٍ"؛ و"رَمَضانُ": مَصْدَرُ "رَمِضَ"؛ أيْ: احْتَرَقَ؛ مِن "الرَّمْضاءُ"؛ فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَّهْرُ؛ وجُعِلَ عَلَمًا؛ ومُنِعَ الصَّرْفَ لِلتَّعْرِيفِ؛ والألِفِ والنُّونِ؛ كَما قِيلَ: "ابْنُ دَأْيَةَ"؛ لِلْغُرابِ؛ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿مَن صامَ رَمَضانَ...﴾ الحَدِيثَ.. وارِدٌ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ لِلْأمْنِ مِنَ الِالتِباسِ؛ وإنَّما سُمِّيَ بِذَلِكَ إمّا لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِنَ الجُوعِ؛ والعَطَشِ؛ أوْ لِارْتِماضِ الذُّنُوبِ في الصِّيامِ فِيهِ؛ أوْ لِوُقُوعِهِ في أيّامِ رَمْضِ الحَرِّ عِنْدَ (p-200)نَقْلِ أسْماءِ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ؛ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾: خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ؛ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ وصِفَةٌ لِـ "شَهْرُ رَمَضانَ"؛ عَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ؛ ومَعْنى إنْزالِهِ فِيهِ أنَّهُ ابْتُدِئَ إنْزالُهُ فِيهِ؛ وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ أوْ: أُنْزِلُ فِيهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا؛ ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ الرَّبّانِيَّةُ؛ أوْ: أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القرآن؛ وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾؛ وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ؛ وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ؛ والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشَرَةَ مِنهُ؛ والقرآن لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ"؛» ﴿هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ﴾: حالانِ مِن "القرآن"؛ أيْ: أُنْزِلَ حالَ كَوْنِهِ هِدايَةً لِلنّاسِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الإعْجازِ (وَغَيْرِهِ؛ وآياتٍ واضِحَةً؛ مُرْشِدَةً إلى الحَقِّ؛ فارِقَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ؛ بِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ؛ ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾؛ أيْ: حَضَرَ فِيهِ؛ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ؛ والمُبالَغَةِ في البَيانِ؛ والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ؛ والتَّرْتِيبِ؛ أوْ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ؛ أوْ زائِدَةٌ؛ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "شَهْرُ رَمَضانَ" مُبْتَدَأً؛ والمَوْصُولُ صِفَةً لَهُ؛ وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لَهُ؛ وقِيلَ: هي جَزائِيَّةٌ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: لَمّا كُتِبَ عَلَيْكم الصِّيامُ في ذَلِكَ الشَّهْرِ؛ فَمَن حَضَرَ فِيهِ؛ ﴿فَلْيَصُمْهُ﴾؛ أيْ: فَلْيَصُمْ فِيهِ؛ بِحَذْفِ الجارِّ؛ وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ؛ اتِّساعًا؛ وقِيلَ: مَن شَهِدَ مِنكم هِلالَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ؛ كَقَوْلِكَ: "شَهِدْتُ الجُمُعَةَ"؛ أيْ: صَلاتَها؛ فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مُخَصِّصًا لَهُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ.
﴿وَمَن كانَ مَرِيضًا﴾؛ وإنْ كانَ مُقِيمًا؛ حاضِرًا فِيهِ؛ ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ وإنْ كانَ صَحِيحًا؛ ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ أيّامٍ أُخَرَ؛ لِأنَّ المَرِيضَ؛ والمُسافِرَ؛ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّهْرَ؛ ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِذَلِكَ؛ أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ؛ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ؛ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ بِهَذا التَّرْخِيصِ؛ ﴿بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾؛ لِغايَةِ رَأْفَتِهِ؛ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ؛ ﴿وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: عِلَلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ؛ أيْ: ولِهَذِهِ الأُمُورِ شُرِعَ ما مَرَّ؛ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ؛ وأمْرِ المُرَخَّصِ لَهم بِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أُفْطِرَ فِيهِ؛ ومِنَ التَّرْخِيصِ في إباحَةِ الفِطْرِ؛ فَقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾: عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ؛ و: ﴿لِتُكَبِّرُوا﴾: عِلَّةُ ما عَلِمَهُ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ؛ ﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: عِلَّةُ التَّرْخِيصِ؛ والتَّيْسِيرِ؛ وتَعْدِيَةُ فِعْلِ التَّكْبِيرِ بِـ "عَلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الحَمْدِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: "وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حامِدِينَ عَلى ما هَداكُمْ"؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ مِثْلَ: "لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ"؛ أوْ: "لِتَعْلَمُوا ما تَعْمَلُونَ؛ ولِتُكْمِلُوا.. إلَخْ.."؛ ويَجُوزُ عَطْفُها عَلى "اليُسْرَ"؛ أيْ: "يُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا.. إلَخْ.."؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾؛ إلَخْ.. والمَعْنى: بِالتَّكْبِيرِ تَعْظِيمُهُ (تَعالى)؛ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلَيْهِ؛ وقِيلَ: تَكْبِيرُ يَوْمِ العِيدِ؛ وقِيلَ: التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ؛ و"ما" تَحْتَمِلُ المَصْدَرِيَّةَ؛ والمَوْصُولَةَ؛ أيْ: عَلى هِدايَتِهِ إيّاكُمْ؛ أوْ عَلى الَّذِي هَداكم إلَيْهِ؛ وقُرِئَ: "وَلِتُكَمِّلُوا"؛ بِالتَّشْدِيدِ.
البقرة 2:186
﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾: في تَلْوِينِ الخِطابِ؛ وتَوْجِيهِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ما لا يَخْفى مِن تَشْرِيفِهِ؛ ورَفْعِ مَحَلِّهِ؛ ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾؛ أيْ: فَقُلْ لَهُمْ: إنِّي قَرِيبٌ؛ وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بِأفْعالِ العِبادِ؛ وأقْوالِهِمْ؛ واطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِهِمْ؛ بِحالٍ مِن قُرْبِ مَكانِهِ؛ رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ؛ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟ فَنَزَلَتْ.
﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾؛ (p-201)تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ؛ وتَحْقِيقٌ لَهُ؛ ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ؛ ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾؛ إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ؛ ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾: أمْرٌ بِالثَّباتِ عَلى ما هم عَلَيْهِ؛ ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾؛ راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ؛ أيْ: الحَقَّ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها؛ ولَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِصَوْمِ الشَّهْرِ؛ ومُراعاةِ العِدَّةِ؛ وحَثَّهم عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ؛ عَقَبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ؛ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ (تَعالى) خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ؛ سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ؛ مُجِيبٌ لِدُعائِهِمْ؛ مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ؛ تَأْكِيدًا لَهُ؛ وحَثًّا عَلَيْهِ؛ .
البقرة 2:187
ثُمَّ شَرَعَ في بَيانِ أحْكامِ الصِّيامِ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾؛ رُوِيَ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا أمْسَوْا حَلَّ لَهُمُ الأكْلُ؛ والشُّرْبُ؛ والجِماعُ؛ إلى أنْ يُصَلُّوا العِشاءَ الأخِيرَةَ؛ أوْ يَرْقُدُوا؛ ثُمَّ إنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - باشَرَ بَعْدَ العِشاءِ؛ فَنَدِمَ؛ وأتى النَّبِيَّ ﷺ؛ واعْتَذَرَ إلَيْهِ؛ فَقامَ رِجالٌ فاعْتَرَفُوا بِما صَنَعُوا بَعْدَ العِشاءِ؛ فَنَزَلَتْ. ولَيْلَةُ الصِّيامِ: اللَّيْلَةُ الَّتِي يُصْبِحُ مِنها صائِمًا؛ والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ؛ لِأنَّهُ لا يَكادُ يَخْلُو مِن رَفَثٍ؛ وهو الإفْصاحُ بِما يَجِبُ أنْ يُكَنّى عَنْهُ؛ وعُدِّيَ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإفْضاءِ؛ والإنْهاءِ؛ وإيثارُهُ هَهُنا لِاسْتِقْباحِ ما ارْتَكَبُوهُ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ خِيانَةً؛ وقُرِئَ: "الرُّفُوثُ"؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا؛ مِنَ التَّشْوِيقِ؛ فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةٌ إلَيْهِ؛ فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها وقْتَ وُرُودِهِ أفْضَلَ تَمَكُّنٍ؛ ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾: اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِسَبَبِ الإحْلالِ؛ وهو صُعُوبَةُ الصَّبْرِ عَنْهُنَّ؛ مَعَ شِدَّةِ المُخالَطَةِ؛ وكَثْرَةِ المُلابَسَةِ بِهِنَّ؛ وجُعِلَ كُلٌّ مِنَ الرَّجُلِ؛ والمَرْأةِ؛ لِباسًا لِلْآخَرِ لِاعْتِناقِهِما؛ واشْتِمالِ كُلٍّ مِنهُما عَلى الآخَرِ بِاللَّيْلِ؛ قالَ:
؎ إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَها ∗∗∗ تَثَنَّتْ فَكانَتْ عَلَيْهِ لِباسا
أوْ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَسْتُرُ حالَ صاحِبِهِ؛ ويَمْنَعُهُ مِنَ الفُجُورِ؛ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾: اسْتِئْنافٌ آخَرُ؛ مُبَيِّنٌ لِما ذُكِرَ مِنَ السَّبَبِ. والِاخْتِيانُ أبْلَغُ مِنَ الخِيانَةِ؛ كَـ "الِاكْتِسابُ"؛ مِن "الكَسْبُ"؛ ومَعْنى "تَخْتانُونَ": تَظْلِمُونَها؛ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ؛ وتَنْقِيصِ حَظِّها مِنَ الثَّوابِ؛ ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾: عَطْفٌ عَلى "عَلِمَ"؛ أيْ: تابَ عَلَيْكم لَمّا تُبْتُمْ مِمّا اقْتَرَفْتُمُوهُ؛ ﴿وَعَفا عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: مَحا أثَرَهُ عَنْكُمْ؛ ﴿فالآنَ﴾؛ لَمّا نُسِخَ التَّحْرِيمُ؛ ﴿باشِرُوهُنَّ﴾: المُباشَرَةُ: إلْزاقُ البَشْرَةِ بِالبَشْرَةِ؛ كُنِّيَ بِها عَنِ الجِماعِ الَّذِي يَسْتَلْزِمُها؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ نَسْخِ الكِتابِ لِلسُّنَّةِ؛ ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: واطْلُبُوا ما قَدَّرَهُ اللَّهُ لَكُمْ؛ وقَرَّرَهُ في اللَّوْحِ؛ مِنَ الوَلَدِ؛ وفِيهِ أنَّ المُباشِرَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ غَرَضُهُ الوَلَدَ؛ فَإنَّهُ الحِكْمَةُ في خَلْقِ الشَّهْوَةِ؛ وشَرْعِ النِّكاحِ؛ لا قَضاءُ الشَّهْوَةِ؛ وقِيلَ: فِيهِ نَهْيٌ عَنِ العَزْلِ؛ وقِيلَ: عَنْ غَيْرِ المَأْتِيِّ؛ والتَّقْدِيرُ: وابْتَغُوا المَحَلَّ الَّذِي كَتَبَ (p-202)
اللَّهُ (تَعالى) لَكُمْ؛ ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطُ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾: شَبَّهَ أوَّلَ ما يَبْدُو مِنَ الفَجْرِ المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ؛ وما يَمْتَدُّ مَعَهُ مِن غَلَسِ اللَّيْلِ؛ بِخَيْطَيْنِ؛ أبْيَضَ؛ وأسْوَدَ؛ واكْتُفِيَ بِبَيانِ الخَيْطِ الأبْيَضِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾؛ عَنْ بَيانِ الخَيْطِ الأسْوَدِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ؛ وبِذَلِكَ خَرَجا عَنْ الِاسْتِعارَةِ إلى التَّمْثِيلِ؛ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "مِن" لِلتَّبْعِيضِ؛ فَإنَّ ما يَبْدُو بَعْضُ الفَجْرِ؛ وما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ؛ ولَمْ يَنْزِلْ "مِنَ الفَجْرِ"؛ فَعَمَدَ رِجالٌ إلى خَيْطَيْنِ؛ أبْيَضَ؛ وأسْوَدَ؛ وطَفِقُوا يَأْكُلُونَ؛ ويَشْرَبُونَ؛ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهُمْ؛ فَنَزَلَتْ؛ فَلَعَلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضانَ؛ وتَأْخِيرُ البَيانِ إلى وقْتِ الحاجَةِ جائِزٌ؛ أوِ اكْتُفِي أوَّلًا بِاشْتِهارِهِما في ذَلِكَ؛ ثُمَّ صُرِّحَ بِالبَيانِ؛ لِما التَبَسَ عَلى بَعْضِهِمْ؛ وفي تَجْوِيزِ المُباشَرَةِ إلى الصُّبْحِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ تَأْخِيرِ الغُسْلِ إلَيْهِ؛ وصِحَّةِ صَوْمِ مَن أصْبَحَ جُنُبًا؛ ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾: بَيانٌ لِآخِرِ وقْتِهِ؛ ﴿وَلا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾؛ أيْ: مُعْتَكِفُونَ فِيها؛ والمُرادُ بِالمُباشَرَةِ: الجِماعُ؛ وعَنْ قَتادَةَ: "كانَ الرَّجُلُ يَعْتَكِفُ؛ فَيَخْرُجُ إلى امْرَأتِهِ؛ فَيُباشِرُها؛ ثُمَّ يَرْجِعُ؛ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ"؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الِاعْتِكافَ يَكُونُ في المَسْجِدِ غَيْرَ مُخْتَصٍّ بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ؛ وأنَّ الوَطْءَ فِيهِ حَرامٌ؛ ومُفْسِدٌ لَهُ؛ لِأنَّ النَّهْيَ في العِباداتِ يُوجِبُ الفَسادَ؛ ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: الأحْكامُ المَذْكُورَةُ حُدُودٌ وضَعَها اللَّهُ (تَعالى) لِعِبادِهِ؛ ﴿فَلا تَقْرَبُوها﴾؛ فَضْلًا عَنْ تَجاوُزِها. نَهْيٌ أنْ يُقْرَبَ الحَدُّ الحاجِزُ بَيْنَ الحَقِّ؛ والباطِلِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ تَخَطِّيها؛ كَما قالَ ﷺ: « "إنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى؛ وحِمى اللَّهِ مَحارِمُهُ؛ فَمَن رَتَعَ حَوْلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يَقَعَ فِيهِ"؛» ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِحُدُودِ اللَّهِ (تَعالى) مَحارِمُهُ؛ ومَناهِيهِ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ البَلِيغِ؛ ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ﴾؛ الدّالَّةَ عَلى الأحْكامِ الَّتِي شَرَعَها؛ ﴿لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ مُخالَفَةَ أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ.
البقرة 2:188
﴿وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾: نَهْيٌ عَنْ أكْلِ بَعْضِهِمْ أمْوالَ بَعْضٍ؛ عَلى خِلافِ حُكْمِ اللَّهِ (تَعالى)؛ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ أمْوالِ أنْفُسِهِمْ في نَهارِ رَمَضانَ؛ أيْ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم أمْوالَ بَعْضٍ بِالوَجْهِ الَّذِي لَمْ يُبِحْهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ و"بَيْنَ": نُصِبَ عَلى الظَّرْفِيَّةِ؛ أوِ الحالِيَّةِ؛ مِن "أمْوالَكُمْ"؛ ﴿وَتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾: عَطْفٌ عَلى المَنهِيِّ عَنْهُ؛ أوْ نُصِبَ بِإضْمارِ "أنْ"؛ والإدْلاءُ: الإلْقاءُ؛ أيْ: ولا تُلْقُوا حُكُومَتَها إلى الحُكّامِ؛ ﴿لِتَأْكُلُوا﴾؛ بِالتَّحاكُمِ إلَيْهِمْ؛ ﴿فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾؛ بِما يُوجِبُ إثْمًا؛ كَشَهادَةِ الزُّورِ؛ واليَمِينِ الفاجِرَةِ؛ أوْ مُلْتَبِسِينَ بِالإثْمِ؛ ﴿وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾؛ أنَّكم مُبْطِلُونَ؛ فَإنَّ ارْتِكابَ المَعاصِي؛ مَعَ العِلْمِ بِها؛ أقْبَحُ؛ رُوِيَ أنَّ عَبْدانَ الحَضْرَمِيَّ ادَّعى عَلى امْرِئِ القَيْسِ الكِنْدِيِّ قِطْعَةَ أرْضٍ؛ ولَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ؛ فَحَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَحْلِفَ امْرُؤُ القَيْسِ؛ فَهَمَّ بِهِ؛ فَقَرَأ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾؛ الآيَةَ؛ فارْتَدَعَ عَنِ اليَمِينِ؛ فَسَلَّمَ الأرْضَ إلى عَبْدانَ؛ فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلَيْهِ خَصْمانِ؛ فَقالَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: "إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؛ وأنْتُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ؛ ولَعَلَّ بَعْضَكم ألْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ؛ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ مِنهُ؛ فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْضِي لَهُ قِطْعَةً مِن نارٍ"؛ فَبَكَيا؛ فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: حَقِّي لِصاحِبِي؛ (p-203)فَقالَ: "اذْهَبا فَتَوَخَّيا؛ ثُمَّ اسْتَهِما؛ ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ".»
البقرة 2:189
﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾: سَألَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ؛ وثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمٍ؛ فَقالا: ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو رَقِيقًا كالخَيْطِ؛ ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَسْتَوِيَ؛ ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ حَتّى يَعُودَ كَما بَدَأ؟ ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾؛ كانُوا قَدْ سَألُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَنِ الحِكْمَةِ في اخْتِلافِ حالِ القَمَرِ؛ وتَبَدُّلِ أمْرِهِ؛ فَأمَرَهُ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ أنْ يُجِيبَهم بِأنَّ الحِكْمَةَ الظّاهِرَةَ في ذَلِكَ أنْ تَكُونَ مَعالِمَ لِلنّاسِ في عِباداتِهِمْ؛ لا سِيَّما الحَجُّ؛ فَإنَّ الوَقْتَ مُراعًى فِيهِ؛ أداءً؛ وقَضاءً؛ وكَذا في مُعامَلاتِهِمْ؛ عَلى حَسَبِ ما يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ؛ و"المَواقِيتُ": جَمْعُ "مِيقاتٌ"؛ مِن "الوَقْتُ"؛ والفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُدَّةِ؛ والزَّمانِ؛ أنَّ المُدَّةَ المُطْلَقَةَ امْتِدادُ حَرَكَةِ الفَلَكِ؛ مِن مَبْدَئِها إلى مُنْتَهاها؛ والزَّمانُ: مُدَّةٌ مَقْسُومَةٌ إلى الماضِي؛ والحالِ؛ والمُسْتَقْبَلِ؛ والوَقْتُ: الزَّمانُ المَفْرُوضُ لِأمْرٍ؛ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾: كانَتِ الأنْصارُ إذا أحْرَمُوا لَمْ يَدْخُلُوا دارًا ولا فُسْطاطًا مِن بابِهِ؛ وإنَّما يَدْخُلُونَ ويَخْرُجُونَ مِن نَقْبٍ؛ أوْ فُرْجَةٍ وراءَها؛ ويُعِدُّونَ ذَلِكَ بِرًّا؛ فَبُيِّنَ لَهم أنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ؛ فَقِيلَ: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾؛ أيْ: بِرُّ مَنِ اتَّقى المَحارِمَ؛ والشَّهَواتِ؛ ووَجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ أنَّهم سَألُوا عَنِ الأمْرَيْنِ؛ أوْ أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّها مَواقِيتُ لِلْحَجِّ ذَكَرَ عُقَيْبَهُ ما هُو مِن أفْعالِهِمْ في الحَجِّ؛ اسْتِطْرادًا؛ أوْ أنَّهم لَمّا سَألُوا عَمّا لا يَعْنِيهِمْ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ النُّبُوَّةِ؛ فَإنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مَبْعُوثٌ لِبَيانِ الشَّرائِعِ؛ لا لِبَيانِ حَقائِقِ الأشْياءِ؛ وتَرَكُوا السُّؤالَ عَمّا يَعْنِيهِمْ؛ ويَخْتَصُّ بِعِلْمِ الرِّسالَةِ؛ عَقَّبَ بِذِكْرِهِ جَوابَ ما سَألُوا عَنْهُ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ اللّائِقَ بِهِمْ أنْ يَسْألُوا عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ؛ ويَهْتَمُّوا بِالعِلْمِ بِها؛ أوْ أُرِيدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى تَعْكِيسِهِمْ في السُّؤالِ؛ وكَوْنِهِ مِن قَبِيلِ دُخُولِ البَيْتِ مِن ورائِهِ؛ والمَعْنى: ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَعْكِسُوا في مَسائِلِكُمْ؛ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ذَلِكَ؛ ولَمْ يَجْتَرِئْ عَلى مِثْلِهِ؛ ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها﴾؛ إذْ لَيْسَ في العُدُولِ بِرٌّ؛ أوْ: باشِرُوا الأُمُورَ مِن وُجُوهِها؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في تَغْيِيرِ أحْكامِهِ؛ أوْ في جَمِيعِ أُمُورِكُمْ؛ أمَرَ بِذَلِكَ صَرِيحًا بَعْدَ بَيانِ أنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى؛ إظْهارًا لِزِيادَةِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ التَّقْوى؛ وتَمْهِيدًا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ تَظْفَرُوا بِالبِرِّ؛ والهُدى.
البقرة 2:190
﴿وَقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أيْ: جاهِدُوا لِإعْزازِ دِينِهِ؛ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ؛ وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ؛ ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾؛ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ قَبْلَما أُمِرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً؛ المُقاتِلِينَ مِنهُمْ؛ والمُحاجِزِينَ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: الَّذِينَ يُناصِبُونَكُمُ القِتالَ؛ ويُتَوَقَّعُ مِنهم ذَلِكَ؛ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ مِنَ المَشايِخِ؛ والصِّبْيانِ؛ والرَّهابِنَةِ والنِّساءِ؛ أوِ الكَفَرَةُ جَمِيعًا؛ فَإنَّ الكُلَّ بِصَدَدِ قِتالِ المُسْلِمِينَ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رُوِيَ «أنَّ المُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ وصالَحُوهُ عَلى أنْ يَرْجِعَ مِن قابِلٍ؛ فَيُخَلُّوا لَهُ مَكَّةَ؛ شَرَّفَها اللَّهُ (تَعالى)؛ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ فَرَجَعَ لِعُمْرَةِ القَضاءِ؛ فَخافَ المُسْلِمُونَ ألّا يَفُوا لَهم ويُقاتِلُوهم في الحَرَمِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وكَرِهُوا ذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ.» ويَعْضُدُهُ إيرادُهُ في أثْناءِ بَيانِ أحْكامِ الحَجِّ؛ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾؛ بِابْتِداءِ (p-204)القِتالِ؛ أوْ بِقِتالِ المُعاهَدِ؛ والمُفاجَأةِ بِهِ؛ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ؛ أوْ بِالمُثْلَةِ؛ وقَتْلِ مَن نُهِيتُمْ عَنْ قَتْلِهِ؛ مِنَ النِّساءِ؛ والصِّبْيانِ؛ ومَن يُجْرى مُجْراهُمْ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ.
البقرة 2:191
﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ؛ مِن حِلٍّ؛ أوْ حَرَمٍ؛ وأصْلُ "الثَّقْفُ": "الحَذْقُ"؛ في إدْراكِ الشَّيْءِ؛ عِلْمًا؛ أوْ عَمَلًا؛ وفِيهِ مَعْنى الغَلَبَةِ؛ ولِذَلِكَ اسْتُعْمِلَ فِيها؛ قالَ:
؎ فَإمّا تَثْقَفُونِي فاقْتُلُونِي ∗∗∗ فَمَن أثْقَفْ فَلَيْسَ إلى خُلُودِ
﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾؛ أيْ: مِن مَكَّةَ؛ وقَدْ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ؛ يَوْمَ الفَتْحِ؛ بِمَن لَمْ يُسَلِّمْ مِن كُفّارِها؛ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾؛ أيْ: المِحْنَةُ الَّتِي يُفْتَتَنُ بِها الإنْسانُ؛ كالإخْراجِ مِنَ الوَطَنِ؛ أصْعَبُ مِنَ القَتْلِ؛ لِدَوامِ تَعَبِها؛ وبَقاءِ تَألُّمِ النَّفْسِ بِها؛ وقِيلَ: شِرْكُهم في الحَرَمِ؛ وصَدُّهم لَكم عَنْهُ؛ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم فِيهِ؛ ﴿وَلا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ أيْ: لا تُفاتِحُوهم بِالقَتْلِ هُناكَ؛ ولا تَهْتِكُوا حُرْمَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ؛ ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكُمْ﴾؛ ثَمَّةَ؛ ﴿فاقْتُلُوهُمْ﴾؛ فِيهِ؛ ولا تُبالُوا بِقِتالِهِمْ ثَمَّةَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ هَتَكُوا حُرْمَتَهُ؛ فاسْتَحَقُّوا أشَدَّ العَذابِ؛ وفي العُدُولِ عَنْ صِيغَةِ المُفاعَلَةِ الَّتِي بِها ورَدَ النَّهْيُ؛ والشَّرْطُ؛ عِدَةٌ بِالنَّصْرِ؛ والغَلَبَةِ؛ وقُرِئَ: "وَلا تَقْتُلُوهم حَتّى يَقْتُلُوكم فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ"؛ والمَعْنى: حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكُمْ؛ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْنا بَنُو أسَدٍ؛ ﴿كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ﴾؛ يُفْعَلُ بِهِمْ مِثْلُ ما فَعَلُوا بِغَيْرِهِمْ.
البقرة 2:192
﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾؛ عَنِ القِتالِ؛ والكُفْرِ؛ بَعْدَما رَأوْا قِتالَكُمْ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ لَهم ما قَدْ سَلَفَ.
البقرة 2:193
﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾: أيْ: شِرْكٌ؛ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾؛ خالِصًا؛ لَيْسَ لِلشَّيْطانِ فِيهِ نَصِيبٌ؛ ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾؛ بَعْدَ مُقاتَلَتِكم عَنِ الشِّرْكِ؛ ﴿فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: فَلا تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ؛ إذْ لا يَحْسُنُ الظُّلْمُ إلّا لِمَن ظُلِمَ؛ فَوَضْعُ العِلَّةِ مَوْضِعَ الحُكْمِ؛ وتَسْمِيَةُ الجَزاءِ بِالعُدْوانِ؛ لِلْمُشاكَلَةِ؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾؛ أوْ: إنَّكم إنْ تَعَرَّضْتُمْ لِلْمُنْتَهِينَ صِرْتُمْ ظالِمِينَ؛ وتَنْعَكِسُ الحالُ عَلَيْكُمْ؛ والفاءُ الأُولى لِلتَّعْقِيبِ؛ والثّانِيَةُ لِلْجَزاءِ.
البقرة 2:194
﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامُ﴾: قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ في ذِي القِعْدَةِ؛ فَقِيلَ لَهم - عِنْدَ خُرُوجِهِمْ لِعُمْرَةِ القَضاءِ في ذِي القِعْدَةِ أيْضًا؛ وكَراهَتِهِمُ القِتالَ فِيهِ -: هَذا الشَّهْرُ الحَرامُ بِذَلِكَ الشَّهْرِ الحَرامِ؛ وهَتْكُهُ بِهَتْكِهِ؛ فَلا تُبالُوا بِهِ؛ ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾؛ أيْ: كُلُّ حُرْمَةٍ - وهي ما يَجِبُ المُحافَظَةُ عَلَيْهِ - يَجْرِي فِيها القِصاصُ؛ فَلِما هَتَكُوا حُرْمَةَ شَهْرِكم بِالصَّدِّ فافْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَهُ؛ وادْخُلُوا عَلَيْهِمْ عُنْوَةً؛ فاقْتُلُوهم إنْ قاتَلُوكُمْ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾؛ (p-205)؛ وهو فَذْلَكَةٌ؛ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في شَأْنِ الِانْتِصارِ؛ واحْذَرُوا أنْ تَعْتَدُوا إلى ما لَمْ يُرَخَّصْ لَكُمْ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾؛ فَيَحْرُسُهُمْ؛ ويُصْلِحُ شُئُونَهم بِالنَّصْرِ؛ والتَّمْكِينِ.
البقرة 2:195
﴿وَأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أمْرٌ بِالجِهادِ بِالمالِ؛ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ بِالأنْفُسِ؛ أيْ: ولا تُمْسِكُوا كُلَّ الإمْساكِ؛ ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾؛ بِالإسْرافِ؛ وتَضْيِيعِ وجْهِ المَعاشِ؛ أوْ بِالكَفِّ عَنِ الغَزْوِ؛ والإنْفاقِ فِيهِ؛ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقَوِّي العَدُوَّ؛ ويُسَلِّطُهم عَلَيْكُمْ؛ ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبٍ الأنْصارِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: "لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ؛ وكَثُرَ أهْلُهُ؛ رَجَعْنا إلى أهالِينا؛ وأمْوالِنا؛ نُقِيمُ فِيها؛ ونُصْلِحُها؛ فَنَزَلَتْ"؛ أوْ بِالإمْساكِ؛ وحُبِّ المالِ؛ فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ المُؤَبَّدِ؛ ولِذَلِكَ سُمِّيَ البُخْلُ هَلاكًا؛ وهو في الأصْلِ انْتِهاءُ الشَّيْءِ في الفَسادِ؛ والإلْقاءُ: طَرْحُ الشَّيْءِ؛ وتَعْدِيَتُهُ بِـ "إلى" لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِانْتِهاءِ؛ والباءُ مَزِيدَةٌ؛ والمُرادُ بِالأيْدِي: الأنْفُسُ؛ و"التَّهْلُكَةُ": مَصْدَرٌ كَـ "التَّنْصُرَةُ"؛ و"التَّسْتُرَةُ"؛ وهي والهَلْكُ؛ والهَلاكُ؛ واحِدٌ؛ أيْ: لا تُوقِعُوا أنْفُسَكم في الهَلاكِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تَجْعَلُوها آخِذَةً بِأيْدِيكُمْ؛ أوْ: لا تُلْقُوا بِأيْدِيكم أنْفُسَكم إلَيْها؛ فَحُذِفَ المَفْعُولُ؛ ﴿وَأحْسِنُوا﴾؛ أيْ: أعْمالَكُمْ؛ وأخْلاقَكُمْ؛ أوْ: تَفَضَّلُوا عَلى الفُقَراءِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيْ: يُرِيدُ بِهِمُ الخَيْرَ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى):
البقرة 2:196
﴿وَأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: بَيانٌ لِوُجُوبِ إتْمامِ أفْعالِهِما؛ عِنْدَ التَّصَدِّي لِأدائِهِما؛ وإرْشادٌ لِلنّاسِ إلى تَدارُكِ ما عَسى يَعْتَرِيهِمْ مِنَ العَوارِضِ المُخِلَّةِ بِذَلِكَ؛ مِنَ الإحْصارِ؛ ونَحْوِهِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما في أنْفُسِهِما؛ مِنَ الوُجُوبِ؛ وعَدَمِهِ؛ كَما في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾؛ فَإنَّهُ بَيانٌ لِوُجُوبِ مَدِّ الصِّيامِ إلى اللَّيْلِ؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوُجُوبِ أصْلِهِ؛ وإنَّما هو بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ الآيَةِ.. كَما أنَّ وُجُوبَ الحَجِّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ الآيَةِ.. فَإنَّ الأمْرَ بِإتْمامِ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ لَيْسَ أمْرًا بِأصْلِهِ؛ ولا مُسْتَلْزِمًا لَهُ أصْلًا؛ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ قَطْعًا؛ وادِّعاءُ أنَّ الأمْرَ بِإتْمامِهِما أمْرٌ بِإنْشائِهِما تامَّيْنِ كامِلَيْنِ؛ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ قِراءَةُ "وَأقِيمُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ"؛ وأنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلى خِلافِهِ دَلِيلٌ؛ مِمّا لا سَدادَ لَهُ؛ ضَرُورَةَ أنْ لَيْسَ البَيانُ مَقْصُورًا عَلى أفْعالِ الحَجِّ المَفْرُوضِ؛ حَتّى يُتَصَوَّرَ ذَلِكَ؛ بَلِ الحَقُّ أنَّ تِلْكَ القِراءَةَ أيْضًا مَحْمُولَةٌ عَلى المَشْهُورَةِ؛ ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ إقامَةِ أفْعالِهِما كَما يَنْبَغِي؛ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِحالِهِما في أنْفُسِهِما؛ فالمَعْنى: أكْمِلُوا أرْكانَهُما؛ وشَرائِطَهُما؛ وسائِرَ أفْعالِهِما المَعْرُوفَةِ شَرْعًا؛ لِوَجْهِ اللَّهِ (تَعالى)؛ مِن غَيْرِ إخْلالٍ مِنكم بِشَيْءٍ مِنها؛ هَذا.. وقَدْ قِيلَ: إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ (p-206)بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ؛ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ وقِيلَ: أنْ تُفْرِدَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما سَفَرًا؛ كَما قالَ مُحَمَّدٌ: حَجَّةٌ كُوفِيَّةٌ؛ وعُمْرَةٌ كُوفِيَّةٌ؛ أفْضَلُ؛ وقِيلَ: هو جَعْلُ نَفَقَتِهِما حَلالًا؛ وقِيلَ: أنْ تُخْلِصُوهُما لِلْعِبادَةِ؛ ولا تَشُوبُوهُما بِشَيْءٍ مِنَ الأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ؛ وأيًّا ما كانَ فَلا تَعَرُّضَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِوُجُوبِ العُمْرَةِ أصْلًا؛ وأمّا ما رُوِيَأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - قالَ: "إنَّ العُمْرَةَ لَقَرِينَةُ الحَجِّ"؛ وقَوْلُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: "هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ"؛ حِينَ قالَ لَهُ رَجُلٌ: وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ؛ فَأهْلَلْتُ بِهِما؛ وفي رِوايَةٍ: فَأهْلَلْتُ بِهِما جَمِيعًا؛ فَبِمَعْزِلٍ مِن إفادَةِ الوُجُوبِ؛ مَعَ كَوْنِهِ مُعارَضًا بِما رُوِيَ «عَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ألْعُمْرَةُ واجِبَةٌ مِثْلَ الحَجِّ؟ قالَ: "لا.. ولَكِنْ أنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ"؛» وبِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: « "الحَجُّ جِهادٌ؛ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ"؛» فَتَدَبَّرْ.
﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾: أيْ: مُنِعْتُمْ مِنَ الحَجِّ؛ يُقالُ: "حَصَرَهُ العَدُوُّ"؛ و"أحْصَرَهُ"؛ إذا حَبَسَهُ؛ ومَنَعَهُ مِنَ المُضِيِّ لِوَجْهِهِ؛ مِثْلَ "صَدَّهُ"؛ و"أصَدَّهُ"؛ والمُرادُ: مَنعُ العَدُوِّ؛ عِنْدَ مالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾؛ ولِنُزُولِهِ في الحُدَيْبِيَةِ؛ ولِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: "لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ"؛ وكُلُّ مَنعٍ مِن عَدُوٍّ؛ أوْ مَرَضٍ؛ أوْ غَيْرِهِما؛ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن كُسِرَ؛ أوْ عَرَجَ؛ فَعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ"؛» ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْكُمْ؛ أوْ: فالواجِبُ ما اسْتَيْسَرَ؛ أوْ: فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ؛ والمَعْنى أنَّ المُحْرِمَ إذا أُحْصِرَ؛ وأرادَ أنْ يَتَحَلَّلَ؛ تَحَلَّلَ بِذَبْحِ هَدْيٍ تَيَسَّرَ عَلَيْهِ؛ مِن بَدَنَةٍ؛ أوْ بَقَرَةٍ؛ أوْ شاةٍ؛ حَيْثُ أُحْصِرَ؛ عِنْدَ الأكْثَرِ؛ وعِنْدَنا: يَبْعَثُ بِهِ إلى الحَرَمِ؛ ويَجْعَلُ لِلْمَبْعُوثِ بِيَدِهِ يَوْمَ أمارٍ؛ فَإذا جاءَ اليَوْمُ؛ وظَنَّ أنَّهُ ذَبَحَ؛ تَحَلَّلَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوا حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ المَبْعُوثَ إلى الحَرَمِ بَلَغَ مَكانَهُ الَّذِي يَجِبُ أنْ يُنْحَرَ فِيهِ؛ وحَمَلَ الأوَّلُونَ بُلُوغَ الهَدْيِ مَحِلَّهُ عَلى ذَبْحِهِ؛ حَيْثُ يَحِلُّ ذَبْحُهُ فِيهِ حِلًّا كانَ أوْ حَرَمًا؛ ومَرْجِعُهم في ذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ بِها؛ وهي مِنَ الحِلِّ؛ قُلْنا: كانَ مَحْصَرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - طَرَفَ الحُدَيْبِيَةِ؛ الَّذِي إلى أسْفَلِ مَكَّةَ؛ وهو مِنَ الحَرَمِ؛ وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ هَدْيَهُ في الحَرَمِ؛ وقالَ الواقِدِيُّ: الحُدَيْبِيَةُ هي طَرَفُ الحَرَمِ عَلى تِسْعَةِ أمْيالٍ مِن مَكَّةَ. والمَحِلُّ - بِالكَسْرِ - يُطْلَقُ عَلى المَكانِ؛ والزَّمانِ؛ والهَدْيُ: جَمْعُ "هَدْيَةٌ"؛ كَـ "جَدْيٌ"؛ و"جَدْيَةٌ"؛ وقُرِئَ: "مِنَ الهَدِيِّ"؛ جَمْعُ "هَدِيَّةٌ"؛ كَـ "مَطِيٌّ"؛ و"مَطِيَّةٌ"؛ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾؛ مَرَضًا مُحْوِجًا إلى الحَلْقِ؛ ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾؛ كَجِراحَةٍ؛ أوْ قُمَّلٍ؛ ﴿فَفِدْيَةٌ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ إنْ حَلَقَ؛ ﴿مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾: بَيانٌ لِجِنْسِ الفِدْيَةِ؛ وأمّا قَدْرُها فَقَدْ رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: "لَعَلَّكَ آذاكَ هَوامُّكَ"؛ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ قالَ: "احْلِقْ وصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ أوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ؛ أوِ انْسُكْ شاةً"؛» والفَرَقُ: ثَلاثَةُ آصُعٍ؛ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾؛ أيِ الإحْصارَ؛ أوْ كُنْتُمْ في حالِ أمْنٍ؛ أوْ سَعَةٍ؛ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾؛ أيْ: فَمَنِ انْتَفَعَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ (تَعالى) بِالعُمْرَةِ؛ قَبْلَ الِانْتِفاعِ بِتَقَرُّبِهِ بِالحَجِّ؛ في أشْهُرِهِ؛ وقِيلَ: مَنِ اسْتَمْتَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِن عُمْرَتِهِ بِاسْتِباحَةِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ؛ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ؛ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾؛ أيْ: فَعَلَيْهِ دَمٌ اسْتَيْسَرَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ؛ وهو دَمُ جُبْرانٍ؛ يَذْبَحُهُ إذا أحْرَمَ بِالحَجِّ؛ ولا يَأْكُلُ مِنهُ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وعِنْدَنا: هو كالأُضْحِيَةِ؛ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيِ الهَدْيَ؛ ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ﴾؛ أيْ: في أشْهُرِهِ؛ بَيْنَ الإحْرامَيْنِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: في أيّامِ الِاشْتِغالِ بِأعْمالِهِ؛ بَعْدَ الإحْرامِ؛ وقَبْلَ التَّحَلُّلِ؛ والأحَبُّ أنْ يَصُومَ سابِعَ ذِي الحِجَّةِ؛ وثامِنَهُ؛ وتاسِعَهُ؛ فَلا يَصِحُّ يَوْمَ النَّحْرِ؛ وأيّامَ التَّشْرِيقِ؛ ﴿وَسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾؛ أيْ: نَفَرْتُمْ؛ وفَرَغْتُمْ مِن (p-207)أعْمالِهِ؛ وفي أحَدِ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ: إذا رَجَعْتُمْ إلى أهْلِيكُمْ؛ وقُرِئَ: "وَسَبْعَةً"؛ بِالنَّصْبِ؛ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ "ثَلاثَةِ أيّامٍ"؛ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ﴾؛ فَذْلَكَةُ الحِسابِ؛ وفائِدَتُها ألّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الواوَ بِمَعْنى "أوْ"؛ كَما في قَوْلِكَ: "جالِسِ الحَسَنَ وابْنَ سِيرِينَ"؛ وأنْ يُعْلَمَ العَدَدُ جُمْلَةً؛ كَما عُلِمَ تَفْصِيلًا؛ فَإنَّ أكْثَرَ العَرَبِ لا يَعْرِفُ الحِسابَ؛ وأنَّ المُرادَ بِالسَّبْعَةِ هو العَدَدُ المَخْصُوصُ؛ دُونَ الكَثْرَةِ؛ كَما يُرادُ بِها ذَلِكَ أيْضًا؛ ﴿كامِلَةٌ﴾: صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ "عَشَرَةٌ"؛ تُفِيدُ المُبالَغَةَ في المُحافَظَةِ عَلى العَدَدِ؛ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ العَشَرَةِ؛ فَإنَّها أوَّلُ عَدَدٍ كامِلٍ؛ إذْ بِهِ يَنْتَهِي الآحادُ؛ ويَتِمُّ مَراتِبُها؛ أوْ مُقَيِّدَةٌ؛ تُفِيدُ كَمالَ بَدَلِيَّتِها مِن "الهَدْيِ"؛ ﴿ذَلِكَ﴾: إشارَةٌ إلى التَّمَتُّعِ عِنْدَنا؛ وإلى الحُكْمِ المَذْكُورِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ ﴿لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾؛ وهو مَن كانَ مِنَ الحَرَمِ عَلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ ومَن كانَ مَسْكَنُهُ وراءَ المِيقاتِ؛ عِنْدَنا؛ وأهْلُ الحِلِّ عِنْدَ طاوُسٍ؛ وغَيْرُ أهْلِ مَكَّةَ؛ عِنْدَ مالِكٍ؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في المُحافَظَةِ عَلى أوامِرِهِ؛ ونَواهِيهِ؛ لا سِيَّما في الحَجِّ؛ ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ لِمَن لَمْ يَتَّقِهِ؛ كَيْ يَصُدَّكُمُ العِلْمُ بِهِ عَنِ العِصْيانِ؛ وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ؛ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
البقرة 2:197
﴿الحَجُّ﴾؛ أيْ: وقْتُهُ؛ ﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾؛ مَعْرُوفاتٌ بَيْنَ النّاسِ؛ هِيَ: شَوّالٌ؛ وذُو القِعْدَةِ؛ وعَشْرُ ذِي الحِجَّةِ؛ (عِنْدَنا؛ وتِسْعَةٌ بِلَيْلَةِ النَّحْرِ؛ عِنْدَ الشّافِعِيِّ؛ وكُلُّهُ عِنْدَ مالِكٍ؛ ومَدارُ الخِلافِ أنَّ المُرادَ بِوَقْتِهِ وقْتُ إحْرامِهِ؛ أوْ وقْتُ أعْمالِهِ؛ ومَناسِكِهِ؛ أوْ ما لا يَحْسُنُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنَ المَناسِكِ مُطْلَقًا؛ فَإنَّ مالِكًا كَرِهَ العُمْرَةَ في بَقِيَّةِ ذِي الحِجَّةِ؛ وأبُو حَنِيفَةَ؛ وإنْ صَحَّحَ الإحْرامَ بِهِ قَبْلَ شَوّالٍ؛ فَقَدِ اسْتَكْرَهَهُ؛ وإنَّما سَمّى شَهْرَيْنِ؛ وبَعْضَ شَهْرٍ؛ أشْهُرًا إقامَةً لِلْبَعْضِ مَقامَ الكُلِّ؛ أوْ إطْلاقًا لِلْجَمْعِ عَلى ما فَوْقَ الواحِدِ؛ وصِيغَةُ جَمْعِ المُذَكَّرِ في غَيْرِ العُقَلاءِ تَجِيءُ بِالألِفِ والتّاءِ؛ ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾؛ أيْ: أوْجَبَهُ عَلى نَفْسِهِ بِالإحْرامِ فِيهِنَّ؛ أوْ بِالتَّلْبِيَةِ؛ أوْ بِسَوْقِ الهَدْيِ؛ ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾؛ أيْ: لا جِماعَ؛ أوْ: فَلا فُحْشَ مِنَ الكَلامِ؛ ولا خُرُوجَ مِن حُدُودِ الشَّرْعِ بِارْتِكابِ المَحْظُوراتِ؛ وقِيلَ: بِالسِّبابِ؛ والتَّنابُزِ بِالألْقابِ؛ ﴿وَلا جِدالَ﴾؛ أيْ: لا مِراءَ مَعَ الخَدَمِ؛ والرُّفْقَةِ؛ ﴿فِي الحَجِّ﴾؛ أيْ في أيّامِهِ؛ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ؛ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ فَإنَّ زِيارَةَ البَيْتِ المُعَظَّمِ؛ والتَّقَرُّبَ بِها إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِن مُوجِباتِ تَرْكِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ؛ وإيثارُ النَّفْيِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ؛ والدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ حَقِيقٌ بِألّا يَكُونُ؛ فَإنَّ ما كانَ مُنْكَرًا مُسْتَقْبَحًا في نَفْسِهِ فَفي تَضاعِيفِ الحَجِّ أقْبَحُ؛ كَلُبْسِ الحَرِيرِ في الصَّلاةِ؛ والتَّطْرِيبِ بِقِراءَةِ القرآن؛ لِأنَّهُ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الطَّبْعِ؛ والعادَةِ؛ إلى مَحْضِ العِبادَةِ؛ وقُرِئَ الأوَّلانِ بِالرَّفْعِ؛ عَلى مَعْنى: لا يَكُونَنَّ رَفَثٌ؛ ولا فُسُوقٌ؛ والثّالِثُ بِالفَتْحِ؛ عَلى مَعْنى الإخْبارِ بِانْتِفاءِ الخِلافِ في الحَجِّ؛ وذَلِكَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تُخالِفُ سائِرَ العَرَبِ؛ فَتَقِفُ بِالمَشْعَرِ الحَرامِ؛ فارْتَفَعَ الخِلافُ بِأنْ أُمِرُوا بِأنْ يَقِفُوا أيْضًا بِعَرَفاتٍ؛ ﴿وَما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾؛ فَيَجْزِيَ بِهِ خَيْرَ جَزاءٍ؛ وهو حَثٌّ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ؛ إثْرَ النَّهْيِ عَنِ الشَّرِّ؛ ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾؛ أيْ: تَزَوَّدُوا لِمَعادِكُمُ التَّقْوى؛ فَإنَّهُ خَيْرُ زادٍ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في أهْلِ اليَمَنِ؛ كانُوا يَحُجُّونَ؛ ولا يَتَزَوَّدُونَ؛ ويَقُولُونَ (p-208)نَحْنُ مُتَوَكِّلُونَ؛ فَيَكُونُونَ كَلًّا عَلى النّاسِ؛ فَأُمِرُوا أنْ يَتَزَوَّدُوا؛ ويَتَّقُوا الإبْرامَ في السُّؤالِ؛ والتَّثْقِيلَ عَلى النّاسِ؛ ﴿واتَّقُونِ يا أُولِي الألباب﴾؛ فَإنَّ قَضِيَّةَ اللُّبِّ اسْتِشْعارُ خَشْيَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؛ وتَقْواهُ؛ حَثَّهم عَلى التَّقْوى؛ ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ بِذَلِكَ هو اللَّهُ (تَعالى)؛ فَيَتَبَرَّؤُوا مِن كُلِّ شَيْءٍ سِواهُ؛ وهو مُقْتَضى العَقْلِ؛ المُعَرّى عَنْ شَوائِبِ الهَوى؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ بِهَذا الخِطابِ أُولُو الألباب.
البقرة 2:198
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا﴾: أيْ: في أنْ تَبْتَغُوا؛ أيْ: تَطْلُبُوا؛ ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾؛ عَطاءً؛ ورِزْقًا مِنهُ؛ أيْ: الرِّبْحَ بِالتِّجارَةِ؛ (وَقِيلَ: كانَ عُكاظٌ؛ ومَجَنَّةُ؛ وذُو المَجازِ - أسْواقُهم في الجاهِلِيَّةِ - يُقِيمُونَها أيّامَ مَواسِمِ الحَجِّ؛ وكانَتْ مَعايِشُهم مِنها؛ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَأثَّمُوا مِنهُ؛ فَنَزَلَتْ.
﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾؛ أيْ: دَفَعْتُمْ مِنها بِكَثْرَةٍ؛ مِن "أفَضْتُ الماءَ"؛ إذا صَبَبْتُهُ بِكَثْرَةٍ؛ وأصْلُهُ: "أفَضْتُمْ أنْفُسَكُمْ"؛ فَحُذِفَ المَفْعُولُ؛ حَذْفَهُ مِن "دَفَعْتُ مِنَ البَصْرَةِ"؛ و"عَرَفاتٌ": جَمْعٌ سُمِّيَ بِهِ؛ كَـ "أذْرِعاتٌ"؛ وإنَّما نُوِّنَ؛ وكُسِرَ؛ وفِيهِ عَلَمِيَّةٌ وتَأْنِيثٌ؛ لِما أنَّ تَنْوِينَ الجَمْعِ تَنْوِينُ المُقابَلَةِ؛ لا تَنْوِينُ التَّمَكُّنِ؛ ولِذَلِكَ يُجْمَعُ مَعَ اللّامِ؛ وذَهابُ الكَسْرَةِ تَبَعُ ذَهابِ التَّنْوِينِ مِن غَيْرِ عِوَضٍ؛ لِعَدَمِ الصَّرْفِ؛ وهَهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ؛ أوْ لِأنَّ التَّأْنِيثَ إمّا بِالتّاءِ المَذْكُورَةِ؛ وهي لَيْسَتْ بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ وإنَّما هي مَعَ الألِفِ الَّتِي قَبْلَها عَلامَةُ جَمْعِ المُؤَنَّثِ؛ أوْ بِتاءٍ مُقَدَّرَةٍ؛ كَما في "سُعادُ"؛ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ المَذْكُورَةَ تَأْبى تَقْدِيرَها؛ لِما أنَّها كالبَدَلِ مِنها؛ لِاخْتِصاصِها بِالمُؤَنَّثِ؛ كَتاءِ "بِنْتٌ" وإنَّما سُمِّيَ المَوْقِفُ "عَرَفَةَ" لِأنَّهُ نُعِتَ لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَلَمّا أبْصَرَهُ عَرَفَهُ؛ أوْ لِأنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَدُورُ بِهِ في المَشاعِرِ؛ فَلَمّا رَآهُ قالَ: عَرَفْتُ؛ أوْ لِأنَّ آدَمَ؛ وحَوّاءَ؛ التَقَيا فِيهِ؛ فَتَعارَفا؛ أوْ لِأنَّ النّاسَ يَتَعارَفُونَ فِيهِ؛ وهي مِنَ الأسْماءِ المُرْتَجَلَةِ؛ إلّا مَن يَجْعَلُها جَمْعَ "عارِفٌ"؛ قِيلَ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوُقُوفِ بِها؛ (لِأنَّ الإفاضَةَ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَهُ؛ وهي مَأْمُورٌ بِها؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ثُمَّ أفِيضُوا﴾؛ وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "الحَجُّ عَرَفَةُ؛ فَمَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ"؛» أوْ مُقَدِّمَةٌ لِلذِّكْرِ المَأْمُورِ بِهِ؛ وفِيهِ نَظَرٌ؛ إذِ الذِّكْرُ غَيْرُ واجِبٍ؛ والأمْرُ بِهِ غَيْرُ مُطْلَقٍ؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ بِالتَّلْبِيَةِ؛ والتَّهْلِيلِ؛ والدُّعاءِ؛ وقِيلَ: بِصَلاةِ العِشاءَيْنِ؛ ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾؛ هو جَبَلٌ يَقِفُ عَلَيْهِ الإمامُ؛ ويُسَمّى "قُزَحُ"؛ (وَقِيلَ: ما بَيْنَ مَأْزِمَيْ عَرَفَةَ؛ ووادِي مُحَسِّرٍ؛ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ ما رَوى جابِرٌ «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لَمّا صَلّى الفَجْرَ؛ يَعْنِي بِالمُزْدَلِفَةِ؛ بِغَلَسٍ؛ رَكِبَ ناقَتَهُ؛ حَتّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ؛ فَدَعا فِيهِ؛ وكَبَّرَ؛ وهَلَّلَ؛ ولَمْ يَزَلْ واقِفًا حَتّى أسْفَرَ؛» وإنَّما سُمِّيَ مَشْعَرًا لِأنَّهُ مَعْلَمُ العِبادَةِ؛ ووُصِفَ بِـ "الحَرامِ" لِحُرْمَتِهِ؛ ومَعْنى ﴿عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾: ما يَلِيهِ؛ ويَقْرُبُ مِنهُ؛ فَإنَّهُ أفْضَلُ؛ وإلّا فالمُزْدَلِفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ؛ إلّا وادِيَ مُحَسِّرٍ؛ ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾؛ أيْ: كَما عَلَّمَكُمْ؛ أوْ: اذْكُرُوهُ ذِكْرًا حَسَنًا؛ كَما هَداكم هِدايَةً حَسَنَةً إلى المَناسِكِ؛ وغَيْرِها؛ و"ما" مَصْدَرِيَّةٌ؛ أوْ كافَّةٌ؛ ﴿وَإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ﴾؛ مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ مِن هِدايَتِهِ إيّاكُمْ؛ ﴿لَمِنَ الضّالِّينَ﴾؛ غَيْرِ العامِلِينَ بِالإيمانِ؛ والطّاعَةِ؛ و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ؛ واللّامُ هي الفارِقَةُ؛ وقِيلَ: هي نافِيَةٌ؛ واللّامُ بِمَعْنى "إلّا"؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وعَلا -: ﴿وَإنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الكاذِبِينَ﴾ .
البقرة 2:199
﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾: (p-209)أيْ: مِن عَرَفَةَ؛ لا مِنَ المُزْدَلِفَةِ؛ والخِطابُ لِقُرَيْشٍ؛ لَمّا كانُوا يَقِفُونَ بِجُمَعٍ؛ وسائِرُ النّاسِ بِعَرَفَةَ؛ ويَرَوْنَ ذَلِكَ تَرَفُّعًا عَلَيْهِمْ؛ فَأُمِرُوا بِأنْ يُساوُوهُمْ؛ و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الإفاضَتَيْنِ؛ كَما في قَوْلِكَ: "أحْسِنْ إلى النّاسِ؛ ثُمَّ لا تُحْسِنْ إلّا إلى كَرِيمٍ"؛ وقِيلَ: مِن مُزْدَلِفَةَ إلى مِنًى؛ بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ إلَيْها؛ والخِطابُ عامٌّ؛ وقُرِئَ: "النّاسِ"؛ بِكَسْرِ السِّينِ؛ أيْ: "النّاسِي"؛ عَلى أنْ يُرادَ بِهِ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِن قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَنَسِيَ﴾؛ والمَعْنى أنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ شَرْعٌ قَدِيمٌ؛ فَلا تُغَيِّرُوهُ؛ ﴿واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾؛ مِن جاهِلِيَّتِكم في تَغْيِيرِ المَناسِكِ؛ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يَغْفِرُ ذَنْبَ المُسْتَغْفِرِ؛ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ؛ فَهو تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِغْفارِ؛ أوْ لِلْأمْرِ بِهِ.
البقرة 2:200
﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾؛ عِباداتِكُمُ المُتَعَلِّقَةَ بِالحَجِّ؛ وفَرَغْتُمْ مِنها؛ ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾؛ أيْ: فَأكْثِرُوا ذِكْرَهُ (تَعالى)؛ وبالِغُوا في ذَلِكَ؛ كَما تَفْعَلُونَ بِذِكْرِ آبائِكُمْ؛ ومَفاخِرِهِمْ؛ وأيّامِهِمْ؛ وكانَتِ العَرَبُ إذا قَضَوْا مَناسِكَهم وقَفُوا بِمِنًى؛ بَيْنَ المَسْجِدِ؛ والجَبَلِ؛ فَيَذْكُرُونَ مَفاخِرَ آبائِهِمْ؛ ومَحاسِنَ أيّامِهِمْ؛ ﴿أوْ أشَدَّ ذِكْرًا﴾: إمّا مَجْرُورٌ؛ مَعْطُوفٌ عَلى الذِّكْرِ؛ بِجَعْلِهِ ذاكِرًا؛ عَلى المَجازِ؛ والمَعْنى: فاذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كائِنًا مِثْلَ ذِكْرِكم آباءَكُمْ؛ أوْ كَذِكْرٍ أشَدَّ مِنهُ؛ وأبْلَغَ؛ أوْ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ؛ بِمَعْنى: أوْ كَذِكْرِ قَوْمٍ أشَدَّ مِنكم ذِكْرًا؛ أوْ مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى "آباءَكُمْ"؛ و"ذِكْرًا" مِن فِعْلِ المَذْكُورِ؛ بِمَعْنى: أوْ كَذِكْرِكم أشَدَّ مَذْكُورٍ مِن آبائِكُمْ؛ أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى؛ تَقْدِيرُهُ: أوْ كُونُوا أشَدَّ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنكم لِآبائِكُمْ؛ ﴿فَمِنَ النّاسِ﴾: تَفْصِيلٌ لِلذّاكِرِينَ إلى مَن لا يَطْلُبُ بِذِكْرِ اللَّهِ (تَعالى) إلّا الدُّنْيا؛ وإلى مَن يَطْلُبُ بِهِ خَيْرَ الدّارَيْنِ؛ والمُرادُ بِهِ الحَثُّ عَلى الإكْثارِ؛ والِانْتِظامِ في سِلْكِ الآخَرِينَ؛ ﴿مَن يَقُولُ﴾؛ أيْ: في ذِكْرِهِ؛ ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا﴾؛ أيْ: اجْعَلْ إيتاءَنا ومِنحَتَنا في الدُّنْيا خاصَّةً؛ ﴿وَما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾؛ أيْ: مِن حَظٍّ ونَصِيبٍ؛ لِاقْتِصارِ هَمِّهِ عَلى الدُّنْيا؛ فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الآخِرَةِ؛ أوْ: مِن طَلَبِ خَلاقٍ؛ فَهو بَيانٌ لِحالِهِ في الدُّنْيا؛ وتَأْكِيدٌ لِقَصْرِ دُعائِهِ عَلى المَطالِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
البقرة 2:201
﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾: هي الصِّحَّةُ؛ والكَفافُ؛ والتَّوْفِيقُ لِلْخَيْرِ؛ ﴿وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾: هي الثَّوابُ؛ والرَّحْمَةُ؛ ﴿وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾؛ بِالعَفْوِ؛ والمَغْفِرَةِ؛ ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ؛ وعَذابُ النّارِ امْرَأةُ السُّوءِ؛ وعَنِ الحَسَنِ أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ؛ والعِبادَةُ؛ وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ؛ و"قِنا عَذابَ النّارِ"؛ مَعْناهُ: احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ؛ والذُّنُوبِ المُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ.
البقرة 2:202
﴿أُولَئِكَ﴾: إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي؛ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ؛ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ؛ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ؛ وقِيلَ: إلَيْهِما مَعًا؛ فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾؛ عَلى الأوَّلِ؛ لِلتَّفْخِيمِ؛ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ: لِكُلٍّ مِنهم نَوْعُ نَصِيبٍ (p-210)مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا؛ أوْ مِن أجْلِهِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا﴾؛ أوْ: مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ؛ وتَسْمِيَةُ الدُّعاءِ "كَسْبًا" لِما أنَّهُ مِنَ الأعْمالِ؛ ﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ؛ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ؛ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ؛ فاحْذَرُوا مِنَ الإخْلالِ بِطاعَةِ مَن هَذا شَأْنُ قدرته؛ أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ؛ ويُحاسِبَ النّاسَ؛ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ؛ واكْتِسابِ الحَسَناتِ.
البقرة 2:203
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: كَبِّرُوهُ في أعْقابِ الصَّلَواتِ؛ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ؛ ورَمْيِ الجِمارِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾؛ هي أيّامُ التَّشْرِيقِ؛ ﴿فَمَن تَعَجَّلَ﴾؛ أيِ اسْتَعْجَلَ في النَّفْرِ؛ أوِ النَّفَرِ؛ فَإنَّ التَّفَعُّلَ؛ والِاسْتِفْعالَ؛ يَجِيئانِ لازِمَيْنِ؛ ومُتَعَدِّيَيْنِ؛ يُقالُ: "تَعَجَّلَ في الأمْرِ"؛ و"اسْتَعْجَلَ فِيهِ"؛ و"تَعَجَّلَهُ"؛ و"اسْتَعْجَلَهُ"؛ والأوَّلُ أوْفَقُ لِلتَّأخُّرِ؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أيْ: في تَمامِ يَوْمَيْنِ؛ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ؛ وهو يَوْمُ القَرِّ؛ ويَوْمُ الرُّؤُوسِ؛ واليَوْمُ بَعْدَهُ؛ يَنْفِرُ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ؛ ﴿وَمَن تَأخَّرَ﴾؛ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ؛ قَبْلَ الزَّوالِ؛ أوْ بَعْدَهُ؛ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ: بَعْدَهُ فَقَطْ؛ ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ؛ والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ التَّعَجُّلِ؛ والتَّأخُّرِ؛ ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي؛ وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ؛ فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُتَعَجِّلِ؛ ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ؛ ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾: خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ؛ ونَفْيِ الإثْمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ؛ والمُتَأخِّرِ؛ أوْ مِنَ الأحْكامِ؛ لِمَنِ اتَّقى؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ؛ والمُنْتَفِعُ بِهِ؛ أوْ لِأجْلِهِ؛ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما؛ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ في مَجامِعِ أُمُورِكُمْ؛ بِفِعْلِ الواجِباتِ؛ وتَرْكِ المَحْظُوراتِ؛ لِيَعْبَأ بِكُمْ؛ وتُنْظَمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ؛ والرُّخَصِ؛ أوْ: احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ؛ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ أيْ: لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكُمْ؛ بَعْدَ الإحْياءِ؛ والبَعْثِ؛ وأصْلُ الحَشْرِ: الجَمْعُ؛ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ؛ وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى؛ ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ؛ فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ؛ والمُحاسَبَةِ؛ والجَزاءِ؛ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى.
البقرة 2:204
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ؛ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ وهو كَلامٌ مُبْتَدَأٌ؛ سِيقَ لِبَيانِ تَحَزُّبِ النّاسِ في شَأْنِ التَّقْوى إلى حِزْبَيْنِ؛ وتَعْيِينِ مَآلِ كُلٍّ مِنهُما؛ و"مَن" مَوْصُولَةٌ؛ أوْ مَوْصُوفَةٌ؛ وإعْرابُهُ كَما بُيِّنَ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾؛ أيْ: ومِنهم مَن يَرُوقُكَ كَلامُهُ؛ ويَعْظُمُ مَوْقِعُهُ في نَفْسِكَ؛ لِما تُشاهِدُ فِيهِ مِن مُلاءَمَةِ الفَحْوى؛ ولُطْفِ الأداءِ. والتَّعَجُّبِ: حَيْرَةٌ تَعْرِضُ لِلْإنْسانِ بِسَبَبِ عَدَمِ الشُّعُورِ؛ بِسَبَبِ ما يَتَعَجَّبُ مِنهُ؛ ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِـ "قَوْلُهُ"؛ أيْ: ما يَقُولُهُ في حَقِّ الحَياةِ الدُّنْيا؛ ومَعْناها؛ فَإنَّها الَّذِي يُرِيدُهُ بِما يَدَّعِيهِ مِنَ الإيمانِ؛ ومَحَبَّةِ الرَّسُولِ ﷺ؛ وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ لَهُ قَوْلًا آخَرَ؛ لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ؛ أوْ بِـ "يُعْجِبُكَ"؛ أيْ: يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الدُّنْيا بِحَلاوَتِهِ؛ (p-211)وَفَصاحَتِهِ؛ لا في الآخِرَةِ؛ لِما أنَّهُ يَظْهَرُ هُناكَ كَذِبُهُ؛ وقُبْحُهُ؛ وقِيلَ: لِما يُرْهِقُهُ مِنَ الحَبْسَةِ واللُّكْنَةِ؛ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ حِينَئِذٍ في سُوءِ حالِهِ؛ فَإنَّ مَآلَهُ بَيانُ حُسْنِ كَلامِهِ في الدُّنْيا؛ وقُبْحِهِ في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: مَعْنى "فِي الحَياةِ الدُّنْيا": "مُدَّةَ الحَياةِ الدُّنْيا"؛ أيْ: لا يَصْدُرُ مِنهُ فِيها إلّا القَوْلُ الحَسَنُ؛ ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾؛ أيْ: بِحَسَبِ ادِّعائِهِ؛ حَيْثُ يَقُولُ: "اللَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ما في قَلْبِي مُوافِقٌ لِما في لِسانِي"؛ وهو عَطْفٌ عَلى "يُعْجِبُكَ"؛ وقُرِئَ: "وَيَشْهَدُ اللَّهُ"؛ فالمُرادُ بِما في قَلْبِهِ: ما فِيهِ حَقِيقَةً؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: "واللَّهُ يَشْهَدُ عَلى ما في قَلْبِهِ"؛ عَلى أنَّ كَلِمَةَ "عَلى" لِكَوْنِ المَشْهُودِ بِهِ مُضِرًّا لَهُ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ وقُرِئَ: "وَيَسْتَشْهِدُ اللَّهَ"؛ ﴿وَهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾؛ أيْ: شَدِيدُ العَداوَةِ والخُصُومَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ عَلى أنَّ "الخِصامِ"؛ مَصْدَرٌ؛ وإضافَةُ "ألَدُّ" إلَيْهِ بِمَعْنى "فِي"؛ كَقَوْلِهِمْ: "ثَبْتُ العُذْرِ"؛ أوْ "أشَدُّ الخُصُومِ لَهم خُصُومَةً"؛ عَلى أنَّهُ جَمْعُ "خَصْمٌ"؛ كَـ "صَعْبٌ"؛ و"صِعابٌ"؛ قِيلَ: نَزَلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شُرَيْقٍ الثَّقَفِيِّ؛ وكانَ حَسَنَ المَنظَرِ؛ حُلْوَ المَنطِقِ؛ يُوالِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ ويَدَّعِي الإسْلامَ؛ والمَحَبَّةَ؛ وقِيلَ: في المُنافِقِينَ؛ والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "قَوْلُهُ"؛ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يُشْهِدُ"؛ وعُطِفَ عَلى ما قَبْلَها؛ عَلى القِراءَتَيْنِ المُتَوَسِّطَتَيْنِ.
البقرة 2:205
﴿وَإذا تَوَلّى﴾؛ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ؛ وقِيلَ: إذا صارَ والِيًا؛ ﴿سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾؛ كَما فَعَلَهُ الأخْنَسُ بِثَقِيفٍ؛ حَيْثُ بَيَّتَهم وأحْرَقَ زُرُوعَهُمْ؛ وأهْلَكَ مَواشِيَهُمْ؛ أوْ كَما يَفْعَلُهُ وُلاةُ السُّوءِ بِالقَتْلِ؛ والإتْلافِ؛ أوْ بِالظُّلْمِ؛ حَتّى يَمْنَعَ اللَّهُ (تَعالى) بِشُؤْمِهِ القَطْرَ؛ فَيُهْلِكَ الحَرْثَ؛ والنَّسْلَ؛ وقُرِئَ: "وَيَهْلِكَ الحَرْثُ والنَّسْلُ"؛ عَلى إسْنادِ الهَلاكِ إلَيْهِما؛ عَطْفًا عَلى "سَعى"؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ؛ وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإهْلاكِ؛ ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِيهِ؛ ويُبْغِضُهُ؛ ويَغْضَبُ عَلى مَن يَتَعاطاهُ؛ وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
البقرة 2:206
﴿وَإذا قِيلَ لَهُ﴾؛ عَلى نَهْجِ العِظَةِ والنَّصِيحَةِ؛ ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾؛ واتْرُكْ ما تُباشِرُهُ مِنَ الفَسادِ؛ أوِ النِّفاقِ؛ واحْذَرْ سُوءَ مَغَبَّتِهِ؛ ﴿أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾؛ أيْ: حَمَلَتْهُ الأنَفَةُ؛ وحَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ؛ عَلى الإثْمِ الَّذِي نُهِيَ عَنْهُ؛ لَجاجًا؛ وعِنادًا؛ مِن قَوْلِكَ: "أخَذْتُهُ بِكَذا"؛ إذا حَمَلْتَهُ عَلَيْهِ؛ أوْ ألْزَمْتَهُ إيّاهُ؛ ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ أيْ: كافِيهِ جَهَنَّمُ؛ وقِيلَ: "جَهَنَّمُ" فاعِلٌ لِـ "حَسْبُهُ"؛ سادٌّ مَسَدَّ خَبَرِهِ؛ وهو مَصْدَرٌ؛ بِمَعْنى الفاعِلِ؛ وقَوِيَ لِاعْتِمادِهِ عَلى الفاءِ؛ الرّابِطَةِ لِلْجُمْلَةِ بِما قَبْلَها؛ وقِيلَ: "حَسْبُ": اسْمُ فِعْلٍ ماضٍ؛ أيْ: كَفَتْهُ جَهَنَّمُ؛ ﴿وَلَبِئْسَ المِهادُ﴾: جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ؛ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ؛ لِظُهُورِهِ؛ وتَعَيُّنِهِ؛ و"المِهادُ": الفِراشُ؛ وقِيلَ: ما يُوطَأُ لِلْجَنْبِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ.
البقرة 2:207
﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾: مُبْتَدَأٌ؛ وخَبَرٌ؛ كَما مَرَّ؛ أيْ: يَبِيعُها بِبَذْلِها في الجِهادِ؛ ومَشاقِّ الطّاعاتِ؛ وتَعْرِيضِها لِلْمَهالِكِ؛ في الحُرُوبِ؛ أوْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ؛ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ؛ وإنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ القَتْلُ؛ ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: طالِبًا لِرِضاهُ؛ وهَذا كَمالُ التَّقْوى؛ وإيرادُهُ قَسِيمًا لِلْأوَّلِ؛ مِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ يَأْنَفُ مِنَ الأمْرِ بِالتَّقْوى؛ وهَذا يَأْمُرُ بِذَلِكَ؛ وإنْ أدّى إلى الهَلاكِ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في صُهَيْبِ بْنِ سِنانٍ الرُّومِيِّ؛ أخَذَهُ المُشْرِكُونَ؛ وعَذَّبُوهُ لِيَرْتَدَّ؛ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ؛ (p-212)لا أنْفَعُكم إنْ كُنْتُ مَعَكُمْ؛ ولا أضُرُّكم إنْ كُنْتُ عَلَيْكُمْ؛ فَخَلُّونِي وما أنا عَلَيْهِ؛ وخُذُوا مالِي؛ فَقَبِلُوا مِنهُ مالَهُ؛ فَأتى المَدِينَةَ. فَـ "يَشْرِي" حِينَئِذٍ بِمَعْنى: "يَشْتَرِي"؛ لِجَرَيانِ الحالِ عَلى صُورَةِ الشَّرْيِ؛ ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾؛ ولِذَلِكَ يُكَلِّفُهُمُ التَّقْوى؛ ويُعَرِّضُهم لِلثَّوابِ؛ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ.
البقرة 2:208
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ﴾؛ أيْ: الِاسْتِسْلامِ؛ والطّاعَةِ؛ وقِيلَ: الإسْلامِ؛ وقُرِئَ بِفَتْحِ السِّينِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ وبِفَتْحِ اللّامِ أيْضًا؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿كافَّةً﴾: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "ادْخُلُوا"؛ أوْ مِن "السِّلْمِ"؛ أوْ مِنهُما مَعًا؛ كَما في قَوْلِهِ:
؎ خَرَجْتُ بِها تَمْشِي نَجُرُّ وراءَنا ∗∗∗ عَلى أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَجَّلِ
وَهِيَ في الأصْلِ: اسْمٌ لِجَماعَةٍ تَكُفُّ مُخالِفَها؛ ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في مَعْنى "جَمِيعًا"؛ وتاؤُها لَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ حَتّى يُحْتاجَ إلى جَعْلِ "السِّلْمِ" مُؤَنَّثًا؛ مِثْلَ "الحَرْبِ"؛ كَما في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾؛ وفي قَوْلِهِ:
؎ السِّلْمُ تَأْخُذُ مِنها ما رَضِيتَ بِهِ ∗∗∗ والحَرْبُ يَكْفِيكَ مِن أنْفاسِها جُرَعُ
وَإنَّما هي لِلنَّقْلِ؛ كَما في "عامَّةً" و"خاصَّةً"؛ و"قاطِبَةً"؛ والمَعْنى: اسْتَسْلِمُوا لِلَّهِ (تَعالى)؛ وأطِيعُوهُ جُمْلَةً؛ ظاهِرًا؛ وباطِنًا؛ والخِطابُ لِلْمُنافِقِينَ؛ أوْ: ادْخُلُوا في الإسْلامِ بِكُلِّيَّتِهِ؛ ولا تَخْلِطُوا بِهِ غَيْرَهُ؛ والخِطابُ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ؛ فَإنَّهم كانُوا يُراعُونَ بَعْضَ أحْكامِ دِينِهِمُ القَدِيمِ؛ بَعْدَ إسْلامِهِمْ؛ أوْ في شَرائِعِ اللَّهِ (تَعالى) كُلِّها؛ بِالإيمان بالأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -؛ والكُتُبِ جَمِيعًا؛ والخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ؛ ووَصْفُهم بِالإيمانِ إمّا عَلى طَرِيقَةِ التَّغْلِيبِ؛ وإمّا بِالنَّظَرِ إلى إيمانِهِمُ القَدِيمِ؛ أوْ في شُعَبِ الإسْلامِ؛ وأحْكامِهِ كُلِّها؛ فَلا يُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنها؛ والخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ؛ وإنَّما خُوطِبَ أهْلُ الكِتابِ بِعُنْوانِ الإيمانِ؛ مَعَ أنَّهُ لا يَصِحُّ الإيمانُ إلّا بِما كُلِّفُوهُ الآنَ؛ إيذانًا بِأنَّ ما يَدَّعُونَهُ لا يَتِمُّ بِدُونِهِ؛ ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾؛ بِالتَّفَرُّقِ؛ والتَّفْرِيقِ؛ أوْ بِمُخالَفَةِ ما أُمِرْتُمْ بِهِ؛ ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾؛ ظاهِرُ العَداوَةِ؛ أوْ مُظْهِرٌ لَها؛ وهو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أوْ الِانْتِهاءِ.
البقرة 2:209
﴿فَإنْ زَلَلْتُمْ﴾؛ أيْ: عَنِ الدُّخُولِ في السِّلْمِ؛ وقُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ؛ وهي لُغَةٌ فِيهِ؛ ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ﴾؛ الآياتُ؛ ﴿البَيِّناتُ﴾؛ والحُجَجُ القَطْعِيَّةُ؛ الدّالَّةُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ المُوجِبَةُ لِلدُّخُولِ فِيهِ؛ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾؛ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ؛ لا يُعْجِزُهُ الِانْتِقامُ مِنكُمْ؛ ﴿حَكِيمٌ﴾؛ لا يَتْرُكُ ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن مُؤاخَذَةِ المُجْرِمِينَ؛ المُسْتَعْصِينَ عَلى أوامِرِهِ.