Tafsir Abi Al-Suaood — المائدة 5:69 – الأنعام 6:105
المحتويات
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:85
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
المائدة 5:69
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَدا المَذْكُورِينَ في الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ؛ أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، وهُمُ المُنافِقُونَ. وقِيلَ: أعَمُّ مِن أنْ يُواطِئَها قُلُوبُهم أوَّلًا.
﴿والَّذِينَ هادُوا﴾؛ أيْ: دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ.
﴿والصّابِئُونَ والنَّصارى﴾ جَمْعُ نَصْرانَ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿والصّابِئُونَ﴾ " رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والنِّيَّةُ بِهِ التَّأخُّرُ عَمّا في حَيِّزِ إنَّ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى حُكْمُهم كَيْتَ وكَيْتَ والصّابِئُونَ كَذَلِكَ، كَقَوْلِهِ:
فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
وَقَوْلِهِ:
وَإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ... بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
خَلا أنَّهُ وُسِّطَ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها دَلالَةً عَلى أنَّ الصّابِئِينَ مَعَ ظُهُورِ ضَلالِهِمْ وزَيْغِهِمْ عَنِ الأدْيانِ كُلِّها، حَيْثُ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم إنْ صَحَّ مِنهُمُ الإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، فَغَيْرُهم أوْلى بِذَلِكَ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ الآتِيَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ المَذْكُورِ، وخَبَرُ إنَّ مُقَدَّرٌ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
وَقِيلَ: " النَّصارى " مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿والصّابِئُونَ﴾ " عَطْفًا عَلَيْهِ، وهو مَعَ خَبَرِهِ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِإنَّ، ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ وحْدَهُ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، لِاشْتِراطِ ذَلِكَ بِالفَراغِ عَنِ الخَبَرِ، وإلّا لارْتَفَعَ الخَبَرُ بِإنَّ والِابْتِداءِ مَعًا، واعْتُذِرَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ إذا كانَ المَذْكُورُ خَبَرًا لَهُما، وأمّا إذا كانَ خَبَرُ المَعْطُوفِ مَحْذُوفًا، فَلا مَحْذُورَ فِيهِ، ولا عَلى الضَّمِيرِ في " هادُوا " لِعَدَمِ التَّأْكِيدِ والفَصْلِ، ولِاسْتِلْزامِهِ كَوْنَ الصّابِئِينَ هُودًا.
وَقُرِئَ: ( والصّابِيُونَ ) بِياءٍ صَرِيحَةٍ وبِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. وقُرِئَ: ( والصّابُونَ ) وهو مِن صَبا يَصْبُوا؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى والشَّهَواتِ في دِينِهِمْ. وقُرِئَ: ( والصّابِئِينَ ) . وقُرِئَ: ( يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا﴾ إمّا في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الأخِيرَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى المَوْصُولِ، كَما أنَّ إفْرادَ ما في صِلَتِهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ. والجُمْلَةُ (p-63)خَبَرُ " إنَّ "، والعائِدُ إلى اسْمِها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم. و" إمّا " في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنِ اسْمِ إنَّ، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَلا خَوْفٌ﴾ "، والفاءُ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ الآيَةَ؛ فالمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ، وهو الأظْهَرُ: مَن أحْدَثَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا بِالمَبْدَأِ، والمَعادِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، لا كَما يَزْعُمُهُ أهْلُ الكِتابِ، فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يَكُونَ إيمانًا بِهِما، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الإيمانُ بِهِما، فَلا خَوْفَ عَلَيْهِمْ حِينَ يَخافُ الكُفّارُ العِقابَ، ولا هم يَحْزَنُونَ حِينَ يَحْزَنُ المُقَصِّرُونَ عَلى تَضْيِيعِ العُمْرِ وتَفْوِيتِ الثَّوابِ، والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا لِما مَرَّ مِرارًا؛ لِأنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينِ آمَنُوا: مُطْلَقَ المُتَدَيِّنِينَ بِدِينِ الإسْلامِ، المُخْلِصِينَ مِنهم والمُنافِقِينَ؛ فالمُرادُ بِمَن آمَنَ: مَنِ اتَّصَفَ مِنهم بِالإيمانِ الخالِصِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ عَلى الإطْلاقِ، سَواءً كانَ بِطَرِيقِ الثَّباتِ والدَّوامِ عَلَيْهِ كَما هو شَأْنُ المُخْلِصِينَ، أوْ بِطَرِيقِ إحْداثِهِ وإنْشائِهِ كَما هو حالُ مَن عَداهم مِنَ المُنافِقِينَ وسائِرِ الطَّوائِفِ.
وَفائِدَةُ التَّعْمِيمِ لِلْمُخْلِصِينَ المُبالَغَةُ في تَرْغِيبِ الباقِينَ في الإيمانِ بِبَيانِ أنَّ تَأخُّرَهم في الِاتِّصافِ بِهِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِكَوْنِهِمْ أُسْوَةً لِأُولَئِكَ الأقْدَمِينَ الأعْلامِ، وأمّا ما قِيلَ: المَعْنى: مَن كانَ مِنهم في دِينِهِ قَبْلَ أنْ يُنْسَخَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ بِالمَبْدَأِ والمَعادِ، عامِلًا بِمُقْتَضى شَرْعِهِ، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
المائدة 5:70
﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمُ المُنادِيَةِ بِاسْتِبْعادِ الإيمانِ مِنهم؛ أيْ: بِاللَّهِ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَهم بِالتَّوْحِيدِ، وسائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ المَكْتُوبَةِ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ.
﴿وَأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلا﴾ ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وأُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ؛ لِيُقَرِّرُوهم عَلى مُراعاةِ حُقُوقِ المِيثاقِ، ويُطْلِعُوهم عَلى ما يَأْتُونَ ويَذَرُونَ في دِينِهِمْ، ويَتَعَهَّدُوهم بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقَعَتْ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الإخْبارِ بِأخْذِ المِيثاقِ وإرْسالِ الرُّسُلِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ فَقِيلَ: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ بِما لا تُحِبُّهُ أنْفُسُهُمُ المُنْهَمِكَةُ في الغِنى والفَسادِ مِنَ الأحْكامِ الحَقَّةِ والشَّرائِعِ، عَصَوْهُ وعادَوْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جَوابٌ مُسْتَأْنَفٌ عَنِ اسْتِفْسارِ كَيْفِيَّةِ ما أظْهَرُوهُ مِن آثارِ المُخالَفَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ المَضارِّ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم لَمْ يَكْتَفُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، بَلْ قَتَلُوهم أيْضًا، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ صِيغَةُ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ؛ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها الهائِلَةِ لِلتَّعْجِيبِ مِنها، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ دَيْدَنُهُمُ المُسْتَمِرُّ، ولِلْمُحافَظَةِ عَلى رُءُوسِ الآيِ الكَرِيمَةِ.
وَتَقْدِيمُ " فَرِيقًا " في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِ لا لِلْقَصْرِ، هَذا وأمّا (p-64)جَعْلُ الشَّرْطِيَّةِ صِفَةً لِرُسُلًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ أصْلًا، ضَرُورَةَ أنَّ الجُمْلَةَ الخَبَرِيَّةَ إذا جُعِلَتْ صِفَةً، أوْ صِلَةً، يُنْسَخُ ما فِيها مِنَ الحُكْمِ، وتُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْصُوفِ تَتِمَّةً لَهُ في إثْباتِ أمْرٍ آخَرَ لَهُ.
وَلِذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَصْفُ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ قَبْلَ جَعْلِهِ وصْفًا لَهُ، ومِن هَهُنا قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها أوْصافٌ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما سِيقَ لَهُ النَّظْمُ إنَّما هو بَيانُ أنَّهم جَعَلُوا كُلَّ مَن جاءَهم مِن رُسُلِ اللَّهِ تَعالى عُرْضَةً لِلْقَتْلِ، أوِ التَّكْذِيبِ حَسْبَما يُفِيدُهُ، جَعْلُها اسْتِئْنافًا عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وآكَدِهِ لَبَيانِ أنَّهُ تَعالى أرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلًا مَوْصُوفِينَ بِكَوْنِ كُلٍّ مِنهم كَذَلِكَ، كَما هو مُقْتَضى جَعْلِها صِفَةً.
المائدة 5:71
﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؛ أيْ: حَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ أنْ لا يُصِيبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما أتَوْا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، والخُطَّةِ الشَّنْعاءِ، بَلاءٌ وعَذابٌ.
وَقُرِئَ: ( لا تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ ( أنْ ) هي المُخَفَّفَةُ مِن ( أنَّ )، واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ المَحْذُوفُ، وأصْلُهُ: أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ الحُسْبانِ بِها، وهي لِلتَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ العِلْمِ لِكَمالِ قُوَّتِهِ، وأنَّ بِما في حَيِّزِها سادٌّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْهِ.
﴿فَعَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " حَسِبُوا "، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها؛ أيْ: أمِنُوا بَأْسَ اللَّهِ تَعالى، فَتَمادَوْا في فُنُونِ الغَيِّ والفَسادِ، وعَمُوا عَنِ الدِّينِ بَعْدَ ما هَداهُمُ الرُّسُلُ إلى مَعالِمِهِ الظّاهِرَةِ، وبَيَّنُوا لَهم مَناهِجَهُ الواضِحَةَ.
﴿وَصَمُّوا﴾ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ الَّذِي ألْقَوْهُ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا، وهَذا إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الأُولى مِن مَرَّتَيْ إفْسادِ بَنِي إسْرائِيلَ، حِينَ خالَفُوا أحْكامَ التَّوْراةِ، ورَكِبُوا المَحارِمَ، وقَتَلُوا شَعْياءَ. وقِيلَ: حَبَسُوا أرْمِياءَ عَلَيْهِما السَّلامُ، لا إلى عِبادَتِهِمُ العِجْلَ كَما قِيلَ، فَإنَّها وإنْ كانَتْ مَعْصِيَةً عَظِيمَةً ناشِئَةً عَنْ كَمالِ العَمى والصَّمَمِ، لَكِنَّها في عَصْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا تَعَلُّقَ لَها بِما حُكِيَ عَنْهم مِمّا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوهم بَعْدَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأعْصارٍ.
﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ حِينَ تابُوا، ورَجَعُوا عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الفَسادِ بَعْدَ ما كانُوا بِبابِلَ دَهْرًا طَوِيلًا تَحْتَ قَهْرِ بُخْتَ نَصَّرَ، أسارى في غايَةِ الذُّلِّ والمَهانَةِ، فَوَجَّهَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلِكًا عَظِيمًا مَن مُلُوكِ فارِسَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِيَعْمُرَهُ، ونَجّى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ مَن أسْرِ بُخْتَ نَصَّرَ بَعْدَ مَهْلِكِهِ، ورَدَّهم إلى وطَنِهِمْ، وتَراجَعَ مَن تَفَرَّقَ مِنهم في الأكْنافِ فَعَمَرُوهُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَكَثُرُوا وكانُوا كَأحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ ابْنُ إسْفَنْدَيارَ المُلْكَ مِن جِدِّهِ كَسْتاسَفْ، ألْقى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في قَلْبِهِ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ، فَرَدَّهم إلى الشّامِ ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتَ نَصَّرَ، فَقامَتْ فِيهِمُ الأنْبِياءُ، فَرَجَعُوا إلى أحْسَنِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الحالِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ .
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المُرادَ: قَبُولُ تَوْبَتِهِمْ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ؛ فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ذَلِكَ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ، ولَمْ يُسْنِدِ التَّوْبَةَ إلَيْهِمْ كَسائِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ الحُسْبانِ والعَمى والصَّمَمِ؛ تَجافِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِنِسْبَةِ الخَيْرِ إلَيْهِمْ، وإنَّما أُشِيرَ إلَيْها في ضِمْنِ بَيانِ تَوْبَتِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ، تَمْهِيدًا لِبَيانِ نَقْضِهِمْ إيّاها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا﴾ وهو إشارَةٌ إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِن مَرَّتَيْ إفْسادِهِمْ، وهو اجْتِراؤُهم عَلى قَتْلِ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُهم قَتْلَ عِيسى عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا إلى طَلَبِهِمُ الرُّؤْيَةَ كَما قِيلَ، لِما عَرَفْتَ سِرَّهُ، فَإنَّ فُنُونَ (p-65)الجِناياتِ الصّادِرَةِ عَنْهم لا تَكادُ تَتَناهى، خَلا أنَّ انْحِصارَ ما حُكِيَ عَنْهم هَهُنا في المَرَّتَيْنِ، وتَرَتُّبَهُ عَلى حِكايَةِ ما فَعَلُوا بِالرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، يَقْضِي بِأنَّ المُرادَ ما ذَكَرْناهُ، واللَّهُ عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ.
وَقُرِئَ: ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالضَّمِّ عَلى تَقْدِيرِ عَماهُمُ اللَّهُ وصَمَّهم؛ أيْ: رَماهم وضَرَبَهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما يُقالُ: نَزَكْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّيْزَكِ، ورَكَبْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أُولَئِكَ كَثِيرٌ مِنهم.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: بِما عَمِلُوا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها الفَظِيعَةِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ أُشِيرَ بِهِ إلى بُطْلانِ حُسْبانِهِمُ المَذْكُورِ، ووُقُوعِ العَذابِ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، إشارَةً إجْمالِيَّةً اكْتُفِيَ بِها تَعْوِيلًا عَلى ما فُصِّلَ نَوْعَ تَفْصِيلٍ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، والمَعْنى: حَسِبُوا أنْ لا يُصِيبَهم عَذابٌ، فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الجِناياتِ العَظِيمَةِ المُسْتَوْجِبَةِ لِأشَدِّ العُقُوباتِ، واللَّهُ بَصِيرٌ بِتَفاصِيلِها، فَكَيْفَ لا يُؤاخِذُهم بِها ؟ ومِن أيْنَ لَهم ذَلِكَ الحُسْبانُ الباطِلُ ؟
وَلَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في المَرَّةِ الأُولى، حَيْثُ سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ، عامِلَ لُهَراسْبْ عَلى بابِلَ. وقِيلَ: جالُوتَ الجَزَرِيِّ. وقِيلَ: سَنْجارِيبَ مِن أهْلِ نِينَوى. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، فاسْتَوْلى عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَقَتَلَ مِن أهْلِهِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ، وذَهَبَ بِالبَقِيَّةِ إلى أرْضِهِ، فَبَقُوا هُناكَ عَلى أقْصى ما يَكُونُ مِنَ الذُّلِّ والنَّكَدِ إلى أنْ أحْدَثُوا تَوْبَةً صَحِيحَةً، فَرَدَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى ما حُكِيَ عَنْهم مِن حُسْنِ الحالِ، ثُمَّ عادُوا إلى المَرَّةِ الآخِرَةِ مِنَ الإفْسادِ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الفُرْسَ، فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ خَيْدَرُودَ، وقِيلَ: خَيْدَرُوسَ؛ فَفَعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ.
قِيلَ: دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينِهِمْ، فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم، فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: ما صَدَقُونِي؛ فَقَتَلَ عَلَيْهِ أُلُوفًا مِنهم، ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ: بِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعالى مِنكم، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ أحَدًا مِنهم؛ فَهَدَأ.
المائدة 5:72
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ قَبائِحِ النَّصارى، وإبْطالِ أقْوالِهِمُ الفاسِدَةِ بَعْدَ تَفْصِيلِ قَبائِحِ اليَهُودِ، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ إلَهًا. قِيلَ: هُمُ المَلِكانِيَّةُ والمارِ يَعْقُوبِيَّةُ مِنهم. وقِيلَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ خاصَّةً. قالُوا: ومَعْنى هَذا: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَلَّ في ذاتِ عِيسى واتَّحَدَ بِذاتِهِ، تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿وَقالَ المَسِيحُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " قالُوا "، بِتَقْدِيرِ قَدْ مُفِيدَةٌ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِبَيانِ تَكْذِيبِهِمْ لِلْمَسِيحِ، وعَدَمِ انْزِجارِهِمْ عَمّا أصَرُّوا عَلَيْهِ بِما أوْعَدَهم بِهِ؛ أيْ: قالُوا ذَلِكَ.
وَقَدْ قالَ المَسِيحُ مُخاطِبًا لَهم: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ فَإنِّي عَبْدٌ مَرْبُوبٌ مَثَلُكم، فاعْبُدُوا خالِقِي وخالِقَكم، ﴿إنَّهُ﴾؛ أيِ: الشَّأْنُ.
﴿مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: شَيْئًا في عِبادَتِهِ، أوْ فِيما يَخْتَصُّ بِهِ مِن صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ.
﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ فَلَنْ يَدْخُلَها أبَدًا، كَما لا يَصِلُ المُحَرَّمُ عَلَيْهِ إلى (p-66)المُحَرَّمِ، فَإنَّها دارُ المُوَحِّدِينَ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
﴿وَمَأْواهُ النّارُ﴾ فَإنَّها هي المُعَدَّةُ لِلْمُشْرِكِينَ، وهَذا بَيانٌ لِابْتِلائِهِمْ بِالعِقابِ إثْرَ بَيانِ حِرْمانِهِمُ الثَّوابَ.
﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾؛ أيْ: ما لَهم مِن أحَدٍ يَنْصُرُهم بِإنْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ، إمّا بِطْرِيقِ المُغالَبَةِ، أوْ بِطْرِيقِ الشَّفاعَةِ، والجَمْعُ لِمُراعاةِ المُقابَلَةِ بِالظّالِمِينَ، واللّامُ إمّا لِلْعَهْدِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مِن، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وإمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ووَضْعُهُ عَلى الأوَّلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظَلَمُوا بِالإشْراكِ، وعَدَلُوا عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وهو إمّا مِن تَمامِ كَلامِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإمّا وارِدٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِمَقالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِها. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مِن كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى مَعْنى: أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، فِيما تَقَوَّلُوا عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ يُساعِدْهم عَلَيْهِ ولَمْ يَنْصُرْ قَوْلَهم، ورَدَّهُ وأنْكَرَهُ، وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ بِذَلِكَ ورافِعِينَ مِن مِقْدارِهِ، أوْ مِن قَوْلِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مَعْنى: لا يَنْصُرُكم أحَدٌ فِيما تَقُولُونَ ولا يُساعِدُكم عَلَيْهِ؛ لِاسْتِحالَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَعْقُولِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ التَّعْبِيرَ عَمّا حُكِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُقابَلَتِهِ لِقَوْلِهِمُ الباطِلِ بِصَرِيحِ الرَّدِّ والإنْكارِ، والوَعِيدِ بِحِرْمانِ الجَنَّةِ ودُخُولِ النّارِ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ مُساعَدَتِهِ عَلى ذَلِكَ، ونَفْيُ نُصْرَتِهِ لَهُ مَعَ خُلُوِّهِ عَنِ الفائِدَةِ، تَصْوِيرٌ لِلْقَوِيِّ بِصُورَةِ الضَّعِيفِ، وتَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ مِن مَقامِ تَهْوِيلِهِ، بَلْ رُبَّما يُوهِمُ ذَلِكَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تَوَهُّمِ المُساعَدَةِ والنُّصْرَةِ، لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ قَوْلِهِ: وإنْ كانُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ ... إلَخْ. إلّا أنْ يُحْمَلَ الكَلامُ عَلى التَّهَكُّمِ بِهِمْ، وكَذا الحالُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن تَمامِ كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ زَجْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إيّاهم عَنْ قَوْلِهِمُ الفاسِدِ بِما ذَكَرَهُ مِن عَدَمِ النّاصِرِ، والمُساعِدِ بَعْدَ زَجْرِهِ إيّاهم بِما مَرَّ مِنَ الرَّدِّ الأكِيدِ، والوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الإفادَةِ والتَّأْثِيرِ، ولا سَبِيلَ هَهُنا إلّا الِاعْتِذارُ بِالتَّهَكُّمِ.
المائدة 5:73
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كُفْرِ طائِفَةٍ أُخْرى مِنهم، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "، ورابِعُ أرْبَعَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أحَدُ هَذِهِ الأعْدادِ مُطْلَقًا، لا الثّالِثُ والرّابِعُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ مَنَعَ الجُمْهُورُ أنْ يُنْصَبَ ما بَعْدَهُ بِأنْ يُقالَ: ثالِثٌ ثَلاثَةً ورابِعٌ أرْبَعَةً، وإنَّما يَنْصِبُهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ، كَما في قَوْلِكَ: عاشِرٌ تِسْعَةً - وتاسِعٌ ثَمانِيَةً.
قِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهِيَّةَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعِيسى، ومَرْيَمَ، وكُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ إلَهٌ، ويُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَسِيحِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ثالِثُ ثَلاثَةٍ "؛ أيْ: أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ.
وَهُوَ المُتَبادِرُ مِن ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَيْسَ في الوُجُودِ ذاتُ واجِبٍ مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ مَبْدَأُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، إلّا إلَهٌ مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ، مُتَعالٍ عَنْ قَبُولِ الشِّرْكَةِ، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ.
وَقِيلَ: إنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ، أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ: الذّاتَ، وقِيلَ: (p-67)الوُجُودَ، وبِالثّانِي: العِلْمَ، وبِالثّالِثِ: الحَياةَ؛ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٍ واحِدٌ﴾ ": إلّا إلَهٌ واحِدٌ بِالذّاتِ، مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ الشَّنِيعِ ولَمْ يُوَحِّدُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٍّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ إنْ لَمْ يَنْتَهُوا لِيَمَسَّنَّهم، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ " هُمُ " المَوْصُولِ، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ.
فَمِن في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُمْ﴾ بَيانِيَّةٌ، أوْ لِيَمَسَّنَّ الَّذِينَ بَقُوا مِنهم عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ. وإنَّما جِيءَ بِالفِعْلِ المُنْبِئِ عَنِ الحُدُوثِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُنَحّى عَلَيْهِ بِالقَلْعِ مِن نَصِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرِهِ، كُفْرٌ جَدِيدٌ وغُلُوٌّ زائِدٌ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِن أصْلِ الكُفْرِ.
﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ أيْ: نَوْعٌ شَدِيدُ الألَمِ مِنَ العَذابِ.
المائدة 5:74
وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن إصْرارِهِمْ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا يَنْتَهُونَ عَنْ تِلْكَ العَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأقاوِيلِ الباطِلَةِ، فَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى ويَسْتَغْفِرُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والتَّنْزِيهِ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ الِاتِّحادِ والحُلُولِ، فَمَدارُ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ عَدَمُ الِانْتِهاءِ وعَدَمُ التَّوْبَةِ مَعًا، أوْ أيَسْمَعُونَ هَذِهِ الشَّهاداتِ المُكَرَّرَةَ والتَّشْدِيداتِ المُقَرَّرَةَ، فَلا يَتُوبُونَ عَقِيبَ ذَلِكَ، فَمَدارُهُما عَدَمُ التَّوْبَةِ عَقِيبَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُها مِن سَماعِ تِلْكَ القَوارِعِ الهائِلَةِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ " يَسْتَغْفِرُونَهُ "، مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وعَدَمِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ، فَيَغْفِرُ لَهم عِنْدَ اسْتِغْفارِهِمْ ويَمْنَحُهم مِن فَضْلِهِ.
المائدة 5:75
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلا رَسُولٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، وبَيانِ حَقِيقَةِ حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وحالِ أُمِّهِ، بِالإشارَةِ أوَّلًا إلى أشْرَفِ ما لَهُما مِن نُعُوتِ الكَمالِ، الَّتِي بِها صارا مِن زُمْرَةِ أكْمَلِ أفْرادِ الجِنْسِ، وآخِرًا إلى الوَصْفِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُما وبَيْنَ جَمِيعِ أفْرادِ البَشَرِ، بَلْ أفْرادِ الحَيَوانِ، اسْتِنْزالُهم بِطَرِيقِ التَّدْرِيجِ عَنْ رُتْبَةِ الإصْرارِ عَلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، وإرْشادًا لَهم إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ؛ أيْ: هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ لا يَكادُ يَتَخَطّاها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صِفَةٌ لِرَسُولٍ مُنْبِئَةٌ عَنِ اتِّصافِهِ بِما يُنافِي الأُلُوهِيَّةِ، فَإنَّ خُلُوَّ الرُّسُلِ السّالِفَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُنْذِرٌ بِخُلُوِّهِ المُقْتَضِي لِاسْتِحالَةِ أُلُوهِيَّتِهِ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ كالرُّسُلِ الخالِيَةِ مِن قَبْلِهِ، خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِبَعْضٍ مِنَ الآياتِ، كَما خَصَّ كُلًّا مِنهم بِبَعْضٍ آخَرَ مِنها، فَإنْ أحْيى المَوْتى عَلى يَدِهِ، فَقَدَ أحْيى العَصا في يَدِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وجُعِلَتْ حَيَّةً تَسْعى، وهو أعْجَبُ مِنهُ، وإنَّ خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَقَدْ خُلِقَ آدَمُ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، وهو أغْرَبُ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما مُوسى وعِيسى مَظاهِرُ لِشُئُونِهِ وأفْعالِهِ.
﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾؛ أيْ: وما أُمُّهُ أيْضًا كَسائِرِ النِّساءِ اللّاتِي يُلازِمْنَ الصِّدْقَ أوِ التَّصْدِيقَ، ويُبالِغْنَ في الِاتِّصافِ بِهِ، فَما رُتْبَتُهُما (p-68)إلّا رُتْبَةُ بَشَرَيْنِ، أحَدُهُما نَبِيٌّ والآخَرُ صَحابِيٌّ؛ فَمِن أيْنَ لَكم أنْ تَصِفُوهُما بِما لا يُوصَفُ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وخَواصُّهم ؟
﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن كَوْنِهِما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ في الِاحْتِياجِ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ كُلُّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِ، بَلْ مِن أفْرادِ الحَيَوانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن حالِ الَّذِينَ يَدَّعُونَ لَهُما الربوبية، ولا يَرْعَوُونَ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ ما بَيَّنَ لَهم حَقِيقَةَ حالِهِما بَيانًا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ. وكَيْفَ مَعْمُولٌ لِنُبَيِّنُ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ مُعَلَّقَةٌ لِانْظُرْ؛ أيْ: انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ الباهِرَةَ، المُنادِيَةَ بِبُطْلانِ ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِما، نِداءً يَكادُ يَسْمَعُهُ صُمُّ الجِبالِ.
﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾؛ أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِها والتَّأمُّلِ فِيها، والكَلامُ فِيهِ كَما فِيما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ الأمْرِ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ؛ أيْ: إنَّ بَيانَنا لِلْآياتِ أمْرٌ بَدِيعٌ في بابِهِ بالِغٌ لِأقاصِي الغاياتِ القاصِيَةِ مِنَ التَّحْقِيقِ والإيضاحِ، وإعْراضَهم عَنْها مَعَ انْتِفاءِ ما يُصَحِّحُهُ بِالمَرَّةِ، وتَعاضُدِ ما يُوجِبُ قَبُولَها أعْجَبُ وأبْدَعُ.
المائدة 5:76
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْزامِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ إثْرَ تَعْجِيبِهِ مِن أحْوالِهِمْ.
﴿أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإيثارُهُ عَلى كَلِمَةِ " مَن "، لِتَحْقِيقِ ما هو المُرادُ مِن كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الأُلُوهِيَّةِ رَأْسًا، بِبَيانِ انْتِظامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في سِلْكِ الأشْياءِ الَّتِي لا قُدْرَةَ لَها عَلى شَيْءٍ أصْلًا، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ وإنْ كانَ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِتَمْلِيكِهِ تَعالى إيّاهُ، لَكِنَّهُ لا يَمْلِكُهُ مِن ذاتِهِ، ولا يَمْلِكُ مِثْلَ ما يَضُرُّ بِهِ اللَّهُ تَعالى مِنَ البَلايا والمَصائِبِ، وما يَنْفَعُ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ.
وَتَقْدِيمُ الضَّرَرِ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ التَّحَرُّزَ عَنْهُ أهَمُّ مِن تَحَرِّي النَّفْعِ، ولِأنَّ أدْنى دَرَجاتِ التَّأْثِيرِ دَفْعُ الشَّرِّ، ثُمَّ جَلْبُ الخَيْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ " أتَعْبُدُونَ "، مُؤَكِّدٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، ومُقَرِّرٌ لِلْإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والرّابِطُ هو الواوُ؛ أيْ: أتُشْرِكُونَ بِاللَّهِ تَعالى ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِن ضَرِّكم ونَفْعِكم، والحالُ أنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُخْتَصُّ بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، والمَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الأقْوالِ الباطِلَةِ، والعَقائِدِ الزّائِغَةِ، والأعْمالِ السَّيِّئَةِ، وبِالقُدْرَةِ الباهِرَةِ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَضارُّكم ومَنافِعُكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
المائدة 5:77
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى فَرِيقَيْ أهْلِ الكِتابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ إبْطالِ مَسْلَكِ كُلٍّ مِنهُما، لِلْمُبالَغَةِ في زَجْرِهِمْ عَمّا سَلَكُوهُ مِنَ المَسْلَكِ الباطِلِ، وإرْشادِهِمْ إلى الأُمَمِ المُنْئاةِ.
﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: لا تَتَجاوَزُوا الحَدَّ، وهو نَهْيٌ لِلنَّصارى عَنْ رَفْعِ عِيسى عَنْ رُتْبَةِ الرِّسالَةِ إلى ما تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ مِنَ العَظِيمَةِ، ولِلْيَهُودِ عَنْ وضْعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رُتْبَتِهِ العَلِيَّةِ إلى ما تَقَوَّلُوا عَلَيْهِ مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ. وقِيلَ: هو خاصٌّ بِالنَّصارى، كَما في سُورَةِ النِّساءِ، فَذَكَّرَهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِتَذْكِيرِ أنَّ (p-69)الإنْجِيلَ أيْضًا يَنْهاهم عَنِ الغُلُوِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ الحَقِّ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ؛ أيْ: غُلُوًّا باطِلًا، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ؛ أيْ: لا تَغْلُوا مُجاوِزِينَ الحَقَّ، أوْ مِن دِينِكم؛ أيْ: لا تَغْلُوا في دِينِكم حالَ كَوْنِهِ باطِلًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ: عَلى المُنْقَطِعِ.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ هم أسْلافُهم وأئِمَّتُهُمُ الَّذِينَ قَدْ ضَلُّوا مِنَ الفَرِيقَيْنِ، أوْ مِنَ النَّصارى عَلى القَوْلَيْنِ، قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ في شَرِيعَتِهِمْ.
﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾؛ أيْ: قَوْمًا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم في الزَّيْغِ والضَّلالِ، أوْ إضْلالًا كَثِيرًا، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
﴿وَضَلُّوا﴾ عِنْدَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَوْضِيحِ مَحَجَّةِ الحَقِّ وتَبْيِينِ مَناهِجِ الإسْلامِ.
﴿عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ: إشارَةٌ إلى ضَلالِهِمْ عَنْ مُقْتَضى العَقْلِ، والثّانِي: إلى ضَلالِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الشَّرْعُ.
المائدة 5:78
﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وبِناءُ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.
﴿مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن فاعِلِ كَفَرُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِلُعِنَ؛ أيْ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِما. وقِيلَ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، دَعا عَلَيْهِمْ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ العَنْهم واجْعَلْهم آيَةً؛ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً. وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ؛ فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ، وكانُوا خَمْسَةَ آلافِ رَجُلٍ ما فِيهِمُ امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اللَّعْنِ المَذْكُورِ، وإيثارُهُ عَلى الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِهِ، وامْتِيازِهِ عَنْ نَظائِرِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَتِهِ، وبُعْدِ دَرَجَتِهِ في الشَّناعَةِ والهَوْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ واقِعَةٌ مَوْقِعَ الجَوابِ عَمّا نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِأيِّ سَبَبٍ وقَعَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: ذَلِكَ اللَّعْنُ الهائِلُ الفَظِيعُ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمُ المُسْتَمِرِّ، كَما يُفِيدُهُ الجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ.
المائدة 5:79
وَيُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُفِيدٌ بِعِبارَتِهِ؛ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ، ولا يُمْكِنُ اسْتِمْرارُهُ إلّا بِاسْتِمْرارِ تَعاطِي المُنْكَراتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالتَّناهِي: أنْ يَنْهى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ عَمّا يَفْعَلُهُ مِنَ المُنْكَرِ، كَما هو المَعْنى المَشْهُورُ لِصِيغَةِ التَّفاعُلِ، بَلْ مُجَرَّدُ صُدُورِ النَّهْيِ عَنْ أشْخاصٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم ناهِيًا ومَنهِيًّا مَعًا، كَما في تَراءَوُا الهِلالَ.
وَقِيلَ: التَّناهِي بِمَعْنى: الِانْتِهاءِ، يُقالُ: تَناهى عَنِ الأمْرِ وانْتَهى عَنْهُ: إذا امْتَنَعَ عَنْهُ وتَرَكَهُ؛ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ مُفَسِّرَةٌ لِما قَبْلَها مِنَ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ، ومُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِهِما صَرِيحًا، وعَلى الأوَّلِ مُفِيدَةٌ لِاسْتِمْرارِ انْتِفاءِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بِأنْ لا يُوجَدَ فِيما بَيْنَهم مَن يَتَوَلّاهُ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اسْتِمْرارُ فِعْلِ المُنْكَرِ حَسْبَما سَبَقَ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَما يُفِيدُهُ تَنْكِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الوَحْدَةِ (p-70)نَوْعِيَّةٌ لا شَخْصِيَّةٌ، فَلا يَقْدَحُ وصْفُهُ بِالفِعْلِ الماضِي في تَعَلُّقِ النَّهْيِ بِهِ، لِما أنَّ مُتَعَلِّقَ الفِعْلِ إنَّما هو فَرْدٌ مِن أفْرادِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ، والِانْتِهاءُ مِن مُطْلَقِ المُنْكَرِ بِاعْتِبارِ تَحَقُّقِهِ في ضِمْنِ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِهِ، عَلى أنَّ المُضِيَّ المُعْتَبَرَ في الصِّفَةِ إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ إلى زَمانِ النُّزُولِ، لا إلى زَمانِ النَّهْيِ، حَتّى يَلْزَمَ كَوْنُ النَّهْيِ بَعْدَ الفِعْلِ، فَلا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ المُعاوَدَةِ، أوِ المَثَلِ، أوْ جَعْلِ الفِعْلِ عِبارَةً عَنِ الإرادَةِ، عَلى أنَّ المُعاوَدَةَ كالنَّهْيِ لا تَتَعَلَّقُ بِالمُنْكَرِ المَفْعُولِ، فَلا بُدَّ مِنَ المَصِيرِ إلى أحَدِ ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهَيْنِ، أوْ إلى تَقْدِيرِ المَثَلِ، أوْ إلى جَعْلِ الفِعْلِ عِبارَةً عَنْ إرادَتِهِ، وفي كُلِّ ذَلِكَ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ تَقْبِيحٌ لِسُوءِ أعْمالِهِمْ، وتَعْجِيبٌ مِنهُ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، كَيْفَ لا وقَدْ أدّاهم إلى ما شُرِحَ مِنَ اللَّعْنِ الكَبِيرِ، ولَيْسَ في تَسَبُّبِهِ بِذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى خُرُوجِ كَفْرِهِمْ عَنِ السَّبَبِيَّةِ، مَعَ الإشارَةِ إلى سَبَبِيَّتِهِ لَهُ فِيما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "؛ فَإنَّ إجْراءَ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ، لِما أنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ مُشْتَمِلٌ عَلى كُفْرِهِمْ أيْضًا.
المائدة 5:80
﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأضْرابِهِ، حَيْثُ خَرَجُوا إلى مُشْرِكِي مَكَّةَ لِيَتَّفِقُوا عَلى مُحارَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حالٌ مِن " كَثِيرًا " لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا؛ أيْ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مِن مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ يَتَوَلَّوْنَ اليَهُودَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٍ، والحَسَنِ. وقِيلَ: يُوالُونَ المُشْرِكِينَ ويُصافُونَهم.
﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ لَبِئْسَ شَيْئًا قَدَّمُوا لِيَرُدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ التَّعَلُّقِ، والِارْتِباطِ بَيْنَهُما كَأنَّهُما شَيْءٌ واحِدٌ، ومُبالَغَةً في الذَّمِّ؛ أيْ: مُوجِبُ سَخَطِهِ تَعالى. ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ، والرّابِطُ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُهُ هو العُمُومُ، أوْ لا حاجَةَ إلَيْهِ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ عَيْنُ المُبْتَدَأِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هو، أوْ أيُّ شَيْءٍ هو ؟ فَقِيلَ: هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، و" ما " اسْمٌ تامٌّ مَعْرِفَةٌ في مَحَلِّ رَفْعٍ بِالفاعِلِيَّةِ لِفِعْلِ الذَّمِّ، " وقَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم " جُمْلَةٌ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِلْمَخْصُوصِ بِالذَّمِّ قائِمَةٌ مَقامَهُ، والتَّقْدِيرُ: لَبِئْسَ الشَّيْءُ شَيْءٌ قَدَّمَتْهُ لَهم أنْفُسُهم، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ " بَدَلٌ مِن شَيْءٍ المَحْذُوفِ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ.
﴿وَفِي العَذابِ﴾؛ أيْ: عَذابِ جَهَنَّمَ.
﴿هم خالِدُونَ﴾ أبَدَ الآبِدِينَ.
المائدة 5:81
﴿وَلَوْ كانُوا﴾؛ أيِ: الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾؛ أيْ: نَبِيِّهِمْ.
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ مِنَ الكِتابِ، أوْ لَوْ كانَ المُنافِقُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ونَبِيِّنا إيمانًا صَحِيحًا.
﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾؛ أيِ: المُشْرِكِينَ أوِ اليَهُودَ.
﴿أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِما ذُكِرَ وازِعٌ عَنْ تَوَلِّيهِمْ قَطْعًا.
﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ خارِجُونَ عَنِ الدِّينِ، والإيمان باللَّهِ، ونَبِيِّهِمْ، وكِتابِهِمْ، أوْ مُتَمَرِّدُونَ في النِّفاقِ مُفْرِطُونَ فِيهِ.(p-71)
المائدة 5:82
﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن قَبائِحِ اليَهُودِ وعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ، وسائِرِ أحْوالِهِمُ الشَّنِيعَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُوالاتُهم لِلْمُشْرِكِينَ، أُكِّدَتْ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ اعْتِناءً بِبَيانِ تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ صالِحٍ لَهُ؛ إيذانًا بِأنَّ حالَهم مِمّا لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ النّاسِ.
والوِجْدانُ مُتَّعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ: أحَدُهُما: أشَدُّ النّاسِ، والثّانِي: اليَهُودُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِالعَكْسِ؛ لِأنَّهُما في الأصْلِ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، ومَصَبُّ الفائِدَةِ هو الخَبَرُ لا المُبْتَدَأُ، ولا ضَيْرَ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ إذا دَلَّ عَلى التَّرْتِيبِ دَلِيلٌ، وهَهُنا دَلِيلٌ واضِحٌ عَلَيْهِ، وهو أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ كَوْنِ الطّائِفَتَيْنِ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لا كَوْنِ أشَدِّهِمْ عَداوَةً لَهُمُ الطّائِفَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَيْفَ لا والإفادَةُ في الصُّورَةِ الثّانِيَةِ أتَمُّ وأكْمَلُ مَعَ خُلُوِّها عَنْ تَعَسُّفِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذِ المَعْنى أنَّكَ إنْ قَصَدْتَ أنْ تَعْرِفَ مَن أشَدُّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وتَتَبَّعْتَ أحْوالَ الطَّوائِفِ طُرًّا، وأحَطْتَ بِما لَدَيْهِمْ خَبَرًا، وبالَغْتَ في تَعَرُّفِ أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، وسَعَيْتَ في تَطَلُّبِ ما عِنْدَهم مِنَ الأُمُورِ البارِزَةِ والكامِنَةِ، لَتَجِدَنَّ الأشَدَّ تَيْنِكَ الطّائِفَتَيْنِ لا غَيْرُ، فَتَأمَّلْ.
واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ مُتَعَلِّقَةٌ بِعَداوَةً مُقَوِّيَةٌ لِعَمَلِها، ولا يَضُرُّ كَوْنُها مُؤَنَّثَةً بِالتّاءِ مَبْنِيَّةً عَلَيْها، كَما في قَوْلِهِ: ورَهْبَةً عِقابَكَ.
وَقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو صِفَةٌ لِعَداوَةً؛ أيْ: كائِنَةً لِلَّذِينِ آمَنُوا، وصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في اتِّباعِ الهَوى، وقُرْبِهِمْ إلى التَّقْلِيدِ، وبُعْدِهِمْ عَنِ التَّحْقِيقِ، وتَمَرُّنِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والِاسْتِعْصاءِ عَلى الأنْبِياءِ، والِاجْتِراءِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ ومُناصَبَتِهِمْ.
وَفِي تَقْدِيمِ اليَهُودِ عَلى المُشْرِكِينَ بَعْدَ لَزِّهِما في قَرْنٍ واحِدٍ، إشْعارٌ بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في العَداوَةِ، كَما أنَّ تَقْدِيمَهم عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ إيذانًا بِتَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في الحِرْصِ.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ رَوْمًا لِزِيادَةِ التَّوْضِيحِ والبَيانِ.
﴿الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إشْعارًا بِقُرْبِ مَوَدَّتِهِمْ، حَيْثُ يَدَّعُونَ أنَّهم أنْصارُ اللَّهِ، وأوْداءُ أهْلِ الحَقِّ، وإنْ لَمْ يُظْهِرُوا اعْتِقادَ حَقِّيَّةِ الإسْلامِ، وعَلى هَذِهِ النُّكْتَةِ مَبْنى الوَجْهِ الثّانِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ .
والكَلامُ في مَفْعُولَيْ " لَتَجِدَنَّ "، وتَعَلُّقِ اللّامِ كالَّذِي سَبَقَ، والعُدُولُ عَنْ جَعْلِ ما فِيهِ التَّفاوُتُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ شَيْئًا واحِدًا قَدْ تَفاوَتا فِيهِ بِالشِّدَّةِ والضَّعْفِ،، أوْ بِالقُرْبِ والبُعْدِ، بِأنْ يُقالَ آخِرًا: ولَتَجِدَنَّ أضْعَفَهم عَداوَةً ... إلَخْ، أوْ بِأنْ يُقالَ: أوَّلًا لَتَجِدَنَّ أبْعَدَ النّاسِ مَوَدَّةً ... إلَخْ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَبايُنِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ بِبَيانِ أنَّ أحَدَهُما في أقْصى مَراتِبِ أحَدِ النَّقِيضَيْنِ، والآخَرَ في أقْرَبِ مَراتِبِ النَّقِيضِ الآخَرِ.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: كَوْنُهم أقْرَبَ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، ﴿بِأنَّ مِنهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم.
﴿قِسِّيسِينَ﴾ وهم عُلَماءُ النَّصارى، وعُبّادُهم، ورُؤَساؤُهم. والقِسِّيسُ: صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مَن تَقَسَّسَ الشَّيْءَ: إذا تَتَبَّعَهُ وطَلَبَهُ بِاللَّيْلِ، سُمُّوا بِهِ لِمُبالَغَتِهِمْ في تَتَبُّعِ العِلْمِ، قالَهُ الرّاغِبُ. وقِيلَ: القَسُّ بِفَتْحِ القافِ: تَتَبُّعُ الشَّيْءِ، ومِنهُ سُمِّيَ عالِمُ النَّصارى: قِسِّيسًا؛ لِتَتَبُّعِهِ العِلْمَ. وقِيلَ: قَصَّ الأثَرَ وقَسَّهُ بِمَعْنى. وقِيلَ: (p-72)إنَّهُ أعْجَمِيٌّ.
وَقالَ قُطْرُبٌ: القِسُّ والقِسِّيسُ: العالِمُ بِلُغَةِ الرُّومِ. وقِيلَ: ضَيَّعَتِ النَّصارى الإنْجِيلَ وما فِيهِ، وبَقِيَ مِنهم رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: قِسِّيسا، لَمْ يُبَدِّلْ دِينَهُ، فَمَن راعى هَدْيَهُ ودِينَهُ قِيلَ لَهُ: قِسِّيسٌ.
﴿وَرُهْبانًا﴾ وهو جَمْعُ راهِبٍ، كَراكِبٍ ورُكْبانٍ، وفارِسٍ وفُرْسانٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَمْعِ، وأُنْشِدَ فِيهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ لَوْ عايَنَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في قَلَلْ ∗∗∗ لَأقْبَلَ الرُّهْبانُ يَعْدُو ونَزَلْ
والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوْمَعَةِ. قالَ الرّاغِبُ: الرَّهْبانِيَّةُ: الغُلُوُّ في تَحَمُّلِ التَّعَبُّدِ مِن فَرْطِ الخَوْفِ. والتَّنْكِيرُ لِإفادَةِ الكَثْرَةِ، ولا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِها في القِسِّيسِينَ أيْضًا؛ إذْ هي الَّتِي تَدُلُّ عَلى مَوَدَّةِ جِنْسِ النَّصارى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَإنَّ اتِّصافَ أفْرادٍ كَثِيرَةٍ لِجِنْسٍ بِخَصْلَةٍ مَظِنَّةٌ لِاتِّصافِ الجِنْسِ بِها، وإلّا فَمِنَ اليَهُودِ أيْضًا قَوْمٌ مُهْتَدُونَ، ألا يُرى إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، قالَ تَعالى: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ... إلَخْ، لَكِنَّهم لَمّا لَمْ يَكُونُوا في الكَثْرَةِ كالَّذِينِ مِنَ النَّصارى، لَمْ يَتَعَدَّ حُكْمُهم إلى جِنْسِ اليَهُودِ.
﴿وَأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ مِنهم؛ أيْ: وبِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ إذا فَهِمُوا، ويَتَواضَعُونَ ولا يَتَكَبَّرُونَ كاليَهُودِ، وهَذِهِ الخَصْلَةُ شامِلَةٌ لِجَمِيعِ أفْرادِ الجِنْسِ، فَسَبَبِيَّتُها لِأقْرَبِيَّتِهِمْ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ واضِحَةٌ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّواضُعَ والإقْبالَ عَلى العِلْمِ والعَمَلِ، والإعْراضَ عَنِ الشَّهَواتِ مَحْمُودٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِن كافِرٍ.
المائدة 5:83
﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ عَطْفٌ عَلى " لا يَسْتَكْبِرُونَ "؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ، وأنَّ أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ عِنْدَ سَماعِ القرآن، وهو بَيانٌ لِرِقَّةِ قُلُوبِهِمْ وشِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ، ومُسارَعَتِهِمْ إلى قَبُولِ الحَقِّ وعَدَمِ إبائِهِمْ إيّاهُ.
﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾؛ أيْ: تَمْتَلِئُ بِالدَّمْعِ، فاسْتُعِيرَ لَهُ الفَيْضُ الَّذِي هو الِانْصِبابُ عَنِ امْتِلاءٍ مُبالَغَةً، أوْ جُعِلَتْ أعْيُنُهم مِن فَرْطِ البُكاءِ كَأنَّها تَفِيضُ بِأنْفُسِها.
﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِنِ " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ لِتَبْيِينِ المَوْصُولِ؛ أيْ: ابْتَدَأ الفَيْضُ ونَشَأ مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، وحَصَلَ مِن أجْلِهِ وبِسَبَبِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ؛ لِأنَّ ما عَرَفُوهُ بَعْضُ الحَقِّ، وحَيْثُ أبْكاهم ذَلِكَ، فَما ظَنُّكَ بِهِمْ لَوْ عَرَفُوا كُلَّهُ، وقَرَءُوا القرآن، وأحاطُوا بِالسُّنَّةِ. وقُرِئَ: ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.
﴿يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ حالِهِمْ عِنْدَ سَماعِ القرآن، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَقُولُونَ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ.
﴿رَبَّنا آمَنّا﴾ بِهَذا، أوْ بِمَن أنْزَلَ هَذا عَلَيْهِ، أوْ بِهِما. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " عَرَفُوا "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " أعْيُنِهِمْ "، لِما أنَّ المُضافَ جُزْؤُهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا﴾ .
﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ شَهِدُوا بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ بِنُبُوَّتِهِ، أوْ مَعَ أُمَّتِهِ الَّذِينَ هم شُهَداءُ عَلى الأُمَمِ يَوْمَ القِيامَةِ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم وجَدُوا ذِكْرَهم في الإنْجِيلِ كَذَلِكَ.
المائدة 5:84
﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما جاءَنا مِنَ الحَقِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ قالُوهُ تَحْقِيقًا لِإيمانِهِمْ، وتَقْرِيرًا لَهُ بِإنْكارِ سَبَبِ انْتِفائِهِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿لا نُؤْمِنُ﴾ " حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " ﴿لَنا﴾ "، والعامِلُ ما فِيهِ مِنَ الِاسْتِقْرارِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا، (p-73)غَيْرَ مُؤْمِنِينَ عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ.
والنَّفْيُ إلى السَّبَبِ والمُسَبَّبِ جَمِيعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ونَظائِرِهِ، لا إلى السَّبَبِ فَقَطْ مَعَ تَحَقُّقِ المُسَبَّبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وأمْثالِهِ؛ فَإنَّ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهامِ كَما تَكُونُ تارَةً لِإنْكارِ الواقِعِ كَما في: أتَضْرِبُ أباكَ ؟ وأُخْرى لِإنْكارِ الوُقُوعِ كَما في: أأضْرِبُ أبِي ؟
كَذَلِكَ " ما " الِاسْتِفْهامِيَّةُ قَدْ تَكُونُ لِإنْكارِ سَبَبِ الواقِعِ ونَفْيِهِ فَقَطْ، كَما في الآيَةِ الثّانِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾؛ فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مُحَقَّقًا، فَإنَّ كُلًّا مِن عَدَمِ الإيمانِ وعَدَمِ الرَّجاءِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ قَدْ أُنْكِرَ ونُفِيَ سَبَبُهُ، وقَدْ يَكُونُ الإنْكارُ سَبَبَ الوُقُوعِ ونَفْيَهُ، فَيَسْرِيانِ إلى المُسَبَّبِ أيْضًا، كَما في الآيَةِ الأُولى، فَيَكُونُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ مَفْرُوضًا قَطْعًا، فَإنَّ عَدَمَ العِبادَةِ أمْرٌ مَفْرُوضٌ حَتْمًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ حالٌ أُخْرى مِنَ الضَّمِيرِ المَذْكُورِ بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والعامِلُ فِيها هو العامِلُ في الأُولى مُقَيَّدًا بِها؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ، ونَحْنُ نَطْمَعُ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في " لا نُؤْمِنُ " عَلى مَعْنى أنَّهم أنْكَرُوا عَلى أنْفُسِهِمْ عَدَمَ إيمانِهِمْ، مَعَ أنَّهم يَطْمَعُونَ في صُحْبَةِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى " نُؤْمِنُ " عَلى مَعْنى: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ المَذْكُورِ.
المائدة 5:85
﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾؛ أيْ: عَنِ اعْتِقادٍ، مِن قَوْلِكَ: هَذا قَوْلُ فُلانٍ؛ أيْ: مُعْتَقَدُهُ. وقُرِئَ: ( فَآتاهُمُ اللَّهُ ) .
﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ المُحْسِنِينَ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ أحْسَنُوا النَّظَرَ والعَمَلَ، أوِ الَّذِينَ اعْتادُوا الإحْسانَ في الأُمُورِ، والآياتُ الأرْبَعُ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ فِيالنَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ، بَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكِتابِهِ فَقَرَأهُ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأحْضَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانَ، فَأمَرَ جَعْفَرَ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القرآن، فَقَرَأ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَبَكَوْا وآمَنُوا بِالقرآن. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ثَلاثِينَ، أوْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِن قَوْمِهِ، وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَبَكَوْا وآمَنُوا.
المائدة 5:86
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجحيم﴾ عُطِفَ التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ عَلى الكُفْرِ مَعَ أنَّهُ ضَرْبٌ مِنهُ، لِما أنَّ القَصْدَ إلى بَيانِ حالِ المُكَذِّبِينَ، وذِكْرِهِمْ بِمُقابَلَةِ المُصَدِّقِينَ بِها، جَمْعًا بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ.
المائدة 5:87
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: ما طابَ ولَذَّ مِنهُ، كَأنَّهُ لَمّا تَضَمَّنَ ما سَلَفَ مِن مَدْحِ النَّصارى عَلى التَّرَهُّبِ، تَرْغِيبُ المُؤْمِنِينَ في كَسْرِ النَّفْسِ ورَفْضِ الشَّهَواتِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ الإفْراطِ في البابِ؛ أيْ: لا تَمْنَعُوها أنْفُسَكم كَمَنعِ التَّحْرِيمِ، أوْ لا تَقُولُوا: حَرَّمْناها عَلى أنْفُسِنا، مُبالَغَةً مِنكم في العَزْمِ عَلى تَرْكِها تَزَهُّدًا مِنكم وتَقَشُّفًا.
وَرُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وصَفَ القِيامَةَ لِأصْحابِهِ يَوْمًا، فَبالَغَ وأشْبَعَ الكَلامَ في الإنْذارِ، فَرَقُّوا واجْتَمَعُوا في بَيْتِ (p-74)عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، واتَّفَقُوا عَلى أنْ لا يَزالُوا صائِمِينَ قائِمِينَ، وأنْ لا يَنامُوا عَلى الفُرُشِ، ولا يَأْكُلُوا اللَّحْمَ والوَدَكَ، ولا يَقْرَبُوا النِّساءَ والطِّيبَ، ويَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، ويَسِيحُوا في الأرْضِ ويَجُبُّوا مَذاكِيرَهم؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهم: " إنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، إنَّ لِأنْفُسِكم عَلَيْكم حَقًّا، فَصُومُوا وأفْطِرُوا، وقُومُوا ونامُوا، فَإنِّي أقُومُ وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآكُلُ اللَّحْمَ والدَّسَمَ، وآتِي النِّساءَ؛ فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» "، فَنَزَلَتْ.
﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾؛ أيْ: ولا تَتَعَدَّوْا حُدُودَ ما أُحِلَّ لَكم إلى ما حُرِّمَ عَلَيْكم، أوْ ولا تُسْرِفُوا في تَناوُلِ الطَّيِّباتِ، أوْ جُعِلَ تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ اعْتِداءً وظُلْمًا، فَنَهى عَنْ مُطْلَقِ الِاعْتِداءِ لِيَدْخُلَ تَحْتَهُ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيمِها دُخُولًا أوَّلِيًّا لِوُرُودِهِ عَقِيبَهُ، أوْ أُرِيدَ: ولا تَعْتَدُوا بِذَلِكَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ.
المائدة 5:88
﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالا طَيِّبًا﴾؛ أيْ: ما حَلَّ لَكم وطابَ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، فَـ " حَلالًا " مَفْعُولُ " كُلُوا "، و" مِمّا رَزَقَكم " إمّا حالٌ مِنهُ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " كُلُوا " . و" مِنِ " ابْتِدائِيَّةٌ، أوْ هو المَفْعُولُ، و" حَلالًا " حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن عائِدِهِ المَحْذُوفِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أكْلًا حَلالًا، وعَلى الوُجُوهِ كُلِّها لَوْ لَمْ يَقَعِ الرِّزْقُ عَلى الحَرامِ، لَمْ يَكُنْ لِذِكْرِ الحَلالِ فائِدَةٌ زائِدَةٌ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ تَوْكِيدٌ لِلْوَصِيَّةِ بِما أمَرَ بِهِ، فَإنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى يُوجِبُ المُبالَغَةَ في التَّقْوى، والِانْتِهاءِ عَمّا نَهى عَنْهُ.
المائدة 5:89
﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ اللَّغْوُ في اليَمِينِ: السّاقِطُ الَّذِي لا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وهو عِنْدَنا أنْ يَحْلِفَ عَلى شَيْءٍ يَظُنُّ أنَّهُ كَذَلِكَ ولَيْسَ كَما يَظُنُّ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. قِيلَ: كانُوا حَلَفُوا عَلى تَحْرِيمِ الطَّيِّباتِ عَلى ظَنِّ أنَّهُ قُرْبَةٌ، فَلَمّا نَزَلَ النَّهْيُ قالُوا: كَيْفَ بِأيْمانِنا ؟ فَنَزَلَتْ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: ما يَبْدُو مِنَ المَرْءِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ، وبَلى واللَّهِ، وهو قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها. و" في أيْمانِكم " صِلَةُ " يُؤاخِذُكم "، أوِ اللَّغْوِ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ حالٌ مِنهُ.
﴿وَلَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾؛ أيْ: بِتَعْقِيدِكُمُ الأيْمانَ وتَوْثِيقِها عَلَيْهِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ، والمَعْنى: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُوهُ إذا حَنَثْتُمْ، أوْ بِنَكْثِ ما عَقَّدْتُمْ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وقُرِئَ: ( عاقَدْتُمْ ) بِمَعْنى: عَقَدْتُمْ.
﴿فَكَفّارَتُهُ﴾؛ أيْ: فَكَفّارَةُ نَكْثِهِ، وهي الفِعْلَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكَفِّرَ الخَطِيئَةَ وتَسْتُرَها، واسْتُدِلَّ بِظاهِرِهِ عَلى جَوازِ التَّكْفِيرِ قَبْلَ الحِنْثِ، وعِنْدَنا لا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " «مَن حَلَفَ عَلى يَمِينٍ ورَأى غَيْرَها خَيْرًا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ ثُمَّ لْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» " .
﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أقْصَدِهِ في النَّوْعِ، أوِ المِقْدارِ، وهو نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ؛ لِأنَّهُ صِفَةُ مَفْعُولٍ (p-75)مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: أنْ تُطْعِمُوا عَشَرَةَ مَساكِينَ طَعامًا كائِنًا مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن إطْعامِ.
وَ" أهْلُونَ " جَمْعُ أهْلٍ، كَأرْضُونَ جَمْعُ أرْضٍ، وقُرِئَ: ( أهالِيكم ) بِسُكُونِ الياءِ، عَلى لُغَةِ مَن يُسْكِنُها في الحالاتِ الثَّلاثِ كالألِفِ، وهَذا أيْضًا جَمْعُ أهْلٍ، كالأراضِي في جَمْعِ أرْضٍ، واللَّيالِي في جَمْعِ لَيْلٍ، وقِيلَ: جَمْعُ أهْلاةٍ.
﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " إطْعامُ "، أوْ عَلى مَحَلِّ " مِن أوْسَطِ "، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا مِن إطْعامِ. وهو ثَوْبٌ يُغَطِّي العَوْرَةَ، وقِيلَ: ثَوْبٌ جامِعٌ قَمِيصٌ، أوْ رِداءٌ، أوْ إزارٌ. وقُرِئَ بِضَمِّ الكافِ، وهي لُغَةٌ، كَقِدْوَةٍ في قُدْوَةٍ، وإسْوَةٍ في أُسْوَةٍ، وقُرِئَ: ( أوْ كَأُسْوَتِهِمْ ) عَلى أنَّ الكافَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ، تَقْدِيرُهُ: أوْ إطْعامُهم كَأُسْوَتِهِمْ، بِمَعْنى: أوْ كَمَثَلِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم إسْرافًا وتَقْتِيرًا تُواسُونَ بَيْنَهم، وبَيْنَهم إنْ لَمْ تُطْعِمُوهُمُ الأوْسَطَ.
﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ أيْ:، أوْ إعْتاقُ إنْسانٍ كَيْفَما كانَ، وشَرَطَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فِيهِ الإيمانَ، قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ، ومَعْنى " ﴿أوْ﴾ ": إيجابُ إحْدى الخِصالِ مُطْلَقًا، وخِيارُ التَّعْيِينِ لِلْمُكَلَّفِ.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾؛ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ.
﴿فَصِيامُ﴾؛ أيْ: فَكَفّارَتُهُ صِيامُ.
﴿ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ والتَّتابُعُ شَرْطٌ عِنْدَنا لِقِراءَةِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ، والشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَرى الشَّواذَّ حُجَّةً.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيِ: الَّذِي ذُكِرَ.
﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾؛ أيْ: وحَنَثْتُمْ.
﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ بِأنْ تَضِنُّوا بِها ولا تَبْذُلُوها، كَما يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذا حَلَفْتُمْ﴾ " . وقِيلَ: بِأنْ تَبَرُّوا فِيها ما اسْتَطَعْتُمْ، ولَمْ يَفُتْ بِها خَيْرٌ، أوْ بِأنْ تُكَفِّرُوها إذا حَنَثْتُمْ. وقِيلَ: احْفَظُوها كَيْفَ حَلَفْتُمْ بِها، ولا تَنْسُوها تَهاوُنًا بِها.
﴿كَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الآتِي، لا إلى تَبْيِينٍ آخَرَ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: يُبَيِّنُ اللَّهُ تَبْيِينًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ التَّبْيِينِ؛ فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ لا نَعْتًا لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾؛ أيْ: ذَلِكَ البَيانُ البَدِيعُ.
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ أعْلامَ شَرِيعَتِهِ وأحْكامَهُ، لا بَيانًا أدْنى مِنهُ، وتَقْدِيمُ " لَكم " عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ فِيما يُعَلِّمُكم ويُسَهِّلُ عَلَيْكُمُ المَخْرَجَ.
المائدة 5:90
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ﴾؛ أيِ: الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ.
﴿والأزْلامُ﴾ سَلَفَ تَفْسِيرُها في أوائِلِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
﴿رِجْسٌ﴾ قَذَرٌ تَعافُ عَنْهُ العُقُولُ، وإفْرادُهُ لِأنَّهُ خَبَرُ الخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفاتِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِالمَذْكُورِ، أوِ المُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: شَأْنُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ ... إلَخْ.
﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ رِجْسٌ؛ أيْ: كائِنٌ مِن عَمَلِهِ؛ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ مِن تَسْوِيلِهِ وتَزْيِينِهِ.
﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾؛ أيِ: الرِّجْسَ، أوْ ما ذُكِرَ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: راجِينَ فَلاحَكم. وقِيلَ: لِكَيْ تُفْلِحُوا بِالِاجْتِنابِ عَنْهُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾، ولَقَدْ أُكِّدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِفُنُونِ التَّأْكِيدِ، حَيْثُ صُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِإنَّما، وقُرِنا بِالأصْنامِ والأزْلامِ، وسُمِّيا رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَعاطِيَهُما شَرٌّ بَحْتٌ، وأُمِرَ بِالِاجْتِنابِ عَنْ عَيْنِهِما، وجُعِلَ ذَلِكَ (p-76)سَبَبًا يُرْجى مِنهُ الفَلاحُ، فَيَكُونُ ارْتِكابُهُما خَيْبَةً ومَحْقَةً.
المائدة 5:91
ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بَيانُ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ والدِّينِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّحْرِيمِ، فَقِيلَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ وهو إشارَةٌ إلى مَفاسِدِهِما الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿وَيَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ إشارَةً إلى مَفاسِدِهِما الدِّينِيَّةِ، وتَخْصِيصُهُما بِإعادَةِ الذِّكْرِ وشَرْحِ ما فِيهِما مِنَ الوَبالِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بَيانُ حالِهِما، وذِكْرُ الأصْنامِ والأزْلامِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُما مِثْلُهُما في الحُرْمَةِ والشَّرارَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: " «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» " .
وَتَخْصِيصُ الصَّلاةِ بِالإفْرادِ مَعَ دُخُولِها في الذِّكْرِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِأنَّ الصّادَّ عَنْها كالصّادِّ عَنِ الإيمانِ لِما أنَّها عِمادُهُ.
ثُمَّ أُعِيدَ الحَثُّ عَلى الِانْتِهاءِ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ مُرَتَّبًا عَلى ما تَقَدَّمَ مِن أصْنافِ الصَّوارِفِ، فَقِيلَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ، وكَشْفِ ما فِيهِما مِنَ المَفاسِدِ والشُّرُورِ قَدْ بَلَغَ الغايَةَ، وأنَّ الأعْذارَ قَدِ انْقَطَعَتْ بِالكُلِّيَّةِ.
المائدة 5:92
﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عَطْفٌ عَلى اجْتَنِبُوهُ؛ أيْ: أطِيعُوهُما في جَمِيعِ ما أمَرا بِهِ ونَهَيا عَنْهُ.
﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مُخالَفَتَهُما في ذَلِكَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُخالَفَةُ أمْرِهِما ونَهْيِهِما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ، دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ بِما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وعَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وطاعَةِ رَسُولِهِ ﷺ، والِاحْتِرازِ عَنْ مُخالَفَتِهِما.
﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ أيَّ خُرُوجٍ، وقامَتْ عَلَيْكُمُ الحُجَّةُ، وانْتَهَتِ الأعْذارُ، وانْقَطَعَتِ العِلَلُ، وما بَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا العِقابُ، وفِيهِ مِن عِظَمِ التَّهْدِيدِ وشِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: فاعْلَمُوا أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا بِتَوَلِّيكُمُ الرَّسُولَ؛ لِأنَّهُ ما كُلِّفَ إلّا البَلاغَ المُبِينَ بِالآياتِ وقَدْ فَعَلَ، وإنَّما ضَرَرْتُمْ أنْفُسَكم حِينَ أعْرَضْتُمْ عَمّا كُلِّفْتُمُوهُ، فَلا يُساعِدُهُ المَقامُ؛ إذْ لا يُتَوَهَّمُ مِنهُمُ ادِّعاءُ أنَّهم بِتَوَلِّيهِمْ يَضُرُّونَهُ ﷺ، حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لا يَضُرُّونَهُ، وإنَّما يَضُرُّونَ أنْفُسَهم.
المائدة 5:93
﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ أيْ: إثْمٌ وحَرَجٌ.
﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: تَناوَلُوا أكْلًا، أوْ شُرْبًا، فَإنَّ اسْتِعْمالَهُ في الشُّرْبِ أيْضًا مُسْتَفِيضٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ .
قِيلَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ الخَمْرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، قالَ رِجالٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم في الجَنَّةِ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، قالَتِ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَكَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ ؟ (p-77)
وَفِي رِوايَةٍ أُخْرى؛ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا، وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ، وفَعَلُوا القِمارَ ؟ فَنَزَلَتْ.
وَلَيْسَتْ كَلِمَةُ " ما " في " ما طَعِمُوا " عِبارَةً عَنِ المُباحاتِ خاصَّةً، وإلّا لَزِمَ تَقْيِيدُ إباحَتِها بِاتِّقاءِ ما عَداها مِنَ المُحَرَّماتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ واللّازِمُ مُنْتَفٍ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَلى عُمُومِها، مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً، وإنَّما تَخَصَّصَتْ بِذَلِكَ القَيْدِ الطّارِئِ عَلَيْها، والمَعْنى: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما تَناوَلُوهُ مِنَ المَأْكُولِ والمَشْرُوبِ كائِنًا ما كانَ، إذا اتَّقَوْا أنْ يَكُونَ في ذَلِكَ شَيْءٌ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلّا لَمْ يَكُنْ نَفْيُ الجُناحِ في كُلِّ ما طَعِمُوهُ، بَلْ في بَعْضِهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ؛ إذِ اللّازِمُ مِنهُ تَقْيِيدُ إباحَةِ الكُلِّ، بِأنْ لا يَكُونَ فِيهِ مُحَرَّمٌ لا تُقَيَّدُ إباحَةُ بَعْضِهِ بِاتِّقاءِ بَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، كَما هو اللّازِمُ مِنَ الأوَّلِ.
﴿وَآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوْا داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الشَّرْطِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مُباحًا فِيما سَبَقَ.
﴿وَآمَنُوا﴾؛ أيْ: بِتَحْرِيمِهِ وتَقْدِيمِ الِاتِّقاءِ عَلَيْهِ؛ إمّا لِلِاعْتِناءِ بِهِ، أوْ لِأنَّهُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى التَّحْرِيمِ الحادِثِ الَّذِي هو المُؤْمِنُ بِهِ، أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى الإيمانِ.
﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ، عَلى أنَّ المَشْرُوطَ بِالِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، لا إباحَةُ كُلِّ ما طَعِمُوهُ قَبْلَهُ لِانْتِساخِ إباحَةِ بَعْضِهِ حِينَئِذٍ.
﴿وَأحْسَنُوا﴾؛ أيْ: عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ الجَمِيلَةَ المُنْتَظِمَةَ لِجَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ والقالَبِيَّةِ، ولَيْسَ تَخْصِيصُ هَذِهِ المَرّاتِ بِالذِّكْرِ لِتَخْصِيصِ الحُكْمِ بِها، بَلْ لِبَيانِ التَّعَدُّدِ والتَّكَرُّرِ بالِغًا ما بَلَغَ، والمَعْنى: أنَّهم إذا اتَّقَوُا المُحَرَّماتِ واسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ، وكانُوا في طاعَةِ اللَّهِ ومُراعاةِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، بِحَيْثُ كُلَّما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ المُباحاتِ اتَّقَوْهُ، ثَمَّ وثَمَّ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ فِيما طَعِمُوهُ في كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ إذْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عِنْدَ طَعْمِهِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ لا دَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ، وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزٍ إذا شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها، ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ، وحَمْدًا لِأحْوالِهِمْ، وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ، حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ؛ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ما لَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ، فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ فِيما سَيَأْتِي بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ " إذا ما "، لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ؛ لِإثْباتِ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ في ضِمْنِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَتِهِ تَعالى، مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ، بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ، وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرِ في حَياتِهِمْ، لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ، ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِاعْتِبارِ الحالاتِ الثَّلاثِ، اسْتِعْمالِ الإنْسانِ التَّقْوى بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ النّاسِ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِذَلِكَ جِيءَ بِالإحْسانِ في الكَرَّةِ الثّالِثَةِ بَدَلَ الإيمانِ، إشارَةً إلى ما قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَفْسِيرِهِ، أوْ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ المَبْدَأِ والوَسَطِ والمُنْتَهى، أوْ بِاعْتِبارِ ما يُتَّقى؛ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العِقابِ، والشُّبُهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضَ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وتَهْذِيبًا لَها عَنْ دَنَسِ الطَّبِيعَةِ.
وَقِيلَ: التَّكْرِيرُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ونَظائِرِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: اتِّقاءُ الكُفْرِ، وبِالثّانِي: (p-78)اتِّقاءُ الكَبائِرِ، وبِالثّالِثِ: اتِّقاءُ الصَّغائِرِ. ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا تَعَلُّقَ لِهَذِهِ الِاعْتِباراتِ بِالمَقامِ، فَأحْسِنِ التَّأمُّلَ.
﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ أبْلَغَ تَقْرِيرٍ.
المائدة 5:94
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيُعامِلَّنَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم لِيَتَعَرَّفَ أحْوالَكم.
﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: مِن صَيْدِ البَرِّ مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ، ماعَدا المُسْتَثْنَياتِ مِنَ الفَواسِقِ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ، نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، ابْتَلاهُمُ اللَّهُ تَعالى بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ، كانَتِ الوُحُوشُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، بِحَيْثُ كانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِن صَيْدِها أخْذًا بِأيْدِيهِمْ، وطَعْنًا بِرِماحِهِمْ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ فَهَمُّوا بِأخْذِها، فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ أنَّهُ عَنَّ لَهم حِمارُ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أبُو اليَسَرِ بْنُ عَمْرٍو، فَطَعَنَهُ بِرُمْحِهِ وقَتَلَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ؛ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ.
فالتَّأْكِيدُ القَسَمِيُّ في " ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ " إنَّما هو لِتَحْقِيقِ أنَّ ما وقَعَ مِن عَدَمِ تَوَحُّشِ الصَّيْدِ عَنْهم لَيْسَ إلّا لِابْتِلائِهِمْ، لا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُبْتَلى بِهِ، كَما لَوْ كانَ النُّزُولُ قَبْلَ الِابْتِلاءِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ المُؤْذِنِ بِأنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الفِتَنِ الهائِلَةِ الَّتِي تَزِلُّ فِيها أقْدامُ الرّاسِخِينَ، كالِابْتِلاءِ بِقَتْلِ الأنْفُسِ وإتْلافِ الأمْوالِ، وإنَّما هو مِن قَبِيلِ ما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ البَحْرِ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ مَن لَمْ يَتَثَبَّتْ في مِثْلِ هَذا، كَيْفَ يَتَثَبَّتُ عِنْدَ شَدائِدِ المِحَنِ، فَـ " ﴿مِنَ﴾ " في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ " بَيانِيَّةٌ قَطْعًا؛ أيْ: بِشَيْءٍ حَقِيرٍ هو الصَّيْدُ، وجَعْلُها تَبْعِيضِيَّةً يَقْتَضِي اعْتِبارَ قِلَّتِهِ وحَقارَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ الصَّيْدِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى عَظائِمِ البَلايا، فَيَعْرى الكَلامُ عَنِ التَّنْبِيهِ المَذْكُورِ.
﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: لِيَتَمَيَّزَ الخائِفُ مِن عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ، وهو غائِبٌ مُتَرَقِّبٌ لِقُوَّةِ إيمانِهِ، فَلا يَتَعَرَّضُ لِلصَّيْدِ مِمَّنْ لا يَخافُهُ، كَذَلِكَ لِضَعْفِ إيمانِهِ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى اللّازِمِ لَهُ؛ إيذانًا بِمَدارِ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، فَإنَّهُ أدْخَلُ في حَمْلِهِمْ عَلى الخَوْفِ.
وَقِيلَ: المَعْنى: لِيَتَعَلَّقَ علمه تعالى بِمَن يَخافُهُ بِالفِعْلِ، فَإنَّ علمه تعالى بِأنَّهُ سَيَخافُهُ، وإنْ كانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ قَبْلَ خَوْفِهِ، لَكِنَّ تَعَلُّقَهُ بِأنَّهُ خائِفٌ بِالفِعْلِ، وهو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الجَزاءِ، إنَّما يَكُونُ عِنْدَ تَحَقُّقِ الخَوْفِ بِالفِعْلِ.
وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ. وقُرِئَ: ( لِيُعْلِمَ ) مِنَ الإعْلامِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ؛ أيْ: لِيُعْلِمَ اللَّهُ عِبادَهُ ... إلَخْ، والعِلْمُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.
﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما وقَعَ ابْتِلاءٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ الحِكْمَةِ، لا بَعْدَ تَحْرِيمِهِ، أوِ النَّهْيِ عَنْهُ، كَما قالَهُ بَعْضُهم؛ إذِ النَّهْيُ والتَّحْرِيمُ لَيْسَ أمْرًا حادِثًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ بِالفاءِ، ولا بَعْدَ الِابْتِلاءِ كَما اخْتارَهُ آخَرُونَ؛ لِأنَّ نَفْسَ الِابْتِلاءِ لا يَصْلُحُ مَدارًا لِتَشْدِيدِ العَذابِ، بَلْ رُبَّما يَتَوَهَّمُ كَوْنُهُ عُذْرًا مُسَوِّغًا لِتَخْفِيفِهِ، وإنَّما المُوجِبُ لِلتَّشْدِيدِ بَيانُ كَوْنِهِ ابْتِلاءً؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ ذَلِكَ مُكابَرَةٌ صَرِيحَةٌ، وعَدَمُ مُبالاةٍ بِتَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى، وخُرُوجٌ عَنْ طاعَتِهِ، وانْخِلاعٌ عَنْ خَوْفِهِ وخَشْيَتِهِ بِالكُلِّيَّةِ؛ أيْ: فَمَن تَعَرَّضَ لِلصَّيْدِ بَعْدَ ما بَيَّنّا أنَّ ما وقَعَ مِن كَثْرَةِ الصَّيْدِ، وعَدَمِ تَوَحُّشِهِ مِنهُمُ ابْتِلاءٌ مُؤَدٍّ إلى تَمْيِيزِ المُطِيعِ مِنَ العاصِي. (p-79)
﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِما ذَكَرَ مِن أنَّهُ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ، ولِأنَّ مَن لا يَمْلِكُ زِمامَ نَفْسِهِ ولا يُراعِي حُكْمَ اللَّهِ تَعالى في أمْثالِ هَذِهِ البَلايا الهَيِّنَةِ، لا يَكادُ يُراعِيهِ في عَظائِمِ المَداحِضِ، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ: عَذابُ الدّارَيْنِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: يُوسَعُ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ جَلْدًا ويُنْزَعُ ثِيابُهُ.
المائدة 5:95
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما يُتَدارَكُ بِهِ الِاعْتِداءُ مِنَ الأحْكامِ إثْرَ بَيانِ ما يَلْحَقُهُ مِنَ العَذابِ.
والتَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا لا سِيَّما مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ "؛ لِتَأْكِيدِ الحُرْمَةِ وتَرْتِيبِ ما يَعْقُبُهُ عَلَيْهِ، واللّامُ في " ﴿الصَّيْدَ﴾ " لِلْعَهْدِ حَسْبَما سَلَفَ، وحُرُمٌ جَمْعُ حَرامٍ، وهو المُحْرِمُ وإنْ كانَ في الحِلِّ، وفي حُكْمِهِ مَن في الحَرَمِ وإنْ كانَ حَلالًا، كَرُدُحٍ جَمْعُ رَداحٍ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ " لا تَقْتُلُوا "؛ أيْ: لا تَقْتُلُوهُ وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ.
﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾؛ أيِ: الصَّيْدَ المَعْهُودَ، وذِكْرُ القَتْلِ في المَوْضِعَيْنِ دُونَ الذَّبْحِ، لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في حُكْمِ المَيْتَةِ.
﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " قَتَلَهُ "؛ أيْ: كائِنًا مِنكم.
﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِنهُ أيْضًا ذاكِرًا لِإحْرامِهِ، عالِمًا بِحُرْمَةِ قَتْلِ ما يَقْتُلُهُ، والتَّقْيِيدُ بِالتَّعَمُّدِ، مَعَ أنَّ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ يَسْتَوِي فِيها العَمْدُ والخَطَأُ، لِما أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُتَعَمِّدِ، كَما مَرَّ مِن قِصَّةِ أبِي اليَسَرِ، ولِأنَّ الأصْلَ فِعْلُ المُتَعَمِّدِ، والخَطَأُ لاحِقٌ بِهِ لِلتَّغْلِيظِ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: نَزَلَ الكِتابُ بِالعَمْدِ ووَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالخَطَأِ. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لا أرى في الخَطَأِ شَيْئًا أخْذًا بِاشْتِراطِ التَّعَمُّدِ في الآيَةِ، وهو قَوْلُ داوُدَ. وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ: أنَّ المُرادَ بِالتَّعَمُّدِ: هو تَعَمُّدُ القَتْلِ مَعَ نِسْيانِ الإحْرامِ، أمّا إذا قَتَلَهُ عَمْدًا وهو ذاكِرٌ لِإحْرامِهِ؛ فَلا حُكْمَ عَلَيْهِ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ لِأنَّهُ أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ كَفّارَةٌ.
﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ بِرَفْعِهِما؛ أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ، وقُرِئَ بِجَرِّ الثّانِي عَلى إضافَتِهِ إلى مَفْعُولِهِ، وقُرِئَ: ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِيَّةِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُجْزَ جَزاءً، أوْ فَعَلَيْهِ أنْ يُجْزى جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ.
والمُرادُ بِهِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: المِثْلُ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ يُقَوَّمُ يَوْمَ الصَّيْدِ حَيْثُ صِيدَ، أوْ في أقْرَبِ الأماكِنِ إلَيْهِ، فَإنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ قِيمَةَ هَدْيٍ، يُخَيَّرُ الجانِي بَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها ما قِيمَتُهُ قِيمَةُ الصَّيْدِ فَيُهْدِيَهُ إلى الحَرَمِ، وبَيْنَ أنْ يَشْتَرِيَ بِها طَعامًا فَيُعْطِيَ كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ، أوْ صاعًا مِن غَيْرِهِ، وبَيْنَ أنْ يَصُومَ عَنْ طَعامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا، فَإنْ فَضَلَ ما لا يَبْلُغُ طَعامَ مِسْكِينٍ تَصَدَّقَ بِهِ، أوْ صامَ عَنْهُ يَوْمًا كامِلًا؛ إذْ لَمْ يُعْهَدْ في الشَّرْعِ صَوْمُ ما دُونَهُ.
فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانًا لِلْهَدْيِ المُشْتَرى بِالقِيمَةِ عَلى أحَدِ وُجُوهِ التَّخْيِيرِ، فَإنَّ مَن فَعَلَ ذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ جَزى بِمِثْلِ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ.
وَعِنْدَ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى ومَن يَرى رَأْيَهُما: هو المِثْلُ بِاعْتِبارِ الخِلْقَةِ والهَيْئَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أوْجَبَ مِثْلَ المَقْتُولِ مُقَيَّدًا بِالنَّعَمِ، فَمَنِ اعْتَبَرَ (p-80)المِثْلَ بِالقِيمَةِ فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ.
وَعَنِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّهم أوْجَبُوا في النَّعامَةِ بَدَنَةً، وفي الظَّبْيِ شاةً، وفي حِمارِ الوَحْشِ بَقَرَةً، وفي الأرْنَبِ عَناقًا. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «الضَّبُعُ صَيْدٌ وفِيهِ شاةٌ إذا قَتَلَهُ المُحْرِمُ» " . ولَنا أنَّ النَّصَّ أوْجَبَ المِثْلَ، والمِثْلُ المُطْلَقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ، وإجْماعِ الأُمَّةِ والمَعْقُولِ، يُرادُ بِهِ: إمّا المِثْلُ صُورَةً ومَعْنًى، وإمّا المِثْلُ صُورَةً بِلا مَعْنًى؛ فَلا اعْتِبارَ لَهُ في الشَّرْعِ أصْلًا، وإذا لَمْ يُمْكِنْ إرادَةُ الأوَّلِ إجْماعًا تَعَيَّنَتْ إرادَةُ الثّانِي، لِكَوْنِهِ مَعْهُودًا في الشَّرْعِ كَما في حُقُوقِ العِبادِ، ألّا يُرى أنَّ المُماثَلَةَ بَيْنَ أفْرادِ نَوْعٍ واحِدٍ مَعَ كَوْنِها في غايَةِ القُوَّةِ والظُّهُورِ لَمْ يَعْتَبِرْها الشَّرْعُ، ولَمْ يَجْعَلِ الحَيَوانَ عِنْدَ الإتْلافِ مَضْمُونًا بِفَرْدٍ آخَرَ مِن نَوْعِهِ مُماثِلٍ لَهُ في عامَّةِ الأوْصافِ، بَلْ مَضْمُونًا بِقِيمَتِهِ، مَعَ أنَّ المَنصُوصَ عَلَيْهِ في أمْثالِهِ إنَّما هو المِثْلُ، قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾، فَحَيْثُ لَمْ تُعْتَبَرْ تِلْكَ المُماثَلَةُ القَوِيَّةُ مَعَ تَيَسُّرِ مَعْرِفَتِها وسُهُولَةِ مُراعاتِها، فَلِئَلّا تُعْتَبَرَ ما بَيْنَ أفْرادِ أنْواعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنَ المُماثَلَةِ الضَّعِيفَةِ الخَفِيَّةِ، مَعَ صُعُوبَةِ مَأْخَذِها وتَعَسُّرِ المُحافَظَةِ عَلَيْها أوْلى وأحْرى، ولِأنَّ القِيمَةَ قَدْ أُرِيدَتْ فِيما لا نَظِيرَ لَهُ إجْماعًا، فَلَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ مُرادًا؛ إذْ لا عُمُومَ لِلْمُشْتَرَكِ في مَواقِعِ الإثْباتِ.
والمُرادُ بِالمَرْوِيِّ: إيجابُ النَّظِيرِ بِاعْتِبارِ القِيمَةِ لا بِاعْتِبارِ العَيْنِ، ثُمَّ المُوجِبُ الأصْلِيُّ لِلْجِنايَةِ والجَزاءِ المُماثِلِ لِلْمَقْتُولِ، إنَّما هو قِيمَتُهُ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ أنْ يَعْمِدَ الجانِي إلَيْها فَيَصْرِفَها إلى المَصارِفِ ابْتِداءً، بَلْ بِاعْتِبارِ أنْ يَجْعَلَها مِعْيارًا فَيُقَدِّرَ بِها إحْدى الخِصالِ الثَّلاثِ، فَيُقِيمَها مُقامَها، فَقَوْلُهُ تَعالى: " مِثْلُ ما قَتَلَ " وصْفٌ لازِمٌ لِلْجَزاءِ غَيْرُ مُفارِقٍ عَنْهُ بِحالٍ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ " فَوَصْفٌ لَهُ مُعْتَبَرٌ في ثانِي الحالِ، بِناءً عَلى وصْفِهِ الأوَّلِ الَّذِي هو المِعْيارُ لَهُ ولِما بَعْدَهُ مِنَ الطَّعامِ والصِّيامِ، فَحَقُّهُما أنْ يُعْطَفا عَلى الوَصْفِ المُفارِقِ لا عَلى الوَصْفِ اللّازِمِ، فَضْلًا عَنِ العَطْفِ عَلى المَوْصُوفِ، كَما سَيَأْتِي بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
وَمِمّا يُرْشِدُكَ إلى أنَّ المُرادَ بِالمِثْلِ: هو القِيمَةُ، قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِمِثْلِ ما قَتَلَ.
﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: حَكَمانِ عادِلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، لَكِنْ لا؛ لِأنَّ التَّقْوِيمَ هو الَّذِي يَحْتاجُ إلى النَّظَرِ والِاجْتِهادِ مِنَ العُدُولِ، دُونَ الأشْياءِ المُشاهَدَةِ الَّتِي يَسْتَوِي في مَعْرِفَتِها كُلُّ أحَدٍ مِنَ النّاسِ، فَإنَّ ذَلِكَ ناشِئٌ مِنَ الغَفْلَةِ عَمّا أرادُوا بِما بِهِ المُماثَلَةُ، بَلْ لِأنَّ ما جَعَلُوهُ مَدارَ المُماثَلَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ وبَيْنَ النَّعَمِ مِن ضَرْبِ مُشاكَلَةٍ، ومُضاهاةٍ في بَعْضِ الأوْصافِ والهَيْئاتِ مَعَ تَحَقُّقِ التَّبايُنِ بَيْنَهُما في بَقِيَّةِ الأحْوالِ، مِمّا لا يَهْتَدِي إلَيْهِ مِن أساطِينِ أئِمَّةِ الِاجْتِهادِ، وصَنادِيدِ أهْلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ، إلّا المُؤَيَّدُونَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ، ألا يُرى أنَّ الإمامَ الشّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أوْجَبَ في قَتْلِ الحَمامَةِ شاةً؛ بِناءً عَلى ما أثْبَتَ بَيْنَهُما مِنَ المُماثَلَةِ، مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما يَعُبُّ ويُهَدِّرُ، مَعَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَهُما مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ كَما بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، فَكَيْفَ يُفَوَّضُ مَعْرِفَةُ أمْثالِ هَذِهِ الدَّقائِقِ العَوِيصَةِ إلى رَأْيِ عَدْلَيْنِ مِن آحادِ النّاسِ عَلى أنَّ الحُكْمَ بِهَذا المَعْنى إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالأنْواعِ لا بِالأشْخاصِ، فَبَعْدَ ما عُيِّنَ بِمُقابَلَةِ كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ الصَّيْدِ نَوْعٌ مِن أنْواعِ النَّعَمِ يَتِمُّ الحُكْمُ، ولا يَبْقى عِنْدَ وُقُوعِ خُصُوصِيّاتِ الحَوادِثِ حاجَةٌ إلى حُكْمٍ أصْلًا.
وَقُرِئَ: ( يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ ) عَلى إرادَةِ جِنْسِ العادِلِ دُونَ الوَحْدَةِ. وقِيلَ: بَلْ عَلى إرادَةِ الإمامِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِجَزاءٌ، أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " بِهِ "، أوْ " مِن جَزاءٌ " لِما ذُكِرَ مِن تَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بَدَلٌ مِن " ﴿مِثْلُ﴾ " فِيمَن نَصَبَهُ، أوْ " مِن مَحَلِّهِ " فِيمَن جَرَّهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: يَهْدِيهِ هَدْيًا، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِجَزاءٌ.
﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ.
﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ " مِنَ النَّعَمِ " عَلى أنَّهُ خَبَرُ (p-81)مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِجَزاءٌ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٌ عِنْدَ مَن لا يُخَصِّصُهُ بِالمَعارِفِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي طَعامُ مَساكِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ عَطْفٌ عَلى " طَعامُ " ... إلَخْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِلْمَقْتُولِ هو مِنَ النَّعَمِ، أوْ طَعامُ مَساكِينَ، أوْ صِيامُ أيّامٍ بِعَدَدِهِمْ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ المُماثَلَةُ وصْفًا لازِمًا لِلْجَزاءِ يُقَدَّرُ بِهِ الهَدْيُ، والطَّعامُ، والصِّيامُ، أمّا الأوَّلانِ فَبِلا واسِطَةٍ، وأمّا الثّالِثُ فَبِواسِطَةِ الثّانِي، فَيَخْتارُ الجانِي كُلاًّ مِنها بَدَلًا مِنَ الآخَرَيْنِ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " أوْ كَفّارَةٌ " عَطْفٌ عَلى جَزاءٌ، فَلا يَبْقى حِينَئِذٍ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يُقَدَّرُ بِهِ الطَّعامُ والصِّيامُ، والِالتِجاءُ إلى القِياسِ عَلى الهَدْيِ تَعَسُّفٌ لا يَخْفى، هَذا عَلى قِراءَةِ ( جَزاءٌ ) بِالرَّفْعِ وعَلى سائِرِ القِراءاتِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: " أوْ كَفّارَةٌ " خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ هو مِنَ النَّعَمِ. وقُرِئَ: ( أوْ كَفّارَةُ طَعامُ مَساكِينَ ) بِالإضافَةِ لِتَبْيِينِ نَوْعِ الكَفّارَةِ.
وَقُرِئَ: ( طَعامُ مِسْكِينٍ ) عَلى أنَّ التَّبْيِينَ يَحْصُلُ بِالواحِدِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ. وقُرِئَ: ( أوْ عِدْلُ ) بِكَسْرِ العَيْنِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ عَدْلَ الشَّيْءِ: ما عادَلَهُ، مِن غَيْرِ جِنْسِهِ كالصَّوْمِ والإطْعامِ، وعِدْلَهُ: ما عُدِلَ بِهِ في المِقْدارِ، كَأنَّ المَفْتُوحَ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ، والمَكْسُورَ بِمَعْنى المَفْعُولِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الطَّعامِ، وصِيامًا تَمْيِيزٌ لِلْعَدْلِ، والخِيارُ في ذَلِكَ لِلْجانِي عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ رَحِمَهُما اللَّهُ، ولِلْحَكَمَيْنِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ.
﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ لِيَذُوقَ ... إلَخْ. وقِيلَ: بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: شَرَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ؛ أيْ: سُوءَ عاقِبَةِ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ، والوَبالُ في الأصْلِ: المَكْرُوهُ، والضَّرَرُ الَّذِي يُنالُ في العاقِبَةِ مِن عَمَلِ سُوءٍ لِثِقَلِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾، ومِنهُ: الطَّعامُ الوَبِيلُ: وهو الَّذِي لا تَسْتَمْرِئُهُ المَعِدَةُ.
﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مَن قَتَلَ الصَّيْدَ مُحْرِمًا قَبْلَ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: عَمّا سَلَفَ مِنهُ في الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَهم، وكانَ الصَّيْدُ فِيها مُحَرَّمًا.
﴿وَمَن عادَ﴾ إلى قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ وهو مُحْرِمٌ.
﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الفاءُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا ولا رَهَقًا﴾؛ أيْ: فَذَلِكَ لا يَخافُ ... إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾؛ أيْ: فَأنا أُمَتِّعُهُ. والمُرادُ بِالِانْتِقامِ: التَّعْذِيبُ في الآخِرَةِ، وأمّا الكَفّارَةُ؛ فَعَنْ عَطاءٍ، وإبْراهِيمَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ: أنَّها واجِبَةٌ عَلى العائِدِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وشُرَيْحٍ: أنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلَيْهِ تَعَلُّقًا بِالظّاهِرِ.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ لا يُغالَبُ.
﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ شَدِيدٌ، فَيَنْتَقِمُ مِمَّنْ أصَرَّ عَلى المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ.
المائدة 5:96
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ الخِطابُ لِلْمُحْرِمِينَ.
﴿صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: ما يُصادُ في المِياهِ كُلِّها، بَحْرًا كانَ، أوْ نَهْرًا، أوْ غَدِيرًا، وهو ما لا يَعِيشُ إلّا في الماءِ، مَأْكُولًا أوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ.
﴿وَطَعامُهُ﴾؛ أيْ: وما يُطْعَمُ مِن صَيْدِهِ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، والمَعْنى: أُحِلَّ لَكُمُ التَّعَرُّضُ لِجَمِيعِ ما يُصادُ في المِياهِ والِانْتِفاعُ بِهِ، وأكْلُ ما يُؤْكَلُ مِنهُ، وهو السَّمَكُ عِنْدَنا، وعِنْدَ ابْنِ أبِي لَيْلى جَمِيعُ ما يُصادُ فِيهِ، عَلى أنَّ تَفْسِيرَ الآيَةِ عِنْدَهُ: أُحِلَّ لَكم صَيْدُ حَيَوانِ البَحْرِ وأنْ تَطْعَمُوهُ، وقُرِئَ: (p-82)( وطَعْمَهُ ) . وقِيلَ: صَيْدُ البَحْرِ: ما صِيدَ فِيهِ، وطَعامُهُ: ما قَذَفَهُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ.
﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ، كَما أنَّ " نافِلَةً " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ حالٌ مُخْتَصَّةٌ بِيَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُهُ تَمْتِيعًا لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا.
﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: مَتَّعَكم بِهِ مَتاعًا. وقِيلَ: مُؤَكِّدٌ لِمَعْنى أُحِلَّ لَكم، فَإنَّهُ في قُوَّةِ مَتَّعَكم بِهِ تَمْتِيعًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ .
﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ وقُرِئَ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( صَيْدُ البَرِّ ) وهو ما يُفْرِخُ فِيهِ، وإنْ كانَ يَعِيشُ في الماءِ في بَعْضِ الأوْقاتِ كَطَيْرِ الماءِ.
﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ أيْ: مُحْرِمِينَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ مَن دامَ يَدامُ، وظاهِرُهُ يُوجِبُ حُرْمَةَ ما صادَهُ الحَلالُ عَلى المُحْرِمِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ فِيهِ، وهو قَوْلُ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: أنَّهُ يَحِلُّ لَهُ أكْلُ ما صادَهُ الحَلالُ، وإنْ صادَهُ لِأجْلِهِ إذا لَمْ يُشِرْ إلَيْهِ ولَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ، وكَذا ما ذَبَحَهُ قَبْلَ إحْرامِهِ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّ الخِطابَ لِلْمُحْرِمِينَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وحُرِّمَ عَلَيْكم ما صِدْتُمْ في البَرِّ فَيَخْرُجُ مِنهُ مَصِيدُ غَيْرِهِمْ، وعِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ: لا يُباحُ ما صِيدَ لَهُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ فِيما نَهاكم عَنْهُ، أوْ في جَمِيعِ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.
﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لا إلى غَيْرِهِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ الخَلاصُ مِن أخْذِهِ تَعالى بِالِالتِجاءِ إلَيْهِ.
المائدة 5:97
﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِكَوْنِها مُكَعَّبَةً مُرَبَّعَةً. وقِيلَ: لِانْفِرادِها مِنَ البِناءِ. وقِيلَ: لِارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ ونُتُوئِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ عَلى جِهَةِ المَدْحِ دُونَ التَّوْضِيحِ، كَما تَجِيءُ الصِّفَةُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ نُصِبَ عَلى الحالِ، ويَرُدُّهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما سَيَجِيءُ، بَلْ هَذا هو المَفْعُولُ الثّانِي. وقِيلَ: الجَعْلُ بِمَعْنى: الإنْشاءِ والخَلْقِ، وهو حالٌ كَما مَرَّ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا لَهم: أنَّهُ مَدارٌ لِقِيامِ أمْرِ دِينِهِمْ ودُنْياهم؛ إذْ هو سَبَبٌ لِانْتِعاشِهِمْ في أُمُورِ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، يَلُوذُ بِهِ الخائِفُ، ويَأْمَنُ فِيهِ الضَّعِيفُ، ويَرْبَحُ فِيهِ التُّجّارُ، ويَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُجّاجُ والعُمّارُ. وقُرِئَ: ( قِيَمًا ) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى وزْنِ شِبَعٍ، أُعِلَّ عَيْنُهُ بِما أُعِلَّ في فِعْلِهِ.
﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيِ: الَّذِي يُؤَدّى فِيهِ الحَجُّ، وهو ذُو الحِجَّةِ. وقِيلَ: جِنْسُ الشَّهْرِ الحَرامِ، وهو وما بَعْدَهُ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، فالمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِما مَرَّ؛ أيْ: وجُعِلَ الشَّهْرُ الحَرامُ.
﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْضًا قِيامًا لَهم، والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ، وهي البُدْنُ، خُصَّتْ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ الثَّوابَ فِيها أكْثَرُ وبَهاءَ الحَجِّ بِها أظْهَرُ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَعْلِ المَذْكُورِ خاصَّةً، أوْ مَعَ ما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ بِحِفْظِ حُرْمَةِ الإحْرامِ وغَيْرِهِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وهو العامِلُ في اللّامِ بَعْدَهُ؛ أيْ: شُرِعَ ذَلِكَ.
﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ فَإنَّ تَشْرِيعَ هَذِهِ الشَّرائِعِ المُسْتَتْبِعَةِ لِدَفْعِ المَضارِّ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ قَبْلَ وُقُوعِها، وجَلْبِ المَنافِعِ الأوْلَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ مِن أوْضَحِ الدَّلائِلِ عَلى حِكْمَةِ الشّارِعِ، وعَدَمِ خُرُوجِ شَيْءٍ عَنْ عِلْمِهِ المُحِيطِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (p-83)تَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما في السَّماواتِ والأرْضِ: الأعْيانُ المَوْجُودَةُ فِيهِما، وبِكُلِّ شَيْءٍ: الأُمُورُ المُتَعَلِّقَةُ بِتِلْكَ المَوْجُوداتِ مِنَ العَوارِضِ والأحْوالِ الَّتِي هي مِن قَبِيلِ المَعانِي.
المائدة 5:98
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وعِيدٌ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ، أوْ أصَرَّ عَلى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعْدٌ لِمَن حافَظَ عَلى مُراعاةِ حُرُماتِهِ تَعالى، أوْ أقْلَعَ عَنْ الِانْتِهاكِ بَعْدَ تَعاطِيهِ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ الوَعِيدِ ظاهِرٌ.
المائدة 5:99
﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ تَشْدِيدٌ في إيجابِ القِيامِ بِما أمَرَ بِهِ؛ أيِ: الرَّسُولُ قَدْ أتى بِما وجَبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّبْلِيغِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وقامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، ولَزِمَتْكُمُ الطّاعَةُ، فَلا عُذْرَ لَكم مِن بَعْدُ في التَّفْرِيطِ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فَيُؤاخِذُكم بِذَلِكَ نَقِيرًا أوْ قِطْمِيرًا.
المائدة 5:100
﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ حُكْمٌ عامٌّ في نَفْيِ المُساواةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى بَيْنَ الرَّدِيءِ مِنَ الأشْخاصِ، والأعْمالِ، والأمْوالِ، وبَيْنَ جَيِّدِها، قُصِدَ بِهِ التَّرْغِيبُ في جَيِّدِ كُلٍّ مِنها، والتَّحْذِيرُ عَنْ رَدِيئِها، وإنْ كانَ سَبَبُ النُّزُولِ شُرَيْحُ بْنُ ضَبُعَةَ البَكْرِيُّ الَّذِي مَرَّتْ قِصَّتُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ ... إلَخْ.
وَقِيلَ: نَزَلَ في «رَجُلٍ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: إنَّ الخَمْرَ كانَتْ تِجارَتِي، وإنِّي اعْتَقَدْتُ مِن بَيْعِها مالًا، فَهَلْ يَنْفَعُنِي مِن ذَلِكَ المالِ إنْ عَمِلْتُ فِيهِ بِطاعَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " إنْ أنْفَقْتَهُ في حَجٍّ، أوْ جِهادٍ، أوْ صَدَقَةٍ، لَمْ يَعْدِلْ جَناحَ بَعُوضَةٍ، إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ إلّا الطَّيِّبَ "» . وقالَ عَطاءٌ والحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الخَبِيثُ والطَّيِّبُ: الحَرامُ والحَلالُ.
وَتَقْدِيمُ الخَبِيثِ في الذِّكْرِ لِلْإشْعارِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ فِيهِ لا في مُقابِلِهِ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًا، وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ، لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِما أنَّ صِلَتَهُ مَلَكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ.
﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾؛ أيْ: وإنْ سَرَّكَ كَثْرَتُهُ، والخِطابُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الَّذِينَ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِخِطابِهِمْ، والواوُ لِعَطْفِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى مِثْلِها المُقَدَّرِ، وقِيلَ: لِلْحالِ وقَدْ مَرَّ؛ أيْ: لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَتْكَ، وكِلْتاهُما في مَوْقِعِ الحالِ مِن فاعِلِ " لا يَسْتَوِي "؛ أيْ: لا يَسْتَوِيانِ كائِنَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى حَذْفًا مُطَّرِدًا لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ مَعَ المُعارِضِ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ بِدُونِهِ أوْلى، وعَلى هَذا السِّرِّ يَدُورُ ما في " لَوْ " و" إنِ " الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ في الجُمْلَتَيْنِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُما عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي تَمامُ (p-84)تَحْقِيقِهِ في مَواقِعَ عَدِيدَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألباب﴾؛ أيْ: في تَحَرِّي الخَبِيثِ وإنْ كَثُرَ، وآثِرُوا عَلَيْهِ الطَّيِّبَ وإنْ قَلَّ، فَإنَّ مَدارَ الِاعْتِبارِ هو الجُودَةُ والرَّداءَةُ، لا الكَثْرَةُ والقِلَّةُ؛ فالمَحْمُودُ القَلِيلُ خَيْرٌ مِنَ المَذْمُومِ الكَثِيرِ، بَلْ كُلَّما كَثُرَ الخَبِيثُ كانَ أخْبَثَ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ راجِينَ أنْ تَنالُوا الفَلاحَ.
المائدة 5:101
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ هو اسْمُ جَمْعٍ عَلى رَأْيِ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وجُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، كَطَرْفاءَ وقَصْباءَ، أصْلُهُ: شِيَآءُ بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، فَقُلِبَتِ الكَلِمَةُ بِتَقْدِيمِ لامِها عَلى فائِها، فَصارَ وزْنُها لَفْعاءَ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِألِفِ التَّأْنِيثِ المَمْدُودَةِ.
وَقِيلَ: هو جَمْعُ شَيْءٍ، عَلى أنَّهُ مُخَفَّفٌ مِن شَيِّءٍ، كَهَيْنٍ مُخَفَّفٌ مِن هَيِّنٍ، والأصْلُ: أشْيِئاءُ، كَأهْوِناءَ بِزِنَةِ أفْعِلاءَ، فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ لامُ الكَلِمَةِ والَّتِي لِلتَّأْنِيثِ؛ إذِ الألِفُ كالهَمْزَةِ، فَخُفِّفَتِ الكَلِمَةُ بِأنْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الأُولى ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، فَصارَتْ أشْيِياءَ، فاجْتَمَعَتْ ياءانِ أُولاهُما عَيْنُ الكَلِمَةِ، فَحُذِفَتْ تَخْفِيفًا فَصارَتْ أشْياءَ، وزْنُها أفْلاءُ، ومُنِعَتِ الصَّرْفَ لِألِفِ التَّأْنِيثِ.
وَقِيلَ: إنَّما حُذِفَتْ مِن أشْيِياءَ الياءُ المُنْقَلِبَةُ مِنَ الهَمْزَةِ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ، وفُتِحَتِ الياءُ المَكْسُورَةُ لِتَسْلَمَ ألِفُ الجَمْعِ، فَوَزْنُها أفْعاءُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ صِفَةٌ لِأشْياءَ داعِيَةٌ إلى الِانْتِهاءِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها، وحَيْثُ كانَتِ المَساءَةُ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مُعَلَّقَةً بِإبْدائِها لا بِالسُّؤالِ عَنْها، عُقِّبَتْ بِشَرْطِيَّةٍ أُخْرى ناطِقَةٍ بِاسْتِلْزامِ السُّؤالِ عَنْها، لِإبْدائِها المُوجِبِ لِلْمَحْذُورِ قَطْعًا.
فَقِيلَ: ﴿وَإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: تِلْكَ الأشْياءُ المُوجِبَةُ لِلْمَساءَةِ بِالوَحْيِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُ السُّؤالِ بِحِينِ التَّنْزِيلِ، والمُرادُ بِها: ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَغُمُّهم مِنَ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يُطِيقُونَ بِها، والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يَفْتَضِحُونَ بِها بِظُهُورِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ، فَكَما أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِإبْدائِها، كَذَلِكَ السُّؤالُ عَنْ تِلْكَ التَّكالِيفِ مُسْتَتْبِعٌ لِإيجابِها عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ، لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ، واجْتِرائِهِمْ عَلى المَسْألَةِ والمُراجَعَةِ، وتَجاوُزِهِمْ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِنَ الاسْتِسْلامِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ ولا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ؛ أيْ: لا تُكْثِرُوا مُساءَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لا يَعْنِيكم، مِن نَحْوِ تَكالِيفَ شاقَّةٍ، وعَلَيْكم إنْ أفْتاكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها، حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْهِ ولَمْ تُطِيقُوا بِها، نَحْوُ بَعْضِ أُمُورٍ مَسْتُورَةٍ تَكْرَهُونَ بُرُوزَها.
وَذَلِكَ مِثْلُ ما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ "، فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ يُقالُ لَهُ: عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ - وقِيلَ: هو سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ - فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ حَتّى أعادَ مَسْألَتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ويْحَكَ، وما يُؤْمِنُكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكم، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا أمَرْتُكم بِأمْرٍ فَخُذُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ» " .
وَمِثْلُ ما رُوِيَ «عَنْ أنَسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ سَألَ النّاسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ حَتّى أحْفَوْهُ في المَسْألَةِ، فَقامَ ﷺ مُغْضَبًا خَطِيبًا، (p-85)فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: " سَلُونِي، فَواللَّهِ ما تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا إلّا بَيَّنْتُهُ لَكم "، فَأشْفَقَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْ أمْرٍ قَدْ حَضَرَ، قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَجَعَلْتُ ألْتَفِتُ يَمِينًا وشِمالًا، فَلا أجِدُ رَجُلًا إلّا وهو لافٌّ رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ يَبْكِي، فَقامَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ، وكانَ إذا لاحى الرِّجالَ يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، وقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ؛ مَن أبِي ؟ فَقالَ ﷺ: " أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ الزُّهْرِيُّ "، وقامَ آخَرُ وقالَ: أيْنَ أبِي ؟ قالَ ﷺ: " في النّارِ "، ثُمَّ قامَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ تَعالى رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِنَ الفِتَنِ، إنّا حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، فاعْفُ عَنّا يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَسَكَنَ غَضَبُهُ ﷺ» .
﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ نَهْيَهم عَنْها لَمْ يَكُنْ لِمُجَرَّدِ صِيانَتِهِمْ عَنِ المَساءَةِ، بَلْ لِأنَّها في نَفْسِها مَعْصِيَةٌ مُسْتَتْبِعَةٌ لِلْمُؤاخَذَةِ وقَدْ عَفا عَنْها، وفِيهِ مِن حَثِّهِمْ عَلى الجِدِّ في الِانْتِهاءِ عَنْها ما لا يَخْفى.
وَضَمِيرُ " عَنْها " لِلْمَسْألَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِلا تَسْألُوا؛ أيْ: عَفا اللَّهُ تَعالى عَنْ مَسائِلِكُمُ السّالِفَةِ، حَيْثُ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْكُمُ الحَجَّ في كُلِّ عامٍ؛ جَزاءً بِمَسْألَتِكم، وتَجاوَزَ عَنْ عُقُوبَتِكُمُ الأُخْرَوِيَّةِ بِسائِرِ مَسائِلِكم، فَلا تَعُودُوا إلى مِثْلِها.
وَأمّا جَعْلُهُ صِفَةً أُخْرى لِأشْياءَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ " لَها " بِمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ عَفا اللَّهُ عَنْها، ولَمْ يُكَلِّفْكم إيّاها، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِاقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ الحَجُّ قَدْ فُرِضَ أوَّلًا في كُلِّ عامٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِطَرِيقِ العَفْوِ، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْمُخاطَبِينَ، ضَرُورَةَ أنَّ حَقَّ الوَصْفِ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْصُوفِ عِنْدَ المُخاطَبِ قَبْلَ جَعْلِهِ وصْفًا لَهُ، وكِلاهُما ضَرُورِيُّ الِانْتِفاءِ قَطْعًا، عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي اخْتِصاصَ النَّهْيِ بِمَسْألَةِ الحَجِّ ونَحْوِها إنْ سَلِمَ وُقُوعُها، مَعَ أنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ صَرِيحٌ في أنَّهُ مَسُوقٌ لِلنَّهْيِ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي يَسُوؤُهم إبْداؤُها، سَواءً كانَتْ مِن قَبِيلِ الأحْكامِ والتَّكالِيفِ المُوجِبَةِ لِمَساءَتِهِمْ، بِإنْشائِها وإيجابِها؛ بِسَبَبِ السُّؤالِ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، كَمَسْألَةِ الحَجِّ لَوْلا عَفْوُهُ تَعالى عَنْها، أوْ مِن قَبِيلِ الأُمُورِ الواقِعَةِ قَبْلَ السُّؤالِ المُوجِبَةِ لِلْمَساءَةِ بِالإخْبارِ بِها، كَمَسْألَةِ مَن قالَ: أيْنَ أبِي ؟
إنْ قُلْتَ: تِلْكَ الأشْياءُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْمَساءَةِ البَتَّةَ، بَلْ هي مُحْتَمِلَةٌ لِإيجابِ المَسَرَّةِ أيْضًا؛ لِأنَّ إيجابَها لِلْأُولى إنْ كانَ مِن حَيْثُ وُجُودُها، فَهي مِن حَيْثُ عَدَمُها مُوجِبَةٌ لِلْأُخْرى قَطْعًا، ولَيْسَتْ إحْدى الحَيْثِيَّتَيْنِ مُحَقَّقَةً عِنْدَ السّائِلِ، وإنَّما غَرَضُهُ مِنَ السُّؤالِ ظُهُورُها كَيْفَ كانَتْ، بَلْ ظُهُورُها بِحَيْثِيَّةِ إيجابِها لِلْمَسَرَّةِ، فَلَمْ يُعَبَّرْ عَنْها بِحَيْثِيَّةِ إيجابِها لِلْمَساءَةِ.
قُلْتُ: لِتَحْقِيقِ المَنهِيِّ عَنْهُ كَما سَتَعْرِفُهُ، مَعَ ما فِيهِ مِن تَأْكِيدِ النَّهْيِ وتَشْدِيدِهِ؛ لِأنَّ تِلْكَ الحَيْثِيَّةَ هي المُوجِبَةُ لِلِانْتِهاءِ والِانْزِجارِ، لا حَيْثِيَّةُ إيجابِها لِلْمَسَرَّةِ، ولا حَيْثِيَّةُ تَرَدُّدِها بَيْنَ الإيجابَيْنِ.
إنْ قِيلَ: الشَّرْطِيَّةُ الثّانِيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ السُّؤالَ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ المُوجِبَةِ لِلْمَساءَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِإبْدائِها البَتَّةَ كَما مَرَّ، فَلِمَ تَخَلَّفَ الإبْداءُ عَنِ السُّؤالِ في مَسْئَلَةِ الحَجِّ، حَيْثُ لَمْ يُفْرَضْ في كُلِّ عامٍ ؟ قُلْنا: لِوُقُوعِ السُّؤالِ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ، وما ذُكِرَ في الشَّرْطِيَّةِ إنَّما هو السُّؤالُ الواقِعُ بَعْدَ وُرُودِهِ؛ إذْ هو المُوجِبُ لِلتَّغْلِيظِ والتَّشْدِيدِ ولا تَخَلُّفَ فِيهِ.
إنْ قِيلَ: ما ذَكَرْتَهُ إنَّما يَتَمَشّى فِيما إذا كانَ السُّؤالُ عَنِ الأُمُورِ المُتَرَدِّدَةِ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ، كَما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وأمّا إذا كانَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ قَبْلَهُ فَلا يَكادُ يَتَسَنّى؛ لِأنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْداءُ هو الَّذِي وقَعَ في نَفْسِ الأمْرِ، ولا مَرَدَّ لَهُ، سَواءً كانَ السُّؤالُ قَبْلَ النَّهْيِ أوْ بَعْدَهُ، وقَدْ يَكُونُ الواقِعُ ما يُوجِبُ المَسَرَّةَ، كَما في مَسْئَلَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ، فَيَكُونُ هو الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الإبْداءُ لا غَيْرُهُ، فَيَتَعَيَّنُ لِلتَّخَلُّفِ حَتْمًا.
قُلْنا: لا احْتِمالَ لِلتَّخَلُّفِ فَضْلًا عَنِ التَّعَيُّنِ، فَإنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ في الحَقِيقَةِ إنَّما هو السُّؤالُ عَنِ الأشْياءِ المُوجِبَةِ (p-86)لِلْمَساءَةِ الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ قَبْلَ السُّؤالِ، كَسُؤالِ مَن قالَ: أيْنَ أبِي ؟ لا عَمّا يَعُمُّها وغَيْرَها، مِمّا لَيْسَ بِواقِعٍ، لَكِنَّهُ مُحْتَمِلٌ لِلْوُقُوعِ عِنْدَ المُكَلَّفِينَ، حَتّى يَلْزَمَ التَّخَلُّفُ في صُورَةِ عَدَمِ الوُقُوعِ.
وَجُمْلَةُ الكَلامِ أنَّ مَدْلُولَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ، إنَّما هو النَّهْيُ عَنِ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ الَّتِي يُوجِبُ إبْداؤُها المَساءَةَ البَتَّةَ، إمّا بِأنْ تَكُونَ تِلْكَ الأشْياءُ بِعَرَضِيَّةِ الوُقُوعِ، فَتُبْدى عِنْدَ السُّؤالِ بِطَرِيقِ الإنْشاءِ عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا، كَما في صُورَةِ كَوْنِها مِن قَبِيلِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، وإمّا بِأنْ تَكُونَ واقِعَةً في نَفْسِ الأمْرِ قَبْلَ السُّؤالِ، فَتُبْدى عِنْدَهُ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِها، فالتَّخَلُّفُ مُمْتَنِعٌ في الصُّورَتَيْنِ مَعًا، ومَنشَأُ تَوَهُّمِهِ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ المَنهِيِّ عَنْهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ؛ بِناءً عَلى عَدَمِ امْتِيازِ ما هو مَوْجُودٌ، أوْ بِعَرَضِيَّةِ الوُجُودِ مِن تِلْكَ الأشْياءِ في نَفْسِ الأمْرِ، وما لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ المُكَلَّفِينَ، ومُلاحَظَتِهِمْ لِلْكُلِّ بِاحْتِمالِ الوُجُودِ والعَدَمِ، وفائِدَةُ هَذا الإبْهامِ الِانْتِهاءُ عَنِ السُّؤالِ عَنْ تِلْكَ الأشْياءِ عَلى الإطْلاقِ؛ حِذارَ إبْداءِ المَكْرُوهِ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِعَفْوِهِ تَعالى؛ أيْ: مُبالِغٌ في مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ والإغْضاءِ عَنِ المَعاصِي، ولِذَلِكَ عَفا عَنْكم ولَمْ يُؤاخِذْكم بِعُقُوبَةِ ما فَرَطَ مِنكم.
المائدة 5:102
﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ﴾؛ أيْ: سَألُوا هَذِهِ المَسْألَةَ، لَكِنْ لا عَيْنَها، بَلْ مِثْلَها في كَوْنِها مَحْظُورَةً ومُسْتَتْبِعَةً لِلْوَبالِ، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالمِثْلِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.
﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِسَألَها.
﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾؛ أيْ: بِسَبَبِها، أوْ بِمَرْجُوعِها.
﴿كافِرِينَ﴾ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم في أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها، فَهَلَكُوا.
المائدة 5:103
﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ رَدٌّ وإبْطالٌ لِما ابْتَدَعَهُ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ، حَيْثُ كانُوا إذا نُتِجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ آخِرُها ذَكَرٌ، بَحَرُوا أُذُنَها؛ أيْ: شَقُّوها، وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ ولا عَنْ مَرْعًى، وكانَ يَقُولُ الرَّجُلَ: إذا قَدِمْتُ مِن سَفَرِي، أوْ بَرِئْتُ مِن مَرَضِي، فَناقَتِي سائِبَةٌ، وجَعَلَها كالبَحِيرَةِ في تَحْرِيمِ الِانْتِفاعِ بِها. وقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا قالَ: هو سائِبَةٌ، فَلا عَقْلَ بَيْنَهُما ولا مِيراثَ.
وَإذا ولَدَتِ الشّاةُ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وإذا نُتِجَتْ مِن صُلْبِ الفَحْلِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ، فَلا يُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعًى.
وَمَعْنى " ما جَعَلَ ": ما شَرَعَ وما وضَعَ؛ ولِذَلِكَ عُدِّيَ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، هو بَحِيرَةٍ وما عُطِفَ عَلَيْها.
وَ" مِن " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، فَإنَّ الجَعْلَ التَّكْوِينِيَّ كَما يَجِيءُ تارَةً مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ وأُخْرى إلى واحِدٍ، كَذَلِكَ الجَعْلُ التَّشْرِيعِيُّ يَجِيءُ مَرَّةً مُتَعَدِّيًا إلى مَفْعُولَيْنِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾، وأُخْرى إلى واحِدٍ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ حَيْثُ يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ، ويَقُولُونَ: اللَّهُ أمَرَنا بِهَذا، وإمامُهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، فَإنَّهُ أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الباطِلَةَ، هَذا شَأْنُ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ.
﴿وَأكْثَرُهُمْ﴾ وهم أراذِلُهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهم مِن (p-87)مُعاصِرِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَما يَشْهَدُ بِهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أنَّهُ افْتِراءٌ باطِلٌ حَتّى يُخالِفُوهم، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ بِأنْفُسِهِمْ، فَيَبْقَوْنَ في أسْرِ التَّقْلِيدِ، وهَذا بَيانٌ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنْ الِاهْتِداءِ بِأنْفُسِهِمْ.
المائدة 5:104
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِلَّذِينَ عَبَّرَ عَنْهم بِأكْثَرِهِمْ عَلى سَبِيلِ الهِدايَةِ والإرْشادِ.
﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِلْحَلالِ والحَرامِ.
﴿وَإلى الرَّسُولِ﴾ الَّذِي أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ لِتَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وتُمَيِّزُوا الحَرامَ مِنَ الحَلالِ.
﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ بَيانٌ لِعِنادِهِمْ واسْتِعْصائِهِمْ عَلى الهُدى إلى الحَقِّ، وانْقِيادِهِمْ لِلدّاعِي إلى الضَّلالِ.
﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .
قِيلَ: الواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ أيْ: أحَسْبُهم ذَلِكَ، ولَوْ كانَ آباؤُهم جَهَلَةً ضالِّينَ.
وَقِيلَ: لِلْعَطْفِ عَلى شَرْطِيَّةٍ أُخْرى مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، وهو الأظْهَرُ، والتَّقْدِيرُ: أحَسْبُهم ذَلِكَ، أوْ أيَقُولُونَ هَذا القَوْلَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا مِنَ الدِّينِ، ولا يَهْتَدُونَ لِلصَّوابِ، ولَوْ كانُوا لا يَعْلَمُونَ ... إلَخْ.
وَكِلْتاهُما في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: أحَسْبُهم ما وجَدُوا عَلَيْهِ آباءَهم كائِنِينَ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ، وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى في البابِ حَذْفًا مُطَّرِدًا؛ لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً، كَيْفَ لا وإنَّ الشَّيْءَ إذا تَحَقَّقَ عِنْدَ المانِعِ، فَلَأنْ يَتَحَقَّقَ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى، كَما في قَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ. وقَدْ حُذِفَتِ الأُولى لِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً ظاهِرَةً؛ إذِ الإحْسانُ حَيْثُ أُمِرَ بِهِ عِنْدَ المانِعِ، فَلَأنْ يُؤْمَرَ بِهِ عِنْدَ عَدَمِهِ أوْلى.
وَعَلى هَذا السِّرِّ يَدُورُ ما في " إنْ، ولَوِ " الوَصْلِيَّتَيْنِ مِنَ المُبالَغَةِ والتَّأْكِيدِ، وجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ، حَسْبُهم ذَلِكَ، أوْ يَقُولُونَ ذَلِكَ. وما في " لَوْ " مِن مَعْنى الِامْتِناعِ والِاسْتِبْعادِ، إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى زَعْمِهِمْ لا إلى نَفْسِ الأمْرِ، وفائِدَتُهُ المُبالَغَةُ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ بِبَيانِ أنَّ ما قالُوهُ مُوجِبٌ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، إذا كانَ كَوْنُ آبائِهِمْ جَهَلَةً ضالِّينَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ البَعِيدِ، فَكَيْفَ إذا كانَ ذَلِكَ واقِعًا لا رَيْبَ فِيهِ.
وَقِيلَ: مَآلُ الوَجْهَيْنِ واحِدٌ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُقَدَّرَةَ حالٌ، فَكَذا ما عُطِفَ عَلَيْها.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ الحالَ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ لا الأخِيرَةُ فَقَطْ، وأنَّ الواوَ لِلْعَطْفِ لا لِلْحالِ، وقَدْ مَرَّ التَّحْقِيقُ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ "؛ فَتَدَبَّرْ.
المائدة 5:105
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيِ: الزَمُوا أمْرَ أنْفُسِكم وإصْلاحِها. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ أيْ: واجِبَةٌ عَلَيْكم أنْفُسُكم.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إمّا مَجْزُومٌ عَلى أنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ، أوْ نَهْيٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ، وإنَّما ضُمَّتِ الرّاءُ اتِّباعًا لِضَمَّةِ الضّادِ المَنقُولَةِ إلَيْها مِنَ الرّاءِ المُدْغَمَةِ؛ إذِ الأصْلُ: لا يَضْرُرْكم، ويُؤَيِّدُهُ القِراءَةُ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقِراءَةُ مَن قَرَأ: ( لا يَضِرْكم ) بِكَسْرِ الضّادِ وضَمِّها، مِن ضارَ يَضِيرُهُ ويَضُورُهُ، وإمّا مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ كَلامٌ (p-88)مُسْتَأْنَفٌ في مَوْقِعِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( لا يَضِيرُكم )؛ أيْ: لا يَضِرْكم ضَلالُ مَن ضَلَّ إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ.
وَلا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّ فِيهِ رُخْصَةً في تَرْكِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ مَعَ اسْتِطاعَتِهِما، كَيْفَ لا ومِن جُمْلَةِ الِاهْتِداءِ أنْ يُنْكَرَ عَلى المُنْكَرِ حَسْبَما تَفِي بِهِ الطّاقَةُ، قالَ ﷺ: " «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فاسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» " .
وَقَدْ «رُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ يَوْمًا عَلى المِنبَرِ: يَأيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ، وتَضَعُونَها غَيْرَ مَوْضِعِها، ولا تَدْرُونَ ما هي، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ النّاسَ إذا رَأوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ، فَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ولا تَغْتَرُّوا بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: " يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا " ... إلَخْ، فَيَقُولُ أحَدُكم: عَلَيَّ نَفْسِي، واللَّهِ لِتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيَسْتَعْمِلَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكم، فَيَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهم» " .
وَعَنْهُ ﷺ: " «ما مِن قَوْمٍ عُمِلَ فِيهِمْ مُنْكَرٌ، أوْ سُنَّ فِيهِمْ قَبِيحٌ، فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ ولَمْ يُنْكِرُوهُ، إلّا وحَقٌّ عَلى اللَّهِ تَعالى أنْ يَعُمَّهم بِالعُقُوبَةِ جَمِيعًا، ثُمَّ لا يُسْتَجابُ لَهم» " .
والآيَةُ نَزَلَتْ لَمّا كانَ المُؤْمِنُونَ يَتَحَسَّرُونَ عَلى الكَفَرَةِ، وكانُوا يَتَمَنَّوْنَ إيمانَهم، وهم مِنَ الضَّلالِ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَرْعَوُونَ عَنْهُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ.
وَقِيلَ: كانَ الرَّجُلُ إذا أسْلَمَ لامُوهُ، وقالُوا لَهُ: سَفَّهْتَ آباءَكَ وضَلَّلْتَهم؛ أيْ: نَسَبْتَهم إلى السَّفاهَةِ والضَّلالِ، فَنَزَلَتْ تَسْلِيَةً لَهُ بِأنَّ ضَلالَ آبائِهِ لا يَضُرُّهُ ولا يَشِينُهُ.
﴿إلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ.
﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ رُجُوعُكم يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿جَمِيعًا﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْهُ أحَدٌ مِنَ المُهْتَدِينَ وغَيْرِهِمْ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الهِدايَةِ والضَّلالِ، فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.
المائدة 5:106
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دُنْياهم، إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ المُتَعَلِّقَةِ بِأُمُورِ دِينِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيِ النِّداءِ والتَّنْبِيهِ؛ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الظَّرْفِ تَوَسُّعًا، إمّا بِاعْتِبارِ جَرَيانِها بَيْنَهم، أوْ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِها بِما يَجْرِي بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: شارَفَهُ وظَهَرَتْ عَلائِمُهُ، ظَرْفٌ لَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ كَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ وقْتَ وُرُودِهِ عَلَيْها، فَإنَّهُ أدْخَلُ في تَهْوِينِ أمْرِ المَوْتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنهُ، لا ظَرْفٌ لِلْمَوْتِ كَما تُوُهِّمَ، ولا لِحُضُورِهِ كَما قِيلَ؛ فَإنَّ في الإبْدالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ المُهِمّاتِ المُقَرَّرَةِ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ يَتَهاوَنَ بِها المُسْلِمُ ويَذْهَلَ عَنْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنانِ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ؛ أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم حِينَئِذٍ شَهادَةُ اثْنَيْنِ، أوْ فاعِلُ شَهادَةِ بَيْنِكم عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما نَزَلَ عَلَيْكم أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكُمُ اثْنانِ.
وَقُرِئَ: ( شَهادَةٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ والإعْرابُ كَما سُبِقَ، وقُرِئَ: ( شَهادَةً ) بِالنَّصْبِ (p-89)والتَّنْوِينِ عَلى أنَّ عامِلَها مُضْمَرٌ، هو العامِلُ في اثْنانِ أيْضًا؛ أيْ: لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكُمُ اثْنانِ.
﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أقارِبِكم؛ لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ المَيِّتِ وأنْصَحُ لَهُ، وأقْرَبُ إلى تَحَرِّي ما هو أصْلَحُ لَهُ. وقِيلَ: مِنَ المُسْلِمِينَ، وهُما صِفَتانِ لِاثْنانِ.
﴿أوْ آخَرانِ﴾ عَطْفٌ عَلى اثْنانِ تابِعٌ لَهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَبَرِيَّةِ والفاعِلِيَّةِ؛ أيْ: أوْ شَهادَةُ آخَرَيْنِ، أوْ أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكم آخَرانِ، أوْ لِيُقِمْ شَهادَةً بَيْنَكم آخَرانِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لِآخَرانِ؛ أيْ: كائِنانِ مِن غَيْرِكم؛ أيْ: مِنَ الأجانِبِ. وقِيلَ: مِن أهْلِ الذِّمَّةِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ في بَدْءِ الإسْلامِ لِعِزَّةِ وُجُودِ المُسْلِمِينَ لا سِيَّما في السَّفَرِ، ثُمَّ نُسِخَ. وعَنْ مَكْحُولٍ: أنَّهُ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ .
﴿إنْ أنْتُمْ﴾ مَرْفُوعٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ ضَرَبْتُمْ، فَلَمّا حُذِفَ الفِعْلُ انْفَصَلَ الضَّمِيرُ، وهَذا رَأْيُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ، وذَهَبَ الأخْفَشُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ؛ بِناءً عَلى جَوازِ وُقُوعِ المُبْتَدَأِ بَعْدَ " أنِ " الشَّرْطِيَّةِ، كَجَوازِ وُقُوعِهِ بَعْدَ إذا.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: سافَرْتُمْ فِيها، لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ عِنْدَ الأوَّلِينَ لِكَوْنِهِ مُفَسِّرًا، ومَرْفُوعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ عِنْدَ الباقِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ سافَرْتُمْ فَقارَبَكُمُ الأجَلُ حِينَئِذٍ، وما مَعَكم مِنَ الأقارِبِ، أوْ مِن أهْلِ الإسْلامِ مَن يَتَوَلّى أمْرَ الشَّهادَةِ، كَما هو الغالِبُ المُعْتادُ في الأسْفارِ، فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ، أوْ فاسْتَشْهِدُوا آخَرَيْنِ، أوْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، كَذا قِيلَ، والأنْسَبُ أنْ يُقَدَّرَ عَيْنُ ما سَبَقَ؛ أيْ: فَآخَرانِ عَلى مَعْنى: شَهادَةُ بَيْنِكم شَهادَةُ آخَرَيْنِ، أوْ فَأنْ يَشْهَدَ آخَرانِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ ثَمَّةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنِ اشْتِراطِ العَدالَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ نَصْنَعُ إنِ ارْتَبْنا بِالشّاهِدَيْنِ ؟ فَقِيلَ: تَحْبِسُونَهُما؛ أيْ: تَقِفُونَهُما وتُصَبِّرُونَهُما لِلتَّحْلِيفِ.
﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ وقِيلَ: هو صِفَةٌ لِآخَرانِ، والشَّرْطُ بِجَوابِهِ المَحْذُوفِ اعْتِراضٌ، فائِدَتُهُ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ اللّائِقَ إشْهادُ الأقارِبِ، أوْ أهْلِ الإسْلامِ، وأمّا إشْهادُ الآخَرِينَ فَعِنْدَ الضَّرُورَةِ المُلْجِئَةِ إلَيْهِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ يَقْتَضِي اخْتِصاصَ الحَبْسِ بِالآخَرَيْنِ مَعَ شُمُولِهِ لِلْأوَّلَيْنِ أيْضًا، قَطْعًا عَلى أنَّ اعْتِبارَ اتِّصافِهِما بِذَلِكَ يَأْباهُ مَقامُ الأمْرِ بِإشْهادِهِما؛ إذْ مَآلُهُ فَآخَرانِ شَأْنُهُما الحَبْسُ والتَّحْلِيفُ، وإنْ أمْكَنَ إتْمامُ التَّقْرِيبِ بِاعْتِبارِ قَيْدِ الِارْتِيابِ بِهِما، كَما يُفِيدُهُ الِاعْتِراضُ الآتِي.
والمُرادُ بِالصَّلاةِ: صَلاةُ العَصْرِ، وعَدَمُ تَعْيِينِها لِتَعَيُّنِها عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها؛ لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ، ووَقْتُ تَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ، ولِأنَّ جَمِيعَ أهْلِ الأدْيانِ يُعَظِّمُونَهُ ويَجْتَنِبُونَ فِيهِ الحَلِفَ الكاذِبَ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقْتَئِذٍ حَلَّفَ مَن حَلَفَ، كَما سَيَأْتِي. وقِيلَ: بَعْدَ أيِّ صَلاةٍ كانَتْ؛ لِأنَّها داعِيَةٌ إلى النُّطْقِ بِالصِّدْقِ، وناهِيَةٌ عَنِ الكَذِبِ والزُّورِ، ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ .
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " تَحْبِسُونَهُما " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شَرْطِيَّةٌ مَحْذُوفَةُ الجَوابِ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ مِنَ الحَبْسِ والإقْسامِ عَلَيْهِ، سِيقَتْ مِن جِهَتِهِ تَعالى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اخْتِصاصِ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ بِحالِ الِارْتِيابِ؛ أيْ: إنِ ارْتابَ بِهِما الوارِثُ مِنكم بِخِيانَةٍ، وأخْذِ شَيْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ، فاحْبِسُوهُما وحَلِّفُوهُما بِاللَّهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ ما اجْتَمَعَ فِيهِ قَسَمٌ وشَرْطٌ، فاكْتُفِيَ بِذِكْرِ جَوابِ سابِقِهِما عَنْ جَوابِ الآخَرِ، كَما هو الواقِعُ غالِبًا، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ سَدِّ جَوابِ السّابِقِ مَسَدِّ جَوابِ اللّاحِقِ لِاتِّحادِ مَضْمُونِهِما، كَما (p-90)فِي قَوْلِكَ: واللَّهِ إنْ أتَيْتَنِي لَأُكْرِمَنَّكَ. ولا رَيْبَ في اسْتِحالَةِ ذَلِكَ هَهُنا؛ لِأنَّ القَسَمَ وجَوابَهُ كِلاهُما، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الشَّرْطَ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
والِاجْتِراءُ: هو اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ: أخْذُها بَدَلًا مِنهُ، لا بَذْلُهُ لِتَحْصِيلِها، كَما قِيلَ: وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ في عَقْدِ الشِّراءِ ومَفْهُومِهِ هو الجَلْبُ، دُونَ السَّلْبِ المُعْتَبَرِ في عَقْدِ البَيْعِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بِإزالَةِ ما عِنْدَهُ عَيْنًا كانَ أوْ مَعْنًى، عَلى وجْهِ الرَّغْبَةِ في المَأْخُوذِ والإعْراضِ عَنِ الزّائِلِ، كَما هو المُعْتَبَرُ في المُسْتَعارِ مِنهُ، حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ .
والضَّمِيرُ في " بِهِ " لِلَّهِ، والمَعْنى: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنَ اللَّهِ؛ أيْ: مِن حُرْمَتِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نَهْتِكَها، ونُزِيلَها بِالحَلِفِ الكاذِبِ؛ أيْ: لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْقَسَمِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ البَتَّةَ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ؛ أيْ: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنها عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نُزِيلَ عَنْهُ وصْفَ الصِّدْقِ ونَصِفَهُ بِالكَذِبِ؛ أيْ: لا نَحْلِفُ كاذِبِينَ كَما ذُكِرَ، وإلّا فَلا سَدادَ لِلْمَعْنى، سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ القَسَمُ الصّادِقُ أوِ الكاذِبُ.
أمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الكاذِبُ؛ فَلِأنَّهُ يُفَوِّتُ حِينَئِذٍ ما هو المُعْتَبَرُ في الِاسْتِعارَةِ مِن كَوْنِ الزّائِلِ شَيْئًا مَرْغُوبًا فِيهِ عِنْدَ الحالِفِ، كَحُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، ووَصْفِ الصِّحَّةِ والصِّدْقِ في القَسَمِ، ولا رَيْبَ في أنَّ القَسَمَ الكاذِبَ لَيْسَ كَذَلِكَ.
وَأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِ الصّادِقُ؛ فَلِأنَّهُ وإنْ أمْكَنَ أنْ يُتَوَسَّلَ بِاسْتِعْمالِهِ إلى عَرَضِ الدُّنْيا، كالقَسَمِ الكاذِبِ، لَكِنْ لا مَحْذُورَ فِيهِ، وأمّا التَّوَسُّلُ إلَيْهِ بِتَرْكِ اسْتِعْمالِهِ، فَلا إمْكانَ لَهُ هَهُنا حَتّى يَصِحَّ التَّبَرُّؤُ مِنهُ، وإنَّما يُتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِاسْتِعْمالِ القَسَمِ الكاذِبِ، ولَيْسَ اسْتِعْمالُهُ مِن لَوازِمِ تَرْكِ اسْتِعْمالِ الصّادِقِ ضَرُورَةَ جَوازِ تَرْكِهِما مَعًا، حَتّى يُتَصَوَّرَ جَعْلُ ما أُخِذَ بِاسْتِعْمالِهِ مَأْخُوذًا بِتَرْكِ اسْتِعْمالِ الصّادِقِ، كَما في صُورَةِ تَقْدِيرِ المُضافِ، فَإنَّ إزالَةَ وصْفِ الصِّدْقِ عَنِ القَسَمِ مَعَ بَقاءِ المَوْصُوفِ، مُسْتَلْزِمَةٌ لِثُبُوتِ وصْفِ الكَذِبِ لَهُ البَتَّةَ، فَتَأمَّلْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ كانَ﴾؛ أيِ: المُقْسَمُ لَهُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ.
﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: قَرِيبًا مِنّا، تَأْكِيدٌ لِتَبْرُّئِهِمْ مِنَ الحَلِفِ كاذِبًا، ومُبالَغَةٌ في التَّنَزُّهِ عَنْهُ، كَأنَّهُما قالا: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِن حُرْمَةِ اسْمِهِ تَعالى مالًا، ولَوِ انْضَمَّ إلَيْهِ رِعايَةُ جانِبِ الأقْرِباءِ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وصِيانَةُ أنْفُسِهِما وإنْ كانَتْ أهَمَّ مِن رِعايَةِ الأقْرِباءِ، لَكِنَّها لَيْسَتْ ضَمِيمَةً لِلْمالِ، بَلْ هي راجِعَةٌ إلَيْهِ.
وَجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ؛ أيْ: لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى أُخْرى مِثْلِها، كَما فُصِّلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَلَوْ أعْجَبَكَ﴾ " ... إلَخْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾؛ أيِ: الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِإقامَتِها، مَعْطُوفٌ عَلى " لا نَشْتَرِي بِهِ "، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ القَسَمِ.
وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ وقَفَ عَلى شَهادَةٍ، ثُمَّ ابْتَدَأ ( اللَّهِ ) بِالمَدِّ عَلى حَذْفِ حَرْفِ القَسَمِ، وتَعْوِيضِ حَرْفِ الِاسْتِفْهامِ مِنهُ، وبِغَيْرِ مَدٍّ كَقَوْلِهِمْ: اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ.
﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾؛ أيْ: إنْ كَتَمْناها. وقُرِئَ: ( لَمِلاثِمِينَ ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ وإدْخالِ النُّونِ فِيها.
المائدة 5:107
﴿فَإنْ عُثِرَ﴾؛ أيِ: اطُّلِعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ.
﴿عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ حَسْبَما اعْتَرَفا بِهِ بِقَوْلِهِما: إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ؛ أيْ: فَعَلا ما يُوجِبُ إثْمًا مِن تَحْرِيفٍ وكَتْمٍ، بِأنْ ظَهَرَ (p-91)بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا اسْتِحْقاقَهُما لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، كَما وقَعَ في سَبَبِ النُّزُولِ حَسْبَما سَيَأْتِي.
﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: رَجُلانِ آخَرانِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾، ولا مَحْظُورَ في الفَصْلِ بِالخَبَرِ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وبَيْنَ وصْفِهِ الَّذِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ بَعْدَهُ؛ أيْ: يَقُومانِ مَقامَ الَّذِينَ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما، ولَيْسَ المُرادُ بِمَقامِهِما: مَقامَ أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي تَوَلَّياها ولَمْ يُؤَدِّياها كَما هي، بَلْ هو مَقامُ الحَبْسِ والتَّحْلِيفِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ لِإظْهارِ الحَقِّ، وإبْرازِ كَذِبِهِما فِيما ادَّعَيا مِنِ اسْتِحْقاقِهِما لِما في أيْدِيهِما.
﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ عَلى قِراءَةِ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، وأُبَيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم؛ أيْ: مِن أهْلِ المَيِّتِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ.
﴿عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ مِن بَيْنِهِمْ؛ أيِ: الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ الوارِثانِ لَهُ الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ أيْ: بِاليَمِينِ كَما سَتَعْرِفُهُ، ومَفْعُولُ " اسْتَحَقَّ " مَحْذُوفٌ؛ أيِ: اسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِها؛ لِأنَّها حَقُّهُما، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبَيْنِ وهُما في الحَقِيقَةِ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ الأوَّلَيْنِ عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَقامَ المُضْمَرِ.
وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وهو الأظْهَرُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ، فالأوْلَيانِ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما ؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ، أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " يَقُومانِ "، أوْ مِن " آخَرانِ "، وقَدْ جُوِّزَ ارْتِفاعُهُ بِاسْتَحَقَّ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوَّلَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ.
وَقُرِئَ: ( الأوَّلِينَ ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ ... إلَخْ، مَجْرُورٌ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ: التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها. وقُرِئَ: ( الأوَّلِيَّيْنِ ) عَلى التَّثْنِيَةِ وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ، وقُرِئَ: ( الأوَّلانِ ) .
﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " يَقُومانِ " .
﴿لَشَهادَتُنا﴾ المُرادُ بِالشَّهادَةِ: اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: لَيَمِينُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ فِيما ادَّعَيا مِنَ الاسْتِحْقاقِ، مَعَ كَوْنِها حَقَّةً صادِقَةً في نَفْسِها.
﴿أحَقُّ﴾ بِالقَبُولِ.
﴿مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما، مَعَ كَوْنِها كاذِبَةً في نَفْسِها، لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ، ويَمِينُنا مُنَزَّهَةٌ عَنِ الرَّيْبِ والرِّيبَةِ، فَصِيغَةُ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا حَقِّيَّةَ في يَمِينِهِما رَأْسًا، إنَّما هي لِإمْكانِ قَبُولِها في الجُمْلَةِ، بِاعْتِبارِ احْتِمالِ صِدْقِهِما في ادِّعاءِ تَمَلُّكِهِما لِما ظَهَرَ في أيْدِيهِما.
﴿وَما اعْتَدَيْنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: ما تَجاوَزْنا فِيها الحَقَّ، أوْ ما اعْتَدَيْنا عَلَيْهِما بِإبْطالِ حَقِّهِما.
﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ أيْ: إنّا إنِ اعْتَدَيْنا في يَمِينِنا لَمِنَ الظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسَخَطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ؛ بِسَبَبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لَمِنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومَعْنى النَّظْمِ الكَرِيمِ: أنَّ المُحْتَضَرَ يَنْبَغِي أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن ذَوِي نَسَبِهِ أوْ دِينِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما بِأنْ كانَ في سَفَرٍ، فَآخَرانِ مِن غَيْرِهِمْ، ثُمَّ إنْ وقَعَ ارْتِيابٌ بِهِما أقْسَما عَلى أنَّهُما ما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ، ولا مِنَ التَّرِكَةِ شَيْئًا بِالتَّغْلِيظِ في الوَقْتِ، فَإنِ اطُّلِعَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى كَذِبِهِما بِأنْ ظَهَرَ بِأيْدِيهِما شَيْءٌ مِنَ التَّرِكَةِ، وادَّعَيا تَمَلُّكَهُ مِن جِهَةِ المَيِّتِ، حَلَفَ الوَرَثَةُ وعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ.
وَلَعَلَّ تَخْصِيصَ الِاثْنَيْنِ لِخُصُوصِ الواقِعَةِ، فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ تَمِيمَ بْنَ أوْسٍ الدّارِيَّ وعَدِيَّ بْنَ يَزِيدَ خَرَجا إلى الشّامِ لِلتِّجارَةِ، وكانا حِينَئِذٍ نَصْرانِيَّيْنِ، ومَعَهُما بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ، وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وطَرَحَهُ في مَتاعِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُما بِذَلِكَ، وأوْصى إلَيْهِما بِأنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إلى أهْلِهِ وماتَ، فَفَتَّشاهُ فَوَجَدا فِيهِ إناءً مِن فِضَّةٍ وزْنُهُ ثَلَثُمِائَةِ مِثْقالٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فَغَيَّباهُ ودَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِهِ، فَأصابُوا فِيهِ الكِتابَ، فَطَلَبُوا مِنهُما الإناءَ، فَقالا: ما نَدْرِي إنَّما أوْصى إلَيْنا بِشَيْءٍ وأمَرَنا أنْ نَدْفَعَهُ إلَيْكم (p-92)فَفَعَلْنا، وما لَنا بِالإناءِ مِن عِلْمٍ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ " يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ... " الآيَةَ، فاسْتَحْلَفَهُما بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ عِنْدَ المِنبَرِ، بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُما لَمْ يَخْتانا شَيْئًا مِمّا دُفِعَ ولا كَتَما، فَحَلَفا عَلى ذَلِكَ، فَخَلّى ﷺ سَبِيلَهُما، ثُمَّ إنَّ الإناءَ وُجِدَ بِمَكَّةَ، فَقالَ: مَن بِيَدِهِ اشْتَرَيْتُهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ. وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَراهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطَلَبُوهُ مِنهُما، فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِن بُدَيْلٍ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا مِن مَتاعِهِ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُما: لا، قالا: ما كانَ لَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُقَرِّبَهُ، فَرَفَعُوهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: " فَإنْ عُثِرَ ... " الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيّانِ، فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ أنَّهُما كَذَبا وخانا، فَدَفَعَ الإناءَ إلَيْهِما، وفي رِوايَةٍ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ، واعْلَمْ أنَّهُما إنْ كانا وارِثَيْنِ لِبُدَيْلٍ، فَلا نَسْخَ إلّا في وصْفِ اليَمِينِ، فَإنَّ الوارِثَ لا يُحَلَّفُ عَلى البَتّاتِ، وإلّا فَهو مَنسُوخٌ.
المائدة 5:108
﴿ذَلِكَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مُسْتَتْبِعٌ لِلْمَنافِعِ، وارِدٌ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ؛ أيِ: الحُكْمُ الَّذِي تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ.
﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾؛ أيْ: أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها الَّذِي تَحَمَّلُوها عَلَيْهِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا خِيانَةٍ، خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ، وهَذِهِ كَما تَرى حِكْمَةُ شَرْعِيَّةِ التَّحْلِيفِ بِالتَّغْلِيظِ المَذْكُورِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِإبْطالِ أيْمانِهِمْ والعَمَلِ بِأيْمانِ الوَرَثَةِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنِ الخِيانَةِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصِدُ الَّذِي هو الإتْيانُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها.
وَقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى " ﴿يَأْتُوا﴾ " عَلى مَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، أوْ إلى أنْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، فَلا يَحْلِفُوا عَلى مُوجَبِ شَهادَتِهِمْ إنْ لَمْ يَأْتُوا بِها عَلى وجْهِها، فَيَظْهَرُ كَذِبُهم بِنُكُولِهِمْ.
وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: أنَّ ذَلِكَ أقْرَبُ إلى أحَدِ الأمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ: أداءِ الشَّهادَةِ عَلى الصِّدْقِ، والِامْتِناعِ عَنْ أدائِها عَلى الكَذِبِ؛ فَيَأْباهُ المَقامُ؛ إذْ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالحادِثَةِ أصْلًا، ضَرُورَةَ أنَّ الشّاهِدَ مُضْطَرٌّ فِيها إلى الجَوابِ، فالِامْتِناعُ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإتْيانِ بِالصّادِقَةِ قَطْعًا، فَلَيْسَ هُناكَ أمْرانِ أيُّهُما وقَعَ كانَ فِيهِ الصَّلاحُ، حَتّى يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما كَلِمَةُ أوْ، وإنَّما يَتَأتّى ذَلِكَ في شُهُودٍ لَمْ يُتَّهَمُوا بِخِيانَةٍ عَلى أنَّ إضافَةَ الِامْتِناعِ عَنِ الشَّهادَةِ الكاذِبَةِ إلى خَوْفِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، ونِسْبَةَ الإتْيانِ بِالصّادِقَةِ إلى غَيْرِهِ مَعَ أنَّ ما يَقْتَضِي أحَدَهُما يَقْتَضِي الآخَرَ لا مَحالَةَ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ؛ فَتَأمَّلْ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الحُكْمُ.
﴿واسْمَعُوا﴾ ما تُؤْمَرُونَ بِهِ كائِنًا ما كانَ سَمْعَ طاعَةٍ وقَبُولٍ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ؛ أيْ: فَإنْ لَمْ تَتَّقُوا ولَمْ تَسْمَعُوا كُنْتُمْ فاسِقِينَ، واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ؛ أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ، أوْ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم.(p-93)
المائدة 5:109
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن مَفْعُولِ " اتَّقُوا " لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ، فَإنَّ مَدارَ البَدَلِيَّةِ لَيْسَ مُلابَسَةَ الظَّرْفِيَّةِ والمَظْرُوفِيَّةِ ونَحْوِها فَقَطْ، بَلْ هو تَعَلُّقٌ ما مُصَحِّحٌ لِانْتِقالِ الذِّهْنِ مِنَ المُبْدَلِ مِنهُ إلى البَدَلِ بِوَجْهٍ إجْمالِيٍّ، كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ تَعالى خالِقَ الأشْياءِ كافَّةً، مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ خاصَّةً، كافٍ في البابِ، مَعَ أنَّ الأمْرَ بِتَقْوى اللَّهِ تَعالى يَتَبادَرُ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أنَّ المُتَّقى أيُّ شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، وأيُّ فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ.
وَقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِاشْتِمالُ؛ أيْ: اتَّقُوا عِقابَ اللَّهِ، فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ انْتِصابُهُ مِنهُ بِطَرِيقِ الظَّرْفِيَّةِ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى " اتَّقُوا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ؛ أيْ: واحْذَرُوا، أوِ اذْكُرُوا يَوْمَ ... إلَخْ؛ فَإنَّ تَذْكِيرَ ذَلِكَ اليَوْمِ الهائِلِ مِمّا يُضْطَرُّهم إلى تَقْوى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَلَقِّي أمْرِهِ بِسَمْعِ الإجابَةِ والطّاعَةِ.
وَقِيلَ: هو ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لا يَهْدِي﴾ "؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ يَوْمَئِذٍ إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ كَما يَهْدِي إلَيْهِ المُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واسْمَعُوا﴾ " بِحَذْفِ مُضافٍ؛ أيِ: اسْمَعُوا خَبَرَ ذَلِكَ اليَوْمِ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُؤَخَّرٍ قَدْ حُذِفَ لِلدَّلالَةِ عَلى ضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ، لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والدَّواهِي العامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ... إلَخْ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يَفِي بِبَيانِهِ نِطاقُ المَقالِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَشْدِيدِ التَّهْوِيلِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِاخْتِصاصِ الجَمْعِ بِهِمْ دُونَ الأُمَمِ، كَيْفَ لا و ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ .
وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ بَلْ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ، والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ؛ بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهم، ولِإظْهارِ سُقُوطِ مَنزِلَتِهِمْ وعَدَمِ لِياقَتِهِمْ بِالِانْتِظامِ في سِلْكِ جَمْعِ الرُّسُلِ، كَيْفَ لا وهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ يُجْمَعُونَ عَلى وجْهِ الإجْلالِ، وأُولَئِكَ يُسْحَبُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ بِالأغْلالِ.
﴿فَيَقُولُ﴾ لَهم مُشِيرًا إلى خُرُوجِهِمْ عَنْ عُهْدَةِ الرِّسالَةِ، كَما يَنْبَغِي حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَخْصِيصُ السُّؤالِ بِجَوابِ الأُمَمِ إعْرابًا واضِحًا إلّا لِصَدْرِ الخِطابِ، بِأنْ يُقالَ: هَلْ بَلَّغْتُمْ رِسالاتِي ؟
وَ" ماذا " في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ عِبارَةٌ عَنْ مَصْدَرِ الفِعْلِ، فَهو نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ مِن جِهَةِ أُمَمِكم، إجابَةَ قَبُولٍ، أوْ إجابَةَ رَدٍّ.
وَقِيلَ: عِبارَةٌ عَنِ الجَوابِ، فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ بَعْدَ حَذْفِ الجارِّ عَنْهُ؛ أيْ: بِأيِّ جَوابٍ أُجِبْتُمْ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَفي تَوْجِيهِ السُّؤالِ عَمّا صَدَرَ عَنْهم، وهم شُهُودٌ إلى الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَسُؤالِ المَوْءُودَةِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الوائِدِ، والعُدُولِ عَنْ إسْنادِ الجَوابِ إلَيْهِمْ بِأنْ يُقالَ: ماذا أجابُوا مِنَ الأنْباءِ، عَنْ كَمالِ تَحْقِيرِ شَأْنِهِمْ، وشِدَّةِ الغَيْظِ والسَّخَطِ عَلَيْهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ هُنالِكَ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّقَرُّرِ والتَّحَقُّقِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ ونَظائِرِهِما، وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى علمه تعالى، وإحاطَتِهِ بِما اعْتَراهم مِن جِهَتِهِمْ مِن مُقاساةِ الأهْوالِ، ومُعاناةِ الهُمُومِ والأوْجالِ، وعَرْضًا لِعَجْزِهِمْ عَنْ بَيانِهِ لِكَثْرَتِهِ وفَظاعَتِهِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ؛ أيْ: فَتَعْلَمُ ما أجابُوا وأظْهَرُوا لَنا، وما لَمْ نَعْلَمْهُ مِمّا أضْمَرُوهُ في قُلُوبِهِمْ، وفِيهِ إظْهارٌ لِلشَّكاةِ، ورَدٌّ لِلْأمْرِ إلى علمه تعالى بِما لَقُوا مِن قِبَلِهِمْ مِنَ (p-94)الخُطُوبِ، وكابَدُوا مِنَ الكُرُوبِ، والتِجاءٌ إلى رَبِّهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهم.
وَقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ، ورُدَّ ذَلِكَ بِأنَّهم يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهم.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُرادَهم حِينَئِذٍ أنَّ بَعْضَهم كانُوا في زَمانِهِمْ عَلى الحَقِّ، ثُمَّ صارُوا كَفَرَةً، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، أنَّهم يَفْزَعُونَ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ويَذْهَلُونَ عَنِ الجَوابِ، ثُمَّ يُجِيبُونَ بَعْدَ ما ثابَتْ إلَيْهِمْ عُقُولُهم بِالشَّهادَةِ عَلى أُمَمِهِمْ، ولا يُلائِمُهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ: المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ فَضِيحَتِهِمْ. وقُرِئَ: ( عَلّامَ الغُيُوبِ ) بِالنَّصْبِ عَلى النِّداءِ، أوْ الِاخْتِصاصِ بِالمَدْحِ عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " أنْتَ "؛ أيْ: إنَّكَ أنْتَ المَنعُوتُ بِنُعُوتِ كَمالِكَ المَعْرُوفُ بِذَلِكَ.
المائدة 5:110
﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى، وبَيْنَ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَجْمُوعِينَ مِنَ المُفاوَضَةِ عَلى التَّفْصِيلِ، إثْرَ بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الكُلِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ كالأُنْمُوذَجِ لِتَفاصِيلِ أحْوالِ الباقِينَ، وتَخْصِيصُ شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَيانِ؛ تَفْصِيلًا مِن بَيْنِ شُئُونِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَعَ دَلالَتِها عَلى كَمالِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ونِهايَةِ سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ، لِما أنَّهُ شَأْنُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، الَّذِينَ نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جِناياتُهم، فَتَفْصِيلُهُ أعْظَمُ عَلَيْهِمْ وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأدْخَلُ في صَرْفِهِمْ عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ.
وَ" إذْ " بَدَلٌ مِن " يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ " ... إلَخْ، وصِيغَةُ الماضِي لِما ذُكِرَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ الوُقُوعِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ، لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ.
وَكَلِمَةُ " عَلى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إنْ جُعِلَتْ مَصْدَرًا؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكُما، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنها إنْ جُعِلَتِ اسْمًا؛ أيِ: اذْكُرْ نِعْمَتِي كائِنَةً عَلَيْكُما، ولَيْسَ المُرادُ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَئِذٍ بِذِكْرِ النِّعْمَةِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ التَّعْدِيدِ، تَكْلِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ شُكْرَها والقِيامَ بِمَواجِبِها، ولاتَ حِينَ تَكْلِيفٍ مَعَ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ عُهْدَةِ الشُّكْرِ في أوانِهِ أيَّ خُرُوجٍ، بَلْ إظْهارَ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَعْدادِ تِلْكَ النِّعَمِ حَسْبَما بَيَّنَهُ اللَّهُ تَعالى اعْتِدادًا بِها، وتَلَذُّذًا بِذِكْرِها عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، لِتَكُونَ حِكايَةُ ذَلِكَ عَلى ما أنْبَأ عَنْهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، تَوْبِيخًا ومَزْجَرَةً لِلْكَفَرَةِ المُخْتَلِفِينَ في شَأْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، إفْراطًا وتَفْرِيطًا وإبْطالًا لِقَوْلِهِما جَمِيعًا.
﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ ظَرْفٌ لِنِعْمَتِي؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكُما وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنها؛ أيِ: اذْكُرْها كائِنَةً وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ. وقُرِئَ: ( آيَدْتُكَ ) والمَعْنى واحِدٌ؛ أيْ: قَوَّيْتُكَ.
﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَثْبِيتِ الحُجَّةِ، (p-95)أوْ بِالكَلامِ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الدِّينَ، وإضافَتُهُ إلى " القُدُسِ "؛ لِأنَّهُ سَبَبُ الطُّهْرِ عَنْ أوْضارِ الآثامِ، أوْ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، أوِ النُّفُوسَ حَياةً أبَدِيَّةً.
وَقِيلَ: الأرْواحُ مُخْتَلِفَةُ الحَقائِقِ، فَمِنها طاهِرَةٌ نُورانِيَّةٌ، ومِنها خَبِيثَةٌ ظَلْمانِيَّةٌ، ومِنها مُشْرِقَةٌ، ومِنها كَدِرَةٌ، ومِنها حُرَّةٌ، ومِنها نَذْلَةٌ، وكانَ رُوحُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ طاهِرَةً مُشْرِقَةً نُورانِيَّةً عُلْوِيَّةً، وأيًّا ما كانَ فَهو نِعْمَةٌ عَلَيْهِما.
﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِتَأْيِيدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ حالٌ مِنَ الكافِ، وذِكْرُ تَكْلِيمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في حالِ الكُهُولَةِ؛ لِبَيانِ أنَّ كَلامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَيْنِكَ الحالَتَيْنِ كانَ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ بَدِيعٍ، صادِرًا عَنْ كَمالِ العَقْلِ مُقارِنًا لِرَزانَةِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ بِهِ، واسْتُدِلَّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَيَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، لِما أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُفِعَ قَبْلَ التَّكَهُّلِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، ومَكَثَ في رِسالَتِهِ ثَلاثِينَ شَهْرًا ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ.
﴿وَإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " إذْ أيَّدْتُكَ "، مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ؛ أيِ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكُما وقْتَ تَعْلِيمِي لَكَ الكِتابَ.
﴿والحِكْمَةَ﴾؛ أيْ: جِنْسَهُما.
﴿والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ خُصّا بِالذِّكْرِ مِمّا تَناوَلَهُ الكِتابُ والحِكْمَةُ إظْهارًا لِشَرَفِهِما. وقِيلَ: الخَطُّ والحِكْمَةُ: الكَلامُ المُحْكَمُ الصَّوابُ.
﴿وَإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾؛ أيْ: تُصَوِّرُ مِنهُ هَيْئَةً مُماثِلَةً لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ.
﴿بِإذْنِي﴾ بِتَسْهِيلِي وتَيْسِيرِي، لا عَلى أنْ يَكُونَ الخَلْقُ صادِرًا عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حَقِيقَةً، بَلْ عَلى أنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عِنْدَ مُباشَرَةِ الأسْبابِ، مَعَ كَوْنِ الخَلْقِ حَقِيقَةً لِلَّهِ تَعالى.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾؛ أيْ: في الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ، ﴿فَتَكُونُ﴾؛ أيْ: تِلْكَ الهَيْئَةُ.
﴿طَيْرًا بِإذْنِي﴾ فَإنَّ إذْنَهُ تَعالى لَوْ لَمْ يَكُنْ عِبارَةً عَنْ تَكْوِينِهِ تَعالى لِلطَّيْرِ، بَلْ عَنْ مَحْضِ تَيْسِيرِهِ مَعَ صُدُورِ الفِعْلِ حَقِيقَةً عَمّا أُسْنِدَ إلَيْهِ، لَكانَ هَذا تَكَوُّنًا مِن جِهَةِ الهَيْئَةِ، وتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: " بِإذْنِي " في الطَّيْرِ مَعَ كَوْنِهِ شَيْئًا واحِدًا؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلًّا مِنَ التَّصْوِيرِ والنَّفْخِ أمْرٌ مُعَظَّمٌ بَدِيعٌ، لا يَتَسَنّى ولا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ تَعالى.
﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ عَطْفٌ عَلى " تَخْلُقُ " .
﴿وَإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾ عَطْفٌ عَلى " إذْ تَخْلُقُ "، أُعِيدَ فِيهِ " إذْ "، لِكَوْنِ إخْراجِ المَوْتى مِن قُبُورِهِمْ لا سِيَّما بَعْدَ ما صارَتْ رَمِيمًا، مُعْجِزَةً باهِرَةً، ونِعْمَةً جَلِيلَةً، حَقِيقَةً بِتَذْكِيرِ وقْتِها صَرِيحًا. قِيلَ: أخْرَجَ سامَ بْنَ نُوحٍ، ورَجُلَيْنِ، وامْرَأةً، وجارِيَةً.
وَتَكْرِيرُ قَوْلِهِ: " ﴿بِإذْنِي﴾ " في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ؛ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ الحَقِّ، بِبَيانِ أنَّ تِلْكَ الخَوارِقَ لَيْسَتْ مِن قِبَلِ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، قَدْ أظْهَرَها عَلى يَدَيْهِ مُعْجِزَةً لَهُ ونِعْمَةً خَصَّها بِهِ، وأمّا ذِكْرُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ مَرَّتَيْنِ، لِما أنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الإخْبارِ، وهَذا مَوْضِعُ تَعْدادِ النِّعَمِ.
﴿وَإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى " إذْ تُخْرِجُ "؛ أيْ: مَنَعْتُ اليَهُودَ الَّذِينَ أرادُوا بِكَ السُّوءَ عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ.
﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحَةِ مِمّا ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ، كالإخْبارِ بِما يَأْكُلُونَ وما يَدَّخِرُونَ في بُيُوتِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو ظَرْفٌ لِكَفَفْتُ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ المَجِيءِ بِها فَقَطْ، بَلْ بِاعْتِبارِ ما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فَإنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَصَدُوا اغْتِيالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُحْوِجَ إلى الكَفِّ؛ أيْ: كَفَفْتُهم عَنْكَ حِينَ قالُوا ذَلِكَ، عِنْدَ مَجِيئِكَ إيّاهم بِالبَيِّناتِ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هُمِ المَوْصُولُ لِذَمِّهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، فَكَلِمَةُ " مِن " بَيانِيَّةٌ، وهَذا إشارَةٌ إلى ما جاءَ بِهِ والتَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ إشارَتَهم إلى ما رَأوْهُ مِن نَفْسِ المُسَمّى مِن حَيْثُ هو، أوْ مِن حَيْثُ هو سِحْرٌ، لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى بِالبَيِّناتِ. وقُرِئَ: ( إنْ هَذا إلّا ساحِرٌ (p-96)مُبِينٌ )؛ فَهَذا حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
المائدة 5:111
﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِن أخَواتِها الواقِعَةِ ظُرُوفًا لِلنِّعْمَةِ الَّتِي أُمِرَ بِذِكْرِها، وهي وإنْ كانَتْ في الحَقِيقَةِ عَيْنَ ما يُفِيدُهُ الجُمَلُ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها تِلْكَ الظُّرُوفُ مِنَ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، وتَعْلِيمِ الكِتابِ والحِكْمَةِ، وسائِرِ الخَوارِقِ المَعْدُودَةِ، لَكِنَّها لِمُغايَرَتِها لَها بِعُنْوانٍ مُنْبِئٍ عَنْ غايَةِ الإحْسانِ، أُمِرَ بِذِكْرِها مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، وجُعِلَتْ عامِلَةً في تِلْكَ الظُّرُوفِ لِكِفايَةِ المُغايَرَةِ الِاعْتِبارِيَّةِ في تَحْقِيقِ ما اعْتُبِرَ في مَدْلُولِ كَلِمَةِ " إذْ " مِن تَعَدُّدِ النِّسْبَةِ، فَإنَّهُ ظَرْفٌ مَوْضُوعٌ لِزَمانِ نِسْبَتَيْنِ ماضِيَتَيْنِ واقِعَتَيْنِ فِيهِ، إحْداهُما مَعْلُومَةُ الوُقُوعِ فِيهِ لِلْمُخاطَبِ دُونَ الأُخْرى، فَيُرادُ إفادَةُ وُقُوعِها أيْضًا لَهُ، فَيُضافُ إلى الجُمْلَةِ المُفِيدَةِ لِلنِّسْبَةِ الأُولى، ويُجْعَلُ ظَرْفًا مَعْمُولًا لِلنِّسْبَةِ الثّانِيَةِ، ثُمَّ قَدْ تَكُونُ المُغايَرَةُ بَيْنَ النِّسْبَتَيْنِ بِالذّاتِ، كَما في قَوْلِكَ: اذْكُرْ إحْسانِي إلَيْكَ إذْ أحْسَنْتَ إلَيَّ، تُرِيدُ تَنْبِيهَ المُخاطَبِ عَلى وُقُوعِ إحْسانِكَ إلَيْهِ وقْتَ وُقُوعِ إحْسانِهِ إلَيْكَ، وهُما نِسْبَتانِ مُتَغايِرَتانِ بِالذّاتِ، وقَدْ تَكُونُ بِالِاعْتِبارِ كَما في قَوْلِكَ: اذْكُرْ إحْسانِي إلَيْكَ إذْ مَنَعْتُكَ مِنَ المَعْصِيَةِ، تُرِيدُ تَنْبِيهَهُ عَلى كَوْنِ مَنعِهِ مِنها إحْسانًا إلَيْهِ، لا عَلى إحْسانٍ آخَرَ واقِعٍ حِينَئِذٍ، ومِن هَذا القَبِيلِ عامَّةُ ما وقَعَ في التَّنْزِيلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ... الآيَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّظائِرِ.
وَمَعْنى إيحائِهِ تَعالى إلَيْهِمْ: أمْرُهُ تَعالى إيّاهم في الإنْجِيلِ عَلى لِسانِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: إلْهامُهُ تَعالى إيّاهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ .
وَ" أنْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ مُفَسِّرَةٌ لِما في الإيحاءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وقِيلَ: مَصْدَرِيَّةٌ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ الإيمانِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِوَحْدانِيَّتِي في الأُلُوهِيَّةِ والربوبية، وبِرِسالَةِ رَسُولِي، ولا تُزِيلُوهُ عَنْ حَيِّزِهِ حَطًّا ولا رَفْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا حِينَ أُوحِيَ إلَيْهِمْ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالُوا: ﴿آمَنّا﴾؛ أيْ: بِما ذُكِرَ مِن وحْدانِيَّتِهِ تَعالى وبِرِسالَةِ رَسُولِهِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهم.
﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُخْلِصُونَ في إيمانِنا، ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ وهَذا القَوْلُ مِنهم بِمُقْتَضى وحْيِهِ تَعالى وأمْرِهِ لَهم بِذَلِكَ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ كَسائِرِ النِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكُلُّ ذَلِكَ نِعْمَةٌ عَلى والِدَتِهِ أيْضًا.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا عَلِمَ أنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِذِكْرِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ، جَعَلَ يَلْبَسُ الشَّعَرَ ويَأْكُلُ الشَّجَرَ، ولا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ، يَقُولُ: لِكُلِّ يَوْمٍ رِزْقُهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيْتٌ فَيَخْرَبَ، ولا ولَدٌ فَيَمُوتَ، أيْنَما أمْسى باتَ.
المائدة 5:112
﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بَعْضِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ قَوْمِهِ، مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ.
وَ" إذْ " مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ والِالتِفاتِ، لَكِنْ لا؛ لِأنَّ الخِطابَ السّابِقَ لِعِيسى عَلَيْهِ (p-97)السَّلامُ، فَإنَّهُ لَيْسَ بِخِطابٍ وإنَّما هو حِكايَةُ خِطابٍ، بَلْ لِأنَّ الخِطابَ لِمَن خُوطِبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ " ... الآيَةَ؛ فَتَأمَّلْ.
كَأنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَقِيبَ حِكايَةِ ما صَدَرَ عَنِ الحَوارِيِّينَ مِنَ المَقالَةِ المَعْدُودَةِ مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى الفائِضَةِ عَلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: اذْكُرْ لِلنّاسِ وقْتَ قَوْلِهِمْ ... إلَخْ.
وَقِيلَ: هو ظَرْفٌ " لِقالُوا "، أُرِيدَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ادِّعاءَهُمُ الإيمانَ والإخْلاصَ لَمْ يَكُنْ عَنْ تَحْقِيقٍ وإيقانٍ، ولا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ.
﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ اخْتُلِفَ في أنَّهم هَلْ كانُوا مُؤْمِنِينَ أوْ لا ؟ فَقِيلَ: كانُوا كافِرِينَ شاكِّينَ في قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى ما ذَكَرُوا، وفي صِدْقِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، كاذِبِينَ في دَعْوى الإيمانِ والإخْلاصِ. وقِيلَ: كانُوا مُؤْمِنِينَ، وسُؤالُهم لِلِاطْمِئْنانِ والتَّثَبُّتِ، لا لِإزاحَةِ الشَّكِّ.
وَ" هَلْ يَسْتَطِيعُ " سُؤالٌ عَنِ الفِعْلِ دُونَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ تَعْبِيرًا عَنْهُ بِلازِمِهِ. وقِيلَ: الِاسْتِطاعَةُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والإرادَةُ، لا عَلى ما تَقْتَضِيهِ القُدْرَةُ. وقِيلَ: المَعْنى: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ بِمَعْنى: هَلْ يُجِيبُكَ. واسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاعَ، كاسْتَجابَ بِمَعْنى أجابَ.
وَقُرِئَ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ )؛ أيْ: سُؤالَ رَبِّكَ، والمَعْنى: هَلْ تَسْألُهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُكَ عَنْهُ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ، وعائِشَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُعاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في آخَرِينَ.
والمائِدَةُ: الخِوانُ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعامُ مِن مادَهُ، إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ، كَأنَّها تَمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: شَجَرَةٌ مُطَعَّمَةٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ ناشِئٍ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالُوا ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: مِن أمْثالِ هَذا السُّؤالِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِكَمالِ قدرته تعالى وبِصِحَّةِ نُبُوَّتِي، أوْ إنْ صَدَقْتُمْ في ادِّعاءِ الإيمانِ والإسْلامِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ التَّقْوى والِاجْتِنابَ عَنْ أمْثالِ هَذِهِ الِاقْتِراحاتِ.
وَقِيلَ: أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَصِيرَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِحُصُولِ المَسْؤُولِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ .
المائدة 5:113
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ تَمْهِيدُ عُذْرٍ وبَيانٌ لِما دَعاهم إلى السُّؤالِ؛ أيْ: لَسْنا نُرِيدُ بِالسُّؤالِ إزاحَةَ شُبْهَتِنا في قدرته سُبْحانَهُ عَلى تَنْزِيلِها، أوْ في صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ حَتّى يَقْدَحَ ذَلِكَ في الإيمانِ والتَّقْوى، بَلْ نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها؛ أيْ: أكْلَ تَبَرُّكٍ، وقِيلَ: أكْلَ حاجَةٍ وتَمَتُّعٍ.
﴿وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ بِكَمالِ قدرته تعالى وإنْ كُنّا مُؤْمِنِينَ بِهِ مِن قَبْلُ، فَإنَّ انْضِمامَ عِلْمِ المُشاهَدَةِ إلى العِلْمِ الِاسْتِدْلالِيِّ مِمّا يُوجِبُ ازْدِيادَ الطُّمَأْنِينَةِ وقُوَّةَ اليَقِينِ.
﴿وَنَعْلَمَ﴾؛ أيْ: عِلْمًا يَقِينِيًّا، لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ شُبْهَةٍ أصْلًا. وقُرِئَ: ( لِيُعْلَمَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ.
﴿أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ أنَّ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ونَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ صَدَقْتَنا في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَنا وإنْ كُنّا عالِمِينَ بِذَلِكَ مِن قَبْلُ.
﴿وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِيَزْدادَ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِشَهادَتِنا طُمَأْنِينَةً ويَقِينًا، ويُؤْمِنَ بِسَبَبِها كُفّارُهم، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلْعَيْنِ دُونَ السّامِعِينَ لِلْخَبَرِ.
وَ" عَلَيْها " مُتَعَلِّقٌ بِالشّاهِدِينَ إنْ جُعِلَ اللّامُ لِلتَّعْرِيفِ، وبَيانٌ لِما يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ (p-98)إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلى أيِّ شَيْءٍ يَشْهَدُونَ ؟ فَقِيلَ: عَلَيْها، فَإنَّ ما يَتَعَلَّقُ بِالصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، أوْ هو حالٌ مِنِ اسْمِ كانَ، أوْ هو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ " مِنَ الشّاهِدِينَ " .
المائدة 5:114
﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لَمّا رَأى عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ لَهم غَرَضًا صَحِيحًا في ذَلِكَ، وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، أزْمَعَ عَلى اسْتِدْعائِها واسْتِنْزالِها، وأرادَ أنْ يُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ بِكَمالِها.
رُوِيَ أنَّهُ ﷺ اغْتَسَلَ ولَبِسَ المِسْحَ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ، فَطَأْطَأ رَأْسَهُ وغَضَّ بَصَرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا﴾ ناداهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِوَصْفِ الأُلُوهِيَّةِ الجامِعَةِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ، ومَرَّةً بِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّرْبِيَةِ؛ إظْهارًا لِغايَةِ التَّضَرُّعِ ومُبالَغَةً في الِاسْتِدْعاءِ.
﴿أنْزِلْ عَلَيْنا﴾ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزِلْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِمائِدَةٍ؛ أيْ: كائِنَةً مِنَ السَّماءِ نازِلَةً مِنها.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ، واسْمُ " تَكُونُ " ضَمِيرُ المائِدَةِ، وخَبَرُها إمّا " ﴿عِيدًا﴾ "، و" ﴿لَنا﴾ " حالٌ مِنهُ، أوْ مِن ضَمِيرِ " ﴿تَكُونُ﴾ " عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الحالِ، وإمّا " لَنا " و" ﴿عِيدًا﴾ " حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " ﴿لَنا﴾ "؛ لِأنَّهُ وقَعَ خَبَرًا فَيَحْمِلُ ضَمِيرًا، أوْ مِن ضَمِيرِ " تَكُونُ " عِنْدَ مَن يَرى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ يَوْمَ نُزُولِها عِيدًا نُعَظِّمُهُ، وإنَّما أُسْنِدَ ذَلِكَ إلى المائِدَةِ؛ لِأنَّ شَرَفَ اليَوْمِ مُسْتَعارٌ مِن شَرَفِها.
وَقِيلَ: العِيدُ: السُّرُورُ العائِدُ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَوْمُ العِيدِ عِيدًا. وقُرِئَ: ( تَكُنْ ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾، خَلا أنَّ قِراءَةَ الجَزْمِ هُناكَ مُتَواتِرَةٌ، وهَهُنا مِنَ الشَّواذِّ.
﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِن " لَنا " بِإعادَةِ العامِلِ؛ أيْ: عِيدًا لِمُتَقَدِّمِينا ومُتَأخِّرِينا. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ؛ ولِذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ: لِلرُّؤَساءِ مِنّا والأتْباعِ. وقِيلَ: يَأْكُلُ مِنها أوَّلُنا وآخِرُنا. وقُرِئَ: ( لِأُولانا وأُخْرانا ) بِمَعْنى: الأُمَّةِ والطّائِفَةِ.
﴿وَآيَةً﴾ عَطْفٌ عَلى " عِيدًا " .
﴿مِنكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِآيَةٍ؛ أيْ: كائِنَةً مِنكَ دالَّةً عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّتِي.
﴿وارْزُقْنا﴾؛ أيِ: المائِدَةَ، أوِ الشُّكْرَ عَلَيْها.
﴿وَأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ تَذْيِيلٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ؛ أيْ: خَيْرُ مَن يَرْزُقُ؛ لِأنَّهُ خالِقُ الأرْزاقِ ومُعْطِيها بِلا عِوَضٍ، وفي إقْبالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى الدُّعاءِ بِتَكْرِيرِ النِّداءِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ وزِيادَتِهِ، ما لَمْ يَخْطُرْ بِبالِ السّائِلِينَ مِنَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى الإجابَةِ والقَبُولِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ عَلى أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، وأنَّ سُؤالَهم كانَ لِتَحْصِيلِ الطُّمَأْنِينَةِ، كَما في قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾، وإلّا لَما قَبِلَ اعْتِذارَهم بِما ذَكَرُوهُ، ولَما أضافَ إلَيْهِ مِن عِنْدِهِ ما يُؤَكِّدُهُ ويُقَرِّبُهُ إلى القَبُولِ.
المائدة 5:115
﴿قالَ اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ وُرُودُ الإجابَةِ مِنهُ تَعالى بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّكْثِيرِ مَعَ كَوْنِ الدُّعاءِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِصِيغَةِ الإفْعالِ، لِإظْهارِ كَمالِ (p-99)اللُّطْفِ والإحْسانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ...﴾ إلَخْ، بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ ...﴾ إلَخْ، مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ ما وقَعَ في عِبارَةِ السّائِلِينَ.
وَفِي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِكَلِمَةِ التَّحْقِيقِ وجَعْلِ خَبَرِها اسْمًا، تَحْقِيقٌ لِلْوَعْدِ وإيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى مُنْجِزٌ لَهُ لا مَحالَةَ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ، ولا مانِعٍ يَلْوِيهِ، وإشْعارٌ بِالِاسْتِمْرارِ؛ أيْ: إنِّي مُنْزِلُ المائِدَةِ عَلَيْكم مَرّاتٍ كَثِيرَةً، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وقِيلَ: الإنْزالُ والتَّنْزِيلُ بِمَعْنًى واحِدٍ.
﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها.
﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ " يَكْفُرْ " .
﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ بِسَبَبِ كُفْرِهِ بَعْدَ مُعايَنَةِ هَذِهِ الآيَةِ الباهِرَةِ.
﴿عَذابًا﴾ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ. وقِيلَ: مَصْدَرٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ بِالتَّقْدِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى الِاتِّساعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِعَذابًا والضَّمِيرُ لَهُ؛ أيْ: أُعَذِّبُهُ تَعْذِيبًا لا أُعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ.
﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: مِن عالَمِي زَمانِهِمْ، أوْ مِنَ العالَمِينَ جَمِيعًا. قِيلَ: لَمّا سَمِعُوا هَذا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ، خافُوا أنْ يَكْفُرَ بَعْضُهم، فاسْتَعْفَوْا وقالُوا: لا نُرِيدُها، فَلَمْ تَنْزِلْ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ رَحِمَهُما اللَّهُ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جَماهِيرُ الأُمَّةِ ومَشاهِيرُ الأئِمَّةِ، أنَّها قَدْ نَزَلَتْ.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا دَعا بِما دَعا، وأُجِيبَ بِما أُجِيبَ، إذا بِسُفْرَةٍ حَمْراءَ نَزَلَتْ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ مِن فَوْقِها وغَمامَةٍ مِن تَحْتِها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَبَكى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، ثُمَّ قامَ وتَوَضَّأ، وصَلّى وبَكى، ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ؛ فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا فُلُوسٍ ولا شَوْكٍ تَسِيلُ دَسَمًا، وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ، وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الثّانِي عَسَلٌ، وعَلى الثّالِثِ سَمْنٌ، وعَلى الرّابِعِ جُبْنٌ، وعَلى الخامِسِ قَدِيدٌ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسَ الحَوارِيِّينَ: يا رُوحَ اللَّهِ؛ أمِن طَعامِ الدُّنْيا أمْ مِن طَعامِ الآخِرَةِ ؟ قالَ: لَيْسَ مِنهُما، ولَكِنَّهُ شَيْءٌ اخْتَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى بِالقُدْرَةِ العالِيَةِ، كُلُوا ما سَألْتُمْ واشْكُرُوا، يُمْدِدْكُمُ اللَّهُ ويَزِدْكم مِن فَضْلِهِ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ؛ لَوْ أرَيْتَنا مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةً أُخْرى، فَقالَ: يا سَمَكَةُ احْيَيْ بِإذْنِ اللَّهِ، فاضْطَرَبَتْ، ثُمَّ قالَ لَها: عُودِي كَما كُنْتِ، فَعادَتْ مَشْوِيَّةً، ثُمَّ طارَتِ المائِدَةُ، ثُمَّ عَصَوْا، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
وَقِيلَ: كانَتْ تَأْتِيهِمْ أرْبَعِينَ يَوْمًا غِبًّا، يَجْتَمِعُ عَلَيْها الفُقَراءُ والأغْنِياءُ، والصِّغارُ والكِبارُ، يَأْكُلُونَ حَتّى إذا فاءَ الفَيْءُ طارَتْ، وهم يَنْظُرُونَ في ظِلِّها، ولَمْ يَأْكُلْ مِنها فَقِيرٌ إلّا غَنِيَ مُدَّةَ عُمُرِهِ، ولا مَرِيضٌ إلّا بَرِئَ ولَمْ يَمْرَضْ أبَدًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنِ اجْعَلْ مائِدَتِي في الفُقَراءِ والمَرْضى دُونَ الأغْنِياءِ والأصِحّاءِ، فاضْطَرَبَتِ النّاسُ لِذَلِكَ، فَمُسِخَ مِنهم مَن مُسِخَ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ يَسْعَوْنَ في الطُّرُقاتِ والكُناساتِ، ويَأْكُلُونَ العَذِرَةَ في الحُشُوشِ، فَلَمّا رَأى النّاسُ ذَلِكَ، فَزِعُوا إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَكَوْا عَلى المَمْسُوخِينَ، فَلَمّا أبْصَرَتِ الخَنازِيرُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَكَتْ، وجَعَلَتْ تُطِيفُ بِهِ، وجَعَلَ يَدْعُوهم بِأسْمائِهِمْ واحِدٍ بَعْدَ واحِدٍ، فَيَبْكُونَ ويُشِيرُونَ بِرُءُوسِهِمْ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى الكَلامِ، فَعاشُوا ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: صُومُوا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ ما شِئْتُمْ يُعْطِكم، فَصامُوا، فَلَمّا فَرَغُوا قالُوا: إنّا لَوْ عَمِلْنا لِأحَدٍ فَقَضَيْنا عَمَلَهُ لَأطْعَمَنا، وسَألُوا اللَّهَ تَعالى المائِدَةَ، فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ بِمائِدَةٍ يَحْمِلُونَها عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم.
قالَ كَعْبٌ: نَزَلَتْ مَنكُوسَةً تَطِيرُ بِها (p-100)المَلائِكَةُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، عَلَيْها كُلُّ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ.
وَقالَ قَتادَةُ: كانَ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
وَقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ سَمَكَةٌ فِيها طَعْمُ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ سَمَكَةٌ وخَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، فَأكَلُوا ما شاءَ اللَّهُ تَعالى والنّاسُ ألْفٌ ونَيِّفٌ، فَلَمّا رَجَعُوا إلى قُراهم ونَشَرُوا الحَدِيثَ، ضَحِكَ مِنهم مَن لَمْ يَشْهَدْ وقالُوا: ويْحَكم، إنَّما سَحَرَ أعْيُنَكم؛ فَمَن أرادَ اللَّهُ بِهِ الخَيْرَ ثَبَّتَهُ عَلى بَصِيرَةٍ، ومَن أرادَ فِتْنَتَهُ رَجَعَ إلى كُفْرِهِ، فَمُسِخُوا خَنازِيرَ، فَمَكَثُوا كَذَلِكَ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ هَلَكُوا، ولَمْ يَتَوالَدُوا، ولَمْ يَأْكُلُوا، ولَمْ يَشْرَبُوا، وكَذَلِكَ كُلُّ مَمْسُوخٍ.
المائدة 5:116
﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ "، مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُ مِنَ المُضْمَرِ المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، أوْ بِمُضْمَرٍ مُسْتَقِلٍّ مَعْطُوفٍ عَلى ذَلِكَ؛ أيِ: اذْكُرْ لِلنّاسِ وقْتَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الآخِرَةِ، تَوْبِيخًا لِلْكَفَرَةِ وتَبْكِيتًا لَهم، بِإقْرارِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ بِالعُبُودِيَّةِ، وأمْرِهِ لَهم بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وصِيغَةُ الماضِي لِما مَرَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والوُقُوعِ.
﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ الِاتِّخاذُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ فَإلَهَيْنِ ثانِيهِما، وإمّا إلى واحِدٍ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، ولَيْسَ مَدارُ أصْلِ الكَلامِ أنَّ القَوْلَ مُتَيَقَّنٌ، والِاسْتِفْهامَ لِتَعْيِينِ القائِلِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن إيلاءِ الهَمْزَةِ المُبْتَدَأ عَلى الِاسْتِعْمالِ الفاشِي، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ ونَظائِرُهُ، بَلْ عَلى أنَّ المُتَيَقَّنَ هو الِاتِّخاذُ، والِاسْتِفْهامُ لِتَعْيِينِ أنَّهُ بِأمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاتِّخاذِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنَيْنِ مِن دُونِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ اتِّخاذُهُما بِطَرِيقِ إشْراكِهِما بِهِ سُبْحانَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾، وقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾؛ إذْ بِهِ يَتَأتّى التَّوْبِيخُ ويَتَسَنّى التَّقْرِيعُ والتَّبْكِيتُ.
وَمَن تَوَهَّمَ أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْهُ بِأنَّ النَّصارى يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ عِيسى ومَرْيَمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَخْلُقْها اللَّهُ تَعالى، بَلْ هُما خَلَقاها؛ فَصَحَّ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُما في حَقِّ بَعْضِ الأشْياءِ إلَهَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ، ولَمْ يَتَّخِذُوهُ تَعالى إلَهًا في حَقِّ ذَلِكَ البَعْضِ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ بِمَراحِلَ، وأمّا مَن تَعَمَّقَ فَقالَ: إنَّ عِبادَتَهُ تَعالى مَعَ عِبادَةِ غَيْرِهِ كَلا عِبادَةٍ، فَمَن عَبَدَهُ تَعالى مَعَ عِبادَتِهِما كَأنَّهُ عَبَدَهُما ولَمْ يَعْبُدْهُ تَعالى، فَقَدْ غَفَلَ عَمّا يُجْدِيهِ واشْتَغَلَ بِما لا يَعْنِيهِ كَدَأْبِ مَن قَبْلَهُ، فَإنَّ تَوْبِيخَهم إنَّما يَحْصُلُ بِما يَعْتَقِدُونَهُ ويَعْتَرِفُونَ بِهِ صَرِيحًا، لا بِما يَلْزَمُهُ بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِكَوْنِهِ في حَيِّزِ القَوْلِ المُسْنَدِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يَقُولُ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿سُبْحانَكَ﴾ سُبْحانَ: عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ، (p-101)وَفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّنْزِيهِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبْحِ، الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى صِيغَةِ التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، المُشِيرِ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مُقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ ما لا يَخْفى؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا لائِقًا بِكَ مِن أنْ أقُولَ ذَلِكَ، أوْ مِن أنْ يُقالَ في حَقِّكَ ذَلِكَ.
وَأمّا تَقْدِيرُ: مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ في الأُلُوهِيَّةِ؛ فَلا يُساعِدُهُ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِلتَّنْزِيهِ ومُبَيِّنٌ لِلْمُنَزَّهِ مِنهُ، و" ما " عِبارَةٌ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: ما يَسْتَقِيمُ وما يَنْبَغِي لِي أنْ أقُولَ قَوْلًا لا يَحِقُّ لِي أنْ أقُولَهُ.
وَإيثارُ " لَيْسَ " عَلى الفِعْلِ المَنفِيِّ، لِظُهُورِ دَلالَتِهِ عَلى اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ الحَقِّيَّةِ، وإفادَةِ التَّأْكِيدِ بِما في حَيِّزِهِ مِنَ الباءِ، فَإنَّ اسْمَهُ ضَمِيرُهُ العائِدُ إلى " ما " وخَبَرَهُ " بِحَقٍّ "، والجارُّ والمَجْرُورُ فِيما بَيْنَهُما لِلتَّبْيِينِ كَما في: سُقْيًا لَكَ، ونَحْوِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِعَدَمِ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ صُدُورَهُ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعلمه تعالى بِهِ قَطْعًا، فَحَيْثُ انْتَفى علمه تعالى بِهِ انْتَفى صُدُورُهُ عَنْهُ حَتْمًا، ضَرُورَةَ أنَّ عَدَمَ اللّازِمِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ المَلْزُومِ.
﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأنَّكَ تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ في نَفْسِي، فَكَيْفَ بِما أُعْلِنُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ بَيانٌ لِلْواقِعِ وإظْهارٌ لِقُصُورِهِ؛ أيْ: ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ مِن مَعْلُوماتِكَ، وقَوْلُهُ: " في نَفْسِكَ " لِلْمُشاكَلَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّفْسِ: هو الذّاتُ، ونِسْبَةُ المَعْلُوماتِ إلَيْها لِما أنَّها مَرْجِعُ الصِّفاتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العِلْمُ المُتَعَلِّقُ بِها، فَلَمْ يَكُنْ كَنِسْبَتِها إلى الحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ مَنطُوقًا ومَفْهُومًا.
المائدة 5:117
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ ما صَدَرَ عَنْهُ، قَدْ أُدْرِجَ فِيهِ عَدَمُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ عَنْهُ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ حُكِمَ بِانْتِفاءِ صُدُورِ جَمِيعِ الأقْوالِ المُغايِرَةِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، فَدَخَلَ فِيهِ انْتِفاءُ صُدُورِ القَوْلِ المَذْكُورِ دُخُولًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، وإنَّما قِيلَ: ما قُلْتُ لَهم نُزُولًا عَلى قَضِيَّةِ حُسْنِ الأدَبِ، ومُراعاةً لِما ورَدَ في الِاسْتِفْهامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ. وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلضَّمِيرِ في بِهِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ البَدَلِ جَوازُ طَرْحِ المُبْدَلِ مِنهُ مُطْلَقًا، لِيَلْزَمَ بَقاءُ المَوْصُولِ بِلا عائِدٍ. وقِيلَ: خَبَرٌ مُضْمَرٌ أوْ مَفْعُولُهُ، مِثْلَ: هو، أوْ أعْنِي.
﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ رَقِيبًا أُراعِي أحْوالَهم، وأحْمِلُهم عَلى العَمَلِ بِمُوجِبِ أمْرِكَ، وأمْنَعُهم عَنِ المُخالَفَةِ، أوْ مُشاهِدًا لِأحْوالِهِمْ مِن كُفْرٍ وإيمانٍ.
﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ما: مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ تُقَدَّرُ بِمَصْدَرٍ مُضافٍ إلَيْهِ زَمانٌ، و" دُمْتُ " صِلَتُها؛ أيْ: كُنْتُ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مُدَّةَ دَوامِي فِيما بَيْنَهم.
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ بِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾، فَإنَّ التَّوَفِّيَ: أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، والمَوْتُ نَوْعٌ مِنهُ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ .
﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ لا غَيْرُكَ، فَأنْتَ ضَمِيرُ الفَصْلِ أوْ تَأْكِيدٌ، وقُرِئَ: ( الرَّقِيبُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ " أنْتَ " . والجُمْلَةُ خَبَرٌ لَكانَ، وعَلَيْهِمْ (p-102)مُتَعَلِّقٌ بِهِ؛ أيْ: أنْتَ كُنْتَ الحافِظَ لِأعْمالِهِمْ والمُراقِبَ، فَمَنَعْتَ مَن أرَدْتَ عِصْمَتَهُ عَنِ المُخالَفَةِ بِالإرْشادِ إلى الدَّلائِلِ، والتَّنْبِيهِ عَلَيْها بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الآياتِ، وخَذَلْتَ مَن خَذَلْتَ مِنَ الضّالِّينَ فَقالُوا ما قالُوا.
﴿وَأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى كانَ هو الشَّهِيدَ عَلى الكُلِّ، حِينَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما بَيْنَهم، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهِيدٍ، والتَّقْدِيمُ لِمُراعاةِ الفاصِلَةِ.
المائدة 5:118
﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ وقَدِ اسْتَحَقُّوا ذَلِكَ حَيْثُ عَبَدُوا غَيْرَكَ.
﴿وَإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾؛ أيِ: القَوِيُّ القادِرُ عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، ومِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ.
﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يُرِيدُ ولا يَفْعَلُ إلّا ما فِيهِ حِكْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ، فَإنَّ المَغْفِرَةَ مُسْتَحْسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ، فَإنْ عَذَّبْتَ فَعَدْلٌ، وإنْ غَفَرْتَ فَفَضْلٌ، وعَدَمُ غُفْرانِ الشِّرْكِ إنَّما هو بِمُقْتَضى الوَعِيدِ، فَلا امْتِناعَ فِيهِ لِذاتِهِ لِيُمْنَعَ التَّرْدِيدُ.
وَقِيلَ: التَّرْدِيدُ بِالنِّسْبَةِ إلى فِرْقَتَيْنِ، والمَعْنى: إنْ تُعَذِّبْهم؛ أيْ: مَن كَفَرَ مِنهم، وإنْ تَغْفِرْ لَهم؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم.
المائدة 5:119
﴿قالَ اللَّهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُتِمَ بِهِ حِكايَةَ ما حُكِيَ مِمّا يَقَعُ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأُشِيرَ إلى نَتِيجَتِهِ ومَآلِهِ؛ أيْ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَقِيبَ جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، مُشِيرًا إلى صِدْقِهِ في ضِمْنِ بَيانِ حالِ الصّادِقِينَ الَّذِينَ هو في زُمْرَتِهِمْ، وصِيغَةُ الماضِي لِما مَرَّ في نَظائِرِهِ مِرارًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ اليَوْمِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: هَذا اليَوْمُ الَّذِي حُكِيَ بَعْضُ ما يَقَعُ فِيهِ إجْمالًا وبَعْضُهُ تَفْصِيلًا.
﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾ بِالرَّفْعِ والإضافَةِ، والمُرادُ بِالصّادِقِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ: المُسْتَمِرُّونَ في الدّارَيْنِ عَلى الصِّدْقِ في الأُمُورِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْحِيدُ الَّذِي نَحْنُ بِصَدَدِهِ، والشَّرائِعُ والأحْكامُ المُتَعَلِّقَةُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ النّاطِقِينَ بِالحَقِّ والصِّدْقِ الدّاعِينَ إلى ذَلِكَ، وبِهِ تَحْصُلُ الشَّهادَةُ بِصِدْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِنَ الأُمَمِ المُصَدِّقِينَ لَهُمُ المُقْتَدِينَ بِهِمْ، عَقْدًا وعَمَلًا، بِهِ يَتَحَقَّقُ المَقْصُودُ بِالحِكايَةِ مِن تَرْغِيبِ السّامِعِينَ في الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لا كُلِّ مَن صَدَقَ في أيِّ شَيْءٍ كانَ، ضَرُورَةَ أنَّ الجانِيَ المُعْتَرِفَ في الدُّنْيا بِجِنايَتِهِ لا يَنْفَعُهُ يَوْمَئِذٍ اعْتِرافُهُ وصِدْقُهُ.
﴿صِدْقُهُمْ﴾؛ أيْ: صِدْقُهم فِيما ذُكِرَ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ إذْ هو المُسْتَتْبِعُ لِلنَّفْعِ يَوْمَئِذٍ، واعْتِبارُ اسْتِمْرارِهِ في الدّارَيْنِ مَعَ أنَّهُ لا حاجَةَ إلَيْهِ كَما عَرَفْتَ، ولا دَخْلَ لَهُ في اسْتِتْباعِ النَّفْعِ والجَزاءِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ هي الَّتِي أطْبَقَ عَلَيْها الجُمْهُورُ، وهي الألْيَقُ بِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.
وَقَدْ قُرِئَ: ( يَوْمَ ) بِالنَّصْبِ؛ إمّا عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِقالَ، فَهَذا حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: " أأنْتَ قُلْتَ " ... إلَخْ، وإمّا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِهَذا، فَهو حِينَئِذٍ إشارَةٌ إلى جَوابِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: هَذا الجَوابُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ ... إلَخْ، أوْ إلى السُّؤالِ والجَوابِ مَعًا.
وَقِيلَ: هو خَبَرٌ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى مُتَمَكِّنٍ. وقُرِئَ: ( يَوْمٌ ) بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي ...﴾ الآيَةَ.
﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ النَّفْعِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: (p-103)ما لَهم مِنَ النَّفْعِ ؟ فَقِيلَ: لَهم نَعِيمٌ دائِمٌ وثَوابٌ خالِدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ أفاضَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنّاتِ ما لا قَدْرَ لَها عِنْدَهُ، وهو رِضْوانُهُ الَّذِي لا غايَةَ وراءَهُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ إذْ لا شَيْءَ أعَزُّ مِنهُ حَتّى يَمْتَدَّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ.
"وَذَلِكَ" إشارَةٌ إلى نَيْلِ رِضْوانِهِ تَعالى، وقِيلَ: إلى نَيْلِ الكُلِّ.
﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ لِما أنَّ عِظَمَ شَأْنِ الفَوْزِ تابِعٌ لِعِظَمِ شَأْنِ المَطْلُوبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الفَوْزُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنْ لا مَطْلَبَ وراءَ ذَلِكَ أصْلًا.
المائدة 5:120
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَذِبِ النَّصارى وفَسادِ ما زَعَمُوا في حَقِّ المَسِيحِ وأُمِّهِ؛ أيْ: لَهُ تَعالى خاصَّةً مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ، وما فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ، يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ، إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وأمْرًا ونَهْيًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مَدْخَلٌ في ذَلِكَ، وفي إيثارِ ما عَلى " مِنِ " المُخْتَصَّةِ بِالعُقَلاءِ عَلى تَقْدِيرِ تَناوُلِها لِلْكُلِّ مُراعاةٌ لِلْأصْلِ، وإشارَةٌ إلى تَساوِي الفَرِيقَيْنِ في اسْتِحالَةِ الربوبية، حَسَبَ تَساوِيهِما في تَحْقِيقِ المَرْبُوبِيَّةِ، وعَلى تَقْدِيرِ اخْتِصاصِها بِغَيْرِ العُقَلاءِ، تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ قُصُورِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ، وإهانَةٌ بِهِمْ بِتَغْلِيبِ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ، ﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «مَن قَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ، ومُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئاتٍ، ورُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَهُودِيٍّ ونَصْرانِيٍّ يَتَنَفَّسُ في الدُّنْيا» " .
الأنعام 6:1
(p-104)سُورَةُ الأنْعامِ
( مَكِّيَّةٌ غَيْرُ سِتِّ آياتٍ أوْ ثَلاثٍ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ﴾، وهي مِائَةٌ وخَمْسٌ وسِتُّونَ آيَةً )
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفِ بِلامِ الحَقِيقَةِ أوَّلًا باسِمِ الذّاتِ، الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ كافَّةُ ما يُوجِبُهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، وإلَيْهِ يَؤُولُ جَمِيعُ نُعُوتِ الجَلالِ والجَمالِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ هو المُسْتَحِقُّ لَهُ بِذاتِهِ، لِما مَرَّ مِنِ اقْتِضاءِ اخْتِصاصِ الحَقِيقَةِ بِهِ سُبْحانَهُ، لِاقْتِصارِ جَمِيعِ أفْرادِها عَلَيْهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.
وَوَصْفُهُ تَعالى ثانِيًا بِما يُنْبِئُ عَنْ تَفْصِيلِ بَعْضِ مُوجِباتِهِ المُنْتَظِمَةِ في سِلْكِ الإجْمالِ مِن عَظائِمِ الآثارِ، وجَلائِلِ الأفْعالِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْقاقِهِ تَعالى لَهُ، واسْتِقْلالِهِ بِهِ بِاعْتِبارِ أفْعالِهِ العَظائِمِ، وآلائِهِ الجِسامِ أيْضًا، وتَخْصِيصُ خَلْقِهِما بِالذِّكْرِ لِاشْتِمالِهِما عَلى جُمْلَةِ الآثارِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ، وعامَّةِ الآلاءِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ الَّتِي أجَلُّها نِعْمَةُ الوُجُودِ الكافِيَةُ في إيجابِ حَمْدِهِ تَعالى عَلى كُلِّ مَوْجُودٍ، فَكَيْفَ بِما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِن فُنُونِ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، المَنُوطِ بِها مَصالِحُ العِبادِ في المَعاشِ والمَعادِ؛ أيْ: أنْشَأهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ النَّمَطِ الفائِقِ والطِّرازِ الرّائِقِ، مُنْطَوِيَتَيْنِ مِن أنْواعِ البَدائِعِ وأصْنافِ الرَّوائِعِ، عَلى ما تَتَحَيَّرُ فِيهِ العُقُولُ والأفْكارُ مِن تَعاجِيبِ العِبَرِ والآثارِ، تَبْصِرَةً وذِكْرى لِأُولِي الأبْصارِ، وجَمْعُ السَّماواتِ لِظُهُورِ تَعَدُّدِ طَبَقاتِها واخْتِلافِ آثارِها وحَرَكاتِها، وتَقْدِيمُها لِشَرَفِها وعُلُوِّ مَكانِها، وتَقَدُّمِها وُجُودًا عَلى الأرْضِ كَما هي.
﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿خَلَقَ﴾ " مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، لِكَوْنِ جَعْلِهِما مَسْبُوقًا بِخَلْقِ مَنشَئِهِما، ومَحَلُّهُما داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحَمْدِ، فَكَما أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما لِكَوْنِهِ أثَرًا عَظِيمًا ونِعْمَةً جَلِيلَةً، مُوجِبٌ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ بِخالِقِهِما جَلَّ وعَلا، كَذَلِكَ جَعْلُ الظُّلُماتِ والنُّورِ لِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِيرًا ونِعْمَةً عَظِيمَةً، مُقْتَضٍ لِاخْتِصاصِهِ بِجاعِلِهِما.
والجَعْلُ: هو الإنْشاءُ والإبْداعُ كالخَلْقِ، خَلا أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ، وهَذا عامٌّ لَهُ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ...﴾ الآيَةَ.
وَأيًّا ما كانَ فَهو إنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، بِأنْ يَكُونَ فِيهِ، أوْ لَهُ، أوْ مِنهُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةً مُصَحِّحَةً لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ، لَغْوًا كانَ أوْ مُسْتَقِرًّا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ، بَلْ قَيْدًا فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا ...﴾ الآيَةَ (p-105)
فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الظُّرُوفِ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، وأيًّا ما كانَ فَهو قَيْدٌ في الكَلامِ، حَتّى إذا اقْتَضى الحالُ وُقُوعَهُ عُمْدَةً فِيهِ، يَكُونُ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ هو ثانِيهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ .
وَرُبَّما يَشْتَبِهُ الأمْرُ فَيُظَنُّ أنَّهُ عُمْدَةٌ فِيهِ، وهو في الحَقِيقَةِ قَيْدٌ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، كَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾، حَيْثُ قِيلَ: إنَّ الظَّرْفَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجاعِلٌ، وقَدْ أُشِيرَ هُناكَ إلى الَّذِي يَقْضِي بِهِ الذَّوْقُ السَّلِيمُ، وتَقْتَضِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجاعِلٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَفْعُولِ، وأنَّ المَفْعُولَ الثّانِيَ هو خَلِيفَةً، وأنَّ الأوَّلَ مَحْذُوفٌ عَلى ما مَرَّ تَفْصِيلُهُ.
وَجَمْعُ " الظُّلُماتِ " لِظُهُورِ كَثْرَةِ أسْبابِها ومَحالِّها عِنْدَ النّاسِ، ومُشاهَدَتِهِمْ لَها عَلى التَّفْصِيلِ، وتَقْدِيمُها عَلى " النُّورِ " لِتَقَدُّمِ الإعْدامِ عَلى المَلَكاتِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حُسْنِ المُقابَلَةِ بَيْنَ القَرِينَتَيْنِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ النّاطِقَةِ بِما مَرَّ مِن مُوجِباتِ اخْتِصاصِهِ تَعالى بِالحَمْدِ المُسْتَدْعِي لِاقْتِصارِ العِبادَةِ عَلَيْهِ، كَما حُقِّقَ في تَفْسِيرِ الفاتِحَةِ الكَرِيمَةِ، مَسُوقٌ لِإنْكارِ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ، واسْتِبْعادِهِ مِن مُخالَفَتِهِمْ لِمَضْمُونِها، واجْتِرائِهِمْ عَلى ما يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُخْتَصٌّ بِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ والعِبادَةِ بِاعْتِبارِ ذاتِهِ، وبِاعْتِبارِ ما فَصَّلَ مِن شُئُونِهِ العَظِيمَةِ الخاصَّةِ بِهِ، المُوجِبَةِ لِقَصْرِ الحَمْدِ والعِبادَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ لا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ ويَعْدِلُونَ بِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ في العِبادَةِ، الَّتِي هي أقْصى غاياتِ الشُّكْرِ، الَّذِي رَأْسُهُ الحَمْدُ، مَعَ كَوْنِ كُلِّ ما سِواهُ مَخْلُوقًا لَهُ، غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِن مَبادِئِ الحَمْدِ.
وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " لِاسْتِبْعادِ الشِّرْكِ بَعْدَ وُضُوحِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ القاضِيَةِ بِبُطْلانِهِ، لا بَعْدَ بَيانِهِ بِالآياتِ التَّنْزِيلِيَّةِ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنْ طائِفَةِ الكُفّارِ، جارٍ مَجْرى الِاسْمِ لَهم مِن غَيْرِ أنْ يُجْعَلَ كُفْرُهم بِما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ كُلًّا أوْ بَعْضًا عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُخِلٌّ بِاسْتِبْعادِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ مِنَ الإشْراكِ.
والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، ووَضْعُ الرَّبِّ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعالى لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ، والتَّقْدِيمُ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ والمُسارَعَةِ إلى تَحْقِيقِ مَدارِ الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، والمُحافَظَةِ عَلى الفَواصِلِ، وتَرْكُ المَفْعُولِ لِظُهُورِهِ، أوْ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، إيذانًا بِأنَّهُ المَدارُ في الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ، لا خُصُوصِيَّةَ المَفْعُولِ، هَذا هو الحَقِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ والخَلِيقُ بِفَخامَةِ شَأْنِهِ الجَلِيلِ.
وَأمّا جَعْلُ الباءِ صِلَةً لِكَفَرُوا عَلى أنَّ يَعْدِلُونَ مِنَ العُدُولِ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى حَقِيقٌ بِالحَمْدِ عَلى ما خَلَقَهُ نِعْمَةً عَلى العِبادِ، ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ يَعْدِلُونَ فَيَكْفُرُونَ نِعْمَتَهُ، فَيَرُدُّهُ أنَّ كُفْرَهم بِهِ تَعالى لا سِيَّما بِاعْتِبارِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم أشَدُّ شَناعَةً، وأعْظَمُ جِنايَةً مِن عُدُولِهِمْ عَنْ حَمْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، لِتَحَقُّقِهِ مَعَ إغْفالِهِ أيْضًا، فَجَعْلُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً في الكَلامِ مَقْصُودُ الإفادَةِ، وإخْراجُ أعْظَمِهِما مُخْرَجَ القَيْدِ المَفْرُوغِ عَنْهُ، مِمّا لا عَهْدَ لَهُ في الكَلامِ السَّدِيدِ، فَكَيْفَ بِالنَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ هَذا.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ "، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى خَلَقَ ما خَلَقَ مِمّا لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ أحَدٌ سِواهُ، ثُمَّ هم يَعْدِلُونَ بِهِ سُبْحانَهُ ما لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِنهُ، لَكِنْ لا عَلى قَصْدِ أنَّهُ صِلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، لِيَكُونَ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَدَلُوا بِهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ داخِلٌ تَحْتَ الصِّلَةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الكُلُّ صِلَةً واحِدَةً، كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كانَ مِنهُ تِلْكَ النِّعَمُ العِظامُ، ثُمَّ مِنَ الكَفَرَةِ الكُفْرُ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ما يَنْتَظِمُ في سِلْكِ الصِّلَةِ المُنْبِئَةِ عَنْ مُوجِباتِ حَمْدِهِ عَزَّ (p-106)وَجَلَّ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في ذَلِكَ الإنْباءِ ولَوْ في الجُمْلَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ كُفْرَهم بِمَعْزِلٍ مِنهُ وادِّعاءُ أنَّ لَهُ دَخْلًا فِيهِ؛ لِدَلالَتِهِ عَلى كَمالِ الجُودِ، كَأنَّهُ قِيلَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّعَمِ العِظامِ عَلى مَن لا يَحْمَدُهُ، تَعَسُّفٌ لا يُساعِدُهُ النِّظامُ، وتَعْكِيسٌ يَأْباهُ المَقامُ، كَيْفَ لا ومَساقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ كَما تُفْصِحُ عَنْهُ الآياتُ الآتِيَةُ تَشْنِيعُ الكَفَرَةِ وتَوْبِيخُهم، بِبَيانِ غايَةِ إساءَتِهِمْ مَعَ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ، لا بَيانِ نِهايَةِ إحْسانِهِ تَعالى إلَيْهِمْ مَعَ غايَةِ إساءَتِهِمْ في حَقِّهِ تَعالى، كَما يَقْتَضِيهِ الِادِّعاءُ المَذْكُورُ.
وَبِهَذا اتَّضَحَ أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى جَعْلِ المَعْطُوفِ مِن رَوادِفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، لِما أنَّ حَقَّ الصِّلَةِ أنْ تَكُونَ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإفادَةِ، فَما ظَنُّكَ بِما هو مِن رَوادِفِها، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ المَعْطُوفَ هو الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ، فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
الأنعام 6:2
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِما يُوجِبُ الإيمانَ بِهِ، إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ إشْراكِهِمْ بِهِ تَعالى مَعَ مُعايَنَتِهِمْ لِمُوجِباتِ تَوْحِيدِهِ، وتَخْصِيصُ خَلْقِهِمْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ دَلائِلِ صِحَّةِ البَعْثِ مَعَ أنَّ ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أوْضَحِها وأظْهَرِها، كَما ورَدَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، لِما أنَّ مَحَلَّ النِّزاعِ بَعْثُهم؛ فَدَلالَةُ بَدْءِ خَلْقِهِمْ عَلى ذَلِكَ أظْهَرُ، وهم بِشُئُونِ أنْفُسِهِمْ أعْرَفُ والتَّعامِي عَنِ الحُجَّةِ النَّيِّرَةِ أقْبَحُ.
والِالتِفاتُ لِمَزِيدِ التَّشْنِيعِ والتَّوْبِيخِ؛ أيِ: ابْتَدَأ خَلْقَكم مِنهُ، فَإنَّهُ المادَّةُ الأُولى لِلْكُلِّ، لِما أنَّهُ مَنشَأُ آدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ، وإنَّما نُسِبَ هَذا الخَلْقُ إلى المُخاطَبِينَ، لا إلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المَخْلُوقُ مِنهُ حَقِيقَةً بِأنْ يُقالَ: هو الَّذِي خَلَقَ أباكم ... إلَخْ، مَعَ كِفايَةِ عِلْمِهِمْ بِخَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ في إيجابِ الإيمان بالبَعْثِ وبُطْلانِ الِامْتِراءِ، لِتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ، ولِلْمُبالَغَةِ في إزاحَةِ الِاشْتِباهِ والِالتِباسِ مَعَ ما فِيهِ مِن تَحْقِيقِ الحَقِّ، والتَّنْبِيهِ عَلى حِكْمَةٍ خَفِيَّةٍ، هي أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهُ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ البَدِيعَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ، بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ آحادِ الجِنْسِ، انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الطِّينِ خَلْقًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ مِنهُ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ أفْرادِ ذُرِّيَّتِهِ، أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ، كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدَلَّ عَلى عِظَمِ قُدْرَةِ الخَلّاقِ العَلِيمِ، وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
وَكانَ ابْتِداءُ حالِ المُخاطَبِينَ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِانْتِهائِها فَعَلَ ما فَعَلَ، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وعَلى هَذا السِّرِّ مَدارُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ...﴾ إلَخْ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ كَما سَيَأْتِي.
وَقِيلَ: المَعْنى: خَلَقَ أباكم مِنهُ، عَلى حَذْفِ المُضافِ. وقِيلَ: مَعْنى خَلْقِهِمْ مِنهُ: خَلْقِهِمْ مِنَ النُّطْفَةِ الحاصِلَةِ مِنَ الأغْذِيَةِ المُتَكَوِّنَةِ مِنَ الأرْضِ، وأيًّا ما كانَ؛ فَفِيهِ مِن وُضُوحِ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى عَلى البَعْثِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إحْياءِ ما لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ، كانَ عَلى إحْياءِ ما قارَنَها مُدَّةً أظْهَرُ قُدْرَةً.
﴿ثُمَّ قَضى﴾؛ أيْ: كَتَبَ لِمَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِنكم.
﴿أجَلا﴾ خاصًّا بِهِ؛ أيْ: حَدًّا مُعَيَّنًا مِنَ الزَّمانِ يَفْنى عِنْدَ حُلُولِهِ لا مَحالَةَ، وكَلِمَةُ " ثُمَّ " لِلْإيذانِ بِتَفاوُتِ ما بَيْنَ خَلْقِهِمْ وبَيْنَ تَقْدِيرِ آجالِهِمْ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكَمُ البالِغَةُ.
﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى﴾؛ أيْ: حَدٌّ مُعَيَّنٌ لِبَعْثِكم جَمِيعًا، وهو مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾، ولِوُقُوعِهِ (p-107)فِي مَوْقِعِ التَّفْصِيلِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْصَرَفَتْ لَهُ ... بِشَقٍّ وشِقٌ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
وَتَنْوِينُهُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ؛ لِذَلِكَ أُوثِرَ تَقْدِيمُهُ عَلى الخَبَرِ الَّذِي هو: ﴿عِنْدَهُ﴾ مَعَ أنَّ الشّائِعَ المُسْتَفِيضَ هو التَّأْخِيرُ، كَما في قَوْلِكَ: عِنْدِي كَلامٌ حَقٌّ، ولِي كِتابٌ نَفِيسٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأيُّ أجَلٍ مُسَمًّى مُثْبَتٌ مُعَيَّنٌ في عِلْمِهِ لا يَتَغَيَّرُ، ولا يَقِفُ عَلى وقْتِ حُلُولِهِ أحَدٌ، لا مُجْمَلًا ولا مُفَصَّلًا، وأمّا أجَلُ المَوْتِ فَمَعْلُومٌ إجْمالًا وتَقْرِيبًا، بِناءً عَلى ظُهُورِ أماراتِهِ، أوْ عَلى ما هو المُعْتادُ في أعْمارِ الإنْسانِ، وتَسْمِيَتُهُ أجَلًا إنَّما هي بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ غايَةً لِمُدَّةِ لَبْثِهِمْ في القُبُورِ، لا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِمُدَّةِ القِيامَةِ، كَما أنَّ مَدارَ التَّسْمِيَةِ في الأجَلِ الأوَّلِ هو كَوْنُهُ آخِرَ مُدَّةِ الحَياةِ، لا كَوْنُهُ أوَّلَ مُدَّةِ المَماتِ لِما أنَّ الأجَلَ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنْ آخِرِ المُدَّةِ لا عَنْ أوَّلِها.
وَقِيلَ: الأجَلُ الأوَّلُ: ما بَيْنَ الخَلْقِ والمَوْتِ، والثّانِي: ما بَيْنَ المَوْتِ والبَعْثِ مِنَ البَرْزَخِ؛ فَإنَّ الأجَلَ كَما يُطْلَقُ عَلى آخِرِ المُدَّةِ يُطْلَقُ عَلى كُلِّها، وهو الأوْفَقُ لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى قَضى لِكُلِّ أحَدٍ أجَلَيْنِ: أجَلًا مِن مَوْلِدِهِ إلى مَوْتِهِ، وأجَلًا مِن مَوْتِهِ إلى مَبْعَثِهِ، فَإنْ كانَ بَرًّا تَقِيًّا وصُولًا لِلرَّحِمِ، زِيدَ لَهُ مِن أجَلِ البَعْثِ في أجَلِ العُمُرِ، وإنْ كانَ فاجِرًا قاطِعًا نُقِصَ مِن أجَلِ العُمُرِ وزِيدَ في أجَلِ البَعْثِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلا في كِتابٍ﴾؛ فَمَعْنى عَدَمِ تَغَيُّرِ الأجَلِ حِينَئِذٍ: عَدَمُ تَغَيُّرِ آخِرِهِ.
والأوَّلُ هو الأشْهَرُ الألْيَقُ بِتَفْخِيمِ الأجَلِ الثّانِي المَنُوطِ بِاخْتِصاصِهِ بِعلمه تعالى، والأنْسَبُ بِتَهْوِيلِهِ المَبْنِيِّ عَلى مُقارَنَتِهِ لِلطّامَّةِ الكُبْرى، فَإنَّ كَوْنَ بَعْضِهِ مَعْلُومًا لِلْخَلْقِ، ومُضِيَّهُ مِن غَيْرِ أنْ يَقَعَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّواهِي، كَما يَسْتَلْزِمُهُ الحَمْلُ عَلى المَعْنى الثّانِي، مُخِلٌّ بِذَلِكَ قَطْعًا، ومَعْنى زِيادَةِ الأجَلِ ونَقْصِهِ فِيما رُوِيَ: تَأْخِيرُ الأجَلِ الأوَّلِ وتَقْدِيمُهُ.
﴿ثُمَّ أنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِامْتِرائِهِمْ في البَعْثِ، بَعْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِما ذُكِرَ مِنَ الحُجَجِ الباهِرَةِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ أيْ: تَمْتَرُونَ في وُقُوعِهِ وتَحَقُّقِهِ في نَفْسِهِ مَعَ مُشاهَدَتِكم في أنْفُسِكم مِنَ الشَّواهِدِ ما يَقْطَعُ مادَّةَ الِامْتِراءِ بِالكُلِّيَّةِ، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إفاضَةِ الحَياةِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ، وسائِرِ الكَمالاتِ البَشَرِيَّةِ عَلى مادَّةٍ غَيْرِ مُسْتَعِدَّةٍ لِشَيْءٍ مِنها أصْلًا، كانَ أوْضَحَ اقْتِدارًا عَلى إفاضَتِها عَلى مادَّةٍ قَدِ اسْتَعَدَّتْ لَها وقارَنَتْها مُدَّةً.
وَمِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ ما قِيلَ مِن أنَّ الأجَلَ الأوَّلَ: هو النَّوْمُ، والثّانِيَ: هو المَوْتُ، أوْ أنَّ الأوَّلَ: أجَلُ الماضِينَ، والثّانِي: أجَلُ الباقِينَ، أوْ أنَّ الأوَّلَ: مِقْدارُ ما مَضى مِن عُمُرِ كُلِّ أحَدٍ، والثّانِيَ: مِقْدارُ ما بَقِيَ مِنهُ؛ مِمّا لا وجْهَ لَهُ أصْلًا، لِما رَأيْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ اسْتِبْعادُ امْتِرائِهِمْ في البَعْثِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْ وقْتِهِ بِالأجَلِ المُسَمّى، فَحَيْثُ أُرِيدَ بِهِ أحَدُ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ؛ فَفي أيِّ شَيْءٍ يَمْتَرُونَ.
وَوَصْفُهم بِالِامْتِراءِ الَّذِي هو الشَّكُّ، وتَوْجِيهُ الِاسْتِبْعادِ إلَيْهِ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِانْتِفاءِ البَعْثِ، مُصِرُّونَ عَلى إنْكارِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ونَظائِرُهُ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَزْمَهُمُ المَذْكُورَ في أقْصى مَراتِبِ الِاسْتِبْعادِ والِاسْتِنْكارِ.
الأنعام 6:3
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ شُمُولِ أحْكامِ إلَهِيَّتِهِ تَعالى لِجَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِتَفاصِيلِ أحْوالِ العِبادِ، وأعْمالِهِمُ المُؤَدِّيَةِ إلى الجَزاءِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى تَحَقُّقِ المَعادِ في تَضاعِيفِ بَيانِ كَيْفِيَّةِ خَلْقِهِمْ وتَقْدِيرِ آجالِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمَعْنى (p-108)الوَصْفِيِّ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الجَلِيلُ، إمّا بِاعْتِبارِ أصْلِ اشْتِقاقِهِ وكَوْنِهِ عَلَمًا لِلْمَعْبُودِ بِالحَقِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المَعْبُودُ فِيهِما، وإمّا بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمٌ اشْتُهِرَ بِما اشْتُهِرَتْ بِهِ الذّاتُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَلُوحِظَ مَعَهُ مِنها ما يَقْتَضِيهِ المَقامُ مِنَ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ، والتَّصَرُّفِ الكامِلِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَشِيئَةُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَعُلِّقَ بِهِ الظَّرْفُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ، فَصارَ كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المالِكُ، أوِ المُتَصَرِّفُ المُدَبِّرُ فِيهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ .
وَلَيْسَ المُرادُ بِما ذُكِرَ مِنَ الاعْتِبارَيْنِ أنَّ الِاسْمَ الجَلِيلَ يُحْمَلُ عَلى مَعْناهُ اللُّغَوِيِّ، أوْ عَلى مَعْنى المالِكِ، أوِ المُتَصَرِّفِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ مُجَرَّدَ مُلاحَظَةِ أحَدِ المَعانِي المَذْكُورَةِ في ضِمْنِهِ، كَما لُوحِظَ مَعَ اسْمِ الأسَدِ في قَوْلِهِ: أسَدٌ عَلَيَّ ... إلَخْ، ما اشْتُهِرَ بِهِ مِن وصْفِ الجَراءَةِ الَّتِي اشْتُهِرَ بِها مُسَمّاهُ، فَجَرى مَجْرى جَرِيءٌ عَلَيَّ.
وَبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ ما قِيلَ بِصَدَدِ التَّصْوِيرِ والتَّفْسِيرِ؛ أيْ: هو المَعْرُوفُ بِذَلِكَ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، أوْ هو المَعْرُوفُ المُشْتَهِرُ بِالصِّفاتِ الكَمالِيَّةِ، أوْ هو المَعْرُوفُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّحْقِيقِ، فَإنَّ المُعْتَبَرَ مَعَ الِاسْمِ هو نَفْسُ الوَصْفِ الَّذِي اشْتُهِرَ بِهِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ حَسْبَما بُيِّنَ آنِفًا لِاشْتِهارِهِ بِهِ، ألا يُرى أنَّ كَلِمَةَ " عَلَيَّ " في المِثالِ المَذْكُورِ لا يُمْكِنُ تَعْلِيقُها بِاشْتِهارِ الِاسْمِ بِالجَراءَةِ قَطْعًا.
وَقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِما يُفِيدُهُ التَّرْكِيبُ الحَصْرِيُّ مِنَ التَّوَحُّدِ والتَّفَرُّدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو المُتَوَحِّدُ بِالإلَهِيَّةِ فِيهِما.
وَقِيلَ: بِما تَقَرَّرَ عِنْدَ الكُلِّ مِن إطْلاقِ هَذا الِاسْمِ عَلَيْهِ خاصَّةً، كَأنَّهُ قِيلَ: وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: اللَّهُ فِيهِما، لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْءٌ في هَذا الِاسْمِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي سَبَقَ مِنِ اعْتِبارِ مَعْنى التَّوَحُّدِ، أوِ القَوْلِ في فَحْوى الكَلامِ بِطَرِيقِ الِاسْتِتْباعِ، لا عَلى حَمْلِ الِاسْمِ الجَلِيلِ عَلى مَعْنى المُتَوَحِّدِ بِالإلَهِيَّةِ، أوْ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا ثانِيًا عَلى أنَّ كَوْنَهُ سُبْحانَهُ فِيهِما عِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِ تَعالى مُبالِغًا في العِلْمِ بِما فِيهِما؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ عِلْمِهِ المُقَدَّسِ عَنْ حُصُولِ الصُّوَرِ والأشْباحِ، لِكَوْنِهِ حُضُورِيًّا، مَنزِلَةَ كَوْنِهِ تَعالى فِيهِما، وتَصْوِيرِهِ بِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالَةِ علمه تعالى بِما فِيهِما بِحالَةِ كَوْنِهِ تَعالى فِيهِما.
فَإنَّ العالِمَ إذا كانَ في مَكانٍ كانَ عالِمًا بِهِ وبِما فِيهِ عَلى وجْهٍ لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ، فَعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾؛ أيْ: ما أسْرَرْتُمُوهُ وما جَهَرْتُمْ بِهِ مِنَ الأقْوالِ، وما أسْرَرْتُمُوهُ وما أعْلَنْتُمُوهُ، كائِنًا ما كانَ مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ، بَيانًا وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ، وتَحْقِيقًا لِلْمَعْنى المُرادِ مِنهُ، وتَعْلِيقُ عِلْمِهِ عَزَّ وجَلَّ بِما ذُكِرَ خاصَّةً مَعَ شُمُولِهِ لِجَمِيعِ ما فِيهِما، حَسْبَما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ لِانْسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ إلى بَيانِ حالِ المُخاطَبِينَ.
وَكَذا عَلى الوَجْهِ الثّانِي؛ فَإنَّ مُلاحَظَةَ الِاسْمِ الجَلِيلِ مِن حَيْثُ المالِكِيَّةُ الكُلِّيَّةُ، والتَّصَرُّفُ الكامِلُ الجارِي عَلى النَّمَطِ المَذْكُورِ، مُسْتَتْبِعَةٌ لِمُلاحَظَةِ عِلْمِهِ المُحِيطِ حَتْمًا، فَيَكُونُ هَذا بَيانًا وتَقْرِيرًا لَهُ بِلا رَيْبٍ.
وَأمّا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ الباقِيَةِ، فَلا سَبِيلَ إلى كَوْنِهِ بَيانًا، لَكِنْ لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ لا دَلالَةَ لِاسْتِواءِ السِّرِّ والجَهْرِ في علمه تعالى عَلى ما اعْتُبِرَ فِيهِما مِنَ المَعْبُودِيَّةِ والِاخْتِصاصِ بِهَذا الِاسْمِ؛ إذْ رُبَّما يُعْبَدُ ويُخْتَصُّ بِهِ مَن لَيْسَ لَهُ كَمالُ العِلْمِ، فَإنَّهُ باطِلٌ قَطْعًا؛ إذِ المُرادُ بِما ذُكِرَ هو المَعْبُودِيَّةُ بِالحَقِّ، والِاخْتِصاصُ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ.
وَلا رَيْبَ في أنَّهُما مِمّا لا يُتَصَوَّرُ فِيمَن لَيْسَ لَهُ كَمالُ العِلْمِ بَدِيهَةً، بَلْ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ العِلْمِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ في مَدْلُولِ شَيْءٍ مِنَ المَعْبُودِيَّةِ بِالحَقِّ، والِاخْتِصاصُ بِالِاسْمِ حَتّى يَكُونَ هَذا بَيانًا لَهُ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ بِبَيانٍ عَلى الوَجْهِ الثّالِثِ أيْضًا، لِما أنَّ التَّوَحُّدَ بِالإلَهِيَّةِ لا يُعْتَبَرُ في مَفْهُومِهِ العِلْمُ الكامِلُ، لِيَكُونَ هَذا بَيانًا لَهُ، بَلْ هو مُعْتَبَرٌ فِيما صَدَقَ عَلَيْهِ المُتَوَحِّدُ، وذَلِكَ غَيْرُ كافٍ (p-109)فِي البَيانِيَّةِ.
وَقِيلَ: هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ .
وَقِيلَ: هو الخَبَرُ، والِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِن " هو "، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ، ويَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُ المَعْلُومِ فِيهِما، كَما في قَوْلِكَ: رَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ: إذا كانَ هو فِيهِ وأنْتَ خارِجَهُ.
وَلَعَلَّ جَعْلَ سِرَّهم وجَهْرَهم فِيهِما لِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ، وتَصْوِيرِ أنَّهُ لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنهُما في أيِّ مَكانٍ كانَ، لا لِأنَّهُما قَدْ يَكُونانِ في السَّماواتِ أيْضًا، وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِأهْلِها تَعَسُّفٌ لا يَخْفى.
﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾؛ أيْ: ما تَفْعَلُونَهُ لِجَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعٍ ضُرٍّ، مِنَ الأعْمالِ المُكْتَسَبَةِ بِالقُلُوبِ أوْ بِالجَوارِحِ، سِرًّا أوْ عَلانِيَةً، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها فِيما سَبَقَ عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي لِلسِّرِّ والجَهْرِ؛ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِها؛ لِأنَّها الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها الجَزاءُ، وهو السِّرُّ في إعادَةِ يَعْلَمُ.
الأنعام 6:4
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِن آيَةٍ مِن آياتِ رَبِّهِمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِبَيانِ كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، بَعْدَ ما بُيِّنَ في الآيَةِ الأُولى إشْراكُهم بِاللَّهِ سُبْحانَهُ، وإعْراضُهم عَنْ بَعْضِ آياتِ التَّوْحِيدِ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ امْتِراؤُهم في البَعْثِ، وإعْراضُهم عَنْ بَعْضِ آياتِهِ.
والِالتِفاتُ لِلْإشْعارِ بِأنَّ ذِكْرَ قَبائِحِهِمْ قَدِ اقْتَضى أنْ يُضْرَبَ عَنْهُمُ الخِطابُ صَفْحًا، وتُعَدَّدَ جِناياتُهم لِغَيْرِهِمْ ذَمًّا لَهم، وتَقْبِيحًا لِحالِهِمْ، فَما نافِيَةٌ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
وَ" مِنِ " الأُولى مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، والثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةٌ واقِعَةٌ مَعَ مَجْرُورِها صِفَةً لِآيَةٍ، وإضافَةُ الآياتِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُضافِ إلى ضَمِيرِ " هم "؛ لِتَفْخِيمِ شَأْنِها المُسْتَتْبِعِ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ في حَقِّها، والمُرادُ بِها: إمّا الآياتُ التَّنْزِيلِيَّةُ فَإتْيانُها نُزُولُها، والمَعْنى: ما يَنْزِلُ إلَيْهِمْ آيَةٌ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هاتِيكَ الآياتُ، النّاطِقَةُ بِما فُصِّلَ مِن بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، المُنْبِئَةُ عَنْ جَرَيانِ أحْكامِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى عَلى كافَّةِ الكائِناتِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ بِجَمِيعِ أحْوالِ الخَلْقِ، وأعْمالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها والإيمانِ بِها.
﴿إلا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾؛ أيْ: عَلى وجْهِ التَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وأمّا الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ الشّامِلَةُ لِلْمُعْجِزاتِ، وغَيْرِها مِن تَعاجِيبِ المَصْنُوعاتِ، فَإتْيانُها ظُهُورُها لَهم، والمَعْنى: ما يَظْهَرُ لَهم آيَةٌ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ شُئُونِهِ تَعالى الشّاهِدَةِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، إلّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ تارِكِينَ لِلنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيها، المُؤَدِّي إلى الإيمانِ بِمُكَوِّنِها.
وَإيثارُهُ عَلى أنْ يُقالَ: إلّا أعْرَضُوا عَنْها، كَما وقَعَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾؛ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الإعْراضِ حَسَبَ اسْتِمْرارِ إتْيانِ الآياتِ.
وَ" عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمُعْرِضِينَ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن مَفْعُولِ " تَأْتِي "، أوْ مِن فاعِلِهِ المُتَخَصِّصِ بِالوَصْفِ، لِاشْتِمالِها عَلى ضَمِيرِ كُلٍّ مِنهُما، وأيًّا ما كانَ فَفِيها دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ عَلى كَمالِ مُسارَعَتِهِمْ إلى الإعْراضِ، وإيقاعِهِمْ لَهُ في آنِ الإتْيانِ.
الأنعام 6:5
كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَلِمَةُ " لَمّا " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ فَإنَّ الحَقَّ: عِبارَةٌ عَنِ القرآن الَّذِي أعْرَضُوا عَنْهُ، حِينَ أعْرَضُوا عَنْ كُلِّ آيَةٍ آيَةٍ مِنهُ، عَبَّرَ بِذَلِكَ إبانَةً لِكَمالِ قُبْحِ ما فَعَلُوا بِهِ؛ فَإنَّ تَكْذِيبَ الحَقِّ مِمّا لا يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ (p-110)عَنْ أحَدٍ.
والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، لَكِنْ لا عَلى أنَّها شَيْءٌ مُغايِرٌ لَهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَقِيبَهُ، أوْ حاصِلٌ بِسَبَبِهِ، بَلْ عَلى أنَّ الأوَّلَ هو عَيْنُ الثّانِي حَقِيقَةً، وإنَّما التَّرْتِيبُ بِحَسَبِ التَّغايُرِ الِاعْتِبارِيِّ، وقَدْ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ المَعْنى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾؛ فَإنَّ ما جاءُوهُ؛ أيْ: فَعَلُوهُ مِنَ الظُّلْمِ والزُّورِ عَيْنُ قَوْلِهِمُ المَحْكِيِّ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ مُغايِرًا لَهُ مَفْهُومًا وأشْنَعَ مِنهُ حالًا، رُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ تَرْتِيبَ اللّازِمِ عَلى المَلْزُومِ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ، كَذَلِكَ مَفْهُومُ التَّكْذِيبِ بِالحَقِّ، حَيْثُ كانَ أشْنَعَ مِن مَفْهُومِ الإعْراضِ المَذْكُورِ، أُخْرِجَ مُخْرَجَ اللّازِمِ البَيِّنِ البُطْلانِ، فَرُتِّبَ عَلَيْهِ بِالفاءِ إظْهارًا لِغايَةِ بُطْلانِهِ، ثُمَّ قُيِّدَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ بِلا تَأمُّلٍ تَأْكِيدًا لِشَناعَتِهِ، وتَمْهِيدًا لِبَيانِ أنَّ ما كَذَّبُوا بِهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ، لَهُ عَواقِبُ جَلِيلَةٌ سَتَبْدُو لَهُمُ البَتَّةَ، والمَعْنى: أنَّهم حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْ تِلْكَ الآياتِ عِنْدَ إتْيانِها، فَقَدْ كَذَّبُوا بِما لا يُمْكِنُ تَكْذِيبُهُ أصْلًا، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في حالِهِ ومَآلِهِ، ويَقِفُوا عَلى ما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الشَّواهِدِ المُوجِبَةِ لِتَصْدِيقِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ولَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ .
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَإنَّ " ما " عِبارَةٌ عَنِ الحَقِّ المَذْكُورِ، عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِ بِإبْهامِهِ، وتَعْلِيلًا لِلْحُكْمِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وأنْباؤُهُ عِبارَةٌ عَمّا سَيَحِيقُ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ العاجِلَةِ الَّتِي نَطَقَتْ بِها آياتُ الوَعِيدِ.
وَفِي لَفْظِ الأنْباءِ إيذانٌ بِغايَةِ العِظَمِ، لِما أنَّ النَّبَأ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى خَبَرٍ عَظِيمِ الوَقْعِ، وحَمْلُها عَلى العُقُوباتِ الآجِلَةِ، أوْ عَلى ظُهُورِ الإسْلامِ وعُلُوِّ كَلِمَتِهِ، يَأْباهُ الآياتُ الآتِيَةُ.
وَ" سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: فَسَيَأْتِيهِمُ البَتَّةَ، وإنْ تَأخَّرَ مِصْداقُ أنْباءِ الشَّيْءِ الَّذِي كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ قَبْلُ، مِن غَيْرِ أنْ يَتَدَبَّرُوا في عَواقِبِهِ، وإنَّما قِيلَ: يَسْتَهْزِءُونَ إيذانًا بِأنَّ تَكْذِيبَهم كانَ مَقْرُونًا بِالِاسْتِهْزاءِ، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، هَذا عَلى أنْ يُرادَ بِالآياتِ: الآيَةُ القرآنيَّةُ، وهو الأظْهَرُ.
وَأمّا إنْ أُرِيدَ بِها: الآياتُ التَّكْوِينِيَّةُ؛ فالفاءُ داخِلَةٌ عَلى عِلَّةِ جَوابِ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، والإعْراضُ عَلى حَقِيقَتِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانُوا مُعْرِضِينَ عَنْ تِلْكَ الآياتِ، فَلا تَعْجَبْ، فَقَدْ فَعَلُوا بِما هو أعْظَمُ مِنها ما هو أعْظَمُ مِنَ الإعْراضِ، حَيْثُ كَذَّبُوا بِالحَقِّ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ، ولا مَساغَ لِحَمْلِ الآياتِ في هَذا الوَجْهِ عَلى كُلِّها أصْلًا، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: أنَّهم لَمّا كانُوا مُعْرِضِينَ عَنِ الآياتِ كُلِّها كَذَّبُوا بِالقرآن، فَمِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
الأنعام 6:6
﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْيِينِ ما هو المُرادُ بِالأنْباءِ الَّتِي سَبَقَ بِها الوَعِيدُ، وتَقْرِيرِ إتْيانِها بِطَرِيقِ الِاسْتِشْهادِ، وهَمْزَةُ الإنْكارِ لِتَقْرِيرِ الرُّؤْيَةِ، وهي عِرْفانِيَّةٌ مُسْتَدْعِيَةٌ لِمَفْعُولٍ واحِدٍ، و" ﴿كَمْ﴾ " اسْتِفْهامِيَّةً كانَتْ أوْ خَبَرِيَّةً، مُعَلِّقَةٌ لَها عَنِ العَمَلِ، مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، سادَّةٌ مَعَ ما في حَيِّزِها مَسَدَّ مَفْعُولِها، مَنصُوبَةٌ بَأهْلَكْنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأشْخاصِ، و" مِن قَرْنٍ " مُمَيِّزٌ لَها عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ أهْلِ عَصْرٍ مِنَ الأعْصارِ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِاقْتِرانِهِمْ بُرْهَةً (p-111)مِنَ الدَّهْرِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ» " الحَدِيثَ.
وَقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمانِ، والمُضافُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مِن أهْلِ قَرْنٍ، وأمّا انْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ المَصْدَرِ أوْ عَنِ الزَّمانِ، فَتَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.
وَ" مِنِ " الأُولى ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَأهْلَكْنا؛ أيْ: ألَمْ يَعْرِفُوا بِمُعايَنَةِ الآثارِ وسَماعِ الأخْبارِ كَمْ أُمَّةً أهْلَكْنا مِن قَبْلِ أهْلِ مَكَّةَ؛ أيْ: مِن قَبْلِ خَلْقِهِمْ، أوْ مِن قَبْلِ زَمانِهِمْ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، كَعادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإهْلاكِ وتَفْصِيلِ مَبادِئِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن صَدْرِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: مَكانُهم ... إلَخْ.
وَقِيلَ: هو صِفَةٌ لِقَرْنٍ، لِما أنَّ النَّكِرَةَ مُفْتَقِرَةٌ إلى مُخَصِّصٍ، فَإذا ولِيَها ما يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لَها تَعَيَّنَ وصْفِيَّتُهُ لَها.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَنْوِينَهُ التَّفْخِيمِيَّ مُغْنٍ لَهُ عَنِ اسْتِدْعاءِ الصِّفَةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ اقْتِضائِهِ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُهُ ومَضْمُونُ ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الجُمَلِ الأرْبَعِ أمْرًا مَفْرُوغًا عَنْهُ، غَيْرَ مَقْصُودٍ بِسِياقِ النَّظْمِ، مُؤَدٍّ إلى اخْتِلافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَيْفَ لا والمَعْنى حِينَئِذٍ: ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ مَوْصُوفِينَ بِكَذا وكَذا، وبِإهْلاكِنا إيّاهم بِذُنُوبِهِمْ، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وتَمْكِينُ الشَّيْءِ في الأرْضِ جَعْلُهُ قارًّا فِيها، ولَمّا لَزِمَهُ جَعْلُها مَقَرًّا لَهُ، ورَدَ الِاسْتِعْمالُ بَكُلٍّ مِنهُما؛ فَقِيلَ: تارَةً مَكَّنَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، وأُخْرى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ﴾، حَتّى أُجْرِيَ كُلٌّ مِنهُما مُجْرى الآخَرَ.
وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿مَكَّنّاهم في الأرْضِ﴾ "، كَأنَّهُ قِيلَ: في الأوَّلِ: مَكَّنّا لَهم، أوْ في الثّانِي: ما لَمْ نُمَكِّنْكم، و" ﴿ما﴾ " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: مَكَّنّاهم تَمْكِينًا لَمْ نُمَكِّنْهُ لَكم.
والِالتِفاتُ لِما في مُواجَهَتِهِمْ بِضَعْفِ الحالِ مَزِيدُ بَيانٍ لِشَأْنِ الفَرِيقَيْنِ، ولِدَفْعِ الِاشْتِباهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَنْ مَرْجِعَيِ الضَّمِيرَيْنِ.
﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ﴾؛ أيِ: المَطَرَ، أوِ السَّحابَ، أوِ المِظَلَّةَ؛ لِأنَّها مَبْدَأُ المَطَرِ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرْسَلْنا.
﴿مِدْرارًا﴾؛ أيْ: مِغْزارًا، حالٌ مِنَ السَّماءِ.
﴿وَجَعَلْنا الأنْهارَ﴾؛ أيْ: صَيَّرْناها، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْنا، أوْ أنْشَأْناها، فَهو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ، و" مِن تَحْتِهِمْ " مُتَعَلِّقٌ بِتَجْرِي، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَوْنِها مُسَخَّرَةً لَهم مُسْتَمِرَّةً عَلى الجَرَيانِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ما لَيْسَ في أنْ يُقالَ: وأجْرَيْنا الأنْهارَ مِن تَحْتِهِمْ.
وَلَيْسَ المُرادُ بِتَعْدادِ هاتِيكَ النِّعَمِ العِظامِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذِكْرِ تَمْكِينِهِمْ، بَيانَ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ في كُفْرانِها واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِأعْظَمِ العُقُوباتِ، بَلْ بَيانَ حِيازَتِهِمْ لِجَمِيعِ أسْبابِ نَيْلِ المَآرِبِ، ومَبادِي الأمْنِ والنَّجاةِ مِنَ المَكارِهِ والمَعاطِبِ، وعَدَمَ إغْناءِ ذَلِكَ عَنْهم شَيْئًا، والمَعْنى: أعْطَيْناهم مِنَ البَسْطَةِ في الأجْسامِ، والِامْتِدادِ في الأعْمارِ، والسَّعَةِ مِنَ الأمْوالِ، والِاسْتِظْهارِ بِأسْبابِ الدُّنْيا، في اسْتِجْلابِ المَنافِعِ واسْتِدْفاعِ المَضارِّ، ما لَمْ نُعْطِ أهْلَ مَكَّةَ؛ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا.
﴿فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: أهْلَكْنا كُلَّ قَرْنٍ مِن تِلْكَ القُرُونِ؛ بِسَبَبِ ما يَخُصُّهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَما أغْنى عَنْهم تِلْكَ العُدَدُ والأسْبابُ، فَسَيَحِلُّ بِهَؤُلاءِ مِثْلُ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، وهَذا كَما تَرى آخِرُ ما بِهِ الِاسْتِشْهادُ والِاعْتِبارُ.
وَأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَأنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ﴾؛ أيْ: أحْدَثْنا مِن بَعْدِ إهْلاكِ كُلِّ قَرْنٍ.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ بَدَلًا مِنَ الهالِكِينَ، فَلِبَيانِ كَمالِ قدرته تعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ، وأنَّ ما ذُكِرَ مِن إهْلاكِ الأُمَمِ الكَثِيرَةِ (p-112)لَمْ يَنْقُصْ مِن مَلِكِهِ شَيْئًا، بَلْ كُلَّما أهْلَكَ أُمَّةً أنْشَأ بَدَلَها أُخْرى.
الأنعام 6:7
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ، لِبَيانِ شِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في المُكابَرَةِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْها مِنَ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، إثْرَ بَيانِ إعْراضِهِمْ عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى وتَكْذِيبِهِمْ بِالحَقِّ، واسْتِحْقاقِهِمْ بِذَلِكَ لِنُزُولِ العَذابِ، ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ هَهُنا إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مَعَ نِسْبَةِ إتْيانِ الآياتِ ومَجِيءِ الحَقِّ فِيما سَبَقَ إلَيْهِمْ؛ لِلْإشْعارِ بِقَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في ضِمْنِ قَدْحِهِمْ فِيما نَزَلَ عَلَيْهِ صَرِيحًا.
وَقالَ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في النَّضِرِ بْنِ الحَرْثِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، ونَوْفَلِ ابْنِ خُوَيْلِدٍ، حَيْثُ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ومَعَهُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وأنَّكَ رَسُولُهُ.
﴿كِتابًا﴾ إنْ جُعِلَ اسْمًا كالإمامِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي قِرْطاسٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: كِتابًا كائِنًا في صَحِيفَةٍ، وإنْ جُعِلَ مَصْدَرًا بِمَعْنى المَكْتُوبِ فَهو مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِهِ.
﴿فَلَمَسُوهُ﴾؛ أيِ: الكِتابَ، وقِيلَ: القِرْطاسُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأيْدِيهِمْ﴾ مَعَ ظُهُورِ أنَّ اللَّمْسَ لا يَكُونُ عادَةً إلّا بِالأيْدِي، لِزِيادَةِ التَّعَيُّنِ ودَفْعِ احْتِمالِ التَّجَوُّزِ الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنّا لَمَسْنا السَّماءَ﴾؛ أيْ: تَفَحَّصْنا؛ أيْ: فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ بَعْدَ ما رَأوْهُ بِأعْيُنِهِمْ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم في شَأْنِهِ اشْتِباهٌ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى الِاعْتِذارِ بِتَسْكِيرِ الأبْصارِ.
﴿لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: لَقالُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلتَّنْصِيصِ عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حِّيزِ الصِّلَةِ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي لا يَخْفى، حَسُنَ مَوْقِعُهُ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِهِ اللُّغَوِيِّ أيْضًا.
﴿إنْ هَذا﴾؛ أيْ: ما هَذا، مُشِيرِينَ إلى ذَلِكَ الكِتابِ.
﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: بَيِّنٌ كَوْنُهُ سِحْرًا؛ تَعَنُّتًا وعِنادًا لِلْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، كَما هو دَأْبُ المُفْحَمِ المَجُوجِ، ودَيْدَنُ المُكابِرِ اللَّجُوجِ.
الأنعام 6:8
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ شُرُوعٌ في قَدْحِهِمْ في نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ صَرِيحًا، بَعْدَ ما أُشِيرَ إلى قَدْحِهِمْ فِيها ضِمْنًا. وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ "، ولَيْسَ بِذاكَ، لِما أنَّ تِلْكَ المَقالَةَ الشَّنْعاءَ لَيْسَتْ مِمّا يُقَدَّرُ صُدُورُهُ عَنْهم عَلى تَقْدِيرِ تَنْزِيلِ الكِتابِ المَذْكُورِ، بَلْ هي مِن أباطِيلِهِمُ المُحَقَّقَةِ، وخُرافاتِهِمُ المُلَفَّقَةِ الَّتِي يَتَعَلَّلُونَ بِها، كُلَّما ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِمُ العِلَلُ؛ أيْ: هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلِكٌ بِحَيْثُ نَراهُ ويُكَلِّمُنا أنَّهُ نَبِيٌّ، حَسْبَما نُقِلَ عَنْهم فِيما رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ .
وَلَمّا كانَ مَدارُ هَذا الِاقْتِراحِ عَلى شَيْئَيْنِ إنْزالِ المَلَكِ كَما هو، وجَعْلِهِ مَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَذِيرًا، أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ أصْلًا؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى أمْرَيْنِ مُتَبايِنَيْنِ لا يَجْتَمِعانِ في الوُجُودِ، لِما أنَّ إنْزالَ المَلَكِ عَلى صُورَتِهِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ جَعْلِهِ نَذِيرًا، وجَعْلُهُ نَذِيرًا يَسْتَدْعِي عَدَمَ إنْزالِهِ عَلى صُورَتِهِ لا مَحالَةَ.
وَقَدْ أُشِيرَ إلى الأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ﴾؛ أيْ: لَوْ أنْزَلَنا مَلَكًا عَلى هَيْئَتِهِ حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ، والحالُ أنَّهُ مِن هَوْلِ المَنظَرِ، بِحَيْثُ لا تُطِيقُ بِمُشاهَدَتِهِ قُوى الآحادِ البَشَرِيَّةِ، ألا يُرى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانُوا يُشاهِدُونَ المَلائِكَةَ، ويُفاوِضُونَهم عَلى الصُّوَرِ (p-113)البَشَرِيَّةِ، كَضَيْفِ إبْراهِيمَ ولُوطٍ، وخَصْمِ داوُدَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَيْثُ كانَ شَأْنُهم كَذَلِكَ، وهم مُؤَيَّدُونَ بِالقُوى القُدُسِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن عَداهم مِنَ العَوامِّ، فَلَوْ شاهَدُوهُ كَذَلِكَ لَقُضِيَ أمْرُ هَلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَحالَ جَعْلُهُ نَذِيرًا، وهو مَعَ كَوْنِهِ خِلافَ مَطْلُوبِهِمْ، مُسْتَلْزِمٌ لِإخْلاءِ العالَمِ عَمّا عَلَيْهِ يَدُورُ نِظامُ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وتَأْسِيسِ الشَّرائِعِ.
وَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، وفِيهِ كَما تَرى إيذانٌ بِأنَّهم في ذَلِكَ الِاقْتِراحِ، كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، وأنَّ عَدَمَ الإجابَةِ إلَيْهِ لِلْبُقْيا عَلَيْهِمْ.
وَبِناءُ الفِعْلِ الأوَّلِ في الجَوابِ لِلْفاعِلِ الَّذِي هو نُونُ العَظَمَةِ، مَعَ كَوْنِهِ في السُّؤالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ. وبِناءُ الثّانِي لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.
وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾؛ أيْ: لا يُمْهَلُونَ بَعْدَ نُزُولِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يُنْذَرُوا بِهِ، كَما هو المَقْصُودُ بِالإنْذارِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ ما بَيْنَ قَضاءِ الأمْرِ وعَدَمِ الإنْظارِ، فَإنَّ مُفاجَأةَ العَذابِ أشَدُّ مِن نَفْسِ العَذابِ وأشَقُّ.
وَقِيلَ: في سَبَبِ إهْلاكِهِمْ أنَّهم إذا عايَنُوا المَلَكَ قَدْ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صُورَتِهِ، وهي آيَةٌ لا شَيْءَ أبْيَنُ مِنها، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إهْلاكِهِمْ.
وَقِيلَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ يَزُولُ الِاخْتِيارُ الَّذِي هو قاعِدَةُ التَّكْلِيفِ، فَيَجِبُ إهْلاكُهم.
الأنعام 6:9
وَإلى الثّانِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ الأوَّلَ لِلنَّذِيرِ المَفْهُومِ مِن فَحْوى الكَلامِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ لِلْمَلَكَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بِأنْ يُعْكَسَ تَرْتِيبُ المَفْعُولَيْنِ، ويُقالَ: لَوْ جَعَلْناهُ نَذِيرًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، مَعَ فَهْمِ المُرادِ مِنهُ أيْضًا، لِتَحْقِيقِ أنَّ مَناطَ إبْرازِ الجَعْلِ الأوَّلِ في مَعْرِضِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
وَمَدارُ اسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي إنَّما هو مَلَكِيَّةُ النَّذِيرِ لا نَذِيرِيَّةُ المَلَكِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَعْلَ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُهُ الأوَّلُ مُبْتَدَأً والثّانِي خَبَرًا، لِكَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ المَنقُولِ مِن صارَ الدّاخِلِ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ.
وَلا رَيْبَ في أنَّ مَصَبَّ الفائِدَةِ ومَدارَ اللُّزُومِ بَيْنَ طَرَفَيِ الشَّرْطِيَّةِ، هو مَحْمُولُ المُقَدَّمِ لا مَوْضُوعُهُ، فَحَيْثُ كانَتِ امْتِناعِيَّةً أُرِيدَ بِها بَيانُ انْتِفاءِ الجَعْلِ الأوَّلِ، لِاسْتِلْزامِهِ المَحْذُورَ الَّذِي هو الجَعْلُ الثّانِي، وجَبَ أنْ يُجْعَلَ مَدارُ الِاسْتِلْزامِ في الأوَّلِ مَفْعُولًا ثانِيًا لا مَحالَةَ، ولِذَلِكَ جُعِلَ مُقابِلُهُ في الجَعْلِ الثّانِي كَذَلِكَ؛ إبانَةً لِكَمالِ التَّنافِي بَيْنَهُما المُوجِبِ لِانْتِفاءِ المَلْزُومِ.
والضَّمِيرُ الثّانِي لِلْمَلَكِ لا لِما رَجَعَ إلَيْهِ الأوَّلُ، والمَعْنى: لَوْ جَعَلْنا النَّذِيرَ الَّذِي اقْتَرَحُوهُ مَلَكًا لَمَثَّلْنا ذَلِكَ المَلَكَ رَجُلًا، لِما مَرَّ مِن عَدَمِ اسْتِطاعَةِ الآحادِ لِمُعايَنَةِ المَلَكِ عَلى هَيْكَلِهِ، وفي إيثارِ رَجُلًا عَلى بَشَرًا؛ إيذانٌ بِأنَّ الجَعْلَ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ لا بِطَرِيقِ قَلْبِ الحَقِيقَةِ، وتَعْيِينٌ لِما يَقَعُ بِهِ التَّمْثِيلُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ " لَوْ " مَبْنِيٌّ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ. وقُرِئَ بِحَذْفِ لامِ الجَوابِ اكْتِفاءً بِما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، يُقالُ: لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ ألْبِسُهُ: إذا شَبَّهْتُهُ وجَعَلْتُهُ مُشْكِلًا، وأصْلُهُ: السَّتْرُ بِالثَّوْبِ. وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: ولَخَلَطْنا عَلَيْهِمْ بِتَمْثِيلِهِ رَجُلًا.
﴿ما يَلْبِسُونَ﴾ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ، بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ ولَسْتَ بِمَلَكٍ، ولَوِ اسْتُدِلَّ عَلى مَلَكِيَّتِهِ بِالقرآن المُعْجِزِ النّاطِقِ بِها، أوْ بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ غَيْرِ مُلْجِئَةٍ إلى التَّصْدِيقِ، لَكَذَّبُوهُ كَما كَذَّبُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ أظْهَرَ لَهم صُورَتَهُ الأصْلِيَّةَ لَزِمَ الأمْرُ الأوَّلُ.
والتَّعْبِيرُ عَنْ تَمْثِيلِهِ تَعالى رَجُلًا بِاللَّبْسِ؛ إمّا لِكَوْنِهِ في صُورَةِ اللَّبْسِ، (p-114)أوْ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلَبْسِهِمِ، أوْ لِوُقُوعِهِ في صُحْبَتِهِ بِطَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِاسْتِحالَةِ جَعْلِ النَّذِيرِ مَلَكًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لَوْ فَعَلْناهُ لَفَعَلْنا ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِنا مِن لَبْسِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ مِثْلَ ما يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ السّاعَةَ في كُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ البَيِّنَةِ.
الأنعام 6:10
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا يَلْقاهُ مِن قَوْمِهِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ مِنَ الاعْتِناءِ بِها ما لا يَخْفى، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، و" ﴿مِن﴾ " ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ أُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوِي عَدَدٍ كَبِيرٍ، كائِنِينَ مِن زَمانٍ قَبْلِ زَمانِكَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ.
﴿فَحاقَ﴾ عَقِيبَهُ؛ أيْ: أحاطَ، أوْ نَزَلَ، أوْ حَلَّ، أوْ نَحْوُ ذَلِكَ؛ فَإنَّ مَعْناهُ يَدُورُ عَلى الشُّمُولِ واللُّزُومِ، ولا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشَّرِّ. والحَيْقُ: ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهِ فِعْلِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهُمْ﴾؛ أيِ: اسْتَهْزَؤُا بِهِمْ مِن أُولَئِكَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مُتَعَلِّقٌ بِحاقَ.
وَتَقْدِيمُهُ عَلى فاعِلِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ لُحُوقِ الشَّرِّ بِهِمْ، و" ما " إمّا مَوْصُولَةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّهْوِيلِ؛ أيْ: فَأحاطَ بِهِمُ الَّذِي كانُوا يَسْتَهْزِءُونَ بِهِ، حَيْثُ أُهْلِكُوا لِأجْلِهِ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَنَزَلَ بِهِمْ وبالُ اسْتِهْزائِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفِعْلِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.
الأنعام 6:11
﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ بَعْدَ بَيانِ ما فَعَلَتِ الأُمَمُ الخالِيَةُ وما فُعِلَ بِهِمْ، خُوطِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإنْذارِ قَوْمِهِ وتَذْكِيرِهِمْ بِأحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ؛ تَحْذِيرًا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، وتَكْمِلَةً لِلتَّسْلِيَةِ بِما في ضِمْنِهِ مِنَ العُدَّةِ اللَّطِيفَةِ بِأنَّهُ سَيَحِيقُ بِهِمْ مِثْلُ ما حاقَ بِأضْرابِهِمُ الأوَّلِينَ، ولَقَدْ أُنْجِزَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ أيَّ إنْجازٍ؛ أيْ: سِيرُوا في الأرْضِ لِتَعَرُّفِ أحْوالِ أُولَئِكَ الأُمَمِ.
﴿ثُمَّ انْظُرُوا﴾؛ أيْ: تَفَكَّرُوا.
﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ وكَلِمَةُ " ثُمَّ " إمّا لِأنَّ النَّظَرَ في آثارِ الهالِكِينَ لا يَتَسَنّى إلّا بَعْدَ انْتِهاءِ السَّيْرِ إلى أماكِنِهِمْ، وإمّا لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ في مَراتِبِ الوُجُوبِ، وهو الأظْهَرُ؛ فَإنَّ وُجُوبَ السَّيْرِ لَيْسَ إلّا لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى النَّظَرِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ العَطْفُ بِالفاءِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: "فانْظُرُوا" ... الآيَةَ.
وَأمّا أنَّ الأمْرَ الأوَّلَ لِإباحَةِ السَّيْرِ لِلتِّجارَةِ ونَحْوِها، والثّانِي لِإيجابِ النَّظَرِ في آثارِهِمْ، و" ثُمَّ " لِتُباعِدَ ما بَيْنَ الواجِبِ والمُباحِ فَلا يُناسِبُ المَقامَ.
وَ" ﴿كَيْفَ﴾ " مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ بِنَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: تَفَكَّرُوا في أنَّهم كَيْفَ أُهْلِكُوا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ، والعاقِبَةُ مَصَدٌّ كالعافِيَةِ ونَظائِرِها، وهي مُنْتَهى الأمْرِ ومَآلُهُ، ووَضْعُ المُكَذِّبِينَ مَوْضِعَ المُسْتَهْزِئِينَ لِتَحْقِيقِ أنَّ مَدارَ إصابَةِ ما أصابَهم هو التَّكْذِيبُ؛ لِيَنْزَجِرَ السّامِعُونَ عَنْهُ لا عَنْ الِاسْتِهْزاءِ فَقَطْ، مَعَ بَقاءِ التَّكْذِيبِ بِحالِهِ بِناءً عَلى تَوَهُّمِ أنَّهُ المَدارُ في ذَلِكَ.
الأنعام 6:12
﴿قُلْ﴾ لَهم بِطَرِيقِ الإلْجاءِ (p-115)والتَّبْكِيتِ.
﴿لِمَن ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ؛ أيْ: لِمَنِ الكائِناتُ جَمِيعًا خَلْقًا ومُلْكًا وتَصَرُّفًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ المُتَعَيَّنُ لِلْجَوابِ بِالِاتِّفاقِ، بِحَيْثُ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ أنْ يُجِيبَ بِغَيْرِهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، ناطِقَةٌ بِشُمُولِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ، شُمُولَ مُلْكِهِ وقدرته لِلْكُلِّ، مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى رَءُوفٌ بِعِبادِهِ لا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالعُقُوبَةِ، ويَقْبَلُ مِنهُمُ التَّوْبَةَ والإنابَةَ.
وَأنَّ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ وما لَحِقَ مِن أحْكامِ الغَضَبِ لَيْسَ مِن مُقْتَضَياتِ ذاتِهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ الخَلْقِ، كَيْفَ لا ومِن رَحْمَتِهِ أنْ خَلَقَهم عَلى الفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ، وهَداهم إلى مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ بِنَصْبِ الآياتِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ، وإنْزالِ الكُتُبِ المَشْحُونَةِ بِالدَّعْوَةِ إلى مُوجِباتِ رِضْوانِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ مُقْتَضَياتِ سُخْطِهِ، وقَدْ بَدَّلُوا فِطْرَةَ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وأعْرَضُوا عَنِ الآياتِ بِالمَرَّةِ، وكَذَّبُوا بِالكُتُبِ، واسْتَهْزَءُوا بِالرُّسُلِ، وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ.
وَلَوْلا شُمُولُ رَحْمَتِهِ لِسَلَكَ بِهَؤُلاءِ أيْضًا مَسْلَكَ الغابِرِينَ، ومَعْنى كَتَبَ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ: أنَّهُ تَعالى قَضاها وأوْجَبَها بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ أصْلًا.
وَقِيلَ: ما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: " لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي "» .
وَعَنْهُ في رِوايَةٍ أنَّهُ ﷺ قالَ: " «لَمّا قَضى اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ كَتَبَ كِتابًا، فَهو عِنْدَهُ فَوْقَ العَرْشِ: إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» " .
وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِكَعْبٍ: " ما أوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأهُ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِهِ "، فَقالَ كَعْبٌ: كَتَبَ اللَّهُ كِتابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بِقَلَمٍ ولا مِدادٍ، كِتابَةَ الزَّبَرْجَدِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ: إنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» .
وَمَعْنى سَبْقِ الرَّحْمَةِ وغَلَبَتِها: أنَّها أقْدَمُ تَعَلُّقًا بِالخَلْقِ وأكْثَرُ وُصُولًا إلَيْهِمْ، مَعَ أنَّها مِن مُقْتَضَياتِ الذّاتِ المُفِيضَةِ لِلْخَيْرِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الذّاتِ بِالنَّفْسِ حُجَّةٌ عَلى مَنِ ادَّعى أنَّ لَفْظَ النَّفْسِ لا يُطْلَقُ عَلى اللَّهِ تَعالى وإنْ أُرِيدَ بِهِ الذّاتُ، إلّا مُشاكَلَةً لِما تَرى مِنِ انْتِفاءِ المُشاكَلَةِ هَهُنا بِنَوْعَيْها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْوَعِيدِ عَلى إشْراكِهِمْ وإغْفالِهِمُ النَّظَرَ؛ أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم في القُبُورِ مَبْعُوثِينَ، أوْ مَحْشُورِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَيُجازِيكم عَلى شِرْكِكم وسائِرِ مَعاصِيكم، وإنْ أمْهَلَكم بِمُوجَبِ رَحْمَتِهِ ولَمْ يُعاجِلْكم بِالعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ. /0 وقِيلَ: إلى بِمَعْنى اللّامِ؛ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ . وقِيلَ: هي بِمَعْنى في؛ أيْ: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾؛ أيْ: في اليَوْمِ، أوْ في الجَمْعِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: بِتَضْيِيعِ رَأْسِ مالِهِمْ، وهو الفِطْرَةُ الأصْلِيَّةُ، والعَقْلُ السَّلِيمُ، والِاسْتِعْدادُ القَرِيبُ الحاصِلُ مِن مُشاهَدَةِ الرَّسُولِ ﷺ، واسْتِماعِ الوَحْيِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ، أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ؛ أيْ: أعْنِي: الَّذِينَ ... إلَخْ.
أوْ" هو " مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والإشْعارُ بِأنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِسَبَبِ خُسْرانِهِمْ، فَإنَّ إبْطالَ العَقْلِ بِاتِّباعِ الحَواسِّ والوَهَمِ، والِانْهِماكِ في التَّقْلِيدِ وإغْفالِ النَّظَرِ، أدّى بِهِمْ إلى الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ والِامْتِناعِ مِنَ الإيمانِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لَهم؛ لِتَقْبِيحِ ما غَيْرُ داخِلٍ (p-116)تَحْتَ الأمْرِ
الأنعام 6:13
﴿وَلَهُ﴾؛ أيْ: لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ خاصَّةً.
﴿ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ نَزَّلَ المَلَوانِ مَنزِلَةَ المَكانِ، فَعَبَّرَ عَنْ نِسْبَةِ الأشْياءِ الزَّمانِيَّةِ إلَيْهِما بِالسُّكْنى فِيهِما وتَعْدِيَتُهُ بِكَلِمَةِ " في "، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾، أوِ السُّكُونُ مُقابِلَ الحَرَكَةِ، والمُرادُ: ما سَكَنَ فِيهِما، أوْ تَحَرَّكَ، فاكْتُفِيَ بِأحَدِ الضِّدَّيْنِ عَنِ الآخَرِ.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ المُبالِغُ في سَماعِ كُلِّ مَسْمُوعٍ.
﴿العَلِيمُ﴾ المُبالِغُ في العِلْمِ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
الأنعام 6:14
﴿قُلْ﴾ لَهم بَعْدَ ما بَكَّتَهم بِما سَبَقَ مِنَ الخِطابِ.
﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾؛ أيْ: مَعْبُودًا بِطَرِيقِ الِاسْتِقْلالِ أوْ الِاشْتِراكِ، وإنَّما سُلِّطَتِ الهَمْزَةُ عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لا عَلى الفِعْلِ؛ إيذانًا بِأنَّ المُنْكَرَ هو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ ولِيًّا لا اتِّخاذُ الوَلِيِّ مُطْلَقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ ...﴾ إلَخْ.
﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعِهِما، بِالجَرِّ صِفَةً لِلْجَلالَةِ مُؤَكِّدَةً لِلْإنْكارِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الماضِي، ولِذَلِكَ قُرِئَ: ( فَطَرَ )، ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَهُما بِالجُمْلَةِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ بِأجْنَبِيَّةٍ؛ إذْ هي عامِلَةٌ في عامِلِ المَوْصُوفِ، أوْ بَدَلٌ، فَإنَّ الفَصْلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ أسْهَلُ؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرِيرِ العامِلِ.
وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ والنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: ما عَرَفْتُ مَعْنى الفاطِرِ حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما: أنا فَطَرْتُها؛ أيْ: ابْتَدَأْتُها.
﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعِمُ﴾؛ أيْ: يَرْزُقُ الخَلْقَ ولا يُرْزَقُ، وتَخْصِيصُ الطَّعامِ بِالذِّكْرِ لِشِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ، أوْ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما يَصِلُ إلى المَرْزُوقِ مِنَ الرِّزْقِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، فَإنَّ مَضْمُونَها مُقَرِّرٌ لِوُجُوبِ اتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِيًّا.
وَقُرِئَ: ( ولا يَطْعَمُ ) بِفَتْحِ الياءِ، وبِعَكْسِ القِراءَةِ الأُولى أيْضًا، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، والمَعْنى: أأُشْرِكُ بِمَن هو فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ ؟ ما هو نازِلٌ عَنْ رُتْبَةِ الحَيَوانِيَّةِ، وبِبِنائِهِما لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الثّانِيَ بِمَعْنى: يَسْتَطْعِمُ، أوْ عَلى مَعْنى: أنَّهُ يُطْعِمُ تارَةً ولا يُطْعِمُ أُخْرى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقْبِضُ ويَبْسُطُ﴾ .
﴿قُلْ﴾ بَعْدَ بَيانِ أنَّ اتِّخاذِ غَيْرِهِ تَعالى ولِيًّا، مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ.
﴿إنِّي أُمِرْتُ﴾ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ وجْهَهُ لِلَّهِ مُخْلِصًا لَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ إمامُ أُمَّتِهِ في الإسْلامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
﴿وَلا تَكُونَنَّ﴾؛ أيْ: . وقِيلَ لِي: ولا تَكُونَنَّ.
﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾؛ أيْ: في أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ، ومَعْناهُ: أُمِرْتُ بِالإسْلامِ ونُهِيتُ عَنِ الشِّرْكِ، وقَدْ جَوَّزَ عَطْفَهُ عَلى الأمْرِ.
الأنعام 6:15
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾؛ أيْ: بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ أيَّ عِصْيانٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وفِيهِ بَيانٌ لِكَمالِ اجْتِنابِهِ ﷺ عَنِ المَعاصِي عَلى الإطْلاقِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾؛ أيْ: عَذابَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَفْعُولُ خافَ، (p-117)والشَّرْطِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُما، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وفِيهِ قَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وتَعْرِيضٌ بِأنَّهم عُصاةٌ مُسْتَوْجِبُونَ لِلْعَذابِ العَظِيمِ.
الأنعام 6:16
﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ﴾ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيِ: العَذابُ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قُرِئَ بِالإظْهارِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ لِلصَّرْفِ؛ أيْ: في ذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ هو المَفْعُولَ عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: عَذابٌ يَوْمَئِذٍ.
﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾؛ أيْ: نَجّاهُ وأنْعَمَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: فَقَدْ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ . والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِتَهْوِيلِ العَذابِ، وضَمِيرُ عَنْهُ ورَحِمَهُ لِمَن، وهو عِبارَةٌ عَنْ غَيْرِ العاصِي.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الصَّرْفِ أوِ الرَّحْمَةِ؛ لِأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِأنْ مَعَ الفِعْلِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَكانِهِ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الفَوْزُ المُبِينُ﴾؛ أيِ: الظّاهِرُ كَوْنُهُ فَوْزًا، وهو الظَّفَرُ بِالبُغْيَةِ، والألِفُ واللّامُ لِقَصْرِهِ عَلى ذَلِكَ.
الأنعام 6:17
﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾؛ أيْ: بِبَلِيَّةٍ، كَمَرَضٍ، وفَقْرٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿فَلا كاشِفَ لَهُ﴾؛ أيْ: فَلا قادِرَ عَلى كَشْفِهِ عَنْكَ، ﴿إلا هُوَ﴾ وحْدَهُ.
﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ مِن صِحَّةٍ ونِعْمَةٍ ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِن جُمْلَتِهِ ذَلِكَ فَيَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَيُمْسِكُ بِهِ ويَحْفَظُهُ عَلَيْكَ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِهِ، أوْ عَلى رَفْعِهِ، أحَدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾، وحَمْلُهُ عَلى تَأْكِيدِ الجَوابَيْنِ يَأْباهُ الفاءُ.
تَذْكِرَةٌ: رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ قالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَغْلَةٌ أهْداها لَهُ كِسْرى، فَرَكِبَها بِحَبْلٍ مِن شَعَرٍ، ثُمَّ أرْدَفَنِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سارَ بِي مِيلًا، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: " يا غُلامُ "؛ فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: " احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، وإذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، فَقَدْ مَضى القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، فَلَوْ جَهَدَ الخَلائِقُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِما لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ولَوْ جَهَدُوا أنْ يَضُرُّوكَ بِما لَمْ يَكْتُبِ اللَّهُ عَلَيْكَ ما قَدَرُوا عَلَيْهِ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ بِالصَّبْرِ مَعَ اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاصْبِرْ، فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وأنَّ مَعَ الكَرْبِ فَرَجًا، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» " .
الأنعام 6:18
﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِقَهْرِهِ وعُلُوِّهِ بِالغَلَبَةِ والقُدْرَةِ.
﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ ويَأْمُرُ بِهِ.
﴿الخَبِيرُ﴾ بِأحْوالِ عِبادِهِ وخَفايا أُمُورِهِمْ، واللّامُ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ لِلْقَصْرِ.
الأنعام 6:19
﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً﴾ (p-118)رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ؛ لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، فَزَعَمُوا أنْ لَيْسَ لَكَ عِنْدَهم ذِكْرٌ ولا صِفَةٌ، فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَنَزَلَتْ.
فَأيُّ مُبْتَدَأٌ، وأكْبَرُ خَبَرُهُ، وشَهادَةً نَصْبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لَهُ ﷺ بِأنْ يَتَوَلّى الجَوابَ بِنَفْسِهِ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِتَعَيُّنِهِ وعَدَمِ قدرتهمْ عَلى أنْ يُجِيبُوا بِغَيْرِهِ، أوْ لِأنَّهم رُبَّما يَتَلَعْثَمُونَ فِيهِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في أنَّهُ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، بَلْ في كَوْنِهِ شَهِيدًا في هَذا الشَّأْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهِيدٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو شَهِيدٌ.
﴿بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكم هو الجَوابُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ هو الشَّهِيدَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم، كانَ أكْبَرُ شَيْءٍ شَهادَةً شَهِيدًا لَهُ ﷺ، وتَكْرِيرُ البَيْنِ لِتَحْقِيقِ المُقابَلَةِ.
﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ﴾؛ أيْ: مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿هَذا القرآن﴾ الشّاهِدُ بِصِحَّةِ رِسالَتِي.
﴿لأُنْذِرَكم بِهِ﴾ بِما فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ الإنْذارِ، لِما أنَّ الكَلامَ مَعَ الكَفَرَةِ.
﴿وَمَن بَلَغَ﴾ عَطْفٌ عَلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ؛ أيْ: لِأُنْذِرَكم بِهِ يا أهْلَ مَكَّةَ، وسائِرَ مَن بَلَغَهُ مِنَ الأسْوَدِ والأحْمَرِ، أوْ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، أوْ لِأُنْذِرَكم بِهِ أيُّها المَوْجُودُونَ، ومَن سَيُوجَدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحْكامَ القرآن تَعُمُّ المَوْجُودِينَ يَوْمَ نُزُولِهِ، ومَن سَيُوجَدُ بَعْدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، خَلا أنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ العِبارَةِ في الكُلِّ عِنْدَ الحَنابِلَةِ، وبِالإجْماعِ عِنْدَنا في غَيْرِ المَوْجُودِينَ وفي غَيْرِ المُكَلَّفِينَ يَوْمَئِذٍ، كَما مَرَّ في أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ.
﴿أإنَّكم لَتَشْهَدُونَ أنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ تَقْرِيرٌ لَهم مَعَ إنْكارٍ واسْتِبْعادٍ.
﴿قُلْ لا أشْهَدُ﴾ بِذَلِكَ، وإنْ شَهِدْتُمْ بِهِ فَإنَّهُ باطِلٌ صِرْفٌ.
﴿قُلْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْأمْرِ لِلتَّأْكِيدِ.
﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾؛ أيْ: بَلْ إنَّما أشْهَدُ أنَّهُ تَعالى لا إلَهَ إلاَّ هو.
﴿وَإنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ مِنَ الأصْنامِ، أوْ مِن إشْراكِكم.
الأنعام 6:20
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ جَوابٌ عَمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِمْ: لَقَدْ سَألْنا عَنْكَ اليَهُودَ والنَّصارى، أُخِّرَ عَنْ تَعْيِينِ الشَّهِيدِ؛ مُسارَعَةً إلى إلْزامِهِمْ بِالجَوابِ عَنْ تَحَكُّمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: فَأرِنا مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ ... إلَخْ.
والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: اليَهُودُ والنَّصارى، وبِالكِتابِ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وَإيرادُهم بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ؛ لِلْإيذانِ بِمَدارِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾؛ أيْ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن جِهَةِ الكِتابَيْنِ بِحِلْيَتِهِ، ونُعُوتِهِ المَذْكُورَةِ فِيهِما.
﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾ بِحِلاهم، بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ في ذَلِكَ أصْلًا. رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ هَذِهِ الآيَةَ، وكَيْفَ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ: يا عُمَرُ؛ لَقَدْ عَرَفْتُهُ فِيكم حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي، ولَأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي؛ لِأنِّي لا أدْرِي ما صَنَعَ النِّساءُ، وأشْهَدُ أنَّهُ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ والمُشْرِكِينَ، بِأنْ ضَيَّعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، وأعْرَضُوا عَنِ البَيِّناتِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِما أنَّهم مَطْبُوعٌ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ.
وَقِيلَ: النَّصْبُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا ... إلَخْ. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ الأوَّلِ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى الذَّمِّ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " فَهم لا يُؤْمِنُونَ " عَلى الوُجُوهِ الأخِيرَةِ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ " الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ " ... إلَخْ.
الأنعام 6:21
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بِوَصْفِهِمُ النَّبِيَّ المَوْعُودَ في الكِتابَيْنِ بِخِلافِ أوْصافِهِ ﷺ، فَإنَّهُ افْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وقَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ، لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِإنْكارِ المُساواةِ، ونَفْيُها يَشْهَدُ بِهِ العُرْفُ الفاشِي والِاسْتِعْمالُ المُطَّرِدُ، فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ ؟ أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ؛ فالمُرادُ حَتْمًا: أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا ...﴾ إلَخْ.
والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ النِّسْبَةَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إنَّما تُتَصَوَّرُ غالِبًا، لا سِيَّما في بابِ المُغالَبَةِ بِالتَّفاوُتِ، زِيادَةً ونُقْصانًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما أزْيَدَ يَتَحَقَّقُ النُّقْصانُ لا مَحالَةَ.
﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كَأنْ كَذَّبُوا بِالقرآن الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ الآيَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّهم يَعْرِفُونَهُ ﷺ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم، وبِالمُعْجِزاتِ وسَمَّوْها سِحْرًا، وحَرَّفُوا التَّوْراةَ وغَيَّرُوا نُعُوتَهُ ﷺ، فَإنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ بِآياتِهِ تَعالى.
وَكَلِمَةُ " أوْ " لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ وحْدَهُ بالِغٌ غايَةَ الإفْراطِ في الظُّلْمِ، فَكَيْفَ وهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَهُما، فَأثْبَتُوا ما نَفاهُ اللَّهُ تَعالى، ونَفَوْا ما أثْبَتَهُ، ﴿قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
﴿إنَّهُ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، ومَدارُ وضْعِهِ مَوْضِعَهُ ادِّعاءُ شُهْرَتِهِ المُغْنِيَةِ عَنْ ذِكْرِهِ، وفائِدَةُ تَصْدِيرِ الجُمْلَةِ بِهِ الإيذانُ بِفَخامَةِ مَضْمُونِها مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْرِيرِهِ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ لَهُ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا هو.
﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾؛ أيْ: لا يَنْجُونَ مِن مَكْرُوهٍ، ولا يَفُوزُونَ بِمَطْلُوبٍ، وإذا كانَ حالُ الظّالِمِينَ هَذا، فَما ظَنُّكَ بِمَن في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الظُّلْمِ.
الأنعام 6:22
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، قَدْ حُذِفَ إيذانًا بِضِيقِ العِبارَةِ عَنْ شَرْحِهِ وبَيانِهِ، وإيماءً إلى عَدَمِ اسْتِطاعَةِ السّامِعِينَ لِسَماعِهِ، لِكَمالِ فَظاعَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ والدّاهِيَةِ التّامَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا.
﴿ثُمَّ نَقُولُ﴾ لَهم ما نَقُولُ كانَ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ المُقالِ، وتَقْدِيرُ صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، ولِحُسْنِ مَوْقِعِ عَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ ...﴾ إلَخْ عَلَيْهِ.
وَقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم لِلتَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ويَوْمَ نَحْشُرُهم ... إلَخْ. وقِيلَ: ولِيَتَّقُوا، أوْ لِيَحْذَرُوا يَوْمَ نَحْشُرُهم ... إلَخْ.
والضَّمِيرُ لِلْكُلِّ، وجَمِيعًا حالٌ مِنهُ، وقُرِئَ: ( يَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ ) بِالياءِ فِيهِما.
﴿لِلَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: نَقُولُ لَهم خاصَّةً، لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ.
﴿أيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾؛ أيْ: آلِهَتُكُمُ الَّتِي جَعَلْتُمُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وإضافَتُها إلَيْهِمْ لِما أنَّ شِرْكَتَها لَيْسَتْ إلّا بِتَسْمِيَتِهِمْ وتَقَوُّلِهِمُ الكاذِبِ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾؛ أيْ: تَزْعُمُونَها شُرَكاءَ، فَحُذِفَ المَفْعُولانِ مَعًا، وهَذا السُّؤالُ المُنْبِئُ عَنْ غَيْبَةِ الشُّرَكاءِ مَعَ عُمُومِ الحَشْرِ لَها؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَها وبَيْنَهم مِنَ التَّبَرُّؤِ مِنَ الجانِبَيْنِ، وتَقَطُّعِ ما بَيْنَهم مِنَ الأسْبابِ والعَلائِقِ، حَسْبَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهم ...﴾ إلَخْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، إمّا بِعَدَمِ حُضُورِها حِينَئِذٍ في الحَقِيقَةِ بِإبْعادِها مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ، وإمّا بِتَنْزِيلِ (p-120)عَدَمِ حُضُورِها بِعُنْوانِ الشَّرِكَةِ والشَّفاعَةِ مَنزِلَةَ عَدَمِ حُضُورِها في الحَقِيقَةِ؛ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْها مِن حَيْثُ ذَواتُها، بَلْ إنَّما هو مِن حَيْثُ إنَّها شُرَكاءُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ الوَصْفُ بِالمَوْصُولِ، ولا رَيْبَ في أنَّ عَدَمَ الوَصْفِ يُوجِبُ عَدَمَ المَوْصُوفِ مِن حَيْثُ هو مَوْصُوفٌ، فَهي مِن حَيْثُ هي شُرَكاءُ غائِبَةٌ لا مَحالَةَ، وإنْ كانَتْ حاضِرَةً مِن حَيْثُ ذَواتُها، أصْنامًا كانَتْ أوْ غَيْرَها.
وَأمّا ما يُقالُ مِن أنَّهُ يُحالُ بَيْنَها وبَيْنَهم في وقْتِ التَّوْبِيخِ، لِيَفْقِدُوهم في السّاعَةِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها الرَّجاءَ فِيها، فَيَرَوْا مَكانَ خِزْيِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، فَرُبَّما يُشْعِرُ بِعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِحَقِيقَةِ الحالِ، وعَدَمِ انْقِطاعِ حِبالِ رَجائِهِمْ عَنْها بَعْدُ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّهم شاهَدُوها قَبْلَ ذَلِكَ، وانْصَرَمَتْ عُرْوَةُ أطْماعِهِمْ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ عَلى أنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم، مِن حِينِ المَوْتِ والِابْتِلاءِ بِالعَذابِ في البَرْزَخِ، وإنَّما الَّذِي يَحْصُلُ يَوْمَ الحَشْرِ الِانْكِشافُ الجَلِيُّ، واليَقِينُ القَوِيُّ المُتَرَتِّبُ عَلى المُحاضَرَةِ والمُحاوَرَةُ.
الأنعام 6:23
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ ورَفْعِ " فِتْنَتُهم " عَلى أنَّهُ اسْمٌ لَهُ، والخَبَرُ ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ وقُرِئَ بِنَصْبِ ( فِتْنَتَهم ) عَلى أنَّها الخَبَرُ والِاسْمُ، إلّا أنْ قالُوا: والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ، كَما في قَوْلِهِمْ: مَن كانَتْ أُمَّكَ ؟ وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ مَعَ رَفْعِ الفِتْنَةِ ونَصْبِها، ورَفْعُها أنْسَبُ بِحَسَبِ المَعْنى، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قُدِّرَ عامِلًا في " يَوْمَ نَحْشُرُهم "، كَما أُشِيرَ إلَيْهِ فِيما سَلَفَ، والِاسْتِثْناءُ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ.
وَفِتْنَتُهم: إمّا كُفْرُهم، مُرادًا بِهِ: عاقِبَتُهُ؛ أيْ: لَمْ تَكُنْ عاقِبَةُ كُفْرِهِمُ الَّذِي لَزِمُوهُ مُدَّةَ أعْمارِهِمْ وافْتَخَرُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ، إلّا جُحُودَهُ والتَّبَرُّؤَ مِنهُ، بِأنْ يَقُولُوا: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، وأمّا جَوابُهم عُبِّرَ عَنْهُ بِالفِتْنَةِ؛ لِأنَّهُ كَذِبٌ، ووَصْفُهُ تَعالى بِرُبُوبِيَّتِهِ لَهم لِلْمُبالَغَةِ في التَّبَرُّؤِ مِنَ الإشْراكِ.
وَقُرِئَ بِناءً عَلى النِّداءِ، فَهو لِإظْهارِ الضَّراعَةِ والِابْتِهالِ في اسْتِدْعاءِ قَبُولِ المَعْذِرَةِ، وإنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ النَّفْعِ، رَأْسًا مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: ما كُنّا مُشْرِكِينَ عِنْدَ أنْفُسِنا، وما عَلِمْنا في الدُّنْيا أنّا عَلى خَطَأٍ في مُعْتَقَدِنا، مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَهَّمَ أصْلًا، فَإنَّهُ يُوهِمُ أنَّ لَهم عُذْرًا.
الأنعام 6:24
أمّا وأنَّ لَهم قُدْرَةً عَلى الِاعْتِذارِ في الجُمْلَةِ، وذَلِكَ مُخِلٌّ بِكَمالِ هَوْلِ اليَوْمِ قَطْعًا عَلى أنَّهُ قَدْ قَضى بِبُطْلانِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ فَإنَّهُ تَعْجِيبٌ مِن كَذِبِهِمُ الصَّرِيحِ بِإنْكارِ صُدُورِ الإشْراكِ عَنْهم في الدُّنْيا؛ أيِ: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّهُ أمْرٌ عَجِيبٌ في الغايَةِ، وأمّا حَمْلُهُ عَلى كَذِبِهِمْ في الدُّنْيا فَتَمَحُّلٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿كَذَبُوا﴾ "، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، و" ﴿ما﴾ " مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، قَدْ حُذِفَ عائِدُها، والمَعْنى: انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا بِاليَمِينِ الفاجِرَةِ المُغَلَّظَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ بِإنْكارِ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهم، وكَيْفَ ضَلَّ عَنْهم؛ أيْ: زالَ وذَهَبَ افْتِراؤُهم، أوْ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإشْراكِ، حَتّى نَفَوْا صُدُورَهُ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ وتَبَرَّءُوا مِنهُ بِالمَرَّةِ.
وَقِيلَ: " ﴿ما﴾ " عِبارَةٌ عَنِ الشُّرَكاءِ، وإيقاعُ الِافْتِراءِ عَلَيْها مَعَ أنَّهُ في الحَقِيقَةِ واقِعٌ عَلى أحْوالِها مِنَ الإلَهِيَّةِ، والشِّرْكَةِ، والشَّفاعَةِ، ونَحْوِها، لِلْمُبالَغَةِ في أمْرِها، كَأنَّها نَفْسُ المُفْتَرى. وقِيلَ: الجُمْلَةُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ في حَيِّزِ التَّعْجِيبِ.(p-121)
الأنعام 6:25
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِحِكايَةِ ما صَدَرَ في الدُّنْيا عَنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ مِن أحْكامِ الكَفْرِ، ثُمَّ بَيانِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ الحَشْرِ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لِمَضْمُونِهِ، والضَّمِيرُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا، ومَحَلُّ الظَّرْفِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنّا دُونَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: وجَمْعٌ مِنّا ... إلَخْ.
وَ" مَن " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمَعْنى: وبَعْضُهم أوْ وبَعْضٌ مِنهُمُ الَّذِي يَسْتَمِعُ إلَيْكَ، أوْ فَرِيقٌ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ اتِّصافُهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ أوِ الصِّفَةِ، لا كَوْنُهم ذَواتِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ ...﴾ إلَخْ.
رُوِيَ أنَّهُ اجْتَمَعَ أبُو سُفْيانَ، والوَلِيدُ، والنَّضْرُ، وعُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وأضْرابُهم، يَسْتَمِعُونَ تِلاوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا لِلنَّضْرِ، وكانَ صاحِبَ أخْبارٍ: يا أبا قُتَيْلَةَ؛ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ ؟ فَقالَ: والَّذِي جَعَلَها بَيْتَهُ ما أدْرِي ما يَقُولُ، إلّا أنَّهُ يُحَرِّكُ لِسانَهُ ويَقُولُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ مِثْلَ ما حَدَّثْتُكم مِنَ القُرُونِ الماضِيَةِ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: إنِّي لَأراهُ حَقًّا، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: كَلّا؛ فَنَزَلَتْ.
﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ مِنَ الجَعْلِ بِمَعْنى الإنْشاءِ، وعَلى مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وضَمِيرُ قُلُوبِهِمْ راجِعٌ إلى مَن، وجَمْعِيَّتُهُ بِالنَّظَرِ إلى مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ ضَمِيرِ يَسْتَمِعُ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، وقَدْ رُوعِيَ جانِبُ المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ ... " الآيَةَ.
والأكِنَّةُ: جَمْعُ كِنانٍ، وهو ما يُسْتَرُ بِهِ الشَّيْءُ، وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ بِما تَضَمَّنَهُ مِنَ الخَتْمِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ يَسْتَمِعُ بِإضْمارِ قَدْ عِنْدَ مَن يُقَدِّرُها قَبْلَ الماضِي الواقِعِ حالًا؛ أيْ: يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ ألْقَيْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أغْطِيَةً كَثِيرَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها خارِجَةً عَمّا يَتَعارَفُهُ النّاسُ.
﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوا ما يَسْتَمِعُونَهُ مِنَ القرآن المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الِاسْتِماعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِما يُنْبِئُ عَنْهُ الكَلامُ؛ أيْ: مَنَعْناهم أنْ يَفْقَهُوهُ.
﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ صَمَمًا وثِقَلًا مانِعًا مِن سَماعِهِ، والكَلامُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ .
وَهَذا تَمْثِيلٌ مُعْرِبٌ عَنْ كَمالِ جَهْلِهِمْ بِشُئُونِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفَرْطِ نُبُوَّةِ قُلُوبِهِمْ عَنْ فَهْمِ القرآن الكَرِيمِ ومَجِّ أسْماعِهِمْ لَهُ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وَقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِما قالُوا: ﴿قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ ...﴾ الآيَةَ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مُرادَهم بِذَلِكَ الإخْبارُ بِما اعْتَقَدُوهُ في حَقِّ القرآن والنَّبِيِّ ﷺ، جَهْلًا وكُفْرًا مِنِ اتِّصافِهِما بِأوْصافٍ مانِعَةٍ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ، كَكَوْنِ القرآن سِحْرًا، وشِعْرًا، وأساطِيرَ الأوَّلِينَ، وقِسْ عَلى ما تَخَيَّلُوهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ، لا الإخْبارُ بِأنَّ هُناكَ أمْرًا وراءَ ذَلِكَ قَدْ حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ إدْراكِهِ حائِلٌ مِن قِبَلِهِمْ حَتّى يُمْكِنَ حَمْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى ذَلِكَ.
﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ مِنَ الآياتِ القرآنيَّةِ؛ أيْ: يُشاهِدُوها بِسَماعِها.
﴿لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ العُمُومِ؛ أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لِعَدَمِ اجْتِلائِهِمْ إيّاها كَما هي لِما مَرَّ مِن حالِهِمْ.
﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ هي حَتّى الَّتِي تَقَعُ بَعْدَها الجُمَلُ، والجُمْلَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إذا جاءُوكَ﴾ " .
﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وما بَيْنَهُما حالٌ مِن فاعِلِ جاءُوا، وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ ذَمًّا لَهم بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ؛ أيْ: بَلَغُوا مِنَ (p-122)التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ إلى أنَّهم إذا جاءُوكَ مُجادِلِينَ لَكَ لا يَكْتَفُونَ بِمُجَرَّدِ عَدَمِ الإيمانِ بِما سَمِعُوا مِنَ الآياتِ الكَرِيمَةِ، بَلْ يَقُولُونَ: ﴿إنْ هَذا﴾؛ أيْ: ما هَذا.
﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ فَإنَّ عَدَّ أحْسَنِ الحَدِيثِ وأصْدَقِهِ، الَّذِي لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ، مِن قَبِيلِ الأباطِيلِ والخُرافاتِ رُتْبَةٌ مِنَ الكُفْرِ لا غايَةَ وراءَها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَتّى جارَّةً، وإذا ظَرْفِيَّةً بِمَعْنى وقْتَ مَجِيئِهِمْ، ويُجادِلُونَكَ حالٌ كَما سَبَقَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ... " إلَخْ، تَفْسِيرٌ لِلْمُجادَلَةِ. والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ، أوْ أسْطارَةٍ، أوْ جَمْعُ أسْطارٍ، وهو جَمْعُ سَطَرٍ بِالتَّحْرِيكِ، وأصْلُ الكُلِّ: السَّطْرُ، بِمَعْنى الخَطِّ.
الأنعام 6:26
﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ لِلْمَذْكُورِينَ والمَجْرُورُ لِلْقُرْآنِ؛ أيْ: لا يَقْنَعُونَ بِما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِهِ، وعَدِّهِ مِن قَبِيلِ الأساطِيرِ، بَلْ يَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ اسْتِماعِهِ؛ لِئَلّا يَقِفُوا عَلى حَقِّيَّتِهِ فَيُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿وَيَنْأوْنَ عَنْهُ﴾؛ أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ بِأنْفُسِهِمْ، إظْهارًا لِغايَةِ نُفُورِهِمْ عَنْهُ وتَأْكِيدًا لِنَهْيِهِمْ عَنْهُ، فَإنَّ اجْتِنابَ النّاهِي عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن مُتَمِّماتِ النَّهْيِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو السِّرُّ في تَأْخِيرِ النَّأْيِ عَنِ النَّهْيِ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: المَرْفُوعُ لِأبِي طالِبٍ، ولَعَلَّ جَمْعِيَّتَهُ بِاعْتِبارِ اسْتِتْباعِهِ لِاتِّباعِهِ، فَإنَّهُ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنِ التَّعَرُّضِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ويَنْأى عَنْهُ فَلا يُؤْمِنُ بِهِ.
وَرُوِيَ أنَّهُمُ اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وأرادُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُوءًا، فَقالَ:
؎ واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوسَدَ في التُّرابِ دَفِينًا
؎ فاصْدَعْ بِأمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضاضَةٌ ∗∗∗ وأبْشِرْ بِذاكَ وقَرَّ مِنهُ عُيُونًا
؎ ودَعَوْتَنِي وزَعَمْتَ أنَّكَ ناصِحِي ∗∗∗ ولَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ ثَمَّ أمِينًا
؎ وعَرَضْتَ دِينًا لا مَحالَةَ أنَّهُ ∗∗∗ مِن خَيْرِ أدْيانِ البَرِيَّةِ دِينًا
؎ لَوْلا المَلامَةُ أوْ حِذارِيَ سُبَّةً ∗∗∗ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ مُبِينًا
فَنَزَلَتْ.
﴿وَإنْ يُهْلِكُونَ﴾؛ أيْ: ما يُهْلِكُونَ بِما فَعَلُوا مِنَ النَّهْيِ والنَّأْيِ.
﴿إلا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَعْرِيضِها لِأشَدِّ العَذابِ وأفْظَعِهِ، عاجِلًا وآجِلًا، وهو عَذابُ الضَّلالِ والإضْلالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يُهْلِكُونَ؛ أيْ: يَقْصُرُونَ الإهْلاكَ عَلى أنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ؛ أيْ: لا بِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم، ولا بِاقْتِصارِ ذَلِكَ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَضُرُّوا بِذَلِكَ شَيْئًا مِنَ القرآن، والرَّسُولِ ﷺ، والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالإهْلاكِ مَعَ أنَّ المَنفِيَّ عَنْ غَيْرِهِمْ مُطْلَقُ الضَّرَرِ؛ إذْ غايَةُ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ ما فَعَلُوا مِنَ القَدْحِ في القرآن الكَرِيمِ، المُمانَعَةُ في تَمَشِّي أحْكامِهِ وظُهُورِ أمْرِ الدِّينِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما يَحِيقُ بِهِمْ هو الهَلاكُ لا الضَّرَرُ المُطْلَقُ، عَلى أنَّ مَقْصِدَهم لَمْ يَكُنْ مُطْلَقَ المُمانَعَةِ فِيما ذُكِرَ، بَلْ كانُوا يَبْغُونَ الغَوائِلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإهْلاكُ مُعْتَبَرًا بِالنِّسْبَةِ إلى الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِالنَّهْيِ، فَقَصْرُهُ عَلى أنْفُسِهِمْ حِينَئِذٍ مَعَ شُمُولِهِ لِلْفَرِيقَيْنِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ عَذابِ الضَّلالِ عِنْدَ عَذابِ الإضْلالِ مَنزِلَةَ العَدَمِ.
الأنعام 6:27
﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَصْدُرُ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ القَوْلِ المُناقِضِ، لِما صَدَرَ عَنْهم في الدُّنْيا مِنَ القَبائِحِ المَحْكِيَّةِ، مَعَ كَوْنِهِ كَذِبًا في نَفْسِهِ.
والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ (p-123)مِن أهْلِ المُشاهَدَةِ والعِيانِ، قَصْدًا إلى بَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وبُلُوغِها مِنَ الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها بِراءٍ دُونَ راءٍ مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِها.
وَجَوابُ " لَوْ " مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ، وإيذانًا بِقُصُورِ العِبارَةِ عَنْ تَفْصِيلِهِ، وكَذا مَفْعُولُ " ﴿تَرى﴾ " لِدَلالَةِ ما في حَيِّزِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: لَوْ تَراهم حِينَ يُوقَفُونَ عَلى النّارِ حَتّى يُعايِنُوها، لَرَأيْتَ ما لا يَسَعُهُ التَّعْبِيرُ.
وَصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، أوْ حِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَيْها اطِّلاعًا وهي تَحْتَهم، أوْ يَدْخُلُونَها فَيَعْرِفُونَ مِقْدارَ عَذابِها، مِن قَوْلِهِمْ: وقَفْتُهُ عَلى كَذا: إذا فَهِمْتَهُ وعَرَفْتَهُ. وقُرِئَ: ( وقَفُوا ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن وقَفَ عَلَيْهِ وُقُوفًا.
﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا﴾؛ أيْ: إلى الدُّنْيا تَمَنِّيًا لِلرُّجُوعِ والخَلاصِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ مَناصٍ.
﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾؛ أيْ: بِآياتِهِ النّاطِقَةِ بِأحْوالِ النّارِ وأهْوالِها الآمِرَةِ بِاتِّقائِها؛ إذْ هي الَّتِي تَخْطُرُ حِينَئِذٍ بِبالِهِمْ، ويَتَحَسَّرُونَ عَلى ما فَرَّطُوا في حَقِّها، أوْ بِجَمِيعِ آياتِهِ المُنْتَظِمَةِ لِتِلْكَ الآياتِ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِها العامِلِينَ بِمُقْتَضاها، حَتّى لا نَرى هَذا المَوْقِفَ الهائِلَ، أوْ نَكُونَ مِن فَرِيقِ المُؤْمِنِينَ النّاجِينَ مِنَ العَذابِ، الفائِزِينَ بِحُسْنِ المَآبِ.
وَنَصْبُ الفِعْلَيْنِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي بِإضْمارِ " أنْ " بَعْدَ الواوِ، وإجْرائِها مَجْرى الفاءِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ إسْحَقَ: ( فَلا نَكْذِبَ )، والمَعْنى: إنْ رُدِدْنا لَمْ نَكْذِبْ ونَكُنْ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَقِيلَ: يَنْسَبِكُ مِن " أنِ " المَصْدَرِيَّةِ ومِنَ الفِعْلِ بَعْدَها مَصْدَرٌ، ويُقَدَّرُ قَبْلَهُ مَصْدَرٌ مُتَوَهَّمٌ، فَيُعْطَفُ هَذا عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا رَدًّا وانْتِفاءَ تَكْذِيبٍ وكَوْنًا مِنَ المُؤْمِنِينَ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِهِما عَلى أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِهِ: دَعْنِي ولا أعُودُ؛ أيْ: وأنا لا أعُودُ تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي. أوْ عَطْفٌ عَلى " نُرَدُّ "، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، فَيَكُونُ داخِلًا في حُكْمِ التَّمَنِّي، كالوَجْهِ الأخِيرِ لِلنَّصْبِ، وتَعَلُّقُ التَّكْذِيبِ الآتِي بِهِ لِما تَضَمَّنَهُ مِنَ العِدَةِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ، كَمَن قالَ: لَيْتَنِي رُزِقْتُ مالًا فَأُكافِئُكَ عَلى صَنِيعِكَ؛ فَإنَّهُ مُتَمَنٍّ في مَعْنى الواعِدِ، فَلَوْ رُزِقَ مالًا ولَمْ يُكافِئْ صاحِبَهُ يَكُونُ مُكَذِّبًا لا مَحالَةَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِ الثّانِي، وقَدْ مَرَّ وجْهُهُما.
الأنعام 6:28
﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَمّا يُنْبِئُ عَنْهُ التَّمَنِّي مِنَ الوَعْدِ بِتَصْدِيقِ الآياتِ والإيمانِ بِها؛ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ عَنْ عَزِيمَةٍ صادِقَةٍ، ناشِئَةٍ عَنْ رَغْبَةٍ في الإيمانِ، وشَوْقٍ إلى تَحْصِيلِهِ والِاتِّصافِ بِهِ، بَلْ لِأنَّهُ ظَهَرَ لَهم في مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ ما كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، وظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها؛ فَلِخَوْفِها وهَوْلِ مَطْلَعِها قالُوا ما قالُوا، والمُرادُ بِها: النّارُ الَّتِي وُقِفُوا عَلَيْها؛ إذْ هي الَّتِي سِيقَ الكَلامُ لِتَهْوِيلِ أمْرِها، والتَّعْجِيبِ مِن فَظاعَةِ حالِ المَوْقُوفِينَ عَلَيْها، وبِإخْفائِها تَكْذِيبُهم بِها؛ فَإنَّ التَّكْذِيبَ بِالشَّيْءِ كُفْرٌ بِهِ وإخْفاءٌ لَهُ لا مَحالَةَ.
وَإيثارُهُ عَلى صَرِيحِ التَّكْذِيبِ الوارِدِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، مَعَ كَوْنِهِ أنْسَبَ بِما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِمْ: " ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا﴾ "؛ لِمُراعاةِ ما في مُقابَلَتِهِ مِنَ البُدُوِّ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: بِما يُخْفُونَ كُفْرُهم ومَعاصِيهِمْ، أوْ قَبائِحُهم وفَضائِحُهُمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُمُونَها مِنَ النّاسِ، فَتَظْهَرُ في صُحُفِهِمْ وبِشَهادَةِ جَوارِحِهِمْ عَلَيْهِمْ، أوْ شِرْكِهِمُ الَّذِي يَجْحَدُونَ بِهِ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾، ثُمَّ يَظْهَرُ بِما ذُكِرَ مِن شَهادَةِ الجَوارِحِ عَلَيْهِمْ، أوْ ما أخْفاهُ رُؤَساءُ (p-124)الكَفَرَةِ عَنْ أتْباعِهِمْ مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، أوْ ما كَتَمَهُ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ونُعُوتِهِ الشَّرِيفَةِ عَنْ عَوامِّهِمْ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِلْعَوامِّ والمَرْفُوعَ لِلْخَواصِّ، أوْ كُفْرُهُمُ الَّذِي أخْفَوْهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمَرْفُوعُ لِلْمُنافِقِينَ، فَبَعْدَ الإغْضاءِ عَمّا في كُلٍّ مِنها مِن الِاعْتِسافِ والِاخْتِلالِ، لا سَبِيلَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ سَوْقَ النَّظْمِ الشَّرِيفِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ النّارِ، وتَفْظِيعِ حالِ أهْلِها، وقَدْ ذُكِرَ وُقُوفُهم عَلَيْها، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ اعْتَراهم عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ والخَشْيَةِ، والحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، ورُتِّبَ عَلَيْهِ تَمَنِّيهِمُ المَذْكُورُ بِالفاءِ القاضِيَةِ بِسَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، فَإسْقاطُ النّارِ بَعْدَ ذَلِكَ مِن تِلْكَ السَّبَبِيَّةِ، وهي في نَفْسِها أدْهى الدَّواهِي، وأزْجَرُ الزَّواجِرِ، وإسْنادُها إلى شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ الَّتِي دُونَها في الهَوْلِ والزَّجْرِ مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِها، ثَمَّةَ، أمْرٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ.
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: جَزاءُ ما كانُوا يُخْفُونَ؛ فَمِن قَبِيلِ دُخُولِ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها وأبْوابُها مَفْتُوحَةٌ؛ فَتَأمَّلْ.
﴿وَلَوْ رُدُّوا﴾؛ أيْ: مِن مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ إلى الدُّنْيا حَسْبَما تَمَنَّوْهُ، وغابَ عَنْهم ما شاهَدُوهُ مِنَ الأهْوالِ.
﴿لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ مِن فُنُونِ القَبائِحِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّكْذِيبُ المَذْكُورُ، ونَسُوا ما عايَنُوهُ بِالكُلِّيَّةِ لِاقْتِصارِ أنْظارِهِمْ عَلى الشّاهِدِ دُونَ الغائِبِ.
﴿وَإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾؛ أيْ: لَقَوْمٌ دَيْدَنُهُمُ الكَذِبُ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
الأنعام 6:29
﴿وَقالُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " عادُوا "، داخِلٌ في حَيِّزِ الجَوابِ، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: " وإنَّهم لَكاذِبُونَ " بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ اعْتِراضٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ الشَّرْطِيَّةُ مِن كَذِبِهِمُ المَخْصُوصِ، ولَوْ أُخِّرَ لَأوْهَمَ أنَّ المُرادَ تَكْذِيبُهم في إنْكارِهِمُ البَعْثَ، والمَعْنى: لَوْ رُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، وقالُوا: ﴿إنْ هِيَ﴾؛ أيْ: ما الحَياةُ.
﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بَعْدَ ما فارَقْنا هَذِهِ الحَياةَ، كَأنْ لَمْ يَرَوْا ما رَأوْا مِنَ الأحْوالِ الَّتِي أوَّلُها البَعْثُ والنُّشُورُ.
الأنعام 6:30
﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرِهِ، خَلا أنَّ الوُقُوفَ هَهُنا مَجازٌ عَنِ الحَبْسِ لِلتَّوْبِيخِ والسُّؤالِ، كَما يُوقَفُ العَبْدُ الجانِي بَيْنَ يَدَيْ سَيِّدِهِ لِلْعِقابِ، وقِيلَ: عَرَفُوا رَبَّهم حَقَّ التَّعْرِيفِ، وقِيلَ: وُقِفُوا عَلى جَزاءِ رَبِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم رَبُّهم إذْ ذاكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ: ﴿ألَيْسَ هَذا﴾ مُشِيرًا إلى ما شاهَدُوهُ مِنَ البَعْثِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ.
﴿بِالحَقِّ﴾ تَقْرِيعًا لَهم عَلى تَكْذِيبِهِمْ لِذَلِكَ، وقَوْلِهِمْ عِنْدَ سَماعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ: ما هو بِحَقٍّ وما هو إلّا باطِلٌ.
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ.
﴿بَلى ورَبِّنا﴾ أكَّدُوا اعْتِرافَهم بِاليَمِينِ إظْهارًا لِكَمالِ يَقِينِهِمْ بِحَقِّيَّتِهِ، وإيذانًا بِصُدُورِ ذَلِكَ عَنْهم بِالرَّغْبَةِ والنَّشاطِ طَمَعًا في نَفْعِهِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ.
﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾ الَّذِي عايَنْتُمُوهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّعْذِيبِ عَلى اعْتِرافِهِمْ بِحَقِّيَّةِ ما كَفَرُوا بِهِ في الدُّنْيا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ التَّعْذِيبِ هو اعْتِرافُهم بِذَلِكَ، بَلْ هو كُفْرُهُمُ السّابِقُ بِما اعْتَرَفُوا بِحَقِّيَّتِهِ الآنَ.
كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِكم في الدُّنْيا بِذَلِكَ، أوْ (p-125)بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ، فَيَدْخُلُ كُفْرُهم بِهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ولَعَلَّ هَذا التَّوْبِيخَ والتَّقْرِيعَ إنَّما يَقَعُ بَعْدَ ما وُقِفُوا عَلى النّارِ، فَقالُوا ما قالُوا؛ إذِ الظّاهِرُ أنَّهُ لا يَبْقى بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلّا العَذابُ.
الأنعام 6:31
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ هُمُ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهم، لَكِنْ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلْإيذانِ بِتَسَبُّبِ خُسْرانِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ التَّكْذِيبِ بِلِقائِهِ تَعالى بِقِيامِ السّاعَةِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ، وأحْكامِهِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ، واسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ؛ فَإنَّ كَلِمَةَ " حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ﴾ غايَةٌ لِتَكْذِيبِهِمْ لا لِخُسْرانِهِمْ، فَإنَّهُ أبَدِيٌّ لا حَدَّ لَهُ.
﴿بَغْتَةً﴾ البَغْتُ والبَغْتَةُ: مُفاجَأةٌ لِلشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ مِن غَيْرِ شُعُورٍ بِهِ، يُقالُ: بَغَتَهُ بَغْتًا وبَغْتَةً؛ أيْ: فَجْأةً، وانْتِصابُها إمّا عَلى أنَّها مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ جاءَتْهم؛ أيْ: مُباغَتَةً، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مَبْغُوتِينَ. وإمّا عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَإنَّ جاءَتْهم في مَعْنى: بَغَتَتْهم، كَقَوْلِهِمْ: أتَيْتُهُ رَكْضًا. أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ جاءَتْهم؛ أيْ: جاءَتْهُمُ السّاعَةُ تَبْغَتُهم بَغْتَةً.
﴿قالُوا﴾ جَوابُ إذا.
﴿يا حَسْرَتَنا﴾ تَعالَيْ فَهَذا أوانُكِ، والحَسْرَةُ: شِدَّةُ النَّدَمِ، وهَذا التَّحَسُّرُ وإنْ كانَ يَعْتَرِيهِمْ عِنْدَ المَوْتِ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ مِن مَبادِئِ السّاعَةِ سُمِّيَ بِاسْمِها، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» "، أوْ جُعِلَ مَجِيءُ السّاعَةِ بَعْدَ المَوْتِ كالواقِعِ بِغَيْرِ فَتْرَةٍ لِسُرْعَتِهِ.
﴿عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾؛ أيْ: عَلى تَفْرِيطِنا في شَأْنِ السّاعَةِ، وتَقْصِيرِنا في مُراعاةِ حَقِّها، والِاسْتِعْدادِ لَها بِالإيمانِ بِها، واكْتِسابِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ .
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْحَياةِ الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِكَوْنِها مَعْلُومَةً. والتَّفْرِيطُ: التَّقْصِيرُ في الشَّيْءِ مَعَ القُدْرَةِ عَلى فِعْلِهِ، وقِيلَ: هو التَّضْيِيعُ، وقِيلَ: الفَرَطُ: السَّبْقُ، ومِنهُ الفارِطُ؛ أيِ: السّابِقُ، ومَعْنى فَرَّطَ: خَلّى السَّبْقَ لِغَيْرِهِ؛ فالتَّضْعِيفُ فِيهِ لِلسَّلْبِ، كَما في: جَلَّدْتُ البَعِيرَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ قالُوا، فائِدَتُهُ الإيذانُ بِأنَّ عَذابَهم لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَسْرَةِ عَلى ما فاتَ وزالَ، بَلْ يُقاسُونَ مَعَ ذَلِكَ تَحَمُّلَ الأوْزارِ الثِّقالِ، والإيماءُ إلى أنَّ تِلْكَ الحَسْرَةَ مِنَ الشِّدَّةِ بِحَيْثُ لا تَزُولُ، ولا تَنْسى بِما يُكابِدُونَهُ مِن فُنُونِ العُقُوباتِ، والسِّرُّ في ذَلِكَ أنَّ العَذابَ الرُّوحانِيَّ أشَدُّ مِنَ الجُسْمانِيِّ، نَعُوذُ بِرَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنهُما.
والوِزْرُ في الأصْلِ: الحِمْلُ الثَّقِيلُ، سُمِّيَ بِهِ الإثْمُ والذَّنْبُ لِغايَةِ ثِقَلِهِ عَلى صاحِبِهِ، وذِكْرُ الظُّهُورِ كَذِكْرِ الأيْدِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾؛ فَإنَّ المُعْتادَ حَمْلُ الأثْقالِ عَلى الظُّهُورِ، كَما أنَّ المَأْلُوفَ هو الكَسْبُ بِالأيْدِي، والمَعْنى: أنَّهم يَتَحَسَّرُونَ عَلى ما لَمْ يَعْمَلُوا مِنَ الحَسَناتِ، والحالُ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَ ما عَمِلُوا مِنَ السَّيِّئاتِ.
﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ وتَكْمِلَةٌ لَهُ؛ أيْ: بِئْسَ شَيْئًا يَزِرُونَهُ وِزْرُهم.
الأنعام 6:32
﴿وَما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ لَمّا حُقِّقَ فِيما سَبَقَ أنَّ وراءَ الحَياةِ الدُّنْيا حَياةً أُخْرى يَلْقَوْنَ فِيها مِنَ الخُطُوبِ ما يَلْقَوْنَ، بُيِّنَ بَعْدَهُ حالُ تَيْنِكَ الحَياتَيْنِ في أنْفُسِهِما، واللَّعِبُ: (p-126)عَمَلٌ يَشْغَلُ النَّفْسَ ويُفْطِرُها عَمّا تَنْتَفِعُ بِهِ، واللَّهْوُ: صَرْفُها عَنِ الجَدِّ إلى الهَزْلِ، والمَعْنى: إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ، أوْ عَلى جَعْلِ الحَياةِ الدُّنْيا نَفْسَ اللَّعِبِ واللَّهْوِ مُبالَغَةً، كَما في قَوْلِ الخَنْساءِ:
فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
أيْ: وما أعْمالُ الدُّنْيا؛ أيِ: الأعْمالُ المُتَعَلِّقَةُ بِها مِن حَيْثُ هي هي، أوْ وما هي مِن حَيْثُ إنَّها مَحَلٌّ لِكَسْبِ تِلْكَ الأعْمالِ، إلّا لَعِبٌ يَشْغَلُ النّاسَ ويُلْهِيهِمْ بِما فِيهِ مِن مَنفَعَةٍ سَرِيعَةِ الزَّوالِ، ولَذَّةٍ وشِيكَةِ الِاضْمِحْلالِ عَمّا يَعْقُبُهم مَنفَعَةٍ جَلِيلَةٍ باقِيَةٍ، ولَذَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ غَيْرِ مُتَناهِيَةٍ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ الَّتِي هي مَحَلُّ الحَياةِ الأُخْرى.
﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكُفْرَ والمَعاصِيَ؛ لِأنَّ مَنافِعَها خالِصَةٌ عَنِ المَضارِّ، ولَذّاتُها غَيْرُ مُنَغَّصَةٍ بِالآلامِ، مُسْتَمِرَّةٌ عَلى الدَّوامِ.
﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ذَلِكَ حَتّى تَتَّقُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أتَغْفَلُونَ فَلا تَعْقِلُونَ، أوْ ألا تَتَفَكَّرُونَ فَتَعْقِلُونَ، وقُرِئَ: ( يَعْقِلُونَ ) عَلى الغَيْبَةِ.
الأنعام 6:33
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنِ الحُزْنِ الَّذِي يَعْتَرِيهِ، مِمّا حُكِيَ عَنِ الكَفَرَةِ مِنَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والمُبالَغَةِ فِيهِ، بِبَيانِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَكانَةٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ ما يَفْعَلُونَ في حَقِّهِ فَهو راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى في الحَقِيقَةِ، وأنَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهم لا مَحالَةَ أشَدَّ انْتِقامٍ.
وَكَلِمَةُ " قَدْ " لِتَأْكِيدِ العِلْمِ بِما ذُكِرَ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ﴾، ونَحْوِهِما، بِإخْراجِها إلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، حَسْبَما يُخَرَّجُ إلَيْهِ " رُبَّما " في مِثْلِ قَوْلِهِ:
وَإنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الفِناءِ فَرُبَّما ... أقامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وُفُودُ
جَرْيًا عَلى سَنَنِ العَرَبِ عِنْدَ قَصْدِ الإفْراطِ في التَّكْثِيرِ، تَقُولُ لِبَعْضِ قُوّادِ العَساكِرِ: كَمْ عِنْدَكَ مِنَ الفُرْسانِ ؟ فَيَقُولُ: رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي وعِنْدَهُ مَقانِبُ جَمَّةٌ، يُرِيدُ بِذَلِكَ: التَّمادِيَ في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ، ولَكِنَّهُ يَرُومُ إظْهارَ بَراءَتِهِ عَنِ التَّزَيُّدِ، وإبْرازَ أنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ، فَضْلًا عَنْ تَكْثِيرِ القَلِيلِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ .
وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ إنَّما تُسْلَكُ عِنْدَ كَوْنِ الأمْرِ مِنَ الوُضُوحِ، بِحَيْثُ لا تَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ حَقِيقَةً، كَما في الآياتِ الكَرِيمَةِ المَذْكُورَةِ، أوِ ادِّعاءٍ كَما في البَيْتِ، وقَوْلِهِ:
قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهْ
وَقَوْلِهِ:
وَلَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهْ
والمُرادُ بِكَثْرَةِ علمه تعالى: كَثْرَةُ تَعَلُّقِهِ، وهو مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ، وما بَعْدَهُ سادٌّ مَسَدَّهُما، واسْمُ " إنَّ " ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وخَبَرُها الجُمْلَةُ المُفَسِّرَةُ لَهُ، والمَوْصُولُ فاعِلُ يَحْزُنْكَ، وعائِدُهُ مَحْذُوفٌ؛ أيِ: الَّذِي يَقُولُونَهُ، وهو ما حُكِيَ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ. وقُرِئَ: ( لَيُحْزِنُكَ ) مِن أحْزَنَ، المَنقُولِ مِن حَزَنَ اللّازِمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُشْعِرُ بِهِ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ الِاعْتِدادِ بِما قالُوا، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ التَّشاغُلِ عَنْهُ وعَدِّهِ هَيِّنًا، والإقْبالِ التّامِّ عَلى ما هو أهَمُّ مِنهُ مِنِ اسْتِعْظامِ جُحُودِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما قِيلَ؛ فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّسْلِيَةِ بِالكُلِّيَّةِ، مِمّا يُوهِمُ كَوْنَ حُزْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِخاصَّةِ نَفْسِهِ، بَلْ بِطَرِيقِ التَّسَلِّي بِما يُفِيدُهُ مِن بُلُوغِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في جَلالَةِ القَدْرِ، ورِفْعَةِ المَحِلِّ، والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى حَيْثُ لا غايَةَ وراءَهُ، حَيْثُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلى جَعْلِ تَكْذِيبِهِ ﷺ تَكْذِيبًا لِآياتِهِ سُبْحانَهُ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ (p-127)فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، بَلْ نَفى تَكْذِيبَهم عَنْهُ ﷺ، وأثْبَتَ لِآياتِهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾؛ إيذانًا بِكَمالِ القُرْبِ، واضْمِحْلالِ شُئُونِهِ ﷺ في شَأْنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، نَعَمْ فِيهِ اسْتِعْظامٌ لِجِناياتِهِمْ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ عُقُوبَتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْتَدَّ بِهِ وكِلْهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهم في تَكْذِيبِهِمْ ذَلِكَ لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ.
﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾؛ أيْ: ولَكِنَّهم بِآياتِهِ تَعالى يُكَذِّبُونَ، فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الظُّلْمِ الَّذِي جُحُودُهم هَذا فَنٌّ مِن فُنُونِهِ.
والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، واسْتِعْظامِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِن جُحُودِ آياتِهِ تَعالى، وإيرادُ الجُحُودِ في مَوْرِدِ التَّكْذِيبِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ آياتِهِ تَعالى مِنَ الوُضُوحِ، بِحَيْثُ يُشاهِدُ صِدْقَها كُلُّ أحَدٍ، وأنَّ مَن يُنْكِرُها فَإنَّما يُنْكِرُها بِطَرِيقِ الجَحُودِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإنْكارِ مَعَ العِلْمِ بِخِلافِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾، وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ نَفْيُ ما في القَلْبِ إثْباتُهُ، أوْ إثْباتُ ما في القَلْبِ نَفْيُهُ.
والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَجْحَدُونَ، يُقالُ: جَحَدَ حَقَّهُ وبِحَقِّهِ: إذا أنْكَرَهُ وهو يَعْلَمُهُ. وقِيلَ: هو لِتَضْمِينِ الجَحُودِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ. وقِيلَ: المَعْنى: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِألْسِنَتِهِمْ، ويَعْضُدُهُ ما رُوِيَ مِن أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ؛ أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا، فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ، والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ؛ فَنَزَلَتْ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُسَمّى الأمِينَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ لا يَكْذِبُ في شَيْءٍ، ولَكِنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ» .
وَقِيلَ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ؛ لِأنَّكَ عِنْدَهُمُ الصّادِقُ المَوْسُومُ بِالصِّدْقِ، ولَكِنَّهم يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ، كَما يُرْوى أنَّ أبا جَهْلٍ كانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نُكَذِّبُكَ وإنَّكَ عِنْدَنا لَصادِقٌ، ولَكِنّا نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ؛ فَنَزَلَتْ.
وَكَأنَّ صِدْقَ المُخْبِرِ عِنْدَ الخَبِيثِ بِمُطابَقَةِ خَبَرِهِ لِاعْتِقادِهِ، والأوَّلُ هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ الجَزالَةُ التَّنْزِيلِيَّةُ.
وَقُرِئَ: ( لا يُكْذِبُونَكَ ) مِنَ الإكْذابِ؛ فَقِيلَ: كِلاهُما بِمَعْنًى واحِدٍ، كَأكْثَرَ وكَثَّرَ، وأنْزَلَ ونَزَّلَ، وهو الأظْهَرُ. وقِيلَ: مَعْنى أكْذَبَهُ: وجَدَهُ كاذِبًا، ونُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتُ الرَّجُلَ؛ أيْ: نَسَبْتَ الكَذِبَ إلَيْهِ، وأكْذَبْتُهُ؛ أيْ: نَسَبْتَ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ لا إلَيْهِ.
الأنعام 6:34
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ افْتِنانٌ في تَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَإنَّ عُمُومَ البَلِيَّةِ رُبَّما يُهَوِّنُ أمْرَها بَعْضَ تَهْوِينٍ، وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الِاقْتِداءِ بِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الكِرامِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الصَّبْرِ عَلى ما أصابَهم مِن أُمَمِهِمْ مِن فُنُونِ الأذِيَّةِ، وعِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمِثْلِ ما مُنِحُوهُ مِنَ النَّصْرِ، وتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ التَّسْلِيَةِ، وتَنْوِينُ رُسُلٍ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ، ومِن إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِكُذِّبَتْ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٍ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ كُذِّبَتْ مِن قَبْلِ تَكْذِيبِكَ رُسُلٌ أُولُو شَأْنٍ خَطِيرٍ وذَوُو عَدَدٍ كَثِيرٍ، أوْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ كانُوا مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ.
﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ " ما " مَصْدَرِيَّةٌ. (p-128)
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوذُوا﴾ عَطْفٌ عَلى كُذِّبُوا، داخِلٌ في حُكْمِهِ، فانْسَبَكَ مِنهُما مَصْدَرانِ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ، فَتَأسَّ بِهِمْ واصْطَبِرْ عَلى ما نالَكَ مِن قَوْمِكَ، والمُرادُ بِإيذائِهِمْ: إمّا عَيْنُ تَكْذِيبِهِمْ، وإمّا ما يُقارِنُهُ مِن فُنُونِ الإيذاءِ، لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ ثِقَةً بِاسْتِلْزامِ التَّكْذِيبِ إيّاهُ غالِبًا، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى صَبَرُوا، وقِيلَ: عَلى كُذِّبَتْ، وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ غايَةٌ لِلصَّبْرِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ نَصْرَهُ تَعالى إيّاهم أمْرٌ مُقَرَّرٌ لا مَرَدَّ لَهُ، وأنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ لا بُدَّ مِن إتْيانِهِ البَتَّةَ، والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ النَّصْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن إتْيانِ نَصْرِهِ إيّاهم، والمُرادُ بِكَلِماتِهِ تَعالى: ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾ مِنَ المَواعِيدِ السّابِقَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ الدّالَّةِ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ أيْضًا، لا نَفْسِ الآياتِ المَذْكُورَةِ ونَظائِرِها.
فَإنَّ الإخْبارَ بِعَدَمِ تَبَدُّلِها إنَّما يُفِيدُ عَدَمَ تَبَدُّلِ المَواعِيدِ الوارِدَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خاصَّةً دُونَ المَواعِيدِ السّابِقَةِ لِلرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكَلِماتِهِ تَعالى: جَمِيعُ كَلِماتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تِلْكَ المَواعِيدُ الكَرِيمَةُ، ويَدْخُلُ فِيها المَواعِيدُ الوارِدَةُ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن مُوجِباتِ أنْ لا يُغالِبُهُ أحَدٌ في فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ، ولا يَقَعُ مِنهُ تَعالى خُلْفٌ في قَوْلٍ مِنَ الأقْوالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ جِيءَ بِها لِتَحْقِيقِ ما مُنِحُوا مِنَ النَّصْرِ، وتَأْكِيدِ ما في ضِمْنِهِ مِنَ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِتَقْرِيرِ جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِن تَكْذِيبِ الأُمَمِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ.
والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ؛ إمّا بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أيْ: بَعْضُ نَبَأِ المُرْسَلِينَ، أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: بَعْضٌ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ ...﴾ الآيَةَ.
وَأيًّا ما كانَ؛ فالمُرادُ بِنَبَئِهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى الأوَّلِ: نَصْرُهُ تَعالى إيّاهم بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، وعَلى الثّانِي: جَمِيعُ ما جَرى بَيْنَهم وبَيْنَ أُمَمِهِمْ، عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا ...﴾ الآيَةَ.
وَقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِ في جاءَ، العائِدِ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ أيْ: ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ كائِنًا مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ.
الأنعام 6:35
﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ إيجابِ الصَّبْرِ المُسْتَفادِ مِنَ التَّسْلِيَةِ، بِبَيانِ أنَّهُ أمْرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ أصْلًا؛ أيْ: إنْ كانَ عَظُمَ عَلَيْكَ، وشَقَّ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ ما حُكِيَ عَنْهم مِن تَسْمِيَتِهِمْ لَهُ أساطِيرَ الأوَّلِينَ، وتَنائِيهِمْ عَنْهُ ونَهْيِهِمُ النّاسَ عَنْهُ.
وَقِيلَ: إنَّ الحَرْثَ بْنَ عامِرِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَحْضَرٍ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ؛ ائْتِنا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما كانَتِ الأنْبِياءُ تَفْعَلُ وأنا أُصَدِّقُكَ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِمّا اقْتَرَحُوا، فَأعْرَضُوا عَنْ رَسُولِ (p-129)اللَّهِ؛ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، لِما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ شَدِيدَ الحِرْصِ عَلى إيمانِ قَوْمِهِ، فَكانَ إذا سَألُوا آيَةً يَوَدُّ أنْ يُنْزِلَها اللَّهُ تَعالى طَمَعًا في إيمانِهِمْ؛ فَنَزَلَتْ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿إعْراضُهُمْ﴾ " مُرْتَفِعٌ بِكَبُرَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِكانَ، مُفَسِّرَةٌ لِاسْمِها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ قَدْ.
وَقِيلَ: اسْمُ كانَ إعْراضُهم، وكَبُرَ جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لَها مُقَدَّمٌ عَلى اسْمِها؛ لِأنَّهُ فِعْلٌ رافِعٌ لِضَمِيرٍ مُسْتَتِرٍ كَما هو المَشْهُورُ.
وَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ ...﴾ إلَخْ شَرْطِيَّةٌ أُخْرى مَحْذُوفَةُ الجَوابِ، وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ الأوَّلِ، والمَعْنى: إنْ شَقَّ عَلَيْكَ إعْراضُهم عَنِ الإيمانِ بِما جِئْتَ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ، وعَدَمُ عَدِّهِمْ لَها مِن قَبِيلِ الآياتِ، وأحْبَبْتَ أنْ تُجِيبَهم إلى ما سَألُوهُ اقْتِراحًا؛ فَإنِ اسْتَطَعْتَ.
﴿أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾؛ أيْ: سِرْبًا ومَنفَذًا.
﴿فِي الأرْضِ﴾ تَنْفُذُ فِيهِ إلى جَوْفِها.
﴿أوْ سُلَّمًا﴾؛ أيْ: مَصْعَدًا.
﴿فِي السَّماءِ﴾ تَعَرُجُ بِهِ فِيها.
﴿فَتَأْتِيَهُمْ﴾ مِنهُما.
﴿بِآيَةٍ﴾ مِمّا اقْتَرَحُوهُ؛ فافْعَلْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ابْتِغاؤُهُما نَفْسَ الإتْيانِ بِالآيَةِ، فالفاءُ في فَتَأْتِيهِمْ حِينَئِذٍ تَفْسِيرِيَّةٌ، وتَنْوِينُ آيَةٍ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَهُما فَتَجْعَلَ ذَلِكَ آيَةً لَهم، فافْعَلْ.
والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِمَحْذُوفَيْنِ، هُما نَعْتانِ لِنَفَقًا وسُلَّمًا، والأوَّلُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ؛ إذِ النَّفَقُ لا يَكُونُ إلّا في الأرْضِ، أوْ بِتَبْتَغِي.
وَقَدْ جُوِّزَ تَعَلُّقُهُما بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ تَبْتَغِي؛ أيْ: أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا كائِنًا أنْتَ في الأرْضِ، أوْ سُلَّمًا كائِنًا في السَّماءِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَبالُغِ حِرْصِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى إسْلامِ قَوْمِهِ، وتَرامِيهِ إلى حَيْثُ لَوْ قَدَرَ عَلى أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ مِن تَحْتِ الأرْضِ، أوْ مِن فَوْقِ السَّماءِ لَفَعَلَ؛ رَجاءً لِإيمانِهِمْ، ما لا يَخْفى.
وَإيثارُ الِابْتِغاءِ عَلى الِاتِّخاذِ ونَحْوِهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ النَّفَقِ والسُّلَّمِ مِمّا لا يُسْتَطاعُ ابْتِغاؤُهُ، فَكَيْفَ بِاتِّخاذِهِ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾؛ أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْمَعَهم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الهُدى لَفَعَلَهُ، بِأنْ يُوَفِّقَهم لِلْإيمانِ فَيُؤْمِنُوا مَعَكم، ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ لِعَدَمِ صَرْفِ اخْتِيارِهِمْ إلى جانِبِ الهُدى، مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنهُ في مُشاهَدَتِهِمْ لِلْآياتِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، لا أنَّهُ تَعالى لَمْ يُوَفِّقْهم لَهُ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلى تَحْصِيلِهِ.
وَقِيلَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلَيْهِ بِأنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مُلْجِئَةٍ إلَيْهِ، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ لِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ نَهْيٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، والمَيْلِ إلى إتْيانِ ما يَقْتَرِحُونَهُ مِنَ الآياتِ طَمَعًا في إيمانِهِمْ، مُرَتَّبٌ عَلى بَيانِ عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِهِدايَتِهِمْ، والمَعْنى: وإذا عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ هِدايَتَهم وإيمانَهم بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَلا تَكُونَنَّ بِالحِرْصِ الشَّدِيدِ عَلى إسْلامِهِمْ، أوِ المَيْلِ إلى نُزُولِ مُقْتَرَحاتِهِمْ، مِنَ الجاهِلِينَ بِدَقائِقِ شُئُونِهِ تَعالى، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ تَعالى بِإيمانِهِمْ؛ أمّا اخْتِيارًا فَلِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ، وأمّا اضْطِرارًا فَلِخُرُوجِهِ عَنِ الحِكْمَةِ التَّشْرِيعِيَّةِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الِاخْتِيارِ.
وَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالجاهِلِينَ عَلى الوَجْهِ الثّانِي: المُقْتَرِحُونَ، ويُرادَ بِالنَّهْيِ مَنعُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ المُساعَدَةِ عَلى اقْتِراحِهِمْ، وإيرادُهم بِعُنْوانِ الجَهْلِ دُونَ الكُفْرِ ونَحْوِهِ؛ لِتَحْقِيقِ مَناطِ النَّهْيِ الَّذِي هو الوَصْفُ الجامِعُ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم.
الأنعام 6:36
﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (p-130)تَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِن أنَّ عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً مانِعَةً مِنَ الفِقْهِ، وفي آذانِهِمْ وقْرًا حاجِزًا مِنَ السَّماعِ، وتَحْقِيقٌ لِكَوْنِهِمْ بِذَلِكَ مِن قَبِيلِ المَوْتى، لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ الإيمانُ البَتَّةَ.
والِاسْتِجابَةُ: الإجابَةُ المُقارِنَةُ لِلْقَبُولِ؛ أيْ: إنَّما يَقْبَلُ دَعْوَتَكَ إلى الإيمانِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ما يُلْقى إلَيْهِمْ سَماعَ تَفْهُّمٍ وتَدَبُّرٍ، دُونَ المَوْتى الَّذِينَ هَؤُلاءِ مِنهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ تَمْثِيلٌ لِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى تَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، بِاخْتِصاصِهِ تَعالى بِالقُدْرَةِ عَلى بَعْثِ المَوْتى مِنَ القُبُورِ.
وَقِيلَ: بَيانٌ لِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَدَمِ إقْلاعِهِمْ عَنْهُ أصْلًا، عَلى أنَّ المَوْتى مِنَ القُبُورِ. وقِيلَ: بَيانٌ مُسْتَعارٌ لِلْكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ جَهْلِهِمْ بِمَوْتِهِمْ؛ أيْ: وهَؤُلاءِ الكَفَرَةُ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن قُبُورِهِمْ.
﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ لِلْجَزاءِ، فَحِينَئِذٍ يَسْتَجِيبُونَ، وأمّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلا سَبِيلَ إلَيْهِ. وقُرِئَ: ( يَرْجِعُونَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ مِن رَجَعَ رُجُوعًا، والمَشْهُورَةُ أوْفى بِحَقِّ المَقامِ؛ لِإنْبائِهِ عَنْ كَوْنِ مَرْجِعِهِمْ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِاضْطِرارِ.
الأنعام 6:37
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أباطِيلِهِمْ بَعْدَ حِكايَةِ ما قالُوا في حَقِّ القرآن الكَرِيمِ، وبَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ.
والقائِلُونَ: رُؤَساءُ قُرَيْشٍ، وقِيلَ: الحَرْثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ وأصْحابُهُ، ولَقَدْ بَلَغَتْ بِهِمُ الضَّلالَةُ والطُّغْيانُ إلى حَيْثُ لَمْ يَقْتَنِعُوا بِما شاهَدُوا مِنَ البَيِّناتِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ، حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى ادِّعاءِ أنَّها لَيْسَتْ مِن قَبِيلِ الآياتِ، وإنَّما هي ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الخَوارِقِ المُلْجِئَةِ، أوِ المُعْقِبَةِ لِلْعَذابِ، كَما قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ ...﴾ الآيَةَ.
والتَّنْزِيلُ بِمَعْنى الإنْزالِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ القِراءَةُ بِالتَّخْفِيفِ فِيما سَيَأْتِي، وما يُفِيدُهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الإشْعارِ بِالعِلِّيَّةِ، إنَّما هو بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ بِالتَّهَكُّمِ مِن جِهَتِهِمْ.
وَإطْلاقُ الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ مَعَ أنَّ المُرادَ بِها: ما هو مِنَ الخَوارِقِ المَذْكُورَةِ، لا آيَةٌ ما مِنَ الآياتِ؛ لِفَسادِ المَعْنى مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها: آيَةٌ مُوجِبَةٌ لِهَلاكِهِمْ، كَإنْزالِ مَلائِكَةِ العَذابِ ونَحْوِهِ، عَلى أنَّ تَنْوِينَها لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، كَما أنَّ إظْهارَ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ القُدْرَةِ الباهِرَةِ، والِاقْتِصارِ في الجَوابِ عَلى بَيانِ قدرته تعالى عَلى تَنْزِيلِها مَعَ أنَّها لَيْسَتْ في حَيِّزِ الإنْكارِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِهِ تَعالى إيّاها مَعَ قدرته عَلَيْهِ لِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ يَجِبُ مَعْرِفَتُها، وهم عَنْها غافِلُونَ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَيْسُوا مِن أهْلِ العِلْمِ، عَلى أنَّ المَفْعُولَ مَطْرُوحٌ بِالكُلِّيَّةِ، أوْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا عَلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِقَرِينَةِ المَقامِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً مِن ذَلِكَ، أوْ آيَةً أيَّ آيَةٍ، ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ، فَلا يَدْرُونَ أنَّ عَدَمَ تَنْزِيلِها مَعَ ظُهُورِ قدرته عَلَيْهِ، لِما أنَّ في تَنْزِيلِها قَلْعًا لِأساسِ التَّكْلِيفِ المَبْنِيِّ عَلى قاعِدَةِ الِاخْتِيارِ، أوِ اسْتِئْصالًا لَهم بِالكُلِّيَّةِ، فَيَقْتَرِحُونَها جَهْلًا، ويَتَّخِذُونَ عَدَمَ تَنْزِيلِها ذَرِيعَةً إلى التَّكْذِيبِ.
وَتَخْصِيصُ عَدَمِ العِلْمِ بِأكْثَرِهِمْ لِما أنَّ بَعْضَهم واقِفُونَ عَلى حَقِيقَةِ (p-131)الحالِ، وإنَّما يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُونَ مُكابَرَةً وعِنادًا.
الأنعام 6:38
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ...﴾ إلَخْ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ قدرته عَزَّ وجَلَّ، وشُمُولِ عِلْمِهِ وسَعَةِ تَدْبِيرِهِ، لِيَكُونَ كالدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى تَنْزِيلِ الآيَةِ، وإنَّما لا يُنَزِّلُها مُحافَظَةً عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ.
وَزِيادَةُ " مِن " لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ، و" في " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، هو وصْفٌ لِدابَّةٍ، مُفِيدٌ لِزِيادَةِ التَّعْمِيمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما فَرْدٌ مِن أفْرادِ الدَّوابِّ يَسْتَقِرُّ في قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ.
وَكَذا زِيادَةُ الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِن زِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ أيْ: ولا طائِرٍ مِنَ الطُّيُورِ يَطِيرُ في ناحِيَةٍ مِن نَواحِي الجَوِّ بِجَناحَيْهِ، كَما هو المُشاهَدُ المُعْتادُ. وقُرِئَ: ( ولا طائِرٌ ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن دابَّةٍ ولا طائِرٍ.
﴿إلا أُمَمٌ﴾؛ أيْ: طَوائِفُ مُتَخالِفَةٌ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: وما مِن دَوابَّ ولا طَيْرٍ إلّا أُمَمٌ.
﴿أمْثالُكُمْ﴾؛ أيْ: كُلُّ أُمَّةٍ مِنها مِثْلُكم في أنَّ أحْوالَها مَحْفُوظَةٌ، وأُمُورَها مُقَنَّنَةٌ، ومَصالِحَها مَرْعِيَّةٌ، جارِيَةٌ عَلى سَنَنِ السَّدادِ، ومُنْتَظِمَةٌ في سِلْكِ التَّقْدِيراتِ الإلَهِيَّةِ، والتَّدْبِيراتِ الرَّبّانِيَّةِ.
﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ يُقالُ: فَرَّطَ الشَّيْءَ؛ أيْ: ضَيَّعَهُ وتَرَكَهُ. قالَ ساعِدَةُ بْنُ حُوَيَّةَ: مَعَهُ سِقاءٌ لا يُفَرِّطُ حَمْلَهُ؛ أيْ: لا يَتْرُكُهُ ولا يُفارِقُهُ، ويُقالُ: فَرَّطَ في الشَّيْءِ؛ أيْ: أهْمَلَ ما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ فِيهِ وأغْفَلَهُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فِي الكِتابِ﴾ "؛ أيْ: في القرآن، عَلى الأوَّلِ ظَرْفُ لَغْوٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿مِن شَيْءٍ﴾ " مَفْعُولٌ لَفَرَّطْنا، ومِن مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ أيْ: ما تَرَكْنا في القرآن شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ المُهِمَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها بَيانُ أنَّهُ تَعالى مُراعٍ لِمَصالِحِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما يَنْبَغِي.
وَعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ، و" مِن شَيْءٍ " في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: ما جَعَلْنا الكِتابَ مُفَرَّطًا فِيهِ شَيْئًا مِنَ التَّفْرِيطِ، بَلْ ذَكَرْنا فِيهِ كُلَّ ما لا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.
وَقِيلَ: الكِتابُ: اللَّوْحُ؛ فالمُرادُ بِالِاعْتِراضِ: الإشارَةُ إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ مُسْتَقْصاةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى هَذا القَدْرِ المُجْمَلِ. وقُرِئَ: ( فَرَطْنا ) بِالتَّخْفِيفِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ في الآخِرَةِ بَعْدَ بَيانِ أحْوالِها في الدُّنْيا، وإيرادُ ضَمِيرِها عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ لِإجْرائِها مُجْراهم، والتَّعْبِيرِ عَنْها بِالأُمَمِ؛ أيْ: إلى مالِكِ أُمُورِهِمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَدَأْبِكم، لا إلى غَيْرِهِ، فَيُجازِيهِمْ، فَيُنْصِفُ بَعْضَهم مِن بَعْضٍ، حَتّى يَبْلُغَ مِن عَدْلِهِ أنْ يَأْخُذَ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، وقِيلَ: حَشْرُها: مَوْتُها، ويَأْباهُ مَقامُ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ.
الأنعام 6:39
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ "، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المَعْهُودِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ ...﴾ الآياتِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: أوْرَدْنا في القرآن جَمِيعَ الأُمُورِ المُهِمَّةِ، وأزَحْنا بِهِ العِلَلَ والأعْذارَ.
﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ (p-132)الَّتِي هي مِنهُ.
﴿صُمٌّ﴾ لا يَسْمَعُونَها سَمْعَ تَدَبُّرٍ وفَهْمٍ؛ فَلِذَلِكَ يُسَمُّونَها أساطِيرَ الأوَّلِينَ، ولا يَعُدُّونَها مِنَ الآياتِ، ويَقْتَرِحُونَ غَيْرَها.
﴿وَبُكْمٌ﴾ لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْطِقُوا بِالحَقِّ، ولِذَلِكَ لا يَسْتَجِيبُونَ دَعْوَتَكَ بِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: في ظُلُماتِ الكُفْرِ، أوْ ظُلُماتِ الجَهْلِ والعِنادِ والتَّقْلِيدِ؛ إمّا خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَأِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ العَمى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾، وإمّا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المُسْتَكِنِ في الخَبَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ضالُّونَ كائِنِينَ في الظُّلُماتِ، أوْ صِفَةً لِبُكْمٍ؛ أيْ: بُكْمٌ كائِنُونَ في الظُّلُماتِ.
والمُرادُ بِهِ: بَيانُ كَمالِ عَراقَتِهِمْ في الجَهْلِ وسُوءِ الحالِ، فَإنَّ الأصَمَّ الأبْكَمَ إذا كانَ بَصِيرًا رُبَّما يَفْهَمُ شَيْئًا بِإشارَةِ غَيْرِهِ، وإنْ لَمْ يَفْهَمْهُ بِعِبارَتِهِ، وكَذا يُشْعِرُ غَيْرَهُ بِما في ضَمِيرِهِ بِالإشارَةِ، وإنْ كانَ مَعْزُولًا عَنِ العِبارَةِ، وأمّا إذا كانَ مَعَ ذَلِكَ أعْمى، أوْ كانَ في الظُّلُماتِ، فَيَنْسَدُّ عَلَيْهِ بابُ الفَهْمِ والتَّفْهِيمِ بِالكُلِّيَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَقْرِيرٌ لِما سَبَقَ مِن حالِهِمْ، بِبَيانِ أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا؛ فَمَن مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ مِن وُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وانْتِفاءِ الغَرابَةِ في تَعَلُّقِها بِهِ؛ أيْ: مَن يَشَأِ اللَّهُ إضْلالَهُ؛ أيْ: أنْ يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ يُضْلِلْهُ؛ أيْ: يَخْلُقْهُ فِيهِ، لَكِنْ لا ابْتِداءً بِطَرِيقِ الجَبْرِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ ما في ذَلِكَ، بَلْ عِنْدَ صَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى كَسْبِهِ وتَحْصِيلِهِ.
وَقِسْ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يَضِلُّ مَن ذَهَبَ إلَيْهِ، ولا يَزِلُّ مَن ثَبَتَ قَدَمُهُ عَلَيْهِ.
الأنعام 6:40
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَكِّتَهم، ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى النَّكِيرِ، والكافُ حَرْفٌ جِيءَ بِهِ لِتَأْكِيدِ الخِطابِ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، ومَبْنى التَّرْكِيبِ وإنْ كانَ عَلى الِاسْتِخْبارِ عَنِ الرُّؤْيَةِ، قَلْبِيَّةً كانَتْ أوْ بَصَرِيَّةً، لَكِنَّ المُرادَ بِهِ: الِاسْتِخْبارُ عَنْ مُتَعَلِّقِها؛ أيْ: أخْبِرُونِي.
﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ حَسْبَما أتى الأُمَمَ السّابِقَةَ مِن أنْواعِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ الَّتِي لا مَحِيصَ عَنْها البَتَّةَ.
﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ هَذا مَناطُ الِاسْتِخْبارِ ومَحَطُّ التَّبْكِيتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأرَأيْتَكم، مُؤَكِّدٌ لِلتَّبْكِيتِ، كاشِفٌ عَنْ كَذِبِهِمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ أصْنامَكم آلِهَةٌ، كَما أنَّها دَعْواكُمُ المَعْرُوفَةُ، أوْ إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا صادِقِينَ، فَأخْبِرُونِي أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ ... إلَخْ.
فَإنَّ صِدْقَهم بِأيِّ مَعْنًى كانَ مِن مُوجِباتِ إخْبارِهِمْ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ سُبْحانَهُ، وأمّا جَعْلُ الجَوابِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ "، أعْنِي: فادْعُوهُ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِغَيْرِ اللَّهِ، فَمُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَيْفَ لا والمَطْلُوبُ مِنهم إنَّما هو الإخْبارُ بِدُعائِهِمْ غَيْرَهُ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ ما يَتَأتّى، لا نَفْسُ دُعائِهِمْ إيّاهُ.
الأنعام 6:41
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ يُنْبِئُ عَنْها الجُمْلَةُ الَّتِي تَعَلَّقَ بِها الِاسْتِخْبارُ إنْباءً جَلِيًّا، كَأنَّهُ قِيلَ: لا غَيْرَهُ تَعالى تَدْعُونَ، بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى كَشْفِهِ، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ؛ أيْ: فَيَكْشِفُهُ إثْرَ دُعائِكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ شاءَ﴾؛ أيْ: إنْ شاءَ كَشْفَهُ لِبَيانِ أنَّ قَبُولَ دُعائِهِمْ غَيْرُ مُطَّرِدٍ، بَلْ هو تابِعٌ (p-133)لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى حِكَمٍ خَفِيَّةٍ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تَعالى بِعِلْمِها، فَقَدْ يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضِ دَعَواتِهِمُ المُتَعَلِّقَةِ بِكَشْفِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وقَدْ لا يَقْبَلُهُ كَما في بَعْضٍ آخَرَ مِنها، وفي جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِكَشْفِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ السّاعَةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: تَتْرُكُونَ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ تَعالى مِنَ الأصْنامِ تَرْكًا كُلِّيًّا، عَطْفٌ عَلى تَدْعُونَ أيْضًا، وتَوْسِيطُ الكَشْفِ بَيْنَهُما مَعَ تَقارُنِهِما، وتَأخُّرِ الكَشْفِ عَنْهُما لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ الكَشْفِ، والإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى الدُّعاءِ خاصَّةً.
الأنعام 6:42
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مِنهم مَن لا يَدْعُو اللَّهَ تَعالى عِنْدَ إتْيانِ العَذابِ أيْضًا؛ لِتَمادِيهِمْ في الغَيِّ والضَّلالِ، لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّكْوِينِيَّةِ كَما لا يَتَأثَّرُونَ بِالزَّواجِرِ التَّنْزِيلِيَّةِ.
وَتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ مَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ، ومَفْعُولُ أرْسَلْنا مَحْذُوفٌ لِما أنَّ مُقْتَضى المَقامِ بَيانُ حالِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ لا حالِ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا.
﴿إلى أُمَمٍ﴾ كَثِيرَةٍ.
﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كائِنَةٍ مِن زَمانٍ قَبْلَ زَمانِكَ.
﴿فَأخَذْناهُمْ﴾؛ أيْ: فَكَذَّبُوا رُسُلَهم فَأخَذْناهم.
﴿بِالبَأْساءِ﴾؛ أيْ: بِالشِّدَّةِ والفَقْرِ.
﴿والضَّرّاءِ﴾؛ أيِ: الضُّرِّ والآفاتِ، وهُما صِيغَتا تَأْنِيثٍ لا مُذَكَّرَ لَهُما.
﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾؛ أيْ: لِكَيْ يَدْعُوا اللَّهَ تَعالى في كَشْفِها بِالتَّضَرُّعِ والتَّذَلُّلِ، ويَتُوبُوا إلَيْهِ مِن كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.
الأنعام 6:43
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا حِينَئِذٍ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَسْتَدْعِيهِ.
﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ عَمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: فَلَمْ يَتَضَرَّعُوا إلَيْهِ تَعالى بِرِقَّةِ القَلْبِ والخُضُوعِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ، ولَكِنْ ظَهَرَ مِنهم نَقِيضُهُ حَيْثُ قَسَتْ قُلُوبُهم؛ أيِ: اسْتَمَرَّتْ عَلى ما هي عَلَيْهِ مِنَ القَساوَةِ، أوِ ازْدادَتْ قَساوَةً، كَقَوْلِكَ: لَمْ يُكْرِمْنِي إذْ جِئْتُهُ ولَكِنْ أهانَنِي.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَلَمْ يُخْطِرُوا بِبالِهِمْ أنَّ ما اعْتَراهم مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ ما اعْتَراهم إلّا لِأجْلِهِ.
وَقِيلَ: الِاسْتِدْراكُ لِبَيانِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في تَرْكِ التَّضَرُّعِ عُذْرٌ سِوى قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، والإعْجابِ بِأعْمالِهِمُ الَّتِي زَيَّنَها الشَّيْطانُ لَهم.
الأنعام 6:44
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ؛ أيْ: فانْهَمَكُوا فِيهِ، ونَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمّا نَسُوهُ.
﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ عَلى مِنهاجِ الِاسْتِدْراجِ، لِما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: " «مُكِرَ بِالقَوْمِ ورَبِّ الكَعْبَةِ» " . وقُرِئَ: ( فَتَّحْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وفي تَرْتِيبِ الفَتْحِ عَلى النِّسْيانِ المَذْكُورِ إشْعارٌ بِأنَّ التَّذَكُّرَ في الجُمْلَةِ غَيْرُ خالٍ عَنِ النَّفْعِ.
وَ" حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، دَخَلَتْ عَلى الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا ...﴾ الآيَةَ، ونَظائِرِهِ، وهي (p-134)مَعَ ذَلِكَ غايَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: " فَتَحْنا "، أوْ لِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا حَتّى إذا اطْمَأنُّوا بِما أُتِيحَ لَهم وبَطِرُوا وأشِرُوا.
﴿أخَذْناهم بَغْتَةً﴾؛ أيْ: نَزَلَ بِهِمْ عَذابُنا فَجْأةً، لِيَكُونَ أشَدَّ عَلَيْهِمْ وقْعًا وأفْظَعَ هَوْلًا.
﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ مُتَحَسِّرُونَ غايَةَ الحَسْرَةِ آيِسُونَ، مِن كُلِّ خَيْرٍ واجِمُونَ. وفي الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى اسْتِقْرارِهِمْ عَلى تِلْكَ الحالَةِ الفَظِيعَةِ.
الأنعام 6:45
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾؛ أيْ: آخِرُهم، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ مِن دَبَرَهُ دَبَرًا. ودُبُورًا؛ أيْ: تَبِعَهُ، ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، فَإنَّ هَلاكَهم بِسَبَبِ ظُلْمِهِمُ الَّذِي هو وضْعُ الكُفْرِ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وإقامَةُ المَعاصِي مُقامَ الطّاعاتِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى ما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّكالِ، فَإنَّ إهْلاكَ الكُفّارِ والعُصاةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَخْلِيصٌ لِأهْلِ الأرْضِ، مِن شُؤْمِ عَقائِدِهِمُ الفاسِدَةِ، وأعْمالِهِمُ الخَبِيثَةِ، نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مُسْتَجْلِبَةٌ لِلْحَمْدِ، لا سِيَّما مَعَ ما فِيهِ مِن إعْلاءِ كَلِمَةِ الحَقِّ الَّتِي نَطَقَتْ بِها رُسُلُهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
الأنعام 6:46
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِتَكْرِيرِ التَّبْكِيتِ عَلَيْهِمْ، وتَثْنِيَةِ الإلْزامِ بَعْدَ تَكْمِلَةِ الإلْزامِ الأوَّلِ بِبَيانِ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌ لَمْ يَزَلْ جارِيًا في الأُمَمِ، وهَذا أيْضًا اسْتِخْبارٌ عَنْ مُتَعَلَّقِ الرُّؤْيَةِ، وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ اسْتِخْبارًا عَنْ نَفْسِ الرُّؤْيَةِ.
﴿إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ بِأنْ أصَمَّكم وأعْماكم بِالكُلِّيَّةِ.
﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بِأنْ غَطّى عَلَيْها بِما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ عَقْلٌ وفَهْمٌ أصْلًا، وتَصِيرُونَ مَجانِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَتْمُ عَطْفًا تَفْسِيرِيًّا لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، فَإنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ طَرِيقانِ لِلْقَلْبِ مِنهُما، يَرِدُ ما يَرِدُهُ مِنَ المُدْرَكاتِ، فَأخْذُهُما سَدٌّ لِبابِهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهو السِّرُّ في تَقْدِيمِ أخْذِهِما عَلى خَتْمِها.
وَأمّا تَقْدِيمُ السَّمْعِ عَلى الإبْصارِ؛ فَلِأنَّهُ مَوْرِدُ الآياتِ القرآنيَّةِ، وإفْرادُهُ لِما أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن إلَهٌ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و" ﴿مَن﴾ " اسْتِفْهامِيَّةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ لِلْخَبَرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتِيكم بِهِ﴾؛ أيْ: بِذاكَ، عَلى أنَّ الضَّمِيرَ مُسْتَعارٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ بِما أخَذَ وخَتَمَ عَلَيْهِ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ، والجُمْلَةُ مُتَعَلِّقُ الرُّؤْيَةِ ومَناطُ الِاسْتِخْبارِ؛ أيْ: أخْبِرُونِي إنْ سَلَبَ اللَّهُ مَشاعِرَكم مَن إلَهٌ غَيْرُهُ تَعالى يَأْتِيكم بِها ؟
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِما عايَنُوا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ؛ أيِ: انْظُرْ كَيْفَ نُكَرِّرُها، ونُقَرِّرُها مَصْرُوفَةً مِن أُسْلُوبٍ إلى أُسْلُوبٍ، تارَةً بِتَرْتِيبِ المُقَدِّماتِ العَقْلِيَّةِ، وتارَةً بِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتارَةً بِالتَّنْبِيهِ والتَّذْكِيرِ.
﴿ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى نُصَرِّفُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، وهو العُمْدَةُ في التَّعْجِيبِ، و" ثُمَّ " لِاسْتِبْعادِ صُدُوفِهِمْ؛ أيْ: إعْراضِهِمْ عَنْ تِلْكَ الآياتِ بَعْدَ تَصْرِيفِها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ المُوجِبِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها.
الأنعام 6:47
﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ تَبْكِيتٌ آخَرُ لَهم بِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاخْتِصاصِ العَذابِ بِهِمْ.
﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: (p-135)عَذابُهُ العاجِلُ الخاصُّ بِكم، كَما أتى مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ.
﴿بَغْتَةً﴾؛ أيْ: فَجْأةً مِن غَيْرِ أنْ يَظْهَرَ مِنهُ مَخايِلُ الإتْيانِ.
وَحَيْثُ تَضَمَّنَ هَذا مَعْنى الخُفْيَةِ، قُوبِلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جَهْرَةً﴾؛ أيْ: بَعْدَ ظُهُورِ أماراتِهِ وعَلائِمِهِ. وقِيلَ: لَيْلًا أوْ نَهارًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَياتًا أوْ نَهارًا﴾، لِما أنَّ الغالِبَ فِيما أتى لَيْلًا البَغْتَةُ، وفِيما أتى نَهارًا الجَهْرَةُ.
وَقُرِئَ: ( بَغْتَةٍ أوْ جَهْرَةٍ ) وهُما في مَوْضِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: إتْيانَ بَغْتَةٍ، أوْ إتْيانَ جَهْرَةٍ، وتَقْدِيمُ البَغْتَةِ لِكَوْنِها أهْوَلُ وأفْظَعُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ﴾ مُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّقْرِيرِ؛ أيْ: قُلْ لَهم تَقْرِيرًا لَهم بِاخْتِصاصِ الهَلاكِ بِهِمْ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى حَسْبَما تَسْتَحِقُّونَهُ، هَلْ يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ إلّا أنْتُمْ ؟ أيْ: هَلْ يُهْلَكُ غَيْرُكم مِمَّنْ لا يَسْتَحِقُّهُ، وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَهُ.
﴿إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ مَناطَ إهْلاكِهِمْ ظُلْمُهُمُ الَّذِي هو وضْعُهُمُ الكُفْرَ مَوْضِعَ الإيمانِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالظّالِمِينَ: الجِنْسُ، وهم داخِلُونَ في الحُكْمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. قالَ الزَّجّاجُ: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ ومَن أشْبَهَكم ؟ ويَأْباهُ تَخْصِيصُ الإتْيانِ بِهِمْ.
وَقِيلَ: الِاسْتِفْهامُ بِمَعْنى النَّفْيِ، فَمُتَعَلِّقُ الِاسْتِخْبارِ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرُونِي إنْ أتاكم عَذابُهُ تَعالى بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً، ماذا يَكُونُ الحالُ ؟ ثُمَّ قِيلَ بَيانًا لِذَلِكَ: ما يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ؛ أيْ: ما يُهْلَكُ بِذَلِكَ العَذابِ الخاصِّ بِكم إلّا أنْتُمْ، فَمَن قَيَّدَ الهَلاكَ بِهَلاكِ التَّعْذِيبِ والسُّخْطِ، لِتَحْقِيقِ الحَصْرِ بِإخْراجِ غَيْرِ الظّالِمِينَ، لِما أنَّهُ لَيْسَ بِطَرِيقِ التَّعْذِيبِ والسَّخَطِ، بَلْ بِطَرِيقِ الإثابَةِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ، فَقَدْ أهْمَلَ ما يُجْدِيهِ واشْتَغَلَ بِما لا يَعْنِيهِ، وأخَلَّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقُرِئَ: ( هَلْ يَهْلِكُ ) مِنَ الثُّلاثِيِّ.
الأنعام 6:48
﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ وظائِفِ مَنصِبِ الرِّسالَةِ عَلى الإطْلاقِ، وتَحْقِيقِ ما في عُهْدَةِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وإظْهارِ أنَّ ما يَقْتَرِحُهُ الكَفَرَةُ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِالرِّسالَةِ أصْلًا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ جَرَتْ عَلَيْهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ حالانِ مُقَدَّرَتانِ مِنَ المُرْسَلِينَ؛ أيْ: ما نُرْسِلُهم إلّا مُقَدَّرًا تَبْشِيرُهم وإنْذارُهم، فَفِيهِما مَعْنى العِلَّةِ الغائِبَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لِيُبَشِّرُوا قَوْمَهم بِالثَّوابِ عَلى الطّاعَةِ، ويُنْذِرُوهم بِالعَذابِ عَلى المَعْصِيَةِ؛ أيْ: لِيُخْبِرُوهم بِالخَبَرِ السّارِّ والخَبَرِ الضّارِّ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم دَخْلٌ ما في وُقُوعِ المُخْبَرِ بِهِ أصْلًا، وعَلَيْهِ يَدُورُ القَصْرُ والإلْزامُ أنْ لا يَكُونَ بَيانُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن آمَنَ وأصْلَحَ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، ومَن مَوْصُولَةٌ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ لِشَبَهِ المَوْصُولِ بِالشَّرْطِ؛ أيْ: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ الَّذِي أُنْذَرُوهُ، دُنْيَوِيًّا كانَ أوْ أُخْرَوِيًّا، ولا هم يَحْزَنُونَ بِفَواتِ ما بُشِّرُوا بِهِ مِنَ الثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ، وتَقْدِيمُ نَفْيِ الخَوْفِ عَلى نَفْيِ الحُزْنِ لِمُراعاةِ حَقِّ المَقامِ، وجَمْعُ الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الرّاجِعَةِ إلى " مَن " بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها؛ أيْ: لا يَعْتَرِيهِمْ ما يُوجِبُ ذَلِكَ، لا أنَّهُ يَعْتَرِيهِمْ، لَكِنَّهم لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ.
والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفائِهِما لا بَيانُ دَوامِهِما، كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مُضارِعًا، (p-136)لِما تَقَرَّرَ في مَوْضِعِهِ مِن أنَّ النَّفْيَ وإنْ دَخَلَ عَلى نَفْسِ المُضارِعِ يُفِيدُ الدَّوامَ والِاسْتِمْرارَ بِحَسَبِ المَقامِ، ألا يُرى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى اسْتِمْرارِ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ النَّفْيِ دَلَّتْ عَلى اسْتِمْرارِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الِاسْتِمْرارِ، كَذَلِكَ المُضارِعُ الخالِي عَنْ حَرْفِ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الثُّبُوتِ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ حَرْفُ النَّفْيِ يُفِيدُ اسْتِمْرارَ الِانْتِفاءِ لا انْتِفاءَ الِاسْتِمْرارِ، ولا بُعْدَ في ذَلِكَ؛ فَإنَّ قَوْلَكَ: ما زَيْدًا ضَرَبْتُ، مُفِيدٌ لِاخْتِصاصِ النَّفْيِ لا نَفْيِ الِاخْتِصاصِ، كَما بُيِّنَ في مَحِلِّهِ.
الأنعام 6:49
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مَن آمَنَ "، داخِلٌ في حُكْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِآياتِنا﴾ إشارَةٌ إلى أنَّ ما يَنْطِقُ بِهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ، ويُبَلِّغُونَهُ إلى الأُمَمِ آياتُهُ تَعالى، وأنَّ مَن آمَنَ بِهِ فَقَدْ آمَنَ بِآياتِهِ تَعالى، ومَن كَذَّبَ بِهِ فَقَدْ كَذَّبَ بِها، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في الإيمانِ بِهِ، والتَّحْذِيرِ عَنْ تَكْذِيبِهِ ما لا يَخْفى، والمَعْنى: ما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلّا لِيُخْبِرُوا أُمَمَهم مِن جِهَتِنا بِما سَيَقَعُ مِنّا مِنَ الأُمُورِ السّارَّةِ والضّارَّةِ، لا لِيُوقِعُوها اسْتِقْلالًا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، أوِ اسْتِدْعاءً مِن قِبَلِنا حَتّى يَقْتَرِحُوا عَلَيْهِمْ ما يَقْتَرِحُونَ؛ فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَن آمَنَ بِما أخْبَرُوا بِهِ مِن قِبَلِنا تَبْشِيرًا، أوْ إنْذارًا في ضِمْنِ آياتِنا، وأصْلَحَ ما يَجِبُ إصْلاحُهُ مِن أعْمالِهِ، أوْ دَخَلَ في الصَّلاحِ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ.
والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الَّتِي بَلَّغُوها عِنْدَ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ ﴿يَمَسُّهُمُ العَذابُ﴾؛ أيِ: العَذابُ الَّذِي أنْذَرُوهُ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، أوْ حَقِيقَةُ العَذابِ وجِنْسُهُ المُنْتَظِمُ لَهُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ فِسْقِهِمُ المُسْتَمِرِّ الَّذِي هو الإصْرارُ عَلى الخُرُوجِ عَنِ التَّصْدِيقِ والطّاعَةِ.
الأنعام 6:50
﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى ما أُسِّسَ مِنَ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ في شَأْنِ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، مَسُوقٌ لِإظْهارِ تَبَرُّئِهِ ﷺ عَمّا يَدُورُ عَلَيْهِ مُقْتَرَحاتُهم؛ أيْ: قُلْ لِلْكَفَرَةِ الَّذِينَ يَقْتَرِحُونَ عَلَيْكَ تارَةً تَنْزِيلَ الآياتِ وأُخْرى غَيْرَ ذَلِكَ: لا أدَّعِي أنَّ خَزائِنَ مَقْدُوراتِهِ تَعالى مُفَوَّضَةٌ إلَيَّ أتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَما أشاءُ، اسْتِقْلالًا أوِ اسْتِدْعاءً، حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ تَنْزِيلَ الآياتِ، أوْ إنْزالَ العَذابِ، أوْ قَلْبَ الجِبالِ ذَهَبًا، أوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِي، وجَعْلُ هَذا تَبَرُّؤًا عَنْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ مِمّا لا وجْهَ لَهُ قَطْعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ " ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ "؛ أيْ: ولا أدَّعِي أيْضًا أنِّي أعْلَمُ الغَيْبَ مِن أفْعالِهِ تَعالى حَتّى تَسْألُونِي عَنْ وقْتِ السّاعَةِ، أوْ وقْتِ نُزُولِ العَذابِ، أوْ نَحْوِهِما.
﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾ حَتّى تُكَلِّفُونِي مِنَ الأفاعِيلِ الخارِقَةِ لِلْعاداتِ ما لا يُطِيقُ بِهِ البَشَرُ مِنَ الرُّقِيِّ في السَّماءِ ونَحْوِهِ، أوْ تَعُدُّوا عَدَمَ اتِّصافِي بِصِفاتِهِمْ قادِحًا في أمْرِي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهم: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ .
والمَعْنى: أنِّي لا أدَّعِي شَيْئًا مِن هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ حَتّى تَقْتَرِحُوا عَلَيَّ ما هو مِن آثارِها وأحْكامِها، وتَجْعَلُوا عَدَمَ إجابَتِي إلى ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى عَدَمِ صِحَّةِ ما أدَّعِيهِ مِنَ الرِّسالَةِ، الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَها بِشَيْءٍ مِمّا ذُكِرَ قَطْعًا، بَلْ إنَّما هي (p-137)عِبارَةٌ عَنْ تَلَقِّي الوَحْيِ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ فَحَسْبُ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ لا عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ اتِّباعِهِ ﷺ بِما يُوحى إلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ، بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى المَفْعُولِ بِالقِياسِ إلى مَفْعُولٍ آخَرَ، كَما هو الِاسْتِعْمالُ الشّائِعُ الوارِدُ عَلى تَوْجِيهِ القَصْرِ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ، بِاعْتِبارِ النَّفْيِ في الأصْلِ والإثْباتِ في القَيْدِ، بَلْ عَلى مَعْنى تَخْصِيصِ حالِهِ ﷺ بِاتِّباعِ ما يُوحى إلَيْهِ بِتَوْجِيهِ القَصْرِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ بِالقِياسِ إلى ما يَغُرُّهُ مِنَ الأفْعالِ، لَكِنْ لا بِاعْتِبارِ النَّفْيِ والإثْباتِ مَعًا في خُصُوصِيَّةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ قَطْعًا، بَلْ بِاعْتِبارِ النَّفْيِ فِيما يَتَضَمَّنُهُ مِن مُطْلَقِ الفِعْلِ والإثْباتِ فِيما يُقارِنُهُ مِنَ المَعْنى المَخْصُوصِ.
فَإنَّ كُلَّ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ الخاصَّةِ، كَنَصَرَ مَثَلًا، يَنْحَلُّ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلى مَعْنًى مُطْلَقٍ، هو مَدْلُولُ لَفْظِ الفِعْلِ، وإلى مَعْنًى خاصٍّ يَقُومُهُ، فَإنَّ مَعْناهُ: فَعَلَ النَّصْرَ، يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهم: مَعْنى فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ: يَفْعَلُ الإعْطاءَ والمَنعَ؛ فَمَوْرِدُ القَصْرِ في الحَقِيقَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِالفِعْلِ بِتَوْجِيهِ النَّفْيِ إلى الأصْلِ والإثْباتِ إلى القَيْدِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مُدْخَلٌ ما في الوَحْيِ، أوْ في المُوحى بِطَرِيقِ الِاسْتِدْعاءِ، أوْ بِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الوُجُوهِ أصْلًا.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ مَثَلٌ لِلضّالِّ والمُهْتَدِي عَلى الإطْلاقِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، والمُرادُ: إنْكارُ اسْتِواءِ مَن لا يَعْلَمُ ما ذُكِرَ مِنَ الحَقائِقِ ومَن يَعْلَمُها، وفِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِها، ومِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الضَّلالِ والتَّرْغِيبِ في الِاهْتِداءِ ما لا يَخْفى، وتَكْرِيرُ الأمْرِ لِتَثْنِيَةِ التَّبْكِيتِ وتَأْكِيدِ الإلْزامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ داخِلٌ تَحْتَ الأمْرِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا تَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ الحَقَّ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ ؟ أوْ أتَسْمَعُونَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فِيهِ ؟ فَمَناطُ التَّوْبِيخِ في الأوَّلِ عَدَمُ الأمْرَيْنِ مَعًا، وفي الثّانِي عَدَمُ التَّفَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ.
الأنعام 6:51
﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ﴾ بَعْدَ ما حُكِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ مِنَ الكَفَرَةِ قَوْمًا لا يَتَّعِظُونَ بِتَصْرِيفِ الآياتِ الباهِرَةِ، ولا يَتَأثَّرُونَ بِمُشاهَدَةِ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، قَدْ إيفَتْ مَشاعِرُهم بِالكُلِّيَّةِ والتَحَقُوا بِالأمْواتِ، وقَرَّرَ ذَلِكَ بِأنْ كَرَّرَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ التَّبْكِيتِ والإلْزامِ ما يُلْقِمُهُمُ الحَجَرَ أيَّ إلْقامٍ، فَأبَوْا إلّا الإباءَ والنَّكِيرَ، وما نَجَعَ فِيهِمْ عِظَةٌ ولا تَذْكِيرٌ، وما أفادَهُمُ الإنْذارُ إلّا الإصْرارَ عَلى الإنْكارِ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَوْجِيهِ الإنْذارِ إلى مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُمُ التَّأثُّرُ في الجُمْلَةِ، وهُمُ المُجَوَّزُونَ مِنهم لِلْحَشْرِ عَلى الوَجْهِ الآتِي، سَواءً كانُوا جازِمِينَ بِأصْلِهِ، كَأهْلِ الكِتابِ وبَعْضِ المُشْرِكِينَ المُعْتَرِفِينَ بِالبَعْثِ، المُتَرَدِّدِينَ في شَفاعَةِ آبائِهِمُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ كالأوَّلِينَ، أوْ في شَفاعَةِ الأصْنامِ كالآخِرِينَ، أوْ مُتَرَدِّدِينَ فِيهِما مَعًا، كَبَعْضِ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم إذا سَمِعُوا بِحَدِيثِ البَعْثِ يَخافُونَ أنْ يَكُونَ حَقًّا، وأمّا المُنْكِرُونَ لِلْحَشْرِ رَأْسًا، والقائِلُونَ بِهِ، القاطِعُونَ بِشَفاعَةِ آبائِهِمْ، أوْ بِشَفاعَةِ الأصْنامِ، فَهم خارِجُونَ مِمَّنْ أُمِرَ بِإنْذارِهِمْ.
وَقَدْ قِيلَ: هُمُ المُفَرِّطُونَ في الأعْمالِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا يُساعِدُهُ سِباقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ ولا سِياقُهُ، بَلْ فِيهِ ما يَقْضِي بِاسْتِحالَةِ صِحَّتِهِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ. (p-138)
والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِما يُوحى، أوْ لِما دَلَّ هو عَلَيْهِ مِنَ القرآن، والمَفْعُولُ الثّانِي لِلْإنْذارِ؛ إمّا العَذابُ الأُخْرَوِيُّ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإمّا مُطْلَقُ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ المُطْلَقَةِ والتَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَحْقِيقِ المَخافَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ ﴿ "يُحْشَرُوا﴾ " . و" ﴿مِن﴾ " مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنِ اسْمِ لَيْسَ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ انْتَصَبَ حالًا، خَلا أنَّ الحالَ الأُولى لِإخْراجِ الحَشْرِ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الخَوْفِ، وتَحْقِيقِ أنَّ ما نِيطَ بِهِ الخَوْفُ هو الحَشْرُ عَلى تِلْكَ الحالَةِ، لا الحَشْرُ كَيْفَما كانَ ضَرُورَةَ أنَّ المُعْتَرِفِينَ بِهِ الجازِمِينَ بِنُصْرَةِ غَيْرِهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ المُنْكِرِينَ لَهُ في عَدَمِ الخَوْفِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ الإنْذارِ.
وَأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلَيْسَتْ لِإخْراجِ الوَلِيِّ الَّذِي لَمَّ يُقَيَّدْ بِها عَنْ حَيِّزِ الِانْتِفاءِ لِفَسادِ المَعْنى، لِاسْتِلْزامِ ثُبُوتِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾، بَلْ لِتَحْقِيقِ مَدارِ خَوْفِهِمْ، وهو فُقْدانُ ما عَلَّقُوا بِهِ رَجاءَهم، وذَلِكَ إنَّما هو وِلايَةُ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ ولَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أوْلِياءُ﴾ .
والمَعْنى: أنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا غَيْرَ مَنصُورِينَ مِن جِهَةِ أنْصارِهِمْ عَلى زَعْمِهِمْ، ومِن هَذا اتَّضَحَ أنْ لا سَبِيلَ إلى كَوْنِ المُرادِ بِالخائِفِينَ المُفَرِّطِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ لَهم ولِيٌّ سِواهُ تَعالى لِيَخافُوا الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ، وإنَّما الَّذِي يَخافُونَهُ الحَشْرَ بِدُونِ نُصْرَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ؛ أيْ: أنْذِرْهم لِكَيْ يَتَّقُوا الكُفْرَ والمَعاصِيَ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ الأمْرِ؛ أيْ: أنْذِرْهم راجِيًا تَقْواهم، أوْ مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: أنْذِرْهم مَرْجُوًّا مِنهُمُ التَّقْوى.
الأنعام 6:52
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ لَمّا أُمِرَ ﷺ بِإنْذارِ المَذْكُورِينَ لِيَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُتَّقِينَ، نُهِيَ ﷺ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ، بِحَيْثُ يُؤَدِّي إلى طَرْدِهِمْ.
رُوِيَ «أنَّ رُؤَساءَ مِنَ المُشْرِكِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ طَرَدْتَ هَؤُلاءِ الأعْبُدَ وأرْواحَ جِبابِهِمْ - يَعْنُونَ: فُقَراءَ المُسْلِمِينَ، كَعَمّارٍ، وصُهَيْبٍ، وخَبّابٍ، وسَلْمانَ، وأضْرابِهِمْ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم - جَلَسْنا إلَيْكَ وحادَثْناكَ، فَقالَ ﷺ: " ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ "، فَقالُوا: فَأقِمْهم عَنّا إذا جِئْنا، فَإذا قُمْنا فَأقْعِدْهم مَعَكَ إنْ شِئْتَ، قالَ ﷺ: " نَعَمْ "، طَمَعًا في إيمانِهِمْ» .
وَرُوِيَ «أنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: لَوْ فَعَلْتَ حَتّى تَنْظُرَ إلى ما يَصِيرُونَ» .
وَقِيلَ: إنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، ومُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، والحَرْثَ بْنَ نَوْفَلٍ، وقَرْصَةَ بْنَ عُبَيْدٍ، وعَمْرَو بْنَ نَوْفَلٍ، وأشْرافَ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ مِن أهْلِ الكُفْرِ، أتَوْا أبا طالِبٍ، فَقالُوا: يا أبا طالِبٍ؛ لَوْ أنَّ ابْنَ أخِيكَ مُحَمَّدًا يَطْرُدُ مُوالِيَنا وحُلَفاءَنا، وهم عَبِيدُنا وعُتَقاؤُنا، كانَ أعْظَمَ في صُدُورِنا وأدْنى لِاتِّباعِنا إيّاهُ؛ فَأتى أبُو طالِبٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَدَّثَهُ بِالَّذِي كَلَّمُوهُ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ حَتّى نَنْظُرَ ما الَّذِي يُرِيدُونَ إلى ما يَصِيرُونَ.
وَقالَ سَلْمانُ وخَبّابٌ: فِينا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، «جاءَ الأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ التَّمِيمِيُّ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ، وعَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ، وذَوُوهم مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم، (p-139)فَوَجَدُوا النَّبِيَّ ﷺ جالِسًا مَعَ أُناسٍ مِن ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ؛ فَلَمّا رَأوْهم حَوْلَهُ ﷺ حَقَّرُوهم، فَأتَوْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ لَوْ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ، ونَفَيْتَ عَنّا هَؤُلاءِ وأرْواحَ جِبابِهِمْ، فَجالَسْناكَ وحادَثْناكَ وأخَذْنا عَنْكَ؛ فَقالَ ﷺ: " ما أنا بِطارِدِ المُؤْمِنِينَ "، قالُوا: فَإنّا نُحِبُّ أنْ تَجْعَلَ لَنا مَعَكَ مَجْلِسًا تَعْرِفُ لَنا بِهِ العَرَبُ فَضْلَنا، فَإنَّ وُفُودَ العَرَبِ تَأْتِيكَ، فَنَسْتَحِي أنْ تَرانا مَعَ هَؤُلاءِ الأعْبُدِ، فَإذا نَحْنُ جِئْناكَ فَأقِمْهم عَنّا، فَإذا نَحْنُ فَرَغْنا فاقْعُدْ مَعَهم إنْ شِئْتَ؛ قالَ ﷺ: " نَعَمْ "، قالُوا: فاكْتُبْ لَنا كِتابًا، فَدَعا بِالصَّحِيفَةِ وبِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِيَكْتُبَ، ونَحْنُ قُعُودٌ في ناحِيَةٍ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالآيَةِ؛ فَرَمى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالصَّحِيفَةِ ودَعانا، فَأتَيْناهُ وجَلَسْنا عِنْدَهُ، وكُنّا نَدْنُو مِنهُ حَتّى تَمَسَّ رُكْبَتُنا رُكْبَتَهُ، وكانَ يَقُومُ عَنّا إذا أرادَ القِيامَ، فَنَزَلَتْ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ فَتَرَكَ القِيامَ عَنّا إلى أنْ نَقُومَ عَنْهُ، وقالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أصْبِرَ نَفْسِي مَعَ قَوْمٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتَ» " .
والمُرادُ بِذِكْرِ الوَقْتَيْنِ: الدَّوامُ، وقِيلَ: صَلاةُ الفَجْرِ والعَصْرِ، وقُرِئَ: ( بِالغُدْوَةِ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَدْعُونَ؛ أيْ: يَدْعُونَهُ تَعالى مُخْلِصِينَ لَهُ فِيهِ، وتَقْيِيدُهُ بِهِ لِتَأْكِيدِ عِلِّيَّتِهِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ الإخْلاصَ مِن أقْوى مُوجِباتِ الإكْرامِ المُضادِّ لِلطَّرْدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ النَّهْيِ وجَوابِهِ تَقْرِيرًا لَهُ، ودَفْعًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ مُسَوِّغًا لِطَرْدِهِمْ مِن أقاوِيلِ الطّاعِنِينَ في دِينِهِمْ، كَدَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ، حَيْثُ قالُوا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ﴾؛ أيْ: ما عَلَيْكَ شَيْءٌ ما مِن حِسابِ إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمُ الباطِنَةِ، حَتّى تَتَصَدّى لَهُ وتَبْنِيَ عَلى ذَلِكَ ما تَراهُ مِنَ الأحْكامِ، وإنَّما وظِيفَتُكَ حَسْبَما هو شَأْنُ مَنصِبِ النُّبُوَّةِ، اعْتِبارُ ظَواهِرِ الأعْمالِ وإجْراءُ الأحْكامِ عَلى مُوجِبِها، وأمّا بَواطِنُ الأُمُورِ فَحِسابُها عَلى العَلِيمِ بِذاتِ الصُّدُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلا عَلى رَبِّي﴾ .
وَذِكْرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ مَعَ أنَّ الجَوابَ قَدْ تَمَّ بِما قَبْلَهُ، لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ انْتِفاءِ كَوْنِ حِسابِهِمْ عَلَيْهِ ﷺ، بِنَظْمِهِ في سِلْكِ ما لا شُبْهَةَ فِيهِ أصْلًا، وهو انْتِفاءُ كَوْنِ حِسابِهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَنْزِيلِ الجُمْلَتَيْنِ مَنزِلَةَ جُمْلَةٍ واحِدَةٍ لِتَأْدِيَةِ مَعْنًى واحِدٍ، عَلى نَهْجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾؛ فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَلالَةِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وتَقْدِيمُ " عَلَيْكَ " في الجُمْلَةِ الأُولى لِلْقَصْدِ إلى إيرادِ النَّفْيِ عَلى اخْتِصاصِ حِسابِهِمْ بِهِ ﷺ؛ إذْ هو الدّاعِي إلى تَصَدِّيهِ ﷺ لِحِسابِهِمْ.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ، والمَعْنى: إنَّكَ لا تُؤاخَذُ بِحِسابِهِمْ حَتّى يُهِمَّكَ إيمانُهم، ويَدْعُوكَ الحِرْصُ عَلَيْهِ إلى أنْ تَطْرُدَ المُؤْمِنِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ جَوابُ النَّفْيِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ جَوابُ النَّهْيِ، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى " فَتَطْرُدَهم " عَلى طَرِيقَةِ التَّسْبِيبِ، ولَيْسَ بِذاكَ.
الأنعام 6:53
﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِما نَشَأ عَنْهُ ما سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ ما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ تَقْدِيمِهِ تَعالى لِفُقَراءَ المُؤْمِنِينَ في أمْرِ الدِّينِ بِتَوْفِيقِهِمْ لِلْإيمانِ، (p-140)مَعَ ما هم عَلَيْهِ في أمْرِ الدُّنْيا مِن كَمالِ سُوءِ الحالِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ.
والكافُ مُقْحَمَةٌ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ فُتُونًا كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الفُتُونِ، ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ المُفِيدِ لِعَدَمِ القُصُورِ فَقَطْ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً، فَصارَ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ، والمَعْنى: ذَلِكَ الفُتُونُ الكامِلُ البَدِيعُ فَتَنّا؛ أيِ: ابْتَلَيْنا بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضِهِمْ لا فُتُونًا غَيْرَهُ، حَيْثُ قَدَّمْنا الآخِرِينَ في أمْرِ الدِّينِ عَلى الأوَّلِينَ المُتَقَدِّمِينَ عَلَيْهِمْ في أمْرِ الدُّنْيا تَقَدُّمًا كُلِّيًّا.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَقُولُوا﴾ لِلْعاقِبَةِ؛ أيْ: لِيَقُولَ البَعْضُ الأوَّلِينَ مُشِيرِينَ إلى الآخِرِينَ، مُحَقِّرِينَ لَهم نَظَرًا إلى ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ الفاحِشِ الدُّنْيَوِيِّ، وتَعامِيًا عَمّا هو مَناطُ التَّفْضِيلِ حَقِيقَةً.
﴿أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَنَّ بَيْنِنا﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِإصابَةِ الحَقِّ، ولَمّا يُسْعِدُهم عِنْدَهُ تَعالى مِن دُونِنا، ونَحْنُ المُقَدَّمُونَ والرُّؤَساءُ، وهُمُ العَبِيدُ والفُقَراءُ، وغَرَضُهم بِذَلِكَ إنْكارُ وُقُوعِ المَنِّ رَأْسًا، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، لا تَحْقِيرُ المَمْنُونِ عَلَيْهِمْ مَعَ الِاعْتِرافِ بِوُقُوعِهِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وإبْطالٌ لَهُ، وإشارَةٌ إلى أنَّ مَدارَ اسْتِحْقاقِ الإنْعامِ مَعْرِفَةُ شَأْنِ النِّعْمَةِ، والِاعْتِرافُ بِحَقِّ المُنْعِمِ، والِاسْتِفْهامُ لِتَقْرِيرِ عِلْمِهِ البالِغِ بِذَلِكَ؛ أيْ: ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ لِنِعَمِهِ، حَتّى تَسْتَبْعِدُوا إنْعامَهُ عَلَيْهِمْ.
وَفِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى أنَّ أُولَئِكَ الضُّعَفاءَ عارِفُونَ بِحَقِّ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى في تَنْزِيلِ القرآن، والتَّوْفِيقِ لِلْإيمانِ، شاكِرُونَ لَهُ تَعالى عَلى ذَلِكَ، مَعَ التَّعْرِيضِ بِأنَّ القائِلِينَ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ ما لا يَخْفى.
الأنعام 6:54
﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ هُمُ الَّذِينَ نُهِيَ عَنْ طَرْدِهِمْ، وُصِفُوا بِالإيمانِ بِآياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما وُصِفُوا بِالمُداوَمَةِ عَلى عِبادَتِهِ تَعالى بِالإخْلاصِ؛ تَنْبِيهًا عَلى إحْرازِهِمْ لِفَضِيلَتَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وتَأْخِيرُ هَذا الوَصْفِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلى الوَصْفِ الأوَّلِ، لِما أنَّ مَدارَ الوَعْدِ بِالرَّحْمَةِ والمَغْفِرَةِ هو الإيمانُ بِها، كَما أنَّ مَناطَ النَّهْيِ عَنِ الطَّرْدِ فِيما سَبَقَ، هو المُداوَمَةُ عَلى العِبادَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أمْرٌ بِتَبْشِيرِهِمْ بِالسَّلامَةِ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ بَعْدَ إنْذارِ مُقابِلِيهِمْ. وقِيلَ: بِتَبْلِيغِ سَلامِهِ تَعالى إلَيْهِمْ. وقِيلَ: بِأنْ يَبْدَأهم بِالسَّلامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾؛ أيْ: قَضاها وأوْجَبَها عَلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ والإحْسانِ بِالذّاتِ، لا بِتَوَسُّطِ شَيْءٍ ما أصْلًا، تَبْشِيرٌ لَهم بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ تَعالى، وبِنَيْلِ المَطالِبِ إثْرَ تَبْشِيرِهِمْ بِالسَّلامَةِ عَنِ المَكارِهِ، وقَبُولِهِ التَّوْبَةَ مِنهم.
وَفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ إظْهارُ اللُّطْفِ بِهِمْ، والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
وَقِيلَ: إنَّ قَوْمًا جاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: إنّا أصَبْنا ذُنُوبًا عِظامًا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلى أنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلرَّحْمَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِجَهالَةٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ عَمَلٍ؛ أيْ: عَمِلَهُ وهو جاهِلٌ بِحَقِيقَةِ ما يَتْبَعُهُ مِنَ المَضارِّ، والتَّقْيِيدُ بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُؤْمِنَ لا يُباشِرُ ما يَعْلَمُ أنَّهُ (p-141)يُؤَدِّي إلى الضَّرَرِ، أوْ عَمِلَهُ مُلْتَبِسًا بِجَهالَةٍ.
﴿ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِهِ، أوْ مِن بَعْدِ سَفَهِهِ.
﴿وَأصْلَحَ﴾؛ أيْ: ما أُفْسِدُهُ، تَدارُكًا وعَزْمًا عَلى أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ أبَدًا.
﴿فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ أيْ: فَأمْرُهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أوْ فَلَهُ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وقُرِئَ: ( فَإنَّهُ ) بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ في صَدْرِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِمَن، عَلى أنَّها مَوْصُولَةٌ، أوْ جَوابًا لَها عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ.
الأنعام 6:55
﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ قَدْ مَرَّ آنِفًا ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ؛ أيْ: هَذا التَّفْصِيلُ البَدِيعُ نُفَصِّلُ الآياتِ في صِفَةِ أهْلِ الطّاعَةِ، وأهْلِ الإجْرامِ المُصِرِّينَ مِنهم والأوّابِينَ.
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾ بِتَأْنِيثِ الفِعْلِ بِناءً عَلى تَأْنِيثِ الفاعِلِ، وقُرِئَ بِالتَّذْكِيرِ بِناءً عَلى تَذْكِيرِهِ، فَإنَّ السَّبِيلَ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ، لَمْ يُقْصَدْ تَعْلِيلُهُ بِها بِعَيْنِها، وإنَّما قُصِدَ الإشْعارُ بِأنَّ لَهُ فَوائِدَ جَمَّةً مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، أوْ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو عِبارَةٌ عَنِ المَذْكُورِ، فَيَكُونُ مُسْتَأْنَفًا؛ أيْ: ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُهم نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِ ( السَّبِيلِ ) عَلى أنَّ الفِعْلَ مُتَعَدٍّ وتاؤُهُ لِلْخِطابِ؛ أيْ: ولِتَسْتَوْضِحَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ، فَتُعامِلُهم بِما يَلِيقُ بِهِمْ.
الأنعام 6:56
﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ﴾ أُمِرَ ﷺ بِالرُّجُوعِ إلى مُخاطَبَةِ المُصِرِّينَ عَلى الشِّرْكِ، إثْرَ ما أُمِرَ بِمُعامَلَةِ مَن عَداهم مِن أهْلِ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ بِما يَلِيقُ بِحالِهِمْ؛ أيْ: قُلْ لَهم قَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ عَنْ رُكُونِهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وبَيانًا لِكَوْنِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ هَوًى مَحْضًا، وضَلالًا بَحْتًا: إنِّي صُرِفْتُ وزُجِرْتُ بِما نُصِبَ لِي مِنَ الأدِلَّةِ، وأُنْزِلَ عَلَيَّ مِنَ الآياتِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ.
﴿أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ عِبادَةِ ما تَعْبُدُونَهُ.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ كائِنًا ما كانَ.
﴿قُلْ﴾ كَرَّرَ الأمْرَ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، أوْ إيذانًا بِاخْتِلافِ المَقُولَيْنِ، مِن حَيْثُ إنَّ الأوَّلَ حِكايَةٌ لِما مِن جِهَتِهِ تَعالى مِنَ النَّهْيِ، والثّانِي حِكايَةٌ لِما مِن جِهَتِهِ ﷺ مِنَ الِانْتِهاءِ عَمّا ذُكِرَ مِن عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَهُ.
وَإنَّما قِيلَ: ﴿لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾ اسْتِجْهالًا لَهم، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّهم فِيما هم فِيهِ تابِعُونَ لِأهْواءٍ باطِلَةٍ، ولَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِمّا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الدِّينُ أصْلًا، وإشْعارًا بِما يُوجِبُ النَّهْيَ والِانْتِهاءَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُؤَكِّدٌ لِانْتِهائِهِ عَمّا نُهِيَ عَنْهُ، مُقَرِّرٌ لِكَوْنِهِمْ في غايَةِ الضَّلالِ والغَوايَةِ؛ أيْ: إنِ اتَّبَعْتُ أهْواءَكم فَقَدْ ضَلَلْتُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، والعُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ؛ أيْ: دَوامِ النَّفْيِ واسْتِمْرارِهِ لا نَفْيِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ، كَما مَرَّ مِرارًا؛ أيْ: ما أنا في شَيْءٍ مِنَ الهُدى حِينَ أكُونُ في عِدادِهِمْ.
الأنعام 6:57
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ الَّذِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وبَيانٌ لِاتِّباعِهِ إيّاهُ إثْرَ إبْطالِ الباطِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الكَفَرَةُ، وبَيانُ عَدَمِ (p-142)اتِّباعِهِ. والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ الَّتِي تَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والمُرادُ بِها: القرآن والوَحْيُ. وقِيلَ: هو الحُجَجُ العَقْلِيَّةُ أوْ ما يَعُمُّها، ولا يُساعِدُهُ المَقامُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّي﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ، مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَنزِلَةِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ: قَدْ، أوْ بِدُونِهِ، جِيءَ بِها لِاسْتِقْباحِ مَضْمُونِها، واسْتِبْعادِ وُقُوعِهِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي عَدَمَهُ مِن غايَةِ وُضُوحِ البَيِّنَةِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ لِلْبَيِّنَةِ، والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ المَعْنى المُرادِ، والمَعْنى: إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ عَظِيمَةٍ كائِنَةٍ مَن رَبِّي، وكَذَّبْتُمْ بِها وبِما فِيها مِنَ الأخْبارِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها الوَعِيدُ بِمَجِيءِ العَذابِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِخَطَئِهِمْ في شَأْنِ ما جَعَلُوهُ مَنشَأً لِتَكْذِيبِهِمْ بِها، وهو عَدَمُ مَجِيءِ ما وُعِدَ فِيها مِنَ العَذابِ الَّذِي كانُوا يَسْتَعْجِلُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، أوْ بِطَرِيقِ الإلْزامِ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أيْ: لَيْسَ ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ المَوْعُودِ في القرآن، وتَجْعَلُونَ تَأخُّرَهُ ذَرِيعَةً إلى تَكْذِيبِهِ في حُكْمِي وقُدْرَتِي، حَتّى أجِيءَ بِهِ وأُظْهِرَ لَكم صِدْقَهُ، أوْ لَيْسَ أمْرُهُ بِمُفَوَّضٍ إلَيَّ.
﴿إنِ الحُكْمُ﴾؛ أيْ: ما الحُكْمُ في ذَلِكَ تَعْجِيلًا وتَأْخِيرًا، أوْ ما الحُكْمُ في جَمِيعِ الأشْياءِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿إلا لِلَّهِ﴾ وحْدَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِهِ دَخْلٌ ما فِيهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّ الحَقَّ﴾؛ أيْ: يَتْبَعُهُ، بَيانٌ لِشُئُونِهِ تَعالى في حُكْمِ المَعْهُودِ، أوْ في جَمِيعِ أحْكامِهِ المُنْتَظِمَةِ لَهُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: لا يَحْكُمُ إلّا بِما هو حَقٌّ، فَيُثْبِتُ حَقِيقَةَ التَّأْخِيرِ.
وَقُرِئَ: ( يَقْضِي ) فانْتِصابُ الحَقِّ حِينَئِذٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ، أوْ عَلى المَفْعُولِيَّةِ؛ أيْ: يَصْنَعُ الحَقَّ ويُدَبِّرُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: قَضى الدِّرْعَ: إذا صَنَعَها، وأصْلُ القَضاءِ: الفَصْلُ بِتَمامِ الأمْرِ، وأصْلُ الحُكْمِ: المَنعُ، فَكَأنَّهُ يَمْنَعُ الباطِلَ عَنْ مُعارَضَةِ الحَقِّ، أوِ الخَصْمَ عَنِ التَّعَدِّي عَلى صاحِبِهِ.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، مُشِيرٌ إلى أنَّ قَصَّ الحَقِّ هَهُنا بِطَرِيقٍ خاصٍّ، هو الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنِّي مِن مَعْرِفَةِ رَبِّي وأنَّهُ لا مَعْبُودَ سِواهُ، عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ وشاهِدِ صِدْقٍ، وكَذَّبْتُمْ بِهِ أنْتُمْ حَيْثُ أشْرَكْتُمْ بِهِ تَعالى غَيْرَهُ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، عَلى وصْفِهِمْ بِتَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى؛ بِسَبَبِ عَدَمِ مَجِيءِ العَذابِ المَوْعُودِ فِيها، فَتَكْذِيبُهم بِهِ سُبْحانَهُ في أمْرِ التَّوْحِيدِ مِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ أصْلًا.
الأنعام 6:58
﴿قُلْ لَوْ أنَّ عِنْدِي﴾؛ أيْ: في قُدْرَتِي ومُكْنَتِي.
﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ مِنَ العَذابِ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ، بِأنْ يَكُونَ أمْرُهُ مُفَوَّضًا إلَيَّ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿لَقُضِيَ الأمْرُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ يَنْزِلَ ذَلِكَ عَلَيْكم إثْرَ اسْتِعْجالِكم بِقَوْلِكم: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾، ونَظائِرِهِ.
وَفِي بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإيذانِ بِتَعَيُّنِ الفاعِلِ الَّذِي هو اللَّهُ تَعالى، وتَهْوِيلِ الأمْرِ، ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى؛ فَما قِيلَ في تَفْسِيرِهِ: لَأهْلَكْتُكم عاجِلًا غَضَبًا لِرَبِّي، ولَتَخَلَّصْتُ مِنكم سَرِيعًا، بِمَعْزِلٍ مِن تَوْفِيَةِ المَقامِ حَقَّهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ مِنِ انْتِفاءِ كَوْنِ أمْرِ العَذابِ مُفَوَّضًا إلَيْهِ ﷺ، المُسْتَتْبِعِ لِانْتِفاءِ قَضاءِ الأمْرِ وتَعْلِيلٌ لَهُ، والمَعْنى: (p-143)واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحالِ الظّالِمِينَ، وبِأنَّهم مُسْتَحِقُّونَ لِلْإمْهالِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْراجِ لِتَشْدِيدِ العَذابِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُفَوِّضْ الأمْرَ إلَيَّ، فَلَمْ يَقْضِ الأمْرَ بِتَعْجِيلِ العَذابِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الأنعام 6:59
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ المَقْدُوراتِ الغَيْبِيَّةِ بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ العِلْمُ، إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ كُلِّها بِهِ تَعالى مِن حَيْثُ القُدْرَةُ.
والمَفاتِحُ: إمّا جَمْعُ مَفْتَحٍ بِفَتْحِ المِيمِ، وهو المَخْزَنُ، فَهو مُسْتَعارٌ لِمَكانِ الغَيْبِ، كَأنَّها مَخازِنُ خُزِنَتْ فِيها الأُمُورُ الغَيْبِيَّةُ يُغْلَقُ عَلَيْها ويُفْتَحُ. وإمّا جَمْعُ مِفْتَحٍ بِكَسْرِها، وهو المِفْتاحُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( مَفاتِيحُ الغَيْبِ )، فَهو مُسْتَعارٌ لِما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى تِلْكَ الأُمُورِ؛ بِناءً عَلى الِاسْتِعارَةِ الأُولى؛ أيْ: عِنْدَهُ تَعالى خاصَّةً خَزائِنُ غُيُوبِهِ، أوْ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإيذانٌ بِأنَّ المُرادَ هو الِاخْتِصاصُ مِن حَيْثُ العِلْمُ لا مِن حَيْثُ القُدْرَةُ، والمَعْنى: أنَّ ما تَسْتَعْجِلُونَهُ مِنَ العَذابِ لَيْسَ مَقْدُورًا لِي حَتّى أُلْزِمَكم بِتَعْجِيلِهِ، ولا مَعْلُومًا لَدَيَّ لِأُخْبِرَكم وقْتَ نُزُولِهِ، بَلْ هو مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ تَعالى قُدْرَةً وعِلْمًا، فَيُنْزِلُهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ والمَصالِحِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ﴾ بَيانٌ لِتَعَلُّقِ علمه تعالى بِالمُشاهَداتِ، إثْرَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِالمُغَيَّباتِ تَكْمِلَةً لَهُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكُلَّ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ سَواءٌ في الجَلاءِ؛ أيْ: يَعْلَمُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ، مُفَصَّلَةً عَلى اخْتِلافِ أجْناسِها، وأنْواعِها، وتَكَثُّرِ أفْرادِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ بَيانٌ لِتَعَلُّقِهِ بِأحْوالِها المُتَغَيِّرَةِ بَعْدَ بَيانِ تَعَلُّقِهِ بِذَواتِها، فَإنَّ تَخْصِيصَ حالِ السُّقُوطِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ إلّا بِطَرِيقِ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِها عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ، كَما أنَّ ذِكْرَ حالِ الوَرَقَةِ وما عُطِفَ عَلَيْها خاصَّةً دُونَ أحْوالِ سائِرِ ما فِيهِما مِن فُنُونِ المَوْجُوداتِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ، بِاعْتِبارِ أنَّها أُنْمُوذَجٌ لِأحْوالِ سائِرِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ورَقَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ظُلُماتِ الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِحَبَّةٍ، مُفِيدَةٌ لِكَمالِ نُفُوذِ علمه تعالى؛ أيْ: ولا حَبَّةٍ كائِنَةٍ في بُطُونِ الأرْضِ إلّا يَعْلَمُها.
وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا رَطْبٍ ولا يابِسٍ﴾ مَعْطُوفانِ عَلَيْها داخِلانِ في حُكْمِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الِاسْتِثْناءِ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ، عَلى أنَّ الكِتابَ المُبِينَ عِبارَةٌ عَنْ علمه تعالى، أوْ بَدَلَ الِاشْتِمالِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وَقُرِئَ الأخِيرانِ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " مِن ورَقَةٍ " . وقِيلَ: رَفْعُهُما بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ " إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ "، وهو الأنْسَبُ بِالمَقامِ لِشُمُولِ الرَّطْبِ واليابِسِ حِينَئِذٍ، لِما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ السُّقُوطُ، وقَدْ نُقِلَ قِراءَةُ الرَّفْعِ في ( ولا حَبَّةٌ ) أيْضًا.
الأنعام 6:60
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾؛ أيْ: يُنِيمُكم فِيهِ، عَلى اسْتِعارَةِ التَّوَفِّي مِنَ الإماتَةِ لِلْإنامَةِ، لِما بَيْنَ المَوْتِ والنَّوْمِ مِنَ المُشارَكَةِ في زَوالِ الإحْساسِ والتَّمْيِيزِ، وأصْلُهُ: قَبْضُ الشَّيْءِ بِتَمامِهِ.
﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾؛ أيْ: ما كَسَبْتُمْ (p-144)فِيهِ، والمُرادُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ: الجِنْسُ المُتَحَقِّقُ في كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِهِما بِالتَّوَفِّي والبَعْثِ المُوجَدَيْنِ فِيها، يَتَحَقَّقُ قَضاءُ الأجَلِ المُسَمّى المُتَرَتِّبِ عَلَيْها لا في بَعْضِها.
والمُرادُ بِعلمه تعالى: ذَلِكَ عِلْمُهُ قَبْلَ الجَرْحِ، كَما يُلَوِّحُ بِهِ تَقْدِيمُ ذِكْرِهِ عَلى البَعْثِ؛ أيْ: يَعْلَمُ ما تَجْرَحُونَ بِالنَّهارِ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وتَخْصِيصُ التَّوَفِّي بِاللَّيْلِ والجَرْحِ بِالنَّهارِ مَعَ تَحَقُّقِ كُلٍّ مِنهُما فِيما خُصَّ بِالآخَرِ، لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ العادَةِ.
﴿ثُمَّ يَبْعَثُكم فِيهِ﴾؛ أيْ: يُوقِظُكم في النَّهارِ، عَطْفٌ عَلى " يَتَوَفّاكم "، وتَوْسِيطُ قَوْلِهِ تَعالى: " ويَعْلَمُ ... " إلَخْ بَيْنَهُما، لِبَيانِ ما في بَعْثِهِمْ مِن عَظِيمِ الإحْسانِ إلَيْهِمْ، بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَكْتَسِبُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ مَعَ كَوْنِها مُوجِبَةً لِإبْقائِهِمْ عَلى التَّوَفِّي، بَلْ لِإهْلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ، يُفِيضُ عَلَيْهِمُ الحَياةَ ويُمْهِلُهم، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ كَلِمَةُ التَّراخِي، كَأنَّهُ قِيلَ: هو الَّذِي يَتَوَفّاكم في جِنْسِ اللَّيالِي، ثُمَّ يَبْعَثُكم في جِنْسِ النَّهارِ مَعَ عِلْمِهِ بِما سَتَجْرَحُونَ فِيها.
﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾ مُعَيَّنٌ لِكُلِّ فَرْدٍ، بِحَيْثُ لا يَكادُ يَتَخَطّى أحَدٌ ما عُيِّنَ لَهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ.
﴿ثُمَّ إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾؛ أيْ: رُجُوعُكم بِالمَوْتِ لا إلى غَيْرِهِ أصْلًا.
﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِالمُجازاةِ بِأعْمالِكُمُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْمَلُونَها في تِلْكَ اللَّيالِي والأيّامِ.
وَقِيلَ: الخِطابُ مَخْصُوصٌ بِالكَفَرَةِ، والمَعْنى: أنَّكم مُلْقَوْنَ كالجِيَفِ بِاللَّيْلِ، كاسِبُونَ لِلْآثامِ بِالنَّهارِ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِكم، يَبْعَثُكُمُ اللَّهُ مِنَ القُبُورِ في شَأْنِ ما قَطَعْتُمْ بِهِ أعْمارَكم مِنَ النَّوْمِ بِاللَّيْلِ وكَسْبِ الآثامِ بِالنَّهارِ، لِيُقْضى الأجْلُ الَّذِي سَمّاهُ وضَرَبَهُ لِبَعْثِ المَوْتى، وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ التَّكَلُّفِ والإخْلالِ، لِإفْضائِهِ إلى كَوْنِ البَعْثِ مُعَلَّلًا بِقَضاءِ الأجَلِ المَضْرُوبِ لَهُ.
الأنعام 6:61
﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾؛ أيْ: هو المُتَصَرِّفُ في أُمُورِهِمْ لا غَيْرُهُ، يَفْعَلُ بِهِمْ ما يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وتَعْذِيبًا وإثابَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ﴾ خاصَّةً أيُّها المُكَلَّفُونَ.
﴿حَفَظَةً﴾ مِنَ المَلائِكَةِ، وهُمُ الكِرامُ الكاتِبُونَ، وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِيُرْسِلُ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِيلاءِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن حَفَظَةً؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً؛ أيْ: كائِنِينَ عَلَيْكم.
وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِحَفَظَةً، والمَحْفُوظُ مَحْذُوفٌ عَلى كُلِّ حالٍ؛ أيْ: يُرْسِلُ عَلَيْكم مَلائِكَةً يَحْفَظُونَ أعْمالَكم كائِنَةً ما كانَتْ، وفي ذَلِكَ حِكْمَةٌ جَمِيلَةٌ ونِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ، لِما أنَّ المُكَلَّفَ إذا عَلِمَ أنَّ أعْمالَهُ تُحْفَظُ عَلَيْهِ، وتُعْرَضُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، كانَ ذَلِكَ أزْجَرَ لَهُ عَنْ تَعاطِي المَعاصِي والقَبائِحِ، وأنَّ العَبْدَ إذا وثِقَ بِلُطْفِ سَيِّدِهِ، واعْتَمَدَ عَلى عَفْوِهِ وسَتْرِهِ، لَمْ يَحْتَشِمْهُ احْتِشامَهُ مِن خَدَمِهِ الواقِفِينَ عَلى أحْوالِهِ.
وَ" حَتّى " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، وهي مَعَ ذَلِكَ تَجْعَلُ ما بَعْدَها مِنَ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ غايَةً لِما قَبْلَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً يَحْفَظُونَ أعْمالَكم مُدَّةَ حَياتِكم، حَتّى إذا انْتَهَتْ مُدَّةُ أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ، وجاءَهُ أسْبابُ المَوْتِ ومَبادِيهِ.
﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ الآخَرُونَ المُفَوَّضُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ، وهم مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ، وانْتَهى هُناكَ حِفْظُ الحَفَظَةِ. وقُرِئَ: ( تَوَفّاهُ ) ماضِيًا، أوْ مُضارِعًا بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ.
﴿وَهُمْ﴾؛ أيِ: الرُّسُلُ.
﴿لا يُفَرِّطُونَ﴾؛ أيْ: بِالتَّوانِي والتَّأْخِيرِ، وقُرِئَ مُخَفَّفًا مِنَ الإفْراطِ؛ أيْ: (p-145)لا يُجاوِزُونَ ما حُدَّ بِهِمْ بِزِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ. والجُمْلَةُ حالٌ مِن رُسُلِنا، وقِيلَ: مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ اعْتِنائِهِمْ بِما أُمِرُوا بِهِ.
الأنعام 6:62
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَوَفَّتْهُ، والضَّمِيرُ لِلْكُلِّ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِأحَدِكم، وهو السِّرُّ في مَجِيئِهِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَغْلِيبًا، والإفْرادُ أوَّلًا والجَمْعُ آخِرًا؛ لِوُقُوعِ التَّوَفِّي عَلى الِانْفِرادِ والرَّدِّ عَلى الِاجْتِماعِ؛ أيْ: ثُمَّ رُدُّوا بَعْدَ البَعْثِ بِالحَشْرِ.
﴿إلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: إلى حُكْمِهِ وجَزائِهِ في مَوْقِفِ الحِسابِ.
﴿مَوْلاهُمُ﴾؛ أيْ: مالِكُهُمُ الَّذِي يَلِي أُمُورَهم عَلى الإطْلاقِ، لا ناصِرُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ .
﴿الحَقِّ﴾ الَّذِي لا يَقْضِي إلّا بِالعَدْلِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
﴿ألا لَهُ الحُكْمُ﴾ يَوْمَئِذٍ صُورَةً ومَعْنًى، لا لِأحَدٍ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿وَهُوَ أسْرَعُ الحاسِبِينَ﴾ يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلائِقِ في أسْرَعِ زَمانٍ وأقْصَرِهِ، لا يَشْغَلُهُ حِسابٌ عَنْ حِسابٍ، ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، وفي الحَدِيثِ: " «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُحاسِبُ الكُلَّ في مِقْدارِ حَلْبِ شاةٍ» " .
الأنعام 6:63
﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مَن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾؛ أيْ: قُلْ تَقْرِيرًا لَهم بِانْحِطاطِ شُرَكائِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الإلَهِيَّةِ: مَن يُنَجِّيكم مِن شَدائِدِهِما الهائِلَةِ الَّتِي تُبْطِلُ الحَواسَّ، وتُدْهِشُ العُقُولَ، ولِذَلِكَ اسْتُعِيرَ لَها الظُّلُماتُ المُبْطِلَةُ لِحاسَّةِ البَصَرِ، يُقالُ لِلْيَوْمِ الشَّدِيدِ: يَوْمٌ مُظْلِمٌ، ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، أوْ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ، والغَرَقِ في البَحْرِ، وقُرِئَ: ( يُنْجِيكم ) مِنَ الإنْجاءِ، والمَعْنى واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن مَفْعُولِ يُنَجِّيكم، والضَّمِيرُ لِمَن؛ أيْ: مَن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِكم داعِينَ لَهُ، أوْ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مَن يُنَجِّيكم مِنها حالَ كَوْنِهِ مَدْعُوًّا مِن جِهَتِكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ تَدْعُونَهُ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ أيْ: تَدْعُونَهُ مُتَضَرِّعِينَ جِهارًا ومُسِرِّينَ، أوْ تَدْعُونَهُ دُعاءَ إعْلانٍ وإخْفاءٍ، وقُرِئَ: ( خِفْيَةً ) بِكَسْرِ الخاءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ حالٌ مِنَ الفاعِلِ أيْضًا عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: تَدْعُونَهُ قائِلِينَ: لَئِنْ أنْجَيْتَنا.
﴿مِن هَذِهِ﴾ الشِّدَّةِ والوَرْطَةِ الَّتِي عُبِّرَ عَنْها بِالظُّلُماتِ.
﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾؛ أيِ: الرّاسِخِينَ في الشُّكْرِ، المُداوِمِينَ عَلَيْهِ لِأجْلِ هَذِهِ النِّعْمَةِ، أوْ جَمِيعِ النَّعْماءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ، وقُرِئَ: ( لَئِنْ أنْجانا ) مُراعاةً لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿تَدْعُونَهُ﴾ " .
الأنعام 6:64
﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ﴾ أُمِرَ ﷺ بِتَقْرِيرِ الجَوابِ مَعَ كَوْنِهِ مِن وظائِفِهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَهم، ولِبِناءِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ عَلَيْهِ؛ أيِ: اللَّهُ تَعالى وحْدَهُ يُنَجِّيكم مِمّا تَدْعُونَهُ إلى كَشْفِهِ مِنَ الشَّدائِدِ المَذْكُورَةِ، وغَيْرِها مِنَ الغُمُومِ والكُرَبِ، ثُمَّ أنْتُمْ بَعْدَ ما تُشاهِدُونَ هَذِهِ النِّعَمَ الجَلِيلَةَ، تُشْرِكُونَ بِعِبادَتِهِ تَعالى غَيْرَهُ، وقُرِئَ: ( يُنْجِيكم ) بِالتَّخْفِيفِ.(p-146)
الأنعام 6:65
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ تَعالى هو القادِرُ عَلى إلْقائِهِمْ في المَهالِكِ، إثْرَ بَيانِ أنَّهُ هو المُنَجِّي لَهم مِنها، وفِيهِ وعِيدٌ ضِمْنِيٌّ بِالعَذابِ لِإشْراكِهِمُ المَذْكُورِ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَأمِنتُمْ أنْ يَخْسِفَ بِكم جانِبَ البَرِّ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ تارَةً أُخْرى﴾ ... الآيَةَ.
وَعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِيَبْعَثَ، وتَقْدِيمُهُ عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، والمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَبْعُوثِ مِمّا يَضُرُّهم، ولِتَهْوِيلِ أمْرِ المُؤَخَّرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْضًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَذابًا؛ أيْ: عَذابًا كائِنًا مِن جِهَةِ الفَوْقِ، كَما فَعَلَ بِمَن فَعَلَ مِن قَوْمِ لُوطٍ، وأصْحابِ الفِيلِ، وأضْرابِهِمْ.
﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ أوْ مِن جِهَةِ السُّفْلِ، كَما فَعَلَ بِفِرْعَوْنَ وقارُونَ. وقِيلَ: مِن فَوْقِكم: أكابِرُكم ورُؤَسائِكم، ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم: سِفْلَتُكم وعَبِيدُكم.
وَكَلِمَةُ " أوْ " لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ، فَلا مَنعَ لِما كانَ مِنَ الجِهَتَيْنِ مَعًا، كَما فُعِلَ بِقَوْمِ نُوحٍ.
﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾؛ أيْ: يَخْلِطَكم فِرَقًا مُتَحَزِّبِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مُشايِعَةٌ لِإمامٍ، فَيَنْشَبُ بَيْنَكُمُ القِتالُ، فَتَخْتَلِطُوا في المَلاحِمِ، كَقَوْلِ الحَماسِيِّ:
؎ وكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ ∗∗∗ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي
﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ عَطْفٌ عَلى يَبْعَثَ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ، لِتَهْوِيلِ الأمْرِ والمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.
والبَعْضُ الأوَّلُ: الكُفّارُ، والآخَرُ: المُؤْمِنُونَ؛ فَفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ قالَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ ": " أعُوذُ بِوَجْهِكَ "، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ ": " أعُوذُ بِوَجْهِكَ "، وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ": " هَذا أهْوَنُ، أوْ هَذا أيْسَرُ» " .
وَعَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «سَألْتُ رَبِّي أنْ لا يَبْعَثَ عَلى أُمَّتِي عَذابًا مِن فَوْقِهِمْ، أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ؛ فَأعْطانِي ذَلِكَ، وسَألْتُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بَأْسَهم بَيْنَهم؛ فَمَنَعَنِي ذَلِكَ» " .
﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ مِن حالٍ إلى حالٍ.
﴿لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ كَيْ يَفْقَهُوا، ويَقِفُوا عَلى جَلِيَّةِ الأمْرِ، فَيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ المُكابَرَةِ والعِنادِ.
الأنعام 6:66
﴿وَكَذَّبَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالعَذابِ المَوْعُودِ، أوِ القرآن المَجِيدِ النّاطِقِ بِمَجِيئِهِ.
﴿قَوْمُكَ﴾؛ أيِ: المُعانِدُونَ مِنهم، ولَعَلَّ إيرادَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، فَإنَّ تَكْذِيبَهم بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِمْ مِن قَوْمِهِ ﷺ، مِمّا يَقْضِي بِغايَةِ عَتُوِّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِن إظْهارِ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ؛ أيْ: كَذَّبُوا بِهِ، والحالُ أنَّهُ الواقِعُ لا مَحالَةَ، أوْ أنَّهُ الكِتابُ الصّادِقُ في كُلِّ ما نَطَقَ بِهِ. وقِيلَ: هو اسْتِئْنافٌ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ جِنايَتِهِمْ ونِهايَةِ قُبْحِها.
﴿قُلْ﴾ لَهم مُنَبِّهًا عَلى ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، وعَلى أنَّكَ قَدْ أدَّيْتَ ما عَلَيْكَ مِن وظائِفِ الرِّسالَةِ.
﴿لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ بِحَفِيظٍ، وُكِّلَ إلَيَّ أمْرُكم، لِأمْنَعَكم مِنَ التَّكْذِيبِ وأُجْبِرَكم عَلى التَّصْدِيقِ، إنَّما أنا مُنْذِرٌ، وقَدْ خَرَجْتُ عَنِ العُهْدَةِ، حَيْثُ أخْبَرْتُكم بِما سَتَرَوْنَهُ.(p-147)
الأنعام 6:67
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ شَيْءٍ يُنْبَأُ بِهِ مِنَ الأنْباءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عَذابُكم، أوْ لِكُلِّ خَبَرٍ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها خَبَرُ مَجِيئِهِ.
﴿مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أيْ: وقْتُ اسْتِقْرارٍ ووُقُوعٍ البَتَّةَ، ووَقْتُ اسْتِقْرارٍ بِوُقُوعِ مَدْلُولِهِ.
﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: حالَ نَبَئِكم في الدُّنْيا، أوْ في الآخِرَةِ، أوْ فِيهِما مَعًا، وسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ .
الأنعام 6:68
﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾؛ أيْ: بِالتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها، كَما هو دَأْبُ قُرَيْشٍ ودَيْدَنُهم.
﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بِتَرْكِ مُجالَسَتِهِمْ والقِيامِ عَنْهم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ غايَةٌ لِلْإعْراضِ؛ أيِ: اسْتَمِرَّ عَلى الإعْراضِ إلى أنْ يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِ آياتِنا، والتَّذْكِيرِ بِاعْتِبارِ كَوْنِها حَدِيثًا، فَإنَّ وصْفَ الحَدِيثِ بِمُغايَرَتِها مُشِيرٌ إلى اعْتِبارِها بِعُنْوانِ الحَدِيثِيَّةِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ كَوْنِها قُرْآنًا.
﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بِأنْ يَشْغَلَكَ فَتَنْسى النَّهْيَ، فَتُجالِسَهُمُ ابْتِداءً أوْ بَقاءً، وقُرِئَ: ( يُنَسِّيَنَّكَ ) مَن التَّنْسِيَةِ.
﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾؛ أيْ: بَعْدَ تَذَكُّرِ النَّهْيِ.
﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: مَعَهم، فَوُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ أنَّهم بِذَلِكَ الخَوْضِ ظالِمُونَ، واضِعُونَ لِلتَّكْذِيبِ والِاسْتِهْزاءِ مَوْضِعَ التَّصْدِيقِ والتَّعْظِيمِ، راسِخُونَ في ذَلِكَ.
الأنعام 6:69
﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُسْلِمِينَ حِينَ نُهُوا عَنْ مُجالَسَتِهِمْ عِنْدَ خَوْضِهِمْ في الآياتِ، قالُوا: لَئِنْ كُنّا نَقُولُ: كُلَّما اسْتَهْزَءُوا بِالقرآن لَمْ نَسْتَطِعْ أنْ نَجْلِسَ في المَسْجِدِ الحَرامِ ونَطُوفَ بِالبَيْتِ؛ فَنَزَلَتْ؛ أيْ: ما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ قَبائِحَ أعْمالِ الخائِضِينَ وأحْوالِهِمْ.
﴿مِن حِسابِهِمْ﴾؛ أيْ: مِمّا يُحاسَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الجَرائِرِ.
﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: شَيْءٍ ما عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ. و" ما " تَمِيمِيَّةٌ، أوِ اسْمٌ لَها، وهي حِجازِيَّةٌ، و" ﴿مِن﴾ " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، و" ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ " حالٌ مِنهُ، و" ﴿عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ " في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، أوْ لـِ " ما " الحِجازِيَّةِ عَلى رَأْيِ مَن لا يُجِيزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ مُطْلَقًا، أوْ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ إعْمالَها في الخَبَرِ المُقَدَّمِ عِنْدَ كَوْنِهِ ظَرْفًا، أوْ حَرْفَ جَرٍّ.
﴿وَلَكِنْ ذِكْرى﴾ اسْتِدْراكٌ مِنَ النَّفْيِ السّابِقِ؛ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم ويَمْنَعُوهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ بِما أمْكَنَ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، ويُظْهِرُوا لَهُمُ الكَراهَةَ والنَّكِيرَ، ومَحَلُّ " ذِكْرى " إمّا النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ المَحْذُوفِ؛ أيْ: عَلَيْهِمْ أنْ يُذَكِّرُوهم تَذْكِيرًا، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ؛ أيْ: ولَكِنَّ عَلَيْهِمْ ذِكْرى.
﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾؛ أيْ: يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ حَياءً، أوْ كَراهَةً لِمَساءَتِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ الضَّمِيرِ لِلْمَوْصُولِ؛ أيْ: يُذَكِّرُوهم رَجاءَ أنْ يَثْبُتُوا عَلى تَقْواهم، أوْ يَزْدادُوها.(p-148)
الأنعام 6:70
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ﴾ الَّذِينَ كُلِّفُوهُ وأُمِرُوا بِإقامَةِ مَواجِبِهِ.
﴿لَعِبًا ولَهْوًا﴾ حَيْثُ سَخِرُوا بِهِ واسْتَهْزَءُوا، أوْ بَنَوْا أمْرَ دِينِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَتَعاطاهُ العاقِلُ بِطَرِيقِ الجِدِّ، وإنَّما يَصْدُرُ عَنْهُ لَوْ صَدَرَ بِطَرِيقِ اللَّعِبِ واللَّهْوِ، كَعِبادَةِ الأصْنامِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أعْرِضْ عَنْهم ولا تُبالِ بِأفْعالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ...﴾ الآيَةَ.
﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ واطْمَأنُّوا بِها حَتّى زَعَمُوا أنْ لا حَياةَ بَعْدَها أبَدًا.
﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالقرآن، مَن يَصْلُحُ لِلتَّذْكِيرِ.
﴿أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾؛ أيْ: لِئَلّا تُبْسَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلُّوا ...﴾ الآيَةَ، أوْ مَخافَةَ أنْ تُبْسَلَ، أوْ كَراهَةَ أنْ تُبْسَلَ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾، وتُرْتَهَنَ لِسُوءِ عَمَلِها.
وَأصْلُ الإبْسالِ والبَسْلِ: المَنعُ، ومِنهُ: أسَدٌ باسِلٌ؛ لِأنَّ فَرِيسَتَهُ لا تُفْلِتُ مِنهُ، أوْ لِأنَّهُ مُمْتَنِعٌ، والباسِلُ: الشُّجاعُ؛ لِامْتِناعِهِ مِن قِرْنِهِ، وهَذا بَسْلٌ عَلَيْكَ؛ أيْ: حَرامٌ مَمْنُوعٌ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ المَجْرُورُ في " بِهِ " راجِعَها إلى الإبْسالِ، مَعَ عَدَمِ جَرَيانِ ذِكْرِهِ كَما في ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وتَكُونُ الجُمْلَةُ بَدَلًا مِنهُ مُفَسِّرًا لَهُ، لِما في الإبْهامِ أوَّلًا والتَّفْسِيرِ ثانِيًا مِنَ التَّفْخِيمِ وزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ:
عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ
بِجَرِّ حاتِمٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ جُودِهِ؛ فالمَعْنى: وذَكِّرْ بِارْتِهانِ النُّفُوسِ وحَبْسِها بِما كَسَبَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْإخْبارِ بِذَلِكَ. وقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ كَسَبَتْ. وقِيلَ: في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِنَفْسٌ، والأظْهَرُ أنَّهُ حالٌ مِن نَفْسٌ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ نَفْسٌ كافِرَةٌ، أوْ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ .
وَ" ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن " ﴿وَلِيٌّ﴾ "، كَما بُيِّنَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ ...﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِلَيْسَ، فَيَكُونُ " لَها " حِينَئِذٍ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ عَلى البَيانِ.
﴿وَإنْ تَعْدِلْ﴾؛ أيْ: إنْ تَفْدِ تِلْكَ النَّفْسُ.
﴿كُلَّ عَدْلٍ﴾؛ أيْ: كُلَّ فِداءٍ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ.
﴿لا يُؤْخَذْ مِنها﴾ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ لا إلى ضَمِيرِ العَدْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾؛ فَإنَّهُ المَفْدِيُّ بِهِ لا المَصْدَرُ كَما نَحْنُ فِيهِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، سِيقَتْ إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ مِنَ الإبْسالِ المَذْكُورِ، لِبَيانِ أنَّهُمُ المُبْتَلَوْنَ بِذَلِكَ؛ أيْ: أُولَئِكَ المُتَّخِذُونَ دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا، المُغْتَرُّونَ بِالحَياةِ الدُّنْيا، هُمُ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ الإبْسالِ المَذْكُورِ وعاقِبَتِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا لَهم حِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا ؟ فَقِيلَ: لَهم شَرابٌ مِن ماءٍ مَغْلِيٍّ، يَتَجَرْجَرُ في بُطُونِهِمْ وتَتَقَطَّعُ بِهِ أمْعاؤُهم.
﴿وَعَذابٌ ألِيمٌ﴾ بِنارٍ تَشْتَعِلُ بِأبْدانِهِمْ.
﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ في الدُّنْيا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ " لَهم شَرابٌ ... " إلَخْ حالًا مِن ضَمِيرِ أُبْسِلُوا، وتَرْتِيبِ (p-149)ما ذُكِّرَ مِنَ العَذابَيْنِ عَلى كُفْرِهِمْ، مَعَ أنَّهم مُعَذَّبُونَ بِسائِرِ مَعاصِيهِمْ أيْضًا حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " بِما كَسَبُوا "؛ لِأنَّهُ العُمْدَةُ في إيجابِ العَذابِ، والأهَمُّ في بابِ التَّحْذِيرِ، أوْ أُرِيدَ بِكُفْرِهِمْ ما هو أعَمُّ مِنهُ، ومِن مُسْتَتْبَعاتِهِ مِنَ المَعاصِي والسَّيِّئاتِ.
هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ " أُولَئِكَ " إشارَةً إلى النُّفُوسِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِنَفْسٌ، مَحَلُّهُ الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ والمَوْصُولُ الثّانِي صِفَتُهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، " ولَهم شَرابٌ ... " إلَخْ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ تَبِعَةِ الإبْسالِ.
الأنعام 6:71
﴿قُلْ أنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا ولا يَضُرُّنا﴾ قِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ دَعاهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلى عِبادَةِ الأصْنامِ؛ فَتَوْجِيهُ الأمْرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ؛ لِلْإيذانِ بِما بَيْنَهُما مِنَ الِاتِّصالِ والِاتِّحادِ، تَنْوِيهًا لِشَأْنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ؛ أيْ: أنَعْبُدُ مُتَجاوِزِينَ عِبادَةَ اللَّهِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُدْرَةُ عَلى النَّفْعِ والضُّرِّ، ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعِنا إذا عَبَدْناهُ، ولا عَلى ضَرِّنا إذا تَرَكْناهُ، وأدْنى مَراتِبِ المَعْبُودِيَّةِ القُدْرَةُ عَلى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا﴾ عَطْفٌ عَلى " نَدْعُوا " داخِلٌ في حُكْمِ الإنْكارِ والنَّفْيِ؛ أيْ: ونُرَدُّ إلى الشِّرْكِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالرَّدِّ عَلى الأعْقابِ، لِزِيادَةِ تَقْبِيحِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةٍ ما هو عَلَمٌ في القُبْحِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ الشِّرْكِ حالَةً قَدْ تُرِكَتْ ونُبِذَتْ وراءَ الظَّهْرِ، وإيثارُ نُرَدُّ عَلى نَرْتَدُّ لِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى الِارْتِدادِ بِرَدِّ الغَيْرِ، تَصْرِيحًا بِمُخالَفَةِ المُضِلِّينَ وقَطْعًا لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وإيذانًا بِأنَّ الِارْتِدادَ مِن غَيْرِ رادٍّ لَيْسَ في حَيِّزِ الِاحْتِمالِ لِيُحْتاجَ إلى نَفْيِهِ وإنْكارِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى الإسْلامِ، وأنْقَذَنا مِنَ الشِّرْكِ، مُتَعَلِّقٌ بِنُرَدُّ، مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ لا لِتَحْقِيقِ مَعْنى الرَّدِّ وتَصْوِيرِهِ فَقَطْ، وإلّا لَكَفى أنْ يُقالَ: بَعْدَ إذِ اهْتَدَيْنا، كَأنَّهُ قِيلَ: ونُرَدُّ إلى الشِّرْكِ بِإضْلالِ المُضِلِّ بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ الَّذِي لا هادِيَ سِواهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن مَرْفُوعِ نُرَدُّ؛ أيْ: نُرَدُّ؛ أيْ: أنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا مُشَبَّهِينَ بِالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ مَرَدَةُ الجِنِّ واسْتَغْوَتْهُ إلى المَهامِهِ والمَهالِكِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أنُرَدُّ رَدًّا مِثْلَ رَدِّ الَّذِي اسْتَهْوَتْهُ ... إلَخْ.
والِاسْتِهْواءُ: اسْتِفْعالٌ مِن هَوى في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها، كَأنَّها طَلَبَتْ هُوِيَّهُ وحَرَصَتْ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: ( اسْتَهْواهُ ) بِألِفٍ مُمالَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الأرْضِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِاسْتَهْوَتْهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: كائِنًا في الأرْضِ.
وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَيْرانَ﴾ حالٌ مِنهُ عَلى أنَّها بَدَلٌ مِنَ الأُولى، أوْ حالُ الثّانِيَةِ عِنْدَ مَن يُجِيزُها، أوْ مِنَ الَّذِي، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ؛ أيْ: تائِهًا ضالًّا عَنِ الجادَّةِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ أصْحابٌ﴾ جُمْلَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِحَيْرانَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ سِيقَتْ لِبَيانِ حالِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾ صِفَةٌ لِأصْحابٍ؛ أيْ: لِذَلِكَ المُسْتَهْوى رُفْقَةٌ يَهْدُونَهُ إلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، تَسْمِيَةٌ لَهُ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، كَأنَّهُ نَفْسُ الهُدى.
﴿ائْتِنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِمَّنْ يَدْعُونَهُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يَقُولُونَ: ائْتِنا.
وَفِيهِ إشارَةٌ (p-150)إلى أنَّهم مُهْتَدُونَ، ثابِتُونَ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وأنَّ مَن يَدْعُونَهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ المُسْتَقِيمَ، لِيُدْعى إلى إتْيانِهِ، وإنَّما يُدْرِكُ سَمْتَ الدّاعِي ومَوْرِدَ النَّعِيقِ فَقَطْ.
﴿قُلْ إنَّ هُدى اللَّهِ﴾ الَّذِي هَدانا إلَيْهِ وهو الإسْلامُ.
﴿هُوَ الهُدى﴾ وحْدَهُ، وما عَداهُ ضَلالٌ مَحْضٌ وغَيٌّ بَحْتٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلا الضَّلالُ﴾ ونَحْوِهِ.
وَتَكْرِيرُ الأمْرِ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ، ولِأنَّ ما سَبَقَ لِلزَّجْرِ عَنِ الشِّرْكِ، وهَذا حَثٌّ عَلى الإسْلامِ، وهو تَوْطِئَةٌ لِما بَعْدَهُ، فَإنَّ اخْتِصاصَ الهُدى بِهُداهُ تَعالى مِمّا يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ الوارِدَةِ بَعْدَهُ.
﴿وَأُمِرْنا﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ " هُدى اللَّهِ هو الهُدى " داخِلٌ تَحْتِ القَوْلِ.
واللّامُ في ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ المَحْكِيِّ، وتَعْيِينِ ما أُرِيدَ بِهِ مِنَ الأوامِرِ الثَّلاثَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُنْفِقُوا ...﴾ الآيَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُمِرْنا، وقِيلَ لَنا: أسْلِمُوا؛ لِأجْلِ أنْ نَسْلَمَ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى الباءِ؛ أيْ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، وقِيلَ: زائِدَةٌ؛ أيْ: أُمِرْنا أنْ نُسْلِمَ عَلى حَذْفِ الباءِ.
الأنعام 6:72
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ واتَّقُوهُ﴾؛ أيِ: اللَّهَ تَعالى في مُخالَفَةِ أمْرِهِ، عَطْفٌ عَلى " نُسْلِمَ " عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، عَلى أنَّ " أنِ " المَصْدَرِيَّةَ إذا وصَلَتْ بِالأمْرِ بِتَجَرُّدٍ، هو عَنْ مَعْنى الأمْرِ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أُمِرْنا؛ أيْ: قِيلَ لَنا: أسْلِمُوا، وأقِيمُوا الصَّلاةَ، واتَّقُوا اللَّهَ؛ لِأجْلِ أنْ نُسْلِمَ، ونُقِيمَ الصَّلاةَ ونَتَّقِيَهُ تَعالى، وعَلى الأخِيرَيْنِ: أُمِرْنا بِأنْ نُسْلِمَ، ونُقِيمَ الصَّلاةَ، ونَتَّقِيَهُ تَعالى، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ، لِتَعْلِيلِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.
كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُوجِبَةٌ لِلِامْتِثالِ بِما أُمِرَ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ.
الأنعام 6:73
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ أُرِيدَ بِخَلْقِهِما: خَلْقُ ما فِيهِما أيْضًا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ لِظُهُورِ اشْتِمالِهِما عَلى جَمِيعِ العُلْوِيّاتِ والسُّفْلِيّاتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ " خَلَقَ "، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ المُؤَكِّدِ لَهُ؛ أيْ: قائِمًا بِالحَقِّ، أوْ مُتَلَبِّسَةً بِالحَقِّ، أوْ خَلْقًا مُتَلَبِّسًا بِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ خَلْقَهُ تَعالى لِما ذُكِرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، لَيْسَ مِمّا يَتَوَقَّفُ عَلى مادَّةٍ أوْ مُدَّةٍ، بَلْ يَتِمُّ بِمَحْضِ الأمْرِ التَّكْوِينِيِّ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ آخَرَ أصْلًا، وأنَّ ذَلِكَ الأمْرَ المُتَعَلِّقَ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِن أفْرادِ المَخْلُوقاتِ في حِينٍ مُعَيَّنٍ مِن أفْرادِ الأحْيانِ، حَقٌّ في نَفْسِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ.
وَ" يَوْمَ " ظَرْفٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ " قَوْلُهُ الحَقُّ "، والواوُ بِحَسَبِ المَعْنى داخِلٌ عَلَيْها، وتَقْدِيمُهُ عَلَيْها لِلِاعْتِناءِ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَدارُ الحَقِّيَّةِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المَقُولِ لَهُ لِلثِّقَةِ بِغايَةِ ظُهُورِهِ.
والمُرادُ بِالقَوْلِ: كَلِمَةُ ( كُنْ ) تَحْقِيقًا أوْ تَمْثِيلًا، كَما هو المَشْهُورُ؛ فالمَعْنى: وأمْرُهُ المُتَعَلِّقُ بِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُ خَلْقَهُ مِنَ الأشْياءِ في حِينِ تَعَلُّقِهِ بِهِ، لا قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، مِن أفْرادِ الأحْيانِ الحَقُّ؛ أيْ: المَشْهُودُ لَهُ بِالحَقِّيَّةِ المَعْرُوفُ بِها.
هَذا وقَدْ قِيلَ: " ﴿قَوْلُهُ﴾ " مُبْتَدَأٌ، و" ﴿الحَقُّ﴾ " صِفَتُهُ، و" ﴿يَوْمَ يَقُولُ﴾ " خَبَرُهُ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، كَقَوْلِكَ: يَوْمَ الجُمْعَةِ القِتالُ، وانْتِصابُهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وحاصِلُ المَعْنى: قَوْلُهُ الحَقُّ كائِنٌ (p-151)حِينَ يَقُولُ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ: كُنْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ.
وَقِيلَ: " يَوْمَ " مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى " السَّماواتِ "، أوْ عَلى الضَّمِيرِ في " واتَّقُوهُ "، أوْ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ بِالحَقِّ، و" قَوْلُهُ الحَقُّ " مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوْ فاعِلُ " يَكُونُ " عَلى مَعْنى: حِينَ يَقُولُ لِقَوْلِهِ الحَقَّ؛ أيْ: لِقَضائِهِ الحَقَّ كُنْ فَيَكُونُ، والمُرادُ: حِينَ يُكَوِّنُ الأشْياءَ ويُحْدِثُها، أوْ حِينَ تَقُومُ القِيامَةُ، فَيَكُونُ التَّكْوِينُ حَشْرَ الأجْسادِ وإحْياءَها؛ فَتَأمَّلْ حَقَّ التَّأمُّلِ.
﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ تَقْيِيدُ اخْتِصاصِ المُلْكِ بِهِ تَعالى بِذَلِكَ اليَوْمِ مَعَ عُمُومِ الِاخْتِصاصِ لِجَمِيعِ الأوْقاتِ، لِغايَةِ ظُهُورِ ذَلِكَ بِانْقِطاعِ العَلائِقِ المَجازِيَّةِ الكائِنَةِ في الدُّنْيا، المُصَحِّحَةِ لِلْمالِكِيَّةِ المَجازِيَّةِ في الجُمْلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ .
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: هو عالِمُهُما.
﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ في كُلِّ ما يَفْعَلُهُ.
﴿الخَبِيرُ﴾ بِجَمِيعِ الأُمُورِ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ.
الأنعام 6:74
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ، خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ، مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿قُلْ أنَدْعُو﴾ "، لا عَلى " ﴿أقِيمُوا﴾ " كَما قِيلَ؛ لِفَسادِ المَعْنى؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم بَعْدَ ما أنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ عِبادَةَ ما لا يَقْدِرُ عَلى نَفْعٍ وضُرٍّ، وحَقَّقْتَ أنَّ الهُدى هو هُدى اللَّهِ، وما يَتْبَعُهُ مِن شُئُونِهِ تَعالى، وقْتَ قَوْلِ إبْراهِيمَ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ، مُوَبِّخًا ﴿لأبِيهِ آزَرَ﴾ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُبَكِّتُهم ويُنادِي بِفَسادِ طَرِيقَتِهِمْ.
وَتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ المُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها.
وَآزَرُ بِزِنَةِ آدَمَ، وعابَرَ، وعازَرَ، وفالَغَ، وكَذَلِكَ تارَحُ، ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ، وكانَ مِن قَرْيَةٍ مِن سَوادِ الكُوفَةِ، ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.
وَقِيلَ: اسْمُهُ بِالسُّرْيانِيَّةِ: تارَحُ، وآزَرُ: لَقَبُهُ المَشْهُورُ. وقِيلَ: اسْمُ صَنَمٍ لُقِّبَ هو بِهِ لِلُزُومِهِ عِبادَتَهُ، فَهو عَطْفُ بَيانٍ لِأبِيهِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ.
وَقالَ الضَّحّاكُ: مَعْناهُ: الشَّيْخُ الهَرِمُ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُخْطِئُ. وقالَ الفَرّاءُ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: المُعْوَجُّ، فَهو نَعْتٌ لَهُ، كَما إذا جُعِلَ مُشْتَقًّا مِنَ الأزْرِ، أوِ الوَزِّ، أوْ أُرِيدَ بِهِ: عابِدُ آزَرَ، عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ.
وَقُرِئَ: ( آزَرُ ) عَلى النِّداءِ، وهو دَلِيلُ العَلَمِيَّةِ؛ إذْ لا يُحْذَفُ حَرْفُ النِّداءِ إلّا مِنَ الأعْلامِ.
﴿أتَتَّخِذُ﴾ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، هُما ﴿أصْنامًا آلِهَةً﴾؛ أيْ: أتَجْعَلُها لِنَفْسِكَ آلِهَةً، عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى اتِّخاذِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ الجَمْعِيَّةِ، وإنَّما إيرادُ صِيغَةِ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ الوُقُوعِ.
وَقُرِئَ: ( أازْرًا ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وكَسْرِها بَعْدَ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، وزاءٍ ساكِنَةٍ، وراءٍ مُنَوَّنَةٍ مَنصُوبَةٍ، وهو اسْمُ صَنَمٍ، ومَعْناهُ: أتَعَبَّدُ آزِرًا.
ثُمَّ قِيلَ: تَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً؛ تَثْبِيتًا لِذَلِكَ وتَقْرِيرًا، وهو داخِلٌ تَحْتَ الإنْكارِ لِكَوْنِهِ بَيانًا لَهُ. وقِيلَ: الأزْرُ: القُوَّةُ، والمَعْنى: ألِأجْلِ القُوَّةِ والمُظاهَرَةِ تَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً ؟ إنْكارًا لِتَعَزُّزِهِ بِها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ .
﴿إنِّي أراكَ وقَوْمَكَ﴾ الَّذِينَ يَتْبَعُونَكَ في عِبادَتِها.
﴿فِي ضَلالٍ﴾ عَنِ الحَقِّ.
﴿مُبِينٍ﴾؛ أيْ: بَيِّنٍ كَوْنُهُ ضَلالًا لا اشْتِباهَ فِيهِ أصْلًا، والرُّؤْيَةُ إمّا عِلْمِيَّةٌ فالظَّرْفُ مَفْعُولُها الثّانِي، وإمّا بَصَرِيَّةٌ فَهو حالٌ مِنَ المَفْعُولِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ.
الأنعام 6:75
﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ﴾ هَذِهِ الإراءَةُ مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ المُسْتَعارَةِ لِلْمَعْرِفَةِ ونَظَرِ البَصِيرَةِ؛ أيْ: عَرَّفْناهُ (p-152)وَبَصَّرْناهُ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ حِكايَةٌ لِلْحالِ الماضِيَةِ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِها.
وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ نُرِي، لا إلى إراءَةٍ أُخْرى، مَفْهُومَةٍ مِن قَوْلِهِ: " إنِّي أراكَ "، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ، وكَمالِ تَمَيُّزِهِ بِذَلِكَ وانْتِظامِهِ بِسَبَبِهِ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ.
والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: نُرِي إبْراهِيمَ إراءَةً كائِنَةً مِثْلَ تِلْكَ الإراءَةِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، فَصارَ المُشارُ إلَيْهِ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّبْصِيرَ البَدِيعَ نُبَصِّرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى، ومالِكِيَّتَهُ لَهُما، وسُلْطانَهُ القاهِرَ عَلَيْهِما، وكَوْنَهُما بِما فِيهِما مَرْبُوبًا ومَمْلُوكًا لَهُ تَعالى، لا تَبْصِيرًا آخَرَ أدْنى مِنهُ.
والمَلَكُوتُ: مَصْدَرٌ عَلى زِنَةِ المُبالَغَةِ، كالرَّهَبُوتِ والجَبَرُوتِ، ومَعْناهُ: المُلْكُ العَظِيمُ والسُّلْطانُ القاهِرُ، ثُمَّ هَلْ هو مُخْتَصٌّ بِمُلْكِ اللَّهِ عَزَّ سُلْطانُهُ أوْ لا ؟ فَقَدْ قِيلَ: وقِيلَ: والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، وبِهِ قالَ الرّاغِبُ.
وَقِيلَ: مَلَكُوتُهُما، وعَجائِبُهُما، وبَدائِعُهُما؛ رُوِيَ أنَّهُ كُشِفَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ، حَتّى العَرْشِ وأسْفَلِ الأرَضِينَ، وقِيلَ: آياتِهِما. وقِيلَ: مَلَكُوتُ السَّماواتِ: الشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ، ومَلَكُوتُ الأرْضِ: الجِبالُ والأشْجارُ والبِحارُ.
وَهَذِهِ الأقْوالُ لا تَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الإراءَةُ بَصَرِيَّةً؛ إذْ لَيْسَ المُرادُ بِإراءَةِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إبْصارِها ومُشاهَدَتِها في أنْفُسِها، بَلْ إطْلاعُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى حَقائِقِها وتَعْرِيفِها، مِن حَيْثُ دَلالَتُها عَلى شُئُونِهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَلا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ حِسًّا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُ الإشارَةِ المُفْصِحُ عَنْ كَوْنِ المُشارِ إلَيْهِ أمْرًا بَدِيعًا، فَإنَّ الإراءَةَ البَصْرِيَّةَ المُعْتادَةَ بِمَعْزِلٍ مِن تِلْكَ المَثابَةِ.
وَقُرِئَ: ( تُرِي ) بِالتّاءِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلى المَلَكُوتِ؛ أيْ: تُبْصِرُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ دَلائِلُ الربوبية.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ مُؤَخَّرٍ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها؛ أيْ: ولِيَكُونَ مِن زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الإيقانِ، البالِغِينَ دَرَجَةَ عَيْنِ اليَقِينِ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعالى، فَعَلْنا ما فَعَلْنا مِنَ التَّبْصِيرِ البَدِيعِ المَذْكُورِ لا لِأمْرٍ آخَرَ، فَإنَّ الوُصُولَ إلى تِلْكَ الغايَةِ القاصِيَةِ كَمالٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ذَلِكَ التَّبْصِيرِ لا عَيْنُهُ، ولَيْسَ القَصْرُ لِبَيانِ انْحِصارِ فائِدَتِهِ في ذَلِكَ، كَيْفَ لا وإرْشادُ الخَلْقِ وإلْزامُ المُشْرِكِينَ كَما سَيَأْتِي مِن فَوائِدِهِ بِلا مِرْيَةٍ، بَلْ لِبَيانِ أنَّهُ الأصْلُ الأصِيلُ والباقِي مِن مُسْتَتْبَعاتِهِ.
وَقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالفِعْلِ السّابِقِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى مَحْذُوفَةٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْها الكَلامُ؛ أيْ: لِيَسْتَدِلَّ بِها ولِيَكُونَ ... إلَخْ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يُرادَ بِمَلَكُوتِهِما: بَدائِعُهُما وآياتُهُما؛ لِأنَّ الِاسْتِدْلالَ مِن غاياتِ إراءَتِها لا مِن غاياتِ إراءَةِ نَفْسِ الربوبية.
الأنعام 6:76
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ عَلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ المُبِينُ، عَطْفٌ عَلى " ﴿قالَ إبْراهِيمُ﴾ "، داخِلٌ تَحْتَ ما أُمِرَ بِذِكْرِهِ بِالأمْرِ بِذِكْرِ وقْتِهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ وما لَحِقَ، فَإنَّ تَعْرِيفَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُبُوبِيَّتَهُ، ومالِكِيَّتَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِما، وكَوْنَ الكُلِّ مَقْهُورًا تَحْتَ مَلَكُوتِهِ مُفْتَقِرًا إلَيْهِ في الوُجُودِ، وسائِرِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الكَمالاتِ، وكَوْنَهُ مِنَ الرّاسِخِينَ في مَعْرِفَةِ شُئُونِهِ تَعالى، الواصِلِينَ إلى ذُرْوَةِ عَيْنِ اليَقِينِ، مِمّا يَقْضِي بِأنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِاسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ ما سِواهُ (p-153)سُبْحانَهُ، مِنَ الأصْنامِ والكَواكِبِ.
وَعَلى الثّانِي هو تَفْصِيلٌ لِما ذُكِرَ مِن إراءِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ، وبَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ اسْتِدْلالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ووُصُولِهِ إلى رُتْبَةِ الإيقانِ، ومَعْنى جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ: سَتَرَهُ بِظَلامِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَأى كَوْكَبًا﴾ جَوابُ لَمّا، فَإنَّ رُؤْيَتَهُ إنَّما تَتَحَقَّقُ بِزَوالِ نُورِ الشَّمْسِ عَنِ الحِسِّ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في ابْتِداءِ الطُّلُوعِ، بَلْ كانَ غَيْبَتُهُ عَنِ الحِسِّ بِطَرِيقِ الِاضْمِحْلالِ بِنُورِ الشَّمْسِ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ كانَ قَرِيبًا مِنَ الغُرُوبِ كَما سَتَعْرِفُهُ. قِيلَ: كانَ ذَلِكَ الكَوْكَبُ هو الزُّهْرَةَ، وقِيلَ: هو المُشْتَرى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ، المُتَفَرِّعَةِ عَلى بَيانِ إراءَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يَحْمِلُ السّامِعَ عَلى اسْتِكْشافِ ما ظَهَرَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن آثارِ تِلْكَ الإراءَةِ وأحْكامِها، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا صَنَعَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَأى الكَوْكَبَ ؟ فَقِيلَ: قالَ عَلى سَبِيلِ الوَضْعِ والفَرْضِ: هَذا رَبِّي، مُجاراةً مَعَ أبِيهِ وقَوْمِهِ الَّذِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ والكَواكِبَ، فَإنَّ المُسْتَدِلَّ عَلى فَسادِ قَوْلٍ يَحْكِيهِ عَلى رَأْيِ خَصْمِهِ، ثُمَّ يَكُرُّ عَلَيْهِ بِالإبْطالِ، ولَعَلَّ سُلُوكَ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ في بَيانِ اسْتِحالَةِ رُبُوبِيَّةِ الكَواكِبِ دُونَ بَيانِ اسْتِحالَةِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ، لِما أنَّ هَذا أخْفى بُطْلانًا واسْتِحالَةً مِنَ الأوَّلِ، فَلَوْ صَدَعَ بِالحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ كَما فَعَلَهُ في حَقِّ عِبادَةِ الأصْنامِ، لَتَمادَوْا في المُكابَرَةِ والعِنادِ، ولَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
وَقِيلَ: قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى وجْهِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وكانَ ذَلِكَ في زَمانِ مُراهَقَتِهِ وأوَّلِ أوانِ بُلُوغِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى تَفْسِيرِ المَلَكُوتِ بِآياتِهِما، وعَطْفِ قَوْلِهِ تَعالى؛ لِيَكُونَ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ العِلَّةِ المُقَدَّرَةِ، وجَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ ... " إلَخْ، تَفْصِيلًا لِما ذُكِرَ مِنَ الإراءَةِ، وبَيانًا لِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا يُخِلُّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ، وجَلالَةِ مَنصِبِ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿فَلَمّا أفَلَ﴾؛ أيْ: غَرَبَ.
﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾؛ أيِ: الأرْبابَ المُنْتَقِلِينَ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، المُتَغَيِّرِينَ مِن حالٍ إلى حالٍ المُحْتَجِبِينَ بِالأسْتارِ، فَإنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الربوبية قَطْعًا.
الأنعام 6:77
﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا﴾؛ أيْ: مُبْتَدِئًا في الطُّلُوعِ إثْرَ غُرُوبِ الكَوْكَبِ.
﴿قالَ هَذا رَبِّي﴾ عَلى الأُسْلُوبِ السّابِقِ.
﴿فَلَمّا أفَلَ﴾ كَما أفَلَ النَّجْمُ.
﴿قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ إلى جَنابِهِ الَّذِي هو الحَقُّ لا مَحِيدَ عَنْهُ.
﴿لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ فَإنَّ شَيْئًا مِمّا رَأيْتُهُ لا يَلِيقُ بِالربوبية، وهَذا مُبالَغَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في إظْهارِ النَّصَفَةِ، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ إذْ ذاكَ في مَوْضِعٍ كانَ في جانِبِهِ الغَرْبِيِّ جَبَلٌ شامِخٌ يَسْتَتِرُ بِهِ الكَوْكَبُ والقَمَرُ وقْتَ الظُّهْرِ مِنَ النَّهارِ، أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، وكانَ الكَوْكَبُ قَرِيبًا مِنهُ، وأُفُقُهُ الشَّرْقِيُّ مَكْشُوفٌ أوَّلًا، وإلّا فَطُلُوعُ القَمَرِ بَعْدَ أُفُولِ الكَوْكَبِ، ثُمَّ أُفُولُهُ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
الأنعام 6:78
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾؛ أيْ: مُبْتَدِئَةً في الطُّلُوعِ، مِمّا لا يَكادُ يُتَصَوَّرُ.
﴿قالَ﴾؛ أيْ: عَلى النَّهْجِ السّابِقِ. (p-154)
﴿هَذا رَبِّي﴾ وإنَّما لَمْ يُؤَنِّثْ لِما أنَّ المُشارَ إلَيْهِ، والمَحْكُومَ عَلَيْهِ، بِالربوبية هو الجِرْمُ المُشاهَدُ مِن حَيْثُ هو، لا مِن حَيْثُ هو مُسَمًّى باسِمٍ مِنَ الأسامِيِّ، فَضْلًا عَنْ حَيْثِيَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِالشَّمْسِ، أوْ لِتَذْكِيرِ الخَبَرِ وصِيانَةِ الرَّبِّ عَنْ وصْمَةِ التَّأْنِيثِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا أكْبَرُ﴾ تَأْكِيدٌ لِما رامَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن إظْهارِ النَّصَفَةِ، مَعَ إشارَةٍ خَفِيَّةٍ إلى فَسادِ دِينِهِمْ مِن جِهَةٍ أُخْرى، بِبَيانِ أنَّ الأكْبَرَ أحَقُّ بِالربوبية مِنَ الأصْغَرِ.
﴿فَلَمّا أفَلَتْ﴾ هي أيْضًا كَما أفَلَ الكَوْكَبُ والقَمَرُ.
﴿قالَ﴾ مُخاطِبًا لِلْكُلِّ صادِعًا بِالحَقِّ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ.
﴿يا قَوْمِ إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الَّذِي تُشْرِكُونَهُ مِنَ الأجْرامِ المُحْدَثَةِ، المُتَغَيِّرَةِ مِن حالَةٍ إلى أُخْرى المُسَخَّرَةِ لِمُحْدِثِها، أوْ مِن إشْراكِكم، وتَرْتِيبُ هَذا الحُكْمِ ونَظِيرَيْهِ عَلى الأُفُولِ دُونَ البُزُوغِ والظُّهُورِ، مِن ضَرُورِيّاتِ سَوْقِ الِاحْتِجاجِ عَلى هَذا المَساقِ الحَكِيمِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما وإنْ كانَ في نَفْسِهِ انْتِقالًا مُنافِيًا لِاسْتِحْقاقِ مَعْرُوضِهِ لِلرُّبُوبِيَّةِ قَطْعًا، لَكِنْ لَمّا كانَ الأوَّلُ حالَةً مُوجِبَةً لِظُهُورِ الآثارِ والأحْكامِ، مُلائِمَةً لِتَوَهُّمِ الِاسْتِحْقاقِ في الجُمْلَةِ، رُتِّبَ عَلَيْها الحُكْمُ الأوَّلُ عَلى الطَّرِيقَةِ المَذْكُورَةِ، وحَيْثُ كانَ الثّانِي حالَةً مُقْتَضِيَةً لِانْطِماسِ الآثارِ، وبُطْلانِ الأحْكامِ المُنافِيَيْنِ لِلِاسْتِحْقاقِ المَذْكُورِ مُنافاةً بَيِّنَةً يَكادُ يَعْتَرِفُ بِها كُلُّ مُكابِرٍ عَنِيدٍ، رُتِّبَ عَلَيْها ما رُتِّبَ.
الأنعام 6:79
ثُمَّ تَبَرَّأ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم، تَوَجَّهَ إلى مُبْدِعِ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ ومُنْشِئِها، فَقالَ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ الَّتِي هي الأجْرامُ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن أجْزائِها.
﴿والأرْضَ﴾ الَّتِي تَغِيبُ هي فِيها.
﴿حَنِيفًا﴾؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ والعَقائِدِ الزّائِغَةِ كُلِّها.
﴿وَما أنا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ في شَيْءٍ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ.
الأنعام 6:80
﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾؛ أيْ: شَرَعُوا في مُغالَبَتِهِ في أمْرِ التَّوْحِيدِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مُحاجَّتِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ حاجُّوهُ ؟ فَقِيلَ: قالَ مُنْكِرًا لِما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن مُحاجَّتِهِ، مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ تِلْكَ الرُّتْبَةِ، وعِزَّةِ المَطْلَبِ، وقُوَّةِ الخَصْمِ.
﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾ بِإدْغامِ نُونِ الجَمْعِ في نُونِ الوِقايَةِ، وقُرِئَ بِحَذْفِ الأُولى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، فَإنَّ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَهْدِيًّا مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُؤَيَّدًا مِن عِنْدِهِ مِمّا يُوجِبُ اسْتِحالَةَ مُحاجَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنِي في شَأْنِهِ تَعالى ووَحْدانِيَّتِهِ، والحالُ أنَّهُ تَعالى هَدانِي إلى الحَقِّ بَعْدَ ما سَلَكْتُ طَرِيقَتَكم بِالفَرْضِ والتَّقْدِيرِ، وتَبَيَّنَ بُطْلانُها تَبَيُّنًا تامًّا كَما شاهَدْتُمُوهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جَوابٌ عَمّا خَوَّفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في أثْناءِ المُحاجَّةِ مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ مِن جِهَةِ أصْنامِهِمْ، كَما قالَ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ قَوْمُهُ: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾، ولَعَلَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ حِينَ فَعَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِآلِهَتِهِمْ ما فَعَلَ، و" ما " مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ حُذِفَ عائِدُها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ؛ أيْ: لا أخافُ ما تُشْرِكُونَهُ بِهِ سُبْحانَهُ مِن مَعْبُوداتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، إلّا في وقْتِ مَشِيئَتِهِ (p-155)تَعالى شَيْئًا مِن إصابَةِ مَكْرُوهٍ بِي مِن جِهَتِها، وذَلِكَ إنَّما هو مِن جِهَتِهِ تَعالى مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِآلِهَتِكم فِيهِ أصْلًا.
وَفِي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إظْهارٌ مِنهُ، لِانْقِيادِهِ لِحُكْمِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، واسْتِسْلامٌ لِأمْرِهِ، واعْتِرافٌ بِكَوْنِهِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، كَأنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في علمه تعالى أنْ يَحِيقَ بِي مَكْرُوهٌ مِن قِبَلِها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، وفي الإظْهارِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ تَأْكِيدٌ لِلْمَعْنى المَذْكُورِ، واسْتِلْذاذٌ بِذِكْرِهِ تَعالى.
﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: أتُعْرِضُونَ عَنِ التَّأمُّلِ في أنَّ آلِهَتَكم جَماداتٌ، غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى شَيْءٍ ما مِن نَفْعٍ ولا ضُرٍّ، فَلا تَتَذَكَّرُونَ أنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى إضْرارِي، وفي إيرادِ التَّذَكُّرِ دُونَ التَّفَكُّرِ ونَظائِرِهِ، إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ أصْنامِهِمْ مَرْكُوزٌ في العُقُولِ لا يَتَوَقَّفُ إلّا عَلى التَّذَكُّرِ.
الأنعام 6:81
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِنَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ بِالطَّرِيقِ الإلْزامِيِّ كَما سَيَأْتِي، بَعْدَ نَفْيِهِ عَنْهُ بِسَبَبِ الواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ ...﴾ الآيَةَ؛ لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِبْعادِهِ مَعَ وُقُوعِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ...﴾ إلَخْ، وفي تَوْجِيهِ الإنْكارِ إلى كَيْفِيَّةِ الخَوْفِ مِنَ المُبالَغَةِ، ما لَيْسَ في تَوْجِيهِهِ إلى نَفْسِهِ بِأنْ يُقالَ: أأخافُ لِما أنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ وُجُودُهُ عَلى حالٍ مِنَ الأحْوالِ، وكَيْفِيَّةٍ مِنَ الكَيْفِيّاتِ قَطْعًا ؟ فَإذا انْتَفى جَمِيعُ أحْوالِهِ وكَيْفِيّاتُهُ، فَقَدِ انْتَفى وجُودُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ " أخافُ " بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ، والواوُ كافِيَةٌ في الرَّبْطِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ إلى ذِي الحالِ، وهو مُقَرِّرٌ لِإنْكارِ الخَوْفِ ونَفْيِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومُفِيدٌ لِاعْتِرافِهِمْ بِذَلِكَ، فَإنَّهم حَيْثُ لَمْ يَخافُوا في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ فَلِأنْ لا يَخافَ عَلَيْهِ السَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ أوْلى وأحْرى؛ أيْ: وكَيْفَ أخافُ أنا ما لَيْسَ في حَيِّزِ الخَوْفِ أصْلًا، وأنْتُمْ لا تَخافُونَ غائِلَةَ ما هو أعْظَمُ المَخُوفاتِ وأهْوَلُها، وهو إشْراكُكم بِاللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ما هو مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ ؟
وَإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ﴾؛ أيْ: بِإشْراكِهِ.
﴿عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ مَعَ الإيذانِ بِأنَّ الأُمُورَ الدِّينِيَّةَ لا يُعَوَّلُ فِيها إلّا عَلى الحُجَّةِ المُنَزَّلَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وفي تَعْلِيقِ الخَوْفِ الثّانِي بِإشْراكِهِمْ مِنَ المُبالَغَةِ ومُراعاةِ حُسْنِ الأدَبِ ما لا يَخْفى.
هَذا، وأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿وَلا تَخافُونَ﴾ ... " إلَخْ، مَعْطُوفٌ عَلى " ﴿أخافُ﴾ " داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، فَمِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا لِإفْضائِهِ إلى فَسادِ المَعْنى قَطْعًا، كَيْفَ لا وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ الإنْكارَ بِمَعْنى النَّفْيِ بِالكُلِّيَّةِ، فَيَؤُولُ المَعْنى إلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ونَفْيِ نَفْيِهِ عَنْهم، وأنَّهُ بَيِّنُ الفَسادِ، وحَمْلُ الإنْكارِ في الأوَّلِ عَلى مَعْنى نَفْيِ الوُقُوعِ، وفي الثّانِي عَلى اسْتِبْعادِ الواقِعِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾ ناطِقٌ بِبُطْلانِهِ حَتْمًا، فَإنَّهُ كَلامٌ مُرَتَّبٌ عَلى إنْكارِ خَوْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-156)والسَّلامُ في مَحِلِّ الأمْنِ، مَعَ تَحَقُّقِ عَدَمِ خَوْفِهِمْ في مَحِلِّ الخَوْفِ، مَسُوقٌ لِإلْجائِهِمْ إلى الِاعْتِرافِ بِاسْتِحْقاقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما هو عَلَيْهِ مِنَ الأمْنِ، وبِعَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما هم عَلَيْهِ، وإنَّما جِيءَ بِصِيغَةِ التَّفْضِيلِ المُشْعِرَةِ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ في الجُمْلَةِ، لِاسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ المُكابَرَةِ والِاعْتِسافِ بِسَوْقِ الكَلامِ عَلى سَنَنِ الإنْصافِ.
والمُرادُ بِالفَرِيقَيْنِ: الفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الأمْنِ، والفَرِيقِ الآمِنِ في مَحِلِّ الخَوْفِ؛ فَإيثارُ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ: فَأيُّنا أحَقُّ بِالأمْنِ أنا أمْ أنْتُمْ ؟ لِتَأْكِيدِ الإلْجاءِ إلى الجَوابِ الحَقِّ بِالتَّنْبِيهِ عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ، والتَّفادِي عَنِ التَّصْرِيحِ بِتَخْطِئَتِهِمْ، لا لِمُجَرَّدِ الِاحْتِرازِ عَنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ المَفْعُولُ إمّا مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِهِ بِمَعُونَةِ المَقامِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَن أحَقُّ بِذَلِكَ، أوْ قَصْدًا إلى التَّعْمِيمِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا، وإمّا مَتْرُوكٌ بِالمَرَّةِ؛ أيْ: إنْ كُنْتُمْ مِن أُولِي العِلْمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَأخْبِرُونِي.
الأنعام 6:82
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْجَوابِ الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ؛ أيِ: الفَرِيقُ الَّذِينَ آمَنُوا.
﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ﴾ ذَلِكَ؛ أيْ: لَمْ يَخْلِطُوهُ.
﴿بِظُلْمٍ﴾؛ أيْ: بِشِرْكٍ، كَما يَفْعَلُهُ الفَرِيقُ المُشْرِكُونَ، حَيْثُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مِن تَتِمّاتِ إيمانِهِمْ وأحْكامِهِ، لِكَوْنِها لِأجْلِ التَّقْرِيبِ والشَّفاعَةِ، كَما قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾، وهَذا مَعْنى الخَلْطِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وفي الإشارَةِ إلَيْهِ بَعْدَ وصْفِهِ بِما ذُكِرَ إيذانٌ بِأنَّهم تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ، وانْتَظَمُوا في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُمُ الأمْنُ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ، وقَعَتْ خَبَرًا لِأُولَئِكَ، وهو مَعَ خَبَرِهِ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُولَئِكَ بَدَلًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ.
وَ" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لِلظَّرْفِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرًا مُقَدَّمًا و" الأمْنُ " مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ﴿أُولَئِكَ﴾ " مُبْتَدَأً ثانِيًا، و" ﴿لَهُمُ﴾ " خَبَرُهُ، و" ﴿الأمْنُ﴾ " فاعِلًا لَهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الشِّرْكِ لَهُمُ الأمْنُ فَقَطْ.
﴿وَهم مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحَقِّ ومَن عَداهم في ضَلالٍ مُبِينٍ.
رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وقالُوا: أيُّنا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " لَيْسَ ما تَظُنُّونَ، إنَّما هو ما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ: ﴿يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ " .
وَلَيْسَ الإيمانُ بِهِ أنْ يُصَدِّقَ بِوُجُودِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، ويَخْلِطَ بِهَذا التَّصْدِيقِ الإشْراكَ بِهِ، ولَيْسَ مِن قَضِيَّةِ الخَلْطِ بَقاءُ الأصْلِ بَعْدَ الخَلْطِ حَقِيقَةً. وقِيلَ: المُرادُ بِالظُّلْمِ: المَعْصِيَةُ الَّتِي تُفَسِّقُ صاحِبَها، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ لِوُرُودِهِ مَوْرِدَ الجَوابِ عَنْ حالَةِ الفَرِيقَيْنِ.
الأنعام 6:83
﴿وَتِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما احْتَجَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَلَمّا جَنَّ﴾ " .
وَقِيلَ: مِن قَوْلِهِ: " ﴿أتُحاجُّونِّي﴾ " إلى قَوْلِهِ " ﴿مُهْتَدُونَ﴾ "، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِتَفْخِيمِ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ والإشْعارِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ وسُمُوِّ مَنزِلَتِهِ (p-157)فِي الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُجَّتُنا﴾ خَبَرُهُ، وفي إضافَتِها إلى نُونِ العَظَمَةِ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿آتَيْناها إبْراهِيمَ﴾؛ أيْ: أرْشَدْناهُ إلَيْها أوْ عَلَّمْناهُ إيّاها، في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن " حُجَّتُنا "، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾، أوْ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ هو الخَبَرُ، و" حُجَّتُنا " بَدَلٌ أوْ بَيانٌ لِلْمُبْتَدَأِ، و" ﴿إبْراهِيمَ﴾ " مَفْعُولٌ أوَّلُ لِآتَيْنا، قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي لِكَوْنِهِ ضَمِيرًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى قَوْمِهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحُجَّتُنا إنْ جُعِلَ خَبَرًا لِتِلْكَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ إنْ جُعِلَ بَدَلًا؛ أيْ: آتَيْنا إبْراهِيمَ حُجَّةً عَلى قَوْمِهِ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: " آتَيْنا " .
﴿نَرْفَعُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقُرِئَ بِالياءِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وكَذا الفِعْلُ الآتِي.
﴿دَرَجاتٍ﴾؛ أيْ: رُتَبًا عَظِيمَةً عالِيَةً مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أوِ الظَّرْفِيَّةِ، أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ أيْ: إلى دَرَجاتٍ، أوْ عَلى التَّمْيِيزِ، والمَفْعُولُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن نَشاءُ﴾ وتَأْخِيرُهُ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقْدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن نَشاءُ، رَفْعَهُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، جارِيَةٌ فِيما بَيْنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وَقُرِئَ بِالإضافَةِ إلى مَن، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْنا؛ أيْ: حالَ كَوْنِنا رافِعِينَ ... إلَخْ.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في كُلِّ ما فَعَلَ مِن رَفْعٍ وخَفْضٍ.
﴿عَلِيمٌ﴾ بِحالِ مَن يَرْفَعُهُ، واسْتِعْدادِهِ لَهُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةً، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وفي وضْعِ الرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَوْضِعَ نُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ في تَضاعِيفِ بَيانِ أحْوالِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، إظْهارٌ لِمَزِيدِ لُطْفٍ وعِنايَةٍ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
الأنعام 6:84
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا﴾ ... " إلَخْ؛ فَإنَّ عَطْفَ كُلٍّ مِنَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ والِاسْمِيَّةِ عَلى الأُخْرى، مِمّا لا نِزاعَ في جَوازِهِ، ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ عَلى آتَيْناها؛ لِأنَّ لَهُ مَحَلًّا مِنَ الإعْرابِ نَصْبًا ورَفْعًا حَسْبَما بُيِّنَ مِن قَبْلُ، فَلَوْ عُطِفَ هَذا عَلَيْهِ لَكانَ في حُكْمِهِ مِنَ الحالِيَّةِ والخَبَرِيَّةِ المُسْتَدْعِيَتَيْنِ لِلرّابِطِ، ولا سَبِيلَ إلَيْهِ هَهُنا.
﴿كُلا﴾ مَفْعُولٌ لِما بَعْدَهُ وتَقْدِيمُهُ لِلْقَصْرِ، لَكِنْ لا بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِهِما مُطْلَقًا، بَلْ بِالنِّسْبَةِ إلى أحَدِهِما؛ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنهُما.
﴿هَدَيْنا﴾ لا أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، وتَرْكُ ذِكْرِ المُهْدى إلَيْهِ لِظُهُورِ أنَّهُ الَّذِي أُوتِيَ إبْراهِيمُ وأنَّهُما مُقْتَدِيانِ بِهِ.
﴿وَنُوحًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَدَّ هُداهُ نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ شَرَفَ الوالِدِ سارٍ إلى الوَلَدِ.
﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ﴾ الضَّمِيرُ لِإبْراهِيمَ؛ لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ شُئُونِهِ العَظِيمَةِ مِن إيتاءِ الحُجَّةِ، ورَفْعِ الدَّرَجاتِ، وهِبَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ، وإبْقاءِ هَذِهِ الكَرامَةِ في نَسْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، كُلُّ ذَلِكَ لِإلْزامِ مَن يَنْتَمِي إلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المُشْرِكِينَ واليَهُودِ.
وَقِيلَ: لِنُوحٍ؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ، ولِأنَّ يُونُسَ ولُوطًا لَيْسا مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَوْ كانَ الضَّمِيرُ لَهُ لاخْتُصَّ بِالمَعْدُودِينَ في هَذِهِ الآيَةِ والَّتِي بَعْدَها، وأمّا المَذْكُورُونَ في الآيَةِ الثّالِثَةِ فَعَطْفٌ عَلى نُوحًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ كُلَّهم مُضافُونَ إلى ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ (p-158)مِنهم مَن لَمْ يَلْحَقْهُ بِوِلادَةٍ مِن قِبَلِ أُمٍّ ولا أبٍ؛ لِأنَّ لُوطًا ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، والعَرَبُ تَجْعَلُ العَمَّ أبًا، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ أبْناءِ يَعْقُوبَ أنَّهم قالُوا: ﴿نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾، مَعَ إنَّ إسْمَعِيلَ عَمُّ يَعْقُوبَ.
﴿داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾ مَنصُوبانِ بِمُضْمَرٍ مَفْهُومٍ مِمّا سَبَقَ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِما، وبِهِ يَتَعَلَّقُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ في الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِ مَعَ ما في المَفاعِيلِ مِن نَوْعِ طُولٍ، رُبَّما يُخِلُّ تَأْخِيرُهُ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ.
﴿وَأيُّوبَ﴾ هو ابْنُ أمُوصَ مِنَ أسْباطِ عِيصِ بْنِ إسْحاقَ.
﴿وَيُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَذْكُورِينَ؛ أيْ: وهَدَيْناهم حالَ كَوْنِهِمْ مِن ذُرِّيَّتِهِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن جَزاءِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
وَأصْلُ التَّقْدِيرِ: ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ جَزاءً مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، والتَّقْدِيمُ لِلْقَصْرِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا، والمُرادُ بِالمُحْسِنِينَ: الجِنْسُ، وبِمُماثَلَةِ جَزائِهِمْ لِجَزائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مُطْلَقُ المُشابَهَةِ في مُقابَلَةِ الإحْسانِ بِالإحْسانِ، والمُكافَأةِ بَيْنَ الأعْمالِ والأجْزِيَةِ مِن غَيْرِ بَخْسٍ، لا المُماثَلَةُ مِن كُلِّ وجْهٍ، ضَرُورَةَ أنَّ الجَزاءَ بِكَثْرَةِ الأوْلادِ الأنْبِياءِ مِمّا اخْتَصَّ بِهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
والأقْرَبُ أنَّ لامَ المُحْسِنِينَ لِلْعَهْدِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَهُ، وهو عِبارَةٌ عَمّا أُوتِيَ المَذْكُورُونَ مِن فُنُونِ الكَراماتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِ، والكافُ لِتَأْكِيدِ ما أفادَهُ اسْمُ الإشارَةِ مِنَ الفَخامَةِ، ومَحَلُّها في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: ونَجْزِي المُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ جَزاءً كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ، فَقُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، واعْتُبِرَتِ الكافُ مُقْحَمَةً لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ، فَصارَ المُشارُ إلَيْهِ نَفْسَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ لا نَعْتًا لَهُ؛ أيْ: وذَلِكَ الجَزاءَ البَدِيعَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ المَذْكُورِينَ لا جَزاءً آخَرَ أدْنى مِنهُ.
والإظْهارُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالإحْسانِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُقارِنُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: " أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ "، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِما قَبْلَها.
الأنعام 6:85
﴿وَزَكَرِيّا﴾ هو ابْنُ آذَنَ، ﴿وَيَحْيى﴾ ابْنُهُ.
﴿وَعِيسى﴾ هو ابْنُ مَرْيَمَ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الذُّرِّيَّةَ تَتَناوَلُ أوْلادَ البَناتِ.
﴿وَإلْياسَ﴾ قِيلَ: هو إدْرِيسُ جَدُّ نُوحٍ، فَيَكُونُ البَيانُ مَخْصُوصًا بِمَن في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ: هو مِن أسْباطِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿كُلٌّ﴾؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ.
﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ الكامِلِينَ في الصَّلاحِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِما يَنْبَغِي، والتَّحَرُّزِ عَمّا لا يَنْبَغِي، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلثَّناءِ عَلَيْهِمْ بِالصَّلاحِ.
الأنعام 6:86
﴿وَإسْماعِيلَ واليَسَعَ﴾ هو ابْنُ أخْطُوبَ بْنِ العَجُوزِ، وقُرِئَ: ( واللَّيْسَعَ ) وهو عَلى القِراءَتَيْنِ عَلَمٌ أعْجَمِيٌّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ اللّامُ ولا اشْتِقاقَ لَهُ، ويُقالُ: إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ. وقِيلَ: إنَّهُ مَنقُولٌ مِن مُضارِعِ وسِعَ، واللّامُ كَما في يَزِيدَ في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ أرَأيْتَ الوَلِيدَ بْنَ اليَزِيدَ مُبارَكًا ∗∗∗ شَدِيدًا بِأعْباءِ الخِلافَةِ كاهِلُهْ
﴿وَيُونُسَ﴾ (p-159)هُوَ ابْنُ مَتّى، ولُوطًا هو ابْنُ هارانَ بْنِ أخِي إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَكُلا﴾؛ أيْ: وكُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ، ﴿فَضَّلْنا﴾ بِالنُّبُوَّةِ لا بَعْضَهم دُونَ بَعْضٍ.
﴿عَلى العالَمِينَ﴾ عَلى عالَمِي عَصْرِهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ كَأُخْتِها.
الأنعام 6:87
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وهَدَيْنا مِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ جَماعاتٍ كَثِيرَةً، وإمّا مَعْطُوفٌ عَلى " كُلًّا " ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: وفَضَّلْنا بَعْضَ آبائِهِمْ ... إلَخْ.
﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى فَضَّلْنا؛ أيِ: اصْطَفَيْناهم.
﴿وَهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَمْهِيدٌ لِبَيانِ ما هُدُوا إلَيْهِ.
الأنعام 6:88
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِنَ النَّظْمِ الكَرِيمِ مِن مَصادِرِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ، وقِيلَ: إلى ما دانُوا بِهِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿هُدى اللَّهِ﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.
﴿يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهُمُ المُسْتَعِدُّونَ لِلْهِدايَةِ والإرْشادِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ بِالهِدايَةِ.
﴿وَلَوْ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ.
﴿لَحَبِطَ عَنْهُمْ﴾ مَعَ فَضْلِهِمْ وعُلُوِّ طَبَقاتِهِمْ.
﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ المَرْضِيَّةِ الصّالِحَةِ، فَكَيْفَ بِمَن عَداهم، وهم هم وأعْمالُهم أعْمالُهم.
الأنعام 6:89
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ الأنْبِياءِ الثَّمانِيَةَ عَشَرَ، والمَعْطُوفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ، وغَيْرِها مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الثّابِتَةِ لَهم، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ المُتَحَقِّقِ في ضِمْنِ؛ أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، والمُرادُ بِإيتائِهِ: التَّفْهِيمُ التّامُّ بِما فِيهِ مِنَ الحَقائِقِ، والتَّمْكِينُ مِنَ الإحاطَةِ بِالجَلائِلِ والدَّقائِقِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالإنْزالِ ابْتِداءً، أوْ بِالإيراثِ بَقاءً، فَإنَّ المَذْكُورِينَ لَمْ يُنْزَلْ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم كِتابٌ مُعَيَّنٌ.
"الحُكْمَ"؛ أيِ: الحِكْمَةَ، أوْ فَصْلَ الأمْرِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الحَقُّ والصَّوابُ.
﴿والنُّبُوَّةَ﴾؛ أيِ: الرِّسالَةَ.
﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها﴾؛ أيْ: بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ، أوْ بِالنُّبُوَّةِ الجامِعَةِ لِلْباقِينَ.
﴿هَؤُلاءِ﴾؛ أيْ: كَفّارُ قُرَيْشٍ، فَإنَّهم بِكُفْرِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ مِنَ القرآن، كافِرُونَ بِما يُصَدِّقُهُ جَمِيعًا، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ.
﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها﴾؛ أيْ: أمَرْنا بِمُراعاتِها ووَفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها والقِيامِ بِحُقُوقِها.
﴿قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ دَوامَ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تُفِيدُ دَوامَ النَّفْيِ بِمَعُونَةِ المَقامِ، لا نَفْيَ الدَّوامِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ الأنْصارُ وأهْلُ المَدِينَةِ. وقِيلَ: أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ . وقِيلَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ مِن بَنِي آدَمَ. وقِيلَ: الفُرْسُ؛ فَإنَّ (p-160)كُلًّا مِن هَؤُلاءِ الطَّوائِفِ مُوَفَّقُونَ لِلْإيمانِ بِالأنْبِياءِ، وبِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ إلَيْهِمْ، عامِلُونَ بِما فِيها مِن أُصُولِ الشَّرائِعِ، وفُرُوعِها الباقِيَةِ في شَرِيعَتِنا، وبِهِ يَتَحَقَّقُ الخُرُوجُ عَنْ عُهْدَةِ التَّوْكِيلِ، دُونَ المَنسُوخَةِ مِنها، فَإنَّها بِانْتِساخِها خارِجَةٌ عَنْ كَوْنِها مِن أحْكامِها، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ.
وَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ المَذْكُورُونَ؛ فالمُرادُ بِالتَّوْكِيلِ: الأمْرُ بِما هو أعَمُّ مِن إجْراءِ أحْكامِها، كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ كِتابِهِمْ، ومِنِ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِها كَما هو شَأْنُهم في حَقِّ سائِرِ الكُتُبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القرآن الكَرِيمُ.
وَقِيلَ: هُمُ المَلائِكَةُ؛ فالتَّوْكِيلُ هو الأمْرُ بِإنْزالِها وحِفْظِها واعْتِقادِ حَقِّيَّتِها، وأيًّا ما كانَ فَتَنْكِيرُ قَوْمًا لِلتَّفْخِيمِ، والباءُ الأُولى صِلَةٌ لِكافِرِينَ، قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، والثّانِيَةُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وأمّا تَقْدِيمُ صِلَةِ وكَّلْنا عَلى مَفْعُولِهِ الصَّرِيحِ، فَلِما ذُكِرَ آنِفًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يُؤَدِّي تَقْدِيمُهُ إلى الإخْلالِ بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أوْ إلى الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ أيْ: فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَلا اعْتِدادَ بِهِ أصْلًا، فَقَدْ وفَّقْنا لِلْإيمانِ بِها قَوْمًا فِخامًا لَيْسُوا بِكافِرِينَ بِها قَطْعًا، بَلْ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِما فِيها، فَفي إيمانِهِمْ بِها مَندُوحَةٌ عَنْ إيمانِ هَؤُلاءِ.
وَمِن هَذا تَبَيَّنَ أنَّ الوَجْهَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالقَوْمِ: إحْدى الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ بِإيمانِهِمْ بِالقرآن والعَمَلِ بِأحْكامِهِ، تَتَحَقَّقُ الغُنْيَةُ عَنْ إيمانِ الكَفَرَةِ بِهِ والعَمَلِ بِأحْكامِهِ، وأمّا الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَإيمانُهم بِهِ لَيْسَ مِن قَبِيلِ إيمانِ آحادِ الأُمَّةِ.
الأنعام 6:90
كَما أُشِيرَ إلَيْهِ ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأنْبِياءِ المَذْكُورِينَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِمْ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلى الحَقِّ والنَّهْجِ المُسْتَقِيمِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الهِدايَةِ.
﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾؛ أيْ: فاخْتَصَّ هُداهم بِالِاقْتِداءِ ولا تَقْتَدِ بِغَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِهُداهم: طَرِيقَتُهم في الإيمان باللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ، وأُصُولِ الدِّينِ دُونَ الشَّرائِعِ القابِلَةِ لِلنَّسْخِ، فَإنَّها بَعْدَ النَّسْخِ لا تَبْقى هُدًى.
والهاءُ في " اقْتَدِهْ " لِلْوَقْفِ، حَقُّها أنْ تَسْقُطَ في الدَّرْجِ، واسْتُحْسِنَ إثْباتُها فِيهِ أيْضًا إجْراءً لَهُ مُجْرى الوَقْفِ واقْتِداءً بِالإمامِ، وقُرِئَ بِإشْباعِها عَلى أنَّها كِنايَةُ المَصْدَرِ.
﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: عَلى القرآن، أوْ عَلى التَّبْلِيغِ، فَإنَّ مَساقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلَيْهِما، وإنْ لَمْ يَجْرِ ذِكْرُهُما.
﴿أجْرًا﴾ مِن جِهَتِكم كَما لَمْ يَسْألْهُ مَن قَبْلِي مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وهَذا مِن جُمْلَةِ ما أُمِرَ ﷺ بِالِاقْتِداءِ بِهِمْ فِيهِ.
﴿إنْ هُوَ﴾؛ أيْ: ما القرآن.
﴿إلا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾؛ أيْ: عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم كافَّةً مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، فَلا يَخْتَصُّ بِقَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ.
الأنعام 6:91
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ﴾ لِما بُيِّنَ شَأْنُ القرآن العَظِيمِ، وأنَّهُ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ مِنهُ تَعالى عَلى كافَّةِ الأُمَمِ، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾؛ عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ غَمْطِهِمْ إيّاها وكُفْرِهِمْ بِها، عَلى وجْهٍ سَرى ذَلِكَ إلى الكُفْرِ بِجَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.
وَأصُلُ القَدْرِ: السَّبْرُ والحَزْرُ، يُقالُ: قَدَرَ الشَّيْءَ يَقْدُرُهُ بِالضَّمِّ قَدْرًا: إذا سَبَرَهُ وحَزَرَهُ لِيَعْرِفَ مِقْدارَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ في مِقْدارِهِ، وأحْوالِهِ، وأوْصافِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وهو في الأصْلِ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: قَدْرَهُ الحَقَّ، فَلَمّا أُضِيفَ إلى مَوْصُوفِهِ انْتَصَبَ عَلى ما كانَ يَنْتَصِبُ عَلَيْهِ مَوْصُوفُهُ؛ أيْ: ما عَرَفُوهُ تَعالى حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في اللُّطْفِ بِعِبادِهِ والرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يُراعُوا حُقُوقَهُ تَعالى في ذَلِكَ، بَلْ أخَلُّوا بِها إخْلالًا.
﴿إذْ قالُوا﴾ مُنْكِرِينَ لِبِعْثَةِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، كافِرِينَ بِنِعْمَتِهِ الجَلِيلَةِ فِيهِما.
﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾ فَنَفْيُ مَعْرِفَتِهِمْ لِقَدْرِهِ سُبْحانَهُ، كِنايَةٌ عَنْ حَطِّهِمْ لِقَدْرِهِ الجَلِيلِ، ووَصْفِهِمْ لَهُ تَعالى بِنَقِيضِ نَعْتِهِ الجَمِيلِ، كَما أنَّ نَفْيَ المَحَبَّةِ في مِثْلِ: "إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ " كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ، وإلّا فَنَفْيُ مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ تَعالى يَتَحَقَّقُ مَعَ عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِحَطِّهِ، بَلْ مَعَ السَّعْيِ في تَحْصِيلِ المَعْرِفَةِ، كَما في قَوْلِ مَن يُناجِي مُسْتَقْصِرًا لِمَعْرِفَتِهِ وعِبادَتِهِ: سُبْحانَكَ ما عَرَفْناكَ حَقَّ مَعْرِفَتِكَ، وما عَبَدْناكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أوْ ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ في السُّخْطِ عَلى الكُفّارِ، وشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى بِهِمْ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ القرآن حِينَ اجْتَرَءُوا عَلى التَّفَوُّهِ بِهَذِهِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ؛ فالنَّفْيُ بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ.
والقائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ، وقَدْ قالُوهُ مُبالَغَةً في إنْكارِ إنْزالِ القرآن عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأُلْزِمُوا بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِهِ أصْلًا، حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى﴾؛ أيْ: قُلْ لَهم ذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّبْكِيتِ وإلْقامِ الحَجَرِ.
وَرُوِيَ أنَّ مالِكَ بْنَ الصَّيْفِ مِن أحْبارِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " «أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى؛ هَلْ تَجِدُ فِيها أنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الحَبْرَ السَّمِينَ، فَأنْتَ الحَبْرُ السَّمِينُ قَدْ سَمِنتَ مِن مالِكِ الَّذِي تُطْعِمُكَ اليَهُودُ» "؛ فَضَحِكَ القَوْمُ فَغَضِبَ، ثُمَّ التَفَتَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ؛ فَنَزَعُوهُ وجَعَلُوا مَكانَهُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ.
وَقِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ، وإلْزامُهم إنْزالَ التَّوْراةِ لِما أنَّهُ كانَ عِنْدَهم مِنَ المَشاهِيرِ الذّائِعَةِ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ: ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، ووَصْفُ الكِتابِ بِالوُصُولِ إلَيْهِمْ لِزِيادَةِ التَّقْرِيعِ وتَشْدِيدِ التَّبْكِيتِ.
وَكَذا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نُورًا وهُدًى﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ بَيِّنًا بِنَفْسِهِ، ومُبَيِّنًا لِغَيْرِهِ مِمّا يُؤَكِّدُ الإلْزامَ أيَّ تَأْكِيدٍ، وانْتِصابُهُما عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، والعامِلُ " أنْزَلَ "، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في " بِهِ "، والعامِلُ " جاءَ " .
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلنّاسِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِهُدًى، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ؛ أيْ: هُدًى كائِنًا لِلنّاسِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهَذا مُجَرَّدَ إلْزامِهِمْ بِالِاعْتِرافِ بِإنْزالِ التَّوْراةِ فَقَطْ، بَلْ بِإنْزالِ القرآن أيْضًا، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِإنْزالِها مُسْتَلْزِمٌ لِلِاعْتِرافِ بِإنْزالِهِ قَطْعًا، لِما فِيها مِنَ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِهِ.
وَقَدْ نَعى عَلَيْهِمْ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ﴾؛ أيْ: تَضَعُونَهُ في قَراطِيسَ مُقَطَّعَةً، ووَرَقاتٍ مُفَرَّقَةً، بِحَذْفِ الجارِّ بِناءً عَلى تَشْبِيهِ القَراطِيسِ بِالظَّرْفِ المُبْهَمِ، أوْ تَجْعَلُونَهُ نَفْسَ القَراطِيسِ المُقَطَّعَةِ، وفِيهِ زِيادَةُ تَوْبِيخٍ لَهم بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، كَأنَّهم أخْرَجُوهُ مِن جِنْسِ الكِتابِ، ونَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ القَراطِيسِ الخالِيَةِ عَنِ الكِتابَةِ، والجُمْلَةُ حالٌ كَما سَبَقَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُبْدُونَها﴾ صِفَةٌ لِقَراطِيسَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ (p-162)مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، والعائِدُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: كَثِيرًا مِنهم.
وَقِيلَ: كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ: نُعُوتُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وسائِرُ ما كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، وقُرِئَ الأفْعالُ الثَّلاثَةُ بِالياءِ حَمْلًا عَلى قالُوا: " ﴿وَما قَدَرُوا﴾ " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ قِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ تَجْعَلُونَهُ، بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ.
قُلْتُ: فَيَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ ما عِبارَةً عَمّا أخَذُوهُ مِنَ الكِتابِ مِنَ العُلُومِ والشَّرائِعِ، لِيَكُونَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ مُفِيدًا لِتَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ وتَشْدِيدِ التَّشْنِيعِ، فَإنَّ ما فَعَلُوهُ بِالكِتابِ مِنَ التَّفْرِيقِ والتَّقْطِيعِ، لِما ذُكِرَ مِنَ الإبْداءِ والإخْفاءِ شَناعَةٌ عَظِيمَةٌ في نَفْسِها، ومَعَ مُلاحَظَةِ كَوْنِهِ مَأْخَذًا لِعُلُومِهِمْ ومَعارِفِهِمْ أشْنَعُ وأعْظَمُ، لا عَمّا تَلَقَّوْهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ زِيادَةً عَلى ما في التَّوْراةِ، وبَيانًا لِما التَبَسَ عَلَيْهِمْ وعَلى آبائِهِمْ مِن مُشْكِلاتِها، حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَقُصُّ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أكْثَرَ الَّذِي هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، كَما قالُوا؛ لِأنَّ تَلَقِّيَهم لِذَلِكَ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، لَيْسَ مِمّا يَزْجُرُهم عَمّا صَنَعُوا بِالتَّوْراةِ.
أمّا ما ورَدَ فِيهِ زِيادَةً عَلى ما فِيها؛ فَلِأنَّهُ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِها نَفْيًا ولا إثْباتًا، وأمّا ما ورَدَ بِطَرِيقِ البَيانِ؛ فَلِأنَّ مَدارَ ما فَعَلُوا بِها مِنَ التَّبْدِيلِ والتَّحْرِيفِ، لَيْسَ ما وقَعَ فِيها مِنِ التِباسِ الأمْرِ واشْتِباهِ الحالِ، حَتّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ بِإيضاحِهِ وبَيانِهِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حِينَئِذٍ خالِيَةً عَنْ تَأْكِيدِ التَّوْبِيخِ، فَلا تَسْتَحِقُّ أنْ تَقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، بَلِ الوَجْهُ حِينَئِذٍ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِما قَبْلَها مِن مَجِيءِ الكِتابِ بِطَرِيقِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ والتَّمْهِيدِ، لِما يَعْقُبُهُ مِن مَجِيءِ القرآن.
وَلا سَبِيلَ إلى جَعْلِ ما عِبارَةً عَمّا كَتَمُوهُ مِن أحْكامِ التَّوْراةِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ فَإنَّ ظُهُورَهُ وإنْ كانَ مَزْجَرَةً لَهم عَنِ الكَتْمِ مَخافَةَ الِافْتِضاحِ، وُمُصَحِّحًا لِوُقُوعِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الحالِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمّا يَعْلَمُهُ الكاتِمُونَ حَتْمًا، هَذا وقَدْ قِيلَ: الخِطابُ لِمَن آمَنَ مِن قُرَيْشٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُجِيبَ عَنْهم إشْعارًا بِتَعَيُّنِ الجَوابِ، بِحَيْثُ لا مَحِيدَ عَنْهُ، وإيذانًا بِأنَّهم أُفْحِمُوا ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا.
﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي يَخُوضُونَ فِيهِ، ولا عَلَيْكَ بَعْدَ إلْزامِ الحُجَّةِ وإلْقامِ الحَجَرِ.
﴿يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الأوَّلِ، والظَّرْفُ صِلَةٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّمِ، أوِ المُؤَخَّرِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن مَفْعُولِ الأوَّلِ، أوْ مِن فاعِلِ الثّانِي، أوِ الضَّمِيرِ الثّانِي؛ لِأنَّهُ فاعِلٌ في الحَقِيقَةِ، والظَّرْفُ مُتَّصِلٌ بِالأوَّلِ.
الأنعام 6:92
﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ﴾ تَحْقِيقٌ لِنُزُولِ القرآن الكَرِيمِ بَعْدَ تَقْرِيرِ إنْزالِ ما بَشَّرَ بِهِ مِنَ التَّوْراةِ، وتَكْذِيبٌ لَهم في كَلِمَتِهِمُ الشَّنْعاءِ إثْرَ تَكْذِيبٍ.
﴿مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ الفَوائِدِ وجَمُّ المَنافِعِ.
﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ لِنُزُولِهِ حَسْبَما وُصِفَ فِيها، أوِ الكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ، فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْكُلِّ في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِهِ، ونَفْيِ الشِّرْكِ والنَّهْيِ عَنْهُ، وفي سائِرِ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي لا تُنْسَخُ.
﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ عَطْفٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ " مُبارَكٌ "؛ أيْ: لِلْبَرَكاتِ ولِإنْذارِكَ أهْلَ مَكَّةَ، وإنَّما ذُكِرَتْ بِاسْمِها المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِها أعْظَمَ القُرى شَأْنًا وقِبْلَةً لِأهْلِها قاطِبَةً؛ إيذانًا بِأنَّ إنْذارَ أهْلِها أصْلٌ مُسْتَتْبِعٌ لِإنْذارِ أهْلِ الأرْضِ كافَّةً، وقُرِئَ: (p-163)( لِيُنْذِرَ ) بِالياءِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْكِتابِ.
﴿وَمَن حَوْلَها﴾ مِن أهْلِ المَدَرِ والوَبَرِ في المَشارِقِ والمَغارِبِ.
﴿والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِن أفانِينِ العَذابِ.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالكِتابِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ العاقِبَةَ، ولا يَزالُ الخَوْفُ يَحْمِلُهم عَلى النَّظَرِ والتَّأمُّلِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِهِ.
﴿وَهم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ تَخْصِيصُ مُحافَظَتِهِمْ عَلى الصَّلاةِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ العِباداتِ الَّتِي لا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أدائِها؛ لِلْإيذانِ بِإنافَتِها مِن بَيْنِ سائِرِ الطّاعاتِ، وكَوْنِها أشْرَفَ العِباداتِ بَعْدَ الإيمانِ.
الأنعام 6:93
﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَزَعَمَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَهُ نَبِيًّا، كَمُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ والأسْوَدِ العَنْسِيِّ، أوِ اخْتَلَقَ عَلَيْهِ أحْكامًا مِنَ الحِلِّ والحُرْمَةِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ومُتابِعِيهِ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ عَلى نَفْيِ الأظْلَمِ مِنهُ، وإنْكارِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساوِي وإنْكارِهِ، فَإنَّ الِاسْتِعْمالَ الفاشِيَ في قَوْلِكَ: مَن أفْضَلُ مِن زَيْدٍ، أوْ لا أكْرَمَ مِنهُ، عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وأكْرَمُ مَن كُلِّ كَرِيمٍ، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ فِيهِ.
﴿أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ لَمْ يُوحَ إلَيْهِ.
﴿شَيْءٌ﴾ أصْلًا، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، كانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، فَلَمّا بَلَغَ: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾، تَعَجُّبًا مِن تَفْصِيلِ خَلْقِ الإنْسانِ، ثُمَّ قالَ ﷺ: " اكْتُبْها كَذَلِكَ "؛ فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ وقالَ: لَئِنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَقَدْ أُوحِيَ إلَيَّ كَما أُوحِيَ إلَيْهِ، ولَئِنْ كانَ كاذِبًا فَقَدْ قُلْتُ كَما قالَ.
﴿وَمَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كالَّذِينِ قالُوا: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ .
﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ﴾ حُذِفَ مَفْعُولُ " تَرى " لِدَلالَةِ الظَّرْفِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ تَرى الظّالِمِينَ إذْ هم.
﴿فِي غَمَراتِ المَوْتِ﴾؛ أيْ: شَدائِدِهِ مِن غَمَرَهُ إذا غَشِيَهُ.
﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾ بِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، كالمُتَقاضِي المُلِظِّ المُلِحِّ، يَبْسُطُ يَدَهُ إلى مَن عَلَيْهِ الحَقُّ، ويُعَنِّفُ عَلَيْهِ في المُطالَبَةِ مِن غَيْرِ إمْهالٍ وتَنْفِيسٍ.
أوْ باسِطُوها بِالعَذابِ قائِلِينَ: ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾؛ أيْ: أخْرِجُوا أرْواحَكم إلَيْنا مِن أجْسادِكم، وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِنَ العَذابِ.
﴿اليَوْمَ﴾؛ أيْ: وقْتَ الإماتَةِ، أوِ الوَقْتَ المُمْتَدَّ بَعْدَهُ إلى ما لا نِهايَةَ لَهُ.
﴿تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾؛ أيِ: العَذابَ المُتَضَمِّنَ لِشِدَّةٍ وإهانَةٍ، فَإضافَتُهُ إلى الهُونِ وهو الهَوانُ لِعَراقَتِهِ فِيهِ.
﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ﴾ كاتِّخاذِ الوَلَدِ لَهُ، ونِسْبَةِ الشَّرِيكِ إلَيْهِ، وادِّعاءِ النُّبُوَّةِ والوَحْيِ كاذِبًا.
﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ فَلا تَتَأمَّلُونَ فِيها ولا تُؤْمِنُونَ بِها.
الأنعام 6:94
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا﴾ لِلْحِسابِ.
﴿فُرادى﴾ (p-164)مُنْفَرِدِينَ عَنِ الأمْوالِ والأوْلادِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا آثَرْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا، أوْ عَنِ الأعْوانِ والأصْنامِ الَّتِي كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم، وهو جَمْعُ فَرْدٍ، والألِفُ لِلتَّأْنِيثِ، كَكُسالى، وقُرِئَ: ( فِرادًا ) كَرِخالٍ، و( فُرادَ ) كَثُلاثَ، و( فَرْدى ) كَسَكْرى.
﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ بَدَلٌ مِن فُرادى؛ أيْ: عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي وُلِدْتُمْ عَلَيْها في الِانْفِرادِ، أوْ حالٌ ثانِيَةٌ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ تَعَدُّدَها، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فُرادى؛ أيْ: مُشْبِهِينَ ابْتِداءَ خَلْقِكم عُراةً حُفاةً غُرْلًا بِهِما، أوْ صِفَةُ مَصْدَرِ جِئْتُمُونا؛ أيْ: مَجِيئًا كَخَلْقِنا لَكم أوَّلَ مَرَّةٍ.
﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ﴾ تَفَضَّلْناهُ عَلَيْكم في الدُّنْيا فَشُغِلْتُمْ بِهِ عَنِ الآخِرَةِ.
﴿وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما قَدَّمْتُمْ مِنهُ شَيْئًا ولَمْ تَحْمِلُوا نَقِيرًا.
﴿وَما نَرى مَعَكم شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم فِيكم شُرَكاءُ﴾؛ أيْ: شُرَكاءُ اللَّهِ تَعالى في الربوبية واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.
﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾؛ أيْ: وقَعَ التَّقَطُّعُ بَيْنَكم، كَما يُقالُ: جُمِعَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ؛ أيْ: أُوقِعَ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
وَقُرِئَ: ( بَيْنُكم ) بِالرَّفْعِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى الظَّرْفِ، كَما يُقالُ: قُوتِلَ أمامُكم وخَلْفُكم، أوْ عَلى أنَّ البَيْنَ اسْمٌ لِلْفَصْلِ والوَصْلِ؛ أيْ: تَقَطَّعُ وصْلُكم، وقُرِئَ: ( ما بَيْنَكم ) .
﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ﴾؛ أيْ: ضاعَ أوْ غابَ.
﴿ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أنَّها شُفَعاؤُكم، أوْ أنْ لا بَعْثَ ولا جَزاءَ.
الأنعام 6:95
﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾ شُرُوعٌ في تَقْرِيرِ بَعْضِ أفاعِيلِهِ تَعالى الدّالَّةِ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ وقدرته، ولُطْفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ، إثْرَ تَقْرِيرِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ.
والفَلْقُ: الشَّقُّ بِإبانَةٍ؛ أيْ: شاقُّ الحَبِّ بِالنَّباتِ والنَّوى بِالشَّجَرِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ: الشَّقُّ الَّذِي في الحُبُوبِ والنَّوى؛ أيْ: خالِقُهُما كَذَلِكَ، كَما في قَوْلِكَ: ضَيِّقْ فَمَ الرَّكِيَّةِ ووَسِّعْ أسْفَلَها. وقِيلَ: الفَلْقُ بِمَعْنى: الخَلْقِ، قالَ الواحِدِيُّ: ذَهَبُوا بِفالِقٍ مَذْهَبَ فاطِرٍ.
﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾؛ أيْ: يُخْرِجُ ما يَنْمُو مِنَ الحَيَوانِ والنَّباتِ مِمّا لا يَنْمُو مِنَ النُّطْفَةِ والحَبِّ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما قَبْلَها، وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِأنَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ﴾ كالنُّطْفَةِ والحَبِّ.
﴿مِنَ الحَيِّ﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ، عَطْفٌ عَلى فالِقِ الحَبِّ، لا عَلى " يُخْرِجُ " عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ إخْراجَ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ لَيْسَ مِن قَبِيلِ فَلْقِ الحَبِّ والنَّوى.
﴿ذَلِكُمُ﴾ القادِرُ العَظِيمُ الشَّأْنِ هو.
﴿اللَّهَ﴾ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ وحْدَهُ.
﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ عِبادَتِهِ إلى غَيْرِهِ ولا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا.
الأنعام 6:96
﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِإنَّ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والإصْباحُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الصُّبْحُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ صُبْحٍ؛ أيْ: فالِقُ عَمُودِ الفَجْرِ عَنْ بَياضِ النَّهارِ وإسْفارِهِ، أوْ فالِقُ ظُلْمَةِ الإصْباحِ، وهي الغَبَشُ الَّذِي يَلِي الصُّبْحَ، وقُرِئَ: ( فالِقَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ.
﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ يَسْكُنُ إلَيْهِ التَّعِبُ بِالنَّهارِ لِاسْتِراحَتِهِ فِيهِ، مِن سَكَنَ إلَيْهِ: إذا اطْمَأنَّ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا بِهِ، أوْ يَسْكُنُ فِيهِ الخَلْقُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ .
وَقُرِئَ: ( جاعِلُ اللَّيْلِ ) فانْتِصابُ سَكَنًا بِفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ جاعِلُ. وقِيلَ: بِنَفْسِهِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: الجَعْلُ المُسْتَمِرُّ في الأزْمِنَةِ المُتَجَدِّدَةِ حَسَبَ تَجَدُّدِها، لا الجَعْلُ الماضِي فَقَطْ. وقِيلَ: اسْمُ الفاعِلِ مِنَ الفِعْلِ المُتَعَدِّي إلى اثْنَيْنِ يَعْمَلُ في الثّانِي، وإنْ كانَ بِمَعْنى الماضِي؛ لِأنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى الأوَّلِ تَعَيَّنَ نَصْبُهُ لِلثّانِي لِتَعَذُّرِ الإضافَةِ بَعْدَ ذَلِكَ. (p-165)
﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى اللَّيْلِ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ، قِيلَ: هُما مَعْطُوفانِ عَلى مَحَلِّهِ، والأحْسَنُ نَصْبُهُما حِينَئِذٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقَدْ قُرِئا بِالجَرِّ وبِالرَّفْعِ أيْضًا عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَجْعُولانِ.
﴿حُسْبانًا﴾؛ أيْ: عَلى أدْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ يُحْسَبُ بِها الأوْقاتُ الَّتِي نِيطَ بِها العِباداتُ والمُعامَلاتُ، أوْ مَحْسُوبانِ حُسْبانًا، والحُسْبانُ بِالضَّمِّ مَصْدَرُ حَسَبَ، كَما أنَّ الحِسابَ بِالكَسْرِ مَصْدَرُ حَسِبَ.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى جَعْلِهِما كَذَلِكَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّيْسِيرُ البَدِيعُ.
﴿تَقْدِيرُ العَزِيزِ﴾ الغالِبِ القاهِرِ الَّذِي لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَسْيِيرُهُما عَلى الوَجْهِ المَخْصُوصِ.
﴿العَلِيمِ﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما في ذَلِكَ التَّسْيِيرِ مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ، المُتَعَلِّقَةِ بِمَعاشِ الخَلْقِ ومَعادِهِمْ.
الأنعام 6:97
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ نِعْمَتِهِ تَعالى في الكَواكِبِ، إثْرَ بَيانِ نِعْمَتِهِ تَعالى في النَّيِّرَيْنِ، والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ؛ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها لِأجْلِكم.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَهْتَدُوا بِها﴾ بَدَلٌ مِنَ المَجْرُورِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ اشْتِمالٍ، كَما قِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا﴾، والتَّقْدِيرُ: جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِاهْتِدائِكم، لَكِنْ لا عَلى أنَّ غايَةَ خَلْقِها اهْتِداؤُهم فَقَطْ، بَلْ عَلى طَرِيقَةِ إفْرادِ بَعْضِ مَنافِعِها وغاياتِها بِالذِّكْرِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ المَقامُ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِلْجَعْلِ، وهو بِمَعْنى التَّصْيِيرِ؛ أيْ: جَعَلَها كائِنَةً لِاهْتِدائِكم في أسْفارِكم عِنْدَ دُخُولِكُمُ المَفاوِزَ أوِ البِحارَ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾؛ أيْ: في ظُلُماتِ اللَّيْلِ في البَرِّ والبَحْرِ، وإضافَتُها إلَيْهِما لِلْمُلابَسَةِ، فَإنَّ الحاجَةَ إلى الِاهْتِداءِ بِها إنَّما يَتَحَقَّقُ عِنْدَ ذَلِكَ، أوْ في مُشْتَبِهاتِ الطُّرُقِ عَبَّرَ عَنْها بِالظُّلُماتِ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا الآياتِ المَتْلُوَّةَ المُذَكِّرَةَ لِنِعَمِهِ الَّتِي هَذِهِ النِّعْمَةُ مِن جُمْلَتِها، أوِ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى شُئُونِهِ تَعالى مُفَصَّلَةً.
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مَعانِيَ الآياتِ المَذْكُورَةِ ويَعْلَمُونَ بِمُوجَبِها، أوْ يَتَفَكَّرُونَ في الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ فَيَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الحالِ، وتَخْصِيصُ التَّفْصِيلِ بِهِمْ مَعَ عُمُومِهِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
الأنعام 6:98
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ تَعالى دالَّةٍ عَلى عِظَمِ قدرته، ولَطِيفِ صُنْعِهِ وحِكْمَتِهِ؛ أيْ: أنْشَأكم مَعَ كَثْرَتِكم مِن نَفْسِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾؛ أيْ: فَلَكُمُ اسْتِقْرارٌ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ، واسْتِيداعٌ في الأرْحامِ أوْ تَحْتَ الأرْضِ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ واسْتِيداعٍ فِيما ذُكِرَ، والتَّعْبِيرُ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ أوْ فَوْقَ الأرْضِ بِالِاسْتِقْرارِ؛ لِأنَّهُما مَقَرُّهُمُ الطَّبِيعِيُّ، كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ كَوْنِهِمْ في الأرْحامِ أوْ تَحْتَ الأرْضِ بِالِاسْتِيداعِ؛ لِما أنَّ كُلًّا مِنهُما لَيْسَ بِمَقَرِّهِمُ الطَّبِيعِيِّ، وقَدْ حُمِلَ الِاسْتِيداعُ عَلى كَوْنِهِمْ في الأصْلابِ، ولَيْسَ بِواضِحٍ.
وَقُرِئَ: ( فَمُسْتَقِرٌّ ) بِكَسْرِ القافِ؛ أيْ: فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، فَإنَّ الِاسْتِقْرارَ مِنّا (p-166)بِخِلافِ الِاسْتِيداعِ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ المُبَيِّنَةَ لِتَفاصِيلِ خَلْقِ البَشَرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ ونَظائِرِها.
﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ غَوامِضَ الدَّقائِقِ بِاسْتِعْمالِ الفِطْنَةِ، وتَدْقِيقِ النَّظَرِ في لَطائِفِ صُنْعِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في أطْوارِ تَخْلِيقِ بَنِي آدَمَ، مِمّا تَحارُ في فَهْمِهِ الألباب، وهو السِّرُّ في إيثارِ يَفْقَهُونَ عَلى يَعْلَمُونَ، كَما ورَدَ في شَأْنِ النُّجُومِ.
الأنعام 6:99
﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ أُخْرى مِن نِعَمِهِ تَعالى، مُنَبِّئَةٍ عَنْ كَمالِ قدرته تعالى وسَعَةِ رَحْمَتِهِ؛ أيْ: أنْزَلَ مِنَ السَّحابِ، أوْ مِن سَمْتِ السَّماءِ ماءً خاصًّا، هو المَطَرُ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا.
﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ التَفَتَ إلى التَّكَلُّمِ إظْهارًا لِكَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِ ما أُنْزِلَ الماءُ لِأجْلِهِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا بِعَظَمَتِنا بِذَلِكَ الماءِ مَعَ وحْدَتِهِ.
﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن شَأْنِها النُّمُوُّ مِن أصْنافِ النَّجْمِ والشَّجَرِ، وأنْواعِهِما المُخْتَلِفَةِ في الكَمِّ والكَيْفِ، والخَواصِّ والآثارِ، اخْتِلافًا مُتَفاوِتًا في مَراتِبِ الزِّيادَةِ والنُّقْصانِ، حَسْبَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ مِنَ الإخْراجِ، وقَدْ بُدِئَ بِتَفْصِيلِ حالِ النَّجْمِ؛ أيْ: فَأخْرَجْنا مِنَ النَّباتِ الَّذِي لا ساقَ لَهُ شَيْئًا غَضًّا أخْضَرَ، يُقالُ: شَيْءٌ أخْضَرُ وخَضِرٌ، كَأعْوَرَ وعَوِرٍ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ الخَضِرُ فِيما تَكُونُ خُضْرَتُهُ خَلْقِيَّةً، وهو ما تَشَعَّبَ مِن أصْلِ النَّباتِ الخارِجِ مِنَ الحَبَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنهُ﴾ صِفَةٌ لِخَضِرًا، أوْ صِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ لِما فِيها مِنَ الغَرابَةِ؛ أيْ: نُخْرِجُ مِن ذَلِكَ الخَضِرِ.
﴿حَبًّا مُتَراكِبًا﴾ هو السُّنْبُلُ المُنْتَظِمُ لِلْحُبُوبِ المُتَراكِبَةِ، بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، عَلى هَيْئَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وقُرِئَ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الشَّجَرِ إثْرَ بَيانِ حالِ النَّجْمِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " مِنَ النَّخْلِ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن طَلْعِها﴾ بَدَلٌ مِنهُ بِإعادَةِ العامِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهِ ...﴾ إلَخْ.
والطَّلْعُ: شَيْءٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ، كَأنَّهُ نَعْلانِ مُطْبَقانِ والحَمْلُ بَيْنَهُما مَنضُودٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قِنْوانٌ﴾ مُبْتَدَأٌ؛ أيْ: وحاصِلَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ أخْرَجْنا عَلَيْهِ؛ أيْ: ومُخْرَجَةٌ مِن طَلْعِ النَّخْلِ قِنْوانٌ.
وَمَن قَرَأ: ( يَخْرُجُ مِنهُ حَبٌّ مُتَراكِبٌ ) كانَ قِنْوانٌ عِنْدَهُ مَعْطُوفًا عَلى حَبٌّ. وقِيلَ: المَعْنى: وأخْرَجْنا مِنَ النَّخْلِ نَخْلًا مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، أوْ ومِنَ النَّخْلِ شَيْءٌ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ، وهو جَمْعُ قِنْوٍ، وهو عُنْقُودُ النَّخْلَةِ، كَصِنْوٍ وصِنْوانٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ القافِ، كَذِئْبٍ وذُؤْبانٍ، وبِفَتْحِها أيْضًا عَلى أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ؛ لِأنَّ فَعْلانٌ لَيْسَ مِن أبْنِيَةِ الجَمْعِ.
﴿دانِيَةٌ﴾ سَهْلَةُ المُجْتَنى قَرِيبَةٌ مِنَ القاطِفِ؛ فَإنَّها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً يَنالُها القاعِدُ، تَأْتِي بِالثَّمَرِ لا يُنْتَظَرُ الطُّولُ، أوْ مُلْتَفَّةٌ مُتَقارِبَةٌ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِها لِدَلالَتِها عَلى مُقابَلَتِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، ولِزِيادَةِ النِّعْمَةِ فِيها.
﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ "؛ أيْ: وأخْرَجْنا بِهِ جَنّاتٍ كائِنَةً مِن أعْنابٍ، وقُرِئَ: ( جَنّاتٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ؛ أيْ: ولَكم (p-167)أوْ ثَمَّةَ جَنّاتٌ.
وَقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى قِنْوانٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحاصِلَةٌ أوْ مُخْرَجَةٌ مِنَ النَّخْلِ قِنْوانٌ، وجَنّاتٌ مِن نَباتٍ وأعْنابٍ، ولَعَلَّ زِيادَةَ الجَنّاتِ هَهُنا مِن غَيْرِ اكْتِفاءٍ بِذِكْرِ اسْمِ الجِنْسِ، كَما فِيما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، لِما أنَّ الِانْتِفاعَ بِهَذا الجِنْسِ لا يَتَأتّى غالِبًا إلّا عِنْدَ اجْتِماعِ طائِفَةٍ مِن أفْرادِهِ.
﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾ مَنصُوبانِ عَلى الِاخْتِصاصِ لِعِزَّةِ هَذَيْنَ الصِّنْفَيْنِ عِنْدَهم، أوْ عَلى العَطْفِ عَلى نَباتَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ حالٌ مِنَ الزَّيْتُونِ اكْتُفِيَ بِهِ عَنْ حالِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ، كَما يُكْتَفى بِخَبَرِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عَنْ خَبَرِ المَعْطُوفِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، وتَقْدِيرُهُ: والزَّيْتُونَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، والرُّمّانَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الرُّمّانِ لِقُرْبِهِ، ويَكُونُ المَحْذُوفُ حالَ الأوَّلِ، والمَعْنى: بَعْضُهُ مُتَشابِهًا وبَعْضُهُ غَيْرَ مُتَشابِهٍ في الهَيْئَةِ، والمِقْدارِ، واللَّوْنِ، والطَّعْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأوْصافِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ صانِعِها، وحِكْمَةِ مُنْشِئِها ومُبْدِعِها.
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾؛ أيِ: انْظُرُوا إلَيْهِ نَظَرَ اعْتِبارٍ واسْتِبْصارٍ، إذا أخْرَجَ ثَمَرَهُ كَيْفَ يُخْرِجُهُ ضَئِيلًا لا يَكادُ يُنْتَفَعُ بِهِ، وقُرِئَ: ( إلى ثُمُرِهِ ) .
﴿وَيَنْعِهِ﴾؛ أيْ: وإلى حالِ نُضْجِهِ كَيْفَ يَصِيرُ إلى كَمالِهِ اللّائِقِ بِهِ، ويَكُونُ شَيْئًا جامِعًا لِمَنافِعَ جَمَّةٍ، واليَنْعُ في الأصْلِ: مَصْدَرٌ يَنَعَتِ الثَّمَرُ: إذا أدْرَكَتْ، وقِيلَ: جَمْعُ يانِعٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وقُرِئَ بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ فِيهِ، وقُرِئَ: ( يانِعِهِ ) .
﴿إنَّ في ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما أُمِرَ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ.
﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لَآياتٍ عَظِيمَةً أوْ كَثِيرَةً دالَّةً عَلى وُجُودِ القادِرِ الحَكِيمِ ووَحْدَتِهِ، فَإنَّ حُدُوثَ هاتِيكَ الأجْناسِ المُخْتَلِفَةِ، والأنْواعِ المُتَشَعِّبَةِ مِن أصْلٍ واحِدٍ، وانْتِقالَها مِن حالٍ إلى حالٍ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ، يَحارُ في فَهْمِهِ الألباب، لا يَكادُ يَكُونُ إلّا بِإحْداثِ صانِعٍ يَعْلَمُ تَفاصِيلَها، ويُرَجِّحُ ما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ مِنَ الوُجُوهِ المُمْكِنَةِ عَلى غَيْرِهِ، ولا يَعُوقُهُ عَنْ ذَلِكَ ضِدٌّ يُناوِيهِ، أوْ نِدٌّ يُقاوِيهِ.
الأنعام 6:100
وَلِذَلِكَ عُقِّبَ بِتَوْبِيخِ مَن أشْرِكَ بِهِ والرَّدِّ عَلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾؛ أيْ: جَعَلُوا في اعْتِقادِهِمْ لِلَّهِ الَّذِي شَأْنُهُ ما فُصِّلَ في تَضاعِيفِ هَذِهِ الآياتِ الجَلِيلَةِ شُرَكاءَ.
﴿الجِنَّ﴾؛ أيِ: المَلائِكَةَ، حَيْثُ عَبَدُوهم وقالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، وسُمُّوا جِنًّا لِاجْتِنانِهِمْ تَحْقِيرًا لِشَأْنِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى مَقامِ الأُلُوهِيَّةِ، أوِ الشَّياطِينَ حَيْثُ أطاعُوهم كَما أطاعُوا اللَّهَ تَعالى، أوْ عَبَدُوا الأوْثانَ بِتَسْوِيلِهِمْ وتَحْرِيضِهِمْ، أوْ قالُوا: اللَّهُ خالِقُ الخَيْرِ وكُلِّ نافِعٍ، والشَّيْطانُ خالِقُ الشَّرِّ وكُلِّ ضارٍّ، كَما هو رَأْيُ الثِّنْوِيَّةِ.
وَمَفْعُولا " جَعَلُوا " قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿شُرَكاءَ الجِنَّ﴾ "، قُدِّمَ ثانِيهِما عَلى الأوَّلِ، لِاسْتِعْظامِ أنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَرِيكَ ما، كائِنًا ما كانَ، ولِلَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِشُرَكاءَ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ.
وَقِيلَ: هُما لِلَّهِ شُرَكاءَ، والجِنَّ بَدَلٌ مِن شُرَكاءَ مُفَسِّرٌ لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ الفَرّاءُ وأبُو إسْحاقَ، أوْ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ جَوابًا عَلى سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، نَشَأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ﴾ "، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن جَعَلُوهُ شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى ؟ فَقِيلَ: الجِنَّ؛ أيْ: جَعَلُوا الجِنَّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أبِي حَيْوَةَ ويَزِيدَ بْنِ قُطَيْبٍ: ( الجِنُّ ) بِالرَّفْعِ، عَلى تَقْدِيرِهِمُ الجِنُّ في جَوابِ مَن قالَ: مَنِ الَّذِينَ جَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى، وقَدْ قُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّ الإضافَةَ لِلتَّبْيِينِ. (p-168)
﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلُوا، بِتَقْدِيرِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، مُؤَكِّدَةٌ لِما في جَعْلِهِمْ ذَلِكَ مِن كَمالِ القَباحَةِ والبُطْلانِ، بِاعْتِبارِ عِلْمِهِمْ بِمَضْمُونِها؛ أيْ: وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ تَعالى خالِقُهم خاصَّةً.
وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشُّرَكاءِ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجِنَّ، فَكَيْفَ يَجْعَلُونَ مَخْلُوقَهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى، وقُرِئَ: ( خَلْقَهم ) عَطْفًا عَلى الجِنِّ؛ أيْ: وما يَخْلُقُونَهُ مِنَ الأصْنامِ، أوْ عَلى شُرَكاءَ؛ أيْ: وجَعَلُوا لَهُ اخْتِلاقَهُمُ الإفْكَ حَيْثُ نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى.
﴿وَخَرَقُوا لَهُ﴾؛ أيِ: افْتَعَلُوا وافْتَرَوْا لَهُ، يُقالُ: خَلَقَ الإفْكَ، واخْتَلَقَهُ، وخَرَقَهُ، واخْتَرَقَهُ بِمَعْنًى، وقُرِئَ: ( خَرَّقُوا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وقُرِئَ: ( وحَرَّفُوا لَهُ )؛ أيْ: زَوَّرُوا.
﴿بَنِينَ وبَناتٍ﴾ فَقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ العَرَبِ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أيْ: بِحَقِيقَةِ ما قالُوهُ مِن خَطَأٍ أوْ صَوابٍ، بَلْ رَمْيًا بِقَوْلٍ عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ، أوْ بِغَيْرِ عِلْمٍ بِمَرْتَبَةِ ما قالُوهُ، وأنَّهُ مِنَ الشَّناعَةِ والبُطْلانِ بِحَيْثُ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ خَرَقُوا، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مُؤَكِّدٍ لَهُ؛ أيْ: خَرَقُوا مُلْتَبِسِينِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أوْ خَرْقًا كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ.
﴿سُبْحانَهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَنْزِيهِهِ عَزَّ وجَلَّ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ، وسُبْحانَهُ: عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ الَّذِي هو التَّبْعِيدُ عَنِ السُّوءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا؛ أيِ: اعْتِقادَ البُعْدِ عَنْهُ والحُكْمَ بِهِ مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ، إذا أبْعَدَ فِيهِما وأمْعَنَ، ومِنهُ: فَرَسٌ سَبُوحٌ؛ أيْ: واسِعُ الجَرْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، ولا يَكادُ يُذْكَرُ ناصِبُهُ؛ أيْ: أُسَبِّحُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ عَقْدًا وعَمَلًا، تَنْزِيهًا خاصًّا بِهِ حَقِيقًا بِشَأْنِهِ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن جِهَةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ السَّبْحِ، ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ عَنِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً، لا سِيَّما العِلْمُ المُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ إقامَتِهِ مُقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ.
وَقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ؛ لِأنَّهُ سُمِعَ لَهُ فِعْلٌ مِنَ الثُّلاثِيِّ كَما ذُكِرَ في القامُوسِ، أُرِيدَ بِهِ: التَّنَزُّهُ التّامُّ والتَّباعُدُ الكُلِّيُّ، فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إسْنادُ التَّنَزُّهِ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ؛ أيْ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ تَنَزُّهًا لائِقًا بِهِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَتَعالى﴾ فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الفِعْلِ المُضْمَرِ لا مَحالَةَ.
وَلِما في السُّبْحانِ والتَّعالِي مِن مَعْنى التَّباعُدِ، قِيلَ: ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾؛ أيْ: تَباعَدَ عَمّا يَصِفُونَهُ مِن أنَّ لَهُ شَرِيكًا أوْ ولَدًا.
الأنعام 6:101
﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ أيْ: مُبْدِعُهُما ومُخْتَرِعُهُما بِلا مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ البَدِيعَ كَما يُطْلَقُ عَلى المُبْدِعِ، نَصَّ عَلَيْهِ أئِمَّةُ اللُّغَةِ كالصَّرِيخِ بِمَعْنى المُصْرِخِ، وقَدْ جاءَ بَدَعَهُ كَمَنَعَهُ بِمَعْنى: أنْشَأهُ، كابْتَدَعَهُ عَلى ما ذُكِرَ في القامُوسِ وغَيْرِهِ، ونَظِيرُهُ: السَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ في قَوْلِهِ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
وَقِيلَ: هو مِن إضافَةِ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ إلى الفاعِلِ، لِلتَّخْفِيفِ بَعْدَ نَصْبِهِ تَشْبِيهًا لَها بِاسْمِ الفاعِلِ، كَما هو المَشْهُورُ؛ أيْ: بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ مِن بَدَعَ، إذا كانَ عَلى نَمَطٍ عَجِيبٍ، وشَكْلٍ فائِقٍ، وحُسْنٍ رائِقٍ، أوْ إلى الظَّرْفِ كَما في قَوْلِهِمْ: ثَبَتَ الغَدْرُ بِمَعْنى: أنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ فِيهِما. والأوَّلُ هو الوَجْهُ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى مُبْدِعٌ لِقُطْرَيِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ بِلا مادَّةِ فاعِلٍ عَلى الإطْلاقِ، مُنَزَّهٍ عَنْ الِانْفِعالِ بِالمَرَّةِ، والوالِدُ عُنْصُرُ الوَلَدِ مُنْفَعِلٌ (p-169)بِانْتِقالِ مادَّتِهِ عَنْهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ.
وَقُرِئَ: ( بَدِيعَ ) بِالنَّصْبِ عَلى المَدْحِ، وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الِاسْمِ الجَلِيلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " سُبْحانَهُ " عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُهُ، وارْتِفاعُهُ في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ فاعِلُ " تَعالى "، وإظْهارُهُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَوْسِيطُ الظَّرْفِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الفِعْلِ لِلِاهْتِمامِ بِبَيانِهِ.
أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ﴾ وهو عَلى الأوَّلَيْنِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، مَسُوقَةٌ كَما قَبْلَها لِبَيانِ اسْتِحالَةِ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ تَعالى، وتَقْرِيرِ تَنَزُّهِهِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِحالَةِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّ انْتِفاءَ أنْ يَكُونَ لَهُ تَعالى صاحِبَةٌ مُسْتَلْزِمٌ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، ضَرُورَةَ اسْتِحالَةِ وُجُودِ الوَلَدِ بِلا والِدَةٍ، وإنْ أمْكَنَ وُجُودُهُ بِلا والِدٍ، وانْتِفاءُ الأوَّلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ لِأحَدٍ، فَمِن ضَرُورَتِهِ انْتِفاءُ الثّانِي؛ أيْ: مِن أيْنَ ؟ أوْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ كَما زَعَمُوا، والحالُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَلى زَعْمِهِمْ أيْضًا صاحِبَةٌ يَكُونُ الوَلَدُ مِنها.
وَقُرِئَ: ( لَمْ يَكُنْ ) بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ لِلْفَصْلِ، أوْ لِأنَّ الِاسْمَ ضَمِيرُهُ تَعالى، والخَبَرُ هو الظَّرْفُ، وصاحِبَةٌ مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَأِ، أوِ الظَّرْفُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وصاحِبَةٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْكَوْنِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، لِصَلاحِيَةِ الجُمْلَةِ حِينَئِذٍ لِأنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، لا عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِما بُيِّنَ في مَوْضِعِهِ أنَّ ضَمِيرَ الشَّأْنِ لا يُفَسَّرُ إلّا بِجُمْلَةٍ صَرِيحَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أُخْرى سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ ما ذُكِرَ مِنَ الِاسْتِحالَةِ، أوْ حالٌ أُخْرى مُقَرِّرَةٌ لَها؛ أيْ: أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ؟ والحالُ أنَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ انْتَظَمَهُ التَّكْوِينُ، والإيجادُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما سَمَّوْهُ ولَدًا لَهُ تَعالى، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَخْلُوقُ ولَدًا لِخالِقِهِ.
﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ كائِنًا ما كانَ، مَخْلُوقًا أوْ غَيْرَ مَخْلُوقٍ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَرْكُ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ أزَلًا وأبَدًا حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ العُدُولُ إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ مِمّا كانَ وما سَيَكُونُ، مِنَ الذَّواتِ والصِّفاتِ والأحْوالِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يَجُوزُ عَلَيْهِ تَعالى وما لا يَجُوزُ مِنَ المُحالاتِ الَّتِي ما زَعَمُوهُ فَرْدٌ مِن أفْرادِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِبُطْلانِ مَقالَتِهِمُ الشَّنْعاءِ الَّتِي اجْتَرَءُوا عَلَيْها بِغَيْرِ عِلْمٍ.
الأنعام 6:102
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنعُوتِ بِما ذُكِرَ مِن جَلائِلِ النُّعُوتِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِ المُشارِ إلَيْهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في العَظْمَةِ، والخِطابُ لِلْمُشْرِكَيْنِ المَعْهُودِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ رَبُّكم لا إلَهَ إلا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أخْبارٌ أرْبَعَةٌ مُتَرادِفَةٌ؛ أيْ: ذَلِكَ المَوْصُوفُ بِتِلْكَ الصِّفاتِ العَظِيمَةِ هو اللَّهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً، مالِكُ أمْرِكم لا شَرِيكَ لَهُ أصْلًا، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ومِمّا سَيَكُونُ فَلا تَكْرارَ؛ إذِ المُعْتَبَرُ في عُنْوانِ المَوْضُوعِ إنَّما هو خالِقِيَّتُهُ لِما كانَ فَقَطْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ صِيغَةُ الماضِي.
وَقِيلَ: الخَبَرُ هو الأوَّلُ والبَواقِي أبْدالٌ، وقِيلَ: الِاسْمُ الجَلِيلُ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ والبَواقِي أخْبارٌ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ لِكُلٍّ مِنَ الأخْبارِ الثَّلاثَةِ مُبْتَدَأٌ، وقِيلَ: يُجْعَلُ الكُلُّ بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَإنَّ مَن جَمَعَ هَذِهِ الصِّفاتِ كانَ هو المُسْتَحِقَّ لِلْعِبادَةِ خاصَّةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ (p-170)المُتَقَدِّمَةِ؛ أيْ: هو مَعَ ما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، مُتَوَلِّي أُمُورِ جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ الَّتِي أنْتُمْ مِن جُمْلَتِها، فَكِلُوا أُمُورَكم إلَيْهِ، وتَوَسَّلُوا بِعِبادَتِهِ إلى نَجاحِ مَآرِبِكُمُ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.
الأنعام 6:103
﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ البَصَرُ: حاسَّةُ النَّظَرِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى العَيْنِ مِن حَيْثُ إنَّها مَحِلُّها، وإدْراكُ الشَّيْءِ عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلَيْهِ والإحاطَةِ بِهِ؛ أيْ: لا تَصِلُ إلَيْهِ الأبْصارُ ولا تُحِيطُ بِهِ، كَما قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبُ.
وَقالَ عَطاءٌ: كَلَّتْ أبْصارُ المَخْلُوقِينَ عَنِ الإحاطَةِ بِهِ، فَلا مُتَمَسَّكَ فِيهِ لِمُنْكِرِي الرُّؤْيَةِ عَلى الإطْلاقِ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ في الدُّنْيا وهو يُرى في الآخِرَةِ.
﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾؛ أيْ: يُحِيطُ بِها عِلْمُهُ، إذْ لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ فَيُدْرِكُ ما لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا لِلْحُكْمَيْنِ السّابِقَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ؛ أيْ: لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ لِأنَّهُ اللَّطِيفُ، وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ لِأنَّهُ الخَبِيرُ، فَيَكُونُ اللَّطِيفُ مُسْتَفادًا مِن مُقابِلِ الكَثِيفِ، لِما لا يُدْرَكُ بِالحاسَّةِ ولا يَنْطَبِعُ فِيها.
الأنعام 6:104
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ . والبَصائِرُ: جَمْعُ بَصِيرَةٍ، وهي النُّورُ الَّذِي بِهِ تَسْتَبْصِرُ النَّفْسُ، كَما أنَّ البَصَرَ: نُورٌ بِهِ تُبْصِرُ العَيْنُ، والمُرادُ بِها: الآيَةُ الوارِدَةُ هَهُنا، أوْ جَمِيعُ الآياتِ المُنْتَظِمَةِ لَها انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
وَ" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، سَواءً تَعَلَّقَتْ بِجاءَ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَصائِرَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ؛ أيْ: أيٌّ قَدْ جاءَكم مِن جِهَةِ مالِكِكم ومُبَلِّغِكم إلى كَمالِكُمُ اللّائِقِ بِكم مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ والصَّوابِ ما هو كالبَصائِرِ لِلْقُلُوبِ، أوْ قَدْ جاءَكم بَصائِرُ كائِنَةٌ مِن رَبِّكم.
﴿فَمَن أبْصَرَ﴾؛ أيِ: الحَقَّ بِتِلْكَ البَصائِرِ وآمَنَ بِهِ.
﴿فَلِنَفْسِهِ﴾؛ أيْ: فَلِنَفْسِهِ أبْصَرَ، أوْ فَإبْصارُهُ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ نَفْعَهُ مَخْصُوصٌ بِها.
﴿وَمَن عَمِيَ﴾؛ أيْ: ومَن لَمْ يُبْصِرِ الحَقَّ بَعْدَ ما ظَهَرَ لَهُ بِتِلْكَ البَصائِرِ ظُهُورًا بَيِّنًا وضَلَّ عَنْهُ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالعَمى تَقْبِيحًا لَهُ وتَنْفِيرًا عَنْهُ.
﴿فَعَلَيْها﴾؛ أيْ: فَعَلَيْها عَمِيَ، أوْ فَعَماهُ عَلَيْها، أوْ وبالُ عَماهُ.
﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ وإنَّما أنا مُنْذِرٌ، واللَّهُ هو الَّذِي يَحْفَظُ أعْمالَكم ويُجازِيكم عَلَيْها.
الأنعام 6:105
﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ نُصَرِّفُ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى المَعانِي الرّائِقَةِ، الكاشِفَةِ عَنِ الحَقائِقِ الفائِقَةِ، لا تَصْرِيفًا أدْنى مِنهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولِيَقُولُوا دَرَسْتَ نَفْعَلُ ما نَفْعَلُ مِنَ التَّصْرِيفِ المَذْكُورِ.
واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِنُصَرِّفُ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ نُصَرِّفُ الآياتِ، لِنُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ ولِيَقُولُوا ... إلَخْ.
وَقِيلَ: اللّامُ لامُ الأمْرِ، وتَنْصُرُهُ القِراءَةُ بِسُكُونِ اللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ ولِيَقُولُوا هم ما يَقُولُونَ، فَإنَّهُ لا احْتِفالَ بِهِمْ ولا اعْتِدادَ بِقَوْلِهِمْ، وهَذا أمْرٌ مَعْناهُ: الوَعِيدُ، والتَّهْدِيدُ، وعَدَمُ الِاكْتِراثِ بِقَوْلِهِمْ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ما بَعْدَهُ يَأْباهُ.
وَمَعْنى دَرَسْتَ: قَرَأْتَ وتَعَلَّمْتَ، وقُرِئَ: ( دارَسْتَ )؛ أيْ: دارَسْتَ العُلَماءَ، ودَرَسْتَ؛ أيْ: قَدَّمْتَ (p-171)هَذِهِ الآياتُ وعَفَتْ، كَما قالُوا: ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ودَرُسَتْ بِضَمِّ الرّاءِ مُبالَغَةٌ في دَرَسَتْ؛ أيِ: اشْتَدَّ دُرُوسُها، ودُرِسَتْ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى: قُرِئَتْ، أوْ عُفِيَتْ، ودارَسَتْ، وفَسَّرُوها بِدارَسَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ، وجازَ الإضْمارُ لِاشْتِهارِهِمْ بِالدِّراسَةِ.
وَقَدْ جُوِّزَ إسْنادُ الفِعْلِ إلى الآياتِ، وهو في الحَقِيقَةِ لِأهْلِها؛ أيْ: دارَسَ أهْلُ الآياتِ وحَمَلَتُها مُحَمَّدًا ﷺ، وهم أهْلُ الكِتابِ. ودَرَسَ؛ أيْ: دَرَسَ مُحَمَّدٌ، ودارِساتٌ؛ أيْ: هي دارِساتٌ؛ أيْ: قَدِيماتٌ، أوْ ذاتُ دَرْسٍ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَقُولُوا، واللّامُ عَلى الأصْلِ؛ لِأنَّ التَّبْيِينَ غايَةُ التَّصْرِيفِ، والضَّمِيرُ لِلْآياتِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، أوْ لِلْقُرْآنِ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ، أوْ لِلْمَصْدَرِ؛ أيْ: ولِنَفْعَلَ التَّبْيِينَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِالتَّبْيِينِ، وتَخْصِيصُهُ بِهِمْ لِما أنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ هَداهم إلى سَبِيلِ الرَّشادِ. ووَصْفُهم بِالعِلْمِ لِلْإيذانِ بِغايَةِ جَهْلِ الأوَّلِينَ، وخُلُوِّهِمْ عَنِ العِلْمِ بِالمَرَّةِ.