Tafsir Abi Al-Suaood — النساء 4:92 – المائدة 5:68
المحتويات
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
النساء 4:92
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أيْ: وما صَحَّ لَهُ ولا لاقَ بِحالِهِ.
﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ.
﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ رُبَّما يَقَعُ لِعَدَمِ دُخُولِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ تَحْتَ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ، وانْتِصابُهُ إمّا عَلى أنَّهُ حالٌ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَإ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: وما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَإ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ أيْ: إلّا قَتْلًَا خَطَأً. وقِيلَ: "إلّا" بِمَعْنى ولا، والتَّقْدِيرُ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًَا عَمْدًَا ولا خَطَأً. وقِيلَ: ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يُذْكَرُ والخَطَأُ ما لا يُقارِنُهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوْ إلى الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًَا أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، وقُرِئَ "خَطاءً" بِالمَدِّ، و"خَطًَا" كَعَصًَا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ. رُوِيَ أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وكانَ أخا أبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ خَوْفًَا مِن أهْلِهِ وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا يَأْوِيها سَقْفٌ حَتّى يَرْجِعَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحَرْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أنِيسَةَ فَأتَياهُ وهو في أُطُمٍ فَفَتَلَ مِنهُ أبُو جَهْلٍ في الذِّرْوَةِ والغارِبِ، وقالَ: ألَيْسَ مُحَمَّدٌ يَحُثُّكَ عَلى صِلَةِ الرَّحِمِ انْصَرِفْ وبَرَّ أُمَّكَ وأنْتَ عَلى دِينِكَ حَتّى نَزَلَ وذَهَبَ مَعَهُما فَلَمّا فَسَحا مِنَ المَدِينَةِ كَتَّفاهُ وجَلَدَهُ فَقالَ لِلْحَرْثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حَرْثُ؟ لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًَا أنْ أقْتُلَكَ وقَدِما بِهِ عَلى أُمِّهِ فَحَلَفَتْ لا يُحَلُّ كِتافُهُ أوْ يَرْتَدُّ فَفَعَلَ بِلِسانِهِ ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأسْلَمَ الحَرْثُ وهاجَرَ فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِظَهْرِ قُباءَ ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَأنْحى عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ ثُمَّ أُخْبِرَ بِإسْلامِهِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: قَتَلْتُهُ ولَمْ أشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَنَزَلَتْ.
﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ أوْ فَمُوجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، أيْ: إعْتاقُ نَسَمَةٍ عَبَّرَ عَنْها بِها كَما يُعَبَّرُ عَنْها بِالرَّأْسِ.
﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ أىْ مَحْكُومًَا بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً.
﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ لِقَوْلِ ضَحّاكَ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: كَتَبَ إلىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضِّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها.
﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أهْلُهُ عَلَيْهِ، سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًَّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًَا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ"،» وقُرِئَ "إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا" وهو مُتَعَلِّقٌ بِـ"عَلَيْهِ" أوْ بِـ"مُسَلَّمَةٌ" أيْ: تَجِبُ الدِّيَةُ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا وقْتَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ مُتَصَدِّقِينَ عَلَيْهِ فَهو حالٌ مِنَ الأهْلِ أوِ القاتِلِ.
﴿فَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ.
﴿مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ كُفّارٍ مُحارِبِينَ.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ القاتِلُ لِكَوْنِهِ بَيْنَ أظْهُرِ قَوْمِهِ (p-216)بِأنْ أسْلَمَ فِيما بَيْنَهم ولَمْ يُفارِقْهم أوْ بِأنْ أتاهم بَعْدَ ما فارَقَهم لِمُهِمٍّ مِنَ المُهِمّاتِ.
﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ لِأنَّهم مُحارِبُونَ.
﴿وَإنْ كانَ﴾ أيِ: المَقْتُولُ المُؤْمِنُ.
﴿مِن قَوْمٍ﴾ كَفَرَةٍ.
﴿بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: عَهْدٌ مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ.
﴿فَدِيَةٌ﴾ أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ.
﴿مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مِن أهْلِ الإسْلامِ إنْ وُجِدُوا، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ هَذا الحُكْمِ هَهُنا مَعَ تَأْخِيرِهِ فِيما سَلَفَ لِلْإشْعارِ بِالمُسارَعَةِ إلى تَسْلِيمِ الدِّيَةِ تَحاشِيًَا عَنْ تَوَهُّمِ نَقْضِ المِيثاقِ.
﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كَما هو حُكْمُ سائِرِ المُسْلِمِينَ ولَعَلَّ إفْرادَهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في حُكْمِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ إلَخْ لِبَيانِ أنَّ كَوْنَهُ فِيما بَيْنَ المُعاهَدِينَ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ الدِّيَةِ كَما مَنَعَهُ كَوْنُهُ فِيما بَيْنَ المُحارَبِينَ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَقْتُولِ: الذِّمِّيُّ أوِ المُعاهَدُ لِئَلّا يَلْزَمَ التَّكْرارُ بِلا فائِدَةٍ ولا التَّوْرِيثُ بَيْنَ المُسْلِمِ والكافِرِ وقَدْ عَرَفْتَ عَدَمَ لُزُومِها.
﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيْ: رَقَبَةً لِيُحَرِّرَها بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها مِنَ الثَّمَنِ.
﴿فَصِيامُ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ.
﴿شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ يَوْمَيْنِ مِن أيّامِهِما إفْطارٌ.
﴿تَوْبَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: شُرِّعَ لَكم ذَلِكَ تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًَا لَها مِن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "عَلَيْهِ" بِحَذْفِ المُضافِ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ ذا تَوْبَةٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"تَوْبَةً" أيْ: كائِنَةً مِنهُ تَعالى.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُهُ.
﴿حَكِيمًا﴾ في كُلِّ ما شَرَعَ وقَضى مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَهُ في شَأْنِهِ.
النساء 4:93
﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ لَمّا بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ خَطَأً وفَصَّلَ أقْسامَهُ الثَّلاثَةَ عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ القَتْلِ عَمْدًَا خَلا أنَّ حُكْمَهُ الدُّنْيَوِيَّ لَمّا بُيِّنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ اقْتَصَرَ هَهُنا عَلى حُكْمِهِ الأُخْرَوِيِّ. رُوِيَ أنَّ مَقِيسَ بْنَ ضُبابَةَ الكِنانِيَّ وكانَ قَدْ أسْلَمَ هو وأخُوهُ هِشامٌ وجَدَ أخاهُ قَتِيلًَا في بَنِي النَّجّارِ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ لَهُ القِصَّةَ فَأرْسَلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهُ زُبَيْرَ بْنَ عِياضٍ الفِهْرِيَّ وكانَ مِن أصْحابِ بَدْرٍ إلى بَنِي النَّجّارِ يَأْمُرُهم بِتَسْلِيمِ القاتِلِ إلى مَقِيسٍ لِيَقْتَصَّ مِنهُ إنْ عَلِمُوهُ وبِأداءِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَعْلَمُوهُ فَقالُوا: سَمْعًَا وطاعَةً لِلَّهِ تَعالى ولِرَسُولِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ما نَعْلَمُ لَهُ قاتِلًَا ولَكِنّا نُؤَدِّي دِيَتَهُ فَأتَوْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الإبِلِ فانْصَرَفا راجِعَيْنِ إلى المَدِينَةِ حَتّى إذا كانا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أتى الشَّيْطانُ مَقِيسًَا فَوَسْوَسَ إلَيْهِ فَقالَ: أتَقْبَلُ دِيَةَ أخِيكَ فَيَكُونَ مَسَبَّةً عَلَيْكَ، اقْتُلِ الَّذِي مَعَكَ فَيَكُونَ نَفْسًَا بِنَفْسٍ وفَضْلَ الدِّيَةِ فَتَغَفَّلَ الفِهْرِيَّ فَرَماهُ بِصَخْرَةٍ فَشَدَخَهُ ثُمَّ رَكِبَ بَعِيرًَا مِنَ الإبِلِ واسْتاقَ بَقِيَّتَها راجِعًَا إلى مَكَّةَ كافِرًَا وهو يَقُولُ:
؎ قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًَا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ ∗∗∗ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أصْحابَ قارِعِ
؎ وأدْرَكْتُ ثَأْرِي واضْطَجَعْتُ مُوَسَّدًَا ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ
فَنَزَلَتْ وهو الَّذِي اسْتَثْناهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الفَتْحِ مِمَّنْ أمَّنَهُ فَقُتِلَ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَقْتُلْ" ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ سُكُونُ التّاءِ كَأنَّهُ فَرَّ مِن تَوالِي الحَرَكاتِ.
﴿فَجَزاؤُهُ﴾ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ بِجِنايَتِهِ. (p-217)﴿جَهَنَّمُ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدًا فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ فِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَزاؤُهُ أنْ يَدْخُلَ جَهَنَّمَ خالِدًَا فِيها. وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُجْزاها". وقِيلَ: مِن مَفْعُولِ "جازاهُ" وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ أنْسَبُ بِعَطْفِ ما بَعْدَهُ عَلَيْهِ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ صِيغَةً، ولا يَخْفى أنَّ ما يُقَدَّرُ لِلْحالِ أوِ العَطْفِ عَلَيْهِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ مِمّا يَقْتَضِيهِ المَقامُ اقْتِضاءً ظاهِرًَا ويَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ دِلالَةً بَيِّنَةً، وظاهِرٌ أنَّ كَوْنَ جَزائِهِ ما ذُكِرَ لا يَقْتَضِي وُقُوعَ الجَزاءِ البَتَّةَ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ حَتّى يُقَدَّرَ يُجْزاها أوْ جازاهُ بِطَرِيقِ الإخْبارِ عَنْ وُقُوعِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ فَعُطِفَ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الشَّرْطِيَّةُ دِلالَةً واضِحَةً كَأنَّهُ قِيلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ تَقْرِيرًَا وتَأْكِيدًَا لِمَضْمُونِها: حَكَمَ اللَّهُ بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ وغَضِبَ عَلَيْهِ، أيِ: انْتَقَمَ مِنهُ.
﴿وَلَعَنَهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ بِجَعْلِ جَزائِهِ ما ذُكِرَ. وقِيلَ: هو وما بَعْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى الخَبَرِ بِتَقْدِيرِ أنَّ وحُمِلَ الماضِي عَلى مَعْنى المُسْتَقْبَلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾ ونَظائِرِهِ أيْ: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ وأنْ يَغْضَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إلَخْ.
﴿وَأعَدَّ لَهُ﴾ في جَهَنَّمَ.
﴿عَذابًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولِما تَرى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ التَّهْدِيدِ الشَّدِيدِ والوَعِيدِ الأكِيدِ وفُنُونِ الإبْراقِ والإرْعادِ وقَدْ تَأيَّدَتْ بِما رُوِيَ مِنَ الأخْبارِ الشِّدادِ كَقَوْلِهِ ﷺ: ﴿والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَزَوالُ الدُّنْيا عِنْدَ اللَّهِ أهْوَنُ مِن قَتْلِ مُؤْمِنٍ﴾ وقَوْلِهِ ﷺ: ﴿لَوْ أنَّ رَجُلًَا قُتِلَ بِالمَشْرِقِ وآخَرُ رَضِيَ بِالمَغْرِبِ لَأُشْرِكَ في دَمِهِ﴾ وقَوْلِهِ ﷺ: ﴿مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى﴾ وبِنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القَوارِعِ تَمَسَّكَتِ الخَوارِجُ والمُعْتَزِلَةُ بِها في خُلُودِ مَن قَتَلَ المُؤْمِنَ عَمْدًَا في النّارِ ولا مُتَمَسَّكَ لَهم فِيها إلّا لِما قِيلَ مِن أنَّها في حَقِّ المُسْتَحِلِّ كَما هو رَأْيُ عِكْرِمَةَ وأضْرابِهِ بِدَلِيلِ أنَّها نَزَلَتْ في مَقِيسِ بْنِ ضُبابَةَ الكِنانِيِّ المُرْتَدِّ حَسْبَما مَرَّتْ حِكايَتُهُ، فَإنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ بَلْ لِأنَّ المُرادَ بِالخُلُودِ هو المُكْثُ الطَّوِيلُ لا الدَّوامُ لِتَظاهُرِ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِأنَّ عُصاةَ المُؤْمِنِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًَا، وكَذا ما رُوِيَ عَنْ سُفْيانَ أنَّ أهْلَ العِلْمِ كانُوا إذا سُئِلُوا قالُوا: لا تَوْبَةَ لَهُ مَحْمُولٌ عَلى الِاقْتِداءِ بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى في التَّشْدِيدِ والتَّغْلِيظِ، وعَلَيْهِ يُحْمَلُ ما رُوِيَ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: « "أبى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةً".» كَيْفَ لا؟ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ رَجُلًَا سَألَهُ: ألِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ قالَ: لا، وسَألَهُ آخَرُ: ألِقاتِلِ المُؤْمِنِ تَوْبَةٌ؟ فَقالَ نَعَمْ فَقِيلَ لَهُ: قُلْتَ لِذَلِكَ كَذا ولِهَذا كَذا قالَ كانَ الأوَّلُ لَمْ يَقْتُلْ بَعْدُ فَقُلْتُ ما قُلْتُ كَيْلا يَقْتُلَ وكانَ هَذا قَدْ قَتَلَ فَقُلْتُ لَهُ ما قُلْتُ لِئَلّا يَيْأسَ. وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ جَوازُ المَغْفِرَةِ بِلا تَوْبَةٍ أيْضًَا حَيْثُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ الآيَةِ هي جَزاؤُهُ فَإنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ. ورُوِيَ مَرْفُوعًَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿هُوَ جَزاؤُهُ إنْ جازاهُ﴾ وبِهِ قالَ عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وأبُو صالِحٍ قالُوا: قَدْ يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يَزْجُرُهُ عَنْ أمْرٍ إنْ فَعَلْتَهُ فَجَزاؤُكَ القَتْلُ والضَّرْبُ ثُمَّ إنْ لَمْ يُجازِهِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنهُ كَذِبًَا. قالَ الواحِدِيُّ: والأصْلُ في ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ الوَعِيدَ وإنِ امْتَنَعَ أنْ يُخْلِفَ الوَعْدَ، بِهَذا ورَدَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَدِيثِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ ﷺ قالَ: «مَن وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عَمَلِهِ ثَوابًَا فَهو مُنْجِزُهُ لَهُ ومَن أوْعَدَهُ عَلى عَمَلِهِ عِقابًَا فَهو بِالخَيارِ،» والتَّحْقِيقُ أنَّهُ لا ضَرُورَةَ إلى تَفْرِيعِ (p-218)ما نَحْنُ فِيهِ عَلى الأصْلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى بِأنَّ جَزاءَهُ ذَلِكَ لا بِأنَّهُ يَجْزِيهِ بِذَلِكَ. كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٍ مِثْلُها﴾ ولَوْ كانَ هَذا إخْبارًَا بِأنَّهُ تَعالى يَجْزِي كُلَّ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها لَعارَضَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ .
النساء 4:94
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إثْرَ ما بَيَّنَ حُكْمَ القَتْلِ بِقِسْمَيْهِ وأنَّ ما يُتَصَوَّرُ صُدُورُهُ عَنِ المُؤْمِنِ إنَّما هو القَتْلُ خَطَأً شَرَعَ في التَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلَيْهِ مِن قِلَّةِ المُبالاةِ في الأُمُورِ.
﴿إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ في الغَزْوِ ولِما في "إذا" مِن مَعْنى الشَّرْطِ صُدِّرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ بِالفاءِ أىْ: فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ، وقُرِئَ "فَتَثَبَّتُوا" أيِ: اطْلُبُوا إثْباتَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ نَهْيٌ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ وتَعْيِينٌ لِمادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينُ، وقُرِئَ "السِّلْمَ" بِغَيْرِ ألِفٍ وبِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ، أيْ: لا تَقُولُوا بِغَيْرِ تَأمُّلٍ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ أوْ لِمَن ألْقى إلَيْكم مَقالِيدَ الِاسْتِسْلامِ والِانْقِيادِ.
﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما أظْهَرْتَ ما أظْهَرْتَ مُتَعَوِّذًَا بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ وعامِلُوهُ بِمُوجِبِهِ، وقُرِئَ "مُؤْمَنًَا" بِالفَتْحِ أيْ: مَبْذُولًَا لَكَ الأمانُ، وهَذا أنْسَبُ بِالقِراءَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ تَحِيَّةِ الإسْلامِ في القِراءَةِ الأُولى مَعَ كَوْنِها مَقْرُونَةً بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ كَما سَيَأْتِي في سَبَبِ النُّزُولِ لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ والزَّجْرِ والتَّنْبِيهِ عَلى كَمالِ ظُهُورِ خَطَئِهِمْ بِبَيانِ أنَّ تَحِيَّةَ الإسْلامِ كانَتْ كافِيَةً في المُكافَّةِ والِانْزِجارِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِصاحِبِها فَكَيْفَ وهي مَقْرُونَةٌ بِهِما.* وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "لا تَقُولُوا" مُنْبِئٌ عَمّا يَحْمِلُهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّأنِّي لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ راجِعًَا إلى القَيْدِ فَقَطْ كَما في قَوْلِكَ: "لا تَطْلُبِ العِلْمَ تَبْتَغِي بِهِ الجاهَ بَلْ إلَيْهِما جَمِيعًَا" أيْ: لا تَقُولُوا لَهُ ذَلِكَ حالَ كَوْنِكم طالِبِينَ لِمالِهِ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ ابْتِغاءِ مالِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا مالَهُ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يُغْنِمُكُمُوها فَيُغْنِيكم عَنِ ارْتِكابِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَهُ لِما فِيهِ مِن نَوْعِ تَفْصِيلٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ التَّعْلِيلِ السّابِقِ وبَيْنَ ما عُلِّلَ بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ إلَخْ وتَقْدِيمُ خَبَرِ كانَ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ المُشابَهَةِ بَيْنَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ،وَذَلِكَ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ والفاءُ في "فَمَنَّ" لِلْعَطْفِ عَلى "كُنْتُمْ" أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ كُنْتُمْ أنْتُمْ أيْضًَا في مَبادِي إسْلامِكم يَظْهَرُ مِنكم لِلنّاسِ غَيْرُ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكم مِن تَحِيَّةِ الإسْلامِ ونَحْوِها فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ مِنكم تِلْكَ المَرْتَبَةَ وعَصَمَ بِها دِماءَكم وأمْوالَكم ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ سَرائِرِكُمْ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ (p-219)فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاطْلُبُوا بَيانَ هَذا الأمْرِ البَيِّنِ وقِيسُوا حالَهُ بِحالِكم وافْعَلُوا بِهِ ما فُعِلَ بِكم في أوائِلِ أُمُورِكم مِن قَبُولِ ظاهِرِ الحالِ مِن غَيْرِ وُقُوفٍ عَلى تَواطُؤِ الظّاهِرِ والباطِنِ هَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ وتَسْتَدْعِيهِ فَخامَةُ شَأْنِهِ الجَلِيلِ، ومَن حَسِبَ أنَّ المَعْنى: أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ سُمِعَتْ مِن أفْواهِكم كَلِمَةُ الشَّهادَةِ فَحَصَّنَتْ دِماءَكم وأمْوالَكم مِن غَيْرِ انْتِظارِ الِاطِّلاعِ عَلى مُواطَأةِ قُلُوبِكم لِألْسِنَتِكم فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالِاسْتِقامَةِ والِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والتَّقَدُّمِ فِيهِ وإنْ صِرْتُمْ أعْلامًَا فِيهِ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فُعِلَ بِكم وأنْ تَعْتَبِرُوا ظاهِرَ الإسْلامِ في المُكافَّةِ ولا تَقُولُوا إلَخْ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الحَقِّ لِأنَّ المُرادَ كَما عَرَفْتَ بَيانُ أنَّ تَحْصِينَ الدِّماءِ والأمْوالِ حُكْمٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى ما فِيهِ المُماثَلَةُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِن مُجَرَّدِ التَّفَوُّهِ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، وإظْهارُ أنَّ تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ في حَقِّهِمْ يَقْتَضِي تَرَتُّبَهُ عَلَيْهِ في حَقِّهِ أيْضًَا إلْزامًَا لَهم وإظْهارًَا لِخَطَئِهِمْ، ولا يَخْفى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَتَأتّى بِتَفْسِيرٍ مِنهُ تَعالى عَلَيْهِمُ المُتَرَتِّبِ عَلى كَوْنِهِمْ مِثْلَهُ بِتَحْصِينِ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ حَسْبَما ذَكَرَ حَتّى يَظْهَرَ عِنْدَهم وُجُوبُ تَحْصِينِ دَمِهِ ومالِهِ أيْضًَا بِحُكْمِ المُشارَكَةِ فِيما يُوجِبُهُ، وحَيْثُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بَلْ فَسَّرَهُ بِما فَسَّرَهُ بِهِ لَمْ يَبْقَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ ما يَدُلُّ عَلى تَرَتُّبِ تَحْصِينِ دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ؛ فَمِن أيْنَ لَهُ أنْ يَقُولَ: فَحَصَّنْتُ دِماءَكم وأمْوالَكم حَتّى يَتَأتّى البَيانُ، وارْتِكابُ تَقْدِيرِهِ بِناءً عَلى اقْتِضاءِ ما ذُكِرَ في تَفْسِيرِ المَنِّ إيّاهُ بِناءٌ عَلى أساسٍ واهٍ. كَيْفَ لا؟ وإنَّما ذِكْرُهُ بِصَدَدِ التَّفْسِيرِ وإنْ كانَ أمْرًَا مُتَفَرِّعًَا عَلى ما فِيهِ المُماثَلَةُ مَبْنِيًَّا عَلَيْهِ في حَقِّهِمْ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ أُرِيدَ إثْباتُهُ في حَقِّهِ بِناءً عَلى ثُبُوتِهِ في حَقِّهِمْ كالتَّحْصِينِ المَذْكُورِ حَتّى يَسْتَحِقَّ أنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ ولا بِأمْرٍ لَهُ دَخْلٌ في وُجُوبِ اعْتِبارِ ظاهِرِ الإسْلامِ مِنَ الدّاخِلِينَ فِيهِ حَتّى يَصِحَّ نَظْمُهُ في سِلْكِ ما فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَعَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا إلَخْ، وحَمْلُ الكَلامِ عَلى مَعْنى أنَّكم في أوَّلِ الأمْرِ كُنْتُمْ مِثْلَهُ في قُصُورِ الرُّتْبَةِ في الإسْلامِ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم وبَلَغْتُمْ هَذِهِ الرُّتْبَةَ العالِيَةَ مِنهُ فَلا تَسْتَقْصِرُوا حالَتَهُ نَظَرًَا إلى حالَتِكم هَذِهِ بَلِ اعْتَدُّوا بِها نَظَرًَا إلى حالَتِكُمُ السّابِقَةِ يَرُدُّهُ أنَّ قَتْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِاسْتِقْصارِ إسْلامِهِ بَلْ لِتَوَهُّمِ عَدَمِ مُطابَقَةِ قَلْبِهِ لِلِسانِهِ، فَإنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ مِرْداسِ بْنِ نَهِيكٍ مِن أهْلِ فَدَكٍ وكانَ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ فَغَزَتْهم سَرِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ غالِبُ بْنُ فَضالَةَ اللَّيْثِيُّ فَهَرَبُوا وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ واسْتاقَ غَنَمَهُ فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ وجْدًَا شَدِيدًَا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ فَقالَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ: إنَّهُ قالَ بِلِسانِهِ دُونَ قَلْبِهِ -وَفِي رِوايَةٍ إنَّما قالَها خَوْفًَا مِنَ السِّلاحِ - فَقالَ ﷺ: «هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» - وفي رِوايَةٍ «أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ» - ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي فَقالَ: كَيْفَ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ ﷺ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنْ لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ أعْتِقْ رَقَبَةً. وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا نَطْلُبُ القَوْمَ وقَدْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقَصَدْتُ رَجُلًَا فَلَمّا أحَسَّ بِالسَّيْفِ قالَ إنِّي مُسْلِمٌ فَقَتَلْتُهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أقَتَلْتَ مُسْلِمًَا قالَ: إنَّهُ كانَ مُتَعَوِّذًَا فَقالَ ﷺ: «أفَلا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ.» ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخَفِيَّةِ وبِكَيْفِيّاتِها.
﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِها إنْ خَيْرًَا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًَّا فَشَرٌّ فَلا تَتَهاوَنُوا في القَتْلِ واحْتاطُوا فِيهِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ (p-220)إنَّ عَلى أنَّها مَعْمُولَةٌ لِ "تَبَيَّنُوا" أوْ عَلى حَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ.
النساء 4:95
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ أُذِنَ لَهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: هُمُ القاعِدُونَ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، وهو الظّاهِرُ المُوافِقُ لِتارِيخِ النُّزُولِ لا ما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ مِن أنَّهُمُ الخارِجُونَ إلى تَبُوكَ فَإنَّهُ مِمّا لا يُوافِقُهُ التّارِيخُ ولا يُساعِدُهُ الحالُ إذْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُتَخَلِّفِينَ يَوْمَئِذٍ هَذِهِ الرُّخْصَةُ. وقَوْلُهُ تَعالى:﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "القاعِدِينَ" أيْ: كائِنِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفائِدَتُها الإيذانُ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِعَدَمِ إخْلالِ وصْفِ القُعُودِ بِإيمانِهِمْ والإشْعارُ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِما سَيَأْتِي مِنَ الحُسْنى.
﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ صِفَةٌ لِ ﴿القاعِدُونَ﴾ لِجَرَيانِهِ مَجْرى النَّكِرَةِ حَيْثُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُ أوِ اسْتِثْناءٌ وبِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِ ﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أوْ بَدَلٌ مِنهُ والضَّرَرُ: المَرَضُ أوِ العاهَةُ مِن عَمىً أوْ عَرَجٍ أوْ زَمانَةٍ أوْ نَحْوِها، وفي مَعْناهُ: العَجْزُ عَنِ الأُهْبَةِ. «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: كُنْتُ إلى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ فَكَتَبْتُ "لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ" فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: - وكانَ أعْمى- يا رَسُولَ اللَّهِ وكَيْفَ بِمَن لا يَسْتَطِيعُ الجِهادَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَغَشِيَتْهُ السَّكِينَةُ كَذَلِكَ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾» إيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ دُونَ الخُرُوجِ المُقابِلِ لِوَصْفِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَما وقَعَ في عِبارَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وكَذا تَقْيِيدُ المُجاهَدَةِ بِكَوْنِها.
﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ لِمَدْحِهِمْ بِذَلِكَ والإشْعارِ بِعِلَّةِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِعُلُوِّ المَرْتَبَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن حُسْنِ مَوْقِعِ السَّبِيلِ في مُقابَلَةِ القُعُودِ وتَقْدِيمِ القاعِدِينَ في الذِّكْرِ والإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ القُصُورَ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ الِاسْتِواءِ مِن جِهَتِهِمْ لا مِن جِهَةِ مُقابِلِيهِمْ، فَإنَّ مَفْهُومَ عَدَمِ الِاسْتِواءِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ المُتَفاوِتَيْنِ زِيادَةً ونُقْصانًَا وإنْ جازَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ زِيادَةِ الزّائِدِ لَكِنَّ المُتَبادِرَ اعْتِبارُهُ بِحَسَبِ قُصُورِ القاصِرِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ أمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ الفاضِلِ فِيهِ لِأنَّ صِلَتَهُ مِلْكَةٌ لِصِلَةِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَفْضِيلِ ما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاضُلِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِوائِهِما إجْمالًَا بِبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ وقَعَ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: فَضَّلَ اللَّهُ إلَخْ، وأمّا تَقْدِيرُ ما لَهم لا يَسْتَوُونَ فَإنَّما يَلِيقُ بِجَعْلِ الِاسْتِئْنافِ (p-221)تَعْلِيلًَا لِعَدَمِ الِاسْتِواءِ مَسُوقًَا لِإثْباتِهِ، وفِيهِ تَعْكِيسٌ ظاهِرٌ فَإنَّ الَّذِي يَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَقْصُودًَا بِالذّاتِ إنَّما هو بَيانُ تَفاضُلِ الفَرِيقَيْنِ عَلى دَرَجاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، وأمّا عَدَمُ اسْتِوائِهِما فَقُصارى أمْرِهِ أنْ يَكُونَ تَوْطِئَةً لِذِكْرِهِ ولامُ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ لِلْعَهْدِ فَقَيْدُ كَوْنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مُعْتَبَرٌ في الأوَّلِ كَما أنَّ قَيْدَ عَدَمِ الضَّرَرِ مُعْتَبَرٌ في الثّانِي و"دَرَجَةً" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: فَضَّلَ اللَّهُ تَفْضِيلَةً أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ: بِدَرَجَةٍ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ. وقِيلَ: عَلى الحالِيَّةِ مِنَ "المُجاهِدِينَ" أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ وتَنْوِينُها لِلتَّفْخِيمِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِما يَعْقُبُهُ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَةِ القَصْرِ تَأْكِيدًَا لِلْوَعْدِ أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ أيِ: المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لا أحَدَهُما فَقَطْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ عَلى أنَّ اللّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"رَسُولًَا" والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ تَدارُكًَا لِما عَسى يُوهِمُهُ تَفْضِيلُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ مِن حِرْمانِ المَفْضُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ﴾ إلَخْ واللّامُ في الفَرِيقَيْنِ مُغْنِيَةٌ لَهُما عَنْ ذِكْرِ القُيُودِ الَّتِي تُرِكَتْ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"فَضَّلَ" عَلى أنَّهُ بِمَعْنى أجَرَ، وإيثارُهُ عَلى ما هو مَصْدَرٌ مِن فِعْلِهِ لِلْإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ التَّفْضِيلِ أجْرًَا لِأعْمالِهِمْ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ بِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإعْطاءِ أيْ: أعْطاهم زِيادَةً عَلى القاعِدِينَ أجْرًَا عَظِيمًَا. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ: فَضَّلَهم بِأجْرٍ عَظِيمٍ.
النساء 4:96
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَرَجاتٍ﴾ بَدَلٌ مِن "أجْرًَا" بَدَلَ الكُلِّ مُبَيِّنٌ لِكَمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"دَرَجاتٍ" دالَّةً عَلى فَخامَتِها وجَلالَةِ قَدْرِها أيْ: دَرَجاتٍ كائِنَةً مِنهُ تَعالى. قالَ ابْنُ مُحَيْرِيزَ: هي سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ خَرِيفًَا. وقالَ السُّدِّيُّ: هي سَبْعُمِائَةِ دَرَجَةٍ. وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ﴿إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ تَعالى لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُ دَرَجاتٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما في قَوْلِكَ: "ضَرَبَهُ أسْواطًَا" أيْ: ضَرَباتٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَهم تَفْضِيلاتٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَغْفِرَةً﴾ بَدَلٌ مِن "أجْرًَا" بَدَلَ البَعْضِ لِأنَّ بَعْضَ الأجْرِ لَيْسَ مِن بابِ المَغْفِرَةِ، أيْ: مَغْفِرَةً لِما يَفْرُطُ مِنهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا يُكَفِّرُها سائِرُ الحَسَناتِ الَّتِي يَأْتِي بِها القاعِدُونَ أيْضًَا حَتّى تُعَدَّ مِن خَصائِصِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَحْمَةً﴾ بَدَلُ الكُلِّ مِن "أجْرًَا" مِثْلُ دَرَجاتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِإضْمارِ فِعْلِهِما، أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً ورَحِمَهم رَحْمَةً هَذا ولَعَلَّ تَكْرِيرَ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ وتَقْيِيدَهُ تارَةً بِ "دَرَجَةً" وأُخْرى بِ "دَرَجاتٍ" مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ تَمْهِيدًَا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ رَوْمًَا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ والتَّقْرِيرِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُبْلَغُ كُنْهُها وحَيْثُ كانَ تَحَقُّقُ هَذا البَوْنِ البَعِيدِ بَيْنَهُما مُوهِمًَا لِحِرْمانِ القاعِدِينَ. قِيلَ: وكُلًَّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى ثُمَّ أُرِيدَ تَفْسِيرُ ما أفادَهُ (p-222)التَّنْكِيرُ بِطَرِيقِ الإبْهامِ بِحَيْثُ يَقْطَعُ احْتِمالَ كَوْنِهِ لِلْوَحْدَةِ فَقِيلَ ما قِيلَ ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وإمّا لِلِاخْتِلافِ بِالذّاتِ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالتَّفْضِيلِ الأوَّلِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ تَعالى عاجِلًَا في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ والذِّكْرِ الجَمِيلِ الحَقِيقِ بِكَوْنِهِ دَرَجَةً واحِدَةً، وبِالتَّفْضِيلِ الثّانِي ما أنْعَمَ بِهِ في الآخِرَةِ مِنَ الدَّرَجاتِ العالِيَةِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْدِيمُ الأوَّلِ وتَأْخِيرُ الثّانِي وتَوْسِيطُ الوَعْدِ بِالجَنَّةِ بَيْنَهُما كَأنَّهُ قِيلَ: وفَضَّلَهم عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا دَرَجَةً واحِدَةً وفي الآخِرَةِ دَرَجاتٍ لا تُحْصى، وقَدْ وُسِّطَ بَيْنَهُما في الذِّكْرِ ما هو مُتَوَسِّطٌ بَيْنَهُما في الوُجُودِ أعْنِي الوَعْدَ بِالجَنَّةِ تَوْضِيحًَا لِحالِهِما ومُسارَعَةً إلى تَسْلِيَةِ المَفْضُولِ واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ. هَذا ما بَيْنَ المُجاهِدِينَ وبَيْنَ القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، وأمّا أُولُو الضَّرَرِ فَهم مُساوُونَ لِلْمُجاهِدِينَ عِنْدَ القائِلِينَ بِمَفْهُومِ الصِّفَةِ وبِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مِنَ النَّفْيِ إثْباتٌ، وأمّا عِنْدَ مَن لا يَقُولُ بِذَلِكَ فَلا دِلالَةَ لِعِبارَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "لَقَدْ خَلَّفْتُمْ في المَدِينَةِ أقْوامًَا ما سِرْتُمْ مَسِيرًَا ولا قَطَعْتُمْ وادِيًَا إلّا كانُوا مَعَكم» وهُمُ الَّذِينَ صَحَّتْ نِيّاتُهم ونَصَحَتْ جُيُوبُهم وكانَتْ أفْئِدَتُهم تَهْوى إلى الجِهادِ وبِهِمْ ما يَمْنَعُهم مِنَ المَسِيرِ مِن ضِرارٍ أوْ غَيْرِهِ، وبِعِبارَةٍ أُخْرى «إنَّ في المَدِينَةِ لَأقْوامًَا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا كانُوا مَعَكم فِيهِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ وهم بِالمَدِينَةِ قالَ: نَعَمْ وهم بِالمَدِينَةِ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» قالُوا: هَذِهِ المُساواةُ مَشْرُوطَةٌ بِشَرِيطَةٍ أُخْرى سِوى الضَّرَرِ قَدْ ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ وقِيلَ: القاعِدُونَ الأُوَلُ هُمُ الأضِرّاءُ والثّانِي غَيْرُهُمْ، وفِيهِ مِن تَفْكِيكِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى ولا رَيْبَ في أنَّ الأضِرّاءَ أفْضَلُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً كَما لا رَيْبَ في أنَّهم دُونَ المُجاهِدِينَ بِحَسَبِ الدَّرَجَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما وعَدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
النساء 4:97
﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ بَيانٌ لِحالِ القاعِدِينَ عَنِ الهِجْرَةِ إثْرَ بَيانِ حالِ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ و"تَوَفّاهُمْ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ماضِيًَا ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "تَوَفَّتْهُمْ" وأنْ يَكُونَ مُضارِعًَا قَدْ حُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ وأصْلُهُ "تَتَوَفّاهُمْ" عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ والقَصْدِ إلى اسْتِحْضارِ صُورَتِها ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "تُوَفّاهُمْ" عَلى مُضارِعِ وُفِّيَتْ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها، أيْ: يُمَكِّنُهم مِنَ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها.
﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَوَفّاهُمْ" فَإنَّهُ وإنْ كانَ مُضافًَا إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ وإنْ كانَ مَوْصُولًَا في اللَّفْظِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ و﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ وثانِيَ عِطْفِهِ أيْ: مُحِلِّينَ الصَّيْدَ وبالِغًَا الكَعْبَةَ، وثانِيًَا عِطْفَهُ كَأنَّهُ قِيلَ: ظالِمِينَ أنْفُسَهم وذَلِكَ بِتَرْكِ الهِجْرَةِ واخْتِيارِ مُجاوَرَةِ الكَفَرَةِ المُوجِبَةِ لِلْإخْلالِ بِأُمُورِ الدِّينِ فَإنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِن مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ فَرِيضَةً.
﴿قالُوا﴾ أيِ: المَلائِكَةُ لِلْمُتَوَفِّينَ تَقْرِيرًَا لَهم بِتَقْصِيرِهِمْ في إظْهارِ إسْلامِهِمْ وإقامَةِ أحْكامِهِ مِنَ الصَّلاةِ ونَحْوِها وتَوْبِيخًَا لَهم بِذَلِكَ.
﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أيْ: في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم.
﴿قالُوا﴾: اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ المَلائِكَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُتَجانِفِينَ عَنِ الإقْرارِ (p-223)الصَّرِيحِ بِما هم فِيهِ مِنَ التَّقْصِيرِ مُتَعَلِّلِينَ بِما يُوجِبُهُ عَلى زَعْمِهِمْ.
﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرض﴾ أيْ: في أرْضِ مَكَّةَ عاجِزِينَ عَنِ القِيامِ بِمَواجِبِ الدِّينِ فِيما بَيْنَ أهْلِها.
﴿قالُوا﴾ إبْطالًَا لِتَعَلُّلِهِمْ وتَبْكِيتًَا لَهم.
﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ إلى قُطْرٍ آخَرَ مِنها تَقْدِرُونَ فِيهِ عَلى إقامَةِ أُمُورِ الدِّينِ كَما فَعَلَهُ مَن هاجَرَ إلى المَدِينَةِ وإلى الحَبَشَةِ، وأمّا حَمْلُ تَعَلُّلِهِمْ عَلى إظْهارِ العَجْزِ عَنِ الهِجْرَةِ وجَعْلُ جَوابِ المَلائِكَةِ تَكْذِيبًَا لَهم في ذَلِكَ فَيَرُدُّهُ أنَّ سَبَبَ العَجْزِ عَنْها لا يَنْحَصِرُ في فُقْدانِ دارِ الهِجْرَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ لِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ الفَقْرِ أوْ لِعَدَمِ تَمْكِينِ الكَفَرَةِ مِنهُ فَلا يَكُونُ بَيانُ سِعَةِ الأرْضِ تَكْذِيبًَا لَهم ورَدًَّا عَلَيْهِمْ بَلْ لا بُدَّ مِن بَيانِ اسْتِطاعَتِهِمْ أيْضًَا حَتّى يَتِمَّ التَّبْكِيتُ. وقِيلَ: كانَتِ الطّائِفَةُ المَذْكُورَةُ قَدْ خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ إلى بَدْرٍ مِنهم قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ وأشْباهُهُما فَقُتِلُوا فِيها فَضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وقالُوا لَهم ما قالُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهم تَقْرِيعًَا وتَوْبِيخًَا لَهم بِما كانُوا فِيهِ مِن مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ وانْتِظامِهِمْ في عَسْكَرِهِمْ ويَكُونُ جَوابُهم بِالِاسْتِضْعافِ تَعَلُّلًَا بِأنَّهم كانُوا مَقْهُورِينَ تَحْتَ أيْدِيهِمْ وأنَّهم أُخْرِجُوا كارِهِينَ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم كانُوا بِسَبِيلٍ مِنَ الخَلاصِ عَنْ قَهْرِهِمْ مُتَمَكِّنِينَ مِنَ المُهاجَرَةِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ الَّذِينَ حُكِيَتْ أحْوالُهُمُ الفَظِيعَةُ.
﴿مَأْواهُمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ.
﴿جَهَنَّمُ﴾ كَما أنَّ مَأْواهم في الدُّنْيا دارُ الكُفْرِ لِتَرْكِهِمُ الفَرِيضَةَ المَحْتُومَةَ فَـ"مَأْواهُمْ" مُبْتَدَأٌ و"جَهَنَّمُ" خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِـ"أُولَئِكَ" وهَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ والفاءُ فِيهِ لِتَضَمُّنِ اسْمِها مَعْنى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ حالٌ مِنَ "المَلائِكَةُ" بِإضْمارِ قَدْ عِنْدَ مَن يَشْتَرِطُهُ أوْ هو الخَبَرُ والعائِدُ مِنهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: قالُوا لَهُمْ، والجُمْلَةُ المُصَدَّرَةُ بِالفاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِ مُسْتَنْتَجَةٌ مِنهُ ومِمّا في حَيِّزِهِ.
﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ أىْ: مَصِيرُهم أيْ: جَهَنَّمُ، وفي الآيَةِ الكَرِيمَةِ إرْشادٌ إلى وُجُوبِ المُهاجَرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ مِن إقامَةِ أُمُورِ دِينِهِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًَا مِنَ الأرْضِ اسْتُوجِبَتْ لَهُ الجَنَّةُ وكانَ رَفِيقَ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ﴾ .
النساء 4:98
﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ والإشارَةِ إلَيْهِ، و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ ﴿المُسْتَضْعَفِينَ﴾ أيْ: كائِنِينَ مِنهم وذِكْرُ "الوِلْدانِ" إنْ أُرِيدَ بِهِمُ المَمالِيكُ أوِ المُراهِقُونَ ظاهِرٌ، وأمّا إنْ أُرِيدَ بِهِمُ الأطْفالُ فَلِلْمُبالَغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ وإيهامِ أنَّها بِحَيْثُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِينَ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِمْ والإشْعارِ بِأنَّهم لا مَحِيصَ لَهم عَنْها البَتَّةَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَما بَلَغُوا حَتّى كَأنَّها واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ البُلُوغِ لَوِ اسْتَطاعُوا وأنَّ قَوْمَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ مَتى أمْكَنَتْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّ ما فِيهِ مِنَ اللّامِ لَيْسَ لِلتَّعْرِيفِ، أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. وقِيلَ: تَفْسِيرٌ لِنَفْسِ المُسْتَضْعَفِينَ لِكَثْرَةِ وُجُوهِ الِاسْتِضْعافِ، واسْتِطاعَةُ الحِيلَةِ وُجْدانُ أسْبابِ الهِجْرَةِ ومَبادِيها، واهْتِداءُ السَّبِيلِ مَعْرِفَةُ طَرِيقِ المَوْضِعِ المُهاجَرِ إلَيْهِ بِنَفْسِهِ أوْ بِدَلِيلٍ.
النساء 4:99
﴿فَأُولَئِكَ﴾ (p-224)إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِن صِفاتِ العَجْزِ.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ جِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ ولَفْظِ العَفْوِ إيذانًَا بِأنَّ الهِجْرَةَ مِن تَأكُّدِ الوُجُوبِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ تَرْكُها مِمَّنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وُجُوبِها عَلَيْهِ ذَنْبًَا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ رَجاءً وطَمَعًَا لا جَزْمًَا وقَطْعًَا.
النساء 4:100
﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.
﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرض مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ تَرْغِيبٌ في المُهاجَرَةِ وتَأْنِيسٌ لَها، أيْ: يَجِدُ فِيها مُتَحَوَّلًَا ومُهاجَرًَا وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَأْكِيدًَا لِلتَّرْغِيبِ لِما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِكَوْنِ ذَلِكَ المُتَحَوَّلِ بِحَيْثُ يَصِلُ فِيهِ المُهاجِرُ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ إلى ما يَكُونُ سَبَبًَا لِرَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم والرُّغْمُ: الذُّلُّ والهَوانُ وأصْلُهُ لُصُوقُ الأنْفِ بِالرَّغامِ وهو التُّرابُ. وقِيلَ: يَجِدُ فِيها طَرِيقًَا يُراغِمُ بِسُلُوكِهِ قَوْمَهُ، أيْ: يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ.
﴿وَسَعَةً﴾ أيْ: مِنَ الرِّزْقِ.
﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ أيْ: قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ وإنْ كانَ ذَلِكَ خارِجَ بابِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الخُرُوجِ مِن بَيْتِهِ عَلى المُهاجَرَةِ وهو عَطْفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. وقِيلَ: هو حَرَكَةُ الهاءِ نُقِلَتْ إلى الكافِ عَلى نِيَّةِ الوَقْفِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ مِن عَنَزِيٍّ سَبَّنِي لَمْ أضْرِبُهْ ∗∗∗ عَجِبْتُ والدَّهْرُ كَثِيرٌ عَجَبُهْ
وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ كَما في قَوْلِهِ: [وَألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا].
﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ تَعالى ثُبُوتَ الأمْرِ الواجِبِ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا بُعِثَ بِالآياتِ المُتَقَدِّمَةِ إلى مُسْلِمِي مَكَّةَ قالَ جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ لِبَنِيهِ: - وكانَ شَيْخًَا كَبِيرًَا - احْمِلُونِي فَإنِّي لَسْتُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ وإنِّي لَأهْتَدِي الطَّرِيقَ واللَّهِ لا أبِيتُ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ فَحَمَلُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًَا إلى المَدِينَةِ فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَكَ رَسُولُكَ فَماتَ حَمِيدًَا فَبَلَغَ خَبَرُهُ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: لَوْ تُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ لَكانَ أتَمَّ أجْرًَا فَنَزَلَتْ.» قالُوا: كُلُّ هِجْرَةٍ في غَرَضٍ دِينِيٍّ مِن طَلَبِ عِلْمٍ أوْ حَجٍّ أوْ جِهادٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَهي هِجْرَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وإلى رَسُولِهِ ﷺ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ مُبالِغًَا في المَغْفِرَةِ فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ.
﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ فَيَرْحَمُهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ.
النساء 4:101
﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرض﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ الصَّلاةِ عِنْدَ الضَّرُوراتِ مِنَ السَّفَرِ ولِقاءِ العَدُوِّ والمَرَضِ والمَطَرِ وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِعَزِيمَةِ المُهاجِرِ عَلى المُهاجَرَةِ وتَرْغِيبٌ لَهُ فِيها لِما فِيهِ مِن تَخْفِيفِ المُؤْنَةِ أيْ: إذا سافَرْتُمْ أيَّ مُسافَرَةٍ كانَتْ ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِما قُيِّدَ بِهِ المُهاجَرَةُ.
﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أىْ حَرَجٌ أوْ إثْمٌ.
﴿أنْ تَقْصُرُوا﴾ أيْ: في أنْ تَقْصُرُوا، والقَصْرُ خِلافُ المَدِّ يُقالُ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ، أيْ: جَعَلْتُهُ قَصِيرًَا بِحَذْفِ بَعْضِ أجْزائِهِ أوْ أوْصافِهِ فَمُتَعَلَّقُ القَصْرِ حَقِيقَةً إنَّما هو ذَلِكَ الشَّيْءُ لا بَعْضُهُ فَإنَّهُ مُتَعَلَّقُ الحَذْفِ دُونَ القَصْرِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ تَعالى: (p-225)﴿مِنَ الصَّلاةِ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَفْعُولًَا لِـ"تَقْصُرُوا" عَلى زِيادَةِ مِن حَسْبَما رَآهُ الأخْفَشُ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ تَبْعِيضِيَّةً ويَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًَا كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: شَيْئًَا مِنَ الصَّلاةِ فَيَنْبَغِي أنْ يُصارَ إلى وصْفِ الجُزْءِ بِصِفَةِ الكُلِّ أوْ يُرادَ بِالقَصْرِ مَعْنى الحَبْسِ يُقالُ: قَصَرْتُ الشَّيْءَ إذا حَبَسْتُهُ أوْ يُرادَ بِالصَّلاةِ الجِنْسُ لِيَكُونَ المَقْصُورُ بَعْضًَا مِنها وهي الرُّباعِيّاتُ أيْ: فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في أنْ تَقْصُرُوا بَعْضَ الصَّلاةِ بِتَنْصِيفِها، وقُرِئَ "تُقْصِرُوا" مِنَ الإقْصارِ و"تُقَصِّرُوا" مِنَ التَّقْصِيرِ والكُلُّ بِمَعْنىً، وأدْنى مُدَّةِ السَّفَرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ القَصْرُ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ ولَيالِيها بِسَيْرِ الإبِلِ ومَشْيِ الأقْدامِ بِالِاقْتِصادِ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ، وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ التَّخْيِيرُ وأفْضَلِيَّةُ الإتْمامِ وبِهِ تَعَلَّقَ الشّافِعِيُّ، وبِما رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ أتَمَّ في السَّفَرِ،» وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها أتَمَّتْ تارَةً وقَصَرَتْ أُخْرى، وعَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُتِمُّ ويَقْصُرُ وعِنْدَنا يَجِبُ القَصْرُ لا مَحالَةَ خَلا أنَّ بَعْضَ مَشايِخِنا سَمّاهُ عَزِيمَةً وبَعْضَهم رُخْصَةَ إسْقاطٍ بِحَيْثُ لا مَساغَ لِلْإتْمامِ لا رُخْصَةَ تَرْفِيهٍ إذْ لا مَعْنى لِلتَّخْيِيرِ بَيْنَ الأخَفِّ والأثْقَلِ وهو قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وجابِرٍ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وبِهِ قالَ الحَسَنُ وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وهو قَوْلُ مالِكَ، وقَدْ رُوِيَ «عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ،» «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: خَرَجْنا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ فَكانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ حَتّى رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ،» وعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «ما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي في السَّفَرِ إلّا رَكْعَتَيْنِ وصَلّى بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قالَ: "أتِمُّوا فَإنّا قَوْمٌ سَفْرٌ"،» «وَحِينَ سَمِعَ ابْنُ مَسْعُودٍ أنَّ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ صَلّى بِمِنىً أرْبَعَ رَكَعاتٍ اسْتَرْجَعَ ثُمَّ قالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ وصَلَّيْتُ مَعَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمِنىً رَكْعَتَيْنِ فَلَيْتَ حَظِّي مِن أرْبَعِ رَكَعاتٍ رَكْعَتانِ مُتَقَبَّلَتانِ،» وقَدِ اعْتَذَرَ عُثْمانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ إتْمامِهِ بِأنَّهُ تَأهَّلَ بِمَكَّةَ، وعَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ إنَّما أتَمَّ لِأنَّهُ أزْمَعَ الإقامَةَ بِمَكَّةَ، وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: أوَّلُ ما فُرِضَتِ الصَّلاةُ فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَأُقِرَّتْ في السَّفَرِ وزِيدَتْ في الحَضَرِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ أنَّها قالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ حِينَ فَرَضَها رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْها مِنَ الإتْمامِ فَقَدِ اعْتَذَرَتْ عَنْهُ وقالَتْ: أنا أُمُّ المُؤْمِنِينَ فَحَيْثُ حَلَلْتُ فَهي دارِي وإنَّما ورَدَ ذَلِكَ بِنَفْيِ الجُناحِ لِما أنَّهم ألِفُوُا الإتْمامَ فَكانُوا مَظِنَّةَ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِمْ أنَّ عَلَيْهِمْ نُقْصانًَا في القَصْرِ فَصَرَّحَ بِنَفْيِ الجُناحِ عَنْهم لِتَطِيبَ بِهِ نُفُوسُهم ويَطْمَئِنُّوا إلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ مَعَ أنَّ ذَلِكَ الطَّوافَ واجِبٌ عِنْدَنا رُكْنٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ أيْ: إنْ خِفْتُمْ أنْ يَتَعَرَّضُوا لَكم بِما تَكْرَهُونَهُ مِنَ القِتالِ وغَيْرِهِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ إلَخْ وهو شَرْطٌ مُعْتَبَرٌ في شَرْعِيَّةِ ما يُذْكَرُ بَعْدَهُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ المُؤَدّاةِ بِالجَماعَةِ، وأمّا في حَقِّ مُطْلَقِ القَصْرِ فَلا اعْتِبارَ لَهُ اتِّفاقًَا لِتَظاهُرِ السُّنَنِ عَلى مَشْرُوعِيَّتِهِ حَسْبَما وقَفْتُ عَلى تَفْصِيلِها، وقَدْ ذَكَرَ الطَّحاوِيُّ في شَرْحِ الآثارِ مُسْنَدًَا إلى يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ أنَّهُ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إنَّما قالَ اللَّهُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ (p-226)أمِنَ النّاسُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ﴾ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ جَوازِ الإكْمالِ لِأنَّ التَّصَدُّقَ بِما لا يَحْتَمِلُ التَّمْلِيكَ إسْقاطٌ مَحْضٌ لا يَحْتَمِلُ الرَّدَّ كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ ولا يُتَوَهَّمَنَّ أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْكِتابِ لِأنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ عِنْدَنا إنَّما يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ وأمّا عَدَمُهُ عِنْدَ عَدَمِهِ فَساكِتٌ عَنْهُ فَإنْ وُجِدَ لَهُ دَلِيلٌ ثَبَتَ عِنْدَهُ أيْضًَا وإلّا يَبْقى عَلى حالِهِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ دَلِيلِهِ لا لِتَحَقُّقِ دَلِيلِ عَدَمِهِ وناهِيكَ بِما سَمِعْتَ مِنَ الأدِلَّةِ الواضِحَةِ، وأمّا عِنْدَ القائِلِينَ بِالمَفْهُومِ فَلِأنَّهُ إنَّما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ فائِدَةٌ أُخْرى، وقَدْ خَرَجَ الشَّرْطُ هَهُنا مَخْرَجَ الأغْلَبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ بَلْ نَقُولُ إنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مُجْمَلَةٌ في حَقِّ مِقْدارِ القَصْرِ وكَيْفِيَّتِهِ، وفي حَقِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الصَّلَواتِ وفي مِقْدارِ مُدَّةِ الضَّرْبِ الَّذِي نِيطَ بِهِ القَصْرُ، فَكُلُّ ما ورَدَ عَنْهُ ﷺ مِنَ القَصْرِ في حالِ الأمْنِ، وتَخْصِيصِهِ بِالرُّباعِيّاتِ عَلى وجْهِ التَّصْنِيفِ وبِالضَّرْبِ في المُدَّةِ المُعَيَّنَةِ بَيانٌ لِإجْمالِ الكِتابِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ إلَخْ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ مِن صَلاةِ الخَوْفِ مُنْفَصِلٌ عَمّا قَبْلَهُ، فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَإذا ضَرَبْتُمْ في الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ حَوْلٍ فَنَزَلَ إنْ خِفْتُمْ إلَخْ أيْ: إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ إلَخْ، وقَدْ قُرِئَ مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكم بِغَيْرِ إنْ خِفْتُمْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ كَأنَّهُ قِيلَ: شَرَعَ لَكم ذَلِكَ كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكم إلَخْ فَإنَّ اسْتِمْرارَ الِاشْتِغالِ بِالصَّلاةِ مَظِنَّةٌ لِاقْتِدارِهِمْ عَلى إيقاعِ الفِتْنَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَعَلُّلِهِ بِما ذُكِرَ أوْ لِما يُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ مِن كَوْنِ فِتْنَتِهِمْ مُتَوَقَّعَةً فَإنَّ كَمالَ عَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن مُوجِباتِ التَّعَرُّضِ لَهم بِسُوءٍ.
النساء 4:102
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ النَّصِّ المُجْمَلِ الوارِدِ في مَشْرُوعِيَّةِ القَصْرِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ وتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ التّامَّةِ، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِهَذِهِ الصُّورَةِ مَعَ الِاكْتِفاءِ فِيما عَداها بِالبَيانِ بِطَرِيقِ السُّنَّةِ لِمَزِيدِ حاجَتِها إلَيْهِ لِما فِيها مِن كَثْرَةِ التَّغْيِيرِ عَنِ الهَيْئَةِ الأصْلِيَّةِ، ومِن هَهُنا ظَهَرَ لَكَ أنَّ مَوْرِدَ النَّصِّ الشَّرِيفِ عَلى المَقْصُورَةِ وحُكْمَ ما عَداها مُسْتَفادٌ مِن حُكْمِها والخِطابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّجْرِيدِ وبِظاهِرِهِ يَتَعَلَّقُ مَن لا يَرى صَلاةَ الخَوْفِ بَعْدَهُ ﷺ، ولا يَخْفى أنَّ الأئِمَّةَ بَعْدَهُ نُوّابُهُ ﷺ قُوّامٌ بِما كانَ يَقُومُ بِهِ فَيَتَناوَلُهم حُكْمُ الخِطابِ الوارِدِ لَهُ ﷺ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ وقَدْ رُوِيَ أنَّ سَعِيدَ بْنَ العاصِ لَمّا أرادَ (p-227)أنْ يُصَلِّيَ بِطَبَرِسْتانَ صَلاةَ الخَوْفِ قالَ: مَن شَهِدَ مِنكم صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقامَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَوَصَفَ لَهُ ذَلِكَ فَصَلّى بِهِمْ كَما وصَفَ وكانَ ذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَلَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الإجْماعِ. ورُوِيَ في السُّنَنِ أنَّهم غَزَوْا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بابِلَ فَصَلّى بِهِمْ صَلاةَ الخَوْفِ.
﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: أرَدْتَ أنْ تُقِيمَ بِهِمُ الصَّلاةَ.
﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ بَعْدَ أنْ جَعَلْتَهم طائِفَتَيْنِ ولْتَقِفِ الطّائِفَةُ الأُخْرى بِإزاءِ العَدُوِّ لِيَحْرُسُوكم مِنهم وإنَّما لَمْ يُصَرَّحْ بِهِ لِظُهُورِهِ.
﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ أيِ: الطّائِفَةُ القائِمَةُ مَعَكَ.
﴿أسْلِحَتَهُمْ﴾ أيْ: لا يَضَعُوها ولا يُلْقُوها وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأخْذِ لِلْإيذانِ بِالِاعْتِناءِ بِاسْتِصْحابِها كَأنَّهم يَأْخُذُونَها ابْتِداءً.
﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ أيِ: القائِمُونَ مَعَكَ وأتَمُّوُا الرَّكْعَةَ.
﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ.
﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا﴾ بَعْدُ وهي الطّائِفَةُ الواقِفَةُ تُجاهَ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ وإنَّما لَمْ تُعَرَّفْ لِما أنَّها لَمْ تُذْكَرْ فِيما قَبْلُ.
﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ الرَّكْعَةَ الباقِيَةَ، ولَمْ يُبَيَّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ حالُ الرَّكْعَةِ الباقِيَةِ لِكُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ، وقَدْ بُيِّنَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ حَيْثُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ صَلّى بِالطّائِفَةِ الأُولى رَكْعَةً وبِالطّائِفَةِ الأُخْرى رَكْعَةً كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُولى وذَهَبَتْ هَذِهِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ حَتّى قَضَتِ الأُولى الرَّكْعَةَ الأخِيرَةَ بِلا قِراءَةٍ وسَلَّمُوا ثُمَّ جاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى وقَضَوُا الرَّكْعَةَ الأُولى بِقِراءَةٍ حَتّى صارَ لِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ.» ﴿وَلْيَأْخُذُوا﴾ أيْ: هَذِهِ الطّائِفَةُ.
﴿حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ لَعَلَّ زِيادَةَ الأمْرِ بِالحَذَرِ في هَذِهِ المَرَّةِ لِكَوْنِها مَظِنَّةً لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في شُغْلٍ شاغِلٍ وأمّا قَبْلَها فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحَرْبِ، وتَكْلِيفُ كُلٍّ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ بِما ذَكَرَ لِما أنَّ الِاشْتِغالَ بِالصَّلاةِ مَظِنَّةٌ لِإلْقاءِ السِّلاحِ والإعْراضِ عَنْ غَيْرِها ومَئِنَّةٌ لِهُجُومِ العَدُوِّ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الأمْرِ المَذْكُورِ والخِطابُ لِلْفَرِيقَيْنِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ أيْ: تَمَنَّوْا أنْ يَنالُوا غِرَّةً ويَنْتَهِزُوا فُرْصَةً فَيَشُدُّوا عَلَيْكم شَدَّةً واحِدَةً، والمُرادُ بِالأمْتِعَةِ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ لا مُطْلَقًَا، وهَذا الأمْرُ لِلْوُجُوبِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكُمْ﴾ حَيْثُ رُخِّصَ لَهم في وضْعِها إذا ثَقُلَ عَلَيْهِمُ اسْتِصْحابُها بِسَبَبِ مَطَرٍ أوْ مَرَضٍ وأُمِرُوا مَعَ ذَلِكَ بِالتَّيَقُّظِ والِاحْتِياطِ، فَقِيلَ: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ لِئَلّا يَهْجُمَ العَدُوُّ عَلَيْكم غِيلَةً، رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزا مُحارِبًَا وبَنِي أنْمارَ فَنَزَلُوا ولا يَرَوْنَ مِنَ العَدُوِّ أحَدًَا فَوَضَعَ النّاسُ أسْلِحَتَهم وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحاجَةٍ لَهُ وقَدْ وضَعَ سِلاحَهُ حَتّى قَطَعَ الوادِيَ والسَّماءُ تَرُشُّ فَحالَ الوادِي بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ أصْحابِهِ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَصُرَ بِهِ غَوْرَثُ بْنُ الحَرْثِ المُحارِبِيُّ فَقالَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إنْ لَمْ أقْتُلْكَ ثُمَّ انْحَدَرَ مِنَ الجَبَلِ ومَعَهُ السَّيْفُ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا وهو قائِمٌ عَلى رَأْسِهِ وقَدْ سَلَّ سَيْفَهُ مِن غِمْدِهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ مَن يَعْصِمُكَ مِنِّي الآنَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِي غَوْرَثَ بْنَ الحَرْثِ بِما شِئْتَ ثُمَّ أهْوى بِالسَّيْفِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَضْرِبَهُ فَأكَبَّ لِوَجْهِهِ مِن زُلَّخَةٍ زُلِّخَها بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَبَدَرَ سَيْفَهُ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَهُ ثُمَّ قالَ: يا غَوْرَثُ مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي الآنَ؟ قالَ: لا أحَدَ قالَ ﷺ: تَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًَا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ وأُعْطِيكَ سَيْفَكَ قالَ: لا ولَكِنْ أشْهَدُ أنْ لا أُقاتِلَكَ أبَدًَا ولا أُعِينَ عَلَيْكَ عَدُوًَّا (p-228)فَأعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ فَقالَ غَوْرَثُ: واللَّهِ لَأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا أحَقُّ بِذَلِكَ مِنكَ» فَرَجَعَ غَوْرَثُ إلى أصْحابِهِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُ فَآمَنَ بَعْضُهُمْ، قالَ: وسَكَنَ الوادِي فَقَطَعَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أصْحابِهِ وأخْبَرَهم بِالخَبَرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ، أعَدَّ لَهم عَذابًَا مُهِينًَا بِأنْ يَخْذُلَهم ويَنْصُرَكم عَلَيْهِمْ فاهْتَمُّوا بِأُمُورِكم ولا تُهْمِلُوا في مُباشَرَةِ الأسْبابِ كىْ يَحِلَّ بِهِمْ عَذابُهُ بِأيْدِيكم. وقِيلَ: لَمّا كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ مِنَ العَدُوِّ مُوهِمًَا لِتَوَقُّعِ غَلَبَتِهِ واعْتِزازِهِ نُفِيَ ذَلِكَ الإيهامُ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْصُرُهم ويُهِينُ عَدُوَّهم لِتَقْوى قُلُوبُهم.
النساء 4:103
﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ أيْ: صَلاةَ الخَوْفِ، أيْ: أدَّيْتُمُوها عَلى الوَجْهِ المُبَيَّنِ وفَرَغْتُمْ مِنها.
﴿فاذْكُرُوُا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: فَداوِمُوا عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى وحافِظُوا عَلى مُراقَبَتِهِ ومُناجاتِهِ ودُعائِهِ في جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى في حالِ المُسايَفَةِ والقِتالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوُا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ .
﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ سَكَنَتْ قُلُوبُكم مِنَ الخَوْفِ وأمِنتُمْ بَعْدَ ما وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها.
﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أيِ: الصَّلاةَ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها حِينَئِذٍ أيْ: أدُّوها بِتَعْدِيلِ أرْكانِها ومُراعاةِ شَرائِطِها. وقِيلَ: المُرادُ بِالذِّكْرِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ الصَّلاةُ فِيها أىْ: فَإذا أرَدْتُمْ أداءَ الصَّلاةِ فَصَلُّوا قِيامًَا عِنْدَ المُسايَفَةِ وقُعُودًَا جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ عِنْدَ المُراماةِ وعَلى جَنُوبِكم مُثْخَنِينَ بِالجِراحِ فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ في الجُمْلَةِ فاقْضُوا ما صَلَّيْتُمْ في تِلْكَ الأحْوالِ الَّتِي هي أحْوالُ القَلَقِ والِانْزِعاجِ وهو رَأْىُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما لا يَخْفى.
﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ أىْ فَرْضًَا مُؤَقَّتًَا، قالَ مُجاهِدُ: وقَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَلا بُدَّ مِن إقامَتِها في حالَةِ الخَوْفِ أيْضًَا عَلى الوَجْهِ المَشْرُوحِ، وقِيلَ: مَفْرُوضًَا مُقَدَّرًَا في الحَضَرِ أرْبَعَ رَكَعاتٍ وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَلا بُدَّ أنْ تُؤَدّى في كُلِّ وقْتٍ حَسْبَما قُدِّرَ فِيهِ.
النساء 4:104
﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أىْ تَضْعُفُوا وتَتَوانَوْا في طَلَبِ الكُفّارِ بِالقِتالِ والتَّعَرُّضِ لَهم بِالحِرابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ وتَشْجِيعٌ لَهُمْ، أيْ: لَيْسَ ما تُقاسُونَهُ مِنَ الآلامِ مُخْتَصًَّا بِكم بَلْ هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم ثُمَّ إنَّهم يَصْبِرُونَ عَلى ذَلِكَ فَما لَكم لا تَصْبِرُونَ مَعَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنهم حَيْثُ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِن إظْهارِ دِينِكم عَلى سائِرِ الأدْيانِ ومِنَ الثَّوابِ في الآخِرَةِ ما لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ. وقُرِئَ "أنْ تَكُونُوا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أىْ: لا تَهِنُوا لِأنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الوَهْنِ لِأجْلِهِ والآيَةُ نَزَلَتْ في بَدْرٍ الصُّغْرى.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ فَيَعْلَمُ أعْمالَكم وضَمائِرَكم.
﴿حَكِيمًا﴾ فِيما يَأْمُرُ ويَنْهى فَجِدُّوا في الِامْتِثالِ بِذَلِكَ فَإنَّ فِيهِ عَواقِبَ حَمِيدَةً.
النساء 4:105
(p-229)﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ رُوِيَ «أنَّ رَجُلًَا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقَ مِن بَنِي ظَفَرٍ سَرَقَ دِرْعًَا مِن جارِهِ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ في جِرابِ دَقِيقٍ فَجَعَلَ الدَّقِيقُ يَنْتَثِرُ مِن خَرْقٍ فِيهِ فَخَبَّأها عِنْدَ زَيْدِ بْنِ السَّمِينِ اليَهُودِيِّ فالتُمِسَتِ الدِّرْعُ عِنْدَ طُعْمَةَ فَلَمْ تُوجَدْ وحَلَفَ ما أخَذَها وما لَهُ بِها عِلْمٌ فَتَرَكُوهُ واتَّبَعُوا أثَرَ الدَّقِيقِ حَتّى انْتَهى إلى مَنزِلِ اليَهُودِيِّ فَأخَذُوها فَقالَ: دَفَعَها إلَيَّ طُعْمَةُ وشَهِدَ لَهُ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ فَقالَتْ بَنُو ظَفَرٍ: انْطَلِقُوا بِنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألُوهُ أنْ يُجادِلَ عَنْ صاحِبِهِمْ وشَهِدُوا بِبَراءَتِهِ وسَرِقَةِ اليَهُودِيِّ فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ فَنَزَلَتْ.» ورُوِيَ «أنَّ طُعْمَةَ هَرَبَ إلى مَكَّةَ وارْتَدَّ ونَقَبَ حائِطًَا بِمَكَّةَ لِيَسْرِقَ أهْلَهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. وقِيلَ: نَزَلَ عَلى رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يُقالُ لَهُ الحَجّاجُ بْنُ عِلاطٍ فَنَقَبَ بَيْتَهُ فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الدُّخُولَ ولا الخُرُوجَ فَأُخِذَ لِيُقْتَلَ فَقِيلَ: دَعْهُ فَإنَّهُ قَدْ لَجَأ إلَيْكَ فَتَرَكَهُ وأخْرَجُوهُ مِن مَكَّةَ فالتَحَقَ بِتُجّارٍ مِن قُضاعَةَ نَحْوَ الشّامِ فَنَزَلُوا مَنزِلًَا فَسَرَقَ بَعْضَ مَتاعِهِمْ وهَرَبَ فَأخَذُوهُ ورَجَمُوهُ بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلُوهُ وقِيلَ: إنَّهُ رَكِبَ سَفِينَةً إلى جِدَّةَ فَسَرَقَ فِيها كِيسًَا فِيهِ دَنانِيرُ فَأُخِذَ وأُلْقِيَ في البَحْرِ.» ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ أيْ: بِما عَرَّفَكَ وأوْحى بِهِ إلَيْكَ.
﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ والذَّبِّ عَنْهم وهم طُعْمَةُ ومَن يُعِينُهُ مِن قَوْمِهِ أوْ هو ومَن يَسِيرُ بِسِيرَتِهِ.
﴿خَصِيمًا﴾ مُخاصِمًَا لِلْبُرَآءِ، أيْ: تُخاصِمُ اليَهُودَ لِأجْلِهِمْ والنَّهْيُ مَعْطُوفٌ عَلى أمْرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ كَأنَّهُ قِيلَ: فاحْكم بِهِ ولا تَكُنْ إلَخْ.
النساء 4:106
﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ مِمّا هَمَمْتَ بِهِ تَعْوِيلًَا عَلى شَهادَتِهِمْ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ مُبالِغًَا في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ.
النساء 4:107
﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: يَخُونُونَها بِالمَعْصِيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ جُعِلَتْ مَعْصِيَةُ العُصاةِ خِيانَةً مِنهم لِأنْفُسِهِمْ كَما جُعِلَتْ ظُلْمًَا لَها لِرُجُوعِ ضَرَرِها إلَيْهِمْ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا طُعْمَةُ وأمْثالُهُ وإمّا هو ومَن عاوَنَهُ وشَهِدَ بِبَراءَتِهِ مِن قَوْمِهِ فَإنَّهم شُرَكاءُ لَهُ في الإثْمِ والخِيانَةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا﴾ مُفْرِطًَا في الخِيانَةِ مُصِرًَّا عَلَيْها.
﴿أثِيمًا﴾ مُنْهَمِكًَا فِيهِ، وتَعْلِيقُ عَدَمِ المَحَبَّةِ الَّذِي هو كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ بِالمُبالَغِ في الخِيانَةِ والإثْمِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِهِ بِهِ بَلْ لِبَيانِ إفْراطِ طُعْمَةَ وقَوْمِهِ فِيهِما.
النساء 4:108
﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ يَسْتَتِرُونَ مِنهم حَياءً وخَوْفًَا مِن ضَرَرِهِمْ.
﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وهو أحَقُّ بِأنْ يُسْتَحْيا مِنهُ ويُخافَ مِن عِقابِهِ.
﴿وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ عالِمٌ بِهِمْ وبِأحْوالِهِمْ فَلا طَرِيقَ إلى (p-230)الِاسْتِخْفاءِ سِوى تَرْكِ ما يَسْتَقْبِحُهُ ويُؤاخِذُ بِهِ.
﴿إذْ يُبَيِّتُونَ﴾ يُدَبِّرُونَ ويُزَوِّرُونَ.
﴿ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ مِن رَمْىِ البَرِيءِ والحَلِفِ الكاذِبِ وشَهادَةِ الزُّورِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والخافِيَةِ.
﴿مُحِيطًا﴾ لا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنها ولا يَفُوتُ.
النساء 4:109
﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلَيْهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًَا بِأنَّ تَعْدِيدَ جِنايَتِهِمْ يُوجِبُ مُشافَهَتَهم بِالتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِوُقُوعِ "أُولاءِ" خَبَرًَا ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "أُولاءِ" اسْمًَا مَوْصُولًَا بِمَعْنى الَّذِينَ و"جادَلْتُمْ" إلَخْ صِلَةً لَهُ والمُجادَلَةُ أشَدُّ المُخاصَمَةِ والمَعْنى: هَبُوا أنَّكم خاصَمْتُمْ عَنْ طُعْمَةَ وأمْثالِهِ في الدُّنْيا.
﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ فَمَن يُخاصِمُ عَنْهم يَوْمَئِذٍ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ وعِقابِهِمْ.
﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ حافِظًَا ومُحامِيًَا مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى وانْتِقامِهِ.
النساء 4:110
﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا﴾ قَبِيحًَا يَسُوءُ بِهِ غَيْرَهُ كَما فَعَلَ طُعْمَةُ بِقَتادَةَ واليَهُودِيِّ.
﴿أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بِما يَخْتَصُّ بِهِ كالحَلِفِ الكاذِبِ. وقِيلَ: السُّوءُ ما دُونَ الشِّرْكِ والظُّلْمُ: الشِّرْكُ. وقِيلَ: هُما الصَّغِيرَةُ والكَبِيرَةُ.
﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ بِالتَّوْبَةِ الصّادِقَةِ.
﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ لِذُنُوبِهِ كائِنَةً ما كانَتْ.
﴿رَحِيمًا﴾ مُتَفَضِّلًَا عَلَيْهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَرْغِيبٍ لِطُعْمَةَ وقَوْمِهِ في التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ لِما أنَّ مُشاهَدَةَ التّائِبِ لِآثارِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ نِعْمَةٌ زائِدَةٌ كَما مَرَّ.
النساء 4:111
﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ مِنَ الآثامِ.
﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ حَيْثُ لا يَتَعَدّى ضَرَرُهُ ووَبالُهُ إلى غَيْرِهِ فَلْيَحْتَرِزْ عَنْ تَعْرِيضِها لِلْعِقابِ والعَذابِ عاجِلًَا وآجِلًَا.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ.
﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًَا لِلْحِكْمَةِ في كُلِّ ما قَدَّرَ وقَضى ولِذَلِكَ لا يُحَمِّلُ وازِرَةً وِزْرَ أُخْرى.
النساء 4:112
﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً﴾ صَغِيرَةً أوْ ما لا عَمْدَ فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ، وقُرِئَ "وَمَن يَكِسِّبْ" بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ السِّينِ وأصْلُهُ يَكْتَسِبُ.
﴿أوْ إثْمًا﴾ كَبِيرَةً أوْ ما كانَ مِن عَمْدٍ.
﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ﴾ أيْ: يَقْذِفْ بِهِ ويُسْنِدْهُ وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ مَعَ تَعَدُّدِ المَرْجِعِ لِمَكانِ "أوْ" وتَذْكِيرُهُ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ يَرْمِ بِأحَدِهِما، وقُرِئَ "يَرْمِ بِهِما". وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْكَسْبِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْسِبْ﴾ و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ.
﴿بَرِيئًا﴾ أيْ: مِمّا رَماهُ بِهِ لِيُحَمِّلَهُ عُقُوبَتَهُ العاجِلَةَ كَما فَعَلَهُ طُعْمَةُ بِزَيْدٍ.
﴿فَقَدِ احْتَمَلَ﴾ أيْ: بِما فَعَلَ مِن تَحْمِيلِ جَرِيرَتِهِ عَلى البَرِيءِ.
﴿بُهْتانًا﴾ وهو الكَذِبُ عَلى الغَيْرِ بِما يَبْهَتُ مِنهُ ويَتَحَيَّرُ عِنْدَ سَماعِهِ لِفَظاعَتِهِ وهَوْلِهِ. وقِيلَ: هو الكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ في عِظَمِهِ.
﴿وَإثْمًا مُبِينًا﴾ أيْ: بَيِّنًَا فاحِشًَا وهو صِفَةٌ لِـ"إثْمًَا" وقَدِ اكْتُفِيَ في بَيانِ عِظَمِ البُهْتانِ بِالتَّنْكِيرِ التَّفْخِيمِيِّ، (p-231)كَأنَّهُ قِيلَ: بُهْتانًَا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ وإثْمًَا مُبِينًَا عَلى أنَّ وصْفَ الإثْمِ بِما ذُكِرَ بِمَنزِلَةِ وصْفِ البُهْتانِ بِهِ لِأنَّهُما عِبارَةٌ عَنْ أمْرٍ واحِدٍ هو رَمْىُ البَرِيءِ بِجِنايَةِ نَفْسِهِ قَدْ عَبَّرَ عَنْهُ بِهِما تَهْوِيلًَا لِأمْرِهِ وتَفْظِيعًَا لِحالِهِ فَمَدارُ العِظَمِ والفَخامَةِ كَوْنُ المَرْمِيِّ بِهِ لِلرّامِي فَإنَّ رَمْىَ البَرِيءِ بِجِنايَةٍ ما خَطِيئَةً كانَتْ أوْ إثْمًَا بُهْتانٌ وإثْمٌ في نَفْسِهِ، أمّا كَوْنُهُ بُهْتانًَا فَظاهِرٌ، وأمّا كَوْنُهُ إثْمًَا فَلِأنَّ كَوْنَ الذَّنْبِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن فَعَلَهُ خَطِيئَةً لا يَلْزَمُ مِنهُ كَوْنُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن نَسَبَهُ إلى البَرِيءِ مِنهُ أيْضًَا كَذَلِكَ بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ قَطْعًَا. كَيْفَ لا؟ وهو كَذِبٌ مُحَرَّمٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ فَهو في نَفْسِهِ بُهْتانٌ وإثْمٌ لا مَحالَةَ، وبِكَوْنِ تِلْكَ الجِنايَةِ لِلرّامِي يَتَضاعَفُ ذَلِكَ شِدَّةً ويَزْدادُ قُبْحًَا لَكِنْ لا لِانْضِمامِ جِنايَتِهِ المَكْسُوبَةِ إلى رَمْىِ البَرِيءِ وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَةٍ مِثْلَهُ في العِظَمِ ولا لِمُجَرَّدِ اشْتِمالِهِ عَلى تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ الخاطِئَةِ وإلّا لَكانَ الرَّمْيُ بِغَيْرِ جِنايَةٍ مَعَ تَبْرِئَةِ نَفْسِهِ كَذَلِكَ في العِظَمِ بَلْ لِاشْتِمالِهِ عَلى قَصْدِ تَحْمِيلِ جِنايَتِهِ عَلى البَرِيءِ وإجْراءِ عُقُوبَتِها عَلَيْهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إيثارُ الِاحْتِمالِ عَلى الِاكْتِسابِ ونَحْوِهِ لِما فِيهِ مِنَ الإيذانِ بِانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِ عَلى ما فِيهِ مِنَ الإشْعارِ بِثِقَلِ الوِزْرِ وصُعُوبَةِ الأمْرِ، نَعَمْ بِما ذُكِرَ مِنَ انْضِمامِ كَسْبِهِ وتَبْرِئَةِ نَفْسِهِ إلى رَمْىِ البَرِيءِ تَزْدادُ الجِنايَةُ قُبْحًَا لَكِنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ وصْفٌ لِلْمَجْمُوعِ لا لِلْإثْمِ.
النساء 4:113
﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ بِإعْلامِكَ ما هم عَلَيْهِ بِالوَحْيِ وتَنْبِيهِكَ عَلى الحَقِّ. وقِيلَ: بِالنُّبُوَّةِ والعِصْمَةِ.
﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن بَنِي ظَفَرٍ وهُمُ الذّابُّونَ عَنْ طُعْمَةَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالطّائِفَةِ كُلَّهم ويَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًَا إلى النّاسِ. وقِيلَ: هم وفْدُ بَنِي ثَقِيفَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: جِئْناكَ لِنُبايِعَكَ عَلى أنْ لا تَكْسِرَ أصْنامَنا ولا تُعَشِّرَنا فَرَدَّهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
﴿أنْ يُضِلُّوكَ﴾ أيْ: بِأنْ يُضِلُّوكَ عَنِ القَضاءِ بِالحَقِّ مَعَ عِلْمِهِمْ بِكُنْهِ الأمْرِ والجُمْلَةُ جَوابُ "لَوْلا" وإنَّما نَفى هَمَّهم مَعَ أنَّ المَنفِيَّ إنَّما هو تَأْثِيرُهُ فَقَطْ إيذانًَا بِانْتِفاءِ تَأْثِيرِهِ بِالكُلِّيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ هو الهَمُّ المُؤَثِّرُ ولا رَيْبَ في انْتِفائِهِ حَقِيقَةً. وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ أيْ: لَأضَلُّوكَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهَمَّتْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ، أيْ: لَقَدْ هَمَّتْ طائِفَةٌ إلَخْ.
﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾ لِاقْتِصارِ وبالِ مَكْرِهِمْ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُصِيبَكَ مِنهم شَيْءٌ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ ومَحَلُّ الجارِّ والمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ، أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًَا مِنَ الضَّرَرِ لِما أنَّهُ تَعالى عاصِمُكَ، وأمّا ما خَطَرَ بِبالِكَ فَكانَ عَمَلًَا مِنكَ بِظاهِرِ الحالِ ثِقَةً بِأقْوالِ القائِلِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِكَ أنَّ الحَقِيقَةَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ أيِ: القرآن الجامِعَ بَيْنَ العُنْوانَيْنِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالحِكْمَةِ السُّنَّةُ.
﴿وَعَلَّمَكَ﴾ بِالوَحْيِ مِن خَفِيّاتِ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها وُجُوهُ إبْطالِ كَيْدِ المُنافِقِينَ أوْ مِن أُمُورِ الدِّينِ وأحْكامِ الشَّرْعِ.
﴿ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ ذَلِكَ إلى وقْتِ التَّعْلِيمِ.
﴿وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذْ لا فَضْلَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ العامَّةِ والرِّياسَةِ التّامَّةِ.
النساء 4:114
(p-232)﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ أيْ: في كَثِيرٍ مِن تَناجِي النّاسِ.
﴿إلا مَن أمَرَ﴾ أيْ: إلّا في نَجْوى مَن أمَرَ.
﴿بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ﴾ . وقِيلَ: المُرادُ بِالنَّجْوى: المُتَناجُونَ بِطَرِيقِ المَجازِ. وقِيلَ: النَّجْوى جَمْعُ نَجِيٍّ نَقَلَهُ الكِرْمانِيُّ وأيًَّا ما كانَ؛ فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، ويَجُوزُ الِانْقِطاعُ أيْضًَا عَلى مَعْنى: لَكِنْ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ إلَخْ فَفي نَجْواهُ الخَيْرُ، والمَعْرُوفُ كُلُّ ما يَسْتَحْسِنُهُ الشَّرْعُ ولا يُنْكِرُهُ العَقْلُ فَيَنْتَظِمُ أصْنافَ الجَمِيلِ وفُنُونَ أعْمالِ البِرِّ، وقَدْ فُسِّرَ هَهُنا بِالقَرْضِ وإغاثَةِ المَلْهُوفِ وصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّدَقَةِ: الصَّدَقَةُ الواجِبَةُ.
﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ عِنْدَ وُقُوعِ المُشاقَّةِ والمُعاداةِ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يُجاوِزَ في ذَلِكَ حُدُودَ الشَّرْعِ الشَّرِيفِ و"بَيْنَ" إمّا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ "إصْلاحٍ" يُقالُ: أصْلَحْتُ بَيْنَ القَوْمِ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ، أيْ: كائِنٍ بَيْنَ النّاسِ، «عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: "ألا أدُلُّكَ عَلى صَدَقَةٍ خَيْرٍ لَكَ مِن حُمُرِ النَّعَمِ" فَقالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ: "تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا".» قالُوا: ولَعَلَّ السِّرَّ في إفْرادِ هَذِهِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بِالذِّكْرِ أنَّ عَمَلَ الخَيْرِ المُتَعَدِّيَ إلى النّاسِ إمّا لِإيصالِ المَنفَعَةِ أوْ لِدَفْعِ المَضَرَّةِ، والمَنفَعَةُ إمّا جِسْمانِيَّةٌ كَإعْطاءِ المالِ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وإمّا رُوحانِيَّةٌ وإلَيْهِ الإشارَةُ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ وأمّا دَفْعُ الضَّرَرِ فَقَدْ أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ .
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ أعْنِي الصَّدَقَةَ والمَعْرُوفَ والإصْلاحَ فَإنَّهُ يُشارُ بِهِ إلى مُتَعَدِّدٍ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِها لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها ورِفْعَةِ شَأْنِها، وتَرْتِيبُ الوَعْدِ عَلى فِعْلِها إثْرَ بَيانِ خَيْرِيَّةِ الأمْرِ بِها لِما أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ هو التَّرْغِيبُ في الفِعْلِ وبَيانُ خَيْرِيَّةِ الأمْرِ بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى خَيْرِيَّتِهِ بِالطَّرِيقِ الأُولى لِما أنَّ مَدارَ حُسْنِ الأمْرِ وقُبْحِهِ حُسْنُ المَأْمُورِ بِهِ وقُبْحُهُ فَحَيْثُ ثَبَتَ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِالأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَخَيْرِيَّةُ فِعْلِها أثْبَتُ، وفِيهِ تَحْرِيضٌ لِلْأمْرِ بِها عَلى فِعْلِها أوْ إشارَةٌ إلى الأمْرِ بِها كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَأْمُرْ بِها، والكَلامُ في تَرْتِيبِ الوَعْدِ عَلى فِعْلِها كالَّذِي مَرَّ في الخَيْرِيَّةِ فَإنَّ اسْتِتْباعَ الأمْرِ بِها لِلْأجْرِ العَظِيمِ إنَّما هو لِكَوْنِهِ ذَرِيعَةً إلى فِعْلِها فاسْتِتْباعُهُ لَهُ أوْلى وأحَقُّ.
﴿ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ والتَّقْيِيدُ بِهِ لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ وأنَّ مَن فَعَلَ خَيْرًَا لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ غَيْرَ الحِرْمانِ.
﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ وقُرِئَ بِالياءِ.
﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَقْصُرُ عَنْهُ الوَصْفُ.
النساء 4:115
﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ شَناعَةِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ المُشاقَّةِ والمُخالَفَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ الآتِي بِذَلِكَ.
﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ ظَهَرَ لَهُ الحَقُّ بِالوُقُوفِ عَلى المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى نُبُوَّتِهِ.
﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ ما هم مُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ وهو الدِّينُ القَيِّمُ.
﴿نُوَلِّهِ (p-233)ما تَوَلّى﴾ أيْ: نَجْعَلُهُ والِيًَا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ونَخْذُلُهُ بِأنْ نُخَلِّيَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما اخْتارَهُ.
﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ أيْ: نُدْخِلُهُ إيّاها، وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ.
﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ أيْ: جَهَنَّمُ، وفِيها دِلالَةٌ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وحُرْمَةِ مُخالَفَتِهِ.
النساء 4:116
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِيما سَبَقَ وهو تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ أوْ لِقِصَّةِ طُعْمَةَ وقَدْ مَرَّ مَوْتُهُ كافِرًَا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ شَيْخًَا مِنَ العَرَبِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًَا مُنْذُ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًَّا ولَمْ أُواقِعِ المَعاصِيَ جَراءَةً عَلى اللَّهِ تَعالى وما تَوَهَّمْتُ طَرْفَةَ عَيْنٍ أنِّي أُعْجِزُ اللَّهَ هَرَبًَا وإنِّي لَنادِمٌ تائِبٌ مُسْتَغْفِرٌ فَما تَرى حالِي عِنْدَ اللَّهِ تَعالى؟ فَنَزَلَتْ.
﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ الحَقِّ، فَإنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالَةِ وأبْعَدُها عَنِ الصَّوابِ والِاسْتِقامَةِ، كَما أنَّهُ افْتِراءٌ وإثْمٌ عَظِيمٌ ولِذَلِكَ جُعِلَ الجَزاءُ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ فَقَدْ ضَلَّ إلَخْ وفِيما سَبَقَ فَقَدِ افْتَرى إثْمًَا عَظِيمًَا حَسْبَما يَقْتَضِيهِ سِياقُ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقُهُ.
النساء 4:117
﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أيْ: ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿إلا إناثًا﴾ يَعْنِي اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ونَحْوَها، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن أحْياءِ العَرَبِ حَيٌّ إلّا كانَ لَهم صَنَمٌ يَعْبُدُونَهُ يُسَمُّونَهُ أُنْثى بَنِي فُلانٍ. قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ في أصْنامِهِمْ هُنَّ بَناتُ اللَّهِ. وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا يُلْبِسُونَها أنْواعَ الحَلْيِ ويُزَيِّنُونَها عَلى هَيْآتِ النِّسْوانِ. وقِيلَ: المُرادُ: المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقِيلَ: تَسْمِيَتُها إناثًَا لِتَأْنِيثِ أسْمائِها أوْ لِأنَّها في الأصْلِ جَمادٌ والجَماداتُ تُؤَنَّثُ مِن حَيْثُ أنَّها ضاهَتِ الإناثَ لِانْفِعالِها، وإيرادُها بِهَذا الِاسْمِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى فَرْطِ حَماقَةِ عَبَدَتِها وتَناهِي جَهْلِهِمْ و"الإناثُ" جَمْعُ أُنْثى كَرِبابٍ ورُبّى، وقُرِئَ عَلى التَّوْحِيدِ و"أُنُثًَا" أيْضًَا عَلى أنَّهُ جَمْعُ أنِيثٍ كَقَلِيبٍ وقُلُبٍ أوْ جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثُمُرٍ وقُرِئَ "وُثُنًَا" و "أُثُنًَا" بِالتَّخْفِيفِ والتَّثْقِيلِ جَمْعُ وثَنٍ كَقَوْلِكَ: "أُسُدٌ وأُسْدٌ وآسُدٌ" عَلى الأصْلِ وقَلْبِ الواوِ ألِفًَا نَحْوِ أُجُوهٍ في وُجُوهٍ.
﴿وَإنْ يَدْعُونَ﴾ وما يَعْبُدُونَ بِعِبادَتِها.
﴿إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ إذْ هو الَّذِي أمَرَهم بِعِبادَتِها وأغْراهم عَلَيْها فَكانَتْ طاعَتُهم لَهُ عِبادَةً، و"المَرِيدُ" و"المارِدُ": هو الَّذِي لا يَعْلَقُ بِخَيْرٍ وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلْمَلاسَةِ ومِنهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ وشَجَرَةٌ مَرْداءُ لِلَّتِي تَناثَرَ ورَقُها.
النساء 4:118
﴿لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِ "شَيْطانًَا".
﴿وَقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ أيْ: شَيْطانًَا مَرِيدًَا جامِعًَا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ، وهَذا القَوْلُ الشَّنِيعُ الصّادِرُ عَنْهُ عِنْدَ اللَّعْنِ ولَقَدْ بَرْهَنَ عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ غايَةُ الضَّلالِ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ بِأنَّ ما يَعْبُدُونَها يَنْفَعِلُ ولا (p-234)يَفْعَلُ فِعْلًَا اخْتِيارِيًَّا وذَلِكَ يُنافِي الأُلُوهِيَّةَ غايَةَ المُنافاةِ، ثُمَّ اسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ ذَلِكَ عِبادَةٌ لِلشَّيْطانِ وهو أفْظَعُ الضَّلالِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، الأوَّلُ: أنَّهُ مُنْهَمِكٌ في الغَيِّ لا يَكادُ يَعْلَقُ بِشَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ والهُدى فَتَكُونُ طاعَتُهُ ضَلالًَا بَعِيدًَا عَنِ الحَقِّ، والثّانِي: أنَّهُ مَلْعُونٌ لِضَلالِهِ فَلا تَسْتَتْبِعُ مُطاوَعَتُهُ سِوى اللَّعْنِ والضَّلالِ، والثّالِثُ: أنَّهُ في غايَةِ السَّعْيِ في إهْلاكِهِمْ وإضْلالِهِمْ فَمُوالاةُ مَن هَذا شَأْنُهُ غايَةُ الضَّلالِ فَضْلًَا عَنْ عِبادَتِهِ، والمَفْرُوضُ المَقْطُوعُ أيْ: نَصِيبًَا قُدِّرَ لِي وفُرِضَ، مِن قَوْلِهِمْ: فَرَضَ لَهُ في العَطاءِ.
النساء 4:119
﴿وَلأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ الأمانِيَ الباطِلَةَ كَطُولِ الحَياةِ وأنْ لا بَعْثَ ولا عِقابَ ونَحْوِ ذَلِكَ.
﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ أيْ: فَلَيُقَطِّعُنَّها بِمُوجِبِ أمْرِي ويَشُقُّنَّها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ في ذَلِكَ ولا تَأْخِيرٍ وذَلِكَ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ فِيهِ بِالبَحائِرِ والسَّوائِبِ.
﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ﴾ مُمْتَثِلِينَ بِهِ.
﴿خَلْقَ اللَّهِ﴾ عَنْ نَهْجِهِ صُورَةً أوْ صِفَةً ويُنْتَظَمُ فِيهِ ما قِيلَ مِن فَقْءِ عَيْنِ الحامِي وخِصاءِ العَبِيدِ والوَشْمِ والوَشْرِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وعُمُومُ اللَّفْظِ يَمْنَعُ الخِصاءَ مُطْلَقًَا لَكِنَّ الفُقَهاءَ رَخَّصُوا في البَهائِمِ لِمَكانِ الحاجَةِ، وهَذِهِ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ عَنِ اللَّعِينِ مِمّا نَطَقَ بِهِ لِسانُهُ مَقالًَا أوْ حالًَا وما فِيها مِنَ اللّاماتِ كُلِّها لِلْقَسَمِ والمَأْمُورُ بِهِ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدِلالَةِ النَّظْمِ عَلَيْهِ.
﴿وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بِإيثارِ ما يَدْعُو إلَيْهِ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ومُجاوَزَتِهِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى إلى طاعَتِهِ.
﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ لِأنَّهُ ضَيَّعَ رَأْسَ مالِهِ بِالكُلِّيَّةِ واسْتَبْدَلَ بِمَكانِهِ مِنَ الجَنَّةِ مَكانَهُ مِنَ النّارِ.
النساء 4:120
﴿يَعِدُهُمْ﴾ أىْ ما لا يَكادُ يُنْجِزُهُ.
﴿وَيُمَنِّيهِمْ﴾ أيِ: الأمانِيَ الفارِغَةَ أوْ يَفْعَلُ لَهُمُ الوَعْدَ والتَّمْنِيَةَ عَلى طَرِيقَةِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ والضَّمِيرانِ لِمَن والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في "يَتَّخِذْ" و"خَسِرَ" بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ وهو إظْهارُ النَّفْعِ فِيما فِيهِ الضَّرَرُ، وهَذا الوَعْدُ إمّا بِإلْقاءِ الخَواطِرِ الفاسِدَةِ أوْ بِألْسِنَةِ أوْلِيائِهِ و"غُرُورًَا" إمّا مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْوَعْدِ أوْ مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: وعْدًَا ذا غُرُورٍ أوْ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المَصْدَرِ لِأنْ يَعِدُهم في قُوَّةِ يَغُرُّهم بِوَعْدِهِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلتَّمْنِيَةِ لِأنَّها بابٌ مِنَ الوَعْدِ.
النساء 4:121
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أوْلِياءِ الشَّيْطانِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الخُسْرانِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَأْواهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ ثانٍ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهَنَّمُ﴾ خَبَرٌ لِلثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ.
﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾ أيْ: مَعْدِلًَا ومَهْرَبًَا مِن حاصَ الحِمارُ إذا عَدَلَ. وقِيلَ: خَلَصَ ونَجا. وقِيلَ: الحَيْصُ هو الرَّوَغانُ بِنُفُورٍ. و"عَنْها" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "مَحِيصًَا" أيْ: كائِنًَا عَنْها ولا مَساغَ لِتَعَلُّقِهِ بِـ"مَحِيصًَا" أمّا إذا كانَ اسْمَ مَكانٍ فَظاهِرٌ وأمّا إذا كانَ مَصْدَرًَا فَلِأنَّهُ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
النساء 4:122
(p-235)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قَرَنَ وعِيدَ الكَفَرَةِ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ زِيادَةً لِمَسَرَّةِ هَؤُلاءِ ومَساءَةِ أُولَئِكَ.
﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ أيْ: وعَدَهُ وعْدًَا وحَقَّ ذَلِكَ حَقًَّا فالأوَّلُ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ لِأنَّ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وعْدٌ والثّانِي مُؤَكِّدٌ لِغَيْرِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ المَوْصُولُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ ويَنْتَصِبَ "وَعْدَ اللَّهِ" بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَنُدْخِلُهُمْ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى نَعِدُهم إدْخالَ جَنّاتٍ إلَخْ و "حَقًَّا" عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ المَصْدَرِ.
﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ جُمْلَةٌ مُؤَكِّدَةٌ بَلِيغَةٌ، والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ: مُعارَضَةُ مَواعِيدِ الشَّيْطانِ الكاذِبَةِ لِقُرَنائِهِ بِوَعْدِ اللَّهِ الصّادِقِ لِأوْلِيائِهِ، والمُبالَغَةُ في تَأْكِيدِهِ تَرْغِيبًَا لِلْعِبادِ في تَحْصِيلِهِ. و"القِيلُ": مَصْدَرٌ كالقَوْلِ والقالِ، وقالَ ابْنُ السُّكَيْتِ: القِيلُ والقالُ اسْمانِ لا مَصْدَرانِ، ونَصْبُهُ عَلى التَّمْيِيزِ، وقُرِئَ بِإشْمامِ الصّادِ وكَذا كُلُّ صادٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها دالٌ.
النساء 4:123
﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ: لَيْسَ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى مِنَ الثَّوابِ يَحْصُلُ بِأمانِيِّكم أيُّها المُسْلِمُونَ ولا بِأمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وإنَّما يَحْصُلُ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ ولَعَلَّ نَظْمَ أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ في سِلْكِ أمانِيِّ المُسْلِمِينَ مَعَ ظُهُورِ حالِها لِلْإيذانِ بِعَدَمِ إجْداءِ أمانِيِّ المُسْلِمِينَ أصْلًَا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ كَما سَلَفَ، وعَنِ الحَسَنِ: لَيْسَ الإيمان بالتَّمَنِّي ولَكِنْ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ، إنَّ قَوْمًَا ألْهَتْهم أمانِيُّ المَغْفِرَةِ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا ولا حَسَنَةَ لَهم وقالُوا: نُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ وكَذَبُوا؛ لَوْ أحْسَنُوُا الظَّنَّ بِهِ لَأحْسَنُوُا العَمَلَ. وقِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكم وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكم فَنَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ تَعالى مِنكُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلى مِنكم نَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ ويُؤَيِّدُهُ تَقَدُّمُ ذِكْرِهِمْ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ بِأمانِيِّ المُشْرِكِينَ وهو قَوْلُهُمْ: لا جَنَّةَ ولا نارَ وقَوْلُهُمْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُ هَؤُلاءِ لَنَكُونَنَّ خَيْرًَا مِنهم وأحْسَنَ حالًَا وقَوْلُهُمْ: لَأُوتَيَنَّ مالًَا ووَلَدًَا ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ وهو قَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ ثُمَّ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ عاجِلًَا أوْ آجِلًَا لِما رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: فَمَن يَنْجُو مَعَ هَذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أما تَحْزَنُ أوْ تَمْرَضُ أوْ يُصِيبُكَ البَلاءُ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: هو ذاكَ.
﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ: مُجاوِزًَا لِمُوالاةِ اللَّهِ ونُصْرَتِهِ.
﴿وَلِيًّا﴾ يُوالِيهِ.
﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهُ في دَفْعِ العَذابِ عَنْهُ.
النساء 4:124
(p-236)﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أيْ: بَعْضَها أوْ شَيْئًَا مِنها فَإنَّ كُلَّ أحَدٍ لا يَتَمَكَّنُ مِن كُلِّها ولَيْسَ مُكَلَّفًَا بِها.
﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "يَعْمَلْ" و"مِن" لِلْبَيانِ أوْ مِنَ "الصّالِحاتِ" فَـ"مِن" لِلِابْتِداءِ، أيْ: كائِنَةً مِن ذَكَرٍ إلَخْ.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ حالٌ شَرَطَ اقْتِرانَ العَمَلِ بِها في اسْتِدْعاءِ الثَّوابِ المَذْكُورِ تَنْبِيهًَا عَلى أنَّهُ لا اعْتِدادَ بِهِ دُونَهُ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرَفِ.
﴿يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾ وقُرِئَ "يُدْخَلُونَ" مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإدْخالِ.
﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ لا يُنْقَصُونَ شَيْئًَا حَقِيرًَا مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ النَّقِيرَ عَلَمٌ في القِلَّةِ والحَقارَةِ وإذا لَمْ يُنْقَصْ ثَوابُ المُطِيعِ فَلَأنْ لا يُزادَ عِقابُ العاصِي أوْلى وأحْرى. كَيْفَ لا؟ والمُجازِي أرْحَمُ الرّاحِمِينَ وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ عَقِيبَ الثَّوابِ.
النساء 4:125
﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ أيْ: أخْلَصَ نَفْسَهُ لَهُ تَعالى لا يَعْرِفُ لَهُ رَبًَّا سِواهُ. وقِيلَ: بَذَلَ وجْهَهُ لَهُ في السُّجُودِ. وقِيلَ: أخْلَصَ عَمَلَهُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ. وقِيلَ: فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى، وهَذا إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أحْسَنَ دِينًَا مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ أوْ مُساوِيًَا لَهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًَا لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها يُرْشِدُكَ إلَيْهِ العُرْفُ المُطَّرِدُ والِاسْتِعْمالُ الفاشِي فَإنَّهُ إذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ أوْ لا أفْضَلَ مِن فُلانٍ، فالمُرادُ بِهِ حَتْمًَا: أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ وعَلَيْهِ مَساقُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى﴾ ونَظائِرِهِ و"دِينًَا" نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ مِن "أحْسَنُ" مَنقُولٌ مِنَ المُبْتَدَإ والتَّقْدِيرُ: ومَن دِينُهُ أحْسَنُ مِن دِينِ مَن أسْلَمَ إلَخْ، فالتَّفْضِيلُ في الحَقِيقَةِ جارٍ بَيْنَ الدِّينَيْنِ لا بَيْنَ صاحِبَيْهِما فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ القُوَّةُ البَشَرِيَّةُ.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: آتٍ بِالحَسَناتِ تارِكٌ لِلسَّيِّئاتِ أوْ آتٍ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ الَّذِي هو حُسْنُها الوَصْفِيُّ المُسْتَلْزِمُ لِحُسْنِها الذّاتِيِّ، وقَدْ فَسَّرَهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ﴾ والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "أسْلَمَ".
﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ المُوافِقَةَ لِدِينِ الإسْلامِ المُتَّفِقِ عَلى صِحَّتِها وقَبُولِها.
﴿حَنِيفًا﴾ مائِلًَا عَنِ الأدْيانِ الزّائِغَةِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ "اتَّبَعَ" أوْ مِن ﴿ "إبْراهِيمَ".﴾ ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ اصْطَفاهُ وخَصَّهُ بِكَراماتٍ تُشْبِهُ كَراماتِ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ وإظْهارُهُ ﷺ في مَواقِعِ الإضْمارِ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ المَمْدُوحُ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ، والخُلَّةُ مِنَ الخِلالِ فَإنَّهُ وُدٌّ تَخَلَّلَ النَّفْسَ وخالَطَها. وقِيلَ: مِنَ الخَلَلِ فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَلِيلَيْنِ يَسُدُّ خَلَلَ الآخَرِ أوْ مِنَ الخَلِّ وهو الطَّرِيقُ في الرَّمْلِ فَإنَّهُما يَتَوافَقانِ في الطَّرِيقَةِ أوْ مِنَ الخَلَّةِ (p-237)بِمَعْنى الخَصْلَةِ فَإنَّهُما يَتَوافَقانِ في الخِصالِ وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ جَمَّةٌ مِن جُمْلَتِها التَّرْغِيبُ في اتِّباعِ مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ تَعالى مَبْلَغًَا مُصَحِّحًَا لِتَسْمِيَتِهِ خَلِيلًَا حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ اتِّباعُ طَرِيقَتِهِ أهَمَّ ما يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ وأشْرَفَ ما يَرْمُقُ نَحْوَهُ أحْداقُ الأُمَمِ. قِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعَثَ إلى خَلِيلٍ لَهُ بِمِصْرَ في أزْمَةٍ أصابَتِ النّاسَ يَمْتارُ مِنهُ فَقالَ خَلِيلُهُ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ يَطْلُبُ المِيرَةَ لِنَفْسِهِ لَفَعَلْتُ ولَكِنَّهُ يُرِيدُها لِلْأضْيافِ وقَدْ أصابَنا ما أصابَ النّاسَ مِنَ الشِّدَّةِ فَرَجَعَ غِلْمانُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فاجْتازُوا بِبَطْحاءَ لَيِّنَةٍ فَمَلَئُوا مِنها الغَرائِرَ حَياءً مِنَ النّاسِ وجاءُوا بِها إلى مَنزِلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وألْقَوْها فِيهِ وتَفَرَّقُوا وجاءَ أحَدُهم فَأخْبَرَ إبْراهِيمَ بِالقِصَّةِ فاغْتَمَّ لِذَلِكَ غَمًَّا شَدِيدًَا لاسِيَّما لِاجْتِماعِ النّاسِ بِبابِهِ رَجاءَ الطَّعامِ فَغَلَبَهُ عَيْناهُ وعَمَدَتْ سارَّةُ إلى الغَرائِرِ فَإذا فِيها أجْوَدُ ما يَكُونُ مِنَ الحُوّارى فاخْتَبَزَتْ - وفي رِوايَةٍ فَأطْعَمَتِ النّاسَ - وانْتَبَهَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فاشْتَمَّ رائِحَةَ الخُبْزِ فَقالَ: مِن أيْنَ لَكُمْ؟ قالَتْ سارَّةُ: مِن خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ فَقالَ: بَلْ مِن عِنْدِ خَلِيلِي اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فَسَمّاهُ اللَّهُ تَعالى خَلِيلًَا.
النساء 4:126
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أهْلِ السَّمَواتِ والأرْضِ بِبَيانِ أنَّ جَمِيعَ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ لَهُ تَعالى خَلْقًَا ومِلْكًَا لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنها فَيُجازِي كُلًَّا بِمُوجِبِ أعْمالِهِ خَيْرًَا وشَرًَّا. وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اتِّخاذَهُ عَزَّ وجَلَّ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيلًَا لَيْسَ لِاحْتِياجِهِ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ في شَأْنٍ مِن شُئُونِهِ كَما هو دَأْبُ الآدَمِيِّينَ فَإنَّ مَدارَ خُلَّتِهِمُ افْتِقارُ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ في مَصالِحِهِمْ بَلْ لِمُجَرَّدِ تَكْرِمَتِهِ وتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ الخُلَّةَ لا تُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: لِبَيانِ أنَّ اصْطِفاءَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلْخُلَّةِ بِمَحْضِ مَشِيئَتِهِ تَعالى أىْ: لَهُ تَعالى ما فِيهِما جَمِيعًَا يَخْتارُ مِنهُما ما يَشاءُ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ فَإنَّ إحاطَتَهُ تَعالى عِلْمًَا وقُدْرَةً بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما فِيهِما مِنَ المُكَلَّفِينَ وأعْمالِهِمْ مِمّا يُقَرِّرُ ذَلِكَ أكْمَلَ تَقْرِيرٍ.
النساء 4:127
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ أيْ: في حَقِّهِنَّ عَلى الإطْلاقِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الأحْكامُ الآتِيَةُ لا في حَقِّ مِيراثِهِنَّ خاصَّةً فَإنَّهُ ﷺ قَدْ سُئِلَ عَنْ أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِنَّ فَما بُيِّنَ حُكْمُهُ فِيما سَلَفَ أُحِيلَ بَيانُهُ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ مِنَ الكِتابِ وما لَمْ يُبَيَّنْ حُكْمُهُ بَعْدُ هَهُنا وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ بِإسْنادِ الإفْتاءِ الَّذِي هو تَبْيِينُ المُبْهَمِ وتَوْضِيحُ المُشْكِلِ إلَيْهِ تَعالى وإلى ما تُلِيَ مِنَ الكِتابِ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ: "أغْنانِي زَيْدٌ وعَطاؤُهُ" بِعَطْفِ "ما" عَلى المُبْتَدَإ أوْ ضَمِيرِهِ في الخَبَرِ لِمَكانِ الفَصْلِ بِالمَفْعُولِ والجارِّ (p-238)والمَجْرُورِ وإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ التِّلاوَةِ ودَوامِها، و ﴿فِي الكِتابِ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُتْلى" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ أيْ: يُتْلى كائِنًَا فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "ما يُتْلى عَلَيْكُمْ" مُبْتَدَأً و "فِي الكِتابِ" خَبَرَهُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ عِظَمِ شَأْنِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ وأنَّ العَدْلَ في الحُقُوقِ المُبَيَّنَةِ فِيهِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ الَّتِي تَجِبُ مُراعاتُها والمُحافَظَةُ عَلَيْها فَما يُتْلى حِينَئِذٍ مُتَناوِلٌ لِما تُلِيَ وما سَيُتْلى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًَا عَلى القَسَمِ المُنْبِئِ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وأُقْسِمُ بِما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ، فالمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُفْتِيكُمْ﴾: بَيانُهُ السّابِقُ واللّاحِقُ ولا مَساغَ لِعَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ مِن "فِيهِنَّ" لِاخْتِلالِهِ لَفْظًَا ومَعْنىً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي يَتامى النِّساءِ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ - وهو الأظْهَرُ - مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُتْلى" أيْ: ما يُتْلى عَلَيْكم في شَأْنِهِنَّ، وعَلى الأخِيرَيْنِ بَدَلٌ مِن "فِيهِنَّ" وهَذِهِ الإضافَةُ بِمَعْنى "مِن" لِأنَّها إضافَةُ الشَّيْءِ إلى جِنْسِهِ، وقُرِئَ "يَيامى" عَلى قَلْبِ هَمْزَةِ أيامى ياءً.
﴿اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أيْ: ما فُرِضَ لَهُنَّ مِنَ المِيراثِ وغَيْرِهِ.
﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ عَطْفَ جُمْلَةٍ مُثْبَتَةٍ عَلى جُمْلَةٍ مَنفِيَّةٍ. وقِيلَ: حالٌ مِن فاعِلِ "تُؤْتُونَهُنَّ" بِتَأْوِيلِ: وأنْتُمْ تَرْغَبُونَ، ولا رَيْبَ في أنَّهُ لا يَظْهَرُ لِتَقْيِيدِ عَدَمِ الإيتاءِ بِذَلِكَ فائِدَةٌ إلّا إذا أُرِيدَ بِما كُتِبَ لَهُنَّ صَداقُهُنَّ.
﴿أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أيْ: في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ لا لِأجْلِ التَّمَتُّعِ بِهِنَّ بَلْ لِأكْلِ مالِهِنَّ أوْ في أنْ تَنْكِحُوهُنَّ بِغَيْرِ إكْمالِ الصَّداقِ، وذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها مِن أنَّها اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها هو ولِيُّها فَيَرْغَبُ في مالِها وجَمالِها ويُرِيدُ أنْ يَنْكِحَها بِأدْنى مِن سُنَّةِ نِسائِها فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ في إكْمالِ الصَّداقِ أوْ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ، وذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها يَتِيمَةٌ يَرْغَبُ ولِيُّها عَنْ نِكاحِها ولا يُنْكِحُها فَيَعْضُلُها طَمَعًَا في مِيراثِها، وفي رِوايَةٍ عَنْها رَضِيَ اللَّهُ عَنْها هو الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ يَتِيمَةٌ ووارِثَها وشَرِيكَها في المالِ حَتّى في العِذْقِ فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها ويَكْرَهُ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًَا فَيَشْرَكُهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ فَيَعْضُلُها، فالمُرادُ بِما كُتِبَ لَهُنَّ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ والأخِيرِ مِيراثُهُنَّ وبِما يُتْلى في حَقِّهِنَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوُا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوها﴾ ونَحْوُهُما مِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِأمْوالِهِمْ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي صَداقُهُنَّ وبِما يُتْلى فِيهِنَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾ الآيَةُ.
﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَتامى النِّساءِ وما يُتْلى في حَقِّهِنَّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَهم كَما لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ وإنَّما يُوَرِّثُونَ الرِّجالَ القُوّامَ بِالأُمُورِ. رُوِيَ «أنَّ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفَزارِيَّ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أُخْبِرْنا بِأنَّكَ تُعْطِي الِابْنَةَ النِّصْفَ والأُخْتَ النِّصْفَ وإنَّما كُنّا نُوَرِّثُ مَن يَشْهَدُ القِتالَ ويَحُوزُ الغَنِيمَةَ فَقالَ ﷺ: كَذَلِكَ أُمِرْتُ.» ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾ بِالجَرِّ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وما يُتْلى في حَقِّهِمْ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوُا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يُحْصَرُ هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "فِي يَتامى النِّساءِ" مُتَعَلِّقًَا بِـ"يُتْلى" وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًَا مِن "فِيهِنَّ" فالوَجْهُ نَصْبُهُ عَطْفًَا عَلى مَوْضِعِ فِيهِنَّ أيْ: يُفْتِيكم أنْ تَقُومُوا، ويَجُوزُ نَصْبُهُ بِإضْمارِ فِعْلٍ أيْ: ويَأْمُرُكُمْ، وهو خِطابٌ لِلْوُلاةِ أوْ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ.
﴿وَما تَفْعَلُوا﴾ في حُقُوقِ المَذْكُورِينَ.
﴿مِن خَيْرٍ﴾ حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ أوْ ما تَفْعَلُوهُ مِن خَيْرٍ عَلى الإطْلاقِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِمُ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ فَيُجازِيكم بِحَسَبِهِ.
النساء 4:128
(p-239)﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما لَمْ يُبَيَّنْ فِيما سَلَفَ مِنَ الأحْكامِ أيْ: إنْ تَوَقَّعَتِ امْرَأةٌ.
﴿مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ أيْ: تَجافِيًَا عَنْها وتَرَفُّعًَا عَنْ صُحْبَتِها كَراهَةً لَها ومَنعًَا لِحُقُوقِها.
﴿أوْ إعْراضًا﴾ بِأنْ يُقِلَّ مُحادَثَتَها ومُؤانَسَتَها لِما يَقْتَضِي ذَلِكَ مِنَ الدَّواعِي والأسْبابِ.
﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما﴾ حِينَئِذٍ.
﴿أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾ أيْ: في أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما بِأنْ تَحُطَّ لَهُ المَهْرَ أوْ بَعْضَهُ أوِ القَسْمَ كَما فَعَلَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةٍ حِينَ كَرِهَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَهَبَتْ يَوْمَها لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أوْ بِأنْ تَهَبَ لَهُ شَيْئًَا تَسْتَمِيلُهُ، وقُرِئَ "يَصّالَحا" مِن يَتَصالَحا و"يَصَّلِحا" مِن يَصْطَلِحا و"يُصالِحا" مِنَ المُفاعَلَةِ و"صُلْحًَا" إمّا مَنصُوبٌ بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِنهُ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ وقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِاسْمِ المَصْدَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: إصْلاحًَا أوْ تَصَلُّحًَا أوِ اصْطِلاحًَا حَسْبَما قُرِئَ الفِعْلُ أوْ بِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى المَذْكُورِ أيْ: فَيُصْلِحُ حالَهُما صُلْحًَا، وبَيْنَهُما ظَرْفٌ لِلْفِعْلِ أوْ حالٌ مِن "صُلْحًَا" والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الجُناحِ عَنْهُما مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مِن جانِبِها الأخْذُ الَّذِي هو المَظِنَّةُ لِلْجُناحِ لِبَيانِ أنَّ هَذا الصُّلْحَ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الرِّشْوَةِ المُحَرَّمَةِ لِلْمُعْطِي والآخِذِ.
﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ أيْ: مِنَ الفُرْقَةِ أوْ مِن سُوءِ العِشْرَةِ أوْ مِنَ الخُصُومَةِ فاللّامُ لِلْعَهْدِ أوْ هو خَيْرٌ مِنَ الخُيُورِ فاللّامُ لِلْجِنْسِ والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ أيْ: جُعِلَتْ حاضِرَةً لَهُ مَطْبُوعَةً عَلَيْهِ لا تَنْفَكُّ عَنْهُ أبَدًَا فَلا المَرْأةُ تَسْمَحُ بِحُقُوقِها مِنَ الرَّجُلِ ولا الرَّجُلُ يَجُودُ بِحُسْنِ المُعاشَرَةِ مَعَ دَمامَتِها، فَإنَّ فِيهِ تَحْقِيقًَا لِلصُّلْحِ وتَقْرِيرًَا لَهُ بِحَثِّ كُلٍّ مِنهُما عَلَيْهِ لَكِنْ لا بِالنَّظَرِ إلى حالِ نَفْسِهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي التَّمادِيَ في المُماكَسَةِ والشِّقاقِ بَلْ بِالنَّظَرِ إلى حالِ صاحِبِهِ فَإنَّ شُحَّ نَفْسِ الرَّجُلِ وعَدَمَ مَيْلِها عَنْ حالَتِها الجِبِلِّيَّةِ بِغَيْرِ اسْتِمالَةٍ مِمّا يَحْمِلُ المَرْأةَ عَلى بَذْلِ بَعْضِ حُقُوقِها إلَيْهِ لِاسْتِمالَتِهِ، وكَذا شُحُّ نَفْسِها بِحُقُوقِها مِمّا يَحْمِلُ الرَّجُلَ عَلى أنْ يَقْتَنِعَ مِن قِبَلِها بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ولا يُكَلِّفَها بَذْلَ الكَثِيرِ فَيَتَحَقَّقُ بِذَلِكَ الصُّلْحُ.
﴿وَإنْ تُحْسِنُوا﴾ في العِشْرَةِ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ النُّشُوزَ والإعْراضَ وإنْ تَعاضَدَتِ الأسْبابُ الدّاعِيَةُ إلَيْهِما وتَصْبِرُوا عَلى ذَلِكَ مُراعاةً لِحُقُوقِ الصُّحْبَةِ ولَمْ تَضْطَرُّوهُنَّ إلى بَذْلِ شَيْءٍ مِن حُقُوقِهِنَّ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: مِنَ الإحْسانِ والتَّقْوى أوْ بِما تَعْمَلُونَ جَمِيعًَا فَيَدْخُلُ ذَلِكَ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم ويُثِيبُكم عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ لِاسْتِحالَةِ أنْ يُضِيعَ أجْرَ المُحْسِنِينَ، وفي خِطابِ الأزْواجِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ والتَّعْبِيرِ عَنْ رِعايَةِ حُقُوقِهِنَّ بِالإحْسانِ ولَفْظِ التَّقْوى المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِ النُّشُوزِ والإعْراضِ مِمّا يُتَوَقّى مِنهُ وتَرْتِيبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ عَلَيْهِ مِن لُطْفِ الِاسْتِمالَةِ والتَّرْغِيبِ في حُسْنِ المُعامَلَةِ ما لا يَخْفى. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَمْرَةَ بِنْتِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وزَوْجِها سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ تَزَوَّجَها وهي شابَّةٌ فَلَمّا عَلاها الكِبَرُ تَزَوَّجَ شابَّةً وآثَرَها عَلَيْها وجَفاها فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وشَكَتْ إلَيْهِ ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي السّائِبِ؛ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ قَدْ كَبُرَتْ ولَهُ مِنها أوْلادٌ فَأرادَ أنْ يُطَلِّقَها ويَتَزَوَّجَ غَيْرَها فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي ودَعْنِي عَلى أوْلادِي فاقْسِمْ لِي مِن كُلِّ شَهْرَيْنِ إنْ شِئْتَ وإنْ شِئْتَ فَلا تَقْسِمْ لِي، فَقالَ: إنْ كانَ (p-240)يَصْلُحُ ذَلِكَ فَهو أحَبُّ إلَيَّ فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ.
النساء 4:129
﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ أيْ: مُحالٌ أنْ تَقْدِرُوا عَلى أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَهُنَّ بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَيْلٌ ما إلى جانِبِ إحْداهُنَّ في شَأْنٍ مِنَ الشُّؤُونِ البَتَّةَ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ فَلا تُؤاخِذْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ﴾ وفي رِوايَةٍ: ﴿وَأنْتَ أعْلَمُ بِما لا أمْلِكُ﴾ يَعْنِي فَرْطَ مَحَبَّتِهِ لِعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
﴿وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أيْ: عَلى إقامَةِ العَدْلِ وبالَغْتُمْ في ذَلِكَ.
﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ أيْ: فَلا تَجُورُوا عَلى المَرْغُوبِ عَنْها كُلَّ الجَوْرِ واعْدِلُوا ما اسْتَطَعْتُمْ فَإنَّ عَجْزَكم عَنْ حَقِيقَةِ العَدْلِ إنَّما يُصَحِّحُ عَدَمَ تَكْلِيفِكم بِها لا بِما دُونَها مِنَ المَراتِبِ الدّاخِلَةِ تَحْتَ اسْتِطاعَتِكم.
﴿فَتَذَرُوها﴾ أيِ: الَّتِي مِلْتُمْ عَنْها.
﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ الَّتِي لَيْسَتْ ذاتَ بَعْلٍ أوْ مُطَلَّقَةً، وقُرِئَ كالمَسْجُونَةِ، وفي الحَدِيثِ « "مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ يَمِيلُ مَعَ إحْداهُما جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ مائِلٌ".» ﴿وَإنْ تُصْلِحُوا﴾ ما كُنْتُمْ تُفْسِدُونَ مِن أُمُورِهِنَّ.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ المَيْلَ فِيما يُسْتَقْبَلُ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا﴾ يَغْفِرُ لَكم ما فَرَطَ مِنكم مِنَ المَيْلِ ﴿رَحِيمًا﴾ يَتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ.
النساء 4:130
﴿وَإنْ يَتَفَرَّقا﴾ وقُرِئَ "يَتَفارَقا" أيْ: وإنْ يُفارِقْ كُلٌّ مِنهُما صاحِبَهُ بِأنْ لَمْ يُتَّفَقْ بَيْنَهُما وِفاقٌ بِوَجْهٍ ما مِنَ الصُّلْحِ وغَيْرِهِ.
﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلا﴾ مِنهُما أيْ: يَجْعَلْهُ مُسْتَغْنِيًَا عَنِ الآخَرِ ويَكْفِهِ مُهِمّاتِهِ.
﴿مِن سَعَتِهِ﴾ مِن غِناهُ وقدرته، وفِيهِ زَجْرٌ لَهُما عَنِ المُفارَقَةِ رُغْمًَا لِصاحِبِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ واسِعًا حَكِيمًا﴾ مُقْتَدِرًَا مُتْقِنًَا في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ.
النساء 4:131
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: مِنَ المَوْجُوداتِ كائِنًَا ما كانَ مِنَ الخَلائِقِ وأرْزاقِهِمْ وغَيْرِ ذَلِكَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى كَمالِ سِعَتِهِ وعِظَمِ قدرته.
﴿وَلَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوُا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: أمَرْناهم في كِتابِهِمْ وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ومَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ، واللّامُ في "الكِتابَ" لِلْجِنْسِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"وَصَّيْنا" أوْ بِـ"أُوتُوا".
﴿وَإيّاكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ.
﴿أنِ اتَّقُوُا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًَّا مِنكم ومِنهم بِأنِ اتَّقُوُا اللَّهَ عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِأنَّ التَّوْصِيَةَ في مَعْنى القَوْلِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ حِينَئِذٍ مِن تَتِمَّةِ القَوْلِ المَحْكِيِّ أيْ: ولَقَدْ قُلْنا لَهم ولَكُمُ اتَّقُوُا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "أنْ" مَصْدَرِيَّةً مَبْنى الكَلامِ إرادَةُ القَوْلِ أيْ: أمَرْناهم وإيّاكم بِالتَّقْوى وقُلْنا لَهم ولَكم ﴿إنْ تَكْفُرُوا﴾ الآيَةَ. وقِيلَ: هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ خُوطِبَ بِها هَذِهِ الأُمَّةُ، وأيًَّا ما كانَ فالمُتَرَتِّبُ عَلى كُفْرِهِمْ لَيْسَ مَضْمُونَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّهِ﴾ الآيَةِ بَلْ هو الأمْرُ بِعِلْمِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنْ تَكْفُرُوا فاعْلَمُوا أنَّ لِلَّهِ ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ (p-241)مِنَ الخَلائِقِ قاطِبَةً مُفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في الوُجُودِ وسائِرِ النِّعَمِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ لا يَسْتَغْنُونَ عَنْ فَيْضِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَحَقُّهُ أنْ يُطاعَ ولا يُعْصى ويُتَّقى عِقابُهُ ويُرْجى ثَوابُهُ، وقَدْ قَرَّرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ أيْ: عَنِ الخَلْقِ وعِبادَتِهِمْ.
﴿حَمِيدًا﴾ مَحْمُودًَا في ذاتِهِ حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ فَلا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ كَما لا يَنْتَفِعُ بِشُكْرِهِمْ وتَقْواهم وإنَّما وصّاهم بِالتَّقْوى لِرَحْمَتِهِ لا لِحاجَتِهِ.
النساء 4:132
﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِلْمُخاطَبِينَ تَوْطِئَةً لِما بَعْدَهُ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المَحْكِيِّ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًَا ومِلْكًَا يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَما يَشاءُ إيجادًَا وإعْدامًَا وإحْياءً وإماتَةً.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الكُلِّ وكُلِّ الأُمُورِ فَلا بُدَّ مِن أنْ يُتَوَكَّلَ عَلَيْهِ لا عَلى أحَدٍ سِواهُ.
النساء 4:133
﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ أيْ: يُفْنِكم ويَسْتَأْصِلْكم بِالمَرَّةِ.
﴿وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: ويُوجِدُ دَفْعَةً مَكانَكم قَوْمًَا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ أوْ خَلْقًَا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ، أيْ: إنْ يَشَأْ إفْناءَكم وإيجادَ آخَرِينَ يُذْهِبْكم إلَخْ يَعْنِي: أنَّ إبْقاءَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ إنَّما هو لِكَمالِ غِناهُ عَنْ طاعَتِكم ولِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ بِإفْنائِكم لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: عَلى إفْنائِكم بِالمَرَّةِ وإيجادِ آخَرِينَ دَفْعَةً مَكانَكم.
﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ وفِيهِ لا سِيَّما في تَوْسِيطِ الخِطابِ بَيْنَ الجَزاءِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن تَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمَن عادى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنَ العَرَبِ أيْ: إنْ يَشَأْ يُمِتْكم ويَأْتِ بِأُناسٍ آخَرِينَ يُوالُونَهُ فَمَعْناهُ: هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ ويُرْوى أنَّها لَمّا نَزَلَتْ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ عَلى ظَهْرِ سَلْمانَ وقالَ: "إنَّهم قَوْمُ هَذا يُرِيدُ أبْناءَ فارِسَ".
النساء 4:134
﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُرِيدُ بِجِهادِهِ الغَنِيمَةَ.
﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: فَعِنْدَهُ تَعالى ثَوابُهُما لَهُ إنْ أرادَهُ فَمالَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما فَلْيَطْلُبْهُما كَمَن يَقُولُ: رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً أوْ لِيَطْلُبْ أشْرَفَهُما فَإنَّ مَن جاهَدَ خالِصًَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى لَمْ تُخْطِئْهُ الغَنِيمَةُ ولَهُ في الآخِرَةِ ما هي في جَنْبِهِ كَلا شَيْءٍ، أيْ: فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدّارَيْنِ فَيُعْطِي كُلًَّا ما يُرِيدُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ الآيَةِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ عالِمًَا بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمُبْصَراتِ فَيَنْدَرِجُ فِيها ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأقْوالِ والأعْمالِ المُتَعَلِّقَةِ بِمُراداتِهِمُ انْدِراجًَا أوَّلِيًَّا.
النساء 4:135
(p-242)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ مُبالِغِينَ في العَدْلِ وإقامَةِ القِسْطِ في جَمِيعِ الأُمُورِ مُجْتَهِدِينَ في ذَلِكَ حَقَّ الِاجْتِهادِ.
﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ بِالحَقِّ تُقِيمُونَ شَهاداتِكم لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى وهو خَبَرٌ ثانٍ وقِيلَ حالٌ.
﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ أىْ ولَوْ كانَتِ الشَّهادَةُ عَلى أنْفُسِكم بِأنْ تُقِرُّوا عَلَيْها عَلى أنَّ الشَّهادَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإخْبارِ بِحَقِّ الغَيْرِ سَواءً كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أوْ عَلى ثالِثٍ بِأنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ مُسْتَتْبِعَةً مِن جِهَةِ المَشْهُودِ عَلَيْهِ.
﴿أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ أيْ: ولَوْ كانَ عَلى والِدَيْكم وأقارِبِكم.
﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيِ: المَشْهُودُ عَلَيْهِ.
﴿غَنِيًّا﴾ يَنْبَغِي في العادَةِ رِضاهُ ويُتَّقى سَخَطُهُ.
﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ غالِبًَا وقُرِئَ "إنْ يَكُنْ غَنِيٌّ أوْ فَقِيرٌ" عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ وجَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ عَلَيْهِ أىْ: فَلا تَمْتَنِعُوا عَنْها طَلَبًَا لِرِضا الغَنِيِّ أوْ تَرَحُّمًَا عَلى الفَقِيرِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى أوْلى بِجِنْسَيِ الغَنِيِّ والفَقِيرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِما ذَكَرَ ولَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مُصْلِحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها، وقُرِئَ "أوْلى بِهِمْ".
﴿فَلا تَتَّبِعُوُا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أيْ: مَخافَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ فَإنَّ اتِّباعَ الهَوى مِن مَظانِّ الجَوْرِ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يُخافَ ويُحْذَرَ. وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النّاسِ أوْ إرادَةَ أنْ تَعْدِلُوا عَنِ الحَقِّ.
﴿وَإنْ تَلْوُوا﴾ أيْ: ألْسِنَتَكم عَنْ شَهادَةِ الحَقِّ أوْ حُكُومَةِ العَدْلِ بِأنْ تَأْتُوا بِها لا عَلى وجْهِها، وقُرِئَ "وَإنْ تَلُوا" مِنَ الوِلايَةِ والتَّصَدِّي أيْ: وإنْ ولِيتُمْ إقامَةَ الشَّهادَةِ.
﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنْ إقامَتِها رَأْسًَا.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن لَيِّ الألْسِنَةِ والإعْراضِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ مِن جَمِيعِ الأعْمالِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرَ.
﴿خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم لا مَحالَةَ عَلى ذَلِكَ فَهو عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ وعِيدٌ مَحْضٌ وعَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ مُتَضَمِّنٌ لِلْوَعِيدِ.
النساء 4:136
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِكافَّةِ المُسْلِمِينَ فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ اثْبُتُوا عَلى الإيمانِ بِذَلِكَ وداوِمُوا عَلَيْهِ وازْدادُوا فِيهِ طُمَأْنِينَةً ويَقِينًَا أوْ آمِنُوا بِما ذُكِرَ مُفَصَّلًَا بِناءً عَلى أنَّ إيمانَ بَعْضِهِمْ إجْمالِيٌّ والمُرادُ بِالكِتابِ الثّانِي: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُتُبِهِ﴾ وبِالإيمانِ بِهِ الإيمانُ بِأنَّ كُلَّ كِتابٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ مُنَزَّلٌ مِنهُ تَعالى عَلى رَسُولٍ مُعَيَّنٍ لِإرْشادِ أُمَّتِهِ إلى ما شَرَعَ لَهم مِنَ الدِّينِ بِالأوامِرِ والنَّواهِي لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَدارَ الإيمانِ بِكُلِّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الكُتُبِ خُصُوصِيَّةُ ذَلِكَ الكِتابِ ولا عَلى أنَّ أحْكامَ تِلْكَ الكُتُبِ وشَرائِعَها باقِيَةٌ بِالكُلِّيَّةِ ولا عَلى أنَّ الباقِيَ مِنها مُعْتَبَرٌ بِالإضافَةِ إلَيْها بَلْ عَلى أنَّ الإيمان بالكُلِّ (p-243)مُنْدَرِجٌ تَحْتَ الإيمان بالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى رَسُولِهِ وأنَّ أحْكامَ كُلٍّ مِنها كانَتْ حَقَّةً ثابِتَةً إلى وُرُودِ ما نَسَخَها وأنَّ ما لَمْ يُنْسَخْ مِنها إلى الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ ثابِتَةٌ مِن حَيْثُ إنَّها مِن أحْكامِ هَذا الكِتابِ الجَلِيلِ المَصُونِ عَنِ النَّسْخِ والتَّبْدِيلِ كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ خاتِمَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وقُرِئَ "نُزِّلَ" و"أُنْزِلَ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وقِيلَ: هو خِطابٌ لِمُؤْمِنِي أهْلِ الكِتابِ لِما أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ وابْنَ أُخْتِهِ سَلامَةَ وابْنَ أخِيهِ سَلَمَةَ وأسَدًَا وأُسَيْدًَا ابْنىْ كَعْبٍ وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ ويامِينَ بْنَ يامِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نُؤْمِنُ بِكَ وبِكِتابِكَ وبِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ فَقالَ ﷺ: بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وكِتابِهِ القرآن وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ فَقالُوا: لا نَفْعَلُ فَنَزَلَتْ فَآمَنُوا كُلُّهم فَأمَرَهم بِالإيمان بالكِتابِ المُتَناوِلِ لِلتَّوْراةِ مَعَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ بِها مِن قَبْلُ لَيْسَ لِكَوْنِ المُرادِ بِالإيمانِ ما يَعُمُّ إنْشاءَهُ والثَّباتَ عَلَيْهِ ولا لِأنَّ مُتَعَلَّقَ الأمْرِ حَقِيقَةً هو الإيمانُ بِما عَداها كَأنَّهُ قِيلَ: آمِنُوا بِالكُلِّ ولا تَخُصُّوهُ بِالبَعْضِ بَلْ لِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو الإيمانُ بِها في ضِمْنِ الإيمان بالقرآن عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًَا لا إيمانُهُمُ السّابِقُ ولِأنَّ فِيهِ حَمْلًَا لَهم عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُما وبَيْنَ سائِرِ الكُتُبِ في التَّصْدِيقِ لِاشْتِراكِ الكُلِّ فِيما يُوجِبُهُ وهو النُّزُولُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: خِطابٌ لِأهْلِ الكِتابَيْنِ فالمَعْنى: آمِنُوا بِالكُلِّ لا بِبَعْضٍ دُونَ بَعْضٍ، وأمَرَ كُلَّ طائِفَةٍ بِالإيمانِ بِكِتابِهِ في ضِمْنِ الأمْرِ بِالإيمانِ بِجِنْسِ الكِتابِ لِما ذَكَرَ. وقِيلَ: هو لِلْمُنافِقِينَ فالمَعْنى: آمِنُوا بِقُلُوبِكم لا بِألْسِنَتِكم فَقَطْ.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ أىْ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.
﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ عَنِ المَقْصِدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَعُودُ إلى طَرِيقِهِ وزِيادَةُ المَلائِكَةِ واليَوْمِ الآخِرِ في جانِبِ الكُفْرِ لِما أنَّ بِالكُفْرِ بِأحَدِهِما لا يَتَحَقَّقُ الإيمانُ أصْلًَا، وجَمْعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ لِما أنَّ الكُفْرَ بِكِتابٍ أوْ بِرَسُولٍ كُفْرٌ بِالكُلِّ وتَقْدِيمُ الرَّسُولِ فِيما سَبَقَ لِذِكْرِ الكِتابِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًَا عَلَيْهِ وتَقْدِيمُ المَلائِكَةِ والكُتُبِ عَلى الرُّسُلِ لِأنَّهم وسايِطُ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيْنَ الرُّسُلِ في إنْزالِ الكُتُبِ.
النساء 4:137
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ قَتادَةُ: هُمُ اليَهُودُ آمَنُوا بِمُوسى.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ.
﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ.
﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ بِعِيسى والإنْجِيلِ.
﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ وأصَرُّوا عَلى الكُفْرِ وازْدادُوا تَمادِيًَا في الغَيِّ.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ لِما أنَّهُ يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يَتُوبُوا عَنِ الكُفْرِ ويَثْبُتُوا عَلى الإيمانِ فَإنَّ قُلُوبَهم قَدْ ضُرِبَتْ بِالكُفْرِ وتَمَرَّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ وكانَ الإيمانُ عِنْدَهم أهْوَنَ شَيْءٍ وأدْوَنَهُ لا أنَّهم لَوْ أخْلَصُوُا الإيمانَ لَمْ يُقْبَلْ مِنهم ولَمْ يُغْفَرْ لَهُمْ، وخَبَرُ كانَ مَحْذُوفٌ، أيْ: مُرِيدًَا لِيَغْفِرَ لَهم.
النساء 4:138
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَذْكُورِينَ الَّذِينَ آمَنُوا في الظّاهِرِ نِفاقًَا وكَفَرُوا في السِّرِّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًَا ونِفاقًَا، ووَضَعَ (p-244)بَشِّرْ مَوْضِعَ أنْذِرْ تَهَكُّمًَا بِهِمْ.
النساء 4:139
﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الرَّفْعِ عَلى الذَّمِّ بِمَعْنى أُرِيدَ بِهِمُ الَّذِينَ أوْ هُمُ الَّذِينَ. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَتَّخِذُونَ" أيْ: يَتَّخِذُونَ الكَفَرَةَ أنْصارًَا مُتَجاوِزِينَ وِلايَةَ المُؤْمِنِينَ وكانُوا يُوالُونَهم ويَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا يَتِمُّ أمْرُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَوَلُّوُا اليَهُودَ.
﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ إنْكارٌ لِرَأْيِهِمْ وإبْطالٌ لَهُ وبَيانٌ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ وقَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، أيْ: أيَطْلُبُونَ بِمُوالاةِ الكَفَرَةِ القُوَّةَ والغَلَبَةَ. قالَ الواحِدِيُّ: أصْلُ العِزَّةِ: الشِّدَّةُ، ومِنهُ قِيلَ: لِلْأرْضِ الشَّدِيدَةِ الصُّلْبَةِ عَزازٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ مِن بُطْلانِ رَأْيِهِمْ وخَيْبَةِ رَجائِهِمْ فَإنَّ انْحِصارَ جَمِيعِ أفْرادِ العِزَّةِ في جَنابِهِ عَزَّ وعَلا بِحَيْثُ لا يَنالُها إلّا أوْلِياؤُهُ الَّذِينَ كَتَبَ لَهُمُ العِزَّةَ والغَلَبَةَ. قالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ يَقْضِي بِبُطْلانِ التَّعَزُّزِ بِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى واسْتِحالَةِ الِانْتِفاعِ بِهِ. وقِيلَ: هو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ يَبْتَغُوا عِنْدَهم عِزَّةً فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ و"جَمِيعًَا" حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ لِاعْتِمادِهِ عَلى المُبْتَدَإ.
النساء 4:140
﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مُفِيدٌ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ تَعْدادُ جِناياتِهِمْ، وقُرِئَ مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ التَّنْزِيلِ والإنْزالِ، ونَزَلَ أيْضًَا مُخَفَّفًَا والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يَتَّخِذُونَ" أيْضًَا مُفِيدَةٌ لِكَمالِ قَباحَةِ حالِهِمْ ونِهايَةِ اسْتِعْصائِهِمْ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِبَيانِ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يَمْنَعُهم مِن ذَلِكَ وهو وُرُودُ النَّهْيِ الصَّرِيحِ عَنْ مُجالَسَتِهِمُ المُسْتَلْزِمِ لِلنَّهْيِ عَنْ مُوالاتِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ إثْرَ بَيانِ انْتِفاءِ ما يَدْعُوهم إلَيْهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: تَتَّخِذُونَهم أوْلِياءَ والحالُ أنَّهُ تَعالى قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم قَبْلَ هَذا بِمَكَّةَ.
﴿فِي الكِتابِ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمِ.
﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةُ وهَذا يَقْتَضِي الِانْزِجارَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ في تِلْكَ الحالَةِ القَبِيحَةِ فَكَيْفَ بِمُوالاتِهِمْ والِاعْتِزازِ بِهِمْ و"أنْ" هي المُخَفَّفَةُ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ خَبَرُها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُكْفَرُ بِها﴾ حالٌ مِن "آياتِ اللَّهِ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِ الحالِيَّةِ وإضافَةُ الآياتِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَشْرِيفِها وإبانَةِ خَطَرِها وتَهْوِيلِ أمْرِ الكُفْرِ بِها، أيْ: نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنَّهُ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ مَكْفُورًَا بِها ومُسْتَهْزَأً بِها، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً مُنْزَلٌ عَلى الأُمَّةِ وأنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنْهم هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ في الآياتِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ (p-245)وَأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ: إظْهارُ المُخالَفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مَجالِسِهِمْ لا الإعْراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ والضَّمِيرُ في "مَعَهُمْ" لِلْكَفَرَةِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾ .
﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ التَّنْزِيلِ و "إذَنْ" مُلْغاةٌ عَنِ العَمَلِ لِوُقُوعِها بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ، أيْ: لا تَقْعُدُوا مَعَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنَّكم إنْ فَعَلْتُمُوهُ كُنْتُمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ واسْتِتْباعِ العَذابِ، وإفْرادُ المِثْلِ لِأنَّهُ كالمَصْدَرِ أوْ لِلِاسْتِغْناءِ بِالإضافَةِ إلى الجَمْعِ وقُرِئَ شاذًَّا "مِثْلَهُمْ" بِالفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ . وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، أيْ: في مِثْلِ حالِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِهِمْ مِثْلَهم في الكُفْرِ بِبَيانِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن شِرْكَتِهِمْ لَهم في العَذابِ والمُرادُ بِالمُنافِقِينَ: إمّا المُخاطَبُونَ وقَدْ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمُ المُظْهَرِ تَسْجِيلًَا بِنِفاقِهِمْ وتَعْلِيلًَا لِلْحُكْمِ بِمَأْخَذِ الِاشْتِقاقِ، وإمّا الجِنْسُ وهم داخِلُونَ تَحْتَهُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، وتَقْدِيمُ المُنافِقِينَ عَلى الكافِرِينَ لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ عَلى المُخاطَبِينَ، ونَصْبُ "جَمِيعًَا" مِثْلُ ما قَبْلَهُ.
النساء 4:141
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى المُؤْمِنِينَ بِتَعْدِيدِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِ المُنافِقِينَ وقَبائِحِهِمْ وهو إمّا بَدَلٌ مِنَ "الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ" أوْ صِفَةٌ لِلْمُنافِقِينَ فَقَطْ؛ إذْ هُمُ المُتَرَبِّصُونَ دُونَ الكافِرِينَ أوْ مَرْفُوعٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ أيْ: يَنْتَظِرُونَ أمْرَكم وما يَحْدُثُ لَكم مِن ظَفَرٍ أوْ إخْفاقٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِهِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ حِكايَةَ تَرَبُّصِهِمْ مُسْتَتْبِعَةٌ لِحِكايَةِ ما يَقَعُ بَعْدَ ذَلِكَ كَما أنَّ نَفْسَ التَّرَبُّصِ يَسْتَدْعِي شَيْئًَا يَنْتَظِرُ المُتَرَبِّصُ وُقُوعَهُ.
﴿قالُوا﴾ أيْ: لَكم.
﴿ألَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُظاهِرِينَ لَكم فَأسْهِمُوا لَنا في الغَنِيمَةِ.
﴿وَإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ مِنَ الحَرْبِ فَإنَّها سِجالٌ.
﴿قالُوا﴾ أيْ: لِلْكَفَرَةِ.
﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: ألَمْ نَغْلِبْكم ونَتَمَكَّنْ مِن قِتالِكم وأسْرِكم فَأبْقَيْنا عَلَيْكم.
﴿وَنَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِأنْ ثَبَّطْناهم عَنْكم وخَيَّلْنا لَهم ما ضَعُفَتْ بِهِ قُلُوبُهم ومَرِضُوا في قِتالِكم وتَوانَيْنا في مُظاهَرَتِهِمْ وإلّا لَكُنْتُمْ نُهْبَةً لِلنَّوائِبِ فَهاتُوا نَصِيبًَا لَنا مِمّا أصَبْتُمْ وتَسْمِيَةُ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ فَتْحًَا وما لِلْكافِرِينَ نَصِيبًَا لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَخْسِيسِ حَظِّ الكافِرِينَ، وقُرِئَ "وَنَمْنَعَكُمْ" بِإضْمارِ أنْ.
﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ حُكْمًَا يَلِيقُ بِشَأْنِ كُلٍّ مِنكم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ وأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ أجْرى عَلى مَن تَفَوَّهَ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ حُكْمَهُ ولَمْ يَضَعِ السَّيْفَ عَلى مَن تَكَلَّمَ بِها نِفاقًَا.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ حِينَئِذٍ كَما قَدْ يَجْعَلُ ذَلِكَ في الدُّنْيا بِطَرِيقِ الِابْتِلاءِ والِاسْتِدْراجِ أوْ في الدُّنْيا عَلى أنَّ المُرادَ بِالسَّبِيلِ: الحُجَّةُ.
النساء 4:142
﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ لِبَيانِ طَرَفٍ (p-246)آخَرَ مِن قَبائِحِ أعْمالِهِمْ أيْ: يَفْعَلُونَ ما يَفْعَلُ المُخادِعُ مِن إظْهارِ الإيمانِ وإبْطانِ نَقِيضِهِ واللَّهُ فاعِلٌ بِهِمْ ما يَفْعَلُ الغالِبُ في الخِداعِ حَيْثُ تَرَكَهم في الدُّنْيا مَعْصُومِي الدِّماءِ والأمْوالِ وأعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ، وقَدْ مَرَّ التَّحْقِيقُ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وقِيلَ: يُعْطَوْنَ عَلى الصِّراطِ نُورًَا كَما يُعْطى المُؤْمِنُونَ فَيَمْضُونَ بِنُورِهِمْ ثُمَّ يُطْفَأُ نُورُهم ويَبْقى نُورُ المُؤْمِنِينَ فَيُنادُونَ: انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِن نُورِكم.
﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ مُتَثاقِلِينَ كالمُكْرَهِ عَلى الفِعْلِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الكافِ وهُما جَمْعا كَسْلانٍ.
﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ لِيَحْسَبُوهم مُؤْمِنِينَ والمُراءاةُ مُفاعَلَةٌ بِمَعْنى التَّفْعِيلِ كَنَعِمٍ وناعِمٍ أوْ لِلْمُقابَلَةِ فَإنَّ المُرائِيَ يُرِي غَيْرَهُ عَمَلَهُ وهو يُرِيهِ اسْتِحْسانَهُ، والجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُرِيدُونَ بِقِيامِهِمْ إلَيْها كُسالى؟ فَقِيلَ: يُراءُونَ إلَخْ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ "قامُوا".
﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى "يُراءُونَ" أيْ: لا يَذْكُرُونَهُ سُبْحانَهُ إلّا ذِكْرًَا قَلِيلًَا وهو ذِكْرُهم بِاللِّسانِ فَإنَّهُ بِالإضافَةِ إلى الذِّكْرِ بِالقَلْبِ قَلِيلٌ أوْ إلّا زَمانًَا قَلِيلًَا أوْ لا يُصَلُّونَ إلّا قَلِيلًَا لِأنَّهم لا يُصَلُّونَ إلّا بِمَرْأىً مِنَ النّاسِ وذَلِكَ قَلِيلٌ. وقِيلَ: لا يَذْكُرُونَهُ تَعالى في الصَّلاةِ إلّا قَلِيلًَا عِنْدَ التَّكْبِيرِ والتَّسْلِيمِ.
النساء 4:143
﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُراءُونَ" أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الإيمانِ والكُفْرِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِمَعُونَةِ المَقامِ أىْ: مُرَدَّدِينَ بَيْنَهُما مُتَحَيِّرِينَ قَدْ ذَبْذَبَهُمُ الشَّيْطانُ، وحَقِيقَةُ المُذَبْذَبِ ما يُذَبُّ ويُدْفَعُ عَنْ كِلا الجانِبَيْنِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وقُرِئَ بِكَسْرِ الذّالِ أيْ: مُذَبْذِبِينَ قُلُوبَهم أوْ رَأْيَهم أوْ دِينَهم أوْ هو بِمَعْنى مُتَذَبْذِبِينَ كَما جاءَ صَلْصَلَ بِمَعْنى نُصَلْصِلُ، وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ "مُتَذَبْذِبِينَ" وقُرِئَ "مُدَبْدَبِينَ" بِالدّالِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ وكَأنَّ المَعْنى أُخِذَ بِهِمْ تارَةً في دُبَّةٍ، أيْ: طَرِيقَةٍ وأُخْرى في أُخْرى.
﴿لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ أىْ: لا مَنسُوبِينَ إلى المُؤْمِنِينَ ولا مَنسُوبِينَ إلى الكافِرِينَ أوْ لا صائِرِينَ إلى الأوَّلِينَ ولا إلى الآخَرِينَ، فَمَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "مُذَبْذَبِينَ" أوْ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنهُ أوْ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِ لِلْهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ مُوَصِّلًَا إلى الحَقِّ والصَّوابِ فَضْلًَا عَنْ أنْ تَهْدِيَهُ إلَيْهِ والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كائِنًَا مَن كانَ.
النساء 4:144
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوُا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ نُهُوا عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ صَرِيحًَا- وإنْ كانَ في بَيانِ حالِ المُنافِقِينَ مَزْجَرَةٌ عَنْ ذَلِكَ- مُبالَغَةً في الزَّجْرِ والتَّحْذِيرِ.
﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: أتُرِيدُونَ بِذَلِكَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم حُجَّةً بَيِّنَةً عَلى أنَّكم مُنافِقُونَ، فَإنَّ مُوالاتَهم أوْضَحُ أدِلَّةِ النِّفاقِ أوْ سُلْطانًَا يُسَلِّطُ عَلَيْكم عِقابَهُ، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ إلى الإرادَةِ دُونَ مُتَعَلَّقِها بِأنْ يُقالَ: أتَجْعَلُونَ المُبالِغَةُ في إنْكارِهِ وتَهْوِيلِ أمْرِهِ بِبَيانِ أنَّهُ مِمّا لا يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ إرادَتُهُ فَضْلًَا عَنْ صُدُورِ نَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ .
النساء 4:145
(p-247)﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ وهو الطَّبَقَةُ الَّتِي في قَعْرِ جَهَنَّمَ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِأنَّهم أخْبَثُ الكَفَرَةِ حَيْثُ ضَمُّوا إلى الكُفْرِ الِاسْتِهْزاءَ بِالإسْلامِ وأهْلِهِ وخِداعَهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ ﷺ: ﴿ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ وإنْ صامَ وصَلّى وزَعَمَ أنَّهُ مُسْلِمٌ: مَن إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا ائْتُمِنَ خانَ﴾ ونَحْوُهُ فَمِن بابِ التَّشْدِيدِ والتَّهْدِيدِ والتَّغْلِيظِ مُبالَغَةً في الزَّجْرِ، وتَسْمِيَةُ طَبَقاتِها السَّبْعِ دَرَكاتٍ لِكَوْنِها مُتَدارِكَةً مُتَتابِعَةً بَعْضُها تَحْتَ بَعْضٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو لُغَةٌ كالسَّطْرِ والسَّطَرِ ويُعَضِّدُهُ أنَّ جَمْعَهُ أدْراكٌ.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾ يُخَلِّصُهم مِنهُ والخِطابُ كَما سَبَقَ.
النساء 4:146
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ أيْ: عَنِ النِّفاقِ وهو اسْتِثْناءٌ مِنَ المُنافِقِينَ بَلْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الخَبَرِ.
﴿وَأصْلَحُوا﴾ ما أفْسَدُوا مِن أحْوالِهِمْ في حالِ النِّفاقِ.
﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ أىْ: وثِقُوا بِهِ وتَمَسَّكُوا بِدِينِهِ.
﴿وَأخْلَصُوا دِينَهُمْ﴾ أىْ: جَعَلُوهُ خالِصًَا.
﴿لِلَّهِ﴾ لا يَبْتَغُونَ بِطاعَتِهِمْ إلّا وجْهَهُ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ المَنزِلَةِ وعُلُوِّ الطَّبَقَةِ.
﴿مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ أىِ: المُؤْمِنِينَ المَعْهُودِينَ الَّذِينَ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم نِفاقٌ أصْلًَا مُنْذُ آمَنُوا وإلّا فَهم أيْضًَا مُؤْمِنُونَ أىْ: مَعَهم في الدَّرَجاتِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ فَيُساهِمُونَهم فِيهِ.
النساء 4:147
﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ مَدارَ تَعْذِيبِهِمْ وُجُودًَا وعَدَمًَا إنَّما هو كُفْرُهم لا شَيْءٌ آخَرَ فَيَكُونُ مُقَرِّرًَا لِما قَبْلَهُ مِن إثابَتِهِمْ عَنْ تَوْبَتِهِمْ و"ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلنَّفْىِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أىْ: أىُّ شَيْءٍ يَفْعَلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِتَعْذِيبِكم ؟ أيَتَشَفّى بِهِ مِنَ الغَيْظِ أمْ يُدْرِكُ بِهِ الثَّأْرَ أمْ يَسْتَجْلِبُ بِهِ نَفْعًَا أمْ يَسْتَدْفِعُ بِهِ ضَرَرًَا كَما هو شَأْنُ المُلُوكِ وهو الغَنِيُّ المُتَعالِي عَنْ أمْثالِ ذَلِكَ، وإنَّما هو أمْرٌ يَقْتَضِيهِ كُفْرُكم فَإذا زالَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والشُّكْرِ انْتَفى التَّعْذِيبُ لامَحالَةَ، وتَقْدِيمُ الشُّكْرِ عَلى الإيمانِ لِما أنَّهُ طَرِيقٌ مُوصِلٌ إلَيْهِ فَإنَّ النَّظَرَ يُدْرِكُ أوَّلًَا ما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ فَيَشْكُرُ شُكْرًَا مُبْهَمًَا ثُمَّ يَتَرَقّى إلى مَعْرِفَةِ المُنْعِمِ فَيُؤْمِنُ بِهِ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا﴾ الشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ هو الرِّضا بِاليَسِيرِ مِن طاعَةِ عِبادِهِ وإضْعافِ الثَّوابِ بِمُقابَلَتِهِ.
﴿عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شُكْرُكم وإيمانُكم فَيَسْتَحِيلُ أنْ لا يُوَفِّيَكم أُجُورَكم.
النساء 4:148
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ تَعالى لِشَيْءٍ كِنايَةٌ عَنْ سَخَطِهِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ "الجَهْرَ" و "مِن" بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ "السُّوءِ" أيْ: لا يُحِبُّ اللَّهُ تَعالى أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ كائِنًَا مِنَ القَوْلِ.
﴿إلا مَن (p-248)ظُلِمَ﴾ أيْ: إلّا جَهْرُ مَن ظُلِمَ بِأنْ يَدْعُوَ عَلى ظالِمِهِ أوْ يَتَظَلَّمَ مِنهُ ويُذَكِّرَهُ بِما فِيهِ مِنَ السُّوءِ فَإنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَسْخُوطٍ عِنْدَهُ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو أنْ يُبْدَأ بِالشَّتِيمَةِ فَيَرُدَّ عَلى الشّاتِمِ ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةُ. وقِيلَ: ضافَ رَجُلًَا قَوْمٌ فَلَمْ يُطْعِمُوهُ فاشْتَكاهم فَعُوتِبَ عَلى الشِّكايَةِ فَنَزَلَتْ، وقُرِئَ "إلّا مَن ظَلَمَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ فالِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنَّ الظّالِمَ يَرْتَكِبُ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى فَيَجْهَرُ بِالسُّوءِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا﴾ لِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ فَيَنْدَرِجُ فِيها كَلامُ المَظْلُومِ والظّالِمِ.
﴿عَلِيمًا﴾ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حالُ المَظْلُومِ والظّالِمِ فالجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ.
النساء 4:149
﴿إنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ أيَّ خَيْرٍ كانَ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
﴿أوْ تُخْفُوهُ أوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾ مَعَ ما سُوِّغَ لَكم مِن مُؤاخَذَةِ المُسِيءِ، والتَّنْصِيصُ عَلَيْهِ مَعَ انْدِراجِهِ في إبْداءِ الخَيْرِ وإخْفائِهِ لِما أنَّهُ الحَقِيقُ بِالبَيانِ وإنَّما ذُكِرَ إبْداءُ الخَيْرِ وإخْفاؤُهُ بِطَرِيقِ التَّسْبِيبِ لَهُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ فَإنَّ إيرادَهُ في مَعْرِضِ جَوابِ الشَّرْطِ يَدُلُّ عَلى أنَّ العُمْدَةَ هو العَفْوُ مَعَ القُدْرَةِ أيْ: كانَ مُبالِغًَا في العَفْوِ مَعَ كَمالِ قدرته عَلى المُؤاخَذَةِ. وقالَ الحَسَنُ: يَعْفُو عَنِ الجانِينَ مَعَ قدرته عَلى الِانْتِقامِ فَعَلَيْكم أنْ تَقْتَدُوا بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الكَلْبِيُّ: هو أقْدَرُ عَلى عَفْوِ ذُنُوبِكم مِنكم عَلى عَفْوِ ذُنُوبِ مَن ظَلَمَكم. وقِيلَ: عَفْوًَا عَمَّنْ عَفا قَدِيرًَا عَلى إيصالِ الثَّوابِ إلَيْهِ.
النساء 4:150
﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: يُؤَدِّي إلَيْهِ مَذْهَبُهم ويَقْتَضِيهِ رَأْيُهم لا أنَّهم يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: بِأنْ يُؤْمِنُوا بِهِ تَعالى ويَكْفُرُوا بِهِمْ لَكِنْ لا بِأنْ يُصَرِّحُوا بِالإيمانِ بِهِ تَعالى وبِالكُفْرِ بِهِمْ قاطِبَةً بَلْ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزامِ كَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ ونَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ أيْ: نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ، كَما قالَتِ اليَهُودُ: نُؤْمِنُ بِمُوسى والتَّوْراةِ وعُزَيْرٍ ونَكْفُرُ بِما وراءَ ذَلِكَ وما ذاكَ إلّا كَفْرٌ بِاللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ وتَفْرِيقٌ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى ورُسُلِهِ في الإيمانِ، لِأنَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهم بِالإيمانِ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وما مِن نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ إلّا وقَدْ أخْبَرَ قَوْمَهُ بِحَقِّيَّةِ دِينِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ فَمَن كَفَرَ بِواحِدٍ مِنهم فَقَدْ كَفَرَ بِالكُلِّ وبِاللَّهِ تَعالى أيْضًَا مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ.
﴿وَيُرِيدُونَ﴾ بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ.
﴿أنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَيْنَ الإيمانِ والكُفْرِ.
﴿سَبِيلا﴾ يَسْلُكُونَهُ مَعَ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما قَطْعًَا إذِ الحَقُّ لا يَخْتَلِفُ وماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ.
النساء 4:151
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ القَبِيحَةِ.
﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ الكامِلُونَ في الكُفْرِ لا عِبْرَةَ بِما يَدَّعُونَهُ ويُسَمُّونَهُ إيمانًَا أصْلًَا.
﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أيْ: حُقَّ ذَلِكَ أيْ: كَوْنُهم كامِلِينَ في الكُفْرِ حَقًَّا أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِ الكافِرِينَ أيْ: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حَقًَّا أىْ: (p-249)ثابِتًَا يَقِينًَا لا رَيْبَ فِيهِ.
﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: لَهم وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَكانَ المُضْمَرِ ذَمًَّا وتَذْكِيرًَا لِوَصْفِهِمْ أوْ لِجَمِيعِ الكافِرِينَ وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ عِنْدَ حُلُولِهِ.
النساء 4:152
﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ﴾ أيْ: عَلى الوَجْهِ الَّذِي بُيِّنَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةِ.
﴿وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ بِأنْ يُؤْمِنُوا بِبَعْضِهِمْ ويَكْفُرُوا بِآخَرِينَ كَما فَعَلَهُ الكَفَرَةُ ودُخُولُ بَيْنَ عَلى أحَدٍ قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ.
﴿سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ المَوْعُودَةَ لَهُمْ، وتَصْدِيرُهُ بِـ"سَوْفَ" لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ والدِّلالَةِ عَلى أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ وإنْ تَراخى، وقُرِئَ "نُؤْتِيهِمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما فَرَطَ مِنهم.
﴿رَحِيمًا﴾ مُبالِغًَا في الرَّحْمَةِ عَلَيْهِمْ بِتَضْعِيفِ حَسَناتِهِمْ.
النساء 4:153
﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ نَزَلَتْ في أحْبارِ اليَهُودِ حِينَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنْ كُنْتَ نَبِيًَّا فَأْتِنا بِكِتابٍ مِنَ السَّماءِ جُمْلَةً كَما أتى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: كِتابًَا مُحَرَّرًَا بِخَطٍّ سَماوِيٍّ عَلى اللَّوْحِ كَما نَزَلَتِ التَّوْراةُ أوْ كِتابًَا نُعايِنُهُ حِينَ يَنْزِلُ أوْ كِتابًَا إلَيْنا بِأعْيانِنا بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وما كانَ مَقْصِدُهم بِهَذِهِ العَظِيمَةِ إلّا التَّحَكُّمَ والتَّعَنُّتَ. قالَ الحَسَنُ: ولَوْ سَألُوهُ لِكَيْ يَتَبَيَّنُوُا الحَقَّ أعْطاهم وفِيما آتاهم كِفايَةٌ.
﴿فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ أىْ: إنِ اسْتَكْبَرْتَ ما سَألُوهُ مِنكَ فَقَدْ سَألُوا مُوسى شَيْئًَا أكْبَرَ. وقِيلَ: تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ أيْ: فَلا تُبالِ بِسُؤالِهِمْ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ، وهَذِهِ المَسْألَةُ وإنْ صَدَرَتْ عَنْ أسْلافِهِمْ لَكِنَّهم لَمّا كانُوا مُقْتَدِينَ بِهِمْ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ أُسْنِدَتْ إلَيْهِمْ والمَعْنى: أنَّ لَهم في ذَلِكَ عِرْقًَا راسِخًَا وأنَّ ما اقْتَرَحُوا عَلَيْكَ لَيْسَ أوَّلَ جَهالاتِهِمْ.
﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ أيْ: أرِناهُ نَرَهُ جَهْرَةً، أيْ: عِيانًَا أوْ مُجاهِرِينَ مُعايِنِينَ لَهُ والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ.
﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ أيِ: النّارُ الَّتِي جاءَتْ مِنَ السَّماءِ فَأهْلَكَتْهُمْ، وقُرِئَ "الصَّعْقَةُ".
﴿بِظُلْمِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ وهو تَعَنُّتُهم وسُؤالُهم لِما يَسْتَحِيلُ في تِلْكَ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها وذَلِكَ لا يَقْتَضِي امْتِناعَ الرُّؤْيَةِ مُطْلَقًَا.
﴿ثُمَّ اتَّخَذُوُا العِجْلَ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ﴾ أيِ: المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرَها لِفِرْعَوْنَ مِنَ العَصا واليَدِ البَيْضاءِ وفَلْقِ البَحْرِ وغَيْرِها لا التَّوْراةُ لِأنَّها لَمْ تُنْزَلْ عَلَيْهِمْ بَعْدُ.
﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذَلِكَ﴾ ولَمْ نَسْتَأْصِلْهم وكانُوا أحِقّاءَ بِهِ. قِيلَ: هَذا اسْتِدْعاءٌ لَهم إلى التَّوْبَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ أُولَئِكَ أجْرَمُوا وتابُوا فَعَفَوْنا عَنْهم فَتُوبُوا أنْتُمْ أيْضًَا حَتّى نَعْفُوَ عَنْكم.
﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطانًا مُبِينًا﴾ سُلْطانًَا ظاهِرًَا عَلَيْهِمْ حَيْثُ أمَرَهم بِأنْ يَقْتُلُوا (p-250)أنْفُسَهم تَوْبَةً عَنْ مَعْصِيَتِهِمْ.
النساء 4:154
﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مِيثاقِهِمْ لِيُعْطُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهُمُ امْتَنَعُوا عَنْ قَبُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الطُّورَ فَقَبِلُوها أوْ لِيَخافُوا فَلا يَنْقُضُوهُ عَلى ما رُوِيَ أنَّهم هَمُّوا بِنَقْضِهِ فَرَفَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَبَلَ فَخافُوا وأقْلَعُوا عَنِ النَّقْضِ وهو الأنْسَبُ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .
﴿وَقُلْنا لَهُمُ﴾ عَلى لِسانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ والطُّورُ مُظِلٌّ عَلَيْهِمْ.
﴿ادْخُلُوُا البابَ﴾ قالَ قَتادَةُ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ. وقِيلَ: هو إيلِيا. وقِيلَ: هو أرِيحا. وقِيلَ: هو اسْمُ قَرْيَةٍ. وقِيلَ: بابُ القُبَّةِ الَّتِي كانُوا يُصَلُّونَ إلَيْها فَإنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ في حَياةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿سُجَّدًا﴾ أيْ: مُتَطامِنِينَ خاضِعِينَ.
﴿وَقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا﴾ أيْ: لا تَظْلِمُوا بِاصْطِيادِ الحِيتانِ.
﴿فِي السَّبْتِ﴾ وقُرِئَ "لا تَعَدُّوا" بِفَتْحِ العَيْنِ وتَشْدِيدِ الدّالِ عَلى أنَّ أصْلَهُ تَعْتَدُوا فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ لِتَقارُبِهِما في المَخْرَجِ بَعْدَ نَقْلِ حَرَكَتِها إلى العَيْنِ.
﴿وَأخَذْنا مِنهُمْ﴾ عَلى الِامْتِثالِ بِما كُلِّفُوهُ.
﴿مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ مُؤَكَّدًَا وهو العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ. قِيلَ: إنَّهم أعْطُوُا المِيثاقَ عَلى أنَّهم إنْ هَمُّوا بِالرُّجُوعِ عَنِ الدِّينِ فاللَّهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِأيِّ أنْواعِ العَذابِ أرادَ.
النساء 4:155
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ "ما" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ أوْ نَكِرَةٌ تامَّةٌ و"نَقْضِهِمْ" بَدَلٌ مِنها والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَبِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم ذَلِكَ فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا مِنَ اللَّعْنِ والمَسْخِ وغَيْرِهِما مِنَ العُقُوباتِ النّازِلَةِ عَلَيْهِمْ أوْ عَلى أعْقابِهِمْ. رُوِيَ أنَّهُمُ اعْتَدُوا في السَّبْتِ في عَهْدِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلُعِنُوا ومُسِخُوا قِرَدَةً. وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"حَرَّمْنا" عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ مُعَلَّلًَا بِالكُلِّ، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ وقَوْلَهم عَلى مَرْيَمَ البُهْتانَ مُتَأخِّرٌ عَنِ التَّحْرِيمِ ولا مَساغَ لِتَعَلُّقِها بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ لِأنَّهُ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: قُلُوبُنا غُلْفٌ فَيَكُونُ مِن صِلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ﴾ المَعْطُوفِ عَلى المَجْرُورِ فَلا يَعْمَلُ في جارِهِ.
﴿وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالقرآن أوْ بِما في كِتابِهِمْ.
﴿وَقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ.
﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ جَمْعُ أغْلَفَ أيْ: هي مُغَشّاةٌ بِأغْشِيَةٍ جِبِلِّيَّةٍ لا يَكادُ يَصِلُ إلَيْها ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، أوْ هو تَخْفِيفُ غُلُفٍ جَمْعِ غِلافٍ أيْ: هي أوْعِيَةٌ لِلْعُلُومِ فَنَحْنُ مُسْتَغْنُونَ بِما عِنْدَنا عَنْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يَعْنُونَ أنَّ قُلُوبَنا بِحَيْثُ لا يَصِلُ إلَيْها حَدِيثٌ إلّا وعَتْهُ ولَوْ كانَ في حَدِيثِكَ خَيْرٌ لَوَعَتْهُ أيْضًَا.
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ كَلامٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ جِيءَ بِهِ عَلى وجْهِ الِاسْتِطْرادِ مُسارَعَةً إلى رَدِّ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ أيْ: لَيْسَ كُفْرُهم وعَدَمُ وُصُولِ الحَقِّ إلى قُلُوبِهِمْ لِكَوْنِها غُلْفًَا بِحَسَبِ الجِبِلَّةِ بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ حَيْثُ خَتَمَ اللَّهُ عَلَيْها بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ أوْ لَيْسَتْ قُلُوبُهم كَما زَعَمُوا بَلْ هي مَطْبُوعٌ عَلَيْها (p-251)بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾ مِنهم كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ أوْ إلّا إيمانًَا قَلِيلًَا لا يُعْبَأُ بِهِ.
النساء 4:156
﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وهو عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِمْ، وإعادَةُ الجارِّ لِطُولِ ما بَيْنَهُما بِالِاسْتِطْرادِ وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُهُ عَلى "بِكُفْرِهِمْ" فَيَكُونُ هو وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن أسْبابِ الطَّبْعِ. وقِيلَ: هَذا المَجْمُوعُ مَعْطُوفٌ عَلى مَجْمُوعِ ما قَبْلَهُ وتَكْرِيرُ ذِكْرِ الكُفْرِ لِلْإيذانِ بِتَكَرُّرِ كُفْرِهِمْ حَيْثُ كَفَرُوا بِمُوسى ثُمَّ بِعِيسى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ حَيْثُ نَسَبُوها إلى ما هي عَنْهُ بِألْفِ مَنزِلٍ.
النساء 4:157
﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ نَظْمُ قَوْلِهِمْ هَذا في سِلْكِ سائِرِ جِناياتِهِمُ الَّتِي نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ كَذِبًَا بَلْ لِتَضَمُّنِهِ لِابْتِهاجِهِمْ بِقَتْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ والِاسْتِهْزاءِ بِهِ، فَإنَّ وصْفَهم لَهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ إنَّما هو بِطَرِيقِ التَّهَكُّمِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ إلَخْ ولِإنْبائِهِ عَنْ ذِكْرِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ القَبِيحِ عَلى ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ وضْعٌ لِلذِّكْرِ الجَمِيلِ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَكانَ ذِكْرِهِمُ القَبِيحِ. وقِيلَ: نَعْتٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جِهَتِهِ تَعالى مَدْحًَا لَهُ ورَفْعًَا لِمَحَلِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وإظْهارًَا لِغايَةِ جَراءَتِهِمْ في تَصَدِّيهِمْ لِقَتْلِهِ ونِهايَةِ وقاحَتِهِمْ في افْتِخارِهِمْ بِذَلِكَ.
﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ حالٌ واعْتِراضٌ.
﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ رُوِيَ أنَّ رَهْطًَا مِنَ اليَهُودِ سَبُّوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّهُ فَدَعا عَلَيْهِمْ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ تَعالى قِرَدَةً وخَنازِيرَ فَأجْمَعَتِ اليَهُودُ عَلى قَتْلِهِ فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إلى السَّماءِ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يَرْضى بِأنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلَ فَيُصْلَبَ ويَدْخُلَ الجَنَّةَ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهُمْ: أنا فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَقُتِلَ وصُلِبَ. وقِيلَ: كانَ رَجُلٌ يُنافِقُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلَمّا أرادُوا قَتْلَهُ قالَ: أنا أدُلُّكم عَلَيْهِ فَدَخَلَ بَيْتَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَرُفِعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى المُنافِقِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: إنَّ طَيْطانُوسَ اليَهُودِيَّ دَخَلَ بَيْتًَا كانَ هو فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ فَألْقى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ شَبَهَهُ فَلَمّا خَرَجَ ظُنَّ أنَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَأُخِذَ وقُتِلَ، وأمْثالُ هَذِهِ الخَوارِقِ لا تُسْتَبْعَدُ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ. وقِيلَ: إنَّ اليَهُودَ لَمّا هَمُّوا بِقَتْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَرَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى السَّماءِ خافَ رُؤَساءُ اليَهُودِ مِن وُقُوعِ الفِتْنَةِ بَيْنَ عَوامِّهِمْ فَأخَذُوا إنْسانًَا فَقَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ ولَبَّسُوا عَلى النّاسِ وأظْهَرُوا لَهم أنَّهُ هو المَسِيحُ وما كانُوا يَعْرِفُونَهُ إلّا بِالِاسْمِ لِعَدَمِ مُخالَطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم إلّا قَلِيلًَا و"شُبِّهَ" مُسْنَدًَا إلى الجارِّ والمَجْرُورِ كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ وقَعَ لَهُمُ التَّشْبِيهُ بَيْنَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ والمَقْتُولِ أوْ في الأمْرِ عَلى قَوْلِ مَن قالَ لَمْ يُقْتَلْ أحَدٌ ولَكِنْ أُرْجِفَ بِقَتْلِهِ فَشاعَ بَيْنَ النّاسِ أوْ إلى ضَمِيرِ المَقْتُولِ لِدِلالَةِ "إنّا قَتَلْنا" عَلى أنَّ ثَمَّ مَقْتُولًَا.
﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: في شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ اخْتَلَفَ النّاسُ فَقالَ بَعْضُ اليَهُودِ: إنَّهُ كانَ كاذِبًَا فَقَتَلْناهُ حَتْمًَا وتَرَدَّدَ آخَرُونَ فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنْ كانَ هَذا عِيسى (p-252)فَأيْنَ صاحِبُنا؟ وقالَ بَعْضُهُمُ: الوَجْهُ وجْهُ عِيسى والبَدَنُ بَدَنُ صاحِبِنا وقالَ مَن سَمِعَ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُنِي إلى السَّماءِ: إنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ وقالَ قَوْمٌ: صُلِبَ النّاسُوتُ وصَعِدَ اللّاهُوتُ.
﴿لَفِي شَكٍّ مِنهُ﴾ لَفي تَرَدُّدٍ والشَّكُّ: كَما يُطْلَقُ عَلى ما لَمْ يَتَرَجَّحْ أحَدُ طَرَفَيْهِ يُطْلَقُ عَلى مُطْلَقِ التَّرَدُّدِ وعَلى ما يُقابِلُ العِلْمَ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، ويَجُوزُ أنْ يُفَسَّرَ الشَّكُّ بِالجَهْلِ والعِلْمُ بِالِاعْتِقادِ الَّذِي تَسْكُنُ إلَيْهِ النَّفْسُ جَزْمًَا كانَ أوْ غَيْرَهُ فالِاسْتِثْناءُ حِينَئِذٍ مُتَّصِلٌ.
﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أيْ: قَتْلًَا يَقِينًَا كَما زَعَمُوا بِقَوْلِهِمْ: إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: وما عَلِمُوهُ يَقِينًَا كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ كَذاكَ تُخْبِرُ عَنْها العالِماتُ بِها ∗∗∗ وقَدْ قَتَلْتُ بِعِلْمِي ذَلِكم يَقَنا
مِن قَوْلِهِمْ: قَتَلْتُ الشَّيْءَ عِلْمًَا ونَحَرْتُهُ عِلْمًَا إذا تَبالَغَ عِلْمُكَ فِيهِ، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِإشْعارِهِ بِعِلْمِهِمْ في الجُمْلَةِ وقَدْ نُفِيَ ذَلِكَ عَنْهم بِالكُلِّيَّةِ.
النساء 4:158
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ رَدٌّ وإنْكارٌ لِقَتْلِهِ وإثْباتُ الرَّفْعَةِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ فِيما يُرِيدُهُ.
﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ فَيَدْخُلُ فِيها تَدْبِيراتُهُ تَعالى في أمْرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
النساء 4:159
﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ أيْ: مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ وقَعَتْ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ إلَيْهِ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ الثّانِي والأوَّلُ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أيْ: وما مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَبْلَ أنْ تَزْهَقَ رُوحُهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ولاتَ حِينَ إيمانٍ لِانْقِطاعِ وقْتِ التَّكْلِيفِ، ويُعَضِّدُهُ بِأنَّهُ قُرِئَ "لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ" بِضَمِّ النُّونِ لِما أنَّ أحَدًَا في مَعْنى الجَمْعِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ فَسَّرَهُ كَذَلِكَ فَقالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: فَإنْ أتاهُ رَجُلٌ فَضَرَبَ عُنُقَهُ قالَ: لا تَخْرُجُ نَفْسُهُ حَتّى يُحَرِّكَ بِها شَفَتَيْهِ قالَ: فَإنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ أوِ احْتَرَقَ أوْ أكَلَهُ سَبُعٌ؟! قالَ: يَتَكَلَّمُ بِها في الهَواءِ ولا تَخْرُجُ رُوحُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِهِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ قالَ لِيَ الحَجّاجُ: آيَةٌ ما قَرَأْتُها إلّا تَخالَجَ في نَفْسِي شَيْءٌ مِنها - يَعْنِي هَذِهِ الآيَةَ- وقالَ: إنِّي أُوتى بِالأسِيرِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى فَأضْرِبُ عُنُقَهُ فَلا أسْمَعُ مِنهُ ذَلِكَ فَقُلْتُ: إنَّ اليَهُودِيَّ إذا حَضَرَهُ المَوْتُ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ دُبُرَهُ ووَجْهَهُ وقالُوا: يا عَدُوَّ اللَّهِ أتاكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًَّا فَكَذَّبْتَ بِهِ فَيَقُولُ: آمَنتُ أنَّهُ عَبْدٌ نَبِيٌّ وتَقُولُ لِلنَّصْرانِيِّ: أتاكَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيًَّا فَزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ وابْنُ اللَّهِ فَيُؤْمِنُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ قالَ: وكانَ مُتَّكِئًَا فاسْتَوى جالِسًَا فَنَظَرَ إلَيَّ وقالَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذا؟ قُلْتُ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحَنَفِيَّةِ فَأخَذَ يَنْكُثُ الأرْضَ بِقَضِيبِهِ ثُمَّ قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن عَيْنٍ صافِيَةٍ، والإخْبارُ بِحالِهِمْ هَذِهِ وعِيدٌ لَهم وتَحْرِيضٌ عَلى المُسارَعَةِ إلى الإيمانِ بِهِ قَبْلَ أنْ يُضْطَرُّوا إلَيْهِ مَعَ انْتِفاءِ جَدْواهُ. وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِعِيسى والمَعْنى: وما مِن أهْلِ الكِتابِ المَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أحَدٌ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ في آخِرِ الزَّمانِ فَلا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا يُؤْمِنُ بِهِ حَتّى تَكُونَ المِلَّةُ واحِدَةً وهي مِلَّةُ الإسْلامِ ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ الدَّجّالَ وتَقَعُ الأمَنَةُ (p-253)حَتّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإبِلِ والنُّمُورُ مَعَ البَقَرِ والذِّئابُ مَعَ الغَنَمِ ويَلْعَبَ الصِّبْيانُ بِالحَيّاتِ ويَلْبَثُ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ويَدْفِنُونَهُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ الأوَّلُ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: إلى مُحَمَّدٍ ﷺ.
﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ﴾ أيْ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أهْلِ الكِتابِ.
﴿شَهِيدًا﴾ فَيَشْهَدُ عَلى اليَهُودِ بِالتَّكْذِيبِ وعَلى النَّصارى بِأنَّهم دَعَوْهُ ابْنَ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًَّا كَبِيرًَا.
النساء 4:160
﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ لَعَلَّ ذِكْرَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ عِظَمِ ظُلْمِهِمْ بِتَذْكِيرِ وُقُوعِهِ بَعْدَ أنْ هادُوا أيْ: تابُوا مِن عِبادَةِ العِجْلِ مِثْلَ تِلْكَ التَّوْبَةِ الهائِلَةِ المَشْرُوطَةِ بِبَخْعِ النُّفُوسِ إثْرَ بَيانِ عِظَمِهِ في حَدِّ ذاتِهِ بِالتَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ عَظِيمٍ خارِجٍ عَنْ حُدُودِ الأشْباهِ والأشْكالِ الصّادِرِ عَنْهم.
﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ ولِمَن قَبْلَهم لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ كَما زَعَمُوا فَإنَّهم كانُوا كُلَّما ارْتَكَبُوا مَعْصِيَةً مِنَ المَعاصِي الَّتِي اقْتَرَفُوها يُحَرَّمُ عَلَيْهِمْ نَوْعٌ مِنَ الطَّيِّباتِ الَّتِي كانَتْ مُحَلَّلَةً لَهم ولِمَن تَقَدَّمَهم مِن أسْلافِهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، وكانُوا مَعَ ذَلِكَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ ويَقُولُونَ: لَسْنا بِأوَّلِ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ وإنَّما كانَتْ عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في مَواقِعَ كَثِيرَةٍ وبَكَّتَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ: في ادِّعائِكم أنَّهُ تَحْرِيمٌ قَدِيمٌ. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كَلَّفَهم إخْراجَ التَّوْراةِ لَمْ يَجْسُرْ أحَدٌ عَلى إخْراجِها لِما أنَّ كَوْنَ التَّحْرِيمِ بِظُلْمِهِمْ كانَ مَسْطُورًَا فِيها فَبُهِتُوا وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ.
﴿وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ أيْ: ناسًَا كَثِيرًَا أوْ صَدًَّا كَثِيرًَا.
النساء 4:161
﴿وَأخْذِهِمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ فَإنَّ الرِّبا كانَ مُحَرَّمًَا عَلَيْهِمْ كَما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْنا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلى حُرْمَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ.﴿وَأكْلِهِمْ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ﴾ بِالرِّشْوَةِ وسائِرِ الوُجُوهِ المُحَرَّمَةِ.
﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهُمْ﴾ أيْ: لِلْمُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ لا لِمَن تابَ وآمَنَ مِن بَيْنِهِمْ.
﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ سَيَذُوقُونَهُ في الآخِرَةِ كَما ذاقُوا في الدُّنْيا عُقُوبَةَ التَّحْرِيمِ.
النساء 4:162
﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا﴾ إلَخْ وبَيانٌ لِكَوْنِ بَعْضِهِمْ عَلى خِلافِ حالِهِمْ عاجِلًَا أوْ آجِلًَا أيْ: لَكِنِ الثّابِتُونَ في العِلْمِ مِنهُمُ المُتْقِنُونَ المُسْتَبْصِرُونَ فِيهِ غَيْرُ التّابِعِينَ لِلظَّنِّ كَأُولَئِكَ الجَهَلَةِ، والمُرادُ بِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ.
﴿والمُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: مِنهم، وُصِفُوا بِالإيمانِ بَعْدَ ما وُصِفُوا بِما يُوجِبُهُ مِنَ الرُّسُوخِ في العِلْمِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ تَنْزِيلًَا لِلِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ "المُؤْمِنُونَ" مُبَيِّنَةٌ لِكَيْفِيَّةِ إيمانِهِمْ. وقِيلَ: اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ قِيلَ: نُصِبَ بِإضْمارِ (p-254)فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: وأعْنِي المُقِيمِينَ الصَّلاةَ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَإ والخَبَرِ. وقِيلَ: هو عَطْفٌ عَلى "ما أُنْزِلَ إلَيْكَ" عَلى أنَّ المُرادَ بِهِمُ: الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، أيْ: يُؤْمِنُونَ بِالكُتُبِ وبِالأنْبِياءِ أوِ المَلائِكَةِ. قالَمَكِّيُّ: أيْ: ويُؤْمِنُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ صِفَتُهم إقامَةُ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى الكافِ في "إلَيْكَ" أيْ: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى "المُؤْمِنُونَ" بِناءً عَلى ما مَرَّ مِن تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ في مَنزِلَةِ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ وكَذا الحالُ فِيما سَيَأْتِي مِنَ المَعْطُوفَيْنِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ عَطْفٌ عَلى "المُؤْمِنُونَ" مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ ذاتًَا وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِالكُلِّ مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قَدْ وُصِفُوا أوَّلًَا بِكَوْنِهِمْ راسِخِينَ في عِلْمِ الكِتابِ إيذانًَا بِأنَّ ذَلِكَ مُوجِبٌ لِلْإيمانِ حَتْمًَا وأنَّ مَن عَداهم إنَّما بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ لِعَدَمِ رُسُوخِهِمْ فِيهِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ عامِلِينَ بِما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ واكْتُفِيَ مِن بَيْنِها بِذِكْرِ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِسائِرِ العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ ثُمَّ بِكَوْنِهِمْ مُؤْمِنِينَ بِالمَبْدَإ والمَعادِ تَحْقِيقًَا لِحِيازَتِهِمُ الإيمانَ بِقُطْرَيْهِ وإحاطَتِهِمْ بِهِ مِن طَرَفَيْهِ وتَعْرِيضًَا بِأنَّ مَن عَداهم مِن أهْلِ الكِتابِ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِنهُما حَقِيقَةً فَإنَّهم بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مُشْرِكُونَ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وبِقَوْلِهِمْ: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًَا مَعْدُودَةً كافِرُونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما عُدِّدَ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا﴾ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ الَّذِي هو الرّاسِخُونَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، والسِّينُ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَنْكِيرُ الأجْرِ لِلتَّفْخِيمِ وهَذا أنْسَبُ بِتَجاوُبِ طَرَفَيِ الاسْتِدْراكِ حَيْثُ أُوعِدَ الأوَّلُونَ بِالعَذابِ الألِيمِ ووُعِدَ الآخَرُونَ بِالأجْرِ العَظِيمِ كَأنَّهُ قِيلَ: إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ " لَكِنِ المُؤْمِنُونَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخَرِ سَنُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا " وأمّا ما جَنَحَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ مِن جَعْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ إلَخْ خَبَرًَا لِلْمُبْتَدَإ فَفي كَمالِ السَّدادِ خَلا أنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِتَقابُلِ الطَّرَفَيْنِ، وقُرِئَ "سَيُؤْتِيهِمْ" بِالياءِ مُراعاةً لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
//////////////////////////////
النساء 4:163
﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ جَوابٌ لِأهْلِ الكِتابِ عَنْ سُؤالِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًَا مِنَ السَّماءِ، واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لَيْسَ بِدْعًَا مِنَ الرُّسُلِ وإنَّما شَأْنُهُ في حَقِيقَةِ الإرْسالِ وأصْلِ الوَحْيِ كَشَأْنِ سائِرِ مَشاهِيرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ لا رَيْبَ لِأحَدٍ في نُبُوَّتِهِمْ والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إيحاءً مِثْلَ إيحائِنا إلى نُوحٍ أوْ عَلى أنَّهُ (p-255)حالٌ مِن ذَلِكَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ مُعَرَّفًَا كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ أيْ: أوْحَيْنا الإيحاءَ حالَ كَوْنِهِ مُشْبِهًَا بِإيحائِنا إلَخْ و "مِن بَعْدِهِ" مُتَعَلِّقٌ بِ "أوْحَيْنا"، وإنَّما بُدِئَ بِذِكْرِ نُوحٍ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ وأوَّلُ نَبِيٍّ شَرَعَ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِهِ الشَّرائِعَ والأحْكامَ وأوَّلُ نَبِيٍّ عُذِّبَتْ أُمَّتُهُ لِرَدِّهِمْ دَعْوَتَهُ وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ بِدُعائِهِ أهْلَ الأرْضِ.
﴿وَأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ عَطْفٌ عَلى أوْحَيْنا إلى نُوحٍ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ، أيْ: وكَما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ﴿وَإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ وهم أوْلادُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
﴿وَعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ ﴾ خُصُّوا بِالذِّكْرِ مَعَ ظُهُورِ انْتِظامِهِمْ في سِلْكِ النَّبِيِّينَ تَشْرِيفًَا لَهم وإظْهارًَا لِفَضْلِهِمْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ وتَصْرِيحًَا بِمَن يَنْتَمِي إلَيْهِمُ اليَهُودُ مِنَ الأنْبِياءِ وتَكْرِيرُ الفِعْلِ لِمَزِيدِ تَقْرِيرِ الإيحاءِ والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم طائِفَةٌ خاصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الوَحْيِ.
﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: كانَ فِيهِ مِائَةٌ وخَمْسُونَ سُورَةً لَيْسَ فِيها حُكْمٌ مِنَ الأحْكامِ إنَّما هي حِكَمٌ ومَواعِظُ وتَحْمِيدٌ وتَمْجِيدٌ وثَناءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ بِضَمِّ الزّاىِ وهو جَمْعُ زِبْرٍ بِمَعْنى مَزْبُورٍ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى "أوْحَيْنا" داخِلٌ في حُكْمِهِ، لِأنَّ إيتاءَ الزَّبُورِ مِن بابِ الإيحاءِ أيْ: وكَما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًَا، وإيثارُهُ عَلى "وَأوْحَيْنا إلى داوُدَ" لِتَحْقِيقِ المُماثَلَةِ في أمْرٍ خاصٍّ هو إيتاءُ الكِتابِ بَعْدَ تَحْقِيقِها في مُطْلَقِ الإيحاءِ، ثُمَّ أُشِيرَ إلى تَحْقِيقِها في أمْرٍ لازِمٍ لَهُما لُزُومًَا كُلِّيًَّا وهو الإرْسالُ.
النساء 4:164
فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَرُسُلا﴾ نُصِبَ بِمُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ "أوْحَيْنا" مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ داخِلٍ مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ كَما قَبْلَهُ أيْ: وكَما أرْسَلْنا رُسُلًَا، لا بِما يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾ أيْ: وقَصَصْنا رُسُلًَا كَما قالُوا وفَرَّعُوا عَلَيْهِ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ قَصَصْناهُمْ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"رُسُلًَا" وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ فَإنَّهُ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ "رُسُلٌ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"قَصَصْنا" أيْ: قَصَصْنا مِن قَبْلِ هَذِهِ السُّورَةِ أوِ اليَوْمِ.
﴿وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ عَطْفٌ عَلى "رُسُلًَا" مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ. وقِيلَ: كِلاهُما مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ والتَّقْدِيرُ: كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ وإلى الرُّسُلِ إلَخْ، والحَقُّ أنْ يَكُونَ انْتِصابُهُما بِـ"أرْسَلْنا" فَإنَّ فِيهِ تَحْقِيقًَا لِلْمُماثَلَةِ بَيْنَ شَأْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ شُؤُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ في مُطْلَقِ الإيحاءِ ثُمَّ في إيتاءِ الكِتابِ ثُمَّ في الإرْسالِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مُنْتَظِمٌ بِمَعْنى آتَيْناكَ وأرْسَلْناكَ حَتْمًَا كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ وآتَيْناكَ وأرْسَلْناكَ حَتْمًَا كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ إيحاءً مِثْلَ ما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ ومِثْلَ ما أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُ وآتَيْناكَ الفُرْقانَ إيتاءً مِثْلَ ما آتَيْنا داوُدَ زَبُورًَا وأرْسَلْناكَ إرْسالًَا مِثْلَ ما أرْسَلْنا رُسُلًَا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًَا آخَرِينَ لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ بَيْنَكَ وبَيْنَهم في حَقِيقَةِ الإيحاءِ وأصْلِ الإرْسالِ، فَما لِلْكَفَرَةِ يَسْألُونَكَ شَيْئًَا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِن هَؤُلاءِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ومِن هَهُنا اتَّضَحَ أنَّ "رُسُلًَا" لا يُمْكِنُ نَصْبُهُ بِـ"قَصَصْنا" فَإنَّ ناصِبَهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًَا عَلى "أوْحَيْنا" داخِلًَا مَعَهُ في حُكْمِ التَّشْبِيهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ الِاحْتِجاجِ عَلى الكَفَرَةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ "قَصَصْنا" لا تَعَلُّقَ لَهُ بِشَيْءٍ مِنَ الإيحاءِ والإيتاءِ حَتّى يُمْكِنَ اعْتِبارُهُ في ضِمْنِ (p-256)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ ثُمَّ يُعْتَبَرَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَذْكُورِ مُماثَلَةٌ مُصَحِّحَةٌ لِلتَّشْبِيهِ عَلى أنَّ تَقْدِيرَهُ في "رُسُلًَا" الأوَّلِ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ نَفْيِهِ في الثّانِي وذَلِكَ أشَدُّ اسْتِحالَةً وأظْهَرُ بُطْلانًَا.
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى﴾ بِرَفْعِ الجَلالَةِ ونَصْبِ "مُوسى" وقُرِئَ عَلى القَلْبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكْلِيمًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ رافِعٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُسَمِّي ما وصَلَ إلى الإنْسانِ كَلامًَا بِأيِّ طَرِيقٍ وصَلَ ما لَمْ يُؤَكَّدْ بِالمَصْدَرِ فَإذا أُكِّدَ بِهِ لَمْ يَكُنْ إلّا حَقِيقَةَ الكَلامِ، والجُمْلَةُ إمّا مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ لا عَلى "آتَيْنا" وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وإمّا حالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ والمَعْنى: أنَّ التَّكْلِيمَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ مُنْتَهى مَراتِبِ الوَحْيِ خُصَّ بِهِ مُوسى مِن بَيْنِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قادِحًَا في نُبُوَّةِ سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ نُزُولِ التَّوْراةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ جُمْلَةً قادِحًَا في صِحَّةِ نُبُوَّةِ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ مُفَصَّلًَا مَعَ ظُهُورِ أنَّ نُزُولَها كَذَلِكَ لِحِكَمٍ مُقْتَضِيَةٍ لِذَلِكَ مِن جُمْلَتِها أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا في العِنادِ وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُها كَذَلِكِ لَما آمَنُوا بِها ومَعَ ذَلِكَ ما آمَنُوا بِها إلّا بَعْدَ اللِّئْيا والَّتِي وقَدْ فَضَّلَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّنا مُحَمَّدًَا ﷺ بِأنْ أعْطاهُ مِثْلَ ما أعْطى كُلَّ واحِدٍ مِنهم ﷺ تَسْلِيمًَا كَثِيرًَا.
النساء 4:165
﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ نُصِبَ عَلى المَدْحِ أوْ بِإضْمارِ "أرْسَلْنا" أوْ عَلى الحالِ بِأنْ يَكُونَ "رُسُلًَا" مُوَطِّئًَا لِما بَعْدَهُ أوْ عَلى البِدايَةِ مِن "رُسُلًَا" الأوَّلِ، أيْ: مُبَشِّرِينَ لِأهْلِ الطّاعَةِ بِالجَنَّةِ ومُنْذِرِينَ لِلْعُصاةِ بِالنّارِ.
﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ أيْ: مَعْذِرَةٌ يَعْتَذِرُونَ بِها قائِلِينَ: لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًَا فَيُبَيِّنَ لَنا شَرائِعَكَ ويُعَلِّمَنا ما لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ مِن أحْكامِكَ لِقُصُورِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ عَنْ إدْراكِ جُزْئِيّاتِ المَصالِحِ وعَجْزِ أكْثَرِ النّاسِ عَنْ إدْراكِ كُلِّيّاتِها كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ ...الآيَةِ، وإنَّما سُمِّيَتْ حُجَّةً مَعَ اسْتِحالَةِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ حُجَّةٌ في فِعْلٍ مِن أفْعالِهِ بَلْ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المَعْذِرَةَ في القَبُولِ عِنْدَهُ تَعالى بِمُقْتَضى كَرَمِهِ ورَحْمَتِهِ لِعِبادِهِ بِمَنزِلَةِ الحُجَّةِ القاطِعَةِ الَّتِي لا مَرَدَّ لَها، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: « "ما أحَدٌ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ وما أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وما أحَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولِذَلِكَ أرْسَلَ الرُّسُلَ وأنْزَلَ الكُتُبَ".» فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أرْسَلْنا". وقِيلَ: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾ و"حُجَّةٌ" اسْمُ كانَ و"لِلنّاسِ" خَبَرُها و"عَلى اللَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِن "حُجَّةٌ" أىْ: كائِنَةً عَلى اللَّهِ، أوْ هو الخَبَرُ و"لِلنّاسِ" حالٌ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ كُلٌّ مِنهُما بِما تَعَلَّقَ بِهِ الآخَرِ الَّذِي هو الخَبَرُ ولا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِ "حُجَّةٌ" لِأنَّ مَعْمُولَ المَصْدَرِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ أيْ: بَعْدَ إرْسالِهِمْ وتَبْلِيغِ الشَّرائِعِ إلى الأُمَمِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِـ"حُجَّةٌ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها لِأنَّ الظُّرُوفَ يُوصَفُ بِها الأحْداثُ كَما يُخْبَرُ بِها عَنْها نَحْوُ: القِتالُ يَوْمُ الجُمُعَةِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ لا يُغالَبُ في أمْرٍ مِن أُمُورِهِ ومِن قَضِيَّتِهِ الِامْتِناعُ عَنِ الإجابَةِ إلى مَسْألَةِ المُتَعَنِّتِينَ.
﴿حَكِيمًا﴾ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إرْسالُ الرُّسُلِ وإنْزالُ الكُتُبِ فَإنَّ تَعَدُّدَ الرُّسُلِ والكُتُبِ واخْتِلافَها في كَيْفِيَّةِ النُّزُولِ وتَغايُرَها (p-257)فِي بَعْضِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ إنَّما لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ الأُمَمِ في الأحْوالِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ فَكَما أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بَرَّأهم عَلى أنْحاءٍ شَتّى وأطْوارٍ مُتَبايِنَةٍ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ كَذَلِكَ تَعَبَّدَهم بِما يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ وتَقْتَضِيهِ أحْوالُهُمُ المُتَخالِفَةُ واسْتِعْداداتُهُمُ المُتَغايِرَةُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ حَسْبَما تَسْتَدْعِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ وراعى في إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَلِّقَةِ بِمَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ ما فِيهِ مَصْلَحَتُهُمْ، فَسُؤالُ تَنْزِيلِ الكِتابِ جُمْلَةً اقْتِراحٌ فاسِدٌ إذْ حِينَئِذٍ تَتَعاقَمُ التَّكالِيفُ فَيَثْقُلُ عَلى المُكَلَّفِ قَبُولُها والخُرُوجُ عَنْ عُهْدَتِها، وأمّا التَّنْزِيلُ المُنَجَّمُ الواقِعُ حَسَبَ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ فَهو أيْسَرُ قَبُولًَا وأسْهَلُ امْتِثالًَا.
النساء 4:166
﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ ورَفْعِ الجَلالَةِ وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ ونَصْبِ الجَلالَةِ وهو اسْتِدْراكٌ عَمّا يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهم لَمّا تَعَنَّتُوا عَلَيْهِ بِما سَبَقَ مِنَ السُّؤالِ واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا﴾ إلَخْ قِيلَ: إنَّهم لا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ.
﴿بِما أنْزَلَ إلَيْكَ﴾ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ والباءُ صِلَةٌ لِلشَّهادَةِ أيْ: يَشْهَدُ بِحَقِّيَّةِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القرآن المُعْجِزِ النّاطِقِ بِنُبُوَّتِكَ. وقِيلَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالُوا ما نَشْهَدُ لَكَ بِهَذا فَنَزَلَ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ .
﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًَا بِعِلْمِهِ الخاصِّ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وهو تَأْلِيفُهُ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ يَعْجَزُ عَنْهُ كُلُّ بَلِيغٍ أوْ بِعِلْمِهِ بِحالِ مَن أنْزَلَهُ عَلَيْهِ واسْتِعْدادِهِ لِاقْتِباسِ الأنْوارِ القُدُسِيَّةِ أوْ بِعِلْمِهِ الَّذِي يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ في مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ، فالجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلَيْنِ حالٌ مِنَ الفاعِلِ وعَلى الثّالِثِ مِنَ المَفْعُولِ والجُمْلَةُ في مَوْقِعِ التَّفْسِيرِ لِما قَبْلَها، وقُرِئَ "نَزَّلَهُ". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ أيْ: بِذَلِكَ، مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ "أنْزَلَهُ" أيْ: أنْزَلَهُ والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِهِ وحَقِّيَّتِهِ.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِكَ حَيْثُ نَصَبَ لَها مُعْجِزاتٍ باهِرَةً وحُجَجًَا ظاهِرَةً مُغْنِيَةً عَنِ الاسْتِشْهادِ بِغَيْرِها.
النساء 4:167
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وشَهِدَ بِهِ أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وهو داخِلٌ فِيهِ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا، والمُرادُ بِهِمُ اليَهُودُ حَيْثُ كَفَرُوا بِهِ.
﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهو دِينُ الإسْلامِ مَن أرادَ سُلُوكَهُ بِقَوْلِهِمْ: ما نَعْرِفُ صِفَةَ مُحَمَّدٍ في كِتابِنا، وقُرِئَ "صُدُّوا" مَبْنِيًَّا لِلْمَفْعُولِ.
﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ بِما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.
﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ لِأنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، ولِأنَّ المُضِلَّ يَكُونُ أعْرَقَ في الضَّلالِ وأبْعَدَ مِنَ الإقْلاعِ عَنْهُ.
النساء 4:168
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِما ذَكَرَ آنِفًَا.
﴿وَظَلَمُوا﴾ أيْ: مُحَمَّدًَا ﷺ بِإنْكارِ نُبُوَّتِهِ وكِتْمانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ ووَضْعِ غَيْرِها مَكانَها، أوِ النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَمّا فِيهِ صَلاحُهم في المَعاشِ والمَعادِ.
﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لِاسْتِحالَةِ تَعَلُّقِ المَغْفِرَةِ بِالكافِرِ.
﴿وَلا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ .(p-258)
النساء 4:169
﴿إلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ لِعَدَمِ اسْتِعْدادِهِمْ لِلْهِدايَةِ إلى الحَقِّ والأعْمالِ الصّالِحَةِ الَّتِي هي طَرِيقُ الجَنَّةِ، والمُرادُ بِالهِدايَةِ المَفْهُومَةِ مِنَ الاسْتِثْناءِ بِطَرِيقِ الإشارَةِ خَلْقُهُ تَعالى لِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُؤَدِّيَةِ بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ عِنْدَ صَرْفِ قدرتهمْ واخْتِيارِهِمْ إلى اكْتِسابِها، أوْ سَوْقُهم إلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، والطَّرِيقُ عَلى عُمُومِهِ والِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، وقِيلَ: خاصٌّ بِطَرِيقِ الحَقِّ والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ.
﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِثْناءُ دِلالَةً واضِحَةً كَأنَّهُ قِيلَ: يُدْخِلُهم جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها إلَخْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَدًا﴾ نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ رافِعٌ لِاحْتِمالِ حَمْلِ الخُلُودِ عَلى المُكْثِ الطَّوِيلِ.
﴿وَكانَ ذَلِكَ﴾ أيْ: جَعْلُهم خالِدِينَ في جَهَنَّمَ.
﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ لِاسْتِحالَةِ أنْ يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مُراداتِهِ تَعالى.
النساء 4:170
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ بَعْدَ ما حَكى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَعَلُّلَ اليَهُودِ بِالأباطِيلِ واقْتِراحَهُمُ الباطِلَ تَعَنُّتًَا ورَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ بِبَيانِ أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في أمْرِ الوَحْيِ والإرْسالِ كَشُئُونِ مَن يَعْتَرِفُونَ بِنُبُوَّتِهِ مِن مَشاهِيرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وأكَّدَ ذَلِكَ بِشَهادَتِهِ سُبْحانَهُ وشَهادَةِ المَلائِكَةِ أُمِرَ المُكَلَّفُونَ كافَّةً عَلى طَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ بِالإيمانِ بِذَلِكَ أمْرًَا مَشْفُوعًَا بِالوَعْدِ بِالإجابَةِ والوَعِيدِ عَلى الرَّدِّ تَنْبِيهًَا عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْ ولَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأحَدٍ عُذْرٌ في عَدَمِ القَبُولِ. وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكُمْ﴾ تَكْرِيرٌ لِلشَّهادَةِ وتَقْرِيرٌ لِحَقِّيَّةِ المَشْهُودِ بِهِ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الأمْرِ بِالإيمانِ، وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ طاعَتِهِ، والمُرادُ بِالحَقِّ: هو القرآن الكَرِيمُ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"جاءَكُمْ" فَهي لِلتَّعْدِيَةِ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًَا مِنَ ﴿الرَّسُولُ﴾ أيْ: مُلْتَبِسًَا بِالحَقِّ و"مِن" أيْضًَا مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ وإمّا بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ الحَقِّ، أيْ: جاءَكم بِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى أوْ جاءَكم بِالحَقِّ كائِنًَا مِن عِنْدِهِ تَعالى والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَبْلِيغِهِمْ إلى كَمالِهِمُ اللّائِقِ بِهِمْ تَرْغِيبًَا لَهم في الِامْتِثالِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ، والفاءُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَآمِنُوا﴾ لِلدِّلالَةِ عَلى إيجابِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها أيْ: فَآمِنُوا بِهِ وبِما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ واجِبِ الإضْمارِ كَما هو رَأْيُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ، أيِ: اقْصُدُوا أوِ ائْتُوا أمْرًَا خَيْرًَا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ كَما هو رَأْيُ الفَرّاءِ أيْ: آمِنُوا إيمانًَا خَيْرًَا لَكم أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ المُضْمَرَةِ الواقِعَةِ جَوابًَا لِلْأمْرِ لا جَزاءً لِلشَّرْطِ الصِّناعِيِّ وهو رَأْيُ الكِسائِيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ أيْ: يَكُنِ الإيمانُ خَيْرًَا لَكم.
﴿وَإنْ تَكْفُرُوا﴾ أيْ: أنْ تُصِرُّوا وتَسْتَمِرُّوا عَلى الكُفْرِ بِهِ.
﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ سَواءً كانَتْ داخِلَةً في حَقِيقَتِهِما وبِذَلِكَ يُعْلَمُ حالُ أنْفُسِهِما عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ أوْ خارِجَةً عَنْهُما مُسْتَقِرَّةً فِيهِما مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ فَيَدْخُلُ في جُمْلَتِهِمُ المُخاطَبُونَ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا أيْ: كُلُّها لَهُ عَزَّ وجَلَّ (p-259)خَلْقًَا ومِلْكًَا وتَصَرُّفًَا لا يَخْرُجُ مِن مَلَكُوتِهِ وقَهْرِهِ شَيْءٌ مِنها فَمَن هَذا شَأْنُهُ فَهو قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِكم بِكُفْرِكم لا مَحالَةَ أوْ فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَهو غَنِيٌّ عَنْكم وعَنْ غَيْرِكم لا يَتَضَرَّرُ بِكُفْرِكم ولا يَنْتَفِعُ بِإيمانِكُمْ، وقِيلَ: فَمَن كانَ كَذَلِكَ فَلَهُ عَبِيدٌ يَعْبُدُونَهُ ويَنْقادُونَ لِأمْرِهِ.
﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ مُبالِغًَا في العِلْمِ فَهو أعْلَمُ بِأحْوالِ الكُلِّ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ علمه تعالى بِكُفْرِهِمْ دُخُولًَا أوَّلِيًَّا.
﴿حَكِيمًا﴾ مُراعِيًَا لِلْحِكْمَةِ في جَمِيعِ أفْعالِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَعْذِيبُهُ تَعالى إيّاهم بِكُفْرِهِمْ.
النساء 4:171
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالنَّصارى زَجْرًَا لَهم عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والضَّلالِ.
﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ بِالإفْراطِ في رَفْعِ شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وادِّعاءِ أُلُوهِيَّتِهِ وأمّا غُلُوُّ اليَهُودِ في حَطِّ رُتْبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ورَمْيُهم لَهُ بِأنَّهُ وُلِدَ لِغَيْرِ رَشْدَةٍ فَقَدْ نَعى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فِيما سَبَقَ.
﴿وَلا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ أيْ: لا تَصِفُوهُ بِما يَسْتَحِيلُ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ الحُلُولِ والِاتِّحادِ واتِّخاذِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ بَلْ نَزِّهُوهُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ.
﴿إنَّما المَسِيحُ﴾ قَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ وتَشْدِيدِ السِّينِ كالسِّكِّيتِ عَلى صِيغَةِ المُبالَغَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِيسى﴾ بَدَلٌ مِنهُ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُفِيدَةٌ لِبُطْلانِ ما وصَفُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ مِن بُنُوَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ عَنِ القَوْلِ الباطِلِ المُسْتَلْزِمِ لِلْأمْرِ بِضِدِّهِ أعْنِي الحَقَّ، أيْ: أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى رُتْبَةِ الرِّسالَةِ لا يَتَخَطّاها.
﴿وَكَلِمَتُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ: مُكَوَّنٌ بِكَلِمَتِهِ وأمْرِهِ الَّذِي هو كُنْ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍ ولا نُطْفَةٍ.
﴿ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ أيْ: أوْصَلَها إلَيْها وحَصَّلَها فِيها بِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: أعْلَمَها إيّاها وأخْبَرَها بِها بِطَرِيقِ البِشارَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ . وقِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ المُسْتَكِنِّ فِيما دَلَّ عَلَيْهِ "وَكَلِمَتُهُ" مِن مَعْنى المُشْتَقِّ الَّذِي هو العامِلُ فِيها و"قَدْ" مُقَدَّرَةٌ مَعَها.
﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾ قِيلَ: هو الَّذِي نَفَخَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في دِرْعِ مَرْيَمَ فَحَمَلَتْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى سُمِّيَ النَّفْخُ رُوحًَا لِأنَّهُ رِيحٌ تَخْرُجُ مِنَ الرُّوحِ و"مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا لا تَبْعِيضِيَّةٌ كَما زَعَمَتِ النَّصارى. يُحْكى أنَّ طَبِيبًَا حاذِقًَا نَصْرانِيًَّا لِلرَّشِيدِ ناظَرَ عَلِيَّ بْنَ حُسَيْنٍ الواقِدِيَّ المَرْوَزِيَّ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهُ: إنَّ في كِتابِكم ما يَدُلُّ عَلى أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ جُزْءٌ مِنهُ تَعالى وتَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقَرَأ الواقِدِيُّ: وسَخَّرَ لَكم ما في السَّمَواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًَا مِنهُ فَقالَ: إذَنْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ تِلْكَ الأشْياءِ جُزْءًَا مِنَ اللَّهِ تَعالى عُلُوًَّا كَبِيرًَا، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ فَأسْلَمَ وفَرِحَ الرَّشِيدُ فَرَحًَا شَدِيدًَا ووَصَلَ الواقِدِيَّ بِصِلَةٍ فاخِرَةٍ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ"رُوحٌ" أيْ: كائِنَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى جُعِلَتْ مِنهُ تَعالى وإنْ كانَتْ بِنَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِكَوْنِ النَّفْخِ بِأمْرِهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًَا لِإحْيائِهِ الأمْواتَ. وقِيلَ: لِإحْيائِهِ القُلُوبَ كَما سُمِّيَ بِهِ القرآن (p-260)لِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . وقِيلَ: أُرِيدَ بِالرُّوحِ الوَحْىُ الَّذِي أوْحى إلى مَرْيَمَ بِالبِشارَةِ. وقِيلَ: جَرَتِ العادَةُ بِأنَّهم إذا أرادُوا وصْفَ شَيْءٍ بِغايَةِ الطَّهارَةِ والنَّظافَةِ قالُوا: إنَّهُ رُوحٌ؛ فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَكَوِّنًَا مِنَ النَّفْخِ لا مِنَ النُّطْفَةِ وُصِفَ بِالرُّوحِ، وتَقْدِيمُ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ رَسُولَ اللَّهِ في الذِّكْرِ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنْ كَوْنِهِ كَلِمَتَهُ تَعالى ورُوحًَا مِنهُ في الوُجُودِ لِتَحْقِيقِ الحَقِّ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِما هو نَصٌّ فِيهِ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلتَّأْوِيلِ وتَعْيِينِ مَآلِ ما يَحْتَمِلُهُ وسَدِّ بابِ التَّأْوِيلِ الزّائِغِ.
﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ﴾ وخُصُّوهُ بِالأُلُوهِيَّةِ.
﴿وَرُسُلِهِ﴾ أجْمَعِينَ وصِفُوهم بِالرِّسالَةِ ولا تُخْرِجُوا بَعْضَهم عَنْ سِلْكِهِمْ بِوَصْفِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ.
﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ أيِ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ اللَّهُ والمَسِيحُ ومَرْيَمُ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ * أوِ اللَّهُ ثَلاثَةٌ إنْ صَحَّ أنَّهم يَقُولُونَ: اللَّهُ جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ أُقْنُومُ الأبِ وأُقْنُومُ الِابْنِ وأُقْنُومُ الرُّوحِ القُدُسِ وأنَّهم يُرِيدُونَ بِالأوَّلِ الذّاتَ. وقِيلَ: الوُجُودُ وبِالثّانِي العِلْمَ وبِالثّالِثِ الحَياةَ.
﴿انْتَهُوا﴾ أيْ: عَنِ التَّثْلِيثِ.
﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ قَدْ مَرَّ وُجُوهُ انْتِصابِهِ.
﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ أيْ: بِالذّاتِ مُنَزَّهٌ عَنِ التَّعَدُّدِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَـ"اللَّهُ" مُبْتَدَأٌ و"إلَهٌ" خَبَرُهُ و "واحِدٌ" نَعْتٌ أيْ: مُنْفَرِدٌ في أُلُوهِيَّتِهِ.
﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ أيْ: أُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًَا مِن ذَلِكَ فَإنَّهُ إنَّما يُتَصَوَّرُ فِيمَن يُماثِلُهُ شَيْءٌ ويَتَطَرَّقُ إلَيْهِ فَناءٌ واللَّهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أمْثالِهِ، وقُرِئَ "إنْ يَكُونُ" أيْ: سُبْحانَهُ ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَعْلِيلِ التَّنْزِيهِ وتَقْرِيرِهِ: أيْ: لَهُ ما فِيهِما مِنَ المَوْجُوداتِ خَلْقًَا ومِلْكًَا وتَصَرُّفًَا لا يَخْرُجُ عَنْ مَلَكُوتِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَكَيْفَ يُتَوَهَّمُ كَوْنُهُ ولَدًَا لَهُ تَعالى.
﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ إلَيْهِ يَكِلُ كُلُّ الخَلْقِ أُمُورَهم وهو غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ فَأنّى يُتَصَوَّرُ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ الَّذِي هو شَأْنُ العَجَزَةِ المُحْتاجِينَ في تَدْبِيرِ أُمُورِهِمْ إلى مَن يَخْلُفُهم ويَقُومُ مَقامَهم.
النساء 4:172
﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ التَّنْزِيهِ، والِاسْتِنْكافُ: الأنَفَةُ والتَّرَفُّعُ مِن نَكَفْتَ الدَّمْعَ إذا نَحَّيْتَهُ عَنْ وجْهِكَ بِالأُصْبُعِ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ ولَنْ يَتَرَفَّعَ.
﴿أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ أيْ: عَنْ أنْ يَكُونَ عَبْدًَا لَهُ تَعالى مُسْتَمِرًَّا عَلى عِبادَتِهِ وطاعَتِهِ حَسْبَما هو وظِيفَةُ العُبُودِيَّةِ كَيْفَ وأنَّ ذَلِكَ أقْصى مَراتِبِ الشَّرَفِ، والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْهُ مَعَ أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ المُباهاةُ بِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ أحْوالُهُ ويُفْصِحُ عَنْهُ أقْوالُهُ أوَ لا يُرى أنَّ أوَّلَ مَقالَةٍ قالَها لِلنّاسِ قَوْلُهُ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًَّا لِوُقُوعِهِ في مَوْقِعِ الجَوابِ عَمّا قالَهُ الكَفَرَةُ. رُوِيَ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا؟ قالَ: ومَن صاحِبُكُمْ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيُّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًَا لِلَّهِ قالُوا: بَلى فَنَزَلَتْ. وهو السِّرُّ في جَعْلِ المُسْتَنْكَفِ عَنْهُ كَوْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَبْدًَا لَهُ تَعالى دُونَ أنْ يُقالَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ونَحْوُ ذَلِكَ مَعَ إفادَةِ فائِدَةٍ جَلِيلَةٍ هي كَمالُ نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنِ الاسْتِنْكافِ بِالكُلِّيَّةِ فَإنَّ كَوْنَهُ عَبْدًَا لَهُ تَعالى حالةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لِدَوامِ العِبادَةِ قَطْعًَا فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْهُ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ الِاسْتِنْكافِ (p-261)عَنْ عِبادَتِهِ تَعالى كَما أُشِيرَ إلَيْهِ بِخِلافِ عِبادَتِهِ تَعالى فَإنَّها حالَةٌ مُتَجَدِّدَةٌ غَيْرُ مُسْتَلْزِمَةٍ لِلدَّوامِ يَكْفِي في اتِّصافِ مَوْصُوفِها بِها تَحَقُّقُها مَرَّةً فَعَدَمُ الِاسْتِنْكافِ عَنْها لا يَسْتَلْزِمُ عَنْ دَوامِها.
﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ أيْ: ولا يَسْتَنْكِفُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًَا لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِالمَلائِكَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهم لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّقْدِيرِ واحْتَجَّ بِالآيَةِ مَن زَعَمَ فَضْلَ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وقالَ: مَساقُهُ لِرَدِّ النَّصارى في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَقامِ العُبُودِيَّةِ وذَلِكَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ أعْلى دَرَجَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ عَدَمُ اسْتِنْكافِهِمْ مُسْتَلْزِمًَا لِعَدَمِ اسْتِنْكافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وأُجِيبُ بِأنَّ مَناطَ كُفْرِ النَّصارى ورَفْعِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ رُتْبَةِ العُبُودِيَّةِ لَمّا كانَ اخْتِصاصُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وامْتِيازُهُ عَنْ سائِرِ أفْرادِ البَشَرِ بِالوِلادَةِ مِن غَيْرِ أبٍ وبِالعِلْمِ مِنَ المُغَيَّباتِ وبِالرَّفْعِ إلى السَّماءِ عُطِفَ عَلى عَدَمِ اسْتِنْكافِهِ عَنْ عُبُودِيَّتِهِ تَعالى عَدَمُ اسْتِنْكافِ مَن هو أعْلى دَرَجَةً مِنهُ فِيما ذَكَرَ فَإنَّ المَلائِكَةَ مَخْلُوقُونَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ وعالِمُونَ بِما لا يَعْلَمُهُ البَشَرُ مِنَ المُغَيَّباتِ ومَقارُّهُمُ السَّمَواتُ العُلا ولا نِزاعَ لِأحَدٍ في عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ وإنَّما النِّزاعُ في عُلُوِّها مِن حَيْثُ كَثْرَةُ الثَّوابِ عَلى الطّاعاتِ وبِأنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ لِلرَّدِّ عَلى النَّصارى فَقَطْ بَلْ عَلى عَبَدَةِ المَلائِكَةِ أيْضًَا فَلا اتِّجاهَ لِما قالُوا حِينَئِذٍ وإنْ سَلِمَ اخْتِصاصُها بِالرَّدِّ عَلى النَّصارى فَلَعَلَّهُ أُرِيدَ بِالعَطْفِ المُبالَغَةُ بِاعْتِبارِ التَّكْثِيرِ والتَّفْصِيلِ لا بِاعْتِبارِ التَّكْبِيرِ والتَّفْضِيلِ كَما في قَوْلِكَ: "أصْبَحَ الأمِيرُ لا يُخالِفُهُ رَئِيسٌ ولا مَرْءُوسٌ" ولَئِنْ سَلِمَ إرادَةُ التَّفْضِيلِ فَغايَةُ الأمْرِ الدِّلالَةُ عَلى أفْضَلِيَّةِ المُقَرَّبِينَ مِنهم وهُمُ الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ أوْ مَن هو أعْلى مِنهم رُتْبَةً مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى المَسِيحِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ولَيْسَ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ فَضْلُ أحَدِ الجِنْسَيْنِ عَلى الآخَرِ مُطْلَقًَا وهَلِ التَّشاجُرُ إلّا فِيهِ.﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ أيْ: عَنْ طاعَتِهِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ الكَفَرَةِ لِعَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى وإنَّما جُعِلَ المُسْتَنْكَفُ عَنْهُ هَهُنا عِبادَتَهُ تَعالى لا ما سَبَقَ لِتَعْلِيقِ الوَعِيدِ بِوَصْفٍ ظاهِرِ الثُّبُوتِ لِلْكَفَرَةِ، فَإنَّ عَدَمَ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى مِمّا لا سَبِيلَ لَهم إلى إنْكارِ اتِّصافِهِمْ بِهِ. إنْ قِيلَ: لِمَ عَبَّرَ عَنْ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لَهُ تَعالى بِالِاسْتِنْكافِ عَنْها مَعَ أنَّ ذَلِكَ مِنهم كانَ بِطَرِيقِ إنْكارِ كَوْنِ الأمْرِ مِن جِهَتِهِ تَعالى لا بِطَرِيقِ الِاسْتِنْكافِ؟ قُلْنا: لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ طاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهَلْ هو إلّا اسْتِنْكافٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى ؟ إذْ لا أمْرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سِوى أمْرِهِ تَعالى: مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ.
﴿وَيَسْتَكْبِرْ﴾ الِاسْتِكْبارُ: الأنَفَةُ عَمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْنَفَ عَنْهُ وأصْلُهُ طَلَبُ الكِبْرِ لِنَفْسِهِ بِغَيْرِ اسْتِحْقاقٍ لَهُ لا بِمَعْنى طَلَبِ تَحْصِيلِهِ مَعَ اعْتِقادِ عَدَمِ حُصُولِهِ فِيهِ بَلْ بِمَعْنى عَدِّ نَفْسِهِ كَبِيرًَا واعْتِقادِهِ كَذَلِكَ وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِما يَدُلُّ عَلى الطَّلَبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَآلَهُ مَحْضُ الطَّلَبِ بِدُونِ حُصُولِ المَطْلُوبِ وقَدْ عَبَّرَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ بِنَفْسِ الطَّلَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾ فَإنَّهم ما كانُوا يَطْلُبُونَ ثُبُوتَ العِوَجِ لِسَبِيلِ اللَّهِ مَعَ اعْتِقادِهِمْ لِاسْتِقامَتِها بَلْ كانُوا يَعُدُّونَها ويَعْتَقِدُونَها مُعْوَجَّةً ويَحْكُمُونَ بِذَلِكَ ولَكِنْ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالطَّلَبِ لِما ذَكَرَ مِنَ الإشْعارِ بِأنْ لَيْسَ هُناكَ شَيْءٌ سِوى الطَّلَبِ والِاسْتِكْبارِ دُونَ الِاسْتِنْكافِ المُنْبِئِ عَنْ تَوَهُّمِ لُحُوقِ العارِ والنَّقْصِ مِنَ المُسْتَنْكَفِ عَنْهُ.
﴿فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: المُسْتَنْكِفِينَ ومُقابِلِيهِمُ المَدْلُولَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ عَدَمِ اسْتِنْكافِ المَسِيحِ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقَدْ تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في المُفَصَّلِ تَعْوِيلًَا عَلى إنْباءِ التَّفْصِيلِ عَنْهُ وثِقَةً (p-262)بِظُهُورِ اقْتِضاءِ حَشْرِ أحَدِهِما لِحَشْرِ الآخر ضَرُورَةَ عُمُومِ الحَشْرِ لِلْخَلائِقِ كافَّةً كَما تُرِكَ ذِكْرُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ في التَّفْصِيلِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ الآيَةِ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ لَهُما اعْتِمادًَا عَلى ظُهُورِ اقْتِضاءِ إثابَةِ أحَدِهِما لِعِقابِ الآخر ضَرُورَةَ شُمُولِ الجَزاءِ لِلْكُلِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمُسْتَنْكِفِينَ وهُناكَ مُقَدَّرٌ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ والتَّقْدِيرُ: فَسَيَحْشُرُهم وغَيْرَهم. وقِيلَ: المَعْنى: فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ يَوْمَ يَحْشُرُ العِبادَ لِمُجازاتِهِمْ، وفِيهِ أنَّ الأنْسَبَ بِالتَّفْصِيلِ الآتِي اعْتِبارُ حَشْرِ الكُلِّ في الإجْمالِ عَلى نَهْجٍ واحِدٍ، وقُرِئَ "فَسَيَحْشِرُهُمْ" بِكَسْرِ الشِّينِ وهي لُغَةٌ، وقُرِئَ "فَسَنَحْشُرُهُمْ" بِنُونِ العَظَمَةِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ.
النساء 4:173
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ الفَرِيقِ المَطْوِيِّ ذِكْرُهُ في الإجْمالِ قُدِّمَ عَلى بَيانِ حالِ ما يُقابِلُهُ إبانَةً لِفَضْلِهِ ومُسارَعَةً إلى بَيانِ كَوْنِ حَشْرِهِ أيْضًَا مُعْتَبَرًَا في الإجْمالِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لا بِوَصْفِ عَدَمِ الِاسْتِنْكافِ المُناسِبِ لِما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ المُسْتَتْبِعُ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ الثَّمَراتِ.
﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنها شَيْئًَا أصْلًَا.
﴿وَيَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ بِتَضْعِيفِها أضْعافًَا مُضاعَفَةً وبِإعْطاءِ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ.
﴿وَأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا﴾ أيْ: عَنْ عِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ بِسَبَبِ اسْتِنْكافِهِمْ واسْتِكْبارِهِمْ.
﴿عَذابًا ألِيمًا﴾ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ.
﴿وَلا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا﴾ يَلِي أُمُورَهم ويُدَبِّرُ مَصالِحَهم.
﴿وَلا نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُهم مِن بَأْسِهِ تَعالى ويُنَجِّيهِمْ مِن عَذابِهِ.
النساء 4:174
﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى كافَّةِ المُكَلَّفِينَ إثْرَ بَيانِ بُطْلانِ ما عَلَيْهِ الكَفَرَةُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ وإلْزامِهِمْ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ الَّتِي تَخِرُّ لَها صُمُّ الجِبالِ وإزاحَةِ شُبَهِهِمُ الواهِيَةِ بِالبَيِّناتِ الواضِحَةِ وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّ الحُجَّةَ قَدْ تَمَّتْ فَلَمْ يَبْقَ بَعْدَ ذَلِكَ عِلَّةٌ لِمُتَعَلِّلٍ ولا عُذْرٌ لِمُعْتَذِرٍ.
﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْكم وتَقَرَّرَ في قُلُوبِكم بِحَيْثُ لا سَبِيلَ لَكم إلى الإنْكارِ.
﴿بُرْهانٌ﴾ البُرْهانُ: ما يُبَرْهَنُ بِهِ عَلى المَطْلُوبِ والمُرادُ بِهِ: القرآن الدّالُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ المُثْبِتُ لِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِمّا أثْبَتَتْهُ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن حَقِّيَّةِ الحَقِّ وبُطْلانِ الباطِلِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عُبِّرَ عَنْهُ بِهِ لِما مَعَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الَّتِي تَشْهَدُ بِصِدْقِهِ. وقِيلَ: هو المُعْجِزاتُ الَّتِي أظْهَرَها. وقِيلَ: هو دِينُ الحَقِّ الَّذِي أتى بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ إمّا مُتَعَلِّقٌ بِـ"جاءَكُمْ" أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ"بُرْهانٌ" مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: كائِنٌ مِنهُ تَعالى عَلى أنَّ "مِن" لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًَا، وقَدْ جُوِّزَ عَلى الثّانِي كَوْنُها تَبْعِيضِيَّةً بِحَذْفِ المُضافِ أيْ: كائِنٌ مِن بَراهِينِ رَبِّكم والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِإظْهارِ اللُّطْفِ بِهِمْ والإيذانِ بِأنَّ مَجِيئَهُ إلَيْهِمْ لِتَرْبِيَتِهِمْ وتَكْمِيلِهِمْ.
﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ أُرِيدَ بِهِ أيْضًَا القرآن الكَرِيمُ عُبِّرَ عَنْهُ تارَةً بِالبُرْهانِ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًَا وأُخْرى بِالنُّورِ المُنِيرِ بِنَفْسِهِ المُنَوِّرِ لِغَيْرِهِ إيذانًَا (p-263)بِأنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ مُسْتَغْنٍ في ثُبُوتِ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى بِإعْجازِهِ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ مُبَيِّنٌ لِغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ وإشْعارًَا بِهِدايَتِهِ لِلْخَلْقِ وإخْراجِهِمْ مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ، وقَدْ سَلَكَ بِهِ مَسْلَكَ العَطْفِ المَبْنِيِّ عَلى تَغايُرِ الطَّرَفَيْنِ تَنْزِيلًَا لِلْمُغايَرَةِ العُنْوانِيَّةِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ الذّاتِيَّةِ وعَبَّرَ عَنْ مُلابَسَتِهِ لِلْمُخاطَبِينَ تارَةً بِالمَجِيءِ المُسْنَدِ إلَيْهِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ قُوَّتِهِ في البُرْهانِيَّةِ كَأنَّهُ يَجِيءُ بِنَفْسِهِ فَيُثْبِتُ أحْكامَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَجِيءَ بِهِ أحَدٌ ويَجِيءَ عَلى شُبَهِ الكَفَرَةِ بِالإبْطالِ وأُخْرى بِالإنْزالِ المُوقَعِ عَلَيْهِ المُلائِمِ لِحَيْثِيَّةِ كَوْنِهِ نُورًَا تَوْقِيرًَا لَهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُنْوانِيَّةِ حَظِّهِ اللّائِقِ بِهِ، وإسْنادُ إنْزالِهِ إلَيْهِ تَعالى بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِكَمالِ تَشْرِيفِهِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ البُرْهانِ عِبارَةً عَنِ القرآن العَظِيمِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ عِبارَةً عَنِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ عَنِ المُعْجِزاتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِهِ أوْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ فالأمْرُ هَيِّنٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"أنْزَلْنا" فَإنَّ إنْزالَهُ بِالذّاتِ وإنْ كانَ إلى النَّبِيِّ ﷺ لَكِنَّهُ مُنْزَلٌ إلَيْهِمْ أيْضًَا بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما اعْتُبِرَ حالُهُ بِالواسِطَةِ دُونَ حالِهِ بِالذّاتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ ونَظائِرِهِ لِإظْهارِ كَمالِ اللُّطْفِ بِهِمْ والتَّصْرِيحِ بِوُصُولِهِ إلَيْهِمْ مُبالِغًَا في الأعْذارِ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ ولِلْمُحافَظَةِ عَلى فَواصِلِ الآيِ الكَرِيمَةِ.
النساء 4:175
﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ﴾ حَسْبَما يُوجِبُهُ البُرْهانُ الَّذِي أتاهم.
﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ أيْ: عَصَمُوا بِهِ أنْفُسَهم مِمّا يُرْدِيها مِن زَيْغِ الشَّيْطانِ وغَيْرِهِ.
﴿فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما هي الجَنَّةُ وما يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِمْ مِمّا لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ وعَبَّرَ عَنْ إفاضَةِ الفَضْلِ بِالإدْخالِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: [عَلَفْتُها تِبْنًَا وماءً بارِدًَا] وتَنْوِينُ "رَحْمَةٍ" و "فَضْلٍ" تَفْخِيمِيٌّ و "مِنهُ" مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً مُشَرِّفَةً لِـ"رَحْمَةٍ".
﴿وَيَهْدِيهِمْ إلَيْهِ﴾ أيْ: إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: إلى المَوْعُودِ، وقِيلَ: إلى عِبادَتِهِ.
﴿صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هو الإسْلامُ والطّاعَةُ في الدُّنْيا وطَرِيقُ الجَنَّةِ في الآخِرَةِ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الوَعْدِ بِإدْخالِ الجَنَّةِ عَلى الوَعْدِ بِالهِدايَةِ إلَيْها عَلى خِلافِ التَّرْتِيبِ في الوُجُودِ بَيْنَ المَوْعُودَيْنِ لِلْمُسارَعَةِ إلى التَّبْشِيرِ بِما هو المَقْصِدُ الأصْلِيُّ. قِيلَ انْتِصابُ صِراطًَا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ "يَهْدِيهِمْ" أيْ: يُعَرِّفُهم صِراطًَا مُسْتَقِيمًَا.
النساء 4:176
﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيْ: في الكَلالَةِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ بِوُرُودِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُها في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ والمُسْتَفْتِي جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُرْوى (p-264)«أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في طَرِيقِ مَكَّةَ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَ: إنَّ لِي أُخْتًَا فَكَمْ آخُذُ مِن مِيراثِها إنْ ماتَتْ.» وقِيلَ: «كانَ مَرِيضًَا فَعادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي كَلالَةٌ فَكَيْفَ أصْنَعُ في مالِي.» ورُوِيَ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «عادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا مَرِيضٌ لا أعْقِلُ فَتَوَضَّأ وصَبَّ مِن وضُوئِهِ عَلَيَّ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيراثُ وإنَّما يَرِثُنِي كَلالَةٌ فَنَزَلَتْ.» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِلْفُتْيا وارْتَفَعَ "امْرُؤٌ" بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ صِفَةٌ لَهُ. وقِيلَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "هَلَكَ" ووَرَدَ بِأنَّهُ مُفَسِّرٌ لِلْمَحْذُوفِ غَيْرُ مَقْصُودٍ في الكَلامِ أيْ: إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ غَيْرُ ذِي ولَدٍ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى واقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِ عَدَمِ الوَلَدِ مَعَ أنَّ عَدَمَ الوَلَدِ أيْضًَا مُعْتَبَرٌ في الكَلالَةِ ثِقَةً بِظُهُورِ الأمْرِ و دِلالَةِ تَفْصِيلِ الوَرَثَةِ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ أوْ حالٌ، والمُرادُ بِالأُخْتِ مَن لَيْسَتْ لِأُمٍّ فَقَطْ فَإنَّ فَرْضَها السُّدُسُ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ في صَدْرِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.
﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ أيْ: بِالفَرْضِ والباقِي لِلْعَصَبَةِ أوْ لَها بِالرَّدِّ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَصَبَةٌ.
﴿وَهُوَ﴾ أيِ: المَرْءُ المَفْرُوضُ.
﴿يَرِثُها﴾ أيْ: أُخْتَهُ المَفْرُوضَةَ إنْ فُرِضَ هَلاكُها مَعَ بَقائِهِ.
﴿إنْ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ﴾ ذَكَرًَا كانَ أوْ أُنْثى، فالمُرادُ بِإرْثِهِ لَها إحْرازُ جَمِيعِ ما لَها إذْ هو المَشْرُوطُ بِانْتِفاءِ الوَلَدِ بِالكُلِّيَّةِ لا إرْثُهُ لَها في الجُمْلَةِ فَإنَّهُ يَتَحَقَّقُ مَعَ وُجُودِ بِنْتِها ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأُخْوَةِ بِغَيْرِ الوَلَدِ ولا عَلى عَدَمِ سُقُوطِهِمْ وإنَّما دَلَّتْ عَلى سُقُوطِهِمْ مَعَ الأبِ السُّنَّةُ الشَّرِيفَةُ.
﴿فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى الشَّرْطِيَّةِ الأُولى أيِ: اثْنَتَيْنِ فَصاعِدًَا.
﴿فَلَهُما الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ الضَّمِيرُ لِمَن يَرِثُ بِالأُخُوَّةِ والتَّأْنِيثُ والتَّثْنِيَةُ بِاعْتِبارِ المَعْنى. قِيلَ: وفائِدَةُ الإخْبارِ عَنْها بِاثْنَتَيْنِ مَعَ دِلالَةِ ألِفِ التَّثْنِيَةِ عَلى الاثْنَيْنِيَّةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَبَرَ في اخْتِلافِ الحُكْمِ هو العَدَدُ دُونَ الصِّغَرِ والكِبَرِ وغَيْرِهِما.
﴿وَإنْ كانُوا﴾ أيْ: مَن يَرِثُ بِطَرِيقِ الأُخُوَّةِ.
﴿إخْوَةً﴾ أيْ: مُخْتَلِطَةً.
﴿رِجالا ونِساءً﴾ بَدَلٌ مِن "إخْوَةً" والأصْلُ: وإنْ كانُوا إخْوَةً وأخَواتٍ فَغُلِّبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ.
﴿فَلِلذَّكَرِ﴾ أيْ: فَلِلذَّكَرِ مِنهم.
﴿مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ يَقْتَسِمُونَ التَّرِكَةَ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْصِيبِ وهَذا آخِرُ ما أُنْزِلَ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى في الأحْكامِ. رُوِيَ أنَّ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: "ألا إنَّ الآيَةَ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النِّساءِ في الفَرائِضِ فَأوَّلُها الوَلَدُ والوالِدُ وثانِيها في الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ والأُخْوَةِ مِنَ الأُمِّ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها السُّورَةَ في الأُخْوَةِ والأخَواتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأبٍ والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ الأنْفالِ أنْزَلَها في أُولِي الأرْحامِ".
﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أيْ: حُكْمَ الكَلالَةِ أوْ أحْكامَهُ وشَرائِعَهُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها حُكْمُها.
﴿أنْ تَضِلُّوا﴾ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا في ذَلِكَ وهَذا رَأْيُ البَصْرِيِّينَ صَرَّحَ بِهِ المُبَرِّدُ وذَهَبَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وغَيْرُهُما مِنَ الكُوفِيِّينَ إلى تَقْدِيرِ اللّامِ ولا في طَرَفَيْ أنْ أيْ: لِئَلّا تَضِلُّوا. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: رَوَيْتُ لِلْكِسائِيِّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وهو لا يَدْعُوَنَّ أحَدُكم عَلى ولَدِهِ أنْ يُوافِقَ مِنَ اللَّهِ إجابَةً أيْ: لِئَلّا يُوافِقَ، فاسْتَحْسَنَهُ ولَيْسَ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَةِ والحَدِيثِ نَصًَّا فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ الكِسائِيُّ وأضْرابُهُ فَإنَّ التَّقْدِيرَ فِيهِما عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا وكَراهَةَ أنْ يُوافِقَ إلَخْ. وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ حَذْفٌ ولا تَقْدِيرٌ وإنَّما هو مَفْعُولُ "يُبَيِّنُ" أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ضَلالَكُمُ الَّذِي هو مِن شَأْنِكم إذا خُلِّيتُمْ وطِباعَكم لِتَحْتَرِزُوا (p-265)عَنْهُ وتَتَحَرَّوْا خِلافَهُ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ بَيانُهُ تَعالى تَعْيِينًَا عَلى طَرِيقَةِ مَواقِعِ الخَطَإ والضَّلالِ مِن غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِما هو الحَقُّ والصَّوابُ ولَيْسَ كَذَلِكَ.
﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُكُمُ المُتَعَلِّقَةُ بِمَحْياكم ومَماتِكم.
﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ فَيُبَيِّنُ لَكم ما فِيهِ مَصْلَحَتُكم ومَنفَعَتُكم. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ النِّساءِ فَكَأنَّما تَصَدَّقَ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ ورِثَ مِيراثًَا وأُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ كَمَنِ اشْتَرى مُحَرِّرًَا وبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ وكانَ في مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الَّذِينَ يُتَجاوَزُ عَنْهُمْ".» واللَّهُ أعْلَمُ
تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى طَبْعُ الجُزْءِ الثّانِي مِن تَفْسِيرِ العَلّامَةِ أبِي السُّعُودِ ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّالِثُ و أوَّلُهُ سُورَةُ
المائدة 5:1
(p-2)سُورَةُ المائِدَةِ مَدَنِيَّةٌ وهي مِائَةٌ وعِشْرُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ الوَفاءُ: القِيامُ بِمُوجَبِ العَقْدِ، وكَذا الإيفاءُ. والعَقْدُ: هو العَهْدُ المُوَثَّقُ المُشَبَّهُ بِعَقْدِ الحَبْلِ ونَحْوِهِ، والمُرادُ بِالعُقُودِ: ما يَعُمُّ جَمِيعَ ما ألْزَمَهُ اللَّهُ تَعالى عِبادَهُ، وعَقَدَهُ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّكالِيفِ والأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، وما يَعْقِدُونَهُ فِيما بَيْنَهم مِن عُقُودِ الأماناتِ والمُعامَلاتِ ونَحْوِها مِمّا يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ، أوْ يَحْسُنُ دِينًا بِأنْ يُحْمَلَ الأمْرُ عَلى مَعْنًى يَعُمُّ الوُجُوبَ والنَّدْبَ، أُمِرَ بِذَلِكَ أوَّلًا عَلى وجْهِ الإجْمالِ، ثُمَّ شُرِعَ في تَفْصِيلِ الأحْكامِ الَّتِي أُمِرَ بِالإيفاءِ بِها، وبُدِئَ بِما يَتَعَلَّقُ بِضَرُورِيّاتِ مَعايِشِهِمْ.
فَقِيلَ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ البَهِيمَةُ: كُلُّ ذاتِ أرْبَعٍ، وإضافَتُها إلى الأنْعامِ لِلْبَيانِ، كَثَوْبِ الخَزِّ، وإفْرادُها لِإرادَةِ الجِنْسِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم أكْلُ البَهِيمَةِ مِنَ الأنْعامِ، وهي الأزْواجُ الثَّمانِيَةُ المَعْدُودَةُ في سُورَةِ الأنْعامِ، وأُلْحِقَ بِها الظِّباءُ، وبَقَرُ الوَحْشِ، ونَحْوُهُما.
وَقِيلَ: هي المُرادَةُ بِالبَهِيمَةِ هَهُنا لِتَقَدُّمِ بَيانِ حِلِّ الأنْعامِ، والإضافَةُ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشابَهَةِ والمُماثَلَةِ في الِاجْتِرارِ وعَدَمِ الأنْيابِ، وفائِدَتُها الإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ المُشْتَرِكَةِ بَيْنَ المُضافَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ البَهِيمَةُ الشَّبِيهَةُ بِالأنْعامِ، الَّتِي بُيِّنَ إحْلالُها فِيما سَبَقَ، المُماثِلَةُ لَها في مَناطِ الحُكْمِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى القائِمِ مَقامَ الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن إظْهارِ العِنايَةِ بِالمُقَدَّمِ، لِما فِيهِ مِن تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ، تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ.
﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؛ أيْ: إلّا مُحَرَّمَ ما يُتْلى عَلَيْكم مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ " ونَحْوِهِ، أوْ ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ آيَةُ تَحْرِيمِهِ.
﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: الِاصْطِيادِ في البَرِّ أوْ أكْلِ صَيْدِهِ، وهو نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ لَكم، ومَعْنى عَدَمِ إحْلالِهِمْ لَهُ: تَقْرِيرُ حُرْمَتِهِ عَمَلًا واعْتِقادًا، وهو شائِعٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مُحْرِمُونَ، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مُحِلِّي، وفائِدَةُ تَقْيِيدِ إحْلالِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ بِما ذُكِرَ مِن عَدَمِ إحْلالِ الصَّيْدِ حالَ الإحْرامِ، عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِها الظِّباءَ ونَظائِرَها ظاهِرَةٌ لِما أنَّ إحْلالَها غَيْرُ مُطْلَقٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّ لَكُمُ الصَّيْدُ حالَ كَوْنِكم مُمْتَنِعِينَ عَنْهُ عِنْدَ إحْرامِكم. وأمّا عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ؛ فَفائِدَتُهُ إتْمامُ النِّعْمَةِ وإظْهارُ الِامْتِنانِ بِإحْلالِها بِتَذْكِيرِ احْتِياجِهِمْ إلَيْهِ، فَإنَّ حُرْمَةَ الصَّيْدِ في حالَةِ الإحْرامِ مِن (p-3)مَظانِّ حاجَتِهِمْ إلى إحْلالِ غَيْرِهِ حِينَئِذٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ مُطْلَقًا حالَ كَوْنِكم مُمْتَنِعِينَ عَنْ تَحْصِيلِ ما يُغْنِيكم عَنْها في بَعْضِ الأوْقاتِ، مُحْتاجِينَ إلى إحْلالِها.
وَفِي إسْنادِ عَدَمِ الإحْلالِ إلَيْهِمْ بِالمَعْنى المَذْكُورِ مَعَ حُصُولِ المُرادِ بِأنْ يُقالَ: غَيْرَ مُحَلَّلٍ لَكم، أوْ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ الصَّيْدُ حالَ إحْرامِكم، مَزِيدُ تَرْبِيَةٍ لِلِامْتِنانِ وتَقْرِيرٌ لِلْحاجَةِ بِبَيانِ عِلَّتِها القَرِيبَةِ، فَإنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلَيْهِمْ إنَّما يُوجِبُ حاجَتَهم إلى إحْلالِ ما يُغْنِيهِمْ عَنْهُ، بِاعْتِبارِ تَحْرِيمِهِمْ لَهُ عَمَلًا واعْتِقادًا، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن وصْفِهِمْ بِما هو اللّائِقُ بِهِمْ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ مِنَ الأحْكامِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، فَيَدْخُلُ فِيها ما ذُكِرَ مِنَ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ومَعْنى الإيفاءِ بِهِما: الجَرَيانُ عَلى مُوجَبِهِما عَقْدًا وعَمَلًا، والِاجْتِنابُ عَنْ تَحْلِيلِ المُحَرَّماتِ وتَحْرِيمِ بَعْضِ المُحَلَّلاتِ، كالبَحِيرَةِ، ونَظائِرِها الَّتِي سَيَأْتِي بَيانُها.
المائدة 5:2
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ لَمّا بَيَّنَ حُرْمَةَ إحْلالِ الإحْرامِ الَّذِي هو مِن شَعائِرِ الحَجِّ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ حُرْمَةِ إحْلالِ سائِرِ الشَّعائِرِ، وإضافَتُها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لِتَشْرِيفِها، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في إحْلالِها، وهي جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي اسْمٌ لِما أُشْعِرَ؛ أيْ: جُعِلَ شِعارًا وعَلَمًا للنُّسُكِ مِن مَواقِيتِ الحَجِّ ومَرامِي الجِمارِ والمَطافِ والمَسْعى، والأفْعالِ الَّتِي هي عَلاماتُ الحاجِّ يُعْرَفُ بِها مِنَ الإحْرامِ والطَّوافِ والسَّعْيِ، والحَلْقِ والنَّحْرِ. وإحْلالُها: أنْ يُتَهاوَنَ بِحُرْمَتِها ويُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِها، ويَحْدُثَ في أشْهُرِ الحَجِّ ما يَصُدُّ بِهِ النّاسُ عَنِ الحَجِّ. وقِيلَ: المُرادُ بِها: دِينُ اللَّهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: دِينَهُ. وقِيلَ: حُرُماتُ اللَّهِ. وقِيلَ: فَرائِضُهُ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ. وإحْلالُها: الإخْلالُ بِها، والأوَّلُ أنْسَبُ بِالمَقامِ.
﴿وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوهُ بِالقِتالِ فِيهِ. وقِيلَ: بِالنَّسِيءِ. والأوَّلُ هو الأوْلى بِحالِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِهِ: شَهْرُ الحَجِّ. وقِيلَ: الأشْهُرُ الأرْبَعَةُ الحُرُمُ، والإفْرادُ لِإرادَةِ الجِنْسِ.
﴿وَلا الهَدْيَ﴾ بِأنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بِالغَصْبِ، أوْ بِالمَنعِ عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ، وهو ما أُهْدِيَ إلى الكَعْبَةِ مِن إبِلٍ، أوْ بَقَرٍ، أوْ شاةٍ، جَمْعُ هَدِيَّةٍ، كَجَدْيٍ وجَدِيَّةٍ.
﴿وَلا القَلائِدَ﴾ هي جَمْعُ قِلادَةٍ، وهي ما يُقَلَّدُ بِهِ الهَدْيُ مِن نَعْلٍ، أوْ لِحاءِ شَجَرٍ، لِيُعْلَمَ بِهِ أنَّهُ هَدْيٌ، فَلا يُتَعَرَّضَ لَهُ. والمُرادُ: النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِذَواتِ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، وهي البُدْنُ، وعَطْفُها عَلى الهَدْيِ مَعَ دُخُولِها فِيهِ لِمَزِيدِ التَّوْصِيَةِ بِها؛ لِمَزِيَّتِها عَلى ما عَداها، كَما عُطِفَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: والقَلائِدُ مِنهُ خُصُوصًا. أوِ النَّهْيُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِنَفْسِ القَلائِدِ؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِأصْحابِها عَلى مَعْنى: لا تُحِلُّوا قَلائِدَها فَضْلًا عَنْ أنْ تُحِلُّوها، كَما نَهى عَنْ إبْداءِ الزِّينَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾؛ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْ إبْداءِ مَواقِعِها.
﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: لا تُحِلُّوا قَوْمًا قاصِدِينَ زِيارَتَهُ بِأنْ تَصُدُّوهم عَنْ ذَلِكَ بِأيِّ وجْهٍ كانَ. وقِيلَ: هُناكَ مُضافٌ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: قِتالَ قَوْمٍ، أوْ أذى قَوْمٍ آمِّينَ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( ولا آمِّي البَيْتِ الحَرامِ ) بِالإضافَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ (p-4)حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في آمِّينَ لا صِفَةٌ لَهُ؛ لِأنَّ المُخْتارَ أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا وُصِفَ بَطَلَ عَمَلُهُ؛ أيْ: قاصِدِينَ زِيارَتَهُ حالَ كَوْنِهِمْ طالِبِينَ أنْ يُثِيبَهُمُ اللَّهُ تَعالى ويَرْضى عَنْهم. وتَنْكِيرُ فَضْلًا ورِضْوانًا لِلتَّفْخِيمِ. ومِن رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِفَضْلًا، مُغْنِيَةً عَنْ وصْفِ ما عُطِفَ عَلَيْهِ بِها؛ أيْ: فَضْلًا كائِنًا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا كَذَلِكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَشْرِيفِهِمْ، والإشْعارِ بِحُصُولِ مُبْتَغاهم. وقُرِئَ: ( تَبْتَغُونَ ) عَلى الخِطابِ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ في لا تُحِلُّوا، عَلى أنَّ المُرادَ بَيانُ مُنافاةِ حالِهِمْ هَذِهِ لِلْمَنهِيِّ عَنْهُ، لا تَقْيِيدُ النَّهْيِ بِها.
وَإضافَةُ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِ الآمِّينَ؛ لِلْإيماءِ إلى اقْتِصارِ التَّشْرِيفِ عَلَيْهِمْ، وحِرْمانِ المُخاطَبِينَ عَنْهُ وعَنْ نَيْلِ المُبْتَغى، وفي ذَلِكَ مِن تَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِهِ، والمُبالَغَةِ في اسْتِنْكارِ المَنهِيِّ عَنْهُ ما لا يَخْفى. ومِن هَهُنا قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآمِّينَ: هُمُ المُسْلِمُونَ خاصَّةً، وبِهِ تَمَسَّكَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: " «سُورَةُ المائِدَةِ مِن آخِرِ القرآن نُزُولًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» " . وقالَ الحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: لَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وعَنْ أبِي مَيْسَرَةَ: فِيها ثَمانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ. وقَدْ قِيلَ: هُمُ المُشْرِكُونَ خاصَّةً؛ لِأنَّهُمُ المُحْتاجُونَ إلى نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ إحْلالِهِمْ دُونَ المُؤْمِنِينَ، عَلى أنَّ حُرْمَةَ إحْلالِهِمْ ثَبَتَتْ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في الحُطَمِ بْنِ ضَبْعَةَ البَكْرِيِّ، وقَدْ كانَ أتى المَدِينَةَ فَخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَها، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ، ووَعَدَهُ أنْ يَأْتِيَ بِأصْحابِهِ فَيُسْلِمُوا، ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَمَرَّ بِسَرْحِ المَدِينَةِ فاسْتاقَهُ، فَلَمّا كانَ في العامِ القابِلِ خَرَجَ مِنَ اليَمامَةِ حاجًّا في حُجّاجِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، ومَعَهُ تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ، وقَدْ قَلَّدُوا الهَدْيَ، فَسَألَ المُسْلِمُونَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَأباهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وَفُسِّرَ ابْتِغاءُ الفَضْلِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ بِالتِّجارَةِ، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ بِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى سَدادٍ مِن دَيْنِهِمْ، وأنَّ الحَجَّ يُقَرِّبُهم إلى اللَّهِ تَعالى، فَوَصَفَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِظَنِّهِمْ، وذَلِكَ الظَّنُّ الفاسِدُ وإنْ كانَ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِتْباعِ رِضْوانِهِ تَعالى، لَكِنْ لا بُعْدَ في كَوْنِهِ مَدارًا لِحُصُولِ بَعْضِ مَقاصِدِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وخَلاصِهِمْ عَنِ المَكارِهِ العاجِلَةِ، لا سِيَّما في ضِمْنِ مُراعاةِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِ شَعائِرِهِ. وقالَ قَتادَةُ: هو أنْ يُصْلِحَ مَعايِشَهم في الدُّنْيا ولا يُعَجِّلَ لَهُمُ العُقُوبَةَ فِيها. وقِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، لِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ كانُوا يَحُجُّونَ جَمِيعًا، فَنَهى اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَمْنَعُوا أحَدًا عَنْ حَجِّ البَيْتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿لا تُحِلُّوا﴾ " الآيَةَ، ثُمَّ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ .
وَقالَ مُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ: " ﴿لا تُحِلُّوا﴾ " نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ولا رَيْبَ في تَناوُلِ الآمِّينَ لِلْمُشْرِكِينَ قَطْعًا، إمّا اسْتِقْلالًا وإمّا اشْتِراكًا، لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ " ... إلَخْ، فَيَتَعَيَّنُ النَّسْخُ كُلًّا أوْ بَعْضًا.
وَلا بُدَّ في الوَجْهِ الأخِيرِ مِن تَفْسِيرِ الفَضْلِ والرِّضْوانِ أنْ يُناسِبَ الفَرِيقَيْنِ، فَقِيلَ: ابْتِغاءُ الفَضْلِ؛ أيِ: الرِّزْقِ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُشْرِكِينَ عامَّةً، وابْتِغاءُ الرِّضْوانِ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَضْلُ عَلى إطْلاقِهِ شامِلًا لِلْفَضْلِ الأُخْرَوِيِّ أيْضًا، ويُخْتَصُّ ابْتِغاؤُهُ بِالمُؤْمِنِينَ.
﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ " مِنِ انْتِهاءِ حُرْمَةِ الصَّيْدِ بِانْتِفاءِ مُوجَبِها، والأمْرُ لِلْإباحَةِ بَعْدَ الحَظْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا حَلَلْتُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكم في الِاصْطِيادِ. وقُرِئَ: ( أحْلَلْتُمْ )، وهو لُغَةٌ في حَلَّ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الفاءِ بِإلْقاءِ حَرَكَةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ عَلَيْها، وهو (p-5)ضَعِيفٌ جِدًّا.
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ نَهى عَنْ إحْلالِ قَوْمٍ مِنَ الآمِّينَ خُصُّوا بِهِ مَعَ انْدِراجِهِمْ في النَّهْيِ عَنْ إحْلالِ الكُلِّ كافَّةً، لِاسْتِقْلالِهِمْ بِأُمُورٍ رُبَّما يُتَوَهَّمُ كَوْنُها مُصَحِّحَةً لِإحْلالِهِمْ داعِيَةً إلَيْهِ. وجَرَمَ جارٍ مَجْرى كَسَبَ في المَعْنى، وفي التَّعَدِّي إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وإلى اثْنَيْنِ، يُقالُ: جَرَمَ ذَنْبًا، نَحْوُ: كَسَبَهُ، وجَرَّمْتُهُ ذَنْبًا، نَحْوُ: كَسَّبْتُهُ إيّاهُ. خَلا أنَّ جَرَمَ يُسْتَعْمَلُ غالِبًا في كَسْبِ ما لا خَيْرَ فِيهِ، وهو السَّبَبُ في إيثارِهِ هَهُنا عَلى الثّانِي. وقَدْ يُنْقَلُ الأوَّلُ مِن كُلٍّ مِنهُما بِالهَمْزَةِ إلى مَعْنى الثّانِي، فَيُقالُ: أجْرَمْتُهُ ذَنْبًا وأكْسَبْتُهُ إيّاهُ. وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( يُجْرِمَنَّكم ) بِضَمِّ الياءِ.
﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ، وقُرِئَ بِسُكُونِها، وكِلاهُما مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى مَفْعُولِهِ، لا إلى فاعِلِهِ كَما قِيلَ، وهو شِدَّةُ البُغْضِ وغايَةُ المَقْتِ.
﴿أنْ صَدُّوكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالشَّنَآنِ بِإضْمارِ لامِ العِلَّةِ؛ أيْ: لِأنْ صَدُّوكم عامَ الحُدَيْبِيَةِ.
﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ عَنْ زِيارَتِهِ والطَّوافِ بِهِ لِلْعُمْرَةِ، وهَذِهِ آيَةٌ بَيِّنَةٌ في عُمُومِ آمِّينَ لِلْمُشْرِكِينَ قَطْعًا. وقُرِئَ: ( أنْ صَدُّوكم ) عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ أغْنى عَنْ جَوابِهِ " لا يَجْرِمَنَّكم "، قَدْ أبْرَزَ الصَّدَّ المُحَقَّقَ فِيما سَبَقَ في مَعْرِضِ المَفْرُوضِ لِلتَّوْبِيخِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ حَقَّهُ أنْ لا يَكُونَ وُقُوعُهُ إلّا عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
﴿أنْ تَعْتَدُوا﴾؛ أيْ: عَلَيْهِمْ، وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِهِ، وإيماءً إلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ مِنَ النَّهْيِ مَنعُ صُدُورِ الِاعْتِداءِ عَنِ المُخاطَبِينَ؛ مُحافَظَةً عَلى تَعْظِيمِ الشَّعائِرِ، لا مَنعُ وُقُوعِهِ عَلى القَوْمِ مُراعاةً لِجانِبِهِمْ. وهو ثانِي مَفْعُولَيْ " يَجْرِمَنَّكم "؛ أيْ: لا يُكْسِبَنَّكم شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم؛ لِصَدِّهِمْ إيّاكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ اعْتِداءَكم عَلَيْهِمْ، وانْتِقامَكم مِنهم لِلتَّشَفِّي. وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلشَّنَآنِ عَنْ كَسْبِ الِاعْتِداءِ لِلْمُخاطَبِينَ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهم عَنْ الِاعْتِداءِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وإبْطالٌ لِلسَّبَبِيَّةِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبَّبِ، ويُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، يُرِيدُ بِهِ: نَهْيَ مُخاطَبِهِ عَنِ الحُضُورِ لَدَيْهِ. ولَعَلَّ تَأْخِيرَ هَذا النَّهْيِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: " وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا " مَعَ ظُهُورِ تَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ حُرْمَةَ الِاعْتِداءِ لا تَنْتَهِي بِالخُرُوجِ عَنِ الإحْرامِ، كانْتِهاءِ حُرْمَةِ الِاصْطِيادِ بِهِ، بَلْ هي باقِيَةٌ ما لَمْ تَنْقَطِعْ عَلاقَتُهم عَنِ الشَّعائِرِ بِالكُلِّيَّةِ، وبِذَلِكَ يُعْلَمُ بَقاءُ حُرْمَةِ التَّعَرُّضِ لِسائِرِ الآمِّينَ بِالطَّرِيقِ الأوْلى.
﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ لَمّا كانَ الِاعْتِداءُ غالِبًا بِطَرِيقِ التَّظاهُرِ والتَّعاوُنِ، أُمِرُوا إثْرَ ما نُهُوا عَنْهُ بِأنْ يَتَعاوَنُوا عَلى كُلِّ ما هو مِن بابِ البِرِّ والتَّقْوى، ومُتابَعَةِ الأمْرِ ومُجانَبَةِ الهَوى، فَدَخَلَ فِيهِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّعاوُنِ عَلى العَفْوِ، والإغْضاءِ عَمّا وقَعَ مِنهم دُخُولًا أوَّلِيًّا، ثُمَّ نُهُوا عَنِ التَّعاوُنِ في كُلِّ ما هو مِن مَقُولَةِ الظُّلْمِ والمَعاصِي بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾؛ فانْدَرَجَ فِيهِ النَّهْيُ عَنِ التَّعاوُنِ عَلى الِاعْتِداءِ والِانْتِقامِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ. وأصْلُ لا تَعاوَنُوا: لا تَتَعاوَنُوا، فَحُذِفَ مِنهُ إحْدى التّاءَيْنِ تَخْفِيفًا، وإنَّما أُخِّرَ النَّهْيُ عَنِ الأمْرِ مَعَ تَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ؛ مُسارَعَةً إلى إيجابِ ما هو مَقْصُودٌ بِالذّاتِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِن إيجابِ تَرْكِ التَّعاوُنِ عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ، إنَّما هو تَحْصِيلُ التَّعاوُنِ عَلى البِرِّ والتَّقْوى.
ثُمَّ أُمِرُوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ بِالِاتِّقاءِ في جَمِيعِ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ ما ذُكِرَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، فَثَبَتَ وُجُوبُ الِاتِّقاءِ فِيها بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ أيْ: لِمَن لا يَتَّقِيهِ، فَيُعاقِبُكم لا مَحالَةَ إنْ لَمْ تَتَّقُوهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن إدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.(p-6)
المائدة 5:3
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ المُحَرَّماتِ الَّتِي أُشِيرَ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ " . والمَيْتَةُ: ما فارَقَهُ الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذِبْحٍ.
﴿والدَّمُ﴾؛ أيِ: المَسْفُوحُ مِنهُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ "، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَصُبُّونَهُ في الأمْعاءِ ويَشْوُونَهُ، ويَقُولُونَ: لَمْ يَحْرُمْ مَن فُزِدْ لَهُ؛ أيْ: مِن فُصِدَ لَهُ.
﴿وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾؛ أيْ: رُفِعَ الصَّوْتُ لِغَيْرِ اللَّهِ عِنْدَ ذَبْحِهِ، كَقَوْلِهِمْ: بِاسْمِ اللّاتِ والعُزّى.
﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي ماتَتْ بِالخَنْقِ.
﴿والمَوْقُوذَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي قُتِلَتْ بِالضَّرْبِ بِالخَشَبِ ونَحْوِهِ، مِن وقَذْتُهُ: إذا ضَرَبْتَهُ.
﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي تَرَدَّتْ مِن عُلْوٍ، أوْ إلى بِئْرٍ فَماتَتْ.
﴿والنَّطِيحَةُ﴾؛ أيِ: الَّتِي نَطَحَتْها أُخْرى فَماتَتْ بِالنَّطْحِ، والتّاءُ لِلنَّقْلِ، وقُرِئَ: ( والمَنطُوحَةُ ) .
﴿وَما أكَلَ السَّبُعُ﴾؛ أيْ: وما أكَلَ مِنهُ السَّبُعُ فَماتَ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ، وقُرِئَ: ( وأكِيلُ السَّبُعِ ) . وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَوارِحَ الصَّيْدِ إذا أكَلَتْ مِمّا صادَتْهُ لَمْ يَحِلَّ.
﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ، وفِيهِ بَقِيَّةُ حَياةٍ يَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مَخْصُوصٌ بِما أكَلَ السَّبُعُ، والذَّكاةُ في الشَّرْعِ بِقَطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِيءِ بِمُحَدَّدٍ.
﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قِيلَ: هو مُنْفَرِدٌ. وقِيلَ: جَمْعُ نِصابٍ. وقُرِئَ بِسُكُونِ الصّادِ، وأيًّا ما كانَ فَهو واحِدُ الأنْصابِ، وهي أحْجارٌ كانَتْ مَنصُوبَةً حَوْلَ البَيْتِ يَذْبَحُونَ عَلَيْها، ويَعُدُّونَ ذَلِكَ قُرْبَةً. وقِيلَ: هي الأصْنامُ.
﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ جَمْعُ زَلَمٍ، وهو القِدْحُ؛ أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأقْداحِ، وذَلِكَ أنَّهم إذا قَصَدُوا فِعْلًا ضَرَبُوا ثَلاثَةَ أقْداحٍ مَكْتُوبٍ عَلى أحَدِها: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى الثّانِي: نَهانِي رَبِّي، وعَلى الثّالِثِ: غُفْلٌ. فَإنْ خَرَجَ الآمِرُ مَضَوْا عَلى ذَلِكَ، وإنْ خَرَجَ النّاهِي اجْتَنَبُوا عَنْهُ، وإنْ خَرَجَ الغافِلُ أجالُوها مَرَّةً أُخْرى. فَمَعْنى الِاسْتِقْسامِ: طَلَبُ مَعْرِفَةِ ما قُسِمَ لَهم بِالأزْلامِ. وقِيلَ: هو اسْتِقْسامُ الجَزُورِ بِالأقْداحِ عَلى الأنْصِباءِ المَعْهُودَةِ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الِاسْتِقْسامِ بِالأزْلامِ، ومَعْنى البُعْدِ فِيهِ لِلْإشارَةِ إلى بُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الشَّرِّ.
﴿فِسْقٌ﴾ تَمَرُّدٌ وخُرُوجٌ عَنِ الحَدِّ، ودُخُولٌ في عِلْمِ الغَيْبِ، وضَلالٌ بِاعْتِقادِ أنَّهُ طَرِيقٌ إلَيْهِ، وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، إنْ كانَ هو المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: رَبِّي، وشِرْكٌ، وجَهالَةٌ، إنْ كانَ هو الصَّنَمَ. وقِيلَ: " ذَلِكم " إشارَةٌ إلى تَناوُلِ المُحَرَّماتِ المَعْدُودَةِ؛ لِأنَّ مَعْنى تَحْرِيمِها: تَحْرِيمُ تَناوُلِها.
﴿اليَوْمَ﴾ اللّامُ لِلْعَهْدِ، والمُرادُ بِهِ: الزَّمانُ الحاضِرُ، وما يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ والآتِيَةِ. وقِيلَ: يَوْمُ نُزُولِها، وقَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ عَصْرِ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ بِعَرَفاتٍ عَلى العَضْباءِ، فَكادَتْ عَضُدُ النّاقَةِ تَنْدَقُّ لِثِقَلِها فَبَرَّكَتْ، وأيًّا ما كانَ فَهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن إبْطالِهِ ورُجُوعِكم عَنْهُ بِتَحْلِيلِ هَذِهِ الخَبائِثِ، أوْ غَيْرِها، أوْ مِن أنْ يَغْلِبُوكم عَلَيْهِ، لِما شاهَدُوا مِن أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ وفى بِوَعْدِهِ حَيْثُ أظْهَرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ (p-7)تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾؛ أيْ: أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم.
﴿واخْشَوْنِ﴾؛ أيْ: وأخْلِصُوا إلَيَّ الخَشْيَةَ.
﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ بِالنَّصْرِ والإظْهارِ عَلى الأدْيانِ كُلِّها، أوْ بِالتَّنْصِيصِ عَلى قَواعِدِ العَقائِدِ، والتَّوْقِيفِ عَلى أُصُولِ الشَّرائِعِ وقَوانِينِ الِاجْتِهادِ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّ الإكْمالَ لِمَنفَعَتِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ .
وَ" عَلَيْكم " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ مُتَعَلِّقٌ بَأتْمَمْتُ لا بِنِعْمَتِي؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ مَعْمُولُهُ، وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ؛ أيْ: أتْمَمْتُها بِفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولِها آمِنِينَ ظاهِرِينَ، وهَدْمِ مَنارِ الجاهِلِيَّةِ ومَناسِكِها، والنَّهْيِ عَنْ حَجِّ المُشْرِكِ، وطَوافِ العُرْيانِ، أوْ بِإكْمالِ الدِّينِ والشَّرائِعِ، أوْ بِالهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ. قِيلَ: مَعْنى " ﴿وَأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ ": أنْجَزْتُ لَكم وعْدِي بِقَوْلِي: ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ .
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾؛ أيِ: اخْتَرْتُهُ لَكم مِن بَيْنِ الأدْيانِ، وهو الدِّينُ عِنْدَ اللَّهِ لا غَيْرُ. عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ قالَ لَهُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ آيَةٌ في كِتابِكم تَقْرَءُونَها، لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: أيَّ آيَةٍ ؟ قالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ الآيَةَ. قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ عَرَفْنا ذَلِكَ اليَوْمَ والمَكانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وهو قائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، أشارَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ إلى أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدٌ لَنا. «وَرُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " ما يُبْكِيكَ يا عُمَرُ " ؟ قالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا، فَإذْ أُكْمِلَ فَإنَّهُ لا يَكْمُلُ شَيْءٌ إلّا نَقَصَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " صَدَقْتَ "» . فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما لَبِثَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا أحَدًا وثَمانِينَ يَوْمًا.
﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ المُحَرَّماتِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ بِما يُوجِبُ أنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ، وهو أنَّ تَناوُلَها فُسُوقٌ، وحُرْمَتُها مِن جُمْلَةِ الدِّينِ، والنِّعْمَةِ التّامَّةِ، والإسْلامِ المَرْضِيِّ؛ أيْ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى تَناوُلِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.
﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾؛ أيْ: مَجاعَةٍ يَخافُ مَعَها المَوْتَ، أوْ مَبادِيَهُ.
﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ قِيلَ: غَيْرَ مائِلٍ ومُنْحَرِفٍ إلَيْهِ بِأنْ يَأْكُلَها تَلَذُّذًا، أوْ مُجاوِزًا حَدَّ الرُّخْصَةِ، أوْ يَنْتَزِعَها مِن مُضْطَرٍّ آخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ .
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ.
المائدة 5:4
﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ المُحَلَّلاتِ الَّتِي ذُكِرَ بَعْضُها عَلى وجْهِ الإجْمالِ إثْرَ بَيانِ المُحَرَّماتِ، كَأنَّهم سَألُوا عَنْها عِنْدَ بَيانِ أضْدادِها، ولِتَضَمُّنِ السُّؤالِ مَعْنى القَوْلِ أُوقِعَ عَلى الجُمْلَةِ، فَـ " ماذا " مُبْتَدَأٌ، و" أُحِلَّ لَهم " خَبَرُهُ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِما أنَّ يَسْألُونَ بِلَفْظِ الغَيْبَةِ، فَإنَّهُ كَما يُعْتَبَرُ حالُ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَأفْعَلَنَّ، يُعْتَبَرُ حالُ الحاكِي، فَيُقالُ: أقْسَمَ زَيْدٌ لَيَفْعَلَنَّ، والمَسْؤُولُ ما أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ.
﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾؛ أيْ: ما لَمْ تَسْتَخْبِثْهُ الطِّباعُ السَّلِيمَةُ ولَمْ تَنْفِرْ عَنْهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .
﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عَطْفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ المُضافِ عَلى أنَّ " ما " مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمُوهُ، أوْ مُبْتَدَأٌ عَلى أنَّ (p-8)" ما " شَرْطِيَّةٌ، والجَوابُ: فَكُلُوا. وقَدْ جُوِّزَ كَوْنَها مُبْتَدَأً عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً أيْضًا، والخَبَرُ كُلُوا، وإنَّما دَخَلَتْهُ الفاءُ تَشْبِيهًا لِلْمَوْصُولِ بِاسْمِ الشَّرْطِ. ومِنَ الجَوارِحِ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أوْ ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، والجَوارِحُ: الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ غالِبًا.
﴿مُكَلِّبِينَ﴾؛ أيْ: مُعَلِّمِينَ لَها الصَّيْدَ، والمُكَلِّبُ: مُؤَدِّبُ الجَوارِحِ ومُضْرِيها بِالصَّيْدِ، مُشْتَقٌ مِنَ الكَلْبِ؛ لِأنَّ التَّأْدِيبَ كَثِيرًا ما يَقَعُ فِيهِ، أوْ لِأنَّ كُلَّ سَبُعٍ يُسَمّى كَلْبًا، «لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ حِينَ أرادَ سَفَرَ الشّامِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: " اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ "»، فَأكَلَهُ الأسَدُ. وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ عَلَّمْتُمْ، وفائِدَتُها المُبالَغَةُ في التَّعْلِيمِ لِما أنَّ الِاسْمَ المُكَلَّبَ لا يَقَعُ إلّا عَلى التَّحْرِيمِ في عِلْمِهِ. وقُرِئَ: ( مُكْلِبِينَ ) بِالتَّخْفِيفِ، والمَعْنى واحِدٌ.
﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِنهُ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ مُكَلِّبِينَ، أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّعْلِيمِ والتَّأْدِيبِ، فَإنَّ العِلْمَ بِهِ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ مُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ الَّذِي هو مِنحَةٌ مِنهُ، أوْ مِمّا عَرَّفَكم أنْ تُعَلِّمُوهُ مِنِ اتِّباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ، وانْزِجارِهِ بِزَجْرِهِ، وانْصِرافِهِ بِدُعائِهِ، وإمْساكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وعَدَمِ أكْلِهِ مِنهُ.
﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قَدْ مَرَّ فِيما سَبَقَ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ " ما " شَرْطِيَّةً جَوابُ الشَّرْطِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها مَوْصُولَةً مَرْفُوعَةً عَلى الِابْتِداءِ خَبَرٌ لَها، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها عَطْفًا عَلى الطَّيِّباتِ، فَهي جُمْلَةٌ مُتَفَرِّعَةٌ عَلى بَيانِ حِلِّ صَيْدِ الجَوارِحِ المُعَلَّمَةِ مُبَيِّنَةٌ لِلْمُضافِ المُقَدَّرِ الَّذِي هو المَعْطُوفُ، وبِهِ يَتَعَلَّقُ الإحْلالُ حَقِيقَةً، ومُشِيرَةٌ إلى نَتِيجَةِ التَّعْلِيمِ وأثَرِهِ داخِلَةٌ تَحْتَ الأمْرِ، فالفاءُ فِيها كَما في قَوْلِهِ:
أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ.
وَ" مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ لِما أنَّ البَعْضَ مِمّا لا يَتَعَلَّقُ بِهِ الأكْلُ، كالجُلُودِ، والعِظامِ، والرِّيشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ. و" مِمّا " مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ حُذِفَ عائِدُها، و" عَلى " مُتَعَلِّقَةٍ بِأمْسَكْنَ؛ أيْ: فَكُلُوا بَعْضَ ما أمْسَكْنَهُ عَلَيْكم، وهو الَّذِي لَمْ يَأْكُلْنَ مِنهُ. وأمّا ما أكَلْنَ مِنهُ فَهو مِمّا أمْسَكْنَهُ عَلى أنْفُسِهِنَّ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: " وإنْ أكَلَ مِنهُ فَلا تَأْكُلْ، إنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ "»، وإلَيْهِ ذَهَبَ أكْثَرُ الفُقَهاءِ. وقالَ بَعْضُهم: لا يُشْتَرَطُ عَدَمُ الأكْلِ في سِباعِ الطَّيْرِ، لِما أنَّ تَأْدِيبَها إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مُتَعَذِّرٌ. وقالَ آخَرُونَ: لا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ مُطْلَقًا، وقَدْ رُوِيَ عَنْ سَلْمانَ، وسَعْدِ ابْنِ أبِي وقّاصٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، أنَّهُ إذا أكَلَ الكَلْبُ ثُلُثَيْهِ وبَقِيَ ثُلُثُهُ، وقَدْ ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ.
﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الضَّمِيرُ " لِما عَلَّمْتُمْ "؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ عِنْدَ إرْسالِهِ، أوْ لِما أمْسَكْنَهُ؛ أيْ: سَمُّوا عَلَيْهِ إذا أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في شَأْنِ مُحَرَّماتِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾؛ أيْ: سَرِيعُ إتْيانِ حِسابِهِ، أوْ سَرِيعُ تَمامِهِ، إذا شَرَعَ فِيهِ يَتِمُّ في أقْرَبِ ما يَكُونُ مِنَ الزَّمانِ. والمَعْنى عَلى التَّقْدِيرَيْنِ: أنَّهُ يُؤاخِذُكم سَرِيعًا في كُلِّ ما جَلَّ ودَقَّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ.
المائدة 5:5
(p-9)﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ وقْتٌ واحِدٌ، وإنَّما كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، ولِاخْتِلافِ الأحْداثِ الواقِعَةِ فِيهِ حَسُنَ تَكْرِيرُهُ، والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما مَرَّ.
﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾؛ أيِ: اليَهُودُ والنَّصارى، واسْتَثْنى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نَصارى بَنِي تَغْلِبَ، وقالَ: لَيْسُوا عَلى النَّصْرانِيَّةِ، ولَمْ يَأْخُذُوا مِنها إلّا شُرْبَ الخَمْرِ، وبِهِ أخَذَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. والمُرادُ بِطَعامِهِمْ: ما يَتَناوَلُ ذَبائِحَهم وغَيْرَها.
﴿حِلٌّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: حَلالٌ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ فَقالَ: لا بَأْسَ، وهو قَوْلُ عامَّةِ التّابِعِينَ، وبِهِ أخَذَ أبُو حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأصْحابُهُ. وحُكْمُ الصّابِئِينَ حُكْمُ أهْلِ الكِتابِ عِنْدَهُ، وقالَ صاحِباهُ: هُما صِنْفانِ: صِنْفٌ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ ويَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وصِنْفٌ لا يَقْرَءُونَ كِتابًا ويَعْبُدُونَ النُّجُومَ، فَهَؤُلاءِ لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ. وأمّا المَجُوسُ فَقَدْ سَنَّ بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ أكْلِ ذَبائِحِهِمْ ونِكاحِ نِسائِهِمْ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ غَيْرَ ناكِحِي نِسائِهِمْ ولا آكِلِي ذَبائِحِهِمْ ﴾ .
﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾ فَلا عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم وتَبِيعُوهُ مِنهم، ولَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ. /0 ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ﴾ رُفِعَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ حُذِفَ خَبَرُهُ لِدَلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ؛ أيْ: حِلٌّ لَكم أيْضًا، والمُرادُ بِهِنَّ: الحَرائِرُ العَفائِفُ، وتَخْصِيصُهُنَّ بِالذِّكْرِ لِلْبَعْثِ عَلى ما هو الأوْلى لا لِنَفْيِ ما عَداهُنَّ، فَإنَّ نِكاحَ الإماءِ المُسْلِماتِ صَحِيحٌ بِالِاتِّفاقِ، وكَذا نِكاحُ غَيْرِ العَفائِفِ مِنهُنَّ، وأمّا الإماءُ الكِتابِيّاتُ فَهُنَّ كالمُسْلِماتِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رِضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، خِلافًا لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: هُنَّ أيْضًا حِلٌّ لَكم، وإنْ كُنَّ حَرْبِيّاتٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لا تَحِلُّ الحِرْبِيّاتُ.
﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾؛ أيْ: مُهُورَهُنَّ، وتَقْيِيدُ الحِلِّ بِإيتائِها لِتَأْكِيدِ وُجُوبِها، والحَثِّ عَلى الأوْلى. وقِيلَ: المُرادُ بِإيتائِها: التِزامُها. و" إذا " ظَرْفِيَّةٌ عامِلُها حَلَّ المَحْذُوفُ. وقِيلَ: شَرْطِيَّةٌ حُذِفَ جَوابُها؛ أيْ: إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ حَلَلْنَ لَكم.
﴿مُحْصِنِينَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ آتَيْتُمُوهُنَّ؛ أيْ: حالَ كَوْنِكم أعِفّاءَ بِالنِّكاحِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ . وقِيلَ: هو حالٌ مِن ضَمِيرِ مُحْصِنِينَ. وقِيلَ: صِفَةٌ لِمُحْصِنِينَ؛ أيْ: غَيْرَ مُجاهِرِينَ بِالزِّنا.
﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾؛ أيْ: ولا مُسِرِّينَ بِهِ، والخِدْنُ: الصَّدِيقُ يَقَعُ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى، وهو إمّا مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى " مُسافِحِينَ "، وزِيدَتْ " لا " لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن غَيْرَ، أوْ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى " غَيْرَ مُسافِحِينَ " بِاعْتِبارِ أوْجُهِهِ الثَّلاثَةِ.
﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾؛ أيْ: ومَن يُنْكِرْ شَرائِعَ الإسْلامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما بُيِّنَ هَهُنا مِنَ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِالحِلِّ والحُرْمَةِ، ويَمْتَنِعْ عَنْ قَبُولِها.
﴿فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الصّالِحُ الَّذِي عَمِلَ قَبْلَ ذَلِكَ.
﴿وَهُوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ هو مُبْتَدَأٌ مِنَ الخاسِرِينَ، خَبَرُهُ " وفي "، مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الكَوْنِ المُطْلَقِ. وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ أيْ: خاسِرَةٌ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِالخاسِرِينَ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ لِلتَّعْرِيفِ لا مَوْصُولَةٌ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها. وقِيلَ: يُغْتَفَرُ في الظَّرْفِ ما لا يُغْتَفَرُ في غَيْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ:
رَبَّيْتُهُ حَتّى إذا تَمَعْدَدا ... كانَ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا(p-10)
المائدة 5:6
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِدِينِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِدُنْياهم.
﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القرآن فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ المُسَبَّبِ عَنْها مَجازًا لِلْإيجازِ، والتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَن أرادَ الصَّلاةَ حَقُّهُ أنْ يُبادِرَ إلَيْها، بِحَيْثُ لا يَنْفَكُّ عَنْ إرادَتِها، أوْ إذا قَصَدْتُمُ الصَّلاةَ إطْلاقًا لِاسْمِ أحَدِ لازِمَيْها عَلى لازِمِها الآخَرِ. وظاهِرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يُوجِبُ الوُضُوءَ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا، لِما أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ قَطْعًا، والإجْماعُ عَلى خِلافِهِ. وقَدْ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى الصَّلَواتِ الخَمْسَ يَوْمَ الفَتْحِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: صَنَعْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ "»، يَعْنِي: بَيانًا لِلْجَوازِ. وحَمْلُ الأمْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى غَيْرِ المُحْدِثِ عَلى النَّدْبِ مِمّا لا مَساغَ لَهُ، فالوَجْهُ أنَّ الخِطابَ خاصٌّ بِالمُحْدِثِينَ بِقَرِينَةِ دَلالَةِ الحالِ، واشْتِراطُ الحَدَثِ في التَّيَمُّمِ الَّذِي هو بَدَلُهُ، وما نُقِلَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ والخُلَفاءِ مِن أنَّهم كانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ أصْلًا، كَيْفَ لا وما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ: " «مَن تَوَضَّأ عَلى طُهْرٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ» " صَرِيحٌ في أنَّ ذَلِكَ كانَ مِنهم بِطَرِيقِ النَّدْبِ، وما قِيلَ: كانَ ذَلِكَ أوَّلَ الأمْرِ ثُمَّ نُسِخَ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «المائِدَةُ مِن آخِرِ القرآن نُزُولًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» " .
﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾؛ أيْ: أمِرُّوا عَلَيْها الماءَ، ولا حاجَةَ إلى الدَّلْكِ، خِلافًا لِمالِكٍ.
﴿وَأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ الجُمْهُورُ عَلى دُخُولِ المِرْفَقَيْنِ في المَغْسُولِ، ولِذَلِكَ قِيلَ: " إلى " بِمَعْنى مَعَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ . وقِيلَ: هي إنَّما تُفِيدُ مَعْنى الغايَةِ مُطْلَقًا، وأمّا دُخُولُها في الحُكْمِ، أوْ خُرُوجُها مِنهُ، فَلا دَلالَةَ لَها عَلَيْهِ، وإنَّما هو أمْرٌ يَدُورُ عَلى الدَّلِيلِ الخارِجِيِّ، كَما في: حَفِظْتُ القرآن مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾؛ فَإنَّ الدُّخُولَ في الأوَّلِ والخُرُوجَ في الثّانِي مُتَيَقَّنٌ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ الدَّلِيلِ، وحَيْثُ لَمَّ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ في الآيَةِ، وكانَتِ الأيْدِي مُتَناوِلَةً لِلْمَرافِقِ، حُكِمَ بِدُخُولِها فِيها احْتِياطًا. وقِيلَ: " إلى " مِن حَيْثُ إفادَتُها لِلْغايَةِ تَقْتَضِي خُرُوجَها، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَمَيَّزِ الغايَةُ هَهُنا عَنْ ذِي الغايَةِ، وجَبَ إدْخالُها احْتِياطًا.
﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ الباءُ مَزِيدَةٌ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِكَ: مَسَحْتُ المِندِيلَ، ومَسَحْتُ بِالمِندِيلِ، وتَحْقِيقُهُ أنَّها تَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ الفِعْلِ مَعْنى الإلْصاقِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وألْصِقُوا المَسْحَ بِرُءُوسِكم، وذَلِكَ لا يَقْتَضِي الِاسْتِيعابَ كَما يَقْتَضِيهِ ما لَوْ قِيلَ: وامْسَحُوا رُءُوسَكم، فَإنَّهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ " .
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في القَدْرِ الواجِبِ، فَأوْجَبَ الشّافِعِيُّ أقَلَّ ما يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أخْذًا بِاليَقِينِ، وأبُو حَنِيفَةَ بِبَيانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ مَسَحَ عَلى ناصِيَتِهِ وقَدَّرَها (p-11)بِرُبُعِ الرَّأْسِ، ومالِكٌ مَسَحَ الكُلَّ أخْذًا بِالِاحْتِياطِ.
﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى وُجُوهِكم، ويُؤَيِّدُهُ السُّنَّةُ الشّائِعَةُ، وعَمَلُ الصَّحابَةِ، وقَوْلُ أكْثَرِ الأئِمَّةِ، والتَّحْدِيدُ إذِ المَسْحُ لَمْ يُعْهَدْ مَحْدُودًا. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى الجِوارِ، ونَظِيرُهُ في القرآن كَثِيرٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾، ونَظائِرِهِ. ولِلنُّحاةِ في ذَلِكَ بابٌ مُفْرَدٌ، وفائِدَتُهُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَقْتَصِدَ في صَبِّ الماءِ عَلَيْها، ويَغْسِلَها غَسْلًا قَرِيبًا مِنَ المَسْحِ، وفي الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخَواتِهِ إيماءٌ إلى أفْضَلِيَّةِ التَّرْتِيبِ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: وأرْجُلُكم مَغْسُولَةٌ.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾؛ أيْ: فاغْتَسِلُوا، وقُرِئَ: ( فاطْهُرُوا )؛ أيْ: فَطَهِّرُوا أبْدانَكم. وفي تَعْلِيقِ الأمْرِ بِالطَّهارَةِ الكُبْرى بِالحَدَثِ الأكْبَرِ إشارَةٌ إلى اشْتِراطِ الأمْرِ بِالطَّهارَةِ الصُّغْرى بِالحَدَثِ الأصْغَرِ.
﴿وَإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ مَرَضًا يُخافُ بِهِ الهَلاكُ، أوِ ازْدِيادُهُ بِاسْتِعْمالِ الماءِ.
﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾؛ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ.
﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ مِن: لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِلتَّبْعِيضِ، وهي مُتَعَلِّقَةٌ بِامْسَحُوا. وقُرِئَ: ( فَأُمُّوا صَعِيدًا )، وقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُشْبَعًا في سُورَةِ النِّساءِ، فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، ولَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِيَتَّصِلَ الكَلامُ في أنْواعِ الطَّهارَةِ.
﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: ما يُرِيدُ بِالأمْرِ بِالطَّهارَةِ لِلصَّلاةِ، أوْ بِالأمْرِ بِالتَّيَمُّمِ.
﴿لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ مِن ضِيقٍ في الِامْتِثالِ بِهِ.
﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ﴾ ما يُرِيدُ بِذَلِكَ ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ﴾؛ أيْ: لِيُنَظِّفَكم، أوْ لِيُطَهِّرَكم عَنِ الذُّنُوبِ، فَإنَّ الوُضُوءَ مُكَفِّرٌ لَها، أوْ لِيُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ إذا أعْوَزَكُمُ التَّطَهُّرُ بِالماءِ، فَمَفْعُولُ يُرِيدُ في المَوْضِعَيْنِ مَحْذُوفٌ، واللّامُ لِلْعِلَّةِ، وقِيلَ: مَزِيدَةٌ. والمَعْنى: ما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ في بابِ الطَّهارَةِ، حَتّى لا يُرَخِّصَ لَكم في التَّيَمُّمِ، ولَكِنْ يُرِيدُ أنْ يُطَهِّرَكم بِالتُّرابِ، إذا أعْوَزَكُمُ التَّطَهُّرُ بِالماءِ.
﴿وَلِيُتِمَّ﴾ بِشَرْعِهِ ما هو مَطْهَرَةٌ لِأبْدانِكم ومَكْفَرَةٌ لِذُنُوبِكم.
﴿نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ في الدِّينِ، أوْ لِيُتِمَّ بِرُخَصِهِ إنْعامَهُ عَلَيْكم بِعَزائِمِهِ.
﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَتَهُ. ومِن لَطائِفِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّها مُشْتَمِلَةٌ عَلى سَبْعَةِ أُمُورٍ كُلُّها مُثَنًّى، طَهارَتانِ: أصْلٌ وبَدَلٌ، والأصْلُ اثْنانِ: مُسْتَوْعِبٌ وغَيْرُ مُسْتَوْعِبٍ، وبِاعْتِبارِ الفِعْلِ غَسْلٌ ومَسْحٌ، وبِاعْتِبارِ المَحِلِّ مَحْدُودٌ وغَيْرُ مَحْدُودٍ، وأنَّ آلَتَهُما مائِعٌ وجامِدٌ، ومُوجِبُهُما حَدَثٌ أصْغَرُ وأكْبَرُ، وأنَّ المُبِيحَ لِلْعُدُولِ إلى البَدَلِ مَرَضٌ وسَفَرٌ، وأنَّ المَوْعُودَ عَلَيْهِما تَطْهِيرُ الذُّنُوبِ وإتْمامُ النِّعْمَةِ.
المائدة 5:7
﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالإسْلامِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ، وتُرَغِّبَكم في شُكْرِهِ.
﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾؛ أيْ: عَهْدَهُ المُؤَكَّدَ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْكم.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ ظَرْفٌ لِواثَقَكم بِهِ، أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " بِهِ "، أوْ مِن مِيثاقِهِ؛ أيْ: كائِنًا وقْتَ قَوْلِكم: سَمِعْنا وأطَعْنا، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِهِ، تَأْكِيدُ وُجُوبِ مُراعاتِهِ بِتَذَكُّرِ قَبُولِهِمْ والتِزامِهِمْ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْهِ، وهو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ عَلى المُسْلِمِينَ حِينَ بايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في حالِ العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرِهِ. وقِيلَ: هو المِيثاقُ الواقِعُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ وفي بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى مَعَ صُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِكَوْنِ المَرْجِعِ إلَيْهِ، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ (p-12)الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ . وقالَ مُجاهِدٌ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى عِبادِهِ حِينَ أخْرَجَهم مِن صُلْبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: في نِسْيانِ نِعْمَتِهِ ونَقْضِ مِيثاقِهِ، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾؛ أيْ: بِخَفِيّاتِها، المُلابِسَةِ لَها مُلابَسَةً تامَّةً مُصَحِّحَةً لِإطْلاقِ الصّاحِبِ عَلَيْها، فَيُجازِيكم عَلَيْها، فَما ظَنُّكم بِجَلِيّاتِ الأعْمالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ وتَعْلِيلُ الأمْرِ بِالِاتِّقاءِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَعْلِيلِ الحُكْمِ، وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
المائدة 5:8
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الشَّرائِعِ المُتَعَلِّقَةِ بِما يَجْرِي بَيْنَهم وبَيْنَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ ما يَتَعَلَّقُ بِأنْفُسِهِمْ.
﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ مُقِيمِينَ لِأوامِرِهِ، مُمْتَثِلِينَ بِها، مُعَظِّمِينَ لَها، مُراعِينَ لِحُقُوقِها.
﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ.
﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم، ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾؛ أيْ: شِدَّةُ بُغْضِكم لَهم.
﴿عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ فَلا تَشْهَدُوا في حُقُوقِهِمْ بِالعَدْلِ، أوْ فَتَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ بِارْتِكابِ ما لا يَحِلُّ، كَمُثْلَةٍ، وقَذْفٍ، وقَتْلِ نِساءٍ وصِبْيَةٍ، ونَقْضِ عَهْدٍ تَشَفِّيًا، وغَيْرِ ذَلِكَ.
﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾؛ أيِ: العَدْلُ.
﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ، صَرَّحَ لَهم بِالأمْرِ بِالعَدْلِ، وبَيَّنَ أنَّهُ بِمَكانٍ مِنَ التَّقْوى بَعْدَما نَهاهم عَنِ الجَوْرِ، وبَيَّنَ أنَّهُ مُقْتَضى الهَوى، وإذا كانَ وُجُوبُ العَدْلِ في حَقِّ الكُفّارِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، فَما ظَنُّكَ بِوُجُوبِهِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أمَرَ بِالتَّقْوى إثْرَ ما بَيَّنَ أنَّ العَدْلَ أقْرَبُ لَهُ؛ اعْتِناءً بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ.
﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ، وتَكْرِيرُ هَذا الحُكْمِ إمّا لِاخْتِلافِ السَّبَبِ، كَما قِيلَ: إنَّ الأوَّلَ نَزَلَ في المُشْرِكِينَ، وهَذا في اليَهُودِ، أوْ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالعَدْلِ، والمُبالَغَةِ في إطْفاءِ ثائِرَةِ الغَيْظِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ، وحَيْثُ كانَ مَضْمُونُها مُنْبِئًا عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ، عَقَّبَ بِالوَعْدِ لِمَن يُحافِظُ عَلى طاعَتِهِ تَعالى، وبِالوَعِيدِ لِمَن يُخِلُّ بِها.
المائدة 5:9
فَقِيلَ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَدْلُ والتَّقْوى.
﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ حُذِفَ ثانِي مَفْعُولَيْ وعَدَ، اسْتِغْناءً عَنْهُ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ، فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لَهُ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ، فَإنَّ الوَعْدَ ضَرْبٌ مِنَ القَوْلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وعَدَهم هَذا القَوْلَ.
المائدة 5:10
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما تُلِيَتْ مِنَ النُّصُوصِ النّاطِقَةِ بِالأمْرِ والعَدْلِ والتَّقْوى.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الآياتِ.
﴿أصْحابُ الجحيم﴾ مُلابِسُوها مُلابَسَةً مُؤَبَّدَةً، مِنَ السُّنَّةِ السَّنِيَّةِ القرآنيَّةِ شَفْعُ الوَعْدِ بِالوَعِيدِ، والجَمْعُ بَيْنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ؛ إيفاءً لِحَقِّ الدَّعْوى بِالتَّبْشِيرِ والإنْذارِ.(p-13)
المائدة 5:11
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِنَ الشَّرائِرِ إثْرَ تَذْكِيرِ نِعْمَةِ إيصالِ الخَيْرِ الَّذِي هو نِعْمَةُ الإسْلامِ، وما يَتْبَعُها مِنَ المِيثاقِ، وعَلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ عَلى الأوَّلِ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، وعَلى الثّانِي لِما تَعَلَّقَ بِهِ عَلَيْكم، ولا سَبِيلَ إلى كَوْنِهِ ظَرْفًا لِاذْكُرُوا، لِتَنافِي زَمانَيْهِما؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكم، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكم في وقْتِ هَمِّهِمْ.
﴿أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾؛ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ، يُقالُ: بَسَطَ إلَيْهِ يَدَهُ: إذا بَطَشَ بِهِ، وبَسَطَ إلَيْهِ لِسانَهُ: إذا شَتَمَهُ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ رُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِمْ، حَمْلًا لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِاعْتِدادِ بِنِعْمَةِ دَفْعِهِ، كَما أنَّ تَقْدِيمَ " لَكم " في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ لِلْمُبادَرَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَخْلُوقِ مِن مَنافِعِهِمْ تَعْجِيلًا لِلْمَسَرَّةِ.
﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " هم "، وهو النِّعْمَةُ الَّتِي أُرِيدَ تَذْكِيرُها وذِكْرًا لَهم؛ لِلْإيذانِ بِوُقُوعِها عِنْدَ مَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْها، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ المُفِيدِ لِتَمامِ النِّعْمَةِ وكَمالِها، وإظْهارُ أيْدِيهِمْ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ؛ أيْ: مَنَعَ أيْدِيَهم أنْ تُمَدَّ إلَيْكم عَقِيبَ هَمِّهِمْ بِذَلِكَ، لا أنَّهُ كَفَّها عَنْكم بَعْدَما مَدُّوها إلَيْكم، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ النِّعْمَةِ مِن حَيْثُ إنَّها لَمْ تَكُنْ مَشُوبَةً بِضَرَرِ الخَوْفِ، والِانْزِعاجِ الَّذِي قَلَّما يَعْرى عَنْهُ الكَفُّ بَعْدَ المَدِّ ما لا يَخْفى مَكانُهُ، وذَلِكَ ما رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ رَأوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِعُسْفانَ في غَزْوَةِ ذِي أنْمارٍ، وهي غَزْوَةُ ذاتِ الرِّقاعِ، وهي السّابِعَةُ مِن مَغازِيهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قامُوا إلى الظُّهْرِ مَعًا، فَلَمّا صَلَّوْا نَدِمَ المُشْرِكُونَ ألّا كانُوا قَدْ أكَبُّوا عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: إنَّ لَهم بَعْدَها صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، يَعْنُونَ: صَلاةَ العَصْرِ، وهَمُّوا أنْ يُوقِعُوا بِهِمْ إذا قامُوا إلَيْها، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى كَيْدَهم بِأنْ أنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ.
وَقِيلَ: هو ما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى بَنِي قُرَيْظَةَ، ومَعَهُ الشَّيْخانِ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم، يَسْتَقْرِضُهم لِدِيَةِ مُسْلِمَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ خَطَأً يَحْسَبُهُما مُشْرِكَيْنِ، فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ، اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ ونُعْطِيَكَ ما سَألْتَ، فَأجْلَسُوهُ في صُفَّةٍ وهَمُّوا بِالفَتْكِ بِهِ، وعَمَدَ عَمْرُو ابْنُ جِحاشٍ إلى رَحًا عَظِيمَةٍ يَطْرَحُها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ تَعالى يَدَهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأخْبَرَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ» .
وَقِيلَ: هو ما رُوِيَ «أنَّهُ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا، وتَفَرَّقَ أصْحابُهُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ بِها، فَعَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيْفَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ فَأخَذَهُ وسَلَّهُ، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ ﷺ: اللَّهُ تَعالى، فَأسْقَطَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ الرَّسُولُ ﷺ، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي ؟ فَقالَ: لا أحَدَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ» اللَّهِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ عَطْفٌ عَلى اذْكُرُوا؛ أيِ: اتَّقُوهُ في رِعايَةِ حُقُوقِ نِعْمَتِهِ ولا تُخِلُّوا بِشُكْرِها، أوْ في كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِ تَعالى خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ، اسْتِقْلالًا واشْتِراكًا.
﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ فَإنَّهُ يَكْفِيهِمْ في إيصالِ كُلِّ خَيْرٍ ودَفْعِ كُلِّ شَرٍّ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وإيثارُ صِيغَةِ أمْرِ الغائِبِ، وإسْنادُها إلى المُؤْمِنِينَ لِإيجابِ التَّوَكُّلِ عَلى (p-14)المُخاطَبِينَ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ما وُصِفُوا بِهِ عِنْدَ الخِطابِ مِن وصْفِ الإيمانِ داعٍ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ التَّوَكُّلِ والتَّقْوى، وازِعٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِما. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ؛ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ التَّذْيِيلِيَّةِ.
المائدة 5:12
﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخِيانَةِ، ونَقْضِ المِيثاقِ، وما أدّى إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ التَّبِعاتِ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، ومُراعاةِ حَقِّ المِيثاقِ الَّذِي واثَقَهم بِهِ، وتَحْذِيرِهِمْ مِن نَقْضِهِ، أوْ لِتَقْرِيرِ ما ذُكِرَ مِنَ الهَمِّ بِالبَطْشِ، وتَحْقِيقُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، حَسْبَما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ بِبَيانِ أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ لَهم قَدِيمَةٌ تَوارَثُوها مِن أسْلافِهِمْ. وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَفْخِيمِ المِيثاقِ، وتَهْوِيلِ الخَطْبِ في نَقْضِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن رِعايَةِ حَقِّ الِاسْتِئْنافِ المُسْتَدْعى؛ لِلِانْقِطاعِ عَمّا قَبْلَهُ.
والِالتِفاتُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، أوْ لِأنَّ البَعْثَ كانَ بِواسِطَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ كَما سَيَأْتِي. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. والنَّقِيبُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مُشْتَقٌ مِنَ النَّقْبِ، وهو التَّفْتِيشُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ﴾، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِتَفْتِيشِهِ عَنْ أحْوالِ القَوْمِ وأسْرارِهِمْ. قالَ الزَّجّاجُ: وأصْلُهُ: مِنَ النَّقْبِ، وهو الثَّقْبُ الواسِعُ.
رُوِيَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اسْتَقَرُّوا بِمِصْرَ بِعَهْدِ مَهْلِكِ فِرْعَوْنَ، أمَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِالمَسِيرِ إلى أرِيحا أرْضِ الشّامِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبابِرَةُ الكَنْعانِيُّونَ، وقالَ لَهم: إنِّي كَتَبْتُها لَكم دارًا وقَرارًا، فاخْرُجُوا إلَيْها وجاهِدُوا مَن فِيها وإنِّي ناصِرُكم، وأمَرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَأْخُذَ مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا أمِينًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ تَوْثِقَةً عَلَيْهِمْ، فاخْتارَ النُّقَباءَ وأخَذَ المِيثاقَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وتَكَفَّلَ إلَيْهِمُ النُّقَباءَ وسارَ بِهِمْ، فَلَمّا دَنا مِن أرْضِ كَنْعانَ بَعَثَ النُّقَباءَ يَتَجَسَّسُونَ، فَرَأوْا أجْرامًا عَظِيمَةً وقُوَّةً وشَوْكَةً، فَهابُوا ورَجَعُوا وحَدَّثُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، وقَدْ نَهاهم مُوسى عَنْ ذَلِكَ فَنَكَثُوا المِيثاقَ، إلّا كالِبَ بْنَ يَوْقُنّا نَقِيبَ سِبْطِ يَهُوذا، ويُوشَعَ بْنَ نُونٍ نَقِيبَ سِبْطِ إفْرايِيمَ بْنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، قِيلَ: لَمّا تَوَجَّهَ النُّقَباءُ إلى أرْضِهِمْ لِلتَّجَسُّسِ لَقِيَهم عُوجُ بْنُ عُنْقٍ، وكانَ طُولُهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةً وثَلاثِينَ ذِراعًا، وقَدْ عاشَ ثَلاثَةَ آلافِ سَنَةٍ، وكانَ عَلى رَأْسِهِ حُزْمَةُ حَطَبٍ، فَأخَذَهم وجَعَلَهم في الحُزْمَةِ، وانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ وقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ قِتالَنا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها وقالَ: ألا أطْحَنُهم بِرِجْلِي، فَقالَتْ: لا، بَلْ خَلِّي عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، فَفَعَلَ، فَجَعَلُوا يَتَعَرَّفُونَ أحْوالَهم، وكانَ لا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ رِجالٍ أوْ أرْبَعَةٌ، فَلَمّا خَرَجَ النُّقَباءُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ بِخَبَرِ القَوْمِ ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، ولَكِنِ اكْتُمُوهُ، (p-15)إلّا عَنْ مُوسى وهارُونَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَيَكُونانِ هُما يَرَيانِ رَأْيَهُما، فَأخَذَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ المِيثاقَ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ مَعَهم حَبَّةٌ مِن عِنَبِهِمْ، وقَرَّ رَجُلٌ فَنَكَثُوا عَهْدَهم، وجَعَلَ كُلٌّ مِنهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ ويُخْبِرُهم بِما رَأى، إلّا كالِبَ ويُوشَعَ، وكانَ مُعَسْكَرُ مُوسى فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ، فَجاءَ عُوجٌ حَتّى نَظَرَ إلَيْهِمْ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الجَبَلِ فَقَوَّرَ مِنهُ صَخْرَةً عَظِيمَةً عَلى قَدْرِ العَسْكَرِ، ثُمَّ حَمَلَها عَلى رَأْسِهِ لِيُطْبِقَها عَلَيْهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى الهُدْهُدَ، فَقَوَّرَ مِنَ الصَّخْرَةِ وسَطَها المُحاذِيَ لِرَأْسِهِ، فانْتَقَبَتْ، فَوَقَعَتْ في عُنُقِ عُوجٍ وطَوَّقَتْهُ فَصَرَعَتْهُ، وأقْبَلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وطُولُهُ عَشَرَةُ أذْرُعٍ، وكَذا طُولُ العَصا، فَتَرامى في السَّماءِ عَشَرَةَ أذْرُعٍ، فَما أصابَ العَصا إلّا كَعْبَهُ وهو مَصْرُوعٌ فَقَتَلَهُ، قالُوا: فَأقْبَلَتْ جَماعَةٌ ومَعَهُمُ الخَناجِرُ حَتّى حَزُّوا رَأْسَهُ.
﴿وَقالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: لِبَنِي إسْرائِيلَ فَقَطْ، إذْ هُمُ المُحْتاجُونَ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ مَعَ ما فِيهِ مِن تَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَأْكِيدِ ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ.
﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾؛ أيْ: بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ، والنُّصْرَةِ لا بِالنُّصْرَةِ فَقَطْ، فَإنَّ تَنْبِيهَهم عَلى علمه تعالى بِكُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، وعَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ قدرته ومَلَكُوتِهِ، مِمّا يَحْمِلُهم عَلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ والِانْتِهاءِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنِّي مَعَكم أسْمَعُ كَلامَكم، وأرى أعْمالَكم، وأعْلَمُ ضَمائِرَكم، فَأُجازِيكم بِذَلِكَ.
هَذا وقَدْ قِيلَ: المُرادُ بِالمِيثاقِ: هو المِيثاقُ بِالإيمانِ والتَّوْحِيدِ، وبِالنُّقَباءِ مُلُوكُ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ يَنْقُبُونَ أحْوالَهم، ويَلُونَ أُمُورَهم بِالأمْرِ والنَّهْيِ وإقامَةِ العَدْلِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِهِمْ، واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ المَحْذُوفِ، وتَأْخِيرُ الإيمانِ عَنْ إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ مَعَ كَوْنِهِما مِنَ الفُرُوعِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ، لِما أنَّهم كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِوُجُوبِهِما مَعَ ارْتِكابِهِمْ لِتَكْذِيبِ بَعْضِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِمُراعاةِ المُقارَنَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾؛ أيْ: نَصَرْتُمُوهم وقَوَّيْتُمُوهم، وأصْلُهُ: الذَّبُّ، وقِيلَ: التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ والثَّناءُ بِخَيْرٍ. وقُرِئَ: ( وعَزَرْتُمُوهم ) بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ، وبِالتَّصَدُّقِ بِالصَّدَقاتِ المَندُوبَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ وارِدٌ عَلى غَيْرِ صِيغَةِ المَصْدَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾، أوْ مَفْعُولٌ ثانِي لَأقْرَضْتُمْ، عَلى أنَّهُ اسْمٌ لِلْمالِ المُقْرَضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِاللّامِ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ.
﴿وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الجَوابِ، مُتَأخِّرٌ عَنْهُ في الحُصُولِ أيْضًا؛ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ.
﴿فَمَن كَفَرَ﴾؛ أيْ: بِرُسُلِي، أوْ بِشَيْءٍ مِمّا عُدِّدَ في حَيِّزِ الشَّرْطِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ بَيانِ حُكْمِ مَن كَفَرَ عَلى بَيانِ حُكْمِ مَن آمَنَ؛ تَقْوِيَةً لِلتَّرْغِيبِ بِالتَّرْهِيبِ.
﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الشَّرْطُ المُؤَكَّدُ المُعَلَّقُ بِهِ الوَعْدُ العَظِيمُ المُوجِبُ لِلْإيمانِ قَطْعًا.
﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ كَفَرَ، ولَعَلَّ تَغْيِيرَ السَّبْكِ، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وإنْ كَفَرْتُمْ، عَطْفًا عَلى الشَّرْطِيَّةِ السّابِقَةِ لِإخْراجِ كُفْرِ الكُلِّ عَنْ حَيِّزِ الِاحْتِمالِ، وإسْقاطِ مَن كَفَرَ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، ولَيْسَ المُرادُ إحْداثَ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، بَلْ ما يَعُمُّ الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَنِ اتَّصَفَ بِالكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، خَلا أنَّهُ قُصِدَ بِإيرادِ ما يَدُلُّ عَلى الحُدُوثِ بَيانُ تَرَقِّيهِمْ في مَراتِبِ الكُفْرِ، فَإنَّ الِاتِّصافَ بِشَيْءٍ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ.
﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾؛ أيْ: وسَطَ الطَّرِيقِ الواضِحِ ضَلالًا بَيِّنًا، وأخْطَأهُ خَطَأً فاحِشًا، لا عُذْرَ مَعَهُ أصْلًا، بِخِلافِ مَن كَفَرَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ إذْ رُبَّما يُمْكِنُ أنْ (p-16)يَكُونَ لَهُ شُبْهَةٌ ويُتَوَهَّمَ لَهُ مَعْذِرَةٌ.
المائدة 5:13
﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ الباءُ سَبَبِيَّةٌ، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الكَلامِ وتَمْكِينِهِ في النَّفْسِ؛ أيْ: بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ المُؤَكَّدَ، لا بِشَيْءٍ آخَرَ اسْتِقْلالًا أوِ انْضِمامًا.
﴿لَعَنّاهُمْ﴾ طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم مِن رَحْمَتِنا، أوْ مَسَخْناهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، أوْ أذْلَلْناهم بِضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وتَخْصِيصُ البَيانِ بِما ذُكِرَ مَعَ أنَّ حَقَّهُ أنْ يُبَيَّنَ بَعْدَ بَيانِ تَحَقُّقٍ نَفْسِ اللَّعْنِ والنَّقْضِ، بِأنْ يُقالَ مَثَلًا: فَنَقَضُوا مِيثاقَهم فَلَعَنّاهم؛ ضَرُورَةَ تَقَدُّمِ هَيْئَةِ الشَّيْءِ البَسِيطَةِ عَلى هَيْئَتِهِ المُرَكَّبَةِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَحَقُّقَهُما أمْرٌ جَلِيٌّ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى ذَلِكَ ما بَيْنَهُما مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبِيَّةِ.
﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ بِحَيْثُ لا تَتَأثَّرُ مِنَ الآياتِ والنَّظَرِ. وقِيلَ: أمْلَيْنا لَهم ولَمْ نُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ حَتّى قَسَتْ، أوْ خَذَلْناهم ومَنَعْناهُمُ الألْطافَ حَتّى صارَتْ كَذَلِكَ. وقُرِئَ: ( قَسِيَّةً ) وهي إمّا مُبالَغَةَ قاسِيَةٍ، وإمّا بِمَعْنى: رَدِيئَةٍ، مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ؛ أيْ: رَدِيءٌ: إذا كانَ مَغْشُوشًا لَهُ يُبْسٌ وخُشُونَةٌ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ إتْباعًا لَها بِالسِّينِ.
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَرْتَبَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّهُ لا مَرْتَبَةَ أعْظَمَ مِمّا يُصَحِّحُ الِاجْتِراءَ عَلى تَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ لَعَنّاهم.
﴿وَنَسُوا حَظًّا﴾؛ أيْ: تَرَكُوا نَصِيبًا وافِرًا.
﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ مِنَ التَّوْراةِ، أوْ مِنِ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ: حَرَّفُوا التَّوْراةَ وزَلَّتْ أشْياءُ مِنها عَنْ حِفْظِهِمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾؛ أيْ: خِيانَةٍ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ، كَلاغِيَةٍ وكاذِبَةٍ، أوْ فَعْلَةٍ خائِنَةٍ؛ أيْ: ذاتِ خِيانَةٍ، أوْ طائِفَةٍ خائِنَةٍ، أوْ شَخْصٍ خائِنَةٍ، عَلى أنَّ التّاءَ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ، ومِنهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَها، خَلا أنَّ مِن عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ ابْتِدائِيَّةٌ؛ أيْ: عَلى خِيانَةٍ، أوْ عَلى فَعْلَةٍ خائِنَةٍ كائِنَةٍ مِنهم صادِرَةٍ عَنْهم، وعَلى الوُجُوهِ الباقِيَةِ تَبْعِيضِيَّةٌ، والمَعْنى: أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهم ولِأسْلافِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَها، أوْ يَكْتُمُونَها، فَلا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم.
﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في " مِنهم " عَلى الوُجُوهِ كُلِّها. وقِيلَ: مِن خائِنَةٍ عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ، والمُرادُ بِهِمُ: الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ. وقِيلَ: مِن خائِنَةٍ عَلى الوَجْهِ الثّانِي، فالمُرادُ بِالقَلِيلِ: الفِعْلُ القَلِيلُ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ كَما مَرَّ؛ أيْ: إلّا فِعْلًا قَلِيلًا كائِنًا مِنهم.
﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾؛ أيْ: إنْ تابُوا وآمَنُوا، أوْ عاهَدُوا والتَزَمُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: مُطْلَقٌ نُسِخَ بِآيَةِ السَّيْفِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وحَثٌّ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العَفْوَ عَلى الإطْلاقِ مِن بابِ الإحْسانِ.(p-17)
المائدة 5:14
﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ بَيانٌ لِقَبائِحِ النَّصارى وجِناياتِهِمْ إثْرَ بَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ وخِياناتِهِمْ، ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذْنا؛ إذِ التَّقْدِيرُ: وأخَذَنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا: إنّا نَصارى، مِيثاقَهم، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِأنَّ ذِكْرَ حالِ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ مِمّا يُوقِعُ في ذِهْنِ السّامِعِ أنَّ حالَ الأُخْرى ماذا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومِنَ الطّائِفَةِ الأُخْرى أيْضًا أخَذْنا مِيثاقَهم. وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ قامَتْ صِفَتُهُ، أوْ صِلَتُهُ مَقامَهُ؛ أيْ: ومِنهم قَوْمٌ أخَذْنا مِيثاقَهم، أوْ مَن أخَذْنا مِيثاقَهم. وضَمِيرُ مِيثاقَهم راجِعٌ إلى المَوْصُوفِ المُقَدَّرِ، وأمّا في الوَجْهِ الأوَّلِ فَراجِعٌ إلى المَوْصُولِ. وقِيلَ: راجِعٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ؛ أيْ: أخَذْنا مِن هَؤُلاءِ مِيثاقَ أُولَئِكَ؛ أيْ: مِثْلَ مِيثاقِهِمْ مِنَ الإيمان باللَّهِ والرُّسُلِ، وبِما يَتَفَرَّعُ عَلى ذَلِكَ مِن أفْعالِ الخَيْرِ، وإنَّما نَسَبَ تَسْمِيَتَهم نَصارى إلى أنْفُسِهِمْ، دُونَ أنْ يُقالَ: ومِنَ النَّصارى؛ إيذانًا بِأنَّهم في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ، بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّدْقِ، وإنَّما هو تَقَوُّلٌ مَحْضٌ مِنهم، ولَيْسُوا مِن نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ، أوْ إظْهارًا لِكَمالِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، فَإنَّ ادِّعاءَهم لِنُصْرَتِهِ تَعالى يَسْتَدْعِي ثَباتَهم عَلى طاعَتِهِ تَعالى ومُراعاةَ مِيثاقِهِ.
﴿فَنَسُوا﴾ عَقِيبَ أخْذِ المِيثاقِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ، ﴿حَظًّا﴾ وافِرًا.
﴿مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ في تَضاعِيفِ المِيثاقِ مِنَ الإيمان باللَّهِ تَعالى، وغَيْرِ ذَلِكَ حَسْبَما مَرَّ آنِفًا. وقِيلَ: هو ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ في الإنْجِيلِ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَرَكُوهُ ونَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ، واتَّبَعُوا أهْواءَهم، فاخْتَلَفُوا وتَفَرَّقُوا، نَسْطُورِيَّةً، ويَعْقُوبِيَّةً، ومَلِكانِيَّةً، أنْصارًا لِلشَّيْطانِ.
﴿فَأغْرَيْنا﴾؛ أيْ: ألْزَمْنا وألْصَقْنا، مَن غَرّى بِالشَّيْءِ: إذا لَزِمَ ولَصِقَ بِهِ، وأغْراهُ: غَيْرُهُ، ومِنهُ الغِراءُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَهُمُ﴾ إمّا ظَرْفٌ لَأغْرَيْنا، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: أغْرَيْنا.
﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ كائِنَةً بَيْنَهم، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ ظَرْفًا لَهُما؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إمّا غايَةٌ لِلْإغْراءِ، أوْ لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ؛ أيْ: يَتَعادَوْنَ ويَتَباغَضُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أهْواؤُهُمُ المُخْتَلِفَةُ، وآراؤُهُمُ الزّائِغَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى التَّفَرُّقِ إلى الفِرَقِ الثَّلاثِ، فَضَمِيرُ " بَيْنَهم " لَهم خاصَّةً. وقِيلَ: لَهم ولِلْيَهُودِ؛ أيْ: أغْرَيْنا العَداوَةَ والبَغْضاءَ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ؛ أيْ: يُجازِيهِمْ بِما عَمِلُوهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ مِن نَقْضِ المِيثاقِ، ونِسْيانِ الحَظِّ الوافِرِ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ. و" سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ والِالتِفاتُ إلى ذِكْرِ الِاسْمِ الجَلِيلِ؛ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، لِتَشْدِيدِ الوَعِيدِ والتَّعْبِيرُ عَنِ العَمَلِ بِالصُّنْعِ لِلْإيذانِ بِرُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ، وعَنِ المُجازاةِ بِالتَّنْبِئَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم لا يَعْلَمُونَ حَقِيقَةً ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ، واسْتِتْباعِها لِلْعَذابِ، فَيَكُونُ تَرْتِيبُ العَذابِ عَلَيْها في إفادَةِ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ حالِها بِمَنزِلَةِ الإخْبارِ بِها.
المائدة 5:15
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الفَرِيقَيْنِ عَلى أنَّ الكِتابَ جِنْسٌ شامِلٌ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، إثْرَ بَيانِ أحْوالِهِما مِنَ الخِيانَةِ، وغَيْرِها مِن فُنُونِ القَبائِحِ، ودَعْوَةٌ لَهم إلى الإيمانِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقرآن، وإيرادُهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّةِ الكِتابِ لِانْطِواءِ كَلامِ المُصَدَّرِ بِهِ عَلى ما يَتَعَلَّقُ بِالكِتابِ، (p-18)وَلِلْمُبالَغَةِ في التَّشْنِيعِ، فَإنَّ أهْلِيَّةَ الكِتابِ مِن مُوجِباتِ مُراعاتِهِ، والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ، وبَيانِ ما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، وقَدْ فَعَلُوا مِنَ الكَتْمِ والتَّحْرِيفِ ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ.
﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ الإضافَةُ لِلتَّشْرِيفِ والإيذانِ بِمَوْجُوبِ اتِّباعِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ حالٌ مِن رَسُولِنا، وإيثارُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَلى غَيْرِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ البَيانِ؛ أيْ: قَدْ جاءَكم رَسُولُنا حالَ كَوْنِهِ مُبَيِّنًا لَكم عَلى التَّدْرِيجِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ المَصْلَحَةُ.
﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيِ: التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَبِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةِ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، وبِشارَةِ عِيسى بِأحْمَدَ عَلَيْهِما السَّلامُ في الإنْجِيلِ. وتَأْخِيرُ كَثِيرًا عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ لِما مَرَّ مِرارًا مِن إظْهارِ عِنايَةٍ بِالمُقَدَّمِ، لِما فِيهِ مِن تَعْجِيلِ المَسَرَّةِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ؛ لِأنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ، لا سِيَّما الإشْعارُ بِكَوْنِهِ مِن مَنافِعِ المُخاطَبِ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً إلى وُرُودِهِ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَها إذا ورَدَ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاذُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ " مِمّا " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِكَثِيرًا، و" ما " مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ وما بَعْدَها صِلَتُها، والعائِدُ إلَيْها مَحْذُوفٌ، ومِنَ الكِتابِ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى الكَتْمِ والإخْفاءِ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِنَ الَّذِي تُخْفُونَهُ عَلى الِاسْتِمْرارِ حالَ كَوْنِهِ مِنَ الكِتابِ الَّذِي أنْتُمْ أهْلُهُ والمُتَمَسِّكُونَ بِهِ.
﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: ولا يُظْهِرُ كَثِيرًا مِمّا تُخْفُونَهُ، إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ داعِيَةٌ دِينِيَّةٌ؛ صِيانَةً لَكم عَنْ زِيادَةِ الِافْتِضاحِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِ الإظْهارِ بِالعَفْوِ، وفِيهِ حَثٌّ لَهم عَلى عَدَمِ الإخْفاءِ تَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ داخِلَةٌ في حُكْمِها. وقِيلَ: يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ مِنكم ولا يُؤاخِذُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ أنَّ فائِدَةَ مَجِيءِ الرَّسُولِ لَيْسَتْ مُنْحَصِرَةً فِيما ذُكِرَ مِن بَيانِ ما كانُوا يُخْفُونَهُ، بَلْ لَهُ مَنافِعُ لا تُحْصى. و" مِنَ اللَّهِ " مُتَعَلِّقٍ بِجاءَ، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نُورٌ، وأيًّا ما كانَ فَهو تَصْرِيحٌ بِما يُشْعِرُ بِهِ إضافَةُ الرَّسُولِ مِن مَجِيئِهِ مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ كَوْنِ المَجِيءِ مِن جِهَتِهِ العالِيَةِ، والتَّشْوِيقِ إلى الجائِي، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ تَطْوِيلٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
وَتَنْوِينُ " نُورٌ " لِلتَّفْخِيمِ، والمُرادُ بِهِ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾: القرآن، لِما فِيهِ مِن كَشْفِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ، وإبانَةِ ما خَفِيَ عَلى النّاسِ مِنَ الحَقِّ، والإعْجازِ البَيِّنِ. والعَطْفُ لِتَنْزِيلِ المُغايَرَةِ بِالعُنْوانِ مَنزِلَةَ المُغايَرَةِ بِالذّاتِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: هو الرَّسُولُ ﷺ، وبِالثّانِي: القرآن.
المائدة 5:16
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ﴾ تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِاتِّحادِ المَرْجِعِ بِالذّاتِ، أوْ لِكَوْنِهِما في حُكْمِ الواحِدِ، أوْ أُرِيدَ: يَهْدِي بِما ذُكِرَ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلِاهْتِمامِ، وإظْهارُ الجَلالَةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِ الهِدايَةِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِكِتابٌ، أوِ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.
﴿مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾؛ أيْ: رِضاهُ بِالإيمانِ بِهِ، ومَن مَوْصُولَةٌ أوْ (p-19)مَوْصُوفَةٌ.
﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾؛ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ والنَّجاةِ مِنَ العِقابِ، أوْ سُبُلَ اللَّهِ تَعالى، وهي شَرِيعَتُهُ الَّتِي شَرَعَها لِلنّاسِ. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِيَهْدِي، والحَقُّ أنَّ انْتِصابَهُ بِنَزْعِ الخافِضِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾، وإنَّما يُعَدّى إلى الثّانِي بِإلى، أوْ بِاللّامِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القرآن يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ .
﴿وَيُخْرِجُهُمْ﴾ الضَّمِيرُ لِمَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَما أنَّ الإفْرادَ في اتَّبَعَ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ﴾؛ أيْ: ظُلُماتِ فُنُونِ الكُفْرِ والضَّلالِ، ﴿إلى النُّورِ﴾ إلى الإيمانِ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ بِتَيْسِيرِهِ أوْ بِإرادَتِهِ.
﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو أقْرَبُ الطُّرُقِ إلى اللَّهِ تَعالى، ومُؤَدٍّ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وهَذِهِ الهِدايَةُ عَيْنُ الهِدايَةِ إلى سُبُلِ السَّلامِ، وإنَّما عُطِفَتْ عَلَيْها تَنْزِيلًا لِلتَّغايُرِ الوَصْفِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ .
المائدة 5:17
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: لا غَيْرُ، كَما يُقالُ: الكَرَمُ هو التَّقْوى، وهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ القائِلُونَ بِأنَّهُ تَعالى قَدْ يَحِلُّ في بَدَنِ إنْسانٍ مُعَيَّنٍ، أوْ في رُوحِهِ. وقِيلَ: لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ أحَدٌ مِنهم، لَكِنْ حَيْثُ اعْتَقَدُوا اتِّصافَهُ بِصِفاتِ اللَّهِ الخاصَّةِ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ تَعالى مَوْجُودٌ، فَلَزِمَهُمُ القَوْلُ بِأنَّهُ المَسِيحُ لا غَيْرُ. وقِيلَ: لِما زَعَمُوا أنَّ فِيهِ لاهُوتًا، وقالُوا: لا إلَهَ إلّا واحِدٌ، لَزِمَهم أنْ يَكُونَ هو المَسِيحَ، فَنُسِبَ إلَيْهِمْ لازِمُ قَوْلِهِمْ؛ تَوْضِيحًا لِجَهْلِهِمْ وتَفْضِيحًا لِمُعْتَقَدِهِمْ.
﴿قُلْ﴾؛ أيْ: تَبْكِيتًا لَهم، وإظْهارًا لِبُطْلانِ قَوْلِهِمُ الفاسِدِ، وإلْقامًا لَهُمُ الحَجَرَ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فَصِيحَةٌ، و" مِنِ " اسْتِفْهامِيَّةٍ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، والمِلْكُ: الضَّبْطُ والحِفْظُ التّامُّ عَنْ حَزْمٍ. ومِن مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إنْ كانَ الأمْرُ كَما تَزْعُمُونَ، فَمَن يَمْنَعُ مِن قدرته تعالى وإرادَتِهِ شَيْئًا، وحَقِيقَتُهُ: فَمَن يَسْتَطِيعُ أنْ يُمْسِكَ شَيْئًا مِنها.
﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ ومِن حَقِّ مَن يَكُونُ إلَهًا أنْ لا يَتَعَلَّقَ بِهِ، ولا بِشَأْنٍ مِن شُئُونِهِ، بَلْ بِشَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ قُدْرَةُ غَيْرِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَعْجَزَ عَنْ دَفْعِ شَيْءٍ مِنها عِنْدَ تَعَلُّقِها بِهَلاكِهِ، فَلَمّا كانَ عَجْزُهُ بَيِّنًا لا رَيْبَ فِيهِ، ظَهَرَ كَوْنُهُ بِمَعْزِلٍ مِمّا تَقَوَّلُوا في حَقِّهِ.
والمُرادُ بِالإهْلاكِ: الإماتَةُ والإعْدامُ مُطْلَقًا، لا بِطْرِيقِ السُّخْطِ والغَضَبِ، وإظْهارُ المَسِيحِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي نَسَبُوا إلَيْهِ الأُلُوهِيَّةَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والتَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ بِعَيْنِها داخِلٌ تَحْتِ قَهْرِهِ ومَلَكُوتِهِ تَعالى، ونَفْيُ المالِكِيَّةِ المَذْكُورَةِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ، مَعَ تَحَقُّقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِنَفْيِها عَنِ المَسِيحِ فَقَطْ، بِأنْ يُقالَ: فَهَلْ يَمْلِكُ شَيْئًا مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ ... إلَخْ، لِتَحْقِيقِ الحَقِّ بِنَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْ كُلِّ ما عَداهُ سُبْحانَهُ، وإثْباتِ المَطْلُوبِ في ضِمْنِهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، فَإنَّ انْتِفاءَ المالِكِيَّةِ المُسْتَلْزِمَ لِاسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ مَتى ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُلِّ، ظَهَرَ بِالنِّسْبَةِ إلى المَسِيحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَيَظْهَرُ اسْتِحالَةُ الأُلُوهِيَّةِ قَطْعًا، وتَعْمِيمُ إرادَةِ الإهْلاكِ لِلْكُلِّ مَعَ حُصُولِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّحْقِيقِ بِقَصْرِها عَلَيْهِ، بِأنْ يُقالَ: فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ (p-20)أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ؛ لِتَهْوِيلِ الخَطْبِ وإظْهارِ كَمالِ العَجْزِ بِبَيانِ أنَّ الكُلَّ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى دَفْعِ ما أُرِيدَ بِهِ، فَضْلًا عَنْ دَفْعِ ما أُرِيدَ بِغَيْرِهِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ المَسِيحَ أُسْوَةٌ لِسائِرِ المَخْلُوقاتِ في كَوْنِهِ عُرْضَةً لِلْهَلاكِ، كَما أنَّهُ أُسْوَةٌ لَها فِيما ذُكِرَ مِنَ العَجْزِ وعَدَمِ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ.
وَتَخْصِيصُ أُمِّهِ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في ضِمْنِ مَن في الأرْضِ؛ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ عَجْزِ المَسِيحِ، ولَعَلَّ نَظْمَها في سِلْكِ مَن فَرَضَ إرادَةَ إهْلاكِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ هَلاكِها قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِتَأْكِيدِ التَّبْكِيتِ وزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَضْمُونِ الكَلامِ يَجْعَلُ حالَها أُنْمُوذَجًا لِحالِ بَقِيَّةِ مَن فَرَضَ إهْلاكَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ، وقَدْ أهْلَكَ أُمَّهُ، فَهَلْ مانَعَهُ أحَدٌ، فَكَذا حالُ مَن عَداها مِنَ المَوْجُودِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾؛ أيْ: ما بَيْنَ قُطْرَيِ العالَمِ الجُسْمانِيِّ، لا بَيْنَ وجْهِ الأرْضِ ومُقَعَّرِ فَلَكِ القَمَرِ فَقَطْ، فَيَتَناوَلُ ما في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وما في أعْماقِ الأرْضِ والبِحارِ مِنَ المَخْلُوقاتِ، تَنْصِيصٌ عَلى كَوْنِ الكُلِّ تَحْتَ قَهْرِهِ تَعالى ومَلَكُوتِهِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى كَوْنِ البَعْضِ؛ أيْ: مَن في الأرْضِ كَذَلِكَ؛ أيْ: لَهُ تَعالى وحْدَهُ مُلْكُ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، والتَّصَرُّفُ المُطْلَقُ فِيها إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، لا لِأحَدٍ سِواهُ اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا، فَهو تَحْقِيقٌ لِاخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ تَعالى، إثْرَ بَيانِ انْتِفائِها عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ؛ لِبَيانِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ والأُلُوهِيَّةِ عَلى وجْهٍ يُزِيحُ ما اعْتَراهم مِنَ الشُّبْهَةِ في أمْرِ المَسِيحِ لِوِلادَتِهِ مِن غَيْرِ أبٍ، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ؛ أيْ: يَخْلُقُ ما يَشاءُ مِن أنْواعِ الخَلْقِ والإيجادِ، عَلى أنَّ " ما " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِيَّةِ لا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَخْلُقُ أيَّ خَلْقٍ يَشاؤُهُ؛ فَتارَةً يَخْلُقُ مِن غَيْرِ أصْلٍ كَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأُخْرى مِن أصْلٍ كَخَلْقِ ما بَيْنَهُما، فَيُنْشِئُ مِن أصْلٍ لَيْسَ مِن جِنْسِهِ كَخَلْقِ آدَمَ وكَثِيرٍ مِنَ الحَيَواناتِ، ومِن أصْلٍ يُجانِسُهُ إمّا مِن ذَكَرٍ وحْدَهُ كَخَلْقِ حَوّاءَ، أوْ أُنْثى وحْدَها كَخَلْقِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ مِنهُما كَخَلْقِ سائِرِ النّاسِ، ويَخْلُقُ بِلا تَوَسُّطِ شَيْءٍ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَخَلْقِ عامَّةِ المَخْلُوقاتِ، وقَدْ يَخْلُقُ بِتَوَسُّطِ مَخْلُوقٍ آخَرَ كَخَلْقِ الطَّيْرِ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مُعْجِزَةً لَهُ، وإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ يُنْسَبَ كُلُّهُ إلَيْهِ تَعالى، لا إلى مَن أجْرى ذَلِكَ عَلى يَدِهِ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلتَّعْلِيلِ وتَقْوِيَةِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
المائدة 5:18
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ، وبَيانٌ لِبُطْلانِها بَعْدَ ذِكْرِ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِهِما وبَيانِ بُطْلانِهِ؛ أيْ: قالَتِ اليَهُودُ: نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ عُزَيْرٍ، وقالَتِ النَّصارى: نَحْنُ أشْياعُ ابْنِهِ المَسِيحِ، كَما قِيلَ لِأشْياعِ أبِي خُبَيْبٍ، وهو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: الخُبَيْبِيُّونَ، وكَما يَقُولُ أقارِبُ المُلُوكِ عِنْدَ المُفاخَرَةِ: نَحْنُ المُلُوكُ. وقالَ ابْنُ (p-21)عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ إلى دِينِ الإسْلامِ، وخَوَّفَهم بِعِقابِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا: كَيْفَ تُخَوِّفُنا بِهِ ونَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ» . وقِيلَ: إنَّ النَّصارى يَتْلُونَ في الإنْجِيلِ: أنَّ المَسِيحَ قالَ لَهم إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكم. وقِيلَ: أرادُوا: أنَّ اللَّهَ تَعالى كالأبِ لَنا في الحُنُوِّ والعَطْفِ، ونَحْنُ كالأبْناءِ لَهُ في القُرْبِ والمَنزِلَةِ، وبِالجُمْلَةِ أنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ أنَّ لَهم فَضْلًا ومَزِيَّةً عِنْدَ اللَّهِ تَعالى عَلى سائِرِ الخَلْقِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ. وقِيلَ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿قُلْ﴾ إلْزامًا لَهم وتَبْكِيتًا.
﴿فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ صَحَّ ما زَعَمْتُمْ، فَلِأيِّ شَيْءٍ يُعَذِّبُكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والمَسْخِ، وقَدْ عَرَفْتُمْ بِأنَّهُ تَعالى سَيُعَذِّبُكم في الآخِرَةِ بِالنّارِ أيّامًا بِعَدَدِ أيّامِ عِبادَتِكُمُ العِجْلَ، ولَوْ كانَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ لَما صَدَرَ عَنْكم ما صَدَرَ، ولَما وقَعَ عَلَيْكم ما وقَعَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: لَسْتُمْ كَذَلِكَ ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ﴾ .
﴿مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى مِن غَيْرِ مَزِيَّةٍ لَكم عَلَيْهِمْ.
﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن أُولَئِكَ المَخْلُوقِينَ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ تَعالى وبِرُسُلِهِ.
﴿وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِنهم، وهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ وبِرُسُلِهِ مِثْلَكم.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ لا يَنْتَمِي إلَيْهِ سُبْحانَهُ شَيْءٌ مِنها، إلّا بِالمُلُوكِيَّةِ، والعُبُودِيَّةِ، والمَقْهُورِيَّةِ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ، يَتَصَرَّفُ فِيهِمْ كَيْفَ يَشاءُ إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، وإثابَةً وتَعْذِيبًا، فَأنّى لَهُمُ ادِّعاءُ ما زَعَمُوا.
﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ في الآخِرَةِ خاصَّةً، لا إلى غَيْرِهِ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، فَيُجازِي كُلاًّ مِنَ المُحْسِنِ والمُسِيءِ بِما يَسْتَدْعِيهِ عَمَلُهُ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَثْنِيهِ، ولا عاطِفٍ يَلْوِيهِ.
المائدة 5:19
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ ولُطْفٌ في الدَّعْوَةِ.
﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ حالٌ مِن " رَسُولِنا " وإيثارُهُ عَلى " مُبَيِّنًا " لِما مَرَّ فِيما سَبَقَ؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكُمُ الشَّرائِعَ والأحْكامَ الدِّينِيَّةَ المَقْرُونَةَ بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، ومِن جُمْلَتِها ما بَيَّنَ في الآياتِ السّابِقَةِ مِن بُطْلانِ أقاوِيلِكُمُ الشَّنْعاءِ، وما سَيَأْتِي مِن أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ. وإنَّما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ أنَّ مَجِيءَ الرَّسُولِ إنَّما هو لِبَيانِها، أوْ يَفْعَلُ لَكُمُ البَيانَ ويَبْذُلُهُ لَكم في كُلِّ ما تَحْتاجُونَ فِيهِ إلى البَيانِ مِن أُمُورِ الدِّينِ، وأمّا تَقْدِيرُ مِثْلِ ما سَبَقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾، كَما قِيلَ: فَمَعَ كَوْنِهِ تَكْرِيرًا مِن غَيْرِ فائِدَةٍ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ . فَإنَّ فُتُورَ الإرْسالِ وانْقِطاعَ الوَحْيِ، إنَّما يَحُوجُ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ، لا إلى بَيانِ ما كَتَمُوهُ، وعَلى فَتْرَةٍ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم عَلى الظَّرْفِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾؛ أيْ: جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورِ الإرْسالِ، وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ، ومَزِيدِ احْتِياجٍ إلى بَيانِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ يُبَيِّنُ، أوْ مِن ضَمِيرِ لَكم؛ أيْ: يُبَيِّنُ لَكم ما ذُكِرَ حالَ كَوْنِهِ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، أوْ حالَ كَوْنِكم عَلَيْها أحْوَجَ ما كُنْتُمْ إلى البَيانِ. ومِنَ الرُّسُلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِفَتْرَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٍ مِنَ الرُّسُلِ مُبْتَدَأةٍ مِن جِهَتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ تَعْلِيلٌ لِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِالبَيانِ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا: مُعْتَذِرِينَ عَنْ تَفْرِيطِكم في مُراعاةِ أحْكامِ الدِّينِ.
﴿ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ (p-22)وَقَدِ انْطَمَسَتْ آثارُ الشَّرائِعِ السّابِقَةِ وانْقَطَعَتْ أخْبارُها. وزِيادَةُ مِن في الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ في نَفْيِ المَجِيءِ، وتَنْكِيرُ بَشِيرٍ ونَذِيرٍ لِلتَّقْلِيلِ، وهَذا كَما تَرى يَقْتَضِي أنَّ المُقَدَّرَ، أوِ المَنوِيَّ فِيما سَبَقَ، هو الشَّرائِعُ والأحْكامُ، لا كَيْفَما كانَتْ، بَلْ مَشْفُوعَةً بِما ذَكَرَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ، وتُبَيِّنُ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِهِ. وتَنْوِينُ بَشِيرٍ ونَذِيرٍ لِلتَّفْخِيمِ؛ أيْ: تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ أيُّ بَشِيرٍ، ونَذِيرٌ أيُّ نَذِيرٍ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإرْسالِ تَتْرى، كَما فَعَلَهُ بَيْنَ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، حَيْثُ كانَ بَيْنَهُما ألْفٌ وسَبْعُمِائَةٍ سَنَةٍ وألْفُ نَبِيٍّ، وعَلى الإرْسالِ بَعْدَ الفَتْرَةِ كَما فَعَلَهُ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ كانَ بَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، أوْ خَمْسُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وسِتُّونَ سَنَةً، أوْ خَمْسُمِائَةٍ وسِتٌّ وأرْبَعُونَ سَنَةً، وأرْبَعَةُ أنْبِياءَ عَلى ما رَوى الكَلْبِيُّ، ثَلاثَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وواحِدٌ مِنَ العَرَبِ خالِدُ بْنُ سِنانٍ العَبْسِيُّ.
وَقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بَعْدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وهو الأنْسَبُ بِما في تَنْوِينِ فَتْرَةٍ مِنَ التَّفْخِيمِ اللّائِقِ بِمَقامِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ، بِأنَّ الرَّسُولَ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِمْ عِنْدَ كَمالِ حاجَتِهِمْ إلَيْهِ؛ بِسَبَبِ مُضِيِّ دَهْرٍ طَوِيلٍ بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ، لِيَهُشُّوا إلَيْهِ ويَعُدُّوهُ أعْظَمَ نِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وفَتْحَ بابٍ إلى الرَّحْمَةِ، وتَلْزَمُهُمُ الحُجَّةُ فَلا يَعْتَلُّوا غَدًا بِأنَّهُ لَمْ يُرْسَلْ إلَيْهِمْ مِن بَيْنِهِمْ مِن غَفْلَتِهِمْ.
المائدة 5:20
﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ ما فَعَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ مِنهم، وتَفْصِيلِ كَيْفِيَّةِ نَقْضِهِمْ لَهُ وتَعَلُّقِهِ بِما قَبْلَهُ، مِن حَيْثُ إنَّ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي وُصِفَ النَّبِيُّ ﷺ بِبَيانِها، ومِن حَيْثُ اشْتِمالُهُ عَلى انْتِفاءِ فَتْرَةِ الرُّسُلِ فِيما بَيْنَهم. و" إذْ " نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ وصَرْفِهِ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، لِيُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ ما صَدَرَ عَنْ بَعْضِهِمْ مِنَ الجِناياتِ؛ أيْ: واذْكُرْ لَهم وقْتَ قَوْلِ مُوسى لِقَوْمِهِ ناصِحًا لَهم، ومُسْتَمِيلًا لَهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ.
﴿يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها، لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرِ ما وقَعَ فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلى ما وقَعَ فِيهِ تَفْصِيلًا، فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَ ما وقَعَ فِيهِ حاضِرًا بِتَفاصِيلِهِ، كَأنَّهُ مُشاهَدٌ عِيانًا. و" عَلَيْكم " مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ النِّعْمَةِ إذا جُعِلَتْ مَصْدَرًا، وبِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها إذا جُعِلَتِ اسْمًا؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ عَلَيْكم، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ كائِنَةً عَلَيْكم، وكَذا " إذْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾؛ أيِ: اذْكُرُوا إنْعامَهُ تَعالى عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ، أوِ اذْكُرُوا نِعْمَتَهُ تَعالى كائِنَةً عَلَيْكم في وقْتِ جَعْلِهِ فِيما بَيْنَكم مِن أقْرِبائِكم أنْبِياءَ، ذَوِي عَدَدٍ كَثِيرٍ وأُولِي شَأْنٍ خَطِيرٍ، حَيْثُ لَمْ يُبْعَثْ مِن أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ ما بُعِثَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ.
﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ عَطْفٌ عَلى جَعَلَ فِيكم داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: جَعَلَ فِيكم أوْ مِنكم مُلُوكًا كَثِيرَةً، فَإنَّهُ قَدْ تَكاثَرَ فِيهِمُ المُلُوكُ تَكاثُرَ الأنْبِياءِ، وإنَّما حُذِفَ الظَّرْفُ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ الأمْرِ، أوْ جَعْلِ الكُلِّ في مَقامِ الِامْتِنانِ عَلَيْهِمْ مُلُوكًا، لِما أنَّ أقارِبَ المُلُوكِ يَقُولُونَ (p-23)عِنْدَ المُفاخَرَةِ: نَحْنُ المُلُوكُ، وإنَّما لَمْ يُسْلَكْ ذَلِكَ المَسْلَكُ فِيما قَبْلَهُ، لِما أنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مِن عِظَمِ الخَطَرِ، وعِزَّةِ المَطْلَبِ، وصُعُوبَةِ المَنالِ، لَيْسَ بِحَيْثُ يَلِيقُ أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِ ولَوْ مَجازًا مَن لَيْسَ مِمَّنِ اصْطَفاهُ اللَّهُ تَعالى لَهُ.
وَقِيلَ: كانُوا مَمْلُوكِينَ في أيْدِي القِبْطِ فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى، فَسَمّى إنْقاذَهم مُلْكًا. وقِيلَ: المَلِكُ: مَن لَهُ مَسْكَنٌ واسِعٌ فِيهِ ماءٌ جارٍ. وقِيلَ: مَن لَهُ بَيْتٌ وخَدَمٌ. وقِيلَ: مَن لَهُ مالٌ لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى تَكَلُّفِ الأعْمالِ وتَحَمُّلِ المَشاقِّ.
﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن فَلْقِ البَحْرِ، وإغْراقِ العَدُوِّ، وتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُمُورِ العِظامِ، والمُرادُ بِالعالَمِينَ: الأُمَمُ الخالِيَةُ إلى زَمانِهِمْ، وقِيلَ: مِن عالَمِي زَمانِهِمْ.
المائدة 5:21
﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ كَرَّرَ النِّداءَ بِالإضافَةِ التَّشْرِيفِيَّةِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ الأمْرِ، ومُبالَغَةً في حَثِّهِمْ عَلى الِامْتِثالِ بِهِ، والأرْضُ: هي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها كانَتْ قَرارَ الأنْبِياءِ ومَسْكَنَ المُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: هي الطُّورُ وما حَوْلَهُ، وقِيلَ: دِمَشْقُ وفِلَسْطِينُ وبَعْضُ الأُرْدُنِّ، وقِيلَ: هي الشَّأْمُ.
﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾؛ أيْ: كَتَبَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أنَّها تَكُونُ مَسْكَنًا لَكم إنْ آمَنتُمْ وأطَعْتُمْ، لِقَوْلِهِ تَعالى لَهم بَعْدَما عَصَوْا: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ فَإنَّ تَرْتِيبَ الخَيْبَةِ والخُسْرانِ عَلى الِارْتِدادِ يَدُلُّ عَلى اشْتِراطِ الكَتْبِ بِالمُجاهَدَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ قَطْعًا؛ أيْ: لا تَرْجِعُوا مُدْبِرِينَ خَوْفًا مِنَ الجَبابِرَةِ. فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، هو حالٌ مِن فاعِلِ تَرْتَدُّوا، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ الفِعْلِ، قِيلَ: لَمّا سَمِعُوا أحْوالَهم مِنَ النُّقَباءِ بَكَوْا وقالُوا: يا لَيْتَنا مِتْنا بِمِصْرَ، تَعالَوْا نَجْعَلْ لَنا رَأْسًا يَنْصَرِفُ بِنا إلى مِصْرَ، أوْ لا تَرْتَدُّوا عَنْ دِينِكم بِالعِصْيانِ وعَدَمِ الوُثُوقِ بِاللَّهِ تَعالى. وقَوْلُهُ: " فَتَنْقَلِبُوا " إمّا مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَرْتَدُّوا، أوْ مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ. والخُسْرانُ: خُسْرانُ الدِّينِ والدُّنْيا، لا سِيَّما دُخُولُ ما كُتِبَ لَهم.
المائدة 5:22
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافُ مَبْنًى نَشَأ مِن مَساقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بِمُقابَلَةِ أمْرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ونَهْيِهِ، فَقِيلَ: قالُوا غَيْرَ مُمْتَثِلِينَ بِذَلِكَ.
﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ مُتَغَلِّبِينَ لا يَتَأتّى مُنازَعَتُهم، ولا يَتَسَنّى مُناصَبَتُهم. والجَبّارُ: العاتِي الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ، ويَقْسِرُهم كائِنًا مَن كانَ عَلى ما يُرِيدُهُ كائِنًا ما كانَ، فَعّالٌ مِن جَبَرَهُ عَلى الأمْرِ؛ أيْ: أجْبَرَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها﴾ مِن غَيْرِ صُنْعٍ مِن قِبَلِنا، فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِإخْراجِهِمْ مِنها.
﴿فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي لا تَعَلُّقَ لَنا بِها.
﴿فَإنّا داخِلُونَ﴾ حِينَئِذٍ أتَوْا بِهَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مَعَ كَوْنِ مَضْمُونِها مَفْهُومًا مِمّا سَبَقَ مِن تَوْقِيتِ عَدَمِ الدُّخُولِ بِخُرُوجِهِمْ مِنها؛ تَصْرِيحًا بِالمَقْصُودِ، وتَنْصِيصًا عَلى أنَّ امْتِناعَهم مِن دُخُولِها لَيْسَ إلّا لِمَكانِهِمْ فِيها، وأتَوْا في الجَزاءِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُصَدَّرَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ دَلالَةً عَلى تَقَرُّرِ (p-24)الدُّخُولِ وثَباتِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الشَّرْطِ لا مَحالَةَ، وإظْهارًا لِكَمالِ الرَّغْبَةِ فِيهِ وفي الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.
المائدة 5:23
﴿قالَ رَجُلانِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلِ اتَّفَقُوا عَلى ذَلِكَ، أوْ خالَفَهُمُ البَعْضُ، فَقِيلَ: قالَ رَجُلانِ.
﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾؛ أيْ: يَخافُونَ اللَّهَ تَعالى دُونَ العَدُوِّ، ويَتَّقُونَهُ في مُخالَفَةِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَن عَداهُما لا يَخافُونَهُ تَعالى، بَلْ يَخافُونَ العَدُوَّ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ العَدُوَّ؛ أيْ: مِنهم في النَّسَبِ لا في الخَوْفِ، وهُما يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالِبُ بْنُ يَوْقُنّا مِنَ النُّقَباءِ. وقِيلَ: هُما رَجُلانِ مِنَ الجَبابِرَةِ أسْلَما وسارا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ فالواوُ حِينَئِذٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجَبابِرَةِ، وإلَيْهِمْ يَعُودُ العائِدُ المَحْذُوفُ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ. ويُعَضِّدُهُ قُرّاءَةُ مَن قَرَأ: ( يُخافُونَ ) عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيِ: المَخُوفِينَ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ هَذا مِنَ الإخافَةِ؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ يُخَوَّفُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالتَّذْكِيرِ، أوْ يُخَوِّفُهُمُ الوَعِيدُ.
﴿أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾؛ أيْ: بِالتَّثْبِيتِ ورَبْطِ الجَأْشِ، والوُقُوفِ عَلى شُئُونِهِ تَعالى، والثِّقَةِ بِوَعْدِهِ أوْ بِالإيمانِ، وهو صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِرَجُلانِ، أوِ اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَخافُونَ، أوْ مِن رَجُلانِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ؛ أيْ: قالا مُخاطِبِينَ لَهم ومُشَجِّعِينَ.
﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾؛ أيْ: بابَ بَلَدِهِمْ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إنَّما هو دُخُولُ البابِ وهم في بَلَدِهِمْ؛ أيْ: باغِتُوهم وضاغِطُوهم في المَضِيقِ، وامْنَعُوهم مِنَ البُرُوزِ إلى الصَّحْراءِ؛ لِئَلّا يَجِدُوا لِلْحَرْبِ مَجالًا.
﴿فَإذا دَخَلْتُمُوهُ﴾؛ أيْ: بَلَدَهم وهم فِيهِ.
﴿فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى القِتالِ، فَإنّا قَدْ رَأيْناهم وشاهَدْنا أنَّ قُلُوبَهم ضَعِيفَةٌ، وإنْ كانَتْ أجْسادُهم عَظِيمَةً، فَلا تَخْشَوْهم واهْجُمُوا عَلَيْهِمْ في المَضايِقِ، فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ فِيها عَلى الكَرِّ والفَرِّ. وقِيلَ: إنَّما حَكَما بِالغَلَبَةِ لَمّا عَلِماها مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، أوْ لِما عَلِما مَن سُنَّتِهِ تَعالى في نُصْرَةِ رُسُلِهِ، وما عَهِدا مِن صُنْعِهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَهْرِ أعْدائِهِ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِتَعْلِيقِ الغَلَبَةِ بِالدُّخُولِ.
﴿وَعَلى اللَّهِ﴾ تَعالى خاصَّةً، ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ بَعْدَ تَرْتِيبِ الأسْبابِ، ولا تَعْتَمِدُوا عَلَيْها، فَإنَّها بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّأْثِيرِ، وإنَّما التَّأْثِيرُ مِن عِنْدِ اللَّهِ العَزِيزِ القَدِيرِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُؤْمِنِينَ بِهِ تَعالى مُصَدِّقِينَ لِوَعْدِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ التَّوَكُّلَ عَلَيْهِ حَتْمًا.
المائدة 5:24
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ؛ أيْ: قالُوا غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما وبِمَقالَتِهِما مُخاطِبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ إظْهارًا لِإصْرارِهِمْ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، وتَصْرِيحًا بِمُخالَفَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها﴾؛ أيْ: أرْضَ الجَبابِرَةِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ بابِهِمْ وهم في بَلَدِهِمْ.
﴿أبَدًا﴾؛ أيْ: دَهْرًا طَوِيلًا، ﴿ما دامُوا فِيها﴾؛ أيْ: في أرْضِهِمْ، وهو بَدَلٌ مِن " أبَدًا " بَدَلَ البَعْضِ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ.
﴿فاذْهَبْ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاذْهَبْ. (p-25)
﴿أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾؛ أيْ: فَقاتِلاهم، إنَّما قالُوا ذَلِكَ اسْتِهانَةً واسْتِهْزاءً بِهِ سُبْحانَهُ وبِرَسُولِهِ، وعَدَمَ مُبالاةٍ بِهِما، وقَصَدُوا ذَهابَهُما حَقِيقَةً كَما يُنْبِئُ عَنْهُ غايَةُ جَهْلِهِمْ وقَسْوَةُ قُلُوبِهِمْ. وقِيلَ: أرادُو: إرادَتَهُما وقَصْدَهُما، كَما تَقُولُ: كَلَّمْتُهُ فَذَهَبَ يُجِيبُنِي، كَأنَّهم قالُوا: فَأرِيدا قِتالَهم واقْصُداهم. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فاذْهَبْ أنْتَ ورِبُّكَ يُعِينُكَ ولا يُساعِدُهُ. قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَقاتِلا﴾ " ولَمْ يَذْكُرُوا هارُونَ ولا الرَّجُلَيْنِ، كَأنَّهم لَمْ يَجْزِمُوا بِذَهابِهِمْ، أوْ لَمْ يَعْبَأُوا بِقِتالِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ يُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأوَّلَ، وأرادُوا بِذَلِكَ عَدَمَ التَّقَدُّمِ لا عَدَمَ التَّأخُّرِ.
المائدة 5:25
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا رَأى مِنهم ما رَأى مِنَ العِنادِ عَلى طَرِيقَةِ البَثِّ والحُزْنِ، والشَّكْوى إلى اللَّهِ تَعالى مَعَ رِقَّةِ القَلْبِ الَّتِي بِمِثْلِها تُسْتَجْلَبُ الرَّحْمَةُ وتُسْتَنْزَلُ النُّصْرَةُ.
﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾ عَطْفٌ عَلى نَفْسِي. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في إنِّي عَلى مَعْنى: إنّى لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ. وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في لا أمْلِكُ لِلْفَصْلِ.
﴿فافْرُقْ بَيْنَنا﴾ يُرِيدُ: نَفْسَهُ وأخاهُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الفَرْقِ، أوِ الدُّعاءِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ.
﴿وَبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِكَ، المُصِرِّينَ عَلى عِصْيانِكَ، بِأنْ تَحْكُمَ لَنا بِما نَسْتَحِقُّهُ وعَلَيْهِمْ بِما يَسْتَحِقُّونَهُ. وقِيلَ: بِالتَّبْعِيدِ بَيْنَنا وبَيْنَهم وتَخْلِيصِنا مِن صُحْبَتِهِمْ.
المائدة 5:26
﴿قالَ فَإنَّها﴾؛ أيِ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِنَ الدُّعاءِ.
﴿مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ تَحْرِيمَ مَنعٍ لا تَحْرِيمَ تَعَبُّدٍ، لا يَدْخُلُونَها ولا يَمْلِكُونَها؛ لِأنَّ كِتابَتَها لَهم كانَتْ مَشْرُوطَةً بِالإيمانِ والجِهادِ، وحَيْثُ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حُرِمُوا ذَلِكَ وانْقَلَبُوا خاسِرِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ إنْ جُعِلَ ظَرْفًا لِمُحَرَّمَةٍ يَكُونُ التَّحْرِيمُ مُوَقَّتًا لا مُؤَبَّدًا، فَلا يَكُونُ مُخالِفًا لِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، فالمُرادُ بِتَحْرِيمِها عَلَيْهِمْ: أنَّهُ لا يَدْخُلُها أحَدٌ مِنهم في هَذِهِ المُدَّةِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّ كُلَّهم يَدْخُلُونَها بَعْدَها، بَلْ بَعْضُهم مِمَّنْ بَقِيَ حَسْبَما رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ سارَ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرِيحا، وكانَ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها وأقامَ بِها ما شاءَ اللَّهُ تَعالى، ثُمَّ قُبِضَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: لَمْ يَدْخُلْها أحَدٌ مِمَّنْ قالَ: لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا، وإنَّما دَخَلَها مَعَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ النَّواشِيُّ مِن ذُرِّيّاتِهِمْ، فالمُوَقَّتُ بِالأرْبَعِينَ في الحَقِيقَةِ تَحْرِيمُها عَلى ذُرِّيّاتِهِمْ، وإنَّما جُعِلَ تَحْرِيمُها عَلَيْهِمْ لِما بَيْنَهُما مِنَ العَلاقَةِ التّامَّةِ المُتاخِمَةِ لِلِاتِّحادِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: يَتَحَيَّرُونَ في البَرِّيَّةِ، اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ حِرْمانِهِمْ، أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِيَتِيهُونَ، فَيَكُونُ التِّيهُ مُوَقَّتًا والتَّحْرِيمُ مُطْلَقًا. قِيلَ: كانُوا سِتَّمِائَةَ ألْفِ مُقاتِلٍ، وكانَ طُولَ البَرِّيَّةِ تِسْعُونَ فَرْسَخًا، وقَدْ تاهُوا في سِتَّةِ فَراسِخَ، أوْ تِسْعَةِ فَراسِخَ في ثَلاثِينَ فَرْسَخًا، وقِيلَ: في سِتَّةِ فَراسِخَ في اثْنَيْ عَشَرَ فَرْسَخًا. رُوِيَ أنَّهم كانُوا كُلَّ يَوْمٍ يَسِيرُونَ جادِّينَ حَتّى إذا أمْسَوْا إذا هم بِحَيْثُ ارْتَحَلُوا، وكانَ الغَمامُ يُظِلُّهم مِن حَرِّ الشَّمْسِ، ويَطْلُعُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نُورٍ يُضِيءُ لَهم، ويَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، ولا تَطُولُ شُعُورُهم، وإذا وُلِدَ لَهم مَوْلُودٌ كانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ كالظُّفُرِ يَطُولُ بِطُولِهِ، وهَذِهِ الإنْعاماتُ عَلَيْهِمْ مَعَ أنَّهم مُعاقَبُونَ، لِما أنَّ عِقابَهم كانَ بِطَرِيقِ العَرْكِ والتَّأْدِيبِ. قِيلَ: كانَ مُوسى وهارُونُ مَعَهم، ولَكِنْ (p-26)كانَ ذَلِكَ لَهُما رُوحًا وسَلامَةً، كالنّارِ لِإبْراهِيمَ ومَلائِكَةِ العَذابِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ورُوِيَ أنَّ هارُونَ ماتَ في التِّيهِ، وماتَ مُوسى بَعْدَهُ فِيهِ بِسَنَةٍ، ودَخَلَ يُوشَعُ أرِيحا بَعْدَ مَوْتِهِ بِثَلاثَةِ أشْهُرٍ، ولا يُساعِدُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّهُ تَعالى بَعْدَ ما قَبِلَ دَعْوَتَهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ وعَذَّبَهم بِالتِّيهِ، بَعِيدٌ أنْ يُنَجِّيَ بَعْضَ المَدْعُوِّ عَلَيْهِمْ أوْ ذَرارِيهِمْ، ويُقَدِّرَ وفاتَهُما في مَحِلِّ العُقُوبَةِ ظاهِرًا، وإنْ كانَ ذَلِكَ لَهُما مَنزِلَ رَوْحٍ وراحَةٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُما لَمْ يَكُونا مَعَهم في التِّيهِ، وهو الأنْسَبُ بِتَفْسِيرِ الفَرْقِ بِالمُباعَدَةِ، ومَن قالَ: بِأنَّهُما كانا مَعَهم فِيهِ، فَقَدْ فَسَّرَ الفَرْقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الحُكْمِ بِما يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ فَرِيقٍ.
﴿فَلا تَأْسَ﴾ فَلا تَحْزَنْ، ﴿عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ نَدِمَ عَلى دُعائِهِ عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: لا تَنْدَمْ وتَحْزَنْ فَإنَّهم أحِقّاءُ بِذَلِكَ لِفِسْقِهِمْ.
المائدة 5:27
﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ تَعَلِّقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَإذْ قالَ مُوسى﴾ " ... إلَخْ، وتَعَلُّقُهُ بِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ تَمْهِيدٌ، لِما سَيَأْتِي مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ ما كُتِبَ، وجاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِما جاءَتْ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ.
﴿نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ هُما قابِيلُ وهابِيلُ. ونُقِلَ عَنِ الحَسَنِ والضَّحّاكِ: أنَّهُما رَجُلانِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِقَرِينَةِ آخِرِ القِصَّةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى آدَمَ أنْ يُزَوِّجَ كُلًّا مِنهُما تَوْءَمَةَ الآخَرِ، وكانَتْ تَوْءَمَةُ قابِيلَ أجْمَلَ، واسْمُها أفَلِيما، فَحَسَدَ عَلَيْها أخاهُ وسَخِطَ، وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ مِن جِهَةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُما عَلَيْهِ السَّلامُ: قَرِّبا قُرْبانًا، فَمِن أيِّكُما قُبِلَ تَزَوَّجَها، فَفَعَلا، فَنَزَلَتْ نارٌ عَلى قُرْبانِ هابِيلَ فَأكَلَتْهُ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِقُرْبانِ قابِيلَ، فازْدادَ قابِيلُ حَسَدًا وسُخْطًا، وفَعَلَ ما فَعَلَ.
﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ والصِّحَّةِ، أوْ حالًا مِن فاعِلِ اتْلُ، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا أنْتَ، أوْ نَبِّأْهُما بِالحَقِّ والصِّدْقِ حَسْبَما تَقَرَّرَ في كُتُبِ الأوَّلِينَ.
﴿إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾ مَنصُوبٌ بِالنَّبَأِ ظَرْفٌ لَهُ؛ أيْ: اتْلُ قِصَّتَهُما ونَبِّأْهُما في ذَلِكَ الوَقْتِ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِنهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ؛ أيِ: اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبِّأْهُما نَبَأ ذَلِكَ الوَقْتِ، ورُدَّ عَلَيْهِ بِأنَّ " إذْ " لا يُضافُ إلَيْها غَيْرُ الزَّمانِ، كَوَقْتِئِذٍ وحِينَئِذٍ. والقُرْبانُ: اسْمٌ لِما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى مِن نُسُكٍ، أوْ صَدَقَةٍ كالحُلْوانِ - اسْمٌ لِما يُحْلى -؛ أيْ: يُعْطى، وتَوْحِيدُهُ لِما أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إذْ قَرَّبَ كُلٌّ مِنهُما قُرْبانًا.
﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما﴾ هو هابِيلُ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ ضَرْعٍ وقَرَّبَ جَمَلًا سَمِينًا، فَنَزَلَتْ نارٌ فَأكَلَتْهُ.
﴿وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾ هو قابِيلَ، قِيلَ: كانَ هو صاحِبَ زَرْعٍ وقَرَّبَ أرْدَأ ما عِنْدَهُ مِنَ القَمْحِ، فَلَمْ تَتَعَرَّضْ لَهُ النّارُ أصْلًا.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مَن لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُهُ ؟ فَقِيلَ: قالَ لِأخِيهِ؛ لِتَضاعُفِ سَخَطِهِ وحَسَدِهِ لَمّا ظَهَرَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿لأقْتُلَنَّكَ﴾؛ أيْ: واللَّهِ لِأقْتُلَنَّكَ بِالنُّونِ المُشَدَّدَةِ، وقُرِئَ بِالمُخَفَّفَةِ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما قَبْلَهُ؛ أيْ: قالَ الَّذِي تُقُبِّلَ قُرْبانُهُ لَمّا رَأى أنَّ حَسَدَهُ لِقَبُولِ قُرْبانِهِ، وعَدَمِ قَبُولِ قُرْبانِ نَفْسِهِ.
﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ﴾؛ أيِ: القُرْبانَ.
﴿مِنَ المُتَّقِينَ﴾ لا مِن غَيْرِهِمْ، وإنَّما تَقَبَّلَ قُرْبانِي ورَدَّ قُرْبانَكَ، لِما فِينا مِنَ التَّقْوى وعَدَمِهِ؛ أيْ: إنَّما أُتِيتَ مِن قِبَلِ نَفْسِكَ لا مِن (p-27)قِبَلِي فَلِمَ تَقْتُلُنِي، خَلا أنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ، بَلْ سَلَكَ مَسْلَكَ التَّعْرِيضِ؛ حَذَرًا مِن تَهْيِيجِ غَضَبِهِ وحَمْلًا لَهُ عَلى التَّقْوى والإقْلاعِ عَمّا نَواهُ، ولِذَلِكَ أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
المائدة 5:28
ثُمَّ صَرَّحَ بِتَقْواهُ عَلى وجْهٍ يَسْتَدْعِي سُكُونَ غَيْظِهِ لَوْ كانَ لَهُ عَقْلٌ وازِعٌ، حَيْثُ قالَ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ حَيْثُ صَدَّرَ الشَّرْطَيْةَ بِاللّامِ المُوَطِّئَةِ لِلْقَسَمِ، وقَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِرُجُوعِ ضَرَرِ البَسْطِ وغائِلَتِهِ إلَيْهِ، ولَمْ يُجْعَلْ جَوابُ القَسَمِ السّادُّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً مُوافِقَةً لِما في الشَّرْطِ، بَلِ اسْمِيَّةٌ مُصَدَّرَةٌ بِما الحِجازِيَّةِ المُفِيدَةِ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إظْهارِ بَراءَتِهِ عَنْ بَسْطِ اليَدِ بِبَيانِ اسْتِمْرارِهِ عَلى نَفْيِ البَسْطِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هم بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ، كَذَلِكَ السَّلْبِيَّةُ تَدُلُّ بِمَعُونَتِهِ عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، وذَلِكَ بِاعْتِبارِ الدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ بَعْدَ اعْتِبارِ النَّفْيِ لا قَبْلَهُ، حَتّى يَرِدَ النَّفْيُ عَلى المُقَيَّدِ بِالدَّوامِ فَيَرْفَعَ قَيْدَهُ؛ أيْ: واللَّهِ لَئِنْ باشَرْتَ قَتْلِي حَسْبَما أوْعَدْتَنِي بِهِ، وتَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنكَ، ما أنا بِفاعِلٍ مِثْلَهُ لَكَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وفِيهِ مِن إرْشادِ قابِيلَ إلى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ ما لا يَخْفى، كَأنَّهُ قالَ: إنِّي أخافُهُ تَعالى إنْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ لِأقْتُلَكَ أنْ يُعاقِبَنِي، وإنْ كانَ ذَلِكَ مِنِّي لِدَفْعِ عَداوَتِكَ عَنِّي، فَما ظَنُّكَ بِحالِكَ وأنْتَ البادِي العادِي. وفي وصْفِهِ تَعالى بِرُبُوبِيَّةِ العالَمِينَ تَأْكِيدٌ لِلْخَوْفِ.
قِيلَ: كانَ هابِيلُ أقْوى مِنهُ، ولَكِنْ تَحَرَّجَ عَنْ قَتْلِهِ واسْتَسْلَمَ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ القَتْلَ لِلدَّفْعِ لَمْ يَكُنْ مُباحًا حِينَئِذٍ. وقِيلَ: تَحَرِّيًا لِما هو الأفْضَلُ حَسْبَما قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» "، ويَأْباهُ التَّعْلِيلُ بِخَوْفِهِ تَعالى، إلّا أنْ يُدَّعى أنَّ تَرْكَ الأوْلى عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ المَعْصِيَةِ في اسْتِتْباعِ الغائِلَةِ مُبالَغَةً في التَّنَزُّهِ.
المائدة 5:29
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِامْتِناعِهِ عَنِ المُعارَضَةِ عَلى أنَّهُ غَرَضٌ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ، كَما أنَّ الأوَّلَ باعِثٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ، وإنَّما لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ كُلٍّ مِنهُما في العِلِّيَّةِ، والمَعْنى: إنِّي أُرِيدُ بِاسْتِسْلامِي لَكَ وامْتِناعِي عَنِ التَّعَرُّضِ لَكَ أنْ تَرْجِعَ بِإثْمِي؛ أيْ: بِمِثْلِ إثْمِي لَوْ بَسَطْتُ يَدِيَ إلَيْكَ، وبِإثْمِكَ بِبَسْطِ يَدِكَ إلَيَّ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " «المُسْتَّبّانِ ما قالا، فَعَلى البادِئِ ما لَمْ يَعْتَدِ المَظْلُومُ» "؛ أيْ: عَلى البادِئِ عَيْنُ إثْمِ سَبِّهِ، ومِثْلُ سَبِّ صاحِبِهِ بِحُكْمِ كَوْنِهِ سَبَبًا لَهُ. وقِيلَ: مَعْنى بِإثْمِي: إثْمِ قَتْلِي، ومَعْنى بِإثْمِكَ: الَّذِي لِأجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ. وكِلاهُما نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: تَرْجِعُ مُلْتَبِسًا بِالإثْمَيْنِ حامِلًا لَهُما، ولَعَلَّ مُرادَهُ بِالذّاتِ إنَّما هو عَدَمُ مُلابَسَتِهِ لِلْإثْمِ لا مُلابَسَةُ أخِيهِ لَهُ. وقِيلَ: المُرادُ بِالإثْمِ: عُقُوبَتُهُ، ولا رَيْبَ في جَوازِ إرادَةِ عُقُوبَةِ العاصِي مِمَّنْ عُلِمَ أنَّهُ لا يَرْعَوِي عَنِ المَعْصِيَةِ أصْلًا ويَأْباهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ فَإنَّ كَوْنَهُ مِنهم إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى رُجُوعِهِ بِالإثْمَيْنِ، لا عَلى ابْتِلائِهِ بِعُقُوبَتِهِما.
وَحَمْلُ العُقُوبَةِ عَلى نَوْعٍ آخَرَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها (p-28)العُقُوبَةُ النّارِيَّةُ، يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ كَوْنَهُ مِن أصْحابِ النّارِ تَمامُ العُقُوبَةِ وكَمالُها، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها، ولَقَدْ سَلَكَ في صَرْفِهِ عَمّا نَواهُ مِنَ الشَّرِّ كُلَّ مَسْلَكٍ مِنَ العِظَةِ والتَّذْكِيرِ، بِالتَّرْغِيبِ تارَةً والتَّرْهِيبِ أُخْرى، فَما أُورَثَهُ ذَلِكَ إلّا الإصْرارَ عَلى الغَيِّ والِانْهِماكَ في الفَسادِ.
المائدة 5:30
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾؛ أيْ: وسَّعَتْهُ وسَهَّلَتْهُ، مِن طاعَ لَهُ المَرْتَعُ: إذا اتَّسَعَ. وتَرْتِيبُ التَّطْوِيعِ عَلى ما حُكِيَ مِن مَقالاتِ هابِيلَ مَعَ تَحَقُّقِهِ قَبْلَها أيْضًا، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ: " لَأقْتُلَنَّكَ "، لِما أنَّ بَقاءَ الفِعْلِ بَعْدَ تَقَرُّرِ ما يُزِيلُهُ مِنَ الدَّواعِي القَوِيَّةِ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ أمْرٌ حادِثٌ وصُنْعٌ جَدِيدٌ، كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، أوْ لِأنَّ هَذِهِ المَرْتَبَةَ مِنَ التَّطْوِيعِ لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً قَبْلَ ذَلِكَ، بِناءً عَلى تَرَدُّدِهِ في قدرته عَلى القَتْلِ، لِما أنَّهُ كانَ أقْوى مِنهُ، وإنَّما حَصَلَتْ بَعْدَ وُقُوفِهِ عَلى اسْتِسْلامِ هابِيلَ وعَدَمِ مُعارَضَتِهِ لَهُ، والتَّصْرِيحُ بِأُخُوَّتِهِ لِكَمالِ تَقْبِيحِ ما سَوَّلَتْهُ نَفْسُهُ. وقُرِئَ: ( فَطاوَعَتْ ) عَلى أنَّهُ فاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، أوْ عَلى أنَّ قَتْلَ أخِيهِ، كَأنَّهُ دَعّى نَفْسَهُ إلى الإقْدامِ عَلَيْهِ، فَطاوَعَتْهُ ولَمْ تَمْتَنِعْ، و" لَهُ " لِزِيادَةِ الرَّبْطِ، كَقَوْلِكَ: حَفِظْتُ لِزَيْدٍ ما لَهُ.
﴿فَقَتَلَهُ﴾ قِيلَ: لَمْ يَدْرِ قابِيلُ كَيْفَ يَقْتُلُ هابِيلَ، فَتَمَثَّلَ إبْلِيسُ وأخَذَ طائِرًا، ووَضَعَ رَأْسَهُ عَلى حَجَرٍ ثُمَّ شَدَخَها بِحَجَرٍ آخَرَ فَتَعَلَّمَ مِنهُ، فَرَضَخَ رَأْسَ هابِيلَ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وهو مُسْتَسْلِمٌ لا يَسْتَعْصِي عَلَيْهِ. وقِيلَ: اغْتالَهُ وهو نائِمٌ، وكانَ لِهابِيلَ يَوْمَ قُتِلَ عِشْرُونَ سَنَةً، واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ قَتْلِهِ، فَقِيلَ: عِنْدَ عَقَبَةِ حِراءَ، وقِيلَ: بِالبَصْرَةِ في مَوْضِعِ المَسْجِدِ الأعْظَمِ، وقِيلَ: في جَبَلٍ بُودٍ. ولَمّا قَتَلَهُ تَرَكَهُ بِالعَراءِ لا يَدْرِي ما يَصْنَعُ بِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ السِّباعَ، فَحَمَلَهُ في جِرابٍ عَلى ظَهْرِهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقِيلَ: سَنَةً، حَتّى أرْوَحَ وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطُّيُورُ والسِّباعُ تَنْظُرُ مَتى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلَهُ.
﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ دِينًا ودُنْيا.
المائدة 5:31
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾ رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَعَثَ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، فَحَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ ورِجْلَيْهِ حُفْرَةً فَألْقاهُ فِيها، والمُسْتَكِنُّ في يُرِيَهُ اللَّهُ تَعالى، أوْ لِلْغُرابِ، واللّامُ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعَثَ حَتْمًا، وعَلى الثّانِي بِيَبْحَثُ، ويَجُوزُ تَعَلُّقُها بِبَعَثَ أيْضًا. و" كَيْفَ " حالٌ مِن ضَمِيرِ يُوارِي، والجُمْلَةُ ثانِي مَفْعُولَيْ يُرِيَ، والمُرادُ بِسَوْأةِ أخِيهِ: جَسَدُهُ المَيْتُ.
﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن سَوْقِ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ عِنْدَ مُشاهَدَةِ حالِ الغُرابِ ؟
فَقِيلَ: قالَ: "يا ويْلَتى" هي كَلِمَةُ جَزَعٍ وتَحَسُّرٍ، والألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ، والمَعْنى: يا ويْلَتِي احْضُرِي فَهَذا أوانُكِ، والوَيْلُ والوَيْلَةُ: الهَلَكَةُ.
﴿أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ﴾؛ أيْ: عَنْ أنْ أكُونَ.
﴿مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ تَعَجُّبٌ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِ إلى ما اهْتَدى إلَيْهِ الغُرابُ. وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فَأُوارِيَ﴾ " بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى أنْ أكُونَ. وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: فَأنا أُوارِي.
﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾؛ أيْ: عَلى قَتْلِهِ لِما كابَدَ فِيهِ مِنَ التَّحَيُّرِ في أمْرِهِ، وحَمْلِهِ عَلى رَقَبَتِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكانَ أبْيَضَ، فَسَألَهُ آدَمُ عَنْ أخِيهِ فَقالَ: (p-29)ما كُنْتُ عَلَيْهِ وكِيلًا. قالَ: بَلْ قَتَلْتَهُ، ولِذَلِكَ اسْوَدَّ جَسَدُكَ، ومَكَثَ آدَمُ بَعْدَهُ مِائَةَ سَنَةٍ لا يَضْحَكُ. وقِيلَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ هَرَبَ إلى عَدَنَ مِن أرْضِ اليَمَنِ، فَأتاهُ إبْلِيسُ فَقالَ لَهُ: إنَّما أكَلَتِ النّارُ قُرْبانَ هابِيلَ؛ لِأنَّهُ كانَ يَخْدُمُها ويَعْبُدُها، فَإنْ عَبَدْتَها أيْضًا حَصَلَ مَقْصُودُكَ، فَبَنى بَيْتَ نارٍ فَعَبَدَها، وهو أوَّلُ مَن عَبَدَ النّارَ.
المائدة 5:32
﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾ شُرُوعٌ فِيما هو المَقْصُودُ مِن تِلاوَةِ النَّبَأِ مِن بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِ بَنِي إسْرائِيلَ ومَعاصِيهِمْ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى عِظَمِ شَأْنِ القَتْلِ، وإفْراطِ قُبْحِهِ المَفْهُومَيْنِ مِمّا ذُكِرَ في تَضاعِيفَ القِصَّةِ مِنِ اسْتِعْظامِ هابِيلَ لَهُ، وكَمالِ اجْتِنابِهِ عَنْ مُباشَرَتِهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ واسْتِسْلامِهِ لِأنْ يُقْتَلَ؛ خَوْفًا مِن عِقابِهِ وبَيانِ اسْتِتْباعِهِ لِتَحَمُّلِ القاتِلِ لِإثْمِ المَقْتُولِ، ومِن كَوْنِ قابِيلَ بِمُباشَرَتِهِ مِن جُمْلَةِ الخاسِرِينَ دِينَهم ودُنْياهم، ومِن نَدامَتِهِ عَلى فِعْلِهِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ العُتُوِّ، وشِدَّةِ الشَّكِيمَةِ، وقَساوَةِ القَلْبِ. والأجْلُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ، أجَلَ شَرًّا: إذا جَناهُ، اسْتُعْمِلَ في تَعْلِيلِ الجِناياتِ، كَما في قَوْلِهِمْ: مِن جَرّاكَ فَعَلْتُهُ؛ أيْ: مِن أنْ جَرَرْتَهُ وجَنَيْتَهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ واسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَعْلِيلٍ. وقُرِئَ: ( مِن إجْلِ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ. وقُرِئَ: ( مِنَ اجْلِ ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ فَتْحَتِها عَلى النُّونِ.
وَ" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ، مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: مِن ذَلِكَ ابْتِداءُ الكَتْبِ، ومِنهُ نَشَأ لا مِن شَيْءٍ آخَرَ؛ أيْ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ وبَيَّنّا.
﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا﴾ واحِدَةً مِنَ النُّفُوسِ، ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ قَتْلِ نَفْسٍ يُوجِبُ الِاقْتِصاصَ.
﴿أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾؛ أيْ: فَسادٍ يُوجِبُ إهْدارَ دَمِها، وهو عَطْفٌ عَلى ما أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرِ عَلى مَعْنى نَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ مَعًا، كَما في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ تَيَمُّمٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، لا نَفْيِ أحَدِهِما كَما في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ، أوْ ثَوْبٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ. ومَدارُ الِاسْتِعْمالَيْنِ اعْتِبارُ وُرُودِ النَّفْيِ عَلى ما يُسْتَفادُ مِن كَلِمَةِ أوْ مِنَ التَّرْدِيدِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُنْبِئِ عَنِ التَّخْيِيرِ والإباحَةِ، واعْتِبارُ العَكْسِ ومَناطُ الِاعْتِبارَيْنِ اخْتِلافُ حالِ ما أُضِيفَ إلَيْهِ غَيْرِ مِنَ الأمْرَيْنِ، بِحَسَبِ اشْتِراطِ نَقِيضِ الحُكْمِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما، واشْتِراطِهِ بِتَحَقُّقِهِما مَعًا؛ فَفي الأوَّلِ يَرِدُ النَّفْيُ عَلى التَّرْدِيدِ الواقِعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ قَبْلَ وُرُودِهِ، فَيُفِيدُ نَفْيَهُما مَعًا. وفي الثّانِي يَرِدُ التَّرْدِيدُ عَلى النَّفْيِ، فَيُفِيدُ نَفْيَ أحَدِهِما حَتْمًا؛ إذْ لَيْسَ قَبْلَ وُرُودِ النَّفْيِ تَرْدِيدٌ حَتّى يُتَصَوَّرَ عَكْسُهُ. وتَوْضِيحُهُ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ شُرِطَ بِتَحَقُّقِ أحَدِ شَيْئَيْنِ مَثَلًا، فَنَقِيضُهُ مَشْرُوطٌ بِانْتِفائِهِما مَعًا، وكُلَّ حُكْمٍ شُرِطَ بِتَحَقُّقِهِما مَعًا، فَنَقِيضُهُ مَشْرُوطٌ بِانْتِفاءِ أحَدِهِما ضَرُورَةَ أنَّ نَقِيضَ كُلِّ شَيْءٍ مَشْرُوطٌ بِنَقِيضِ شَرْطِهِ، ولا رَيْبَ في أنَّ نَقِيضَ الإيجابِ الجُزْئِيِّ كَما في الحُكْمِ الأوَّلِ هو السَّلْبُ الكُلِّيُّ، ونَقِيضَ الإيجابِ الكُلِّيِّ كَما في الحُكْمِ الثّانِي هو رَفْعُهُ المُسْتَلْزِمُ لِلسَّلْبِ الجُزْئِيِّ؛ فَثَبَتَ اشْتِراطُ نَقِيضِ الأوَّلِ بِانْتِفائِهِما مَعًا، واشْتِراطُ نَقِيضِ الثّانِي بِانْتِفاءِ أحَدِهِما. ولَمّا كانَ الحُكْمُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِوُضُوءٍ أوْ تَيَمُّمٍ صَحَّتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما مُبْهَمًا، كانَ نَقِيضُهُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ (p-30)تَيَمُّمٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِنَقِيضِ الشَّرْطِ المَذْكُورِ البَتَّةَ، وهو انْتِفاؤُهُما مَعًا، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن غَيْرِ عَلى التَّرْدِيدِ الواقِعِ بَيْنَ الوُضُوءِ والتَّيَمُّمِ بِكَلِمَةِ أوْ فانْتَفى تَحَقُّقُهُما مَعًا ضَرُورَةَ عُمُومِ النَّفْيِ الوارِدِ عَلى المُبْهَمِ.
وَعَلى هَذا يَدُورُ ما قالُوا: إنَّهُ إذا قِيلَ: جالِسِ العُلَماءَ أوِ الزُّهّادَ، ثُمَّ أُدْخِلَ عَلَيْهِ " لا " النّاهِيَةُ، امْتَنَعَ فِعْلُ الجَمِيعِ، نَحْوَ: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾؛ إذِ المَعْنى: لا تَفْعَلْ أحَدَهُما، فَأيُّهُما فَعَلَهُ فَهو أحَدُهُما. وأمّا قَوْلُكَ: مَن صَلّى بِوُضُوءٍ أوْ ثَوْبٍ صَحَّتْ صَلاتُهُ، فَحَيْثُ كانَ الحُكْمُ فِيهِ مَشْرُوطًا بِتَحَقُّقِ كِلا الأمْرَيْنِ، كانَ نَقِيضُهُ في قَوْلِكَ: مَن صَلّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ أوْ ثَوْبٍ بَطَلَتْ صَلاتُهُ، مَشْرُوطًا بِنَقِيضِ الشَّرْطِ المَذْكُورِ، وهو انْتِفاءُ أحَدِهِما، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ التَّرْدِيدِ عَلى النَّفْيِ، فَأفادَ نَفْيَ أحَدِهِما. ولا يَخْفى أنَّ إباحَةَ القَتْلِ مَشْرُوطَةٌ بِأحَدِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، ومِن ضَرُورَتِهِ اشْتِراطُ حُرْمَتِهِ بِانْتِفائِهِما مَعًا، فَتَعَيَّنَ وُرُودُ النَّفْيِ عَلى التَّرْدِيدِ لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ أحَدِهِما.
﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ فَمَن قالَ في تَفْسِيرِهِ: أوْ بِغَيْرِ فَسادٍ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنْ تَوْفِيَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ حَقَّهُ. و" ما " في " كَأنَّما " كافَّةٌ مُهَيِّئَةٌ لِوُقُوعِ الفِعْلِ بَعْدَها. و" جَمِيعًا " حالٌ مِنَ النّاسِ أوْ تَأْكِيدٌ، ومَناطُ التَّشْبِيهِ اشْتِراكُ الفِعْلَيْنِ في هَتْكِ حُرْمَةِ الدِّماءِ، والِاسْتِعْصاءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَجْسِيرِ النّاسِ عَلى القَتْلِ، وفي اسْتِتْباعِ القَوَدِ واسْتِجْلابِ غَضَبِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ العَظِيمِ.
﴿وَمَن أحْياها﴾؛ أيْ: تَسَبَّبَ لِبَقاءِ نَفْسٍ واحِدَةٍ مَوْصُوفَةٍ بِعَدَمِ ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ في الأرْضِ، إمّا بِنَهْيِ قاتِلِها عَنْ قَتْلِها، أوِ اسْتِنْقاذِها مِن سائِرِ أسْبابِ الهَلَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.
﴿فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ وجْهُ التَّشْبِيهِ ظاهِرٌ، والمَقْصُودُ تَهْوِيلُ أمْرِ القَتْلِ، وتَفْخِيمُ شَأْنِ الإحْياءِ بِتَصْوِيرِ كُلٍّ مِنهُما بِصُورَةٍ لائِقَةٍ بِهِ في إيجابِ الرَّهْبَةِ والرَّغْبَةِ؛ ولِذَلِكَ صَدَرَ النَّظْمُ الكَرِيمُ بِضَمِيرِ الشَّأْنِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ شُهْرَتِهِ ونَباهَتِهِ، وتَبادُرِهِ إلى الأذْهانِ عِنْدَ ذِكْرِ الضَّمِيرِ المُوجِبِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ ما بَعْدَهُ في الذِّهْنِ، فَإنَّ الضَّمِيرَ لا يُفْهَمُ مِنهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ إلّا شَأْنٌ مُبْهَمٌ لَهُ خَطَرٌ، فَيَبْقى الذِّهْنُ مُتَرَقِّبًا لِما يَعْقُبُهُ، فَيَتَمَكَّنُ عِنْدَ وُرُودِهِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ الشَّأْنَ الخَطِيرَ هَذا.
﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا بِالبَيِّناتِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَقِرَّةٌ غَيْرُ مَعْطُوفَةٍ عَلى كَتَبْنا أُكِّدَتْ بِالتَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وحَرْفُ التَّحْقِيقِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَحَقُّقِ مَضْمُونِها، وإنَّما لَمْ يُقَلْ: ولَقَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ ... إلَخْ؛ لِلتَّصْرِيحِ بِوُصُولِ الرِّسالَةِ إلَيْهِمْ، فَإنَّهُ أدَلُّ عَلى تَناهِيهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُنا حَسْبَما أرْسَلْناهم بِالآياتِ الواضِحَةِ النّاطِقَةِ بِتَقْرِيرِ ما كَتَبْنا عَلَيْهِمْ؛ تَأْكِيدًا لِوُجُوبِ مُراعاتِهِ وتَأْيِيدًا لِتَحَتُّمِ المُحافَظَةِ عَلَيْهِ.
﴿ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الكَتْبِ، وتَأْكِيدِ الأمْرِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى، وتَجْدِيدِ العَهْدِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ووَضْعُ اسْمِ الإشارَةِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ تَمَيُّزِهِ، وانْتِظامِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ في سِلْكِ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيماءِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في عِظَمِ الشَّأْنِ. و" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ والِاسْتِبْعادِ.
﴿فِي الأرْضِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾، وكَذا الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ، ولا يَقْدَحُ فِيهِ تَوَسُّطِ اللّامِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُما؛ لِأنَّها لامُ الِابْتِداءِ، وحَقُّها الدُّخُولُ عَلى المُبْتَدَإ، وإنَّما دُخُولُها عَلى الخَبَرِ لِمَكانِ إنَّ، فَهي في حَيِّزِها الأصْلِيِّ حُكْمًا، والإسْرافُ في كُلِّ أمْرٍ التَّباعُدُ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ مَعَ عَدَمِ مُبالاةٍ بِهِ؛ أيْ: مُسْرِفُونَ في القَتْلِ غَيْرُ مُبالِينَ بِهِ، ولَمّا كانَ إسْرافُهم في أمْرِ القَتْلِ مُسْتَلْزِمًا؛ لِتَفْرِيطِهِمْ في شَأْنِ الإحْياءِ وجُودًا وذِكْرًا، وكانَ هو أقْبَحَ الأمْرَيْنِ وأفْظَعَهُما، اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِ في مَقامِ التَّشْنِيعِ.(p-31)
المائدة 5:33
﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حُكْمِ نَوْعٍ مِن أنْواعِ القَتْلِ، وما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الفَسادِ بِأخْذِ المالِ ونَظائِرِهِ، وتَعْيِينِ مُوجَبِهِ العاجِلِ والآجِلِ، إثْرَ بَيانِ عِظَمِ شَأْنِ القَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأُدْرِجَ فِيهِ بَيانُ ما أُشِيرَ إلَيْهِ إجْمالًا مِنَ الفَسادِ المُبِيحِ لِلْقَتْلِ، قِيلَ: أيْ: يُحارِبُونَ رَسُولَهُ. وذِكْرُ اللَّهِ تَعالى لِلتَّمْهِيدِ والتَّنْبِيهِ عَلى ما رِفْعَةِ مَحِلِّهِ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ، ومُحارَبَةُ أهْلِ شَرِيعَتِهِ، وسالِكِي طَرِيقَتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةٌ لَهُ ﷺ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ مَن يُحارِبُهم، ولَوْ بَعْدَ أعْصارٍ بِطَرِيقِ العِبارَةِ دُونَ الدَّلالَةِ والقِياسِ؛ لِأنَّ وُرُودَ النَّصِّ لَيْسَ بِطَرِيقِ خِطابِ المُشافَهَةِ حَتّى يَخْتَصَّ حُكْمُهُ بِالمُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّزُولِ، فَيُحْتاجَ في تَعْمِيمِهِ لِغَيْرِهِمْ إلى دَلِيلٍ آخَرَ.
وَقِيلَ: جَعَلَ مُحارَبَةَ المُسْلِمِينَ مُحارَبَةً لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ تَعْظِيمًا لَهم، والمَعْنى: يُحارِبُونَ أوْلِياءَهُما. وأصْلُ الحَرْبِ: السَّلْبُ، والمُرادُ هَهُنا: قَطْعُ الطَّرِيقِ، وقِيلَ: المُكابَرَةُ بِطَرِيقِ اللُّصُوصِيَّةِ وإنْ كانَتْ في مِصْرٍ.
﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ﴾ عَطْفٌ عَلى يُحارِبُونَ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسادًا﴾ إمّا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ مِن فاعِلِ يَسْعَوْنَ؛ أيْ: مُفْسِدِينَ، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: لِلْفَسادِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِيَسْعَوْنَ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى مُفْسِدُونَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مَن أفْسَدَ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أوِ اسْمُ مَصْدَرٍ.
قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمِ هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيِّ، وكانَ وادَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن أتاهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَهو آمِنٌ لا يُهاجُ، ومَن مَرَّ بِهِلالٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو آمِنٌ لا يُهاجُ، فَمَرَّ قَوْمٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُونَ الإسْلامَ بِناسٍ مِن قَوْمِ هِلالٍ، ولَمْ يَكُنْ هِلالٌ يَوْمَئِذٍ شاهِدًا، فَقَطَعُوا عَلَيْهِمْ وقَتَلُوهم وأخَذُوا أمْوالَهم. وقِيلَ: نَزَلَتْ في العُرَنِيِّينَ وقِصَّتُهم مَشْهُورَةٌ. وقِيلَ: في قَوْمٍ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ وقَطَعُوا السَّبِيلَ وأفْسَدُوا في الأرْضِ.
وَلَمّا كانَتِ المُحارَبَةُ والفَسادُ عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ ووُجُوهٍ شَتّى، مِنَ القَتْلِ بِدُونِ أخْذِ المالِ، ومِنَ القَتْلِ مَعَ أخْذِهِ، وأخْذِهِ بِدُونِ القَتْلِ، ومِنَ الإخافَةِ بِدُونِ قَتْلٍ وأخْذٍ، شُرِعَتْ لِكُلِّ مَرْتَبَةٍ مِن تِلْكَ المَراتِبِ عُقُوبَةٌ مُعَيَّنَةٌ بِطَرِيقِ التَّوْزِيعِ، فَقِيلَ: ﴿أنْ يُقَتَّلُوا﴾؛ أيْ: حَدًّا مِن غَيْرِ صَلْبٍ إنْ أفْرَدُوا القَتْلَ، ولَوْ عَفا الأوْلِياءُ لا يُلْتَفَتُ إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَكُونَ القَتْلُ بِآلَةٍ جارِحَةٍ أوْ لا.
﴿أوْ يُصَلَّبُوا﴾؛ أيْ: مَعَ القَتْلِ إنْ جَمَعُوا بَيْنَ القَتْلِ والأخْذِ، بِأنْ يُصَلَّبُوا أحْياءً وتُبْعَجَ بُطُونُهم بِرُمْحٍ إلى أنْ يَمُوتُوا، وفي ظاهِرِ الرِّوايَةِ أنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ إنْ شاءَ اكْتَفى بِذَلِكَ، وإنْ شاءَ قَطَّعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وقَتَّلَهم وصَلَّبَهم، وصِيغَةُ التَّفْعِيلِ في الفِعْلَيْنِ لِلتَّكْثِيرِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما.
﴿أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: أيْدِيهِمُ اليُمْنى وأرْجُلُهُمُ اليُسْرى، إنِ اقْتَصَرُوا عَلى أخْذِ المالِ مِن مُسْلِمٍ أوْ ذِمِّيٍّ، وكانَ المِقْدارُ بِحَيْثُ لَوْ قُسِّمَ عَلَيْهِمْ أصابَ كُلًّا مِنهم عَشَرَةُ دَراهِمَ، أوْ ما يُساوِيها قِيمَتُهُ، أمّا قَطْعُ أيْدِيهِمْ فَلِأخْذِ المالِ، وأمّا قَطْعُ أرْجُلِهِمْ فَلِإخافَةِ الطَّرِيقِ بِتَفْوِيتِ أمْنِهِ.
﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ إنْ لَمْ يَفْعَلُوا غَيْرَ الإخافَةِ والسَّعْيِ لِلْفَسادِ، والمُرادُ بِالنَّفْيِ عِنْدَنا: هو الحَبْسُ، (p-32)فَإنَّهُ نَفْيٌ عَنْ وجْهِ الأرْضِ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ عَنْ أهْلِها، ويُعَزَّرُونَ أيْضًا لِمُباشَرَتِهِمْ مُنْكَرَ الإخافَةِ وإزالَةِ الأمْنِ. وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّفْيُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ لا يَزالُ يُطْلَبُ وهو هارِبٌ فَزَعًا. وقِيلَ: هو النَّفْيُ عَنْ بَلَدِهِ فَقَطْ، وكانُوا يَنْفُونَهم إلى دَهْلَكَ وهو بَلَدٌ في أقْصى تِهامَةَ، وناصُعَ وهو بَلَدٌ مِن بِلادِ الحَبَشَةِ.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: ما فُصِّلَ مِنَ الأحْكامِ والأجْزِيَةِ، قِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن خَبَرٍ مُقَدَّمٍ عَلى المُبْتَدَإ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِخِزْيٌ، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِخِزْيٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِذَلِكَ. وقِيلَ: خِزْيٌ خَبَرٌ لِذَلِكَ، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن خِزْيٌ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا. وفي الدُّنْيا إمّا صِفَةٌ لِخِزْيٌ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى ما مَرَّ. والخِزْيُ: الذُّلُّ والفَضِيحَةُ.
﴿وَلَهم في الآخِرَةِ﴾ غَيْرُ هَذا ﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ لِغايَةِ عِظَمِ جِنايَتِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿لَهُمْ﴾ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، وعَذابٌ مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ، وفي الآخِرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن عَذابٌ؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لَهُ، فَلَمّا قُدِّمَ انْتَصَبَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا في الآخِرَةِ.
المائدة 5:34
﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مَخْصُوصٌ بِما هو مِن حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أمّا ما هو مِن حُقُوقِ الأوْلِياءِ مِنَ القَصاصِ ونَحْوِهِ فَإلَيْهِمْ ذَلِكَ، إنْ شاءُوا عَفَوْا وإنْ أحَبُّوا اسْتَوْفَوْا، وإنَّما يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ وُجُوبُ اسْتِيفائِهِ لا جَوازُهُ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ الحَرْثَ بْنَ بَدْرٍ جاءَهُ تائِبًا بَعْدَما كانَ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ ودَرَأ عَنْهُ العُقُوبَةَ.
المائدة 5:35
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ لَمّا ذُكِرَ عِظَمُ شَأْنِ القَتْلِ والفَسادِ وبُيِّنَ حُكْمُهُما، وأُشِيرَ في تَضاعِيفَ ذَلِكَ إلى مَغْفِرَتِهِ تَعالى لِمَن تابَ مِن جِنايَتِهِ، أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِأنْ يَتَّقُوهُ تَعالى في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، بِتَرْكِ ما يَجِبُ اتِّقاؤُهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنَ القَتْلِ والفَسادِ، وبِفِعْلِ الطّاعاتِ الَّتِي مِن زُمْرَتِها السَّعْيُ في إحْياءِ النُّفُوسِ، ودَفْعِ الفَسادِ، والمُسارَعَةِ إلى التَّوْبَةِ والِاسْتِغْفارِ.
﴿وابْتَغُوا﴾؛ أيْ: اطْلُبُوا لِأنْفُسِكم، ﴿إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى ثَوابِهِ والزُّلْفى مِنهُ.
﴿الوَسِيلَةَ﴾ هي فَعَيْلَةٌ بِمَعْنى: ما يُتَوَسَّلُ بِهِ ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى مِن فِعْلِ الطّاعاتِ وتَرْكِ المَعاصِي، مِن وسَّلَ إلى كَذا؛ أيْ: تَقَرَّبَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ. و" إلَيْهِ " مُتَعَلِّقٌ بِها، قُدِّمَ عَلَيْها لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولَيْسَتْ بِمَصْدَرٍ حَتّى لا تَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، ولَعَلَّ المُرادَ بِها: الِاتِّقاءُ المَأْمُورُ بِهِ، فَإنَّهُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وذَرِيعَةٌ لِنَيْلِ كُلِّ خَيْرٍ، ومَنجاةٌ مِن كُلِّ ضَيْرٍ، فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ جارِيَةٌ مِمّا قَبْلَها مَجْرى البَيانِ والتَّأْكِيدِ، أوْ مُطْلَقُ الوَسِيلَةِ وهو داخِلٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا. وقِيلَ: الجُمْلَةُ الأُولى أمْرٌ بِتَرْكِ المَعاصِي، والثّانِيَةُ أمْرٌ بِفِعْلِ الطّاعاتِ.
وَحَيْثُ كانَ في كُلٍّ مِن تَرْكِ المَعاصِي المُشْتَهاةِ لِلنَّفْسِ، وفِعْلِ الطّاعاتِ المَكْرُوهَةِ لَها كُلْفَةٌ ومَشَقَّةٌ، عُقِّبَ الأمْرُ بِهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ﴾ بِمُحارَبَةِ أعْدائِهِ البارِزَةِ والكامِنَةِ، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ بِنَيْلِ مَرْضاتِهِ والفَوْزِ بِكَراماتِهِ.(p-33)
المائدة 5:36
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأوامِرِ السّابِقَةِ، وتَرْغِيبِ المُؤْمِنِينَ في المُسارَعَةِ إلى تَحْصِيلِ الوَسِيلَةِ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ انْقِضاءِ أوانِهِ، بِبَيانِ اسْتِحالَةِ تَوَسُّلِ الكَفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ بِأقْوى الوَسائِلِ إلى النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، فَضْلًا عَنْ نَيْلِ الثَّوابِ.
﴿لَوْ أنَّ لَهُمْ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ إلَخْ، لا لِجَمِيعِهِمْ؛ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِ الحالِ.
﴿ما في الأرْضِ﴾؛ أيْ: مِن أصْنافِ أمْوالِها وذَخائِرِها، وسائِرِ مَنافِعِها قاطِبَةً، وهو اسْمُ أنَّ، و" لَهم " خَبَرُها، ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِلا خِلافٍ، خَلا أنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، ولا حاجَةَ فِيهِ إلى الخَبَرِ لِاشْتِمالِ صِلَتِها عَلى المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ، وقَدِ اخْتُصَّتْ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يُؤَوَّلُ بِالِاسْمِ بِالوُقُوعِ بَعْدَ " لَوْ " . ولَوْ قِيلَ: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، ثُمَّ قِيلَ: يُقَدَّرُ مُقَدَّمًا؛ أيْ: لَوْ ثابِتٌ كَوْنُ ما في الأرْضِ لَهم، وقِيلَ: يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا؛ أيْ: لَوْ كَوْنُ ما في الأرْضِ لَهم ثابِتٌ. وعِنْدَ المُبَرِّدِ، والزَّجّاجِ، والكُوفِيِّينَ رَفْعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ، والفِعْلُ مُقَدَّرٌ بَعْدَ لَوْ؛ أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ تَوْكِيدٌ لِلْوُصُولِ، أوْ حالٌ مِنهُ، ﴿وَمِثْلَهُ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَهُ﴾ ظَرْفٌ وقَعَ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، وفائِدَتُهُ التَّصْرِيحُ بِفَرْضِ كَيْنُونَتِهِما لَهم بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ لا بِطَرِيقِ التَّعاقُبِ، تَحْقِيقًا لِكَمالِ فَظاعَةِ الأمْرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ إشْعارٍ بِكَوْنِهِما شَيْئًا واحِدًا، وتَمْهِيدًا لِإفْرادِ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلَيْهِمْ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ خَبَرُ أنْ، أعْنِي: الِاسْتِقْرارَ المُقَدَّرَ في " لَهم "، وبِالخَبَرِ المُقَدَّرِ عِنْدَ مَن يَرى تَقْدِيرَ الخَبَرِ مُقَدَّمًا أوْ مُؤَخَّرًا، وبِالفِعْلِ المُقَدَّرِ بَعْدَ " لَوْ " عَلى رَأْيِ المُبَرِّدِ ومَن نَحا نَحْوَهُ. ولا رَيْبَ في أنَّ مَدارَ الِافْتِداءِ بِما ذُكِرَ هو كَوْنُهُ لَهم لا ثُبُوتُ كَوْنِهِ لَهم، وإنْ كانَ مُسْتَلْزِمًا لَهُ، والباءُ في " بِهِ " مُتَعَلِّقَةٌ بِالِافْتِداءِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ ومِثْلَهُ مَعًا، وتَوْحِيدُهُ إمّا لِما أُشِيرَ إلَيْهِ، وإمّا لِإجْرائِهِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: بِذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ
أيْ: كَأنَّ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: وهو راجِعٌ إلى المَوْصُولِ، والعائِدُ إلى المَعْطُوفِ، أعْنِي: " مِثْلَهُ " مَحْذُوفٌ، كَما حُذِفَ الخَبَرُ مِن قَيّارٌ في قَوْلِهِ:
فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
أيْ: وقَيّارٌ أيْضًا غَرِيبٌ.
وَقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ومِثْلَهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ ناصِبُهُ الفِعْلُ المُقَدَّرُ بَعْدَ لَوْ، تَفْرِيعًا عَلى مَذْهَبِ المُبَرِّدِ ومَن رَأى رَأْيَهُ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنْ يُؤَدِّيَ إلى كَوْنِ الرّافِعِ لِلْفاعِلِ غَيْرَ النّاصِبِ لِلْمَفْعُولِ مَعَهُ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى اعْتِبارِ المَعِيَّةِ بَيْنَ ما في الأرْضِ، ومِثْلَهُ في الكَيْنُونَةِ لَهم لا في ثُبُوتِ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ وتَحْقِيقِها، ولا مَساغَ لِجَعْلِ ناصِبِهِ الِاسْتِقْرارَ المُقَدَّرَ في لَهم، لِما أنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ نَصَّ عَلى اسْمِ الإشارَةِ، وحَرْفِ الجَرِّ المُتَضَمِّنِ لِلِاسْتِقْرارِ لا يَعْمَلانِ في المَفْعُولِ مَعَهُ، وأنَّ قَوْلَهُ: هَذا لَكَ وأباكَ، قَبِيحٌ، وإنْ جَوَّزَهُ بَعْضُ النُّحاةِ في الظَّرْفِ وحَرْفِ الجَرِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَذابِ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِداءِ أيْضًا؛ أيْ: لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ ومِثْلَهُ ثابِتٌ لَهم لِيَجْعَلُوهُ فِدْيَةً لِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ الواقِعِ يَوْمَئِذٍ.
﴿ما تُقُبِّلَ مِنهُمْ﴾ ذَلِكَ، وهو جَوابُ لَوْ، وتَرْتِيبُهُ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ لَهم لِأجْلِ افْتِدائِهِمْ بِهِ، مِن غَيْرِ (p-34)ذِكْرِ الِافْتِداءِ بِأنْ يُقالَ: وافْتَدَوْا بِهِ، مَعَ أنَّ الرَّدَّ والقَبُولَ إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ لا عَلى مَبادِيهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ غَنِيٌّ عَنِ الذِّكْرِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى الفَرْضِ قدرتهمْ عَلى ما ذُكِرَ، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ الرَّدِّ، وتَخْيِيلُ أنَّهُ وقَعَ قَبْلَ الِافْتِداءِ عَلى مِنهاجِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾، حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَأتى بِهِ فَرَآهُ فَلَمّا ... إلَخْ. وما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾، مِن غَيْرِ ذِكْرِ خُرُوجِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِنَّ ورُؤْيَتُهُنَّ لَهُ، والجُمْلَةُ الِامْتِناعِيَّةُ بِحالِها خَبَرُ " إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا " .
والمُرادُ: تَمْثِيلُ لُزُومِ العَذابِ لَهم، واسْتِحالَةُ نَجاتِهِمْ مِنهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُحَقَّقَةِ والمَفْرُوضَةِ، وعَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُقالُ لِلْكافِرِ: " «أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ: قَدْ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ، وهو كَلِمَةُ الشَّهادَةِ» " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِعَدَمِ قَبُولِ فِدْيَتِهِمْ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ، وبَيانِ هَوْلِهِ وشِدَّتِهِ. قِيلَ: مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الحالِيَّةِ، وقِيلَ: الرَّفْعُ عَطْفًا عَلى خَبَرِ إنَّ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " إنَّ الَّذِينَ "، فَلا مَحَلَّ لَهُ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
المائدة 5:37
﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في أثْناءِ مُكابَدَةِ العَذابِ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم ؟ أوْ ماذا يَصْنَعُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ ... إلَخْ. وقَدْ بُيِّنَ في تَضاعِيفِهِ أنَّ عَذابَهم عَذابُ النّارِ، قِيلَ: إنَّهم يَقْصِدُونَ ذَلِكَ ويَطْلُبُونَ المَخْرَجَ، فَيَلْفَحُهم لَهَبُ النّارِ ويَرْفَعُهم إلى فَوْقُ، فَهُناكَ يُرِيدُونَ الخُرُوجَ ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ . وقِيلَ: يَكادُونَ يَخْرُجُونَ مِنها لِقُوَّةِ النّارِ وزِيادَةِ رَفْعِها إيّاهم. وقِيلَ: يَتَمَنَّوْنَهُ ويُرِيدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ يُرِيدُونَ، أوِ اعْتِراضٌ، وأيًّا ما كانَ فَإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الفِعْلِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِما الحِجازِيَّةِ الدّالَّةِ بِما في خَبَرِها مِنَ الباءِ عَلى تَأْكِيدِ النَّفْيِ، لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ بِاسْتِمْرارِ عَدَمِ خُرُوجِهِمْ مِنها، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الإيجابِيَّةَ كَما تُفِيدُ بِمَعُونَةِ المَقامِ دَوامَ الثُّبُوتِ، تُفِيدُ السَّلْبِيَّةُ أيْضًا بِمَعُونَتِهِ دَوامَ النَّفْيِ لا نَفْيَ الدَّوامِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أنا بِباسِطٍ﴾ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( أنْ يَخْرُجُوا ) عَلى بِناءِ المَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ.
﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا مِن عَدَمِ تَناهِي مُدَّتِهِ بَعْدَ بَيانِ شِدَّتِهِ.
المائدة 5:38
﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حُكْمِ السَّرِقَةِ الصُّغْرى بَعْدَ بَيانِ أحْكامِ الكُبْرى، وقَدْ عَرَفْتَ اقْتِضاءَ الحالِ لِإيرادِ ما تَوَسَّطَ بَيْنَهُما مِنَ المَقالِ، ولَمّا كانَتِ السَّرِقَةُ مَعْهُودَةً مِنَ النِّساءِ كالرِّجالِ، صَرَّحَ بِالسّارِقَةِ أيْضًا، مَعَ أنَّ المَعْهُودَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ إدْراجُ النِّساءِ في الأحْكامِ الوارِدَةِ في شَأْنِ الرِّجالِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالبَيانِ، والمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وفِيما يُتْلى عَلَيْكم، أوْ وفِيما فُرِضَ عَلَيْكُمُ السّارِقُ والسّارِقَةُ؛ أيْ: حُكْمُهُما، وعِنْدَ المُبَرِّدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَإ مَعْنى الشَّرْطِ؛ إذِ المَعْنى: الَّذِي سَرَقَ والَّتِي سَرَقَتْ. وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، وفَضَّلَها سِيبَوَيْهِ عَلى قِراءَةِ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ الإنْشاءَ لا يَقَعُ خَبَرًا إلّا بِتَأْوِيلٍ وإضْمارٍ، والسَّرِقَةُ أخْذُ مالِ الغَيْرِ خُفْيَةً، وإنَّما تُوجِبُ القَطْعَ إذا كانَ الأخْذُ مِن حِرْزٍ، (p-35)والمَأْخُوذُ يُساوِي عَشَرَةَ دَراهِمَ فَما فَوْقَها مَعَ شُرُوطٍ فُصِّلَتْ في مَوْقِعِها.
والمُرادُ بِأيْدِيَهُما: أيْمانُهُما، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ( والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم )؛ ولِذَلِكَ ساغَ وضْعُ الجَمْعِ مَوْضِعَ المُثَنّى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ اكْتِفاءً بِتَثْنِيَةِ المُضافِ إلَيْهِ. واليَدُ: اسْمٌ لِتَمامِ الجارِحَةِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ الخَوارِجُ إلى أنَّ المَقْطَعَ هو المَنكِبُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ الرُّسْغُ؛ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أُتِيَ بِسارِقٍ فَأمَرَ بِقَطْعِ يَمِينِهِ مِنهُ» .
﴿جَزاءً﴾ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: فاقْطَعُوا لِلْجَزاءِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ فاقْطَعُوا؛ أيْ: فَجازُوهُما جَزاءً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كَسَبا﴾ عَلى الأوَّلِ مُتَعَلِّقٌ بِجَزاءً، وعَلى الثّانِي بِاقْطَعُوا، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِسَبَبِ كَسْبِهِما، أوْ مَوْصُولَةٌ؛ أيْ: ما كَسَباهُ مِنَ السَّرِقَةِ الَّتِي تُباشَرُ بِالأيْدِي.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَكالا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْضًا عَلى البَدَلِيَّةِ مِن جَزاءً؛ لِأنَّهُما مِن نَوْعٍ واحِدٍ. وقِيلَ: القَطْعُ مُعَلَّلٌ بِالنَّكالِ، وقِيلَ: وهو مَنصُوبٌ بِجَزاءً عَلى طَرِيقَةِ الأحْوالِ المُتَداخِلَةِ، فَإنَّهُ عِلَّةٌ لِلْجَزاءِ، والجَزاءُ عِلَّةٌ لِلْقَطْعِ، كَما إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُهُ تَأْدِيبًا لَهُ: إحْسانًا إلَيْهِ، فَإنَّ الضَّرْبَ مُعَلَّلٌ بِالتَّأْدِيبِ، والتَّأْدِيبُ مُعَلَّلٌ بِالإحْسانِ. وقَدْ أجازُوا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مِن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ أنْ يَكُونَ بَغْيًا مَفْعُولًا لَهُ ناصِبُهُ أنْ يَكْفُرُوا، ثُمَّ قالُوا: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " أنْ يُنَزِّلُ اللَّهُ " مَفْعُولٌ لَهُ ناصِبُهُ بَغْيًا، عَلى أنَّ التَّنْزِيلَ عَلَّةٌ لِلْبَغْيِ، والبَغْيَ عِلَّةٌ لِلْكُفْرِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنَكالًا؛ أيْ: نَكالًا كائِنًا مِنهُ تَعالى.
﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ يُمْضِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، مِن غَيْرِ نِدٍّ يُنازِعُهُ ولا ضِدٍّ يُمانِعُهُ.
﴿حَكِيمٌ﴾ في شَرائِعِهِ، لا يَحْكُمُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ، ولِذَلِكَ شَرَعَ هَذِهِ الشَّرائِعَ المُنْطَوِيَةَ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ والمَصالِحِ.
المائدة 5:39
﴿فَمَن تابَ﴾؛ أيْ: مِنَ السُّرّاقِ إلى اللَّهِ تَعالى.
﴿مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الَّذِي هو سَرِقَتُهُ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ أنَّ التَّوْبَةَ لا تُتَصَوَّرُ قَبْلَهُ؛ لِبَيانِ عِظَمِ نِعْمَتِهِ تَعالى بِتَذْكِيرِ عِظَمِ جِنايَتِهِ.
﴿وَأصْلَحَ﴾؛ أيْ: أمْرَهُ بِالتَّقَصِّي عَنْ تَبِعاتِ ما باشَرَهُ، والعَزْمِ عَلى تَرْكِ المُعاوَدَةِ إلَيْها.
﴿فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، فَلا يُعَذِّبُهُ في الآخِرَةِ، وأمّا القَطْعُ فَلا تُسْقِطُهُ التَّوْبَةُ عِنْدَنا؛ لِأنَّ فِيهِ حَقَّ المَسْرُوقِ مِنهُ، وتُسْقِطُهُ عِنْدَ الشّافِعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، ولِذَلِكَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وهو تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وتَأْيِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ.
المائدة 5:40
وَكَذا في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
﴿ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فَإنَّ عُنْوانَ الأُلُوهِيَّةِ مَدارُ أحْكامِ مَلَكُوتِهِما، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، و" مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ " مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأنَّ، وهي مَعَ ما في حَيِّزِها سادَّةٌ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ تَعْلَمْ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وما فِيهِ مِن تَكْرِيرِ الإسْنادِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ. وقِيلَ: لِكُلِّ أحَدٍ صالِحٍ لِلْخِطابِ، والِاسْتِفْهامُ الإنْكارِيُّ لِتَقْرِيرِ العِلْمِ، والمُرادُ بِهِ: الِاسْتِشْهادُ بِذَلِكَ عَلى قدرته تعالى، (p-36)عَلى ما سَيَأْتِي مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأتَمِّهِ؛ أيْ: ألَمْ تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لَهُ السُّلْطانُ القاهِرُ، والِاسْتِيلاءُ الباهِرُ المُسْتَلْزِمانِ لِلْقُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى التَّصَرُّفِ الكُلِّيِّ فِيهِما، وفِيما فِيهِما إيجادًا وإعْدامًا، وإحْياءً وإماتَةً، إلى غَيْرِ ذَلِكَ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ.
﴿يُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ.
﴿وَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن غَيْرِ نِدٍّ يُساهِمُهُ ولا ضِدٍّ يُزاحِمُهُ، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ عَلى المَغْفِرَةِ لِمُراعاةِ ما بَيْنَ سَبَبَيْهِما مِنَ التَّرْتِيبِ. والجُمْلَةُ إمّا تَقْرِيرٌ لِكَوْنِ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ سُبْحانَهُ، أوْ خَبَرٌ لِأنَّ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْذِيبِ والمَغْفِرَةِ، والإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِما مَرَّ مِرارًا، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.
المائدة 5:41
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ خُوطِبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ لِلتَّشْرِيفِ والإشْعارِ بِما يُوجِبُ عَدَمَ الحُزْنِ. والمُسارَعَةُ في الشَّيْءِ: الوُقُوعُ فِيهِ بِسُرْعَةٍ ورَغْبَةٍ، وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةٍ " إلى " الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ إلَخْ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في الكُفْرِ لا يَبْرَحُونَهُ، وإنَّما يَنْتَقِلُونَ بِالمُسارَعَةِ عَنْ بَعْضِ فُنُونِهِ وأحْكامِهِ إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَإظْهارِ مُوالاةِ المُشْرِكِينَ، وإبْرازِ آثارِ الكَيْدِ لِلْإسْلامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ فَإنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الخَيْرِ، مُسارِعُونَ في أنْواعِهِ وأفْرادِهِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى مَدارِ الحُزْنِ، وهَذا وإنْ كانَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ نَهْيًا لِلْكَفَرَةِ عَنْ أنْ يُحْزِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ نَهْيٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ التَّأثُّرِ مِن ذَلِكَ، والمُبالاةِ بِهِمْ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنْ أسْبابِ الشَّيْءِ ومَبادِيهِ المُؤَدِّيَةِ إلَيْهِ، نَهْيٌ عَنْهُ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، وقَلْعٌ لَهُ مِن أصْلِهِ، وقَدْ يُوَجَّهُ النَّهْيُ إلى المُسَبِّبِ، ويُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، يُرِيدُ: نَهْيَ مُخاطَبِهِ عَنِ الحُضُورِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَقُرِئَ: ( لا يُحْزِنْكَ ) مِن أحْزَنَهُ، مَنقُولًا مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّاءِ. وقُرِئَ: ( يُسْرِعُونَ ) يُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ الشَّيْبُ؛ أيْ: وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا؛ أيْ: لا تَحْزَنْ ولا تُبالِ بِتَهافُتِهِمْ في الكُفْرِ بِسُرْعَةٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُسارِعِينَ في الكُفْرِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ يُسارِعُونَ. وقِيلَ: مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الَّذِينَ ... إلَخْ. والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن ضَمِيرِ " قالُوا " . وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " قالُوا " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ عَطْفٌ عَلى " مِنَ الَّذِينَ قالُوا " ... إلَخْ، وبِهِ يَتِمُّ بَيانُ المُسارِعِينَ في الكُفْرِ بِتَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ: المُنافِقِينَ واليَهُودِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٍ إلى الفَرِيقَيْنِ، أوْ إلى المُسارِعِينَ، وأمّا رُجُوعُهُ إلى الَّذِينَ هادُوا فَمُخِلٌّ بِعُمُومِ (p-37)الوَعِيدِ الآتِي ومَبادِيهِ لِلْكُلِّ، كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وكَذا جُعِلَ قَوْلُهُ: " ومِنَ الَّذِينَ " ... إلَخْ، خَبَرًا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: " سَمّاعُونَ " صِفَةٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ومِنهم قَوْمٌ سَمّاعُونَ إلَخْ؛ لِأدائِهِ إلى اخْتِصاصِ ما عُدِّدَ مِنَ القَبائِحِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها مِنَ الغَوائِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ بِهِمْ؛ فالوَجْهُ ما ذُكِرَ أوَّلًا؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ، واللّامُ إمّا لِتَقْوِيَةِ العَمَلِ، وإمّا لِتَضْمِينِ السَّماعِ مَعْنى القَبُولِ، وإمّا لامُ " كَيْ " والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: هم مُبالِغُونَ في سَماعِ الكَذِبِ، أوْ في قَبُولِ ما يَفْتَرِيهِ أحْبارُهم مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَحْرِيفِ كِتابِهِ، أوْ سَمّاعُونَ أخْبارَكم وأحادِيثَكم لِيَكْذِبُوا عَلَيْكم بِأنْ يَمْسَخُوها بِالزِّيادَةِ والنَّقْصِ، والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، أوْ أخْبارَ النّاسِ وأقاوِيلَهُمُ الدّائِرَةَ فِيما بَيْنَهم، لِيَكْذِبُوا فِيها بِأنْ يُرْجِفُوا بِقَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وانْكِسارِ سَراياهم، ونَحْوَ ذَلِكَ مِمّا يُضِرُّ بِهِمْ.
وَأيّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنِفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، فَإنَّ كَوْنَهم سَمّاعِينَ لِلْكَذِبِ عَلى الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وابْتِناءَ أُمُورِهِمْ عَلى ما لا أصْلَ لَهُ مِنَ الأباطِيلِ والأراجِيفِ، مِمّا يَقْتَضِي عَدَمَ المُبالاةِ بِهِمْ وتَرْكَ الِاعْتِدادِ بِما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ لِلْقَطْعِ بِظُهُورِ بُطْلانِ أكاذِيبِهِمْ، واخْتِلالِ ما بَنَوْا عَلَيْها مِنَ الأفاعِيلِ الفاسِدَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى الخِزْيِ والعَذابِ كَما سَيَأْتِي، وقُرِئَ: ( سَمّاعِينَ لِلْكَذِبِ ) بِالنَّصْبِ عَلى الذَّمِّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ المُقَدَّرِ، مُقَرِّرٌ لِلْأوَّلِ ومُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِالكَذِبِ عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ، واللّامُ مِثْلُ ما في " سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ " في الرُّجُوعِ إلى مَعْنى مِن؛ أيْ: قَبِلَ مِنهُ حَمْدَهُ، والمَعْنى: مُبالِغُونَ في قَبُولِ كَلامِ قَوْمٍ آخَرِينَ، وأمّا كَوْنُها لامَ التَّعْلِيلِ بِمَعْنى: سَمّاعُونَ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ وجَّهُوهم عُيُونًا، لِيُبَلِّغُوهم ما سَمِعُوا مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كَوْنُها مُتَعَلِّقَةً بِالكَذِبِ عَلى أنَّ " سَمّاعُونَ " الثّانِيَ مُكَرَّرٌ لِلتَّأْكِيدِ، بِمَعْنى: سَمّاعُونَ لِيَكْذِبُوا لِقَوْمٍ آخَرِينَ، فَلا يَكادُ يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ أصْلًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ؛ أيْ: لَمْ يَحْضُرُوا مَجْلِسَكَ، وتَجافَوْا عَنْكَ تَكَبُّرًا وإفْراطًا في البَغْضاءِ. قِيلَ: هم يَهُودُ خَيْبَرَ، والسَّمّاعُونَ: بَنُو قُرَيْظَةَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ وُصِفُوا أوَّلًا بِمُغايَرَتِهِمْ لِلسَّمّاعِينَ؛ تَنْبِيهًا عَلى اسْتِقْلالِهِمْ وأصالَتِهِمْ في الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ. ثُمَّ بِعَدَمِ حُضُورِهِمْ مَجْلِسَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ في الضَّلالِ، ثُمَّ بِاسْتِمْرارِهِمْ عَلى التَّحْرِيفِ بَيانًا لِإفْراطِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ، والِاجْتِراءِ عَلى الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وتَعْيِينًا لِلْكَذِبِ الَّذِي سَمِعَهُ السَّمّاعُونَ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ بَعْدَ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ تَعالى فِيها؛ إمّا لَفْظًا بِإهْمالِهِ أوْ تَغْيِيرِ وضْعِهِ، وإمّا مَعْنًى بِحَمْلِهِ عَلى غَيْرِ المُرادِ وإجْرائِهِ في غَيْرِ مَوْرِدِهِ. وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ ناعِيَةٌ عَلَيْهِمْ شَنائِعَهم. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ راجِعٌ إلى القَوْمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ كالجُمْلَةِ السّابِقَةِ في الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ يُحَرِّفُونَ، وأمّا تَجْوِيزُ كَوْنِها صِفَةً لِسَمّاعُونَ، أوْ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ، فِيما لا سَبِيلَ إلَيْهِ أصْلًا، كَيْفَ لا وأنَّ مَقُولَ القَوْلِ ناطِقٌ بِأنَّ قائِلَهُ مِمَّنْ لا يَحْضُرُ مَجْلِسَ الرَّسُولِ ﷺ، والمُخاطَبُ بِهِ مِمَّنْ يَحْضُرُهُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَقُولَهُ السَّمّاعُونَ المُتَرَدِّدُونَ إلَيْهِ ﷺ لِمَن لا يَحُومُ حَوْلَهُ قَطْعًا، وادِّعاءُ قَوْلِ السَّمّاعِينَ لِأعْقابِهِمُ المُخالِطِينَ لِلْمُسْلِمِينَ، تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، والحَقُّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ أنَّ المُحَرِّفِينَ والقائِلِينَ هُمُ القَوْمُ الآخَرُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ لِأتْباعِهِمُ السَّمّاعِينَ لَهم عِنْدَ إلْقائِهِمْ إلَيْهِمْ أقاوِيلَهُمُ الباطِلَةَ مُشِيرِينَ إلى كَلامِهِمُ الباطِلِ.
﴿إنْ أُوتِيتُمْ﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ .
﴿هَذا فَخُذُوهُ﴾ واعْمَلُوا بِمُوجَبِهِ فَإنَّهُ الحَقُّ.
﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بَلْ أُوتِيتُمْ غَيْرَهُ. (p-38)
﴿فاحْذَرُوا﴾؛ أيْ: فاحْذَرُوا قَبُولَهُ وإيّاكم وإيّاهُ، وفي تَرْتِيبِ الأمْرِ بِالحَذَرِ عَلى مُجَرَّدِ عَدَمِ إيتاءِ المُحَرَّفِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ ما لاك يَخْفى. رُوِيَ «أنَّ شَرِيفًا مِن خَيْبَرَ زَنى بِشَرِيفَةٍ وهُما مُحْصَنانِ، وحَدُّهُما الرَّجْمُ في التَّوْراةِ، فَكَرِهُوا رَجْمَهُما لِشَرَفِهِما، فَبَعَثُوا رَهْطًا مِنهم إلى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وقالُوا: إنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فاقْبَلُوا، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَقْبَلُوا، وأرْسَلُوا الزّانِيَيْنِ مَعَهم فَأمَرَهم بِالرَّجْمِ، فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوا بِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُمُ ابْنَ صُورِيا، ووَصَفَهُ لَهُ، فَقالَ ﷺ: " هَلْ تَعْرِفُونَ شابًّا أبْيَضَ أعْوَرَ يَسْكُنُ فَدَكَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا " ؟ قالُوا: نَعَمْ، وهو أعْلَمُ يَهُودِيٍّ عَلى وجْهِ الأرْضِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُوسى بْنِ عِمْرانَ في التَّوْراةِ، قالَ: " فَأرْسَلُوا إلَيْهِ "، فَفَعَلُوا فَأتاهم، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " أنْتَ ابْنُ صُورِيا " ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ ﷺ: " وأنْتَ أعْلَمُ اليَهُودِ " ؟ قالَ: كَذَلِكَ يَزْعُمُونَ. قالَ لَهم: " أتَرْضَوْنَ بِهِ حَكَمًا " ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، الَّذِي فَلَقَ البَحْرَ وأنْجاكم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ، وظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ وأنْزَلَ عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ وأنْزَلَ عَلَيْكُمُ التَّوْراةَ فِيها حَلالُهُ وحَرامُهُ، هَلْ تَجِدُونَ في كِتابِكُمُ الرَّجْمَ عَلى مَن أُحْصِنَ " ؟ قالَ: نَعَمْ، والَّذِي ذَكَّرْتَنِي بِهِ لَوْلا خَشِيتُ أنْ يَحْرِقَنِي التَّوْراةَ إنْ كَذَبْتُ، أوْ غَيَّرْتُ ما اعْتَرَفْتُ لَكَ، ولَكِنْ كَيْفَ هي في كِتابِكَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ ﷺ: " إذا شَهِدَ أرْبَعَةُ رَهْطٍ عُدُولٍ أنَّهُ أدْخَلَ فِيها كَما يُدْخَلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ، وجَبَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ " . قالَ ابْنُ صُورِيا: والَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَكَذا أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى مُوسى. فَوَثَبَ عَلَيْهِ سِفْلَةُ اليَهُودِ، فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْنا العَذابُ، ثُمَّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أشْياءَ كانَ يَعْرِفُها مِن أعْلامِهِ، فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، النَّبِيُّ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ المُرْسَلُونَ. وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالزّانِيَيْنِ فَرُجِما عِنْدَ بابِ المَسْجِدِ» .
﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾؛ أيْ: ضَلالَتَهُ، أوْ فَضِيحَتَهُ كائِنًا مَن كانَ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ المَذْكُورُونَ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهِمْ كَذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِكَمالِ ظُهُورِهِ واسْتِغْنائِهِ عَنْ ذِكْرِهِ.
﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ﴾ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ.
﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ في دَفْعِها، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، ومُبَيِّنَةٌ لِعَدَمِ انْفِكاكِهِمْ عَنِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ أبَدًا.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِنَ المُنافِقِينَ واليَهُودِ، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ؛ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَسادِ، وهو مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن رِجْسِ الكُفْرِ وخَبَثِ الضَّلالَةِ، لِانْهِماكِهِمْ فِيهِما، وإصْرارِهِمْ عَلَيْهِما، وإعْراضِهِمْ عَنْ صَرْفِ اخْتِيارِهِمْ إلى تَحْصِيلِ الهِدايَةِ بِالكُلِّيَّةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ وصْفُهم بِالمُسارَعَةِ في الكُفْرِ أوَّلًا، وشَرْحُ فَنُونِ ضَلالاتِهِمْ آخِرًا، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَوْنِ إرادَتِهِ تَعالى لِفِتْنَتِهِمْ مَنُوطَةً بِسُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وقُبْحِ صَنِيعِهِمُ المُوجِبِ لَها لا واقِعَةً مِنهُ تَعالى ابْتِداءً.
﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أمّا المُنافِقُونَ فَخِزْيُهم فَضِيحَتُهم، وهَتْكُ سُتْرَتِهِمْ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ، وأمّا خِزْيُ اليَهُودِ فالذُّلُّ والجِزْيَةُ، والِافْتِضاحُ بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ في كِتْمانِ نَصِّ التَّوْراةِ. وتَنْكِيرُ " خِزْيٌ " لِلتَّفْخِيمِ، وهو مُبْتَدَأٌ، و" لَهم " خَبَرُهُ، و" في الدُّنْيا " مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ، وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهم في الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: مِنَ الخِزْيِ الدُّنْيَوِيِّ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ هو الخُلُودُ في النّارِ، وضَمِيرُ " لَهم " في الجُمْلَتَيْنِ لِلْمُنافِقِينَ واليَهُودِ جَمِيعًا، لا اليَهُودِ خاصَّةً كَما قِيلَ، وتَكْرِيرُ " لَهم " مَعَ اتِّحادِ المَرْجِعِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّأْكِيدِ، والجُمْلَتانِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن تَفْصِيلِ أفْعالِهِمْ، وأحْوالِهِمُ المُوجِبَةِ لِلْعِقابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم مِنَ العُقُوبَةِ ؟ فَقِيلَ: لَهم في الدُّنْيا، الآيَةَ.(p-39)
المائدة 5:42
﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ المُقَدَّرِ، كُرِّرَ تَأْكِيدًا لِما قَبْلَهُ وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، وهو أيْضًا خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُقَدَّرِ وارِدٌ عَلى طَرِيقَةِ الذَّمِّ، أوْ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِالكَذِبِ: ما يَفْتَعِلُهُ الرّاشُونَ عِنْدَ الأكّالِينَ. و" السُّحْتُ " بِضَمِّ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ في الأصْلِ: كُلُّ ما لا يَحِلُّ كَسْبُهُ، وقِيلَ: هو الحَرامُ مُطْلَقًا، مِن سَحَتَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّهُ مَسْحُوتُ البَرَكَةِ، والمُرادُ بِهِ هَهُنا: إمّا الرِّشا الَّتِي كانَ يَأْخُذُها المُحَرِّفُونَ عَلى تَحْرِيفِهِمْ، وسائِرِ أحْكامِهِمُ الزّائِغَةِ، وهو المَشْهُورُ، أوْ ما كانَ يَأْخُذُهُ فُقَراؤُهم مِن أغْنِيائِهِمْ مِنَ المالِ، لِيُقِيمُوا عَلى اليَهُودِيَّةِ كَما قِيلَ، وإمّا مُطْلَقُ الحَرامِ المُنْتَظِمِ لِما ذُكِرَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا. وقُرِئَ: ( لِلسُّحُتِ ) بِضَمِّ السِّينِ والحاءِ، وبِفَتْحِهِما، وبِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وبِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ الحاءِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «كُلُّ لَحْمٍ أنْبَتَهُ السُّحْتُ فالنّارُ أوْلى بِهِ» " .
﴿فَإنْ جاءُوكَ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَفاصِيلَ أُمُورِهِمُ الواهِيَةِ، وأحْوالِهِمُ المُخْتَلِفَةِ المُوجِبَةِ لِعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ، وبِأفاعِيلِهِمْ حَسْبَما أمَرَ بِهِ ﷺ، خُوطِبَ ﷺ بِبَعْضِ ما يَبْتَنِي عَلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ بِطَرِيقِ التَّفْرِيعِ. والفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: وإذا كانَ حالُهم كَما شُرِحَ، فَإنْ جاءُوكَ مُتَحاكِمِينَ إلَيْكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم مِنَ الخُصُوماتِ ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، غَيْرَ مُبالٍ بِهِمْ، ولا خائِفٍ مِن جِهَتِهِمْ أصْلًا.
وَهَذا كَما تَرى تَخْيِيرٌ لَهُ ﷺ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَقِيلَ: هو في أمْرٍ خاصٍّ، هو ما ذُكِرَ مِن زِنا المُحْصَنِ. وقِيلَ: «فِي قَتِيلٍ قُتِلَ مِنَ اليَهُودِ في بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَتَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ بَنُو قُرَيْظَةَ: إخْوانُنا بَنُو النَّضِيرِ، أبُونا واحِدٌ، ودِينُنا واحِدٌ، ونَبِيُّنا واحِدٌ، وإذا قَتَلُوا مِنّا قَتِيلًا لَمْ يَرْضَوْا بِالقَوَدِ، وأعْطَوْنا سَبْعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلْنا مِنهم قَتَلُوا القاتِلَ، وأخَذُوا مِنّا الضِّعْفَ مِائَةً وأرْبَعِينَ وسْقًا مِن تَمْرٍ، وإنْ كانَ القَتِيلُ امْرَأةً قَتَلُوا بِها الرَّجُلَ مِنّا، وبِالرَّجُلِ مِنهُمُ الرَّجُلَيْنِ مِنّا، وبِالعَبْدِ مِنهُمُ الحُرَّ مِنّا، فاقْضِ بَيْنَنا، فَجَعَلَ ﷺ الدِّيَةَ سَواءً» . وقِيلَ: وهو عامٌّ في جَمِيعِ الحُكُوماتِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَمِن قائِلٍ: إنَّهُ ثابِتٌ، وهو المَرْوِيُّ عَنْ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي بَكْرٍ الأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ. وقائِلٍ: إنَّهُ مَنسُوخٌ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا آيَتانِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ وعَلَيْهِ مَشايِخُنا.
﴿وَإنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ بَيانٌ لِحالِ الأمْرَيْنِ إثْرَ تَخْيِيرِهِ ﷺ بَيْنَهُما، وتَقْدِيمُ حالِ الإعْراضِ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنْ لا ضَرَرَ فِيهِ، حَيْثُ كانَ مَظِنَّةُ الضَّرَرِ لِما أنَّهم كانُوا لا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ ﷺ، إلّا لِطَلَبِ الأيْسَرِ والأهْوَنِ عَلَيْهِمْ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهم وأبى الحُكُومَةَ بَيْنَهم شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَتَشْتَدُّ عَداوَتُهم ومُضارّاتُهم لَهُ ﷺ، فَأمَّنَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ مِنَ الضَّرَرِ، فَإنَّ اللَّهَ عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ.
﴿وَإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ بِالعَدْلِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ كَما حَكَمْتَ بِالرَّجْمِ.
﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ ومِن ضَرُورَتِهِ أنْ يَحْفَظَهم عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ ومَحْذُورٍ.(p-40)
المائدة 5:43
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ لِمَن لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وبِكِتابِهِ، والحالُ أنَّ الحُكْمَ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ في كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم ما قَصَدُوا بِالتَّحْكِيمِ مَعْرِفَةَ الحَقِّ وإقامَةَ الشَّرْعِ، وإنَّما طَلَبُوا بِهِ ما هو أهْوَنُ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حُكْمَ اللَّهِ عَلى زَعْمِهِمْ، فَقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ﴾ " حالٌ مِن فاعِلِ " يُحَكِّمُونَكَ "، وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ " حالٌ مِنَ " التَّوْراةِ "، إنْ جُعِلَتْ مُرْتَفِعَةً بِالظَّرْفِ، وإنْ جُعِلَتْ مُبْتَدَأً فَهو حالٌ مِن ضَمِيرِها المُسْتَكِنِّ في الخَبَرِ. وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، وتَأْنِيثُها لِكَوْنِها نَظِيرَةَ المُؤَنَّثِ في كَلامِهِمْ، كَمَوْماةٍ ودَوْداةٍ.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ " داخِلٌ في حُكْمِ التَّعْجِيبِ، و" ﴿ثُمَّ﴾ " لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ ما حَكَّمُوكَ، تَصْرِيحٌ بِما عُلِمَ قَطْعًا لِتَأْكِيدِ الِاسْتِبْعادِ والتَّعْجِيبِ؛ أيْ: ثُمَّ يُعْرِضُونَ عَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لِكِتابِهِمْ مِن بَعْدِ ما رَضَوْا بِحُكْمِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِفَحْوى ما قَبْلَهُ، ووُضِعَ اسْمُ الإشارَةِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم لِلْقَصْدِ إلى إحْضارِهِمْ في الذِّهْنِ بِما وُصِفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ؛ إيماءً إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وإلى أنَّهم قَدْ تَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، حَتّى انْتَظَمُوا في سِلْكَ الأُمُورِ المُشاهَدَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في العُتُوِّ والمُكابَرَةِ؛ أيْ: وما أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ بِالمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: بِكِتابِهِمْ لِإعْراضِهِمْ عَنْهُ أوَّلًا، وعَنْ حُكْمِكَ المُوافِقِ لَهُ ثانِيًا، أوْ بِهِما. وقِيلَ: وما أُولَئِكَ بِالكامِلِينَ في الإيمانِ، تَهَكُّمًا بِهِمْ.
المائدة 5:44
﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ التَّوْراةِ، ووُجُوبِ مُراعاةِ أحْكامِها، وأنَّها لَمْ تَزَلْ مَرْعِيَّةً فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ، ومَن يَقْتَدِي بِهِمْ كابِرًا عَنْ كابِرٍ، مَقْبُولَةً لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ الحُكّامِ والمُتَحاكِمِينَ، مَحْفُوظَةً عَنِ المُخالَفَةِ والتَّبْدِيلِ تَحْقِيقًا لِما وُصِفَ بِهِ المُحَرِّفُونَ مِن عَدَمِ إيمانِهِمْ بِها، وتَقْرِيرًا لِكُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، فَإنَّ ما فِيها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ مِن حَيْثُ إرْشادُها لِلنّاسِ إلى الحَقِّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ هُدًى، ومِن حَيْثُ إظْهارُها وكَشْفُها ما اسْتَبْهَمَ مِنَ الأحْكامِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِنَ الأُمُورِ المَسْتُورَةِ بِظُلُماتِ الجَهْلِ نُورٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾؛ أيْ: أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: مُوسى ومَن بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ. جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِرِفْعَةِ رُتْبَتِها وسُمُوِّ طَبَقَتِها، وقَدْ جَوَّزَ كَوْنَهُ حالًا مِنَ التَّوْراةِ، فَيَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً؛ أيْ: يَحْكُمُونَ بِأحْكامِها ويَحْمِلُونَ النّاسَ عَلَيْها، وبِهِ تَمَسَّكَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ شَرِيعَةَ مَن قَبْلَنا شَرِيعَةٌ لَنا ما لَمْ تُنْسَخْ. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِما مَرَّ مِرارًا، مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ في المُؤَخَّرِ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ نَوْعَ طُولٍ رُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. (p-41)
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ صِفَةٌ أُجْرِيَتْ عَلى النَّبِيِّينَ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ دُونَ التَّخْصِيصِ والتَّوْضِيحِ، لَكِنْ لا لِلْقَصْدِ إلى مَدْحِهِمْ بِذَلِكَ حَقِيقَةً، فَإنَّ النُّبُوَّةَ أعْظَمُ مِنَ الإسْلامِ قَطْعًا، فَيَكُونُ وصْفُهم بِهِ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِها تَنَزُّلًا مِنَ الأعْلى إلى الأدْنى، بَلْ لِتَنْوِيهِ شَأْنِ الصِّفَةِ، فَإنَّ إبْرازَ وصْفٍ في مَعْرِضِ مَدْحِ العُظَماءِ مُنْبِئٌ عَنْ عِظَمِ قَدْرِ الوَصْفِ لا مَحالَةَ، كَما في وصْفِ الأنْبِياءِ بِالصَّلاحِ، ووَصْفِ المَلائِكَةِ بِالإيمانِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولِذَلِكَ قِيلَ: أوْصافُ الأشْرافِ أشْرافُ الأوْصافِ، وفِيهِ رَفْعٌ لِشَأْنِ المُسْلِمِينَ وتَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ، وأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنَ الإسْلامِ، والِاقْتِداءِ بِدِينِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لا سِيَّما مَعَ مُلاحَظَةِ ما وُصِفُوا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهو مُتَعَلِّقٌ بِيَحْكُمُ؛ أيْ: يَحْكُمُونَ فِيما بَيْنَهم، واللّامُ إمّا لِبَيانِ اخْتِصاصِ الحُكْمِ بِهِمْ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِأجْلِ الَّذِينَ هادُوا، وإمّا لِلْإيذانِ بِنَفْعِهِ لِلْمَحْكُومِ عَلَيْهِ أيْضًا بِإسْقاطِ التَّبِعَةِ عَنْهُ، وإمّا لِلْإشْعارِ بِكَمالِ رِضاهم بِهِ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، كَأنَّهُ أمْرٌ نافِعٌ لِكِلا الفَرِيقَيْنِ، فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُحَرِّفِينَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: لِلَّذِينِ هادُوا وعَلَيْهِمْ، فَحُذِفَ ما حُذِفَ لِدَلالَةِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلْنا. وقِيلَ: بِهُدًى ونُورٌ، وفِيهِ فَصْلٌ بَيْنَ المَصْدَرِ ومَعْمُولِهِ. وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُما؛ أيْ: هُدًى ونُورٌ كائِنانِ لِلَّذِينِ هادُوا.
﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾؛ أيِ: الزُّهّادُ والعُلَماءُ مِن ولَدِ هارُونَ الَّذِينَ التَزَمُوا طَرِيقَةَ النَّبِيِّينَ، وجانَبُوا دِينَ اليَهُودِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: الرَّبّانِيُّونَ: الَّذِينَ يَسُوسُونَ النّاسَ بِالعِلْمِ ويُرَبُّونَهم بِصِغارِهِ قَبْلَ كِبارِهِ. والأحْبارُ: هُمُ الفُقَهاءُ، واحِدُهُ: حَبْرٌ، بِالفَتْحِ والكَسْرِ، والثّانِي أفْصَحُ، وهو رَأْيُ الفَرّاءِ، مَأْخُوذٌ مِنَ التَّحْبِيرِ والتَّحْسِينِ، فَإنَّهم يُحَبِّرُونَ العِلْمَ ويُزَيِّنُونَهُ ويُبَيِّنُونَهُ، وهو عَطْفٌ عَلى " النَّبِيُّونَ "؛ أيْ: هم أيْضًا يَحْكُمُونَ بِأحْكامِها. وتَوْسِيطُ المَحْكُومِ لَهم بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الأصْلَ في الحُكْمِ بِها، وحَمْلِ النّاسِ عَلى ما فِيها هُمُ النَّبِيُّونَ، وإنَّما الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ خُلَفاءُ ونُوّابٌ لَهم في ذَلِكَ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾؛ أيْ: بِالَّذِي اسْتُحْفِظُوهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّينَ، وهو التَّوْراةُ، حَيْثُ سَألُوهم أنْ يَحْفَظُوها مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ عَلى الإطْلاقِ، ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ مِنهم عَلَيْهِمُ السَّلامُ اسْتِخْلافٌ لَهم في إجْراءِ أحْكامِها مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، وفي إبْهامِها أوَّلًا.
ثُمَّ بَيانِها ثانِيًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ مِن تَفْخِيمِها وإجْلالِها ذاتًا وإضافَةً، وتَأْكِيدِ إيجابِ حِفْظِها والعَمَلِ بِما فِيها ما لا يَخْفى، وإيرادُها بِعُنْوانِ الكِتابِ لِلْإيماءِ إلى إيجابِ حِفْظِها عَنِ التَّغْيِيرِ مِن جِهَةِ الكِتابَةِ. والباءُ الدّاخِلَةُ عَلى المَوْصُولِ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْكُمُ، لَكِنْ لا عَلى أنَّها صِلَةٌ لَهُ، كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿بِها﴾ " لِيَلْزَمَ تَعَلُّقُ حَرْفَيْ جَرٍّ مُتَّحِدَيِ المَعْنى بِفِعْلٍ واحِدٍ، بَلْ عَلى أنَّها سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أيْضًا بِسَبَبِ ما حَفِظُوهُ مِن كِتابِ اللَّهِ، حَسْبَما وصّاهم بِهِ أنْبِياؤُهم، وسَألُوهم أنْ يَحْفَظُوهُ، ولَيْسَ المُرادُ بِسَبَبِيَّتِهِ لِحُكْمِهِمْ ذَلِكَ سَبَبِيَّتَهُ مِن حَيْثُ الذّاتُ، بَلْ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَحْظُوظًا، فَإنَّ تَعْلِيقَ حُكْمِهِمْ بِالمَوْصُولِ مُشْعِرٌ بِسَبَبِيَّةِ الحِفْظِ المُتَرَتِّبِ لا مَحالَةَ عَلى ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ الِاسْتِحْفاظِ لَهُ. وقِيلَ: الباءُ صِلَةٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ "، عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ؛ أيْ: ويَحْكُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِحُكْمِ كِتابِ اللَّهِ الَّذِي سَألَهم أنْبِياؤُهم أنْ يَحْفَظُوهُ مِنَ التَّغْيِيرِ.
﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾؛ أيْ: رُقَباءَ يَحْمُونَهُ مِن أنْ يَحُومَ حَوْلَهُ التَّغْيِيرُ والتَّبْدِيلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِما ذُكِرَ مِنَ المَزايا. وقِيلَ: " بِما اسْتُحْفِظُوا " بَدَلٌ مِن (p-42)قَوْلِهِ تَعالى: " بِها "، بِإعادَةِ العامِلِ، وهو بَعِيدٌ، وكَذا تَجْوِيزُ كَوْنِ الضَّمِيرِ في " اسْتُحْفِظُوا " لِلْأنْبِياءِ، والرَّبّانِيِّينَ، والأحْبارِ جَمِيعًا، عَلى أنَّ الِاسْتِحْفاظَ مِن جَنابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؛ أيْ: كَلَّفَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَحْفَظُوهُ ويَكُونُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى وتَقَدَّسَ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ خِطابٌ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وأمّا حُكّامُ المُسْلِمِينَ فَيَتَناوَلُهُمُ النَّهْيُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ دُونَ العِبارَةِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما فُصِّلَ مِن حالِ التَّوْراةِ، وكَوْنِها مَعْنًى بِشَأْنِها فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ومَن يَقْتَدِي بِهِمْ مِنَ الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ المُتَقَدِّمِينَ عَمَلًا وحِفْظًا، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ الِاجْتِنابَ عَنِ الإخْلالِ بِوَظائِفِ مُراعاتِها، والمُحافَظَةِ عَلَيْها بِأيِّ وجْهٍ كانَ فَضْلًا عَنِ التَّحْرِيفِ والتَّغْيِيرِ، ولَمّا كانَ مَدارُ جَراءَتِهِمْ عَلى ذَلِكَ خَشْيَةَ ذِي سُلْطانٍ، أوْ رَغْبَةً في الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، نُهُوا عَنْ كُلٍّ مِنهُما صَرِيحًا؛ أيْ: إذا كانَ شَأْنُها كَما ذُكِرَ، فَلا تَخْشَوُا النّاسَ كائِنًا مَن كانَ، واقْتَدُوا في مُراعاةِ أحْكامِها وحِفْظِها بِمَن قَبْلَكم مِنَ الأنْبِياءِ وأشْياعِهِمْ.
﴿واخْشَوْنِ﴾ في الإخْلالِ بِحُقُوقِ مُراعاتِها، فَكَيْفَ بِالتَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ.
﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي﴾ الِاشْتِراءُ: اسْتِبْدالُ السِّلْعَةِ بِالثَّمَنِ؛ أيْ: أخْذُها بَدَلًا مِنهُ، لا بَذْلُ الثَّمَنِ لِتَحْصِيلِها، كَما قِيلَ: ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأخْذِ شَيْءٍ بَدَلًا مِمّا كانَ لَهُ، عَيْنًا كانَ أوْ مَعْنًى، أخْذًا مَنُوطًا بِالرَّغْبَةِ فِيما أُخِذَ، والإعْراضِ عَمّا أُعْطِيَ ونُبِذَ كَما فُصِّلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾؛ فالمَعْنى: لا تَسْتَبْدِلُوا بِآياتِي الَّتِي فِيها بِأنْ تُخْرِجُوها مِنها، أوْ تَتْرُكُوا العَمَلَ بِها وتَأْخُذُوا لِأنْفُسِكم بَدَلًا مِنها.
﴿ثَمَنًا قَلِيلا﴾ مِنَ الرِّشْوَةِ والجاهِ، وسائِرِ الحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَإنَّها وإنْ جَلَّتْ قَلِيلَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ في نَفْسِها، لا سِيَّما بِالنِّسْبَةِ إلى ما فاتَ عَنْهم بِتَرْكِ العَمَلِ بِها، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ المُشْتَرى الَّذِي هو العُمْدَةُ في عُقُودِ المُعاوَضَةِ، والمَقْصِدُ الأصْلِيُّ بِالثَّمَنِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ وسِيلَةً إلى تَحْصِيلِهِ، وأُبْرِزَتِ الآياتُ الَّتِي حَقُّها أنْ يَتَنافَسَ فِيها المُتَنافِسُونَ في مَعْرِضِ الآلاتِ والوَسايِطِ، حَيْثُ قُرِنَتْ بِالباءِ الَّتِي تَصْحَبُ الوَسائِلَ، إيذانًا بِمُبالَغَتِهِمْ في التَّعْكِيسِ بَأنْ جَعَلُوا المَقْصِدَ الأقْصى وسِيلَةً، والوَسِيلَةَ الأدْنى مَقْصِدًا.
﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ كائِنًا مَن كانَ دُونَ المُخاطَبِينَ خاصَّةً، فَإنَّهم مُنْدَرِجُونَ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا؛ أيْ: مَن لَمْ يَحْكم بِذَلِكَ مُسْتَهِينًا بِهِ مُنْكِرًا لَهُ، كَما يَقْتَضِيهِ ما فَعَلُوهُ مِن تَحْرِيفِ آياتِ اللَّهِ تَعالى اقْتِضاءً بَيِّنًا.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى " مَن "، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿هُمُ الكافِرُونَ﴾ لِاسْتِهانَتِهِمْ بِهِ، و" ﴿هُمُ﴾ " إمّا ضَمِيرُ الفَصْلِ، أوْ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها أبْلَغَ تَقْرِيرٍ، وتَحْذِيرٌ عَنِ الإخْلالِ بِهِ أشَدَّ تَحْذِيرٍ، حَيْثُ عُلِّقَ فِيهِ الحُكْمُ بِالكُفْرِ بِمُجَرَّدِ تَرْكِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى، فَكَيْفَ وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ الحُكْمُ بِخِلافِهِ، لا سِيَّما مَعَ مُباشَرَةِ ما نُهُوا عَنْهُ مِن تَحْرِيفِهِ، ووَضْعِ غَيْرِهِ مَوْضِعَهُ، وادِّعاءِ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا.
المائدة 5:45
﴿وَكَتَبْنا﴾ عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا التَّوْراةَ " . (p-43)
﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى الَّذِينَ هادُوا. وقُرِئَ: ( وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ ) .
﴿فِيها﴾؛ أيْ: في التَّوْراةِ.
﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أنْ تُقادَ بِها إذا قَتَلَها بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿والعَيْنَ﴾ تُفْقَأُ ﴿بِالعَيْنِ﴾ إذا فُقِئَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿والأنْفَ﴾ يُجْدَعُ ﴿بِالأنْفِ﴾ المَقْطُوعِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿والأُذُنَ﴾ تُصْلَمُ ﴿بِالأُذُنِ﴾ المَقْطُوعَةِ ظُلْمًا.
﴿والسِّنَّ﴾ تُقْلَعُ ﴿بِالسِّنِّ﴾ المَقْلُوعَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ.
﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾؛ أيْ: ذاتُ قِصاصٍ إذا كانَتْ بِحَيْثُ تُعْرَفُ المُساواةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ: ( وإنَّ الجُرُوحَ قِصاصٌ ) . وقُرِئَ: ( والعَيْنُ ) إلى آخِرِهِ بِالرَّفْعِ، عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " أنَّ النَّفْسَ "؛ لِأنَّ المَعْنى: كَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، إمّا لِإجْراءِ " كَتَبْنا " مَجْرى قُلْنا، وإمّا لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ الَّتِي هي قَوْلُكَ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ الكَتْبُ، كَما يَقَعُ عَلَيْهِ القِراءَةُ، تَقُولُ: كَتَبْتُ الحَمْدُ لِلَّهِ، وقَرَأْتُ: ﴿سُورَةٌ أنْزَلْناها﴾ .
﴿فَمَن تَصَدَّقَ﴾؛ أيْ: مِنَ المُسْتَحِقِّينَ.
﴿بِهِ﴾؛ أيْ: بِالقَصاصِ؛ أيْ: فَمَن عَفا عَنْهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالتَّصَدُّقِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ فِيهِ.
﴿فَهُوَ﴾؛ أيِ: التَّصَدُّقُ.
﴿كَفّارَةٌ لَهُ﴾؛ أيْ: لِلْمُتَصَدِّقِ يُكَفِّرُ اللَّهُ تَعالى بِها ذُنُوبَهُ. وقِيلَ: لِلْجانِي إذا تَجاوَزَ عَنْهُ صاحِبُ الحَقِّ، سَقَطَ عَنْهُ ما لَزِمَهُ. وقُرِئَ: ( فَهو كَفّارَتُهُ لَهُ )؛ أيْ: فالمُتَصَدِّقُ كَفّارَتُهُ الَّتِي يَسْتَحِقُّها بِالتَّصَدُّقِ لَهُ لا يَنْقُصُ مِنها شَيْءٌ، وهو تَعْظِيمٌ لِما فَعَلَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ .
﴿وَمَن لَمْ يَحْكُمْ﴾ كائِنًا مَن كانَ، فَيَتَناوَلُ مَن لا يَرى قَتْلَ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ مِنَ اليَهُودِ تَناوُلًا بَيِّنًا.
﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ كائِنًا ما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيها الأحْكامُ المَحْكِيَّةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المُبالِغُونَ في الظُّلْمِ، المُتَعَدُّونَ لِحُدُودِهِ تَعالى، الواضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِإيجابِ العَمَلِ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ.
المائدة 5:46
﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ الإنْجِيلِ إثْرَ بَيانِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وهو عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا التَّوْراةَ "؛ أيْ: آثارِ التَّبْيِينِ المَذْكُورَيْنِ، يُقالُ: قَفَّيْتُهُ بِفُلانٍ: إذا أتْبَعْتَهُ إيّاهُ، فَحُذِفَ المَفْعُولُ لِدَلالَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلَيْهِ؛ أيْ: قَفَّيْناهم.
﴿بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾؛ أيْ: أرْسَلْناهُ عَقِبَهم.
﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ حالٌ مِن عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى " قَفَّيْنا "، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ.
﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ كَما في التَّوْراةِ، وهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ " الإنْجِيلِ "؛ أيْ: كائِنًا فِيهِ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: مُشْتَمِلًا عَلى هُدًى ونُورٍ، وتَنْوِينُ " هُدًى ونُورٌ " لِلتَّفْخِيمِ، ويَنْدَرِجُ في ذَلِكَ شَواهِدُ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وَمُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ في حُكْمِ الحالِيَّةِ، وتَكْرِيرُ " ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ " لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ.
﴿وَهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى " مُصَدِّقًا "، مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكِ الحالِيَّةِ، جُعِلَ كُلُّهُ هُدًى بَعْدَ ما جُعِلَ مُشْتَمِلًا عَلَيْهِ، حَيْثُ قِيلَ: هُدًى، وتَخْصِيصُ كَوْنِهِ " هُدًى ومَوْعِظَةٌ بِالمُتَّقِينَ "؛ لِأنَّهُمُ المُهْتَدُونَ بِهُداهُ والمُنْتَفِعُونَ بِجَدْواهُ.
المائدة 5:47
﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ أمْرٌ مُبْتَدَأٌ لَهم بِأنْ يَحْكُمُوا ويَعْمَلُوا بِما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-44)والسَّلامُ، وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، وما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ الشَّرِيفَةُ مِن أحْكامِهِ، وأمّا أحْكامُهُ المَنسُوخَةُ فَلَيْسَ الحُكْمُ بِها حُكْمًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، بَلْ هو إبْطالٌ وتَعْطِيلٌ لَهُ؛ إذْ هو شاهِدٌ بِنَسْخِها وانْتِهاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها؛ لِأنَّ شَهادَتَهُ بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها مِنَ الشَّرِيعَةِ شَهادَةٌ بِنَسْخِها، وبِأنَّ أحْكامَهُ ما قَرَّرَتْهُ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الَّتِي شَهِدَ بِصِحَّتِها، كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ.
وَقِيلَ: هو حِكايَةٌ لِلْأمْرِ الوارِدِ عَلَيْهِمْ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى " آتَيْناهُ "؛ أيْ: وقُلْنا: لِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ ... إلَخْ. وقُرِئَ: ( وأنْ لِيَحْكم ) عَلى أنَّ ( أنْ ) مَوْصُولَةٌ بِالأمْرِ، كَما في قَوْلِكَ: أمَرْتُهُ بِأنْ قُمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ وأمَرْنا بِأنْ يَحْكُمَ أهْلُ الإنْجِيلِ ... إلَخْ. وقُرِئَ عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ، ولامِ التَّعْلِيلِ عَلى أنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ آتَيْناهُ إيّاهُ. وقَدْ عُطِفَ عَلى " هُدًى ومَوْعِظَةٍ " عَلى أنَّهُما مَفْعُولٌ لَهُما، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلْهُدى والمَوْعِظَةِ آتَيْناهُ إيّاهُ ولِلْحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ.
﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مُنْكِرًا لَهُ مُسْتَهِينًا بِهِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ المُتَمَرِّدُونَ الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ. والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الإنْجِيلَ مُشْتَمِلٌ عَلى الأحْكامِ، وأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُسْتَقِلًّا بِالشَّرْعِ، مَأْمُورًا بِالعَمَلِ بِما فِيهِ مِنَ الأحْكامِ، قَلَّتْ أوْ كَثُرَتْ، لا بِما في التَّوْراةِ خاصَّةً. وحَمْلُهُ عَلى مَعْنى: ولْيَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ، مِن إيجابِ العَمَلِ بِأحْكامِ التَّوْراةِ خِلافُ الظّاهِرِ.
المائدة 5:48
﴿وَأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيِ: الفَرْدَ الكامِلَ الحَقِيقِيَّ بِأنْ يُسَمّى كِتابًا عَلى الإطْلاقِ؛ لِحِيازَتِهِ جَمِيعَ الأوْصافِ الكَمالِيَّةِ لِجِنْسِ الكِتابِ السَّماوِيِّ، وتَفَوُّقِهِ عَلى بَقِيَّةِ أفْرادِهِ، وهو القرآن الكَرِيمُ؛ فاللّامُ لِلْعَهْدِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى " أنْزَلْنا " وما عُطِفَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مُؤَكِّدَةً مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ والصِّدْقِ، وقِيلَ: مِن فاعِلِ " أنْزَلْنا "، وقِيلَ: مِنَ الكافِ في " إلَيْكَ " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ حالٌ مِنَ الكِتابِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُصَدِّقًا لِما تَقَدَّمَهُ، إمّا مِن حَيْثُ أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتْ فِيهِ، أوْ مِن حَيْثُ أنَّهُ مُوافِقٌ لَهُ في القَصَصِ والمَواعِيدِ، والدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ، والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ. وأمّا ما يَتَراءى مِن مُخالَفَتِهِ لَهُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ المُتَغَيِّرَةِ بِسَبَبِ تَغَيُّرِ الأعْصارِ، فَلَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافِقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن تِلْكَ الأحْكامِ حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى عَصْرِهِ، مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ الشَّرِيعَةِ، ولَيْسَ في المُتَقَدِّمِ دَلالَةٌ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِهِ المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَهُ النّاسِخُ المُتَأخِّرُ، وإنَّما يَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّتِها مُطْلَقًا مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَقائِها وزَوالِها، بَلْ نَقُولُ: هو ناطِقٌ بِزَوالِها لِما أنَّ النُّطْقَ بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها نُطْقٌ بِنَسْخِها وزَوالِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الكِتابِ﴾ بَيانٌ لِما، واللّامُ لِلْجِنْسِ؛ إذِ المُرادُ: هو الكِتابُ السَّماوِيُّ، وهو (p-45)بِهَذا العُنْوانِ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ نَوْعًا مَخْصُوصًا مِن مَدْلُولِ لَفْظِ الكِتابِ. وعَنْ هَذا قالُوا: اللّامُ لِلْعَهْدِ، إلّا أنَّ ذَلِكَ لا يَنْتَهِي إلى خُصُوصِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ، بَلْ إلى خُصُوصِيَّةِ النَّوْعِيَّةِ الَّتِي هي أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكِتابِ، وهو ظاهِرٌ، ومِنَ الكِتابِ السَّماوِيِّ أيْضًا، حَيْثُ خُصَّ بِما عَدا القرآن.
﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾؛ أيْ: رَقِيبًا عَلى سائِرِ الكُتُبِ المَحْفُوظَةِ مِنَ التَّغْيِيرِ؛ لِأنَّهُ يَشْهَدُ لَها بِالصِّحَّةِ والثَّباتِ، ويُقَرِّرُ أُصُولَ شَرائِعِها، وما يَتَأبَّدُ مِن فُرُوعِها، ويُعَيِّنُ أحْكامَها المَنسُوخَةَ بِبَيانِ انْتِهاءِ مَشْرُوعِيَّتِها المُسْتَفادَةِ مِن تِلْكَ الكُتُبِ، وانْقِضاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها، ولا رَيْبَ في أنَّ تَمْيِيزَ أحْكامِها الباقِيَةِ عَلى المَشْرُوعِيَّةِ أبَدًا عَمّا انْتَهى وقْتُ مَشْرُوعِيَّتِهِ، وخَرَجَ عَنْها مِن أحْكامِ كَوْنِهِ مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.
وَقُرِئَ: ( ومُهَيْمَنًا عَلَيْهِ ) عَلى صِيغَةِ المَفْعُولِ؛ أيْ: هُومِنَ عَلَيْهِ وحُوفِظَ مِنَ التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ . والحافِظُ إمّا مِن جِهَتِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أوِ الحُفّاظُ في الأعْصارِ والأمْصارِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ كَوْنَ شَأْنِ القرآن العَظِيمِ حَقًّا، مُصَدِّقًا لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأُمَمِ، مُهَيْمِنًا عَلَيْهِ مِن مُوجَباتِ الحُكْمِ المَأْمُورِ بِهِ؛ أيْ: إذا كانَ القرآن كَما ذُكِرَ، فاحْكم بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ عِنْدَ تَحاكُمِهِمْ إلَيْكَ.
﴿بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما أنْزَلَهُ إلَيْكَ، فَإنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ الباقِيَةِ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ. وتَقْدِيمُ " بَيْنَهم " لِلِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَعْمِيمِ الحُكْمِ لَهم، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْحُكْمِ، والِالتِفاتُ بِإظْهارِ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ.
﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، و" عَنْ " مُتَعَلِّقَةٌ بِـ" لا تَتَّبِعْ " عَلى تَضْمِينِ مَعْنى العُدُولِ ونَحْوِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَعْدِلْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ مُتَّبِعًا أهْواءَهم. وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عادِلًا عَمّا جاءَكَ، وفِيهِ أنَّ ما وقَعَ حالًا لا بُدَّ أنْ يَكُونَ فِعْلًا عامًّا، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَوْصُولِ الأوَّلِ؛ لِلْإيماءِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن مَجِيءِ الحَقِّ إلى ما يُوجِبُ كَمالَ الِاجْتِنابِ عَنِ اتِّباعِ الأهْواءِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ، لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ مِن مُعاصِرِيهِ ﷺ عَلى الِانْقِيادِ لِحُكْمِهِ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ القرآن الكَرِيمِ، بِبَيانِ أنَّهُ هو الَّذِي كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الكِتابَيْنِ، وإنَّما الَّذِينَ كُلِّفُوا العَمَلَ بِهِما مَن مَضى قَبْلَ نَسْخِهِما مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ. والخِطابُ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ والِالتِفاتِ لِلنّاسِ كافَّةً، لَكِنْ لا لِلْمَوْجُودِينَ خاصَّةً، بَلْ لِلْماضِينَ أيْضًا بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ" جَعَلْنا " المُتَعَدِّي لِواحِدٍ، وهو إخْبارٌ بِجَعَلَ ماضٍ لا إنْشاءٌ، وتَقْدِيمُها عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ. و" مِنكم " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِما عَوَّضَ عَنْهُ تَنْوِينُ كُلٍّ، ولا ضَيْرَ في تَوَسُّطِ جَعَلْنا بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ﴾ ... إلَخْ، والمَعْنى: لِكُلِّ أُمَّةٍ كائِنَةٍ مِنكم أيُّها الأُمَمُ الباقِيَةُ والخالِيَةُ جَعَلْنا؛ أيْ: عَيَّنّا ووَضَعْنا شِرْعَةً ومِنهاجًا خاصَّيْنِ بِتِلْكَ الأُمَّةِ، لا تَكادُ أُمَّةٌ تَتَخَطّى شِرْعَتَها الَّتِي عُيِّنَتْ لَها، فالأُمَّةُ الَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ مُوسى إلى مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ شِرْعَتُهُمُ التَّوْراةُ، والَّتِي كانَتْ مِن مَبْعَثِ عِيسى إلى مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ شِرْعَتُهُمُ الإنْجِيلُ، وأمّا أنْتُمْ أيُّها المَوْجُودُونَ فَشِرْعَتُكُمُ القرآن لَيْسَ إلّا، فَآمِنُوا بِهِ واعْمَلُوا بِما فِيهِ. والشِّرْعَةُ والشَّرِيعَةُ: هي الطَّرِيقَةُ إلى الماءِ، شُبِّهَ بِها الدِّينُ لِكَوْنِهِ سَبِيلًا مَوْصُولًا إلى ما هو سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، كَما أنَّ الماءَ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الفانِيَةِ. والمِنهاجُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ في الدِّينِ، مِن نَهَجَ الأمْرُ: إذا وضَحَ. (p-46)
وَقُرِئَ: ( شَرْعَةً ) بِفَتْحِ الشِّينِ، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنّا غَيْرُ مُتَعَبَّدِينَ بِشَرائِعِ مَن قَبْلَنا، والتَّحْقِيقُ أنّا مُتَعَبَّدُونَ بِأحْكامِها الباقِيَةِ، مِن حَيْثُ إنَّها أحْكامُ شِرْعَتِنا لا مِن حَيْثُ إنَّها شِرْعَةٌ لِلْأوَّلِينَ.
﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ مُتَّفِقَةً عَلى دِينٍ واحِدٍ في جَمِيعِ الأعْصارِ، مِن غَيْرِ اخْتِلافٍ بَيْنَكم وبَيْنَ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ في شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ الدِّينِيَّةِ، ولا نَسْخٍ، ولا تَحْوِيلٍ. ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الجَزاءِ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلَكم ... إلَخْ. وقِيلَ: المَعْنى: لَوْ شاءَ اللَّهُ اجْتِماعَكم عَلى الإسْلامِ لَأجْبَرَكم عَلَيْهِ.
﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ؛ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ؛ أيْ: لِأنْ يَجْعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً، بَلْ شاءَ ما عَلَيْهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ الجارِيَةُ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ، لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم.
﴿فِي ما آتاكُمْ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ المُخْتَلِفَةِ المُناسِبَةِ لِأعْصارِها وقُرُونِها، هَلْ تَعْمَلُونَ بِها مُذْعِنِينَ لَها، مُعْتَقِدِينَ أنَّ اخْتِلافَها بِمُقْتَضى المَشِيئَةِ الإلَهِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى أساسِ الحِكَمِ البالِغَةِ، والمَصالِحِ النّافِعَةِ لَكم في مَعاشِكم ومَعادِكم ؟ أوْ تَزِيغُونَ عَنِ الحَقِّ وتَتَّبِعُونَ الهَوى، وتَسْتَبْدِلُونَ المَضَرَّةَ بِالجَدْوى، وتَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى ؟ وبِهَذا اتَّضَحَ أنَّ مَدارَ عَدَمِ المَشِيئَةِ المَذْكُورَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ الِابْتِلاءِ، بَلِ العُمْدَةُ في ذَلِكَ ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنِ انْطِواءِ الِاخْتِلافِ عَلى ما فِيهِ مَصْلَحَتُهم مَعاشًا ومَعادًا.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾؛ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ، فَسارِعُوا إلى ما هو خَيْرٌ لَكم في الدّارَيْنِ مِنَ العَقائِدِ الحَقَّةِ، والأعْمالِ الصّالِحَةِ المُنْدَرِجَةِ في القرآن الكَرِيمِ، وابْتَدِرُوها انْتِهازًا لِلْفُرْصَةِ، وإحْرازًا لِسابِقَةِ الفَضْلِ والتَّقَدُّمِ، فَفِيهِ مِن تَأْكِيدِ التَّرْغِيبِ في الإذْعانِ لِلْحَقِّ، وتَشْدِيدِ التَّحْذِيرِ عَنِ الزَّيْغِ ما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِاسْتِباقِ الخَيْراتِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، والعامِلُ فِيهِ إمّا المَصْدَرُ المُنْحَلُّ إلى حَرْفٍ مَصْدَرِيٍّ، وفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلْفاعِلِ، أوْ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ، وإمّا الِاسْتِقْرارُ المُقَدَّرُ في الجارِّ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: فَيَفْعَلُ بِكم مِنَ الجَزاءِ الفاصِلِ بَيْنَ المُحِقِّ والمُبْطِلِ، ما لا يَبْقى لَكم مَعَهُ شائِبَةُ شَكٍّ، فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ في الدُّنْيا، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ؛ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ إزالَةِ الِاخْتِلافِ الَّتِي هي وظِيفَةُ الإخْبارِ.
المائدة 5:49
﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " الكِتابِ "؛ أيْ: أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ والحُكْمَ بِما فِيهِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ إنْزالِهِ تَعالى إيّاهُ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أوْ عَلى الحَقِّ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ بِالحَقِّ وبِأنِ احْكم.
وَحِكايَةُ إنْزالِ الأمْرِ بِهَذا الحُكْمِ بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ الصَّرِيحِ بِذَلِكَ، تَأْكِيدٌ لَهُ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واحْذَرْهم أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: يَصْرِفُوكَ عَنْ بَعْضِهِ، ولَوْ كانَ أقَلَّ قَلِيلٍ بِتَصْوِيرِ الباطِلِ بِصُورَةِ الحَقِّ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ، وأنْ بِصِلَتِهِ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ هم؛ أيْ: احْذَرْ فِتْنَتَهم، أوْ مَفْعُولٌ لَهُ؛ أيْ: (p-47)احْذَرْهم مَخافَةَ أنْ يَفْتِنُوكَ، وإعادَةُ ما أنْزَلَ اللَّهُ لِتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ بِتَهْوِيلِ الخَطْبِ.
رُوِيَ «أنَّ أحْبارَ اليَهُودِ قالُوا: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ فَلَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَذَهَبُوا إلَيْهِ ﷺ وقالُوا: يا أبا القاسِمِ؛ قَدْ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ اليَهُودِ، وأنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا اليَهُودُ كُلُّهم، وأنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنَتَحاكَمُ إلَيْكَ فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ ونُصَدِّقُكَ؛ فَأبى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ» .
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾؛ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى وأرادُوا غَيْرَهُ.
﴿فاعْلَمْ أنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُصِيبَهم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: بِذَنْبِ تَوَلِّيهِمْ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ؛ إيذانًا بِأنَّ لَهم ذُنُوبًا كَثِيرَةً، هَذا مَعَ كَمالِ عَظَمَةِ واحِدٍ مِن جُمْلَتِها، وفي هَذا الإبْهامِ تَعْظِيمٌ لِلتَّوَلِّي، كَما في قَوْلِ لَبِيدٍ:
؎ أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ بِهِ: نَفْسَهُ؛ أيْ: نَفْسًا كَبِيرَةً، ونَفْسًا أيَّ نَفْسٍ.
﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾؛ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ في الكُفْرِ مُصِرُّونَ عَلَيْهِ خارِجُونَ عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ، وهو اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
المائدة 5:50
﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ وتَوْبِيخٌ لَهم، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: يَتَوَلَّوْنَ عَنْ حُكْمِكَ فَيَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلتَّخْصِيصِ المُفِيدِ لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ عَنْ حُكْمِهِ ﷺ وطَلَبَ حُكْمٍ آخَرَ مُنْكَرٌ عَجِيبٌ، وطَلَبُ حُكْمِ الجاهِلِيَّةِ أقْبَحُ وأعْجَبُ، والمُرادُ بِالجاهِلِيَّةِ: إمّا المِلَّةُ الجاهِلِيَّةُ الَّتِي هي مُتابَعَةُ الهَوى المُوجِبَةُ لِلْمَيْلِ والمُداهَنَةِ في الأحْكامِ، فَيَكُونُ تَعْيِيرًا لِلْيَهُودِ بِأنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ أهْلَ كِتابٍ وعِلْمٍ يَبْغُونَ حُكْمَ الجاهِلِيَّةِ الَّتِي هي هَوًى وجَهْلٌ، لا يَصْدُرُ عَنْ كِتابٍ ولا يَرْجِعُ إلى وحْيِ، وإمّا أهْلُ الجاهِلِيَّةِ وحُكْمُهم ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّفاضُلِ فِيما بَيْنَ القَتْلى، حَيْثُ رُوِيَ «أنَّ بَنِي النَّضِيرِ لَمّا تَحاكَمُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في خُصُومَةِ قَتْلٍ وقَعَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، طَلَبُوا إلَيْهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِنَ التَّفاضُلِ، فَقالَ ﷺ: " القَتْلى سَواءٌ» "، فَقالَ بَنُو النَّضِيرِ: نَحْنُ لا نَرْضى بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ.
وَقُرِئَ بِرَفْعِ الحُكْمِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، و" يَبْغُونَ " خَبَرُهُ، والرّاجِعُ مَحْذُوفٌ، حَذَفَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾، وقَدِ اسْتُضْعِفَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشِّعْرِ. وقُرِئَ بِتاءِ الخِطابِ إمّا بِالِالتِفاتِ لِتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ القَوْلِ؛ أيْ: قُلْ لَهم: أفَحُكْمَ ... إلَخْ. وقُرِئَ بِفَتْحِ الحاءِ والكافِ؛ أيْ: أفَحُكّامًا كَحُكّامِ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ.
﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ حُكْمُهُ أحْسَنُ مِن حُكْمِهِ تَعالى أوْ مُساوٍ لَهُ، وإنْ كانَ ظاهِرُ السَّبْكِ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِنَفْيِ المُساواةِ وإنْكارِها، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ .
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾؛ أيْ: عِنْدَهم، واللّامُ كَما في هَيْتَ لَكَ؛ أيْ: هَذا الِاسْتِفْهامُ لَهم، فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَدَبَّرُونَ الأُمُورَ بِأنْظارِهِمْ، فَيَعْلَمُونَ يَقِينًا أنَّ حُكْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أحْسَنُ الأحْكامِ وأعْدَلُها.
المائدة 5:51
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ كافَّةَ المُؤْمِنِينَ مِنَ المُخْلِصِينَ وغَيْرِهِمْ، وإنْ كانَ سَبَبُ وُرُودِهِ بَعْضًا مِنهم كَما سَيَأْتِي. (p-48)
وَوَصْفُهم بِعُنْوانِ الإيمانِ لِحَمْلِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى الِانْزِجارِ عَمّا نُهُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ فَإنَّ تَذْكِيرَ اتِّصافِهِمْ بِضِدِّ صِفاتِ الفَرِيقَيْنِ مِن أقْوى الزَّواجِرِ عَنْ مُوالاتِهِما؛ أيْ: لا يَتَّخِذْ أحَدٌ مِنكم أحَدًا مِنهم ولِيًّا، بِمَعْنى: لا تُصافُوهم ولا تُعاشِرُوهم مُصافاةَ الأحْبابِ ومُعاشَرَتَهم، لا بِمَعْنى: لا تَجْعَلُوهم أوْلِياءَ لَكم حَقِيقَةً، فَإنَّهُ أمْرٌ مُمْتَنِعٌ في نَفْسِهِ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّهْيُ.
﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾؛ أيْ: بَعْضُ كُلِّ فَرِيقٍ مِن ذَيْنِكَ الفَرِيقَيْنِ أوْلِياءُ بَعْضٍ آخَرَ مِن ذَلِكَ الفَرِيقِ، لا مِنَ الفَرِيقِ الآخَرِ، وإنَّما أُوثِرَ الإجْمالُ في البَيانِ؛ تَعْوِيلًا عَلى ظُهُورِ المُرادِ لِوُضُوحِ انْتِفاءِ المُوالاةِ بَيْنَ فَرِيقَيِ اليَهُودِ والنَّصارى رَأْسًا. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ؛ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِاجْتِنابِ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ أيْ: بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ مُتَّفِقُونَ عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، ومِن ضَرُورَتِهِ إجْماعُ الكُلِّ عَلى مُضادَّتِكم ومُضارَّتِكم، بِحَيْثُ يَسُومُونَكُمُ السُّوءَ ويَبْغُونَكُمُ الغَوائِلَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ بَيْنَكم وبَيْنَهم مُوالاةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ حُكْمٌ مُسْتَنْتَجٌ مِنهُ، فَإنَّ انْحِصارَ المُوالاةِ فِيما بَيْنَهم يَسْتَدْعِي كَوْنَ مَن يُوالِيهِمْ مِنهم ضَرُورَةَ أنَّ الِاتِّحادَ في الدِّينِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ المُوالاةِ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ بِكَوْنِهِمْ مِمَّنْ يُوالِيهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِكَوْنِ مَن يُوالِيهِمْ مِنهم، وفِيهِ زَجْرٌ شَدِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ إظْهارِ صُورَةِ المُوالاةِ لَهم، وإنْ لَمْ تَكُنْ مُوالاةً في الحَقِيقَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَن يَتَوَلّاهم مِنهم؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ إلى الإيمانِ، بَلْ يُخَلِّيهِمْ وشَأْنَهم، فَيَقَعُونَ في الكُفْرِ والضَّلالَةِ، وإنَّما وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ هم؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم ظُلْمٌ، لِما أنَّهُ تَعْرِيضٌ لِأنْفُسِهِمْ لِلْعَذابِ الخالِدِ، ووَضْعٌ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
المائدة 5:52
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ تَوَلِّيهِمْ وإشْعارٌ بِسَبَبِهِ، وبِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم، والفاءُ لِلْإيذانِ بِتَرَتُّبِهِ عَلى عَدَمِ الهِدايَةِ، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وإمّا لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ أهْلِيَّةٌ لَهُ، وفِيهِ مَزِيدُ تَشْنِيعٍ لِلتَّشْنِيعِ؛ أيْ: لا يَهْدِيهِمْ بَلْ يَذَرُهم وشَأْنَهم فَتَراهم ... إلَخْ. وإنَّما وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ المَوْصُولِ؛ لِيُشارَ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ إلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ التَّوَلِّي بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ مَرَضِ النِّفاقِ، ورَخاوَةِ العَقْدِ في الدِّينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِظُهُورِ نِفاقِهِمْ؛ أيْ: تَراهم مُسارِعِينَ في مُوالاتِهِمْ، وإنَّما قِيلَ: " فِيهِمْ "، مُبالَغَةً في بَيانِ رَغْبَتِهِمْ فِيها وتَهالُكِهِمْ عَلَيْها. وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةِ " إلى " لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في المُوالاةِ، وإنَّما مُسارَعَتُهم مِن بَعْضِ مَراتِبِها إلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ لا أنَّهم خارِجُونَ عَنْها مُتَوَجِّهُونَ إلَيْها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم وجَنَّةٍ﴾ .
وَقُرِئَ: ( فَيُرِي ) بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: لِمَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ. وقِيلَ: الفاعِلُ هو المَوْصُولُ والمَفْعُولُ هو الجُمْلَةُ عَلى حَذْفِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ؛ أيْ: ويَرى القَوْمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ؛ فَلَمّا حُذِفَتْ أنْ (p-49)انْقَلَبَ الفِعْلُ مَرْفُوعًا، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
والمُرادُ بِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأضْرابُهُ الَّذِينَ كانُوا يُسارِعُونَ في مُوادَّةِ اليَهُودِ ونَصارى نَجْرانَ، وكانُوا يَعْتَذِرُونَ إلى المُؤْمِنِينَ بِأنَّهم لا يَأْمَنُونَ أنْ تُصِيبَهم صُرُوفُ الزَّمانِ.
وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ " يُسارِعُونَ "، والدّائِرَةُ مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ الَّتِي لا يُذْكَرُ مَعَها مَوْصُوفُها؛ أيْ: تَدُورُ عَلَيْنا دائِرَةٌ مِن دَوائِرِ الدَّهْرِ، ودَوْلَةٌ مِن دُوَلِهِ بِأنْ يَنْقَلِبَ الأمْرُ وتَكُونَ الدَّوْلَةُ لِلْكُفّارِ. وقِيلَ: نَخْشى أنْ يُصِيبَنا مَكْرُوهٌ مِن مَكارِهِ الدَّهْرِ، كالجَدْبِ والقَحْطِ، فَلا يُعْطُونا المِيرَةَ والقَرْضَ.
رُوِيَ أنَّ عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ لِي مَوالِيَ مِنَ اليَهُودِ كَثِيرًا عَدَدُهم، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن ولايَتِهِمْ، وأُوالِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ وهم يَهُودُ بَنِي قَيْنُقاعَ، ولَعَلَّهُ يُظْهِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنَّهُ يُرِيدُ بِالدَّوائِرِ المَعْنى الأخِيرَ، ويُضْمِرُ في نَفْسِهِ المَعْنى الأوَّلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ رَدٌّ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى لِعِلَلِهِمُ الباطِلَةِ، وقَطْعٌ لِأطْماعِهِمُ الفارِغَةِ، وتَبْشِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِالظَّفَرِ، فَإنَّ " عَسى " مِنهُ سُبْحانَهُ وعْدٌ مَحْتُومٌ، لِما أنَّ الكَرِيمَ إذا أطْمَعَ أطْعَمَ لا مَحالَةَ، فَما ظَنُّكَ بِأكْرَمِ الأكْرَمِينَ. و" أنْ " يَأْتِيَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ " عَسى "، وهو رَأْيُ الأخْفَشِ، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، وهو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ؛ لِئَلّا يَلْزَمَ الإخْبارُ عَنِ الجُثَّةِ بِالحَدَثِ، كَما في قَوْلِكَ: عَسى زَيْدٌ أنْ يَقُومَ. والمُرادُ بِالفَتْحِ: فَتْحُ مَكَّةَ، قالَهُ الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ. وقالَ الضَّحّاكُ: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ مِن خَيْبَرَ وفَدَكَ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: هو القَضاءُ الفَصْلُ بِنَصْرِهِ ﷺ عَلى مَن خالَفَهُ وإعْزازِ الدِّينِ.
﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ بِقَطْعِ شَأْفَةِ اليَهُودِ مِنَ القَتْلِ والإجْلاءِ.
﴿فَيُصْبِحُوا﴾؛ أيْ: أُولَئِكَ المُنافِقُونَ المُتَعَلِّلُونَ بِما ذُكِرَ، وهو عَطْفٌ عَلى " يَأْتِي " داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ خَبَرِ عَسى، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَمِيرٌ يَعُودُ إلى اسْمِها، فَإنَّ فاءَ السَّبَبِيَّةِ مُغْنِيَةٌ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّها تَجْعَلُ الجُمْلَتَيْنِ جُمْلَةً واحِدَةً.
﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ وهو ما كانُوا يَكْتُمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ مِنَ الكُفْرِ، والشَّكِّ في أمْرِهِ ﷺ، وتَعْلِيقُ النَّدامَةِ بِهِ، لا بِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن مُوالاةِ الكُفْرِ، لِما أنَّهُ الَّذِي كانَ يَحْمِلُهم عَلى المُوالاةِ ويُغْرِيهِمْ عَلَيْها، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى نَدامَتِهِمْ عَلَيْها بِأصْلِها وسَبَبِها.
المائدة 5:53
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ كَمالِ سُوءِ حالِ الطّائِفَةِ المَذْكُورَةِ. وقُرِئَ بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّهُ جَوابُ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا سَبَقَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ. وقُرِئَ: ( ويَقُولَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى " يُصْبِحُوا " . وقِيلَ: عَلى " يَأْتِيَ " بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَعَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ بِالفَتْحِ ويَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا. والأوَّلُ أوْجَهُ؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ظُهُورِ نَدامَةِ المُنافِقِينَ، لا عِنْدَ إتْيانِ الفَتْحِ فَقَطْ، والمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ، مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يُوالُونَهم، ويَرْجُونَ دَوْلَتَهم، ويُظْهِرُونَ لَهم غايَةَ المَحَبَّةِ، وعَدَمَ المُفارَقَةِ عَنْهم في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، وانْعِكاسِ تَقْدِيرِهِمْ بِوُقُوعِ ضِدِّ ما كانُوا يَتَرَقَّبُونَهُ، ويَتَعَلَّلُونَ بِهِ تَعْجِيبًا لِلْمُخاطَبِينَ مِن حالِهِمْ وتَعْرِيضًا بِهِمْ. (p-50)
﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾؛ أيْ: بِالنُّصْرَةِ والمَعُونَةِ، كَما قالُوا فِيما حُكِيَ عَنْهم: ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والمَعْنى: إنْكارُ ما فَعَلُوهُ واسْتِبْعادُهُ وتَخْطِئَتُهم في ذَلِكَ، أوْ يَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ أيْضًا: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا لِلْكَفَرَةِ إنَّهم لَمَعَكم؛ فالخِطابُ في " مَعَكم " لِلْيَهُودِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، إلّا أنَّهُ عَلى الأوَّلِ مِن جِهَةِ المُؤْمِنِينَ، وعَلى الثّانِي مِن جِهَةِ المُقْسِمِينَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ؛ لِأنَّها تَفْسِيرٌ وحِكايَةٌ لِمَعْنى أقْسَمُوا، لَكِنْ لا بِألْفاظِهِمْ، وإلّا لَقِيلَ: إنّا مَعَكم. وجَهْدُ الأيْمانِ: أغْلَظُها، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ: وأقْسَمُوا بِاللَّهِ يَجْهَدُونَ جَهْدَ أيْمانِهِمْ؛ فَحُذِفَ الفِعْلُ وأُقِيمَ المَصْدَرُ مُقامَهُ، ولا يُبالى بِتَعْرِيفِهِ لَفْظًا؛ لِأنَّهُ مُؤَوَّلٌ بِنَكِرَةٍ؛ أيْ: مُجْتَهِدِينَ في أيْمانِهِمْ، أوْ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: أقْسَمُوا إقْسامَ اجْتِهادٍ في اليَمِينِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى؛ لِبَيانِ مَآلِ ما صَنَعُوهُ مِنِ ادِّعاءِ الوِلايَةِ، والإقْسامِ عَلى المَعِيَّةِ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، إثْرَ الإشارَةِ إلى بُطْلانِهِ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ. وإمّا خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَهُ جُمْلَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . أوْ هو الخَبَرُ، والمَوْصُولُ مَعَ ما في حَيِّزِ صِلَتِهِ صِفَةٌ لِاسْمِ الإشارَةِ، فالِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّقْرِيرِ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم، والمَعْنى: بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها في شَأْنِ مُوالاتِكم، وسَعَوْا في ذَلِكَ سَعْيًا بَلِيغًا، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَكم دَوْلَةٌ فَيَنْتَفِعُوا بِما صَنَعُوا مِنَ المَساعِي، وتَحَمَّلُوا مِن مُكابَدَةِ المَشاقِّ، وفِيهِ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِالمُنافِقِينَ والتَّقْرِيعِ لِلْمُخاطَبِينَ ما لا يَخْفى.
وَقِيلَ: قالَهُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ مُخاطِبًا لِبَعْضٍ؛ تَعَجُّبًا مِن سُوءِ حالِ المُنافِقِينَ، واغْتِباطًا بِما مَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ التَّوْفِيقِ لِلْإخْلاصِ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا لَكم بِإغْلاظِ الأيْمانِ أنَّهم أوْلِياؤُكم، ومُعاضِدُوكم عَلى الكُفّارِ، بَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأْيِ أعْيُنِ النّاسِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ الكَلامَ مِنَ المُؤْمِنِينَ إنَّما يَلِيقُ بِما لَوْ أظْهَرَ المُنافِقُونَ حِينَئِذٍ خِلافَ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ، ويُقْسِمُونَ عَلَيْهِ مِن وِلايَةِ المُؤْمِنِينَ، ومُعاضَدَتِهِمْ عَلى الكُفّارِ، فَظَهَرَ كَذِبُهم وافْتَضَحُوا بِذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وبَطَلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأْيِ أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ، ولا رَيْبَ في أنَّهم يَوْمَئِذٍ أشَدُّ ادِّعاءً، وأكْثَرُ إقْسامًا مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يُظْهِرُوا خِلافَ ذَلِكَ، وإنَّما الَّذِي يَظْهَرُ مِنهُمُ النَّدامَةُ عَلى ما صَنَعُوا، ولَيْسَ ذَلِكَ عَلامَةً ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى كُفْرِهِمْ وكَذِبِهِمْ في ادِّعائِهِمْ؛ فَإنَّهم يَدَّعُونَ أنْ لَيْسَتْ نَدامَتُهم إلّا عَلى ما أظْهَرُوهُ مِن مُوالاةِ الكَفَرَةِ خَشْيَةَ إصابَةِ الدّائِرَةِ.
المائدة 5:54
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ وقُرِئَ: ( يَرْتَدِدْ ) بِالفَكِّ عَلى لُغَةِ الحِجازِ، والإدْغامُ لُغَةُ تَمِيمٍ. لَمّا نُهِيَ فِيما سَلَفَ عَنْ مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى، وبُيِّنَ أنَّ مُوالاتَهم مُسْتَدْعِيَةٌ لِلِارْتِدادِ عَنِ الدِّينِ، وفُصِّلَ مَصِيرُ أمْرِ مَن يُوالِيهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ، شُرِعَ في بَيانِ حالِ المُرْتَدِّينَ عَلى الإطْلاقِ، وهَذا مِنَ الكائِناتِ الَّتِي أخْبَرَ (p-51)عَنْها القرآن قَبْلَ وُقُوعِها.
رُوِيَ أنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ إحْدى عَشْرَةِ فِرْقَةً، ثَلاثٌ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: بَنُو مُدْلِجٍ ورَئِيسُهم ذُو الخِمارِ، وهو الأسْوَدُ العَنْسِيُّ، كانَ كاهِنًا تَنَبَّأ بِاليَمَنِ واسْتَوْلى عَلى بِلادِهِ، فَأخْرَجَ مِنها عُمّالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَكَتَبَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وإلى ساداتِ اليَمَنِ، فَأهْلَكَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدَيْ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ بَيَّتَهُ فَقَتَلَهُ، وأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَتْلِهِ لَيْلَةَ قُتِلَ؛ فَسُرَّ بِهِ المُسْلِمُونَ وقُبِضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَدِ، وأتى خَبَرُهُ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ.
وَبَنُو حَنِيفَةَ قَوْمُ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، تَنَبَّأ وكَتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مِن مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ نِصْفُها لِي ونِصْفُها لَكَ؛ فَأجابَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» "؛ فَحارَبَهُ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِجُنُودِ المُسْلِمِينَ، وقُتِلَ عَلى يَدَيْ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكانَ يَقُولُ: قَتَلْتُ في جاهِلِيَّتِي خَيْرَ النّاسِ، وفي إسْلامِي شَرَّ النّاسِ.
وَبَنُو أسَدٍ قَوْمُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ، تَنَبَّأ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ، فانْهَزَمَ بَعْدَ القِتالِ إلى الشّامِ، فَأسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
وَسَبْعٌ في عَهْدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَزارَةُ قَوْمُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وغَطَفانُ قَوْمُ قُرَّةَ بْنِ سَلَمَةَ القُشَيْرِيِّ، وبَنُو سَلِيمِ قَوْمُ الفُجاءَةِ ابْنِ عَبْدِ يالِيلَ، وبَنُو يَرْبُوعٍ قَوْمُ مالِكِ بْنِ نُوَيْرَةَ، وبَعْضُ تَمِيمٍ قَوْمُ سَجاحِ بِنْتِ المُنْذِرِ المُتَنَبِّئَةِ الَّتِي زَوَّجَتْ نَفْسَها مِن مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ، وفِيها يَقُولُ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ في كِتابِ " اسْتَغْفِرْ واسْتَغْفِرِي ":
؎ آمَتْ سَجاحِ ووالاها مُسَيْلِمَةُ ∗∗∗ كَذّابَةٌ في بَنِي الدُّنْيا وكَذّابُ
وَكِنْدَةُ قَوْمُ الأشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وبَنُو بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِالبَحْرَيْنِ قَوْمُ الحُطَمِ بْنِ زَيْدٍ، وكَفى اللَّهُ تَعالى أمْرَهم عَلى يَدِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وَفِرْقَةٌ واحِدَةٌ في عَهْدِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: غَسّانُ قَوْمُ جَبَلَةَ بْنِ الأيْهَمِ، نَصَّرَتْهُ اللَّطْمَةُ وسَيَّرَتْهُ إلى بِلادِ الرُّومِ، وقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ مَكانَهم بَعْدَ إهْلاكِهِمْ.
﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾؛ أيْ: يُرِيدُ بِهِمْ خَيْرِي الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَحَلُّ الجُمْلَةِ الجَرُّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِقَوْمٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّونَهُ﴾؛ أيْ: يُرِيدُونَ طاعَتَهُ ويَتَحَرَّزُونَ عَنْ مَعاصِيهِ، مَعْطُوفٌ عَلَيْها داخِلٌ في حُكْمِها. قِيلَ: هم أهْلُ اليَمَنِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وقالَ: " قَوْمُ هَذا " . وقِيلَ: هُمُ الأنْصارُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. وقِيلَ: هُمُ الفُرْسُ؛ لِما رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُئِلَ عَنْهم، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الكَرِيمَةِ عَلى عاتِقِ سَلْمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقالَ: " هَذا وذَوُوهُ "، ثُمَّ قالَ: " لَوْ كانَ الإيمانُ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيّا لَنالَهُ رِجالٌ مِن أبْناءِ فارِسَ "» . وقِيلَ: هم ألْفانِ مِنَ النَّخَعِ، وخَمْسَةُ آلافٍ مِن كِنْدَةَ، وثَلاثَةُ آلافٍ مِن أفْناءِ النّاسِ، جاهَدُوا يَوْمَ القادِسِيَّةِ.
﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولٍ، فَإنَّ جَمْعَهُ: ذُلُلٌ؛ أيْ: أرِقّاءَ رُحَماءَ مُتَذَلِّلِينَ ومُتَواضِعِينَ لَهم، واسْتِعْمالُهُ بِـ" عَلى " إمّا لِتَضْمِينِ مَعْنى العَطْفِ والحُنُوِّ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم مَعَ عُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ خافِضُونَ لَهم أجْنِحَتَهم.
أوْ لِرِعايَةِ المُقابَلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: أشِدّاءَ مُتَغَلِّبِينَ عَلَيْهِمْ، مِن عَزَّهُ: إذا غَلَبَهُ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾، وهُما صِفَتانِ أُخْرَيانِ لِقَوْمٍ تُرِكَ بَيْنَها العاطِفُ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِكُلٍّ مِنهُما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ تَأْخِيرِ الصِّفَةِ الصَّرِيحَةِ عَنْ غَيْرِ الصَّرِيحَةِ مِنَ الجُمْلَةِ والظَّرْفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-52)﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ .
وَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَن لا يُجَوِّزُهُ مِن أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ " كَلامٌ مُعْتَرِضٌ، وأنَّ " مُبارَكٌ " خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وأنَّ " مِن رَبِّهِمْ " و" مِنَ الرَّحْمَنِ " حالانِ مُقَدَّمَتانِ مِن ضَمِيرِ مُحْدَثٍ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى. وقُرِئَ: ( أذِلَّةً )، ( أعِزَّةً ) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن " قَوْمٍ " لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ.
﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِقَوْمٍ، مُتَرَتِّبَةٌ عَلى ما قَبْلَها، مَبْنِيَّةٌ مَعَ ما بَعْدَها لِكَيْفِيَّةِ عِزَّتِهِمْ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في " أعِزَّةٍ " .
﴿وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى " يُجاهِدُونَ "، بِمَعْنى: أنَّهم جامِعُونَ بَيْنَ المُجاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وبَيْنَ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُنافِقِينَ، فَإنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا في جَيْشِ المُسْلِمِينَ خافُوا أوْلِياءَهُمُ اليَهُودَ، فَلا يَكادُونَ يَعْمَلُونَ شَيْئًا يَلْحَقُهم فِيهِ لَوْمٌ مِن جِهَتِهِمْ. وقِيلَ: هو حالٌ مِن فاعِلِ " يُجاهِدُونَ "، بِمَعْنى: أنَّهم يُجاهِدُونَ وحالُهم خِلافُ حالِ المُنافِقِينَ، واعْتِراضٌ عَلَيْهِ بِأنَّهم نَصُّوا عَلى أنَّ المُضارِعَ المَنفِيَّ بِلا أوْ ما، كالمُثْبَتِ في عَدَمِ جَوازِ مُباشَرَةِ واوِ الحالِ لَهُ. واللَّوْمَةُ: المَرَّةُ مِنَ اللَّوْمِ، وفِيها وفي تَنْكِيرِ لائِمٍ مُبالَغَةٌ لا تَخْفى.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوْصافِ الجَلِيلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَضْلِ.
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾؛ أيْ: لُطْفُهُ وإحْسانُهُ، لا أنَّهم مُسْتَقِلُّونَ في الِاتِّصافِ بِها.
﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ إيتاءَهُ إيّاهُ، ويُوَفِّقُهُ لِكَسْبِهِ وتَحْصِيلِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ.
﴿واللَّهُ واسِعٌ﴾ كَثِيرُ الفَواضِلِ والألْطافِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مَن هو أهْلٌ لِلْفَضْلِ والتَّوْفِيقِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِلْإشْعارِ بِالعِلَّةِ وتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ الِاعْتِراضِيَّةِ.
المائدة 5:55
﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ لَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَنْ مُوالاةِ الكَفَرَةِ، وعَلَّلَهُ بِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ لا يُتَصَوَّرُ وِلايَتُهم لِلْمُؤْمِنِينَ، وبَيَّنَ أنَّ مَن يَتَوَلّاهم يَكُونُ مِن جُمْلَتِهِمْ، بَيَّنَ هَهُنا مَن هو ولِيُّهم بِطَرِيقِ قَصْرِ الوِلايَةِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَتَّخِذُوهم أوْلِياءَ؛ لِأنَّ بَعْضَهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، ولَيْسُوا بِأوْلِيائِكم، إنَّما أوْلِياؤُكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ، فاخْتَصُّوهم بِالمُوالاةِ ولا تَتَخَطَّوْهم إلى غَيْرِهِمْ، وإنَّما أُفْرِدَ الوَلِيُّ مَعَ تَعَدُّدِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الوِلايَةَ أصالَةً لِلَّهِ تَعالى، ووِلايَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكَذا وِلايَةُ المُؤْمِنِينَ بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لِوِلايَتِهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ " لِلَّذِينِ آمَنُوا " لِجَرَيانِهِ مَجْرى الِاسْمِ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ نَصْبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ رَفْعٌ عَلَيْهِ.
﴿وَهم راكِعُونَ﴾ حالٌ مَعَ فاعِلِ الفِعْلَيْنِ؛ أيْ: يَعْمَلُونَ ما ذُكِرَ مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، وهم خاشِعُونَ ومُتَواضِعُونَ لِلَّهِ تَعالى. وقِيلَ: هو حالٌ مَخْصُوصَةٌ بِإيتاءِ الزَّكاةِ، والرُّكُوعُ رُكُوعُ الصَّلاةِ، والمُرادُ: بَيانُ كَمالِ رَغْبَتِهِمْ في الإحْسانِ ومُسارَعَتِهِمْ إلَيْهِ. ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَألَهُ سائِلٌ وهو راكِعٌ، فَطَرَحَ إلَيْهِ خاتَمَهُ، كَأنَّهُ كانَ مَرَّ جافى خِنْصَرَهُ غَيْرَ مُحْتاجٍ في إخْراجِهِ إلى كَثِيرِ عَمَلٍ يُؤَدِّي إلى فَسادِ الصَّلاةِ. ولَفْظُ الجَمْعِ حِينَئِذٍ لِتَرْغِيبِ النّاسِ في مِثْلِ فِعْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ تُسَمّى زَكاةً.(p-53)
المائدة 5:56
﴿وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُوثِرَ الإظْهارُ عَلى أنْ يُقالَ: ومَن يَتَوَلَّهم؛ رِعايَةً لِما مَرَّ مِن نُكْتَةِ بَيانِ أصالَتِهِ تَعالى في الوِلايَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ حَيْثُ أُضِيفَ الحِزْبُ إلَيْهِ تَعالى خاصَّةً، وهو أيْضًا مِن بابِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى " مَن "؛ أيْ: فَإنَّهُمُ الغالِبُونَ، لَكِنَّهم جُعِلُوا حِزْبَ اللَّهِ تَعالى تَعْظِيمًا لَهم، وإثْباتًا لِغَلَبَتِهِمْ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَتَوَلَّ هَؤُلاءِ فَإنَّهم حِزْبُ اللَّهِ وحِزْبُ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ.
المائدة 5:57
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ رُوِيَ أنَّ رِفاعَةَ بْنَ زَيْدٍ وسُوَيْدَ بْنَ الحَرْثِ أظْهَرا الإسْلامَ ثُمَّ نافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُوادُّونَهُما، فَنُهُوا عَنْ مُوالاتِهِما، ورُتِّبَ النَّهْيُ عَلى وصْفٍ يَعُمُّهُما وغَيْرَهُما تَعْمِيمًا لِلْحُكْمِ، وتَنْبِيها عَلى العِلَّةِ، وإيذانًا بِأنَّ مَن هَذا شَأْنُهُ جَدِيرٌ بِالمُعاداةِ، فَكَيْفَ بِالمُوالاةِ.
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَهْزِئِينَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ لِبَيانِ كَمالِ شَناعَتِهِمْ وغايَةِ ضَلالَتِهِمْ، لِما أنَّ إيتاءَ الكِتابِ وازِعٌ لَهم عَنْ الِاسْتِهْزاءِ بِالدِّينِ المُؤَسَّسِ عَلى الكِتابِ المُصَدِّقِ لِكِتابِهِمْ.
﴿والكُفّارَ﴾؛ أيِ: المُشْرِكِينَ، خُصُّوا بِهِ لِتَضاعُفِ كُفْرِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ، فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهم لَيْسُوا بِمُسْتَهْزِئِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَخْصِيصُ الخِطابِ بِأهْلِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ الآيَةَ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ الأخِيرِ، ويَعْضُدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: ( ومِنَ الكُفّارِ )، وقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ( ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا )، فَهم أيْضًا مِن جُمْلَةِ المُسْتَهْزِئِينَ.
﴿أوْلِياءَ﴾ وجانِبُوهم كُلَّ المُجانَبَةِ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في ذَلِكَ بِتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، أوْ بِتَرْكِ المَناهِي عَلى الإطْلاقِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ تَرْكُ مُوالاتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.
﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: حَقًّا، فَإنَّ قَضِيَّةَ الإيمانِ تُوجِبُ الِاتِّقاءَ لا مَحالَةَ.
المائدة 5:58
﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها﴾؛ أيِ: الصَّلاةَ، أوِ المُناداةَ، فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى شَرْعِيَّةِ الأذانِ.
﴿هُزُوًا ولَعِبًا﴾ بَيانٌ لِاسْتِهْزائِهِمْ بِحُكْمٍ خاصٍّ مِن أحْكامِ الدِّينِ بَعْدَ بَيانِ اسْتِهْزائِهِمْ بِالدِّينِ عَلى الإطْلاقِ؛ إظْهارًا لِكَمالِ شَقاوَتِهِمْ. رُوِيَ أنْ نَصْرانِيًّا بِالمَدِينَةِ كانَ إذا سَمِعَ المُؤَذِّنَ يَقُولُ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَقُولُ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ؛ فَدَخَلَ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ بِنارٍ وأهْلُهُ نِيامٌ، فَتَطايَرَتْ مِنهُ شَرارَةٌ في البَيْتِ، فَأحْرَقَتْهُ وأهْلَهُ جَمِيعًا.
﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الِاسْتِهْزاءُ المَذْكُورُ، ﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّ السَّفَهَ يُؤَدِّي إلى الجَهْلِ بِمَحاسِنِ الحَقِّ والهَزْءِ بِهِ، ولَوْ كانَ لَهم عَقْلٌ في الجُمْلَةِ لَما اجْتَرَءُوا عَلى تِلْكَ العَظِيمَةِ.
المائدة 5:59
﴿قُلْ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ تَلْوِينِ الخِطابِ بَعْدَ نَهْيِ المُؤْمِنِينَ عَنْ تَوَلِّي المُسْتَهْزِئِينَ بِأنْ يُخاطِبَهم، ويُبَيِّنَ أنَّ الدِّينَ مُنَزَّهٌ عَمّا يُصَحِّحُ صُدُورَ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ، ويُظْهِرُ (p-54)لَهم سَبَبَ ما ارْتَكَبُوهُ ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ؛ أيْ: قُلْ لِأُولَئِكَ الفَجَرَةِ.
﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ وُصِفُوا بِأهْلِيَّةِ الكِتابِ تَمْهِيدًا بِما سَيَأْتِي مِن تَبْكِيتِهِمْ وإلْزامِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ.
﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ مِن نَقَمَ مِنهُ كَذا، إذا عابَهُ وأنْكَرَهُ وكَرِهَهُ، يَنْقِمُهُ مِن حَدِّ ضَرَبَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ القافِ مَن حَدِّ عَلِمَ، وهي أيْضًا لُغَةٌ؛ أيْ: ما تَعِيبُونَ وما تُنْكِرُونَ مِنّا.
﴿إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ مِنَ القرآن المَجِيدِ.
﴿وَما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إنْزالِهِ مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ المُنَزَّلَيْنِ عَلَيْكم، وسائِرِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.
﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾؛ أيْ: مُتَمَرِّدُونَ خارِجُونَ عَنِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ، فَإنَّ الكُفْرَ بِالقرآن مُسْتَلْزِمٌ لِلْكُفْرِ بِما يُصَدِّقُهُ لا مَحالَةَ، وهو عَطْفٌ عَلى " ﴿أنْ آمَنّا﴾ " عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِتَنْقِمُونَ، والمَفْعُولُ الَّذِي هو الدِّينُ مَحْذُوفٌ ثِقَةً، بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ دَلالَةً واضِحَةً، فَإنَّ اتِّخاذَ الدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا عَيْنُ نِقْمِهِ وإنْكارِهِ، والإيمانُ بِما فُصِّلَ عَيْنُ الدِّينِ الَّذِي نَقَمُوهُ، خَلا أنَّهُ أبْرَزَ في مَعْرِضِ عِلَّةِ نَقَمِهِمْ لَهُ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ المُكابَرَةِ والتَّعْكِيسِ، حَيْثُ جَعَلُوهُ مُوجِبًا لِنَقْمِهِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ مُوجِبًا لِقَبُولِهِ وارْتِضائِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا دِينَنا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ، إلّا لِأنْ آمَنّا بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ مِن كُتُبِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم مُتَمَرِّدُونَ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِواحِدٍ مِمّا ذُكِرَ، حَتّى لَوْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِكِتابِكُمُ النّاطِقِ بِصِحَّةِ كِتابِنا لَآمَنتُمْ بِهِ.
وَإسْنادُ الفِسْقِ إلى أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّهُمُ الحامِلُونَ لِأعْقابِهِمْ عَلى التَّمَرُّدِ والعِنادِ. وقِيلَ: عَطْفٌ عَلَيْهِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِتَنْقِمُونَ مِنّا، لَكِنْ لا عَلى أنَّ المُسْتَثْنى مَجْمُوعُ المَعْطُوفَيْنِ، بَلْ هو ما يَلْزَمُهُما مِنَ المُخالَفَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا مُخالَفَتَكم، حَيْثُ دَخَلْنا الإيمانَ وأنْتُمْ خارِجُونَ عَنْهُ. وقِيلَ: عَلى حَذْفِ المُضادِّ؛ أيْ: واعْتِقادُ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى " ما "؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلَيْنا، وبِأنَّكم فاسِقُونَ. وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ؛ أيْ: لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ.
وَقِيلَ: الواوُ بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم ... إلَخْ. وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ؛ أيْ: لا تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ. وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ؛ أيْ: ثابِتٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُعْتَرِضَةٌ. وقُرِئَ: ( بِإنِ ) المَكْسُورَةِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَوْنِ أكْثَرِهِمْ فاسِقِينَ مُتَمَرِّدِينَ.
المائدة 5:60
﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ لَمّا أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِإلْزامِهِمْ وتَبْكِيتِهِمْ بِبَيانِ أنَّ مَدارَ نَقْمِهِمْ لِلدِّينِ إنَّما هو اشْتِمالُهُ عَلى ما يُوجِبُ ارْتِضاءَهُ عِنْدَهم أيْضًا، وكُفْرُهم بِما هو مُسَلَّمٌ لَهم، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَقِيبَهُ بِأنْ يُبَكِّتَهم بِبَيانِ أنَّ الحَقِيقَ بِالنَّقْمِ، والعَيْبِ حَقِيقَةً ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ المُحَرَّفِ، ويَنْعى عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ البَيانِ جِناياتِهِمْ، وما حاقَ بِهِمْ مِن تَبِعاتِها وعُقُوباتِها عَلى مِنهاجِ التَّعْرِيضِ؛ لِئَلّا يَحْمِلَهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ عَلى رُكُوبِ مَتْنِ المُكابَرَةِ والعِنادِ، ويُخاطِبُهم قَبْلَ البَيانِ بِما يُنْبِئُ عَنْ عِظَمِ شَأْنِ المُبَيَّنِ، ويَسْتَدْعِي إقْبالَهم عَلى تَلَقِّيهِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ المُشَوِّقَةِ إلى المُخْبَرِ بِهِ، والتَّنْبِئَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِهِ أمْرًا خَطِيرًا، لِما أنَّ النَّبَأ: هو الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وحَيْثُ كانَ مَناطُ النَّقْمِ شَرِّيَّةَ المَنقُومِ حَقِيقَةً أوِ اعْتِقادًا، وكانَ مُجَرَّدُ النَّقْمِ غَيْرَ مُفِيدٍ (p-55)لِشَرِّيَّتِهِ البَتَّةَ. قِيلَ: " بَشَرٍّ مِن ذَلِكَ "، ولَمْ يُقَلْ: بِأنْقَمَ مِن ذَلِكَ؛ تَحْقِيقًا لِشَرِّيَّةِ ما سَيُذْكَرُ وزِيادَةَ تَقْرِيرٍ لَها.
وَقِيلَ: إنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِوُقُوعِهِ في عِبارَةِ المُخاطَبِينَ، حَيْثُ «أتى نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ دِينِهِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " أوْمِن بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ "؛ فَحِينَ سَمِعُوا ذِكْرَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالُوا: لا نَعْلَمُ شَرًّا مِن دِينِكم»، وإنَّما اعْتَبَرَ الشَّرِّيَّةَ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ، وهو مُنَزَّهٌ عَنْ شائِبَةِ الشَّرِّيَّةِ بِالكُلِّيَّةِ، مُجاراةً مَعَهم عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ المُنْعَقِدِ عَلى كَمالِ شَرِّيَّتِهِ؛ لِيُثْبِتَ أنَّ دِينَهم شَرٌّ مِن كُلِّ شَرٍّ؛ أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو شَرٌّ في الحَقِيقَةِ مِمّا تَعْتَقِدُونَهُ شَرًّا، وإنْ كانَ في نَفْسِهِ خَيْرًا مَحْضًا.
﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: جَزاءً ثابِتًا في حُكْمِهِ. وقُرِئَ: ( مَثْوَبَةً ) وهي لُغَةٌ فِيها، كَمَشُورَةٍ ومَشْوَرَةٍ، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ، كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ، وإنَّما وُضِعَتْ هَهُنا مَوْضِعَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:
تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
وَنَصْبُها عَلى التَّمْيِيزِ مِن " ﴿بِشَرٍّ﴾ " .
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَهُ، مُناسِبٍ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِكَلِمَةِ " ذَلِكَ "؛ أيْ: دِينُ مَن لَعَنَهُ ... إلَخْ، أوْ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَها مُناسِبٍ لِمَن؛ أيْ: بِشَرٍّ مِن أهْلِ ذَلِكَ. والجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ؛ إمّا عَلى حالِها وهو الظّاهِرُ المُناسِبُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وإمّا بِاعْتِبارِ التَّقْدِيرِ فِيها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي هو شَرٌّ مِن ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ... إلَخْ، أوْ قِيلَ في السُّؤالِ: مَن ذا الَّذِي هو شَرٌّ مِن أهْلِ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ. ووَضْعُ الِاسْمِ الجَلِيلِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَهْوِيلِ أمْرِ اللَّعْنِ وما تَبِعَهُ، والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُخاطَبِينَ حَيْثُ أبْعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن رَحْمَتِهِ، وسَخِطَ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، وانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي بَعْدَ وُضُوحِ الآياتِ وسُنُوحِ البَيِّناتِ.
﴿وَجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾؛ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وهم أصْحابُ السَّبْتِ، وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهم كُفّارُ مائِدَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: كِلا المَسْخَيْنِ في أصْحابِ السَّبْتِ، مُسِخَتْ شُبّانُهم قِرَدَةً وشُيُوخُهم خَنازِيرَ، وجَمْعُ الضَّمِيرِ الرّاجِعِ إلى المَوْصُولِ في " مِنهم " بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرَيْنِ الأوَّلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وإيثارُ وضْعِهِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ الخِطابِ المُناسِبِ؛ لِأُنَبِّئَكم لِلْقَصْدِ إلى إثْباتِ الشَّرِّيَّةِ بِما عُدِّدَ في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ المُوجِبَةِ لَها عَلى الطَّرِيقَةِ البُرْهانِيَّةِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الِاحْتِرازِ عَنْ تَهْيِيجِ لَجاجِهِمْ.
﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ " مَن "، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِما مَرَّ، وكَذا ( عُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ الطّاغُوتِ، وكَذا عَبُدَ الطّاغُوتِ بِمَعْنى: صارَ مَعْبُودًا، فالرّاجِعُ إلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ عَلى القِراءَتَيْنِ؛ أيْ: عُبِدَ فِيهِمْ أوْ بَيْنَهم. وتَقْدِيمُ أوْصافِهِمُ المَذْكُورَةِ بِصَدَدِ إثْباتِ شَرِّيَّةِ دِينِهِمْ عَلى وصْفِهِمْ هَذا مَعَ أنَّهُ الأصْلُ المُسْتَتْبِعُ لَها في الوُجُودِ، وأنَّ دَلالَتَهُ عَلى شَرِّيَّتِهِ بِالذّاتِ؛ لِأنَّ عِبادَةَ الطّاغُوتِ عَيْنُ دِينِهِمُ البَيِّنِ البُطْلانِ، ودَلالَتُها عَلَيْها بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلالِ بِشَرِّيَّةِ الآثارِ عَلى شَرِّيَّةِ ما يُوجِبُها مِنَ الِاعْتِقادِ والعَمَلِ، إمّا لِلْقَصْدِ إلى تَبْكِيتِهِمْ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِوَصْفِهِمْ بِما لا سَبِيلَ لَهم إلى الجُحُودِ، لا بِشَرِّيَّتِهِ وفَظاعَتِهِ، ولا بِاتِّصافِهِمْ بِهِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِاسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ بِالدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الشَّرِّيَّةِ، ولَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ.
وَقِيلَ: مَن عَبَدَ الطّاغُوتَ ولَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ ... إلَخْ، لَرُبَّما فُهِمَ أنَّ عِلَّةَ الشَّرِّيَّةِ هو المَجْمُوعُ، وقَدْ قُرِئَ: ( عابِدَ الطّاغُوتِ )، وكَذا ( عَبِدَ الطّاغُوتِ ) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ، كَفَطِنٍ ويَقِظٍ، وكَذا ( عَبَدَةَ الطّاغُوتِ )، وكَذا ( عَبَدَ الطّاغُوتِ ) بِالإضافَةِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ عابِدٍ كَخَدَمٍ، أوْ عَلى أنَّ أصْلَهُ عَبَدَةَ، حُذِفَتْ تاؤُهُ لِلْإضافَةِ بِالنَّصْبِ في الكُلِّ عَطْفًا عَلى (p-56)" القِرَدَةِ والخَنازِيرِ " .
وَقُرِئَ: ( عَبَدِ الطّاغُوتِ ) بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى " مَن "، بِناءً عَلى أنَّهُ مَجْرُورٌ بِتَقْدِيرِ المُضافِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ " مَن " مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " شَرٍّ " عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في تَقْدِيرِ المُضافِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ ذَلِكَ مَعَ اقْتِضائِهِ إخْلاءَ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ المَزايا المَذْكُورَةِ بِالمَرَّةِ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ قَطْعًا، ضَرُورَةَ أنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ لَيْسَ مَضْمُونَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، بَلْ هو كَما مَرَّ مُقَدَّمَةٌ سِيقَتْ أمامَ المَقْصُودِ، لِهَزُؤِ المُخاطَبِينَ وتَوْجِيهِ أذْهانِهِمْ نَحْوَ تَلَقِّي ما يُلْقى إلَيْهِمْ عَقِيبَها بِجُمْلَةٍ خَبَرِيَّةٍ مُوافِقَةٍ في الكَيْفِيَّةِ لِلسُّؤالِ النّاشِئِ عَنْها، وهو المَقْصُودُ إفادَتُهُ، وعَلَيْهِ يَدُورُ ذَلِكَ الإلْزامُ والتَّبْكِيتُ حَسْبَما شُرِحَ، فَإذا جُعِلَ المَوْصُولُ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِن تَتِمَّةِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، فَأيْنَ الَّذِي يُلْقى إلَيْهِمْ عَقِيبَها جَوابًا عَمّا نَشَأ مِنها مِنَ السُّؤالِ، لِيَحْصُلَ بِهِ الإلْزامُ والتَّبْكِيتُ.
وَأمّا الجُمْلَةُ الآتِيَةُ فَبِمَعْزِلٍ مِن صَلاحِيَّةِ الجَوابِ، كَيْفَ لا ولا بُدَّ مِن مُوافَقَتِهِ في الكَيْفِيَّةِ لِلسُّؤالِ النّاشِئِ عَنِ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ السُّؤالَ النّاشِئَ عَنْها يَسْتَدْعِي وُقُوعَ الشَّرِّ مِن تَتِمَّةِ المُخْبَرِ عَنْهُ، لا خَبَرًا كَما في الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ، وسَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مَزِيدَ اتِّضاحٍ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
والمُرادُ بِالطّاغُوتِ: العِجْلُ. وقِيلَ: هو الكَهَنَةُ وكُلُّ مَن أطاعُوهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَعُمُّ الحُكْمُ دِينَ النَّصارى أيْضًا، ويَتَّضِحُ وجْهُ تَأْخِيرِ ذِكْرِ عِبادَتِهِ عَنِ العُقُوباتِ المَذْكُورَةِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَتْ عَلَيْها لَتُوُهِّمَ اشْتِراكُ الفَرِيقَيْنِ في تِلْكَ العُقُوباتِ، ولَمّا كانَ مَآلُ ما ذُكِرَ بِصَدَدِ التَّبْكِيتِ أنَّ ما هو شَرٌّ مِمّا نَقَمُوهُ دِينُهم، أوْ أنَّ مَن هو شَرٌّ مِن أهْلِ ما نَقَمُوهُ أنْفُسُهم، بِحَسَبِ ما قُدِّرَ مِنَ المُضافَيْنِ، وكانَتِ الشَّرِّيَّةُ عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ مِن تَتِمَّةِ المَوْضُوعِ غَيْرَ مَقْصُودَةِ الإثْباتِ لِدِينِهِمْ، أوْ لِأنْفُسِهِمْ عَقِبَ ذَلِكَ بِإثْباتِها لَهم عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِعِلِّيَّةِ ما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ، لِثُبُوتِها لَهم بِجُمْلَةٍ مُسْتَأْنَفَةٍ مَسُوقَةٍ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ، شَهادَةً عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ، أوْ داخِلَةٍ تَحْتَ الأمْرِ تَأْكِيدًا لِلْإلْزامِ وتَشْدِيدًا لِلتَّبْكِيتِ.
فَقِيلَ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ فاسْمُ الإشارَةِ عِبارَةٌ عَمَّنْ ذُكِرَتْ صِفاتُهُمُ الخَبِيثَةُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرارَةِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ القَبائِحِ والفَضائِحِ. شَرٌّ مَكانُهم: جُعِلَ مَكانُهم شَرًّا لِيَكُونَ أبْلَغَ في الدَّلالَةِ عَلى شَرارَتِهِمْ، وقِيلَ: شَرٌّ مَكانًا؛ أيْ: مُنْصَرَفًا.
﴿وَأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ عَطْفٌ عَلى " شَرٌّ " مُقَرِّرٌ لَهُ؛ أيْ: أكْثَرُ ضَلالًا عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِ دِينِهِمْ شَرًّا مَحْضًا بَعِيدًا عَنِ الحَقِّ؛ لِأنَّ ما يَسْلُكُونَهُ مِنَ الطَّرِيقِ دِينُهم، فَإذا كانُوا أضَلَّ كانَ دِينُهم ضَلالًا بَيِّنًا لا غايَةَ وراءَهُ، وصِيغَةُ التَّفْضِيلِ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا، لا بِالإضافَةِ إلى مَن يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ.
المائدة 5:61
﴿وَإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويُظْهِرُونَ لَهُ الإيمانَ نِفاقًا؛ فالخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، أوْ لَهُ مَعَ ما عِنْدَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ.
﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾؛ أيْ: يَخْرُجُونَ مِن عِنْدِكَ مُلْتَبِسِينِ بِالكُفْرِ كَما دَخَلُوا، لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ. والجُمْلَتانِ حالانِ مِن فاعِلِ " قالُوا " . و" بِالكُفْرِ "، و" بِهِ " حالانِ مِن فاعِلِ " دَخَلُوا "، (p-57)وَ" خَرَجُوا " . و" قَدْ " وإنْ دَخَلَتْ لِتَقْرِيبِ الماضِي مِنَ الحالِ، لِيَصِحَّ أنْ يَقَعَ حالاتٍ أفادَتْ أيْضًا بِما فِيها مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ أنَّ أماراتِ النِّفاقِ كانَتْ لائِحَةً، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ يَظُنُّهُ ويَتَوَقَّعُ أنْ يُظْهِرَهُ اللَّهُ تَعالى؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم.
المائدة 5:62
﴿وَتَرى﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، والرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ.
﴿كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ حالٌ مِن " كَثِيرًا " . وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ. والأوَّلُ أنْسَبُ بِحالِهِمْ وظُهُورِ نِفاقِهِمْ. والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ والمُباشَرَةُ لِلشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ. وإيثارُ كَلِمَةِ " في " عَلى كَلِمَةِ " إلى " الواقِعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ﴾ ... إلَخْ، لِما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ . والمُرادُ بِالإثْمِ: الكَذِبُ عَلى الإطْلاقِ. وقِيلَ: الحَرامُ. وقِيلَ: كَلِمَةُ الشِّرْكِ، وقَوْلُهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ. وقِيلَ: هو ما يُخْتَصُّ بِهِمْ مِنَ الآثامِ.
﴿والعُدْوانِ﴾؛ أيِ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ، أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في المَعاصِي.
﴿وَأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾؛ أيِ: الحَرامَ، خَصَّهُ بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِهِ في الإثْمِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّقْبِيحِ.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: لَبِئْسَ شَيْئًا كانُوا يَعْمَلُونَهُ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ.
المائدة 5:63
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ الحَسَنُ: الرَّبّانِيُّونَ: عُلَماءُ الإنْجِيلِ، والأحْبارُ: عُلَماءُ التَّوْراةِ. وقِيلَ: كُلُّهم في اليَهُودِ، وهو تَحْضِيضٌ لِلَّذِينِ يَقْتَدِي بِهِمْ أفَناؤُهم، ويَعْلَمُونَ قَباحَةَ ما هم فِيهِ، وسُوءَ مَغَبَّتِهِ عَلى نَهْيِ أسافِلِهِمْ عَنْ ذَلِكَ، مَعَ تَوْبِيخٍ لَهم عَلى تَرْكِهِ.
﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ مَعَ عِلْمِهِمْ بِقُبْحِهِما ومُشاهَدَتِهِمْ لِمُباشَرَتِهِمْ لَهُما.
﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا أبْلَغُ مِمّا قِيلَ في حَقِّ عامَّتِهِمْ، لِما أنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ ما لَمْ يَتَدَرَّبْ فِيهِ صاحِبُهُ، ولَمْ يَحْصُلْ فِيهِ مَهارَةٌ تامَّةٌ، ولِذَلِكَ ذَمَّ بِهِ خَواصَّهم، ولِأنَّ تَرْكَ الحَسَنَةِ أقْبَحُ مِن مُواقَعَةِ المَعْصِيَةِ؛ لِأنَّ النَّفْسَ تَلْتَذُّ بِها وتَمِيلُ إلَيْها، ولا كَذَلِكَ تَرْكُ الإنْكارِ عَلَيْها، فَكانَ جَدِيرًا بِأبْلَغِ ذَمٍّ، وفِيهِ مِمّا يُنْعى عَلى العُلَماءِ تَوانِيَهم في النَّهْيِ عَنِ المُنْكَراتِ ما لا يَخْفى. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّها أشَدُّ آيَةٍ في القرآن. وعَنِ الضَّحّاكِ: ما في القرآن آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِنها.
المائدة 5:64
﴿وَقالَتِ اليَهُودُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قَدْ بَسَطَ عَلى اليَهُودِ، حَتّى كانُوا مِن أكْثَرِ النّاسِ (p-58)مالًا وأخْصَبِهِمْ ناحِيَةً، فَلَمّا عَصَوُا اللَّهَ سُبْحانَهُ بِأنْ كَفَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذَّبُوهُ، كَفَّ عَنْهم ما بَسَطَ عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وحَيْثُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الآخَرُونَ ورَضُوا بِهِ، نُسِبَتْ تِلْكَ العَظِيمَةُ إلى الكُلِّ، كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما القاتِلُ واحِدٌ مِنهم. وأرادُوا بِذَلِكَ - لَعَنَهُمُ اللَّهُ -: أنَّهُ تَعالى مُمْسِكٌ يُقَتِّرُ بِالرِّزْقِ، فَإنَّ كُلاًّ مِن غَلِّ اليَدِ وبَسْطِها مَجازٌ عَنْ مَحْضِ البُخْلِ والجُودِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ في ذَلِكَ إلى إثْباتِ يَدٍ وغَلٍّ أوْ بَسْطٍ، ألا يُرى أنَّهم يَسْتَعْمِلُونَهُ حَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ جادَ الحِمى بَسْطُ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
وَقَدْ سَلَكَ لَبِيدٌ هَذا المَسْلَكَ السَّدِيدَ، حَيْثُ قالَ:
؎ وغَداةِ رِيحٍ قَدْ شَهِدْتُ وقَرَّةٍ ∗∗∗ إذْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
فَإنَّهُ إنَّما أرادَ بِذَلِكَ إثْباتَ القُدْرَةِ التّامَّةِ لِلشَّمالِ عَلى التَّصَرُّفِ في القَرَّةِ كَيْفَما تَشاءُ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ مِن غَيْرِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِهِ أنْ يُثْبِتَ لَها يَدًا، ولا لِلْقَرَّةِ زِمامًا. وأصْلُهُ كِنايَةٌ فِيمَن يَجُوزُ عَلَيْهِ إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقِيلَ: أرادُوا ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ .
﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ المَذْمُومِ والمَسْكَنَةِ، أوْ بِالفَقْرِ والنَّكَدِ، أوْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً بِأنْ يَكُونُوا أسارى مَغْلُولِينَ في الدُّنْيا، ويُسْحَبُوا إلى النّارِ بِأغْلالِها في الآخِرَةِ، فَتَكُونُ المُطابَقَةُ حِينَئِذٍ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ المَعْنى الأصْلِيِّ، كَما في: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ.
﴿وَلُعِنُوا﴾ عَطْفٌ عَلى الدُّعاءِ الأوَّلِ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى.
﴿بِما قالُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما قالُوا مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ. وقِيلَ: كِلاهُما خَبَرٌ.
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وإلَيْهِ أُشِيرَ بِتَثْنِيَةِ اليَدِ، فَإنَّ أقْصى ما يَنْتَهِي إلَيْهِ هِمَمُ الأسْخِياءِ أنْ يُعْطُوا ما يُعْطُونَهُ بِكِلْتا يَدَيْهِمْ. وقِيلَ: التَّثْنِيَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَنحِهِ تَعالى لِنِعْمَتَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: عَلى إعْطائِهِ إكْرامًا وعَلى إعْطائِهِ اسْتِدْراجًا.
﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ لِتَأْكِيدِ كَمالِ جُودِهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى سِرِّ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ الضِّيقِ الَّذِي اتَّخَذُوهُ مِن غايَةِ جَهْلِهِمْ وضَلالِهِمْ ذَرِيعَةً إلى الِاجْتِراءِ عَلى تِلْكَ الكَفْرَةِ العَظِيمَةِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِقُصُورٍ في فَيْضِهِ، بَلْ لِأنَّ إنْفاقَهُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ أمْرُ المَعاشِ والمَعادِ، وقَدِ اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ بِسَبَبِ ما فِيهِمْ مِن شُؤْمِ المَعاصِي أنْ يُضَيَّقَ عَلَيْهِمْ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ. و" كَيْفَ " ظَرْفٌ لِيَشاءُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ " يُنْفِقُ "؛ أيْ: يُنْفِقُ كائِنًا عَلى أيِّ حالٍ يَشاءُ؛ أيْ: كائِنًا عَلى مَشِيئَتِهِ؛ أيْ: مُرِيدًا، وتَرْكُ ذِكْرِ ما يُنْفِقُهُ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ.
﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ وهم عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهم.
﴿ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ مِنَ القرآن المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الآياتِ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وتَخْصِيصُ الكَثِيرِ مِنهم بِهَذا الحُكْمِ لِما أنَّ بَعْضَهم لَيْسَ كَذَلِكَ.
﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ، كَما أنَّ " إلَيْكَ " كَذَلِكَ، وتَأْخِيرُهُ عَنْهُ مَعَ أنَّ حَقَّ المَبْدَأِ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى المُنْتَهِي، لِاقْتِضاءِ المَقامِ الِاهْتِمامَ بِبَيانِ المُنْتَهِي؛ لِأنَّ مَدارَ الزِّيادَةِ هو النُّزُولُ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ . والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلزِّيادَةِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّهم طُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا عَلى كُفْرِهِمُ القَدِيمَيْنِ، إمّا مِن حَيْثُ الشِّدَّةُ والغُلُوُّ، وإمّا مِن حَيْثُ الكَمُّ والكَثْرَةُ؛ إذْ كُلَّما نَزَلَتْ آيَةٌ كَفَرُوا بِها، فَيَزْدادَ طُغْيانُهم وكُفْرُهم بِحَسَبِ المِقْدارِ، (p-59)كَما أنَّ الطَّعامَ الصّالِحَ لِلْأصِحّاءِ يَزِيدُ المَرْضى مَرَضًا.
﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ﴾؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ، فَإنَّ بَعْضَهم جَبْرِيَّةٌ، وبَعْضَهم قَدَرِيَّةٌ، وبَعْضَهم مُرْجِئَةٌ، وبَعْضَهم مُشَبِّهَةٌ.
﴿العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ فَلا يَكادُ تَتَوافَقُ قُلُوبُهم، ولا تَتَطابَقُ أقْوالُهم. والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ مَسُوقَةٌ لِإزاحَةِ ما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ذِكْرِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ مِنَ الِاجْتِماعِ عَلى أمْرٍ يُؤَدِّي إلى الإضْرارِ بِالمُسْلِمِينَ. قِيلَ: العَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ؛ لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغِضٌ بِلا عَكْسٍ كُلِّيٍّ.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِألْقَيْنا، وقِيلَ: بِالبَغْضاءِ.
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن عَدَمِ وُصُولِ غائِلَةِ ما هم فِيهِ إلى المُسْلِمِينَ؛ أيْ: كُلَّما أرادُوا مُحارَبَةَ الرَّسُولِ ﷺ، ورَتَّبُوا مَبادِيَها، ورَكِبُوا في ذَلِكَ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، رَدَّهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَهَرَهم، أوْ كُلَّما أرادُوا حَرْبَ أحَدٍ غُلِبُوا، فَإنَّهم لَمّا خالَفُوا حُكْمَ التَّوْراةِ، سَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فُطْرُسَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ. و" لِلْحَرْبِ " إمّا صِلَةٌ لِأوْقَدُوا، أوْ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِنارًا؛ أيْ: كائِنَةً لِلْحَرْبِ.
﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾؛ أيْ: يَجْتَهِدُونَ في الكَيْدِ لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، وإثارَةِ الشَّرِّ والفِتْنَةِ فِيما بَيْنَهم، مِمّا يُغايِرُ ما عَبَّرَ عَنْهُ بِإيقادِ نارِ الحَرْبِ. و" فَسادًا " إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ في مَوْقِعِ المَصْدَرِ؛ أيْ: يَسْعَوْنَ لِلْفَسادِ، أوْ يَسْعَوْنَ سَعْيَ فَسادٍ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ولِذَلِكَ أطْفَأ ثائِرَةَ إفْسادِهِمْ، واللّامُ إمّا لِلْجِنْسِ وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإمّا لِلْعَهْدِ، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَقامَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْلِيلِ، وبَيانِ كَوْنِهِمْ راسِخِينَ في الإفْسادِ.
المائدة 5:65
﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ﴾؛ أيِ: اليَهُودَ والنَّصارى، عَلى أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ: الجِنْسُ المُنْتَظِمُ لِلتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنَّما ذُكِرُوا بِذَلِكَ العُنْوانِ تَأْكِيدًا لِلتَّشْنِيعِ، فَإنَّ أهْلِيَّةَ الكِتابِ تُوجِبُ إيمانَهم بِهِ وإقامَتَهم لَهُ لا مَحالَةَ، فَكُفْرُهم بِهِ وعَدَمُ إقامَتِهِمْ لَهُ وهم أهْلُهُ، أقْبَحُ مِن كُلِّ قَبِيحٍ وأشْنَعُ مِن كُلِّ شَنِيعٍ.
فَمَفْعُولُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿آمَنُوا﴾ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ مِمّا سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾، وما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ﴾ ... إلَخْ؛ أيْ: ولَوْ أنَّهم مَعَ صُدُورِ ما صَدَرَ عَنْهم مِن فُنُونِ الجِناياتِ قَوْلًا وفِعْلًا، آمَنُوا بِما نُفِيَ عَنْهُمُ الإيمانُ بِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ فَرْضُ إيمانِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأمّا إرادَةُ إيمانِهِمْ بِهِ ﷺ خاصَّةً فَيَأْباها المَقامُ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ مِن كُفْرِهِمْ بِهِ ﷺ، إنَّما ذُكِرَ مَشْفُوعًا بِكُفْرِهِمْ بِكِتابِهِمْ أيْضًا، قَصْدًا إلى الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ بِبَيانِ أنَّ الكُفْرَ بِهِ ﷺ مُسْتَلْزَمُ الكُفْرِ بِكِتابِهِمْ، فَحَمْلُ الإيمانِ هَهُنا عَلى الإيمانِ بِهِ ﷺ خاصَّةً مُخِلٌّ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿واتَّقَوْا﴾ ما عَدَدْنا مِن مَعاصِيهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها مُخالَفَةُ كِتابِهِمْ.
﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ العِظَمِ ونِهايَةِ الكَثْرَةِ، ولَمْ نُؤاخِذْهم بِها، ﴿وَلأدْخَلْناهُمْ﴾ مَعَ ذَلِكَ.
﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وتَكْرِيرُ اللّامِ لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ عِظَمِ ذُنُوبِهِمْ وكَثْرَةِ مَعاصِيهِمْ، وأنَّ الإسْلامَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، وإنْ جَلَّتْ وجاوَزَتْ كُلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ.
المائدة 5:66
﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ بِمُراعاةِ (p-60)ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها شَواهِدُ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُبَشِّراتُ بِعْثَتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ، لا بِمُراعاةِ جَمِيعِ ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ، لِانْتِساخِ بَعْضِها بِنُزُولِ القرآن، فَلَيْسَتْ مُراعاةُ الكُلِّ مِن إقامَتِهِما في شَيْءٍ.
﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ مِنَ القرآن المَجِيدِ المُصَدِّقِ لِكُتُبِهِمْ، وإيرادُهُ بِهَذا العُنْوانِ لِلْإيذانِ بِوُجُوبِ إقامَتِهِ عَلَيْهِمْ، لِنُزُولِهِ إلَيْهِمْ ولِلتَّصْرِيحِ بِبُطْلانِ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن عَدَمِ نُزُولِهِ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. وتَقْدِيمُ " إلَيْهِمْ " لِما مَرَّ مِن قَبْلُ، وفي إضافَةِ " الرَّبِّ " إلى ضَمِيرِ " هم " مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ في الدَّعْوَةِ إلى الإقامَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ: كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِثْلُ: كِتابِ شَعِياءَ، وكِتابِ حَنْقُوقَ، وكِتابِ دانْيالَ؛ فَإنَّها مَمْلُوءَةٌ بِالبِشارَةِ بِمَبْعَثِهِ ﷺ .
﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾؛ أيْ: لَوَسَّعَ عَلَيْهِمْ أرْزاقَهم بِأنْ يُفِيضَ عَلَيْهِمْ بَرَكاتِ السَّماءِ والأرْضِ، أوْ بِأنْ يُكْثِرَ ثَمَراتِ الأشْجارِ وغِلالَ الزُّرُوعِ، أوْ بِأنْ يَرْزُقَهُمُ الجِنانَ اليانِعَةَ الثِّمارِ، فَيَجْتَنُوا ما تَهَدَّلَ مِنها مِن رُءُوسِ الأشْجارِ، ويَلْتَقِطُوا ما تَساقَطَ مِنها عَلى الأرْضِ.
وَقِيلَ: المُرادُ: المُبالَغَةُ في شَرْحِ السَّعَةِ والخَصْبِ لا تَعْيِينُ الجِهَتَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَأكَلُوا مِن كُلِّ جِهَةٍ، ومَفْعُولُ " أكَلُوا " مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أوْ لِلْقَصْدِ إلى نَفْسِ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ. و" مِن " في المَوْضِعَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وفي هاتَيْنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ مِن حَثِّهِمْ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، والإقامَةِ بِالوَعْدِ بِنَيْلِ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وزَجْرِهِمْ عَنِ الإخْلالِ بِما ذُكِرَ بِبَيانِ إفْضائِهِ إلى الحِرْمانِ عَنْها، وتَنْبِيهِهِمْ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الضَّنْكِ والضَّيْقِ إنَّما هو مِن شُؤْمِ جِناياتِهِمْ، لا لِقُصُورٍ في فَيْضِ الفَيّاضِ ما لا يَخْفى.
﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ المُصَدَّرَتَيْنِ بِحَرْفِ الِامْتِناعِ الدّالَّتَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الإيمانِ والِاتِّقاءِ، وإقامَةِ الكُتُبِ المُنْزَلَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ كُلُّهم كَذَلِكَ مُصِرُّونَ عَلى عَدَمِ الإيمانِ ... إلَخْ ؟ فَقِيلَ: " مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ "؛ إمّا عَلى أنَّ " مِنهم " مُبْتَدَأٌ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ؛ أيْ: بَعْضُهم أُمَّةٌ، وإمّا بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ؛ أيْ: بَعْضٌ كائِنٌ مِنهم، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ؛ أيْ: طائِفَةٌ مُعْتَدِلَةٌ، وهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنهم، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأضْرابِهِ، وثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِنَ النَّصارى. وقِيلَ: طائِفَةٌ: حالُهم أُمَمٌ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
﴿وَكَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، خَبَرُهُ ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: مَقُولٌ في حَقِّهِمْ هَذا القَوْلُ؛ أيْ: بِئْسَما يَعْمَلُونَ، وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ؛ أيْ: ما أسْوَأ عَمَلِهِمْ مِنَ العِنادِ والمُكابَرَةِ، وتَحْرِيفِ الحَقِّ والإعْراضِ عَنْهُ، والإفْراطِ في العَداوَةِ، وهُمُ الأجْلافُ المُتَعَصِّبُونَ، كَكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأشْباهِهِ، والرُّومِ.
المائدة 5:67
﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ نُودِيَ ﷺ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ تَشْرِيفًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّها مُوجِباتُ الإتْيانِ بِما أُمِرَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ.
﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ الأحْكامِ، وما يَتَعَلَّقُ بِها كائِنًا ما كانَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكَ﴾؛ أيْ: مالِكِ أُمُورِكَ، ومُبَلِّغِكَ إلى كَمالِكَ اللّائِقِ بِكَ عِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ بِحِفْظِهِ ﷺ وكَلاءَتِهِ؛ أيْ: بَلِّغْهُ غَيْرَ مُراقِبٍ في ذَلِكَ أحَدًا، ولا خائِفٍ أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ أبَدًا.
﴿وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ.
كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ فَإنَّ ما لا تَتَعَلَّقُ بِهِ الأحْكامُ (p-61)أصْلًا مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ، لَيْسَتْ مِمّا يُقْصَدُ تَبْلِيغُهُ إلى النّاسِ؛ أيْ: فَما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِن رِسالَتِهِ، وانْسَلَخْتَ مِمّا شَرُفْتَ بِهِ مِن عُنْوانِ الرِّسالَةِ بِالمَرَّةِ، لِما أنَّ بَعْضَها لَيْسَ أوْلى بِالأداءِ مِن بَعْضٍ، فَإذا لَمْ تُؤَدِّ بَعْضَها، فَكَأنَّكَ أغْفَلْتَ أداءَها جَمِيعًا، كَما أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِبَعْضِها، كانَ كَمَن لَمْ يُؤْمِن بِكُلِّها؛ لِإدْلاءِ كُلٍّ مِنها بِما يُدْلِيهِ غَيْرُها، وكَوْنُها لِذَلِكَ في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ، ولا رَيْبَ في أنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ مُبَلِّغًا غَيْرَ مُبَلِّغٍ مُؤْمِنًا بِهِ غَيْرَ مُؤْمِنٍ بِهِ، ولِأنَّ كِتْمانَ بَعْضِها إضاعَةٌ لِما أُدِّيَ مِنها، كَتَرْكِ بَعْضِ أرْكانِ الصَّلاةِ، فَإنَّ غَرَضَ الدَّعْوَةِ يَنْتَقِضُ بِذَلِكَ.
وَقِيلَ: فَكَأنَّكَ ما بَلَّغْتَ شَيْئًا مِنها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، مِن حَيْثُ أنَّ كِتْمانَ البَعْضِ والكُلِّ سَواءٌ في الشَّناعَةِ واسْتِجْلابِ العِقابِ.
وَقُرِئَ: ( فَما بَلَّغْتَ رِسالاتِي )، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنْ كَتَمْتَ آيَةً لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي. ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «بَعَثَنِي اللَّهُ بِرِسالاتِهِ، فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيَّ إنْ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالاتِي عَذَّبْتُكَ، وضَمِنَ لِي العِصْمَةَ فَقَوِيتُ» "؛ وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ كَما تَرى عِدَةٌ كَرِيمَةٌ بِعِصْمَتِهِ مِن لُحُوقِ ضَرَرِهِمْ بِرُوحِهِ العَزِيزِ، باعِثَةٌ لَهُ ﷺ عَلى الجِدِّ في تَحْقِيقِ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّبْلِيغِ، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِعَداوَتِهِمْ وكَيْدِهِمْ. «وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ ﷺ كانَ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِن قُبَّةٍ أُدُمٍ، فَقالَ: " انْصَرِفُوا يَأيُّها النّاسُ فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ مِنَ النّاسِ» " .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِعِصْمَتِهِ تَعالى لَهُ ﷺ؛ أيْ: لا يُمَكِّنُهم مِمّا يُرِيدُونَ بِكَ مِنَ الإضْرارِ، وإيرادُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ في تَضاعِيفِ الآياتِ الوارِدَةِ في حَقِّ أهْلِ الكِتابِ، لِما أنَّ الكُلَّ قَوارِعُ يَسُوءُ الكُفّارَ سَماعُها، ويَشُقُّ عَلى الرَّسُولِ ﷺ مُشافَهَتُهم بِها، وخُصُوصًا ما يَتْلُوها مِنَ النَّصِّ النّاعِي عَلَيْهِمْ كَمالَ ضَلالَتِهِمْ.
وَلِذَلِكَ أُعِيدَ الأمْرُ فَقِيلَ:
المائدة 5:68
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ مُخاطِبًا لِلْفَرِيقَيْنِ.
﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾؛ أيْ: دِينٍ يُعْتَدُّ بِهِ، ويَلِيقُ بِأنْ يُسَمّى شَيْئًا لِظُهُورِ بُطْلانِهِ ووُضُوحِ فَسادِهِ، وفي هَذا التَّعْبِيرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.
﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾؛ أيْ: تُراعُوهُما وتُحافِظُوا عَلى ما فِيهِما مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها دَلائِلُ رِسالَةِ الرَّسُولِ ﷺ، وشَواهِدُ نُبُوَّتِهِ، فَإنَّ إقامَتَهُما إنَّما تَكُونُ بِذَلِكَ، وأمّا مُراعاةُ أحْكامِهِما المَنسُوخَةِ فَلَيْسَتْ مِن إقامَتِهِما في شَيْءٍ، بَلْ هي تَعْطِيلٌ لَهُما ورَدٌّ لِشَهادَتِهِما؛ لِأنَّهُما شاهِدانِ بِنَسْخِها وانْتِهاءِ وقْتِ العَمَلِ بِها؛ لِأنَّ شَهادَتَهُما بِصِحَّةٍ ما يَنْسَخُها شَهادَةٌ بِنَسْخِها، وخُرُوجِها عَنْ كَوْنِها مِن أحْكامِهِما، وأنَّ أحْكامَهُما ما قَرَّرَهُ النَّبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ فِيهِما بِبَعْثَتِهِ، وذُكِرَ في تَضاعِيفِهِما نُعُوتُهُ، فَإذَنْ إقامَتُهُما بَيانُ شَواهِدِ النُّبُوَّةُ، والعَمَلُ بِما قَرَّرَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنَ الأحْكامِ.
كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيِ: القرآن المَجِيدُ بِالإيمانِ بِهِ، فَإنَّ إقامَةَ الجَمِيعِ لا تَتَأتّى بِغَيْرِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ إقامَةِ الكِتابَيْنِ عَلى إقامَتِهِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ لِرِعايَةِ حَقِّ الشَّهادَةِ، واسْتِنْزالِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الشِّقاقِ، وإيرادُهُ بِعُنْوانِ الإنْزالِ إلَيْهِمْ، لِما مَرَّ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأنَّهم مَأْمُورُونَ بِإقامَتِهِ والإيمانِ بِهِ، لا كَما يَزْعُمُونَ مِنِ اخْتِصاصِهِ بِالعَرَبِ.
وَفِي إضافَةِ " الرَّبِّ " إلى ضَمِيرِ " هم " ما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ اللُّطْفِ في الدَّعْوَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِما (p-62)أُنْزِلَ إلَيْهِمْ: كُتُبُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ كَما مَرَّ. وقِيلَ: الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، فَإنَّها بِأسْرِها آمِرَةٌ بِالإيمانِ لِمَن صَدَّقَتْهُ المُعْجِزَةُ، ناطِقَةٌ بِوُجُوبِ الطّاعَةِ لَهُ.
رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ألَسْتَ تَقْرَأُ أنَّ التَّوْراةَ حَقٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى ؟ فَقالَ ﷺ: " بَلى "، فَقالُوا: فَإنّا مُؤْمِنُونَ بِها ولا نُؤْمِنُ بِغَيْرِها»، فَنَزَلَتْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ، وغُلُوِّهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وعَدَمِ إفادَةِ التَّبْلِيغِ نَفْعًا، وتَصْدِيرُها بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها وتَحْقِيقِ مَدْلُولِها، والمُرادُ بِالكَثِيرِ المَذْكُورِ: عُلَماؤُهم ورُؤَساؤُهم، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ نِسْبَتِهِ فِيما مَرَّ إلَيْهِمْ؛ لِلْإنْباءِ عَنِ انْسِلاخِهِمْ عَنْ تِلْكَ النِّسْبَةِ.
﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: لا تَتَأسَّفْ ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ؛ لِإفْراطِهِمْ في الطُّغْيانِ والكُفْرِ بِما تُبَلِّغُهُ إلَيْهِمْ، فَإنَّ غائِلَتَهُ آيِلَةٌ إلَيْهِمْ، وتَبِعَتَهُ حائِقَةٌ بِهِمْ لا تَتَخَطّاهم، وفي المُؤْمِنِينَ مَندُوحَةٌ لَكَ عَنْهم، ووَضْعُ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالرُّسُوخِ في الكُفْرِ.