Lafzullah

Tafsir Abi Al-Suaood — الأنعام 6:107 – الأعراف 7:160

المؤلف / المصدر: Tafsir Abi Al-Suaood

المحتويات
  1. الأنعام 6:107
  2. الأنعام 6:108
  3. الأنعام 6:109
  4. الأنعام 6:110
  5. الأنعام 6:111
  6. الأنعام 6:112
  7. الأنعام 6:113
  8. الأنعام 6:114
  9. الأنعام 6:115
  10. الأنعام 6:116
  11. الأنعام 6:117
  12. الأنعام 6:118
  13. الأنعام 6:119
  14. الأنعام 6:120
  15. الأنعام 6:121
  16. الأنعام 6:122
  17. الأنعام 6:123
  18. الأنعام 6:124
  19. الأنعام 6:125
  20. الأنعام 6:126
  21. الأنعام 6:127
  22. الأنعام 6:128
  23. الأنعام 6:129
  24. الأنعام 6:130
  25. الأنعام 6:131
  26. الأنعام 6:132
  27. الأنعام 6:133
  28. الأنعام 6:134
  29. الأنعام 6:135
  30. الأنعام 6:136
  31. الأنعام 6:137
  32. الأنعام 6:138
  33. الأنعام 6:139
  34. الأنعام 6:140
  35. الأنعام 6:141
  36. الأنعام 6:142
  37. الأنعام 6:143
  38. الأنعام 6:144
  39. الأنعام 6:145
  40. الأنعام 6:146
  41. الأنعام 6:147
  42. الأنعام 6:148
  43. الأنعام 6:149
  44. الأنعام 6:150
  45. الأنعام 6:151
  46. الأنعام 6:152
  47. الأنعام 6:153
  48. الأنعام 6:154
  49. الأنعام 6:155
  50. الأنعام 6:156
  51. الأنعام 6:157
  52. الأنعام 6:158
  53. الأنعام 6:159
  54. الأنعام 6:160
  55. الأنعام 6:161
  56. الأنعام 6:162
  57. الأنعام 6:163
  58. الأنعام 6:164
  59. الأنعام 6:165
  60. الأعراف 7:1
  61. الأعراف 7:2
  62. الأعراف 7:3
  63. الأعراف 7:4
  64. الأعراف 7:5
  65. الأعراف 7:6
  66. الأعراف 7:7
  67. الأعراف 7:8
  68. الأعراف 7:9
  69. الأعراف 7:10
  70. الأعراف 7:11
  71. الأعراف 7:12
  72. الأعراف 7:13
  73. الأعراف 7:14
  74. الأعراف 7:15
  75. الأعراف 7:16
  76. الأعراف 7:17
  77. الأعراف 7:18
  78. الأعراف 7:19
  79. الأعراف 7:20
  80. الأعراف 7:21
  81. الأعراف 7:22
  82. الأعراف 7:23
  83. الأعراف 7:24
  84. الأعراف 7:25
  85. الأعراف 7:26
  86. الأعراف 7:27
  87. الأعراف 7:28
  88. الأعراف 7:29
  89. الأعراف 7:30
  90. الأعراف 7:31
  91. الأعراف 7:32
  92. الأعراف 7:33
  93. الأعراف 7:34
  94. الأعراف 7:35
  95. الأعراف 7:36
  96. الأعراف 7:37
  97. الأعراف 7:38
  98. الأعراف 7:39
  99. الأعراف 7:40
  100. الأعراف 7:41
  101. الأعراف 7:42
  102. الأعراف 7:43
  103. الأعراف 7:44
  104. الأعراف 7:45
  105. الأعراف 7:46
  106. الأعراف 7:47
  107. الأعراف 7:48
  108. الأعراف 7:49
  109. الأعراف 7:50
  110. الأعراف 7:51
  111. الأعراف 7:52
  112. الأعراف 7:53
  113. الأعراف 7:54
  114. الأعراف 7:55
  115. الأعراف 7:56
  116. الأعراف 7:57
  117. الأعراف 7:58
  118. الأعراف 7:59
  119. الأعراف 7:60
  120. الأعراف 7:61
  121. الأعراف 7:62
  122. الأعراف 7:63
  123. الأعراف 7:64
  124. الأعراف 7:65
  125. الأعراف 7:66
  126. الأعراف 7:67
  127. الأعراف 7:68
  128. الأعراف 7:69
  129. الأعراف 7:70
  130. الأعراف 7:71
  131. الأعراف 7:72
  132. الأعراف 7:73
  133. الأعراف 7:74
  134. الأعراف 7:75
  135. الأعراف 7:76
  136. الأعراف 7:77
  137. الأعراف 7:78
  138. الأعراف 7:79
  139. الأعراف 7:80
  140. الأعراف 7:81
  141. الأعراف 7:82
  142. الأعراف 7:83
  143. الأعراف 7:84
  144. الأعراف 7:85
  145. الأعراف 7:86
  146. الأعراف 7:87
  147. الأعراف 7:88
  148. الأعراف 7:89
  149. الأعراف 7:90
  150. الأعراف 7:91
  151. الأعراف 7:92
  152. الأعراف 7:93
  153. الأعراف 7:94
  154. الأعراف 7:95
  155. الأعراف 7:96
  156. الأعراف 7:97
  157. الأعراف 7:98
  158. الأعراف 7:99
  159. الأعراف 7:100
  160. الأعراف 7:101
  161. الأعراف 7:102
  162. الأعراف 7:103
  163. الأعراف 7:104
  164. الأعراف 7:105
  165. الأعراف 7:106
  166. الأعراف 7:107
  167. الأعراف 7:108
  168. الأعراف 7:109
  169. الأعراف 7:110
  170. الأعراف 7:111
  171. الأعراف 7:112
  172. الأعراف 7:113
  173. الأعراف 7:114
  174. الأعراف 7:115
  175. الأعراف 7:116
  176. الأعراف 7:117
  177. الأعراف 7:118
  178. الأعراف 7:119
  179. الأعراف 7:120
  180. الأعراف 7:121
  181. الأعراف 7:122
  182. الأعراف 7:123
  183. الأعراف 7:124
  184. الأعراف 7:125
  185. الأعراف 7:126
  186. الأعراف 7:127
  187. الأعراف 7:128
  188. الأعراف 7:129
  189. الأعراف 7:130
  190. الأعراف 7:131
  191. الأعراف 7:132
  192. الأعراف 7:133
  193. الأعراف 7:134
  194. الأعراف 7:135
  195. الأعراف 7:136
  196. الأعراف 7:137
  197. الأعراف 7:138
  198. الأعراف 7:139
  199. الأعراف 7:140
  200. الأعراف 7:141
  201. الأعراف 7:142
  202. الأعراف 7:143
  203. الأعراف 7:144
  204. الأعراف 7:145
  205. الأعراف 7:146
  206. الأعراف 7:147
  207. الأعراف 7:148
  208. الأعراف 7:149
  209. الأعراف 7:150
  210. الأعراف 7:151
  211. الأعراف 7:152
  212. الأعراف 7:153
  213. الأعراف 7:154
  214. الأعراف 7:155
  215. الأعراف 7:156
  216. الأعراف 7:157
  217. الأعراف 7:158
  218. الأعراف 7:159
  219. الأعراف 7:160

الأنعام 6:107

﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَدَمَ إشْراكِهِمْ حَسْبَما هو القاعِدَةُ المُسْتَمِرَّةُ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ مِن وُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ. ﴿ما أشْرَكُوا﴾ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُ إيمانَ الكافِرِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى يَمْنَعُهُ عَنْهُ مَعَ تَوَجُّهِهِ إلَيْهِ، بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ تَعالى لا يُرِيدُهُ مِنهُ، لِعَدَمِ صَرْفِ اخْتِيارِهِ الجُزْئِيِّ نَحْوَ الإيمانِ، وإصْرارِهِ عَلى الكُفْرِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْإعْراضِ. وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾؛ أيْ: رَقِيبًا مُهَيْمِنًا مِن قِبَلِنا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم. وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ مِن جِهَتِهِمْ تَقُومُ بِأُمُورِهِمْ وتُدَبِّرُ مَصالِحَهم، و" عَلَيْهِمْ " في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، أوْ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

الأنعام 6:108

﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: لا تَشْتُمُوهم مِن حَيْثُ عِبادَتُهم لِآلِهَتِهِمْ، كَأنَّ تَقُولُوا: تَبًّا لَكم ولِما تَعْبُدُونَهُ، مَثَلًا. ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا﴾ تَجاوُزًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ بِأنْ يَقُولُوا لَكم مِثْلَ قَوْلِكم لَهم. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾؛ أيْ: بِجَهالَةٍ بِاللَّهِ تَعالى، وبِما يَجِبُ أنْ يُذْكَرَ (p-172)بِهِ، وقُرِئَ: ( عُدُوًّا )، يُقالُ: عَدا يَعْدُو، وعُدُوًّا، وعِداءً، وعُدْوانًا. رُوِيَ أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا، أوْ لَنَهْجُوَنَّ إلَهَكَ. وقِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسُبُّونَهم فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ؛ لِئَلّا يَسْتَتْبِعَ سَبُّهم سَبَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وفِيهِ أنَّ الطّاعَةَ إذا أدَّتْ إلى مَعْصِيَةٍ راجِحَةٍ وجَبَ تَرْكُها، فَإنَّ ما يُؤَدِّي إلى الشَّرِّ شَرٌّ. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ القَوِيِّ. ﴿زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ بِإحْداثِ ما يُمَكِّنُهم مِنهُ، ويَحْمِلُهم عَلَيْهِ تَوْفِيقًا أوْ تَخْذِيلًا، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ: أُمَمَ الكَفَرَةِ؛ إذِ الكَلامُ فِيهِمْ، وبِعَمَلِهِمْ شَرُّهم وفَسادُهم، والمُشَبَّهُ بِهِ تَزْيِينُ سَبِّ اللَّهِ تَعالى لَهم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ﴾ مالِكِ أمْرِهِمْ، ﴿مَرْجِعُهُمْ﴾؛ أيْ: رُجُوعُهم بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ مِن غَيْرِ تَأْخِيرٍ. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ مِنَ السَّيِّئاتِ المُزَيَّنَةِ لَهم، وهو وعِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِمَن يَتَوَعَّدُهُ: سَأُخْبِرُكَ بِما فَعَلْتَ، وفِيهِ نُكْتَةٌ سِرِّيَّةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى حِكْمَةٍ أبِيَّةٍ، وهي أنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ في هَذِهِ النَّشْأةِ مِنَ الأعْيانِ والأعْراضِ، فَإنَّما يَظْهَرُ بِصُورَةٍ مُسْتَعارَةٍ مُخالِفَةٍ لِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بِها يَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ، فَإنَّ المَعاصِيَ سُمُومٌ قاتِلَةٌ قَدْ بَرَزَتْ في الدُّنْيا بِصُورَةٍ ما، تَسْتَحْسِنُها نُفُوسُ العُصاةِ، كَما نَطَقَتْ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ. وَكَذا الطّاعاتُ، فَإنَّها مَعَ كَوْنِها أحْسَنَ الأحاسِنِ، قَدْ ظَهَرَتْ عِنْدَهم بِصُورَةٍ مَكْرُوهَةٍ؛ لِذَلِكَ قالَ ﷺ: " «حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكارِهِ، وحُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ» "؛ فَأعْمالُ الكَفَرَةِ قَدْ بَرَزَتْ لَهم في النَّشْأةِ بِصُورَةٍ مُزَيَّنَةٍ يَسْتَحْسِنُها الغُواةُ، ويَسْتَحِبُّها الطُّغاةُ، وسَتَظْهَرُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَتِها الحَقِيقِيَّةِ المُنْكَرَةِ الهائِلَةِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَعْرِفُونَ أنَّ أعْمالَهم ماذا، فَعُبِّرَ عَنْ إظْهارِها بِصُوَرِها الحَقِيقِيَّةِ بِالإخْبارِ بِها، لِما إنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ لِلْعِلْمِ بِحَقِيقَتِها كَما هي؛ فَلْيُتَدَبَّرْ.

الأنعام 6:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ رُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا اقْتَرَحُوا بَعْضَ آياتٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " فَإنْ فَعَلْتُ بَعْضَ ما تَقُولُونَ أتُصَدِّقُونَنِي " ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، وأقْسَمُوا لَئِنْ فَعَلْتَهُ لَنُؤْمِنَنَّ جَمِيعًا؛ فَسَألَ المُسْلِمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُنْزِلَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَهَمَّ ﷺ بِالدُّعاءِ؛ فَنَزَلَتْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: أقْسَمُوا بِهِ تَعالى جاهِدِينَ في أيْمانِهِمْ. ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ﴾ مِن مُقْتَرَحاتِهِمْ، أوْ مِن جِنْسِ الآياتِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ في المُكابَرَةِ والعِنادِ، وتَرامِي أمْرِهِمْ في العُتُوِّ والفَسادِ، حَيْثُ كانُوا لا يَعُدُّونَ ما يُشاهِدُونَهُ مِنَ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ مِن جِنْسِ الآياتِ. ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ وما كانَ مَرْمى غَرَضِهِمْ في ذَلِكَ إلّا التَّحَكُّمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَلَبِ المُعْجِزَةِ، وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما شاهَدُوا مِنهُ مِنَ البَيِّناتِ، الحَقِيقَةِ بِأنْ تُقْطَعَ بِها الأرْضُ وتُسَيَّرَ بِها الجِبالُ. ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ﴾؛ أيْ: كُلُّها، فَيَدْخُلُ فِيها ما اقْتَرَحُوهُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أمْرُها في حُكْمِهِ وقَضائِهِ خاصَّةً، يَتَصَرَّفُ فِيها حَسَبَ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا تَتَعَلَّقُ بِها ولا بِشَأْنِ مِن شُئُونِها قُدْرَةُ أحَدٍ ولا مَشِيئَتُهُ، لا اسْتِقْلالًا ولا اشْتِراكًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَتّى يُمْكِنَنِي أنْ أتَصَدّى لِاسْتِنْزالِها بِالِاسْتِدْعاءِ، وهَذا كَما تَرى سَدٌّ لِبابِ الِاقْتِراحِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وأحْسَنِهِ، (p-173)بِبَيانِ عُلُوِّ شَأْنِ الآياتِ، وصُعُوبَةِ مَنالِها، وتَعالِيَها مِن أنْ تَكُونَ عُرْضَةً لِلسُّؤالِ والِاقْتِراحِ. وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ المَعْنى: إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى لا عِنْدِي، فَكَيْفَ أُجِيبُكم إلَيْها أوْ آتِيكم بِها، وهو القادِرُ عَلَيْها لا أنا حَتّى آتِيَكم بِها؛ فَلا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ، كَيْفَ لا ولَيْسَ مُقْتَرَحُهم مَجِيئَها بِغَيْرِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإرادَتِهِ حَتّى يُجابُوا بِذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ الأمْرِ، مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى ما أشْعَرَ بِهِ الجَوابُ السّابِقُ مِن عَدَمِ مَجِيءِ الآياتِ، خُوطِبَ بِهِ المُسْلِمُونَ إمّا خاصَّةً بِطْرِيقِ التَّلْوِينِ لَمّا كانُوا راغِبِينَ في نُزُولِها طَمَعًا في إسْلامِهِمْ، وإمّا مَعَهُ ﷺ بِطَرِيقِ التَّعْمِيمِ لِما رُوِيَ عَنْهُ ﷺ مِنَ الهَمِّ بِالدُّعاءِ، وقَدْ بُيِّنَ فِيهِ أنَّ أيْمانَهم فاجِرَةٌ، وإيمانُهم مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وإنْ أُجِيبَ إلى ما سَألُوهُ. وَ" ما " اسْتِفْهامِيَّةٌ إنْكارِيَّةٌ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ مَرْجِعَ الإنْكارِ هو وُقُوعُ المُشْعَرِ بِهِ، بَلْ هو نَفْسُ الإشْعارِ مَعَ تَحَقُّقِ المُشْعَرِ بِهِ في نَفْسِهِ؛ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم أنَّ الآيَةَ الَّتِي يَقْتَرِحُونَها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَبْقُونَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ؛ أيْ: لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَكَأنَّهُ بَسْطُ عُذْرٍ مِن جِهَةِ المُسْلِمِينَ في تَمَنِّيهِمْ نُزُولَ الآياتِ. وَقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ، فَيَتَوَجَّهُ الإنْكارُ إلى الإشْعارِ والمُشْعَرِ بِهِ جَمِيعًا؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم إيمانَهم عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، حَتّى تَتَمَنَّوْا مَجِيئَها طَمَعًا في إيمانِهِمْ، فَيَكُونُ تَخْطِئَةً لِرَأْيِ المُسْلِمِينَ. وَقِيلَ: " أنَّ " بِمَعْنى لَعَلَّ، يُقالُ: ادْخُلِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي اللَّحْمَ. وعَنْكَ، وعَلَّكَ، ولَعَلَّكَ، كُلُّها بِمَعْنى، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ ) عَلى أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ قَبْلَهُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِيُشْعِرُكم مَحْذُوفٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ . والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ الإنْكارِ وتَقْرِيرِهِ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكم حالَهم وما سَيَكُونُ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ بِها، فَما لَكم تَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها، فَإنَّ تَمَنِّيَهُ إنَّما يَلِيقُ بِما إذا كانَ إيمانُهم بِها مُحَقَّقَ الوُجُودِ عِنْدَ مَجِيئِها لا مَرْجُوَّ العَدَمِ. وَقُرِئَ: ( إنَّها ) بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ حَسْبَما سَبَقَ مَعَ زِيادَةِ تَحْقِيقٍ لِعَدَمِ إيمانِهِمْ، وقُرِئَ: ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالفَوْقانِيَّةِ، فالخِطابُ في " وما يُشْعِرُكم " لِلْمُشْرِكِينَ، وقُرِئَ: ( وما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ ) فَمَرْجِعُ الإنْكارِ إقْدامُ المُشْرِكِينَ عَلى الإقْسامِ المَذْكُورِ، مَعَ جَهْلِهِمْ بِحالِ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، وبِكَوْنِها حِينَئِذٍ كَما هي الآنَ.

الأنعام 6:110

﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم وأبْصارَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، داخِلٌ في حُكْمِ " ما يُشْعِرُكم " مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ؛ أيْ: وما يُشْعِرُكم أنّا نُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم عَنْ إدْراكِ الحَقِّ فَلا يَفْقَهُونَهُ، وأبْصارَهم عَنِ اجْتِلائِهِ فَلا يُبْصِرُونَهُ، لَكِنْ لا مَعَ تَوَجُّهِها إلَيْها واسْتِعْدادِها لِقَبُولِهِ، بَلْ لِكَمالِ نُبُوِّها عَنْهُ وإعْراضِها بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ أُخِّرَ ذِكْرُهُ عَنْ ذِكْرِ عَدَمِ إيمانِهِمْ إشْعارًا بِأصالَتِهِمْ في الكُفْرِ، وحَتْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ عَدَمَ إيمانِهِمْ ناشِئٌ مِن تَقْلِيبِهِ تَعالى مَشاعِرَهم بِطَرِيقِ الإجْبارِ. ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ﴾؛ أيْ: بِما جاءَ مِنَ الآياتِ. ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ أيْ: عِنْدَ وُرُودِ الآياتِ السّابِقَةِ، والكافُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٌ بِلا يُؤْمِنُونَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: لا يُؤْمِنُونَ، بَلْ يَكْفُرُونَ، كُفْرًا كائِنًا كَكُفْرِهِمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، وتَوْسِيطُ تَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ والأبْصارِ بَيْنَهُما؛ لِأنَّهُ مِن مُتَمِّماتِ عَدَمِ إيمانِهِمْ. ﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ مُقَيَّدٌ بِما قُيِّدَ بِهِ، مُبَيِّنٌ لِما هو المُرادُ بِتَقْلِيبِ الأفْئِدَةِ (p-174)والأبْصارِ، ومُعْرِبٌ عَنْ حَقِيقَتِهِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى ظاهِرِهِ، بِأنْ يُقَلِّبَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَشاعِرَهم عَنِ الحَقِّ مَعَ تَوَجُّهِهِمْ إلَيْهِ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ بِطَرِيقِ الإجْبارِ، بَلْ بِأنْ يُخَلِّيَهم وشَأْنَهم بَعْدَ ما عُلِمَ فَسادُ اسْتِعْدادِهِمْ، وفَرْطُ نُفُورِهِمْ عَنِ الحَقِّ، وعَدَمُ تَأْثِيرِ اللُّطْفِ فِيهِمْ أصْلًا، ويَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ اسْتِعْدادُهم كَما أشَرْنا إلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي طُغْيانِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِنَذَرُهم. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في نَذَرُهم؛ أيْ: نَدَعُهم في طُغْيانِهِمْ مُتَحَيِّرِينَ، لا نَهْدِيهِمْ هِدايَةَ المُؤْمِنِينَ، أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِنَذَرُهم؛ أيْ: نُصَيِّرُهم عامِهِينَ. وَقُرِئَ: ( يُقَلِّبُ ويَذَرُ ) بِالياءِ عَلى إسْنادِهِما إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ، وقُرِئَ: ( تُقَلَّبُ ) بِالتّاءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ عَلى إسْنادِهِ إلى أفْئِدَتِهِمْ.

الأنعام 6:111

﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ﴾ تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: " وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ "، مِنَ الحِكْمَةِ الدّاعِيَةِ إلى تَرْكِ الإجابَةِ إلى ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، إثْرَ بَيانِ أنَّها في حُكْمِهِ تَعالى وقَضائِهِ المَبْنِيِّ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، لا مَدْخَلَ لِأحَدٍ في أمْرِها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وبَيانٌ لِكَذِبِهِمْ في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ؛ أيْ: ولَوْ أنَّنا لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى إيتاءِ ما اقْتَرَحُوهُ هَهُنا مِن آيَةٍ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ، بَلْ نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ كَما سَألُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾ . ﴿وَكَلَّمَهُمُ المَوْتى﴾ وشَهِدُوا بِحَقِّيَّةِ الإيمانِ بَعْدَ أنْ أحْيَيْناهم حَسْبَما اقْتَرَحُوهُ بِقَوْلِهِمْ: فَأْتُوا بِآبائِنا. ﴿وَحَشَرْنا﴾؛ أيْ: جَمَعْنا. ﴿عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا﴾ بِضَمَّتَيْنِ، وقُرِئَ بِسُكُونِ الباءِ؛ أيْ: كُفَلاءَ بِصِحَّةِ الأمْرِ وصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ بِمَعْنى: الكَفِيلِ، كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، وقَضِيبٍ وقُضُبٍ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾؛ أيْ: لَوْ لَمْ نَقْتَصِرْ عَلى ما اقْتَرَحُوهُ، بَلْ زِدْنا عَلى ذَلِكَ بِأنْ أحْضَرْنا لَدَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ يَتَأتّى مِنهُ الكَفالَةُ، والشَّهادَةُ بِما ذُكِرَ لا فُرادى، بَلْ بِطَرِيقِ المَعِيَّةِ، أوْ جَماعاتٍ عَلى أنَّهُ جَمْعُ قَبِيلٍ، وهو الأوْفَقُ لِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ، وشُمُولِهِ لِلْأنْواعِ والأصْنافِ؛ أيْ: حَشَرْنا كُلَّ شَيْءٍ نَوْعًا نَوْعًا، وصِنْفًا صِنْفًا، وفَوْجًا فَوْجًا، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، وجَمْعِيَّتُهُ بِاعْتِبارِ الكُلِّ المَجْمُوعِيِّ اللّازِمِ لِلْكُلِّ الإفْرادِيِّ، أوْ مُقابَلَةً وعِيانًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كَقِبَلًا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ. وانْتِصابُهُ عَلى الوَجْهَيْنِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، وقَدْ نُقِلَ عَنِ المُبَرِّدِ وجَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: أنَّ الأخِيرَ بِمَعْنى: الجِهَةِ، كَما في قَوْلِكَ: لِي قِبَلَ فُلانٍ حَقٌّ، وأنَّ انْتِصابَهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ. ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: ما صَحَّ وما اسْتَقامَ لَهُمُ الإيمانُ، لِتَمادِيهِمْ في العِصْيانِ وغُلُوِّهِمْ في التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وأمّا سَبْقُ القَضاءِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَمِنَ الأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى ذَلِكَ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَنَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ؛ أيْ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بَعْدَ اجْتِماعِ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ الدّاعِيَةِ إلَيْهِ، المُتَمِّمَةِ لِمُوجِباتِهِ المَذْكُورَةِ، إلّا في حالِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ، أوْ مِن أعَمِّ العِلَلِ؛ أيْ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ المَعْدُودَةِ وغَيْرِها، إلّا لِمَشِيئَتِهِ تَعالى لَهُ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ بَيانَ أنَّ إيمانَهم عَلى خَطَرِ الوُقُوعِ، بِناءً عَلى كَوْنِ مَشِيئَتِهِ (p-175)تَعالى أيْضًا كَذَلِكَ، بَلْ بَيانَ اسْتِحالَةِ وُقُوعِهِ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ وُقُوعِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وهَيْهاتَ ذَلِكَ وحالُهم حالُهم، بِدَلِيلِ ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أفْئِدَتَهم ...﴾ الآيَةَ. كَيْفَ لا وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم يَجْهَلُونَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِن مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ بَعْدَ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ لا قَبْلَهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ الَّذِي يَجْهَلُونَهُ سَواءً أُرِيدَ بِهِمُ المُسْلِمُونَ وهو الظّاهِرُ، أوِ المُقْسِمُونَ لَيْسَ عَدَمَ إيمانِهِمْ بِلا مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، كَما هو اللّازِمُ مِن حَمْلِ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَعْتَقِدُهُ الأوَّلُونَ، ولا مِمّا يَدَّعِيهِ الآخِرُونَ، بَلْ إنَّما هو عَدَمُ إيمانِهِمْ لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ إيمانَهم، ومَرْجِعُهُ إلى جَهْلِهِمْ بِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ إيّاهُ؛ فالمَعْنى: أنَّ حالَهم كَما شُرِحَ، ولَكِنَّ أكْثَرَ المُسْلِمِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ؛ فَيَتَمَنَّوْنَ مَجِيئَها طَمَعًا فِيما لا يَكُونُ. فالجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ﴾ ... " إلَخْ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ، أوْ: ولَكِنَّ أكْثَرَ المُشْرِكِينَ يَجْهَلُونَ عَدَمَ إيمانِهِمْ عِنْدَ مَجِيءِ الآياتِ، لِجَهْلِهِمْ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِإيمانِهِمْ حِينَئِذٍ، فَيُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى ما لا يَكادُ يَكُونُ. فالجُمْلَةُ عَلى القِراءَةِ السّابِقَةِ بَيانٌ مُبْتَدَأٌ لِمَنشَأِ خَطَأِ المُقْسِمِينَ ومَناطِ إقْسامِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ عَلى قِراءَةِ: ( لا تُؤْمِنُونَ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ، وكَذا عَلى قِراءَةِ: ( ما يُشْعِرُهم أنَّها إذا جاءَتْهم لا يُؤْمِنُونَ ) .

الأنعام 6:112

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا كانَ يُشاهِدُهُ مِن عَداوَةِ قُرَيْشٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما بَنَوْا عَلَيْها مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأقاوِيلِ والأفاعِيلِ، بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِكَ، بَلْ هو أمْرٌ ابْتُلِيَ بِهِ كُلُّ مَن سَبَقَكَ مِنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وَمَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ، مَنصُوبٌ بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا قَبْلَهُ؛ أيْ: جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا. والتَّقْدِيمُ عَلى الفِعْلِ المَذْكُورِ لِلْقَصْرِ المُفِيدِ لِلْمُبالَغَةِ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي جَعَلْنا في حَقِّكَ، حَيْثُ جَعَلْنا لَكَ عَدُوًّا يُضادُّونَكَ ويُضارُّونَكَ ولا يُؤْمِنُونَ، ويَبْغُونَكَ الغَوائِلَ ويُدَبِّرُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ مَكايِدَ، جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ تَقَدَّمَكَ عَدُوًّا فَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلَ بِكَ أعْداؤُكَ، لا جَعْلًا أنْقَصَ مِنهُ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَداوَةَ الكَفَرَةِ لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، بِخَلْقِهِ تَعالى، لِلِابْتِلاءِ. ﴿شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾؛ أيْ: مَرَدَةَ الفَرِيقَيْنِ، عَلى أنَّ الإضافَةَ بِمَعْنى " مِنِ " البَيانِيَّةِ. وَقِيلَ: هي إضافَةُ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ، والأصْلُ: الإنْسُ، والجِنُّ: الشَّياطِينُ. وقِيلَ: هي بِمَعْنى اللّامِ؛ أيِ: الشَّياطِينُ الَّتِي لِلْإنْسِ والَّتِي لِلْجِنِّ، وهو بَدَلٌ مِن " ﴿عَدُوًّا﴾ " . والجَعْلُ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، أوْ إلى اثْنَيْنِ، وهو أوَّلُ مَفْعُولَيْهِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ الثّانِي مُسارَعَةً إلى بَيانِ العَداوَةِ، واللّامُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن " عَدُوًّا " . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أحْكامِ عَداوَتِهِمْ، وتَحْقِيقِ وجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الشَّياطِينِ، أوْ نَعْتٌ لِعَدُوًّا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ المَعْنى، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الأعْداءِ، كَما في قَوْلِهِ: إذا أنا لَمْ أنْفَعْ صَدِيقِي بِوُدِّهِ ... فَإنَّ عَدُوِّي لَمْ يَضُرَّهُمُو بُغْضِي والوَحْيُ: عِبارَةٌ عَنِ الإيماءِ والقَوْلِ السَّرِيعِ؛ أيْ: يُلْقِي (p-176)وَيُوَسْوِسُ شَياطِينُ الجِنِّ إلى شَياطِينِ الإنْسِ، أوْ بَعْضُ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ إلى بَعْضٍ آخَرَ. ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ﴾؛ أيِ: المُمَوَّهَ مِنهُ، المُزَيَّنَ ظاهِرُهُ، الباطِلَ باطِنُهُ، مِن زُخْرُفِهِ: إذْ زَيَّنَهُ. ﴿غُرُورًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، لِيُوحِيَ؛ أيْ: لِيَغُرَّهم، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ؛ أيْ: غارِّينَ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ يُوحِي؛ أيْ: يَغُرُّونَ غُرُورًا. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ الشُّؤُونِ الجارِيَةِ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ قَوْمِهِ، المَفْهُومَةِ مِن حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وبَيْنَ أُمَمِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِالتِفاتُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ المُعْرِبَةِ عَنْ كَمالِ اللُّطْفِ في التَّسْلِيَةِ؛ أيْ: ولَوْ شاءَ رَبُّكَ عَدَمَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ لا إيمانَهم، كَما قِيلَ: فَإنَّ القاعِدَةَ المُسْتَمِرَّةَ أنَّ مَفْعُولَ المَشِيئَةِ إنَّما يُحْذَفُ عِنْدَ وُقُوعِها شَرْطًا. وَكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: ما فَعَلُوا ما ذُكِرَ مِن عَداوَتِكَ، وإيحاءِ بَعْضِهِمْ إلى بَعْضٍ مُزَخْرَفاتِ الأقاوِيلِ الباطِلَةِ، المُتَعَلِّقَةِ بِأمْرِكَ خاصَّةً، لا بِما يَعُمُّهُ وأُمُورَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أيْضًا كَما قِيلَ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِهِمُ: الكَفَرَةُ المُعاصِرُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ مِن أحْكامِ عَداوَتِكَ مِن فُنُونِ المَفاسِدِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى فاتْرُكْهم، وافْتِراءَهم أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِن أنْواعِ المَكايِدِ؛ فَإنَّ لَهم في ذَلِكَ عُقُوباتٍ شَدِيدَةً، ولَكَ عَواقِبُ حَمِيدَةٌ، لِابْتِناءِ مَشِيئَتِهِ تَعالى عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ البَتَّةَ.

الأنعام 6:113

﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ﴾؛ أيْ: إلى زُخْرُفِ القَوْلِ، وهو عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ عِلَّةٌ أُخْرى لِلْإيحاءِ مَعْطُوفَةٌ عَلى غُرُورًا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وإنَّما لَمْ يُنْصَبْ لِفَقْدِ شَرْطِهِ؛ إذِ الغُرُورُ فِعْلُ المُوحِي، وصَغْوُ الأفْئِدَةِ فِعْلُ المُوحى إلَيْهِ؛ أيْ: يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ لِيَغُرَّهم بِهِ ولِتَمِيلَ إلَيْهِ. ﴿أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ إنَّما خُصَّ بِالذِّكْرِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بِالآخِرَةِ دُونَ ما عَداها مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الإيمانُ بِها وهم بِها كافِرُونَ؛ إشْعارًا بِما هو المَدارُ في صَغْوِ أفْئِدَتِهِمْ إلى ما يُلْقى إلَيْهِمْ، فَإنَّ لَذّاتِ الآخِرَةِ مَحْفُوفَةٌ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِالمَكارِهِ، وآلامُها مُزَيَّنَةٌ بِالشَّهَواتِ، فالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وبِأحْوالِ ما فِيها لا يَدْرُونَ أنَّ وراءَ تِلْكَ المَكارِهِ لَذّاتٍ، ودُونَ هَذِهِ الشَّهَواتِ آلامًا، وإنَّما يَنْظُرُونَ إلى ما بَدا لَهم في الدُّنْيا بادِيَ الرَّأْيِ، فَهم مُضْطَرُّونَ إلى حُبِّ الشَّهَواتِ الَّتِي مِن جُمَلِها مُزَخْرَفاتُ الأقاوِيلِ ومُمَوَّهاتُ الأباطِيلِ. وَأمّا المُؤْمِنُونَ بِها فَحَيْثُ كانُوا واقِفِينَ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ ناظِرِينَ إلى عَواقِبِ الأُمُورِ، لَمْ يُتَصَوَّرْ مِنهُمُ المَيْلُ إلى تِلْكَ المُزَخْرَفاتِ لِعِلْمِهِمْ بِبُطْلانِها ووَخامَةِ عاقِبَتِها. وَأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ فَهو عِلَّةٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَقامُ؛ أيْ: ولِكَوْنِ ذَلِكَ جَعَلْنا ما جَعَلْنا، والمُعْتَزِلَةُ جَعَلُوا اللّامَ لامَ العاقِبَةِ، أوْ لامَ القَسَمِ، أوْ لامَ الأمْرِ، وضَعْفُهُ في غايَةِ الظُّهُورِ. ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ ما مالَتْ إلَيْهِ أفْئِدَتُهم. ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾؛ أيْ: يَكْتَسِبُوا بِمُوجِبِ ارْتِضائِهِمْ لَهُ. ﴿ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾ لَهُ مِنَ القَبائِحِ الَّتِي لا يَلِيقُ ذِكْرُها.

الأنعام 6:114

﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، والهَمْزَةُ (p-177)لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ الكَلامُ؛ أيْ: قُلْ لَهم: أأمِيلُ إلى زَخارِفِ الشَّياطِينِ فَأبْتَغِي حَكَمًا غَيْرَ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَنا، ويَفْصِلُ المُحِقَّ مِنّا مِنَ المُبْطِلِ ؟ وَقِيلَ: إنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ، أوْ مِن أساقِفَةِ النَّصارى، لِيُخْبِرَنا عَنْكَ بِما في كِتابِهِمْ مِن أمْرِكَ؛ فَنَزَلَتْ. وَإسْنادُ الِابْتِغاءِ المُنْكَرِ إلى نَفْسِهِ ﷺ لا إلى المُشْرِكِينَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، مَعَ أنَّهُمُ الباغُونَ لِإظْهارِ كَمالِ النَّصَفَةِ، أوْ لِمُراعاةِ قَوْلِهِمْ: اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ حَكَمًا. وَ" غَيْرَ " إمّا مَفْعُولُ أبْتَغِي، وحَكَمًا حالٌ مِنهُ، وإمّا بِالعَكْسِ، وأيًّا ما كانَ فَتَقْدِيمُهُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو المَعْطُوفُ بِالفاءِ حَقِيقَةً كَما أُشِيرَ إلَيْهِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الإنْكارِ هو ابْتِغاءُ غَيْرِهِ تَعالى حَكَمًا لا مُطْلَقُ الِابْتِغاءِ. وَقِيلَ: " حَكَمًا " تَمْيِيزٌ لِما في " غَيْرَ " مِنَ الإبْهامِ، كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لَنا غَيْرَها إبِلًا، قالُوا: الحَكَمُ أبْلَغُ مِنَ الحاكِمِ وأدَلُّ عَلى الرُّسُوخِ، لِما أنَّهُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى العادِلِ، وعَلى مَن تَكَرَّرَ مِنهُ الحُكْمُ بِخِلافِ الحاكِمِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِإنْكارِ ابْتِغاءِ غَيْرِهِ تَعالى حَكَمًا، ونِسْبَةُ الإنْزالِ إلَيْهِمْ خاصَّةً، مَعَ أنَّ مُقْتَضى المَقامِ إظْهارُ تَساوِي نِسْبَتِهِ إلى المُتَحاكِمِينَ، لِاسْتِمالَتِهِمْ نَحْوَ المُنْزَلِ، واسْتِنْزالِهِمْ إلى قَبُولِ حُكْمِهِ بِإبْهامِ قُوَّةِ نِسْبَتِهِ إلَيْهِمْ؛ أيْ: أغَيْرَهُ تَعالى أبْتَغِي حَكَمًا، والحالُ أنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم، وأنْتُمْ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا تَدْرُونَ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُونَ، القرآن النّاطِقَ بِالحَقِّ والصَّوابِ الحَقِيقَ بِأنْ يُخَصَّ بِهِ اسْمُ الكِتابِ. ﴿مُفَصَّلا﴾؛ أيْ: مُبَيَّنًا فِيهِ الحَقُّ والباطِلُ، والحَلالُ والحَرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ، بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ في أُمُورِ الدِّينِ شَيْءٌ مِنَ التَّخْلِيطِ والإبْهامِ؛ فَأيُّ حاجَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الحَكَمِ، وهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ القرآن الكَرِيمَ كافٍ في أمْرِ الدِّينِ، مُغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ بِبَيانِهِ وتَفْصِيلِهِ، وأمّا أنْ يَكُونَ لِإعْجازِهِ دَخْلٌ في ذَلِكَ كَما قِيلَ؛ فَلا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ داخِلٍ تَحْتَ القَوْلِ المُقَدَّرِ، مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ لِتَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ الكِتابِ الَّذِي نِيطَ بِهِ أمْرُ الحَكَمِيَّةِ، وتَقْرِيرِ كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، بِبَيانِ أنَّ الَّذِينَ وثِقُوا بِهِمْ ورَضُوا بِحَكَمِيَّتِهِمْ، حَسْبَما نُقِلَ آنِفًا مِن عُلَماءِ اليَهُودِ والنَّصارى عالِمُونَ بِحَقِّيَّتِهِ ونُزُولِهِ مِن عِنْدِهِ تَعالى. وَفِي التَّعْبِيرِ عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِاسْمِ الكِتابِ إيماءٌ إلى ما بَيْنَهُما وبَيْنَ القرآن مِنَ المُجانَسَةِ، المُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِراكِ في الحَقِّيَّةِ، والنُّزُولِ مِن عِنْدِهِ تَعالى، مَعَ ما فِيهِ مِنَ الإيجازِ، وإيرادُ الطّائِفَتَيْنِ بِعُنْوانِ إيتاءِ الكِتابِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّهم عَلِمُوهُ مِن جِهَةِ كِتابِهِمْ، حَيْثُ وجَدُوهُ حَسْبَما نُعِتَ فِيهِ، وعايَنُوهُ مُوافِقًا لَهُ في الأُصُولِ وما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الفُرُوعِ، ومُخْبِرًا عَنْ أُمُورٍ لا طَرِيقَ إلى مَعْرِفَتِها سِوى الوَحْيِ. والمُرادُ بِالمَوْصُولِ: إمّا عُلَماءُ الفَرِيقَيْنِ، وهو الظّاهِرُ، فالإيتاءُ هو التَّفْهِيمُ بِالفِعْلِ، وإمّا الكُلُّ، وهم داخِلُونَ فِيهِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَهو أعَمُّ مِمّا ذُكِرَ ومِنَ التَّفْهِيمِ بِالقُوَّةِ، ولا رَيْبَ في أنَّ الكُلَّ مُتَمَكِّنُونَ مِن ذَلِكَ. وَقِيلَ: المُرادُ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، وقُرِئَ: ( مُنْزَلٌ ) مِنَ الإنْزالِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿بِالحَقِّ﴾ " مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في مُنَزَّلٌ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ. ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾؛ أيْ: في أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ، لِما لا تُشاهِدُ مِنهم آثارَ العِلْمِ وأحْكامَ المَعْرِفَةِ؛ فالفاءُ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى الإخْبارِ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِشَأْنِ القرآن، أوْ في أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ، فَيَكُونُ مِن بابِ التَّهْيِيجِ والإلْهابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . (p-178) وَقِيلَ: الخِطابُ في الحَقِيقَةِ لِلْأُمَّةِ، وإنْ كانَ لَهُ ﷺ صُورَةً. وقِيلَ: الخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ عَلى مَعْنى أنَّ الأدِلَّةَ قَدْ تَعاضَدَتْ وتَظاهَرَتْ، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنَّ يَمْتَرِيَ فِيهِ، والفاءُ عَلى هَذِهِ الوُجُوهِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى نَفْسِ عِلْمِهِمْ بِحالِ القرآن.

الأنعام 6:115

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَمالِ الكِتابِ المَذْكُورِ مِن حَيْثُ ذاتُهُ، إثْرَ بَيانِ كَمالِهِ مِن حَيْثُ إضافَتُهُ إلَيْهِ تَعالى بِكَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِنهُ بِالحَقِّ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِعِلْمِ أهْلِ الكِتابِ بِهِ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهُ بِالكَلِمَةِ؛ لِأنَّها الأصْلُ في الِاتِّصافِ بِالصِّدْقِ والعَدْلِ، وبِها تَظْهَرُ الآثارُ مِنَ الحُكْمِ، وقُرِئَ: ( كَلِماتُ رَبِّكَ ) . ﴿صِدْقًا وعَدْلا﴾ مَصْدَرانِ نُصِبا عَلى الحالِ، وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى العِلَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِفَضْلِها عَلى غَيْرِها إثْرَ بَيانِ فَضْلِها في نَفْسِها، وإمّا حالٌ أُخْرى مِن فاعِلِ " تَمَّتْ "، عَلى أنَّ الظّاهِرَ مُغْنٍ عَنِ الضَّمِيرِ الرّابِطِ، والمَعْنى: أنَّها بَلَغَتِ القاصِيَةَ صِدْقًا في الإخْبارِ والمَواعِيدِ، وعَدْلًا في الأقْضِيَةِ والأحْكامِ، لا أحَدَ يُبَدِّلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ بِما هو أصْدَقُ وأعْدَلُ، ولا بِما هو مِثْلُهُ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ ابْتِغاءُ حَكَمٍ غَيْرَهُ تَعالى. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِكُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ السَّمْعُ. ﴿العَلِيمُ﴾ بِكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُعْلَمَ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ أقْوالُ المُتَحاكِمِينَ وأحْوالُهُمُ الظّاهِرَةُ والباطِنَةُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى: لا أحَدَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يُحَرِّفَها كَما فُعِلَ بِالتَّوْراةِ، فَيَكُونُ ضَمانًا لَها مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِالحِفْظِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أوْ لا نَبِيَّ ولا كِتابَ بَعْدَها يَنْسَخُها.

الأنعام 6:116

﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ﴾ لَمّا تَحَقَّقَ اخْتِصاصُهُ تَعالى بِالحَكَمِيَّةِ لِاسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُها مِن إنْزالِ الكِتابِ الكامِلِ الفاصِلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وتَمامِ صِدْقِ كَلامِهِ، وكَمالِ عَدالَةِ أحْكامِهِ، وامْتِناعِ وُجُودِ مَن يُبَدِّلُ شَيْئًا مِنها، واسْتِبْدادِهِ تَعالى بِالإحاطَةِ التّامَّةِ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ والمَعْلُوماتِ، عُقِّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ الكَفَرَةَ مُتَّصِفُونَ بِنَقائِضِ تِلْكَ الكَمالاتِ مِنَ النَّقائِضِ الَّتِي هي الضَّلالُ والإضْلالُ، واتِّباعُ الظُّنُونِ الفاسِدَةِ النّاشِئُ مِنَ الجَهْلِ، والكَذِبِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، إبانَةً لِكَمالِ مُبايَنَةِ حالِهِمْ لِما يَرُومُونَهُ، وتَحْذِيرًا عَنِ الرُّكُونِ إلَيْهِمْ والعَمَلِ بِآرائِهِمْ. والمُرادُ بِمَن في الأرْضِ: النّاسُ، وبِأكْثَرِهِمُ: الكُفّارُ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ والأرْضُ أرْضُها؛ أيْ: إنْ تُطِعْهم بِأنْ جَعَلْتَ مِنهم حَكَمًا. ﴿يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُوصِلِ إلَيْهِ، أوْ عَنِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي شَرَعَها لِعِبادِهِ. ﴿إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾ وهو ظَنُّهم أنَّ آباءَهم كانُوا عَلى الحَقِّ، فَهم عَلى آثارِهِمْ يَهْتَدُونَ، أوْ جَهالاتُهم وآراؤُهُمُ الباطِلَةُ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالظَّنِّ ما يُقابِلُ العِلْمَ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَضِلُّونَ ؟ فَقِيلَ: لا يَتَّبِعُونَ في أُمُورِ دِينِهِمْ إلّا الظَّنَّ، ﴿وَإنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾، فَيَضِلُّونَ ضَلالًا مُبِينًا، ولا رَيْبَ في أنَّ الضّالَّ المُتَصَدِّيَ لِلْإرْشادِ إنَّما يُرْشِدُ غَيْرَهُ إلى مَسْلَكِ نَفْسِهِ، فَهم ضالُّونَ مُضِلُّونَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ فِيما يَنْسُبُونَ إلَيْهِ تَعالى، كاتِّخاذِ الوَلَدِ، وجَعْلِ (p-179)عِبادَةِ الأوْثانِ ذَرِيعَةً إلَيْهِ تَعالى، وتَحْلِيلِ المَيْتَةِ، وتَحْرِيمِ البَحائِرِ، ونَظائِرِها، أوْ يُقَدِّرُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ وأنّى لَهم ذَلِكَ، ودُونَهُ مَناطُ العَيُّوقِ وحَقِيقَتُهُ ما يُقالُ عَنْ ظَنٍّ وتَخْمِينٍ.

الأنعام 6:117

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وهو أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وما بَعْدَها، وتَأْكِيدٌ لِما يُفِيدُهُ مِنَ التَّحْذِيرِ؛ أيْ: هو أعْلَمُ بِالفَرِيقَيْنِ، فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِنَ الأوَّلِينَ. وَ" مَن " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ في مَحَلِّ النَّصْبِ لا بِنَفْسِ أعْلَمُ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لا يَنْصِبُ الظّاهِرَ في مِثْلِ هَذِهِ الصُّوَرِ، بَلْ بِفِعْلٍ دَلَّ هو عَلَيْهِ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ يَضِلُّ، والجُمْلَةُ مُعَلَّقٌ عَنْها الفِعْلُ المُقَدَّرُ. وَقُرِئَ: ( يُضِلُّ ) بِضَمِّ الياءِ عَلى أنَّ " مَن " فاعِلٌ لِيُضِلُّ، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ومَحَلُّها النَّصْبُ بِما ذُكِرَ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ أيْ: هو أعْلَمُ يَعْلَمُ مَن يُضِلُّ النّاسَ، فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِلتَّحْذِيرِ عَنْ طاعَةِ الكَفَرَةِ. وَأمّا أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى و" مَن " مَنصُوبَةٌ بِما ذُكِرَ؛ أيْ: يَعْلَمُ مَن يُضِلُّهُ، أوْ مَجْرُورَةٌ بِإضافَةِ " أعْلَمَ " إلَيْها؛ أيْ: أعْلَمُ المُضِلِّينَ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾، أوْ مِن قَوْلِكَ: أضْلَلْتُهُ: إذا وجَدْتَهُ ضالًّا؛ فَلا يُساعِدُهُ السِّباقُ والسِّياقُ، والتَّفْضِيلُ في العِلْمِ بِكَثْرَتِهِ، وإحاطَتِهِ بِالوُجُوهِ الَّتِي يُمْكِنُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِها ولُزُومُهُ، وكَوْنُهُ بِالذّاتِ لا بِالغَيْرِ.

الأنعام 6:118

﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أمْرٌ مُتَرَتِّبٌ عَلى النَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ المُضِلِّينَ، الَّذِينَ مِن جُمْلَةِ إضْلالِهِمْ تَحْلِيلُ الحَرامِ وتَحْرِيمُ الحَلالِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: إنَّكم تَعْبُدُونَ اللَّهَ فَما قَتَلَهُ اللَّهُ أحَقُّ أنْ تَأْكُلُوهُ مِمّا قَتَلْتُمْ أنْتُمْ؛ فَقِيلَ لِلْمُسْلِمِينَ: كُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُهُ تَعالى خاصَّةً عَلى ذَبْحِهِ، لا مِمّا ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ فَقَطْ، أوْ مَعَ اسْمِهِ تَعالى، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ. ﴿إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ الوارِدَةُ في هَذا الشَّأْنِ. ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الإيمانَ بِها يَقْتَضِي اسْتِباحَةَ ما أحَلَّهُ اللَّهُ، والِاجْتِنابِ عَمّا حَرَّمَهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:119

﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَدْعُوهم إلى الِاجْتِنابِ عَنْ أكْلِ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ تَعالى مِنَ البَحائِرِ، والسَّوائِبِ، ونَحْوِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ...﴾ إلَخْ، جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَنا ألا نُقاتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ وقَدْ أُخْرِجْنا مِن دِيارِنا وأبْنائِنا﴾؛ أيْ: وأيُّ سَبَبٍ حاصِلٍ لَكم في أنْ لا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، أوْ وأيُّ غَرَضٍ يَحْمِلُكم عَلى أنْ لا تَأْكُلُوا ويَمْنَعُكم مِن أكْلِهِ. والحالُ أنَّهُ قَدْ فَصَّلَ لَكم ﴿ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا ...﴾ إلَخْ، فَبَقِيَ ما عَدا ذَلِكَ عَلى الحِلِّ، لا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ ...﴾ إلَخْ؛ لِأنَّها مَدَنِيَّةٌ، وأمّا التَّأخُّرُ في التِّلاوَةِ فَلا يُوجِبُ التَّأخُّرَ في النُّزُولِ، وقُرِئَ الفِعْلانِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وقُرِئَ الأوَّلُ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والثّانِي لِلْمَفْعُولِ. ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾ مِمّا حُرِّمَ، فَإنَّهُ أيْضًا حَلالٌ حِينَئِذٍ. ﴿وَإنَّ كَثِيرًا﴾؛ أيْ: مِنَ (p-180)الكَفّارِ. ﴿لَيُضِلُّونَ﴾ النّاسَ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ، كَعَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وأضْرابِهِ، وقُرِئَ: ( يَضِلُّونَ ) . يَضِلُّونَ بِأهْوائِهِمُ الزّائِغَةِ وشَهَواتِهِمُ الباطِلَةِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُقْتَبَسٍ مِنَ الشَّرِيعَةِ الشَّرِيفَةِ مُسْتَنِدٍ إلى الوَحْيِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِالمُعْتَدِينَ﴾ المُتَجاوِزِينَ لِحُدُودِ الحَقِّ إلى الباطِلِ، والحَلالِ إلى الحَرامِ.

الأنعام 6:120

﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾؛ أيْ: ما يُعْلَنُ مِنَ الذُّنُوبِ وما يُسَرُّ، أوْ ما يُعْمَلُ مِنها بِالجَوارِحِ وما بِالقَلْبِ. وقِيلَ: الزِّنا في الحَوانِيتِ واتِّخاذِ الأخْدانِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإثْمَ﴾؛ أيْ: يَكْتَسِبُونَهُ مِنَ الظّاهِرِ والباطِنِ. ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ كائِنًا ما كانَ، فَلا بُدَّ مِنِ اجْتِنابِهِما، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ.

الأنعام 6:121

﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ظاهِرٌ في تَحْرِيمِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، عَمْدًا كانَ أوْ نِسْيانًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ داوُدُ، وعَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِثْلُهُ، وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ بِخِلافِهِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ " «ذَبِيحَةُ المُسْلِمِ حَلالٌ وإنْ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» " . وفَرَّقَ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ العَمْدِ والنِّسْيانِ، وأوَّلَهُ بِالمَيْتَةِ، أوْ بِما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِهِ تَعالى؛ لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ فَإنَّ الفِسْقَ: ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، والضَّمِيرُ لِما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْأكْلِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلا تَأْكُلُوا، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقِيلَ: حالِيَّةٌ. ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ﴾ المُرادُ بِالشَّياطِينِ: إبْلِيسُ وجُنُودُهُ، فَإيحاؤُهم: وسْوَسَتُهم إلى المُشْرِكِينَ. وَقِيلَ: مَرَدَةُ المَجُوسِ، فَإيحاؤُهم إلى أوْلِيائِهِمْ ما أنْهَوْا إلى قُرَيْشٍ بِالكِتابِ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَتَّبِعُونَ أمْرَ اللَّهِ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أنَّ ما يَقْتُلُونَهُ حَلالٌ وما يَقْتُلُهُ اللَّهُ حَرامٌ. ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾؛ أيْ: بِالوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ، أوْ بِما نُقِلَ مِن أباطِيلِ المَجُوسِ، وهو يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ بِالمَيْتَةِ. ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهُمْ﴾ في اسْتِحْلالِ الحَرامِ وساعَدْتُمُوهم عَلى أباطِيلِهِمْ. ﴿إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ ضَرُورَةَ أنَّ مَن تَرَكَ طاعَةَ اللَّهِ إلى طاعَةِ غَيْرِهِ، واتَّبَعَهُ في دِينِهِ فَقَدْ أشْرَكَهُ بِهِ تَعالى، بَلْ آثَرَهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

الأنعام 6:122

﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا﴾ وقُرِئَ: ( مَيِّتًا ) عَلى الأصْلِ. ﴿فَأحْيَيْناهُ﴾ تَمْثِيلٌ مَسُوقٌ لِتَنْفِيرِ المُسْلِمِينَ عَنْ طاعَةِ المُشْرِكِينَ، إثْرَ تَحْذِيرِهِمْ عَنْها بِالإشارَةِ إلى أنَّهم مُسْتَضِيئُونَ بِأنْوارِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ، والمُشْرِكُونَ خابِطُونَ في ظُلُماتِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَكَيْفَ يُعْقَلُ إطاعَتُهم لَهم. والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، والواوُ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى مِثْلِها الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: أأنْتُمْ مِثْلُهم ؟ ومَن كانَ مَيْتًا فَأعْطَيْناهُ الحَياةَ، وما يَتْبَعُها مِنَ القُوى المُدْرِكَةِ والمُحَرِّكَةِ. ﴿وَجَعَلْنا لَهُ﴾ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الخارِجِ، ﴿نُورًا﴾ عَظِيمًا. ﴿يَمْشِي بِهِ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَصْنَعُ بِذَلِكَ النُّورِ ؟ فَقِيلَ: يَمْشِي بِهِ. ﴿فِي النّاسِ﴾؛ أيْ: فِيما بَيْنَهم آمِنًا مِن جِهَتِهِمْ، أوْ صِفَةٌ لَهُ. ﴿كَمَن مَثَلُهُ﴾؛ أيْ: صِفَتُهُ العَجِيبَةُ، وهو مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الظُّلُماتِ﴾ خَبَرُهُ، عَلى أنَّ (p-181)المُرادَ بِهِما اللَّفْظُ لا المَعْنى، كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ صِفَتُهُ أسْمَرُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِلَةٌ لِمَن، وهي مَجْرُورَةٌ بِالكافِ، وهي مَعَ مَجْرُورِها خَبَرٌ لِمَنِ الأُولى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ في الظَّرْفِ. وقِيلَ: مِنَ المَوْصُولِ؛ أيْ: غَيْرَ خارِجٍ مِنها بِحالٍ. وَهَذا كَما تَرى مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن بَقِيَ في الضَّلالَةِ، بِحَيْثُ لا يُفارِقُها أصْلًا، كَما أنَّ الأوَّلَ مَثَلٌ أُرِيدَ بِهِ مَن خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ، وهَداهُ بِالآياتِ البَيِّنَةِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ يَسْلُكُهُ كَيْفَ يَشاءُ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَدُلَّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ المَعانِي بِما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الألْفاظِ الوارِدَةِ في المَثَلَيْنِ بِواسِطَةِ تَشْبِيهِهِ بِما يُناسِبُهُ مِن مَعانِيها، فَإنَّ ألْفاظَ المَثَلِ باقِيَةٌ في مَعانِيها الأصْلِيَّةِ، بَلْ عَلى أنَّهُ قَدِ انْتُزِعَتْ مِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المُعْتَبَرَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبَيِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ، ومِنَ الأُمُورِ المُتَعَدِّدَةِ المَذْكُورَةِ في كُلِّ واحِدٍ مِن جانِبَيِ المَثَلَيْنِ هَيْئَةٌ عَلى حِدَةٍ، فَشُبِّهَتْ بِهِما الأُولَيانِ ونَزَلَتا مَنزِلَتَيْهِما، فاسْتُعْمِلَ فِيهِما ما يَدُلُّ عَلى الأُخْرَيَيْنِ بِضَرْبٍ مِنَ التَّجَوُّزِ. وَقَدْ أُشِيرَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ ...﴾ الآيَةَ، إلى أنَّ التَّمْثِيلَ قِسْمٌ بِرَأْسِهِ، لا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ حَقِيقَةً، وأنَّ الِاسْتِعارَةَ التَّمْثِيلِيَّةَ مِن عِباراتِ المُتَأخِّرِينَ، نَعَمْ قَدْ يَجْرِي ذَلِكَ عَلى سَنَنِ الِاسْتِعارَةِ بِأنْ لا يُذْكَرَ المُشَبَّهُ كَهَذَيْنَ التَّمْثِيلَيْنِ ونَظائِرِهِما، وقَدْ يَجْرِي عَلى مِنهاجِ التَّشْبِيهِ كَما في قَوْلِهِ: وَما النّاسُ إلّا كالدِّيارِ وأهْلُها ... بِها يَوْمَ حَلُّوها وغَدَوْا بِلاقِعُ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ. ﴿زُيِّنَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِطَرِيقِ الخَلْقِ عِنْدَ إيحاءِ الشَّياطِينِ، أوْ مِن جِهَةِ الشَّياطِينِ بِطَرِيقِ الزَّخْرَفَةِ والتَّسْوِيلِ. ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ التّابِعِينَ لِلْوَساوِسِ الشَّيْطانِيَّةِ، الآخِذِينَ بِالمُزَخْرَفاتِ الَّتِي يُوحُونَها إلَيْهِمْ. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ما اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِهِ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ، فَإنَّها لَوْ لَمْ تَكُنْ مُزَيَّنَةً لَهم لَما أصَرُّوا عَلَيْها، ولَما جادَلُوا بِها الحَقَّ. وَقِيلَ: الآيَةُ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأبِي جَهْلٍ. وقِيلَ: في عُمَرَ أوْ عَمّارٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وأبِي جَهْلٍ.

الأنعام 6:123

﴿وَكَذَلِكَ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: كَما جَعَلْنا في مَكَّةَ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها. ﴿جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ﴾ مِن سائِرِ القُرى. ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ ومَفْعُولا " جَعَلْنا ": أكابِرَ مُجْرِمِيها، عَلى تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي، والظَّرْفُ لَغْوٌ، أوْ هُما الظَّرْفُ و" أكابِرُ " عَلى أنَّ " مُجْرِمِيها " بَدَلٌ، أوْ مُضافٌ إلَيْهِ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ جازَ الإفْرادُ والمُطابَقَةُ؛ ولِذَلِكَ قُرِئَ: ( أكْبَرَ مُجْرِمِيها ) . وَقِيلَ: " ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ " مَفْعُولُهُ الأوَّلُ، والثّانِي " لِيَمْكُرُوا فِيها "، ولا يَخْفى أنَّ أيَّ مَعْنًى يُرادُ مِن هَذِهِ المَعانِي لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَشْهُورَ التَّحَقُّقِ عِنْدَ النّاسِ، مَعْهُودًا فِيما بَيْنَهم حَتّى يَصْلُحَ أنْ تُصْرَفَ الإشارَةُ عَنْ سِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وتُوَجَّهَ إلَيْهِ ويُجْعَلَ مِقْياسًا لِنَظائِرِهِ بِإخْراجِهِ مُخْرَجَ المَصْدَرِ التَّشْبِيهِيِّ. وَظاهِرٌ أنْ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، ولا سَبِيلَ إلى تَوْجِيهِها إلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وإنْ كانَ المُرادُ بِهِمْ: أكابِرَ مَكَّةَ؛ لِأنَّ مَآلَ المَعْنى حِينَئِذٍ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، كَما جَعَلْنا أعْمالَ أهْلِ مَكَّةَ مُزَيَّنَةً لَهم، جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها ... إلَخْ. فَإذَنِ الأقْرَبُ أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ المَعْهُودِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِصِفاتِهِمْ، والإفْرادُ بِتَأْوِيلِ الفَرِيقِ أوِ المَذْكُورِ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي لِجَعَلْنا، قُدِّمَ (p-182)عَلَيْهِ لِإفادَةِ التَّخْصِيصِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ ...﴾ الآيَةَ. والأوَّلُ " ﴿أكابِرَ مُجْرِمِيها﴾ "، والظَّرْفُ لَغْوٌ؛ أيْ: ومِثْلَ أُولَئِكَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ هم صَنادِيدُ مَكَّةَ ومُجْرِمُوها، جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَها المُجْرِمِينَ؛ أيْ: جَعَلْناهم مُتَّصِفِينَ بِصِفاتِ المَذْكُورِينَ، مُزَيَّنًا لَهم أعْمالُهم، مُصِرِّينَ عَلى الباطِلِ، مُجادِلِينَ بِهِ الحَقَّ؛ لِيَمْكُرُوا فِيها؛ أيْ: لِيَفْعَلُوا المَكْرَ فِيها، وهَذا تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ اعْتِراضٌ عَلى سَبِيلِ الوَعْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ؛ أيْ: وما تَحِيقُ غائِلَةُ مَكْرِهِمْ إلّا بِهِمْ. ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ يَمْكُرُونَ، مَعَ اعْتِبارِ وُرُودِ الِاسْتِثْناءِ عَلى النَّفْيِ؛ أيْ: إنَّما يَمْكُرُونَ بِأنْفُسِهِمْ، والحالُ أنَّهم ما يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ أصْلًا، بَلْ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَمْكُرُونَ بِغَيْرِهِمْ.

الأنعام 6:124

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾ رُجُوعٌ إلى بَيانِ حالِ مُجْرِمِي أهْلِ مَكَّةَ بَعْدَ ما بُيِّنَ بِطَرِيقِ التَّسْلِيَةِ أنَّ حالَ غَيْرِهِمْ أيْضًا كَذَلِكَ، وأنَّ عاقِبَةَ مَكْرِ الكُلِّ ما ذُكِرَ، فَإنَّ العَظِيمَةَ المَنقُولَةَ إنَّما صَدَرَتْ عَنْهم لا عَنْ سائِرِ المُجْرِمِينَ؛ أيْ: إذا جاءَتْهم آيَةٌ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ ﷺ . ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: حَتّى يُوحى إلَيْنا ويَأْتِينا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَيُخْبِرَنا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ، كَما قالُوا: أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِثْلُهُ. وَهَذا كَما تَرى صَرِيحٌ في أنَّ ما عُلِّقَ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، هو إيمانُهم بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما أُنْزِلَ إلَيْهِ إيمانًا حَقِيقِيًّا، كَما هو المُتَبادِرُ مِنهُ عِنْدَ الإطْلاقِ، خَلا أنَّهُ يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ عَلى مُطْلَقِ الوَحْيِ، ومُخاطَبَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في الجُمْلَةِ. وَأنْ تُصْرَفَ الرِّسالَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ عَنْ ظاهِرِها، وتُحْمَلَ عَلى رِسالَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ، ويُرادَ بِجَعْلِها: تَبْلِيغُها إلى المُرْسَلِ إلَيْهِ، لا وضْعُها في مَوْضِعِها الَّذِي هو الرَّسُولُ، لِيَتَأتّى كَوْنُهُ جَوابًا عَنِ اقْتِراحِهِمْ، ورَدًّا لَهُ بِأنْ يَكُونَ مَعْنى الِاقْتِراحِ: لَنْ نُؤْمِنَ بِكَوْنِ تِلْكَ الآيَةِ نازِلَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إلى الرَّسُولِ حَتّى يَأْتِيَنا بِالذّاتِ عِيانًا، كَما يَأْتِيَ الرَّسُولُ فَيُخْبِرُنا بِذَلِكَ. وَمَعْنى الرَّدِّ: اللَّهُ أعْلَمُ مَن يَلِيقُ بِإرْسالِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ؛ إيذانًا بِأنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ ذَلِكَ التَّشْرِيفِ، وفِيهِ مِنَ التَّمَحُّلِ ما لا يَخْفى. وَقالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ: زاحَمْنا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ في الشَّرَفِ، حَتّى إذا صِرْنا كَفَرَسَيْ رِهانٍ، قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يُوحى إلَيْهِ، واللَّهِ لا نَرْضى بِهِ ولا نَتَّبِعُهُ أبَدًا، حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ. وَقالَ الضَّحّاكُ: سَألَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ القَوْمِ أنْ يُخَصَّ بِالرِّسالَةِ والوَحْيِ، كَما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾، ولا يَخْفى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ وإنْ كانَ مُناسِبًا لِلرَّدِّ المَذْكُورِ، لَكِنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِإيتاءِ ما أُوتِيَ الرُّسُلُ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِهِمْ بِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الجُمْلَةِ مِن غَيْرِ شُمُولٍ لِكافَّةِ النّاسِ، وأنْ تَكُونَ كَلِمَةُ حَتّى في قَوْلِ اللَّعِينِ: حَتّى يَأْتِيَنا وحْيٌ كَما يَأْتِيهِ ... إلَخْ؛ غايَةً لِعَدَمِ الرِّضا لا لِعَدَمِ الِاتِّباعِ، فَإنَّهُ مُقَرَّرٌ عَلى تَقْدِيرَيْ: إيتاءِ الوَحْيِ وعَدَمِهِ. فالمَعْنى: لَنْ نُؤْمِنَ بِرِسالَتِهِ أصْلًا حَتّى نُؤْتى نَحْنُ مِنَ الوَحْيِ والنُّبُوَّةِ مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ، أوْ (p-183)إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ. وَأمّا ما قِيلَ: مِن أنَّ الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا لَكُنْتُ أوْلى بِها مِنكَ؛ لِأنِّي أكْبَرُ مِنكَ سِنًّا وأكْثَرُ مِنكَ مالًا ووَلَدًا؛ فَنَزَلَتْ. فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِكَلامِهِمُ المَرْدُودِ، إلّا أنْ يُرادَ بِالإيمانِ المُعَلَّقِ بِما ذُكِرَ مُجَرَّدُ الإيمانِ بِكَوْنِ الآيَةِ النّازِلَةِ وحْيًا صادِقًا، لا الإيمانِ بِكَوْنِها نازِلَةً إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيَكُونُ المَعْنى: وإذا جاءَتْهم آيَةٌ نازِلَةٌ إلى الرَّسُولِ قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ بِنُزُولِها مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى يَكُونَ نُزُولُها إلَيْنا لا إلَيْهِ؛ لِأنّا نَحْنُ المُسْتَحِقُّونَ دُونَهُ، فَإنَّ مُلَخَّصَ مَعْنى قَوْلِهِ: لَوْ كانَتِ النُّبُوَّةُ حَقًّا ... إلَخْ: لَوْ كانَ ما تَدَّعِيهِ مِنَ النُّبُوَّةِ حَقًّا لَكُنْتُ أنا النَّبِيَّ لا أنْتَ، وإذْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحَقٍّ، وما لَهُ تَعْلِيقُ الإيمانِ بِحَقِّيَّةِ النُّبُوَّةِ بِكَوْنِ نَفْسِهِ نَبِيًّا. وَ" ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ﴾ " نَصْبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: حَتّى نُؤْتاها إيتاءً مِثْلَ إيتاءِ رُسُلِ اللَّهِ، وإضافَةُ الإيتاءِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم مُنْكِرُونَ لِإيتائِهِ ﷺ، وحَيْثُ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ تَوَسُّعًا لا بِنَفْسِ أعْلَمُ، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ لا يَعْمَلُ في الظّاهِرِ، بَلْ بِفِعْلٍ دَلَّ هو عَلَيْهِ؛ أيْ: هو أعْلَمُ يَعْلَمُ المَوْضِعَ الَّذِي يَضَعُها فِيهِ. والمَعْنى: أنَّ مَنصِبَ الرِّسالَةِ لَيْسَ مِمّا يُنالُ بِكَثْرَةِ المالِ والوَلَدِ، وتَعاضُدِ الأسْبابِ والعُدَدِ، وإنَّما يُنالُ بِفَضائِلَ نَفْسانِيَّةٍ يَخُصُّها اللَّهُ تَعالى بِمَن يَشاءُ مِن خُلَّصِ عِبادِهِ، وقُرِئَ: ( رِسالاتِهِ ) . ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ ناعٍ عَلَيْهِمْ ما سَيَلْقَوْنَهُ مِن فُنُونِ الشَّرِّ بَعْدَ ما نَعى عَلَيْهِمْ حِرْمانَهم مِمّا أمَّلُوهُ، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ إصابَةَ ما يُصِيبُهم لِإجْرامِهِمُ المُسْتَتْبِعِ لِجَمِيعِ الشُّرُورِ والقَبائِحِ؛ أيْ: يُصِيبُهُمُ البَتَّةَ مَكانُ ما تَمَنَّوْهُ، وعَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن عِزَّةِ النُّبُوَّةِ وشَرَفِ الرِّسالَةِ. ﴿صَغارٌ﴾؛ أيْ: ذِلَّةٌ وحَقارَةٌ بَعْدَ كِبْرِهِمْ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخِرَةِ، أوْ في الدُّنْيا. ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ مَكْرِهِمُ المُسْتَمِرِّ، أوْ بِمُقابَلَتِهِ، وحَيْثُ كانَ هَذا مِن مُعْظَمِ مَوادِّ إجْرامِهِمْ صُرِّحَ بِسَبَبِيَّتِهِ.

الأنعام 6:125

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ﴾؛ أيْ: يُعَرِّفَهُ طَرِيقَ الحَقِّ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ. ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾ فَيَتَّسِعَ لَهُ ويَنْفَتِحَ، وهو كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ النَّفْسِ قابِلَةً لِلْحَقِّ، مُهَيَّئَةً لِحُلُولِهِ فِيها، مُصَفّاةً عَمّا يَمْنَعُهُ ويُنافِيهِ، وإلَيْهِ أشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ سُئِلَ، فَقالَ: " نُورٌ يَقْذِفُهُ اللَّهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ ويَنْفَتِحُ "؛ فَقالُوا: هَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها، فَقالَ: " نَعَمْ، الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والإعْراضُ عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ " . ﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾؛ أيْ: يَخْلُقَ فِيهِ الضَّلالَ بِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلَيْهِ. ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بِحَيْثُ يَنْبُو عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، فَلا يَكادُ يَدْخُلُهُ الإيمانُ، وقُرِئَ: ( ضَيْقًا ) بِالتَّخْفِيفِ، و( حَرِجًا ) بِكَسْرِ الرّاءِ؛ أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، والأوَّلُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً. ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ " ما " هَذِهِ مُهَيِّئَةٌ لِدُخُولِ كَأنَّ عَلى الجُمَلِ الفِعْلِيَّةِ. ﴿فِي السَّماءِ﴾ شَبَهٌ لِلْمُبالَغَةِ في ضِيقِ صَدْرِهِ بِمَن يُزاوِلُ ما لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَإنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما هو خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإيمانَ يَمْتَنِعُ مِنهُ، كَما يَمْتَنِعُ مِنهُ الصُّعُودُ. وَقِيلَ: مَعْناهُ: كَأنَّما يَتَصاعَدُ إلى السَّماءِ نُبُوًّا عَنِ الحَقِّ، وتَباعُدًا في الهَرَبِ مِنهُ، وأصْلُ يَصَّعَّدُ: يَتَصَعَّدُ، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، وقُرِئَ: ( يَصّاعَدُ ) وأصْلُهُ: يَتَصاعَدُ. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ الَّذِي هو جَعْلُ الصَّدْرِ حَرِجًا (p-184)عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ. ﴿يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾؛ أيِ: العَذابَ، أوِ الخِذْلانَ. قالَ مُجاهِدٌ: الرِّجْسُ: ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الرِّجْسُ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ. ﴿عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: عَلَيْهِمْ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، لِلْإشْعارِ بِأنَّ جَعْلَهُ تَعالى مُعَلَّلٌ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِن كَمالِ نُبُوِّهِمْ عَنِ الإيمانِ، وإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ.

الأنعام 6:126

﴿وَهَذا﴾؛ أيِ: البَيانُ الَّذِي جاءَ بِهِ القرآن، أوِ الإسْلامُ، أوْ ما سَبَقَ مِنَ التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ. ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: طَرِيقُهُ الَّذِي ارْتَضاهُ، أوْ عادَتُهُ وطَرِيقَتُهُ الَّتِي اقْتَضَتْها حِكْمَتُهُ، وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية إيذانٌ بِأنَّ تَقْوِيمَ ذَلِكَ الصِّراطِ لِلتَّرْبِيَةِ وإفاضَةِ الكَمالِ. ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ، أوْ عادِلًا مُطَّرِدًا، وهو حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ. ﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ بَيَّنّاها مُفَصَّلَةً. ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِها، فَيَعْلَمُونَ أنَّ كُلَّ ما يَحْدُثُ مِنَ الحَوادِثِ، خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، فَإنَّما يَحْدُثُ بِقَضاءِ اللَّهِ تَعالى وخَلْقِهِ، وأنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِأحْوالِ العِبادِ، حَكِيمٌ عادِلٌ فِيما يَفْعَلُ بِهِمْ، وتَخْصِيصُ القَوْمِ المَذْكُورِينَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِتَفْصِيلِ الآياتِ.

الأنعام 6:127

﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾؛ أيْ: لِلْمُتَذَكِّرِينَ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ المَكارِهِ، وهي الجَنَّةُ. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: في ضَمانِهِ، أوْ ذَخِيرَةً لَهم عِنْدَهُ، لا يَعْلَمُ كُنْهَها غَيْرُهُ تَعالى. ﴿وَهُوَ ولِيُّهُمْ﴾؛ أيْ: مَوْلاهم وناصِرُهم. ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِسَبَبِ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، أوْ مُتَوَلِّيهِمْ بِجَزائِها بِتَوَلِّي إيصالِهِ إلَيْهِمْ.

الأنعام 6:128

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ إمّا عَلى المَفْعُولِيَّةِ أوِ الظَّرْفِيَّةِ، وقُرِئَ بِنُونِ العَظَمَةِ عَلى الِالتِفاتِ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ لِمَن يُحْشَرُ مِنَ الثَّقَلَيْنِ؛ أيْ: واذْكُرْ يَوْمَ يَحْشُرُ الثَّقَلَيْنِ قائِلًا: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم يَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، أوْ ويَوْمَ يَحْشُرُهم ويَقُولُ: يا مَعْشَرَ الجِنِّ، يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُساعِدُهُ لِفَظاعَتِهِ. والمَعْشَرُ: الجَماعَةُ، والمُرادُ بِمَعْشَرِ الجِنِّ: الشَّياطِينُ. ﴿قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾؛ أيْ: مِن إغْوائِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ مِنهم بِأنْ جَعَلْتُمُوهم أتْباعَكم فَحُشِرُوا مَعَكم، كَقَوْلِهِمُ: اسْتَكْثَرَ الأمِيرُ مِنَ الجُنُودِ، وهَذا بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ. ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهُمْ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ أطاعُوهم. وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الإنْسِ﴾ إمّا لِبَيانِ الجِنْسِ؛ أيْ: أوْلِياؤُهُمُ الَّذِينَ هُمُ الإنْسُ، أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن أوْلِياؤُهم؛ أيْ: كائِنِينَ مِنَ الإنْسِ. ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾؛ أيِ: انْتَفَعَ الإنْسُ بِالجِنِّ بِأنْ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها. وَقِيلَ: بِأنْ ألْقَوْا إلَيْهِمْ مِنَ الأراجِيفِ، والسحر، والكَهانَةِ، والجِنُّ بِالإنْسِ بِأنْ أطاعُوهم، وحَصَّلُوا مُرادَهم بِقَبُولِ ما ألْقَوْهُ إلَيْهِمْ. وَقِيلَ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِهِمْ: أنَّهم كانُوا يَعُوذُونَ بِهِمْ في المَفاوِزِ (p-185)والمَخاوِفِ، واسْتِمْتاعُهم بِالإنْسِ: اعْتِرافُهم بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إجارَتِهِمْ. ﴿وَبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، قالُوهُ اعْتِرافًا بِما فَعَلُوهُ مِن طاعَةِ الشَّياطِينِ، واتِّباعِ الهَوى، وتَكْذِيبِ البَعْثِ، وإظْهارًا لِلنَّدامَةِ عَلَيْها، وتَحَسُّرًا عَلى حالِهِمْ، واسْتِسْلامًا لِرَبِّهِمْ، ولَعَلَّ الِاقْتِصارَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ الضّالِّينَ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ المُضِلِّينَ قَدْ أُفْحِمُوا بِالمَرَّةِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى التَّكَلُّمِ أصْلًا. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ كَلامِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾؛ أيْ: مَنزِلُكم، أوْ ذاتُ ثَوائِكم، كَما أنَّ دارَ السَّلامِ مَثْوى المُؤْمِنِينَ. ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ والعامِلُ " مَثْواكم " إنْ جُعِلَ مَصْدَرًا، ومَعْنى الإضافَةِ إنْ جُعِلَ مَكانًا. ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اسْتَثْنى اللَّهُ تَعالى قَوْمًا قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهم يُسْلِمُونَ، ويُصَدِّقُونَ النَّبِيَّ ﷺ . وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الِاسْتِثْناءَ لَيْسَ مِنَ المَحْكِيِّ، وما بِمَعْنى مَن. وَقِيلَ: المَعْنى: إلّا الأوْقاتَ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِنَ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا فِيهِ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيِّزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجحيم. وَقِيلَ: يُفْتَحُ لَهم وهم في النّارِ بابٌ إلى الجَنَّةِ فَيُسْرِعُونَ نَحْوَهُ، حَتّى إذا صارُوا إلَيْهِ سُدَّ عَلَيْهِمُ البابُ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالِاسْتِثْناءُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ. وقِيلَ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: النّارُ مَثْواكم أبَدًا إلّا ما أُمْهِلُكم، ولا يَخْفى بُعْدَهُ. ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ﴾ في أفاعِيلِهِ. ﴿عَلِيمٌ﴾ بِأحْوالِ الثَّقَلَيْنِ وأعْمالِهِمْ، وبِما يَلِيقُ بِها مِنَ الجَزاءِ.

الأنعام 6:129

﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما سِيقَ مِن تَمْكِينِ الجِنِّ مِن إغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ. ﴿نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ الإنْسِ. ﴿بَعْضًا﴾ آخَرَ مِنهم؛ أيْ: نَجْعَلُهم بِحَيْثُ يَتَوَلَّوْنَهم بِالإغْواءِ والإضْلالِ، أوْ نَجْعَلُ بَعْضَهم قُرَناءَ بَعْضٍ في العَذابِ، كَما كانُوا كَذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ اقْتِرافِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ القَبائِحِ. ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بِسَبَبِ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى كَسْبِهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

الأنعام 6:130

﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ شُرُوعٌ في حِكايَةِ ما سَيَكُونُ مِن تَوْبِيخِ المَعْشَرَيْنِ وتَقْرِيعِهِمْ بِتَفْرِيطِهِمْ فِيما يَتَعَلَّقُ بِخاصَّةِ أنْفُسِهِمْ، إثْرَ حِكايَةِ تَوْبِيخِ مَعْشَرِ الجِنِّ بِإغْواءِ الإنْسِ وإضْلالِهِمْ، وبَيانِ مَآلِ أمْرِهِمْ. ﴿ألَمْ يَأْتِكُمْ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا. ﴿رُسُلٌ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَكِنْ لا عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الأُمَمِ، بَلْ عَلى أنْ يَأْتِيَ كُلَّ أُمَّةٍ رَسُولٌ خاصٌّ بِها؛ أيْ: ألَمْ يَأْتِ كُلَّ أُمَّةٍ مِنكم رَسُولٌ مُعَيَّنٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرُسُلٌ؛ أيْ: كائِنَةٌ مِن جُمْلَتِكم، لَكِنْ لا عَلى أنَّهم مِن جِنْسِ الفَرِيقَيْنِ مَعًا، بَلْ مِنَ الإنْسِ خاصَّةً، وإنَّما جُعِلُوا مِنهُما إمّا لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِمْ، والإيذانِ بِتَقارُبِهِما ذاتًا، واتِّحادِهِما تَكْلِيفًا وخِطابًا، كَأنَّهُما جِنْسٌ واحِدٌ؛ ولِذَلِكَ تَمَكَّنَ أحَدُهُما مِن إضْلالِ الآخَرِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرُّسُلِ: ما يَعُمُّ رُسُلَ الرُّسُلِ، وقَدْ ثَبَتَ أنَّ الجِنَّ قَدِ اسْتَمَعُوا القرآن وأنْذَرُوا بِهِ قَوْمَهم، حَيْثُ نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القرآن﴾ (p-186)إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٌ، مُحَقِّقَةٌ لِما هو المُرادُ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ مِنَ التَّبْلِيغِ والإنْذارِ، وقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى الثَّقَلَيْنِ. ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ بِما هو في تَضاعِيفِها مِنَ القَوارِعِ. ﴿لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ يَوْمِ الحَشْرِ الَّذِي قَدْ عايَنُوا فِيهِ ما أُعِدَّ لَهم مِن أفانِينِ العُقُوباتِ الهائِلَةِ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ التَّوْبِيخِ الشَّدِيدِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا. ﴿شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا﴾؛ أيْ: بِإتْيانِ الرُّسُلِ وإنْذارِهِمْ، وبِمُقابَلَتِهِمْ إيّاهم بِالكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وبِاسْتِحْقاقِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لِلْعَذابِ المُخَلَّدِ حَسْبَما فُصِّلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ عَنْ سُؤالِ خَزَنَةِ النّارِ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إنْ أنْتُمْ إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ . وقَدْ أُجْمِلَ هَهُنا في الحِكايَةِ كَما أُجْمِلَ في حِكايَةِ جَوابِهِمْ، حَيْثُ قالُوا: ﴿بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ مَعَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما أدّاهم في الدُّنْيا إلى ارْتِكابِهِمْ لِلْقَبائِحِ الَّتِي ارْتَكَبُوها، وألْجَأهم بَعْدَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ إلى الِاعْتِرافِ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، وذَمٌّ لَهم بِذَلِكَ؛ أيْ: واغْتَرُّوا في الدُّنْيا بِالحَياةِ الدَّنِيئَةِ، واللَّذّاتِ الخَسِيسَةِ الفانِيَةِ، وأعْرَضُوا عَنِ النَّعِيمِ المُقِيمِ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الرُّسُلُ، واجْتَرَءُوا عَلى ارْتِكابِ ما يَجُرُّهم إلى العَذابِ المُؤَبَّدِ الَّذِي أنْذَرُوهم إيّاهُ. ﴿وَشَهِدُوا﴾ في الآخِرَةِ. ﴿عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا﴾ في الدُّنْيا. ﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: بِالآياتِ والنُّذُرِ الَّتِي أتى بِها الرُّسُلُ عَلى التَّفْصِيلِ المَذْكُورِ آنِفًا، واضْطُرُّوا إلى الِاسْتِسْلامِ لِأشَدِّ العَذابِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما حُكِيَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾، وفِيهِ مِن تَحْسِيرِهِمْ وتَحْذِيرِ السّامِعِينَ عَنْ مِثْلِ صَنِيعِهِمْ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

الأنعام 6:131

﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن شَهادَتِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾ بِحَذْفِ اللّامِ عَلى أنَّ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن " أنَّ "، وضَمِيرُ الشَّأْنِ الَّذِي هو اسْمُها مَحْذُوفٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِظُلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِمُهْلِكَ؛ أيْ: بِسَبَبِ ظُلْمٍ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ القُرى؛ أيْ: مُلْتَبِسَةً بِظُلْمٍ، فَإنَّ مُلابَسَةَ أهْلِها لِلظُّلْمِ مُلابَسَةٌ لِلْقَرْيَةِ لَهُ بِواسِطَتِهِمْ. وَأمّا كَوْنُهُ حالًا مِن رَبِّكَ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في مُهْلِكَ كَما قِيلَ؛ فَيَأْباهُ أنَّ غَفْلَةَ أهْلِها مَأْخُوذَةٌ في مَعْنى الظُّلْمِ وحَقِيقَتِهِ لا مَحالَةَ، فَلا يَحْسُنُ تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأهْلُها غافِلُونَ﴾ والمَعْنى: ذَلِكَ ثابِتٌ لِانْتِفاءِ كَوْنِ رَبِّكَ، أوْ لِأنَّ الشَّأْنَ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِسَبَبِ؛ أيِّ ظُلْمٍ فَعَلُوهُ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ قَبْلَ أنْ يُنْهَوْا عَنْهُ، ويُنَبَّهُوا عَلى بُطْلانِهِ بِرَسُولٍ وكِتابٍ، وإنْ قَضى بِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ ويُنْذَرُوا عاقِبَةَ جِناياتِهِمْ؛ أيْ: لَوْلا انْتِفاءُ كَوْنِهِ تَعالى مُعَذِّبًا لَهم قَبْلَ إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، لَما أمْكَنَ التَّوْبِيخُ بِما ذُكِرَ، ولَما شَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ واسْتِيجابِ العَذابِ، ولا اعْتَذَرُوا بِعَدَمِ إتْيانِ الرُّسُلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾ . وَإنَّما عُلِّلَ ما ذُكِرَ بِانْتِفاءِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي هو إهْلاكُ القُرى قَبْلَ الإنْذارِ، مَعَ أنَّ التَّقْرِيبَ في تَعْلِيلِهِ بِانْتِفاءِ مُطْلَقِ التَّعْذِيبِ مِن غَيْرِ بَعْثِ الرُّسُلِ أتَمُّ عَلى ما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾؛ لِبَيانِ كَمالِ (p-187)نَزاهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ كِلا التَّعْذِيبَيْنِ: الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ مَعًا، مِن غَيْرِ إنْذارٍ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، حَيْثُ اقْتُصِرَ عَلى نَفْيِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ عَنْهُ تَعالى، لِيَثْبُتَ نَفْيُ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ عَنْهُ تَعالى عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ. فَإنَّهُ تَعالى حَيْثُ لَمْ يُعَذِّبْهم بِعَذابٍ يَسِيرٍ مُنْقَطِعٍ بِدُونِ إنْذارٍ، فَلِأنْ لا يُعَذِّبَهم بِعَذابٍ شَدِيدٍ مُخَلَّدٍ أوْلى وأجْلى، ولَوْ عُلِّلَ بِما ذُكِرَ مِن نَفْيِ التَّعْذِيبِ لانْصَرَفَ بِحَسَبِ المَقامِ إلى ما فِيهِ الكَلامُ مِن نَفْيِ التَّعْذِيبِ الأُخْرَوِيِّ، ونَفْيِ التَّعْذِيبِ الدُّنْيَوِيِّ غَيْرُ مُتَعَرَّضٍ لَهُ، لا صَرِيحًا ولا دَلالَةً؛ ضَرُورَةَ أنَّ نَفْيَ الأعْلى لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الأدْنى، ولِأنَّ تَرَتُّبَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ عَلى الإنْذارِ عِنْدَ عَدَمِ تَأثُّرِ المُنْذَرِينَ مِنهُ مَعْلُومٌ مُشاهَدٌ عِنْدَ السّامِعِينَ، فَيَسْتَدِلُّونَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ التَّعْذِيبَ الأُخْرَوِيَّ أيْضًا كَذَلِكَ، فَيَنْزَجِرُونَ عَنِ الإخْلالِ بِمَواجِبِ الإنْذارِ أشَدَّ انْزِجارٍ، هَذا هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وَأمّا جَعْلُ ذَلِكَ إشارَةً إلى إرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإنْذارِهِمْ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفٌ كَما أطْبَقَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَبِمَعْزِلٍ مِن مُقْتَضى المَقامِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:132

﴿وَلِكُلٍّ﴾؛ أيْ: مِنَ المُكَلَّفِينَ مِنَ الثَّقَلَيْنِ. ﴿دَرَجاتٌ﴾ مُتَفاوِتَةٌ وطَبَقاتٌ مُتَبايِنَةٌ. ﴿مِمّا عَمِلُوا﴾ مِن أعْمالِهِمْ، صالِحَةً كانَتْ أوْ سَيِّئَةً، فَإنَّ أعْمالَهم دَرَجاتٌ في أنْفُسِها، أوْ مِن جَزاءِ أعْمالِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ جَزاءٍ مَرْتَبَةٌ مُعَيَّنَةٌ لَهم، أوْ مِن أجْلِ أعْمالِهِمْ. ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فَيَخْفى عَلَيْهِ عَمَلٌ مِن أعْمالِهِمْ، أوْ قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّونَ بِها مِن ثَوابٍ أوْ عِقابٍ، وقُرِئَ بِالتّاءِ تَغْلِيبًا لِلْخِطابِ عَلى الغَيْبَةِ.

الأنعام 6:133

﴿وَرَبُّكَ الغَنِيُّ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ؛ أيْ: هو المَعْرُوفُ بِالغَنِيِّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ كائِنًا مَن كانَ وما كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ غِناهُ عَنِ العِبادِ وعَنْ عِبادَتِهِمْ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ لا سِيَّما في الثّانِي، لِكَوْنِهِ مَوْقِعَ الإضْمارِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ مِن إظْهارِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ، وتَنْزِيهِ ساحَتِهِ عَنْ تَوَهُّمِ شُمُولِ الوَعِيدِ الآتِي لَها أيْضًا ما لا يَخْفى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ، والغَنِيُّ صِفَةٌ؛ أيْ: يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ بِالتَّكْلِيفِ تَكْمِيلًا لَهم، ويُمْهِلُهم عَلى المَعاصِي، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما سَلَفَ ذِكْرُهُ مِنَ الإرْسالِ لَيْسَ لِنَفْعِهِ، بَلْ لِتَرَحُّمِهِ عَلى العِبادِ، وتَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾؛ أيْ: ما بِهِ حاجَةٌ إلَيْكم، إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها العُصاةُ، وفي تَلْوِينِ الخِطابِ مِن تَشْدِيدِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى. ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ إذْهابِكم. ﴿ما يَشاءُ﴾ مِنَ الخَلْقِ، وإيثارُ " ما " عَلى " مَن " لِإظْهارِ كَمالِ الكِبْرِياءِ وإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ العُقَلاءِ. ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾؛ أيْ: مِن نَسْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى مِثْلِ صِفَتِكم، وهم أهْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّهُ أبْقاكم تَرَحُّمًا عَلَيْكم، و" ما " في " كَما " مَصْدَرِيَّةٌ، ومَحَلُّ الكافِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ تَشْبِيهِيٌّ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، فَإنَّ يَسْتَخْلِفْ في مَعْنى: يُنْشِئْ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويُنْشِئْ إنْشاءً كائِنًا كَإنْشائِكم ... إلَخْ، أوْ نَعْتٌ لِمَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ؛ أيْ: يَسْتَخْلِفِ اسْتِخْلافًا كائِنًا كَإنْشائِكم ... إلَخْ، والشَّرْطِيَّةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها مِنَ الغِنى والرَّحْمَةِ.

الأنعام 6:134

﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ﴾ (p-188)؛ أيِ: الَّذِي تُوعَدُونَهُ مِنَ البَعْثِ، وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ، وصِيغَةُ الِاسْتِقْبالِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ. ﴿لآتٍ﴾ لَواقِعٌ لا مَحالَةَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾، وإيثارُهُ عَلَيْهِ لِبَيانِ كَمالِ سُرْعَةِ وُقُوعِهِ بِتَصْوِيرِهِ بِصُورَةِ طالِبٍ حَثِيثٍ لا يَفُوتُهُ هارِبٌ، حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أيْ: بِفائِتِينَ ذَلِكَ، وإنْ رَكِبْتُمْ في الهَرَبِ مَتْنَ كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، كَما أنَّ إيثارَ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى المُسْتَقْبَلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ قُرْبِ الإتْيانِ. والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ انْتِفاءِ الإعْجازِ لا بَيانُ انْتِفاءِ دَوامِ الإعْجازِ، فَإنَّ الجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ كَما تَدُلُّ عَلى دَوامِ الثُّبُوتِ تَدُلُّ بِمَعُونَةِ المَقامِ، إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ النَّفْيِ، عَلى دَوامِ الِانْتِفاءِ لا عَلى انْتِفاءِ الدَّوامِ، كَما حُقِّقَ في مَوْضِعِهِ.

الأنعام 6:135

﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ إثْرَ ما بُيِّنَ لَهم حالُهم ومَآلُهم بِطَرِيقِ الخِطابِ، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ بِأنْ يُواجِهَهم بِتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ، وتَكْرِيرِ الوَعِيدِ، ويُظْهِرَ لَهم ما هو عَلَيْهِ غايَةُ التَّصَلُّبِ في الدِّينِ، ونِهايَةِ الوُثُوقِ بِأمْرِهِ، وعَدَمِ المُبالاةِ بِهِمْ؛ أيِ: اعْمَلُوا عَلى غايَةِ تَمَكُّنِكم واسْتِطاعَتِكم، يُقالُ: تَمَكَّنَ مَكانَةً: إذا تَمَكَّنَ أبْلَغَ التَّمَكُّنِ، أوْ عَلى جِهَتِكم وحالَتِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها، مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ ومَكانَةٌ، كَمَقامٍ ومَقامَةٍ، وقُرِئَ: ( مَكاناتِكم )، والمَعْنى: اثْبُتُوا عَلى كُفْرِكم ومُعاداتِكم. ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ ما أُمِرْتُ بِهِ مِنَ الثَّباتِ عَلى الإسْلامِ، والِاسْتِمْرارِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والمُصابَرَةِ، وإيرادُ التَّهْدِيدِ بِصِيغَةِ الأمْرِ مُبالَغَةٌ في الوَعِيدِ، كَأنَّ المُهَدِّدَ يُرِيدُ تَعْذِيبَهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَيَحْمِلُهُ بِالأمْرِ عَلى ما يُؤَدِّي إلَيْهِ، وتَسْجِيلٌ بِأنَّ المُهَدَّدَ لا يَتَأتّى مِنهُ إلّا الشَّرُّ كالَّذِي أُمِرَ بِهِ، بِحَيْثُ لا يَجِدُ إلى التَّفَصِّي عَنْهُ سَبِيلًا. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ " سَوْفَ " لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، والعِلْمُ عِرْفانِيٌّ، و" مِن " إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ العِلْمِ، مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. و" تَكُونُ " بِاسْمِها وخَبَرِها خَبَرٌ لَها، وهي مَعَ خَبَرِها في مَحَلِّ نَصْبٍ لِسَدِّها مَسَدَّ مَفْعُولِ " تَعْلَمُونَ "؛ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أيُّنا تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ الحُسْنى الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الدِّيارَ لَها. وَإمّا مَوْصُولَةٌ فَمَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَفْعُولٌ لِتَعْلَمُونِ؛ أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ الَّذِي لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ، وفِيهِ مَعَ الإنْذارِ إنْصافٌ في المَقالِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَمالِ وُثُوقِ المُنْذِرِ بِأمْرِهِ، وقُرِئَ بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ العاقِبَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ﴿إنَّهُ﴾؛ أيِ: الشَّأْنَ. ﴿لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وُضِعَ الظُّلْمُ مَوْضِعَ الكُفْرِ إيذانًا بِأنَّ امْتِناعَ الفَلّاحِ يَتَرَتَّبُ عَلى أيِّ فَرْدٍ كانَ مِن أفْرادِ الظُّلْمِ، فَما ظَنُّكَ بِالكُفْرِ الَّذِي هو أعْظَمُ أفْرادِهِ.

الأنعام 6:136

﴿وَجَعَلُوا﴾ شُرُوعٌ في تَقْبِيحِ أحْوالِهِمُ الفَظِيعَةِ بِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وهم مُشْرِكُو العَرَبِ كانُوا يُعَيِّنُونَ أشْياءَ مِن حَرْثٍ ونِتاجٍ لِلَّهِ تَعالى، وأشْياءَ مِنهُما لِآلِهَتِهِمْ، فَإذا رَأوْا ما جَعَلُوهُ لِلَّهِ تَعالى زاكِيًا نامِيًا يَزِيدُ في نَفْسِهِ خَيْرًا، رَجَعُوا فَجَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ، وإذا زَكا ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ تَرَكُوهُ مُعْتَلِّينَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى غَنِيٌّ، وما ذاكَ إلّا لِحُبِّ آلِهَتِهِمْ وإيثارِهِمْ لَها. والجَعْلُ إمّا مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، فالجارّانِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-189)﴿لِلَّهِ مِمّا ذَرَأ﴾ مُتَعَلِّقانِ بِهِ. وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ﴾ بَيانٌ لِما، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ جَهالَتِهِمْ، حَيْثُ أشْرَكُوا الخالِقَ في خَلْقِهِ جَمادًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ رَجَّحُوهُ عَلَيْهِ بِأنْ جَعَلُوا الزَّكِيَّ لَهُ؛ أيْ: عَيَّنُوا لَهُ تَعالى مِمّا خَلَقَهُ مِنَ الحَرْثِ والأنْعامِ. ﴿نَصِيبًا﴾ يَصْرِفُونَهُ إلى الضِّيفانِ والمَساكِينِ، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَجْرُورَيْنِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. وَإمّا إلى مَفْعُولَيْنِ أوَّلُهُما: " ﴿مِمّا ذَرَأ﴾ " عَلى أنَّ " مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: جَعَلُوا بَعْضَ ما خَلَقَهُ نَصِيبًا لَهُ، وما قِيلَ مِن أنَّ الأوَّلَ نَصِيبًا والثّانِيَ لِلَّهِ، لا يُساعِدُهُ سَدادُ المَعْنى، وحِكايَةُ جَعْلِهِمْ لَهُ تَعالى نَصِيبًا تَدُلُّ عَلى أنَّهم جَعَلُوا لِشُرَكائِهِمْ أيْضًا نَصِيبًا. وَلَمْ يُذْكَرِ اكْتِفاءً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ وقُرِئَ بِضَمِّ الزّاءِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ، وإنَّما قُيِّدَ بِهِ الأوَّلُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ في الحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُسْتَتْبِعٍ لِشَيْءٍ مِنَ الثَّوابِ، كالتَّطَوُّعاتِ الَّتِي يُبْتَغى بِها وجْهُ اللَّهِ تَعالى، لا لِما قِيلَ مِن أنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِمّا اخْتَرَعُوهُ لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَفادٌ مِنَ الجَعْلِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُقَيَّدْ بِهِ الثّانِي. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، عَلى مَعْنى أنَّ قَوْلَهم: " هَذا لِلَّهِ " مُجَرَّدُ زَعْمٍ مِنهم لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ الَّذِي هو اخْتِصاصُهُ بِهِ تَعالى. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إلى اللَّهِ وما كانَ لِلَّهِ فَهو يَصِلُ إلى شُرَكائِهِمْ﴾ بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لَهُ؛ أيْ: فَما عَيَّنُوهُ لِشُرَكائِهِمْ لا يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى، مِن قِرى الضِّيفانِ والتَّصَدُّقِ عَلى المَساكِينِ، وما عَيَّنُوهُ لِلَّهِ تَعالى إذا وجَدُوهُ زاكِيًا، يُصْرَفُ إلى الوُجُوهِ الَّتِي يُصْرَفُ إلَيْها ما عَيَّنُوهُ لِآلِهَتِهِمْ مِن إنْفاقٍ عَلَيْها، وذَبْحِ نِسائِكَ عِنْدَها، والإجْراءِ عَلى سَدَنَتِها، ونَحْوِ ذَلِكَ. ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ فِيما فَعَلُوا مِن إيثارِ آلِهَتِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَمَلِهِمْ بِما لَمْ يُشْرَعْ لَهم، وما بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: ساءَ الَّذِي يَحْكُمُونَ حُكْمُهم، فَيَكُونُ " حُكْمُهم " مُبْتَدَأً، وما قَبْلَهُ الخَبَرُ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ " ﴿يَحْكُمُونَ﴾ " عَلَيْهِ.

الأنعام 6:137

﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ، وهو تَزْيِينُ الشِّرْكِ في قِسْمَةِ القُرْبانِ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ آلِهَتِهِمْ، أوْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّزْيِينِ البَلِيغِ المَعْهُودِ مِنَ الشَّياطِينِ. ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ قَتْلَ أوْلادِهِمْ﴾ بِوَأْدِهِمْ ونَحْرِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، كانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ في الجاهِلِيَّةِ لَئِنْ وُلِدَ لَهُ كَذا غُلامًا لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهم، كَما حَلَفَ عَبْدُ المُطَّلِبِ، وهو مَشْهُورٌ. ﴿شُرَكاؤُهُمْ﴾؛ أيْ: أوْلِياؤُهم مِنَ الجِنِّ، أوْ مِنَ السَّدَنَةِ، وهو فاعِلُ " زَيَّنَ " أُخِّرَ عَنِ الظَّرْفِ والمَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي هو القَتْلُ، ونَصْبِ الأوْلادِ وجَرِّ الشُّرَكاءِ بِإضافَةِ القَتْلِ إلَيْهِ مَفْصُولًا بَيْنَهُما بِمَفْعُولِهِ. وَقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعِ قَتْلُ وجَرِّ أوْلادِهِمْ ورَفْعِ شُرَكاؤُهم بِإضْمارِ فِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهِ زُيِّنَ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: زُيِّنَ لَهم قَتْلُ أوْلادِهِمْ، قِيلَ: مَن زَيَّنَهُ ؟ فَقِيلَ: زَيَّنَهُ شُرَكاؤُهم. ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾؛ أيْ: يُهْلِكُوهم بِالإغْواءِ. ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ولِيَخْلِطُوا عَلَيْهِمْ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن دِينِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ ما وجَبَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ إنْ كانَ التَّزْيِينُ مِنَ الشَّياطِينِ، ولِلْعاقِبَةِ إنْ كانَ مِنَ السَّدَنَةِ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: عَدَمَ فِعْلِهِمْ ذَلِكَ. ﴿ما فَعَلُوهُ﴾؛ أيْ: ما فَعَلَ المُشْرِكُونَ ما زُيِّنَ لَهم مِنَ القَتْلِ، أوِ الشُّرَكاءُ التَّزْيِينَ، أوِ الإرْداءَ واللَّبْسَ، أوِ الفَرِيقانِ، جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى إجْراءِ الضَّمِيرِ مُجْرى اسْمِ الإشارَةِ. ﴿فَذَرْهم وما يَفْتَرُونَ﴾ الفاءُ (p-190)فَصِيحَةٌ؛ أيْ: إذا كانَ ما فَعَلُوهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى فَدَعْهم وافْتِراءَهم، أوْ وما يَفْتَرُونَهُ مِنَ الإفْكِ، فَإنَّ فِيما شاءَ اللَّهُ تَعالى حِكَمًا بالِغَةً، ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، وفِيهِ مِن شِدَّةِ الوَعِيدِ ما لا يَخْفى.

الأنعام 6:138

﴿وَقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِنَوْعٍ آخَرَ مِن أنْواعِ كُفْرِهِمْ. ﴿هَذِهِ﴾ إشارَةٌ إلى ما جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ والتَّأْنِيثُ لِلْخَبَرِ. ﴿أنْعامٌ وحَرْثٌ حِجْرٌ﴾؛ أيْ: حَرامٌ، فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، كالذِّبْحِ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والكَثِيرُ، والذَّكَرُ والأُنْثى؛ لِأنَّ أصْلَهُ المَصْدَرُ، ولِذَلِكَ وقَعَ صِفَةً لِأنْعامٌ وحَرْثٌ. وَقُرِئَ: ( حُجْرٌ ) بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ، وحِرْجٌ؛ أيْ: ضَيِّقٌ، وأصْلُهُ: حَرِجٌ، وقِيلَ: هو مَقْلُوبٌ مِن حِجْرٍ. ﴿لا يَطْعَمُها إلا مَن نَشاءُ﴾ يَعْنُونَ: خَدَمَ الأوْثانِ مِنَ الرِّجالِ دُونَ النِّساءِ، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِأنْعامٌ وحَرْثٌ. ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِ قالُوا؛ أيْ: قالُوهُ مُلْتَبِسِينَ بِزَعْمِهِمُ الباطِلِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. ﴿وَأنْعامٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿هَذِهِ أنْعامٌ﴾ ... " إلَخْ؛ أيْ: قالُوا مُشِيرِينَ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مِن أنْعامِهِمْ: وهَذِهِ أنْعامٌ. ﴿حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ يَعْنُونَ بِها: البَحائِرَ، والسَّوائِبَ، والحَوّامِيَ. ﴿وَأنْعامٌ﴾؛ أيْ: وهَذِهِ أنْعامٌ كَما مَرَّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ صِفَةٌ لِأنْعامٌ، لَكِنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في كَلامِهِمُ المَحْكِيِّ كَنَظائِرِهِ، بَلْ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَعْيِينًا لِلْمَوْصُوفِ وتَمْيِيزًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ عَلى أحَدِ التَّفاسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأنْعامٌ ذُبِحَتْ عَلى الأصْنامِ، فَإنَّها الَّتِي لا يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ اللَّهِ، وإنَّما يُذْكَرُ عَلَيْها اسْمُ الأصْنامِ. وَقِيلَ: لا يَحُجُّونَ عَلَيْها، فَإنَّ الحَجَّ لا يُعَرّى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لَهم طائِفَةٌ ما مِن أنْعامِهِمْ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها، ولا في شَيْءٍ مِن شَأْنِها، لا إنْ رَكِبُوا، ولا إنْ حَلَبُوا، ولا إنْ نَتَجُوا، ولا إنْ باعُوا، ولا إنْ حَمَلُوا. ﴿افْتِراءً عَلَيْهِ﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، إمّا عَلى أنَّ ما قالُوهُ تَقَوُّلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ عامِلٍ مِن لَفْظِهِ؛ أيِ: افْتَرَوُا افْتِراءً، والجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا، أوْ بِافْتَرَوُا المُقَدَّرِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَهُ لا بِافْتِراءً؛ لِأنَّ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ لا يَعْمَلُ، أوْ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ قالُوا؛ أيْ: مُفْتَرِينَ، أوْ عَلى العِلَّةِ؛ أيْ: لِلِافْتِراءِ؛ فالجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِهِ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِهِ أوْ بَدَلِهِ، وفي إبْهامِ الجَزاءِ مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَخْفى.

الأنعام 6:139

﴿وَقالُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن فُنُونِ كُفْرِهِمْ. ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ﴾ يَعْنُونَ بِهِ: أجِنَّةَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾ حَلالٌ لَهم خاصَّةً، والتّاءُ لِلنَّقْلِ إلى الِاسْمِيَّةِ أوْ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ لِأنَّ الخالِصَةَ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ وقَعَ مَوْقِعَ الخالِصِ مُبالَغَةً، أوْ بِحَذْفِ المُضادِّ؛ أيْ: ذُو خالِصَةٍ، أوْ لِلتَّأْنِيثِ بِناءً عَلى أنَّ ما عِبارَةٌ عَنِ الأجِنَّةِ. والتَّذْكِيرُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾؛ أيْ: جِنْسِ أزْواجِنا، وهُنَّ الإناثُ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ، وفِيهِ كَما تَرى حَمْلٌ لِلنَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى خِلافِ المَعْهُودِ، الَّذِي هو الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ أوَّلًا وعَلى المَعْنى ثانِيًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ ...﴾ إلَخْ ونَظائِرِهِ. وَإمّا العَكْسُ، فَقَدَ (p-191)قالُوا: إنَّهُ لا نَظِيرَ لَهُ في القرآن، وهَذا الحُكْمُ مِنهم إنْ وُلِدَ ذَلِكَ حَيًّا، وهو الظّاهِرُ المُعْتادُ. ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً﴾؛ أيْ: إنْ وُلِدَتْ مَيْتَةً. ﴿فَهُمْ﴾؛ أيِ: الذُّكُورُ والإناثُ. ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: فِيما في بُطُونِ الأنْعامِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَيْتَةِ: ما يَعُمُّ الذَّكَرَ والأُنْثى، فَغُلِّبَ الأوَّلُ عَلى الثّانِي. ﴿شُرَكاءُ﴾ يَأْكُلُونَ مِنهُ جَمِيعًا، وقُرِئَ: ( خالِصَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والخَبَرُ لِذُكُورِنا، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في الظَّرْفِ، لا مِنَ الَّذِي في ذُكُورِنا، ولا مِنَ الذُّكُورِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى العامِلِ المَعْنَوِيِّ، ولا عَلى صاحِبِهِ المَجْرُورِ، وقُرِئَ: ( خالِصُهُ ) بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى الضَّمِيرِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن " ما "، أوْ مُبْتَدَأٌ ثانٍ. ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾؛ أيْ: جَزاءَ وصْفِهِمُ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ تَعالى في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ﴾ . ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ بِالجَزاءِ، فَإنَّ الحَكِيمَ العَلِيمَ بِما صَدَرَ عَنْهم لا يَكادُ يَتْرُكُ جَزاءَهُمُ الَّذِي هو مِن مُقْتَضَياتِ الحِكْمَةِ.

الأنعام 6:140

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهُمْ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ، وهم رَبِيعَةُ، ومُضَرُ، وأضْرابُهم مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يَئِدُونَ بَناتِهِمْ؛ مَخافَةَ السَّبْيِ والفَقْرِ؛ أيْ: خَسِرُوا دَيْنَهم ودُنْياهم. ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَتَلُوا عَلى أنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ؛ أيْ: لِخِفَّةِ عَقْلِهِمْ وجَهْلِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ، أوْ نَصْبٌ عَلى الحالِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( سُفَهاءَ )، أوْ مَصْدَرٌ. ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ مِنَ البَحائِرِ، والسَّوائِبِ، ونَحْوِهِما. ﴿افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾ نَصْبٌ عَلى أحَدِ الوُجُوهِ المَذْكُورَةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ عُتُوِّهِمْ وطُغْيانِهِمْ. ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ. ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلَيْهِ، وإنَّ هُدُوا بِفُنُونِ الهِداياتِ، أوْ وما كانُوا مُهْتَدِينَ مِنَ الأصْلِ لِسُوءِ سِيرَتِهِمْ؛ فالجُمْلَةُ حِينَئِذٍ اعْتِراضٌ، وعَلى الأوَّلِ عَطْفٌ عَلى ضَلُّوا.

الأنعام 6:141

﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ تَمْهِيدٌ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْصِيلِ أحْوالِ الأنْعامِ؛ أيْ: هو الَّذِي أنْشَأهُنَّ مِن غَيْرِ شَرِكَةٍ لِأحَدٍ في ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، والمَعْرُوشاتُ مِنَ الكُرُومِ: المَرْفُوعاتُ عَلى ما يَحْمِلُها. ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ وهُنَّ المُلْقَياتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ. وقِيلَ: المَعْرُوشاتُ: ما غَرَسَهُ النّاسُ وعَرَّشُوهُ، وغَيْرُ المَعْرُوشاتِ: ما نَبَتَ في البَوادِي والجِبالِ. ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ﴾ عَطْفٌ عَلى جَنّاتٍ؛ أيْ: أنْشَأهُما. ﴿مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ وقُرِئَ: ( أُكْلُهُ ) بِسُكُونِ الكافِ؛ أيْ: ثَمَرُهُ الَّذِي يُؤْكَلُ في الهَيْئَةِ والكَيْفِيَّةِ، والضَّمِيرُ إمّا لِلنَّخْلِ والزَّرْعُ داخِلٌ في حُكْمِهِ، أوْ لِلزَّرْعِ والباقِي مَقِيسٌ عَلَيْهِ، أوْ لِلْجَمِيعِ عَلى تَقْدِيرِ أُكُلُ ذَلِكَ، أوْ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، و" مُخْتَلِفًا " حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ إذْ لَيْسَ كَذَلِكَ وقْتَ الإنْشاءِ. ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ﴾؛ أيْ: أنْشَأهُما. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ نَصْبٌ عَلى الحالِيَّةِ؛ أيْ: يَتَشابَهُ بَعْضُ (p-192)أفْرادِهِما في اللَّوْنِ والهَيْئَةِ، أوِ الطَّعْمِ، ولا يَتَشابَهُ بَعْضُها. ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾؛ أيْ: مِن ثَمَرِ كُلِّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ. ﴿إذا أثْمَرَ﴾ وإنْ لَمْ يُدْرِكْ ولَمْ يَيْنَعْ بَعْدُ. وقِيلَ: فائِدَتُهُ رُخْصَةُ المالِكِ في الأكْلِ مِنهُ قَبْلَ أداءِ حَقِّ اللَّهِ تَعالى. ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ أُرِيدَ بِهِ: ما كانَ يُتَصَدَّقُ بِهِ يَوْمَ الحَصادِ بِطَرِيقِ الوُجُوبِ مِن غَيْرِ تَعْيِينِ المِقْدارِ، لا الزَّكاةُ المُقَدَّرَةُ، فَإنَّها فُرِضَتْ بِالمَدِينَةِ والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ. وَقِيلَ: الزَّكاةُ، والآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، والأمْرُ بِإيتائِها يَوْمَ الحَصادِ لِيُهْتَمَّ بِهِ حِينَئِذٍ حَتّى لا يُؤَخَّرَ عَنْ وقْتِ الأداءِ، ولِيُعْلَمَ أنَّ الوُجُوبَ بِالإدْراكِ لا بِالتَّصْفِيَةِ، وقُرِئَ: ( يَوْمَ حِصادِهِ ) بِكَسْرِ الحاءِ، وهو لُغَةٌ فِيهِ. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾؛ أيْ: في التَّصَدُّقِ، كَما رُوِيَ عَنْ ثابِتِ بْنِ قَيْسٍ أنَّهُ صَرَمَ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ، فَفَرَّقَ ثَمَرَها كُلَّها ولَمْ يُدْخِلْ مِنهُ شَيْئًا إلى مَنزِلِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ ...﴾ الآيَةَ. ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِي إسْرافَهم.

الأنعام 6:142

﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ حالِ الأنْعامِ، وإبْطالِ ما تَقَوَّلُوا عَلى اللَّهِ تَعالى في شَأْنِها بِالتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ، وهو عَطْفٌ عَلى مَفْعُولِ أنْشَأ، و" مِن " مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ الأثْقالُ وما يُفْرَشُ لِلذَّبْحِ، أوْ ما يُفْرَشُ المَصْنُوعُ مِن شَعَرِهِ وصُوفِهِ ووَبَرِهِ. وقِيلَ: الكِبارُ الصّالِحَةُ لِلْحَمْلِ، والصِّغارُ الدّانِيَةُ مِنَ الأرْضِ، كَأنَّها فُرُشٌ مَفْرُوشٌ عَلَيْها. ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " ما " عِبارَةٌ عَمّا ذُكِرَ مِنَ الحَمُولَةِ والفَرْشِ، و" مِن " تَبْعِيضِيَّةٌ؛ أيْ: كُلُوا بَعْضَ ما رَزَقَكُمُ اللَّهُ تَعالى؛ أيْ: حَلالَهُ، وفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأنَّ إنْشاءَها لِأجْلِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ. ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ في أمْرِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بِتَقْلِيدِ أسْلافِكُمُ المُجازِفِينَ في ذَلِكَ مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمُ، المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ مِنهم بِإغْوائِهِ واسْتِتْباعِهِ إيّاهم. ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ.

الأنعام 6:143

﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ الزَّوْجُ: ما مَعَهُ آخَرُ مِن جِنْسِهِ يُزاوِجُهُ ويَحْصُلُ مِنهُما النَّسْلُ، والمُرادُ بِها: الأنْواعُ الأرْبَعَةُ، وإيرادُها بِهَذا العُنْوانِ وهَذا العَدَدِ تَمْهِيدٌ لِما سِيقَ لَهُ الكَلامُ مِنَ الإنْكارِ المُتَعَلِّقِ بِتَحْرِيمِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى وبِما في بَطْنِها، وهو بَدَلٌ مِن حَمُولَةً وفَرْشًا، مَنصُوبٌ بِما نَصَبَهُما وجَعْلُهُ مَفْعُولًا لِكُلُوا، عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: " ﴿وَلا تَتَّبِعُوا﴾ ... " الآيَةَ مُعْتَرِضٌ بَيْنَهُما. أوْ حالًا مِن ما بِمَعْنى مُخْتَلِفَةً أوْ مُتَعَدِّدَةً، يَأْباهُ جَزالَةُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، لِظُهُورِ أنَّهُ مَسُوقٌ لِتَوْضِيحِ حالِ الأنْعامِ بِتَفْصِيلِها أوَّلًا إلى حَمُولَةٍ وفَرْشٍ، ثُمَّ بِتَفْصِيلِها إلى ثَمانِيَةِ أزْواجٍ حاصِلَةٍ مِن تَفْصِيلِ الأُولى إلى الإبِلِ والبَقَرِ، وتَفْصِيلِ الثّانِي إلى الضَّأْنِ والمَعْزِ، ثُمَّ تَفْصِيلِ كُلٍّ مِنَ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ إلى الذَّكَرِ والأُنْثى، كُلُّ ذَلِكَ لِتَحْرِيرِ المَوادِّ الَّتِي تَقَوَّلُوا فِيها عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، ثُمَّ تَبْكِيتِهِمْ بِإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ في كُلِّ مادَّةٍ مِن تِلْكَ المَوادِّ، بِتَوْجِيهِ الإنْكارِ إلَيْها مُفَصَّلَةً. وَ" ﴿اثْنَيْنِ﴾ " في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ " مَنصُوبٌ بِناصِبِهِ، وهو العامِلُ في مِن؛ أيْ: أنْشَأ مِنَ الضَّأْنِ زَوْجَيْنِ: الكَبْشَ والنَّعْجَةَ. (p-193) وَقُرِئَ: ( اثْنانِ ) عَلى الِابْتِداءِ، والضَّأْنُ: اسْمُ جِنْسٍ كالإبِلِ، وجَمْعُهُ: ضَئِينٌ كَأمِيرٍ، أوْ جَمْعُ ضائِنٍ، كَتاجِرٍ وتَجْرٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. ﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى مِثْلِهِ شَرِيكٌ لَهُ في حُكْمِهِ؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ المَعْزِ زَوْجَيْنِ: التَّيْسَ والعَنْزَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ، وهو جَمْعُ ماعِزٍ، كَصاحِبٍ وصَحْبٍ، وحارِسٍ وحَرْسٍ، وقُرِئَ: ( ومِنَ المِعْزى ) . وَهَذِهِ الأزْواجُ الأرْبَعَةُ تَفْصِيلٌ لِلْفَرْشِ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَها في التَّفْصِيلِ مَعَ تَأخُّرِ أصْلِها في الإجْمالِ، لِكَوْنِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ عُرْضَةً لِلْأكْلِ الَّذِي هو مُعْظَمُ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحِلُّ والحُرْمَةُ، وهو السِّرُّ في الِاقْتِصارِ عَلى الأمْرِ بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ " مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلِانْتِفاعِ بِالحَمْلِ والرُّكُوبِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حَرَّمُوهُ في السّائِبَةِ وأخَواتِها. ﴿قُلْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إثْرَ تَفْصِيلِ أنْواعِ الأنْعامِ الَّتِي أنْشَأها؛ أيْ: قُلْ تَبْكِيتًا لَهم وإظْهارًا لِانْقِطاعِهِمْ عَنِ الجَوابِ. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ، وهُما الكَبْشُ والتَّيْسُ. ﴿حَرَّمَ﴾؛ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَما تَزْعُمُونَ أنَّهُ هو المُحَرِّمُ. ﴿أمِ الأُنْثَيَيْنِ﴾ هُما النَّعْجَةُ والعَنْزُ، ونَصْبُ الذَّكَرَيْنِ والأُنْثَيَيْنِ بِحَرَّمَ، وهو مُؤَخَّرٌ عَنْهُما بِحَسَبِ المَعْنى، وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما صُورَةً. وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾؛ أيْ: أمْ ما حَمَلَتْ إناثُ النَّوْعَيْنِ حَرَّمَ، ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ ...﴾ إلَخْ، تَكْرِيرٌ لِلْإلْزامِ وتَثْنِيَةٌ لِلتَّبْكِيتِ والإفْحامِ؛ أيْ: أخْبِرُونِي بِأمْرٍ مَعْلُومٍ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الكِتابِ، أوْ أخْبارِ الأنْبِياءِ، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا ذُكِرَ، أوْ نَبِّئُونِي تَنْبِئَةً مُلْتَبِسَةً بِعِلْمٍ صادِرَةً عَنْهُ. ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾؛ أيْ: في دَعْوى التَّحْرِيمِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ.

الأنعام 6:144

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ "؛ أيْ: وأنْشَأ مِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ، هُما الجَمَلُ والنّاقَةُ. ﴿وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرٌ وأُنْثى. ﴿قُلْ﴾ إفْحامًا لَهم في أمْرِ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ أيْضًا. ﴿آلذَّكَرَيْنِ﴾ مِنهُما. ﴿حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾ مِن ذَيْنِكَ النَّوْعَيْنِ، والمَعْنى: إنْكارُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، وإظْهارُ كَذِبِهِمْ في ذَلِكَ، وتَفْصِيلُ ما ذُكِرَ مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ وما في بُطُونِها لِلْمُبالَغَةِ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ عَلى كُلِّ مادَّةٍ مِن مَوادِّ افْتِرائِهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ ذُكُورَ الأنْعامِ تارَةً، وأوْلادَها كَيْفَما كانَتْ تارَةً أُخْرى، مُسْنِدِينَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. وَإنَّما عُقِّبَ تَفْصِيلُ كُلِّ واحِدٍ مِن نَوْعَيِ الصِّغارِ ونَوْعَيِ الكِبارِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأمْرِ، بِالِاسْتِفْهامِ والإنْكارِ مَعَ حُصُولِ التَّبْكِيتِ بِإيرادِ الأمْرِ عَقِيبَ تَفْصِيلِ الأنْواعِ الأرْبَعَةِ، بِأنْ يُقالَ: قُلْ: آلذُّكُورَ حَرَّمَ، أوِ الإناثَ، أمْ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الإناثِ، لِما في التَّثْنِيَةِ والتَّكْرِيرِ مِنَ المُبالَغَةِ في التَّبْكِيتِ والإلْزامِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْإفْحامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: " نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ "، وأمْ مُنْقَطِعَةٌ، ومَعْنى الهَمْزَةِ: الإنْكارُ والتَّوْبِيخُ، ومَعْنى بَلْ: الإضْرابُ بِما ذُكِرَ إلى التَّوْبِيخِ بِوَجْهٍ (p-194)آخَرَ؛ أيْ: بَلْ كُنْتُمْ حاضِرِينَ مُشاهِدِينَ. ﴿إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾؛ أيْ: حِينَ وصّاكم بِهَذا التَّحْرِيمِ؛ إذْ أنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ، فَلا طَرِيقَ لَكم حَسْبَما يَقُودُ إلَيْهِ مَذْهَبُكم إلى مَعْرِفَةِ أمْثالِ ذَلِكَ، إلّا المُشاهَدَةُ والسَّماعُ، وفِيهِ مِن تَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ والتَّهَكُّمِ بِهِمْ ما لا يَخْفى. ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فَنَسَبَ إلَيْهِ تَحْرِيمَ ما لَمْ يُحَرِّمْ، والمُرادُ: كُبَراؤُهم والمُقَرِّرُونَ لِذَلِكَ، أوْ عُمَرُ بْنُ لُحَيِّ بْنِ قُمَعَةَ، وهو المُؤَسِّسُ لِهَذا الشَّرِّ، أوِ الكُلُّ لِاشْتِراكِهِمْ في الِافْتِراءِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَأيُّ فَرِيقٍ أظْلَمُ مِن فَرِيقٍ افْتَرَوْا ... إلَخْ. وَلا يَقْدَحُ في أظْلَمِيَّةِ الكُلِّ كَوْنُ بَعْضِهِمْ مُخْتَرِعِينَ لَهُ، وبَعْضِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما سَبَقَ مِن تَبْكِيتِهِمْ، وإظْهارِ كَذِبِهِمْ وافْتِرائِهِمْ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وإنْ كانَ المَنفِيُّ صَرِيحًا الأظْلَمِيَّةَ دُونَ المُساواةِ، كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ. ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِافْتِراءِ. ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِ افْتَرى؛ أيِ: افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى جاهِلًا بِصُدُورِ التَّحْرِيمِ مِنهُ تَعالى، وإنَّما وُصِفُوا بِعَدَمِ العِلْمِ بِذَلِكَ، مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِعَدَمِ صُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى؛ إيذانًا بِخُرُوجِهِمْ في الظُّلْمِ عَنِ الحُدُودِ والنِّهاياتِ، فَإنَّ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى بِغَيْرِ عِلْمٍ بِصُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى مَعَ احْتِمالِ الصُّدُورِ عَنْهُ، إذا كانَ أظْلَمَ مِن كُلِّ ظالِمٍ، فَما ظَنُّكَ بِمَنِ افْتَرى عَلَيْهِ تَعالى وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن فاعِلِ يُضِلُّ؛ أيْ: مُلْتَبِسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ بِما يُؤَدِّي بِهِمْ إلَيْهِ. ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ كائِنًا مَن كانَ إلى ما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ، عاجِلًا أوْ آجِلًا، وإذا كانَ هَذا حالُ المُتَّصِفِينَ بِالظُّلْمِ في الجُمْلَةِ، فَما ظَنُّكَ بِمَن هو في أقْصى غاياتِهِ.

الأنعام 6:145

﴿قُلْ﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ إلْزامِ المُشْرِكِينَ وتَبْكِيتِهِمْ، وبَيانِ أنَّ ما يَتَقَوَّلُونَهُ في أمْرِ التَّحْرِيمِ افْتِراءٌ بَحْتٌ لا أصْلَ لَهُ قَطْعًا، بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ الحِلِّ والحُرْمَةِ هو الوَحْيُ، وأنَّهُ ﷺ قَدْ تَتَبَّعَ جَمِيعَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ وتَفَحَّصَ عَنِ المُحَرَّماتِ، فَلَمْ يَجِدْ غَيْرَ ما فُصِّلَ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في بَيانِ انْحِصارِها في ذَلِكَ. ومُحَرَّمًا صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا أجِدُ رَيْثَما تَصَفَّحْتُ ما أُوحِيَ إلَيَّ طَعامًا مُحَرَّمًا مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي حَرَّمُوها. ﴿عَلى طاعِمٍ﴾؛ أيْ: أيِّ طاعِمٍ كانَ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، رَدًّا عَلى قَوْلِهِمْ: " مُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا " . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطْعَمُهُ﴾ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. ﴿إلا أنْ يَكُونَ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الطَّعامُ. ﴿مَيْتَةً﴾ وقُرِئَ: ( تَكُونَ ) بِالتّاءِ لِتَأْنِيثِ الخَبَرِ، وقُرِئَ: ( مَيْتَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى أنْ مَعَ ما في حَيِّزِهِ؛ أيْ: إلّا وُجُودَ مَيْتَةٍ، أوْ دَمًا مَسْفُوحًا؛ أيْ: مَصْبُوبًا، كالدِّماءِ الَّتِي في العُرُوقِ لا كالطِّحالِ والكَبِدِ. ﴿أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإنَّهُ﴾؛ أيِ: الخِنْزِيرَ. ﴿رِجْسٌ﴾؛ أيْ: لَحْمُهُ قَذِرٌ لِتَعَوُّدِهِ أكْلَ النَّجاساتِ، أوْ خَبِيثٌ. ﴿أوْ فِسْقًا﴾ عَطْفٌ عَلى " لَحْمَ خِنْزِيرٍ "، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِحُرْمَتِهِ. ﴿أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ صِفَةٌ لَهُ مُوَضِّحَةٌ؛ أيْ: ذُبِحَ عَلى اسْمِ الأصْنامِ، وإنَّما سُمِّيَ ذَلِكَ فِسْقًا لِتَوَغُّلِهِ في الفِسْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِسْقًا مَفْعُولًا لَهُ لِأُهِلَّ، وهو عَطْفٌ عَلى يَكُونَ، والمُسْتَكِنُ راجِعٌ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ المُسْتَكِنُ في يَكُونَ. ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾؛ أيْ: (p-195)أصابَهُ الضَّرُورَةُ الدّاعِيَةُ إلى أكْلِ المَيْتَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ المُضْطَرَّةِ. ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ في ذَلِكَ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ مِثْلِهِ. ﴿وَلا عادٍ﴾ قَدْرَ الضَّرُورَةِ. ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لا يُؤاخِذُهُ بِذَلِكَ، ولَيْسَ التَّقْيِيدُ بِالحالِ الأُولى لِبَيانِ أنَّهُ لَوْ لَمْ يُوجَدِ القَيْدُ لَتَحَقَّقَتِ الحُرْمَةُ المَبْحُوثُ عَنْها، بَلْ لِلتَّحْذِيرِ مِن حَرامٍ آخَرَ هو أخْذُهُ حَقَّ مُضْطَرٍّ آخَرَ، فَإنَّ مَن أخَذَ لَحْمَ المَيْتَةِ مِن يَدِ مُضْطَرٍّ آخَرَ فَأكَلَهُ، فَإنَّ حُرْمَتَهُ لَيْسَتْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ لَحْمَ المَيْتَةِ، بَلْ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ حَقًّا لِلْمُضْطَرِّ الآخَرِ. وَأمّا الحالُ الثّانِيَةُ فَلِتَحْقِيقِ زَوالِ الحُرْمَةِ المَبْحُوثِ عَنْها قَطْعًا، فَإنَّ التَّجاوُزَ عَنِ القَدْرِ الَّذِي يُسَدُّ بِهِ الرَّمَقُ حَرامٌ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَحْمُ المَيْتَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفَيِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ إيذانٌ بِأنَّ المَعْصِيَةَ باقِيَةٌ، لَكِنَّهُ تَعالى يَغْفِرُ لَهُ ويَرْحَمُهُ. والآيَةُ مُحْكَمَةٌ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لَمْ يَجِدْ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ في تِلْكَ الغايَةِ غَيْرَهُ، ولا يُنافِيهِ وُرُودُ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ذَلِكَ في شَيْءٍ آخَرَ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِدْلالُ بِها عَلى نَسْخِ الكِتابِ بِخَبَرِ الواحِدِ، ولا عَلى حِلِّ الأشْياءِ الَّتِي هي غَيْرُها إلّا مَعَ الِاسْتِصْحابِ.

الأنعام 6:146

﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا﴾ خاصَّةً لا عَلى مَن عَداهم مِنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾؛ أيْ: كُلَّ ما لَهُ أُصْبَعٌ مِنَ الإبِلِ، والسِّباعِ، والطُّيُورِ، وقِيلَ: كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ وحافِرٍ، وسُمِّيَ الحافِرُ ظُفُرًا مَجازًا. والمُسَبَّبُ عَنِ الظُّلْمِ هو تَعْمِيمُ التَّحْرِيمِ، حَيْثُ كانَ بَعْضُ ذَواتِ الظُّفُرِ حَلالًا لَهم، فَلَمّا ظَلَمُوا عَمَّ التَّحْرِيمُ كُلَّها، وهَذا تَحْقِيقٌ لِما سَلَفَ مِن حَصْرِ المُحَرَّماتِ، فِيما فُصِلَ بِإبْطالِ ما يُخالِفُهُ مِن فِرْيَةِ اليَهُودِ وتَكْذِيبِهِمْ في ذَلِكَ، فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: لَسْنا أوَّلَ مَن حُرِّمَتْ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَتْ مُحَرَّمَةً عَلى نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومَن بَعْدَهُما، حَتّى انْتَهى الأمْرُ إلَيْنا. ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لا لُحُومَهُما، فَإنَّها باقِيَةٌ عَلى الحِلِّ، والشُّحُومُ الثُّرُوبُ، وشُحُومُ الكُلى، والإضافَةُ لِزِيادَةِ الرَّبْطِ. ﴿إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الشُّحُومِ، ومُخْرَجٌ لِما عَلَقَ مِنَ الشَّحْمِ بِظُهُورِهِما عَنْ حُكْمِ التَّحْرِيمِ. ﴿أوِ الحَوايا﴾ عَطْفٌ عَلى ظُهُورِهِما؛ أيْ: ما حَمَلَتْهُ الحَوايا، وهي جَمْعُ حاوِيَةٍ أوْ حاوِياءَ، كَقاصِعاءَ وقَواصِعَ، أوْ حَوِيَّةٍ، كَسَفِينَةٍ وسَفائِنَ. ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ عَطْفٌ عَلى ما حَمَلَتْ، وهو شَحْمُ الألْيَةِ، واخْتِلاطُهُ بِالعَظْمِ: اتِّصالُهُ بِعُجْبِ الذَّنَبِ، وقِيلَ: هو كُلُّ شَحْمٍ مُتَّصِلٍ بِالعَظْمِ مِنَ الأضْلاعِ وغَيْرِها. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الجَزاءِ والتَّحْرِيمِ، فَهو عَلى الأوَّلِ نَصْبٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما بَعْدَهُ، وعَلى الثّانِي عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لَهُ؛ أيْ: ذَلِكَ التَّحْرِيمَ. ﴿جَزَيْناهم بِبَغْيِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، وهو قَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وأكْلُهُمُ الرِّبا وقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وأكْلُهم أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وكانُوا كُلَّما أتَوْا بِمَعْصِيَةٍ، عُوقِبُوا بِتَحْرِيمِ شَيْءٍ مِمّا أُحِلُّ لَهم، وهم يُنْكِرُونَ ذَلِكَ ويَدَّعُونَ أنَّها لَمْ تَزَلْ مُحَرَّمَةً عَلى الأُمَمِ. فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وأكَّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَصادِقُونَ﴾؛ أيْ: في جَمِيعِ أخْبارِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الخَبَرُ، ولَقَدْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلا ما حَرَّمَ إسْرائِيلَ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ لَهم ذَلِكَ بُهِتُوا، ولَمْ يَجْسُرُوا أنْ (p-196)يُخْرِجُوا التَّوْراةَ، وكَيْفَ وقَدْ بُيِّنَ فِيها جَمِيعُ ما يَحْذَرُونَ أوْضَحَ بَيانٍ.

الأنعام 6:147

﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم أقْرَبُ ذِكْرًا، ولِذِكْرِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُنْوانِ الإشْراكِ، وقِيلَ: لِلْمُشْرِكِينَ؛ فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: إنْ كَذَّبَتْكَ اليَهُودُ في الحُكْمِ المَذْكُورِ، وأصَرُّوا عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ مِنِ ادِّعاءِ قِدَمِ التَّحْرِيمِ،﴿فَقُلْ﴾ لَهم. ﴿رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ لا يُؤاخِذُكم بِكُلِّ ما تَأْتُونَهُ مِنَ المَعاصِي، ويُمْهِلُكم عَلى بَعْضِها. ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ بِالكُلِّيَّةِ. ﴿عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ﴾ فَلا تُنْكِرُوا ما وقَعَ مِنهُ تَعالى مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ الطَّيِّباتِ عَلَيْكم عُقُوبَةً وتَشْدِيدًا. وَعَلى الثّانِي: فَإنْ كَذَّبَكَ المُشْرِكُونَ فِيما فُصِّلَ مِن أحْكامِ التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، فَقُلْ لَهم: رَبُّكم ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ، لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى تَكْذِيبِكم، فَلا تَغْتَرُّوا بِذَلِكَ، فَإنَّهُ إمْهالٌ لا إهْمالٌ. وَقِيلَ: ذُو رَحْمَةٍ لِلْمُطِيعِينَ، وذُو بَأْسٍ شَدِيدٍ عَلى المُجْرِمِينَ، فَأُقِيمَ مُقامَهُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ ... " إلَخْ؛ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى إنْزالِ البَأْسِ عَلَيْهِمْ، مَعَ الدَّلالَةِ أنَّهُ لاحِقٌ بِهِمُ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَصْرِفُهُ عَنْهم أصْلًا.

الأنعام 6:148

﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ حِكايَةٌ لِفَنٍّ آخَرَ مِن كُفْرِهِمْ، وإخْبارُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ ثُمَّ وُقُوعُهُ حَسْبَما أُخْبِرَ بِهِ، كَما يَحْكِيهِ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وُقُوعِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ. ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾؛ أيْ: لَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ مَشِيئَةَ ارْتِضاءٍ لَما فَعَلْنا الإشْراكَ نَحْنُ. ﴿وَلا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ﴾ أرادُوا بِهِ: أنَّ ما فَعَلُوهُ حَقٌّ مَرْضِيٌّ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، لا الِاعْتِذارَ مِنِ ارْتِكابِ هَذِهِ القَبائِحِ بِإرادَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاها مِنهم، حَتّى يَنْتَهِضَ ذَمُّهم بِهِ دَلِيلًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ما كَذَّبَكَ هَؤُلاءِ في أنَّهُ تَعالى مَنَعَ مِنَ الشِّرْكِ، ولَمْ يُحَرِّمْ ما حَرَّمُوهُ، كَذَّبَ مُتَقَدِّمُوهُمُ الرُّسُلَ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ فِيما قُلْنا، وعُطِفَ آباؤُنا عَلى الضَّمِيرِ لِلْفَصْلِ بِلا. ﴿حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ الَّذِي أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ بِتَكْذِيبِهِمْ. ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكم مِن عِلْمٍ﴾ مِن أمْرٍ مَعْلُومٍ يَصِحُّ الِاحْتِجاجُ بِهِ عَلى ما زَعَمْتُمْ. ﴿فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾؛ أيْ: فَتُظْهِرُوهُ لَنا. ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ﴾؛ أيْ: ما تَتَّبِعُونَ في ذَلِكَ إلاَّ الظَّنَّ الباطِلَ، الَّذِي لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. ﴿وَإنْ أنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ﴾ تَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى المَنعِ مِنِ اتِّباعِ الظَّنِّ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ فِيما يُعارِضُهُ قَطْعِيٌّ.

الأنعام 6:149

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ الفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: قَدْ ظَهَرَ أنْ لا حُجَّةَ لَكم، فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ؛ أيِ: البَيِّنَةُ الواضِحَةُ الَّتِي بَلَغَتْ غايَةَ المَتانَةِ والثَّباتِ، أوْ بَلَغَ بِها صاحِبُها صِحَّةَ دَعْواهُ، والمُرادُ بِها: الكِتابُ، والرَّسُولُ، والبَيانُ، وهي مِنَ الحَجَجِ بِمَعْنى القَصْدِ، كَأنَّها تَقْصِدُ إثْباتَ الحُكْمِ وتَطْلُبُهُ. ﴿فَلَوْ شاءَ﴾ هِدايَتَكم جَمِيعًا. ﴿لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ بِالتَّوْفِيقِ لَها والحَمْلِ عَلَيْها، ولَكِنْ (p-197)لَمْ يَشَأْ هِدايَةَ الكُلِّ، بَلْ هِدايَةَ البَعْضِ الصّارِفِينَ هِمَمَهم إلى سُلُوكِ طَرِيقِ الحَقِّ، وضَلالَ آخَرِينَ صَرَفُوا اخْتِيارَهم إلى خِلافِ ذَلِكَ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِمْ.

الأنعام 6:150

﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾؛ أيْ: أحْضِرُوهم، وهو اسْمُ فِعْلٍ لا يَتَصَرَّفُ عَلى لُغَةِ أهْلِ الحِجازِ، وفِعْلٌ يُؤَنَّثُ ويُجْمَعُ عَلى لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، وقَدْ خالَفَهُمُ البَعْضُ في فِعْلِيَّتِهِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وأصْلُهُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ: هالُمَّ، مِن لَمَّ: إذا قَصَدَ، حُذِفَتِ الألِفُ لِتَقْدِيرِ السُّكُونِ في اللّامِ، فَإنَّهُ الأصْلُ. وَعِنْدَ الكُوفِيِّينَ: هَلْ أُمَّ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ بِإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وهو بَعِيدٌ؛ لِأنَّ هَلْ تَدْخُلُ الأمْرَ ويَكُونُ مُتَعَدِّيًا كَما في الآيَةِ، ولازِمًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ . ﴿الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا﴾ وهم قُدْوَتُهُمُ الَّذِينَ يَنْصُرُونَ قَوْلَهم، وإنَّما أُمِرُوا بِاسْتِحْضارِهِمْ لِيُلْزِمَهُمُ الحُجَّةَ، ويُظْهِرَ بِانْقِطاعِهِمْ ضَلالَتَهم، وأنَّهُ لا مُتَمَسَّكَ لَهم كَمَن يُقَلِّدُهم، ولِذَلِكَ قُيِّدَ الشُّهَداءُ بِالإضافَةِ، ووُصِفُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم شُهَداءُ مَعْرُوفُونَ بِالشَّهادَةِ لَهم وبِنُصْرَةِ مَذْهَبِهِمْ. ﴿فَإنْ شَهِدُوا﴾ بَعْدَ ما حَضَرُوا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا. ﴿فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾؛ أيْ: فَلا تُصَدِّقْهم، فَإنَّهُ كَذِبٌ بَحْتٌ وافْتِراءٌ صِرْفٌ، وبَيِّنْ لَهم فَسادَهُ، فَإنَّ تَسْلِيمَهُ مِنهم مُوافَقَةٌ لَهم في الشَّهادَةِ الباطِلَةِ. ﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مُقامَ المُضْمَرِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَن كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَلَ بِهِ غَيْرَهُ، فَهو مُتَّبِعٌ لِلْهَوى لا غَيْرُ، وأنَّ مَنِ اتَّبَعَ الحُجَّةَ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا بِها. ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ كَعَبَدَةِ الأوْثانِ، عَطْفٌ عَلى المَوْصُولِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ عَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ مَعَ اتِّحادِ المَوْصُوفِ، كَما في قَوْلِهِ: ؎ إلى الماجِدِ القَرْمِ وابْنِ الهُما ∗∗∗ مِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ فَإنَّ مَن يُكَذِّبُ بِآياتِهِ تَعالى لا يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ، وبِالعَكْسِ. ﴿وَهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾؛ أيْ: يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا، عَطْفٌ عَلى " ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ "، والمَعْنى: لا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ يَجْمَعُونَ بَيْنَ تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ، وبَيْنَ الكُفْرِ بِالآخِرَةِ، وبَيْنَ الإشْراكِ بِهِ سُبْحانَهُ، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ مَدارُ النَّهْيِ الجَمْعَ المَذْكُورَ، بَلْ عَلى أنَّ أُولَئِكَ جامِعُونَ لَها مُتَّصِفُونَ بِكُلِّها.

الأنعام 6:151

﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ لَمّا ظَهَرَ بُطْلانُ ما ادَّعَوْا مِن أنَّ إشْراكَهم، وإشْراكَ آبائِهِمْ، وتَحْرِيمَ ما حَرَّمُوهُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ومَشِيئَتِهِ، بِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إخْراجِ شَيْءٍ يُتَمَسَّكُ بِهِ في ذَلِكَ، وإحْضارِ شُهَداءَ يَشْهَدُونَ بِما ادَّعَوْا في أمْرِ التَّحْرِيمِ بَعْدَ ما كُلِّفُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى عَجْزًا بَيِّنًا، أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم مِنَ المُحَرَّماتِ ما يَقْتَضِي الحالُ بَيانَهُ عَلى الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ؛ إيذانًا بِأنَّ حَقَّهم الِاجْتِنابُ عَنْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ. وَأمّا الأطْعِمَةُ المُحَرَّمَةُ؛ فَقَدْ بُيِّنَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ ...﴾ الآيَةَ. وتَعالى: أمْرٌ مِنَ التَّعالِي، والأصْلُ فِيهِ أنْ يَقُولَهُ مَن في مَكانٍ (p-198)عالٍ لِمَن هو في أسْفَلَ مِنهُ، ثُمَّ اتُّسِعَ فِيهِ بِالتَّعْمِيمِ، كَما أنَّ الغَنِيمَةَ في الأصْلِ: إصابَةُ الغَنَمِ مِنَ العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في إصابَةِ كُلِّ ما يُصابُ مِنهُمُ اتِّساعًا، ثُمَّ في الفَوْزِ بِكُلِّ مُكَلَّبٍ مِن غَيْرِ مَشَقَّةٍ. ﴿أتْلُ﴾ جَوابُ الأمْرِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ مَنصُوبٌ بِهِ عَلى أنَّ ما مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: أقْرَأُ الَّذِي حَرَّمَهُ رَبُّكم؛ أيِ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلَيْهِ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: الآياتِ المُشْتَمِلَةَ عَلى تَحْرِيمِهِ، أوْ بِحَرَّمَ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ، والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ لِأتْلُ؛ لِأنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ: أيُّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم ؟ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَّمَ عَلى كُلِّ حالٍ، وقِيلَ: بِأتْلُ، والأوَّلُ أنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِناءِ بِإيجابِ الِانْتِهاءِ عَنِ المُحَرَّماتِ المَذْكُورَةِ، وهو السِّرُّ في التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ، فَإنَّ تَذْكِيرَ كَوْنِهِ تَعالى رَبًّا لَهم ومالِكًا لِأمْرِهِمْ عَلى الإطْلاقِ، مِن أقْوى الدَّواعِي إلى انْتِهائِهِمْ عَمّا نَهاهم عَنْهُ أشَدَّ انْتِهاءٍ. وَ" أنْ " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ﴾ مُفَسِّرَةٌ لِفِعْلِ التِّلاوَةِ المُعَلَّقِ بِما حَرَّمَ، و" لا " ناهِيَةٌ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عَطْفُ ما بَعْدَهُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي عَلَيْهِ. وَلَيْسَ مِن ضَرُورَةِ كَوْنِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ تَفْسِيرَ تِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، بِحَسَبِ مَنطُوقِهِ، كَوْنُ المَعْطُوفاتِ أيْضًا كَذَلِكَ، حَتّى يَمْتَنِعَ انْتِظامُ الأوامِرِ في سِلْكِ العَطْفِ عَلَيْهِ، بَلْ يَكْفِي في ذَلِكَ كَوْنُها تَفْسِيرًا لَها بِاعْتِبارِ لَوازِمِها، الَّتِي هي النَّواهِي المُتَعَلِّقَةُ بِأضْدادِ ما تَعَلَّقَتْ هي بِهِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ مُسْتَلْزِمٌ لِلنَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ، بَلْ هو عَيْنُهُ عِنْدَ البَعْضِ، كَأنَّ الأوامِرَ ذُكِرَتْ وقُصِدَ لَوازِمُها، فَإنَّ عَطْفَ الأوامِرِ عَلى النَّواهِي الواقِعَةِ بَعْدَ " أنِ " المُفَسِّرَةِ لِتِلاوَةِ المُحَرَّماتِ، مَعَ القَطْعِ بِأنَّ المَأْمُورَ بِهِ لا يَكُونُ مُحَرَّمًا، دَلِيلٌ واضِحٌ عَلى أنَّ التَّحْرِيمَ راجِعٌ إلى الأضْدادِ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم أنْ لا تُشْرِكُوا ولا تُسِيئُوا إلى الوالِدَيْنِ، خَلا أنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الأمْرِ بِالإحْسانِ إلَيْهِما بَيْنَ النَّهْيَيْنِ المُكْتَنِفَيْنِ لَهُ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ مُراعاةِ حُقُوقِهِما، فَإنَّ مُجَرَّدَ تَرْكِ الإساءَةِ إلَيْهِما غَيْرُ كافٍ في قَضاءِ حُقُوقِهِما؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِهِ النَّهْيُ عَنِ الإشْراكِ الَّذِي هو أعْظَمُ المُحَرَّماتِ وأكْبَرُ الكَبائِرِ هَهُنا، وفي سائِرِ المَواقِعِ. وَقِيلَ: " أنْ " ناصِبَةٌ ومَحَلُّها النَّصْبُ بِعَلَيْكم عَلى أنَّهُ لِلْإغْراءِ. وقِيلَ: النَّصْبُ عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا حَرَّمَ. وقِيلَ: مِن عائِدِها المَحْذُوفِ عَلى " أنْ لا " زائِدَةٌ. وقِيلَ: الجَرُّ بِتَقْدِيرِ اللّامِ. وقِيلَ: الرَّفْعُ بِتَقْدِيرِ المَتْلُوُّ أنْ لا تُشْرِكُوا، أوِ المُحَرَّمُ أنْ لا تُشْرِكُوا بِزِيادَةِ " لا " . وقِيلَ: والَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ هو الأوَّلُ لِأُمُورٍ مِن جُمْلَتِها أنَّ في إخْراجِ المُفَسَّرِ عَلى صُورَةِ النَّهْيِ مُبالَغَةً في بَيانِ التَّحْرِيمِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَيْئًا﴾ نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ المَفْعُولِيَّةِ؛ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ، أوْ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ. ﴿وَبِالوالِدَيْنِ﴾؛ أيْ: وأحْسِنُوا بِهِما. ﴿إحْسانًا﴾ وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ تَكْلِيفٌ مُتَعَلِّقٌ بِحُقُوقِ الأوْلادِ عُقِّبَ بِهِ التَّكْلِيفُ المُتَعَلِّقُ بِحُقُوقِ الوالِدِينَ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوهم بِالوَأْدِ. ﴿مِن إمْلاقٍ﴾؛ أيْ: مِن أجْلِ فَقْرٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، وقِيلَ: هَذا في الفَقْرِ النّاجِزِ، وذا في المُتَوَقَّعِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكم وإيّاهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ، وإبْطالِ سَبَبِيَّةِ ما اتَّخَذُوهُ سَبَبًا لِمُباشَرَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وضَمانٌ مِنهُ تَعالى لِأرْزاقِهِمْ؛ أيْ: نَحْنُ نَرْزُقُ الفَرِيقَيْنِ لا أنْتُمْ، فَلا تَخافُوا الفَقْرَ بِناءً عَلى عَجْزِكم عَنْ تَحْصِيلِ الرِّزْقِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ...﴾ الآيَةَ، إلّا أنَّهُ جِيءَ هَهُنا بِصِيغَةِ الجَمْعِ قَصْدًا إلى النَّهْيِ عَنْ أنْواعِها. وَلِذَلِكَ أُبْدِلَ عَنْها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾؛ أيْ: ما يُفْعَلُ مِنها عَلانِيَةً في الحَوانِيتِ كَما هو دَأْبُ أراذِلِهِمْ، وما يُفْعَلُ سِرًّا بِاتِّخاذِ الأخْدانِ كَما هو عادَةُ أشْرافِهِمْ. وَتَعْلِيقُ النَّهْيِ بِقُرْبانِها؛ إمّا لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ (p-199)عَنْها لِقُوَّةِ الدَّواعِي إلَيْها، وإمّا لِأنَّ قُرْبانَها داعٍ إلى مُباشَرَتِها، وتَوْسِيطُ النَّهْيِ عَنْها بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والنَّهْيِ عَنِ القَتْلِ مُطْلَقًا، كَما وقَعَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، بِاعْتِبارِ أنَّها مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها جِنايَةً عَظِيمَةً في حُكْمِ قَتْلِ الأوْلادِ، فَإنَّ أوْلادَ الزِّنا في حُكْمِ الأمْواتِ. وَقَدْ «قالَ ﷺ في حَقِّ العَزْلِ: " إنَّ ذاكَ وأْدٌ خَفِيٌّ» "، ومِن هَهُنا تَبَيَّنَ أنَّ حَمْلَ الفَواحِشِ عَلى الكَبائِرِ مُطْلَقًا، وتَفْسِيرَ " ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ " بِما فُسِّرَ بِهِ ظاهِرُ الإثْمِ وباطِنُهُ فِيما سَلَفَ، مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: حَرَّمَ قَتْلَها بِأنْ عَصَمَها بِالإسْلامِ أوْ بِالعَهْدِ، فَيَخْرُجُ مِنها الحَرْبِيُّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا حالَ مُلابَسَتِكم بِالحَقِّ الَّذِي هو أمْرُ الشَّرْعِ بِقَتْلِها، وذَلِكَ بِالكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ، وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ، أوْ مِن أعَمِّ الأسْبابِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ إلّا بِسَبَبِ الحَقِّ، وهو ما ذُكِرَ، أوْ مِن أعَمِّ المَصادِرِ؛ أيْ: لا تَقْتُلُوها قَتْلًا ما، إلّا قَتْلًا كائِنًا بِالحَقِّ، وهو القَتْلُ بِأحَدِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّكالِيفِ الخَمْسَةِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقاتِها مِن بَيْنِ التَّكالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصّاكم بِهِ﴾؛ أيْ: أمَرَكم بِهِ رَبُّكم أمْرًا مُؤَكَّدًا خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ تَجْدِيدًا لِلْعَهْدِ، وتَأْكِيدًا لِإيجابِ المُحافَظَةِ عَلى ما كُلِّفُوهُ. وَلَمّا كانَتِ الأُمُورُ المَنهِيُّ عَنْها مِمّا تَقْضِي بَدِيهَةُ العُقُولِ بِقُبْحِها، فُصِّلَتِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾؛ أيْ: تَسْتَعْمِلُونَ عُقُولَكُمُ الَّتِي تَعْقِلُ نُفُوسَكم، وتَحْبِسُها عَنْ مُباشَرَةِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ.

الأنعام 6:152

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ تَوْجِيهُ النَّهْيِ إلى قُرْبانِهِ لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنْ أكْلِهِ (، ولِإخْراجِ القُرْبانِ النّافِعِ عَنْ حُكْمِ النَّهْيِ بِطَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. ﴿إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ إلّا بِالخَصْلَةِ الَّتِي هي أحْسَنُ ما يَكُونُ مِنَ الحِفْظِ والتَّثْمِيرِ ونَحْوِ ذَلِكَ. والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ والأوْصِياءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ فَإنَّهُ غايَةٌ لِما يُفْهَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ لا لِلنَّهْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: احْفَظُوهُ حَتّى يَصِيرَ بالِغًا رَشِيدًا، فَحِينَئِذٍ سَلَّمُوهُ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ . والأشُدُّ: جَمْعُ شِدَّةٍ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ، أوْ شَدٍّ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ، أوْ شِدٌّ كَصِرٌّ وآصُرٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ كَآنُكٍ. ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾؛ أيْ: بِالعَدْلِ والتَّسْوِيَةِ. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ إلّا ما يَسَعُها ولا يَعْسُرُ عَلَيْها، وهو اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ عَقِيبَ الأمْرِ بِالعَدْلِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مُراعاةَ العَدْلِ كَما هو عَسِيرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَلَيْكم بِما في وُسْعِكم وما وراءَهُ مَعْفُوٌّ عَنْكم. ﴿وَإذا قُلْتُمْ﴾ قَوْلًا في حُكُومَةٍ، أوْ شَهادَةٍ، أوْ نَحْوِهِما. ﴿فاعْدِلُوا﴾ فِيهِ، ﴿وَلَوْ كانَ﴾؛ أيِ: المَقُولُ لَهُ، أوْ عَلَيْهِ. ﴿ذا قُرْبى﴾؛ أيْ: ذا قَرابَةٍ مِنكم، ولا تَمِيلُوا نَحْوَهم أصْلًا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ مَعْنى " لَوْ " في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مِرارًا. ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾؛ أيْ: ما عَهِدَ إلَيْكم مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ، أوْ أيَّ عَهْدٍ كانَ، فَيَدْخُلُ فِيهِ ما ذُكِرَ (p-200)دُخُولًا أوَّلِيًّا، أوْ ما عاهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهِ مِنَ الأيْمانِ والنُّذُورِ، وتَقْدِيمُهُ لِلِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما فُصِّلَ مِنَ التَّكالِيفِ، ومَعْنى البُعْدِ لِما ذُكِرَ فِيما قَبْلُ. ﴿وَصّاكم بِهِ﴾ أمَرَكم بِهِ أمْرًا مُؤَكَّدًا. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَذَكَّرُونَ ما في تَضاعِيفِهِ وتَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ، وقُرِئَ: بِتَشْدِيدِ الذّالِ، وهَذِهِ أحْكامٌ عَشَرَةٌ لا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأُمَمِ والأعْصارِ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هَذِهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، وهُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلى بَنِي آدَمَ كُلِّهِمْ، وهُنَّ أُمُّ الكِتابِ، مَن عَمِلَ بِهِنَّ دَخَلَ الجَنَّةَ ومَن تَرَكَهُنَّ دَخَلَ النّارَ. وَعَنْ كَعْبِ الأحْبارِ: والَّذِي نَفْسُ كَعْبٍ بِيَدِهِ؛ إنَّ هَذِهِ الآياتِ لَأوَّلُ شَيْءٍ في التَّوْراةِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ ... الآياتِ.

الأنعام 6:153

﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ في الآيَتَيْنِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: إلى ما ذُكِرَ في السُّورَةِ، فَإنَّها بِأسْرِها في إثْباتِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وبَيانِ الشَّرِيعَةِ. وَقُرِئَ: ( صِراطِيَ ) بِفَتْحِ الياءِ، ومَعْنى إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ: انْتِسابُهُ إلَيْهِ ﷺ مِن حَيْثُ السُّلُوكُ لا مِن حَيْثُ الوَضْعُ، كَما في: صِراطُ اللَّهِ. والمُرادُ: بَيانُ أنَّ ما فُصِّلَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِالمَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ، بَلْ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ ﷺ أيْضًا، وأنَّهُ ﷺ مُسْتَمِرٌّ عَلى العَمَلِ بِها ومُراعاتِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، ومَحَلُّ " أنَّ " مَعَ ما في حَيِّزِها بِحَذْفِ لامِ العِلَّةِ؛ أيْ: ولِأنَّ هَذا صِراطِي؛ أيْ: مَسْلَكِي مُسْتَقِيمًا. ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾، وتَعْلِيلُ اتِّباعِهِ بِكَوْنِهِ صِراطَهُ ﷺ، لا بِكَوْنِهِ صِراطَ اللَّهِ تَعالى مَعَ أنَّهُ في نَفْسِهِ كَذَلِكَ، مِن حَيْثُ أنَّ سُلُوكَهُ ﷺ فِيهِ داعٍ لِلْخَلْقِ إلى الِاتِّباعِ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَّضِحُ عِنْدَهم كَوْنُهُ صِراطَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: ( أنْ هَذا ) مُخَفَّفَةً مِن " أنَّ " عَلى أنَّ اسْمَها الَّذِي هو ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، وقُرِئَ: ( سِراطِي )، وقُرِئَ: ( هَذا صِراطِي )، وقُرِئَ: ( وهَذا صِراطُ رَبِّكم )، ( وهَذا صِراطُ رَبِّكَ ) . ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأدْيانَ المُخْتَلِفَةَ، أوْ طُرُقَ البِدَعِ والضَّلالاتِ. ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ؛ أيْ: فَتُفَرِّقَكم حَسَبَ تَفَرُّقِها أيادِيَ سَبا، فَهو كَما تَرى أبْلَغُ مِن تُفَرِّقَكم، كَما قِيلَ مِن أنَّ ذَهَبَ بِهِ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِصْحابِ أبْلَغُ مِن أذْهَبَهُ. ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ أيْ: سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي لا عِوَجَ فِيهِ ولا حَرَجَ، وهو دِينُ الإسْلامِ الَّذِي ذُكِرَ بَعْضُ أحْكامِهِ. وقِيلَ: هو اتِّباعُ الوَحْيِ واقْتِفاءُ البُرْهانِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ صِراطَهُ ﷺ عَيْنُ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى. ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنِ اتِّباعِ سَبِيلِهِ تَعالى، وتَرْكِ اتِّباعِ سائِرِ السُّبُلِ. ﴿وَصّاكم بِهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ اتِّباعَ سُبُلِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.

الأنعام 6:154

﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ كَلامٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى تَقْرِيرًا لِلْوَصِيَّةِ وتَحْقِيقًا لَها، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مَن ذِكْرِ إنْزالِ القرآن المَجِيدِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى التَّكَلُّمِ، مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ النِّظامُ، كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: " ذَلِكم (p-201)وَصّاكم بِهِ " بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، تَصْدِيقًا لَهُ وتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهِ: فَعَلْنا ذَلِكَ ثُمَّ آتَيْنا ... إلَخْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى ﴿أوَلَمْ يَهْدِ ...﴾ إلَخْ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ ونَطْبَعُ ... إلَخْ. وَأمّا عَطْفُهُ عَلى " ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ "، ونَظْمُهُ مَعَهُ في سِلْكِ الكَلامِ المُلَقَّنِ كَما أجْمَعَ عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، فَمِمّا لا يَلِيقُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَتَدَبَّرْ. وَ" ثُمَّ " لِلتَّراخِي في الإخْبارِ، كَما في قَوْلِكَ: بَلَغَنِي ما صَنَعْتَ اليَوْمَ ثُمَّ ما صَنَعْتَ أمْسِ أعْجَبُ، أوْ لِلتَّفاوُتِ في الرُّتْبَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكم وصّاكم بِهِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا آتَيْنا مُوسى التَّوْراةَ، فَإنَّ إيتاءَها مُشْتَمِلَةً عَلى الوَصِيَّةِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها، أعْظَمُ مِنَ التَّوْصِيَةِ بِها فَقَطْ. ﴿تَمامًا﴾ لِلْكَرامَةِ والنِّعْمَةِ؛ أيْ: إتْمامًا لَهُما عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مِن أتَمَّ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ. ﴿عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾؛ أيْ: عَلى مَن أحْسَنَ القِيامَ بِهِ كائِنًا مَن كانَ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: ( عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا )، وتَمامًا عَلى المُحْسِنِينَ، أوْ عَلى الَّذِي أحْسَنَ تَبْلِيغَهُ، وهو مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ تَمامًا عَلى ما أحْسَنَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ أيْ: أجادَهُ مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ؛ أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. وَقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ، أوْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا؛ أيْ: تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ. ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وبَيانًا مُفَصَّلًا لِكُلِّ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الدِّينِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَمامًا، ونَصْبُهُما إمّا عَلى العِلِّيَّةِ، أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾ . وَضَمِيرُ ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ لِبَنِي إسْرائِيلَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ مُوسى وإيتاءِ الكِتابِ. والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ مُحافَظَةً عَلى الفَواصِلِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كَيْ يُؤْمِنُوا بِالبَعْثِ ويُصَدِّقُوا بِالثَّوابِ والعَذابِ.

الأنعام 6:155

﴿وَهَذا﴾؛ أيِ: الَّذِي تُلِيَتْ عَلَيْكم أوامِرُهُ ونَواهِيهِ؛ أيِ: القرآن. ﴿كِتابٌ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾؛ أيْ: كَثِيرُ المَنافِعِ دِينًا ودُنْيا صِفَتانِ لَكِتابٌ، وتَقْدِيمُ وصْفِ الإنْزالِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ صَرِيحٍ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مُنْكِرِيهِ، أوْ خَبَرانِ آخَرانِ لِاسْمِ الإشارَةِ؛ أيْ: أنْزَلْناهُ مُشْتَمِلًا عَلى فُنُونِ الفَوائِدِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي فُصِّلَتْ عَلَيْكم طائِفَةٌ مِنها. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاتَّبِعُوهُ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ عِظَمَ شَأْنِ الكِتابِ في نَفْسِهِ، وكَوْنَهُ مُنَزَّلًا مِن جَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، مُسْتَتْبِعًا لِلْمَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ مُوجِبٌ لِاتِّباعِهِ أيَّ إيجابٍ. ﴿واتَّقُوا﴾ مُخالَفَتَهُ، ﴿لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ بِواسِطَةِ اتِّباعِهِ والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ.

الأنعام 6:156

﴿أنْ تَقُولُوا﴾ عِلَّةٌ لَأنْزَلْناهُ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالمَذْكُورِ لا لِنَفْسِهِ، لِلُزُومِ الفَصْلِ حِينَئِذٍ بَيْنَ العامِلِ والمَعْمُولِ بِأجْنَبِيٍّ هو مُبارَكٌ، وصْفًا كانَ أوْ خَبَرًا؛ أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: لَوْ لَمْ تُنْزِلْهُ. ﴿إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ﴾ النّاطِقُ بِتِلْكَ الأحْكامِ العامَّةِ لِكُلِّ الأُمَمِ. ﴿عَلى طائِفَتَيْنِ﴾ كائِنَتَيْنِ. ﴿مِن قَبْلِنا﴾ وهُما اليَهُودُ والنَّصارى، وتَخْصِيصُ الإنْزالِ بِكِتابَيْهِما؛ لِأنَّهُما الَّذِي اشْتُهِرَ حِينَئِذٍ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ بِالِاشْتِمالِ عَلى الأحْكامِ، لا سِيَّما الأحْكامُ المَذْكُورَةُ. ﴿وَإنْ كُنّا﴾ (p-202)" إنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِن " إنَّ "، واللّامُ فارِقَةٌ بَيْنَهُما وبَيْنَ النّافِيَةِ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ومُرادُهم بِذَلِكَ: دَفْعُ ما يَرِدُ عَلَيْهِمْ مِن أنَّ نُزُولَهُ عَلَيْهِما لا يُنافِي عُمُومَ أحْكامِهِ، فَلِمَ لَمْ تَعْمَلُوا بِأحْكامِهِ العامَّةِ؛ أيْ: وإنَّهُ كُنّا. ﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ لا نَدْرِي ما في كِتابِهِمْ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى لُغَتِنا حَتّى نَتَلَقّى مِنهُ تِلْكَ الأحْكامَ العامَّةَ ونُحافِظَ عَلَيْها، وإنْ لَمْ يَكُنْ مُنَزَّلًا عَلَيْنا، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ مَعْذِرَتَهم هَذِهِ مَعَ أنَّهم غَيْرُ مَأْمُورِينَ بِما في الكِتابَيْنِ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأحْكامِ المَذْكُورَةِ المُتَناوِلَةِ لِكافَّةِ الأُمَمِ، كَما أنَّ قَطْعَ تِلْكَ المَعْذِرَةِ بِإنْزالِ القرآن لِاشْتِمالِهِ أيْضًا عَلَيْها، لا عَلى سائِرِ الشَّرائِعِ والأحْكامِ فَقَطْ.

الأنعام 6:157

﴿أوْ تَقُولُوا﴾ عَطْفٌ عَلى تَقُولُوا، وقُرِئَ كِلاهُما بِالياءِ عَلى الِالتِفاتِ مِن خِطابِ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا. ﴿لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ﴾ كَما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ. ﴿لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ إلى الحَقِّ الَّذِي هو المَقْصِدُ الأقْصى، أوْ إلى ما في تَضاعِيفِهِ مِن جَلائِلِ الأحْكامِ والشَّرائِعِ ودَقائِقِها، لِحِدَّةِ أذْهانِنا وثَقابَةِ أفْهامِنا؛ ولِذَلِكَ تَلَقَّفْنا مِن فُنُونِ العِلْمِ كالقِصَصِ والأخْبارِ، والخُطَبِ والأشْعارِ، ونَحْوِ ذَلِكَ طَرَفًا صالِحًا ونَحْنُ أُمِّيُّونَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ يُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ؛ إمّا مُعَلَّلٌ بِهِ؛ أيْ: لا تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ فَقَدْ جاءَكم ... إلَخْ، وإمّا شَرْطٌ لَهُ؛ أيْ: إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم، مِن كَوْنِكم أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى تَقْدِيرِ نُزُولِ الكِتابِ عَلَيْكم، فَقَدْ حَصَلَ ما فَرَضْتُمْ وجاءَكم. ﴿بَيِّنَةٌ﴾ وأيُّ بَيِّنَةٍ؛ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِبَيِّنَةٍ، أيْ بَيِّنَةٌ كائِنَةٌ مِنهُ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الإضافِيِّ، كَما أنَّ في تَنْوِينِها التَّفْخِيمِيِّ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِها الذّاتِيِّ. وَفِي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ مَزِيدُ تَأْكِيدٍ لِإيجابِ الِاتِّباعِ. ﴿وَهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ عَطْفٌ عَلى بَيِّنَةٌ، وتَنْوِينُهُما أيْضًا تَفْخِيمِيٌّ، عُبِّرَ عَنِ القرآن بِالبَيِّنَةِ إيذانًا بِكَمالِ تَمَكُّنِهِمْ مِن دِراسَتِهِ، ثُمَّ بِالهُدى والرَّحْمَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ مِن هِدايَةِ النّاسِ ورَحْمَتِهِمْ، بَلْ هو عَيْنُ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ. ﴿فَمَن أظْلَمُ﴾ الفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ مَجِيءَ القرآن المُشْتَمِلِ عَلى الهُدى والرَّحْمَةِ مُوجِبٌ لِغايَةِ أظْلَمِيَّةِ مَن يُكَذِّبُهُ؛ أيْ: وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَمَن أظْلَمُ. ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، تَنْصِيصًا عَلى اتِّصافِهِمْ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وإسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، وعُبِّرَ عَمّا جاءَهم بِآياتِ اللَّهِ تَهْوِيلًا لِلْأمْرِ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ تَكْذِيبَ أيِّ آيَةٍ كانَتْ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى كافٍ في الأظْلَمِيَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِتَكْذِيبِ القرآن المُنْطَوِي عَلى الكُلِّ. والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أظْلَمَ مِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ، أوْ مُساوِيًا لَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبْكُ التَّرْكِيبِ مُتَعَرِّضًا لِإنْكارِ المُساواةِ ونَفْيِها، فَإذا قِيلَ: مَن أكْرَمُ مِن فُلانٍ، أوْ لا أفْضَلَ مِنهُ؛ فالمُرادُ بِهِ حَتْمًا بِحُكْمِ العُرْفِ الفاشِي، والِاسْتِعْمالِ المُطَّرِدِ أنَّهُ أكْرَمُ مِن كُلِّ كَرِيمٍ، وأفْضَلُ مِن كُلِّ فاضِلٍ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا. ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ (p-203)؛ أيْ: صَرَفَ النّاسَ عَنْها، فَجَمَعَ بَيْنَ الضَّلالِ والإضْلالِ. ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ﴾ النّاسَ. ﴿عَنْ آياتِنا﴾ وعِيدٌ لَهم بِبَيانِ جَزاءِ إضْلالِهِمْ، بِحَيْثُ يُفْهَمُ مِنهُ جَزاءُ ضَلالِهِمْ أيْضًا، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِتَحْقِيقِ مَناطِ الجَزاءِ. ﴿سُوءَ العَذابِ﴾؛ أيِ: العَذابَ السَّيِّءَ الشَّدِيدَ النِّكايَةِ. ﴿بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ ما كانُوا يَفْعَلُونَ الصَّدْفَ والصَّرْفَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أشْعَرَ بِهِ إجْراءُ الحُكْمِ عَلى المَوْصُولِ مِن عِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لَهُ.

الأنعام 6:158

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ بِإنْزالِ ما ذُكِرَ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، وأنَّهم لا يَرْعَوُونَ عَنِ التَّمادِي في المُكابَرَةِ، واقْتِراحِ ما يُنافِي الحِكْمَةَ التَّشْرِيعِيَّةَ مِنَ الآياتِ المُلْجِئَةِ، وأنَّ الإيمانَ عِنْدَ إتْيانِها مِمّا لا فائِدَةَ لَهُ أصْلًا؛ مُبالَغَةً في التَّبْلِيغِ والإنْذارِ وإزاحَةِ العِلَلِ والأعْذارِ؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ. ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ حَسْبَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾، وبِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ إلّا أنْ تَأْتِيَهم مَلائِكَةُ العَذابِ، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ بِالعَذابِ، والِانْتِظارُ مَحْمُولٌ عَلى التَّمْثِيلِ كَما سَيَجِيءُ، وقُرِئَ: ( يَأْتِيَهم ) بِالياءِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: غَيْرُ ما ذُكِرَ كَما اقْتَرَحُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن عَظائِمِ الآياتِ الَّتِي عَلَّقُوا بِها إيمانَهم، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالبَعْضِ لِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، كَما أنَّ إضافَةَ الآياتِ في المَوْضِعَيْنِ إلى اسْمِ الرَّبِّ المُنْبِئِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ لِذَلِكَ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِلتَّشْرِيفِ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَلائِكَةِ: مَلائِكَةُ المَوْتِ، وبِإتْيانِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: إتْيانُ كُلِّ آياتِهِ، بِمَعْنى: آياتِ القِيامَةِ والهَلاكِ الكُلِّيِّ بِقَرِينَةِ ما بَعْدَهُ مِن إتْيانِ بَعْضِ آياتِهِ تَعالى، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: أشْراطُ السّاعَةِ الَّتِي هي: الدُّخانُ، ودابَّةُ الأرْضِ، وخَسْفٌ بِالمَشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، والدَّجّالُ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ويَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، ونُزُولُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن عَدَنَ، كَما نَطَقَ بِهِ الحَدِيثُ الشَّرِيفُ المَشْهُورُ. وَحَيْثُ لَمْ يَكُنْ إتْيانُ هَذِهِ الأُمُورِ مِمّا يَنْتَظِرُونَهُ، كَإتْيانِ ما اقْتَرَحُوهُ مِنَ الآياتِ، فَإنَّ تَعْلِيقَ إيمانِهِمْ بِإتْيانِها انْتِظارٌ مِنهم لَهُ ظاهِرًا، حُمِلَ الِانْتِظارُ عَلى التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ حالِهِمْ في الإصْرارِ عَلى الكُفْرِ، والتَّمادِي في العِنادِ إلى أنْ تَأْتِيَهم تِلْكَ الأُمُورُ الهائِلَةُ، الَّتِي لا بُدَّ لَهم مِنَ الإيمانِ عِنْدَ مُشاهَدَتِها البَتَّةَ بِحالِ المُنْتَظِرِينَ لَها. وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ النَّظْمَ الكَرِيمَ بِسِباقِهِ المُنْبِئِ عَنْ تَمادِيهِمْ في تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى وعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِها، وسِياقِهِ النّاطِقِ بِعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ عِنْدَ إتْيانِ ما يَنْتَظِرُونَهُ، يَسْتَدْعِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى أُمُورٍ هائِلَةٍ مَخْصُوصَةٍ بِهِمْ، إمّا بِأنْ تَكُونَ عِبارَةً عَمّا اقْتَرَحُوهُ، أوْ عَنْ عُقُوباتٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى جِناياتِهِمْ، كَإتْيانِ مَلائِكَةِ العَذابِ وإتْيانِ أمْرِهِ تَعالى بِالعَذابِ، وهو الأنْسَبُ لِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ " . وَأمّا حَمْلُهُ عَلى ما ذُكِرَ مِن إتْيانِ مَلائِكَةِ المَوْتِ، وإتْيانِ كُلِّ آياتِ القِيامَةِ، وظُهُورِ أشْراطِ السّاعَةِ مَعَ شُمُولِ إتْيانِها (p-204)لِكُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، واشْتِمالِ غائِلَتِها عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، فَمِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ عَلى أنَّ بَعْضَ أشْراطِ السّاعَةِ لَيْسَ مِمّا يَنْسَدُّ بِهِ بابُ الإيمانِ والطّاعَةِ. نَعَمْ يَجُوزُ حَمْلُ بَعْضِ الآياتِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ عَلى ما يَعُمُّ مُقْتَرَحاتِهِمْ، وغَيْرِها مِنَ الدَّواهِي العِظامِ السّالِبَةِ لِلِاخْتِيارِ، الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ التَّكْلِيفِ، فَإنَّهُ بِمَنزِلَةِ الكُبْرى مِنَ الشَّكْلِ الأوَّلِ، فَيَتِمُّ التَّقْرِيبُ عِنْدَ وُقُوعِها بِدُخُولِ ما يَنْتَظِرُونَهُ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وَ" يَوْمَ " مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْفَعُ﴾، فَإنَّ امْتِناعَ عَمَلِ " ما " بَعْدَ " لا " فِيما قَبْلَها عِنْدَ وُقُوعِها جَوابَ القَسَمِ، وقُرِئَ: ( يَوْمُ ) بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لا يَنْفَعُ فِيهِ. ﴿نَفْسًا﴾ مِنَ النُّفُوسِ. ﴿إيمانُها﴾ حِينَئِذٍ لِانْكِشافِ الحالِ، وكَوْنِ الأمْرِ عِيانًا، ومَدارُ قَبُولِ الإيمانِ أنْ يَكُونَ بِالغَيْبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ . وقُرِئَ: ( لا تَنْفَعُ ) بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِاكْتِسابِ الإيمانِ مِن مُلابَسَةِ المُضافِ إلَيْهِ تَأْنِيثًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: مِن قَبْلِ إتْيانِ بَعْضِ الآياتِ، صِفَةٌ لِنَفْسًا فُصِلَ بَيْنَهُما بِالفاعِلِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِ المَوْصُوفِ، ولا ضَيْرَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ أجْنَبِيٍّ مِنهُ لِاشْتِراكِهِما في العامِلِ. ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿آمَنَتْ﴾ " بِإيرادِ التَّرْدِيدِ عَلى النَّفْيِ المُفِيدِ لِكِفايَةِ أحَدِ النَّفْيَيْنِ في عَدَمِ النَّفْعِ، والمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ تُقَدِّمْ إيمانَها، أوْ قَدَّمَتْهُ ولَمْ تَكْسِبْ فِيهِ خَيْرًا، ومِن ضَرُورَتِهِ اشْتِراطُ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ الأمْرَيْنِ؛ أيِ: الإيمانِ المُقَدَّمِ والخَيْرِ المَكْسُوبِ فِيهِ مَعًا، بِمَعْنى: أنَّ النّافِعَ هو تَحَقُّقُهُما. والإيمانُ المُؤَخَّرُ لَغْوٌ وتَحْصِيلٌ لِلْحاصِلِ، لا أنَّهُ هو النّافِعُ وتَحَقُّقُهُما شَرْطٌ في نَفْعِهِ، كَما لَوْ كانَ المُقَدَّمُ غَيْرَ المُؤَخَّرِ بِالذّاتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لا يَنْفَعُ الصَّوْمُ والصَّدَقَةُ مَن لَمْ يُؤْمِن قَبْلَهُما، مَعْناهُ: أنَّهُما يَنْفَعانِهِ عِنْدَ وُقُوعِهِما بَعْدَ الإيمانِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ أهْلُ الِاعْتِزالِ عَلى عَدَمِ اعْتِبارِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ الأعْمالِ، ولَيْسَ بِناهِضٍ ضَرُورَةَ صِحَّةِ حَمْلِهِ عَلى نَفْيِ التَّرْدِيدِ المُسْتَلْزِمِ لِعُمُومِهِ، المُفِيدِ بِمَنطُوقِهِ لِاشْتِراطِ عَدَمِ النَّفْعِ بِعَدَمِ الأمْرَيْنِ مَعًا، وبِمَفْهُومِهِ لِاشْتِراطِ النَّفْعِ بِتَحَقُّقِ أحَدِهِما بِطَرِيقِ مَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الِانْفِصالِ الحَقِيقِيِّ؛ فالمَعْنى: أنَّهُ لا يَنْفَعُ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا لَمْ يَصْدُرْ عَنْها مِن قَبْلُ أحَدُ الأمْرَيْنِ؛ أمّا الإيمانُ المُجَرَّدُ، أوِ الخَيْرُ المَكْسُوبُ فِيهِ، فَيَتَحَقَّقُ النَّفْعُ بِأيِّهِما كانَ، حَسْبَما تَنْطِقُ بِهِ النُّصُوصُ الكَرِيمَةُ مِنَ الآياتِ والأحادِيثِ. وَما قِيلَ مِن أنَّ عَدَمَ الإيمانِ السّابِقِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِ كَسْبِ الخَيْرِ فِيهِ بِالضَّرُورَةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ تَكْرارًا بِلا فائِدَةٍ عَلى أنَّ المُوجِبَ لِلْخُلُودِ في النّارِ هو العَدَمُ الأوَّلُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلثّانِي دَخْلٌ ما في ذَلِكَ قَطْعًا، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بِصَدَدِ بَيانِ ما يُوجِبُ الخُلُودَ لَغْوًا مِنَ الكَلامِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَوَهُّمِ أنَّ المَقْصُودَ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِالعَدَمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ مُجَرَّدُ بَيانِ إيجابِهِما لِلْخُلُودِ فِيها، وعَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ في إنْجائِها عَنْهُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وإلّا لَكَفى في البَيانِ أنْ يُقالَ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها الحادِثُ، بَلِ المَقْصِدُ الأصْلِيُّ مِن وصْفِها بِذَيْنِكَ العَدَمَيْنِ في أثْناءِ بَيانِ عَدَمِ نَفْعِ الإيمانِ الحادِثِ، تَحْقِيقُ أنَّ مُوجَبَ النَّفْعِ إحْدى مَلَكَتَيْهِما، أعْنِي: الإيمانَ السّابِقَ والخَيْرَ المَكْسُوبَ، فِيهِ بِما ذُكِرَ مِنَ الطَّرِيقَةِ والتَّرْغِيبِ في تَحْصِيلِهِما في ضِمْنِ التَّحْذِيرِ مِن تَرْكِهِما. وَلا سَبِيلَ إلى أنْ يُقالَ: كَما أنَّ عَدَمَ الأوَّلِ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخُلُودِ في النّارِ، فَيَلْغُو ذِكْرَ عَدَمِ الثّانِي كَذَلِكَ، وجُودُهُ مُسْتَقِلٌّ في إيجابِ الخَلاصِ عَنْها، فَيَكُونُ ذِكْرُ الثّانِي لَغْوًا لِما أنَّهُ قِياسٌ مَعَ الفارِقِ، كَيْفَ لا والخُلُودُ فِيها أمْرٌ لا يُتَصَوَّرُ فِيهِ تَعَدُّدُ العِلَلِ، وأمّا الخَلاصُ عَنْها مَعَ دُخُولِ الجَنَّةِ، فَلَهُ مَراتِبُ بَعْضُها مُتَرَتِّبٌ عَلى نَفْسِ الإيمانِ، وبَعْضُها عَلى فُرُوعِهِ (p-205)المُتَفاوِتَةِ كَمًّا وكَيْفًا. وَإنَّما لَمْ يُقْتَصَرْ عَلى بَيانِ ما يُوجِبُ أصْلَ النَّفْعِ، وهو الإيمانُ السّابِقُ مَعَ أنَّهُ هو المُقابِلُ لِما لا يُوجِبُهُ أصْلًا، أعْنِي: الإيمانَ الحادِثَ، بَلْ قُرِنَ بِهِ ما يُوجِبُ النَّفْعَ الزّائِدَ أيْضًا؛ إرْشادًا إلى تَحَرِّي الأعْلى، وتَنْبِيهًا عَلى كِفايَةِ الأدْنى، وإقْناطًا لِلْكَفَرَةِ عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِن أعْمالِ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الكُفْرِ مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإعْتاقِ الرِّقابِ، وفَكِّ العُناةِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، وقِرى الأضْيافِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا هو مِن بابِ المَكارِمِ، بِبَيانِ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَغْوٌ بَحْتٌ؛ لِابْتِنائِهِ عَلى غَيْرِ أساسٍ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: " والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ " الآيَةَ، ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الكَرِيمَةِ. وَأنَّ الإيمانَ الحادِثَ كَما لا يَنْفَعُهم وحْدَهُ، لا يَنْفَعُهم بِانْضِمامِ أعْمالِهِمُ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: المَقْصُودُ بِوَصْفِ النَّفْسِ بِما ذُكِرَ مِنَ العَدَمَيْنِ: التَّعْرِيضُ بِحالِ الكَفَرَةِ في تَمَرُّدِهِمْ، وتَفْرِيطِهِمْ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأمْرَيْنِ الواجِبَيْنِ عَلَيْهِمْ، وإنْ كانَ وُجُوبُ أحَدِهِما مَنُوطًا بِالآخَرِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ تَسْجِيلًا بِكَمالِ طُغْيانِهِمْ، وإيذانًا بِتَضاعُفِ عِقابِهِمْ، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الكُفّارَ مُخاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ في حَقِّ المُؤاخَذَةِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى. فَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، إذا تَحَقَّقْتَ هَذا، وقَفْتَ عَلى أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ أحَقُّ بِأنْ تَكُونَ حُجَّةً عَلى المُعْتَزِلَةِ، مِن أنْ تَكُونَ حُجَّةً لَهم. هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِن بابِ اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ؛ أيْ: لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، ولا كَسْبُها في الإيمانِ، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ، أوْ كَسَبَتْ فِيهِ، ولَيْسَ بِواضِحٍ. فَإنَّ مَبْنى اللَّفِّ التَّقْدِيرِيِّ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ مِن مُتَمِّماتِ الكَلامِ ومُقْتَضَياتِ المَقامِ، قَدْ تُرِكَ ذِكْرُهُ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ المَلْفُوظِ عَلَيْهِ واقْتِضائِهِ إيّاهُ، كَما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾؛ فَإنَّهُ قَدْ طُوِيَ في المُفَصَّلِ ذِكْرُ حَشْرِ المُؤْمِنِينَ ثِقَةً بِأنْباءِ التَّفْصِيلِ عَنْهُ، أعْنِي: قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾ الآيَةَ. وَلا رَيْبَ في أنَّ ما قُدِّرَ هَهُنا لَيْسَ مِمّا يَسْتَدْعِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: " أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا "، ولا هو مِن مُقْتَضَياتِ المَقامِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِمّا وُعِدُوهُ وعَلَّقُوهُ بِإتْيانِ ما ذُكِرَ مِنَ الآياتِ كالإيمانِ، حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بِبَيانِ عَدَمِ نَفْعِهِ إذْ ذاكَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأنَّ لَهم بَعْدَ ما أصابَهم مِنَ الدَّواهِي ما أصابَهم بَقاءً عَلى السَّلامَةِ، وزَمانًا يَتَأتّى مِنهُمُ الكَسْبُ والعَمَلُ فِيهِ، وفِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِمَقامِ تَهْوِيلِ الخَطْبِ وتَفْظِيعِ الحالِ ما لا يَخْفى. وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ الِاسْتِدْلالِ بِوُجُوهٍ أُخَرَ قُصارى أمْرِها إسْقاطُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَنْ رُتْبَةِ المُعارَضَةِ لِلنُّصُوصِ القَطْعِيَّةِ المُتُونِ، القَوِيَّةِ الدَّلالَةِ عَلى ما ذُكِرَ مِن كِفايَةِ الإيمانِ المُجَرَّدِ عَنِ العَمَلِ في الإنْجاءِ مِنَ العَذابِ الخالِدِ، ولَوْ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، لِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ الظَّنِّيَّ بِمَعْزِلٍ مِن مُعارَضَةِ القَطْعِيِّ. ﴿قُلِ﴾ لَهم بَعْدَ بَيانِ حَقِيقَةِ الحالِ عَلى وجْهِ التَّهْدِيدِ. ﴿انْتَظِرُوا﴾ ما تَنْتَظِرُونَهُ مِن إتْيانِ أحَدِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، لِتَرَوْا أيَّ شَيْءٍ تَنْتَظِرُونَ. ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ لِذَلِكَ؛ لِنُشاهِدَ ما يَحِلُّ بِكم مِن سُوءِ العاقِبَةِ، وفِيهِ تَأْيِيدٌ لِكَوْنِ المُرادِ بِما يَنْتَظِرُونَهُ: إتْيانَ مَلائِكَةِ العَذابِ، أوْ إتْيانَ أمْرِهِ تَعالى بِالعَذابِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وعِدَةٌ ضِمْنِيَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِمُعايَنَتِهِمْ لِما يَحِيقُ بِالكَفَرَةِ مِنَ العِقابِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ هو الَّذِي شاهَدُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.

الأنعام 6:159

﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ (p-206)لِبَيانِ أحْوالِ أهْلِ الكِتابَيْنِ إثْرَ بَيانِ حالِ المُشْرِكِينَ؛ أيْ: بَدَّدُوهُ وبَعَّضُوهُ، فَتَمَسَّكَ بِكُلِّ بَعْضٍ مِنهُ فِرْقَةٌ مِنهم. وَقُرِئَ: ( فارَقُوا )؛ أيْ: بايِنُوا، فَإنَّ تَرْكَ بَعْضِهِ وإنْ كانَ بِأخْذِ بَعْضٍ مِنهُ، تَرْكٌ لِلْكُلِّ ومُفارَقَةٌ لَهُ. ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾؛ أيْ: فِرَقًا، تُشَيِّعُ كُلُّ فِرْقَةٍ إمامًا لَها، قالَ ﷺ: " «افْتَرَقَتِ اليَهُودُ عَلى إحْدى وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وافْتَرَقَتِ النَّصارى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً، وسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلى ثَلاثٍ وسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهم في الهاوِيَةِ إلّا واحِدَةً» " . واسْتِثْناءُ الواحِدَةِ مِن فِرَقِ كُلٍّ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، إنَّما هو بِالنَّظَرِ إلى العَصْرِ الماضِي قَبْلَ النَّسْخِ، وأمّا بَعْدَهُ فالكُلُّ في الهاوِيَةِ وإنِ اخْتَلَفَتْ أسْبابُ دُخُولِهِمْ. فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ لَسْتَ مِنَ البَحْثِ عَنْ تَفَرُّقِهِمْ، والتَّعَرُّضِ لِمَن يُعاصِرُكَ مِنهم بِالمُناقَشَةِ والمُؤاخَذَةِ. وقِيلَ: مِن قِتالِهِمْ في شَيْءٍ، سِوى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، وإظْهارِ شَعائِرِ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ، فَيَكُونُ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّفْيِ المَذْكُورِ؛ أيْ: هو يَتَوَلّى وحْدَهُ أمْرَ أُولاهم وأُخْراهم، ويُدَبِّرُهُ كَيْفَ يَشاءُ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ، يُؤاخِذُهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ ويَأْمُرُ بِقِتالِهِمْ إذا أرادَ. وَقِيلَ: المُفَرَّقُونَ: أهْلُ البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، ويَرُدُّهُ أنَّهُ ﷺ مَأْمُورٌ بِمُؤاخَذَتِهِمْ، والِاعْتِذارِ بِأنَّ مَعْنى " ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾ ": حِينَئِذٍ أنْتَ بَرِيءٌ مِنهم ومِن مَذْهَبِهِمْ وهم بُرَآءُ مِنكَ، يَأْباهُ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾؛ أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ عَبَّرَ عَنْ إظْهارِهِ بِالتَّنْبِئَةِ، لِما بَيْنَهُما مِنَ المُلابَسَةِ في أنَّهُما سَبَبانِ لِلْعِلْمِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم كانُوا جاهِلِينَ بِحالِ ما ارْتَكَبُوهُ، غافِلِينَ عَنْ سُوءِ عاقِبَتِهِ؛ أيْ: يُظْهِرُ لَهم عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ ويُعْلِمُهم أيَّ شَيْءٍ شَنِيعٍ كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الدُّنْيا عَلى الِاسْتِمْرارِ، ويُرَتِّبُ عَلَيْهِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ الجَزاءِ.

الأنعام 6:160

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَقادِيرِ أجِزْيَةِ العامِلِينَ، وقَدْ صَدَرَ بِبَيانِ أجِزْيَةِ المُحْسِنِينَ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِ أضْدادِهِمْ. قالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: يُرِيدُ: مَن عَمِلَ مِنَ المُصَدِّقِينَ حَسَنَةً كُتِبَتْ لَهُ عَشْرَ حَسَناتٍ؛ أيْ: مَن جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ بِالأعْمالِ الحَسَنَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لا حَسَنَةَ بِغَيْرِ إيمانٍ، فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالُها تَفَضُّلًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وَقُرِئَ: ( عَشْرٌ ) بِالتَّنْوِينِ، و( أمْثالُها ) بِالرَّفْعِ عَلى الوَصْفِ، وهَذا أقَلُّ ما وُعِدَ مِنَ الأضْعافِ، وقَدْ جاءَ الوَعْدُ بِسَبْعِينَ، وبِسَبْعِمِائَةٍ، وبِغَيْرِ حِسابٍ؛ ولِذَلِكَ قِيلَ: المُرادُ بِذِكْرِ العَشْرِ: بَيانُ الكَثْرَةِ لا الحَصْرُ في العَدَدِ الخاصِّ. ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾؛ أيْ: بِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ كائِنًا مَن كانَ مِنَ العامِلِينَ. ﴿فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾ بِحُكْمِ الوَعْدِ واحِدَةٌ بِواحِدَةٍ. ﴿وَهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ الثَّوابِ وزِيادَةِ العِقابِ.

الأنعام 6:161

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي﴾ أُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يُبَيِّنَ لَهم ما هو عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الحَقِّ الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهم عَلَيْهِ، وقَدْ فارَقُوهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِمَزِيدِ تَشْرِيفِهِ؛ أيْ: قُلْ لِأُولَئِكَ المُفَرِّقِينَ: أرْشَدَنِي رَبِّي بِالوَحْيِ، وبِما نَصَبَ في الآفاقِ والأنْفُسِ مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ. ﴿إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَوْصِلٍ إلى الحَقِّ. (p-207) وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دِينًا﴾ بَدَلٌ مِن " ﴿إلى صِراطٍ﴾ "؛ فَإنَّ مَحَلَّهُ النَّصْبُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾، أوْ مَفْعُولٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. ﴿قِيَمًا﴾ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ مُبالَغَةً، والقِياسُ: قِوَمًا كَعِوَضٍ، فَأُعِلَّ لِإعْلالِ فِعْلِهِ كالقِيامِ، وقُرِئَ: ( قَيِّمًا )، وهو فَعْيِلٌ مِن قامَ، كَسَيِّدٍ مِن سادَ، وهو أبْلَغُ مِنَ المُسْتَقِيمِ بِاعْتِبارِ الزِّنَةِ، وإنْ كانَ هو أبْلَغَ مِنهُ بِاعْتِبارِ الصِّيغَةِ. ﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِدِينًا. ﴿حَنِيفًا﴾ حالٌ مِن إبْراهِيمَ؛ أيْ: مائِلًا عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِنَزاهَتِهِ ﷺ عَمّا عَلَيْهِ المُفَرِّقُونَ لِدِينِهِ مِن عَقْدٍ وعَمَلٍ؛ أيْ: ما كانَ مِنهم في أمْرٍ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ أصْلًا وفَرْعًا، صَرَّحَ بِذَلِكَ رَدًّا عَلى الَّذِينَ يَدَّعُونَ أنَّهم عَلى مِلَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أهْلِ مَكَّةَ، واليَهُودِ، والمُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمُ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ.

الأنعام 6:162

﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي﴾ أُعِيدَ الأمْرُ لِما أنَّ المَأْمُورَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ الشَّرائِعِ وما سَبَقَ بِأُصُولِها؛ أيْ: عِبادَتِي كُلُّها. وقِيلَ: وذَبْحِي جُمِعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾، وقِيلَ: صَلاتِي وحَجِّي. ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾؛ أيْ: وما أنا عَلَيْهِ في حَياتِي، وما أكُونُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَوْتِي مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، أوْ طاعاتِ الحَياةِ والخَيْراتِ المُضافَةِ إلى المَماتِ، كالوَصِيَّةِ والتَّدْبِيرِ. وقُرِئَ: ( مَحْيايْ ) بِسُكُونِ الياءِ إجْراءً لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ. ﴿لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾

الأنعام 6:163

﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ خالِصَةً لَهُ لا أُشْرِكُ فِيها غَيْرَهُ. ﴿وَبِذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الإخْلاصِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ؛ أيْ: بِذَلِكَ الإخْلاصِ. ﴿أُمِرْتُ﴾ لا بِشَيْءٍ غَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنا أوَّلُ المُسْلِمِينَ﴾ لِبَيانِ مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرَ بِهِ، وأنَّ ما أُمِرَ بِهِ لَيْسَ مِن خَصائِصِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلِ الكُلُّ مَأْمُورُونَ بِهِ ويَقْتَدِي بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَن أسْلَمَ مِنهم.

الأنعام 6:164

﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا﴾ آخَرَ فَأُشْرِكَهُ في العِبادَةِ. ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ؛ أيْ: والحالُ أنَّ كُلَّ ما سِواهُ مَرْبُوبٌ لَهُ مِثْلِي، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِي في المَعْبُودِيَّةِ. ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلا عَلَيْها﴾ كانُوا يَقُولُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾، إمّا بِمَعْنى: لِيُكْتَبْ عَلَيْنا ما عَمِلْتُمْ مِنَ الخَطايا لا عَلَيْكم، وإمّا بِمَعْنى: لِنَحْمِلْ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْكم مِنَ الخَطايا؛ فَهَذا رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الأوَّلِ؛ أيْ: لا تَكُونُ جِنايَةُ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ إلّا عَلَيْها، ومُحالٌ أنْ يَكُونَ صُدُورُها عَنْ شَخْصٍ وقَرارُها عَلى شَخْصٍ آخَرَ حَتّى يَتَأتّى ما ذَكَرْتُمْ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ رَدٌّ لَهُ بِالمَعْنى الثّانِي؛ أيْ: لا تَحْمِلُ يَوْمَئِذٍ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نَفْسٍ أُخْرى حَتّى يَصِحَّ قَوْلُكم. ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم مَرْجِعُكُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكُلِّ، لِتَأْكِيدِ الوَعْدِ وتَشْدِيدِ الوَعِيدِ؛ أيْ: إلى مالِكِ أُمُورِكم ورُجُوعِكم يَوْمَ القِيامَةِ. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ يَوْمَئِذٍ. ﴿بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ بِبَيانِ الرُّشْدِ مِنَ الغَيِّ، وتَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ.(p-208)

الأنعام 6:165

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾ حَيْثُ خَلَفْتُمُ الأُمَمَ السّالِفَةَ، أوْ يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا، أوْ جَعَلَكم خُلَفاءَ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ تَتَصَرَّفُونَ فِيها، عَلى أنَّ الخِطابَ عامٌّ. ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ﴾ في الشَّرَفِ والغِنى. ﴿فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ كَثِيرَةً مُتَفاوِتَةً. ﴿لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ مِنَ المالِ والجاهِ؛ أيْ: لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَبْتَلِيكم، لِيَنْظُرَ ماذا تَعْمَلُونَ مِنَ الشُّكْرِ وضِدِّهِ. ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ تَجْرِيدُ الخِطابِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ إضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ؛ لِإبْرازِ مَزِيدِ اللُّطْفِ بِهِ ﷺ . ﴿سَرِيعُ العِقابِ﴾؛ أيْ: عِقابُهُ سَرِيعُ الإتْيانِ لِمَن لَمْ يُراعِ حُقُوقَ ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى ولَمْ يَشْكُرْهُ؛ لِأنَّ كُلَّ آتٍ قَرِيبٌ، أوْ سَرِيعُ التَّمامِ عِنْدَ إرادَتِهِ، لِتَعالِيهِ عَنِ اسْتِعْمالِ المَبادِئِ والآلاتِ. ﴿وَإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن راعاها كَما يَنْبَغِي، وفي جَعْلِ خَبَرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الصِّفاتِ الذّاتِيَّةِ الوارِدَةِ عَلى بِناءِ المُبالَغَةِ مُؤَكَّدًا بِاللّامِ، مَعَ جَعْلِ خَبَرِ الأُولى صِفَةً جارِيَةً عَلى غَيْرِ مَن هي لَهُ، مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ تَعالى غَفُورٌ رَحِيمٌ بِالذّاتِ، مُبالِغٌ فِيهِما، فاعِلٌ لِلْعُقُوبَةِ بِالعَرَضِ، مُسامِحٌ فِيها، ما لا يَخْفى، واللَّهُ أعْلَمُ. عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: " «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الأنْعامِ جُمْلَةً واحِدَةً، يُشَيِّعُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، فَمَن قَرَأ الأنْعامَ صَلّى عَلَيْهِ واسْتَغْفَرَ لَهُ أُولَئِكَ السَّبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، بِعَدَدِ كُلِّ آيَةٍ مِن سُورَةِ الأنْعامِ يَوْمًا ولَيْلَةً» "، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

الأعراف 7:1

(p-209)سُورَةُ الأعْرافِ ( مَكِّيَّةٌ غَيْرَ ثَمانِي آياتٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿واسْألْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ نَتَقْنا الجَبَلَ﴾، وآيُها مِائَتانِ وسِتٌّ ) ﴿المص﴾ إمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وإمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ، فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: هَذا المص؛ أيْ: مُسَمًّى بِهِ، وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ مَعَ تَأْنِيثِ المُسَمّى، لِما أنَّ الإشارَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُسَمًّى بِالِاسْمِ المَذْكُورِ، لا مِن حَيْثُ أنَّهُ مُسَمًّى بِالسُّورَةِ، وإنَّما صَحَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِهِ، لِما أنَّهُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ بِصَدَدِ الذِّكْرِ، صارَ في حُكْمِ الحاضِرِ المُشاهَدِ.

الأعراف 7:2

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كِتابٌ﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وهو ما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْدِيدُ الحُرُوفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ، مُرادًا بِهِ: السُّورَةُ كِتابٌ ... إلَخْ، أوِ اسْمُ إشارَةٍ أُشِيرَ بِهِ إلَيْهِ تَنْزِيلًا، لِحُضُورِ المُؤَلَّفِ مِنهُ مَنزِلَةَ حُضُورِ نَفْسِ المُؤَلِّفِ؛ أيْ: هَذا كِتابٌ ... إلَخْ. وَعَلى الوَجْهِ الثّانِي: خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، جِيءَ بِهِ إثْرَ بَيانِ كَوْنِهِ مُتَرْجَمًا باسِمٍ بَدِيعٍ، مُنْبِئٍ عَنْ غَرابَتِهِ في نَفْسِهِ إبانَةً لِجَلالَةِ مَحَلِّهِ، بِبَيانِ كَوْنِهِ فَرْدًا مِن أفْرادِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ حائِزًا لِلْكَمالاتِ المُخْتَصَّةِ بِها. وَقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ خَبَرًا، والمص مُبْتَدَأٌ؛ أيِ: المُسَمّى المص: كِتابٌ، وقَدْ عَرَفْتَ ما فِيهِ مِن أنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ عِنْدَ المُخاطَبِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلُ، فَحَقُّها الإخْبارُ بِها. ﴿أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِن جِهَتِهِ تَعالى، بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ جَرْيًا عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، وإيذانًا بِالِاسْتِغْناءِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالفاعِلِ لِغايَةِ ظُهُورِ تَعَيُّنِهِ، وهو السِّرُّ في تَرْكِ ذِكْرِ مَبْدَأِ الإنْزالِ، كَما في قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ونَظائِرِهِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لِكِتابٍ، مُشَرِّفَةٌ لَهُ ولِمَن أُنْزِلَ إلَيْهِ، وجَعْلُهُ خَبَرًا لَهُ عَلى مَعْنى: كِتابٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ أُنْزِلَ إلَيْكَ، خِلافُ الأصْلِ. ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ﴾؛ أيْ: شَكٌّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾، خَلا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِما يُلازِمُهُ مِنَ الحَرَجِ، فَإنَّ الشّاكَّ يَعْتَرِيهِ ضِيقُ الصَّدْرِ، كَما أنَّ المُتَيَقِّنَ يَعْتَرِيهِ انْشِراحُهُ وانْفِساحُهُ، مُبالَغَةً في تَنْزِيهِ ساحَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ نِسْبَةِ الشَّكِّ إلَيْهِ، ولَوْ في ضِمْنِ النَّهْيِ، فَإنَّهُ مِنَ الأحْوالِ القَلْبِيَّةِ الَّتِي يَسْتَحِيلُ اعْتِراؤُها إيّاهُ ﷺ . وَما قَدْ يَقَعُ مِن نِسْبَتِهِ إلَيْهِ في ضِمْنِ النَّهْيِ، فَعَلى طَرِيقَةِ التَّهَيُّجِ والإلْهابِ، والمُبالَغَةِ في التَّنْفِيرِ والتَّحْذِيرِ، بِإيهامِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ القُبْحِ والشَّرِّيَّةِ، بِحَيْثُ يُنْهى عَنْهُ مَن لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْهُ (p-210)أصْلًا، فَكَيْفَ بِمَن يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ، والتَّنْوِينُ لِلتَّحْقِيرِ. والجارُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِحَرَجٌ، يُقالُ: حَرِجَ مِنهُ؛ أيْ: ضاقَ بِهِ صَدْرُهُ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: حَرَجٌ كائِنٌ مِنهُ؛ أيْ: لا يَكُنْ فِيكَ شَكٌّ ما في حَقِّيَّتِهِ، أوْ في كَوْنِهِ كِتابًا مُنَزَّلًا إلَيْكَ مِن عِنْدِهِ تَعالى. فالفاءُ عَلى الأوَّلِ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ، أوِ الِانْتِهاءِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ انْتِفاءَ الشَّكِّ فِيما ذُكِّرَ بِالكُلِّيَّةِ، وحُصُولَ اليَقِينِ بِهِ قَطْعًا. وَأمّا عَلى الثّانِي فَهي لِتَرْتِيبِ ما ذُكِرَ عَلى الإخْبارِ بِذَلِكَ لا عَلى نَفْسِهِ؛ فَتَدَبَّرْ، وتَوْجِيهِ النَّهْيِ إلى الحَرَجِ، مَعَ أنَّ المُرادَ: نَهْيُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْهُ، إمّا لِما مَرَّ مِنَ المُبالَغَةِ في تَنْزِيهِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الشَّكِّ فِيما ذُكِرَ، فَإنَّ النَّهْيَ عَنِ الشَّيْءِ مِمّا يُوهِمُ إمْكانَ صُدُورِ المَنهِيِّ عَنْهُ عَنِ المَنهِيِّ، وإمّا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، فَإنَّ وُقُوعَ الشَّكِّ في صَدْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سَبَبٌ لِاتِّصافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِ. والنَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ نَهْيٌ عَنِ المُسَبَّبِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ونَفْيٌ لَهُ مِن أصْلِهِ بِالمَرَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ ...﴾ الآيَةَ، ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ لا أرَيْنَكَ هَهُنا، فَإنَّ النَّهْيَ هُناكَ وارِدٌ عَلى المُسَبَّبِ، مُرادًا بِهِ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، فَيَكُونُ المَآلُ نَهْيَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ تَعاطِي ما يُورِثُ الحَرَجَ؛ فَتَأمَّلْ. وَقِيلَ: الحَرَجُ عَلى حَقِيقَتِهِ؛ أيْ: لا يَكُنْ فِيكَ ضِيقُ صَدْرٍ مِن تَبْلِيغِهِ؛ مَخافَةَ أنْ يُكَذِّبُوكَ، وأنْ تُقَصِّرَ في القِيامِ بِحَقِّهِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَخافُ تَكْذِيبَ قَوْمِهِ لَهُ وإعْراضَهم عَنْهُ، فَكانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنَ الأداءِ ولا يَنْبَسِطُ لَهُ، فَآمَنَهُ اللَّهُ تَعالى ونَهاهُ عَنِ المُبالاةِ؛ فالفاءُ حِينَئِذٍ لِلتَّرْتِيبِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، أوْ عَلى الإخْبارِ بِهِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما مُوجِبٌ لِلْإقْدامِ عَلى التَّبْلِيغِ وزَوالِ الخَوْفِ قَطْعًا، وإنْ كانَ إيجابُهُ الثّانِي بِواسِطَةِ الأوَّلِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالكِتابِ المُنَزَّلِ، مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ، وتَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ، وحَتْمًا لِتَوَهُّمِ أنَّ مَوْرِدَ الشَّكِّ هو الإنْزالُ لِلْإنْذارِ. وَقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِالنَّهْيِ، فَإنَّ انْتِفاءَ الشَّكِّ في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِهِ تَعالى مُوجِبٌ لِلْإنْذارِ بِهِ قَطْعًا، وكَذا انْتِفاءُ الخَوْفِ مِنهم، أوِ العِلْمُ بِأنَّهُ مُوَفَّقٌ لِلْقِيامِ بِحَقِّهِ مُوجِبٌ لِلتَّجاسُرِ عَلى ذَلِكَ. وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا يَتَأتّى التَّفْسِيرُ الأوَّلُ؛ لِأنَّ تَعْلِيلَ النَّهْيِ عَنِ الشَّكِّ بِما ذُكِرَ مِنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ مَعَ إيهامِهِ لِإمْكانِ صُدُورِهِ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، مُشْعِرٌ بِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ لَيْسَ مَحْذُورًا لِذاتِهِ، بَلْ لِإفْضائِهِ إلى فَواتِ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ، لا أقَلَّ مِنَ الإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ مُعْظَمُ غائِلَتِهِ، ولا رَيْبَ في فَسادِهِ. وَأمّا عَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي؛ فَإنَّما يَتَأتّى التَّعْلِيلُ بِالإنْذارِ لا بِتَذْكِيرِ المُؤْمِنِينَ؛ إذْ لَيْسَ فِيهِ شائِبَةُ خَوْفٍ حَتّى يُجْعَلَ غايَةً لِانْتِفائِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِإضْمارِ فِعْلِهِ، مَعْطُوفًا عَلى تُنْذِرَ؛ أيْ: وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ تَذْكِيرًا، أوِ الجَرِّ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ أنْ تُنْذِرَ؛ أيْ: لِلْإنْذارِ والتَّذْكِيرِ. وَقِيلَ: مَرْفُوعٌ عَطْفًا عَلى كِتابٌ، أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وتَخْصِيصُ التَّذْكِيرِ بِالمُؤْمِنِينَ لِلْإيذانِ بِاخْتِصاصِ الإنْذارِ بِالكَفَرَةِ؛ أيْ: لِتُنْذِرَ بِهِ المُشْرِكِينَ وتُذَكِّرَ المُؤْمِنِينَ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ لِأنَّهُ أهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ.

الأعراف 7:3

﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ خُوطِبَ بِهِ كافَّةُ المُكَلَّفِينَ بِطَرِيقِ التَّلْوِينِ، وأُمِرُوا بِاتِّباعِ ما أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَهُ بِتَبْلِيغِهِ بِطَرِيقِ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ، وجَعْلُهُ مُنَزَّلًا إلَيْهِمْ بِواسِطَةِ إنْزالِهِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، إثْرَ ذِكْرِ ما يُصَحِّحُهُ مِنَ الإنْذارِ والتَّذْكِيرِ لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ اتِّباعِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: (p-211)﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأُنْزِلَ، عَلى أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الصِّلَةِ، وفي التَّعَرُّضِ لِوَصْفِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ مَزِيدُ لُطْفٍ بِهِمْ، وتَرْغِيبٌ لَهم في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، وتَأْكِيدٌ لِوُجُوبِهِ. وَجَعْلُ ما أُنْزِلَ هَهُنا عامًّا لِلسُّنَّةِ القَوْلِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ بَعِيدٌ، نَعَمْ يَعُمُّهُما حُكْمُهُ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ لا بِطَرِيقِ العِبارَةِ. وَلَمّا كانَ اتِّباعُ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى اتِّباعًا لَهُ تَعالى، عُقِّبَ الأمْرُ بِذَلِكَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ تَعالى؛ فَقِيلَ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: مِن دُونِ رَبِّكُمُ الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكم ما يَهْدِيكم إلى الحَقِّ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فافْعَلْ فِعْلَ النَّهْيِ؛ أيْ: لا تَتَّبِعُوا مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى. ﴿أوْلِياءَ﴾ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ بِأنْ تَقْبَلُوا مِنهم ما يُلْقُونَهُ إلَيْكم بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ مِنَ الأباطِيلِ، لِيُضِلُّوكم عَنِ الحَقِّ ويَحْمِلُوكم عَلى البِدَعِ والأهْواءِ الزّائِغَةِ. أوْ مِن أوْلِياءَ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً؛ إذْ لَوْ أُخِّرَ عَنْهُ لَكانَ صِفَةً لَهُ؛ أيْ: أوْلِياءَ كائِنَةً غَيْرَهُ تَعالى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْمَوْصُولِ عَلى حَذْفِ المُضافِ في أوْلِياءَ؛ أيْ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ ما أُنْزِلَ أباطِيلَ أوْلِياءَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِ دِينِ رَبِّكم دِينَ أوْلِياءَ، وقُرِئَ: ( ولا تَبْتَغُوا )، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ . وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِها عَلى إدْغامِ التّاءِ المَهْمُوسَةِ في الذّالِ المَجْهُورَةِ، وقُرِئَ: ( يَتَذَكَّرُونَ ) عَلى صِيغَةِ الغَيْبَةِ. وَ" قَلِيلًا " نَصْبٌ إمّا بِما بَعْدَهُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مُقَدَّمٍ لِلْقَصْرِ، أوْ لِزَمانٍ كَذَلِكَ مَحْذُوفٍ، و" ما " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ القِلَّةِ؛ أيْ: تَذَكُّرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ لا كَثِيرًا، حَيْثُ لا تَتَأثَّرُونَ بِذَلِكَ، ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجَبِهِ، وتَتْرُكُونَ دِينَ اللَّهِ تَعالى، وتَتَّبِعُونَ غَيْرَهُ. وَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالقِلَّةِ: العَدَمُ، كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مَسُوقٌ لِتَقْبِيحِ حالِ المُخاطَبِينَ، والِالتِفاتُ عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ لِلْإيذانِ بِاقْتِضاءِ سُوءِ حالِهِمْ في عَدَمِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ صَرْفَ الخِطابِ عَنْهم، وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُبالَغَةِ، وإمّا نَصْبٌ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ " لا تَتَّبِعُوا "، و" ما " مَصْدَرِيَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ بِهِ؛ أيْ: لا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا تَذَكُّرُكم، لَكِنْ لا عَلى تَوْجِيهِ النَّهْيِ إلى المُقَيَّدِ فَقَطْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾، بَلْ إلى المُقَيَّدِ والقَيْدِ جَمِيعًا، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ بِجَمْعِهِمْ بَيْنَ المُنْكِرِينَ.

الأعراف 7:4

﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ شُرُوعٌ في إنْذارِهِمْ بِما جَرى عَلى الأُمَمِ الماضِيَةِ؛ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنِ اتِّباعِ اللَّهِ تَعالى، وإصْرارِهِمْ عَلى اتِّباعِ دِينِ أوْلِيائِهِمْ، و" كَمْ " خَبَرِيَّةٌ لِلتَّكْثِيرِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ، والخَبَرُ هو الجُمْلَةُ بَعْدَها. وَ" مِن قَرْيَةٍ " تَمْيِيزٌ، والضَّمِيرُ في " أهْلَكْناها " راجِعٌ إلى مَعْنى " كَمْ "؛ أيْ: كَثِيرٌ مِنَ القُرى أهْلَكْناها، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأهْلَكْناها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، والمُرادُ بِإهْلاكِها: إرادَةُ إهْلاكِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾؛ أيْ: أرَدْنا إهْلاكَها. ﴿فَجاءَها﴾؛ أيْ: فَجاءَ أهْلَها. ﴿بَأْسُنا﴾؛ أيْ: عَذابُنا. ﴿بَياتًا﴾ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ؛ أيْ: بائِتِينَ كَقَوْمِ لُوطٍ. ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: أوْ قائِلِينَ: مِنَ القَيْلُولَةِ: نِصْفَ النَّهارِ، كَقَوْمِ شُعَيْبٍ، وإنَّما حُذِفَتِ الواوُ مِنَ الحالِ المَعْطُوفَةِ عَلى أُخْتِها؛ اسْتِثْقالًا لِاجْتِماعِ العاطِفَيْنِ، فَإنَّ واوَ الحالِ حَرْفُ عَطْفٍ قَدِ اسْتُعِيرَتْ لِلْوَصْلِ لا اكْتِفاءً بِالضَّمِيرِ، كَما في: جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ؛ (p-212)فَإنَّهُ غَيْرُ فَصِيحٍ، وتَخْصِيصُ الحالَتَيْنِ بِالعَذابِ لِما أنَّ نُزُولَ المَكْرُوهِ عِنْدَ الغَفْلَةِ والدَّعَةِ أفْظَعُ، وحِكايَتَهُ لِلسّامِعِينَ أزْجَرُ وأرْدَعُ، عَنْ الِاغْتِرارِ بِأسْبابِ الأمْنِ والرّاحَةِ، ووَصْفُ الكُلِّ بِوَصْفَيِ البَياتِ والقَيْلُولَةِ، مَعَ أنَّ بَعْضَ المُهْلَكِينَ بِمَعْزِلٍ مِنهُما لا سِيَّما القَيْلُولَةُ؛ لِلْإيذانِ بِكَمالِ غَفْلَتِهِمْ وأمْنِهِمْ.

الأعراف 7:5

﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ﴾؛ أيْ: دُعاؤُهم واسْتِغاثَتُهم رَبَّهم، أوْ ما كانُوا يَدَّعُونَهُ مِن دِينِهِمْ ويَنْتَحِلُونَهُ مِن مَذْهَبِهِمْ. ﴿إذْ جاءَهم بَأْسُنا﴾ عَذابُنا وعايَنُوا أمارَتَهُ. ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ جَمِيعًا. ﴿إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾؛ أيْ: إلّا اعْتِرافَهم بِظُلْمِهِمْ فِيما كانُوا عَلَيْهِ، وشَهادَتَهم بِبُطْلانِهِ تَحَسُّرًا عَلَيْهِ ونَدامَةً، وطَمَعًا في الخَلاصِ، وهَيْهاتَ ولاتَ حِينَ نَجاةٍ.

الأعراف 7:6

﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ بَيانٌ لِعَذابِهِمُ الأُخْرَوِيِّ إثْرَ بَيانِ عَذابِهِمُ الدُّنْيَوِيِّ، خَلا أنَّهُ قَدْ تَعَرَّضَ لِبَيانِ مَبادِئِ أحْوالِ المُكَلَّفِينَ جَمِيعًا، لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّهْوِيلِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأحْوالِ الأُخْرَوِيَّةِ عَلى الدُّنْيَوِيَّةِ ذِكْرًا حَسَبَ تَرَتُّبِها عَلَيْها وُجُودًا؛ أيْ: لَنَسْألَنَّ الأُمَمَ قاطِبَةً قائِلِينَ: ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ ؟ ﴿وَلَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ عَمّا أُجِيبُوا، قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾، والمُرادُ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ الكَفَرَةِ وتَقْرِيعُهم، والَّذِي نُفِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ سُؤالُ الِاسْتِعْلامِ، أوِ الأوَّلُ في مَوْقِفِ الحِسابِ، والثّانِي في مَوْقِفِ العِقابِ.

الأعراف 7:7

﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى الرُّسُلِ حِينَ يَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾، أوْ عَلَيْهِمْ وعَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ جَمِيعًا ما كانُوا عَلَيْهِ. ﴿بِعِلْمٍ﴾؛ أيْ: عالِمِينَ بِظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ، أوْ بِمَعْلُومِنا مِنهم. ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عَنْهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَيَخْفى عَلَيْنا شَيْءٌ مِن أعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَها.

الأعراف 7:8

﴿والوَزْنُ﴾؛ أيْ: وزْنُ الأعْمالِ، والتَّمْيِيزُ بَيْنَ راجِحِها وخَفِيفِها، وجَيِّدِها ورَدِيئِها، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ خَبَرُهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ﴾ صِفَتُهُ؛ أيْ: والوَزْنُ الحَقُّ ثابِتٌ يَوْمَ إذْ يَكُونُ السُّؤالُ والقَصُّ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما ذَلِكَ الوَزْنُ ؟ فَقِيلَ: الحَقُّ؛ أيِ: العَدْلُ السَّوِيُّ. وَقُرِئَ: ( القِسْطُ )، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ الوَزْنِ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّ صَحائِفَ الأعْمالِ هي الَّتِي تُوزَنُ بِمِيزانٍ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ يَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ، إظْهارًا لِلْمُعادَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ، كَما يَسْألُهم عَنْ أعْمالِهِمْ فَتَعْتَرِفُ بِها ألْسِنَتُهم وجَوارِحُهم، ويَشْهَدُ عَلَيْهِمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ والأشْهادُ، وكَما يُثْبَتُ في صَحائِفِهِمْ فَيَقْرَءُونَها في مَوْقِفِ الحِسابِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رُوِيَ أنَّ الرَّجُلَ يُؤْتى بِهِ إلى المِيزانِ، فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سِجِلًّا مَدَّ البَصَرِ، فَيُخْرَجُ لَهُ بِطاقَةٌ فِيها كَلِمَتا الشَّهادَةِ، فَتُوضَعُ السِّجِلّاتُ في كِفَّةٍ والبِطاقَةُ في كِفَّةٍ، فَتَطِيشُ السِّجِلّاتُ وتَثْقُلُ البِطاقَةُ. وَقِيلَ: يُوزَنُ الأشْخاصُ، لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «أنَّهُ لَيَأْتِي العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ» " . وَقِيلَ: (p-213)الوَزْنُ: عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والأعْمَشُ، والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ؛ بِناءً عَلى أنَّ اسْتِعْمالَ لَفْظِ الوَزْنِ في هَذا المَعْنى شائِعٌ في اللُّغَةِ والعُرْفِ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، قالُوا: إنَّ المِيزانَ إنَّما يُرادُ بِهِ: التَّوَصُّلُ إلى مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الشَّيْءِ، ومَقادِيرُ أعْمالِ العِبادِ لا يُمْكِنُ إظْهارُها بِذَلِكَ؛ لِأنَّها أعْراضٌ قَدْ فَنِيَتْ، وعَلى تَقْدِيرِ بَقائِها لا تَقْبَلُ الوَزْنَ. وَقِيلَ: إنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُوَرٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ، حَتّى أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَتَجَسَّمُ هُناكَ، وتَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ النّارِ، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾، وكَذا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن يَشْرَبُ مِن إناءِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ: " «إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ» "، ولا بُعْدَ في ذَلِكَ، ألا يُرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى سُورَةِ اللَّبَنِ، كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِأحْوالِ الحَضِراتِ الخَمْسِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُ يُؤْتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى صُوَرٍ حَسَنَةٍ، وبِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى صُوَرٍ قَبِيحَةٍ، فَتُوضَعُ في المِيزانِ، إنْ قِيلَ: إنَّ المُكَلَّفَ يَوْمَ القِيامَةِ إمّا مُؤْمِنٌ بِأنَّهُ تَعالى حَكِيمٌ مُنَزَّهٌ عَنِ الجَوْرِ. فَيَكْفِيهِ حُكْمُهُ تَعالى بِكَيْفِيّاتِ الأعْمالِ وكَمِّيّاتِها، وإمّا مُنْكِرٌ لَهُ فَلا يُسَلِّمُ حِينَئِذٍ أنَّ رُجْحانَ بَعْضِ الأعْمالِ عَلى بَعْضٍ، لِخُصُوصِيّاتٍ راجِعَةٍ إلى ذَواتِ تِلْكَ الأعْمالِ، بَلْ يُسْنِدُهُ إلى إظْهارِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ، فَما الفائِدَةُ في الوَزْنِ ؟ أُجِيبَ بِأنَّهُ يَنْكَشِفُ الحالُ يَوْمَئِذٍ، وتَظْهَرُ جَمِيعُ الأشْياءِ بِحَقائِقِها عَلى ما هي عَلَيْهِ، وبِأوْصافِها وأحْوالِها في أنْفُسِها مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وتَنْخَلِعُ عَنِ الصُّوَرِ المُسْتَعارَةِ الَّتِي بِها ظَهَرَتْ في الدُّنْيا، فَلا يَبْقى لِأحَدٍ مِمَّنْ يُشاهِدُها شُبْهَةٌ في أنَّها هي الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا بِعَيْنِها، وإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنها قَدْ ظَهَرَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ المُسْتَتْبِعَةِ لِصِفاتِهِ، ولا يَخْطُرُ بِبالِهِ خِلافُ ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ تَفْصِيلٌ لِلْأحْكامِ المُتَرَتِّبَةِ عَلى الوَزْنِ، والمَوازِينُ إمّا جَمْعُ مِيزانٍ أوْ جَمْعُ مَوْزُونٍ، عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ: ما لَهُ وزْنٌ وقَدْرٌ، وهو الحَسَناتُ، فَإنَّ رُجْحانَ أحَدِهِما مُسْتَلْزِمٍ لِرُجْحانِ الآخَرِ؛ أيْ: فَمَن رَجَحَتْ مَوازِينُهُ الَّتِي تُوزَنُ بِها حَسَناتُهُ، أوْ أعْمالُهُ الَّتِي لَها قَدْرٌ وزِنَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: وحُقَّ لِمِيزانٍ تُوضَعُ فِيهِ الحَسَناتُ أنْ يَثْقُلَ، وحُقَّ لِمِيزانٍ تُوضَعُ فِيهِ السَّيِّئاتُ أنْ يَخِفَّ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِثِقَلِ المِيزانِ، والجَمْعِيَّةُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ جَمْعَ المَوازِينِ لِذَلِكَ، وأمّا ضَمِيرُ مَوازِينِهِ فَراجِعٌ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ. ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِالنَّجاةِ والثَّوابِ، و" هم " إمّا ضَمِيرُ فَصْلٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الخَبَرِ والصِّفَةِ، ويُؤَكِّدُ النِّسْبَةَ ويُفِيدُ اخْتِصاصَ المُسْنَدِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المُفْلِحُونَ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ، وتَعْرِيفُ المُفْلِحُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ النّاسُ الَّذِينَ بَلَغَكَ أنَّهم مُفْلِحُونَ في الآخِرَةِ، أوْ إشارَةٌ إلى ما يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ مِن حَقِيقَةِ المُفْلِحِينَ وخَصائِصِهِمْ.

الأعراف 7:9

﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾؛ أيْ: مَوازِينُ أعْمالِهِ، أوْ أعْمالُهُ الَّتِي لا وزْنَ لَها، ولا اعْتِدادَ بِها وهي أعْمالُهُ السَّيِّئَةُ. ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِتِلْكَ الصِّفَةِ القَبِيحَةِ، والجَمْعِيَّةُ ومَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ آنِفًا في نَظِيرِهِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (p-214)﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾؛ أيْ: ضَيَّعُوا الفِطْرَةَ السَّلِيمَةَ الَّتِي فُطِرُوا عَلَيْها، وقَدْ أُيِّدَتْ بِالآياتِ البَيِّنَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَسِرَ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، وبِآياتِنا مُتَعَلِّقٌ بِيَظْلِمُونَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى التَّكْذِيبِ، قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الظُّلْمِ في الدُّنْيا؛ أيْ: فَأُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِخِفَّةِ المَوازِينِ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم؛ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ المُسْتَمِرِّ بِآياتِنا ظالِمِينَ.

الأعراف 7:10

﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ﴾ لَمّا أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أهْلَ مَكَّةَ بِاتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ، ونَهاهم عَنِ اتِّباعِ غَيْرِهِ، وبَيَّنَ لَهم وخامَةَ عاقِبَتِهِ بِالإهْلاكِ في الدُّنْيا، والعَذابِ المُخَلَّدِ في الآخِرَةِ، ذَكَّرَهم ما أفاضَ عَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ؛ تَرْغِيبًا في الِامْتِثالِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ إثْرَ تَرْهِيبٍ؛ أيْ: جَعَلْنا لَكم فِيها مَكانًا وقَرارًا، أوْ مَلَّكْناكم فِيها وأقْدَرْناكم عَلى التَّصَرُّفِ فِيها. ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ المَعايِشُ جَمْعُ مَعِيشَةٍ، وهي ما يُعاشُ بِهِ مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ وغَيْرِها، أوْ ما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى ذَلِكَ، والوَجْهُ في قِراءَتِهِ إخْلاصُ الياءِ، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ: أنَّهُ هَمْزَةٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِصَحائِفَ ومَدائِنَ. والجَعْلُ بِمَعْنى: الإنْشاءِ والإبْداعِ؛ أيْ: أنْشَأْنا وأبْدَعْنا لِمَصالِحِكم ومَنافِعِكم فِيها أسْبابًا تَعِيشُونَ بِها، وكُلُّ واحِدٍ مِنَ الظَّرْفَيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ المُنَكَّرِ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، وتَقْدِيمُهُما عَلى المَفْعُولِ مَعَ أنَّ حَقَّهُما التَّأْخِيرُ عَنْهُ، لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ المُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ، لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُنْبِئًا عَنْ مَنفَعَةٍ لِلسّامِعِ، تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِ المُؤَخَّرِ، فَيَتَمَكَّنُ فِيها عِنْدَ الوُرُودِ فَضْلَ تَمَكُّنٍ. وَأمّا تَقْدِيمُ اللّامِ عَلى " في "، فَلِما أنَّهُ المُنْبِئُ عَمّا ذُكِرَ مِنَ المَنفَعَةِ، فالِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ أتَمُّ، والمُسارَعَةُ إلى ذِكْرِهِ أهَمُّ. هَذا وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجَعْلَ مُتَعَدٍّ إلى مَفْعُولَيْنِ، ثانِيهِما أحَدُ الظَّرْفَيْنِ عَلى أنَّهُ مُسْتَقِرٌّ قُدِّمَ عَلى الأوَّلِ، والظَّرْفُ الآخَرُ إمّا لَغْوٌ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ، أوْ بِالمَحْذُوفِ الواقِعِ حالًا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ كَما مَرَّ. وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لا فائِدَةَ مُعْتَدٌّ بِها في الإخْبارِ بِجَعْلِ المَعايِشِ حاصِلَةً لَهم، أوْ حاصِلَةً في الأرْضِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾؛ أيْ: تِلْكَ النِّعْمَةَ، تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ سُوءِ حالِ المُخاطَبِينَ وتَحْذِيرِهِمْ، وبَقِيَّةُ الكَلامِ فِيهِ عَيْنُ ما مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾ .

الأعراف 7:11

﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لِنِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ فائِضَةٍ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، سارِيَةٍ إلى ذُرِّيَّتِهِ مُوجِبَةٍ لِشُكْرِهِمْ، وتَأْخِيرُهُ عَنْ تَذْكِيرِ ما وقَعَ قَبْلَهُ مِن نِعْمَةِ التَّمْكِينِ في الأرْضِ، إمّا لِأنَّها فائِضَةٌ عَلى المُخاطَبِينَ بِالذّاتِ وهَذِهِ بِالواسِطَةِ، وإمّا لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنها نِعْمَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ عَلى حِيالِها، فَإنَّ رِعايَةَ التَّرْتِيبِ الوُقُوعِيِّ رُبَّما تُؤَدِّي إلى تَوَهُّمِ عَدِّ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً، كَما ذُكِرَ في قِصَّةِ البَقَرَةِ. وَتَصْدِيرُ الجُمْلَتَيْنِ بِالقَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِما، وإنَّما نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ، مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِما: خَلْقُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَصْوِيرُهُ حَتْمًا، تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِ الشُّكْرِ عَلَيْهِمْ (p-215)بِالرَّمْزِ إلى أنَّ لَهم حَظًّا مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وتَصْوِيرِهِ لِما أنَّهُما لَيْسا مِنَ الخَصائِصِ المَقْصُورَةِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، بَلْ مِنَ الأُمُورِ السّارِيَةِ إلى ذُرِّيَّتِهِ جَمِيعًا؛ إذِ الكُلُّ مَخْلُوقٌ في ضِمْنِ خَلْقِهِ عَلى نَمَطِهِ، ومَصْنُوعٌ عَلى شاكِلَتِهِ، فَكَأنَّهُمُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ خَلْقُهُ وتَصْوِيرُهُ؛ أيْ: خَلَقْنا أباكم آدَمَ طِينًا غَيْرَ مُصَوَّرٍ، ثُمَّ صَوَّرْناهُ أبْدَعَ تَصْوِيرٍ وأحْسَنَ تَقْوِيمٍ سارَ إلَيْكم جَمِيعًا. ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ صَرِيحٌ في أنَّهُ ورَدَ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وتَسْوِيَتِهِ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أمْرٌ مُنْجَزٌ، غَيْرُ الأمْرِ المُعَلَّقِ الوارِدِ قَبْلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾، وهو المُرادُ بِما حُكِيَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ...﴾ الآيَةَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طَهَ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِوَقْتِهِ. وَكَلِمَةُ " ثُمَّ " هَهُنا تَقْتَضِي تَراخِيَهُ عَنِ التَّصْوِيرِ، مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ بَيَّنّا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ ذَلِكَ ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ المُحاوَرَةِ المَسْبُوقَةِ بِالإخْبارِ بِاسْتِخْلافِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . فَإنَّ ذَلِكَ أيْضًا مِن جُمْلَةِ ما نِيطَ بِهِ الأمْرُ المُعَلَّقُ مِنَ التَّسْوِيَةِ ونَفْخِ الرُّوحِ، وعَدَمُ ذِكْرِهِ عِنْدَ الحِكايَةِ لا يَقْتَضِي عَدَمَ ذِكْرِهِ عِنْدَ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، كَما أنَّ عَدَمَ ذِكْرِ الأمْرِ المُعَلَّقِ عِنْدَ حِكايَةِ الأمْرِ المُنْجَزِ لا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ مَسْبُوقِيَّتِهِ بِهِ، فَإنَّ حِكايَةَ كَلامٍ واحِدٍ عَلى أسالِيبَ مُخْتَلِفَةٍ يَقْتَضِيها، لَيْسَتْ بِعَزِيزَةٍ في الكَلامِ العَزِيزِ، فَلَعَلَّهُ قَدْ ألْقى إلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أوَّلًا جَمِيعَ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الأمْرُ المُنْجَزُ إجْمالًا بِأنْ قِيلَ مَثَلًا: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ، وجاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً في الأرْضِ، فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي، وتَبَيَّنَ لَكم فَضْلُهُ، فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ؛ فَخَلَقَهُ فَسَوّاهُ، فَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَقالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ما قالُوا، أوْ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ خَبَرُ الخِلافَةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الشَّرائِطِ المَذْكُورَةِ بِأنْ قِيلَ إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ: إنِّي جاعِلٌ هَذا خَلِيفَةً في الأرْضِ، فَهُنالِكَ ذَكَرُوا في حَقِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ما ذَكَرُوا، فَأيَّدَهُ اللَّهُ تَعالى بِتَعْلِيمِ الأسْماءِ، فَشاهَدُوا مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاهَدُوا، فَعِنْدَ ذَلِكَ ورَدَ الأمْرُ المُنْجَزُ اعْتِناءً بِشَأْنِ المَأْمُورِ بِهِ وإيذانًا بِوَقْتِهِ. وَقَدْ حُكِيَ بَعْضُ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ في بَعْضِ المَواطِنِ، وبَعْضُها في بَعْضِها، اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَمّا تُرِكَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، والَّذِي يَرْفَعُ غَشاوَةَ الِاشْتِباهِ عَنِ البَصائِرِ السَّلِيمَةِ، أنَّ ما في سُورَةِ ( ص ) مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ﴾ الآياتِ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ فِيما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾؛ أيْ: بِكَلامِهِمْ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ. وَلا رَيْبَ في أنَّ المُرادَ بِالمَلَأِ الأعْلى: المَلائِكَةُ وآدَمُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وإبْلِيسُ، حَسْبَما أطْبَقَ عَلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وبِاخْتِصامِهِمْ ما جَرى بَيْنَهم في شَأْنِ الخِلافَةِ مِنَ التَّقاوُلِ، الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما صَدَرَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الإنْباءِ بِالأسْماءِ. وَمِن قَضِيَّةِ البَدَلِيَّةِ وُقُوعُ الِاخْتِصامِ المَذْكُورِ في تَضاعِيفِ ما شُرِحَ فِيهِ مُفَصَّلًا مِنَ الأمْرِ المُعَلَّقِ، وما عُلِّقَ بِهِ مِنَ الخَلْقِ والتَّسْوِيَةِ، ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن سُجُودِ المَلائِكَةِ، وعِنادِ إبْلِيسَ ولَعْنِهِ، وإخْراجِهِ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ، وما جَرى بَعْدَهُ مِنَ الأفْعالِ والأقْوالِ، وإذْ لَيْسَ تَمامُ الِاخْتِصامِ بَعْدَ سُجُودِ المَلائِكَةِ، ومُكابَرَةِ إبْلِيسَ وطَرْدِهِ مِنَ البَيْنِ، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّهُ أحَدُ المُخْتَصَمِينَ، كَما أنَّهُ لَيْسَ قَبْلَ الخَلْقِ ضَرُورَةً؛ فَإذَنْ هو بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وقَبْلَ السُّجُودِ بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ. ﴿فَسَجَدُوا﴾؛ أيِ: المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعْدَ الأمْرِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ. ﴿إلا إبْلِيسَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ (p-216)لِما أنَّهُ كانَ جِنِّيًّا مُفْرَدًا، مَغْمُورًا بِأُلُوفٍ مِنَ المَلائِكَةِ، مُتَّصِفًا بِصِفاتِهِمْ، فَغَلَبُوا عَلَيْهِ فِيهِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ اسْتُثْنِيَ اسْتِثْناءَ واحِدٍ مِنهم، أوْ لِأنَّ مِنَ المَلائِكَةِ جِنْسًا يَتَوالَدُونَ يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ، كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾؛ أيْ: مِمَّنْ سَجَدَ لَآدَمَ، كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ عَدَمِ السُّجُودِ المَفْهُومِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّ عَدَمَ السُّجُودِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّأمُّلِ ثُمَّ يَقَعُ السُّجُودُ، وبِهِ عُلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقَعْ قَطُّ. وقِيلَ: مُنْقَطِعٌ؛ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِما بَعْدَهُ؛ أيْ: لَكِنَّ إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ.

الأعراف 7:12

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ عَدَمِ سُجُودِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ ؟ وبِهِ يَظْهَرُ وجْهُ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ؛ إذْ لا وجْهَ لِتَقْدِيرِ السُّؤالِ عَلى وجْهِ المُخاطَبَةِ، وفِيهِ فائِدَةٌ أُخْرى هي الإشْعارُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ المَحْكِيِّ بِالمُخاطَبِينَ، كَما في حِكايَةِ الخَلْقِ والتَّصْوِيرِ. ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾؛ أيْ: أنْ تَسْجُدَ كَما وقَعَ في سُورَةِ ( ص )، و" لا " مَزِيدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى الفِعْلِ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾، مُنَبِّهَةٌ عَلى أنَّ المُوَبَّخَ عَلَيْهِ تَرْكُ السُّجُودِ. وقِيلَ: المَمْنُوعُ عَنِ الشَّيْءِ مَصْرُوفٌ إلى خِلافِهِ، فالمَعْنى: ما صَرَفَكَ إلى أنْ لا تَسْجُدَ. ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ قِيلَ: فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ والفَوْرِ، وفي سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾، وفي سُورَةِ ( ص ): ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ . واخْتِلافُ العِباراتِ عِنْدَ الحِكايَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعِينَ قَدْ أدْمَجَ في مَعْصِيَةٍ واحِدَةٍ ثَلاثَ مَعاصٍ؛ مُخالَفَةَ الأمْرِ، ومُفارَقَةَ الجَماعَةِ، والإباءَ عَنْ الِانْتِظامِ في سِلْكِ أُولَئِكَ المُقَرَّبِينَ، والِاسْتِكْبارَ مَعَ تَحْقِيرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ وُبِّخَ حِينَئِذٍ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنها، لَكِنِ اقْتُصِرَ عِنْدَ الحِكايَةِ في كُلِّ مَوْطِنٍ عَلى ما ذُكِرَ فِيهِ؛ اكْتِفاءً بِما ذُكِرَ في مَوْطِنٍ آخَرَ، وإشْعارًا بِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها كافِيَةٌ في التَّوْبِيخِ، وإظْهارِ بُطْلانِ ما ارْتَكَبَهُ، وقَدْ تُرِكَتْ حِكايَةُ التَّوْبِيخِ رَأْسًا في سُورَةِ البَقَرَةِ، وسُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُورَةِ الكَهْفِ، وسُورَةِ طَهَ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ التَّوْبِيخِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾ مُتَجانِفًا عَنْ تَطْبِيقِ جَوابِهِ عَلى السُّؤالِ بِأنْ يَقُولَ: مَنَعَنِي كَذا، مُدَّعِيًا لِنَفْسِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ شَيْئًا بَيِّنَ الِاسْتِلْزامِ لِمَنعِهِ مِنَ السُّجُودِ عَلى زَعْمِهِ، ومُشْعِرًا بِأنَّ مَن شَأْنُهُ هَذا لا يَحْسُنُ أنْ يَسْجُدَ لِمَن دُونَهُ، فَكَيْفَ يَحْسُنُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في سُورَةِ الحِجْرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَمْ أكُنْ لأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ فَهو أوَّلُ مَن أسَّسَ بُنْيانَ التَّكَبُّرِ، واخْتَرَعَ القَوْلَ بِالحُسْنِ والقُبْحِ العَقْلِيَّيْنِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِما ادَّعاهُ مِن فَضْلِهِ عَلَيْهِ، ولَقَدْ أخْطَأ اللَّعِينُ، حَيْثُ خَصَّ الفَضْلَ بِما مِن جِهَةِ المادَّةِ والعُنْصُرِ، وزَلَّ عَنْهُ ما مِن جِهَةِ الفاعِلِ، كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ واسِطَةٍ عَلى وجْهِ الِاعْتِناءِ بِهِ، وما مِن جِهَةِ الصُّورَةِ كَما نُبِّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾، وما مِن جِهَةِ الغايَةِ وهو مِلاكُ الأمْرِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ المَلائِكَةُ بِالسُّجُودِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ظَهَرَ لَهم أنَّهُ أعْلَمُ مِنهم بِما يَدُورُ عَلَيْهِ أمْرُ الخِلافَةِ في الأرْضِ، وأنَّ لَهُ خَواصَّ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى الكَوْنِ والفَسادِ، وأنَّ الشَّياطِينَ أجْسامٌ كائِنَةٌ، ولَعَلَّ إضافَةَ خَلْقِ البَشَرِ إلى الطِّينِ، والشَّياطِينِ إلى النّارِ، بِاعْتِبارِ الجُزْءِ الغالِبِ.(p-217)

الأعراف 7:13

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما ظَهَرَ مِنَ اللَّعِينِ، مِن مُخالَفَةِ الأمْرِ، وتَعْلِيلِهِ بِالأباطِيلِ، وإصْرارِهِ عَلى ذَلِكَ؛ أيْ: فاهْبِطْ مِنَ الجَنَّةِ، والإضْمارُ قَبْلَ ذِكْرِها لِشُهْرَةِ كَوْنِهِ مِن سُكّانِها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانُوا في عَدْنٍ لا في جَنَّةِ الخُلْدِ. وقِيلَ: مِن زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُعَزَّزِينَ، فَإنَّ الخُرُوجَ مِن زُمْرَتِهِمْ هُبُوطٌ وأيُّ هُبُوطٍ، وفي سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فاخْرُجْ مِنها﴾ . وَأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ: الهُبُوطُ مِنَ السَّماءِ؛ فَيَرُدُّهُ أنَّ وسْوَسَتَهُ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَتْ بَعْدَ هَذا الطَّرْدِ، فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ قَطْعًا، وتَكُونُ وسْوَسَتُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ بِطَرِيقِ النِّداءِ مِن بابِ الجَنَّةِ، كَما رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما يَكُونُ لَكَ﴾؛ أيْ: فَما يَصِحُّ، ولا يَسْتَقِيمُ لَكَ، ولا يَلِيقُ بِشَأْنِكَ. ﴿أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾؛ أيْ: في الجَنَّةِ، أوْ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ؛ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ، فَإنَّ عَدَمَ صِحَّةِ أنْ يَتَكَبَّرَ فِيها عِلَّةٌ لِلْأمْرِ المَذْكُورِ، فَإنَّها مَكانُ المُطِيعِينَ الخاشِعِينَ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى جَوازِ التَّكَبُّرِ في غَيْرِها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ التَّكَبُّرَ لا يَلِيقُ بِأهْلِ الجَنَّةِ، وأنَّهُ تَعالى إنَّما طَرَدَهُ لِتَكَبُّرِهِ لا لِمُجَرَّدِ عِصْيانِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْرُجْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالهُبُوطِ مُتَفَرِّعٌ عَلى عِلَّتِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالخُرُوجِ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ لِتَكَبُّرِهِ؛ أيْ: مِنَ الأذِلّاءِ، وأهْلِ الهَوانِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وعَلى أوْلِيائِهِ لِتَكَبُّرِكَ. وَعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن تَواضَعَ لِلَّهِ رَفَعَ اللَّهُ حِكْمَتَهُ، وقالَ: انْتَعِشْ نَعَشَكَ اللَّهُ، ومَن تَكَبَّرَ وعَدا طَوْرَهُ وهَصَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ.

الأعراف 7:14

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّعِينُ بَعْدَ ما سَمِعَ هَذا الطَّرْدَ المُؤَكَّدَ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿أنْظِرْنِي﴾؛ أيْ: أمْهِلْنِي ولا تُمِتْنِي. ﴿إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾؛ أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ لِلْجَزاءِ بَعْدَ فَنائِهِمْ، وهو وقْتُ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، وأرادَ اللَّعِينُ بِذَلِكَ أنْ يَجِدَ فُسْحَةً مِن إغْوائِهِمْ، ويَأْخُذَ مِنهم ثَأْرَهُ، ويَنْجُوَ مِنَ المَوْتِ لِاسْتِحالَتِهِ بَعْدَ البَعْثِ.

الأعراف 7:15

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ. ﴿إنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ وُرُودُ الجَوابِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِشُمُولِ ما سَألَهُ الآخَرِينَ عَلى وجْهٍ يُشْعِرُ بِأنَّ السّائِلَ تَبَعٌ لَهم في ذَلِكَ، صَرِيحٌ في أنَّهُ إخْبارٌ بِالإنْظارِ المُقَدَّرِ لَهم أزَلًا، لا إنْشاءٌ لِإنْظارٍ خاصٍّ بِهِ إجابَةً لِدُعائِهِ، وأنَّ اسْتِنْظارَهُ كانَ طَلَبًا لِتَأْخِيرِ المَوْتِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ كَوْنُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ، لا لِتَأْخِيرِ العُقُوبَةِ كَما قِيلَ؛ أيْ: إنَّكَ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ أُخِّرَتْ آجالُهم أزَلًا حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ إلى وقْتِ فَناءٍ، غَيْرَ ما اسْتَثْناهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الخَلائِقِ، وهو النَّفْخَةُ الأُولى، إلى وقْتِ البَعْثِ الَّذِي هو المَسْؤُولُ. وَقَدْ تُرِكَ التَّوْقِيتُ لِلْإيجازِ ثِقَةً بِما وقَعَ في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ ص، كَما تُرِكَ ذِكْرُ النِّداءِ. والفاءُ في الِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ تَعْوِيلًا عَلى ما ذُكِرَ فِيهِما بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾، وفي إنْظارِهِ ابْتِلاءٌ لِلْعِبادِ وتَعْرِيضٌ لِلثَّوابِ. إنْ قُلْتَ: لا رَيْبَ في أنَّ الكَلامَ المَحْكِيَّ لَهُ عِنْدَ صُدُورِهِ عَنِ المُتَكَلِّمِ حالَةٌ (p-218)مَخْصُوصَةٌ تَقْتَضِي وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ خاصٍّ مِن وُجُوهِ النَّظْمِ، بِحَيْثُ لَوْ أُخِلَّ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ سَقَطَ الكَلامُ عَنْ رُتْبَةِ البَلاغَةِ البَتَّةَ، فالكَلامُ الواحِدُ المَحْكِيُّ عَلى وُجُوهٍ شَتّى إنِ اقْتَضى الحالُ وُرُودَهُ عَلى وجْهٍ مُعَيَّنٍ مِن تِلْكَ الوُجُوهِ الوارِدَةِ عِنْدَ الحِكايَةِ. فَذَلِكَ الوَجْهُ هو المُطابِقُ لِمُقْتَضى الحالِ، والبالِغُ إلى رُتْبَةِ البَلاغَةِ دُونَ ما عَداهُ مِنَ الوُجُوهِ إذا تَمَهَّدَ هَذا؛ فَنَقُولُ: لا يَخْفى أنَّ اسْتِنْظارَ اللَّعِينِ إنَّما صَدَرَ عَنْهُ مَرَّةً واحِدَةً لا غَيْرُ، فَمَقامُهُ إنِ اقْتَضى إظْهارَ الضَّراعَةِ، وتَرْتِيبَ الِاسْتِنْظارِ عَلى ما حاقَ بِهِ مِنَ اللَّعْنِ والطَّرْدِ عَلى نَهْجِ اسْتِدْعاءِ الجَبْرِ في مُقابَلَةِ الكَسْرِ، كَما هو المُتَبادِرُ مِن قَوْلِهِ: " رَبِّ فَأنْظِرْنِي "، حَسْبَما حُكِيَ عَنْهُ في السُّورَتَيْنِ، فَما حُكِيَ هَهُنا يَكُونُ بِمَعْزِلٍ مِنَ المُطابَقَةِ لِمُقْتَضى الحالِ، فَضْلًا عَنِ العُرُوجِ إلى مَعارِجِ الإعْجازِ، قُلْنا: مَقامُ اسْتِنْظارِهِ مُقْتَضٍ لِما ذُكِرَ مِن إظْهارِ الضَّراعَةِ، وتَرْتِيبِ الِاسْتِنْظارِ عَلى الحِرْمانِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالطَّرْدِ والرَّجْمِ، وكَذا مَقامُ الإنْظارِ مُقْتَضٍ لِتَرْتِيبِ الإخْبارِ بِالإنْظارِ عَلى الِاسْتِنْظارِ، وقَدْ طُبِّقَ الكَلامُ عَلَيْهِ في تَيْنِكَ السُّورَتَيْنِ، ووُفِّيَ كُلُّ واحِدٍ مِن مَقامَيِ الحِكايَةِ والمَحْكِيِّ جَمِيعًا حَظَّهُ. وَأمّا هَهُنا فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ مُجَرَّدَ الإخْبارِ بِالِاسْتِنْظارِ والإنْظارِ، سِيقَتِ الحِكايَةُ عَلى نَهْجِ الإيجازِ والِاخْتِصارِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ، لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عِنْدَ المُخاطَبَةِ والحِوارِ، إنْ قُلْتَ: فَإذَنْ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْلًا لِلْكَلامِ عَلى ما هو عَلَيْهِ، ولا مُطابِقًا لِمُقْتَضى المَقامِ؛ قُلْنا: الَّذِي يَجِبُ اعْتِبارُهُ في نَقْلِ الكَلامِ إنَّما هو أصْلُ مَعْناهُ، ونَفْسُ مَدْلُولِهِ الَّذِي يُفِيدُهُ، وأمّا كَيْفِيَّةُ إفادَتِهِ لَهُ فَلَيْسَ مِمّا يَجِبُ مُراعاتُهُ عِنْدَ النَّقْلِ البَتَّةَ، بَلْ قَدْ تُراعى وقَدْ لا تُراعى حَسَبَ اقْتِضاءِ المَقامِ. وَلا يَقْدَحُ في أصْلِ الكَلامِ تَجْرِيدُهُ عَنْها، بَلْ قَدْ يُراعى عِنْدَ نَقْلِهِ كَيْفِيّاتٌ وخُصُوصاتٌ لَمْ يُراعِها المُتَكَلِّمُ أصْلًا، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ المَنقُولِ أصْلَ المَعْنى، ألا يُرى أنَّ جَمِيعَ المَقالاتِ المَنقُولَةِ في القرآن الكَرِيمِ إنَّما تُحْكى بِكَيْفِيّاتٍ واعْتِباراتٍ لا يَكادُ يَقْدِرُ عَلى مُراعاتِها مَن تَكَلَّمَ بِها حَتْمًا، وإلّا لَأمْكَنَ صُدُورُ الكَلامِ المُعْجِزِ عَنِ البَشَرِ، فِيما إذا كانَ المَحْكِيُّ كَلامًا. وَأمّا عَدَمُ مُطابَقَتِهِ لِمُقْتَضى الحالِ، فَمَنشَؤُهُ الغَفْلَةُ عَمّا يَجِبُ تَوْفِيرُ مُقْتَضاهُ مِنَ الأحْوالِ، فَإنَّ مِلاكَ الأمْرِ هو مَقامُ الحِكايَةِ، وأمّا مَقامُ وُقُوعِ المَحْكِيِّ، فَإنْ كانَ مُقْتَضاهُ مُوافِقًا لِمُقْتَضى مَقامِ الحِكايَةِ، يُوَفّى كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَقامَيْنِ حَقَّهُ، كَما في سُورَةِ الحِجْرِ وسُورَةِ ص؛ فَإنَّ مَقامَ الحِكايَةِ فِيهِما لَمّا كانَ مُقْتَضِيًا لِبَسْطِ الكَلامِ وتَفْصِيلِهِ عَلى الكَيْفِيّاتِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها، رُوعِيَ حَقُّ المَقامَيْنِ مَعًا. وَأمّا في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، فَحَيْثُ اقْتَضى مَقامُ الحِكايَةِ الإيجازَ رُوعِيَ جانِبُهُ، ألا يُرى أنَّ المُخاطَبَ المُنْكِرَ إذا كانَ مِمَّنْ لا يَفْهَمُ إلّا أصْلَ المَعْنى، وجَبَ عَلى المُتَكَلِّمِ أنْ يُجَرِّدَ كَلامَهُ عَنِ التَّأْكِيدِ، وسائِرِ الخَواصِّ والمَزايا الَّتِي يَقْتَضِيها المَقامُ، ويُخاطِبَهُ بِما يُناسِبُهُ مِنَ الوُجُوهِ، لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَقْصِدَ مَعْنًى زائِدًا يَفْهَمُهُ سامِعٌ آخَرُ بَلِيغٌ، هو تَجْرِيدُهُ عَنِ الخَواصِّ رِعايَةً لِمُقْتَضى حالِ المُخاطَبِ في الفَهْمِ، وبِذَلِكَ يَرْتَقِي كَلامُهُ عَنْ رُتْبَةِ أصْواتِ الحَيَواناتِ كَما حُقِّقَ في مَقامِهِ، فَإذا وجَبَ مُراعاةُ مَقامِ الحِكايَةِ مَعَ إفْضائِها إلى تَجْرِيدِ الكَلامِ عَنِ الخَواصِّ والمَزايا بِالمَرَّةِ، فَما ظَنُّكَ بِوُجُوبِ مُراعاتِهِ مَعَ تَحْلِيَةِ الكَلامِ بِمَزايا أُخَرَ يَرْتَقِي بِها إلى رُتْبَةِ الإعْجازِ، لا سِيَّما إذا وفى حَقُّ مَقامِ المَحْكِيِّ في السُّورَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ، وكانَ هَذا الإيجازُ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ وثِقَةً بِهِ.

الأعراف 7:16

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَأمْثالِهِ. ﴿فَبِما أغْوَيْتَنِي﴾ الباءُ لِلْقَسَمِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: (p-219)﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ﴾؛ فَإنَّ إغْواءَهُ تَعالى إيّاهُ أثَرٌ مِن آثارِ قدرته عَزَّ وجَلَّ، وحُكْمٌ مِن أحْكامِ سُلْطانِهِ تَعالى، فَمَآلُ الإقْسامِ بِهِما واحِدٌ، فَلَعَلَّ اللَّعِينَ أقْسَمَ بِهِما جَمِيعًا، فَحُكِيَ تارَةً قَسَمَهُ بِأحَدِهِما وأُخْرى بِالآخَرِ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ عَلى الإنْظارِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: فَأُقْسِمُ بِإغْوائِكَ إيّايَ ﴿لأقْعُدَنَّ لَهُمْ﴾، أوْ لِلسَّبَبِيَّةِ عَلى أنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، لا بِقَوْلِهِ: " لَأقْعُدَنَّ لَهم " كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ، فَإنَّ اللّامَ تَصُدُّ عَنْ ذَلِكَ؛ أيْ: فَبِسَبَبِ إغْوائِكَ إيّايَ لِأجْلِهِمْ، أُقْسِمُ بِعِزَّتِكَ لَأقْعُدَنَّ لِآدَمَ وذُرِّيَّتِهِ تَرَصُّدًا بِهِمْ، كَما يَقْعُدُ القُطّاعُ لِلْقَطْعِ عَلى السّابِلَةِ. ﴿صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ المُوصِلَ إلى الجَنَّةِ، وهو دِينُ الإسْلامِ، فالقُعُودُ مَجازٌ مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ: كَما عَسَلَ الطَّرِيقَ الثَّعْلَبُ وَقِيلَ: عَلى نَزْعِ الجارِّ، تَقْدِيرُهُ: عَلى صِراطِكَ، كَقَوْلِكَ: ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ والبَطْنَ.

الأعراف 7:17

﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾؛ أيْ: مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ الَّتِي يُعْتادُ هُجُومُ العَدُوِّ مِنها، مِثْلُ قَصْدِهِ إيّاهم لِلتَّسْوِيلِ والإضْلالِ مِن أيِّ وجْهٍ يَتَيَسَّرُ بِإتْيانِ العَدُوِّ مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ الفَوْقَ والتَّحْتَ. وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ: مِن قِبَلِ الآخِرَةِ، ومِن خَلْفِهِمْ: مِن جِهَةِ الدُّنْيا، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ: مِن جِهَةِ حَسَناتِهِمْ وسَيِّئاتِهِمْ. وَقِيلَ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ: مِن حَيْثُ يَعْلَمُونَ ويَقْدِرُونَ عَلى التَّحَرُّزِ مِنهُ، ومِن خَلْفِهِمْ: مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ولا يَقْدِرُونَ، وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ: مِن حَيْثُ يَتَيَسَّرُ لَهم أنْ يَعْلَمُوا ويَتَحَرَّزُوا، ولَكِنْ لَمْ يَفْعَلُوا لِعَدَمِ تَيَقُّظِهِمْ واحْتِياطِهِمْ، ومِن حَيْثُ لا يَتَيَسَّرُ لَهم ذَلِكَ، وإنَّما عُدِّيَ الفِعْلُ إلى الأوَّلَيْنِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ؛ لِأنَّهُ مِنهُما مُتَوَجِّهٌ إلَيْهِمْ، وإلى الآخَرَيْنِ بِحَرْفِ المُجاوَزَةِ؛ فَإنَّ الآتِيَ مِنهُما كالمُنْحَرِفِ المُتَجافِي عَنْهُمُ، المارِّ عَلى عَرْضِهِمْ، ونَظِيرُهُ: جَلَسْتُ عَنْ يَمِينِهِ. ﴿وَلا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾؛ أيْ: مُطِيعِينَ، وإنَّما قالَهُ ظَنًّا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾، لِما رَأى مِنهم مَبْدَأ الشَّرِّ مُتَعَدِّدًا، ومَبْدَأ الخَيْرِ واحِدًا. وقِيلَ: سَمِعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

الأعراف 7:18

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ مِرارًا. ﴿أخْرَجَ مِنها﴾؛ أيْ: مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ السَّماءِ، أوْ مِن بَيْنِ المَلائِكَةِ. ﴿مَذْمُومًا﴾؛ أيْ: مَذْمُومًا مِن ذَأمَهُ: إذا ذَمَّهُ، وقُرِئَ: ( مَذُومًا ) كَمَسُولٍ في مَسْؤُولٍ، أوْ كَمَكُولٍ في مَكِيلٍ، مِن ذامَهُ يَذِيمُهُ ذَيْمًا. ﴿مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا. ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ اللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ وجَوابِهِ. ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ وهو سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، وقُرِئَ: ( لِمَن تَبِعَكَ ) بِكَسْرِ اللّامِ، عَلى أنَّهُ خَبَرُ " لَأمْلَأنَّ " عَلى مَعْنى: لِمَن تَبِعَكَ هَذا الوَعِيدُ، أوْ عِلَّةٌ لِاخْرُجْ، ولَأمْلَأنَّ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ومَعْنى مِنكم: مِنكَ ومِنهم، عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِ.

الأعراف 7:19

﴿وَيا آدَمُ﴾؛ أيْ: وقُلْنا، كَما وقَعَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، (p-220)وَتَصْدِيرُ الكَلامِ بِالنِّداءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَلَقِّ المَأْمُورِ بِهِ، وتَخْصِيصُ الخِطابِ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِ في تَلَقِّي الوَحْيِ وتَعاطِي المَأْمُورِ بِهِ. ﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ هو مِنَ السَّكَنِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنِ اللَّبْثِ والِاسْتِقْرارِ والإقامَةِ، لا مِنَ السُّكُونِ الَّذِي هو ضِدُّ الحَرَكَةِ، وأنْتَ ضَمِيرٌ أُكِّدَ بِهِ المُسْتَكِنُ لِيَصِحَّ العَطْفُ عَلَيْهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ لِبَيانِ المُرادِ مِمّا في سُورَةِ البَقَرَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾، مِن أنَّ ذَلِكَ كانَ جَمْعًا مَعَ التَّرْتِيبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ شِئْتُما﴾ في مَعْنى: مِنها حَيْثُ شِئْتُما، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا رَغَدًا ثِقَةً بِما ذُكِرَ هُناكَ، وتَوْجِيهُ الخِطابِ إلَيْهِما لِتَعْمِيمِ التَّشْرِيفِ، والإيذانِ بِتَساوِيهِما في مُباشَرَةِ المَأْمُورِ بِهِ، فَإنَّ حَوّاءَ أُسْوَةٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في حَقِّ الأكْلِ، بِخِلافِ السَّكَنِ فَإنَّها تابِعَةٌ لَهُ فِيهِ. وَلِتَعْلِيقِ النَّهْيِ بِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ وقُرِئَ: ( هَذِي ) وهو الأصْلُ، لِتَصْغِيرِهِ عَلى ذِيًّا، والهاءُ بَدَلٌ مِنَ الياءِ. ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ إمّا جَزْمٌ عَلى العَطْفِ، أوْ نَصْبٌ عَلى الجَوابِ.

الأعراف 7:20

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، أوْ تَكَلَّمَ لَهُما كَلامًا خَفِيًّا مُتَدارِكًا مُتَكَرِّرًا، وهي في الأصْلِ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، كالهَيْمَنَةِ والخَشْخَشَةِ، ومِنهُ: وسْوَسَ الحَلْيُ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ كَيْفِيَّةِ وسْوَسَتِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما﴾؛ أيْ: لِيُظْهِرَ لَهُما، واللّامُ لِلْعاقِبَةِ، أوْ لِلْغَرَضِ عَلى أنَّهُ أرادَ بِوَسْوَسَتِهِ: أنْ يَسُوءَهُما بِانْكِشافِ عَوْرَتَيْهِما، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْهُما بِالسَّوْأةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ في الخَلْوَةِ وعِنْدَ الزَّوْجِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ قَبِيحٌ مُسْتَهْجَنٌ في الطِّباعِ. ﴿ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ ما غُطِّيَ وسُتِرَ عَنْهُما مِن عَوْراتِهِما، وكانا لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما ولا أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ، وإنَّما لَمْ تُقْلَبِ الواوُ المَضْمُومَةُ هَمْزَةً في المَشْهُورَةِ، كَما قُلِبَتْ في " أُوَيْصِلٍ " تَصْغِيرِ واصِلٍ؛ لِأنَّ الثّانِيَةَ مُدَّةٌ. وقُرِئَ: ( سَواتِهِما ) بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكاتِها عَلى الواوِ، وبِقَلْبِها واوًا وإدْغامِ الواوِ السّاكِنَةِ فِيها. ﴿وَقالَ﴾ عَطْفٌ عَلى وسْوَسَ بِطَرِيقِ البَيانِ. ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾؛ أيْ: عَنْ أكْلِها. ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾؛ أيْ: إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ. ﴿أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ، أوْ يَخْلُدُونَ في الجَنَّةِ، ولَيْسَ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، لِما أنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ الحَقائِقَ لا تَنْقَلِبُ، وإنَّما كانَتْ رَغْبَتُهُما في أنْ يَحْصُلَ لَهُما أوْصافُ المَلائِكَةِ مِنَ الكَمالاتِ الفِطْرِيَّةِ، والِاسْتِغْناءُ عَنِ الأطْعِمَةِ والأشْرِبَةِ، وذَلِكَ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الأفْضَلِيَّةِ بِالمَعْنى المُتَنازَعِ فِيهِ.

الأعراف 7:21

﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾؛ أيْ: أقْسَمَ لَهُما، وصِيغَةُ المُغالَبَةِ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: أقْسَما لَهُ بِالقَبُولِ، وقِيلَ: قالا لَهُ: أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، وأقْسَمَ لَهُما، فَجُعِلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً.

الأعراف 7:22

﴿فَدَلاهُما﴾ (p-221)فَنَزَّلَهُما عَلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ أهْبَطَهُما بِذَلِكَ مِن دَرَجَةٍ عالِيَةٍ، فَإنَّ التَّدْلِيَةَ والإدْلاءَ: إرْسالُ الشَّيْءِ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ. ﴿بِغُرُورٍ﴾ بِما غَرَّهُما بِهِ مِنَ القَسَمِ، فَإنَّهُما ظَنّا أنَّ أحَدًا لا يُقْسِمُ بِاللَّهِ كاذِبًا، أوْ مُتَلَبِّسِينَ بِغُرُورٍ. ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾؛ أيْ: فَلَمّا وجَدا طَعْمَها آخِذَيْنِ في الأكْلِ مِنها، أخَذَتْهُما العُقُوبَةُ وشُؤْمُ المَعْصِيَةِ، فَتَهافَتَ عَنْهُما لِباسُهُما وظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما، واخْتُلِفَ في أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتِ السُّنْبُلَةَ، أوِ الكَرْمَ، أوْ غَيْرَهُما، وأنَّ اللِّباسَ كانَ نَوْرًا أوْ ظُفُرًا. ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ﴾ طَفِقَ: مِن أفْعالِ الشُّرُوعِ والتَّلَبُّسِ، كَأخَذَ، وجَعَلَ، وأنْشَأ، وعَلَّقَ، وهَبَّ، وانْبَرى؛ أيْ: أخَذا يَرْقَعانِ ويُلْزِقانِ ورَقَةً فَوْقَ ورَقَةٍ. ﴿عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ قِيلَ: كانَ ذَلِكَ ورَقَ التِّينِ، وقُرِئَ: ( يَخْصِفانِ ) مِن أخْصَفَ؛ أيْ: يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما، ويُخَصِّفانِ مِنَ التَّخْصِيفِ، ويَخْصِفانِ أصْلُهُ: يَخْتَصِفانِ. ﴿وَناداهُما رَبُّهُما﴾ مالِكُ أمْرِهِما بِطَرِيقِ العِتابِ والتَّوْبِيخِ. ﴿ألَمْ أنْهَكُما﴾ وهو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، أوْ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وقالَ أوْ قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما. ﴿عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ، لِما أنَّهُ إشارَةٌ إلى الشَّجَرَةِ الَّتِي نُهِيَ عَنْ قُرْبانِها. ﴿وَأقُلْ لَكُما﴾ عَطْفٌ عَلى أنْهَكُما؛ أيْ: ألَمْ أقُلْ لَكُما. ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وهَذا عِتابٌ وتَوْبِيخٌ عَلى الِاغْتِرارِ بِقَوْلِ العَدُوِّ، كَما أنَّ الأوَّلَ عِتابٌ عَلى مُخالَفَةِ النَّهْيِ، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مُطْلَقَ النَّهْيِ لِلتَّحْرِيمِ، ولَكُما مُتَعَلِّقٌ بِعَدُوٌّ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن عَدُوٌّ، ولَمْ يُحْكَ هَذا القَوْلُ هَهُنا، وقَدْ حُكِيَ في سُورَةِ طَهَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ ...﴾ الآيَةَ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ لَآدَمَ: ألَمْ يَكُنْ فِيما مَنَحْتُكَ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ فَقالَ: بَلى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ بِكَ كاذِبًا. قالَ: فَبِعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا تَنالُ العَيْشَ إلّا كَدًّا؛ فَأُهْبِطَ وعُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ، وأُمِرَ بِالحَرْثِ فَحَرَثَ، وسَقى وحَصَدَ، ودَرَسَ وذَرّى، وعَجَنَ وخَبَزَ.

الأعراف 7:23

﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾؛ أيْ: ضَرَرْناها بِالمَعْصِيَةِ والتَّعْرِيضِ لِلْإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ. ﴿وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ ذَلِكَ. ﴿وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ الصَّغائِرَ يُعاقَبُ عَلَيْها إنْ لَمْ تُغْفَرْ، وقالَ المُعْتَزِلَةُ: لا يَجُوزُ المُعاقَبَةُ عَلَيْها مَعَ اجْتِنابِ الكَبائِرِ، ولِذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُما ذَلِكَ عَلى عاداتِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِ الصَّغِيرِ مِنَ السَّيِّئاتِ، واسْتِصْغارِ العَظِيمِ مِنَ الحَسَناتِ.

الأعراف 7:24

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ مِرارًا. ﴿اهْبِطُوا﴾ خِطابٌ لَآدَمَ وحَوّاءَ وذُرِّيَّتِهِما، أوْ لَهُما ولِإبْلِيسَ، كُرِّرَ الأمْرُ لَهُ تَبَعًا لَهُما، لِيُعْلَمَ أنَّهم قُرَناءُ أبَدًا، أوْ أُخْبِرَ عَمّا قالَ لَهم مُفَرَّقًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ﴾، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا قَبُولُ تَوْبَتِهِما ثِقَةً بِما ذُكِرَ في سائِرِ المَواضِعِ. ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ اهْبِطُوا؛ أيْ: مُتَعادِينَ. ﴿وَلَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾؛ أيِ: اسْتِقْرارٌ، أوْ مَوْضِعُ اسْتِقْرارٍ. ﴿وَمَتاعٌ﴾؛ أيْ: تَمَتُّعٌ وانْتِفاعٌ. ﴿إلى حِينٍ﴾ هو حِينُ انْقِضاءِ آجالِكم.

الأعراف 7:25

﴿قالَ﴾ أُعِيدَ الِاسْتِئْنافُ؛ إمّا لِلْإيذانِ بِعَدَمِ اتِّصالِ ما بَعْدَهُ بِما قَبْلَهُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ومَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ إلا الضّالُّونَ﴾ (p-222)، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ . وَإمّا لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾؛ أيْ: لِلْجَزاءِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ .

الأعراف 7:26

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خِطابٌ لِلنّاسِ كافَّةً، وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ مِمّا لا يَخْفى سِرُّهُ. ﴿قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا﴾؛ أيْ: خَلَقْناهُ لَكم بِتَدْبِيراتٍ سَماوِيَّةٍ، وأسْبابٍ نازِلَةٍ مِنها، ونَظِيرُهُ: ﴿وَأنْزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ...﴾ إلَخْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا الحَدِيدَ﴾ . ﴿يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ الَّتِي قَصَدَ إبْلِيسُ إبْداءَها مِن أبَوَيْكم، حَتّى اضْطُرّا إلى خَصْفِ الأوْراقِ، وأنْتُمْ مُسْتَغْنُونَ عَنْ ذَلِكَ. وَرُوِيَ أنَّ العَرَبَ كانُوا يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ عَرايا، ويَقُولُونَ: لا نَطُوفُ بِثِيابٍ عَصَيْنا اللَّهَ تَعالى فِيها؛ فَنَزَلَتْ. ولَعَلَّ ذِكْرَ قِصَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ، لِلْإيذانِ بِأنَّ انْكِشافَ العَوْرَةِ أوَّلُ سُوءٍ أصابَ الإنْسانَ مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ، وأنَّهُ أغْواهم في ذَلِكَ كَما أغْوى أبَوَيْهِمْ. ﴿وَرِيشًا﴾ ولِباسًا تَتَجَمَّلُونَ بِهِ، والرِّيشُ: الجَمالُ، وقِيلَ: مالًا، ومِنهُ: تَرَيَّشَ الرَّجُلُ؛ أيْ: تَمَوَّلَ، وقُرِئَ: ( رِياشًا ) وهو جَمْعُ رِيشٍ، كَشِعْبٍ وشِعابٍ. ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾؛ أيْ: خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الإيمانُ، وقِيلَ: السَّمْتُ الحَسَنُ، وقِيلَ: لِباسُ الحَرْبِ. وَرَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ، خَبَرُهُ جُمْلَةُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، أوْ خَبَرٌ وذَلِكَ صِفَتُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ، وقُرِئَ: ( ولِباسَ التَّقْوى ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى لِباسًا. ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: إنْزالُ اللِّباسِ. ﴿مِن آياتِ اللَّهِ﴾ دالَّةٌ عَلى عَظِيمِ فَضْلِهِ وعَمِيمِ رَحْمَتِهِ. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ فَيَعْرِفُونَ نِعْمَتَهُ، أوْ يَتَّعِظُونَ فَيَتَوَرَّعُونَ عَنِ القَبائِحِ.

الأعراف 7:27

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِ ما صُدِّرَ بِهِ، وإيرادُهم بِهَذا العُنْوانِ مِمّا لا يَخْفى سَبَبُهُ. ﴿لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: لا يُوقِعَنَّكم في الفِتْنَةِ والمِحْنَةِ بِأنْ يَمْنَعَكم مِن دُخُولِ الجَنَّةِ. ﴿كَما أخْرَجَ أبَوَيْكم مِنَ الجَنَّةِ﴾ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَفْتِنَنَّكم فِتْنَةً مِثْلَ إخْراجِ أبَوَيْكم، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لا يُخْرِجَنَّكم بِفِتْنَتِهِ إخْراجًا مِثْلَ إخْراجِهِ لِأبَوَيْكم، والنَّهْيُ وإنْ كانَ مُتَوَجِّهًا إلى الشَّيْطانِ، لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ مُتَوَجِّهٌ إلى المُخاطَبِينَ، كَما في قَوْلِكَ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ حالٌ مِن أبَوَيْكم، أوْ مِن فاعِلِ أخْرَجَ، وإسْنادُ النَّزْعِ إلَيْهِ لِلتَّسْبِيبِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ﴾؛ أيْ: جُنُودُهُ وذُرِّيَّتُهُ، اسْتِئْنافٌ لِتَعْلِيلِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ التَّحْذِيرِ مِنهُ. ﴿مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ " مِن " لِابْتِداءِ غايَةِ الرُّؤْيَةِ، و" حَيْثُ " ظَرْفٌ لِمَكانِ انْتِفاءِ الرُّؤْيَةِ، و" لا تَرَوْنَهم " في مَحَلِّ الجَرِّ بِإضافَةِ الظَّرْفِ إلَيْهِ، ورُؤْيَتُهم لَنا مِن حَيْثُ لا نَراهم لا تَقْتَضِي امْتِناعَ رُؤْيَتِنا (p-223)لَهم مُطْلَقًا، واسْتِحالَةَ تَمَثُّلِهِمْ لَنا. ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ﴾ جُعِلَ قَبِيلُهُ مِن جُمْلَتِهِ فَجُمِعَ. "الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ"؛ أيْ: جَعَلْناهم بِما أوْجَدْنا بَيْنَهم مِنَ المُناسَبَةِ، أوْ بِإرْسالِهِمْ عَلَيْهِمْ وتَمْكِينِهِمْ مِن إغْوائِهِمْ، وحَمْلِهِمْ عَلى ما سَوَّلُوا لَهم أوْلِياءَ؛ أيْ: قُرَناءَ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ آخَرُ لِلنَّهْيِ، وتَأْكِيدٌ لِلتَّحْذِيرِ إثْرَ تَحْذِيرٍ.

الأعراف 7:28

﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقَدْ جُوِّزَ عَطْفُها عَلى الصِّلَةِ، والفاحِشَةُ: الفَعْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، والتّاءُ لِأنَّها مُجْراةٌ عَلى المَوْصُوفِ المُؤَنَّثِ، أوْ لِلنَّقْلِ مِنَ الوَصْفِيَّةِ إلى الِاسْمِيَّةِ، والمُرادُ بِها: عِبادَةُ الأصْنامِ، وكَشْفُ العَوْرَةِ في الطَّوافِ، ونَحْوُهُما. ﴿قالُوا﴾ جَوابًا لِلنّاهِينَ عَنْها. ﴿وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾ مُحْتَجِّينَ بِأمْرَيْنِ: تَقْلِيدِ الآباءِ، والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، ولَعَلَّ تَقْدِيمَ المُقَدَّمِ لِلْإيذانِ مِنهم بِأنَّ آباءَهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى بِها، عَلى أنَّ ضَمِيرَ " ﴿أمَرَنا﴾ " لَهم ولِآبائِهِمْ. فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ وجْهُ الإعْراضِ عَنِ الأوَّلِ في رَدِّ مَقالَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ﴾ فَإنَّ عادَتَهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى الأمْرِ بِمَحاسِنِ الأعْمالِ، والحَثِّ عَلى مَراضِي الخِصالِ، ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ قُبْحَ الفِعْلِ، بِمَعْنى تَرَتُّبِ الذَّمِّ عَلَيْهِ عاجِلًا والعِقابِ آجِلًا، عَقْلِيٌّ؛ فَإنَّ المُرادَ بِالفاحِشَةِ: ما يَنْفِرُ عَنْهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ، ويَسْتَنْقِصُهُ العَقْلُ المُسْتَقِيمُ. وَقِيلَ: هُما جَوابا سُؤالَيْنِ مُتَرَتِّبَيْنِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَمّا فَعَلُوها: لِمَ فَعَلْتُمْ ؟ فَقالُوا: وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا، فَقِيلَ: لِمَ فَعَلَها آباؤُكم ؟ فَقالُوا: اللَّهُ أمَرَنا بِها، وعَلى الوَجْهَيْنِ يُمْنَعُ التَّقْلِيدُ إذا قامَ الدَّلِيلُ بِخِلافِهِ لا مُطْلَقًا. ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، وتَوْجِيهُ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ صُدُورَهُ عَنْهُ تَعالى، مَعَ أنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ عَدَمَ صُدُورِهِ عَنْهُ تَعالى، مُبالَغَةٌ في إنْكارِ تِلْكَ الصُّورَةِ، فَإنَّ إسْنادَ ما لَمْ يُعْلَمْ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى إلَيْهِ تَعالى إذا كانَ مُنْكَرًا، فَإسْنادُ ما عُلِمَ عَدَمُ صُدُورِهِ عَنْهُ إلَيْهِ عَزَّ وجَلَّ أشَدُّ قُبْحًا وأحَقُّ بِالإنْكارِ.

الأعراف 7:29

﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾ بَيانٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إثْرَ نَفْيِ ما أُسْنِدَ أمْرُهُ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الأُمُورِ المَنهِيِّ عَنْها، والقِسْطُ: هو العَدْلُ، وهو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، المُتَجافِي عَنْ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ وتَوَجَّهُوا إلى عِبادَتِهِ مُسْتَقِيمِينَ غَيْرَ عادِلِينَ إلى غَيْرِها، أوْ أقِيمُوا وُجُوهَكم نَحْوَ القِبْلَةِ. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ في كُلِّ وقْتِ سُجُودٍ، أوْ مَكانِ سُجُودٍ، وهو الصَّلاةُ، أوْ في أيِّ مَسْجِدٍ حَضَرَتْكُمُ الصَّلاةُ عِنْدَهُ، ولا تُؤَخِّرُوها حَتّى تَعُودُوا إلى مَساجِدِكم. ﴿وادْعُوهُ﴾ واعْبُدُوهُ. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾؛ أيِ: الطّاعَةَ، فَإنَّ مَصِيرَكم إلَيْهِ بِالآخِرَةِ. ﴿كَما بَدَأكُمْ﴾؛ أيْ: أنْشَأكُمُ ابْتِداءً. ﴿تَعُودُونَ﴾ إلَيْهِ بِإعادَتِهِ، فَيُجازِيَكم عَلى أعْمالِكم، وإنَّما شُبِّهَ الإعادَةُ بِالإبْداءِ تَقْرِيرًا لِإمْكانِها والقُدْرَةِ عَلَيْها. وقِيلَ: كَما بَدَأكم مِنَ التُّرابِ تَعُودُونَ إلَيْهِ. وقِيلَ: حُفاةً عُراةً غُرْلًا تَعُودُونَ إلَيْهِ. وقِيلَ: كَما بَدَأكم مُؤْمِنًا وكافِرًا يُعِيدُكم.(p-224)

الأعراف 7:30

﴿فَرِيقًا هَدى﴾ بِأنْ وفَّقَهم لِلْإيمانِ. ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ بِمُقْتَضى القَضاءِ السّابِقِ، التّابِعِ لِلْمَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ؛ أيْ: وخَذَلَ فَرِيقًا. ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِخِذْلانِهِ، أوْ تَحْقِيقٌ لِضَلالَتِهِمْ. ﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الكافِرَ المُخْطِئَ والمُعانِدَ سَواءٌ في اسْتِحْقاقِ الذَّمِّ، ولِلْفارِقِ أنْ يَحْمِلَهُ عَلى المُقَصِّرِ في النَّظَرِ.

الأعراف 7:31

﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾؛ أيْ: ثِيابَكم لِمُواراةِ عَوْرَتِكم. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾؛ أيْ: طَوافٍ أوْ صَلاةٍ، ومِنَ السُّنَّةِ أنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ أحْسَنَ هَيْئَتِهِ لِلصَّلاةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ سَتْرِ العَوْرَةِ في الصَّلاةِ. ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾ مِمّا طابَ لَكم. رُوِيَ أنَّ بَنِي عامِرٍ كانُوا في أيّامِ حَجِّهِمْ لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ إلّا قُوتًا، ولا يَأْكُلُونَ دَسَمًا، يُعَظِّمُونَ بِذَلِكَ حَجَّهم، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ بِمِثْلِهِ؛ فَنَزَلَتْ. ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ، أوْ بِالتَّعَدِّي إلى الحَرامِ، أوْ بِالإفْراطِ في الطَّعامِ والشَّرَهِ عَلَيْهِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُلْ ما شِئْتَ ما أخْطَأتْكَ خَصْلَتانِ: سَرَفٌ ومَخِيلَةٌ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ واقٍدٍ: جَمَعَ اللَّهُ الطِّبَّ في نِصْفِ آيَةٍ، فَقالَ: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا﴾ . ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾؛ أيْ: لا يَرْتَضِي فِعْلَهم.

الأعراف 7:32

﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ مِنَ الثِّيابِ وما يُتَجَمَّلُ بِهِ. ﴿الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾ مِنَ النَّباتِ كالقُطْنِ والكَتّانِ، والحَيَوانِ كالحَرِيرِ والصُّوفِ، والمَعادِنِ كالدُّرُوعِ. ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾؛ أيِ: المُسْتَلَذّاتِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأصْلَ في المَطاعِمِ، والمَلابِسِ، وأنْواعِ التَّجَمُّلاتِ، الإباحَةُ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ في " مِن " إنْكارِيٌّ. ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ بِالأصالَةِ، والكَفَرَةُ وإنْ شارَكُوهم فِيها فَبِالتَّبَعِ. ﴿خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لا يُشارِكُهم فِيها غَيْرُهم، وانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا التَّفْصِيلِ نُفَصِّلُ سائِرَ الأحْكامِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ما في تَضاعِيفِها مِنَ المَعانِي الرّائِقَةِ.

الأعراف 7:33

﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ﴾؛ أيْ: ما تَفاحَشَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: ما يَتَعَلَّقُ مِنها بِالفُرُوجِ. ﴿ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الفَواحِشِ؛ أيْ: جَهْرَها وسِرَّها. ﴿والإثْمَ﴾؛ أيْ: ما يُوجِبُ الإثْمَ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، وقِيلَ: هو شُرْبُ الخَمْرِ. ﴿والبَغْيَ﴾؛ أيِ: الظُّلْمَ أوِ الكِبْرَ، أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ (p-225)لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ عَنْهُ. ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بالبَغْيِ مُؤَكِّدٌ لَهُ مَعْنًى. ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَحْرِيمِ اتِّباعِ ما لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بُرْهانٌ. ﴿وَأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ بِالإلْحادِ في صِفاتِهِ والِافْتِراءِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِمْ: واللَّهُ أمَرَنا بِها، وتَوْجِيهُ التَّحْرِيمِ إلى قَوْلِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى ما لا يَعْلَمُونَ وُقُوعَهُ، لا ما يَعْلَمُونَ عَدَمَ وُقُوعِهِ، قَدْ مَرَّ سِرُّهُ.

الأعراف 7:34

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ. ﴿أجَلٌ﴾ حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنَ الزَّمانِ مَضْرُوبٌ لِمَهْلِكِهِمْ. ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهُمْ﴾ إنْ جُعِلَ الضَّمِيرُ لِلْأُمَمِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِكُلِّ أُمَّةٍ، فَإظْهارُ الأجَلِ مُضافًا إلَيْهِ لِإفادَةِ المَعْنى المَقْصُودِ، الَّذِي هو بُلُوغُ كُلِّ أُمَّةٍ أجَلَها الخاصَّ بِها ومَجِيئُهُ إيّاها، بِواسِطَةِ اكْتِسابِ الأجَلِ بِالإضافَةِ عُمُومًا يُفِيدُهُ مَعْنى الجَمْعِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا جاءَهم آجالُهم بِأنْ يَجِيءَ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ أجْلُها الخاصُّ بِها. وَإنْ جُعِلَ لِكُلِّ أُمَّةٍ خاصَّةً كَما هو الظّاهِرُ، فالإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإضافَةُ إلى الضَّمِيرِ لِإفادَةِ أكْمَلِ التَّمْيِيزِ؛ أيْ: إذا جاءَها أجْلُها الخاصُّ بِها. ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عَنْ ذَلِكَ الأجَلِ. ﴿ساعَةً﴾؛ أيْ: شَيْئًا قَلِيلًا مِنَ الزَّمانِ، فَإنَّها مَثَلٌ في غايَةِ القِلَّةِ مِنهُ؛ أيْ: لا يَتَأخَّرُونَ أصْلًا، وصِيغَةُ الِاسْتِفْعالِ لِلْإشْعارِ بِعَجْزِهِمْ وحِرْمانِهِمْ عَنْ ذَلِكَ مَعَ طَلَبِهِمْ لَهُ. ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾؛ أيْ: ولا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهِ، وهو عَطْفٌ عَلى يَسْتَأْخِرُونَ، لَكِنْ لا لِبَيانِ انْتِفاءِ التَّقَدُّمِ مَعَ إمْكانِهِ في نَفْسِهِ كالتَّأخُّرِ، بَلْ لِلْمُبالَغَةِ في انْتِفاءِ التَّأخُّرِ بِنَظْمِهِ في سِلْكِ المُسْتَحِيلِ عَقْلًا، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾؛ فَإنَّ مَن ماتَ كافِرًا مَعَ ظُهُورِ أنْ لا تَوْبَةَ لَهُ رَأْسًا، قَدْ نُظِمَ في عَدَمِ القَبُولِ في سِلْكِ مَن سَوَّفَها إلى حُضُورِ المَوْتِ؛ إيذانًا بِتَساوِي وُجُودِ التَّوْبَةِ حِينَئِذٍ وعَدَمِها بِالمَرَّةِ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَجِيءِ: الدُّنُوُّ، بِحَيْثُ يُمْكِنُ التَّقَدُّمُ في الجُمْلَةِ، كَمَجِيءِ اليَوْمِ الَّذِي ضُرِبَ لِهَلاكِهِمْ ساعَةٌ فِيهِ، ولَيْسَ بِذاكَ، وتَقْدِيمُ بَيانِ انْتِفاءِ الِاسْتِيخارِ، لِما أنَّ المَقْصُودَ بِالذّاتِ بَيانُ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ. وَأمّا ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَسْبِقُ مِن أُمَّةٍ أجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ﴾ مِن سَبْقِ السَّبْقِ في الذِّكْرِ، فَلِما أنَّ المُرادَ هُناكَ: بَيانُ سِرِّ تَأْخِيرِ إهْلاكِهِمْ مَعَ اسْتِحْقاقِهِمْ لَهُ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾؛ فالأهَمُّ هُناكَ بَيانُ انْتِفاءِ السَّبْقِ.

الأعراف 7:35

﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى كافَّةِ النّاسِ اهْتِمامًا بِشَأْنِ ما في حَيِّزِهِ. ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ هي " إنِ " الشَّرْطِيَّةُ ضُمَّتْ إلَيْها " ما " لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ لَزِمَتْ فِعْلَها النُّونُ الثَّقِيلَةُ أوِ الخَفِيفَةُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ إرْسالَ الرُّسُلِ أمْرٌ جائِزٌ لا واجِبٌ عَقْلًا. ﴿رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ الجارُّ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرُسُلٌ؛ أيْ: كائِنُونَ مِن جِنْسِكم. وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِرُسُلٌ؛ أيْ: يُبَيِّنُونَ لَكم أحْكامِي وشَرائِعِي. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا (p-226)لِلشَّرْطِ؛ أيْ: فَمَنِ اتَّقى مِنكُمُ التَّكْذِيبَ وأصْلَحَ عَمَلَهُ، فَلا خَوْفٌ ... إلَخْ.

الأعراف 7:36

وَكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾؛ أيْ: والَّذِينَ كَذَّبُوا مِنكم بِآياتِنا، وإيرادُ الِاتِّقاءِ في الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ الفَلاحِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّكْذِيبِ، بَلْ هو الِاتِّقاءُ والِاجْتِنابُ عَنْهُ، وإدْخالُ الفاءِ في الجَزاءِ الأوَّلِ دُونَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في الوَعْدِ، والمُسامَحَةِ في الوَعِيدِ.

الأعراف 7:37

﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾؛ أيْ: تَقَوَّلَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ، أوْ كَذَّبَ ما قالَهُ؛ أيْ: هو أظْلَمُ مِن كُلِّ ظالِمٍ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناهُ، كَما أنَّ إفْرادَ الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِتَمادِيهِمْ في سُوءِ الحالِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِافْتِراءِ والتَّكْذِيبِ. ﴿يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾؛ أيْ: مِمّا كُتِبَ لَهم مِنَ الأرْزاقِ والأعْمارِ، وقِيلَ: الكِتابُ: اللَّوْحُ؛ أيْ: ما أُثْبِتَ لَهم فِيهِ. وَأيًّا ما كانَ فَمِن الِابْتِدائِيَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن نَصِيبِهِمْ؛ أيْ: يَنالُهم نَصِيبُهم كائِنًا مِنَ الكِتابِ، وقِيلَ: نَصِيبُهم مِنَ العَذابِ، وسَوادِ الوَجْهِ، وزُرْقَةِ العُيُونِ. وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: كُتِبَ لِمَن يَفْتَرِي عَلى اللَّهِ سَوادُ الوَجْهِ، قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾؛ أيْ: مَلَكُ المَوْتِ وأعْوانُهُ. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُتَوَفِّينَ لِأرْواحِهِمْ يُؤَيِّدُ الأوَّلَ، فَإنَّ حَتّى وإنْ كانَتْ هي الَّتِي يُبْتَدَأُ بِها الكَلامُ، لَكِنَّها غايَةٌ لِما قَبْلَها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ نَصِيبُهم مِمّا يَتَمَتَّعُونَ بِها إلى حِينِ وفاتِهِمْ؛ أيْ: يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ إلى أنْ يَأْتِيَهم مَلائِكَةُ المَوْتِ، فَإذا جاءَتْهم ﴿قالُوا﴾ لَهم. ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: أيْنَ الآلِهَةُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَها في الدُّنْيا، و" ما " وقَعَتْ مَوْصُولَةً بِأيْنَ في خَطِّ المُصْحَفِ، وحَقُّها الفَصْلُ لِأنَّها مَوْصُولَةٌ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ سُؤالِ الرُّسُلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالُوا. ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾؛ أيْ: غابُوا عَنّا؛ أيْ: لا نَدْرِي مَكانَهم. ﴿وَشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قالُوا؛ أيِ: اعْتَرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ. ﴿أنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا. ﴿كافِرِينَ﴾ عابِدِينَ لِما لا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ أصْلًا، حَيْثُ شاهَدُوا حالَهُ وضَلالَهُ، ولَعَلَّهُ أُرِيدَ بِوَقْتِ مَجِيءِ الرُّسُلِ وحالِ التَّوَفِّي: الزَّمانُ المُمْتَدُّ مِنِ ابْتِداءِ المَجِيءِ، والتَّوَفِّي إلى انْتِهائِهِ يَوْمَ الجَزاءِ؛ بِناءً عَلى تَحَقُّقِ المَجِيءِ، والتَّوَفِّي في كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانِ بَقاءً، وإنْ كانَ حُدُوثُهُما في أوَّلِهِ فَقَطْ، أوْ قُصِدَ بَيانُ غايَةِ سُرْعَةِ وُقُوعِ البَعْثِ والجَزاءِ، كَأنَّهُما حاصِلانِ عِنْدَ ابْتِداءِ التَّوَفِّي، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: " «مَن ماتَ فَقَدْ قامَتْ قِيامَتُهُ» "، وإلّا فَهَذا السُّؤالُ والجَوابُ وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِما مِنَ الأمْرِ بِدُخُولِ النّارِ، وما جَرى بَيْنَ أهْلِها مِنَ التَّلاعُنِ (p-227)والتَّقاوُلِ، إنَّما يَكُونُ بَعْدَ البَعْثِ لا مَحالَةَ.

الأعراف 7:38

﴿قالَ﴾؛ أيِ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِالذّاتِ، أوْ بِواسِطَةِ المَلَكِ. ﴿ادْخُلُوا في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ أيْ: كائِنِينَ مِن جُمْلَةِ أُمَمٍ مُصاحِبِينَ لَهم. ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ يَعْنِي: كُفّارَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ النَّوْعَيْنِ. ﴿فِي النّارِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ادْخُلُوا. ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ﴾ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ فِيها. ﴿لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ الَّتِي ضَلَّتْ بِالِاقْتِداءِ بِها. ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾؛ أيْ: تَدارَكُوا وتَلاحَقُوا في النّارِ. ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ﴾ دُخُولًا أوْ مَنزِلَةً، وهُمُ الأتْباعُ. ﴿لأُولاهُمْ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِمْ؛ إذِ الخِطابُ مَعَ اللَّهِ تَعالى لا مَعَهم. ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ سَنُّوا لَنا الضَّلالَ فاقْتَدْنا بِهِمْ. ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا﴾؛ أيْ: مُضاعَفًا. ﴿مِنَ النّارِ﴾ لِأنَّهم ضَلُّوا وأضَلُّوا. ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ أمّا القادَةُ فَلِما ذُكِرَ مِنَ الضَّلالِ والإضْلالِ، وأمّا الأتْباعُ فَلِكُفْرِهِمْ وتَقْلِيدِهِمْ. ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: ما لَكم وما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنَ العَذابِ، وقُرِئَ بِالياءِ.

الأعراف 7:39

﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ﴾؛ أيْ: مُخاطِبِينَ. ﴿لأُخْراهُمْ﴾ حِينَ سَمِعُوا جَوابَ اللَّهِ تَعالى لَهم. ﴿فَما كانَ لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾؛ أيْ: فَقَدْ ثَبَتَ أنْ لا فَضْلَ لَكم عَلَيْنا، وإنّا وإيّاكم مُتَساوُونَ في الضَّلالِ واسْتِحْقاقِ العَذابِ. ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾؛ أيِ: العَذابَ المَعْهُودَ المُضاعَفَ. ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ مِن قَوْلِ القادَةِ.

الأعراف 7:40

﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ مَعَ وُضُوحِها. ﴿واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها والعَمَلِ بِمُقْتَضاها. ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لا تُقْبَلُ أدْعِيَتُهم ولا أعْمالُهم، أوْ لا تَعْرُجُ إلَيْها أرْواحُهم، كَما هو شَأْنُ أدْعِيَةِ المُؤْمِنِينَ وأعْمالِهِمْ وأرْواحِهِمْ، والتّاءُ في " تُفَتَّحُ " لِتَأْنِيثِ الأبْوابِ، والتَّشْدِيدُ لِكَثْرَتِها، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وبِالتَّخْفِيفِ والياءِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، ونَصْبِ ( الأبْوابِ ) عَلى أنَّ الفِعْلَ لِلْآياتِ، وبِالياءِ عَلى أنَّهُ لِلَّهِ تَعالى. ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾؛ أيْ: حَتّى يَدْخُلَ ما هو مَثَلٌ في عِظَمِ الجُرْمِ فِيما عُلِمَ في ضِيقِ المَسْلَكِ، وهو ثُقْبَةُ الإبْرَةِ، وفي كَوْنِ الجَمَلِ مِمّا لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الوُلُوجُ في سَمِّ الإبْرَةِ مُبالَغَةٌ في الِاسْتِبْعادِ. وَقُرِئَ: ( الجُمَّلُ ) كالقُمَّلِ، والجُمَلُ كالنُّغَرِ، والجُمْلُ كالقُفْلِ، والجُمُلُ كالنُّصُبِ، والجَمْلُ كالحَبْلِ، وهي الحَبْلُ الغَلِيظُ مِنَ القُنَّبِ، وقِيلَ: حَبْلُ السَّفِينَةِ. وَ( سَمُّ ) بِالضَّمِّ والكَسْرِ، وقُرِئَ: ( في سَمِّ المِخْيَطِ ) وهو الخِياطُ؛ أيْ: ما يُخاطُ بِهِ، كالحِزامِ والمِحْزَمِ. ﴿وَكَذَلِكَ﴾؛ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الفَظِيعِ. ﴿نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: جِنْسَ المُجْرِمِينَ، وهم داخِلُونَ في زُمْرَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.(p-228)

الأعراف 7:41

﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾؛ أيْ: فِراشٌ مِن تَحْتِهِمْ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ، ومِن تَجْرِيدِيَّةٌ. ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾؛ أيْ: أغْطِيَةٌ، والتَّنْوِينُ لِلْبَدَلِ عَنِ الإعْلالِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولِلصَّرْفِ عِنْدَ غَيْرِهِ، وقُرِئَ: ( غَواشِ ) عَلى إلْغاءِ المَحْذُوفِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ﴾ . ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ الشَّدِيدِ. ﴿نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالمُجْرِمِينَ تارَةً وبِالظّالِمِينَ أُخْرى؛ إشْعارًا بِأنَّهم بِتَكْذِيبِهِمُ الآياتِ اتَّصَفُوا بِكُلِّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الوَصْفَيْنِ القَبِيحَيْنِ، وذِكْرُ الجُرْمِ مَعَ الحِرْمانِ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ، والظُّلْمِ مَعَ التَّعْذِيبِ بِالنّارِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ الجَرائِمِ والجَرائِرِ.

الأعراف 7:42

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: بِآياتِنا، أوْ بِكُلِّ ما يَجِبُ أنْ يُؤْمَنَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الآياتُ دُخُولًا أوَّلِيًّا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾؛ أيِ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي شُرِعَتْ بِالآياتِ، وهَذا بِمُقابَلَةِ الِاسْتِكْبارِ عَنْها. ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾ اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَ المُبْتَدَأِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، والخَبَرِ الَّذِي هو جُمْلَةُ. ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ لِلتَّرْغِيبِ في اكْتِسابِ ما يُؤَدِّي إلى النَّعِيمِ المُقِيمِ، بِبَيانِ سُهُولَةِ مَنالِهِ وتَيَسُّرِ تَحْصِيلِهِ، وقُرِئَ: ( لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ ) . واسْمُ الإشارَةِ مُبْتَدَأٌ، وأصْحابُ الجَنَّةِ خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ، أوِ اسْمُ الإشارَةِ بَدَلٌ مِنَ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ الَّذِي هو المَوْصُولُ، والخَبَرُ أصْحابُ الجَنَّةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ. ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ حالٌ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُهُ حالًا مِنَ الجَنَّةِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرِها، والعامِلُ مَعْنى الإضافَةِ، أوِ اللّامُ المُقَدَّرَةُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِأُولَئِكَ عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَهُ، و" فِيها " مُتَعَلِّقٌ بِخالِدُونَ.

الأعراف 7:43

﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾؛ أيْ: نُخْرِجُ مِن قُلُوبِهِمْ أسْبابَ الغِلِّ، أوْ نُطَهِّرُها مِنهُ، حَتّى لا يَكُونَ بَيْنَهم إلّا التَّوادُّ، وصِيغَةُ الماضِي لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِهِ وتَقَرُّرِهِ. وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: إنِّي لَأرْجُوا أنْ أكُونَ أنا، وعُثْمانُ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، مِنهم. ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾ زِيادَةٌ في لَذَّتِهِمْ وسُرُورِهِمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في صُدُورِهِمْ، والعامِلُ إمّا مَعْنى الإضافَةِ، وإمّا العامِلُ في المُضافِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِ نَزَعْنا، والعامِلُ نَزَعْنا، وقِيلَ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْإخْبارِ عَنْ صِفَةِ أحْوالِهِمْ. ﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾؛ أيْ: لِما جَزاؤُهُ هَذا. ﴿وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ﴾؛ أيْ: لِهَذا المَطْلَبِ الأعْلى، أوْ لِمَطْلَبٍ مِنَ المَطالِبِ الَّتِي هَذا مِن جُمْلَتِها. ﴿لَوْلا أنْ هَدانا اللَّهُ﴾ ووَفَّقَنا لَهُ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومَفْعُولُ نَهْتَدِي وهَدانا الثّانِي (p-229)مَحْذُوفٌ لِظُهُورِ المُرادِ، أوْ لِإرادَةِ التَّعْمِيمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ: ( ما كُنّا لِنَهْتَدِيَ ) إلَخْ، بِغَيْرِ واوٍ عَلى أنَّها مَبْنِيَّةٌ ومُفَسِّرَةٌ لِلْأُولى. ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا﴾ جَوابُ قَسَمٍ مُقَدَّرٍ قالُوهُ تَبَجُّحًا واغْتِباطًا بِما نالُوهُ، وابْتِهاجًا بِإيمانِهِمْ بِما جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالحَقِّ﴾ إمّا لِلتَّعْدِيَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِجاءَتْ، أوْ لِلْمُلابَسَةِ فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِمُقَدَّرٍ وقَعَ حالًا مِنَ الرُّسُلِ؛ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ جاءُوا بِالحَقِّ، أوْ لَقَدْ جاءُوا مُلْتَبِسِينَ بِالحَقِّ. ﴿وَنُودُوا﴾؛ أيْ: نادَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. ﴿أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾ أنْ مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ مُخَفَّفَةٌ مِن أنَّ وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، ومَعْنى البُعْدِ في اسْمِ الإشارَةِ؛ إمّا لِأنَّهم نُودُوا عِنْدَ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، وإمّا لِرَفْعِ مَنزِلَتِها وبُعْدِ رُتْبَتِها، وإمّا لِلْإشْعارِ بِأنَّها تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي وُعِدُوها في الدُّنْيا. ﴿أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ أيْ: أُعْطِيتُمُوها بِسَبَبِ أعْمالِكم، أوْ بِمُقابَلَةِ أعْمالِكم، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الجَنَّةِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ عَلى أنَّ تِلْكُمُ الجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ الجَنَّةُ صِفَةٌ والخَبَرُ أُورِثْتُمُوها.

الأعراف 7:44

﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ النّارِ﴾ تَبَجُّحًا بِحالِهِمْ، وشَماتَةً بِأصْحابِ النّارِ، وتَحْسِيرًا لَهم، لا لِمُجَرَّدِ الإخْبارِ بِحالِهِمْ، والِاسْتِخْبارِ عَنْ حالِ مُخاطَبِيهِمْ. ﴿أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾ حَيْثُ نِلْنا هَذا المَنالَ الجَلِيلَ. ﴿فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ حُذِفَ المَفْعُولُ مِنَ الفِعْلِ الثّانِي إسْقاطًا لَهم عَنْ رُتْبَةِ التَّشْرِيفِ بِالخِطابِ عِنْدَ الوَعْدِ. وقِيلَ: لِأنَّ ما ساءَهم مِنَ المَوْعُودِ لَمْ يَكُنْ بِأسْرِهِ مَخْصُوصًا بِهِمْ وعْدًا، كالبَعْثِ والحِسابِ، ونَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَإنَّهم قَدْ وجَدُوا جَمِيعَ ذَلِكَ حَقًّا، وإنْ لَمْ يَكُنْ وعْدُهُ مَخْصُوصًا بِهِمْ. ﴿قالُوا نَعَمْ﴾؛ أيْ: وجَدْناهُ حَقًّا، وقُرِئَ بِكَسْرِ العَيْنِ وهي لُغَةٌ فِيهِ. ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ قِيلَ: هو صاحِبُ الصُّورِ. ﴿بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ. ﴿أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ بِأنِ المُخَفَّفَةِ أوِ المُفَسِّرَةِ، وقُرِئَ بِأنَّ المُشَدَّدَةِ ونَصْبِ ( لَعْنَةَ )، وقُرِئَ: ( إنَّ ) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، أوْ إجْراءِ أذَّنَ مُجْرى قالَ.

الأعراف 7:45

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ مُقَرَّرَةٌ لِلظّالِمِينَ، أوْ رَفْعٌ عَلى الذَّمِّ، أوْ نَصْبٌ عَلَيْهِ. ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أيْ: يَبْغُونَ لَها عِوَجًا بِأنْ يَصِفُوها بِالزَّيْغِ والمَيْلِ عَنِ الحَقِّ، وهو أبْعَدُ شَيْءٍ مِنهُما، والعِوَجُ بِالكَسْرِ في المَعانِي والأعْيانِ ما لَمْ يَكُنْ مُنْتَصِبًا، وبِالفَتْحِ ما كانَ في المُنْتَصِبِ كالرُّمْحِ والحائِطِ. ﴿وَهم بِالآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ غَيْرُ مُعْتَرِفِينَ.

الأعراف 7:46

﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ﴾، أوْ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ لِيُمْنَعَ وُصُولُ أثَرِ إحْداهُما إلى الأُخْرى. ﴿وَعَلى الأعْرافِ﴾؛ أيْ: عَلى أعْرافِ الحِجابِ وأعالِيهِ، وهو السُّورُ المَضْرُوبُ بَيْنَهُما، جَمْعُ (p-230)عُرْفٍ مُسْتَعارٌ مِن عُرْفِ الفَرَسِ. وقِيلَ: العُرْفُ: ما ارْتَفَعَ مِنَ الشَّيْءِ، فَإنَّهُ بِظُهُورِهِ أعْرَفُ مِن غَيْرِهِ. ﴿رِجالٌ﴾ طائِفَةٌ مِنَ المُوَحِّدِينَ قَصَّرُوا في العَمَلِ، فَيَجْلِسُونَ بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ ما يَشاءُ. وقِيلَ: قَوْمٌ عَلَتْ دَرَجاتُهم كالأنْبِياءِ والشُّهَداءِ، والأخْيارِ والعُلَماءِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ مَلائِكَةٌ يُرَوْنَ في صُوَرِ الرِّجالِ. ﴿يَعْرِفُونَ كُلا﴾ مِن أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ. ﴿بِسِيماهُمْ﴾ بِعَلامَتِهِمُ الَّتِي أعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِها، كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ، فِعْلى مِن سامَ إبِلَهُ إذا أرْسَلَها في المَرْعى مُعْلَمَةً، أوْ مِن وسَمَ بِالقَلْبِ كالجاهِ مِنَ الوَجْهِ، وإنَّما يَعْرِفُونَ ذَلِكَ بِالإلْهامِ، أوْ بِتَعْلِيمِ المَلائِكَةِ. ﴿وَنادَوْا﴾؛ أيْ: رِجالُ الأعْرافِ. ﴿أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ حِينَ رَأوْهم. ﴿أنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدُّعاءِ والتَّحِيَّةِ، أوْ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِنَجاتِهِمْ مِنَ المَكارِهِ. ﴿لَمْ يَدْخُلُوها﴾ حالٌ مِن فاعِلِ نادَوْا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم يَطْمَعُونَ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ يَدْخُلُوها؛ أيْ: نادَوْهم، وهم لَمْ يَدْخُلُوها حالَ كَوْنِهِمْ طامِعِينَ في دُخُولِها مُتَرَقِّبِينَ لَهُ؛ أيْ: لَمْ يَدْخُلُوها، وهم في وقْتِ عَدَمِ الدُّخُولِ طامِعُونَ.

الأعراف 7:47

﴿وَإذا صُرِفَتْ أبْصارُهم تِلْقاءَ أصْحابِ النّارِ﴾؛ أيْ: إلى جِهَتِهِمْ، وفي عَدَمِ التَّعَرُّضِ لِتَعَلُّقِ أنْظارِهِمْ بِأصْحابِ الجَنَّةِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ تَعَلُّقِ أبْصارِهِمْ بِأصْحابِ النّارِ بِالصَّرْفِ، إشْعارٌ بِأنَّ التَّعَلُّقَ الأوَّلَ بِطَرِيقِ الرَّغْبَةِ، والمِيلَ الثّانِي بِخِلافِهِ. ﴿قالُوا﴾ مُتَعَوِّذِينَ بِاللَّهِ تَعالى مِن سُوءِ حالِهِمْ. ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: في النّارِ، وفي وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ دُونَ ما هم عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ العَذابِ، وسُوءِ الحالِ الَّذِي هو المُوجِبُ لِلدُّعاءِ، إشْعارٌ بِأنَّ المَحْذُورَ عِنْدَهم لَيْسَ نَفْيَ العَذابِ فَقَطْ، بَلْ مَعَ ما يُوجِبُهُ ويُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ الظُّلْمِ.

الأعراف 7:48

﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ كُرِّرَ ذِكْرُهم مَعَ كِفايَةِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. ﴿رِجالا﴾ مِن رُؤَساءِ الكُفّارِ حِينَ رَأوْهم فِيما بَيْنَ أصْحابِ النّارِ. ﴿يَعْرِفُونَهم بِسِيماهُمْ﴾ الدّالَّةِ عَلى سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَئِذٍ، وعَلى رِياسَتِهِمْ في الدُّنْيا. ﴿قالُوا﴾ بَدَلٌ مِن نادى. ﴿ما أغْنى عَنْكُمْ﴾ " ما " إمّا الِاسْتِفْهامِيَّةُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، أوْ نافِيَةٌ. ﴿جَمْعُكُمْ﴾؛ أيْ: أتْباعُكم وأشْياعُكم، أوْ جَمْعُكم لِلْمالِ. ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم، واسْتِكْبارُكُمُ المُسْتَمِرُّ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ، أوْ عَلى الخَلْقِ، وهو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ: ( تَسْتَكْثِرُونَ ) مِنَ الكَثْرَةِ؛ أيْ: مِنَ الأمْوالِ والجُنُودِ.

الأعراف 7:49

﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ مِن تَتِمَّةِ قَوْلِهِمْ لِلرِّجالِ، والإشارَةُ إلى ضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كانَتِ الكَفَرَةُ يَحْتَقِرُونَهم في الدُّنْيا، ويَحْلِفُونَ صَرِيحًا أنَّهم لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، أوْ يَفْعَلُونَ ما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ . ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ؛ أيِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ عَلى رَغَمِ (p-231)أُنُوفِهِمْ. ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ بَعْدَ هَذا. ﴿وَلا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، أوْ قِيلَ لِأصْحابِ الأعْرافِ: ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ أنْ حُبِسُوا، وشاهَدُوا أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وعَرَفُوهم، وقالُوا لَهم ما قالُوا. والأظْهَرُ أنْ لا يَكُونَ المُرادُ بِأصْحابِ الأعْرافِ: المُقَصِّرِينَ في العَمَلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ المَقالاتِ وما تَتَفَرَّعُ هي عَلَيْهِ مِنَ المَعْرِفَةِ، لا يَلِيقُ بِمَن لَمْ يَتَعَيَّنْ حالُهُ بَعْدُ. وَقِيلَ: لَمّا عَيَّرُوا أصْحابَ النّارِ، أقْسَمُوا أنَّ أصْحابَ الأعْرافِ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى، أوِ المَلائِكَةُ رَدًّا عَلَيْهِمْ: " ﴿أهَؤُلاءِ﴾ ... " إلَخْ، وقُرِئَ: ( ادْخُلُوا، ودَخَلُوا ) عَلى الِاسْتِئْنافِ، وتَقْدِيرُهُ: دَخَلُوا الجَنَّةَ مَقُولًا في حَقِّهِمْ: لا خَوْفٌ عَلَيْكم.

الأعراف 7:50

﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ بَعْدَ أنِ اسْتَقَرَّ بِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِ الدّارُ. ﴿أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ﴾؛ أيْ: صُبُّوهُ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الجَنَّةَ فَوْقَ النّارِ. ﴿أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ مِن سائِرِ الأشْرِبَةِ لِيُلائِمَ الإضافَةَ، أوْ مِنَ الأطْعِمَةِ عَلى أنَّ الإفاضَةَ عِبارَةٌ عَنِ الإعْطاءِ بِكَثْرَةٍ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا ؟ فَقِيلَ: قالُوا. ﴿إنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُما عَلى الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: مَنَعَهُما مِنهم مَنعًا كُلِّيًّا، فَلا سَبِيلَ إلى ذَلِكَ قَطْعًا.

الأعراف 7:51

﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَهْوًا ولَعِبًا﴾ كَتَحْرِيمِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، ونَحْوِهِما، والتَّصْدِيَةِ حَوْلَ البَيْتِ. واللَّهْوُ: صَرْفُ الهَمِّ إلى ما لا يَحْسُنُ أنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ، واللَّعِبُ: طَلَبُ الفَرَحِ بِما لا يَحْسُنُ أنْ يُطْلَبَ. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ بِزَخارِفِها العاجِلَةِ. ﴿فاليَوْمَ نَنْساهُمْ﴾ نَفْعَلُ بِهِمْ ما يَفْعَلُ النّاسُ بِالمَنسِيِّ مِن عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِهِمْ، وتَرْكِهِمْ في النّارِ تَرْكًا كُلِّيًّا، والفاءُ في " فاليَوْمَ " فَصِيحَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: نَنْساهم مِثْلَ نِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا، حَيْثُ لَمْ يُخْطِرُوهُ بِبالِهِمْ ولَمْ يَعْتَدُّوا لَهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما نَسُوا؛ أيْ: وكَما كانُوا مُنْكِرِينَ بِأنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى إنْكارًا مُسْتَمِرًّا.

الأعراف 7:52

﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ﴾؛ أيْ: بَيَّنّا مَعانِيَهُ مِنَ العَقائِدِ، والأحْكامِ، والمَواعِظِ، والضَّمِيرُ لِلْكَفَرَةِ قاطِبَةً، والمُرادُ بِالكِتابِ: الجِنْسُ، أوْ لِلْمُعاصِرِينَ مِنهم، والكِتابُ هو القرآن. ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ فَصَّلْناهُ؛ أيْ: عالِمِينَ بِوَجْهِ تَفْصِيلِهِ حَتّى جاءَ حَكِيمًا، أوْ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: مُشْتَمِلًا عَلى عِلْمٍ كَثِيرٍ، وقُرِئَ: ( فَضَّلْناهُ )؛ أيْ: عَلى سائِرِ الكُتُبِ عالِمِينَ بِفَضْلِهِ. ﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ. ﴿لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لِأنَّهُمُ المُغْتَنِمُونَ لِآثارِهِ المُقْتَبِسُونَ مِن أنْوارِهِ.(p-232)

الأعراف 7:53

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾؛ أيْ: ما يَنْتَظِرُ هَؤُلاءِ الكَفَرَةُ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ بِهِ، إلّا ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ مِن تَبَيُّنِ صِدْقِهِ، بِظُهُورِ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ. ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ وهو يَوْمُ القِيامَةِ. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: تَرَكُوهُ تَرْكَ المَنسِيِّ مِن قَبْلِ إتْيانِ تَأْوِيلِهِ. ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: قَدْ تَبَيَّنَ أنَّهم قَدْ جاءُوا بِالحَقِّ. ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ اليَوْمَ ويَدْفَعُوا عَنّا العَذابَ. ﴿أوْ نُرَدُّ﴾؛ أيْ: هَلْ نُرَدُّ إلى الدُّنْيا، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى فَيَشْفَعُوا، أوْ لِأنَّ " أوْ " بِمَعْنى " إلى أنْ "، فَعَلى الأوَّلِ المَسْؤُولُ أحَدُ الأمْرَيْنِ، إمّا الشَّفاعَةُ لِدَفْعِ العَذابِ، أوِ الرَّدُّ إلى الدُّنْيا، وعَلى الثّانِي أنْ يَكُونَ لَهم شُفَعاءُ، إمّا لِأحَدِ الأمْرَيْنِ، أوْ لِأمْرٍ واحِدٍ هو الرَّدُّ. ﴿فَنَعْمَلَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِي، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ؛ أيْ: فَنَحْنُ نَعْمَلُ. ﴿غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾؛ أيْ: في الدُّنْيا. ﴿قَدْ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِصَرْفِ أعْمارِهِمُ الَّتِي هي رَأْسُ مالِهِمْ إلى الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا يَفْتَرُونَهُ مِن أنَّ الأصْنامَ شُرَكاءُ لِلَّهِ تَعالى وشُفَعاؤُهم يَوْمَ القِيامَةِ.

الأعراف 7:54

﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ الفِطْرَةِ إثْرَ بَيانِ مَعادِ الكَفَرَةِ؛ أيْ: إنَّ خالِقَكم ومالِكَكُمُ الَّذِي خَلَقَ الأجْرامَ العُلْوِيَّةَ والسُّفْلِيَّةَ في سِتَّةِ أوْقاتٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ، فَإنَّ المُتَعارَفَ أنَّ اليَوْمَ: زَمانُ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها، ولَمْ تَكُنْ هي حِينَئِذٍ، وفي خَلْقِ الأشْياءِ مُدْرَجًا مَعَ القُدْرَةِ عَلى إبْداعِها دَفْعَةُ دَلِيلٍ عَلى الِاخْتِيارِ، واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ، وحَثٌّ عَلى التَّأنِّي في الأُمُورِ. ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾؛ أيِ: اسْتَوى أمْرُهُ واسْتَوْلى، وعَنْ أصْحابِنا: أنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ صِفَةٌ لِلَّهِ تَعالى بِلا كَيْفٍ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ، مُنَزَّهًا عَنْ الِاسْتِقْرارِ والتَّمَكُّنِ. والعَرْشُ: الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ، سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفاعِهِ، أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المُلْكِ، فَإنَّ الأُمُورَ والتَّدابِيرَ تَنْزِلُ مِنهُ، وقِيلَ: المُلْكُ. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾؛ أيْ: يُغَطِّيهِ بِهِ، ولَمْ يُذْكَرِ العَكْسُ لِلْعِلْمِ بِهِ، أوْ لِأنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُما، ولِذَلِكَ قُرِئَ بِنَصْبِ ( اللَّيْلَ ) ورَفْعِ ( النَّهارُ )، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكْرارِ. ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾؛ أيْ: يَعْقُبُهُ سَرِيعًا كالطّالِبِ لَهُ، لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما شَيْءٌ، والحَثِيثُ: فَعِيلٌ مِنَ الحَثِّ، وهو صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ حالٌ مِنَ الفاعِلِ، أوْ مِنَ المَفْعُولِ بِمَعْنى حاثًّا أوْ مَحْثُوثًا. ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾؛ أيْ: خَلَقَهُنَّ حالَ كَوْنِهِنَّ مُسَخَّراتٍ بِقَضائِهِ وتَصْرِيفِهِ، وقُرِئَ كُلُّها بِالرَّفْعِ عَلى (p-233)الِابْتِداءِ والخَبَرِ. ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ﴾ فَإنَّهُ المُوجِدُ لِلْكُلِّ، والمُتَصَرِّفُ فِيهِ عَلى الإطْلاقِ. ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾؛ أيْ: تَعالى بِالوَحْدانِيَّةِ في الأُلُوهِيَّةِ وتَعَظَّمَ بِالتَّفَرُّدِ في الربوبية، وتَحْقِيقُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الكَفَرَةَ كانُوا مُتَّخِذِينَ أرْبابًا، فَبُيِّنَ لَهم أنَّ المُسْتَحِقَّ لِلرُّبُوبِيَّةِ واحِدٌ هو اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ الَّذِي لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، فَإنَّهُ تَعالى خَلَقَ العالَمَ عَلى تَرْتِيبٍ قَوِيمٍ وتَدْبِيرٍ حَكِيمٍ، فَأبْدَعَ الأفْلاكَ ثُمَّ زَيَّنَها بِالشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ . وَعَمَدَ إلى الأجْرامِ السُّفْلِيَّةِ، فَخَلَقَ جِسْمًا قابِلًا لِلصُّوَرِ المُتَبَدِّلَةِ والهَيْئاتِ المُخْتَلِفَةِ، ثُمَّ قَسَّمَها لِصُوَرٍ نَوْعِيَّةٍ مُتَبايِنَةِ الآثارِ والأفْعالِ، وأشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾؛ أيْ: ما في جِهَةِ السُّفْلِ في يَوْمَيْنِ. ثُمَّ أنْشَأ أنْواعَ المَوالِيدِ الثَّلاثَةِ بِتَرْكِيبِ مَوادِّها أوَّلًا وتَصْوِيرِها ثانِيًا، كَما قالَ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾، ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾؛ أيْ: مَعَ اليَوْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ لِما فُصِّلَ في سُورَةِ السَّجْدَةِ. ثُمَّ لَمّا تَمَّ لَهُ عالَمُ المُلْكِ، عَمَدَ إلى تَدْبِيرِهِ كالمَلِكَ الجالِسِ عَلى سَرِيرِهِ، فَدَبَّرَ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِتَحْرِيكِ الأفْلاكِ، وتَسْيِيرِ الكَواكِبِ، وتَكْوِيرِ اللَّيالِي والأيّامِ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما هو فَذْلَكَةُ التَّقْرِيرِ ونَتِيجَتُهُ، فَقالَ تَعالى: " ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ " .

الأعراف 7:55

ثُمَّ أمَرَ بِأنْ يَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ مُتَذَلِّلِينَ، فَقالَ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ الَّذِي قَدْ عَرَفْتُمْ شُئُونَهُ الجَلِيلَةَ. ﴿تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾؛ أيْ: ذَوِي تَضَرُّعٍ وخُفْيَةٍ، فَإنَّ الإخْفاءَ دَلِيلُ الإخْلاصِ. ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾؛ أيْ: لا يُحِبُّ دُعاءَ المُجاوِزِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ في كُلِّ شَيْءٍ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الِاعْتِداءُ في الدُّعاءِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وقَدْ نُبِّهَ بِهِ عَلى أنَّ الدّاعِيَ يَجِبُ أنْ لا يَطْلُبَ ما لا يَلِيقُ بِهِ، كَرُتْبَةِ الأنْبِياءِ والصُّعُودِ إلى السَّماءِ. وَقِيلَ: هو الصِّياحُ في الدُّعاءِ والإسْهابُ فِيهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " «سَيَكُونُ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ في الدُّعاءِ، وحَسْبُ المَرْءِ أنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الجَنَّةَ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ وما قَرَّبَ إلَيْها مِن قَوْلٍ وعَمَلٍ "، ثُمَّ قَرَأ: " ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾» " .

الأعراف 7:56

﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾ بِالكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بِبَعْثِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وشَرْعِ الأحْكامِ. ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾؛ أيْ: ذَوِي خَوْفٍ نَظَرًا إلى قُصُورِ أعْمالِكم وعَدَمِ اسْتِحْقاقِكم، وطَمَعٍ نَظَرًا إلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ، ووُفُورِ فَضْلِهِ وإحْسانِهِ. ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ، ومِنَ الإحْسانِ في الدُّعاءِ أنْ يَكُونَ مَقْرُونًا بِالخَوْفِ والطَّمَعِ، وتَذْكِيرُ قَرِيبٌ لِأنَّ الرَّحْمَةَ بِمَعْنى الرَّحِمِ، أوْ لِأنَّهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرٌ قَرِيبٌ، أوْ عَلى تَشْبِيهٍ بِفَعِيلٍ الَّذِي هو بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أوِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ كالنَّقِيضِ والصَّهِيلِ، أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَ القَرِيبِ مِنَ النَّسَبِ والقَرِيبِ مِن غَيْرِهِ، أوْ لِاكْتِسابِهِ التَّذْكِيرَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ، كَما أنَّ المُضافَ يَكْتَسِبُ التَّأْنِيثَ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ.(p-234)

الأعراف 7:57

﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وقُرِئَ: ( الرِّيحَ ) . ﴿بُشْرًا﴾ تَخْفِيفُ بُشُرٍ جَمْعِ بَشِيرٍ؛ أيْ: مُبَشِّراتٍ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الباءِ عَلى أنَّهُ مَصْدَرُ بَشَرَهُ، بِمَعْنى باشِراتٍ أوْ لِلْبِشارَةِ، وقُرِئَ: ( نُشُرًا ) بِالنُّونِ المَضْمُومَةِ جَمْعُ نَشُورٍ؛ أيْ: ناشِراتٍ، ونَشْرًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ بِمَعْنى ناشِراتٍ، أوْ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ، فَإنَّ الإرْسالَ والنَّشْرَ مُتَقارِبانِ. ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قَدَّمَ رَحْمَتُهُ الَّتِي هي المَطَرُ فِإنَّ الصَّبا تُثِيرُ السَّحابَ والشَّمالَ تَجْمَعُهُ ... والجَنُوبَ تَدُرُّهُ والدَّبُورَ تُفَرِّقُهُ. ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ﴾؛ أيْ: حَمَلَتْ، واشْتِقاقُهُ مِنَ القِلَّةِ، فَإنَّ المُقِلَّ لِلشَّيْءِ يَسْتَقِلُّهُ. ﴿سَحابًا ثِقالا﴾ بِالماءِ، جَمَعَهُ لِأنَّهُ بِمَعْنى السَّحائِبِ. ﴿سُقْناهُ﴾؛ أيِ: السَّحابَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ لِإفْرادِ اللَّفْظِ. ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾؛ أيْ: لِأجْلِهِ ولِمَنفَعَتِهِ، أوْ لِإحْيائِهِ، أوْ لِسَقْيِهِ، وقُرِئَ: ( مَيْتٍ ) . ﴿فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ﴾؛ أيْ: بِالبَلَدِ، أوْ بِالسَّحابِ، أوْ بِالسَّوْقِ، أوْ بِالرِّيحِ، والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ﴾ ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى الماءِ وهو الظّاهِرُ، وإذا كانَ لِلْبَلَدِ فالباءُ لِلْإلْصاقِ في الأوَّلِ، والظَّرْفِيَّةِ في الثّانِي، وإذا كانَ لِغَيْرِهِ فَهي لِلسَّبَبِيَّةِ. ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ أنْواعِها. ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾ الإشارَةُ إلى إخْراجِ الثَّمَراتِ، أوْ إلى إحْياءِ البَلَدِ المَيِّتِ؛ أيْ: كَما نُحْيِيهِ بِإحْداثِ القُوَّةِ النّامِيَةِ فِيهِ، وتَطْرِيَتِها بِأنْواعِ النَّباتِ والثَّمَراتِ، نُخْرِجُ المَوْتى مِنَ الأجْداثِ، ونُحْيِيها بِرَدِّ النُّفُوسِ إلى مَوادِّ أبْدانِها، بَعْدَ جَمْعِها وتَطْرِيَتِها بِالقُوى والحَواسِّ. ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ بِطَرْحِ إحْدى التّاءَيْنِ؛ أيْ: تَتَذَكَّرُونَ، فَتَعْلَمُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ذَلِكَ قَدَرَ عَلى هَذا مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ.

الأعراف 7:58

﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾؛ أيِ: الأرْضُ الكَرِيمَةُ التُّرْبَةِ. ﴿يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِمَشِيئَتِهِ وتَيْسِيرِهِ، عَبَّرَ بِهِ عَنْ كَثْرَةِ النَّباتِ وحُسْنِهِ وغَزارَةِ نَفْحِهِ؛ لِأنَّهُ أوْقَعَهُ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِي خَبُثَ﴾ مِنَ البِلادِ كالسَّبِخَةِ والحَرَّةِ. ﴿لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾ قَلِيلًا عَدِيمَ النَّفْعِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ، والتَّقْدِيرُ: والبَلَدُ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ نَباتُهُ إلّا نَكِدًا، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَصارَ مَرْفُوعًا مُسْتَتِرًا. وَقُرِئَ: ( لا يَخْرُجُ إلّا نَكَدًا )؛ أيْ: لا يُخْرِجُهُ البَلَدُ إلّا نَكَدًا، فَيَكُونُ إلّا نَكِدًا مَفْعُولَهُ، وقُرِئَ: ( نَكَدًا ) عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: ذا نَكَدٍ، ونَكْدًا بِالإسْكانِ لِلتَّخْفِيفِ. ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّصْرِيفِ البَدِيعِ. ﴿نُصَرِّفُ الآياتِ﴾؛ أيْ: نُرَدِّدُها ونُكَرِّرُها. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نِعْمَةَ اللَّهِ تَعالى، فَيَتَفَكَّرُونَ فِيها ويَعْتَبِرُونَ بِها، وهَذا كَما تَرى مَثَلٌ لِإرْسالِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِالشَّرائِعِ الَّتِي هي ماءُ حَياةِ القُلُوبِ إلى المُكَلَّفِينَ، المُنْقَسِمِينَ إلى المُقْتَبِسِينَ مِن أنْوارِها، والمَحْرُومِينَ مِن مَغانِمِ آثارِها.(p-235)

الأعراف 7:59

وَقَدْ عُقِّبَ ذَلِكَ بِما يُحَقِّقُهُ ويُقَرِّرُهُ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الخالِيَةِ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، فَقِيلَ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ هو جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ أرْسَلْنا ... إلَخْ، واطِّرادُ اسْتِعْمالِ هَذِهِ اللّامِ مَعَ قَدْ، لِكَوْنِ مَدْخُولِها مَظِنَّةً لِلتَّوَقُّعِ الَّذِي هو مَعْنى قَدْ، فَإنَّ الجُمْلَةَ القَسَمِيَّةَ إنَّما تُساقُ لِتَأْكِيدِ الجُمْلَةِ المُقْسَمِ عَلَيْها. وَنُوحٌ هو ابْنٌ لَمَكِ بْنِ مُتُوشْلَحِ بْنِ أُخْنُوخَ، وهو إدْرِيسُ النَّبِيُّ عَلَيْهِما السَّلامُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: بُعِثَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً مِن عُمْرِهِ، ولَبِثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا ومِائَتَيْنِ وأرْبَعِينَ سَنَةً. وَقالَ مُقاتِلٌ: بُعِثَ وهو ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: وهو ابْنُ خَمْسِينَ سَنَةً، وقِيلَ: وهو ابْنُ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، ومَكَثَ يَدْعُو قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ مِائَتَيْنِ وخَمْسِينَ سَنَةً، فَكانَ عُمْرُهُ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً. ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيِ: اعْبُدُوهُ وحْدَهُ، وتَرْكُ التَّقْيِيدِ بِهِ لِلْإيذانِ بِأنَّها العِبادَةُ حَقِيقَةً، وأمّا العِبادَةُ بِالإشْراكِ فَلَيْسَتْ مِنَ العِبادَةِ في شَيْءٍ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾؛ أيْ: مِن مُسْتَحِقٍّ لِلْعِبادَةِ، اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ العِبادَةِ المَذْكُورَةِ، أوِ الأمْرِ بِها. وَ" غَيْرُهُ " بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ الَّذِي هو الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ الفاعِلِيَّةِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وحُكْمُ " غَيْرُ " حُكْمُ الِاسْمِ الواقِعِ بَعْدَ إلّا؛ أيْ: ما لَكم مِن إلَهٍ إلّا إيّاهُ، كَقَوْلِكَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ إلّا زَيْدٌ، أوْ غَيْرُ زَيْدٍ. فَـ" مِن إلَهٍ " إنْ جُعِلَ مُبْتَدَأً فَـ" لَكم " خَبَرُهُ، أوْ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ و" لَكم " لِلتَّخْصِيصِ والتَّبْيِينِ؛ أيْ: ما لَكم في الوُجُودِ، أوْ في العالَمِ إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ. ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ حَسْبَما أُمِرْتُ بِهِ. ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ يَوْمُ الطُّوفانِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْعِبادَةِ بِبَيانِ الصّارِفِ عَنْ تَرْكِها، إثْرَ تَعْلِيلِها بِبَيانِ الدّاعِي إلَيْها، ووَصْفُ اليَوْمِ بِالعِظَمِ لِبَيانِ عِظَمِ ما يَقَعُ فِيهِ وتَكْمِيلِ الإنْذارِ.

الأعراف 7:60

﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مُقابَلَةِ نُصْحِهِ ؟ فَقِيلَ: قالَ الرُّؤَساءُ مِن قَوْمِهِ، والأشْرافُ الَّذِينَ يَمْلَأُونَ صُدُورَ المَحافِلِ بِأجْرامِهِمْ، والقُلُوبَ بِجَلالِهِمْ وهَيْبَتِهِمْ، والأبْصارَ بِجَمالِهِمْ وأُبَّهَتِهِمْ. ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ﴾؛ أيْ: ذَهابٍ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ والصَّوابِ، والرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةٌ، ومَفْعُولاها الضَّمِيرُ والظَّرْفُ. ﴿مُبِينٍ﴾ بَيِّنٌ كَوْنُهُ ضَلالًا.

الأعراف 7:61

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ. ﴿يا قَوْمِ﴾ ناداهم بِإضافَتِهِمْ إلَيْهِ اسْتِمالَةً لِقُلُوبِهِمْ نَحْوَ الحَقِّ. ﴿لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ ما مِنَ الضَّلالِ، قَصَدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَحْقِيقَ الحَقِّ في نَفْيِ الضَّلالِ عَنْ نَفْسِهِ رَدًّا عَلى الكَفَرَةِ، حَيْثُ بالَغُوا في إثْباتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَيْثُ جَعَلُوهُ مُسْتَقِرًّا في الضَّلالِ الواضِحِ كَوْنُهُ ضَلالًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ مِن كَوْنِهِ في أقْصى مَراتِبِ الهِدايَةِ، فَإنَّ رِسالَةَ رَبِّ العالَمِينَ مُسْتَلْزِمَةٌ (p-236)لَهُ لا مَحالَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِنَ الضَّلالِ، ولَكِنِّي في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهِدايَةِ. وَمِن لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَرَسُولٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما يُفِيدُهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: رَسُولٌ وأيُّ رَسُولٍ كائِنٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ.

الأعراف 7:62

﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ، وتَفْصِيلِ أحْكامِها وأحْوالِها. وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِرَسُولٌ، عَلى طَرِيقَةِ: أنا الَّذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَهْ. وَقُرِئَ: ( أُبْلِغُكم ) مِنَ الإبْلاغِ، وجَمْعُ رِسالاتٍ لِاخْتِلافِ أوْقاتِها، أوْ لِتَنَوُّعِ مَعانِيها، أوْ لِأنَّ المُرادَ بِها: ما أُوحِيَ إلَيْهِ وإلى النَّبِيِّينَ مِن قَبْلِهِ. وَتَخْصِيصُ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ بَيانِ عُمُومِها لِلْعالَمِينَ، لِلْإشْعارِ لِعِلَّةِ الحُكْمِ الَّذِي هو تَبْلِيغُ رِسالَتِهِ تَعالى إلَيْهِمْ، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مُوجِباتِ امْتِثالِهِ بِأمْرِهِ تَعالى بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ تَعالى إلَيْهِمْ. ﴿وَأنْصَحُ لَكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى " أُبَلِّغُكم " مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ أداءِ الرِّسالَةِ، وزِيادَةُ اللّامِ مَعَ تَعَدِّي النُّصْحِ بِنَفْسِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْحاضِ النَّصِيحَةِ لَهم، وأنَّها لِمَنفَعَتِهِمْ ومَصْلَحَتِهِمْ خاصَّةً، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نَصِيحَتِهِ لَهم، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرٌ لِرِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: أعْلَمُ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ، ما لا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الأُمُورِ الآتِيَةِ، أوْ أعْلَمُ مِن شُئُونِهِ عَزَّ وجَلَّ وقدرته القاهِرَةِ، وبَطْشِهِ الشَّدِيدِ عَلى أعْدائِهِ، وأنَّ بَأْسَهُ لا يُرَدُّ عَنِ القَوْمِ المُجْرِمِينَ ما لا تَعْلَمُونَهُ. قِيلَ: كانُوا لَمْ يَسْمَعُوا بِقَوْمٍ حَلَّ بِهِمُ العَذابُ قَبْلَهم، فَكانُوا غافِلِينَ آمِنِينَ لا يَعْلَمُونَ ما عَلِمَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالوَحْيِ.

الأعراف 7:63

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ جَوابٌ ورَدٌّ لِما اكْتُفِيَ عَنْ ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا لَنَراكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾، وقَوْلِهِمْ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأنْزَلَ مَلائِكَةً﴾ . والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسْتَبْعَدْتُمْ وعَجِبْتُمْ مِن أنْ جاءَكم ذِكْرٌ؛ أيْ: وحْيٌ، أوْ مَوْعِظَةٌ مِن مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم. ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: عَلى لِسانِ رَجُلٍ مِن جِنْسِكم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾، وقُلْتُمْ لِأجْلِ ذَلِكَ ما قُلْتُمْ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ مَلائِكَةً. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِلْمَجِيءِ؛ أيْ: لِيُحَذِّرَكم عاقِبَةَ الكُفْرِ والمَعاصِي. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ عَطْفٌ عَلى العِلَّةِ الأُولى مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْها. ﴿وَلَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى العِلَّةِ الثّانِيَةِ مُتَرَتِّبَةٌ عَلَيْها؛ أيْ: ولِتَتَعَلَّقَ بِكُمُ الرَّحْمَةُ بِسَبَبِ تَقْواكم، وفائِدَةُ حَرْفِ التَّرَجِّي التَّنْبِيهُ عَلى عِزَّةِ المَطْلَبِ، وأنَّ التَّقْوى غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلرَّحْمَةِ، بَلْ هي مَنُوطَةٌ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّ المُتَّقِيَ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَمِدَ عَلى تَقْواهُ، ولا يَأْمَنَ عَذابَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

الأعراف 7:64

﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ فَتَمُّوا عَلى تَكْذِيبِهِ في دَعْوى النُّبُوَّةِ، وما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي بَلَّغَهُ إلَيْهِمْ، وأنْذَرَهم بِما في (p-237)تَضاعِيفِهِ، واسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ هَذِهِ المُدَّةَ المُتَطاوِلَةَ بَعْدَ ما كَرَّرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَيْهِمُ الدَّعْوَةَ مِرارًا، فَلَمْ يَزِدْهم دُعاؤُهُ إلّا فِرارًا حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا ونَهارًا﴾ الآياتِ؛ إذْ هو الَّذِي يَعْقُبُهُ الإنْجاءُ والإغْراقُ لا مُجَرَّدُ التَّكْذِيبِ. ﴿فَأنْجَيْناهُ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ، قِيلَ: كانُوا أرْبَعِينَ رَجُلًا وأرْبَعِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: تِسْعَةً: أبْناؤُهُ الثَّلاثَةُ وسِتَّةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الظَّرْفِ؛ أيِ: اسْتَقَرُّوا مَعَهُ في الفُلْكِ أوْ صَحِبُوهُ فِيهِ، أوْ بِفِعْلِ الإنْجاءِ؛ أيْ: أنْجَيْناهم في السَّفِينَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالًا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ في الظَّرْفِ. ﴿وَأغْرَقْنا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى تَكْذِيبِها، ولَيْسَ المُرادُ بِهِمُ: المَلَأ المُتَصَدِّينَ لِلْجَوابِ فَقَطْ، بَلْ كُلُّ مَن أصَرَّ عَلى التَّكْذِيبِ مِنهم ومِن أعْقابِهِمْ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ الإنْجاءِ عَلى الإغْراقِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإخْبارِ بِهِ، والإيذانِ بِسَبْقِ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي مُقْتَضى الذّاتِ، وتَقَدُّمِها عَلى الغَضَبِ الَّذِي يَظْهَرُ أثَرُهُ بِمُقْتَضى جَرائِمِهِمْ. ﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عُمْيَ القُلُوبِ غَيْرَ مُسْتَبْصِرِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: عَمِيَتْ قُلُوبُهم عَنْ مَعْرِفَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ. وقُرِئَ: ( عامِينَ )، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى الثَّباتِ والقَرارِ.

الأعراف 7:65

﴿وَإلى عادٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " أرْسَلْنا " في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَهُوَ النّاصِبُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أخاهُمْ﴾؛ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم؛ أيْ: واحِدًا مِنهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ، كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ. وَقِيلَ: العامِلُ فِيهِما الفِعْلُ المَذْكُورُ فِيما سَبَقَ، وأخاهم مَعْطُوفٌ عَلى نُوحًا، والأوَّلُ هو الأوْلى، وأيًّا ما كانَ فَلَعَلَّ تَقْدِيمَ المَجْرُورِ هَهُنا عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ؛ لِلْحَذارِ عَنِ الإضْمارِ قَبْلَ الذِّكْرِ، يُرْشِدُكَ إلى ذَلِكَ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَلُوطًا﴾ ... " إلَخْ؛ فَإنَّ قَوْمَهُ لَمّا لَمْ يُعْهَدُوا باسْمٍ مَعْرُوفٍ يَقْتَضِي الحالُ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُضافًا إلَيْهِمْ، كَما في قِصَّةِ عادٍ، وثَمُودَ، ومَدْيَنَ، خُولِفَ في النَّظْمِ الكَرِيمِ بَيْنَ قِصَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وبَيْنَ القِصَصِ الثَّلاثِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُودًا﴾ عَطْفُ بَيانٍ لَأخاهم، وهو هُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحِ بْنِ الخُلُودِ ابْنِ عادِ بْنِ عُوصِ ابْنِ أرَمِ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: هُودُ بْنُ شالِخِ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ بْنُ عَمِّ أبِي عادٍ. وإنَّما جُعِلَ مِنهم؛ لِأنَّهم أفْهَمُ لِكَلامِهِ وأعْرَفُ بِحالِهِ في صِدْقِهِ وأمانَتِهِ، وأقْرَبُ إلى اتِّباعِهِ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: وحِّدُوهُ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى البَيانِ لِلْعِبادَةِ المَأْمُورِ بِها، والتَّعْلِيلِ لَها أوْ لِلْأمْرِ بِها، كَأنَّهُ قِيلَ: خُصُّوهُ بِالعِبادَةِ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ إذْ لَيْسَ لَكم إلَهٌ سِواهُ. و" غَيْرُهُ " بِالرَّفْعِ صِفَةٌ لِإلَهٍ بِاعْتِبارِ مَحَلِّهِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ حَمْلًا لَهُ عَلى لَفْظِهِ. ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ إنْكارٌ واسْتِبْعادٌ لِعَدَمِ اتِّقائِهِمْ عَذابَ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ ما عَلِمُوا ما حَلَّ بِقَوْمِ نُوحٍ. والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ؛ أيْ: ألا تَتَفَكَّرُونَ، أوْ أتَغْفُلُونَ، فَلا تَتَّقُونَ؛ فالتَّوْبِيخُ عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلا تَتَّقُونَ، فالتَّوْبِيخُ عَلى المَعْطُوفِ فَقَطْ. وَفِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خاطَبَهم بِكُلٍّ مِنهُما، وقَدِ اكْتُفِيَ بِحِكايَةِ كُلٍّ مِنهُما في مَوْطِنٍ عَنْ حِكايَتِهِ في مَوْطِنٍ آخَرَ، كَما لَمْ يُذْكَرْ هَهُنا ما ذُكِرَ هُناكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾، وقِسْ عَلى ذَلِكَ حالَ بَقِيَّةِ ما ذُكِرَ وما لَمْ يُذْكَرْ مِن أجْزاءِ القِصَّةِ، بَلْ (p-238)حالَ نَظائِرِهِ في سائِرِ القِصَصِ، لا سِيَّما في المُحاوَراتِ الجارِيَةِ في الأوْقاتِ المُتَعَدِّدَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الأعراف 7:66

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، وإنَّما وُصِفَ المَلَأُ بِالكُفْرِ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ كُلُّهم عَلى الكُفْرِ كَمَلَأِ قَوْمِ نُوحٍ، بَلْ كانَ مِنهم مَن آمَنَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَكِنْ كانَ يَكْتُمُ إيمانَهُ، كَمَرْثَدِ بْنِ سَعْدٍ، وقِيلَ: وُصِفُوا بِهِ لِمُجَرَّدِ الذَّمِّ. ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾؛ أيْ: مُتَمَكِّنًا في خِفَّةِ عَقْلٍ راسِخًا فِيها، حَيْثُ فارَقْتَ دِينَ آبائِكَ، ﴿ألا إنَّهم هُمُ السُّفَهاءُ ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ﴿وَإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾؛ أيْ: فِيما ادَّعَيْتَ مِنَ الرِّسالَةِ، قالُوهُ لِعَراقَتِهِمْ في التَّقْلِيدِ وحِرْمانِهِمْ مِنَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ.

الأعراف 7:67

﴿قالَ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم ومُسْتَمِيلًا لِقُلُوبِهِمْ، مَعَ ما سَمِعَ مِنهم ما سَمِعَ مِنَ الكَلِمَةِ الشَّنْعاءِ، المُوجِبَةِ لِتَغْلِيظِ القَوْلِ والمُشافَهَةِ بِالسُّوءِ. ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾؛ أيْ: شَيْءٌ مِنها ولا شائِبَةٌ مِن شَوائِبِها. ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِدْراكٌ مِمّا قَبْلَهُ بِاعْتِبارِ ما يَسْتَلْزِمُهُ ويَقْتَضِيهِ مِن كَوْنِهِ في الغايَةِ القُصْوى، مِنَ الرُّشْدِ والأناةِ، والصِّدْقِ والأمانَةِ، فَإنَّ الرِّسالَةَ مِن جِهَةِ رَبِّ العالَمِينَ مُوجِبَةٌ لِذَلِكَ حَتْمًا، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ بِي شَيْءٌ مِمّا نَسَبْتُمُونِي إلَيْهِ، ولَكِنِّي في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الرُّشْدِ والصِّدْقِ. وَلَمْ يُصَرِّحْ بِنَفْيِ الكَذِبِ اكْتِفاءً بِما في حَيِّزِ الِاسْتِدْراكِ، و" مِن " لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِرَسُولٌ، مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ.

الأعراف 7:68

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُبَلِّغُكم رِسالاتِ رَبِّي﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِتَقْرِيرِ رِسالَتِهِ وتَفْصِيلِ أحْوالِها. وقِيلَ: صِفَةٌ أُخْرى لِرَسُولٌ، والكَلامُ في إضافَةِ الرَّبِّ إلى نَفْسِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ إضافَتِهِ إلى العالَمِينَ، وكَذا في جَمْعِ الرِّسالاتِ، كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ: ( أُبْلِغُكم ) مِنَ الإبْلاغِ. ﴿وَأنا لَكم ناصِحٌ أمِينٌ﴾ مَعْرُوفٌ بِالنُّصْحِ والأمانَةِ، مَشْهُورٌ بَيْنَ النّاسِ بِذَلِكَ، وإنَّما جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ دَلالَةً عَلى الثَّباتِ والِاسْتِمْرارِ، وإيذانًا بِأنَّ مَن هَذا حالُهُ لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ السَّفاهَةِ والكَذِبِ.

الأعراف 7:69

﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿عَلى رَجُلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: مِن جِنْسِكم. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ويُحَذِّرَكم عاقِبَةَ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي حَتّى نَسَبْتُمُونِي إلى السَّفاهَةِ والكَذِبِ، وفي إجابَةِ الأنْبِياءِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ مَن يُشافِهُهم بِما لا خَيْرَ فِيهِ مِن أمْثالِ تِلْكَ الأباطِيلِ، بِما حُكِيَ عَنْهم مِنَ المَقالاتِ الحَقَّةِ المُعْرِبَةِ عَنْ نِهايَةِ الحِلْمِ والرَّزانَةِ، وكَمالِ الشَّفَقَةِ والرَّأْفَةِ، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى حِيازَتِهِمُ القَدَحَ المُعَلّى مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ ما لا يَخْفى مَكانُهُ. ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ تَرْتِيبِ أحْكامِ النُّصْحِ (p-239)والأمانَةِ، والإنْذارِ وتَفْصِيلِها، و" إذْ " مَنصُوبٌ بِاذْكُرُوا عَلى المَفْعُولِيَّةِ دُونَ الظَّرْفِيَّةِ، وتَوْجِيهُ الأمْرِ بِالذِّكْرِ إلى الوَقْتِ دُونَ ما وقَعَ فِيهِ مِنَ الحَوادِثِ، مَعَ أنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ ذِكْرِها لِما أنَّ إيجابَ ذِكْرِ الوَقْتِ إيجابٌ لِذِكْرٍ ما فِيهِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ، ولِأنَّ الوَقْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْها، فَإذا اسْتُحْضِرَ كانَتْ هي حاضِرَةً بِتَفاصِيلِها، كَأنَّها مُشاهَدَةٌ عِيانًا، ولَعَلَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَعْجَبُوا مِن ذَلِكَ، أوْ تَدَبَّرُوا في أمْرِكم، واذْكُرُوا وقْتَ جَعْلِهِ تَعالى إيّاكم خُلَفاءَ. ﴿مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾؛ أيْ: في مَساكِنِهِمْ، أوْ في الأرْضِ بِأنْ جَعَلَكم مُلُوكًا، فَإنَّ شَدّادَ بْنَ عادٍ مِمَّنْ مَلَكَ مَعْمُورَةَ الأرْضِ مِن رَمْلِ عالِجٍ إلى شَحْرِ عُمانَ. ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ﴾؛ أيْ: في الإبْداعِ والتَّصْوِيرِ، أوْ في النّاسِ. ﴿بَسْطَةً﴾ قامَةً وقُوَّةً، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمانِهِمْ مِثْلُهم في عِظَمِ الأجْرامِ. قالَ الكَلْبِيُّ والسُّدِّيُّ: كانَتْ قامَةُ الطَّوِيلِ مِنهم مِائَةَ ذِراعٍ، وقامَةُ القَصِيرِ سِتِّينَ ذِراعًا. ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها، وهَذا تَكْرِيرٌ لِلتَّذْكِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ وتَعْمِيمٌ إثْرَ تَخْصِيصٍ. ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ كَيْ يُؤَدِّيَكم ذَلِكَ إلى الشُّكْرِ المُؤَدِّي إلى النَّجاةِ مِنَ الكُرُوبِ والفَوْزِ بِالمَطْلُوبِ.

الأعراف 7:70

﴿قالُوا﴾ مُجِيبِينَ عَنْ تِلْكَ النَّصائِحِ العَظِيمَةِ. ﴿أجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وحْدَهُ﴾؛ أيْ: لِنَخُصَّهُ بِالعِبادَةِ. ﴿وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ أنْكَرُوا عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مَجِيئَهُ لِتَخْصِيصِهِ تَعالى بِالعِبادَةِ، والإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، انْهِماكًا في التَّقْلِيدِ وحُبًّا لِما ألِفُوهُ وألِفُوا أسْلافَهم عَلَيْهِ. وَمَعْنى المَجِيءِ: إمّا مَجِيئُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مُتَعَبَّدِهِ ومَنزِلِهِ، وإمّا مِنَ السَّماءِ عَلى التَّهَكُّمِ، وإمّا القَصْدُ والتَّصَدِّي مَجازًا، كَما يُقالُ في مُقابِلِهِ: ذَهَبَ يَشْتُمُنِي، مِن غَيْرِ إرادَةِ مَعْنى الذَّهابِ. ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ، والمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿أفَلا تَتَّقُونَ﴾ " . ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾؛ أيْ: في الإخْبارِ بِنُزُولِ العَذابِ، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَذْكُورِ عَلَيْهِ؛ أيْ: فَأْتِ بِهِ.

الأعراف 7:71

﴿قالَ قَدْ وقَعَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: وجَبَ وحَقَّ، أوْ نَزَلَ بِإصْرارِكم هَذا؛ بِناءً عَلى تَنْزِيلِ المُتَوَقَّعِ مَنزِلَةَ الواقِعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ . ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: مِن جِهَتِهِ تَعالى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ الأوَّلِ عَلى الثّانِي مَعَ أنَّ مَبْدَأ الشَّيْءِ مُتَقَدِّمٌ عَلى مُنْتَهاهُ؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ إصابَةِ المَكْرُوهِ لَهم. وَكَذا تَقْدِيمُهُما عَلى الفاعِلِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجْسٌ﴾ مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، ولِأنَّ فِيهِ نَوْعَ طُولٍ بِما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَغَضَبٌ﴾ فَرُبَّما يُخِلُّ تَقْدِيمُهُما بِتَجاوُبِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. والرِّجْسُ: العَذابُ، مِنَ الِارْتِجاسِ الَّذِي هو الِاضْطِرابُ والغَضَبُ إرادَةَ الِانْتِقامِ، وتَنْوِينُهُما لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ. ﴿أتُجادِلُونَنِي في أسْماءٍ﴾ عارِيَةٍ عَنِ المُسَمّى. ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾؛ أيْ: سَمَّيْتُمْ بِها. ﴿أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِإنْكارِهِمْ مَجِيئَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، داعِيًا لَهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ وتَرْكِ (p-240)عِبادَةِ الأصْنامِ؛ أيْ: أتُجادِلُونَنِي في أشْياءَ سَمَّيْتُمُوها آلِهَةً، لَيْسَتْ هي إلّا مَحْضُ الأسْماءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ فِيها مِن مِصْداقِ الإلَهِيَّةِ شَيْءٌ ما؛ لِأنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْعُبُودِيَّةِ بِالذّاتِ لَيْسَ إلّا مَن أوْجَدَ الكُلَّ، وأنَّها لَوِ اسْتَحَقَّتْ لَكانَ ذَلِكَ بِجَعْلِهِ تَعالى، إمّا بِإنْزالِ آيَةٍ، أوْ نَصْبِ حُجَّةٍ، وكِلاهُما مُسْتَحِيلٌ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ وإذْ لَيْسَ ذَلِكَ في حَيِّزِ الإمْكانِ تَحَقَّقَ بُطْلانُ ما هم عَلَيْهِ. ﴿فانْتَظِرُوا﴾ مُتَرَتِّبٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: " قَدْ وقَعَ عَلَيْكم "؛ أيْ: فانْتَظَرُوا ما تَطْلُبُونَهُ بِقَوْلِكم: " ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ ... " إلَخْ. ﴿إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يَحِلُّ بِكم.

الأعراف 7:72

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ فَصِيحَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْفَجَرَتْ﴾؛ أيْ: فَوَقَعَ ما وقَعَ فَأنْجَيْناهُ. ﴿والَّذِينَ مَعَهُ﴾؛ أيْ: في الدِّينِ. ﴿بِرَحْمَةٍ﴾؛ أيْ: عَظِيمَةٍ لا يُقادَرُ قَدْرُها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنّا﴾؛ أيْ: مِن جِهَتِنا، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو نَعْتٌ لِرَحْمَةٍ، مُؤَكِّدٌ لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ المُنْفَهِمَةِ مِن تَنْكِيرِها بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾؛ أيِ: اسْتَأْصَلْناهم بِالكُلِّيَّةِ، ودَمَّرْناهم عَنْ آخِرِهِمْ. ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى كَذَّبُوا، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ؛ أيْ: أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ولَمْ يَرْعَوُوا عَنْ ذَلِكَ أبَدًا. وَتَقْدِيمُ حِكايَةِ الإنْجاءِ عَلى حِكايَةِ الإهْلاكِ قَدْ مَرَّ سِرُّهُ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ النَّجاةِ هو الإيمان باللَّهِ تَعالى وتَصْدِيقُ آياتِهِ، كَما أنَّ مَدارَ البَوارِ هو الكُفْرُ والتَّكْذِيبُ. وَقِصَّتُهم أنَّ عادًا قَوْمٌ كانُوا بِاليَمَنِ بِالأحْقافِ، وكانُوا قَدْ تَبَسَّطُوا في البِلادِ ما بَيْنَ عُمانَ إلى حَضْرَمَوْتَ، وكانَتْ لَهم أصْنامٌ يَعْبُدُونَها، صَدا، وصُمُودَ، وإلْهَبا؛ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ هُودًا نَبِيًّا، وكانَ مِن أوْسَطِهِمْ وأفْضَلِهِمْ حَسَبًا، فَكَذَّبُوهُ وازْدادُوا عُتُوًّا وتَجَبُّرًا، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَطْرَ ثَلاثَ سِنِينَ حَتّى جُهِدُوا، وكانَ النّاسُ إذا نَزَلَ بِهِمْ بَلاءٌ طَلَبُوا إلى اللَّهِ الفَرَجَ مِنهُ عِنْدَ بَيْتِهِ الحَرامِ، مُسْلِمُهم ومُشْرِكُهم، وأهْلُ مَكَّةَ إذْ ذاكَ العَمالِيقُ أوْلادُ عِمْلِيقَ ابْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، وسَيِّدُهم مُعاوِيَةُ بْنُ بَكْرٍ، فَجَهَّزَتْ عادٌ إلى مَكَّةَ مِن أماثِلِهِمْ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهم، قِيلَ: ابْنُ عَنْزٍ، ومَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ الَّذِي كانَ يَكْتُمُ إسْلامَهُ، فَلَمّا قَدِمُوا نَزَلُوا عَلى مُعاوِيَةَ بْنِ بَكْرٍ، وهو بِظاهِرِ مَكَّةَ خارِجًا عَنِ الحَرَمِ؛ فَأنْزَلَهم وأكْرَمَهم، وكانُوا أخْوالَهُ وأصْهارَهُ، فَأقامُوا عِنْدَهُ شَهْرًا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وتُغَنِّيهِمْ قَيْنَتا مُعاوِيَةَ، فَلَمّا رَأى طُولَ مُقامِهِمْ وذُهُولَهم بِاللَّهْوِ عَمّا قَدِمُوا لَهُ أهَمَّهُ ذَلِكَ، وقالَ: قَدْ هَلَكَ أخْوالِي وأصْهارِي، وهَؤُلاءِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وكانَ يَسْتَحْيِي أنْ يُكَلِّمَهم خَشْيَةَ أنْ يَظُنُّوا بِهِ ثِقَلَ مُقامِهِمْ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلْقَيْنَتَيْنِ، فَقالَتا: قُلْ شِعْرًا نُغَنِّيهِمْ بِهِ لا يَدْرُونَ مَن قالَهُ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: ؎ ألا يا قِيلُ ويْحَكَ قُمْ فَهَيْنِمْ ∗∗∗ لَعَلَّ اللَّهَ يَسْقِينا غَماما ؎ فَيَسْقِي أرْضَ عادٍ إنَّ عادًا ∗∗∗ قَدَ امْسَوْا لا يُبِنُّونَ الكَلاما فَلَمّا غَنَّتا بِهِ قالُوا: إنَّ قَوْمَكم يَتَغَوَّثُونَ مِنَ البَلاءِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ وقَدْ أبْطَأْتُمْ عَلَيْهِمْ، فادْخُلُوا الحَرَمَ واسْتَسْقُوا لِقَوْمِكم، فَقالَ لَهم مَرْثَدُ بْنُ سَعْدٍ: واللَّهِ لا تُسْقَوْنَ بِدُعائِكم، ولَكِنْ إنْ أطَعْتُمْ نَبِيَّكم وتُبْتُمْ إلى اللَّهِ تَعالى سُقِيتُمْ، وأظْهَرَ إسْلامَهُ، فَقالُوا لِمُعاوِيَةَ: احْبِسْ عَنّا مَرْثَدًا لا يَقْدِمَنَّ مَعَنا، فَإنَّهُ قَدِ اتَّبَعَ هُودَ وتَرَكَ دِينَنا، ثُمَّ دَخَلُوا مَكَّةَ فَقالَ: قِيلَ: اللَّهُمَّ اسْقِ عادًا ما كُنْتَ تَسْقِيهِمْ؛ فَأنْشَأ اللَّهُ تَعالى سَحاباتٍ ثَلاثًا: بَيْضاءَ، وحَمْراءَ، وسَوْداءَ، ثُمَّ ناداهُ مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: يا قِيلُ؛ اخْتَرْ لِنَفْسِكَ ولِقَوْمِكَ، فَقالَ: اخْتَرْتُ السَّوْداءَ، فَإنَّها أكْثَرُهُنَّ ماءً، فَخَرَجَتْ عَلى عادٍ مِن وادٍ يُقالُ لَهُ: المُغِيثُ، فاسْتَبْشَرُوا بِها وقالُوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾؛ فَجاءَتْهم مِنّا رِيحٌ عَقِيمٌ فَأهْلَكَتْهم، ونَجا هُودٌ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ فَأتَوْا مَكَّةَ، فَعَبَدُوا اللَّهَ تَعالى (p-241)فِيها إلى أنْ ماتُوا.

الأعراف 7:73

﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾ عَطْفٌ عَلى ما سَبَقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ "، مُوافِقٌ لَهُ في تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ، وثَمُودُ: قَبِيلَةٌ مِنَ العَرَبِ، سُمُّوا بِاسْمِ أبِيهِمُ الأكْبَرِ ثَمُودَ بْنِ عابِرِ بْنِ إرَمَ ابْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ. وَقِيلَ: إنَّما سُمُّوا بِذَلِكَ لِقِلَّةِ مائِهِمْ، مِنَ الثَّمَدِ: وهو الماءُ القَلِيلُ، وقُرِئَ بِالصَّرْفِ بِتَأْوِيلِ الحَيِّ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الحِجْرَ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ إلى وادِي القُرى. وَأُخُوَّةُ صالِحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم مِن حَيْثُ النَّسَبُ كَهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ صالِحُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ آسِفِ بْنِ ماسِحِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ حاذِرِ بْنِ ثَمُودَ، ولَمّا كانَ الإخْبارُ بِإرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ، مَظِنَّةً لِأنْ يُسْألَ، ويُقالَ: فَماذا قالَ لَهم ؟ قِيلَ جَوابًا عَنْهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في نَظائِرِهِ. ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾؛ أيْ: آيَةٌ ومُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ شاهِدَةٌ بِنُبُوَّتِي، وهي مِنَ الألْفاظِ الجارِيَةِ مَجْرى الأبْطَحِ والأبْرَقِ في الِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفاتِها حالَةَ الإفْرادِ والجَمْعِ، كالصّالِحِ إفْرادًا وجَمْعًا، وكَذَلِكَ الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، سَواءٌ كانَتا صِفَتَيْنِ لِلْأعْمالِ، أوِ المَثُوبَةِ، أوِ الحالَةِ مِنَ الرَّخاءِ والشِّدَّةِ، ولِذَلِكَ أُولِيَتِ العَوامِلَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَبَيِّنَةٌ، كَما مَرَّ مِرارًا، والمُرادُ بِها: النّاقَةُ، ولَيْسَ هَذا الكَلامُ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ ما خاطَبَهم إثْرَ دَعْوَتِهِمْ إلى التَّوْحِيدِ، بَلْ إنَّما قالَهُ بَعْدَ ما نَصَحَهم وذَكَّرَهم بِنِعَمِ اللَّهِ تَعالى، فَلَمْ يَقْبَلُوا كَلامَهُ وكَذَّبُوهُ، ألا يُرى إلى ما في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها ...﴾ إلى آخِرِ الآياتِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا أُهْلِكَتْ عادٌ، عَمَرَتْ ثَمُودُ بِلادَها وخَلَّفُوهم في الأرْضِ، وكَثُرُوا وعَمَّرُوا أعْمارًا طِوالًا، حَتّى إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَبْنِي المَسْكَنَ المُحْكَمَ فَيَنْهَدِمُ في حَياتِهِ، فَنَحَتُوا البُيُوتَ مِنَ الجِبالِ، وكانُوا في سَعَةٍ ورَخاءٍ مِنَ العَيْشِ، فَعَتَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى وأفْسَدُوا في الأرْضِ، وعَبَدُوا الأوْثانَ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ صالِحًا، وكانُوا قَوْمًا عَرَبًا، وصالِحٌ مِن أوْساطِهِمْ نَسَبًا؛ فَدَعاهم إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم مُسْتَضْعَفُونَ، فَحَذَّرَهم وأنْذَرَهم، فَسَألُوهُ آيَةً، فَقالَ: أيُّ آيَةٍ تُرِيدُونَ ؟ قالُوا: تَخْرُجُ مَعَنا إلى عِيدِنا في يَوْمٍ مَعْلُومٍ لَهم مِنَ السَّنَةِ، فَتَدْعُو إلَهَكَ ونَدْعُوا آلِهَتَنا، فَإنِ اسْتُجِيبَ لَكَ اتَّبَعْناكَ، وإنِ اسْتُجِيبَ لَنا اتَّبَعْتَنا؛ فَقالَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَعَمْ؛ فَخَرَجَ مَعَهم ودَعَوْا أوْثانَهم وسَألُوا الِاسْتِجابَةِ فَلَمْ تُجِبْهم، ثُمَّ قالَ سَيِّدُهم جُنْدَعُ بْنُ عَمْرٍو، وأشارَ إلى صَخْرَةٍ مُنْفَرِدَةٍ في ناحِيَةِ الجَبَلِ - يُقالُ لَها: الكاثِبَةُ -: أخْرِجْ لَنا مِن هَذِهِ الصَّخْرَةِ ناقَةً مُخْتَرِجَةً جَوْفاءَ وبْراءَ - والمُخْتَرِجَةُ: الَّتِي شاكَلَتِ البُخْتَ - فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ وأجَبْناكَ، فَأخَذَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ المَواثِيقَ لَئِنْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لِتُؤْمِنُنَّ ولَتُصَدِّقُنَّ، قالُوا: نَعَمْ؛ فَصَلّى ودَعا رَبَّهُ، فَتَمَخَّضَتِ الصَّخْرَةُ تَمَخُّضَ النَّتُوجِ بِوَلَدِها، فانْصَدَعَتْ عَنْ ناقَةٍ عُشَراءَ جَوْفاءَ وبْراءَ كَما وصَفُوا، لا يَعْلَمُ ما بَيْنَ جَنْبَيْها إلّا اللَّهُ تَعالى، وعُظَماؤُهم يَنْظُرُونَ، ثُمَّ نُتِجَتْ ولَدًا مِثْلَها في العِظَمِ؛ فَآمَنَ بِهِ جُنْدَعٌ ورَهْطٌ مِن قَوْمِهِ، ومَنَعَ أعْقابَهم ناسٌ مِن رُءُوسِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا، فَمَكَثَتِ النّاقَةُ مَعَ ولَدِها تَرْعى الشَّجَرَ وتَشْرَبُ الماءَ، (p-242)وَكانَتْ تَرِدُ غِبًّا؛ فَإذا كانَ يَوْمُها وضَعَتْ رَأْسَها في البِئْرِ، فَما تَرْفَعُها حَتّى تَشْرَبَ كُلَّ ما فِيها، ثُمَّ تَتَفَحَّجُ، فَيَحْتَلِبُونَ ما شاءُوا حَتّى تَمْتَلِئَ أوانِيهِمْ، فَيَشْرَبُونَ ويَدَّخِرُونَ، وكانَتْ إذا وقَعَ الحَرُّ تَصَيَّفَتْ بِظَهْرِ الوادِي، فَيَهْرُبُ مِنها أنْعامُهم، فَتَهْبِطُ إلى بَطْنِهِ، وإذا وقَعَ البَرْدُ تَشَتَّتْ بِبَطْنِ الوادِي، فَتَهْرُبُ مَواشِيهِمْ إلى ظَهْرِهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وزَيَّنَتْ عَقْرَها لَهُمُ امْرَأتانِ: عُنَيْزَةُ أمُّ غَنَمٍ وصَدَقَةُ بِنْتُ المُخْتارِ، لِما أضَرَّتْ بِهِ مِن مَواشِيهِما، وكانَتا كَثِيرَتَيِ المَواشِي، فَعَقَرُوها واقْتَسَمُوا لَحْمَها وطَبَخُوهُ، فانْطَلَقَ سَقِيُّها حَتّى رَقى جَبَلًا اسْمُهُ قارَةُ فَرَغا ثَلاثًا، وكانَ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهم: أدْرِكُوا الفَصِيلَ عَسى أنْ يُرْفَعَ عَنْكُمُ العَذابُ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فانْفَجَّتِ الصَّخْرَةُ بَعْدَ رُغائِهِ فَدَخَلَها، فَقالَ لَهم صالِحٌ: تُصْبِحُونَ غَدًا وُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، وبَعْدَ غَدٍ ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ، واليَوْمَ الثّالِثَ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ، فَلَمّا رَأوُا العَلاماتِ طَلَبُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَأنْجاهُ اللَّهُ تَعالى إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ، ولَمّا كانَ اليَوْمُ الرّابِعُ وارْتَفَعَ الضُّحى، تَحَنَّطُوا بِالصَّبِرِ وتَكَفَّنُوا بِالأنْطاعِ، فَأتَتْهم صَيْحَةٌ مِنَ السَّماءِ ورَجْفَةٌ مِنَ الأرْضِ، فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهم فَهَلَكُوا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ البَيِّنَةِ، وإضافَةُ النّاقَةِ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها، ولِمَجِيئِها مِن جِهَتِهِ تَعالى بِلا أسْبابٍ مَعْهُودَةٍ، ووَسايِطَ مُعْتادَةٍ، ولِذَلِكَ كانَتْ آيَةً وأيَّ آيَةٍ، ولَكم بَيانٌ لِمَن هي آيَةٌ لَهُ. وانْتِصابُ آيَةٍ عَلى الحالِيَّةِ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الإشارَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ناقَةُ اللَّهِ بَدَلًا مِن هَذِهِ، أوْ عَطْفَ بَيانٍ لَهُ، أوْ مُبْتَدَأً ثانِيًا، ولَكم خَبَرًا عامِلًا في آيَةٌ. ﴿فَذَرُوها﴾ تَفْرِيعٌ عَلى كَوْنِها آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُوجِبُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ لَها. ﴿تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾ جَوابُ الأمْرِ؛ أيِ: النّاقَةُ ناقَةُ اللَّهِ والأرْضُ أرْضُ اللَّهِ تَعالى، فاتْرُكُوها تَأْكُلْ ما تَأْكُلُ في أرْضِ رَبِّها، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَحُولُوا بَيْنَها وبَيْنَها، وقُرِئَ: ( تَأْكُلُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: آكِلَةً فِيها. وَعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلشُّرْبِ إمّا لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِذِكْرِ الأكْلِ، أوْ لِتَعْمِيمِهِ لَهُ أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ: عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبٌ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ . ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ نُهِيَ عَنِ المَسِّ الَّذِي هو مُقَدِّمَةُ الإصابَةِ بِالشَّرِّ الشّامِلِ لِأنْواعِ الأذِيَّةِ، ونُكِّرَ السُّوءُ مُبالَغَةً في النَّهْيِ؛ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ مِمّا يَسُوءُها أصْلًا، ولا تَطْرُدُوها، ولا تُرِيبُوها إكْرامًا لِآيَةِ اللَّهِ تَعالى. ﴿فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ النَّهْيِ، ويُرْوى «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَرَّ بِالحِجْرِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قالَ لِأصْحابِهِ: " لا يَدْخُلَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ القَرْيَةَ، ولا تَشْرَبُوا مِن مائِها، ولا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلاءِ المُعَذَّبِينَ إلّا أنْ تَكُونُوا باكِينَ أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ الَّذِي أصابَهم» " . «وَقالَ ﷺ لَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " يا عَلِيُّ؛ أتُدْرِي مَن أشْقى الأوَّلِينَ " ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: " عاقِرُ ناقَةِ صالِحٍ، أتَدْرِي مَن أشْقى الآخِرِينَ " ؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: " قاتِلُكَ "» .

الأعراف 7:74

﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾؛ أيْ: خُلَفاءَ في الأرْضِ، أوْ خُلَفاءَ لَهم كَما مَرَّ. ﴿وَبَوَّأكم في الأرْضِ﴾؛ أيْ: جَعَلَ لَكم مَباءَةً ومَنزِلًا في أرْضِ الحِجْرِ بَيْنَ الحِجازِ والشّامِ. ﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِها قُصُورًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّبْوِئَةِ؛ أيْ: تَبْنُونَ في سُهُولِها قُصُورًا رَفِيعَةً، أوْ تَبْنُونَ مِن سُهُولَةِ الأرْضِ بِما تَعْلَمُونَ مِنها مِنَ الرَّهْصِ، واللَّبِنِ، والآجُرِّ. ﴿وَتَنْحِتُونَ الجِبالَ﴾ (p-243)؛ أيِ: الصُّخُورَ، وقُرِئَ: ( تَنْحَتُونَ ) بِفَتْحِ الحاءِ، وتَناحَتُونَ بِإشْباعِ الفَتْحَةِ، كَما في قَوْلِهِ: يَنْباعُ مِن ذِفْرى أسِيلٍ حُرَّةٍ والنَّحْتُ: نَجْرُ الشَّيْءِ الصَّلْبِ، فانْتِصابُ الجِبالِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ. وانْتِصابُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بُيُوتًا﴾ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنها، كَما تَقُولُ: خِطْتُ هَذا الثَّوْبَ قَمِيصًا. وقِيلَ: انْتِصابُ الجِبالِ عَلى إسْقاطِ الجارِّ؛ أيْ: مِنَ الجِبالِ، وانْتِصابُ بُيُوتًا عَلى المَفْعُولِيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُضَمَّنَ النَّحْتُ مَعْنى الِاتِّخاذِ؛ فانْتِصابُهُما عَلى المَفْعُولِيَّةِ، قِيلَ: كانُوا يَسْكُنُونَ السُّهُولَ في الصَّيْفِ، والجِبالَ في الشِّتاءِ. ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلَيْكم مِمّا ذُكِرَ، أوْ جَمِيعَ آلائِهِ الَّتِي هَذِهِ مِن جُمْلَتِها. ﴿وَلا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ فَإنَّ حَقَّ آلائِهِ تَعالى أنْ تُشْكَرَ ولا تُهْمَلَ ولا يُغْفَلَ عَنْها، فَكَيْفَ بِالكُفْرِ والعِثِيِّ في الأرْضِ بِالفَسادِ.

الأعراف 7:75

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾؛ أيْ: عَتَوْا وتَكَبَّرُوا، اسْتِئْنافٌ كَما سَلَفَ، وقُرِئَ بِالواوِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ ... " إلَخْ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ لِلتَّبْلِيغِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن آمَنَ مِنهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ بِإعادَةِ العامِلِ بَدَلَ الكُلِّ إنْ كانَ ضَمِيرُ " ﴿مِنهُمْ﴾ " لِقَوْمِهِ، وبَدَلَ البَعْضِ إنْ كانَ " لِلَّذِينِ اسْتُضْعِفُوا " عَلى أنَّ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مَن لَمْ يُؤْمِن، والأوَّلُ هو الوَجْهُ؛ إذْ لا داعِيَ إلى تَوْجِيهِ الخِطابِ أوَّلًا إلى جَمِيعِ المُسْتَضْعَفِينَ، مَعَ أنَّ المُجاوَبَةَ مَعَ المُؤْمِنِينَ مِنهم عَلى أنَّ الِاسْتِضْعافَ مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِينَ؛ أيْ: قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتَضْعَفُوهم واسْتَرْذَلُوهم. ﴿أتَعْلَمُونَ أنَّ صالِحًا مُرْسَلٌ مِن رَبِّهِ﴾ وإنَّما قالُوهُ بِطَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ. ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ عَدَلُوا عَنِ الجَوابِ المُوافِقِ لِسُؤالِهِمْ بِأنْ يَقُولُوا: نَعَمْ، أوْ نَعْلَمُ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنهُ تَعالى؛ مُسارَعَةً إلى تَحْقِيقِ الحَقِّ، وإظْهارِ ما لَهم مِنَ الإيمانِ الثّابِتِ المُسْتَمِرِّ، الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ أمْرَ إرْسالِهِ مِنَ الظُّهُورِ، بِحَيْثُ لا يَنْبَغِي أنْ يُسْألَ عَنْهُ، وإنَّما الحَقِيقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ هو الإيمانُ بِهِ.

الأعراف 7:76

﴿قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ أُعِيدَ المَوْصُولُ مَعَ صِلَتِهِ مَعَ كِفايَةِ الضَّمِيرِ؛ إيذانًا بِأنَّهم قَدْ قالُوا ما قالُوهُ بِطَرِيقِ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ. ﴿إنّا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: إنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ كافِرُونَ، إظْهارًا لِمُخالَفَتِهِمْ إيّاهم ورَدًّا لِمَقالَتِهِمْ.

الأعراف 7:77

﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾؛ أيْ: نَحَرُوها، أُسْنِدَ العَقْرُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّ المُباشِرَ بَعْضُهم لِلْمُلابَسَةِ، أوْ لِأنَّ ذَلِكَ لَمّا كانَ بِرِضاهم فَكَأنَّهُ فَعَلَهُ كُلُّهم، وفِيهِ مِن تَهْوِيلِ الأمْرِ وتَفْظِيعِهِ بِحَيْثُ أصابَتْ غائِلَتُهُ الكُلَّ ما لا يَخْفى. ﴿وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾؛ أيِ: اسْتَكْبَرُوا عَنِ امْتِثالِهِ، وهو ما بَلَّغَهم صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ. ﴿وَقالُوا﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِطَرِيقِ التَّعْجِيزِ والإفْحامِ عَلى زَعْمِهِمْ. ﴿يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا﴾؛ أيْ: مِنَ العَذابِ، والإطْلاقُ لِلْعِلْمِ بِهِ قَطْعًا. ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ فَإنَّ كَوْنَكَ مِن جُمْلَتِهِمْ يَسْتَدْعِي صِدْقَ ما تَقُولُ مِنَ (p-244)الوَعْدِ والوَعِيدِ.

الأعراف 7:78

﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، لَكِنْ لا إثْرَ ما قالُوا ما قالُوا، بَلْ بَعْدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ ما جَرى مِن مَبادِئِ العَذابِ في الأيّامِ الثَّلاثَةِ حَسْبَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ. ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾؛ أيْ: صارُوا في أرْضِهِمْ وبَلَدِهِمْ، أوْ في مَساكِنِهِمْ. ﴿جاثِمِينَ﴾ خامِدِينَ، مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ، وأصْلُ الجُثُومِ: البُرُوكُ، يُقالُ: النّاسُ جُثُومٌ؛ أيْ: قُعُودٌ لا حَراكَ بِهِمْ، ولا يَنْبِسُونَ نُبْسَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الجُثُومُ لِلنّاسِ والطَّيْرِ، والبُرُوكُ لِلْإبِلِ، والمُرادُ: كَوْنُهم كَذَلِكَ عِنْدَ ابْتِداءِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ مِن غَيْرِ اضْطِرابٍ ولا حَرَكَةٍ، كَما يَكُونُ عِنْدَ المَوْتِ المُعْتادِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِن شِدَّةِ الأخْذِ وسُرْعَةِ البَطْشِ، اللَّهُمَّ إنّا بِكَ نَعُوذُ مِن نُزُولِ سُخْطِكَ وحُلُولِ غَضَبِكَ. وَجاثِمِينَ خَبَرٌ لِأصْبَحُوا، والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ ولا مَساغَ لِكَوْنِهِ خَبَرًا، أوْ جاثِمِينَ حالًا لِإفْضائِهِ إلى كَوْنِ الإخْبارِ بِكَوْنِهِمْ في دارِهِمْ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وكَوْنِهِمْ جاثِمِينَ قَيْدًا تابِعًا لَهُ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، قِيلَ: حَيْثُ ذُكِرَتِ الرَّجْفَةُ وُحِّدَتِ الدّارُ، وحَيْثُ ذُكِرَتِ الصَّيْحَةُ جُمِعَتْ؛ لِأنَّ الصَّيْحَةَ كانَتْ مِنَ السَّماءِ، فَبُلُوغُها أكْثَرُ وأبْلَغُ مِنَ الزَّلْزَلَةِ، فَقُرِنَ كُلٌّ مِنهُما بِما هو ألْيَقُ بِهِ.

الأعراف 7:79

﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ إثْرَ ما شاهَدَ ما جَرى عَلَيْهِمْ، تَوَلّى مُغْتَمٌّ، مُتَحَسِّرٌ عَلى ما فاتَهم مِنَ الإيمانِ، مُتَحَزِّنٌ عَلَيْهِمْ. ﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وبَذَلْتُ فِيكم وُسْعِي، ولَكِنْ لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ذَلِكَ. وَصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ؛ أيْ: شَأْنُكم الِاسْتِمْرارُ عَلى بُغْضِ النّاصِحِينَ وعَداوَتِهِمْ، خاطَبَهم ﷺ بِذَلِكَ خِطابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ قَلِيبِ بَدْرٍ، حَيْثُ قالَ: " «إنّا وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا» " . وَقِيلَ: إنَّما تَوَلّى عَنْهم قَبْلَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ ﷺ لِعَلاماتِهِ، تَوَلّى ذاهِبٌ عَنْهم مُنْكِرٌ لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ. وَرُوِيَ أنَّ عَقْرَهُمُ النّاقَةَ كانَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ، ونَزَلَ بِهِمُ العَذابُ يَوْمَ السَّبْتِ، ورُوِيَ أنَّهُ خَرَجَ في مِائَةٍ وعَشَرَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وهو يُبْكِي، فالتَفَتَ فَرَأى الدُّخانَ ساطِعًا، فَعَلِمَ أنَّهم قَدْ هَلَكُوا، وكانُوا ألْفًا وخَمْسَمِائَةِ دارٍ، ورُوِيَ أنَّهُ رَجَعَ بِمَن مَعَهُ فَسَكَنُوا دِيارَهم.

الأعراف 7:80

﴿وَلُوطًا﴾ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، مَعْطُوفٍ عَلى ما سَبَقَ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ مُقَدَّمًا عَلى المَنصُوبِ حَسْبَما وقَعَ فِيما سَبَقَ وما لَحِقَ، قَدْ مَرَّ بَيانُهُ في قِصَّةِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو لُوطُ بْنُ هارانَ بْنِ تارِخِ ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، كانَ مِن أرْضِ بابِلَ مِنَ العِراقِ مَعَ عَمِّهِ إبْراهِيمَ، فَهاجَرَ إلى الشّامِ فَنَزَلَ فِلَسْطِينَ، وأنْزَلَ لُوطًا الأُرْدُنَّ، وهي كُورَةٌ بِالشّامِ، فَأرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلى أهْلِ سَدُومَ، وهي بَلَدٌ بِحِمْصَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ ظَرْفٌ لِلْمُضْمَرِ المَذْكُورِ؛ أيْ: أرْسَلْنا لُوطًا إلى قَوْمِهِ وقْتَ قَوْلِهِ لَهم ... إلَخْ. وَلَعَلَّ تَقْيِيدَ إرْسالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، لِما أنَّ إرْسالَهُ إلَيْهِمْ لَمْ يَكُنْ في أوَّلِ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ. وَقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن " لُوطًا " بَدَلَ اشْتِمالٍ عَلى أنَّ انْتِصابَهُ بِاذْكُرْ؛ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ بِطَرِيقِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ التَّقْرِيعِيِّ؛ أيْ: أتَفْعَلُونَ تِلْكَ الفِعْلَةَ المُتَناهِيَةَ في القُبْحِ، المُتَمادِيَةِ في (p-245)الشَّرِّيَّةِ والسُّوءِ. ﴿ما سَبَقَكم بِها﴾ ما عَمِلَها قَبْلَكم، عَلى أنَّ الباءَ لِلتَّعْدِيَةِ، كَما في قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: " سَبَقَكَ بِها عُكّاشَةُ "، مِن قَوْلِكَ: سَبَقْتُهُ بِالكُرَةِ؛ أيْ: ضَرَبْتُها قَبْلَهُ. وَ" مِن " في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أحَدٍ﴾ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ وإفادَةِ مَعْنى الِاسْتِغْراقِ. وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ لِلتَّبْعِيضِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ، وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، فَإنَّ مُباشَرَةَ القَبِيحِ واخْتِراعَهُ أقْبَحُ، ولَقَدْ أنْكَرَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ أوَّلًا إتْيانَ الفاحِشَةِ، ثُمَّ وبَّخَهم بِأنَّهم أوَّلُ مَن عَمِلَها، فَإنَّ سَبْكَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وإنْ كانَ عَلى نَفْيِ كَوْنِهِمْ مَسْبُوقِينَ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكَوْنِهِمْ سابِقِينَ، لَكِنَّ المُرادَ: أنَّهم سابِقُونَ لِكُلِّ مَن عَداهم مِنَ العالَمِينَ، كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ . أوْ مَسُوقَةٌ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ مِن جِهَتِهِمْ: لِمَ لا نَأْتِيها ؟ فَقِيلَ بَيانًا لِلْعِلَّةِ وإظْهارًا لِلزّاجِرِ: ما سَبَقَكم بِها أحَدٌ؛ لِغايَةِ قُبْحِها وسُوءِ سَبِيلِها، فَكَيْفَ تَفْعَلُونَها. قالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: ما نَزا ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ حَتّى كانَ قَوْمُ لُوطٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَقَ: كانَتْ لَهم ثِمارٌ وقُرًى لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا مِثْلُها، فَقَصَدَهُمُ النّاسُ فَآذَوْهم، فَعَرَضَ لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ: إنْ فَعَلْتُمْ بِهِمْ كَذا وكَذا نَجَوْتُمْ مِنهم؛ فَأبَوْا، فَلَمّا ألَحَّ النّاسُ عَلَيْهِمْ قَصَدُوهم، فَأصابُوا غِلْمانًا صِباحًا فَأُخْبِثُوا، فاسْتَحْكَمَ فِيهِمْ ذَلِكَ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا لا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إلّا بِالغُرَباءِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: أوَّلُ مَن فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ الفِعْلُ إبْلِيسُ الخَبِيثُ، حَيْثُ تَمَثَّلَ لَهم في صُورَةِ شابٍّ جَمِيلٍ، فَدَعاهم إلى نَفْسِهِ، ثُمَّ عَبَثُوا بِذَلِكَ العَمَلِ.

الأعراف 7:81

﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ تِلْكَ الفاحِشَةِ، وقُرِئَ بِهَمْزَتَيْنِ صَرِيحَتَيْنِ وبِتَلْيِينِ الثّانِيَةِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وبِمَدٍّ أيْضًا عَلى أنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْإنْكارِ السّابِقِ، وتَشْدِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ، وفي زِيادَةِ " إنَّ " واللّامِ مَزِيدُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، كَأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يَتَحَقَّقُ صُدُورُهُ عَنْ أحَدٍ، فَيُؤَكَّدُ تَأْكِيدًا قَوِيًّا، وفي إيرادِ لَفْظِ الرِّجالِ دُونَ الغِلْمانِ، والمِرْدانِ، ونَحْوِهِما، مُبالَغَةٌ في التَّوْبِيخِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿شَهْوَةً﴾ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، وفي التَّقْيِيدِ بِها وصْفُهم بِالبَهِيمَةِ الصِّرْفَةِ، وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العاقِلَ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَكُونَ الدّاعِي لَهُ إلى المُباشَرَةِ طَلَبَ الوَلَدِ، وبَقاءَ النَّوْعِ، لا قَضاءَ الشَّهْوَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: الإنْكارَ عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعَهم عَلى اشْتِهائِهِمْ تِلْكَ الفِعْلَةَ الخَبِيثَةَ المَكْرُوهَةَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن دُونِ النِّساءِ﴾؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ النِّساءَ اللّاتِي هُنَّ مَحَلُّ الِاشْتِهاءِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾ . ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ إضْرابٌ عَنِ الإنْكارِ المَذْكُورِ إلى الإخْبارِ بِحالِهِمُ الَّتِي أفْضَتْهم إلى ارْتِكابِ أمْثالِها، وهي اعْتِيادُ الإسْرافِ في كُلِّ شَيْءٍ، أوْ عَنِ الإنْكارِ عَلَيْها إلى الذَّمِّ عَلى جَمِيعِ مَعايِبِهِمْ، أوْ عَنْ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا عُذْرَ لَكم فِيهِ، بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ عادَتُكُمُ الإسْرافُ.

الأعراف 7:82

﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾؛ أيِ: المُسْتَكْبِرِينَ مِنهُمُ، المُتَوَلِّينَ لِلْأمْرِ والنَّهْيِ، المُتَصَدِّينَ لِلْعَقْدِ والحَلِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأشْياءِ؛ أيْ: ما كانَ جَوابًا مِن جِهَةِ قَوْمِهِ شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ، إلاَّ قَوْلُهم؛ أيْ: لِبَعْضِهِمُ الآخَرِينَ المُباشِرِينَ لِلْأُمُورِ، مُعْرِضِينَ عَنْ مُخاطَبَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿أخْرِجُوهُمْ﴾؛ أيْ: لُوطًا ومَن مَعَهُ مِن أهْلِهِ المُؤْمِنِينَ. ﴿مِن قَرْيَتِكُمْ﴾؛ أيْ: إلّا هَذا القَوْلُ الَّذِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِكَلامِ (p-246)لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقُرِئَ بِرَفْعِ جَوابَ عَلى أنَّهُ اسْمُ كانَ، وإلّا أنْ قالُوا ... إلَخْ خَبَرُها، وهو أظْهَرُ. وَإنْ كانَ الأوَّلُ أقْوى في الصِّناعَةِ؛ لِأنَّ الأعْرَفَ أحَقُّ بِالِاسْمِيَّةِ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم بِصَدَدِ الجَوابِ عَنْ مَقالاتِ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَواعِظِهِ، إلّا هَذِهِ المَقالَةُ الباطِلَةُ، كَما هو المُتَسارِعُ إلى الإفْهامِ، بَلْ إنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ عَنْهم في المَرَّةِ الأخِيرَةِ مِن مَرّاتِ المُحاوَراتِ الجارِيَةِ بَيْنَهم وبَيْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، إلّا هَذِهِ الكَلِمَةُ الشَّنِيعَةُ، وإلّا فَقَدْ صَدَرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ التُّرَّهاتِ، حَسْبَما حُكِيَ عَنْهم في سائِرِ السُّوَرِ الكَرِيمَةِ، وهَذا هو الوَجْهُ في نَظائِرِهِ الوارِدَةِ بِطَرِيقِ القَصْرِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالإخْراجِ، ووَصْفُهم بِالتَّطْهِيرِ لِلِاسْتِهْزاءِ والسُّخْرِيَةِ بِهِمْ، وبِتَطَهُّرِهِمْ مِنَ الفَواحِشِ والخَبائِثِ، والِافْتِخارِ بِما هم فِيهِ مِنَ القَذارَةِ، كَما هو دِينُ الشُّطّارِ والدُّعّارِ.

الأعراف 7:83

﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾؛ أيِ: المُؤْمِنِينَ مِنهم. ﴿إلا امْرَأتَهُ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أهْلِهِ، فَإنَّها كانَتْ تُسِرُّ بِالكُفْرِ. ﴿كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾؛ أيِ: الباقِينَ في دِيارِهِمُ الهالِكِينَ فِيها، والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ، ولِبَيانِ اسْتِحْقاقِها لِما يَسْتَحِقُّهُ المُباشِرُونَ لِلْفاحِشَةِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ عَنِ اسْتِثْنائِها مِن حُكْمِ الإنْجاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا كانَ حالُها ؟ فَقِيلَ: كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ.

الأعراف 7:84

﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾؛ أيْ: نَوْعًا مِنَ المَطَرِ عَجِيبًا، وقَدْ بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ . قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مُطِرَ في الرَّحْمَةِ، وأُمْطِرَ في العَذابِ. وقالَ الرّاغِبُ: مُطِرَ في الخَيْرِ، وأُمْطِرَ في العَذابِ، والصَّحِيحُ أنَّ أمْطَرْنا بِمَعْنى: أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ إرْسالَ المَطَرِ. قِيلَ: كانَتِ المُؤْتَفِكَةُ خَمْسَ مَدائِنَ. وقِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ، فَأمْطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الكِبْرِيتَ والنّارَ. وقِيلَ: خُسِفَ بِالمُقِيمِينَ مِنهم، وأُمْطِرَتِ الحِجارَةُ عَلى مُسافِرِيهِمْ وشُذّاذِهِمْ. وقِيلَ: أُمْطِرَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ خُسِفَ بِهِمْ. وَرُوِيَ أنَّ تاجِرًا مِنهم كانَ في الحَرَمِ، فَوَقَفَ الحَجَرُ لَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى قَضى تِجارَتَهُ وخَرَجَ مِنَ الحَرَمِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ، ورُوِيَ أنَّ امْرَأتَهُ التَفَتَتْ نَحْوَ دِيارِها فَأصابَها حَجَرٌ؛ فَماتَتْ. ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُجْرِمِينَ﴾ خِطابٌ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ، تَعْجِيبًا مِن حالِهِمْ وتَحْذِيرًا مِن أعْمالِهِمْ.

الأعراف 7:85

﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، وما عُطِفَ عَلَيْهِ، وقَدْ رُوعِيَ هَهُنا ما في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مِن تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى المَنصُوبِ؛ أيْ: وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ، وهم أوْلادُ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شُعَيْبَ بْنَ مِيكائِيلَ بْنِ يَشْجَرَ بْنِ مَدْيَنَ. وَقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ ثُوَيْبِ بْنِ مَدْيَنَ. وقِيلَ: شُعَيْبُ بْنُ يَثْرُونَ بْنِ مَدْيَنَ، وكانَ يُقالُ لَهُ: خَطِيبُ الأنْبِياءِ؛ لِحُسْنِ مُراجَعَتِهِ قَوْمَهُ، وكانُوا أهْلَ بَخْسٍ لِلْمَكايِيلِ والمَوازِينِ مَعَ كُفْرِهِمْ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ (p-247)عَلى سُؤالٍ نَشَأ عَنْ حِكايَةِ إرْسالِهِ إلَيْهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ لَهم ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ مَرَّ تَفْسِيرُهُ مِرارًا. ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ﴾؛ أيْ: مُعْجِزَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجاءَتْكم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِلَةٌ لِفاعِلِهِ، مُؤَكِّدَةٌ لِفَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِن تَنْكِيرِهِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: بَيِّنَةٌ عَظِيمَةٌ ظاهِرَةٌ كائِنَةٌ مِن رَبِّكم، ومالِكِ أُمُورِكم. وَلَمْ يُذْكَرْ مُعْجِزَتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في القرآن العَظِيمِ، كَما لَمْ يُذْكَرْ أكْثَرُ مُعْجِزاتِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَمِنها ما رُوِيَ مِن مُحارَبَةِ عَصا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ التِّنِّينَ حِينَ دَفَعَ إلَيْهِ غَنَمَهُ، ومِنها وِلادَةُ الغَنَمِ الدُّرْعَ خاصَّةً حِينَ وعَدَ أنْ يَكُونَ لَهُ الدُّرْعُ مِن أوْلادِها، ومِنها وُقُوعُ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى يَدِهِ في المَرّاتِ السَّبْعِ؛ لِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ أنْ يُسْتَنْبَأ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وَقِيلَ: البَيِّنَةُ: مَجِيئُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾؛ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ وبُرْهانٌ نَيِّرٌ، عُبِّرَ بِهِما عَمّا آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ. ﴿فَأوْفُوا الكَيْلَ﴾؛ أيِ: المِكْيالَ، كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمِيزانَ﴾ فَإنَّ المُتَبادِرَ مِنهُ الآلَةُ، وإنْ جازَ كَوْنُهُ مَصْدَرًا كالمِيعادِ. وقِيلَ: آلَةُ الكَيْلِ، والوَزْنُ عَلى الإضْمارِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى مَجِيءِ البَيِّنَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى اعْبُدُوا، فَإنَّ عِبادَةَ اللَّهِ تَعالى مُوجِبَةٌ لِلِاجْتِنابِ عَنِ المَناهِي الَّتِي مُعْظَمُها بَعْدَ الكُفْرِ البَخْسُ الَّذِي كانُوا يُباشِرُونَهُ. ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ الَّتِي تَشْتَرُونَها بِهِما مُعْتَمِدِينَ عَلى تَمامِهِما، أيَّ شَيْءٍ كانَ، وأيَّ مِقْدارٍ كانَ، فَإنَّهم كانُوا يَبْخَسُونَ الجَلِيلَ والحَقِيرَ، والقَلِيلَ والكَثِيرَ. وَقِيلَ: كانُوا مَكّاسِينَ لا يَدَعُونَ شَيْئًا إلّا مَكَسُوهُ، قالَ زُهَيْرٌ: أفِي كُلِّ أسْواقِ العِراقِ إتاوَةٌ ... وفي كُلِّ ما باعَ امْرُؤٌ مَكْسُ دِرْهَمِ ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: بِالكُفْرِ والحَيْفِ. ﴿بَعْدَ إصْلاحِها﴾ بَعْدَ ما أصْلَحَ أمْرَها وأهْلَها الأنْبِياءُ وأتْباعُهم بِإجْراءِ الشَّرائِعِ، أوْ أصْلَحُوا فِيها، وإضافَتُهُ إلَيْها كَإضافَةِ مَكْرِ اللَّيْلِ والنَّهارِ. ﴿ذَلِكم خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى العَمَلِ بِما أمَرَهم بِهِ ونَهاهم عَنْهُ، ومَعْنى الخَيْرِيَّةِ: إمّا الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، أوْ في الإنْسانِيَّةِ وحُسْنِ الأُحْدُوثَةِ، وما يَطْلُبُونَهُ مِنَ التَّكَسُّبِ والرِّبْحِ؛ لِأنَّ النّاسَ إذا عَرَفُوهم بِالأمانَةِ، رَغِبُوا في مُعامَلَتِهِمْ ومُتاجَرَتِهِمْ. ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: مُصَدِّقِينَ لِي في قَوْلِي هَذا.

الأعراف 7:86

﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾؛ أيْ: بِكُلِّ طَرِيقٍ مِن طُرُقِ الدِّينِ كالشَّيْطانِ. وصِراطُ الحَقِّ وإنْ كانَ واحِدًا، لَكِنَّهُ يَتَشَعَّبُ إلى مَعارِفَ وحُدُودٍ وأحْكامٍ، وكانُوا إذا رَأوْا أحَدًا يَشْرَعُ في شَيْءٍ مِنها مَنَعُوهُ. وَقِيلَ: كانُوا يَجْلِسُونَ عَلى المَراصِدِ، فَيَقُولُونَ لِمَن يُرِيدُ شُعْيَبًا: إنَّهُ كَذّابٌ لا يَفْتِنَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، ويَتَوَعَّدُونَ لِمَن آمَنَ بِهِ، وقِيلَ: يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ. ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ أيِ: السَّبِيلِ الَّذِي قَعَدُوا عَلَيْهِ، فَوَقَعَ المُظْهَرُ مَوْقِعَ المُضْمَرِ بَيانًا لِكُلِّ صِراطٍ، ودَلالَةً عَلى عِظَمِ ما يَصُدُّونَ عَنْهُ، وتَقْبِيحًا لِما كانُوا عَلَيْهِ، أوِ الإيمان باللَّهِ، أوْ بِكُلِّ صِراطٍ، عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ طُرُقِ الدِّينِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ مَفْعُولُ تَصُدُّونَ عَلى إعْمالِ الأقْرَبِ، ولَوْ كانَ مَفْعُولَ " تُوعِدُونَ " لَقِيلَ: وتَصُدُّونَهم، وتُوعِدُونَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقْعُدُوا. ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾؛ أيْ: وتَطْلُبُونَ لِسَبِيلِ اللَّهِ عِوَجًا بِإلْقاءِ الشُّبَهِ، أوْ بِوَصْفِها لِلنّاسِ بِأنَّها مُعْوَجَّةٌ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن شائِبَةِ الِاعْوِجاجِ. (p-248) ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بِالبَرَكَةِ في النَّسْلِ والمالِ. ﴿وانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَقَوْمِ نُوحٍ ومَن بَعْدَهم مِن عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ، واعْتَبِرُوا بِهِمْ.

الأعراف 7:87

﴿وَإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ. ﴿وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ أيْ: بِهِ، أوْ لَمْ يَفْعَلُوا الإيمانَ. ﴿فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾؛ أيْ: بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِنَصْرِ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ، فَهو وعْدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ووَعِيدٌ لِلْكافِرِينَ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ إذْ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ولا حَيْفَ فِيهِ.

الأعراف 7:88

﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ المَقالُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا بَعْدَ ما سَمِعُوا هَذِهِ المَواعِظَ مِن شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ أشْرافُ قَوْمِهِ المُسْتَكْبِرُونَ، مُتَطاوِلِينَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِعْصاءِ عَلَيْهِ، والِامْتِناعِ مِنَ الطّاعَةِ لَهُ، بَلْ بالِغِينَ مِنَ العُتُوِّ والِاسْتِكْبارِ إلى أنْ قَصَدُوا اسْتِتْباعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِيما هم فِيهِ وأتْباعَهُ المُؤْمِنِينَ، واجْتَرَءُوا عَلى إكْراهِهِمْ عَلَيْهِ بِوَعِيدِ النَّفْيِ، وخاطَبُوهُ بِذَلِكَ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ. ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِنِسْبَةِ الإخْراجِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلًا وإلى المُؤْمِنِينَ ثانِيًا، بِعَطْفِهِمْ عَلَيْهِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في الإخْراجِ، وتَبَعِيَّتِهِمْ لَهُ فِيهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَعَكَ﴾ فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالإخْراجِ لا بِالإيمانِ، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بِاسْمِهِ العَلَمِيِّ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّهْدِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ غايَةِ الوَقاحَةِ والطُّغْيانِ؛ أيْ: واللَّهِ لِنُخْرِجَنَّكَ وأتْباعَكَ. ﴿مِن قَرْيَتِنا﴾ بُغْضًا لَكم ودَفْعًا لِفِتْنَتِكُمُ المُتَرَتِّبَةِ عَلى المُساكَنَةِ والجِوارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾ عَطْفٌ عَلى جَوابِ القَسَمِ؛ أيْ: واللَّهِ لِيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ البَتَّةَ، عَلى أنَّ المَقْصِدَ الأصْلِيَّ هو العَوْدُ، وإنَّما ذُكِرَ النَّفْيُ والإجْلاءُ لِمَحْضِ القَسْرِ والإلْجاءِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ عَدَمُ تَعَرُّضِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجَوابِ الإخْراجِ، كَأنَّهم قالُوا: لا نَدَعُكم فِيما بَيْنَنا حَتّى تَدْخُلُوا في مِلَّتِنا، وإدْخالُهم لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في خِطابِ العَوْدِ مَعَ اسْتِحالَةِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِلَّتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، إنَّما هو بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ، وإنَّما لَمْ يَقُولُوا: أوْ لَنُعِيدَنَّكم، عَلى طَرِيقَةِ ما قَبْلَهُ، لِما أنَّ مُرادَهم أنْ يَعُودُوا إلَيْها بِصُورَةِ الطَّواعِيَةِ، حِذارَ الإخْراجِ بِاخْتِيارِ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ، لا إعادَتُهم بِسائِرِ وُجُوهِ الإكْراهِ والتَّعْذِيبِ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ؛ أيْ: قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَدًّا لِمَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وتَكْذِيبًا لَهم في أيْمانِهِمُ الفاجِرَةِ. ﴿أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، لا لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ فِيهِ باقِيًا عَلى حالِهِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " في مِثْلِ هَذا المَقامِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ في الزَّمَنِ الماضِي لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ، تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْهِ مُلاحَظَةً قَصْدِيَّةً، إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ، بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ (p-249)بِالذّاتِ، أوْ بِالواسِطَةِ مِنَ الحُكْمِ المُوجَبِ، أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ عَلى الإجْمالِ، بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ، وأشَدِّها مُنافاةً لَهُ لِيَظْهَرَ بِثُبُوتِهِ، أوِ انْتِفائِهِ مَعَهُ ثُبُوتُهُ، أوِ انْتِفاؤُهُ مَعَ ما عَداهُ مِنَ الأحْوالِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، لِما أنَّ الشَّيْءَ مَتى تَحَقَّقَ مَعَ المُنافِي القَوِيِّ، فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ غَيْرِهِ أوْلى. وَلِذَلِكَ لا يُذْكَرُ مَعَهُ شَيْءٌ مِن سائِرِ الأحْوالِ، ويُكْتَفى عَنْهُ بِذِكْرِ الواوِ العاطِفَةِ لِلْجُمْلَةِ عَلى نَظِيرَتِها المُقابِلَةِ لَها، الشّامِلَةِ لِجَمِيعِ الأحْوالِ المُغايِرَةِ لَها عِنْدَ تَعَدُّدِها، وهَذا مَعْنى قَوْلِهِمْ: إنَّها لِاسْتِقْصاءِ الأحْوالِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، وهَذا المَعْنى ظاهِرٌ في الخَبَرِ المُوجَبِ والمَنفِيِّ، والأمْرِ والنَّهْيِ، كَما في قَوْلِكَ: فُلانٌ جَوادٌ يُعْطِي ولَوْ كانَ فَقِيرًا، أوْ بَخِيلٌ لا يُعْطِي ولَوْ كانَ غَنِيًّا، وكَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلَيْهِ ولَوْ أساءَ إلَيْكَ، ولا تُهِنْهُ ولَوْ أهانَكَ، لِبَقائِهِ عَلى حالِهِ سالِمًا عَمّا يُغَيِّرُهُ. وَأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ، فَفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ لِتَغَيُّرِهِ بِوُرُودِ الإنْكارِ عَلَيْهِ، لَكِنَّ الأصْلَ في الكُلِّ واحِدٌ، إلّا أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِنَفْسِ الفِعْلِ المَذْكُورِ قَبْلَها، وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو نَفْسُ مَدْلُولِهِ، وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ، أوْ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وأنَّ ما في حَيِّزِ " لَوْ " مُقَرَّرٌ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِبْعادِ، بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ، لِما أنَّ كَلِمَةَ " لَوْ " مُتَعَلِّقَةٌ فِيهِ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَذْكُورُ، وأنَّ ما يُقْصَدُ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ هو مَدْلُولُهُ لا مَدْلُولُ المَذْكُورِ، وأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِهِ لا مِن ضَمِيرِ المَذْكُورِ كَما سَيَأْتِي. وَأنَّ المَقْصُودَ الأصْلِيَّ إنْكارُ مَدْلُولِهِ مِن حَيْثُ مُقارَنَتُهُ لِلْحالَةِ المَذْكُورَةِ، وأمّا تَقْدِيرُ مُقارَنَتِهِ لِغَيْرِها فَلِتَوْسِيعِ الدّائِرَةِ، وأنَّ ما في حَيِّزِ " لَوْ " لا يُقْصَدُ اسْتِبْعادُهُ في نَفْسِهِ، بَلْ يُقْصَدُ الإشْعارُ بِأنَّهُ أمْرٌ مُقَرَّرٌ، إلّا أنَّهُ أُخْرِجَ مُخْرَجَ الِاسْتِبْعادِ مُبالَغَةً في الإنْكارِ مِن جِهَةِ أنَّ العَوْدَ مِمّا يُنْكَرُ عِنْدَ كَوْنِ الكَراهَةِ أمْرًا مُسْتَبْعَدًا، فَكَيْفَ بِهِ عِنْدَ كَوْنِها أمْرًا مُحَقَّقًا ومُعامَلَةً مَعَ المُخاطَبِينَ عَلى مُعْتَقَدِهِمْ لِاسْتِنْزالِهِمْ مِن رُتْبَةِ العِنادِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالكَراهَةِ مُجَرَّدَ كَراهَةِ المُؤْمِنِينَ لِلْعَوْدِ في مِلَّةِ الكُفْرِ ابْتِداءً، حَتّى يُقالَ: إنَّها مَعْلُومَةٌ لَهم، فَكَيْفَ تَكُونُ مُسْتَبْعَدَةً عِنْدَهم، بَلْ إنَّما هي كَراهَتُهم لَهُ بَعْدَ وعِيدِ الإخْراجِ، الَّذِي جُعِلَ قَرِينًا لِلْقَتْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا ...﴾ الآيَةَ، فَإنَّهم كانُوا يَسْتَبْعِدُونَها ويَطْمَعُونَ في أنَّهم حِينَئِذٍ يَخْتارُونَ العَوْدَ خَشْيَةَ الإخْراجِ؛ إذْ رُبَّ مَكْرُوهٍ يُخْتارُ عِنْدَ حُلُولِ ما هو أشَدُّ مِنهُ وأفْظَعُ. والتَّقْدِيرُ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ، ولَوْ كُنّا كارِهِينَ غَيْرَ مُبالِينَ بِالإكْراهِ؛ فالجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن ضَمِيرِ الفِعْلِ المُقَدَّرِ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ، إذْ مَآلُهُ أنَعُودُ فِيها حالَ عَدَمِ الكَراهَةِ، وحالَ الكَراهَةِ إنْكارًا لِما تُفِيدُهُ كَلِمَتُهُمُ الشَّنِيعَةُ بِإطْلاقِها مِنَ العَوْدِ عَلى أيِّ حالَةٍ كانَتْ، غَيْرَ أنَّهُ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الحالَةِ الثّانِيَةِ الَّتِي هي أشَدُّ الأحْوالِ، مُنافاةً لِلْعَوْدِ وأكْثَرُها بُعْدًا مِنهُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّها هي الواقِعَةُ في نَفْسِ الأمْرِ، وثِقَةً بِإغْنائِها عَنْ ذِكْرِ الأُولى إغْناءً واضِحًا؛ لِأنَّ العَوْدَ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإنْكارُ حِينَ تَحَقَّقَ مَعَ الكَراهَةِ عَلى ما يُوجِبُهُ كَلامُهم؛ فَلِأنْ يَتَحَقَّقَ مَعَ عَدَمِها أوْلى، إنْ قُلْتَ: النَّفْيُ المُسْتَفادُ مِنَ الاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ فِيما نَحْنُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ صَرِيحِ النَّفْيِ. وَلا رَيْبَ في أنَّ الأوْلَوِيَّةَ هُناكَ مُعْتَبَرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّفْيِ، ألا يُرى أنَّ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما ذُكِرَ مِن مِثالِ النَّفْيِ عِنْدَ الحالَةِ المَسْكُوتِ عَنْها، أعْنِي: عَدَمَ الغِنى، هو عَدَمُ الإعْطاءِ لا نَفْسُهُ، فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الأوْلى بِالتَّحَقُّقِ فِيما نَحْنُ فِيهِ عِنْدَ عَدَمِ الكَراهَةِ عَدَمُ العَوْدِ لا نَفْسُهُ، إذْ هو الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُنا: أنَعُودُ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى: لا نَعُودُ، فَلِمَ اخْتَلَفَ الحالُ بَيْنَهُما ؟ قُلْتُ: لِما أنَّ مَناطَ الأوْلَوِيَّةِ هو الحُكْمُ (p-250)الَّذِي أُرِيدَ بَيانُ تَحَقُّقِهِ عَلى كُلِّ حالٍ، وذَلِكَ في مِثالِ النَّفْيِ عَدَمُ الإعْطاءِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ المَذْكُورِ، وأمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فَهو نَفْسُ العَوْدِ المُسْتَفادِ مِنَ الفِعْلِ المُقَدَّرِ؛ إذْ هو الَّذِي يَقْتَضِيهِ الكَلامُ السّابِقُ، أعْنِي: قَوْلَهم: لَتَعُودُنَّ وَأمّا الِاسْتِفْهامُ فَخارِجٌ عَنْهُ، وارِدٌ عَلَيْهِ لِإبْطالِ ما يُفِيدُهُ ونَفْيِ ما يَقْتَضِيهِ، لا أنَّهُ مِن تَمامِهِ كَما في صُورَةِ النَّفْيِ، وتَوْضِيحُهُ أنَّ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ فَرْقًا مَعْنَوِيًّا تَخْتَلِفُ بِهِ أحْكامُهُما، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِنِ اعْتِبارِ الأوْلَوِيَّةِ في أحَدِهِما بِالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِهِ، وفي الآخَرِ بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلَّقِهِ؛ ولِذَلِكَ لا تَسْتَقِيمُ إقامَةُ أحَدِهِما مُقامَ الآخَرِ عَلى وجْهِ الكُلِّيَّةِ، ألا يُرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ مَكانَ أنَعُودُ فِيها ... إلَخْ: لا نَعُودُ فِيها ولَوْ كُنّا كارِهِينَ، لاخْتَلَّ المَعْنى اخْتِلالًا فاحِشًا؛ لِأنَّ مَدْلُولَ الأوَّلِ نَفِيُ العَوْدِ المُقَيَّدِ بِحالِ الكَراهَةِ، ومَدْلُولَ الثّانِي تَقْيِيدُ العَوْدِ المَنفِيِّ بِها، وذَلِكَ لِأنَّ حَرْفَ النَّفْيِ يُباشِرُ نَفْسَ الفِعْلِ ويَنْفِيهِ، وما يُذْكَرُ بَعْدَهُ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مَنفِيٌّ، وأمّا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ فَإنَّها تُباشِرُ الفِعْلَ بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِما بَعْدَهُ، لِما أنَّ دَلالَتَها عَلى الإنْكارِ والنَّفْيِ لَيْسَتْ بِدَلالَةٍ وضْعِيَّةٍ كَدَلالَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، حَتّى يَتَعَلَّقَ مَعْناها بِنَفْسِ الفِعْلِ الَّذِي يَلِيها، ويَكُونَ ما بَعْدَهُ راجِعًا إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مَنفِيٌّ، بَلْ هي دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ مُسْتَفادَةٌ مِن سِياقِ الكَلامِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما يُذْكَرُ بَعْدَ الفِعْلِ مِن مَوانِعِهِ ودَواعِي إنْكارِهِ ونَفْيِهِ حَتْمًا، لِيَكُونَ قَرِينَةً صارِفَةً لِلْهَمْزَةِ عَنْ حَقِيقَتِها إلى مَعْنى الإنْكارِ والنَّفْيِ، ثُمَّ لَمّا كانَ المَقْصُودُ نَفْيَ الحُكْمِ عَلى كُلِّ حالٍ مَعَ الِاقْتِصادِ عَلى ذِكْرِ بَعْضٍ مِنها مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما عَداها لِاسْتِلْزامِ تَحَقُّقِهِ مَعَهُ تَحَقُّقَهُ مَعَ غَيْرِهِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ، وكانَتْ حالُ الكَراهَةِ عِنْدَ كَوْنِها قَيْدًا لِنَفْسِ العَوْدِ كَذَلِكَ؛ أيْ: مُغْنِيًا عَنْ ذِكْرِ سائِرِ الأحْوالِ، ضَرُورَةَ أنَّ تَحَقُّقَ العَوْدِ في حالِ الكَراهَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِتَحَقُّقِهِ في حالِ عَدَمِها البَتَّةَ، وعِنْدَ كَوْنِها قَيْدًا لِنَفْيِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ؛ أيْ: غَيْرَ مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِها، ضَرُورَةَ أنَّ نَفْيَ العَوْدِ في حالِ الكَراهَةِ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَهُ في غَيْرِها، بَلِ الأمْرُ بِالعَكْسِ؛ فَإنَّ نَفْيَهُ في حالِ الإرادَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِنَفْيِهِ في حالِ الكَراهَةِ قَطْعًا، اسْتَقامَ الأوَّلُ لِإفادَتِهِ نَفْيَ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ما ذِكْرِ ما هو مُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ الأُخْرى. وَلَمْ يَسْتَقِمِ الثّانِي لِعَدَمِ إفادَتِهِ إيّاهُ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، إنْ قِيلَ: فَما وجْهُ اسْتِقامَتِهِما جَمِيعًا عِنْدَ ذِكْرِ المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، حَيْثُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ: لا نَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ، كَما يَصِحُّ أنْ يُقالَ: أنَعُودُ فِيها لَوْ لَمْ نَكُنْ كارِهِينَ ولَوْ كُنّا كارِهِينَ، مَعَ أنَّ المُقَدَّرَ في حُكْمِ المَلْفُوظِ؛ قُلْنا: وجْهُها أنَّ كُلًّا مِنهُما يُفِيدُ مَعْنًى صَحِيحًا في نَفْسِهِ، لا أنَّ مَعْنى أحَدِهِما عَيْنُ مَعْنى الآخَرِ، أوْ مُتَلازِمانِ مُتَّفِقانِ في جَمِيعِ الأحْكامِ، كَيْفَ لا ومَدْلُولُ الأوَّلِ أنَّ العَوْدَ مُنْتَفٍ في الحالَتَيْنِ، ومَدْلُولُ الثّانِي مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مُنْتَفٍ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ صَحِيحٌ في نَفْسِهِ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ ذِكْرِهِما مَعًا، غَيْرَ أنَّ الثّانِيَ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِ العَوْدِ في الحالَتَيْنِ مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ حالَةِ الكَراهَةِ عَلى عَكْسِ المَعْنى الأوَّلِ، فَإنَّهُ مُصَحِّحٌ لِنَفْيِهِ فِيهِما مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ حالَةِ الإرادَةِ.

الأعراف 7:89

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ (p-251)أيْ: كَذِبًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ الَّتِي هي الشِّرْكُ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم. ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ فَقَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا عَظِيمًا، حَيْثُ نَزْعُمُ حِينَئِذٍ أنَّ لِلَّهِ تَعالى نِدًّا، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وأنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ لَنا أنَّ ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الإسْلامِ باطِلٌ، وأنَّ ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ حَقٌّ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّهُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ حُذِفَ عَنْهُ اللّامُ، تَقْدِيرُهُ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا ... إلَخْ. ﴿وَما يَكُونُ لَنا﴾؛ أيْ: وما يَصِحُّ وما يَسْتَقِيمُ لَنا. ﴿أنْ نَعُودَ فِيها﴾ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ. ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: إلّا حالَ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ وقْتَ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَوْدِنا فِيها. وَذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَكُونُ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّنا﴾ فَإنَّ التَّعَرُّضَ لِعُنْوانِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم مِمّا يُنْبِئُ عَنِ اسْتِحالَةِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِارْتِدادِهِمْ قَطْعًا، وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾، فَإنَّ تَنْجِيَتَهُ تَعالى لَهم مِنها مِن دَلائِلِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ لِعَوْدِهِمْ فِيها. وَقِيلَ: مَعْناهُ: إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا. وقِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ المُرادُ بِذَلِكَ بَيانَ أنَّ العَوْدَ فِيها في حَيِّزِ الإمْكانِ وخَطَرِ الوُقُوعِ، بِناءً عَلى كَوْنِ مَشِيئَتِهِ تَعالى كَذَلِكَ، بَلْ بَيانَ اسْتِحالَةِ وُقُوعِها، كَأنَّهُ قِيلَ: وما كانَ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وهَيْهاتَ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ ما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ عَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لَهُ. ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فَهو مُحِيطٌ بِكُلِّ ما كانَ وما يَكُونُ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْوالُ عِبادِهِ وعَزائِمُهم ونِيّاتُهم، وما هو اللّائِقُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهم، فَمُحالٌ مِن لُطْفِهِ أنْ يَشاءَ عَوْدَنا فِيها بَعْدَ ما نَجّانا مِنها، مَعَ اعْتِصامِنا بِهِ خاصَّةً حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾؛ أيْ: في أنْ يُثَبِّتَنا عَلى ما نَحْنُ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، ويُتِمَّ عَلَيْنا نِعْمَتَهُ بِإنْجائِنا مِنَ الإشْراكِ بِالكُلِّيَّةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّضَرُّعِ والجُؤارِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ إعْراضٌ عَنْ مُقاوَلَتِهِمْ إثْرَ ما ظَهَرَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهم مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ، بِحَيْثُ لا يُتَصَوَّرُ مِنهُمُ الإيمانُ أصْلًا، وإقْبالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى بِالدُّعاءِ لِفَصْلِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهم بِما يَلِيقُ بِحالِ كُلِّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ؛ أيِ: احْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ، والفَتاحَةُ الحُكُومَةُ، أوْ أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْكَشِفَ ما بَيْنَنا وبَيْنَهم، ويَتَمَيَّزَ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ مِن فَتَحَ المُشْكِلَ إذا بَيَّنَهُ. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ عَلى المَعْنَيَيْنِ.

الأعراف 7:90

﴿وَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى " ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ﴾ ... " إلَخْ، ولَعَلَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ أُولَئِكَ المُسْتَكْبِرِينَ ودُونَهم في الرُّتْبَةِ، شَأْنُهُمُ الوَساطَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ العامَّةِ، والقِيامُ بِأُمُورِهِمْ حَسْبَما يَراهُ المُسْتَكْبِرُونَ. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَيْنَ الأوَّلِينَ، وتَغْيِيرُ الصِّلَةِ لِما أنَّ مَدارَ قَوْلِهِمْ هَذا هو الكُفْرُ، كَما أنَّ مَناطَ قَوْلِهِمُ السّابِقِ هو الِاسْتِكْبارُ؛ أيْ: قالَ أشْرافُهُمُ الَّذِينَ أصَرُّوا عَلى الكُفْرِ لِأعْقابِهِمْ بَعْدَ ما شاهَدُوا صَلابَةَ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الإيمانِ، وخافُوا أنْ يَسْتَنْبُوا قَوْمَهم تَثْبِيطًا لَهم عَنِ الإيمانِ بِهِ، وتَنْفِيرًا لَهم عَنْهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ واللَّهِ ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ ودَخَلْتُمْ في دِينِهِ وتَرَكْتُمْ دِينَ آبائِكم. ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾؛ أيْ: في الدِّينِ لِاشْتِرائِكُمُ الضَّلالَةَ بِهُداكم، أوْ في الدُّنْيا لِفَواتِ ما يَحْصُلُ لَكم بِالبَخْسِ والتَّطْفِيفِ. وَإذَنْ حَرْفُ جَوابٍ وجَزاءٍ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ اسْمِ " إنَّ " وخَبَرِها، والجُمْلَةُ سادَّةٌ مَسَدَّ (p-252)جَوابَيِ الشَّرْطِ، والقَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ.

الأعراف 7:91

﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾؛ أيِ: الزَّلْزَلَةُ، وهَكَذا في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾؛ أيْ: صَيْحَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَعَلَّها مِن مَبادِئِ الرَّجْفَةِ، فَأُسْنِدَ هَلاكُهم إلى السَّبَبِ القَرِيبِ تارَةً وإلى البَعِيدِ أُخْرى. ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ﴾؛ أيْ: في مَدِينَتِهِمْ، وفي سُورَةِ هُودٍ: ﴿فِي دِيارِهِمْ﴾ . ﴿جاثِمِينَ﴾؛ أيْ: مَيِّتِينَ لازِمِينَ لِأماكِنِهِمْ لا بَراحَ لَهم مِنها.

الأعراف 7:92

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِشُؤْمِ قَوْلِهِمْ فِيما سَبَقَ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا﴾، وعُقُوبَتِهِمْ بِمُقابَلَتِهِ. والمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾؛ أيِ: اسْتُؤْصِلُوا بِالمَرَّةِ وصارُوا كَأنَّهم لَمْ يُقِيمُوا بِقَرْيَتِهِمْ أصْلًا؛ أيْ: عُوقِبُوا بِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ، وصارُوا هُمُ المُخْرَجِينَ مِنَ القَرْيَةِ إخْراجًا لا دُخُولَ بَعْدَهُ أبَدًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ آخَرُ لِبَيانِ ابْتِلائِهِمْ بِعُقُوبَةِ قَوْلِهِمُ الأخِيرِ، وإعادَةُ المَوْصُولِ، والصِّلَةُ كَما هي، لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والإيذانِ بِأنَّ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ هو الَّذِي اسْتَوْجَبَ العُقُوبَتَيْنِ؛ أيِ: الَّذِينَ كَذَّبُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عُوقِبُوا بِمَقالَتِهِمُ الأخِيرَةِ، فَصارُوا هُمُ الخاسِرِينَ لِلدُّنْيا والدِّينِ، لا المُتَّبِعُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِهَذا القَصْرِ اكْتُفِيَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِإنْجائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما وقَعَ في سُورَةِ هُودٍ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ...﴾ إلَخْ.

الأعراف 7:93

﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ قالَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما هَلَكُوا، تَأسُّفًا بِهِمْ لِشِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أنْكَرَ عَلى نَفْسِهِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ آسى﴾ أحْزَنُ حُزْنًا شَدِيدًا. ﴿عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾؛ أيْ: مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ، لَيْسُوا أهْلَ حُزْنٍ، لِاسْتِحْقاقِهِمْ ما نَزَلْ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ، أوْ قالَهُ اعْتِذارًا عَنْ عَدَمِ شِدَّةِ حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، والمَعْنى: لَقَدْ بالَغْتُ في الإبْلاغِ والإنْذارِ، وبَذَلْتُ وُسْعِي في النُّصْحِ والإشْفاقِ، فَلَمْ تُصَدِّقُوا قَوْلِي، فَكَيْفَ آسى عَلَيْكم، وقُرِئَ: ( أِيسى ) بِإمالَتَيْنِ.

الأعراف 7:94

﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾ إشارَةٌ إجْمالِيَّةٌ إلى بَيانِ أحْوالِ سائِرِ الأُمَمِ، إثْرَ بَيانِ أحْوالِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ تَفْصِيلًا، و" مِن " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ؛ أيْ: مِن نَبِيٍّ كُذِّبَ، أوْ كَذَّبَهُ أهْلُها. ﴿إلا أخَذْنا أهْلَها﴾ اسْتِثْناءٌ مُفْرَغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ، و" أخَذْنا " في مَحَلِّ النَّصْبِ مِن فاعِلِ أرْسَلْنا، والفِعْلُ الماضِي لا يَقَعُ بَعْدَ " إلّا " إلّا بِأحَدِ شَرْطَيْنِ: إمّا تَقْدِيرُ " قَدْ " كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أوْ مُقارَنَةُ " قَدْ " كَما في قَوْلِكَ: ما زَيْدٌ إلّا قَدْ قامَ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِنَ القُرى المُهْلَكَةِ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ، إلّا حالَ كَوْنِنا آخِذِينَ (p-253)أهْلَها. ﴿بِالبَأْساءِ﴾ بِالبُؤْسِ والفَقْرِ. ﴿والضَّرّاءِ﴾ بِالضُّرِّ والمَرَضِ، لَكِنْ لا عَلى مَعْنى أنَّ ابْتِداءَ الإرْسالِ مُقارِنٌ لِلْأخْذِ المَذْكُورِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لَهُ غَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنْهُ بِالآخِرَةِ، لِاسْتِكْبارِهِمْ عَنِ اتِّباعِ نَبِيِّهِمْ وتَعَزُّزِهِمْ عَلَيْهِ، حَسْبَما فَعَلَتِ الأُمَمُ المَذْكُورَةُ. ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ كَيْ يَتَضَرَّعُوا ويَتَذَلَّلُوا، ويَحُطُّوا أرْدِيَةَ الكِبْرِ والعِزَّةِ عَنْ أكْتافِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ .

الأعراف 7:95

﴿ثُمَّ بَدَّلْنا﴾ عَطْفٌ عَلى " أخَذْنا " داخِلٌ في حُكْمِهِ. ﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ﴾ الَّتِي أصابَتْهم لِلْغايَةِ المَذْكُورَةِ. ﴿الحَسَنَةَ﴾؛ أيْ: أعْطَيْناهم بَدَلَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ والمِحْنَةِ، والرَّخاءِ والسَّعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ . ﴿حَتّى عَفَوْا﴾؛ أيْ: كَثُرُوا عَدَدًا وعُدَدًا، مِن عَفا النَّباتُ: إذا كَثُرَ وتَكاثَفَ، وأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ. "قالُوا" غَيْرَ واقِفِينَ عَلى أنَّ ما أصابَهم مِنَ الأمْرَيْنِ ابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ. ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ كَما مَسَّنا ذَلِكَ، وما هو إلّا مِن عادَةِ الدَّهْرِ، يُعاقِبُ في النّاسِ بَيْنَ الضَّرّاءِ والسَّرّاءِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ هُناكَ داعِيَةٌ تُؤَدِّي إلَيْهِما، أوْ تَبِعَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِما، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ السَّرّاءِ لِلْإشْعارِ بِأنَّها تَعْقُبُ الضَّرّاءَ، فَلا ضَيْرَ فِيها. ﴿فَأخَذْناهُمْ﴾ إثْرَ ذَلِكَ. ﴿بَغْتَةً﴾ فَجْأةً أشَدَّ الأخْذِ وأفْظَعَهُ. ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ بِذَلِكَ، ولا يُخْطِرُونَ بِبالِهِمْ شَيْئًا مِنَ المَكارِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا ...﴾ الآيَةَ، ولَيْسَ المُرادُ بِالأخْذِ بَغْتَةً: إهْلاكَهم طَرْفَةَ عَيْنٍ، كَإهْلاكِ عادٍ وقَوْمِ لُوطٍ، بَلْ ما يَعُمُّهُ، وما يَمْضِي بَيْنَ الأخْذِ وإتْمامِ الإهْلاكِ أيّامٌ كَدَأْبِ ثَمُودَ.

الأعراف 7:96

﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾؛ أيِ: القُرى المُهْلَكَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فِي قَرْيَةٍ﴾ " . وقِيلَ: هي مَكَّةُ وما حَوْلَها مِنَ القُرى. وقِيلَ: جِنْسُ القُرى المُنْتَظِمَةِ لِما ذُكِرَ هَهُنا انْتِظامًا أوَّلِيًّا. ﴿آمَنُوا﴾ بِما أُوحِيَ إلى أنْبِيائِهِمْ، مُعْتَبِرِينَ بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الِابْتِلاءِ بِالضَّرّاءِ والسَّرّاءِ. ﴿واتَّقَوْا﴾؛ أيِ: الكُفْرَ والمَعاصِيَ، أوِ اتَّقَوْا ما أُنْذِرُوا بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مِنَ القَبائِحِ، ولَمْ يَحْمِلُوا ابْتِلاءَ اللَّهِ تَعالى عَلى عاداتِ الدَّهْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: وحَّدُوا اللَّهَ واتَّقَوُا الشِّرْكَ. ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمُ الخَيْرَ ويَسَّرْناهُ لَهم مِن كُلِّ جانِبٍ مَكانَ ما أصابَهم مِن فُنُونِ العُقُوباتِ، الَّتِي بَعْضُها مِنَ السَّماءِ وبَعْضُها مِنَ الأرْضِ. وقِيلَ: المُرادُ: المَطَرُ والنَّباتُ، وقُرِئَ: ( لَفَتَّحْنا ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ. ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾؛ أيْ: ولَكِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَتَّقُوا، وقَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِ الأوَّلِ لِاسْتِلْزامِهِ لِلثّانِي. ﴿فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها قَوْلُهم: " ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا﴾ ... " إلَخْ، وهَذا الأخْذُ عِبارَةٌ عَمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾، لا عَنِ الجَدْبِ والقَحْطِ كَما قِيلَ؛ فَإنَّهُما قَدْ زالا بِتَبْدِيلِ الحَسَنَةِ مَكانَ السَّيِّئَةِ.

الأعراف 7:97

﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾؛ أيْ: أهْلُ القُرى المَذْكُورَةِ (p-254)عَلى وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ التَّوْبِيخِ أمْنُ كُلِّ طائِفَةٍ ما أتاهم مِنَ البَأْسِ، لا أمْنُ مَجْمُوعِ الأُمَمِ، فَإنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنهم أصابَهم بَأْسٌ خاصٌّ بِهِمْ، لا يَتَعَدّاهم إلى غَيْرِهِمْ كَما سَيَأْتِي. والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ، لا لِإنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ، كَما قالَهُ أبُو شامَةَ وغَيْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ . والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى " أخَذْناهم "، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما؛ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ أنَّ الأخْذَ المَذْكُورَ مِمّا كَسَبَتْهُ أيْدِيهِمْ، والمَعْنى: أبَعْدَ ذَلِكَ الأخْذِ أمِنَ أهْلُ القُرى. ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾؛ أيْ: تَبْيِيتًا، أوْ وقْتَ بَياتٍ أيْ مُبَيِّتًا، أوْ مُبَيَّتِينَ، وهو في الأصْلِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى البَيْتُوتَةِ، ويَجِيءُ بِمَعْنى التَّبْيِيتِ كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ. ﴿وَهم نائِمُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ هُمُ البارِزِ، أوِ المُسْتَتِرِ في بَياتًا.

الأعراف 7:98

﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى﴾ إنْكارٌ بَعْدَ إنْكارٍ لِلْمُبالَغَةِ في التَّوْبِيخِ الشَّدِيدِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ، أوْ ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ، وقُرِئَ: ( أوْ ) بِسُكُونِ الواوِ عَلى التَّرْدِيدِ. ﴿أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى﴾؛ أيْ: ضَحْوَةَ النَّهارِ، وهو في الأصْلِ ضَوْءُ الشَّمْسِ إذا ارْتَفَعَتْ. ﴿وَهم يَلْعَبُونَ﴾؛ أيْ: يَلْهُونَ مِن فَرْطِ الغَفْلَةِ، أوْ يَشْتَغِلُونَ بِما لا يَنْفَعُهم، كَأنَّهم يَلْعَبُونَ.

الأعراف 7:99

﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِلنَّكِيرِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ومَكْرُ اللَّهِ تَعالى اسْتِعارَةٌ لِاسْتِدْراجِهِ العَبْدَ وأخْذِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، والمُرادُ بِهِ: إتْيانُ بَأْسِهِ تَعالى في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ولِذَلِكَ عُطِفَ الأوَّلُ والثّالِثُ بِالفاءِ في الإنْكارِ، فِيهِما مُتَوَجِّهٌ إلى تَرَتُّبِ الأمْنِ عَلى الأخْذِ المَذْكُورِ، وأمّا الثّانِي فَمِن تَتِمَّةِ الأوَّلِ. ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾؛ أيِ: الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، وأضاعُوا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، والِاسْتِعْدادَ القَرِيبَ المُسْتَفادَ مِنَ النَّظَرِ في الآياتِ.

الأعراف 7:100

﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾؛ أيْ: يَخْلُفُونَ مَن خَلا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ ويَرِثُونَ دِيارَهم، والمُرادُ بِهِمْ: أهْلُ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الهِدايَةِ بِاللّامِ إمّا لِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ اللّامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أغَفَلُوا ولَمْ يُفْعَلِ الهِدايَةُ لَهم ... إلَخْ، وإمّا لِأنَّها بِمَعْنى التَّبْيِينِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والفاعِلُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ هو الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ؛ أيْ: أوَلَمْ يُبَيَّنْ لَهم مَآلُ أمْرِهِمْ. ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾؛ أيْ: أنَّ الشَّأْنَ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِجَزاءِ ذُنُوبِهِمْ، أوْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ كَما أصَبْنا مَن قَبْلَهم، وقُرِئَ: ( نَهْدِ ) بِنُونِ العَظَمَةِ، فالجُمْلَةُ مَفْعُولُهُ. ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى ما يُفْهَمُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " أوَلَمْ يَهْدِ "، كَأنَّهُ قِيلَ: لا يَهْتَدُونَ، أوْ يَغْفُلُونَ عَنِ الهِدايَةِ، أوْ عَنِ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ، أوْ مُنْقَطِعٌ عَنْهُ بِمَعْنى: ونَحْنُ نَطْبَعُ، ولا يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى أصَبْناهم عَلى أنَّهُ بِمَعْنى طَبَعْنا؛ لِإفْضائِهِ إلى نَفْيِ الطَّبْعِ عَنْهم؛ لِأنَّهُ في سِياقِ جَوابِ لَوْ. ﴿فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾؛ أيْ: أخْبارَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ، فَضْلًا عَنِ التَّدَبُّرِ والنَّظَرِ فِيها، والِاغْتِنامِ بِما في تَضاعِيفِها مِنَ الهِدايَةِ.(p-255)

الأعراف 7:101

﴿تِلْكَ القُرى﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جارِيَةٌ مَجْرى الفَذْلَكَةِ لِما قَبْلَها مِنَ القَصَصِ، مُنْبِئَةٌ عَنْ غايَةِ غَوايَةِ الأُمَمِ المَذْكُورَةِ، وتَمادِيهِمْ فِيها بَعْدَ ما أتَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، وتِلْكَ إشارَةٌ إلى قُرى الأُمَمِ المُهْلَكَةِ عَلى أنَّ اللّامَ لِلْعَهْدِ، وهو مُبْتَدَأٌ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها﴾ خَبَرُهُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلْإيذانِ بِعَدَمِ انْقِضاءِ القِصَّةِ بَعْدُ، و" مِن " لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: بَعْضَ أخْبارِها الَّتِي فِيها عِظَةٌ وتَذْكِيرٌ. وقِيلَ: " تِلْكَ " مُبْتَدَأٌ، و" القُرى " خَبَرُهُ، وما بَعْدَهُ حالٌ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ كَوْنَ الخَبَرِ الثّانِي جُمْلَةً، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ . وَتَصْدِيرُ الكَلامِ بِذِكْرِ " القُرى " وإضافَةُ " الأنْباءِ " إلَيْها، مَعَ أنَّ المَقْصُوصَ أنْباءُ أهْلِها، والمَقْصُودُ بَيانُ أحْوالِهِمْ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ لِما أنَّ حِكايَةَ هَلاكِهِمْ بِالمَرَّةِ عَلى وجْهِ الِاسْتِئْصالِ، بِحَيْثُ يَشْمَلُ أماكِنَهم أيْضًا بِالخَسْفِ بِها والرَّجْفَةِ، وبَقائِها خاوِيَةً مُعَطَّلَةً أهْوَلُ وأفْظَعُ. والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ " مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالفِعْلِ المَذْكُورِ عَلى أنَّها لِلتَّعْدِيَةِ، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِالبَيِّناتِ، لَكِنْ لا بِأنْ يَأْتِيَ كُلُّ رَسُولٍ بِبَيِّنَةٍ واحِدَةٍ، بَلْ بَيِّناتٍ كَثِيرَةٍ خاصَّةٍ بِهِ، مُعَيَّنَةٍ لَهُ حَسَبَ اقْتِضاءِ الحِكْمَةِ، فَإنَّ مُراعاةَ انْقِسامِ الآحادِ إلى الآحادِ، إنَّما هي فِيما بَيْنَ الرُّسُلِ وضَمِيرِ الأُمَمِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِكَمالِ عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ؛ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ جاءَ كُلَّ أُمَّةٍ مِن تِلْكَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ رَسُولُهُمُ الخاصُّ بِهِمْ بِالمُعْجِزاتِ البَيِّنَةِ، المُتَكَثِّرَةِ المُتَوارِدَةِ عَلَيْهِمُ، الواضِحَةِ الجَلالَةِ عَلى صِحَّةِ رِسالَتِهِ، المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ حَتْمًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ بَيانٌ لِاسْتِمْرارِ عَدَمِ إيمانِهِمْ في الزَّمانِ الماضِي، لا لِعَدَمِ اسْتِمْرارِ إيمانِهِمْ، وتَرْتِيبُ حالَتِهِمْ هَذِهِ عَلى مَجِيءِ الرُّسُلِ بِالبَيِّناتِ بِالفاءِ، لِما أنَّ الِاسْتِمْرارَ عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ بَعْدَ وُرُودِ ما يُوجِبُ الإقْلاعَ عَنْهُ، وإنْ كانَ اسْتِمْرارًا عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُ بِحَسَبِ العُنْوانِ فِعْلٌ جَدِيدٌ وصُنْعٌ حادِثٌ، نَحْوُ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَنْزَجِرْ، ودَعَوْتُهُ فَلَمْ يُجِبْ، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ أيْ: فَما صَحَّ وما اسْتَقامَ لِقَوْمٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ أنْ يُؤْمِنُوا بِكُلٍّ، كانَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا مِنهم إلى أنْ لَقَوْا ما لَقَوْا، لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وشِدَّةِ شَكِيمَتِهِمْ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ. ثُمَّ إنْ كانَ المَحْكِيُّ عَنْهم آخِرَ حالِ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم، فالمُرادُ بِعَدَمِ إيمانِهِمُ المَذْكُورِ هَهُنا: إصْرارُهم عَلى ذَلِكَ بَعْدَ اللُّتَيّا والَّتِي، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ تَكْذِيبُهم مِن لَدُنْ مَجِيءِ الرُّسُلِ إلى وقْتِ الإصْرارِ والعِنادِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِالذّاتِ كالأوَّلِ، بَلْ جُعِلَ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ، إيذانًا بِأنَّهُ بَيِّنٌ بِنَفْسِهِ، وإنَّما المُحْتاجُ إلى البَيانِ عَدَمُ إيمانِهِمْ بَعْدَ تَواتُرِ البَيِّناتِ الظّاهِرَةِ، وتَظاهُرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الَّتِي كانَتْ تَضْطَرُّهم إلى القَبُولِ لَوْ كانُوا مِن أصْحابِ العُقُولِ. والمَوْصُولُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الإيمانُ والتَّكْذِيبُ سَلْبًا وإيجابًا، عِبارَةٌ عَنْ جَمِيعِ الشَّرائِعِ الَّتِي جاءَ بِها كُلُّ رَسُولٍ أُصُولِها وفُرُوعِها، وإنْ كانَ المَحْكِيُّ جَمِيعَ أحْوالِ كُلِّ قَوْمٍ مِنهم؛ فالمُرادُ بِما ذُكِرَ أوَّلًا: كُفْرُهُمُ المُسْتَمِرُّ مِن حِينِ مَجِيءِ الرُّسُلِ ... إلَخْ، وبِما أُشِيرَ إلَيْهِ آخِرًا: تَكْذِيبُهم قَبْلَ مَجِيئِهِمْ؛ فَلا بُدَّ مِن جَعْلِ المَوْصُولِ المَذْكُورِ عِبارَةً عَنْ أُصُولِ الشَّرائِعِ الَّتِي أجْمَعَتْ عَلَيْها الرُّسُلُ قاطِبَةً، ودَعَوْا أُمَمَهم إلَيْها آثِرَ ذِي أثِيرٍ، لِاسْتِحالَةِ تَبَدُّلِها وتَغَيُّرِها، مِثْلَ: مِلَّةِ التَّوْحِيدِ ولَوازِمِها. وَمَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِها قَبْلَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ: (p-256)أنَّهم ما كانُوا في زَمَنِ الجاهِلِيَّةِ، بِحَيْثُ لَمَّ يَسْمَعُوا كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ قَطُّ، بَلْ كانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ مِن أُولَئِكَ الأُمَمِ يَتَسامَعُونَ بِها مِن بَقايا مَن قَبْلَهم فَيُكَذِّبُونَها، ثُمَّ كانَتْ حالَتُهم بَعْدَ مَجِيءِ رُسُلِهِمْ كَحالَتِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، كَأنْ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ أحَدٌ. وَتَخْصِيصُ التَّكْذِيبِ وعَدَمِ الإيمانِ بِما ذُكِرَ مِنَ الأُصُولِ، لِظُهُورِ حالِ الباقِي بِدَلالَةِ النَّصِّ، فَإنَّهم حِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِما أجْمَعَتْ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ، فَلِأنْ يُؤْمِنُوا بِما تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهم أوْلى، وعَدَمُ جَعْلِ هَذا التَّكْذِيبِ مَقْصُودًا بِالذّاتِ، لِما أنَّ ما عَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ العَذابِ والعِقابِ هو التَّكْذِيبُ الواقِعُ بَعْدَ الدَّعْوَةِ حَسْبَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ . وَإنَّما ذُكِرَ ما وقَعَ قَبْلَها بَيانًا لِعَراقَتِهِمْ في الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ مُتَوافِقَةٌ في المَرْجِعِ. وقِيلَ: ضَمِيرُ " كَذَّبُوا " راجِعٌ إلى أسْلافِهِمْ، والمَعْنى: فَما كانَ الأبْناءُ لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبَ بِهِ الآباءُ، ولا يَخْفى ما فِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ. وقِيلَ: المُرادُ: ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا لَوْ أحْيَيْناهم بَعْدَ إهْلاكِهِمْ، ورَدَدْناهم إلى دارِ التَّكْلِيفِ بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ . وَقِيلَ: الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وما مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِسَبَبِ تَعَوُّدِهِمْ تَكْذِيبَ الحَقِّ وتَمَرُّنِهِمْ عَلَيْهِ قَبْلَ بِعْثَةِ الرُّسُلِ، ولا يَرِدُ عَلَيْهِ هَهُنا ما ورَدَ في سُورَةِ يُونُسَ مِن مُخالَفَةِ الجُمْهُورِ بِجَعْلِ " ما " المَصْدَرِيَّةِ مِن قَبِيلِ الأسْماءِ، كَما هو رَأْيُ الأخْفَشِ وابْنِ السَّرّاجِ، لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ في " بِهِ " . ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الطَّبْعِ الشَّدِيدِ المُحْكَمِ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾؛ أيْ: مِنَ المَذْكُورِينَ وغَيْرِهِمْ، فَلا يَكادُ يُؤَثِّرُ فِيها الآياتُ والنُّذُرُ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ لِلسّامِعِينَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ.

الأعراف 7:102

﴿وَما وجَدْنا لأكْثَرِهِمْ﴾؛ أيْ: أكْثَرِ الأُمَمِ المَذْكُورِينَ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالوِجْدانِ، كَما في قَوْلِكَ: ما وجَدْتُ لَهُ مالًا؛ أيْ: ما صَدَفْتُ لَهُ مالًا ولا لَقِيتُهُ. أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عَهْدٍ﴾ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، فَلَمّا قُدِّمَتْ عَلَيْها انْتَصَبَتْ حالًا، والأصْلُ: ما وجَدْنا عَهْدًا كائِنًا لِأكْثَرِهِمْ. وَ" مِن " مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ؛ أيْ: وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن وفاءِ عَهْدٍ، فَإنَّهم نَقَضُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ عِنْدَ مِساسِ البَأْساءِ والضَّرّاءِ، قائِلِينَ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِن الشّاكِرِينَ﴾؛ فَتَخْصِيصُ هَذا الشَّأْنِ بِأكْثَرِهِمْ لَيْسَ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا يُوفُونَ بِعُهُودِهِمْ، بَلْ لِأنَّ بَعْضَهم كانُوا لا يَعْهَدُونَ ولا يُوفُونَ. وَقِيلَ: المُرادُ بِالعَهْدِ: ما عَهِدَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ مِنَ الإيمانِ والتَّقْوى، بِنَصْبِ الآياتِ وإنْزالِ الحُجَجِ. وقِيلَ: " ما عَهِدُوا " عِنْدَ خِطابِ ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ فالمُرادُ بِأكْثَرِهِمْ: كُلُّهم. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْبَأْسِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، فَإنَّ أكْثَرَهم لا يُوفُونَ بِالعُهُودِ بِأيِّ مَعْنًى كانَ. ﴿وَإنْ وجَدْنا أكْثَرَهُمْ﴾؛ أيْ: أكْثَرَ الأُمَمِ؛ أيْ: عَلِمْناهم، كَما في قَوْلِكَ: وجَدْتُ زَيْدًا ذا حِفاظٍ. وقِيلَ: الأوَّلُ أيْضًا كَذَلِكَ، و" إنْ " مُخَفَّفَةٌ مِن إنَّ، وضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إنَّ الشَّأْنَ وجَدْناهم. ﴿لَفاسِقِينَ﴾ خارِجِينَ عَنِ الطّاعَةِ ناقِضِينَ لِلْعُهُودِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّ " إنْ " نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى " إلّا "؛ أيْ: ما وجَدْناهم إلّا فاسِقِينَ.

الأعراف 7:103

﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى﴾؛ أيْ: أرْسَلْناهُ مِن بَعْدِ انْقِضاءِ (p-257)وَقائِعِ الرُّسُلِ المَذْكُورِينَ، أوْ مِن بَعْدِ هَلاكِ الأُمَمِ المَحْكِيَّةِ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ " ثُمَّ " عَلى التَّراخِي، لِلْإيذانِ بِأنَّ بَعْثَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَرى عَلى سَنَنِ السُّنَّةِ الإلَهِيَّةِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ تَتْرى. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. ﴿بِآياتِنا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِ بَعَثْنا، أوْ صِفَةً لِمَصْدَرِهِ؛ أيْ: بَعَثْناهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُلْتَبِسًا بِآياتِنا، أوْ بَعَثْناهُ بَعْثًا مُلْتَبِسًا بِها، وهي الآياتُ التِّسْعُ المُفَصَّلاتُ الَّتِي هي: العَصا، واليَدُ البَيْضاءُ، والسُّنُونَ، ونَقْصُ الثَّمَراتِ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، حَسْبَما سَيَأْتِي عَلى التَّفْصِيلِ. ﴿إلى فِرْعَوْنَ﴾ هو لَقَبٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِصْرَ مِنَ العَمالِقَةِ، كَما أنَّ كِسْرى لَقَبٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ فارِسَ، وقَيْصَرَ لِكُلِّ مَن مَلَكَ الرُّومَ، واسْمُهُ قابُوسُ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ رَيّانَ. "وَمَثَلِهِ"؛ أيْ: أشْرافِ قَوْمِهِ، وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ عُمُومِ رِسالَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِقَوْمِهِ كافَّةً، حَيْثُ كانُوا جَمِيعًا مَأْمُورِينَ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ سُلْطانُهُ، وتَرْكِ العَظِيمَةِ الشَّنْعاءِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، لِأصالَتِهِمْ في تَدْبِيرِ الأُمُورِ، واتِّباعِ غَيْرِهِمْ لَهم في الوُرُودِ والصُّدُورِ. ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾؛ أيْ: كَفَرُوا بِها، أُجْرِيَ الظُّلْمُ مُجْرى الكُفْرِ لِكَوْنِهِما مِن وادٍ واحِدٍ، أوْ ضِمْنَ مَعْنى الكُفْرِ أوِ التَّكْذِيبِ؛ أيْ: ظَلَمُوا كافِرِينَ بِها، أوْ مُكَذِّبِينَ بِها، أوْ كَفَرُوا بِها مَكانَ الإيمانِ الَّذِي هو مِن حَقِّها لِوُضُوحِها، ولِهَذا المَعْنى وُضِعَ ظَلَمُوا مَوْضِعَ كَفَرُوا. وَقِيلَ: ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِها بِأنْ عَرَّضُوها لِلْعَذابِ الخالِدِ، أوْ ظَلَمُوا النّاسَ بِصَدِّهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها، والمُرادُ بِهِ: الِاسْتِمْرارُ عَلى الكُفْرِ بِها إلى أنْ لَقُوا مِنَ العَذابِ ما لَقُوا، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ فَكَما أنَّ ظُلْمَهم بِها مُسْتَتْبِعٌ لِتِلْكَ العاقِبَةِ الهائِلَةِ، كَذَلِكَ حِكايَةُ ظُلْمِهِمْ بِها مُسْتَتْبِعٌ لِلْأمْرِ بِالنَّظَرِ إلَيْها. وَ" كَيْفَ " خَبَرُ كانَ قُدِّمَ عَلى اسْمِها لِاقْتِضائِهِ الصَّدارَةَ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِإسْقاطِ الخافِضِ؛ أيْ: فانْظُرْ بِعَيْنِ عَقْلِكَ إلى كَيْفِيَّةِ ما فَعَلْنا بِهِمْ، ووَضْعُ المُفْسِدِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِ " هم " لِلْإيذانِ بِأنَّ الظُّلْمَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإفْسادِ.

الأعراف 7:104

﴿وَقالَ مُوسى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ فِيما قَبْلَهُ مِن كَيْفِيَّةِ إظْهارِ الآياتِ وكَيْفِيَّةِ عاقِبَةِ المُفْسِدِينَ. ﴿يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ﴾؛ أيْ: إلَيْكَ. ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ بَيانُهُ.

الأعراف 7:105

﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾ جَوابٌ عَمّا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ مِن حِكايَةِ ظُلْمِهِمْ بِالآياتِ، مِن تَكْذِيبِهِ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في دَعْوى الرِّسالَةِ، وكانَ أصْلُهُ: حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ ... إلَخْ، كَما هو قِراءَةُ نافِعٍ، فَقُلِبَ لِلْأمْنِ مِنَ الإلْباسِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: وَتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ أوْ لِأنَّ ما لَزِمَكَ فَقَدْ لَزِمْتَهُ، أوْ لِلْإغْراقِ في الوَصْفِ بِالصِّدْقِ، والمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ القَوْلُ الحَقُّ أنْ أكُونَ أنا قائِلُهُ، لا يُرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ، أوْ ضُمِّنَ حَقِيقٌ مَعْنى حَرِيصٍ، أوْ وُضِعَ عَلى مَوْضِعِ الباءِ لِإفادَةِ التَّمَكُّنِ، كَقَوْلِهِمْ: (p-258)رُمِيتُ عَلى القَوْسِ، وجِئْتُ عَلى حالٍ حَسَنَةٍ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِالباءِ، وقُرِئَ: ( حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ ) . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن كَوْنِهِ رَسُولًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، وكَوْنِهِ حَقِيقًا بِقَوْلِ الحَقِّ، ولَمْ يَكُنْ هَذا القَوْلُ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وما بَعْدَهُ مِن جَوابِ فِرْعَوْنَ إثْرَ ما ذُكِرَ هَهُنا، بَلْ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُما مِنَ المُحاوَرَةِ المَحْكِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما ...﴾ الآياتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما رَبُّ العالَمِينَ ...﴾ الآياتِ، وقَدْ طُوِيَ هَهُنا ذِكْرُهُ لِلْإيجازِ. وَ" مِن " مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِجِئْتُكم عَلى أنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ مَجازًا، وإمّا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِبَيِّنَةٍ مُفِيدَةً لِفَخامَتِها الإضافِيَّةِ المُؤَكِّدَةِ لِفَخامَتِها الذّاتِيَّةِ المُسْتَفادَةِ مِنَ التَّنْوِينِ التَّفْخِيمِيِّ، وإضافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إلى المُخاطَبِينَ بَعْدَ إضافَتِهِ فِيما قَبْلَهُ إلى العالَمِينَ، لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الإيمانِ بِها. ﴿فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: فَخَلِّهِمْ حَتّى يَذْهَبُوا مَعِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي هي وطَنُ آبائِهِمْ، وكانَ قَدِ اسْتَعْبَدَهم بَعْدَ انْقِراضِ الأسْباطِ، يَسْتَعْمِلُهم ويُكَلِّفُهُمُ الأفاعِيلَ الشّاقَّةَ، فَأنْقَذَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَهُ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعُمِائَةِ عامٍ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإرْسالِ، أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلَهُ مِن رِسالَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، ومَجِيئِهِ بِالبَيِّنَةِ.

الأعراف 7:106

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ فِرْعَوْنُ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ ما قالَ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِ مَن أرْسَلَكَ كَما تَدَّعِيهِ. ﴿فَأْتِ بِها﴾؛ أيْ: فَأحْضِرْها حَتّى تُثْبِتَ بِها رِسالَتَكَ. ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دَعْواكَ، فَإنَّ كَوْنَكَ مِن جُمْلَةِ المَعْرُوفِينَ بِالصِّدْقِ يَقْتَضِي إظْهارَ الآيَةِ لا مَحالَةَ.

الأعراف 7:107

﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾؛ أيْ: ظاهِرٌ أمْرُهُ لا يُشَكُّ في كَوْنِهِ ثُعْبانًا، وهو الحَيَّةُ العَظِيمَةُ، وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ، وثَباتِ وصْفِ الثُّعْبانِيَّةِ فِيها، كَأنَّها في الأصْلِ كَذَلِكَ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ، فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لَحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا، وضَعَ لَحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ مِنهُ وأحْدَثَ، فانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمِينَ، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، فَصاحَ فِرْعَوْنُ: يا مُوسى؛ أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ خُذْهُ، وأنا أُؤْمِنُ بِكَ وأُرْسِلُ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَأخَذَهُ فَعادَ عَصا.

الأعراف 7:108

﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾؛ أيْ: مِن جَيْبِهِ، أوْ مِن تَحْتِ إبِطِهِ. ﴿فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾؛ أيْ: بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا خارِجًا عَنِ العادَةِ، يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ النَّظّارَةُ تَعَجُّبًا مِن أمْرِها، وذَلِكَ ما يُرْوى أنَّهُ أرى فِرْعَوْنَ يَدَهُ وقالَ: ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ، ونَزَعَها، فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا غَلَبَ شُعاعُهُ شُعاعَ الشَّمْسِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ آدَمَ شَدِيدَ الأُدْمَةِ. وقِيلَ: بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، لا أنَّها كانَتْ بَيْضاءَ في جِبِلَّتِها.

الأعراف 7:109

﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ (p-259)؛ أيِ: الأشْرافُ مِنهم، وهم أصْحابُ مَشُورَتِهِ. ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾؛ أيْ: مُبالِغٌ في عِلْمِ السحر ماهِرٌ فِيهِ، قالُوهُ تَصْدِيقًا لِفِرْعَوْنَ وتَقْرِيرًا لِكَلامِهِ، فَإنَّ هَذا القَوْلَ بِعَيْنِهِ مَعْزِيٌّ في سُورَةِ الشُّعَراءِ إلَيْهِ.

الأعراف 7:110

﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾؛ أيْ: مِن أرْضِ مِصْرَ. ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ بِفَتْحِ النُّونِ، و" ما " في " ماذا " في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَأْمُرُونَ بِحَذْفِ الجارِّ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: بِأيِّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وهَذا مِن كَلامِ فِرْعَوْنَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَماذا تُشِيرُونَ عَلَيَّ في أمْرِهِ ؟

الأعراف 7:111

وَقِيلَ: قالَهُ المَلَأُ مِن قَبْلِهِ بِطَرِيقِ التَّبْلِيغِ إلى العامَّةِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ عَلى الأوَّلِ، وهو الأظْهَرُ حِكايَةٌ لِكَلامِ المَلَأِ الَّذِينَ شاوَرَهم فِرْعَوْنُ، وعَلى الثّانِي لِكَلامِ العامَّةِ الَّذِي خاطَبَهُمُ المَلَأُ، ويَأْباهُ أنَّ الخِطابَ لِفِرْعَوْنَ، وأنَّ المُشاوَرَةَ لَيْسَتْ مِن وظائِفِهِمْ؛ أيْ: أخِّرْهُ وأخاهُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِذِكْرِهِ، لِظُهُورِ كَوْنِهِ مَعَهُ حَسْبَما يُنادِي بِهِ الآياتُ الأُخَرُ، والمَعْنى: أخِّرْ أمْرَهُما وأصْدِرْهُما عَنْكَ، حَتّى تَرى رَأْيَكَ فِيهِما وتُدَبِّرَ شَأْنَهُما، وقُرِئَ: ( أرْجِئْهُ ) و( أرْجِهِ ) مِن أرْجَأهُ وأرْجاهُ. ﴿وَأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ قِيلَ: هي مَدائِنُ صَعِيدِ مِصْرَ، وكانَ رُؤَساءُ السحرةِ ومَهَرَتُهم بِأقْصى مَدائِنِ الصَّعِيدِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهم كانُوا سَبْعِينَ ساحِرًا أخَذُوا السحر مِن رَجُلَيْنِ مَجُوسِيَّيْنِ مِن أهْلِ نِينَوى، مَدِينَةِ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالمَوْصِلِ، ورُدَّ ذَلِكَ بِأنَّ المَجُوسِيَّةَ ظَهَرَتْ بِزَرادُشْتَ، وهو إنَّما جاءَ بَعْدَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

الأعراف 7:112

﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾؛ أيْ: ماهِرٍ في السحر، وقُرِئَ: ( بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ )، والجُمْلَةُ جَوابُ الأمْرِ.

الأعراف 7:113

﴿وَجاءَ السحرةُ فِرْعَوْنَ﴾ بَعْدَ ما أرْسَلَ إلَيْهِمُ الحاشِرِينَ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِمْ حَسْبَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾؛ لِلْإيذانِ بِمُسارَعَةِ فِرْعَوْنَ إلى الإرْسالِ، ومُبادَرَةِ الحاشِرِينَ والسحرةِ إلى الِامْتِثالِ. ﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَنُوطٌ بِسُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ مَجِيءِ السحرةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالُوا لَهُ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ إيّاهُ ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُدْلِينَ بِما عِنْدَهم واثِقِينَ بِغَلَبَتِهِمْ: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا إنَّ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ بِطَرِيقِ الإخْبارِ بِثُبُوتِ الأجْرِ وإيجابِهِ، كَأنَّهم قالُوا: لا بُدَّ لَنا مِن أجْرٍ عَظِيمٍ حِينَئِذٍ، أوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِها. وَقَوْلُهم: " ﴿إنْ كُنّا﴾ " لِمُجَرَّدِ تَعْيِينِ مَناطِ ثُبُوتِ الأجْرِ، لا لِتَرَدُّدِهِمْ في الغَلَبَةِ، وتَوْسِيطُ الضَّمِيرِ وتَحْلِيَةُ الخَبَرِ بِاللّامِ لِلْقَصْرِ؛ أيْ: إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ لا مُوسى.

الأعراف 7:114

﴿قالَ نَعَمْ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ سَدَّ مَسَدَّهُ حَرْفُ الإيجابِ، (p-260)كَأنَّهُ قالَ: إنَّ لَكم لَأجْرًا وإنَّكم مَعَ ذَلِكَ لَمِنَ المُقَرَّبِينَ؛ لِلْمُبالَغَةِ في التَّرْغِيبِ. رُوِيَ أنَّهُ قالَ لَهم: تَكُونُونَ أوَّلَ مَن يَدْخُلُ مَجْلِسِي، وآخِرَ مَن يَخْرُجُ مِنهُ.

الأعراف 7:115

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما مَرَّ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا فَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالُوا مُتَصَدِّينَ لِشَأْنِهِمْ مُخاطِبِينَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ إمّا تُلْقِيَ أوَّلًا. ﴿وَإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾؛ أيْ: لِما نُلْقِي أوَّلًا، أوِ الفاعِلِينَ لِلْإلْقاءِ أوَّلًا، خَيَّرُوهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَدْءِ بِالإلْقاءِ مُراعاةً لِلْأدَبِ، وإظْهارًا لِلْجَلادَةِ، وأنَّهُ لا يَخْتَلِفُ حالُهم بِالتَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، ولَكِنْ كانَتْ رَغْبَتُهم في التَّقْدِيمِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُهم لِلنَّظْمِ بِتَعْرِيفِ الخَبَرِ، وتَوْسِيطِ ضَمِيرِ الفَصْلِ وتَأْكِيدِ الضَّمِيرِ المُتَّصِلِ.

الأعراف 7:116

﴿قالَ ألْقُوا﴾ غَيْرَ مُبالٍ بِأمْرِهِمْ؛ أيْ: ألْقُوا ما تُلْقُونَ. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا﴾ ما ألْقَوْا. ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ بِأنْ خَيَّلُوا إلَيْهِمْ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ. ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾؛ أيْ: بالَغُوا في إرْهابِهِمْ. ﴿وَجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في بابِهِ. رُوِيَ أنَّهم ألْقَوْا حِبالًا غِلاظًا وخُشُبًا طِوالًا كَأنَّها حَيّاتٌ مَلَأتِ الوادِيَ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا.

الأعراف 7:117

﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الفاءُ فَصِيحَةٌ؛ أيْ: فَألْقاها فَصارَتْ حَيَّةً، فَإذا هي الآيَةُ، وإنَّما حُذِفَ لِلْإشْعارِ بِمُسارَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الإلْقاءِ، وبِغايَةِ سُرْعَةِ الِانْقِلابِ، كَأنَّ لَقْفَها لِما يَأْفِكُونَ قَدْ حَصَلَ مُتَّصِلًا بِالأمْرِ بِالإلْقاءِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ صُورَةِ اللَّقْفِ الهائِلَةِ. والإفْكُ: الصَّرْفُ والقَلْبُ عَنِ الوَجْهِ المُعْتادِ، و" ما " مَوْصُولَةٌ أوْ مَوْصُوفَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ما يَأْفِكُونَهُ ويُزَوِّرُونَهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وهي مَعَ الفِعْلِ بِمَعْنى المَفْعُولِ. رُوِيَ أنَّها لَمّا تَلَقَّفَتْ مِلْءَ الوادِي مِنَ الخَشَبِ والحِبالِ، ورَفَعَها مُوسى فَرَجَعَتْ عَصًا كَما كانَتْ، وأعْدَمَ اللَّهُ تَعالى بِقدرته الباهِرَةِ تِلْكَ الأجْرامَ العِظامَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، قالَتِ السحرةُ: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا.

الأعراف 7:118

﴿فَوَقَعَ الحَقُّ﴾؛ أيْ: فَثَبَتَ لِظُهُورِ أمْرِهِ. ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ ما كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلى عَمَلِهِ.

الأعراف 7:119

﴿فَغُلِبُوا﴾؛ أيْ: فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. ﴿هُنالِكَ﴾؛ أيْ: في مَجْلِسِهِمْ. ﴿وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾؛ أيْ: صارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ، أوْ رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ أذِلّاءَ مَقْهُورِينَ.

الأعراف 7:120

والأوَّلُ هو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُلْقِيَ السحرةُ ساجِدِينَ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ كانَ بِمَحْضَرٍ مِن فِرْعَوْنٍ قَطْعًا؛ أيْ: خَرُّوا سُجَّدًا، كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، كَيْفَ لا وقَدْ (p-261)بَهَرَهُمُ الحَقُّ، واضْطَّرَّهم إلى ذَلِكَ.

الأعراف 7:121

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ أبْدَلُوا الثّانِيَ مِنَ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا آمَنَتِ السحرةُ اتَّبَعَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ.

الأعراف 7:122

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ أبْدَلُوا الثّانِيَ مِنَ الأوَّلِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ أنَّ مُرادَهم فِرْعَوْنُ. عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا آمَنَتِ السحرةُ اتَّبَعَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ.

الأعراف 7:123

﴿قالَ فِرْعَوْنُ﴾ مُنْكِرًا عَلى السحرةِ مُوَبِّخًا لَهم عَلى ما فَعَلُوهُ. ﴿آمَنتُمْ بِهِ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، إمّا عَلى الإخْبارِ المَحْضِ المُتَضَمِّنِ لِلتَّوْبِيخِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّوْبِيخِيِّ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، كَما مَرَّ في: ﴿إنَّ لَنا لأجْرًا﴾، وقَدْ قُرِئَ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ مَعًا، وبِتَحْقِيقِ الأُولى وتَسْهِيلِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ؛ أيْ: آمَنتُمْ بِاللَّهِ تَعالى. ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾؛ أيْ: بِغَيْرِ أنْ آذَنَ لَكم، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي﴾، لا أنَّ الإذْنَ مِنهُ مُمْكِنٌ في ذَلِكَ. ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ يَعْنِي: إنَّ ما صَنَعْتُمُوهُ لَيْسَ مِمّا اقْتَضى الحالُ صُدُورَهُ عَنْكم، لِقُوَّةِ الجَلِيلِ وظُهُورِ المُعْجِزَةِ، بَلْ هو حِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها مَعَ مُواطَأةِ مُوسى. ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ يَعْنِي: مِصْرَ، قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا إلى المِيعادِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأمِيرُ السحرةِ التَقَيا، فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَكَ إنْ غَلَبْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ الحَقُّ ؟ فَقالَ السّاحِرُ: واللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُومِنَنَّ بِكَ، وفِرْعَوْنُ يَسْمَعُهُما، وهو الَّذِي نَشَأ عَنْهُ هَذا القَوْلُ. ﴿لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾؛ أيِ: القِبْطَ، وتَخْلُصَ هي لَكَ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، وهاتانِ شُبْهَتانِ ألْقاهُما إلى أسْماعِ عَوامِّ القِبْطِ عِنْدَ مُعايَنَتِهِمْ لِارْتِفاعِ أعْلامِ المُعْجِزَةِ، ومُشاهَدَتِهِمْ لِخُضُوعِ أعْناقِ السحرةِ لَها، وعَدَمِ تَمالُكِهِمْ مِن أنْ يُؤْمِنُوا بِها، لِيَمْنَعَهم بِهِما عَنِ الإيمانِ بِنُبُوَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِإراءَةِ أنَّ إيمانَ السحرةِ مَبْنِيٌّ عَلى المُواضَعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ مُوسى، وأنَّ غَرَضَهم بِذَلِكَ إخْراجُ القَوْمِ مِنَ المَدِينَةِ وإبْطالُ مُلْكِهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ مُفارَقَةَ الأوْطانِ المَأْلُوفَةِ والنِّعْمَةِ المَعْرُوفَةِ مِمّا لا يُطاقُ بِهِ، فَجَمَعَ اللَّعِينُ بَيْنَ الشُّبْهَتَيْنِ تَثْبِيتًا لِلْقِبْطِ عَلى ما هم عَلَيْهِ، وتَهْيِيجًا لِعَداوَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ثُمَّ عَقَّبَهُما بِالوَعِيدِ لِيُرِيَهم أنَّ لَهُ قُوَّةً وقُدْرَةً عَلى المُدافَعَةِ، فَقالَ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: عاقِبَةَ ما فَعَلْتُمْ، وهَذا وعِيدٌ ساقَهُ بِطَرِيقِ الإجْمالِ لِلتَّهْوِيلِ.

الأعراف 7:124

ثُمَّ عَقَّبَهُ بِالتَّفْصِيلِ، فَقالَ: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ شِقٍّ طَرَفًا. ﴿ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ تَفْضِيحًا لَكم وتَنْكِيلًا لِأمْثالِكم. قِيلَ: هو أوَّلُ مَن سَنَّ ذَلِكَ، فَشَرَعَهُ اللَّهُ تَعالى لِقُطّاعِ الطَّرِيقِ تَعْظِيمًا لِجُرْمِهِمْ، ولِذَلِكَ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى مُحارَبَةً لِلَّهِ ورَسُولِهِ.

الأعراف 7:125

﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلْجَوابِ (p-262)عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ السحرةُ عِنْدَ ما سَمِعُوا وعِيدَ فِرْعَوْنَ، هَلْ تَأثَّرُوا بِهِ أوْ تَصَلَّبُوا فِيما هم فِيهِ مِنَ الدِّينِ ؟ فَقِيلَ: قالُوا ثابِتِينَ عَلى ما أحْدَثُوا مِنَ الإيمانِ. ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾؛ أيْ: بِالمَوْتِ لا مَحالَةَ، فَسَواءٌ كانَ ذَلِكَ مِن قِبَلِكَ أوْ لا، فَلا نُبالِي بِوَعِيدِكَ، أوْ إنّا إلى رَحْمَةِ رَبِّنا وثَوابِهِ مُنْقَلِبُونَ إنْ فَعَلْتَ بِنا ذَلِكَ، كَأنَّهُمُ اسْتَطابُوهُ شَغَفًا عَلى لِقاءِ اللَّهِ تَعالى، أوْ إنّا جَمِيعًا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ فَيَحْكُمُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ.

الأعراف 7:126

﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا﴾؛ أيْ: وما تُنْكِرُ وتَعِيبُ مِنّا. ﴿إلا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ وهو خَيْرُ الأعْمالِ وأصْلُ المَفاخِرِ، لَيْسَ مِمّا يَتَأتّى لَنا العُدُولُ عَنْهُ طَلَبًا لِمَرْضاتِكَ، ثُمَّ أعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَتِهِ إظْهارًا لِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ العَزِيمَةِ عَلى ما قالُوا وتَقْرِيرًا لَهُ. فَفَزِعُوا إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وقالُوا: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾؛ أيْ: أفِضْ عَلَيْنا مِنَ الصَّبْرِ ما يَغْمُرُنا كَما يَغْمُرُ الماءُ، أوْ صُبَّ عَلَيْنا ما يُطَهِّرُنا مِن أوَضارِ الأوْزارِ وأدْناسِ الآثامِ، وهو الصَّبْرُ عَلى وعِيدِ فِرْعَوْنَ. ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ ثابِتِينَ عَلى ما رَزَقْتَنا مِنَ الإسْلامِ غَيْرَ مَفْتُونِينَ مِنَ الوَعِيدِ، قِيلَ: فَعَلَ بِهِمْ ما أوْعَدَهم بِهِ، وقِيلَ: لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾ .

الأعراف 7:127

﴿وَقالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ مُخاطِبِينَ لَهُ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِن أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ﴾؛ أيْ: في أرْضِ مِصْرَ بِتَغَيُّرِ النّاسِ عَلَيْكَ وصَرْفِهِمْ عَنْ مُتابَعَتِكَ. ﴿وَيَذَرَكَ﴾ عَطْفٌ عَلى يُفْسِدُوا، أوْ جَوابُ الِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، كَما في قَوْلِ الحُطَيْئَةِ: ؎ ألَمْ أكُ جارَكَ ويَكُونَ بَيْنِي ∗∗∗ وبَيْنَكُمُ المَوَدَّةُ والإخاءُ أيْ: أيَكُونُ مِنكَ تَرْكُ مُوسى ويَكُونَ تَرْكُهُ إيّاكَ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى " أتَذَرُ "، أوِ اسْتِئْنافًا، أوْ حالًا، وقُرِئَ بِالسُّكُونِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يُفْسِدُوا ويَذَرَكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ﴾ . ﴿وَآلِهَتَكَ﴾ ومَعْبُوداتِكَ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ يَعْبُدُ الكَواكِبَ، وقِيلَ: صَنَعَ لِقَوْمِهِ أصْنامًا وأمَرَهم بِأنْ يَعْبُدُوها تَقَرُّبًا إلَيْهِ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾، وقُرِئَ: ( وإلَهَتِكَ )؛ أيْ: عِبادَتِكَ. ﴿قالَ﴾ مُجِيبًا لَهم. ﴿سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ كَما كُنّا نَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ مِن قَبْلُ، لِيُعْلَمَ أنّا عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ القَهْرِ والغَلَبَةِ، ولا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي حَكَمَ المُنَجِّمُونَ والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدَيْهِ، وقُرِئَ: ( سَنَقْتُلُ ) بِالتَّخْفِيفِ. ﴿وَإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ كَما كُنّا لَمْ يَتَغَيَّرْ حالُنا أصْلًا، وهم مَقْهُورُونَ تَحْتَ أيْدِينا كَذَلِكَ.

الأعراف 7:128

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ تَسْلِيَةً لَهم وعِدَةً بِحُسْنِ العاقِبَةِ حِينَ سَمِعُوا قَوْلَ فِرْعَوْنَ وتَضَجَّرُوا مِنهُ. ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ عَلى ما سَمِعْتُمْ مِن أقاوِيلِهِ الباطِلَةِ. ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: أرْضَ مِصْرَ، أوْ جِنْسَ (p-263)الأرْضِ، وهي داخِلَةٌ فِيها دُخُولًا أوَّلِيًّا. ﴿يُورِثُها مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ أنْتُمْ مِنهم، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الِاسْتِعانَةَ بِاللَّهِ تَعالى والصَّبْرَ مِن بابِ التَّقْوى، وقُرِئَ: ( والعاقِبَةَ ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى اسْمِ " إنَّ " .

الأعراف 7:129

﴿قالُوا﴾؛ أيْ: بَنُو إسْرائِيلَ. ﴿أُوذِينا﴾؛ أيْ: مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ. ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾؛ أيْ: بِالرِّسالَةِ، يَعْنُونَ بِذَلِكَ: قَتْلَ أبْنائِهِمْ قَبْلَ مَوْلِدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَعْدَهُ. ﴿وَمِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾؛ أيْ: رَسُولًا، يَعْنُونَ: ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن إعادَةِ قَتْلِ الأبْناءِ، وسائِرِ ما كانَ يَفْعَلُ بِهِمْ لِعَداوَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُنُونِ الجَوْرِ والظُّلْمِ والعَذابِ، وأمّا ما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ بِهِ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ كَما قِيلَ، فَلَيْسَ مِمّا يَلْحَقُهم بِواسِطَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَيْسَ لِذِكْرِهِ كَثِيرُ مُلابَسَةٍ بِالمَقامِ. ﴿قالَ﴾؛ أيْ: مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَمّا رَأى شِدَّةَ جَزَعِهِمْ مِمّا شاهَدُوهُ، مُسَلِّيًا لَهم بِالتَّصْرِيحِ بِما لَوَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: " ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ﴾ ... " إلَخْ. ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ الَّذِي فَعَلَ بِكم ما فَعَلَ وتَوَعَّدَكم بِإعادَتِهِ. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾؛ أيْ: يَجْعَلَكم خُلَفاءَ في أرْضِ مِصْرَ. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أحَسَنًا أمْ قَبِيحًا، فَيُجازِيَكم حَسْبَما يَظْهَرُ مِنكم مِنَ الأعْمالِ، وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلتَّسْلِيَةِ وتَحْقِيقٌ لِلْأمْرِ. قِيلَ: لَعَلَّ الإتْيانَ بِفِعْلِ الطَّمَعِ لِعَدَمِ الجَزْمِ مِنهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّهم هُمُ المُسْتَخْلَفُونَ بِأعْيانِهِمْ، أوْ أوْلادِهِمْ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّ مِصْرَ إنَّما فُتِحَتْ في زَمَنِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولا يُساعِدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾؛ فَإنَّ المُتَبادِرَ اسْتِخْلافُ أنْفُسِ المُسْتَضْعَفِينَ لا اسْتِخْلافُ أوْلادِهِمْ، إنَّما مَجِيءُ فِعْلِ الطَّمَعِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ.

الأعراف 7:130

﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ مَبادِئِ الهَلاكِ المَوْعُودِ، وإيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى لَمْ يُمْهِلْهم بَعْدَ ذَلِكَ، ولَمْ يَكُونُوا في خَفْضٍ ودَعَةٍ، بَلْ رُتِّبَتْ أسْبابُ هَلاكِهِمْ، فَتَحَوَّلُوا مِن حالٍ إلى حالٍ، إلى أنْ حَلَّ بِهِمْ عَذابُ الِاسْتِئْصالِ. وَتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، والسُّنُونَ جَمْعُ سَنَةٍ، والمُرادُ بِها: عامُ القَحْطِ، وفِيها لُغَتانِ، أشْهَرُهُما إجْراؤُها مُجْرى المُذَكَّرِ السّالِمِ، فَيُرْفَعُ بِالواوِ ويُنْصَبُ ويُجَرُّ بِالياءِ، ويُحْذَفُ نُونُهُ بِالإضافَةِ. واللُّغَةُ الثّانِيَةُ إجْراءُ الإعْرابِ عَلى النُّونِ، ولَكِنْ مَعَ الباءِ خاصَّةً، إمّا بِإثْباتِ تَنْوِينِها، أوْ بِحَذْفِهِ. قالَ الفَرّاءُ: هي في اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ بَنِي تَمِيمٍ، ووَجْهُ حَذْفِ التَّنْوِينِ التَّخْفِيفُ، وحِينَئِذٍ لا يُحْذَفُ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وعَلى ذَلِكَ جاءَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ دَعانِيَ مِن نَجْدٍ فَإنَّ سِنِينَهُ ∗∗∗ لَعِبْنَ بِنا شَيْبًا وشَيَّبْنَنا مُرْدًا وَجاءَ الحَدِيثُ: " «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» "، وسِنِينَ كَسِنِينِ يُوسُفَ، بِاللُّغَتَيْنِ. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ بِإصابَةِ العاهاتِ. عَنْ كَعْبٍ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا تَمْرَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أمّا السُّنُونَ فَكانَتْ لِبادِيَتِهِمْ وأهْلِ ماشِيَتِهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَكانَ في أمْصارِهِمْ. ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ كَيْ يَتَذَكَّرُوا ويَتَّعِظُوا بِذَلِكَ، ويَقِفُوا عَلى أنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ مَعاصِيهِمْ، ويَنْزَجِرُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ العُتُوِّ والعِنادِ. قالَ الزَّجّاجُ: إنَّ أحْوالَ (p-264)الشِّدَّةِ تُرَقِّقُ القُلُوبَ، وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ تَعالى، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ . وَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ القَوْلِ في " لَعَلَّ " وفي مَحَلِّها في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

الأعراف 7:131

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ ...﴾ إلَخْ، بَيانٌ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ وتَمادِيهِمْ في الغَيِّ؛ أيْ: فَإذا جاءَتْهُمُ السَّعَةُ والخَصْبُ، وغَيْرُهُما مِنَ الخَيْراتِ. ﴿قالُوا لَنا هَذِهِ﴾؛ أيْ: لِأجْلِنا واسْتِحْقاقِنا لَها. ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾؛ أيْ: جَدْبٌ وبَلاءٌ. ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾؛ أيْ: يَتَشاءَمُوا بِهِمْ، ويَقُولُوا: ما أصابَتْنا إلّا بِشُؤْمِهِمْ، وهَذا كَما تَرى شاهِدٌ بِكَمالِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ، ونِهايَةِ جَهْلِهِمْ وغَباوَتِهِمْ، فَإنَّ الشَّدائِدَ تُرَقِّقُ القُلُوبَ وتُلَيِّنُ العَرائِكَ، لا سِيَّما بَعْدَ مُشاهَدَةِ الآياتِ، وقَدْ كانُوا بِحَيْثُ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنها، بَلِ ازْدادُوا عُتُوًّا وعِنادًا. وَتَعْرِيفُ الحَسَنَةِ وذِكْرُها بِأداةِ التَّحْقِيقِ، لِلْإيذانِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِها، وتَعَلُّقِ الإرادَةِ بِها بِالذّاتِ، كَما أنَّ تَنْكِيرَ السَّيِّئَةِ وإيرادَها بِحَرْفِ الشَّكِّ، لِلْإشْعارِ بِنُدْرَةِ وُقُوعِها وعَدَمِ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِها إلّا بِالعَرَضِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى لِرَدِّ مَقالَتِهِمُ الباطِلَةِ، وتَحْقِيقُ الحَقِّ في ذَلِكَ وتَصْدِيرُهُ بِكَلِمَةِ التَّنْبِيهِ، لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ؛ أيْ: لَيْسَ سَبَبُ خَيْرِهِمْ إلّا عِنْدَهُ تَعالى، وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ المُتَضَمِّنَةُ لِلْحِكَمِ والمَصالِحِ، أوْ لَيْسَ سَبَبُ شُؤْمِهِمْ - وهو أعْمالُهُمُ السَّيِّئَةُ - إلّا عِنْدَهُ تَعالى؛ أيْ: مَكْتُوبَةٌ لَدَيْهِ، فَإنَّها الَّتِي ساقَتْ إلَيْهِمْ ما يَسُوؤُهم لا ما عَداها، وقُرِئَ: ( إنَّما طَيْرُهم ) وهو اسْمُ جَمْعِ طائِرٍ، وقِيلَ: جَمْعٌ لَهُ. ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ ذَلِكَ، فَيَقُولُونَ كَما يَقُولُونَ مِمّا حُكِيَ عَنْهم، وإسْنادُ عَدَمِ العِلْمِ إلى أكْثَرِهِمْ، لِلْإشْعارِ بِأنَّ بَعْضَهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما أصابَهم مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، أوْ يَعْلَمُونَ أنَّ ما أصابَهم مِنَ المَصائِبِ والبَلايا لَيْسَ إلّا بِما كَسَبَتْ أيْدِيهِمْ، ولَكِنْ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضاهُ عِنادًا واسْتِكْبارًا.

الأعراف 7:132

﴿وَقالُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِمّا أُخِذَ بِهِ آلُ فِرْعَوْنَ مِن فُنُونِ العَذابِ، الَّتِي هي في أنْفُسِها آياتٌ بَيِّناتٌ، وعَدَمِ ارْعِوائِهِمْ مَعَ ذَلِكَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والعِنادِ؛ أيْ: قالُوا بَعْدَ ما رَأوْا ما رَأوْا مِن شَأْنِ العَصا، والسِّنِينَ، ونَقْصِ الثَّمَراتِ. ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ﴾ كَلِمَةُ " مَهْما " تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ والجَزاءِ، وأصْلُها: " ما " الجَزائِيَّةُ، ضُمَّتْ إلَيْها " ما " المَزِيدَةُ لِلتَّأْكِيدِ، كَما ضُمَّتْ إلى أيْنَ وإنَّ في أيْنَما تَكُونُوا، وإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ، خَلا أنَّ ألِفَ الأُولى قُلِبَتْ هاءً حَذَرًا مِن تَكْرِيرِ المُتَجانِسَيْنِ، هَذا هو الرَّأْيُ السَّدِيدُ. وَقِيلَ: " مَهْ " كَلِمَةٌ يُصَوِّتُ بِها النّاهِي، ضُمَّتْ إلَيْها " ما " الشَّرْطِيَّةُ، ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ، أوِ النَّصْبُ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَها؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُظْهِرُهُ لَدَيْنا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن آيَةٍ﴾ بَيانٌ لِمَهْما وتَسْمِيَتِهِمْ إيّاها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ إظْهارٌ لِكَمالِ الطُّغْيانِ والغُلُوِّ فِيهِ، وتَسْمِيَةِ الإرْشادِ إلى الحَقِّ بِالسحر وتَسْكِيرِ الأبْصارِ، والضَّمِيرانِ المَجْرُورانِ راجِعانِ إلى " مَهْما "، وتَذْكِيرُ الأوَّلِ لِمُراعاةِ جانِبِ اللَّفْظِ لِإبْهامِهِ، (p-265)وَتَأْنِيثُ الثّانِي لِلْمُحافَظَةِ عَلى جانِبِ المَعْنى لِتَبْيِينِهِ بِآيَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ . ﴿فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بِمُصَدِّقِينَ لَكَ ومُؤْمِنِينَ لِنُبُوَّتِكَ.

الأعراف 7:133

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عُقُوبَةً لِجَرائِمِهِمْ لا سِيَّما لِقَوْلِهِمْ هَذا. ﴿الطُّوفانَ﴾؛ أيِ: الماءَ الَّذِي طافَ بِهِمْ وغَشِيَ أماكِنَهم وحُرُوثَهم، مِن مَطَرٍ أوْ سَيْلٍ، وقِيلَ: هو الجُدَرِيُّ، وقِيلَ: المَوَتانُ، وقِيلَ: الطّاعُونُ. ﴿والجَرادَ والقُمَّلَ﴾ قِيلَ: هو كِبارُ القِرْدانِ، وقِيلَ: أوْلادُ الجَرادِ قَبْلَ نَباتِ أجْنِحَتِها. ﴿والضَّفادِعَ والدَّمَ﴾ رُوِيَ أنَّهم مُطِرُوا ثَمانِيَةَ أيّامٍ في ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْرُجَ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ، ودَخَلَ الماءُ بُيُوتَهم حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ، ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ قَطْرَةٌ، وهي في خِلالِ بُيُوتِهِمْ، وفاضَ الماءُ عَلى أرْضِهِمْ ورَكَدَ، فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والتَّصَرُّفِ، ودامَ ذَلِكَ سَبْعَةَ أيّامٍ، فَقالُوا لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ؛ فَدَعا فَكُشِفَ عَنْهم، فَنَبَتَ مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ ما لَمْ يُعْهَدْ قَبْلَهُ، ولَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَ زُرُوعَهم، وثِمارَهم، وأبْوابَهم، وسُقُوفَهم، وثِيابَهم؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِما ذُكِرَ، فَخَرَجَ إلى الصَّحْراءِ وأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَرَجَعَتْ إلى النَّواحِي الَّتِي جاءَتْ مِنها، فَلَمْ يُؤْمِنُوا؛ فَسَلَّطَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، فَأكَلَ ما أبْقَتْهُ الجَرادُ، وكانَ يَقَعُ في أطْعِمَتِهِمْ، ويَدْخُلُ بَيْنَ ثِيابِهِمْ وجُلُودِهِمْ فَيَمُصُّها؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ ثالِثًا، فَرُفِعَ عَنْهم، فَقالُوا: قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، ثُمَّ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعَ، بِحَيْثُ لا يُكْشَفُ ثَوْبٌ ولا طَعامٌ إلّا وُجِدَتْ فِيهِ، وكانَتْ تَمْتَلِئُ مِنها مَضاجِعُهم، وتَثِبُ إلى قُدُورِهِمْ وهي تَغْلِي، وإلى أفْواهِهِمْ عِنْدَ التَّكَلُّمِ؛ فَفَزِعُوا إلَيْهِ رابِعًا وتَضَرَّعُوا، فَأُخِذَ عَلَيْهِمُ العُهُودُ، فَدَعا فَكَشَفَ اللَّهُ عَنْهم، فَنَقَضُوا العَهْدَ؛ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، فَصارَتْ مِياهُهم دِماءً حَتّى كانَ يَجْتَمِعُ القِبْطِيُّ والإسْرائِيلِيُّ عَلى إناءٍ، فَيَكُونُ ما يَلِيهِ دَمًا، وما يَلِي الإسْرائِيلِيَّ ماءً عَلى حالِهِ، ويَمُصُّ مِن فَمِ الإسْرائِيلِيِّ فَيَصِيرُ دَمًا في فِيهِ. وقِيلَ: سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعافَ. ﴿آياتٍ﴾ حالٌ مِنَ المَنصُوباتِ المَذْكُورَةِ. ﴿مُفَصَّلاتٍ﴾ مُبَيَّناتٍ، لا يُشْكِلُ عَلى عاقِلٍ أنَّها آياتُ اللَّهِ تَعالى ونِقْمَتُهُ. وقِيلَ: مُفَرَّقاتٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ لِامْتِحانِ أحْوالِهِمْ، وكانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ مِنها شَهْرٌ، وكانَ امْتِدادُ كُلِّ واحِدَةٍ مِنها أُسْبُوعًا. وقِيلَ: إنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَبِثَ فِيهِمْ بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمْ هَذِهِ الآياتِ عَلى مَهَلٍ. ﴿فاسْتَكْبَرُوا﴾؛ أيْ: عَنِ الإيمانِ بِها. ﴿وَكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها.

الأعراف 7:134

﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾؛ أيِ: العَذابُ المَذْكُورُ عَلى التَّفْصِيلِ؛ فاللّامُ لِلْجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ المُفَصَّلَةِ؛ أيْ: كُلَّما وقَعَ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ مِن تِلْكَ العُقُوباتِ، قالُوا في كُلِّ مَرَّةٍ: ﴿يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾؛ أيْ: بِعَهْدِهِ عِنْدَكَ، وهو (p-266)النُّبُوَّةُ، أوْ بِالَّذِي عُهِدَ إلَيْكَ أنْ تَدْعُوَهُ، فَيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في آياتِكَ، وهو صِلَةُ ادْعُ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ بِمَعْنى ادْعُ اللَّهَ، مُتَوَسِّلًا إلَيْهِ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التِماسُهم، مِثْلَ: أسْعِفْنا إلى ما نَطْلُبُ بِحَقِّ ما عِنْدَكَ. أوْ قَسَمٌ أُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ﴾ الَّذِي وقَعَ عَلَيْنا. ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾؛ أيْ: أقْسَمْنا بِعَهْدِ اللَّهِ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ ... إلَخْ.

الأعراف 7:135

﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾؛ أيْ: إلى حَدِّ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ، فَمُعَذَّبُونَ بَعْدَهُ أوْ مُهْلَكُونَ. ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ جَوابُ لَمّا؛ أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ وتَوَقُّفٍ.

الأعراف 7:136

﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَأرَدْنا أنْ نَنْتَقِمَ مِنهم لِما أسْلَفُوا مِنَ المَعاصِي والجَرائِمِ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَقْناهُمْ﴾ عَيْنُ الِانْتِقامِ مِنهم، فَلا يَصِحُّ دُخُولُ الفاءِ بَيْنَهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مُطْلَقَ الِانْتِقامِ مِنهم، والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ ...﴾ إلَخْ. ﴿فِي اليَمِّ﴾ في البَحْرِ الَّذِي لا يُدْرَكُ قَعْرُهُ، وقِيلَ: في لُجَّتِهِ. ﴿بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإغْراقِ؛ أيْ: كانَ إغْراقُهم بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى، وإعْراضِهِمْ عَنْها، وعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ فِيها، بِحَيْثُ صارُوا كالغافِلِينَ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ. والفاءُ وإنْ دَلَّتْ عَلى تَرَتُّبِ الإغْراقِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ النَّكْثِ، لَكِنَّهُ صَرَّحَ بِالتَّعْلِيلِ إيذانًا بِأنَّ مَدارَ جَمِيعِ ذَلِكَ تَكْذِيبُ آياتِ اللَّهِ تَعالى والإعْراضُ عَنْها، لِيَكُونَ ذَلِكَ مَزْجَرَةً لِلسّامِعِينَ عَنْ تَكْذِيبِ الآياتِ الظّاهِرَةِ عَلى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والإعْراضِ عَنْها.

الأعراف 7:137

﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾؛ أيْ: بِالِاسْتِعْبادِ وذَبْحِ الأبْناءِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ الِاسْتِضْعافِ وتَجَدُّدِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ، ذُكِرُوا بِهَذا العُنْوانِ إظْهارًا لِكَمالِ لُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ، وعَظِيمِ إحْسانِهِ إلَيْهِمْ في رَفْعِهِمْ مِن حَضِيضِ المَذَلَّةِ إلى أوْجِ العِزَّةِ. ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾؛ أيْ: جانِبَيْها الشَّرْقِيَّ والغَرْبِيَّ، حَيْثُ مَلَكَها بَنُو إسْرائِيلَ بَعْدَ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وتَصَرَّفُوا في أكْنافِها الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ كَيْفَ شاءُوا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾؛ أيْ: بِالخَصْبِ وسَعَةِ الأرْزاقِ، صِفَةٌ لِلْمَشارِقِ والمَغارِبِ، وقِيلَ: لِلْأرْضِ، وفِيهِ ضَعْفٌ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالمَعْطُوفِ، كَما في قَوْلِكَ: قامَ أمُّ هِنْدَ وأبُوها العاقِلَةُ. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾ وهي وعْدُهُ تَعالى إيّاهم بِالنَّصْرِ والتَّمْكِينِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ ونَجْعَلَهم أئِمَّةً ونَجْعَلَهم الوارِثِينَ﴾، وقُرِئَ: ( كَلِماتُ ) لِتَعَدُّدِ المَواعِيدِ، ومَعْنى تَمَّتْ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ. (p-267) ﴿عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى الشَّدائِدِ الَّتِي كابَدُوها مِن جِهَةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ. ﴿وَدَمَّرْنا﴾؛ أيْ: خَرَّبْنا وأهْلَكْنا. ﴿ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ﴾ مِنَ العِماراتِ والقُصُورِ؛ أيْ: ودَمَّرْنا الَّذِي كانَ فِرْعَوْنُ يَصْنَعُهُ، عَلى أنَّ "فِرْعَوْنُ" اسْمُ كانَ، و" ﴿يَصْنَعُ﴾ " خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والجُمْلَةُ الكَوْنِيَّةُ صِلَةُ " ما "، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقِيلَ: اسْمُ كانَ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ما المَوْصُولَةِ، ويَصْنَعُ مُسْنَدٌ إلى فِرْعَوْنَ، والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْضًا، والتَّقْدِيرُ: ودَمَّرْنا الَّذِي كانَ هو يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ. وَقِيلَ: كانَ زائِدَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، والتَّقْدِيرُ: ما يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ. وقِيلَ: كانَ زائِدَةٌ كَما ذُكِرَ، وما مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ودَمَّرْنا الَّذِي يَصْنَعُهُ فِرْعَوْنُ ... إلَخْ؛ أيْ: صُنْعَهُ، والعُدُولُ إلى صِيغَةِ المُضارِعِ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ. ﴿وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ مِنَ الجَنّاتِ، أوْ ما كانُوا يَرْفَعُونَهُ مِنَ البُنْيانِ كَصَرْحِ هامانَ، وقُرِئَ: ( يَعْرُشُونَ ) بِضَمِّ الرّاءِ، والكَسْرُ أفْصَحُ، وهَذا آخِرُ قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.

الأعراف 7:138

وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ شُرُوعٌ في قِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وشَرْحِ ما أحْدَثُوهُ مِنَ الأُمُورِ الشَّنِيعَةِ بَعْدَ أنْ أنْقَذَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، ومَنَّ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ، وأراهم مِنَ الآياتِ الكِبارِ ما تَخِرُّ لَهُ شُمُّ الجِبالِ، تَسْلِيَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإيقاظًا لِلْمُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَغْفُلُوا عَنْ مُحاسَبَةِ أنْفُسِهِمْ ومُراقَبَةِ أحْوالِهِمْ. وَجاوَزَ بِمَعْنى جازَ، وقُرِئَ: ( جَوَّزْنا ) بِالتَّشْدِيدِ، وهو أيْضًا بِمَعْنى جازَ، فَعُدِّيَ بِالباءِ؛ أيْ: قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ. رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَ ما أهْلَكَ اللَّهُ تَعالى فِرْعَوْنَ، فَصامُوهُ شُكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. ﴿فَأتَوْا﴾؛ أيْ: مَرُّوا. ﴿عَلى قَوْمٍ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن لَخْمٍ، وقِيلَ: مِنَ العَمالِقَةِ الكَنْعانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقِتالِهِمْ. ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾؛ أيْ: يُواظِبُونَ عَلى عِبادَتِها ويُلازِمُونَها، وقُرِئَ بِكَسْرِ الكافِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: كانَتْ أصْنامُهم تَماثِيلَ بَقَرٍ، وهو أوَّلُ شَأْنِ العِجْلِ. ﴿قالُوا﴾ عِنْدَ ما شاهَدُوا أحْوالَهم. ﴿يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ مِثالًا نَعْبُدُهُ. ﴿كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الكافُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَإلَهًا، وما مَوْصُولَةٌ، ولَهم صِلَتُها، وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن ما، والتَّقْدِيرُ: اجْعَلْ لَنا إلَهًا كائِنًا كالَّذِي اسْتَقَرَّ هو لَهم. ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْلِهِمْ هَذا إثْرَ ما شاهَدُوا مِنَ الآيَةِ الكُبْرى والمُعْجِزَةِ العُظْمى، فَوَصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ؛ إذْ لا جَهْلَ أعْظَمُ مِمّا ظَهَرَ مِنهم.

الأعراف 7:139

وَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: القَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ تِلْكَ التَّماثِيلَ. ﴿مُتَبَّرٌ﴾؛ أيْ: مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ. ﴿ما هم فِيهِ﴾؛ أيْ: مِنَ الدِّينِ الباطِلِ؛ أيْ: يُتَبِّرُ اللَّهُ تَعالى، ويَهْدِمُ دِينَهُمُ الَّذِي هم عَلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، ويُحَطِّمُ أصْنامَهم ويَتْرُكُها رُضاضًا، وإنَّما جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ. ﴿وَباطِلٌ﴾؛ أيْ: مُضْمَحِلٌّ بِالكُلِّيَّةِ. ﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِن عِبادَتِها، وإنْ كانَ قَصْدُهم بِذَلِكَ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ كُفْرٌ مَحْضٌ، ولَيْسَ هَذا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ: أعْمالُ البِرِّ الَّتِي عَمِلُوها في الجاهِلِيَّةِ، فَإنَّها في أنْفُسِها حَسَناتٌ (p-268)لَوْ قارَنَتِ الإيمانَ لاسْتَتْبَعَتْ أُجُورَها، وإنَّما بَطَلَتْ لِمُقارَنَتِها الكُفْرَ. وَفِي إيقاعِ هَؤُلاءِ اسْمًا لِإنَّ، وتَقْدِيمِ الخَبَرِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها وسْمٌ لِعَبَدَةِ الأصْنامِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ، وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةَ لازِبٍ، لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ إلَيْهِمْ ما أحَبُّوا.

الأعراف 7:140

﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ شُئُونِ اللَّهِ تَعالى المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، بَعْدَ بَيانِ أنَّ ما طَلَبُوا عِبادَتَهُ مِمّا لا يُمْكِنُ طَلَبُهُ أصْلًا لِكَوْنِهِ هالِكًا باطِلًا، ولِذَلِكَ وُسِّطَ بَيْنَهُما " قالَ " مَعَ كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما كَلامَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ والتَّوْبِيخِ، وإدْخالُ الهَمْزَةِ عَلى " غَيْرَ " لِلْإيذانِ بِأنَّ المَنكُوَّ هو كَوْنُ المَبْغِيِّ غَيْرَهُ تَعالى، لِما أنَّهُ لِاخْتِصاصِ الإنْكارِ بِغَيْرِهِ تَعالى دُونَ إنْكارِ الِاخْتِصاصِ بِغَيْرِهِ تَعالى، وانْتِصابُ " غَيْرَ " عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ أبْغِي بِحَذْفِ اللّامِ؛ أيْ: أبْغِي لَكم؛ أيْ: أطْلُبُ لَكم غَيْرَ اللَّهِ تَعالى. وَ" إلَهًا " إمّا تَمْيِيزٌ، أوْ حالٌ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن إلَهًا، وهو المَفْعُولُ لِأبْغِي، عَلى أنَّ الأصْلَ: أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، فَغَيْرَ اللَّهِ صِفَةٌ لَإلَهًا، فَلَمّا قُدِّمَتْ صِفَةُ النَّكِرَةِ انْتَصَبَتْ حالًا. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ تَعالى خَصَّكم بِنِعَمٍ لَمْ يُعْطِها غَيْرَكم، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى ما صَنَعُوا مِن سُوءِ المُعامَلَةِ، حَيْثُ قابَلُوا تَخْصِيصِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم مِن بَيْنِ أمْثالِهِمْ بِما لَمْ يَسْتَحِقُّوهُ، تَفَضُّلًا بِأنْ عَمَدُوا إلى أخَسِّ شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، فَجَعَلُوهُ شَرِيكًا لَهُ تَعالى، تَبًّا لَهم ولِما يَعْبُدُونَ.

الأعراف 7:141

﴿وَإذْ أنْجَيْناكُمْ﴾ تَذْكِيرٌ لَهم مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ بِنِعْمَةِ الإنْجاءِ مِن مَلَكَةِ فِرْعَوْنَ، وقُرِئَ: ( نَجَّيْناكم ) مِنَ التَّنْجِيَةِ، وقُرِئَ: ( أنْجاكم )، فَيَكُونُ مَسُوقًا مِن جِهَةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ أيْ: واذْكُرُوا وقْتَ إنْجائِنا إيّاكم. ﴿مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ مِن مَلَكَتِهِمْ، لا بِمُجَرَّدِ تَخْلِيصِكم مِن أيْدِيهِمْ، وهم عَلى حالِهِمْ في المُكْنَةِ والقُدْرَةِ، بَلْ بِإهْلاكِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ مِن سامَهُ خَسْفًا؛ أيْ: أوْلاهُ إيّاهُ أوْ كَلَّفَهُ إيّاهُ، وهو إمّا اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أنْجاهم مِنهُ، أوْ حالٌ مِنَ المُخاطَبِينَ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِنهُما مَعًا؛ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن " يَسُومُونَكم " مُبَيِّنٌ أوْ مُفَسِّرٌ لَهُ. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾ الإنْجاءِ أوْ سُوءِ العَذابِ. ﴿بَلاءٌ﴾؛ أيْ: نِعْمَةٌ أوْ مِحْنَةٌ. ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ مِن مالِكِ أمْرِكم، فَإنَّ النِّعْمَةَ والنِّقْمَةَ كِلْتاهُما مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى. ﴿عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.

الأعراف 7:142

﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهم بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم، أتاهم بِكِتابٍ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَبَّهُ الكِتابَ، فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وهو شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ، فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ، فَتَسَوَّكَ؛ (p-269)فَقالَتِ المَلائِكَةُ: كُنّا نَشُمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ. وَقِيلَ: أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ: أما عَلِمْتَ أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ؛ فَأمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَزِيدَ عَلَيْها عَشَرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِذَلِكَ. وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْها بِاللَّيالِي؛ لِأنَّها غُرَرُ الشُّهُورِ، وقِيلَ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشْرِ وكَلَّمَ فِيها، وقَدْ أُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وفُصِّلَ هَهُنا. وَواعَدْنا بِمَعْنى وعَدْنا، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: الصِّيغَةُ عَلى بابِها بِناءً عَلى تَنْزِيلِ قَبُولِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَةَ الوَعْدِ، وثَلاثِينَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِواعَدْنا بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ: إتْمامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً. ﴿فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾؛ أيْ: بالِغًا أرْبَعِينَ لَيْلَةً. ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ﴾ حِينَ تَوَجَّهَ إلى المُناجاةِ حَسْبَما أُمِرَ بِهِ. ﴿اخْلُفْنِي﴾؛ أيْ: كُنْ خَلِيفَتِي. ﴿فِي قَوْمِي﴾ وراقِبْهم فِيما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ. ﴿وَأصْلِحْ﴾ ما يَحْتاجُ إلى الإصْلاحِ مِن أُمُورِهِمْ، أوْ كُنْ مُصْلِحًا. ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾؛ أيْ: لا تَتَّبِعْ مَن سَلَكَ الإفْسادَ، ولا تُطِعْ مَن دَعاكَ إلَيْهِ.

الأعراف 7:143

﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ لِوَقْتِنا الَّذِي وقَّتْناهُ، واللّامُ لِلِاخْتِصاصِ؛ أيِ: اخْتَصَّ مَجِيئُهُ بِمِيقاتِنا. ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ، كَما يُكَلِّمُ المَلائِكَةَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيما رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَسْمَعُ ذَلِكَ مِن كُلِّ جِهَةٍ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ سَماعَ كَلامِهِ عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ مِن جِنْسِ سَماعِ كَلامِ المُحَدِّثِينَ. ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: أرِنِي ذاتَكَ بِأنْ تُمَكِّنَنِي مِن رُؤْيَتِكَ، أوْ تَتَجَلّى لِي فَأنْظُرَ إلَيْكَ وأراكَ، وهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ رُؤْيَتَهُ تَعالى جائِزَةٌ في الجُمْلَةِ، لِما أنَّ طَلَبَ المُسْتَحِيلِ مُسْتَحِيلٌ مِنَ الأنْبِياءِ، لا سِيَّما ما يَقْتَضِي الجَهْلَ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى؛ ولِذَلِكَ رَدَّهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: " لَنْ تَرانِي "، دُونَ لَنْ أرى، ولَنْ أُرِيَكَ، ولَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ قاصِرٌ عَنْ رُؤْيَتِهِ، لِتَوَقُّفِها عَلى مُعَدٍّ في الرّائِي، ولَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ بَعْدُ، وجَعْلُ السُّؤالِ لِتَبْكِيتِ قَوْمِهِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ خَطَأٌ؛ إذْ لَوْ كانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً، لَوَجَبَ أنْ يُجَهِّلَهم ويُزِيحَ شُبْهَتَهم، كَما فَعَلَ ذَلِكَ حِينَ قالُوا: " ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ "، وأنْ لا يَتَّبِعَ سَبِيلَهم، كَما قالَ لِأخِيهِ: ﴿وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ . والِاسْتِدْلالُ بِالجَوابِ عَلى اسْتِحالَتِها أشَدُّ خَطَأً؛ إذْ لا يَدُلُّ الإخْبارُ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ إيّاهُ عَلى أنَّهُ لا يَراهُ أبَدًا، وأنْ لا يَراهُ غَيْرُهُ أصْلًا، فَضْلًا عَنْ أنْ يَدُلَّ عَلى اسْتِحالَتِها، ودَعْوى الضَّرُورَةِ مُكابَرَةٌ، أوْ جَهْلٌ لِحَقِيقَةِ الرُّؤْيَةِ. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ رَبُّ العِزَّةِ حِينَ قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ما قالَ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ اسْتِدْراكٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا يُطِيقُ بِها، وفي تَعْلِيقِها بِاسْتِقْرارِ الجَبَلِ أيْضًا دَلِيلٌ عَلى الجَوازِ، ضَرُورَةَ أنَّ المُعَلَّقَ بِالمُمْكِنِ مُمْكِنٌ، والجَبَلُ: قِيلَ: هو جَبَلُ أُرْدُنَّ. ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾؛ أيْ: ظَهَرَتْ لَهُ عَظَمَتُهُ، وتَصَدّى لَهُ اقْتِدارُهُ وأمْرُهُ، وقِيلَ: أُعْطِيَ الجَبَلُ حَياةً ورُؤْيَةً حَتّى رَآهُ. ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ مَدْكُوكًا مُفَتَّتًا، والدَّكُ والدَّقُّ أخَوانِ، كالشَّكِّ والشَّقِّ، (p-270)وَقُرِئَ: ( دَكّاءَ )؛ أيْ: أرْضًا مُسْتَوِيَةً، ومِنهُ: ناقَةٌ دَكّاءُ: لِلَّتِي لا سَنامَ لَها، وقُرِئَ: ( دُكًّا ) جَمْعُ دَكّاءَ؛ أيْ: قِطَعًا. ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ مِن هَوْلِ ما رَآهُ. ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾ الإفاقَةُ: رُجُوعُ العَقْلِ والفَهْمِ إلى الإنْسانِ بَعْدَ ذَهابِهِما بِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ. ﴿قالَ﴾ تَعْظِيمًا لِما شاهَدَهُ. ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِن أنْ أسْألَكَ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ. ﴿تُبْتُ إلَيْكَ﴾؛ أيْ: مِنَ الجَراءَةِ والإقْدامِ عَلى السُّؤالِ بِغَيْرِ إذْنٍ. ﴿وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ، وقِيلَ: أوَّلُ مَن آمَنَ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا، وقِيلَ: بِأنَّهُ لا يَجُوزُ السُّؤالُ بِغَيْرِ إذْنٍ مِنكَ.

الأعراف 7:144

﴿قالَ يا مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن عَدَمِ الإجابَةِ إلى سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ مَنَعْتُكَ الرُّؤْيَةَ فَقَدْ أعْطَيْتُكَ مِنَ النِّعَمِ العِظامِ ما لَمْ أُعْطِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فاغْتَنِمْها وثابِرْ عَلى شُكْرِها. ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾؛ أيِ: اخْتَرْتُكَ، واتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً، وآثَرْتُكَ. ﴿عَلى النّاسِ﴾؛ أيِ: المُعاصِرِينَ لَكَ، وهارُونُ وإنْ كانَ نَبِيًّا كانَ مَأْمُورًا بِاتِّباعِهِ، وما كانَ كَلِيمًا ولا صاحِبَ شَرْعٍ. ﴿بِرِسالاتِي﴾؛ أيْ: بِأسْفارِ التَّوْراةِ، وقُرِئَ: ( بِرِسالَتِي ) . ﴿وَبِكَلامِي﴾ وبِتَكْلِيمِي إيّاكَ بِغَيْرِ واسِطَةٍ. ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾؛ أيْ: أعْطَيْتُكَ مِن شَرَفِ النُّبُوَّةِ والحِكْمَةِ. ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى ما أُعْطِيتَ مِن جَلائِلِ النِّعَمِ، قِيلَ: كانَ سُؤالُ الرُّؤْيَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وإعْطاءُ التَّوْراةِ يَوْمَ النَّحْرِ.

الأعراف 7:145

﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أُمُورِ دِينِهِمْ. ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ، واخْتُلِفَ في عَدَدِ الألْواحِ وفي جَوْهَرِها ومِقْدارِها؛ فَقِيلَ: إنَّها كانَتْ عَشَرَةَ ألْواحٍ، وقِيلَ: سَبْعَةً، وقِيلَ: لَوْحَيْنِ، وإنَّها كانَتْ مِن زُمُرُّدَةٍ جاءَ بِها جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: مِن زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ ياقُوتَةٍ حَمْراءَ. وَقِيلَ: أمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى بِقَطْعِها مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيَّنَها لَهُ، فَقَطَّعَها بِيَدِهِ وشَقَّقَها بِأصابِعِهِ. وعَنِ الحَسَنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كانَتْ مِن خُشُبٍ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ فِيها التَّوْراةُ، وإنَّ طُولَها كانَ عَشَرَةَ أذْرُعٍ. وَقِيلَ: أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وهي سَبْعُونَ وِقْرَ بَعِيرٍ، يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنهُ في سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْها إلّا أرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسى، ويُوشَعُ، وعُزَيْرٌ، وعِيسى، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وعَنْ مُقاتِلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: كُتِبَ في الألْواحِ: إنِّي أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، ولا تَقْطَعُوا السَّبِيلَ، ولا تَزْنُوا، ولا تَعُقُّوا الوالِدَيْنِ. ﴿فَخُذْها﴾ عَلى إضْمارِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى كَتَبْنا؛ أيْ: فَقُلْنا: خُذْها. ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بِجِدٍّ وعَزِيمَةٍ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ "، والضَّمِيرُ لِلْألْواحِ، أوْ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الأشْياءِ، أوْ لِلرِّسالَةِ، أوْ لِلتَّوْراةِ. ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾؛ أيْ: بِأحْسَنِ ما فِيها، كالعَفْوِ والصَّبْرِ، بِالإضافَةِ إلى الِاقْتِصاصِ والِانْتِصارِ عَلى طَرِيقَةِ النَّدْبِ، والحَثِّ عَلى اخْتِيارِ الأفْضَلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، أوْ بِواجِباتِها، فَإنَّها (p-271)أحْسَنُ مِنَ المُباحِ. وَقِيلَ: المَعْنى: يَأْخُذُوا بِها وأحْسَنَ صِلَةً. قالَ قُطْرُبٌ: أيْ: بِحَسَنِها، وكُلُّها حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ . وقِيلَ: هو أنْ تُحْمَلَ الكَلِمَةُ المُحْتَمِلَةُ لِمَعْنَيَيْنِ، أوْ لِمَعانٍ عَلى أشْبَهِ مُحْتَمِلاتِها بِالحَقِّ، وأقْرَبِها إلى الصَّوابِ. ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، حَمْلًا لَهم عَلى الجِدِّ في الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، إمّا عَلى نَهْجِ الوَعِيدِ والتَّرْهِيبِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: أرْضُ مِصْرَ، ودِيارُ عادٍ وثَمُودَ، وأضْرابِهِمْ؛ فَإنَّ رُؤْيَتَها وهي الخالِيَةُ عَنْ أهْلِها خاوِيَةً عَلى عُرُوشِها، مُوجِبَةٌ لِلِاعْتِبارِ والِانْزِجارِ عَنْ مِثْلِ أعْمالِ أهْلِها؛ كَيْ لا يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. وَإمّا عَلى نَهْجِ الوَعْدِ والتَّرْغِيبِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: إمّا أرْضُ مِصْرَ خاصَّةً، أوْ مَعَ أرْضِ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ بِالشّامِ، فَإنَّها أيْضًا مِمّا أُتِيحَ لِبَنِي إسْرائِيلَ وكُتِبَ لَهم حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . وَمَعْنى الإراءَةِ: الإدْخالُ بِطَرِيقِ الإيراثِ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ( سَأُورِثُكم ) بِالثّاءِ المُثَلَّثَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾، وقُرِئَ: ( سَأُورِيكم )، ولَعَلَّهُ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ؛ أيْ: سَأُبَيِّنُها لَكم.

الأعراف 7:146

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْذِيرِهِمْ عَنِ التَّكَبُّرِ المُوجِبِ لِعَدَمِ التَّفَكُّرِ في الآياتِ، الَّتِي هي ما كُتِبَ في ألْواحِ التَّوْراةِ مِنَ المَواعِظِ والأحْكامِ، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ، الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما وُعِدَ إراءَتُهُ مِن دارِ الفاسِقِينَ، ومَعْنى صَرْفِهِمْ عَنْها: الطَّبْعُ عَلى قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتَفَكَّرُونَ فِيها، ولا يَعْتَبِرُونَ بِها لِإصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ التَّكَبُّرِ والتَّجَبُّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ . وَتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ، لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ أنَّ في المُؤَخَّرِ نَوْعَ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الجَلِيلِ؛ أيْ: سَأطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ يَعُدُّونَ أنْفُسَهم كُبَراءَ، ويَرَوْنَ لَهم عَلى الخَلْقِ مَزِيَّةً وفَضْلًا، فَلا يَنْتَفِعُونَ بِآياتِي التَّنْزِيلِيَّةِ والتَّكْوِينِيَّةِ، ولا يَغْتَنِمُونَ مَغانِمَ آثارِها، فَلا تَسْلُكُوا مَسْلَكَهم لِتَكُونُوا أمْثالَهم. وَقِيلَ: المَعْنى: سَأصْرِفُهم عَنْ إبْطالِها، وإنِ اجْتَهَدُوا كَما اجْتَهَدَ فِرْعَوْنُ في إبْطالِ ما رَآهُ مِنَ الآياتِ، فَأبى اللَّهُ تَعالى إلّا إحْقاقَ الحَقِّ وإزْهاقَ الباطِلِ، وعَلى هَذا فالأنْسَبُ أنْ يُرادَ بِدارِ الفاسِقِينَ: أرْضُ الجَبابِرَةِ والعَمالِقَةِ المَشْهُورِينَ بِالفِسْقِ والتَّكَبُّرِ في الأرْضِ، وبِإراءَتِها لِلْمُخاطَبِينَ إدْخالُهُمُ الشّامَ وإسْكانُهم في مَساكِنِهِمْ ومَنازِلِهِمْ، حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . وَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ ... " إلَخْ، جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ ناشِئٍ مِنَ الوَعْدِ بِإدْخالِ الشّامِ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالآياتِ: ما تُلِيَ آنِفًا ونَظائِرُهُ، وبِصَرْفِهِمْ عَنْها: إزالَتُهم عَنْ مَقامِ مُعارَضَتِها ومُمانَعَتِها، لِوُقُوعِ أخْبارِها وظُهُورِ أحْكامِها وآثارِها بِإهْلاكِهِمْ عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حِينَ سارَ بَعْدَ التِّيهِ بِمَن بَقِيَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ (p-272)أوْ بِذُرِّيّاتِهِمْ، عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ إلى أرِيحا، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ في مُقَدِّمَتِهِ، فَفَتَحَها واسْتَقَرَّ بَنُو إسْرائِيلَ بِالشّامِ، ومَلَكُوا مَشارِقَها ومَغارِبَها، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يَرَوْنَ دارَهم وهم فِيها ؟ فَقِيلَ: سَأُهْلِكُهم، وإنَّما عَدَلَ إلى الصَّرْفِ لِيَزْدادُوا ثِقَةً بِالآياتِ واطْمِئْنانًا بِها. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ إمّا صِلَةٌ لِلتَّكَبُّرِ؛ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهو دِينُهُمُ الباطِلُ وظُلْمُهُمُ المُفْرِطُ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن فاعِلِهِ؛ أيْ: يَتَكَبَّرُونَ مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ عَطْفٌ عَلى يَتَكَبَّرُونَ، داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الصِّلَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ: إمّا المُنَزَّلَةُ؛ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها: مُشاهَدَتُها بِسَماعِها، أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها مِنَ المُعْجِزاتِ؛ فالمُرادُ بِرُؤْيَتِها: مُطْلَقُ المُشاهَدَةِ المُنْتَظِمَةِ لِلسَّماعِ والإبْصارِ؛ أيْ: وإنْ يُشاهِدُوا كُلَّ آيَةٍ مِنَ الآياتِ لا يُؤْمِنُوا بِها عَلى عُمُومِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ العُمُومِ؛ أيْ: كَفَرُوا بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لِعَدَمِ اجْتِلائِهِمْ إيّاها كَما هي، وهَذا كَما تَرى يُؤَيِّدُ كَوْنَ الصَّرْفِ بِمَعْنى الطَّبْعِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: لا يَتَوَجَّهُونَ إلى الحَقِّ ولا يَسْلُكُونَ سَبِيلَهُ أصْلًا، لِاسْتِيلاءِ الشَّيْطَنَةِ عَلَيْهِمْ ومَطْبُوعِيَّتِهِمْ عَلى الِانْحِرافِ والزَّيْغِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ، وقُرِئَ: ( الرَّشادِ )، وثَلاثَتُها لُغاتٌ، كالسُّقْمِ والسَّقَمِ والسَّقامِ. ﴿وَإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾؛ أيْ: يَخْتارُونَهُ لِأنْفُسِهِمْ مَسْلَكًا مُسْتَمِرًّا لا يَكادُونَ يَعْدِلُونَ عَنْهُ، لِمُوافَقَتِهِ لِأهْوائِهِمُ الباطِلَةِ، وإفْضائِهِ بِهِمْ إلى شَهَواتِهِمْ. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن تَكَبُّرِهِمْ، وعَدَمِ إيمانِهِمْ بِشَيْءٍ مِنَ الآياتِ، وإعْراضِهِمْ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ، وإقْبالِهِمُ التّامِّ إلى سَبِيلِ الغَيِّ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّهُمْ﴾؛ أيْ: حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهم. ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الدّالَّةِ عَلى بُطْلانِ ما اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ القَبائِحِ، وعَلى حَقِّيَّةِ أضْدادِها. ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ لا يَتَفَكَّرُونَ فِيها، وإلّا لَما فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الأباطِيلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ما ذُكِرَ مِنَ الصَّرْفِ، ولا يَمْنَعُهُ الإشْعارُ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، كَيْفَ لا وقَدْ مَرَّ أنَّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا ...﴾ الآيَةَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ، والبَوْءِ بِالغَضَبِ العَظِيمِ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مُعَلَّلًا بِالكُفْرِ بِآياتِ اللَّهِ صَرِيحًا. وَقِيلَ: مَحَلُّ اسْمِ الإشارَةِ النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: سَأصْرِفُهم ذَلِكَ الصَّرْفَ بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمْ بِآياتِنا وغَفْلَتِهِمْ عَنْها.

الأعراف 7:147

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: وبِلِقائِهِمُ الدّارَ الآخِرَةَ، أوْ لِقائِهِمْ ما وعَدَهُ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ مِنَ الجَزاءِ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾ خَبَرُهُ؛ أيْ: ظَهَرَ بُطْلانُ أعْمالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَمِلُوها مِن صِلَةِ الأرْحامِ، وإغاثَةِ المَلْهُوفِينَ، ونَحْوِ ذَلِكَ، أوْ حَبِطَتْ أعْمالُهم بَعْدَ ما كانَتْ مَرْجُوَّةَ النَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ إيمانِهِمْ بِها. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾؛ أيْ: لا يُجْزَوْنَ. ﴿إلا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾؛ أيِ: إلّا جْزاءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

الأعراف 7:148

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ ذَهابِهِ إلى الطُّورِ. ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِاتَّخَذَ، كالجارِّ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ مَعْنَيَيْهِما، فَإنَّ الأوَّلَ لِلِابْتِداءِ، (p-273)والثّانِيَ لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلْبَيانِ، أوِ الثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِمّا بَعْدَهُ؛ إذْ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ. وَإضافَةُ الحُلِيِّ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّها كانَتْ لِلْقِبْطِ لِأدْنى المُلابَسَةِ، حَيْثُ كانُوا اسْتَعارُوها مِن أرْبابِها قُبَيْلَ الغَرَقِ، فَبَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ، وأمّا أنَّهم مَلَكُوها بَعْدَ الغَرَقِ فَذَلِكَ مَنُوطٌ بِتَمَلُّكِ بَنِي إسْرائِيلَ غَنائِمَ القِبْطِ، وهم مُسْتَأْمَنُونَ فِيما بَيْنَهم، فَلا يُساعِدُهُ قَوْلُهم: ﴿حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ﴾ . والحُلِيُّ بِضَمِّ الحاءِ وكَسْرِ اللّامِ جَمْعُ حَلْيٍ، كَثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الحاءِ بِالإتْباعِ كَدِلِيٍّ، وقُرِئَ: ( حَلْيِهِمْ ) عَلى الإفْرادِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عِجْلا﴾ مَفْعُولُ اتَّخَذَ، أُخِّرَ عَنِ المَجْرُورِ لِما مَرَّ مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِتَجاوُبِ أطْرافِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، وقِيلَ: هو مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ؛ أيْ: إلَهًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَسَدًا﴾ بَدَلٌ مِن عِجْلًا، أوْ جُثَّةً ذا دَمٍ ولَحْمٍ، أوْ جَسَدًا مِن ذَهَبٍ لا رُوحَ مَعَهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ خُوارٌ﴾؛ أيْ: صَوْتُ بَقَرٍ، وقُرِئَ بِالجِيمِ والهَمْزَةِ، وهو الصِّياحُ، نَعْتٌ لِعِجْلًا. رُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ لَمّا صاغَ العِجْلَ ألْقى في فَمِهِ تُرابًا مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانَ أخَذَهُ عِنْدَ فَلْقِ البَحْرِ، أوْ عِنْدَ تَوَجُّهِهِ إلى الطُّورِ فَصارَ حَيًّا. وقِيلَ: صاغَهُ بِنَوْعٍ مِنَ الحِيَلِ، فَيَدْخُلُ الرِّيحُ في جَوْفِهِ فَيُصَوِّتُ، والأنْسَبُ بِما في سُورَةِ طَهَ هو الأوَّلُ، وإنَّما نُسِبَ اتِّخاذُهُ إلَيْهِمْ وهو فِعْلُهُ، إمّا لِأنَّهُ واحِدٌ مِنهم، وإمّا لِأنَّهم رَضُوا بِهِ فَكَأنَّهم فَعَلُوهُ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالِاتِّخاذِ: اتِّخاذُهم إيّاهُ إلَهًا، لا صُنْعُهُ وإحْداثُهُ. ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيعِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ، وتَرْكِيكِ عُقُولِهِمْ، وتَسْفِيهِهِمْ فِيما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ المُنْكَرِ، الَّذِي هو اتِّخاذُهُ إلَهًا؛ أيْ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ حَيْثُ لا يُكَلِّمُهم. ﴿وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَكَيْفَ اتَّخَذُوهُ إلَهًا. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاتَّخِذُوهُ﴾؛ أيْ: فَعَلُوا ذَلِكَ. ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾؛ أيْ: واضِعِينَ لِلْأشْياءِ في غَيْرِ مَوْضِعِها، فَلَمْ يَكُنْ هَذا أوَّلَ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ، وتَكْرِيرُ اتَّخَذُوهُ لِتَثْنِيَةِ التَّشْنِيعِ وتَرْتِيبِ الِاعْتِراضِ عَلَيْهِ.

الأعراف 7:149

﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾؛ أيْ: نَدِمُوا عَلى ما فَعَلُوهُ غايَةَ النَّدَمِ، فَإنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْهُ؛ لِأنَّ النّادِمَ المُتَحَسِّرَ يَعَضُّ يَدَهُ غَمًّا، فَتَصِيرُ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها، وقُرِئَ: ( سَقَطَ ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ بِمَعْنى: وقَعَ العَضُّ فِيها، فاليَدُ حَقِيقَةٌ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: سَقَطَ النَّدَمُ في أنْفُسِهِمْ، إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِعارَةِ بِالكِنايَةِ، أوْ بِطْرِيقِ التَّمْثِيلِ. ﴿وَرَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾ بِاتِّخاذِ العِجْلِ؛ أيْ: تَبَيَّنُوا بِحَيْثُ تَيَقَّنُوا بِذَلِكَ، حَتّى كَأنَّهم رَأوْهُ بِأعْيُنِهِمْ، وتَقْدِيمُ ذِكْرِ نَدَمِهِمْ عَلى هَذِهِ الرُّؤْيَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَأخِّرًا عَنْها، لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِهِ، والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَتِهِ، كَأنَّهُ سابِقٌ عَلى الرُّؤْيَةِ. ﴿قالُوا﴾ واللَّهِ. ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ بِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ. ﴿وَيَغْفِرْ لَنا﴾ ذُنُوبَنا بِالتَّجاوُزِ عَنْ خَطِيئَتِنا، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ عَلى المَغْفِرَةِ، مَعَ أنَّ التَّخْلِيَةَ حَقُّها أنْ تُقَدَّمَ عَلى التَّحْلِيَةِ، إمّا لِلْمُسارَعَةِ إلى ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ بِالرَّحْمَةِ: مُطْلَقُ إرادَةِ الخَيْرِ بِهِمْ، وهو مَبْدَأٌ لِإنْزالِ التَّوْبَةِ المُكَفِّرَةِ لِذُنُوبِهِمْ. واللّامُ في " لَئِنْ " مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ لِجَوابِ القَسَمِ، وما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدامَةِ والرُّؤْيَةِ والقَوْلِ، وإنْ كانَ بَعْدَ (p-274)ما رَجَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلَيْهِمْ، كَما يَنْطِقُ بِهِ الآياتُ الوارِدَةُ في سُورَةِ طَهَ، لَكِنْ أُرِيدَ بِتَقْدِيمِهِ عَلَيْهِ حِكايَةُ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ.

الأعراف 7:150

﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ المِيقاتِ، إثْرَ بَيانِ ما وقَعَ مِن قَوْمِهِ بَعْدَهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾ حالانِ مِن مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أوِ الثّانِي مِنَ المُسْتَكِنِ في غَضْبانَ، والآسِفُ: الشَّدِيدُ الغَضَبِ، وقِيلَ: الحَزِينُ. ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي﴾؛ أيْ: بِئْسَما فَعَلْتُمْ مِن بَعْدِ غَيْبَتِي، حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ بَعْدَ ما رَأيْتُمْ فِعْلِي مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، ونَفْيِ الشُّرَكاءِ عَنْهُ، وإخْلاصِ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن حَمْلِكم عَلى ذَلِكَ، وكَفِّكم عَمّا طَمَحَتْ نَحْوَهُ أبْصارُكم، حَيْثُ قُلْتُمْ: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ . وَمِن حَقِّ الخُلَفاءِ أنْ يَسِيرُوا بِسِيرَةِ المُسْتَخْلَفِ، فالخِطابُ لِلْعَبَدَةِ مِنَ السّامِرِيِّ وأشْياعِهِ، أوْ بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي ولَمْ تُراعُوا عَهْدِي، حَيْثُ لَمْ تَكُفُّوا العَبَدَةَ عَمّا فَعَلُوا؛ فالخِطابُ لِهارُونَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ . وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلْكُلِّ، عَلى أنَّ المُرادَ بِالخَلِيفَةِ ما يَعُمُّ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و" ما " نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ مُفَسِّرَةٌ لِفاعِلِ " بِئْسَ " المُسْتَكِنِ فِيهِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: بِئْسَ خِلافَةً خَلَفْتُمُونِيها مِن بَعْدِي خِلافَتُكم. ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾؛ أيْ: تَرَكْتُمُوهُ غَيْرَ تامٍّ عَلى تَضْمِينِ عَجِلَ مَعْنى سَبَقَ، يُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ: إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، أوْ أُعْجِلْتُمْ وعْدَ رَبِّكُمُ الَّذِي وعَدَنِيهِ مِنَ الأرْبَعِينَ، وقَدَّرْتُمْ مَوْتِي، وغَيَّرْتُمْ بَعْدِي كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ. ﴿وَألْقى الألْواحَ﴾ طَرْحًا مِن شِدَّةِ الغَضَبِ وفَرْطِ الضَّجَرِ حَمِيَّةً لِلدِّينِ. رُوِيَ أنَّ التَّوْراةَ كانَتْ سَبْعَةَ أسْباعٍ في سَبْعَةِ ألْواحٍ، فَلَمّا ألْقاها انْكَسَرَتْ، فَرُفِعَتْ سِتَّةُ أسِباعِها الَّتِي كانَ فِيها تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ سُبُعٌ كانَ فِيهِ المَواعِظُ والأحْكامُ. ﴿وَأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ﴾ بِشَعْرِ رَأْسِهِ عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ أخَذَ، فَعَلَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَوَهُّمًا أنَّهُ قَصَّرَ في كَفِّهِمْ، وهارُونُ كانَ أكْبَرَ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ بِثَلاثِ سِنِينَ، وكانَ حَمُولًا، ولِذَلِكَ كانَ أحَبَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ. ﴿قالَ﴾؛ أيْ: هارُونُ مُخاطِبًا لِمُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ، وتَخْصِيصُ الأُمِّ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِما شَقِيقَيْنِ، لِما أنَّ حَقَّ الأُمِّ أعْظَمُ وأحَقُّ بِالمُراعاةِ، مَعَ أنَّها كانَتْ مُؤْمِنَةً، وقَدْ قاسَتْ فِيهِ المَخاوِفَ والشَّدائِدَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ المِيمِ بِإسْقاطِ الياءِ تَخْفِيفًا، كالمُنادى المُضافِ إلى الياءِ، وقِراءَةُ الفَتْحِ لِزِيادَةِ التَّخْفِيفِ، أوْ لِتَشْبِيهِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ. ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ إزاحَةً لِتَوَهُّمِ التَّقْصِيرِ في حَقِّهِ، والمَعْنى: بَذَلْتُ جُهْدِي في كَفِّهِمْ حَتّى قَهَرُونِي، واسْتَضْعَفُونِي وقارَبُوا قَتْلِي. ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾؛ أيْ: فَلا تَفْعَلْ بِي ما يَكُونُ سَبَبًا لِشَماتَتِهِمْ بِي. ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: مَعْدُودًا في عِدادِهِمْ بِالمُؤاخَذَةِ، أوِ النِّسْبَةِ إلى التَّقْصِيرِ، وهَذا يُؤَيِّدُ كَوْنَ الخِطابِ لِلْكُلِّ، أوْ لا تَعْتَقِدْ أنِّي واحِدٌ مِنَ الظّالِمِينَ مَعَ بَراءَتِي مِنهم ومِن ظُلْمِهِمْ.(p-275)

الأعراف 7:151

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ اعْتِذارِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ مُوسى عِنْدَ ذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾؛ أيْ: ما فَعَلْتُ بِأخِي مِن غَيْرِ ذَنْبٍ مُقَرَّرٍ مِن قِبَلِهِ. ﴿وَلأخِي﴾ إنْ فَرَطَ مِنهُ تَقْصِيرٌ ما في كَفِّهِمْ عَمّا فَعَلُوهُ مِنَ العَظِيمَةِ، اسْتَغْفَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِنَفْسِهِ لِيُرْضِيَ أخاهُ، ويُظْهِرَ لِلشّامِتِينَ رِضاهُ؛ لِئَلّا تَتِمَّ شَماتَتُهم بِهِ ولِأخِيهِ، لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى الِاسْتِغْفارِ، حَيْثُ كانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُقاتِلَهم. ﴿وَأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ﴾ بِمَزِيدِ الإنْعامِ بَعْدَ غُفْرانِ ما سَلَفَ مِنّا. ﴿وَأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فَلا غَرْوَ في انْتِظامِنا في سِلْكِ رَحْمَتِكَ الواسِعَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

الأعراف 7:152

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ﴾؛ أيْ: تَمُّوا عَلى اتِّخاذِهِ، واسْتَمَرُّوا عَلى عِبادَتِهِ، كالسّامِرِيِّ وأشْياعِهِ مِنَ الَّذِينَ أُشْرِبُوهُ في قُلُوبِهِمْ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ كَوْنُ المَوْصُولِ الثّانِي عِبارَةً عَنِ التّائِبِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّ المَوْصُولَ الأوَّلَ عِبارَةٌ عَنِ المُصِرِّينَ. ﴿سَيَنالُهُمْ﴾؛ أيْ: في الآخِرَةِ. ﴿غَضَبٌ﴾؛ أيْ: عَظِيمٌ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، مُسْتَتْبِعٌ لِفُنُونِ العُقُوباتِ، لِما أنَّ جَرِيمَتَهم أعْظَمُ الجَرائِمِ وأقْبَحُ الجَرائِرِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: مالِكِهِمْ، مُتَعَلِّقٌ بِيَنالُهم، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو نَعْتٌ لِغَضَبٌ، مُؤَكِّدٌ لِما أفادَهُ التَّنْوِينُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ؛ أيْ: كائِنٌ مِن رَبِّهِمْ. ﴿وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ هي ذِلَّةُ الِاغْتِرابِ الَّتِي تُضْرَبُ بِها الأمْثالُ، والمَسْكَنَةُ المُنْتَظِمَةُ لَهم ولِأوْلادِهِمْ جَمِيعًا، والذِّلَّةُ الَّتِي اخْتَصَّ بِها السّامِرِيُّ مِنَ الِانْفِرادِ عَنِ النّاسِ، والِابْتِلاءِ بِلا مِساسٍ. يُرْوى أنَّ بَقاياهُمُ اليَوْمَ يَقُولُونَ ذَلِكَ، وإذا مَسَّ أحَدَهم أحَدٌ غَيْرُهم حُمّا جَمِيعًا في الوَقْتِ، وإيرادُ ما نالَهم في حَيِّزِ السِّينِ مَعَ مُضِيِّهِ بِطَرِيقِ تَغْلِيبِ حالِ الأخْلافِ عَلى حالِ الأسْلافِ. وَقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ: التّائِبُونَ، وبِالغَضَبِ ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، واعْتُذِرَ عَنِ السِّينِ بِأنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أخْبَرَهُ بِافْتِتانِ قَوْمِهِ، واتِّخاذِهِمُ العِجْلَ بِأنَّهُ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ، فَيَكُونُ سابِقًا عَلى الغَضَبِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ سِباقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقَهُ نابِيانِ عَنْ ذَلِكَ نُبُوًّا ظاهِرًا. كَيْفَ لا وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ يُنادِي عَلى خِلافِهِ، فَإنَّهم شُهَداءُ تائِبُونَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ وصْفُهم بَعْدَ ذَلِكَ بِالِافْتِراءِ، وأيْضًا لَيْسَ يَجْزِي اللَّهُ تَعالى كُلَّ المُفْتَرِينَ بِهَذا الجَزاءِ الَّذِي ظاهِرُهُ قَهْرٌ وباطِنُهُ لُطْفٌ ورَحْمَةٌ. وَقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ: أبْناؤُهُمُ المُعاصِرُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإنَّ تَعْيِيرَ الأبْناءِ بِأفاعِيلِ الآباءِ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ، مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ...﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى ...﴾ الآيَةَ. والمُرادُ بِالغَضَبِ: الغَضَبُ الأُخْرَوِيُّ، وبِالذِّلَّةِ ما أصابَهم مِنَ القَتْلِ، والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمَوْصُولِ: المُتَّخِذُونَ حَقِيقَةً، وبِالضَّمِيرِ في يَنالُهم أخْلافُهم. ولا رَيْبَ في أنَّ تَوْسِيطَ حالِ هَؤُلاءِ في تَضاعِيفِ بَيانِ حالِ المُتَّخِذِينَ مِن قَبِيلِ الفَصْلِ بَيْنَ الشَّجَرِ ولِحائِهِ.

الأعراف 7:153

﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ﴾ أيُّ سَيِّئَةٍ كانَتْ. (p-276) ﴿ثُمَّ تابُوا﴾ عَنْ تِلْكَ السَّيِّئاتِ. ﴿مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ عَمَلِها. ﴿وَآمَنُوا﴾ إيمانًا صَحِيحًا خالِصًا، واشْتَغَلُوا بِإقامَةِ ما هو مِن مُقْتَضَياتِهِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا كالطّائِفَةِ الأُولى. ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ تِلْكَ التَّوْبَةِ المَقْرُونَةِ بِالإيمانِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لِلذُّنُوبِ إنْ عَظُمَتْ وكَثُرَتْ. ﴿رَحِيمٌ﴾ مُبالِغٌ في إفاضَةِ فُنُونِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّشْرِيفِ.

الأعراف 7:154

﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَقِيَّةِ الحِكايَةِ إثْرَ ما بُيِّنَ تَحَزُّبُ القَوْمِ إلى مُصِرٍّ وتائِبٍ، والإشارَةُ إلى مَآلِ كُلٍّ مِنهُما إجْمالًا؛ أيْ: لَمّا سَكَنَ عَنْهُ الغَضَبُ بِاعْتِذارِ أخِيهِ وتَوْبَةِ القَوْمِ، وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ النَّدَمِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ، كانَ بَعْدَ مَجِيءِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وَفِي هَذا النَّظْمِ الكَرِيمِ مِنَ البَلاغَةِ والمُبالَغَةِ بِتَنْزِيلِ الغَضَبِ الحامِلِ لَهُ عَلى ما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ والقَوْلِ، مَنزِلَةَ الآمِرِ بِذَلِكَ، المُغْرِي عَلَيْهِ بِالتَّحَكُّمِ والتَّشْدِيدِ، والتَّعْبِيرِ عَنْ سُكُونِهِ بِالسُّكُوتِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: ( سَكَنَ ) و( سَكَتَ ) و( أسْكَتَ ) عَلى أنَّ الفاعِلَ هو اللَّهُ تَعالى، أوْ أخُوهُ، أوِ التّائِبُونَ. ﴿أخَذَ الألْواحَ﴾ الَّتِي ألْقاها. ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾؛ أيْ: فِيما نُسِخَ فِيها، وكُتِبَ فُعْلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُطْبَةِ. وقِيلَ: فِيما نُسِخَ مِنها؛ أيْ: مِنَ الألْواحِ المُنْكَسِرَةِ. وَهُدى؛ أيْ: بَيانٌ لِلْحَقِّ. وَرَحْمَةً لِلْخَلْقِ بِإرْشادِهِمْ إلى ما فِيهِ الخَيْرُ والصَّلاحُ. ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ اللّامُ الأُولى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِرَحْمَةٍ؛ أيْ: كائِنَةٌ لَهم، أوْ هي لامُ الأجَلِ؛ أيْ: هُدًى ورَحْمَةٌ لِأجْلِهِمْ، والثّانِيَةُ لِتَقْوِيَةِ عَمَلِ الفِعْلِ المُؤَخَّرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، أوْ هي أيْضًا لامُ العِلَّةِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يَرْهَبُونَ المَعاصِيَ لِأجْلِ رَبِّهِمْ، لا لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ.

الأعراف 7:155

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ كَيْفِيَّةِ اسْتِدْعاءِ التَّوْبَةِ وكَيْفِيَّةِ وُقُوعِها، واخْتارَ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ ثانِيهِما مَجْرُورٌ بِمِن؛ أيْ: اخْتارَ مِن قَوْمِهِ بِحَذْفِ الجارِّ، وإيصالِ الفِعْلِ إلى المَجْرُورِ كَما قَوْلُهُ: اخْتارَكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم ... واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ أيِ: اخْتارَكَ مِنَ النّاسِ. ﴿سَبْعِينَ رَجُلا﴾ مَفْعُولٌ لِاخْتارَ أُخِّرَ عَنِ الثّانِي، لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. ﴿لِمِيقاتِنا﴾ الَّذِي وقَّتْناهُ بَعْدَ ما وقَعَ مِن قَوْمِهِ ما وقَعَ، لا لِمِيقاتِ الكَلامِ الَّذِي ذُكِرَ (p-277)قَبْلَ ذَلِكَ كَما قِيلَ. قالَ السُّدِّيُّ: أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَأْتِيَهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ تَعالى مِن عِبادَةِ العِجْلِ، ووَعَدَهم مَوْعِدًا، فاخْتارَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا. وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: اخْتارَهم لِيَتُوبُوا إلَيْهِ تَعالى مِمّا صَنَعُوهُ، ويَسْألُوهُ التَّوْبَةَ عَلى مَن تَرَكُوهم وراءَهم مِن قَوْمِهِمْ، قالُوا: اخْتارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةً، فَزادَ اثْنانِ، فَقالَ: لِيَتَخَلَّفْ مِنكم رَجُلانِ، فَتَشاحُّوا، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ لِمَن قَعَدَ مِثْلَ أجْرِ مَن خَرَجَ؛ فَقَعَدَ كالِبُ ويُوشَعُ، وذَهَبَ مَعَ الباقِينَ، وأمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، فَخَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ، فَلَمّا دَنَوْا مِنَ الجَبَلِ غَشِيَهُ غَمامٌ، فَدَخَلَ مُوسى بِهِمُ الغَمامَ وخَرُّوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ تَعالى يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ حَسْبَما يَشاءُ، وهو الأمْرُ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ تَوْبَةً. ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ مِمّا اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَإنَّهُ يُرْوى أنَّهُ لَمّا انْكَشَفَ الغَمامُ أقْبَلُوا إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ أيِ: الصّاعِقَةُ، أوْ رَجْفَةُ الجَبَلِ فَصَعِقُوا مِنها؛ أيْ: ماتُوا. وَلَعَلَّهم أرادُوا بِقَوْلِهِمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ: لَنْ نُصَدِّقَكَ في أنَّ الآمِرَ بِما سَمِعْنا مِنَ الأمْرِ بِقَتْلِ أنْفُسِهِمْ هو اللَّهُ تَعالى حَتّى نَراهُ، حَيْثُ قاسُوا رُؤْيَتَهُ تَعالى عَلى سَماعِ كَلامِهِ قِياسًا فاسِدًا، فَحِينَ شاهَدَ مُوسى تِلْكَ الحالَةَ الهائِلَةَ. ﴿قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: حِينَ فَرَّطُوا في النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، وما فارَقُوا عَبَدَتَهُ حِينَ شاهَدُوا إصْرارَهم عَلَيْها. ﴿وَإيّايَ﴾ أيْضًا حِينَ طَلَبْتُ مِنكَ الرُّؤْيَةَ؛ أيْ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا بِذُنُوبِنا لَأهْلَكْتَنا حِينَئِذٍ، أرادَ بِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَذْكِيرَ العَفْوِ السّابِقِ لِاسْتِجْلابِ العَفْوِ اللّاحِقِ، فَإنَّ الِاعْتِرافَ بِالذَّنْبِ والشُّكْرَ عَلى النِّعْمَةِ، مِمّا يَرْبِطُ العَتِيدَ ويَسْتَجْلِبُ المَزِيدَ، يَعْنِي: إنّا كُنّا مُسْتَحِقِّينَ لِلْإهْلاكِ، ولَمْ يَكُنْ مِن مَوانِعِهِ إلّا عَدَمُ مَشِيئَتِكَ إيّاهُ، فَحَيْثُ لَطَفْتَ بِنا وعَفَوْتَ عَنّا تِلْكَ الجَرائِمَ، فَلا غَرْوَ في أنْ تَعْفُوَ عَنّا هَذِهِ الجَرِيمَةَ أيْضًا. وَحَمْلُ الكَلامِ عَلى التَّمَنِّي يَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾؛ أيِ: الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ تَفاصِيلَ شُئُونِكَ، ولا يَتَثَبَّتُونَ في المَداحِضِ، والهَمْزَةُ إمّا لِإنْكارِ وُقُوعِ الإهْلاكِ ثِقَةً بِلُطْفِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، كَما قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، أوْ لِلِاسْتِعْطافِ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ؛ أيْ: لا تُهْلِكْنا. ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ، واعْتِذارٌ عَمّا صَنَعُوا بِبَيانِ مَنشَأِ غَلَطِهِمْ؛ أيْ: ما الفِتْنَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها السُّفَهاءُ، وقالُوا بِسَبَبِها ما قالُوا مِنَ العَظِيمَةِ إلّا فِتْنَتُكَ؛ أيْ: مِحْنَتُكَ وابْتِلاؤُكَ، حَيْثُ أسْمَعْتَهم كَلامَكَ فافْتَتَنُوا بِذَلِكَ ولَمْ يَتَثَبَّتُوا، فَطَمِعُوا فِيما فَوْقَ ذَلِكَ تابِعِينَ لِلْقِياسِ الفاسِدِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ إمّا اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِحُكْمِ الفِتْنَةِ، أوْ حالٌ مِن فِتْنَتِكَ؛ أيْ: حالَ كَوْنِها مُضَلًّا بِها ... إلَخْ؛ أيْ: تُضِلُّ بِسَبَبِها مَن تَشاءُ إضْلالَهُ فَلا يَهْتَدِي إلى التَّثَبُّتِ، وتَهْدِي مَن تَشاءُ هِدايَتَهُ إلى الحَقِّ فَلا يَتَزَلْزَلُ في أمْثالِها، فَيَقْوى بِها إيمانُهُ. ﴿أنْتَ ولِيُّنا﴾؛ أيِ: القائِمُ بِأُمُورِنا الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، وناصِرُنا وحافِظُنا لا غَيْرُكَ. ﴿فاغْفِرْ لَنا﴾ ما قارَفْناهُ مِنَ المَعاصِي، والفاءُ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الوِلايَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَمَن شاءَ الوَلِيُّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ. وقِيلَ: إنَّ إقْدامَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يَقُولَ: " ﴿إنْ هي إلا فِتْنَتُكَ﴾ ... " إلَخْ، جَراءَةٌ عَظِيمَةٌ، فَطَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى غُفْرانَها والتَّجاوُزَ عَنْها. ﴿وارْحَمْنا﴾ بِإفاضَةِ آثارِ الرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ عَلَيْنا. ﴿وَأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الدُّعاءِ، وتَخْصِيصُ المَغْفِرَةِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها الأهَمُّ بِحَسَبِ المَقامِ.(p-278)

الأعراف 7:156

﴿واكْتُبْ لَنا﴾؛ أيْ: عَيِّنْ لَنا، وقِيلَ: أوْجِبْ وحَقِّقْ وأثْبِتْ. ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً﴾؛ أيْ: نِعْمَةً وعافِيَةً، أوْ خَصْلَةً حَسَنَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: اقْبَلْ وِفادَتَنا ورُدَّنا بِالمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. ﴿وَفِي الآخِرَةِ﴾؛ أيْ: واكْتُبْ لَنا فِيها أيْضًا حَسَنَةً، وهي المَثُوبَةُ الحُسْنى والجَنَّةُ. ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾؛ أيْ: تُبْنا وأنَبْنا إلَيْكَ، مِن هادَ يَهُودُ: إذا رَجَعَ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ، مِن هادَهُ يَهِيدُهُ: إذا حَرَّكَهُ وأمالَهُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أوْ لِلْمَفْعُولِ بِمَعْنى أمَلْنا أنْفُسَنا، أوْ أمَلْنا إلَيْكَ. وَتَجْوِيزُ أنْ تَكُونَ القِراءَةُ المَشْهُورَةُ عَلى بِناءِ المَفْعُولِ عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: عُودِ المَرِيضَ، مَعَ كَوْنِها لُغَةً ضَعِيفَةً، مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلِ الدُّعاءِ، فَإنَّ التَّوْبَةَ مِمّا يُوجَبُ قَبْلَهُ بِمُوجَبِ الوَعْدِ المَحْتُومِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِإظْهارِ كَمالِ النَّشاطِ، والرَّغْبَةِ في التَّوْبَةِ. والمَعْنى: إنّا تُبْنا ورَجَعْنا عَمّا صَنَعْنا مِنَ المَعْصِيَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي جِئْناكَ لِلِاعْتِذارِ عَنْها، وعَمّا وقَعَ هَهُنا مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَبَعِيدٌ مِن لُطْفِكَ وفَضْلِكَ أنْ لا تَقْبَلَ تَوْبَةَ التّائِبِينَ. قِيلَ: لَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ماتُوا جَمِيعًا، فَأخَذَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَتَضَرَّعُ إلى اللَّهِ تَعالى حَتّى أحْياهم. وقِيلَ: رَجَفُوا وكادَتْ تَبِينُ مَفاصِلُهم وأشْرَفُوا عَلى الهَلاكِ، فَخافَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَبَكى، فَكَشَفَها اللَّهُ تَعالى عَنْهم. ﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ دُعاءِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ؟ فَقِيلَ: قالَ. ﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ لَعَلَّهُ عَزَّ وجَلَّ حِينَ جَعَلَ تَوْبَةَ عَبَدَةِ العِجْلِ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم، ضَمَّنَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ دُعاءَهُ التَّخْفِيفَ والتَّيْسِيرَ، حَيْثُ قالَ: واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً؛ أيْ: خَصْلَةً حَسَنَةً عارِيَةً عَنِ المَشَقَّةِ والشِّدَّةِ، فَإنَّ في قَتْلِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ والتَّشْدِيدِ ما لا يَخْفى؛ فَأجابَ تَعالى بِأنَّ عَذابِي شَأْنُهُ أنْ أُصِيبَ بِهِ مَن أشاءُ تَعْذِيبَهُ، مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِغَيْرِي فِيهِ، وهم مِمَّنْ تَناوَلَتْهُ مَشِيئَتِي، ولِذَلِكَ جُعِلَتْ تَوْبَتُهم مَشُوبَةً بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: شَأْنُها أنْ تَسَعَ في الدُّنْيا المُؤْمِنَ والكافِرَ، بَلْ كُلَّ ما يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّيْئِيَّةُ مِنَ المُكَلَّفِينَ وغَيْرِهِمْ، وقَدْ نالَ قَوْمَكَ نَصِيبٌ مِنها في ضِمْنِ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ، وفي نِسْبَةِ الإصابَةِ إلى العَذابِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، ونِسْبَةِ السَّعَةِ إلى الرَّحْمَةِ بِصِيغَةِ الماضِي؛ إيذانٌ بِأنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضى الذّاتِ، وأمّا العَذابُ فَبِمُقْتَضى مَعاصِي العِبادِ، والمَشِيئَةُ مُعْتَبَرَةٌ في جانِبِ الرَّحْمَةِ أيْضًا. وَعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِها لِلْإشْعارِ بِغايَةِ الظُّهُورِ، ألا يُرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَأكْتُبُها﴾؛ أيْ: أُثْبِتُها وأُعَيِّنُها، فَإنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلى اعْتِبارِ المَشِيئَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ أيْ: كَما ذُكِرَ مِن إصابَةِ عَذابِي وسَعَةِ رَحْمَتِي لِكُلِّ مَن أشاءُ، فَسَأكْتُبُها كَتْبَةً كائِنَةً كَما دَعَوْتَ بِقَوْلِكَ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ﴾ ... إلَخْ؛ أيْ: سَأكْتُبُها خالِصَةً غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِالعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾؛ أيِ: الكُفْرَ، والمَعاصِيَ إمّا ابْتِداءً، أوْ بَعْدَ مُلابَسَتِهِما، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِقَوْمِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا لِقَوْمِكَ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُتَّقِينَ، فَيَكْفِيهِمْ ما قُدِّرَ لَهم مِنَ الرَّحْمَةِ وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً لِلْعَذابِ الدُّنْيَوِيِّ. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ (p-279)وَفِيهِ أيْضًا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، حَيْثُ كانَتِ الزَّكاةُ شاقَّةً عَلَيْهِمْ، ولَعَلَّ الصَّلاةَ إنَّما لَمْ تُذْكَرْ مَعَ إنافَتِها عَلى سائِرِ العِباداتِ اكْتِفاءً عَنْها بِالِاتِّقاءِ، الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ المُوجَباتِ بِأسْرِها، وتَرْكِ المُنْكَراتِ عَنْ آخِرِها، وإيرادُ إيتاءِ الزَّكاةِ لِما مَرَّ مِنَ التَّعْرِيضِ. ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا﴾ جَمِيعًا. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانًا مُسْتَمِرًّا مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِهِمْ وبِكُفْرِهِمْ بِالآياتِ العِظامِ الَّتِي جاءَ بِها مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبِما سَيَجِيءُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ، كَتَظْلِيلِ الغَمامِ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى، وغَيْرِ ذَلِكَ. وَتَكْرِيرُ المَوْصُولِ مَعَ أنَّ المُرادَ بِهِ عَيْنُ ما أُرِيدَ بِالمَوْصُولِ الأوَّلِ دُونَ أنْ يُقالَ: ويُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، عَطْفًا عَلى يُؤْتُونَ الزَّكاةَ، كَما عُطِفَ هو عَلى يَتَّقُونَ، لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِنَ القَصْرِ بِتَقْدِيمِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ هم بِجَمِيعِ آياتِنا يُؤْمِنُونَ لا بِبَعْضِها دُونَ بَعْضٍ.

الأعراف 7:157

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ الَّذِي نُوحِي إلَيْهِ كِتابًا مُخْتَصًّا بِهِ. ﴿النَّبِيَّ﴾؛ أيْ: صاحِبَ المُعْجِزَةِ، وقِيلَ: عُنْوانُ الرِّسالَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، وعُنْوانُ النُّبُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الأُمَّةِ. ﴿الأُمِّيَّ﴾ بِضَمِّ الهَمْزَةِ نِسْبَةً إلى الأُمِّ، كَأنَّهُ باقٍ عَلى حالَتِهِ الَّتِي وُلِدَ عَلَيْها مِن أُمِّهِ، أوْ إلى أُمَّةِ العَرَبِ، كَما قالَ ﷺ: " «إنّا أُمَّةٌ لا نَحْسِبُ ولا نَكْتُبُ» "، أوْ إلى أُمِّ القُرى، وقُرِئَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيِ: الَّذِي لَمْ يُمارِسِ القِراءَةَ والكِتابَةَ، وقَدْ جَمَعَ مَعَ ذَلِكَ عُلُومَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ. والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ بَدَلَ الكُلِّ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلَيْهِ؛ أيْ: أعْنِي: الَّذِينَ، أوْ هُمُ الَّذِينَ، وأمّا جَعْلُهُ مُبْتَدَأً عَلى أنَّ خَبَرَهُ يَأْمُرُهم، أوْ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ؛ فَغَيْرُ سَدِيدٍ. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا﴾ بِاسْمِهِ ونُعُوتِهِ، بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ هو، ولِذَلِكَ عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: يَجِدُونَ اسْمَهُ، أوْ وصْفَهُ مَكْتُوبًا. ﴿عِنْدَهُمْ﴾ زِيدَ هَذا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، وأنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حاضِرٌ عِنْدَهم لا يَغِيبُ عَنْهم أصْلًا. ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ اللَّذَيْنِ تَعَبَّدَ بِهِما بَنُو إسْرائِيلَ سابِقًا ولاحِقًا، والظَّرْفانِ مُتَعَلِّقانِ بِيَجِدُونَهُ، أوْ بِمَكْتُوبًا، وذِكْرُ الإنْجِيلِ قَبْلَ نُزُولِهِ مِن قَبِيلِ ما نَحْنُ فِيهِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، والقرآن الكَرِيمِ قَبْلَ مَجِيئِهِما. ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، مُتَضَمِّنٌ لِتَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ الرَّحْمَةِ الَّتِي وُعِدَ فِيما سَبَقَ بِكَتْبِها إجْمالًا، فَإنَّ ما بُيِّنَ فِيهِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإحْلالِ الطَّيِّباتِ وتَحْرِيمِ الخَبائِثِ، وإسْقاطِ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، كُلُّها مِن آثارِ رَحْمَتِهِ الواسِعَةِ. وَقِيلَ: في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن مَفْعُولِ يَجِدُونَهُ، أوْ مِنَ النَّبِيِّ، أوْ مِنَ المُسْتَكِنِ في مَكْتُوبًا، أوْ مُفَسِّرٌ لِمَكْتُوبًا؛ أيْ: لِما كُتِبَ. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ الَّتِي حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ بِشُؤْمِ ظُلْمِهِمْ. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ كالدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، والرِّبا والرَّشْوَةِ. ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: يُخَفِّفُ عَنْهم ما كُلِّفُوهُ مِنَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ، الَّتِي هي مِن قَبِيلِ ما كُتِبَ عَلَيْهِمْ حِينَئِذٍ، مِن كَوْنِ التَّوْبَةِ بِقَتْلِ (p-280)النَّفْسِ، كَتَعْيِينِ القِصاصِ في العَمْدِ والخَطَأِ مِن غَيْرِ شَرْعِ الدِّيَةِ، وقَطْعِ الأعْضاءِ الخاطِئَةِ، وقَرْضِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَّوْبِ، وإحْراقِ الغَنائِمِ، وتَحْرِيمِ السَّبْتِ. وَعَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قامُوا يُصَلُّونَ لَبِسُوا المُسُوحَ، وغَلُّوا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرَفَ السِّلْسِلَةِ، وأوْثَقَها إلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ. وقُرِئَ: ( آصارَهم )، أصْلُ الأصْرِ: الثِّقْلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ مِنَ الحَراكِ. ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ تَعْلِيمٌ لِكَيْفِيَّةِ اتِّباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وبَيانٌ لِعُلُوِّ رُتْبَةِ مُتَّبِعِيهِ واغْتِنامِهِمْ مَغانِمَ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ في الدّارَيْنِ، إثْرَ بَيانِ نُعُوتِهِ الجَلِيلَةِ، والإشارَةِ إلى إرْشادِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وإحْلالِ الطَّيِّباتِ وتَحْرِيمِ الخَبائِثِ؛ أيْ: فالَّذِينَ آمَنُوا بِنُبُوَّتِهِ وأطاعُوهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ. ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾؛ أيْ: عَظَّمُوهُ ووَقَّرُوهُ، وأعانُوهُ بِمَنعِ أعْدائِهِ عَنْهُ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ، وأصْلُهُ المَنعُ، ومِنهُ التَّعْزِيرُ. ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ عَلى أعْدائِهِ في الدِّينِ. ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾؛ أيْ: مَعَ نُبُوَّتِهِ، وهو القرآن، عُبِّرَ عَنْهُ بِالنُّورِ المُنْبِئِ عَنْ كَوْنِهِ ظاهِرًا بِنَفْسِهِ ومُظْهِرًا لِغَيْرِهِ، أوْ مُظْهِرًا لِلْحَقائِقِ كاشِفًا عَنْها لِمُناسَبَةِ الِاتِّباعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ مُتَعَلِّقًا بِاتَّبَعُوا؛ أيْ: واتَّبَعُوا القرآن المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِهِ ﷺ بِالعَمَلِ بِسُنَّتِهِ، وبِما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ، أوِ اتَّبَعُوا القرآن مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ مِن حَيْثُ اتِّصافُهم بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الفاضِلَةِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّتِها لِلْحُكْمِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وسُمُوِّ طَبَقَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ؛ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِتِلْكَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ. ﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: هُمُ الفائِزُونَ بِالمَطْلُوبِ، النّاجُونَ عَنِ الكُرُوبِ، لا غَيْرُهم مِنَ الأُمَمِ، فَيَدْخُلُ فِيهِمْ قَوْمُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُخُولًا أوَّلِيًّا، حَيْثُ لَمْ يَنْجُوا عَمّا في تَوْبَتِهِمْ مِنَ المَشَقَّةِ الهائِلَةِ، وبِهِ يَتَحَقَّقُ التَّحْقِيقُ ويَتَأتّى التَّوْفِيقُ والتَّطْبِيقُ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَ الجَوابِ، لا بِمُجَرَّدِ ما قِيلَ مِن أنَّهُ دَعا لِنَفْسِهِ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، أُجِيبَ بِما هو مُنْطَوٍ عَلى تَوْبِيخِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى اسْتِجازَتِهِمُ الرُّؤْيَةَ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وعَلى كُفْرِهِمْ بِآياتِهِ العِظامِ الَّتِي أجْراها عَلى يَدِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وعَرَّضَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: " ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ " . وَأُرِيدَ أنْ يَكُونَ اسْتِماعُ أوْصافِ أعْقابِهِمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ، لُطْفًا بِهِمْ وتَرْغِيبًا في إخْلاصِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

الأعراف 7:158

﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ لَمّا حُكِيَ في الكِتابَيْنِ مِن نُعُوتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وشَرَفِ مَن يَتَّبِعُهُ مِن أهْلِهِما، ونَيْلِهِمْ لِسَعادَةِ الدّارَيْنِ، أُمِرَ عَلِيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِبَيانِ أنَّ تِلْكَ السَّعادَةَ غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهِمْ، بَلْ شامِلَةٌ لِكُلِّ مَن يَتَّبِعُهُ كائِنًا مَن كانَ، بِبَيانِ عُمُومِ رِسالَتِهِ لِلثَّقَلَيْنِ، مَعَ اخْتِصاصِ رِسالَةِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بِأقْوامِهِمْ. وَإرْسالُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِالآياتِ التِّسْعِ، إنَّما كانَ لِأمْرِهِمْ بِعِبادَةِ رَبِّ العالَمِينَ عَزَّ سُلْطانُهُ، (p-281)وَتَرْكِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ، ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، وبِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ، وأمّا العَمَلُ بِأحْكامِ التَّوْراةِ فَمُخْتَصٌّ بِبَنِي إسْرائِيلَ. ﴿جَمِيعًا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في إلَيْكم. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ مَنصُوبٌ، أوْ مَرْفُوعٌ عَلى المَدْحِ، أوْ مَجْرُورٌ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْجَلالَةِ، وإنْ حِيلَ بَيْنَهُما بِما هو مُتَعَلِّقٌ بِما أُضِيفَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ في حُكْمِ المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ بَيانٌ لِما قَبْلَهُ مَن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهَ لا غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أُلُوهِيَّتِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى ما تَمَهَّدَ وتَقَرَّرَ مِن رِسالَتِهِ ﷺ، وإيرادُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، لِلْمُبالَغَةِ في إيجابِ الِامْتِثالِ بِأمْرِهِ. وَوَصْفُ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ لِمَدْحِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِهِما، ولِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أمْرِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المَكْتُوبُ في الكِتابَيْنِ. وَوَصْفُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ﴾؛ أيْ: ما أُنْزِلَ إلَيْهِ وإلى سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مِن كُتُبِهِ ووَحْيِهِ، لِحَمْلِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَلى الِامْتِثالِ بِما أُمِرُوا بِهِ، والتَّصْرِيحُ بِإيمانِهِ بِاللَّهِ تَعالى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإيمانَ بِهِ تَعالى لا يَنْفَكُّ عَنِ الإيمانِ بِكَلِماتِهِ، ولا يَتَحَقَّقُ إلّا بِهِ. وَقُرِئَ: ( وكَلِمَتِهِ ) عَلى إرادَةِ الجِنْسِ، أوِ القرآن؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ هو الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَيْثُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ القرآن، لا مِن حَيْثِيَّةٍ أُخْرى، أوْ عَلى أنَّ المُرادَ بِها: عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، تَعْرِيضًا بِاليَهُودِ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِإيمانِهِ. ﴿واتَّبِعُوهُ﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ. ﴿لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ عِلَّةٌ لِلْفِعْلَيْنِ، أوْ حالٌ مِن فاعِلَيْهِما؛ أيْ: رَجاءً لِاهْتِدائِكم إلى المَطْلُوبِ، أوْ راجِينَ لَهُ، وفي تَعْلِيقِهِ بِهِما إيذانٌ بِأنَّ مَن صَدَّقَهُ ولَمْ يُتْبِعْهُ بِالتِزامِ أحْكامِ شَرِيعَتِهِ، فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاهْتِداءِ، مُسْتَمِرٌّ عَلى الغَيِّ والضَّلالِ.

الأعراف 7:159

﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِدَفْعِ ما عَسى، يُوهِمُهُ تَخْصِيصُ كَتْبِ الرَّحْمَةِ والتَّقْوى والإيمان بالآياتِ بِمُتَّبِعِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن حِرْمانِ أسْلافِ قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن كُلِّ خَيْرٍ، وبَيانِ أنَّ كُلَّهم لَيْسُوا كَما حُكِيَتْ أحْوالُهم، بَلْ مِنهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾؛ أيِ: النّاسَ. ﴿بِالحَقِّ﴾؛ أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِهِ، أوْ يَهْدُونَهم بِكَلِمَةِ الحَقِّ. ﴿وَبِهِ﴾؛ أيْ: بِالحَقِّ. ﴿يَعْدِلُونَ﴾؛ أيْ: في الأحْكامِ الجارِيَةِ فِيما بَيْنَهم، وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، ويَأْباهُ أنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْرُهم فِيما سَلَفَ. وَقِيلَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا بالَغُوا في العُتُوِّ والطُّغْيانِ، حَتّى اجْتَرَءُوا عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، تَبَرَّأ سِبْطٌ مِنهم مِمّا صَنَعُوا واعْتَذَرُوا، وسَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم وبَيْنَ أُولَئِكَ الطّاغِينَ، فَفَتَحَ اللَّهُ تَعالى لَهم نَفَقًا في الأرْضِ، فَسارُوا فِيهِ سَنَةً ونِصْفًا حَتّى خَرَجُوا مِن وراءِ الصِّينِ، وهُمُ اليَوْمَ هُنالِكَ حُنَفاءُ مُسْلِمُونَ يَسْتَقْبِلُونَ قِبْلَتَنا. وَقَدْ ذُكِرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ بِهِ لَيْلَةَ الإسْراءِ نَحْوَهم فَكَلَّمَهم، فَقالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ تَعْرِفُونَ مَن تُكَلِّمُونَ، قالُوا: لا، قالَ: هَذا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ؛ فَآمَنُوا بِهِ وقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إنَّ مُوسى أوْصانا: مَن أدْرَكَ مِنكم أحْمَدَ فَلْيَقْرَأْ مِنِّي عَلَيْهِ السَّلامَ، فَرَدَّ مُحَمَّدٌ عَلى مُوسى السَّلامَ عَلَيْهِما السَّلامُ، ثُمَّ أقْرَأهم عَشْرَ سُوَرٍ مِنَ القرآن نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، (p-282)وَلَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ يَوْمَئِذٍ فَرِيضَةٌ غَيْرُ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، أمَرَهم أنْ يُقِيمُوا مَكانَهم، وكانُوا يَسْبِتُونَ فَأمَرَهم أنْ يُجَمِّعُوا ويَتْرُكُوا السَّبْتَ. هَذا وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَخْصِيصَهم بِالهِدايَةِ مِن بَيْنِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ بِجَمِيعِ الشَّرائِعِ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ.

الأعراف 7:160

﴿وَقَطَّعْناهُمُ﴾؛ أيْ: قَوْمَ مُوسى لا الأُمَّةَ المَذْكُورَةَ مِنهم، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ﴾ ثانِي مَفْعُولَيْ قَطَّعَ، لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى التَّصْيِيرِ، والتَّأْنِيثُ لِلْحَمْلِ عَلى الأُمَّةِ أوِ القِطْعَةِ؛ أيْ: صَيَّرْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُمَّةً أوْ قِطْعَةً، مُتَمَيِّزًا بَعْضُها مِن بَعْضٍ، أوْ حالٌ مِن مَفْعُولِهِ؛ أيْ: فَرَّقْناهم مَعْدُودِينَ هَذا العَدَدَ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْباطًا﴾ بَدَلٌ مِنهُ، وذَلِكَ جَمْعٌ، أوْ مُمَيِّزٌ لَهُ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قِطْعَةً أسْباطٌ لا سِبْطٌ، وقُرِئَ: ( عَشِرَةَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُمَمًا﴾ عَلى الأوَّلِ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، أوْ نَعْتٌ لِأسْباطًا، وعَلى الثّانِي بَدَلٌ مِن أسْباطًا. ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ﴾ حِينَ اسْتَوْلى عَلَيْهِمُ العَطَشُ في التِّيهِ الَّذِي وقَعُوا فِيهِ بِسُوءِ صَنِيعِهِمْ، لا بِمُجَرَّدِ اسْتِسْقائِهِمْ إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بَلْ بِاسْتِسْقائِهِ لَهم؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ . وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ﴾ مُفَسِّرٌ لِفِعْلِ الإيحاءِ، وقَدْ مَرَّ بَيانُ شَأْنِ الحَجَرِ في تَفْسِيرِ سُورَةِ البَقَرَةِ. ﴿فانْبَجَسَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الكَلامُ قَدْ حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى كَمالِ الظُّهُورِ، وإيذانًا بِغايَةِ مُسارَعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِامْتِثالِ، وإشْعارًا بِعَدَمِ تَأْثِيرِ الضَّرْبِ حَقِيقَةً، وتَنْبِيهًا عَلى كَمالِ سُرْعَةِ الِانْبِجاسِ، وهو الِانْفِجارُ، كَأنَّهُ حَصَلَ إثْرَ الأمْرِ قَبْلَ تَحَقُّقِ الضَّرْبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾؛ أيْ: فَضَرَبَ فانْبَجَسَتْ. ﴿مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ بِعَدَدِ الأسْباطِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: فَإنْ ضَرَبْتَ فَقَدِ انْبَجَسَتْ؛ فَغَيْرُ حَقِيقٍ بِجَزالَةِ النَّظْمِ التَّنْزِيلِيِّ، وقُرِئَ: ( عَشِرَةَ ) بِكَسْرِ الشِّينِ وفَتْحِها. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ﴾ كُلُّ سِبْطٍ، عُبِّرَ عَنْهم بِذَلِكَ إيذانًا بِكَثْرَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأسْباطِ. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾؛ أيْ: عَيْنَهُمُ الخاصَّةَ بِهِمْ. ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ﴾؛ أيْ: جَعَلْناها بِحَيْثُ تُلْقِي عَلَيْهِمْ ظِلَّها، تَسِيرُ في التِّيهِ بِسَيْرِهِمْ، وتَسْكُنُ بِإقامَتِهِمْ، وكانَ يَنْزِلُ بِاللَّيْلِ عَمُودٌ مِن نارٍ يَسِيرُونَ بِضَوْئِهِ. ﴿وَأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾؛ أيِ: التَّرَّنْجَبِينُ والسُّمانى، قِيلَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ مِثْلَ الثَّلْجِ مِنَ الفَجْرِ إلى الطُّلُوعِ، لِكُلِّ إنْسانٍ صاعٌ، وتَبْعَثُ الجَنُوبُ عَلَيْهِمُ السُّمانى، فَيَذْبَحُ الرَّجُلُ مِنهُ ما يَكْفِيهِ. ﴿كُلُوا﴾؛ أيْ: وقُلْنا لَهم: كُلُوا. ﴿مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾؛ أيْ: مُسْتَلَذّاتِهِ، وما مَوْصُولَةً كانَتْ أوْ مَوْصُوفَةً عِبارَةٌ عَنِ المَنِّ والسَّلْوى. ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ رُجُوعٌ إلى سَنَنِ الكَلامِ الأوَّلِ بَعْدَ حِكايَةِ خِطابِهِمْ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ لِلْإيجازِ، والإشْعارِ بِأنَّهُ أمْرٌ مُحَقَّقٌ غَنِيٌّ عَنِ التَّصْرِيحِ بِهِ؛ أيْ: فَظَلَمُوا بِأنْ كَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ. وَما ظَلَمُونا بِذَلِكَ ﴿وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ إذْ لا يَتَخَطّاهم ضَرَرُهُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِإفادَةِ القَصْرِ الَّذِي يَقْتَضِيهِ النَّفْيُ السّابِقُ، وفِيهِ ضَرْبٌ مِنَ (p-283)التَّهَكُّمِ بِهِمْ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَمادِيهِمْ فِيما هم فِيهِ مِنَ الظُّلْمِ والكُفْرِ.